المسلمون في أوربا
-التحرير-
نشرت مجلة الجمعية الجغرافية الملكية مقالاً مفصلاً عن ظاهرة تواجد
المسلمين في أوربا الغربية وأعدادهم ونظرة الغرب إليهم، ولأهمية المقال نقتطف
منه ما يلي:
تشهد أوربا الغربية من بعد الحرب العالمية الثانية غزواً إسلامياً جديداً يختلف
كلياً عن سابقه، فالغزو الجديد لا تقوده الجيوش التي صقلتها الحروب [١] بل
عوضاً عن ذلك هو تحرك هادئ ويأتي متدرجاً أحياناً من المسلمين القادمين من
شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، حيث يأتي المبعدون من تلك المناطق
إلى أوربا بحثاً عن آمال جديدة وفرص عمل.
ليس هناك أسلوب دقيق لمعرفة كم من المسلمين يعيشون في أوربا الغربية
اليوم، فبعضهم قدم قبل عدة عقود من الزمن وهم الآن مواطنون ضمن المجموعة
الأوربية، والبعض الآخر ولد في أوربا من عائلة أسيوية أو أفريقية. كما أن منهم
أوربيون بيض اعتنقوا الإسلام، بالإضافة إلى صنف رابع وهم الذين هاجروا إلى
هذه الدول بصورة غير قانونية وهم لذلك يعيشون على هامش المجتمع خشية
الاعتقال والطرد.
إن معرفة حجم تواجد المسلمين في أوربا أمر شاق جداً ذلك أن الدول الأوربية
ومنظماتها لم تضع بعد نظاماً معيارياً تتمكن من خلاله من إجراء عملية الإحصاء،
فبعض الدول عندها سجلات للأجانب إلا أنها لا تأخذ بعين الاعتبار قضية الدين في
إحصاءاتها وبذلك لا يكون في سجلاتها إشارة إلى حجم المسلمين. إلا أنه وعلى أية
حال، وبناء على إحصاءات المجموعة الأوربية والمنظمات الخيرية وشخصيات
أكاديمية بارزة فإن عدد المسلمين في أوربا الغربية يقدر بـ (٥ر ٧) مليون، وهنا
يجب التأكيد على أن هذا الرقم لا يمثل إلا تخميناً تقريبياً وأن الرقم المذكور قد
يصل وفقاً لمصادر أخرى إلى (١٢) مليون.
وتشكل فرنسا وألمانيا الغربية والمملكة المتحدة لوحدها موطناً لما لا يقل عن
خمسة ملايين مسلم. إلا أن ظروف تواجد هذا الكم تتفاوت جذرياً من دولة إلى
أخرى، ففي المملكة المتحدة أصبح عدد كبير من المهاجرين من باكستان والهند
وبنغلاديش مواطنين بريطانيين، وشهدت الساحة الاقتصادية نموأكبر فئة مسلمة
مالكة للمنازل والمحال التجارية، وفى شهر أيلول (سبتمبر) من العام الماضي قامت
مجموعة من المسلمين (البيض والسود) بتشكيل الحزب الإسلامي البريطاني الذي
يعتبر الأول من نوعه في أوربا والذي يتخصص بشئون المسلمين.
إن الثقة التي دفعت المسلمين في بريطانيا إلى الإقدام على أعمال كهذه قد
تعكس مقداراً أكبر من التسامح من جانب المجتمع البريطاني بعمومه. ويعلق جون
سولت الدكتور في جامعة لندن والجغرافي المتخصص في حقل الهجرة الجماعية
على هذه الظاهرة فيقول: (هناك انقسام حضاري بين المهاجرين أو المهاجرين
سابقاً وبين أفراد المجتمع الأصليين في كل من فرنسا وألمانية الغربية، وهو أمر لا
وجود له في بريطانيا [٢] . كما أن قضية البريطانيين السود هي حقيقة مقبولة منذ
فترة طويلة. وفى فرنسا مواطنون فرنسيون نتيجة التزاوج بين الفرنسيين البيض
وبين أهل المستعمرات السوداء، أما وجود ألمان سود فهذا غير وارد ألبتة.
إلا أن جغرافيين متخصصين آخرين يخالفون هذا التفسير الذي قدمه الدكتور
سولت، حيث تقول الدكتورة جولي وهى باحثة رفيعة المستوى في مركز بحوث
العلاقات العرقية التابع لجامعة ووريك، تقول في مقابلة أجريت معها مؤخراً: (إن
المجتمع البريطاني لم يمنح البدائل الكافية للمسلمين، قد يكون المسلمون في
بريطانيا مواطنين حقاً، إلا أن معدلات البطالة ما زالت هي الأعلى بين صفوفهم،
كما أنهم ما زالوا معزولين عن التيار العام في المجتمع، أما في فرنسا فإن أيدلوجية
الثورة هناك تنص على تحقيق المساواة في الحقوق بالنسبة للجميع) [٣] .
وفي الوقت الذي يتصدر فيه مسلمو بريطانيا الدور في مضمار النشاط
الإسلامي فإن هذا النشاط الجديد أخذ في اكتساح معظم دول أوربا الغربية. فقد
ارتفعت مآذن المساجد والمراكز الإسلامية في معظم المدن الرئيسية، وقد أصبحت
قضايا المساواة في الحقوق وفرص العمل وتحقيق الاستقلال الثقافي والديني من
الأمور الأساسية التي يطالب بتحقيقها المسلمون عبر القارة الأوربية.
وتضيف الدكتورة جولي قائلة: (إن هذه النهضة الجديدة التي يشهدها الإسلام
على نطاق عالمي تعزى جزئياً إلى الأحداث في الشرق الأوسط التي منحت الإسلام
مكانة بارزة في الصحافة العالمية وجعلته موضع اعتزاز وافتخار. إلا أنها - أي
النهضة - في الوقت ذاته تأتي كإفراز لذلك التمرد من جانب المسلمين ضد الصورة
العنصرية والثقافية المفروضة عليهم من جانب المجتمع الأبيض.
وعلى الرغم من أن ظاهرة الوعي الإسلامي الحديثة أصبحت منتشرة في
جميع أنحاء أوربا، إلا أن ظروف هجرة المسلمين تختلف إلى حد كبير من بلد إلى
آخر. ففي بريطانيا ترجع أصول كثير من المهاجرين فيها إلى مستعمراتها الهندية
السابقة التي حكمتها بريطانيا إبان عهد الإمبراطورية، ولقد كانت هجرة هؤلاء منذ
البداية مرتبطة بمسألة الحصول على الجنسية البريطانية. أما في فرنسا فإن الجزء
الأكبر من هجرة المسلمين إليها كان قد حدث في السبعينات عندما استقدمت البلاد
العمالة الأجنبية - ومعظمهم من الرجال - بصورة رئيسية من الجزائر التي كانت
قد نالت استقلالها، إلا أن هؤلاء المهاجرين كانوا على علم مسبق بأنه سوف يكون
لهم الحق في العمل في فرنسا إلا أنه لا يسمح لهم بحال إلحاق أفراد عوائلهم بهم.
أما ألمانيا الغربية التي كانت قد جردت من مستعمراتها بعد الحرب العالمية
الأولى فقد كانت أكثر صرامة في قوانين الهجرة. فالحكومة الألمانية شجعت ومنذ
فترة طويلة استقدام الأيدي العاملة التركية، إلا أنها جعلت لهم الأمر واضحاً منذ
البداية بأنهم لن يكونوا مواطنين ألمان أبداً، وأنه يتعين عليهم يوماً ما الرجوع إلى
بلادهم. وبطبيعة الحال فإن كثيراً من العمال الأتراك (الضيوف) لم يرجع إلى
تركيا كما كان مخططاً له على الرغم من ظروف العيش المتواضعة جداً التي
يعيشونها في النزل التي تنفق على إدارتها الحكومة. كما أن كثيراً منهم لا يملك
تصريح الإقامة ويحاول التواري عن الأنظار خشية إلقاء القبض عليه ومن ثم
الإبعاد. إن الدافع الحقيقي وراء هذه السلوكيات قد يبدو سهل المعرفة، ذلك هو
استمرار الاضطرابات الاجتماعية والركود الاقتصادي الذي تشهده تركيا في هذه
المرحلة.
لقد أدى تواجد العمالة التركية في ألمانيا إلى ردود فعل عنصرية من جانب
الألمان البيض، وإن ردود الفعل هذه قد تنامت خلال السنة الماضية كنتيجة للنظرة
التي ينظر بها أحياناً إلى مسلمي أوربا على أنهم يشكلون خطراً أصولياً بسبب
حملات احتجاجهم المستمرة ضد نشر كتاب سلمان رشدي، ففي الانتخابات الأوربية
التي جرت في شهر حزيران (يونيو) من العام الماضي حصل الحزب اليميني
المتطرف في ألمانيا على نسبة ٧% من الأصوات بعد الحملة التي قادها من أجل
طرد العرب والأتراك بالقوة من البلاد. ولم يدع رئيس الحزب الجمهوري أي
شكوك تحيط بموقفه تجاه الدور الذي يلعبه مليوناً مسلم في ألمانيا، فقد صرح حديثاً
: (لن ترفرف راية الإسلام الخضراء يوماً فوق ربوع ألمانيا، ولن نكون بيتاً لفقراء
دول حوض البحر المتوسط) .
كما أن فرنسا كانت قد شهدت هي الأخرى تنامياً في قوة حزب الجبهة القومية
اليميني المتطرف ذي الاتجاهات العنصرية والمناهض لعمليات الهجرة. وكان
رئيس الحزب قد حذر من غزو إسلامي جديد لأوربا مقترناً بالعنف يشابه ما كان قد
جرى في العصور الماضية. وعلى الرغم من هذه المزاعم التي لا يتقبلها العقل،
فقد كانت نسبة الأصوات التي حصل عليها الحزب في الجولة الأولى من الانتخابات
الرئاسية الفرنسية في عام ١٩٨٨ هي واحد إلى سبعة.
ولقد ارتفعت في فرنسا - كما هو الحال في باقي دول أوربا - نسبة حوادث
الاعتداء على المسلمين، إلا أن نسبة المواليد بين المسلمين ارتفعت هي الأخرى.
يقول الدكتور ج. بيتش المتخصص في حقل الهجرة وإحصاء السكان في جامعة
أوكسفورد: (إن نسبة المواليد بين المهاجرين تفوق إلى حد كبير نظيرها بين
السكان الأصليين، والواقع هو أن تعداد المهاجرين سوف يستمر بالنمو حتى في
حالة إقفال الباب أمام هجرات مستقبلية) .
وعلى الرغم من إقفال تلك الدول الأوربية أبواب الهجرة أمام العمالة الأجنبية
منذ فترة طويلة، إلا أن الهجرة غير القانونية ما زالت مستمرة وبمعدلات تنذر
بالخطر، وتشكل أسبانيا وإيطاليا المحطة الأولى للهجرة غير القانونية القادمة في
غالبيتها من شمال أفريقيا، وذلك لسهولة الدخول نسبياً إلى هاتين الدولتين، ومنهما
يواصل المهاجرون رحلتهم شمالاً باتجاه دولة أوربية أخرى.
وعلى الرغم من النمو المطرد في تعداد المسلمين في أوربا فإن بروز تيار
إسلامي أصولي متعصب في أوربا الغربية غير وارد ولا يتنبأ به إلا عدد قليل من
المتخصصين في حقل الاجتماع والجغرافية، كما يرى آخرون أن النهضة الإسلامية
التي تشهدها أوربا اليوم هي نتيجة صياغة سيئة لقوانين الهجرة التي كانت قد
صيغت قبل عدة عقود من الزمن.
وبغض النظر عما إذا كان الأمر في صالح أوربا أم لا ? فإن أوربا الغربية قد
باتت خليطاً معقداً من المجتمعات المختلفة عرقياً وحضارياً، وقد وصلت الشعوب
الأوربية بذلك إلى نقطة اللاعودة.
إن الطريق الأمثل لإيجاد مجتمع متجانس مستقبلاً يكون في دمج مسلمي أوربا
في المجتمع على نطاق واسع [٤] . إن استمرار تواجد الأحياء التي يتمركز فيها
أبناء الدين الواحد أو العرق الواحد لا يؤدي إلا إلى انكماش وانزواء هذه الأقلية
المتنامية الحجم وإلى إبراز التوترات بين شعوب أوربا المتعددة الخلفيات الحضارية
مجلة الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية كانون أول/١٩٨٩م
стр. 527
ألبانيا
آخر حبة في عنقود الشيوعية في أوربا
الصنداي
مع اكتمال مسلسل انهيار الأنظمة الشيوعية في دول الكتلة السوفيتية والتي
كانت رومانيا آخرها، تكون ألبانيا هي الدولة الوحيدة في أوربا التي ما زال يتسلط
على شعوبها نظام ماركسي، هذا إذا ما استبعدنا الاتحاد السوفييتي الذي منه بدأت
شرارة الشيوعية الأولى وفيه انطفأت.
وألبانيا دولة مسلمة، دخلها الإسلام إبان الفتوحات العثمانية في أوربا، يبلغ
عدد سكانها (٢. ٨٤) مليون ويشكل المسلمون ثلثي هذا العدد ومعظمهم من السُنَّة،
وسيطر عليها الشيوعيون في أواخر الحرب العالمية الثانية وهي منذ ذلك اليوم دولة
ذات نظام ماركسي منعزل عزلة شبه تامة عن باقي دول العالم، يعتبر نفسه - أي
النظام - الممثل الوحيد للشيوعية الحقيقية في العالم، فهو لا يعتد بأنظمة الاتحاد
السوفييتي أو الصين أو يوغوسلافيا، بل ولا يقيم علاقات دبلوماسية معهم. وتعتبر
مدن ألبانيا هي الأمكنة الوحيدة في العالم التي ما زالت تبقي على تماثيل ستالين في
ميادينها العامة..
وما زال شعب ألبانيا المسلم يخضع لقوانين ماركسية صارمة، فأطفال
المدارس لا زالوا يرددون قسم الولاء للشيوعية كل صباح، ومعارضو النظام لا
يجدون شفقة ولا رحمة، وليس أمامهم إلا السجن أو الإعدام، وعناصر قوات الأمن
منتشرة في كل مكان، والصحافة تخضع لرقابة صارمة، أما مناطق الحدود فهي
تزدحم بأبراج الأنوار الكاشفة التي تكشف كل من يحاول الفرار من البلاد، فقضية
غلق أسوار الدولة بهذه الكيفية تعتبر من المبادئ الأيدلوجية للنظام.
أما فيما يخص الجانب الاقتصادي من الحياة اليومية، فإن فقدان السلع
الأساسية والأغذية هو سمة السوق المحلية، كما أن طوابير الناس التي تمتد
لمسافات طويلة وتبدأ من الساعة السادسة صباحاً بحثاً عن رغيف خبز أو قطعة لحم
تعتبر مشهداً يومياً مألوفاً. والنظام الاقتصادي لا يتيح للفرد حق التملك باستثناء
أشياء محدودة جداً؟ فحيازة السيارة ما زال من المحظورات على المواطن الألباني، على الرغم من تمتع أعضاء الحزب بقيادة السيارات الفاخرة التي يصطحبونها
معهم إلى منتجعاتهم الصيفية.
وعلى الرغم من هذا وذاك، وعلى الرغم من القبضة الحديدية التي يحكم بها
هذا البلد المسلم، والستار الحديدي الذي يحجب عن العالم الخارجي كل ما يحدث
داخل هذا السجن الكبير؟ فإن الأنباء المتسربة من هناك تشير إلى حدوث موجات
سخط كبيرة بين أوساط الشعب، وتقارير تتحدث عن خروج مظاهرات احتجاج
كبيرة مضادة للحكومة في ١٤/١٢/١٩٨٩? في إقليم سكوتاري ومدينة سكودر
الشمالية هي الأولى من نوعها. وتشكل الجامعات والمعاهد - حيث نخبة الشباب
المثقفين والمفكرين - بؤراً لموجات السخط والغليان الشعبي.
قد تبدو أعمال الاحتجاج والمظاهرات هذه - والتي نفتها الحكومة - صغيرة
في حجمها، إلا أنها على كل حال تمثل ثغرة في كيان النظام الشيوعي (الحقيقي)
هناك وبداية الطريق لسقوط آخر قطع (الدومينو) الحمراء في أوربا.
صنداي كوروسبوندنت والتايمز ٢٤/١٢/١٩٨٩م
دائرة المعارف البريطانية
стр. 528
أخبار حول العالم
-التحرير-
أقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق شامير يوم ٣١/١٢/١٩٨٩م على طرد
عيزرا وايزمان الذي يشغل منصب وزير العلوم في الحكومة الائتلافية إثر تقارير
تحدثت عن لقاء بينه وبين مسؤولين في منظمة التحرير الفلسينية.
وتحدث شامير عبر شاشة التلفزيون قائلاً: (لو التزمت الصمت من جانبي
فسأكون مشاركاً بالفضيحة) ومن المعروف أن القانون الإسرائيلي يحظر إجراء لقاءات مع أعضاء في المنظمة. وكانت تقارير في شهر حزيران (يونيو) الماضي قد ذكرت أن محادثات دارت بين وايزمان ومسؤولين كبار في منظمة التحرير في مدينة جنيف. كما ذكر وزير الشئون العربية في حكومة شامير أن وايزمان كان قد أجرى اتصالات مع ياسر عرفات عن طريق طرف ثالث..
وقد نفى ياسر عرفات أن يكون أعضاء في المنظمة قد أجروا أي اتصالات
مع وايزمان، واعترف عرفات أن عدة أعضاء في المنظمة قد سعوا قبل عامين
للالتقاء بالوزير المطرود إلا أنهم فشلوا!
وكالة الأنباء الفرنسية ٣١/١٢/٨٩
إسرائيل تتهيأ لتدفق اليهود السوفييت عليها
كان المسؤولون الإسرائيليون يتوقعون وصول حوالي ربع مليون يهودي إلى
فلسطين المحتلة خلال الأعوام الثلاثة القادمة، أما الآن فإنهم باتوا يتوقعون أن هذا
العدد قد يصل إلى المليون، هذا وإن ألف يهودي يصلوا أسبوعياً إلى إسرائيل
قادمين من الاتحاد السوفييتي، ويقول أحد المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية: إن
اليهود السوفييت يسارعون بالفرار في هذه المرحلة خوفاً مما قد تتمخض عنه حالة
عدم الاستقرار التي يمر بها الاتحاد السوفييتي من موجة عداء للسامية.
وعلى صعيد الاستعدادات لاستقبال هذا العدد من القادمين، أقرت الحكومة
الإسرائيلية خطة لبناء (٢٠) ألف منزل وبرنامجاً لتوفير فرص عمل جديدة لأكثر
من (٢٠) ألف عامل. ويرى رئيس الوزراء أن في الزيادة الكبيرة المرتقبة في عدد
اليهود مبرراً إضافياً لرفضه منح تنازلات إقليمية للفلسطينيين..
ومما يذكر أن١٠% فقط من اليهود السوفييت المهاجرين كانوا يختارون
الذهاب إلى إسرائيل في العقد الماضي، إلا أن هذه النسبة قفزت إلى ٤١% في
الشهر الماضي.
ويستبعد المسؤولون اليهود أن تؤدي هذه الزيادة المفاجئة في الهجرة إلى
إحداث أي متاعب لإسرائيل، ويعلق رئيس الوكالة اليهودية على هذا فيقول: علينا
أن نتذكر بأن إسرائيل كانت قد ضاعفت عدد المواطنين اليهود في الفترة ما بين عام
١٩٤٨إلى١٩٥١م ليصل إلى ١. ٣مليون بدون أي صعوبات، فلماذا لا يستطيع
(٣. ٥) مليون يهودي استيعاب (١٠٠) ألف مهاجر سنوياً؟ .
الاندبندنت ١٢/١/١٩٩٠م
стр. 529
مشاهدات في أوربا
الجدار الذي تحطم
محمد سليمان
عندما تعبر الحدود من ألمانيا الغربية وتضع قدمك في ألمانيا الشرقية تنتقل
إلى عالم آخر، عالم مختلف تماماً، فجأة ترى الوجوه العابسة البائسة، وجوه
الجنود الموظفين الذين يخاف بعضهم بعضاً (فالتجسس من أهم مواصفات المجتمع
الشيوعي) ومع ما حصل من التغيرات ولكن أثر التربية الشيوعية والإرهاب
والتجويع لا يزول بسهولة.
وإذا تقدمت خطوة أخرى واجتزت الحدود، وبعد ساعات من المسير تطلب
مكاناً ترتاح فيه قليلا من وعثاء السفر، ولكن هيهات، فتستمر في السير حتى
تصل برلين الغربية، وهي جزيرة من الغرب في وسط ما سمي بالديمقراطيات
الشرقية، قال لي أحد الأصدقاء في برلين الغربية وهو بائع للفواكه والخضار:
عندما دخل أهل برلين الشرقية لأول مرة، ورأى الأطفال منظر البرتقال والعنب
والموز لم يصدقوا، كانوا يصيحون بأعلى أصواتهم: ماما هذا برتقال، هذا عنب. مساكين كانوا يرونه في الصور فقط، يقول هذا الصديق: كان منظراً محزناً،
فالأب والأم لا يستطيعان شراء هذه الفواكه لأنها مرتفعة الثمن بالنسبة لعملتهم،
فقلت له: هذه ألمانيا الشرقية فكيف بباقي دول أوربا الشرقية التي هي أقل منزلة
والحالة فيها أسوأ.
وعندما تصل برلين الغربية لا بد أن تذهب لترى الجدار الذي تحطم، الجدار
الذي فصل بين أهل المدينة الواحدة بين الأقارب والجيران لأكثر من سبعة وعشرين
سنة، وكان الحراس يقتلون كل من تسول له نفسه بالهرب، ولكنه الآن بلا حراس
والناس يكسرون منه قطعاً للذكريات وفي بعض المناطق فتحوا ثغرة فيه، لا شك
إنها لحظات تاريخية ومنظر مؤثر في النفس، لقد جرى التغيير بسرعة هائلة، من
كان يصدق أن هؤلاء الجنود الذين يقفون عند بوابة (بردنبرغ) يرون الناس
يحطمون الجدار ولا يكلمونهم، بل إنك تنظر في وجوه الجنود وعيونهم تجد فيها
نوعاً من الذل.
سبحان الله، متى تتحطم الجدر عندنا، هذه الحدود الوهمية التي رسمت لنا،
أو على الأقل متى تلغى التأشيرات والعوائق بين البلاد العربية والإسلامية؟ .
стр. 530
تعريف وعرفان
-التحرير-
إن من أصناف الناس من لا يحظى بواسع شهرة، ولا بكبير منصب، ولكنه
يعمل أعمالاً عظيمة، وينجز مهاماً جساماً. ومن - بين أولئك الناس الأخ العزيز
الدكتور عبد الله الخاطر الذي فجعنا بوفاته - يرحمه الله - فجر يوم - السبت ٢/٦/
١٤١٠ هـ الموافق ٣٠/١٢/١٩٨٩. وعرفاناً لجميل صنع هذا الأخ نكتب هذا
التعريف الموجز سائلين المولى أن يتقبله، ويتغمده بواسع رحمته ورضوانه..
تعريف:
هو الدكتور عبد الله بن مبارك بن يوسف الخاطر آل بو عينين التميمي من
أهل الدمام بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، ولد عام ١٣٧٥هـ. في
مدينة الظهران، وتخرج من كلية الطب جامعة الملك سعود بالرياض عام ١٤٠٠ هـ/
١٩٨٠م ثم عين معيداً في كلية الطب جامعة الملك فيصل بالدمام، وابتعث إلى
بريطانيا للدراسات العليا في معهد مودزلي للطب النفسي في لندن عام ١٩٨٣م.
حصل على شهادة البور في الطب النفسي من جامعة لندن عام ١٩٨٥م ثم حصل
على شهادة البوبد الأردني في الطب النفسي من المجلس الطبي الأردني عام ١٩٨٧
م حيث عين استشارياً في الطب النفسي في كلية الطب جامعة الملك فيصل، تزوج
عام ١٣٩٩هـ وله خمسة أولاد: ثلاثة أبناء وابنتان، أكبرهم في الحادية عشرة
وأصغرهم لا يتجاوز ستة أشهر، وابنه الأول اسمه مبارك.
عرفان:
لقد كان رحمه الله تعالى يعيش لدعوته الإسلامية، ويحيا على البذل لها
والتضحية في سبيلها، والجهاد بكل سبيل لإعلاء كلمتها. وكثيرون هم الذين كان
﵀ سبباً في هدايتهم وتوجيههم وتربيتهم على الإسلام، سواء في بلده أو
خارجها، وعلى الأخص بريطانيا. وبالرغم من أنه لم يتخصص في الشريعة إلا
أنه كان داعية لها، وكان يسعى جهده من أجل العمل للإسلام فمن ذلك أنه أنشأ حلقة
لدراسة العلوم الشرعية في عام ١٩٨٣م في لندن باللغة العربية وباللغة الإنجليزية،
ووصل عدد المواظبين عليها إلى ما يزيد على السبعين حيث أصبحت معلماً متميزاً
للدعوة الإسلامية على منهج أهل السنة والجماعة هناك، وانتقلت هذه الحلقة إلى
المنتدى الإسلامي الذي كان هو أحد العاملين على إنشائه.
إن أسرة المنتدى الإسلامي والعاملين به ليشعرون بفراغ كبير بفقد الأخ
الدكتور عبد الله الخاطر، ويشاركون أهله وإخوانه ومحبيه ومعارفه العزاء
والمواساة، ويسألون الله له الرحمة والرضوان، وأن يسكنه فسيح جناته في مقعد
صدق عند مليك مقتدر وأن يحشره الله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ألئك رفيقا.
وبهذه المناسبة تقدم البيان كلمتين لاثنين من إخوانه الذين صحبوه وعرفوه
عن قرب، ﵀ رحمة واسعة.
стр. 531
رثاء ووفاء
د. عبد الرزاق الحمد
أخ حبيب، وخل وَفِي، ذلك الذي وقع خبر فقده علي كالصاعقة، ...
وهزني فأربك كياني، وصدمني فأخل توازني، وأغمني فوق المصيبة غما، إذ كنت ... ... ...
بعيداً فلم أتمكن من مواساة قلبي بنظرة أخيرة ولا بخطوة أخطوها في تشييع ... جثمانه، وحضور جنازته، أو حتى مشاركة أهله وأحبابه ومواساة نفسي بمواساتهم، وتعزيتها بتعزيتهم.
لقد عرفته منذ أكثر من خمسة عشر عاماً حين كنا ندرس معاً في كلية واحدة،
وكانت بيننا أخوة في الله، ومحبة وود عميق، أسأل الله أن يدوم ذلك في يوم ...
القيامة في ظل عرش الله ﵎، يوم تنقطع الوشائج، وتتصرم العلائق،
إلا بين المتقين [الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المُتَّقِينَ] .
عرفته صاحب مبدأ وعقيدة تملأ عليه حياته وقلبه، يعتز بها فوق كل شيء،
ويقف عند حدودها في كل شيء وكانت له مواقف مشرفة أعتز أنني أخ وصديق
محب لصاحبها.
عرفته داعية إلى الله بنفسه وبما يملك أينما كان، وحيثما حل، فلم تخدعه
الدنيا، ولم تقعد به العقبات، وأنشطته ومحاضراته شاهد على ذلك.
عرفته واسع الأمل، كبير التفاؤل، لا تقف غاياته وآماله عند نفسه ولا عند
الدنيا وأعراضها، وعرفت فيه الطموح والعمل الجاد الدءوب والصبر والاحتساب،
وأخيراً عرفته وفياً لإخوانه وأحبابه بعيداً عن الحقد والريبة والغل، أحسبه كذلك.
ذلكم هو الأخ الحبيب الدكتور عبد الله بن مبارك بن يوسف الخاطر الذي وافاه
أجله يوم السبت ٢/٦/١٤١٠هـ، غفر الله له ولنا ورحمه وعافاه، وعفا عنه،
وأكرم نزله، ووسع مدخله.
اللهم لا تفتنا بعده، ولا تحرمنه أجره واغفر لنا وله.
ومن مشاعر الأخوة والمحبة والوفاء له كانت هذه القصيدة:
أدمع العين منهلَّ السحاب ... أيطفئ لوعتي طولُ انتحابي
وكيف وفي الفؤاد لها اعتلاج ... من النيران يهدر كالعُباب
أكف الدمع عن عيني كأني ... أجرَّم أو أهدد بالعقاب
وفي نفسي من اللأواء شيء ... يفتت شدةَ الصخر الصلاب
تكاد جوانحي من فرط حزن ... من الزفرات تُضرَم بالتهاب
وزاد من البلية في مصابي ... غيابي عن شهودك واغترابي
وأني لم أمتِّع منك عيني ... وما غبرت وجهي للثواب
يكاد القلب من أسف عليه ... يواسيني بطيفك عن عتابي
فمن لوم وأحزان توالى ... كضرب البِيض أو طعن الحراب
فصارت لوعتي تورى بقلبي ... ومنها القلب يرمي بالشهاب
كما البركان لا ينفك حتى ... يحمحم في الفضاء وفى الهضاب
فلا دمعي سيطفئ نار حزني ... ولا كتمي يخفف من مصابي
فحسبي أن من أبكيه شهم ... عفيف القلب واليد والثياب
له في الحق سبق والتزام ... مواقفه على نهج الكتاب
صدوق ما تراه أخا نفاق ... جزيل البذل من غير اطّلاب
يعيش من التفاؤل في خضم ... من الآمال ممتد الرحاب
له جلد على الغايات حتى ... ليجنيها على رغم الصعاب
سليم الصدر رغم (الربو) فيه ... تنزه أن يدنس بارتياب
وفي الود مرضيُّ السجايا ... بدهر عمه طبع الذئاب
غدا للدعوة الغراء سيفاً ... ينال العز في هجر القراب
فلست تراه إلا في هواها ... حثيث الخطو ينعم في الجواب
أعبد الله رحت وأنت غض ... طري العود ريان الشباب
فإن أبكي عليك فذاك ضعفي ... ونبل الضعف في حب الصحاب
وإن أغلو بمدحك إن عذري ... علوك في فؤادي وفي الجناب
وإن منا وجدت له عيوباً ... وعيبك في المناقب كالسراب
عليك الرحمة المهداة تترى ... كعبق المسك في الظل الرطاب
دواماً ما تعاقبت الليالي ... وما درج النسيم على التراب
ويجمعنا بظل العرش ربي ... إذا انفصمت عرى يوم الحساب
أرى الأحياء يقصر عن مداهم ... بأن الموت ذو ظفر وناب
وما أعياه من شيب حجاهم ... ولا أعياه من غض تصاب
وكل الناس تترى في قطار ... وإن جهلوا بساعات الركاب
فمن يضع الحياة على هواه ... بمرح حسرة سوء العذاب
ومن تكن المعالي في مناه ... لنصر الدين يسعد في المآب
أخا الإسلام ما الغايات إلا ... جهاد للشهادة في احتساب
ترقع عن معاقرة الدنايا ... وعن غدر وغل واضطراب
وأفسح للسماحة كل صدر ... بحب أخيك معلول الرضاب
فما الآجال تفسح باختلاف ... وأعداء الشريعة كالعقاب
طواغيت الخيانة قد تداعوا ... بنهش لحومنا مثل الكلاب
ونحن على التحزب والدعاوى ... نعد جيوشنا يوم الضراب
وأسباب الفلاح لنا اتحاد ... وإعداد وصبر في الطلاب
وفي الأحداث معتبر ولكن ... قليل من يوفق للصواب
стр. 532
كنت قدوة وستبقى رحمك الله
خالد عبد الله أحمد
كان للأخ الفاضل الكريم عبد الله بن مبارك الخاطر رحمه الله تعالى جوانب
مشرقة في حياته، وستبقى مضيئة بل أكثر إضاءة بعدما جاءه الأجل وانتقل إلى
خير مما كان عليه. فرحمه الله رحمة واسعة ونور عليه في قبره، ونعَّمه في
برزخه ويوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وبحكم قربي من الأخ رحمه الله تعالى، فإنه وبحق قد كان في محل من
يصلح للاقتداء به، وهذه جوانب قد رأيتها في حياة الأخ، واستفدت منها وستبقى
إن شاء الله موضع استفادة لكل طالب حق.
أولاً: الشعور بواجب الفرد تجاه أمته ودينه، فلقد كان ﵀ ذا همة
عالية في تسهيل أمر المصلحة العامة والتي كانت مقدمة على المصلحة الخاصة،
وهذه خصلة عظيمة يحتاجها كل داعية حتى يسير إلى بر الأمان، ويصدق عليه
قول صاحب الظلال في الصحابة: إنهم قد خلصوا نفوسهم من حظ نفوسهم.
ثانياً: إثبات شمولية هذا الدين الرباني العظيم، فلقد تخصص ﵀
تعالى في دراسة الطب النفسي حتى استطاع أن يحصل على الزمالة (ما تعادل
درجة الدكتوراه) فكان أن سخر هذه الدراسة لخدمة المسلمين فجاءتني مقالاته في
هذه المجلة (مجلة البيان) عن مشاهداته في بريطانيا، وسجلت له محاضرات قيمة
تربوية لها صبغتها الشرعية وهي كالآتي:
١ - مداخل الشيطان على الصالحين.
٢ -كيف أستفيد من الطب النفسي؟
٣ - ماذا يحصل إذا التزمت بديني؟
٤ - الهزيمة النفسية عند المسلمين.
٥-الحزن والاكتئاب
٦- فن التعامل مع الإنسان.
٧ - المخدرات.
وكأنه كان يهيب بأصحاب التخصصات غير الشرعية: إنه بالإمكان
خدمة دينكم ومنهجكم من خلال تخصصاتكم.
ثالثاً: الواقعية التي نلمسها جميعاً من عناوين محاضراته ﵀، حيث
كانت منطلقة من واقع الناس واحتياجاتهم وهكذا الإيجابية فيما ننقله إلى الناس
ونطرحه بين أيديهم، فإلى الخطباء والوعاظ والكتاب والمحاضرين، إلى كل أولئك
وغيرهم لتكن منطلقاتكم واقعية لتصيب الهدف وتقترب منه.
رابعاً: صبره وتحمله لما يريد أن يصل إليه، فقد كان يأخذ بما يسمى بسياسة
النفس الطويل، فالأعداء يكيدون، ووعد الله قائم لا محالة، والمستقبل لهذا الدين
كما وعد الله ورسوله ﷺ فكيف يمكن لداعية أن يبقى على ما
هو عليه إن كان ممن يستعجل الثمرة؟
خامساً: حين شُيِّعت جنازة الأخ ﵀، ورأيت الجمع الغفير من صغير
وكبير بين باك مشدوهٍ أيقنت قول القائل: (إنك لن تسع الناس بمالك ولكن بحسن
خلقك) فلقد كان والحق يقال سمحاً طيب المعشر مع أهله، وأبنائه، ومن يكبره
ويصغره سناً، ففاز بحب الناس، فكانت بشرى خير لمن عرفه، وذلك لأن الله
يقول: [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وداً] وكما جاء في
السنة في بيان أن أهل الصلاح يوضع لهم القبول في الأرض.
