المسلمون في الغرب تحت المجهر الأمني
يحيى أبو زكري
استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية وعبر أجهزتها الأمنية بمختلف عناوينها أن تنقل الهاجس الأمني الكبير الذي يتحكّم في مسلكيتها السياسية، والذي أوجدته أحداث سبتمبر / أيلول إلى العواصم الغربية التي راحت أجهزتها الأمنية ترتّب أوراقها وتفتح كل الملفات القديمة والجديدة، وتعيد رسم خريطة وضع المسلمين تحت المجهر في هذا البلد الغربي وذاك.
وإذا كانت العواصم الغربية تبدي احترامها لحقوق الإنسان وقوانين الدمقرطة السائدة فيها، إلاّ أنّها لا يمكنها الإفصاح عن الترتيبات الأمنية المتخذة، والخطوات المدروسة لمراقبة تحركات المسلمين؛ وتحديداً الملتزمين والحركيين منهم.
والخطوات المتخذة لوضع المسلمين تحت المجهر كثيرة، ومنها:
المعروف أنّ المسلمين في الغرب حصلوا على حقّ الإقامة في الغرب؛ إمّا عن طريق اللجوء السياسي وإما الإنساني، وهؤلاء الأغلبية، وتتوفّر ملفاتهم على تفاصيل مملّة عن ماضيهم السياسي والحركي والفكري والانتماء الديني، وكل الملفات موجودة لدى دوائر الهجرة والأجهزة الأمنية، وهذه الملفات مفتوحة دوماً لتضاف إليها كل النقاط الصغيرة والكبيرة من المهد وإلى اللحظة الراهنة المتعلقة بهذا اللاجئ. وللإشارة فإنّ كل لاجئ حصل على حقّ الإقامة في هذه الدولة الغربية أو تلك له مسؤول يتابع أخباره من الجهاز الأمني في هذا البلد أو ذاك دون أن يعرف اللاجئ ذلك.
وإذا احتاج هذا الجهاز الأمني إلى معلومة أو استكمال البحث في شأن تقرير وارد من دولة غربية أو عربية بشأن هذا الشخص؛ يقوم هذا المسؤول باستدعائه بطريقة مؤدبة طبعاً، وبأسلوب مغاير لأساليب الأجهزة الأمنية في البلاد العربية.
وبقية المقيمين المسلمين أو المتجنسين فإنهم حصلوا على الإقامة عن طريق الزواج أو جمع الشمل وما شابه، وحتى ذلك هؤلاء لهم ملفات كاملة في دوائر الهجرة التي هي واجهة للأجهزة الأمنية، ومن ثم فإنّ ملفات المسلمين مفتوحة ومعروفة بدقّة للأجهزة الأمنية التي تقرر فيما بعد مَن الأوْلى بالمراقبة والتنصت على مكالماته وتتبّع تحركاته.
وبعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول باتت الأجهزة الأمنية الغربية تعمل بمقتضى قانون الإرهاب الذي أطلق يدها، وعندما تقرر الدوائر الأمنية وضع شخص ما تحت المجهر أو مجموعة بكاملها؛ فإنّها تسخّر كل الإمكانات للتقصّي عنه، وقد سمحت لها التقنية الأمنية المتطورة بمعرفة أدق التفاصيل المتعلّقة بهذا الشخص أو المجموعة: بمن يتصل هذا الشخص، ولمن يرسل البريد الإلكتروني، وأي الرسائل يستقبل، ومتى يخرج من بيته، ومتى يوجد في هذا المسجد أو ذاك؟ وما إلى ذلك من التفاصيل الدقيقة.
وأحياناً تستعين الأجهزة الأمنية الغربية بأشخاص عرب ومسلمين لجمع تقارير عن هذا أو ذاك، وكثيراً ما توظّف الأجهزة الأمنية الغربية عرباً ومسلمين لجمع معلومات عن إخوانه العرب والمسلمين مقابل مكافآت مادية أحياناً، أو مقابل الغضّ عن بعض الانتهاكات للقانون الغربي التي يقترفها هذا العميل في مجال تسديد القروض، أو التحايل على مؤسسات الدولة، وما إلى ذلك.
وأثناء قيامنا بهذا التحقيق صرح العديد من المستجوبين الإسلاميين بأنّ أجهزة الاستخبارات الغربية كانت تعرف عنهم كل صغيرة وكبيرة، حتى في بعض التفاصيل التي كان على علم بها أشخاص من الدائرة الضيقة من رحم هذا الشخص أو ذاك.
وقد روى شخص شيعي من العراق حقق معه جهاز أمني غربي أنّه سُئل عن «المقلَّد» الذي يقلّده: هل هو السيستاني أو باقٍ على تقليد أبي القاسم الخوئي!
وبالإضافة إلى هذه الأساليب؛ فإنّ معظم المساجد والمراكز الإسلامية مرصودة بشكل كامل، ويتم التنصّت على مجمل المكالمات التي ترد إلى المسجد أو تخرج منه، بالإضافة إلى المؤتمرات الإسلامية التي تقام في هذه العاصمة الغربية أو تلك.
وإذا شعر هذا الجهاز الأمني بأنّ هذا المسلم مهم ويملك معلومات معينة؛ فإنّه يُتنصّت عليه لكي تمتص معلوماته دون أن يشعر، وأحياناً تقوم الأجهزة الأمنية الغربية وبطريقة ذكيّة بإدخال شخص عربيٍ أو مسلم إلى دائرة هذا المرصود، وعندما يستأنس المرصود بالدخيل يشرع الدخيل بطرح عشرات الأسئلة على هذا المرصود، وطبعاً الأجوبة تحفظ في أشرطة خاصة، وتصنَّف في خانة الذين يخدمون الأجهزة الأمنية الغربية مجاناً.
وحتى رسائل الفاكس تراقَب بإحكام إلى درجة أنّ مترجماً عراقيّاً ذكر لي أنّ جهازاً أمنياً غربياً عرض عليه التعامل معه على أن يقوم بترجمة رسائل الفاكس ورسائل البريد الإلكتروني، أو بيانات معينة من اللغة العربية وإلى اللغة الغربية، وفي هذا السياق يشار إلى أنّ كل الأجهزة الأمنية الغربية ـ في مطلقها ـ تستعين بجيش عرمرم من المترجمين العرب والمسلمين، وبعضهم يعمل ضمن ملاك هذه الأجهزة، ويتقاضى راتباً كبيراً شأنه شأن أي ضابط استخبارات غربي.
ويشترط في هذا المترجم العربي الذي يترجم للأجهزة الأمنية الغربية أن تكون فيه مواصفات رجل الاستخبارات الغربي نفسها: من تحلل، وتفسخ، وعدم الإيمان بالقيَم والمبادئ. والعجيب أنّ هذه الأجهزة عندما يتعلّق الأمر بقضية إسلامي أو قضية مسلمين تستعين بمترجمين عرب مسيحيين من العراق أو لبنان أو سوريا حتى تكون الخدمة كاملة وعلى أتمّ وجه.
وهناك غير هذه الوسائل المعتمدة في جمع المعلومات عن المسلمين كالتقارير المتبادلة بين كل الأجهزة الأمنية الغربية، حيث هناك تعاون مكثف ووفق شيفرات خاصة بالحاسوب، ويكفي أن يطلب رجل الاستخبارات البريطاني معلومة ما من زميله الدانماركي ليصله ما يريد في ثوان وعبر طرق إلكترونية متطورة للغاية.
كما أنّ هذه الأجهزة الأمنية الغربية باتت تستعين بأرشيف الأجهزة الأمنية العربية المفتوح دوماً للدوائر الغربية، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بمحاربة الإسلاميين.
ولم تكتف الأجهزة الأمنية الغربية بهذا الرصد للعرب والمسلمين من الأصول العربية والإسلامية، بل بدأت هذه الأجهزة ترصد المسلمين الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام عن طريق البحث والدراسة؛ خوفاً من التزامهم بالإسلام الحركي، واحتمال أن يؤثّر ذلك في مستقبل الغرب في حدّ ذاته!
وتحاول هذه الأجهزة ومؤسساتها الفكرية والتحليليّة الغوص في المصادر الفكرية والإعلامية التي يعتمد عليها هؤلاء المسلمون من الغربيين من قبيل صفحات الإنترنت ـ الويب ـ باللغات الغربية والكتب الإسلامية المترجمة؛ في محاولة لمعرفة طرائق تفكير هذا الإنسان المسلم الغربي الجذور والمواطنة.
وبقي القول: إنّ مؤسسات الأبحاث التابعة للأجهزة الأمنيّة الغربيّة توظّف غربيين من خريجي معاهد الاستشراق واللغات العربية والفارسية والتركية والكرديّة؛ عندما يتعلّق الأمر بتشريح العالم العربي والإسلامي الذي يُشرّح فكرياً في أعلى المستويات الغربيّة، ويراد تشريحه جغرافياً من خلال تفتيته إلى دويلات كما تقضي الاستراتيجية الغربية الجديدة.
стр. 5007
المسلمون المنسيون في كمبوديا
ناصر العروي اليمني
كمبوديا من الدول التي أنهكتها الحروب الطويلة في القرن الماضي، فلم تستقر أوضاعها السياسية إلاَّ من قريب؛ فإذا نظرت إلى عهود الاحتلال الأجنبي في القرن الماضي وما قبله؛ فإن كمبوديا إحدى ضحاياه والتي لم تسلم من اغتصاب أراضيها ونهب خيراتها؛ فقد تعرضت للاحتلال الفرنسي، ودام فيها من عام ١٨٦٣م إلى أن حصل الاستقلال على يد الملك الحالي لكمبوديا (سيهانوك) عام ١٩٥٣م؛ فقد تنازل له والده (نوردوم) عن الحكم، وقيل بطلب من الفرنسيين وهو صغير، فاستطاع بذكائه الحصول على استقلال بلاده بدون مواجهات عسكرية؛ على أن هناك بعض الثوار الذين عارضوا الوجود الفرنسي على أرضهم وقاوموه، ولكن لم تنجح ثوراتهم التي قوبلت بالقمع من قِبَل الفرنسيين، ومن ذلك الوقت استمر الملك (سيهانوك) ملكاً لكمبوديا إلى السبعينيات ثم انقلب عليه وزير دفاعه المسمى (لن نل) وأمسك بزمام الحكم في البلاد بدعم أمريكي حتى عام ١٩٧٥م، وفي ذلك الوقت إبَّان حكم (لن نل) دخل الجيش الأمريكي الذي كان يحتل فيتنام إلى كمبوديا، وتم طردهم على أيدي الشيوعيين الذين أطاحوا بحكم (لن نل) ، واستولوا على الحكم بعده في الوقت الذي كانت الشيوعية تنفث سمومها في كثير من بلاد العالم، وتغذي حركات التمرد والفساد على الأنظمة الحاكمة، فقامت عصابة السفاح الشيوعي (بول بوت) بالسيطرة على مقاليد الحكم، وعاثوا في الأرض فساداً، كما سيأتي في تفصيل مذابحهم. استمر حكمهم إلى عام ١٩٧٩م ثم تم طردهم بمساعدة الجيش الفيتنامي حتى استقروا في الغابات البعيدة، وتولى حكم البلاد بعدهم (هنج سمرن) إلى بداية التسعينيات، ولم تخلُ هذه الفترة من مواجهات مع الفارّين من عصابة الخمير الحمر الملتجئين إلى الغابات؛ فقد كانوا يشنون بعض الهجمات على الحكومة في فترة حكمه.
ثم بدأت الدولة عهداً جديداً من التطورات السياسية؛ ففي بداية التسعينيات كان دخول الديمقراطية إلى كمبوديا؛ حيث تم تشكيل الأحزاب، وجرت بعد ذلك الانتخابات لتعيين رئيس للدولة، وكانت الأحزاب الناشئة أكثر من عشرين حزباً، وأشهرها ثلاثة أحزاب هي: حزب الشعب، وحزب فونسمبك التابع لابن الملك، وحزب سيسان، وبعد إجراء الانتخابات فاز حزب فونسمبك برئاسة الوزراء، وقوبلت هذه النتيجة بالرفض من قِبَل حزب الشعب، الأمر الذي أدى إلى مواجهات عسكرية بين الحزبين، فدعا الملك الطرفين للمصالحة والتفاهم على الحكم، وعدم جر البلاد إلي حروب أهلية، وكان الحل الذي قدمه الملك أن يكون ابنه صاحب حزب فونسمبك الفائز بالانتخابات هو الرئيس الأول لرئاسة الوزراء، و (هونسين) أحد أعضاء حزب الشعب البارزين والرئيس الثاني لرئاسة الوزراء، واستمر الحال على ذلك حتى حلول الفترة الثانية للانتخابات في عام ١٩٩٦م، وقام (هونسين) بطرد ابن الملك، وانفرد برئاسة الوزراء إلى تاريخ كتابة هذه الأسطر؛ وذلك بعد مواجهات وقعت بينهما داخل العاصمة الكمبودية (فنوم بنه) . والجدير بالذكر أن الانتخابات الأولى قامت بإشراف الأمم المتحدة، ثم تولى (رانارد) ابن الملك رئاسة البرلمان وما زال على ذلك إلى يومنا هذا.
أمَّا مآل الأحزاب السياسية المتعددة، فقد تقلص أكثرها، وأشهرها اليوم على الساحة السياسية حزب الشعب الحاكم التابع لرئيس الوزراء هونسين، وحزب فونسمبك التابع لابن الملك، وحزب سامرنسي المعارض. أما الملك (سيهانوك) الطاعن في السن فملكه فخري لا غير، وهو يتمتع باحترام الشعب له، وأصبح في أيامه الأخيرة يفضل العيش خارج مملكته في الصين وكوريا.
- المسلمون والعمل السياسي:
كان دخول المسلمين في المعترك السياسي بعد إخراج عصابة الخمير الحمر، ولكن مشاركتهم كانت محدودة في بعض الشخصيات، إلى أن تم إدخال اللعبة الديمقراطية والتعددية الحزبية في أوائل التسعينيات، فانخرط الكثير من المسلمين في هذه الأحزاب، وخاصة أكبر حزبين في البلاد وهما: حزب الشعب الحاكم، وحزب فونسمبك الحزب الثاني من حيث الأهمية، ومن المسلمين من يشغل بعض المناصب المرموقة ذات الأهمية؛ فهناك وزراء ونواب وزراء وأعضاء في البرلمان، ومجلس الشيوخ ومسؤولون وأفراد في الجيش، وصار هؤلاء المسؤولون يستقطبون أصوات المسلمين كلٌّ لصالح حزبه، ولم يستغلوا وجودهم السياسي لنفع الإسلام والمسلمين، بل ـ وللأسف ـ إن التفرق والتعصب الحزبي بين المسلمين أكثر مما هو عند غيرهم، فتجد بينهم من العداء والكراهية ما أفسد أخوة الإسلام وجعل بعضهم يعمل ضد الآخر، وأصبح عامة المسلمين ضحية لانتشار روح العداء الحزبي بينهم. والله المستعان. وغالب المسلمين يؤيدون حزب الشعب الكمبودي الحاكم.
- مذابح بول بوت: (الخمير الحمر) :
إنها المذابح الفظيعة التي لم يسمع عنها العالم كثيراً، وقد تُعدُّ أحد أكبر أحداثه في القرن الماضي، فعصابة الخمير الحمر الشيوعية التي يتزعمها السفاح المدعو (بول بوت) خرجت إلى الساحة الكمبودية في زمن كان فيه للشيوعية الحمراء صولة وجولة في كثير من بلدان العالم؛ هذه العصابة السفاحة الأثيمة التي لا زالت قضيتها يكتنفها الكثير من الغموض رغم مرور ما يزيد على عشرين سنة من طردها خرجت باسم برنامج الإصلاح الزراعي، ورفع مستوى البلد زراعياً والقضاء على الملكية الخاصة، كما رفع هذا الشعار في بلدان أخرى في ذلك الوقت.
استولت هذه العصابة على الوضع في كمبوديا ما بين عام ١٩٧٤ ـ ١٩٧٩م، سنوات قليلة مرت على الناس كقرون مديدة لاقى فيها الشعب الكمبودي ما لا يُرى في الأحلام من النَّكال، وإن الإنسان وهو يتكلم عن أعمال هذا السفاح ليتساءل: هل كان هدفه السيطرة على زمام الحكم؟! فقد حصل له ذلك! أم أن هدفه إبادة شعب من على وجه البسيطة؟! هذا السؤال الذي تحير الكثير في الجواب عنه. أعمال وحشية تشيب لها مفارق الولدان عانى منها الشعب الكمبودي إبَّان تسلط العصابة البائدة على مقاليد الحكم في البلد.
لقد سمعتُ الكثير وقرأت عن مذابحهم وما قاموا به من التدمير الكلي للبلد والقضاء على الإنسان وإلغاء أي دين على الأرض الكمبودية؛ بل قد رأيتُ بأم عيني صوراً وآثاراً لتلك المجازر البشرية؛ فقد قمنا بزيارة متحف في العاصمة (فنوم بنه) يطلق عليه متحف (بول بوت) نسبة إلى زعيم الخمير الحمر وحامل لواء برنامج الإبادة الجماعية، هذا المتحف كان في السابق مدرسة كبيرة في العاصمة، ثم حُوِّل إلى سجون ومعتقلات وزنازين لتعذيب الناس، ثم أصبح بعد زوال هذه العصابة متحفاً يحوي العديد من الصور لبعض الأعمال التي قاموا بها من تقتيل وتعذيب تقشعر له الأبدان، ويحوي كذلك بعض آلات التعذيب التي كان يستخدمها أولئك المجرمون. إن الزائر لذلك المتحف ليخرج منه بنفسية كئيبة لقبح ما يرى من مناظر الوحشية التي كانت في يوم من الأيام تقام فيه، مع أن الحكومة أزالت الكثير مما يحوي هذا المتحف لأسباب تخصها.
لقد استهدفت هذه العصابة المثقفين وأصحاب الخبرات والشهادات بشكل خاص وإبادتهم وذراريهم إلا من كتب الله له النجاة والهرب؛ ومن ذلك المسلمون؛ فقد قتل علماؤهم ومدرسوهم وجميع وجهائهم وكل من له علاقة بالتعليم. وقد سجلت إحصائية الذين هلكوا في تلك الأحداث بما يقرب من ٣.٠٠٠.٠٠٠ شخص ما بين مقتول بالتعذيب أو الموت بالجوع والأعمال الشاقة، والحديث يطول عن أحداث هذه الفتنة، فسأكتب بعض ما قاموا به على شكل نقاط:
١ - قاموا بتهجير سكان المدن، وخاصة العاصمة إلى القرى البعيدة للعمل في زراعة الأرز.
٢ - عطلوا كافة مرافق التعليم.
٣ - هدموا المصانع التي تقدر بخمسين مصنعاً. (هذا ما ذكر في تقرير عن هذه الأحداث في المتحف) .
٤ - أجبروا كل الناس على العمل معهم في وحدات زراعية في مختلف مناطق الدولة، ومن تمرد أو تخلف عن ذلك فعقوبته الإعدام، وقد يقتلون أسرته.
٥ - يكلفون الناس بأعمال شاقة لا تطيقها أعتى الحيوانات، ودون مقابل.
٦ - هلك معظم الناس جوعاً وهم يؤدون هذه الأعمال كما حدثنا بذلك الكثير من المسلمين الذين عايشوا تلك الأحداث.
٧ - يقتلون الناس لأتفه الأسباب، التي لا تستحق حتى السجن.
٨ - قاموا بالتفريق بين أفراد الأسرة الواحدة؛ فالأب في مكان، والأم في مكان آخر، وكذلك الأبناء.
٩ - قاموا بالخلط بين قرى المسلمين والكفار، وعملوا على دمجها وتداخلها.
١٠ - زوّجوا المسلمات بالكفار، والكافرات بالمسلمين.
١١ - أجبروا المسلمين على أكل لحم الخنزير، وشرب الخمور ومن أبى قتلوه.
١٢ - منعوا المسلمين من أداء العبادات كالصلاة والصوم، وقراءة القرآن، وغيرها.
١٣ - دمروا الكثير من مساجد المسلمين وبعضها جعلوه حظائر للخنازير، أو مخازن للسلاح.
١٤ - منعوا المسلمات من الحجاب (تغطية الرأس) ، وأجبروهن على لباس معين يستوي فيه الرجال والنساء يشبه الزي العسكري.
١٥ - منعوا المسلمين من التكلم بلغتهم الخاصة.
١٦ - كانوا يجندون أناساً لهذه الأعمال الوحشية، ومن ثَم يُقتلون، ويأتون بآخرين، وهلم جراً.
١٧ - هرب من استطاع الهرب في تلك الأيام إلى ماليزيا، وأمريكا، وفرنسا، وكندا، وغيرها من بلدان العالم.
١٨ - خلفت هذه الفتنة الآلاف من المعوقين بمختلف أنواع الإعاقة.
١٩ - كانوا يأخذون الأطفال الصغار إلى أماكن خاصة، ولا يتركونهم يختلطون بأهلهم.
٢٠ - كذلك دمروا العديد من المعابد البوذية، وجعلوا بعضها مقابر جماعية.
٢١ - اكتُشف العديد من المقابر الجماعية في كثير من المناطق.
٢٢ - وهناك خريطة لكمبوديا من الجماجم التي خلفتها هذه الفتنة في متحف (بول بوت) .
٢٣ - فرضوا على جميع الناس الأكل من مطاعم عامة.
- أصول المسلمين وعددهم:
يعرف المسلمون في كمبوديا بالجوى فهم أصلاً من إندونيسيا وماليزيا، وبالتشامبيين نسبة إلى جنسهم التشامبي، فالخمير الحمر البوذيون يطلقون على المسلمين هناك إحدى التسميتين إما: يقولون عنهم (إسلام) بمعنى مسلمين، وإما يقولون عنهم (تشام) ، إذ إن مسلمي كمبوديا ليسوا أصلاً منها؛ فأصولهم تعود إلى دولة قد انقرضت من الوجود، ومسحت من خريطة العالم قبل قرنين من الزمان تقريباً، إنها دولة تشامبا التي كانت تقع على جزء من فيتنام اليوم، كانت هذه الدولة قائمة ولها سيادتها وشعبها، ثم جرت بينها وبين الفيتناميين حروب كثيرة، وكانت الحرب بينهم سجال، ثم في آخر وقعة بينهم انهزم التشامبيون، وهرب آخر ملوكهم من بلده لاجئاً إلى كمبوديا بعد طلبه حق اللجوء من ملك كمبوديا آنذاك، ورحب الأخير به وبمن معه من التشامبيين الفارِّين من الحرب، ومن بقي من شعبه تفرق في دول عدة كفيتنام، والصين، وماليزيا، وغيرها من بلاد تلك المنطقة، ومن ذلك الزمان استوطن أولئك التشامبيون أرض كمبوديا وعاشوا فيها وصاروا كمبوديين مع مرور الزمن؛ إلا أنهم يُعرفون بالتشام، وُيعرف الكمبوديون ذوو الأصل الخميري أنهم يختلفون عن جنسهم وكذلك الديانة.
حمل هؤلاء الملاويون والتشامبيون الإسلام معهم إلى كمبوديا، وحملته الأجيال التي خلفتهم من بعدهم مقتصراً عليهم خلال مدة مكثهم؛ إذ لم يدخل في الإسلام من الخميريين إلا القليل النادر، فالخميريون أهل ملة وثنية تعبد الأوثان، وترى أن ديانتها تختص بها، كما أن التشامبيين لهم دينهم الخاص بهم، وكذلك قلة الدعوة من المسلمين للكفار إن لم نقل عدمها.
والجدير بالذكر أن الكثير من المسلمين لا زالوا يتكلمون اللغة التشامبية الخاصة بهم. وينتشر المسلمون في معظم المحافظات الكمبودية، ولكنهم في المحافظات الشمالية أكثر منهم في الجنوبية، وعلى وجه التحديد محافظة (كمبونج تشام) ثاني أكبر المحافظات الكمبودية بعد العاصمة (فنوم بنه) وأكثر المسلمين يسكنون هذه المحافظة الواسعة المساحة الكثيرة السكان؛ ويستوطن المسلمون القرى في كل المحافظات التي يتواجدون فيها إلا القليل منهم يسكن المدن، وبُعدهم عن المدن خير لهم مع ما يفوتهم من المصالح الدنيوية لسكناهم في القرى، إلا أن بعدهم عن المدن جعلهم يحافظون على هويتهم الإسلامية، وأخلاقهم مع ما شابها من الانحراف والجهل، بخلاف من استوطنوا المدن أو قريباً منها من المسلمين، فقد تأثروا بأخلاق الكفار، وضعف الإسلام عندهم لمخالطتهم للكفار.
- تعداد المسلمين:
أما عدد المسلمين فيبلغ تقريباً نصف مليون مسلم، وهو ما يساوي ٥% من التعداد الكلي لسكان كمبوديا، إذ يبلغ ١١ مليوناً، مع أنه لا توجد إحصائية دقيقة لذلك؛ إذ يقول بعضٌ: إنهم يبلغون مليون نسمة، علماً بأنه قد قُتل من المسلمين ما يقرب من ٣٠٠.٠٠٠ مسلم في فتنة الشيوعي (بول بوت) ، وعصابته المشهورين بالخمير الحمر في السبعينيات.
- لغة التشام:
لغة (تشام) هي اللغة التي يتكلمها الجنس التشامبي المسلم الذي سكن كمبوديا قديماً، وهي مقتصرة عليهم لا يعرفها الملاويون والكمبوديون الخمير؛ إذ يتكلم بها المسلمون فيما بينهم وخاصة في قراهم ومساجدهم ومدارسهم، ويتكلم بها الآن نصف المسلمين تقريباً، أو أكثر؛ نظراً لاندثارها عند مسلمي المحافظات الجنوبية، لقلتهم ولاختلاطهم بالخمير، وغلبة اللغة الخميرية عليهم، وهذه اللغة في تناقص مستمر، واندراس خاصة عند فئة الشباب الذين يفضلون التخاطب باللغة الرسمية الخميرية، والمسلمون يتقنون التكلم بالخميرية بالإضافة إلى لغتهم.
والجدير بالذكر أن هذه اللغة تكتب بالحرف العربي بزيادة بعض الحركات عليها من غير العربية، وينشأ الصبيان على معرفة الحروف العربية؛ مع أنها تغيرت عن المخرج العربي الصحيح لعجمتها، وهي لا تستوعب جميع الحروف العربية لعدم وجود بعضها في لغتهم؛ مع أن الحرف الأصلي الذي كانت تكتب به هذه اللغة هو حرف أعجمي يشبه الحرف الكمبودي.
وقد تعرضت هذه اللغة إلى وأد من قِبَل عصابة الخمير الحمر، فقد مُنع المسلمون من التكلم بها أثناء تسلط الخمير الحمر على كمبوديا، وكانت عقوبة المتكلم بها الإعدام، وقد تأثرت هذه اللغة باللغة الخميرية في استخدام بعض الكلمات التي فقدها المسلمون منها على مر الزمن، والعجيب أن هناك من مسلمي الصين وفيتنام من يتكلم بها مع اختلاط بعض لغة هاتين الدولتين بها؛ وهذا يدل على هجرة مسلمي دولة تشامبيا المفقودة إلى هذه الدول وغيرها.
ولها علاقة قوية باللغة العربية ليس من حيث كتابتها بالحرف العربي فحسب، بل من حيث استخدام بعض الكلمات والمصطلحات العربية فيما يتعلق بالكلام عن الإسلام؛ فكثير من المصطلحات الشرعية لا تترجم، بل تنطق كما هي، وبعضها قد يُغيَّر فيه شيء يسير؛ ومن ذلك على سبيل المثال: رسول، نبي، ملائكة، علماء، هداية، نعمة، سنة، بدعة، نكاح، وغيرها كثير.
كما أن اللغة التشامبية اقتبست بعض الكلمات من اللغة الملاوية لغة الملايو مسلمي ماليزيا وإندونيسيا؛ بحكم الترابط الديني بينهم؛ إذ تُعدّ ماليزيا المرجعية الدينية عند مسلمي كمبوديا.
وبحسب رأيي فإن هذه اللغة قد تلفظ أنفاسها عما قريب ما لم يهتم بها المسلمون؛ وذلك لعدة أسباب:
١ - أن اللغة الرسمية الخميرية طغت عليها، وأصبح أبناء المسلمين يتكلمون بها، ويدرسونها في المدارس، وكذلك ما تقوم به وسائل الإعلام من دور كبير في ذلك.
٢ - أن هذه اللغة غير معترف بها، ولا معتبرة رسمياً، وإنما تُعدّ دارجة عند التشامبيين.
٣ - أن فئة الشباب والمثقفين من المسلمين يفضلون التكلم باللغة الرسمية الخميرية.
٤ - أن هذه اللغة ليس لها قواعد، ولا كتب تتكلم عنها؛ فهي معرضة للزوال في يوم من الأيام.
- صرخات التوحيد تعلو في ظلمات الشرك:
سبق أن ذكرنا أن غالب سكان كمبوديا يدينون بالبوذية، وأن نسبة المسلمين فيها قليلة جداً في خضم الشعب الوثني الكافر؛ فقرى المسلمين تشكل نقاطاً بيضاء متناثرة هنا وهناك في ورقة سوداء مظلمة.
إن مظاهر الكفر وعبادة غير الله، وانتشار طقوس البوذية في ربوع كمبوديا من معابد، ومجامع لتأليه البشر، وأصنام ثابتة، ومتجولة تجعل النفس المؤمنة بالله وحده تشعر بالكآبة من تلك المظاهر الكفرية؛ فالمعابد البوذية منتشرة كانتشار المساجد في ديار الإسلام ترفع هتافاتها، وترانيمها، وغناءها الصاخب صباح مساء؛ يأوي إليها قطعان من الرهبان الذين حبطت أعمالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
كم يأخذ الحزن والحسرة في نفس المؤمن حين يرى ما لا يرضي الرب من عبادة للأصنام والأوثان!
- المساجد:
لا تخلو قرية من قرى المسلمين المتناثرة في كثير من المحافظات من وجود مسجد بها أو أكثر بحسب حجم القرية، كوجود مسجد جامع وآخر مصلى، والذي يطلقون عليه «سوراوا» ، وبعضها قد يكون مصنوعاً من الأخشاب تراه وقد عفا عليه الزمن وأكلته الأَرَضة، وبعضها الآخر قد يبدو جميلاً في منظره وهيئته، وهذا يعود إلى مصدر تمويل بناء المسجد؛ فبعض القرى لا يوجد بها إلا مساجد مصنوعة من الأخشاب المتآكلة قام ببنائها أهل تلك القرية، وبعضها قد يكون على نفقة بعض المغتربين الكمبوديين في أمريكا، أو ماليزيا، وربما من بعض المؤسسات الإسلامية الخارجية، وبعض المساجد بناها ملك كمبوديا!
ومساجد المسلمين التي في القرى يُسمح لها برفع الأذان بمكبرات الصوت؛ أما عواصم المحافظات فلا يوجد فيها مساجد، لكن هناك قرى مجاورة لها في الغالب، إلا في العاصمة الكمبودية (فنوم بنه) فيوجد مسجدان أحدهما يطلق عليه الآن (مسجد دبي) ، وهو أكبر المسجدين، وأشهرهما عند المسلمين ويرجع تاريخ بنائه إلى الستينيات؛ حيث اقترح أحد الرؤساء المسلمين على الملك (سيهانوك) أن يبنيه في العاصمة فأراد الملك بناءه وفعلاً بدأ تأسيس قواعد المسجد، ثم جاءت أحداث الحروب والانقلابات التي لم يستقر الوضع بعدها إلا في التسعينيات، وظل المسجد غير مكتمل البناء حتى تم بناؤه في بداية التسعينيات بتمويل من بعض المحسنين من دبي، ولذلك سمي مسجد دبي.
والمسجد الثاني في العاصمة قام ببنائه بعض المسلمين الباكستانيين المغتربين في كمبوديا، ولا زال يشرف عليه أحد أبنائهم الذي أصبح كمبودياً، ويسمى هذا المسجد (مسجد سعد بن أبي وقاص) . وللمسلمين عناية بترتيب أمور المساجد فيجعلون في كل قرية إماماً، وخطيباً، ومؤذناً ويطلق على المؤذن (بلال) ، وهذا في جميع مساجد المسلمين، كما يخصصون قيِّماً يقوم على شؤون المسجد، ويتولى جمع الصدقات لحاجات المسجد، وخاصة في الأعياد والمناسبات الدينية، بالإضافة إلى الإشراف العام لحاكم القرية على كل ما سبق.
وتوجد بعض العادات عند المسلمين في المساجد، وهي تجسد مدى الجهل الذي وصلوا إليه؛ فمنها: أنهم يتخذون في بعض المساجد طبلاً كبيراً يُجعل في ساحة المسجد لإعلان عن اقتراب وقت الصلاة قبل الآذان، وكذلك يعلنون به في شهر رمضان عن دخول وقت الإفطار، ومنها: تدخين بعضهم في المساجد، أو في ساحاتها وهو أكثر، وكأن المسألة لا تعدو أكل بعض الأطعمة المباحة! وفي الآونة الأخيرة بدأت تتقلص هذه العادات شيئاً فشيئاً؛ فلله الحمد والمنة.
- الحالة المعيشية:
عند الحديث عن معايش الناس وأرزاقهم نعلم أن الله ـ تعالى ـ قد فاضل بين عباده في الرزق، والمعيشة، فمنهم الغني الموسر، ومنهم متوسط الحال، ومنهم الفقير المعدم لحِكَم أرادها الله ليس هذا مجال ذكرها، فمقصودنا من ذلك أن مسلمي كمبوديا يتفاوتون في حالتهم المعيشية، إلا أن الحكم الغالب عليهم أنهم فقراء ومساكين، وإذا جئنا نفصل في هذه المسألة فسنجد أن المسلمين على مراتب من حيث الحالة المعيشية:
الفئة الأولى: وهم أصحاب المناصب السياسية في الحكومة، كالوزراء ونواب الوزراء، وأعضاء البرلمان ومجلس الشيوخ، ومن على شاكلتهم، وكذلك أصحاب التجارات الكبيرة وهم قلة.
الفئة الثانية: وهم المغتربون في الخارج كماليزيا، وأمريكا، وفرنسا، وغيرها.
الفئة الثالثة: وهم ممن يشتغلون بالتجارات البسيطة ومن لهم مهن يستفيدون منها كالجزارة، والحدادة.
الفئة الرابعة: الغالب من المسلمين وهم الذين يشتغلون بزراعة الأرز، وبعض المزروعات كالخضروات، والذرة الشامية والمطاط، وهي زراعة ضئيلة جداً.
الفئة الخامسة: وهم الصيادون ومعظم المسلمين يندرجون تحت الفئتين الرابعة، والخامسة؛ فالساكنون على ضفاف الأنهار يعملون في صيد السمك النهري، والساكنون في المناطق البعيدة عن الأنهار يقومون بزراعة الأرز، وبعض الخضروات والفواكه.
هذه التقسيمات ـ الآنفة الذكر ـ من خلال واقع عايشته بين ظهراني المسلمين ما يقرب من ثلاث سنوات، وقد لاحظت أن حالة المسلمين المعيشية أسوأ من الكفار؛ لأسباب منها: جمود المسلمين على أعمالهم الموروثة، كالصيد، وزراعة الأرز، وعدم التفكير في أعمال أخرى من شأنها رفع مستواهم المعيشي المتردي، وكذلك صعوبة مواصلة التعليم عند أبنائهم.
- الحجاب:
لقد مرت سنوات طويلة وهذه الأقلية المسلمة متمسكة بسماتها، وشعائرها الإسلامية؛ فرغم الجهل الشديد الذي يعيشه أبناء هذه الأقلية بدينهم، وآدابه، ووجودهم في وسط كافر، متفسخ تتبذل نساؤه مظهرة لمفاتنها، وتتبرج تبرجاً مخزياً، وهذه طبيعة الكفار في كل مكان؛ حيث لا دين يردعهم، ولا أدب يردهم، إلا أن نساء مسلمي كمبوديا لا زلن يحافظن على لباسهن، وحجابهن الإسلامي على ما فيه من قصور، ومخالفات سَبّبها القرب من الكفار، والتأثر بهم.
إن المرأة المسلمة تتميز عن نساء الكفار بتغطية رأسها بالزي الإسلامي الذي يشمخ المسلم حين يراه معلناً أن الإسلام قد وصل إلى هذه الديار النائية. يوم أن تتقلب في أماكن تواجد المسلمين لا ترى مسلمة قد نزعت حجاب رأسها في الغالب؛ وكم تُسرّ يوم ترى الصغيرات وقد لبسن الحجاب على الرغم من صغر سنهن، حيث لم يبلغن سن التكليف؛ هذه الميزة الطيبة شاهدتها بنفسي في كل القرى والتجمعات المسلمة التي زرتها في عدد من المحافظات، وإن كان الحجاب لا يفي بالمقصود من حيث حجمه، ونوعه، إلا أن بقاء هذه الأقلية على ذلك يعد ميزة طيبة توحي بعظمة ديننا الحنيف الذي إذا خالط النفس البشرية كان من الصعب التنازل عن مبادئه وآدابه؛ حيث السفور والعري يحيط بها من كل اتجاه، وهي صامدة في طريقها. أما عن لبس الخمار والحجاب الشرعي الكامل فهناك قلة من النساء المسلِمات اللاتي يرتدينه.
- حاكم القرية:
من حيث التقسيمات الإدارية للمحافظات، والمديريات؛ والمناطق فقرى المسلمين داخلة ضمن ذلك؛ إذ كل قرية يُعين عليها رئيس يتلخص عمله فيما يتعلق بعلاقات الحكومة بالقرية، إلا أن المسلمين لهم خاصية جيدة تزيد من ترابطهم؛ وجمع كلمتهم؛ إذ يقومون باختيار شخص منهم؛ ليقوم بشؤون القرية فيما يتعلق بالقضايا الشرعية، ويطلقون عليه (حاكماً) باللغة العربية، ويشترط في اختياره أن تتوفر فيه بعض الشروط التي تمكنه من القيام بعمله على أحسن وجه، وعمله يتلخص في أنه هو المسؤول عن القرية من حيث حل المشاكل الأسرية، وفض النزاعات بين المتخاصمين من المسلمين، ويتولى القيام بعقود الأنكحة، وكذلك له مسؤولية إشرافية على المسجد، ومدرسة القرية الدينية، والسعي لحاجات المسجد والمدرسة، والقيام بتنفيذ المشاريع، ومتابعتها من الجمعيات الخيرية الإسلامية، والناس يحترمونه ولا يقطعون أمراً يتعلق بمصلحة القرية العامة إلا بعد إبلاغه بذلك، وليس له أبهة، بل هو رجل عادي متواضع لا تفرق بينه وبين غيره من الناس في حاله ومعيشته.
والحاكم إن كان فقيراً فراتبه يتقاضاه من أهل القرية، كالزكاة والصدقة ومن أعماله الإضافية، وقد يكون بعضهم من الميسورين فلا يحتاج إلى شيء من ذلك، وكل حاكم له نائبان: أول وثان يقومان مقامه في حال غيابه، ويساعدانه في القيام بالأعمال التي تتعلق بالقرية.
- التنصير في كمبوديا:
إن المنصِّرِين ـ كما هو معلوم ـ لا يألون جهداً في نشر دينهم المحرّف، والدعوة إليه في جميع أقطار الأرض، بطرق، ووسائل شتى منها المعلن، والخفي والمباشر، وغير المباشر، وكثيراً ما يستغلون فقر بعض البلدان؛ ليوجهوا دعوتهم إليها تحت مسميات ومضلات دولية؛ فينشروا أباطيلهم، ويدعوا إلى كل باطل تحت غطاء المساعدات الإنسانية.
إن التنصير في دولة (كمبوديا) له حركة كبيرة؛ إذ يبلغ عدد الجمعيات والمؤسسات التنصيرية ١٠٠ جمعية ومؤسسة، تنطلق من مقرها بالعاصمة الكمبودية (فنون بنه) قاطعة الغابات، والأحراش، والمستنقعات، لتصل إلى سكان القرى، والبوادي النائية؛ إذ يُركِّز المنصِّرون عليهم لفقرهم وحاجتهم إليهم، فيمدون إليهم يد المساعدة بثمن الدخول في النصرانية!
لم يكتف المنصرون بدعوة البوذيين، بل قد تجرؤوا على دعوة المسلمين، وخاصة القرى البعيدة والفقيرة، ولهم أساليب في دعوة المسلمين، وغيرهم من البوذيين؛ منها:
- بناء بعض العيادات الصغيرة، وصرف الأدوية المجانية منها، مع توزيع الكتب والنشرات على المرضى، ودعوتهم إلى الكنيسة.
- احتواء بعض الأسر الفقيرة، وصرف راتب شهري لها على أن تتنصر.
- احتواء الشباب عن طريق تعليمهم اللغة الإنجليزية مجاناً! وهذا يجعل الشباب يُقبلون عليهم.
- ممارسة الدعوة إلى النصرانية في المؤسسات التعليمية، كالجامعات، والمدارس التي يتواجدون فيها.
- عرض فيديو في بعض القرى يحتوي على برامج تخدم أهدافهم.
- كل من استجاب لهم يربطونه بالكنيسة، ويحددون لهم اجتماعاً كل يوم أحد يعلمونهم فيه النصرانية المحرفة.
- إذا لاحظوا أن قريةً ما استجابت لهم، أو حصلوا على نسبة من أهلها بنوا لأتباعهم كنيسة فيها.
- الكنائس:
يبلغ عدد الكنائس في (كمبوديا) ٧٠٠ كنيسة، وهذا العدد يُعَدُّ كبيراً في دولة بوذية تُعتبر من أكثر دول المنطقة تمسكاً بالبوذية، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الجهود الكبيرة التي يبذلها هؤلاء المنصرون لتنصير الشعب الكمبودي.
- الخطر القادم:
إن المشكلة التي نخشاها هي أن يتنصر الشعب الكمبودي. إن طبيعة علاقة المسلمين في كمبوديا مع الكفار البوذيين علاقة لا يشوبها كدر ولا تتخللها مشاكل؛ فالتعايش السلمي بينهم، كأن ليس بينهم فرق في الظاهر، وحسب علمي فإن المسلمين لا يتعرضون للأذى كما هو حاصل لبعض الأقليات المسلمة في بلدان أخرى؛ فهم يعاملون على أنهم كمبوديون، أي معاملة المواطنة بغض النظر عن الانتساب إلى الدين.
إن التاريخ خير شاهد على أعمال المنصرين في دول شرقية كإندونيسيا والفلبين؛ فيوم أن سعى المنصرون، وكرسوا جهودهم لتنصير هذين البلدين حصلوا على نتائج غير عادية، وأوقدوا نار الحرب والكراهية التي لم تَخْبُ حتى الآن؛ فكم تعرض المسلمون للقتل، والتشريد، وغير ذلك من الأعمال الوحشية على أيدي هؤلاء المتنصرين. إن التنصير حيث يضع رحاله يبث روح العداء ضد الإسلام والمسلمين على مر التاريخ.
إن ما نخشاه هو تنصُّر الشعب الكمبودي، ومن ثم محاربة الإسلام، ومضايقة المسلمين في دينهم، وعقيدتهم، وخلق المشاكل، والافتراءات ضد الدعوة الإسلامية في هذا البلد؛ إذ إن بوادر هذا العداء تظهر في بعض الأحيان على شكل كتابات صحافية لبعض الصليبيين تكيل التهم والافتراءات ضد الدعوة الإسلامية، ومراكزها، وتوصي الحكومة بأخذ الحيطة والحذر من الإسلام والمسلمين.
стр. 5008
قف بالعراق ملياً في روابيهِ
صباح علاوي السامرائي
قف بالعراق ملياً في روابيهِ
واستلهم الوصل من أمجاد ماضيهِ
قف بالعراق وقَبِّل حُسنَ مقلتهِ
وكفكف الدمع فالآلام تكفيهِ
قف بالعراق ففي خدَّيه ملحمةٌ
فيضُ الفرات وفي الأخرى تعازيهِ
بكى العراق وثار الجمر في لغتي
واستُنفد الحبر في شكوى بواكيهِ
بكى العراق عهوداً لا تداعبه
كفٌّ لهند، ولا ليلى تواسيهِ
بكى النخيل وفي بغداد آلمني
ثرى الجدود ولا عين تروِّيهِ
بغداد يا لوعةَ المحزون في كبدي
مدي يديك إلى المشتاق تُنجيهِ
بغداد يا لوحةً تجتاز أزمنتي
تروي فصول النوى بالدهر تطويهِ
بغداد أنشودتي شعراً أسطِّره
على طلول الهوى تبكي قوافيهِ
بغداد قيثارتي والوجد ريشتها
ما هزها العشق إلا كدت أبديهِ
* * * * *
يا سائراً نحوها بالله مُدَّ لها
صوتَ الحنين وبالآهات وافيهِ
واجعل دموعيَ حبراً لو تبلِّغُها
هذي رسائل صبٍّ من مآقيهِ
دار الخلافة للإسلام قلعتُه
ما بالها اليوم قِيدت من أعاديهِ
كم ألبسوا تاجها زيفاً يبرقعها
يُخفي شموخاً ولا عزٌّ يدانيهِ
فأظهروا من بريق الكِذْبِ أسورة
والقيْدُ لو أنَّه تبرٌ أُجافيهِ
يا دوحةً في بلاد الله ناضرةً
قد عاد من علقمٍ سمٌّ يغذيهِ
فاقصد أُخيَّ إلى أفياء دوحتها
واستنطق الترب لو يُخبرْك ما فيهِ
قف بالعراق ونحِّ كلَّ ساقطةٍ
تلملم الذل للمأفون ترضيهِ
قف بالعراق لنسقي كل مجدبة
من القلوب التي رانت إلى التيهِ
وقف على عَتَبِ التاريخ وقفتها
واسأل: عسى صخرةٌ منها تحاكيهِ
وطُفْ على موطن الآمال في مهل
وقل لقاضي الهوى: ما أنت قاضيهِ
وسر بنا نحو سامراء خاشعة
منك الجوارح للمكلوم تشفيهِ
منارة الصبر سامراء شاهدة
ومنزل الفخر في الحدباء تنميهِ
روحي ترفرف في الأرجاء ساهمة
والقلب مسكنه الأنَّاتُ تؤويهِ
يا ويل شعري إذا ما التاث في سفهٍ
يشكو محباً ويرنو في مراضيهِ
إني ألملم آهاتي معذبةً
كم دجلةً في شغاف القلب تَسقيهِ
كذا الفرات إذا عاث السفال بها
تحوَّل الماء دمعاً في مجاريهِ
بكى العراق أخي ما كنت أَشْأَمَكم
لكنني مُعرضٌ والعينُ تُبديهِ
فليخرسِ القلمُ المأجور في وطني
إذا الكريمُ غدا والسجنُ يطويهِ
فرايةُ الكفر ـ والرحمنِ ـ ساقطةٌ
وليخسأ الوغدُ في أدنى مساعيهِ
ورايةُ الدين بالرحمن سامقةٌ
فنُصْرةُ الحقِّ والإيمان تُعليه
مدرس النحو العربي في كلية التربية، سامراء ـ العراق.
стр. 5009
- أقوال غير عابرة -
- «لم تعرف مصر منذ أكثر من ربع قرن «رياح التغيير» ربما عرفت «نسمة التغيير» التي تعقبها حرارة شديدة. الصحفي المصري عزازي علي عزازي. [صحيفة الأسبوع القاهرية، ٣/٥/١٤٢٥هـ]
- «الأمريكيون لا يملكون حق تسليم السيادة للعراقيين لسبب بسيط وهو أنهم لا يملكون هذا الحق في الأصل» . الصحفية كرامة نابلسي. [صحيفة الجارديان البريطانية، ٢٣/٦/٢٠٠٤م]
- «بوش على غرار ريجان ليس لديه أفكار من بنات عقله، إنه يعتمد كلية على مستشاريه، إنه مضطر لذلك، إنهم يعرفون أكثر منه» نورمان ميلر الكاتب الأمريكي المعروف. [الجزيرة الإصدار الدولي العدد ٥٢]
- «ما الفرق بين إرسال القوات للقتال ببنادق معيبة وبين إرسالها باستراتيجية وخطة معيبة، كلاهما يؤدي إلى موت الجنود؟» الجنرال أنتوني زيني رئيس أركان القيادة المنركزية العسكرية الأمريكية السابق ينتقد سياسة جورج بوش في العراق. [صحيفة الجزيرة، ١٧/٤/١٤٢٥هـ]
- «هل نجح هذا القانون في حمايتنا من دعاة عذاب القبر ومحترفي الكتابة عن الغيبيات الذين ساهموا في تخلف العقلية المصرية طوال السنوات الماضية؟» الشاعر العلماني المتطرف أحمد عبد المعطي حجازي يحتج على إعادة حق الضبطية القضائية لشيوخ الأزهر. [أخبار اليوم، ١٢/٦/٢٠٠٤م]
- «إننا وصلنا على طريق اللاعودة، لوس أنجلوس في طريقها لأن تصبح كالفلوجة» كوني رايس محامية حقوق الإنسان تتحدث عن تجاوزات ضباط الشرطة في المدينة الأمريكية الشهيرة. [النيوزويك، ١٥٦-٢٠٠٤م]
- «يوجد عند السلطة الفلسطينية منذ عام ملف اعتراف كامل لعميل كان يسرب تحرك الدكتور الرنتيسي في محاولة اغتياله الأولى ولم تعلم به حماس إلا مؤخراً» القيادي في حركة حماس الدكتور محمود الزهار. [السبيل، ١٥/٦/٢٠٠٤م]
- «الغريب والأعجب أن يقوم المدعون بأخذ الشريط من وكالة إحدى القنوات ويقوموا بحذف شعار القسام عنه ووضع شعار شهداء الأقصى ليبدو وكأنه شريط مختلف» من بيان للقسام تستنكر محاولة جهات في كتائب شهداء الأقصى نسبة عملية محفوظة النوعية الناجحة إليها. [المركز الفلسطيني للإعلام، ١٢/٥/١٤٢٥هـ]
- «الأمريكيون هم الذين يحتفظون بصدام، وهم الذين يديرون المحكمة، وهم الذين أشرفوا على تصوير الجلسة: فمن برأيك الذي يحكم العراق؟» الكاتب البريطاني روبرت فيسك. [البي بي سي، ٤/٧/٢٠٠٤م]
- أحاجي وألغاز -
- الرسالة الزرقاء
عرضت القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي فيلمًا وثائقيًا بعنوان: «العالم وفق بوش» ، حققه المخرج الفرنسي المتخصص في تعقب كواليس الحكم في واشنطن، ويليام كاريل، وعرض كاريل لعقيدة بوش الابن مستعينًا بنص حديث أدلى به بوش إلى صحيفة محلية في أوستن، عاصمة ولاية تكساس، حين كان مرشحاً للرئاسة، يقول فيه: أريد منح السياسة الأمريكية رؤية مستوحاة من التوراة، فإنني أحمل رسالة سماوية» . [مفكرة الإسلام]
- فتش عن التمويل
«أود أن أقدم شخصية «الإمام الحسين» ﵁ والنص جاهز للإخراج، ولكن الأزهر منعني من ذلك، الشيعة ليس لديهم مانع من تقديم الشخصية، ولكن أخشى أن أقدم الشخصية فيقوم الأزهر بإصدار فتوى بإباحة دمي، وإذا كان هناك من لديه الجرأة لتقديم مثل هذه الأفلام فليصورها وينتظر حتى يتغير الزمن» . الممثل نور الشريف. [الرأي العام، ٩/٥/١٤٢٥هـ]
- سؤال بريء
«٣٤٠ ألف دولار كانت تُدفع شهرياً من الولايات المتحدة للمؤتمر الوطني العراقي للجلبي منها أكثر من ثلاثين ألف دولار مصاريف إيجار مكاتب جلبي والمؤتمر الوطني في طهران، كيف يمكن للولايات المتحدة أن تكتشف فجأة علاقات جلبي مع طهران وهي التي استفادت بها ربما واستغلتها؟» . [برنامج من واشنطن، الجزيرة نت، ٣/٦/٢٠٠٤م]
- وكالة «المخادرات» المركزية الأمريكية
«بشهادة دنيس ويلز رئيس الوحدة الاستراتيجية لمكافحة المخدرات السابق فإنه لم يحدث أن تعرض لواحدة من عمليات المخدرات الكبيرة إلا واصطدم بمجموعات من ضباط المخابرات المركزية الأمريكية الذين يتولون حماية صفقة المخدرات وكانوا يقفون في وجهه ويبطلون عمله دائماً!، وما يؤكد ذلك أن وكالة «الرقابة علي العقاقير المخدرة» أقامت مكتب تمثيل لها في باكستان أثناء عمل وكالة المخابرات المركزية في أفغانستان، وفي هذا الوقت تم تصدير قرابة ٨٠% من الهيروين في العالم من هذه المنطقة» . الصحفي محمد وجدي قنديل. [الأخبار القاهرية، ٢٩/٦/٢٠٠٤م]
- بريد القراء «الباكستانيين»
«أتلقى العديد من الاتصالات الهاتفية والرسائل من أشخاص يلتمسون فيها أن أتراجع عما أعلنته من قبل بشأن اعتزامي التخلي عن منصب القائد العام للقوات المسلحة بحلول نهاية العام الحالي» . الرئيس الباكستاني برويز مشرف. [الإسلام اليوم، ٤/٥/١٤٢٥هـ]
- مرصد الأخبار -
- المحافظون القوميون
«يوجد نوعان من المحافظين في الولايات المتحدة: من أصفهم بالمحافظين أصحاب القيم؛ لأنهم يؤمنون بما يؤمن به معظم الناس الذين يفكرون في القيم المحافظة النموذجية، وهي قيم الأسرة والإيمان والعمل الجاد والولاء، والنوع الثاني: أُطلق عليه «المحافظين القوميين» وأوضح مثال لهذه الفئة هي الإدارة الأمريكية الحالية. أنا لا أعتقد أن المحافظين القوميين يعكسون حقاً القيم المحافظة، إنهم يستغلون العلم الوطني لإلهاب الحماس الوطني ويعشقون ترديد كلمات مثل «الشر» ، وواحدة من أسوأ أخطاء بوش اللغوية هو استخدامه المتكرر لكلمة «الشر» باعتبارها زراً ساخناً لتأجيج مشاعر الرأي العام الأمريكي، أي رجل قادر على استخدام تلك الكلمة ١٥ مرة في غضون خمس دقائق لا يُعد من المحافظين على الإطلاق، وهو أبداً ليس محافظاً من أصحاب القيم.
كل ما يريدونه هو السلطة، يريدون إقامة إمبراطورية عالمية، ووراء حرب العراق رغبة عارمة في تواجد عسكري هائل في الشرق الادنى كخطوة أولى نحو السيطرة النهائية على العالم كله. لا أعتقد أنهم كانوا سيصبحون قادرين على شن الحرب على العراق بدون هجمات سبتمبر؛ فبدونها لكانت وسائل الإعلام قد ركزت جل اهتمامها الآن على ارتفاع معدل البطالة وفضائح الكنائس والشركات الكبرى وتفشي حوادث القتل في المدارس الثانوية والمخدرات.. إلخ» . نورمان ميلر الكاتب الأمريكي المعروف. [صحيفة الجزيرة الإصدار الدولي العدد ٥٢]
- ثلاثة أرباع مليون فرنسي يتظاهرون ضد الأوموفوبيا
تحت شعار «كفى نفاقاً.. المساواة الآن» خرجت في العاصمة الفرنسية باريس مظاهرة حاشدة ضمت أكثر من ٧٠٠ ألف شخص، كلهم يهتفون ضد «الأوموفوبيا» أي الكراهية للشواذ جنسياً، وقد أذهلت التظاهرة المراقبين في فرنسا والعالم؛ إذ تبين أن الشواذ باتوا يشكلون لوبيًّا «اجتماعياً وسياسياً» يضاهي قوة الأحزاب السياسية. وقال المراقبون إن أي حزب سياسي فرنسي لا يستطيع إخراج مسيرة ضخمة كهذه وهو ما يعني أن الشواذ أصبحوا قوة انتخابية هائلة.
وكان المثير أن كافة الأحزاب سعت بقوة لمجاملة الشواذ بالمشاركة الفعالة في المسيرة التي شارك فيها عمدة باريس ورئيس المجلس الإقليمي لمنطقة باريس وضواحيها ووزير الثقافة السابق، وقال «نويل مامير» الذي يتزعم حزب الخضر: «من الواضح أن الجميع أصبح يهرول من أجل أخذ نصيبه من هذا الرصيد الانتخابي» . ويوضح المراقبون أن أيًّا من المسيرات التي شهدتها فرنسا هذه السنة لم تُجيِّش هذا العدد من المتظاهرين، ويمنع القانون الفرنسي زواج الشواذ بخلاف القانونين البلجيكي والهولندي، وكان رئيس الوزراء جون بيير رافاران قد استقبل رسمياً نهاية الشهر الماضي ممثلي منظمات الشواذ لبحث مطالبهم، ويُذكر أن أكثر من ٣٠% من حالات الإيدز في فرنسا ظهرت بين الشواذ جنسياً. [بتصرف عن إسلام أون لاين، ٢٧/٦/٢٠٠٤م]
- كيري يهزم بوش بالضربة التاريخية
حافظ المرازي: سيد نيو بورت هناك أرقام أيضاً وصلتم إليها - في مؤسسة جالوب - أن الرئيس الموجود في الحكم حين ينتهي شهر مايو أيار ويكون دون الـ ٥٠% - في استطلاعات الرأي - فهذا يعتبر مؤشراً خطيراً جداً لهذا الرئيس؛ لأنه يجب عليه أن يعود إلى التاريخ ليقرأ الأرقام.. بناء على أرقام استطلاعات الرأي لمؤسسة غالوب الرؤساء الفائزون بفترة ثانية في الحكم حين انتهى شهر مايو أيار، ما كانت الأرقام التي حصلوا عليها في استطلاعات الرأي العام؟: أيزنهاور في عام ١٩٥٦م مع نهاية شهر مايو أيار كان شعبيته ٦٩%، ليندن جونسون الديمقراطي في عام ١٩٦٤م كانت شعبيته بنهاية مايو ٧٤%، ريتشارد نيكسون الجمهوري في مايو أو بنهاية مايو ١٩٧٢م كانت ٦٢%، رونالد ريغن الجمهوري في عام ١٩٨٤م شعبيته ٥٤% ثم بيل كلينتون الديمقراطي في عام ١٩٩٦م شعبيته ٥٣%.
فرانك نيو بورت: هذا يجعل وضعه - بوش - سيئاً مقارنة بالرؤساء السابقين، وهذا ليس مؤشراً جيداً، ما لديه الآن هو ٤٧% من التأييد.
حافظ المرازي: أيضاً لو عدنا إلى أرقام غالوب وماذا يقول التاريخ بالنسبة للرؤساء الخاسرين: جيلرد فورد الجمهوري في عام ١٩٧٦م في مثل هذا الوقت من العام بنهاية مايو أيار كان ٤٧% وهي نفس ما لدى جورج دبليو بوش الآن، جيمي كارتر الديمقراطي في عام ١٩٨٠م كان لديه ٣٨% بوش الأب كان في عام ١٩٩٢م لديه ٤١% إذن هل هذا تأكيد على أن الأقرب أو الأكثر ترجيحاً لو التاريخ يصدق ويعيد نفسه أن جورج بوش في خطر الابن مثلما كان الأب؟ [برنامج سباق الرئاسة الأمريكي، الجزيرة نت، ٢/٦/٢٠٠٤م]
- عراق أكاديمي
ذكرت مصادر عراقية أن اعضاء مجلس الحكم الذين فاتهم القطار في التعديلات الأخيرة بدؤوا في الرحيل إلى الدول التي كانوا يقيمون فيها قبل سقوط نظام صدام وأغلبها غربي، خاصة بعد سحب الحراسة والسيارات المصفحة التي كان الاحتلال يقدمها لهم، وأول من غادر عدنان الباجه جي الذي رحل إلى الإمارات، كما عاد سمير الصميدعي وزير الداخلية السابق إلى لندن حيث تقيم عائلته منذ سنوات، وكذلك الأمر مع محمود عثمان العضو الكردي في المجلس الذي عاد إلى بريطانيا التي كان يعيش فيها قبل عودته، وأما وزير الشؤون الاجتماعية السابق فؤاد حسين فقد عاد إلى هولندا حيث تعيش عائلته التي لم تحضر إلى العراق وفضلت البقاء في أوروبا، وذكرت السبيل الأردنية (٢٢/٦/٢٠٠٤م) أن معظم أعضاء الحكومة الجديدة يحملون جوازات سفر أمريكية وبريطانية وفرنسية وغيرها.
