← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

متى يكون الأدب الإسلامي عالمياَ ؟ وهل يحمل هم الإنسانية في آمالها وآلامها؟! محمد شلال الحناحنة ماذا نعني بالأدب الإسلامي؟ وأين يمضي هذا الأدب عالمياً؟! وهل استطاع أن يخاطب وجدان الإنسان في أفراحه وأحزانه؟! ومن أين يستمدُّ هذه الإنسانية؟ وهل تكفي قيمه الإسلامية السامية لينتشر في أرجاء الأرض ويكون عالمياً؟ أليس الأدب الإسلامي ما زال متعثراً في ساحاته العربية والإسلامية.. فأنى نطالبه بالعالمية والانتشار؟ وأين النماذج الأدبية الإسلامية القادرة على مخاطبة الآخر؟ وما أسباب انعزالها إن وجدت حقاً؟ تلك الأسئلة وغيرها، سنناقشها في ندوتنا التي تلتقي فيها (البيان) عدداً من الأدباء الإسلاميين للتحاور في هذا الموضوع وهم: - الأديب الدكتور مأمون جرّار، الأستاذ في جامعة عمّان الأهلية، ورئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الأردن. - الناقد الأستاذ عبّاس المناصرة، عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية. - الأديب الأستاذ محمد الحسناوي، نائب رئيس تحرير موقع أدباء الشام. - القاص الإسلامي الأستاذ نعيم الغول، المساعد الإداري في المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي في عمّان في دورته السابقة. - الشاعر صالح البوريني، رئيس اللجنة الاجتماعية في المكتب الإقليمي للرابطة في الأردن. البيان: بداية نرحب بضيوفنا الأعزاء في هذا اللقاء، ونسأل: ماذا نعني بمصطلح الأدب الإسلامي؟! ? الأديب الدكتور مأمون جرّار: هو الأدب الذي يقدّم التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان؛ وهنا يجب التركيز على شرط الأدبية والإسلامية معاً. ? الناقد عباس المناصرة: أرى أنه التعبير الفني الإسلامي عن فكر المبدع تجاه الحياة والكون والإنسان، ولا شك أن في ذلك التعبير الرؤية الواضحة والمنهج القويم والتأثير على الناس، ولهذا ننطلق من قضايا في نفسية المبدع ومدى تأثير أدبه على المجتمع المتلقي. ? القاصّ نعيم الغول: ينبغي الخروج من العفوية في التعريف، ولذلك أقول: هو التعبير الفني الجميل الهادف وفق التصور الإسلامي عن الكون والحياة والإنسان، ومن المهم أن يكون تعبيراً هادفاً أي أنه التزام بالإسلام. ? الشاعر صالح البوريني: أوافق القاصّ نعيم الغول على هذا التعريف تماماً. ? الأديب محمد الحسناوي: لقد كفاني الإخوة في تعريفهم، لكنني أضيف ضرورة أن يكون في أدبنا الإسلامي الجمال التعبيري الفني الهادف وفق تصور إسلامي واضح للوجود حتى يؤثر في الآخرين. البيان: ما المقصود بإنسانية الأدب الإسلامي؟ ومن أين نستمدها؟ ? الناقد عباس المناصرة: الإنسانية في الأدب الإسلامي هي التعبير عن هموم الإنسان وآلامه، والشريعة الإسلامية السمحاء خير معبّر عن قضايا هذا الإنسان في الدنيا والآخرة، وأعظم قضية أشغلت الإنسان على مر العصور هي قضية التوحيد، فلا معبود بحق إلا الله، وحين اضطربت هذه الفطرة السوية اضطربت حياة الإنسان، فأصبح عبداً للحجر والبشر والشجر، والمال والغرائز والمتع. أما الإسلام فقد حرره من هذه العبودية التي أذلته كثيراً، ولم تزل، فجعل كرامته في عبودية الله وحده، ورفع منزلته بتقوى الله، وليس بجنسه أو موطنه أو قبيلته، فقال ـ تعالى ـ مخاطباً الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] . إن الأدب الإسلامي ينطلق من هذه الرؤية التي هي الركيزة الأولى في مخاطبة الناس أينما وجدوا، ولذلك يستلهم هذه الرؤية في الشعر أو القصة أو الخاطرة أو المقال أو الرواية. ? الشاعر صالح البوريني: نستمد هذه الإنسانية من عالمية الإسلام نفسه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] ، ولذلك نجد الأدب الإسلامي يتوجه إلى الإنسان سواء كان مسلماً أو غير مسلم، فيطرح قضايا مشتركة تنبع من ذات الإنسان مثل العدل والحق والحرية والوفاء والجمال والكرم، ولذلك لم يعارض الإسلام بعض القيم الجاهلية الكريمة إنما نقَّاها وصفَّاها من شوائب الشرك لتكون الأعمال والأخلاق والأقوال خالصة لله وحده، وقد وقف الرسول ﷺ مع مكارم الأخلاق: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وجاء الأدب الإسلامي ليكون صورة صادقة تقف مع هذه المكارم والقضايا الإنسانية. ? الدكتور الأديب مأمون جرّار: في إنسانية الأدب الإسلامي ننظر إلى المنطلق والرؤية والتصور، فالإسلام دين البشرية كافة، والخطاب القرآني خطابٌ لجميع الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] . إذن يعالج الإسلام جميع قضايا الإنسان وهذا ينعكس على الأدب الإسلامي كما قال الناقد عباس المناصرة، وليس من دين يخاطب الإنسان أينما كان إلا الإسلام. البيان: لكن الإسلام يفرّق في خطابه بين الإنسان المؤمن والكافر والمنافق؛ فكيف يكون الخطاب الأدبي الإسلامي للإنسان خطاباً واحداً؟ ? القاصّ نعيم الغول: هناك مشاعر للإنسان واحدة، هناك أحاسيس مشتركة، وإن اختلفت الرؤية بين إنسان وآخر حتى بين المؤمنين أنفسهم وإن ظلّ التصور العقدي واحداً، لكن الإنسان يحب العدل ويكره الظلم، يسعى للحرية دائماً، وهذه خصائص فطرية أوجدها الله في الناس بغض النظر عن عقائدهم وأفكارهم، وفي نفوس الناس جميعاً حب الدنيا وشهواتها من النساء والبنين والأموال والأنعام، ولذلك قال ـ تعالى ـ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ، وهذه الهموم العامة مشتركة بين الناس، والأدب يعبّر عنها ولكنها تؤجّجها في كثير من الأحيان لمزيد من الشره والطمع وإثارة الغرائز دون ضوابط ممّا يجعلها تفسد الإنسان في عقيدته وأخلاقه وسلوكه، وقد يخاطب الأدب الإسلامي الإنسان المؤمن أو الكافر أو المنافق في تدافعه مع نفسه والشيطان ليقوده أخيراً إلى الحق من خلال توبة نصوح. ولذلك يقول العلاَّمة الشيخ أبو الحسن الندوي ﵀: فساد الأدب ينشأ منه فساد المجتمع. ? الأديب محمد الحسناوي: بالطبع في الإسلام هناك تفريق في خطاب العقيدة، وكذلك الأدب الإسلامي، وهذا التصنيف يحمل الإنسان على التفكر: أهو على حق أم على باطل؟ والإنسان قادر على تعديل سلوكه، ولكن ليس في الإسلام تصنيف باللون أو الجنس أو الوطن، ولذا فالأدب الإسلامي من هذه الزاوية يخاطب الجميع سواسية من حيث همومهم وأوجاعهم وآمالهم ومشاعرهم. ? الناقد عبّاس المناصرة: لقد أعطى الله الإنسان موهبة البيان ليعبر عن نفسه وما يهمه في هذه الحياة، فيقول الله ـ تعالى ـ: ﴿الرَّحْمَنُ البيان عَلَّمَ الْقُرْآنَ البيان خَلَقَ الإنسَانَ البيان عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤] ، الموهبة التعبيرية هي إنسانية سواءٌ كانت في إفريقيا أو أمريكا أو بلاد العرب، وهي عطاء من الله لجميع بني آدم: «كلكم من آدم وآدم من تراب» كما يقول الرسول ﷺ . وينبغي على الأديب المسلم أن يعرض أدبه من خلال خصوصيته، وسينجح بمقدار قدرته على تأثيره بالآخرين؛ لذا علينا تقوية فرصة الحوار لنشر الإسلام في فكره وقيمه وأخلاقه من خلال الأدب الإسلامي المؤثر. ? القاصّ نعيم الغول: أن ننشر الإسلام من خلال الأدب الإسلامي، كما يقول الناقد عباس المناصرة أمرٌ مثالي لم يحدث في الواقع؛ فهل نجد أسلوباً أعظم تأثيراً من القرآن الكريم؟ ومع ذلك فالإسلام بمجمله شُوِّه في الأدب الإنجليزي، وعُرِضَ على القرّاء بصورة بعيدة عن سماحته، ورحمته، وعدله، ووقوفه مع حقوق الإنسان بشكل عام. ولعلّ من أسباب ذلك مكر اليهود وحقدهم، والحروب الصليبية، والاستشراق، والظروف التاريخية التي مرّت بها الأمة؛ ولذلك أرى أنه إذا انتصر المسلمون وانتشر دينهم، فسينتشر أدبهم. ? الأديب الدكتور مأمون جرّار: أوافق القاصّ نعيم الغول على ما ذكره؛ فأولاً ننشر الإسلام، وسينتشر أدبنا، ونشر الإسلام بحوار الدعاة وليس بحوار الآداب، وانتشار الأدب عالمياً يتبع القوة والغلبة، ولذلك فرض الأديب الإنجليزي شكسبير نفسه وأدبه على البشرية كلها لقوة دولته، والآن ينتشر الأدب الأمريكي ويترجم إلى لغات أخرى، ويروّج له. ? الشاعر صالح البوريني: لا شك أن انتشار الأدب يتبع المنتصر والغالب؛ فالأمة المنتصرة تفرض أدبها وحتى فسادها أحياناً. البيان: ألم تكن الأمة الإسلامية منتصرة غالبة حين وصلت الفتوحات الإسلامية إلى الصين والهند وأوروبا؛ فهل انتشر أدبها في تلك البلاد؟ ? الأديب محمد الحسناوي: لا شك أن اللغة العربية والأدب الإسلامي انتشرا في بقاع كثيرة في العالم حين كانت الأمة غالبة منتصرة؛ فليس عبثاً أن كثيراً من الكلمات في اللغة التركية والفارسية والأسبانية أصلها عربي، كذلك ترجمت بعض الكتب العربية المعروفة. ? الأديب الدكتور مأمون جرّار: لقد مرّت فترات كانت اللغة العربية فيها هي اللغة الأولى في العالم، وانتشر أدب العربية في جميع الدول الموجودة آنذاك، ولذلك نجد آثار اللغة العربية في الأدب الأوردي، والإندونيسي، والفارسي، والهندي، والمغولي، وهذه هي العالمية والإنسانية في الوقت نفسه، ولم تكن اللغة العربية مجرد وعاء، بل هي وعاء ومضمون وحضارة، وتأثير الأدب الإسلامي ينبع من عالمية هذه اللغة وإنسانيتها ودورها في صياغة فكر الشعوب الجديدة التي دخلت الإسلام من خلال محبة هذا الدين والاقتناع بعقيدته. ? الشاعر صالح البوريني: في العهد الأندلسي انبهرت أوروبا بلغة العرب وعلومهم وعقيدتهم وتراثهم وأدبهم؛ فقد كان للأدب في الأندلس التأثير الكبير على الأوروبيين الذين كانوا يتلقُّون العلم في الجامعات الإسلامية في الأندلس، ولذلك انتشرت الموشحات الأندلسية في بعض البلاد الأوروبية. ? الناقد عباس المناصرة: لا شك أن الحروب الصليبية كانت مدخلاً لتأثر الصليبيين بالإسلام وأدبه، وكذلك حكم المسلمين للأندلس الذي دام ثمانية قرون؛ فالتأثر كان حضارياً وفكرياً وأدبياً، كما أن هذا التأثر بالإسلام والمسلمين ظل مرتبطاً بقوتهم المادية والفكرية والدعوية، وليس غريباً أن ينكمش الأدب الإسلامي اليوم لانكماش من يحمله ويدعو له بقوة، وبوسائل متنوعة. البيان: ما مدى انتشار الأدب الإسلامي اليوم؟ وإن كان إنسانياً وعالمياً كما اتفق الجميع. فأين النماذج الأدبية الإسلامية القادرة على مخاطبة الآخرين، والتأثير فيهم؟ ? الأديب الدكتور مأمون جرّار: بداية لا بد من الاعتراف أن أدبنا الإسلامي اليوم يعاني تعثراً وعوائق في انتشاره محلياً في الساحات الأدبية العربية؛ بمعنى أننا لم نستطع أن نوجد (نزار قباني الإسلامي) المنتشر في بلادنا العربية؛ فمثلاً عمر بهاء الدين الأميري لم ينتشر مثلما انتشر نزار قباني، وكذلك الأديب نجيب الكيلاني لم ينتشر مثلما انتشر نجيب محفوظ، وهناك قصور في الحضور؛ وليس القصور في الإبداع كما يظن بعضنا؛ فالحق أن عندنا مبدعين، ولكنْ مَثَلُ كثير منهم كمَثَلِ الذهب في عروق الصخر بحاجة إلى من يستخرجه، ويضعه في سوق الصاغة لإبرازه وتسويقه للناس. ففي أدب السجون مثلاً لدينا نماذج فريدة راقية: للأديب محمد الحسناوي ديوان بعنوان: (في غيابة الجبّ) ورواية (خطوات في الليل) ، ولحميدة قطب روايات: (في أحراش الليل) ، و (نداء الضفة الأخرى) ، وأنا على يقين لو أن هذه الأعمال وجدت من يترجمها إلى لغات أخرى لوجد كل سجين تعبيراً دقيقاً عن معاناته وآلامه وعذاباته من القهر والطغيان والظلم، ولا يقل هذا الأدب في رقيّه الفني عن الآداب الأخرى، بل يفوقها في قيمه الإيمانية والأخلاقية. كذلك يحتاج أدبنا إلى نقاد متابعين لإبرازه، وإلى إعلام إسلامي فاعل يأخذ بأيدي أدبائنا وينشر إنتاجهم ويعرّف بهم، كما لا ننسى قضيّة الاحتراف؛ فمثلاً: ما الهوية الأدبية للفرزدق؟ ستجيني: إنه شاعر! ونجيب محفوظ روائي، وثالث ناقد، بمعنى أن كل واحدٍ من هؤلاء أعطى للفن الذي لديه حقه من الاحتراف والإخلاص، بينما أكثر أدبائنا الإسلاميين ليسوا محترفين لفن واحد، مما يشتت طاقاتهم، ولا يسمح بانتشارهم عالمياً، كما أنني أدعو بداية إلى ترجمة مختارات من الأدب الإسلامي من مصر والجزيرة العربية والشام والمغرب وغيرها. ? الأديب محمد الحسناوي: حقاً! أوافق الدكتور مأمون جرّار على كثير ممّا ذهب إليه؛ لأن ما يعيق انتشار الأدب الإسلامي قلّة النقّاد وعدم الاحتراف، والإعراض الإعلامي، وأضرب مثالاً لتأكيد ذلك؛ فالشاعر (عمر بهاء الدين الأميري) شاعرٌ محترف له عدة دواوين شعرية، وقد لقي احتراماً كبيراً من عدد من المستشرقين والنقّاد العرب، ووجد ديوانه: (مع الله) متابعة جادة، واهتماماً خاصاً من الكتّاب الألمان والإيطاليين، وتأثروا به، وترجموا بعض أشعاره، وهذا مؤشِّرٌ على رقيه الفنّي، وسمو موضوعاته الإنسانية التي طرحها. لذلك هناك طاقات أدبية إسلامية كثيرة مظلومة، وسبب ظلمها وطمسها وإخفائها هو إعلام السلطة المسخّر لرموز موالية لها، ومن الأدباء الإسلاميين الذين ظُلموا (علي أحمد باكثير) ؛ فهو أديب مبدع، شهد له بالريادة الكثيرون من المنصفين، ولكن ضُيّق عليه، ومُنِعَ أدبه، وأُسكِت صوته وهو حيّ حتى مات مقهوراً من الرموز اليسارية الحاقدة على الإسلام والمسيطرة في تلك الفترة. ? الشاعر صالح البوريني: ما ذكره الأخوان هو صحيح، ولكن علينا العناية بالترجمة، ولذلك أدعو من خلال هذه الندوة القاصّ نعيم الغول للاهتمام بترجمة بعض النصوص أو الأعمال الأدبية الإسلامية إلى اللغة الإنجليزية كونه يجيدها، ولديه ذائقة أدبية مرهفة، كما لديه ترجمات متميزة. ? القاص نعيم الغول: حقاً! أنا جاهزٌ للترجمة دون انتظار أحد، ولأجعل ذلك إخلاصاً لله، وفي سبيل الدعوة لله من خلال أدبنا الإسلامي الراقي، وينبغي الرد على افتراءات الأعداء ومخاطبتهم بلغتهم لنؤثر فيهم. ? الناقد عباس المناصرة: أرى أن نشر فكرة الأدب الإسلامي وحدها في ساحاتنا الأدبية يُعدّ خطوة متقدمة، فدعوة الأدب الإسلامي في عصرنا الحاضر دعوة جديدة بدأت بأفراد، ثم ظهر جيلٌ له ظروفه، وأمامه عوائق لا سيما سيطرة الأدب العلماني على الساحات الأدبية، ومع هذا ظهر الرافعي وغيره من أدباء الإسلام. أما بالنسبة للنقد فنحنُ لم نزل نحارب النقد؛ فكيف ينتشر أدبنا دون نقد متابع فاعل؟ وليست معاناتنا من التخلف والجهل وتسلط الأعداء ومحاصرتهم لنا في مناحي الحياة إلا لانقطاعنا عن المرجعية الإسلامية الصحيحة، لكن العودة قريبة بإذن الله، فينبغي أن تظل معنوياتنا عالية، وأن نرفع معنويات الناس، وإن كان ظاهر الأمة الهزيمة، لكنها لم تصل إلى القلب، ولم تزعزع إيماننا بعقيدتنا المنتصرة بلا شك، ولذلك لن نستسلم؛ لأن ارتباطنا بالدين عظيم.

стр. 4972

مكاشفة للإخوة في العراق المأزق الأمريكي وخيار الطائفية إبراهيم العبيدي لم يكن في حسابات الإدارة الأمريكية (بناءً على ما وصلها من تقارير استخباراتية وتقارير المعارضة العراقية) أن ثمة مقاومة مسلحة يمكن أن تحدث ضد القوات الأمريكية، وهو الأمر الذي أربك هذه القوات، وجعلها تغير كثيراً من خططها التي كانت قد رسمتها في إدارة العراق بعد إسقاط النظام العراقي السابق. _ بوادر ومؤشرات الطائفية في العراق الجديد: لقد تعمدت قوات الاحتلال الأمريكي بداية أن تشكل مجلس الحكم الانتقالي تشكيلاًً طائفياً، بناءً على دعاية الأغلبية التي تنادت بها بعض الأطراف الشيعية، لتحقيق مكاسب سياسية في العراق الجديد، علماً أن الإدارة الأمريكية والشيعة أنفسهم يعلمون يقيناً أن أهل السنة هم الأغلبية؛ استناداً إلى الإحصائيات السابقة والحديثة، ومع ذلك رضيت الإدارة الأمريكية أن تنساق وراء الدعاية التي شجعتها لتحقيق خططها المستقبلية في العراق. وهذا التشكيل الطائفي للمجلس انسحب عليه توزيع الحقائب الوزارية بالتشكيل نفسه، وكان من بين تلك الوزارات التي حصل عليها الشيعة وزارة الداخلية التي يناط بها ضبط الأمن الداخلي للبلاد، والتي بدورها قد تم تشكيلها على أساس طائفي، وأصبح العمود الفقري لأجهزتها يتكون منهم، وهذه الأجهزة بدأت التعاون مع القوات الأمريكية في تكثيف مهامها في المناطق السنية بحجة ملاحقة عناصر المقاومة ومن يتعاون معها من عناصر فلول النظام السابق وغيرهم، مما تسبب في مداهمات ليلية للبيوت وبطرق همجية غير مسبوقة، وكذلك عمليات قتل العشرات واعتقال المئات في هذه المناطق السنية، مما أثار الغضب في نفوس أهالي هذه المناطق بعد مشاهدتهم هذا التعاون الذي تقوم به أجهزة الشرطة، والأجهزة الأمنية الأخرى، وما تقوم به من تقديم معلومات بغض النظر عن صحتها إلى القوات الامريكية، والتي يترتب عليها المداهمة وما يرافقها من قتل واعتقال وترويع لهذه العوائل، ولعل ذلك ما جعل الرد على هذه الممارسات يكون باستهداف عناصر الشرطة العراقية، وهي في مراكزها واستهداف الأمريكان أيضاً على حد سواء، وقد رأينا في الفترة الأخيرة ارتفاع العمليات ضد عناصر الشرطة العراقية وتكرارها. _ الحدود العراقية وانفلاتها: بعد احتلال العراق أصبحت الحدود العراقية في انفلات تام، مما أتاح المجال لدخول كثير من العناصر التابعة للموساد الإسرائيلي، وعناصر الاستخبارات الإيرانية وغيرهم، ممن لدولهم المصلحة في عدم استقرار العراق؛ إضافة إلى عناصر من التنظيمات الإسلامية المسلحة. هذه الحالة من الانفلات المتعمد الذي كان بعلم القوات الأمريكية، بل بقرار منها بحل الجيش العراقي وشرطة الحدود من قِبَل الحاكم المدني للعراق بول بريمر، مما مكنت العناصر أن تمارس نشاطها بكل سهولة ويسر. _ اغتصاب المساجد السنية: منذ انتهاء الحرب وسقوط النظام العراقي واحتلال القوات الامريكية للبلاد، وما رافق ذلك من فوضى عارمة عمت معظم أرجاء العراق، قام الشيعة باغتصاب عدد من المساجد السنية التي بلغت (٢٧) مسجداً بحسب تصريح الدكتور حارث الضاري أمين عام جمعية علماء المسلمين عبر قناة الجزيرة في برنامج بلا حدود. وقال إن هذه المساجد تم الاستيلاء عليها، وذكر أن الشيعة طالبوا باسترداد هذه المساجد، وحصلت عدة حوارات مع علماء الشيعة بهذا الخصوص، ولكن للأسف لم نتوصل إلى نتيجة، وبقي الأمر عبارة عن وعود لا ندري متى يتم الوفاء بها، وقد مضى على ذلك عدة شهور. والسؤال المطروح: لماذا لا يبادر الشيعة إلى إرجاع هذه المساجد، ويُنهون الأمر ويبرهنون للسنَّة عن جدية توجههم الصادق والأكيد في تجنب الفتنة التي طالما تحدثوا عنها؟ _ الاحتكار والمحسوبية في وظائف العراق الجديد: نظراً للتركيبة والتشكيلة الطائفية التي أُسس عليها مجلس الحكم الانتقالي ذو الأغلبية الشيعية؛ فإن ذلك انسحب على سيطرة الشيعة على عدة وزارات بالدولة العراقية الجديدة (العراق الحر) ! مما جعل ظاهرة الاحتكار والمحسوبية في الوظائف يلمسها الزائر المؤقت قبل العراقي المقيم الذي يعايش هذه المأساة، والذي يدور على الوزارات يحمل مؤهلاته ومواطنته وطلبه لعله يجد فرصة عمل، تساعده على تجاوز مأساته المعاشية في العراق الحر؛ وإذا به وبعد طول انتظار يفاجَأ بأنه لا يمكن تعيينه الا بإحضار تزكية من الحوزة العلمية! فماذا يفعل وهو سني؟ (طبعاً لم نذكر العكس باعتبار أن النفوذ في الدولة هو شيعي بحسب تشكيلة المجلس؛ والحكم للأغلب) وهو الأمر الذي جعل كثيراً من الناس يوجهون انتقاداتهم لهذه الظاهرة، وجعلهم يقارنون بفترة النظام البائد الذي كان يتعامل مع العراقيين على ضوء الانتماء الحزبي بالدرجة الاولى بغض النظر عن أن يكون هذا العراقي سنياً أو شيعياً أو كردياً أو تركمانياً أو غيره. لذلك فإنك تجد في جميع مؤسسات الدولة السابقة جميع ألوان الطيف العراقي، وحتى الأمنية منها (القمعية) فإنك تجد هذا التنوع في المذاهب والأعراق، شريطة أن يتوفر شيء واحد وهو الولاء للحزب والثورة والقائد! والشواهد على ذلك كثيرة في تشكيلة النظام السابق، ومنها على سبيل المثال أن وزير الإعلام حتى سقوط النظام العراقي محمد سعيد الصحاف هو شيعي، وتقلد مناصب حساسة بالدولة كان آخرها وزارة الإعلام، أخطر وزارة بالدولة لما قامت به من تضليل وتعتيم وتسويق لسياسات النظام طيلة السنوات الماضية. وطارق حنا عزيز عضو مجلس قيادة الثورة الذي تقلد مناصب حساسة بالدولة العراقية على مدار سنوات وهو نصراني معروف، وطه محيي الدين معروف وهو كردي تقلد منصب رئيس الوزراء في فترة من الفترات، وطه ياسين رمضان ومناصبه الكثيرة وهو كردي، وأخرون كثيرون لا يتسع المجال لذكر أسمائهم ومناصبهم، وكلهم كانوا من تشكيلة الطيف العراقي المذهبي والعرقي، ولكنهم كانوا قبل ذلك كله يحملون الولاء الكامل للنظام والحزب ليس إلا. فهل يعقل أن يكون في العراق (الحر) كما يسمونه اليوم ممارسة لسلبيات لم يمارسها النظام البائد الدكتاتوري المستبد؟ وهل سيفيء الشيعة أصحاب النفوذ إلى شعار الإسلام الواحد، والمواطنة الواحدة والمؤهل والخبرة، وحُسن الأداء في تقليد المسؤوليات والوظائف، بدلاً من منظور الطائفية الضيق النتن؟ _ وثيقة الزرقاوي المفبركة: لقد مهدت قوات الاحتلال الأمريكي وحلفاؤها لاستخدام الورقة الطائفية في العراق، بالكشف عن الوثيقة الزرقاوية وما تضمنته من نصوص وعبارات ومعانٍ خطيرة جداً تدعو إلى استفزاز الطائفتين الشيعية والسنية وكذلك الأكراد، والدعوة الصريحة للاحتراب الداخلي، وقد تميزت الوثيقة بأسلوبها الرصين، ويبدو أنها كُتبت من قِبَل فريق خبير! وقد نسبتها القوات الأمريكية إلى المدعو (أبو مصعب الزرقاوي) الذي تتهمه أنه وراء الهجمات الإرهابية التي تستهدف العراقيين والأمريكيين على حد سواء، مثل ما كانت هذه القوات تتهم الرئيس العراقي قبل اعتقاله بأنه العقل المدبر والممول لهجمات المقاومة ضد قوات الاحتلال، ثم تبين بعد إلقاء القبض عليه وباعتراف القوات الأمريكية نفسها أن صدام لم تكن له أي علاقة بكل ما يجري من عمليات المقاومة، ولا أدل على ذلك من حالة إلقاء القبض عليه. _ اغتيال الرموز الدينية والشخصيات العلمية: لقد اتسمت الفترة الأخيرة بنشوء ظاهرة اغتيال الرموز والشخصيات الدينية والعلمية (سنية وشيعية) من قِبَل مجهولين يطلقون الرصاص، أو يستخدمون العبوات الناسفة للقضاء على الضحية، وقد بلغ عدد الذين تم اغتيالهم حتى الآن (٢٤) عالم دين خلال الأشهر الماضية، بحسب ما نشر بالوسائل الإعلامية، ولا زال الرقم في ازدياد، وهو الأمر الذي يدعو إلى القلق في أوساط العراقيين من أن تتفاقم هذه الظاهرة وتحصد ارواح العديد من الضحايا الآخرين، وما يحدث في مدينة البصرة بحسب شهود العيان وبعض الصحف والمواقع الإخبارية على الإنترنت من أن هناك عمليات تصفية جسدية لشخصيات سنية، وممارسة الضغوط على السنة لإجبارهم على ترك مناطقهم، والهجرة إلى مناطق أخرى تضمن لهم سلامة العيش بعد أن أصبح الخطر يداهمهم، وهو ما ينذر بالخطر من اتساع هذه الحالات الفردية إلى أن تصبح ظاهرة مستشرية. ومن جهة اخرى قال شهود عيان إن (الحوزة) أصدرت أمراً بمنع دخول الكتب العلمية السنية، وقد منعت الحوزة شحنة من الكتب جاءت من الإمارات العربية، والشحنة هذه عبارة عن كتاب (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) وقد تم منع هذه الكتب تحت شعار أطلقته الحوزة: (لا كتب سنية بعد اليوم في الجنوب) وكأن الأمر ثأر كما يبدو عن فترة النظام البائد. _ يوم عاشوراء الدامي: وقد كان من أعنف وأبشع العمليات في هذا المسلسل الطائفي، ما وقع مؤخراً في مدينة كربلاء والكاظمية في يوم عاشوراء، من تفجيرات أودت بحياة المئات من القتلى والجرحى من المدنيين الشيعة، مما أثار حفيظة العراقيين والشيعة على وجه الخصوص، وقد سارعت قوات الاحتلال وبعض الجهات على عجل ـ ولم يمر على الحادث اكثر من نصف ساعة ـ بتوجيه أصابع الاتهام إلى الزرقاوي الذي ينتمي بدوره إلى القاعدة، وهذا يعني تصنيف الاتهام في الوسط السني (كون القاعدة تنظيم سني) بغض النظر عن أي مواصفات أخرى. وقبل إجراء أي تحقيق في الحادث؛ ولا سيما أن الحادث كان في ساعته الأولى، وهو الأمر الذي جعل هذا الاتهام تردده وسائل الإعلام والمعلقون السياسيون، مما جعل الشيعة يستسيغون توجيه ما يشبه الاتهام إلى أهل السنة، وقد طالب بعض المراجع الدينية أهل السنة بالبراءة من الفاعلين وتكفيرهم، على الرغم من أن جميع الفصائل السنية بمختلف أطيافها قد ادانت الحدث، ووصفته بجريمة قتل للأبرياء لا تقره كل الأديان ويراد منه إيقاع الفتنة بين العراقيين، والنيل من وحدة الصف الوطني العراقي. ولم تتوصل أيٌّ من التحقيقات إلى الجناة، وهو ما يجعل حدوث عمليات مماثلة أخرى ممكناً ومتوقعاً، ولكن هذه المرة في تجمع سني أو تكرار الجريمة في أهداف شيعية لتكريس نظرية الاستهداف من قِبَل طائفة ضد أخرى، لا سيما إذا عرفنا أن هذه الأعمال في اتساع، وأن المراقب لهذه الأحداث يجدها قد تزامنت مع قرار قوات الاحتلال بالانسحاب من داخل المدن العراقية وتركها لقوات الأمن العراقية، وهو الأمر الذي يؤكد وجود مخطط أمريكي لإشعال نار الفتنة الطائفية في العراق بين الشيعة والسنة، والأكراد والتركمان. _ من وراء هذه الأحداث؟ إلى الآن يبقى الجواب افتراضياً؛ ولكن كما جرت عليه العادة عند المختصين الجنائيين أن يقال: من هو المستفيد من هذا الحدث؟ لأن المستفيد هو الذي توجه إليه أصابع الاتهام بالدرجة الأولى، وهذا يدفعنا إلى القول بأن هناك عدة جهات يمكن أن تكون مستفيدة من هذه الأحداث، ومن ثَمَّ يمكن القول إنها كانت وراء حدوثها، ومنها: الافتراض الأول: هو الموساد الإسرائيلي الذي يوجد بكثافة في العراق الآن، وأنه وراء مثل هذه الأحداث؛ لأن مثل هذه الأحداث من شأنها أن تؤجج نار الفتنة بين العراقيين، وهذا يعني نشوب حرب طائفية تحرق الأخضر واليابس، ومن ثم ضعف الوحدة الوطنية العراقية الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى ترسيخ مبدأ الانفصال الطائفي أو العرقي، فيكون الأكراد في الشمال والسنة في الوسط والشيعة في الجنوب، وهذا يعني تقسيم العراق إلى كانتونات متناحرة، وتفتيت قواه مهما تكن؛ فهي ضعيفة هزيلة؛ مما يضمن لدولة العدو الصهيوني مزيداً من الأمن والاستقرار على مدى سنوات قادمة على أقل تقدير. أما الافتراض الثاني: فهو بعض الدول المجاورة للعراق ذات العلاقة المتوترة مع الإدارة الأمريكية، والتي هي مهددة بالاجتياح أو إسقاط النظام فيها، من خلال الحصار وإثارة تيارات المعارضة في هذه البلدان؛ لذلك لا يستبعد أن تقوم هذه الدول ومن خلال عناصر استخباراتها أو عملائها في الداخل أن يقوموا بمثل هذه العمليات؛ وذلك لإرباك القوات الأمريكية، وإشغالها عن أن تمضي قُدُماً في مخططها المرسوم للمنطقة، ومحاولة تعطيل أو تأخير لهذا المخطط لتبقى هذه الدول في مأمن من السياسة الأمريكية ولو لفترة من الزمن. إما الافتراض الثالث: فهو أن تكون القوات الأمريكية هي التي تقف وراء هذه الأحداث لتأجيج نار الفتنة بين العراقيين؛ وذلك لتشتيت قوة المقاومة وتوجيهها إلى العراقيين أنفسهم (سنَّة وشيعة) ولا سيما أن غالبية المقاومة الآن هي سنية وفي المثلث السني كما يسمونه، مما يوفر الأمن لقوات الاحتلال ويخفف الضغط عنها، ويوفر ما كانت تخسره من جنودها ومعداتها بضربات المقاومة داخل المدن، ليأخذ جنود الاحتلال قسطاً من الراحة. وفي الوقت ذاته يكون بقاء الأمريكان مطلباً للمتناحرين، مما يتيح لقوات الاحتلال مسوِّغاً للبقاء مدة أطول، وترتيب وضع هذه القوات في قواعدها الست التي أنشأتها في العراق؛ فهل يدرك العراقيون ذلك؟ _ سبيل الخروج من الفتنة: من المعلوم المشاهَد أن جميع المراجع الدينية الشيعية والسنية قد أدانت وتدين هذه الأحداث في تصريحات رسمية عبر وسائل الإعلام؛ وهذا وحده لا يكفي للخروج من الأزمة وتطويقها، قبل أن تتحول إلى فتنة داخلية تحصد أرواح الكثير من الطرفين. إن المطلوب الذي ينبغي توفره عند جميع الأطراف المعنية للخروج من الأزمة الحالية، يجب أن يتجاوز الشجب والاستنكار والإدانة العلنية عبر وسائل الإعلام فقط! يجب أن يرتفع مستوى هذه الإدانات عند الأطراف المعنية والشيعة على وجه التحديد إلى ترجمة عملية جادة على أرض الواقع المشاهد والملموس لتؤتي ثمارها؛ فمثلاً ينبغي على الشيعة أن يعيدوا النظر في بعض ممارساتهم التي من شأنها تأجيج وتعميق الخلاف الطائفي في الظروف الراهنة، وأن يقوم الشيعة برد المساجد السنية التي تم اغتصابها، والتوقف عن مضايقة السنة في مدينة البصرة، وإجبارهم على الخروج إلى مناطق أخرى، وترويعهم باغتيال بعض الشخصيات السنية لكونهم أقلية في المدينة، وكذلك احترام مشاعر السنة وعدم التهجم على الصحابة وزوجات الرسول الكريم، كما أشار إلى ذلك رئيس الوقف السني الدكتور عدنان سلمان في معرض مناشدته للمراجع الشيعية المسؤولة في إحدى التعليقات الإعلامية، كما ينبغي الإدانة السريعة والصادقة عندما يتم اغتيال أحد الشخصيات السنية أو الشيعية، وخاصة أئمة المساجد، ومنع بعض المدفوعين والمتعصبين من جميع الأطراف ولا سيما من الفصائل الشيعية كالمجلس الأعلى للثورة الشيعية في ممارسة الاغتيالات الثأرية لعلماء السنة، واستغلال جو الفوضى السائد في العراق، كما حدث ذلك في الأسابيع القليلة الماضية عندما تم اغتيال الشيخ ضامر الضاري شقيق الدكتور حارث الضاري أمين عام جمعية علماء المسلمين السنة من قِبَل مجهولين. (بحسب إفادة الشيخ نفسه ﵀ في مقابلة شخصية قبل ِاغتياله بثلاثة أشهر من أنه قد هُدِّد بالقتل من قِبَل مجموعة من المجلس الأعلى الشيعي) وأعتقد أن السنة يعرفون ذلك جيداً، ولكنهم آثروا العفو وعدم الرد لدرء الفتنة، وحفاظاً على وحدة الصف الوطني العراقي. وهذا موقف يُحمدون عليه (بحسب بيان جمعية علماء المسلمين) . لا بد من الخطوات الجادة أولاً، ومن ثم خطوات تحقيق وحدة الصف، وعدم التفرق، وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، والتجرد عن الذات؛ لدرءُ المفاسد وتقديمها على جلب المصالح، والعفوُ والصبر على المصائب، وتوحيد جميع الجهود والطاقات لمقاومة قوات الاحتلال؛ لأنها هي السبب المباشر في كل ما يجري في العراق، ولقطع الطريق عليها في تأجيج واستثمار مثل هذه الأمور؛ عندها فقط سينجو العراقيون من الفتنة وتُعصم دماؤهم، وهو الطريق الجاد لتحرير بلادهم. هذه كلها عواصم، يمكن لها أن تبدد شبح الطائفية الخطير في العراق وتحفظه من قواصم الفتنة التي يريدها الأعداء.

стр. 4973

ما جديد حكومة الاحتلال في العراق ؟! طلعت رميح يبدو بدهياً القول بأن الحكومة الجديدة في العراق ليست إلا حكومة احتلال جديدة لا أكثر ولا أقل، وأن كل الوقائع والمؤشرات، بل والتصريحات الرسمية تدل على ذلك. ولعل أهم الاعترافات في هذا الشأن ما قاله الأخضر الإبراهيمي الذي شارك في تشكيل الحكومة والذي اختار توقيت تشكيلها ليقول: «لا أعتقد أنه ـ أي الحاكم الأمريكي للعراق ـ لا يمانع في قولي ما يلي: بريمر هو ديكتاتور العراق؛ فلديه المال وصلاحية التوقيع» .. وهو قول صحيح وإن نقص منه أن بريمر أيضاً هو مالك لقوة عسكرية على الأرض العراقية يزيد تعدادها عن ١٣٨ ألف جندي.. وهي قوة احتلال.. ومن ثم فإن الحكومة الجديدة هي حكومة للاحتلال. ويبدو بدهياً كذلك القول بأن هذه الحكومة لا شرعية لها؛ إذ هي لم تُشَكَّل من خلال انتخابات، ولا من خلال أي درجة من درجات المشاركة الشعبية العراقية، بل جاءت عملية تشكيلها صورة تراجعية عما كان أُعلن من قبل، من تشكيل مؤتمر موسع من أطياف عراقية يتولى هو تشكيل الحكومة وإعطاءها الشرعية، فجاءت غير معبرة بأية درجة عن إرادة الشعب العراقي، وقد تمت عملية تشكيلها بالتشاور بين بريمر [١] وهو بريمر نفسه.. وبريمر [٢] الذي هو مجلس الحكم الذي جلبته قوات الاحتلال من الخارج وعينه الاحتلال.. وبريمر [٣] الذي هو ممثل الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي الذي انحصرت نتيجة دوره في وضع خاتم الأمين العام للامم المتحدة عليها. والإبراهيمي صاحب خبرة متميزة في إعطاء الشرعية للحكومات التي يشكلها الأمريكان بعد احتلالهم الدول بنيل غطاء الأمم المتحدة لها، وسابق خبرته في أفغانستان معروفة. وقد كان من الطبيعي وفق تشاور بريمر مع نفسه ثلاث مرات أن يكون رئيس الحكومة حسب القول الذي لم ينكره أو يرفضه هو أحد رجالات المخابرات الأمريكية، وأن تاتي الحكومة من داخل عضوية مجلس الحكم الذي شكله الاحتلال ومن داخل عضوية الوزارة السابقة التي عيَّنها الاحتلال ومن ترشيحات من داخل القوى ـ إذا جاز التعبير ـ التي جاءت مع قوات الاحتلال من الخارج. ويبدو بدهياً أيضاً القول بأنها هي حكومة بلا سيادة؛ إذ لا صلاحيات لها أو لديها في مجالات السياسة الخارجية. النفط كمثال، ولا الداخلية، والأمن والجيش كمثال آخر. وإذ حرص الأمريكان وقصدوا الوضوح أو شدة الوضوح في هذا الشأن حتى لا يختلط الكلام الدعائي الذي يطلقونه حول السيادة بالوضع القانوني والصلاحيات الفعلية التي هي بعيدة عن كل ذلك، وقد كرر باول عدة مرات «أن الحكومة العراقية لن يكون لها حق الاعتراض (الفيتو) على عملياتنا العسكرية» .. وهو قول مؤكد؛ إذ إنه ومن الأصل لا سيادة لحكومة في بلد يحتل أرضها جيش بلد آخر؛ وكذلك لأن الكلام عن السيادة وتسليم السلطة لا يخرج عن إطار تحقيق أهداف الاستيعاب الشعبي داخل العراق بتغيير صورة حكم الاحتلال المباشر إلى الصورة الأكثر خطراً على الشعوب، أي صورة الاحتلال المستتر، أو لأنها محاولة لتغيير الموقف الدولي من الاحتلال وتغيير الوصف القانوني لوجود قوات الاحتلال العسكرية الأمريكية حسب توصيف القرار ١٤٨٣ إلى توصيف الدولة الأقل من مستقلة شكلياً والمحتلة فعلياً، وبدعوة من حكومتها؛ حيث المتوقع أن تعلن حكومة الاحتلال الجديدة دعوة قوات الاحتلال للبقاء بعد ساعات من تغيير هذا الوصف، وفور صدور قرار مجلس الأمن أو يوم ٣٠ يونيو فور إعلان الحالة الجديدة ـ القديمة. ويبدو بدهياً القول إن حكومة احتلال العراق قد جاء تشكيلها وفق نفس القاعدة التي اعتمدها الاحتلال منذ احتلال بغداد، أي قاعدة التحالف مع قطاع رئيسي من الشيعة، والتحالف مع الحالة العرقية الكردية المتعصبة ومحاصرة السنَّة، أو إضعاف كل شكل لتمثيلهم؛ حيث جاء رئيس الوزراء من الشيعة (أيد السيستاني الحكومة وعاد إلى لعبة التحسين من داخل عباءة الاحتلال بعد مرحلة من الصمت خلال الاشتباكات مع ميليشيا مقتدى الصدر) واحتل الأكراد موقعاً بين نائبي رئيس الجمهورية، ونال الشيعة موقع النائب الثاني.. إلخ. ولم يشذ عن هذا التقسيم سوى الانتماء الأصلي للرئيس المؤقت الذي هو صاحب موقع شرفي بلا سلطة أو صلاحيات. يبدو بدهياً كل هذا وغيره، ومع ذلك فإن فكرة تشكيل هذه الحكومة المؤقتة حملت دلالات هامة ينبغي دراستها وفهمها جيداً. _ حكومة تعكس أزمة الاحتلال: تبدو الدلالة الأولى والأهم أن عملية تشكيل الحكومة عكست الأزمة التي يعاني منها الاحتلال سواء كان مظهر ذلك هو التضارب والاختلاف خلال عمليات تشكيلها، وخلال عملية اختيار الرئيس المؤقت تحت الاحتلال، أو كان ذلك ظاهراً من عمليات تغيير العملاء، والصراع بين المرتبطين بوزارة الدفاع الأمريكية وأجهزتها العسكرية ـ أحمد الجلبي الذي كان طامحاً في رئاسة مجلس الوزراء ـ ووزارة الخارجية والمخابرات ـ إياد علاوي الذي فاز بالوزارة ـ أو من خلال بروز الخلافات داخل صفوف الذين تعاونوا مع الاحتلال، وهو أمر يلفت النظر؛ إذ إن هذه الاختلافات حول مغانم السلطة الجديدة قد دفعت واحداً من الذين ارتبطوا بالاحتلال، محمود عثمان ـ أحد الاعضاء الممثلين للحالة الكردية العرقية المتعصبة في مجلس الحكم ـ إلى وصف بريمر بأنه في ديكتاتوريته مثل صدام حسين.. أو كان ذلك واضحاً من حالة الاضطراب التي حدثت خلال عملية التشكيل؛ حيث تضاربت مواقف العملاء والموالين والمتعاونين مع الاحتلال. لكن الأهم من كل ذلك هو أن اجتماع إعلان المختارين لرئاسة الجمهورية والوزراء ورئيسهم قد جرى بشكل سري وفي مكان سري لم يُعلن عنه، وهو ما يعني ببساطة شديدة أن المنطقة التي كانت تعتبرها قوات الاحتلال أشد المناطق أمناً ـ وهي ما سمي بالمنطقة الخضراء وهي القاعدة العسكرية الأمريكية الرئيسة ـ والتي بها مقر قوات الاحتلال ومجلس الحكم لم تعد آمنة إلى الدرجة التي يعقد فيها مجرد اجتماع؛ كما أن هذا الاجتماع قد جرى في غياب أي أمريكي وهو إن كان مقصوداً منه مسالة شكلية وخداعية بأن الأمر يجري وفق اختيارات عراقية؛ إلا أنه كشف مدى ما وصلت إليه سمعة الاحتلال من كراهية بين الشعب العراقي؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لكان الاحتفال يوم يظهر فيه بريمر يبدو بمظهر الذي يعطي العراقيين السيادة في احتفالات ترتب على الطريقة السينمائية الأمريكية التي جرت في إسقاط تمثال صدام حسين. _ وتعكس صعوبة الموقف الدولي الأمريكي: والدلالة الثانية في تشكيل الحكومة العراقية هي أن عملية التشكيل عكست مدى صعوبة الموقف الدولي للولايات المتحدة؛ سواء مع حلفائها في العدوان واحتلال العراق، أو معارضيها؛ وإذا كان الشكل المباشر لهذه الأزمة هو جلب الأخضر الإبراهيمي لإسباغ الشرعية الدولية على تشكيل الحكومة؛ فإن خلافاً قد برز وخرج للعلن بين واشنطن ولندن حول صلاحيات الحكومة العراقية حينما أعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير أن الحكومة الجديدة سيكون لها حق الاعتراض على أية عمليات عسكرية. وحينما قال رئيس الوزراء الإيطالي: إننا «نتطلع إلى فتح واضح في السياسة بحيث يؤدي ذلك إلى سيادة كاملة في العراق، فرد عليهم كولن باول بأن الحكومة العراقية لن يكون لها حق الاعتراض (فيتو) على عملياتها العسكرية. أما المؤشر الأهم على الوضع الدولي الأمريكي في العراق؛ فهو أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد اضطرتا إلى تعديل القرار المقدم إلى مجلس الأمن الدولي من أجل إعلان دخول العراق مرحلة جديدة تحت الاحتلال، وأن فرنسا وروسيا قد طلبتا مجدداً تعديل القرار في ضغط جديد على الموقف الأمريكي. ومن خلال متابعة الاعتراضات على المشروع الأمريكي البريطاني والإضافات والتعديلات المطلوبة عليه من الدول الأخرى نجدها في مجموعها تستهدف إنهاء السيطرة الأمريكية المنفردة على العراق، وتكثيف الضغط على الوضع الداخلي للرئيس بوش في حملته الانتخابية؛ وذلك من خلال التركيز على ما يلي: أولاً: تحويل الجيش الأمريكي المحتل في العراق إلى «صفة وصلاحيات القوة الأمنية بوضعها تحت سلطة وسيطرة الحكومة العراقية» وذلك هو ملخص الفارق بين قيام القوات الأمريكية بعملياتها العدوانية دون سلطة من قوات الاحتلال، أو أن تقوم بهذه العمليات تحت سلطة وسيطرة هذه الحكومة، وهو أمر ليس ذا طابع شكلي كما يُتصور، وإنما هو بالأساس وضع قانوني يلغي الصفة السياسية لقوات الاحتلال، ويلغي الرجوع إليها دولياً، بل هو يمثل السابقة الأولى للقوة العسكرية الأمريكية التي ترفض مجرد محاكمة جنودها أو ضباطها أمام المحاكم الدولية، وهو أيضاً ما يتعارض مع قوانين القوات المسلحة الأمريكية التي تمنع وجود أية قوة أمريكية في الخارج من العمل تحت إمرة أي قيادة أخرى، وهو أمر بطبيعة الحال يمنح الشعب العراقي حق مقاومة وجود هذه القوات أمام القانون الدولي، وحق طرد هذه القوات، في حال قدرته على تشكيل سلطة وطنية. ثانياً: إعادة سيطرة مجلس الأمن على العراق بديلاً للسيطرة الأمريكية، وهو ما يظهر من التعديل المطلوب بعودة لجنة «أنموفيك» ـ لجنة مراقبة ونزع أسلحة الدمار الشامل العراقية ـ إلى العمل في العراق لإغلاق ملف الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وكذلك عودة هيئة الطاقة الذرية للعمل في العراق لإغلاق الملف النووي، وهي عودة تعني قبول الولايات المتحدة للاعتراف بعدم نجاعة خطتها في غزو العراق واحتلاله، وتعني فضيحة دولية للولايات المتحدة بكذب كل ادعاءاتها بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل وبصفة رسمية من خلال هيئة الأمم المتحدة. ثالثاً: الانتظار مدة من الوقت لتحديد مدى قبول الشعب العراقي بالحكومة الجديدة، وهو ما يعني تعرُّض الخطة الأمريكية لخطر محقق؛ حيث إن استمرار المقاومة بعد تشكيل الحكومة وتصاعد حالة الرفض لها يصبح موضعاً لمزيد من الضغط على الولايات المتحدة لتقديم مزيد من التنازلات أمام الأقطاب الدولية الأخرى الطامعة في اقتسام ثروات العراق، وهو ما يعني مزيداً من إحباط الهدف الأمريكي في استعجال إنهاء تشكيل الحكومة العراقية لدعم الموقف المتهاوي للرئيس الأمريكي في استطلاعات الرأي العام داخل الولايات المتحدة. _ بوش يعترف بالمقاومة: يبدو التساؤل الأهم هو: لماذا كل هذا الذي جرى والذي هو من أوله إلى آخره ليس ناتجاً لا عن رغبة الولايات المتحدة ولا حلفائها ولا هو كان في حساباتها؟ والعامل الحاسم الذي أجبر الولايات المتحدة هو المقاومة والجهاد العراقي الذي هو أيضاً العامل الأساسي الذي تعتمد عليه المواقف الخارجية التي تضغط على الولايات المتحدة. واللافت للنظر أن قوة المقاومة العراقية لم تتمكن من تحقيق كل ذلك وغيره خاصة الإعلانات المتتالية من قادة عسكريين أمريكيين بهزيمة الاحتلال استراتيجياً رغم استمراره في العدوان والقتل، ولكنها أجبرت الرئيس الأمريكي نفسه في حالة نادرة على فكره وعقله للاعتراف بحقها المشروع في المقاومة؛ إذ قال لمجلة «باريس ماتش» : (إن مهمة القوات الأمريكية في العراق لا تزال صعبة) داعياً المجتمع الدولي إلى التعاون لتحقيق الاستقرار في هذا البلد، وأضاف: (أنا لن أحتمل أن يكون بلدي محتلاً..) وقال مشيراً إلى المقاومة العراقية: (ليسوا جميعاً إرهابيين. الانتحاريون كذلك ولا المقاتلون الباقون.. إنهم لا يتحملون الاحتلال..) !!

стр. 4974

بوش يدفن مشروع الدولة الفلسطينية خليل العناني «إن قيام دولة فلسطينية بحلول عام ٢٠٠٥م أمر يصعب تحقيقه في ظل الحقائق التي تجري على أرض الواقع..» بهذه الكلمات نطق الرئيس الأمريكي جورج بوش في حواره لجريدة الأهرام المصرية قبل أسابيع قليلة. وكم كان مثيراً أن ينطق بوش بهذه الكلمات في الوقت الذي ظل فيه وعلى مدار أكثر من عامين يهمهم برؤيته حول الدولة الفلسطينية المزمع قيامها، ويؤكد التزامه بالمساهمة في تدشينها. وتتعدد الدلالات التي تتناثر من هذا التصريح لعل أولها: أن بوش، وللمرة الأولى منذ طرح خارطة الطريق، قد اعترف صراحة بموت هذه الخارطة، طالما أن الدولة الفلسطينية لن ترى النور. ثانياً: أن بوش قد شيع محاولات إقامة الدولة الفلسطينية إلى مثواها الأخير انطلاقاً من محاولته تسويغ ما يحدث على أرض الواقع باعتباره عقبة في وجه مثل قيام هذه الدولة. ثالثاً: أن بوش قد أقر ـ وبَصَم ـ بحق إسرائيل في تحديد ملامح الدولة الفلسطينية (دولة غزة) وذلك من خلال اعترافه بما يجري على أرض الواقع؛ بل وشرعنته لحساب إسرائيل. رابعاً: لم يَعُدْ بوش مجرد راعٍ لطرفي النزاع وحاضر بينهما، ولكنه بات متشيعاً للإسرائيليين يدعم موقفهم ويساهم في تعزيز رؤيتهم للدولة الفلسطينية. وبدلاً من أن يدين بوش أفعال الاحتلال الإسرائيلي ومجازره بحق الفلسطينيين، نجده يخرج علينا بتصريح ينسف كل محاولات إقامة الدولة الفلسطينية، ويسوِّغ جرائم الاحتلال بدءاً من بناء الجدار العازل، وانتهاء بخطة فك الارتباط؛ باعتبار ذلك «حقائق تجري على أرض الواقع» . وإذا كان بعضهم يرى في مثل هذا التصريح كارثة ـ وهو بالفعل كذلك ـ إلا أن ما فعله بوش قبل أقل من شهر كان المصيبة الكبرى، ويجعل من مثل هذا التصريح أمراً هيناً؛ فعملياً فقدت الدولة الفلسطينية كل مقوماتها الممكنة، وبات الحديث عنها من قبيل الأماني؛ فخطاب الضمانات الذي وقعه بوش لمصلحة شارون حمل الكثير الكثير من مفردات وأد هذه الدولة الفلسطينية. فكيف تكون هناك دولة في حين يجري الآن اقتطاع ما يقرب من ٤٥% من أراضي الضفة الغربية، ويجري تهويد أجزاء كبيرة منها لمصلحة المستوطنين؟ وكيف تصبح هناك دولة فلسطينية وقد أُلغي حق العودة لأكثر من نصف سكانها؟ ومن المفارقات أن يأتي تصريح بوش، ومع جريدة عربية، في الوقت الذي تزداد فيه مشاعر الكراهية والضيق بالولايات المتحدة وما تفعله في العراق، وخاصة بعد تفجر فضيحة صور الأسرى العراقيين، وبدلاً من أن يلملم بوش أطراف فضيحته، ويحاول التخفيف منها، يتصرف على العكس من ذلك تماماً، ويزيد من جروح العرب ويرفض إقامة الدولة الفلسطينية. وكعادته لم يدرك الرئيس بوش خطورة ما أطلق من تصريحات بشأن الدولة الفلسطينية، فهو لا يقع فقط في مأزق مزدوج ومناقض لتصريحاته السابقة التي أكد فيها التزامه برؤيته للدولتين، ولكنه أيضاً يدفع بالقضية تجاه الموت الحقيقي، فلا سلام بدون دولة فلسطينية، ولا أمن لإسرائيل بدون ضمانات إقامة مثل هذه الدولة. وتظل الدوافع والذرائع التي أطلقها بوش لتسويغ مثل هذا التصريح واهية وغير مقنعة؛ فالقول بأن حقائق الواقع تفرض صعوبة ـ إن لم يكن استحالة ـ إقامة الدولة الفلسطينية؛ فهذا عذر أقبح من ذنب؛ وهذه الحقائق لم يفرضها الفلسطينيون، بل فرضها الإسرائيليون، وحوَّلوا حياة الفلسطينيين إلى كرة من اللهب أفقدتهم القدرة على التعاطي بعقلانية مع جرائم الاحتلال، وزادت من كراهيتهم للتفاوض مع إسرائيل ولو في الأمد المتوسط. أغلب الظن أن بوش ما زال يراهن على شراء الأصوات اليهودية في الانتخابات الرئاسية القادمة، ولذلك فلا مشكلة لديه في أن يبيع ما يستطيع أن يشتريه اليهود، وما زال مسلسل التضليل الذي يمارسه أفراد طاقمه مستمراً، ويدفع باتجاه تأكيد حقائق الواقع التي هي بالفعل تصب في مصلحة إسرائيل قلباً وقالباً. وإذا كان الفلسطينيون قد تعوَّدوا من الولايات المتحدة ـ وتحديداً الإدارة الحالية ـ مثل هذا التحيز الأعمى لإسرائيل إلا أنه لم يكن يوماً بمثل هذه الفجاجة والفجور. فكل ما يقوله بوش اليوم قد يتراجع عنه غداً إذا شعر بعدم انسجامه مع المصلحة اليهودية، ومن ثَمَّ مصلحة بوش الشخصية، وما قد يُقال عن ضمانات بوش للعرب بشأن قضايا الوضع النهائي لا تعدو كونها مجرد واجهة لإخفاء ما يحصده الإسرائيليون، والعجيب أن ترى من بين العرب من يصدق هذا الهراء رغم وضوحه وعلانيته. أطلق بوش تصريحه انطلاقاً من عدة دوافع نراها قادرة على قلب معادلة الصراع رأساً على عقب؛ لعل أولها توفير الدعم المعنوي لرئيس الوزراء الإسرائيلي إرئيل شارون، خاصة بعد إخفاقه في الحصول على تأييد أعضاء حزبه «الليكود» على خطته للانسحاب من غزة، وهنا يلعب بوش دور المنقذ لشارون؛ فهو من ناحية يدعمه من خلال السماح له بالتمادي في مشروعاته التوسعية، ومن ناحية أخرى يضمن له ألا تقوم دولة فلسطينية إلا بعد الانتهاء من هذه المشروعات والمخططات الاستيطانية. ثانياً: أن بوش يحاول توفير أطول وقت ممكن لشارون من أجل تنفيذ خطته للانسحاب من غزة والتي قد تستغرق عاماً كاملاً، وهو ما يتعارض بالطبع مع إقامة الدولة الفلسطينية. ثالثاً: أن بوش يحاول طمأنة شارون إلى أن ما حصل عليه الملك الأردني لم يكن سوى كلام لا أكثر، خاصة بعدما شك بعضهم في أن يكون الرئيس الأمريكي قد أعطى الملك عبد الله وعوداً مكتوبة بإقامة الدولة الفلسطينية أو ما شابه ذلك. وقد أتت تصريحات الرئيس بوش هذه في الوقت الذي تحدثت فيه صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية عن طرح إسرائيل لخطة بديلة للانسحاب من غزة بعدما أخفقت خطتها القديمة، وتقوم هذه الخطة الجديدة على أساس انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة وإخلاء كافة المستوطنات هناك، وأن تخصص مصر ٦٠٠ كلم مربع من الأراضي، يصل طولها إلى ٣٠ كلم على امتداد الحدود الفلسطينية المصرية، وبعرض ٢٠ كلم داخل سيناء، بما في ذلك قطاع الشاطئ الذي كانت تقوم عليه في السابق مستوطنات يميت وبيتاح رفياح. وبضم هذه المنطقة إلى الفلسطينيين تتضاعف مساحة غزة ثلاثة أضعاف ما هي عليه الآن، وفي المقابل تحصل مصر على منطقة بديلة مساحتها ٢٠٠ كلم مربع في منطقة وادي فران في النقب، وكذلك على نفق بري يربط بين مصر والأردن ويخضع للسيادة المصرية، أما الأردن فيحصل على منفذ إلى البحر المتوسط، عبر النفق البري وميناء غزة. ويحصل الفلسطينيون على ٨٩% من أراضي الضفة الغربية، بينما تحصل إسرائيل على مساحة الـ ١١% المتبقية من الضفة، والكافية لضم كل الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، إضافة إلى ميناء كبير في غزة، يتم تمويله من المجتمع الدولي، وعلى مطار دولي كبير على مداخل رفح، وتتولى مصر والأردن والولايات المتحدة الوصاية على المناطق الفلسطينية. ورغم التأكيدات على نفي مثل هذه الخطة، فما تدل عليه هو أن هناك محاولات إسرائيلية ـ كما هي العادة ـ لتقطيع أوصال الدولة الفلسطينية وتفريغها من مضمونها. ولعل ما يثير الحنق حقيقةً هو أن الرئيس بوش لم يعد يُلْقِ بالاً بمصير الفلسطينيين أو يعبأ بمستقبل دولتهم، وهو في حرصه على ضمان أمن إسرائيل يتجاهل حقائق كثيرة ليس أقلها أن هذا الأمن لن يتحقق إلا من خلال التوصل إلى تسوية ترضي الطرفين، أو على الأقل تحقق الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية والتي على أساسها تم تفصيل خارطة الطريق، وقبل بها الفلسطينيون رغم مساوئها المتعددة. ولذا فمن غير المنطقي أن يُنجِز الرئيس بوش ما وعد به في خريطة الطريق في ظل هذا التجاهل التام للفلسطينيين ولدولتهم المستحقة. ولا شك في خطورة إطلاق مثل هذا التصريح على مستقبل الفلسطينيين ودولتهم المنتظرة؛ فمن شأنه أن يؤجج مشاعر العداء الفلسطيني، ويزيد من توتر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية. وبالفعل فقد جاء الرد العملي على تصريحات بوش من خلال العملية التي نفذتها جماعة الجهاد الإسلامي وقتل فيها نحو ستة جنود إسرائيليين، والتي تُعد بحق من أقوى العمليات الاستشهادية إبان السنتين الأخيرتين. بوش ـ بذكائه المعهود ـ يزيد من حجم السخط العربي له يومياً، ولم يكفه ما أحدثه جنوده في العراق قبل شهور قليلة، بل يتحايل عليه، ويظهر تمادياً في خرق الحقوق الفلسطينية، وهو بتصريحاته النارية نجح في استثارة كل الشعوب العربية ضده وتأليبها ضد أي قرارات أمريكية في العراق أو المنطقة بشكل عام. ويظل التساؤل الأجدى في هذه المرحلة هو: كيف يتعامل العرب مع مثل هذه التصريحات والأفعال التي يُقدِم عليها الرئيس بوش، سواء كان مدركاً أو غير مدرك؟ وماذا يمكن للعرب أن يقدموه لإخراج القضية من غيبوبتها؟ وهنا يجب التذكير بأمرين نعتقد بأهميتهما في ضوء أي تحرك عربي ممكن: أولهما: أن حقبة السلام التي عاشتها المنطقة طوال عقد من الزمان، وعلى إثر اتفاقات أوسلو، لم تكن سوى حُلُم ـ وربما وهْم ـ كان يخدم إلى حد كبير معسكر المتطرفين في إسرائيل، أكثر من كونه سياجاً يحمي القضية الفلسطينية من تهرُّئها، ويعود بالحقوق الفلسطينية لأصحابها. أما الأمر الثاني: فهو أن استراتيجية العرب التي اعتمدوها بعد اتفاقات أوسلو للتعامل مع إشكاليات القضية الفلسطينية والتي تقوم في صلبها على تحريك مسارات التسوية عبر الشريك الأمريكي من جهة، وتهيئة العلاقات مع إسرائيل من جهة أخرى، لم تعد مجدية، وكان على العرب أن يدركوا ذلك قبل أكثر من ثلاث سنوات، وخصوصاً بعد وقوع أحداث سبتمبر المفزعة. وعليه فقد بات على العرب البحث عن استراتيجية جديدة أكثر إقناعاً بأن دورهم في حل القضية لا زال حياً ويمكن التعويل عليه؛ خاصة بعد أن أخفقت ـ أو على الأقل تجمدت ـ آخر حلولهم للقضية التي لخصتها المبادرة العربية التي قُدمت في قمة بيروت قبل أكثر من عامين. ويظل التساؤل حول شكل هذه الاستراتيجية الجديدة وملامحها جد مُلحّ. من ناحية أخرى فلا يمكن فصل أي تحرك عربي لتحريك القضية عما يجب أن يقوم به الفلسطينيون أنفسهم، وهم رغم ضعف إمكانياتهم وحصار زعيمهم، ما زالت دوافع التحرك متقدة، بل وزادت عن ذي قبل، ولم يبق للفلسطينيين سوى أن يأخذوا حقوقهم بأيديهم لا بيد (عمرو) . وهنا يجدر التذكير بأن إسرائيل باتت في حِلٍّ من كل تعهداتها، وهو ما أعلنته صراحة وضمناً على لسان رئيس وزرائها وتصرفاته، وعليه يصبح من الضروري للفلسطينيين البحث عن استراتيجية جديدة للتعاطي مع الوقائع الجديدة التي تفرضها إسرائيل كل يوم، حتى وإن وصل الأمر إلى حل السلطة الفلسطينية ذاتها، باعتبارها نتاجاً لمرحلة سابقة، وإعادة القضية برمتها إلى المربع صفر، فَلَربما يكون هذا أجدى، على الأقل حالياً، للتعامل مع مثل هذا التمادي الإسرائيلي الأمريكي.

стр. 4975

الصومال ومزيد من الإنفلات !! عبد الرحمن الحفظي إن تحليل سيناريو الصومال الأخير ـ منذ عامين فقط ـ يعطي مؤشراً واضحاً على أن حل قضية هذا البلد لا يلوح في الأفق القريب؛ فأمريكا لا تحمل نوايا طيبة للصومال؛ فهي تسعى لفرض الديمقراطية والليبرالية في البلدان المجاورة لهذا البلد، وتدعم التدخل السافر في شؤون الصومال عن طريق دعم أثيوبيا ومساعدتها عسكرياً ومالياً لإطالة أمد الحرب فيه بتقديم المساعدات لأمراء الحرب انطلاقاً من (صومالاند ومروراً ببونت لاند، وجوبا لاند، وباي لاند، وأخيراً مقديشو لاند ـ التي ظهرت في الساحة منذ عام فقط ـ) ، وبما أن أمريكا أم العالمين؛ فهي تركز على إخماد ما تسميه بالإسلام السياسي في الصومال ـ كما في بقية العالم وتسعى ـ جاهدة ـ في تسويق نمط الحياة الأمريكي هناك، وتدعم النظم الصومالية المهترئة التي تأخذ بمفاهيم التحول الديمقراطي الانحلالي ـ وفقاً لتصور أمريكا ـ وتحمي مصالحها الأمنية والتجارية عبر المحيط الهندي وخليج عدن؛ لذا فقد بلغت من وقاحتها في اختراق الصف الصومالي في هذا العام ٢٠٠٤م حد تمويل وتدريب العشرات من المليشيات الموالية للغرب على أرضها في إحدى الولايات الشرقية؛ بل أقامت علاقة تجارية مباشرة مع جماعة التجار في مقديشو وبوصاصو وهرجيسا الداعمين للمليشيات لتأمين مصالحها، في حين يزداد المجتمع الصومالي تشتتاً وفرقة واقتتالاً وضراوة في القتل بغير حق. وآخر ما اطّلعنا عليه من مهازل بعض مفكري ومثقفي أمريكا الموالين للسياسة الظالمة تحذيرهم من الإسلام الصومالي؛ فقد أعدت (عملية البحث الأخضر الأمريكية) تقريراً كاملاً عن خطورة الإسلام الصومالي الجديد الآتي من وراء جمعيات ومنظمات الصومال الأهلية، وكانت من نتائج التقرير أهمية زيادة المنظمات الغربية من أمريكا وحلفائها ـ وخصوصاً ـ التعليمية على أرض الصومال ـ التي يزعمون أنها تسعى لإعادة بناء العقلية الصومالية؛ وكأن مائة وستاً وثلاثين منظمة غربية في الصومال تعمل حالياً لا تكفي لحاجة الشعب الصومالي!

стр. 4976

المقاومة العراقية والحاجة إلى مواقف جادة هيثم الحداد كثيرة هي الأزمات الرهيبة التي تصيب الأمة المسلمة في هذه الأيام، فلا نكاد نلتقط أنفاسنا لاستراحة المحارب حتى تتجدد المواجهات الدامية في بقعة أخرى من بقاع جسدنا الجريح، حتى نصل إلى حالة يتعذر معها التفكير والتخطيط الاستراتيجي المتوازن والبعيد المدى. أحداث العراق الآن، أثارت العلماء والمفكرين والأدباء للحديث عن هذا الواقع المؤلم؛ تارة لشد العزائم، وأخرى لبيان الورطة الأمريكية، وفي النادر القليل لوضع تحليل شرعي للوضع القائم؛ فالجميع يشعر بوجوب المساعدة ولو بالقليل الممكن. لكن يبدو أن هناك قضيتين محوريتين لم يأخذ الحديث عنهما حجمه المناسب في الأدبيات الإسلامية الصادرة بهذا الخصوص، لا يزاولني شك في أن المقاومة العراقية بأشد الحاجة إليهما، بل إن واجب النصح المأخوذ على أهل العلم ـ مهما بلغت درجتهم في العلم ـ بيان ما يعرفونه من الحق، أو المساهمة في هذا البيان: ﴿وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . أما أولى تلك القضيتين: فهي حاجة المقاومة العراقية للتخطيط الاستراتيجي في هذا الوقت الذي تمر فيه، فلا شك أن المقاومة حققت مكاسب كثيرة، على جميع الأصعدة، وفي شتى المستويات، وهي في خضم العدوان، ينحصر تفكيرها شاءت أم أبت في زوايا محددة تمليها الظروف التي تمر بها، لكن تبقى هناك جبهات عديدة بحاجة إلى من ينظِّر لها، ويدمج التخطيط لها والتفكير بها بتلك النتائج التي توصلت إليها النخب التي تعمل من داخل دوائر المقاومة العراقية. من تلك الجبهات المشار إليها: ١ - مراحل العمل العسكري التي ينبغي أن تسلكها المقاومة في جانب مراحل العمل السياسي؛ فما من شك ـ شئنا أم أبينا ـ أنّ أي نصر تحققه حركات التحرر ينهض على ساقين إحداهما عسكرية، والأخرى سياسية. فما هي صورة هذا العمل، وما هي مراحله؟ العالم الإسلامي قد مر بتجارب مشابهة لعل أبرزها التجربة الفلسطينية؛ فبعد الاحتلال البريطاني نشأت حركات مقاومة فلسطينية، وإسلامية، لكن النجاح ـ الذي يقاس إلى درجة كبيرة بالتحرر ـ لم يكن حليفها، فما هي الأسباب، وما هي الأخطاء التي ارتكبتها المقاومة، وماذا كان عليها أن تفعل لتلافي بعض المنعطفات الخطرة التي أودت أو كادت تودي بحياتها؟ ما هو واقعها الآن؟ هل استفادت من التجارب السابقة؟ هذه وغيرها محاور أساسية في نقاش ساخن يتم من أجل التوصل إلى خطة استراتيجية شاملة لمراحل العمل العسكري والسياسي الذي يتوجب على المقاومة سلوكه. ٢ - موقف المقاومة من العلاقات العراقية ـ العراقية؛ فالتركيبة العراقية العرقية والدينية، والطائفية من أعقد التركيبات في العالم العربي كله، وهو الأمر الذي يفرض معالجة عميقة حساسة لتلك الطبيعة وانعكاساتها السياسية والعسكرية على الوضع القائم الآن في العراق. فلدينا من جهة العلاقات المعقدة والمتشابكة بين المعسكرين السني والشيعي: السنة بوصفهم كتلة عقدية بجميع أطيافها، والشيعة باعتبارهم كتلة عقدية أيضاً بجميع أطيافها.. وهل انتهى حقاً ما سمي بشهر العسل الأمريكي الشيعي؟ وإذا كان ذلك حقيقياً لا صورياً؛ فكيف يمكن استثماره؟ فإذا خرجنا إلى دائرة أخرى بنظرة عرقية، فلدينا العلاقات العربية ـ الكردية؛ فالمعسكر الكردي حتى الآن لم يتدخل في الصراع بشكل واضح ومباشر؛ فهل سيبقى كما هو عليه يمثل حالة من الحياد السلبي، أم يتدخل بصورة إيجابية حذرة، أم أنه يمكن أن يقوم بدور فعال ومؤثر؟ وما هي انعكاسات موقفه على مستقبله السياسي والعسكري، بل على علاقاته الكردية الكردية. ٣ - فعالية استخدام أساليب العسكرية النفسية، وكيفية توظيفها الفعال لصالح المقاومة العراقية على مدى بعيد. ٤ - الحكم الشرعي تجاه الحرب على العراق؛ فهذه قضية حساسة، وشائكة، وخطيرة، وهي دائرة محاذير بالنسبة لكثير من أهل العلم القادرين على الحديث في هذه القضية، وهنا قد يُقَلِّلُ من أهمية هذا الجانب، لأسباب كثيرة؛ فقد يقال: ما هو الأثر العملي له؟ وربما يقال: إن القضية تجاوزت الحديث عن الحكم الشرعي، أو أن الخوف من انعكاسات ذلك على الشباب المتحمس في البلاد الإسلامية، وما يثيره ذلك من قلاقل أو ردود فعل غير منضبطة؛ والخوف من ذلك يمنع الحديث بصراحة ووضوح عنها، لكن في ظني ـ والله أعلم ـ أنه يمكن وبكل سهولة تجاوز هذه المحاذير، كما أنها تتضاءل في مقابل كفة المصالح المترتبة عليها، والتي يمكن أن نذكر منها: أ - إبراء الذمة أمام الله جل وعلا، وقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وكتمان العلم خيانة لله ولرسوله، وللمؤمنين، وإزهاق لمبدأ الصدع بكلمة الحق، وترك الناس في العماية. ب - شحذ الهمم للعمل الجاد لنصرة العراق وغيرهم، سواء بالنصرة المباشرة أو غير المباشرة. ج - تذكير الغافل، وتنبيه الناسي ـ وكثير ما هم ـ تجاه القضية العراقية أو غيرها. د - إقامة الحجة على المشاركين في العدوان على العراق بصورة غير مباشرة، مثل الأنظمة التي وقفت موقف المتفرج على ما يجري. هـ - قد يكون ذلك سبباً لتحرك بعض القوى الموجودة على الساحة العراقية؛ فكثير من تلك القوى تعيش حالة حياد سلبي قاتل للمقاومة ولغيرها؛ فأين باقي المدن العراقية عن الانتفاضة ضد العدوان الأمريكي من أجل إلهاب الأرض كلها، وهو ما سيُعجز المحتل الأمريكي عن السيطرة، ويشل حركته المنضبطة، وينقله من حالة الهجوم والسيطرة، إلى حالة الدفاع والارتباك؟ و لا شك أنه سيشحذ الهمم لمد يد العون المادي؛ فقد تحرك المئات من العراقيين بالمؤن والإعانة لإخوانهم من أهل الفلوجة، شعوراً بواجب الأخوة؛ فكيف إذا تعمق الشعور ليصبح خوفاً من الإثم وعقاب الله جل وعلا، ولربما أيضاً تحركت بعض القوى الشعبية في بعض البلاد العربية فتبدأ في إنشاء لجان لمساعدة المنكوبين من أهل العراق. ز - بيان ظلم الظالم، وخطأ المخطئ؛ مما يساعد على تقييم الوضع الإسلامي والعربي تقييماً صحيحاً، ويساهم في محاصرة الخطأ والمخطئ معنوياً ومادياً. هاتان هما القضيتان الرئيستان اللتان خلت عنهما الأطروحات الإسلامية المتعلقة بالوضع العراقي، واللتان يمكن ملء الفراغ الناتج عنهما بالحوار الفعال والصريح بين خبرات متنوعة: عسكرية، سياسية، اقتصادية، اجتماعية، إسلامية، وغير إسلامية؛ فالمهم أن تكون مخلصة في إسداء النصح لحركة التحرر العراقية القائمة. تبقى إشكالية ليست بالكبيرة تتعلق بطرق إقامة هذه الحوارات؛ لكن يمكن أن تُتجاوز هذه الإشكالية بإقامة بعض الندوات في بعض البلاد العربية التي يتاح للحريات فيها شيء من النفس، أو بتناول هذه القضية من خلال مواقع الحوار على شبكة الإنترنت، أو نحو ذلك. نسأل الله أن يكشف الغمة، ويلهم أهل العلم القيام بالواجب، والله المستعان.