وفى الختام، أسأل الله العلي القدير والمحي المميت أن يرزق الأخ درجات
الأنبياء والصديقين والشهداء، وأن لا يحرمنا من أن نجتمع به وأمثاله من أهل
الخير والصلاح في ظلال على سرر متقابلين، آمين.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: «يقول ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل
الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» . رواه البخاري
стр. 533
الصفحة الأخيرة
بعثات التنقيب تزوير في التراب والحجارة
-التحرير-
وأخيراً جاء التاريخ يحسم الجدل الدائر حول تكاثف حركات التبشير في
الخليج، فبعد أن حفرت بعثات التبشير أركانها في أطراف الجزيرة العربية مستعينة
بغفلة المسلمين أولاً وبالمستعمرين ثانياً، وبغض نظر المنتفعين ذوي النظرة
القصيرة ثالثاً؛ تحاول أن تلفق لوجودها هناك أسانيد تضفي على هذا الوجود صفة
قانونية، والأسانيد موجودة وهي هناك في بعثات التنقيب عن الآثار، وبعثات
التنقيب وبعثات التبشير منذ كانت وبخاصة في العالم الإسلامي خطان متوازيان
ومتساندان بل ومتداخلان في أحيان كثيرة.
والشهادة التي جاءت لتحسم هذا الجدل قدمتها البعثة الفرنسية للتنقيب عن
الآثار في الكويت، حيث (اكتشفت هياكل أثرية لكنيسة قديمة (!) في منطقة القصور بجزيرة فيلكا) [١] .
والاكتشاف كان عرضياً، أي إن بال المنقبين المعروفين بالموضوعية كان
خالياً من البحث عن كنيسة! هل تريد دليلاً؟ تابع الخبر: (إن البعثة الفرنسية
نقبت عن أجزاء الكنيسة في السنوات الماضية دون أن تعرف بأنها كنيسة (!) إلا
أنها اكتشفت في حملتها لهذا العام.. الأجزاء المتبقية التي تدل على أنها لكنيسة (يا
للغرابة) بجميع تفاصيلها الصغيرة، خصوصاً في الجانب الهندسي والمعماري! .
(أرأيت!) .
وليس هذا فحسب فالشهادة الترابية والحجرية تخبرنا بما هو أكثر! فتشهد:
(على أن الكنيسة ظلت تعمل حتى العصر العباسي (أوله أو آخره؟ !) ولزيادة
الاطمئنان حتى لا يتسرب الشك إلى هذا الخبر فهو مدعم بتأكيد البعثة الفرنسية التي
(محلها الصدق) ، والتي أكدت أن الكنيسة هجرت في فترات متقطعة (!) وأعيد
استخدامها فيما بعد، (!) .
وقاصمة الظهر تأتي في نهاية الخبر فالبعثة (لم تستبعد احتمال (تقول:
احتمال، فشعارها مخافة الله والبحث العلمي) أن تكون الكنيسة قد حولت فيما بعد
إلى مسجد (يا حرام!) وأن البعثة قد حاولت إثبات ذلك بالتنقيب في أحد الجوانب
إلا أن الدلائل لم تحسم هذا الافتراض) .
لقد شهد تاريخ المسلمين كثيراً من تزوير اليهود والنصارى قديماً وحديثاً،
ولعل هذه الحوادث تذكرنا بحادثة قديمة حين أظهر اليهود في بغداد كتاباً محفوراً
على قطعة من نحاس، وزعموا أن الرسول ﷺ كتبه ليهود
خيبر وأسقط عنهم الجزية، وشهد على ذلك من الصحابة سعد بن معاذ، ومعاوية
بن أبي سفيان وطلبوا إسقاط الجزية عنهم بناء على ذلك. ولكن كان في المسلمين
علماء يكشفون عن هذا الزيف حيث عرض الكتاب على الخطيب البغدادي، فأثبت
أنه مزور بدليلين تحملهما الرقيقة المزعومة وهما أن معاوية أسلم يوم فتح مكة في
السنة الثامنة وفتح خيبر كان سنة سبع، وسعد بن معاذ مات بعد غزوة الخندق سنة
خمس قبل فتح خيبر.
فمن لنا اليوم من العلماء حتى يكشف هذا العبث الذي يُقدم إلى أجيالنا المسلمة
على أنه تاريخ موثق؟ !)
стр. 534
شعبان - ١٤١٠هـ
مارس - ١٩٩٠م
(السنة: ٤)
стр. 535
الافتتاحية
حوار الأقرباء أم البعداء ؟
-التحرير-
دعا مركز دراسات الوحدة العربية إلى ندوة في القاهرة ما بين ٢٥ - ٢٧
أيلول/١٩٨٩ وتحت عنوان (الحوار القومي - الديني) وقد حضر هذه الندوة عدد
غير قليل من الكتاب القوميين الذين يرون الصلة ما بين العروبة والإسلام، أو
بدءوا بالتكلم عن الإسلام ودوره الحضاري، كما حضرها القوميون العلمانيون
وبعض الإسلاميين والمشايخ، وكانت الموضوعات تدور حول تطبيق الشريعة
الإسلامية، ومحاور الالتقاء والتفاهم بين العروبيين والإسلاميين، والأزمة التي تمر
بها الأمة ودور المفكرين في هذه الظروف، وقد نشرت مجلة المستقبل العربي
بعضاً من الأوراق التي قدمت للندوة، كما نشرت جريدة الشرق الأوسط اليومية
ملخصاً ليوميات الندوة.
ولنا على هذه الندوة الملاحظات التالية:
١ - إن فكرة الحوار والتواصل، وسماع الأطراف من بعضها، والتعرف
على الفكر الآخر، شيء جيد ولا غبار عليه بشرط أن يكون الرائد إلى ذلك هو
التوصل إلى الحق وليس الترف الفكري. وجميل أن يتراجع الناصريون والقوميون
ويعترفوا بقصورهم السابق في دراستهم للإسلام، وأن التيار القومي عندما حكم أبعد
الإسلام وبطش بدعاته، ونرجو أن تتوضح الصورة أكثر في المستقبل ويعترفوا
بأن عبد الناصر أساء للعروبة والإسلام.
٢ - من الواضح أن كثيراً ممن شاركوا في هذه الندوة كانوا يطرحون حلولاً
توفيقية وسطية ما بين الإسلام والقومية العلمانية، وكأن لسان حالهم يقول: قربوا
خطوة ونقرب أخرى، حتى نلتقي في منتصف الطريق، فالأستاذ محمد فائق (وزير
إعلام مصري سابق) ينتقد النظرة السلفية التي تريد إعادة عجلة التاريخ إلى
الوراء! ! .
والأستاذ فريد عبد الكريم يدعو إلى عدم إقحام الدين كل دائرة من دوائر
نشاطنا. والدكتور عصام نعمان ركز على أنه لا عصمة للفقهاء (لم يقل بعصمتهم
أحد من المسلمين) ولكنه يريد أن يقول: إن باب الاجتهاد مفتوح للجميع، وبمثل
هذا قال مسعود الشابي واتهم الإسلاميين بأنهم يحتكرون المرجعية الدينية. والدكتور
محمد عمارة يجوز أن يتولى القضاء الإسلامي رجل غير مسلم لأنه منفذ للقانون
فقط.
وقد طالب الدكتور رضوان السيد كل طرف بالتنازل: (فعلى القوميين
التقدميين أن يسقطوا من أجل الحوار شرطهم العلماني الذي يفصل أمتنا عن تاريخها، وعلى الإسلاميين أن يسقطوا من أجل الأمة شعار تطبيق الشريعة الذي يشرذمهم
في الراهن ولا يجمع) [١] ودعا فهمي هويدي للالتقاء حول موضوع الحرية وحقوق الإنسان والقضية الفلسطينية كقضايا متفق عليها الآن بين الطرفين.
هذا الطلب حول التنازلات يأتي من طرف القوميين رغم أن موقفهم ليس هو
الأقوى، وهم الذين طلبوا الحوار ودعوا إليه ومع ذلك فإنهم يشترطون على الطرف
الآخر (الإسلاميين) أن يكون متنوراً ويؤمن بالديمقراطية والتعددية، أي أنهم
يريدونه إسلامياً عصرانياً يتنازل لهم ويلتقي معهم في منتصف الطريق، وإذا كانوا
جادين في الحوار فلماذا لا يسمعون من الطرف الأقوى على الساحة؟ وقد أحسن
الدكتور رضوان السيد في الرد عليهم عندما قال: (إذا كنتم تقصدون لجوء بعض
الحركات الإسلامية إلى العنف، فإن الماركسيين الجدد هم أول من دعا إلى الحرب
الشعبية الداخلية، ولم تتهموهم بالظلامية وعدم الاستنارة) [٢] .
٣ - إن شعارهم الذي رفعوه هو (الحوار القومي-الديني) ولم يقولوا (القومي-
الإسلامي) وهذا مقصود طبعاً لأن الديني تعني أي دين، وفيه أيضاً تحجيم للإسلام
على أنه (نحلة) أو مذهب يستفاد منه روحياً واجتماعياً، والكل يعلم أن الإسلام دين
شامل مهيمن، مكون للأمة من جميع جوانبها.
٤ - إن ملاحظاتنا هذه لا تعني السلبية أو النقد، فبعض المشاركين تكلموا
كلاماً جيداً - وإن من وجهة نظرهم - ولكنه يتصف بالرزانة والتعقل، وإذا كانوا
سيساعدون فعلاً في إزالة القهر المفروض على المسلمين فهذا شيء طيب، ونريد
منهم التدليل على هذا لأن الإسلاميين ذاقوا من الاتجاه القومي الويلات، وكلام
فهمي هويدي أن الإسلاميين وقعوا في أسر الماضي، وإن كان فيه شيء من الصحة
ولكن هل يريد منهم نسيان هذا والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين؟
٥ - بعد فترة من انتهاء هذه الندوة سئل أحد الدعاة الإسلاميين عن رأيه في
الحوار مع العلمانيين، فرحب بهذا كثيراً، بل دعا إلى الحوار مع الكل، مع
المستشرقين والفاتيكان... وليس هذا مجال التعليق على جدوى أو أهمية مثل هذه
الحوارات، ولكن أليس من الأجدى والأولى الدعوة إلى الحوار مع الفصائل
الإسلامية ودعوتهم إلى التعاون والتقارب والتنسيق، وإذا كنا غير متحفظين على
أي حوار نافع فأصحاب المنهج الواحد أولى بالمعروف.
стр. 536
مصطلحات إسلامية
التوبة
إعداد: عادل التل
المعنى اللغوي:
التاء والواو والباء في أصل اللغة، كلمة واحدة، تدل على الرجوع. قال في
اللسان: التوبة: الرجوع عن الذنب، والتوب مثله. قال ابن منظور: أصل تاب
عاد إلى الله ورجع. ومعنى تاب الله عليه: أي عاد عليه بالمغفرة.
التواب بالنسبة لله تعالى تعني: كثرة قبوله توبة العباد حال بعد حال، أما
بالنسبة للعبد: العبد الكثير التوبة، ومن الألفاظ التي تشارك هذا اللفظ بالمعنى:
ثاب، وأناب، وآب.
المعنى الاصطلاحي:
يجتمع الاستغفار والتوبة في كثير من الدعاء، وطلب المغفرة يعني طلب
الستر، ففي اجتماع ذلك مع التوبة يكون المعنى متكاملاً لذلك كان رسول الله-صلى
الله عليه وسلم- يكثر من الدعاء: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم
أكثر من سبعين مرة» رواه البخاري.
شرائط التوبة:
١ - ترك الذنب لقبحه: أي بالإقلاع عن المعصية سواء كانت من الكبائر أو
من الصغائر، والأصل أن يكون ترك الذنب قد جرى بإرادة حرة وإلا لم تعتبر توبة
إذا كانت بطريق القهر أو العجز.
٢ - الندم على ما فرط: وهو أن يندم المذنب على فعلته التي تركها ويشعر
بالحزن والأسف كلما ذكرها وهو مهتم بذلك لشعوره بعظم الذنب وقبحه وإدراكه
مبلغ التفريط الذي صدر منه.
٣ - العزيمة على ترك المعاودة: وهي النية التي تنشأ في قلب التائب تحقق
صدقه بالتوبة وهي بمثابة العهد الذي يقطعه بعدم الرجوع إلى الذنب وتحول الإرادة
من المعصية إلى الطاعة.
٤ - تدارك ما أمكنه من الأعمال: إذا كانت التوبة من معصية كانت بين
العبد وربه، فإن كانت متعلقة بتقصير في صيام أو زكاة أو غير ذلك، فلا بد من
تأدية العمل موضوع التقصير حسب المطلوب شرعاً. وأما إذا كان الذنب متعلق
بحق الناس، فلا بد من التحلل منهم وطلب الصفح أو إرجاع الحق إلى أصحابه إذا
كان مادياً. وتكون التوبة تامة إذا تحقق معها الاتجاه نحو الطاعة والعمل الصالح،
قال تعالى: [ومَن تَابَ وعَمِلَ صَالِحاً فَإنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ مَتَاباً] .
موضوع التوبة:
تشمل التوبة جميع الذنوب الصغيرة والكبيرة، وقد روى أنس بن مالك قال:
قال رسول الله- ﷺ : قال الله ﵎: «يا ابن آدم إنك
ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت
ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني
بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة» صحيح
رواه الترمذي.
ولا بد من التساؤل إلى متى تصح التوبة؟ قال تعالى: [إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وكَانَ اللَّهُ
عَلِيماً حَكِيماً، ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ
قَالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً]
[النساء: ١٧-١٨] .
روى ابن ماجه والترمذي بإسناد حسن قال: رسول الله-صلى الله عليه
وسلم-: «إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر» .
أما الجهالة فقد روى ابن جرير عن قتادة عن أبي العالية أنه كان يحدث أن
أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو
جهالة. وقال مجاهد وغير واحد: كل من عصى الله تعالى خطأ أو عمداً فهو جاهل
حتى ينزع عن الذنب. وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً
نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ]
ذكر القرطبي في التفسير أقوالاً للعلماء في معنى التوبة النصوح:
١ - هي التي لا عودة بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع، وروي عن ابن
مسعود بسند صحيح (كما ذكر ابن حجر) مثل ذلك. وعن عمر وأبي معاذ أيضاً.
٢ - قال قتادة النصوح: الصادقة الناصحة، وقيل الخالصة، يقال: نصح
أي أخلص له القول.
٣ - قال الحسن: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر إذا ذكره.
من أحكام المصطلح:
إن الإسلام لا يغلق الأبواب في وجه الخاطئين ولا يطردهم من الجماعة إن
أرادوا أن يعودوا إليه متطهرين، بل يفسح المجال لهم ويبين لهم الطريق ويشجعهم
على سلوكه، فلا حرمان من رحمة الله لمن لجأ إليه، وذلك كما يفعل أصحاب
الديانات الأخرى حيث يقوم رجال الدين بطرد بعض الأفراد من الرحمة.
والتوبة واجبة على الفور ولا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو
كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة..
يقول تعالى ذكره: [وتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]
وقال أيضاً: [إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ] ويقول رسول الله-صلى
الله عليه وسلم-: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت
خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما
صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا
أنت» رواه البخاري وابن ماجه والنسائي.
стр. 537
مشاهدات في أوربا
مدرسة طارق بن زياد
محمد سليمان
عندما وصلنا إلى مدينة (هلموند) في هولندا، والتي تبعد عن العاصمة
أمستردام حوالي (١٣٠ كم) ، كان القائمون على المسجد يرددون كثيراً (المدرسة
الإسلامية) ، فسألتهم عن هذه المدرسة، فقالوا: الأفضل أن تراها وهي قريبة في
مدينة مجاورة اسمها (إندهوفن) ، وفي اليوم التالي اتجهنا إلى المدرسة التي أطلقوا
عليها اسم (طارق بن زياد) ، وهي مدرسة ابتدائية متكاملة بفصولها ومرافقها قدمتها
الدولة للجالية الإسلامية في هذه المدينة.
تجولنا في فصولها ومرافقها، وكان كل شيء يوحي بأنها إسلامية، ثم كان
هذا الحوار مع أخوين من الجالية العربية المغربية وهما من الأعضاء الخمسة
المشرفين على المدرسة:
-كيف بدأت قصة المدرسة؟
- كنا نعاني كثيراً من خطر ضياع الأطفال في المجتمع الغربي، فأسسنا
مسجداً للصلاة بالاشتراك مع الإخوة الأتراك، وبدأنا بتعليم الأطفال القرآن الكريم
في هذا المسجد في عطلة نهاية الأسبوع، ثم ضاق المسجد بنا فانتقلنا إلى مكان
أوسع وفكرنا في زيادة حصص اللغة العربية، وكنا نعاني من عدم وجود مدرسين
مؤهلين، وفي عام ١٩٨٦ تفاقمت مشاكل الاختلاط في المدارس، وكنا نذهب
كمندوبين عن الجالية نناقش هذه المشاكل مع إدارة المدرسة، ثم تكلمنا مع البلدية
حول خصوصية المسلمين وثقافتهم، فقالوا: هذا قانوننا، وإذا كنتم تريدون غير
هذا فابحثوا عن مدرسة خاصة بكم، وقال أحد الموظفين في البلدية: عندي القانون
الذي يسمح لكم بمدرسة خاصة بكم، من هنا بدأت الفكرة، ذهبنا إلى البلدية نبحث
معهم الموضوع، وطلبنا من بعض الهولندلين مساعدتنا فقالوا: إذا كنتم تستطيعون
صعود الجدار فابدءوا، ولكننا لم نيأس.
-كم من الوقت استمر هذا البحث؟
حوالي ثمانية أشهر، في ٣١/٣/٨٧ دفعنا الطلب إلى البلدية، وبعد شهر
وجدنا تجاوباً وسجلنا أنفسنا كجمعية، وقدمنا لهم قائمة بأسماء الأطفال الذين يرغب
الآباء في تدريسهم في مدرسة إسلامية، وافق المجلس البلدي بعد مناقشات حادة فيما
بينهم، ثم وافقت المحافظة والوزارة بعد ضمان من مؤسسات تعليمية.
- هل يعني هذا أن الوزارة وافقت على تقديم البناء وكل تكاليف المدرسة
ورواتب المدرسين والموظفين؟
- نعم، ولكن نحن ندفع تكاليف النشاط فقط.
- متى افتتحت المدرسة؟
- في ١٤/٨/٨٨ وكان عدد الأطفال الذين سجلوا (١٦٠) طفلاً تتراوح
أعمارهم ما بين (٤-٨) سنوات ولكن الذين حضروا فعلاً كانوا (٤٥) ثم زاد العدد
بعد شهر إلى (١٠٤) والمدرسة الآن تحوي فصلين حضانة وثلاثة سنوات ابتدائي.
- من المشرف الفعلي على المدرسة؟
-لجنة مؤلفة من خمسة أعضاء كلهم مسلمون ومن جنسيات مختلفة، وهم
الذين يشرفون على المناهج.
- كم عدد المدرسين المسلمين؟
- عندنا ثلاثة مدرسين للدين واللغة، ومُدرسة هولندية مسلمة.
- والبقية؟
- المدير هولندي وهو متجاوب معنا تماماً لأنه جاء حسب الشروط التي أعلن
عنها، وبقية المدرسين هولنديون أيضاً.
- هل تحذف بعض الفقرات من المناهج التي تخالف الإسلام؟
- نعم، مثل كتاب القراءة، هناك صفحات عن أعياد النصارى اتفقنا مع
المدير على حذفها.
- ودروس الموسيقى؟
ليس هناك درس موسيقى، وعوضنا عن هذا بتعليمهم الأناشيد، ويتعلمون
التجويد طبعاً، وعندما جاء المفتش سمع من الطلاب وهم يقرءون فأعجبه ذلك.
- هل هذه أول مدرسة من نوعها في هولندا، أعني مدرسة حكومية إسلامية؟
نعم، وقد فتحت بعدها مدرسة في أمستردام تشرف عليها الجالية المصرية،
ومدرسة في روتردام تشرف عليها الجالية التركية، ونتوقع في هذه السنة أن يصل
عدد المدارس الإسلامية إلى سبع عشرة مدرسة.
- هل تخططون لتأهيل مدرسين؟
بعد إنشاء هذه المدارس، بدأ بعض الشباب بالتوجه نحو التأهيل التعليمي،
ولكن في أمستردام هناك كوادر من الإخوة الأتراك متخصصون في التدريس.
- هل تجدون مضايقات من الشعب الهولندي؟
في البداية، حصلت مضايقات، أحرقوا المكتب وهددوا بالهاتف والرسائل.
- هل هو حزب عنصري؟ .
نعم، ولكنهم لا يصرحون بهذا، والآن استقرت الأمور وليس هناك مشاكل.
شكرت الأخوة في (إندهوفن) و (هلموند) على هذا اللقاء وهذا التعرف على
المدارس الإسلامية، والتي تشكل إحدى الحاجات الرئيسية للجالية الإسلامية في
أوربا، وأظن أن الدعم الذي يلقاه المسلمون في هولندا لتأسيس مدارس إسلامية لا
يوجد مثيل له في باقي دول أوربا.
إن إبعاد التأثير الغربي عن أطفال المسلمين من أهم ما يجب العناية به، وهو
هدف من أهداف المنتدى الإسلامي، كما أن موضوع التعليم بشكل عام هدف من
أهداف مجلة البيان.
стр. 538
في التربية والعمل
وقفة مع الدعاة
عبد اللطيف الوابل
إن المتأمل في حال الأمة الإسلامية اليوم وما وصلت إليه من فرض نفسها
على الواقع حتى أصبحت ترى أفواجاً من الشباب يلتزمون في دين الله سراعاً في
قوة وحماسة وعزم؛ يجد في نفسه أملاً قوياً ويحس في صدره بفرحة غامرة،
وحين يمد خطوة قليلاً فيدخل في خضم هذه الأمواج المباركة يقف متألماً حزيناً إذ
يرى الأمراض الصغيرة الخطرة تصيب بعض هذه الأفواج الموعودة بنصر دين الله، ... هي صغيرة ويمكن تلافيها حين يتيقظ لها ذوو الألباب وهي خطرة لأنها سرعان
ما تنتشر في صفوف الدعاة كانتشار النار في الهشيم فتهدم هذا البنيان المبارك
وتهلكه، ويتذكر المرء قول الشاعر:
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها كلام
ولما كان الخلل في ضبط الكلام وعدم الالتزام بمنهج الإسلام في استقامة
اللسان من أهم أسباب هدم صفاء الأخوة ونقاء المحبة، بل من أهم أسباب تقويض
البنيان وضياع الجهود وتفرق الكلمة أحببت أن أذكِّر هذه الأفواج المباركة ببعض
معالم هذا المنهج وذكر بعض الأمثلة مما يحصل في صفوف الدعاة ثم أبين ما
يحصل من جراء الانحراف عن الالتزام بهذه المعالم الواضحة، مع يقيني بأن كثيراً
منها قد لا يخفى على أغلب طلبة العلم والدعاة ولكن واجب الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر يلزم المرء بنصح إخوانه وتذكيرهم براءة للذمة وحرصاً على جمع
القلوب ووحدة الكلمة.
وقبل البدء في الحديث عن هذه الأمور أحب أن أنقل كلمة للأستاذ سيد قطب
﵀ حين تطرق لظلال قول الله سبحانه [وقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ
إنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنسَانِ عَدُواً مُّبيِناً] يقول ﵀:
(فالشيطان ينزع بين الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت، وبالرد السيئ يتلوها فإذا جو الود
والمحبة والوفاق مشوب بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء.. والكلمة الطيبة تأسو جراح
القلب وتندي جفافها، وتجمعها على الود الكريم) .
أولاً: منهج الإسلام في استقامة اللسان:
١ - اختيار أحسن اللفظ وأجمله حين الكلام سواء كان ذلك في محاضرة أو
موعظة أو نقاش علمي أو نقد بناء أو نصيحة صادقة أو غير ذلك لأن في ذلك كله
أماناً من نزغات الشيطان وتسويله.
٢ - الإمساك عن الكلام إلا لمصلحة راجحة والتحرز الشديد من الكلمة
وحصرها في نطاق ضيق، يقول الإمام النووي ﵀: اعلم أنه ينبغي لكل
مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة، ومتى
استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام
المباح إلى حرام، أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء.
وكم كلمة أشعلت حروباً وأوقدت عداوة الدهر بكامله! ! ..
٣ - وزن الكلام وضبطه والتأمل فيه وفي عواقبه قبل إخراجه وعدم التسرع
فالكلمة إذا خرجت لم تعد.
٤ - القول بالعدل والصدق وإن كان ذلك على أقرب قريب سواء كان ذلك
مختصاً بالأفراد أو الجماعات أو المؤسسات الإسلامية، والحذر كل الحذر من
مسايرة الحماس والعواطف الجياشة وخاصة في المحافل العامة وعلى منابر النصح
والإرشاد.
٥ - البعد عن تحريف الكلام وليه والمغالطة فيه وأن يكون كلامه لإخوانه
واضحاً صريحاً غير محتمل للتأويلات للشحناء والبغضاء والتدابر وانعدام الثقة.
٦- الالتزام بالقول وتصديقه بالفعل وعدم الفصل بينهما.
٧- ترك الجدل والمراء وكل صنف من أصناف الكلام المؤدية إلى فساد
القلوب وشحناء الصدور من لمز أو همز أو غمز مع اللين في القول لإخوانه
المؤمنين وترك الغلظة والفحش.
٨ - محاسبة النفس على كل كلمة خرجت والنظر في عاقبتها والخشية من الله
سبحانه حين السؤال ووزنها بميزان الله أهي مما يرضي الله أم مما يسخطه، فإن
كانت الثانية أتبع السيئة بالحسنات.
٩ - التحلي بلباس التقوى في كل حال من أحوال الكلام فإن الله هو المطلع
وهو الذي سيحاسب، كيف وقد قال سبحانه: [يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ
وأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]
ثانياً: بعض الأمثلة الناتجة عن عدم الالتزام بهذه المعالم:
قبل البدء في ذكر هذه الأمثلة أود أن أنبه أن ذكري لها ليس من باب الشماتة؛ وإنما من باب بيان عيوبنا حتى نصلحها ونتناصح بيننا حتى يستقيم البناء ولأجل
أن يتنبه لها المربون المصلحون فيحفظون بتجنبها هذا البناء الشامخ ويسدون الباب
على أعداء الإسلام من المنافقين ممن يتربصون بهم الدوائر ويسعون في إشعال نار
الفتنة بين أفراد الحركات الإسلامية الملتزمة بمنهج السلف الصالح.
١- أصبحت أعراض كثير من الدعاة لحماً طرياً يؤكل بالليل والنهار فالغيبة
تُعمل خنجرها في لحوم الدعاة إلى الله وبألسنة مَن؟ إنها ألسنة إخوانهم وأحبابهم
وصدق من قال:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند
فترى طالب العلم يدرس في نهاره؛ بل ويذكِّر الناس بتحريم الغيبة ويتلو
عليهم قول الحق سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ
الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ] ثم يجلس مع صاحبه في المساء
الساعات الطويلة لا على صحيح البخاري أو صحيح مسلم أو أمر يهم شأن المسلمين
بل على ذكر فلان الداعية، وماذا له وماذا عليه، وهكذا حتى يجر الحديث بعضه
بعضاً فلا ينتهي مجلسهم إلا وقد قاموا عن مثل جيفة حمار، ضيعوا أوقاتهم وتحملوا
أوزار غيرهم وهتكوا أعراض إخوانهم، ولو كان هذا الحديث لمصلحة شرعية
راجحة لكان الأمر يسيراً، لكنه أصبح كالفاكهة يتفكه بها. فأين أولئك من قوله
سبحانه: [مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] ومن قول الرسول -صلى الله
عليه وسلم-: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال على مناخرهم -
إلا حصائد ألسنتهم» .
٢ - الرجم والتخرص دون تبين أو تمحيص أومعرفة، فتسمع أحياناً في
مجتمع الدعاة ألفاظاً عجيبة قد لا تسمعها من عوام الناس فترى بعضهم يصف بعضاً
لأنه لم يوافق هواه أو ليس على شاكلته بأنه عميل وذاك جاهل، وهذه المؤسسة
مشبوهة، وتلك مجلة فيها كيت وكيت، وهكذا تتوالى الألقاب والأوصاف، والله قد
خاطب المؤمنين بقوله: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن
تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] وفي الحديث: «إياكم والظن
فإن الظن أكذب الحديث» ، ويقول ﷺ في حديث أبي هريرة:
«إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان، الله تعالى ما يلقي لها بالاً يرفعه الله بها
درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في
جهنم» ويقول الحسن البصري ﵀: (ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه) .
٣ - بخس الناس أشياءهم وترك العدل في القول فتسأل فلاناً الداعية عن كتاب
معين أو مركز إسلامي أو مجلة أو عن داعية آخر أو غير ذلك فيحدثك ويجيبك
حسب هواه ورغبته فإن كان السؤال عن أمر موافق لهواه رفعه فوق السماء وإلا
كال له الشتم والمذمة، وأقل أحواله أن يطلب منك غض الطرف عنه وعدم
الالتفات إليه فأين المسكين من قول الله سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ] وقوله: [وإذَا قُلْتُمْ
فَاعْدِلُوا ولَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى] وقوله: [ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] وحين بعث رسول الله- ﷺ عبد الله بن
رواحه يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم فقال: (والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليَّ ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة
والخنازير وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا
قامت السموات والأرض) .
٤ - مخالفة العمل للقول ... فترى مجموعة من الدعاة يتفقون على أمر بينهم
لمصلحة الدعوة ومن باب.. التعاون على البر والتقوى وما إن يتفرقوا إلا وقد
خالف العمل القول وامتثل كل منهم المثل السائد: (كلام الليل يمحوه النهار) بل إنك
تسمع أحياناً داعية يذكر الناس في محاضرة أو موعظة أو مجلس فينتقد حالة
مرضية في مجتمع الدعوة وسرعان ما تراه يقع فيما نهى عنه قبل أن ينهي
محاضرته وكأن الأمر أصبح مألوفاً ومعتاداً، والله قد مقت من هذا وصفه بقوله:
[يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا
تَفْعَلُونَ] .
وأمر بالوفاء بالعهود والمواثيق فقال: [وبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا] وقال: [وأَوْفُوا
بِالْعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً] .
٥ - الوقوع في النميمة والتخصص في إفساد القلوب عن طريق اللسان الذي
خلقه الله لذكره وتلاوة كتابه، فترى أقواماً قد تخصصوا في الإيقاع بين الدعاة
وطمس معالم الود والصفاء، وما علموا أنه لا يدخل الجنة نمام وأن شر الناس من
يسعى بينهم بالنميمة، فليتذكر أولئك قول الله سبحانه: [يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ
هُوَ الحَقُّ المُبِينُ] .
٦ - عدم الاتزان في القول والتردد بين الإفراط والتفريط فيوماً يذكر فلاناً
الداعية فيرفعه فوق منزلته التي هو فيها حتى كأنك ترى صحابياً من خيرة أصحاب
محمد ﷺ وحين يتغير الهوى وتزول المصالح ترى ذاك الذي
كان في الأفق قد نزل إلى الحضيض، وهذا كله نتيجة الشطط والبعد عن الحق
وميزان العدل.
٧ - تفسير النصيحة على غير وجهها وتقديم الظن السيئ على حسن النية مما
تسبب في انعدام النصح وتركه بين الدعاة إلى الله. فحين يأتي الناصح ليقول حقاً
يتبادر لذهن المنصوح أولاً الظن السيئ، والتفسير المغلوط، فلا يقبل النصح بل
ربما قال له أنا أعرف بحالي! وكأن المسكين معصوم عن الخطأ والزلل.
ولا نشك بأن الدعاة إلى الله سبحانه بشر وأنهم يخطئون ويذنبون، لكن حين
تصبح بعض هذه الأمثلة ظواهر تراها بالليل والنهار، هنا يحتاج الأمر إلى لفت
الأنظار وشد الانتباه لمعالجة هذه الظواهر المرضية، والكيس من دان نفسه
وحاسبها، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
ثالثاً: عواقب البعد عن معالم منهج الإسلام في ضبط اللسان:
١ - التباعد والتباغض بين الدعاة إلى الله وعدم استفادة بعضهم من بعض
وخاصة إذا كانوا من مدارس مختلفة.
٢ - انعدام الثقة في صفوف الدعاة مما تسبب في حيرة كثير من الشباب لأنه
لم يعد يعرف الصادق من غيره فذاك يثني على فلان، وذاك يرد، ومن هنا كثرت
المدارس وتعددت الطرق وتباعدت القلوب.
٣ - انعدام البركة وتأخر الثمرة وهذا نتيجة عدم الالتزام الصادق بأمر الله
ومنهجه. فكم ترى من الدعاة وكم تبذل من جهود فإذا بحثت عن الثمرة وجدتها لا
تتناسب مع هذه الجهود؛ بل والمصيبة أنك ترى أحياناً ثمرات لكنها تقطف بأيدي
الأعداء وصدق الله إذ يقول: [ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] .
٤ - كثرة قالة السوء في صفوف الدعاة لأن الذي لا يحمي بيته ويحفظه
يصبح مرتعاً للصوص حتى لا تكاد تميز بين اللص وصاحب الدار، وهكذا نرى اليوم في صفوف الدعاة أنواعاً من المنافقين وقالة السوء، يظن
من لا فطنة له أنهم من رواد هذه الصحوة المباركة.
ولهذا أصبح ستار الدعوة سهل الاختراق من كثير من أعداء الإسلام.
٥ - غياب النقد والمراجعة والتناصح لأنه قد اختلطت المفاهيم فلم يعد يفرق
الداعية بين النقد البناء والنصح الصادق وبين السب والشتم والتخرص وهكذا تضيع
الجهود والتجارب دون استفادة من الدروس وأخذ العبر وتصحيح المسار.
٦- ضعف التخطيط وضياع الجهود على المستوى العام للدعوة وانعدام عنصر
التعاون الشامل بين الحركات الإسلامية ولو على أقل الأمور في الخطوط العامة،
فذاك يبني وأخوه يهدم ما بنى وهذا يتعامل مع إخوانه بأسلوب سياسة الشرق
والغرب، فكيف يحصل التخطيط الشامل والتعاون والتنسيق وبأي حال يمكن أن
تصب جهود الدعاة كلها في مصب واحد؟ .
٧ - قسوة القلوب وصدؤها وبلادة الحس وعدم الشعور بالإثم فأصبحت ترى
أقواماً اعتادوا على الانحراف عن هذه المعالم فلا يؤثر فيهم نصح ولا يمنعهم
تخويف بالله، فإن نصحت لا تجد إلا قبولاً بارداً وعاطفة سريعة الانطفاء وعزيمة
كاذبة على ترك هذا الخلق الذميم سرعان ما تنتهي ويردها قلبه القاسي.
فإليك أخي الداعية أسوق هذه التذكرة وتلك الالتفاتة لعلها تصادف قلباً قد آلمه
ما يرى من حال الدعاة فتتمكن فيه النصيحة ويتذكر ما نسى، ويحملها لغيره نصحاً
لله وفي ذات الله فإن المرجع هو إلى الله وحده والسؤال سيكون في القبر لك وحدك
حين الظلمة والوحشة، فاتق الله واخشَ يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.