بوش يُهين الأتراك
عرضت الصحف التركية صوراً مخجلة أثناء مصافحة بوش للمدعوين المختارين لحضور الكلمة التي ألقاها في جامعة جالاطة سراي بمناسبة مشاركته في قمة الناتو التي عقدت في إسطنبول، وظهر الوزاراء الأتراك وهم يقفون صفاً واحداً لمصافحة بوش؛ بينما كانت عناصر المخابرات الأمريكية تتفحص أيديهم واحداً واحداً خوفاً من أن يكون فيها أي مسحوق غريب قد يؤذي زعيمهم، وكان من بين الوزراء وزير الداخلية بشير أتالاي ونائب رئيس الوزراء محمد علي شاهين ووزير الدفاع وجدي غونول، وقد استغرب وزير الداخلية في بادئ الأمر هذا الموقف لكنه سرعان ما استسلم للأمر الواقع، ومد يده موافقاً على تفحصها قبل أن ينال شرف مصافحة بوش. [الإسلام اليوم، ٣٠/٦/٢٠٠٤م]
- رئيس للتقبيل
في مذكراته التي نشرها في كتاب يحمل عنوان: «حياتي» تحدث الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عن ترتيبات حفل توقيع اتفاق أوسلو بين عرفات وإسحق رابين رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الأسبق، فقال: «كان رابين أبلغنا أنه سيقوم بمصافحة عرفات , لكنه حين وصل إلى البيت الأبيض رفض تقديم أي التزام بذلك الشأن قائلاً لي إنه لا يعرف كم عدد الإسرائيليين الشبان الذين كان عليه أن يدفنهم بسبب عرفات، فقلت له: إسحق! إن كنت فعلاً ملتزماً السلام فعليك أن تصافح عرفات. تنهد رابين وقال: طيب طيب، لكن لا قبلات» .. وتابع كلينتون: «كنت أعرف أن عرفات رجل مشهدي بارع، ويمكن أن يحاول تقبيل رابين بعد المصافحة، قررنا أن أقوم أنا بمصافحة كل منهما على حدة أولاً، ثم أقوم بالإشارة إليهما بأن يتصافحا، كنت متأكدا أنه إذا لم يقبِّلني عرفات فإنه لن يقبِّل رابين، وبينما كنت في البيت الأبيض أبحث مع هيلاري وستفانا بوليس وتوني ليك ومارتن إنديك الأمر، أشار ليك إلى أنه يعرف طريقة يمكن فيها للمرء مصافحة عرفات من دون السماح بالتقبيل، وقد قمنا بتقليد عملية المصافحة؛ إذ لعبت أنا دور عرفات وهو لعب دوري مُظهراً لي كيف أقوم بذلك؛ فحين صافحت يده وتحركت للتقبيل، وضع يده اليسرى بقوة على ذراعي الأيمن الذي يكون مثنياً في هذه الحال عند الكوع، وضغط عليّ، وهو ما جَمَّد ذراعي، ثم تبادلنا الأدوار ومارسنا تلك العملية بضع مرات إلى أن ضمنت أن عرفات لن يقوم بتقبيل رابين، ضحكنا كلنا على هذه القضية، لكنني كنت أعرف أن الأمر جدي جداً بالنسبة إلى رابين» . [الرأي العام، ٢٣/٦/٢٠٠٤م]
- الجارديان تشهد على القوات البريطانية
ذكرت صحيفة الجارديان البريطانية أن أكثر من ٢٠ عراقياً تعرضوا للتعذيب البشع قبل وفاتهم على أيدي الجنود البريطانيين، وقالت إن شهادة وفاة «هلفي» (١٩ عاماً) تشير إلى أن «جثته تحمل آثار جروح خطيرة بالرصاص وبقع زرقاء حول العين اليسرى وجرح كبير على الذراع اليمني والجثة تحمل أيضاً آثار ضربات وتعذيب في كل مكان» ، «وتحمل جثة علي الجميندري (٣٧ عاماً) «آثار جروح خطيرة بالرصاص في الرأس والوجه والجسم والعنق إلى جانب جرح عميق على أحد الخدين؛ بينما قلعت عينه اليمنى» ، وقال شقيق الجميندري للجارديان إن عين شقيقه عُثر عليها في جيب سترته عندما سُلمت الجثة إلى عائلته» ، وقال الطبيب مجيد في مستشفى المجر الكبير للصحيفة: «عندما سلمونا الجثث فوجئنا بأن بعض القتلى بترت أعضاؤهم أو تعرضوا لعمليات تعذيب» . ووصف متحدث باسم الجيش البريطاني في العراق هذه المعلومات بأنها «سخيفة وإهانة للجيش البريطاني بأكمله» .
- رؤية ... آية مشرف.. ثلاث
الرئيس الباكستاني برويز مشرف يبدو مجتهداً في اتباع السنة النبوية، ولكن من طريق عكسي؛ فقد كان جمع علامتين ذكرهما النبي ﷺ في حديثه: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان» وهما كذب الحديث وخيانة الأمانة، فإذا به يصر على الإتيان بالثالثة قبل أيام قيلة، وهي: خلف الوعد، وهو إنجاز أن يُحصِّل رئيس دولة وحاكم عسكري العلامات الثلاث في فترة حكمه التي لا تتجاوز خمس سنوات.
فأما كذب الحديث فقد برع فيه مشرف رغم قلة خبرته بالسياسة، وهو في ذلك يطبق أحد المبادئ السياسية التي تقول: «أن تكون سياسياً، يعني أن تكذب بلا توقف» والرئيس برويز لم يتوقف عن الكذب على شعبه منذ تولى الحكم، ويأتي موقفه من حركة طالبان التي حكمت أفغانستان لخمس سنوات في مقدمة ذلك، فقبل هجمات سبتمبر كان يتبنى موقفاً داعماً لها، وصرح في أكثر من مناسبة أن «طالبان هي حزام باكستان الأمني» ولكن بعد سبتمبر ٢٠٠١م يبدو أنه قرر أن يفك الحزام، وقال بلا خجل للشعب: «إنكم لا تعرفون مدى حقيقة وخطورة ميلشيا طالبان المتشددة» واعتبر القضاء عليها من مصالح باكستان العليا، وفي حوار مع صحيفة يو إس إيه تودي الأمريكية وصف معارضيه بالغباء.
وأما خيانة الأمانة، فقد تولى مسؤولية دولة إسلامية نووية على أن يأخذها بحقها، فكأنه أخذ عهداً على نفسه ألا يدع لها حقاً إلا ضيعه، فبادر مُلوحاً للهنود ببيع قضية كشمير، وألمح للإسرائيليين بإمكانية تطبيع العلاقات، وجلب لباكستان نظاماً معادياً لها في أفغانستان، وسفك دماء شعبه في مناطق القبائل بحثاً عن الوهم، وختم بأن خان عبد القدير خان الذي تسبب في امتلاك باكستان للقنبلة النووية، ولكي ينجو من حصار الإدارة الأمريكية ألقى بأبي القنبلة النووية في مهب الريح كسيفاً أسير المرض.
وأما العلامة الثالثة التي حازها مشرف، فتمثلت في وعده الذي قطعه على نفسه قبل أقل من عام عندما اتفق مع القوى الإسلامية السياسية على أن يقروا تعديلات دستورية اقترحها لتوسيع صلاحياته مقابل أن يتخلى عن صفته العسكرية وقيادته للجيش آخر العام الحالي، ولم يكد يمر على هذا الاتفاق عدة أشهر حتى بدأ مشرف في التململ من وعده، وأعلن أنه تلقى رسائل واتصالات عديدة من الباكستانيين تطالبه بالاحتفاظ بمنصبه العسكري، والطريف أن مشرف قبل ثلاثة أعوام تحديداً سخر من معارضيه الذين نظموا مظاهرات في عدة مدن باكستانية للإطاحة به، واعتبر أن تظاهر عدة آلاف لا يكفي للتعبير عن شعب تعداده أكثر من ١٤٠ مليون نسمة، وقال: «نحن لسنا في جمهورية موز ومن يريد الإطاحة بي فليجرب» نعم باكستان ليست جمهورية موز، فأسلوب برويز مشرف في الحكم نجح في تحويلها من جمهورية نووية إلى جمهورية بطيخ.
- مرصد الأرقام -
- ٧٠ ألف إلى ١٠٠ ألف دولار هي كلفة تصفيح السيارة العسكرية الأمريكية الواحدة التي تعمل في العراق، وأدى ذلك إلى انتعاش الشركات البرازيلية المتخصصة في هذا المجال بعد تعاقد البنتاجون معها، ويستخدم في كل سيارة ما يصل إلى ٩٠٠ كيلو غراماً من مادة التصفيح و١٠ مللمترات سماكة الصلب و٤٢ مللمتراً سماكة الزجاج.
[الرأي العام، ٩/٥/١٤٢٥هـ]
- ١٣% من الطالبات الجامعيات في الجزائر يتعاطين المخدرات ١٨% يدخنَّ السجائر ١٠% يتناولن الخمور، وذلك حسب دراسة ميدانية نفذتها المؤسسة الوطنية لترقية الصحة، وشملت عينة من الطالبات يعشن في الإقامات الجامعية بالعاصمة عددها ١١١٠ طالبات، وقالت ٢٢% من العينة أنهن يتعاطين المخدرات يومياً وبصورة منتظمة، بينما أكدت ٥٢% أنهن يتناولن المخدرات بصفة فردية. [الجزيرة نت، ٢٧/٦/٢٠٠٤م]
- ١٩% هي نسبة الزيادة في الاعتداءات الجنسية التي تتعرض لها المجندات في الجيش الأمريكي؛ وذلك في الفترة من عام ١٩٩٩م إلى عام ٢٠٠٢م حسب تقرير خاص للجيش الأمريكي نشرته الواشنطن بوست، وزادت حالات الاعتداءات من ٦٥٨ حالة إلى ٧٨٣ حالة، وزادت حالات الاغتصاب بنسبة ٢٥% من ٣٥٦ إلى ٤٤٥ في نفس الفترة. [الأخبار القاهرية، ٤/٦/٢٠٠٤م]
- ٦٤% من اليهود في فلسطين يؤيدون فكرة تهجير الفلسطينيين من الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م إلى دول أخرى، و ٥٥% يعتبرونهم خطراً على أمن الدولة الصهيونية، ٧٩% يؤيدون سياسة الاغتيالات التي ينفذها الجيش الصهيوني ضد قادة الفصائل الفلسطينية؛ وذلك حسب استطلاع أجراه مركز الأمن القومي في جامعة حيفا. [يديعوت أحرونوت، ٢٢/٦/٢٠٠٤م]
- ترجمات عبرية خاصة بالبيان -محمد زيادة
تصريحات
- «لقد مللت من تلقي الضربات بالرغم من أني أعيش في تل أبيب، كل صاروخ من طراز القسام يسقط على مستوطنة سديروت يشعرني بالألم في معدتي. منذ سنوات ونحن نحاول أن نكوي عدونا بالضربات الساحقة، لكن النتيجة دائماً أن الوضع خرب.. خرب» . الكاتب «كوفي عوز» صحيفة معاريف العبرية، ٢٩/٦/٢٠٠٤م]
- «لا ينبغي التلويح بأن الفلسطينيين قتلوا طفلاً إسرائيلياً بصاروخ القسام، والتهليل لذلك في وسائل الإعلام العالمية؛ فذلك سيدعو الفلسطينيين إلى قول الحقيقة وهي أننا قتلنا منهم ٥٠٠ طفل دون الثامنة عشر منذ سبتمبر ٢٠٠٠م منهم ٢٠ طفلاً في سن أقل من طفلنا القتيل» . [الكاتب «عوفر شيلح» صحيفة يديعوت أحرونوت ٢٩/٦/٢٠٤م]
أخبار:
كلاب شرسة لحراسة المستوطنين
سيقوم المستوطنون باقتناء كلاب من النوع العدواني لتولي حراسة المستوطنات الأكثر ضعفاً وهي «الون موريه ـ عاليه ـ شيلو - براخا» ، وستم جلب هذه الكلاب من سفوح الجبال، بمساعدة الجيش الإسرائيلي، وسط مخاوف من التعرض لأذى تلك الكلاب» . [موقع نيوز فرست كلاس الإسرائيلي، ٢٥/٦/٢٠٠٤م]
فصل ٢٠٠ مدرس في الكيان
تعتزم وزارة المالية تقليص ميزانية التعليم في العام ٢٠٠٥م بمقدار ١٣٥ مليون دولار ليصبح بذلك مجموع التقليص في جهاز التعليم منذ العام ٢٠٠١م حوالي ٦٦٧ مليون دولار، وتم تقليض ميزانية العام الحالي بمقدار ١٩٢ مليون دولار، وسيؤدي التقليص المرتقب في العام القادم إلى تسريح ٢٠٠٠ مدرس. [صحيفة هآرتس العبرية نقلاً عن موقع وزارة التربية الصهيونية، ٢٨/٦/٢٠٠٤م]
الإسرائيليون يمنحون العرسان شيكات مضروبة!
كشفت مصادر في البنك المركزي أن نسبة كبيرة من «شيكات النقوط» التي يقدمها الأقرباء والأصدقاء كهدية للعروسين تكون غالبيتها مضروبة وبدون رصيد رغم أنها أهم المصادر التي يعتمد عليها أي عروسين في إسرائيل في تغطية نفقات الفرح، وهو الأمر الذي يُسبب لهم خسائر مالية باهظة نتيجة الخدعة السخيفة، قد تؤدي بالعريس إلى دخول السجن في شهر العسل لعدم سداده نفقات الفرح» . [القناة «٣٣» التليفزيونية الإسرائيلية، ٢٠/٦/٢٠٠٤م]
- أخبار التنصير -أبو إسلام أحمد عبد الله
البابا يبارك جهود التنصير بين الفقراء
أعرب جون بول الثّاني بابا الفاتيكان عن تقديره لحملات التنصير الني تنطلق من مالطا وقال في كلمة له: «يسرّني إبداء التحيات إلى كلّ أعضاء مؤسسة فرسان الهيكل البارزة التي تشتغل في مناطق مختلفة من العالم، منذ تأسيسها في القدس عام ١٠٥٠م» (أيام الحروب الصليبية) .
والمعروف أن هذه الجماعة كانت مثالاً لسفك الدماء وممارسة قطع الطرق لنهب النصارى الذين كانوا يأتون للحج في فلسطين إلا أنهم لبسوا الزي المرسوم عليه الصليب، ونالوا بركة الكنيسة، ثم تحددت رسالتها مع الحملات الصليبية في ذبح المسلمين، وتضم حالياً أكثر من ١٠ آلاف امرأة وفتاة يعملن في مجال التنصير بين الفقراء في مناطق الكوارث. [مدينة الفاتيكان،٢٢/٦/٢٠٠٤م (Zenit) ]
مجلس الكنائس العالمي يتآمر ضد طوائفه
في محاولة من مجلس الكنائس العالمي للتخلص من بعض المذهبيات الكنسية المناهضة لأنشطة الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس في العالم، مثل طوائف السبتيين والمورمون وشهود يهوه والنساطرة، أصدر المجلس قراراً بتعديل قوانين العضوية في المجلس للتضييق على هذه الكنائس التي نجحت من قبل في الحصول على اعتراف المجلس بها، وستسمح التعديلات بمعالجة مشكلة التمثيل المحدود للكنائس الأرثوذكسية التي كانت مثار خلاف دائم، ومجلس الكنائس العالمي من أبرز المنظمات التنصيرية في العالم ومقرة جنيف بسويسرا، ويضم جميع كنائس العالم بمختلف طوائفها ومذاهبها التي تزيد عن الثمانمائة طائفة. [موقع إرسالية المهمة العظيمة، ٢٨/٥/٢٠٠٤م]
أول جامعة لاهوتية للروم الكاثوليك في دمشق
صرح غريغوريوس الثالث بطريرك الروم الملكية الكاثوليك في بلاد الشام في حفل تخريج دفعة جديدة من طلاب الكلية الشرقية بدمشق أن الكنيسة في الفترة القادمة سوف تطور من مناهجها ومنشآتها التعليمية الضخمة التي تجاوزت المائة في البلاد العربية، وستنشئ أول جامعة لاهوتية للروم الكاثوليك في العالم الإسلامي، خلال العام الدراسي ٢٠٠٥/٢٠٠٦م. [حامل الرسالة، ٦/٦/٢٠٠٤م]
الصين تلقي القبض على أسقف يمارس التنصير
أعلنت قوات الشرطة الصينية أنها ألقت القبض يوم ٢/٦/٢٠٠٤م على الأسقف الكاثوليكي لكسوانهوا البالغ من العمر ٨٤ سنة، وظل حبيسها حتى يوم ٢٧/٦/٢٠٠٤م، كما وضعت أسقف مدينة كسيوانزي تحت الحراسة في الفترة من ٢ ـ ١٢/٦/٢٠٠٤م، وصرح مدير مكتب صحافة الفاتيكان أن ما تقوم به الصين من إجراءات ضد الأساقفة في ممارسة التنصير هو ضد حقوق الإنسان وبشكل خاص الحرية الدينية. [مدينة الفاتيكان، ٢٣/٦/٢٠٠٤م (Zenit) ]
стр. 5010
حكاية السيدة نون
مسرحية ذات فصل واحد
محمد علي البدوي
على هامش معركة الحجاب صورة مع التحية إلى دعاة التحرير.
المنظر: صالة الاجتماعات في مقر حركة تحرير الفتاة.
المشهد: السيدة نون تذرع المكان غاضبة بينما يدخل إليها الشاب وسيم حاملاً كوباً من الشاي.
وسيم: الشاي يا سيدتي!
نوال: هذا عاشر كأس أشربه.. ما هذا يا وسيم؟
وسيم: هذا شاي يا سيدتي!
نوال: أبله.. أعلم ذلك.. ولكن ما هذا الذي يحدث في الحركة؟!
وسيم: كل شيءٍ على ما يرام؛ الأشياء مرتبة، وصالة الاجتماعات أنيقة.. و ...
نوال (تقاطعه) : أقصد العضوات.. الفاشلات.. لقد تأخرن عن حضور الاجتماع.
وسيم: اعذريهن يا سيدتي.. فلقد سهرن البارحة في الحفل الخيري.. حتى الثمالة.
نوال: الساعة الآن الثانية بعد الظهر.. و «ريد» على وشك الوصول.
وسيم: «ريد» !! لا تقلقي عندنا منه الكثير.. لقد اشتريت عبوات إضافية.
نوال: «ريد» يا جاهل هي رئيسة الاتحاد النسائي العالمي.. لقد هاتفتني البارحة تُبارِكُ إنشاء الحركة.. ووعدتْ بتقديم الدعم اللازم.
وسيم: آه.. تذكرتُ.. جمعية المرأة الفرنسية أرسلت هي الأخرى تُبارِك، وتدعوك إلى مؤتمر الاتحاد هذا العام.. ومجلة المرأة الجديدة تطلب تحديد موعد المقابلة.
نوال (في زهو) : أرَأيتَ يا وسيم؟! العالم كله يقف معنا.. وسننجح.. ألَيس كذلك؟
وسيم: يا عزيزتي! ما لنا وللعالم.. تعالَيْ نعلن زواجنا للناس.. ونسافر خارج البلاد.. لقد مَللتُ.
نوال: اصمت! هل تريدني أن أخون مبادئي التي أجاهد من أجلها؟
وسيم: أي مبادئ.. وهل نسيتِ الجنين الذي يتحرك في أحشائك؟
نوال (في هزيمة) : آه.. لا تذكّرني! هذه الخطيئة لا أعلم كيف اقترفتها؟
وسيم: ولكن أنا أعلم؛ لأنك امرأة، وستظلين امرأة.
نوال: وسيم.. اصمت أرجوك!
وسيم: المال في حوزتنا، وصندوق الحركة في أيدينا.. ما الذي ننتظره؟
نوال: قلتُ لكَ اصمت.. اصمت!
وسيم: أنا زوجك.. وطفلي في أحشائك.
نوال: ولكنك خادمي.. والعصمة بيدي.
وسيم: وقلبكِ في يدي.
نوال: أرجوكَ.. كفى.. (تنظر في ساعتها) سأذهب لاستقبال السيدة «ريد» وداعاً (تخرج) .
وسيم: اذهبي معها إلى جهنم!
(يشتغل وسيم بترتيب صالة الاجتماعات فتدخل إليه (هدى) إحدى عضوات الحركة)
هدى: وسيم.. أنت هنا؟!
وسيم: نعم! وسيم هنا.
هدى: وحدك يا عزيزي؟
وسيم: لا، الشيطان ثالثنا.
هدى: ولِمَ هذا الظن السيئ يا عزيزي!
وسيم: ولِمَ هذا السؤال الأسوأ؟
هدى: أبداً، ولكنها فرصة حتى أعبِّر لك عن صدق مشاعري نحوك.
وسيم: صحيح.
هدى: وأقسم على ذلك.. أنتَ في عقلي دائماً يا وسيم!
وسيم: شكراً.. يا عانستي.
هدى: أنتَ هكذا دائماً.. توبخني بالعنوسة.
وسيم: إنها الحقيقة.. امرأة في الأربعين.. ولم تتزوج بعد.. ماذا أقول عنها؟
هدى: كلُّ عضوات الحركة عانسات.. حتى السيدة نوال.
وسيم: عهدكِ قديم جداً بالسيدة نوال.. إذن.
هدى: ماذا تقول؟!
وسيم: ادفعي.. حتى.. تسمعي.
هدى: أنتَ هكذا دائماً تَعْبُد المادة (تُخرِج المال من حقيبتها، وتناوله) خذ.
(وسيم يأخذ المال، ويسر لها في أذنيها بالخبر)
هدى (واجمة) : ماذا تقول؟ الويل لها.
وسيم: امرأة وتبحث عن نفسها.
هدى: على حسابنا.
وسيم: يا عزيزتي..! الحياة فرصة.. والفرصة قد لا تعود.
هدى: الخائنة.. سترى.. سترى.. (تخرج مغضبة) .
وسيم: يجب أن أغادر الآن.. سينفجر الوضع حتماً (يخرج) .
(تدخل السيدة نوال وبصحبتها السيدة ريد، وبعض العضوات)
نوال: تفضلن.. تفضلن.. سنبدأ الاجتماع الآن.
(يتحلقن حول طاولة الاجتماعات)
نوال: باسم حركة تحرير المرأة في بلادنا.. وباسم كل النساء المتحررات نرحب بالسيدة الكبيرة والمناضلة من أجل المرأة.. السيدة ريد.
(تصفيق حاد يملأ القاعة، تدخل عندها العضوة حنان وهي في كامل حجابها الإسلامي)
حنان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ريد: يا إلهي.. ما هذا؟!
نوال: من.. من.. أنتِ؟!
حنان (تكشف عن وجهها) : أنا أختكم حنان.. العضوة السابقة معكم.. جئتُ من أجلكم.
نوال: ما هذا التخلف يا حنان؟!
حنان: أخواتي: أنتن في الطريق الخطأ.. عُدن إلى الله قبل فوات الأوان.
نوال: توقفي.. أيتها الرجعية.
هدى (تدخل فجأة) : بل توقفي أنتِ.. أيتها الخائنة.
الجميع: مَنْ.. هدى؟!
نوال: هذه مؤامرة.. مؤامرة.
هدى: وما قمت به أنتِ.. تتزوجين وسيم سراً.. وتَدَّعين أنكِ لن تتزوجي أبداً! فقد تزوجت قضية تحرير المرأة.. وستعيشين لها.
إحداهن: لكن وسيم.. زوجي أنا.
ثانية: بل زوجي أنا.
ثالثة: حتى أنا.. لقد تزوجني سراً.
ريد (تنهض) : المعذرة.. يبدو أنكن ما زلتن صغيرات على قضية المرأة.. وداعاً (تخرج) .
نوال (مسز ريد) : توقفي.. توقفي.. أرجوك!
حنان: دعوها تذهب؛ إنها داعية إلى باب جهنم.. دعوها.
(تدخل إحدى العضوات مسرعة)
العضوة: سيدة نوال..! سيدة نوال..! لقد هرب الشاب وسيم بعد أن استولى على صندوق الحركة، وترك لك هذه الرسالة (تُناولُها الرسالة) .
نوال (تقرأ الرسالة واجمة) : لا.. لا.. لقد انتهى كُلُّ شيء.. كُلُّ شيء.
حنان: لا.. لم ينتهِ كُلُّ شيء.. ما زالت الفرصة قائمة.. اغسلن الخطيئة بدموع التوبة.. هيا.. هيا معي إلى الله.. هيا!
هدى: آهِ.. كم كنتُ غافلة.. كم كنتُ واهمة.
حنان: هيا يا أخواتي.. ما أحلى العودة إلى الله!
إحداهن: أنا معك يا حنان!
إحداهن: وأنا كذلك.
(تخرج حنان، وتتبعها بعض العضوات، بينما تقف نوال ذاهلة عما حولها، وهي تهذي كالمجنونة)
نوال (صارخة) : لا.. لا يمكن أن يحدث هذا.. إنه كابوس.. مجرد كابوس.. سيعود وسيم.. أليس كذلك؟.. إن طفله في أحشائي.. لا.. أنا نوال زعيمة حركة التحرير.. سيدعمني العالم.. وسأنتصر.. سأنتصر.. ها.. ها.. ها.
ـ تطفأ الإنارة ـ
صوت: وعاشت السيدة نوال بقية حياتها في ظلمات المعاصي تحاول جاهدة بعث هذه الحركة تجوب أرجاء العالم، وترتمي في أحضان المؤسسات تطلب الدعم، والعون، وتقود المظاهرات تلو المظاهرات.. لكنها، وبرغم كل ذلك لم تنجح، فقررت أخيراً أن تنتحر.. وبالفعل أقدمت على فعلتها، وكان انتحارها مأساة أخرى.. فلا حول ولا قوة إلا بالله.. والحمد لله الذي عافانا مما ابْتُلِيَتْ به.
ستارة
стр. 5011
الاحتفال بالمولد النبوي
د. محمد الجيزاني
وصل إلى المجلة هذا التعقيب المهم ـ في شأن بدعة الاحتفال بالمولد النبوي ـ من فضيلة الدكتور محمد بن حسين الجيزاني أستاذ أصول الفقه في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ونحن ننشره في المجلة لأهميته، ولأن صاحبه له اهتمام علمي في موضوع البدع، وله كتاب بعنوان: (قواعد معرفة البدع) .
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد: فإن لمجلة البيان جهوداً مشكورة في نشر منهج السلف الصالح، والعناية بقضايا الأمة، وقد أضحت هذه المجلة في عصرنا هذا منهلاً عذباً لأهل العلم وطلابه، ومورداً لا يستغني عنه الباحثون عن سواء الطريق.
أسأل الله ـ جل شأنه ـ أن يبارك في هذه الجهود، وأن يجزي القائمين على هذه المجلة خير الجزاء.
ولعل من باب التعاون على الخير، والنصيحة للأمة التنبيه على بعض ما ظهر لي من مآخذ في موضوع مهم، نشر على صفحات مجلتكم الموقرة، وذلك في العدد (١٩٩) بعنوان: رؤية في الاحتفال بالمولد النبوي للأستاذ الفاضل (الأمين الحاج محمد أحمد) .
ومما تجدر الإشارة إليه أن الباحث الكريم قد أفاد، وأجاد في تقرير بدعية الاحتفال بالمولد النبوي، بطريق علمي متين عندما أورد ـ جزاه الله خيراً ـ فتاوى بعض من أهل العلم المتقدمين، وصدَّر ذلك بذكر تاريخ ظهور هذه البدعة وأول من أحدثها.
وما هذه الملحوظات إلا من باب التكميل لمقالته القيمة، والإضافة عليها، فأقول مستعيناً بالله:
أولاً: ذكر الكاتب أن البدعة في الاصطلاح تنقسم إلى ثلاثة أنواع، وهي: البدعة اللغوية، والحقيقية، والإضافية.
وأقول: إن هذا التقسيم لا يستقيم بالمعنى الاصطلاحي للبدعة؛ لأنه ذكر تحته البدعة اللغوية.
ثم إن البدعة اللغوية ليست قسيمة للبدعة الحقيقية، والإضافية؛ فلا يصح أن تكون القسمة ثلاثية.
لكن يمكن أن يصوَّب هذا التقسيم بأن يجعل لمطلق البدعة.
ثانياً: لما ذكر الكاتب البدعة الحقيقية قال: فهي خاصة بالعبادات، نحو البناء على القبور والسماع المحدَث الصوفي.
وأقول: إن البدعة الحقيقية ليست خاصة بالعبادات؛ إذ البدعة الحقيقية باعتبار أصلها تختص بالعادات والمحرمات التي يُتقرب بها إلى الله، والبدعة الإضافية هي التي تختص بالعبادات التي يُتقرب بها إلى الله على صفة مخالفة للصفة المشروعة؛ كتخصيص يوم لم يخصه الشارع بالصوم، أو تخصيص ليلة لم يخصها الشارع بالقيام.
ثالثاً: قوله: والذي يعنينا هنا هو البدعة الحقيقية، وهل فيها حَسَن وقبيح؟
أقول: إن تقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة لا يختص بالبدعة الحقيقية فقط، ولا بالبدعة الإضافية، ولا بهما، بل إن كلام أهل العلم في تقسيمهم للبدعة إنما هو في البدعة اللغوية.
أما البدعة الشرعية فإنها لا تنقسم، بل هي بدعة كلها وضلالة بأسرها، ومن قسَّم البدعة من أهل العلم فإنما أراد البدعة اللغوية دون الشرعية.
وبهذا النظر يتبين أن تقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة أمر سائغ، والتقسيم في ذاته لا يلزم منه استحسان للبدع الشرعية، ولا إثبات لشيء منها، بل إن هذا التقسيم مأثور عن بعض أئمة السلف، كالشافعي في قوله: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة.
وأصل ذلك ما صح عن عمر بن الخطاب ﵁ وهو قوله: نِعْمَتِ البدعةُ.
إلا أنه لا بد من التنبيه على أمر خطير، وهو أن القول بانقسام البدعة إلى حسنة وسيئة ربما صار ذريعة ـ عند بعضهم ـ إلى تحسين بعض البدع المذمومة شرعاً.
وبهذا يظهر أن الخلاف في انقسام البدعة إلى حسنة، وسيئة قد يكون من قَبِيل الخلاف اللفظي، وقد يكون من الخلاف المعنوي، ولا بد لمعرفة ذلك من النظر في قرائن الكلام، ومراد القائل ومقصده.
وبعد هذا التقرير أقول: ليس من اللائق إطلاق بعض الألفاظ مثل (زعم) في حق طائفة من أهل العلم ممن ذهبوا إلى تقسيم البدعة إلى حسنة، وقبيحة، أو إلى الأحكام التكليفية الخمسة؛ كالعز بن عبد السلام، والنووي، والقرافي، وابن الصلاح. كيف يقال هذا وسلفهم في ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ والإمام الشافعي؟
إن الواجب أن يؤلَّف بين كلام الأئمة ما أمكن، بأن يُحمل كلامُ كلٍّ على وجه حسن؛ بحيث تؤوَّل كلماتهم إلى معنى محكم صحيح.
رابعاً: قوله: إن البدعة منها ما هو مكروه.
أقول: الصحيح أن البدعة الشرعية لا تكون إلا محرمة، ولا تكون مكروهة بحال، كيف وقد وصفت بأنها ضلالة وأنها مردودة، وهذه الأوصاف من خاصية المحرَّم.
ومقتضى هذا أنه متى ثبت في صورةٍ ما وصف الابتداع ثبت معه ـ ولا بد ـ حكم الحرمة، ومتى ارتفع عن صورةٍ ما حكم الحرمة ارتفع معه ـ ولا بد ـ وصف الابتداع.
ختاماً: أسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 5012
العلمانية
محمد إبراهيم مبروك
بداية أرجو من أخي القارئ ألا يضن بالجهد في متابعة هذه الدراسة؛ فبذل الجهد يُطلب بقدر خطورة الموضوع المطروح، ونحسب أن الجميع يسلّمون بأن قضية العلمانية هي أخطر قضية تواجه العالم الإسلامي منذ عقود طويلة؛ حيث إن أخطر القضايا المتعارف عليها مثل إقامة الحكم الإسلامي أو الصراع مع الغرب أو المشروع الحضاري ما هي إلا قضايا تتفرع عنها.
لكل ما سبق فليجعل أخي القارئ جهده في المتابعة قُربة إلى الله، ولا يطمئن لكفاية إدراكه للمفاهيم التقليدية الشائعة عن العلمانية، فسوف نثبت بإذن الله خطأ الكثير منها وخطورة الاعتماد عليها، وسوف نحاول أن نعرض ذلك بأبسط طريقة ممكنة؛ ولكن بشرط ألا تخل بعمق الموضوع.
- المفاهيم الخاطئة الشائعة عن العلمانية:
لن نقف كثيراً عند خطأ التعريف الشائع للعلمانية بأنها «فصل الدين عن الدولة» لأن هذا التعريف لا يتحدث عن العلمانية كرؤية مبدئية أو طريقة في التفكير، وإنما يتحدث عن تطبيق جزئي لها يتفرع عن تطبيقها الأساسي «فصل الدين عن الحياة» . وما نراه أن الإسلاميين بوجه عام قد تجاوز وعيهم هذا التعريف القاصر للعلمانية.
وما نراه أن أهم المفاهيم الخاطئة الشائعة عن العلمانية تتحدد في التالي:
- أن العلمانية ما هي إلا مذهب من المذاهب.
- أن العلمانية نشأت كرد فعل لاستبداد الكنيسة الغربية، واضطهاد العلماء والمفكرين في العصور الوسطى.
- أن العلمانية صنيعة الصليبية الصهيونية العالمية.
وسيتم إبراز خطأ هذه المفاهيم الشائعة من خلال عرضنا العام للموضوع، ولا يتسع المجال هنا لإيراد المصادر الأساسية لتلك الكتابات الإسلامية ومناقشتها وإن كنا نرى أن ذلك يعود في الأساس لعدم دراسة تطور الفكر الفلسفي الغربي بشكل كاف، والتثاقل إلى الأرض في الجهاد الفكري بالركون إلى نقل المواقف والرؤى الفكرية عن السابقين.
- التعريف اللغوي والمصطلحي:
كلمة «علمانية» هي ترجمة لكلمة «سكيولاريزم secularism» الإنجليزية التي لها نظائرها في اللغات الأوروبية. والكلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية «سيكولوم saeculem» وتعني العصر أو الجيل أو القرن. أما في لاتينية العصور الوسطى فإن الكلمة تعني العالم أو الدنيا.
ويورد قاموس أكسفورد التعريفات التالية لمصطلح «علمانية: سكيولار: secular
١ - ينتمي للحياة الدنيا وأمورها.
٢ - مدني وعادي وزمني.
٣ - ينتمي إلى هذا العالم الآلي والمرئي تمييزاً له عن العالم الأزلي والروحي.
٤ - يهتم بهذا العالم وحسب.
٥ - غير روحي.
أما كلمة العلمانية «سكيولاريزم secularism» فقد عرَّفها المعجم تعريفاً شاملاً هو: «العقيدة التي تذهب إلى أن الأخلاق لا بد أن تكون لصالح البشر في هذه الحياة الدنيا، واستبعاد كل الاعتبارات الأخرى المستمدة من الإيمان بالإله أو الحياة الأخرى» (١) .
ولقد استخدم المصطلح لأول مرة مع نهاية حرب الثلاثين عام (١٦٤٨م) عند توقيع صلح (وستفاليا) وبداية ظهور الدولة القومية، وكان معنى المصطلح في البداية محدود الدلالة؛ إذ أشار إلى نقل ممتلكات الكنيسة إلى سلطات سياسية غير دينية.
وبحسب الدكتور عبد الوهاب المسيري فإن أول من نحت المصطلح بمعناه الحديث هو جون هوليوك (١٨١٧ ـ ١٩٠٦م) فعرَّف العلمانية بأنها: «الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض» (٢) .
- تخلف مصطلح العلمانية عن واقعها الفكري:
يتضح مما سبق تخلف مصطلح العلمانية عن واقعها الفكري حتى لو أُخذ الأمر باعتبارها قد نشأت في عصر النهضة على حد قول من يذهبون إلى ذلك. وما نراه أنه لا بد أن نعود إلى قرون طويلة إلى الوراء لإدراك هذا الواقع الفكري، ولنستطيع على أساس تعريف العلمانية تعريفاً أكثر تحديداً مما ورد في القواميس الغربية خصوصاً من حيث علاقتها بالدين.
- الإنسان والأسئلة المصيرية:
نستطيع أن نقترب أكثر من فهم الموضوع إذا عدنا إلى الأسئلة المصيرية التي تواجه الإنسان في كل زمان ومكان مثل: من نحن؟ ومن أين جئنا؟ وإلى أين نمضي؟ هل خلقنا خالق أم جئنا من غير شيء؟ وما الغاية من وجودنا؟ وما نفعل؟
وكانت هناك ثلاثة طرق اتخذتها البشرية في الإجابة عن ذلك:
- التقليد واتباع الآباء أو الوثنية: أي اعتقاد ما اعتقده الآباء بغير تفكير فيما يدور حول عبادة الوثنية أو الطوطم أو الطاغية الذي يحكم البلاد أو القبيلة ويدخل في ذلك.
- التسليم بكتب الأنبياء: أي التسليم بصدق ما جاء في كتب الأنبياء من وحي وأخذ التصورات والمفاهيم والتعاليم منها.
- الاعتماد على العقل الإنساني: أي محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال إعمال العقل الإنساني في الكون والتجارب البشرية وتاريخ الشعوب.
ولا نستطيع أن نقول هذه الطرق تمثل ثلاثة مسارات منفصلة، بل غالباً ما يتم الدمج أو الجمع بين هذا وذاك في مختلف الحضارات والمذاهب، بل نستطيع القول إن الإسلام يجمع في أطر محددة ما بين الطريقين الثاني والثالث.
- كيف كان يفكر الإغريق الآباء الأوائل للحضارة الغربية؟
لم يعرف عن الحكماء الذين عرفتهم الحضارات القديمة في مختلف أرجاء العالم أنهم قد زعموا إدراك الحقائق واستخلاص التعاليم اعتماداً على إعمال العقل الإنساني فقط؛ فهم إما أرجعوا ذلك إلى حكمة الآباء وموروثاتهم الدينية والفلسفية، أو أن هناك وحي السماء قد أوحي لهم بذلك. فلم يزعم زرادشت (٦٢٨ ـ ٥٥١ قبل الميلاد) في الحضارة الفارسية على سبيل المثال أنه قد أتى بحكمته كناتج عقلي له أو حتى لمن سبقوه، وإنما أعلن أنه «يلبي نداء ربه منذ البداية» (٣) .
و (جوتاما بوذا) الذي عاش في الهند في القرن السادس قبل الميلاد أعلن موقفه بأنه ليس سوى واحد من البوذات السابقين (٤) .
وعلى الرغم مما يقوله الرواة عن تجنيب كونفوشيوس للمواضيع الدينية فإن «هناك مقولات عديدة يتحدث فيها كونفوشيوس عن السماء الإله الأساسي عند الصينيين، ويبدو أنه قد أحسن في الحقيقة بأنه قد عهدت إليه السماء شفاؤه علل العالم الصيني، وكان أمله أن السماء لا ترضي له أن يخفف» (٥) .
وإذا رجعنا إلى الديانات الوثنية القديمة فإننا نجدها تصبغ بعض الصفات الجديرة بالاحترام البشري على آلهتها القديمة مثل (أوزوريس) الذي ارتبط بالخير في الديانة المصرية القديمة.
ولكن المشكلة الأساسية في الحضارة الإغريقية أنها حضارة تعد حضارة ناشئة إلى حد كبير مقارنةً بالحضارات القديمة التليدة، وقد نشأت على يد مجموعة من البرابرة عباد الطبيعة الذين استولوا على بلاد اليونان في أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد (١١٠٤ق. م) .
«وكان على الحضارة الهلينية (الإغريقية) أن تبدأ حياتها بأن تعيش على تراثين خلَّفهما البرابرة هما: الملاحم التي تنسب إلى (هوميروس) والتي أصبحت بالنسبة للمسلمين مجموعة من الآلهة التي لم تكن سوى رموز على تقلبات الطبيعة الغامضة، بل صنعت على صورة الإنسان وصورة الإنسان البربري من دون سائر البشر» (٦) .
وما تذكره الأساطير من أفعال غير محترمة لتلك الآلهة ما كان ليجعلها جديرة بالاحترام، بَلْهَ التقديس؛ فالسطو والخطف والاغتصاب والخيانة هي أمور لصيقة بها، وهو الأمر الذي كان له انعكاسه على الضمير الإنثرابولوجي (الضمير الإنساني التاريخي) الغربي، فاسم القارة نفسه (أوروبا) مأخوذ عن (إيروبا) ابنه ملك مدينة صور التي رآها زيوس (كبير الآلهة لديهم الذي لا تنتهي فضائحه) فهام بها حباً، ولكي يفوز بها تقمص شكل ثور وديع، وراح يقفز حولها حتى قفز في الماء حاملاً حبيبته إلى كيريت حيث أنجب منها ثلاثة ذكور. وبلوتو (إله العالم السفلي) يختطف الإلهة كوري ويغتصبها في مملكته تحت الأرض. وكما يقول بيريتراندراسل: «فإن مجمع الآلهة في جبل الأولمب هو حشد صاخب من السادة الذين يعيشون حياة خشنة قاسية. والعقيدة الدينية كما تبدو في ملحمة هوميروس تكاد تكون بلا فاعلية» (١) ، ويتحدث الأستاذ يوسف كرم عن آلهة الأولمب فيقول: «نحن هنا في أحط دركات التشبيه، وبإزاء أوقح أشكال الاستهتار. نرى العاطفة الدينية ضعيفة إلى حد العدم، والمبادئ الخلقية مقلوبة رأساً على عقب» (٢) . وما نريد أن نقوله من كل ما سبق أن النتاقض بين الدين والعقلانية في الحضارة الغربية قديم قِدَم الحضارة الإغريقية ذاتها التي تعد الحضارة الغربية امتداداً طبيعياً لها.
«فلم يكن في الديانة القديمة المستمدة من الأساطير الإغريقية ما يغري العقول اليونانية الكبيرة بالإنصات إليها. وهكذا هاجم أكزينوفان (٥٧٠ ـ ٤٨٠ ق. م) النزعة التشبيهية (تشبية الآلهة بالبشر) زاعماً أن الثيران يمكن أن تصنع لنفسها أصناماً مماثلة من الثيران. وأنكر أنكساجوراس ألوهية الشمس، وذهب إلى أنها حجر أحمر ملتهب أكبر حجماً من جبل البليونيز» (٣) .
وكما يقول المؤرخ الغربي الكبير أرنولد توينبي: «كانت الطبيعة البشرية البربرية التي انعكست صورتها على مجموعة الآلهة الأوليمبية في واقعية مؤلمة، موضعاً للعبادة لا يليق على الإطلاق بمجتمع ما زال في طور التحضر، وهو الأمر الذي أدى بها إلى السقوط سريعاً في نظر العالم الهليني، وذهب الأمر إلى أن أصبحت الآلهة الأوليمبية في قصائد هوميروس ذاتها في صورتها المنقحة الأخيرة التي باتت فيها قانونية معتمدة موضعاً للتجريح والهزء. وما أن حل القرن السادس قبل الميلاد حتى حمل عليها الفيلسوف (كسينوفانيس) حملة شعواء. واضطر الهليونيون إلى البحث عن موضع للعبادة عوضاً عن الآلهة الأوليمبية، وظل هذا البحث جارياً حتى انمحت الحضارة الهلينية نفسها من الوجود» (٤) .
وهذا ما نقوله تماماً: إن الإغريق ظلوا بيحثون عن مصدر آخر للحقيقة بعيداً عن هذا الجو الديني الأسطوري الدنس الذي اتسمت به الحضارة الإغريقية. ولم يكن من المعقول أن يذهب الفلاسفة الذين وضعوا أسس الحضارة في التفكير الغربي مثل ديمقريطس وأرسطو وأبيقور ـ أن يذهبوا إلى عرَّافة دلفي (أحد أهم المعابد الإغريقية) ليسألوها عن ماهية حقائق الكون أو حتى عن حقيقة الدين نفسه حتى تروح في غيبوبة وتجيب عن تساؤلات شتى. فالديانة اليونانية لم يكن بها أي قدر من المعقولية أو القداسة، وما كان للفلاسفة سوى أن يعتمدوا على عقولهم وخبراتهم الواقعية في العمل على إدراك حقائق الوجود، وإدراك حقيقة الدين نفسه. وسواء نتج عن ذلك فلاسفة ملحدون أو فلاسفة مؤمنون فإن طريق الإبستمولوجي (المعرفي) لإدراك ذلك كان مستقلاً عن الديانة اليونانية؛ فحتى الذين ذهبوا منهم إلى الإيمان بوجود إله فإنهم ذهبوا إلى ذلك من خلال تصوراتهم، بل ومن خلال هذه التصورات العقلية حددوا تصورهم للصفات الإلهية؛ بل إن التصور الأرسطي بالذات للإله الذي لا ينشغل بالعالم وإنما بتأمل ذاتي لا نهاية له هو الذي ترك بصماته في الفكر الديني الفلسفي لدى الغرب. ونحن نتحدث هنا عن التيار الأصيل في الفلسفة الإغريقية أي تيار الفلاسفة الذين نشؤوا بين أناس يعتقدون بالعقيدة الأوليمبية، ومن ثم كان رفضهم لها وهو تيار الأيونين والإيليين والسوفسطائيين والأرسطيين والأبيقوريين. بخلاف تيار ضئيل لم ينعكس تأثيره كبيراً على الفلسفة الغربية الحديثة، وهو التيار الصوفي الذي يمثله الفيثاغورثيون (نسبة إلى الفيلسوف والعالم الشهير فيثاغورث) الذين تأثروا كثيراً بالحضارة الهندية.
- العلمانية هي السمة الرئيسة التي تحكم الطريقة الإغريقية في التفكير:
وعلى ما سبق فإن السمة الرئيسية التي تحكم الطريقة الإغريقية في التفكير الاقتصار على العقل البشري وخبراته فقط في معرفة الحقيقة وتجريد الوعي البشري من أي معرفة دينية للحقيقة أو بقول آخر البحث عن ثمار الحقيقة في غير شجرة الدين تماماً إلى الأبد.
إن عقولهم غُلف عن الاقتناع بأنه من الممكن أن يكون هناك شيء يسمى وحي يتدخل من خلاله في شؤون العالم، ويصطفي أحداً من خلقه ليقوم بمهمة إبلاغ رسالته إليهم. إنهم لا يستطيعون أن يقبلوا بأن هناك شيئاً سيهبط من السماء إلى الأرض ليشق نسيج الحياة الرتيب الذي ينسج حياتهم، ويكشف لهم عن حقيقة الوجود، ويحدد لهم الدستور المعيشي الذي ينبغي أن تكون عليه حياتهم وعبادتهم.
وهذا هو المعنى الحقيقي للعلمانية الذي لا يسمح لشيء آخر غير العقل أن يتدخل أدنى تدخل في حياة الإنسان وتصوراته، ولا يترك حتى للدين نفسه أن يحدد موقعه من تلك الحياة، بل هي ـ لو أرادت ـ التي تسمح بهذا التدخل الذي تقوم بتحديد نطاقه الضيق للدين؛ بحيث يتحتم عليه عدم الخروج منه.
وهذ الذي نقوله عن كون الواقع الفكري للعلمانية هو في الأصل السمة الأساسية التي تحكم الطريقة الإغريقية في التفكير والتي هي الأصل في التفكير الغربي بوجه عام له شواهده الكثيرة لدى المفكرين الغربيين أنفسهم. فعلى سبيل المثال يذكر بريتراند راسل (أحد أهم فلاسفة الغرب في القرن العشرين) أن التمرد على الجمود الفكري للفيلسوف اللاهوتي توما الإكويني في العصور الوسطى أدى إلى «سير التيار الفلسفي الرئيسي مرة أخرى في القنوات العلمانية؛ بحيث عاد إلى روح الاستقلال التي كانت تسود فلسفة القدماء» (١) .
ويقول ج. ج. كراوزر واصفاً ثالز (أحد علماء الإغريق) بأنه: «قد قام بتمحيص المعلومات القليلة التي بلغته عن العلوم الرياضية عند المصريين والبابليين بنفس الطريقة العلمانية التي استخدمها في التحري من مدى صدق الحكايات التي كانوا يقولون بها عن الخلق» (٢) .
وتقول الكاتبة المهتدية مريم جميلة (مارجريت ماركوس سابقاً) عن التحولات الفكرية في عصر النهضة: «وبشغف شديد تحول مفكرو عصر النهضة إلى الاستلهام من علوم اليونان والرومان القديمة، وبإحلال الإيمان بقدرة العقل البشري المجرد محل الإيمان بالله» (٣) .
كل ما سبق يؤكد أن العلمانية هي طريقة التفكير التي كان ينتهجها التيار الأساسي في الفكر الإغريقي الذي يعد الفكر الغربي بوجه عام امتداداً طبيعياً له، ولم تنشأ كما هو سائد رد فعل لجمود الكنيسة الغربية واضطهادها للعلماء والمفكرين في عصر النهضة. وإن غاية ما حدث في ذلك أن هؤلاء العلماء والمفكرين استعانوا بها مرة أخرى في مواجهة كهنوت الكنيسة واضطهادها حتى سادت تماماً واستمرت في الغرب حتى الآن.
- ما نراه في تعريف العلمانية:
وعلى هذا فإن ما نراه في تعريف العلمانية هو: «الاقتصار على العقل البشري وخبراته في إدراك حقائق الوجود وتصريف شؤون الحياة» (٤) ، وهو الأمر الذي يعني في الوجه المقابل له إقصاء أي مصادر أخرى وعلى رأسها الوحي المقدس في إدراك حقائق الوجود، والطريقة التي يجب انتهاجها في الحياة التي نعيشها.
وما أقصده بإرداف كلمة (وخبراته) بعد قولي العقل البشري أن المسألة يدخل فيها ما يقبله العقل من الجهود العقلية للآخريين في التفكير، وكذلك التجارب الحسية والعلمية التي يحكمها العقل في النهاية، فيشمل كلامي هذا تياري الفكر الغربي معاً: العقلي، والتجريبي.
- تطور الفكر العلماني:
نشب الصراع بين المسيحية منذ ظهروها وبين العقائد اليونانية القديمة، وهو ما نتج عنه في النهاية بعد قرون طويلة من الحرب والمساومة مزيجٌ عقائدي مزدوج يتمثل في المسيحية الثالوثية وطقوسها وسلطاتها البابوية، وأجهصت الفرق الرافضة لهذا الهجين الثالوثي من المسيحيين الأوائل والذين كان أبرزهم فريق الإيروسيين الذين انضم أتباعهم إلى الإسلام فيما بعد. ومع ذلك فقد منح هذا المزيج الأوروبيين بُعداً مفيداً لهم يتمثل في الوحدة الروحية الدينية تحت سلطة الكنيسة والتي تحولت فيما بعد إلى وحدة سياسية تحت سلطاتها أيضاً؛ لأن الأباطرة والملوك كان لا بد لهم أن يلتمسوا من البابا التنازل عن السلطة الزمنية (السياسية) لهم.
ومن ناحية أخرى فقد فرض هذا المزيج تاريخاً طويلاً من التمرد على اللا معقولية، وما اتسم به كهنته من استبداد وفساد.
ومثَّل الإسلام منذ ظهوره الطرف المضاد لأوروبا في صراعها التقليدي مع الشرق، ومع ذلك فقد أمدها الإسلام من خلال صلاتها المتعددة بأوروبا في شرق المتوسط وإيطاليا وبلاد الأندلس بدعوته إلى العقل، وعقيدته البسيطة الخالية من الكهنوت التي تدور حول مبدأ التوحيد، وساعد ذلك على انطلاق خطواتها الأولى في اتجاه التقدم العلمي والتحرر السياسي والنقد العقلي لعقائد الكنيسة في نهاية العصور الوسطى وتم مواجهة ذلك بأقصى درجات البطش والتنكيل، وهو الأمر الذي فجَّر الثورات المتتالية على الكنيسة مع بداية عصر النهضة وما صاحب ذلك من ظهور المنهج التجريبي وبزوغ الفكر العليم في أوروبا.
ولكن في ظل استمرار اضطهاد الكنيسة للعلماء والمفكرين في عصر النهضة؛ فإن الحركة العقلية في أوروبا اتخذت منحى متطرفاً اتجه بها إلى العداء للدين، بل الإلحاد التام وليس مجرد التمرد على الكنيسة واضطهادها؛ وذلك لأن الاضطهاد المستمر لهؤلاء قرن التحرر العقلي عندهم باتخاذ الجانب المناوئ للدين عموماً. وبات مستقراً في الضمير الغربي منذ ذلك الحين تناقض الفكر والعلم مع الأديان بوجه عام وهكذا ورّثت المسيحية الثالوثية عداء العلماء والمفكرين لها إلى الإسلام أيضاً.
وبذلك تمت استعادة الفكر الإغريقي العلماني من جديد في عصر النهضة كسلاح في وجه الكنيسة الغربية خصوصاً في جانبه المادي الإلحادي (ديمقريطس ـ أبيقور) الذي وجد صداه بعد ذلك في كتابات رواد المذهب المادي الإنجليزي (هوبز ـ لوك ـ هيوم) في عصر التنوير المتمثل في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين. وانتشر وذاع من خلال رواده الفرنسيين (ديدرو ـ فولتير ـ دالمبير) . ويتضح من ذلك استقلال العلمانية عن الأديان بوجه عام وإن لم ينف ذلك تلاقي مصالحها مع الصليبية والصهيونية في أحيان كثيرة.
ثم تطور الفكر العلماني إلى العديد من المذاهب الشهيرة في القرنين التاسع عشر والعشرين مثل الماركسية والوضعية المنطقية والعلمانية التحليلية والبرجماتية والوجودية الإلحادية حتى بلغ مرحلة الإجهاد التام في الفكر الحداثي وما بعد الحداثي من المذاهب الغربية؛ لأنها تمثل التيار العام الذي تولدت عنه مختلف هذه المذاهب. وسنحاول شرح ذلك تفصيلاً ـ بإذن الله ـ في مقال آخر.
стр. 5013
الأصولية اليهودية.. نظرة عامة
د. عبد الله اليحيى
جذوة الأصولية اليهودية قديمة قِدَم اليهود، وانطلاقتها المعاصرة في فلسطين من المدارس الدينية المستقلة وخاصة (ميركازهاراف) التي أسسها الحاخام (تسفي يهوداكوك) ، وتخرج منها زعماء وقادة وجماهير الطوائف اليهودية الأصولية المعاصرة. ومراحل نموها:
١ ـ مرحلة التبعية: منذ الخمسينيات إلى منتصف الستينيات، نظراً لقوة الحركة الصهيونية العلمانية ووجود المؤسسين، وتمتاز هذه المرحلة بالاعتدال.
٢ ـ مرحلة الاستقلال: وذلك بعد حرب حزيران ١٩٦٧م، والصحوة الدينية اليهودية بسبب النصر المفاجئ، ثم حاجة الحركة الصهيونية الجديدة التي يحتاج أمنها إلى مجموعات سكانية يهودية.
٣ ـ مرحلة العمل الأصولي: وذلك بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م، ودخول الأصولية اليهودية العمل السياسي (حزب غوش إيمونيم) ، وإلى العمل الشعبي المنظم (حركة كاخ) ومنظمات الهيكل والمنظمات الإرهابية.
وقد توسعت مساحات ومصادر الأصولية اليهودية في فلسطين بعد مرحلة الاستقلال، وأخذت في التفاعل والحضور المميز من خلال:
أـ المستوطنات التابعة للتيارات والأحزاب الدينية المتطرفة.
ب ـ المدارس الدينية المستقلة (إليشفوت) وهي التي تخرج الحاخامات، وفيها ٣٣% من أطفال الكيان الصهيوني في فلسطين.
ج ـ الأحياء المغلقة وخاصة في القدس، وشعارهم لبس السواد.
- ومن مظاهر الأصولية اليهودية في فلسطين المحتلة:
١ ـ الالتزام العملي بالحلال والحرام بحسب الشريعة اليهودية، ومحاولة إلزام اليهود بها، واحترام الآخرين لها.
٢ ـ احترام يوم السبت، وإلزام سيارات النقل وشركة الطيران بعدم حمل الركاب ذلك اليوم، إضافة إلى وصايا كثيرة تصل إلى (٦٠٠) وصية يمكن اختراقها بالحيل.
٣ ـ محاولات الاعتداء على المسجد الأقصى أو هدمه، والدعوة إلى بناء الهيكل الثالث، وممارسة الإرهاب لخدمته من خلال أعمال فردية أو جماعية أو منظمات تعمل فوق السطح.
٤ ـ تغطية الرأس بـ (الكيبا) وخاصة في الجيش، وعند الأطباء، والمهندسين، والمحامين.
٥ ـ الدعوة إلى حفظ العائلة اليهودية الملتزمة عن طريق الجمعيات الدينية، والنشرات، والصحافة الدينية، وتنمية أعدادهم، وإقامتهم في أحياء متجانسة.
٦ ـ رفض عملية السلام، أو الانسحاب من الأراضي المحتلة، والتطلع إلى حدود إسرائيل الكبرى.
وهذه المظاهر لا تُعفي أولئك الذين لا يلتزمون بها من المسؤولية، لكن تبقى الأصولية اليهودية متجذرة في كل الفرق اليهودية المعاصرة، على اختلاف ألوانها ودروبها ودرجاتها؛ حيث يتميز الدين اليهودي بالعديد من الأصوليات التي ترتوي من جذور متقاربة، وتلتقي في هدف واحد وإن اختلفت مساراتها؛ فأصولية الخلاص المسيس (المسيحانية) تجمع بين التعاليم التوراتية والتلمودية، والتوجهات القومية، والآمال السياسية؛ للوصول إلى دولة اليهود الكبرى أو الكاملة ويمثلها (غوش إيمونيم) ، وأصولية اليهود القوميين العلمانيين تسعى إلى تحقيق الآمال الصهيونية بالهيمنة على الشرق الأوسط، لا على أساس أنها وعود إلهية، ولكنها بشرى وتطلعات العبقرية اليهودية الأولى، ومن التزاوج ما بين هذا وذاك ستظل الأصوليات اليهودية (قوة حية في السياسة الإسرائيلية، وستتمتع بفرص جديدة للتقدم نحو أهدافها القصوى) (١) ، وفي قمة القائمة الأصولية الأرثوذكسية اليهودية (القائمة على التلمود البابلي وبقية الكتابات التلمودية ومجمل الشريعة اليهودية «الهالاخاه» ما زالت صالحة، وسوف تظل كذلك أبداً. ويؤمن الأصوليون اليهود بأن الكتاب المقدس نفسه لا يُعتد به ما لم يفسر على النحو الصحيح من خلال كتابات التلمود) (٢) ، وقد أخذت الأرثوذكسية أقسى صفات الأصولية المتمثلة في الجمود، والتصلب، والعناد، والانغلاق، والعودة إلى الماضي ومعارضة التطور، ورفض الواقع، وعدم التكيف، بل تجاوزت كل ما سبق برفضها للقيم الإنسانية المشتركة بين الأمم ولدى الحضارات؛ فالحاخام (شلو موافنير) يرى أن (الوصايا الإلهية للشعب اليهودي تسمو على الأفكار الإنسانية، وحينما يطلب الله من سائر الأمم الخضوع للقوانين الأخرى المجردة الخاصة بالعدل والفضيلة؛ فإن هذه القوانين لا تنطبق على اليهود؛ لأن الله يتكلم مع شعبه، أي إسرائيل مباشرة) (٣) .
ومن خلال المواقف تنكشف الأصوليات. والأصوليات اليهودية لها مواقف متعددة من بعض القضايا، وأكثرها وضوحاً علاقتهم بالسلطة اليهودية في فلسطين؛ حيث تتشكل مواقفهم تجاهها في مسارات ثلاثة:
الأول: أصولية تحترم حكومة الكيان الصهيوني، وترى أنها دولة مقدسة وحكومة يهودية؛ فالحاخام (صفي يهوداكوك) يعتقد أنها (مقدسة ولا خلل فيها، إنها شكل من أشكال التجلي السماوي العلوي) (٤) ، وأنها قاعدة العرش الإلهي.
الثاني: أصولية ترى أن حكومة الكيان الصهيوني علمانية منحرفة، ولكنها وسيلة لحكومة الحاخامات القادمة، والعلاقة بينهما في حالة مدّ وجزر؛ فأحياناً يسيرونها وحيناً تسيرهم، وهي تسبق مجيء المخلص، ويحاولون أن يقنعوا الحكومة في أن لا تفكر (فيما يجري في الخارج، بل دعونا ننظم أرضنا وأنفسنا مصغين إلى كلمة الله وكلام أنبيائه) (٥) ، وهي ـ في نظرهم ـ حكومة لليهود وليست حكومة يهودية، يشاركون الحكومة في الحكم، ويحرضون على قتل رابين.
الثالث: أصولية تكفِّر حكومة الكيان الصهيوني في فلسطين وتتهمها بالزندقة والخروج عن إرادة الله، ويعبر عن هؤلاء حركة «ناتوري كاراتا» الأصولية.
أما موقف السلطة من الأصوليين فهي تمتاز بالرفق واللين معهم، وتقديم المساعدات لمدارسهم ومؤسساتهم الاجتماعية، والتنازلات الدينية المتتالية خاصة في أيام الانتخابات وتأليف الحكومة، وهي لا تخرج عن موقف الشرائح العلمانية والقومية اليهودية في فلسطين؛ فهي وإن كانت لا تلتزم بالتعاليم الدينية إلا أنها في حالة رضى على المتدينين؛ لأنهم يحملون الوهج اليهودي التاريخي، وينطلقون من خلاله لخدمة الدولة، ويضحون بالسكن في المستوطنات النائية وتحمل المشاق من أجل دولة اليهود أو الدولة اليهودية القادمة.
ومن صور تغلغل الأصولية اليهودية في التيار الصهيوني وحيلهم أن الحاخام (شاخ) رفض أن يتولى أحد من طائفته مناصب وزارية في حكومة نتنياهو؛ لما في ذلك من مشاركة الصهيونية بالعمل، ولكن نتنياهو أعطاهم وزارة الإسكان مكافأة لهم على تأييدهم له في الكنيست، وتولى إدارتها بنفسه، ووضع نائباً ـ ليس وزيراً ـ من مؤيدي الحاخام (شاخ) ومن حزب ياهدوت هاتوراه، وأخذ نتنياهو بالتوقيع على ما يراه ويطلبه النائب في وزارة الإسكان.