стр. 4977

مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية يحيى أبو زكري كل المقاييس التي يعتمد عليها خبراء الاستراتيجية تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية مقبلة على سقوط حضاري وسياسي مما يمهد لبروز قوى أخرى، وهذه المقاييس في غاية الدقة؛ إذ تستند إلى مؤشرات واقعية معاصرة، وإلى مؤشرات تاريخية تتمثل في استكمال الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية للدورة الحضارية التي تمتد بناء على استقراء شبه كامل لمدة خمسة قرون، وقد بدأت النهضة الغربية تحديداً قبل خمسة قرون وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا. وكل هذه المؤشرات الواقعية والتاريخية مردفة بالإجماع الشعبي العربي والإسلامي والبشري المناهض للسياسة الأمريكية القائمة على نظام مختل يخدم طرفاً واحداً وهو الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على اختلال توازن القوى لصالحها، فإن السقوط الحضاري يكمن دائماً في أوج القوة الحضارية كما يذهب إليه (أرنولد توينبي) صاحب كتاب: (تاريخ البشرية) . _ الدورة الحضارية: إن الذي ينعم النظر في حركة التاريخ يتجلى له بوضوح أن أقصى ما تعمره أي قوة حضارية هو خمسة قرون لتنتقل الدورة الحضارية إلى بقعة أخرى تكون قد استجمعت شروط الانطلاق النهضوي والحضاري. وهذا ما تجسد بالفعل في التاريخ البشري؛ إذ إن المدرسة المسيحية سيطرت على الساحة الدولية في ذلك الوقت لمدة خمسة قرون، وبعد ظهور الإسلام انقرضت حضارة روما التي قامت على أساس الديانة المسيحية فاسحة المجال أمام المد الإسلامي الذي يخضع هو الآخر لقوانين التاريخ وسنن الله في الكون، وقد تقلص هذا المد بفعل ظروف تاريخية معروفة للباحثين، فعاودت التوجهات الرومانية النهوض من جديد، لتتعثر مسيرتها بعد فتح الأندلس، ثم إن التوجهات ذات الموروث الروماني استعادت أنفاسها لتسقط إلى حين أمام المد العثماني الإسلامي. وبعد أن استكمل هذا المد دورته تساقط (١) . لتنبعث من جديد القوة الغربية مشبعة بتراث المسلمين الفكري والسياسي، ومشبعة بتجارب مستقاة من واقع التجربة الإنسانية المليء بالأحداث. ومذ ذلك التاريخ والحضارة الغربية هي المتحكمة في مجريات الأمور الثقافية والصناعية والسياسية والعسكرية والتقنية والأمنية. وبعد هذه الدورة التامة التي ساد فيها الغرب ستميل هذه الدورة إلى جهة أخرى، خصوصاً إذا علمنا أن شروط انتقال هذه الدورة قد بدأت تتوفر في الجهة التي تنتظر دورها في توجيه الحضارة الإنسانية المعاصرة. وقد تمكن العديد من المفكرين الغربيين من الوصول إلى هذه النتيجة كروبنسون، وبرتراند راسل، وروني دوبو، وروجي غارودي، وروني جينه، وغيرهم. _ الخلل الكبير: إن أعظم ما انتاب الولايات المتحدة الأمريكية ـ والحديث عنها يشمل المتحالفين معها في الكتلة الغربية ـ هو انعدام التوازن في مشروعها النهضوي؛ فبدل أن تهتم بالإنسان كجوهر اهتمت به كعَرَض، مما يجعل التقنية المتطورة التي بلغتها تسير على غير هدى حضاري، وهذا من شأنه أن يعرض ليس أمريكا فحسب بل الإنسانية بكاملها لعملية الانقراض الشاملة. وهذا الانعدام في التوازن ولَّد التخطيط المشوه؛ إذ إن أمريكا سخرت آلاف المليارات من الدولارات لدعم التسلح والترسانة العسكرية على حساب المجالات الاجتماعية الأخرى، وهذا ما أنتج طبقة فقيرة في المجتمع الأمريكي قد تتحول مع مرور الأيام إلى قنبلة موقوتة في وجه الشركات الأمريكية الكبرى ذات النفوذ الواسع في السياسة الأمريكية. _ الانسداد السياسي: لا شك في أن السياسة الأمريكية تعتمد على الثوابت والمتغيرات، وفي بعض الأحيان فإن الثوابت تؤدي إلى الانسداد السياسي ما دامت تعتمد على القوة العسكرية التي هي ضرورة لتقوية القرار السياسي. وهذا المنطق وإن كان يفيد في بعض المراحل لكنه ومع مرور الأيام ومع تغير الظروف الدولية يصبح عالة على أصحابه؛ لأنه في خاتمة الدرب تجد أمريكا نفسها قوية في جانب ومخفقة في مئات الجوانب الأخرى، ولا أدل على ذلك من الاتحاد السوفياتي السابق الذي اعتمد على التسليح العسكري ليجد نفسه بلا خبز في نهاية المطاف، أو مثل الجزائر التي اعتمدت في عهد هواري بومدين على الصناعات الثقيلة مهملة الزراعة لتجد نفسها في نهاية المطاف بلا صناعة ولا زراعة. وقد يقال: هذا قياس مع الفارق باعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية تتسم خطتها التنموية بالتكامل، وهذا ما يجعل كافة المجالات الاقتصادية في وضع متميز، إلا أن هذا الكلام يصبح ذا دلالة لو كانت أمريكا تتبع منهاجاً غير ذاك المتبع من قبلها؛ إذ المعروف أن أرباب المزارع يتلفون ملايين الأطنان من الحبوب والحنطة حفاظاً على الأسعار المعروضة في السوق؛ فما دامت مصلحة الكبار هي التي تؤخذ في الحسبان فإن الأمور قد تنعكس سلباً على أمريكا. _ مؤشرات السقوط الداخلي: عوامل كثيرة داخلية ترشح أمريكا للتساقط السريع مستقبلاً نوجز منها ما يلي: صراع الكبار: قلَّ من يعرف عن الصراع الشديد والمستتر بين الشركات الجبارة التي تتحكم في الاقتصاد الأمريكي واقتصاديات العالم الثالث، ودليل هذا الصراع يكمن في الانشطار السياسي بين الامبراطوريات المالية، فبعضها يدعم الحزب الجمهوري، وبعضها الآخر يدعم الحزب الديموقراطي، وأخرى تدعم اللوبي الصهيوني وبينهما علاقة تحالف وثيقة، وامتد هذا الصراع إلى خارج الخارطة الأمريكية وكل امبراطورية مالية تملك رؤية استراتيجية في كيفية إدارة السياسات والاقتصادات ولا سيما في العالم العربي والإسلامي حيث الثروات الهائلة. والمفارقة أن كل شركة متعددة الجنسيات تملك مركزاً استراتيجياً يعمل فيه خبراء في الاستراتيجية والجيوبوليتيكا. وقد تتضارب مصالح الكبار لينعكس ذلك على اللعبة السياسية الرسمية المتداخلة كثيراً مع البترودولار والمال ومصادره بشكل عام. أمريكا دولة الجرائم: إن انتشار الجريمة بشكل مذهل في الولايات المتحدة الأمريكية يدل على الانكسار الرهيب في المجتمع الأمريكي، وعلى الطبقية في هذا المجتمع المخملي. وبرغم الإجراءات المتخذة للحد من ظاهرة الجرائم إلا أن كل الإجراءات باءت بالإخفاق، وقد تتفاقم هذه الطبقية لتتحول إلى ثورة اجتماعية كما حدث في فرنسا أيام الثورة الفرنسية، وقد تمكن كارل ماركس من تشخيص منتهى الرأسمالية عندما أشار إلى أن المجتمعات الرأسمالية ستثور على الوضع القائم، إلا أن كارل ماركس أخطأ النتيجة عندما قال: إن هذه المجتمعات الرأسمالية عندما تثور على الرأسمالية ستنتهي إلى الماركسية التي ماتت؛ شأنها شأن الرأسمالية الآيلة إلى الموت. وتفاقم الطبقية لا يميز الوضع العام في أمريكا فقط، بل بات الهاجس اليومي في أوروبا أيضاً، ومثل هذه النتيجة حتمي في مجتمع يفتقد إلى أدنى موازين العدالة، ولا يعترف بالفقراء والمنبوذين، بل إن الحياة للأقوى كما قال (نيتشه) ذات يوم. وقد تتلاقى صيحات المستضعفين في أمريكا وأوروبا والعالم الثالث أيضاً، وهو مؤشر على الفصام النكد بين القيادة السياسية في أمريكا المدعومة من قِبَل رجال الأعمال وبين الطبقات المسحوقة. وإذا غالطت أمريكا الرأي العام لديها بتوجيه أنظارهم إلى الساحة السياسية الدولية فسوف يأتي اليوم الذي يلتفت فيه المسحوقون في أمريكا إلى واقعهم ويحتجون عليه بقوة. القوة السوداء: ما زال السود في القارة المغتصبة ممنوعين من العديد من الحقوق السياسية، ولا يمكن تقبُّل وجود شخص أسود في البيت الأبيض الذي احتكره البيض فقط من رجالات القرار في أمريكا رغم الديموقراطية الأمريكية التي تحولت إلى معزوفة. وما زالت القوة السوداء تتعرض إلى اعتداءات من قِبَل المنظمات العنصرية التي تطالب بضرورة إخراج هؤلاء من أمريكا وإرجاعهم إلى إفريقيا. وتسجل الدوائر الرسمية بحذر شديد الاعتداءات على السود من قِبَل البيض والعكس صحيح، وقد تورط رجال أمن في قتل شباب سود وهو الأمر الذي فجَّر عشرات التظاهرات السوداء الغاضبة على الإدارة الأمريكية، وهذا التمزق والصراع العرقي واللوني مرشح لمزيد من الاتساع كما يقول علماء اجتماع أمريكيون. الهنود الحمر: المعروف أن الهنود الحمر وإلى يومنا هذا يطالبون بحقوقهم السياسية والاجتماعية، وإذا كان الصراع سابقاً بين السكان الأصليين لأمريكا والدخلاء عليها يتم على شكل حرب عصابات وقتل بالجملة من قِبَل الدخلاء الأمريكان للهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا، إلا أنه اليوم انتظم في شكل تكتلات سياسية وتنظيمات هندية أمريكية أحرجت أمريكا في الداخل والخارج، والولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي حماية الأقليات ونصرة حقوق الإنسان ـ الوجه الآخر للتدخل الأمريكي في الدول الآمنة ـ لم تأبه لمطالب الهنود الحمر الذين ما زالوا يحتجون على السياسة الأمريكية تجاههم، وما زالت تجمعاتهم في أمريكا وتحديداً في الغرب الأمريكي تتناقل حكايات إجرام العصابات الدخيلة في حق أجدادهم. والصراع بين السكان الأصليين والدخلاء على أمريكا مرشح للبروز في أي لحظة؛ لأن عوامله ما زالت قائمة، وقد يؤدي هذا إلى خلق فجوة كبيرة في التركيبة الاجتماعية الأمريكية، وقد تكون الترسانة العسكرية الأمريكية سبباً آخر لإبادة أشخاص يحملون الهوية الأمريكية. تفكك التركيبة الاجتماعية في أمريكا: لا يمكن للشعوب الهجينة أن يستمر تجانسها خصوصاً في ظل غياب عقيدة واحدة تنصهر فيها كل الفروقات العرقية، والولايات المتحدة الأمريكية يسود فيها شعب متباعد الأطراف، هذا الشعب الذي تشكَّل من هجرات متباينة من مختلف المناطق الأوروبية والإفريقية والآسيوية، وهذا التباعد العرقي يصحبه تباعد ديني وعقائدي؛ إذ إن الولايات المتحدة الأمريكية تكاد تشبه الهند في عدد الديانات والمذاهب والتيارات الفكرية والفلسفية السائدة فيها، والشيء الوحيد الذي ما زال يحافظ على التماسك بين أعراق الشعب الأمريكي هو المصلحة الاقتصادية، وأي ضعف اقتصادي حقيقي في أمريكا قد ينعكس سلباً على تماسك الأعراق فيها. _ مؤشرات السقوط الخارجي: لئن كانت الحرب الكونية الثانية عوناً لأمريكا في ضم أوروبا إليها؛ فإن الظروف الآن تغيرت بشكل قد يؤدي إلى حدوث طلاق كامل بين أوروبا وأمريكا؛ حيث بدأت أوروبا ترفع صوتها عالياً منددة بمحاولات السيطرة الأمريكية في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، ومشروع أوروبا الموحدة يحمل في طياته إرادة الانفصال عن أمريكا التي تفردت بصناعة كافة القرارات العالمية، وإذا استطاعت أوروبا أن تؤطر نفسها فسوف تفقد أمريكا الكثير من حيويتها في أوروبا، كما أن التنافس الاقتصادي بين اليابان وأمريكا مرشح أن يتحول إلى صراع سياسي؛ لأن القوة الاقتصادية اليابانية المتدفقة تملي عليها استغلال العامل الاقتصادي للتأثير على السياسة العالمية. وللتذكير فقط فإن العلاقة بين أمريكا وأوروبا كانت في بداية المطاف اقتصادية، ثم تحولت إلى نفوذ سياسي وعسكري. ولم تتمكن الولايات المتحدة حتى الآن من التغلغل في العمق الصيني، وما زالت الصين حذرة من النشاط السياسي والاقتصادي والعسكري الأمريكي في القارة الآسيوية. والعالم الإسلامي من جهته تجلى له بوضوح أن أمريكا تستهدف امتصاص خيراته وصياغته من جديد. وما زال هذا العالم يتكبد الآثار السلبية للتوجهات الأمريكية البراغماتية القائمة على إفراغ العالم الإسلامي من المقومات النهضوية الفكرية والمادية. _ أمريكا والكيان الصهيوني: لقد استفاد الكيان الصهيوني من اللوبي اليهودي الواسع النفوذ في الولايات المتحدة الأمريكية. وللعلم فإن العديد من المنظمات المسيحية الأمريكية بدأت تستشعر الخطر الصهيوني على أمريكا نفسها وعلى العقيدة النصرانية، وبدأت تتحدث عن الأخطار المحدقة بالنصرانية كتوجه عقائدي وسياسي، وقد تدخل هذه التوجهات المسيحية المستيقظة في صراع سياسي مع اللوبي اليهودي في أمريكا لينعكس ذلك تذبذباً على المسار السياسي الأمريكي. _ كوارث غير منتظرة: يؤكد خبراء الزلازل والبراكين أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتعرض في السنوات المقبلة إلى بعض الكوارث الطبيعية؛ إذ إنها تقع في خط طول ٤٠، والأقاليم الواقعة في هذا الخط ستشهد نشاطاً زلزالياً رهيباً في السنوات المقبلة. وإذا أضفنا إلى هذه الكوارث المحتملة ما يلم بأمريكا من أمراض خطيرة وفتاكة فإن أمريكا ستكون مرشحة إلى ضربات السماء أيضاً، ولا يمكننا استبعاد الوعود الربانية القاضية بنهاية الظلم والاستبداد سواء بسنن الطبيعة أو غيرها من العوامل. ويبين القرآن الكريم في قصص الماضين أن هناك علاقة طردية بين تفاقم الظلم والسقوط الحضاري الأكيد، وكثيراً ما يربط القرآن الكريم بين ظلم الأمراء وسقوط الأمم. _ بروز القوة الثالثة: إضافة إلى الإرادة الربانية الواعدة بتمكين المستضعفين في الأرض والقاضية بتمهيد الأرضية لهم في خاتمة التكامل الكوني المنتهي إلى الإسلام، فإن المؤشرات تدل على أن هناك مخاضاً كبيراً في عالمنا الإسلامي، وإرهاصات توحي بقرب قيام العالم الإسلامي بدور كبير على صعيد المنظومة الإنسانية؛ وذلك للعديد من الأسباب أيضاً، ومنها أن الإسلام أصبح مطلباً جماهيرياً لشعوب العالم العربي والإسلامي، والظروف الداخلية والخارجية هي التي حالت دون أن يتحقق هذا المطلب الفطري والحضاري في نفس الوقت. وعلى صعيد آخر فإن كل المدارس الوضعية قد أخفقت في تحقيق أدنى ما يتمناه الإنسان المسلم، وهذا الإخفاق هو السمة المميزة لكل القطاعات والمجالات، كما تأكد للشعوب العربية والإسلامية بأن الإسلام هو الإطار الطبيعي للمنطلقات النهضوية والحضارية، وفي هذا السياق تأكد لهذه الشعوب أن التبعية للغرب لم تزدنا إلا انتكاساً وتراجعاً، وفي عصر العولمة الظالمة يصبح الإسلام هو الملاذ الذي يقي الشعوب العربية والإسلامية من الذوبان والانقراض. _ سقوط جورج بوش الابن: أكدت التظاهرات المنددة بالغارة الأمريكية على العراق يوم السبت ١٥/٢/٢٠٠٣م التي انتهت باحتلال العراق وسقوط النظام العراقي البعثي، والتي شهدتها معظم العواصم العالمية في كل القارات والتي كانت أشبه باستفتاء حقيقي حول السياسة الأمريكية في العالم، أن الرئيس الأمريكي جورج بوش لا يملك أدنى قاعدة شعبية على الصعيد العالمي؛ حيث دلت التظاهرات العالمية وبوضوح على أن السياسة الأمريكية غير مقبولة لا أوروبياً ولا عربياً ولا إسلامياً ولا أمريكياً على صعيد القارة الأمريكية برمتها، ولا آسيوياً ولا أسترالياً. ولم يسبق أن تَدافَع الناس في كل القارات وبهذا الزخم للتعبير عن شيء واحد: لا للسياسة الأمريكية التي تتخذ من الحرب وسيلة لحلحلة الأزمات الدولية، لا لمنطق الشرطي الوحيد الذي يريد أن يدير العالم حسب مصالحه الاستراتيجية، لا لأمريكا الجديدة التي تحتقر الآخرين وتَسِمُهم بالقِدَم. لقد فتحت أمريكا بمنطقها الأعوج كل الجبهات عليها، ولم تجتمع سابقاً قوى المجتمع المدني والمنظمات الأهلية والسياسية على شيء مثلما أجمعت على سقوط جورج بوش وسياسة السوبرمان التي يقودها. لقد هتف العالم بكل لغاته وبكل ثقافاته وبكل دياناته وبكل مذاهبه وبكل أعراقه وبكل أفكاره وبكل مراكزه الدينية ومرجعياته الفقهية والسياسية: لا لجورج بوش، لا لإحياء حركة الاستعمار، لا لاستحمار الشعوب، لا لسرقة أقوات الناس ونفطهم بداعي الحفاظ على العالم الذي ستبدده الترسانة النووية الأمريكية إذا استمرت أمريكا في قيادة العالم بهذه الطريقة. إن صحوة شعوب العالم واعتراضها على منطق الاستحمار الأمريكي الجديد، دليل على أن منطق الأحادية الأمريكي بدأ يتلاشى. وأشد ما يُخشى أن تلجأ الدوائر الأمريكية إلى لعبة أمنية جديدة تتخذها ذريعة لضرب دولة أخرى بعد العراق، تماماً كما حدث بين الداي الجزائري والسفير الفرنسي في الجزائر، عندما زار هذا الأخير، الداي الجزائري، وطالب الداي الجزائري ممثل فرنسا بتسديد الديون الجزائرية لفرنسا، وبينما كان الداي يروِّح عن وجهه بالمروحة انفلتت منه وتوجهت إلى وجه السفير الفرنسي؛ حيث اعتبرت فرنسا أن الداي الجزائري صفع سفير فرنسا، وكان ذلك سبباً لغزو فرنسا للجزائر سنة ١٨٣٠م. وقد تلجأ واشنطن إلى ما به تغير أمزجة الشعوب الرافضة لمذهبها الجديد القائم على سياسة الصفعة وفي الوجه مباشرة. ومهما ستكون عليه الترتيبات الأمريكية اللاحقة فإن واشنطن لا يمكنها أن تنسى تاريخ ١٥/٢/٢٠٠٣م عندما صرخت الشعوب بكل لغات أهل الأرض: لا لأمريكا. ومثلما كشفت هذه التظاهرات عن مدى سقوط السياسة الخارجية الأمريكية؛ فقد دلت أيضاً على أن صدقية أمريكا في العالم قد تلاشت وتبددت، ولا يمكن للشطائر الأمريكية الخفيفة المنتشرة عالمياً والتي يُقبل الناس على أكلها يومياً أن تنسي هؤلاء الناس المجازر الأمريكية في كل مناطق المعمورة، ولذلك خرج الناس زرافات ووحداناً مرددين شعاراً واحداً: لا للحرب، لا لسياسة راعي البقر، لا لسياسة وأد الهنود والمستضعفين في الأرض.

стр. 4978

فلنحذر سلاح الخيانة ممدوح إسماعيل يوم التاسع من إبريل عام ٢٠٠٣م غلف الصمت والحيرة عقول الحكماء لمدد مختلفة بحسب استيعاب كل إنسان لسقوط بغداد بتلك الطريقة المفجعة، وكان السؤال: أين ذهب صدام حسين والجيش؟ فخرجت أول إجابة علانية: إن صدام عقد صفقة غادر على أثرها العراق متجهاً إلى روسيا؛ وذلك في موكب السفير الروسي عند مغادرته بغداد أثناء الحرب، وعزز ذلك زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي للعاصمة الروسية في غضون تلك الأيام، وهي زيارة غامضة ومبهمة. وتوالت بعد ذلك الأخبار تتحدث عن خيانة الجيش أو على الأصح خيانة قائد الحرس الجمهوري المكلف بالدفاع عن بغداد، وتضاربت الأخبار بصورة لافتة للنظر، ولكن في خضم تلك الأخبار تبرز حقيقة واحدة ألا وهي الخيانة وقد تواتر الحديث عنها لدرجة اليقين. الخيانة سلاح قديم عرفته الحروب البشرية، واستخدمته الدول والجيوش في حروبها؛ وذلك لإضعاف جبهة أعدائها وتفكيكها تمهيداً للسيطرة عليها وإحراز النصر. وصور الخيانة متعددة منها ما هو متعلق بالحاكم لأمته، أو أعوان الحاكم، أو أفراد من الشعب لبلدهم. ولقد عهدت الحكومات لأجهزة مخابراتها بمهمة تتبع من تعتبرهم خونة، ولكن دائماً كان سلاح الخيانة يخفى؛ لأن طبيعة استخدامه تفرض سريته؛ ولذلك فإنه سلاح ربما يكون أخطر وأهم من الأسلحة النووية، وفي حرب العراق كان استخدام السلام النووي مستبعداً لتلاحم الجيوش في مناطق كثيرة؛ غير أن الولايات المتحدة كانت في معارك سياسية فيما يتعلق بالشرعية القانونية للحرب، فلا تريد أن تورط نفسها في رد فعل عالمي سيكون أشد في معارضة للولايات المتحدة؛ ومع ذلك قيل إنها استخدمت قنابل نووية تكتيكية إمكانياتها محدودة، ولكن أمريكا لجأت إلى استعمال سلاح الخيانة عندما فوجئت بالمقاومة غير المتوقعة في الجنوب، ووجدت أن استعمال سلاح الخيانة تكاليفه أقل ونتائجه حاسمة؛ وذلك ما أكده (تومي فرانكس) قائد الحملة العسكرية على العراق لوكالات الأنباء ونشر في الجرائد في العالم يوم ٢٥/٥/٢٠٠٣م؛ حيث ذكر أن عدداً من كبار ضباط الجيش العراقي الذين كانوا يتولون الدفاع عن عدد من المدن الرئيسية في العراق قد تقاضوا رشاوى من الولايات المتحدة لمنع قواتهم من قتال القوات الأمريكية الخاصة أثناء الحرب. وجاء في صحيفة الإندبندنت البريطانية عن أحد قادة وزارة الدفاع الأمريكية أن الرشوة التي قدمت لأبرز القادة العراقيين توازي تكلفة صواريخ كروز الذي تراوح قيمته ما بين مليون و ٢.٥ مليون دولار، وقال إن تقديم هذه الرشاوى حقق الهدف المطلوب دون إراقة دماء، وقال إن هذا الجزء من العملية العسكرية كانت له أهمية العمليات العسكرية نفسها وربما أكثر أهمية. هذا فيما يتعلق بخيانة كبار القادة العسكريين العراقيين. المقصود مما ذكر أن هناك تأكيداً على أن خيانة عجلت بسقوط بغداد على هذا الشكل المهين. ويأخذنا سقوط بغداد إلى القفز عبر التاريخ إلى الماضي ودخول التتار بغداد على يد الخائن (ابن العلقمي الرافضي) وكان وزيراً للخليفة العباسي ويذكر ابن كثير أن الوزير ابن العلقمي قبل دخول التتار بغداد كان يجتهد في صرف الجيش وإسقاط أسهمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام الخليفة المستنصر قريباً من مائة ألف منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر، فلم يزل في تقليلهم إلى أن لم يتبق سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهَّل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال؛ وذلك كله طمعاً أن يزيل السنَّة بالكلية، وأن يُظهر البدعة الرافضية، وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء المفتين) (١) . وما أشبه الليلة بالبارحة وتحالف الرافضة من أمثال الجلبي والخوئي وغيرهما مع الأمريكان تحت مسمى المعارضة العراقية، وتهليل الشيعة العراقيين يوم ١٩/٤/٢٠٠٣م، للقوات الأمريكية عند دخولهم بداية مدينة صدام إحدى ضواحي بغداد. وعندما نقلب صفحات التاريخ سوف نجد صفحات أخرى سوداء للخيانة منها ما فعله الوزير شاور في مصر مع الصليبيين عندما هجموا على مصر عام ٥٦٤هـ وفتح لهم، شاور البلاد وجعلوه نائباً لهم وحرق الوزير شاور مصر إرضاء للإفرنج، وظلت النار تشتعل في مصر ٥٤ يوماً كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية، وقتل الخائن شاور بأمر حاكم مصر (٢) . وكانت هناك مؤامرة للقوم مع اليهود ضد قوات القائد المسلم نور الدين محمود والقائد البطل صلاح الدين الأيوبي؛ فقد اتفق كل من مؤتمن الخليفة العاضد في مصر، ومقدم العساكر على مكاتبة الصليبيين واستدعائهم إلى البلاد، وكتب رسالتهم يهودي، ولكن الله فضحهم، وقُبض على حامل الرسالة، وعند فتحها وجد فيها الآتي: (إن يتحرك الفرنج إلى الديار المصرية فإذا وصلوا خرج صلاح الدين بالعساكر إلى قتالهم فيثور مؤتمن الخلافة بمن معه على متخلفيهم يقتلهم، ثم يخرجون بأجمعهم يتبعون صلاح الدين فيأتونه من وراء ظهره والفرنج بين يديه فلا يبقى لهم باقية (٣) ، ومما يؤكد ضلوع الحاكم العبيدي في المؤامرة أن صلاح الدين وهو يصفي أطراف المؤامرة فوجئ بالحجارة والسهام صادرة من قصر الحاكم، وكان العاضد يرقب المعركة من القصر. وذكره المؤرخ ابن كثير بالآتي: (كان شيعياً خبيثاً، لو أمكنه قتل كل من قدر عليه من أهل السنة) (٤) . ونحن نقلب صفحات التاريخ نقترب من واقعنا المعاصر قريباً، ونفتح صفحات احتلال فلسطين والصراع مع اليهود ثم نقف عند صفحة سوداء من صفحات الخيانة. فقد نشرت جريدة أخبار اليوم المصرية بالعدد ٢٨٠ الصادر بتاريخ ١٨/٣/١٩٥٠م ـ نشرت خمس وثائق خطيرة بخط أحد الحكام العرب القدامى، وبخط كبار رجال حكومة إسرائيل تثبت اتصاله باليهود طيلة مدة حرب فلسطين وبعدها، وقد نشرت المطبعة السلفية مجموع تلك الوثائق تحت عنوان: (وثائق خطيرة) ودلت تلك الوثائق على اتصال ذلك الحاكم بـ (إسرائيل) واعترافه بها في الوقت الذي كان يموت الألوف فيه برصاص اليهود، وتضمنت مفاوضاته تسليم مناطق كثيرة في فلسطين لليهود، والتعهد بوقف الحرب ومنع الجبهات الأخرى من القتال كالجبهة العراقية، وأنه تعهد لليهود بتقسيم فلسطين بين اليهود والعرب. وبثت إحدى القنوات التلفزيونية مشاهد لحاكم عربي معاصر وهو يهبط في مطار بن جوريون قبل حرب عام ١٩٧٣م بساعات ليحذر (جولدا مائير) رئيسة وزراء (إسرائيل) من اندلاع حرب اتفق عليها العرب وهي حرب العاشر من رمضان ضد اليهود. وما سبق إشارات أو نقاط في الصفحات السوداء في تاريخ الخيانة، وهناك نقاط سوداء في الخيانة في الواقع المعاصر مشاهدة ومحسوسة للكثيرين مثل اغتيال القائد المجاهد خَطَّاب (سامر السويلم) في الشيشان؛ فقد تم دس السم له عبر عميل خائن، وكثير من الاغتيالات التي تتم في أرض فلسطين المحتلة ضد المجاهدين يتم عبر العملاء الخونة من الفلسطينيين الذين يتعاونون مع العدو اليهودي، والأمثلة كثيرة ومتعددة ومتنوعة حول استخدام سلاح الخيانة سواء ضد الأفراد أو ضد الدول، وغالباً ما يكون الخونة من منحرفي العقيدة والمنافقين. _ التحذير القرآني من الخيانة: ورد لفظ الخيانة في سورة الأنفال في ثلاث آيات ٢٧، ٥٨، ٧١، وفي كل آية يرد اللفظ مرتين، وهو لم يحدث في أي سورة من سور القرآن الكريم؛ ودلالة هذا التكرار تفيد الانتباه لأهمية الأمر؛ خاصة أن سورة الأنفال هي سورة الجهاد والقتال، ولقد بدأت السورة بأول معركة للمسلمين ألا وهي غزوة بدر، وهو ما يلفت النظر للحذر من الخيانة التي تكون خاصة في المعارك. يقول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] ، وقد أورد الإمام ابن كثير والقرطبي في تفسيريهما أنها نزلت في أبي لبابة ابن عبد المنذر حين أشار إلى بني قريظة بالذبح، وقال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله. وفي الآية ٥٨ من سورة الأنفال يقول الحق ﵎: ﴿وَإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] ، قال القرطبي: الخيانة هي الغدر، وقد ذكر القرطبي في تفسيره عند تلك الآية ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل غادر لواء يوم القيامة يُرفع له بقدر غدره؛ ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة» (١) ، وعقَّب القرطبي بقوله: قال علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ: إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره لما في ذلك من المفسدة. وفي الآية ٧١ من سورة الأنفال: ﴿وَإن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧١] ، وقد أخرج النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة؛ فإنها بئس البطانة» (٢) . _ صور مشرفة في مواجهة الخيانة: ١ - الصورة الأولى والمشهد الرائع في مواجهة الخيانة هو مشهد الصحابي الجليل كعب بن مالك عندما تخلف عن غزوة تبوك، ولم يجد عذراً يعتذر به عن تخلفه عن الغزو أمام رسول الله ﷺ ، وقد نهى الرسول ﷺ المسلمين عن الكلام مع كعب، ومرارة بين الربيع، وهلال بن أمية، ولبث كعب خمسين يوماً على هذا الحال حتى قال: تنكرت لي في نفسي الأرض؛ فما هي الأرض التي كنت أعرف، ثم يقول بعد تلك الأيام وما أشدها على النفس المؤمنة حين يذكر أنه كان يأتي رسول الله ﷺ فأسلم ويقول في نفسه: أحرَّك رسول الله سقنيه برد السلام عليَّ أم لا؟ حتى جاء يوم فتسور حائط أبي قتادة ابن عمه وأحب الناس إليه فسلم عليه فلم يرد عليه، فقلت له: أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ وأخذ يكررها مرتين وأبو قتادة ساكت حتى تركه وعينه تفيض من الدمع، وبينما هو على هذا الحال وهو يمشي في سوق المدينة إذا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له حتى جاء كعب، فدفع إليه كتاباً من ملك غسان، وكان كعب يجيد القراءة، فوجد في الكتاب: أما بعد: فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وإن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة؛ فالحق بنا نواسِك. قال كعب حين قرأه: وهذا أيضاً من البلاء. وقال: فتيممت التنور فسجرته به. ثم لما أتم أربعين ليلة من الخمسين جاءه رسول من رسول الله ﷺ أن يعتزل امرأته، وكان الأمر يشمل أيضاً الصحابيين الآخرين، فلما أتم الخمسين ليلة جاءه البشير بالفرج من الله والتوبة. وفي كعب وصاحبيه نزل قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] . إن قصة كعب مثلٌ عظيم لمن تتزلزل قلوبهم في المحن ويخونون الصف المسلم طمعاً في متاع الدنيا الزائل، وقد كثر هؤلاء لكثرة المحن التي تمر بها الأمة الإسلامية والحركات والجماعات الإسلامية. ٢ - الصورة المشرفة الثانية هي للسلطان عبد الحميد آخر خلفاء الدولة العثمانية المسلمة. فقد شهدت أيامه محناً واضطرابات وضعفاً وديوناً في غمرة أحداث كثيرة كانت تصب في ضعف الخلافة حتى سميت بـ (رجل أوروبا المريض) . قام اليهود بمحاولة خسيسة مع السلطان، فأوفدوا إليه الثري اليهودي (قره صو) وفي المقابلة قال (قره صو) للسلطان: (إني قادم مندوباً عن الجمعية الماسونية لتكليف جلالتكم بأن تقبلوا خمسة ملايين ليرة ذهبية هدية لخزينتكم الخاصة ومائة مليون كقرض لخزينة الدولة بلا فائدة لمدة مائة سنة على أن تسمحوا لنا ببعض الامتيازات في فلسطين. فما أن أتم (قره صو) كلامه حتى نظر السلطان عبد الحميد إلى مرافقه بغضب، وقال له: هل كنت تعلم ماذا يريد هذا الخنزير؟ فارتمى المرافق على قدمي السلطان مقسماً بعدم علمه، فالتفت السلطان إلى (قره صو) وقال له: (اخرج من وجهي يا سافل) فأرسل إليه (قره صو) برقية تضمنت أن رفضك سيكلفك ممتلكاتك وأنت شخصياً. لم يهتز السلطان عبد الحميد، ولقد حاول اليهود مرة ثانية عن طريق (هرتزل) اليهودي الذي حاول رشوة السلطان مقابل امتيازات لليهود في فلسطين، فرفض السلطان في إباء وشموخ وعزة وكبرياء ندر أن نجدها في هذا الزمان، ولقد كتب (هرتزل) الموقف في مذكراته فقال: (ونصحني السلطان عبد الحميد أن لا أتخذ أية خطوة أخرى في هذا السبيل؛ لأنه لا يستطيع أن يتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين؛ إذ هي ليست ملكاً له؛ بل هي لأمته الإسلامية التي قاتلت من أجلها وروت التربة بدماء أبنائها، كما نصحني أن يحتفظ اليهود بملايينهم، وقال: إذا تجزأت امبراطوريتي يوماً ما فإنكم قد تأخذونها بلا ثمن، أمَّا وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون عليَّ من أن أرى فلسطين قد بُترت من امبراطوريتي وهذا أمر لا يكون) . ولقد حاول اليهود مرة أخرى عن طريق حزب الاتحاد والترقي (يهود الدونمة) وقد ذكر السلطان تلك المحاولة في رسالة هامة لشيخه في مذكرات نسردها للعظة والتأمل والاستفادة التاريخية. يقول السلطان: (إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا عليَّ بأن أصادق على وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة (فلسطين) ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف وأخيراً وعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة ذهبية إنجليزية فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضاً، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: «إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعياً؛ فقد خدمت الأمة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة، فلم أسوِّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين؛ لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أبداً» ، وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سلانيك، فقبلت بهذا التكليف الأخير هذا، وحمدت ـ المولى ـ وأحمده أنني لم أقبل أن ألطِّخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين» . انتهى كلام السلطان عبد الحميد بصورة مشرقة عظيمة للصمود أمام الخيانة مهما كانت التضحيات. إنه مثال واقعي للامتثال لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] . ويبقى أن أهل الحق مطالبون في هذا الزمان أكثر من أي وقت مضى بالانتباه والحذر من الخيانة والخونة؛ وذلك للأسباب الآتية: ١ - علو أهل الباطل في شتى المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية. ٢ - كثرة المحن والابتلاء التي يتعرض لها أهل الحق. ٣ - كثرة المغريات ومتاع الدنيا الزائل وسهولتهما. ٤ - ضعف النفوس وضعف الإيمان. ٥ - التقدم التقني الهائل والسريع يساعد على تيسير الخيانة بدون أن ينتبه أهل الحق. ٦ - تفكك الأمة الإسلامية والخلافات بين الدول. ٧ - سذاجة بعض أهل الحق، وسذاجة تقييمهم للأشخاص. ٨ - تولية القيادة لأصحاب عقائد وأفكار فاسدة. ٩ - تغلغل الباطل وأهله في صفوف المسلمين. ١٠ - غياب دولة الإسلام والحكم بالقرآن والسنة. فاليقظة واجبة حيث إن سلاح الخيانة سلاح قوي وفتاك يزلزل الأمم، ويساعد على انهيارها، وينصر الأعداء ويقويهم؛ لذلك كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يدقق ويمحص في اختيار الولاة، وبعد الاختيار كان يرسل من يراقبهم ويأتيه بأخبارهم، ثم يحاسبهم على كل كبيرة وصغيرة، وكانت دولة الإسلام قائمة وقوية، والإيمان عامر في قلوب المؤمنين، وكان القائد عمر والرعية منهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان ﵄ فما بالكم ونحن في هذا الزمان؟ لذلك فليحذر المسلمون سلاح الخيانة في كل مكان.

стр. 4979

هموم الحياة محمد الحسناوي يا همومَ الحياةِ فُكّي إساري ورمتْني بأخبثِ الأوزارِ واتركيني لِحَومتي ونِفاري زينتْ لِيَ الحياةَ خفضَ جناحٍ اتركيني لِواغلٍ غدّارِ تستبيحُ العرينَ بيضاً وحُمْراً أحرقَ الدارَ واصطلى بالنارِ للثعابين، للذئاب الضواري اتركيني لِقاعدٍ مِهذارِ واللئيمُ، اللئيمُ حامي الذِّمارِ أطربتْه معازفُ التيَّارِ وأخٍ سادرٍ يعدُّ الدَّراري أعينَ البومِ أو قلوبَ الفارِ في عيونِ المها، وحبِّ النُّضارِ اتركيني لِواغلٍ غدّارِ خلبتْهُ بهارجُ الأنوارِ اتركيني؛ فما لِخلعِ العِذارِ عن سرابِ المُنى وراءَ الخِمارِ أتصبَّى، ولا لِكَرْعِ العُقارِ أشرعَ السورَ للضيوفِ أُلوفاً أنا لو تَسبُرينَ غورَ قراري ورفوفُ العلومِ أمستْ دُفوفاً أو تَشيمينَ بارِقاً من ثاري رقصتْ أختُهُ، وطافَ بنوهُ لَفَككتِ الإسار بعدَ الإسارِ لو بكى سيفُ (خالدٍ) أو (صلاحٍ) وطلبتِ النجاةَ قبلَ البوارِ فغدا السورُ يلفظُ الجرْذَ خِزياً ربًّ غيظٍ وأدتُه يتلظَّى كرماً سابغاً، وحُسنَ جِوارِ أنا كالنسرِ أرقبُ الجرْذَ تلهو أين منها عرائسُ الأفكارِ! تبتني جُحرَها بِمفرقِ رأسي بِشرابٍ مصفَّقٍ بالعارِ أطمعتْها سكينتي ووقاري أخرسوهُ بِضجة المِزمارِ من فُضولٍ تعلَّقتْ بِإزاري بعدَ حفزِ الأباةِ والأبرارِ بِفراخي، تعضُّ من أظفاري يا همومَ الحياةِ شُدّي إساري وتذودُ الهواءَ عن مِنقاري لستُ أرجو ولا عليكِ انتصاري فاستحمَّتْ بِدمعيَ المِدرارِ إنّ قلباً سما إلى الجبَّارِ أتلفتْ ما ابتنيتُهُ من فخارِ لَمُطيحٌ بِغارة الأخطارِ

стр. 4980

- أقوال غير عابرة - - «موقفهم هو: نعم للإصلاح! لكن ليس في عهدي» ديبلوماسي غربي حضر القمة العربية في تونس يفسر موقف الزعماء العرب من قضية الإصلاح. [الرأي العام، ٥/٤/١٤٢٥هـ] - «لقد شاهدنا مشاهد مرعبة وفظيعة، شعرت كأننا نهوي إلى قلب جهنم، وكان ذلك مما اقترفته أيدينا» السيناتور الديمقراطي ريتشارد دوربين من إلينوي بعد مشاهدته عرضاً خاصاً بنواب الكونجرس لأفلام وصور أبو غريب. [الوطن القطرية، ١٠/٤/١٤٢٥هـ] - «لقد أتى بهم الله.. وقد عادوا إليه» المسلمة النيجيرية جومعي عيسى تُعزي نفسها بعد مقتل زوجها وأبنائها الخمسة ضرباً حتى الموت على أيدي الميليشيات النصرانية. [النيوزويك، العدد، ٢٠٥] - «كيف من الممكن أن تسأل رجل أمن: هل كذب من أجل الأمن؟ طبعاً كذبت، من أجل أن تكون قوياً يجب عليك معرفة كيف تكذب» حاييم كرمون أحد أبرز المسؤولين الأمنيين السابقين في جهاز الأمن «الإسرائيلي» العام يتحدث إلى صحيفة هآرتس. [موقع المشهد الإسرائيلي، ٢٤/٥/٢٠٠٤م] - «أخف ما يوصف به مجلس الحكم هو أنه: أحمد الجلبي والعشرين حرامي» تشاس فريمان رئيس مجلس سياسة الشرق الأوسط في واشنطن. [الحياة، ١١/٥/٢٠٠٤م] - «ما دمت في منصبي هذا لن يتولى أي ضابط غير أمريكي القيادة على جندي أمريكي» دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي. [الوطن، ١٢/٥/٢٠٠٤م] - «تصوروا أسوأ الحالات وضاعفوها عدة مرات» السيناتور الأمريكي الديمقراطي رون وايدن بعد أن شاهد عرضاً خاصاً لمجموعة البنتاجون من صور سجن أبو غريب. [الجزيرة نت، ١٣/٥/٢٠٠٤م] - «أنا فخورة بالقتال من أجل بلادي ضد الإرهابيين وضد القذرين» شيماء جاسم (٢٢ عاماً) فتاة عراقية ضمن مجموعة نسائية تشمل ١٧ امرأة عراقية يدربهن الأمريكيون للانضمام إلى الشرطة العراقية. [البيان، ٢٣/٥/٢٠٠٤م] - «تحمُّل المسؤولية هذه الأيام لا يعني أكثر من مجرد النطق بهذه الكلمات السحرية: أتحمل المسؤولية» الصحفي الأمريكي فريد زكريا رئيس تحرير الطبعة الدولية من النيوزويك يسخر من إعلان رامسفيلد مسؤوليته عن فضائح أبو غريب. [النيوزويك، ١٨/٥/٢٠٠٤م] - أحاجي وألغاز - - في أي عام وقعت الأحداث الهامة التالية؟ ١ - أصدرت القمة العربية بيانها الختامي الذي ينص على استنكار الاجتياح «الإسرائيلي» لغزة واستنكار عمليات العنف ضد المدنيين والتضامن مع سوريا والبحث في إنشاء منطقة تجارة عربية حرة ... إلخ إلخ و.. تحديد موعد ومكان عقد القمة التالية. ٢ - ترشح الرئيس التونسي بن علي لفترة رئاسة تالية. ٣ - إعلان القذافي اعتزامه الانسحاب من الجامعة العربية. ٤ - عرفات يمد يده لرئيس الوزراء «الإسرائيلي» من أجل السلام. - الكذب بوقاحة فن أمريكي كشفت الجزيرة أن الجنرال جانيس كاربينسكي قائد وحدة الشرطة العسكرية المشرفة على سجن أبو غريب سابقاً كانت قد أجرت مقابلة مع صحيفة «سينت بيترسبورغ تايمز» في ديسمبر/ كانون الأول الماضي قالت فيها: «إن السجناء العراقيين في سجن أبو غريب يعيشون في ظروف أحسن من ظروفهم في بيوتهم الخاصة، ونحن نخشى أن لا يقبلوا مغادرة السجن إذا أطلقنا سراحهم» !!. [الجزيرة نت، ٢٦/٣/١٤٢٥هـ] - أنا وابن العم «سام» على «أبو غريب» في مقال نشرته صحيفة القبس الكويتية قال الصحفي الكويتي المعروف عبد اللطيف الدعيج: «الذين يقاتلون الولايات المتحدة في أي مكان ولأي سبب يقاتلون حليفاً للكويت وراعياً لأمنها، والذين يقاتلون الولايات المتحدة في العراق يعرضون المصالح والأمن الكويتي للخطر» ، وكانت الكويت من أقل الدول العربية استنكاراً لفضيحة تعذيب الأسرى في سجن أبو غريب، وتبرع قبل أسبوعين سفير الكويت السابق في واشنطن الشيخ سعود الصباح بمبلغ ٣.٥ مليون دولار لأُسر قتلى الجنود الأمريكيين. [٢٩/٥/٢٠٠٤م] - اليد الخفية ذكرت مصادر فلسطينية ان مصر تمارس ضغطاً على القيادة الفلسطينية لقبول الخطة الأمنية التي قدمتها مؤخراً، وصل إلى حد التحذير بأنها سترفع يدها عن أي تدخل في المنطقة إذا رفضت السلطة الفلسطينية هذه الخطة، ويذكر أنه لم تكن هناك أي ردود فعل مصرية اتجاه مجزرة رفح التي ارتكبها الصهاينة بحق الفلسطينيين. [بتصرف عن الراية القطرية، ٣١/٥/٢٠٠٤م] - بات الأصمّ بات روبرتسون أحد الأعضاء البارزين في فريق الرئيس الأمريكي جورج بوش، قال في مقابلة مع برنامج «نادي السبعمائة» يصف حملة بوش لإعادة انتخابه رئيساً لأمريكا: «أعتقد حقيقة أني أسمع من الرب أنه سيكون فوزاً ساحقاً في ٢٠٠٤م» .. والطريف أن صحفياً أمريكياً علَّق على ذلك بالقول: «كان روبرتسون قد تلقى إلهاماً مماثلاً أثناء حملة بوش الأب عام ١٩٩٢م وكلنا نعلم ما حدث» . [بتصرف عن النيوزويك، ٢٥/٥/٢٠٠٤م] - مرصد الأخبار - - البيت الأبيض: اختلافهم رحمة ثارت مؤخراً في واشنطن تساؤلات عديدة حول مدى التنسيق بين الوزارات والأجهزة المعنية بالأمن القومي الأمريكي، وذلك بعد أن ظهر تضارب كبير في الرأي بين وزير الأمن القومي توم ريدج وبين وزير العدل آشكروفت ورئيس الإف بي آي روبرت مولر، فقد عقد الأخيران مؤتمراً صحفياً استُبعد منه ريدج، وأعلنا فيه تزايد احتمالات وقوع هجوم إرهابي تشنه القاعدة في الشهور القادمة داخل الأراضي الأمريكية، وكان ريدج قد تحدث في برنامج «صباح الخير أمريكا» بشبكة تلفزيون «إيه بي سي» في وقت سابق على المؤتمر الصحافي، وقلل من التهديدات التي أشار إليها أشكروفت فيما بعد وقال إنها: «ليست أكثر التهديدات إثارة للقلق التي شاهدتها في العامين الماضيين» ، وعلق على ذلك كريستوفر كوكس النائب الجمهوري عن ولاية كاليفورنيا ورئيس لجنة الأمن الداخلي بالقول إن: «سبب تشكيل الكونجرس لوزارة الأمن الداخلي هو حاجتنا إلى دمج مختلف قطاعات الحكومة المسؤولة عن الحرب ضد الإرهاب في جهد متناسق واحد» ، وقال إنه: «من المؤسف أن ريدج لم يظهر مع أشكروفت ومولر؛ لأن ظهورهما المنفصل يعطي الانطباع بأن المشاورات بين الوكالات المختلفة التي نتوقعها لم تتحقق في هذه القضية» . وفي محاولة لتلافي آثار البلبلة التي أحدثها هذا التضارب في أوساط الرأي العام حاول المتحدث باسم البيت الابيض سكوت ماكليلان أن يضفي بعض الإيجابية على هذا الاختلاف؛ فقال: «ما ترونه هو أن المسؤولين يتحدثون حول هذا الأمر كل من موقع مسؤوليته» . - ذو القرنين في السويد حصلت المهندسة المصرية ليلى عبد المنعم على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الحكومة السويدية لابتكارها خرسانة مسلحة لا تؤثر فيها الزلازل أو حتى صواريخ توماهوك، وهو ما اعتُبر فتحاً كبيراً في مجال حماية المنشآت الاقتصادية والسياسية الحساسة وقت الحروب والكوارث الطبيعية، وصرحت الباحثة أنها استفادت من آيات سورة الكهف التي تحكي قصة ذي القرنين: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٦ - ٩٧] ، فذو القرنين وضع الحديد على الحجارة التي يبني بها وجعل بينهما الحطب والفحم حتى إذا ساوى بين جانبي الجبل قال انفخوا حتى إذا جعل الحديد كالنار أفرغ النحاس المذاب على الحديد المحمَّى فصار شيئاً واحداً؛ فما اسطاعوا أن يظهروه لارتفاعه وملاسته، وما استطاعوا له نقباً أي خرقاً لصلابته وسماكته، وهذه القاعدة القرآنية كما تقول الباحثة لا توجد في أي مبان في العالم حتى في الأهرامات المصرية؛ لأن الخرسانة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم لا يقدر على ثقبها أو نقبها إلا الله، وابتكارها يقدم تركيباً من حوائط البيتومين مع الحديد المنصهر ويتم استخدام الأسفلت مع الحديد بدلاً من الأسمنت، ثم تُدعم به المنشآت التي يراد حمايتها من الزلازل أو الصواريخ. [مجلة مواكب، عدد (٢١) ] - الإتش آي في يتحدى شياطين أمريكا كان مجرد النطق باسمه يلقي الرهبة والرعب في قلوب الأمريكيين، إنه فيروس الإيدز المعروف بـ HIV، وأدى اكتشاف الفيروس في جسد أحد ممثلي الأفلام الإباحية ثم ثلاث ممثلات أخريات شاركنه العمل إلى حدوث صدمة داخل الشركات التي تنتج هذه الأفلام فأوقفت نشاطها لمدة شهر، ولكن لم تستطع تحمل الخسارة المالية، فعاودت نشاطها من جديد؛ لأن كل يوم يكلفهم الكثير من المال، وقال تيم كولوني المسؤول في إحدى الشركات: «عدنا للعمل بشكل طبيعي، ونتمنى أن ننتج الكثير من الأفلام الجيدة» ، ويعمل في شركات إنتاج الأفلام الإباحية الأمريكية عشرات الآلاف من ممثلين ومصورين وغيرهم، وتنتج آلاف الأفلام سنوياً، ويقدّر حجم الأعمال في هذه الصناعة القذرة في الولايات المتحدة وحدها بمبلغ يتراوح بين ٤ و١٣ مليار دولار سنوياً. وفي صعيد مشابه نقل موقع البوابة (٢٠/٥/٢٠٠٤م) أن مركز البحوث القومي في أمريكا أعلن أن المواقع الإباحية تحقق أرباحاً هائلة تصل إلى مليار دولار سنوياً، وأوضحت بيانات إحصائية أن أعداد المواقع الإباحية على شبكة الإنترنت قد وصلت إلى ١٨ ضعفاً خلال الأعوام الستة السابقة، وفي عام ١٩٩٨م وصل عدد صفحات هذه المواقع الإباحية إلى ١٤,٣٦٦,٢٠٠ وكان عدد المواقع ٧١,٨٣١، بينما وصل هذا العدد ٦٢,٣٣٠,٤٠٠ صفحة موزاعة على ٣١١,٦٥٢ موقعاً خلال عام ٢٠٠١م، أما في عام ٢٠٠٣م فقد وصل عدد المواقع ما يقارب ١,٣٠٠,٠٠٠ موقع إباحي على شبكة الإنترنت، تضم ما يصل إلى ٢٦٠,٠٠٠,٠٠٠ صفحة.. وبقي أن نعرف أن أكثر هذه الشركات تتركز في ولاية كاليفورنيا التي يحكمها حالياً ممثل هوليود السابق آرنولد شوارزينجر..!! -.لو تأمركت أمريكا.. لانهارت أفاد المجلس القومي للعلوم (إن إس بي) الذي اسسه الكونغرس عام ١٩٥٠م لإسداء النصح لرئيس الولايات المتحدة في هذا الصدد في تقرير نشر حديثاً أن من أسباب حصول الولايات المتحدة على مكانتها الرائدة العلمية هو قدرتها التقليدية على استقطاب أعداد كبيرة من الكفاءات العلمية والهندسية من جميع أنحاء العالم، وحذر من أن تشديد الإجراءات الأمنية عقب ١١ سبتمبر وتخفيض أعداد تأشيرات الدخول أدى إلى إحجام بعض ألمع الطلبة الأجانب والنابغين من حَمَلة الشهادات العليا من المجيء إلى الولايات المتحدة، ونقلت وكالة (كونا) للأنباء أن روبرت ريتشاردسون الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام ١٩٩٦م، وأحد أعضاء المجلس، قال إن عدد الدارسين الأجانب حالياً من حملة شهادات الدكتوراه في الهندسة وعلوم الكمبيوتر في الولايات المتحدة يفوق عدد الطلبة الأميركيين الذين يدرسون المجالات ذاتها، وحذر ريتشاردسون من أن انخفاض عدد الطلبة الأجانب المتخرجين خلال العام الدراسي المقبل في الولايات المتحدة سيمثل مشكلة كبيرة للجامعات والصناعة الأميركية. وطبقاً لمؤشرات المجلس فإن معدلات رفض تأشيرات الدخول للطلبة الأجانب ارتفعت من ٢٧.٦% عام ٢٠٠١م لتصل إلى نسبة ٣٥.٢% عام ٢٠٠٣م، وعدد الطلبة الأجانب في الولايات المتحدة والحاصلين على شهادات عليا ومراتب وظيفية عليا عام ٢٠٠٠م بلغ ٥١.٣ % في مجالات العلوم الهندسية و٤٤.٩% في العلوم البيولوجية و٤٤.٦% في الرياضيات و٤٤.٧% في علوم الفيزياء، وهذه الأرقام تعني ببساطة أن الطلبة الأجانب لو انسحبوا من الولايات المتحدة فسيحدث انهيار كامل في مختلف المجالات العلمية، أي أن جهود الأمركة التعليمية والعلمية صالحة للتطبيق في كل مكان إلا أمريكا. - هل يحتل «الإسرائيليون» سيناء من جديد؟ «أريد أن أتساءل كما يتساءل كثيرون غيري: أين هو موقفنا مما يحدث في رفح؟ لماذا لا تتحرك مصر لإنقاذ أبناء شعبنا الفلسطيني من حرب الإبادة التي يتعرضون لها؟ إن ما يجري على الحدود مع مصر يمس الأمن المصري في الصميم، فطلقات الدبابات التي تهدم بيوت الفلسطينيين في رفح تسببت في تصدع وهدم عشرات المنازل في رفح المصرية. إن إسرائيل قررت إقامة خط بارليف جديد بيننا وبين فلسطين عبر حفر خندق مائي بطول الحدود بين مصر وقطاع غزة تحت زعم منع تسريب أسلحة للفلسطينيين، وهذه كلها ادعاءات زائفة؛ ذلك أن هذا المخطط يعني أن الدور قد جاء على مصر، وبأقرب ما يتصور الكثيرون، وإذا تأملنا ما نشرته الصحافة الإسرائيلية مؤخراً بأن هناك ضغوطاً تمارس على مصر حالياً بالتنازل عن ٣٥٠ كيلو متراً مربعاً من أرضها وبعرض ٢٠ كيلو متراً داخل سيناء، وبما في ذلك قطاع الشاطئ في مقابل قيام «إسرائيل» بإخلاء قطاع غزة لوضعنا أيدينا على قلوبنا. لقد تحركت مصر وبسرعة في قضية أشلاء الجنود الإسرائيليين؛ فلماذا لا تتحرك دفاعاً عن الشعب الشقيق الذي يتعرض لحرب الإبادة على يد القتلة والمجرمين؟ تصوروا معي لو أعلنت مصر أنها ستطرد السفير الإسرائيلي في حال استمرار العدوان على الشعب الفلسطيني، مجرد تهديد فقط لكان يمكن أن يوقف المجزرة. لقد صمتنا على اغتيال الشهيد أحمد ياسين، فكان طبيعياً أن يغتال الرمز المناضل د. عبد العزيز الرنتيسي، وكان طبيعياً أن تجتاح رفح، وأن تمارس حرب الإبادة بهذه الطريقة» . [مصطفى بكري رئيس تحرير الأسبوع القاهرية، ٢٤/٥/٢٠٠٤م] - لقطات سريعة -كشف الصحفي البريطاني روبرت فيسك أن المجندة الأميركية «إنغلاند» التي ظهرت وهي تجر أسيراً عراقياً برباط كلب هي امرأة متدينة وكثيرة التردد على الكنيسة. [الجزيرة نت، ٢٦/٣/١٤٢٥هـ] تبرع الممثل الأمريكي كريستوفر ريف بمبلغ ١٥٠ ألف دولار إلى معهد فايتسمان الإسرائيلي لإجراء أبحاث تتعلق بالشلل، ومن مواطن العبرة أن الممثل الذي اشتهر بأدائه لشخصية سوبرمان الخارقة الخيالية انتهى إلى الإصابة بحالة شلل كامل قبل سنوات، وهو متعاطف قوي مع اليهود. كشف شهود عيان أن جنوداً أمريكيين قاموا لدى اقتحامهم الفلوجة قبل أسابيع بقتل خمسة عراقيين وقطع رؤوسهم وأطرافهم قبل أن تقوم الدبابات بالمرور فوق أجسادهم وتسويها بالأرض، ونقلت المصادر أن فضائية عربية وصلها فيلم يصور تفاصيل العملية لكنها خشيت من بثه. [السبيل الأردنية، ٦/٤/١٤٢٥هـ] أصدرت محكمة بني براك الحاخامية «الإسرائيلية» مرسوماً يقضي بأن يستخدم الرجال والنساء أرصفة منفصلة في شارع الحاخام مويشه المزدحم في تل أبيب، ويشمل القرار الراشدين والأطفال، وسوف يستخدم الرجال الرصيف الغربي، والنساء الرصيف الشرقي حيث تكثر المحلات، ويذكر أن الكيان الصهيوني من أكثر دول العالم التي تتفشى فيها الدعارة وتجارة الرقيق الأبيض. [بتصرف عن الرأي العام، ١٣/٤/١٤٢٥هـ] كشفت مصادر أن أساليب التعذيب يتم تدريسها كمادة منهجية في كلية جون كيندي العسكرية للجنود الأمريكيين ومن مدرسيها الجنرال نورفيل دي أتكاين، وتعتمد في شقها العربي على مجموعة بحوث كتبها الخبير الأمريكي الإسرائيلي رافائيل باتاي تحت عنوان: «العقل العربي» اعتماداً على تمسك العربي ببعض القيم المرتبطة بالرجولة والشرف. [العراق للجميع، ٣/٦/٢٠٠٤م] سلمت الخارجية الأمريكية حكومة الكيان الصهيوني ٨٠٠ صفحة من الوثائق المتعلقة بيهود العراق للاستعانة بها في المطالبة بالحقوق المدَّعاة لهم، وتتضمن أملاكاً وعقارات وأموالاً مصادرة. وزعمت ناطقة باسم وزير الشتات اليهودي أن الوثائق جُرْدٌ للأملاك اليهودية، وكان وزير إعادة الإعمار العراقي السابق قد أقر لليهود بمطالباتهم المزعومة. [الزمان، ٢/٦/٢٠٠٤م] - رؤية ... زعيم تحت الصفر س: ما عدد المنتحرين الذين أوقفتموهم؟ ج: ٣٤ عملية س: ٣٤ عملية انتحارية؟ ج: ٣٤ عملية انتحارية س: بعد اغتيال الشيخ ياسين؟ ج: نعم في الأسابيع السبعة الأخيرة، وأنا أمد يدي إلى شارون والكنيست والشعب «الإسرائيلي» . هكذا تحدث ياسر عرفات إلى مذيع القناة العاشرة «الإسرائيلية» غير المصدق لما يسمع. ماذا قدم عرفات على مدى سنوات عمره المديد للقضية الفلسطينية؟ كان يسمي نفسه «مانديلا فلسطين» والأوفق أن يُسمى «موسوليني فلسطين» فهو يرفض القيادة الجماعية ويعتبر نفسه الأب والوالد والرمز والقائد للشعب الفلسطيني، ظهرت عليه معالم النبوغ في وقت مبكر، فلم يكد يمر على تأسيس فتح عام واحد حتى أحالته اللجنة المركزية للتحقيق عام ١٩٦٦م بتهمة التمرد وتبديد الأموال وإفشاء الأسرار وشراء الذمم، أراد أن يجمع كل الأطياف في منظمة واحدة فجمع كل المتناقضات في شخصية واحدة: بدأ حياته بالانتماء للإخوان المسلمين في مصر، ثم انتهى باتهام حماس بأنها صنيعة الموساد، فرّق أوراق القضية مجاناً على اللاعبين اليهود كما يُلعب الورق في كازينو القمار الذي أقامه بأموال الفلسطينيين، خدع الرأي العام بمفاوضات وهمية في واشنطن بينما كان وفده المقرب يوقع على ضياع القضية في أوسلو، اتهمه أحمد منصور مذيع الجزيرة والدكتور غازي حسين المستشار السياسي لمنظمة التحرير بأنه من أصل يهودي فادعى أنه من آل البيت وجدُّه كان نقيب الأشراف في القدس، اشتعلت الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٧م وفي ١٩٨٨م كان يلقي بيان الاعتراف بحق «إسرائيل» في الوجود باللغة الإنجليزية؛ لأنه ببساطة: الأمريكان لا يثقون به. من العام ١٩٧٢م إلى العام ١٩٩٢م اغتيل أكثر من ٥٠ مسؤول وقيادي فلسطيني؛ وللمصادفة البريئة كان أغلبهم من معارضيه، وكان ينجو دائماً من القصف قبل دقيقتين من وصوله، أو بعد دقيقتين من خروجه كما يقول الدكتور عبد الستار قاسم، تُروِّج «إسرائيل» دوماً لمحاولة اغتياله في أعقاب كل اغتيال لأحد قادة حماس البارزين. جمع عرفات حوله عبر ثلاثين عاماً أكبر عدد من العملاء والجواسيس والفاسدين لم تحظ بمثلهم أي حركة تحرر وطنية من قبل، والأنكى أن أكثرهم عمالة وفساداً أقربهم إليه؛ فالرجوب والدحلان يتبادلان اتهامات العمالة كما نتبادل التحية، واعتُقل ١٨ من أخطر العملاء أكثرهم من العسكريين الفلسطينيين، وخالد سلام الذي تمنَّى عرفات لو كان ابنه يستثمر أموال الشعب مع ضباط الشين بيت، وأبو العلاء قريع يَمُد اليهود بالإسمنت لبناء الجدار العازل بعد أن دعم المستوطنات بالباطون، والقضاء الفرنسي يحقق في تحويلات لحساب سهى عرفات بلغت ١١ مليون دولار، ومجلة فوربس قدرت أرصدة عرفات بـ ٣٠٠ مليون دولار، واتهم النائب حسام خضر ٥٨ من أعضاء المجلس التشريعي بالفساد فاعتقله «الإسرائيليون» بلا محاكمة، وأخيراً اعتصم ١٣٠ من قوات الأمن احتجاجاً على الفساد الذي أصبح كالماء والهواء. هل يستحق عرفات بعد كل ذلك أن يصف نفسه بأنه مشروع «شهادة» ؟ نحسب أنه مشروع «الشماتة» الأطول عمراً في تاريخ الأمة المعاصر. - مرصد الأرقام - - ٤٠ ألف من المرتزقة في العراق رفضوا تجديد عقودهم رغم الإغراءات الأمريكية العديدة، وسوف يدفع ذلك البنتاجون إلى جلب المزيد من الجنود الأمريكيين إلى العراق مستقبلاً. [الأسبوع، ٢٤/٥/٢٠٠٤م] - ٢٢ هو عدد التجارب النووية التي أجرتها الولايات المتحدة منذ العام ١٩٩٧م رغم توقيعها على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية بمشاركة ١٦٥ دولة. [إيلاف، ٢٥/٥/٢٠٠٤م] - ٩٦ ألف عائلة تعيش في شمال المغرب على تجارة المخدرات وتحديداً القنب الهندي، وقدَّر الخبير الفرنسي أندريه دوماس من جامعة مونبلييه في لقاء موسع بالدار البيضاء أن قيمة معاملات هذه التجارة ١٣ مليار دولار، يحصد التجار الأوربيون منها ٥٤% والوسطاء المغاربة ٤٤%، بينما تحصل العائلات الـ ٩٦ ألف على ٢% فقط. [الشرق الأوسط] - ٢.٤٨ مليون نسمة هو عدد سكان الكويت الإجمالي في نهاية العام ٢٠٠٣م حسب وزارة التخطيط وتبلغ نسبة المواطنين ٣٦.٨% بتعداد ٩١٣٥٠٠ كويتي والباقون من الأجانب، من بينهم ٤٠٠ ألف امرأة آسيوية يعملن خادمات في الأغلب. [فرانس برس، ٢٣/٥/٢٠٠٤م] - ١٥ ألف يموتون سنوياً في الجزائر بسبب التدخين موزعين كالتالي: ٧ آلاف بالسكتة القلبية، و٤ آلاف بسرطان القصبة الهوائية، و٤ آلاف بسرطان الحنجرة. [الجزيرة نت، ٣٠/٥/٢٠٠٤م] - ٤٢٢ مليار دولار هو إجمالي ميزانية وزارة الدفاع القياسية التي أقرها مجلس النواب الأمريكي للسنة المالية ٢٠٠٥م، ويهيمن الجمهوريون على المجلس بأغلبية ٣٩١ صوتاً مقابل ٣٤. [فرانس برس، ٢١/٥/٢٠٠٤م] - ترجمات عبرية خاصة بالبيان -محمد زيادة - «ما قام به الأمريكيون والبريطانيون في معتقلات العراق يمكن لآخرين أن يفعلوه في أي مكان في العالم، ونحن هنا في إسرائيل سمعنا عن نزع غطاء الإنسانية عن الفلسطينيين على أيدي جنودنا، ولا يجب أن نندهش لسماع ذلك؛ فهذا يحدث منذ سيطرنا على الأراضي الفلسطينية قبل نحو ٣٧ عاماً» . [الكاتب «شلومو جازيت» صحيفة معاريف، ١١/٥/٢٠٠٤م] - «في حالة تصعيد المواجهات مع حزب الله، فإن سوريا ستضطر إلى دفع الثمن باهظاً، قد يكون هذا الثمن مُدمراً لدمشق» . قائد المنطقة الشمالية العسكرية الصهيونية «بيني جانيتس» . [للقناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، ٢٩/٥/٢٠٠٤م] - «إذا لم تكن هناك أغلبية للموافقة على خطتي المعدلة للانسحاب من غزة فإنني سأخلق هذه الأغلبية» . رئيس الحكومة الصهيونية «أرييل شارون» في جلسة الحكومة الأسبوعية. [٣٠/٥/٢٠٠٤م] - «علقة ساخنة» من معتقلين فلسطينيين لضابط السجن «تلقت السلطة الخاصة بإدارة السجون الإسرائيلية معلومات حول حيازة أحد المعتقلين الفلسطينيين لسلاح داخل زنزانته، فتم تكليف وحدة خاصة مكونة من ثمانية أفراد وأنا منهم بالتفتيش عن السلاح داخل السجن، وعلم السجناء بمهمتنا فهاجوا وأخذوا يقذفوننا بالعلب الفارغة، وقاموا بسكب ما لديهم من زيوت على الأرض لإعاقة حركتنا في البحث عن أسلحة داخل الزنزانة، والقوا بما لديهم من سكر ومنظفات في وجوهنا، ولم يكن هناك بدٌّ من أن يقوم أحد السجانين بإطلاق الغاز المُسيل للدموع داخل الزنزانة، لكن الغاز أصابنا وأصاب السجانين، ولم يعد بإمكاننا رؤية أي شيء أمامنا، فانقض بعض المعتقلين علينا في الوقت الذي هرب فيه زملائي خارج الزنزانة، وقام المعتقلون بإغلاق الزنزانة وانهالوا عليَّ ضرباً مبرحاً» . الضابط الإسرائيلي «ميشر» لملحق سوف هشفوع العبري. [٢١/٥/٢٠٠٤م] - ليبرمان: الفلسطينيون سيبكون لو توليت الجيش «قلت لشارون أنا مستعد أن أخرج من السياسة من اليوم تحت شرط واحد هو أن يمنحني قيادة الجيش في «الأراضي الفلسطينية» المحتلة" لمدة ٣ أشهر فقط، ويخوِّل لي الصلاحيات التي تعطيني حرية التصرف على الأرض كيفما أرى، ولا يهمني أي شيء بعد ذلك. أتعهد أمامك يا سيد شارون بأن يبدؤوا في التوسل والبكاء طالبين المفاوضات ووقف إطلاق النار خلال هذه الفترة» . وزير المواصلات الإسرائيلي المتطرف «أفيجدور ليبرمان» . [صحيفة هآرتس ويديعوت أحرونوت، ٢٨/٥/٢٠٠٤م] - أخبار التنصير -أبو إسلام أحمد عبد الله - تحالف معمداني أنجليكاني لتنصير المسلمين قبل أسابيع في بريطانيا عقدت الكنيستان الإنجليكانية والمعمدانية العالميتان لقاءهما السابع في سلسلة محادثات التحالف العالمي المزمع عقده بين الكنيستين، وناقش الاجتماع ما لم يتم تحقيقه من توصيات سابقة حول التنصيرالعالمي المشترك بين الكنيستين، وتقرر إصدار تقرير ختامي مفصل قبل نهاية ٢٠٠٤م يركز على بعض الانعكاسات التي حدثت في مفاهيم الأنجليكانيين والمعمدان حول جهود التنصير في العالم، وعلى وجه الخصوص في العالم العربي. [موقع المجلس الاستشاري للكنيسة الإنجيلية في العالم، ٢١/٥/٢٠٠٤م] - شذوذ القسس يعرقل جهود التنصير!! في اجتماع قمة غير مسبوق بنيروبي أبريل الماضي، ضم رؤساء أكثر من ١٨ طائفة إنجليكانية وكاثوليكية في كينيا ونيروبي ونيجيريا والهند يمثلون أكثر من ٥٥ مليون نصراني، تحت رئاسة الدّكتور بيتر أكينولا، رئيس أساقفة كلّ نيجيريا، أكد المؤتمرون التزامهم بمواجهة التحديات الحرجة التي تواجه التنصير لقرار بعض الكنائس الإنجليكانية الكبرى مثل أبرشية ويست مينستر الجديدة، وأبراشية كندا لتكريس زواج المطلقات ومباركة أفعال القسس الشاذّين جنسياً وترقيتهم إلى رتبة أسقف، مما أساء كثيراً لجهود الإرساليات خاصة في المناطق الإسلامية الأصولية، وطالب المجتمعون أن يكون الاجتماع القادم في جنوب مصر، وتحت عنوان: كنيسة رسولية وكاثوليكية واحدة مقدّسة. [المصدر السابق، ١/٤/٢٠٠٤م] - الكنيسة الإنجيلية تهدد الحكومة السودانية اضطرت سلطات الخرطوم لتوقيف عدد من قيادات الكنيسة الأسقفية في ٢٦ مايو الماضي والتهديد بسحب ترخيص الكنيسة بسبب نشاطها الدعوي العلني رغم الإنذارات، وأبدى القسّ جون بيترسون أمين عام المجلس الاستشاري الإنجليكاني بأمريكا استياءه من الحكومة السودانية، ودعا إلى ممارسة ضغوط للسماح لأتباع الكنيسة بالعودة والاحتفال بعيد العنصرة في٣٠ مايو. [المصدر السابق، ٢٧/٥/٢٠٠٤م] - البابا يناشد كاثوليك أمريكا تنصير الثقافة دعا البابا جون بول الثاني عدداً من ممثلي أبراشيات أمريكية إلى مواجهة خطر نسيان المجتمع جذوره الروحية وانتماءه للكنيسة، وقال إن هذه الروح السلبية تتحدى خطط نشر الإنجيل وكثلكة الثقافة الكونية وتنصير المجالات المختلفة للحياة وبحسب تعبيره: evangelization للثقافة، وهو الأمر الذي يحتاج من الكنيسة إلى تقديم الإيمان الكاثوليكي بشكل مقنع، وإعداد مجموعات من الشباب لإجراء الحوار مع معاصريهم حول الرسالة المسيحية. [ (Zenit.org) ٢٨/٥/٢٠٠٤ م]

стр. 4981

الإرهاب.. وما أدراك ما الإرهاب ؟ د. عثمان جمعة ضميرية تكاثرت في الآونة الأخيرة الكتابات عن الإرهاب والإرهابيين، وتناول الكاتبون والباحثون والمحللون هذه الظاهرة من زوايا مختلفة، بأساليب شتى، ولأعراض متباينة.. تماماً كما تعوَّدنا أن نجد كل بضع سنوات اهتماماً بظاهرة أو مشكلة ـ حقيقية أو مصطنعة ـ تطفو على السطح وتُسخَّر من أجلها جيمع وسائل الإعلام ومنافذ النشر؛ فأحياناً يعيش العالم في حالة هوس بالمؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية، تعقد هنا وهناك، وأحياناً أخرى نلحظ عناية بالحديث عن الاستنساخ والهندسة الوراثية، وفي مرحلة أخرى يعيش العالم في حمى الجمرة الخبيثة مقترناً بالإرهاب، ثم تناسى الناس، أو تناسى أصحاب المصلحة، الحديث عن الأولى، ولا يزال الاهتمام بالثانية (الإرهاب) يتنامى ويتعاظم؛ حيث يتعاظم تأثير الدعاية والإعلام والإعلان في هذا العصر؛ إذْ أصبح وسيلةً من وسائل الضعط على الرأي العام، وقوة خطيرة مؤثرة في الإقناع (١) . كما أن دولاً ذات قوة ونفوذ في العالم، تحدوها مصالح خاصة، وأهداف غير خافية على المستبصرين والعاقلين، في استغلال هذا المصطلح ليكون وسيلة لها لتحقيق أهدافها ومطامعها. (١) وفي البداية: نلقي بعض الأضواء اللغوية على معنى هذه الكلمة وأصل اشتقاقها، لنصل بعد ذلك إلى تحديد المعنى الاصطلاحي لها والخلاف المنتشر حول ذلك؛ قبل الحكم على هذا المصطلح، أو الحكم له؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وتزداد أهمية هذا التحديد للمصطلح ـ أياً كان ـ إذا وضعنا بالحسبان أن اللغة هي أداة التفكير والبيان، وهي وسيلة التفاهم والتخاطب بين الناس، كما أن الألفاظ التي ينطق بها الإنسان ويعبر بها عما في نفسه قد تختلف دلالتها ومعانيها، عندما تغدو مصطلحاً فنياً يشيع استعماله في علم من العلوم. وكل مصطلح علمي ينشأ في بيئة فكرية وحضارية تؤثر فيه، وتجعله ينطوي على اتجاهات عقلية وحضارية تتفق وشخصية البيئة والأمة وذاتيتها. وهذا كله يعطي دليلاً آخر على أهمية تحديد المصطلحات العلمية ومعانيها؛ لئلا يلتبس الأمر ويقع الخلط والفساد والخلاف في النظر والاستدلال. وللإرهاب في جميع بلاد الله، وعند جميع خلقه، معنى محدود قارٌّ في حيزه من الإدراك، إلا في هذه الأيام، وعند حكومات الصليبيين الاستعمارية التي امتلأت حقداً على الإسلام والمسلمين، وعند الساسة المقلدين، فإن معناه غير محدود ولا مستقر، ويتسع إلى أقصى حدود الاتساع، فيحمل ما قارب وما باعد، وما جانس وما خالف، وما اطرد وما شذَّ، ويضيق إلى أقصى حدود الضيق، فتلتوي مسالكه وتنسد مجاريه، وتتهافت أقيسته، ولا يتبين فيه مورد من مصدر، كل ذلك بالتبع لأهواء الاستعمار المتباينة، وأهويته المتناوحة، والاستعمار كله رجس من عمل الشيطان، فغير غريب أن يكون من خصائصه تغيير الأوضاع والمعاني ليصحح لنفسه الألوهية المزورة إلى حين ... ويشبه هذا اللفظ (الإرهاب) ـ بسوء تصريف الاستعمار له ـ أن يصبح بلا معنى كالألفاظ المهملة؛ وكما جازف الاستعمار الصليبي سابقاً بكلمات كثيرة، كقوله: «عدو فرنسا» ، ... يرمي بها في كل اتجاه في غير هدف، ويَسِمُ بها كل من هبَّ ودبَّ ... فكان من آثار ذلك أن نبَّه الناس إلى عداوة فرنسا، وفتح لهم بما يردد من لفظها، وبما يبدع من أسبابها، أبواباً وطرائق ... كذلك جازف بكلمة الإرهاب.. يرمي بها حتى المصلين والحجاج والعاملين في مجال الإغاثة، فكان من آثار ذلك أن غمرت الناسَ موجةٌ مكتسحة من الكراهية والعداوة، ولا يجني الظالم إلا على نفسه، وإذا أراد الله خيراً بأمة جعل يقظتها على أيدي أعدائها (١) . وإذا عدنا بالذاكرة إلى ما سبق عن تأثير الدعاية ووسائل الإعلام في الجمهور، وإلى القدرة والبراعة في تحسين ما تعارف الناس على تقبيحه، وبالعكس، فإنه يظهر بجلاء أهمية هذا التحديد والتعريف العلمي للمصطلح، وهو في أصله يعود إلى المعنى اللغوي للكلمة. (٢) ففي اللغات الأجنبية؛ أتت كلمة (الرهبة) من اللغة اللاتينية، وبعد أن ضربت بجذورها في لغات المجموعة اللاتينية، انتقلت فيما بعد إلى لغات أوروبية أخرى؛ فهي في اللغة الفرنسية (Terreur) ، وفي اللغة الإنجليزية (Terror) ، وقد عرّفها «قاموس المورد» بمعان تندرج في ثلاث مجموعات: الأولى: تنتظم المعاني الآتية: رُعب، فظاعة. وفي المجموعة الثانية: كلُّ ما يوقع الرعب في النفوس، ومظهر رهيب، ومصدر قلق، وشخص أو شيء مروع، وبخاصة طفل مزعج. وجاءت المعاني الآتية في المجموعة الثالثة: الإرهاب، وعهد الإرهاب. وفيه أيضاً: (Terrorism) إرهاب، ذعر ناشئ عن الإرهاب. وكذلك: (Terrorist) الإرهابي. و (Terrorize) : يرهب، يروِّع، يكرهه على الإرهاب، أو يأمره به (٢) . كما يعرِّف «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية» المصطلح على أنه: حكم من طريق التهديد كما وجهه ونفذه الحزب الموجود في السلطة في فرنسا أيام ثورة ١٧٨٩ ـ ١٧٩٤. (٣) وفي اللغة العربية: جاءت الراء والهاء والباء لتدل على أصلين: أحدهما يدلُّ على خوف، والآخر على دقةٍ في الشيء وخفةٍ فيه. والذي يتصل بموضوعنا هو المعنى الأول؛ فيقال: (رَهِب) يَرْهَبُ ورُهْباً، ورَهْبَةً: خاف. و (رهَب فلاناً ورهّبه واسترهبَهُ) : خوّفه وفزّعه. و (استرهبه) أيضاً: استدعى رهبته حتى رهبه الناس. و (ترهّبه) : توعّده. و (الرّاهبة) : الحالة التي تُرهِب أي تُفْزع وتخوِّف. و (ترهَّب الرَّاهبُ) : انقطع للعبادة في صومعته. و (الرَّاهِبُ) المتعبد في صومة من النصارى، يتخلى عن أشغال الدنيا وملاذّها، زاهداً فيها معتزلاً أهلها. ويجمع على (رُهْبَان) . وقد يكون الرهبان واحداً فيجمع على رهابين ورهابنة و (الرَّهْبَانيَّة والرَّهْبنة) : التخلي عن أشغال الدنيا وترك ملاذّها والزهد فيها والعزلة عن أهلها، وأصلها من الَّرهْبة، ثم صارت اسماً لما فضل عن المقدار وأفرط فيه. وقال ابن الأثير: الرَّهبانية منسوبة إلى الرهبنة بزيادة الألف. و (الإرْهابُ) : الإزعاج والإخافة، تقول: يَقْشَعِرُّ الإهاب إذا وقع منه الإرهاب. ومن المجاز قولهم: أرهب الإبل عن الحوض: ذادها عنه وطردها، و (أرهب عنه الناس بأسهُ ونجدته) . ويقال: «لم أرْهبْ بك» أي: لم أسْتربْ وقالت العرب: رَهَبُوتٌ خيرٌ من رَحَمُوتٍ. يعني: لأن تُرهَب خير من أن تُرحَم. أو لأن تُرهِب خير من أن تُرحم. والمعنيان متلاقيان (٣) . (٤) وفي القرآن الكريم: جاءت الكلمات المشتقة من (ر هـ ب) في اثني عشر موضعاً، بصيغة الفعل الماضي والمضارع والأمر والمصدر. وتدور حول معنى واحد هو المخافة من شيء. ولذلك قال الراغب الأصفهاني في كتابه «مفردات ألفاظ القرآن» : «الرَّهْبةُ والرُّهْبُ والرَّهَب: مخافة مع تحرُّزٍ واضطراب» (٤) . وغالب استعمال الرهبة في القرآن الكريم إنما كان في الخوف من الله ـ تعالى ـ خشية له وفَرَقاً من عذابه، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] ، أي يرهبون ربهم ويخشون عقابه، أو يرهبون ما يغضب ربهم من الشرك والمعاصي. وقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] ، أي فاخشوني وحدي ولا تخشوا سواي. وقوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] . والمعنى أنهم يدعون ربهم في وقت تعبُّدهم، وهم بحال رغبةٍ ورجاءٍ وخوف في حالٍ واحدة؛ لأن الرَّغبة والرَّهبة متلازمان. وفي بعض الآيات الكريمة جاءت الرَّهْبَة بمعنى الخوف الطبيعي أو الغريزي مما يخاف منه المرء، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢] . فقد أمر الله ـ تعالى ـ موسى ﵇ أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحيّة (١) . وفي بعضها الآخر جاء الحديث عن الرَّهبة والاسْتِرْهاب من شخصٍ لآخر، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] أي أن سحرة فرعون لما ألقوا سحرهم صرفوا أعين الناس عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه والتخييل، وأرهبوهم وأفزعوهم (٢) . وكذلك المنافقون يَرْهبون المسلمين أشدَّ من رهبتهم من الله؛ لأنهم لا يفقهون عظمة الله تعالى، كما قال الله ـ تعالى ـ عنهم: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣] . وفي آيات كريمة أخرى جاءت كلمة الرُّهبان والرَّهبانية على الترهُّب عند النصارى، وهو التعبُّد، وهو استعمال الرهبة. والرهبانية هي الغلوّ في تحمل التعبُّد، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧] ، وقوله ـ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] . وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] . تلكم هي الآيات القرآنية الكريمة التي وردت فيها الرهبة ومشتقاتها، وهذه هي المعاني والتفسير الذي قال به العلماء قديماً وحديثاً، وبقي بعد هذه الآيات آية كريمة واحدة في سورة الأنفال قد يتأولها بعضهم على وجه يحلو له أن يفهم منه معنى قريباً من المعاني التي ألبست لهذه الكلمة في الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين باسم محاربة الإرهاب. (٥) فقد جاءت كلمة «تُرْهِبُون» في سياق الأمر بإعداد العُدة من السلاح ونحوه لتخويف الكفار والمنافقين، والذين نخاف خيانتهم وغدرهم ونقضهم للعهود والمواثيق. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ * فَإمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ * وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥ - ٦٠] . يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري ﵀ في تأويل الآية الأخيرة (تفسيرها) : «وأعدوا لهؤلاء الذين كفروا بربهم، الذين بينكم وبينهم عهد إذا خفتم خيانتهم وغدرهم، أيها المؤمنون بالله ورسوله. «ما استطعتم من قوة» يقول: ما أطقتم أن تعدوه لهم من الآلات التي تكون لكم عليهم، من السلاح والخيل «ترهبون به عدو الله وعدوكم» يقول: تخيفون بإعدادكم ذلك عدو الله وعدوكم من المشركين ... » . ونقل ابن عباس ﵄ في تفسير قوله ـ تعالى ـ: «ترهبون به» قال: تخزون به عدو الله وعدوكم ... » (٣) . وقال عبد الحق بن عطية الأندلسي في تفسيره: «المخاطبة في هذه الآية لجميع المؤمنين، والضمير في قوله ـ تعالى ـ: (لهم) عائد على الذين ينبذ إليهم العهد، أو على الذين لا يعجزون ـ على تأويل من تأول ذلك في الدنيا ـ ويحتمل أن يعود على جميع الكفار المأمور بحربهم في ذلك الوقت، ثم استمرت الآية في الأمة عامة؛ إذ الأمر قد توجه بحرب جميع الكفار» (٤) . (٦) والذي نخلص إليه في سياق الآيات الكريمة وما تتضمنه من أحكام وتشريعات: - أن الذين يعاهدون المسلمين، ثم يخلفون عهدهم معهم هم شر الدواب، ومن ثم ينبغي أن يؤدبهم المعسكر الإسلامي تأديباً يلحظ فيه الإرهاب الذي يشردهم ويشرد من وراءهم ممن تراودهم نية نقض العهد أو نية مهاجمة المعسكر الإسلامي. - أن المعاهدين الذين تخشى القيادة الإسلامية منهم نقض العهد والخيانة، فإن لهذه القيادة أن تنبذ إليهم عهدهم، وتعلنهم بإلغائه، ومن ثم يصبح في حل من قتالهم وتأديبهم وإرهاب مَنْ وراءهم من أمثالهم. - أنه يجب على المعسكر الإسلامي إعداد العدة دائماً، واستكمال القوة بأقصى الحدود الممكنة؛ لتكون القوة المهتدية هي القوة العليا في الأرض، التي ترهبها جميع القوى المبطلة، والتي تتسامع بها هذه القوى في أرجاء الأرض؛ فتهاب أولاً أن تهاجم دار الإسلام، وتستسلم كذلك لسلطات الله، فلا تمنع داعية إلى الإسلام في أرضها من الدعوة، ولا تصد أحداً من أهلها عن الاستجابة، ولا تدعي حق الحاكمية وتعبيد الناس، حتى يكون الدين كله لله (١) . (٧) وجدير بالذكر هنا: التأكيد على هذا الحكم الأخير والحكمة التي تتضمنه؛ لأنه يلقي ضوءاً على موضوعنا، ويبدد كثيراً من الشبهات: «فأما حدود التكليف بإعداد القوة فهي حدود الطاقة إلى أقصاها؛ بحيث لا تقعد الأمة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها. كذلك يشير النص إلى الغرض الأول من إعداد القوة ـ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب أعداء الله الذين هم أعداء العصبة المسلمة في الأرض الظاهرين منهم الذين يعلمهم المسلمون؛ ومَنْ وراءهم ممن لا يعرفونهم، أو لم يجهروا لهم بالعداوة، والله يعلم سرائرهم وحقائقهم. وهؤلاء ترهبهم قوة الإسلام ولو لم تمتد بالفعل إليهم. والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة ليكونوا مرهوبين في الأرض؛ ولتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله» (٢) . (٨) وفي الحديث النيوي الشريف: إذا رجعنا إلى أحاديث النبي ﷺ في كتب السنة المشهورة «كالصحيحين، والسنن الأربعة، وموطأ مالك، ومسند أحمد، وسنن الدارمي» ، نجد أن مادة «ر هـ ب» جاءت في أكثر من عشرين موضعاً بصيغة الفعل الماضي المجرد والمزيد، والمضارع كذلك، وبصيغة اسم الفاعل والمفعول، وبصيغة المصدر إلخ ... وكلها تشير إلى الخوف والفزع من الله تعالى، وإلى التعبد. وبعضها يشير إلى معانٍ أخرى، كما تقدم آنفاً في معنى هذه الكلمة في القرآن الكريم. فمن ذلك قوله ﷺ في حديث الدعاء الذي رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» ، عن البراء بن عازب: « ... اللهمّ أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك» الرهبة: الخوف والفزع. أي خوفاً من عقابك وطمعاً في ثوابك. وقد وردت جملة أحاديث في هذا المعنى. ومنه أيضاً ما يعني التعبد؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري، فيما رواه الإمام أحمد وأبو يعلى: «عليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام» ، وفي حديث سعد بين أبي وقاص الذي رواه الدارمي: «إني أومر بالرهبانية» ، وفيما هو مشتهر على الألسنة أنه «لا رهبانية في الإسلام» ، هي رهبنة النصارى ـ كما تقدم ـ بالتخلي عن أشغال الدنيا وترك ملاذِّها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتعمد مشاقها، حتى إن منهم من كان يخصي نفسه، ويضع السلسلة في عنقه، وغير ذلك من أنواع التعذيب، فنفاها النبي ﷺ عن الإسلام، ونهى المسلمين عنها؛ ففي الإسلام لا عمل أفضل من الجهاد، ولهذا قال: «ذروة سنام الإسلام الجهاد» (٣) . ومن معاني الرهبة التي جاءت في بعض الأحاديث: الخوف الذي يمنع المرء من عملٍ أو قول، كما في حديث أبي سعد الخدري، فيما رواه الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني بإسناد صحيح: «ألا لا يمنعنَّ أحدَكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده» . وجاءت الرهبة أيضاً في الأحاديث بمعنى الحالة التي تُرهب، وبمعنى الرهابة التي هي عضو كاللسان معلق في أسفل الصدر كما تتقدم في المبحث اللغوي للكلمة. وليس في هذه الأحاديث أي إشارة إلى شيء من المعاني التي يُلبسُها الناس اليوم لهذه الكلمة، أو يسقطونها عليها، عندما يستعملونها بصيغة (الإرهاب) التي لا نجد لها أي ذكر في القرآن الكريم، ولا في الحديث الصحيح أو غير الصحيح، كما أن كتب اللغة تكاد تخلو من هذه الصيغة التي لم تشتهر وتدرج على الألسنة والأقلام إلا في الآونة الأخيرة، وفي أعقاب وقائع وحوادث معينة. ولذك يجدر التأكيد على الفرق الكبير بين المعنى اللغوي والقرآني للكلمة وبين المعنى السياسي والاجتماعي المأخوذ عن اللغات الأجنبية والذي يمتد إلى عصر الثورة الفرنسية وما حدث فيها. (٩) وقبل ذلك نقف وقفة أخرى عند الآية الكريمة السابقة لنتبين المعنى الحقيقي الذي تدل عليه في السياق، وأهمية التفريق بين هذا المعنى في الردع، وبين ما يريدونه من معنى الإرهاب. يأمر الله ـ تعالى ـ بإعداد القوة والاستعداد بدرجة قصوى ليكون ذلك سبباً لردع الأعداء وإرهابهم قبل وقوع الحرب والقتال، فهي وسيلة لمنع الحرب من باب قول العرب: (القتل أنفى للقتل) . وتعتبر نظرية الردع مفتاح الاستراتيجية المعاصرة التي وصل إليها الفكر العسكري العالمي بعد معاناة قاسية وطويلة في حروب طاحنة اكتوى العالم بنارها خلال الحربين العالميتين، ثم وجد أخيراً الوسيلة لمنع وقوع مثل هذه المآسي، وهي استراتيجية الردع (١) . وهذه النظرية هي أول نظرية حربية في الإسلام منذ خمسة عشر قرناً، أرساها القرآن الكريم وأوضح معانيها النبي ﷺ في كثير من الأحاديث، وتناولها العلماء بالبحث بأسلوب يتفق مع العصر الذي يعيشون فيه. والغاية من ذلك الاستعداد هو الردع الذي يمنع الحرب؛ فقد أمر الله ـ تعالى ـ المؤمنين بإعداد السلاح وأدوات القتال ووسائله، والاستعداد بكل أنواعه قبل القتال إرهاباً للعدو وردعاً له بما يمنعه من التفكير في الاعتداء على المسلمين، فقال : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وأخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال ﵊: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطهن أحد قبلي ... ونُصرت بالرُّعب مسيرة شهر» . (١٠) خصائص نظرية الردع الإسلامي: وإنما ينبغي الإشارة إلى أنه لا بد من التأكيد على ما تتميز به استراتيجية الردع الإسلامي من نوايا سامية. فالمعروف أن نظرية الردع المعاصرة ظهرت وارتبطت «بالتوازن النووي» ؛ فطالما كان هناك بين القوتين العظميين في القوى النووية، فإن احتمال قيام الحرب بينهما يكون بعيداً جداً بسبب قدرة كل جانب على الرد والانتقام إذا وجهت إليه الضربة المدمرة أولاً. لكننا لو تصورنا أن إحدى القوتين تمكنت من إحراز تفوق ساحق على الأخرى بحيث يختل التوازن ـ وهذا أمر وارد تماماً ـ فالمتوقع أن تندلع الحرب النووية فوراً بالنظر إلى ما يسود العلاقات الدولية من توتر وتناقضات في المصالح. أما الأمة الإسلامية فإنها إذا تملكت القوة المتفوقة على أعدائها حتى يصبح ميزان القوى في صالحها فإن ذلك لا يغريها باستخدام تلك القوة ضدهم ما داموا ممتنعين عن العدوان عليها؛ فهي لا تتعدى حدود الردع ما دام يحقق هدفه، وهو إخافة العدو ومنعه من استخدام القوة. وهذا كله يقفُنا على المعنى الحقيقي لكلمة (ترهبون) ويبيّن أن الردع هو غاية الإرهاب للأعداء، وبذلك نتجنب شرور الحروب والفتن، ومن ثم فإن الاستعداد والردع أساليب وقائية من الحروب. وفي الحديث الصحيح: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، وإذا لقيتموهم فاصبروا» (٢) . (١١) وأما في الاجتهاد الفقهي المعاصر: فقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي بتاريخ ١٠/١/٢٠٠١ بياناً عن الإرهاب في أعقاب الحوادث الأخيرة، حدد فيه معناه فقال: «الإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول، بغياً على الإنسان (دينه، دمه، ماله، عقله، عرضه) ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق وما يتصل بصور الحرابة، وإخافة السبيل، وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أموالهم للخطر؛ فكل هذا من صور الفساد في الأرض. قال تعالى ـ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] . والإرهاب هو بغي بغير حق، وقال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . (١٢) وفي منتصف القرن العشرين الميلادي: بدأت كلمة (الإرهاب) في الظهور والانتشار في الكتابات السياسية والقانونية والاجتماعية، ثم انبرى مؤلفون وكتّاب غربيون وأخذوا على عاتقهم نشرها والتركيز عليها في كتب ومؤلفات قائمة برأسها تدرس هذه الظاهرة الجديدة، وتنامت الدراسات حولها في السبعينيات من القرن الماضي، ووصلت إلى ذروتها في بداية القرن الحادي والعشرين. وكان للقوة الإعلامية ووسائل الاتصال الحديثة، والهيمنة السياسية والفكرية لبعض الدول الغربية أثر كبير في الاهتمام بذلك وبخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام ٢٠٠١م، وكان قد سبق ذلك ألوان من الاهتمام بها، فعقدت المؤتمرات الإقليمية والدولية، وصدرت قرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأنشئت معاهد ومؤسسات لدراسة الإرهاب وطرق مكافحته، وصدرت كتب وبحوث ومجلات ودوريات متخصصة بدراسة هذه الظاهرة. وعلى الرغم من كثرة الدراسات والمؤتمرات، وعلى الرغم من البحث والتنقير والفحص والتعمق والاهتمام الكبير بهذه الظاهرة، إلا أن الغموض لا يزال يلفُّها، والضباب يضرب ستاراً كثيفاً حول معناها، فالتبس الأمر على الناس وأشكل، واشتبه واختلط حتى استُبهم واستُغلق، وأصبح وأمسى دون أن ينكشف المعنى ويستبين، ولم ينجَلِ الصبحُ لذي عينين! (١٣) وما أظن كاتباً أو باحثاً تناول الإرهاب بالدراسة إلا وقد رفع عقيرته بالشكوى من هذا الغموض. وفي هذا يقول أستاذنا الدكتور محمد عزيز شكري (عميد كلية الحقوق بجامعة دمشق، وأستاذ القانون الدولي العام فيها) : «ومع ذلك تجب الإشارة هنا إلى أن هذه الجهود المتضافرة من جميع الجهات قد أخفقت ليس في استئصال شأفة الإرهاب فحسب، وإنما أخفقت أيضاً في تحديد هذا «المفهوم الغامض» أيضاً. ولم يقل لنا أحدٌ أبداً، بأية درجة من الوضوح أو اليقين: ما هو الإرهاب فعلاً، أو ما هي أشكال الإرهاب حقيقة، أو لماذا يعتبر الإرهاب سياسياً على وجه الحصر؟ كما أن أحداً لم يقل لنا: لماذا يعتبر الإرهاب السياسي، والذي يبدو أنه بالغ الأهيمة، متساوياً مع الإرهاب عبر الدول» (١) . وإذا عرفنا أن مؤلفاً قانونياً عرض في كتاب له عن «الإرهاب السياسي» مائة تعريف وتسعة تعريفات من وضع علماء متنوعين في جميع فروع العلموم الاجتماعية بما في ذلك علم القانون، إذا عرفنا هذا تبين لنا صعوبة وضع تعريف جامع مانع ـ كما يقول علماء المنطق ـ وقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية نشرة لها عن الإرهاب في ٣٠ إبريل ٢٠٠١م أقرت فيه أنه لا يوجد تعريف نال الاعتراف العالمي. وكان تعريف الإرهاب في النشرة الأمريكية هو التالي: «الإرهاب يعني عنفاً بدافع سياسي يرتكب ضد غير المنازعين أو غير المخاصمين، موجه بواسطة مجموعات قومية، أو وكلاء خائنين، وهذا العنف عادة ما يهدف إلى التأثير على مستقبليه» (٢) . ولذلك فإن عرض تعريفات الإرهاب بكل اتجاهاتها أمر يطول دون فائدة، ويكفي أن ننقل بعضاً منها من مصادر معتمدة في بابها. ففي «معجم العلوم الاجتماعية» الذي أعده نخبة من الأساتذة المصريين والعرب نجد أن «الإرهاب لغة هو إحداث الخوف والرعب، وهو قانوناً حين يقرن بالحكم فيقال: «حكم الإرهاب» ، يعني استناده إلى وسائل قاسية تكفل بثَّ الرعب في نفوس المحكومين، ولا ترعى الأحكام والضمانات القانونية لمن يقع ضحية الإرهاب، بل دون التمييز العادل بين اتهام وآخر على شاكلة «انجُ سعد؛ فقد هلك سعيد» ! وفي «الموسوعة العربية العالمية» ـ وهي بنت الموسوعة العالمية الأمريكية ـ «الإرهاب: استخدام العنف أو التهديد به لإثارة الخوف والذعر. ويعمل الإرهابيون على قتل الناس أو اختطافهم، كما يقومون بتفجير القنابل واختطاف الطائرات وإشعال النيران وارتكاب غير ذلك من الجرائم الخطيرة. غير أن أهداف الإرهابيين عامة أهداف تختلف عن أهداف المجرمين المعروفين الذين يرتكب معظمهم جريمته بغية الحصول على المال أو غير ذلك من الفوائد الشخصية الأخرى، كما أن معظم الإرهابيين يرتكبون جرائمهم لدعم أهداف سياسية معينة» . وبأوسع من هذا التعريف جاء في «موسوعة السياسة» إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر «الإرهاب: استخدام العنف غير القانوني أو التهديد به بأشكاله المختلفة، كالاغتيال والتشويه والتعذيب والتخريب والنسف، بغية تحقيق هدف سياسي معين، مثل كسر روح المقاومة والالتزام عند الأفراد، وهدم المعنويات عند الهيئات والمؤسسات، أو كوسيلة من وسائل الحصول على معلومات أو مال، وبشكل عام: استخدام الإكراه لإخضاع طرف مناوئ لمشيئة الجهة الإرهابية. والإرهاب وسيلة تلجأ إليها بعض الحركات الثورية، كما تلجأ بعض حركات الثورة المضادة، كما تستخدمها بعض الحكومات وهيئات المعارضة على حدّ سواء..» . ويؤكد أستاذنا الدكتور محمد عزيز شكري أن الإرهاب هو في أساسه معيار سلوك اجتماعي سياسي يحاول الوصول إلى «مركز حقوقي» معين في ميدان القانون. وينقل شكوى بعض رجال القانون من أن «الرهبة والإرهاب كلمتان لا تشيران إلى مجموعة من الحوادث الواقعية المعرَّفة جيداً والمحددة بوضوح. كما أنه ليس لهاتين الكلمتين معنىً مقبول على نطاق واسع في الفقه القانوني. ونتيجة لذلك: فإن كلمتي الرهبة والإرهاب لا تشيران إلى مفهوم موحد، سواء كان ذلك في مجال الواقع أم في مجال القانون» بل إن القاضي «باكستر» كان أكثر صراحة حيث قضى بأنه «لدينا سبب يدعونا لإبداء الأسف؛ لأن مفهوماً قانونياً للإرهاب يُفرض علينا في وقت من الأوقات. فالمصطلح تعوزه الدقه، كما أنه غامض، والأهم من ذلك كله أنه لا يخدم غرضاً قانونياً فاعلاً» . (١٤) وعندما تتعدد المعايير والموازين، وعندما تسود سياسة الكيل بمكيالين يمكن أن يكون العمل أو التصرف إرهاباً في حال أو وقت، ومن شخص دون آخر، ولذلك يقول بعضهم: «فعند مرحلة ما في هذا الاستعمال الآخذ بالتوسع للمصطلح ـ يمكن لمصطلح الإرهاب أن يعني فقط ما يريد منه أولئك الذين يستعملونه أن يعينه.. أيُّ عمل من أعمال العنف تقريباً يُقدِم عليه أيُّ خصم» . أو حسب تعبير القانوني الشهير «جنكينز» : الإرهاب هو ما يفعله الأشخاص السّيئون» . ومن باب الإقرار بالواقع إذن أصبح الإرهاب أيضاً ليس له مضمون قانوني دقيق، أو أنه لا يوجد له تعريف قانوني أو سياسي مقبول بوجه عام. ولذلك قام بعض القانونيين بوضع تعريف للإرهاب؛ لأن الإشارة إلى الإرهاب دون فهم واضح لمعنى المصطلح ونطاقه هو أمر مضلِّل، وقد قام بذلك الأستاذ «شريف بسيوني» ، وهو أحد روَّاد علم القانون في حقل الإرهاب، وقد قال بتعريفه أيضاً خبراء آخرون وقبلته لجنة الخبراء الإقليميين في فيينا التي نظمتها الأمم المتحدة عام ١٩٨٨م، فقال: «الإرهاب هو استراتيجية عنف محرم دولياً، تحفزها بواعث عقائدية (إيديولوجية) ، وتتوخى إحداث عنف مرعب داخل شريحة خاصة من مجتمع معين لتحقيق الوصول إلى السلطة أو للقيام بدعاية لمطلب أو لمنظمة، بغض النظر عما إذا كان مقترفو العنف يعملون من أجل أنفسهم ونيابة عنهم أم نيابة عن دولة من الدول» . ويعلِّق الأستاذ الدكتور محمد شكري على هذا التعريف بقوله: إنه قد لا يسر دولاً معينة وجوقتها من رجال القانون. ولكنه يستحق التفكير فيه بصورة إيجابية كمعيار مقترح للحكم على ظاهرة الإرهاب هذه التي جرى تضخيمها إلى أبعد الحدود. ثم يقول: وكان انعدام الموضوعية القانونية سبباً في أن تُقدَّم حكومة الولايات المتحدة تعريفات متنوعة، كما كان باعثاً لها على الوقوف في وجه أي تعريف مقبول عموماً على الساحة الدولية. وعلى سبيل المثال: فقد أماط «روبرت فريد لاندر» اللثام عن أنه: طيلة فترة عهد إدارة (ريغان) التي جعلت من مكافحة الإرهاب حجر الزاوية في سياستها الخارجية منذ اليوم الأول للإدارة في الحكم، كان موقف وزارة العدل، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ومكتب المستشار القانوني في وزارة الخارجية موقف المعارض بشدة لإدخال أي تعريف للإرهاب، محلياً أو دولياً في صلب القانون. وقد تم إنشاء هذا الموقف للولايات المتحدة على نحو آخر من قِبَل السناتور «أورين ج. هاتش» ؛ إذ اعترف بكل صراحة أن وزارته لم تكن راغبة في تطوير تعريف للإرهاب. هذا رغم أنه هو نفسه اعترف أن القانون القابل للتطبيق على الإرهاب ليس ناقصاً فحسب، وإنما هو منحرف أيضاً. كذلك فإن ممارسات الدول الأكثر قوة مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة و (إسرائيل) هي التي تجعل وضع أي تعريف للإرهاب أمراً غير ممكن. فطبقاً لممارسة الولايات المتحدة مثلاًِ، يعني الإرهاب أي عنف مثير للرهبة يرتكب من غير مواطني الولايات المتحدة، أو من أجنبي غير مقيم بشكل دائم في الولايات المتحدة، أو يرتكب ضد أحد مواطني الولايات المتحدة، أو ضد أي أجنبي مقيم فيها بشكل دائم. وبطريقة مشابهة استعملت السلطات البريطانية «مصطلح الإرهاب» ليطبق عملياً على أي عنف تحركه بواعث سياسية مما ينطبق عليه قانون إيرلندا الشمالية. وفي إسرائيل يبدو أن هذا المصطلح يطبق عملياً على أي نشاط يقوم به الفلسطينيون دون أي معيار آخر؛ والذي يجري في هذه الأيام على الأرض التي بارك الله ـ تعالى ـ حولها شاهد ودليل صادق. (١٥) وتكمن المشكلة الرئيسة في تعريف الإرهاب بدرجة معينة من الوضوح والدقة في أنه كان حتى الآن «جملة من الأفعال التي جرَّمتها القوانين الوطنية لمعظم الدول إضافة إلى أفعال معينة جرّمتها اتفاقيات دولية على وجه التخصيص. وهذا خلافاً لما عليه الحال في القانون الدولي؛ حيث يبدو الإرهاب مجرد تسمية أو مظلة ينضوي تحتها عدد من الجرائم المعرَّفة تماماً كخطف الطائرات، وأخذ الرهائن، والهجوم على الممتلكات والشخصيات المتمتعة بحماية دولية، والاستعمار غير المشروع للبريد، وما شابهها من أعمال. وهناك جرائم أخرى تستحق شجباً أكثر مثل: إبادة الجنس والفصل العنصري (التفرقة العنصرية) والعدوان والتهديد النووي.. وهذه الأعمال الإرهابية في نظر القانون الدولي عقدت من أجلها مؤتمرات واتفاقيات ولكن الدول التي تدعي اليوم محاربة الإرهاب وتجعل من نفسها حامية لحقوق الإنسان هي نفسها لم تصدِّق على الاتفاقيات المتعلقة بذلك وصوَّتت ضدّها. والذي وافقت عليه من هذه الاتفاقيات الدولية عادت لنقضه من طرف واحد، فكانوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، وهذا هو الذي حذّر الله ـ تعالى ـ منه قبل خمسة عشر قرناً من الزمن، وقبل أن يكون للعالم ملهاة أو مشغلة من المنظمات الدولية المتآمرة على المسلمين وقضاياهم، أو الواقعة تحت هيمنة الدول المتآمرة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدتُّمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٠ - ٩٢] .