стр. 539
خواطر في الدعوة
بين الشيوخ والشباب
محمد العبدة
لا أعتقد أن التشدد أو التساهل كلمتان مناسبتان لوصف داعية إسلامي أو اتجاه
إسلامي، فالرسول ﷺ غضب غضباً شديداً عندما رأى معاذاً
﵁ يطيل في القراءة في الصلاة وهو إمام وقال له: أفتان أنت يا معاذ؟
فالمتشدد، يوحي للناس بشكل غير مباشر أن هذا هو الإسلام، وقد يصرف بعض
الناس عن الخير، والمتشدد كأنه يتمنى في داخله لو أن الإسلام أمر بهذا أو شدد في
هذا، وهو في هذه الحال يضيق على نفسه وعلى المسلمين، ويحاول أن يفهم
النصوص فهماً خاصاً، وقل مثل ذلك في المترخص أو أكثر فهو يحاول التهرب
من النصوص أو الالتفاف عليها، ويتقرب من الناس ويشعرهم أن الإسلام ليس
بالذي يتصورونه، ويضغط عليه أقوام يريدون (فتاوى) جاهزة تناسبهم، فإذا
استجاب يطلبون منه أكثر، ودين الله بين الغالي والجافي، وأظن أن المسلم يعرف
هذا من نفسه إذا راقبها، وبحث في داخلها، هل يميل إلى التشدد لشهوة في نفسه أم
لا؟ وكلا الطرفين فيه شهوة خفية.
التقيت بشباب يميلون إلى التشدد، لا نتهمهم في إخلاصهم وحبهم لهذا الدين،
وحبهم لنشره بين الناس وتطبيقه منهجاً وسلوكاً، ولكنهم أتوا من قبل قراءاتهم
للكتب وقلة العلماء الربانيين الذين يوجهونهم ويوضحون لهم كل مسألة، صغرت أم
كبرت، فظهر لهم بعد طول القراءة، أن هذا من السنة، وهذا من السنة ولا
يفرقون بين السنة التي نؤمر بها على وجه المتابعة والتعبد والمشروعية، وبين
السنة التي فعلها الرسول ﷺ على وجه العادة في قومه وكونه
بشراً، وإلى هؤلاء نقول: ارفقوا بأنفسكم وبالمسلمين؛ نحن لا ندعوكم إلى
التساهل أو ترك شيء من الإسلام، ولكن تأكدوا قبل أن تلتزموا بشيء أو تلزموا
الناس، تأكدوا من مشروعيته، ثم كيفية عرضه على الناس، وإلا جاءت النتائج
بعكس ما تؤملون، إنكم تريدون الخير للمسلمين، وتجدون الإعراض عنكم.
وفي الأسبوع الذي التقيت فيه بهؤلاء الشباب قرأت مقابلة في إحدى الصحف
لأحد الشيوخ الدعاة، تكلم فيها عن المرأة وصب جام غضبه على الإسلاميين الذين
يخنقون أنفاسها، ولا يبرزونها لتكون قائدة من قواد العمل الإسلامي، ويقول:
(ورغم أن المرأة ذهبت للجامعة وخرجت للعمل والسوق، ولكنها لا تزال محرومة
من الصلاة في المساجد (يقصد الصلوات الخمس)) . نحن لا نقلل من أهمية فهم
المرأة للإسلام ودورها في ذلك، ولكن لماذا يستدرج الدعاة دائماً للكلام عن المرأة
وكأنها هي المشكلة الرئيسية، فإذا حلت هذه المشكلة حلت كل المشاكل، وهذا ديدن
الصحفيين، يريدون (الفتاوى) التي تعجبهم لينشروها بين الناس، وفي تلك المقابلة
قال الشيخ: (إن الديمقراطية المعاصرة هي الشورى الإسلامية) هكذا وبكل بساطة
وسهولة. مع أن الخلاف بينهما كبير (وليس هذا مجال تفصيله) ولكنه لو قال: إن
الإسلام يكره الاستبداد؛ والديمقراطية - على ما فيها من خلل كبير وهذا يعترف به
الغربيون - هي أفضل من النظم الدكتاتورية لكان كلامه صحيحاً. أما أن تكون
الديمقراطية التي تمارس الآن هي الشورى الإسلامية أو صنواً لها فهذا تساهل،
والفتوى أمانة برقاب العلماء، والصراط المستقيم الأعدل هو المطلوب.
стр. 540
الإعجاز التشريعي
قاعدة لاستمرار عملية الاجتهاد
د. عابد السفياني
لا عجب أن تتشكل خيوط الإعجاز التشريعي، والإعجاز الكوني، فالله هو
صاحب الخلق والأمر، وإن من أبرز ملامح هذه المشاكله ما يلي:
١- الكون خلقه الله وقدر فيه طاقاته، فبقدر ما يتعامل الإنسان معها بقدر ما
يستخرج منها، فالماء طاقة مقدرة في الأرضإذا استخرجها الإنسان فإنما استخرج
طاقة كامنة يسر الله لها استخراجها ولكنها ليست خلقاً جديداً مستأنفاً في الأرض
[قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ، وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وبَارَكَ فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ] [فصلت: ٩-١٠] .
وفي هذه الآية دلالة على أن الله جعل في هذه الأرض جميع ما تحتاجه
البشرية من الطاقات، وكل جيل يستخرج منها ما يطيق حسب قدراته ونشاطه
ومبلغه من العلم، وكذلك هذه الشريعة، جاءت نصوص الوحي بها متضمنة معاني
لا حصر لها، فقد جعلها الله شاملة لما يشاء أن يعلمه للبشر في جميع أجياله، وكل
جيل يعلم منها ما يحتاج إليه في جميع شئونه، فيستخرج منهاجاً يحكم حياته كلها،
فيحفظ له هذا المنهج عقيدة صحيحة - فيسلم من التخلف العقيدي وهو الارتكاس
إلى الجاهلية البشرية - ويحفظ حياته الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية فتتحقق
حينئذ العبادة في هذه الأرض وهي المهمة التي خلق الله الإنسان من أجلها.
يأتي كل جيل ليرتبط بهذه الشريعة، ويجد علماؤه فيها كل ما يحتاجه في تلك
الأمور - وليس شيئاً من ذلك قد أنزل إنزالاً جيداً مستأنفاً، كلا، وإنما هو متضمن
في هذه الشريعة، تماماً كما هو الشأن في هذا الكون فيقف كل جيل ليجد ما يحتاجه
من الطاقات في هذا الكون مدخراً له، ويجد المنهج الصحيح الذي يحكم له جزئيات
حياته مدخراً له في هذه الشريعة فيعلم أن له رباً خلق له كوناً يعيش فيه ليستخرج
طاقاته، وإلهاً أنزل له شريعة ليستخرج منها ما يبصره بالمنهج الصحيح، وهذه
أول ملامح تلك المشاكلة بين الإعجاز الكوني والإعجاز التشريعي.
٢- إن هذا الكون لا تضاد فيه ولا تناقض بل هو صنعة محكمة مبدعة وهذا
هو الإعجاز الذي يقابله إعجاز تشريعي حيث أنزل الله شريعته لا تضاد فيها ولا
تناقض ولا اضطراب، بل هي قول محكم.
وملامح هذه المشاكلة تظهر في مثل قوله تعالى عن بيان امتناع هذا الكون عن
الفساد والاضطراب: [لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا] [الأنبياء: ٢٢] .
نعم لو كان في السماء والأرض آلهة إلا الله لاقتضى ذلك أن تتعد الإرادات
في تدبير هذا الكون، فهذا يسير القمر إلى جهة، وآخر يأمره بضدها، وهذا يريد
الشمس جارية، وذاك يريدها ساكنة، وحينئذ يقع الفساد، فلا يمكن أن تتعدد
الآلهة - وكل إله يستحق الألوهية-كلا لو كان كذلك لفسدت السموات والأرض.
وشريعة الله التي هي كلامه المعجز ووحيه إلى نبيه لا يمكن أن تتعارض
ولذلك قال تعالى: [ولَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً]
[النساء: ٨٢] .
نعم لوكان القرآن من عند غير الله لوجدنا فيه ذلك الاختلاف، فلما لم نجد
قطعنا حينئذ أنه من عند الله، مثل سلامة الكون من الفساد دلنا ذلك على أنه من
خلق الله، وهذا وذاك هو سند الثبات في هذا الكون وفي هذه الشريعة إلى أن تقوم
الساعة فيقدر الله حينئذ ما يشاء، والثبات هو من أهم معالم الإعجاز التشريعي
والإعجاز الكوني.
٣ - من مظاهر الإعجاز في الكون أنك تجده متجدداً معطاء بفضل من الله،
والإنسان يستثمر ذلك العطاء، وكلما اتجه الإنسان إلى الاستثمار الصحيح وجد
خيراً كثيراً بإذن الله، وفي هذا الكون طاقات كلية ثابتة يستخرج منها الإنسان -
عن طريق الاستثمار الصحيح -طاقات جزئية لا حصر لها، ولذلك يختلف البشر
في إمكان - الحصول على ذلك ما بين مستكثر ومستقل، وقد حمل الله الإنسان هذا
الجهد ليكابد الحياة ويعمل ويعمر الأرض فتتحقق العبادة بإقامة الخلافة فيها.
والإنسان في كل ذلك ليس خالقاً ولا منشئاً حتى وإن اكتشف، لأن أصل
الخلقة لله سواء في الكون أو الإنسان، وجهد الإنسان إنما هو اكتشاف لما يسره الله
له حسب السنن الربانية.
وكذلك هذه الشريعة - التي هي وحي من الله - جعلها سبحانه متضمنة لكليات
تشريعية تحفها جزئيات تشريعية كذلك، ثم كلف الأمة المتبعة لهذه الشريعة أن تجهد
جهدها في إقامة فرض الكفاية وهو التعلم، وتهيئة طائفة منها لتقوم بمهمة التعليم
والاجتهاد وذلك كله فرض كفاية، وعلى الأمة العمل لإقامته، وهؤلاء المجتهدون
يستثمرون تلك الكليات التشريعية، وقد علموا منها ومن تلك الجزئيات كيف يتم
الاستثمار وتتحقق مقاصد الشريعة، وحينئذ يتحقق لكل جيل عن طريق -
المجتهدين- الحكم في مسائل لا يمكن حصرها البتة، وهذا هو غاية الاستثمار
للكليات التشريعية [١] ، وهذا الاستثمار اكتشاف لحكم الله، وليس إنشاء ولا
تشريعاً تماماً كما تبين لنا في الإعجاز الكوني، ذلك أن الله وحده هو الخالق
والمشرع والآمر سبحانه لا إله إلا هو.
٤ - من مظاهر الإعجاز الكوني أنك تجد شجرة واحدة - وهي آية من آيات
الله -تتفرع عن أصلها فروع كثيرة جداً، وتجد أيضاً أنواعاً كثيرة من المخلوقات -
كالهواء والبذر والتربة.. - تجتمع لتخرج - بإذن الله - الزرع بجميع أجناسه،
الذي يصلح لسد كثير من حاجات الإنسان.
وإنك لتجد هذه الملامح في الإعجاز التشريعي:
فمثلاً إذا تأملت في العموم اللفظي وجدته كأصل الشجرة الواحدة تقوم عليها
تلك الفروع الكثيرة، فاللفظ العام يشتمل في دلالته على فروع كثيرة، أصله لفظ
واحد وفروعه لا تنحصر.
وإذا نظرت في مثال آخر وهو العموم المعنوي وجدت جزئيات من الشريعة
قد اجتمعت من كل مكان على معنى واحد، فأصبح هذا المعنى جنساً ينتج لنا أحكاماً
خاصة بمسائل كثيرة بل يصبح مثل العموم اللفظي، فهناك لفظ عام تبنى عليه
فروع شتى، وهنا جزئيات كثيرة يخرج منها أصل واحد يحكم به على جزئيات لا
تنحصر، فهل رأيت مثل هذا الإعجاز، شجرة واحدة في الأصل تنمو فروعها
وتتكاثر، وجزئيات متناثرة-من تراب وماء وهواء وبذور- تجتمع لتخرج بإذن الله
شجرة ذات فروع كثيرة، عمومات لفظية-هي عمدة الشريعة - يتفرع عن كل واحد
منها فروع لا تنحصر، وجزئيات كثيرة يتفرع عنها فروع كثيرة جداً تشابهها في
الحكم -عن طريق القياس الشرعي- وهذه الجزئيات تجتمع مرة أخرى لتنتج العموم
المعنوي فيحكم به على فروع لا تنحصر. هكذا في دورة تشريعية معجزة لا أجد
لها شبيهاً إلا تلك الدورة الفلكية أو دورة الزروع والثمار المعجزة في الخلقة، التي
تظنها قد تقف فينقطع عطاؤها، فكلما طاف بك طائف من شك أبصرتها تنطلق في
دورة جديدة تبدد تلك الشكوك، هذه دورة الإعجاز الكوني الذي يقول الله عنها
متحدياً البشر في جميع العصور: [هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَذِينَ مِن دُونِهِ
بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [لقمان: ١١] .
وهذه هي دورة الإعجاز التشريعي الذي يقول الله عنها متحدياً كذلك: [قُل
لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ
مَدَداً] [الكهف: ١٠٩] .
أقول - والله أعلم بمراده - إن هذه الشريعة وهي كلام الله لا تنفد أبداً-مهما
قدر الله أن يخلق من الأجيال على هذه الأرض وسيجد فيها كل جيل ما يحتاجه
يستنبطه منها علماؤه -فلا تنفد أبداً، بل ينفد البحر دون أن ينفد منها شيء.
стр. 541
فقه
التسعير في الفقه الإسلامي
عثمان جمعة ضميرية
ما حكم التسعير، وهل هو جائز إطلاقاً، أو محرم إطلاقاً، أو يجوز في حين
دون آخر، ومتى يجوز ومتى لا يجوز؟ هذا ما سنبحثه بشيء من الإيجاز، نبين
فيه آراء العلماء ومستندهم، ليظهر الرأي الراجح، بتوفيق الله تعالى.
-١-
التسعير في اللغة هو: تقدير السعر، أو هو الذي يقوم عليه الثمن، وجمعه:
أسعار، وقد أسعروا وسعَّروا بمعنى واحد، أي: اتفقوا على سعر.
وقال الفيومي في المصباح المنير: سعَّرت الشيء (تسعيراً) : جعلت له
(سعراً) معلوماً ينتهي إليه، و (أسْعَرته) بالألف، لغة، وله (سعر) إذا زادت قيمته، وليس له (سِعْر) إذا أفرط رخصه [١] .
وفي الاصطلاح الفقهي: اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفه، وفيما يلي
بعض تعريفاتهم:
١- عرف القاضي البيضاوي السعر بأنه: القيمة التي يشيع البيع عليها في
الأسواق، والتسعير: تقدير هذه القيمة [٢] .
٢ - وبين ابن القيم حقيقة التسعير، فقال: إنه إلزام بالعدل ومنع عن الظلم،
وهو يشمل تسعير السلع والأعمال، ويتفق في هذا مع شيخه ابن تيمية رحمه
الله [٣] .
٣ - وعرف الشوكاني التسعير بأنه: أمر السلطان ونوابه، أو كل من ولي
من أمور المسلمين شيئاً، أهل السوق ألا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنعون من
الزيادة أو النقصان لمصلحة [٤] .
-٢-
وقد ذهب جمهور العلماء: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، إلى أنه لا يجوز
للحاكم أن يسعر على الناس مطلقاً، وإن فعل ذلك يكون فعله هذا إكراهاً يكره معه
البيع والشراء، ويمنع صحة البيع عند بعضهم.
وذهب المالكية إلى جواز التسعير في الأقوات مع الغلاء، وقالوا: ليس لمن
أتى السوق، من أهله أو من غير أهله، أن يبيع السلعة بأقل من سعرها، ويمنع
من ذلك. وله أن يبيع بأكثر.
وذهب بعض العلماء، كسعيد بن المسيب، وربيعة بن عبد الرحمن: إلى
جواز التسعير مطلقاً.
وذهب كثير من العلماء، كمتأخري الحنفية وبعض الحنابلة، كابن تيمية وابن
القيم إلى جواز التسعير في أحوال خاصة، بل وإلى وجوبه أحياناً أخرى [٥] .
ويمكن تصنيف هذه المذاهب والأقوال ورجعها إلى مذهبين اثنين: مذهب
القائلين بتحريم التسعير ومنعه، ومذهب القائلين بجوازه.
-٣-
استدل المانعون للتسعير بأدلة، منها ما يأتي:
١ - حديث أنس ﵁، قال: غلا السعر في المدينة على عهد
رسول الله ﷺ فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر، فسعر لنا: فقال رسول الله- ﷺ : (إن الله هو المسعِّر، القابض الباسط
الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله ، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في
دم ولا مال) [٧] .
وجه الدلالة في هذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أنه لم يسعر وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه.
الثاني: أنه علل الامتناع عن التسعير بكونه مظلمة، والظلم حرام (٧) .
٢ - ما رواه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب
﵁ مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيباً له في السوق، فقال له
عمر: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا [٨] . فلما رجع عمر
حاسب نفسه، ثم أتى حاطباً في داره، فقال: إن الذي قلت لك ليس عزمة مني ولا
قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت
فبع.
وقال مالك: لو أن رجلاً أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس، لرأيت أن
يقال له: إما لحقت بسعر الناس، وإما رفعت، وأما أن يقال للناس كلهم - يعني لا
تبيعوا إلا بسعر كذا - فليس ذلك بالصواب [٩] ..
٣ - قال الشافعى ﵀: إن الناس مسلطون على أموالهم، ليس لأحد أن
يأخذها، أو شيئاً منها؛ بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي يلزمهم الأخذ فيها،
وهذا ليس منها. والله تعالى يقول: [لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل إلاَّ أَن تَكُونَ
تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ] [النساء: ٢٩] [١٠] .
وقال قاضي زاده الحنفي: إن الثمن حق العاقد، فإليه تقديره، فلا ينبغي
للإمام أن يتعرض لحقه، إلا إذا تعلق به دفع ضرر العامة [١١] .
٤ - التسعير سبب الغلاء، لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلداً
يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها
ويكتمها، ويطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلا قليلاً، فيرفعون في ثمنها
ليصلوا إليها، فتغلو الأسعار ويحصل الإضرار بالجانبين: جانب الْمُلاك، في
منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه،
فيكون حراماً [١٢] .
-٤-
وبالنظر في هذه الأدلة التي سبقت يتبين أنها لا تدل على المنع من التسعير
كقاعدة عامة في كل الأحوال والظروف، ولكنها تدل على المنع من التسعير في
الأحوال العادية التي يكون التسعير فيها مجحفاً بحق البائع أو العامل الذي يقوم بما
يجب عليه من امتناع عن الاحتكار أو التواطؤ لإغلاء الأسعار ورفعها، وذلك أن
الامتناع عن التسعير جاء معللاً، والأحكام تدور مع العلة وجوداً وعدماً.
فالحديث الشريف يبين أن الرسول ﷺ امتنع عن التسعير
نظراً لأن فيه مظلمة، وذلك لأنه لم يكن هناك ما يقتضي التسعير في ذلك الوقت.
لأن ارتفاع الأسعار لم يكن بفعل التجار واحتكارهم، وإنما كان ذلك نتيجة لعوامل
أخرى لا دخل فيها لهم [١٣] .
وقد رد شيخ الإسلام احتجاجهم بالحديث وبين علة امتناع النبي -صلى الله
عليه وسلم- عن التسعير فقال: (وإنما لم يقع التسعير في زمن النبي -صلى الله
عليه وسلم- بالمدينة؛ لأنهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء (أجرة) ، ولا
من يبيع طحيناً وخبزاً، بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم،
وكان من قدم بالحب لا يتلقاه أحد، بل يشتريه الناس من الجلابين، ولهذا جاء في
الحديث: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون» [١٤] ?وكذلك لم يكن في المدينة
حائك، بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما، فيشترونها
ويلبسونها) [١٥] .
وقال أيضاً: (من احتج على منع التسعير مطلقاً بقول النبى -صلى الله عليه
وسلم- «إن الله هو المسعر ... » قيل له: هذه قضية معينة، وليست لفظاً عاماً،
وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه، ومعلوم أن الشيء إذا قل
رغب الناس في المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه، كما جرت به العادة، ولكن الناس
تزايدوا فيه - فهنا لا يسعر عليهم.
ثم ضرب أمثلة على جواز إخراج الشيء عن يد مالكه بعوض المثل،
وقال: والمقصود أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه
بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق، ولم يُمَّكن المالك من المطالبة بالزيادة على
القيمة، فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم وهم إليها أضر؟ مثل
حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره [١٦] .
وقال الإمام أبو بكر بن العربي في شرحه لجامع الترمذي: (وقال سائر
العلماء بظاهر الحديث، لا يسعر على أحد. والحق: التسعير، وضبط الأمر على
قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد من الطائفتين، وذلك قانون لا يعرف إلا
بالضبط للأوقاف ومقادير الأموال. وما قاله النبي ﷺ حق وما
فعله حكم، لكن على قوم صح ثباتهم، واستسلموا إلى ربهم. وأما قوم قصدوا أكل
أموال الناس والتضييق، فباب الله أوسع وحكمه أمضى) [١٧] .
وأما ما رواه الإمام مالك في الموطأ، من قصة عمر بن الخطاب مع حاطب
بن أبي بلتعة فيرى بعضهم: أنه يتعلق بالبيع بأقل من ثمن المثل، وعندئذ فلا
يجوز للحاكم أن يتدخل في تحديد السعر، لأنه إنما يتدخل بالتسعير إذا عرضت
السلعة بأكثر من ثمن المثل لما في هذا العرض من استغلال لحاجة الناس، وأما إن
عرضت بأقل من السعر فلا يجوز التدخل.
فإن قيل: في هذا ضرر على أهل السوق فالجواب: أن هذا باطل، بل في
قولكم أنتم الضرر على أهل البلد كلهم، وعلى المساكين، وعلى هذا المحسن إلى
الناس، ولا ضرر في ذلك على أهل السوق، لأنهم إن شاءوا أن يرخصوا كما فعل
هذا فليفعلوا، وإلا فهم أملك بأموالهم، كما أن هذا أملك بماله [١٨] .
وقال ابن رشد في البيان والتحصيل: لا يلام أحد على المسامحة في البيع
والحطيطة فيه، بل يشكر على ذلك إن فعله لوجه الناس، ويؤجر إن فعله لوجه الله
تعالى [١٩] .
وأما أن الناس مسلطون على أموالهم، فهذا صحيح، ولكنه ليس على إطلاقه، إذ هناك قواعد أخرى تحكم على هذا الأصل، كقاعدة رفع الضرر، وقاعدة
المصلحة العامة ووجوب تقديمها على المصلحة الخاصة، كما أن الرضا لا يعتبر
في بعض الحالات التي يتعارض فيها هذا مع مصلحة عامة. كما أن التسعير لا
يخالف آية الرضا في التعامل.
الخلاصة: وبهذا تبين أن التسعير ليس فيه مخالفة للحديث الشريف ولا للآية
الكريمة التي استدل بها المانعون للتسعير، كما أن فيه مصلحة عندما تدعو الحاجة
إليه، لذلك أجازه الحنفية أيضاً: (إذا تعلق به رفع ضرر العامة، فإذا كان أرباب
الطعام يتحكمون ويتعدون عن القيمة تعدياً فاحشاً كالبيع بضعف القيمة، وعجز
القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فحينئذ لا بأس بمشورة من أهل
الرأي والبصيرة، إذا تعدى أرباب القوانين وظلموا العامة، فيسعر عليهم الحاكم
دفعاً للضرر عن المسلمين، بناء على ما قاله أبو يوسف، فإنه اعتبر حقيقة الضرر، إذ هو المؤثر في الكراه) [٢٠] .
كما أجازه الشافعية أيضاً عند الاضطرار، كما نقل ذلك عنهم ابن تيمية وابن
القيم، حيث يقول ابن القيم ﵀: (وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة
وتقديرها هو الشافعي، مع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن
يبذله بثمن المثل، وتنازع أصحابه في جواز تسعير الطعام إذا كان بالناس حاجة
إليه، ولهم فيه وجهان) [٢١] .
-٥-
وبهذا أصبح التقارب حاصلاً بين المجيزين للتسعير والمانعين، لأن التسعير
إذا كان ظلماً، والحاجة لا تدعو إليه فهو غير جائز، ولا ينبغي لولي الأمر أن
يفعله. وإن كان فيه مصلحة ورفع ضرر عن العامة جاز لولي الأمر، بل وجب
عليه ذلك إن تعين طريقاً لتحقيق المصلحة.
وهذا هو ما حرره ابن القيم وبسطه وأقام الأدلة عليه حيث قال: (.. وأما
التسعير؛ فمنه ما هو محرم ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس،
وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم فهو
حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من ...
المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل
فهو جائز، بل واجب.
فأما القسم الأول: فمثل ما روي عن أنس: غلا السعر على عهد رسول الله
ﷺ ... ? فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف
من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر - إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق - فهذا إلى
الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بحق.
وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها - مع ضرورة الناس إليها
-إلا بزيادة على القيمة المعروفة؛ فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى
للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، والتسعير هاهنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به،
فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته إلزام بالعدل ومنع من الظلم، وهذا
كما أنه لا يجوز الإكراه على البيع بغير حق، فيجوز أو يجب الإكراه عليه بحق.
-٦-
إلا أن التسعير ليس قاعدة عامة في المعاملات المالية - كما سبق - فلا يلجأ
إليه ولي الأمر إلا إذا دعت الحاجة، وقد ذكر بعض الباحثين. أربع حالات تتدخل
فيها الدولة بتسعير السلع، بل بإجبار أصحابها على بيعها، وهي نموذج لحالات
أخرى تتحقق المصلحة فيها بالتسعير:
١ - حاجة الناس إلى السلعة.
٢ - الاحتكار.
٣ - حالة الحصر (حصر البيع بأناس مخصوصين) .
٤ - حالة تواطؤ البائعين [٢٢] .
-٧-
فإذا اقتضت المصلحة والعدل التسعير، فإن واجب ولي الأمر أن يفعل ذلك،
ولكن يجب أن يحقق هذا السعر العدالة، وأن لا يكون مجحفاً بأحد الطرفين: البائع
والمشتري، وأن لا يدخل على أحدهما الضرر، وبذلك يتحقق السعر الصالح الذي
يسمح بعلاقات أخوية بين البائع والمشتري [٢٣] ، ولتحقيق ذلك يستعين بأهل
الخبرة والرأي.
وقال ابن حبيب من فقهاء المالكية، في صفة التسعير: (ينبغي للإمام أن
يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم استظهاراً على صدقهم، فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى
يرضوا به ... وعلى هذا أجازه من أجازه. ووجه ذلك: أن بهذا يتوصل إلى
معرفة مصالح الباعة والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ولا
يكون فيه إجحاف بالناس ... ) [٢٤] .
وجماع الأمر:
أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعر عليهم تسعير عدل، لا وَكْس
فيه ولا شطط - لا نقصان ولا زيادة - وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه
لم يفعل. وبالله التوفيق.
стр. 542
شذرات وقطوف
إعداد: نجوى محمد الدمياطي
الخلق العظيم
قال الإمام أحمد حدثنا أسود، حدثنا شريك عن قيس بن وهب عن رجل من
بني سواد قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت:
أما تقرأ القرآن؟ [وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] قال: قلت حدثيني عن ذاك، قال:
صنعت له طعاماً، وصنعت له حفصة طعاماً، فقلت لجاريتي: اذهبي، فإن جاءت
هي بالطعام فوضعته قبل فاطرحي الطعام، قالت: فجاءت بالطعام قالت: فألقته
الجارية فوقعت القصعة فانكسرت (وكان نطع) قالت: فجمعه رسول اللة -صلى الله
عليه وسلم- وقال:
(اقتصوا، أو اقتصي (شك أسود) ظرفاً مكان ظرفك) قالت: فما قال شيئاً.
تفسير القرآن العظيم - ابن كثير ٤ / ٤٠٢
الْمُشَرِّع
فى لغة العلم الشرعي فإن هذا المعنى لا تجد إطلاقه في حق النبي -صلى الله
عليه وسلم- ولا في حق عالم من علماء الشريعة المطهرة،.. فلا يقال لبشر:
شارع ولا مشرع، وفي نصوص الكتاب والسنة إسناد التشريع إلى الله سبحانه
وتعالى، قال تعالى: [شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحاً والَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ]
وفي الحديث أنه ﷺ قال: «إن الله شرع لنبيكم سنن الهدى»
رواه مسلم، لهذا فإن قصر إسناد ذلك إلى الله أخذ في كتاب علماء
الشريعة على اختلاف فنونهم صفة التقعيد فلا نرى إطلاقه على بشر حسب التتبع.
معجم المناهي اللفظية-للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد
صراع اجتماعي
من أهم الحقائق المفترضة في صراعنا مع الجاهلية أنه صراع اجتماعي،
قائم بين واقع إسلامي وواقع جاهلي.
وافتراض هذه الحقيقة يحتم أن يدخل المسلمون بتلك الصفة الاجتماعية في كل
مراحل الصراع.. من لحظة الاستضعاف إلى فرصة التمكين ووقت الامتداد..
ففي بيت الدعوة تنشأ الحدود الفاصلة بين الصواب والخطأ بمقياس الدعوة في
حياة الدعاة، مثل الحد بين زينة الله التي أخرج لعباده والترف المحظور، وبين
السكن إلى الزوجة والركون إليها، وبين السعي المشروع للرزق والانشغال المنهي
عنه بالمال، وبين الحب الفطري للذرية وبين الافتتان بها..
وفي بيت الدعوة تكون حياة الكفاح منبعاً للحب لا يجف بين الزوجين،
فالحياة في بيت الدعوة إما لحظة وداع وأمل، أو لحظة حنين وشوق، أو لحظة
لقاء وفرحة، فهي حياة طيبة، وعيشة راضية، وعمر مبارك، ووقت مليء.
بيت الدعوة - رفاعي سرور
стр. 543
بحوث
اعتقاد أهل السنة في الصحابة
(٢)
محمد الوهيبي
٣ - إن سب صحابياً لم يتواتر النقل بفضله سباً يطعن في الدين ... بينا في
الفقرة السابقة رجحان تكفير من سب صاحبياً تواترت النصوص بفضله من جهة
دينه. أما إن لم تتواتر النصوص بفضله فقول جمهور العلماء بعدم كفره، وذلك
لعدم إنكاره معلوماً من الدين بالضرورة إلا أن يسبه من حيث الصحبة.
٤ - إن سب بعضهم سباً لا يطعن في دينهم وعدالتهم ... فلا شك أن فاعل
ذلك يستحق التعزير والتأديب، ولكن وحسب مطالعتي لأقوال العلماء في المراجع
المذكورة لم أر أحداً منهم يكفر فاعل ذلك (ولا فرق عندهم بين كبار الصحابة وصغارهم) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (.. وأما إن سبهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا
في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك
فهو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل
كلام من لم يكفرهم من العالم) [١]
وذكر أبو يعلى من الأمثلة على ذلك: (اتهامهم بقلة المعرفة بالسياسة [٢] .
ومما يشبه ذلك اتهامهم بضعف الرأي، وضعف الشخصية والغفلة وحب
الدنيا ونحو ذلك وهذا النوع من الطعن تطفح به كتب التاريخ وكذلك الدراسات
المعاصرة لبعض المنسوبين لأهل السنة باسم الموضوعية والمنهج العلمي
وللمستشرقين أثر في غالب الدراسات من هذا النوع.
ولعل من المناسب هنا أن نقف وقفة قصيرة جداً نبين فيها فساد هذا المنهج
وخطورة تطبيقه على تاريخ الصحابة، ونبدأ ذلك بالتعريف بالمنهج الموضوعي
عند الغربيين، المنهج الموضوعي) أن يبحث الموضوع بحثاً عقلياً مجرداً بعيداً
عن التصورات الدينية [٣] ، فنقول رداً على ذلك:
أ- المسلم لا يمكن أن يتجرد عن عقيدته بأي حال من الأحوال إلا أن يكون
كافراً بها [٤] .
ب- وكذلك نقول بالنسبة للتاريخ الإسلامي: إذا ثبتت الحوادث في ميزان نقد
الرواية فبأي منهج نفهمها ونفسرها؟ إذا لم نفسرها بالمنهج الإسلامي فلا بد أن
نختار منهجاً آخر فنقع في الانحراف من حيث لا نعلم وبناء على ذلك يجب أن
نحذر من تطبيق هذا المنهج على تاريخ الصحابة ويجب أن نعلم أيضاً) أن ما
يسمى بالنقد العلمي أو الموضوعي لتاريخ الصحابة هو السب الوارد في كتب أهل
البدع وفي كتب الأخبار، وتسميته بالمنهج العلمي لا يخرجه عن حقيقته التي عرف
بها عند أهل السنة، وأيضاً تسميته بذلك لا تعلي من قيمته، كما لا يعلي من قيمته
أن يردده كُتَّاب مشهورون، وفيهم أولوا فضل وصلاح، وإنما كل ما فعله المحدثون
أن أحيوا هذا السب الذي أماته أهل السنة لما كانت الدولة دولتهم [٥] .
والذي أوصي به نفسي وإخواني الباحثين في تاريخ الصحابة أن لا يتخلوا عن
عقيدتهم -ومنها الاعتقاد بعدالة الصحابة وتحريم سبهم -عند بحثهم، فالله الله أن
يؤتى الإسلام من قبلهم، وليعلموا أن لأهل السنة منهجاً واضحاً في النظر إلى تلكم
الأخبار كما سيأتي في آخر البحث.
٥- سب أم المؤمنين عائشة ﵂ بما برأها الله منه ... أجمع أهل
العلم على أن من سب أم المؤمنين عائشة ﵂ بما برأها الله منه فقد كفر
قال القاضي أبو يعلى: من قذف عائشة ﵂ بما برأها الله منه كفر بلا
خلاف. وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد وصرح غير واحد من الأئمة بهذا
الحكم فروي عن مالك: من سب أبا بكر جلد ومن سب عائشة قتل (قيل له: لِمَ؟
قال: من رماها فقد خالف القرآن [٦] . وقال ابن شعبان في روايته عن مالك لأن
الله تعالى يقول: [يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] فمن عاد
لمثله فقد كفر) [٧] .
والأدلة على كفر من رمى أم المؤمنين صريحة وظاهرة الدلالة منها:
أ- ما استدل به الإمام مالك أن في هذا تكذيباً للقرآن الذي شهد ببراءتها،
وتكذيب ما جاء به القرآن كفر. قال الإمام ابن كثير: وقد أجمع العلماء رحمهم
الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكره في هذه
الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن [٨] ، وقال ابن حزم تعليقاً على قول الإمام مالك
السابق: (قول مالك هاهنا صحيح، وهي ردة تامة وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها) [٩] .
ب -أن فيه إيذاء وتنقيصاً لرسول الله ﷺ من وجوه دل
عليها القرآن الكريم.