وهذا الموقف وغيره أقرب ما يكون إلى النفاق، وقد وجد استهجاناً من الرأي العلماني الواسع؛ حيث يصورونه بالرياء (السافر الذي يقوم من خلاله الوزراء بأداء الطقوس الدينية، لا يؤدي إلا إلى الإضرار بتماسك الحكومة) (٦) ، بينما يرى (عزمي بشارة) أن ما بين الصهيونية والتيار الديني علاقة تكاملية؛ لأن (الفكرة الأساسية والأهم التي تأسست عليها الحركة الأصولية الحديثة تنبع من قيام تيار ديني خالص باتخاذ المفاهيم الصهيونية العلمانية أساساً لعمله بعد إضافة المصطلحات والنظم الدينية عليها) (٧) ، وقد وافق الكنيست عام ١٩٨٥م، وبأغلبية ساحقة على رفض أي حزب يرغب المشاركة في الانتخابات إذا كان يعارض مبدأ (الدولة اليهودية) ، أو يريد تغيير ذلك عبر القنوات الدستورية، كما أن رئيس الوزراء (مناحيم بيجن) سمح بتأجيل الخدمة العسكرية ـ رغم أهميتها ـ عمن درس في الثانوية العلمانية، ويرغب التزود بالعلوم الدينية من خلال معهد ديني، وهذا التأجيل قدم موجة مهمة من موجات المد الأصولي اليهودي.
ومن ثمار استقطاب السلطة للأصوليين الاتفاق غير النظامي بين الحاخامات، ووزارة الدفاع للكيان الصهيوني في أن يكون المرشحون للدراسة العسكرية من المتدينين في مجموعة واحدة، ولهم معسكرهم المتجانس مع توجهاتهم، ويشرف عليهم حاخاماتهم من أجل المحافظة على نقائهم الديني، كما أن الدولة خفضت الخدمة العسكرية من ثلاث سنوات إلى ثمانية عشر شهراً، وما بين كل ستة أشهر يعودون فيها إلى دراسة التلمود، وينظفون أرواحهم مما علق بها من تلوُّث يخدش دينهم نتيجة التقائهم باليهود العلمانيين، ومع هذه المنح اللامتناهية قام الحزب الديني القومي باستئجار مخبرين سريين من أجل التجسس على الوزراء، لمعرفة من ينتهك التعاليم الدينية اليهودية.
إن الأصوليات اليهودية بأنواعها نراها في فلسطين من خلال المنظمات الإرهابية اليهودية، وحركات بناء الهيكل، والمدارس الدينية، ووصول المتطرفين من اليهود إلى أعلى المراتب في سلطة الكيان الصهيوني، وفتح أبواب الكنيست للأصوليين، والموقف من السلام، ومقتل رابين، وجريمة المسجد الخليلي. والمؤلم ما يراه الكاتب اليهودي إسرائيل شاحاك من أن (الأصولية اليهودية ليست قادرة على التأثير فقط في السياسة الإسرائيلية التقليدية، ولكنها قادرة ـ أيضاً ـ على التأثير على السياسات الإسرائيلية النووية) (١) ، وخاصة أن الأصوليات اليهودية تنطلق من أربعة مبادئ تتفق عليها، وتجد التشجيع والتأييد من قِبَل اليهود التقليديين والعلمانيين والقوميين وهي:
ـ اليهود شعب الله المختار.
ـ العودة إلى فلسطين من أسس عقائدهم.
ـ الإرهاب والقتل للآخر من الأعمال التي يثاب عليها اليهودي.
ـ إن لم تكن مع المخلِّص المنتظر فلا أحد يحول بينك وبين تعجيل مجيئه والتبشير به.
وثمار هذه الأصوليات نلمسها في عدة زوايا ومنعطفات، يعبر عنها تصريح الحاخام (مئير كاهانا) : (إن طرد الفلسطينيين من البلاد هو عمل أكثر من كونه قضية سياسية، إنه موضوع ديني، واجب ديني، أمر بإزالة المعصية، وبدلاً من أن نخشى ردود الغرباء إذا فعلنا ذلك يجب أن نرتعد خوفاً من غضب الله إذا لم نفعل ذلك ونطرد العرب) (٢) ، وصحيفة (الجيروزاليم بوست) في ٣/١١/١٩٨٨م كتبت في افتتاحيتها أن (الأحزاب الدينية تتنافس فيما بينها على تمزيق إسرائيل وجعلها تتخلى عن ميثاق الاستقلال وتعميق ارتباطها بقوانين التوراة، ومن شأن ذلك إعطاء دفعة لمسيرة تحويل إسرائيل إلى دينية) (٣) ، ومن استشراف (أريئيل) اعتقاده أنه (من المتوقع لأعدائنا أن يقبلوا بقيم التوراة، وأن يقوموا بثورة فعلية في طريقة عيشهم وتفكيرهم، ذلك هو السبيل الوحيد إلى السلام الحقيقي الدائم) (٤) ، وقد تجاوزت الأصوليات اليهودية في فلسطين مرحلة المجموعات المتطرفة السرية أو الصغيرة، وهي وصلت ـ أو تكاد ـ إلى التلاحم ما بين النواة والأطراف، ومن أبسط الخطوات أن تجد أمثال الطالب الجامعي (يهوشع كراتز نيكر) البالغ من العمر سبعة وعشرين عاماً يعبر عن رأيه من خلال الأجوبة على الأسئلة التالية:
س: هل تتمنى أن تقوم في إسرائيل دولة تحكمها قوانين الشريعة؟
ج: طبعاً أتمنى دولة تحكمها قوانين الشريعة.
س: وسيتم رجم مرتكبي الزنا كما تقول التوراة.
ج: طبعاً ما دام هذا ما تقضي به التوراة.
س: ولن يستطيع الإنسان أن يتناول طعاماً غير حلال في إسرائىل حينئذ.
ج: بالتأكيد؛ فاليهود لن يسمح لهم بتناول طعام غير حلال، ولن يسمح بوجود متاجر للطعام غير الحلال، وتقضي الشريعة بأن المكلف يأكل ما تحله الشريعة، إذا ضبط وهو يتناول طعاماً غير حلال يعاقب بالجلد.
س: ألا يذكرك هذا البرنامج بالبلدان الإسلامية حيث تقطع يد السارق؟
ج: لا، بالمرة، إن هناك فرقاً كبيراً بين الشريعة اليهودية والشريعة الإسلامية، إن الشريعة اليهودية تعبر عن قيم أخلاقية عظيمة وجميلة.
س: إن فرض الدين بالقوة ليس موقفاً ديمقراطياً.
ج: صحيح، ولكن الأخلاق أهم من الديمقراطية.
س: هل تقبل تقديم تنازلات من أجل السلام؟
ج: أنا كرجل متدين أعلم أننا نملك أرض إسرائيل بفضل وعد الرب، ولذلك ليس هناك مسوِّغ لإعطاء العرب أية قطعة من هذه الأرض حتى مقابل السلام (٥) .
стр. 5014
بريد القراء
عبد الله الشريف
تتوالى الرسائل من جمهور القراء الكرام؛ بين مشاركات، وتعقيبات، وتصويبات، واقتراحات، ونحاول الرد عليها قدر المستطاع نظراً لكون المجلة شهرية، وليس من السهولة بمكان الرد على رسائل كل القراء؛ لأسباب عملية وفنية.
? كتب الأخ فهد الحسون مُثبتاً حبه لمجلة البيان؛ لأنها كما قال: «تعيننا على استبيان طريق الحق والإنصاف بمنهجية سامية، وثبات على المبادئ حتى مع أشد المتغيرات» ونشكر الأخ فهد الذي شفع ثناءه باقتراحين مهمين: أولهما: «أتمنى أن يكون هناك مقال في مجلة البيان للدكتور عبد الكريم بكار؛ فإن كتابته تستهوي الكثيرين لما فيها من أسلوب جميل، ولاهتمامه الكبير بجانب تدعيم الذات والرفعة بالنفس، وهو أمر مهم نحتاجه كثيراً» وهذا اقتراح جيد، وقد سعت المجلة بالفعل لتحقيقه منذ فترة، وأثمر ذلك تخصيص زاوية شهرية ثابتة يكتب فيها الدكتور بكار بعنوان: «أفق أخضر» وستبدأ من العدد القادم (٢٠٣) بإذنه تعالى.
الاقتراح الثاني للأخ فهد: «أن يكون هناك مقالات يتم فيها مناقشة ما يلوكه العلمانيون هذه الأيام من هتافات حقوق المرأة، وتبين للجمهور زيف هتافاتهم وكذبها» ولا جدال في أهمية هذه القضية، وقد تناولتها أعداد المجلة مؤخراً، فضمنتها في ملف التغيير بمقالة للدكتور فؤاد عبد الكريم بعنوان: «المرأة المسلمة بين موضات التغيير وموجات التغرير» ثم صدرت المقالة في صورة كتيب صغير، كما خُصص ملف كامل في العدد ١٩٧ عن الحرب على الحجاب، وفي عدد قادم بإذنه ـ تعالى ـ ستكون هناك ندوة موسعة تتناول القضية بعنوان: «المرأة المسلمة في قلب المعركة» .
? وأرسل الأخ عمار العسكر برجاء أن «يكون لمجلتكم الحبيبة معالجة لموضوع التعصب الأعمى والتحزبات التي شغلت كثيراً من وقت الشباب بدلاً من الاشتغال بطلب العلم النافع» ونتفق مع الأخ عمار على ذلك، وقد عالجنا هذه القضية المحورية في أعداد سابقة، ولن نُقصر في تناولها في الأعداد القادمة بإذنه تعالى.
? الإخوة: محمد بن عبد الله، أبو قاصد توفيق، أبو صلاح سمير: كتبوا رسالة مشتركة هي الأولى التي يراسلون المجلة بها، وعبروا في رسالتهم عن فرحتهم بـ «وجود إعلام إسلامي يقوم بتوعية أبناء الأمة» ثم قالوا: «بما أننا نراسلكم للمرة الأولى فقد أحببنا أن نبدأ بشكر جهودكم التي تبذلونها من أجل الدين، ومما جعلنا نراسلكم الوضع الذي يعيشه أبناء الأمة الإسلامية من تفرق وخاصة أبناء الصحوة الإسلامية» ثم يتقدم الإخوة بمقترح عملي وهو «محاولة الاتصال بالإخوة العلماء الأجلاء في جميع البلاد لتقريب الأهداف وجمع الآراء، ودعوتهم لعقد مؤتمر يجتمعون فيه لتوحيد المسار بين أبناء الأمة» ، ويدعو الإخوة الثلاثة المجلة إلى تخصيص أحد الملفات، وإجراء مقابلات تدفع في اتجاه معالجة هذه الأزمة.
وأولاً نثني على الإخوة طيب مشاعرهم وتوجهاتهم، ثم نُثمن مقترحاتهم العلاجية ونعدهم بمتابعتها، ولعلهم اطلعوا في أعداد سابقة للمجلة على بعض المقالات التي تقدم طرحاً مشابهاً، خاصة ما كتبه الدكتور عبد العزيز كامل في مقاليه «فقه الوفاق متى نحييه؟ و «تغيير الخطط في مواجهة خطط التغيير» وقد طرح الدكتور في المقال الأخير تأسيس رابطة عالمية للدعاة كخطوة على طريق توحيد الجهود، وهناك أطروحات مماثلة لعدد من العلماء نسأل الله ـ تعالى ـ أن يوفق في تنفيذها وتفعيلها واقعياً.
? لجأت المجلة إلى زيادة سعر العدد في الأردن من «٥٠ قرشاً» إلى «٧٥ قرشاً» لأسباب اضطرارية لتغطية تكاليف الطبع والتوزيع، فأرسل القارئ الكريم معتصم الشريف تعليقاً على ذلك أثنى فيه على جهود المجلة التي يقول إنه بدأ متابعتها منذ عام تقريباً، ثم قال: «أحببت أن أعلمكم أنني ـ والذي نفسي بيده ـ لو أصبح ثمن مجلتكم في بلدي الأردن أضعاف ما هو عليه لبقيت أتابعكم وأسابق للحصول على العدد الجديد، فاثبتوا وثبِّتوا يا رعاكم الله» ولا نستطيع وصف مشاعر الامتنان والسرور التي تتملكنا لقاء هذه العواطف الجياشة لقرَّاء المجلة، والتي تجعلنا نزداد إصراراً على بذل مزيد من الجهود لخدمة هذا الدين.
? الأخ طارق القادري، المخواة، السعودية: أرسل اقتراحاً جيداً؛ حيث يطلب أن تضاف خارطة توضيحية للبلد الذي يتم الحديث عنه في أحد مقالات زاوية (المسلمون والعالم) ، ويعلل ذلك بأنه «قد لا يكون هذا البلد معروفاً، أو قد يكون معروفاً لكنه لا يُعرف مكانه على خارطة العالم الإسلامي، وكثيراً ما يكون تصورُّ البلد على الخارطة ومعرفة الدول المجاورة له دوره في فهم الموضوع وتصور أبعاد القضية ووصول مقصود الكاتب إلى القارئ بوضوح» وسوف نعمل على تفعيل هذا المقترح في الأعداد القادمة بإذن الله تعالى.
стр. 5015
الوشاح
عبد الستار خليف
البرد القارص يلسع الأطراف اليابسة، ويغيِّر لون الأنوف. فاطمة! تمالكي نفسك وكوني قوية. حدثت نفسها بصوت مكتوم. عاودتها مرة ثانية نوبات الطلق في داخلها حادة، حامية كمسلة محمية على النيران تنغرس في ظهرها. ندت عنها صرخة مكتومة. الوليد قادم لا محالة يا فاطمة.. هاهي بلاد الهجرة والجنة والدفء والطعام، و.. والحنان!
«فاطمة يوسف» هاجرت إلى «نابولي» وهي تحمل في أحشائها جنينها، طفلها الإفريقي البرونزي اللون. تعرف مقدماً أن لونه مثل لون جلدها وجلد قومها. عملت وكدت وتعبت في البرد والصقيع، وتركت هناك.. خلفها في البلاد البعيدة زوجها وأولادها وأمها العجوز. وفي داخلها البذرة السمراء، وها قد جاءت لحظات المخاض. على الرصيف البارد الصخري حاولت الاستغاثة والتلويح للمركبات لمساعدتها ونقلها إلى أقرب مستشفى. لم يتوقف أحد، لم يهتم بهذه الهرة السوداء إنسان. صرخت تطلب المساعدة. نظروا إليها في بلادة ودون مبالاة. يا فاطمة! الطعام كثير. هكذا قالوا لك، والماء كثير وعذب، والعمل متوفر.. و.. الجفاف. جفاف القلوب ـ هنا ـ أكثر من جفاف الصحارى.
«فاطمة» عاشت طوال حياتها الماضية في قريتها الصغيرة المنسية قرب العاصمة «الصومالية» . سبعة وعشرون عاماً وهي تبحث في قريتها السمراء عن الدفء والحنان ولم تعثر على شيء منه. كل ما خرجت به من رحلة الشقاء والبحث في قريتها السمراء عن الدفء والحنان لم تعثر على شيء. كل ما خرجت به من رحلة الشقاء والبحث المضني وسنوات الحرب والضياع هو الجوع والعطش والجفاف واغتيال الأحلام بأصوات الرصاص ودوي المدافع الذي لا ينقطع ليل نهار.
قالوا لها، عندما سألت عن بلاد الثلج والبياض والوجوه الحمراء والعيون الزرق: هناك في الجانب الآخر من العالم يوجد الفردوس المفقود: المسكن والمأكل والمشرب والعمل والحياة الرغدة الناعمة التي نسمع عنها ولم نشاهدها يا فاطمة! لم ترَ فاطمة في بلادها سوى المتقاتلين يجوبون شوارع «مقديشيو» على عربات تحمل رشاشات خلفها وجوه تنطق وتنبئ عن رائحة الموت وانبثاق الدماء. يا فاطمةُ الطعام أصبح شحيحاً في الأسواق، والجثث المتعفنة على قارعة الطريق تفوح رائحتها وتزكم الأنوف. هيا.. اهربي. اتركي الموت والعفن ورائحة البارود واهربي إلى الفردوس الذي ينتظرك على الجانب الآخر من العالم.. هناك كل شيء بوفرة، والحياة.. وأي حياة.
«فاطمة يوسف» . العمر ٢٧ عاماً. مهاجرة صومالية.. جاءها المخاض على رصيف إحدى الطرق الرئيسية في مدينة نابولي، لم يتقدم أحد لمساعدتها، رغم استغاثتها المتكررة. وظلت تعاني الآلام وحيدة.
كانوا يمرون بجوارها وآلام المخاض تدوي داخلها والطلق يقصم ظهرها، ينظرون نحوها، نظرة عابرة، كما لو كانوا يشاهدون هرة تلد على الرصيف بجوار أحد الجدران وهي تموء.
هيه.. يا فاطمة! الآن جاءت لحظات المخاض قوية، عنيفة ومدمرة. جاء على رصيف من صخر لا يلين. وأنت غريبة بين ديار موحشة قاسية لا ترحم. آه! يا بلاد الصقيع والبرد والوجوه الكالحة والعيون المنطفئة والأنوف الحمر والقلوب الميتة، اليابسة، الجافة.
في هذه اللحظات، ودت ـ فاطمة يوسف ـ في قرارة نفسها، لو كانت ـ الآن ـ في قريتها الفقيرة المجهولة، بين أناس تعرفهم ويعرفونها، وكوخ من القش وفروع الأشجار اليابسة، ووجوه تألفها ويألفونها، قلوبهم في بياض حليب النياق، وإن كانت جلودهم داكنة اللون!
الآن، يا فاطمة! الآن وأنت على جانب رصيف الغرباء؛ ما أحلى العودة إلى الديار، إلى الدفء والحب والحنان. هذه اللحظة يا فاطمة تساوي العمر بأكمله. سنوات كثيرة مضت وسنوات أكثر وأكثر ـ بعلم الله ـ قادمة.
آهِ! يا قارتي السمراء الجافة.. نوبات الطلق تزداد قوة وعتواً. ها قد جاءت اللحظات الأخيرة من المخاض. اضطرت إلى التمدد على الرصيف البارد. كل من شاهدها وسمعها تتوجع، حاذاها، ومر.. ولم يتوقف لحظة بجوارها. أحست برغبة عارمة في البكاء، في المناجاة بصوت مسموع، في الصراخ ليصل إلى آذان المارة الصماء، ليعم بلاد الثلج والصقيع. لم يعد في إمكاني أن أخجل من شيء. كل الوجوه والنظرات باردة.. آهِ! يا قريتي المنسية. ها قد جاءت النوبة الأخيرة لأضع طفلي ... وارتفع الصراخ الطفولي البريء.. وراحت في شبه غيبوبة.
من خلال غلالة رقيقة من الضباب، أحست بهيئة رجل برونزي، مارد أسمر، جاء إليها محلقاً من وراء الغيوم. قام بهدوء بتغطية المولود بالوشاح الصوفي الثقيل الذي يستر به بدنه الضاوي، ولف طرفي الغطاء حول رأسها وكتفيها..
ومضى في طريقه..
وما زال صراخ الوليد مستمراً.
стр. 5016
أسئلة الهوية ؟!
عبد الرحمن فرحانة
- من نحن؟ وماذا نريد؟
وفق مفهوم التربية الشامل ينبغي لأي أمة أن تجيب عن هذين السؤالين قبل التحرك بأي اتجاه؛ ومن باب أوْلى في حالة خوض الصراعات مع الآخر.
تأتي أهمية السؤالين من أن أحدهما: يُحَدِّدُ إطار الهوية وهي الجدار المتماسك الذي يحفظ الكينونة، وتشكل نقطة الاتفاق حول تصور الذات من قِبَل أفراد الأمة، ويأتي السؤال الآخر ليحدد ما الهدف الذي تسعى إليه الأمة، وما هي رسالتها؟ وغياب الإجابة عن هذين السؤالين تعني بالمفهوم التربوي سيولة في القيم، وفوضى فكرية مؤداهما التيه والضياع.
وبعيداً عن العاطفة الدينية أو القومية، وعلى صعيد الواقع المعاش: هل أهل القبلة من طنجة حتى جاكرتا، وأبناء العروبة من المحيط إلى المحيط يملكون الإجابة بوضوح عن هذين السؤالين في الوقت الراهن؟ بمعنى: هل أهل العروبة والإسلام يعرفون من هم حقيقةً، وما هو مشروعهم الحضاري، وماذا يريدون؟ لا أظن أن صورة المشهدين العربي والإسلامي يمكن أن تعطي النتيجة المبتغاة.
ولكن لماذا؟ هل لأن الأمة بلا هوية، أو لأن هويتها ضعيفة أصلاً؟
لا شك أن الأمة تمتلك مفردات هوية قوية قادرة على المواجهة، وهي أصلاً أُنْتِجَتْ لتحقيق مهمة الاستخلاف ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، أي أن دور الأمة لا يقف عند دور المواجهة المُعبِّرة عن ردة الفعل، بل يعلوه إلى مستوى المبادرة والتبشير بالقيم الربانية في عالم يعاني من مجاعة روحية تقتل روح الإنسان.
وعلى صعيد مكونات الهوية تتميز الهوية الإسلامية بمفردات أساسية ومناخ يندر أن تتوافر لهوية أخرى وبالكثافة نفسها والتماسك الذي تتمتع به وهي:
- وحدة المُقدَّس الديني (العقيدة) .
- وحدة اللسان (اللغة العربية) مع تعددية لغوية لا تتعارض مع لغة القرآن.
- وحدة التاريخ.
- تواصل سكاني إنساني في مدى جغرافي متصل تقريباً.
ويستغرب من أمة تمتلك عوامل قوة حضارية بهذا المستوى من المتانة والتناغم أن تغدو مشاعاً للإمبريالية الغربية وحضارتها المنفلتة.
في بدايات القرن الماضي وعلى إثر سقوط الخلافة العثمانية تعرضت المنطقة لهجمة كولونيالية إمبريالية غربية؛ ونظراً لأن الحملة استخدمت شوكة القوة فقد استفزت مكامن القوة الكامنة لدى الأمة؛ تفجرت على إثرها حركات التحرر التي حققت الاستقلال الجغرافي ولكن على قاعدة التجزئة. وفي مناخ الأقلمة هذا تلاشت الجامعة الإسلامية، وتفتتت الهوية الإسلامية، وتكَرَّس مفهوم الدولة القطرية.
استعَرَ صراع مُحتدِم بُعيد سقوط الخلافة تلك بين تيارين: تيار الجامعة الإسلامية، والقومية العربية. ولعوامل مصلحية دعم الغرب التيار الأخير. وفي نهاية المطاف تَكَرَّس مفهوم الجامعة العربية وسط منظومة مهلهلة من الدول القطرية. حاول التيار القومي بأطيافه المتعددة أن يخلق مشروعاً حضارياً عربياً لكنه لم يفلح؛ لأنه من خلال خلطة «القومية والعلمنة المشوهة» لم يتمكن من إنتاج هوية متماسكة بسبب غياب المكون الديني وهو الغراء اللازم لتماسك الهوية في الثقافة العربية والإسلامية. وعلى صعيد ميداني لم ينجح التيار العروبي حتى في إدارة الأزمة، ووصلت المنطقة إلى ما هي عليه من فراغ أمني وسياسي غير مسبوقين.
المرحلة التاريخية نفسها شهدت صداماً غير مسوّغ بين التيار القومي والإسلامي؛ نظراً للهيمنة التي تلبست التيار الأول، وعدم قدرة التيار الأخير على احتواء الأزمة وتفكيك مكوناتها باتجاه إيجاد قاعدة توافق عوضاً عن الصدام الذي أنتج صيغة تناقضت في إطارها مفردات القوة بدلاً من تكاملها، وما استتبع ذلك من تبديد لطاقات الأمة. لم يتوقف التناقض عند هذا الحد من الصراع، بل ترافق معه جملة من إشكاليات الثنائيات المتناقضة توهماً مثل: التراث والمعاصرة، الإسلام والعروبة، وغيرها من ثنائيات أرهقت العقل العربي خاصة.
ومما زاد الطين بِلَّة غياب المرجعيات الدينية والنخبوية المختلفة، وتغوُّل الدولة واستبدادها، واحتكار طبقة سياسية ضيقة غير مؤهلة للقرار السياسي. أضف إلى ذلك تعدد المناهج والرؤى المطروحة في الأفق العربي والإسلامي مع انعدام المهارة اللازمة لإدارة هذا التنوع وتوظيفه.
وفي تشخيص الحالة الراهنة يلمس المراقب أن الموجة الجديدة الغازية التي تستهدف المنطقة المتمثلة بحداثة العولمة تتحرك بوتائر طاغية؛ لأنها تعتمد في انتشارها الأفقي على المعلومات عوضاً عن الخطاب الإنشائي القديم، وتتوغل أفقياً عبر وسائط الاتصال الفائقة السرعة التي أنتجتها ثورة المعلومات.
وتتأتى خطورة حداثة العولمة من أنها تستهدف بناء ثقافة التنميط؛ بإلغاء الخصوصيات الثقافية، وبث وتسييد مفاهيم الاستهلاك المادية والفردانية المفرطة، وتهشيم قاعدة المُقَدَّس بإحلال مفهوم النسبية في القيم؛ ومن ثم خلق الذهنية القابلة لتطور القيم وكسر الأمور المحرمة التي تحمي ثبات هذه القيم؛ باعتبارها النواة الصلبة والثابتة التي تتمحور حولها مفردات الهوية وعلى رأسها العقيدة. وربما يأتي ذلك في سياق المشروع الأنثروبولوجي (لجون هيك) حول الليبرالية الدينية الذي يُسوِّق لنظرية أنه لا دين يحتكر الحقيقة، وبضرورة تعدد الطرق للوصول إلى الله ـ تعالى ـ مما يصعب معه إثبات أرجحية دين على غيره.
الموجة الحديثة ليست كولونيالية عسكرية، كما أنها ليست غزواً ثقافياً بالمعنى التقليدي؛ إنما هي حملة استئصال ثقافي تستهدف المُقَدَّس خاصة في منطقتنا؛ لأنه مصدر قوة الهوية لدينا، ويقوم بها «الغرب المتصهين» بالرغم من مقولة تؤكد إخفاق حملتهم وهي للفيلسوف والمؤرخ الاجتماعي الشهير (شبنجلر) : «الحقيقة ليس بوسعها تغيير المعتقدات» .
ومجمل مفردات الحملة الأمريكية الصهيونية التي تتضمن الهجوم على المؤسسات الخيرية والدعوية التي تخدم القرآن الكريم وغيره من شؤون الدعوة الإسلامية، وكذلك حركات التحرر التي تجسد مفهوم الجهاد وهو من أكثر المفاهيم الإسلامية المستهدفة لدى حداثة العولمة. كل مفردات هذه الحملة تؤكد أن المكون الديني للهوية هو المستهدف الأساسي.
هذه الحملة الخطرة لا يمكن أن يقف في وجهها الخطاب الإنشائي الذي يعتمد البلاغة اللغوية وإثارة العاطفة الدينية. إنما يلزم لمواجهتها إنتاج برامج منتظمة وفق خطاب معرفي يعتمد المعلومات سلاحاً في المواجهة واستثمار وسائط الاتصال المعاصرة وسيلة ناجعة في إيصال الرسالة المبتغاة.
- ومن مستلزمات المواجهة ينبغي:
- تطوير مرجعية متفاعلة تبتدئ بالمستوى الفقهي، وتتطور باتجاه الثقافي وصولاً للمستوى السياسي لصناعة مرجعية سياسية مؤهلة لإنتاج قرار سياسي موحد.
- تأهيل ذهنية وخطاب قادرين على إدارة التنوع في كافة مناخات العمل الإسلامي والعربي بأطيافها المختلفة؛ بغية التوصل لبرامج الحد الأدنى المتفق عليه لتكتيل مفردات القوة في مشروع متماسك متفق عليه بدلاً من الصراعات الداخلية التي تنهك جسد الأمة، وتشكل مَعْبَراً ومدخلاً في كثير من الأحيان لنفاذ الأجنبي لبنيتنا الداخلية.
- العمل على إنتاج برنامج شامل للمقاومة بمفردات سياسية وثقافية واقتصادية لمواجهة ثقافة التنميط والإحلال التي تستهدف العولمة تسييدها في مناخنا الثقافي واعتبارها مرتكزاً أساسياً في البرنامج، كما ينبغي التركيز على نموذج المقاومة العسكرية باعتباره الصورة الإحيائية لفريضة الجهاد المُعبِّرة عن شوكة القوة اللازمة لبقاء الأمة وعزتها متى استكملت شروط الجهاد والمواجهة حتى لا يكون ذلك مواجهة غير متكافئة.
стр. 5017
رجب - ١٤٢٥هـ
أغسطس / سبتمبر - ٢٠٠٤م
(السنة: ١٩)
стр. 5018
الدور التالي !
التحرير
بينما تتوارد أخبار قتل أهلنا في فلسطين، وتهديم البيوت عليهم وهم أحياء، واقتلاع أشجارهم على يد يهود يتكشف للعالم الوجه الحقيقي لطبيعة التحرير والإعمار الأمريكي للعراق بأنه تدمير وإذلال وإبادة، ولم يعد غريباً سماع أنباء المجازر التي ترتكب في حق المسلمين في جزر الملوك ونيجيريا. ومما يدمي القلب أن هذه الأحداث يُمنع إدانتها أو طرحها في مجلس الأمن توقِّياً لإحراج الإدارة الأمريكية التي تجاوزت الحد في استخدام حق النقض.
إن الجميع مشغولون هذه الأيام بقضية دارفور؛ فعنان يهدد بتدخل الأمم المتحدة العسكري، وأمريكا تهدد بحصار السودان، وبلير الغارق في مشكلة العراق يعلن استعداده لإرسال خمسة آلاف جندي، ووزير خارجية ألمانيا يزور الخرطوم من أجل دارفور. أما فرنسا فتعلن الاستنفار العسكري لقواتها في تشاد؛ وعلى العالم أن يصدق أن هذا الاهتمام نابع من إحساس إنساني مرهف وضمير حي جعل حتى بوش يقضي جزءاً من وقته الثمين في تهجِّي نطق الجنجويد والتدرب عليه، وهي الميليشيات العربية المتوحشة التي تضطهد الأفارقة المساكين وتبيدهم على ما يقولون.
والسؤال الأهم: متى يأتي دور قضاياهم المزعومة كاضطهاد الأقلية القبطية، وما يسمونه بتهميش المرأة، بل وحتى ظلم العمال الأجانب المزعوم في دول الخليج؟
إنها قضايا مفتعلة تُضخَّم، ثم تكون قضايا تداس في سبيلها دول، وتملى فيها شروط وتروَّض فيها السيادة. إنه مجرد سؤال للساكتين الذين ينتظرون دورهم!!
стр. 5019
حتى لا يكون السودان في مستنقع جديد !!
التحرير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد اعتبر الكونجرس الأمريكي (بتاريخ ٢٢/٧/٢٠٠٤م) بالإجماع أن ما يحدث في (إقليم دارفور) غرب السودان إبادة جماعية، ودعا البيت الأبيض لقيادة الجهود الدولية للتدخل في المنطقة، حتى إصدار قرار أممي تقدمت به أمريكا يمهل السودان شهراً واحداً لإنهاء الأزمة.
وفي زيارة وزير الخارجية الأمريكي (كولن باول) إلى السودان صرح بأن لديه الصلاحية لفرض عقوبات صارمة على الحكومة السودانية إذا لم تُظهر تجاوباً حقيقياً مع المطالب الدولية.
وفي زيارة (كوفي عنان) إلى السودان راح يردد ـ كعادته ـ تصريحات الإدارة الأمريكية، ويتوعد بتطبيق القوانين الدولية على السودان، بل قال في (٨/٤/٢٠٠٤م) : (إن الأمر قد يحتاج إلى تدخل عسكري خارجي لوقف القتال في غرب السودان) .
وصرح رئيس اللجنة العسكرية في الاتحاد الأوروبي الجنرال الفنلندي (هاجلان) بأن قوة عسكرية أوروبية قد تتدخل في دارفور، وأكد أن السودان مدرج في قائمة الأمم المتحدة التي تحدد الدول المرشحة لإرسال قوة لحفظ السلام فيها.
وأخيراً ـ وليس آخراً ـ صرح رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) بأن بريطانيا لا تستبعد إرسال مساعدة عسكرية للمساهمة في التصدي للأزمة في دارفور، وزعم أنه أمام مسؤولية أخلاقية لاتخاذ إجراءات صارمة للحيلولة دون وقوع كارثة إنسانية.
ثم تحدث الجنرال (مايك جاكسون) قائد الجيش البريطاني عن أن بريطانيا مستعدة لإرسال خمسة آلاف من القوات البريطانية إلى السودان..!!
ويحق لنا أن نتساءل هاهنا: هل هذه التحركات الأمريكية والبريطانية المستفِزة، والضغوط المتتابعة على السودان، تجري بدافع إنساني؟!
وهل الألم الذي يشعر به الرئيس الأمريكي، أو المسؤولية الأخلاقية التي عبر عنها رئيس الوزراء البريطاني مشاعر إنسانية حريصة على حقوق الإنسان..؟!
هكذا يزعمون؛ لكن الواقع يحكي شيئاً آخر بالتأكيد.
كيف نصدق هذه المشاعر ونحن نلمس بجلاء حجم الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان في فلسطين والعراق..؟!
كيف نصدق هذه المواعظ الباهتة ونحن نرى ذلك العبث بكل القيم الإنسانية أمام سمع العالم وبصره..؟!
لقد انكشفت سوءاتهم؛ ومع ذلك يتشدقون بالقيم وحقوق الإنسان.
صحيح أن الأزمة الإنسانية في غرب السودان مؤلمة، ولا يجوز السكوت عليها، لكن ثمة حقيقة جلية عند المتابعين لقضية النزاع في دارفور، وهي أن تفجُّر هذه الأزمة في هذا الوقت خصوصاً لا يمكن أن يُعزَل عن السياق العام لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بريطانيا في المنطقة، وها هي ذي معالم استراتيجيتهم تتضح لإعادة بناء السودان من جديد سياسياً وثقافياً.
وسواء أكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي صنعت هذه الأحداث، أم أنها استثمرتها بخبث ودهاء؛ فإننا نستطيع أن نُجمل أهدافهم من هذه الحرب بما يأتي:
أولاً: ترويض السودان وتركيعه لتقديم مزيد من التنازلات؛ خاصة بعد أن وقَّعت الحكومة معاهدة السلام مع جون قرنق زعيم حركة التمرد الجنوبية، واتفق على منح الجنوب حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية قدرها ست سنوات.
واشتعال الحرب في غرب السودان سوف يعزز من النفوذ الجنوبي، ويقوي جذوره في المنطقة، خاصة أن جون قرنق سوف يدخل إلى الخرطوم محملاً بمشروع تغييري شامل يهدف إلى تغييب الهوية الإسلامية والعربية.
ثانياً: الانتقال إلى المرحلة الثانية في تمزيق وحدة السودان، وتقسيمه إلى دويلات صغيرة متناحرة، خاصة الأقاليم التي توجد فيها أغلبية من المسلمين. فالغرب يدرك خطورة الموقع الاستراتيجي للسودان بالنسبة للقرن الإفريقي، ويدرك أنه العمق الاستراتيجي للمسلمين بالنسبة للقارة الإفريقية.
ثالثاً: إنهاك الاقتصاد السوداني ـ المنهك أصلاًَ ـ وتشديد الخناق عليه، واستنزافه في مزيد من الحروب والنزاعات الداخلية.
إننا لا نستبعد تدخلاً عسكرياً غربياً بحجة إحلال السلام في المنطقة، وربما يمرر ذلك عبر هيئة الأمم المتحدة، لكننا ندرك أيضاً أن منطق القوة المستبدة الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع القضايا الإسلامية يدفعها بكل حماقة إلى إعادة تفكيك العالم الإسلامي، وتقسيمه من جديد وفق المعايير النفعية التي تحكم سياستها الشرق أوسطية؛ فالسودان هو ميدان اللعبة الجديد بعد تمزيق العراق وزلزلة أركانه.
لكن يبدو أن الإدارة الأمريكية اليمينية استعجلت هذه المرة قبل أن تستكمل إنهاء فصول مسرحيتها المتعثرة في العراق، وهي حريصة على تحقيق مكاسب انتخابية سريعة في الانتخابات الرئاسية القادمة.
ومنطق القوة هذا هو المنطق ذاته الذي بدأ يتشكل عند شعوب المنطقة؛ فالقبول بالهيمنة الاستعمارية لم يعد وارداً، والمقاومة بكل صورها وأبعادها هي الخيار الأمثل الذي ترسَّخ في الوعي الإسلامي.
إنَّ هذا الظرف التاريخي الذي يمر به السودان يؤكد ثلاث حقائق مهمة:
الأولى: ضرورة التلاحم السوداني الداخلي، والتنسيق المشترك لمواجهة الضغوط ومشاريع الاستعلاء والإملاء الأمريكية.
ويؤسفنا أن بعض الشخصيات والأحزاب السودانية استثمروا هذه الأحداث لتصفية حساباتهم الشخصية والحزبية مع الحكومة، وراحوا يصفقون للضغوط الأمريكية، ويبدو أن الجلبي العراقي سوف يطل برأسه السوداني كثيراً في ظل هذه الأحداث!!
الثانية: ضرورة التلاحم الإسلامي مع السودان، وخاصة التلاحم المصري السوداني؛ فمشروعات التقسيم والهيمنة لا تستهدف السودان فحسب، بل ستنعكس آثارها السلبية بالضرورة على مصر وجميع دول المنطقة.
وإن كنا لا نعوِّل على الدول كثيراً؛ فالأحداث المتتالية أثبتت أنهم أقل من أن يقوموا بشيء يذكر.
الثالثة: ضرورة توجه الأنشطة الإغاثية الإسلامية إلى غرب السودان، وتقديم جميع الاحتياجات الإنسانية للمسلمين بمختلف قبائلهم وأعراقهم لقطع السبيل أمام المنظمات والإرساليات الكنسية التي استحثها بابا الفاتيكان للتوجه إلى المنطقة، ويوجد الآن أكثر من عشرين منظمة تنصيرية، على رأسها: منظمة أطباء بلا حدود (الفرنسية، والهولندية، والسويسرية) ومنظمة أطباء العالم، ومنظمة العون الكنسي النرويجي، ومنظمة أوكسفام البريطانية.
إنَّ الأمر جد خطير، ولا ينبغي للتيارات الإسلامية في السودان خاصة أن تقف متفرجة إزاء هذه الأزمة؛ بل يجب أن تبادر لدور عملي فاعل لدرء الفتنة، وتتجاوز خلافاتها الداخلية وبخاصة أنها تشتعل بين قبائل مسلمة، وعليها أن تنهض لحشد الأمة لمواجهة العدوان الغربي على المسلمين.
«أقولها صريحة: يا أيها السودان!
كأنهم لم يقرؤوا تاريخك الطويل
كأنهم لم يسمعوا نشيد نهر النيل
يقول: منبعي ورافدي وكل قطرة تصب في مواردي
شواطئي مضايقي مصايدي
وكل كائن ونبتة تعيش في الضفاف والسهول
بل كل ذرة تقول:
فليُحكموا الهجوم
لن يظفروا بقطرة بشعرة بصخرة أو قشة تعوم
مائي على أمثالهم سموم
أنشودة ألَّفها النيل العظيم
قصيدة خالدة تنشدها الخرطوم
أقولها صريحة: سوداننا أشجاره رماح
أمطاره أزهاره أحجاره سلاح
جراحه مبعث شعب واعد وإنما تحيا الشعوب بالجراح
هواؤنا أسوار
أطفالنا كبار
كبارنا بحار
وكل رملة بأرضنا على الغزاة نار
مهما تكن قوتهم تظل في حسابنا أصفار
فليُحكموا الحصار
لن يُسكتوا على غصون دوحنا الأطيار
لن يسرقوا من أرضنا النهار
لن يشتروا العزة من أطفالنا الرضَّع بالدولار
لن يشتروا قرارنا.. نحن الذين نصنع القرار
أقولها صريحة: الحر لا يذل نفسه لو أكل التراب
فليحشدوا جيوشهم.. وحوشهم من ضاريات الغاب
من كل ذات مخلب وناب
وليعقدوا الأحلاف خلسة وليجمعوا الأحزاب
لن نقتل الإباء في شبابنا فذخرنا الشباب
لن ننحر الحياء في نسائنا لن نلغي الحجاب
ليُصدِروا لنا براءة من الإرهاب
إن يكن الإرهاب أن نقول: لا لسافكي دمائنا:
فنحن أمة تصدِّر الإرهاب» (*) .
стр. 5020
كَيْفَ نُقَرّب عِلْمَ عِلَلِ الحَدِيث لطلاب الحَدِيث ونحببه لَهُمْ ؟!
آراء ومقترحات
د. علي بن عبد الله الصياح
لا يخفى أنَّ علم «علل الحديث» من أهم فنون الحديث التي تُكوّن عند طالب الحديث ملكة حديثية، وتعلمه الدقة في النقد، والبراعة في التعامل مع ألفاظ ومصطلحات أئمة الحديث ونقاده.
وقد لمستُ من خلال مشاركتي في «ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية» (١) ببحثٍ عنوانه «جهود المحدِّثين في بيان علل الأحاديث» أنَّ هناك توجساً وتخوفاً من هذا الفن، ولمستُ تَرسُّخ فكرة أنَّ علم «عِلَل الحديث» ضربٌ من الكهانة، ونوعٌ من الإلهام، وربما ظنَّ بعضهم أنَّ هذا العلم ينقدح في الذهن بلا مقدمات.
وهذه الفكرة ولّدت عزوفاً وبُعْداً عن هذا الفن «الشيق» والذي لا بدَّ لطالب الحديث من الإلمام به لكي تَكون أحكامه على الأحاديث موافقة - في الجملة - لأحكام أئمة الحديث ونقاده.
ومما تقدم رأيتُ المشاركة في تسهيل هذا الفن ـ «علل الحديث» ـ ووضع مقترحات تُيسر التعامل مع مباحثه، وذلك من خلال النقاط التالية: (هو علم يتم تعلمه وليس إلهاماً) .
النقطة الأولى: على مَنْ يُعلِّم هذا الفن ـ أوَّلاً ـ أنْ يوضح لطلابه أنّ علم «علل الحديث» لا يأتِي من فراغ، ولا ينقدح في الذهن بلا مقدمات!، بل هو عِلمٌ يتعلم ويحسنُ معرفتَه من يأخذ بأسبابه كأي علم من العلوم.
ويبين هنا أنَّ فكرة أنَّ عِلْم «علل الحديث» ضربٌ من الكهانة، ونوعٌ من الإلهام ناتجةٌ عن فهمٍ غير صحيح لقول بعض أئمة الحديث يخاطبون فيها من لا يُحْسِن هذا الفن، ولا يدرك أسراره، أو يبينون لتلاميذهم أهمية هذا الفن ودقته؛ وأنَّ الناقد ربما لم يستطع أنْ يُعبِّر عن العلة بعبارة واضحة تبين وجه الخطأ ومأخذه. قال السخاويّ تعليقاً على قول ابن مهدي: لو قلت للقيم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجة -: «يعني يُعَبّر بها غالباً، وإلا ففي نفسه حجج للقبول وللرفض» ، وهذا ليس خاصاً بعلل الحديث، بل كل ذي اختصاص - بحكم ممارسته - يُمَيّز بين الأمور، ويحكم عليها وربما لا يستطيع أن يُعَبّر عن السبب والعلة.
قد عالجتُ هذه الفكرة في البحث الآنف الذكر فقلتُ - بعدما سقتُ عدداً من الأقوال التي يُفْهَم منها هذه الفكرة -:
تنبيه: ربما يُفْهَم من بعضِ الأقوال المتقدمة أنّ علم العلل يَحْصُل في القلب من فراغ بدون عمل ولا طلب، وهذا الفهم غير مراد قطعاً، لكن لمَّا كان علم العلل خفياً ودقيقاً وبحاجةٍ إلى كثرةِ طلبٍ، وسعةِ حفظٍ، وجودةِ فكر ودقةِ نظر، وتوفيق من الله أولاً وآخراً ـ وهو ما توافر لأولئك النقاد ـ أصبح عند من لا يُحْسِنه نوعاً من الكهانة والإلهام.
وهذا التوجيه يتبين من مجموع أقوالهم وأحوالهم؛ فمن الخطأ أخذ جزء من الكلام وبناء الأحكام عليه، فلا بدّ من ضم الكلام بعضه إلى بعض ليتضح ويتبين المراد، ومما يوضح ذلك قول أبي حاتم لمّا قَالَ له السائل: تدَّعي الغيب؟ قَالَ: قلت: ما هذا ادعاء الغيب، قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلتُ: سلْ عما قلتُ من يُحْسِن مثل ما أُحْسِن فإن اتفقنا علمتَ أنَّا لم نجازف ولم نَقُله إلا بفهم، قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زُرْعة ... » (٢) فقول أبي حاتم: «سلْ عما قلتُ من يحسن مثل ما أحسن» يدل على أنه عِلْم يُتَعلّم ويُحْسِنُ معرفتَه من يأخذ بأسبابه، وكذلك قول عبد الرحمن بن مهدي: «إنكارنا للحديث عند الجهال كهانة» ، فتأملْ التعبير «الجهال» أي من ليس عندهم علم بهذا الفن.
قال المعلميُّ: «وهذه الْمَلَكة لم يُؤْتَوْها من فراغ، وإنما هي حصاد رحلة طويلة من الطلب، والسماع، والكتابة، وإحصاء أحاديث الشيوخ، وحفظ أسماء الرجال، وكُناهم، وألقابهم، وأنسابهم، وبلدانهم، وتواريخ ولادة الرواة ووفياتهم، وابتدائهم في الطلب والسماع، وارتحالهم من بلد إلى آخر، وسماعهم من الشيوخ في البلدان؛ من سمع في كل بلد؟ ومتى سُمِع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه؟ ثم معرفة أحوال الشيوخ الذين يحدِّث الراوي عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث، ومعرفة مرويات الناس عن هؤلاء الشيوخ، وعرض مَرْوِيات هذا الراوي عليها، واعتبارها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
هذا مع سعة الاطلاع على الأخبار المروية، ومعرفة سائر أحوال الرواة التفصيلية، والخبرة بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، وبمظنات الخطأ والغلط، ومداخل الخلل.
هذا مع اليقظة التامة، والفهم الثاقب، ودقيق الفطنة، وغير ذلك» (١) .
وبعد: فهذه النقطة الأولى تعالج ترسخ فكرة أنَّ علم «علل الحديث» ضربٌ من الكهانة، ونوعٌ من الإلهام، وأنّه ينقدح في الذهن بلا مقدمات، وتبين أنّ هذا العلم كسائر العلوم التي من أتاها مِنْ أَبْوَابِهَا وصل إليها.
وأذكر هنا كلاماً رائعاً للعلاّمة السعدي ﵀ يقول فيه: فائدةٌ: قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] يؤخذ من عمومها اللفظي والمعنوي أن كل مطلوب من المطالب المهمة ينبغي أن يؤتى من بابه، وهو أقرب طريق ووسيلة يتوصل بها إليه، وذلك يقتضي معرفة الأسباب والوسائل معرفة تامة ليسلك الأحسن منها، والأقرب والأسهل، والأقرب نجاحاً، لا فَرْق بين الأمور العلمية والعملية، ولا بين الأمور الدينية والدنيوية، ولا بين الأمور المتعدية والقاصرة وهذا من الحكمة» (٢) .
النقطة الثانية: (أخطار التقصير في هذا العلم)
بيان أهمية هذا الفن وضرورة العنايةِ به بالنسبة للمشتغلين بالحديث وعلومه، وتوضيح أنَّ كثيراً من الخلل في الأحكام على الأحاديث ناتجٌ عن القصور في علم العلل وعدم التفطن لدقائقه.
قَالَ ابنُ رجب ـ بعد ذكره لحديث أبي إسحاق قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيد عمّا حَدّثَتْ عائشة عن صلاةِ رسول الله ﷺ قالت: «كان ينام أول الليل ويُحْيِي آخره، وإن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ولم يمسَّ ماء حتى ينام» ـ: «وهذا الحديثُ مما اتفق أئمةُ الحديثِ من السلف على إنكاره على أبي إسحاق، منهم: إسماعيلُ بنُ أبي خالد، وشعبةُ، ويزيدُ بنُ هارون، وأحمدُ بنُ حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسلمُ بنُ الحجاج، وأبو بكر بن الأثرم، والجوزجانيّ، والترمذيّ، والدارقطنيّ،...وَقَالَ أحمدُ بنُ صالح المصري الحافظ: لا يَحِلُّ أن يُروى هذا الحديث - يعني أنه خطأ مقطوع به فلا تَحِلُّ روايته من دون بيان علته.
وأمّا الفقهاء المتأخرون: فكثيرٌ منهم نظر إلى ثقةِ رجالهِ فظنَّ صحته، وهؤلاء يظنون أنَّ كلَّ حديثٍ رواه ثقة فهو صحيحٌ، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث، ووافقهم طائفة من المحدثين المتأخرين كالطحاوي والحاكم والبيهقي» ثم قال - بعد ذكره مسالك توجيه الحديث عند المُصححين، وذكره ألفاظ الروايات عن أبي إسحاق: «وهذا كله يدل على أنَّ أبا إسحاق اضطرب في هذا الحديث ولم يُقِم لفظه كما ينبغي، بل ساقه بسياقات مختلفة متهافتة..» (٣) .
وقال ابنُ القيم: «قال ابن مفوّز (٤) : حديثُ أبي إسحاق من رواية الثوريِّ وغيره ِفأجمعَ من تقدم من المحدثين ومن تأخر منهم أنه خطأ منذ زمان أبي إسحاق إلى اليوم، وعلى ذلك تَلقّوه منه وحملوه عنه، وهو أولُ حديثٍ أو ثانٍ مما ذكره مسلم في كتاب التمييز له، مما حمل من الحديث على الخطأ، وذلكَ أنَّ عبد الرحمن بن يزيد وإبراهيم النخعيّ - وأين يقع أبو إسحاق من أحدهما؟ فكيف باجتماعهما على مخالفته - رويا الحديث بعينه عن الأسود بن يزيد عن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا كان جُنُباً فأراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة، فحكم الأئمة برواية هذين الفقيهين الجليلين عن الأسود على رواية أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة: أنَّه كان ينام ولا يمس ماء، ثم عضدوا ذلك برواية عروة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الله بن أبي قيس عن عائشة، وبفتوى رسول الله ﷺ عمر بذلك حين استفتاه، وبعض المتأخرين من الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد، ولا ينظرون الطرق يجمعون بينهما بالتأويل، فيقولون لا يمس ماء للغسل، ولا يصح هذا، وفقهاء المحدثين وحفاظهم على ما أعلمتك ... تَمّ كلامه. والصواب ما قاله أئمةُ الحديثِ الكبار مثل يزيد بن هارون ومسلم والترمذيّ وغيرهِم من أنَّ هذه اللفظة وَهْم وغلط، والله أعلم» (١) .
وينبه هنا أنَّ بعض الباحثين ـ وفقهم الله ـ ينقل شواهد للحديث ومتابعات من كتب العلل مما استنكره الأئمة على الرواة، ولم يقف وقفةَ نَظَرٍ لماذا ذُكِرَ هذا الحديث أو الطريق في كتب العلل؟ ولربما كان هذا الحديث المذكور في كتب العلل يُعلُّ حديثه كأن يكون موقوفاً وحديثه مرفوعاً، ونحو ذلك؛ وهذا من القصور في هذا الفن.
وأستحسن هنا أن يذكر المعلم بعضَ الأحاديثِ التي اتفق كبار علماء الحديث على إعلالها - كحديث «من غسّل ميتاً فليغتسل» وحديث «المسح على الجوربين» وغيرهما - وَمَعَ ذلكَ صححها بعضُ المعاصرين (٢) ، فيبين هنا سبب الاختلاف في الحُكْم، والفَرْق منهجياً وعلمياً بين نظر المضعفين ونظر المُصَحّحِين، مبيناً أنَّ للفقهاء منهجاً يخالف منهج المحدّثين في هذا الباب قال ابنُ دقيق العيد: «كثير من العلل التي يعلل بها المحدِّثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء» (٣) ، وقال أيضاً: «والذي تقتضيه قواعدُ الأصوليين والفقهاء أنَّ العمدة في تصحيح الحديث على عدالة الراوي وجزمه بالرواية، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه؛ فمتى حصل ذلك، وجاز ألا يكون غلطاً، وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه بوجه من الوجوه الجائزة لم يترك حديثه. وأمَّا أهلُ الحديث فإنهم قد يروون الحديثَ من رواية الثقات العدول، ثم تقومُ لهم عللٌ فيه تمنعهم من الحكم بصحته، كمخالفة جمع كثير له، أو من هو أحفظ منه، أو قيام قرينة تؤثر في أنفسهم غلبة الظن بغلطه، ولم يجر ذلك على قانون واحد يستعمل في جميع الأحاديث، ولهذا أقولُ: إنَّ مَنْ حكى عن أهل الحديث - أو أكثرهم - أنّه إذا تعارض رواية مُرْسِل ومُسْندٍ أو واقفٍ ورافعٍ أو ناقصٍ وزائدٍ أنَّ الحُكْم للزائد فلم نجد هذا في الإطلاق، فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول، وأقربُ الناس إلى اطراد هذه القواعد بعض أهل الظاهر» (٤) ، وقال أبو يعلى: «واُلمحَدِّثون يضعفون بما لا يوجب تضعيفه عند الفقهاء، كالإرسال، والتدليس، والتفرد بزيادة في الحديث لم يروها الجماعة» (٥) .
النقطة الثالثة: كيف يعالج القصور في هذا العلم؟
من طرق علاج القصور في هذا الفن ـ في رأيي ـ طريقان:
أ - كثرة القراءة في كتب العلل النظرية والتطبيقية - كعلل الترمذي الكبير، وعلل ابن أبي حاتم، وعلل الدارقطني وكتابه: التتبع، وعلل ابن عمّار الشهيد، ومبحث «الحديث المعلول» في كتب علوم الحديث - فإنْ غلب على قراءتها فلا يغلب على كتابين: الأوَّل: التمييز للإمام مسلم بن الحجاج، والثاني: كتاب «شرح علل الترمذي» لابن رجب، وأرى أنَّ الكتابين ـ من أولهما إلى آخرهما ـ من أحسن ما يقرر على طلاب الحديث لفهم العلل ومعرفة طريقة النقاد فيها.
ب - تتبّع أقوال كبار نقاد الحديث على الحديث المراد بحثه، والاستفادة من كل كلمة يقولونها عن الحديث؛ لأنَّ تعاليل الأئمة للأخبار مبنيةٌ في الغالب على الاختصار، والإجمال، والإشارة، فيقولون مثلاً: «الصواب رواية فلان» ، أو «وَهِمَ فلان» أو «حديث فلان يشبه حديث فلان» أو «دَخَلَ حديثٌ في حديث» ولا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك القول؛ لأنّ كلامهم في الغالب موجه إلى أناسٍ يفهمون الصناعة الحديثية والعلل، فيدركون المراد بمجرد إشارة الإمام للعلة وذكرها - ومِنْ ثمّ دراسة أسباب هذا الحُكْم من الناقد، ومدى موافقة بقية النقاد له، ومع كثرة الممارسة لكلام النقاد تتكون عند الباحث مَلَكة تؤدي - بتوفيق من الله وإعانة - إلى موافقتهم قبل أنْ يطَّلعَ على كلامهم المعين في الحديث المراد بحثه، وتفيده في دراسة الأحاديث التي لم يتكلموا عليها.
النقطة الرابعة: حول المنهجية لدراسة هذا العلم:
ضرورة اتباع منهجٍ منضبطٍ عند دراسةِ الحديثِ المُعَلّ، فيبدأ أوّلاً بجمع طرقِ الحديث، والنظر فيها مجتمعةً، ومعرفة مراتب رواتها بتحديد مدار الحديث، ثم بيان حال المدار من حيثُ القوة والضعف، ثم يذكر الرواة عَن المدار ويبين اختلافهم واتفاقهم عليه، ثم يوازن بين الروايات ويبين الراجح وأسباب الترجيح.
ولا بدّ في هذه النقطة من مراعاة ما يلي:
١ - أنْ يُعْرَض على طالب هذا الفن ـ في البداية ـ أحاديث خفيفة العلة، سهلة الفهم بحيث لا يجد الطالب صعوبة في فهمها واستيعابها، وهذا يوسع مدارك طالب الحديث، ويجعله يتشوق للمزيد من هذه الأمثلة.
٢ - طريقة عرض ودراسة الحديث المُعلّ لها دورٌ كبير في تحبيب طلبة العلم بهذا الفن؛ فلا بدّ من ملاحظة هذا الأمر، ومحاولة عرض الحديث المعل بصورة مبسطة وواضحة تسهل على الطالب الفهم، ولا شك أنّ عرض العلة بصورة مشوشة متداخلة يجعل الطالب يشعر بأنَّ هذا الفن صعب فيصاب بنوع من النفرة.
ومما يذكر هنا أنَّ الحافظ ابن عبد الهادي - ت ٧٤٤هـ - في تعليقه على «علل ابن أبي حاتم» (١) سلك مسلكاً بديعاً ومتميزاً في عرض وبيان كلام ابن أبي حاتم على علل الأحاديث، فلينظر في محله - تركتُ ذكره خشية الإطالة، والمقام لا يناسب ذلك -.
٣ - أرى عدم تعويد الطلاب على الرسم الشجري عند دراسة الحديث المعل إلاّ إذا كان الاختلاف شديداً وواسعاً، ووجه ذلك -في رأيي - أنّ الطالب سيعتاد عدم فهم الاختلاف إلاّ من خلال هذا الرسم، وربما يصاب ببلادة في الذهن، وكأني بطالب الحديث -وقد سُئل عن اختلاف في حديث مُعَلّ في درسٍ أو محاضرةٍ - يخرج ورقةً وقلماً ثم يبدأ بالرسم الشجري ... ! هذا غير لائق - في نظري - والله أعلم.
وفي الختام: أنبه على قاعدةٍ جميلةٍ نصّ عليها إمام العلل في زمانه عَلِيّ بن الْمَدِينِيّ، وهذه القاعدة يغفل عنها كثيرٌ من الناس. قال يعقوب بن شيبة: قَالَ عَلِيّ بن الْمَدِينِيّ: لا يقاس الرجل إلا بأقرانه وأهل زمانه؛ فلقد قُلْتُ مَرَّةً: سَعِيد (٢) أَعْلَم من حَمَّاد بن زَيْد، فبلغ ذَلِكَ يَحْيَى بن سَعِيد، فشق ذَلِكَ عليه؛ لئلا يقاس الرجل بمن هو أرفع منه لا يَقُول: سُفْيَانُ أَعْلَم من الشعبي، وأيُّ شيء كَانَ عند الشعبي مما عند سُفْيَان؟ وقيل لعلي بن الْمَدِينِيّ: إن إنساناً قَالَ: إنَّ مالكاً أفقه من الْزُّهْرِيّ، فَقَالَ عَلِيّ: أنا لا أقيس مالكاً إِلَى الْزُّهْرِيّ، ولا أقيس الْزُّهْرِيّ إِلَى سَعِيد بن الْمُسَيَّب، كل قوم وزمانهم.
لذا ينبغي التفطن إلى هذه القاعدة وعدم المفاضلة بين مختلفي الأزمنة، وكذلك ملاحظة - وهذا الشاهد للمقال - أنه من الصعوبة - وربما من المستحيل - أن يبرز أحدٌ في علل الحديث كما برز أولئك، ولكن في زماننا هذا - والضعف العلمي والعملي سمةٌ بارزة فيه - أرى أنّ من عَرَف مصطلحات علماء الحديث - بالجملة - ومناهج أئمة العلل وطرائقهم في هذا الفن، وأدمن النظر في كتب العلل - المتقدم ذكرها - مع جودة الفهم، ودِقَّة في النظر، وحفظ الرجال الذين تدور عليهم الأسانيد، ومراتب الرواة وطبقاتهم، وطرق وقرائن الترجيح والجمع أنَّ هذا من العارفين بعلل الحديث.
هذه آراء ومقترحات لتسهيل هذا الفن، وإني لَطَمِعٌ في الاستفادة من مداخلات أهل العلم والفضل.
стр. 5021
من يمثل الإسلام ؟
تعددية قراءة النص هل تعني عدميته؟
د. أحمد محمد الدغشي
стр. 5022
دور الأمة ومكانتها في بناء النظام السياسي
(١ ـ ٢)
محمد بن شاكر الشريف
الأمة تعني الجماعة، والجماعة إنما تكتسب قوتها ومكانتها لا من حيث العدد فحسب، ولكن من حيث الترابط الذي يربط بين آحادها؛ فالعدد المجموع الذي لا يربط بينه رابط لا يستحق لفظ «الأمة» وإن كثرت أعداده. وأقوى رابط يربط بين الناس من المنظور الشرعي هو الدين، ولذا فإن المسلمين أمة واحدة وإن اختلفت أعراقهم أو أجناسهم أو لغاتهم أو أوطانهم؛ فالأمة الإسلامية لها بذلك اتساع عرقي ولغوي وجغرافي فسيح تتباين فيها المستويات الإيمانية، والقيادية والعلمية والفكرية والإنتاجية، وقد زكَّى الله ـ تعالى ـ هذه الأمة وأثنى عليها وعدَّلها وبيَّن مكانتها، فقال في كتابه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، وقال النبي ﷺ في تفسيرها: «أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله » (١) ، فكانت هذه الأمة خير أمة خلقها الله تعالى. وقد بينت الآية شرط ذلك، وهو إيمانها بالله وقيامها بما أوجب عليها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قرأ عمر ﵁ تلك الآية ثم قال: «يا أيها الناس! من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها» (٢) ، وقد أحل الله ـ تعالى ـ هذه الأمة المكانة العالية حين جعلها تتبوأ منصب الشهادة على الأمم، وهي المكانة التي لا يرقى إليها إلا الصادقون العدول القوامون بالحق والعدل، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، والوسط: العدل، وهو خيار الشيء وأفضله، وكذلك جاء قوله ﷺ في حق هذه الأمة عندما قال مخاطباً أصحابه: «أنتم شهداء الله في الأرض» (٣) ، وكررها ثلاث مرات. ويتبين مما تقدم أمران:
أ - مكانة هذه الأمة وفضلها وشرفها وعلوها.