стр. 4982

فهم الإسلام عبر الاصطلاحات الغربية د. أحمد إبراهيم خضر يشدد علماء الإسلام على أن كل مسلم مؤمن مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين، شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء، وتؤيد القيم التي يحملها هذا الدين للناس، شهادة تشهد لهذا الدين بالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من مفاهيم ومصطلحات وأنظمة وأوضاع وتشكيلات؛ ولهذا كل من يدعي لنفسه الإسلام ثم يسير في غير مسيرة الإسلام فإنه لم يؤد هذه الشهادة، ويكون قد آثر حياته ومصلحته على حياة ومصلحة الدين، وفوق ذلك كله يكون قد قصَّر في أداء هذه الشهادة أو أدى شهادة ضد هذا الدين. ولا يمكن لهذه الشهادة أن تؤدى إلا إذا أدرك صاحبها أن التوحيد الخالص هو مفرق الطريق بين عقيدة المسلم وسائر العقائد الأخرى، وأن يعرف كذلك أنه متى انحرف عن التوحيد المطلق قيد شعرة فإنه سينساق في هذا الانحراف ثم تتسع الهوة بينه وبين نقطة الانحراف التي بدأت صغيرة ولا تكاد تلحظ. إن الاختصاص والتميز ضروريان للمسلم سواء أكان ذلك في التصور والاعتقاد وأداء الفرائض، وبالسمت والمظهر واللباس والحركة والسلوك. وقد نهى الإسلام عن التشبه بما هو دون المسلمين في خصائصهم التي هي تعبير ظاهر عن أمور باطنة. وليس هذا ـ كما يقول العلماء ـ تعصباً ولا تمسكاً بشكليات، ولكن القضية هي ما وراء هذه الشكليات من بواعث كامنة هي التي تفرق قوماً عن قوم، وعقلية عن عقلية، وخُلُقاً عن خُلُق، واتجاهاً في الحياة عن اتجاه، ومنهجاً في الحياة عن منهج. ومن أبرز معالم الانحراف عن هذا التوحيد وتشويش الاختصاص والتميز للإسلام ما لوحظ في العقود الثلاثة الأخيرة وسيطر على بعض جوانب الحياة الأكاديمية من الانطلاق من المفاهيم والمصطلحات الغربية في دراسة وفهم الإسلام بدعوى نصرة الإسلام وتصديق رسوله ﷺ ، هذا الأمر الذي حسمه العلماء منذ ما يقارب من ثمانمائة سنة تقريباً، ورأوا فيه نوعاً من الابتداع الذي يوقع في الخطأ والضلال؛ لأن استخدام هذه المصطلحات له لوازم يجب اتباعها، وهذه اللوازم تناقض كثيراً مما جاء به الإسلام؛ فكل ما هو مخالف لدين الإسلام لا بد أن يناقضه حق معلوم من دين الإسلام، وقد يدخل ذلك على المؤمن بنوع من الظن واتباع الهوى. ويفسر العلماء ذلك بأن هذه المفاهيم والمصطلحات الغريبة عن الإسلام ليست حقاً محضاً لا باطل فيه، وليست باطلاً محضاً لا حق فيه، ولكنها تشتمل على حق وباطل، فيكون من استخدمها قد لبس الحق بالباطل؛ إما عن خطأ وجهل غير متعمد، وإما لنفاق فيه وإلحاد. وقد أكد الباحثون المحدَثون بجلاء أن اللغة نفسها ـ وليس المصطلحات فقط ـ تعكس في كثير من الأحيان مواقف قيمية وتفضيلات؛ وخاصة أنها لا تتمتع دائماً بدرجة الحياد التي تُزعَم لها. وتتسع المسافة بين التوحيد الخالص ونقطة الانحراف الأولى بمحاولة تجذير هذه المفاهيم والمصطلحات في التربية الإسلامية والبحث عن أصول لها في الإسلام، وهذا ما عبر عنه علماء السلف «بأخذ العبارات القرآنية والسنية ووضع عبارات ومعان لها لتوافق المصطلحات غير الإسلامية، ثم يخاطَب بها الناس على أنها مراد الله ورسوله، فيحدث بسبب ذلك الكثير من التلبيس على المسلمين، في حين أنه في الأصل تحريف للكلم عن مواضعه» . إن مثل هذه المحاولات من الاستدلال بظواهر من الكتاب والسنة لتأييد ما ليس من الإسلام أصلاً لم يكن يجري ولا وقع ببال أحد من السلف الأولين. وقد حلل العلماء ذلك بقولهم إن المدعين لذلك: «إما أن يكونوا قد أدركوا من فهم الدين ما لم يفهمه الأولون، أو حادوا عن فهم الدين. والأخير هو الصواب؛ فالسلف الصالح كانوا على الصراط المستقيم ولم يفهموا إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدَثات لم تكن فيهم ولا عملوا بها. ولهذا وضع هؤلاء العلماء عدة قواعد في هذا الأمر يمكن الإشارة إلى بعضها على النحو التالي: ١ ـ أن على كل ناظر في الدين مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه من العمل؛ فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل، وأن من يعتقد أنه أفضل من السلف في استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بغرائب اللغة ومستكره التأويل قد ينبذ الكتاب والسنة ويجمع بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف. وإن نتيجة ذلك (استجهال) السابقين الذين هم أعلم الأمة بالله ودينه ورسوله، والاعتقاد بأنهم بمثابة الصالحين (البلهاء) الذين لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ودينه ورسوله، وأن الخَلَف هم العلماء الذين أحرزوا قصبات السبق بما فات السابقين الأولين. ٢ ـ أن الشريعة عربية لا مدخل فيها للألسن الأعجمية، والقرآن عربي نزل بلسان عربي مبين، ولا سبيل إلى فهمه من غير هذه الجهة، ولا يستقيم للمتكلم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن يتكلم فيهما فوق ما يسعه لسان العرب؛ وذلك لأن لسان بعض الأعاجم لا يمكن فهمه من جهة لسان العرب لاختلاف الأوضاع والأساليب، والذي نبه إلى هذا هو الإمام الشافعي في كتابه القيم (الرسالة) وهو في فن أصول الفقه. ٣ ـ ليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه؛ كما أنه لا يصلح أن ينكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يضاف علمه إلى العرب؛ ومن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه، وتقوَّل على الله ورسوله فيه؛ فالشريعة جارية وفق أسس معلومة وبلغة فصيحة. ٤ ـ لا بد عند التعامل مع القرآن والسنة من معرفة ما يدل على مراد الله ورسوله من الألفاظ، ولا يجوز فهم الألفاظ في كلام الله ورسوله على اصطلاح عادات الناس وألفاظهم أو تفسير القرآن بالرأي والعقل. إن عامة من ضل كان بهذا السبب؛ لأنهم حملوا كلام الله ورسوله على ما يدَّعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك؛ ولهذا نجدهم لا يُعوِّلون كثيراً على القرآن وكتب الحديث والآثار، وينطلقون من فرضية خاطئة مؤداها أنه ليس في القرآن والسنه علم، وأنها لا تخرج عن حدود الوعظ والإرشاد ولا تفيد اليقين. إن من آتاه الله علماً علم أنه لا يكون عند المتأخرين من التحقيق إلا ما هو دون تحقيق السلف لا في العلم ولا في العمل، ومن كانت له خبرة بالنظريات والعقليات والعمليات علم أن مذهب الصحابة دائماً هو أرجح من قول مَنْ بعدهم، وأنه لا يبتدع أحد قولاً في الإسلام إلا كان خطأ، وكان الصواب قد سُبِقَ إليه قبله. إن طلب الهدى عند أهل الضلال من أعظم الجهل، ولا يُخدَم هذا الدين بنقض أي قاعدة من قواعده الاعتقادية، كما لا يُخدم بترك تقريراته إلى تقريرات علماء يعملون بفعل عوامل تاريخية ونفسية وسياسية معينة وفق منهج موجه لتدمير القاعدة الأساسية للدين: وهي أنه وحي من الله وليس من وحي الفكر البشري. وينطلق العلماء الغربيون من أصل كبير يستخرجون منه مفاهيمهم ومصطلحاتهم. والأصل إذا اختل اختل الفرع من باب أوْلى؛ لأن الفرع مبني على أصله يصح بصحته، ويفسد بفساده، ويتضح باتضاحه، ويخفى بخفائه. والأصول منوط بعضها ببعض في التفريع عليها، وكل وصف في الأصل مثبت في الفرع، ولو وقع في بعض الأصول خلل لزم سريانه في جميعها، هكذا قال العلماء. والأصل الذي انطلقت منه هذه المصطلحات والمفاهيم الغربية هو أن الإنسان هو محور الكون، وأن حل مشكلات الإنسان تكمن في داخله وفي فهمه لنفسه قبل أن تكمن في خارجها، وأن المطلق لا وجود له في العالم، وأنه ليس إلا فكرة زائفة، والمطلق الوحيد عندهم هو أن كل شيء نسبي. والدين في الفكر الغربي عامة يقوم على افتراضات إلحادية وأنه اختراع إنساني أو تجربة إنسانية أو إسقاط نفسي اجتماعي، أو أنه خداع عظيم او رواية خيالية او فن ... إلخ. وهذا يعني أنه حتى لو كان هناك حق فيما يقولون فإن الباطل أشد وأعم. أضف إلى ذلك أن الفكر الغربي كله لا ينظر إلا إلى الدنيا وحدها، والتفكر في الدنيا وحدها لا يعطي للعقل البشري ولا القلب الإنساني صورة كاملة عن الوجود الإنساني وحقيقة الحياة كلها وتكاليفها وارتباطاتها، ولا ينشئ تصوراً صحيحاً عن الأوضاع والقيم والموازين؛ فالدنيا هي شطر الحياة الأدنى والأقصر، وبناء النفس والسلوك على حساب الشطر الأقصر لا ينتهي أبداً إلى أي تصور صحيح أو سلوك صحيح؛ فهم لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. بقي أن نفند الادعاء بجواز الاستعانة بالمصطلحات الغربية في فهم الإسلام على أساس قوله ﷺ بأن «الحكمة ضالة المؤمن؛ فحيث وجدها فهو أحق بها» . هذا الادعاء مردود عليه بأمرين: أولهما: ما قاله أبو عيسى: «هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المخزومي يضعف في الحديث من حيث حفظه» . هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد الحكمة في كتاب الله نوعين: مفردة، ومقترنة بالكتاب. أما المفردة فقد فسرت بالنبوة وبالقرآن والعلم والفقه، وفي تفسير آخر أنها: الإصابة في القول والفعل، وأنها معاني الأشياء وفهمها. وقيل إنها الورع في دين الله. أما الحكمة المقترنة بالكتاب فهي السنة، وقال الإمام الشافعي وغيره هي القضاء بالوحي، وأوَّلَها مجاهد بأنها: معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان. والحكمة أيضاً حكمتان: علمية وعملية؛ فالعلمية هي الاطلاع على بواطن الأمور ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها، خَلْقاً وأمراً وقَدَراً وشرعاً. أما العملية فهي وضع الشيء في موضعه؛ وذلك بأن تعطي كل شيء حقه، ولا تتعدى حده، ولا تعجله عن وقته ولا تؤخره عنه؛ فالحكمة إذن: «فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي» . والثاني: أن العلماء الغربيين أنفسهم يعترفون بأن ما لديهم ليس من الحكمة، وأن علومهم ـ المتعلقة بالإنسان والمجتمع ـ تحتوي على ترسانة ضخمة من المصطلحات الغامضة، وأن مقولاتهم مقولات من الدرجة الثانية، وأن ما لديهم هو ما يعرفه رجل الشارع، والفارق هنا هو أنهم «يعيدون صياغة ما يقوله كل أحد بطريقة لا يفهمها أي أحد» واعترفوا كذلك بأن علومهم ليست عالمية ولا تستند إلى قاعدة كافية عن سائر المجتمعات البشرية، وأن نظرياتهم ليست مختلفة فقط، ولكنها متضاربة ومتصارعة وذات قضايا مكررة وسطحية وغير متجانسة وليس هناك اتفاق عليها، وأنها ليست سوى رطانات لا تدعمها الحقائق، القليل منها هو الذي يعطي تفسيراً منطقياً جاداً للقضية التي يتناولها، كما أنه ليس لنظرياتهم قوة توجيهية وأنها غير قادرة على فهم المشكلات الواقعية، ولا تستطيع تحديد مشكلة بطريقة منظمة، ولا توجه جهداً لحل مشكلة. وإذا كان هذا هو اعتراف علماء الغرب بأقلامهم، فأين الحكمة التي يمكن أن تؤخذ منهم فضلاً عن أن نستعين بما لديهم في فهم إسلامنا؟ بل نسعى إلى تجذير في تربتنا الإسلامية.

стр. 4983

المرأة الداعية.. والمرحلة الصعبة أسماء الرويشد في ظل المستجدات المعاصرة، أدرك المهتمون بأمر الإسلام والمسلمين ضرورة القيام بتوعية المجتمع وتثقيفه الثقافة الدينية الصحيحة، وحماية قناعاته وبذل الجهد في إنشاء البنية الإيمانية الصلبة لمواجهة التيارات التي تهدف لإبعاد المسلمين عن دينهم وتشويه صورة التدين والاستقامة في أذهان المسلمين ولا سيما الشباب والناشئة، وكذلك التحذير من الدور الإفسادي المركز على كيان الأسرة والمرأة بشكل خاص، لإقصائها عن أداء رسالتها، وغرس بذور التمرد على دينها. فلذلك كان من المهم توجيه الاهتمام إلى تفعيل وتنشيط العمل الدعوي النسائي؛ لأن المرأة أكثر إدراكاً لخصوصيات المجتمع النسائي ومشكلاته؛ حيث يجمعها معهن نفس الخصائص، كما يجمعها معهن فرص كبيرة وواسعة تمكنها من الاتصال بهن والتأثير عليهن؛ فهي أقدر في التأثير على بنات جنسها، وأكثر إلماماً بما ينبغي أن يكون عليه الخطاب الدعوي النسائي. ومع أننا أمام مرحلة صعبة جداً نرى فيها ما يسمى «بالتغيير» و «التجديد» و «التطوير» يزحف على شعائر الدين وثوابته، وينال منه ما ينال حتى أصبح الدين من متغيرات هذا العصر؛ فإننا لا نزال نرى تقاعس الكثيرات من ذوات الطاقات الفاعلة التي تشكل إمكانات دعوية مهدرة وقدرات علمية معطلة في وقت يستلزم تجنيد جميع الطاقات والإمكانات العلمية والدعوية ما يساندها لمواجهة غزو التغيير، كما أنه يتحتم علينا جميعاً في ظل هذه الظروف التواصي فيما بيننا بالحق والتواصي بالصبر فما هو إلا الابتلاء الذي ذكره الله : ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] مع الاستبشار بوعد الله حتى ينجلي الأمر ويأذن الله القدير بنصرنا. فإلى الأخوات الداعيات أوجه هذه الوصايا: ١ - لا بد للداعية من استيعاب مستجدات هذه المرحلة وفهم مشاريع التغريب وإدراك أن هناك مؤامرة ضد المرأة تجاوزت مرحلة التخطيط إلى مرحلة التفعيل والتنفيذ. ٢ - أن تحرص على رفع مستوى الوعي والتثقيف لديها بتكثيف ساعات الاطلاع والقراءة مع مراعاة تنوع المضمون. ٣ - أن تدرك أننا نعيش مرحلة تحتاج منا إلى زيادة مساحة الانتشار، وتجاوز دائرة الصالحات، واختراق صفوف مجتمعنا النسائي بإيجاد الفرص واستغلال المتاح منها. ٤ - أن مجتمعاتنا تنفتح مع الوقت وبشكل مطَّرد على ثقافات وأفكار مختلفة؛ فعلى الداعية أن تركِّز في الخطاب الدعوي على الجانب العقدي والإيماني بشكل خاص مع الاعتناء بلغة الإقناع والحوار الموضوعي. ٥ - تذكري أن المنهج الإسلامي يجمع بين المثالية مع مراعاة واقع البشرية؛ وذلك لاختلاف طبائع الناس واستعداداتهم الفطرية وقدراتهم الفردية؛ ففرقي بين ما تطلبينه لنفسك ولأهلك من مستوى الكمال والمثالية وبين ما تسعين لإصلاحه في واقع المجتمع مع اتساع المنهج لذلك؛ فلا بد من الواقعية في تصور حلول المشكلات وتصحيح الأخطاء. ٦ - العمل على ترسيخ القيم والقناعات الصحيحة خاصة لدى الفتيات لكي لا تتحول الأخطاء من مستوى الممارسة والسلوك إلى مستوى القناعات والقيم. ٧ - أختي الداعية: استفيدي من الفرص، وأوجدي لنفسك المناسبات للحديث الإيجابي المفيد، وأمسكي بناصية الحديث بذكر قصة أو موقف ذي عبرة وفائدة. ٨ - من أرادت نصرة هذا الدين والدعوة إليه فلا بد لها من أن تضحي بشيء من حظوظ نفسها وراحتها ومالها، وأن تنال الدعوة مساحة كبيرة من اهتمامها، وأن تجتهد في تحويل الوصايا والكلمات إلى واقع في حياتها. ٩ - صدق العزيمة هو أساس النجاح والتوفيق مع ربط القلب بالله ـ تعالى ـ والاستعانة والافتقار إلى توفيقه وتسديده والإكثار من الاستغفار والتوبة. والله ولي التوفيق.

стр. 4984

بريد القراء التحرير تتوالى الرسائل من جمهور القراء الكرام؛ بين مشاركات، وتعقيبات، وتصويبات، واقتراحات، ونحاول الرد عليها قدر المستطاع نظراً لكون المجلة شهرية، وليس من السهولة بمكان الرد على رسائل كل القراء؛ لأسباب عملية وفنية. ? الأخ رمضان عبد العاطي: مصر: يطلب معلومات حول كيفية التعلم عن بعد من خلال كلية لندن المفتوحة للدراسات الإسلامية، ونحن نحيله على عنوان الكلية على شبكة الإنترنت فسيجد ما يريد من معلومات بإذن الله، والعنوان هو: www.londonoc.com، ويقترح الأخ رمضان إضافة باب في المجلة يتم فيه اختصار أحد الكتب من المكتبة الإسلامية التراثية أو المعاصرة؛ وهناك زاوية موجودة بالفعل في المجلة تخدم هذا الغرض بعنوان: (قراءة في كتاب) وهي تتناول الكتب المعاصرة المهمة في المجالات التي تناسب أهداف المجلة سواء كانت عربية أو أجنبية. ? الأخ عبد الله الربيعي: أرسل عن طريق البريد الإلكتروني مقترحاً إصدار مجلة صوتية تكون رديفاً للبيان الورقية، ويقول عبد الله إن شريط الكاسيت سوف يغطي شريحة أكبر من المجتمع؛ لأن بعض الناس لا يجد وقتاً للقراءة ويعتبر أن عائد هذه الفكرة مادياً سيكون وافياً لسهولة انتشار الشريط وتداوله، وهو اقتراح جيد ومبتكر يحتاج إلى من يتبناه ويدعمه ولا يشترط لنجاحه أن يكون متفرعاً عن مجلة ورقية كالبيان. ? أحد قراء المجلة أرسل عن طريق البريد الإلكتروني: عتاباً خفيفاً للمجلة يقول فيه: «إنني من المداومين على قراءة مجلتكم القيمة، ولكن في كثير من الأعداد تكون الموضوعات المطروحة ذات موضوع واحد ولكن أسلوب الطرح متغير، بالإضافة إلى أنها تصيب بالإحباط، حتى نصل إلى جهود وثمار وأخبار الدعوة؛ فهذه هي التي تثير الحماس وتبعث التفاؤل؛ فحبذا إعطاء هذا الجزء مساحة أكبر، وأعانكم الله وسدد خطاكم وأنتم على ثغر عظيم من ثغور الإسلام» .. ونحن نشكر القارئ الكريم على نصيحته الغالية، ولعله يجد ما يرضيه في هذا العدد إن شاء الله، ونقول له: إن التفاؤل مهم، ولكن منهجنا في التفاؤل لا يقل أهمية، وليست الأحداث السعيدة أو الأخبار الطيبة فقط هي مبعث التفاؤل؛ فبعض السلف كان ينظر إلى مواطن الشدة باعتبارها منابع للأمل، وكما قيل: اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلُكِ بالبلج، وعندما تشتد ظلمة الليل تقترب ساعة الفجر، ونحن نحتاج إلى تعلُّم فن استنباط معالم النصر من مظاهر الهزيمة. ? أحد القراء الدائمين للمجلة: أرسل خطاباً مطولاً يتضمن ثناء ونقداً واقتراحاً، ويقول فيه: «هذا هو العام الرابع لي على التوالي للاشتراك في هذه المجلة التي قلَّما نجد مثلها» ثم يقول: «كثيراً ما نجد في باب الردود آراء قيمة من القراء تستحق فعلاً أن تُلبى، ولكن في الوقت نفسه أجدكم تعتذرون بسبب: ضيق المساحة، أو زيادة التكلفة، ويشتكي بعض القراء من غلبة الجانب السياسي على المجلة» ويقدم القارئ الكريم اقتراحاً: «أن يُخصص ملحقٌ مع المجلة شهرياً، ويكون الاشتراك فيه حسب الاختيار، وتكون له قيمة أو مبلغ من المال يدفع مع المجلة، وذلك حتى لا يُحرم مسلم من سماع كلمة حق، والساحة مليئة بالكلام في كل شيء، ولكن عندما تتكلمون في أي مجال يكون هناك فرق، ولا أبالغ في هذا» .. ونقول لأخينا الفاضل: جزاك الله خيراً على ثنائك الذي نعتز به كثيراً، وأما اقتراحات القرَّاء فهي تقدم لنا فوائد جمَّة حتى وإن لم يُنفذ بعضها؛ فهي تقدم لنا رؤية واضحة عن رغبات القراء وتطلعاتهم وحاجاتهم الدينية والفكرية، ونحن ندعو قرَّاء المجلة أن يمدونا دائماً بكل ما لديهم من مقترحات، ونرحب بها على الدوام. وبخصوص اقتراح الملحق الشهري فهو فكرة جيدة بالفعل من الناحية المعلوماتية، ولكن تنفيذه يحتاج إلى تضافر متغيرات أخرى تتعلق بالإمكانات المتاحة، وندعو قرَّاء المجلة إلى المشاركة بالتأييد أو الرفض لما يرونه مناسباً للمجلة من اقتراحات لتتكون لدينا معرفة كافية برغباتهم وتطلعاتهم. ? القارئ جمال جوهر: مصر: أرسل يثني على موقع المجلة www.albayan-magazine.com، ويقول: «الشيء الذي أسعدني ما شاهدته من حسن تنسيق لصفحة الموقع الرئيسة وللكمّ المعلوماتي الذي تذخر به المعالجات المهمة لقضايانا المصيرية؛ لذلك أجد نفسي مضطراً لأن أقتبس من معجمكم الفياض وأقول لكم: آن الأوان لوحدة الكلمة؛ فالأعداء أصبحوا على الأبواب والعلماء لا بد أن يتوحدوا» .. ونشكر الأخ جمال على ثنائه.

стр. 4985

الدراسات الفقهية المعاصرة للنوازل وإشكالية الاصطلاح عبد الله الشريف استأثرت الدراسات الشرعية المتعلقة بالنوازل بحيز وافر من الدراسات الشرعية بوجه عام؛ مع التأكيد على أن هذه الدراسات لم تكن وليدة هذا العصر، بل كانت موجودة في السابق؛ إذ النوازل لا زالت مستمرة، ولكل عصر نوازله. ولعل أهم ما ميز هذا العصر ما يلي: ١ - وجود نخبة من المتخصصين في هذه الدراسات سواء كانت على هيئة أفراد أو مؤسسات علمية. ٢ - استعانة كثير من المؤسسات الطبية والمالية والتقنية باللجان الشرعية. ٣ - توفر الخبرة بشكل كبير في هذه الدراسات؛ فمن الملاحظ أنه عند وجود ندوات أو دراسات حول هذه النوازل تجد أنها قد ضمت نخبة من المتخصصين الذين استعين بهم لبيان آرائهم. وبلا شك أن هذه العوامل قد أعطت هذه الدراسات دفعة قوية أثمرت العديد من الكتب والدراسات والندوات والمجامع والمؤتمرات والدوريات العلمية؛ بالإضافة إلى أن الاجتهاد الجماعي قد ألقى بظلاله على هذه الدراسات. وككل حركة علمية لا بد أن يصحبها ما يصحبها من جوانب قد تكون إيجابية أو سلبية، ولعلِّي أركز هاهنا على جانب واحد وهو جانب الاصطلاح ومدى تأثيره على سير هذه الدراسات. _ مواطن الخلل في البحوث: ويمكننا هنا أن نميز بين طرفين يمكن من خلالهما أن نقف على مواطن الخلل الذي يتطرق للبحث من خلال الاصطلاح. ١ - الفئة الأولى: وهي الفئة التي بالغت في استخدام المصطلح على وجه أثَّر في الإدراك الكامل لماهيته ومعناه، وهذا بلا شك أثَّر تأثيراً بالغاً على الفهم الصحيح للنازلة، بل إنه تجاوز ذلك لسحب الحكم على كل ما يتفرع عن تلك النازلة من فروع، لا لشيء إلا لأنها تمتُّ بصلة لذلك الاصطلاح. ٢ - الفئة الثانية: وهي الفئة التي استخدمت الاصطلاح استخداماً مضاداً حتى أصبح مجرد الاسم تُكأة للتحليل بمجرد اكتساب المعاملة اسماً من الأسماء الشرعية. _ نقاط مهمة في الموضوع: وأورد هنا بعض النقاط التي يمكن من خلالها أن نتجاوز بعض الإشكاليات التي ترد على بحوث هذه النوازل: ١- عدم التعجل: والتعجل هو بالفعل داء الدراسات بصورة عامة ومع المطالبة الملحة بضرورة مواكبة الأحداث والنوازل ببيان حكمها الشرعي؛ إلا أن ذلك لا يعني أبداً أن تتحول العملية إلى مجرد سباق قبل اكتمال البحث ونضوجه. ٢ - المسار الواحد: فكثيراً ما تأخذ بعض الأبحاث مساراً واحداً في الدراسة، وغالباً ما يحدث ذلك نتيجة لكون البحث عالة على دراسة واحدة غالباً ما تكون هي الأولى، ولا ريب أننا لا نتحدث هنا عن مسالة إجماعية أو اتفاقية، وإنما نتحدث عن مسالة اجتهادية كان باحثها الأول مجتهداً في تخريجه. ٣ - الحساسية المفرطة: والتي كثيراً ما تواجه بعض الدراسات التي تمس بعض المسائل ذات الحساسية الشديدة. ٤ - الاستفادة من أهل الخبرة: وهو أمر جرى عليه الفقهاء، ونصُّوا عليه في كثير من المسائل، وليحذر الباحث من الانزلاق في بحث المسالة قبل تصورها التصور التام والذي يفتقر في كثير من الأحيان إلى خبرة فنية محضة. وأشير هنا إلى أمرين: الأمر الأول: الاستعانة بأكبر عدد من الخبراء؛ وهذا بلا شك سيوسع الرؤية حول تلك المعاملة ويقلل من احتمالات الخطأ. الأمر الثاني: الحذر من تعدي الخبرة لمهمتها؛ فكثيراً ما تمتزج بعض آراء الخبرة بنظرة أو اجتهاد؛ لذا كان من المهم التأكيد أن دور الخبرة دور وصفي بحت؛ أما الحكم فمردُّه للعالم الشرعي. ٥ - العلماء العلماء: فكثيراً ما يجترئ صغار الباحثين على بحث مسالة ليصل بها إلى رأي شاذ تماماً، ولا يعني هذا بحال قَصْرَ الاجتهاد والجمود، ولكنها وقفة تعجُّب من مسالة نازلة جديدة استغرقت فيها الهيئات العلمية الكبرى والمجامع الفقهية وقتاً طويلاً ولم تستغرق من ذلك الباحث سوى بضعة أيام. ووقفة تعجُّب أخرى من إهمال أقوال تلك المجامع والهيئات الفقهية في دراسات أولئك الباحثين، وما أجمل البحث حين يتزين بنظرة عالم ومراجعته قبل نشره. ٦ - تعدد الدراسات: وهذا أمر هام؛ فكثير من المواضيع تنتهي بصدور بحث أو بحثين فيها. ولا شك في أن تعدد الدراسات يثري الدراسات بالمزيد والمزيد، والخطاب هنا موجه للأقسام العلمية في الجامعات بأن تساهم بشكل فاعل وألا تغلق الأبحاث في مسألة ما لمجرد سبق بحثها، ولا سيما في المواضيع المعاصرة التي ما زالت في مهدها. ٧ - البعد عن التعميم: فكثيراً ما تعتمد بعض الآراء على العموميات دون تفصيل وعلى وجه أخص النظر في الاعتبارات والأنواع؛ فبعض المعاملات المعاصرة لا تأخذ شكلاً واحداً؛ ولذلك ما أكثر ما يحصل الخطأ بسبب الإجمال. ٨ - نشأة الاصطلاح: فحتى لا نسير خلف اصطلاح واحد ينبغي أن نبحث نشأة هذا الاصطلاح؛ فقد يكون وصف تلك المعاملة بذلك المصطلح ناشئاً عن اجتهاد محض محتمل للخطأ والصواب، وهو الأمر الذي يستدعي تدخل الباحث بنظرته واجتهاده لينظر مدى ملاءمة ذلك المصطلح لتلك النازلة من عدمه. ٩ - التخريج: وهو أهم مرحلة في دراسة النازلة بعد مرحلة التصور؛ كما أنه أدق مرحلة. وفي هذه المرحلة بالذات تتفاوت الآراء والاجتهادات لتصل إلى العشرات أحياناً، وأهم ما يطلب في هذه المرحلة توافر القوة العلمية والتأصيل الشرعي لدى الباحث ليتمكن من الوصول السليم لحكم المسألة؛ فهناك فقه الضرورات، وفقه المقاصد والمآلات والنظر لأحوال المخاطب؛ وكل هذه الأدوات وغيرها تستدعي لزاماً تَمَكُّنَ الباحث قبل الولوج في بحث هذه النوازل. وختاماً فهذه ليست دعوة للتقيد كما قد يتبادر إلى الذهن، وليست دعوة للخروج عن الاجتهاد العام؛ فكما أن بعضنا يعاني من الاستعجال في التحريم؛ ففي ذات الوقت يعاني آخرون من التحليل المستعجل؛ وإنما هي دعوة للوصول السليم للرأي الصواب الذي تبرأ به الذمة أياً كانت النتيجة حِلاًّ أو حُرمة.

стр. 4986

جمادى الآخرة - ١٤٢٥هـ يوليو / أغسطس - ٢٠٠٤م (السنة: ١٩)

стр. 4987

حملات وراء حملة ..!! التحرير الحملة الأمريكية على الإرهاب أخذت أبعاداً كثيرة، تجاوزت أهدافها العسكرية والسياسية المعلنة، وكان من أبرز المستفيدين من هذه الحملة: المنظمات التنصيرية التي فتحت لها الأبواب مشرعة في معظم دول العالم. ولهذا لم تتردد منظمة (رابطة الرهبان لتنصير الشعوب) التي يتبعها أكثر من ٨٥ ألف قسيس، و٤٥٠ ألف جمعية دينية، في زيادة جهودها للحد من انتشار الإسلام، وتشويه صورة النبي المصطفى ﷺ ، حتى إن صحيفة (فليت إم زونتاج) الألمانية كتبت في ٣٠/٥/٢٠٠٤م، مقالاً بعنوان: (مليون ضد محمد) !! ذكرت فيه أن المنظمة جندت مليون شخص للحد من انتشار الإسلام في العالم. وها هي ذي جمهورية قرقيزستان ـ التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي السابق، والتي لا يعلم كثير منا أن نسبة المسلمين فيها تصل إلى ٨٤% ـ تتعرض لحملة تنصيرية شرسة جداً لدرجة أن مدير اللجنة العامة للشؤون الدينية في الجمهورية ذكر أن ٤٠ منظمة تنصيرية كاثوليكية وبروتستانتية تنشط في تنصير المسلمين، وتوزع آلاف الأشرطة والكتب والأناجيل، مما أدى إلى انخفاض نسبة المسلمين من ٨٤% في نهاية ٢٠٠١م إلى ٧٩.٣% في مطلع ٢٠٠٤م!! أما في العراق فقد نصب المنصِّرون خيامهم منذ بداية الحصار عام ١٩٩١م، وتركزوا في شمال العراق خصوصاً. ثم انتشرت جيوشهم التنصيرية بعد دخول قوات الاحتلال في جميع الأنحاء. ويقدر عدد المنظمات التنصيرية العاملة في العراق الآن بأكثر من سبعين منظمة..!! إنها حملات تنصيرية تجددت دماؤها بعد الحملة الغربية على الإرهاب..! مرحلة جد خطيرة تتطلب من الدعاة والمؤسسات الإسلامية رؤية جديدة قادرة على الثبات وتجاوز هذه الأزمات. إنَّ الإسلام دين الفطرة، ولا يرتد عنه إلا من جهله، أو غشيته غشاوة الضلالة ولم يستقر الإيمان في قلبه، وإذا أحسن المصلحون تجديد معالمه والتعريف بأصوله، وتقديمه للناس بدون تكلُّف؛ فإن النفوس ستُقبِل عليه بإذن الله تعالى. إنها أمانة عظيمة، ومسؤولية كبيرة، يجب أن يُستنهض لها كافة الأمة، كل بحسبه؛ فحماية هذا الدين مهمة الجميع.

стр. 4988

أولئك آبائي التحرير إطلالة على مكانة أصحاب رسول الله ﷺ في الوحيين الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد الأمين، وأصحابه الأطهار البررة الطيبين. أما بعد: فإن الألسن لا تكل من ترداد سيرهم، والآذان لا تمل من سماع أخبارهم، بل تستعذب الحديث عنهم، والعين تسعد بالنظر والمطالعة فيما كتب عن خصالهم وأخلاقهم، والقلب ينشرح ويزداد ثباتاً ويقيناً بأخبار بلائهم وجهادهم أولئك هم أصحاب رسول الله ﷺ ، الذين اختارهم الله على علم لصحبة نبيه الخاتم إلى العالمين، هم أبر هذه الأمة قلوباً، وأصدقها حديثاً، وأعمقها عِلماً، وأقلها تكلفاً، وأكثرها بلاءً وجهاداً في سبيل الله، خُيِّروا بين الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة، والأموال والتجارات والديار وبين الله ورسوله والجهاد في سبيله، فطرحوا ذلك كله وراءهم ظهرياً، واختاروا الله ورسوله والجهاد في سبيله ﴿قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] . مدحهم رب السموات والأرضين في كتابه العظيم، وكفاهم بذلك شرفاً وعلواً، وقد بلغ من شرف مكانتهم وعلوها عند ربهم أنه نوَّه بصفاتهم في كتبه السابقة فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩] ، ونوه بهم في الإنجيل فقال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] ، والذين مع الرسول ﷺ هم أصحابه الغر الميامين؛ فهم أشداء على الكفار في غير ظلم، رحماء بينهم من غير تجمع على باطل، عابدون لله وحده لا يشركون به شيئاً، راكعون وساجدون، لا يبتغون الفضل والرضوان إلا منه، قد أثرت العبادة فيهم حتى ظهر أثر ذلك على جوارحهم، فإذا رأيت الواحد منهم علمت أنه ممن يحب الله ويخشاه؛ ولذلك فإن الله ـ تعالى ـ قد رضي عنهم، وهي أعظم منة يمن الله بها على عبد من عباده، فقال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] ، وشهد على ما في قلوبهم من الإيمان والخير الذي لا يقدره إلا الله، وكفى بالله شهيداً. وقد مدحهم رسول الله ﷺ وهو الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى؛ فيا سعد من مدحه وأثنى عليه رسول رب العالمين! وهل هناك فضل يمكن أن يصل إليه إنسان بثناء بَشَرٍ عليه فوق أن يثني عليه الرسول العظيم محمد بن عبد الله ﷺ ؟ وقد مدح الرسول ﷺ أصحابه، وهو أعرف الناس بهم وبأقدارهم، فخص منهم بالذكر أعظمهم وأفضلهم، ثم مدحهم على العموم والإجمال القاضي بشمول المدح لهم جميعاً، فقال ﷺ : «خير أمتي قرني..» الحديث (١) . وقال رسول الله ﷺ : «أصحابي أََمَنَةٌ لأمتي؛ فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (٢) ، يعني أن وجود الصحابة ﵃ أمان للأمة من ظهور البدع والحوادث، بل إن بركة الصحابة امتدت لتشمل جيلين بعدهم، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان يغزون فيقال لهم: فيكم من صَحِبَ الرسول ﷺ ؟ فيقولون: نعم! فيُفتح عليهم، ثم يغزون فيقال لهم: هل فيكم مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ الرسول ﷺ ؟ فيقولون: نعم! فيُفتح لهم» (٣) ، وخاطب الرسول ﷺ الذين أسلموا بعد فتح مكة، مقارناً بينهم، وبين من أسلم قبل الفتح فقال: «لو أن أحدكم أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما أدركَ مدَّ أحدهم ولا نصيفَه» (١) ، فإذا كانت هذه مقارنة بين أناس اشتركوا في فضل الصحبة، وزاد بعضهم بالمبادرة والمسابقة إلى الإسلام؛ فكيف تكون حال المقارنة بينهم وبين أناس لم يشتركوا معهم في هذا الفضل؟! ولو ذهبنا نتتبع النصوص من القرآن والسنة التي تحدثت عن ذلك الجيل الفريد لطال بنا المقام، والذي يمكننا أن نفعله في هذه العجالة أن نعرض نزراً يسيراً من حياة هذا الجيل لندرك بعضاً من الأسباب التي رفعت منزلتهم فوق هام السحاب أملاً في أن نحاول أن نمضي خلفهم في الدرب الذي سلكوه؛ إذ لا يعدم الفضل والأجر من يحاول ذلك، وإن قصر عن بلوغ الهدف. - صدق الإيمان في قلوبهم: فالذي يعلم كيف بدأ الإسلام يدرك صدق الإيمان في قلوب الصحابة، وجذوته وشدته حتى تحمَّلوا في سبيله ما تقصر همم الرجال عن تحمله، فأظهر الله بهم الملة، ورفع بهم راية التوحيد، وأذل بهم الشرك ونكس رايته، ودك حصونه وهدم قلاعه. لقد بدأ رسول الله ﷺ يدعو في مكة إلى الله وحيداً، والمشركون محدقون به، صادُّون عنه، مناوئون له، فلا يقدر أحد من الناس أن يسلم من غير أن يتعرض للأذى الشديد؛ فإذا نظرت إلى عدد قليل جداً من الأفراد وسط مجتمع متكامل يتمتع بكل مقومات الحياة الاجتماعية، قد أطبق على مقاطعة تلك المجموعة؛ فكيف يعيش هؤلاء؟ فقد كان المشركون لا يبايعونهم ولا يناكحونهم، ولا يجالسونهم، ولا يخالطونهم، ولا يدخلون عليهم بيوتهم، ولا يكلمونهم، وقد تعاقدوا وتناصروا على ذلك حتى جهد المسلمون جهداً شديداً، فكانت تأتي العير من خارج مكة محملة بالطعام، فيتسارع المشركون إلى شرائها وإغلاء سعرها، حتى تنفد القافلة ولا يتمكن المسلمون من شراء شيء منها، وهذه حادثة من حوادث عديدة تصور لنا الظرف الحرج الذي كان يعيش فيه المسلمون. يقول سعد بن أبي وقاص ﵁: «خرجت ذات ليلة لأبول، فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ثم رضضتها وسففتها بالماء، فتقويت بها ثلاثاً» (٢) . ومع ذلك فما أبعدهم هذا عن دينهم، بل ما زادهم إلا إيماناً به وثباتاً عليه. - ترك الديار والأهل والأوطان: من الأمور التي يتعلق بها الإنسان أهلُه وموطنُه، ومن الصعب جداً على الإنسان أن يترك ذلك إلى مكان آخر، ولو كانت له فيه مصلحة، ولو كان يجد من يعينه على ذلك؛ فما بالك بمن يترك أهله وولده ويذهب إلى مكان بعيد لا يعرفه ولا يعرف أهله، ليس له فيه أنيس ولا جليس، أو صديق أوقريب، بل يركب البحر الأعظم على ما في ذلك من الخطورة الشديدة في تلك الأزمنة التي لم تكن فيها السفن مأمونة، بل كانت صغيرة تتقلب مع أمواج البحر العاتية، فإذا به يجد نفسه بعد قليل في لجة البحر، فلا يرى إلا المياه وهي تلفه من جميع جوانبه، ويظل على ذلك عدة أيام لا يرى غير الماء والسماء قد أطبقت عليه مثل القبة، ومع ذلك فهو يُقْدِم على ذلك راضياً صابراً محتسباً مقدماً لدينه على التمسك بالأوطان والديار والأهل والأموال فيخرج مهاجراً في سبيل الله فمنهم من يدرك موطنه الجديد، ومنهم من يموت قبل أن يصل؟ فرضي الله عنهم وأرضاهم، ما أجلدهم وأصبرهم على طاعة الله! ولعل حادثة واحدة من حوادث عديدة نسوقها تظهر لنا جانباً من ذلك. تقول أم سلمة ﵂: «لما أجمع أبو سلمة (زوجها) الخروج إلى المدينة مهاجراً رحَّل لي بعيره، ثم حملني عليه وحمل معي ابني سلمة في حجري، ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة (رهط أم سلمة) قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علامَ نتركها تسير بها في البلاد؟ قالت: فانتزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه، قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة، فقالوا: لا، والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج غداة كل يوم فأجلس بالأبطح؛ فما أزال أبكي حتى أمسي (سنة أو قريباً من ذلك) » (٣) ومع ما في هذه القصة من مأساة عظيمة لأبي سلمة، فما ردهم ذلك عن هجرتهم إلى الله، ولا أوهن ذلك عزيمتهم، وهذا يبين ما بذله الصحابة ﵃ من تحمُّل في سبيل الله، والثبات على دينهم وإصرارهم عليه، وهو ما يعني أن الإيمان أثبت في قلوبهم من ثبات الجبال الشم الرواسي. - البذل لدين الله: السلامة الشخصية والحياة من أهم ما يحرص عليه الإنسان، حتى يكون ذلك في المقام الأول، لكن أصحاب الرسول ﷺ هانت عليهم نفوسهم في سبيل الله، فكان الجهاد أحب شيء إليهم، وكان الموت في سبيله أول ما يحرصون عليه، حتى لو لم يكن الجهاد في ذلك الوقت مفروضاً عليهم، والوقائع في ذلك اكثر من أن تُحصر، ولعل واقعة واحدة نسردها تبين ذلك؛ ففي غزوة بدر الكبرى عندما خرج الرسول ﷺ لاعتراض عير قريش، وقد افلتت العير، وجاءت قريش لحرب رسول الله ﷺ ، قال الرسول ﷺ لأصحابه ـ وهم لم يخرجوا لقتال ومن ثم لم يستعدوا له ـ: أشيروا عليَّ أيها الناس! فقام أبو بكر ﵁ وتكلم فأحسن، وكذلك عمر بن الخطاب وكذلك تكلم المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله! امض لما أراك الله؛ فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون؛ فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (١) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه» . ورغم هذا فقد قال الرسول ﷺ : «أشيروا عليَّ أيها الناس!» وإنما يعني بذلك الأنصار؛ وذلك أن الرسول ﷺ كان يتخوَّف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى العدو خارج ديارهم على وفق ما تمت عليه البيعة في العقبة، فتفطَّن سعد بن معاذ ﵁ سيد الأنصار لذلك، فقال: «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله! قال: أجل! قال: لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت؛ فنحن معك؛ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنَّا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فَسِرْ على بركة الله» (٢) . فلم يثنهم أنهم لم يكونوا خرجوا للجهاد مع قلة الإمكانات عن الإصرار الشديد على ملاقاة العدو حتى نصرهم الله عليه، بل إن الحياة عندهم لم تكن لها قيمة إذا خلت من الجهاد؛ فهذا سعد ﵁ لما أصيب في غزوة الخندق دعا ربه، فقال: «اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحبَّ إليَّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك ﷺ وأخرجوه. اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم؛ فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها (موضع الإصابة) واجعل موتتي فيها» الحديث (٣) . - حب الرسول ﷺ فوق النفس والأهل: وكان مما وقر في قلوب الصحابة حبهم الشديد لرسول الله ﷺ ، حتى كان أحب إليهم من أموالهم وأولادهم وأهليهم ومن أنفسهم، وقد كانوا في ذلك في أعلى الدرجات؛ فهذا خبيب ﵁ عندما كان مأسوراً لدى قريش بمكة وأرادوا قتله حملوه إلى الخشبة وأوثقوه رباطاً، ثم قالوا له: أرجع عن الإسلام نُخْلِ سبيلك. قال: لا، واللهِ ما أحب أني رجعت عن الإسلام، وأنَّ لي ما في الأرض جميعاً. قالوا: فتحب أن محمداً في مكانك وأنت جالس في بيتك؟ قال: واللهِ ما أحب أن يُشاك محمد ﷺ بشوكة، وأنا جالس في بيتي، فجعلوا يقولون: ارجع يا خبيب! قال: لا أرجع أبداً؛ حتى قتلوه ﵁. فأولئك قوم قد طغى حبهم للدين وحبهم لرسول رب العالمين على حبهم للحياة بما فيها من الأنفس والأموال والأهل والديار؛ فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعلنا ممن يسير خلفهم. وبعد: فتلك كانت نتفاً يسيرة من أحوال أولئك القوم، ولو ذهب الذاهب يتتبع ما ورد من ذلك في الكتب الصحاح والسنن والمسانيد لما كفته المجلدات. وحسبك أن تنظر من هذه الكوة الصغيرة لتعلم ما وراءها؛ فأصحاب رسول الله ﷺ أقرب أمته منه، وأحبهم إليه، آمنوا به وصدقوه ونصروه وعزروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، وفارقوا لأجل ذلك الأوطان والديار والأهلين والأموال، وتجشموا المصاعب والمتاعب الجمة، مع شدة في الدين وغيرة عليه، ومحبة له، ورحمة بالمسلمين في أخلاق وسلوك لم يعرف التاريخ لها مثيلاً، ولن يعرف، ولهم بعد ذلك من العلم النافع الكثير والعمل الصالح الوفير، والرغبة في الآخرة والتزود لها، والرغبة عن الدنيا والإقلال منها، وبالجملة: فإن الحديث عنهم لا يكاد ينقطع، ولا نستطيع أن نوفيهم حقهم. والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بعد ذلك بشر من البشر، وليسوا ملائكة، ولا أنبياء معصومين، قد اجتهدوا في أمور قد أصابوا الحق في معظمها واجتمعوا عليه، واختلفوا في أمور وصدر عنهم في ذلك ما يصدر عن البشر لكن مع الإخلاص وتحري الصواب، ومحبة الحق والرغبة في الوصول إليه والحرص عليه، وهم في ذلك بين مجتهد مصيب مأجور، وآخر مجتهد مخطئ معذور، ولذلك حذر الرسول ﷺ أمته من الوقوع في أصحابه إذا رأوا شيئاً من ذلك، وقال: «لا تسبوا أصحابي» . ومذهب أهل السنة والجماعة الإمساك عما شجر بين الصحابة والترضِّي عنهم جميعهم، ولا أجد رجلاً أشد خذلاناً من رجل يسب أصحاب رسول الله ﷺ ، أو يقع فيهم وهو يُتلى عليه قوله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه» (٥) . ونقول لمثل هذا ممن خذله الله ولم يرعوِ كما قال الشاعر العربي: أُولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ رزقنا الله ـ سبحانه ـ محبته ومحبة رسوله ﷺ وآله وأصحابه، وجعلنا من التابعين لهم بإحسان.

стр. 4989

هذه هي الوسطية رؤية حقيقية لا أوهام متخيلة د. علي بن عبد الله الصياح الوسطية أو على الأصح (الوسط) كلمةٌ جميلةٌ جليلة، ولا أدلَّ على ذلك من استعمالها وصفاً لهذه الأمة كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . وقد فسر النبي ﷺ الوسط بالعدل كما في الحديث الذي أخرجه البخاريّ في صحيحه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً. وفي سورة القلم: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أعدلهم، وفي سورة المائدة: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي أعدل. وقال الشاعر: هُمُ وسَطٌ يرضى الأنامُ بحكمهم إذا نزلتْ إحدى اللّيالي بمُعظَمِ أي عدول. وقال ابنُ فارس: «الواو والسين والطاء: بناء صحيح يدل على العدل والنّصَف، وأعدل الشيء: أوسطه ووسطه، ويقولون: ضربتُ وَسَطَ رأسه بفتح السين، ووَسْط القوم بسكونها، وهو أوسطهم حَسَباً، إذا كان في واسطة قومه وأرفعهم محلاً» (١) . وهذه الوسطية والعدالة متضمنةٌ للخيرية، والاعتدالِ في كلّ شيء. قال الطبري: «إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين؛ فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهُّب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدَّلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك؛ إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها» (٢) . وقال ابن كثير: «ولَمَّا جعل الله هذه الأمة وَسَطاً خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب كما قال ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] » (٣) . فتبين أنّ الوسطية والتوسط في الدين هي: كل حق بين باطلين من الاعتقادات والأعمال والأخلاق. فمن سلَّم لله ولرسوله ﷺ ، وعمل بما ورد في القرآن وصح عن رسول الله ﷺ من العقائد والشرائع فهو من أهل هذه الوسطية والاعتدال والخير، وكلّ من تعدى حدود الشرع أو قصَّر عن القيام بها فقد خرج عن دائرة الوسطية بحسب عدوانه أو تقصيره. قال ابن القيم: «فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله ـ سبحانه ـ هذه الأمة وسطاً وهي الخيار العدل، لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور، والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف والأوساط محمية بأطرافها؛ فخيار الأمور أوساطها» (١) . وقال أيضاً: «والفرقُ بين الاقتصادِ والتقصير أنَّ الاقتصادَ هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضدان له: تقصير، ومجاوزة. فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] ، والدينُ كلّه بين هذين الطرفين، بل الإسلام قَصْدٌ بين الملل، والسنَّة قصد بين البدع، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافقة الأمر، والغلو مجاوزته وتعديه. وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: فإما إلى غلو ومجاوزة، وإما إلى تفريط وتقصير؛ وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله ﷺ ، وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به، لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم. وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم، ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير، وخوفوا من بُلي بأحدهما بالهلاك، وقد يجتمعان في الشخص الواحد؛ كما هو حال أكثر الخلق يكون مقصراً مفرطاً في بعض دينه، غالياً متجاوزاً في بعضه؛ والمهدي من هداه الله» (٢) . ومما ينبغي التفطُّن له خطأ ما انتشر في الكتابات المعاصرة من جعل «الوسطية» حالة تقوم على التوفيق بين السنَّة والبدعة، بل بين الكفر والإسلام كما في دعوتي التقريب بين السنة والشيعة، والنصرانية والإسلام التي هي فرع عن الدعوة لوحدة الأديان. ومن هذه الوسطية الترخصات المذمومة التي أساسها اتباع الهوى بتتبع الأقاويل الشاذة والمخالفة للدليل، والتي قال فيها بعض العلماء: «من تتبع الرخص تزندق» . ومن أصحاب هذه الوسطية بعض الإعلاميين والمنتسبين إلى الدعوة الذين يعطون الفرصة ـ باسم الحوار ـ لذوي الأقلام المسمومة والأفكار المشبوهة لينفثوا سمومهم وأفكارهم. ومعلومٌ أن ليس من أسس الدعوة إلى الله ومطالبها استدعاء الشبهات ونشرها بحجة الردّ عليها، بل المطلوب في الدعوة إلى الله - وهو نوعٌ من الجهاد ـ كشف شبهات المبطلين من الكافرين والمبتدعين، ونشر ذلك إذا ظهرت المصلحة. ودعوى التوفيق منهجٌ قديم سلكه المنافقون أوَّلاً كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ إحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦١ - ٦٢] ، ودرج على طريقتهم طوائف من المبتدعة، والمتفلسفة، والجهلة. قال ابنُ أبي العزّ في هذه الآية: «أخبر أنّ المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى غيره، وأنهم إذا دُعوا إلى الله والرسول وهو الدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله صدوا صدوداً، وأنهم يزعمون أنهم إنما أرادوا إحساناً وتوفيقاً كما يقوله كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم: إنما نريد أن نحسن الأشياء بحقيقتها، أي ندركها ونعرفها ونريد التوفيق بين الدلائل التي يسمونها العقليات وهي في الحقيقة جهليات، وبين الدلائل النقلية المنقولة عن الرسول، أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة، وكما يقوله كثير من المبتدعة من المتنسكة والمتصوفة: إنما نريد الأعمال بالعمل الحسن والتوفيق بين الشريعة وبين ما يدَّعونه من الباطل الذي يسمونه حقائق، وهي جهل وضلال، وكما يقوله كثير من المتملكة والمتأثرة: إنما نريد الإحسان بالسياسة الحسنة والتوفيق بينها وبين الشريعة ونحو ذلك؛ فكل من طلب أن يحكم في شيء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول، ويظن أن ذلك حسن، وأن ذلك جمعٌ بين ما جاء به الرسول وبين ما يخالفه فله نصيب من ذلك، بل ما جاء به الرسول كافٍ كاملٌ يدخل فيه كل حق» (٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وفي هذه الآيات أنواع من العِبَر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب، وغير ذلك من أنواع الاعتبار» (٤) . وقال: «فإن هؤلاء إذا دُعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول؛ والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته، أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنَّا قصدنا الإحسان علماً وعملاً بهذه الطريق التي سلكناها والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية» (٥) . وقال ابنُ القيم: «هذه القواعد الفاسدة هي التي حملتهم على تلك التأويلات الباطلة؛ لأنهم رأوها لا تلائم نصوص الوحي، بل بينها وبينها الحرب العوان، فأجهدوا أنفسهم، وكَدُّوا خواطرهم في الصلح، وزعموا أن ذلك إحسان وتوفيق؛ وكأن الله ـ سبحانه ـ أنزل هذه الآيات في شأنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ﴾ [النساء: ٦٠] إلى قوله: ﴿إنْ أَرَدْنَا إلاَّ إحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] » (١) . وربما تلتبس هذه الدعوات على بعض الناس فينساق خلفها، فيضل ويُضِل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا ريب أن كثيراً من هؤلاء قد لا يعلم أنه منافق، بل يكون معه أصل الإيمان، لكن يلتبس عليه أمر المنافقين حتى يصير لهم من السمَّاعين. قال: ـ تعالى ـ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] ، ومن المعلوم أن كلام أهل الإفك في عائشة كان مبدؤه من المنافقين، وتلطخ به طائفة من المؤمنين، وهكذا كثير من البدع كالرفض والتجهم مبدؤها من المنافقين، وتلوث ببعضها كثير من المؤمنين؛ لكن كان فيهم من نقض الإيمان بقدر ما شاركوا فيه أهل النفاق والبهتان» (٢) . ومن العجيب أنّ كلاً يدعي الوسطية لنفسه: فالخارجي يدعي أنّ مذهب الخوارج «وَسَطَ» . والمرجئي يدعي أنّ مذهب المرجئة «وَسَطَ» . والعقلاني يدعي أنّ منهجه «وَسَطَ» . والمفرط يدعي أنّ منهجه «وَسَطَ» . وربما العلماني ـ وغيره ـ يدعي أنّ منهجه «وَسَطَ» !!. والوسطية لا تعرف بمجرد الدعوى، وإنما تعرف بالدلائل والبينات. والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء وإنما تعرف الوسطية الحقة بطاعة الله ورسوله، والتسليم لهما ظاهراً وباطناً. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (*) .