١- فرق ابن عباس ﵄ بين قوله : [والَّذِينَ يَرْمُونَ
المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ] ... الآية سورة النور، وبين قوله : [إنَّ الَذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤْمِنَاتِ] ... الآية سورة النور، فقال
عند تفسير الآية الثانية: (هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ خاصة وهي مبهمة ليس فيها توبة. ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ: [والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ] إلى قوله: [إلاَّ الَذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأَصْلَحُوا] فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل
لأولئك توبة.
قال فَهَمَّ رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر فقد بين ابن عباس أن
هذه الآية إنما أنزلت فيمن قذف عائشة وأمهات المؤمنين ﵅ لما في
قذفهن من الطعن على رسول الله ﷺ وعيبه فإن قذف المرأة
أذى لزوجها كما هو أذى لأبيها لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه. وأن
زنا امرأته يؤذيه أذى عظيماً ... ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي
بقذف أهله أعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف) [١٠] .
٢-وإيذاء رسول الله- ﷺ -كفر بالإجماع، قال القرطبي عند
قوله تعالى: [يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً] [النور] ، يعني في عائشة لأن
مثله لا يكون إلا نظير القول في المقول عنه بعينه، أو فيمن كان في مرتبته من
أزواج النبي ﷺ لما في ذلك من إذاية رسول الله-صلى الله
عليه وسلم- في عرضه وأهله وذلك كفر من فاعله) [١١] .
ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي ﷺ ما خرجاه في
الصحيحين في حديث الإفك عن عائشة قالت: فقام رسول الله-صلى الله عليه
وسلم- فاستعذر عن عبد الله بن أبي بن سلول قالت: فقال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني
أذاه في أهل بيتي ...
فقوله: من يعذرني أي من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني
من أذاه في أهل بيتي والله لهم.
فثبت أنه ﷺ قد تأذى بذلك تأذياً استعذر منه وقال
المؤمنون الذين لم تأخذهم حمية: مرنا نضرب أعناقهم فإنا نعذرك إذا أمرتنا
بضرب أعناقهم، ولم ينكر النبي ﷺ على سعد استئماره في
ضرب أعناقهم) [١٢] .
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (ومن يقذف الطاهرة الطيبة أم المؤمنين
زوجة رسول رب العالمين ﷺ في الدنيا والآخرة لما صح ذلك
عنه فهو من ضرب عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ولسان حال رسول
الله- ﷺ -يقول: (يا معشر المسلمين من يعذرني فيمن آذاني في
أهلي) [١٣] [والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
بُهْتَاناً وإثْماً مُّبِيناً] [الأحزاب / ٥٨] ، فأين أنصار دينه ليقولوا نحن نعذرك
يارسول الله؟ ...) [١٤] .
٣- كما أن الطعن بها ﵂ فيه تنقيص برسول الله -صلى الله عليه
وسلم- من جانب آخر، حيث قال الله : [الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ] [الآية من
سورة النور] ، قال ابن كثير: (أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله -
ﷺ إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل طيب من البشر ولو كانت
خبيثة لما صلحت له لا شرعاً ولا قدراً ولهذا قال تعالى: [أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا
يَقُولُونَ] أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان) [١٥] .
٥- سب بقية أمهات المؤمنين..
اختلف العلماء في قذف بقية أمهات المؤمنين، والراجح الذي عليه الأكثرون
كفر فاعل ذلك، (لأن المقذوفة زوجة الرسول ﷺ والله تعالى
إنما غضب لها لأنها زوجة رسول الله ﷺ فهي وغيرها منهن
سواء) [١٦] .
وكذلك يكفر لأن في ذلك تنقيص وأذى لرسول الله ﷺ
بقذف حليلته [١٧] ، وقد بينا ذلك عند كلامنا عن حكم من قذف أم المؤمنين عائشة
﵂ فليراجع.
أما إن سب أمهات المؤمنين سباً غير ذلك فحكمهن حكم سائر الصحابة على
التفصيل المذكور سابقاً. والله أعلم.
٦ - لوازم السب:
تيقظ السلف الصالح رضوان الله عليهم لخطورة الطعن في الصحابة وسبهم،
وحذروا من الطاعنين ومقاصدهم، وذلك لعلمهم بما قد يؤدي إليه ذلك السب من
لوازم باطلة تناقض أصول الدين.
فقال بعضهم كلمات قليلة لكنها جامعة أذكرها في مقدمة هذا البحث ثم أوضح
-بعض الشيء - ما يترتب على السب غالباً.
وسأركز في الرد على السابة من القسم الأول والثاني ممن يزعمون كفر أو
فسق مجموع الصحابة أو أكثرهم أو الطعن في عدالة من تواترت النصوص بفضله
كالخلفاء ﵃. قال الإمام مالك ﵀ عن هؤلاء: (إنما هؤلاء
أقوام أرادوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في
أصحابه، حتى يقال رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين)
[١٨] ، وقال الإمام أحمد ﵀: (إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة
بسوء فاتهمه على الإسلام) [١٩] .
وقال أبو زرعة الرازي ﵀: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من
أصحاب رسول الله- ﷺ فأعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول -
ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة
أصحاب رسول الله ﷺ ? وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا
ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) [٢٠] . وقال الإمام أبو
نعيم ﵀: (فلا يتتبع هفوات أصحاب رسول الله- ﷺ وزللهم ويحفظ عليهم ما يكون منهم في حال الغضب والموجدة إلا مفتون
القلب في دينه) [٢١] ويقول أيضاً: (.. لا يبسط لسانه فيهم إلا من سوء طويته في
النبي ﷺ وصحابته والإسلام والمسلمين) [٢٢] ، وتحذير
العلماء هنا عام يشمل جميع الصحابة، وتأمل قول إمام أهل السنة: ٠ يذكر أحداً من الصحابة بسوء) وقول أبي زرعة: (ينتقص أحداً..) فحذروا من ينتقص (مجرد انتقاص) أو ذكر بسوء (وذلك دون الشتم أو التكفير) أحداً (وليس جميعهم) فماذا يقال فيمن يسب أغلبهم؟ وإليك أخي القارئ إيضاح بعض لوازم السب:
١ - يترتب على القول بكفر وارتداد معظم الصحابة أو فسقهم إلا نفراً يسيراً
الشك في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وذلك لأن الطعن في النقلة طعن في
المنقول، إذ كيف نثق بكتاب نقله إلينا الفسقة والمرتدون - والعياذ بالله - ولذلك
صرح بعض أهل الضلال والبدع ممن يسب الصحابة بتحريف الصحابة للقرآن
والبعض أخفى ذلك، وكذلك الأمر بالنسبة للأحاديث النبوية، فإذا اتهم الصحابة
رضوان الله عليهم في عدالتهم صارت الأسانيد مرسلة مقطوعة لا حجة فيها. ومع
ذلك يزعم - بعض هؤلاء - إيمانهم بالقرآن، فنقول لهم: يلزم من الإيمان به
الإيمان بما فيه، وقد علمت أن الذي فيه أنهم خير الأمم وأن الله لا يخزيهم وأنه
رضي عنهم ... إلخ، فمن لم يصدق ذلك فيهم، فهو مكذب لما في القرآن ناقض
لدعواه.
٢-هذا القول يقتضي أن هذه الأمة - والعياذ بالله - شر أمة أخرجت للناس،
وسابقي هذه الأمة شرارها، وخيرها القرن الأول كان عامتهم كفاراً أو فساقاً، وأنهم
شر القرون [٢٣] ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم.
٣ - يلزم من هذا القول أحد أمرين، إما نسبة الجهل إلى الله - تعالى عما
يصفون- أو العبث في هذه النصوص التي أثني بها على الصحابة، فإن كان الله عز
وجل -تعالى عن قولهم- غير عالم بأنهم سيكفرون ومع ذلك أثنى عليهم ووعدهم
الحسنى فهو جهل والجهل عليه تعالى محال، وإن كان الله عالماً بأنهم
سيكفرون فيكون وعده لهم بالحسنى ورضاه عنهم عبث، والعبث في حقه
محال [٢٤] ، ويتبع ذلك الطعن في حكمته حيث اختارهم واصطفاهم لصحبة نبيه ﵊ فجاهدوا معه وآزروه ونصروه واتخذهم أصهاراً له حيث زوج ابنتيه ذا النورين (عثمان) ﵁، وتزوج ابنتي أبي بكر وعمر، فكيف يختار لنبيه أنصاراً وأصهاراً مع علمه بأنهم سيكفرون؟ ! !
٤- لقد بذل رسول الله- ﷺ جهوداً خارقة في تربية
الصحابة على مدى ثلاثة وعشرين عاماً حتى تكوَّن بفضل الله المجتمع
المثالي في خلقه وتضحياته وزهده وورعه فكان ﷺ أعظم مرب
في التاريخ. ولكن بالعكس من ذلك فإن جماعة تدعي الانتماء إلى الإسلام ونبي
الإسلام تقدم لهذا المجتمع صورة معاكسة تهدم المجهودات التي قام بها النبي -صلى
الله عليه وسلم- في مجال التربية والتوجيه، وتثبت له إخفاقاً لم يواجهه أي مصلح
أو مرب خبير مخلص [٢٥] لم يكن مأموراً من الله كما كان الشأن مع رسول الله-
ﷺ إنها ترى أن المجهودات الجبارة التي بذلها محمد -صلى الله
عليه وسلم- لم تنتج إلا ثلاثة (أو أربعة وفقاً لبعض الروايات) ظلوا متمسكين
بالإسلام إلى ما بعد وفاته ﷺ أما غيرهم فقد قطعوا صلتهم
بالإسلام - والعياذ بالله - فور وفاته ﷺ فأثبتوا أن صحبة النبي -
ﷺ وتربيته أخفقت ولم يعد لها أي تأثير. وهذا الزعم يؤدي
إلى:
أ - اليأس من إصلاح البشرية.
ب - وعدم الثقة بالمنهج الإسلامي وقدرته على التربية وتهذيب الأخلاق.
ج -وإلى الشك في نبوة محمد ﷺ وذلك أن الدين الذي لم
يستطع أن يقدم للعالم عدداً وجيها من نماذج عملية ناجحة بناءة، ومجتمعاً مثالياً في
أيام الداعي وحامل رسالته الأول، فكيف يستطيع أتباعه ذلك بعد مضي زمن طويل
على عهد النبوة؟ ! وإذا كان المؤمنون بهذه الدعوة لم يستطيعوا البقاء على الجادة
القويمة ولم يعودوا أوفياء لنبيهم ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق
الأعلى، فلم يبق على الصراط المستقيم الذي ترك عليه النبي -صلى الله عليه
وسلم- أتباعه إلا أربعة فقط؛ فكيف نسلم أن هذا الدين يصلح لتزكية النفوس وبناء
الأخلاق؟ وأنه يستطيع أن ينقذ الإنسان من الهمجية والشقاء ويرفعه إلى قمة
الإنسانية؟ بل ربما يقال: لو أن النبي ﷺ -كان صادقاً في نبوته
لكانت تعاليمه ذات تأثير، ووجد هناك من آمن به من صميم القلب ووجد من بين
العدد الهائل ممن آمنوا به بعض المئات الذين ثبتوا على الإيمان، فإن كان أصحابه
-سوى بضع رجال منهم - منافقين ومرتدين - فيما زعموا - فمن دان بالإسلام؟
ومن انتفع بالرسول ﷺ ؟ وكيف يكون رحمة
للعالمين؟ ! [٢٦] .
العلم والعمل
قال حكيم لرجل يستكثر من العلم دون العمل:
(يا هذا إذا أفنيت عمرك في جمع السلاح، فمن تقاتل به؟)
стр. 544
منبر الشباب
لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
حكمت الحريري
(اللهم لا تعذب لساناً يخبر عنك، ولا عيناً تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا
قدماً تمشي إلى خدمتك، ولا يداً تكتب في سبيلك، فبعزتك لا تدخلني النار) . قلت: ويرحم الله عبداً قال آمينا.
هذا ما أورده الأستاذ النواوي في مقدمة كتابه (رؤية إسلامية في الصراع
العربي الإسرائيلي) .
كم كان مؤثراً في نفسي ذلك الدعاء، وكم استوقفتني تلك الكلمات، فالدعاء
توفيق من الله الذي تتم بنعمته الصالحات، يا رب لا تعذب لساناً يخبر عنك ... ولا
يداً تكتب في سبيلك..
وإن من بين الأيادي التي كتبت في سبيل الله أحد الأفراد القلائل من الدعاة
الذين باعوا نفوسهم لله ولم يسترخصوها لغير دين الله ، ذلك الداعية الذي
صنف كتاب (الإسلام بين العلماء والحكام) ثم كان مصيره عليه رحمة الله مصير
القلة الذين كان موضوع كتابه عنهم حيث كان معجباً بموقفهم وقد عمل بما علم،
وما ذكره نظرياً عاشه عملياً فهنيئاً لمن شرح صدره للإسلام.
فقد كتب عليه رحمة الله عن محنة كثير من العلماء العاملين وبين مواقفهم من
الحكام عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وجعفر الصادق، وأبي حنيفة،
ومالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، والعزبن عبد السلام، وشيخ الإسلام ابن
تيمية، ولقد هممت بوضع ملخص لذلك الكتاب في بضع صفحات ولكني وجدت أن
الملخص يخل بالموضوع فلا بد لمن أراد أن يعرف الحقيقة بعين اليقين، لا بد له
من الرجوع إلى الكتاب فالخلاصة لا تغني عن الأصل.
وأحببت إذ فاتني ذلك في (البيان) - أي ذكر الملخص - ألا أدع الفرصة
تفوتني لأتحدث عن بعض المواقف التي ذكرها رحمه الله تعالى وأضيف إليها ما
شاء الله لي أن أضيفه من ذلك.
ومن بين الذين كتب عن محنتهم ومواقفهم من الحكام، الإمام البخاري أمير
المؤمنين في الحديث، الذي نذر حياته لجمع حديث رسول الله-صلى الله عليه
وسلم-، وتمييز صحيحه من ضعيفه، وطاف البلاد الإسلامية لهذا الغرض.
كانت محنة الإمام البخاري على يد أمير خراسان (خالد بن أحمد الذهلي)
الذي طلب منه وهو في بلده بخارى أن يحضر إليه ليسمع أولاده منه، فأبى أن
يذهب، وقال: في بيتي يؤتى العلم.
وأراد الأمير أن ينفر الناس عن السماع منه فلم يستجيبوا لذلك، ثم أمر بنفيه
من بلده إلى (خرتنك) وهناك مرض ومات على أثر ذلك في ليلة عيد الفطر،
رحمه الله تعالى.
ولكن الخير لا ينقطع من أمة محمد ﷺ وأصحاب
المروءة والنخوة لم ينتهوا في هذه الأمة إلى يوم القيامة بحول الله وقوته. فعندما
وصل خبر محنة البخاري إلى بغداد تضجر الناس واهتزت ضمائرهم وغضبوا لما
نزل بالعالم الورع التقي الزاهد، وبقي الأمر في نفس الموفق بن المتوكل أخي
الخليفة المعتمد، يتحين الفرصة المناسبة للانتقام لأمير المؤمنين في الحديث من
ذلك الظالم.
ولما دخل موسم الحج وصل أمير خراسان خالد بن أحمد الذهلي إلى بغداد وما
إن بلغ الموفق خبر وصوله حتى أمر باعتقاله مخفوراً ثم طرح في السجن حتى
مات.
وأما سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى فله مواقف سجلها
تاريخ الإسلام ولا تزال موضع فخر واعتزاز لكل من شهد لله بالوحدانية ولمحمد -
ﷺ بالنبوة والرسالة.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فلم تكن محنته بأيسر من غيرها وما جرى له من
محن وابتلاءات يطول الحديث عنها، وقد سارت بذكره الركبان رحمه الله تعالى،
وما وجدت عالماً من العلماء المنصفين يكتب عن المجددين إلا وذكر شيخ الإسلام
ابن تيمية، ولم يكتب أحد عن الأعلام إلا وكتب عنه ﵀، وقد أفردت في
سيرته مصنفات عظيمة، ولا حاجة بنا إلى ذكر شيء من سيرته أو محنته في هذا
المقال، ولكني أحيل على بعض ما كتبه عنه العلماء مثل: سير أعلام النبلاء
للذهبي، والبيطار في كتابه (حياة شيخ الإسلام) والندوي.. والمودودي، وابن
حجر.. وغيرهم كثير.
هذا ما ذكره مصنف كتاب (الإسلام بين العلماء والحكام) رحمه الله تعالى
رحمة واسعة.
وأضيف إلى تلك السير محنة الإمام النووي رحمه الله تعالى وخلاصتها أن
الظاهر بيبرس أراد أن يجمع المال من الناس لصد خطر التتار الزاحف على بلاد
الشام، وكان يحتاج إلى المال والعتاد لمقابلة الغزاة وصدهم، وأخذ السلطان فتوى
العلماء بتأييد عمله فكتبوا له وأفتوه بما أراد ما عدا الإمام النووي بقي متمسكاً برأيه
ممتنعاً عن فتواه بهذا الأمر، وقد كان كثير النصح للسلطان، ولكن السلطان رد
النصيحة في هذا الموضوع أي بجمع المال، فالخطر الداهم شديد وفساد التتار
وتخريبهم لبغداد وغيرها لم يكن خافياً عليهم، وعندما وجده مصراً على عدم فتواه
استدعاه، وهنا كان جواب النووي، ورده على السلطان عنيفاً وقال له: ...
(أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بند قدار وليس لك مال ثم مَنَّ الله عليك وجعلك م لكاً وسمعت أن عندك ألف مملوك، كل مملوك له حياصة من ذهب، وعندك مائة جارية لكل جارية حق من الحلي فإن أنفقت ذلك كله وبقيت مماليك بالبنود الصوف بدلاً من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن، دون الحلي أفتيتك بأخذ المال من الرعية) .
فغضب الظاهر من جواب النووي وقال له: اخرج من بلدي -أي دمشق -
فخرج إلى بلده نوى بحوران التي هي مسقط رأسه، فقال الفقهاء: إن هذا من كبار
علمائنا وصلحائنا. وممن يقتدى به فأعده إلى دمشق، فرسم برجوعه، ولكن الشيخ
امتنع، وقال: والله لا أدخلها والظاهر بها فمات الظاهر بعد شهر.
ومنذ بضعة عشر عاماً كان للشيخ محمد حسين الذهبي رحمه الله تعالى موقفاً
شبيهاً بهذه المواقف، من حيث الرجولة والصدع بكلمة الحق وقد كلفه ذلك الموقف
حياته، وأمثال الذهبي الذين قدموا أرواحهم في سبيل الله كثر نسأل الله أن يجعل
أعمالهم خالصة لوجهه الكريم، ولكن لم تكن الشعوب التي شهدت موقف الذهبي
وغيره في عصرنا، لم تكن مواقفها هي مواقف الشعوب التي عاصرت محنة
النووي والعز بن عبد السلام وابن تيمية.
فلم تهتز ضمائرهم لإهانة هؤلاء العلماء وإيذائهم مثلما اهتزت ضمائر أولئك
الناس في عهد النووي وغيره. هذه أمثلة من تاريخنا الإسلامي العريق، [إنَّ فِي
ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ] .
стр. 545
البيان الأدبي
نظرة في منهج تاريخ الأدب
د. عبد الله خلف
إن الناظر في كتب تاريخ الأدب الحديثة ليعجب مما يجده فيها من أحكام
يصدرها مؤلفوها على المجتمعات الإسلامية الأولى، وما تشير إليه من شيوع
مظاهر اللهو والعبث والمجون، علاوة على ما تضمنته من مبالغات في حديثها عن
الجوانب السلبية في حياة الأفراد، مما يدفع المرء إلى التساؤل بإلحاح عن مدى
صحة تلك الأحكام. ولا سيما أننا نرى أولئك الدارسين يشيرون إلى أنهم اعتمدوا
في ذلك على مصادر مشهورة من كتب التراث، قاصدين إضفاء الصفة العلمية
عليها، وإحاطتها بهالة من التوثيق.
وبذلك أصبحت كتب التراث بما تتضمنه من ثروة خبرية وهائلة مصدراً -
لكثير من الدراسات التي شوهت معالم التاريخ الإسلامي في جوانبه السياسية
والاجتماعية والثقافية بسبب البعد عن المنهج العلمي في التعامل مع النصوص.
لقد تعرض تاريخنا منذ العصور الأولى ولا زال يتعرض لحملة تشويه كبرى، تمثلت قديماً في وضع طائفة كبيرة من الأخبار والحكايات التي تخدم أهل الأهواء
على اختلاف اتجاهاتهم، وتمثلت في العصر الحاضر في الدراسات التي استندت
إلى تلك الأخبار، ولم يعد من العسير على الذين يتبنون آراء شاذة، أو يريدون
تشويه معالم الصورة المشرقة لتاريخنا أن يجدوا من الأخبار ما يسندون به وجهات
نظرهم. كما أن كثيراً من الباحثين الذين لم ينطووا على نوايا سيئة وقعوا في
التخليط، ووصلوا إلى نتائج غير سليمة، بسبب تأثرهم بدراسات الآخرين من جهة، وبسبب عدم اتباعهم منهجاً علمياً يمكنهم من الاستفادة من التراث من جهة أخرى.
ويكاد يكون من المتفق عليه أن كتب التاريخ والأدب التراثية تحتوي على عدد
كبير من الأخبار والحكايات الباطلة، وأن الذين صنفوا في هذين الموضوعين
حشدوا في كتبهم ما وصل إليهم منها دون تمحيص إلا في القليل النادر. وممن أشار
إلى ذلك أبو بكر بن العربي الذي حذر من روايات المؤرخين وأهل الآداب لما
يتضمنه كثير منها من الاستخفاف بالسلف [١] ، ويقول ابن تيمية بعدما أثنى على
أهل الحديث [٢] : (بخلاف الأخباريين فإن كثيراً مما يسندونه عن كذاب أو
مجهول، وأما ما يرسلونه فظلمات بعضها فوق بعض) .
وأخذ النووي على ابن عبد البر حكايته عن الأخباريين، لأن الغالب عليهم
الإكثار والتخليط [٣] .
ولم يقتصر التحذير من روايات الأخباريين على العلماء، فقد نص على هذا
كثير من الأدباء. يقول الجاحظ مصوراً سهولة الكذب على الرواة وسهولة
نشره [٤] : ٠ وما هو إلا أن ولد أبو مخنف حديثاً، أو الشرقي بن القطامي، أو الكلبي، أو ابن دأب، أو أبو الحسن المدائني، ثم صوره في كتاب وألقاه في الوراقين إلا رواه من لا يحصل ولا يتثبت ولا يتوقف، وهؤلاء كلهم يتشيعون (.. ويقول أحمد أمين [٥] :) وجاء حماد وخلف الأحمر - كما سبق - وأمثالهما فعدوا من الظرافة أن يتزيدوا، وتسابقوا في الوضع، واستغلوا إعجاب الناس بالجديد الذي لم يسمع من قبل ... فكان من ذلك ما أدركه المفضل الضبي من أن تمييز الصحيح من غير الصحيح أصبح بعد هؤلاء الكذبة المهرة عسيراً ومحالاً.
وتحدث زكي مبارك عن كتاب الأغاني مشيراً إلى خلق الأصفهاني الذي كان
مسرفاً في اللذات والشهوات مما دفعه إلى الاهتمام بأخبار الخلاعة والمجون،
وإهمال الأخبار التي تصور الجوانب الجادة في حياة الأفراد والمجتمعات. ثم ذكر
أن هذا الأمر أفسد كثيراً من آراء المؤلفين الذين اعتمدوا، عليه [٦] ، والأصفهاني
نفسه الذي يعد كتابه أضخم مجموعة أخبارية في تاريخ الأدب يصرح بأن منهجه
يقوم على جمع كل ما رواه الناس وتداولوه، ولو كان كذباً، لئلا يشذ عن الكتاب
شيء مما تناقله الرواة.
وإذا كان الأمر على ما ذكرنا من كثرة الأخبار الباطلة، وما يحمله كثير منها
في طياته من تشويه لمعالم التاريخ الإسلامي في مختلف جوانبه، أو لحياة بعض
الأشخاص فإنه لا بد من الاحتراز وتحكيم العقل والمنطق في قبول الأخبار أو
رفضها إذا كان إسنادها غير مقبول. وهذا أمر لا مفر للباحث منه إذا كان هدفه
الوصول إلى الحقيقة، وإلا فإنه سوف يسهم في ترسيخ الأخطاء وتشويه المعالم
الصحيحة، وسيكون خطؤه أعظم من خطأ السابقين الذين كانوا يروون الأخبار
عالمين بأن فيها الغث والسمين متبرئين من عهدتها، لأنه عندما يقبل ما رووه دون
تحقيق سيكون بمثابة من يرى صحة ما احتوته تلك المصنفات، وسيجد نفسه أمام
كثير من الغرائب والمتناقضات فإن قبلها جميعاً وقع في التناقض. وإن قبل بعضها
ورد بعضها دون تحقيق صار صاحب هوى، وبذلك يكون قد ابتعد عن المنهج
العلمي، وفقد جانباً من أهم ما يتميز به المحققون.
ولا بد للباحث من الاستعانة بالأخبار ذات الإسناد المقبول لرسم الخطوط
العامة، والمعالم الرئيسية لموضوع البحث، لكي تكون مقياساً يستعين به على قبول
غيرها من الروايات أو رفضه، ولا يمكن للباحث الاستغناء عن كل خبر لا يصح
سنده لأننا في هذه الحال سنجد حلقات كثيرة مظلمة في تاريخ الأفراد أو التاريخ
العام، ولن نجد من الأخبار ذات الإسناد المقبول ما يكفي لإضاءتها. وسبب ذلك أن
العلماء والرواة السابقين لم يكونوا يولون الإسناد أهمية إلا في الحديث النبوي وما
يتصل به. أما ما عدا ذلك فلم يكونوا يرون بأساً في نقله وتداوله بدون إسناد، أو
بإسناد فيه بعض المتهمين. ومما يدل على ذلك ما ذكر عن إبراهيم بن الجنيد أنه
سأل يحيى بن معين عن إبراهيم بن مناذر الشاعر، فقال: لم يكن ثقة ولا مأموناً.
قال له إبراهيم: إنما نكتب شعره وحكايات عن الخليل بن أحمد، فقال: هذا نعم،
وأما الحديث فلست أراه له موضعاً [٧] .
وكون الخبر من ذلك النوع لا يعني القطع بعدم صحة مضمونه وليس أمامنا
لكي نقرر قبوله أو رفضه إلا دراسة متنه وتحليله وتحكيم العقل فيه ومقارنته
بالأخبار المقبولة.
وللنصوص الأدبية الإبداعية من شعر ونثر أهمية كبيرة في إضاءة بعض
الجوانب من حياة الأفراد أو المجتمعات، إذا ما تمت دراستها بمعزل عما حيك
حولها من حكايات. ومن أمثلة ذلك أنه قد اشتهر بين كثير من المعاصرين أن
الاختلاط والسفور كانا شائعين في مجتمع الحجاز في العصر الأموي، وأن النساء
كن يبرزن للرجال، ويتعرضن للشعراء ليتغزلوا بهن ويجلسن معهم مجالس السمر
المختلطة حتى في غيبة أوليائهن. ويستدل هؤلاء على ذلك بالقصص والحكايات
الباطلة. ويزعمون أن الشعر الحجازي، ولا سيما شعر عمر بن أبي ربيعة يدل
على صحة آرائهم.
بيد أن المتأمل في شعر عمر وغيره من شعراء الحجاز المعاصرين له يدل
على خلاف ما توهمه أولئك الدارسون، ومن ذلك ما نجده في شعر عمر من
الحديث عن مغامراته الليلية، وتسلله تحت ستار الظلام للقاء من يحب حيث يبدو
من يسعى إلى ذلك اللقاء بصورة الذي يريد أن يقدم على أمر شديد الخطر، فهو لا
بد أن يكون منتبهاً شديد الحذر، وأن يأخذ بجميع أسباب الحيطة لأن انكشاف ذلك
الأمر سوف يسبب له المتاعب، ويعرضه لخطر عظيم، وهو لا يستطيع الوصول
إلى ما يريد في النهار، ولكنه يتسلل إليه في الظلام بعد أن ينام الحي، ويغفل
الرقباء ويهجع الحراس. والأمثلة التي تبين لنا ذلك من شعره كثيرة جداً لا يتسع
المقام هنا لأكثر من واحد منها، وهو قوله في رائيته المشهورة:
فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبت بالعشاء وأنور
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروح رعيان ونوم سُمَّر
وخفض عني الصوت أقبلت مشية ال حباب [٨] وشخصي خشية الحي أزور [٩]
إن في تصوير الشعراء لمغامراتهم الليلية ما يكشف لنا عن إحساسهم العميق
بالرقابة التي يفرضها المجتمع على الذين يريدون الخروج على أنظمته وقيمه
وتقاليده، وهذا يدل على مدى التحفظ الذي كان يسود المجتمع، ويوحي بما كان
يهيمن على العلاقات بين الرجال والنساء من الجد والالتزام بالحدود الشرعية.
ولعل في هذا ما يدل بوضوح على أن النصوص الأدبية يمكن أن تساعد
على الوصول إلى الحقيقة التي ينشدها الباحث في تاريخ الأدب.
وهناك خطأ آخر وقع فيه كثير من المعاصرين، وأدى إلى إصدارهم أحكاماً،
خاطئة في حق المجتمعات الإسلامية الأولى، وهو نقص الاستقراء، والتعميم
الخاطئ حيث يعتمد الباحث على عدد قليل من المصادر ويهمل غيرها، وإذا وجد
بضعة أخبار حول أديب حكم من خلالها على حياته، دون أن يكلف نفسه عناء
البحث والتنقيب عن غيرها، وقد يحكم على مجتمع أو عصر بكامله من خلال ما
يقرؤه عن عدد قليل من الناس فيقع في التعميم الخاطئ. وهذا الأمر قد يكون بسبب
ضعف همة الباحث ورغبته في الوصول إلى نتائج سريعة، ولكنه ربما حدث
بسبب سوء نيته وحبه للترويج لمظاهر أو أفكار منحرفة عن طريق ادعاء أنها
كانت شائعة عند أسلافنا، ولا مبرر لرفضها وإنكارها في العصر الحاضر.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الاهتمام بتحقيق الأخبار والاستقصاء
والاستفادة من النصوص الأدبية لا يتنافى مع محاولات التنظير التي يهتم بها بعض
الدارسين، ولا مع ما يقومون به من دراسة وتفسير وتحليل لبعض الظواهر الأدبية، إذ أن ذلك جزء مهم من الدراسات الأدبية الحديثة. ولكن تلك الدراسات لن تكون
ذات قيمة علمية ما لم يكن الأساس النصوصي الذي بنيت عليه سليماً مقبولاً.
стр. 546
قوموا قياماً ... ثم افزعوا
قصيدة لقيط بن يعمر الإيادي
عبد الحميد إبراهيم
لقيط بن يعمر الإيادي شاعر قديم جاهلي مقل، ولا يعرف له إلا هذه القصيدة، وكانت قبيلته إياد ينزلون سواد العراق، وهي منطقة شمال شرقي الجزيرة
العربية الآن، وكان لقيط كاتباً في ديوان كسرى، ولما علم أن كسرى ينوي غزو
قبيلته إياد كتب إليهم بهذه القصيدة يحذرهم ويستنهضهم، فوقع الكتاب بيد كسرى
فقطع لسانه.
أبلغ إياداً وخلل [١] في سراتهم ... إني أرى الرأي -إن لم أعص- قد صعا
يا لهف نفسي إذا كانت أموركم ... شتّى، وأُحْكِمَ أمر الناس فاجتمعا
ألا تخافون قوماً لا أبا لكم ... أمسوْا إليكم كأمثال الدَّبَى [٢] سرعا
فهم سراع إليكم؛ بين ملتقط شوكاً، وآخر يجني الصاب والسَّلعا [٣]
لا الحرث [٤] يشغلهم بل لا يرون لهم ... من دون بيضتكم رِيّاً ولا شبعا
وأنتم تحرثون الأرض عن سفه ... في كل معتمل [٥] تبغون مُزْدَرَعا
وتلبسون ثياب الأمن ضاحيةً [٦] ... لا تفزعون وهذا الليث قد جمعا
مالى أراكم نياماً في بُلَهْنيةٍ [٧] ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا؟!
فاشفوا غليلي برأي [٨] منكم حصد ... يصبح فؤادي له ريان قد نقعا
صونوا جيادكم واجْلَوا [٩] سيوفكم ... وجددوا للقسي النبل والشِّرعا
لاتُثْمروا المال للأعداء؛ إنهم ... إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا [١٠]
هيهات لا مال للأعداء؛ إنهم ... إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا
والله ما انفكت الأموال مذ أبد ... لأهلها (إن أصيبوا مرة) تبعا
قوموا قياماً على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا، قد ينال الأمن من زعا
وقلِّدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عضَّ مكروه بهخشعا
ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره [١١] ... يكون متَّبِعاً طوراً ومتَّبَعا
حتى استمرت على شَزْر مريرته [١٢] ... مستحكم الرأي لا قحماً ولاضرعا
وليس يشغله مال يثمره ... عنكم ولا ولد يبغي له الرِّفعا [١٣]
لقد بذلت لكم نصحي بلا دَخَل [١٤] ... فاستيقظوا، إن خير العلم ما نفعا
شرح القصيدة
بلِّغ ما سأقول لك قبيلة إياد، واخصص أشرافهم ورؤساهم بهذا التبليغ، فقد
أصبح الأمر واضحاً لا يحتاج إلى انتظار، ما أشد تلهفي وتوجعي إذا واجهتم
التهديد والخطر بالفرقة، واجتماع الناس عليكم بالتفرق والتشتت.!
القوم (الفرس) قد احتشدوا لكم عن آخرهم ينوون غزوكم، وهم مثل الجراد
في كثرتهم، ألا تخشون عاقبة غزوهم لكم؟ !
هاهم يسارعون إليكم، كل منهم يتجهز ويعد العدة لا ستئصالكم. ولم تشغلهم
عنكم دنيا من زراعة وتجارة، بل تركوا كل أعمالهم وشواغلهم وتفرغوا لاستباحة
ساحتكم وقهركم، هذا وأنتم مع كل هذه الأخطار المحدقة بكم لا زلتم من ضعف
عقولكم مشغولين بزراعتكم حريصين على عمل هنا وعمل هناك، آمنين حين
يخاف الناس، مستكينين حيث ينظر الناس للخطر المحدق، لا تحركون ساكناً مع
أن الخطر على مرأى البصر منكم قد تجهز واستعد لإبادتكم.
ما هذا الأمن والدعة والخمول الذي أراكم نائمين فيه، في وقت تدق حولكم
أجراس الخطر وتشتعل حولكم النيران، وقد أذنت ساعة الحرب التي لا مرد لها؟ ! فأجمعوا أمركم على رأي قوي واحد يشفي الفؤاد المتحرق الذي طال انتظاره
للنصر.
استعدوا بكل أنواع الاستعداد وتعبَّئُوا بكل أشكال التعبئة؛ من الاعتناء بالخيل
وتدريبها؛ وتجهيز عدة الحرب من سيوف وقسي، واتركوا صرف الوقت في
تثمير المال جانباً الآن، لأن الأعداء إن يتغلبوا عليكم فلن تنفعكم هذه الأموال التي
ستكونون معها ملكاً للمتغلب. وأي نفع للزرع والإبل الذي تصرفون إليه همكم الآن
إن ضربت عليكم الذلة والمسكنة؟ المال تبع لأصحابه فمن يقهر الناس يسخرهم
ومالهم لمنفعته.