ب - مسوغات ذلك وهو الإيمان والعمل الصالح، والقيام بحق الله ـ تعالى ـ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمة يتحقق فيها ما تقدم لا تكون أمة مهملة لا قيمة لها، وليس لها من أمرها شيء بل تقاد رغماً عنها أو بغير اختيارها، أو أنها تختزل كلها في شخص واحد، أو عدة أشخاص، وما تقدم من الأدلة يكفي في الدلالة على دور الأمة في التشريعات العامة (التعاونية) التي لا يتوجه الطلب فيها إلى أعيان الأشخاص، وإنما يتوجه الطلب فيها إلى الأمة في مجموعها والتي يُحتاج في تنفيذها إلى التعاون على البر والتقوى، والتي منها بناء النظام السياسي.
` أدلة اعتبار الأمة في النظام السياسي:
هناك عدد من الأدلة تبين مكانة الأمة المتأصلة في بناء النظام السياسي الإسلامي؛ فمن ذلك:
١ - يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر:
لما أعلم الله نبيه محمداً ﷺ بدنو أجله وقرب قبضه أراد الرسول ﷺ انطلاقاً مما وصفه الله به ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] أن يحتاط لما يمكن أن يحدث من اختلاف بعده في عقد الخلافة لمن يستحقها؛ فإن هذا المنصب العالي قد تتشوَّف بعض النفوس إلى الوصول إليه ولو بارتقاء المراقي الصعبة التي تعرض جماعة المسلمين للخطر، فأراد الرسول ﷺ أن يقطع ذلك باختيار رجل ممن يصلح لهذا الشأن يقوم بالأمر بعده. وكان من المفهوم جداً أن تتوجه إرادة الرسول ﷺ إلى اختيار أبي بكر ﵁ الذي جمع من الفضائل ما لا يدانيه فيها أحد من الصحابة، فعزم الرسول ﷺ أن يعهد إليه، ثم لما تبين له أن ذلك كائن شرعاً وقدراً: قدراً بأن ذلك سوف يقع، وشرعاً بأن أبا بكر حائز على أعلى درجات الاستحقاق لهذا المنصب، وأن المسلمين يختارونه لذلك، تراجع عن عزمه، وقد بين الرسول ﷺ السبب في تراجعه، كما يظهر ذلك فيما روته السيدة عائشة ﵂ حيث تروي أن الرسول ﷺ قال ـ في المرض الذي توفي فيه ـ: « ... لقد هممت ـ أو أردت ـ أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، وأعهد؛ أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله، ويدفع المؤمنون ـ أو يدفع الله، ويأبى المؤمنون» (١) ، وفي رواية: «قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أوْلى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر (٢) .
قال ابن حجر: «قوله فأعهد: أي أعيِّن القائم بالأمر بعدي، هذا هو الذي فهمه البخاري، فترجم به (يعني بذلك ترجمة البخاري على الحديث بقوله: باب الاستخلاف) ، ثم ذكر ابن حجر عدة روايات تشهد لصحة ترجمة البخاري، ثم قال: «فهذا يرشد إلى أن المراد الخلافة» (٣) .
فدفْعُ الله وإباؤه هو ما يقدِّره من القدر من كون الخلافة لأبي بكر، ودفع المؤمنين وإباؤهم هو في عقدهم الخلافة لأبي بكر دون غيره وعدم قبول أحد لها بخلافه؛ فقوله ﷺ : «يأبى المؤمنون» يبين مدخل الأمة في الاختيار، وأن هذا الأمر منوط بها، وأن لها أن تأبى تولية من لا تريد توليته ممن لا يستحق، أو ممن يكون هناك من هو أوْلى منه، كما أن عليها أن تولي من يستحق، أو من يكون أكثر استحقاقاً، وفي هذا الدليل على أن الأمة هي التي تعقد الخلافة لمن تعقدها له، وهي التي تأبى أن تعقدها لمن لا تعقدها له، ولو لم يمكن لها ذلك لما كان لقوله ﷺ : «يأبى المؤمنون» تأثير في الموقف، فعلم من ذلك أن الأمر من الناحية الشرعية راجع للمسلمين أي للأمة، وقد كان بالإمكان أن يقتصر الرسول ﷺ على قوله: «ويأبى الله» وما قدَّره الله فهو واقع لا محالة، ولكنه أضاف: «والمؤمنون» أي ويأبى المؤمنون للدلالة البينة على مكانة الأمة ودورها في ذلك، وللدلالة على أن القدر لا بد له من شرع يحققه، وأنه لا ينبغي الاتكال على القدر وترك العمل المشروع الذي به يتحقق القدر؛ إذ القدر والشرع متوافقان ولا يتعارضان.
٢ - لا يعطيناها الناس:
في المرض الذي توفي فيه رسول الله ﷺ قال العباس عم رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فلنسأله فيمن هذا الأمر: إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا، فقال علي: إنا والله! لئن سألناها رسولَ الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني لا أسألها رسولَ الله ﷺ » (٤) . أراد العباس ﵁ أن يعلم «فيمن هذا الأمر» أي الخلافة، فكان منه قوله الذي تقدم، وكان من جواب علي ﵁: «لا يعطيناها الناس بعده» دليل على مكانة الأمة في الاختيار، وأنها تملك المنع؛ فإذا منعت أحداً عن تولي الأمر فليس له أن يتولى، ومن يملك المنع يملك الإعطاء.
٣ - البيعة بمشورة من المسلمين:
يقول عبد الرحمن بن عوف ﵁ لابن عباس ﵄: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم (عمر) فقال: يا أمير المؤمنين! هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر، لقد بايعت فلاناً؛ فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال: إني ـ إن شاء الله ـ لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم» (٥) .
كان ذلك في منى في موسم الحج في آخر حجة حجها الفاروق ﵁؛ فلما بلغه أن رجلاً يريد أن يبايع لرجل محتجاً في ذلك بما تم في قصة بيعة أبي بكر ﵁ غضب، ورأى ﵁ أن في استبداد واحد بالبيعة دون الرجوع إلى الناس غصباً لأمور الناس، ثم عزم على أن يبين للناس أن ذلك لا يصلح؛ إذ إن أمر الخلافة أمر الأمة وليس أمر فرد من الأفراد، ولذلك ينبغي بيان ذلك للناس وتحذيرهم ممن يريد أن يغتصب أمرهم، وعمر عندما أراد أن يوجه هذا الخطاب لم يكن ليوجهه إلى فرد أو طائفة أو مجموعة من الناس، وإنما كان يريد توجيهه إلى المسلمين الذين حضروا موسم الحج وهم أعداد غفيرة تأتي من أمصار المسلمين كلها؛ فبين عمر بذلك المسلك أن هذا الأمر أمر المسلمين كلهم في أمصارهم، ورأى أن اقتصار واحد ونحو ذلك واستبداده بالعقد غصب لحقوق الناس؛ ومن أجل ذلك عزم على ما عزم عليه، وهذا يدل على دور الأمة في بناء نظامها السياسي، ولكن عبد الرحمن بن عوف ﵁ نصح عمر بأن الموسم يجمع الكثير من الناس، ومنهم من لا يحسن أن يضع الكلام مواضعه، وطلب منه أن يؤخر كلامه حتى يرجع إلى المدينة فيلتقي أهل الفقه وأشراف الناس فيحدثهم بما يريد، فكان مما قال: «فأمهِلْ حتى تقدم المدينة؛ فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها» ، وعندما رجع عمر ﵁ إلى المدينة، ووقف على المنبر في أول جمعة حذرهم من قول ذاك القائل، ثم قال: «من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تغرّة أن يقتلا» . ثم يقص قصة مبايعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ثم يعيد في نهاية كلامه الجملة السابقة: «من بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين..» مرةً أخرى تأكيداً لذلك وترسيخاً في أذهان السامعين، وقد ورد في بعض الروايات أن الرجل الذي قيل ببيعته هو طلحة بن عبيد الله، ورغم أن عمر ﵁ كان يراه أهلاً لذلك بدليل جعله واحداً من الستة الذين رشحهم للخلافة عندما طُعن، إلا أن عمر ﵁ لم يرض استبداد أحد من الأمة بذلك، وأنه لا بد من الشورى بين المسلمين في هذا الأمر العظيم.
ومما يدل على أن دور الأمة في التولية كان أمراً منشوراً في الثقافة العامة للأمة وفي وعيها ما نجده في التاريخ ـ حتى في الفترات التي قيل عنها إنها فترات استبداد ـ من حرص الخليفة على أخذ البيعة لمن يريد استخلافه من أهل الحل والعقد، وهو ما يدل على رسوخ ذلك في فكر الأمة وتصورها، وإنما الذي يعيب ذلك هو الشكلية التي كان يتم بها ذلك، أو الاحتيال في التجاوز الحقيقي للأمة مع الحرص على الشكل. وقد نقلت إلينا كتب التاريخ أن معاوية ﵁ لما أراد العهد كان ذلك بناءً على إشارة من أحد عماله، ومع ذلك فإن معاوية ﵁ أرسل يستشير في ذلك والي البصرة، ووالي المدينة، ويقول في رسالته لوالي المدينة: «كبرت سني، ورق عظمي، وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي، وقد رأيت أن أتخير لهم من بعدي، وكرهت أن أقطع أمراً دون مشورة من عندك. وكتب أيضاً إلى عماله أن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار، فقدمت عليه الوفود من البصرة والكوفة والمدينة، وتكلم الخطباء فأعربوا عن تأييد البيعة، وبايع أكثر الناس ليزيد» (١) .
` أقوال أهل العلم في دور الأمة:
أجمع أهل العلم على أن نصب الإمام فرض كفاية على الأمة (٢) ، وهذا يعني أنه مفروض على الأمة من حيث مجموعها لا من حيث أفرادها، ولا يمكن أن يقال إن الأمة مفروض عليها القيام بذلك العمل بينما لا يكون لها دور في العمل نفسه؛ هذا كلام متناقض يدفع بعضه بعضاً. قال القرطبي ﵀: «ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم؛ حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله، واتبعه على رأيه ومذهبه» (٣) ، وقال النووي: «وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة» (٤) ، وقد تحدث الماوردي عن حالة ما إذا وقع الإمام في أسر يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه، ثم قال: «وللأمة اختيار من عداه من ذوي القدرة» (٥) ، وبين أنه لو عُقدت الخلافة لرجلين، وأشكل معرفة المتقدم منهما فلو تنازعاها، وادعى كل واحد منهما أنه الأسبق لم تُسمَع الدعوى، وعلل ذلك بقوله: «لأنه لا يختص بالحق فيها، وإنما هو حق المسلمين جميعاً» (٦) .
فكون نصب الإمام واجباً على الأمة، يعني أن الأمة هي التي يصح منها ذلك، وأنه لو استبد بذلك واحد أو جماعة دون موافقتها لم يصلح ذلك، وهذا هو الذي يليق بمكانة هذه الأمة الشريفة التي هي خير أمة أخرجت للناس من ذرية آدم ﵇.
` دور الأمة في خلافة الراشدين:
قال الرسول ﷺ : «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك ـ أو ملكه ـ من يشاء» (٧) ، وقال: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله ﵎ إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها..» (٨) الحديث.
فقد بين الرسول ﷺ أن الخلافة التي جاءت بعده هي خلافة نبوة، ومدتها ثلاثون سنة، وهذه المدة تشمل مدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ والتي تعرف بـ «الخلافة الراشدة» وقد استنبطت هذه التسمية من قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ... » (٩) الحديث. فهذه الخلافة هي خلافة نبوة وخلافة راشدة، ويستفاد من ذلك أمور، ويخصنا هنا أمران:
١ - أن هذه الخلافة ظهر فيها دور الأمة كما أرشدت لذلك الشريعة.
٢ - أنه ينبغي علينا اتباع ذلك في إعطاء الأمة دورها في الاختيار.
وقد اتُّبِعَ في تولية الخلفاء الراشدين طريقتان: العقد عن طريق أهل الحل والعقد، والعقد عن طريق الاستخلاف أو العهد. قال الماوردي: «والإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما: باختيار أهل العقد والحل، والثاني: بعهد الإمام من قبل» (١) .
` بيان دور الأمة في الاختيار عن طريق أهل الحل والعقد:
أهل الحل والعقد هم طائفة من الأمة ذوو صفات مخصوصة يقومون باختيار الخليفة وعقد الولاية له، وهم يعدون في فقه السياسة الشرعية الممثلين للأمة والمعبِّرين عن رغبتها، فاختيارهم هو اختيار الأمة، ويظهر ذلك من وجوه:
الوجه الأول: التسمية: فتسمية هؤلاء بأهل الحل والعقد دال على مكانتهم ودورهم في المجتمع؛ فإن أهل الحل والعقد يعني الذين يملكون إبرام الأمور ونقضها، ولا تتمكن جماعة من ذلك إلا أن يكون لها قبول واسع عند الناس، ورضا عام عندهم؛ بحيث يكونون معبرين عن طموحاتهم ورغباتهم، ويحوزون ثقتهم لعلمهم وأمانتهم، ولا يكون ذلك إلا للكبار أصحاب الشهرة والمكانة عند الناس الذين يرجع إليهم الناس، يستنصحونهم، ويستشيرونهم، ولا يملك هذا في الحقيقة فرد واحد أو اثنان أو أربعة ـ مثلاً ـ في أمة لها هذا الاتساع، كما لا يملكها أيضاً من يكون خاملاً بين الناس لا يشاركهم، بل هو منعزل عنهم، حتى وإن كانوا أشخاصاً مؤهلين تأهيلاً ممتازاً ما داموا قابعين في أبراجهم لا يعرفون الحياة من حولهم، ولا يعرفهم الناس؛ فأهل الحل والعقد إضافة إلى تأهيلهم الممتاز وأمانتهم وعلمهم، هم أناس مشهورون منغمسون في الحياة العامة للأمة، ولهم جهد بارز في إدارة حركة المجتمع، وقد بين ذلك الشيخ محمد رشيد رضا فقال: «وكان ينبغي أن تكون تسميتهم بأهل الحل والعقد مانعة من الخلاف فيهم؛ إذ المتبادر منه أنهم زعماء الأمة وأولو المكانة وموضع الثقة من سوادها الأعظم؛ بحيث تتبعهم في طاعة من يولونه عليها؛ فينتظم به أمرها، ويكون بمأمن من عصيانها وخروجها عليه ... إلى أن يقول: فإذا لم يكن المبايعون بحيث تتبعهم الأمة فلا تنعقد الإمامة بمبايعتهم» (٢) ، وقد دل على ذلك كلام غير واحد من أهل العلم، فقال الشربيني: «المعتبر ببيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم؛ لأن الأمر ينتظم بهم، ويتبعهم سائر الناس» (٣) ، فبين أن سائر الناس يتبعهم، وهذا يعني أن أهل الحل والعقد يستندون إلى قبول واسع بين الأمة مكنهم من أن يكون لهم القدرة على البت في الأمور المهمة، وقبول ذلك منهم. وقد عبر بعض أهل العلم عن هذا القبول الواسع لأهل الحل والعقد بلفظ الشوكة، والشوكة تعني القوة، ولا يمكن أن تكون هناك شوكة حقيقية ـ بعيداً عن الشوكة الظالمة المرتكنة للقوة الباغية ـ إلا في ظل ذلك القبول الواسع لأهل الحل والعقد. ويعبر عن ذلك إمام الحرمين فيقول: «فالوجه عندي في ذلك أن نعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع يحصل بهم شوكة ظاهرة ومنعة قاهرة؛ بحيث لو فرض ثوران خلاف لما غلب على الظن أن يصطلم أتباع الإمام» (٤) . ويقول ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: «بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم تنعقد ببيعة واحد؛ فليست هذه أقوال أهل السنة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة؛ فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماماً؛ فإن الإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكاً بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم؛ بحيث يصير ملكاً بذلك ... إلى أن يقول: فمن قال: إنه يصير إماماً بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلُّف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط» (٥) ، وهذا ونحوه من كلام أهل العلم مما يبين أن طريقة الاختيار عن طريق أهل الحل والعقد إنما هو اعتداد بدور الأمة في هذا الأمر الجليل، ويتبين مما تقدم أنه لا يشترط عدد معيَّن في أهل الحل والعقد، كما لا يشترط إجماعهم؛ إذ المطلوب أن يكون ذلك معبراً عن رأي الأمة؛ فأي عدد من أهل الحل والعقد حصل به ذلك كفى.
الوجه الثاني: صفات أهل الحل والعقد: يدور كلام أهل العلم على أن الصفات المطلوب وجودها فيهم هي العدالة الجامعة لشروطها: (الإسلام، والبلوغ، والعقل، والاستقامة، والأمانة، والعلم بأحكام الإمامة لمعرفة من يستحقها على الشروط المعتبرة فيها، والحكمة والرأي المؤديان إلى حسن المفاضلة والموازنة بين أهل الاستحقاق) (١) ؛ هذه الصفات متى توافرت عند مجموعة من الأفراد فإن الأمة تلتف حولهم وترجع إليهم، وتصدر عن آرائهم، وتفزع إليهم في مهماتها وملماتها، وتركن إلى اختياراتهم وترجيحاتهم فكان تحقق هذه الشروط فيهم من الضمانات التي تجعلهم مقبولين عند الأمة، ومعبرين عن إرادتها.
الوجه الثالث: مَلَكات أهل الحل والعقد وقدراتهم واستعداداتهم: المجتمع الإنساني في عموم الزمان والمكان ليس كله مثالاً واحداً، بل تتفاوت فيه الملكات والقدرات والاستعدادات بين الناس تفاوتاً عظيماً؛ وهذا ما لا يمكن إنكاره أو جحده؛ فمن الناس من له القدرة على الاجتهاد والقيادة والتوجيه، وله مع ذلك عناية خاصة بالمسائل العامة، والمصالح التي تخص الأمة، ومنهم من له القدرة على حسن تقدير الأمور وتقويمها والموازنة بينها، ومنهم من ليس له قدرة إلا على المتابعة والتنفيذ، ومنهم من لا يحسن غير عمله اليومي أو الشخصي الذي لا يتجاوز به دائرته المحدودة، ومنهم من لا يكاد يحسن شيئاً. ومن المعلوم من طبائع النفوس أنها تسلم في الغالب لمن هو أجود منها رأياً، وأسَدّ فهماً، وأقدر على حل المشكلات، ولا شك أن ملكات وقدرات أهل الحل والعقد هي في الدرجة العالية، وهذا ما يجعلهم حائزين على رضا الأمة وقبولها.
من كل ما تقدم يتبين أن تدبير الاختيار عن طريق أهل الحل والعقد إنما هو إعمال لدور الأمة في بناء النظام السياسي وليس تهميشاً لها، أو تقليلاً من شأنها في ذلك، وهو طريقة عملية اهتدى إليها المسلمون لتحقيق الحكم الشرعي في الواقع، وقد طبقت هذه الطريقة في الخلافة الراشدة مرتين: مرة في اختيار أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ أول الخلفاء الراشدين، ومرة في اختيار علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ رابع الخلفاء الراشدين؛ ففي اختيار أبي بكر اجتمع الصحابة بعد موت الرسول ﷺ في سقيفة بني ساعدة وحدثت بعض المناقشات، ولما خشي عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ من الاختلاف بادر إلى مبايعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقد كانت مكانته معلومة محفوظة عند الصحابة، وكانوا موقنين بأنه جدير بل الأجدر بها؛ إذ هو في الذروة العليا من ذلك؛ لذلك فبمجرد أن بايعه عمر أقبل على مبايعته المهاجرون ثم الأنصار مبايعة رضا واختيار؛ لأنه لم يكن يملك إكراههم على ذلك، ولم ينازعه في ذلك أحد حتى الذين تأخروا عن البيعة في أول الأمر لم يكونوا ينازعونه فيها، ثم عادوا فبايعوا، وقد كان الصحابة الموجودون في ذلك الوقت هم عظماء الأمة وأفاضلها، وهم خلاصة الأمة؛ فلم يكن يمكن لأحد من المسلمين خارج المدينة أن ينازعهم فيما ذهبوا إليه، أو يعترض عليهم.
وفي اختيار علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ عندما حاول قَتَلَةُ عثمان ﵁ أن يبايعوه لكنه لم يقبل ذلك منهم؛ إذ ليسوا هم أهل الحل والعقد الذين يرجع إليهم الناس في ذلك، رغم ما كان عندهم من قوة تمكنوا بها من قتل الخليفة ـ رضي الله تعالى عنه ـ حتى جاءه المهاجرون والأنصار الذين بالمدينة، وألحوا عليه في ذلك؛ درءاً للفتنة وحفظاً لدماء المسلمين، فقَبِل ذلك منهم مرغَماً، وقد كان من بينهم طلحة والزبير ﵄ وهما من المبشرين بالجنة، ولم يكن بعدهما في المسلمين مثلهما، ومع ذلك فإن علياً ـ رضي الله تعالى عنه ـ قد خرج إلى المسجد وخطب فيهم مبيناً حق الأمة في ذلك، فقال: «يا أيها الناس عن ملأ وإذن! إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم» . فهاتان البيعتان تمتا عن طريق بيعة أهل الحل والعقد المعبرة عن رأي الأمة واختيارها، وقد حدث أن امتنع بعض الصحابة عن مبايعة علي ﵁. وبالتدقيق في هذا الامتناع نجده مما يشهد لقضية دور الأمة في بناء النظام السياسي ولا يعارضها؛ إذ إن من امتنع يرى أن مَنْ عقد البيعة لعلي لم يكن معبراً عن الأمة، وأن الأمة لم تجتمع على ذلك. وأما الذين قبلوا البيعة، وبايعوا علياً فهم يرون أن الذين عقدوا البيعة يعدون معبرين عن الأمة، ولا سيما أن أفضل الصحابة في ذلك الوقت كان ممن عقد البيعة لعلي؛ فالخلاف إذن بين المبايعين والممتنعين ليس في دور الأمة ومكانتها في عقد البيعة، وإنما هو: هل تحقق في هذه البيعة ذلك الأمر، أم لم يتحقق؟ فالخلاف إذن في تحقيق المناط، والصحيح أنها تحققت، والصواب كان في مبايعة علي ﵁. ومما يدل على اعتبار رأي الأمة فيمن يتولى أمرها، وأن أهل الحل والعقد يراعون ذلك في الاختيار ما يذكره الماوردي أن الشخص الذي يقدمونه بعد اكتمال الشروط يكون ممن «يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته» (٢) .
` مكان أهل الحل والعقد:
ظهر مما تقدم في بيعة أبي بكر وعلي ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أن أهل الحل والعقد الذين عُوِّل عليهم في عقد البيعة كانوا في المدينة، ولم يثبت أنهم رجعوا إلى غير هؤلاء؛ فهل يعني هذا عدم الاعتداد برأي الأمة في التولية، وأن ذلك مقصور على من كان ببلد الإمام؟ وعند التدقيق في الأمر يتبين أن المدينة في ذلك الوقت ـ وهي مهجر رسول الله ﷺ ومعدن السنة النبوية، وبها أفاضل الصحابة وخيارهم من المهاجرين والأنصار ـ كان لها عند المسلمين مكانة خاصة، وكان ما يصدر عن أهلها يُتلقى بالقبول منهم، فكانت موافقة أهل الحل والعقد بالمدينة كافية في قبول المسلمين لذلك؛ ومما يدل على ذلك أنه بعد اختيار أبي بكر وعلي ﵄ لم يعارض أحد في الاختيار، ولم يقل: لماذا لم يؤخذ رأينا في ذلك؟ حتى ما كان من معاوية ﵁ في موقفه من علي ﵁ فإنه لم يجادل في أحقيته في ذلك، ولم يعترض بأنه لم يؤخذ رأي أهل الشام في ذلك، كما أنه لم يدع إلى بيعة أحد غير علي ﵁ ولم يمتنع من الدخول في البيعة، وإنما كان يطالب بالقصاص من قتلة عثمان ﵁ أولاً، ثم يدخل في البيعة بعد ذلك. ومما يدل على مكانة المدينة في ذلك الوقت أن إماماً عظيماً كمالك ـ رحمه الله تعالى ـ كان يجعل إجماع أهل المدينة من مصادر الحجة الشرعية (ولا شك في صواب ذلك في فترة الخلافة الراشدة كما حقق ذلك ابن تيمية ﵀ . ومما يبين مكانة المدينة في ذلك عند الناس ما يقوله طارق بن شهاب: «لما قتل عثمان قلت: ما يقيمني بالعراق؟ وإنما الجماعة بالمدينة عند المهاجرين والأنصار» (١) ، وقد مر بنا قول عبد الرحمن بن عوف ﵁ لعمر ﵁: «فأمهل حتى تقدم المدينة؛ فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها» . ومن هنا يتبين أن الاقتصار على أهل الحل والعقد بالمدينة (بلد الإمام) كان وضعاً مرتبطاً بذلك الزمان؛ لأنهم هم المعبرون في الحقيقة عن الأمة، وليس تشريعاً عاماً تلزم به الأمة في كل عصر ومصر.
` دور الأمة في الاختيار عن طريق الاستخلاف:
والاستخلاف هو أن يحدد الخليفة شخصاً يتولى الخلافة بعده، وقد حدث هذا في استخلاف عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ حين استخلفه أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ لما حضرته مقدمات الوفاة، كما حدث هذا أيضاً في تولية عثمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ حين طُعن عمر، فجعلها شورى في ستة يختارون من بينهم واحداً. وقد ينظر إلى هذه الطريقة على أنه لا دور للأمة فيها، وأن الأمة كلها قد اختُزلت في اختيار فرد منها ألا وهو الخليفة، لكن مع النظر السليم والفهم السديد لا يظهر من ذلك إلا أنها طريقة عملية أخرى لاشتراك الأمة في الاختيار؛ وذلك بالنظر في أمور ثلاثة:
١ - أن الخليفة الذي يستخلف هو الخليفة الشرعي الذي وصل إلى مكانه بالطريق الصحيح، وهو لا شك أحد أعضاء جماعة أهل الحل والعقد.
٢ - أن الشخص المعهود إليه هو شخص مستجمع للشروط الواجب توافرها فيه.
٣ - أن الخليفة المستخلف يستشير أهل الحل والعقد في هذا الاستخلاف ولا يستبد به.
وقد كان الأمر على ذلك النحو في حوادث الاستخلاف في الخلافة الراشدة، ولما كان دليل الاستخلاف هو تلك السوابق في الخلافة الراشدة إضافة إلى العزم المستفاد من عزم الرسول ﷺ لاستخلاف أبي بكر فينبغي أن يتم الاستخلاف على مقتضى الدليل الذي دل عليه.
` دور الأمة في طريقة التغلب والقهر:
ذكرت كتب السياسة الشرعية أن من تغلب على الأمة وقهرها بسيفه فإنه يصير إماماً وإن لم يختاره أهل الحل والعقد وإن لم يستخلف من الإمام السابق؛ ومن البين أن مثل هذا الإمام لا دخل للأمة في نصبه، وهذه الطريقة لا تعد طريقة من طرق تولي الأمور المشروعة، والفقه الإسلامي لا يدعو إليها ولا يأمر بها، وإنما يتعامل معها من باب الاضطرار؛ إذ يعد هذا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات؛ فالاعتراف به والإقرار له هو من هذا الباب، ومع ذلك فإنه يتبقى للأمة دور في النصيحة والاحتساب، وعدم المعاونة أو المشاركة في باطله، ويبقى مع ذلك حد أدنى لا يمكن تجاوزه وهو أن يكون المتغلب مسلماً؛ فإن كان المتغلب غير مسلم فلا يحل موافقته أو إقراره، وكذلك إذا غيَّر شيئاً من الشرعة فإن ذلك لا يحتمل؛ فإنه وإن احتُمل منه بعض المعاصي والمنكرات والاستئثار بحظوظ الدنيا في سبيل استقرار أحوال الأمة، وعدم تعريضها للفتنة، وحقناً لدمائها، ومحافظة على إمكاناتها وطاقاتها فلا يحتمل منه الكفر أو تغيير الشرعة، وعلى الأمة في هذه الحالة أن تسعى بكل سبيل لإيجاد البديل؛ فهذا دورها وواجبها. أما إذا كان المتغلب صالحاً للإمامة قائماً بحقوقها، وتم له الأمر فإن دور الأمة يتمثل في إقراره وعدم منازعته.
стр. 5023
الشيخ عباسي مدني يكتب عن:
حاجات النظام التربوي إلي الإصلاح
د. عباسي مدني
إن الحضارة أي حضارة إذا فقدت عنصر التجديد لسبب ما فإنها تُهدَّد بالركود ثم الانحطاط، وإذا كان للإصلاح عدة أغراض؛ فمن أهمها: شحذ عبقرية الأمة، ودفعها إلى الإبداع والتجديد انطلاقاً من خدمة التراث الأصيل فإلى اكتشاف لمجاهل الكون، وإثراء للمعرفة والمنظومة التربوية بحكم موقعها كالعمود الفقري من كيان الأمة الحضاري الشامل المتكامل تحتاج إلى الإصلاح، لتساهم بدورها في عملية التغير المطلوب، بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك عندما نعتبر التربية من أهم وسائل الرقي الحضاري والازدهار الثقافي؛ لذلك فهي مطالبة بسبق كل المحاولات الحضارية في عملية التغير، وإلا تعذر أن تكون في مستوى وظيفتها الإصلاحية الحضارية الشاملة.
فالتغير الحضاري ليس أبداً بالتغير العفوي الذي يأتي مصادفة، بل هو عملية طبيعية تخضع لشروط تاريخية في غاية من التعقيد. والتربية من أهم الوسائل التي يمكن بواسطتها التحكم في عملية التحكم بطريقة أكثر مباشرة وفعالية وانتظاماً. بل إن النمو الحضاري وما يحتاج من رعاية وعناية لجميع المواهب، والاستعدادات والقدرات والمهارات يشكل أهم أغراض التربية في الأمة المتحضرة ذات الرسالة التي جاءت لتحقق للناس سعادة الدارين.
بيد أن التربية لا تحقق سبقها للحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلا بقدر نجاح إصلاح نظامها باستمرار.
` أهداف إصلاح النظام التربوي:
وعملية الإصلاح المستمر تهدف بالضرورة إلى التكيف مع الأوضاع المتجددة، والتوظيف الجيد لكل الإمكانيات والمعطيات الذاتية، والموضوعية البشرية والطبيعية على المستوى الحضاري في الجملة. ومن ثمة فهي ضرورة تمليها حاجة الأمة المتحضرة التي وعت رسالتها، وهيأت نفسها من جديد للصدارة التاريخية والريادة الحضارية.
لقد أصبحت سرعة التغير الحضاري والتطور التكنولوجي من أعقد المشكلات وأعوصها أمام التربية، وصار ليس من السهل على التربية إدراك التطور التكنولوجي فضلاً عن تجاوزه، وهذا ما يعطي لعامل الزمن أهميته القصوى في الإصلاح للتحكم في التغير الاجتماعي؛ لهذا يحتاج المصلح الاجتماعي إلى دقة التنبؤ، وحدس صادق يتجاوز بها حدود الحاضر الذي يسيطر على تصوراتنا، ويتحكم في تفكيرنا إلى أبعد الحدود، ومعنى هذا: هل يمكن للعلم أن يطمح إلى فهم صيرورة الظواهر؛ فضلاً عن فهمه للظواهر ذاتها، ويحول موضوعه من اللامتغير إلى المتغير؟
ما أعقد الأمور في علاقتها المتشعبة، وما أبسط معارفنا أمام أغوار الحقائق، وما أضيق عقولنا حيال هذه الأكوان الشاسعة، وما أضيق آفاق علومنا وتصوراتنا؟ قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] .
وإذا لم تحقق التربية غلبتها على عامل الزمن فإنها تتقهقر وتتخلف، وتصير تابعة لا متبوعة، وتعجز عندئذ عن ضمان حاجة الحضارة إلى التجديد والنمو؛ فالإنسان هو صانع الحضارة وكل شيء في الحضارة يتوقف عليه، والإنسان بدوره أيضاً يتوقف مصيره إلى حد بعيد على التربية من حيث هي التي تكون البيئة التي تترعرع فيها مواهبه ومختلف قدراته وخبراته. فكلما ازدهرت التربية ازدهرت الحضارة واتسعت أمامها آفاق الإنسان. وما التفاوت الذي حدث للتربية المدرسية الكنسية في القرون الوسطى (١) إلا خير دليل على خطورة تخلف التربية عن ركب الحضارة، كما أن مجهودات المصلحين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين خير دليل على أهمية التربية بالنسبة إلى نشأة النهضة وازدهارها.
ولعل أخطر حالات التفاوت بين الحياة، والتربية هي عندما يكون التباين بين مطالب الحياة، والمحتوى التربوي وخبراته، وجميع أهداف التربية وأغراضها؛ لأن التربية التي لا تتمتع بالرؤية الواضحة عن الحاضر بكل جوانبه، والمستقبل بكل أبعاده لا تعرف كيف تواجههما، وكيف تعد الأجيال لهما بالضرورة؛ لأن تحديد موقف التربية منهما لا يكون سليماً في المستوى المطلوب إلا بقدر تغلغلها في أسرار الواقع التاريخي المتغير، وإلا تصبح الأجيال التي تربيها والخبرات التي تعلمها غير مطابقة لمتطلبات العصر، فلا تفيد أصحابها في حياتهم الحضارية، أو تكون غير مناسبة لمقومات الأمة وقيمها.
هذا ولقد أثار هذه القضية مربون كثيرون أذكر منهم (هالبارت سبنلتر) و (جون ديوي) . فبالنسبة إلى سبنلتر (١) يرى لزاماً على التربية أن تقيّم محتواها تقييماً موضوعياً بحيث تستطيع أن تعرف أهمية كل مادة من مواد التعليم؛ ذلك لأنه لاحظ أن تعليم اللغة اللاتينية كمادة أساسية في المحتوى التربوي في كل مستويات التعليم، في حين أن اللغة اللاتينية لم تكن مستعملة في الحياة العملية، وهو الأمر الذي دعا إلى التساؤل عن قيمة هذه المادة الصعبة التي يعاني المتعلمون الكثير من أجل تعلمها، وإذا ما عادوا إلى الحياة العملية لا تجديهم نفعاً.
أما (جون ديوي) فيرى أن المدرسة (٢) كبيئة تربوية كما تتكون فيها القدرات والميول الفردية تنمو فيها كذلك وتترعرع الميول الاجتماعية. فإذا كانت المدرسة في شكلها التقليدي أبعد ما تكون عن الصورة الحقيقية في الحياة الاجتماعية الناجحة فكيف تستطيع هذه أن تحقق الميل الاجتماعي الممتاز عند الطفل؟
وينتهي جون ديوي بنقده هذا إلى إقامة الحجة على إخفاق ذلك النموذج التربوي الأمريكي التقليدي، ويقدم بديلاً يتمثل في «التربية التقدمية» التي كان قد نادى بها باركر، ووليام جايمس كمدرسة تقوم على أساس الفلسفة البرجماسية روحها الديمقراطية بمعناها الليبرالي الواسع.
والحقيقة أن محاولات ربط التربية بالحياة عند كل من سبنسر وديوي إن كانت ذات أهمية في عصرهما وبلديهما فإن ذلك الربط يبدو بسيطاً ممعناً في السطحية، والدليل على ذلك أنه إذا كانت الحضارة برمتها في حاجة إلى تربية تكون في مستوى إنقاذها من كبوة المادية؛ فإن المشكلة لا تقف عن حد تربية تساير الحياة بقدر ما هي مسألة تربية تنقذ الحياة ذاتها من صميم الشقاء والتعاسة اللتين صار يعاني منهما إنسان المجتمعات الحديثة.
لقد كان على أتباع ديوي من فلاسفة التربية البرجماسية أن يستفيدوا من دراسة أرنولد توينبي كفيلسوف في تاريخ الحضارة التي كشفت القناع عن أزمة الحضارة؛ حيث تكنولوجية الحياة صارت من أهم ميادين المعرفة التي تساعد علوم التربية على تحديد مهمتها التاريخية والحضارية، كما تساعد المربين على إدراك الفروق الزمانية، واختلاف الظروف والأوضاع الحضارية، ومختلف شروط الصيرورة التاريخية.
لقد كانت التربية في عهد ديوي تعيش في أحضان الفلسفة الوثيرة متقوقعة لا تخرج عن دائرتها متقيدة بدروب مذاهبها المتشعبة، وتتشكل حسب مقتضيات مدارسها المختلفة، جاء ديوي وحاول قلب المعادلة، وزعم أن التربية هي التي تكوِّن (٣) الفلسفة، وليس العكس. على أنه إن ذهب ديوي هذا المذهب، واعتبر الفلسفة تابعة للتربية فهو كبرجماتي يحاول أن يهوِّن من شأن الفلسفة أكثر من أن يحاول النظر إلى التربية من خلال نظرة أشمل على مستوى حضاري أوسع، بالإضافة إلى ذلك أنه نسي أن التربية التي نادى بها هي في حقيقتها تنتسب إلى فلسفته البرجماسية، ولا تنتسب فلسفته إلى تربية، كما أن ديوي لم ينتبه إلى بوادر أزمة الحضارة، ولعله لم يلاحظ بوادر إخفاق البدائل التي عم العمل بها، وغطت أغلب المجتمعات الحديثة، والحقيقة أن ذاكرته ما تزال عالقة بظروف أواخر القرن التاسع عشرة وأوائل القرن العشرين حين كانت هذه البدائل محط آمال المفكرين على اختلاف مذاهبهم وفلسفاتهم؛ بحيث لم يكن من السهل على ديوي توقع خيبتها، والتنبؤ بإخفاقها في أي مجال من مجالات الحياة الروحية والمادية الحضارية.
على أن بعض المفكرين الغربيين قد انتبهوا إلى ذلك بعد الحربين العالميتين، ومنذ ذلك الحين حاولوا أن يربطوا التربية بالحياة أكثر من ارتباطها بالفلسفة. كما أدرك هؤلاء أهمية التربية إلى التطور التكنولوجي الذي صار يشكل أهم قضية في مرحلة ما بعد الحربين العالميتين.
ولئن صارت مراكز النفوذ في العالم المعاصر تحددها مرتبة الدولة في السباق على التسلح فإن التطور السريع للأسلحة الحديثة يتوقف إلى حد بعيد على مستوى التطور التكنولوجي الذي حققته تلك الدولة. ولكن التطور التكنولوجي لا يتحقق إلا بقدر ما أحرزته الأمة من التطور التربوي الذي توصلت إليها منظومتها التربوية. فمنذ ذلك الحين شعرت الأمم بضرورة إصلاح منظوماتها التربوية، فترى فرنسا التي كانت تحت الاحتلال الألماني، وحكومتها في المهجر لم تشغلها الحرب، ولم تلهها أهوالها عن إعداد الخطة الإصلاحية التربوية، فكونت في تلك الظروف القاسية لذلك الغرض لجنة من أساتذة جامعة الجزائر في ذلك الوقت؛ حيث كانت الجزائر مقراً للحكومة الفرنسية، و (ديجول) في المهجر يشرف على تلك الخطة التي شرع في تطبيقها بعد الحرب. أما بريطانيا فقررت مبدأ ديمقراطية التعليم الثانوي بقرار ١٩٤٤ الشهير ـ واقتصادها محطم وعمران مدائنها مخرب ـ. وألمانيا المهزومة، واليابان المحروقة كل هذه الأمم وغيرها أدركت حاجتها إلى إصلاح نظمها التربوية حتى تكون في مستوى مرحلة ما بعد الحرب ومتطلبات النمو الحضاري السريع، ومرحلة السباق على التطور التكنولوجي، واستطاعت بالفعل النظم التربوية التي كانت موضوعاً للإصلاح الجاد أن تحقق نتائج مذهلة في الميدان التكنولوجي.
على أن التربية في هذه الأمم بعدما تأكد لمعظم أهلها إخفاق البدائل الفلسفية، وبعد أن سحبوا ثقتهم منها ركزوا على العلم، وعلقوا عليه كل آمالهم دون أن يضعوا في حسابهم أدنى احتمال للخيبة؛ مع أن العلوم الإنسانية ما تزال تكبو، وما فتئت شعلة ذكاء أصحابها تخبو، وبدا عالم الإنسان أعقد عوالم مخلوقات الله، وأعظمها شأناً، وأرقاها شأواً وأعقدها سراً، وأدقها تركيباً وأعجبها خلقة: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] .
` أسباب تخلف النظم التربوية في العالم الإسلامي من وجهة نظر العلمانيين:
أما النظم التربوية في العالم الإسلامي فهي منذ عهد طويل تشكو من تخلفها عن ركب الحياة إلى درجة أنها صارت غير قادرة على أن تلبي حاجات المجتمعات الإسلامية إلى تربية تحقق لها سعادة الدارين الدنيا والآخرة. وخاصة بعد أن تعرضت لإصلاحات مخفقة قام بها أهل الدجل ومتطفلون من أصحاب الدجل، وصارت هي في وادٍ ومطامح الأمة ورغباتها وأصالتها ووحدتها في وادٍ آخر؛ فلا على التالد حافظت، ولا في الطارف أنجبت، سجت العقول بثقافة دخيلة، وخدرت الضمائر بمفاتن سخيفة، وثبطت العزائم بخيبات أمل متتالية، وبدأ شعور الناس يشك في قدراتهم التي وهبهم الله إياها، وقلَّت ثقتهم في أنفسهم، فزاد إعجابهم بمن تفوق عليهم وغلبهم، وأوشكت أن تخبو شعلة العبقرية التي وهبها الله كل جيل من الناس من كل الأجناس، فضاقت آفاق المعرفة الواسعة بضيق العقول، وقصر الباع بقصر الهمم ... ؛ فإذا لم يستدرك الأمر بالإصلاح الجاد السليم لمنظوماتنا التربوية فستبقى الأمور على ما هي عليه، بل تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
ويرى بعض من المتأثرين بالفكر الحديث العلماني المادي أن تخلف المنظومات التربوية في العالم الإسلامي راجع إلى كونها في الأصل دينية، ولا يمكن في رأيهم بأية حال أن تصلح للمجتمعات الحديثة التي ينادون بها القائمة مفاهيمها على العقل وحده؛ لأن أساسها أيديولوجي فلسفي لا علاقة له بدين، وهؤلاء في الحقيقة لم يأتوا بهذه الأفكار من تلقاء أنفسهم وجهد تفكيرهم، وإنما نقلوها نقلاً حرفياً لما قاله (دوركايم) وأصحاب هذه النزعة في فرنسا في محاضراتها التي ألقاها في السربون تحت عنوان: «التربية الأخلاقية» (١) ونسي هؤلاء أمراً في غاية الخطورة وهو أن الأمة الإسلامية أمة قائمة مفاهيمها وقيمها كلها على الدين، فإذا حذف منها الدين لم يبق للأمة الإسلامية شيء. وزعم هؤلاء أن أمم الغرب لم تصل إلى ما وصلت إليه من تطور حضاري إلا بعدما نفضت يدها من الدين، ومن كل ما جاء به، وتبنوا فصل الدين عن الدولة تبني لائكة التربية والحداثة فلسفة والديمقراطية أيديولوجيةً ... ويعتقد هؤلاء أنه إذا لم يتجه المسلمون اتجاه الغرب ويسلكوا نهجه فلا يمكنهم أن ينهضوا، وينصح هؤلاء باتباع الغرب لتحقيق ما حققه من تطور ورفاهية وازدهار وتفوق ... ، ويمثل هذا الرأي أدباء ومفكرون وغيرهم في كل بلاد العالم الإسلامي، كطه حسين، وميشال عفلق، والخديوي إسماعيل، ومصطفى كمال، وأمثال هؤلاء من الذين تكوَّنوا في المؤسسات التربوية الغربية المزروعة في أهم العواصم العربية والإسلامية، كالجامعة الأمريكية في بيروت، بالإضافة إلى الخريجين من مختلف الجامعات الأجنبية في أوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها. يقول لو تروب (٢) : «وأظهر ما يكون المتغربون في الطبقة العليا والوسطى، ولا سيما في أولئك المهذبين على الطراز الغربي» فمهمة المدارس والمعاهد والجامعات الاستعمارية ما هي إلا تكوين تربوي موازٍ للنظام التربوي الإسلامي الأصيل لتنشئة وتكوين جيل غربي في ثقافته، وإعداده للقيام بحملة على كل ما هو إسلامي (٣) حتى يحارب الإسلام بأبناء المسلمين. ولقد أدرك المستعمرون بما عندهم من دهاء ومكر السياسة وتقنية الدساسة أنهم لن يصلوا إلى الإضرار بالإسلام والمسلمين ما لم يجدوا من أبناء المسلمين من يُسخّر لضرب الإسلام عن غير وعي. إن ما حققه المتحمسون للفكر الغربي من أحلام الاستعمار كطه حسين (٤) وسلامة موسى وتوفيق الحكيم، وغيرهم ... لم تستطع أن تحققه جموع المستشرقين الذين كرسوا حياتهم وشحذوا ذكاءهم، وجندوا عبقرياتهم لضرب الإسلام والتحامل عليه.
والحقيقة أن نموذج سلامة موسى، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، لا يكاد يخلو منه بلد من العالم الإسلامي؛ لقد كانت لهم نفس المهمة سواء شعروا بذلك أم لم يشعروا، لقد نشروا الفكر الغربي وسموم السياسة الاستعمارية كدعاة الطورانية، ومجاهدي خلق وأصحاب النزعة القومية، وانخدع الناس بهم، وانشغلوا عن أولي الأصالة الفكرية ونباهة السجية كمصطفى صادق الرافعي، وحسن البنا، ومصطفى السباعي، وسعيد النورسي، ومحمد إقبال، والندوي، وابن باديس، ومالك بن نبي، وغيرهم من أقطاب الصحوة والحركات الإسلامية الرشيدة.
` بيان فساد ما ذهب إليه العلمانيون:
أما الرد على ما ذهب إليه أصحاب البدائل الحديثة فمجمله أن زعمهم باطل لا سند له من أدلة النقل ولا براهين العقل؛ فأحكامهم ذاتية، ومزاعمهم ادعائية، وأبعد ما يكونون عن موضوعية العلم وحكمة العلماء، والدليل على ذلك أنهم ربطوا بين الإسلام وظاهرة التخلف بمعناها الواسع الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي. ولو أنصف هؤلاء الحق والحقيقة لاعترفوا بما أقره التاريخ من أن الناس كلما كانوا حنفاء مؤمنين صادقين عاملين بكتاب الله وسنة رسوله، سائرين على نهج الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين كانت أحوال الأمة الإسلامية على أحسن ما تكون عليه من السلامة والصحة والصواب والقوة والمنعة والعزة، كما كان الشأن في عهد الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين، وما أن دب في الأمة الضعف في دينها كما كان الشأن في ما بعد عهود بني أمية والعباسيين حتى دب الضعف في كل شيء إلى أن آل الأمر إلى ما آل إلىه حال الأمة اليوم؛ فكيف يفسر هؤلاء إذن قدرة الأمة الإسلامية على الإبداع في ميادين المعرفة من علوم وفنون؟ ألم تنجب هذه الأمة أئمة الفقه وأصوله أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي، وجعفر الصادق، وعلماء اللغة كالخليل، وسيبويه، والكسائي، والفراء، والمازني، وجهابذة العلم كجابر بن حيان، والحسن بن الهيثم، والخوارزمي، وابن سينا، وابن رشد، وابن خلدون وغير هؤلاء من الذين تزخر بهم دائرة المعارف الإسلامية؛ فما الذي يمنع ـ إذا ما تهيأت الشروط التربوية والثقافية ـ ظهور عباقرة مجدِّين مبدعين لا مقلدين في إطار الحضارة الإسلامية الواسع؟ أليس من الأصح أن تكوّن التربية جيلاً أصيلاً في ثقافته، مُجدّاً في إنتاجه، مستقلاً في تفكيره عن أي تيار فكري غربي أو شرقي بدلاً من أن تدعو إلى التقليد، والتقليد ضعف وتبعية وتخلف؟
إن الربط المنهجي لدراسة التاريخ يدل دلالة واضحة على أن الإسلام هو الدين الذي شملت شريعته واحتوت على الحكم والأحكام، وهو ما يجعلها تضمن للعامل بها عن قناعة إيمانية صادقة سعادة الدارين: الدنيا، والآخرة. وهو الذي كان شرط الرقي والازدهار الحضاري، والصلاح الاجتماعي من قبْلُ ومن بعْدُ.
أما قولهم: إن نظم الغرب التربوية لم ترقَ رقيها الحضاري، ولم تُثْرَ ثراءها الثقافي والتكنولوجي في هذا العصر إلا بعد تخلصها من الدين فهو ادعاء باطل. إن هذا الزعم قد يصح لو كانت كل النظم التربوية التي تتمتع بسمعة أكاديمية هي النظم اللائكية. أما وقد كان العكس حيث نجد النظم التربوية اللائكية تعد على الأصابع، ولم تتفوق بحال من الأحوال على النظم التربوية الأخرى البروتستانتية والكاثوليكية والإنجليكائية؛ فالجامعات والمعاهد اليهودية في أمريكا وغيرها من الدول الأوروبية تتمتع بشهرة كبرى لا تضاهيها جامعات أخرى في العالم.
والحقيقة أن لائكية التربوية ظهرت في فرنسا في عهد (جول فيرييه) حلاً لمشكلة الصراع المذهبي الذي مزق فرنسا بين الكاثوليك والبروتستان، وهو الأمر الذي جعل ديمقراطية التعليم الذي تبنته السياسة التربوية غير ممكنة التطبيق إلا إذا كانت المدارس الحكومية لائكية تستطيع أن تجمع كل أبناء فرنسا بقطع النظر عن النزعة المذهبية التي ينتمون إليها؛ حيث يجلس الطفل الكاثوليكي بجانب الطفل البروتستاني واليهودي (١) وغيرهم.
هذا وإن المعاهد الخاصة التي تنشئها الطوائف للمحافظة على تربيتها ومكانتها الاجتماعية منتشرة على ربوع التراب الفرنسي؛ لأنه من الطبيعي أن لا تعتمد الطائفة أو الملة على غيرها في تنشئة أبنائها ومساعدتهم على تحقيق نبوغهم وتفوقهم؛ لذلك نجد المعاهد الخاصة، وحتى الجامعات في أمريكا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها تحتل مكانة هامة؛ فكل مذهب يريد أن يحتل مكان الصدارة للحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية لا بد له من مؤسسة تربوية، ولما كانت هذه المكانة (٢) مرتبطة بالكفاءة وجودة التحصيل صاروا يركزون على التربية التي خصصوا لها معاهد ومدارس لتكوين النخبة المتفوقة من رجال الأعمال والعلوم والسياسة. وبذلك تصدروا الحياة الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية في أغلب الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية. وصارت هذه المؤسسات التربوية التي تشرف عليها الكنيسة أو الهيئات اليهودية تحتل الصدارة، وتتمتع بسمعة أكاديمية عالية. وجُعلت لتزاحم المدارس والمعاهد والجامعات التي كان يحتكرها الأرستقراطيون وأهل الطبقة العليا في المجتمعات الليبرالية في فرنسا وبريطانيا وأمريكا وغيرها.
وأما فصل الدين عن الدولة الذي حدث بعد الثورة الفرنسية فهي قضية في حقيقة أمرها سياسية محضة لا علاقة لها بالتربية والنهضة، وأما المقصود بها فقد كان دعاة فصل الدين عن الدولة في فرنسا وروسيا البلشفية يريدون إضعاف سلطة الدين التي كانت تجابههم، وتشكل على ثوراتهم خطراً؛ لأن المذاهب الدينية والطوائف والملل لا ترضى إلا بالحكم الذي يتفق مع دينها؛ ومن ثمة فإن الطابع المسيحي لا ينكر بالنسبة إلى الحضارة الغربية. يقول هتلر في مستهل برنامجه الوزاري يوم ولي رئاسة الوزراء: «إن أول واجب ستقوم به الحكومة القومية الألمانية هو العمل من أجل الوحدة الروحية وإحياء العقيدة النصرانية في الأمة والتقاليد في الملة» (٣) وغير هتلر من الساسة الأوربيين أقوالهم كثيرة صريحة الدلالة على تشبع الثقافة الغربية بالروح النصرانية التي تشربوها مع ألبان أمهاتهم منذ نعومة أظافرهم.
إن البيئة الأوروبية على ما انتابها من الانحلال والميوعة والتسامح ما تزال تنضح بالروح النصرانية على اختلاف مذاهبها. ونتيجة لاجتياح المذاهب الفلسفية المادية لساحتها الفكرية، لقد صارت تشكو فقرها الروحي، وحاجتها إلى دين يروي ظمأها الروحي، ويلقي الروح في كيانها المادي ... وهذه كلها أدلة تقضي بخطأ دعاة اللائكية، وفصل الدين عن الدولة في نظمها التربوية وغيرها، وخطر هذه الدعوة وفداحة نتائجها التي ترتبت على العمل بها في المجتمعات الإسلامية. إنه إذا كان من مقتضيات الشريعة الإسلامية السمحاء، والعقل السليم أن تكون الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها؛ فإنه ليس من الشرع ولا من العقل أن نتبع الغرب والشرق فيما وقعوا فيه من أخطاء؛ فصوابهم في علوم الطبيعة والرياضيات لا يلزمنا اتباعهم فيما زلت فيه قدمهم في باب العقائد والمفاهيم والقيم ... ونحن إن كنا ننشد الحكمة والعلم والتجارب الصحيحة، فيجب أن نتوخى الصواب في كل الأمور والحق والهدى؛ فأهل الخطأ والزيغ والضلال أحوج إلى اتباع أهل الصواب والحق وليس العكس.
إن المنظومات التربوية الإسلامية ما تأخرت عن ركب الحياة، وعجزت عن تحقيق ما تتم به سعادة الدارين إلا لَمَّا صارت تفتقر الأمة إلى حكمة العلماء؛ فالإشراف على الإصلاح ممن هم أبعد الناس عنه عرَّض الأمة لهدم مُبيَّت، وإفساد تحت شعار الإصلاح.
أما قولهم: إن النظم التربوية الإسلامية أصولية همها الأوحد الدين، وأخلاقه، ومن ثمة فهي لا تليق بمجتمع اليوم في عصر غزو الفضاء وازدهار التكنولوجيا؛ فهي من حيث هي إسلامية تربية أصولية أساسية تهتم أول ما تهتم بالدين وأخلاقه؛ باعتبارها أمة الرسالة تطمح إلى الدعوة إليها والعمل على نشرها في ربوع العالم، هذا العالم الذي صار يعاني من الفقر الروحي والانحلال الأخلاقي والتقوقع الفكري في دائرة المذاهب الفلسفية التي تحجرت، وهو ما يدفعها أيضاً إلى أن تهتم بمطالب عالم الأسباب من العلوم ومبادئها على اختلاف ميادينها ومناهجها، والتكنولوجيا وفنونها. فلا تعارض بين متطلبات عالم الأسباب ومتطلبات العقيدة والشريعة والقيم والمفاهيم الإسلامية وبكل ما له علاقة بشخصية الأمة الإسلامية؛ فهذه غاية، والأخرى وسائل لا بد من توفرها لتحقيق الغاية. إنه لا تعارض بين الغاية والوسيلة إطلاقاً لدى المفاهيم الإسلامية، ولا يدَّعي ذلك إلا جاهل للإسلام، أو جاحد للحق والحقيقة.
هذا ولقد حددت المفاهيم والقيم إلى درجة لم يبق بعدها أي مجال للتناقض والتفريط أو الإفراط، وهو ما لم تحققه ديانة غير الإسلام ولا فلسفة. ولن تستطيع أمم الغرب والشرق أن يحصلوا على ما هم عليه من ازدهار حضاري تكنولوجي إلا بعد نجاح إصلاح نظمهم، وما نجحت إصلاحاتهم إلا بفضل مستوى وعيهم الذي انعكس في تكامل العلماء ورجال السياسة، وتضافر عوامل الكفاءة التي يتمتع بها العلماء ورجال السياسة، وهو ما ساعد على نمو الشعور بالحاجة إلى إصلاح نظمها التربوية وتطويرها لتكون في مستوى القدرة على إعداد ما تحتاج إليه الحضارة من العلماء وكبار الخبراء ورجال الأعمال وعباقرة العصر، فلم تمنعهم لتحقيق ذلك ظروف الحرب القاسية، والهزيمة النكراء؛ لأنهم أدركوا أن مصيرهم مرتبط بالتفوق التكنولوجي أكثر مما تتوقف على نتائج الحرب التي خرجوا منها غالبين كأمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا، أو مغلوبين كالألمان واليابان، لا الغلب يبطرهم، ولا النصر يلهيهم، فشمروا عن ساق الجد، وركزوا على مطامح المجد، لا يلوون على شيء إلى أن حققوا ما هم عليه الآن من ازدهار ورخاء. ولولا هذه الإصلاحات التي تجاوزت المحيط إلى أمريكا الشمالية؛ حيث عرفت التربية الأمريكية هي الأخرى تحولات كبرى لولاها ما عرف العالم الجديد هذا الازدهار الثقافي والتطور التكنولوجي المذهلين، وما كان لهذه الإصلاحات أن تحقق هذا المستوى من النجاح ولا أدنى منه إلا لأنها كانت اختيارية خالية من أي نوع من القسرية، شرعية منهجية لا يخالطها ارتجال، لم تفرض على أمة من الأمم أمراً، ولم تفعل حاجة لطائفة أو فئة من الفئات الاجتماعية والطوائف والملل والنحل. والطبقات لم تكن لصالح مجموعة على حساب مجموعة أخرى، إلى درجة أن الصراع الطبقي الذي لا تخلو آثاره، ولا ينجو من ضغوطه قرار؛ فإن مفعوله وتدخله في توجيهه الخطة الإصلاحية التربوية التي عمل بها في مرحلة ما بعد الحربين العالميتين كان ضئيلاً؛ ففي بريطانيا البلد الرأسمالي الذي يعيش صراعاً طبقياً رهيباً حيث لم يحدث مرة في التاريخ البريطاني العريق أن خرجت السياسة التربوية عن قبضة الطبقة الأرسقراطية، مع ذلك يعترف رجالها بعد الحرب العالمية الثانية بفضل جميع الإنجليز على اختلاف طبقاتهم على ما أحرزته بريطانيا من النصر، ويقولون في مسودة إصلاح التعليم ١٩٤٤م: «إن مصير الأمة البريطانية مرتبط برجالها كل رجالها دون استثناء أو تمييز» .
` شروط عملية الإصلاح التربوي:
نستنتج من ذلك أن العملية الإصلاحية التربوية معقدة لا يجوز تركها للمصادفة والمخاطرة والارتجال، ولكي تنجو من الأخطار ومن الوقوع في الهوى والأغراض الشخصية فإنه لا بد أن تكون العملية الإصلاحية علمية في منهجها ودقتها وموضوعيتها، وهذا ما يجعل الأمانة العلمية جِدَّ صعبة ومعقدة، وحتى يكون العلماء في مستوى المسؤولية العظمى يطلب أن تكون العملية الإصلاحية على الأسس التالية:
أـ الأسس المنهجية. ب ـ الأسس الشرعية.
ج ـ الأسس الغائبة.
` العملية الإصلاحية عملية منهجية:
إن تغلغل النظام التربوي في أعماق حياة الأمة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية ووضعه منها موضع العمود الفقري في الجسم جعل عملية تبادل التأثير والتأثر بينه وبين مختلف مجالات الحضارة في حالة من التفاعل الوظيفي المستمر. وبهذا صار الإصلاح التربوي في غاية من التعقيد؛ فأي خطأ يرتكبه المصلحون في أي مرحلة من المراحل النظرية أو الإجرائية تترتب عليه عواقب ومشكلات قد لا تكون من السهل تصحيحها بعد فوات الأوان. هذا ومن الحقائق التي أثبتتها التجارب الإصلاحية التي قام بها المصلحون في مختلف النظم التربوية أن وراء كل خلفيةٍ إشكاليةً تترتب عليه عند تزامنها كمتغير مع الثابت، وهو الأمر الذي سيُحدِث من التناقضات ما يفوق الحصر. وحتى يمكن للمصلحين التحكم والضبط والتحديد للفروض التي لا بد أن تحصر نتائجها حصراً دقيقاً عن طريق التنبؤ لا بد للعملية الإصلاحية من منهج تحدد في ضوئه مشكلاتها ومفاهيمها وأبعادها ومختلف عواملها، بالإضافة إلى الحل المنطقي والمراحل الإجرائية التي تمر بها إلى عملية التطبيق، ثم اختياره لمعرفة مدى صحة الفروض وما يترتب عليها من النتائج؛ فإذا تأكد لنا أنه لرفع مستوى التحصيل لا بد من رفع مستوى ثقافة المعلم وتحسين خبراته فإن هذا الحل يستلزم توفير شروط ذلك الإعداد، وإلا تعذر الحل؛ فالعملية الإصلاحية عملية تنصب على معطيات الحاضر لتصيغها صياغة جديدة مستقبلة قابلة للعمل الإجرائي في الميدان؛ لأن الحاضر في حكم الماضي، والماضي لا يغير أبداً. على أن هذا لا يعني إطلاقاً الانتقاص من قيمة التاريخ؛ لأنه هو الذي يجمع معطياته، ويمثل الكيان الموضوعي الذي تم تشكيله النهائي داخل الصيرورة، وصار يمثل الصورة الحقيقية لحال من أحوال الأمة في زمن محدد؛ وهذا يعني أنه لا بد من المعطَى التاريخي الذي يُكوّن موضوع الصياغة المستقبلية من حيث هي صميم العملية الإصلاحية. فالإصلاح ليسـ أبداً انطلاقاً من لا شيء، بل هو انطلاق من التاريخ كشيء موضوعي لواقع الأمة، وبه يتحقق كمالها في المستقبل باستمرار؛ لأنه عملية اصطفاء وترقٍّ لخبرة الأمة الحضارية باستمرار؛ فالمناهج التاريخية حسب رأي «برايند هولمس» (١) مناهج مفيدة لكنها ناقصة؛ والدليل على ذلك أنها ركزت على الماضي، وتقوقعت فيه دون الاهتمام بالمستقبل، مع أن المستقبل هو موضوع التغير وليس الماضي؛ لأن هذا الأخير ثابت لا يقبل التغير. فالإشكالية عند «هولمس» تكمن في تزامن المتغير، وهو ما يجب أن تكون عليه الأوضاع والأحوال للمنظومة التربوية مع اللامتغير، وهي الأحوال الثابتة للمؤسسات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالتقاء الصورة المثلى التي يريد الإصلاح تحقيقها في زمن واحد مع الثوابت يحدث التناقض والإشكال حتى يتحقق التطابق بينهما؛ لأنه لا بد من دراسة عميقة دقيقة لمختلف العوامل لتحديد تأثيرها، ومدى تأثرها ضمن العملية الإجرائية الإصلاحية؛ فالحل إذن يقتضي تحقيق التطابق بين المتغير واللامتغير في المستقبل، وإزالة التناقضات التي تتعارض مع الحل. أو بمعنى آخر أن يكون الحل متمثلاً في حالة التطابق الخالية من التناقضات، وهذا ما يجعل العملية الإصلاحية قائمة على أساس منهجي بواسطة العلاقات المختلفة للظواهر.