стр. 4990

علم المناسبات القرآنية موضوعه ـ تطوره ـ مكانته د. عبد الحميد محمود غانم يُمثل القرآن الكريم منبعاً ثرّاً، وفيضاً غزيراً لفنون وعلوم، وفتوح انبثَّت في نظمه، وهديه، ورسمه ليبقى المعجزة الخالدة الدالة على الحق، والمدد الأسمى لمن أخلص الطلب، وتجرد للفهم والعمل؛ في ثناياه جلال من كل وجه، وفي منحه عطاءات لكلّ عصر، ولعل أدق علومه علم المناسبات القرآنية، ذلك العلم الذي يربط بين السور، والآيات، والكلمات؛ فإذا هي حبات عقد واحد، وأعضاء كائن حي، وأجزاء بنيان متصل؛ فعليه يتوقف إدراك الهدايات في أعلى صورها، وتتضح المناسبات بين أجزائها، وتبدو المرامي وأغراضها، والمقاصد التي سيق كل ذلك لأجلها. - المناسبة في اللغة: المقاربة والمشاكلة والمماثلة، يُقال: فلان يناسب فلاناً أي: يقرب منه ويشاكله. ومنه: النسيب هو القريب المتصل كالأخوين وابن العم، ونحوه. ومنه: المناسبة في العلة من باب القياس أي: الوصف المقارب للحكم؛ لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم، ولهذا قيل: المناسبة أمر معقول إذا عُرِضَ على العقول تلقته بالقبول (١) . - المناسبة في الاصطلاح: يقال للمناسبة الرابطة بين شيئين بأي وجه من الوجوه، ويعنى بها في كتاب الله ـ تعالى ـ: إدراك أوجه الارتباط بين السور وما قبلها وما بعدها، وبين الآية وما قبلها وما بعدها (٢) . فالمناسبة علم تعرف منه علل الترتيب بين أجزاء القرآن وهي سر البلاغة في أدائه، وتحقيق مطابقة المقال لما اقتضاه الحال (٣) . - موضوع علم المناسبة: هو أجزاء الشيء المطلوب علم مناسبته من حيث الوقوف على طرق الترتيب وعلله (٤) . - ثمرة علم المناسبة: ثمرته الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب تعلقه بالكل، وارتباطه بما وراءه وما أمامه ارتباطاً كلُحمة النسب؛ بحيث تبدو أجزاء الكلام وقد أخذ بعضها بأعناق بعض. وتتوقف معرفته، وثمرته، والإجادة فيه على إدراك مقصود كل سورة في كل جملها القرآنية؛ ومن أجل ذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة. ` تحقيق ظهوره وتطوره، وأقوال أهل العلم فيه: اشتهر بين أهل العلم أن كتب التاريخ، وعلوم القرآن الكريم لَمْ تحمل لنا خبراً عن نشأة علم المناسبات القرآنية قبل نهاية القرن الثالث الهجري حيث عرفت بداياته في بغداد على يد (أبي بكر النيسابوري) المتوفى ٣٢٤هـ. وفي ذلك يقول الشيخ أبو الحسن الشهراباني (٥) : «أول من أظهر ببغداد علم المناسبة ـ ولم نكن سمعناه من غيره ـ هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري (٦) ، وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، كان يقول على الكرسي إذا قُرئت عليه الآية: لِمَ جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان يُزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة» (٧) . والواقع أن في ذلك نظراً؛ فقد صرح (البقاعي) أيما تصريح بقدم علم المناسبات القرآنية، وانتشاره بين الصحابة والتابعين، واعتمادهم إياه في فهم آي الكتاب الحكيم، فقال في كتابه (مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور) : «وقد كان أفاضل السلف يعرفون هذا بما في سليقتهم من أفانين العربية، ودقيق مناهج الفكر البشرية، ولطيف أساليب النوازع العقلية، ثم تناقص هذا العلم حتى انعجم على الناس، وصار إلى حد الغرابة كغيره من الفنون. قال (أبو عبيد) في (كتاب الفضائل) : حدثنا معاذ بن عوف عن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه، قال: إذا حدثتَ عن الله حديثاً فقف حتى تنظر ما قبله، وما بعده. وروى عبد الرزاق عن ابن عيينة عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال ابن مسعود ﵁: إذا سأل أحدكم صاحبه كيف يقرأ آية كذا وكذا، فلْيَسَلْه عما قبلها (١) . يريد ـ والله أعلم ـ أن ما قبلها يدله على تحرير لفظها بما تدعو إليه المناسبة. وروى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه حدّث أن قوماً يدخلون النار، ثم يخرجون منها، فقال له القوم: أوَ ليس الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] ؟ فقال لهم أبو سعيد ﵁: اقرؤوا ما فوقها: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] ، وفي تفسير: أن أعرابياً ـ لم يكن قرأ القرآن ـ سمع قارئاً يقرأ آية: ﴿فَإن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] ، فأبدله القارئ بأن قال: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٢] ، فقال الأعرابي مصوباً: «إن الحكيم لا يَذكر الغفران عند الزلل؛ لأنه إغراء عليه» (٢) . ثم لم يجد ذلك العلم ما يليق به من العناية، فشكا القاضي أبو بكر بن العربي (ت ٥٤٣هـ) في كتابه (سراج المريدين) قائلاً: «ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسعة المعاني، منتظمة المباني؛ علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلَة، ورأينا الخلق بأوصاف البَطَلَة ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله، ورددناه إليه» (٣) . وكان الزمخشري (ت ٥٣٨هـ) قد تعرض له في تفسيره (الكشاف) فأبان عن مناسبة بعض الآي (٤) . ثم أكثر الفخر الرازي (٦٠٦ هـ) النظر فيه، فقال: «أكثر لطائف القرآن مودعه في الترتيبات، والروابط» (٥) وقال: «من تأمل في لطائف نظام السور، وبديع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معحز بحسب فصاحة ألفاظه، وشرف معانيه، فهو أيضاً بسبب ترتيبه ونظم آياته، ولعل الذين قالوا: (إنه معجز بسبب أسلوبه) أرادوا ذلك، إلا أني رأيت جمهور المفسرين مُعرضين عن هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسرار، وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل: والنجم تستصغر الأبصار صورته والذنب للطرف لا للنجم في الصغرِ (٦) وزاد: «علم المناسبات علم عظيم أُودِعَت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه» (٧) . وشرع في كتابة سِفْر بعنوان: (أسرار التنزيل) لكنه توفي قبل أن يتم جزأه الأول (٨) . وتنبه ولي الدين الملوي شيخ الزركشي لذلك العلم فقال: «والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها، أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسباتها لما قبلها؛ ففي ذلك علم جم. وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها، وما سيقت له» (٩) . وقال بدر الدين الزركشي (٧٩٤هـ) : «من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض، لئلا يكون منقطعاً، وهو مبني على أن ترتيب السور توفيقي، وإذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة؛ لما خُتمت به السور قبلها، ثم هو قد يخفى تارة، ويظهر أخرى» (١٠) . ثم إنه عقد فصلاً بتمامه في كتابه (البرهان في علوم القرآن) تحت عنوان: (معرفة المناسبات بين الآيات) تعقب فيه هذا العلم الجليل من جهة التعريف، والنشأة، والمصادر، ومن كتب فيه. ثم أطال النفس في عرض أمثلة على المناسبات القرآنية بين السور المتجاورة، وبين الآيات في السورة الواحدة (١١) . وسار (الشيخ كمال الدين الزملكاني) (١٢) سيراً حثيثاً في الخروج بعلم المناسبات إلى حيز الظهور، فعقد دروساً لتبيانه وشرحه، وربط بين السورة وافتتحاحيتها، وأبان عن مناسبات الاستهلال، فذكر مناسبة افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح، وافتتاح سورة الكهف بالتحميد، وربط بين فاتحة كل سورة وموضوعها، وأثرها في ترتيبها المصحفي، وأن علة ذلك تكمن في أن التسبيح حيث جاء مقدمٌ على التحميد؛ فأنت تقول: سبحان الله والحمد لله. وقال: «إن سورة بني إسرائيل افتتحت بحديث الإسراء، وهو من الخوارق الدالة على صدق رسول الله ﷺ ، والمشركون كذبوا ذلك وقالوا: كيف يسير في ليلة من مكة إلى بيت المقدس؟ وعادوا وتعنتوا فقالوا: صف لنا بيت المقدس! فرُفع له حتى وصفه لهم. والسبب في الإسراء كان أولاً لبيت المقدس ليكون ذلك دليلاً على صحة قوله بصعود السماوات، فافتتحت بالتسبيح تصديقاً لنبيه فيما ادعاه؛ لأن تكذيبهم له تكذيب عناد، فنزه نفسه قبل الإخبار بهذا الذي كذبوه. وأما الكهف فإنه لما احتُبس الوحي، وأرجف الكفار بسبب ذلك، أنزلها الله رداً عليهم، وأنه لم يقطع نعمه عن نبيه ﷺ ، بل أتم عليه بإنزال الكتاب فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة. وإذا ثبت هذا بالنسبة إلى السور، فما ظنك بالآيات وتعلق بعضها ببعض؟ بل عند التأمل يظهر أن القرآن كله كالكلمة الواحدة» (١) . على أن أول من أفرد علم المناسبات القرآنية بالتصنيف هو (أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الأندلسي) النحوي الحافظ المتوفى (٨٠٧هـ) صاحب [البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن] . و [ملاك التاويل] ، وهو: شيخ أبي حيان (٧٥٤هـ) صاحب [البحر المحيط] (٢) . وفي ذلك يقول الغماري الحسني نظماً: وابن الزبير في برهانه قد كان أول من سطرْ إذ جاء فيه مُجَليًّاً يتلوه بحر قد زخرْ (٣) ثم جاء دور (برهان الدين البقاعي) ت ٨٨٥ هـ فكتب سِفْره [نظم الدرر في تناسب الآي والسور] وهو تفسير التزم فيه بيان مناسبة الآي والسور، وقال في مقدمته: «وسميته: نظم الدرر في تناسب الآي والسور، ويناسب أن يسمى: فتح الرحمن في تناسب أجزاء القرآن. وأنسب الأسماء له: ترجمان القرآن ومبدي مناسبات الفرقان (٤) . وذكر في كتابه الذي رد به على الحافظ السخاوي: «أنه ألفه في مدى أربع عشرة سنة» (٥) . ووصف شأن علم المناسبات وأثره فقال: «وبهذا العلم يرسخ الإيمان في القلب ويتمكن من اللب؛ وذلك أنه يكشف للإعجاز طريقين: أحدهما: نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب. والثاني: نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب. والأول أقرب تناولاً، وأسهل تذوقاً؛ فإن كل من سمع القرآن من ذكي وغبي يهتز لمعانيه وتحصل له عند سماعه روعة بنشاط، ورهبة مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره. وكلما دقق النظر في المعنى عظُم عنده موقع الإعجاز، ثم إذا عَبَرَ الفَطِنُ من ذلك إلى التأمل ربط كل جملة بما تليه وما تلاها خفي عليه وجهة ذلك، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد فظن أنها متنافرة، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما كان حصل له بالسماع من الهز والبسط، وربما أشكله ذلك وزلزل إيمانه وزحزح إيقانه ... فإذا استعان بالله وأدام الطَّرْق لباب الفرج بإنعام التأمل، وإظهار العجز، والوقوف بأنه الذروة من إحكام الربط كما كان في الأوج من حسن المعنى انفتح له ذلك الباب، ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار، ورقص الفكر منه طرباً وشكراً لله استغراباً وعجباً، وشاط لعظمة ذلك جنانه، فرسخ من غير مِريْة إيمانه» (٦) . ويعد كتاب (نظم الدرر) أوسع مصادر هذا العلم ذكراً للمناسبات القرآنية بين آيات القرآن الكريم سورة سورة (٧) . وقد أطال البقاعي النفس في كتابه «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» في وصف علم المناسبات، فذكر أصله وسره، وحقيقته، وبيان الداعي إليه، وتعريفه، ونسبته، وكيفيته، والإجادة فيه، وعرّج على كتابة «نظم الدرر» فربط بينه وبين علم المناسبات فقال: «هذا؛ وإن العلم الذي أفاض الله ـ وله الحمد ـ عليّ، أصله: بذل الرقة والانكسار، والتضرع والافتقار لأدق العلوم أمراً، وأخفاها سراً، وأعلاها قدراً؛ لأنه في الحقيقة إظهار البلاغة من الكتاب العزيز، وبيان ذلك في كل جملة من جمله؛ فإن البلاغة مناسبة المقال لمقتضى الحال. وهذا الكتاب لبيان الداعي إلى وضع كل جملة في مكانها، وإقامة حجتها في ذلك وبرهانها؛ لأن هذا العلم تعرف منه علل الترتيب. وثمرته: الاطلاع على المرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه، وما أمامه من الارتباط والتعلق الذي هو كلُحمة النسب. وتتوقف الإجادة فيه على معرفة السورة المطلوب ذلك فيها. ونسبته: من علم التفسير كنسبة علم المعاني والبيان من النحو فهو غاية العلوم» (٨) . وجعل اسم كتابه: (مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور) ، دالاً عليه، فقال: «فتعريف هذا العلم (١) هو اسم هذا الكتاب المصنف فيه علم يعرف منه مقاصد السور. وموضوعه: آيات السور، كل سورة على حالها. وغايته: معرفة الحق من تفسيره كل آية من تلك السور. ومنفعته: التبحر في علم التفسير؛ فإنه يثمر التسهيل له والتيسير. ونوعه: التفسير، ورتبته: أوله، فيشتغل به قبل الشروع فيه؛ فإنه كالمقدمة له من حيث أنه كالتعريف؛ لأنه معرفة تفسير كل سورة إجمالاً. وأقسامه: السور. وطريقة السلوك في تحصيله: جمع جميع فنون العلم» (٢) . وكتب (جلال الدين السيوطي) ت ٩١١هـ (أسرار التنزيل) (٣) ووصفه بأنه الباحث عن أساليب القرآن، المُبَرِّز أعاجيبه، المُبَيِّن لفصاحة ألفاظه وبلاغة تراكيبه، الكاشف عن وجه إعجازه، الداخل إلى حقيقته من مجازه، المطلع على أفانينه، المبدع في تقرير حججه وبراهينه، فإنه اشتمل على بضعة عشر نوعاً: الأول: بيان مناسبات ترتيب سوره، وحكمة وضع كل سورة منها. الثاني: بيان أن كل سورة شارحة لما أجمل في السورة التي قبلها. الثالث: وجه اعتلاق فاتحة الكتاب بخاتمة التي قبلها. الرابع: مناسبات مطلع السورة للمقصد الذي سيقت له، وتلك براعة الاستهلال. الخامس: مناسبة أوائل السور لأواخرها. السادس: مناسبات ترتيب آياته، واعتلاق بعضها ببعض، وارتباطها وتلاحمها وتناسقها. السابع: بيان أساليبه في البلاغة، وتنوع خطاباته وسياقاته. الثامن: بيان ما اشتمل عليه من المحسنات البديعية على كثرتها، كالاستعارة، والكناية، والتعريض، والالتفات، والتورية، والاستخدام، واللف، والنشر، والطباق، والمقابلة، وغير ذلك، والمجاز بأنواعه، وأنواع الإيجاز والإطنان. التاسع: بيان فواصل الآي، ومناسباتها للآي التي ختمت بها. العاشر: مناسبة أسماء السور لها. الحادي عشر: بيان أوجه اختيار مرادفاته دون سائرها. الثاني عشر: بيان القراءات المختلفة، مشهورها، وشاذها، وما تضمنته من المعاني والعلوم، فإن ذلك من جملة وجوه إعجازه. الثالث عشر: بيان وجه تفاوت الآيات المتشابهات في القصص وغيرها بالزيادة والنقص، والتقديم والتأخير وإبدال لفظة مكان أخرى، ونحو ذلك (٤) . ثم خص السيوطي نوع «مناسبات ترتيب السور» من بين هذه الأنواع بمزيد عناية لما لاحظ قلة من تكلم فيه فقال: «وقد أردت أن أفرد جزءاً لطيفاً في نوع خاص من هذه الأنواع، هو: (مناسبات ترتيب السور) ليكون عجالة لمريده، وبغية لمستفيده، وأكثره من نتاج فكري، وولاد نظري، لقلة من تكلم في ذلك، أو خاض في هذه المسالك، وما كان فيه لغيري صرحت بعزوه إليه، ولا أذكر منه إلا ما أستحسن ولا انتقاد عليه، وقد كنت أولاً سميته (نتائج الفِكَر في تناسب السور) لكونه من مستنتجات فكري كما أشرت إليه، ثم عدلت وسميته (تناسق الدرر في تناسب السور) (٥) لأنه أنسب بالمسمى، وأزيد بالجناس» (٦) . كما كتب في علم المناسبات والمقاصد القرآنية كتاباً آخر سماه (مراصد المطالع في المقاطع والمطالع) (٧) . وخص النوع الثاني والستين من كتابه (الإتقان في علوم القرآن) بالحديث عن [مناسبات الآيات والسور] ، ذكر فيه أغلب ما ذكره الزركشي في (البرهان) ، وزاد عليه في الأمثلة (٨) . وله كتاب في (أسرار التنزيل) قال عنه الغُماري: «وللحافظ السيوطي كتاب في أسرار التنزيل وصفه بأنه جامع لمناسبات السور والآيات. مع ما تضمنه من بيان وجوه الإعجاز وأساليب البلاغة سماه (قطف الأزهار في كشف الأسرار) (٩) ثم وصفه بقوله: أعف السيوطي الذي كتب التناسق للدرر (١٠) ثم كتب الغماري نفسه (جواهر البيان في تناسب سور القرآن) تابع فيه جهود من قبله وقال عنه نظماً: وكتب مثل كتابهم بحثاً يؤيده النظر أعملت فيه قريحتي واخترت أنسب الفكر وفتحت بعض المغلقات من آي الكتاب ومن سور وأتيت من عين المسائل بالبدائع والغرر أُلْهِمْتُ من فيض الإله بفيض فضل مُدَّخر حمداً لواهب فضله وله التطوُّل إذ ستر وصلاته دوما على خير البرية من مُضَر (١) وقال في مقدمته: «أما بعد: فقد أردت بمشيئة الله ـ تعالى ـ أن أبيِّن في هذا الكتاب مناسبات سور القرآن الكريم بعضها لبعض، حسب ترتيبها في المصحف الشريف. وهذا فن عزيز، قلَّ من تعرض له من العلماء على كثرة من تعرض منهم لفنون القرآن المتنوعة مثل تفسيره، وإعرابه، وقراءاته، وتجويده، واستنباط أحكامه، وقصصه، وغير ذلك؛ سميته (جواهر البيان في تناسب سور القرآن) والله أسأل، وإليه بكتابه العزيز أتوسل أن يوفقني ويلهمني رشدي، وأن يفرج كربتي، ويذهب عني غمتي، إنه قريب مجيب» (٢) . وفي كلامه عن المسألة الثالثة قال: «المناسبة علم شريف عزيز، قلَّ اعتناء المفسرين به لدقته واحتياجه إلى مزيد فكر وتأمل. وهو نوعان: أحدهما: مناسبة الآي بعضها لبعض بحيث يظهر ارتباطها وتناسقها كأنها جملة واحدة. وثانيهما: مناسبة السور بعضها لبعض، وأول من أفرد هذا النوع بالتأليف ـ فيما أعلم ـ العلامة أبو جعفر بن الزبير الأندلسي، شيخ العلامة أبي حيان؛ ألف كتاباً سماه: (البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن) ثم كتب الحافظ السيوطي كتابه (تناسق الدرر في تناسب السور) لخصه من كتابه (قطف الأزهار في كشف الأسرار) ، ثم قال: «وكتابي هذا ثالث كتاب في هذا العلم الشريف ألهمنيه الله وله الحمد والمنة، وهو أنواع ثلاثة: أحدها: التناسب بين السورتين في موضوعيهما، وهو الأصل. وثانيها: التناسب بين فاتحة السورة والتي قبلها كالحواميم. وثالثها: مناسبة فاتحة السورة لخاتمة ما قبلها، مثل (وإدبار النجوم ـ والنجم إذا هوى) و (فجعلهم كعصف مأكول.. لإيلاف قريش) . وأضاف نوعاً رابعاً فقال: «ويُوجد نوع رابع من المناسبة هو مناسبة فاتحة السورة لخاتمتها. أفرده السيوطي بالتأليف، وكتب فيه جزءاً صغيراً سماه (مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع) ويدخل في هذا النوع (رد العجز على الصدر) وهو من المحسنات البديعية» (٣) . ثم إن علم المناسبات القرآنية قد عرف طريقه إلى اهتمامات البحاثة المتأخرين بعد أن قرر الأزهر مادة التفسير الموضوعي على طلبته؛ إذ لا تستقيم دراسة التفسير الموضوعي إلا أن ترتبط بدراسة علم المناسبات القرآنية لما بينهما من لُحمة وارتباط وثيق صلة؛ فكلاهما متمم للآخر ودال عليه. فكتب (د. محمد عبد الله دراز) في التناسب القرآني، وأطال النفس في مناسبات السورة الواحدة، وألح على ضرورة التعرض لذلك على الخصوص؛ تحقيقاً لمفهوم التناسب الكلي للسورة القرآنية دون إيغال في تحقيق الصلة بين الجزء والجزء إلى حد الاتحاد أو التماثل أو التداخل غاضين البصر عن النظام الكلي الذي وضعت عليه السورة في جملتها (٤) ، فخرج كتاب (النبأ العظيم) مثالاً موفقاً في بيان جلالة (علم المناسبات) وضرورته في فهم كتاب الله الحكيم. وكحال كل فن له مؤيدوه؛ فإن الضرورة تقتضي ظهور من يعارضه ممن يرون ما لا يراه الفريق الآخر، ويأتون على دعواهم بما يدل عليها، وقد يكون الخلاف بين الفريقين لفظياً، كما يكون سر الخلاف في تنزيه كل فريق لموضوع البحث عما لا يليق به بحسب زاوية رؤيته له. فكان لعلم المناسبات القرآنية معارضون، وهم وإن كانوا قلة، إلا أن رأيهم محل بحث ودرس. فقد ذكر الزركشي في كتابه (البرهان) تحفُّظ الشيخ عز الدين عبد السلام ت ٦٦٠هـ على القول بالمناسبات في القرآن فقال: «وقال الشيخ عز الدين عبد السلام: (المناسبة علم حسن، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر، ومن ربط فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلاً عن أحسنه؛ فإن القرآن نزل في نَيِّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يأتي ربط بعضه ببعض» (٥) . كما نُقل عن (الإمام أبي حيان) صاحب (البحر المحيط) كلامٌ شبيه بكلام الشيخ عز الدين عبد السلام (٦) . وأنكر أبو العلاء محمد غانم المعروف بـ «الغانمي» اشتمال القرآن الكريم على أحد أنواع الارتباط بين الآيات القرآنية وهو المسمى بـ (حسن التخلص) (١) ، وقال: إن القرآن إنما وقع على الاقتضاب الذي هو طريقة العرب في الانتقال إلى غير ملائم (٢) . وذكر (الشوكاني) صاحب تفسير (الفتح القدير) حجج المنكرين لهذا اللون من الارتباط بين الآيات، ونحا نحوهم، وضرب على بعض الأمثلة (٣) . فعند تفسيره لقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] ، يقول: أعلم كثيراً من المفسرين جاؤوا بعلم متكلف واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله تعالى، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف؛ فجاؤوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلاً عن كلام الرب ـ سبحانه ـ حتى أفردوا ذلك بالتصنيف وجعلوه المقصد الأهم من التأليف كما في تفسيره» (٤) . إلا أن أوسع مقال في الرد على أصحاب المناسبات ما كتبه الشيخ محمد بن عبد الغزنوي ت ١٢٩٦هـ.. قال (٥) : «اعلم أن كثيراً من المفسرين جاؤوا بعلم متكلف وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب اله سبحانه؛ وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف، فجاؤوا بتكلفات يتبرأ منها الإنصاف ويتنزه عنه كلام البلغاء فضلاً عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف وجعلوه المقصد الأهم من التأليف كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه ومن تأخر عنه. وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقاً على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزول الوحي على رسول الله ﷺ إلى أن قبضه الله إليه، وكل عاقل لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية لنزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها، بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالاً، وتحليل أمر كان حراماً، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص تناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع المسلمين وتارة مع الكافرين وتارة مع من مضى وحضر، وحيناً في عبادة وحيناً في معاملة، ووقتاً في ترغيب ووقتاً في ترهيب، وآونة بشارة وآونة نذارة وطوراً في أمر دنيا وتارة في أمر آخرة، ومرة في تكاليف آتية ومرة في أقاصيص ماضية. وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف الذي لا يتيسر معه الائتلاف؛ فالقرآن النازل فيها باعتبار نفسه مختلف كاختلافها ـ فكيف يطلب العاقل المناسبة بين العنب والتوت، والماء والنار، والملاَّح والحادي؟ وهل هذا إلاّ مِنْ فتح أبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من كان في قلبه مرض أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور؟ فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن، تقرر عنده أن هذا الأمر لا بد منه، وأنه لا يكون القرآن بليغاً معجراً إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة. فإن وَجَد الاختلاف بين الآيات انقدح في قلبه ما كان عليه في عافية وسلامة، هذا على فرض أن نزول القرآن كان مرتباً على هذا الترتيب الكائن في المصحف؛ فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب يعلم علماِ يقيناً أنه لم يكن كذلك، ومن شك في هذا رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول المُطَّلعين على حوادث النبوة؛ فإنه يثلج صدره ويزول عنه الريب بالنظر في سورة من السور المتوسطة فضلاً عن المطولة؛ فإنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة لا مطابقة بين أسبابها. بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ، و: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ، و: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ، وينظر أي موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف. وإذا كان الأمر هكذا فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعاً أنه تقدم في ترتيب المصحف ما أنزل الله متأخراً أو تأخر ما أنزل الله متقدماً. وما أقل نفع مثل هذا، بل هو عند من يفهم تضييع للأوقات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ولا على من يقف عليه، وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله، وإلى ما قاله شاعر من القصائد التي تكون تارة مدحاً وأخرى هجاء، وحيناً تشبباً وحيناً رثاء، وغير ذلك، فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه، ثم تكلف تكلفاً آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الحج والخطبة التي خطبها في النكاح ونحو ذلك، وناسب بين الإنشاء في العزى والإنشاء في الهنا، لعُدَّ هذا المتصدي لمثل هذا مصاباً في عقله عابثاً بعمره الذي هو رأس ماله، وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة في كلام البشر؛ فكيف تراه يكون في كلام الله ـ سبحانه ـ الذي أعجرت بلاغته بلغاء العرب ... ؟ وقد علم كل مقصر وكامل أن الله ـ سبحانه ـ وصف هذا القرآن بأنه عربي، فأنزله بلغتهم وسلك فيه مسالكهم في الكلام، وجرى فيه مجاريهم في الخطاب، وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون مختلفة وطرائق متباينة وكذلك شاعرهم. ولْنكتفِ بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي يعثر في ساحتها كثير من المحققين» (١) . إن ما ذهب إليه العز بن عبد السلام وأبو حيان والغانمي والشوكاني والغزنوي هو مما فيه بعض عذر؛ فقد ضربوا أمثلة على تمحُّل القائلين بالمناسبة في القرآن، وأن اشتراط ذلك لا يليق لوقوع السور والآيات على أسباب وأزمان مختلفة يتأتى فيها تغاير الدواعي والعلل، وأن من سعى إلى البحث عن ذلك التناسب فقد تكلف ما لا يطيق، وإن قدر فهي مقدرة تؤدي إلى ربط ركيك يصان عنه كلام رب العالمين. والواقع أن ما ساقوه من دوافع ومسوِّغات هو مما يقبل إثبات العكس؛ فالثابت أن للقرآن الكريم نوعين من التنزلات: أحدهما: نزولي على حسب الوقائع، والآخر: مصحفي على حسب الترتيب المنقول إلينا بالتواتر جيلاً عن جيل. وإن من يمعن في النظر يجد في كل واحد من التنزيلين نوع لُحْمة وانتماء وتناسب واتصال بين الآيات وبين السور على السواء؛ حدث أولاً عند نزولها بحسب الوقائع، ثم حدث ثانياً عند ترتيبها مصحفياً (٢) . وإذا جاز ارتفاع حد التناسب عن كلام البشر وأفعالهم لاختلاف الحوادث والأزمان فإن ذلك لا يرتفع في كلام رب العالمين الموصوف بالإعجاز، وصدق الله؛ إذ يقول: ﴿الچـر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] . ثم إنه قد حُفظ عن الشوكاني عند ترجمته للبقاعي في كتابه (البدر الطالع) قوله: «إنه من الأئمة المتقنين المتبحرين في جميع المعارف» (٣) . ووصف تفسيره (نظم الدرر) بقوله: «ومن أمعن النظر في كتاب له في التفسير الذي جعله في المناسبة بين الآي والسور علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علميّ المعقول والمنقول، وكثيراً ما يشكل عليّ شيء في الكتاب العزيز وأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي غليلي، وأرجع إلى هذا الكتاب فأجد ما يفيد» (٤) . كما أن أهل العلم قد خالفوا من أنكر القول بالمناسبات القرآنية ووهَّموه، فقال الشيخ ولي الدين الملوي: «قد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلاً، وعلى حسب الحكمة ترتيباً وتأصيلاً؛ مرتبةُ سوره كلها وآياته بالتوقيف. وحافظ القرآن لو استفتي في أحكام متعددة أو ناظر فيها أو أملاها لذكر آية كل حكم على ما سُئل، وإذا رجع إلى التلاوة لم يتلُ كما أفتى ولا كما نزل مفرقاً، بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة. ثم زاد: «والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيءٍ عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جَمٌّ، وهكذا في السور يُطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له» (٥) . ووافقه غير واحد الأئمة في ذلك (٦) . ` مكانة علم المناسبات: العلم بالمناسبات بين الآيات القرآنية في السورة الواحدة، وبين السور في الكتاب كله أمر ذو خطر عظيم لما له من شأن كبير في الدلالة على تفسير النَّظْم الحكيم تفسيراً موضوعياً باعتباره واحداً من أدق العلوم وأجلِّها ولما يحتاج إليه من حسٍ عال، وتذوق رفيع للأساليب والنظوم، ليس على مرتبة العلاقات اللفظية والمعاني، وإنما على ما فوقها من رُتب تلمس ما وراء النظم من هدايات ولطائف، ومعايشة لجو التنزيل، بل إنه من فرط دقته؛ كثيراً ما يرد إلى ذهن المشتغل به على صورة فيوضات وإشراقات تهز الفكر هزّاً وتمس الروح مسّاً. لذلك بدت نسبته إلى علم التفسير كنسبة علم البيان إلى علم النحو، فهو علم يُعِين على إدراك مقاصد القرآن الحكيم، وتذوق نَظْمه الراقي، ومعرفة علل ترتيبه نزولياً ومصحفياً، ومطابقة المقال لما اقتضاه الحال، وبيان أوجه الاتصال بين السورة القرآنية وما سيقت له، وأوجه الاتصال بين السورة وما قبلها وما بعدها؛ وذلك أمر يحتمه الاعتقاد الجازم بتنزيه كلام رب العالمين عن المشابهة ناهيك عن التناقض: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ، من أجل ذلك كانت المناسبة علماً عزيزاً، قلّ اعتناء المفسرين به لدقته، واحتياجه إلى مزيد فكر وتأمل (٧) ، كما كانت علماً شريفاً تحزر به العقول، ويُعرف به قدر القائل فيما يقول (٨) . يقول الغُماري الحسني: علم التناسب للسور علم جليل ذو خطر قد قلّ فيه الكاتبون كما قد عز المُستطر (١) ويقول الزركشي: «المناسبة أمر معقول إذا عُرض على العقول تلقته بالقبول، وكذلك المناسبة في فواتح الآي وخواتمها؛ فمرجعها يعود إلى معنى ما رابط بينهما: عام أو خاص، عقلي أو حسي أو خيالي، وغير ذلك من أنواع العلاقات، أو التلازم الذهني كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين، ونحوه. أو التلازم الخارجي كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع في باب الخبر» (٢) . ولما كان هذا العلم دقيق المسالك خفي المدراك احتاج الباحث فيه إلى استفراغ الجهد بغية الاستقصاء اللغوي لدلالات الكلمات القرآنية، والإحاطة بأسباب النزول والقراءات، والتوسع في أفانين علوم النحو والمعاني والبيان والبديع مع حسٍ مرهف، ونفس شفافة، والتقاط سريع، وألمعية وافرة، ولَمَّاحية عالية وسلامة في القصد؛ ليدرك سر اللُّحمة بين لطائف الآيات القرآنية ومراد الله ـ تعالى ـ من ترتيب كلامه على هذه الصفة، فتبدو له أوجه المناسبات في النَّظْم الحكيم (٣) . وإن عدم مراعاة علم المناسبات بين السور، أو الآيات يوقع في بُعد عن المعنى حتى في الآية الواحدة، وهو ما حدث للعديد من أهل التفسير عند تعرُّضهم لتفسير آية الأهلة مثلاً؛ قال ـ تعالى ـ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] ، جاء في سبب نزول صدر الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ عن ابن عباس قال: سأل الناس رسول الله ﷺ عن الأهلة، فنزلت هذه الآية. وقال أبو العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله! لِمَ خُلقت الأهلة؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ (٤) ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بن أبي إسحق عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله الآية (٥) . ولأن (الفخر الرازي) يهتم بالمناسبات القرآنية بين الآيات فقد التفت إلى الملمح القرآني في الآية الكريمة، فتعقب وجوه تفسيرها عند المتقدمين من أهل التفسير قائلاً: «قول أكثر المفسرين حَمْل الآية على هذه الأحوال التي رويناها في سبب النزول، إلا أنه على هذا التقدير يصعب الكلام في نظمها؛ فإن القوم سألوا رسول الله ﷺ عن الحكمة في تغير نور القمر، فذكر الله ـ تعالى ـ الحكمة في ذلك بقوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ، فأي تعلُّق بين بيان الحكمة في اختلاف نور القمر وبين هذه القصة؟ (٦) . ثم ذكر وجهاً رآه منسجماً، فوجّه به الملاءمة وحقّقها بين أول الآية وآخرها، فقال: «جعل إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطريق الصحيح، وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق المستقيم» (٧) . أي أن سؤالهم عن حادثة فلكية دقيقة قبل تعاطيهم أسباب علم الفلك ووسائل معرفته كمن يأتي البيت من ظهوره؛ وذلك بلا شك مناقض للحكمة والبر، ولذلك ختم سبحانه الآية بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] (٨) . يقول ابن سعدي: كل من سلك طريقاً أو عمل عملاً، فأتاه من طرقه وأبوابه فلا بد أن يفلح ويصل إلى غايته، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] ، وكلما عظم المطلوب تأكد هذا الأمر، وتعيّن البحث التام عن أمثل الطرق الموصلة إليه (٩) . وهكذا تتجلى أهمية المناسبات القرآنية في أنه علم مُعِين على جعل أجزاء الكلام وقد أخذ بعضها بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط بينها، ويصير تآلفها كحال البناء المحكم، المتلائم الأجزاء (١٠) .

стр. 4991

عوامل النصر في القرآن الكريم عبد العزيز التميمي إن هذه الأمة أمة منصورة من ربها، موعودة بالتمكين والاستخلاف في الارض بوعد الحق الذي لا يخلف، في آيات كثيرة من القرآن، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] . وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] . وقال: ﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] . وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] . ومهما تكالب أعداؤها، وأحكموا كيدهم، وأجمعوا أمرهم؛ لإطفاء نور الحق والهدى فلن يحظوا بذلك، وهيهات وقد قال الله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣] . وقد بشرنا نبينا ﷺ أن هذا الدين سينتشر في أنحاء الأرض قاطبة حتى يدخل كل بيت في المعمورة كما في حديث تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيزاً أو بذل ذليلاً، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر» (١) . إن هذه النصوص المبشرة جزء من عقيدتنا التي يجب أن نؤمن بها إيماناً تاماً لا تخالطه الشكوك ولا تساوره الظنون مهما طال ليل المحنة؛ فإن وعد الله آتٍ عما قريب ﴿أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] . بل إن هذا اليقين الكامل بنصر الله هو أحد عوامل النصر المهمة، ولذا ترى النبي ﷺ حينما تشتد الكروب وتلم الخطوب يُذكِّر بهذه الحقيقة؛ فذلك يبعث الأمل ويحيى الهمم، ويجدد العزم على العمل، كما فعل في غزوة الأحزاب وقد رمتهم العرب عن قوس واحدة؛ فقد بشر أصحابه بفتح بلاد فارس والروم، كما بشر في حادثة الهجرة وهو مطارد خائف بفتح بلاد فارس، وكما طمأن صاحبه الصدِّيق ﵁ وهما في الغار بقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] . إن المؤمنين حينما تحيط بهم الملمات لا تزيدهم إلا ثباتاً ويقيناً وتسليماً: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلاَّ إيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] . أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض فما أسرع ما يتزلزلون ويشكون بصدق وعد الله عند أدنى محنة أو نازلة: « ﴿وَإذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] . غير أن النصر الذي وعدت به هذه الأمة لا يناله إلا من أدى ثمنه وقام بأعبائه؛ فإذا وجدت أسبابه وانتفت موانعه تحقق النصر بإذن الله، وإن تخلف منها شيء فربما تخلف النصر، ولله عاقبة الأمور. وقد تتبعت عوامل النصر في القرأن الكريم ـ حسب استطاعتي ـ المبثوثة في مواضع كثيرة، لا سيما في سورة آل عمران والأنفال، وسلكت فيها مسلك التفسير الموضوعي، مذكراً بها نفسي وإخواني في هذه المرحلة التي نتلمس فيها طريق النصر مع اشتداد ظلمة الليل وتوالي الكروب وتكالب الأعداء ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] . _ العامل الأول: تقوى الله والإحسان في عبادته؛ وذلك بطاعته وترك معصيته: وعد الله من اتقاه بأن ينصره على عدوه وتكون معية الله له الخاصة المقتضية للنصر والتأييد كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ . [التوبة: ١٢٣] . فلما أمرهم بقتال المشركين جميعاً (١) وقتال من يليهم من الكفار وكان في ذلك من المشقة والتعب وبذل المال وتعريض النفس للتلف ما لا يخفى، مع احتمال غلبة جند الباطل وانتصارهم عليهم، أرشدهم إلى أنه معهم بنصره وتأييده وتوفيقه، يسددهم.. إذا هم اتقوه حق التقوى؛ فشرط النصر والتأييد هو التقوى، وقد صرح الله به في موضع آخر فقال: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٥] . فالملائكة ستنزل لنتنصرهم إذا هم حققوا الشرط: الصبر والتقوى. إن مؤامرات الأعداء ومكائدهم ومكرهم مهما كثرت وتنوعت ومهما بلغت من الإتقان لن تضر المسلمين ولا المجاهدين شيئاً إذا هم صبروا واتقوا (٢) ، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] . فيتقي المسلمون كل ما حرم الله عليهم ومنه موالاة الكفار والركون إليهم والله كافيهم وهو حسبهم. وتجدر الإشارة هنا إلى آية قد تشكل على هذا المعنى وهي قوله ـ تعالى ـ: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إلاَّ أَذًى وَإن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] . حيث أثبت الضرر بالأذى ونفاه هناك؛ فكيف الجمع بينهما؟ قال الطاهر ابن عاشور: «وقوله: ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ، أي بذلك ينتفي الضر كله؛ لأنه أثبت في أول الآيات أنهم لا يضرون المؤمنين إلا أذى؛ فالأذى ضر خفيف، فلما انتفى الضر الأعظم الذي يحتاج في دفعه إلى شديد مقاومة من قتال وحراسة وإنفاق، كان انتفاء ما بقي من الضر هيّناً؛ وذلك بالصبر على الأذى وقلة الاكتراث به مع الحذر منهم أن يتوسلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضراً عظيماً» (٣) . وقد ختم الله الآية بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ليبين ـ والله أعلم ـ للمؤمنين أن كيد الاعداء مهما خفي ولطف فإن الله به محيط، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا به؛ فتوكلوا عليه (٤) ، واستعينوا به؛ فسوف يكفيكم كيدهم. وقد أعقب الله هذه الآية بقصة غزوة أحد وما جرى فيها للمسلمين من وقوع المصيبة بهم لما ترك الرماة الصبر والتقوى، وذكَّر أنه نصرهم يوم بدر؛ فكأنه تذكير بأن وعده صادق؛ لما صبروا واتقوا نصرهم ببدر وهم أذلة، ولما خالف الرماة ذلك في أحد وقعت بهم المصيبة (٥) ؛ فالمشروط معلق بالشرط. وحينما تصاب الأمة المسلمة بهزيمة فتتلمس طريق النصر كي تستعيد مجدها المفقود فإن من أهم مقومات النصر تقوى الله ـ تعالى ـ والإحسان في عبادته. وقد حكى الله ـ في وسط آيات غزوة أحد ـ قصة تلك الجماعة التي منيت بهزيمة على أيدي أعدائها فأخذت بأسباب (٦) النصر فنصرها الله، وختم الآيات بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . ليبين أن من أحسن في عبادته أحسن الله إليه ونصره وجعل له من أمره مخرجاً، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] . _ العامل الثاني: الصبر والثبات: وذلك بالثبات على التقوى، والثبات على القتال، وقد جعل الله الصبر والتقوى شرطاً للنصر كما سبق، وأثنى الله على الصابرين في الآيات الآنفة الذكر ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] . وأخبر أنه معهم بنصره وتأييده، وأن الفئة المؤمنة تغلب مثليها من الكفار إذا كانت صابرة فقال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] . وقد يلقى المسلم عدواً يصبر كما يصبر؛ فهو مأمور حينئذ بالمصابرة وهي (الصبر في وجه الصابر، وهذا أشد الصبر ثباتاً في النفس وأقربه إلى التزلزل؛ ذلك أن الصبر في وجه صابر آخر شديدٌ على نفس الصابر لما يلاقيه من مقاومة وقِرْن له قد يساويه أو يفوقه، ثم إن هذا المصابر إن لم يثبت على صبره حتى يملَّ قِرْنُه، فإنه لا يجتني من صبره شيئاً؛ لأن نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين صبراً وهي سبب نجاح الحرب (١) ، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . وقد ذكر الله في سورة آل عمران أسباباً كثيرة للنصر ثم ختمها بهذه الأية التي تأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة ليبين ـ والله أعلم ـ أن كل الأسباب المذكورة ما لم تقترن بصبر ومصابرة فإن النصر قد يتخلف. وإذا لم يكن ثَمَّ قتال مع الأعداء؛ فعليهم بالمرابطة وهي (ربط الخيل للحراسة في غير الجهاد وخشية أن يفجأهم العدو) (٢) . فهم بين حالتين: إما حرب فعليهم بالصبر والمصابرة، وإما في غير جهاد قائم فعليهم بأخذ الحذر والمرابطة. _ العامل الثالث: نصرة الله: إن الله غني عن أن ينصره أحد، أو يطلبه من أحد، وإنما طَلَبَه من عباده ابتلاء وامتحاناً ليتميز الصادق من غيره. (ونصرة الله هي نصرة دينه؛ فهو غني عن النصر في تنفيذ إرادته) (٣) ، كما قال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] . فينصر المؤمن دين الله في نفسه ويقيمها على الحق، ويقدم رضى الله على رغباته وشهواته، ويحكّم أمر الله في جميع شؤونه، وينصر دين الله في واقع الحياة فيسعى لتحكيم شرعه في كل مناحي الحياة بلا استثناء (٤) ، فإذا فعل المسلم ذلك فليبشر بنصر الله كما وعد الله. قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] . وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] وقال: ﴿وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] . وجند الله هم أنصار الله الذين نصروا دينه (٥) . وثمة بشارة اخرى لمن نصر الله ذكرها في سورة محمد بقوله: ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] . فوعدهم بالنصر ووعدهم بتثبيت الأقدام، (وتثبيت الأقدام يذهب الظن لأول وهلة أنه يسبق النصر ويكون سبباً فيه، وهذا صحيح، ولكن تأخير ذكره في العبادة يوحي بأن المقصود معنى آخر من معاني التثبيت، معنى التثبيت على النصر وتكاليفه؛ فالنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان وبين الحق والضلال؛ فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة، للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر، وفي عدم التراخي بعده والتهاون، وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء، ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء. وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر، ولعل هذا هو ما تشير إليه عبارة القرآن. والعلم لله) (٦) . ولما عظم جزاء الناصرين لله كانت نصرة الله مطلباً نفسياً لا يدركه إلا القلة ممن أوقفوا نفوسهم لخدمة دين الله وإقامة شريعته في الحياة، ولذا جيء بالشرط ﴿إن تَنصُرُوا﴾ ، وإنما (جيء في الشرط بحرف (إن) الذي الأصل فيه عدم الجزم بوقوع الشرط للإشارة إلى مشقة الشرط وشدته ليجعل المطلوب به كالذي يشك في وفائه به) (٧) . _ العامل الرابع: صدق النية في نصرة الله مع القدرة على إقامة دينه بعد النصر. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] . فسنة الصراع بين الحق والباطل قائمة ولا بد للحق من قوة تدافع عنه وتذود عن حياضه، وقد وعد الله من فعل ذلك بصدق نية أن ينصره الله، وأنّى لقوة مهما بلغت أن تقف في وجه جند الحق ومعهم الله؟ ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ، وتأمل كيف أعقب الله هذه الأية بقوله: ﴿الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ فكأن سؤالاً يتردد عن صفات الطائفة الموعودة بالنصر فكان الجواب: ﴿الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ﴾ وهذه الصفات التي ذكرها الله لهم يتبين منها الآتي: ١ - أنهم قوم صادقون مع الله لم يجاهدوا لطلب منصب ولا غنيمة ولا رياء ولا غيرها من مطامع الدنيا، بل خلصت نياتهم لله؛ ولا أدل على ذلك من إقامتهم شرع الله بعد انتصارهم. إن المرء قد يجاهد في زمن الشدة والمحنة مخلصاً لله؛ حتى إذا فتح الله عليه ونصره واقبلت عليه الدنيا ربما بدّل وغيّر، وطلب المنصب والرئاسة والجاه والشهرة؛ فالإخلاص يسير في زمن الشدة: ﴿وَإذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] ، ﴿فَإذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ، لكنه عزيز في وقت الرخاء؛ حيث تنطلق النفوس على سجاياها فتظن أنها استغنت عن عون الله ﴿كَلاَّ إنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] . إن الإخلاص مطلب رئيس لتنزُّل نصر الله ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ ، وتظل على هذا الإخلاص حتى بعد أن ينصرها الله ﴿الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ . وإن لتأكيد القرآن على هذا المطلب أهدافاً في غاية الأهمية منها: أن الاخلاص حين يتمكن في النفوس فإن شؤون الجهاد تُدار وفق المصلحة الشرعية فقط بقطع النظر عن أي مصالح أخرى قد تُلبس لباس النصح لدين الله. ومنها أن الإخلاص حين يتمكن في النفوس فإن دائرة الخلاف بين النافرين لنصرة دين الله تتقلص إلى أدنى الدرجات الممكنة. وإن مما يندى له الجبين أن يرى المرء مشاريع خيرية ودعوية استهلكت منها الطاقات، وبذلت لها الأموال، وصرفت فيها الأوقات تذهب كثير من ثمراتها أدراج الرياح نتيجة نقص الإخلاص أو تلاشيه. والله المستعان. ٢ - أن هؤلاء بعد نصرهم ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ فوثقوا صلتهم بالله، واستمر تعلقهم بربهم الذي نصرهم، ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ . فتعاونوا على سد خلة المحتاج وتفريج كربة المعوز فتحقق تكافلهم الاجتماعي ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهذا يشمل المعروف العام الذي يعرفه كل أحد؛ كما يشمل المعروف الخاص من دقائق الأحكام ونحوها الذي يعرفه العلماء على اختلاف مراتبهم (١) ، وهذا يعني انتشار التعليم وتسهيل طرقه للناس، ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ بكل اشكاله وصوره سواء كانت هذه المنكرات من قبيل الشهوات أو من قبيل الشبهات كالمقولات والكتابات الفكرية المنحرفة. وهذه الصفات تفيد استطاعتهم على المحافظة على النصر والقدرة على إقامة شرع الله في الأرض بما يملكون من مقومات تؤهلهم للاستمرار في التمكين في الأرض؛ وذلك يشمل الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح. إن استعلاء هؤلاء على شهواتهم وأهوائهم؛ حيث شكروا نعمة الله فأقاموا شرعه مع قدرتهم على مخالفة أمر الله من غير خوف من أحد من البشر؛ حيث إنهم ممكنون في الأرض ليدل دلالة واضحة على أن نفوسهم بلغت من الصلاح والتقوى مبلغاً عظيماً جعلهم ذلك ينشطون في نصرة دين الله أولاً، ويتحملون أعباء النصر وتكاليفه ثانياً، وهذا لا شك في أنه لا بد أن يسبقه تربية طويلة ومرور على أحوال من الدهر وصروف تظهر الصادق الصابر من غيره، ولعل هذا ما يلمح من قول الله ـ تعالى ـ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] . فابتلوا من قبل أن يمكنوا، فمسهم الفقر والشدة والمرض (٢) ، وزلزلوا بما تفيده هذه الكلمة من شدة التحريك والاضطراب؛ فهم قد خُوِّفوا وأزعجوا إزعاجاً شديداً (٣) ، وقلبوا من كل جانب، وطالت عليهم هذه الأيام حتى بلغ بهم الحال أن قال الرسول والذين آمنوا معه: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ؟ فأخبرهم أن نصره قريب من هذه الفئة التى ثبتت على الشدائد والمحن، وهي التي تَقْدُر للنصر قَدْرَه بعد أن يمكنها الله في الأرض لا من يأتيه النصر وهو متكئ على أريكته لم يبذل من أجله شيئاً، أو بذل شيئاً يسيراً؛ فما أسرع ما يفرط فيه. وإذا استمر المسلمون على إقامة دين الله بعد النصر فإن الله يكفيهم أعداءهم ويظهرهم عليهم فما هم بمعجزين؛ وهذا ما يدل عليه ترتيب الأيات في سورة النور (٤) . قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٥٥ - ٥٧] . فإن تكاسل المسلمون عن إقامة الدين وفرطوا وأهملوا التكاليف فإن ﴿لِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ يصرِّفها كيف يشاء، فيبدل النصر هزيمة (٥) ، والأمن خوفاً، والعز ذلاً. _ العامل الخامس: حسن التعامل مع الهزيمة يحولها نصراً، ويشمل عدة أسباب: فقد حكى عن أصحاب ذلك النبي لما قاتل ومن معه فهزموا فكان موقفهم من الحدث موقفاً صحيحاً حوّل هزيمتهم إلى نصر وعزة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] . إن هذه الأيات ترسم الموقف الشرعي لتعامل المسلم مع الهزيمة حتى تتحول نصراً بإذن الله؛ وذلك لأمور: ١ - أنها موقف رِبيّين وهم المتبعون لشريعة الرب، وهم أتباع الرسل وتلامذة الأنبياء (١) . ٢ - أن هذه الأيات ذكرت خلال الحديث عن غزوة أحد وما أصاب المسلمين فيها؛ ففيها إشارة للمسلمين أن يسلكوا مسلكهم حين أصيبوا. ٣ - أن الله أثابهم على موقفهم هذا بالنصر والعزة والغنيمة ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ . ٤ - أن الله وصف فعلهم بالإحسان ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . أما الموقف الذي اتخذوه فهو من خلال الآيات، ويتمثل فيما يلي: ١ - الحذر من الوهن والضعف والاستكانة (لأن المؤمن يركن إلى من بيده ملكوت السموات والأرض) (٢) ، كما قال الله عنهم: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] . (الوهن قلة القدرة على العمل وعلى النهوض في الأمر، والضعف ضد القوة في البدن وهما هنا مجازان؛ فالأول أقرب إلى خَوَر العزيمة ودبيب اليأس في النفوس والفكر، والثاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة. وأما الاستكانة فهي الخضوع والمذلة للعدو. ومن اللطائف ترتيبها في الذكر على حسب ترتيبها في الحصول: فإنه إذا خارت العزيمة فشلت الأعضاء وجاء الاستسلام فتبعته المذلة والخضوع للعدو) (٣) . إن المؤمن لا ينبغي أن يَهِن ولا يحزن ولا يضعف ولا يستكين؛ إذ كيف يهن وهو الأعلى بإيمانه وعزته وعون ربه له؟ ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ، وكيف يهن ويحزن لما أصابه وقد أصاب الكفار في وقائع أخرى مثل ما أصابه أو أكثر؟ ﴿إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] . فقد أصابتهم مثل ما أصابهم أو أزيد، والفرق بين المؤمنين والكافرين فيما أصابهم ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] . وكيف يهن المسلم ويحزن وهو يعلم أن انتصار الكفار على المؤمنين في بعض الأحيان سُنَّة ماضية، لله فيها حكمة بالغة والعاقبة للمتقين؟ ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤٢] . ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . إن الهزيمة النفسية تفعل في الأمة أشد من فعل أعدائها بها، وهو ما تعاني منه الأمة الإسلامية اليوم. نسأل الله أن يهيئ لها من أمرها رشداً. ٢ - الصبر الجميل كما قال الله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] . وقد سبق الكلام عليه. ٣ - مراجعة النفس ومحاسبتها على تقصيرها في حق الله ـ تعالى ـ أو في الأخذ بأسباب النصر المادية ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] . فمع هزيمتهم ومصيبتهم لم يبدر منهم تردد في صدقه وعدالته؛ بل كانوا واثقين به موقنين بتأييده، وإنما تخلف عنهم لعلّة، فاتهموا انفسهم بالتقصير في حق الله ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ (٤) [آل عمران: ١٤٧] . إن المعاصي سبب لخذلان الله للعبد أحوج ما يكون إليه ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] . وقد عاقبهم الله ببعض ما كسبوا؛ فكيف لو عاقبهم به كله؟ ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [آل عمران: ١٦٥] . إن الطاعة سبب لتثبيت الله ـ تعالى ـ لعبده في المواقف الدنيوية والأخروية ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] . وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] . إن اصلاح النفس من أهم مقومات النصر، ولذا جاء الحديث عنه في وسط الآيات التي تتحدث عن غزوة بدر؛ فكأنه إشارة إلى أن سبب نصرهم في بدر إنما هو طاعة الله باتباع أمره واجتناب نهيه. قال الله ـ تعالى ـ في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٢٠ - ٣٠] . والتقصير الذي اعترف به هؤلاء الربيون يحتمل أنه مع التقصير في حق الله تقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال والاستعداد له أو الحذر من العدو، وهذا الظاهر من كلمة أمر في قوله: ﴿وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] . بأن يكونوا شكوا ان يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوهم ناشئاً عن سببين: باطن، وظاهر. فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب، والظاهر هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر؛ وهذا أوْلى من قصره على السبب الأول فقط) (١) لدلالة الأية على الأمرين لا لنقص أهمية السبب الأول. ٤ - الدعاء والالتجاء إلى الله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] . وهذا شأن المؤمنين يلتجئون إلى ربهم، ويتضرعون إليه يستنزلون نصره ومدده؛ فلا حول ولا قوة لهم إلا به ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩ - ٢٥٠] . وهو ما فعله المؤمنون في بدر فاستجاب لهم ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] . وقد قام النبي ﷺ قبيل معركة بدر في العريش يناجي ربه طويلاً حتى أشفق عليه أبو بكر الصديق ﵁. وما أحوج الأمة اليوم في ظل المحنة التي تعيشها أن تسلك هذا الهدي النبوي؛ فتجأر إلى ربها وتلجأ إليه معلنة فقرها وضعفها بين يديه علّ نظرة رحمة منه تدركنا فترفع غُمّتنا، وتزيل كربتنا. _ العامل السادس: عدم موالاة الكفار والركون إليهم: قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩ - ١٥٠] . هاتان الآيتان جاءتا خلال الحديث عن غزوة أحد لتحذر المسلمين من التفكير في موالاة الكفار والركون إليهم سواء كانوا كفاراً مظهرين لكفرهم أو كانوا منافقين (٢) ؛ فمهما اشتد الكرب وعظمت المصيبة فلا يجوز للمسلمين أن يمدوا أيديهم إلى الكفار راكنين إليهم؛ فإن العاقبة وخيمة: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ خسارة الدنيا. وإن بعض النفوس الضعيفة عند الهزيمة قد تتطلع إلى ما عند الكفار تتلمس العزة عندهم؛ فمن كان حاله كذلك فليتذكر: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ ، ولعل في التاريخ خير شاهد فيما جرى لمسلمي الأندلس حين أطاعوا النصارى ووالوهم وركنوا إليهم. _ العامل السابع: اجتماع الكلمة: إن تفرق الكلمة سبب للفشل وذهاب القوة والهيبة من نفوس الأعداء ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] . بل قد يحول النصر الى هزيمة ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١] . إننا اليوم في أشد الحاجة إلى جمع الكلمة ورص الصفوف، واستثمار كافة الطاقات، ونبذ كل فرقة بنيت على خلاف اجتهادي، أو على خلاف قطعي لا يخرج عن ملة الاسلام لدفع عدد أكبر يريد إهلاك الحرث والنسل، ما أحوجنا إلى ترك بُنيات الطريق (*) . والله المستعان. _ العامل الثامن: الايمان الكامل بالله تعالى: وهذا هو جماع الأسباب كلها فهو إذا تحقق فلا بد أن تأتي أسباب النصر الأخرى له تبعاً، ولذا وعد الله المؤمنين في أكثر من موضع في كتابه بالنصر والتمكين والاستخلاف ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] . ﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] . ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩] إنه الإيمان المقتضي للعبودية التامة لله ـ تعالى ـ والدخول في السلم كافة. (إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستفرق النشاط الانساني كله، وتوجه النشاط الإنساني كله؛ فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله، لا يبغي به صاحبه الا وجه الله تعالى، وهي طاعة الله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة ألا وهو يستغرق الإنسان كله.. وخلجات قلبه وأشواق روحه وميول فطرته وحركات جسمه ولفتات جوارحه وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس أجمعين.. يتوجه بهذا كله إلى الله) (**) . وحينئذ يتحقق وعد الله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور: ٥٥] . _ العامل التاسع: العمل بالأسباب المادية: تأمل معي قول اله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ * وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩ - ٦٠] . ففي الأية الأولى توهين بشأن المشركين مهما بلغت قوتهم وإعداداتهم وإمكانياتهم، لكن الله أعقبها بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ . حتى لا يظن ظان من المسلمن أن الكفار صاروا في قبضتهم من غير عمل ولا أخذ بالأسباب، بل لا بد من ذلك، ويكون هذا العمل وهذا الاحتراس هو سبب جعل الله الكافرين لا يعجزون (١) . وجاء في لفظ الآية «ما استطعتم» ليشمل كل إعداد مقدور عليه ويلزم منه استفراغ الجهد والطاقة سواء كان جهداً بدنياً أو عقلياً أو غيره في سبيل الإعداد. كما جاء في لفظ الآية «من قوة» فهي نكرة في سياق الإثبات، فتقيد العموم لتشمل كل قوة نافعة في الجهاد في سبيل الله وإرهاب أعدائه. ومن ذلك القوة العسكرية بكل صورها المعاصرة، والقوة السياسية، وقوة الرأي (٢) ، والقوة الإعلامية، والتعليمية، والاقتصادية، والتقنية، وغيرها. وفي الأية إشارة ـ والله أعلم ـ إلى أن المكانة بين الدول، وهيبة الجانب، واعتبار الرأي في المؤتمرات الدولية؛ لا يكون إلا إذا استندت الدولة الإسلامية إلى القوة في بنائها بكل صورها السابقة كما يفيد ترتيب الآية: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ وتفسير النبي ﷺ للقوة بأنها الرمي ثلاثاً كما رواه مسلم (٣) معناه: (أكمل أفراد القوة آلة الرمي في ذلك العصر، وليس المراد حصر القوة في آلة الرمي) (٤) . ولما كان هذا الإعداد للقوة يستلزم بذل الجهد والوقت والمال، وبذل المجهود البدنية والعقلية والنفسية وغيرها، وكانت النفوس بطبعها شحيحة مؤثرة لهواها ومصالحها الشخصية ذكّرهم الله بقوله في آخر الآية: ﴿ومَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ فكل شيء محفوظ وإن صغر ودق، وقوله (شيء) نكرة في سياق الإثبات فتفيد العموم لتشمل كل شيء مالاً كان او وقتاً أو علماً.. صغيراً كان أو كبيراً. نسأل الله أن يجعلنا من أنصار دينه. ومع بذل المسلم لهذه الأسباب يجب أن يتعلق قلبه بالله تعالى؛ فالأمور بيده يصرِّفها كيف يشاء ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠] . ﴿إن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠] . إن الاسباب مهما بلغت مكانتها تبقى في دائرة الأسباب فلا يتعلق القلب بها، بل يتعلق بالله ـ تعالى ـ الذي له ملك السموات والأرض، ولقد أكد الله على هذه الحقيقة عند ذكره لإمداد المسلمين في غزوة بدر بالملائكة: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] . فالملائكة ما هم إلا سبب، ويجب ألا تتعلق القلوب بهم، بل تتعلق بالناصر الحقيقي وهو الله تعالى. ولعل هذا من حكم مشروعية ذكر الله عند ملاقاة العدو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] . ولما ركن المسلمون الى بعض الأسباب المادية في غزوة حنين فأعجبوا بكثرتهم خذلهم الله، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئاً، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم ولوا مدبرين حتى تداركهم الله برحمة منه ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] . اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم اجعلنا ممن نصرك فنصرته، اللهم مكّن لعبادك المؤمنين في الأرض يا قوي يا عزيز!

стр. 4992

من أجل تربية أفضل إبراهيم بن صالح الدحيم _ بين يدي الحديث: الحديث عن التربية حديث مهم تحتاج إليه جميع طبقات المجتمع بلا استثناء، فالتربية الإسلامية: جهد يقوم على تطبيق منهاج الله في الأرض وتحقيق الدينونة له، وهذا الأمر يجب على الجميع السعي فيه. ولقد كان أنبياء الله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يقومون في أممهم بالدعوة إلى الله، وإلزامهم منهج الله ومعالجتهم على ذلك، كما قال موسى ﵇: «لقد عالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة» (١) . ثم كان لنبينا ﷺ القِدْح المعلى في ذلك، وقد أخرج جيلاً فريداً صار معجزةً من معجزاته، كما قال القرافي ﵀: «لو لم يكن لرسول الله ﷺ معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته..» (٢) . لقد كان الرجل من أصحاب النبي ﷺ يسلم، فما يلبث إلا ويحسن إسلامه، ويعظم أمره؛ مما يلقى من حسن الرعاية وعظيم التربية. ثم تتابع الناس بعد ذلك جيلاً بعد جيل يعنون بالتربية.. فالآباء على مر العصور يُلزمون أبناءهم مجالس العلماء وحلق الذكر، وربما طلبوا لهم مؤدباً ومربياً تُوكل إليه مهمة العناية بهم، ورعاية أدبهم، وتكميل جوانب النقص فيهم. حتى إذا أقبل علينا هذا الزمن بما فيه، وفُتحت علينا فيه الثقافات، وغزتنا الأفكار من كل جانب، وهاجت أعاصير العولمة، واهتزت القيم والمبادئ، واضطربت الثوابت؛ صار الحديث عن التربية أشد إلحاحاً من ذي قبل؛ بغية تحصين المجتمع، وتثبيت ثوابته، وحفظ مبادئه وقيمه. ولئن كان الناس يسعون دائماً إلى طلب الأفضل في مآكلهم ومشاربهم وملابسهم ومراكبهم ومساكنهم؛ فإن طلب الأفضل في جانب التربية أحق وأوْلى؛ إذ بها تجمُل الحياة وتزين، وتصلح وتستقيم، وبدونها تختفي قيمة المظاهر وتذبل، وتنقلب نقمة لا نعمة.. لأجل هذا كله كان الحديث: (من أجل تربية أفضل) ، أُثير فيه قضايا ملحّة، وألفت النظر فيه إلى جوانب مهمة.. ولا أزعم بهذا الحديث أني استوفيت جميع الجوانب، ولكن حسبي أنها مراجعات لبعض جوانب التربية في مجتمعنا، تُذكّر الناسي، وتنبه الغافل، وتُرشد الجاهل، وتدعو الراغب إلى زيادة البحث، وتعميق النظر والسعي إلى الأفضل. _ أولاً: ما التربية؟ إن معرفتنا لمفهوم التربية على الوجه الصحيح سيساعدنا في القيام بها، وسيجنبنا تبعات تصرفات غير مسؤولة تُمارَس باسم التربية، وما هي من التربية بسبيل! فما التربية؟ بالنظر إلى أهداف التربية الإسلامية وجوانبها يمكن أن نقول إن التربية هي: (تنمية الشخصية عبر مراحل العمر المختلفة؛ بهدف تكوين المسلم الحق الذي يعيش زمانه، ويحقق حياة طيبة في مجتمعه على ضوء العقيدة والمبادئ الإسلامية التي يؤمن بها) . حول التعريف: حين نتأمل في تعريف التربية تتبين لنا أمور يجب العناية بها: ـ فالتربية التي نريد؛ تكون بتنمية الشخصية بجميع جوانبها، العقلية منها والجسمية والروحية والنفسية والاجتماعية؛ بحيث نعطي كل جانب من هذه الجوانب حقه في الرعاية والتوجيه، فلا نشطط بجانب دون آخر. دخل ثلاثة رهط على بعض أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ .. فكأنهم تقالُّوها، فقال أحدهم: «أما أنا فأصوم ولا أفطر. وقال الآخر: وأما أنا فأقوم ولا أرقد. وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء» . فرد عليهم النبي ﷺ ذلك، وأرشد إلى ضرورة العناية بجميع الجوانب، فقال: «ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) . ـ والتربية التي نريد هي التي تستمر وتتطور، مراعيةً مراحل العمر المختلفة، لا تقف عند سن معيّنة، ولا تعمم لجميع المراحل أسلوباً تربوياً واحداً، بل تعرف لكل مرحلة خصائصها التي تميزها عن غيرها، والتي يجب مراعاتها من أجل تربية أفضل، وهذا يحتم علينا مزيداً من التعرف على خصائص المرحلة التي نريد توجيه التربية إليها، وهو الشيء الذي يجعل التربية أكثر سلاسة، وأسرع كسباً، وأنضج ثماراً. وأيضاً فإن معرفتنا بخصائص المرحلة سيجنبنا الصدام النكد مع الطباع والفطر الكامنة في النفوس مما قد يجعل خسائرنا في التربية أضعاف مكاسبنا. ـ والتربية التي نريد هي التي يُرسم لها أهداف يتم العمل على تحقيقها؛ إذ إن العمل دون هدف محدد مدعاة إلى التخبط والاضطراب، وتحويل ميدان التربية إلى معمل تكثر فيه الضحايا وسط تجارب مرتجلة. ثم إن العمل دون أهداف إهدار لأنواعٍ من الثروات الدعوية دون عائد كبير، وقد قيل: «إذا خرجت من منزلك دون هدف؛ فكل الطرق توصلك إلى المكان الذي تريد..» ، والمعنى: إن أي مكان تذهب إليه فهو ما تريد؛ لأنك لم تقصد شيئاً بعينه تريد الذهاب إليه. إننا حين نطالب بوضع أهداف للتربية؛ فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تتحول التربية إلى آلة تجعل كل كلمة لا بد أن تصدر عن هدف وكل تصرف كذلك.. إنه أحياناً قد يكون من العقل والحكمة وحسن التدبير عمل شيء زائد عن هدف محدد مرسوم، حين يمر عليك مثلاً حدث يستدعي التنفير من العقوق، أو الرحمة بالمسكين، أو التذكير بحسن الخاتمة أو سوئها ... أَوَ ليس من العقل والحكمة استغلال الحدث في التأثير وإن لم يكن نوع الحدث من أهدافك المرحلية الحاضرة؟! ـ والتربية التي نريد هي التي تساعد الفرد على أن يعيش في زمانه، لا خارج زمانه، ولا بعيداً عن مجتمعه معزولاً عن واقعه، يقبع في وادٍ والناس في وادٍ وشأن آخر. لقد كان النبي ﷺ يعيش زمانه ويتعامل معه تعامل الخبير الفاحص، لم يكن يجهل تحركات الأعداء، أو تخفى عليه مكائدهم، ولذا كانت استعدادته ﷺ مبكرة، وغزواته أكبر شاهد بذلك، وقد أكد النبي ﷺ ذلك على الصحابة، ودعاهم إلى ضرورة مخالطة الناس والعيش معهم فقال ﷺ : «المسلم إذا كان مخالطاً الناسَ ويصبر على أذاهم؛ خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٢) . ـ والتربية التي نريد هي التي نسعى من خلالها إلى تحقيق حياة طيبة في المجتمع، من خلال ترسيخ روح العمل الجماعي في الفرد، والقضاء على كل أنانية مقيتة، تجعل الشخص نفعياً يعيش لمصلحة نفسه فحسب، إنما نريد أن نعد المسلم الحق الذي ينفع أمته ومجتمعه، فيكون بذلك عضواً نافعاً يطيب بمثله المجتمع، لا أن يكون غصة على مجتمعه ونكالاً عليه، نريدها تربية تفاعلية، يتفاعل فيها الفرد مع من حوله، ويتفاعل من حوله معه. ـ والتربية التي نريد هي التي تُصاغ على ضوء العقيدة الإسلامية والمبادئ التي يؤمن بها المسلم، فتكون بذلك تطبيقاً عملياً لاعتقاد المسلم ومبادئه.. وعلى هذا؛ فحين نستفيد من الدراسات الغربية وغيرها في هذا المجال؛ فلا بد أن نعرضها على عقيدتنا ومبادئنا، فما وافق منها العقيدة قبلناه، وما خالفها رددناه ولا كرامة. تلك هي التربية ـ بالمعنى العام ـ التي نصبو إلى تحقيقها، وهذا ما نريده من المربين عموماً. ـ لكن يبقى أن أشير إلى أمر مهم، هو: أننا حين نريد تنزيل هذه التربية على شخصٍ ما؛ فلا بد أن نراعي قدراته وإمكاناته وميوله الشخصية حتى نحقق بذلك تربية أفضل، وهذا ما يُعبّر عنه بمراعاة الفروق الفردية؛ إذ تجد بعض المربين يخطئ حين يريد أن يجعل من المتربي نسخة طبق الأصل منه، أو من قدوة يرتسمها، أو يريد أن يجعل الأشخاص الذين يقوم على تربيتهم نسخة واحدة متماثلة!! وحين يسير المربي على هذه الطريقة؛ فإنه سيحكم على المتربي بالإخفاق لمجرد أنه لم يصل إلى الحد الذي قدَّره له؟! مع أن المتربي قد يكون قد خطا خطوات كبيرة لكنها في عين المربي غير ملحوظة؛ ولذا يمكن أن نقول: إن التربية في حق الشخص المعيَّن هي: إيصال الفرد إلى كماله هو (لا إلى كمال غيره) . _ ثانياً: الارتقاء المعرفي بالفرد: الحقيقة أننا نعيش أزمة معرفية يشترك فيها عامة طبقات المجتمع بلا استثناء، حتى إنه جاء في إحصائية علمية أُجريت على خريجي جامعة عربية كان من نتائجها: «أن ٧٢%من الخريجين لم يستعيروا كتاباً واحداً من مكتبة الجامعة طَوال حياتهم الجامعية» (١) ؛ فإذا كان هذا في الطبقة التي يُفترض أن تكون علاقتها مع الكِتَاب أكبر؛ فما الظن بغيرهم؟ لذا فإن من الضروري لرفع مستوى التربية تركيز العناية بهذا الجانب، فكم نحن بحاجة إلى رفع مستوى العلم والثقافة والمعرفة عند المربي، وكذا عند المتربي.. لا بد أن يكون عند المربي أرضية معرفية كافية يستطيع من خلالها إدارة التربية على شكل صحيح وبوضع صحيح، إن من المقررات البديهية أننا حين نريد أن نرتقي بإنسان إلى مستوى أرفع؛ فلا بد أن نكون نحن في موضع أرفع منه حتى نستطيع أن نناوله أيدينا فيرتقي.. وحين يكون المربي أقل معرفة من المستوى المطلوب فإنه لا يملك أن يعطي شيئاً؛ إذ فاقد الشيء لا يعطيه، إنه لا بد من مخزون معرفي كافٍ يمتلكه المربي، يكون به قادراً على تغذية التربية معرفياً ورعايتها. ـ وهذا يدعونا إلى القول بأن من الأمانة حين يرى المربي أن المتربي لا يستفيد منه كثيراً، أو أنه قد نفد ما عنده ـ ليس في كل جوانب المعرفة فحسب ـ؛ فمن الأمانة أن يدفع بالمتربي ويوجهه إلى من قد يكون أكثر منه نفعاً وأقدر على العطاء.. وسيكون ذلك حسنة من حسنات المربي الأول، ودلالة على النصح والتجرد؛ مما سيكون له أعظم الأثر في نفس المتربي، بل إنه سيحس بمدى العناية التي تُقدَّم من أجله، وهو الشيء الذي سيدفع به إلى مزيد من الاجتهاد والتقدم والرقي. أما العناية بالارتقاء المعرفي لدى الفرد فهي أيضاً مسؤولية عظيمة، يجب أن تُصرف العناية لها من سن مبكرة، تبدأ من سني العمر الأولى، وأن يستدرك ما فات بعد ذلك. يقول أحد الباحثين: (إن تعليم القراءة للأطفال يبدأ من سن ستة أشهر..) (٢) . قد نحكم على هذا الكلام بأنه مجازفة، لكن حين يُنظر إلى أن الطفل يمكن أن تُوجَّه ميوله، وتقع عنده الرغبة والولع في القراءة من سن مبكرة جداً؛ فإن هذا الكلام قد يكون أكثر مصداقية. ـ حين تهيأ للطفل فرصة المعرفة من الصغر، ويرى أدواتها معروضة بين عينيه، في صورة مكتبة منزلية، أو عن طريق اهتمام أفراد الأسرة بالكتاب؛ فإن ذلك سيوجه ميول الطفل ولا بد، وسيولد عنده الرغبة شيئاً فشيئاً.. وينشأ ناشئ الفتيان منّا على ما كان عوَّده أبوه لقد رأينا ونحن نطالع سِيَر العلماء أن بيوت العلم قد أثَّرت في الغالب في أبنائها، فأخرجت علماء أصحاب مخزونٍ معرفيٍ ضخم. إن هذا التوجه المعرفي في البيت، وتوافر أدواته فيه، سيساعد في اكتشاف موهوبي القراءة على أقل تقدير، فضلاً عن تولُّد الرغبة في نفسه، ( «مايكل فاراداي» عالم فيزيائي شهير، كان أبوه فقيراً، وكانت الأسرة من شدة الفقر تسكن فوق حظيرة لعربات الخيل؛ مما اضطر «مايكل» إلى الانقطاع عن الدراسة ليعمل بمحل لتجليد الكتب، ولعل هذه المهنة المرتبطة بالمعرفة كانت أحد أسباب عشقه للعلم؛ فقد كان ينكب على الكتب التي يراد تجليدها؛ مما كوَّن لديه حصيلة معرفية جيدة) (٣) . ـ ثم قد لا يكفي تهيئة الجو وإيجاد الرغبة، بل لا بد من تشجيع القراءة عند الأطفال من سن مبكرة؛ بأن تبذل لهم المكافآت وغيرها من الحوافز التي تدفعهم إلى المواصلة، وأن يُشجَّعوا مع ذلك على المشاركة أثناء القراءة (ونقصد بالمشاركة: التعليق على المقروء، وذكر شواهد مماثلة له من الواقع، ونقد المواقف..) ؛ فإن هذا يربي في نفس الطفل الشوق إلى القراءة والاستمتاع بها، ونستطيع من خلالها أن نوصل إليهم المبادئ والقيم المهمة التي يحتاجون إليها، وتلك هي المهمة الأولى للقراءة. ـ وكذا من فاته قطار المعرفة في الصغر؛ فإنه يحتاج إلى تشجيعٍ أكبر وبعث للهمة، من أجل استدراك ما فات، ولن يكون الأمر صعباً حين توجد الرغبة وتنبعث العزيمة. وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسامُ ثم إن مما يبعث النفس إلى القراءة والمعرفة الاطلاع على سِيَر السلف وشدة شغفهم بالعلم والمعرفة (٤) . ولا بد مع التشجيع من توجيه قراءة المتربي، ومساعدته على اختيار الأنسب والأنفع، فلا يقرأ كل ما تدفع به أرحام المطابع دون تمييز؛ لأن قراءة ما هو نافع ـ فضلاً عما لا نفع فيه أو فيه ضرر ـ سيفوّت قراءة ما هو أنفع، وهذا التوجيه وهذه المساعدة للمتربي تؤكد ما سبق ذكره؛ من ضرورة وجود حظوة معرفية كافية لدى المربي ـ ولو للمرحلة العمرية التي يقوم عليها ـ. ـ كما يلزم المربي وهو يوجه القراءة أن يكون لديه معرفةً بمستوى المتربي وقدراته وحاجاته المعرفية؛ لأن الكتاب الجيد كالدواء لا يفيد كل الناس، وإلى هذا المعنى أشار الغزالي ﵀ بقوله: «أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره، أو يخبط عليه عقله.. ولذلك قيل: كِلْ لكُل عبدٍ بمعيار عقله، وزِنْ له بميزان فهمه؛ حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار» (١) . ـ ثم على المربي أن يُشعر المتربي أن الارتقاء المعرفي لا يأتي دون ثمن، بل يحتاج إلى جد واجتهاد وصبر ومثابرة؛ حتى تتهيأ النفس لذلك، وقديماً قال السلف: (لا يُنال العلم براحة الجسم) ، ولما سُئل (أديسون) عن العبقرية قال: (إنها ١% إلهام، و ٩٩%عرق جبين) (٢) ، ومما يحسن التنبيه عليه في هذا المقام هو توجه كثير من الناس إلى الكتب السهلة والقصص والحكايات، وعزوفهم عن الكتب الصعبة والكتابات الرفيعة، والتي من طبيعتها استنفار القوى العقلية لدى القارئ لمزيد الفهم والتأمل والتفكير. إن التوجه للكتب السهلة قد يكون مقبولاً لوقت معين، لكن لا يصح أبداً الاستمرار عليها؛ لأن ذلك يعوق عملية الارتقاء، ويسبب للذهن نوع تأسُّن أو ركودٍ في المعاني والمفهومات والمدارك. _ ثالثاً: الرقابة الذاتية: يهتم كثير من المربين بمتابعة سلوك المتربي وملاحظة التغير الذي يطرأ عليه، والارتقاء به ومعالجة الظواهر السيئة والسعي في وضع حمايات تقيه بعض المخاطر، وهذا الفعل حسن لا غبار عليه بل هو المطلوب، لكن حين يسير في وضعيته الصحيحة التي تُصلح ولا تُفسد. ولكننا أحياناً كثيرة نغفل عن غرس الرقابة الذاتية في نفس المتربي، والتي بدورها تساعد في تعميق التربية بشكل أقوى فتكون أدعى للثبات، وتمنحنا شيئاً من الوقت يمكن صرفه لآخرين ابتغاء توسيع العمل. ـ لست أهوّن من المتابعة، بل هي جانب مهم في نجاح العملية التربوية، ولكني أقول إنه لا بد من بذل جهد قوي وكبير في سبيل تقوية الحصون الداخلية لدى المتربي؛ حتى يشعر دائماً برقابة الله له وقربه منه واطلاعه عليه، فيشعر بالمسؤولية تجاه نفسه، بضرورة لزوم الصدق مع الله ومع النفس؛ فكم نحن بحاجة إلى أن نعيد قراءة قصة يوسف مع امرأة العزيز يوم واجه الإغراء بقول (معاذ الله!!) ، وقصة الراعي مع ابن عمر ﵁ حين أعلنها الراعي مدوية تنساب في أودية مكة (فأين الله؟) ، وكذا قصة المرأة الأعرابية يوم صرخت بصوت جلجل في الأفق (فأين مُكَوْكِبُها؟) ، وغير ذلك كثير مما جاء عن السلف الصالح ومن بعدهم. ـ لا بد أن يرسخ عند المتربي الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه، وأنه هو المطالب بتزكيتها وتكميلها، وأن دور المربي معه ما هو إلا إعانة له على تزكيته هو لنفسه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] ، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] . إن ضمور هذا المعنى في النفوس ـ الرقابة الذاتية ـ أحدث ضعفاً واضحاً في صفوف المتربين من خلال التقصير في بعض الواجبات ـ كالصلاة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام ـ أو الوقوع في شيء من المحرمات ـ كإطلاق البصر واللسان، وما يجري بعده من ويلات.. ـ كل ذلك يحصل نتاج ضعف المراقبة في النفوس. ـ لقد فهم السلف هذا المعنى، ونادوا بإصلاح النفس ومحاسبتها والقيام عليها بالمتابعة والرقابة؛ فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوها قبل أن توزنوا..» (٣) ، ويقول الحسن البصري ﵀: «المؤمن قوَّام على نفسه يحاسبها لله» (٤) ، وهذا ابن القيم ﵀ يحذر من إهمال النفس وعدم القيام عليها فيقول: (أضر ما على المكلف الإهمال وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها؛ فإن هذا يؤول إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، وإذا فعل ذلك سَهُل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليه فطامها.. إلخ) (٥) . إن تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه النفس والرقابة الذاتية عليها ومحاسبتها؛ سيساعدنا كثيراً في التربية، ويجعلنا نجني نتائج أفضل، ونحس بنوع من الأمن تجاه المتربي. ـ وعلى المربي وهو يغرس الرقابة الذاتية في نفس المتربي؛ أن يعلم أنها لا تنمو إلا على قسط من الحرية وترك الفرصة للاختيار، ولا بد من غرس نوع من الثقة في نفس المتربي، فالتنقيب عن أخطائه وتتبع عوراته والبحث عن سقطاته والسير معه بنظام الجاسوسية؛ كفيل بإفساد النتائج على عكس ما يراد لها من صلاح، وفي حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» (١) . إنه ليس من أحد إلا لديه عيوب ونقائص، وحين نتوجه للبحث عن الخبايا وكشف المستور؛ فإننا نساهم ـ شعرنا أو لم نشعر ـ في إعطاء الجرأة للمخطئ في التبجح بالخطأ وإظهاره دونما استحياء، حيث يحس أن أوراقه قد احترقت فلا يبالي بما صنع، بل يصل الحال أحياناً عند بعضهم إلى قصد المخالفة والعناد، وبهذا يخرج من حيز المعافاة ويعم الضرر به من بعد ما كان الأمر مقصوراً على المخطئ ذاته.. «كل أمتي معافى إلا المجاهرين» (٢) . إن أحداً منا لو سُلطت عليه الأضواء لنكشف منه ألف عيبٍ وعيبٍ؛ لذا ينبغي على المربي أن يعلم أنه يربي بشراً من عادته الخطأ والتقصير؛ فالمرء لا يولَد كاملاً بل يتطور ويرتقي ويكتسب الكمالات شيئاً فشيئاً، (إننا حين نرسم للناس صورة مثالية فسوف نحاسبهم على ضوئها، فنرى أن النقص عنها يُعَدُّ قصوراً في تربيتهم، فتأخذ مساحة الأخطاء أكثر من مداها الطبيعي الواقعي. وقد أخبر النبي ﷺ أصحابه أنهم لن يصلوا إلى منزلة لا يواقعون فيها ذنباً، فقال: «والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» (٣) (٤) ، ولما أفشت حفصة ﵂ ما أسرَّه النبي ﷺ لها أطلعه الله على ذلك فلم يُفِضَ في المناقشة أو يستقصي، بل كان ﷺ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣] ، كل ذلك كرماً منه ﷺ وحسن إدارة ورعاية، قال الحسن: «ما استقصى كريم قط» ، وقال سفيان الثوري: «ما زال التغافل من شيم الكرام» (٥) . ليس الغبي بسيدٍ في قومه لكنَّ سيد قومه المتغابي وحين ندعو إلى نوع من الإغضاء فلسنا نريد الإهمال، وترك الحبل على الغارب، والانقطاع عن المتابعة.. كلا.. بل إن «.. الشخص الذي لا يجد في نفسه الطاقة على المتابعة والتوجيه المستمر شخص لا يصلح للتربية ولو كان فيه كل جميلٍ من الخصال! ... » (٦) . _ رابعاً: إطلاق الإبداع: (دماغ الإنسان مظهر من مظاهر قدرة الله وإتقانه ومننه وعظيم إحسانه؛ فالدماغ قادر على معالجة ما يصل إلى ٣٠ بليون معلومة في الثانية، وفيه نحو ستة آلاف ميل من الأسلاك، ويحوي الجهاز العصبي للإنسان عادة حوالي ٢٨ بليون عصبون، وكل عصبون من هذه العصبونات عبارة عن حاسب آلي ضئيل الحجم له استقلاله الذاتي، وهو قادر على معالجة حوالي مليون معلومة..» (٧) ، ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] . إذا علمنا هذا؛ فإن قدرات هائلة مما زوَّد الله بها بني آدم يقتلها الناس وهم لا يشعرون؛ من خلال ممارستهم السيئة تجاه الإبداع والمبدعين. ـ لقد دلت بعض الدراسات أن الطفل يولد وهو على درجة عالية من القدرة على الإبداع، (إن الأطفال حين تكون أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات يكون ٩٥% منهم إبداعيين وإمكاناتهم في ارتقاء مستمر، في حين تقل النسبة تدريجياً كلما تقدم السن حتى لا يبقى سوى ٢%) (٨) ؛ فأي فرصة تضيع وأي إبداعات تهدر؟! ـ إننا نخطئ كثيراً في التعرف على الإبداع، حين نحس أنه مرادف للذكاء والتفوق، وليس هذا بالضروري، بل إننا بهذه النظرة القاصرة نفقد صوراً من الإبداع لا تراها العيون.. فقد دلَّت الدراسات على أن لدى كل واحد منا جانباً إبداعياً في شخصيته، وسيظهر ذلك حين نحسن استخراج الإبداع ونفتح المجال له، وقد قيل: (العقل كمظلات الطيارين لا تنفع حتى تُفتح) ، وهكذا الإبداع لا يشرق حتى يُطلق. - وحين لا نتعامل مع الإبداع بطريقة صحيحة؛ فإننا لسنا نخسر إبداعه فقط، بل إن مجرد إغفال الإبداع سيسبب للأمة أزمات ويخلق لها مشكلات هي عنها بغناء، (والغنم بلا راعٍ ليس له مرعى) ؛ يعني: أنها ستتجاوز مرعاها فتفسد زروع الآخرين أو تقع في فم الذئب الضاري! يقول أحد المشتغلين بقضايا الإبداع: إن عقل الطفل ابن الخامسة يشبه بركاناً له فوهتان: واحدة هدامة، والأخرى مبدعة، ونحن بقدر ما نوسّع مدى الفوهة المبدعة؛ نوقف الفوهة الهادمة. ا. هـ. - وإذا فرض عدم وجود آثار سلبية لإهمال الإبداع؛ فإن الإبداع قد يتوجه ـ إن لم يوجه ـ إلى ما لا نفع فيه، فنقع في مشكلة (هدر الطاقات) دون أي عائد يذكر!! ذُكِرَ أن رجلاً جاء إلى أحد الخلفاء العباسيين فعرض عليه لعبة بارعة بأن يثبت إبرة في الأرض، ثم يرمي وهو واقف إبرة أخرى فتدخل في سُمِّها، ثم يرمي الثالثة والرابعة.. إلى المئة كل إبرة تدخل في سُمّ الأُخرى، فلما انتهى أَمَرَ له الخليفة بمئة دينار ومئة جلدة، فعجب الرجل!! فقال الخليفة: مئة دينار لبراعتك، ومئة جلدة لانشغالك فيما لا طائل من ورائه! إن علينا مسؤولية عظيمة في توجيه الإبداع ورعايته، والسعي الجاد في تهيئة المواقع التي تنمّيه، والمحاضن التي تغذّيه وتحسن توجيهه، ومن ثم تنعم بالاستفادة منه. وينبغي من أجل رعاية الإبداع التنبه إلى ما يلي: - إن الإبداع من أجل أن ينمو ويزهر يحتاج إلى بيئة آمنة داخلية وخارجية تضمن له الاستمرار في الإبداع، وزيادة العطاء وروعة الإنتاج؛ فحين يسمع الابن في البيت عبارات الاستهزاء وألفاظ الازدراء والتنقُّص تنهال عليه من أبويه أحدهما أو كلاهما، أو من إخوته وأقاربه وجيرانه، فإن ذلك سيقيد حركته ويجعله يضرب أخماساً بأسداسٍ قبل أن يقدم على فعل شيء ـ ماذا تفعل.. هذا جنون.. دعنا من عبثك.. لا تكلف نفسك عناءً لا طائل منه ـ وغيرها من الكلمات التي نقولها نطفئ بها ثورة في نفوسنا دون أن نعرف عواقبها.. فهل سينمو الإبداع في مثل هذه الأرضية؟! وحين يجد مثل هذا التندُّر والتنقيص في محيط مدرسته يوجَّه إليه من معلميه أو من زملائه؛ فإن ذلك سيؤدي إلى ضمور اهتماماته، وفتور عزيمته، وخبوّ ذهنه، ومن ثم التفاته عن إبصار كل نقطة تفوّق لديه. - لا بد من أجل نمو الإبداع من التشجيع وتقديم الحوافز، وإعطاء نوع من الأمن الذي يجرئ المتربي على مزيد من الإبداعات، ولا بد أن تُثار في نفسه روح المغامرة والتحدي من أجل إثبات الذات دون غرور أو جنوح. كان ابن شهاب ﵀ يشجع الأولاد الصغار ويقول لهم: (لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ فإن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم، يتبع حِدَّة عقولهم) (١) ، (وفي مسابقة أجرتها مجلة إنجليزية شهيرة وجهت فيه سؤالاً للأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الأدب، فكانت الإجابة الفائزة لكاتبة مشهورة قالت: «إنه التشجيع!!» ، وقالت: «إنها في تلك السن بعد تلك الشهرة والمكانة، تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضي إلى الأمام، وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير!!» (٢) . ـ ثم إن مما يجعل بعض جوانب الإبداع تختفي لدى المتربي هو أن المربي قد يكون يعيش ميولاً معرفية محددة، وأنماطاً حياتية معينة تجعله لا يبصر الحياة إلا من جهة ميوله ورغباته الخاصة؛ فهو يبصر كل إبداع يتوافق مع ميوله، في حين تغيب عنه صور من الإبداع كثيرة تجري من بين يديه ومن خلفه دون أن يراها؟! لذا فإن على المربي أن يقيس الأعمال والتصرفات، لا من جهة توافقها مع أنماطه وميوله ورغباته الشخصية، بل يجب أن يقيسها بنظرة شمولية واسعة تجعله أقدر على اكتشاف صور أكثر من الإبداع المختفي حول حواجز الرؤية المحدودة والنظرة المحجمة الضيقة التي يعيش فيها المربي. ـ وحين يخفق المبدع مرة؛ فإن من الواجب ألا يُعَيَّرَ بإخفاقه ويُحَمَّل مسؤولية ذلك وحده ويُتخلى عنه، على حد قول القائل: (يداك أوكتا وفوك نفخ) ، بل يجب أن يواسى ويُشد من أزره، ويثنى على مبادرته وخطوات العمل التي قام بها؛ إذ هي في حد ذاتها جهد يحتاج إلى شكر، ثم بعد ذلك يعلم أن في العالم ناجحين كُثراً أخفقوا في محاولات كثيرة؛ لكنهم لم يقنطوا ولم يرضوا أن يحكموا على أنفسهم بالإخفاق الدائم، بل إنهم رأوا أن كل حالة إخفاق فإنها لا بد ستدلهم على اكتشاف طريق مسدودٍ قد غاب عنهم، أو أسلوب غير صحيح يتم تلافيه في تجربة أخرى جديدة ... لا بد أن يقال له وبوضوح: (إنك لن تعدم الفائدة حتى في إخفاقاتك) . إن علينا ـ معاشر المربين ـ ونحن نطلب مزيداً من إطلاق الإبداع؛ أن نمتلك حاسة شم قوية تنفذ إلى مواطن الإبداع في شخصية المتربي، وتجيد توظيفها والتعامل معها. _ خامساً: الرسائل الخفية: أو ما يُطلق عليها لغة الإيحاء، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] (٣) . كم تصنع الرسائل الخفية من أثرٍ بالغٍ في شخصية المتربي دون أن نشعر؟! وهذا الأثر قد يكون إيجابياً نافعاً، وقد يكون سلبياً يهدم ما قد بني ويفسد ما تم إصلاحه؛ فحين تكون سيرة المربي حسنة، واستقامته جيدة، ومراقبته لنفسه مستمرة؛ فإن رسائل حسنةً منه ستظهر دون أن يشعر، تؤثر في المتربي، وتساهم في صياغة شخصيته دون كثير نصح أو توجيه مباشر. ذكر ابن حجر في ترجمة (الجُلندي ملك عُمان) عن ابن إسحاق: أن النبي ﷺ بعث إليه عمرو بن العاص ﵁ يدعوه إلى الإسلام، فقال: «لقد دلني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له..» (٤) ، وقال يونس بن عبيد ﵀: «كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به وإن لم ير عمله ويسمع كلامه» (٥) ، وقال عبد الواحد بن زيد: «ما بلغ الحسن إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم منه» . إن «الواو والراء والدال» لا يُشَمُّ منها رائحة الورد؛ فكن بالخير موصوفاً ولا تكن للخير وصّافاً. إن في الناس أوجهاً لامعاتٍ تملأ العين زهرة ورواءَا ويراها البصير صورة زهرٍ لم تهبها الحياة عطراً وماءَا ولقد ترى الناس يتأثرون بسمت العالم والداعية وحسن دلّه وعظيم مواقفه؛ أبلغ مما يتأثرون بكلامه، بل ربما نسوا الكلام وبقيت المواقف والمُثل التي انطبعت في النفوس، وقد قيل: «من لا ينفعك لحظه لا ينفعك لفظه» . إن القدوة الحسنة عملية تربوية مستمرة لا تعرف الملال ولا الانقطاع تساعد المتربي على الارتقاء، وبلوغ الكمالات، وتختصر الوقت، وتعطي قناعة تامة بإمكانية بلوغ الفضائل والكمالات. «إن الأسوة هي علم الحياة» ، كما قال مصطفى الرافعي (١) ﵀: (لو أقام الناس عشر سنين يتناظرون في معاني الفضائل ووسائلها، ووضعوا في ذلك مئة كتاب، ثم رأوا رجلاً فاضلاً بأصدق معاني الفضيلة، وخالطوه وصاحبوه؛ لكان الرجل وحده أكبر فائدة من تلك المناظرة، وأجدى على الناس منها، وأدل على الفضيلة من مئة كتاب ومن ألف كتاب.. إلخ) (٢) . ذكر صاحب كتاب (من وحي الأسرة) (٣) أن أحد علماء الشام قال له: «التقيت بسبعة إخوة حفظة كتاب الله، وكان أكبرهم على مشيخة القراء، فلما مات استلم المشيخة الثاني ثم الثالث وهكذا.. فقلت لأحدهم يوماً: كيف حفظتم بهذا الإتقان والإجادة وأبوكم يعمل في صبغ الثياب من الصباح إلى المساء؟! فقال: أُمُّنا حافظة لكتاب الله ... » ، لقد كانت أمهم أسوة تتردد في جنبات البيت، تبني قناعات في نفوس أبنائها، وترسل رسائل خفية حسنة مفادها: (أن بالإمكان فعل ما كان وأفضل مما كان..) . ـ وعلى هذا؛ فحين يختلف الحال ويظهر التقصير من المربي ولو تكلف إظهار نفسه بالمظهر الحسن؛ فإن لغة الإيحاء أو الرسائل الخفية ستوصل غير ما يقال وتؤكد غير ما يُنفى، (كيف نطمع في دعوة الناس إذا كنا نحن ـ الدعاة ـ غير مطبقين له في ذواتنا؟ كيف ندعو الناس إلى أخلاقيات لا إله إلا الله إذا كنا نحن أنفسنا غير متخلقين بها؟ كيف ندعوهم إلى الثبات إذا كنا نحن لا نثبت؟ وكيف ندعوهم إلى الصدق إذا سوغنا لأنفسنا أن نكذب؟ كيف ندعوهم إلى التجرد لله إذا كانت ذواتنا هي محور تحركنا؟ ومصالحنا الذاتية هي التي تحدد مواقفنا وأعمالنا؟ ... ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] . كبر مقتاً لأنه يكون صدّاً عن سبيل الله؛ بدلاً من أن يكون دعوة إلى الله! والشاعر يقول: ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تُعلمِ! نستطيع أن نخفي حقيقة أنفسنا في خطبة حماسية بليغة، أو موعظة مؤثرة، أو محاضرة قيمة، أو كتاب نؤلفه؛ ولكن الدعوة ليست خطباً ولا مواعظ ولا محاضرات ولا كتباً ـ وإن كانت كلها أدوات نافعة مطلوبة للدعوة ـ إنما الدعوة قدوة وصحبة وتربية.. هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، وهكذا ينبغي أن يكون فهمنا لحقيقة الدعوة. وفي الصحبة الطويلة التي تقتضيها عملية الدعوة ـ أي تقتضيها عملية التربية ـ يستحيل علينا أن نخفي حقيقة أنفسنا، ولا بد أن «ننكشف» أمام الذين يتلقون منا؛ فكيف إذا اكتشفوا ذات يوم أننا كنا «نخدعهم» ؟! أننا كنا نحدثهم بمعانٍ نفتقدها نحن، أو نشتمل على أضدادها؟! كيف تكون الصدمة؟! وكيف تكون النتيجة؟!) ونحن بهذا لسنا نشترط بلوغ الكمال في شخصية المربي ـ وإن كان الترقّي فيه مطلوب ـ بل نقصد الحث إلى مزيدٍ من الاجتهاد في متابعة النفس وإلزامها منهج الصدق والإخلاص والمراقبة. _ سادسًا: لغة الحوار: (الحوار المنهجي مفيد في إيصال الفكرة للآخرين، وحين نمارس الحوار على وجهه الصحيح؛ فإننا لا نفيد المتربي وحده بل نحن نستفيد منه أكثر؛ فمن خلال الحوار والنقاش تنضج أفكارنا ويرتقي تفكيرنا وتتزن نظرتنا. إننا حين نعرض أفكارنا للتشذيب والتهذيب والإضافة والنقد؛ نكون أكثر معرفةً للواقع وأقدر على التعامل معه. ـ الحوار يزيد من قبول المتربي للمربي؛ حيث يشعر أن المربي لا يمارس معهم نوعاً من إلغاء الشخصية. وحين نطالب بالحوار؛ فإننا نقصد القيام بدور المُحاور لا المناظِر؛ فهناك فرق كبير بينهما؛ فالمناظِر يبغي إقناع صاحبه برأيه ليتبناه، بينما المحاور يقوم بإضاءة نقطة مظلمة، وتوضيح قضية غامضة لا يراها المُحاور الآخر على الوجه الصحيح، وبهذا يكون الحوار هادئاً ومنتجاً؛ لأنه يستهدف النفع المتبادل وليس الاستحواذ والاستيلاء..) (٤) . ـ إن من المهم جداً أن نجعل الحوار أساساً في حياتنا، لا سيما في المجال التربوي، فلا نفرض الأمور فرضاً جازماً لا يقبل المناقشة. لقد كانت النساء من أصحاب النبي ﷺ لا يجدن حرجاً في مراجعته المرة تلو الأخرى في أي شأن من شؤونهن، فضلاً عن الرجال، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] ، إنه الشعور بالأمن بين المربي الرحيم ﷺ وبين الأمة، والذي ينظر في سيرته ﷺ يجد ما يشفي ويكفي في هذا الباب. هذا ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد إلى النبي ﷺ يأتي إلى النبي ﷺ فيقول له: «إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك. فقال ﷺ : سل عما بدا لك. فقال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك! قال: صدق. فلم يزل يسأل والنبي ﷺ يجيبه على ما سأل حتى رجع ضمام إلى قومه مسلماً» (١) ، إنك لتعجب وأنت تطالع مثل هذا المثال؛ فمع الجفاف في أسلوب ضمام ـ زعم، وتزعم.. ـ إلا أن النبي ﷺ يقابل ذلك كله بهدوء نفس وحسن إجابة. (وهذا حصين بن عبيد يأتي إلى النبي ﷺ ولَمَّا يسلم بعدُ، فيبدأ النبي ﷺ معه حواراً منطقياً: «كم تعبد يا حصين؟! قال: سبعة: واحداً في السماء وستة في الأرض. قال: يا حصين من تعد من هؤلاء السبعة لرغبتك ورهبتك؟! قال: الذي في السماء..» (٢) ، وبمثل هذا الحوار تُزال الشبهة ويُصحح التصور! ـ ويذكر الشيخ عمر الأشقر في كتابه (مواقف ذات عبر) (٣) ما جرى في إحدى البلاد: أن فتاةً صغيرة جاءت من المدرسة يوماً وعلامات الحزن والهمّ بادية على نفسها، فلاحظت أمها ذلك فسألتها: ما السبب يا بنيتي؟ قالت الطفلة: إن مدرّستي هددتني بالطرد إن أنا عدت بهذه الملابس الطويلة غداً، قالت الأم المربية: ولكنها الملابس التي يريدها الله يا بنيتي! قالت الطفلة: نعم يا أماه! ولكن المدرّسة لا تريد ذلك. عندها قالت الأم بعبارة حانية وحوار هادئ: حسناً يا بنيتي! المدرّسة لا تريد والله يريد؛ فمن تطيعين؟! أفتطيعين الذي أوجدك وصوَّرك وأنعم عليك.. أم مخلوقة لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعا؟ فقالت الطفلة: بل أطيع الله. قالت الأم: أحسنت يا بنيتي وأصبت. بهذه الطريقة، وبهذا الأسلوب المقنع الذي يؤكد الثوابت ويقيم القيم جرى الحوار الهادئ بين الأم والطفلة؛ فماذا كانت النتيجة؟ في اليوم التالي: جاءت البنت إلى المدرسة بالثوب الطويل، فانفجرت المعلمة غاضبة مؤنبة للفتاة أمام زميلاتها، حتى ثَقُلَ الأمر بالطفلة فهُرعت بالبكاء الذي لا ينقطع، وعندها هدأت المعلمة وخفّضت من صوتها، وقطعت صراخها، ثم توجهت إلى الطفلة قائلةً: لِمَ لا تستجيبين لما أمرتك به؟! فنطقت الطفلة بكلمة الحق التي صارت كالقذيفة على هذه المعلمة: والله! ما أدري من أطيع: أنت، أم هو؟! قالت المعلمة: ومن هو؟ قالت الطفلة: الله.. أأطيعك فألبس ما تريدين، أم أطيعه وأغضبك؟! ثم قالت بكل ثبات: سأطيعه ـ سبحانه ـ وليكن ما يكون.. فسكتت المعلمة ... وفي اليوم التالي: دعت المعلمة الأم لتقول لها: لقد وعظتني ابنتك أعظم موعظة سمعتها في حياتي! لقد كان هذا الثبات من هذه الطفلة نتاج القناعات التي رسخت في نفسها من جراء هذا الحوار المثير الذي قامت به الأم؛ فهل نحاور أبناءنا وطلابنا ومن نقوم على تربيتهم من أجل أن نبني في نفوسهم قناعات لا تتزعزع، وثوابت لا تتغير تكون أكثر صموداً في زمن المتغيرات والفتن؟ ـ ثم إن الحاجة تعظم إلى الحوار والمراجعة حال معالجة الأخطاء؛ إذ لا بد منه لأجل التعرف على ملابسات الخطأ وأسبابه قبل إصدار الأحكام؛ وذلك من أجل تجنب ردود الأفعال السريعة التي تفسد أكثر مما تصلح، وتزيد من اتساع الهوة بدلاً من تضييقها. جاء إلى النبي ﷺ شاب ممتلئ شباباً وقوةً وشهوةً يستأذن في الزنى؛ فهل رجمه النبي ﷺ أو ضربه؟ لا؛ فالأمر يحتاج إلى نوع إقناع، وفتح لعين المخطئ إلى جوانب قد غفل عنها.. وهذا هو ما فعله النبي ﷺ مع هذا الشاب؛ حيث قال له: ادنُ مني. (إشعاراً له بالأمن) ، فلما دنا قال له: أترضاه لأمك..؟! لأختك..؟! لابنتك..؟! والشاب يقول: لا.. لا.. والنبي ﷺ يرد عليه بقوله: (وكذلك الناس لا يرضونه..) (٤) ، فيا له من حوار هادئ وإقناع منطقي آتى أكله وأعطى ثماره! وكذا كان الأمر مع حاطب بن أبي بلتعة في القصة المشهورة في أحداث غزوة الفتح؛ فهل نحن نفتح حلقات للحوار عند معالجة أخطاء أبنائنا وطلابنا؟ حين تكتشف أن ابنك يدخن مثلاً، أو يسمع الغناء، أو يجلس مع رفقة سيئة؛ فإنك قد ترفع العصا عليه فتوجع يده أو تضرب هامته، وتتبع ذلك بصيحات الوعيد وزمجرات التهديد، وتظن أنك قد قضيت على المشكلة، لكنها في الحقيقة تزداد تجذراً في نفسه ورسوخاً قد يحمله على التحدي والعناد، بينما لو فتحت عينيه بالحوار الهادئ إلى شيء لم يدركه؛ فإنك على أقل تقدير إن لم تقض على المشكلة فستوقف مدها، أو تجعله يتعامل بحذر قد يسهم باستيقاظه فيما بعد، وتنبعث في نفسه أسئلة تحتاج إلى إجابة.. وحين نقول ذلك فلسنا نعارض العقوبة ونمنع منها؛ لكنّا نحاول حصرها في مكانها الصحيح الذي تفيد منه. أما حين نفرض الأمور فرضاً جازماً ونلغي مساحة الحوار والنقاش المفيد؛ فإننا قد نوجه الظاهر من شخصية المتربي بحكم السلطة والنفوذ، لكننا سنكون بعيدين كل البعد عن الشعور الداخلي وتغيير القناعات؛ مما قد يسبب تمرداً ـ إن صح التعبير ـ في المستقبل القريب أو البعيد متى ما وجدت الفرصة مواتية لذلك، وكما في المثال الإنجليزي: (من السهل قيادة الحصان إلى نبع الماء، ولكن من الصعب إجباره على أن يشرب) (١) . _ سابعاً: التدريب: لقد كتب الله لأنبيائه رعي الغنم قبل البعثة كفرصةٍ للتدرب على سياسة الناس والصبر والجلد، إضافةً إلى ما تورثه برعيها من الرحمة واللين؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم. قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم! كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (٢) ، قال ابن حجر معلقاً: «قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيتها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم من الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك لأول وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم. وخُصّت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر؛ لإمكان ضبط الإبل والبقر بالرباط دونها ـ أي الغنم ـ في العادة المألوفة، ومع أكثريتها فهي أسرع انقياداً من غيرها..» (٣) ، فإذا كان الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يحتاجون إلى نوع تمرين وتدريب لأجل رعاية الخلق ومعالجتهم؛ فغيرهم ممن يسير على طريقتهم من باب أوْلى وأحرى. والتدريب هو: «عبارة عن نشاط منظم يركز على الفرد لتحقيق تغير في معارفه ومهاراته وقدراته لمقابلة احتياجات محددة في الوضع الحاضر أو المستقبلي، في ضوء متطلبات العمل الذي يقوم به المرء، وفي ضوء تطلعاته المستقبلية للوظيفة التي يقوم بها في المجتمع» (٤) . ومن هنا نعلم أن التدريب ارتقاء دائم، وتطور مستمر، يسهم في تحسين الأداء وتصحيح الأفكار وزيادة البصيرة. إن الدورات التربوية التدريبية تجمع إليك تجارب مركزةً لناجحين اختيرت بعناية، تجعل المربي يقوم بأداء أفضل ومن ثم ثمرات أفضل، فإذا كان هذا ما سنحصل عليه من خلال الدورات التدريبية التربوية، فلا ينبغي الاستنكاف عن الاستفادة منها حتى لو كلفنا ذلك بعض المال. إن رجال الإدارة والاقتصاد وغيرهم ليسوا أحق بهذه الدورات والبرامج التدريبية من رجال التربية والتعليم والدعوة الذين يقومون على بناء الأجيال ورعاية الناشئة وصياغة ألامة وصناعتها، إننا (بحاجة لمن يعلمنا فن الحوار، وفن الصمت، ومن يعلمنا الكف عن الإدمان على بعض الأشياء وبعض التصرفات، كما أننا بحاجة إلى من يدربنا على إدارة الوقت وإدارة أعمالنا عن طريق الهاتف وعن طريق الأهداف وطريق التفويض، ومن يدربنا على رسم الأهداف، وعلى التخلي عن النزعات العدوانية، ومن يدربنا على حل مشكلاتنا عن طريق التفاوض ومقايضة المصالح، ومن يدربنا على القراءة المثمرة والتفكير المبدع، وحين نحرز تقدماً على هذه الأصعدة؛ فإننا سنجد أن معالم حياتنا كلها قد تغيرت، وصارت فرص النجاح والارتقاء أفضل بكثير مما هي عليه اليوم) (٥) . وحيث إن الأمر هنا مجرد إثارة للموضوع لا غير؛ فإني أشير إلى بعض مواضيع الدورات التي يحتاج إليها المربي من أجل تربية أفضل فمن ذلك: صياغة الأهداف ـ إدارة العمل ـ تحسين الأداء ـ أنماط الشخصية ـ فن التعامل والقدرة على التأثير ـ رعاية الإبداع ـ أدبيات الحوار ـ حل المشكلات وغيرها كثير. وختاماً: فإن صياغة النفس البشرية على الفضائل، وتربيتها على الكمالات؛ عملية ضخمة كبيرة لا يصح أن تُصرف لها فضول الأوقات، إنها ليست عملية يوم أو شهرٍ أو سنة، بل هي جهد دائم وسعي مستمر، وكما قال الرافعي: (إننا لسنا على غارة نُغيرها.. بل على نفوس نُغيّرها) (٦) ، فكم هي مهمة عظيمة جليلة!