هيا هبوا هبة رجل واحد فالأمر لا يحتمل التأجيل أو التقاعس، ففن لا يحس
بالفزع لن يعرف الأمن. واجتمعوا على قائد مقدام بصير بالحرب قادر على حمل
تبعاتها، لا شخصاً قتل رجولته الرخاء، واعتاد خفض العيش، واستنام إلى الدنيا
وملذاتها، وليس رجلاً ضعيف النفس، ينهار لأول مكروه يعترضه.
أسندوا أمركم لرجل عرك الأمور، وحنكته التجارب، وتقلبت عليه الأيام
بحلوها ومرها حتى اشتد أسره، واستحكمت إرادته، لا هرماً ولا ضعيفاً، ولا
يشتغل بتثمير المال وحيازته وتكديسه، ولا يهتم بأولاده يبحث لهم عن تأمين
المستقبل المادي ويترك الاهتمام بأمر الرعية.
هذا نصحي قدمته لكم مخلصاً، فأفيقوا من غفلتكم ولا تكتفوا بسماع هذه
النصيحة أو حفظها دون العمل بها، فإنه لا خير في علم لاينتفع به.
على هامش القصيدة
هذه القصيدة خطبة حماسية، تعلو نبراتها وتهبط وتتراحب موجاتها وتنقبض
بقدر ما يسمح بذلك (البحر البسيط) ، جملها مباشرة وواضحة، وعناصر الإثارة
فيها نابعة من النظر إلى مشكلة وجود الجماعة برمتها، وهذا أبلغ في التأثير.
وبما أنها من الوضوح بما لا يجعلنا بحاجة إلى الوقوف كثيراً عند التحليل
والشرح؛ فإن من المناسب إلى أن نشير على هامشها بإشارات عدة تلقي الضوء
على دلالتها المطلقة من عقال الحادثة التاريخية المحدودة.
١ - أول ما يحذر منه الشاعر، ويعبر عنه تخوفه وقلقه الشديد منه هو داء
الفرقة، وهذا الداء الذي ينجم عنه تقديم المصلحة الفردية على المصلحة الجماعية،
ويكون الباعث على تجاهل آثاره المدمرة هو قصر النظر وعدم التفكير في العواقب.
٢ - الاشتغال بالكسب واستغراقه للجهود مجتمعة - دون تفكير بجانب الوقاية
من المخاطر المتوقعة، وحماية هذه المكاسب من العدو الطامع المتربص بها -أخذ
من الشاعر جهداً غير قليل في التحذير منه..
٣ - القضية الثالثة قضية القيادة والريادة ومواصفاتها. فقد أبرز الشاعر
الصفات العامة للقائد المطلوب بأن يكون:
أ - واسع الأفق كريم النفس.
ب - خبير بأمور الحرب.
ج - بعيد عن الترف.
د - صبور قوي الإرادة عند الملمات.
هـ - عنده خبرة وتجربة ولم يقفز إلى القيادة قفزاً.
و غير هرم ولا ضعيف الشخصية.
ز- لا يسخر منصبه لمصلحته الخاصة ومصلحة عائلته.
هذه القضايا الثلاث، بل هذه الأمراض الثلاثة: الفرقة، وتقديم الأقل أهمية
على المهم (الخلل في ترتيب الأولويات أو إهمال بعضها) ، واستغلال المناصب
العامة من أجل الأغراض الخاصة؛ لم تزل أمراضاً قديمة - حديثة، عميقة الجذور
بين المجتمعات البشرية، وعلى الرغم أن كثيراً من الأمم قد وجدت الحلول التي
تحد من أخطار هذه الأمراض (ولا نقول: اقتلعتها من جذورها) إلا أننا - نحن
العرب من بين الأمم - لم نهتد إلى حل يجنبنا الويلات التي عانيناها من الفرقة
والجهل والطغيان والاستبداد.
إن قبيلة إياد التي يستنهضها الشاعر بقصيدته تشكل في عرف تلك الأيام
الدولة بالنسبة للفرد، وهذه الدولة الصغيرة التي كان وجودها مهدداً بتسلط كسرى
وجبروته استطاعت أن تثبت في وجهه وتهزمه عندما تنبهت إلى عوامل القوة
الكامنة، وفزعت إلى قوتها الذاتية وطاقاتها المذخورة.
ولا أريد أن أستغل حرب (ذي قار) التي كانت جواباً عملياً على التحذير في
هذه القصيدة من أجل الإشادة بالنعرة القومية والعصبية العنصرية التي لجأ إليها في
يوم من الأيام أصحاب الفكر القومي الذي قدم مقابل الفكر الإسلامي؛ بل الغرض
هو المقارنة بين حالتين تاريخيتين واستخلاص الدرس والعبرة من أولاهما للثانية
لوجود تشابه بينهما..
ف (إياد) كانت مهددة بقوة خارجية، والعرب الآن مهددون بقوى خارجية،
وإياد كانت أثناء ذلك التهديد غافلة عما يحاك لها. ونحن فينا غفلة شديدة عما يحاك
ويدبر لنا، وكان لقيط بن يعمر هو المحذر من ذلك الأمر المنذر بالخطر، وأهل
العلم والمفكرون هم اليوم الذين يقومون بهذه المهمة.
واستهلاك الجهود في الزراعة والتجارة وتثمير الأموال هو ما يجب أن
يوضع في مكانه الصحيح وأن يضاف إليه جهد آخر هو جهد الدفاع الصحيح
والحماية لهذه الجهود والأموال التي يحتال علينا العدو في اقتناصها بشتى الخدع
والأساليب، فالأموال التي تبقى بعد استهلاك الكثير منها في الفسق والفجور
والكماليات والمشاريع الديكورية، والمظاهر الخادعة وفي غير ذلك مما لا فائدة منه
على المدى الطويل؛ تستهلك عن طريق دعم مصانع الأسلحة الغربية التي تصنع
آلات الدمار والفناء للبشرية المعذبة بسيطرة مفاهيم هذه الحضارة الأوربية
المتغطرسة.
يبدو أننا أنزلقنا من حيث لا نشعر إلى الحديث عن السياسة، ونحن لا نريد
ذلك، ولكن إيحاءات هذه القصيدة دفعتنا إلى هذا الاستطراد الوبيل دفعاً.
وكلمة أخيرة: إذا نحن جردنا تاريخنا من كل ما له علاقة بالإسلام منذ موقعة
(ذي قار) إلى اليوم، واستبعدنا كل اللمعات المضيئة من ذلك التاريخ فماذا يبقى
من أشياء صالحة للاعتزاز بها؟ ! سوف نرى أن أحوالنا ما زالت في تراجع منذ
ذلك الوقت إلى الآن حيث أحيطت كل مجموعة من القبائل والأوزاع بسياج قرئت
عليه طلاسم خرافية سموها (القانون الدولي) وحفظت في أقبية لندن وباريس
ومبنى عصبة الأمم ومن بعدها هيئة الأمم! ورضينا نحن بهذه الخطوط الوهمية
المقروءة عليها تلك التهاويل الخرافية! وهاهي دول الغرب الصليبي، (والاتحاد
السوفييتي الصديق وبلدان المنظومة الاشتراكية) كلها تشارك في تجديد العهد على
إغاظتنا وإنزال الآلام في قلوبنا - بمشاركتها في جلب موجات من اليهود الجدد إلى
فلسطين بعد كل مساهماتها الماضية - على الرغم من تغزلنا بأسمائها، وتمطقنا
بذكرها في الحقبة السوداء الماضية؛ فلا ندري ماذا نفعل، ولا نقف وقفة صحيحة
لا كالمسلمين الذين يأبى عليهم دينهم قبول الضيم، والرضا بنتائج الكيد والخداع؛
بل ولا كعرب الجاهلية الذين استنهضوا فنهضوا، واستفزعوا ففزعوا! ! فهل إلى
خروج من سبيل؟ ! نرجو ذلك.
стр. 547
شعر
الحرية
محمد نموس
أخبرنا أستاذي يوماً عن شيء يدعى الحرية
فسألت الأستاذ بلطف أن يتكلم بالعربية
ما الحرية؟ !
هل هي مصطلح يوناني عن بعض الحقب الزمنية؟ !
أم أشياء نستوردها أو مصنوعات وطنية؟ !
فأجاب معلمنا حزناً وانساب الدمع بعفوية
قد أنسوكم كل التاريخ وكل القيم العلوية
أسفي أن تخرج أجيال لا تفهم معنى الحرية
لا تملك سيفاً أو قلماً، لا تحمل فكراً وهوية
***
وعلمت بموت مدرسنا في الزنزانات الفردية
ونذرت لئن أحياني الله وكانت في العمر بقية
لأجوب الأرض بأكملها بحثاً عن معنى الحرية
وقصدت نوادي عروبتنا أسألهم أين الحرية؟
فتواروا عن بصري هلعاً وكأن قنابل ذرية
ستفجر فوق رءوسهم وتبيد جميع البشرية
فدنا رجل يبدو أن ذاق عذاب الشُرَط السرية
لا تسأل عن هذا أبداً أحرف كلماتك شوكية
هذا رجس، هذا شرك في دين دعاة الوطنية
ارحل؛ فتراب مدينتنا يحوي آذاناً مخفية
تسمع مالم يحك أبداً وترى قصصاً بوليسية
ويكون المجرم حضرتكم والخائن حامي الشرعية
ستبوء بكل مؤامرة وبقلب نظام الثورية
وببيع روابي بلدتنا يوم الحرب التحريرية
وبأشياء لا تعرفها وخيانات للقومية
وتساق إلى ساحات الموت عميلاً للصهيونية
واختتم النصح بقولته وبلهجته التحذيرية
لم أسمع شيئاً لم أرَكُمْ ما كنا نذكر حرية
هل تفهم؟ عندي أطفال كزغاب الطير البرية
***
وسألت جموع المغتربين أناشدهم ما الحرية؟
فأجابوا بصوت قد دوى: فَجَّرت هموماً منسية
لو ذقناها ما هاجرنا وتركنا الشمس الشرقية
بل طالعنا معلومات في المخطوطات الأثرية
أن الحرية أزهار ولها رائحة عطرية
كانت تنمو بمدينتنا وتفوح على الإنسانية
ترك الحراس رعايتها فرعتها الحمر الوحشية
***
وسألت أديباً من بلدي هل تعرف معنى الحرية؟ .
فأجاب بآهات حرّى: لا تسألنا، نحن رعية!
ووقفت بمحراب التاريخ وقلت له ما الحرية؟
فأجاب بصوت مهدود يشكو من وقع الهمجية
الحرية:
أن يحيا الناس كما شاء الرحمن لهم بالأحكام الربانية
وفق القرآن ووفق الشرع ووفق السنن النبوية
لا وفق قوانين الطغيان وتشريعات أرضية
وضعت كي تحمي أشخاصاً تقفو الأهواء الشخصية
الحرية:
ليست نصباً تذكارياً يغسل في الذكرى المئوية
الحرية لا تستجدى من سوق النقد الدولية
الحرية لا تمنحها هيئات البر الخيرية
الحرية نبت ينمو بدماء حرَّى وزكية
الحرية تنزع نزعاً
تؤخذ قسراً
تبنى صرحاً
يعلو بسهام ورماح ورجال عشقوا الحرية
إن تغفل عن سيفك يوماً فلقد ودعت الحرية.
стр. 548
ذكريات من مواسم الهجرة
-١-
د. مصطفى السيد
ما كنت أحسب -وأنا أضع عصا الترحال- في رحلة من مواسم الهجرة
نحو الخليج، في مطالع التسعينيات من القرن الرابع عشر الهجري ما كنت أحسب
أني سأستقر مجاوراً لمرابع (تميم) وفي مدينة من مدن القصيم [١] ، وما دار بخلدي
أن للتاريخ حضورًا في (نجد) يتجاوز الكتب الراقدة فوق رفوف المكتبات، أو
المحفوظات الرسمية في صدور الرجال.
إن هذا الجحود لعبقرية المكان وما أكنَّته (الكثبان) كأنه أمر متوارث، وكأن
الأدباء تواصوا به، فاضطربت أقوالهم في مواطن الأيام ومواضع الوديان وأماكن
المياه في مهبط إلهام الشعر العربي في (نجد) فتقاذفوا وديانها بين جنوب وشمال،
ويمان وشآم.
إن (عزرا باوند) [٢] (١٨٨٥-١٩٧٢) قد ذرع بحر (إيجه) جيئة وذهاباً،
ويستلهم كل حجر ومدر ويستنطق كل واد وجبل عن أخبار القوم في الإغريق،
ولقيت اليونان من عشاق حضارتها ما لم تبلغ نجد مده ولا نصيفه.
نجد في الأدب العربي معادل موضوعي لليونان في الآداب الغربية فهي خزانة
الأدب وعتائد [٣] الهوى، استضاءت بنور الوحي، ثم كبت كبوة كأداء - الردة -
ثم وثبت تختزن في وعيها دواوين الفصاحة وتراث الأيام، فلم تهن اللغة ولم يغب
الشعر، بل أطل جذعاً فوق منابر الشام والعراقين وخراسان ومصر، مفعماً بالقوة
مترعاً بالمروءة، لم تزور عنه (حداثة) قصور الشام، ولم تقصه بلاد الرافدين فلم
يلق جحوداً ولا كنوداً كالذي يقنّع به الآن.
-٢-
قاتل الله شيطان الشعر، فقد استهدفت بحديثي أرض تميم، وما رميت إلى
استنطاق كل حجر ومدر في نجد، فلذلك الأمر أهله، لقد أوسعتني النوى شسوعاً،
وقذفت بي المطامع لأفتح عيني حين أفتحها في قلب نجد، دار الزمان دورته،
وعادت نجد مهجراً ومهاجراً، تؤمها رحلة الشتاء والصيف.
من القاهرة وبيروت إلى (هجرة) [٤] تمثلت في بضعة بيوت، إنها مأساة،
فزعت منها إلى مملكة الخيال لأجبه جحافل الواقع، لقد أسبلت عيناي معاً، وتلفت
القلب إلى قريتي في البقاع والأشجار التي اصطفت على مداخلها كأنها حرس شرف.
كيف الشجيرات التي على طريق البلد؟
طويلة أم انحنت حزينة في كمد؟
تزورها بلابل من الشمال تغتدي
أم أنها عارية الأعراف في توجد؟
أية عبقرية للشاعر الجاهلي التي جعلته يتجاوز الفناء المفروض على الأرض
إلى البناء الذي أقامه في عالم الكلمة، لقد وجد في (أبيات) القصيدة عوضاً عن
(الأبيات) التي جدت يد الفناء في هدمها، حتى باتت مسكونة بعويل الريح،
مقطونة برماد التذكر، ليت نقادنا يخبروننا عن الوشائج بين بيت الشِّعر وبيت
الشَّعر، الذي لم تطق ميسون بنت بحدل الكلبية أن تغادره عندما انطلقت بهذا
الحوار الداخلي:
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف
كل هذا الحوار يقول إن الوطن ليس شملة يسهل خلعها كما لا يصعب ارتداء
غيرها.
في تلك (الهجرة) قرأت كتاباً لحسن عبد الله القرشي عن عنترة لأقف من
خلاله على المعالم الخفية للمكان، لم يكن ذاك اختياراً، بل كان الكتاب الوحيد
الموجود في مكتبة المدرسة عن الأدب الجاهلي، ولكن لحسن الحظ فإن (نجد آل
الشيخ) قد استهوتني أكثر من نجد الجاهلية، لقد لفت نظري تغلغل فكر الشيخ محمد
بن عبد الوهاب وحضوره على كافة المستويات العوام والمتعلمين، ولا تكاد تجد لهم
ثقافة غيره في مكتبة مطوع الهجرة، وجدت فيها طائفة صالحة من الكتب: زاد
المعاد، البداية والنهاية، كتب آل الشيخ، ارتحلت بخيالي إلى بلدي لأقارن بين
مكتبة إمام المسجد في هذه القرية ومثيلاتها عندنا حيث تجد غالباً (مولد العروس)
و (دلائل الخيرات) وكتب تفسير الأحلام، وبقية المخدرات الفكرية من مصنفات أهل
التصوف.
-٣-
كنت ملول الطبع ولا سيما إذا أكرهت على جُلاس لا يفيدون علماً، ولا
ينشرون من التاريخ عبراً، هذه النماذج البشرية التي لا نجد في كلماتها إلا لكمات
للحياة الجادة، يجرجر أحدهم عمره في سوح العجز، يموت أسى، ويقضي كمداً
إن خسر بضع دريهمات في صفقة عقدها، أو وقعة اقتصادية شهدها، ولكن خسارة
عمره لم ترفع منه رأساً، ولم تعل صوتاً، وأنى يرفع رأسه وهو لم يتعهد إلا فراغ
جيوبه، ولم يدر بخلده أن في رأسه، بل في قلبه أوعية بملئها يتميز البشر
ويتفاضل الخلق، لأشد ما تألمت على هؤلاء الذين يصرفون أعمارهم في هروب
منظم، ولا تبخل عليهم ذاكرة العجز باسم مهذب لهذا الفرار، وما أكثر الأسماء
(المرفوعة) والمسميا ت (المخفوضة) .
ومن فضل الله علي أن انتقلت بعد تلك القرية (التي ليس بها أنيس إلا اليعافير
وإلا العيس) إلى ماء لتميم، إلى وادي الرس، فأرشفنا على ظمأ زلالاً، أسرتني
حلاوة ذاك الماء، وكثيراً ما استحضرت وفاء السموأل واسترجعت كرم حاتم، بل
إن صاحب الماء تجاوز بسمو الإسلام وشعب الإيمان هذه الرموز الجاهلية، وصدق
رسول الله- ﷺ القائل: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام
إذا فقهوا) ، ولم يكن الماء التميمي في جو نجد اللاهب يزيل جفاف الفم فحسب بل
يزيل أيضاً جفاء القلب، وما أن تضيء أنوار الحديث حتى أشعر أننا في غير
زماننا وخارج مكاننا نستفتي ابن منظور، ونراجع (المغني) ولا يحسم الجدل إلا
(بالفتاوى) ولا نغيب عن العصر أو يغيب عنا وحول الماء الندي والخلق تمثل بفتية
أقصوا الدنيا وإن لم تقصهم، وفارقوها وإن لم تبرح لهم مغازلة وإليهم متشوفة.
-٤-
كان صاحب الماء يطربه الحديث، ويعجبه هذا المعرض التاريخي الدائم،
قناة للتواصل، يسع مرتادي هذا الماء بحلمه ويغضي عن بعض التجاوزات
بابتسامة طبعت على شفتيه، وكان الطعام والإكرام أقل ما يجده الناس في هذا
المورد التميمي، وإذا ذكر أحد الحاضرين حاجة إلى مال أو افتقار إلى جاه - أسر
صاحب الماء ذلك في نفسه ولم يبده - ليندفع بعد ذلك بسرور غامر يسد الخلة
ويستشفع لأصحاب الحاجات.
لقد تواضع شيخ تميم، الأحنف بن قيس واصفاً نفسه بالتحالم ليقر لقيس بن
عاصم بالحلم ولم أر في صاحبنا التميمي - على ما فيه من الشمائل - أظهر من
التواضع وحرصاً نادراً على كتمان معروفه وإظهاره عيوب نفسه، وما إن يسمع
من أحد المختلفين إلى مجلسه، حديثاً عن مسلم يخرج بماله أو نفسه ثم لا يعود
بشيء من ذلك إلا وتجده يغالب دموعه متسائلاً عن مدى استحقاقنا لهوية الإنسان بله
الإسلام، ثم يردد (الله يرحم الحال) .
ولئن فارقنا هذا الماء فهو لم يفارقنا، وعندما يرتد البصر حسيراً، يتلفت
القلب، ويسعف العقل باستحضار شريط الأطلال ليبدأ الحوار الداخلي إذا تعذر
الحديث الخارجي.
-٥-
لم تكن هذه الكلمات انعكاساً لكل ما انطبع على صفحات المرايا النفسية، بل
هي بعض الوفاء وأنى لمثلي أن يؤدي حقاً لأقوام درست في (مجالسهم) أبجدية
(الفلاح) ، وكان ممن حملت معي بعد النأي والبعد صوتاً قرآنياً يتغنى بالمصحف
ويحبر الآي تحبيراً.
ومن تمام الرواية، أن رواد الماء التميمي لم يتفرقوا قبل تلاوة كفارة المجلس.
«سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» .
ما أجمل الصحراء التي تمضي فيها القوافل
وتتلى الصلوات، وتساق المحامل،
فاسجد على رمالها المحرقة
واحرق الجبين حتى يبقى عليه الأثر.
محمد إقبال
стр. 549
شئون العالم الإسلامي ومشكلاته
مشكلة الفرات من نتائج العصبية القومية
-التحرير-
أبلت الصحف والمجلات العربية بلاء حسناً في عرض قضية (نقص المياه)
و (حرب المياه) . وقدمت تحليلات كثيرة حول هذا الموضوع الذي أبرزته
واهتمت به الصحافة العالمية. وأشارت إلى أن الحرب المقبلة التي قد تنشغل بها
الدول العربية فيما بينها، أو فيما بينها وبين جيرانها في المستقبل قد تكون حروباً
على المياه، وأن تركيا تريد أن تسخر موضوع المياه لتحقيق أغراض سياسية
واستراتيجية في المنطقة.
وقدمت هذه الصحف بعض الأرقام الإحصائية التي أصدرتها دول حوض
الفرات عما يمكن أن يكون تصوراً أولياً عن نسبة استحقاق كل دولة من ماء الفرات، وعما تنوي أن تحتجزه تركيا من مائه، وما سمحت بمروره، وعن مستقبل
توزيع الحصص. وهناك ملاحظات حول المعلومات والتحليلات التي تضمنتها هذه
الصحف، ومن ذلك:
١ -كان هذا الموضوع متشابهاً حيث عرض، وكانت أكثر الصحف تنقل عن
بعضها الأرقام والنتائج المتوقعة، وليس من اختلاف إلا في التلاعب في بعض
الجمل والألفاظ الرابطة، والتي يظن المحررون بسذاجة أنهم - بمهارتهم وحنكتهم
-يستطيعون أن يقنعوا القراء أنهم يحققون سبقاً صحفياً لمطبوعاتهم؛ سواء على
مستوى أهمية القضية وما تمثله في الواقع؛ أو على مستوى تحليلها.
٢ -كل التحليلات العربية تقريباً كانت تتكئ على التحليلات الغربية ونظرتها
المسبقة المغرضة إلى المنطقة، أي تناول القضية وكأنها بنت الواقع الحالي دون
ربطها بقرائنها التاريخية والجغرافية، والنظر إلى أن الحالة الراهنة هي حالة
مطلقة لن يدركها التبديل ولا التحويل.
ولتوضيح ذلك نقول:
إن الأوربيين - مؤرخين، وصحفيين، ومفكرين - لا ينظرون إلى العالم
العربي كوحدة فكرية وتاريخية بينها من الروابط ما بين أقاليم فرنسا، أو بريطانيا،
أو إيطاليا، أو غيرها، بل ينظرون إلى العرب كما يحبون أن يروهم: منقسمين
على أنفسهم، بينهم من الخلافات العميقة التي يستحيل حلها، ولا شيء يجمعهم،
وأن هذه الحدود التي تفصلهم هي حدود أزلية أبدية! وكأنهم ليسوا هم الذين رسموا
هذه الحدود على الورق أولاً، ثم نفذت على الأرض ثانياً، لا العكس - كما هو
الطبيعي في كل البلاد، ما عدا تلك التي فتحها المسلمون؛ أو دخلها وانتشر فيها
الإسلام!
يتجاهل هؤلاء الأوربيون في تحليلاتهم أن الحدود بين العراق والشام،
وبينهما وبين تركيا بل الحدود بين دول المشرق العربي جميعها؛ لم تبرز إلا بعد
اتفاقية سايكس -بيكو عام ١٩١٦ وأنها لم تنفذ على هيئتها الحالية تقريباً إلا بعد عام
١٩٢٠.
إن النظرة التي ينظر بها الأوربيون إلى هذه البلاد هي أنها بلاد كانت مشرعة
الأبواب على مصاريعها، تدخلها الموجات البشرية الغازية من جهاتها الأربع.
وأنهم إذا حدوا لكل رقعة حدوداً، ورسموا لها مجالاً لا تتعداه؛ فقد أسدوا إليها
معروفاً لا ينبغي أن ينكر أو ينسى.
ولكن، هل بقيت كلمة حول قضية المياه لم تطرح؟ أو شيء غامض لم
يكشف عنه الحجاب؟ .
والجواب: نعم، هناك مسألة يمليها التصور القائم على أساس الإسلام،
وتتهرب الصحافة العربية التي تسير على هدي الصحافة الغربية من تناولها من هذه
الزاوية. وسواء كان هذا التهرب جهلاً أو تجاهلاً؛ فالنتيجة واحدة.
هذه المسألة هي مسالة القومية التي استوردناها - عرباً وأتراكاً - من الغرب، فنفخت في أنوفنا، وأعمتنا عن رؤية الحقائق كما هي، وجعلتنا نتعصب للجنس
على حساب الحق، ونبرز الفوارق العنصرية، ونخفي ما نتفق عليه، والذي هو
مبرر عزتنا، وعنوان حضارتنا - وهو الإسلام الذي خرجنا بفضله من الظلمات
إلى النور، وقدمنا عن طريقه إلى العالم شيئاً نعتز به ونفتخر، والذي قد لا تزول
كراهية الغرب بتاتا للعرب وغيرهم من أمم الشرق إذا تخلوا عنه؛ ولكن ستكون
كراهيتهم لهم ما داموا يعتزون به ولا يرضون عنه بديلاً أكثر وأكبر.
إن القضايا الاقتصادية التي تؤثر على العلاقات بين الشعوب لا تعالج معالجة
معزولة عن القضايا النفسية والتاريخية التي توجه هذه الشعوب، ونعني بذلك هنا
قضايا العقائد والمبادئ. هناك عقائد ومبادئ تتصارع على هذه الرقعة من العالم،
هناك قوى ظاهرة تتحرك تحت الشمس، وقوى خفية تتحرك في الظلام، والقوى
الظاهرة والخفية لم تتوقف يوماً عن محاولات العبث في أمن هذه المنطقة المهمة من
العالم، ولا تريد لها أن تهدأ أو تستقر.
لقد نجح الاستعمار وأعوانه أن يصدروا إلينا (النظرية القومية) ، ويغرسوا
العنصرية التي ألوت بمجد العرب والترك، وأضرت بهم محلياً وعالمياً، وجعلتهم
يتسولون القروض والحسنات من الغرب الصليبي والشرق الملحد، وغادرتهم مجرد
صغار لا قيمة لهم، وسلعاً للمساومة لا حول لها ولا قوة.
إن كل نظرية لا بد لها من ثمار ونتائج، وإن هذه الثمار والنتائج تقوم بما
تعطيه من خير لمصلحة أكبر عدد من المنتفعين بها، وخير المعنيين بها مباشرة
وإن العصبية القومية التي مزقت البشرية، وكنا نحن - المسلمين - أشد ضحاياها
غباءً، لما نملك من أسباب الهداية؛ لم تثمر لنا إلا مر الثمر، ولم نجن من ورائها
إلا السراب! نعم، استفاد منها قوم؛ استفاد منها الغرب وأعوانه، واليهود
وأشياعهم، واستفاد منها من يتاجر بآلامنا وفرقتنا، ويراهن على زوالنا واندثارنا.
ماذا ينتظر الذين جروا - ويجرون - وراء الغرب الذي طغى في البلاد،
فأكثر فيها الفساد، ونشر فيها الأوبئة النفسية والجسدية؛ نشر الأفكار الهدامة
كالقومية والمبادئ الباطلة كالشيوعية والوجودية، وضمن حرية التحلل الخلقي
وصدر الإيدز وسائر الأمراض (الإفرنجية) .. ماذا ينتظرون من نتائج لما صنعته
أيديهم التي نفذت خطط (لورانس) ، والتي كانت تهدف - فيما تهدف إليه -إلى دق
إسفين سميك عريض في علاقة العرب والترك، والقضاء على رابطة الدين
الإسلامي التي تجمعهم.
لا شيء ينتظر إلا مزيداً من التمزق والحروب والويلات التي تذهب هذه
الشعوب الإسلامية وما تثمره وتملكه وقوداً لها.
إن العصبية القومية تستمد غذاءها من الجانب المظلم من الإنسان، يل من
الجزء الحيواني فيه؛ من الأثرة، والشح، والحقد، والكراهية، والحسد، ومن
حب التسلط والتفاخر والتعالي على الآخرين بقهرهم.. ومن سائر الأهواء
الشخصية والجماعية.. في حين أن الرابطة الإسلامية رابطة اختيارية متطلعة إلى
الحق، وتستمد شرعيتها من وعي الإنسان بذاته، ومن إدراكه لدوره الذي حده
خالقه له، هذا على المستوى الفردي، أما على المستوى الجماعي؛ فإن الرابطة
الإسلامية هي التي جعلت للعرب دوراً تاريخياً على الأرض، وحملهم هذه الرسالة
إلى العالمين هو الذي يحترمهم من أجله من يحترمهم من أهل الحق، ويكرههم من
أجله من يكرههم من أهل الباطل. وفضلهم يتجلى في تضحياتهم وبلاءاتهم الأولى
التي دخل بسببها من دخل في الإسلام من الشعوب الأخرى. ومن ينكر فضل
العرب في ذلك فهو إما مكابر متعصب؛ أو جاهل يحتاج إلى نصح وتعليم.
على أن كل هذا لا يجوز أن يعطي العرب حق التسلط على غيرهم من
الشعوب وهضمهم وتنقصهم، والنظر إليهم من فوق؛ بل ينبغي للعرب وغير
العرب من المسلمين أن يقولوا: [الحَمْدُ لِلَّهِ الَذِي هَدَانَا لِهَذَا ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ
هَدَانَا اللَّهُ] .
إن ما بين العرب والترك من العلائق والروابط الطيبة أكثر بكثير من
الاختلافات التي ضخمها أعداؤهم، ونجحوا في زرع العداوة بسببها بينهم. وإن
علاج مشكلة المياه يكون بإبراز تلك العوائق والروابط والتذكير بها، فالعرب
والترك مسلمون، والعرب والترك كانوا أمة واحدة، هدفها واحد، وعدوها واحد،
وهم الآن متجاورون، لا زال الهدف واحداً، والمصير واحداً، والعدو هو هو.
ولست أدري، بل ولست أعقل: كيف تجتمع دول أوربا على أمور تحرم
علينا نحن المسلمين، ولئن كانت هناك نقاط التقاء بين الطليان الكاثوليك والإنكليز
البروتستانت وبين الألمان البروتستانت والإسبان الكاثوليك.. يجتمعون عليها
ويستثمرونها في تقوية أنفسهم وفيما يعود بالفائدة على شعوبهم؛ أفليس بين العراق
والشام من روابط يبنى عليها؟ ! أليس بيننا - نحن العرب - وبين الأتراك من
العلائق ما بين الأوربيين؟ ! إي والله بل أكثر! ! لو أنصف المتنفذون من هؤلاء
وهؤلاء.
بعد أن تفرق المسلمون إلى قوميات، وانشعبت القوميات إلى وطنيات،
وأشرفت الوطنيات أن تتطاير طائفيات؛ فإن هذا ليس بمقنع أعداءهم، بل لن
ينثنوا عن الانقضاض بكل الوسائل عليهم حتى يستحيل عليهم الخروج مما رموا به.
ومع هذا فإن أخطاء التاريخ قابلة للتصحيح إذا ما صحت العزائم وخلصت
النوايا، ورزقت الأمة برواد تلتف حولهم، فيخرجون بها من الضيق إلى الرحابة،
ومن التبعية إلى امتلاك القرار.
وإذا كان يصعب علينا أن نطالب بوحدة أقطار حوض الفرات - لأن هذا قد
يكون غير واقعي، وإغراقاً في الخيال، وأحلام يقظة - فلا أقل أن تتذكر أن بينها
أرحاماً قطعت ولا يستحيل وصلها؛ وقدراً مشتركاً من العلاقات التاريخية، وبعد
كل ذلك وقبله؛ جواراً أبدياً. وإن مما أمر الله به الإحسان إلى الجار ذي القربى،
والجار الجنب، والصاحب بالجنب.
стр. 550
الجبهة الشعبية
والعبث الأمريكي بالقضية الأرترية
بلال محمد
في الوقت الذي أعلنت فيه الشيوعية إفلاسها عالمياً بدأت القوى الصليبية
بإعادة ترتيب أوراقها للوثوب على مواقع التأثير، وبالذات تلك التي كانت تأمل
العثور على متنفس من خلال وجودها داخل القفص الماركسي الحديدي.
وحيث إن النظام الإثيوبي كان أحد الذين أووا إلى الكهف الشيوعي منذ
صعوده إلى سلم القيادة قرر أن يجعل من بلاده بؤرة المد الشيوعي وموطناً لنفوذها
الأمر الذي مكنه من تلقي الدعم السوفياتي بعناية فائقة للقضاء على من أسماهم
بالانفصاليين المتمردين في شمال البلاد.
وبعد أن كان الروس في سابق عهدهم ينعتون ارتباط أرتريا بإثيوبيا فدرالياً
وأنه تم برضى أحد الطرفين، دون الالتفات إلى رغبة الآخر، غيروا من سياستهم
وأبدوا صفحة الغدر فأدانوا حركة التحرر الإرترية رغم تلويحها بالشعارات
الماركسية ووصفتها (برافدا) عام ١٩٨٧ بالإمبريالية التي تهدف إلى إضعاف
إثيوبيا وحرمانها من منافذ البحر الأحمر.
وقالت: إنه في هذه الظروف تورط الانفصاليون الإرتريون في لعبة يلعبها
الآخرون وإنهم يساهمون موضوعياً في تنفيذ المخططات الإمبريالية..
إلا أن فشل نظام (الدرق) الإثيوبي في سحق المقاومة الإرترية بالسلاح
الروسي أوصل السوفيات إلى قناعة تامة بأن الحسم العسكري غير ممكن لإحلال
السلام، وإن طريق السلام في إثيوبيا سيبقى مسدوداً ما لم يتم التفاوض مع القوى
الإرترية، وعليه أظهر الروس فتورهم وهبوط حماسهم ومارس جورباتشوف
ضغوطاته على منجستو للتخلي عن عنجهيته العسكرية والنزول إلى ساحة الواقع.
وفي ذات الوقت أخذ الجيش الإثيوبي يشهد موجات من التبرم من مواصلة
الحرب في إرتريا، وصار ينادي بالبحث عن بدائل أخرى لحل الأزمات الإرترية،
وتزايدت في وسطه حركات التذمر، وخلايا المعارضة السرية حتى قام في عام
١٩٨٨ بمحاولة انقلاب فاشلة على منجستو.