إذن لا بد من تحديد الخطة الإصلاحية في ضوء المعطيات التاريخية التي تنصب عليها العمليات الإصلاحية في إطار منهج يساعد على إعادة صياغة المعطى التاريخي صياغة نظرية تسمح بتحديد المشكلة والتوصل إلى تحليلها، وتفسير مختلف أوضاعها، ووضع الفروض المناسبة، وتحديد المراحل الإجرائية العملية عن طريق التنبؤ. فالتاريخ إذن هو أهم وسيلة لنقل مكتسبات جهد وجهاد الأجداد باستمرار، ولولاه لما تحقق التطور الفكري ولا الحضاري؛ باعتبار التطور هو بداية كل جيل من حيث انتهى سلفه، وهو الجهد المستمر عبر الزمن.
زد على ذلك أن مطالب الحضارة تنمو باستمرار، وتتعقد، وعمر الإنسان مهما طال قصير، والعوائق كثيرة، ونوائب الدهر لا يخلو منها عصر؛ ولا يبخل بها دهر، منها ما أمكن للأجداد التغلب عليه، ومنها ما لم يمكنهم تجاوزه أو تحقيقه من الآمال.
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فينبغي للخلف استكمال واستدراك ما فات السلف؛ لأن الإنتاج الحضاري ليس وقفاً على جيل دون جيل، وليس احتكاراً لعصر دون عصر، فلكل جيل جهوده ومجال جهاده، واجتهاده؛ بالإضافة إلى ذلك عامل الزمن الذي يجب أن يقرأ له ألف حساب. إنه يزداد في كل عهد خطورة وأهمية؛ فقد كان كالسيف يومذاك حين كان السيف أحسم سلاح في الهيجاء. أما اليوم فقد صار الوقت كالصاروخ النووي سرعة وخطراً وفصل خطاب.
إن عامل الزمن في وقت الأقمار الصناعية ومضاعف سرعة الصوت والعقول الإلكترونية لا تدانيها سرعة الحصان؛ على أن التطور التكنولوجي لا ينسينا فضل السلف الصالح، وجهده، وجهوده، واجتهاده؛ مما يجعلهم لنا دوماً قدوة حسنة لا بد من التوقان إلى اتباعهم والسير على نهجهم. إلا أنه إذا كان لا بد من حكمة الأجداد وحسن الاقتداء بهم فإنه من الحكمة أيضاً معرفة الأحفاد ما يمكن أن يضاف من جديد لجهود واجتهاد الأجداد.
ومن أهم وظائف التربية المحافظة على ما تجب المحافظة عليه كالدين وشريعته السمحة، وأخلاقه الفاضلة، وقيمه النبيلة. إلى جانب ذلك فهي مطالبة أيضاً بأن تجدد الفكر وتطور العلم، وأن تجعل الجيل بطل عصره وعبقري زمانه ينشد الصواب والحق والخير والفضيلة متخلصاً من الضلال والزيف، وتكون فيه القدرة على الانتقاء، وتنمي عنده ملكة الاصطفاء ليكون دوماً عنصر صلاح وسعادة وفلاح.
وليحقق التغير أغراضه، وينشد الإصلاح مراميه التي تحدد في إطاره التاريخي لا بد من منهج يضع الأمور مواضعها، فلا تطغى الوسيلة على الغاية، ولا البداية على النهاية، ولا تسبق التحسينات الضروريات والحاجيات. لذا فالتحليل المنهجي للأغراض والمرامي التربوية، وغيرها لا يكون إلا نتيجة للتصور المنهجي لمعطيات التاريخ مصوغة صياغة مستقبلية إصلاحية؛ لأن التصور لمعطيات التاريخ يطلب أن يكون تصوراً واضحاً صحيحاً مطابقاً للحقائق تطابقاً لا يشوبه زيف ولا تشويهٌ؛ مما يجعل عملية الإصلاح جِدَّ معقدة؛ فالكل يعلم ما يدور في الساحة الثقافية وغيرها من إنتاج مغرض يقبِّح المحاسن، ويحسِّن المساوئ مضفياً على التراث غموضاً، وعلى الحقائق التاريخية التباساً بقصد تضليل وتحريف الجيل الجديد، وتنفيره من التراث.
وهذا كله من شأنه أن يجعل عملية جمع المعلومات تحتاج إلى منهجية محددة ذات ضوابط علمية وقيم. فإذا كان هذا هو الشأن بالنسبة لجمع المعلومات الصحيحة عن معطيات التاريخ لأخذ صورة صحيحة يمكن الاعتماد عليها في بناء التصور المنهجي للرؤية المستقبلية؛ فكيف بالمراحل التي تمتد بالعملية الإصلاحية التي تتطلع إلى آفاق ما يجب أن تكون عليه، وفق توقعات لا سبيل لنا إلى ضبطها إلا عن طريق الاحتمالات المبنية على التنبؤ؟ إذن لا بد من منهج ضابط للمعطيات، محقق للنتائج والمقدمات، مقنن للعلاقات، رابط بين العوامل، مفسر للأحداث والمواقف والحالات لتكون عندئذ الرؤية المستقبلية رؤية علمية تبدأ بالمشاهدة، فالملاحظة، فالتحليل، فالمقارنة، فالتفسير، فالحكم، فالبرهنة عليه ... ثم التحقق من صدق الفرضية والعمل على ضبط الاحتمالات عن طريق الربط التجريبي، أو المنطقي بين مختلف العوامل للتوصل إلى الصورة الواضحة الكاملة على النموذج الإصلاحي، ثم إلى المراحل الإجرائية التي تمر بها العملية الإصلاحية كعملية منهجية أبعد ما تكون عن الارتجال والمصادفة.
ولكي لا تقع الخطة الإصلاحية في الظلم لا بد من مراعاة العدالة، والتقيد بها تقيداً تاماً كشرط من الشروط المنهجية اللازمة.
стр. 5024
معالم في البناء التربوي
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائلُ: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: «إن الله وملائكته، وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليُصَلّون على معلمي الناس الخير» رواه الترمذي بسند صحيح. أما بعد:
فهذا خطاب لجيل الأمة الصاعد، ونشئها الواعد ذوي الفطر السليمة والنفوس المستقيمة الذين تَعْقد عليهم الأمة آمالها بعد الله أن ينصروا الدين، ويرفعوا عن أمتهم خطة الذل التي وضعها أعداؤها. وما كان ذلك الفتح ليكون إلا وَفْق سنن الله الكونية والشرعية: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . لقد سئمت الأمة الشعارات العاطفية، وتجرعت غصص الحركات الانفعالية، وآنَ لها أن تستفيد من أخطاء الماضي، وتستنير بنور الكتاب والسنة، وتسلك سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان؛ فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أَوَّلها.
إن الأمة الإسلامية بحاجة ماسة في هذه الظروف الحرجة إلى إعداد ناشئة قوية سوية ترضع لبان الإيمان، وتتضلع من العلم والعرفان، وتتحلى بالحكمة والشجاعة معاً، وتأخذ بأسباب القوة المعنوية والمادية، وتتخلص من شوائب الفرقة والشذوذ، وتجتمع على البر والتقوى، وإقامة الدين، ولزوم جماعة المسلمين.
وهذه المقاصد العظيمة والآمال العريضة لا تتحقق بمجرد الأماني: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] ، وإنما تتم من خلال مشروع فردي، وجماعي، ينتظم مناشط الحياة المتنوعة، ألا وهو: (التربية) .
` معنى التربية:
قال الجوهري: (رَبَا الشيء يَرْبو رَبْواً، أي: زاد ... وَربيته تَرْبيةً، وتَربيته: أي غَذوته. هذا لكل ما ينمي، كالولد والزرع ونحوه) الصحاح: ٦/٢٣٥٠.
وقال الراغب: (الربُّ في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً، إلى حد التمام) المفردات: ١٨٩. وهذا المعنى اللغوي الدال على الترقي والنمو شيئاً فشيئاً هو الأساس للمعنى الشرعي للتربية، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ، (فروي عن علي ﵁ أنه قال: هم الذين يغذّون الناس بالحكمة، ويربونهم عليها، وقال ابن عباس، وابن جبير: هم الفقهاء المعلمون. وقال قتادة، وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء) انظر: زاد المسير: ١/٤١٣.
قال ابن الأثير: (الرب: بمعنى التربية؛ كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها) النهاية في غريب الحديث: ٢/١٨١.
` المعْلَم الأول: التربية دين وعبادة:
إن السعي نحو الكمال نزعة إنسانية تراود بعض النفوس القوية، وتحدوهم لتحقيق الأمجاد الشخصية، والعلو في الأرض. وفَصْلُ ما بين التربية الإسلامية والتفوق أنَّ الأُولى: دِين وقربة، وجهاد ونية، والثانية في أحسن أحوالها: قوة وعزيمة، وشهامة ومروءة. الأُولى يترتب عليها الثواب، وشرف الدنيا والآخرة، والثانية لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب بحد ذاتها، وهي شرف في الدنيا دون الآخرة. كما قيل:
نفسُ عصام سَوّدت عصاما
وعوَّدته الكَرَّ والإقداما
وكما قال طرفة بن العبد، وهو جاهلي:
إذا القوم قالوا: من فتى؟ خِلْتُ أنني
عُنِيتُ فلم أكسل ولم أتبلَّدِ
ولستُ بحلاّل التِّلاع مخافة
ولكن متى يسترفدِ القومُ أرفدِ
ونحن لا نغمط أهل الفضل فضلهم، ولا أصحاب المروءات والنجدات سابقتهم، ولكن ندعوهم إلى احتساب ما جبلهم الله عليه من مَكْرُمَات، أو ما حملوا أنفسهم عليه من مشقات، ديناً يدينون الله به، ويرجون غُنمه وبِرّه في الدار الآخرة. قال ـ تعالى ـ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] . قال بريدة بن الحُصَيب ﵁: (شهدتُ خيبر، وكنت فيمن صعد الثلمة، فقاتلتُ حتى رُئي مكاني، وعليَّ ثوب أحمر؛ فما أعلم أني ركبت في الإسلام ذنباً أعظم عليَّ منه، أي الشهرة) سير أعلام النبلاء ٢/٤٧٠.
قد يدمن الناشئ، وربما طالب العلم، القراءة في سير أعلام النبلاء، والعلماء، والفاتحين، ويصغي للمدائح والمناقب، فتتشوَّف نفسه إلى الذكر والصيت، ويفارقه الإخلاص النقي. وقد يستنفر المربي همم تلاميذه بضرب الأمثال، وتمجيد الذوات الفاضلة في غير سياق منضبط، فيتمخض الجهد عن تنافس مشوب، وحظوظ دخيلة.
إن على المربين، كما هو على المتربين أن يتفطنوا لهذا المعنى، ويحرروا أمر النية من كافة الأغراض الشخصية، والدسائس النفسية التي تنافي إسلام الوجه لرب العالمين، فإن عُجِّل لهم من الثناء والذكر الحسن ما يستروحون له، دون أن يكون قصدهم الأصلي، فذلك من عاجل بشرى المؤمن.
` المعْلَم الثاني: التربية تأسّ ومتابعة:
قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] . لقد كان شَخْص رسول الله ﷺ مثالاً واضحاً للاستقامة، ومعياراً دقيقاً تُقوّم به الأقوال والأفعال، وتردُّ إليه الأمور عند التنازع. فلا بد للمربي والمتربي من دراسة سيرته الشريفة، وإدمان النظر في أحواله المختلفة، والتبصر في دعوته وتربيته لأصحابه، وأسلوب معالجته للأمور. إن قوماً يحتفون بذكر فلان وعلان من رجالات الشرق والغرب، ويمجِّدون ذكرهم، ويزهدون برواية أحواله ﷺ ، ولا يرفعون بها رأساً، قد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. لقد حفلت حياته بألوان المواقف التربوية التي ترسم الطريق للمربين والمتربين على مر العصور، فيستلهمون منها النَّفَس الشرعي، والمزاج الإيماني الذي تواجَه به الأمور، فيأتي بأفضل النتائج.
مثال: روى ابن عبد البر ﵀ بسنده، من طريقين، عن أبي محذورة أوس بن معبر الجمحي ﵁ قال: (خرجت في نفر عشرة، فكنا في بعض الطريق حين قفل رسول الله ﷺ من حُنين، فأذَّن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة، فسمعنا صوت المؤذن، ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه، ونستهزئ، فسمع رسول الله ﷺ ، فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه، فقال: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليّ، وصدقوا، فأرسلهم وحبسني، ثم قال: قم فأذِّن بالصلاة، فقمت، ولا شيء إليَّ أكره من رسول الله ﷺ ، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يديه، فألقى عليَّ رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه، فقال: قل: الله أكبر الله أكبر. فذكر الأذان، ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصيتي، ثم مر بين ثدييَّ، ثم على كبدي، حتى بلغت يد رسول الله ﷺ سرتي، ثم قال: بارك الله فيك، وبارك الله عليك. فقلت: يا رسول الله! مرني بالتأذين بمكة! قال: قد أمرتك به. وذهب كل شيء كان في نفسي لرسول الله ﷺ من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ﷺ . فقدمت على عتَّاب بن أُسيد، عامل رسول الله ﷺ بمكة، فأذَّنت معه بالصلاة، عن أمر رسول الله ﷺ ) الاستيعاب، بحاشية الإصابة: ٤/١٧٩. ورواه أبو داود والنسائي والشافعي والدارقطني والبيهقي. وهو حديث صحيح.
فمن الفوائد التربوية المستبطة من هذه الحادثة:
١ ـ طبيعة التجمعات الشبابية، وتشابهها قديماً وحديثاً.
٢ ـ عدم تجاوز المواقف السلوكية الشاذة.
٣ ـ التثبت والتبين، وعدم أخذ البريء بجريرة المذنب.
٤ ـ الأدب الرفيع، وعدم الإسفاف في الخطاب عند الإنكار.
٥ ـ تحويل الخطأ إلى صواب، والانحراف إلى سداد.
٦ ـ تواضع المربي.
٧ ـ الإحسان إلى المتربي، وسَلُّ سخيمة صدره.
٨ ـ التودد والتحبب إلى المتربي بالمباشرة باليد.
٩ ـ إظهار صدق الود، والرغبة في الهداية بالدعاء.
١٠ ـ منح الثقة، واستغلال الموهبة.
إن السنة النبوية غنية بالكنوز التربوية التي ينبغي أن يُفَتّش عنها المربون، ويستخلصوا منها الدروس والعبر، بل يؤسسوا منها (علم تربية) إسلامياً أصيلاً؛ ذلك أن علم التربية الحديث قائم على دراسات الغربيين، واصطلاحاتهم، وتقسيماتهم التي هي ناتج عقائدهم، وثقافاتهم، وممارساتهم المتراكمة بالإضافة إلى ما توصلوا إليه من تجارب إنسانية، وملاحظات بشرية قد تكون صحيحة. فلا بد لأهل الإسلام من تمييز ما هو من قَبِيل القضايا المشتركة بين بني آدم، وما هو من قَبِيل التحليل والاستنتاج القابل للخطأ والتأثر بالمكونات العقدية، والفكرية، والتاريخية، والاجتماعية لأمة ما، وتكوين قواعد مستمدة من النصوص الشرعية، والدراسات العلمية الصحيحة.
` المْعْلَم الثالث: التربية القرآنية منهج وسبيل:
قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
[الإسراء: ٩] .
القرآن العظيم عمدة التربية الإسلامية، لفظاً، ومضموناً، وترتيباً:
لفظاً: باعتماد الألفاظ والمصطلحات القرآنية، وعدم الاستعاضة عنها بالمصطلحات الحادثة، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] ،
مضموناً: باستيعاب مقاصد القرآن ومضامينه كلها، وتجنب التبعيض والانتقاء والتجزئة التي توافق توجهاً خاصاً لجماعة أو طريقة أو مذهب، وهجر خلافه.
وترتيباً: بتقديم ما قدم الله، وتأخير ما أخر، وتعظيم ما عظم الله، وتهوين ما هوَّن، وزرع ذلك في قلوب المتربين بنفس الدرجة التي هي عليها في القرآن.
مثال: تعظيم أمر التوحيد، وتشنيع الشرك، كما في قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا *﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] . إن كثيراً من المربين والمتربين يمرون بمثل هذه القضايا الإيمانية دون أن تُحْدِث في نفوسهم الأثر المطلوب، والانفعال الإيماني المتناسب مع حجم هذه القضية التي تكاد السماوات أن تتفطر منها، وتنشق الأرض، وتَخِرُّ الجبال هدّاً!! فعلامَ يدل ذلك؟
لا بد للمربي والمتربي أن يتيقن هذه القضية يقيناً راسخاً، وأن يعتمد التربية القرآنية في برامجه ووسائله التأثيرية، وألا يجنح إلى إيثار مؤثرات أخرى ذات أثر وقتي سرعان ما تتقشَّع. ومن صور ذلك:
١ ـ الاعتماد على العلاقات الشخصية، والتجمعات الودية الخالية من المضمون.
٢ ـ ممارسة المناشط الشكلية، والبرامج الترفيهية ذات العائد الزهيد.
٣ ـ الإغراق في الشعارات العاطفية التي تستهلك الحماس دون مردود.
لقد كان قرن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ خير القرون، ولم يكن بين أيديهم متْن يتربون عليه سوى كتاب الله، يبينه رسول الله ﷺ ، فَصَنع الله بهم ما صنع. إن التربية القرآنية القائمة على ترسيخ الإيمان بالله واليوم الآخر، والعمل الصالح، منهج واضح، وسبيل قاصد لا غنى للأمة في جميع أطوارها عن انتهاجه، ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
` المعْلَم الرابع: التربية تكامل وتوازن:
إن خطة البناء التربوي السليم لا بد أن تكون متضمنة لعموم مقاصد الدين؛ بحيث يظهر هذا التكامل في حياة الأفراد بنسب متفاوتة، كما يظهر في عموم الأمة ملبياً كافة المطالب. وبيان ذلك: أن الفرد المسلم بحاجة إلى:
١ ـ البناء الإيماني العقدي: الذي تحصل به البينة القلبية، والاطِّراد العقلي.
٢ ـ البناء العملي الشرعي: الذي يحصل به معرفة الشريعة، وبيان الحلال والحرام.
٣ ـ البناء العملي التعبدي: الذي يحصل به استفراغ الجهد في العمل الصالح.
٤ ـ البناء الخلقي الاجتماعي: الذي يحصل به حسن معاشرة الخلق ونفعهم.
وهو مدعوٌّ إلى تمتين هذا البناء وتقويته، منهيٌّ عن الإخلال بالحد الأدنى منه، كما قال ﷺ : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم» متفق عليه. وحينئذ يجد المؤمن الجاد نفسه في مضمار فسيح لاستباق الخيرات، والتنافس في الطاعات، ويجد شُعَباً تربو على السبعين من شُعَب الإيمان تهتف به، وتستدعيه، فيعرضها على مواهبه ومقدراته فيجد نفسه بعد جملة من التجارب متوافقاً مع لون أو أكثر من ألوان البذل والعطاء:
ـ فهذا: وعاءٌ للعلم، آتاه الله حفظاً وفهماً وفقهاً.
ـ وذاك: عابد ناسك خاشع قانت.
ـ وثالث: منفق باذل يضرب في كل مكرمة بسهم.
ـ ورابع: داعية مصلح بين الناس.
ـ وخامس: أمَّار بالمعروف، نهّاء عن المنكر، محتسب.
ـ وسادس: مجاهد مرابط يحمي الثغور، ويصون حوزة المسلمين.
ـ وسابع: حُبِّبَ إليه السعي على الأرملة والمسكين، وملاطفة اليتيم ... وهكذا.
وكل فاضل من هؤلاء فُتِح له في باب من أبواب الخير، قد نال حظاً من بقية الأبواب، لكن قَصَّر عن غيره فيه، كما قَصَّر غيره عنه فيما فُتِحَ له فيه. قد علم كل أناس مشربهم. قال الذهبي ﵀: (كم من إمام في فن مقصِّر عن غيره؛ كسيبويه، مثلاً، إمام في النحو، ولا يدري ما الحديث. ووكيع إمام في الحديث، ولا يعرف العربية، وعبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث، لايدري ما الطب قط، وكمحمد بن الحسن، رأس في الفقه، ولا يدري ما القراءات، وكحفص إمام في القراءات، تالف في الحديث)
ومن تأمل في حال الصحابة الكرام رأى هذا التنوع، والتخصص جليّاً؛ فمَنْ كأبي بكر الصديق ﵁ في بذله، وثباته، ورسوخ إيمانه؟ ومَنْ عبقريٌّ كعمر بن الخطاب ﵁ يفري فرِيَّه، يسوس الناس، ويمصِّر الأمصار ويدون الدواوين؟ ومَنْ كعثمان بن عفان ﵁ في بذله وإنفاقه؟ ومَنْ كعلي بن أبي طالب ﵁ في شجاعته وإقدامه؟ ومع ذلك فإن الفضل الخاص لا يقضي على الفضل العام. ولم تزل هذه الأمة ولوداً، تُنتِق أرحامُها الأمجاد الأفاضل من الرجال والنساء. فانظر ـ يا رعاك الله ـ أين موضعُك؟ فقد جاءت نوبتُك؛ فإن لك ثغراً لا يَسُدُّه أحدٌ سِواك، ففتِّش عن ثَغْرك، والْزمْه، فإن العمر قصير.
وبهذا يتبين أن التنوّع والتخصص بين الخلق سُنّة من سنن الله؛ فإن الله قَسم الأخلاق كما قسم الأرزاق، فسائغ شرعاً، واقع قدراً، أن يفتح على شخص في باب، ويُقَصّر في غيره، لكن مع الإتيان بالحد الأدنى من المأمور. أما بالنسبة لعموم الأمة فلا يسوغ ذلك، ولا يجوز أن تلغي أو تهمل باباً من أبوب الدين؛ فإن الله أمر بإقامة الدين، فقال: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيه﴾ [الشورى: ١٣] .
ويتبين أيضاً أنه لا يجوز لطائفة، أو طريقة، أو مذهب، أو جماعة دعوية أن تدعو الكافة إلى مبادئ خاصة وأصولٍ منتقاة، من الدين، وتهجر الباقي، بل الواجب إقامة الدين كله، وتربية الناس على جميع مقاصده، ثم الله يصطفي من عباده ويختار من يقيمه ويستعمله في بعض هذه الشُّعب، ويفتح له فيه. أما الاجتزاء، والانتخاب وفق ترتيب لم يأذن به الله، وليس عليه أمر رسول الله ﷺ فنوع من العدوان والبدعة، وسبب لحصول الاختلاف والفُرْقة، كما قال ـ تعالى ـ عن النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤] ، والمراد بالنسيان هنا ترك العمل ببعض ما أمروا به. وبناءً عليه فلا يسُوغ تربية آحاد الأمة، أو جماعتها على ضَميمة من الأسس تُدعى تارة (المبادئ الستة) ، وتارة (الأصول العشرين) ، ويُعدل عما رتبه النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور الذي فيه (أركان الإسلام الخمسة) و (أركان الإيمان الستة) ، كما لا يجوز التزام «وِرْد الطريقة» سواءً بسواء.
` المعْلَم الخامس: التربية مشروع العمر:
قد يتحامل المرء على نفسه ليجتاز دورة مكثفة في علم ما أو فن، ثم يلتقط أنفاسه ويسترخي، وقد يسعى إلى تحقيق درجة عالمية يستنفر لها جهده ووقته، ثم ينال اللقب، ويستريح. إلا أن التربية عمل دائم لا ينقطع حتى تبلغ الروح الحلقوم. قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀: «أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر» شرف أصحاب الحديث: ٦٨.
ومن ثم فإن المؤمن يظل في جهاد مستمر، وتَرقٍّ مُطَّرد إلى أن يقف على شفير القبر، وقد بلغ في سُلَّم التربية ما قُدِّر له أن يَبْلُغ، وهو في تلك الأثناء عرضة للزلل والخطأ، بِحُكْم طبيعته البشرية، لكن مشروع التربية الإسلامية يتضمن عنصراً أصيلاً هو التوبة؛ فلا يأس، ولا قنوط، ولا إحباط. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، وأحسن الأعمال، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئ الأخلاق، وسيئ الأعمال فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت.
стр. 5025
حلق العلم.. ودورها في تخريج العلماء الذين نبحث عنهم
هيثم حداد
كتب فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز كامل مقالاً أشبه ما يكون بورقة عمل تهدف إلى المساهمة في انتشال الأمة من حالتها الحالية إلى حالة أفضل في ظل الوضع الراهن المتمثل في خطط وأساليب جديدة في حرب الإسلام، وقد ذكر وأعاد دور العلماء القيادي، بل جعل شغور موقع القيادة الجماعية للأمة لب المشكلة وأساسها، ثم عرَّفه بأنه شغور مواقع القيادة عن العلماء الذين يستطيعون توجيه دفة الأمة من مواقعهم العلمية، وهو الأمر الذي قصر دور العلماء في جل الأوقات على علاج بعض مشكلات فردية، وحوادث جزئية.
لعل من أسباب هذه المشكلة الرئيسة عجز العلماء عن القيام بالدور المتوقع منهم، والنَّوْء بتلك المسؤولية التي حمّلهم الله إياها، ولا شك أن الزخم يكثر هذه الأيام مع كثرة المصائب التي تتساقط على الأمة، وغياب الرأي الشرعي في قضايا مفصلية يمر بها العالم الإسلامي مطالباً العلماء بدور ريادي يقودون من خلاله جموع الأمة، أو على الأقل يوجهونهم نحو الوجهة الشرعية المناسبة التي تتمحور حول السياسة الشرعية، تلك السياسة التي لا يحسنها إلا من يجمع بين علم واسع بالشريعة أصولاً، وفروعاً، نظراً واستدلالاً، وبين فقه للواقع المعقد الذي نعيشه في هذه الأيام.
وكثيراً ما يقلِّب المرء ناظريه حينما تنزل بالأمة دواهٍ، باحثاً أولاً عن نظرة شرعية لتلك الأحداث، ثم توجيه مناسب لما ينبغي عليه فعله، شافعاً ذلك بدعاء بالثبات على الحق، وتفاؤل بنصر الدين.
لكن أيها السادة القراء! ألا تظنون معي أن مطالبة العلماء بهذا الدور الضخم والنَّوْء بهذه المسؤولية التاريخية فيه نوع من تسويغ لإخفاق الأمة بشتى فعالياتها في إنشاء العلماء القادة الذين يمكن أن يقوموا بهذه الأحمال الثقال؟ ألا تتفقون معي أن ثمت خلطاً بين الدور الذي نتطلع إليه من قِبَل حَمَلة العلم الذين نتحدث عنهم وبين الدور المنوط بالعلماء القادة الحقيقيين للأمة؟ وبقدر ازدياد حجم هذا الخلط ينمو في المقابل وبالتوازي انفصام نكد بين منزلة من يحمل شيئاً من العلم وكفى، ومنزلة العالم القائد ودوره.
النبي ﷺ كان عالماً قائداً، وأبو بكر كان قائداً عالماً، وعمر وعثمان وعلي كانوا كذلك، بل كثير من خلفاء بني أمية، وبني العباس كانوا قادة علماء، وفي عهدهم وجد علماء قادة أمثال الإمامين عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل، لكنّ الاستقرار السياسي والاجتماعي ـ إلى حد ما ـ في تلك العهود هو الذي لم يُحْوِج أكثر علماء الشريعة إلى لعب دور قيادي ريادي على مستوى الأمة، واقتصر نشاطهم على الجانب العلمي.
وكلما كان الالتحام بين العلم والقيادة أقوى كانت حالة العالم الإسلامي أقوى، والالتحام الذي نقصده هنا ليس الالتحام بين جهة تسمى العلماء، وجهة أخرى تسمى القادة، لا، ولكن المقصود أن يجتمع في العلماء مهارات القيادة ومتطلباتها، ويجتمع في القادة أصول العلم؛ فنجد العالم قائداً، كما نجد القائد عالماً أيضاً.
ولا نعني بالقيادة هنا الموقع أو الوظيفة السياسية؛ فقد يكون العالم قائداً، ولم يتبوأ أي منصب وزاري أو سياسي أو عسكري، لكنه يقود الأمة بأقواله من خلال آرائه الشرعية الجريئة الواعية، كما يقود الأمة بأفعاله التي يشارك فيها جمهور الأمة آلامهم، وأتعابهم، وأفراحهم، نصرهم، وهزيمتهم لا سيما تلك الأفعال الشاقة التي تنطوي على مخاطر وتضحيات لا يقوم بها إلا الصادقون من المؤمنين، ألا وهم العلماء القادة الربانيون.
وحتى نقرب إلى الأذهان تلك الشخصية التي نبحث عنها نمثل بشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد كان شخصية علمية فذة، لكنه في نفس الوقت كان شخصية قيادية من الدرجة الأولى، عاش في عصر تجمعه مع عصرنا بعض أوجه الشبه من حيث انتشار الاضطرابات السياسية والعسكرية من ناحية؛ فالتتار نزلوا بالبلاد، والصليبيون يتململون، والدول الإسلامية تعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي لعدم وجود خلافة إسلامية مركزية بيدها التوجيه السياسي والاستراتيجي، ومن ناحية أخرى انتشار شيء من الفوضى الفكرية العقدية؛ حيث رفع الروافض عقيرتهم، وبالغوا في نشر مذهبهم وشبهاتهم، وانتشر التصوف الفلسفي المقيت، ثم تُوِّجَت هذه القلاقل بانعدام الرؤية الشرعية السياسية تجاه كثير من القضايا المصيرية؛ فطوائف من التتر استولوا على نواح من البلاد، وحكموا باسم الإسلام في الوقت الذي لم يطبقوا من الإسلام شيئاً؛ فهل يعتبر حكمهم شرعياً؟ وما هو الموقف من اعتدائهم على المسلمين وهجومهم على الولايات المسْلِمة الأخرى؟
كل واحدة من تلك القضايا تحتاج إلى مجامع علمية لإبداء الرأي والمشورة فيها، كما هي الحاجة إلى ذلك في عصرنا، لكن مجامعنا العلمية لم تنهض بهذا الحمل على الوجه الذي يوجه دفة العالم الإسلامي، بل ربما تقوقعت أو حصرت نفسها للبحث في دوائر ضيقة من النوازل الفقهية.
لكن شيخ الإسلام العالم القائد أبلى بلاء حسناً، بل قاد الأمة في كل قضية من القضايا السابقة إلى ساحل الإيمان والأمان، وليس هذا مقام ذكر مآثره في ذلك.
في العصر الحديث تكررت أمثلة أخرى للقيادة العلمية بدءاً بالشيخ المجاهد محمد بن عبد الوهاب الذي قاد الأمة في وقته قيادة علمية وعملية، فجاهد بلسانه، ولم يقبع في حِلَق العلم، بل تحرك بطلابه وأتباعه نحو الإصلاح الشامل، حتى جاهد بسنانه، فكان من آثاره دولة إسلامية، وقيادات علمية وعملية في بقاع أخرى خارج تلك الجزيرة.
ويحمي الله هذه الأمة بإخراج هؤلاء المجددين بين فينة وأخرى، فخرجت قيادات علمية فكرية عملية أمثال ابن باديس، والبنا، والمودودي، وغيرهم، وإن كان ثمت اختلاف وتباين في مقدرتها العلمية أو العملية، لكن الجامع لها كلها: قيادة الأمة بعلم وعمل.
لِمَ برز هؤلاء وانتشرت دعواتهم، ولا زالت ذاكرة الأمة محفورة بأسمائهم، وأفعالهم، وآثارهم؟
هؤلاء لم يكونوا حَمَلة علم فقط، ولم يكونوا أمراء ساسة، بل كانوا قيادات علمية، وإن لم يصل بعضهم إلى درجة يمكن أن يطلق عليه عالم، وهو ما نريده الآن.
إذاً خلاصة هذا التشخيص: «قلة العلماء المؤهلين بصفات قيادية، وانحسار دورهم» .
قال الله ـ جل وعلا ـ: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ، قال القرطبي تبعاً لجمع من المفسرين: (والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) ثم قال: (وكأنه يقتدي بالرب ـ سبحانه ـ في تيسير الأمور، وروى معناه عن ابن عباس) (١) ، ثم أورد في معنى الرباني نقولات وعبارات جامعة منها: (يدبرون أمور الناس ويصلحونها) ، (العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم) ، (الولاة والأحبار العلماء) ، (وقال مجاهد: الربانيون فوق الأحبار) ، (وقال النحاس: «وهو قول حسن؛ لأن الأحبار هم العلماء، والرباني الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة مأخوذ من قول العرب: ربَّ أمر الناس يربُّه إذا أصلحه وقام به فهو رابٌّ ورباني) . وفي شرح صحيح البخاري لابن حجر: (وَقَالَ ابْن الأَعْرَابيّ: لا يُقَال لِلْعَالِمِ رَبَّاِنيّ حتَّى يَكُون عالماً مُعَلِّمًا عاملاً) .
فهؤلاء الذين تركوا بصماتهم على مسيرة الأمة ووجهوا الأمة وقادوها، و «أصلحوا» حالها تجمعهم خصائص مشتركة؛ فقد أخذوا بحظ وافر من علوم الشريعة، وخالطوا عدة أصناف من الناس، ولم يقتصروا على شرائح معينة من المجتمع، فعاشوا هموم الجميع، مرت بهم تجارب متنوعة وقاسية، من خلال الأسفار، والصراعات العسكرية والسياسية التي مرت ببلادهم، مزجوا علومهم بثقافات أخرى، سواء كانت ثقافات مستوردة من بلاد أخرى، أو معلومات مستقاة من تخصصات أخرى، كالتاريخ والأدب والسياسة والاقتصاد.
وضموا إلى ذلك كله مشاريع عملية قاموا بها أو شاركوا فيها بأيديهم، أو شجعوا على إقامتها، وعملوا مع أصحابها جنباً إلى جنب، أو بأقل الأحوال قدموا المشورة لأهلها. إنهم ليسوا حملةً للعلم فقط، بل حملةً للعلم عاملين بجميع جوانب علمهم دون الاقتصار على الجانب العبادي، إنهم علماء، قادة، ربانيون.
إن حامل العلم إذا قَصَر نفسه على حِلَق العلم، وحبس نفسه بين الكتب، وأسر نفسه لطلابه ومريديه، لم يكن من الربانيين الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، فلن تكون لديه القدرة على تمييز مَن الأَوْلى بصغار العلم، ومن يحتمل كباره، وسيعجز عن نقل الأمة من مرحلة تلقي صغائر المسائل، إلى مرحلة تلقي كبارها.
` العجز من النقائص التي تسلب حَمَلة العلم صفة القيادة:
ويُخرج لنا انعدام أو فقد شيء من صفات القيادة وخصائصها، حَمَلة للعلم عجزة؛ نعم عجزة! عجزة عن الجهر بالحق؛ لأنهم درسوا علوماً أفرغت في عقولهم دون أن تجاوزها إلى قلوبهم وأخلاقهم وأعمالهم، فتمر بالأمة أزمات، فلا يقتصر عجزهم في مواجهتها على اتخاذ مواقف عملية جريئة، بل حتى في المواقف العلمية يقفون عاجزين حائرين عن الصدع بكلمة الحق، وينسون أن الله أخذ على أهل العلم الميثاق، ﴿وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، فتتخبط الأمة، ولا تخرج من شفاههم كلمة حق تبرئهم أمام الله جل وعلا.
في الصحيحين عن عمرو بن أبي عمرو أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وقهر الرجال» وعرَّف الإمام النووي ﵀ الكسل والعجز بقوله: (الكسل عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة مع إمكانه، وأما العجز: فعدم القدرة عليه، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به) شرح مسلم: (٧/٢٨) ، وعلى هذا فهذان مرضا القعود؛ وذلك (لما فيهما ـ أي العجز والكسل ـ من التقصير عن أداء الواجبات والقيام بحقوق الله ـ تعالى ـ وإزالة المنكر والإغلاظ على العصاة؛ ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات، ويقوم بنصر المظلوم والجهاد، وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال، وينبعث للإنفاق والجود ولمكارم الأخلاق، ويمتنع من الطمع فيما ليس له) شرح مسلم: ٧/٣٠.
` العلماء والأمراض القلبية:
تلكم أمثلةٌ الجامعُ لها فَقْدُ الأهلية القيادية النابعة أولاً وقبل كل شيء من خلل في التنشئة والتربية؛ إذ حصرت تلك التنشئة على شحن العقول بمعلومات نظرية في حِلَق علمية افتقدت مساحات كبيرة من تربية الطلاب تربية قيادية شاملة، فخرَّجت لنا خدائج من حملة العلم، أو لنقل: أنصاف فقهاء.
وعليه فإن من الظلم أن نطالب هؤلاء بقيادة الأمة ولم يعرفوا أصلاً معنى القيادة، ولا يعوا ولا يملكوا كذلك شيئاً من مقوماتها.
الأمة معذورة في مطالبتهم، وربما لا يكونون هم معذورين في عجزهم، وكذلك الأمة قد لا تكون معذورة في إعادة صياغة حملة العلم، أو حلق العلم لتؤهل القادة بدل أن تقتصر على إخراج أنصاف الفقهاء.
أما كون الأمة معذورة في مطالبتهم فإن الأمة لا زالت ذاكرتها عبقة بسيرة الرسول ﷺ ، ثم بتوجيهه حينما قال: «العلماء ورثة الأنبياء» ، تقرأ عن الرسول وهو معلمها الأول وقائدها كيف كان عالماً، عاملاً، مربياً، قائداً، أباً، مصلحاً اجتماعياً.
` الرسول ﷺ وصفات الربانية:
لقد وقفتُ كثيراً عند بعض الأحاديث النبوية مفكراً في مرماها. تصفه ﷺ عائشة ﵂ في بيته بأنه يَخيط ثَوْبه، ويَخْصف نَعْله، ويعْمل ما يعمل الرِّجال في بُيُوتهمْ (١) وفي رواية لابن حبان ذكرها في فتح الباري: «مَا كان إلا بشراً منْ الْبشر، كان يُفلِّي ثوْبه، ويحلُب شاته، وَيَخْدمُ نَفْسه» . تأخذه عجوز من عجائز المدينة فتكلمه في حاجتها حتى تقضي، سبحان الله! لِمَ لا نقول إن إلقاء محاضرة، أو تأليف كتاب أوْلى من هذا العمل؟ يصارع ركانة مرة، اثنتين، وثلاثة!
لا زالت الأمة تذكر من سار على نهج النبي ﷺ من العلماء في هذا المنهج الشمولي؛ فلذا تطالب العلماء بدور قيادي كما اعتادته من العلماء.
لكن يبقى السؤال المحير، والمعضلة التي نريد لها حلاً: كيف نصنع القادة، أو كيف نجعل من العلماء قادة؟
هذا أمر طويل نحتاج فيه إلى ندوات، وحلقات علمية، ونقاشات يشارك فيها أهل العلم والخبرة، وعلماء الاجتماع، وخبراء التربية والتعليم، وغيرهم.
لكننا وبعد عرض المشكلة فيما تقدم ندرك بعض أهم أسباب القصور في تخريج العلماء القادة الذين نريد، والتي يمكن أن نرجعها إلى الطريقة التي تعلم بها أو تربى عليها حملة العلم أولئك، وهو موضوع مقالتنا.
وعليه فإن من المناسب أن يشار إلى بعض اللفتات ـ في حدود موضوع مقالتنا هذه ـ التي تسهم في وضع الحلول لهذه المشكلة، وأُسُّ الحل ورأسه أننا بحاجة إلى إعادة صياغة الأنشطة العلمية التقليدية: حِلَقاً، أو محاضرات، أو دراسات أكاديمية لتحويلها إلى برامج شمولية تخرج لنا علماء قادة ربانيين:
١ ـ لا بد من تحويل الحِلَق العلمية المتناثرة إلى برامج شمولية من الناحية العلمية أولاً، ومن النواحي التربوية الأخرى ثانياً. فأما من الناحية العلمية، فلا بد أن تراعى قضية التدرج، والتكامل؛ فالتدرج حتى لا يقفز الطالب إلى مرحلة أعلى قبل أن يهضم المرحلة التي تسبقها فينمو نمواً ذهنياً علمياً طبيعياً، أما التكامل فإنه لا يقتصر في تعليم الطالب على فن واحد، أو يضخم له جانباً من العلوم على حساب الجوانب الأخرى.
إنّ حلق العلم المنتشرة في كثير من البلاد الإسلامية حلق مباركة لا شك في ذلك، لكن الدراسة المنهجية تتفوق عليها بمراعاة هذا التكامل الضروري؛ فعلى الأقل أن يكون كبار العلماء على وعي من غياب التكامل الذي ينتج تلك النتائج السلبية، فإذا رأوا أن أكثر الطلاب مثلاً يقرؤون في العقيدة، مع إهمال غيرها من العلوم، وجهوهم لدراسة علوم أخرى كالتفسير، والفقه، والأصول، واللغة ونحو ذلك، بل إذا رأوا أن الطلاب أغرقوا في دراسة أبواب علم من العلوم، كما نشاهد من الكثير عند دراسة أبواب الإيمان من العقيدة، دون دراسة جميع مباحث العقيدة، أو كما نرى الطلاب يغرقون في دراسة أبواب الطهارة والصلاة دون أن يتمكنوا من دراسة جل أبواب الفقه من الجهاد، والبيوع، والنفقات، والقضاء، وغيرها.
إذا رأوا تلك المشكلات ـ بل يجب عليهم أن تكون لديهم القابلية على الرؤية، والمراجعة، والاهتمام بما يجري، على الأقل في مجالهم العلمي ـ إذا رأوا تلك المشكلات أن ينبهوا غيرهم من العلماء إلى التفطن إلى هذه القضية؛ كما أن عليهم أن يوجهوا الطلاب إلى ضرورة تلك الدراسة الشاملة.
أما من الناحية التربوية، فسيشار إلى نتف منها؛ إذ لا بد أن يضيف الشيخ إلى الدراسة النظرية بعض الجوانب التربوية مع تلاميذه بأن يربط لهم العلم النظري بالواقع وكيفية تطبيقه، ثم يمزج المسائل العلمية بالقلوب والإيمان، ويحرك بواعث الخُلُق الحسن من خلال الموضوعات العلمية التي يتناولها؛ ناهيك عن مزجها بالواجب تجاهها المتمثل في العمل على تطبيقها، والجهاد في الدفاع عنها مهتدياً بالمنهج الرباني؛ إذ يقول المولى: ﴿وَالْعَصْرِ * إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] ؛ فتلك مراحل أربع لا بد منها في تلك العملية النهضوية، والمشروع التغييري.
٢ ـ لِمَ لا نفكر جدياً بالخروج عن النمط التقليدي في حِلَق العلم التي عليها المعوَّل الأكبر لإخراج العلماء القادة؛ حلقة فيها شيخ يتكلم، وتلاميذ يستمعون، وقد يتاح لهم الفرصة للسؤال في آخر تلك المحاضرة أو الدرس، فلِمَ لا نفكر بالانتقال إلى طريقة حديثة في التعليم بأن تتاح الفرصة للطلبة للتحضير ثم إلقاء الدرس، وإتاحة الفرصة للحضور أن يسألوا ويناقشوا في حضرة الشيخ والشيخ يصحح ويوجه، وكذلك من الخروج عن الطريقة التقليدية في التعليم استخدام الوسائل الحديثة التي ارتبط استخدامها بالعلوم الأخرى: إدارية أو هندسة أو غيرها.
إن فوائد هذه الطريقة كثيرة جداً، منها أنها تعوِّد الطالب على تحمل المسؤولية، كما ترسل له رسالة واضحة بأن دوراً ما سيأتي لتلقي وتشارك وتعطي بدل أن تأخذ، كما أنها تجعله أقدر على البذل والعطاء، إضافة إلى أنها تثبت المعلومات بصورة سريعة، بالإضافة إلى أن استمراريتها يمنح الطالب شيئاً من الروح القيادية مع بعض مهاراتها.
٣ ـ من أكبر ما ينقص بعض حملة العلم تصورهم لكثير من مسائل واقعهم تصوراً دقيقاً، وهذا كما أسلفنا خلل يؤدي إلى عواقب سيئة؛ فكيف يخرجون بأحكام عن مسائل لا يتصورونها، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومن أهم أسباب ذلك أن كثيراً منهم حبس نفسه بين الكتب العلمية دونما قراءة لأحداث تاريخه الذي يعيش فيه، وعاش رَدَحاً من الزمن بعيداً عن الفهم العميق لمشكلات أمته التي هو أحد أفرادها، بل هو أحد أهم أفرادها. وإذا شخَّصنا أسباب هذا الداء عرفنا العلاج المتمثل في جعل دراسة الواقع العقدي، والسياسي، والاقتصادي، جزءاً لا يتجزأ من البناء العلمي لعلماء المستقبل. لِمَ لا ندرّس في حلق العلم شيئاً من أصول السياسة، ونتفاً من تاريخ الصراع بين الغرب والإسلام، وموقف المذاهب الهدامة من الدعوات الإسلامية، وأطرافاً من الأساليب الحديثة في الحرب على الإسلام؟
وحتى في الحلق العلمية نفسها نحسُّ أن قصر الشيخ نفسه على الدرس دونما تعرض ولو بالذكر لشيء من المشكلات الرئيسة التي تمر بالمسلمين في تلك الأيام يرسل رسالة غير مباشرة قوية التأثير مفادها عدم الاكتراث بتلك المصائب، أو أن البحث عن حلولها ليس من شأننا، أو أن تخصصنا هو ما بين أيدينا، وغير ذلك من الرسائل السلبية المدمرة للبناء القيادي للشخصية العلمية.
فلو جعل الشيخ افتتاحية الدرس، أو ختامه للتعرض لبعض الأخبار ونقدها لكان في ذلك خير كبير؛ إنه يولد لدى الطالب ضرورة الحرص على الاهتمام بشأن المسلمين؛ ناهيك عن أنه يوسع آفاقه ومداركه، وأهم من ذلك كله أننا سنجد بعد برهة من الزمن، وشيء من الخبرة والحنكة في تطبيق هذا، سنجد في تلك الحلق العلمية التي يشرف عليها حملة للعلم كبار نقاشاً جاداً لمشكلات الأمة التي تمر بها بدل أن يُجعل نقاش تلك الأمور في السراديب التي تقود إلى أنفاق مظلمة، فلا حرية في نقاشها، ولا إشراف من العلماء أصحاب الخبرة العلمية والعملية عليها، والنتائج نراها بأعيننا.
كما أن من فوائد ذلك أننا نشيع جواً من الحرية الصحية التي يحتاج إليها أي مجتمع يريد بناء نفسه بناءً صحيحاً متحرراً من ضغوط القهر أو إملاءات السلطة، وفي نفس الوقت نقطع الطريق على الطامعين الذين يستغلون تلك الأجواء المتوترة للهجوم علينا، أو المطالبة بتغييرات ليس لها علاقة أصلاً بالحرية، أو المشاركة في تسيير دفة الأمة. إن أقَلَّ المجتمعات اضطراباً هي أكثر المجتمعات انفتاحاً، ومنحاً للحرية الفكرية، ومتى صودرت حرية الإنسان في التعبير عما يختلجه صودر عقله، وصودرت قدرته على الإبداع، وقتل فيه دافع الإنتاج، وهذا سبيل تلك المجتمعات البائسة التي تسمى بالعالم المتخلف أو النامي.
٤ ـ ومن الأمور التي تعين على إزالة ظاهرة التقوقع التي أصابت كثيراً من طلبه العلم، فأصابتهم بالعجز عن فهم كثير مما يجري حولهم؛ فضلاً عن المقدرة على إيجاد حلول مناسبة لتلك المشكلات: الكف عن امتداح منهج التقوقع هذا بحجة أن فلاناً لم يعرف سوى العلم، وفلان العالم لا يحسن شراء زجاجة من طيب، والعَالِم الآخر كان في مرحلة الطلب يغلق الأبواب على نفسه ولا يخرج إلا إلى الصلاة، وآخر وضع نفسه قيد الإقامة الجبرية حتى يحفظ تقريب التهذيب، ونحو هذا.
قد تكون هذه التصرفات لائقة في أوقات عز الإسلام ونصره، أو لبعض الناس دون بعضهم، لكن أن تُمتدح وتُصور على أنها المنهج الذي ينبغي أن يسلكه طالب العلم، فيحلم بها الطلاب، ويقلدون هذه الأفعال دونما فقه ومراعاة لتغير الأحوال والظروف، بل دون مراعاة لواجب الوقت؛ فتلك مشكلة.
٥ ـ من المتقرر في الأذهان والنفوس أن الطلبة يتطلعون إلى شيخهم على أنه قدوة لهم، قصدوا ذلك أو لم يقصدوه، أراد شيخهم ذلك أم أبى؛ فإذا كان الشيخ يدرس طلابه آيات وأحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن النكر، ويرونه قاعداً في أواخر صفوف المواجهة، لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر؛ فكيف ستكون ردود أفعالهم؟ بل قل لي ـ بربك ـ كيف سينشؤون، أو ينشّئون؟ سينشأ لدينا بعد مدة من الزمن جيل من حَمَلة العلم قاعد، بل مشلول جبان، ليس لديه القدرة على إنكار منكر، أو الأمر بمعروف، فضلاً عن أن يكون لديه القابلية لتغيير واقعه.
لكن قارن حال هؤلاء الطلاب حينما يرون شيخهم في المحافل العامة يجدُّ ويجتهد: يخاطب هذا، وينصح هذا، ويتحدث مع هذا، يراسل الرئيس والأمير، ويذهب إلى الملأ ينكر عليهم في مجامعهم، يرونه فعّالاً مبادراً كما كان الرسول ﷺ .
٦ ـ ومن أهم الصفات في الشخصية القيادية القدرة على الإدارة، والتنظيم والانطلاق نحو الهدف، والمبادرة، والتعامل مع الظروف الصعبة، وغيرها، وكل هذه مهارات نبوية، لكن علماء المسلمين أغفلوها في هذا الوقت، وأغفلوا إبراز جوانب السيرة التي عُنيت بها، في الوقت الذي تلقَّفها غير المسلمين وتفننوا في الحديث عنها، وتطبيقها، وتطويرها، وتقريبها للناس بلغة مناسبة.
فإذا كان الحال كذلك ـ أعني أن تلك مهارات نبوية، وأنها أساسيات مطلوبة في الشخصية القيادية ـ فلِمَ لا نوليها عنايتنا بأن نجعلها من صُلب اهتمامات المؤسسات التعليمية، وحِلَق العلم، وبرامج التربية، بل نقول: لِمَ لا نَصُوغ حِلَق العلم بطريقة توفر أو تهيئ اكتساب تلك المهارات وتعليمها لطلبة العلم؟
٧ ـ وربما أحلم، أو أذهب بعيداً لو طالبت بتقديم شيء من تلك المهارات على شكل دورات إدارية في الإدارة والقيادة لحملة العلم وطلبته الذين يتصدون لتدريس الناس وتعليمهم، لقد قلت: إني أحلم؛ ذلك أن حملة العلم قد تربوا على نمط معين في التلقي، ونمط معين في المعلومات المتلقاة، فيصعب على مثل هؤلاء تغيير تلك الأنماط السلوكية في زمن قصير، لكن لا أقل من أن نحاول، ونسير ولو بشيء من التعثر والبطء.
٨ ـ ولا بد للشيخ كذلك من أن يمزج درسه العلمي بجوانب تطبيقية تمس الواقع، كأن يتحدث عن بعض المشكلات التي تواجه المسلمين عموماً أو تمس أهل البلد أولئك، وحبذا أن يستشهد على صحة كلامه بتحليلات خبراء ذلك المجال، ولو ذكر مصادره في استقاء تلك المعلومات لكان مفيداً جداً ليرى الطلاب عملياً ضرورة الاهتمام بأمور المسلمين، وأهمية عدم العزلة والانفراد.
وبعد: فتلك لفتات أظن أنها قد تفيد، لكن الأمر من قَبْلُ ومن بَعْدُ ينتظر وقفة جريئة من حزم عدة من أطياف شتى من أهل العلم، والخبرة، والتربية: للبحث عن الحلول الفعالة، والمؤثرة، والعلمية من أجل إعادة صياغة طرق التلقي والتعليم في حِلَقنا العلمية، لعلها تكون شيئاً من تغيير الخطط الذي يسهم في مواجهة خطط التغيير، والله المستعان.
стр. 5026
الدين دينان:
منزل من السماء.. ومتخذ في الأرض
أ. د. جعفر شيخ إدريس
الدين دينان ينبغي أن لا نخلط بينهما فنحكم بأحدهما على الآخر، أو نستنتج من أحدهما نتائج ونسحبها على الآخر، أو نبني سياسة عملية على أحدهما حقها أن تبنى على الآخر.
الدين بالمعنى الأول هو الدين المنزل من السماء، المبلَّغ للناس عن طريق رسل الله. والدين بالمعنى الثاني هو ما يدين به الناس في الواقع فيما يعتقدون من عقائد، أو يلتزمون به من قيم، أو يمارسون من سلوك.
الدين بالمعنى الأول هو الحق كله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأما الثاني فيكون حقاً بقدر مطابقته للأول وباطلاً بقدر مخالفته له. وما يترتب عليه من نتائج يكون بقدر تلك الموافقة أو المخالفة.
هذا الدين هو المشار إليه في مثل قوله ـ تعالى ـ:
﴿إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] .
﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣] .
وأما الدين بالمعنى الثاني فهو أيضاً أنواع:
نوع هو الممارسة البشرية للدين الحق المنزل من السماء، وهو المشار إليه في مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٤] .
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] .
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
[النساء: ١٢٥] .
المثل الأعلى لهذا الدين هو ما كان يدين به الرسول ﷺ الذي كانت حياته المباركة ـ بأبي هو وأمي ـ كلها ترجمة عملية للدين الحق. مَنْ غير الرسول ﷺ يمكن أن يقال عنه: (كان خلقه القرآن) ؟ الرسول هو الذي شهد الله له بأنه على صراط مستقيم، وأنه يهدي إلى صراط مستقيم، وأن من أطاعه اهتدى، ومن عصاه غوى.
وأما غيره ﷺ فيقتربون من هذا المثل الأعلى، ويبتعدون بقدر ما آتاهم الله من علم بالدين الحق، وصدق في القصد. وقد يؤدي الجهل ببعضهم إلى أن يتركوا من الدين جزئيات لا يعلمون أنها منه، أو لا يقوون على ممارستها، وقد يزيدون عليه جزئيات يظنون أنها منه، لكنه نقصان وزيادة لا تخرجهم عن أصل الدين، أو تجعلهم من الكفار أو المبتدعين. والمثل الأعلى لهؤلاء هم أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم من سار على نهجهم، واستن بسنتهم من أئمة أهل السنة والجماعة.
ونوع هو خليط من الدين الحق والدين الباطل: ولعله هو المشار إليه في مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤] .
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] .
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] .
هؤلاء أقوام ينتسبون إلى كتب الله المنزلة، إلى الدين الحق، لكنهم يزيدون عليه أموراً من اختراعهم أو اختراع غيرهم. فإذا كانت من النوع الذي ينقض ما جاءت به رسل الله أخرجتهم عن الدين الحق مهما كان القدر الذي استمسكوا به منه. يدخل في هذا النوع اليهود والنصارى الذين كذبوا رسول الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، ونسبوا إلى الله الولد، وغير ذلك. ولكن يدخل فيه أيضاً كل من انتسب إلى الإسلام، وسلك مسلكهم باعتقادات، أو أعمال هي من نواقض الإيمان.
ونوع من الدين لا علاقة له بالدين المنزل من السماء البتة، وإنما هو من اختراع الناس، وهو المشار إليه في مثل قوله ـ تعالى ـ:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] .
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾
[الشورى: ٢١] .
يدخل في هذا أديان المشركين من العرب، كما يدخل فيه من أهل زماننا أصحاب كل ما يسمى بالأيديولوجيات التي هي من اختراع البشر كالشيوعية والعلمانية. ولا تستغربن تسميتنا لها بالدين؛ لأن الدين في لغة العرب وحكم القرآن هو كل منهاج للحياة يجعله الإنسان ديدناً له مهما كان نوعه.
ما الذي نستفيده ـ نحن المسلمين ـ في عصرنا هذا من التمييز بين الدين المنزل من السماء، والدين الذي نمارسه في واقعنا ونسميه إسلاماً؟
مما نستفيده أولاً: إدراك صحيح لمفهوم تجديد الدين، فندرك أن الدين الذي يجدَّد هو الدين الذي نمارسه لا الدين الذي أنزله الله تعالى؛ لأن الدين الذي يَبلى ويحتاج إلى تجديد هو الدين الممارَس في الواقع لا الدين المنزل من السماء. وتجديد الدين الممارَس إنما يكون بجعله ـ بقدر اجتهاد المجتهدين وقبول المخاطَبين ـ موافقاً للدين الحق المنزل من السماء. لكن بعض الناس في زماننا يجنحون إلى عكس ذلك تماماً، فيحرِّفون الدين المنزل من السماء ليوافق ممارسات المسلمين، بل وممارسات الكافرين؛ بحجة جعل الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان. ينسى هؤلاء أن ما يميز الإسلام المنزل من السماء هو صلاحيته كما هو لكل زمان ومكان. ولو أن هذه الصلاحية كانت لا تتأتى إلا بزيادة عليه ونقصان منه لما كان له فضل على غيره من مذاهب الحياة والأديان؛ لأن كل دين وكل مذهب في الحياة يمكن أن يغير فيه، ويبدل لكي يكون موافقاً للأهواء الشائعة في عصر من العصور. فالدين الحق صالح لكل زمان ومكان لا بمعنى موافقته لما يشيع في العصر من أهواء، بل لموافقته لما يُصلِح الإنسان ـ من حيث هو إنسان ـ في كل زمان ومكان؛ لأنه وإن كان قد نزل على رسول الله في زمان معين ومكان معين إلا أنه ليس مرتبطاً بذلك الزمان وذلك المكان. كيف لا، والرسول النبي الخاتم ﷺ إنما أرسل للناس كافة رحمة للعالمين؟
ومما نستفيده ثانياً: أن نحلل واقعنا تحليلاً صحيحاً، نعزو به النتائج إلى أسبابها الحقيقية المتمثلة في الدين الواقعي الذي تدين به مجتمعاتنا، بكل ما فيه من شرك وبدع وانحرافات، فلا نبني هذه التحليلات على افتراض أن ما تدين به هذه المجتمعات مطابق للدين الذي أنزله الله؛ لأنها تسمى بالمجتمعات الإسلامية. هنا أيضاً ضل بعض الناس بسبب هذا الافتراض سواء كان عن جهل أو عن غرض، فصاروا ينسبون إلى الدين الحق كل ما تعانيه الأمة من أمراض في التخلف الاقتصادي والصناعي، بل والفكري. قاد هذا التحليل المضلل جماعة من المفكرين الغربيين، ثم تبعهم فيه جماعة من المقلدين لهم من أبناء العالم الإسلامي.
إليك مثلاً ما قاله بعضهم عن ظاهرة الحكم الاستبدادي وعدم الديمقراطية في العالم العربي.
كتب أحدهم في مجلة تعد من المجلات الفكرية الرصينة عندهم يقول: إن السبب في أن المرشح للرئاسة يجب أن يكون شخصاً واحداً، وأنه يجب أن يحصل على أكثر من تسعين بالمئة من الأصوات هو إيمان المسلمين بمبدأ الإجماع!
وقال آخر إن السبب في عدم معارضة المسلمين للحكام المستبدين هو أن دينهم قائم على فكرة الاستسلام لله!
وقال ثالث: إن السبب في هذا هو أن هنالك علاقة قوية بين الديمقراطية والعلمانية التي تقتضي تقديم العقل على النص، لكن الدين الإسلامي لا مجال فيه لهذا. هذا مع أن فقهاء المسلمين ما زالوا يكررون أنه إذا كان النص صحيحاً فلن يخالف عقلاً حتى نضطر لتقديمه عليه؛ لأن المخالف للحق هو بالضرورة باطل. وكلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
كل هذه التفسيرات بالإضافة إلى سخفها قائمة على افتراض باطل هو أن المسلمين الذين عانوا من ويلات الاستعمار، ويعانون من أمراض التخلف الاقتصادي والتقني، ويرزحون تحت حكم دكتاتوري هم أناس عالمون بدينهم الذي جاء به رسولهم، مخلصون في الاستمساك به، وأن أولئك المستبدين إنما صاروا كذلك؛ لأنهم يعتقدون أن هذا مما يأمرهم به دينهم الذي هم حريصون على تطبيقه في دولهم.