стр. 4993

مرجعية موحدة.. لأمة واحدة تربويات التشييد (٢ ــ٢) محمد مصطفى المقرئ في الحلقة السابقة أكد الكاتب على أننا ننشد مرجعية موحدة تجمع الشتات، وتلم الشعث، وتسوّي الصفوف، وأنها الفريضة الأمل، وقد وجه الدعوة في ذلك إلى أصناف المؤمنين ومهماتهم العلمية والدعوية والتربوية، وتحدث عن الصدق والإخلاص في صياغة اللبنة الأنموذج المطلوبة لصرحنا المنشود، وتطرق إلى خُلُق التواضع وأنه يورث العقلية الجماعية، والروح الأخوية، والألفة والمودة، أما تحقيق التواضع عملياً فيكون بالتمرس عليه، وتكلف أفعال أهله، ومجاهدة النفس على ذلك. وفي هذه الحلقة يتابع حديثه في صفات أهل المرجعية الموحدة. _ ثالثاً: سلامة الصدر: ـ سلامة الصدر حال عزيزة نادرة، وهي ـ وإن كانت تُكتسب وتستفاد، ولها أسباب توصلك إليها ـ إلا أنها هبة من الله يمنحها من يشاء من عباده: إما بمحض فضل منه ورحمة، وإما لاجتهاد العبد في إصلاح قلبه، وسلامة صدره، فيكافئه الله ـ بفضله أيضاً ـ من جنس ما عمل، وبنية ما قصد؛ ولذلك كان دعاء المؤمنين ـ تضرعاً إلى الله ـ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] . ـ وسلامة الصدر راحة لصاحبها، وصلاح بال، وصفاء ذهن، وطمأنينة قلب، وعافية نفسية، وبرء من آلام وأوجاع ومعاناة الغل والحقد والحسد، ومن سائر أدواء مرض الصدر وآفاته. وإنَّ غير سليم الصدر لهو أبأس المعانين، وأتعس المتخاصمين، وأشدهم تضرراً، وأعظمهم عذاباً؛ لأنه يعاني ضيقاً في كل ما ينبغي أن يكون واسعاً: ضيقاً في صدره، وفي أخلاقه، وفي فكره، وفي مَعِين محبته الخير وإنشاده الصلاح للناس، ولا يبرح ـ بهذا الضيق ـ في حرج إلى أن ينتهي به ـ لا محالة ـ إلى الخزي والضلال، وفساد القلب والحال؛ فإنما القلب مضغة إذا صلحت صلحت الجوارح كلها، وإذا فسدت فسدت الجوارح جميعها؛ وفي ذلك خسران مبين في الدنيا ويوم الدين. وتأمل كيف كان دعاء إبراهيم ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم ـ: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩] . وهل تجد سليم الصدر إلا ودوداً بإخوانه، ذليلاً عليهم، رؤوفاً رحيماً بهم وبعموم المؤمنين، محباً لهم ما يحبه لنفسه، طالباً لما فيه صلاحهم، حريصاً على ما منه نفعهم؟ وذلك ما يجعله شغوفاً بنصحهم، مهموماً بما فيه عَنَتُهم، يتوخى صلاحهم من كل سبيل؛ فهو على إثر من قال فيه الله ـ جل وعلا ـ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . إنه بلا شك الصدر السليم. جاء في تفسير قول الله ـ تعالى ـ: ﴿إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] : «.. أن عوف الأعرابي قال: سألت محمد بن سيرين: ما القلب السليم؟ فقال: الناصح لله في خَلْقِهِ» (١) . وكان من دعاء نبينا ﷺ : «اللهم إني أسألك قلباً سليماً» (٢) . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» (٣) . قال الإمام القرطبي ـ معلقاً على هذا الحديث ـ: «يريد ـ والله أعلم ـ أنها مثلها في أنها خالية من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا؛ كما روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثر أهل الجنةِ البُلْهُ» وهو حديث صحيح. أي: البُلْهُ عن معاصي الله. قال الأزهري: الأبله هنا هو الذي طُبِعَ على الخير، وهو غافل عن الشر لا يعرفه. وقال القتبي: البُلْهُ: هم الذين غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس» (٤) . إن الصدر السليم صدر منشرح رحيب، متسع لمعاني الإسلام، مستوعب لمكارم الأخلاق، متشبع بالتراحم والتسامح، مطبوع على مصافاة المؤمنين؛ فهو لا ينفكُّ في هداية إلى الفطرة الصافية، والوحي المنير، بينما يوشك الصدر المريض أن ينتهي بصاحبه إلى الضلالة والعمى. ألا ترى أن ضيق الصدر وحرجه هو أول الضلال ومنشؤه؟ قال ـ تعالى ـ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] . وما يضيق الصدر إلا لانشغاله بالضغائن والأحقاد، وإضمار الغل والحسد، والرغبة في التشفي والانتقام، واجترار الذاكرة لوقائع المخاصمات والمنازعات، وما يصحب ذلك ويتبعه من الغيبة والنميمة، والطعن واللعن، وإساءة الظن، وتدبير المكائد، وحبك المؤامرات. قال العلاَّمة ابن قيم الجوزية ـ في سياق حديثه عن سلامة الصدر وبرد القلب ـ: «.. وهذا مشهد شريف جداً لمن عرفه وذاق حلاوته، وهو ألاَّ يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درْك ثأره وشفاء نفسه، بل يفرغ قلبه من ذلك، ويرى أن سلامته وبرده وخلوَّه منه أنفع له وألذ وأطيب وأعوَن على مصالحه» إلى آخر كلامه ﵀ (٥) . ـ وسلامة الصدر هي أقصر الطرق إلى الجنة، وأقلها كلفة بدنية، واجتهاداً مادياً، وإن كانت كُلَفُ البدن من أعظم دعائم تلك السلامة، بل هي شرايين حياتها وإمدادها، إلا أن مجاهَدات النفس هي أصل حياتها. روى الإمام أحمد ـ في مسنده ـ من حديث أنس ـ قال: «كنا جلوساً مع النبي ﷺ ، فقال: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» . فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وَضوئه، وقد علَّق نعليه بيده الشمال. فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع الرجل مثل المرة الأولى. فلما كان اليوم الثالث قال رسول الله ﷺ مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى؛ فلما قام رسول الله ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو ـ أي تبع الأنصاري..» الحديث ... إلى أن قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ـ ثلاث مرات ـ: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلعتَ أنت الثلاث مرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كبير عمل! فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال ـ أي الرجل ـ: ما هو إلا ما رأيتَ. قال عبد الله: فلما ولَّيت دعاني فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيتَ؛ غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله: فهذه التي بلغتْ بك، وهي التي لا تطاق» (٦) . قال مقيده: وهي التي نريد، بل نرجو، ونسأل اللهَ أن تسود بيننا.. لا حسد لمؤمن، ولا غش له، ولا بغي عليه. فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان» . قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غِل، ولا حسد» (٧) . وإذا تمكنت سلامة الصدر من امرئ ألفيته كما ترجو، وعلى الكيفية التي تنشد: أنموذجاً فريداً للبنة المرجعية المنشودة. ـ فسليم الصدر: لا يضمر إلا الخير والصلاح، ولا يطوي فؤاده إلا على نية حسنة، ولا يسعى إلا إلى مقصد نبيل، ومن كان كذلك فهو أبعد الناس عن المخادعة والمصانعة، وأشدهم تنزهاً عن المجاملات الصفراء، وأعظمهم تورعاً عن المآرب الخاصة؛ فهو ـ أبداً ـ لا يتخابث ولا يُسيغ التخابث، ولا يستبيح لنفسه أن يضمر خلاف ما يظهر، ولا أن يسخِّر ما من شأنه العمومية والشيوع، لخصوصيات حزبية أو شخصية. ـ وهو: أبعد الناس عن دجل السياسة الملتوية وإفكها، وألاعيب الساسة المنحرفين ومراوغاتهم؛ لأن سليم الصدر نقي السريرة، صادق صدوق، لا نفاق فيه ولا تلوُّن، ولا سراديب لأفعاله ومعاملاته، ولا مراوغات أو تغريرات في عهوده ووعوده. والمرجعية الموحدة التي ننشدها: عهد على الصلاح والخير، وتَبَايُعٌ على البر والتقوى، والعهد لا يحتمل إلا الصدق كل الصدق، والوفاء تمام الوفاء. ـ وسليم الصدر: عظيم البِشر إذا لقي إخوانه، ضاحك السن بسام المحيا، غير عبوس ولا مقطب الجبين، وإن كان يحمل هموم الدنيا، وهو كذلك دوماً، حتى مع من يلقاه بضد لقياه؛ وإن ذلك لهو لُحمة بنياننا الذي ينبغي أن نشيد. لُحمة الكيان: لُحمة كياننا المأمول: سلامة الصدور. ـ فإن «كياننا» هذا يرجى له أن يجمع أطياف الأمة كلها ليردها إلى مرجعية واحدة؛ وذلك لا يعني أن مجرد وجودها نافٍ للخلاف، بل المأمول هو حسم الخلاف على المستوى العملي، وفيما يجب أن تتوحد فيه الكلمة، مما لا مناص فيه من التوحد، ولا تتم واجبات الأمة إلا بالاجتماع عليه. إذ الخلاف بين أطياف المرجعية وارد، بل هو السنَّة المطَّردة حتى في خير القرون. فما لم تتسع أخلاق المؤمنين لأعراض الخلافات، فيتمثلوا الحِلْم، ويتحلوا بالتسامح.. تفشى فيهم التباغض والتنافر، والتقاطع والتدابر. والأمر في هذا إنما يبدأ هيناً بسيطاً؛ فإذا لم تسلم الصدور تمدد وتعاظم واستفحل وتعقد. ومن الطبيعي ـ في كل كيان ـ أن تتعدد فيه المهام والأدوار، فتتفاوت الوظائف والقدرات، والمواهب والملَكات، بل ويتفاوت التوفيق والسداد، وتحقيق الإنجازات والنجاحات، ومن ثم تتفاوت المراتب والمواقع، رفعة وتواضعاً، وتقديماً وتأخيراً؛ فما لم تكن صدور الجماعة المسلمة سليمة نقية دبت فيها غوائل الغيرة والحقد والحسد. وأجواء الخلاف أجواء مَرَضية ملوثة؛ فمن شأنها أن توفر وَسَطاً ملائماً لحياة هذه الأدواء و «الفيروسات» ، وهي أدواء و «فيروسات» متشابكة متداخلة، تؤثر وتتأثر، بعضها في بعض، وبعضها من بعض. ألا ترى كيف جمع النبي ﷺ ـ في حديث واحد ـ بين التدابر والتباغض والتحاسد، وجمع إلى ذلك أموراً من شأنها أن تستثير هذه الأخلاق السيئة، ثم حذر النبي ﷺ من مضاعفاتها؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا (١) ، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يَبِعْ بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره. التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» (٢) . قال مقيده: والحسد معروف، وما دخل الحسد بين اثنين إلا أفسد بينهما. والمراد بالتناجش ـ هنا ـ: المعنى العام للمناجشة، وهو المخادعة. قال ابن رجب: «ويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث بما هو أعم من ذلك؛ فإن أصل النجش في اللغة: إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة، فيكون المعنى: لا تتخادعوا، ولا يعامل بعضكم بعضاً بالمكر والاحتيال، وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى المسلم: إما بطريق الأصالة، وإما باجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصول الضرر إليه، ودخوله عليه، وقد قال : ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] . وفي حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ : «من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار» (٣) . وما أحسن قول أبي العتاهية: ليس دنيا إلا بدين وليس الدين إلا مكارم الأخلاقِ إنما المكر والخديعة في النارِ هُما من خصال أهل النفاقِ «وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه، وهم الكفار المحاربون، كما قال النبي ﷺ : «الحرب خدعة» (٤) . والتباغض: نوع منه منهي عنه، وهو ما كان في غير ذات الله، أي ما خرج عن المعنى الصحيح للولاء والبراء المأمور به شرعاً. قال الحافظ ابن رجب: وقوله ﷺ : «ولا تباغضوا» : نهى المسلمين عن التباغض بينهم في غير الله، بل على أهواء النفوس؛ فإن المسلمين جعلهم الله إخوة، والإخوة يتحابون بينهم، ولا يتباغضون ... وقد حرم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ..» (١) . ويدخل في ذلك كل ما في معناه، كالغيبة، والنميمة، وإساءة الظن.. إلى آخر ما من شأنه إفساد ذات البين. خرَّج الإمام أحمد (٢) ، وغيره، من حديث أسماء بنت يزيد ﵂ عن النبي ﷺ ، قال: «ألا أنبئكم بشراركم؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: المشَّاؤون بالنميمة، المفرِّقون بين الأحبة، الباغون للبُرآء العنت» (٣) » اهـ (٤) . وقد بين النبي ﷺ أنه بمثل هذه الأدواء يكون ذهاب الأمم، وسقوط الممالك، وتفكك الجماعات، كما قال ﷺ : «سيصيب أمتي داء الأمم» قالوا: يا نبي الله! وما داء الأمم؟ قال: «الأشَر والبطَر، والتكاثر والتنافس في الدنيا، والتباغض، والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج» (٥) . والتدابر: هو التقاطع، أو هو أثره أو بعض أثره، وقد يكون مقدمة له. قال أبو عبيد: «التدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يولي الرجل صاحبه دبره، ويُعرض عنه بوجهه، وهو التقاطع» (٦) . والنهي عن التدابر موجَّه إلى الجمع كما هو موجَّه إلى الفرد، فلا ينبغي للجماعة المسلمة أن تهجر جماعة أخرى من أهل السنة، وإن اختلفت معها، والتجاهل والقطيعة والخصام كل ذلك داخل في معنى التدابر. وخرَّج مسلم من حديث أنس عن النبي ﷺ : «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله « (٧) . فأمر بالأُخوة ونهى عن مفسداتها. ذلك؛ وإن سليم الصدر لقريب العَوْد، سهل بسيط، هين لين، مرجوٌّ عفوُه، جميلٌ صفحُه، صادقة مسامحته. وهل يشاد بناؤنا المنشود إلا بهذا؟ _ خامساً: العدل والإنصاف: ـ وهذا باب واسع يدخل في كل أمر، وعليه قامت السموات والأرض، وبه بُعِثَ الرسل وأُنزلت الكتب، ولا يصلح أمر الخلق دونه. وحسبك أن نقول «العدل» ، وإنما ضممنا إليه «الإنصاف» تحرياً لتمام معنى ما نريد؛ فإن العدل ضد الظلم، وإن من تمام انتفاء الظلم بذل الحق وافياً غير منقوص؛ فتمام العدل يقتضي انتفاء الظلم والهضم جميعاً، وبين هذين فرق دقيق. قال القرطبي ﵀: «والفرق بين الظلم والهضم: أن الظلم: المنع من الحق كله، والهضم: المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه» (٨) . «والنَّصَفة: اسم الإنصاف، وتفسيره: أن تعطيه من نفسك النصَف، أي تعطيه من الحق كالذي تستحق لنفسك. وأنصف الرجل: أي عدل. ويقال: أنصفه من نفسه، وانتصفت أنا منه، وتناصفوا: أي أنصف بعضهم بعضاً من نفسهم» (٩) . وحسبنا ـ في هذا المعنى ـ هنا: أن نتناوله من زاوية عدل المسلم مع مخالفيه، وإنصافهم له من نفسه، هذا على وجه العموم والإجمال، وإن أهل السنة هم أعدل الفرق في معاملة خصومهم؛ فلا جرم أن متبعيهم يكونون كذلك فيما بينهم، أو كذلك ينبغي أن يكونوا. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] . فأمر بالعدل في الحكم والفصل والقضاء. وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] . فأمر بالعدل في الأقوال والشهادات والآراء. ولما كان امتثال ذلك عند الخصومة عزيزاً نادراً؛ أفرد تلك الحالة بأمر خاص بالعدل فيها، وقرن إليه النهي عن ضده، وهو الظلم وغمط الآخر، فقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، وقال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] . وتأمل كيف أعقب ذلك بالأمر بالتعاون على البر والتقوى؛ وفي هذا إشارة إلى أن التعاون الممدوح لا يكون إلا في أجواء من العدل والإقرار بالفضل وإنصاف المخالف. قال الإمام ابن قيم الجوزية: «ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح، وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين» (١) . قال الإمام الذهبي ﵀: «.. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له الله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم! ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك» (٢) . فشتان شتان بين النقد والنقض؛ فالنقد: بيان للخطأ ـ كما يوجبه الشرع ـ دون إهدار المحاسن، والنقض: هدم للعالم بحسناته وسيئاته!! والناس اليوم في أحد أمرين اثنين أو يكادون: الأول: إذا رضوا عنك تغاضوا عن أخطائك ولو كانت مثل جبل. والثاني: إن سخطوا عليك فتشوا لك عن زلة ولو كانت قدر نملة. وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا ورحم الله الإمام الشعبي إذ يقول: «لو أَصَبت تسعاً وتسعين، وأخطأت واحدة لأخذوا الواحدة وتركوا التسع والتسعين» (٣) . ومع الاتصاف بالعدل والإنصاف تنتفي تلك الصور في معاملة المخالف التي أومأ إليها الأئمة ليحل محلها التراحم والحرص والتماس الأعذار وتذكُّر الفضل. وليقدم إحسان الظن على الاتهام، والاعتراف بحسنات المخالف على غمطها، وليكن افتراض حسن النية هو الأصل. روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ حين ذُكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت عائشة ﵂: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكن نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ بيهودية يبكي عليها أهلها؛ فقال: «إنكم لتبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها» (٤) . ولا يُتصور حصول وفاق بين جماعات المسلمين إلا إذا اعتقدت احتمال الخطأ في اجتهاداتها، واحتمال الصواب في اجتهادات المخالف لها من مثيلاتها. وإذا استنكف بعضنا أن يعترف بالخطأ، وتنكر لحسنات مخالفه، وتناسى فضل ذوي الفضل، وتجاهل دور الآخر وعطاءه، ومالأه على ذلك الأتباع والأشياع؛ بات الأمل في الالتقاء على مرجعية واحدة مجرد وهم وأمنية، وبتنا منه بمفازة، أو كما قال القائل: منىً إن تكن حقاً فهي أجمل المنى وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا _ يا أخا الإسلام! إنه إذا تجذر العدل في نفوسنا، وأخذ مكانته من مناهجنا؛ أضفى أثره ـ ولا بد ـ على تقويماتنا وأحكامنا، ومن ثم قدرنا الأشياء أقدارها، وجعلناها في مواضعها وتراتيبها؛ فلا جرم كان من مظاهر ذلك ما يلي: ـ أصل الولاء للإسلام، وهو مقدم على الولاءات الخاصة؛ فدائرته أوسع وأشمل، وما الولاءات الخاصة إلا خادمة له، فإن تكن كذلك وإلا فهي ولاءات مرفوضة؛ لأنها لا تعدو أن تكون نوعاً من الحمية ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] . ـ أصل المحبة أن تكون في الله، فيُحب المرء لطاعته وإن كان ولاؤه للمخالف، ويبغض لمعصيته وإن كان ولاؤه للموافق، وفي الصحيح قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان» وذكر منها: «أن يحب المرء لا يحبه إلا لله» (٥) . وعليه فلا يكون التقديم والتقريب إلا على أساس من ميزان العدل ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وقول رسول الله ﷺ ـ لما سئل عن أكرم الناس ـ: «أكرمهم عند الله أتقاهم» (٦) . وعلى أساس مراعاة مصلحة المؤمنين وما هو أنفع لهم، لا باعتبار الانتماءات؛ فعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبو بكر ﵀ حين بعثني إلى الشام: يا يزيد! إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالولاية، وذلك أكبر ما أخاف عليك؛ فإن رسول الله ﷺ قال: «من وَلِيَ من أمر المسلمين شيئاً فأمَّر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم..» الحديث (٧) . ـ إيثار ما هو أنفع للمسلمين من الكيانات والأعمال؛ فذلك مقتضى العدل في تقويمها والموازنة بينها على أساس من مراعاة المصالح الشرعية وترجيحها على المصالح الحزبية، مهما كانت هذه الأخيرة نافعة ملتقية مع مقاصد الشارع الحكيم. ولا ريب أن إيجاد مرجعية موحدة يلتقي عليها عموم الأمة هو أصلح وأنفع للأمة من تلك الجماعات القائمة مع بقائها متفرقة مفتتة الجهود، متعارضة التوجهات والمسارات. _ سادساً: علو الهمة: ـ علو الهمة هو استصغار كل ما دون القمة، وهو صدق العزم على بلوغ الغاية، وهو لزوم الرقي على كل حال.. وفي حديث سطيح: شَمِّرْ فإِنَّكَ ماضي الهمِّ شِمِّيرٌ. أي: إذا عزمت على أمر أمضيته. والهُمامُ: الملك العظيم الهمة. قال ابن سيده: الهمام: اسم من أسماء الملك لعظيم همته، وقيل: لأنه إذا همَّ بأمر أمضاه لا يُرد عنه بل يَنْفُذ كما أراد» (١) . فعلو الهمة هو الطموح الباعث على الفعل، وهو صدق الإرادة، بل هو إرادة منتهى الغاية. ولذلك قيل: الهمُّ: أول الإرادة، والهمة نهايتها. فخلص لنا أن الهمة هي حقيقة الإرادة، وعلوها هو طلب أسمى ما يراد. فلا يبرح علِيُّ الهمة صاعداً يرنو إلى القدوة ثَمَّ.. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] . فهو وإن كان لن يبلغها إلا أنها تشده دائماً إلى هناك وتسمو به إلى فوق. ولا يبرح عليُّ الهمة يطلب أعلى المنازل، وأسمى المراتب.. ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] : «إذا سألتم الله ـ تعالى ـ فاسألوه الفردوس؛ فإنه سر الجنة (٢) » (٣) . يعني أفضل موضع فيها وأعلاه. ولا يبرح عليُّ الهمة يزداد بالرقي رغبة فيما هو أرقى، وبالكمال تهيؤاً لما هو أكمل.. ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] . وفي ذلك يتفاوت السائرون إلى الله.. كما قال ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] . وليس في السير إلى الله توقف، بل إما تقدم أو تقهقر.. صعود أو هبوط، وعلو الهمة لا يدع صاحبه يتوقف أبداً، ولا يمهله أن يرضى بما دون الوصول، وذلك هو عين الوصول.. أولئك ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] .. فـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] . كذلك علو الهمة، وكذلك أهلها. أتراهم ـ وذلك شأنهم ـ يقنعون بعمل لم يبلغوا منه غايته؟ أو يكتفون بجهد دون الوسع والاستقصاء؟ أو يرتضون إنجازاً ـ بلغ ما بلغ ـ هو دون التمكين لهذا الدين؟ أو ينحصرون في إطار حزبي ـ مهما عظم ـ هو دون أن نتحرك كأمة؟ إن علو الهمة لهو سر النفوس الوثابة، وفتيل الجهود الخلاقة، وهي المثُلُ التي لا ترتضي لأهلها مثلاً إلا من أهل الكمال.. ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] . إن مرجعيتنا المنشودة مرجعية جامعة شاملة، وهي الصيغة الوحيدة التي يمكن أن تحقق لنا التأهل للتمكين أو تضعنا على طريقه؛ إذ ليس لبلوغه درب سوى تكامل جامع، يسلك ملكات الأمة وعطاءاتها في نسق واحد.. ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] . ذلك؛ وإن علو الهمة ـ في ظلال الإيمان ـ لهو سر الطفرات الإيجابية المنضبطة، وهو الذي يصوغ النماذج الفريدة الفذة، وهو الذي يفجر كوامن الملكات والمواهب، وهو الذي ينفخ في النفوس روح التفاني والإبداع. ألا إن جانباً من معاناتنا التربوية ـ كأفراد وكجماعات ـ يُشخص في نفسية الانبهار، ونزعة التلقي، وروح الجمود، والسكون إلى قوالب موروثة أو جاهزة، بحكم الإلف والمعايشة، وإيثاراً لسلامة موهومة، وتهيباً للتجديد والتطوير، وما هو إلا عجز مقعد، وضعف في الهمم. _ فمن للتجديد القادم والتغيير المنشود؟ قال النبي ﷺ : «إن اللهَ يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» (٤) . وهذا التجديد المقصود في الحديث هو أعم من إنشاء جماعة، وأوسع من حدود قطر أو أقطار، وأشمل من تغييرات جزئية ـ بلغت ما بلغت ـ تحدثها جماعات المسلمين في حدود قدراتها ومجالات تأثيرها، وهي حدود ومجالات ـ لا ريب ـ دون التغيير الشامل المأمول.. أما التغيير الشامل المأمول؛ فدونه إعلاء الهمم إلى سقف ما نريد، والتأهل لمستوى ما ندعو إليه، وبلوغنا إلى تمثيل الإسلام جديرين بتمثيله، وأهلاً لتحمل مسؤوليته وأمانته. وبعد: كانت تلك بعض عناصر البناء الذي نريد أن نشيد، أو قل أهم تركيبات خلاياه التي منها ينتظم الجسد الكبير.. إنها خصائص للأمة كائنات، ليست بدعاً فينا ولا مستغربات، بل هي شُعَب من الإيمان، ومفردات من الخير، تالله تفتؤ تشيع في أمة الخير كثرة أو قلة حتى آخر الزمان، غير أننا نريد لنشيعها فيها على وجه الكفاية، وعلى نحو ما تستوجبه مطالب الغاية. فاللهم وفق سعاة الخير بناة القرون لتشييد البناء المأمول. وصلى الله ـ تعالى ـ وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 4994

في ظلال السيرة وقفات مع المنهج النبوي في كيفية حل الخلاف وليد شلبي إذا كانت سنة المصطفى ﷺ تُمثل لنا ـ باعتبارنا مسلمين ـ المصدر الثاني من مصادر التشريع، والتطبيق العملي لأحكام القرآن، وتشريعاته؛ فإنها ما زالت إلى الآن المعين الذي لا ينضب للقدوة العملية للدعاة في كيفية تحركهم، بدعوتهم بين الناس ـ كل الناس ـ مسلمين، وغير مسلمين مؤثرين فيهم بفعلهم قبل قولهم. وإذا كان المصطفى ﷺ هو القدوة لنا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ، فإنه يتعين علينا أن نحسن التعامل مع السيرة، وحسن قراءتها ودراستها، ومدارستها، لنعرف كيف نستخرج منها العبر، والعظات؛ ولنعرف كيفية تعامل المصطفى ﷺ مع الأحداث، والأساليب المختلفة التي اتبعها لعلاج المشكلات، التي اعترضت الدعوة، وسنتناول هنا أسلوبه ﷺ في حل الخلاف. فقضية الخلاف، وأسسه، وآليات حله تمثل للدعاة قضية هامة وحيوية. وينبغي أن تكون في دائرة اهتمام جميع العاملين في الحقل الإسلامي. قد تكون هذه القضية شائكة في بعض الأحيان، لكنها تحتاج لوقفة للدراسة والتأمل؛ لتجنب أي آثار سلبية قد تنجم عن عدم سلامة آليات حل ذلك الخلاف. فينبغي أن يظل الخلاف طبيعياً، ما دمنا نتفق على الأسس والثوابت الشرعية اللازمة لإدارة الخلاف بصورة صحيحة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: ما هي الأسس الشرعية لحل الخلاف داخل الصف الإسلامي؟ وأعني بالصف الإسلامي العمل الإسلامي بجميع عناصره. إن الصف الذي يعمل لوجه الله وابتغاء مرضاته، ويسعى لهدف سامٍ هو تحكيم الإسلام في الأرض ونشره، الصف الذي فيه ـ أو يفترض ـ مجموعة من خيرة المجتمع عقائدياً، وأخلاقياً، وعلمياً، وفكرياً، لهو في حاجة ماسة لمستوى رفيع في حل خلافاته سواء بين الأفراد فيما بينهم، أو بين الأفراد والقيادة، أو حتى بين القيادات نفسها. إن هذه القضية تعد من أهم وأخطر قضايا العمل الإسلامي، وتحتاج منا للدراسة المتأنية؛ لنضع الأسس والثوابت والآليات، حتى تكلل الجهود بالنجاح، وتؤتي أفضل النتائج. وحتى توحد الصفوف والجهود، فلنتدارس سيرة المصطفى ﷺ ، ونأخذ منها العبر والعظات؛ لتكون لنا نبراساً يضيء الطريق. سنتحدث هنا عن ثلاثة مواقف للنبي ﷺ ؛ لنرى كيفية تعامله الأمثل لحلها، ووضعه للأسس الصحيحة التي يُحل عليها الخلاف. ويبقى على الدعاة الاستفادة من هذه الأسس، وتجذيرها، وتأصيلها في النفوس، ونشرها، ومن ثم يبقى علينا أن نضع الآليات المناسبة للزمان والمكان؛ ليسمح باحتواء الخلاف، وعدم تصعيده. فالحديث سيكون عن الأسس والثوابت التي اتبعها المصطفى ﷺ في إدارته للخلاف؛ لنتعلم منها، ونقتدي بها. _ الموقف الأول: موقف بعض الأنصار من غنائم حنين، ووجدهم في أنفسهم من توزيع النبي ﷺ ، وعطائه الجزيل لقريش وبعض قبائل العرب، وعدم إعطائهم منها، حتى قالوا: إن هذا لهو العجب يُعطي قريشاً، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! «لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش، وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة، حتى قال قائلهم: لقد لقي ـ والله ـ رسول الله ﷺ قومه، فدخل عليه (سعد بن عبادة) فقال: يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لِمَا صنعت في هذا الفيء الذي أصبت: قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول الله! ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، قال: فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون، فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار. فأتاهم رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم، وجِدة وجدتموها عليَّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى لله ورسوله المنُّ والفضل، ثم قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنُّ والفضل. قال ﷺ : أما والله لو شئتم لقلتم، فلصَدَقْتم ولصدّقتم: أتيتنا مكذَّباً، فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، أوَجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار! أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة، لكنت امرؤاً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعباً، وسلكت الأنصار شِعباً لسلكت شِعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً، ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا» (١) . لقد اتبع المصطفى ﷺ في حل هذه القضية منهجاً غاية في الرقي، والسمو، والشفافية، ولا بد لنا من وقفات مع هذا المنهج الفريد؛ لنتعلم كيف يُحل الخلاف مهما كان حجمه. فالموقف جد خطير، أن يجد بعض الصحابة في أنفسهم من فعل للرسول ﷺ ، وهم الذين آمنوا به، وصدقوه، وناصروه. ولكنها الطبيعة البشرية التي تعامل معها الرسول الكريم ﷺ بأحسن ما يكون. وسنذكر هنا بعض الأسس المستفادة من هذا الموقف؛ لنتبعها عند حل خلافاتنا. أولاً: الاستماع الدقيق للرأي الآخر، وعدم تسفيهه، أو الحكم عليه قبل سماعه: فلقد استمع الرسول ﷺ من سيدنا (سعد بن عبادة) إلى القضية كاملة، ثم اتخذ قراره بجمع الصحابة؛ ليناقشهم فيما قالوا. فلا ينبغي على القائد أن يتخذ قرارات من مصدر معلومات دون التأكد من صاحب القضية. إنها قضية التبين، والتحقق. بالرغم من أن سيدنا سعد بن عبادة ﵁ يُعد من أطراف القضية ومن أصحابها، ولكنه الدرس النبوي الكريم لوضع الأسس السليمة لحماية المجتمع. فهذا فعل النبي ﷺ ؛ فأين نحن منه ﷺ ؟ فهو يتخذ هذه الخطوات ليعلمنا، ويرشدنا، ويرسم لنا خطوط النجاة. فلا بد من تقبُّل الرأي الآخر، والتعامل معه باهتمام، وعدم إهماله؛ وذلك بداية للحل. ثانياً: سعة صدر القيادة: فلم يغضب رسول الله ﷺ ، ولم يصفهم بأي صفة تنقص من إيمانهم، أو حتى تشكك فيه، ووضح بنفسه ما يمكن أن يجول بخاطر أي منهم: «أمَا لو شئتم لقلتم، فلصَدقتم ولصُدّقتم» ، فأي سعة صدر، وأي عظمة هذه! إنها عظمة محمد ﷺ . فلم نسمع أنها عدم ثقة في القيادة وقراراتها. إن الاختلاف في رأي، أو قرارٍ ما لا يعني عدم الثقة في القيادة مهما كان هذا الرأي، ما دام في دائرته الشرعية، ولم يخرج عنها. ثالثاً: التزام أدب الخطاب والرقي فيه: بدأ المصطفى ﷺ بعرض ملخص للقضية من وجهة نظر الأنصار: «يا معشر الأنصار! مقالة بلغتني عنكم ... » ، ثم ذكَّرهم بفضل الله عليهم: «ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله؟» . ثم بدأ الحوار: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار..» فما دام الحوار بهذا الرقي فلا بد أن يكون الرد مناسباً له: «لله ورسوله المن والفضل» ؛ فالرسول ﷺ بدأ بتذكيرهم بفضلهم؛ وذلك لنزع ما قد يكون في صدورهم من بذور الخلاف. ثم يأتي دور إبراز الحقيقة، وتجليتها لهم، فيكون الرد الطبيعي والمنطقي لهذه المقدمات: «رضينا برسول الله ﷺ قَسَماً وحظاً» . إن التزام أدب الحوار في حل المشكلة، سيختصر وقت حلها، وسيسرع في الحل الفوري لها، فلا مجال للصراخ، والصوت المرتفع. إنها نتاج العقيدة الراسخة في ذوات النفوس. رابعاً: التذكير بالمسلَّمات بداية للحل: فعندما ذكَّرهم المصطفى ﷺ بفضل الله عليهم، ثم بفضله ﷺ عليهم، وبعد ذلك جهودهم في نصرة الله ورسوله، أظهر لهم الحقيقة، فكانت كل هذه الخطوات متدرجة للنفس لتقبل الحل، وتنحي المجادلة العقيمة. فلنبدأ أولى خطوات الحل بالمسلَّمات، ونقاط الاتفاق، ثم نقاط الاختلاف حتى نجد أرضية مشتركة للتفاهم على الحل. خامساً: التذكير بالفضل وعدم نسيانه: فلنؤثر قلوب إخواننا بذكر بعض محاسنهم، ومناقبهم في بداية الحل، حتى نهيئ النفوس لتقبل الحل، ولرسوخه في ذات الوقت. ولو بدأنا بالسلبيات سواء كانت عامة، أو شخصية، لتوسعت دائرة الخلاف وتباعدت الرؤى. سادساً: سرعة الحل: فلقد حدد الرسول ﷺ موعداً في الحال للاجتماع بهم، ومناقشة الأمر معهم، وهذا ما ينبغي عمله تجاه أي مشكلة في بدايتها، وعدم تميعها، أو الاستهانة بها. إن التهاون في سرعة حل الخلاف في بدايته، سيتسبب في خلل قد يكون أكبر من الخلاف ذاته. أما سرعة اتخاذ خطوات الحل، فستئِدُ أي فرصة لتصعيد الخلاف. سابعاً: الإيجابية والمصارحة من كل الأطراف: لا بد هنا من وقفة مع إيجابية سيدنا (سعد بن عبادة) عندما ذهب إلى المصطفى ﷺ في إيجابية رائعة لنقل الصورة بغرض الحل. فلا بد من إيجابية الجندي والقائد؟ لسرعة الحل؛ كما في موقفه عندما سأله الرسول ﷺ : «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله! ما أنا إلا من قومي» . أيّ روعة وعظمة يسطرها التاريخ بأحرف من نور! فمن يُجامل إذا لم يجامل الرسول المصطفى ﷺ ؟ ولكن المسألة هنا ليست مجاملة، إنها إيجابية، وتحديد موقف، ومصارحة، ومكاشفة من الجندي لقائده. فلم يتردد الجندي بالبوح بما في أغوار نفسه، ولم يتردد القائد أو يجد في نفسه من سماع رأي الجندي واعتباره، وعدم إهماله، أو الضغط عليه لتغييره. ففي سرعة تبليغ سيدنا (سعد) للنبي ﷺ بالوضع درسٌ للجندي حيال المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتقه لحماية الصف ووحدته، وضرورة تقديره للموقف، وسرعة إبلاغه لقائده، وفي ذات الوقت عليه إيضاح رأيه دون أي وجل، أو تردد. _ الموقف الثاني: هو ما حدث في صلح الحديبية؛ فلقد كان معظم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بين رافض، وغير موافق على هذا الصلح، وضاقت صدورهم بشروط قريش المجحفة لهم. ولنرَ كيفية تعامل المصطفى ﷺ مع هذا الحدث. أولاً: استقراء الأحداث وبُعد النظر: فكل الشروط كانت ظالمة للمسلمين، وغير منصفة لهم. ولكن المصطفى ﷺ كان يرى بفراسته، وبُعد نظره أموراً أخرى تلوح في الأفق، ويمكن استغلالها، والاستفادة منها لنشر الدين؛ وهنا نزل قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١] ، فلقد سماه الله فتحاً، وفي هذا تأييد لموقف النبي ﷺ ، ولفراسته. وهنا يبرز درس هام؛ فعند الاختلاف في موقف يحق للقيادة الاستئثار برأي ما، إذا كانت ترى مصلحة أكبر، أو ترى أبعاداً لا يراها الجنود. فحينئذ لا بد من رأي واحد يجتمع عليه الصف. ثانياً: احتواء الموقف: فعندما اعترض سيدنا عمر ﵁ وقال: يا رسول الله! ألستَ رسول الله؟ قال: بلى! قال: أوَلسنا بالمسلمين؟ قال: بلى! قال: أوَليسوا بالمشركين؟ قال: بلى! قال: فعلامَ نُعطي الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني. فحِرصُ الرسول ﷺ على احتواء الموقف، وعدم تصعيده جعله يجيب على كل أسئلة سيدنا عمر برحابة صدر، ثم رده للثوابت والحقائق التي لا خلاف عليها؛ وذلك حفاظاً على وحدة الصف، وعدم تشعب المواقف. فواجب القيادة السماع برحابة صدر، وواجب الجندي إبداء الرأي بوضوح تام، والاستفهام عما يُستشكل عليه فهمه. ثم عليه بعد ذلك الالتزام بما تقرره القيادة. كما يتضح ذلك عندما رفض سيدنا علي ﵁ أن يمحو كلمة «رسول الله» ، فقام الرسول ﷺ بمحوها بيده الشريفة؛ لأنه لا وقت للنقاش؛ واحتواء الموقف هو الأوْلى. ثالثاً: قبول المشورة: فعندما أشارت السيدة (أم سلمة) ﵂ بالحل أخذ به، فقالت: «اخرج يا رسول الله! وابدأهم بما تريد؛ فإذا رأوك فعلت اتبعوك. فقدم ﵊ إلى هديه، فنحره، ودعا الحلاق، فحلق رأسه؛ فلما رآه المسلمون تواثبوا على الهدي فنحروه، وحلقوا» . فالرسول ﷺ استمع للمشورة، وأخذ بها دون أدنى غضاضة في نفسه، وكان في هذه المشورة الخير، والفلاح. وهنا تجدر الإشارة لعظم دور المرأة، فلا ينبغي أن نستصغر دورها؛ فقد يكون عاملاً حيوياً في درء الفتنة. فلقد رفعت السيدة (أم سلمة) حرجاً عظيماً عن المسلمين بمشورتها الصائبة الحكيمة، وأخرجتهم من دائرة عدم الامتثال لأمر الرسول بسداد رأيها، وساعدت بذلك بإيجابية في حل الخلاف. رابعاً: إيجابية الجندي: فعندما ذهب سيدنا (عمر) إلى سيدنا (أبي بكر) وقال له: أوَ ليس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أوَلسنا بالمسلمين؟ قال: بلى؟ قال: أوَ ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلامَ نُعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر! الزم غرزه (أي أمره) ، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. فهنا واجب الجندي المخلص أن يسمع لأخيه ويحتويه، ويُخرج الشحنة التي بداخله، ثم يرده إلى الأصول التي لا خلاف عليها، فالجندي هو حائط الصد والدفاع الأول الذي يحمي الصف؛ فبيده أن يحمي الصف من خلافات كثيرة وكبيرة، ومن مشاكل عديدة في مهدها؛ وذلك إذا أخلص لله واتقاه، ورد أخاه للصواب رداً جميلاً، وكان عوناً لأخيه على الشيطان، لا أن يكون عوناً للشيطان على أخيه والصف في ذات الوقت. _ الموقف الثالث: هو موقف الرسول ﷺ في قضية سيدنا (حاطب بن أبي بلتعة) عند فتح مكة. فلو صُنف هذا الموقف باصطلاحات العصر الحديث لكان الخيانة العظمى، وإفشاء أسرار عسكرية. وهاتان التهمتان هما أقصى ما يمكن أن يُحاكم عليه إنسان في العصر الحديث، ولهما أقسى عقوبة. فلنرَ كيف تعامل معها المصطفى الأمين ﷺ ، ونستخلص منها بعض العِبَر: أولاً: التحري الدقيق، وعدم الأخذ بالشبهات: وهذا ما أراده النبي ﷺ ، حين أرسل بعض الصحابة لإحضار الخطاب من المرأة. فلقد أعلمه ربه بالحقيقة، والجميع على يقين من ذلك، ولكنه الدرس الذي أرادنا الرسول ﷺ أن نتعلمه؛ فلا بد من التحري الدقيق، وعدم الأخذ بالشبهات، وأن تكون البينة على من ادعى؛ فإذا كان ذلك من الصادق المصدوق ﷺ ، فإنه ممن دونه أوْلى وأوجب. إنه درس في الأخذ بالأسباب، وبذل الجهد والمشقة لمعرفة الحقيقة، وإقرار العدل في أي خلاف. فعلى كل قائد مهما كان موقعه أن يُجهد نفسه في التحري الدقيق للحقيقة. ثانياً: إبداء الرأي والدفاع عن النفس: لقد سمع المصطفى ﷺ من حاطب دفاعه كله وأعطاه الفرصة الكاملة لذلك. وما كان ﷺ في حاجة لذلك، ولكنه القدوة ﷺ يرسم لنا الطريق. فلنستمع جيداً من صاحب المشكلة، وليقل كل ما يريد: ليدافع عن نفسه، ويسوِّغ ما قام به من عمل ـ من وجهة نظره ـ دون الحجر عليه. وهذا في الواقع واجب على القيادة أن تطلب الاستيضاح ثم تنظر فيه، وتحكم عليه بعد ذلك. ثالثاً: أخذ العذر مأخذ الجد: فإذا اعتذر فرد عن خطأ ما وأبدى عذراً فعلى القيادة تقبُّله؛ وليُفتح له باب الرجعة، ولا توصد في وجهه الأبواب. فخطأ حاطب جسيم، ومع ذلك قَبِلَ الرسول ﷺ اعتذاره، ورده للصف رداً جميلاً، ورفض أن يعتبره من المنافقين. رابعاً: عدم نسيان الفضل والسبق: فإذا أخطأ إنسان، فلا بد أن يقدر الخطأ بقدره، وإذا كانت هناك أدنى فرصة لإعادته للصف، وعدم إبعاده، أو ابتعاده، فيكون ذلك أوْلى، خصوصاً إذا كان له فضل وسَبْق. لا نريد أن نقلب ظهر المجن لمن يُخطئ، أو ننسى كل ما قدم ما دام الخطأ لم يتكرر ولم يُصر عليه. ولا بد من اعتبار لحظات الضعف البشري، وعدم تجاهلها. فليس الأفراد بملائكة أخيار، ولا أنبياء معصومين. ويظل للخطأ دائرته التي لا ينبغي تجاوزها. وقد نزل في هذا الموقف قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحن: ١] . ولقد اعتبر بعض العلماء هذه الآية منقبة عظيمة لحاطب ﵁؛ لأن في ذلك شهادة له بالإيمان. ويقول (صاحب الظلال) في تفسير هذه الآية: «وأول ما يقف الإنسان أمامه هو فعلة حاطب، وهو المسلم المهاجر، وهو أحد الذين أطلعهم رسول الله ﷺ على سر الحملة ... وفيها يكشف عن خبيئات النفس البشرية العجيبة، وتعرُّض هذه النفس للحظات الضعف البشري مهما بلغ من كمالها، وقوتها، وأن لا عاصم إلا الله من هذه اللحظات؛ فهو الذي يعين عليها، ثم يقف الإنسان مرة أخرى أمام عظمة الرسول ﷺ ، وهو لا يعجل، حتى يسأل: «ما حملك على ما صنعت؟» في سعة صدر وعطف، في لحظة الضعف الطارئة في نفس صاحبه، وإدراك ملهم بأن الرجل قد صدق، ومن ثم يكفُّ عن صاحبه: «صدق؛ لا تقولوا إلا خيراً» .. ليعينه، وينهضه من عثرته، فلا يطارده بها، ولا يدع أحداً يطارده. بينما نجد الإيمان الحاسم الجازم في شدة عمر؛ إذ يقول: «إنه قد خان الله، ورسوله والمؤمنين؛ فدعني فلأضرب عنقه» فعمر ﵁ إنما ينظر إلى العثرة ذاتها، فيثور لها حسه الحاسم، وإيمانه الجازم. أما رسول الله ﷺ فينظر إليها، من خلال إدراكه الواسع الشامل، للنفس البشرية على حقيقتها، ومن كل جوانبها، مع العطف الكريم الملهم الذي تنشئه المعرفة الكلية في موقف المربي الكريم، العطوف، المتأني، الناظر إلى جميع الملابسات والظروف. ثم يقف أمام كلمات حاطب، وهو في لحظة ضعف، ولكنَّ تصوره لقدر الله وللأسباب الأرضية هو التصور الإيماني الصحيح ... ذلك حين يقول: «أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي» .. فالله هو الذي يدفع، وهذه اليد لا تدفع بنفسها، إنما يدفع الله بها. ويؤكد هذا التصور في بقية حديثه، وهو يقول: «وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به من أهله وماله» ؛ فهو الله حاضر في تصوره، وهو الذي يدفع لا العشيرة؛ إنما العشيرة أداة يدفع الله بها» . فهذه بعض المواقف من السيرة النبوية المطهرة لعلنا نتأسى ونقتدي بها في حياتنا، ونتبع منهج النبي ﷺ في معالجته لبعض الخلافات التي نعدها الآن ـ من منظورنا ـ جسيمة، وربما مستعصية على الحل؛ فإذا بالمصطفى ﷺ يتعامل معها بشفافية، وروح المربي الملهم، ويرسخ فينا بعض الأسس التي يجب علينا اتباعها في مختلف جوانب حياتنا.

стр. 4995

نكون أو لا نكون !! د. شاكر السروي دعونا ابتداء نؤكد سُنَّةً ثابتة! قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] الآية، ولنتفق على أن مبدأ المراجعة والتقويم والتصحيح أمر مطلوب شرعاً وعقلاً. ولا شك أن النقص والخطأ صفتان لازمتان لبني البشر. قال ﷺ : «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (١) . وباب الموازنات بين المصالح والمفاسد في شريعة الإسلام باب واسع قد تتباين فيه الآراء، وقد تختلف فيه الاجتهادات، وأمة الإسلام عموماً وأهل السنة والجماعة خصوصاً هم أوْلى الناس بالتوبة والأوْبة والرجوع عن بعض الحق إلى ما هو أوْلى منه، فضلاً عن الرجوع عن الخطأ إلى الحق والصواب حال تبيّنه؛ وذلك أنهم إنما يتعبدون الله بكل فعل أو قول يأتونه أو يذرونه. ومن تمام العبادة التجرد عن حظوظ النفس وهواها، فلا يُقَدّم شيء من ذلك على محابّ الله ـ تعالى ـ ومراداته من الأقوال والأعمال. لكنّ ما نسمعه ونقرؤه هذه الأيام من هجوم على أسس الديانة وقواعد الملة ـ في ركوب للموجة ـ باسم المراجعات والتصحيح، يحوي كثيراً من الخلط والتراجع والتصحيف؛ حتى إن المرء ليتساءل: هل نعيش حقيقةً، أم أننا في كابوس مزعج هروباً من تصديق ذلك الهجوم كواقع معاش؟ إنّ سعي أعداء الدين وكيدهم الحثيث لتغيير رسم الإسلام ومعالمه العظام، واستغلالهم لكل شاذَّة وفاذَّة في سبيل ذلك، وتوظيفهم لكل حدث أو حديث ليس بالأمر المستغرب. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] . كما أن أذنابهم على منوالهم سائرون. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] . ولكنّ العجب كل العجب في تخاذل حماة الديانة عن الذب عن عرض الملة وقوام الدين. والله المستعان على كل حال. نعم! إنّ دين الإسلام هو دين السلام والسماحة والوسطية والاعتدال. ولكن هل من الوسطية إنكار ذروة سنامه؟ وهل من الوسطية إلغاء أوثق عرى الإيمان؟ وهل من الوسطية تمييع ثوابت الدين؟ وأين السماحة والسلام من محاربة مدارسه ومناهجه وجمعياته الخيرية ورموزه؟ إنّ أخطر أنواع الهزائم الهزيمة الفكرية، وإننا في هذه المرحلة إما أن نكون أو لا نكون. ودين الله منصور ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . [يوسف: ٢١] . وإنما هي دعوة للنجاة ﴿وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . فهل نكون أنصار الله؟

стр. 4996

دعاوى الإصلاح محمد بن شاكر الشريف الإصلاح كلمة جميلة سهلة الإخراج من اللسان، خفيفة الوقع على الأذن، تنشرح لسماعها الصدور، وتألفها القلوب؛ لأن الإصلاح موافق للفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ ولهذا قال نبي الله شعيب ﵇ لقومه لما دعاهم إلى عبادة الله وحده، ونهاهم عن إنقاص المكاييل والموازين، وأمرهم بتوفيتها، قال لهم: ﴿إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] . ولما كانت هذه الكلمة بهذه المنزلة، فقد ادعاها كثيرون: من يريد الإصلاح حقيقة، ومن هم مقيمون على الفساد والإفساد، لكنَّ هناك ضابطاً يميز بين المدَّعين وسواهم؛ إذ الإصلاح كله مضمَّن فيما جاء به الشرع، أو دل عليه وأرشد إليه، أو قَبِلَه؛ فمن زعم الإصلاح بما يخالف الشرع فهو مفسد، وإن زعم غير ذلك، ومن رام الإصلاح من غير أن يتخذ الشرع هادياً وإماماً له فهو يمشي في عماية، لا يدري أية سِكَّة سلك؛ فقد يسلك سِكَّة للإصلاح، كما قد يسلك سِككاً للإفساد، ونهاية أمره التخبط والفساد؛ لأن العقول وإن اهتدت إلى ما فيه بعض الصلاح والإصلاح في بعض الأمور، لكنها لا تستقل بإدراك الصلاح كله في الأمور جميعها، فلا مندوحة لأحد يدعو إلى الإصلاح عن الرجوع إلى الشرع، والركون إليه، والانطلاق منه، وعلى هذا فإن كل دعوة للإصلاح مهما كان حجمها، وأياً كان منطلقها أو الصائح بها، أو الجهة التي تقف خلفها، إذا لم تكن قائمة على اتباع الشرع المنزل من ربِّ العالمين جميعهم؛ فهي دعوة للإفساد، ومآلها إفساد المجتمع وتخريبه، ولذا فإن شعار «الدعوة للإصلاح» لا يصلح أن يرفعه بحقٍّ إلا من اتخذ الشريعة له قائداً وهادياً ودليلاً، أما من لم يجعل الشريعة دليله وقائده وجعلها وراءه ظهرياً، فإنه يقيم على الفساد وهو يظن أنه قائم على الإصلاح، ويدعو إلى الفساد وهو يزعم أنه من دعاة الإصلاح، وهذه هي حال المنافقين؛ فهم يفسدون ويزعمون أنهم مصلحون. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢] ؛ فهم قائمون على الفساد داعون للإفساد ويزعمون أن الصلاح في أقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، وهذا شأنهم في تغيير المعاني وقلب الأفكار وانعكاس المعايير، فتراهم يدعون إلى تماسك الشعوب وعدم تفتيتها وتقسيمها على أساس الديانة والحفاظ على الوحدة الوطنية، ويقولون: هذه دعوة للإصلاح؛ فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إقصاء الشريعة الإسلامية وتحكيم القوانين الوضعية، وهذا هو الإفساد. وتراهم يدعون إلى عدم التمييز بين طبقات المجتمع، وعدم التحيز لفئة ضد فئة أخرى، ويقولون: هذه دعوة للإصلاح؛ فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى المساواة التامة بين الذكر والأنثى، حتى فيما فرقت فيه النصوص القطعية، وهذا هو الإفساد، وتراهم يدعون إلى المحافظة على حقوق الإنسان وإعطائه الحرية، ويقولون: هذه دعوة للإصلاح؛ فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إباحية مطلقة من كل قيد حتى يأتي الرجلُ الرجلَ والمرأةُ المرأةَ وهذا هو الإفساد. وتراهم يدعون إلى التسامح وإشاعة ثقافة الحوار والانفتاح على الآخر المختلف ثقافياً ويقولون: هذه دعوة للإصلاح؛ فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إذابة الفوارق بين المسلمين والكفار، وإضعاف معاني الولاء والبراء إلى حد الإلغاء، وهذا هو الإفساد. وتراهم يدعون إلى الاستفادة من الصور المعاصرة في كيفية تنمية رأس المال مع الأمان من تقلبات الأحوال والمعاملات الاقتصادية، ويقولون: هذه دعوة للإصلاح فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى التعاملات الربوية عن طريق البنوك التي يقوم أمرها على الربا، وهذا هو الإفساد. وتراهم يدعون إلى عدم المتاجرة بالدين وعدم إقحامه في المسائل الدنيوية ويقولون: هذه دعوة للإصلاح؛ فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة للعلمانية بكل ما تحمله من معنى وهذا هو الإفساد. ولو ظللنا نتتبع كثيراً من ألفاظهم التي يتلاعبون بها وجدناها لم تخرج عن حد الكلام الذي تكون حقيقته مخالفة لظاهره؛ وهذا هو النفاق ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] ؛ فإذا أردت أن تفرق بين من تكون دعوته للإصلاح بحق، وبين من يدعو للإفساد تحت عباءة الإصلاح فانظر أين موضع الشريعة من دعوته تعرف ذلك!

стр. 4997

قيادة الجماهير أحمد الصويان من هو القائد الذي يستحق أن يَصْدُر الناس عن رأيه ويهتدوا بمواقفه؟! أهو كل إنسان يتصدَّر للتدريس، أو الخطابة، أو الدعوة..؟! أهو كل فاضل التف حوله الناس، وتكاثر المحبون والأتباع حول بابه..؟! هل هو صاحب التميز العلمي، أم الفكري، أم هي السابقة..؟! هل الشهرة وحدها هي المعيار الذي يؤهل الإنسان لكي يكون قائداً..؟! أسئلة كثيرة تثير معضلات متجذرة في صفوف الصحوة الإسلامية، وفي كل نازلة من النوازل تتجدد هذه الأسئلة، وتبدو أكثر إلحاحاً حينما يلمس الناس مواقف مضطربة ـ علمية أو عملية ـ لبعض من تصدَّر لقيادة الجماهير. بعض الصالحين ـ غفر الله لهم ـ يتميز في باب، أو أكثر من أبواب الصلاح، لكنه يُقْحِم نفسه ـ أو يُقْحِمُه الناس ـ في كل شأن، ويتصدر لكل نازلة، حتى إذا انجلى الغبار وهدأت العاصفة، أدرك الناس أن بعض القادة ربما كان فتنة لهم (١) . كثيرون أولئك الذين يجيدون الكلام والتنظير المجرد، لكن قلَّة أولئك الذين يثبتون في النوازل، ويَطَّرِدُون في مواقفهم واجتهاداتهم مع تقلب الأيام وتبدل الأحوال (٢) . قلّة أولئك القادرون على استشراف المستقبل، وقراءة الأحداث قراءة ناضجة.. القادرون على بناء رؤية إصلاحية متكاملة. قلة أولئك الذين يعرفون الرجال، ويبصرون معادن الناس. قلة أولئك الذين لا تغريهم الأضواء، ولا تستهويهم الشهرة، ولا يتطلعون إلى الجاه أو المغنم، ولا يتدافعون المناصب. إنَّ ريادة الإصلاح والبناء منزلةٌ في الدين عظيمة لا تُنال إلا بحقها، والأمة الإسلامية تواجه تحديات كبيرة في كل ميدان لا يقوى على الصمود أمامها إلا الكبار من أولياء الله. وأنصار الدين والمتعاطفون مع الحق كثيرون ـ ولله الحمد ـ لكنهم في حاجة ماسة لاستيعاب طاقاتهم، وتوظيف قدراتهم، وتوجيههم التوجيه الأمثل، ولا يستطيع ذلك كل أحد..! إنَّ القائد الرباني أمينٌ على الحق، بصير بأولوياته، لا يقصِّر في نصرته، أو يضعُف في تبليغه، إذا أقدم أقدم في صدق وحزم، وإذا أحجم أحجم ببصيرة وفهم. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] .