وإثر هذه المحاولة لم يجد قائد الدرق بداً من طرح القضية الإرترية على
بساط منظمة الوحدة الإفريقية ولأول مرة في التاريخ بعد أن ظل مجرد الحديث
حولها محرماً بوضعها تحت بند عدم التدخل في الشئون الداخلية، طالب منجستو
زعماء الكتلة الإفريقية مساعدته في حل القضية الشائكة، التي استنزفت اقتصاده،
وبهذا تكون القضية الإرترية وضعت قدميها على منعطف جديد.
إلا أن الشيء الذي يستدعي وقفة تأمل هو عودة أمريكا وللمرة الثانية إلى
العبث بالقضية الإرترية لصالح القوى الصليبية العالمية، فقد أخذت أمريكا في
الآونة الأخيرة تبدي اهتماماً بالغاً بالقضية حيث أجرت عدة اتصالات ببعض الرموز
الإرترية عبر أحد رؤسائها السابقين (جيمي كارتر) ولأمر في نفسها أناطت المهمة
برجل كامب ديفيد الذي أسعف المنطقة بزياراته المتكررة ولقاءاته العديدة التي
نظمها مع العناصر الصليبية في كل من إرتريا، والسودان، وإثيوبيا.
وهكذا ظهر كارتر فجأة ليكون وسيطاً بين نظام منجستو والجبهة الشعبية
الإرترية وبالفعل تم عقد لقاء بينه وبين الأمين العام للجبهة الشعبية إسياس أفورقي
في العاصمة السودانية الخرطوم بتاريخ ١٩، ٢٢ أبريل ١٩٨٩ وذلك عقب عودته
من أديس أبابا عاصمة إثيوبيا.
وبهذه السرعة انقلبت أمريكا رأساً على عقب من قمة جفائها وغلظة عدائها
للشعب الإرتري وبعد أن جعلت في أذنها وقراً عن سماع مطالبه منذ اندلاع ثورته
إلى وسيط يؤرقه مآسيه ويسعده إسداء المعروف إليه.
كما أن الجبهة الشعبية الإرترية التي عودتنا التنديد بمواقف الولايات المتحدة
وسائر القوى الإمبريالية من القضية الإرترية أصبح الوجه الأمريكي منذ حلول
الثمانينات من أحب الوجوه إليها فأخذت تتبنى مواقف سياسية مباينة بنهجها
الماركسي وهذا لا يعني إلا أن العناية الأمريكية وبعد دقة ودراسة متأنية طبعاً وقع
اختيارها بالدرجة الأولى على الجبهة الشعبية الإرترية فمنحتها المباركة الرسمية
لتلج مؤسساتها السياسية، ومن ثم سهل على قيادة الجبهة الشعبية التردد بين الحين
والآخر على الولايات المتحدة للتعبير من خلال منابرها السياسية عن آراء تنظيمها
وتوجهه الجديد.
وباتت اللقاءات التي تعقدها قيادة التنظيم تحظى بقدر كبير من اهتمام
المسئولين الأمريكان وتشهد حضورهم ومتابعتهم، ففي ظل رعاية أعضاء من
وزارتي الخارجية والدفاع بالإضافة إلى عدد من السفراء والصحفيين والكتاب
وأعضاء المؤسسات الأمريكية الكبرى عقد الأمين العام إسياس أفورقي لقاء في ٣
مايو ١٩٨٩ بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، ومُكن في مدينة
سان فرنسيسكو من اللقاء بمنظمة (نادي كومنولث) حيث خاطب ما يربو على
مائتين وخمسين شخصاً بمقر النادي ونقل حديثه هذا عبر موجات الأثير إلى كل
أنحاء مدينة سان فرنسيسكو وضواحيها وعكست صداه أكثر من مائتين وتسع
وسبعين محطة إذاعية في الولايات المتحد ة [١] .
وأخيراً كلل هذا النشاط بلقاء أتلانتا [٢] التمهيدي بولاية جورجيا بين وفد
الجبهة الشعبية برئاسة الأمين محمد سعيد، والوفد الإثيوبي برئاسة (أشاقري) والذي تمخض عنه لقاء نيروبي [٣] وهو اللقاء الذي تم فيه الاتفاق على اختيار
نيريري رئيس تنزانيا السابق نائباً للرئيس الأمريكي جيمي كارتر في الإشراف على
سير المفاوضات.
ولكن السؤال الجدير بالطرح هنا: لماذا كانت الجبهة الشعبية هي الفصيل
الذي وقع عليه اختيار الإدارة الأمريكية دون غيره؟ .
فيما أحسب ليس لدي كثير من الإرتريين والمهتمين بأوضاع الساحة الإرترية
جواب أكثر من أن يقال: إن الثقل العسكري الذي تمثله الجبهة الشعبية في الساحة
الإرترية أهّلها لأن تتبوأ مكانها المناسب في قضية السلام الأمريكى، وهذه الرؤية
وإن كانت تمثل جزءاً من الحقيقة فإنها ليست كل الحقيقة، وحتى هذه الجزئية منها
ما كان لها أن تكون إلا بعد أن رأت القوى الصليبية العالمية أن تجعل من الجبهة
الشعبية الفصيل الذي لا منافس له، وذلك بالدعم الإعلامي والعسكري الذي أغرقت
به ساحة التنظيم [٤] ، وحين انفرد لها بالساحة وخلا بها وحيداً أتته مهرولة تتكئ
عليه في تنفيذ مخططها الرامي إلى بسط الهيمنة الصليبية في البحر الأحمر، فهي
تدرك تماماً أهمية موقع إرتريا الذي يطل على قاعدة عريضة من البحر الأحمر،
ومن ثم رأت ضرورة إيجاد حليف لها يؤمن مصالحها ويتحرك وفق وحيها لا سيما
وأن المنطقة تشهد تمدداً إسلامياً، وحيث إن الهيمنة الإسلامية على إرتريا تؤكد
هوية البحر الأحمر وانتماءه الإسلامي فإن القوى الصليبية ممثلة في الولايات
المتحدة وحلفائها لن تتوانى في إقصائه عن السيطرة الإسلامية.
ولهذا كانت الجبهة الشعبية الإرترية هي اليد التي ارتضت (السي آي إيه)
مصافحتها والعمل على وضع القضية الإرترية بين فكيها، فمنذ وقت مبكر كانت
وكالة الاستخبارات الأمريكية قد زرعت رجالها في قلب الثورة الإرترية عبر
قاعدتها (قانيو ستيشن) [٥] في أسمرا، وظلت تتفقد النبتة بالسقاية والحماية حتى
أينع ثمرها، وحان وقت قطافها.
وهكذا انتقلت قضية شعب مسلم إلى إدارة صليبية تتدحرج بين أقدام الثالوث
الصليبي إسياس أفورقي، وكارتر، ونيريري الذي سجل أبشع تاريخ في التنكيل
بالمسلمين العرب في زنجبار.
وكانت أمريكا على يقين من الوصول إلى هذه النتيجة وجني هذه الثمار من
خلال مراقبتها للصراعات الدائرة في القرن الأفريقي، فما انزعجت أصلاً من
التدخل الروسي في القرن الأفريقي لأنها أيقنت بأن الاتحاد السوفياتي سوف يجد
نفسه غارقاً في مشاكل لا طاقة له بها وأنه سيفشل وسيفقد موقعه في إثيوبيا كما فقده
من قبل في مصر والسودان والصومال.
ومن هنا ظلت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس كارتر تحافظ على علاقتها
بإثيوبيا وتمد نظام (الدرق) بمساعدات عسكرية حتى عام ١٩٧٧ وحتى إلى ما بعد
٧٧ بقيت العلاقات الاقتصادية بين إثيوبيا والولايات المتحدة قائمة.
وكان من حرص الإدارة الأمريكية على مصالحها في المنطقة، أن أسندت إلى
كارتر مسئولية تأكيد السيطرة الصليبية على البحر الأحمر، ومن هنا رغم إدراكها
بقصور الجبهة الشعبية وعجزها عن تمثيل الشعب الإرتري كله لما تعانيه من عزلة
جماهيرية وقع اختيارها عليها، ومحال أن يكون هذا الاختيار وليد الصدفة ومحض
العفوية بل كان لأمر قد قدر في دهاليز الاستخبارات الأمريكية، وسوف تنجاب عنا
كل غشاوة من شأنها أن تحول دون هذه الرؤية الصحيحة السليمة إذا ما استحضرنا
بيان الخارجية الأمريكية الذي صدر في ١١ حزيران يونيو ١٩٧٧ والذي قال فيه
كارتر نفسه: (إني ميال إلى أن أتحدى بقوة وبطريقة سلمية الاتحاد السوفياتي وآخرين من أجل النفوذ في مناطق العالم التي نشعر أنها أساسية بالنسبة لنا الآن أو أنها قد تصبح كذلك خلال خمسة عشر سنة أو عشرين سنة من الآن) .
إن هذا التحدي كفيل بأن يفسر لنا الغاية التي يهدف إليها تحرك كارتر وإنه
ليس قائماً في وجه السوفيات فحسب، وإنما يتخطاهم إلى غيرهم. ومن ثم إن
عبارة (وآخرين) هي جماع كل قوة تسول لها نفسها مزاحمة الأمريكان في مناطق
النفوذ التي قد تصبح ولو بعد عشرين سنة هامة بالنسبة للأمريكان.
واقتضت الخطة الأمريكية حالياً قص أجنحة التنظيمات الأخرى وتقليم
أظافرها فأغرت حليفها بتصفية كل القوى الإرترية المنافسة والتي تحاول الاقتراب
من الساحة فكان لها ما رأت وأرادت [٦] ...
بقي أن ندرك حقيقة أخرى من وهي: إذا كانت الجبهة الشعبية هي الفصيل
الجدير باقتفاء أثر كارتر والسير على خطاه، فإن التنظيمات الأخرى جديرة أيضاً
بأن تلعب الولايات المتحدة الآن على حبالها حسب الحاجة، كما أن إثيوبيا ذاتها
رسم لها أن تستغل نفور الشعب ومعارضته للجبهة الشعبية بإيجاد شرائح من
صنائعها فاستطاعت أن توجد عدداً من رجال الطرب واللهو وطائشي الرأي أطلقت
عليهم ممثلي المنخفضات [٧] واستدعت نفراً إلى كينيا لتراهن بهم على أطروحتها
وتوقع الجبهة الشعبية في مأزق حرج.
وأياً كانت الأسباب التي دفعت هذه العناصر إلى الارتماء في أحضان
المخابرات الإثيوبية فإن الأطروحات التي يتبنونها لا تمثل إلا سطراً على حقائق
التاريخ، فما كانت إرتريا يوماً من الأيام جزءاً لا يتجزأ من إثيوبيا، ولم تكن
الثورة الإرترية وليدة اضطهاد وقع وزال كما يحلو لهؤلاء الاستسلاميين أن يروجوا.
إن بروز هذه الفئة تزامن مع ظهور حركة الجهاد الإسلامي الإرترية وهذا
يوحي إلى أنه يمكن أن يستخدموا كأداة للشعب تكفه عن الالتحاق بالحركة، وذلك
أن غياب الفكر الإسلامي عن الثورة الإرترية في فجر نشوئها إذا كان من أهم
العوامل الأساسية في تحويل مسارها والتلاعب بها تارة من قوى اليسار، وأخرى
من قوى اليمين فإن وجوده الآن ممثلاً في حركة الجهاد الإسلامي الإرترية يجعل من
الصعوبة بمكان استقطاب العنصر المسلم الثائر الواعي لإسلامه والتلاعب بعواطفه. ولا يتأتى هذا في نظرهم إلا حين توضع أمامه هذه الدمى المعممة والتي تحرك
وفق الإرادة الإثيوبية وحلفائها اليهود.
والخلاصة إن منطقة القرن الأفريقي مقبلة على أمر يتعارض مع هويتها
الإسلامية، وإن عودة الولايات المتحدة إلى القضية الإرترية لا يرمي إلا إلى
تطويق الصحوة الإسلامية وإخماد جذوتها المتقدة - لا قدر الله -عبر تمكين عناصر
صليبية إرترية من التحكم بزمام القضية، وكذلك العمل على امتصاص الشعور
الإسلامي المتنامي في أوساط الارتريين بدفع بقية التنظيمات العلمانية التي يتربع
على عرشها أناس لا يحملون من الإسلام إلا اسمه إلى مائدة التفاوض مع إثيوبيا.
стр. 551
قتل الشيخ عبد الله عزام ...
خطوة نحو أفغنة الجهاد الأفغاني
أحمد زيدان
فقد الجهاد الأفغاني يوم ٢٤/١١/١٩٨٩ أحد أشد مناصريه المسلمين وهو
الشيخ الدكتور عبد الله عزام الذي لقي ربه إثر انفجار لغم في مدينة بيشاور
الباكستانية وهو متجه مع اثنين من أولاده إلى مسجد (سبع الليل) الذي اعتاد الشيخ
﵀ أن يصلي فيه، وعند تقاطع الشارع الرئيسي مع الزقاق المتجه إلى
المسجد انفجرت عبوة ناسفة قدرها خبراء المتفجرات ب ٢٠ كلغ من مادة ال ت.
ن. ت شديدة الانفجار، الأمر الذي أدى لانشطار السيارة ثلاثة أقسام.
الشيخ عبد الله عزام أمير مكتب خدمات المجاهدين الذي يعتبر أكبر وكالة
إسلامية تدعم المجاهدين والمهاجرين الأفغان أسس خمسة مستشفيات في داخل
أفغانستان وعدداً من المستشفيات في باكستان لخدمة المهاجرين والمجروحين الذين
أخلوا من الجبهات إلى باكستان، كما أقام عدداً من المدارس داخل أفغانستان وفي
باكستان للمهاجرين.
الجهات المتورطة بالاغتيال:
لا شك أن هناك مؤامرة عالمية حاك خيوطها أطراف وجهات متعددة للقضاء
على أحد رموز هذا الجهاد. والذي أعتقده في هذا الحدث بأن هناك مخططين
وهناك منفذين، ويمكن أن نعد من الجهات المتورطة أو المستفيدة من الحدث:
١ - القوى الكبرى (أمريكا، وروسيا) .
٢ - نظام كابل وشيوعو باكستان.
٣ - دولة باكستان.
٤ - الشيعة.
سنحاول في هذا المقال أن نذكر الأدلة والقرائن على كل طرف من هذه
الأطراف.
١ - القوى الكبرى (روسيا - وأمريكا) :
يقول المتابعون لأحداث هذا الجهاد بأن سياسة الانفراج الدولي التي يتجه إليها
العملاقان تنافي السماح لأي تجمع إسلامي بالجهاد والإعداد له، ولا شك أن الشباب
العربي الذين تجمعوا حول الجهاد الأفغاني ليس شيئاً قليلاً، ونحن هنا لا نكشف
سراً-مما يقلق هذه الدول ويهدد مصالحها في مناطق نفوذها من العالم.
ومن العجيب أن تشهد باكستان زيارة نائب رئيس الاستخبارات الأمريكية قبل
أيام من عملية الاغتيال حيث إن مثل هذه الشخصيات قلما تزور باكستان وكان آخر
زيارة لمسئول استخباراتي أمريكي هو (وليم كاسي) رئيس الاستخبارات الأمريكية
أيام الرئيس ضياء الحق.
وقد حرص القنصل الأمريكي في بيشاور قبل شهر من الاغتيال الالتقاء
بالشيخ عبد الله ﵀ إلا أن الأخير رفض اللقاء.
كما يدرك ويعرف من له أدنى اهتمام بالقضية الأفغانية أن الشباب العرب في
ساحة الجهاد وعلى رأسهم الشيخ عبد الله عزام يعتبرون عقبة كبيرة في وجه الحلول
التصفوية والسلمية المجحفة بحق المجاهدين الأفغان، إضافة إلى أن الشيخ عبد الله
لعب دوراً محورياً في التوفيق بين قادة الجهاد الأفغاني، أو على الأقل تقريب
وجهات النظر بين الأطراف المتعارضة، يقول الأستاذ برهان الدين رباني: (وقد
قضى الشيخ عبد الله ليلة الجمعة أي ليلة الاغتيال كل يومه في محاولة الاصلاح
بيني وبين حكمتيار حتى طرق علي الباب في الساعة الثانية عشرة ليلاً يطالبني
بالتوقيع على وثيقة الصلح ووقعت وقال لي: إن موعدنا في إسلام آباد غداً) وكان
الشيخ عبد الله ﵀ سيغادر بيشاور إلى إسلام آباد بعد أدائه صلاة الجمعة في
مسجد العرب.
٢-نظام كابل وشيوعيو باكستان:
يستبعد المهتمون بالأحداث مقدرة نظام كابل على تنفيذ مثل هذه المحاولة حيث
إنه مشغول في كابل، ولا يستطيع تنفيذ مثل هذه المحاولة في وضح النهار في
شارع مزدحم من بيشاور، خاصة وأن ترتيبات العملية تحتاج لأربعة أيام على
الأقل.
وقد علق حكمتيار أمير الحزب الإسلامي على تورط نظام كابل بالعملية: (لا
يمكن لهذا النظام الذي يعاني الأمَرّين في داخل كابل أن يقدر على تنفيذ مثل هذا
المخطط) ويستبعد أيضاً أن يقدر الشيوعيون في باكستان تنفيذ مثل هذا المخطط،
إذ أنهم لم يسبق لهم أن فجروا أو قتلوا أو اغتالوا في مثل هذا المكان المكشوف أمام
الجميع. وأما المجاهدون الأفغان فيستبعدون تورط الشيوعيين في ذلك ويرجحون
جهات أخرى سيأتي الحديث عنها.
٣ - باكستان:
يتفق الأغلبية إن لم نقل الجميع على تورط باكستان في العملية إذ أنه لا يعقل
أن يعمل هذه العملية أشخاص وتستغرق منهم أربعة أيام كترتيب للاغتيال وفي
شارع مزدحم دون معرفة واطلاع المخابرات الباكستانية أو البوليس الباكستاني،
الذي اعتاد أن يجوب الشارع في كل اليوم. حتى أنهم بدءوا يضعون جنود على
فتحة الزقاق المتجه للمسجد بعد المحاولة الأولى وهي زرع متفجرة تزن ٢ كغ تحت
منبر الشيخ عبد الله وكانت مؤقتة أن تنفجر أثناء خطبة الشيخ ولكن الله سلم حيث
إنها ستقتل وتجرح كثيراً من المصلين العرب الذي اعتادوا أن يؤموا المسجد.
الشيخ قاضي حسين أحمد زعيم الجماعة الإسلامية في باكستان اتهم الحكومة
بالتورط في الاغتيال وهدد إذا لم تكشف الحكومة عن الجهة المنفذة فتقوم الجماعة
الإسلامية بتسيير المظاهرات، ولكن لم يحصل شيء من هذا حتى الآن.
٤-الشيعة:
الأكثرية من المراقبين يشيرون إلى تورط الشيعة في الاغتيال، ففي يوم
محاولة اغتيال الشيخ الأولى في مسجد سبع الليل قام الشيعة في بيشاور بتوزيع
بيانات وباللغة العربية الركيكة عن الوهابية وشتمها وأن هؤلاء العرب الذين قدموا
لمساندة الجهاد الأفغاني وهابيون.
أحد الشباب قال لي بأنه التقى مع الشيخ عبد الله ﵀ قبل اغتياله بأيام
ونصحه باتخاذ احتياطات أمنية، فرد عليه الشيخ بأنه يتوقع أن يقوم الشيعة بمثل
هذه المحاولات.
ومنذ أربع سنين حدثني أحد الشباب العرب المساندين للجهاد الأفغاني بأنه
اعتقل في إيران لعلاقاته مع الأحزاب السنية هناك ودعمه لها فالتقى به رفسنجاني
رئيس الدولة حالياً وطلب منه إملاء وتعبئة ملف كامل عن نشاطات الشيخ عبد الله
عزام ودوره في الجهاد الأفغاني، لكن الأخ رفض وبقي في السجن فترة طويلة إلى
أن تدخل بعض قادة الجهاد وأفرجوا عنه.
الأستاذ نور الله عماد نائب أمير الجمعية الإسلامية قال في حفل تأبيني للشيخ
بأنه عندما كان في رحلة إلى دولة حدودية ليحضر مؤتمراً دولياً عن القضية
الأفغانية، كان المسئولون هناك مهتمين جداً بمعرفة أدق التفاصيل عن الشيخ
ويسألون عنه وعن نشاطاته فأدركت منذ ذلك الوقت بالمؤامرة، واتصلت بالإخوة
في باكستان ليحذروا الشيخ من ذلك، وينصحوه بأن يأخذ احتياطاته.
أحد مسئولي (الحزب الإسلامي - حكمتيار) ذكر من جملة الأطراف المتورطة
في اغتيال الشيخ الشيعة ودلل على ذلك بقوله: (إن الشيخ عبد الله في نشاطاته
بداخل أفغانستان ودعمه لتجمعات السنة أحبط محاولات الشيعة في استغلال الوضع
ورأوه عقبة كئود في تمرير مخططاتهم) .
الاغتيال حلقة في التخلص من مؤيدي الجهاد:
الجميع يتفق على أن الاغتيال ما هو إلا حلقة متصلة في القضاء على
مناصري هذا الجهاد من العالم الإسلامي، وقد بدأ المخطط منذ حادثة طائرة ضياء
الحق.
وقد لاحظنا في السنوات الأخيرة استهداف زعماء أهل السنة، وتحولت آلة
الاغتيال من تصفية القادة السياسيين إلى القضاء على علماء أهل السنة فهل يفكر
المعنيون بحماية لهم أو ترتيب إجراءات أمنية لهم.
ولا شك أن مستقبل الوجود العربي في القضية الأفغانية يكتنفه الكثير من
الغموض حيث أشار الأستاذ سياف إلى توقع سلسلة انفجارات واغتيالات للشباب
العربي لإجبارهم على الرحيل.
المهندس حكمتيار طالب العرب بالبقاء وألا يتركوا الأفغان في منتصف
الطريق. أما البروفيسور رباني فذهب بعيداً إلى دروس التاريخ خاصة في حوادث
المسلمين في آسيا الوسطى عندما حولوها قومية وحصروها وعندما صفي المسلمون
هناك لم يأبه لهم أحد أو يكترث بهم، وكذلك فقد تعرضت القضية الفلسطينية لأعظم
خطر عندما تحولت من إسلامية إلى قومية، وهانحن أيها الإخوة (يخاطب العرب
الحضور) في هذه اللحظات الحاسمة نقول لكم إن أرضنا أرضكم وأخوتنا ما تزال
وستستمر إن شاء الله ونحن كما قال تعالى: [إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ
فَاعْبُدُونِ] .
تفريغ الساحة من العرب لمصلحة مَنْ؟
الخيوط جميعها تشير إلى أن أطرافاً متعددة تنوي تفريغ الساحة من العرب
ونشير هنا إلى عدة أمور سترافق هذا التفريغ لو حدث - لا سمح الله-
١ - استفراد المنظمات الصليبية الطوعية والحكومية بإعمار أفغانستان
والتعامل مع المجاهدين الأفغان وبالتالي لا يستبعد أن يرضخ المجاهدون لبعض
سياسات هذه المنظمات، حيث إن المنظمات الإسلامية تلعب دوراً رائداً في الحفاظ
على إسلامية الأفغان بل والترقي بها ورفع مستواهم.
وإن حدث هذا - لا سمح الله - فسيواجه الأفغان أنفسهم وحدهم بالساحة،
ويشعرون بأن إخوانهم المسلمين تركوهم في منتصف الطريق ولا يستبعد قبولهم
بالحلول الجزئية والترقيعية، إضافة إلى أن الصليبيين سيكون لهم موطئ قدم في
هذه الديار، وكذلك فإن بعض الشباب العربي المضطهد في بلاده وجد باكستان ملاذاً
وملجأ له. وبهذا يبقون الشباب في حالة من التهجير والشتات.
٢ -إن تفريغ الساحة من العرب سيعمل على إضعاف هذا الجهاد، حيث إن
الشباب العرب كان لهم دور فعال في هذا الجهاد ومافتئت إذاعة كابل تشير إلى
خطر تواجد العرب في أفغانستان، وهذا يدركه كل من عايش القضية الأفغانية،
وبالتالي سيشعر الشعب الأفغاني بأنه وحيد في الساحة.
٣ -لقد خشي أعداء هذا الجهاد من وحدة المسلمين التي تجسدت في هذا
الجهاد واختلط الدم العربي والأفغاني، وشارك المسلمون من شتى الجنسيات في هذا
الجهاد، وهذا يعطل أكبر برنامج ومخطط تسير عليه الدول الكبرى في وحدة الأمة
الإسلامية، ولا يروق لها أن ترى المسلمين أمة واحدة، وقد أشار إلى هذا المفهوم
المهندس حكمتيار - حفظه الله-.
وأخيراً:
فهذه هي نتيجة من يسير على هذا الدرب، ونسأله أن يتغمد
الشيخ عبد الله عزام بواسع رحمته وأن ينزله منازل الشهداء والصالحين، كما نسأله
ألا يحرمنا أجره وألا يفتنا بعده وأن يغفر لنا وله ويصبر أهله وذويه وأصدقاءه
وأتباعه إنه قريب مجيب والحمد لله رب العالمين.
стр. 552
واقع المسلمين في بريطانيا
-التحرير-
هذا هو تتمة المقال المترجم الذي بدأناه في العدد السابق عن المسلمين في
أوربا، ويتحدث كاتبه هنا عن المسلمين في بريطانيا، ننقله دون تعليق لأن فيه
الكثير من الواقع والإنصاف.
قسم الترجمة
منذ أن قام متظاهرون ساخطون بإحراق نسخة من كتاب سلمان رشدي في
مدينة برادفود في شمال إنكلترا ومسلمو بريطانيا يتعرضون لمراقبة وفحص دقيق لا
نهاية لها من قبل أجهزة الإعلام.
لقد فجرت قضية رشدي حرباً كلامية مرة بين الذين يسعون إلى منع الكتاب
ومحاكمة مؤلفه بتهمة الإساءة للإسلام؛ وبين أنصار حرية التعبير، لقد توعد
المسلمون كلاً من رشدي وشركة (بنغوين) التي قامت بنشر كتابه بالانتقام بأساليب
مختلفة مما أدى إلى إحداث عاصفة من ردود فعل غاضبة، فقد دعا جمع من الكتاب
والمعلقين الشرطة إلى محاكمة أولئك المسئولين عن التحريض على قتل رشدي،
كما حذر آخرون من خطورة بروز تيار أصولي إسلامي في بريطانيا.
ومن الجدير بالملاحظة أن هذا الجدل الحاد حول حرية التعبير ونشوء
الأصولية قد غطى حقيقة أخرى تدعو للقلق وهي تصدع العلاقة المتزايد بين
البريطانيين البيض وبين مسلمي بريطانيا الذين يقدر عددهم بـ (١. ٤) مليون
ذوي الأصول الآسيوية، ومما يلاحظ أن المسلمين الذين تظاهروا في كل من
برادفورد ولندن كانوا يحملون لافتات متطابقة تقول: الجحيم لحزب المحافظين،
الجحيم لحزب العمال، وفي الحقيقة فإن كثيراً من المسلمين يشعرون بأنه ليس
هناك حزب سياسي في بريطانيا يتبنى قضاياهم.
إن غضب مسلمي بريطانيا الذي أججته مؤخراً قضية كتاب رشدي له جذوره
التي ترجع إلى أعوام الطفرة الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، في
عقدي الخمسينيات والستينيات، فطبقاً للإحصائيات البريطانية فإن ما يقرب من
(٦٢٩) ألف مهاجر من الهند، وباكستان وبنغلاديش قدموا إلى بريطانيا خلال هذين
العقدين للعمل في مصانع الفولاذ والنسيج والملابس البريطانية مقابل أجور لا يقبل
بها العمال الإنكليز عادة.
وكما هو حال كثير من المهاجرين في أنحاء العالم، فإن خطة مهاجري
بريطانيا كانت العمل وادخار ما أمكن من المال ثم العودة إلى البلاد، إلا أنهم
سرعان ما اكتشفوا أن المعيشة في بريطانيا باهظة التكاليف، وأن الحصول على
مسكن أمر صعب، وأن موجة التمييز العنصري المناهضة للآسيويين واسعة
الانتشار، وكان هؤلاء المهاجرون يرسلون ما يفيض عن حاجتهم من أموال إلى
عوائلهم في بلادهم إلا أنه بدا للكثير منهم عدم العودة إلى أوطانهم، لذلك قرروا
استقدام عائلاتهم إلى بريطانيا منفقين على ذلك أموالهم المدخرة، ولم تكن مؤسسات
الضمان الاجتماعي في بريطانيا قادرة - أو في تعبير أصح راغبة - في التعاون
مع الوافدين الجدد.
وفي البيئة الجديدة شرع الأطفال الآسيويون الذين لا يتكلمون الإنكليزية ألبتة
بالذهاب إلى المدارس في المدن المختلفة ليتعاملون مع من لا يعرف شيئاً عن لغتهم
أو ثقافتهم، ويرفض الأطفال الذين ترعرعوا في محيط إسلامي تناول الوجبات
الغذائية المقدمة من قبل إدارة المدرسة خوفاً من احتوائها على ما قد يحرمه الإسلام، كما أن بعضاً منهم كان عرضة للسخرية والإهانة والتعالي عليه من قبل الطلاب
البيض.
وعندما رد أهالي الأطفال على هذه السلوكيات بإبقاء أطفالهم في البيوت بعيداً
عن المدرسة، هددت السلطات المحلية بمحاكمتهم.. ففي مدينة برادفورد مثلاً،
والتي تضم أعلى نسبة من السكان الآسيويين في بريطانيا، أمضى المسلمون خمسة
عشر عاماً من المحاولات المستمرة قبل أن يتمكنوا من الحصول على موافقة يزود
بموجبها أطفالهم بوجبات غذائية تتفق مع تعاليم دينهم.
لقد مرت الجهود التي بذلها المسلمون لإرساء كيانهم في أجواء قاسية من
التمييز العنصري. ففي نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات وهي الفترة التي بدأت
فيها المتاعب تواجه مصانع النسيج، ارتفعت معدلات البطالة وارتفعت معها
موجات الاستياء، وارتفعت في تلك السنوات وبشكل منتظم حوادث الاعتداء
العنصرية ضد المسلمين. وفي تقرير لوزارة الداخلية صدر عام ١٩٨١ م تبين أن
الآسيويين أكثر عرضة للاعتداءات العنصرية بنسبة ٥٠ %.
لقد جاهر مسئولون في الحكومة البريطانية بالشكوى من حوادث الاعتداء
العنصري، فقد عبر تقرير وزارة الداخلية لعام ١٩٨٩م عن القلق حيال ما سيتحمله
المجتمع من ثمن باهظ على المدى الطويل إذا ما سمح لتيار النزعة العنصرية
الخفي بالتشجيع والانفلات، وعلى الرغم من هذه الاحتجاجات فإن عدداً من أعضاء
حزب المعارضة يزعمون أن حكومة المحافظين مصدر للتمييز العنصري المنظم
وليس علاجاً له.
وبغض النظر عمن هو المسئول، فإن إحدى آثار التمييز العنصري على
المدى الطويل قد تكون نمو الروح النضالية لدى مسلمي بريطانيا، ففي موسم
الصيف الماضى اتخذت المظاهرات التي نظمها المسلمون في مدينة برادفورد طابعاً
عنصرياً مقلقاً، حيث أخذت مجموعات من الشباب الآسيويين بتحطيم الواجهات
الزجاجية للمحال التجارية والسيارات وهددوا المارة. ومنذ ذلك الوقت والاشتباكات
المتفرقة في الشوارع آخذة في الحدوث في بعض المدن.
ويعلق رئيس مجلس المساجد في مدينة برادفورد على هذه الأحداث في مقابلة
أجريت معه مؤخراً فيقول: (إن هذا ليس من الأصولية في شيء، إن الكثير من
أولادنا هم مواليد هذه البلاد، وهم بذلك من حملة الجواز البريطاني إلا أنه ليس في
استطاعتهم الحصول على عمل، كما أنهم لا يلقون معاملة منصفة) .
إن المسلمين البريطانيين يعانون من إحباط على نطاق واسع، وإن هذا
الشعور بالإحباط له أسبابه القوية. تشير حسابات دائرة التوظيف إلى أن نسبة
العاطلين عن العمل بين الشباب (١٦-٢٤ سنة) المنحدرين من أصل باكستاني
وبنغالي تصل إلى ٣٧%، وهي تعتبر أعلى نسبة بالمقارنة مع أي طائفة عرقية
أخرى في بريطانيا.
ويقوم المسلمون في بريطانيا بحملة تهدف إلى إقناع الحكومة بسن قوانين
هجرة أكثر إنصافاً، وإلى توفير فرص عمل متكافئة، كما يطالبون بتخصيص
حصص دينية إسلامية خاصة في المدارس، وإلى الاعتراف بقوانين الشريعة
الإسلامية في الزواج والميراث وإلحاقها بقانون الدولة، وفي الحقيقة لقد بذل
المسلمون في هذا المضمار جهوداً كبيرة لعدة سنوات، إلا أن الحكومة لم تلق لهم
بالاً، حتى جاء رد الجالية المسلمة على كتاب رشدي عنيفاً جداً، وقد تكون هذه
المسألة على ما تثيره من قلق، حافزاً لتحول اجتماعي أكثر عمقاً، يكون الإسلام
هو نقطة ارتكازه..
يقول الدكتور (شابير أختر) وهو من المتخصصين في حقل تاريخ الأديان،
وكان قد حاز على تجربة في هذا المضمار من جامعة ألبيرتا في كندا ويقيم حالياً في
برادفورد: (إن جوهر القضية هو أن الشباب الآسيويين وجدوا فجأة من يقتدون به
في صفوف المسلمين الملتزمين، ففيما مضى كان الاجتماعيون العلمانيون وزعماء
التحرر هم الذين يتكلمون باسم الجالية الباكستانية، أما الآن فإن ذلك قد تغير كلية،
فدعاة التحرر يريدون أن يجعلوا من قضية العرق وقضية المرأة والرجل عناصر
بديلة عن الدين - في عملية سن القوانين) .
لقد افتقد مسلمو بريطانيا في الماضي أي شكل من أشكال المنظمات الوطنية
أو الدينية، كالكنيسة الأنكليكانية أو الكاثوليكية، أو العقيدة اليهودية، أما الآن فإن
المجالس الإسلامية آخذة بالتكون على الصعيدين الإقليمي والوطني، وهذه المجالس
هي المسئولة عن تنظيم المظاهرات الكبرى التي تطوف شوارع المدن البريطانية،
كما أصبح عدد من قادة المسلمين يتمتعون بمكانة على الصعيد الوطني، ولربما
تحولت جهود هؤلاء القادة فجأة إلى حركة واسعة النطاق.
مجلة الجمعية الجغرافية البريطانية، كانون أول / ١٩٨٩ م
стр. 553
خبر ... وتعليق
-التحرير-
١ - بمناسبة خروج الزعيم الأفريقي (نلسون مانديلا) من سجنه في دولة
جنوب أفريقيا. سألت صحيفة (الشرق الأوسط) الكاتب فهمي هويدي عن رأيه فقال: ...
(المسلمون هم أولى الناس فرحة بإطلاق سراح مناضل أفريقي كبير مثل مانديلا، وبكل خطوة تتخذ على صعيد تحقيق المساواة بين بني الإنسان) .