مما نستفيده ثالثاً: أمر يتعلق بتطبيق الشريعة. إن كثيراً من إخواننا الذين نحسبهم صالحين يفترضون في مناداتهم بتطبيق الشريعة أن مجتمعاتهم مجتمعات كاملة في إسلاميتها، وأنه يمكن لذلك أن يطبق عليها كل ما تقتضيه الشريعة من أحكام كما كان الأمر في زمان الخلافة الراشدة. لو كان هذا الافتراض صحيحاً لما زال الحكم الإسلامي أصلاً، ولما اضطررنا للمناداة بالعودة إليه. فعلينا إذن أن نتعاون مع من نحسبه مخلصاً من حكامنا في العودة بنا إلى الالتزام بما أنزل الله تعالى؛ بأن نعترف بأن في الأمة أمراضاً وانحرافات وجهل، فنتدرج في العودة بها إلى الدين الصحيح مقدمين الأهم على المهم. أنا أعلم أن بعض المنافقين اتخذوا من مبدأ التدرج ذريعة إلى الدعوة إلى الإعراض عن الدين. مع أن التدرج ـ كما يدل عليه لفظ الكلمة ـ إنما هو رقي الدرج. فمن وقف بعيداً عن الدرج لا يعد متدرجاً. لا بد إذن من البداية ومن الرقي بحسب حال المجتمع الذي يراد له أن يحكم بشرع الله. فالمجتمعات الإسلامية تختلف اختلافاً كبيراً في قربها وبعدها من الدين الصحيح. فكلما كان المجتمع إلى هذا الحق أقرب كان الرقي به أسهل وأسرع.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 5027
أفق أخضر
د. عبد الكريم بكار
عند التأمل في طبيعة المشكلات التي يعاني منها الناس فإن المرء لا يتردد في القول إن لكل مشكلاتنا الكبرى حلين: حلاً عاماً، وحلاً خاصاً.
الحل العام يحتاج إلى بحوث ودراسات مستفيضة، كما يحتاج إلى أفكار ومفاهيم كبرى ومعقدة. والمساهمات فيه تتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب القدرة والمسؤولية والاختصاص. وهو حل يحتاج إلى وقت طويل؛ لأنه يستدعي تغييرات في البيئة المحيطة. وكثيراً ما تكون مساهمات الدول فيه هي الأساس؛ لأنه قد يستلزم تغييرات في النُّظُم والتشريعات وأولويات الصرف المالي. وهذا الكلام ينطبق على الفقر والمرض والبطالة والجهل والانحطاط الخلقي وتعاظم النزعة المادية وأشياء أخرى من هذا القبيل. وسيكون من المفيد دائماً نشر الوعي العام بهذه المشكلات، وحث الناس على دعم الحل العام، والمساهمة فيه على قدر الوسع والطاقة.
أما الحل الخاص فإنه يحتاج إلى نوع من اليقظة الفردية والشخصية لدى الإنسان المسلم. وأعتقد جازماً أن الحل الخاص كثيراً ما يكون أنجع من الحال العام وأبقى وأكثر إمكانية. إن لدى أفراد الأمة طاقات وإمكانات هائلة، لكن لعدد من الأسباب لا تتم الاستفادة منها، وإن هناك ارتباكاً عاماً في استثمارها وتوظيفها وإدارتها. خذ على سبيل المثال مشكلة (البطالة) هذه المشكلة يسهم فيها الأفراد أكثر من أي جهة أخرى، وحلها يحتاج أيضاً إلى مساهمات فردية قوية وبنّاءة. إن المرارات الموجودة في الواقع الإسلامي هي في معظمها من صنع المسلمين، أو هي المحصول النهائي لأعمالهم ومواقفهم وعلاقاتهم، وإن التخلص منها متوقف على تغيير سلوكيات أولئك الذين أوجدوها، وما زالوا يساعدون على استمرارها. إن من المهم أن ندرك أننا لا نستطيع أن نبني أمة أقوى من مجموع أفرادها، وإن الفرد الذي لا يؤهل نفسه، ولا ينظم شأنه الخاص، ولا يتلقى ما يكفي من التعليم والتدريب إن ذلك الفرد يسهم في تفاقم أزمة البطالة عوضاً عن أن يساعد على حلها.
سوف تختلف أشياء كثيرة في حياتنا، بل قد تتغير ملامح الوجود الإسلامي كله إذا تصرفنا وفق المفاهيم والمبادئ الآتية:
١ - كل مسلم يخفق في حل مشكلاته الخاصة يتحول هو نفسه إلى مشكل اجتماعي، ويصبح عبئاً على غيره.
٢ - أي تحسّن يطرأ على حياة أي مسلم ينعكس في النهاية إيجاباً على باقي أفراد الأمة، أو المجتمع بصورة من الصور.
٣ - مشكلة المسلمين الأساسية مع الممكن، وليست مع المستحيل.
٤ - تركيز العمل دائماً ضمن دائرة التأثير، وتقليل اللغو فيما هو داخل دائرة الاهتمام.
٥ - إذا عملنا ما هو ممكن اليوم صار ما هو مستحيل اليوم ممكناً غداً.
٦ - لا نجاح لأي حل عام إلا بمساندة الحلول الخاصة.
٧ - العمل وفق قول الله ـ تعالى ـ: ﴿لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] .
والله الموفق.
стр. 5028
الحفاظ على المكتسبات
محمد بن عبد الله الدويش
ثمة مكاسب عدة للدعاة تزيد من فرص تأثيرهم في الميدان الدعوي، هذه المكاسب تتمثل في مؤسسات رسمية أو تطوعية، وهذه المؤسسات تتيح قدراً أوسع في ممارسة الأنشطة الاجتماعية والإغاثية والدعوية.
وحين يمنحنا المجتمع هذه المؤسسات، ويثق في قيادتنا لها فينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن رؤية المجتمع وتطلعه لهذه المؤسسات قد تختلف عن رؤيتنا لها، والغالب أن هذا الاختلاف لا يصل إلى حد التناقض والتضاد؛ فهناك مساحات واسعة من الاشتراك والالتقاء، وهناك مساحات أخرى تمثل دائرة الاختلاف، والأخيرة قد يكون الحق في أجزاء منها مع غيرنا.
وحين تتاح لنا المشاركة في هذه المؤسسات فلا ينبغي أن نتجاهل ما يطلبه وينتظره منا المجتمع ونعتقد أننا وحدنا الذين نصنع الرؤية لها، أو نتعامل معها كما نتعامل مع أي مؤسسة شخصية.
إن من حق المجتمع أن يحاسبنا، وأن يراجع مساحة الثقة التي يمنحنا إياها بناء على أدائنا.
ولو اتسع أفقنا فسنرى أن كثيراً من تطلعات مجتمعاتنا تطلعات مشروعة، وأن من واجبنا الإسهام في تحقيقها والسعي في بناء مجتمعاتنا، دون أن نحصر مشروعنا الإصلاحي في الخطاب الوعظي والدعوي المباشر.
إن الإسهام في الارتقاء بمستوى التعليم في المجتمع، والمشروعات التي تستهدف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتي تسعى للارتقاء بمستوى الخدمات العامة في المجتمع، ومشروعات النفع العام ... كل ذلك جزء من إسهامنا الدعوي.
فلئن كانت إعانة الرجل وحمله على دابته، أو رفع متاعه عليها، لئن كان ذلك صدقة فمن باب أوْلى الإسهام في مشروعات ودراسات تحل أزمات النقل التي يعاني منها الناس، وتستهلك أوقاتهم، وترفع مستوى القلق لديهم.
ولئن كان تفريج كربة المسلم عبادة، فكيف بتفريج كربة قرية أو مجتمع؟ وليس ذلك بالضرورة حكراً على مشروعات إغاثية وصدقات وإن كانت مما يدخل فيه.
إن اتساع أفقنا في مشروعنا الإصلاحي سيدعونا لإعادة النظر في التعامل مع كثير من المؤسسات والمشروعات التربوية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية.
وقد تكون لتلك المكاسب مواقع أو مسؤوليات تتيح لأصحابها توظيف قدر من إمكاناتها في الإصلاح والدعوة.
إن هذا يتطلب منا قدراً من الواقعية والحكمة في التعامل مع هذه المؤسسات والمواقع، وقد نضطر للانحناء للعاصفة، أو تحمُّل مفاسد مقابل درء ما هو أكبر، أو تفويت مصالح مقابل الإبقاء على ما هو أعظم منها.
وهذا النمط من التعامل لا يعيه أولئك الذين لا يفرقون بين الصورة النظرية التي يرسمونها وبين الواقع الذي يفرض التعامل معه قدراً من التنازل حين يكون البديل أسوأ حالاً، أو أولئك الذين لا يجيدون التوازن، فيصرون على مصالح تفقدهم ما هو أعظم منها، أو يتورعون عن ارتكاب مفاسد فيقعون فيما هو أعظم، أو أولئك الذين يصرون على تحويل كل مجال ومؤسسة وموقع إلى منبر دعوي مباشر مختزلين بذلك مجالات العمل الدعوي.
стр. 5029
دور الخطباء في الارتقاء بخطبة الجمعة
التحرير
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
خطبة الجمعة لها مكانة عظيمة في الإسلام كشف عنها أمر الله لعباده المؤمنين بالسعي إليها وترك أمور الدنيا لأجلها، كما سميت سورة من سور القرآن باسمها، وقد حث رسول الله ﷺ على التبكير بالذهاب إليها وبين فضل ذلك، حتى إنه يُندَب أن يذهب الناس إلى المسجد قبل موعد النداء لها بوقت كبير، ولأهمية الارتقاء بخطبة الجمعة، وضرورة استثمارها الاستثمار الأمثل في بناء الوعي وتعليم الناس، يسعدنا في مجلة البيان أن نستضيف خطباء فضلاء لهم باع مشكور محمود في الخطابة، وهم:
فضيلة الدكتور سليمان بن حمد العودة: أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة القصيم.
فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله الخضيري: أستاذ العقيدة الإسلامية في جامعة القصيم.
فضيلة الدكتور صالح بن عبد العزيز التويجري: أستاذ العقيدة الإسلامية في جامعة القصيم.
فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل: المحاضر في قسم السنة في جامعة القصيم.
` دواعي العناية والاهتمام بخطبة الجمعة:
البيان: نرحب بضيوفنا الكرام، ونستهل ندوتنا بالحديث عن الأسباب التي دعت إلى العناية الشديدة بخطبة الجمعة.
- الدكتور سليمان العودة: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين. الجمعة ابتداءً فضلٌ من الله ـ تعالى ـ على هذه الأمة، ضلت عنه الأمم الأخرى وهدى الله إليه هذه الأمة، وإذا قيل في تعريف الخطبة بشكل عام: «إنها فن مخاطبة الجماهير بطريقة إلقائية تشتمل على الإقناع، والاستمالة» ؛ فخطبة الجمعة أكثر من ذلك. تستقي خطبة الجمعة أهميتها من الجمعة ذاتها التي دعا الله ـ تعالى ـ المؤمنين إليها وسمى سورة في القرآن باسمها. خطبة الجمعة درس أسبوعي يزيد في الإيمان، ويهذب الأخلاق، ويهدي لأحسن الآداب، ويحذر من منكرات الأخلاق والأعمال، إنها حلقة من حلقات وعي الأمة، بل هي أحد المؤشرات لوعيها. هي وسيلة هامة في الدعوة، ولغة راقية في البلاغ والإنذار. والخطيب ليس مجرد موظف بل صاحب رسالة عظيمة، والخطبة ليست سداً للفراغ، ولا حديثاً يلقى كيفما اتفق، بل هي أمانة ومسؤولية ينبغي أن يتصدر لها أولو العزم من الرجال، وأن يصبروا ويصابروا على لأوائها، ويتحملوا مسؤوليتها. الخطبة وعاء نظيف لحمل هموم الأمة ولطرح قضاياها، بل وللتبصير بالمخارج من أزماتها. الخطيب مؤتمن على التبصير والتفاعل والمساهمة، المساهمة الفعالة في رسم الداء وتشخيص العلاج. إن خطبة الجمعة رسالة تستحق العناية والاهتمام، هي تقوى بقوة الخطيب، ويضعفها ضعفه أو قلة اهتمامه، ولو أردنا أن نأتي على بعض المظاهر لأهمية هذه الخطبة أو الأسباب التي تدعو إلى الاهتمام بها لذكرنا الأمور التالية:
أولاً: أن الناس مُلزَمون شرعاً بالسكوت، والاستماع إلى الخطيب، «ومن مسَّ الحصى فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له» .
ثانياً: أنه: يجتمع للخطيب قطاع عريض من الناس لا يتوافر مثلهم في غير خطبة الجمعة، يوجد فيهم الغني والفقير، والكبير والصغير، العالم الجليل، الصالح ومن هو دون ذلك. ومن الملاحظ أن جمهور الجمعة يزيد بعكس غيرها من الخطب أو المحاضرات؛ إذ إن الخطيب قد يبدأ بعدد قليل فما هو إلا وقت حتى يزيد العدد، أما غيره من الخطباء فقد يبدأ بعدد جَمٍّ، ثم يبدأ الناس بالتناقص شيئاً فشيئاً.
ثالثاً: من مظاهر أهمية الخطبة أنها في الأسبوع مرة لا تكرر، وليست على مزاج المتحدث، بل هي رهينة بوقت محدد؛ ولذا ينبغي أن يتوفر لها دواعي المصداقية، والإعداد الجيد حتى يقتات الناس عليها إلى الجمعة القادمة.
رابعاً: وينازع الخطبة منابر أخرى تؤثر على الناس في عالم الإعلام والقنوات الفضائية والإنترنت وغير ذلك، وهذا يضاعف من مسؤولية الخطيب ويعاظم من قدر الخطبة.
خامساً: من أسباب أهمية خطبة الجمعة أن عماد الخطبة: (قال الله، قال رسوله ﷺ ) فالخطبة إذن توقيع عن الله، والخطيب متحدث باسم رسول الله ﷺ ، وكل ذلك يؤكد أهمية الخطبة ويعاظم من مسؤولية الخطيب.
سادساً: سؤال يطرح، وهو مؤشر إلى أهمية خطبة الجمعة: كم في السنة من خطبة؟ في السنة بحدود الخمسين. وفي هذا الكمِّ فرصة للتعليم وللإرشاد وللتوجيه، ولهذا يعاد السؤال مرة أخرى: كم يوجه الخطيب في خطبة الجمعة لجمهوره من رسالة في السنة؟
سابعاً وأخيراً: الخطبة ثابتة ومستمرة في حال السلم وفي حال الحرب، في حال الأمن وفي حال الخوف، وهذا يعطي خطبة الجمعة أهمية، وأيضاً يؤكد على إفادة الخطيب من كل هذه الأجواء.
` إعداد الخطيب الجيد لموضوع الخطبة:
البيان: شكر الله لكم، ذكر فضيلة الدكتور سليمان أن من جوانب الأهمية في الخطبة الإعداد الجيد لها؛ فكيف يمكن أن توظف الخطبة توظيفاً صحيحاً من خلال الإعداد المناسب لها؟
- الشيخ عبد الرحمن العقيل: إعداد الخطيب أو المتكلم لما يريد أن يتكلم به أمر معهود حتى عند بلغاء الصحابة وأقحاحهم؛ فهذا عمر بن الخطاب ﵁ البليغ المفوَّه يقول كما في صحيح البخاري في قصة البيعة في سقيفة بني ساعدة كما ـ يروي عنه ذلك ابن عباس ﵄: «أردت أن أتكلم، وكنت قد زوَّرت (*) مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر الصديق ﵁» وفي رواية عائشة: قال عمر: «واللهِ! ما أردتُ لذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر» ؛ فهذا دليل على أهمية الإعداد والتهيؤ للخطيب. وللأسف أن الملاحظ على كَمٍّ غير قليل من الخطباء أنهم لا يقيمون للخطبة وزناً، ولا يُعِدُّون لها إعداداً كافياً؛ بعضهم لا يعد للخطبة إلا صبح الجمعة أو قبل دخوله بسويعات، فتأتي الخطبة مهترئة منقوصة غير مؤثرة، وهذا القدر غير الكافي في الإعداد إن كان قليلاً وعلى سبيل الندرة، وبسبب ظرف أو ضرورة فلا لوم على الخطيب فيه؛ لأنه قد لا يسلم من ذلك أحد. أما إن كان ذلك على سبيل الديمومة، وديدن الخطيب فيها عدم الاكتراث بالإعداد، وعادته اقتلاع إحدى الخطب من بعض الدواوين أو مواقع الإنترنت دون النظر في ماهية الخطبة، ومدى مناسبتها لوقتها ولجمهوره فيلقيها من على المنبر من باب الأداء الوظيفي فحسب من غير مراعاة لأحوال الناس ومتطلبات الزمن؛ فهذا في الحقيقة لم يؤد رسالة المنبر على وجهها الذي ينبغي، وإنما اتخذ المنبر عادة أو تكسُّباً.
وينبغي ألا يخالج الخطيب شك في أن إعداد الخطبة وتحضيرها لا يعيب القدرة ولا يشكك في أهلية الخطيب، إنما يعيبها ويشكك فيها الكلام المبتذل الذي لا يزوَّر في النفس ابتداءً، ولا يعد إعداداً كافياً. على الخطيب أن يحترم عقول الناس، ويقدم لهم الجديد والبديع الهادف، وهذا بلا شك لا يتم إلا بالتهيؤ، والاستعداد، واستشعار أن من بين السامعين طبقة ناقدة تتسقط هفواته، وتتتبع سقطاته، وتحصيها عليه إحصاء. من المعين للخطيب في إعداد الخطبة ألا يغيب عن ذهنه أنه حين يعتلي المنبر كالخائض غمار معركة عليه أن يتدرع بدروعها، ويتترس بتروسها، ويلبس لأَمَتها، ويستعد لمواقفها.
إن أول ما ينتظم في سلك الإعداد للخطبة ابتكار الموضوع، وحسن اختياره، ولعل هذا من أشق ما يواجه الخطيب كما يصرح به فحول الخطباء؛ حيث إن بواعث الاختيار متعددة، والظروف متبانية ومختلفة، وحاجات الجمهور كثيرة ومتعددة، ولكن كلما كان الخطيب صادقاً في قصده، جاداً في طرحه، عارفاً بظرف زمانه، مهتماً بجمهوره، فسيحسن الاختيار، وسيقدح زناد فكره بجدية نحو الابتكار.
كما أن حصافة الخطيب وألمعيته ستدله على تقديم ما يستحق التقديم، وتأخير ما حقه التأخير؛ وذلك بالنظر إلى الظروف والمناسبات، والزمان، والجمهور.
ثم بعدما يزمع الخطيب على الموضوع وينتقيه انتقاء جيداً مناسباً لزمانه وظروفه ولجمهوره؛ فلا بد أن يبنيه على أمور ثلاثة:
الأول: المقدمة التي يستهلها الخطيب بعبارات يشد فيها الانتباه، ويهيئ فيها النفوس لأهمية الموضوع.
وللمقدمة أهمية بالغة إذا أحسن فيها الخطيب الدخول إلى قلوب السامعين، وأجاد في طريقة جذبهم واستمالة قلوبهم.
وللخطيب أسوة في افتتاحيات بعض سور القرآن التي تثير في النفس الشوق والرغبة في المتابعة، والتلهف لما سيذكر بعدها. قال أبو هلال العسكري ﵀: «إذا كان الابتداء حسناً بديعاً ومليحاً ورشيقاً كان داعية للاستماع لما يجيء بعده من الكلام، ولهذا المعنى يقول الله : (الم) و (حم) و (كهيعص) فيقرع أسماعهم بشيء بديع ليس لهم بمثله عهد ليكون ذلك داعية لهم إلى الاستماع لما بعده»
ثانياً: الموضوع، وهو مقصود الخطبة الأعظم. والأجمل للخطيب أن يدخل إليه دخولاً متدرجاً، بحيث يتناوله تناولاً غير مباشر ليأخذ السامعين بتسلسل منطقي، ويصل إلى مبتغاه بعد ذلك بعرض شامل واف، فيعطي الموضوع حقه، ويستوفي أجزاءه.
واستيفاء الموضوع واكتمال عناصره من مهمات الخطيب التي قد يشرد الذهن عنها حين الإعداد للخطبة، وقد امتدح حسان ﵁ ابن عباس ﵄ في هذه الصفة حين قال:
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل
بملتقطات لا ترى بينها فضلا
كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع
لذي إربة في القول جدّاً ولا هزلا
ثم إن من الأسس الهامة لعرض الموضوع، والتي لا بد من العناية بها عند الإعداد تدعيمه بالأدلة، والحجج والبراهين، والشواهد، وهي عادة ما تكون من الكتاب والسنة، ومن أقوال السلف، وأيضاً إيراد بعض الوقائع والأحداث التي يستلهم منها الدروس والعبر، ولا بأس من الاستفادة في هذا المضمار ممن ألَّف في الخطب، والاستفادة أيضاً من الصحف، ومن المجلات، والشبكات العنكبوتية، ونحو ذلك مما يمكن أن يستفيد منه. وبخصوص الموضوعات الاجتماعية لا بد للخطيب فيها من معرفة واقع الناس، والقرب منهم، ومعرفة أحوالهم عن كثب كي يتحدث الخطيب عن هذه الجوانب ببصيرة ودراية واطلاع.
ثالثاً: في خاتمة المطاف بعد أن يفرغ الخطيب من عرض موضوعه، وسَوْق أدلته، وضرب أمثلته يحسن أن ينهي خطبته بخاتمة مناسبة تجمع شتات أفكاره وتلخص موضوعه بعبارات قوية موجزة، وبطريقة مختصرة مؤثرة مقنعة؛ لأنها آخر ما يطرق سمع السامع، وكأنه يُشعر جمهوره في هذه الخاتمة بأنه انتهى إلى رأي لا يقبل الجدل ولا يحتمل النظر.
` وسائل معينة لإعداد الخطبة:
البيان: لكن هل ترى أن الإعداد للخطبة هو مهمة الخطيب وحده فقط، أم أنه ينبغي له أن يستعين بغيره من أهل الفضل والعلم ممن يحضرون عنده في مسجده، ويستعين بغيره من الخطباء والدعاة؛ بحيث يكون الإعداد إعداداً جاداً يستوفي فيه الخطيب الوسائل المتعددة المتاحة بين يديه حتى يكون إعداده بإذن الله ـ تعالى ـ في أفضل صورة؟
- الشيخ عبد الرحمن العقيل: بلا شك أن الأجود والأكمل للخطيب أن يستفيد من كل أحد يمكن الاستفادة منه، وإذا رأى عنده نقصاً في جانب من الجوانب فلا بأس أن يستفيد من غيره ليكمل هذا النقص؛ فمثلاً إذا كان عنده ضعف في العربية؛ فلا بأس أن يرجع إلى من هو أجود منه وأحسن في هذه الناحية، ويمكن أن يعينه على إصلاح الأخطاء النحوية لكي يلقي الخطبة بجدارة وقوة.
الدكتور سليمان العودة: من مهارة الخطيب أن يستفيد من الآخرين، لكن الشيء الآخر الذي ينبغي أن ينبه إليه أن منبر الجمعة في الحقيقة ليس ملكاً للخطيب، ولذلك فهو مسؤولية طالب العلم، مسؤولية المثقفين المتميزين في ثقافتهم، مسؤولية كل غيور، على الأقل أن يقترح موضوعاً، أن يرشد إلى عنصر، وهذه ـ مع كل أسف ـ المساهمة فيها قليلة وهي من سلبيات الآخرين، ومن ثم ينبغي ـ في الحقيقة ـ أن يسهموا في اقتراح في معاونة الخطيب؛ لأن المنبر ـ كما قلت ـ ليس ملكاً للخطيب وحده.
` ما ينبغي أن تتضمنه خطبة الجمعة:
البيان: في بعض الأحيان قد يريد الخطيب أن يتحدث في مسألة سياسية أو في مسألة اقتصادية أو اجتماعية، وليس من واجب الخطيب أن يكون ملماً بكل هذه العلوم والموضوعات المختلفة، لكن الناس في حاجة إليها، وهذا يتطلب أن يستعين الخطيب بالسياسي، وبالاقتصادي والاجتماعي، وبالفقيه ونحو ذلك؛ بحيث يستطيع أن يعالج حاجات الناس بإتقان وإحكام قدر الإمكان.
ننتقل الآن إلى مضمون الخطبة مع فضيلة الشيخ محمد الخضيري:
البيان: ما تحدث به المشايخ الفضلاء يؤكد أن الإعداد إنما يكون ناجحاً إذا حققت الخطبة أهدافها؛ فلو تحدث فضيلتكم عن مضمون الخطبة؟
- الدكتور محمد الخضيري: نعم! مضمون الخطبة هو الجانب الأهم فيها. هو الذي عليه مدار إصلاح القلوب، والأعمال، والأخلاق، والسلوك؛ تثبيتاً للصواب وتكثيراً له، وتحذيراً من الخطأ وتقليلاً له. وفي هذه القضية عدة معالم وأسس تنطلق منها الخطبة الهادفة وترتكز عليها، وهي ست قضايا أو معالم:
القضية الأولى: تقرير الأصول: فلا بد أن يكون عامة مضمون الخطبة تقرير الأصول والأركان؛ حيث يكون للخطيب عناية خاصة بمسائل الإيمان والعقيدة، ولا يأنف من ذكرها والتأكيد عليها بين الفينة والأخرى، ولا يستبد به الولع بالمستجدات أياً كانت، فيستغرق فيها كثيراً ويهمل تلك الجوانب العظيمة.
ولربما تركها أو تساهل فيها بعض الخطباء اعتماداً على سبق معرفة المستمعين لها أو دراستهم إياها، وهذا على فرض ثبوته فإن لغة الخطيب، وقدسية المكان، وعبودية الاستماع تختلف عن لغة التعليم والدراسة فهماً وتأثراً وتطبيقاً، إضافة إلى أن في المستمعين ـ ربما ـ من لم يتعلم في التعليم النظامي، أو تعلم ولكن هذه القضايا ليست من ضمن فقرات ومفردات المنهج، ولهذا كانت خطبة النبي ﷺ مشتملة على هذه القضايا الأساسية كما حكى ذلك ابن القيم ﵀ بقوله: «كانت خطبة النبي ﷺ إنما هي تقرير لأصول الإيمان: من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خطبه إيماناً وتوحيداً» .
ويؤكد ابن القيم في خطبته ﷺ وخطبة الصحابة على دور هذا المضمون في تقريب السامعين إلى الله وتحبيبهم إليه، يقول: «ومن تأمل خطب النبي ﷺ ، وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى، والتوحيد، وذكر صفات الرب ﷻ ، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون ـ أي الخطباء ـ من عظمة الله وصفاته ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون بطاعته وذكره وشكره وما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم» .
القضية الثانية: التنويع في مضمون الخطبة: الخطبة النافعة الناجحة هي التي ينوع الخطيب في موضوعاتها، كل خطبة بما يناسب مقامها وظروفها الزمانية والمكانية؛ بحيث لا يكرر ولا يعيد، بل يرسم لنفسه خطاً بيانياً علمياً يحاول أن يأتي عليه جميعاً في فترة معينة يحددها؛ بحيث إن المستمع الذي لا يكاد يفارق هذا الخطيب وهذا الجامع يطمئن إلى أنه استوعب واستمع إلى جميع ما يحتاجه في أمور دينه ودنياه وأخراه، ولم يفته شيء من ذلك، وقد يعيد بعض الموضوعات التي تتأكد الحاجة إليها، ولكن بأسلوب مغاير وعرض مختلف.
وتهيئة الخطيب نفسه على تنويع الموضوعات حسب ما تقتضيه المناسبات أو الظروف والأزمات يقضي على الرتابة عنده والتكرار الذي ربما لا يحس به، كمن يأسره مثلاً موضوع معين أو أكثر، أو تخصص معين، فتجده أبداً لا ينفك عن طرحه في خطبه إلا قليلاً، وكان سيد الخطباء ﷺ يراعي مقتضى الحال في خطبه، ولهذا يذكر عنه ابن القيم ﵀ كما في الزاد، يقول: «وكان ﷺ يخطب في كل وقت بما تقضيه حاجة المخاطَبين ومصلحتهم» .
ومن هنا فإن على الخطيب أن يتناول في خطبه القضايا الإيمانية والعبادية والمعاملات والأخلاق وما يتعلق بالأحداث أو المناسبات.
القضية الثالثة: العلمية: فالخطبة الناجحة المؤثرة هي التي يعتمد الخطيب في موضوعها على التأصيل العلمي؛ لأنه يتحدث من منبر شرعي يحضره الناس لتلقي الطرح الشرعي المؤصل، وليس المنبر موقعاً خاصاً أو ديوانية أو وسيلة إعلامية تنسب للشخص ذاته. على الخطيب أن يتقي الله فيما يطرح، ولا يخوض في القضايا بغير تأصيل وعلم وسبق تحرٍّ وبحث، وألا يكون طرحه للقضايا المهمة مبنياً على وجهة نظر شخصية عارية عن التنقيح أو التحقيق، ومهما بلغ الخطيب فصاحة وبلاغة وثقافة فلا يغنيه ذلك عن التأصيل العلمي والرجوع إلى المحكمات دون المشتبهات، وإلى اليقينيات دون الظنيات، وإلى ما تثبَّت منه دون ما ظنه واشتبه عليه. يقول أحد السلف: «من أُعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل» .
وأعجبني بهذه المناسبة كلام للشيخ علي الطنطاوي ﵀ وهو يتحدث عن عيوب الخطبة في زمانه حيث يقول: «ومن أعظم عيوب الخطبة في أيامنا أن الخطيب ينسى أنه يقوم مقام النبي ﷺ ، ويتكلم بلسان الشرع، وأن عليه أن يبين حكم الله فقط لا آراءه هو أو خطرات ذهنه ... » إلى أن يقول: «ومن الخطباء من يأتي بأحكام غير محققة ولا مسلَّمة عند أهل العلم يفتي بها على المنبر ويأمر الناس بها، ولو اقتصر على المسائل المتفق عليها فأمر بها العامة، وترك الخلافيات لمجالس العلماء لكان أحسن» .
القضية الرابعة: تتعلق بمضمون الخطبة الاستدلالية؛ فالخطبة المؤثرة هي التي يزينها الخطيب بكثرة الأدلة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ليربط السامعين بمصادر التلقي الشرعية أولاً، وليثبت القضية المطروحة ثانياً.
ويحسن أن يكون الاستدلال بعد عرض المسألة وطرحها لتتهيأ النفوس لسماع ما يثبت ذلك من آية أو حديث؛ فإذا سمعته بعد ذلك وعته وعقلته وأحسنت ربط القضية بدليلها كما فعل الخطيب. والدليل القرآني هو وشاح الخطبة وحِلْية الموعظة، ومهما كانت بلاغة الخطيب إذا عريت خطبته عن كثرة الاستدلال ضعفت ووهنت. يقول عمران بن حطان: «خطبت عند زياد خطبة عصماء، ظننت أني لم أقصر فيها عن غاية، ولم أدع لقائل أن يقول علة، فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخاً يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن» . وفي قضية الاستدلال يجب على الخطيب أن يتحرى الأحاديث التي يلقيها في خطبه، فيتقي الله أن يأتي بأحاديث موضوعة أو منكرة أو ضعيفة، أو يتبع فيها غيره ممن يتساهل من مؤلفي دواوين الخطب القديمة أو الحديثة. ووسائل التخريج وتمييز الصحيح من غيره أصبحت متيسرة جداً بحمد الله بأكثر من طريقه وأسلوب.
البيان: هل يدخل في الاستدلال ـ فضيلةَ الشيخ ـ الاعتماد على الأدلة العلمية الأخرى كالإحصاءات الموثقة، والشواهد المعاصرة والوثائق العلمية المتاحة الآن في توظيف النتيجة التي يريد أن يصل الخطيب إليها؟!
- الدكتور محمد الخضيري: نعم! هذا صحيح؛ لأن مفهوم الاستدلال العلمي يشمل ذلك، ولهذا فإن استخدام لغة الأرقام غاية في الأهمية، وإثبات للمعلومات، وهي متوفرة في كثير من مراكز الدراسات والمراجع العلمية ومن المواقع العنكبوتية. إذن لا عذر في التقاعس والتقصير في إثبات الاستدلال أياً كان.
لكن اسمح لي أن أعود إلى القضية الخامسة في المضمون: وهي الوعظية: لا بد من اشتمال الخطبة الناجحة على عنصر الوعظ كما كان هدي النبي ﷺ ، وليس الوعظ قسيماً للعلم، أو مقابلاً له كما قد يتصور الكثيرون ممن يقصرون معنى الوعظ على الجانب التخويفي أو الترغيبي فقط، وهذا فهم قاصر؛ إذ الوعظ في اصطلاح القرآن أعم من مجرد الترغيب والترهيب، ولهذا جاء وصف القرآن كله بأنه موعظة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] ، وفي الأحكام قال ـ تعالى ـ: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] . من هنا يتضح أن الموعظة وعاء ومركب وقالب لجميع الموضوعات الإيمانية أو العبادية أو الأخلاقية أو الاجتماعية؛ فلا تكون الخطبة مجرد عرض بارد أو تقرير هادئ أو أخبار مسرودة، وإنما لا بد أن تساق بسياق وعظي من ندب للفعل إن كان الموضوع علمياً، والتحذير منه إن كان يتعلق بمحرم ومعصية، والتحفيز على ما وراء الخبر إن كان الموضوع خبراً وقصصاً قرآنياً، وقد كان النبي ﷺ إذا خطب احمرَّ وجهه، وعلا صوته كأنه منذر جيش يقول: «صبَّحكم ومسَّاكم» ، وهكذا مفهوم اللغة الوعظية في الخطبة لا يُتصور أن ينفصل عنها أي مضمون.
القضية الأخيرة وهي السادسة: الاستباقية: لا بد لكي تكون الخطبة ناجحة ومؤثرة أيضاً أن تناقش إضافة إلى القضايا الحاضرة الراهنة وما يحتاجه المسلمون في كافة أمورهم ومسائلهم أن تناقش أيضاً القضايا التي يتوقع وقوعها وحدوثها، أو الأحداث والفتن التي يُخشى وقوعها؛ وذلك توضيحاً لأحكامها إن كانت مناسبات ومواسم، أو تحذيراً من أسبابها إن كانت مصائب وفتناً ومنكرات.
وهنا قاعدة شرعية تقول: (الدفع أوْلى من الرفع) ؛ لأن مدافعة الشيء قبل وقوعه تكون من حيث السهولة وقلة المؤونة وضآلة المفسدة ما لا تكون بعد وقوع الشيء ورجحان مفسدته. وإذا تأملنا بعض خطب النبي ﷺ وجدناها على هذا النسق في مثل قوله ﷺ : «ويل للعرب من شر قد اقترب» هذا بيان استباقي قبل أن يقع، وقوله ِ- ﷺ : «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، وقوله: «والله! ما الفقر أخشى عليكم» ، وقوله: «إن بين يدي الساعة سنوات خدَّاعات» إلى آخر هذا النوع من حديثه ﷺ التي يبين فيها شيئاً مما سيكون، فيأخذ المسلمون أُهبتهم لذلك.
` أسلوب الخطيب الناجح والمؤثر:
البيان: ما ذكره فضيلة الشيخ يؤكد أن المضمون هو لب الخطبة، لكن أيضاً طريقة عرض هذا المضمون وأسلوب الخطيب له تأثير كبير جداً في إيصال هذه الرسالة للمستمعين؛ فلعلكم فضيلةَ الشيخ عبد الرحمن تحدثنا عن أهمية العناية بأسلوب الخطبة.
- الشيخ عبد الرحمن العقل: كما أنه ليس كل من تطبب يعد طبيباً؛ فكذلك ليس كل من تصدر للخطابة يعد خطيباً؛ إذ إن الخطابة تفتقر إلى أمور من أجلِّها اللسان المعبر والأسلوب المؤثر. إن الأسلوب إذا كان أخاذاً ومؤثراً يعتبر كالسلطان المهيمن على العقل؛ فهو نهار لا يمحوه ليل، وأثر لا يزيله دليل. الأسلوب المؤثِّر المقنع ألفاظ وجمل بليغة ينطق بها الخطيب، فتمتد الأعناق له احتراماً ... ألفاظ يتفوه بها لا تكاد تخرج من فيه حتى تعلو الهيبة وجوه السامعين من شدة وقع الألفاظ على قلوبهم. أسلوب الخطابة المؤثر ألفاظ وعبارات تثير في النفوس صوراً من المعاني ليس لها حد ولا انحصار، تحرك في القلوب المكامن والأسرار. إذا كان هذا هو بعض أثر الأسلوب وتأثيره؛ فكيف يكون تأثير المعنى المحكَم إذا كُسِيَ بقالب جميل، وألقي بلفظ منسجم أخاذ يترك في النفوس أشياء وأشياء. ذكر بعض أهل العلم أن ابن عباس ﵄ خطب بمكة وعثمانُ ﵁ محاصَر خطبة لو شهدتها الترك والديلم لأسلمتا؛ وذلك لقوة أثرها ولروعة أسلوبها.
والأسلوب الخطابي المؤثر هو ما اجتمع فيه ثلاث خلال:
الأولى: الوضوح وعدم الغموض، بألفاظ منتقاة في غير إغراب، وببيان سهل ممتنع يفهمه الدهماء ولا يجفو عنه الأكفاء. الكلمات في الأسلوب الخطابي ينبغي ألا يتعثر اللسان في إبرازها، ولا تتزاحم حروفها، فلا تتقارب مخارجها ولا تتباعد. وأما السجع فلا يحمل منه إلا ما لم يكن متكلَّفاً، وكان قصير الفقرات، خفيفاً على السمع، يحرك المشاعر بحسن جرسه، والألفاظ فيه تابعة للمعنى، وليس المعنى تابعاً للألفاظ؛ ذلك أن السجع حلية، والحلية لا تحقق غرضها في الجمال ما لم تكن قليلة غير متكلفة، حسنة التوزيع، تبرز المحاسن ولا تغطيها، وتظهر المعاني ولا تخفيها.
الثانية: مراعاة اللغة العربية ومجانبة اللحن: فينبغي للخطيب أن يعتني عناية تامة باللغة العربية، فينطق بلغة عربية صحيحة فصيحة؛ إذ اللحن يُفسد المعنى، ويقلب المقصود أحياناً، وإذا فسد المعنى أو التبس ذهب رونق الخطبة وبهاؤها وحسن موقعها، وقد كان السلف والأئمة يعيبون اللحن من طالب العلم والخطيب والمتحدث. قال ابن شبرمة: «إن الرجل ليتكلم فيلحن فكأن عليه أسمالاً (وهي الثياب البالية) » ثم قال: «إن أحببت أن يصغر في عينك الكبير، ويكبر في عينك الصغير فتعلم النحو» .
الثالثة: أن يشتمل على تحريك المشاعر، وهز الوجدان، وإثارة الشعور، وإذا فقدت الخطابة هذا العنصر فإنها تفقد أكبر خصائصها، ولا شك أن الهدف الأجَلَّ من الخطبة التأثير في السامعين تأثيراً إيجابياً يقودهم إلى تصحيح مفهوم، أو مبادرة بعمل، أو إقناع برأي، وهذا لا يتم إلا بتوافر صفة التأثير التي تعتمد كثيراً على ما لدى الخطيب من ثروة لغوية ثرَّة، وعلى قدرته على تنويع الأساليب، واختيار الألفاظ التي تثير خيال النفس، وتحرك الوجدان: «ويكون ذلك بأن يأخذ الخطيب سامعيه بالكلمات الساحرة، والصوت العذب المتردد انخفاضاً وارتفاعاً وإثارة وهدوءاً، وبالتفنن في التعبير، والمغايرة في التصوير، بالتقرير مرة، وبالاستفهام أخرى، وبالاستنكار ثالثة، والتهكم رابعة، وهكذا، وهذا التنويع في الأسلوب والتصوير من أروع وأبدع طرائق التأثير في الجمهور» . ويحسن بالخطيب أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار السامعين وأقدار الظروف والأحوال، فيجعل لكل طبقة كلاماًِ، ولكل حال مقاماً؛ فالحديث إلى طبقة أهل العلم والمتعلمين يختلف عن الحديث إلى العامة، كما أن الحديث إلى المثقفين يختلف عن الحديث إلى الأميين، وأيضاً الكلام في حال الخوف يختلف عنه في حال الأمن، ومخاطبة الثائرين غير مخاطبة الفاترين؛ فالثائر يُقمَع، والفاتر يستثار، وهكذا. ومن حَذَقِ الخطيب وألمعيته أن يدرك أن خطب الحماسة غير خطب التفتير، وحديث الترغيب غير حديث الترهيب، ومن حَذَقِه أيضاً أن يدرك الفرق بين أسلوب التفاؤل وبث الأمل وبين أسلوب التخويف والتقريع، وألا ينصرف وراء نوع منها بسبب إملاءات وظروف معينة. والخطيب البارع المتمرس هو الذي يضع كل نوع في موضعه. وقد عتب ابن القيم ﵀ على نوع من خطباء عصره غلَّبوا أسلوب التخويف والنوْح على الحياة، وقال ﵀: «ليت شعري! أي إيمان حصل بهذا؟ وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟» . وأقول: «إنا لنجد في زماننا هذا قوماً أمعنوا في بث روح اليأس في الناس وقَنّطوهم من صلاح الحال والمآل؛ وهذا بلا شك مخالف لهدي القرآن الذي قال الله ـ تعالى ـ فيه: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] ومخالف لهدي النبي ﷺ الذي كان يبث روح التفاؤل في أحلك الظروف وأقساها. فينبغي للخطيب أن يهتدي بهدي النبي ﷺ في خطبه. وقد عقد ابن القيم ﵀ في الزاد فصلاً خاصاً بهدي النبي ﷺ في خطبه يحسن بالخطيب أن يرجع إليه؛ ففيه كلام ماتع جميل. وأشير في نهاية الكلام عن الأسلوب أنه يجمُلُ بالخطيب إذا أراد أن يَنهَى جمهوره عن شيء أو يحاسبهم على شيء ألا يوجه اللوم إليهم مباشرة؛ وإنما ينكر على نفسه تصريحاً وهو يعني السامع تلميحاً، كأن يقول: ما لنا لا نتقي الله؟ ما لنا لا نأمر بالمعروف، ولا ننهى عن المنكر؟ وهكذا. يشير إلى هذا الأسلوب المؤدب قوله ـ تعالى ـ عن الرجل الذي دعا قومه إلى الإيمان بالله ـ: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢] ؛ فإنه أراد تقريع المخاطبين؛ إذ أعرضوا عن عبادة خالقهم، وعكفوا على عبادة ما لا يغني عنهم شيئاً، فأورد الكلام في صورة الإنكار على نفسه تلطفاً في الخطاب، وإظهاراً لصدق النصيحة؛ حيث اختار لهم ما اختار لنفسه.
- الدكتور سليمان العودة: مما يؤكد أهمية الأسلوب أنك ترى تفاوتاً في خطبتين موضوعهما واحد لشخصين مختلفين، وقد يكون الاستدلال واحداً. يعني: استخدام النصوص، أو إيراد النصوص واحد؛ لكن كيفية استخدام، أو طرح، أو أسلوب الخطبة يفاوت بين هذه الخطبة وتلك، وهذا يؤكد ـ في الحقيقة ـ أهمية الأسلوب.
البيان: صحيح؛ فأحياناً تجد عند بعض الخطباء الذين يقرؤون من الأوراق أن كلامه ربما يكون متميزاً جداً، والاستدلال عميق، لكنه يَهذّه هذّاً بلا تفاعل ولا حيوية، فيشعر المستمع بالملل. لكن حينما يكون الخطيب مؤثراً في طريقة الأداء، ويخطب بصدق، ويعرف متى يرفع الصوت ومتى يخفضه، فإنه يأسر السامعين، ويكون تأثيره في خطبته أشد من تأثير الإنسان الذي يَهُذّ الكلام هذّاً دون تفاعل معه، ولهذا كان النبي ﷺ إذا خطب كأنه منذر جيش؛ لأنه يتفاعل مع الموضوعات التي يذكرها في خطبته.
- الشيخ عبد الرحمن العقيل: لا شك أن النائحة المستأجَرة ليست كالثكلى؛ فالإنسان الذي اجتهد في الإعداد وأعد خطبة قوية، وبذل وقتاً في إعدادها سيتفاعل معها بلا شك؛ بخلاف من يقرأ من ورقة دون أي استعداد أو جدية؛ فهذا يهذها هذّاً خالية المعنى والتأثير.
` طول الخطبة وقصرها بين الإفراط والتفريط:
البيان: لو ننتقل إلى مدة الخطبة؛ لأن هذه واحدة من القضايا التي يكثر فيها النقاش بين الخاصة والعامة؛ فبعض الخطباء يرى ضرورة الإطالة خاصة في هذا الزمن الذي قلَّت فيه المنابر الدعوية المفيدة، وآخرون يرون أن الأوْلى أن تكون الخطبة قصيرة ومركَّزة؛ فلعلنا نسمع من فضيلة الدكتور صالح شيئاً في هذا الباب.
- الدكتور صالح بن عبد العزيز التويجري: المدة التي تستغرقها الخطبة ـ قصراً وطولاً ـ الناسُ فيها بين إفراط وتفريط وتوسط، هناك التطويل الممل، والتقصير المخلّ؛ وهذا كله خارج عن هدي النبي ﷺ . وفي الحديث الذي رواه عمار كما هو في مسلم قال ﷺ : «إن طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مَئِنة من فقهه» ، وعلى هذا كره الشافعي ﵀ إطالتها، وقال: «أُحب أن يكون كلام الخطيب قصداً بليغاً جامعاً» ، وقال ابن حزم: «لا تجوز إطالة الخطبة» كأنه يميل إلى التحريم.
قال النووي ﵀: «المراد من الحديث: أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة» .
وعند مسلم من حديث جابر بن سمرة: «كنت أصلي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً» .
قال النووي: «أي بين الطول الظاهر، والتخفيف الماحق» .
قال ابن القيم في الزاد: «كان ﷺ يقصر في خطبته أحياناً، ويطيلها أحياناً بحسب حاجة الناس، وكانت العارضة أطول من الراتبة» ، والعارضة: النازلة التي لها سبب حادث؛ فهي أطول من الراتبة التي هي ديدنه في خطبه، فلا يصلح أيضاً أن يكون القِصَر مطلوباً لذاته. ومن مطالب بعض الناس أن يكون جمع الجمهور بحجة القِصَر؛ فإذا كان هذا هو الهدف الذي يحدو بالخطيب إلى ذلك فهو خطأ؛ لأنه ليس مقصوداً من مقاصد الشريعة، وإنما المقصود أن تتعدد المنافع: منها الرفق بالناس، ومنها تركيز المعلومة؛ بحيث يخرج كل إنسان والمعلومة معه؛ لأن الحديث إذا طال قلَّت فائدته وأنسى بعضه بعضاً» . قال ابن حجر ﵀: «واتفق العلماء على مدح الإيجاز، والإتيان بالمعاني الكثيرة بألفاظ يسيرة» . وهناك تطبيق عملي ذكره الشيخ (سعود الشريم) قال: «إن قراءة سورة (الجمعة والمنافقون) تمتد غالباً من ١٠ إلى ١٥ دقيقة، وقد تصل القراءة المرتلة المجوَّدة إلى ٢٠ دقيقة، فيكون قصر الخطبة بالنسبة للصلاة أقل من ٢٠ دقيقة» وهذا كأنه يشير إلى أن هناك إمكانية تحديد عن طريق قراءة السور إلا في حالات مستثناة قد تطول فيها الخطبة. إذا قرأ الإمام سورة (ق) في الخطبة فإنها ستكون الخطبة أطول. ومما ينبغي أن يلاحظه الخطيب أيضاً حالة الجو بالنسبة للناس؛ فالجو البارد غير الحار، كذلك الظروف من مطر، أو خوف، أو أن يكون الموقع في محلات تجارية، أو أسواق، أو أن يكون على سابلة الطريق وقارعة الطريق حينما يقف الناس ومعهم عائلاتهم يريدون الصلاة في غير المساجد التي في الأحياء ونحوها فإنها أمور يدركها الخطيب وينزلها على الواقع. ومثله الموضوع؛ فإن النبي ﷺ خطب خطباً طوالاً، وخطب خطباً قصيرة، بحسب الموضوع الذي يستدعي ذلك؛ فهو حينما يتكلم عن الآخرة وأحوالها وما يحدث فيها يطيل؛ لأن الموضوع لا يُملّ، ويشد الناس إليه عدد من نصوص الترغيب والترهيب، وهناك موضوعات يكتفي منها بالإشارة.
` مصداقية الخطبة:
البيان: لعلنا ننتقل إلى مصداقية الخطبة؛ لأن لها تأثيراً كبيراً جداً في مقدار تجاوب الناس مع الخطيب وتأثرهم بكلامه؛ فبعض الناس ربما يذكر أحياناً في خطبته من الآراء والمواقف ما قد يؤثر على تجاوب الناس معه، واطمئنانهم لسلامة رأيه.
- الدكتور محمد الخضيري: فيما يتعلق بمصداقية الخطبة هناك عدة قضايا تؤكد هذا الجانب:
القضية الأولى: أن يكون مبتغى الخطيب رِضى الله ـ تعالى ـ وحده، فيقول الحق لوجه الله لا ينظر فيه إلى أهواء الجمهور ولا غيرهم.
والخطيب قد يعتريه حالتان:
ـ إما أن يُرضي جمهوره ومستمعيه بخطبة فيها نوع من القوة في النقد والمبالغة في التشخيص والتوصيف دون روية أو نظر في المقاصد والمآلات، أو في حسن التوقيت.
ـ وإما أن يُرضي طرفاً آخر غير الجمهور كمسؤول مثلاً.
وكِلا الأمرين فيه مخاطرة غير محمودة، ووقوع في شراك التبعية، ولا منجا من ذلك إلا بصدق التجرد، وتمام الإخلاص، وتقليب النظر في الأمر المراد، وتغليب درء المفسدة أياً كانت جهتها، والسعي لتحصيل المصلحة، وتكميلها ولو بالتدرج إن لم يمكن جملة واحدة.
والقضية الثانية: الاعتدال بالطرح، ومجالات الاعتدال كثيرة جداً، فيحسن أن أشير إلى بعض هذه الحالات.
الاعتدال مثلاً في تأثير الخطبة بين الإقناع العقلي والجذب العاطفي؛ بحيث لا يطغى الجانب العقلي في الطرح فتبقى الأرواح والعزائم فاترة، ولا يطغى الجانب العاطفي فتتعطل مدارك العقل، ويُحرَم ذوو الألباب والعقول الكبيرة؛ بحيث لا يستمر وهج العاطفة مع صاحبه حتى أبواب المسجد إلا ويبدأ بالتلاشي والاضمحلال.
كذلك الاعتدال في الأسلوب؛ فلا يبالغ في الألفاظ والأساليب البلاغية الغريبة، فيحرم جمهور المستمعين الفهم والاستفادة.
كذلك ولا التنزّل الزائد واستعمال الألفاظ السوقية والعامية أو الصحفية، فينفر أهل الذوق والبيان، وطبقة المتعلمين والمثقفين.
القضية الثالثة: في هذه المصداقيه مندوحة الإمساك خشية الافتتان أو الالتباس؛ فالأصل في الخطبة هو العدل وقول الحق، ودلالالة الناس على الصواب؛ فإن لم يستطع الخطيب ذلك خاصة في النوازل والأحداث العامة التي ينتظر فيها جمهور الناس ما يقوله الخطيب؛ فإن سكوته خير، وعدم خوضه فيما لا يمكن العدل فيه أنفع له من التحدث بالخطأ أو بما لا يستيقنه، بل يكون بعضها من الفتن التي يكون الماشي فيها خيراً من الساعي، والقاعد خيراً من الماشي، والساكت خيراً من المتحدث. فعلى الخطيب أن يقول الحق إن استطاع، ومن لم يستطع أن يقول الحق فلا يقولن الباطل، وبينهما برزخ من السكوت وإيثار السلامة وتجنب موارد الفتن.
ومن جهة أخرى قد يكون إمساك الخطيب عن بعض القضايا وترك بعض المسائل خيراً لأجل جمهور المستمعين الذين فيهم العالم والجاهل، والعامي، والصغير، والكبير؛ فلربما نفروا من قضايا لم تطرق مسامعهم قبل هذه المرة.
وربما كان الخطيب حَدَثاً متحمساً يريد أن يقول جميع ما يعرفه دفعة واحدة وهو بعدُ لم يتمكن علماً وسناً ومنزلة في قلوب مستمعيه.
بوَّب البخاري باباً بعنوان: (باب من خص بالعلم قوماً دون آخرين كراهية الأ يفهموا فيقعوا في شر منه) ، ثم أردف قول علي ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يُكذَّب الله ورَسوله؟» .
وعن هشام بن عروة قال: قال لي أبي: «ما حدثتَ أحداً بشيء من العلم قط لم يبلغه عقله إلا كان ضلالاً عليه» .
ولابن الجوزي ﵀ كلام جميل في ذلك في صيد الخاطر إذ يقول: «ومن المخاطرات العظيمة تحديث العوام بما لا تحتمله قلوبهم، أو بما قد رسخ في نفوسهم ضده؛ فالمخاطب بهذا مخاطر بنفسه؛ فاللهَ اللهَ أن تحدِّث مخلوقاً من العوام بما لا يحتمله دون احتيال وتلطف» . ويقول الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ «وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقة الواقع فإنه ينبغي تجنبه» .
` أمور مهمة في أثر الخطبة وتأثير الخطيب على المستمعين:
البيان: ما هو تأثير الخطبة؟ وما هي الأمور التي تُسهم في أثر الخطبة وتأثير الخطيب؟
- الدكتور سليمان العودة: الأثر الذي تصنعه الخطبة الناجحة عظيم وإن لم يعلمه الخطيب، والجمهور المستفيد من الخطبة كبير وإن لم يحصهم الخطيب.
ويحسن قبل الحديث عن الأثر الذي تحدثه الخطبة الإشارة إلى همِّ الخطبة وقلق الخطيب؛ ذلك الهم الإيجابي الذي يؤدي إلى حسن الإعداد وجودة التأثير، والخطيب المؤثر هو الذي تشغله الخطبة ويقلق لإعدادها ويتحسب لإلقائها؛ ولذلك فإنني أشير هنا إلى هموم خمسة على الخطيب أن يُعنى بها:
أولاً: همّ اختيار الموضوع.
ثانياً: هَمّ تحديد عناصره وترابطها.
ثالثاً: هَمّ استكمال ذلك بالرجوع لعدد من المصادر ذات العلاقة بالموضوع.
رابعاً: هَمّ الصياغة، واختيار العبارة المناسبة.
خامساً: همّ الإلقاء بطريقة مؤثرة وجذابة.
إن الضعف في أي عنصر من عناصر إعداد الخطبة أو إلقائها يضعف من شأنها، ويقلل من تأثيرها.
وإذا كان صدق الخطيب وإخلاصه في مقدمة عوامل التأثير؛ فذلك وحده لا يكفي في زمن يتطلب وعيَ الخطيب وقدرته على استخدام التأثير، ومجالات البناء، ومن ذلك قدرات الخطيب اللغوية، ومهاراته في الإلقاء، والجِدّة في المواضيع المقترحة، أو التجديد في طرح القديم وليس بالضروري أن يكون موضوعاً جديداً.
أيضاً حُسن البدء والختام، وملحض الخطبة وما يراد من المستمع، والشمولية في الموضوعات المختارة، وعدم تيئيس الناس، وذكر جوانب الخير فيهم وتشجيعهم، والدعوة إلى جوانب أخرى من الخير، وعدم اعتبار الشاذ قاعدة في الحديث عن الغالب، ولا يعني ذلك إغفال الحديث عن جوانب الشر والمكروه على سبيل التحذير منها.
وثمة أمور تسهم في أثر الخطبة وتأثير الخطيب، ومنها:
أولاً: يَحسن الاقتصار على موضوع واحد غير متشعب الأطراف، ولا متعدد القضايا؛ إذ إن ذلك يشتت الأذهان وينسي الكلام بعضه بعضاً.
ثانياً: ينبغي على الخطيب عدم التعرض لذكر الخلاف في الفروع، والانطلاق من المسلَّمات بالكتاب، والسنة، وأقوال أهل العلم؛ وفي ذلك متسع ثَرٌّ في الوعظ، والتوجيه، والإرشاد، والبناء.
ثالثاً: الحرص قدر الإمكان على أن يلائم موضوع الخطبة الأحداث الجارية، والملابسات الواقعية في دنيا الناس، ومخاطبة جمهور السامعين. ومما يزري بالخطيب أن تكون خطبته في واد غير وادي الناس.
رابعاً: لا بد مع هذا أن يتخوَّل الخطيب جمهوره بالتذكير بفرائض الإسلام ترغيباً، وبمحرماته ترهيباً؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم ونحوها، ووجوه البر، وصور العدوان والظلم، وأن يُعنى الخطيب بالأخلاق الفاضلة وما يناقضها، وبسِيَر أعلام النبلاء، وأمجاد المسلمين إلى غير ذلك من مواضيع تبني الثقة وتزرع اليقين وفي الوقت نفسه تحذر وتعصم من ضدها.
خامساً: كلما أجاد الخطيب في وصف الداء كلما نجح في رسم العلاج، وعلى الخطيب أن يكون دقيقاً عميقاً في نظراته، وتحليله وعلاجه؛ وإلا كانت الخطبة لغواً وإن شُملت بنصوص صحيحة.
سادساً: الإيجاز غير المخل قدرة من قدرات الخطيب؛ وهو سبب للتأثير والاستقصاء مع الاختصار في العبارة، ودليل على عمق الثقافة، وكلما كانت الخطبة موجزة شاملة كانت أقوى في الأثر وأبلغ في النفع، ومن الخطأ أن يظن الخطيب أن عليه أن يقول ما عنده وعلى الناس أن ينصتوا له طوعاً أو كرهاً.
سابعاً: لا بد أن يستشعر الخطيب موقعه، وأن يقدر مكانته عند الناس؛ إن مهمته إصلاح الضمير وبناء الروادع؛ فهو بصدقه وتجرده يقتلع جذور الشر من نفوس البشر، ويبعث خشية الله فيهم، ويحببهم للحق والعدل. يُحبه سامعوه دون هيبة، وينصاعون لبيانه دون مجاملة، وهذا لا يتوفر لغيره ممن يحمل الناس بالقوة، ليهابوه أو يحبوه. على الخطيب أن يقدر هذا ولكن لا يغتر.
ثامناً: وأخيراً: وإذا احتاج الخطيب إلى الدلائل العقلية المقنعة فحاجته أكثر إلى المثيرات العاطفية، وإذا احتاج إلى مخاطبة العقول حيناً فحاجته إلى مخاطبة الوجدان أشد، وكلما تأثر الخطيب بما يلقي كان لذلك أثره وتأثيره على السامعين، وفي رسول الله ﷺ أسوة حسنة؛ فقد ثبت «أنه كان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم، ومسَّاكم» كما روى ذلك الإمام مسلم.
وأختم هنا بنموذج مؤثر حقيقة في الخطبة، ولعل في مقدمة المؤثرين، بل في مقدمة الخطباء الناجحين قدوتنا محمد ﷺ .
فكانت خطبته ﵊ حينما صعد الصفا، فقال: «يا بني فهر! يا بني عدي ـ لبطون قريش ـ أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً ببطن الوادي تريد أن تغير عليكم ... إلى أن قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» .
كانت هذه الخطبة الانطلاقة الأولى للجهر بالدعوة، بل ولانتشار الإسلام لم تعهد مكة مثلها.
ثم أيضاً، كانت ـ كما يقولون ـ خطبة طارق بن زياد ﵀ عاملاً مهماً في فتح الأندلس.
وأخيراً يقال: إن خطبة الحجاج أخضعت يوماً من الدهر العراق الثائر، وأطفأت نار الفتن المشتعلة، ثم كان التوجه للفتح، ونشر الإسلام حتى قيل: إن واحداً من قواد الحجاج فتح أكثر مما فتحته فرنسا في عصورها كلها، حتى بلغ قتيبة بن مسلم ﵀ الصين وحمل الإسلام إليها، ولا يزال الإسلام اليوم هناك أثراً لهذا الفتح المجيد، والذي كانت بدايته بعد ـ فضل الله ـ ترويض العراق باللسان قبل السنان، وإخضاعه لقوة الحجة بالخطبة إلى جانب وازع السلطة.
- الدكتور محمد الخضيري: إذ على الخطيب أن يتعايش مع المأمومين وينظر لحوائجهم، كما كان النبي ﷺ يفعله، فينبغي ألا تكون حالة الخطيب حالة مقدسة عند أي مداخلة. وهنا إشارة أخرى أيضاً وهي أهمية التفريق بين المنابر واللغات؛ فمنبر الجمعة يختلف عن منبر المجلة والصحيفة والمحاضرة، ولكل لغته، ولهذا نرى أو نسمع ـ أحياناً ـ كلما أُحسِنَ أسلوب معين: لماذا الخطباء لا يفعلون ذلك؟ لماذا لا يقولون ذلك؟ وكما لا يصح أن نطالب الكاتب الصحفي بلغة الخطيب، كذلك لا يحق أن نطالب الخطيب أن يمتهن مهنة الصحفي، أو الإذاعي.