стр. 4998

من داخل سجنه الشيخ رائد صلاح يتحدث إلى البيان.. ساومونا بعد الاعتقال على مواقف سياسية مهينة فرضنا إعداد: نائل نخله _ ضيفنا هو: عرفه الفلسطينيون برجل الأقصى، والمدافع الأول عنه. حاربته المؤسسات الأمنية والسياسية الإسرائيلية طوال الأعوام الثمانية الماضية، اتهمته بدعم الإرهاب كذباً، ولفقت حوله لوائح اتهام مثقلة بالأكاذيب والمغالطات ليُزَجَّ به في السجن منذ عام. يواجه مع خمسة من رفاقه محاكمة إسرائيلية ربما تستمر لعدة سنوات في مسرحية صهيونية يشارك فيها القضاء والقانون والأمن والسياسة لشل جهد هذا الرجل. في الوقت الذي تحدَّث فيه بعض زعماء العرب والمسلمين ومؤسساتهم الدينية عن المسجد الأقصى والقدس في الخطب والبيانات والإدانات، كان رائد صلاح يتجول في الليل والنهار يسترق السمع إلى أصوات تنبعث من أسفل ساحات المسجد الأقصى، بحثاً عن أعمال الحفريات التي كانت تقوم بها جهات إسرائيلية تحت المسجد الأقصى لإضعاف أساساته وتسهيل هدمه. ومنذ ذاك اليوم في عام ١٩٩٦م والأنظار كلها مسلطة على ذلك الشيخ الذي كشف عن أنفاق ضخمة حفرتها إسرائيل تحت القبة المشرفة لتشتعل في الأراضي الفلسطينية ما عرف حينه بهبَّة النفق التي سقط فيها عشرات الفلسطينيين في مواجهات دامية مع سلطات الاحتلال وكادت أن تُسقط كل اتفاقيات السلام التي وقَّعتها منظمة التحرير مع حكومة إسرائيل. نظَّم عبر مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية حملات إعلامية واسعة النطاق لكشف وفضح الممارسات الصهيونية ضد أولى القبلتين وثالث المسجدين الشريفين، ونجح في حث عشرات الآلاف من عرب ١٩٤٨م على شد الرحال إلى المسجد الأقصى وإعماره وإحياء ليله ونهاره. وبجهود خارقة أعاد افتتاح المصلَّى المرواني تحت المسجد الأقصى الذي ردمت إسرائيل مداخله عقب هزيمة حزيران عام ١٩٦٧م، وأدخل إصلاحات واسعة شملت جميع ساحات ومرافق المسجد الأقصى والبلدة القديمة والقدس بكاملها؛ إنه الشيخ (رائد صلاح) رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، والذي مضى عام على اعتقاله، وتمكنت البيان من إجراء حوار خاص وواسع معه من دخل زنزانته. (المخابرات حاولت أن تساومنا بعد اعتقالنا لابتزاز مواقف سياسية منا، حيث عرضوا علينا أن نكتب ما يتفق مع خطاب المؤسسة الإسرائيلية حول المسجد الأقصى والتعايش والسيادة الإسرائيلية، واستنكار أعمال المقاومة الفلسطينية مقابل التفاوض حول مستقبل اعتقالنا، ونحن دُسْنا على هذا العرض البائس) . هذا ما كشفه الشيخ الأسير في مقابلة البيان. البيان: بدءاً شيخنا الأسير: أهلاً بك في مجلة البيان، ونسال الله ـ تعالى ـ أن يفرج كربك، ويسدد خطاك لخدمة الإسلام والمسلمين. سؤالنا عن السجن الذي تقبعون فيه، وظروف احتجازكم الذي مضى عليه عام؟ ? ظروف السجن متقلبة وغير ثابتة وهي في الأساس صعبة، ولكن قد يتم نقلنا بين فترة وأخرى من سجن إلى آخر لتزداد الظروف صعوبة أو تبقى على ما هي عليه، وعلى سبيل المثال بعد أن تم نقلنا إلى القسم الثاني في معتقل الجلمة التابع لمديرية السجون تعاملوا معنا معاملة قاسية جداً، فكانوا يدخلوننا إلى غرفنا ويقومون بعدِّنا خمس مرات في اليوم منذ الفجر إلى ساعات متأخرة من الليل ونحن ملزمون عند العد أن ننهض وأن نقف. وكانوا يفتشون غرفنا مرة كل يوم، ويضعون القيود في أيدينا وأرجلنا كلما خرجنا منها وتوجهنا إلى ساحة المعتقل، أو كلما توجهنا إلى لقاء الأهل الأسبوعي في إحدى قاعات المعتقل، كما حُرمنا من استخدام جهاز الهاتف للاتصال بالأهل، وحرمونا من إدخال كتب وصحف إلا بشق الأنفس، كما رفضوا السماح لي بإجراء فحوصات طبية عقب إصابتي بمرض داخل السجن، إلا بعد أن تدهور وضعي الصحي، وفقدت ١٥ كيلو غراماً من وزني. بعد ذلك تم نقلنا إلى سجن «آشهور» الذي واجهنا فيه صعوبات جمة، وحرمنا فيه من استخدام الهاتف الخلوي للاتصال بالأهل، وفرض علينا السجن الانفرادي في غرفة انفرادية دون أن يسمح لنا بالاختلاط مع أي سجين آخر. وإلى الآن يفرض علينا أن نلتقي مع الأهل في غرفة صغيرة ويفصلنا عنهم شبك حديدي بطبقتين بينهما زجاج. البيان: ما الملامح البارزة في الحياة الاعتقالية للشيخ رائد صلاح ورفاقه؟ ? الحمد لله رب العالمين. لقد نجحنا بتنظيم وقتنا تنظيماً دقيقاً، لم يبق لدينا الشعور بأي وقت فراغ؛ حيث نستيقظ قبيل الفجر بساعة فنصلي ما شاء الله تعالى، ثم نختم بصلاة الوتر، ثم نصلي صلاة الفجر، ثم نعقد حلقة ذكر وعلم، ثم ننام لبضع سويعات. ثم ننهض ونصلي صلاة الضحى، ونتناول الفطور، ثم نعكف على قراءة القرآن الكريم أو حفظ بعض آياته أو قراءة كتاب في علم الفقه أو التفسير أو السيرة أو التاريخ أو علم القرآن والحديث أو علم اللغة العربية. ثم نصلي صلاة الظهر في المعتقل ثم نعود. وقد نتجول خلالها في ساحة صغيرة في المعتقل وإلاّ فنواصل المطالعة. ثم نصلي صلاة العصر، ثم نتناول وجبة الغداء، ثم نواصل المطالعة ثم نصلي صلاة المغرب، ثم نجتهد أو نستمع إلى أكثر من نشرة أخبار، ثم نصلي صلاة العشاء، ثم نواصل المطالعة إلى منتصف الليل، ثم ننام إلى ما قبل ساعة من طلوع الفجر. ثم نواصل نفس البرنامج؛ مع التأكيد أننا نحرص على صيام أيام الإثنين والخميس عملاً بسنة النبي ﵊، ونحرص على مطالعة الصحف يومياً خاصة صحف يوم الجمعة. ونحرص على الكتابة بما يفتح الله علينا من مقالات أو ذكريات أو قصائد شعرية. وأما علاقتنا مع السجناء الآخرين فقد فرضت علينا المؤسسة الإسرائيلية السجن الانفرادي منذ أول يوم من اعتقالنا حتى لا نختلط مع بقية السجناء، ولا زلنا نوضع في قسم انفرادي وفي غرفة انفرادية. ومع ذلك فان كل السجناء من أهلنا ـ بدون استثناء ـ يحرصون في كل فرصة على إبداء حبهم واحترامهم لنا لدرجة أن بعضهم كان يبدي استعداده أن يعتقلوه بدلاً عنا بالإضافة إلى مدة محكوميته. البيان: من هو المستهدف من وراء اعتقال رائد صلاح: هل هو المسجد الأقصى، أم الحركة الإسلامية في الداخل، أم كلاهما؟ ? إن المستهدف الأساسي في هذه الحملة هو الإسلام وقيمه؛ حيث إن جهاز المخابرات الإسرائيلي يعتبر الزكاة والصدقة الجارية وكفالة اليتيم وإغاثة الملهوف ودعم المريض هي عمل إرهابي، هذا الاتهام بحد ذاته هو طعن في صميم الإسلام، ثم إنهم يحاولون تصوير كل مؤسسة إنسانية خيرية في العالم العربي والإسلامي تبدي استعداداها لتقديم العون الإنساني على أنها مؤسسة إرهابية؛ وهذا طعن مباشر في خُلُق العالم الإسلامي والعربي!! ولا شك أن من ضمن المستهدفين من وراء حملة اعتقالنا هو شعبنا الفلسطيني؛ إذ حاولت المخابرات الإسرائيلية أن تصور كل عمل إنساني على أنه عمل إرهابي لا لسبب إلا لأنه يقدم للشعب الفلسطيني؛ إذاً هو عمل إرهابي. وكذلك فإن من ضمن المستهدفين من وراء اعتقالنا هو المسجد الأقصى المبارك الذي سعيت من خلاله إلى إعمار المسجد. كذلك الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر مستهدفة، وهناك تلويح دائم من قِبَل السلطات الإسرائيلية بإخراجها عن القانون هي وكل المؤسسات التابعة لها وإغلاق كل مراكزها ومقراتها. البيان: ما أهم بنود لائحة الاتهام الموجهة إليكم أمام القضاء الإسرائيلي؟ ? الذي يطَّلع على حقيقة عملنا ويطلع على بنود الاتهام الرسمية التي ابتدعتها المخابرات الإسرائيلية، ثم يقارن بين حقيقة عملنا وماهية الاتهام يجد فرقاً شاسعاً، وكما يقال: ما أبعد الثرى عن الثريا؛ فنحن لا ننكر أن بعضاً منا حرص على التواصل مع مؤسسات إنسانية في العالم العربي والإسلامي، ولا ننكر أن بعضاً منا دأب على كفالة الأيتام وإغاثة الملهوف وكفالة العائلات الفقيرة ودعم المرضى في مستشفيات الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا ننكر أن بعضاً منا دأب على تقديم المساعدات الإنسانية للأسرى السياسيين، أو تبني مشاريع إحياء مقدساتنا وعلى رأسها المسجد الأقصى، ولا ننكر أن بعضاً منا كان ولا يزال يسعى لتنفيذ المجتمع العصامي في حياة أهلنا في النقب والجليل والمثلث والمدن الداخلية (عكا، وحيفا، ويافا، واللد، والرملة) . ولكن في المقابل فقد حرصت المخابرات الإسرائيلية على تشويه هذا الدور النقي للحركة الإسلامية موجهة لنا تهمة دعم «الإرهاب الفلسطيني» والاتصال مع منظمات إرهابية في الخارج، ولم تكتفِ بذلك، بل ابتدعت زوراً وبهتاناً تهمة وجود علاقة مشبوهة لنا مع إيران. وكانت ولا تزال المخابرات الإسرائيلية تحاول خلق جو من التخويف والإثارة حول قضية اعتقالنا، ولكن ذلك لن يؤثر علينا، وسيبقى لسان حالنا يقول لهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] . البيان: ما هو تفسيركم للإرهاب؟ وبرأيكم ما هو الفرق بين المقاومة المشروعة والإرهاب والعنف؟ ? دعني أستشهد بداية بما قاله خافير سولانا منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي؛ حيث اعتبر قيام الحكومة الإسرائيلية باغتيال الشهيدين: الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي هو عمل غير قانوني. وأضاف في بيان له أن الاتحاد الأوروبي أدان مراراً عمليات القتل خارج نطاق القانون. كما اعتبر وزير الخارجية الفرنسي أن عمليات الاغتيال خارجة عن القانون الدولي، وأنا من باب المنطق والإنصاف والشجاعة في الحق أقول إن الحكومة الإسرائيلية ما دامت تقوم بسلسلة اغتيالات غير قانونية وخارجة عن القانون الدولي، إذاً هي تمارس إرهاب دولة في أبشع صوره غير المسبوقة في التاريخ. ولنا ان نقول بعد ذلك إن المؤسسة الإسرائيلية تضطهد شعبنا الفلسطيني، وكل عاقل في الدنيا يقر أن الاحتلال غير قانوني وخارج عن القانون الدولي. هذا يعني أن المؤسسة الإسرائيلية ما دامت تبيح لنفسها شرعة الاحتلال فهي مؤسسة إرهابية ضد شعبنا الفلسطيني. وبنفس المنطق نقول: إنها ما دامت تبيح لنفسها احتلال القدس الشريف والمسجد الأقصى وهو حق إسلامي وعربي وفلسطيني فقط؛ إذاً فالمؤسسة الإسرائيلية تمارس إرهاب الدولة ضد الأمة الإسلامية والعالم العربي. وكل احتلالٍ بشعٌ وقبيحٌ، وأنا أسأل: إذا أصر الاحتلال على أبدية وجوده ألاحتلالي؛ فكيف يُتحرر من الاحتلال؛ لذلك فلا عجب أن نجد كل حكماء الأرض يُجمعون حول المقاومة للاحتلال، وهي سلوك مشروع، والاحتلال هو الإرهاب. البيان: كيف ينظر الشيخ رائد صلاح إلى انتفاضة الأقصى المباركة، وإلى الموقف العربي الرسمي والشعبي منها؟ ? الموقف العربي الرسمي مخيب؛ وهذا غير مفاجئ؛ لأنه لا يعكس تطلعات الشعب الذي يرعاه في كل قطر عربي، وبذلك لا يمكن أن يعكس تطلعات الشعب الفلسطيني. أما الموقف العربي الشعبي فهو مقهور، ولا يملك من أمره شيئاً، ولكن هذا القهر ليس عذراً لتسويغ صمت الشعوب الدائم، بل عليها أن تدرك أن هذا هو الوقت الذي يجب أن يؤخذ فيه بسنَّة التغيير القرآني، وهي في قول الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . البيان: هل ـ برأيك ـ خطة الفصل التي يسعى شارون إلى إقرارها ستوفر الأمن للصهاينة؟ ? لا يمكن لأي شعب في الدنيا أن ينعم بالأمن ما دام يبيح لنفسه شرعة الاحتلال حتى لو عاش في بروج مشيدة؛ لذلك أنا على قناعة أن سنة الله هي المتجلية في التاريخ والحياة، ومن هنا نؤكد للشعب الإسرائيلي أنه إذا أراد لنفسه الأمن فعليه الإقرار الكامل بكل حقوق الشعب الفلسطيني، وإلا فإن الادعاء بأن خطة الفصل ستوفر الأمن للإسرائيليين ما هو إلا ضحك على ذقون كل الإسرائيليين. البيان: كيف ستكون انعكاسات بناء الجدار الفاصل على فلسطينيي ١٩٤٨م؟ ? يلاحظ إصرار شارون على بناء هذا الجدار على الرغم من وجود معارضة عالمية على بنائه، وعلى الرغم من وجود إدانة رسمية من قِبَل ما يسمى بهيئة الأمم المتحدة على بنائه. إن الإصرار على بناء هذا الجدار على الرغم من كل هذه الإشكالات العالمية يتزامن مع تصاعد حدة الحديث الرسمي الإسرائيلي عن الخطر الديمغرافي الذي يتهدد دولة إسرائيل بسبب تنامي عدد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبعض الرسميين كنتنياهو يربط بين تنامي هذا العدد وتنامي عدد الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية: عكا وحيفا ويافا واللد والرملة. ولذلك فان المؤسسة الإسرائيلية ـ وفق قناعتي ـ تهدف إلى علاج هذا الخطر الاستراتيجي الذي يهدد صبغة الدولة اليهودية الذي يتمثل ـ كما قلت ـ بانفلات أبواقهم للحديث الدائم عن الخطر الديمغرافي الفلسطيني؛ ولكن بأسلوب تصفويّ ترحيلي بواسطة هذا الجدار العنصري، وليس بأسلوب حصر الشعب الفلسطيني في حدود الضفة والقطاع كما يتصور بعضهم. كيف ذلك؟ وما هو دور هذا الجدار العنصري؟! وبات واضحاً أن هذا الجدار قد ابتلع الأراضي الفلسطينية، وبات واضحاً أنه صادر مصدر الرزق الفلسطيني الوحيد، وبات واضحاً أنه قطع أواصر المجتمع الفلسطيني، وبات واضحاً أنه يستنزف القدرة الاقتصادية الفلسطينية، وبات واضحاً أنه يعمق الفقر في حياة شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع!! وبات واضحاً أنه يحول دون دخول عشرات الآلاف من شعبنا الفلسطيني إلى الداخل بهدف البحث عن مصدر رزق لهم. إذاً أمام تراكم هذه المآسي يوماً بعد يوم على شعبنا الفلسطيني مما سيؤدي إلى تعميق الفقر كما قلت، ومما سيؤدي إلى انتشار الجوع والأمراض والجهل. أمام كل ذلك فأنا على قناعة أن المؤسسة الإسرائيلية تخطط بالاتفاق مع بعض الحكومات العربية والغربية لفتح باب سفر شعبنا الفلسطيني إلى الخارج على مصراعيه طلباً للخبز والطحين؛ وبذلك تطمح المؤسسة الإسرائيلية بأن تنجح بذلك بترحيل مئات الآلاف من شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع إلى الخارج؛ وبذلك تطمح بعلاج الخطر الديمغرافي الفلسطيني بهذا الأسلوب التصفوي الذي ظاهره الرحيل الاختياري الفلسطيني بواسطة هذا الجدار العنصري، وبأسلوب تلقائي تمنع عن طريق هذا الترحيل الذي ظاهره اختياري ـ تمنع تحول زيادة الفلسطينيين في المثلث والجليل والنقب والمدن الساحلية إلى خطر ديمغرافي؛ فبدل أن يبقى (سوفر) يجمعنا مع أربعة ملايين في الضفة والقطاع؛ فبعد الترحيل سيجمعنا مع أقل منهم، وهذا ما يجعلني على قناعة أن هذا الجدار العنصري أقيم لإبعاد الخطر الاستراتيجي القادم من شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع، ولإبعاد الخطر الاستراتيجي القادم منا نحن الفلسطينيين الصابرين في أرضنا في المثلث والجليل والنقب والمدن الساحلية. بمعنى أن هذا الجدار أقيم من أجلنا كذلك نحن ـ فلسطينيي الداخل ـ على اعتبار أننا جزء من المشكلة في عين المؤسسة الإسرائيلية الرسمية؛ بل وأبعد من ذلك. إن هذا الجدار العنصري المشوه المولد جاء لتصفية حق العودة إلى الداخل الفلسطيني، أو حتى إلى الضفة والقطاع والقدس الشريف. هكذا خططت حكومة العمل وأخواتها وفق قناعتي، وهكذا تابعت حكومة الليكود وأخواتها تنفيذ هذا المخطط. الحكومات الإسرائيلية المختلفة تطمح أنها إذا نجحت بدفع شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع إلى الرحيل الذي ظاهره اختياري أن يقول على ضوء ذلك كل واحد من الخمسة ملايين لاجئ فلسطيني في الخارج: لا معنى ولا فائدة لإصرارنا على حق العودة إذا بات نفس شعبنا الفلسطيني يرحلون ـ ما ظاهره اختياري من الضفة والقطاع، وبذلك تطمح المؤسسة الإسرائيلية بأن توصلهم إلى هذه القناعات الانهزامية، طمعاً من المؤسسة الإسرائيلية أن يوافقوا فيما بعد على القبول بمبدأ التعويض؛ وبذلك يسدل الستار، ويغلق ملف حق العودة الذي لا يزال يشكل الكابوس المزعج لكل القائمين على صناعة القرار في المؤسسة الإسرائيلية، بل وأبعد من ذلك بكثير. البيان: كيف تأثرت الحركة الإسلامية بعد اعتقال زعيمها؟ ? الحركة الإسلامية ليست حركة أشخاص، ولا تؤدي دورها من خلال تعلقها بالأشخاص، بل هي حركة مباركة تسعى جاهدة لإحياء الهوية الإسلامية بكل أبعادها العقائدية والوطنية والقومية في نفوس أهلنا، كما تسعى جاهدة إلى أداء دورها من خلال بناء مؤسساتها ورعايتها؛ ولذلك فإن الحركة الإسلامية إن حزنت على اعتقال كل الإخوة رهائن الأقصى إلا أنها ستبقى ماضية في طريقها بإذن الله تعالى. البيان: كيف تنظر إلى تفاعل الجماهير عندكم أو على مستوى الشارع العربي والإسلامي مع قضيتكم؟ ? لا شك أن هناك تعاطياً طيباً ومباركاً مع قضيتنا على صعيد العالم الإسلامي والعربي، وعلى صعيد الجاليات المسلمة والعربية في بلاد الغرب، وكذلك على صعيدنا المحلي في الداخل. وأؤكد أن بعض الفضائيات العربية قد تبنت الدفاع عن قضيتنا أو متابعة كل مستجداتنا مثل قناة اقرأ والمجد والشارقة والجزيرة وأبو ظبي والعربية. وكذلك فإن بعض الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت لا تزال تتابع قضيتنا، وهي كثيرة بحمد الله تعالى. وكذلك فقد بادرت بعض المؤسسات الإسلامية العربية إلى تبني قضيتنا على صعيد عالمي، وما نعلمه أنه قد تم عقد مهرجانات ومؤتمرات لدعم قضيتنا، ولا تزال هناك نشاطات من المزمع عقدها قريباً. وأما على الصعيد المحلي فقد كان هناك عشرات النشاطات التي قامت بها الحركة الإسلامية بالتعاون مع لجنة المتابعة العليا عندنا في الداخل، وبالتعاون مع اللجنة الشعبية للدفاع عن رهائن الأقصى. كما قام الأستاذ نزار يونس بإخراج فيلم وثائقي كامل عن قضيتنا باسم (إنَّا باقون) . وهناك عشرات النشاطات التي ستقوم بها الحركة الإسلامية بمناسبة مرور عام. البيان: وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي يزعم أنه لو سجل له إنجاز واحد في فترة رئاسته للحكومة هو اعتقال الشيخ رائد صلاح لكفاه؛ فلماذا برأيك يقول هذا المسؤول هذا الكلام؟ ? في الوقت الذي اعتاد فيه كل وزير سويّ منذ فجر التاريخ أن يتباهى ويفتخر بالحفاظ على التسامح الديني وحرية النشاط السياسي وحفظ الأماكن المقدسة يبدو أن عنجهية المنصب قد خلطت على هذا الوزير الألوان، ولم يعد يميز بين الأسود والأبيض، ويبدو أن جنون البقر الذي أصاب حكومة العجوز شارون قد افقده الفهم السليم، ولم يعد يميز بين الخير والشر، وبين الحسن والقبيح، وبين البناء والهدم، وبين الاضطهاد الديني والتسامح الديني، وبين حفظ المقدسات وانتهاك حرمتها. وراح الوزير المذكور يتباهى ويبرز عضلاته أمام أعضاء مركز الليكود وهو يتلو عليهم بيانه السياسي، ويمرر عليهم هذه الإنجازات الممسوخة قائلاً لهم: (عندما رأيت مادة التحقيق ـ المتعلقة بالحركة الإسلامية ـ قررت أن هؤلاء يجب وضعهم خلف قضبان السجن) . ولكن ليتك يا وزير (تساحي) ملكت الجرأة وكشفت لهؤلاء الأعضاء البصّامين ما هي مادة التحقيق التي رأيتها؟ هل تقصد أنك رأيت من خلال مادة التحقيق أن الحركة الإسلامية تكفُل قرابة عشرين ألف يتيم في الضفة والقطاع؟ أو هل تقصد أنك رأيت من خلال مادة التحقيق أن الحركة الإسلامية تقوم على دعم الفقير وإعانة المريض وتزويد المستشفيات بمولدات الكهرباء وتوابيت الموتى وحقائب الإسعاف وبعض الأدوية، وتوفير المحروقات لبعض البلديات خلال ليالي العيد في الضفة والقطاع؟ أو هل تقصد أنك رأيت من خلال مادة التحقيق أن الحركة الإسلامية قامت من خلال بعض العاملين فيها على تقديم المساعدات الغذائية والتعليمية والرياضية لأسرى الحرية من أهلنا فلسطينيي الداخل في داخل سجونهم عبر إدارات السجون؟! وهل تقصد أنك رأيت من خلال مادة التحقيق أن الحركة الإسلامية لا تزال تقوم بدور مشرف خدمة للقدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك؟ وهل تقصد انك رأيت من خلال مادة التحقيق أن الحركة الإسلامية لا تزال تنشط بدورها الحضاري المتألق خدمة لأهلنا كل أهلنا في الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة) ؟ وهل تقصد أنك رأيت من خلال مادة التحقيق أن الحركة الإسلامية قد ثابرت على إنجاز مشروعنا الحضاري التقدمي (المجتمع العصامي) ؟ أم أنك تقصد (لَوْكَ) تلك المقولات المخابراتية التي بتنا نسمع صداها في أروقة المحكمة والتي مفادها أن الحركة الإسلامية تقوم بدعم البنية الإرهابية (للإرهاب الفلسطيني) ؟ إن كنت تقصد ذلك فإننا وعلى هامش مقالنا ومن هنا من على صفحات صحيفة صوت الحق نتحداك أن تضرب مثالاً واحداً على ذلك!! ولكن بشرط ألا يكون من نسج خيالك ولا خيال الدائرين في فلك أصحاب الكاميرات الخفية وأجهزة التنصت السرية وأصحاب الوعي المفقود المفروض؟ أم أنك تقصد (لَوْكَ) مقولة مخابراتية أخرى مفادها أن بعض جمعيات ومؤسسات الحركة الإسلامية على اتصال مع بعض مؤسسات (الإرهاب الفلسطيني) في الخارج أو على اتصال مشبوه مع بعض المؤسسات في إيران؟ إن كنت تقصد ذلك فإننا وعلى عجالة وعلى هامش مقالنا نعود ونتحداك أن تضرب مثالاً واحداً على ذلك؟ نعم! نتحداك كما تحدينا غيرك من العاملين الصغار والكبار والعلنيين والسريين الدائرين في فلكك. نعم! نحن على علم وكل عاقل يتابع قضيتنا على علم أن بعض المستخدمين في فلكك ممن يتحملون وزر ظلمنا في الدنيا والآخرة كانوا ولا يزالون يحاولون صناعة أمثلة مصطنعة ومبيتة على مقاسكم؛ ولكن ستبقى مفضوحة هي وكل القائمين عليها؛ ولذلك هي لم تحرجنا، بل هي تحرج مؤسستكم القضائية التي باتت في امتحان صعب جداً. فهل ستنتصر للعدل الذي يتمثل بضرورة إطلاق سراحنا فوراً وفضح كل ما جاءت به خيالاتكم المريضة من أمثلة مفضوحة أم لا؟ البيان: حدثنا عن شعار (القدس في خطر) ورحلتك مع هذا الشعار؟ ? لقد بدأت رحلتنا مع هذا الشعار عام ١٩٩٦م عندما أكرمنا الله ـ تعالى ـ وقمنا بجولة تفصيلية في ذاك العام في كل معالم المسجد الأقصى المبارك الواقعة داخل سوره وخارجه وتحت الأرض، ورأينا بأعيننا الخطر الذي يتهدد المسجد جراء الحفريات، ومن فضل الله علينا أننا تمكنَّا من تصوير هذه الجولة وتوثيقها. ثم قمنا على ضوئها بوضع خطة مرجعية مفصلة حول كيفية السعي للدفاع عن المسجد الأقصى، وقد بُنيت تلك الخطة على أساسين هما: إعمار وإحياء المسجد الأقصى. فشرَعْنا منذ ذلك العام بالبداية في سلسلة مشاريع لإعمار المسجد الأقصى، وإعمار المصلَّى المرواني وإعمار سطحه وإعمار الأقصى القديم، وفتح بوابات المصلى المرواني العملاقة، وتنظيف الساحات، وإقامة وحدة حمامات ومتوضأ في باب الأسباط، وحطة وفيصل. ثم بدأنا بجانب مشاريع الإعمار في تسيير مسيرة البيارق وإقامة دورين في المسجد الأقصى، وإنشاء صندوق طفل الأقصى ومهرجان صندوق طفل الأقصى السنوي، ثم أقمنا مؤسسة (مسلمات من أجل الأقصى) بجانب الحرص على إعماره. وفي نفس الوقت بدأنا بسلسلة نشاطات إعلامية مكثفة، وكان على رأسها إقامة مهرجان (الأقصى في خطر) الأول عام ١٩٩٦م، وقد حضر ذلك المهرجان قرابة ٣٠ ألفاً من أهلنا، ثم حرصنا على إقامة هذا المهرجان كل عام؛ حيث تحوَّل بفضل الله ـ تعالى ـ إلى مهرجان عالمي استقطب الإعلام العربي والإسلامي والعبري من كل مكان. البيان: الأقلية العربية عندكم تواجه قبضة حديدية سواء بالمضايقات أو الاعتقالات: كيف تنظر إلى مستقبل فلسطينيي ٤٨ خلال السنوات القادمة؟ ? نحن نعيش في مرحلة صعبة جداً، ولا أبالغ إن قلت إنها أخطر وأصعب من مرحلة النكبة عام ١٩٤٨م، أو ربما تتساويان؛ حيث إننا في خطر، ووجودنا في خطر، وأرضنا وبيوتنا ومقدساتنا في خطر، ومن يتتبع الأحداث داخل إسرائيل يجد أن المنظمات الإرهابية اليهودية تسعى للتعرض، وقتل بعض قيادات وسطنا العربي عن سابق إصرار، كما أنها تهدد بضربنا بالصواريخ وإلقاء القنابل على المساجد، والتجرؤ على إحراق المساجد. بجانب ذلك لا تزال بعض أذرع المؤسسة الإسرائيلية تصادر أرضنا، وتهدم بيوتنا، وتدعو إلى ترحيلنا واعتبارنا خطراً سكانياً يتهدد الدولة العبرية على حد قولهم. البيان: (عيد ضحاضحة) هل هي نكتة أم هو شخص حقيقي هناك أشخاص متهمون بإقامة علاقة أمنية خطيرة معه؟ ? لا أقول «نكتة» بل هي «مهزلة» وتدل على غباء العاملين في جهاز المخابرات الإسرائيلية؛ حيث ورد في أوراق الدكتور سليمان أحمد وهو من معتقلي رهائن الأقصى أنه تلقى معايدات واتصالات في عيد الأضحى المبارك، ولأن رجال المخابرات «مولهون جداً باللغة العربية» فقد قرأ أحدهم مصطلح عيد الأضحى على أنه «ضحا ضحة» ، وظن هذا (العبقري) من رجال المخابرات ان عيد الأضحى كائن حي وهو رجل مسلم وإرهابي، وظن رجل المخابرات (العبقري) أن الدكتور سليمان كان على اتصال معه، وهكذا اتهم الدكتور سليمان بالإرهاب. البيان: هل تملك النيابة العسكرية الصهيونية أدلة أو أدوات لاتهامكم؟ ? واضح جداً أن اعتقالنا هو اعتقال سياسي ظالم، وواضح أنه يقوم على ادعاءات وهمية من قِبَل المخابرات التي تصر على استمرار اعتقالنا وعلى استمرار محاكمتنا، وإلا فإن النيابة قد قالت أكثر من مرة لمحامينا إنها لو كانت تملك الصلاحيات الكاملة للتصرف في أمر ملفنا لأمرت بإطلاق سراحنا. ثم إن الكل بات يعلم أن المخابرات حاولت أن تساومنا بعد اعتقالنا لابتزاز مواقف سياسية منا؛ حيث عرضوا علينا أن نكتب ما يتفق مع خطاب المؤسسة الإسرائيلية حول المسجد الأقصى والتعايش والسيادة الإسرائيلية واستنكار أعمال المقاومة الفلسطينية مقابل التفاوض حول مستقبل اعتقالنا. نحن دسنا على هذا العرض البائس، بل بعد ذلك قُدِّمت لنا عروض علنية عن طريق أحد محامينا بأن نعترف بأحد بنود الاتهام التي يوجهونها ضدنا مقابل إطلاق سراحنا، فدسنا على هذا العرض كذلك. لذلك فنحن على قناعة أنهم في وضع محرج جداً؛ حيث وجهوا ضدنا تهماً تقوم على أوهام سفيهة، ليس إلا، وظنوا أننا تحت ضغط الاعتقال سنوافق على عقد صفقة معهم تتفق مع مخططاتهم ضد جماهيرنا العربية في الداخل بشكل عام وضد الحركة الإسلامية بشكل خاص. ولكن هيهات هيهات! وصار مجمل القول: إنني كنت ولا زلت أشعر بالغثيان كلما سمعت طاقم النيابة يوجهون إلينا تهمهم المريضة على اعتبار أننا إرهابيون؛ لأننا نكفل آلاف الأيتام من أبناء شعبنا الفلسطيني في الضفة الغربية والقطاع. وعلى اعتبار أننا وزعنا آلاف الطرود الغذائية على العائلات المحاصرة في الضفة والقطاع، وعلى اعتبار أننا دعمنا المستشفيات هناك بالمساعدات الطبية، وعلى اعتبار أننا نهضنا لإعمار وإحياء المسجد الأقصى المبارك، وعلى اعتبار أن بعضنا حرص على تقديم المساعدات الإنسانية للسجناء السياسيين، وعلى اعتبار أننا حاولنا النهوض ببناء متطلبات حياتنا المختلفة بأنفسنا في النقب والمثلث والجليل والمدن السياحية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة) بواسطة مشروع «المجتمع العصامي» . ثم كنت ولا زلت أشعر بالغثيان كلما سمعت النيابة وهي تفتري علينا افتراءات رخيصة مدعية أنه كان لنا علاقات مشبوهة بإيران. وادعاء النيابة بوجود مواد سرية ضدنا هي محاولة دنيئة لمواصلة ابتزاز اعتقالنا من المحاكم إلى أجل غير مسمى، وهي محاولة للتأثير على قناعات القضاة النفسية منذ إعلانهم عن القرار الأخير في ملف اعتقالنا، ثم لقد تجمعت لدينا قراءة تؤكد أن ادعاء النيابة بوجود مواد سرية هو تضخيم لوهم تافه لا أساس له من الصحة. البيان: من هم العملاء الذين ورد ذكرهم في لائحة الاتهام وأنكم تتعاملون معهم ضد الدولة؟ ? إن الذي يقرأ لائحة اتهاماتنا جيداً يجد أن المؤسسة الإسرائيلية تسارع إلى تحويل كل مؤسسة إسلامية إلى إرهابية ما دامت تبدي استعداداً لتقديم الدعم الإنساني لنا، أو كي تمرر المؤسسة الإسرائيلية هذه النظرية القائمة على أساس أن كل مؤسسة إسلامية تبارك تقديم الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني تعتبرها مؤسسة تابعة لحركة حماس، أو تتهمها هي بأنها إرهابية. وهذا التوجه الخبيث يهدف إلى إبقائنا نعاني من سياسة التمييز التي تصر المؤسسة الإسرائيلية على مواصلة ممارستها ضدنا؛ مع حرص هذه المؤسسة على منعنا باسم القانون من تلقي مساعدات إنسانية من أية مؤسسة إسلامية أو عربية. على ضوء ذلك فقد اعتبروا أن كل المؤسسات التي كان لبعض منا أي اتصال بها هي مؤسسات إرهابية وهو اتصال بجهات أجنبية. البيان: كنتَ قد وصفت ما يحدث معكم أنه هو مجرد مسرحية صهيونية؛ فهل هناك أيادٍ خفية تشارك فيها، ومن هي؟ ? ليس سراً أن الذي شارك في هذه المسرحية هو رئيس الحكومة شارون رئيس جهاز (الشاباك) المخابرات أفي دختر، ووزير الأمن الداخلي تساحي هنغفي، بالإضافة إلى بعض مراكز الدراسات العبرية التي طالبت منذ سنوات بضرورة إخراج الحركة الإسلامية عن القانون، وحل كل مؤسساتها، وإغلاق كل مكاتبها، وإغلاق صحيفة صوت الحق والحرية، ومنع قيادة الحركة الإسلامية من السفر إلى الخارج، والتشديد على رقابة المساجد. ولا شك أن ما يقع علينا اليوم هو جزء من الحرب المسعورة على الإسلام والأمة الإسلامية والعالم العربي. البيان: نتنياهو شبَّهكم بالورم السرطاني؛ فما هو تعقيبكم؟ ? لقد تسابقت القيادات الصهيونية على رجمنا بشتى النعوت النابية؛ فهذا (نتنياهو) شبهنا بورم سرطاني، وذاك رجل الدين اليهودي (عفاديا يوسيف) شبهنا بالأفاعي والعقارب، وبعضهم الآخر اعتبرنا قنبلة موقوتة أو طابوراً خامساً، ولكن الخطير في كل هذه النعوت النابية أن بعض الإرهابيين اليهود دعوا إلى تشكيل منظمات إرهابية ومحاولة الاعتداء علينا وعلى بيوتنا وعلى مساجدنا بالصواريخ والقنابل؛ حيث وجد بعضهم مسوغات من هذه التصريحات للمطالبة بترحيلنا. البيان: هل تواجه الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر خطر الإقصاء؟ ? كما قلت خلال أجوبتي السابقة إن المطالبة بإخراج الحركة الإسلامية عن القانون وحل جميع مؤسساتها هي مطالبة قديمة، ولا يزال بعض العاملين في المؤسسات الإسرائيلية في كل مناسبة يعودون لتأكيد هذه المطالب. ويبدو أن هناك إصراراً في المؤسسة الإسرائيلية على تنفيذ هذه المطالب بشكل تدريجي تحت ادعاء قانون مزين ومصطنع سلفاً تماماً كما يعتدى علينا اليوم في ملف رهائن الأقصى، وكما يجري اليوم من مسألة تقديم رئيس تحرير صوت الحق والحرية إلى المحكمة بسبب نشر تفسير أي آية من القرآن الكريم كمقدمة للمطالبة العملية بإغلاق الصحيفة. وإنَّا على قناعة أن مبدأ الإقصاء أو الإبعاد هو مبدأ موجود كخطة مرجعية في (سجارور) المؤسسة الإسرائيلية. إنَّا على قناعة أن المؤسسة الإسرائيلية لديها قابلية وسعي للقصاص منا كأفراد أو تغييبنا كمجموعات إذا ما وجدت في ذلك المصلحة والوقت والظروف المناسبة لذلك. أعود وأقول إن الأيام القادمة حبلى، وحسبنا الله ونعم الوكيل. البيان: إسرائيل تشبِّه الأقلية العربية داخل فلسطين التاريخية بالقنبلة الديموغرافية؛ فهل هذا تهديد جدي أو هو مما صنعته الدولة العبرية؟ ? هو تشبيه تسعى بعض أذرع المؤسسة الإسرائيلية إلى التأكيد عليه بين الفترة والأخرى عن سبق إصرار بهدف بناء أرضية قبول لدى المجتمع اليهودي لترحيل أفراد منا، أو لترحيل بعضنا، أو لترحيل جماعي، ولذلك باتوا يتحدثون أن نسبة وجودنا في المستقبل ستوازي نسبة الوجود اليهودي؛ وهذا ما يهدد صبغة يهودية الدولة على حد تعبيرهم، ولا يزال بعضهم في المؤسسة الإسرائيلية يتحدث عن ضرورة ضم أمّ الفحم ومنطقة المثلث إلى السلطة الفلسطينية، وهو مطلب خبيث تهدف من خلاله إلى فتح باب ترحيلنا باسم التعديل الحدودي مع السلطة الفلسطينية. البيان: هل ساعد صعود اليمين في إسرائيل الأجهزة الأمنية الصهيونية على استعمال القبضة الحديدية ضدكم؟ ? إنَّا على قناعة أن مواجهتنا هي مطلب حثيث من قِبَل بعض مراكز الدراسات الاستراتيجية العبرية، وهو ما بينته خلال أجوبتي السابقة، ولا يوجد أصلاً ارتباط بين هذا المطلب وصعود اليمين الإسرائيلي، إلا أنهم وجدوا في صعود اليمين فرصة لبداية تنفيذ هذا المطلب تدريجياً. البيان: هل تحولت سياسة إسرائيل تجاه عرب ٤٨ من الملاءمة والتكيُّف إلى المواجهة والصدام؟ ? أنا على قناعة أن السياسة الإسرائيلية تجاه فلسطينيي ٤٨ كانت منذ نكبة فلسطين عام ١٩٤٨م هي سياسة مواجهة وتصادم؛ بدليل أننا منذ النكبة لا زلنا نعاني من سياسة هدم بيوتنا، ومصادرة أراضينا، ومصادرة أوقافنا ومقدساتنا، ولا زلنا نعاني منذ نكبة فلسطين عام ١٩٤٨م من سياسة الاضطهاد الديني والتمييز القومي، ومصادرة حقوقنا القومية، ومواصلة إبقاء الظلم التاريخي علينا، ومواصلة مطاردتنا عن طريق المخابرات بهدف تخويفنا واعتقالنا وفرض الإقامات الجبرية علينا، ولكن الذي غُيِّر هذه الأيام أن حدة المواجهة والمصادمة قد اشتدت واتسعت دائرتها، وتلوثت أساليبها لدرجة أننا أصبحنا في خطر: وجودنا في خطر، وأرضنا وبيوتنا ومقدساتنا في خطر. البيان: ما هي آخر المعلومات التي بحوزتكم حول الحفريات تحت المسجد الأقصى المبارك؟ ? إن المؤسسة الإسرائيلية ومن خلال ممارساتها على أرض الواقع باتت توحي ممارساتها هذه للأيدي اليهودية الإرهابية، وباتت توحي لنا ثم لغيرنا أن هدم المساجد أو إحراقها هو الجائز فقط دون الحصول على تصريح لذلك. وبذلك باتت ممارسات المؤسسة الإسرائيلية تشجع الأيدي اليهودية الإرهابية على مواصلة حرق المساجد أو هدمها؛ بدليل أن بعض هذه الأيدي اليهودية الإرهابية قامت بهدم مسجد أم الفرج قبل سنوات، وبعض آخر من هذه الأيدي قامت بإلقاء قنبلة على مسجد حيفا قبل أشهر، وأخرى من هذه الأيدي قامت بحرق مسجد الفاروقي في بيسان قبل أسابيع؛ وبذلك باتت ممارسات المؤسسة الإسرائيلية التي سجلت كل هذه الجرائم على اعتبار أن المجرم مجهول ـ باتت هذه الممارسات تشعر هذه الأيدي اليهودية الإرهابية بالأمن والطمأنينة. وباتت هذه الممارسات تشعرها أن أقصر طريق للتخلص من مظاهر الوجود الإسلامي والعربي الفلسطيني على طول البلاد وعرضها أن تأخذ هذه الأيدي اليهودية الإرهابية القانون بيديها، وأن تحرق أو تهدم أو تدنس أو تجرف من المساجد أو الكنائس أو المقابر ما تشاء.. إلخ. ولا شيء يقلق هذه الأيدي اليهودية الإرهابية؛ لأن كل جرائمها ستسجلها المؤسسة الإسرائيلية على اعتبار أن المجرم مجهول، وسيتم إغلاق ملف الجريمة رقم واحد من هذا القبيل، ثم الجريمة رقم ألف، ثم الجريمة رقم عشرة آلاف ... ثم إلخ؛ وذلك لعدم توفر الأدلة حول هوية المجرم. وبذلك تحولت المقولة الرسمية التي لا تزال تخادع بها المؤسسة الإسرائيلية الآخرين أنها تعشق الحفاظ على مقدسات الآخرين، وبذلك تحولت هذه المقولة إلى مقولة مريضة وبائسة وهي من قبيل (ذر الرماد في العيون) . وليفهم على ضوئها كل عاقل يهودي وعربي وأجنبي، وكل عاقل مسلم وغير مسلم في كل العالم أن المؤسسة الإسرائيلية هي المسؤول الأول والأخير والوحيد عن أية محاولة هدم كان قد تعرض لها أو قد يتعرض لها المسجد الأقصى المبارك؛ وسواء قالت لنا المؤسسة الإسرائيلية أو قد تقول لنا في المستقبل القريب إن المسؤول عن محاولة (هدم المسجد الأقصى) رقم واحد أو رقم مليون هو مجهول أو هو فلان المتطرف اليهودي الشاذ أو تنظيم فلان الاستيطاني الإرهابي؛ فإن كل ذلك لا يعني شيئاً، وستبقى المؤسسة الإسرائيلية في نظري وفي نظر كل عاقل في الدنيا هي المسؤول الأول والأخير والوحيد عن أية محاولة لهدم المسجد الأقصى. ووفق قناعتي فإن التقرير المطوَّل الذي أعده الصحفي (نداف شرغاي) الذي نشرته صحيفة هآرتس يوم الإثنين ٥/٤/٢٠٠٤م والذي يجتهد فيه هذا الصحفي (شرغاي) أن يسخِّر كل خبرته الإعلامية وكل عبقريته الصحفية بهدف أن يقنعنا بأن المؤسسة الإسرائيلية باتت لا تعرف طعماً للنوم بسبب تخوفها من قيام بعض العناصر المتطرفة اليهودية بهدم المسجد الأقصى، وأن المؤسسة الإسرائيلية باتت (قاتلة حالها) يا حرام!! وباتت تواصل الليل والنهار من أجل إحباط أية محاولة قد يقوم بها تنظيم إرهابي يهودي لهدم المسجد الأقصى. إن كل ذلك من قبيل الدموع الكاذبة كالتي أجراها إخوة نبي الله يوسف الصدِّيق كاذبين أمام أبيهم نبي الله يعقوب ﵇ بعد أن ألقوا بالنبي يوسف ﵇ في البئر، وجاؤوا إلى أبيهم نبي الله يعقوب ﵇ كاذبين حاملين قميص يوسف وقد لطخوه بدم شاة وهم يدَّعون كاذبين أن الذئب قد أكله. وهكذا فعلت المؤسسة الإسرائيلية منذ عام ١٩٦٧م؛ فهي التي ألقت بالمسجد الأقصى المبارك في بئر عميقة مظلمة من المؤامرات، ثم ها هي تخرج على الناس من خلال صحيفة (هآرتس) متظاهرة بأنها حريصة على سلامة المسجد الأقصى، ثم متظاهرة في نفس الوقت أنها تحذر (والحاضر يُعلم الغائب) أن هناك قطيعاً من الذئاب يحاول أن يأكل المسجد الأقصى. وكأني بها تريد أن تقول: (ها أنذا أحذر من خطورة قيام بعض اليهود المتطرفين بمحاولة هدم المسجد الأقصى؛ فانتبهوا يا كل أهل الدنيا: أنا المؤسسة الإسرائيلية لا دخل لي في ذلك! انتبهوا فقد يهدم المسجد الأقصى في قت قريب؛ فإياكم أن تظلموني ـ أنا المؤسسة الإسرائيلية ـ وتتهموني بعد ذلك أنني أنا السبب! إنهم مجرد شرذمة شواذ من اليهود المتطرفين) . هكذا تحاول المؤسسة الإسرائيلية أن ترفع عن نفسها «العتب» فيما لو تم هدم المسجد الأقصى. ولكن كل ذلك في نظري هو بهلوانيات إعلامية مفضوحة لا تنطلي على المغفلين ولا حتى على «هيئة الأمم المتحدة» . لذلك أعود وأقول: إن المؤسسة الإسرائيلية ما دامت تبيح لنفسها احتلال المسجد الأقصى بقوة السلاح فهي المسؤول الأول والأخير والوحيد عن كل محاولة لهدم المسجد الأقصى. لذلك يخرّف الصحفي «نداف شرغاي» ما يشاء في مقالته التي نشرتها هآرتس بتاريخ (٥/٤/٢٠٠٤م) ليقول: إن رجال المخابرات الإسرائيلية قد أبدوا تخوفهم من قيام ما يسمى بـ «شبيبة الهضاب» أو «الجيل الجديد للمستوطنين» بمحاولة تفجير المسجد الأقصى عن طريق صواريخ موجهة من بعد. ليخرّف قائلاً: إن رجال المخابرات الإسرائيلية قد استشهدوا على حقيقة تخوفهم باعترافات المدعو «دافيد زليجر» أحد أعضاء المنظمات الإرهابية اليهودية الذي اعتُقل قبل ستة أشهر، وقال في إحدى جلسات التحقيق معه: «إن زعيماً من زعامات المستوطنين في الضفة الغربية خطط للقيام بنسف المسجد الأقصى بمشاركة شخصين على الأقل؛ ليخرّف قائلاً: إن الشرطة الإسرائيلية قد ألقت قبل نصف سنة القبض على أعضاء من منظمة إرهابية يهودية، وخلال التحقيق معهم كشف عن خطة لنسف المسجد الأقصى ومساجد في داخل الخط الأخضر خلال صلوات الجمعة، ثم يخرّف قائلاً على لسان قائد شرطة القدس سابقاً «أرييه عاميت» : (التخوف القائم اليوم من عملية يهودية تستهدف الأقصى من بُعد عن طريق أسلحة مناسبة، ومثل هذه الأسلحة متوفرة بكثرة في السوق الإجرامي) . ثم يتابع تخريفه قائلاً على لسان «نفتالي فرتسبرغر» ـ محامي بعض أعضاء كاخ وشبيبة الهضاب ـ: (إن فكرة استهداف المسجد الأقصى ما زالت تطوف في الأجواء، وتتكرر منذ عشرات السنين، والذي تغير هو: من الذي سيقوم بتنفيذ هذه الخطة ... ؟ اليوم هناك تصعيد متواصل في اتجاه نسف المسجد الأقصى) . ثم يصرح على لسان «حيزي كالو» - رئيس قسم غير العرب في جهاز المخابرات الإسرائيلية في سنوات التسعينيات؛ حيث فسر أقوال «آفي ديختير» رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي في اجتماع هرتسليا المشهور ـ: (إن هناك تهديداً استراتيجياً من قِبَل المتطرفين اليهود) . إن «ديختر» كان يقصد في كلامه إمكانية تنفيذ خطط يهودية لنسف المسجد الأقصى بكل ما للكلمة من معنى. ليخرّف كل ذلك؛ فإن المؤسسة الإسرائيلية ما دامت تبيح لنفسها احتلال المسجد الأقصى بقوة السلاح؛ فهي المسؤول الأول والأخير والوحيد عن كل محاولة لهدم المسجد الأقصى المبارك. البيان: كيف تنظرون إلى دور مؤسسة الأقصى التي تترأسونها في الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك؟ ? لقد بت على قناعة وعلى ضوء الوضع الرديء الذي تعيشه الأمة الإسلامية والعالم العربي مؤقتاً أنه لم يبق للمسجد الأقصى إلا صمود الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونخوة أهلنا في القدس الشريف والجليل والمثلث والنقب، والمدن الساحلية «عكا وحيفا ويافا واللد والرملة» . ويشرفنا أن تكون الحركة الإسلامية من خلال مؤسسة الأقصى هي طليعة المدافعين عن المسجد الأقصى ودائرة الأوقاف والمقدسات، ولكن لا زلت على يقين أن أمتنا الإسلامية والعربية هي أمة الخير، ولا زالت تملك القابلية للنهوض للدفاع عن القدس الشريف والمسجد الأقصى، ولكن بشرط أن نبادر إلى الأخذ بسنَّة التغيير القرآنية التي يقول الله ـ تعالى ـ فيها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . البيان: ما هو الدور الريادي الذي تتمسكون به بالرغم من كل الظروف الصعبة المحيطة بكم؟ ? ولأننا نعيش وضعاً فلسطينياً بات فيه أهلنا في الضفة الغربية والقطاع محاصرين براً وبحراً وجواً وغارقين في دماء شهدائهم ودموع أيتامهم، ولأننا في وضع إسلامي عربي ما لم يتغير ويَعُدْ إلى مصدر عزته الوحيد وهو الإسلام فإننا لا ننتظر منه وهو أسير هذا الوضع المذل أن ينجب صلاح الدين الجديد الذي سيعيد للقدس الشريف والأقصى المبارك كرامتهما، بل لو أنجبه ونحن نعيش هذا الوضع المذل لتم اعتقال صلاح الدين الجديد بتهمة الإرهاب والسعي إلى شق صف الوحدة القومية والوطنية ومحاولة الانقلاب على نظام الحكم الذي لا زال منقلباً على شعبه المسكين أصلاً؛ لأننا في هذا الوضع المذل الذي يفرح له العدو ويحزن له الصديق؛ هذا إذا ظل لنا أصدقاء؛ فعلينا أن نعلم انه لم يبق للقدس الشريف والأقصى المبارك على الصعيد الإسلامي والعربي إلا صمود شعبنا الفلسطيني، ثم التزام أهلنا في القدس الشريف وفي الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية بالدور المطلوب منهم الآن، وهو واجب الوقت المفروض عليهم للدفاع عن القدس الشريف والأقصى المبارك. والوقت لا يحتمل التلعثم، فإنه ـ ووَفق قناعتي ـ قد أطلقت بعض الأفواه اليهودية الإرهابية صرخة العد التنازلي معلنة أن هناك قابلية في كل لحظة لمحاولة هدم المسجد الأقصى أو اقتسامه أو إلحاق الأضرار الفادحة به بقوة السلاح وتحت مظلة مواصلة المؤسسة الإسرائيلية احتلاله عسكرياً، وزرع قواتها وأجهزتها الأمنية على أبوابه، والتحكم القهري بحركة الدخول إليه والخروج منه حتى لو أدى الأمر أن تقتحمه بالمئات من قواتها كل يوم جمعة كما نلاحظ ذلك في الآونة الأخيرة. لا بد من إعداد مذكرة تبين ما آل إليه الوضع المأساوي في القدس الشريف والأقصى المبارك توقع عليها رموز سياسية ودينية من الأهل في الداخل، ثم تعميمها على أكبر عدد ممكن من العناوين الرسمية والشعبية على الصعيد الإسلامي والعربي والعالمي، وتعميمها على أكبر عدد ممكن من وسائل الإعلام في كل الأرض قبل أن تقع الكارثة. ولا بد من القيام بسلسلة متواصلة ومتسارعة من المسيرات تتقدمها رموز سياسية ودينية من الأهل في الداخل تجتمع أمام السفارات والمنظمات الدولية، وتقوم بتسليمها تلك المذكرة، وتؤكد لها أنها إن ظلت صامتة فستتحمل جزءاً من مسؤولية أية كارثة قد تقع في كل لحظة. مع كل الوضع المذل الذي يغطي العالم الإسلامي والعربي حكاماً وشعوباً لا بد من دق ناقوس الخطر لأمة المليار قبل أن تقع الكارثة، وحثهم على عقد المؤتمرات والندوات والمهرجانات الحاشدة بالعلماء والنواب والوزراء والقوى السياسية الحزبية والشعبية بهدف فتح ملف القدس الشريف والأقصى المبارك على مصراعيه قبل أن تقع الكارثة عسى الأمة الإسلامية والعربية أن تشفى بعد استفحال أمراضها، وحثهم على تسخير الفضائيات العربية التي لا تزال تتمسك بأصالتها الإعلامية الإسلامية والعربية. ومن أجل إبلاغ هذه الرسالة إلى كل من يهمه الأمر فلا بد من تشكيل وفد من رموز سياسية ودينية من الأهل في الداخل يقوم بزيارة كل عنوان مناسب ومتيسر على الصعيد الإسلامي والعربي. ولا بد من تنشيط القواعد السياسية الحزبية والشعبية في الداخل، وسعي كل حزب لإلزام كل فرع له بما في ذلك مؤيدوه لتنظيم رحلة شهرية على الأقل إلى القدس الشريف والمسجد الأقصى وسائر معالم القدس الدينية والتاريخية والحضارية؛ ففي ذلك تواصل دائم مع القدس والأقصى وسائر معالمها، وفي ذلك تنشيط لشبكة الفنادق والمطاعم والأسواق والحركة السياحية والاقتصادية في القدس الشريف، وفي ذلك حضور متواصل ودائم ورباط مناصر للمسجد الأقصى المبارك. وفي نظري أن واجب الوقت يملي على عشرات الآلاف منا أن يشددوا على قضاء عطلهم السنوية وأيام أعيادهم في القدس الشريف فقط بدلاً من عشرات الأسماء التي تعرضها عليهم الشركات السياحية لاستنزاف أموالهم في أنحاء شتى من المعمورة بعيداً عن جرح القدس الشريف والأقصى المبارك. ويكفي أن أقول إنني قبل سنوات قمت مع بعض الإخوة بتحديد الميزانية التي صرفها أهلنا في الداخل خلال رحلاتهم في أحد أيام عيد الأضحى، فوجدنا أنهم قد أنفقوا على أقل تقدير مبلغاً بقيمة خمسين مليون دولار؛ فتصوروا لو أنهم استجابوا لواجب الوقت وأنفقوا ذلك في القدس الشريف! وتصوروا لو أن أهلنا اليوم بادروا بشجاعة إلى إلزام أنفسهم بالاقتصاد الواعي في نفقات أعراس التخمة المجنونة، ثم قاموا بإنفاق ما تم توفيره من نفقات هذه الأعراس المتخمة المجنونة على جرح القدس الشريف والأقصى المبارك! وتصوروا لو أن وفود الحجاج والمعتمرين الذين حجوا واعتمروا حتى الآن عشرات المرات! تصوروا لو أنهم أدركوا بعد أن حجوا واعتمروا عشرات المرات أن واجب الوقت يملي عليهم ـ إن كانوا يطمعون صادقين بالأجر من الله تعالى ـ يملي عليهم أن ينفقوا كل الأموال التي جمعوها من أجل أداء حجات وعمرات أخرى على جرح القدس الشريف والأقصى المبارك؛ ففي ذلك الأجر الأعظم والثواب الأجزل من الله رب العالمين. تصوروا لو فقهوا ذلك شرعاً وأطاعوا الله ـ تعالى ـ متجردين من هوى أنفسهم؛ لكان بإمكانهم أن ينفقوا عشرات الملايين من الدولارات على جرح القدس الشريف والأقصى المبارك دون أن يكلفوا أنفسهم فوق وسعها! ولا أتردد أن أقول لأنني ممن اجتهدوا أن يساهموا إسهام المقل في مشاريع إحياء وإعمار القدس الشريف والأقصى المبارك؛ فأنا على يقين أنهما بحاجة إلى ملياراتنا التي لا زلنا ننفقها جهلاً في خانة التبذير أو في خانة تقديم المفضول على الأفضل. البيان: كلمةً أخيرة! ? لا زلت أؤكد أننا نعيش في مرحلة استثنائية صعبة، وواضح جداً أن معطيات هذه المرحلة تؤكد أننا في خطر، ووجودنا في خطر وأرضنا وبيوتنا ومقدساتنا في خطر. فقد استباح بعض المتطرفين اليهود لأنفسهم محاولة قتل بعض قياداتنا عن سبق إصرار، والمثال على ذلك محاولة تفجير سيارة الأستاذ عصام مخول ـ عضو كنيست عربي ـ ومحاولة نسف بيت الأستاذ محمد بركة ـ عضو كنيست عربي ـ بصاروخ وإلقاء قنابل على مساجد بحيفا. وها هي أذرع الأمن الرسمية قتلت منا حتى الآن ثلاثة وعشرين شهيداً منذ هبة الأقصى والقدس. وها هي بعض أذرع المؤسسة الرسمية لا تزال تصادر أرضنا، وتهدم بيوتنا، وها هم بعض الإرهابيين اليهود لا يزالون يحرقون مساجدنا. وها نحن لا زلنا نعاني من تواصل الظلم التاريخي علينا منذ ١٩٤٨م. إزاء ذلك فلا يسعني إلا أن أقول لجماهيرنا العربية الفلسطينية في الداخل: إن علينا الالتقاء جميعاً على خطة مرجعية استراتيجية نحدد من خلالها كيف نحافظ على وجودنا وصمودنا في هذا الوضع الاستثنائي الرديء. ومن خلف قضبان سجن أشمورت أؤكد للعالم الغربي أنَّا نحب لكم الخير؛ لأن إسلامنا يأمرنا أن نحب الخير لكل بني البشر. كما ونحب لأنفسنا ولكم أن يسود العالم الذي نعيش فيه السلام العالمي؛ لأن السلام إن كان عند غيرنا برنامجاً سياسياً فهو جزء من إسلامنا. ولا زلنا نؤكد لكم أن الأصل في العلاقة التي يحددها القرآن بيننا وبينكم هي التعارف. يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] . لذلك نحن لسنا عشاق حروب كما يحاول بعضهم أن يضللكم، ولسنا نكرهكم كما يحاول بعضهم أن يجركم إلى صِدام مفتعل معنا. وما نتمناه لكم ألا تنجرُّوا وراء وحيد القرن الأمريكي؛ وما نعرضه عليكم أن: ﴿تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] . ومن خلف قضبان سجن أشمورت أؤكد لعالمنا الإسلامي والعربي أنه ورغم الوضع الرديء الذي نعيش فيه، إلا أننا نعتز بالانتماء العقائدي والقومي إلى عالمنا الإسلامي والعربي. ولا زلنا على يقين أن هذا العالم الإسلامي والعربي لا يزال يحمل في داخله كل خير، ولا يزال يحمل مقومات الحضارة التي ستنهض به عما قريب لاستئناف الحضارة الإسلامية العربية وقيادة العالم إلى بر الإيمان والأمان.

стр. 4999

دعوة لأن نكون منتجين محمد الدويش التحدي هو أن نكون منتجين؛ فليس كل أحد يجيد تقديم أفكار براقة أو يملك منطقاً يأخذ بألباب الناس؛ لكن هؤلاء أيضاً أكثر بكثير من أولئك الذين يعملون. إن الناس يوم القيامة سيُسألون ويُحاسَبون عما كانوا يعملون: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . [النحل: ٩٣] . والناس في هذه الدنيا يبحثون عمن يكون عاملاً منتجاً؛ فالعامل في ميدان التجارة والمال ليس بحاجة لمن يحدثه عن أوضاع السوق والممارسات السائدة فيه بقدر ما هو بحاجة لمن يقدم له عملاً منتجاً يرى ثمرته في النهاية. وكما أن غياب الرؤية الناضجة وغياب التفكير، وانحسار النقد الذاتي ـ كما أن ذلك يحول دون تحقيق عمل يتلاءم مع تطلعات الأمة وتحدياتها؛ فارتفاع صوت القول على صوت العمل، وصوت النقد على صوت البناء هو الآخر لا يقدم عملاً، ولا يحقق أهداف الأمة. إن أصوات انتقاد الواقع والتباكي عليه ليست جديدة، بل هي منذ عقود عدة. ينصرف الناس إلى خطيب الجمعة فيحدثهم عن سوء أوضاع الأمة وغياب هويتها، ويلتقون في منتدياتهم فيتبادلون الحديث نفسه بصراحة أكبر، يجتمع المفكرون وأصحاب القرار فيشخصون الواقع وأزماته، يكتب الصحفي والمفكر فينتقد أوضاع المجتمعات، فيعيش الناس في دوامة من انتقاد الواقع وذمه وعيبه، ولكن ماذا؟ فماذا لو حوَّل الخطيب جزءاً من همه في حديثه للناس في أن يقدم لهم أفكاراً عملية، ويقترح عليهم أعمالاً تسهم في بناء الأمة يطيقونها وتتلاءم مع قدراتهم وأوقاتهم، ولو اعتنى بتعليم الناس كيف يربون أولادهم، وكيف يحمونهم من تأثير الغزو المكثف الذي يواجههم، وسعى هو لمشروعات عملية يطيقها ويستمر عليها فصار قدوة للناس، ولو اهتم المعلم بتعليم تلامذته كيف يقدِّمون، وكيف يعملون، وكيف يسهمون في إصلاح واقع الأمة، واهتم أستاذ الجامعة بذلك، واهتم المشرف التعليمي بدفع المعلم نحو الإنتاج والأخذ بيده نحو العمل ومساعدته على تقديم ما يطيق. وماذا لو كان هذا خطاب الداعية والمصلح، والمربي والموجه، والكاتب والصحفي؟ ماذا لو اعتنى المربون بتعليم الشباب كيف يمارسون الدعوة وبتدريبهم على ممارستها، وعلى مواجهة العقبات والصعوبات في هذا الطريق أكثر من مجرد حديثهم عن المسؤولية الدعوية وفضائل الدعوة، ومن لومهم على القعود والتخلي. إننا لا ندعو إلى إلغاء الفكر، ولا إلى تسطيح العقول، لكن إلى التوازن بين القول والعمل، وهو الآخر لن يتحقق حين يكون حديثاً مجرداً ما لم نحوله إلى برنامج تربوي عملي. إن الرجل البسيط الذي يكون همه في تقديم ما يطيق من جهد وعمل، في ميدان إغاثة، أو دعوة غير المسلمين، أو إنكار المنكرات، أو تعليم القرآن، أو التربية والتوجيه، إن هذا يقدم خيراً للأمة ونتاجاً يفوق طائفة من يجيدون تشقيق الكلام، وتنحصر قضيتهم الكبرى في النقد وإسقاط الآخرين ثم لا يقدمون شيئاً.

стр. 5000

من المسؤول عن تغريب الأدب وتذويب هوية الأمة الثقافية ؟ محمد القوصي منذ عقود خلت احتدمت المعركة بين «الحداثيين» و «المحافظين» وكانت ـ بالفعل ـ معركة حامية الوطيس بين دعاة الخروج على النص الحضاري (لغة وتراثاً وشعراً) ، وبين رعاة هذا النص الذين رأوا فيه هويتهم فتمسكوا به، ووجودهم فدافعوا عنه في شجاعة وقوة. واكتسب «الحداثيون» من خلال الزخم الإعلامي الوافد، والواقع العربي المعقد، اكتسبوا بريقاً في عصر «صناعة النجوم» ، لكنهم لم يكسبوا شرعية رغم كتائبهم المدججة بالمال والسلاح، فلم تتبلور لهم ملامح، ولم تتحدد لهم قسمات، بل هي نسخ مكرورة تزداد مع الزمن انغلاقاً رغم ادعاء التفتح، وغموضاً رغم كثرة ما شرحوا متونهم وفسروا رؤاهم في قصائد الشروح والحواشي، والتربيع والتدوير. لقد ظلوا رغم ما يملكون من قوى مادية يحسون بغربة في المسافة، وضيق في المكان، فصبوا غضبهم على التراث، وعلى قدراته في طبيعة الأرض التي ازدهر عليها بالرغم من أنهم جميعاً ـ بالرغبة أو بالإكراه ـ أبناء هذا التراث، إن لم يصبهم من خيره وابل فطلّ. لقد كانت لهم غاية لا صلة لها بجوهر الشعر ولا بالوعي النقدي التابع له؛ إنها دعوة إلى مقاطعة التراث، وقطع اللسان العربي، وإعلان الحرب على الخليل في عروض لم ينشئها هو، بل كان كاشفاً عنها بأذُن موسيقية بلغت شأواً دونها معامل الصوتيات المعاصرة بآلاتها المبتكرة وعلومها المستحدثة. إنها دعوة إلى القطيعة بين الإنسان في حضارتنا وبين انتمائه؛ فهم يرمون صلتنا بالتراث ـ بل صلة شعراء التفعيلة بالتراث ـ بأنها علاقة عقائدية ... ليس هذا فحسب، بل إن مجرد عودة شاعر التفعيلة إلى الشعر العمودي في إحدى قصائده يعتبرونها جريمة لا تغتفر وعثرة لا تقال. يقول ناقد همام من قادتهم عن الشاعرة العراقية «نازك الملائكة» التي مارست التفعيلة في فترة معينة، ثم عادت إلى «الخليل» مرة أخرى، يقول عنها: «إنها تتجه بخطى واسعة نحو نهاية الشوط، إلى الخاتمة الأسيفة لهذا التيار السلفي الجديد، وهي التحجر والجمود واحتلال جانب المحافظين لحركة التجديد الحديثة في الشعر العربي. إن خطواتها التقليدية تقودها بالرغم عنها إلى حافة اللاوجود الشعري الذي أصاب المحافظين السالفين؛ حيث كتبت أحدث قصائدها في العمود الخليلي كاملاً غير منقوص» . وهكذا أصبحت كتابة القصيدة في العمود الخليلي غير منقوص ردة عن الرؤيا الحديثة للشعر، ونقيضاً للتطور، وسلفية فكرية. وهذا الذي دعا نزار قباني ليقول: «إن الفخ الخطير الذي وقعت فيه حركة الحداثة هو اعتقادها أن موسيقى الشعر نظام استعماري قديم لا بد من الانقلاب عليه» . وبعد مرور نصف قرن من الزمان لم يظهر بين «الحداثيين العرب» أديب في قامة المنفلوطي أو الرافعي، أو روائي في قامة علي أحمد باكثير أو نجيب الكيلاني، أو شاعر مثل: حافظ إبراهيم أو إبراهيم ناجي أو جميل صدقي الزهاوي ... بل كان (الشعر الحر) أكبر همهم ومبلغ علمهم وآخر دعواهم. خمسون عاماً يقرضون «الشعر الحر» الخالي من الوزن والقافية، والمحشو بالغموض المذموم الذي يكتنف الفكرة سواء أكانت جزئية أم كلية؛ فإنك تقرأ ما يسمى بالقصيدة عندهم فلا تفهم معاني جملها ولا مضمون هيكلها، بل هي عبارة عن كلمات عائمة ـ رُصِفت رَصفاً غريباً متنافراً ـ حتى صارت رطانات وطنطنات عابثة. وسمة الإبداع عندهم أن تخلوَ «القصيدة» من أي غرض أو معنى، ويفلسفون هذا «المسخ» بأن القصيدة التي لا يضمِّنها صاحبها أي غرض أو معنى تظل تنمو وتكبر وتتعدد معانيها بتعدد قرائها ... ! لذا، لجأ «الحداثيون العرب» إلى التعابير الغامضة التي تمتلئ بها أشعارهم وكتاباتهم مثل «الممرئية» ، رؤياوية» ، «التعارض الثنائي» ، «اعتباطيات الإشارات» ، «اللاحقيقة» ، «التموضع الزمكاني» ... وغيرها من الألفاظ المائعة والمخنثة. وفي هذا يقولون: إن «الحداثة» هي الثورة على كل شيء، وآخر يقول: إنها الابتعاد الصارم عن المجتمع. وفي كتابه «مقدمة في الشعر العربي» يقول الأب الروحي للحداثيين العرب ـ بجرأة شديدة: «.. إن القرآن نفسه إبداع، وكذلك السنَّة؛ فالإبداع القرآني والنبوي أوصدا الطريق أمام الإبداع الأدبي، وأوقعا الخوف في روع الأدباء ... » . ويستطرد هذا الهمام قائلاً: «إن الأدباء العرب لن يبدعوا إلا إذا حرروا أفكارهم من التقيد بالدين والنظم السائدة في المجتمع سواء أكانت اجتماعية أو وطنية أو قومية.. فالأدب، أي الأدب «اللا معقول» ، أو «اللاواقع» ، أو «اللاحياتي» . أما صاحب كتاب «جدلية الخفاء والتجلي» فيقول: «الحداثة انقطاع معرفي؛ ذلك أن مصادرها المعرفية لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث، أو في اللغة المؤسساتية والفكر الديني، ولكون الله مركز الوجود ... الحداثة انقطاع؛ لأن مصادرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني، ولكون الإنسان مركز الوجود ... » . وتقول خالدة سعيد ـ وهي زوجة أدونيس ـ: «.. الحداثة أكثر من التجديد؛ فهي ترتبط بصورة عامة بالانزياح المتسارع في المعارف، وأنماط العلاقات، والإنتاج على نحو يستتبع صراعاً مع المعتقدات؛ مثلما فعل (جبران) في كسر الشرائع وكشف الحقائق ... كذلك كان طه حسين وعلي عبد الرازق يخوضان معركة زعزعة النموذج ـ يعني الإسلام ـ بإسقاط صفة الأصالة فيه، ورده إلى الموروث التاريخي، ليؤكدا بأن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه هذا الموروث، ويملك أن يحيله إلى موضوع للبحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر في ما اكتسب صفة القداسة [القرآن والحديث] وحق نزع الأسطورة عن المقدس، وحق الأسئلة والبحث عن الأجوبة» . ويقول أحد الحداثيين العرب: «يجب أن نخلع جبة الأصول، وقلنسوة الوعظ، لنترك للشاعر حرية مساءلة النص، ونقض الماضي وتجاربه، ولنترك لأنفسنا فسحة لنصغي لتجربته الجديدة، وما تقترحه من أسئلة. وليس هذا من حق الشاعر فحسب، ولكنه حق حياتنا المعاصرة علينا» . وهذا الكلام يحمل شحنة من التمرد يزعمون أنها وظيفة الأديب والأدب ـ الآن ـ بل إنهم يزعمون أن هذا التمرد لا ينبغي أن يُحصَر في مجال الأدب، ولكنه رسالة العصر سواء أكان المتمرد أديباً أو غير أديب. وكلمات (الماضي والتراث، وسلطان التاريخ، والقداسة ... ) وما أشبه هذه الكلمات التي لا يقصد منها الحداثيون إلا الإسلام، وما يتصل به من فكر وأدب، وقيم وسلوك وتراث. ومنح الحداثيون أنفسهم حق نزع صفة القداسة عن المقدس [الإسلام] ومارسوا حق تصرف الوارث في إرثه، فأخضعوا الإسلام للنقض والأخذ والرد، وأعطوا أنفسهم حق مناقشته وتأويله. وقد حذر كثير من العقلاء، والأدباء الشرفاء من خطورة موجة الحداثة على الأدب والثقافة العربية الأصيلة، والمؤامرة التي تحاك لسحق هويتنا الثقافية، وإفساد ذوق الجماهير، وتشويه تراثنا وحضارتنا مما يؤدي في نهاية الأمر إلى تحويل أفراد الأمة إلى نباتات مخلوعة من الأرض غير قادرة على النمو والازدهار. إن هذه التقاليع الأدبية ـ كما يقول رجاء النقاش ـ هي وليدة بعض بيئات الترف والفراغ في أمريكا ومجتمعات أوروبا الغربية المتقدمة التي لم تعد أمامها ما تهتم به أو تسعى إليه في مجال القيم الإنسانية والحضارية، والتي لم تعد تفكر إلا في الرخاء الذي تخشى زواله، وفي الراحة التي أصبح من «المتعب» الحرص عليها والرغبة في منعها من الانهيار. إن هناك مجتمعات غربية متقدمة لم تعرف هذا الترقي الأدبي والعبث الفني على الإطلاق مثل إنجلترا التي لم نسمع بشاعر فيها يكتب قصائده بالمثلثات أو المربعات والمستطيلات، ولم نسمع بفنان يسمح لنفسه بالهلوسة، ويجد حوله نقاداً يصفقون له ويرفعون رايته ويقولون للعالَم: إن هذا هو الفن الصحيح. ومن العجيب ـ والكلام لرجاء النقاش ـ أن أصحاب هذه الدعوة الجديدة يقولون إنهم يكتبون قصيدة النثر الخالية من كل قيود القصيدة القديمة، مثل: الوزن أو الموسيقى، وغير ذلك من العناصر الفنية الأساسية في الشعر؛ فهل هذا الادعاء هو ادعاء صحيح؟.. الحقيقة أنه في جوهره ادعاء كاذب؛ لأن الأدب العربي قد عرف منذ عصوره القديمة ذلك النثر المليء بندى الشعر وعذوبته منذ كتابات أبي العلاء في «الفصول والغايات» ، وكتابات «أبي حيان التوحيدي» .. وقد عرفنا هذا اللون من النثر المليء بروح الشعر في كثير من كتابات المعاصرين مثل: المنفلوطي، والرافعي، والعقاد، وزكي مبارك، ومي زيادة، وجبران، وأمين الريحاني، وأحمد حسن الزيات ... فما أكثر ما كتب هؤلاء نثراً بروح الشعر مليئاً بالوجدان والعاطفة، ولكننا ابداً ما كنا نخرج من كتابات هؤلاء ونحن أشبه بالمجانين الذين فقدوا عقولهم وفقدوا قدرتهم على التمييز بين الأشياء، بل كنا نخرج من كتابات هؤلاء الموهوبين ونحن على العكس ـ في منتهى اليقظة والنشوة العقلية. ` نحن والغرب: نحن لا ندعو ـ أبداً ـ إلى الانعزال عن الثقافة والآداب العالمية، بل ندعو إلى التواصل معها على أساس مبدأ الانتقاء والاصطفاء الذي يلائم فكرنا وشخصيتنا وانتماءنا العربي والإسلامي، ومجتمعنا الذي يختلف في ظروفه وقضاياه عن المجتمعات الغربية. فهذا هو جبران خليل جبران ـ على الرغم من كونه من دعاة التغريب في أدبنا العربي الحديث ـ إلا أننا نجده يصِف العلاقة بين الشرق والغرب وصفاً صحيحاً؛ حيث يقول: «قلّد الغربُ الشرقَ بحيث مَضَغ وحوَّل الصالح مما اقتبسه إلى كيانه، أما الشرق فإنه اليوم يقلد الغرب، فيتناول ما يطبخه الغربيون ويبتلعه دون إن يحوله إلى كيانه، بل إنه على العكس يحول كيانه إلى كيان غربي، فيبدو أشبه بشيخ هرم فقد أضراسه، أو بطفل لا أضراس له ... » . ويصل جبران إلى حقيقتين: «الأولى: أن الغرب صديق وعدو لنا في آنٍ واحد: صديق إذا تمكنا منه، وعدو إذا وهبنا له قلوبنا وعقولنا، صديق إذا أخذنا منه ما يوافقنا، وعدو إذا وضعنا أنفسنا في القالب الذي يوافقه. ـ أما الحقيقة الثانية: فهي أنه خير للإنسان أن يبني كوخاً بسيطاً من ذاته الأصيلة، من أن يقيم صرحاً شاهقاً من ذاته المقتبسة» . ومن أسف أننا وهبنا ـ للغرب ـ قلوبنا وعقولنا، ووضعنا أنفسنا في القالب الذي يوافقه. لقد كان كل هذا نتيجة حتمية لهذا المسخ والتقليد والتبعية المطلقة والتهالك على الطارئ. كل ذلك أردى أدبنا العربي في أوحال المادية والعبثية والفحش، وأجهض الكلمة الطيبة بالغموض والنثرية، وتتمثل هذه التبعية ـ بوضوح شديد ـ في المناهج النقدية، وفي فصل الأدب عن الفكر الإسلامي، وبإعلاء الشخصيات المشبوهة، وبالسقوط الأخلاقي، وبضرب لغة القرآن، ومحاكمة الشخصيات الإسلامية بمعايير مادية وفلسفية. وكسر الثوابت، والإيمان بشمولية التغير واستمراره. ـ كذلك؛ فإن من أشد آثار التغريب والتقليد الفج للآداب الأجنبية أنك تجد الأدب العربي الحديث يعيش بلا هوية، وبلا تماسك، وبلا خصوصية، وأعقب ذلك نهوض أقلام مؤثرة لنبش العفن في موروثنا الأدبي، بحجة أنه موروث، فجاء إحياء الفكر الاعتزالي، والوثني، وشعر الخمر، والمجون، والغزل الفاحش، كما أعيدت ظواهر أدبية وشخصيات مشبوهة لم تكن حاضرة في الذهن رغبة في تحولها إلى قدرة سيئة للناشئة؛ فمثلاً تجد الصعاليك، والزنادقة والشعوبيين والباطنيين، وغلاة المتصوفة، كل أولئك يترددون على ألسنة الأدباء وبشكل لم يسبق له مثيل. ـ ليس هذا فحسب، بل إن هذا الأدب العربي الحديث ـ بكل أجناسه ـ قد ازداد تأثراً بالمذاهب الأدبية الغربية في لهاث مسعور منذ منتصف القرن العشرين، وتحول بعضه على يد «المتغربين» إلى دعوات فاجرة وهجوم شرس على العقيدة الإسلامية وتراثها، وصار جهداً دؤوباً لتأصيل القيم الغربية في الفن والحياة، ولم يقتصر التأثير على استعادة الأدوات الفنية، بل امتد إلى الخلفيات الفكرية والفلسفية التي تصدر عنها المذاهب الأدبية الغربية، وقد صدرت قصص ودواوين تحمل صورتها وتدعو إليها صراحة وضمناً. ـ وتبعاً لذلك؛ فقد توزع قسم من أدبنا خلف الأيديولوجيات المختلفة، فوجدت الماركسية قبل سقوطها أدباء يجسدون أفكارها، ويدعون ـ من خلال أعمالهم الأدبية ـ إلى الالتحاق بها، ووجدت نقاداً يجتهدون في تثبيت الواقعية الاشتراكية «الصياغة الأدبية للماركسية» . وبالمثل تماماً؛ فقد وجدت الكتلة الغربية أبواقاً تدعو بقوة إلى اعتناق حضارتها وتقليد فنونها وآدابها. ومما يدعو للدهشة أن تجد أن النصرانية التي هُزمت في بلادها وعُزلت عن الحياة منذ عصر النهضة، قد دخلت بفضل الغزو الفكري المكثف والضخ الغربي المستمر إلى نتاج عدد من أدبائنا، وقد خلف هذا التيار وذاك آثاراً خطيرة في الأدب المعاصر، وفي مقدمتها الرموز النصرانية المتفشية في الشعر الحديث، وقصص الإنجيل التي أصبحت مادة أساسية لعدد كبير من الشعراء والقاصين. ـ إلى جانب هذا وذاك، قد تجد أدباً وجودياً، وماركسياً، ومذاهب واتجاهات تسرح وتمرح في وسطنا، وتسهم في تلوُّث وعينا يتبنّاها أبناء المسلمين ويبشرون بها، ويسعون لتكريسها، أو على الأقل يمنحونها مشروعية الوجود، ولا في معاشرتها، وطرد الغربة عنها. وهكذا اختلطت الأصوات، وتوزع قسم وافر من أدبنا المعاصر وراء المذاهب الأدبية الغربية «المستوردة» ، وحمل أدواتها الفنية من جهة، وقيمها وتصوراتها من جهة أخرى، ففقد كثيراً من ملامح الشخصية العربية الإسلامية، وتحول إلى حربة تهاجم الإسلام والمسلمين في عقر دارهم. ومما يزيد الطين بِلَّة ظهور أعمال أدبية تعبث بالقيم الخلقية ـ التي يحرص عليها الإسلام ـ عبثاً شديداً، وتصوّر العفن والهبوط والنزوات الجنسية المحرمة على أنها عواطف إنسانية رقيقة جديرة بالاهتمام، وتسوّغ التحلل والتفسّخ وتسعى إلى ترسيخه في أعماق الشباب والفتيات تحت ستار الحرية الشخصية. وقد لاقى هذا الأدب الرخيص تشجيعاً من بعض الأجهزة ومن الهيئات والمؤسسات الثقافية والإعلامية في كثير من بلادنا المغلوبة على أمرها؛ كما أقبلت دور النشر على هذا الأدب المكشوف في سباق محموم، وغطى واجهات المكتبات، بل تسلّل ـ بكل ما فيه من إثارة وتهديم ـ إلى حقائب المدارس ومخادع النوم. وصارت هذه الأعمال ـ بفضل التطبيع والتغريب والأمركة ـ صارت عنواناً لـ «التنوير» و «الموديرنزم» ، وشعاراً لـ «الحداثة» ، وطريقاً لـ «التفكير العلمي» الصحيح، وتمشياً مع «روح العصر» وآفاقه وأشواقه الحارة. ومع كل ما فعله هؤلاء القوم من بني جلدتنا، فإن إيماننا أن الثقافة العربية والإسلامية لهي أقوى من أن تشوّه روعتها بعض الأتربة العابرة، أو أن يطمس نورها الذين يحاولون حجب الشمس بغربالهم الهزيل. وأخيراً: أرجو ألا أكون قد نكَّرت لأحد عرشه، أو وضعت «السقاية» في رحله ... فأنا لم أجهر بالقول ولم أخافت، ولعلِّي ابتغيت وراء ذلك سبيلاً.

стр. 5001

الإسلام السياسي أ. د. جعفر شيخ إدريس عبارة (الإسلام السياسي) كأختها (الأصولية) صناعة غربية استوردها مستهلكو قبائح الفكر الغربي إلى بلادنا وفرحوا بها، وجعلوها حيلة يحتالون بها على إنكارهم للدين والصد عنه. فما المقصود بالإسلام السياسي عند الغربيين؟ كان المقصود به أولاً الجماعات الإسلامية التي انتشرت في العالم العربي وفي باكستان والهند وأندونيسيا وماليزيا وغيرها تدعو إلى أن تكون دولهم إسلامية تحكم بما أنزل الله تعالى. _ ما الذي يأخذه خصوم الإسلام السياسي عليه؟ أما الغربيون فاعتبروه أولاً ظاهرة غريبة بعد سني الحكم الاستعماري الذي ظنوا أنه وطَّد الحكم العلماني على المنهاج الغربي، ووضع أسساً متينة للتبعية وضمان المحافظة على المصالح الغربية. فشق عليهم أن تنبت في بلاد المسلمين نابتة تعارض هذه العلمانية التي يرونها تعم العالم بأسره. كيف تنشأ جماعات تسير عكس هذا التيار العالمي، وتدعو إلى الرجوع إلى حكم ديني إسلامي؟ وثانياً: لأن الرأي السائد بينهم ـ لا أقول الذي يعتقده كل واحد منهم ـ هو أن الدين ينبغي أن يكون شأناً فردياً بين العبد وربه، لا مدخل له في الحياة العامة ولا سيما السياسية منها التي يرون أن تكون متروكة لما يراه الناس، وأن تكون مبنية على المساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم. وثالثاً: لأن الرأي الشائع بينهم أن النصوص الدينية محدودة بزمانها ومكانها الذي ظهرت فيه، وأنها لذلك ينبغي أن لا تفهم على ظاهرها، بل يجب أن تؤوَّل تأويلاً يجعلها متناسبة مع ثقافة العصر. ورابعاً: لأن منهم من ظن أن الدعوة إلى الحكم بما أنزل الله ـ تعالى ـ ظاهرة جديدة لم تكن في الإسلام من قبل؛ فلذلك ناسب أن توصف بالإسلام السياسي تمييزاً له عن الإسلام الديني. وخامساً: لأنهم رأوا فيها صورة من صور استغلال الدين للمآرب السياسية. لهذه الأسباب وأمثالها كانوا وما يزالون شديدي العداوة الفكرية والعملية للجماعات التي تتسم بما أسموه بالإسلام السياسي، يحرشون الحكومات عليها، ويدعونها لكبتها حتى لو كان ذلك على حساب الديمقراطية التي كانت سائدة آنذاك في العالم الإسلامي، والتي استفادت منها تلك الجماعات. ويكتبون الكتب والمقالات، ويسخرون سائر وسائل الإعلام لحربها. ينصرهم في هذه الحرب أذنابهم المنافقون في بلاد المسلمين الذين يقتاتون على فضلات فكرهم ودعاياتهم. وقد امتدت حربهم في أيامنا هذه للدول التي تؤمن بمبدأ تطبيق الشريعة. ولما كان الغربيون يرون أن ما هم عليه من دين أو فكر أو ثقافة أو حتى عادات في المأكل والملبس والجد واللعب، بل وما كان لهم من تاريخ وما مارسوه من تجارب، وسائر ما ألفوا من جوانب الحياة، هو الأمر الطبيعي، وأن ما خالفه هو الشذود الذي يحتاج إلى تفسير؛ فقد اجتهد بعضهم في أن يجد تفسيراً لهذه (الظاهرة) . فكان مما سلُّوا به أنفسهم أنها نتيجة لظروف طارئة هي الحكم القهري والتخلف الاقتصادي والضعف العسكري الذي ابتليت به البلاد التي ظهرت فيها هذه الحركات ولا سيما العالم العربي، وأن علاجها لذلك هو الضغط على تلك الحكومات لتكون أكثر انفتاحاً وديمقراطية، ومساعدتهم على شيء من النمو الاقتصادي يحسن من أوضاع الشباب المتذمرين؛ فإذا ما حدثت هذه الإصلاحات، وزالت الأوضاع القديمة زالت بزوالها نتائجها التي من أهمها ظاهرة الإسلام السياسي. ونقول إن ما ذكروه من أسباب ربما كان فعلاً من عوامل تشجيع ما يسمونه بظاهرة الإسلام السياسي، لكن مما لا شك فيه أنه ليس منشأها. فكل من له أدنى معرفة بدين المسلمين وتاريخهم يعلم أن قضية الالتزام بما أنزل الله في شؤون السياسة والحكم هي أمر عريق فيه: في نصوص كتابه، وسنة نبيه، وأقوال علمائه. وأن تصديق ذلك في واقعه التاريخي الذي لم يعرف شيئاً اسمه الحكم العلماني، وأن هذا الحكم إنما فرض عليه من خارجه يوم استولت جيوش الغرب على بلاده. وحتى هذه العلمانية الدخيلة لم تبلغ مبلغ علمانيتهم في مدى بُعدها عن الدين، حتى إن الكثيرين منهم لينفون أن تكون حكومة من حكومات العالم الإسلامي علمانية، ويرون أنه من الخطأ لذلك أن توضع الإسلامية (بمعنى النشاط السياسي للحركات الإسلامية) في مقابل العلمانية (١) . وإذن فالقول بأنها مجرد استغلال للدين لتحقيق أهداف سياسية ليس بصحيح أيضاً: أولاً: لأن من أعظم من دعا إلى الحكم بما أنزل الله وبيَّن أنه جزءٌ لا يتجزأ عن دين الإسلام علماء أعلام لم تكن لهم أطماع سياسية، ولا كانت لهم في يوم من الأيام علاقة بالأحزاب الإسلامية السياسية؛ علماء من أمثال: الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ عبد العزيز بن باز. هل استغل بعض الأفراد وبعض الجماعات الدينَ لتحقيق أهداف دنيوية سياسية أو غير سياسية؟ نعم! وقد ظل كثير منهم يفعل ذلك على مر التاريخ، ومع كل رسالات السماء. ولا أعرف كتاباً تطرَّق لهذه المشكلة وبيَّن أسبابها وأنواع مرتكبيها ونتائجها وحذر منها مثل كتاب الله تعالى. فعلى الذين يتحدثون عن هذه المشكلة أن يعلموا أنهم لم يأتوا بجديد. إن هؤلاء يدعوننا لأن نترك ديننا؛ لأن بعض الناس استغله لأسباب سياسية. ولو تابعنا منطقهم هذا لتركنا بناء المساجد؛ لأن بعض المنافقين استغل بناءها لأسباب سياسية، فاتخذها: ﴿ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧] . وكانوا مع ذلك يحلفون بأنهم ما أرادوا إلا الحسنى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] . ولو أتبعناه لتركنا الإنفاق في سبيل الله؛ لأن بعض الناس يتخذ ما ينفق مغرماً (أي غرامة) ويتربص بنا الدوائر، ولقررنا أن لا يكون لنا علماء؛ لأن بعض علماء السوء يستغل علمه لأغراض دنيوية: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٩٨ - ١٠٠] . وكما أن بعض الناس يستغل الدين لتحقيق أهداف سياسية فيكون انحرافه بسبب سوء قصده، فإن آخرين ينحرفون بسبب سوء فهمهم وقلة علمهم، فيحاولون تحقيق بعض الأهداف السياسية بوسائل وطرق مخالفة لدين الله وتحريفاً له وفتنة للناس عنه؛ فهل نترك العمل السياسي على أساس ديني؛ لأن بعض الناس يسيء فهم الدين؟ يقول بعض الغربيين: (لكن المشكلة أن كل إنسان يمكن أن يدَّعي أن فهمه هو الفهم الصحيح للتوراة أو الإنجيل أو القرآن، بل يزعم بعضهم أنه [يعني القرآن] كالكتاب المقدس: العهد القديم والعهد الجديد ـ بإمكانك أن تجد فيه أياً ما تريد لتسوّغ به كل ما تريد تقريباً) (٢) ، نقول فرق بين أن يدّعي مدّع أن ما استدل به من قول يدل على ما يريد وأن يكون دالاً فعلاً على ما يريد. أما القرآن فنحن نعلم أنه ـ وهو كتاب الله ـ لا يمكن أن يدل على الشيء ونقيضه ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . يقول بعضهم: «إذا سلَّمنا بهذا فتبقى مشكلة هي أن النص بحسب معناه الذي تدل عليه ألفاظه ويدل عليه سياقه لا يتناسب مع ثقافة العصر؛ فلا بد إذن من تأويله لجعله مناسباً معها. لكن أليست هذه دعوة إلى خداع النفس؟ أنت تقرأ نصاً تقول: إنه كلام الله، وتفهمه على وجهه الصحيح، ثم تقول: إن هذا الذي فهمته لا يتناسب مع ما أريد، لذلك يجب أن أغيِّره لكي أجعله مناسباً مع ما أهوى، ثم تقول: إن هذا الذي هويت هو ما عناه الله ـ تعالى ـ بكلامه. هل يقول هذا إنسان مؤمن؟ بل هل يقول هذا إنسان أمين يحترم نفسه؟ إنك إما أن تعتقد أن ما يقوله الله هو الحق كما قاله، وإما أن تعتقد أنه ليس بالحق أو ليس بالعدل، فتقول: إنه لا يمكن أن يكون كلام الله، فتكفر بالكتاب الذي كنت تظن أنه كلام الله. أما أن تجمع بين الفهم الصحيح والتحريف فلا. وهذا الأمر المنكر خُلُقاً وديناً هو الذي حذرنا الله ـ تعالى ـ من الاطمئنان إلى ممارسيه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] . تأمل قوله ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي إنهم فهموا ما قال الله ـ تعالى ـ وتصوروه على وجهه الصحيح، ثم عمدوا إلى تحريفه وهم يعلمون أنهم محرفون له. ثم نقول: إن الدين الحق إنما جاء لنفع الناس في دنياهم وآخرتهم، فلا يمكن أن يكون فيه ما يمنع من الأخذ بشيء هو من ضرورات العصر، أما أهواء العصر وما يشيع فيه من قيم وأفكار وعادات وتقاليد فإن الدين لم يأت لموافقتها، بل جاء لإقرار ما فيها من حق وإنكار ما فيها من باطل؛ فالمعيار هو كلام الله لا أهواء البشر. ثم إن كثيراً مما يسمى بثقافة العصر مما يخالف الدين الحق ليس هو في حقيقته بالأمر الجديد الذي يقال إنه مما امتاز به عصرنا، وإنما هو الثقافة التي اتسمت بها الجاهلية على مر العصور. خذ مثلاً استبشاعهم للحدود ـ ولا سيما حد الزنا ـ ودعوتهم إلى تغييره. هذا الحد موجود في التوراة، لكن اليهود غيروه حتى قبل مجيء النبي محمد ﷺ ، وكان الذي دعاهم إلى ذلك هو فُشُوُّ الزنا بينهم ولا سيما في أشرافهم. وهذا هو عين السبب الذي يدعو الغربيين وأمثالهم إلى استبشاع هذا الحد. إن الناس إذا فشت فيهم الفاحشة واعتادوها مات فيهم الشعور بأنها فاحشة، ودعك أن تكون جريمة تستحق هذه العقاب الأليم!

стр. 5002

السفينة محمود العمراني هتف الربان في أهل السفينَةْ: من أراد الماء فليصعدْ إلى الأعلى.. ولا يركب جنونَهْ! إن هذا البحر لا يرحمُ شيخاً.. أو ظعينَةْ..! ها أنا أنذرتكم كل مشينَةْ.. فاحذروا أن تخرقوا خرقاً دقيقاً أو جليلاً.. أو فموتوا في الدجى غرقى ولن تلقوا خليلاً..! كلُّها بضعة أيَّامٍ ونرسو.. فاصبروا صبراً جميلاً.. * * * * * ها هي الفلك بعرض البحر تجري وتشقّ الموج في أمنٍ ويسرِ.. وعلى زاويةٍ منها التقى زيدٌ بعمرِو.. قال زيدٌ: عمرُو.. هل تكتم سري؟! - ما لديك..؟! - إنني يا صاحبي قد ضاق صدري! كلما احتجت إلى الماء اشتكى الآلامَ ظهري..! - ثمَّ ماذا..؟! - إنني أقصد أن نخرق خرقاً ... - وإذن نصبح غرقى.. أوَ لم تسمع إلى ما قال ربان السفينة..؟! - آهِ.. ربان السفينة..! كيف بالله سيدري؟! - يا صديقي.. إنني أنذرك الموت.. ولن تحظى هنا حتى بقبرِ..!! ادّخر نصحك يا هذا.. وصن في القلب سري..! * * * * * فتح الربان عينيه على ماء عظيمٍ يتدفقْ.. وصراخ يتعالى.. كلنا اليوم سنغرقْ..! كلنا اليوم سنغرقْ..! صرخ الربان: لا تستسلموا حتماً سننجو.. أخرجوا الماء ولا تستسلِ ... (يشرقْ!!) ومضتْ بضع دقائقْ.. بعدها عَمَّ سكون الموتِ في البحر وأطبق!!