تعليق:
لا شك أن المسلم يكره التمييز العنصري، ويحارب ما تمارسه دولة جنوب
أفريقيا وأمثالها ويفرح لأي انتصار للحرية على الظلم، ولكن السؤال الموجه إلى
الأستاذ هويدي: لماذا لم نر لك فرحاً بمجاهدة الأفغان للطغيان الشيوعي، ولماذا لا
تكتب عن المجاهد عبد الله عزام أو الأبطال الذين جاهدوا الظلم والطغيان ولا يزال
كثير منهم في السجون حتى الآن؟ ! .
***
٢ - تدفق اليهود السوفييت على إسرائيل وباتفاق ومباركة من روسيا وأمريكا، وشعرت إسرائيل بالقوة وأنها بحاجة إلى الأرض لتوطين هذا العدد الكبير من
اليهود. وكان رد فعل الجانب العربي هو (تصاعد الانتقادات والاحتجاجات) ! ! .
وعقد ياسر عرفات اجتماعاً مع نائب وزير خارجية روسيا و (أبدى الجانب
السوفييتي تفهمه) وفي نيويورك قال مندوب الجامعة العربية: إن الدول العربية
تنظر بقلق شديد إلى موضوع الهجرة، وأن العرب في الأمم المتحدة سيشكلون لجنة
لمواجهة هذا الأمر! !
تعليق:
رجعت حليمة لعادتها القديمة، ورجعت مهازل الاحتجاجات والشكوى وتشكيل
اللجان، ورجعت الكلمات السمجة المزرية (ننظر بقلق) . ومن يهن يسهل الهوان
عليه.
стр. 554
واحة البيان
مرض الروح
-التحرير-
قيل للشعبي: تمرض الروح؟ قال: نعم من ظل الثقلاء، قال بعض أصحابه: فمررت به يوماً بين ثقيلين، فقلت كيف الروح؟ قال: في النزع.
وقيل للأعمش: مم عمشت عيناك؟ قال: من النظر إلى الثقلاء.
العمل
اغلب عدوك بالعمل
لا بالكلام المرتجل
فالفعل يبني أمة
أما الكلام فيبتذل
محمد الأزهري
تغذية
أكدت دراسة طبية أمريكية أن استهلاك زيت الزيتون الذي يعتبر من
أساسيات التغذية في حوض البحر المتوسط يخفض من نسبة الكولسترول والسكر
في الدم.
حِكَم وطرائف
- ما دام الإنسان يجلس فلا يعرف إن كان أعرج أم لا.
- ما دام الإنسان ينام فلا يعرف إن كان أعور أم لا.
- ما دام الإنسان يصمت فلا يعرف إن كان كاذباً أو صادقًا.
قرأت أخيراً
- مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا.
- العثمانيون في التاريخ والحضارة للدكتور محمد حرب.
- برنامج عملي للمتفقهين للدكتور عبد العزيز القارئ.
- حوار هادئ مع الشيخ الغزالي.
стр. 555
الصفحة الأخيرة
ظلم ذوي القربى
عبد القادر حامد
أحد القراء من اليونان أرسل إلينا يشكو من محاربة بعض الإخوة المسلمين
لمجلتنا (البيان) ويستغرب ذلك ويظهر ألمه وأسفه، وجواباً على ذلك نقول للأخ
الكريم:
الاستغراب معقول ومفهوم، ولكن الألم والأسف لا ينبغي أن يتطرق إلى
النفس من هذا العمل. فنحن نعلم أنه منذ ظهور العدد الأول من مجلة (البيان) لم
يرق ذلك لبعض الذين يدعون تمثيل العمل الإسلامي، وأنهم ناصبوها العداء،
وتجنبوها بالتجاهل والتحذير الهامس، ولم يسمحوا لها أن تعرض في واجهات
مكتباتهم ونواديهم، مع أن هذه الواجهات لا تخلو من عرض الصحف والمجلات
التي لا نقول إنها لا تمثل الفكر الإسلامي، بل إن منها ما تخصص في تنقص
المسلمين وحرب قضاياهم، وتكبير خلافاتهم، والتحامل عليهم. وإن الإنسان
ليدركه العجب، وتعروه الدهشة من كيل المدائح التي تكال لكثير من أعداء الإسلام
المكشوفين من قبل أناس يتواصوا فيما بينهم من التحذير من مجلة البيان ومقاطعتها.
ولكن كل ذلك لا يجوز بحال أن يثنينا عن مهمتنا التي نصبنا أنفسنا من أجلها، فإن الحق أبلج، و (الشمس لا تغطى بغربال) ، وإننا نضع مثل هذه الأساليب في
حرب منبر من منابر الدعوة في نصابه الصحيح، فلا نقول مثلاً إن هذا تآمر من
أعداء الإسلام علينا، ولا أن الذين يحاربوننا بمقاطعة مجلتنا مندسون لتخريب
العمل الإسلامي، بل نقول: إن الذي يدفع إلى هذه الأعمال ضيق في الأفق،
وعصبية حزبية، وحسد مبعثه الكبر وغمط الناس من قبل إخوة كان من المتوقع أن
يكونوا عوناً على كل كلمة صادقة وجهد جاد.
هذا مع أننا لا نستنكف عن عرض أي مطبوعة إسلامية تتبنى قضايا الإسلام
والمسلمين ضمن إطار أهل السنة والجماعة، وليس عندنا عقد تجاه أي مجلة
صدرت أو ستصدر، وحالنا مع هؤلاء كقول الشاعر:
وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس كبير القوم من يحمل الحقدا
стр. 556
رمضان - ١٤١٠هـ
أبريل - ١٩٩٠م
(السنة: ٤)
стр. 557
الافتتاحية
بل ظاهرة أصيلة عامة
-التحرير-
من الأفكار التي يحاول أعداء الإسلام إشاعتها بالإلحاح بتردادها أن عودة
المسلمين إلى التمسك بدينهم ووضعه في الاعتبار ليست ظاهرة أصيلة عامة، وإنما
هي ظاهرة جزئية يقوم بها شباب يائس يعيش تحت ضغط ظروف اجتماعية
واقتصادية صعبة، وأغلقت في وجهه كل الأبواب، فلجأ إلى الإسلام كنوع من
الهروب من مشاكله، وصنع لنفسه جواً يشعر فيه بالأمان والاطمئنان!
وقد جعلوا من عودة الشباب المسلم إلى الاعتزاز بعقيدته وإحلالها المحل
الأول من حياته نوعاً من أحلام اليقظة التي لا تعدو - عند الإغراق فيها - أن
تكون مرضاً نفسياً يحتاج إلى علاج! ! .
وهذه النظرة القاصرة المغرضة نابعة ابتداء إما من التحامل على الإسلام كدين، ... والكراهية العميقة له؟ وإما من الآثار الفكرية للمبشرين والمتربين في معاهدهم
ودهاليزهم. أي أنها تعود إلى سببين رئيسيين:
أ- كره للأديان عموماً والإسلام خصوصاً.
ب- جهل عميق بالإسلام؛ كيف ينتشر وكيف ينحسر.
إن هذه التحليلات المغرضة التي تمتلئ بها الصحف والمجلات أجنبية وعربية
عن أسباب رجوع الإنسان إلى عقيدته تبدو مضحكة في كثير من الأحيان
كما تبدو سمجة وثقيلة، وما أشبهها بكلام كثير من المستشرقين عن الإسلام
وأحكامه، وعن شخصية الرسول محمد ﷺ ، بل إن هذه
التحليلات امتداد لذلك الفكر الذي أرساه المستشرقون، وعمل على ترسيخه أولياؤهم
في عالمنا الإسلامي.
ونحن نقول: إنه على الرغم من غثاثة هذا الفكر وسطحيته فإنه يجد من
يسمعه ويتعلق به ويعجب به من بيننا. ويساعد على ذلك أن هناك تقصيراً سببه
تقاعس أهل الفكر الصحيح، وأجواء فكرية تحدث من تكاسل هؤلاء؛ وجرأة أهل
الباطل التي تحتضن الغث وتروجه، وتقصي النافع وتشوهه.. لكن الذي يفوت
هذه التحليلات هو طبيعة الإسلام كعقيدة، وطبيعته في التفاعل مع الحياة، ويظنون
أن العقيدة الإسلامية إذا كانت في حالة ضمور فهي في طريقها إلى الموت دائماً.
نعم: قد يوجد من تضمر عقيدته، ثم تموت، ولكن هؤلاء نسبتهم قليلة، وبما أن الساحة ليست لهؤلاء فقط، حتى لو حُوْول إخلاؤها لهم بكل السبل، فإن من طبيعة البشر عامة أن تستخدم الاستقراء والاستنتاج كعمليات منطقية بسيطة، فتدرس الظواهر هنا وهناك، وتستنتج منها نتائج تعمل بمقتضاها. والمسلم إنسان قبل كل شيء، لو نظر حوله لوجد عشرات ومئات الظواهر والدلائل التي تلفته إلى دينه لفتاً، وتجعله يقتنع أنه لا يتلاعب به المتلاعبون ولا تجوز عليه الدعاوى والخدع إلا إذا كان رقيق الدين ضحل العقيدة. هذا على المستوى الفردي.
أما على المستوى الجماعي - سمه القومي أو الوطني إن شئت- فإنه كما
يستعبد فرد فرداً، ويهضم قوي حق ضعيف؛ فإن أمماً تأكل أخرى، وتذوب
حضارات وتندثر وتبنى على أطلالها حضارات، ولا يودي بالأمة سوى ضعف
العقيدة، وانحلال الروابط الدينية التي تجمع أفرادها ومؤسساتها، وعندما تنهزم
الأمة نفسياً، فتتخلى عن قيمها ومفاهيمها، وتجلب قيم ومفاهيم القوي تطبقها
راضية مختارة بلا تمحيص وبلا خجل؛ فهذا هو الانهيار والاندثار والذوبان بعينه. وقد ينخدع بعض الناس فتنعكس عندهم السنة الكونية التي تقول:
" حيث يكون الحق تكون القوة " فتصبح في نظرهم: " حيث تكون القو ة ...
يكون الحق " وهذا هو طريق الشيطان كما قال تعالى: [الشَّيْطَانُ ... يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ واللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وفَضْلاً واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ] [البقرة: ٢٦٨]
وهكذا فإن من طبيعة المسلم أنه يمكن أن يؤوب إلى الحق، وإلا لما كان هناك من
التوبة، ويمكن أن يراجع نفسه فيصدقها وتصدقه، والله يحوطه ويرعاه سواء كان
مهتدياً أو ضالاً، وهو رحيم بعباده يصرِّف عليهم العبر والحوادث، ويمتحنهم
بالمصائب والرغائب [إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم
مُّبْصِرُونَ] [الأعراف: ٢٠١] " يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر
الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم " (جزء من حديث أبي ذر المشهور الذي رواه
مسلم) .
وكما يتوب المسلم عن الفواحش كالزنا، وشرب الخمر، والاستهتار
بالمحرمات كذلك يتوب عن إهمال أمر الدين وعدم إحلاله المحل الأول في حياته
وعن التغني بالشعارات والبدع التي تستورد من أعداء الله شرقاً وغرباً، ويتوب
عن تجزئة الإسلام أجزاء؛ فهذا يرفضه، وهذا يقبله، وهذا ضروري؛ وهذا
هامشي! وعن قياس الإسلام على سائر النحل والأديان الأخرى، واعتبار حاله
بأحوالها، وعن تضييق المفهوم الرباني للإسلام وتقليصه إلى أن يقتصر على هذه
الحركات التي تمارس في المسجد، وإلى هذه التراتيل التي تسمع عند موت شخص، ولا شيء بعد ذلك.
وباختصار، فكما تكون التوبة من الموبقات الخلقية والسلوكية وارتكاب
الفواحش، والتهاون بأركان الإسلام؛ تكون أيضاً من الموبقات والفواحش الفكرية
والعقيدية الشائعة. وإذا شئنا أن نناقش تحليلات هؤلاء الجهلة بظواهر الأمور -
فضلاً عن جهلهم بنوايا المسلمين الذين يرجعون إلى دينهم زرافات ووحداناً - فإن
الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي يذكرونها لا تكفي وحدها لتفسير ذلك، وهذا
تكذيب للواقع، وإساءة إلى هذه الجموع العريضة من الشباب المسلم الذي يجتهد في
إثبات عقيدته والتمسك بهدي ملته، وتشكيك بتوجه هؤلاء؛ فلو كان العامل
الاقتصادي هو الدافع فما بالنا بهؤلاء الذين اختاروا هذا الطريق على الرغم من
البحبوحة التي يعيشون فيها؟ ماذا يدفعهم إلى هذا؟ أهو طمع في الزيادة؟ !
ثم ما بال هذه الجماهير التي ذاقت بسبب تمسكها بعقيدتها كل أنواع المحن من
قتل وسجن وتضييق وتشريد.. ومع هذا لم ترض الدنية في دينها، ولم تفتنها
التهديدات ولا الإغراءات عن التخلي عما تؤمن به؟ ! .
إن طرق المغريات المادية والمعنوية لم تزل مفتوحة أمام طلاب الدنيا، وما
على الإنسان الذي يريد المطامع الدنيوية إلا أن يشير ولو إشارة إلى امتعاضه من
المظاهر الإسلامية، ويتهجم على هذا التيار من الفهم والتفكير الذي يحس ويلمس
بين الجماهير المسلمة؛ حتى يُحْتَضَن وترفع درجته لينصب إما أديباً عبقرياً، أو
مفكراً مستنيراً جريئاً، وبعد أن يكون نكرة فقيراً مطوياً في براثن الإهمال والضعة؛ يصبح معرفة غنياً طافياً على سطح المجتمع.
إن تفسير رجوع الناس إلى دينها هذا التفسير الفج مثل تفسير كارل ماركس
للتاريخ، وبقدر تهافت الماركسية وانهيارها؛ ستنهار هذه التفسيرات والتحليلات إن
شاء الله. وهذا التفسير والتفسير المادي للتاريخ هو نفسه تفسير المستشرقين
والمستغربين للفتوح الإسلامية بأنها فتوحات وهجرات اقتصادية خرج فيها العرب
من جزيرتهم تحت ضغط الحاجة، وانساحوا في البلاد للنهب والسلب لتحسين
وضعهم الاقتصادي! وهكذا تجرد هذه الموجات الكاسحة من الشباب المسلم من أي
دافع مشروع، ومن أي هدف نبيل، وتشوه صورتها لتبدو موجات مسعورة، تنشر
الفوضى والتخريب، ليكون ذلك مسوغاً لضربها أو علاجها بكافة الطرق، تجرد
هذه الجماهير من الأحفاد كما جردت أجدادها من الغايات السامية، والأهداف
العظيمة، وتصاغرت تضحياتهم ودماؤهم المسفوحة في كل ربوة، وفوق كل ثرى
لتكون من أجل البحث عن لقمة الخبز فقط، أما سبيل الله، والجنة، وجزاء
الصابرين، وغسل العار، والعزة الإيمانية، وحرب الظلم والطغيان، والرباط،
والشهادة، ومن هو في سبيل الله، ومن هو في سبيل الشيطان. كل ذلك لا قيمة له
ولا وجود له في نظر علماء الاجتماع الذين يبحثون في الظواهر الإسلامية وهم
يعيشون خارجها.
ولكن أنى لإنسان أن يصف لك ألمك كما تشعر به حتى ولو كان طبيباً ألمعياً؟
تشتكى ما اشتكيتُ من ألم الشو ... ق إليها والشوقُ حيث النحول
وإذا خامَرَ الهوى قلبَ صب ... فعليه لكل عين دليل
стр. 558
مفاهيم إسلامية
الدين والدنيا
محمد العبدة
وترى الدنيا انطوت في كسبه ... ليس فيها ذرة في قلبه
(إقبال)
كيف اختل التوازن؟ !
لا شك عندنا أن الصحابة رضوان الله عليهم هم القدوة وهم النموذج في فهم
الإسلام، وأقوالهم وأفعالهم هي التي تدل على هذا الفهم، وبالرجوع إلى سيرتهم
نجد أن حياتهم كانت طبيعية ليس فيها تكلف وتعمق، يأخذون بالأسباب في الكسب
من تجارة وزراعة أو عمل يدوي، ويخصصون جزءاً من أوقاتهم للعلم، وإذا دعا
داعي الجهاد فهم الرجال، وفيهم الأغنياء دون بطر، والفقراء مع التعفف، كانوا
أبعد الناس عن التهالك على الدنيا، فتحوا البلدان وأنشئوا المدن، وأقاموا الدول.
الخلل إذن جاء بعدهم، جاء من يقول: إن الدنيا ضرة الآخرة وليست طريقاً
لها، وأشاع الزهد بمعنى ترك الدنيا وعدم الاهتمام بها، ويمكن أن نعدد بعض
الظواهر التي أدت إلى هذا الخلل:
١- الزهد الأعجمى:
نقل الصوفية إلى المجتمع الإسلامي، فلسفات الهند في تعذيب الجسد وحب
(الفقر) كما نقلوا رهبانية النصارى، وروجوا هذه البضاعة باسم الزهد المشروع،
وحاولوا تأييد هذه (الرهبنة) بذكر ما كان عليه الجيل الأول من السمو حيث لم تكن
الدنيا في قلوبهم وراحوا يذمون الدنيا بمناسبة وبغير مناسبة، وساعدهم على ذلك
القصاص الجهلة، الذين وجدوا الكلام في هذا الموضوع من الأشياء المحببة لدى
الجماهير، وهكذا أصبحت مرتبة الزاهد الذي لا يتكسب ويعيش في زاوية أو رباط
هي أعلى المراتب، وسمع المسلمون وأعجبوا بمن يقول: (لو أن الدنيا بحذافيرها
عرضت علي حلالاً ولا أحاسب بها في الآخرة لكنت أتقذرها كما يتقذر الرجل
الجيفة) [١] .
ووضع هؤلاء الصوفية كلام الله عن الدنيا أو كلام الرسول -
ﷺ في غير موضعه، ولم يفهموه حق الفهم، وقد أدبنا الله
في القرآن بأن نذكر القضية ونقيضها حتى يتم التوازن، فلا يذكر
عذاب النار إلا ويذكر نعيم الجنة، ولا يذكر الفجار إلا ويذكر الأبرار، فعندما نذم
الدنيا يجب أن نبين على أي شيء يقع الذم.
يقول الشيخ رشيد رضا: (ومن أضر ما حدث بعد الخلفاء الراشدين الغلو في
التزهيد، وحمل الناس على الاعتقاد بأن الدنيا ضرة الآخرة على الإطلاق، ومن
أكبر المصائب أن هذا التعليم كان ديدن الخطباء والوعاظ، فزرع أهله في قلوب
الأمة الإسلامية فسيل الكسل، وما التكايا التي أحدثها المسلمون إلا كالأديار عند
النصارى) [٢] . (والذين لبسوا لبوس الصالحين نفثوا في الأمة سموم المبالغة في
التزهيد، وأكثرهم يريد إنفاق كسب الكاسبين عليهم وهم كسالى لزعمهم أنهم بحب
الله مشغولون) [٣] .
هؤلاء البطالون الذين لا يريدون الكد والتعب، ويتخوفون الصراع مع
الأعداء، يلجئون إلى حيلة الزهد والانزواء وكيف يكون إذن التمكين في الأرض
والحكم بشريعة الإسلام، وهذا كله يختلف عن الاغترار بالدنيا والانغماس في
شهواتها.
٢- الخلل في فهم طبيعة الإنسان:
قد يظن بعض الناس أن الأمور الدنيوية أو اللذات الحسية هي نقص في
الإنسان بتأثير من الفلاسفة الذين يفكرون تفكيراً خيالياً، ورهبان النصارى الذين
يستقذرون الأمور الحسية وهذا غير صحيح، بل هي بوجه من الوجوه كمال إذا لم
تطغِ، وإذا لم تصرفه عن الآخرة (والدليل على أن اللذات الجسدية ليست نقصاً:
أن عالم الآخرة لا يخلو منها، فهو عالم يكون الإنسان بهخ في أعلى أوج الكمال،
فيستوفي جميع اللذات الروحية والجسدية من غير عناء ولا شقاء ولا جهاد ولا بلاء [٤] ومن هذا الباب يشنع النصارى على نبينا ﵊ كثرة الزواج،
ويحاول بعض المسلمين الرد عليهم بأساليب تبريرية، فالأكل والشرب والزواج
ليست عيباً في الإنسان، لأن طبيعته ليست من جنس الملائكة.
٣- أسباب نفسية:
عندما يفشل بعض الناس في الحياة ولا يستطيعون إعمار الدنيا بالخير
والتمكن فيها، واستخلاصها من أيدي الكفار، عندنا يلجئون إلى حيلة نفسية وهي
التركيز على الزهد، وإقناع النفس أن نعيم الدنيا زائل، والكفار لهم الدنيا ونحن لنا
الآخرة، وربما في دخائلهم يحبون الدنيا حباً جماً، لقد انتشر التصوف وازداد بعد
ضعف الدولة الإسلامية أو فشلها في الوقوف أمام زحف التتار، فكثرت الزوايا
والربط والهروب السلبي من متطلبات الكفاح.
عودة إلى المفهوم الإسلامي:
١ - إن ما جاء عن الرسول ﷺ من ذكر للدنيا لا يفهم
منه إلا التحذير أن يتنافسها المسلمون فتهلكهم، وإلا أنها لا تساوي شيئاً بالنسبة
للآخرة لأن الرسول ﷺ اشتغل بها، فقد دعا وجاهد وأسس
دولة الإسلام، وكان بعض كبار الصحابة من الأغنياء، ولم يدعهم الرسول -صلى
الله عليه وسلم- إلى ترك المال وترك الاشتغال بالتجارة.
وكذلك ذم الدنيا الوارد على لسان بعض العلماء (إنما هو راجع إلى أفعال بني
آدم التي تقع على غير الوجه الذي تحمد عاقبته) [٥] .
٢-ربما يتكالب الناس على الدنيا في زمن معين أو في بلد معين، فيأتي عالم
رباني ويتكلم عن الدنيا وموقعها بالنسبة للآخرة وذلك فيما يرد الناس إلى التوسط
والتوازن، فهذا صحيح وهذا يختلف عن الذي يجعل الفقر هو الأصل، ويذم الدنيا
دائماً.
ذكر الخلال في كتابه (الحث على التجارة) حديثاً عن عائشة ﵂
قالت: كان أبو بكر ﵁ أتجر قريش حتى دخل في الإمارة) ثم أتى برواية عن أبي الدرداء ﵁ أنه لم يستطع الجمع بين التجارة والعبادة، وقد علق محقق الكتاب أن الخلال ساق أثر أبي الدرداء ليبين أنه حالة خاصة بمن لديه سعة من المال لينفق على العيال ثم ساق كلام الذهب (الأفضل الجمع بين الأمرين) .
٣ - الإسلام يحث على العمل والكسب: قال سفيان بن عيينة: (ليس من
حب الدنيا أن تطلب منها ما يصلحك) وعن الإمام أحمد بن حنبل (أحب الدراهم
إلي درهم من تجارة، وأكرهها عندي الذي من صلة الإخوان) [٦] .
وعن سعيد بن المسيب: (لا خير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه، ويصون به عرضه، ويقضي به ذمامه، وإن مات تركه ميراثاً
لمن بعده) [٧] .
وقد جاء في القرآن عن داود ﵇: [وعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ]
[الأنبياء: ٨٠] ، وصح عن زكريا ﵇ أنه كان نجاراً، وأما ما اشتهر ...
بعدئذ من احتقار للمهن، فهذا شيء أتي به المسلمون من قبل الفلاسفة اليونانيين
الذين كانوا يعظمون العمل العقلي ويحتقرون المهن، ويرتبون المجتمع طبقات
حسب أهوائهم، إن كتب بعض العلماء توحي بالاحتقار للمهن كقول الإمام الماوردي: (وأشرف الصناعات صناعة الفكر وأرذلها صناعة العمل) [٨] وهذا قد يكون من
أسباب تخلف المسلمين فى الصناعة في الوقت الذي تقدم فيه الأوربيون واستعمروا
العالم.
٤ -إن الاستمتاع بالدنيا وملاذها والترفه فيها وإن كان بالحلال، ولكنه يوشك
أن يؤدي بالمؤمن إلى حبها والتعلق بها، فالمؤمن يبقى على حذر منها ويبتعد عن
مواطن الزلل والشبهات، ويعود نفسه على العيش الخشن حتى يكون على استعداد
للجهاد في أي وقت، وهذا لا يمنع من لبس الثوب الحسن والنعل الحسن كما سأل
أحد الصحابةرسول الله- ﷺ -عن التجمل بهذا وحبه للنظافة في
مسكنه وثوبه فقال الرسول ﷺ : (إن الله جميل يحب الجمال)
وهذا لا ينقص درجته عن الذي يفضل الخشونة في مأكله أو ملبسه. وأما الآية
[أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا واسْتَمْتَعْتُم بِهَا] [الأحقاف: ٢٠] قال الشيخ
الشنقيطي في تفسيرها: (التحقيق إن شاء الله في مثل هذه الآية هو أنها في الكفار
وليست في المؤمنين الذين يتمتعون باللذات التي أباحها الله لهم لأنه تعالى ما أباحها
لهم ليذهب بها حسناتهم) [٩] .
وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك
فليس بمتاع الغرور، ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه.
والخلاصة أنه لا بد من التوازن الدقيق في هذه المسألة، فلا تكن الدنيا أكبر
همنا، وفي نفس الوقت لا نغتر بترهات الصوفية وتخبطات القصاص الوعاظ،
ونحن لا نريد تضخيم دور المال ولكن واقع البشرية اليوم يقول إن للاقتصاد دور
بالغ، ونعم المال الصالح للعبد الصالح، وكيف تقوى الدعوة الإسلامية دون أخذ
الأسباب، وكيف نريد من شعوب تعيش على فتات موائد الغرب أن تنهض وتساعد
في إقامة حكم الله في الأرض.
ولهذا قلنا: إنها معادلة صعبة.
стр. 559
فتاوى في الصيام
أعدها وجمعها:محمد صالح المنجد
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله،
وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذه طائفة من أحكام الصيام، مجموعة من كلام أهل العلم، من المتقدمين
والمتأخرين، بطريقة السؤال والجواب.
س: ما هو فضل الصيام؟
ج: في ذلك آيات وأحاديث كثيرة، منها قوله تعالى: [إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ
أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ] قال أهل التفسير: هم الصائمون.
وقال ﷺ : «إن في الجنة باباً يقال له الريان: يدخل
منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ ،
فيقومون فيدخلون منه، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» (وفي رواية: من
دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً) [صحيح الجامع الصغير، رقم ٢١٢١،
وانظر صحيح الترغيب ١/٤١٠] .
وفي الصحيحين، قال رسول الله- ﷺ : «قال الله عز
وجل، كل عمل ابن آدم له (وفي مسلم: يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، إلى
سبعمائة ضعف) إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة» (وفي رواية
صحيحة: يستجن به العبد من النار) .
وفي حديث يحيى بن زكريا: «وأمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل معه
صرة مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند
الله من ريح المسك» [صحيح الجامع الصغير رقم (١٧٢٠) ] .
س: ما حكم من صام رمضان استشفاء من مرض أو تخفيفاً للوزن؟
ج: إن اقتصرت نيته على هذا فليس له في الآخرة من نصيب، قال تعالى:
[مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا
مَذْمُوماً مَّدْحُوراً، ومَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم
مَّشْكُوراً] [الإسراء/١٨-١٩] .
ويجب أن تكون نية المؤمن مطابقة لحديث رسول الله- ﷺ : «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» [صحيح الترغيب
١/٤١٥] وينبغي على الدعاة أن يبينوا للناس معنى كلمة (احتساباً) ويدعوا ذكر
الفوائد الدنيوية للمؤلفة قلوبهم.
س: كيف يحكم بدخول شهر رمضان؟ ..
ج: بأحد أمرين:
- الأول: رؤية هلاله، لقوله تعالى: [فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] فإذا
أعلن ثبوته مصدر موثوق وجب العمل بذلك.
- الثاني: إكمال شعبان ثلاثين يوماً، ولا مانع من توالي شهرين أو أكثر في
السنة الهجرية كل منها ٢٩ يوماً أو ٣٠ يوماً.
س: إذا أسلم الكافر، أو بلغ الصبي، أو شفي المريض، أو أقام المسافر،
أو طهرت الحائض، أثناء النهار في رمضان فماذا يجب عليهم من جهة الإمساك
والقضاء؟
ج: إذا أسلم الكافر، أو بلغ الصغير، أثناء النهار لزمهما إمساك بقية اليوم
وليس عليهما قضاؤه، ولا قضاء الأيام التي قبله من الشهر، لأنهما لم يكونا من
أهل الوجوب عند الإمساك.
- وإذا شفي المريض، أو أقام المسافر، أو طهرت الحائض، فالأحوط
الإمساك بقية اليوم (للخلاف في المسألة) وعليهم قضاء هذا اليوم، وما فاتهم قبله.
والفرق بين القسمين: أن القسم الأول تحقق لديهم الشرط أما القسم الثاني فقد زال
عنهم المانع.
س: متى يؤمر الصبي بالصيام؟
ج: قال الخرقي: وإذا كان الغلام عشر سنين، وأطاق الصيام أخذ به.
قال ابن قدامة: واعتباره بالعشر أولى، لأن النبي ﷺ
أمر بالضرب على الصلاة عندها، واعتبار الصوم بالصلاة أحسن لقرب إحداهما
من الأخرى، واجتماعهما في أنهما عبادتان بدنيتان من أركان الإسلام، إلا أن
الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة، لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيقه. [المغني مع
الشرح ٣/٩٠] .
فما بالك أيها الأخ المسلم بمن يمنع أولاده من الصيام رحمة بهم بزعمه! !
س: رجل بلغ من الكبر عتياً، وأصبح لا يعرف أولاده، ولا الجهات
الأصلية، فماذا عليه في الصوم؟ .
ج: إذا كان الواقع ما ذكر، فليس عليه صلاة ولا صيام ولا إطعام. وإذا كان
يعود إليه عقله أحياناً، ويذهب أحياناً، فإذا عاد إليه صام، وإذا ذهب عنه سقط
عنه الصيام.
س: ما حكم الصيام للمريض؟
ج: إذا ثبت بالطب أن الصوم يسبب هلاك المريض فلا يجوز له الصيام،
أما إن ثبت أن الصوم يجلب المرض له أو يضر بالمريض بزيادة مرضه أو تأخير
شفائه أو يؤلمه أو يشق عليه الصيام، فالمتسحب له أن يفطر ثم يقضي.
س: شخص مصاب بقرحة في معدته، ونهاه الطبيب عن الصيام مدة خمس
سنوات. فما الحكم؟
ج: إذا كان الطبيب الذي نهاه عن الصوم ثقة مأموناً خبيراً في طبه، فيتعين
السمع والطاعة لنصحه، وذلك بإفطاره في رمضان حتى يجد القدرة والاستطاعة
على الصوم، لقوله تعالى: [فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ] فإذا شفي من مرضه، تعين عليه صوم أشهر رمضان التي أفطرها.
س: ما حكم العاجز عن الصيام عجزاً كلياً لمرض لا يرجى شفاؤه أو لكبر
سنه؟
ج: عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، نصف صاع من قوت البلد، (مثال: قرابة١. ٥ كغ من الأرز) يدفعها في أول الشهر كما فعل أنس ﵁،
ويجوز أثناءه أو في آخره.
س: رجل مريض أخبره الأطباء أن شفاءه ممكن، فهل يجزئه الإطعام؟
ج: لا يجزئه الإطعام، ويجب عليه الانتظار حتى يشفى ثم يقضى.
س: رجل مريض ينتظر الشفاء ليصوم، فمات، فماذا عليه؟ .
ج: ليس عليه شيء لأن الصيام حق لله ﵎، وجب بالشرع ومات
من يجب عليه قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدل كالحج.
س: شخص صام جزءاً من رمضان ثم عجز عن إكمال الباقي، فماذا يعمل؟
ج: إن كان عجزه لأمر طارئ يزول، انتظر حتى يزول ثم يقضى، وإن
كان عجزه لأمر دائم، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً كما تقدم.
س: ما حكم الصوم للمسافر؟
ج: إذا شق عليه الصوم في السفر فالأفضل أن يأخذ بالرخصة فيفطر. وإن لم
يشق عليه صام والفطر جائز.
س: متى يفطر الصائم؟
ج: في ذلك حديثان:
- الأول: حديث أنس ﵁ أنه أفطر على دابته قبل أن يخرج وقد
تهيأ للرحيل.
- الثاني: حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين، قال: خرج
رسول الله- ﷺ -حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه
ليراه الناس ثم أفطر. فالأحوط أن لا يفطر المسافر إلا إذا خرج من بلدته وفارق
البيوت.
س: رجل قرر في إحدى الليالي من رمضان أن يسافر غداً في النهار، فهل
يجوز له أن يبيت نية الإفطار؟
ج: لا يجوز له ذلك، بل ينوي الصيام، لأنه لا يدري ما يعرض له، فقد لا
يستطيع السفر، فإذا سافر أفطر إن شاء كما تقدم.
س: رجل أراد مواقعة أهله في رمضان، فسافر من أجل ذلك؟
ج: فعله حرام، لأنه قصد التحايل، وهو آثم ولا يجوز له الفطر
[يُخَادِعُونَ اللَّهَ وهُوَ خَادِعُهُمْ] .
س: هل يجوز الإفطار في المطار؟
ج: إن كان المطار داخل البلد أو في حدودها فإنه ينتظر حتى تقلع الطائرة
وتبتعد، ثم يفطر، وإن كان المطار خارج البلد، جاز له الفطر في المطار.
س: غربت الشمس في المطار فأفطرنا بعد الصيام، فلما أقلعت الطائرة
وارتفعت رأينا الشمس مرة أخرى، فما حكم الصيام؟
ج: الصيام صحيح، لأنه ﵊ قال: «إذا أقبل الليل من
هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» [متفق عليه] .
س: من صام في بلد، ثم سافر إلى بلد آخر، صام أهله قبله أو بعده، فماذا
يفعل؟
ج: يفطر بإفطار أهل البلد الذين ذهب إليهم، ولو زاد على ثلاثين يوماً
(بالنسبة له) لقول النبي ﷺ : «الصوم يوم تصومون، والفطر
يوم تفطرون» [رواه الترمذي وهو حديث صحيح] . لكن إن لم يكمل تسعة
وعشرين فعليه إكمال ذلك الشهر (بعد يوم العيد) ، لأن الشهر لا ينقص عن تسعة
وعشرين يوماً.
س: صامت امرأة، وقبل الغروب بلحظات خرج منها الدم، فما حكم
صيامها؟
ج: إن خرج فعلاً، فقد بطل الصوم وهي مأجورة، وتقضي بدلاً منه، أما
إن أحسَّت به داخل الجسم ولم يخرج، أو خرج بعد الغروب، فصيامها صحيح.
س: امرأة طهرت قبل الفجر في رمضان، ولم تغتسل إلا بعد الفجر، وكذلك
رجل أصبح جنباً ولم يغتسل إلا بعد الفجر، فما حكم صيامهما؟
ج: صيام المرأة المذكورة صحيح، وكذلك صيام الجنب، لحديث عائشة
﵂ المتفق عليه: «كان النبي ﷺ يدركه الفجر
وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم» . وكذلك النفساء مثل الحائض في الحكم
إذا طهرت قبل الفجر. ولكن يجب التعجيل بالاغتسال لإدراك صلاة الفجر.