كذلك لغة المحاضرات والدروس العلمية فهذه يحسن فيها التقسيم، والتفريع، وذكر الخلاف، والتكرار، وهو الأمر الذي لا يصح أن نجعل مثله في خطبة الجمعة التي من خصوصياتها الإجمال، وتتابع العرض، وتناسق الطرح، وإرادة التأثير. فأحسب أن هذه القضايا التي ينبغي أن تكون الخطبة مدركة لها لأجل ألا تميع في طرح جديد، أو مثير. ولا بد أن تكون خطبة الجمعة على هذا النسق، ولها خصوصيتها المعتبرة.
` وسائل إعداد الخطيب والارتقاء به:
البيان: هذه الخصوصية التي ذكرتموها لخطبة الجمعة، وهذه الأهمية الكبرى التي اتفقنا عليها في هذا اللقاء، يدور عمودها الأساس على الخطيب، والإعداد الجيد للخطيب ينعكس إيجابياً على الخطبة، وأثرها في نفوس الناس؛ فهل لكم فضيلةَ الدكتور صالح أن تحدثنا عن وسائل إعداد الخطيب، والارتقاء به؟
- الدكتور صالح بن عبد العزيز التويجري: أهمية إعداد الخطيب مستمدة من أهمية رسالة المسجد أولاً، والمنبر بشكل خاص، ومكانة الجمعة في دين الإسلام، واجتماع جمهور من جميع فئات المجتمع المسلم، وقناعة الناس بما يطرحه الخطيب، وانتظار الناس تناول الخطيب أمور العبادات، والمعاملات، والعلاقات، والأخلاق، والنوازل، وكذلك محدودية الوقت هذا يؤكد أهمية إعداد الخطيب ليكون على مستوى هذه التكاليف، وهذه النظره الاجتماعية المرموقة.
جوانب مهمة في شخصية الخطيب:
أولاً: الجانب الروحي (الإيماني) وهو أن يتعاهد الإنسان إيمانه، وتقواه، وصلاحه؛ ليتفاعل حقاً مع ما يقول، وأن يكون ذا سيرة ذاتية سليمة من القوادح، أو مما يشهد عليها؛ أو من الدخول في قضايا الناس ومعاركهم أو المشاكل التي تقدح في نزاهته وشرف نفسه.
ثانياً: الجانب (العلمي) بداية التأصيل بالكتاب والسنة، وكتب التفسير، وأن يكون له إلمام بالتاريخ، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، ومن ذلك القدرة على البحث والرصد وترتيب المعلومات والأفكار، والتوثيق العلمي يكون متوسطاً لئلا تكون الخطبة تحقيقاً علمياً أكاديمياً، أو تكون كلاماً إنشائياً مبثوثاً.
ثالثاً: مخاطبة (العقل والعاطفة) والاعتدال في ذلك؛ إذ إن التركيز على الجانب العقلي المنطقي قد لا يناسب كل الناس، ولا يطيق التواصل معه إلا النادر.
وهكذا المبالغة العاطفية بحيث تخرج عن الاستمالة والتأثير إلى الإثارة المشاعرية فقط، وكذلك العلم بمواطن الخلاف في مسائل الاجتهاد، وتنوع المذاهب التي يتحدث مع جماهير الناس فيها.
ومثله (اللغة العربية والمحسِّنات الكلامية) ومواطن الإيجاز والإطناب، وكذلك تنوع مصادر المعرفة ووسائل التواصل واستخدام وسائل التقنية الحديثة، والاطلاع على أحوال أمته ومتابعة المستجدات على الساحة الداخلية والخارجية.
ومثله (تجنب الإغراق والمبالغة الخيالية) التي تبعد الخطيب عن المصداقية، أو التهويل والنكارة والغلظة والجفاف في العبارات، ومثله (ملاحظة عقول الناس) وتنوع الطبقات وليس كل ما يُعلم يقال أو حضر أهله وحل زمانه؛ فإنك «ما أنت محدثٌ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان للبعض منهم فتنة» ومثله ما بوَّب البخاري: «باب من خص بالعلم قوماً دون آخرين كراهية ألا يفهموا فيقعوا في شر منه» .
ومن صفات الخطيب وإعداده (أن يكون شجاعاً) ويتدرب على الشجاعة ورباطة الجأش، والثقة بالنفس؛ ذلك يدعوه بقوة إلى قول الحق؛ وإذا لم يقل الحق، فلا يقل الباطل؛ فقد لا يتسنى للخطيب كشف الحقيقة تماماً لملابسات أو غيرها، ولكن لا يجوز أن يقول الباطل.
تجنب (مجاملة الجمهور) والحديث معهم بالغموض أو مخادعة الجماهير أو الغمغمة، وكذلك التفريق بين معالجة الحالات الشاذة بشكل علني ظاهر.
(مسؤولية الكلمة) بحيث يكون مستعداً للوقوف عند كلمته، ولا تكثر في حياته المعاذير والتنصلات. أما (حُسن خُلُق الخطيب) فينبغي أن يكون ممن يألف ويُؤْلَف ويباسط الناس، ويصبر عليهم ويأخذ عن خواطرهم في التعرف على أحوال الناس وأمور المجتمع ومعالجتها من خلال المنبر.
(اختيار نخبة من الأصفياء) للمراجعة والمذاكرة حول الخطب، كذلك تقبُّل النقد، وسعة الصدر للاستفادة من المختصين كُلٌّ في مجاله، ومثله (الاستفادة من تجمعات الناس) ، والتعرف على أحوالهم العامة، وملامسة قضاء الحوائج، وتتبع أحوال الناس من حوله.
(ترشيف الخطبة) : تكون للخطيب مجموعة من خطبه السابقة مرتبة بشكل يسهل الرجوع إليها، ويطوِّر الحاضر من خلال الماضي؛ فإن التخبط والعشوائية تفقد الخطيب ثمرة الجدولة والتنظيم، وتقييد الخواطر العابرة والأفكار العارضة لتكون مفاتيح لخطب قادمة.
(مشاركة الجمهور) بأسلوب خطابي بالأسئلة والاستفهامات أثناء الخطبة، وطلب المشاركة أو الكتابة في موضوعات مستقبلية، تجنب الألفاظ النابية التي تصد المستمع، والتماس المخارج التي تشجع على التصحيح، وإعفاء الجمهور من الإدانة الجماعية، أو التعميم الذي يصورهم متواطئين على الخطأ.
كذلك الحديث بأسلوب يظهر من خلاله أن هذه أفكاركم، وطموحاتكم، ومطالبكم أصوغها بأسلوبكم، أو بأسلوبي نيابة عنكم؛ فإن هذا ادعى لصناعة الرأي العام من خلال المنبر، طرح الحلول والبدائل، وعرض المشاريع العلمية، والخطوات الإيجابية التي تحول الخطبة إلى مشروع، وكل من الحاضرين يسأل عن دوره ومجاله بعد أن يخرج من المسجد. كذلك (الواقعية) في المطالب سواء من الناس، أو من المسؤولين يحمل الآخرين على المشاركة والتفاعل، ولأن المثالية تحدٍّ يقعد بالناس عن العمل، وعليه مراعاة مقتضى الحال، فلا تكون الخطبة بعيدة عن واقعهم ليكون أدعى للمعايشة والعمل.
(لباس الخطيب وهندامه) النظافة، التمييز حسب البلاد، التواطؤ في الملبس والتجانس، الرتابة، والتنظيم لئلا يكون مبتذلاً أو غير متناسق الشخصية، ومثله (المشاركة بالدورات) التي تنمي مهارات الخطيب، وتفتح له آفاقاً أوسع في مجال استثمار المنبر، ولقاء الخطباء في الأحياء المتجاورة للاطلاع على الجهود المتشابهة في الميدان، وآراء الخطباء.
(إعداد الخطبة على أنها مؤلف في المستقبل) ، أو أصول لموضوعات معينة، ويجب أن يكون الخطيب إعلامياً من حيث تنوع مشاركته، والانطلاق من الإقليمية إلى الآفاق في بعض الأمور؛ فإنه حين يكون له أكثر من مشاركة يكون مؤثراً، أو أن يكون مسؤولاً فيكون خطيباً فإن ذلك يكون أكثر في التأثير.
(تربية الأمة) من خلال الأحداث الجارية واسترجاع التاريخ، واستنطاق الدروس والعبر كسند لتناول موضوع معين في العدل أو الرحمة، أو التوكل، أو الصبر، أو محاسبة النفس.
(التحدث مع الناس بما يحتاجون لا بما لا يريدون) إذ إن هناك من يجره الجمهور ويملي عليه رسالته، ثم يخرج عن مساره أو يتغير هدفه وينتهي به المطاف في بيداء من جمهور لا يدري أين يتوجه. كذلك تحديد (الهدف من الخطبة) والظاهرة التي سوف يتناولها يساعده على إعداد الخطبة. (وتجنب المبالغة) في تصوير الخصم، أو تضخيم الداء؛ لأن هذا يولد اليأس والإحباط.
عند (النقد) على الخطيب أن يتجنب بقدر الاستطاعة تجريح الأشخاص، وإنما نقد الأفكار والمناهج وبيان البدائل.
(قوة الملاحظة وحضور البديهة) لاحتمالات قد تطرأ على الخطيب أو في المسجد أو على المأمومين؛ كل ذلك يكون أدعى لتأثيره وقابليته وتفاعله مع الجمهور.
- الدكتور سليمان العودة: لو تجاوزنا الموضوعات المطروحة فإنني ـ ختاماً ـ أقترح على المجلة مشكورة لو تخصص فيها زاوية لخطبة الجمعة، وتتنوع مادة هذه الزاوية بما يخدم الخطباء، فتقدم أحياناً خطباً مختارة، مرئيات الخطباء بشكل عام، كتباً مقترحة تعين الخطيب، موضوعات مقترحة، أساليب للإلقاء مؤثرة ... إلى نحو ذلك؛ لأن خطبة الجمعة في هذا الوقت من أهم المنابر الإعلامية التي يملكها الدعاة، ومن ثَمَّ لو تقوم المجلة مشكورة لخدمة هذا الهدف على عدة محاور، ولو تحقق ذلك لكان ذلك حسنةً من حسناتها.
стр. 5030
في ملتقى رابطة الأدب الإسلامي العالمية:
كيف نحقق هويتنا الثقافية؟!
محمد شلال الحناحنة
أقام المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرّياض ملتقاه الشهري مساء الأربعاء ٢٦/١/١٤٢٥هـ، وكان ضيف الملتقى الناقد د. أحمد محمد السعدني الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، ومحاضرته بعنوان: (الهوية الثقافية والأدب الإسلامي) ، وأدار اللقاء الأديب د. ناصر بن عبد الرحمن الخنين نائب رئيس المكتب الإقليمي، للرابطة في المملكة، واحتشد في الملتقى جمهور من الأدباء والمثقفين.
` ماذا عن هويّتنا الثقافّية؟!
بدأ المحاضر محاضرته طارحاً ثلاثة أسئلة هي:
ـ ما هويّتنا الثقافية؟
ـ ما الأدب الإسلاميّ؟
ـ كيف نحقق هويتنا الثقافية في الأدب الإسلاميّ؟
ثمَّ أجاب المحاضر قائلاً: إنَّ هويتنا الثقافية هي عربية اللغة إسلاميّة الفكر والعقيدة، أمّا الأدب الإسلاميّ فَهو يمثّل هذه الهويّة؛ لأنّه التعبير الفنّي الهادف الجميل عن الإنسان والكون والحياة وفق التصوّر الإسلاميّ.
وقد تشكّلت الهويّة الثقافية من خلال دائرتين: الدائرة العربية والدائرة الإسلاميّة، وقد نقل الإسلام العقل العربيّ نقلة نوعيّة.
ثمّ استعرض الناقد د. أحمد السعدني مظاهر من التاريخ القديم مقارناً بين الهوية العربيّة والهويّة العبريّة، فبيّن أنَّ الهوية الأخيرة كانت تخفق في ديمومتها، بل لم تحافظ على اللغة العبرية من خلال الكتاب المقدس لديهم؛ لعدّة أسباب من أهمّها:
ـ تحريف التوراة.
ـ تحريف الإنجيل.
ـ العودة إلى التجسيد للإله في هاتين الديانتين.
وليس من لغة حُفظت، وحافظت على هويتها كما هي اللغة العربية، ويعود ذلك إلى نزول القرآن الكريم بهذه اللغة، والقرآن العظيم محفوظ إلى يوم القيامة كما أخبرنا الله .
ولذلك حين أرادت اليهودية والصليبية إبعاد الخلافة العثمانية عن الإسلام، كان أولى توصياتها ودعواتها ترك اللغة العربية وإبراز اللغة التركية قراءة وكتابة ومحادثة في جميع مناحي الحياة، فتحوّل الإسلام إلى طقوس وشعائر، وليس فكراً وعقيدة ومنهاجاً للحياة، حتّى إن التفسير للقرآن الكريم دُرّس بالتركية، وكان هذا من أعظم المصائب!
` الفراغ الرّوحي في الحضارة الغربيّة:
ما الأدب الإسلاميّ المؤثّر الذي نريده؟ إنَّه الأدب الذي ينطلق من الهويّة الإسلامية مراعياً الرّقي الفنّي كي لا يكون خطابيّاً مباشراً، وأن يكون معبّراً عن القيم الإسلاميّة من خلال الجمال الأدبي الأخّاذ.
أمّا الالتزام في أدبنا الإسلاميّ فلا بدَّ أنْ يكون نابعاً من داخل النصّ الأدبي، وفرق كبير بين الإلزام والالتزام، والسؤال الذي ينبغي أنْ يُطرح: لماذا استطاع اليهود إقناع العالم بباطلهم ونحن نعجز عن إقناع العالم بحقّنا؟ وهناك مثالٌ حيٌّ لذلك هو رواية (طوبى للخائفين) للكاتبة اليهودية يائيل ديَّان؛ فقد انتشرت هذه الرواية، وراجت عالميّاً مع أنّها تقوم على مغالطات دينيّة وفكرية وواقعيّة، ولكن استطاع اليهود توظيف أدبهم إعلاميّاً بما يخدم مصالحهم، بينما لدينا أعمال أدبيّة راقية في الشعر والقصّة والرواية تجلو الكثير من الحقائق الثابتة والقيم الفاضلة والفكر السويّ، لكن لم تنتشر كما نريد، والسبب هو التعتيم الإعلاميّ، وتشويه الهويّة الإسلاميّة، ولا شكّ أنّ عندنا قصوراً في تقديم أعمالنا، ولم نستطع الاستفادة من الفراغ الروحي في الحضارة الغربيّة، كما لا ننسى أن الغرب يعمل جاهداً لجعل ثقافتنا ثقافة استهلاك كي يقتل فينا الابتكار والإبداع، وليست محاولة تغيير المناهج وصنع الشرق الأوسط الكبير إلاّ مدخلاً لفرض الهيمنة السياسية والفكرية والثقافية، ولا نجد مخرجاً إلاّ بالتمسّك بديننا وعقيدتنا الثابتة الصافية؛ فهلْ نتحمّل المسؤولية أمام الله، وأمام أنفسنا وأمام الأجيال القادمة؟
` الإسلام واللغة العربيّة لا ينفصلان:
وفي نهاية اللّقاء أثير الكثير من الأسئلة اشترك فيها مجموعة من الأدباء والإخوة والحضور منهم: الدكتور حافظ المغربي، الدكتور سمير عبد الحميد، والدكتور محمد أحمد، والدكتور حمدي حسين، والدكتور حسين علي محمد، وسعيد عاشور، والدكتور عبد الجبار ديّة، وغيرهم.
كما خُتم الملتقى بأمسية شعرية للشاعرين: الدكتور عبد الجبار دية، والدكتور أحمد حسبو، وقصّتين لأيمن ذو الغنى، وسعد جبر، وقد عبّرت القصيدتان عن شجون فلسطين الجريحة والعراق الأسير.
стр. 5031
الإسلاميون.. كيف ينظرون إلي المستقبل ؟
إعداد: أحمد فهمي
(٢)
نشرت مجلة البيان في عدد سابق (٢٠١) تحقيقاً موسعاً شارك فيه نخبة من قادة ورموز العمل الإسلامي في أكثر من بلد عربي وإسلامي، وكان موضوع التحقيق: الرؤية المستقبلية للإسلاميين حول عدد من قضايا العمل الإسلامي الداخلية، وقد وردت إلينا مشاركات جديدة من شيوخ وأساتذة فضلاء ينتمون إلى عدد من الدول العربية، وهي: السودان، الأردن، تونس، اليمن، مصر، ننشرها في هذ العدد ملتزمين نفس السياق الموضوعي ومنهج العرض في الجزء الأول من التحقيق، آملين أن نكون قد وفينا هذا الموضوع حقه، مع التأكيد على أن باب المشاركة مفتوح لكل من يمتلك رؤية واضحة وجديدة في هذا الشأن الهام من شؤون العمل الإسلامي، والله الموفق.
المشاركون في الجزء الثاني من التحقيق:
الشيخ صادق عبد الماجد: المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في السودان.
الدكتور همام عبد الرحيم سعيد: نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن.
الشيخ محمد الهادي الزمزمي: قيادي بارز في حركة النهضة التونسية.
الشيخ محمد الصادق المغلس المراني: عضو سابق في مجلس النواب اليمني، وعضو مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح.
الشيخ أحمد المعلم: من علماء الدعوة السلفية في اليمن.
الدكتور عبد الستار سعيد فتح الله: أستاذ التفسير وعلوم القرآن في جامعة الأزهر.
الدكتور مصطفى حلمي: أستاذ الفلسفة والعقيدة، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة.
س١: ما هو مستقبل التعاون والتنسيق بين الحركات الإسلامية في الأفكار أو المواقف أو المناهج؟
بداية يتفق جميع المشاركين على أن الحركات الإسلامية لها حظ وافر من الخلاف باعتبار التاريخ والواقع، ولكن عند الحديث عن المستقبل تتفاوت الآراء بين التفاؤل بتقارب وشيك، وبين الاعتراف بصعوبة التعاون أو التنسيق. يقول الشيخ محمد الزمزمي: «شهدت الساحة الإسلامية اختلافات كبيرة أفضت في كثير من الأحيان إلى خصومات ومنازعات بين الحركات الإسلامية؛ وهو ما أضعف فرص التعاون والتنسيق بينها على صعيد القطر الواحد فضلاً عن التعاون بينها على صعيد العالم الإسلامي» . واللافت هنا أن أغلب المشاركين يتفقون على أن الأحداث الجارية والأخطار المحدقة بالأمة تمثل عاملاً رئيساً في نشأة أنماط مختلفة من التنسيق بين الإسلاميين، فيقول الدكتور همام سعيد: «على الصعيد الفكري والنظري اقتربت الحركات الإسلامية من بعضها؛ فالحركات التي كانت تعيب التنظيم والقيادة أصبحت مقتنعة بهذه الجوانب، والحركات التي كانت تهاجم العمل السياسي أصبحت أقرب وأكثر اهتماماً بهذا الجانب، وقد اقتربت الحركات من بعضها بعد سعار الهجمة على الإسلام وحركاته» . ويقدم لنا الشيخ صادق عبد الماجد مثالاً عملياً من السودان، فيقول: «من الخصائص التي أنعم الله بها على الأمة الإسلامية في السودان، أنهم يقتربون دائماً في المواقف الخلافية دون عناء وبلا جهد مبذول في هذا السبيل» .
أما عن المستقبل فيقول الشيخ زمزمي مبدياً بعض التفاؤل الحذر: «من المتوقع أن نشهد مظاهر للتعاون والتنسيق المتدرج في المواقف والأفكار والمناهج بين الحركات الإسلامية نظراً للأخطار الخارجية والداخلية المحدقة بالدين الإسلامي والأمة الإسلامية، وتبعاً لذلك الحركات الإسلامية» إلا أنه يربط هذا التطور الإيجابي بـ «قدر تنامي وعي هذه الحركات الإسلامية بالأخطار والتحديات والمخططات المعادية للإسلام والأمة الإسلامية» . ويعطي الشيخ صادق دفعة تفاؤل أكبر بقوله: «يمكن الاطمئنان لهذا التعاون والتنسيق مستقبلاً» .
وعلى الجانب الآخر فإن الشيخ محمد الصادق ليس متفائلاً إلى هذه الدرجة؛ إذ يقول إنه: «لا توجد بوادر مشجعة في هذا الباب، وليس من المتوقع في المستقبل القريب أن يحدث تنسيق حقيقي» . ويوافقه الشيخ أحمد المعلم فيما يتعلق باختلاف في الأفكار والتصورات والمواقف؛ إذ يتوقع: «توسعه نظراً لكثرة المستجدات والنوازل التي من الصعب أن ينظر إليها العلماء والباحثون نظرة موحدة، إضافة إلى الشبهات الكبيرة التي يطرحها الأعداء والتي قد يغفل عنها بعضهم ويدركها بعض آخرون» ، أما الدكتور عبد الستار فيؤكد على أن: «مستقبل التعاون بين هذه الحركات يتوقف على الفهم الحقيقي للإسلام» .
ويقدم الشيخ محمد الصادق رؤية تحليلية لأسباب ضعف احتمالات التنسيق الحقيقي بين الإسلاميين، فيرجع ذلك أولاً إلى أن هذا المستوى من التنسيق يفتقر إلى: «جديّة في مراجعة الأفكار أو المواقف أو المناهج، ويحتاج إلى تنازل عما يظهر خطؤه من ذلك، أو عدم أهميته، أو عدم جدواه لكي يتم التوافق» . ولكن الواقع يبدو بعيداً عن هذه المتطلبات؛ لأن «النفوس التي اعتادت فكراً معيناً، وعُرفت بموقف محدد يصعب عليها التراجع والتنازل، بل ربما يصعب التقييم وإعادة النظر؛ لأن هذه الأمور صارت من المسلّمات، وربما تخشى القيادات بالذات أن يُعتبر ذلك منها إدانة لماضيها، وهي ما انفكّت تعبّئ الصف وتُطَمْئنُهُ بالمكاسب والمنجزات وسلامة السير، وتزرع فيه الثقة بالقيادة المسدَّدة» ثم يقول: «إن الفكرة والموقف ـ وأعمق منهما المنهج ـ تعتبر كلها من مكونات الشخصية الطبيعية للفرد، أو الشخصية الاعتبارية للجماعة والحركة، وفي نظر الكثيرين يستوي أن تتنازل عن فكرتك أو موقفك أو منهجك، أو تتنازل عن موقع شخصيتك، ومكانتها في المجتمع، وكما يصعب الأخير يصعب الأول، إلا عند الذين تربَّوْا تربية فريدة وصاروا قوّامين بالقسط؛ بحيث صار القسط والحق أحب إليهم من شخصياتهم ومواقفهم» . ويتهم الشيخ محمد الصادق بعض الإسلاميين بأن الحظ الدنيوي له تأثير على أدائهم ومن ثم على احتمالات التقارب والتعاون، فيقول: «إننا نجد قياداتِ وأتباع الجماعات الإسلامية المتعددة يتسامحون في الصلاة بعضهم خلف بعض، ويقبل كلٌّ منهم اجتهاد الآخر في أمور الصلاة، وذلك لعدم ظهور الحظ الدنيوي والمصلحة العاجلة ـ فيما يبدو ـ في حين لا نجد أن جماعة تتنازل لجماعة أخرى فتعتمد منهجها في صفوفها حتى تتم الوحدة والالتئام، ولم نسمع كذلك أن جماعة إسلامية تنازلت قيادتها لكي تترك لقيادة الجماعة الأخرى أن تقود الجماعتين. وذلك كما يبدو لاختلاط المصلحة والحظ الدنيوي هنا بأمور الدين لدى بعض القيادات، وحتى لو فكرت بعض القيادات بالتنازل فقد تجد الصدّ من الزملاء ثم التهميش» . ويقدم الشيخ محمد الصادق سبباً آخر غير الحظ الدنيوي، فيقول: «وقد لا توجد شائبةُ حظ دنيوي في خلْفية الخلاف بين الجماعات المنتمية للسنة، ويكون الدافع دينياً محضاً، ولكن شائبَتَهُ في الحقيقة هنا هي الجهل بأدب الخلاف» ، وفي النهاية فإنه يفتح باباً للأمل بقوله: «ومع ذلك فلا يجوز اليأس، ويجب على الصالحين في هذه الجماعات ـ وهم كثير إن شاء الله ـ أن يكون همُّهم الأكبر هو جمع الأمة في كيان واحد، وليس الحفاظ على الكيان الجزئي للحركة أو الجماعة، ويجب عليهم أن يأخذوا بجميع الأسباب الممكنة لجمع الكلمة، وأن يعملوا على مدّ الجسور مع الصالحين في سائرالجماعات حتى يوجِدوا رأياً عامّاً» .
س٢: هل حدث تراجع في العمل الدعوي التربوي في السنوات الأخيرة؟ وما هي الأسباب إن وجدت؟
يؤكد جميع المشاركين في هذا الجزء من التحقيق على أن هناك تراجعاً كبيراً في العمل الدعوي والتربوي، وقدموا لذلك مجموعة كبيرة من الأسباب نذكر أهمها مرتبة حسب قائلها:
الشيخ صادق عبد الماجد: «الخلافات التي بدأت تطل برأسها بعد مضي ربع قرن من بداية هذه المسيرة. بدأت القلوب تأخذ بالتدرج وجهةً غير التي كانت. جانب كبير من الوقت ينصرف في غير طائل. اتجهت النفوس أو بعضها ليصيبها بعض الوهن» .
الدكتور همام سعيد: «هناك عوامل داخلية منها: «غلبة الشأن السياسي والإداري والاقتصادي على الشأن الدعوي والتربوي، وقيام العمل التربوي على عاتق شباب صغار السن لا يملكون التجربة الكافية، وضعف الناحية الإيمانية والروحية لدى هؤلاء المربين، والاعتماد على الجانب النظري أكثر من الجانب السلوكي، وضعف العلاقة بين المربين والمتلقين، وضعف الملازمة والصحبة بين الجهتين، وضعف القدوة وإن وجدت فعلى ندرة، وأخيراً استعجال الثمرة قبل نضجها» .
وأما العوامل الخارجية، فمنها: «التضييق الرسمي على مجالات العمل الإسلامي التربوي والدعوي» .
الشيخ محمد الزمزمي:
` الأسباب الداخلية:
- سيطرة التيارات العلمانية على النظم التعليمية والإعلامية في معظم البلاد العربية.
- إخضاع الأئمة والمساجد لنظم وقوانين تحدّ من رسالة المسجد الدعوية والتربوية.
- جمود كثير من الدعاة والخطباء على أساليب وأنماط وموضوعات لا تحرك المشاعر والقلوب، ولا تستجيب لهموم الشباب، ولا تعالج مشاكل المجتمع.
- القطيعة بين الدعاة والمجتمع بمختلف فئاته.
- التأثير السلبي للخلافات المذهبية والاختلافات الفقهية بين المشائخ والدعاة.
- غلبة الهم السياسي على نشاط كثير من الدعاة والحركات الإسلامية.
- تدهور الوضع الاقتصادي للمجتمع العربي والإسلامي، وضيق سبل المعيشة وانشغال الناس بالبحث عن موارد الرزق دون اعتبار للضوابط الشرعية.
- الترف الفاحش في بعض الطبقات الاجتماعية، والفقر المدقع في معظم المجتمعات العربية والإسلامية.
- استشراء النزعة المادية والتكاثر والتنافس على متاع الدنيا وزخرفها.
- التأثير الخطير للإعلام الحر والرسمي الهابط الذي أشاع في مجتمعاتنا الفاحشة بواسطة الإعلانات التجارية، المسلسلات، الأفلام، الجنس، المسرح، القمار ... إلخ.
- انتشار النوادي والمقاهي والملاهي وتركيز الإعلام على برامج اللهو والإغراء: سوبر ستار، بيغ بروذر، نجوم الفن والمسرح والسينما والكرة، مسابقات في الجمال في السيارات في الألعاب ... إلخ.
` أما الأسباب الخارجية فذكر منها:
- نظام العولمة وما انجرَّ عنه من تطور حركة الاتصال وتبادل المعلومات، وهو ما جعل عالمنا العربي الإسلامي منطقة نفوذ لسلطان العولمة وتأثيراتها المختلفة.
- الاستخدام السيئ لشبكة الإنترنت وما تحتوي عليه من مواقع الفتنة والإغراء والفساد.
- الهجمة الغربية الشرسة على الإسلام باسم مقاومة الإرهاب وما أثارته من ذعر في ضعاف النفوس.
- القنوات الفضائية الأجنبية المتخصصة في بث أفلام الجنس والفسق والإباحية.
- السياحة وتأثيرها السلبي في الشباب من الجنسين.
- تغلغل التيارات الهدامة كالروتاري ونوادي الليونز وغيرها من المنظمات والجمعيات السرية الأجنبية في المجتمع العربي، وظهورها بمسميات وهمية لاستقطاب الشباب والكفاءات
الشيخ محمد الصادق: «هذه الجماعات شأنها كشأن الكائن الفرد: تبدأ بحيويّة وصحة، ثم تُرَدُّ إلى أرذل العمر إذا لم يواكب استمرارَها تجديدٌ دائم. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] . فهذا أبرز الأسباب في التراجع، ويتفرّع عنه أن يختفي المؤسسون المتميزون بروح التجديد، ويخلُُفُهم من هم دونهم، ومع تعاقب السنين تزداد الدُّونيّة، ثم تنشأ مصالح وأهواء تساوي أو تقلّ أو تزيد عن الغايات السامية بحسب الظروف» .
الشيخ أحمد المعلم: «الهجمة الشرسة، والحرب الظالمة على الدعوة والصحوة الإسلامية تحت مسمى (محاربة الإرهاب) . انشغال أكثر العاملين بالدعوة والتوجيه والتربية بالمستجدات ومتابعتها وردود الأفعال إزاءها عن وظيفتهم الأساسية في التربية العلمية والإيمانية لمن خلفهم من إخوانهم وأبنائهم» .
الدكتورعبد الستار: «الانشغال بالجدليات. التوسع في تناول القضايا الجزئية على حساب القضايا الكلية الأساسية. جو التخويف وعدم الطمأنينة والأمن وهو جو لازم للازدهار الحقيقي والإنتاج الحقيقي في الأفكار والأعمال» .
س٣: هل تراجع دور العلماء - وتواجدهم - بين نخبة العمل الإسلامي وقياداته؟ لماذا؟ وهل يستمر ذلك مستقبلاً؟
انقسم ضيوفنا الأفاضل في هذه القضية إلى رأيين: أولهما اختارته الأغلبية ويؤكد على تراجع دور العلماء، وثانيهما اختاره الشيخ صادق عبد الماجد؛ حيث اعتبر أن: «دورهم لم يتراجع بالقدر الذي يدعو إلى القلق، بل هم يسهمون بدور فاعل في مناسبات شتى كلما اقتضى الأمر ذلك» .
وعلى صعيد القائلين بتراجع دور العلماء؛ فإن بعضهم قرن بين هذا التراجع ونشأة ومسيرة الحركات الإسلامية، فقال الدكتور همام: «دور العلماء كان ضعيفاً منذ بدأت الحركات الإسلامية الحديثة، وقد بدأ دور العلماء يكبر ويتسع، ولكنه لم يصل إلى دور العلماء الربانيين» . وينظر الشيخ محمد الصادق نظرة أخرى حيث يعتبر أن دور العلماء في البداية كان أفضل، فيقول: «الجماعات الإسلامية أسّسها في الغالب علماء أو أناس يعرفون للعلماء مكانتهم ويجعلونهم مرجعيّتهم، ومع مرور الأيام ولمّا كنا في آخر الزمان والعلم الشرعي يُقبَض بموت العلماء كما في الحديث المتفق عليه، فإنه قد قلّ عدد العلماء العاملين، وتوزّعوا ـ على ِقلّتهم ـ في سعة العالم الإسلامي، ثم توزّعوا مرةً أخرى ما بين مستقلين ومنتمين إلى جماعات، فصار الموجودون في أي جماعة قليلاً من قليلٍ من قليل» .
أما عن أسباب هذا التراجع فقد طرح المشاركون عدة أسباب تقدم في مجموعها رؤية تحليلية وافية لهذه القضية، فيقول الدكتور همام إن تراجع دور العلماء يرجع في الأساس إلى: «خلل في تكوين العالِم وفي ممارسته لدوره؛ حيث يغلب عليه العمل الوظيفي الرسمي وطلب المعاش والبحث عن الرزق، والأصل تحقيق الكفاءة العلمية والكفاية للعلماء دون ترف أو إسراف» ويدعو إلى تأسيس «مشروع واسع لإعداد العلماء واختيار الصالح منهم لقيادة الأعمال التربوية والدعوية» .
أما الشيخ محمد الزمزمي: فيقدم خمسة أسباب لهذا التراجع، وهي: «سكوت معظم العلماء عن المظالم والمفاسد الواقعة في بلدهم، مما أسقط هيبة أولئك العلماء من أعين الناس وجعلهم موضع تهمة، وأفقد الثقة بهم وبأقوالهم وفتاواهم، بل جعلهم موضع كُره وسُخط شباب الصحوة الإسلامية عامة والحركة الإسلامية خاصة. نأي كثير من العلماء عن نخبة العمل الإسلامي وقياداته لأسباب مختلفة إما اعتباراً لاختلاف منهجي أو فكري معها، أو خلاف شخصي مع بعض قادتها؛ وإما إيثاراً للسلامة، وإما تحقيقاً لمكاسب دنيوية أو تأميناً لمناصب رسمية. نقمة بعض العلماء من الحركات الإسلامية واتهامها بالتغرير بالشباب واستعداء الحكام وإلحاق الضرر بالدين، ومنهم من يعدُّ قيام حركة إسلامية في بلده نوعاً من البدعة في الدين، واتهامهم قياداتها بتسييس الدين لتحقيق مآرب شخصية، وموقف هؤلاء العلماء السلبي من الصحوة والحركة الإسلامية وقياداتها جرّ عزلة هؤلاء العلماء عن نخبة العمل الإسلامي وقياداته كما عزلهم عن جمهور شباب الصحوة الإسلامية. حصر بعض العلماء همهم وخطابهم في عرض المظاهر الشركية كمسألة القبور والتوسل والقضايا الفقهية الخلافية كالنقاب وإسبال الإزار ونحو ذلك، متجاهلين الكوارث الواقعة في الأمة غير آبهين بهموم الأمة وقضاياها المصيرية الكبرى» .
ويتحدث الشيخ محمد الصادق: عن سبب آخر يراه مؤثراً: «فقد غلب الحركيّون الكُثر في الجماعات على القلة القليلة من العلماء في كل جماعة، لا سيما مع زهد العلماء العاملين في الصدارة، فتصدّر الحركيون غالباً، ورغم أن الشرائح المختلفة داخل كل جماعة لها كياناتها المعبّرة عنها؛ فإن العلماء لا يوجد لهم الكيان الذي يجمعهم؛ لأنه إذا جمعهم كيان فسوف يكون له - بخلاف الكيانات الأخرى ـ ثقله القيادي التلقائي المنبثق من ثقل الشريعة التي يحملون التخصص فيها، ولذلك لا يوجَد في الغالب مثل هذا الكيان ولا يُسْمَح به، ويبقى العلماء أوزاعاً داخل الجماعات وخارجها» .
أما الشيخ أحمد المعلم: فيقدم سببين:
أولهما: «ضعف موقف العلماء تجاه المستجدات وتقصيرهم في أداء واجبهم وإذعان بعضهم لأهواء الأنظمة» .
وثانيهما: «تصدُّر بعض الشخصيات المتحمسة للقيام إزاء مآسي المسلمين ومواجهتها أو دعوى ذلك مما جعل كثيراً من الدعاة وشباب الصحوة يُخْدَعون بذلك ويجعلون أولئك المتحمسين محل العلماء ويصدقونهم فيما يقولون عن العلماء» .
ويقول الدكتور عبد الستار: إن «تصدُّر علماء لا يحسنون التربية ولا يتقون الله كان سبباً في تراجع دور العلماء بصورة عامة» .
وفيما يتعلق بالرؤية المستقبلية لدور العلماء كما يراه الإسلاميون، فلا يبدو الشيخ محمد الزمزمي متفائلاً؛ حيث يقول: «من المتوقع أن يستفحل تراجع دور هؤلاء العلماء وحضورهم بين نخبة العمل الإسلامي وقياداته تحت ضغط الحكومات» ، لكن في المقابل يعطي الشيخ أحمد المعلم رؤية متفائلة بقوله: «إن العلماء يوشك أن ينقضوا ما لحق بهم من الضعف، ويتبوَّؤوا مكانهم اللائق بهم، والأمة وقيادات العمل الإسلامي تثوب إلى رشدها وتدرك خطأها في الافتئات على العلماء وتجاوزهم» . ويقف الشيخ محمد الصادق موقفاً وسطاً بين الطرفين؛ إذ يقول إن التراجع: «سيستمر كذلك على الأقلّ في المستقبل القريب، وهنالك أعداد جديدة من العلماء العاملين أخذتْ مواقعها كذلك في قلوب الناس، وربما لا تعود للعلماء مرجعيّتهم التامّة على النحو المطلوب حتى تعود للمسلمين خلافتهم الراشدة» .
ويؤكد الدكتور عبد الستار: على أن الله ـ تعالى ـ: «يزوِّد الأمة كل مائة سنة بمن يجدد لها دينها، وما بين المائة والمائة يبعث أفواجاً لا تحصى من العلماء الذين يبلِّغون رسالات الله، ويعلِّمون الناس» .
س٤: هل يُتوقع أن تحقق الحركات الإسلامية التي تمارس العمل السياسي نجاحاً في المرحلة المقبلة مقارنة بنتائج الفترة الماضية غير المشجعة؟ وما تأثير مستوى التمسك بالثوابت الإسلامية؟
تفاوتت آراء المشاركين في هذه القضية الهامة إلى ثلاثة اتجاهات؛ فقد صرح الشيخ صادق عبد الماجد بتوقعه لتحقيق الحركات الإسلامية السياسية نجاحاً في المستقبل القريب، بينما رهن الدكتور همام هذا النجاح بشروط عدة مرتبطة بواقع الحركات نفسها، وأعرب كلٌّ من الشيخ محمد الزمزمي والشيخ محمد الصادق والشيخ أحمد المعلم عن عدم قناعتهم بتحقيق نجاح يذكر في مجال العمل السياسي لأسباب متفاوتة، كما يؤكدون جاهزية تلك الحركات لتقديم تنازلات عن كثير من الثوابت.
أما الدكتور همام سعيد: فقد اعتبر أن الحركات الإسلامية السياسية لها: «رصيد واسع من التجربة وهي مرشحة للوصول إلى أهدافها شريطة ترتيب أولوياتها؛ بحيث يكون الفقه في الدين على رأس أعمالها، وأن تأخذ بالعزائم لا بالرخص، وأن يحرص قادتها على الورع في الدين، وأن تُخضع شبابها إلى تربية ربانية يكون العلم الشرعي عمادها، وأن تولي موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاهتمام المناسب لمكانته في الدين» .
لكن الشيخ محمد الزمزمي: ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة؛ حيث يؤكد على أنه مع «الهجمة الغربية الشرسة على العالم العربي الإسلامي ومجيء أمريكا بمشروعها المسمى (الشرق الأوسط الكبير) واعتباراً لضعف النظام العربي ووهنه واستجابته للضغوط الأمريكية القاضية بالتصدي لتيار الصحوة الإسلامية بتجفيف منابع التدين، وتغيير مناهج التعليم، وتنفيذ خطة التطبيع ... إلخ؛ فإنه من العسير على الحركات الإسلامية التي تمارس العمل السياسي تحقيق نجاح في المرحلة المقبلة، بل إنها ستكون مستبعَدة من أي مشاركة سياسية إلا بالتنازل عن بعض الثوابت الإسلامية» لكنه مع ذلك لا يخلي تلك الحركات من الأمل والدور الإيجابي، فيقول: «غير أن هذه الحركات إذا ما أحسنت الاستفادة من تجاربها السابقة، وعملت بحكمة وتبصُّر، وتعاون وتنسيق بينها في المواقف والأفكار والمناهج، وعرفت كيف تعمل على أسلمة المجتمع فعلاً فإنها على المدى البعيد ستكون بإذن الله طليعة النهضة للعالم الإسلامي» .
ويقول الشيخ محمد الصادق: إن الساحة السياسية اليوم «أشبه بالمستنقع، والخائض فيه لا يكاد يسلم من التلوّث مهما حاول الاحتراز واصطناع الواقيات، وإذا انضاف إلى ذلك تصدُّر غير العلماء غالباً في الحركات الإسلامية التي تمارس العمل السياسي ظهر الخللُ بوضوح» . ثم يعرض لبعض مظاهر الخلل، فيذكر منها: «المزيد من الانقسامات في أوساط الإسلاميين أنفسهم حتى على مستوى الجماعة والحزب الواحد كما حدث في السودان وتركيا، وكان من ضمن مظاهر التلوُّث تسويقُ الديمقراطية ومبادئها في بلاد المسلمين بغطاء إسلامي، وتسويقُ العلمانية من بعض الحركات التي وصلت إلى السلطة من أجل البقاء فيها أطول فترة ممكنة، وتقديمُ التنازلات بلا حدود حتى ساد أو كاد يسود مبدأ الغاية تبرر الوسيلة عند كثير من السياسيين المُتَعَقْلِنين المنتمين لبعض الحركات» ولذلك فإن الشيخ محمد الصادق لديه قناعة كاملة تجعله يرى أنه «يُستبعَد أن يحقق الممارسون للعمل السياسي في هذه الحركات نجاحاً في المرحلة المقبلة، لا سيما وهم ماضون كما ذكرنا في الإخلال بالثوابت» ويخلص إلى نتيجة واضحة حسب رؤيته وهي: «خير سياسة تتفق مع الشرع هي تأجيل الخوض في السياسة في الظروف الراهنة، وليس تأجيل التّميّز بالإسلام والدعوة إليه، كما انتهى إلى ذلك الشيخ حسن البنا ﵀ في آخر حياته بعد تجربته مع السياسة، كما روى ذلك عنه الشيخ الندوي ﵀ في كتابه (مذكرات سائح في الشرق العربي) نقلاً عن الدكتور مصطفى السباعي ﵀، وقرّرالاكتفاء بالتربية والدعوة ولكن لم يمهله الأجل، كما نقل مثل ذلك عن الشيخ البنا الأستاذ فريد عبد الخالق القيادي الكبير السابق في الإخوان في مقابلة له في قناة الجزيرة قبل أسابيع» ، وحتى لا يحدث لَبْس في الفهم، يوضح الشيخ محمد مقصده بالقول إن: «المقصود بتأجيل الخوض في السياسة، تلك السياسة التي تعني السعي للوصول إلى الحكم؛ وذلك لأن البيئة غير مواتية والمقدمات غير واردة» .
ولمعطيات مشابهة يقول الدكتور عبد الستار إنه: «لو أفرط دعاة الإسلام في العمل السياسي فسيجدون أنفسهم أمام معارك لا تحصى ومشاغل لا تنتهي، فيدفعهم ذلك عن الجهد الأساسي، ولذلك ينبغي أن نعمل على التربية وتدعيم معاني الإسلام وتحقيقه» .
ويعرض الشيخ أحمد المعلم هذه القضية الخلافية في عبارات قصيرة لكنها عميقة المعنى، فيقول: «الحقيقة أنها محنة، فترك ذلك الأسلوب بالمرة نخشى من عواقبه غاية الخشية، والاستمرار فيه يوجب ما ذكر عن التخلي عن بعض الثوابت، والأمر يحتاج إلى توفيق كبير من الله، ويجب علينا أن نلح جميعاً في الدعاء والتضرع إلى الله أن يهبه إخواننا في ذلك الاتجاه وكافة اتجاهات العاملين للإسلام» .
س٥: هل يمكن أن تذكروا لنا في نقاط محددة أهم الدروس المستفادة من تجربتكم في العمل الإسلامي في الحقبة الماضية؟
لا غنى للحركات الإسلامية عن خبرات وتجارب رموزها وقادتها، ولا نبالغ إذا قلنا إنه ما من خلل في العمل الإسلامي إلا وفي تجارب السابقين دلالة عليه ونصح فيه، ولكن العبرة بمن اعتبر ونظر ثم ادَّكر. وقدم المشاركون في هذا التحقيق ـ الجزء الثاني ـ عدداً من الدروس القيمة التي يفتقر إليها العمل الإسلامي، نذكر أهمها منسوبة إلى قائلها، مع التنبيه إلى أن هذه الدروس إنما هي انعكاس للرؤية التي يحملها ويتبناها قائلها، وقد يتفق أو يختلف معه الآخرون:
الشيخ صادق عبد الماجد: يذكر دروساً من تجربته في العمل الإسلامي التي تمتد لأكثر من ستين عاماً، ومنها: «احترام القيادة والنظر إليها كمسؤولية ناءت بها الجبال، ولا قداسة لحاملها فرداً أو أفراداً ـ الحرص على النأي عن الدنيا مهما علا منها صوت ندائها؛ فإن الاستجابة لأول نداء منها لن تتوقف بعده أصوات ندائها الأخرى ـ الحرص والمثابرة على التربية، فهي عماد الحركة كلها وبغيرها لن يستمر البنيان ـ ضرورة المشاركة والمتابعة مع الوعي التام ولو عند طائفة معينة في الجماعة للعمل السياسي في دقة وعمق - عدم مصادمة النظام - أشد ما يضعف العمل بل يوقفه في النهاية مراكز القوى أو ما يسمى بـ (الشللية) أو البطانات المقربة من المسؤول» .
الدكتور همام سعيد: يذكر من معالم تجربته في العمل الإسلامي: «العمل الإسلامي المنظم هو أفضل محضن للتربية ـ التوسع في الكم على حساب الكيف أمر خطير على العمل الإسلامي ـ العمل الإسلامي بحاجة إلى معايير دقيقة للعضوية ـ لم يعط العمل الإسلامي العلماء دورهم المنشود» .
الشيخ محمد الزمزمي: من أهم الدروس التي ذكرها الشيخ: «ضرورة الإخلاص لله في العمل والعلم والدعوة والعبادة وما يجره من توفيق إلهي ـ ضرورة التسلُّح بالعلم الشرعي وخاصة القرآن والسنة، والإلمام بالفقه والتاريخ وإتقان لغة الخطاب، مع سعة الاطلاع والثقافة والمعرفة، وهو ما يمكِّن الداعية من قوة الحجة والإقناع وحسن التأثير في النفوس والقلوب ـ ضرورة استقامة الداعية إلى الله ظاهراً وباطناً، والمحافظة على حسن السمت والتواضع والرحمة والشفقة على الخلق والتلطف معهم والترفق بهم ـ وجوب السعي في توثيق الصلات بين العاملين للإسلام والعمل على الاستفادة الذكية من كافة الكفاءات والمؤهلات - ضرورة وضع ميثاق شرف للعمل الإسلامي يحكم علاقة الحركات والجماعات الإسلامية في البلد الواحد بعضها ببعض بما يضمن الوفاق بينها والوئام، ويجنبها أسباب النزاع والخصام - ضرورة جعل الدعوة إلى الله وإحياء معالم الدين ونشر أعلام التدين (تحفيظ القرآن، الحديث، السيرة، الفقه، الآداب الشرعية، التاريخ الإسلامي ... إلخ) أُولى الأولويات وأول مرحلة في العمل الإسلامي لدى الحركة الإسلامية، بما يفضي بالتدريج إلى أسلمة السواد الأعظم من المجتمع باطناً وظاهراً.
- تأجيل أي انخراط في عمل سياسي رسمي أو شعبي إلى ما بعد قطع شوط كبير في أسلمة المجتمع بما يجعل العمل السياسي فيما بعد مطلباً شعبياً لا عملاً نخبوياً منعزلاً» .
الشيخ محمد الصادق: يذكر من الدروس المستفادة من تجربته في العمل الإسلامي في اليمن والتي امتدت لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً: «الجماعات الإسلامية التي يمكن أن يشملها الإطار الواسع لأهل السنة والجماعة فيها خير كثير، وحفِظ الله بها كثيراً من شباب المسلمين من الانحراف، وأحيا بها الدين في مجالات عديدة، ولكنها ليست معصومة، ولا تسلم من السلبيات كما ذكرنا من قبلُ، ولا توجد جماعة في مقام الصحابة أو في مقام أهل بدر، وقد وُجد ممّن كان حول الرسول ﷺ مَن هم من المنافقين، فكذلك كل جماعة يمكن أن يوجد فيها من هؤلاء ـ الصالحون وأفراد الطائفة الناجية موزّعون في هذه الجماعات وخارجها، ولذلك يجب التعاون مع هذه الجماعات كلها في كل خير تقوم به ومع غيرها ـ يجب إقناع هذه الجماعات أفراداً وقيادات أن التجربة أثبتت خلال ما يقرب من قرن عجْز كل جماعة على حِدَة عن استعادة الخلافة، ولا يمكن لهذا المشروع العظيم الذي يهمّ جميع المسلمين أن يتحقق دون تعاون المسلمين ـ أثبتت التجارب أن الهياكل السرية داخل بعض الجماعات، واستخدام الأساليب الاستخباراتية أضرارها كبيرة وفي أجواء السرية المظلمة قد يتسلق غير الأكفاء، وقد يسيطر الانتهازيون ويتحكمون في المفاصل، ويجندون الطاقات لخدمة تحالفهم، ويرفعون الموالين، ويستبعدون غيرهم ولو كانوا أكفاء صالحين؛ لذلك لا بد من نشر الوعي بأن السرية استثناء ولا تكون إلا بقدر الضرورة» .
الشيخ أحمد المعلم: يركز الشيخ على قضية أساسية وهي أن طالب العلم والداعية إلى الله ـ تعالى ـ كلٌّ منهما ينبغي «أن يصدق مع الله ثم مع نفسه، وأن ينطلق في أقواله وفتاواه ومواقفه من قناعاته الذاتية التي بناها على الأصول العلمية في البحث والنظر، وأن يراجع ويشاور من يظن أن لديه خبراً يمكن الاستفادة منه، لا أن تحركه العواطف وتستفزه الأحداث أو ضغوط الواقع أو رغبات الأتباع وميولهم، فيفتي أو يصرح بما يرى أنه يجمع به جماهير الأتباع، ويحافظ عليهم؛ فإن ذلك قد يصل إلى درجة المداهنة التي يظنها بعضهم فقط مذمومة إذا كانت مع الحكام والكبراء؛ فإن القول بخلاف ما تعتقد من أجل الإبقاء على مكانتك هو من المداهنة المذمومة سواء كان مع الأتباع أو المتبوعين» .
الدكتور عبد الستار سعيد: يذكر الدكتور بعض الدروس منها: «عدم الدخول في معارك جانبية استفزازية لأي قوة من قوى المجتمع ـ لا يصح أن نستعمل أساليب العنف والسلاح وما إلى ذلك إلا مع الأعداء الخارجيين؛ أما الداخل فسبيله الدعوة والنَّفَس الطويل، والصبر الجميل» .
س ٦: ما هي أهم المعوقات والمبشرات في طريق العمل الإسلامي؟
رغم كثرة المعوقات التي ورد ذكرها في مشاركات الضيوف الكرام، إلا أن المبشرات أيضاً كان لها نصيب وافر، وقد غلب على المشاركات التركيز على الواقع المحلي بحسب المشارك، إلا أن النظرة الإجمالية تعطي انطباعاً بتشابه أغلب الدول الإسلامية في كلا الأمرين: المعوقات والمبشرات.
الشيخ صادق عبد الماجد: اعتبر أن اتخاذ الدولة للشريعة الإسلامية دستوراً أمر يبشر بخير «رغم ما كان يعتوره في بعض الأحيان من قصور في المتابعة التامة بسبب تطاول الأحداث الداخلية والخارجية عليها مما أخذ منها حيزاً ضخماً من الجهد والوقت» وذكر أيضاً من المبشرات: «وقوف الشعب مع شرع الله وتأييده النابع من صميم ذاته للحكم بالإسلام مبشر آخر له أهمية قصوى ـ وهناك حركة التدين الآخذة في الصعود عند الشباب وفي الجامعات ومعاهد العلم - وتحتل الحركة الإسلامية مكانة ممتازة عند الجماهير بمواقفها وتاريخها الطويل النظيف مما يرشحها للتواجد المميز في المواقف السياسية والدعوية - يكرس اليساريون بكل أسمائهم نشاطهم في محاولة مستمرة للمساس بحركة العمل الإسلامي، ولكن دون تأثير يذكر» .
الشيخ محمد الزمزمي: يقول الشيخ: «في طريق العمل الإسلامي بتونس معوقات كثيرة وعقبات كأداء ليس من اليسير إحصاؤها أو حصرها في هذه العجالة، وحسبنا أن نذكر بعضاً منها: السلطة الحاكمة بما لها من اتجاه بل منهاج علماني إلحادي معاد للإسلام والصحوة الإسلامية ـ التيارات الإلحادية والعلمانية المتغلغلة في نخب المجتمع والدولة التونسية ـ ضعف الوعي بخطورة التيار العلماني على الإسلام لدى عموم المجتمع التونسي - سياسة الإبادة المنهجية المستديمة التي تتوخاها الحكومة ضد الإسلام والحركة والصحوة الإسلامية على الصعيد التعليمي والإعلامي والثقافي» .
ولكن مع هذه الصورة القاتمة، فإن الشيخ الزمزمي يرى في ثنايا الأزمة بريقاً يَعِدُ بخير، فيقول: «في هذا الظلام الدامس تشرق في تونس لوامع مبشرات عظيمة بظهور الإسلام من جديد نذكر منها: ظاهرة عودة الأجيال الجديدة إلى المساجد بكثافة هائلة رغم الإغلاق القسري للمساجد والجوامع في القطر التونسي كله ـ إصرار بنات تونس ونسائها على اتخاذ اللباس الشرعي رغم الحظر القانوني والملاحقة البوليسية المستمرة ـ سعي الأهالي إلى تعليم أبنائهم القرآن الكريم رغم العراقيل الحكومية، وإقبال الشباب التونسيين على الدراسات الشرعية في الجامعات الإسلامية بالخارج ـ تعطش أهالي تونس، نساء ورجالاً وشباباً، للمعرفة الشرعية؛ ويتجلى ذلك واضحاً في أسئلتهم واستفتاءاتهم الكثيرة، ومتابعتهم الشعبية الواسعة لبرامج القنوات الفضائية الإسلامية كقناة (إقرأ) وغيرها ـ إخفاق سياسة الدولة الإعلامية والدعائية في نفي الإسلام من المجتمع التونسي.
الشيخ محمد الصادق: يذكر من أهم المعوقات: «تزايد المؤامرات والأفكار الأجنبية وتزايد الفساد الناشئ عن ذلك ـ تنافر الجماعات الإسلامية، وتنافر الأجنحة داخل بعضها، واجتهاد بعضها في التحالف مع القوميين والاشتراكيين، مع عدم الاجتهاد في الأخذ بأسباب التنسيق مع الجماعات الأخرى ـ عدم اجتماع كلمة العلماء مما سبّب تعدّد الخطاب الديني ـ الترويج لبعض الشذوذات وتبنيها، كتولية المرأة ونشر الأغاني وحلق اللحى ونحو ذلك بحجة الانفتاح، والتعايش مع العلمانيين والمبتدعين ومع المنكرات والمفاسد بحجة التدرج والتسامح ... إلخ.
ويذكر الشيخ من مبشرات العمل الإسلامي: «تزايد أعداد الشباب الملتزمين بالدين باستمرار ـ تزايد أعداد طلاب العلم الشرعي، وتخرّج علماء جدد من بينهم ـ انتشار الوعي الإسلامي في مختلف القرى والمدن ـ وجود طلائع من كافة الجماعات أخذت تتبنى تعميق الأخُوَّة فيما بينها، وتدعو إلى ضرورة جمع الكلمة في ضوء الكتاب والسنة، ودائرة هذه الطلائع آخذة في الاتساع يوماً بعد يوم ـ وجود بعض المساعي للتنسيق بين العلماء» .
الشيخ أحمد المعلم: يبدأ الشيخ أحمد المعلم بالمعوقات فيذكر منها: «المرض العام المستشري لدى الجميع وهي الفرقة والخلاف والعصبية - عدم القدرة على استغلال الفرص المتاحة وهي كثيرة ولله الحمد ـ الاسترواح إلى الوضع الجيد الذي نعيشه اليوم دون التطلع لما يمكن أن يحدث في المستقبل، والتخطيط السليم له تخطيطاً بعيد المدى ـ استهداف الأعداء لليمن، واعتبارهم أنه من أمنع القلاع التي يتحصن فيها الإسلام ودعاته» .
ويذكر الشيخ من المبشرات: «سقوط معظم المؤامرات على اليمن وأهله، ورجوع المتآمرين على أعقابهم خائبين ـ انتشار الصحوة الإسلامية في جميع شرائح المجتمع اليمني وسائر بقاع اليمن - لم تعد الصحوة والتوجه السني هنا محصوراً في الشباب وحدهم، بل أصبح يضم كبار السن من جميع الشرائح، وكذلك تغلغل في الجانب النسوي بشكل كبير ووصلت آثاره ومظاهره كافة البيوت ـ هناك محاولات متنوعة لجمع الشمل وتوحيد الكلمة أسأل الله أن يتمها على خير» .
الدكتور عبد الستار سعيد: يذكر الدكتور عبد الستار معوقاً هاماً هو: «بطلان الحاسة الدينية في الجمهور، ومن ثم ينبغي أن نسهر طويلاً على إحياء الحالة الدينية في الشعوب؛ وبطلان الحاسة الدينية يجعل الناس لا يبالون بالدين ولا بالآخرة ولا بكلمات الله إذا قلتها لهم» .
أما المبشرات فيذكر منها: «لقد مرت على أمتنا أهوال لا تقل عن هذه الأهوال، والواقع أن هذه الأمة كانت تنتبه للخطر الداهم حينما تفاجَأ بالأحداث» .
الدكتور مصطفى حلمي: يلفت الدكتور مصطفى إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أن: «مظاهر الإسلام ما زالت بادية، وينبغي أن نقيس مقدار ثبات الأمة من خلال هذا التوازن، نعم! هناك كبوات ومزلات كبيرة وكثيرة، لكن لو وضعت في إطار حجم المكر نوعًا وكمّاً فلا شك أن الأمر يبشر بخير» . وذكر أيضاً من المبشرات أن: «الأجيال الجديدة رغم بُعدها عن الإسلام إلا أن شعورها بالحاجة إلى الإسلام يمكن أن يكون سبباً في عودتها وتمسكها نتيجة المعاناة الشديدة التي يعانونها من غياب الإسلام في المجتمعات» .
١ - نذكر على سبيل المثال قانون المساجد رقم ٣٤ لسنة ١٩٨٨م المؤرخ في ٣/٥/١٩٨٨م الذي سنته الحكومة التونسية وهو يقضي بمنع التدريس في المساجد وتسليط عقاب على المخالفين. وبموجب هذا القانون تعطلت رسالة المسجد في القطر التونسي، واقتصرت مهمة المسجد على الصلوات؛ فما تفتح المساجد إلا لدقائق معدودة لأداء الصلاة. أما ما عدا ذلك فالمساجد مغلقة الأبواب طوال الوقت.
٢ - راجع في ذلك كتاب بعنوان: (تونس. الإسلام الجريح) ، لمحمد الهادي مصطفى الزمزمي.
стр. 5032
الجميلة
مشعل الزهراني
تقابلنا في مصادفة غريبة، وكانت هي البداية، أحببتها ولم أدر ما شعورها تجاهي!.. رسمتُ مستقبلي معها ولا أدري ماذا سيكون مصيري! نظرت إليها بإمعان فإذا بي أرى حزناً غريباً يؤرقها، وألماً كبيراً يكسرها، لم أتمالك نفسي حينها، ولم أدع لفكري حدوداً في معرفة أسباب ذلك الحزن وذلك الألم الذي كان مرسوماً في كل جزء من جسمها.... حاولت الحديث معها ... فحالت بيني وبينها المسافات، حاولت مناداتها فلم أعرف لها اسماً، ولم أعرف لذلك الألم سبباً.
تلاشت عن أنظاري ولسان حالها يقول: «سأبقى لك ذكرى وقصة حزن لا تُنسى» .
مضت بي الأيام والسنون بما تحمله من أفراح وأحزان وآلام. فعندما أفرح أتذكر جميلتي القديمة وحسنها الجميل، وعندما أحزن وأتألم أتذكر ذلك الحزن والألم الذي لم أعرف له سبباً ... حاولت أن أنسى جميلتي فكان الإخفاق حليفي في كل سنيني.
شعرت بضيق فقررت الخروج من غرفتي، وعند بابها نظرت للمرآة، رأيت وجهاً شاحباً تجاعيده واضحة، وهرمه محزن، اقتربت من مرآتي مناجياً كعادتي ... كيف ستكون جميلتك إن كانت على قيد الحياة؟ ... وبابتسامة ساخرة ... لن تكون أحسن مني حالاً.
ولكن لماذا لم أنسها؟ ولماذا ذلك الحزن والألم الذي كانت فيه؟
آآآه ... إنني ما زلت أحدّث مرآتي كعادتي قبل خروجي، مكثتُ أنظر في أطراف مرآتي أبحث عن أجوبة لأسئلتي مبحراً بخيالي في أعماقها كعادتي، وإذا بطفلي الصغير يقطع كل أفكاري بصوت مرتفع ... إنهم يعذبونها ويقتلون أولادها أمامها ... أقبلت مذعوراً إلى باب غرفتي سألته: ماذا هناك يا بني؟
فأجابني بعبرة تخنق صوته البريء: انظر يا أبي!