стр. 5003

الآثار السياسية للشخصية الأمريكية د. باسم كمال يهدف هذا البحث إلى التَّعرف على ملامح الشخصية الأمريكية، وخاصةً في الجوانب ذات التأثير المباشر على الحياة السياسية وصناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، ويركز على الفوارق بين الشخص الأمريكي والشخص الأوروبي، وعلى صعوبة وعدم واقعية جمعهما معاً على أنَّهما نموذج واحد يمكن أن يطلق عليه: «الشخص الغربي» . كما يتناول البحث الآثار السياسية لكل سِمةٍ من السمات المُميّزة للشخصية الأمريكية، وكيف أَثَّرت هذه السمة على السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية، وخاصة المتعلقة منها بالعالم العربي والإسلامي. وينتهي البحث ببعض التوصيات حول أفضل أساليب الاستفادة من فهم الشخصية الأمريكية في التأثير على صنع القرار الأمريكي بما يخدم مصالح الأمة وأهدافها. ١ - مقدمة: تَشَكَّل المجتمع الأمريكي عبر القرون الثلاثة الماضية، ومروراً بالعديد من تجارب الصراع على السلطة، والحروب الأهلية، والتنافس العرقي، والتمايز الطبقي ليَصِل إلى ما يُعرف اليوم بالشخصية الأمريكية التي أصبحت تمثل العقل الجمعي للشعب الأمريكي، وتساهم بشكل مباشر في تشكيل القناعات والرؤى الأمريكية حول العالم ودور الولايات المتحدة الأمريكية فيه. ورغم أن العملية الديمقراطية في الولايات المتحدة تخضع لتأثيرات عديدة من قِبَل قوى مؤثرة كالإعلام، والمراكز الفكرية، ومؤسسات الضغط السياسي؛ إلا أن الناخب يبقى أحد الوسائل المؤثرة التي يصل من خلالها أيّ مرشح إلى المناصب السياسية ودوائر صنع القرار في أمريكا. ولذلك فإن شخصية الناخب التي تُعبِّر عن الشخصية الأمريكية تساهم بصورة مباشرة وغير مباشرة في القرارات السياسية في الحياة الأمريكية سواءٌ كانت هذه القرارات متعلقة بالسياسات الداخلية أو السياسات الخارجية التي تؤثر بشكل مباشر على شعوب العالم. كما أن السياسي الأمريكي هو جزء من البيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها، ومن ثم فإن سمات الشخصية الأمريكية تترك آثارها وبصماتها على قراراته السياسية وميوله الفكرية أيضاً. إن هدف هذا البحث هو التعرُّف على ملامح الشخصية الأمريكية، وخاصةً في الجوانب ذات التأثير المباشر على الحياة السياسية وصناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية. وليس هدف هذه الدراسة التركيز على جانب واحد من جوانب الشخصية الأمريكية، وإنما محاولة تقديم رؤية متوازنة، وعادلة، وواقعية لهذه الشخصية من مختلف جوانبها، والآثار السياسية للسمات المشتركة لهذه الشخصية. ٢ - الشخصية الأمريكية: من هو الأمريكي؟ المهاجر لا يقرر فقط الذهاب إلى مجتمع جديد، ولكنه يقرر ابتداءً التخلي عن مجتمع عاش فيه أجداده ونشأ وتَرَبَّى فيه. المهاجر يقرر التغاضي عن الماضي، والثقة في المستقبل بدلاً من الحاضر (١) ، ولذلك لا بد مِنْ تفهُّم لماذا يقرر إنسان ما الهجرة، ولماذا قرر الأمريكيون الأوائل ترك القارة الأوربية؟ وكيف شكل ذلك التركيبةَ النفسية للشخصية الأمريكية المعاصرة، وجعلها شخصية مختلفة اختلافاً واضحاً عن الشخصية الأوروبية؟ التكوين النفسي للمهاجرين الأوائل: ترك الأمريكيون الأوائل أوروبا لأسباب عديدة: بعضهم كانت تلاحقه الديون، أو جرائم ارتكبها وقرر الفرار إلى العالم الجديد؛ للتخلص من ذلك، وبعض من البروتستانت انتقل إلى أمريكا ليحفظ نفسه من الاضطهاد الديني الذي كان يعانيه البروتستانت على يد الكنيسة الكاثوليكية الأوروبية، أو الكنيسة الإنجليكانية في بريطانيا. وهاجر الكثير من الكاثوليك الأسبان أيضاً لرغبتهم في إقامة مملكة الرب في العالم الجديد. المهاجرون الأوائل إلى أمريكا لم يتركوا أوروبا، ولكن أوروبا تركتهم أيضاً. كانوا لسبب أو آخر منبوذين من المجتمع الأوروبي أو ظنوا ذلك. ولذلك جاء الجميع إلى أمريكا لكي يتخلصوا من قيود التركيبة الاجتماعية الأوروبية.. جاؤوا ليمارسوا دينهم بحرية، أو لا يمارسوه على الإطلاق. بين الجغرافيا والتاريخ: حبا الخالق أمريكا بالكثير من الجغرافيا، والقليل من التاريخ؛ فأمريكا بلد غني في الموارد بلا حدود، وخفيف في أثقال التاريخ وحمولاته، وهو ما لم يتمتع به غيرها. ويرى (محمد حسنين هيكل) في تحليله للشخصية الأمريكية أن ذلك منح الأمريكي اطمئناناً إلى وفرة مادية طائلة، ثم إنه أعفاه من وساوس تاريخية ينوء بها العديد من الأوطان أو البلدان الأخرى. فأمريكا بلد بلا تاريخ يذكر، ولكنها ذات واقع وامتداد جغرافي يعوضها عن نقص التاريخ. ولذلك فإن النظرة الأمريكية بالعموم تقلل من شأن التاريخ، وتعظم من قيمة الموقع، والحدود، والجغرافيا. ليس مهماً تاريخ الصراع حول أي قضية؛ ولكن المهم أن يترجم هذا الصراع إلى واقع جغرافي أو شيء واقعي آخر. التاريخ ليس إلا ماضياً لا قيمة حقيقية له في حياة المواطن الأمريكي، أو في السياسة الأمريكية. ولذلك عندما أراد الرئيس الأمريكي السابق (بيل كلينتون) حل معضلة القدس رأى أنه من صالح العرب أن يتركوا القدس لإسرائيل، وإذا كان العرب والمسلمون على تصميمهم بأن «القدس عربية» فإنه في مقدورهم تغيير اسم قرية قريبة وراء التل ـ هي أبو ديس ـ لتسمى «القدس» ـ وميزتها أنها على بعد كيلو مترات قليلة من القدس الأصلية أمام التل» . ثم يضيف: «إنهم فعلوا كثيراً في أمريكا؛ فهناك مدن كثيرة في أمريكا اسمها «القدس» ، وهناك مدن اسمها «القاهرة» ـ «والإسكندرية» ـ و «بيروت» !» . الدين والمهاجرون الأوائل في أمريكا: كان الدين أحد المحركات الهامة للحركة الاجتماعية للمهاجرين الأوائل للعالم الجديد. وعرفت طائفة البيوريتانيين «التطهيريين» التي فرت من اضطهاد الكنيسة الإنجليزية إلى القارة الأمريكية بأنها وضعت مرضاة الرب ضمن أهم اهتماماتها لنشأة المجتمع الجديد. كما آمن البيوريتانيون بفكرة «الشعب المختار» وأن هدفهم هو إقامة أرض ميعاد جديدة، وأن رحيلهم من إنجلترا يعد خروجاً توراتياً جديداً. وبسبب فكرة الشعب المختار حدثت أكبر مجازر التاريخ في القارة الأمريكية؛ فمن أجل أن تسود مملكة الرب فلا بد من استئصال كل من يواجهها. وتحول الدين في أمريكا تدريجياً ليصبح خادماً للإنسان الأمريكي وللمشروع الأمريكي. وكما يقول (هارولد بلوم) في كتابه (الدين الأمريكي) : «فإن المسيحية الأمريكية تجربة نفعية براجماتية أمريكية، وإن (يسوع الأمريكي) أقرب لما هو أمريكي مما هو مسيحي» (٢) . ٣ - الأمريكي في مقابل الأوروبي: هل يوجد «شخص غربي» ؟ كثيراً ما ينظر المراقبون والمحللون في العالم العربي إلى الشخص الأمريكي والشخص الأوروبي على أنهما نموذج واحد يمكن أن يطلق عليه «الشخص الغربي» ، وقد يكون هناك بعض الصحة في الجوانب الاجتماعية والأخلاقية. أما في النواحي الفكرية والثقافية والرؤى العامة للحياة، فإن الفوارق بين الشخصيتين تجعل من غير المقبول جمعهما معاً تحت أي إطار واحد. ولعله من المناسب في هذا المقام ذكر بعض أمثلة التناقض بين الشخصيتين. الأولويات العامة: الأوروبيون يهتمون بلهجة المتكلم التي تدل على طبقته الاجتماعية، ودينه الذي يحدد هويته، وخلفيته العرقية التي تحدد مكانته. أما الأمريكيون فيهتمون بالقوة المالية للإنسان، وعلاقاته وقدراته الشخصية، ويعتبرون اللكنه أو الدين أو الطبقة الاجتماعية من توافه الأمور. فرغم أن الصورة النمطية للجنوب الأمريكي مثلاً سلبية في الغالب في المجتمع الأمريكي، إلا أن ذلك لم يؤثر كثيراً على فرص (كارتر) و (كلينتون) في النجاح رغم أنهما جاءا من ولايات الجنوب، ولم يحتج أي منهما إلى تغيير لهجته المعروفة في كلماته، بينما اضطرت (مارجريت تاتشر) قبل الانتخابات البريطانية في أواخر القرن الماضي إلى تعيين مدرب لغوي خاص ليساعدها على التخلص من «لكنه الطبقة العمالية» لكي تتمكن من إقناع البريطانيين بقبولها مرشحاً لرئاسة الوزراء رغم أنها كانت من خريجي إحدى أشهر جامعات بريطانيا. الإبداع والابتكار: الأوروبيون يعشقون ابتكار النظريات.. أما الأمريكيون فيعشقون تطبيق الأفكار وتحويلها إلى واقع معاش. أوروبا أفرزت في القرن الماضي النازية والفاشية والاشتراكية، وكلها نظريات لم يكتب لها النجاح؛ وذلك من الخير للبشرية. أما الأمريكيون فقد أخذوا الأفكار الأوروبية الناجحة في كل المجالات، وأحسنوا استثمارها بكل الطرق الاقتصادية والتجارية والنفعية لكي تتقدم أمريكا إلى الأمام. فعندما ابتكرت أوروبا النسبية حولتها أمريكا إلى قنابل نووية ومفاعلات ذرية، ولمَّا ابتكرت أوروبا الفكر الرأسمالي حولته أمريكا إلى مشروع متكامل للهيمنة على العالم اقتصادياً. وحين ابتكرت أوروبا محركات الدفع النفاث حولتها أمريكا إلى صواريخ وأسلحة تهدد البشرية بالفناء، وسفن فضاء قادرة على اختراق الغلاف الجوي واكتشاف الفضاء. الشخصية الأمريكية تبحث عن تنفيذ الأفكار، أما الشخصية الأوروبية فإنها تتمحور حول الابتكار والإبداع. الشخصية الأمريكية والقوة: الشخصية الأمريكية تعشق القوة، بل تعبدها، وتقلل من شأن القيم والمبادئ في الحياة مقابل القوة، ولا يعني ذلك أنها تمثل مجتمعاً بلا مبادئ ولكنها تلي القوة. الأمريكي الأول استخدم البندقية لحل كل مشكلاته وحتى وإن كانت سبباً في جر الويلات عليه. واستمر الأمريكي ينظر إلى البندقية أنها الطريق الأمثل للأمان ولحل المشكلات. فهو قد فر من قارة كانت تضطهده، وتحتقره، وتذكره دائماً بالضعف لسبب أو آخر. وعندما جاء إلى أمريكا ضعيفاً هائماً خائفاً أصبح الحصول على القوة نهماً نفسياً لا يرتوي الإنسان الأمريكي منه أبداً. وفي المقابل فإن الأوروبي يعاني من عقدة الذنب عندما يتحدث عن القوة؛ فعندما اجتمعت للأوروبيين القوة حاولوا تدمير العالم مرتين، وكان من ضحايا الحروب العالمية التي أثاروها عشرات الملايين من القتلى. ولذلك أصبح الأوروبيون يخافون من امتلاك القوة بينما يعشقها الأمريكيون. ومن أجل ذلك يتغنى الأوروبيون اليوم بالمبادئ الدولية، وحقوق الدول، بينما تاريخهم يشهد أنهم داسوا على كل هذه الحقوق عندما اجتمعت لهم القوة ولم يحسنوا استخدامها. الأمريكيون لا يعانون من تلك العقدة بعدُ. إن حب استخدام القوة في الشخصية الأمريكية ساهم في قبول فكرة احتلال العراق، ولا يعني ذلك أن الأوربيين لم يكونوا يفكرون أيضاً في الاستفادة من اهتزاز الوضع السياسي في العراق. الكل كان يسعى إلى نهبها، وإن اختلفت الطريقة تبعاً لشخصية الجهة التي تسعى نحو نهب خيرات أمتنا. وبالمجمل، فيمكننا القول إن القوة هي عقدة الذنب الأوروبية، بينما المبادئ هي عقدة الذنب الأمريكية. العِلم الأمريكي والفن الأوروبي: وحتى في المهارات الإبداعية تجد أن الشخصية الأمريكية تقدم القوة على الإبداع، وهذه ملاحظة عامة لا تخلو من استثناءات، ولكن يلاحظ إجمالاً اهتمام الرياضي الأمريكي مثلاً بالقوة البدنية، بينما يهتم الرياضي الأوروبي بالمهارة. الموسيقي الأمريكي يتقن العزف على الآلات ويتمتع بالمهارة في ذلك، أما الأوروبي فيهتم أكثر بالحس الموسيقي، والإلهام الفني، وينمي حاسة الابتكار والإبداع. كنائس أوروبا جميلة التصميم، مبهرة في الاهتمام بالتفاصيل الجمالية، أما كنائس أمريكا فهي ضخمة في الحجم ومتقدمة في التقنيات. الأمريكي يحوِّل كل شيء في الحياة إلى عِلم يبنى على خطوات وبرامج محددة. أما أوروبا فإنها تمثل العالم القديم في تقدير الفن والمهارة الشخصية في الإبداع. بين الماضي والمستقبل: الشخص الأوروبي يرى أن التاريخ خير معلِّم للتعامل مع شعوب العالم، بينما يرى الشخص الأمريكي أن التلويح بالمستقبل الأفضل هو أفضل إغراء يمكن أن يقدم لشعوب العالم. الأوروبي يحيا في الماضي؛ فقد كانت أوروبا فيه سيدة العالم بينما يحيا الأمريكي في المستقبل؛ فلم يكن له ماض مشرف، والمستقبل خير وسيلة لمحو خطايا الحاضر. الدين ومشروع العلمانية بين أوروبا وأمريكا: أوروبا أقامت مدنيتها المعاصرة على اصطناع العداء مع الدين، أي دين؛ بينما قامت العلمانية الأمريكية على توظيف الدين وإحالته إلى عمل دعائي إعلامي يخدم مشروع العلمانية الأمريكية. لقد تحول الدين في الولايات المتحدة إلى سلعة رائجة للكسب المادي، لجميع من يتاجر فيه من قساوسة، وسياسيين، وناخبين. الدين في أمريكا أصبح خادماً للعلمانية ومروجاً لها بدلاً من أن يكون حكماً على فسادها، أو حتى معادياً لها كما هو الحال في العالم القديم. ٤ - الشخصية الأمريكية، وآثارها السياسية: الفردانية: تقدس الشخصية الأمريكية حقوق الفرد، وما قد يستتبع ذلك من طغيان الحق الفردي على الحق الجماعي، ولذلك نشأت فكرة الفردية أو ما يسمى Individualism، وأصبح الفرد أهم من المجتمع في الحياة الأمريكية المعاصرة. ونجحت الإدارة الأمريكية الحالية في إبراز مساوئ الفردانية الأمريكية من خلال إهمالها لرغبات العالم أجمع، بل تحديه تحدياً سافراً في أكثر من مجال من بينها حقوق الإنسان، والحفاظ على البيئة، والعمل العسكري في العراق، وغير ذلك كثير. ويمكن مقاومة هذه النزعة الفردانية من خلال إبرازها، والتعاون والتحالف مع القوى العالمية في مقاومتها. الشعور بالاستثنائية: الشعب الأمريكي يشعر دائماً أنه استثناء من كل قواعد الكون، وأنه قادر على القيام بما يعتبره الآخرون مستحيلاً. كتب الروائي الأمريكي (هيرمان ملفيل) ، في القرن التاسع عشر عن الاستئنائية الأمريكية فقال: «نحن رواد العالم وطلائعه، اختارنا الرب؛ والإنسانية تنتظر من جنسنا الكثير. ونحن نشعر في مكنون أنفسنا بالقدرة على فعل الكثير. بات لزاماً على أكثر الأمم أن تحتل المؤخرة. إننا نحن الطليعة ننطلق إلى البرية لنقَدم ما لم يستطع تقديمه أحد» . ولذلك نشأت فكرة الاستثنائية في العقل الجمعي الأمريكي، وما يصاحب ذلك من الرغبة المستمرة في التجريب حتى وإن كان ذلك يعني العبث بشعوب العالم؛ فما دامت الغاية تناسب أمريكا، فلا بأس أن تكون الوسيلة بشعة أو لا إنسانية؛ فأمريكا استثناء من كل قاعدة، ولا تمانع من الجمع بين المتناقضات. ولهذه الاستثنائية آثار سياسية متعددة ومستمرة، ويكفي أن موقف الإدارة الأمريكية الحالي ومعظم أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ يصب في هذا الاتجاه. والتقرير المعبر عن استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية الصادر في سبتمبر من عام ٢٠٠٢م ينص بصريح العبارة: «إننا سوف نتخذ الإجراءات الضرورية لضمان أن جهودنا للتصدي لاهتماماتنا بالأمن العالمي لن يتم إعاقتها باحتماليات إجراء تحقيقات، أو مساءلات، أو اتهامات من قِبَل محكمة الجرائم الدولية» (١) . النفعية والبرجماتية: بدأ الأمريكي رحلته في العالم الجديد بفكرة أن كل وسيلة تصل به إلى غايته فهي له ومن حقه أن يستخدمها. وشمل ذلك سرقة الأطفال، وبيعهم في سوق الرقيق، واتخاذهم عمالاً، أو قل عبيداً، وقتل أهل البلد الأصليين، وسلخ جلودهم. كان البديل عن ذلك في نظر الأمريكي هو الخسارة التامة، والموت لمشروعاته وله، وهذا هو عين الشر. وتهاوت في العالم الجديد قيمة الأنساب، والأحساب إلا أن تكون القيمة كل القيمة في عمل يتيه المرء بنفسه متحملاً تبعاته نجاحاً، أو إخفاقاً (٢) . وأصبحت السياسة الأمريكية أيضاً انعكاساً لهذه الشخصية الأمريكية التي تقدم مصالحها على كل أحداث العالم ومصالح الدول الأخرى. كتب (جورج كينان) الذي كان يشغل منصب رئاسة إدارة الدولة للتخطيط عام ١٩٤٨م: «نحن نملك ٥٠% من ثروات العالم، ولكننا لا نشكل أكثر من ٦.٣% من سكان الأرض، وفي مثل هذا الوضع يبدو أنه لا مناص من أن نكون موضع غيرة، وحسد الآخرين. علينا التوقف عن الحديث عن مواضيع غامضة، أو غير ممكنة التحقيق تتعلق بالشرق الأقصى مثل حقوق الإنسان، أو تحسين مستوى المعيشة، أو إحلال النظام الديمقراطي. ولن يكون بعيداً اليوم الذي سنجد فيه أنفسنا مضطرين للتحرك بصراحة من خلال علاقات القوة. وبقدر ما يكون ارتباكنا بسبب الشعارات المثالية أقل، بقدر ما يكون ذلك أفضل» (٣) . وعبر عن هذا الفكر النفعي مؤخراً الرئيس الأمريكي (جورج بوش) عندما قال: «لا يجب أن نتدخل في كل حالات العنف الإجرامي ... إن أيديولوجيات الأمة يجب أن لا تتعارض مع مصالحها» . التناقض: هناك تناقض مزمن في الشخصية الأمريكية، وقد ركز عليه الكاتب الفرنسي (توكفيل) في نقده للنموذج الأمريكي للديمقراطية. وكما وصفها (سيرجيو ليون) ، فإن أمريكا كانت دائماً طيبة، وسيئة، وقبيحة.. مثالية، منافقة، وواقعية في الوقت نفسه. فهي خليط عجيب من المتناقضات تحيا معاً في نفس واحدة، ومجتمع واحد. إن السياسة الأمريكية في بعض الأحيان تعكس التناقض في الشخصية الأمريكية، أو محاولة الجمع بين المتناقضات في الحياة. وإلا فكيف يمكن تفسير حيازة الأسلحة النووية، ثم العمل على الحد منها حتى في أمريكا نفسها؟ وكيف تكون أمة تؤمن بالتنوع، ثم تسعى إلى فرض قيمها على العالم؟ كيف تبدو أمة تسعى إلى قيادة العالم، ولكنها تظهر وكأنها غير مكترثة لهذا العالم، وتأمل أن يبتعد هذا العالم الذي تريد أن تقوده عنها؟ كيف يمكن الجمع بين فخر الأمريكي بمثاليته، وإصراره في الوقت نفسه على نفعيته..؟ كل ذلك لا يجتمع إلا في الشخصية الأمريكية؛ التي تتصارع داخلها المتناقضات. معضلة الحرية: الحرية الأمريكية معضلة تاريخية كبرى. بعضهم يشعر أن المجتمع الأمريكي يتمتع بمساحات من الحرية، لا يتمتع بها شعب آخر من العالم. وفي المقابل تجد من يرى أن الحرية الأمريكية وَهْمٌ كبير، وأن الشعب الأمريكي قد تمت إعادة تشكيل عقله إلى الدرجة التي جعلته وهو حر غير مقيد يختار دائماً ما أراد له السادة أن يختار، ومن ثم فهو قد فقد الحرية قبل أن يمارسها، أو قل وهو يمارسها؛ لأن عقله قد تم تدريبه وصياغته لكي يختار وفق رغبات السادة، وليس رغبات الإنسان. وهي فكرة يصعب تصديقها، ولكن شواهدها في الواقع الأمريكي أكثر من أن تغفل أيضاً. وفي مقال كتبه أحد أبرز علماء الاجتماع الأمريكيين في بداية القرن الماضي وهو (بيرس) بعنوان: «تثبيت الاعتقاد» ونشره في مجلة The Popular Science Monthly وذلك في عام ١٨٧٨م، يقول فيه: «إذا كانت المعرفة حسب النظرة البراجماتية مستحيلة، إذن كيف للإنسان أن يعمل؟ إن الإنسان يريد أن يعيش، وله هدف يسعى إليه؛ فكيف الوصول؟ وما هي الوسائل المؤدية إلى الغاية المنشودة؟ سبيله الوحيد والأوحد إلى ذلك أن يعمل بناء على اعتقاد. وكيف نمنع الناس من الاعتقاد فيما هو خطأ؟» . يصف (بيرس) منهج السلطة في تكوين الاعتقادات الملائمة لها، وهو من أهم ما كتب عن دور السلطة في التحكم في معتقدات الأفراد عن طريق الإعلام، والعبث بالرأي العام، ثم ترك الأشخاص يختارون بحرية مزيفة، فيقول: «لندع إرادة الدولة تعمل بدلاً من إرادة الفرد، ولننشئ مؤسسة هدفها أن تضع نصب أعين الناس مذاهب صحيحة تجعلهم يرددونها ويكررونها دائماً، وأبداً دون انقطاع، ويلقنونها للصغار، وأن تكون لها في ذات الوقت القدرة على حظر تعليم أي مبادئ معارضة، أو التعبير عنها، أو الدعوة إليها. ولنعمل على محو كل الأسباب التي يمكن أن تُحدث تغييراً في أذهان الناس. لِنُبْقِ عليهم جهلاء حتى لا يتعلموا لسبب ما التفكير في شيء آخر غير ما اعتادوا عليه، ولنعبئ عواطفهم على نحو يجعلهم ينظرون في كراهية وفزع إلى الآراء الخاصة وغير المألوفة، ولنجعل كل أولئك الذين ينبذون الاعتقاد الرسمي يلزمون جانب الصمت في هلع، ولندفعْ بالناس لكي يمزقوا هؤلاء، أو لنُجرِ تحريات وتحقيقات عن طريق تفكير المشتبه فيهم. وإذا تبين أنهم مذنبون وآمنوا بمعتقدات محظورة، فلنوقع عليهم عقوبة ما. وإذا لم تحقق توافقاً كاملاً في الآراء بهذه الطريقة، فلنبدأ مذبحة لكل من لم يفكر على النحو الذي ثبتت فعاليته؛ لحسم الآراء في البلاد» . إن معضلة الحرية الأمريكية هي أن الأمريكي حر، ومقيد في آن واحد: حر في أن يفعل ما يشاء خاصة في أمور الترويح والملذات الشخصية، ومتع الحياة، ولكنه مقيد في الحياة العامة من خلال آلة إعلامية مُسيَّرة من قِبَل صناع القرار الحقيقيين الذين يوجهون الإنسان دائماً في أمريكا نحو خيارات لا تعبر بالضرورة إلا عن رغباتهم، وذلك من خلال سياسات إعلامية وفكرية دقيقة، ومقننة، ومنظمة تم تحسينها، وإتقانها عبر عشرات السنين من العمل الإعلامي الدؤوب. لقد نشر عالم الاتصال الأمريكي (بول بوستمان) في كتابه «الإعلام الأمريكي.. تسلية حتى الموت» مقارنة بين رؤيتين لمستقبل الحرية في أمريكا: الأولى: كانت رؤية (جورج أورويل) في كتابه ١٩٨٤م، وفيها يتوقع (أورويل) سيطرة السلطة على حريات الأفراد. أما الرؤية الأخرى: فكانت للكاتب الأمريكي (الدوس هكسلي) في كتابه «العالم الجديد الشجاع» ، ويرى فيها أن أمريكا ستغرق في التفاهة والسطحية. يقول (بوستمان) في مقارنته: «إذا لم يكن كابوس (أورويل) قد تحقق في ١٩٨٤م، فإن نبوءة (هكسلي) قد تحققت. نعم! لم يظهر الرقيب الطاغية من السلطة Big Brother، الذي يفرض علينا ما يريد؛ لأننا لم نعد بحاجة إلى من يسلبنا استقلالنا ونضجنا وتاريخنا. لقد عشق الناس ـ كما تنبأ (هكسلي) ـ الكبت، ونجحت التقنية في إلهائهم، وإلغاء قدرتهم على التفكير. (أورويل) كان يخشى ممن يحرموننا من المعلومات، أما (هكسلي) فقد كان يخشى من أن تغرق الحقيقة نفسها في بحر من الهراء، والتفاهات. كان (أورويل) يخشى أن نتحول إلى حضارة أسيرة.. أما (هكسلي) فقد كان يخشى أن نتحول إلى حضارة تافهة. في قاموس (أورويل) يكون سلاح السيطرة هو الألم.. أما عند (هكسلي) فإن سلاح السيطرة هو اللذة. في كتاب (أورويل) سنكره من يدمرنا، أما عند (هكسلي) فإننا سنحبه» . الميل الدائم نحو التوسع: يميل الشعب الأمريكي إلى التوسع الدائم في كل شيء، وأي شيء. وقد يظهر هذا وكأنه خلق طبيعي بين البشر، إلا أن من يتعرف على الحياة الأمريكية من الداخل يعرف أن الإنسان الأمريكي يعشق التوسع لذات التوسع، وليس لما قد يجلبه من راحة أو رفاهية. وحاول السياسيون منذ بداية تاريخ أمريكا، ومغامراتها التوسعية ترسيخ مبدأ الحق في التوسع عالمياً، من خلال المواقف الرسمية المعلنة للإدارات الأمريكية المتعاقبة. فالتوسع مزاج نفسي للشخصية الأمريكية وليس استراتيجية سياسية أو طموح شخصي فقط. والتوسع للأمريكي هو ثمرة التزامه بالحرية والفردانية معاً، وبدون نمو متواصل لهما فإنه يشعر أن حريته مقيدة. ولذلك فإن وضع حواجز، أو قيود أمام التوسع الأمريكي قد يفسر من قِبَل الشخصية الأمريكية على أنه هجوم على حريتها، ولذلك لا تستطيع التسامح مع ذلك. ولذلك قام (ستفين إيه دوجلاس) بتذكير مجلس الشيوخ الأمريكي عام ١٨٥٨م بهذه الحقيقة قائلاً: «إن أمريكا أمة شابة ونامية، تعج مثل خلية النحل، وكما أن النحل في حاجة إلى الخلايا ليتجمع وينتج العسل، أقول لكم: إن التكاثر والتضاعف والتوسع هو قانون وجود هذه الأمة» (١) . إن أمريكا لم تتوقف عن التوسع المكاني حتى أوقفتها الحدود الطبيعية بين المحيطين، وانتقلت بعدها إلى مشروع جديد من التوسع العسكري، الذي تصادم مع المعسكر الشرقي، ومع أطماع أوروبا في التوحد، ومنافسة الهيمنة الأمريكية، وعادت أمريكا لتمارس نوعاً جديداً من التوسع، الذي يمكن أن يطلق عليه «التوسع التجاري» ، وهو ما يحياه العالم في الأعوام الأخيرة تحت دعاوى العولمة، والتجارة الحرة. وقد بدأ التخطيط للتوسع التجاري منذ منتصف القرن التاسع عشر استناداً لمبدأ مونرو (١٨٢٣م) للغزو والتوسع غرباً، وجنوباً، ومناداته بثالوث الحرية: حرية الملاحة البحرية في الأطلسي، حرية النفاذ إلى الأسواق الأوروبية لتصريف منتجاتهم، وحرية التجارة والتمركز في كافة أنحاء العالم الجديد، وهو ما أصبح أحد المبادئ المحركة للسياسة الخارجية الأمريكية منذ ذلك الحين. العنف والبندقية: بدأت أمريكا كمشروع استيلاء ونهب قارة بأكملها من أهلها الأصليين، ولذلك لم يكن هناك بديل عن البندقية، والعنف لتحقيق الهدف في أقصر وقت ممكن، وبأقل جهد. وأصبح امتلاك السلاح، واستخدامه، كوسيلة لحل المشكلات عادة أمريكية تأصلت حتى أصبح عدد قطع السلاح في الولايات المتحدة يتجاوز عدد السكان، وأصبح العنف نموذجاً للحياة في بلاد الحضارة. واستمر المسدس يحكم علاقات الأمريكيين مع العالم، ومع أنفسهم أيضاً. وانتشر العنف ليصبح ظاهرة فريدة في المجتمع الأمريكي بين كل المجتمعات الغربية والشرقية معاً. ولذلك ليس بعجيب أن يجاهر بتقنين العنف سياسي مخضرم مثل (ثيودور روزفلت) الذي يقول: «إذا لم نحتفظ بصفات البربرية فإن اكتساب الفضائل الحضارية سيكون قليل الجدوى» (٢) . ويؤكد (بول وولفويتز) نائب وزير الدفاع الأمريكي في الإدارة الحالية على الرغبة المستمرة في استخدام السلاح لحل كل المشكلات عندما يحدد سياسة وزارة الدفاع الأمريكية قائلاً: «ينبغي منع أية قوة معادية من السيطرة على مناطق يمكن لثرواتها أن تجعل من هذه القوة قوة عظمى. كما ينبغي تثبيط عزيمة الدول الصناعية المتقدمة إزاء أية محاولة منها لتحدي زعامتنا، أو لقلب النظام السياسي والاقتصادي القائم، كما علينا التنبه، والتوقع لأي بروز محتمل لمنافس لنا على مستوى العالم» . والسؤال الهام هنا هو: ما شأن وزارة الدفاع الأمريكية بمصالح الدول الصناعية، أو مناطق الثروات؟ أليس هدف الدفاع الأمريكي هو فقط حماية الأراضي الأمريكية، أم أن البندقية الأمريكية لا تزال هي وسيلة التعامل مع كل مشكلات الدنيا؟ المبادئ أم القوة؟ «لا تحدِّث السياسي الأمريكي عن المبادئ عند الدفاع عن قضيتك؛ فهو قد ضحى بالكثير من المبادئ كي يصل إلى كرسي السياسة الذي دعاك للحديث إليه. إن حديثك عن المبادئ يوقظ في السياسي الأمريكي مشاعر الخجل والإحساس بالنقص، ولذلك يتململ، ويبحث عن أية فرصة للهروب من هذا الحديث المزعج. أما إن حدثته عن القوة في الدفاع عن قضيتك سواء كانت عادلة أم لا.. اهتم بحديثك؛ لأنه لا يستشعر الذنب تجاه استخدام القوة، أو اللجوء إليها لخدمة أي قضية سواء كانت عادلة، أم لا. المهم أن تكون مقنعاً ليس أن تكون عادلاً. وليس مهماً أن تكون قضيتك منصفة، أو أن تكون أنت على صواب فيما تعتقد.. المهم أن تجمع لقضيتك كل عناصر القوة، وأن تكون مستعداً للتضحية من أجل ذلك» (١) . كل شيء يمكن أن يُشترى: يعتقد الأمريكي أن كل شيء من الممكن شراؤه في عالم اليوم، وعالم الأمس أيضاً. لم يرهق المجتمع الأمريكي نفسه في إعادة اختراع الأشياء، أو محاولة الابتكار دون داع. نظر الأمريكي الأول إلى العالم، ونقل، واشترى كل ما يريد، أو اغتصبه.. ليس مهماً تفاصيل ذلك؛ المهم أن الهدف قد تحقق. ذهب الأمريكي إلى أوروبا واشترى، وعاين ما وجد أمامه، واختار ما رآه نافعاً ـ مفيداً ـ أو حلواً، وكان له ما أراد بغير موانع. ولذلك فالسياسة الأمريكية اليوم تحاول دائماً شراء ما تريد إن لم تستطع أن تغتصبه. وهذا ما جرى مثلاً في صفقة تسليم الرئيس الصربي السابق «سلوبودان ميلوسوفيتش» ، وكانت الصفقة بيعاً وشراء ـ تسليماً وتسلُّماً ـ قيمتها بليون دولار. وكان نصيب الولايات المتحدة الأمريكية النقدي في الصفقة ١٨٢ مليون دولار ـ لكن الصفقة جرت تحت إشرافها وإدارتها. وعندما احتاجت أمريكا في نشأتها إلى العمالة الرخيصة، جمعت أيضاً بين الاغتصاب والنهب، وبين الشراء إن لم يتيسر النهب. التعاطف مع المنبوذين: ومن الآثار السياسية للشخصية الأمريكية ما يتعلق بالتعاطف الفطري للشعب الأمريكي مع المنبوذين. فالعقل الجمعي الأمريكي يرى أن المنبوذ ضمن ثقافة معينة، أو مجتمع ما يمر بنفس ما مرت به أجيال المهاجرين الأوائل إلى القارة الأمريكية، ولذلك فلا بد من التعاطف مع دعوته؛ لأن الأجداد مروا بتجربة مثيلة لها، وقد نجح اللوبي الموالي لإسرائيل في استغلال هذه النقطة؛ فبعض الكنائس الموالية لهذا التيار تعقد الكثير من المقارنات بين بداية الحلم الأمريكي، وبين نشأة دولة إسرائيل؛ فكلاهما قام على شعب غريب مهاجر استوطن أرضاً لا يملكها فراراً من الاضطهاد الأوروبي، ويسعى إلى إقامة حضارة جديدة. وكلما كانت ظروفك أصعب كلما تعاطف الأمريكيون معك أكثر، ولذلك نجح في اكتساب الصوت الأمريكي المزارع «كارتر» ، واللقيط «كلينتون» ، والممثل المغمور «ريجان» ، والسكير الذي يعيش على ثروة أبيه «بوش» ، وغيرهم كثير في الحياة السياسية الأمريكية. ٥- فهم الشخصية الأمريكية والتأثير على القرار السياسي: إن حسن فهم الشخصية الأمريكية، ومواطن قوتها وضعفها، ومزاياها السلبية وصفاتها الإيجابية يمكن أن يساهم بشكل هام في وضع التصورات العملية في كيفية التعبير عن قضايانا لدى المجتمع الأمريكي، وكيفية الوصول إلى التأثير على الناخب والمرشح وصانع القرار في الولايات المتحدة، ودفعهم في اتجاه خدمة قضايا الأمة. التأثير على السياسي الأمريكي: السياسي الأمريكي يفكر دائماً في مصلحته الشخصية، وليس في قضية أمتنا سواء كانت عادلة أو غير عادلة. وفي حساب مصالحه السياسية والانتخابية، فإنه يقيم الساحة السياسية والقوى الضاغطة فيها، والإمكانيات المالية، والانتخابية المتوفرة لكل قوة ضغط. فإن كانت قوة ضغطٍ ما لا تملك المال، أو الأصوات الانتخابية؛ فهي قوة مهملة بصرف النظر عن عدالة قضيتها. وإن كانت قوة الضغط، أو اللوبي مجهزاً بالمال، وقادراً على حشد الأصوات الانتخابية؛ فهي قوة هامة لا بد أن توضع في اعتباره عند تحديد موقفه من قضيةٍ ما. التأثير على الناخب الأمريكي: الناخب الأمريكي ليس هو القوة الوحيدة المؤثرة في صياغة السياسة الأمريكية، ولكنه بلا شك قوة فاعلة؛ ففي النهاية هو الذي يصوت، ويختار مرشحيه في دوائر صنع القرار الأمريكي. ولا يقلل ذلك من دور القوى الأخرى كالإعلام، ومؤسسات الضغط السياسي، والشركات الكبرى. ومن خلال فهم الشخصية الأمريكية يمكن أن يتم التأثير عليها سياسياً من خلال المحاور التالية: - العمل من خلال مؤسسات المجتمع المدني، وتقديم نماذج واقعية، وعملية للشخصية المسلمة المتميزة، مما يقاوم الأثر الإعلامي السلبي في تشويه صورة الإسلام، والعرب، والمسلمين في القارة الأمريكية. وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه (معهد زغبي) عقب حرب الخليج الثانية أن طلبة الجامعات الأمريكية هم أكثر فئات المجتمع الأمريكي تعاطفاً مع العرب والمسلمين، وأرجع (معهد زغبي) ذلك إلى كثرة الطلبة العرب والمسلمين في الجامعات الأمريكية. - الاهتمام بالإعلام المحلي لنقل صور إيجابية عن العرب والإسلام والمسلمين، وخصوصاً الجاليات المحلية. وأهمية ذلك تكمن في أن المواطن الأمريكي لا يهتم كثيراً بالسياسة الخارجية، ولكنه يبدي اهتماماً كبيراً بالأمور المحلية. ولذلك فإن التعبير عن قضايا الأمة من خلال صفحات المحليات في الصحف الصغيرة أبلغ أثراً وأكثر وصولاً إلى القارئ الأمريكي. ويكفي أن نعلم أن عدد قراء الصحف المحلية في اليوم الواحد في أمريكا يتجاوز ٥٥ مليون قارئ مقارنة بـ (٥) ملايين قارئ فقط للصحف القومية الكبرى. كما أن الصحف المحلية لا تخضع للهيمنة الصهيونية الموالية لإسرائيل بنفس درجة الصحف القومية. التأثير على العملية السياسية: العملية السياسية الأمريكية مبرمجة، وذات خطوات محددة، ومعروفة مسبقاً لكل من يرغب في المشاركة فيها. ولذلك فنحن لسنا في حاجة إلى الابتكار في هذا المجال، بقدر ما نحن في حاجة إلى الفهم، وحسن استغلال الإمكانات المتاحة لتحقيق أكبر أثر ممكن. - لا بد للعرب والمسلمين من إيجاد قوة ضغط رسمية داخل العملية السياسية الأمريكية، أي إنشاء لوبي عربي إسلامي يتولى حشد الأصوات، والأموال؛ للتأثير السياسي طويل المدى، وليس التأثير الانفعالي رداً على موقف بعينه أو قرار محدد. - الشخصية الأمريكية ترحب بالضغط عليها، ولذلك لا بد لنا من الإصرار على مواقفنا، وحشد الآراء لها، والاستفادة من التيارات الأكاديمية الأمريكية في دعم تصوراتنا. - هناك أهمية كبيرة لإيجاد عدد من المراكز الفكرية، والبحثية المتخصصة في دراسات أمريكا والغرب، ومعرفة طرق التأثير على القرار السياسي الغربي، واستخدام البحث العلمي كأحد وسائل تنظيم المعرفة بالغرب، وحسن استغلالها لما يدفع قضايا الأمة في أروقة السياسة الأمريكية، ويدافع عن مصالحها دولياً وأمريكياً. ٦ - الخلاصة: لقد توقع (جون آدامز) أن أمريكا سوف تسقط إن آجلاً، أو عاجلاً، كما سقطت دولة إسرائيل الأولى، ويهوذا، وأثينا، وروما؛ لأن أمريكا سوف ترفض عبء الحرية، وتستسلم للانحطاط، والرضا عن النفس، وحتى كراهية الذات، وستدخل بعد ذلك في طور الانحدار والسقوط. وقد نعيش عقوداً طويلة ونحن في انتظار تحقق نبوءة انهيار، أو انحدار أمريكا، وستعاني أمتنا طوال هذه العقود من جهلنا غير المسوَّغ، وغير المقنع بالشخصية الأمريكية التي تقود مسيرة العالم اليوم. وبدلاً من الانتظار على مقاعد المتفرجين فلعل الطريق الأمثل هو أن نحاول فهم هذه الشخصية، ونتعامل معها بذكاء، وقدرة على الاستفادة من إيجابياتها، وتجنب سلبياتها، وهو ما يستدعي الاهتمام بموضوع الشخصية الأمريكية اهتماماً مستمراً. إن التعرف المستمر، والمتجدد على شعوب العالم، وأفكاره المختلفة عملية ضرورية لا بد أن يقوم بها الناس ما بين الوقت والآخر، كنوع من الحساب، والمراجعة، والتثبت بالحذف، والإضافة حيال زمن تغير، وواقع يتبدل باستمرار. وإلا فسيكتشف الإنسان في لحظة ما أن الحقائق قد اختلفت، وأن الواقع قد تغير، ونحن قد توقفنا في أحد محطات الماضي في الحكم على الأشخاص والدول والشعوب، وأضحت تصرفاتنا بعيدة كل البعد عن الزمن الذي يحيا فيه العالم، ومن خلاله يعاد صياغة مستقبل البشرية.

стр. 5004

الدور السياسي المؤمل لهيئة العلماء المسلمين في العراق د. أكر م المشهداني بُعَيْدَ غزو العراق، وانهيار النظام السابق، وما حصل من انفلات أمني وشيوع الفوضى والنهب والسلب، وأعمال التصفيات الجسدية التي قامت بها قوى منها من تسللت عبر الحدود المستباحة، ومنها قوى داخلية؛ فضلاً عن حالة السلوك الجمعي التي اتسمت بها تصرفات الغوغاء من العامة في ظل غياب السلطة الأمنية مما ولّد الخشية من ترسيخ وتنامي الفوضى الأمنية نتيجة تقصير متعمد من قوة الاحتلال. لذلك فقد تداعى علماء الدين من خلال المساجد ليأخذوا دورهم (المغيَّب سابقاً) في الشارع العراقي من أجل ضبط الأمن في الأحياء السكنية، وحماية المساجد، وكان لذلك الدور الأثر الكبير والمهم في احتواء الفوضى الأمنية، وحراسة الأحياء، من خلال تجنيد الشباب المتطوعين بمختلف المناطق في تنظيم الدوريات المسلحة والحراسات الليلية لحماية الدور والشوارع والأزقة والمتاجر، واسترجاع الأموال المسروقة التي نهبت من دوائر الدولة، مما عزز من الموقع الاعتباري المؤثر لعلماء الدين كقوة ضبط اجتماعي فاعلة ومؤثرة في المجتمع، وما زال العراقيون يتذكرون جيداً كيف نجحت تلك الجهود العفوية في ضبط الأمن والاستقرار في الأحياء والمدن، بالرغم من غياب الشرطة والسلطة نهائياً، وحظيت مبادرة علماء الدين بتقدير ورضا عموم العراقيين، ورشحتهم كبديل أمين ومقتدر للسلطات المحلية الغائبة. وحين بدأت الأحزاب الوافدة مع دبابات الغزاة المحتلين تمارس دوراً مشبوهاً في محاولة إدارة الشأن الداخلي تحت شعارات ولافتات طائفية وعرقية ومذهبية، مما ينذر بتعميق التفرقة في البلاد وشرذمة العراق، وتفتيت الوحدة الوطنية؛ فقد تداعى علماء الدين العراقيون إلى: تأسيس (هيئة علماء المسلمين في العراق) ،لتكون مرجعية دينية ووعاء ينضوي تحته علماء الدين، بعيداً عن النعرات الطائفية والمذهبية، ومحاولة صادقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووقف تداعي الأوضاع الداخلية، وكان في مقدمة أهداف الهيئة الدفاع عن حقوق الشعب العراقي بكل طوائفه، وكانت للهيئة وما زالت علاقات تنسيقية مع بعض رموز الشيعة، بل انضم تحت لواء الهيئة تيار (الخالصي) المشهور بوطنيته، وأعداد أخرى من علماء الشيعة، وبذلك أكدت الهيئة على الوحدة في مواجهة الاحتلال، وحفل نشاط الهيئة في حماية المساجد وتعميرها، وتنسيق جهود خطباء المساجد من أجل شحذ الهمم الوطنية في مواجهة خطر الاحتلال، إضافة للقيام بالعديد من المهام الضبطية والاجتماعية والإنسانية. ورغم أن الهيئة لم تُسَمِّ نفسها هيئة علماء السنة، بل أسمت نفسها (هيئة علماء المسلمين) إلا أنها استطاعت أن تفرض نفسها بجدارة واقتدار كمرجعية عليا للسنة في العراق، في موازاة المرجعيات الشيعية دون تناحر أو تنافس، ومارست الهيئة أدواراً ثقافية وسياسية وإجتماعية وإنسانية في مختلف محافظات العراق، ومن أعظم امتيازات الهيئة أنها تضم علماء سنة وشيعة وكرد وتركمان وهو ما لا تحظى به أي مجموعة أخرى في العراق اليوم. لم تنجرف الهيئة إلى تكتيكات المرحلة السياسية التي تذرعت بها قوى وأحزاب ذات عناوين إسلامية أخرى تحت حجة أن المشاركة في المجلس هي (فرصة للدفاع عن الشعب العراقي المسلم، والقرب من مصادر القرار) ... لكن تسلسل الأحداث الدامية في العراق أكد خطأ هذا المنهج؛ فالمجلس كان (صناعة أميركية) وليس له إلا أن يكون (أداة) لتنفيذ وترويج المخطط الأميركي؛ فقد سقط المجلس في أول امتحان له حين قرر في يوم تأسيسه ١٢/٧/٢٠٠٣م اعتبار يوم التاسع من نيسان، يوم احتلال بغداد، (عيداً وطنياً للعراق) ، ولم ينفع اعتراض ممثل الحزب الإسلامي في منع المجلس من اتخاذ هذا القرار المشبوه. ثم جاءت أحداث ملحمة الفلوجة تتويجاً لتصاعد المقاومة العراقية، ووجدنا كيف أن أطرافاً كثيرة في مجلس الحكم مارست أدواراً مشبوهة، وكان أغلبهاً (متأمركاً أكثر من الأميركان!) ، وفي الوقت نفسه كانت أحداث الفلوجة امتحاناً عسيراً لمصداقية الحزب الإسلامي العراقي ذي الماضي العريق، واليد النظيفة، وحين رفض أهل الفلوجة أن تمارس أي جهة من (مجلس الحكم) مهما كانت دور الوساطة بين المجاهدين وبين قوات الاحتلال، كانت (هيئة علماء المسلمين) هي المظلة الأمينة والمقبولة والمرحب بها وموضع الثقة من أهل الفلوجة ومجاهديها، ولا يمكن مطلقاً إنكار الدور الذي مارسته قيادة الحزب الإسلامي العراقي مع هيئة العلماء في التوصل لاتفاق الهدنة ووقف النار بين المجاهدين وقوات الاحتلال، والذي كان يشكل انتصاراً سياسياً للمقاومة في إجبارها القوة المتغطرسة الأميركية للإذعان وقبول التفاوض مع المقاومة الجهادية. ولكن ما يجب أن لا يغيب عن البال أن الواقع يؤكد أن أهل الفلوجة المقاومين قبلوا مشاركة ممثلي الحزب الإسلامي كحزب عراقي عريق، وليس باعتباره طرفاً يمثل مجلس الحكم الانتقالي المنحل. ثم جاءت عملية التدخل والمناشدة الإنسانية لإطلاق سراح الرهائن الأجانب الذين كانواً أسرى لدى جهات عديدة من المقاومة العراقية، كانت فرصة لإبراز دور ومكانة هيئة علماء المسلمين، وكلمتها المحترمة والمسموعة لدى المجاهدين الذين قبلوا طواعية نداء الهيئة بإطلاق سراح المرتهنين، بل سلموهم إلى مقر الهيئة؛ بحيث أن أطرافاً من دول المخطوفين بدأت ترسل مبعوثين على مستويات عالية إلى العراق التماساً لتدخل هيئة العلماء في إطلاق سراح المحتجزين، وفعلاً تمكنت الهيئة من إطلاق سراح عدد كبير منهم، مما عزز من مصداقية الهيئة واحترامها، وكونها الصوت الأقرب والأوثق والأصدق لدى المقاومة العراقية المجاهدة، وفي الوقت ذاته رشحها لممارسة دور سياسي، إضافة للدور الإنساني الاجتماعي. وبالرغم من أن هيئة علماء المسلمين وعبر المتحدثين باسمها ترفض أن تدعي دوراً سياسياً في منهاجها، إلا أن واقع الحال ومجريات الأحداث أكدت أن الهيئة مرشحة بكفاءة لممارسة دور سياسي محترم مقبول، وموضع الثقة والاعتبار من عموم الشارع العراقي، وبخاصة أهل السنة، والمعتدلين من الشيعة، وكذلك أنها تصلح ممثلاً ومعبراً عن المقاومة العراقية ليس بالضرورة ممثلاً مباشراً، ولكن من خلال موقعها الاعتباري ومنزلتها في نفوس المقاومين، وثقتهم بها؛ لأن الهيئة لم تتلطخ أياديها بمصافحة المحتلين الغزاة أو الخنوع لإرادتهم، أو ولوج لعبة التكتيكات السياسية المستنكرة التي مارستها أطراف أخرى. ويمكن اعتبار الخطوات التالية التي مارستها الهيئة دليلاً على قدرتها للعب الدور السياسي في المرحلة الحالية والقادمة للأسباب التالية: ١ - أن الهيئة لم تهادن الاحتلال، ولم تدخل في لعبة التكتيكات السياسية، وثبتت على مواقفها الوطنية المعارضة للاحتلال وسمته بالاحتلال ولم تسمه (تحريراً) كما يحلو لأطراف أخرى تسميته، وهذا ما أدى لتعزيز موقع الهيئة وهيبتها في نفوس العراقيين وقبولها مرجعاً لدى أطراف المقاومة العراقية بكل مشاربها وتوجهاتها. ٢ - إن الهيئة وقفت موقفاً واضحاً في رفض مجلس الحكم الانتقالي، واعتبرته صراحة (صنيعة أميركية) ويهدف لتسويغ الاحتلال، وترويج السياسة الأميركية، ورغم أن الهيئة كانت وما زالت على علاقة طيبة بالحزب الإسلامي العراقي، والحزب الإسلامي الكردستاني، إلا أنها عبرت بصراحة عن عدم رضاها عن دخول الحزبين في مجلس الحكم المعين أميركياً، بالرغم من تقدير الهيئة للماضي النظيف للحزبين، وثقتها بنظافة سمعة ممثلي الحزبين في مجلس الحكم. ٣ - الهيئة وقفت بشدة ووضوح ضد موضوع إجراء (انتخابات فورية) في العراق، في ظل الاحتلال، وسطوة الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب الأخرى، وفي ظل الأوضاع الأمنية المضطربة، مما يعني عدم توفير أبسط متطلب من متطلبات الحياد والنزاهة والمصداقية في هذه الانتخابات. والهيئة ترفض قطعاً اتهامات بعضهم الموجهة لأهل السنة أن رفضهم الانتخابات الفورية إنما هو خوف من (التهميش) ، وترى أن قادم الأيام والانتخابات الحرة النزيهة ـ إن كانت نزيهة فعلاً ــ سوف تكشف الأكاذيب. ٤ - لم تختلط على الهيئة استراتيجيات التوجه المصلحي ولا تكتيكات المرحلة، وكان تأكيدها الواضح على المقاومة حقاً مشروعاً وواجباً على العراقيين جميعاً لا ينتظر الفتوى، وشاركت الهيئة في العمل السياسي رفداً للجهود الأخرى، ودرءاً لمفاسد الانعزال عن ساحةٍ أراد الاحتلال من أول يوم تهميش القطاع الذي تمثله هذه الهيئة، والشريحة الأعظم من الشعب العراقي التي تمثلها. ٥ - لم تنجرّ الهيئة إلى اللعبة الطائفية التي ابتدعها (بول برايمر) من خلال نظام المحاصصة الطائفية المشبوهة، ورغم أن الهيئة تعلم علم اليقين أن وصف (السنة) بالأقلية وصف ظالم وغير صحيح، كونهم لا تقل نسبتهم عن ٦٠% من سكان العراق، إلا أن الهيئة بقيت تعتبر الحديث عن (أغلبية) و (أقلية) بين (مسلمي العراق) إنما هي لعبة يريد من ورائها المحتلون تأجيج الخلافات والانقسامات بين صفوف الشعب العراقي، وكان الشيخ حارث الضاري ـ حفظه الله ـ في أكثر من تصريح صحفي قد اعتبر الحديث عن غالبية شيعية بالعراق أنها «دعاية ادعوها.. وسكتنا عن مجاراتها لأسباب وطنية» ، وقوله: «بدلاً من الحديث عن أغلبية شيعية أو سنية ينبغي علينا الحديث عن أغلبية إسلامية ساحقة في العراق حيث المسلمون يشكلون ٩٧% من سكان العراق» وفي هذا تأكيد واضح للوحدة الوطنية والحفاظ على عروبة وإسلامية العراق. ٦ - الموقف الصريح للهيئة من المقاومة، وقد رفضت مطلقاً أن تسمي أعمال المقاومة بالإرهاب، ورفضت تشويه المقاومة كونها مقاومة غير عراقية، بل أصرت على أنها مقاومة عراقية وطنية مجاهدة، وأثبتت الأيام مصداقية موقف الهيئة. كما أن المتحدثين باسم الهيئة كانوا يسمون المقاومين بأنهم (أبناؤنا المقاومون) ، ورفضوا أن يسموا عملية التفاوض بشأن الفلوجة بأنها (وساطة) وقالوا (نحن لا نتوسط بين أهلنا وبين المحتل) . ٧ - الهيئة لم تمارس أي ضجة إعلامية، والتزمت الهدوء والصمت فترة طويلة، ومارست العمل الهادئ المنظم، وبقيت صوتاً واحداً، لم يشذ عنه منشق، أو معارض، وكل الناطقين والمتحدثين عن الهيئة داخل العراق وخارجه يتكلمون بصوت واحد، مما يكرس مصداقية الهيئة وحسن تنظيمها. وأحسن ما قيل عن الهيئة أنها كانت كمن يرتقي جبلاً عالياً بثقة واقتدار وسط الركام السياسي والفكري في عراق ما بعد الاحتلال. ٨ - الهيئة عززت من (حقيقة شعبية) وهي وجوب الاستماع إلى صوت (الأغلبية الصامتة) في العراق، وسط بعض الأصوات المنكرة التي سيطرت على المشهد العراقي وبخاصة عبر وسائل الإعلام خلال الفترة المنصرمة منذ الأحتلال من رموز مجلس الحكم وأحزاب العمالة الذين حاولوا تكريس أهداف وغايات مشبوهة تخدم سياسات الاحتلال. ٩ - الهيئة حذرت بصراحة وما زالت تحذر من خطر التغلغل الصهيوني في العراق المحتل، تحت ستار منظمات البحث والمعلومات، والهيئات الإنسانية، وصفقات عقود ما يسمى (إعادة إعمار العراق) . كما دعت الهيئة إلى مقاطعة البضائع الأميركية والبريطانية؛ لأن ترويجها يساعد القوات الغازية للعراق في جرائمها ضد العراقيين. ١٠ - ترفض الهيئة أن تطرح نفسهاً كبديل سياسي، أو مشروع سلطة، أو حزب سياسي، بل تؤكد أنها هيئة تعمل لتوحيد كلمة العراقيين، ورفض الاحتلال والمطالبة برحيل الغزاة وتسليم السلطة إلى أبناء العراق المخلصين الحقيقيين من خلال انتخابات حرة نزيهة تشرف عليها الجامعة العربية والأمم المتحدة، وتتوفر لها كل الضمانات الأمنية والسياسية. ١١ - تلتقي الهيئة مع دعوة بعضهم في وجوب إقامة مجلس «نيابي حر ومنتخب» لكنها ترى أن أوان قيام هذا المجلس يكون «بعد رحيل الاحتلال» وليس تحت حرابه ورقابة عيونه وضغط ثقله. كما أن الهيئة ترفض تسييس الوزارات، وتدعو إلى أن يديرها التكنوقراط الوطنيون نظيفو السمعة واليد، وترفض الهيئة الممارسات الشاذة التي يمارسها وزراء مجلس الحكم في جعل كل وزارة ضيعة لحزب أو طائفة لوزير، كما أن الهيئة وقفت بوضوح مع سياسة المصالحة الوطنية الشاملة، وترفض بشدة ما سمي بسياسة الاجتثاث. ١٢ - تربط الهيئة بين الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والاحتلال الأميركي للعراق، وترى أن تفاعل العراقيين مع القضية الفلسطينية كان هو السبب الأساس في دفع الصهاينة للإدارة الأميركية إلى غزو العراق، والسعي الواضح إلى تفتيته وتقسيمه وإضعافه كقوة مؤثرة في موازنة القوى تجاه العدو الصهيوني. ١٣ - الهيئة تؤكد على عروبة العراق وكونه جزءاً من الأمة العربية والإسلامية، ووقفت بشدة ضد مشروع الدستور المشوه الممسوخ الذي يجرد العراق من عروبته ودينه، أو تهميش الشريعة الإسلامية التي هي دين الأغلبية العظمى من العراقيين، مع إقرار الهيئة بحقوق غير المسلمين من العراقيين في إطار العراق الموحد. ١٤ - إن الهيئة قدمت إلى مبعوث الأمم المتحدة (الأخضر الإبراهيمي) مشروعاً وبرنامجاً متكاملاً لرؤية عراق ما بعد تسليم السلطة وزوال الاحتلال، وكان هذا المشروع موضع الاحترام والتقدير من قِبَل الأخضر الإبراهيمي. - وبعد: فإن هيئة علماء المسلمين رغم كونها تصرح على لسان ممثليها أنها ليست بديلاً سياسياً، وأنها ليست مشروع سلطة بديلة، إلا أنها في حقيقة الأمر والواقع طرحت نفسها بقوة في الساحة باعتبارها موضع ثقة وتقدير من أغلبية العراقيين، وفيهم نسبة لا يستهان بها من الشيعة والأكراد والتركمان فضلاً عن السنة، لا بل إن الحقائق تؤكد أن عدداً كبيراً من علماء الدين الأكراد والتركمان هم من ضمن أعضاء الهيئة، مما يجعل الهيئة مرشحة بقوة لتكون هي الأكثر قدرة على التعبير عن الصوت العراقي في المرحلة القادمة. ولا شك أن الإدارة الأميركية شعرت بالحرج الشديد من تنامي مكانة الهيئة واحترام العراقيين لها، وخاصة المقاومين منهم، وبدأت تعيد حساباتها المستقبلية في التعامل مع الهيئة، وإذا كان هناك من يتهم المقاومة العراقية بأنها (مشرذمة) و (تفتقر إلى المنهج والبرنامج) فإن هيئة علماء المسلمين يمكنها أن تمارس دوراً سياسياً موضع ثقة واعتراف من العراقيين، وأن تكون الوعاء المعتبر والموثوق لحماية المقاومة العراقية الجهادية، ولساناً ناطقاً بالحق العراقي. ونعتقد جازمين أن المستقبل القريب سوف يثبت ذلك.

стр. 5005

قمة الثماني أيدت الخطة والناتو ترفضها الشرق أوسطية مطلب صهيوني ومصلحة أمريكية رجب الباسل - د. حسن أبو طالب: أمركة المنطقة ستكون قسراً وطوعاً. - د. هيثم الكيلان ي: الضعف العربي ساعد أمريكا على فرض تصوراتها علينا. - د. أحمد يوسف أحمد: الطابور الخامس الأمريكي الخطر الأكبر على أمتنا. - د. عبد الله خطاب: المصلحة الصهيونية والأمريكية الهدف الأكبر للشرق أوسطية. - د. عمرو عبد الكريم: صفقة غير مكتوبة تمت في قمة الثماني مع الأنظمة الحاكمة. - عادل الأنصاري: العقيدة تلعب دوراً لا يمكن إغفاله في الهجمة الأمريكية على المنطقة. انعقدت خلال يومي ٦ ـ ٧/٦/٢٠٠٤م إحدى أهم قمم الثماني من حيث تأثيرها، وانعكاساتها على الوضع في العالم الإسلامي أو الشرق الأوسط الكبير وفقاً للمصطلح الأمريكي الجديد. حيث تبنت القمة مبادرة الرئيس الأمريكي وخطته للشرق الأوسط الكبير التي تقوم على ثلاثة أركان هي: «التعليم، والإصلاح الاقتصادي وتطوير القطاع الخاص، وتقوية المجتمع المدني» . وهي عناوين براقة لأهداف خبيثة تستهدف تغيير ثقافة المنطقة إن لم يكن عقيدتها تحت دعوى الإصلاح التي تحتاجها المنطقة بالفعل، ولكن ليس وفقاً للأجندة الأمريكية. فإصلاح التعليم الذي تطلبه الإدارة الأمريكية يهدف إلى تغيير المناهج بإلغاء كل ما يتعلق بمفاهيم الجهاد والمقاومة والعداء للمشروع الصهيوني، وتغيير وضع المرأة في المجتمعات العربية بمنحها مزيداً من الحرية وخاصة في الشأن الاجتماعي والشخصي برفع سن الزواج وتشجيع العلاقات الجنسية خارج النطاق الشرعي، وإلغاء القوانين المقيدة لذلك، وتوفير مِنَحٍ للطلاب لاستكمال تعليمهم في الولايات المتحدة وفي الجامعات الأمريكية الموجودة في المنطقة وفقاً لمنظومة التعليم الأمريكية. ولقد تراجعت الإدارة الأمريكية فعلاً عن مبدأ فرض الإصلاح السياسي على الأنظمة، وتبنت مقابل ذلك مبدأ الشراكة مع العرب، وهو ما أعلنه وزير الخارجية الأمريكية (كولن باول) في الاجتماع التحضيري لقمة الثماني الذي عقده وزراء خارجية هذه الدول الصناعية الكبرى في ١٤/٥/٢٠٠٤م «أن وزراء الخارجية قد ناقشوا مبادرة للعمل من خلال الشراكة مع الحكومات ومجتمع رجال الأعمال والمجتمع المدني في الشرق الأوسط من أجل مساعدة عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي من خلال برامج قائمة بالفعل، وبرامج جديدة على حد سواء» . - أفكار سابقة: لم تكن مبادرة الرئيس الأمريكي (بوش) لشرق أوسط جديد ـ التي تبنتها قمة الثماني ـ هي الأولى؛ فقد سبقها عدة اقتراحات للشرق الأوسط تهدف إلى حماية المصالح الأمريكية في المنطقة وإدماج الكيان الصهيوني، وبدأت بمشروعات اقتصادية مثل: مشروع جامعة (هارفارد) الذي يقوم على فكرة إقامة منطقة حرة بين الكيان الصهيوني وفلسطين والأردن تبدأ بإنشاء (بنك الشرق الأوسط للتعاون والتنمية) بتمويل من البنك الدولي للدول الثلاث، ثم يتوسع ليشمل باقي المنظقة، وكذلك دراسة للبنك الدولي تقوم على تحقيق إصلاحات اقتصادية جريئة داخلية، وتحقيق تعاون إقليمي بين دول المنطقة ـ ومنها الكيان الصهيوني ـ يرتكز على الاقتصاد الحر وتوفير دعم دولي للتخفيف من عبء التكاليف الانتقالية، وتكملة الموارد المحلية. - مطلب صهيوني: يقول الدكتور (عبد الله شحاتة خطاب) مدرس الاقتصاد بجامعة القاهرة: «ظل الكيان العبري حتى معاهدة السلام الصهيونية ـ المصرية مرفوضاً ومنبوذاً من الدول العربية والإسلامية في الإقليم المشار إليه الشرق الأوسطي، ومن ثَمَّ فإن فكرة قيام أي صورة من صور التعاون بين دول المنطقة وإسرائيل لم تلق قبولاً في العقلية العربية والإسلامية؛ لدرجة أن السلام المصري ـ الصهيوني سمي بالسلام البارد؛ حيث لم تصل حدود التعاون إلى ذلك الحد المأمول، ولم يزد حجم التبادل التجاري بين مصر والكيان الصهيوني في التسعينيات ـ باستبعاد البترول ـ عن ٤٠ مليون دولار» ، ويضيف شحاتة: «إنه في ظل الرفض العربي والإسلامي ـ الذي بدأ برفض فكرة الدولة العبرية منذ عهد السلطان عبد الحميد مروراً برفض قرارات التقسيم ظل حلم الاندماج في المنطقة العربية يراود قادة وآباء الحركة الصهيونية والكيان المستزرع وإن اختلفت الرؤى حول ماهية الاندماج في المنطقة» . - مخاطر الأوسطية: يرى الدكتور (أحمد جمال الدين موسى) أستاذ الاقتصاد بجامعة المنصورة في دراسة له بعنوان: «مشروع السلام والتمويل الخارجي للتنمية» أن أهم انتقادين لفكرة السوق الشرق أوسطية ـ أحد أهداف مبادرة الثماني ـ هما: ١ - أن الفكرة اختراع صهيوني تستهدف إنعاش الاقتصادالصهيوني أولاً، وتمكينه بعد ذلك من ممارسة دور السيطرة والهيمنة على المنطقة كلها. ٢ - أن الفكرة تقوم في نظر مؤيديها كبديل للنظام العربي؛ كما أنها جزء من خطة الولايات المتحدة لإعادة رسم الشرق الأوسط، كما أن الشرق أوسطية كذلك تطمس هوية المنطقة؛ بحيث تنزع عنها خصوصياتها العربية والإسلامية، ومن ثم تصبح محيطاً جغرافياً لا علاقة له بالإنسان، أو التاريخ. أما الدكتور (زكي حنوش) الأستاذ بجامعة حلب السورية في دراسة بعنوان (الشرق أوسطية والشراكة المتوسطية) فإنه يرى أن مخاطر الشرق أوسطية تكمن في أهدافها وهي: ١ - تأمين السيطرة على النفط والتحكم في أسعاره. ٢ - إخماد النزاعات والصراعات الداخلية والإقليمية خاصة الصراع العربي الصهيوني وفق الرؤية الصهيونية. ٣ - إعادة تعريف الدور الحيوي للكيان الصهيوني في الاستراتيجية من رديف استراتيجي لأمريكا خلال الحرب الباردة إلى وكيل تجاري وحضاري، وقوة ردع ضد الإسلام (حسب بيريز) الذي يرى أن على الغرب أن يقف وراء «إسرائيل» واعتبارها الحاجز للإسلام والواقي لأوروبا ضد زحفه وعدوانه. ٤ - إعادة النظر في هندسة المنطقة لتفكيكها وربطها وفق الاستراتيجية الأمريكية الحالية؛ ومن هنا الحديث عن الانتماء الشرق أوسطي مقابل الدائرة الحضارية العربية والإسلامية. - أسباب خفية: الخبير الاقتصادي (عبد الحافظ الصاوي) يرى أن المبادئ الاقتصادية التي تم طرحها في مبادرة قمة الثماني من أجل الإصلاح لا يجب النظر إليها في إطار اقتصادي ضيق؛ فالقضية أكبر من ذلك؛ حيث لها بُعْدٌ حضاري يسعى من خلال أطروحات الشراكة المقترحة أو المعمول بها إلى تأمين مقومات استمرار الحضارة الأوروبية وتقدمها، وتهميش مخاطر الهجرة القادمة من دول جنوب المتوسط؛ فالغرب يرى أن الكثافة السكانية العالية في العالمين العربي والإسلامي ـ خاصة جنوب المتوسط ـ مع ارتفاع نسبة البطالة إضافة لوجود خطوط الاتصال والقرب الجغرافي من أوروبا يؤدي ذلك كله إلى زيادة معدل الهجرات وتهديد الأمن الأوروبي من دول جنوب المتوسط. ويضيف الصاوي أن الدعم المقترح الذي ستقدمه مبادرة قمة الثماني هو للمشروعات الصغيرة، ولسيدات الأعمال، وللقطاع الخاص. والهدف من ذلك ـ كما يرى الصاوي ـ هو رغبة الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة في تقديم نوع من الدعم للدول العربية والإسلامية لا يصل بها إلى مرتبة الند المشارك للدول الكبرى؛ فهو دعم هام لسد الرمق ـ لمنع الهجرة والإرهاب ـ لا الوصول لحالة الشبع ومن ثم النِدِّية والقوة؛ وكلاهما مرفوض. - لماذا الشرق أوسطية؟ يقول الدكتور (حسن أبو طالب) رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي: «إن المنظور الأمريكي لتغير النظام العربي ينطلق من أن المنطقة بعيدة تماماً عن الأسس التي قامت عليها الحضارة الغربية خاصة والغربية عامة، هذا الاختلاف الحضاري والقيمي تحوَّل من وجهة النظر الأمريكية بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠١م إلى مصدر تهديد خطير بعد أن وفر بيئة تنتج الإرهاب والعنف والدعوة إلى الجهاد ومنازلة الحضارة الغربية، ومن ثم بات العمل على محاصرة هذا التهديد ذا أولوية قصوى، وهو ما لا يأتي إلا عبر تغيير أسس الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية لأهل هذا المنطقة، وبما يترتب عليه توافق تام مع أسس الحضارة الأمريكية والغربية. وعن آليات هذا التغيير الحضاري والقيمي يقول أبو طالب: هناك نوعان من الآليات: الأولى: آليات تغيير سلمية يمكن أن تقوم بها دول المنطقة بمفردها أو بمساعدة مباشرة من المؤسسات الأمريكية، أو بالأمرين معاً؛ وذلك لمساعدتها على إجراء التغييرات المطلوبة في نظمها التعليمية، والإعلامية، وأوضاعها السياسية، والاقتصادية على النحو الذي يتماشى مع الرؤية الأمريكية؛ وذلك بالتنسيق مع حكومات تلك الدول، وعبر المنح والمعونات، وبرامج الشراكة الاقتصادية. الثانية: آليات غير سلمية تتمثل في عقوبات اقتصادية وضغوط سياسية متنوعة المستويات، وضغوط عسكرية عبر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها بالفعل خاصة تجاه الدول العربية غير الصديقة، مثل: ليبيا، والسودان، وبدرجة أقل سوريا ولبنان. وحول إمكانية تكرار ما حدث ضد العراق مع دول عربية أُذن لتحقيق التغيير المنشود من المنظور الأمريكي. يقول أبو طالب: «الأسلوب الهجومي لن تقتصر نتائجه على العراق وحسب، بل سيمتد إلى جيرانه المباشرين وإلى ربوع المنطقة ككل» ، ويضيف أبو طالب أنه رغم أن هناك نفياً رسمياً بأن يكون العراق مجرد خطوة أولى في سلسلة طويلة من عمليات التدخل العسكري التي تستهدف دولاً أخرى إلا أن الخطاب الرسمي الأمريكي لا ينفي أن مجرد النجاح في العراق وتكوين حكومة صديقة أو بالأحرى عميلة على أن تكون ملتزمة بحسن الجوار، وإقامة نظام سياسي تعددي ديمقراطي، سيكون بداية لسلسلة من التغييرات الأخرى في المنظقة سواء عبر عملية «الانتشار التأثيري» أو وفق «نظرية الدومينو» الشهيرة. ويرى أبو طالب أن كلمات (باول) أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأمريكي يوم ٦/٢/٢٠٠٣م الأوضح في مسألة إصرار إدارة بوش على إجراء تغييرات تتلاءم مع السياسة الأمريكية ومصالحها البعيدة والقريبة على السواء. ووفقاً (لباول) فإن الحملة العسكرية على العراق سوف تتيح لبلاده إجراء تغييرات جذرية في الشرق الأوسط، وحل المشكلة الفلسطينية، وتأمين المصالح الأمريكية في المنطقة على المدى البعيد. - الهدف المنشود: أما التغييرات المطلوبة طبقاً للرؤية الأمريكية فهي كما يرى أبو طالب تتلخص في: - إطلاق عملية تغيير سياسي في معظم الدول العربية؛ حتى تكون موالية للقيم الغربية. - إعادة صياغة التوازن الإقليمي والعربي بطريقة شاملة تبدأ باعتراف الحكومة العراقية الجديدة بالكيان الصهيوني، أو إقامة تحالف (عراقي ـ صهيوني ـ أمريكي) وهو الأمر الذي سينطوي على تغيير شامل في منظومة العلاقات العربية والإقليمية معاً للتمهيد عملياً لإقامة النظام الشرق أوسطي بديلاً للنظام العربي. - إتاحة المجال أمام تطبيق التصورات الأمريكية الخاصة بإعادة هيكلة العراق وفقاً للنموذج الألماني والياباني (المركز العسكري الأمريكي طويل المدى) . - تحول العراق إلى قاعدة نفوذ أمريكي من الدرجة الأولى للضغط على الدول العربية الأولى. - تسوية القضية الفلسطينية وفقاً للرؤية الأمريكية والصهيونية. - ضمان السيطرة على النفط العربي والضغط به على الدول الأخرى. - لماذا الآن: الخبير الاستراتيجي السوري (د. هيثم الكيلاني) يرى ملامح الخارطة الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط والمتمثلة في إدماج الكيان الصهيوني في المنطقة، والتي بدأت بمؤتمرات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في (الدار البيضاء ١٩٩٤م وعمان ١٩٩٥م والقاهرة ١٩٩٦م والدوحة ١٩٩٧م) وكذا تقويض النظام الإقليمي العربي المتمثل في الجامعة العربية ـ يرى أنها جاءت في هذه المرحلة لعدد من العوامل أهمها: ١ - مضى أكثر من ٨٥ عاماً على آخر خريطة للمنطقة (سايكس ـ بيكو) التي كانت بين بريطانيا وفرنسا. ٢ - الوضع العربي الراهن الضعيف يجعل البيئة مناسبة لطرح مشروع الخارطة الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط؛ إضافة للثروة العربية (النفط ـ الغاز) . - لماذا المسلمون؟ أما عن أسباب الاستهداف الأمريكي للمنطقة عسكرياً وسياسياً؛ فإن الكاتب الصحفي المصري (عادل الأنصاري) يرى أن بين الأسباب التي كانت وراء الرغبة الأمريكية في طرح الشرق الأوسط الكبير.. هي إخفاق الأنظمة العربية التي عول عليها النموذج الأمريكي الكثير في تحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية على الوجه الأمثل، ومن أبرز ملامح هذا الإخفاق: - عدم القدرة على تحقيق الأمن الكامل للكيان الصهيوني، وقد بدا هذا واضحاً في عجز الأنظمة العربية عن إبرام اتفاقيات سلام حقيقية وفاعلة مع الكيان الإسرائيلي تتسم بصفة الشعبية والجماهيرية. - عدم قدرة الأنظمة العربية على إقناع شعوبها بضرورة ووجوب قبول الكيان الإسرائيلي في المنطقة؛ ليس فقط من خلال اتفاقيات وتعايش سلمي، ولكن من خلال إعادة هيكلة المنطقة في صورتها الجديدة التي تقود قاطرتها دولة الكيان الإسرائيلي. - تفوق المشروع الثقافي الإسلامي على المشروع العلماني على المستوى الشعبي بصورة واضحة رغم عمليات الإجهاض المستمرة على كافة المستويات من قِبَل الأنظمة الحاكمة، ورغم التغاضي الهائل عن الانتهاكات الشاسعة والواسعة لحقوق الإنسان من جانب الولايات المتحدة، ورغم هذه الانتهاكات من جانب الأنظمة، والتغاضي من الجانب الآخر؛ فإن التأييد الشعبي للمشروع الإسلامي أصبح لافتاً للنظر ومتعاظماً على الاحتواء. - ازدياد الهواجس لدى الولايات المتحدة من عدم القدرة على الحفاظ على الثروات البترولية العربية الهائلة بما تشكله من احتياطات كبيرة. - بروز بعض المطامع الشخصية لدى بعض الأنظمة العربية، ومن أبرزها أطماع النظام العراقي السابق في الاستيلاء على الكويت. - عجز الأنظمة العربية عن القضاء على البيئة التي ينمو فيها فكر العنف المسلح، رغم نجاح بعض الأنظمة العربية في كبح جماح هذه الجماعات ذات المرجعيات الإسلامية؛ وهو الأمر الذي وصل إلى خروج الأمر عن السيطرة لتتطور الأحداث وتصل إلى قمتها مع أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م. ويضيف الانصاري: إزاء معركة حقيقية تستهدف الهيمنة الاستعمارية على بلادنا العربية والإسلامية وامتصاص ثرواتها وتحقيق أقصى فائدة ممكنة من إمكاناتها ومقدراتها، وهي معركة تلعب العقائد فيها دوراً لا يمكن إغفاله من خلال: - قناعات فكرية لدى طائفة وجدت لها مكاناً في مقدمة المعركة داخل الإدارة الأمريكية. - حافز معنوي لمعارك استعمارية تستهدف تحقيق استفادة لقطاعات رأسمالية داخل المجتمع الأمريكي، وتفتقد إلى الشرعية الدولية والأسس الأخلاقية؛ لذا يطفو على السطح الحافز الديني ليملأ فراغاً. - مخاوف من طبيعة العقيدة الإسلامية التي ترفض الخنوع، وتفهم عبادة الله على أنها تتنافى مع عبادة وطاعة مَن سواه. - خلاف فكري مع معطيات الشريعة الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بالمعاملات. - رفض الشعوب الإسلامية لهيمنة أي دولة غير إسلامية؛ إدراكاً منها أن الهيمنة الاستعمارية تنطوي على تراجع ثقافة وعقائد البلاد الواقعة تحت الاحتلال أو الاستعمار لحساب ثقافة المستعمر، وهي معادلة طبيعية ومنطقية. - معركة استعمارية تستهدف الحفاظ على السيطرة الأمريكية على العالم بعد الفراغ من كتلة رئيسية تملك من المقومات العقائدية الثقافية ما يدفعها إلى رفض الهيمنة والاستعمار. - إن البلدان العربية والإسلامية هي الحلقة الأكثر خطورة في طريق الولايات المتحدة لقيادة العالم؛ فرغم إمكانية احتواء هذه المنطقة من خلال أنظمة ديكتاتورية يمكنها أن تقمع شعوبها لتذليل العقبات وتحقيق المصالح الأمريكية؛ فإن الواقع يؤكد أن هناك صعوبات بالغة تكتنف إقناع الشعوب بهذه الهيمنة الاستعمارية واستمرارها. - إن أوروبا تشعر أنها والولايات المتحدة جزء من حضارة واحدة، وإن تباينت المصالح أحياناً، إلا أنهما في نهاية المطاف يتفقان بصورة كبيرة. - معطيات الواقع تؤكد أن الهيمنة الأمريكية بصورتها الشاملة لا تستثني قُطراً أو دولة من الدول في المنطقة، وأنها ترشح عدداً من الدول العربية والإسلامية للغزو المباشر، بينما ترشح دولاً أخرى للغزو بالوكالة من خلال دول أخرى، وتفرض وجودها من خلال القواعد العسكرية على بعض البلدان دون معارضة من أولي الأمر في تلك البلدان، ودون حاجة إلى غزو عسكري. أما ما تبقى فربما تتراجع أهميته الاستراتيجية أو تقل المخاوف منه، إلا أن الجميع مشمول بالهيمنة الثقافية والفكرية والأخلاقية كإجراء وقائي يضمن عدم الخروج من بيت الطاعة الأمريكي. - رؤية أوروبية: أما الكاتب الفرنسي (إيمانويل تود) في كتابه «بعد الإمبراطورية» الذي صدر عام ٢٠٠٢م؛ فإنه يرى أن سبب الاستراتيجية الأمريكية للمنطقة «يعبر عن تخوف من إقصاء أكثر منه قدرة على توسيع الإمبراطورية، ويكشف قلق أمريكا أكثر مما يعبر عن قوتها؛ فالتركيز على العالم العربي يفسر أساساً بضعف هذا الأخير الذي يفتقر إلى وجود دولة قوية فهو بطبيعته كبش فداء؛ وعليه فالعالم العربي يعد مسرحاً لاستعراض قوة أمريكا التي بمقدورها أن تحقق فيه انتصارات تذكر سهولتها بألعاب الفيديو؛ فالعرب يعامَلون بسوء؛ لأنهم ضعفاء، ولأن لديهم النفط، ولأنه لا يوجد لوبي عربي فعال في اللعبة السياسية الداخلية الأمريكية» . فأمريكا طبقاً لـ (تود) دخلت مرحلة انكشاف القوة والتحول التاريخي من قوة عظمى إلى قوة كبرى وتفكك النظام الأمريكي؛ حيث أصبحت أمريكا بحاجة إلى العالم أكثر من حاجة العالم إليها. ويؤكد أن «أمريكا لم تعد الأمة الكبرى كما كانت في السابق؛ وأن نظامها الديمقراطي في أزمة، ولذا فهي تحاول أن تحافظ، على هيمنتها، وشرعيتها وتسوِّغ ذلك باستهدافها بلداناً قليلة الأهمية اقتصادياً وعسكرياً؛ فلذلك يمكن أن نفهم أسباب الاحتلال الأمريكي للعراق طبقاً لـ (تود) : «لقد قفز العجز التجاري الأمريكي من ١٠٠ إلى ٤٥٠ مليار دولار سنوياً، ولم تعد أمريكا قادرة على العيش من إنتاجها وحده» . ويضيف (تود) : «إن الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وسياستها حيال العراق وإيران لا تستهدف التحكم في الطاقة الموجهة لأمريكا ـ وإن كانت حاجتها إليها في تزايد ـ وإنما الموجهة للعالم خاصة أوروبا واليابان» . - صفقة غير مكتوبة: يقول الدكتور (عمرو عبد الكريم) الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية: «إن ما تم في قمة الثماني صفقة غير مكتوبة بين الدول الصناعية الكبرى والأنظمة في المنطقة العربية والإسلامية راعت القمة بموجبها تحقيق مصالحها في المقام الأول؛ حيث تنازلت القمة عن شرط الإصلاح السياسي ـ الذي يغضب الأنظمة، ويمكن أن يجعل الإسلاميين بديلاً محتملاً لها ـ مقابل التزام الأنظمة الحالية بالاستجابة لمقررات القمة خاصة في مجالات التعليم والمرأة والانفتاح الاقتصادي. ويضيف د. عبد الكريم أن الطرح الرائج حالياً أنه إذا حدث انفتاح سياسي في المنطقة العربية والإسلامية فإن النتيجة المتوقعة هي وصول الإسلاميين للحكم في أغلب دول تلك المنطقة، وهو الأمر الذي يعني أن هؤلاء لن يحموا مصالح الغرب في بلادهم، والغرب من جانبه ـ وعلى رأسه الولايات المتحدة ـ يهمهم مصالحهم في المقام الأول وليس الديمقراطية؛ فالطرح الأمريكي هنا للإصلاح ـ الكلام لعبد الكريم ـ أساسه مصلحي وليس مبادئياً؛ بمعنى أن المصلحة هي الأساس في طرح مبادرة الإصلاح وليس المبادئ. فالإصلاح تم طرحه للتنفيس عن الشعوب للخروج من حالة الاحتقان السياسي والاقتصادي التي تعانيها المنطقة؛ ولمنع انفجاره باتجاه الغرب في شكل هجرات غير شرعية وإرهاب من جانب، ومن جانب آخر استخدام هذه المبادرة كـ (فزَّاعة) للأنظمة في المنطقة للضغط عليها لتحقيق ما تريده الولايات المتحدة؛ والهدف في النهاية ليس الإصلاح، ولكن إعادة رسم خرائط المنطقة سياسياً وجغرافياً وقيمياً بما يحقق مصالحها. وحول أدوات تلك المبادرة يقول د. عبد الكريم إن الولايات المتحدة تستخدم الأمم المتحدة كأداة من أدوات تحقيق أهدافها؛ وذلك للترويج لمنهج الحياة الأمريكي بأنه ينبغي أن يسود؛ فبعدما كان هذا المنهج طبقاً (لبوش الأب) في قمة (ريو دي جانيرو) عام ١٩٩٢م مبادئ غير قابلة للتفاوض فإنها بعد أحداث ١١ سبتمبر ومع (بوش الابن) أصبحت منهجاً مفروضاً ومعياراً يتم القياس عليه والعودة إليه. - ما العمل؟ يرى (الأنصاري) أن الأمة العربية والإسلامية بحاجة للقضاء على التخلف الإيماني ببث روح الإيمان والجهاد في النفوس، وكذا على التخلف في مجالات المعرفة والتقنية والإعلام، ولكن على أسس إسلامية نابعة من عقيدتنا وهويتنا الإسلامية. أما الدكتور (أحمد يوسف أحمد) مدير معهد البحوث والدراسات العربية فيرى أن هناك عدداً من الخطوات يجب اتخاذها تبدأ بضرورة التحليل الموضوعي الأمين لما جرى في العراق، ثم التصدي الحازم للحرب النفسية الراهنة ضد الأمة، وكذا ضرورة التصدي الحازم للوبي الأمريكي في الوطن العربي أياً كانت الأشكال التي يتخذها والمنابر التي يطل علينا منها؛ حيث بشروا بالتفوق الأمريكي الساحق على العراق قَبْل الحرب كسراً لإرادة المقاومة، والآن يشغلون أنفسهم بمتطلبات الحرب النفسية ضد ما بقي من إرادة الأمة والترويج للمستقبل الأمريكي للوطن العربي الذي يزعمون أنه مستقبل ديمقراطي مزدهر سياسياً واقتصادياً. ويضيف أحمد أنه يجب أيضاً ممارسة أقصى قدر من الضغوط على النظم العربية الحاكمة من أجل رفع مستوى أدائها إلى السقف الممكن، والتصدي للهجمة الواضحة على الجامعة العربية، والنظر فوراً في تفعيل النظام العربي غير الرسمي (الشعبي) والسعي إلى بناء الجسور مع القوى المناهضة للعدوان مع العمل على مواجهة ثقافة الهزيمة بثقافة المقاومة. مقررات قمة الثمانى بدأت قمة الثماني يوم ٦/٦/٢٠٠٤م ولمدة يومين بالولايات المتحدة الأمريكية بحضور رؤساء دول وحكومات (الولايات المتحدة ـ بريطانيا ـ فرنسا ـ كندا ـ روسيا ـ إيطاليا ـ اليابان ـ ألمانيا) وبدعوة رؤساء وملوك دول (أفغانستان، الجزائر، البحرين، الأردن، تركيا، اليمن، العراق) . تبنت القمة مبادرة بعنوان (مبادرة من أجل التقدم والمستقبل المشترك مع الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا) . وافقت الدول الثماني على: - تأسيس «منتدى من أجل المستقبل» سيجمع معاً في منتدى واحد وزراء الدول الثماني ودول المنطقة للشؤون الخارجية، والاقتصاد، ووزراء آخرين من أجل مناقشات منتظمة حول الإصلاح، مع قادة أعمال ومجتمعات مدنية مشتركة في حوار مواز. وسيعقد الاجتماع الافتتاحي للمنتدى في خريف عام ٢٠٠٤م. - تبني «خطة دعم» تقدم مساعدة عبر مبادرات جديدة: - حوار مساعدة ديمقراطية يجمع بين مؤسسات ديمقراطية، ومجموعات مجتمع مدني، وحكومات من الدول الثماني والمنطقة، ودول أخرى لترويج وتقوية المؤسسات الديمقراطية، وتنسيق واقتسام معلومات عن برامج حول الديمقراطية، وتدشين برامج جديدة حول الديمقراطية. - مبادرة تمويلات صغيرة لتمكين أكثر من مليوني شخص من تنفيذ مشاريع تجارية حرة. - مبادرة التعليم بما في ذلك تدريب فريق من ١٠٠,٠٠٠معلم بحلول عام ٢٠٠٩م. - مبادرة تدريب أصحاب الأعمال الحرة لمساعدة ما يصل إلى ٢٥٠,٠٠٠ مغامر في الأعمال، خصوصاً النساء، وتوسيع فرصهم للتوظف. - مرفق لتنمية المشاريع الخاصة في مؤسسة التمويل الدولي لاستثمار مبلغ ١٠٠ مليون دولار في تمويل مشاريع صغيرة ومتوسطة الحجم. - شبكة من الصناديق المالية لتنسيق عمل مؤسسات التنمية والمؤسسات المالية الدولية العاملة في المنطقة. - فريق عمل خاص للاستثمار لمساعدة جهود المنطقة لتحسين جو الأعمال. - دعم جهود المنطقة لتعزيز حرية التعبير والفكر والعقيدة، ولتشجيع وسائل إعلام مستقلة، بما في ذلك: رعاية التبادلات والتدريب والمنح الدراسية للصحفيين، وتشمل نشاطات مجموعة الثماني.