س: هل يجوز للمرأة استعمال حبوب لمنع الحيض في رمضان؟
ج: يجوز أن تستعمل المرأة أدوية لمنع الحيض في رمضان إذا قرر أهل
الخبرة الأمناء من الأطباء ومن في حكمهم أن ذلك لا يضرها. وخير لها أن تكف
عن ذلك، وقد جعل الله لها رخصة في الفطر، إذا جاءها الحيض في رمضان
وشرع لها قضاء الأيام التي أفطرتها ورضي لها بذلك ديناً.
س: شخص لم يدر أن رمضان قد دخل، إلا في صباح اليوم التالي، فماذا
يعمل؟
ج: يمسك ذلك اليوم، ويقضي يوماً بدلاً منه، لقوله ﷺ : «لا صيام لمن لم يفرضه من الليل» [صحيح الجامع الصغير رقم (٧٥١٦) ] .
س: ما هي المفطرات؟
ج: ذكر شيخ الإسلام ﵀: أن من المفطرات ما يكون من نوع
الاستفراغ: كالجماع والاستقاءة، والحيض والاحتجام. ومنها ما يكون من نوع
الامتلاء: كالأكل والشرب (وما في معناها كالحقن المغذية) ومن الخارجات نوع لا
يقدر على الاحتراز منه: كالأخبثين، وإذا خدعه القيء والاحتلام في النوم،
وخروج الدم من الجروح، والاستحاضة، بخلاف ما إذا استقاء عمداً أو استمنى
عمداً. [الفتاوى٢٥ /٢٦٥] .
والمفطرات (ما عدا الحيض والنفاس) لا تفسد الصوم إلا إذا فعلها الشخص
مختاراً غير مكره، ذاكراً غير ناسٍ، عالماً غير جاهل.
س: ما حكم قطرة العين والأذن؟
ج: لا تفطر كما ذكر أهل العلم، وكذلك: الطيب والكحل، وأخذ الدم
للتحليل، والرعاف، والحقنة الشرجية، والإبر غير المغدية، والغبار، وذوق
الطبّاخ للطعام دون دخوله إلى جوفه، ومن تمضمض فدخل الماء رغماً عنه إلى
جوفه، ودواء الربو الذي يؤخذ بطريق الاستنشاق، وبلع الريق. وكذلك السواك
فهو جائز في جميع أجزاء النهار.
س: ما حكم التقبيل في نهار رمضان؟
ج: إذا عرف الشخص من نفسه أنه إذا قبّل لا يخرج منه شيء، جاز له
التقبيل، كما ورد في الصحيحين أنه ﷺ كان يقبل وهو صائم،
أما إذا كان يعلم من عادته أنه سينزل، أو لا يضمن نفسه، فلا يقبل، لأنه إذا أنزل
عند التقبيل أو اللمس فقد فسد صيامه.
س: ما حكم بقايا الطعام في الفم، وفتات السواك، واستخدام معجون الأسنان؟
ج: إذا طلع الفجر عليه فعليه إخراج بقايا الطعام من فيه ولايجوز بلعها.
وكذلك لا يجوز بلع فتات السواك، وإذا وصلت إلى حلقه رغماً عنه، فليس عليه
شيء. وكذلك الدم الخارج من اللثة لا يفطره إذا بلغ جوفه دون قصد. أما بالنسبة
لمعجون الأسنان فإنه لا يخلو من حالين:
أحدهما: أن يكون قوياً، ينفذ إلى المعدة ولا يتمكن الإنسان من ضبطه، فهذا
محظور عليه، ولا يجوز له استعماله، وعلى الأقل فهو يكره.
أما إذا كان يمكنه أن يتحرز منه، فإنه لا حرج عليه في استعماله..
س: ما حكم الأكل والشرب أثناء الأذان؟
ج: إن سمع الأذان وعلم أنه يؤذن على الفجر، وجب عليه الإمساك، وإن
كان يؤذن قبل طلوع الفجر، لم يجب عليه الإمساك حتى يتبين له الفجر، وإن كان
لا يعلم حال المؤذن هل أذن قبل الفجر أو بعده، فالأولى والأحوط أن يمسك إذا
سمع الأذان، ولا يضره لو شرب أو أكل شيئاً حين الأذان لأنه لم يعلم بطلوع الفجر، لكن عليه أن يحتاط بالتقويمات التي تحدد الوقت بالساعة والدقيقة.
س: ماذا يفعل من غربت الشمس وهو يقود سيارته، وليس عنده ما
يفطر به؟
ج: ينوي الفطر بقلبه، ولا يفعل كبعض الجهال: يمص أصبعه أو يبلع
ريقه.
س: لم يخبر أمه بطلوع الشمس شفقة عليها حتى يتسنى لها الشرب، فما
الحكم؟
ج: الأحوط أن تعيد الصيام، ويستغفر هو ويتوب.
س: إذا رأى شخص صائماً يأكل ناسياً، فهل يجب عليه أن يذكره؟
ج: نعم يجب عليه ذلك لعموم قوله ﵊ في الحديث الصحيح: «إذا نسيت فذكروني» ولأنه بالنسبة للمشاهد يعتبر منكراً يجب تغييره، ولأنه
من باب التعاون على البر والتقوى.
س: ما حكم التهنئة بدخول شهر رمضان؟
ج: لا حرج في ذلك.
نسأل الله أن يعيننا وإخواننا المسلمين على صيامه وقيامه كما يحب ويرضى،
والله تعالى أعلم.
المصادر:
-المغني مع الشرح الكبير - الجزء الثالث.
-مجموع الفتاوى لابن تيمية - الجزء الخامس والعشرون.
مجالس شهر رمضان -للشيخ محمد بن صالح العثيمين.
مجلة البحوث الإسلامية - العدد الرابع عشر.
-فتاوى مجلة الدعوة.
-فتاوى نور على الدرب - للشيخ عبد العزيز بن باز.
- فتاوى نور على الدرب - للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين.
стр. 560
خواطر في الدعوة
الصحبة القديمة
محمد العبدة
جاء في كتاب (فضائل الصحابة) أن عبد الرحمن بن عوف ﵁
شكى خالد بن الوليد إلى رسول الله- ﷺ -فقال رسول الله-صلى الله
عليه وسلم-لخالد: «يا خالد لمَ تؤذي رجلاً من أهل بدر، لو أنفقت مثل أحد ذهباً
لم تدرك عمله» [١] . وجاء في صحيح مسلم: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد
الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله- ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» [٢] .
ومع بقاء هذه الأحاديث على عمومها، ولكن من الواضح أن رسول الله وجه
خالداً ﵁ إلى احترام صحبة معينة وهي الصحبة القديمة، فهؤلاء لهم
منزلة خاصة، منزلة أوائل من أسلم وسار مع الدعوة في دربها الطويل من التعذيب
والحصار والهجرة، سار مع الدعوة في السراء والضراء، وكان مع الوحي الإلهي
وهو يتنزل آية آية وسورة سورة، هؤلاء الصحب هم أجدر الناس بحب رسول
الله- ﷺ -وتقديره لهم.
والذين جاءوا بعد ذلك قد يكون فيهم من يملك طاقات ومواهب ويقدم خدمات
جلّى للدعوة الإسلامية، ولكن يبقى للرعيل الأول منزلتهم، والإسلام ليس فيه
طبقية ولا كهنوت، وكل يؤخذ من كلامه ويرد عليه، وليس عندنا شيخ ومريد،
ولكن من له باع طويل في الدعوة، والتقى ظاهر عليه فيجب أن يحترم ولا يتطاول
عليه من هو ناشئ غِرٌ، والحقيقة أنه ليس أضر على العمل الإسلامي، بل على
الأمم من نشوء صراع بين الجيل القديم والجيل الجديد، فلا يستفاد من خبرة أولئك
ولا من حماسة هؤلاء.
وقد عاتب الله أهل بدر عتاباً شديداً بسبب اختلافهم حول
الغنائم، وكان هذا الخلاف بين الشباب والشيوخ، فقال الشباب: نحن جمعنا
الغنائم وطاردنا العدو، وقال الشيوخ: ونحن كنا ردءاً لكم ونحمي رسول الله-صلى
الله عليه وسلم-، فأنزل تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ
فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ] [الأنفال: ١] .
فليحذر الدعاة من هذا المزلق، الذي يتلبس باسم الأمر بالمعروف أو بشبهة
استعجال الطريق، أو قد يكون جهلاً بعواقب الأمور، والعجيب أن يسبقنا الغربيون
إلى هذه الفضيلة، فلا يدعون فرصة تفوتهم إلا ويستفيدون من كبارهم وعقلائهم،
ولا يهملونهم بل إن هذا الأمر واضح عند العوام في بلادنا فيقولون:
الذي ليس عنده كبير، يشتري له كبير أو الذي ليس عنده كبير ما عند هـ
تدبير.
والمسلمون في هذه الأيام بأشد الحاجة إلى كل طاقة وكل خبرة، ونرجو أن لا
تتبدد بالخصومات المفتعلة.
стр. 561
أعلام الإسلام
ابن جرير الطبري إمام المفسرين
محمد محمد توفيق
هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، ولد سنة
٢٢٤ هـ، في بلدة آمل عاصمة طبرستان ببلاد فارس.
عاش عصراً من أزهى عصور الإسلام تقدماً وإنتاجاً على جميع المستويات
الفكرية، فقد كان عصر جمع وتبويب وتصنيف ونقد، ووضع قواعد عامة للعلوم،
واستقراء للجزئيات.
صفاته:
عفيف النفس، لا يقبل الهدية إلا إذا كان يقدر على المكافأة عليها، فيه زهد
وورع وتقوى، رفض المناصب التي عرضت عليه. كان يتمتع بعقلية واعية نيرة، وحافظة لاقطة، وقلب نابض بالإيمان، وعقيدة متينة، ونفسية مطمئنة، وجرأة
في الحق. حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وأمَّ الناس وهو ابن ثماني سنين،
وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين.
برع في الفقه والحديث والقراءات والنحو والحساب وغيرها، ووهب العلم
عمره. وماله، شهد له الجميع بسعة العلم ودقة التفكير.
كان شافعي المذهب، ثم انفرد بمذهب مستقل لم يكتب له الدوام، وذلك
لذهاب مدوناته، وتفرق أصحابه وأتباعه.
رحلاته:
رحل إلى كل من الري، والبصرة، وواسط، والكوفة، وبغداد، وبيروت،
ومصر، طلباً للعلم وبدلاً له، إلى أن مات ببغداد عام ٣١٠ هـ.
من شيوخه:
في الحديث: محمد بن حميد الرازي، وهناد بن السري، وإسماعيل بن
موسى.
وفي التاريخ: محمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن أحمد بن حماد
الدولابي، ومحمد بن موسى الحرشي، وعماد بن موسى القزاز، ومحمد بن الأعلى
الصنعاني، وبشر بن معاذ، ومحمد بن بشار بن بندار.
وفي الفقه: الحسن بن محمد الزعفراني، وأبو سعيد الإصطخري، والربيع
بن سليمان الجيزي تلميذ الشافعي.
وفي اللغة: أحمد بن يحيى ثعلب..
وغيرهم كثير من مختلف المذاهب، ومن مختلف الأقطار.
تلاميذه:
تتلمذ عليه الكثير من أشهرهم: أبو بكر بن كامل بن خلف، وعبد العزيز بن
محمد الطبري، وأبو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الطبري.
كتبه:
- جامع البيان عن تأويل القرآن (جامع البيان في تفسير القرآن) ، وقد اعتمد
في تفسيره هذا على المأثور الذي صح عن رسول الله ﷺ أو
الصحابة ﵃، أو التابعين، وكان يهتم بالأسانيد وتقييم الرجال، ويبتعد
عن التفسير بالرأي، ويعرض أوجه القراءات، ويبتعد عن التعمق الفارغ
والتفريعات الهامشية والتكهنات غير المفيدة، ويستشهد على المعنى اللغوي بأحاديث
المصطفى ﷺ وكلام العرب وأشعارهم، ويعتني بالإعراب فهو
يوضح المعنى.
- تاريخ الأمم والملوك.
- كتاب آداب النفس الجيدة والأخلاق النفيسة.
- اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام.
- صريح السنة (يوضح فيه مذهبه وعقيدته) ..
- الفصل بين القراءات.
- آداب القضاة.
- فضائل أبي بكر وعمر ﵄.
وغيرها كثير، ومما يدل على ذكائه وحفظه أنه قال:
لما دخلت مصر لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقيني وامتحنني في العلم الذي
يتحقق به، فجاءني يوماً رجل، فسألنى عن شيء من العروض، ولم أكن نشطت
له قبل ذلك، فقلت له: علّي قول أن لا أتكلم في شيء من العروض، فإذا كان في
غد فصر إلي، وطلبت من صديق لي كتاب (العروض) للخليل بن أحمد، فجاء
به، فنظرت فيه ليلتي، فأمسيت غير عروضي وأصبحت عروضياً.
رحم الله أبا جعفر وأسكنه فسيح جناته ...
стр. 562
مصطلحات إسلامية
الصبر
إعداد: عادل التل
المعنى اللغوي:
الصبر: هو حبس النفس، ويقال: صبرت نفسي على ذلك الأمر أي حبستها.
قال عنترة عن نفسه:
فصبرت عارفةً لذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تَطَلَّعُ
والمصبورة: المحبوسة على الموت.
والصبير: الكفيل، وإنما سمي بذلك لأنه يصبر على الغرم، جاء في لسان
العرب: صبر يصبر صبراً، فهو صابر وصبار وصبير وصبور، والأنثى صبور
أيضاً.
قال الجوهري: الصبر حبس النفس عند الجزع.
والصبر الجراءة، ومنه قول الله تعالى: [فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ] والصبر: الإكراه أيضاً.
وصبير القوم: زعيمهم المقدم في أمورهم.
والصبور: هو القادر على الصبر.
والتصبر: تكلف الصبر.
المعنى الاصطلاحي:
الصبر لفظ عام وربما خولف بين أسمائه باختلاف مواقعه.
- فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبراً لا غير، ويضاده الجزع.
- وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن.
-وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده الضجر.
- وإن كان في إمساك الكلام سمي كتماناً ويضاده الذل.
- وإن كان في إمساك عن الطعام سمي صياماً.
وهكذا نستطيع أن نصف كل ما يحتاج إلى الثبات على شيء أو الإمساك
عن شيء صبراً.
والصبر والحلم قرينان، لأن الحلم ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب
وضده الحماقة.
قال رسول الله- ﷺ : «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد
الذي يملك نفسه عند الغضب» .
من أحكام المصطلح:
الصبر أساس الابتلاء في حياة الفرد والجماعة. يقول تعالى: [ولَنَبْلُوَنَّكُم
بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ والأَنفُسِ والثَّمَرَاتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ] [البقرة: ١٥٥] .
عندما يقف المسلم داعياً إلى الله تعالى، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويصدع بالحق الذي آمن به؛ فيتعرض للأذى والعذاب، وتنزل به المحن
والخطوب، فلا بد من الصبر والثبات أو الانحراف والفساد.
يقول تعالى: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ، ولَقَدْ
فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ] [العنكبوت: ٢-٣] .
يقول أحد الدعاة: الصبر زاد الطريق في هذه الدعوة، إنه طريق طويل شاق، حافل بالعقبات والأشواك، مفروش بالدماء والأشلاء، بالإيذاء والابتلاء.
الصبر على أشياء كثيرة:
- الصبر على شهوات النفس ورغائبها وأطماعها وضعفها.
- والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصرفهم
وانحراف طباعهم وغرورهم.
- والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وتصعير
الغرور والخيلاء.
- والصبر على قلة الناصر، وطول الطريق، ووساوس الشيطان في ساعات
الكرب والضيق.
- والصبر على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار، واستقبال الرخاء
في تواضع وشكر.
والصبر على هذا كله - ومثله - مما يصادف السالك في هذا الطريق ...
لا تصوره الكلمات..
إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق وتذوقها انفعالات وتجارب
ومرارات. [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ] [آل عمران: ٢٠٠]
стр. 563
شذرات وقطوف
إعداد: نجوى محمد الدمياطي
العظمة الحقيقية
حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو
أرحب منهم نفساً، أو أذكى منهم عقلاً.. لا نكون قد صنعنا شيئاً كبيراً.. لقد
اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة! .
إن العظمة الحقيقية: أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف
على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم
ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع!
إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية، أو أن نتملق
هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقاً.. إن التوفيق
بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد؛ هو العظمة
الحقيقية.
سيد قطب - أفراح الروح
أهل العبودية
.. لم ينسبوا إلى اسم ... فلم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء
التي صارت أعلاماً لأهل الطريق..
وأيضاً، فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه فيعرفون به دون غيره
من الأعمال فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة، وأما العبودية المطلقة:
فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها، فإنه مجيب لداعيها على اختلاف
أنواعها، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم، فلا يتقيد برسم ولا
إشارة، ولا اسم بزي، ولا طريق وضعي اصطلاحي ... بل إن سئل عن شيخه؟
قال: الرسول، وعن طريقه؟ قال: الاتباع، وعن خرقته؟ قال: لباس التقوى،
وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السنة، وعن مقصوده ومطلوبه؟ قال: [يُرِيدُونَ وجْهَهُ] وعن رباطه؟ قال: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا
بِالْغُدُوِّ والآصَالِ، رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وإقَامِ الصَلاةِ وإيتَاءِ
الزَّكَاةِ] وعن نسبه؟ قال:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
ابن القيم - مدارج السالكين " بتصرف "
أنشودة رمزية
لقد حانت الساعة التي ينساب فيها شعاع الفجر الشاحب بين نجوم الشرق.
ستحمل إشعاعات الصباح الجديد، ظل جهدك المبارك، في السهل الذي تبذر
فيه.
وسيحمل النسيم الذي يمر الآن البذور التي تنثرها يداك.. بعيداً عن ظلك.
ستتابع شمس الحق سيرها دون تراجع، وستعلن قريباً انتصار الفكرة وانهيار
الأصنام، كما حدث يوم تحطم " هبل " في الكعبة.
مالك بن نبي - شروط النهضة " بتصرف "
стр. 564
بحوث
الإمساك عمّا شجر بين الصحابة
محمد الوهيبي
قال ﷺ : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم
فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا» [١] . وهكذا كان من منهج أهل السنة الإمساك
عن ذكر هفوات الصحابة وتتبع زلاتهم وعدم الخوض فيما شجر بينهم. قال أبو
نعيم ﵀: فالامساك عن ذكر، أصحاب رسول الله- ﷺ
وذكر زللهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من
أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذين مدحهم الله بقوله: [والَّذِينَ
جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ] .
ويقول أيضاً في تعليقه على الحديث المشار إليه: (لم يأمرهم بالإمساك عن
ذكر محاسنهم وفضائلهم، إنما أمروا بالإمساك عن ذكر أفعالهم وما يفرط منهم في
ثورة الغضب وعارض الموجدة) [٢] . إذاً الإمساك المشار إليه في الحديث الشريف إمساك بخصوص يقصد به (عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلات ونشر ذلك بين العامة، أو التعرض لهم بالتنقص لفئة، والانتصار لأخرى) [٣] . وذلك مما لم نؤمر به، إنما أمرنا بالاستغفار لهم ومحبتهم ونشر محاسنهم وفضائلهم. (لكن إذا ظهر مبتدع، يقدح فيهم بالباطل فلا بد من الذب عنهم وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل) [٤] .
وهذا مما نحتاجه في زماننا، حيث ابتليت الأمة المسلمة بجامعاتها ومدارسها
بمناهج - يزعم أصحابها الموضوعية والعلمية - يخوضون فيما شجر بين الصحابة
بالباطل دون التأدب بالآداب التي علمنا إياها ورسوله -صلى الله عليه
وسلم- كذلك ابتليت بالفرق الضالة التي نشرت ذلك فى بعض البلاد، بل إن
العدوى-وللأسف- وصلت بعض الإسلاميين حتى إن بعضهم يجمع الغث والسمين
من الروايات حول الفتنة التي بين الصحابة ثم يبني أحكامه دون الاسترشاد بأقوال
الأئمة الأعلام وتحقيقاتهم، من أجل ذلك أردت أن أشير إلى بعض الأسس ...
والتوجيهات التي ينبغي أن يعرفها الباحث إذا اقتضت الحاجة أن يبحث وينظر إلى
الروايات فيما شجر بينهم.
١ -إن الكلام عما شجر بين الصحابة ليس هو الأصل، بل الأصل العقدي
عند أهل السنة هو الكف والإمساك عما شجر بين الصحابة، وهذا مبسوط في عامة
كتب أهل السنة في العقيدة كالسنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، والسنة لابن أبي
عاصم، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني، والإبانة لابن بطة، والطحاوية
وغيرها. ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة وذلك
بتعارض ذلك بما في ذهنه عن الصحابة وفضلهم ومنزلتهم وعدالتهم وعدم إدراك
مثله (لصغر سنه أو حداثة عهده بالدين..) لحقيقه ما حصل بين الصحابة
واختلاف اجتهادهم في ذلك فيقع في الفتنة (بانتقاصه الصحابة) من حيث لا يعلم..
وذلك مبني على قاعدة تربوية تعليمية مقررة عند السلف وهي ألا يعرض على
الناس من مسائل العلم إلا ما تبلغه عقولهم، قال الإمام البخاري ﵀: باب
من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا، وقال علي ﵁:
حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ . قال الحافظ في الفتح
تعليقاً على ذلك: وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبني أن يذكر عند العامة ومثله
قول ابن مسعود: (ما أنت محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)
رواه مسلم.
وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها
الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب..
إلى أن قال: (وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم) [٥] .
٢ - وإذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم فلا بد من التحقق والتثبت في
الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة، قال : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا
إن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ]
هذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفساق لكي لا
يحكموا بموجبها على الناس فيندموا، فوجوب التثبت والتحقق فيما ينقل عن
الصحابة وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى، خصوصاً ونحن نعلم أن مثل هذه
الروايات دخلها الكذب والتحريف، إما من جهة أصل الرواية، أو تحريف بالزيادة
والنقص يخرج الرواية مخرج الذم والطعن، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة
هو من هذا الباب، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن
يحيى، ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وأمثالهما [٦] ، من أجل ذلك لا
يجوز أن يدفع النقل المتواتر في محاسن الصحابة وفضائلهم بنقول بعضها منقطع
وبعضها محرف وبعضها لا يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن قد
تيقنا ما ثبت في فضلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها فكيف إذا علم
بطلانها [٧] .
٣ -أما إذا صحت الرواية في ميزان الجرح والتعديل وكان ظاهرها القدح
فيلتمس لهم أحسن المخارج والمعاذير، قال ابن أبي زيد: (..والإمساك عما شجر ...
بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب) [٨] . وقال ابن دقيق العيد: (وما نقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفوا فيه، فمنه ما
هو باطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحاً أولناه تأويلاً حسناً لأن الثناء
عليهم من الله سابق، وما ذكر من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك
والموهوم لا يبطل المحقق والمعلوم) [٩] ، هذا بالنسبة لعموم ما روي في قدحهم.
٤ - أما ما روي على الخصوص فيما شجر بينهم، وثبت في ميزان النقد
العلمي فهم فيه مجتهدون، وذلك أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف
اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:
أ- قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغ فوجب
عليهم نصرته، وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه
صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.
ب -وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق مع الطرف الآخر،
فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.
ج - وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضايا وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح
أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا
يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك [١٠] .
إذاً هذا القتال هم متأولون فيه، لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب نفسها
بسببها وذلك لا يخرجهم من العدالة بل هم في حكم المجتهدين في مسائل الفقه فلا
يلزم نقص أحد منهم إنما هو بين أجر وأجرين. ومن المهم أن نعلم أن القتال الذي
حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل
وصفين لم يقاتلوا على نصب إمام غير علي ولا كان معاوية يقول إنه الإمام دون
علي ولا قال ذلك طلحة والزبير ... وإنما كان القتال فتنة عند كثير من العلماء-
بسبب اجتهادهم في كيفية القصاص من قاتلي عثمان ﵃، وهو من
باب قتال أهل العدل والبغي وهو القتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام لا على
قاعدة دينية - أي ليس بسبب خلل في أصول الدين -[١١] . ويقول عمر بن شبه: (إن أحد اًلم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا علياً في الخلافة ولا دعوا لأحد
ليولوه الخلافة، وإنما أنكروا على علي منعه من قتال قتلة عثمان وترك الاقتصاص
منهم) [١٢] .
ومما يؤكد ذلك هذه الرواية التي ذكرها ابن كثير: (جاء أبو مسلم الخولاني
وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني
لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً،
وأنا ابن عمته، والطالب بدمه، فائتوه فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان، وأسلم له، فائتوا علياً، فكلموه. فلم يدفعهم إليه [١٣] ) وفي رواية: (فعند ذلك صمم أهل
الشام على القتال مع معاوية) [١٤] .
وأيضاً جمهور الصحابة، وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة، قال عبد الله
ابن الإمام أحمد: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا أيوب السختياني عن
محمد بن سيرين قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله- ﷺ
عشرة آلاف فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين. قال ابن تيمية: (وهذا
الإسناد أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في
منطقه، ومراسيله من أصح المراسيل) [١٥] . فأين الباحثون المنصفون ليدرسوا
مثل هذه النصوص الصحيحة؟ وتكون منطلقاً لهم، لا أن يلطخوا أذهانهم
بتشويشات الإخباريين ثم يؤولون النصوص الصحيحة حسب ما عندهم من البضاعة
المزجاة.
٥- ومما ينبغي أن يعلمه المسلم حول الفتن التي وقعت بين الصحابة-مع
اجتهادهم فيها وتأولهم - حزنهم الشديد وندمهم لما جرى، بل لم يخطر ببالهم أن
الأمر سيصل إلى ما وصل إليه، وتأثر بعضهم التأثر البالغ حين يبلغه مقتل أخيه،
بل إن البعض أيضاً لم يتصور أن الأمر سيصل إلى القتال، وإليك بعضاً من هذه
النصوص المؤثرة:
أ-فهذه أم المؤمنين عائشة تقول -كما يروي عنها الزهري -: (إنما أريد أن
يحجز بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولو علمت ذلك لم
أقف ذلك الموقف أبداً [١٦] ، وكانت إذا قرأت: [وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] تبكي حتى يبتل خمارها) [١٧] .
ب -أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيقول الشعبي: (لما قتل طلحة
ورآه علي مقتولاً، جعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: عزيز علي أبا محمد أن
أراك مجدلاً تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عجري وبجري (همومي
وأحزاني) وبكى عليه هو وأصحابه، وقال: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين
سنة) [١٨] ، ويقول ﵁: (يا حسن يا حسن، ما ظن أبوك أن الأمر
يبلغ إلى هذا، ود أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة) [١٩] . وكان يقول ليالي
صفين: (لله در مقام عبد الله بن عمر وسعد بن مالك (وهم ممن اعتزل الفتنة) إن
كان بدًا إن أجره لعظيم، وإن كان إثماً إن خطره ليسير) [٢٠] . فهذا قول أمير
المؤمنين رغم قول أهل السنة إن علياً ومن معه أقرب إلى الحق [٢١] .
ج -ويقول الزبير بن العوام ﵁ وهو ممن شارك في القتال بجانب
أم المؤمنين عائشة ﵂: (إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها،
فقال مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها؟ قال: ويحك! إنا نبصَّر ولا نبصِر، ما
كان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر، فإني لا أدري أمقبل أنا
فيه أم مدبر؟) [٢٢] .
وهذا معاوية ﵁، لما جاءه نعي علي بن أبي طالب، جلس وهو
يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يبكي، فقالت امرأته، أنت بالأمس تقاتله،
واليوم تبكيه؟ فقال: ويحك، إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله
وسوابقه وخيره، وفي رواية (ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه
والعلم) [٢٣] .
وبعد كل هذه النقولات كيف يلامون بأمور كانت مشتبهة عليهم؟ فاجتهدوا
فأصاب بعضهم، وأخطأ الآخرون وجميعهم بين أجر وأجرين، ثم بعد ذلك ندموا
على ما حصل وجرى، وتابوا من ذلك، وما حصل بينهم من جنس المصائب التي
يكفر الله بها ذنوبهم، ويرفع بها درجاتهم ومنازلهم قال -صلى الله عليه
وسلم-: «لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يسير في الأرض ليس عليه خطيئة»
[٢٤] ، وعلى أقل الأحوال لو كان ما حصل من بعضهم في ذلك ذنباً محققاً، فإن
الله يكفره بأسباب كثيرة من أعظمها الحسنات الماحية-من سوابقهم
ومناقبهم وجهادهم -، والمصائب المكفرة، والاستغفار، والتوبة التي بها يبدل الله
السيئات حسنات، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
٦ - وأخيراً نقول إن أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن كل واحد من
الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة،
ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، ثم إذا كان
قد صدر من أحدهم ذنب، فيكون إما قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر
له بسابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف
الأمور التي هم فيها مجتهدون إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور. ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغفور في
جنب فضائل القوم، ومحاسنهم من إيمان وجهاد وهجرة ونصرة وعلم نافع وعمل
صالح [٢٥] .
يقول الذهبي ﵀: ( ... فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع
بينهم وجهاد محّاء وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم
العصمة) [٢٦] .
إذاً اعتقادنا بعدالة الصحابة لا يستلزم العصمة، فالعدالة استقامة السيرة
والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى
والمروءة جميعاً، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه.. (ثم لا خلاف في أنه لا يشترط
العصمة من جميع المعاصي ... ) [٢٧] .
ومع ذلك يجب الكف عن ذكر معايبهم ومساويهم مطلقاً - كما مر سابقاً -،
وإن دعت الضرورة إلى ذكر زلة أو خطأ لصحابي، فلا بد أن يقترن بذلك ذكر
منزلة هذا الصحابي وتوبته وجهاده وسابقته..، إن وجد شيء من ذلك، فمثلاً من
الظلم أن نذكر زلة حاطب بن أبي بلتعة ﵁، دون أن نذكر توبته
وسابقته وأنه من أهل بدر، ومن الظلم أيضاً أن نذكر ماعزاً وزلته ولا نذكر توبته
التي لو تابها صاحب مكس لقبل منه، [٢٨] وهكذا فالمرء لا يعاب بزلة يسيرة
حصلت منه في فترة من فترات حياته، وتاب منها، فالعبرة بكمال النهاية لا بنقص
البداية إن كانت له حسنات ومناقب، ولو لم يزكه أحد، فكيف إذا كثرت فيه
التزكيات، وكيف إذا زكاه خالقه، الخبير بما في نفسه؟ .
стр. 565
كتاب في مقال
المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية
تأليف: عبد الله أحمد الشبانة
عرض: أحمد أبو عامر
من أعظم ما أصيب به المسلمون اليوم هو ما سيطر عليهم من روح الانهزام
أمام أعداء الإسلام، وضعف الهمة من بعث روح المقاومة والمغالبة، والعجز عن
مجرد التفكير في ذلك، حتى بلغت أمتنا في ذلك مبلغاً من الانحطاط والتقهقر
والتخلف لا نريد عليه ... ونحن اليوم في أشد الحاجة إلى تعرية هذا المرض
الخبيث الذي يقلب الموازين ويعكس المفاهيم حتى أصبحنا نظن العدو صديقاً،
والأبيض أسود، والغاش ناصحاً، والناصح غاشاً، وهذا ما حدا بالمؤلف إلى علاج
هذه الظاهرة المرضية في واقعنا، وقبل أن يحدد معنى الهزيمة النفسية تطرق إلى
مدخل لبيان أهمية معرفة هذه الظاهرة كبداية لعلاجها ثم عن مظاهر الهزيمة النفسية
في ثلاثة أبواب:
أولاً: في مجال الفكر، وتطرق فيه للفكر التربوي ثم الفكر الإعلامي.
ثانياً: في مجال النظم، وتطرق فيه للنظامين الاقتصادي والسياسي.
ثالثاً: في مجال السلوك، وتطرق فيه للسلوك الفردي والسلوك الاجتماعي.
ثم بين خطر هذه الظاهرة في محيط الفرد، ثم في محيط الأسرة ثم في محيط
الجماعة والأمة. ثم تطرق المؤلف إلى أسباب هذه الظاهرة وعوامل تكوينها،
وأرجعها إلى أسباب وعوامل ذاتية، ثم أسباب وعوامل خارجية. ثم تطرق المؤلف
إلى طريق علاج هذه الظاهرة ووسائل القضاء عليها.
ومما يجدر ذكره أن المؤلف استعرض الجهود العلمية والفكرية والتي سبقته
لعلاج وبحث هذه الظاهرة في النفس والمجتمع، ومن سبق إلى البحث فيها أمثال
(شكيب أرسلان) في كتابه (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم) وكذلك أبو الحسن
الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) ومالك بن نبي في (شروط
النهضة) وأبو الأعلى المودودي في كتابه (واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم)
ود. ناصر العقل في كتابه (التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإسلامية) وهو لم يطبع بعد طبعته الأولى، وهذه فرصة للدعوة لإعادة طبع الكتاب لأهمتيه في هذا
الباب ... وغيرها من الأبحاث الهامة في هذا الباب.
وقد وضح طرق علاج هذه الظاهرة ووسائل القضاء عليها في بابين:
١ - طريق التربية والتعليم.
٢ - طريق التوجيه والإرشاد (الإعلام) .
وفي خاتمة الكتاب جمع المؤلف خلاصة ما تضمنه البحث من أبواب وفصول، وأكد أنه كبير الأمل وعظيم الثقة في أن نجاحاً كبيراً سيتحقق من جراء الأثر
الإيجابي للعلاج، وأن شفاء الأمة من هذا المرض سيتم بإذن الله من هذا الداء
الخطير، وستمضي بحول الله تعيد سيرة سلفها الصالح، وأمجادها الغابرة، ونبه
إلى أن واجب كل مسلم واع مدرك للخطر منتبه لما يراد بالأمة وما تساق إليه بل ما
سيقت له منذ أزمان أن يعمل بكل ما أوتي من قوة وبكل وسيلة ممكنة لتبصير الأمة
بالأخطار التي هددتها وتهدد كل فرد من أفرادها..
وأن واجب المسئولين في كل دولة واجب مضاعف، وخاصة مسئولو ذينك
المجالين المهمين: (التربية والإعلام) ثم نبه إلى نوع من الانهزامية لم يتطرق له
لعدم دخوله في منهج البحث وهو ما تتعرض له الأمة في مجال الأدب ومناهج النقد
عن طريق ما يسمى بالحداثة والتي انكشفت كل أوراق أدعيائها بما ظهر من
دراسات علمية وموضوعية حول ذلك.
والكتاب دراسة يلمس فيها القارئ حسن القصد وحسن البحث ولن يعدم كل
قارئ للكتاب من أصول ومعلومات علمية قيمة تزيد ثقافته وتناقش كثيرًا من
الشبهات المطروحة في الساحة بمنهج علمي جدير بالتقدير والاحترام.