стр. 5006

المسلمون في الغرب تحت المجهر الأمني يحيى أبو زكري استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية وعبر أجهزتها الأمنية بمختلف عناوينها أن تنقل الهاجس الأمني الكبير الذي يتحكّم في مسلكيتها السياسية، والذي أوجدته أحداث سبتمبر / أيلول إلى العواصم الغربية التي راحت أجهزتها الأمنية ترتّب أوراقها وتفتح كل الملفات القديمة والجديدة، وتعيد رسم خريطة وضع المسلمين تحت المجهر في هذا البلد الغربي وذاك. وإذا كانت العواصم الغربية تبدي احترامها لحقوق الإنسان وقوانين الدمقرطة السائدة فيها، إلاّ أنّها لا يمكنها الإفصاح عن الترتيبات الأمنية المتخذة، والخطوات المدروسة لمراقبة تحركات المسلمين؛ وتحديداً الملتزمين والحركيين منهم. والخطوات المتخذة لوضع المسلمين تحت المجهر كثيرة، ومنها: المعروف أنّ المسلمين في الغرب حصلوا على حقّ الإقامة في الغرب؛ إمّا عن طريق اللجوء السياسي وإما الإنساني، وهؤلاء الأغلبية، وتتوفّر ملفاتهم على تفاصيل مملّة عن ماضيهم السياسي والحركي والفكري والانتماء الديني، وكل الملفات موجودة لدى دوائر الهجرة والأجهزة الأمنية، وهذه الملفات مفتوحة دوماً لتضاف إليها كل النقاط الصغيرة والكبيرة من المهد وإلى اللحظة الراهنة المتعلقة بهذا اللاجئ. وللإشارة فإنّ كل لاجئ حصل على حقّ الإقامة في هذه الدولة الغربية أو تلك له مسؤول يتابع أخباره من الجهاز الأمني في هذا البلد أو ذاك دون أن يعرف اللاجئ ذلك. وإذا احتاج هذا الجهاز الأمني إلى معلومة أو استكمال البحث في شأن تقرير وارد من دولة غربية أو عربية بشأن هذا الشخص؛ يقوم هذا المسؤول باستدعائه بطريقة مؤدبة طبعاً، وبأسلوب مغاير لأساليب الأجهزة الأمنية في البلاد العربية. وبقية المقيمين المسلمين أو المتجنسين فإنهم حصلوا على الإقامة عن طريق الزواج أو جمع الشمل وما شابه، وحتى ذلك هؤلاء لهم ملفات كاملة في دوائر الهجرة التي هي واجهة للأجهزة الأمنية، ومن ثم فإنّ ملفات المسلمين مفتوحة ومعروفة بدقّة للأجهزة الأمنية التي تقرر فيما بعد مَن الأوْلى بالمراقبة والتنصت على مكالماته وتتبّع تحركاته. وبعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول باتت الأجهزة الأمنية الغربية تعمل بمقتضى قانون الإرهاب الذي أطلق يدها، وعندما تقرر الدوائر الأمنية وضع شخص ما تحت المجهر أو مجموعة بكاملها؛ فإنّها تسخّر كل الإمكانات للتقصّي عنه، وقد سمحت لها التقنية الأمنية المتطورة بمعرفة أدق التفاصيل المتعلّقة بهذا الشخص أو المجموعة: بمن يتصل هذا الشخص، ولمن يرسل البريد الإلكتروني، وأي الرسائل يستقبل، ومتى يخرج من بيته، ومتى يوجد في هذا المسجد أو ذاك؟ وما إلى ذلك من التفاصيل الدقيقة. وأحياناً تستعين الأجهزة الأمنية الغربية بأشخاص عرب ومسلمين لجمع تقارير عن هذا أو ذاك، وكثيراً ما توظّف الأجهزة الأمنية الغربية عرباً ومسلمين لجمع معلومات عن إخوانه العرب والمسلمين مقابل مكافآت مادية أحياناً، أو مقابل الغضّ عن بعض الانتهاكات للقانون الغربي التي يقترفها هذا العميل في مجال تسديد القروض، أو التحايل على مؤسسات الدولة، وما إلى ذلك. وأثناء قيامنا بهذا التحقيق صرح العديد من المستجوبين الإسلاميين بأنّ أجهزة الاستخبارات الغربية كانت تعرف عنهم كل صغيرة وكبيرة، حتى في بعض التفاصيل التي كان على علم بها أشخاص من الدائرة الضيقة من رحم هذا الشخص أو ذاك. وقد روى شخص شيعي من العراق حقق معه جهاز أمني غربي أنّه سُئل عن «المقلَّد» الذي يقلّده: هل هو السيستاني أو باقٍ على تقليد أبي القاسم الخوئي! وبالإضافة إلى هذه الأساليب؛ فإنّ معظم المساجد والمراكز الإسلامية مرصودة بشكل كامل، ويتم التنصّت على مجمل المكالمات التي ترد إلى المسجد أو تخرج منه، بالإضافة إلى المؤتمرات الإسلامية التي تقام في هذه العاصمة الغربية أو تلك. وإذا شعر هذا الجهاز الأمني بأنّ هذا المسلم مهم ويملك معلومات معينة؛ فإنّه يُتنصّت عليه لكي تمتص معلوماته دون أن يشعر، وأحياناً تقوم الأجهزة الأمنية الغربية وبطريقة ذكيّة بإدخال شخص عربيٍ أو مسلم إلى دائرة هذا المرصود، وعندما يستأنس المرصود بالدخيل يشرع الدخيل بطرح عشرات الأسئلة على هذا المرصود، وطبعاً الأجوبة تحفظ في أشرطة خاصة، وتصنَّف في خانة الذين يخدمون الأجهزة الأمنية الغربية مجاناً. وحتى رسائل الفاكس تراقَب بإحكام إلى درجة أنّ مترجماً عراقيّاً ذكر لي أنّ جهازاً أمنياً غربياً عرض عليه التعامل معه على أن يقوم بترجمة رسائل الفاكس ورسائل البريد الإلكتروني، أو بيانات معينة من اللغة العربية وإلى اللغة الغربية، وفي هذا السياق يشار إلى أنّ كل الأجهزة الأمنية الغربية ـ في مطلقها ـ تستعين بجيش عرمرم من المترجمين العرب والمسلمين، وبعضهم يعمل ضمن ملاك هذه الأجهزة، ويتقاضى راتباً كبيراً شأنه شأن أي ضابط استخبارات غربي. ويشترط في هذا المترجم العربي الذي يترجم للأجهزة الأمنية الغربية أن تكون فيه مواصفات رجل الاستخبارات الغربي نفسها: من تحلل، وتفسخ، وعدم الإيمان بالقيَم والمبادئ. والعجيب أنّ هذه الأجهزة عندما يتعلّق الأمر بقضية إسلامي أو قضية مسلمين تستعين بمترجمين عرب مسيحيين من العراق أو لبنان أو سوريا حتى تكون الخدمة كاملة وعلى أتمّ وجه. وهناك غير هذه الوسائل المعتمدة في جمع المعلومات عن المسلمين كالتقارير المتبادلة بين كل الأجهزة الأمنية الغربية، حيث هناك تعاون مكثف ووفق شيفرات خاصة بالحاسوب، ويكفي أن يطلب رجل الاستخبارات البريطاني معلومة ما من زميله الدانماركي ليصله ما يريد في ثوان وعبر طرق إلكترونية متطورة للغاية. كما أنّ هذه الأجهزة الأمنية الغربية باتت تستعين بأرشيف الأجهزة الأمنية العربية المفتوح دوماً للدوائر الغربية، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بمحاربة الإسلاميين. ولم تكتف الأجهزة الأمنية الغربية بهذا الرصد للعرب والمسلمين من الأصول العربية والإسلامية، بل بدأت هذه الأجهزة ترصد المسلمين الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام عن طريق البحث والدراسة؛ خوفاً من التزامهم بالإسلام الحركي، واحتمال أن يؤثّر ذلك في مستقبل الغرب في حدّ ذاته! وتحاول هذه الأجهزة ومؤسساتها الفكرية والتحليليّة الغوص في المصادر الفكرية والإعلامية التي يعتمد عليها هؤلاء المسلمون من الغربيين من قبيل صفحات الإنترنت ـ الويب ـ باللغات الغربية والكتب الإسلامية المترجمة؛ في محاولة لمعرفة طرائق تفكير هذا الإنسان المسلم الغربي الجذور والمواطنة. وبقي القول: إنّ مؤسسات الأبحاث التابعة للأجهزة الأمنيّة الغربيّة توظّف غربيين من خريجي معاهد الاستشراق واللغات العربية والفارسية والتركية والكرديّة؛ عندما يتعلّق الأمر بتشريح العالم العربي والإسلامي الذي يُشرّح فكرياً في أعلى المستويات الغربيّة، ويراد تشريحه جغرافياً من خلال تفتيته إلى دويلات كما تقضي الاستراتيجية الغربية الجديدة.

стр. 5007

المسلمون المنسيون في كمبوديا ناصر العروي اليمني كمبوديا من الدول التي أنهكتها الحروب الطويلة في القرن الماضي، فلم تستقر أوضاعها السياسية إلاَّ من قريب؛ فإذا نظرت إلى عهود الاحتلال الأجنبي في القرن الماضي وما قبله؛ فإن كمبوديا إحدى ضحاياه والتي لم تسلم من اغتصاب أراضيها ونهب خيراتها؛ فقد تعرضت للاحتلال الفرنسي، ودام فيها من عام ١٨٦٣م إلى أن حصل الاستقلال على يد الملك الحالي لكمبوديا (سيهانوك) عام ١٩٥٣م؛ فقد تنازل له والده (نوردوم) عن الحكم، وقيل بطلب من الفرنسيين وهو صغير، فاستطاع بذكائه الحصول على استقلال بلاده بدون مواجهات عسكرية؛ على أن هناك بعض الثوار الذين عارضوا الوجود الفرنسي على أرضهم وقاوموه، ولكن لم تنجح ثوراتهم التي قوبلت بالقمع من قِبَل الفرنسيين، ومن ذلك الوقت استمر الملك (سيهانوك) ملكاً لكمبوديا إلى السبعينيات ثم انقلب عليه وزير دفاعه المسمى (لن نل) وأمسك بزمام الحكم في البلاد بدعم أمريكي حتى عام ١٩٧٥م، وفي ذلك الوقت إبَّان حكم (لن نل) دخل الجيش الأمريكي الذي كان يحتل فيتنام إلى كمبوديا، وتم طردهم على أيدي الشيوعيين الذين أطاحوا بحكم (لن نل) ، واستولوا على الحكم بعده في الوقت الذي كانت الشيوعية تنفث سمومها في كثير من بلاد العالم، وتغذي حركات التمرد والفساد على الأنظمة الحاكمة، فقامت عصابة السفاح الشيوعي (بول بوت) بالسيطرة على مقاليد الحكم، وعاثوا في الأرض فساداً، كما سيأتي في تفصيل مذابحهم. استمر حكمهم إلى عام ١٩٧٩م ثم تم طردهم بمساعدة الجيش الفيتنامي حتى استقروا في الغابات البعيدة، وتولى حكم البلاد بعدهم (هنج سمرن) إلى بداية التسعينيات، ولم تخلُ هذه الفترة من مواجهات مع الفارّين من عصابة الخمير الحمر الملتجئين إلى الغابات؛ فقد كانوا يشنون بعض الهجمات على الحكومة في فترة حكمه. ثم بدأت الدولة عهداً جديداً من التطورات السياسية؛ ففي بداية التسعينيات كان دخول الديمقراطية إلى كمبوديا؛ حيث تم تشكيل الأحزاب، وجرت بعد ذلك الانتخابات لتعيين رئيس للدولة، وكانت الأحزاب الناشئة أكثر من عشرين حزباً، وأشهرها ثلاثة أحزاب هي: حزب الشعب، وحزب فونسمبك التابع لابن الملك، وحزب سيسان، وبعد إجراء الانتخابات فاز حزب فونسمبك برئاسة الوزراء، وقوبلت هذه النتيجة بالرفض من قِبَل حزب الشعب، الأمر الذي أدى إلى مواجهات عسكرية بين الحزبين، فدعا الملك الطرفين للمصالحة والتفاهم على الحكم، وعدم جر البلاد إلي حروب أهلية، وكان الحل الذي قدمه الملك أن يكون ابنه صاحب حزب فونسمبك الفائز بالانتخابات هو الرئيس الأول لرئاسة الوزراء، و (هونسين) أحد أعضاء حزب الشعب البارزين والرئيس الثاني لرئاسة الوزراء، واستمر الحال على ذلك حتى حلول الفترة الثانية للانتخابات في عام ١٩٩٦م، وقام (هونسين) بطرد ابن الملك، وانفرد برئاسة الوزراء إلى تاريخ كتابة هذه الأسطر؛ وذلك بعد مواجهات وقعت بينهما داخل العاصمة الكمبودية (فنوم بنه) . والجدير بالذكر أن الانتخابات الأولى قامت بإشراف الأمم المتحدة، ثم تولى (رانارد) ابن الملك رئاسة البرلمان وما زال على ذلك إلى يومنا هذا. أمَّا مآل الأحزاب السياسية المتعددة، فقد تقلص أكثرها، وأشهرها اليوم على الساحة السياسية حزب الشعب الحاكم التابع لرئيس الوزراء هونسين، وحزب فونسمبك التابع لابن الملك، وحزب سامرنسي المعارض. أما الملك (سيهانوك) الطاعن في السن فملكه فخري لا غير، وهو يتمتع باحترام الشعب له، وأصبح في أيامه الأخيرة يفضل العيش خارج مملكته في الصين وكوريا. - المسلمون والعمل السياسي: كان دخول المسلمين في المعترك السياسي بعد إخراج عصابة الخمير الحمر، ولكن مشاركتهم كانت محدودة في بعض الشخصيات، إلى أن تم إدخال اللعبة الديمقراطية والتعددية الحزبية في أوائل التسعينيات، فانخرط الكثير من المسلمين في هذه الأحزاب، وخاصة أكبر حزبين في البلاد وهما: حزب الشعب الحاكم، وحزب فونسمبك الحزب الثاني من حيث الأهمية، ومن المسلمين من يشغل بعض المناصب المرموقة ذات الأهمية؛ فهناك وزراء ونواب وزراء وأعضاء في البرلمان، ومجلس الشيوخ ومسؤولون وأفراد في الجيش، وصار هؤلاء المسؤولون يستقطبون أصوات المسلمين كلٌّ لصالح حزبه، ولم يستغلوا وجودهم السياسي لنفع الإسلام والمسلمين، بل ـ وللأسف ـ إن التفرق والتعصب الحزبي بين المسلمين أكثر مما هو عند غيرهم، فتجد بينهم من العداء والكراهية ما أفسد أخوة الإسلام وجعل بعضهم يعمل ضد الآخر، وأصبح عامة المسلمين ضحية لانتشار روح العداء الحزبي بينهم. والله المستعان. وغالب المسلمين يؤيدون حزب الشعب الكمبودي الحاكم. - مذابح بول بوت: (الخمير الحمر) : إنها المذابح الفظيعة التي لم يسمع عنها العالم كثيراً، وقد تُعدُّ أحد أكبر أحداثه في القرن الماضي، فعصابة الخمير الحمر الشيوعية التي يتزعمها السفاح المدعو (بول بوت) خرجت إلى الساحة الكمبودية في زمن كان فيه للشيوعية الحمراء صولة وجولة في كثير من بلدان العالم؛ هذه العصابة السفاحة الأثيمة التي لا زالت قضيتها يكتنفها الكثير من الغموض رغم مرور ما يزيد على عشرين سنة من طردها خرجت باسم برنامج الإصلاح الزراعي، ورفع مستوى البلد زراعياً والقضاء على الملكية الخاصة، كما رفع هذا الشعار في بلدان أخرى في ذلك الوقت. استولت هذه العصابة على الوضع في كمبوديا ما بين عام ١٩٧٤ ـ ١٩٧٩م، سنوات قليلة مرت على الناس كقرون مديدة لاقى فيها الشعب الكمبودي ما لا يُرى في الأحلام من النَّكال، وإن الإنسان وهو يتكلم عن أعمال هذا السفاح ليتساءل: هل كان هدفه السيطرة على زمام الحكم؟! فقد حصل له ذلك! أم أن هدفه إبادة شعب من على وجه البسيطة؟! هذا السؤال الذي تحير الكثير في الجواب عنه. أعمال وحشية تشيب لها مفارق الولدان عانى منها الشعب الكمبودي إبَّان تسلط العصابة البائدة على مقاليد الحكم في البلد. لقد سمعتُ الكثير وقرأت عن مذابحهم وما قاموا به من التدمير الكلي للبلد والقضاء على الإنسان وإلغاء أي دين على الأرض الكمبودية؛ بل قد رأيتُ بأم عيني صوراً وآثاراً لتلك المجازر البشرية؛ فقد قمنا بزيارة متحف في العاصمة (فنوم بنه) يطلق عليه متحف (بول بوت) نسبة إلى زعيم الخمير الحمر وحامل لواء برنامج الإبادة الجماعية، هذا المتحف كان في السابق مدرسة كبيرة في العاصمة، ثم حُوِّل إلى سجون ومعتقلات وزنازين لتعذيب الناس، ثم أصبح بعد زوال هذه العصابة متحفاً يحوي العديد من الصور لبعض الأعمال التي قاموا بها من تقتيل وتعذيب تقشعر له الأبدان، ويحوي كذلك بعض آلات التعذيب التي كان يستخدمها أولئك المجرمون. إن الزائر لذلك المتحف ليخرج منه بنفسية كئيبة لقبح ما يرى من مناظر الوحشية التي كانت في يوم من الأيام تقام فيه، مع أن الحكومة أزالت الكثير مما يحوي هذا المتحف لأسباب تخصها. لقد استهدفت هذه العصابة المثقفين وأصحاب الخبرات والشهادات بشكل خاص وإبادتهم وذراريهم إلا من كتب الله له النجاة والهرب؛ ومن ذلك المسلمون؛ فقد قتل علماؤهم ومدرسوهم وجميع وجهائهم وكل من له علاقة بالتعليم. وقد سجلت إحصائية الذين هلكوا في تلك الأحداث بما يقرب من ٣.٠٠٠.٠٠٠ شخص ما بين مقتول بالتعذيب أو الموت بالجوع والأعمال الشاقة، والحديث يطول عن أحداث هذه الفتنة، فسأكتب بعض ما قاموا به على شكل نقاط: ١ - قاموا بتهجير سكان المدن، وخاصة العاصمة إلى القرى البعيدة للعمل في زراعة الأرز. ٢ - عطلوا كافة مرافق التعليم. ٣ - هدموا المصانع التي تقدر بخمسين مصنعاً. (هذا ما ذكر في تقرير عن هذه الأحداث في المتحف) . ٤ - أجبروا كل الناس على العمل معهم في وحدات زراعية في مختلف مناطق الدولة، ومن تمرد أو تخلف عن ذلك فعقوبته الإعدام، وقد يقتلون أسرته. ٥ - يكلفون الناس بأعمال شاقة لا تطيقها أعتى الحيوانات، ودون مقابل. ٦ - هلك معظم الناس جوعاً وهم يؤدون هذه الأعمال كما حدثنا بذلك الكثير من المسلمين الذين عايشوا تلك الأحداث. ٧ - يقتلون الناس لأتفه الأسباب، التي لا تستحق حتى السجن. ٨ - قاموا بالتفريق بين أفراد الأسرة الواحدة؛ فالأب في مكان، والأم في مكان آخر، وكذلك الأبناء. ٩ - قاموا بالخلط بين قرى المسلمين والكفار، وعملوا على دمجها وتداخلها. ١٠ - زوّجوا المسلمات بالكفار، والكافرات بالمسلمين. ١١ - أجبروا المسلمين على أكل لحم الخنزير، وشرب الخمور ومن أبى قتلوه. ١٢ - منعوا المسلمين من أداء العبادات كالصلاة والصوم، وقراءة القرآن، وغيرها. ١٣ - دمروا الكثير من مساجد المسلمين وبعضها جعلوه حظائر للخنازير، أو مخازن للسلاح. ١٤ - منعوا المسلمات من الحجاب (تغطية الرأس) ، وأجبروهن على لباس معين يستوي فيه الرجال والنساء يشبه الزي العسكري. ١٥ - منعوا المسلمين من التكلم بلغتهم الخاصة. ١٦ - كانوا يجندون أناساً لهذه الأعمال الوحشية، ومن ثَم يُقتلون، ويأتون بآخرين، وهلم جراً. ١٧ - هرب من استطاع الهرب في تلك الأيام إلى ماليزيا، وأمريكا، وفرنسا، وكندا، وغيرها من بلدان العالم. ١٨ - خلفت هذه الفتنة الآلاف من المعوقين بمختلف أنواع الإعاقة. ١٩ - كانوا يأخذون الأطفال الصغار إلى أماكن خاصة، ولا يتركونهم يختلطون بأهلهم. ٢٠ - كذلك دمروا العديد من المعابد البوذية، وجعلوا بعضها مقابر جماعية. ٢١ - اكتُشف العديد من المقابر الجماعية في كثير من المناطق. ٢٢ - وهناك خريطة لكمبوديا من الجماجم التي خلفتها هذه الفتنة في متحف (بول بوت) . ٢٣ - فرضوا على جميع الناس الأكل من مطاعم عامة. - أصول المسلمين وعددهم: يعرف المسلمون في كمبوديا بالجوى فهم أصلاً من إندونيسيا وماليزيا، وبالتشامبيين نسبة إلى جنسهم التشامبي، فالخمير الحمر البوذيون يطلقون على المسلمين هناك إحدى التسميتين إما: يقولون عنهم (إسلام) بمعنى مسلمين، وإما يقولون عنهم (تشام) ، إذ إن مسلمي كمبوديا ليسوا أصلاً منها؛ فأصولهم تعود إلى دولة قد انقرضت من الوجود، ومسحت من خريطة العالم قبل قرنين من الزمان تقريباً، إنها دولة تشامبا التي كانت تقع على جزء من فيتنام اليوم، كانت هذه الدولة قائمة ولها سيادتها وشعبها، ثم جرت بينها وبين الفيتناميين حروب كثيرة، وكانت الحرب بينهم سجال، ثم في آخر وقعة بينهم انهزم التشامبيون، وهرب آخر ملوكهم من بلده لاجئاً إلى كمبوديا بعد طلبه حق اللجوء من ملك كمبوديا آنذاك، ورحب الأخير به وبمن معه من التشامبيين الفارِّين من الحرب، ومن بقي من شعبه تفرق في دول عدة كفيتنام، والصين، وماليزيا، وغيرها من بلاد تلك المنطقة، ومن ذلك الزمان استوطن أولئك التشامبيون أرض كمبوديا وعاشوا فيها وصاروا كمبوديين مع مرور الزمن؛ إلا أنهم يُعرفون بالتشام، وُيعرف الكمبوديون ذوو الأصل الخميري أنهم يختلفون عن جنسهم وكذلك الديانة. حمل هؤلاء الملاويون والتشامبيون الإسلام معهم إلى كمبوديا، وحملته الأجيال التي خلفتهم من بعدهم مقتصراً عليهم خلال مدة مكثهم؛ إذ لم يدخل في الإسلام من الخميريين إلا القليل النادر، فالخميريون أهل ملة وثنية تعبد الأوثان، وترى أن ديانتها تختص بها، كما أن التشامبيين لهم دينهم الخاص بهم، وكذلك قلة الدعوة من المسلمين للكفار إن لم نقل عدمها. والجدير بالذكر أن الكثير من المسلمين لا زالوا يتكلمون اللغة التشامبية الخاصة بهم. وينتشر المسلمون في معظم المحافظات الكمبودية، ولكنهم في المحافظات الشمالية أكثر منهم في الجنوبية، وعلى وجه التحديد محافظة (كمبونج تشام) ثاني أكبر المحافظات الكمبودية بعد العاصمة (فنوم بنه) وأكثر المسلمين يسكنون هذه المحافظة الواسعة المساحة الكثيرة السكان؛ ويستوطن المسلمون القرى في كل المحافظات التي يتواجدون فيها إلا القليل منهم يسكن المدن، وبُعدهم عن المدن خير لهم مع ما يفوتهم من المصالح الدنيوية لسكناهم في القرى، إلا أن بعدهم عن المدن جعلهم يحافظون على هويتهم الإسلامية، وأخلاقهم مع ما شابها من الانحراف والجهل، بخلاف من استوطنوا المدن أو قريباً منها من المسلمين، فقد تأثروا بأخلاق الكفار، وضعف الإسلام عندهم لمخالطتهم للكفار. - تعداد المسلمين: أما عدد المسلمين فيبلغ تقريباً نصف مليون مسلم، وهو ما يساوي ٥% من التعداد الكلي لسكان كمبوديا، إذ يبلغ ١١ مليوناً، مع أنه لا توجد إحصائية دقيقة لذلك؛ إذ يقول بعضٌ: إنهم يبلغون مليون نسمة، علماً بأنه قد قُتل من المسلمين ما يقرب من ٣٠٠.٠٠٠ مسلم في فتنة الشيوعي (بول بوت) ، وعصابته المشهورين بالخمير الحمر في السبعينيات. - لغة التشام: لغة (تشام) هي اللغة التي يتكلمها الجنس التشامبي المسلم الذي سكن كمبوديا قديماً، وهي مقتصرة عليهم لا يعرفها الملاويون والكمبوديون الخمير؛ إذ يتكلم بها المسلمون فيما بينهم وخاصة في قراهم ومساجدهم ومدارسهم، ويتكلم بها الآن نصف المسلمين تقريباً، أو أكثر؛ نظراً لاندثارها عند مسلمي المحافظات الجنوبية، لقلتهم ولاختلاطهم بالخمير، وغلبة اللغة الخميرية عليهم، وهذه اللغة في تناقص مستمر، واندراس خاصة عند فئة الشباب الذين يفضلون التخاطب باللغة الرسمية الخميرية، والمسلمون يتقنون التكلم بالخميرية بالإضافة إلى لغتهم. والجدير بالذكر أن هذه اللغة تكتب بالحرف العربي بزيادة بعض الحركات عليها من غير العربية، وينشأ الصبيان على معرفة الحروف العربية؛ مع أنها تغيرت عن المخرج العربي الصحيح لعجمتها، وهي لا تستوعب جميع الحروف العربية لعدم وجود بعضها في لغتهم؛ مع أن الحرف الأصلي الذي كانت تكتب به هذه اللغة هو حرف أعجمي يشبه الحرف الكمبودي. وقد تعرضت هذه اللغة إلى وأد من قِبَل عصابة الخمير الحمر، فقد مُنع المسلمون من التكلم بها أثناء تسلط الخمير الحمر على كمبوديا، وكانت عقوبة المتكلم بها الإعدام، وقد تأثرت هذه اللغة باللغة الخميرية في استخدام بعض الكلمات التي فقدها المسلمون منها على مر الزمن، والعجيب أن هناك من مسلمي الصين وفيتنام من يتكلم بها مع اختلاط بعض لغة هاتين الدولتين بها؛ وهذا يدل على هجرة مسلمي دولة تشامبيا المفقودة إلى هذه الدول وغيرها. ولها علاقة قوية باللغة العربية ليس من حيث كتابتها بالحرف العربي فحسب، بل من حيث استخدام بعض الكلمات والمصطلحات العربية فيما يتعلق بالكلام عن الإسلام؛ فكثير من المصطلحات الشرعية لا تترجم، بل تنطق كما هي، وبعضها قد يُغيَّر فيه شيء يسير؛ ومن ذلك على سبيل المثال: رسول، نبي، ملائكة، علماء، هداية، نعمة، سنة، بدعة، نكاح، وغيرها كثير. كما أن اللغة التشامبية اقتبست بعض الكلمات من اللغة الملاوية لغة الملايو مسلمي ماليزيا وإندونيسيا؛ بحكم الترابط الديني بينهم؛ إذ تُعدّ ماليزيا المرجعية الدينية عند مسلمي كمبوديا. وبحسب رأيي فإن هذه اللغة قد تلفظ أنفاسها عما قريب ما لم يهتم بها المسلمون؛ وذلك لعدة أسباب: ١ - أن اللغة الرسمية الخميرية طغت عليها، وأصبح أبناء المسلمين يتكلمون بها، ويدرسونها في المدارس، وكذلك ما تقوم به وسائل الإعلام من دور كبير في ذلك. ٢ - أن هذه اللغة غير معترف بها، ولا معتبرة رسمياً، وإنما تُعدّ دارجة عند التشامبيين. ٣ - أن فئة الشباب والمثقفين من المسلمين يفضلون التكلم باللغة الرسمية الخميرية. ٤ - أن هذه اللغة ليس لها قواعد، ولا كتب تتكلم عنها؛ فهي معرضة للزوال في يوم من الأيام. - صرخات التوحيد تعلو في ظلمات الشرك: سبق أن ذكرنا أن غالب سكان كمبوديا يدينون بالبوذية، وأن نسبة المسلمين فيها قليلة جداً في خضم الشعب الوثني الكافر؛ فقرى المسلمين تشكل نقاطاً بيضاء متناثرة هنا وهناك في ورقة سوداء مظلمة. إن مظاهر الكفر وعبادة غير الله، وانتشار طقوس البوذية في ربوع كمبوديا من معابد، ومجامع لتأليه البشر، وأصنام ثابتة، ومتجولة تجعل النفس المؤمنة بالله وحده تشعر بالكآبة من تلك المظاهر الكفرية؛ فالمعابد البوذية منتشرة كانتشار المساجد في ديار الإسلام ترفع هتافاتها، وترانيمها، وغناءها الصاخب صباح مساء؛ يأوي إليها قطعان من الرهبان الذين حبطت أعمالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. كم يأخذ الحزن والحسرة في نفس المؤمن حين يرى ما لا يرضي الرب من عبادة للأصنام والأوثان! - المساجد: لا تخلو قرية من قرى المسلمين المتناثرة في كثير من المحافظات من وجود مسجد بها أو أكثر بحسب حجم القرية، كوجود مسجد جامع وآخر مصلى، والذي يطلقون عليه «سوراوا» ، وبعضها قد يكون مصنوعاً من الأخشاب تراه وقد عفا عليه الزمن وأكلته الأَرَضة، وبعضها الآخر قد يبدو جميلاً في منظره وهيئته، وهذا يعود إلى مصدر تمويل بناء المسجد؛ فبعض القرى لا يوجد بها إلا مساجد مصنوعة من الأخشاب المتآكلة قام ببنائها أهل تلك القرية، وبعضها قد يكون على نفقة بعض المغتربين الكمبوديين في أمريكا، أو ماليزيا، وربما من بعض المؤسسات الإسلامية الخارجية، وبعض المساجد بناها ملك كمبوديا! ومساجد المسلمين التي في القرى يُسمح لها برفع الأذان بمكبرات الصوت؛ أما عواصم المحافظات فلا يوجد فيها مساجد، لكن هناك قرى مجاورة لها في الغالب، إلا في العاصمة الكمبودية (فنوم بنه) فيوجد مسجدان أحدهما يطلق عليه الآن (مسجد دبي) ، وهو أكبر المسجدين، وأشهرهما عند المسلمين ويرجع تاريخ بنائه إلى الستينيات؛ حيث اقترح أحد الرؤساء المسلمين على الملك (سيهانوك) أن يبنيه في العاصمة فأراد الملك بناءه وفعلاً بدأ تأسيس قواعد المسجد، ثم جاءت أحداث الحروب والانقلابات التي لم يستقر الوضع بعدها إلا في التسعينيات، وظل المسجد غير مكتمل البناء حتى تم بناؤه في بداية التسعينيات بتمويل من بعض المحسنين من دبي، ولذلك سمي مسجد دبي. والمسجد الثاني في العاصمة قام ببنائه بعض المسلمين الباكستانيين المغتربين في كمبوديا، ولا زال يشرف عليه أحد أبنائهم الذي أصبح كمبودياً، ويسمى هذا المسجد (مسجد سعد بن أبي وقاص) . وللمسلمين عناية بترتيب أمور المساجد فيجعلون في كل قرية إماماً، وخطيباً، ومؤذناً ويطلق على المؤذن (بلال) ، وهذا في جميع مساجد المسلمين، كما يخصصون قيِّماً يقوم على شؤون المسجد، ويتولى جمع الصدقات لحاجات المسجد، وخاصة في الأعياد والمناسبات الدينية، بالإضافة إلى الإشراف العام لحاكم القرية على كل ما سبق. وتوجد بعض العادات عند المسلمين في المساجد، وهي تجسد مدى الجهل الذي وصلوا إليه؛ فمنها: أنهم يتخذون في بعض المساجد طبلاً كبيراً يُجعل في ساحة المسجد لإعلان عن اقتراب وقت الصلاة قبل الآذان، وكذلك يعلنون به في شهر رمضان عن دخول وقت الإفطار، ومنها: تدخين بعضهم في المساجد، أو في ساحاتها وهو أكثر، وكأن المسألة لا تعدو أكل بعض الأطعمة المباحة! وفي الآونة الأخيرة بدأت تتقلص هذه العادات شيئاً فشيئاً؛ فلله الحمد والمنة. - الحالة المعيشية: عند الحديث عن معايش الناس وأرزاقهم نعلم أن الله ـ تعالى ـ قد فاضل بين عباده في الرزق، والمعيشة، فمنهم الغني الموسر، ومنهم متوسط الحال، ومنهم الفقير المعدم لحِكَم أرادها الله ليس هذا مجال ذكرها، فمقصودنا من ذلك أن مسلمي كمبوديا يتفاوتون في حالتهم المعيشية، إلا أن الحكم الغالب عليهم أنهم فقراء ومساكين، وإذا جئنا نفصل في هذه المسألة فسنجد أن المسلمين على مراتب من حيث الحالة المعيشية: الفئة الأولى: وهم أصحاب المناصب السياسية في الحكومة، كالوزراء ونواب الوزراء، وأعضاء البرلمان ومجلس الشيوخ، ومن على شاكلتهم، وكذلك أصحاب التجارات الكبيرة وهم قلة. الفئة الثانية: وهم المغتربون في الخارج كماليزيا، وأمريكا، وفرنسا، وغيرها. الفئة الثالثة: وهم ممن يشتغلون بالتجارات البسيطة ومن لهم مهن يستفيدون منها كالجزارة، والحدادة. الفئة الرابعة: الغالب من المسلمين وهم الذين يشتغلون بزراعة الأرز، وبعض المزروعات كالخضروات، والذرة الشامية والمطاط، وهي زراعة ضئيلة جداً. الفئة الخامسة: وهم الصيادون ومعظم المسلمين يندرجون تحت الفئتين الرابعة، والخامسة؛ فالساكنون على ضفاف الأنهار يعملون في صيد السمك النهري، والساكنون في المناطق البعيدة عن الأنهار يقومون بزراعة الأرز، وبعض الخضروات والفواكه. هذه التقسيمات ـ الآنفة الذكر ـ من خلال واقع عايشته بين ظهراني المسلمين ما يقرب من ثلاث سنوات، وقد لاحظت أن حالة المسلمين المعيشية أسوأ من الكفار؛ لأسباب منها: جمود المسلمين على أعمالهم الموروثة، كالصيد، وزراعة الأرز، وعدم التفكير في أعمال أخرى من شأنها رفع مستواهم المعيشي المتردي، وكذلك صعوبة مواصلة التعليم عند أبنائهم. - الحجاب: لقد مرت سنوات طويلة وهذه الأقلية المسلمة متمسكة بسماتها، وشعائرها الإسلامية؛ فرغم الجهل الشديد الذي يعيشه أبناء هذه الأقلية بدينهم، وآدابه، ووجودهم في وسط كافر، متفسخ تتبذل نساؤه مظهرة لمفاتنها، وتتبرج تبرجاً مخزياً، وهذه طبيعة الكفار في كل مكان؛ حيث لا دين يردعهم، ولا أدب يردهم، إلا أن نساء مسلمي كمبوديا لا زلن يحافظن على لباسهن، وحجابهن الإسلامي على ما فيه من قصور، ومخالفات سَبّبها القرب من الكفار، والتأثر بهم. إن المرأة المسلمة تتميز عن نساء الكفار بتغطية رأسها بالزي الإسلامي الذي يشمخ المسلم حين يراه معلناً أن الإسلام قد وصل إلى هذه الديار النائية. يوم أن تتقلب في أماكن تواجد المسلمين لا ترى مسلمة قد نزعت حجاب رأسها في الغالب؛ وكم تُسرّ يوم ترى الصغيرات وقد لبسن الحجاب على الرغم من صغر سنهن، حيث لم يبلغن سن التكليف؛ هذه الميزة الطيبة شاهدتها بنفسي في كل القرى والتجمعات المسلمة التي زرتها في عدد من المحافظات، وإن كان الحجاب لا يفي بالمقصود من حيث حجمه، ونوعه، إلا أن بقاء هذه الأقلية على ذلك يعد ميزة طيبة توحي بعظمة ديننا الحنيف الذي إذا خالط النفس البشرية كان من الصعب التنازل عن مبادئه وآدابه؛ حيث السفور والعري يحيط بها من كل اتجاه، وهي صامدة في طريقها. أما عن لبس الخمار والحجاب الشرعي الكامل فهناك قلة من النساء المسلِمات اللاتي يرتدينه. - حاكم القرية: من حيث التقسيمات الإدارية للمحافظات، والمديريات؛ والمناطق فقرى المسلمين داخلة ضمن ذلك؛ إذ كل قرية يُعين عليها رئيس يتلخص عمله فيما يتعلق بعلاقات الحكومة بالقرية، إلا أن المسلمين لهم خاصية جيدة تزيد من ترابطهم؛ وجمع كلمتهم؛ إذ يقومون باختيار شخص منهم؛ ليقوم بشؤون القرية فيما يتعلق بالقضايا الشرعية، ويطلقون عليه (حاكماً) باللغة العربية، ويشترط في اختياره أن تتوفر فيه بعض الشروط التي تمكنه من القيام بعمله على أحسن وجه، وعمله يتلخص في أنه هو المسؤول عن القرية من حيث حل المشاكل الأسرية، وفض النزاعات بين المتخاصمين من المسلمين، ويتولى القيام بعقود الأنكحة، وكذلك له مسؤولية إشرافية على المسجد، ومدرسة القرية الدينية، والسعي لحاجات المسجد والمدرسة، والقيام بتنفيذ المشاريع، ومتابعتها من الجمعيات الخيرية الإسلامية، والناس يحترمونه ولا يقطعون أمراً يتعلق بمصلحة القرية العامة إلا بعد إبلاغه بذلك، وليس له أبهة، بل هو رجل عادي متواضع لا تفرق بينه وبين غيره من الناس في حاله ومعيشته. والحاكم إن كان فقيراً فراتبه يتقاضاه من أهل القرية، كالزكاة والصدقة ومن أعماله الإضافية، وقد يكون بعضهم من الميسورين فلا يحتاج إلى شيء من ذلك، وكل حاكم له نائبان: أول وثان يقومان مقامه في حال غيابه، ويساعدانه في القيام بالأعمال التي تتعلق بالقرية. - التنصير في كمبوديا: إن المنصِّرِين ـ كما هو معلوم ـ لا يألون جهداً في نشر دينهم المحرّف، والدعوة إليه في جميع أقطار الأرض، بطرق، ووسائل شتى منها المعلن، والخفي والمباشر، وغير المباشر، وكثيراً ما يستغلون فقر بعض البلدان؛ ليوجهوا دعوتهم إليها تحت مسميات ومضلات دولية؛ فينشروا أباطيلهم، ويدعوا إلى كل باطل تحت غطاء المساعدات الإنسانية. إن التنصير في دولة (كمبوديا) له حركة كبيرة؛ إذ يبلغ عدد الجمعيات والمؤسسات التنصيرية ١٠٠ جمعية ومؤسسة، تنطلق من مقرها بالعاصمة الكمبودية (فنون بنه) قاطعة الغابات، والأحراش، والمستنقعات، لتصل إلى سكان القرى، والبوادي النائية؛ إذ يُركِّز المنصِّرون عليهم لفقرهم وحاجتهم إليهم، فيمدون إليهم يد المساعدة بثمن الدخول في النصرانية! لم يكتف المنصرون بدعوة البوذيين، بل قد تجرؤوا على دعوة المسلمين، وخاصة القرى البعيدة والفقيرة، ولهم أساليب في دعوة المسلمين، وغيرهم من البوذيين؛ منها: - بناء بعض العيادات الصغيرة، وصرف الأدوية المجانية منها، مع توزيع الكتب والنشرات على المرضى، ودعوتهم إلى الكنيسة. - احتواء بعض الأسر الفقيرة، وصرف راتب شهري لها على أن تتنصر. - احتواء الشباب عن طريق تعليمهم اللغة الإنجليزية مجاناً! وهذا يجعل الشباب يُقبلون عليهم. - ممارسة الدعوة إلى النصرانية في المؤسسات التعليمية، كالجامعات، والمدارس التي يتواجدون فيها. - عرض فيديو في بعض القرى يحتوي على برامج تخدم أهدافهم. - كل من استجاب لهم يربطونه بالكنيسة، ويحددون لهم اجتماعاً كل يوم أحد يعلمونهم فيه النصرانية المحرفة. - إذا لاحظوا أن قريةً ما استجابت لهم، أو حصلوا على نسبة من أهلها بنوا لأتباعهم كنيسة فيها. - الكنائس: يبلغ عدد الكنائس في (كمبوديا) ٧٠٠ كنيسة، وهذا العدد يُعَدُّ كبيراً في دولة بوذية تُعتبر من أكثر دول المنطقة تمسكاً بالبوذية، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الجهود الكبيرة التي يبذلها هؤلاء المنصرون لتنصير الشعب الكمبودي. - الخطر القادم: إن المشكلة التي نخشاها هي أن يتنصر الشعب الكمبودي. إن طبيعة علاقة المسلمين في كمبوديا مع الكفار البوذيين علاقة لا يشوبها كدر ولا تتخللها مشاكل؛ فالتعايش السلمي بينهم، كأن ليس بينهم فرق في الظاهر، وحسب علمي فإن المسلمين لا يتعرضون للأذى كما هو حاصل لبعض الأقليات المسلمة في بلدان أخرى؛ فهم يعاملون على أنهم كمبوديون، أي معاملة المواطنة بغض النظر عن الانتساب إلى الدين. إن التاريخ خير شاهد على أعمال المنصرين في دول شرقية كإندونيسيا والفلبين؛ فيوم أن سعى المنصرون، وكرسوا جهودهم لتنصير هذين البلدين حصلوا على نتائج غير عادية، وأوقدوا نار الحرب والكراهية التي لم تَخْبُ حتى الآن؛ فكم تعرض المسلمون للقتل، والتشريد، وغير ذلك من الأعمال الوحشية على أيدي هؤلاء المتنصرين. إن التنصير حيث يضع رحاله يبث روح العداء ضد الإسلام والمسلمين على مر التاريخ. إن ما نخشاه هو تنصُّر الشعب الكمبودي، ومن ثم محاربة الإسلام، ومضايقة المسلمين في دينهم، وعقيدتهم، وخلق المشاكل، والافتراءات ضد الدعوة الإسلامية في هذا البلد؛ إذ إن بوادر هذا العداء تظهر في بعض الأحيان على شكل كتابات صحافية لبعض الصليبيين تكيل التهم والافتراءات ضد الدعوة الإسلامية، ومراكزها، وتوصي الحكومة بأخذ الحيطة والحذر من الإسلام والمسلمين.

стр. 5008

قف بالعراق ملياً في روابيهِ صباح علاوي السامرائي قف بالعراق ملياً في روابيهِ واستلهم الوصل من أمجاد ماضيهِ قف بالعراق وقَبِّل حُسنَ مقلتهِ وكفكف الدمع فالآلام تكفيهِ قف بالعراق ففي خدَّيه ملحمةٌ فيضُ الفرات وفي الأخرى تعازيهِ بكى العراق وثار الجمر في لغتي واستُنفد الحبر في شكوى بواكيهِ بكى العراق عهوداً لا تداعبه كفٌّ لهند، ولا ليلى تواسيهِ بكى النخيل وفي بغداد آلمني ثرى الجدود ولا عين تروِّيهِ بغداد يا لوعةَ المحزون في كبدي مدي يديك إلى المشتاق تُنجيهِ بغداد يا لوحةً تجتاز أزمنتي تروي فصول النوى بالدهر تطويهِ بغداد أنشودتي شعراً أسطِّره على طلول الهوى تبكي قوافيهِ بغداد قيثارتي والوجد ريشتها ما هزها العشق إلا كدت أبديهِ * * * * * يا سائراً نحوها بالله مُدَّ لها صوتَ الحنين وبالآهات وافيهِ واجعل دموعيَ حبراً لو تبلِّغُها هذي رسائل صبٍّ من مآقيهِ دار الخلافة للإسلام قلعتُه ما بالها اليوم قِيدت من أعاديهِ كم ألبسوا تاجها زيفاً يبرقعها يُخفي شموخاً ولا عزٌّ يدانيهِ فأظهروا من بريق الكِذْبِ أسورة والقيْدُ لو أنَّه تبرٌ أُجافيهِ يا دوحةً في بلاد الله ناضرةً قد عاد من علقمٍ سمٌّ يغذيهِ فاقصد أُخيَّ إلى أفياء دوحتها واستنطق الترب لو يُخبرْك ما فيهِ قف بالعراق ونحِّ كلَّ ساقطةٍ تلملم الذل للمأفون ترضيهِ قف بالعراق لنسقي كل مجدبة من القلوب التي رانت إلى التيهِ وقف على عَتَبِ التاريخ وقفتها واسأل: عسى صخرةٌ منها تحاكيهِ وطُفْ على موطن الآمال في مهل وقل لقاضي الهوى: ما أنت قاضيهِ وسر بنا نحو سامراء خاشعة منك الجوارح للمكلوم تشفيهِ منارة الصبر سامراء شاهدة ومنزل الفخر في الحدباء تنميهِ روحي ترفرف في الأرجاء ساهمة والقلب مسكنه الأنَّاتُ تؤويهِ يا ويل شعري إذا ما التاث في سفهٍ يشكو محباً ويرنو في مراضيهِ إني ألملم آهاتي معذبةً كم دجلةً في شغاف القلب تَسقيهِ كذا الفرات إذا عاث السفال بها تحوَّل الماء دمعاً في مجاريهِ بكى العراق أخي ما كنت أَشْأَمَكم لكنني مُعرضٌ والعينُ تُبديهِ فليخرسِ القلمُ المأجور في وطني إذا الكريمُ غدا والسجنُ يطويهِ فرايةُ الكفر ـ والرحمنِ ـ ساقطةٌ وليخسأ الوغدُ في أدنى مساعيهِ ورايةُ الدين بالرحمن سامقةٌ فنُصْرةُ الحقِّ والإيمان تُعليه مدرس النحو العربي في كلية التربية، سامراء ـ العراق.

стр. 5009

- أقوال غير عابرة - - «لم تعرف مصر منذ أكثر من ربع قرن «رياح التغيير» ربما عرفت «نسمة التغيير» التي تعقبها حرارة شديدة. الصحفي المصري عزازي علي عزازي. [صحيفة الأسبوع القاهرية، ٣/٥/١٤٢٥هـ] - «الأمريكيون لا يملكون حق تسليم السيادة للعراقيين لسبب بسيط وهو أنهم لا يملكون هذا الحق في الأصل» . الصحفية كرامة نابلسي. [صحيفة الجارديان البريطانية، ٢٣/٦/٢٠٠٤م] - «بوش على غرار ريجان ليس لديه أفكار من بنات عقله، إنه يعتمد كلية على مستشاريه، إنه مضطر لذلك، إنهم يعرفون أكثر منه» نورمان ميلر الكاتب الأمريكي المعروف. [الجزيرة الإصدار الدولي العدد ٥٢] - «ما الفرق بين إرسال القوات للقتال ببنادق معيبة وبين إرسالها باستراتيجية وخطة معيبة، كلاهما يؤدي إلى موت الجنود؟» الجنرال أنتوني زيني رئيس أركان القيادة المنركزية العسكرية الأمريكية السابق ينتقد سياسة جورج بوش في العراق. [صحيفة الجزيرة، ١٧/٤/١٤٢٥هـ] - «هل نجح هذا القانون في حمايتنا من دعاة عذاب القبر ومحترفي الكتابة عن الغيبيات الذين ساهموا في تخلف العقلية المصرية طوال السنوات الماضية؟» الشاعر العلماني المتطرف أحمد عبد المعطي حجازي يحتج على إعادة حق الضبطية القضائية لشيوخ الأزهر. [أخبار اليوم، ١٢/٦/٢٠٠٤م] - «إننا وصلنا على طريق اللاعودة، لوس أنجلوس في طريقها لأن تصبح كالفلوجة» كوني رايس محامية حقوق الإنسان تتحدث عن تجاوزات ضباط الشرطة في المدينة الأمريكية الشهيرة. [النيوزويك، ١٥٦-٢٠٠٤م] - «يوجد عند السلطة الفلسطينية منذ عام ملف اعتراف كامل لعميل كان يسرب تحرك الدكتور الرنتيسي في محاولة اغتياله الأولى ولم تعلم به حماس إلا مؤخراً» القيادي في حركة حماس الدكتور محمود الزهار. [السبيل، ١٥/٦/٢٠٠٤م] - «الغريب والأعجب أن يقوم المدعون بأخذ الشريط من وكالة إحدى القنوات ويقوموا بحذف شعار القسام عنه ووضع شعار شهداء الأقصى ليبدو وكأنه شريط مختلف» من بيان للقسام تستنكر محاولة جهات في كتائب شهداء الأقصى نسبة عملية محفوظة النوعية الناجحة إليها. [المركز الفلسطيني للإعلام، ١٢/٥/١٤٢٥هـ] - «الأمريكيون هم الذين يحتفظون بصدام، وهم الذين يديرون المحكمة، وهم الذين أشرفوا على تصوير الجلسة: فمن برأيك الذي يحكم العراق؟» الكاتب البريطاني روبرت فيسك. [البي بي سي، ٤/٧/٢٠٠٤م] - أحاجي وألغاز - - الرسالة الزرقاء عرضت القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي فيلمًا وثائقيًا بعنوان: «العالم وفق بوش» ، حققه المخرج الفرنسي المتخصص في تعقب كواليس الحكم في واشنطن، ويليام كاريل، وعرض كاريل لعقيدة بوش الابن مستعينًا بنص حديث أدلى به بوش إلى صحيفة محلية في أوستن، عاصمة ولاية تكساس، حين كان مرشحاً للرئاسة، يقول فيه: أريد منح السياسة الأمريكية رؤية مستوحاة من التوراة، فإنني أحمل رسالة سماوية» . [مفكرة الإسلام] - فتش عن التمويل «أود أن أقدم شخصية «الإمام الحسين» ﵁ والنص جاهز للإخراج، ولكن الأزهر منعني من ذلك، الشيعة ليس لديهم مانع من تقديم الشخصية، ولكن أخشى أن أقدم الشخصية فيقوم الأزهر بإصدار فتوى بإباحة دمي، وإذا كان هناك من لديه الجرأة لتقديم مثل هذه الأفلام فليصورها وينتظر حتى يتغير الزمن» . الممثل نور الشريف. [الرأي العام، ٩/٥/١٤٢٥هـ] - سؤال بريء «٣٤٠ ألف دولار كانت تُدفع شهرياً من الولايات المتحدة للمؤتمر الوطني العراقي للجلبي منها أكثر من ثلاثين ألف دولار مصاريف إيجار مكاتب جلبي والمؤتمر الوطني في طهران، كيف يمكن للولايات المتحدة أن تكتشف فجأة علاقات جلبي مع طهران وهي التي استفادت بها ربما واستغلتها؟» . [برنامج من واشنطن، الجزيرة نت، ٣/٦/٢٠٠٤م] - وكالة «المخادرات» المركزية الأمريكية «بشهادة دنيس ويلز رئيس الوحدة الاستراتيجية لمكافحة المخدرات السابق فإنه لم يحدث أن تعرض لواحدة من عمليات المخدرات الكبيرة إلا واصطدم بمجموعات من ضباط المخابرات المركزية الأمريكية الذين يتولون حماية صفقة المخدرات وكانوا يقفون في وجهه ويبطلون عمله دائماً!، وما يؤكد ذلك أن وكالة «الرقابة علي العقاقير المخدرة» أقامت مكتب تمثيل لها في باكستان أثناء عمل وكالة المخابرات المركزية في أفغانستان، وفي هذا الوقت تم تصدير قرابة ٨٠% من الهيروين في العالم من هذه المنطقة» . الصحفي محمد وجدي قنديل. [الأخبار القاهرية، ٢٩/٦/٢٠٠٤م] - بريد القراء «الباكستانيين» «أتلقى العديد من الاتصالات الهاتفية والرسائل من أشخاص يلتمسون فيها أن أتراجع عما أعلنته من قبل بشأن اعتزامي التخلي عن منصب القائد العام للقوات المسلحة بحلول نهاية العام الحالي» . الرئيس الباكستاني برويز مشرف. [الإسلام اليوم، ٤/٥/١٤٢٥هـ] - مرصد الأخبار - - المحافظون القوميون «يوجد نوعان من المحافظين في الولايات المتحدة: من أصفهم بالمحافظين أصحاب القيم؛ لأنهم يؤمنون بما يؤمن به معظم الناس الذين يفكرون في القيم المحافظة النموذجية، وهي قيم الأسرة والإيمان والعمل الجاد والولاء، والنوع الثاني: أُطلق عليه «المحافظين القوميين» وأوضح مثال لهذه الفئة هي الإدارة الأمريكية الحالية. أنا لا أعتقد أن المحافظين القوميين يعكسون حقاً القيم المحافظة، إنهم يستغلون العلم الوطني لإلهاب الحماس الوطني ويعشقون ترديد كلمات مثل «الشر» ، وواحدة من أسوأ أخطاء بوش اللغوية هو استخدامه المتكرر لكلمة «الشر» باعتبارها زراً ساخناً لتأجيج مشاعر الرأي العام الأمريكي، أي رجل قادر على استخدام تلك الكلمة ١٥ مرة في غضون خمس دقائق لا يُعد من المحافظين على الإطلاق، وهو أبداً ليس محافظاً من أصحاب القيم. كل ما يريدونه هو السلطة، يريدون إقامة إمبراطورية عالمية، ووراء حرب العراق رغبة عارمة في تواجد عسكري هائل في الشرق الادنى كخطوة أولى نحو السيطرة النهائية على العالم كله. لا أعتقد أنهم كانوا سيصبحون قادرين على شن الحرب على العراق بدون هجمات سبتمبر؛ فبدونها لكانت وسائل الإعلام قد ركزت جل اهتمامها الآن على ارتفاع معدل البطالة وفضائح الكنائس والشركات الكبرى وتفشي حوادث القتل في المدارس الثانوية والمخدرات.. إلخ» . نورمان ميلر الكاتب الأمريكي المعروف. [صحيفة الجزيرة الإصدار الدولي العدد ٥٢] - ثلاثة أرباع مليون فرنسي يتظاهرون ضد الأوموفوبيا تحت شعار «كفى نفاقاً.. المساواة الآن» خرجت في العاصمة الفرنسية باريس مظاهرة حاشدة ضمت أكثر من ٧٠٠ ألف شخص، كلهم يهتفون ضد «الأوموفوبيا» أي الكراهية للشواذ جنسياً، وقد أذهلت التظاهرة المراقبين في فرنسا والعالم؛ إذ تبين أن الشواذ باتوا يشكلون لوبيًّا «اجتماعياً وسياسياً» يضاهي قوة الأحزاب السياسية. وقال المراقبون إن أي حزب سياسي فرنسي لا يستطيع إخراج مسيرة ضخمة كهذه وهو ما يعني أن الشواذ أصبحوا قوة انتخابية هائلة. وكان المثير أن كافة الأحزاب سعت بقوة لمجاملة الشواذ بالمشاركة الفعالة في المسيرة التي شارك فيها عمدة باريس ورئيس المجلس الإقليمي لمنطقة باريس وضواحيها ووزير الثقافة السابق، وقال «نويل مامير» الذي يتزعم حزب الخضر: «من الواضح أن الجميع أصبح يهرول من أجل أخذ نصيبه من هذا الرصيد الانتخابي» . ويوضح المراقبون أن أيًّا من المسيرات التي شهدتها فرنسا هذه السنة لم تُجيِّش هذا العدد من المتظاهرين، ويمنع القانون الفرنسي زواج الشواذ بخلاف القانونين البلجيكي والهولندي، وكان رئيس الوزراء جون بيير رافاران قد استقبل رسمياً نهاية الشهر الماضي ممثلي منظمات الشواذ لبحث مطالبهم، ويُذكر أن أكثر من ٣٠% من حالات الإيدز في فرنسا ظهرت بين الشواذ جنسياً. [بتصرف عن إسلام أون لاين، ٢٧/٦/٢٠٠٤م] - كيري يهزم بوش بالضربة التاريخية حافظ المرازي: سيد نيو بورت هناك أرقام أيضاً وصلتم إليها - في مؤسسة جالوب - أن الرئيس الموجود في الحكم حين ينتهي شهر مايو أيار ويكون دون الـ ٥٠% - في استطلاعات الرأي - فهذا يعتبر مؤشراً خطيراً جداً لهذا الرئيس؛ لأنه يجب عليه أن يعود إلى التاريخ ليقرأ الأرقام.. بناء على أرقام استطلاعات الرأي لمؤسسة غالوب الرؤساء الفائزون بفترة ثانية في الحكم حين انتهى شهر مايو أيار، ما كانت الأرقام التي حصلوا عليها في استطلاعات الرأي العام؟: أيزنهاور في عام ١٩٥٦م مع نهاية شهر مايو أيار كان شعبيته ٦٩%، ليندن جونسون الديمقراطي في عام ١٩٦٤م كانت شعبيته بنهاية مايو ٧٤%، ريتشارد نيكسون الجمهوري في مايو أو بنهاية مايو ١٩٧٢م كانت ٦٢%، رونالد ريغن الجمهوري في عام ١٩٨٤م شعبيته ٥٤% ثم بيل كلينتون الديمقراطي في عام ١٩٩٦م شعبيته ٥٣%. فرانك نيو بورت: هذا يجعل وضعه - بوش - سيئاً مقارنة بالرؤساء السابقين، وهذا ليس مؤشراً جيداً، ما لديه الآن هو ٤٧% من التأييد. حافظ المرازي: أيضاً لو عدنا إلى أرقام غالوب وماذا يقول التاريخ بالنسبة للرؤساء الخاسرين: جيلرد فورد الجمهوري في عام ١٩٧٦م في مثل هذا الوقت من العام بنهاية مايو أيار كان ٤٧% وهي نفس ما لدى جورج دبليو بوش الآن، جيمي كارتر الديمقراطي في عام ١٩٨٠م كان لديه ٣٨% بوش الأب كان في عام ١٩٩٢م لديه ٤١% إذن هل هذا تأكيد على أن الأقرب أو الأكثر ترجيحاً لو التاريخ يصدق ويعيد نفسه أن جورج بوش في خطر الابن مثلما كان الأب؟ [برنامج سباق الرئاسة الأمريكي، الجزيرة نت، ٢/٦/٢٠٠٤م] - عراق أكاديمي ذكرت مصادر عراقية أن اعضاء مجلس الحكم الذين فاتهم القطار في التعديلات الأخيرة بدؤوا في الرحيل إلى الدول التي كانوا يقيمون فيها قبل سقوط نظام صدام وأغلبها غربي، خاصة بعد سحب الحراسة والسيارات المصفحة التي كان الاحتلال يقدمها لهم، وأول من غادر عدنان الباجه جي الذي رحل إلى الإمارات، كما عاد سمير الصميدعي وزير الداخلية السابق إلى لندن حيث تقيم عائلته منذ سنوات، وكذلك الأمر مع محمود عثمان العضو الكردي في المجلس الذي عاد إلى بريطانيا التي كان يعيش فيها قبل عودته، وأما وزير الشؤون الاجتماعية السابق فؤاد حسين فقد عاد إلى هولندا حيث تعيش عائلته التي لم تحضر إلى العراق وفضلت البقاء في أوروبا، وذكرت السبيل الأردنية (٢٢/٦/٢٠٠٤م) أن معظم أعضاء الحكومة الجديدة يحملون جوازات سفر أمريكية وبريطانية وفرنسية وغيرها. بوش يُهين الأتراك عرضت الصحف التركية صوراً مخجلة أثناء مصافحة بوش للمدعوين المختارين لحضور الكلمة التي ألقاها في جامعة جالاطة سراي بمناسبة مشاركته في قمة الناتو التي عقدت في إسطنبول، وظهر الوزاراء الأتراك وهم يقفون صفاً واحداً لمصافحة بوش؛ بينما كانت عناصر المخابرات الأمريكية تتفحص أيديهم واحداً واحداً خوفاً من أن يكون فيها أي مسحوق غريب قد يؤذي زعيمهم، وكان من بين الوزراء وزير الداخلية بشير أتالاي ونائب رئيس الوزراء محمد علي شاهين ووزير الدفاع وجدي غونول، وقد استغرب وزير الداخلية في بادئ الأمر هذا الموقف لكنه سرعان ما استسلم للأمر الواقع، ومد يده موافقاً على تفحصها قبل أن ينال شرف مصافحة بوش. [الإسلام اليوم، ٣٠/٦/٢٠٠٤م] - رئيس للتقبيل في مذكراته التي نشرها في كتاب يحمل عنوان: «حياتي» تحدث الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عن ترتيبات حفل توقيع اتفاق أوسلو بين عرفات وإسحق رابين رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الأسبق، فقال: «كان رابين أبلغنا أنه سيقوم بمصافحة عرفات , لكنه حين وصل إلى البيت الأبيض رفض تقديم أي التزام بذلك الشأن قائلاً لي إنه لا يعرف كم عدد الإسرائيليين الشبان الذين كان عليه أن يدفنهم بسبب عرفات، فقلت له: إسحق! إن كنت فعلاً ملتزماً السلام فعليك أن تصافح عرفات. تنهد رابين وقال: طيب طيب، لكن لا قبلات» .. وتابع كلينتون: «كنت أعرف أن عرفات رجل مشهدي بارع، ويمكن أن يحاول تقبيل رابين بعد المصافحة، قررنا أن أقوم أنا بمصافحة كل منهما على حدة أولاً، ثم أقوم بالإشارة إليهما بأن يتصافحا، كنت متأكدا أنه إذا لم يقبِّلني عرفات فإنه لن يقبِّل رابين، وبينما كنت في البيت الأبيض أبحث مع هيلاري وستفانا بوليس وتوني ليك ومارتن إنديك الأمر، أشار ليك إلى أنه يعرف طريقة يمكن فيها للمرء مصافحة عرفات من دون السماح بالتقبيل، وقد قمنا بتقليد عملية المصافحة؛ إذ لعبت أنا دور عرفات وهو لعب دوري مُظهراً لي كيف أقوم بذلك؛ فحين صافحت يده وتحركت للتقبيل، وضع يده اليسرى بقوة على ذراعي الأيمن الذي يكون مثنياً في هذه الحال عند الكوع، وضغط عليّ، وهو ما جَمَّد ذراعي، ثم تبادلنا الأدوار ومارسنا تلك العملية بضع مرات إلى أن ضمنت أن عرفات لن يقوم بتقبيل رابين، ضحكنا كلنا على هذه القضية، لكنني كنت أعرف أن الأمر جدي جداً بالنسبة إلى رابين» . [الرأي العام، ٢٣/٦/٢٠٠٤م] - الجارديان تشهد على القوات البريطانية ذكرت صحيفة الجارديان البريطانية أن أكثر من ٢٠ عراقياً تعرضوا للتعذيب البشع قبل وفاتهم على أيدي الجنود البريطانيين، وقالت إن شهادة وفاة «هلفي» (١٩ عاماً) تشير إلى أن «جثته تحمل آثار جروح خطيرة بالرصاص وبقع زرقاء حول العين اليسرى وجرح كبير على الذراع اليمني والجثة تحمل أيضاً آثار ضربات وتعذيب في كل مكان» ، «وتحمل جثة علي الجميندري (٣٧ عاماً) «آثار جروح خطيرة بالرصاص في الرأس والوجه والجسم والعنق إلى جانب جرح عميق على أحد الخدين؛ بينما قلعت عينه اليمنى» ، وقال شقيق الجميندري للجارديان إن عين شقيقه عُثر عليها في جيب سترته عندما سُلمت الجثة إلى عائلته» ، وقال الطبيب مجيد في مستشفى المجر الكبير للصحيفة: «عندما سلمونا الجثث فوجئنا بأن بعض القتلى بترت أعضاؤهم أو تعرضوا لعمليات تعذيب» . ووصف متحدث باسم الجيش البريطاني في العراق هذه المعلومات بأنها «سخيفة وإهانة للجيش البريطاني بأكمله» . - رؤية ... آية مشرف.. ثلاث الرئيس الباكستاني برويز مشرف يبدو مجتهداً في اتباع السنة النبوية، ولكن من طريق عكسي؛ فقد كان جمع علامتين ذكرهما النبي ﷺ في حديثه: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان» وهما كذب الحديث وخيانة الأمانة، فإذا به يصر على الإتيان بالثالثة قبل أيام قيلة، وهي: خلف الوعد، وهو إنجاز أن يُحصِّل رئيس دولة وحاكم عسكري العلامات الثلاث في فترة حكمه التي لا تتجاوز خمس سنوات. فأما كذب الحديث فقد برع فيه مشرف رغم قلة خبرته بالسياسة، وهو في ذلك يطبق أحد المبادئ السياسية التي تقول: «أن تكون سياسياً، يعني أن تكذب بلا توقف» والرئيس برويز لم يتوقف عن الكذب على شعبه منذ تولى الحكم، ويأتي موقفه من حركة طالبان التي حكمت أفغانستان لخمس سنوات في مقدمة ذلك، فقبل هجمات سبتمبر كان يتبنى موقفاً داعماً لها، وصرح في أكثر من مناسبة أن «طالبان هي حزام باكستان الأمني» ولكن بعد سبتمبر ٢٠٠١م يبدو أنه قرر أن يفك الحزام، وقال بلا خجل للشعب: «إنكم لا تعرفون مدى حقيقة وخطورة ميلشيا طالبان المتشددة» واعتبر القضاء عليها من مصالح باكستان العليا، وفي حوار مع صحيفة يو إس إيه تودي الأمريكية وصف معارضيه بالغباء. وأما خيانة الأمانة، فقد تولى مسؤولية دولة إسلامية نووية على أن يأخذها بحقها، فكأنه أخذ عهداً على نفسه ألا يدع لها حقاً إلا ضيعه، فبادر مُلوحاً للهنود ببيع قضية كشمير، وألمح للإسرائيليين بإمكانية تطبيع العلاقات، وجلب لباكستان نظاماً معادياً لها في أفغانستان، وسفك دماء شعبه في مناطق القبائل بحثاً عن الوهم، وختم بأن خان عبد القدير خان الذي تسبب في امتلاك باكستان للقنبلة النووية، ولكي ينجو من حصار الإدارة الأمريكية ألقى بأبي القنبلة النووية في مهب الريح كسيفاً أسير المرض. وأما العلامة الثالثة التي حازها مشرف، فتمثلت في وعده الذي قطعه على نفسه قبل أقل من عام عندما اتفق مع القوى الإسلامية السياسية على أن يقروا تعديلات دستورية اقترحها لتوسيع صلاحياته مقابل أن يتخلى عن صفته العسكرية وقيادته للجيش آخر العام الحالي، ولم يكد يمر على هذا الاتفاق عدة أشهر حتى بدأ مشرف في التململ من وعده، وأعلن أنه تلقى رسائل واتصالات عديدة من الباكستانيين تطالبه بالاحتفاظ بمنصبه العسكري، والطريف أن مشرف قبل ثلاثة أعوام تحديداً سخر من معارضيه الذين نظموا مظاهرات في عدة مدن باكستانية للإطاحة به، واعتبر أن تظاهر عدة آلاف لا يكفي للتعبير عن شعب تعداده أكثر من ١٤٠ مليون نسمة، وقال: «نحن لسنا في جمهورية موز ومن يريد الإطاحة بي فليجرب» نعم باكستان ليست جمهورية موز، فأسلوب برويز مشرف في الحكم نجح في تحويلها من جمهورية نووية إلى جمهورية بطيخ. - مرصد الأرقام - - ٧٠ ألف إلى ١٠٠ ألف دولار هي كلفة تصفيح السيارة العسكرية الأمريكية الواحدة التي تعمل في العراق، وأدى ذلك إلى انتعاش الشركات البرازيلية المتخصصة في هذا المجال بعد تعاقد البنتاجون معها، ويستخدم في كل سيارة ما يصل إلى ٩٠٠ كيلو غراماً من مادة التصفيح و١٠ مللمترات سماكة الصلب و٤٢ مللمتراً سماكة الزجاج. [الرأي العام، ٩/٥/١٤٢٥هـ] - ١٣% من الطالبات الجامعيات في الجزائر يتعاطين المخدرات ١٨% يدخنَّ السجائر ١٠% يتناولن الخمور، وذلك حسب دراسة ميدانية نفذتها المؤسسة الوطنية لترقية الصحة، وشملت عينة من الطالبات يعشن في الإقامات الجامعية بالعاصمة عددها ١١١٠ طالبات، وقالت ٢٢% من العينة أنهن يتعاطين المخدرات يومياً وبصورة منتظمة، بينما أكدت ٥٢% أنهن يتناولن المخدرات بصفة فردية. [الجزيرة نت، ٢٧/٦/٢٠٠٤م] - ١٩% هي نسبة الزيادة في الاعتداءات الجنسية التي تتعرض لها المجندات في الجيش الأمريكي؛ وذلك في الفترة من عام ١٩٩٩م إلى عام ٢٠٠٢م حسب تقرير خاص للجيش الأمريكي نشرته الواشنطن بوست، وزادت حالات الاعتداءات من ٦٥٨ حالة إلى ٧٨٣ حالة، وزادت حالات الاغتصاب بنسبة ٢٥% من ٣٥٦ إلى ٤٤٥ في نفس الفترة. [الأخبار القاهرية، ٤/٦/٢٠٠٤م] - ٦٤% من اليهود في فلسطين يؤيدون فكرة تهجير الفلسطينيين من الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م إلى دول أخرى، و ٥٥% يعتبرونهم خطراً على أمن الدولة الصهيونية، ٧٩% يؤيدون سياسة الاغتيالات التي ينفذها الجيش الصهيوني ضد قادة الفصائل الفلسطينية؛ وذلك حسب استطلاع أجراه مركز الأمن القومي في جامعة حيفا. [يديعوت أحرونوت، ٢٢/٦/٢٠٠٤م] - ترجمات عبرية خاصة بالبيان -محمد زيادة تصريحات - «لقد مللت من تلقي الضربات بالرغم من أني أعيش في تل أبيب، كل صاروخ من طراز القسام يسقط على مستوطنة سديروت يشعرني بالألم في معدتي. منذ سنوات ونحن نحاول أن نكوي عدونا بالضربات الساحقة، لكن النتيجة دائماً أن الوضع خرب.. خرب» . الكاتب «كوفي عوز» صحيفة معاريف العبرية، ٢٩/٦/٢٠٠٤م] - «لا ينبغي التلويح بأن الفلسطينيين قتلوا طفلاً إسرائيلياً بصاروخ القسام، والتهليل لذلك في وسائل الإعلام العالمية؛ فذلك سيدعو الفلسطينيين إلى قول الحقيقة وهي أننا قتلنا منهم ٥٠٠ طفل دون الثامنة عشر منذ سبتمبر ٢٠٠٠م منهم ٢٠ طفلاً في سن أقل من طفلنا القتيل» . [الكاتب «عوفر شيلح» صحيفة يديعوت أحرونوت ٢٩/٦/٢٠٤م] أخبار: كلاب شرسة لحراسة المستوطنين سيقوم المستوطنون باقتناء كلاب من النوع العدواني لتولي حراسة المستوطنات الأكثر ضعفاً وهي «الون موريه ـ عاليه ـ شيلو - براخا» ، وستم جلب هذه الكلاب من سفوح الجبال، بمساعدة الجيش الإسرائيلي، وسط مخاوف من التعرض لأذى تلك الكلاب» . [موقع نيوز فرست كلاس الإسرائيلي، ٢٥/٦/٢٠٠٤م] فصل ٢٠٠ مدرس في الكيان تعتزم وزارة المالية تقليص ميزانية التعليم في العام ٢٠٠٥م بمقدار ١٣٥ مليون دولار ليصبح بذلك مجموع التقليص في جهاز التعليم منذ العام ٢٠٠١م حوالي ٦٦٧ مليون دولار، وتم تقليض ميزانية العام الحالي بمقدار ١٩٢ مليون دولار، وسيؤدي التقليص المرتقب في العام القادم إلى تسريح ٢٠٠٠ مدرس. [صحيفة هآرتس العبرية نقلاً عن موقع وزارة التربية الصهيونية، ٢٨/٦/٢٠٠٤م] الإسرائيليون يمنحون العرسان شيكات مضروبة! كشفت مصادر في البنك المركزي أن نسبة كبيرة من «شيكات النقوط» التي يقدمها الأقرباء والأصدقاء كهدية للعروسين تكون غالبيتها مضروبة وبدون رصيد رغم أنها أهم المصادر التي يعتمد عليها أي عروسين في إسرائيل في تغطية نفقات الفرح، وهو الأمر الذي يُسبب لهم خسائر مالية باهظة نتيجة الخدعة السخيفة، قد تؤدي بالعريس إلى دخول السجن في شهر العسل لعدم سداده نفقات الفرح» . [القناة «٣٣» التليفزيونية الإسرائيلية، ٢٠/٦/٢٠٠٤م] - أخبار التنصير -أبو إسلام أحمد عبد الله البابا يبارك جهود التنصير بين الفقراء أعرب جون بول الثّاني بابا الفاتيكان عن تقديره لحملات التنصير الني تنطلق من مالطا وقال في كلمة له: «يسرّني إبداء التحيات إلى كلّ أعضاء مؤسسة فرسان الهيكل البارزة التي تشتغل في مناطق مختلفة من العالم، منذ تأسيسها في القدس عام ١٠٥٠م» (أيام الحروب الصليبية) . والمعروف أن هذه الجماعة كانت مثالاً لسفك الدماء وممارسة قطع الطرق لنهب النصارى الذين كانوا يأتون للحج في فلسطين إلا أنهم لبسوا الزي المرسوم عليه الصليب، ونالوا بركة الكنيسة، ثم تحددت رسالتها مع الحملات الصليبية في ذبح المسلمين، وتضم حالياً أكثر من ١٠ آلاف امرأة وفتاة يعملن في مجال التنصير بين الفقراء في مناطق الكوارث. [مدينة الفاتيكان،٢٢/٦/٢٠٠٤م (Zenit) ] مجلس الكنائس العالمي يتآمر ضد طوائفه في محاولة من مجلس الكنائس العالمي للتخلص من بعض المذهبيات الكنسية المناهضة لأنشطة الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس في العالم، مثل طوائف السبتيين والمورمون وشهود يهوه والنساطرة، أصدر المجلس قراراً بتعديل قوانين العضوية في المجلس للتضييق على هذه الكنائس التي نجحت من قبل في الحصول على اعتراف المجلس بها، وستسمح التعديلات بمعالجة مشكلة التمثيل المحدود للكنائس الأرثوذكسية التي كانت مثار خلاف دائم، ومجلس الكنائس العالمي من أبرز المنظمات التنصيرية في العالم ومقرة جنيف بسويسرا، ويضم جميع كنائس العالم بمختلف طوائفها ومذاهبها التي تزيد عن الثمانمائة طائفة. [موقع إرسالية المهمة العظيمة، ٢٨/٥/٢٠٠٤م] أول جامعة لاهوتية للروم الكاثوليك في دمشق صرح غريغوريوس الثالث بطريرك الروم الملكية الكاثوليك في بلاد الشام في حفل تخريج دفعة جديدة من طلاب الكلية الشرقية بدمشق أن الكنيسة في الفترة القادمة سوف تطور من مناهجها ومنشآتها التعليمية الضخمة التي تجاوزت المائة في البلاد العربية، وستنشئ أول جامعة لاهوتية للروم الكاثوليك في العالم الإسلامي، خلال العام الدراسي ٢٠٠٥/٢٠٠٦م. [حامل الرسالة، ٦/٦/٢٠٠٤م] الصين تلقي القبض على أسقف يمارس التنصير أعلنت قوات الشرطة الصينية أنها ألقت القبض يوم ٢/٦/٢٠٠٤م على الأسقف الكاثوليكي لكسوانهوا البالغ من العمر ٨٤ سنة، وظل حبيسها حتى يوم ٢٧/٦/٢٠٠٤م، كما وضعت أسقف مدينة كسيوانزي تحت الحراسة في الفترة من ٢ ـ ١٢/٦/٢٠٠٤م، وصرح مدير مكتب صحافة الفاتيكان أن ما تقوم به الصين من إجراءات ضد الأساقفة في ممارسة التنصير هو ضد حقوق الإنسان وبشكل خاص الحرية الدينية. [مدينة الفاتيكان، ٢٣/٦/٢٠٠٤م (Zenit) ]

стр. 5010

حكاية السيدة نون مسرحية ذات فصل واحد محمد علي البدوي على هامش معركة الحجاب صورة مع التحية إلى دعاة التحرير. المنظر: صالة الاجتماعات في مقر حركة تحرير الفتاة. المشهد: السيدة نون تذرع المكان غاضبة بينما يدخل إليها الشاب وسيم حاملاً كوباً من الشاي. وسيم: الشاي يا سيدتي! نوال: هذا عاشر كأس أشربه.. ما هذا يا وسيم؟ وسيم: هذا شاي يا سيدتي! نوال: أبله.. أعلم ذلك.. ولكن ما هذا الذي يحدث في الحركة؟! وسيم: كل شيءٍ على ما يرام؛ الأشياء مرتبة، وصالة الاجتماعات أنيقة.. و ... نوال (تقاطعه) : أقصد العضوات.. الفاشلات.. لقد تأخرن عن حضور الاجتماع. وسيم: اعذريهن يا سيدتي.. فلقد سهرن البارحة في الحفل الخيري.. حتى الثمالة. نوال: الساعة الآن الثانية بعد الظهر.. و «ريد» على وشك الوصول. وسيم: «ريد» !! لا تقلقي عندنا منه الكثير.. لقد اشتريت عبوات إضافية. نوال: «ريد» يا جاهل هي رئيسة الاتحاد النسائي العالمي.. لقد هاتفتني البارحة تُبارِكُ إنشاء الحركة.. ووعدتْ بتقديم الدعم اللازم. وسيم: آه.. تذكرتُ.. جمعية المرأة الفرنسية أرسلت هي الأخرى تُبارِك، وتدعوك إلى مؤتمر الاتحاد هذا العام.. ومجلة المرأة الجديدة تطلب تحديد موعد المقابلة. نوال (في زهو) : أرَأيتَ يا وسيم؟! العالم كله يقف معنا.. وسننجح.. ألَيس كذلك؟ وسيم: يا عزيزتي! ما لنا وللعالم.. تعالَيْ نعلن زواجنا للناس.. ونسافر خارج البلاد.. لقد مَللتُ. نوال: اصمت! هل تريدني أن أخون مبادئي التي أجاهد من أجلها؟ وسيم: أي مبادئ.. وهل نسيتِ الجنين الذي يتحرك في أحشائك؟ نوال (في هزيمة) : آه.. لا تذكّرني! هذه الخطيئة لا أعلم كيف اقترفتها؟ وسيم: ولكن أنا أعلم؛ لأنك امرأة، وستظلين امرأة. نوال: وسيم.. اصمت أرجوك! وسيم: المال في حوزتنا، وصندوق الحركة في أيدينا.. ما الذي ننتظره؟ نوال: قلتُ لكَ اصمت.. اصمت! وسيم: أنا زوجك.. وطفلي في أحشائك. نوال: ولكنك خادمي.. والعصمة بيدي. وسيم: وقلبكِ في يدي. نوال: أرجوكَ.. كفى.. (تنظر في ساعتها) سأذهب لاستقبال السيدة «ريد» وداعاً (تخرج) . وسيم: اذهبي معها إلى جهنم! (يشتغل وسيم بترتيب صالة الاجتماعات فتدخل إليه (هدى) إحدى عضوات الحركة) هدى: وسيم.. أنت هنا؟! وسيم: نعم! وسيم هنا. هدى: وحدك يا عزيزي؟ وسيم: لا، الشيطان ثالثنا. هدى: ولِمَ هذا الظن السيئ يا عزيزي! وسيم: ولِمَ هذا السؤال الأسوأ؟ هدى: أبداً، ولكنها فرصة حتى أعبِّر لك عن صدق مشاعري نحوك. وسيم: صحيح. هدى: وأقسم على ذلك.. أنتَ في عقلي دائماً يا وسيم! وسيم: شكراً.. يا عانستي. هدى: أنتَ هكذا دائماً.. توبخني بالعنوسة. وسيم: إنها الحقيقة.. امرأة في الأربعين.. ولم تتزوج بعد.. ماذا أقول عنها؟ هدى: كلُّ عضوات الحركة عانسات.. حتى السيدة نوال. وسيم: عهدكِ قديم جداً بالسيدة نوال.. إذن. هدى: ماذا تقول؟! وسيم: ادفعي.. حتى.. تسمعي. هدى: أنتَ هكذا دائماً تَعْبُد المادة (تُخرِج المال من حقيبتها، وتناوله) خذ. (وسيم يأخذ المال، ويسر لها في أذنيها بالخبر) هدى (واجمة) : ماذا تقول؟ الويل لها. وسيم: امرأة وتبحث عن نفسها. هدى: على حسابنا. وسيم: يا عزيزتي..! الحياة فرصة.. والفرصة قد لا تعود. هدى: الخائنة.. سترى.. سترى.. (تخرج مغضبة) . وسيم: يجب أن أغادر الآن.. سينفجر الوضع حتماً (يخرج) . (تدخل السيدة نوال وبصحبتها السيدة ريد، وبعض العضوات) نوال: تفضلن.. تفضلن.. سنبدأ الاجتماع الآن. (يتحلقن حول طاولة الاجتماعات) نوال: باسم حركة تحرير المرأة في بلادنا.. وباسم كل النساء المتحررات نرحب بالسيدة الكبيرة والمناضلة من أجل المرأة.. السيدة ريد. (تصفيق حاد يملأ القاعة، تدخل عندها العضوة حنان وهي في كامل حجابها الإسلامي) حنان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ريد: يا إلهي.. ما هذا؟! نوال: من.. من.. أنتِ؟! حنان (تكشف عن وجهها) : أنا أختكم حنان.. العضوة السابقة معكم.. جئتُ من أجلكم. نوال: ما هذا التخلف يا حنان؟! حنان: أخواتي: أنتن في الطريق الخطأ.. عُدن إلى الله قبل فوات الأوان. نوال: توقفي.. أيتها الرجعية. هدى (تدخل فجأة) : بل توقفي أنتِ.. أيتها الخائنة. الجميع: مَنْ.. هدى؟! نوال: هذه مؤامرة.. مؤامرة. هدى: وما قمت به أنتِ.. تتزوجين وسيم سراً.. وتَدَّعين أنكِ لن تتزوجي أبداً! فقد تزوجت قضية تحرير المرأة.. وستعيشين لها. إحداهن: لكن وسيم.. زوجي أنا. ثانية: بل زوجي أنا. ثالثة: حتى أنا.. لقد تزوجني سراً. ريد (تنهض) : المعذرة.. يبدو أنكن ما زلتن صغيرات على قضية المرأة.. وداعاً (تخرج) . نوال (مسز ريد) : توقفي.. توقفي.. أرجوك! حنان: دعوها تذهب؛ إنها داعية إلى باب جهنم.. دعوها. (تدخل إحدى العضوات مسرعة) العضوة: سيدة نوال..! سيدة نوال..! لقد هرب الشاب وسيم بعد أن استولى على صندوق الحركة، وترك لك هذه الرسالة (تُناولُها الرسالة) . نوال (تقرأ الرسالة واجمة) : لا.. لا.. لقد انتهى كُلُّ شيء.. كُلُّ شيء. حنان: لا.. لم ينتهِ كُلُّ شيء.. ما زالت الفرصة قائمة.. اغسلن الخطيئة بدموع التوبة.. هيا.. هيا معي إلى الله.. هيا! هدى: آهِ.. كم كنتُ غافلة.. كم كنتُ واهمة. حنان: هيا يا أخواتي.. ما أحلى العودة إلى الله! إحداهن: أنا معك يا حنان! إحداهن: وأنا كذلك. (تخرج حنان، وتتبعها بعض العضوات، بينما تقف نوال ذاهلة عما حولها، وهي تهذي كالمجنونة) نوال (صارخة) : لا.. لا يمكن أن يحدث هذا.. إنه كابوس.. مجرد كابوس.. سيعود وسيم.. أليس كذلك؟.. إن طفله في أحشائي.. لا.. أنا نوال زعيمة حركة التحرير.. سيدعمني العالم.. وسأنتصر.. سأنتصر.. ها.. ها.. ها. ـ تطفأ الإنارة ـ صوت: وعاشت السيدة نوال بقية حياتها في ظلمات المعاصي تحاول جاهدة بعث هذه الحركة تجوب أرجاء العالم، وترتمي في أحضان المؤسسات تطلب الدعم، والعون، وتقود المظاهرات تلو المظاهرات.. لكنها، وبرغم كل ذلك لم تنجح، فقررت أخيراً أن تنتحر.. وبالفعل أقدمت على فعلتها، وكان انتحارها مأساة أخرى.. فلا حول ولا قوة إلا بالله.. والحمد لله الذي عافانا مما ابْتُلِيَتْ به. ستارة
следующие страницы →