فكانت المفاجأة!! إنها جميلتي القديمة وحبي الماضي الحزين رأيتها مجدداً بعد كل هذه السنين، إنها ما زالت جميلة ولكنها أسوأ حالاً مما مضى، فحزنها شديد، ودماؤها تسيل، أبناؤها مقتولون حولها، تضم هذا تارة وتبكي على هذا أخرى ... لم أشعر بنفسي وقتها ولم أتمالك أعصابي، قطبت جبيني من الخوف والشهقة تملأ صدري!! من فعل بك كل هذا؟ لماذا يقتلون كل أولادك؟
وكانت أول كلمة أسمعها منها: «أنجدوني!» إنهم يتجهون نحوي ... نظرت في دهشة وخوف، فإذا بمجموعة من متوحشي البشر يتجهون نحوها، ويمسكون بها والفرحة تعلو محياهم، فأخذوا يضربونها ويعذبونها، بدت ملامحها الجميلة تتلاشى وتنتهي عندما شرعوا في تمزيق جسدها بكل وحشية وقسوة.
أقبلت مسرعاً نحوها، أحاول مساعدتها وهي تنظر إليّ وكأنها تقول: (لقد تقطعت خيوط الأمل لدي ... ماذا سيصنع لي شيخ بلغ من العمر عتياً..؟
صرخت قائلاً: أرجوك أخبريني من تكونين ... ؟
عندها أقفل طفلي الشاشة الصغيرة والدموع على خديه وهو يقول: إنها فلسطين الجريحة يا أبي ... !
عندها أدركت عدم نسياني لها، وأيقنت أن الأمل ما زال موجوداً في دموع طفلي الصغير الذي سيخلّص جميلتي من كربها بعد عون الله له.
стр. 5033
هل تذيق حماس «دولة العدو» السم الذي تجرعه الخميني ؟!
أمير سعيد
من بين أصعب القرارات وأشدها ألماً للنفس قرار يستدعي الطرف الأقوى تسليحاً وعدداً للوقوف معلناً أنه قد ذاق مرارة الهزيمة، وأنه بسبيل الإذعان لمطالب العدو أو حتى بعض مما كانت تتأبى عليه كرامته أن يقبل بمجرد التفكير بالتفاوض حولها.
فقبل ثمانية عشر عاماً كانت الصواريخ تنهمر على عاصمتي إيران والعراق؛ كلٌّ ترد للأخرى «الهدية بأحسن منها» ، وكل منهما كانت قد طورت أنظمتها الصاروخية بحيث أصبحتا تنشران الرعب جوار المؤسسات والمنشآت السيادية في طهران وبغداد فضلاً عن بث الرعب بين مواطني الدولتين.
استمرت الصواريخ تسقط، وبدأت مرحلة عض الأصابع بين العاصمتين تدخل مرحلتها الأخيرة، وعلاوة على انتكاسات عسكرية مني بها الجانب الإيراني في الفاو وغيرها، واتساع رقعة الصراع ليمتد إلى ناقلات النفط، ويجرها إلى حلبة الصراع فيما عرف بحرب الناقلات التي سمحت للولايات المتحدة بالتدخل المباشر في الخليج العربي؛ فقد كان لزاماً على هذه الحرب المجنونة أن تتوقف.. وتوقفت بعد أن حملت «حرب المدن» الزعيم الإيراني الخميني على الإذعان لنداءات وقف الحرب.
وقف الخميني ـ فيما كان وطيس الحرب حامياً ـ ليعلن بكل أسى: «إنني أتجرع السم؛ وأوافق على وقف النار» . كان السم وقتها يعني التوقف عن مقتل مئات الآلاف من الطرفين إضافة إلى أضعافهم من المعوقين والمشردين.
وكان العامل الأقوى في الصراع هو تلك الصواريخ التي أحالت طهران جحيماً لا يطاق.
والصواريخ مثلما عرفتها الاستراتيجية العسكرية سلاح قد لا يوقع أعداداً كبيرة من القتلى، لكنه قادر على أن ينشر الرعب والهلع لأكثر من مداه.
في حروب العراق والولايات المتحدة، وفي سباق التسلح الباكستاني/الهندي يجري الحديث عن صواريخ بمدى طويل لطبيعة أرض المعارك وضرورة امتداد المدى في كثير من الأحيان لبضعة آلاف من الكيلو مترات، لكن ما الظن بمعركة لا يمتد طول قطر دائرة صراعاتها عن عشرات الكيلو مترات أو بضع مئات منها؟
إن جرى الحديث عن فلسطين ومعجزاتها الصاروخية فإننا نستطيع أن نقول كلاماً يتجاوز بدائية ومحدودية الصناعة الصاروخية للمقاومة الواعدة إلى الفكرة الخلاقة وضخامة الأثر، وهكذا دائماً يتجه الحديث العسكري إلى تأثيرية الفعل لا إلى قوته المجردة.
ومن ثم فإن الحرب الدائرة الآن في قطاع غزة المحتل ترغم الكاميرا على الالتفات بعيداً عن العراق وثورته المائجة قليلاً لتسجل روعة الفعل المقاوم حين يصنع من أنابيب وسكر وكحول سلاحاً استراتيجياً فعَّالاً يقلب الموازين، ويلتقط بخفة السلاح من يد الخصم.
في الآونة الأخيرة أطلقت عشرات من صواريخ المقاومة الفلسطينية على مغتصبات صهيونية متعددة وبعض من الآليات العسكرية المتوغلة في المدن والبلدات الفلسطينية؛ فقد أطلقت كتائب عز الدين القسام صواريخ من طرازي القسام وناصر (المتطور) خلال الأيام القليلة الماضية على بلدة سديروت الواقعة في جنوب الكيان الصهيوني، فقتلت شخصين، وأصابت ١٤ آخرين على الأقل وفقاً لإذاعة إسرائيل ناشيونال نيوز (٢٨/٦/٢٠٠٤م) ، وسقط صاروخان بالقرب من رئيس الوزراء الصهيوني آرييل شارون أثناء زيارته لسديروت (على بعد مائتي متر فقط) برغم أن الزيارة كانت سرية للغاية.
وأطلقت كتائب القسام عدداً من صواريخ القسام قرب طريق كيسوفيم الاستيطانية جنوبي غزة (يلاحظ هنا التنوع ما بين جنوب وشمال غزة) ، كما أصيب مستوطن صهيوني إثر انفجار قذيفة هاون أطلقها مقاومون فلسطينيون على مغتصبة (نيفي ديكاليم) في تجمع جوش قطيف الاستيطاني الصهيوني جنوبي قطاع غزة (يلاحظ هنا التنوع ما بين الصواريخ والهاون) ، كما قصفت المقاومة الفلسطينية منطقة كريات تشينوتش الصهيونية بصواريخ القسام، واعترف جيش الاحتلال الصهيوني بإطلاق مقاومين فلسطينيين صاروخين مضادين للدبابات لدى مرور رتل عسكري صهيوني في شوارع بيت حانون خلال الأسبوع الأول من شهر يوليو (يلاحظ استهداف أهداف متحركة أيضاً) ، كما أطلق مقاتلون تابعون لسرايا القدس صاروخين من نوع سرايا (٩/٧/٢٠٠٤م) على الموقع العسكري الصهيوني المقام داخل مغتصبة (نيفي ديكاليم) الذي يضم مقر قيادة الاحتلال في المنطقة الجنوبية غرب خان يونس، كما أتبعتها كتائب القسام بقذائف هاون في اليوم التالي.
كل هذه الهجمات المتتابعة أعطت بُعداً مغايراً للصراع الإسلامي/اليهودي في فلسطين مرده أن هذا السلاح الذي بدأت حماس في استخدامه منذ سنوات قد غدا بحق أحد أهم عناصر الضغط على الكيان الصهيوني، وبدلت طرفي المعادلة بعد أن ظن اليهود والمرجفون أن استشهاد قادة حماس وتأخرها في الرد على اغتيالهم داعٍ إلى الحسبان بأن حركة حماس فقيرة إلى رد موجع يعيد إليها زمام المبادرة العسكرية في طريق التحرير.
` صاروخا ناصر والقسام:
مثل كل البدايات «العصامية» كانت تجربة حماس التي بدأتها قبل ثلاثة أعوام مع السلاح الصاروخي (تحديداً في إبريل ٢٠٠١م حين أطلقت أول صاروخ نحو مغتصبة سديروت) : صاروخ بدائي من صنع محلي لا يتوافر على قدر كبير من التصويب الحاذق، فلم تكن إصاباته دقيقة، وأخطأ أكثر مما أصاب أهدافه، وقدر الله أن تكون هذه هي البداية لكي لا يستحوذ على الاستراتيجية العسكرية الصهيونية.
كانت التجربة بحد ذاتها جد مثيرة: مطاردون مطلوبون ليل نهار، مناط بهم أن يحموا قادتهم، ويحموا البنى السياسية والاجتماعية لحركتهم ولشعبهم. في الوقت ذاته الذي يطلب منهم أن يردوا على العدو عدوانه، ويحدُّوا من غلوائه. في هذا الوقت بالذات ـ وفي وقت غدت العمليات الاستشهادية عزيزة بفعل التضييق الأمني الشديد ـ كان على كماة حماس أن يبحثوا عن سبيل آخر لمناجزة أعدائهم الصهاينة؛ وكان الطريق الصعب هو الأنجع، وكان التحدي.
بالفعل يصعب أن تنجح التجربة من أول مرة، لكن النجاح الأكبر والتحدي الشاق هو كيف تتوافر لدى كتائب عز الدين القسام الذراع العسكري لحماس صواريخ تثير في الصهاينة الرعب؟ (ربما شجعت مشاهد الرعب الذي أحدثته صواريخ سكود العراقية إبان حرب الخليج الثانية الفلسطينيين على تكرار التجربة العراقية) . وعليه فقد قام مهندسو الكتائب بتصميم أول نموذج لصاروخ القسام، ونجحت تجربته الأولى.
ولم يكن مهندسو كتائب عز الدين القسام بانتظار مكافآت مجزية أو رفع لرواتبهم «الافتراضية» فليس لهم من ذلك نصيب؛ بل حسبهم أن يأتي الرفع لمنزلتهم دون الحطام، وهذه هي البيئة الروحانية الوحيدة التي يمكن من خلالها إحداث تطوير للصواريخ؛ إذ أن لعلعة الرصاص لا تخطئها المسامع، والعمل يجري على قدم وساق.
بعد (قسام ١) نجحت كتائب عز الدين القسام في تطويره تحت اسم (قسام ٢) ، وبعد أن تخففت الكتائب من عبء توفير الحماية الشخصية لعدد من رموز الحركة ارتقوا إلى السماء تمكنت الكتائب من تطوير صاروخ جديد يعد الجيل الثالث من صواريخها أسمته (ناصر ٣) نسبة إلى القائد الإسلامي العظيم الناصر صلاح الدين الأيوبي، وهو صاروخ تقول عنه القناة السابعة الصهيونية: «إن الصاروخ ناصر ٣ يحمل رأساً متفجراً يزن ثلاثة عشر كيلو جراماً، وهو ما لم يكن موجوداً في الصاروخين السابقين (قسام ١) ، و (قسام ٢) ، ويزيد مداه عن ١٥ كيلو متراً. «ناقلة عن خبراء صهاينة قولهم إن المادة التي صنعت منها الرأس الحربية هي نفسها التي يستخدمها القائمون بالعمليات التفجيرية» .
أما صاروخ القسام ذاته فيقول عنه الخبير العسكري الصهيوني «عمير ربابورت» في مقال نُشر له في صحيفة «معاريف» الصهيونية (٢/٧/٢٠٠٤م) : «طوله متر ونصف، وزنه ٣٠ كغ، أما المادة المتفجرة التي تطلقه فيعدونها على نحو مرتجل داخل قِدر مع الكثير من السكر، هو أيضاً بدائي جداً وغير دقيق جداً، ومع ذلك كله أحدث خلال الأسابيع الماضية الكثير من الإحباط للقادة في جيش الاحتلال الذين سألوا: ماذا نفعل مع القسام؟» .
وتقول عنه شبكة التلفزة الأمريكية (CNN) : «هو عبارة عن قذيفة طولها ٦ أقدام (١٨٠ سم تقريباً) ، مصنعة من مزيج من السكر، الزيت، الكحول، والأسمدة العضوية. ينطلق الصاروخ من أنبوبة طولها حوالي متر، وقطرها ١٢٠ ملم، ويستخدم من ٤ إلى ٦ كجم متفجرات لإطلاقه، ويتم ضبطه من بُعد، وهو ما يحمي المقاتلين من رد فعل صهيوني على موقع الانطلاق» .
وبقدر ما تقف الاستراتيجية الصهيونية عاجزة حتى الآن عن التصدي للقسام؛ بقدر ما يتحرك ذراع حماس العسكري باتجاه مزيد من الإنجازات التصنيعية العسكرية، وفي هذا الصدد يبدو أن ألوية الناصر صلاح الدين التابعة لحركة حماس والمسؤولة عن تطوير الصاروخ (ناصر ٣) لا يتوقف سقف طموحها عند مدى ١٥ كيلو متراً الذي وصل إليها الصاروخ الجديد؛ فلقد صرح الناطق باسم الألوية «أبو عبير» في مطلع هذا الشهر (٣/٧/٢٠٠٤م) بأن الصاروخ «من تصنيع الأيدي الإسلامية المتوضئة، وصنع في فلسطين وفي داخل قطاع غزة من مواد بسيطة، وليس ـ كما يزعم العدو الصهيوني ـ يأتي عبر الأنفاق. متعهداً في ذات الوقت بأن يواصل مهندسو الألوية بتطوير هذه الصواريخ كي تصل إلى أبعد مدى، والصاروخ القادم سيكون مداه ٤٥ كيلو متراً ـ بإذن الله ـ» .
` كاتيوشا حزب الله، وقسام حماس:
قد تكون صواريخ كاتيوشا اللبنانية التي أطلقها حزب الله أزعجت الكيان الصهيوني، لكنها لم ترغمه على الانسحاب من الجنوب اللبناني؛ فبين هذا وذاك بون شاسع تتشابك في ساحته العديد من العوامل والمصالح الاستراتيجية والسياسية والدينية لكلا الطرفين ما لا يجعل صواريخ كاتيوشا الحزبية هي أفعل مؤثر في الانسحاب الصهيوني من الجنوب اللبناني. بيد أن المشهد الفلسطيني يغاير كثيراً ما جرى في الجنوب اللبناني؛ فما يحمل الصهاينة على الانسحاب من جزء ركين من دولتهم المزعومة هو الفعل العسكري الأيديولوجي، وفي قلبه العمليات الاستشهادية وعمليات إطلاق الصواريخ القسامية. وإذ خفت الأولى كثيراً؛ فقد ازداد ألق الأخيرة، وتلك تتحدث عنها صحيفة معاريف الصهيونية (٢٨/٦/٢٠٠٤م) قائلة: «إن ما حدث في جنوب لبنان يحدث الآن في غزة؛ فبينما كان مقاتلو حزب الله يقومون بإطلاق النيران على الجيش حتى بعد إعلان انسحابه فإن الفلسطينيين يقومون بنفس الأمر لكن على نطاق أوسع وأقوى» . (وهذا يومئ إلى أن صواريخ كاتيوشا في الجنوب اللبناني قد حظيت باهتمام إعلامي عالمي أكبر بكثير من حجم فعاليتها الاستراتيجية مقارنة بصواريخ قسام ١، ٢ وناصر٣) .
على أية حال فإن (قسام وناصر) قد أحدثا شرخاً عميقاً في الاستراتيجية الصهيونية العسكرية حدت بها أن تفكر في تكرار تجربة «الحزام الأمني» في الجنوب اللبناني بكل ما تستجلبه من مرارة وألم، وسرعان ما أثارت الخطة الأمنية التي أقرتها حكومة شارون بإقامة ما يسمى بحزام أمني بعمق ٨ كيلو مترات يطوق قطاع غزة ـ مخاوف العسكريين الصهاينة من تكرار ما جرى في الجنوب اللبناني، فقد نقلت إذاعة جيش الاحتلال الصهيوني عن بعض القادة العسكريين مخاوفهم من تكرار ما وصفوه بخزي لبنان في قطاع غزة، واستشهدت بتصريح لأحد الضباط الصهاينة ـ الذي لم يُكشف عن هويته ـ جاء فيه: «الحزام الأمني المزمع التصويت على إقامته عند مدينة بيت حانون الفلسطينية قد يكون كارثياً على الجيش الإسرائيلي» ، مؤكداً أن «الحزام الأمني سيتطلب وجود أعداد كبيرة من الجنود في المنطقة الواقعة بين مستوطنة سديروت وبيت حانون وهو ما سيسهل للفلسطينيين إلقاء صواريخ القسام عليهم بدلاً من قصفها على عسقلان وسديروت» ، وثنَّت بتساؤل لضابط آخر: «هل يريد شارون وموفاز تكرار أخطاء باراك في الجنوب اللبناني؟ الحزام الأمني ليس أمراً جيداً لإجبار الفلسطينيين على عدم إطلاق صواريخ القسام» .
هذا إذن يصور بدقة كيف أن القسام يُطِير صواب القادة العسكريين الصهاينة، ويذكرهم بالجنوب اللبناني، لا بل بالتأكيد بأكثر بكثير من الجنوب اللبناني؛ لا لشهادة العسكريين الصهاينة أعينهم، وإنما للرقعة المتسعة التي تتجاوز بها الصواريخ القسامية بمراحل تهديدات الكاتيوشا اللبنانية، وللأهمية الاستراتيجية للأهداف الصهيونية المستهدفة بلدات رئيسة ومغتصبات عديدة في الضفة والقطاع وحتى داخل فلسطين ٤٨، وحتى أماكن سيادية واستراتيجية حساسة في العمق الصهيوني.
` الأثر النفسي لصواريخ القسام:
«كم هي رهيبة دائرة القسام هذه» ، إلى هذا خلص (إيتان هابر) مدير مكتب رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق إسحاق رابين في مقال نشر له في جريدة يديعوت أحرونوت العبرية (١/٧/٢٠٠٤م) معتبراً أن «القضاء على المقاومة الفلسطينية التي تتصاعد شيئاً فشيئاً في عملياتها، وتطوير قدراتها القتالية أمر مستحيل التحقيق» .
اليأس لدى الجانب «الإسرائيلي» لا شك أنه أول نتائج القصف الصاروخي القسامي وأكثرها فتكاً، وهو ما يستشف من كلمات المسؤول السابق الذي استخف بكل محاولات النيْل من صواريخ القسام بقوله: «إنهم يقصفون الآن المخارط التي استُخدمت لتصنيع صواريخ القسام؛ رغم أنني لست مطلعاً على المعلومات السرية المتوفرة لدى جهاز الأمن العام [الشاباك] حول عدد المخارط القائمة في قطاع غزة، وأشك بوجود من يعرف عددها؛ فأنا مستعد لوضع يدي في النار، والادعاء بأنهم حتى إذا قصفوا كل المخارط، وظهر رئيس الحكومة ووزير الدفاع بتأثر، وقالوا أمام عدسات الكاميرات اللامعة: إنه لم يعد أي وجود للمخارط في مخيم جباليا وحتى مخيم الشابورة في القطاع، عندها أيضاً سيجد الفلسطينيون طريقة للمس بنا؛ لقد بدأ الفلسطينيون بعمليات طعن بالسكين، وإلى هذه العمليات سيعودون، هل يوجد بيننا من نسي أيام الرعب في شوارع تل أبيب عندما كنا نعتقد أن كل شخص يسير خلفنا هو منفذ عملية يحمل سكيناً لطعننا؟ هل نسينا طلبة (حولون) الذين طُعنوا بقسوة وهم في طريقهم إلى حفل البوريم؟ المسلح الذي يعتبر نفسه مناضلاً من أجل الحرية وليس لديه ما يخسره سيحارب بكل ما يمتلكه من وسائل: بالحجارة، بكل ما في متناول يده، كل ما يخيف ويهدد الخصم، أما نحن فنستخدم في ردنا طائرات إف ١٦، وأرتال الدبابات، عيون مئات المجندين والمجندات تتابع ليلاً ونهاراً امرأة عربية تحمل سلة، أو طفلاً قد يحيط جسده بحزام ناسف. إننا ننمي هذه الأيام الجيل المقبل من المسلحين؛ فهل سيستغرق ذلك سنة.. خمس سنوات ... عشر سنوات.. إن لديهم كل ما يتوفر في العالم من وقت، كم هي رهيبة دائرة القسام هذه» .
اليأس نفسه تجده عند المغتصب العادي في مغتصبات سديروت التي أُمطرت الأسبوع الماضي بصواريخ القسام وناصر، فوفقاً لتقرير لكتائب عز الدين القسام فإن «صواريخ القسام تثير الخوف لدى سكان سديروت؛ فالآباء يخشون إرسال أبنائهم إلى المدارس، والعائلات تخشى الجلوس على الشرفات، ويعمل العاملون الاجتماعيون والاختصاصيون النفسيون هذه الأيام ساعات إضافية في محاولة لإعادة الحياة إلى طبيعتها، وقد وصل القلق ذروته عندما سقط صاروخ قسام داخل مدرسة في المدينة قبل وقت قصير من انتهاء الاستراحة، وبدؤوا يتحدثون في سديروت علناً عن أن عائلات لم تستطع الصمود أكثر، وغادرت» .
` التحرك السياسي ضد القسام:
عقب العمليات الفائقة التي نفذتها مجموعة «تلاميذ يحيى عياش» التي انبثقت بصورة مؤقتة عن كتائب القسام في أعقاب اغتياله أواسط تسعينيات القرن الماضي استدعت الولايات المتحدة الأمريكية دول الطوق في منتجع عربي، وأوعزت ـ بضغط عربي ـ إلى ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية التحرك لقمع حركة حماس لا سيما ذراعها العسكري الذي ضاقت «إسرائيل» به ذرعاً.
الآن، قواعد اللعبة برمتها قد تغيرت، وأصبحت السلطة الفلسطينية أضعف من أن تؤثر في حماس، كما أن العرب غير مسموعي الصوت لدى حركة حماس التي أتت رياح الاغتيال التي نفذت بحق قياداتها بما لا تشتهي السفن الصهيونية والعربية، فصارت لا يثقلها وجود سياسي، ووجدت نفسها متحررة من أي ضغوط من الممكن أن تمارس ضدها.
وحين تطايرت صواريخ القسام فوق رؤوس مغتصبي سديروت لم يجد الكيان الصهيوني من سبيل سوى التحرك باتجاهين سياسيين في غياب نجاعة الاتجاه العسكري الذي مني بإخفاق ذريع:
الاتجاه الأول: كان باتجاه مصر؛ إذ زعمت صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية (٥/٧/٢٠٠٤م) أن رئيس جهاز المخابرات المصري اللواء عمر سليمان أعلن لدى لقائه بالقاهرة بأعضاء حركة «ياحد» الصهيونية أن مصر تجري اتصالات مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي في محاولة لوقف إطلاق صواريخ القسام باتجاه المغتصبات.
لكن حركة المقاومة الإسلامية حماس قالت: إن صواريخ القسام التي يطلقها جناحها العسكري هي إحدى وسائل المقاومة لمواجهة العدوان الصهيوني، رافضة أي ضغوط لوقف إطلاقها.
والثابت أن الناطق الإعلامي باسم حماس سامي أبو زُهري كان سياسياً فوق العادة حين نفى من خلال موقع الحركة أن تكون هناك أي اتصالات عربية بالحركة لوقف إطلاق هذه الصواريخ قاطعاً بذلك الطريق أمام أي ضغوط قد تمارس ضد الحركة معلناً أن «المشكلة في الاحتلال وليس في المقاومة، وإن أي جهود يجب أن تنصبّ لإنهاء الاحتلال، وليس للضغط على المقاومة» ؛ مما أجبر الكيان الصهيوني على تلمس اتجاه آخر للضغط على حماس بهذا الخصوص.
الاتجاه الثاني: كان باتجاه الحركة نفسها، تحديداً عبر الشيخ حسن يوسف أحد قادة حركة حماس المعتقلين في سجون الصهاينة منذ أكثر من عامين، والذي أماطت الحركة اللثام عن محاولات صهيونية للتفاوض معها عن طريق الشيخ الأسير؛ حيث نقل من سجن بئر السبع إلى سجن عوفر الذي يتواجد به كبار ضباط الاستخبارات الصهاينة الذين حاولوا عبثاً أن يدفعوه للقبول بالتفاوض معهم للوصول إلى حل يعيد الهدوء للمنطقة.
وقد تزامنت هذه المحاولة (٢٨/٦/٢٠٠٤م) مع القصف المتقطع على مغتصبة سديروت بصواريخ قسام وناصر؛ وهو ما يشير لاحتمالية ارتباطهما معاً لجهة اشتعال الصهاينة غيظاً لعجزهم عن إيقاف قذائف الرعب الحماسية.
ولا نشك أن القطاع بعد هذه الهجمات قد صار مزعجاً على نحو لم يسبق له مثيل؛ مما جعل الكيان الصهيوني يبحث بكل سبيل عن حل يضمن تحييد القطاع ولو استدعى الأمر التفريط بشيء من «السيادة الصهيونية» المزعومة التي تفرض على الصهاينة عدم التفريط في مراقبة حدودها، وهو الأمر الذي بدت «إسرائيل» غير ممتنعة عن بحثه خلال زيارة قالت معاريف العبرية الأسبوع الأول من يوليو إن الجنرال المتقاعد عاموس جلعاد أبرز مستشاري وزير الدفاع شاؤول موفاز قد قام بها إلى مصر، والتقى خلالها وزير المخابرات المصرية الجنرال عمر سليمان، وناقشا موضوع تحييد «إسرائيل» عن السيطرة على المنطقة الحدودية بين قطاع غزة ومصر إذا تم الانسحاب.
` سلاح ردع استراتيجي وواقع جديد على الأرض:
ترسانة صاروخية أطلق منها إلى الآن أكثر من ٣٥٠ صاروخاً، هي قمينة بأن تستحوذ على اهتمامات الباحثين في بلد يلفه الحصار من كل جانب.
والغريب أن الطرف المهيض ـ أعني المسلمين ـ هم الطرف الأقل اكتراثاً بإبداء الإعجاب بهذه العبقرية الفلسطينية الحربية، ولكي نضع أنفسنا في موضع أكثر تفهماً لقيمة هذا الإنجاز الذي حققته كتائب عز الدين القسام ينبغي أن نلحظ ما يلي:
- إن أنظمة صواريخ (قسام ١، ٢ وناصر ٣) استطاعت الالتفاف على جدار الفصل الصهيوني العنصري؛ فما أن أوشكت سلطات الاحتلال الصهيونية على إنجاز الجدار والتحرر نوعاً ما من عبء العمليات الاستشهادية حتى عاجلها كماة القسام بنجاحهم في إصابة أهداف أكثر خطورة وإلحاق أضرار فعلية بالمغتصبين الصهاينة.
- إن خفة وبدائية تصنيع هذه الصواريخ وسهولة الحصول على موادها الخام مكّن الكتائب من توفيرها في أماكن مختلفة من فلسطين؛ ففضلاً عن نجاح الذراع العسكري لحماس في إطلاق هذه الصواريخ من شمال وجنوب قطاع غزة استطاع أترابهم في الضفة الغربية إطلاق عدد منها وإن كان في هذه المرحلة يعد ضئيلاً قياساً بغزة؛ بسبب إحكام الصهاينة سيطرتهم على الضفة (تأمل كتائب القسام بعد رحيل جزء كبير من القوات الصهيونية في الضفة بعد إتمام بناء الجدار في وضع أكثر استقلالاً من الوضع الحالي، ومن ثم اتساع هامش التحرك باتجاه تصنيع وإطلاق صورايخ القسام) .
والآن، ومع زيادة مدى الصواريخ القسامية إلى ١٥ كيلو متراً؛ فإن القدس وتل أبيب والعفولة والخضيرة وبيسان ونتانيا إضافة إلى سديروت وغوش قطيف (على حدود غزة) وعسقلان وغيرها قد أضحت في مرمى الصواريخ القسامية، وإذا نجحت ألوية الناصر صلاح الدين في إطالة مدى الصاروخ ناصر ٣ ليصل إلى ٤٥ كيلو متراً فإن الأمر سيصبح بالغ الحرج بالنسبة إلى الكيان الصهيوني؛ إذ سيصبح معظم تراب فلسطين تحت «المظلة الصاروخية القسامية» .
- إن ما يحيط بصناعة وإطلاق صواريخ القسام من سرعة تصنيعها وقصر المدة المطلوبة لنصبها وإطلاقها (١٥ دقيقة) جعل كلفة رصدها باهظة، وجعل أصحابها ليسوا بحاجة إلى إنتاج العديد منها إلا «بحسب الطلب» ، وهذا صعب من مهمة رصدها، ومكنها من أن تكون «سلاحاً استراتيجياً» يراوغ أعداءه.
إن خطر أنظمة الصواريخ القسامية قد ذهبت بألباب أعداء حماس في فلسطين وخارجها، فتطايرت تصريحاتهم المحذرة من ذلك؛ وجاءت كما يلي:
ـ «عمير ربابورت» الخبير العسكري الصهيوني حذر في مقالته التي نشرتها صحيفة «معاريف» الصهيونية (٢/٧/٢٠٠٤) : «منذ يوم الإثنين أصبح هذا الصاروخ خطراً محسوساً، ومشكلة شبه استراتيجية، تزعزع فروضاً أساسية في طُرز عمل الجيش المحتل في القتال في المناطق» .
ـ مصدر عسكري صهيوني رفيع المستوى في قيادة جيش الاحتلال نقلت عنه الإذاعة الصهيونية قوله: «من الناحية العسكرية يصعب وقف إطلاق القذائف الصاروخية من طراز قسام؛ علماً بأنها أنشأت واقعاً جديداً في المنطقة» .
ـ رئيس بلدية مستعمرة سديروت «الإسرائيلية» إيلي موايل حذر أعضاء حكومة شارون من أن سكان مستعمرته يخططون للرحيل عنها نتيجة استمرار عمليات إطلاق صواريخ القسام نحوها من قِبَل المقاومين الفلسطينيين وفقاًَ للإذاعة ذاتها (٤/٧/٢٠٠٤م) .
ـ «الراجمات البدائية تحولت إلى صواريخ اسمها القسام مداها أصبح أطول من السابق، الآن أصبح مدى القسام يصل حتى مزرعة شارون في النقب تقريباً، وما زال الإحراج الأكبر أمامنا» . الكاتب جدعون سامت بصحيفة ها آرتس (١/٧/٢٠٠٤م) .
ـ «تصفه (صحيفة) الـ (TIMES) البريطانية بأنه: الصاروخ البدائي الذي قد يغير الشرق الأوسط، و (تعتبره شبكة التلفزة الأمريكية) (CNN) بأنه الورقة الشرسة في الشرق الأوسط. وتقول (عنه) مراسلة الـ (CNN) بأن الأمر «غير واضح» كيف يمكن لهذه الصواريخ البدائية أن تؤثر في التوازن العسكري الصهيوني الفلسطيني، وتجعل هذه القوة العالية تقف عاجزة بلا حيلة. أما الـ (BBC) فتقول بأنه نقلة استراتيجية تنخر في القوة العسكرية الصهيونية الفائقة، أما (بن أليعازر) وزير الدفاع الصهيوني فيقول: «إنه مستوى جديد من التهديد» . (نقلاً عن موقع كتائب عز الدين القسام) .
` والحل أيضا معضلة:
ذهبت «إسرائيل» لحل مشكلة العمليات الاستشهادية إلى بناء الجدار الخرساني العازل، فكرست نوعاً من الاستقلال الفلسطيني، وعمدت إلى إقامة الجدار الأمني «البشري» حول غزة بعمق ٨ كيلو مترات، وهذا لن يزيدها إلا خساراً بتعريض ضباطها وجنودها لمزيد من الهجمات، فالحل بحد ذاته معضلة من جهة أخرى.
ومن يزر فلسطين اليوم يظن أنها قد احتُلت من شهور فقط لفرط ما يجد من حيوية المقاومة وفعاليتها وحماسة نشطائها المحتسبين ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] ، والذي يطل على جبل جنين يخال القسام حياً يقف يهتف بأنصاره ـ كما فعل قبل ٦٨ عاماً ـ «موتوا في سبيل الله» ، «وإنه لجهاد: نصر أو استشهاد» . أيا قسام العز! عرفتك فلسطين الطاهرة خطيباً ومربياً، ثم مجاهداً فشهيداً، ثم استحال الجسد البار صاروخاً يرعب القطعان ويزلزل عمقهم الاستراتيجي، وتلك حكمة الله فيمن يحمل روحه رخيصة فوق راحته؛ يستمطر بها نصر الله أن يبقي الله من أثره لأعدائه ما يسوؤهم؛ بذا قضت حكمة المولى القدير.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] .
стр. 5034
فضائية الحرة
يحيى أبو زكريا
فضائية الحرة لا تندرج في سياق تحسين الصورة الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي، وإزالة ما علق في العقل العربي والإسلامي عن أمريكا المقرونة دوماً بالشرّ عربياً وإسلاميّاً، بل تهدف إلى صياغة رأي عام في الخارطة العربية وبلغة يفهمها مائتا مليون عربي، وتهدف أيضاً إلى الترويج للأطروحة الأمريكية ورؤيتها للأشياء، والترويج لنموذجها الثقافي والحضاري والاجتماعي والمسلكي وأيضاً بلسان عربي فصيح. ومما لا شك فيه فسوف يستغل خطاب فضائية الحرّة الإعلامي كما هو السياسي الفقر الضارب أطنابه في البلاد العربية والإسلامية والجوع والكساد الاقتصادي وانعدام الرفاهية والحريّة والديموقراطيّة على حدّ سواء، ويحاول هذا الخطاب التسلل إلى العقل العربي والمسلم ليقدّم البديل لشعوب مسجونة من طنجة إلى جاكرتا؛ وبالتأكيد فإنّ هذا البديل سيكون أمريكيّاً ممّا لا شكّ فيه.
وستكون فضائيّة الحرّة فصيلاً من فصائل المارينز ينظر إليها كفيلق عسكري يؤدّي دوره الأساس في التمهيد والتمكين للمشاريع الأمريكية المقبلة في العالم العربي والإسلامي. صحيح أنّ العرب القيّمين بشكل غير مباشر على هذه القناة والمؤتمرين بأوامر غرف خاصة في البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأمريكية سيوهموننا أنّهم موضوعيون وحرفيون ومهنيون ولا ينحازون إلاّ للحقيقة، لكنّها خدعة أمريكية بحتة الغرضُ منها الحصول على بعض الصدقيّة في الشارع العربي الذي يكره أمريكا إلى النخاع.
وفضائية الحرّة لا تهدف إلى نشر الحرية والدمقرطة في العالم العربي بقدر ما تهدف إلى إيجاد تفسير جديد للغطرسة الأمريكية في بلادنا العربية والإسلامية، وفوق هذا وذاك ستكون فضائية الحرة أداة ضغط جديدة تضيفها واشنطن إلى كل أدوات ضغوطها على حكامنا، وأي نظام رسمي يفكّر في الخروج عن الطاعة الأمريكية فسوف تكون فضائية الحرّة جاهزة للضغط عليه بوسائل يعرفها الجميع وعبر البرامج السياسية المرتبة والمتفق عليها سلفاً.
ويبقى القول إنّه في الوقت الذي جاءتنا فيه أمريكا إلى عقر دارنا بالدبابة والإعلام فإننا ولحدّ الآن نصرف أموالنا على توافه الأمور بدل صرفها على مشاريع جادة من قبيل مخاطبة الغربي بلغته التي يفهمها، ولا يحق لنا بعد ذلك أن نتساءل: لماذا انتصرت أمريكا في واقعنا العربي والإسلامي؟ ولماذا انتصر اللوبي العبري في الغرب؟
стр. 5035
اللعبة الإيرانية في العراق
حسن الرشيدي
والعراق اليوم عراق دموي مخضب تختلط فيه الأشلاء والدماء: تفجيرات يذهب ضحيتها العشرات ولا تترك مدينة سواء في الشمال أو الجنوب فضلاً عن وسط العراق إلا وقد نالها نصيب من هذه الأعمال الدموية التي لا ترحم، اغتيالات تخلف قتلى من جميع الطوائف والأعراق: علماء دين، رجال شرطة، قضاة، مسؤولين في الحكم، متعاونين مع المحتل، وآخرين رافضين للاحتلال، أبرياء ليس لهم أثر في شيء؛ بالإضافة إلى جنود الاحتلال والمقاومين.
والأطراف المتحاربة والمتصارعة لا يبدو أنها تملك أفقاً سياسياً للحل، وتصر على الوصول إلى أقصى درجات القوة للحسم.
وفي هذا الخضم المائج تطل علينا الرأس الإيرانية تريد أن تضع قدماً لها في هذه الأرض المستباحة تساعدها في ذلك عوامل كثيرة على الساحة الإقليمية والدولية والمحلية.
وللبحث في الدور الإيراني الذي تلعبه في العراق لا بد من تتبع حقيقة الأهداف الإيرانية في العراق واستراتيجيتها لتحقيق تلك الأهداف، وأخيراً رصد المتغيرات المؤثرة على تلك الاستراتيجية.
وتحليل الأهداف والاستراتيجيات والسياسات التي يتبعها الشيعة ينبغي أن يتبع مواصفات خاصة؛ لأن جوانب الخفاء والتلون دائماً ما تطغى على تصرفاتهم وأفعالهم مع الآخرين على مدار القرون الماضية، وخاصة أن التَّقِيَّة أصل من أصولهم؛ لذلك ينبغي لمن يخوض في تحليل ما يقومون به ليس التعامل مع الأقوال والأفعال الظاهرة فقط، بل يتتبع بدقة الجوانب الخفية. ولا نعني في هذا المقام التفسير التآمري، بل إثبات الوقائع بوثائق، والاعتماد على مقاربات المقارنة والمنهج التاريخي ونظريات اللعب وهي مناهج في علم السياسة تلقى قبولاً وتجاوباً لدى الخبراء والمحللين.
` الأهداف الإيرانية في العراق:
يمثل العراق للسياسة الإيرانية عدة معطيات هامة:
١ - بوابة مهمة لتحقيق الحلم الفارسي بإقامة إمبراطورية شيعية في العالم الإسلامي؛ هذا الهدف الذي يمثل حلم إيران الشيعية منذ حدوث ما يعرف بثورة الآيات. وفي وثيقة حديثة وسارية المفعول في عهد خاتمي نفسه أوضحت الغاية العظمى لهذه الدولة الشيعية؛ فقد أرسل مجلس شورى الثورة الثقافية الإيرانية رسالة إلى المحافظين في الولايات الإيرانية، وكتب عليها: (سري للغاية) ، كان مما جاء فيها:
«الآن بفضل الله، وتضحية أمة الإمام الباسلة قامت دولة الإثني عشرية في إيران بعد عقود عديدة، ولذلك فنحن ـ وبناء على إرشادات الزعماء الشيعة المبجلين ـ نحمل واجباً خطيراً وثقيلاً وهو تصدير الثورة؛ وعلينا أن نعترف أن حكومتنا فضلاً عن مهمتها في حفظ استقلال البلاد وحقوق الشعب فهي حكومة مذهبية، ويجب أن نجعل تصدير الثورة على رأس الأولويات. لكن نظراً للوضع العالمي الحالي والقوانين الدولية ـ كما اصطُلح على تسميتها ـ لا يمكن تصدير الثورة، بل ربما اقترن ذلك بأخطار جسيمة مدمرة.
ولهذا فإننا من خلال ثلاث جلسات وبآراء شبه إجماعية من المشاركين وأعضاء اللجان وضعنا خطة خمسينية تشمل خمس مراحل، ومدة كل مرحلة عشر سنوات لنقوم بتصدير الثورة الإسلامية إلى جميع الدول، ونوحد الإسلام أولاً؛ لأن الخطر الذي يواجهنا من الحكام الوهابيين وذوي الأصول السنية أكبر بكثير من الخطر الذي يواجهنا من الشرق والغرب؛ لأن هؤلاء (أهل السنة والوهابيين) يناهضون حركتنا، وهم الأعداء الأصليون لولاية الفقيه والأئمة المعصومين، حتى إنهم يعدُّون اعتماد المذهب الشيعي مذهباً رسمياً ودستوراً للبلاد أمراً مخالفاً للشرع والعرف. وإن سيطرتنا على هذه الدول تعني السيطرة على نصف العالم، ولإجراء هذه الخطة الخمسينية يجب علينا بادئ ذي بدء أن نحسن علاقاتنا مع دول الجوار، ويجب أن يكون هناك احترام متبادل وعلاقة وثيقة وصداقة بيننا وبينهم حتى إننا سوف نحسِّن علاقتنا مع العراق بعد الحرب؛ وذلك أن إسقاط ألف صديق أهون من إسقاط عدو واحد. إن الهدف هو فقط تصدير الثورة؛ وعندئذ نستطيع رفع لواء هذا الدين الإلهي وأن نُظهر قيامنا في جميع الدول، وسنتقدم إلى عالم الكفر بقوة أكبر، ونزين العالم بنور الإسلام والتشيع حتى ظهور المهدي الموعود» .
ويعترف الباحث الشيعي اللبناني هاني فحص بأن التوجهات الإيرانية ذات أفق يتعدى جغرافيتها الوطنية.
هذا الهدف كامن في جميع تصرفات القيادات الإيرانية، وهم لا يعلنون عنه، ويخططون له ويرسمون الاستراتيجيات لتحقيقه كما تدل الوثيقة السابقة، وتدل عليه أيضاً ممارساتهم عندما استدعت الضرورة إظهاره كما حدث يوم الجمعة ٢١ مايو الماضي من تحديد موعد المظاهرات في يوم واحد واختيار مظاهرات الأكفان، كما حصل بالتوازي في مظاهرة حزب الله في لبنان ومظاهرة المعارضة الشيعية في البحرين فإنهما رسالة مكشوفة بأن كلمة السر جاءت من طهران وتحديداً من المرشد علي خامنئي.
وثمة معلومات عن أن فحوى الخطب التي ألقيت والصور التي رفعت في المظاهرات ومنها «صورتا المرجع الشيعي العراقي السيستاني وآية الله الخميني» كانت من ضمن خطة معدة سلفاً بكل تفاصيلها، وإلا فكيف يمكن فهم التوافق المفاجئ لشيعة إيران ولبنان والبحرين وباكستان على تحديد ذلك اليوم؟
٢ ـ مخزن نفطي هام يضاف للثروة النفطية الإيرانية لتصبح الحصيلة ثروة هائلة في أيدي الإيرانيين؛ حيث يبلغ احتياطي نفط العراق ما يقارب ١١٢.٥ مليار برميل مكتشف حتى الآن، ويتوقع أن يوجد خزين آخر يقدر بـ٢٥٠ مليار برميل غير مكتشف. ويقول رعد القادري المتخصص في الشؤون العراقية في مؤسسة (بتروليوم فاينانس) : «النفط العراقي كنز القرن الميلادي الحادي والعشرين» . وهو لا يعني بطبيعة الحال إنتاج العراق حالياً من النفط الخام، وقد أصبح دون ٤% من مبيعات السوق العالمية، إنّما يعني الاحتياطي النفطي العراقي الذي يحتل المرتبة الثانية بعد السعودية، ويمثل زهاء ١٢% من الاحتياطي العالمي المعروف، وسترتفع هذه النسبة وإن لم يتم اكتشاف المزيد من الحقول النفطية العراقية؛ ذلك أن الاحتياطي الموجود حالياً في مناطق أخرى غير منطقة الخليج آخذ في النضوب تدريجياً، ومن المتوقع أن ينتهي كلية خلال فترة لا تتجاوز ١٥ عاماً، ويسري هذا بالترتيب على النفط الأمريكي فالأوروبي، ولا يتوقع أن يبقى الاحتياطي النفطي في منطقة بحر قزوين فترة زمنية أطول.
ويقول الباحث نبيل شبيب: إن البئر العراقية كانت وما تزال تعطي من النفط الخام يومياً أكثر من ١٣ ألف برميل في غالب الحالات، أي ما يعادل ما تعطيه ٩٠٠ بئر أمريكية، وأضعاف ما تعطيه الآبار السعودية والكويتية والإيرانية بنسب تتراوح بين ٥٠ و٦٠٠%.
وتنتج إيران حالياً ما يزيد قليلاً عن ٤ ملايين برميل يومياً في حين بدأ إنتاجها يتناقص سنوياً بمعدل ٢٥٠ ألفاً إلى ٣٠٠ ألف برميل.
وتحتل إيران المركز الثالث في احتياطي النفط (٩٠ بليون برميل) ، ويتراوح الإنتاج الإيراني بين (٣.٥ و٤) ملايين برميل يومياً.
٣ ـ عمق استراتيجي طبيعي لإيران، وخط دفاع أول ضد اجتياحها أو احتوائها ومحاولة تغيير نظامها. وعلى مدى التاريخ كان العراق الباب الرئيسي للحملات العسكرية التي اجتاحت إيران (بلاد فارس) ، وزاد من خطورة هذه الجبهة حديثاً أن الثروة النفطية الإيرانية بمجملها تتركز على الحدود العراقية الغربية والجنوبية. وجاءت الحرب العراقية ضد إيران غداة انتصار ما أطلق عليه ثورة الخميني لتؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذا الهدف.
٤ ـ ورقة سياسية في سوق المساومات على الساحة الدولية: فإيران لها مشروعها النووي الطموح، ولها مشروعها الإمبراطوري، ولن تتخلى عنهما بسهولة؛ ولذلك تسعى إيران بكل قوة لامتلاك أوراق على الساحة الدولية تقايض بها استمرارها في هذين المشروعين. ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق في أبريل ٢٠٠٣م لعبت إيران دوراً انتهازياً في المسألة العراقية، وسعت بانتظام إلى اعتبار دعمها للمحتلين الأمريكيين، ودورها هناك ورقة للمساومة مع الأمريكيين وخاصة السعي لامتلاك السلاح النووي؛ فالمسألة النووية الإيرانية لم تعد تحتمل كثيراً من التأجيل. أو كما قالت واشنطن تايمز الناطقة باسم المحافظين الأمريكيين المتطرفين: (الوضع لم يعد يطاق) .
وهناك ورقة اعتقال البحَّارة البريطانيين وابتزازها لبريطانيا، وأيضاً التعمد الإيراني الواضح في تصعيد ما عرف باسم حرب سفن الصيد في الخليج؛ ففي أقل من أسبوع تناقلت التقارير الصحفية تسريبات إيرانية منظمة عن أخبار اعتراض سفن حربية إماراتية وقطرية وعمانية لسفن صيد إيرانية في مياه الخليج أدت ـ أحياناً ـ إلى سقوط قتلى واعتقال الطواقم. ويبدو أن ما تناقلته وسائل الإعلام في هذا الإطار ذكرت مصادر صحفية أن بعض سفن الصيد الإيرانية التي ضبطت لم تكن في الواقع مجرد سفن صيد، بل كانت مجهزة بأجهزة تجسس وتنصت ومعدات إلكترونية، وأن الملاحين لم يكونوا صيادين، بل ضباط مخابرات، وهو ما عزز المخاوف من استخدام الحرس الثوري لسفن الصيد للتجسس على المواقع والتجهيزات العسكرية الأمريكية في المنطقة وهو ما يُسوّغ لجوء هذه السفن إلى دخول المياه الإقليمية للدول الخليجية.
ومن أوراقها أيضاً إرسالها للانتحاريين؛ فقد ذكرت مصادر إيرانية أن الاجتماع الأول لمنظمة تكريم الاستشهاديين في إيران أنهى أعماله بقرار يقضي بإيفاد المئات من الانتحاريين إلى العراق وبعض الدول العربية لتنفيذ عمليات انتحارية ضد المواطنين الغربيين إضافة إلى أصدقاء أميركا حسب قول أحد مسؤولي المنظمة.
وقال نائب إصلاحي سابق: «أعتقد أن مثل هذه الأحداث توضح أن الضغوط الدولية ومدى حساسية إيران لها قد ارتفع كلاهما» .
` الاستراتيجية الإيرانية في العراق:
لتحقيق هذه الأهداف تحركت القيادات الإيرانية على محورين:
المحور الأول: احتواء شيعة العراق.
المحور الثاني: التعامل مع الشيطان الأكبر.
احتواء شيعة العراق:
انطلق النشاط الإيراني على الساحة الشيعية في العراق في عدة مسارات:
١ ـ احتواء القيادات والتيارات الشيعية المتنافسة: ويسيطر على الشارع الشيعي في العراق عدة مرجعيات وتيارات أهمها: مرجعية علي السيستاني، وتيار الصدر الذي يقوده مقتدى الصدر، وجماعة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة آل الحكيم، وبدرجة أقل حزب الدعوة بفروعه المختلفة، وهناك تيار آخر مدعوم من إيران يعمل بصمت داخل مدن الجنوب وبعيداً عن الضجة الإعلامية كما يمارسها الآخرون وهو تيار المرجع (المدرِّسي) الذي يقود ما يعرف بـ (منظمة العمل الإسلامي) وهذه المنظمة أكثر قوة وتنظيماً، وتمتلك الشرعية الدينية الشيعية التي تؤهلها أن تكون مرجعية دينية قوية مدعومة بمليارات إيران. ولا شك أن السياسة الإيرانية في العموم تقوم على احتواء التيارات الشيعية كلها، والتعامل مع كل فصيل وشخصية قيادية تبرز على الساحة لحصد أي نجاح يحققه أي طرف شيعي. ويبقى التعامل مع هذا الفصيل أو ذاك مرتبطاً إلى حد بعيد بالتداخلات المختلفة داخل الساحة الإيرانية والخلافات بين المحافظين والإصلاحيين، وبقدرة هذا الفصيل على تحقيق الهدف الشيعي بهيمنتهم على أوضاع العراق. ولعل موقف إيران من مقتدى الصدر وحركته يوضح لنا جانباً كبيراً من طبيعة الدور الذي تقوم به إيران في احتواء الشيعة العراقيين؛ فهناك تياران داخل القيادة الإيرانية حول الموقف من العراق: الأول: يقوده الزعيم الإيراني علي خامنئي ويدعمه الرئيس السابق هاشمي (رفسنجاني) ويدعم هذا التيار الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر. ويقود التيار الثاني الرئيس محمد خاتمي والإصلاحيون، وهو يرفض التعامل والتعاون مع مقتدى الصدر إلى حد أن خاتمي رفض استقباله لدى زيارته إلى طهران، كما أن هذا التيار يفضل دعم المرجع علي السيستاني والقيادات والقوى العراقية المؤيدة للتعاون السلمي مع الأمريكيين والبريطانيين على أساس أن ذلك يشكل أفضل ضمانة لحصول الشيعة العراقيين على مطالبهم، وعلى حصة كبيرة في تركيبة الحكم الجديدة.
وفي لقاء عقده خاتمي مع إبراهيم الجعفري عضو مجلس الحكم الانتقالي العراقي (حزب الدعوة - شيعي) الذي ذهب إلى طهران في مهمة ذكر أنها لإقناع الإيرانيين باستضافة مقتدى الصدر كمخرج لأزمته مع قوات الاحتلال، لمح خاتمي إلى عدم موافقة طهران على تحركات مقتدى الصدر الأخيرة، وقال إن أسلوب الشيعة هو منطق الاعتدال، وأكد على ضرورة حرية الشعب العراقي، ووضع الأمور في يد الشعب، وهو ما يتجلى في مواقف حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية ومواقف المرجع الشيعي علي السيستاني. كما أكد خاتمي على أن إيران ترفض أي تحرك عنيف من شأنه أن يؤزم الوضع في العراق؛ ويعرض الاستقرار العراقي والإسلام والشيعة للضرر.
هذه اللغة الحادة والصريحة للرئيس خاتمي كانت مؤشراً لتحوُّل حقيقي في الموقف الإيراني ضد مقتدى الصدر بدعم من علي خامنئي الذي ذُكر أنه أمر بوقف الدعم عن مقتدى الصدر، كما أمر بتجميد أنشطة اللجنة الخاصة التي شكلها مكتبه بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين لتحديد سياسات ومواقف إيرانية تعرقل الأهداف الأمريكية في العراق من ناحية، وتدعم الموقف الإيراني في العراق من ناحية أخرى.
الانقلاب الدرامي في الموقف الإيراني من مقتدى الصدر عبر عنه غلاة المتطرفين في التيار المحافظ بوصفهم لأنصار مقتدى الصدر بأنهم أشبه بتنظيم مجاهدي خلق الإيراني المعارض الذين درج على وصفهم في إيران بالمنافقين، وأن مقتدى الصدر يزرع بذرة النفاق في أوساط الشيعة في العراق على نحو ما كتب (رسول جعفريان) بإسهاب على موقع بازتاب الخاص بمحسن رضائي القائد السابق للحرس الثوري؛ حيث أسهب في توجيه انتقادات لاذعة لآية الله محمد صادق الصدر والد مقتدى الصدر، وأسهب في امتداح محمد باقر الحكيم مؤسس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الموالي لطهران، وكذلك لآية الله علي السيستاني.
٢ ـ تسلل المخابرات الإيرانية إلى العراق: كانت الأداة الرئيسية لإيران في تنفيذ استراتيجيتها للمخابرات الإيرانية ونتيجة التنسيق الأميركي ـ الإيراني دخلت المخابرات الإيرانية إلى العراق. ونتيجة أبوتها للتنظيمات السياسية المذهبية تسلَّلت إلى مجلس الحكم الانتقالي.
وتشير تقارير صحفية إلى أن جهاز مخابرات فيلق القدس الإيراني ومخابرات الحرس الثوري الإيراني يقومان بالدور الأخطر على صعيد أجهزة الاستخبارات داخل العراق، ولعل الكشف عن الدور المزدوج للجلبي وعلاقته الطويلة مع المخابرات الإيرانية يوضح إلى أي حد وصل الدور الذي مارسته المخابرات الإيرانية على الساحة العراقية.
وتشير معلومات صحفية إلى افتتاح ١٨ مكتباً للاستخبارات الإيرانية تحت مسميات مختلفة أبرزها الجمعيات الخيرية لمساعدة الفقراء، وتوزيع المال والأدوية والمواد الغذائية، وترتيب الانتقال إلى العتبات المقدسة وضمن ميزانية تتجاوز مئة مليون دولار.
وضمن المخطط الإيراني شراء ولاء رجال دين أغلبهم شيعة وأقلية سنية رصد فيه مبلغ ٥ ملايين دولار سنوياً للترويج والدفاع عن إيران، وتجميل صورة مواقفها في الشارع العراقي وأحياناً عبر المنابر.
وفي المعلومات الاستخباراتية أن إيران استأجرت واشترت ٢٧٠٠ وحدة سكنية من البيوت والشقق والغرف في مختلف أنحاء العراق، وخاصة فى النجف، وكربلاء ليسكن فيها رجال الاستخبارات الإيرانية ورجال فيلق القدس الاستخباراتي.
٣ ـ تدفق الأفراد والأموال على العراق: ويشير حجم المساعدات النقدية الإيرانية المدفوعة إلى مقتدى الصدر وحده عدا التيارات الأخرى خلال الأشهر الأخيرة أنها تجاوز سقف ٨٠ مليون دولار، إلى جانب تدريب رجاله، وإرسال معونات إنسانية شملت الغذاء والأدوية والمعدات والأثاث. ومثال على ذلك ما ذكرته صحيفة (جمهوري إسلامي) الإيرانية أن إمام جمعة شيراز الشيخ الحائري الشيرازي أرسل ١٥٠ حاجاً على حسابه إلى العتبات المقدسة الشيعية وإلى كربلاء، وسيراً على الأقدام بناء على طلبهم. وهذا الاندفاع البشري الإيراني نحو العراق والأموال التي ينفقونها جعل قيمة الدينار العراقي ترتفع، كما قامت بلديات إيرانية عديدة أبرزها بلدية طهران بدور كبير في تولي الخدمات في الأماكن المقدسة كالنظافة والتشجير وزرع شتول الزهور، ورش المياه عبر صهاريج قادمة من إيران وعمالة إيرانية يساعدها عمال عراقيون موظفون تدفع لهم بلدية طهران أجورهم. أحد التجار الإيرانيين تبرع بحمولة ١٠ أطنان من المياه المعدنية أرسلها إلى كربلاء في أربعين الإمام الحسين منتصف أبريل من العام الماضي، ومؤسسة الأوقاف وهي مؤسسة غير رسمية أخذت على عاتقها تأمين كل المصاحف وكتب الأدعية المطلوبة للعتبات المقدسة الشيعية، وكل مؤسسة أهلية تقدم للعراق في هذه المناسبة عطاء أو مساعدة تعتبر جزءاً من ميزانيتها الخاصة.
هذا فضلاً عن حضور الآلاف من الإيرانيين للتطوع لطهي الطعام وتوزيع المياه أو العصائر أو التنظيف في العتبات المقدسة، وأخيراً للخبز الإيراني الساخن وجبة تقدم للفقراء.
ونتيجة للضوء الأميركي ـ البريطاني الأخضر اكتظَّت الأسواق وغرف التجارة العراقية بالتجار الإيرانيين، ومنه تسلَّلت إلى أجهزة المافيات (سرقة ونهب) بدون النظر إلى عرقها أو مذهبها؛ إذ تشاركت الأحزاب الكردية مع الأحزاب السياسية الشيعية (فيلق بدر وجماعات البرازاني والطالباني) في نهب كل ما طالته أيديهم وباعوه إلى التجار الإيرانيين، وقد وصف أحد العراقيين الدور الإيراني في العراق قائلاً: خرجت إيران ـ بعد احتلال العراق ـ بأكبر حصة من وليمة ذبح الدولة العراقية.
٤ ـ السيطرة الإعلامية من خلال الصحف التي تمولها وقنوات البث الفضائي والأرضي؛ وقد قامت شركة التلفزيون الرسمية في إيران والتي يسيطر عليها الإصلاحيون بافتتاح قناة فضائية على غرار قناة الجزيرة القطرية باسم (العالم) تبث باللغة العربية من محطات تقوية على طول الحدود العراقية لكسب تأييد العراقيين، وتتحدث تقارير صحفية عن وجود ٣٠٠ إعلامي إيراني بشكل دائم في العراق.
التعامل مع الشيطان الأكبر:
يندهش كثيرون من حقيقة أن هناك تعاوناً بين إيران والولايات المتحدة؛ وحقيقة العلاقة بين الطرفين هي من الحقائق المغيبة والتي هي جزء من ألاعيب السياسة ودهاليزها، ولا يمكن فهم العلاقات الإيرانية الأمريكية في الخمسة والعشرين سنة الأخيرة إلا بقراءة كتاب (رهينة خميني) الذي ألفه (روبرت كارمن درايفوس) وهو باحث فرنسي متخصص في الشؤون الاستخبارية شغل في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات مدير قسم الشرق الأوسط في مجلة (أنتلجنس ريفيو) ، هذا الكتاب الذي تم تأليفه وطبعه في عام ١٩٨٠م، ونسخه المتداولة قليلة جداً، ولا ندري لماذا لم يطبع مرة أخرى بعد ترجمته في أوائل الثمانينيات؟ وبعد استعراض الأدلة الكثيرة يخلص الكتاب إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر قد قام بتعمد هادئ وتدبير مسبق خبيث على حد وصف المؤلف لمساعدة الحركة الإسلامية التي نظمت الإطاحة بشاه إيران، واشتركت إدارة كارتر في كل خطوة ابتداءً من الاستعدادات الدعائية إلى تجهيز الأسلحة والذخيرة، ومن الصفقات التي تمت خلف (الكواليس) مع الخونة في جيش الشاه إلى الإنذار النهائي الذي أعطي للزعيم المهزوم في يناير ١٩٧٩م لمغادرة إيران. ويمثل هذا فصلاً آخر من فصول الخيانة التي مارستها الدوائر الحاكمة في التاريخ السياسي للولايات المتحدة.
وعند رصد التعاون الأمريكي الإيراني في السنوات الأخيرة لا يفوتنا التنسيق الجاد والهادف بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإيرانية حول أفغانستان. وهو ما لم ينفه الإيرانيون فحسب، بل أكَّدوه أيضاً. وبعدها طلب الطرف الإيراني من الطرف الأميركي علناً بأن يحفظ الجميل الإيراني لقاء الخدمات التي قدَّمها في رحلة احتلال أفغانستان التي وصلت إلى درجة توفير طائرات تنقل أنصار التحالف الشمالي ضد طالبان إلى خطوط الجبهة الأمامية.
لقد عرفت إيران أنها لا تستطيع أن تغزو العراق وأن تفوز به، فيتعين أن تقوم بهذا قوة أخرى. وعدم قيام الولايات المتحدة بغزو العراق واحتلاله في عام ١٩٩١م سبب خيبة أمل هائلة لإيران. والحقيقة أن السبب الأولي لعدم قيام الولايات المتحدة بغزو العراق آنذاك كان معرفتها بأن تدمير الجيش العراقي من شأنه أن يجعل من إيران القوة المهيمنة بين القوى المحلية في الخليج العربي. وكان من شأن غزو العراق أن يدمر توازن القوة العراقي ـ الإيراني الذي كان الأساس الوحيد لما اعتبر استقراراً في المنطقة.
أما تدمير النظام العراقي فلم يكن من شأنه أن يجعل إيران آمنة فحسب، إنما كان من شأنه أيضاً أن يفتح آفاقاً لتوسعها. فالخليج العربي ـ أولاً ـ مليء بالشيعة، وكثيرون منهم متوجهون صوب إيران لاعتبارات دينية. وعلى سبيل المثال فإن منشآت تحميل النفط السعودي تقع في منطقة غالبيتها الساحقة من الشيعة. وثانياً: ليست هناك - دون الجيش العراقي الذي يقف بالمرصاد لإيران - قوة عسكرية في المنطقة يمكنها أن توقف الإيرانيين. فباستطاعتهم أن يصبحوا القوة المهيمنة في الخليج العربي.
أما في غزو العراق الأخير فقد سبقت الحرب جلسات ولقاءات سرية عقدت في عدة عواصم أوروبية بين ضباط إيرانيين ونظرائهم الأمريكيين كذلك عبر الضغط على حلفائها من الشيعة العراقيين للتنسيق مع الولايات المتحدة.
وتشير مصادر صحفية أن هناك مجالاً مفتوحاً للحوارات والجلسات السرية بين الولايات المتحدة وإيران بخصوص العراق والتي تُعقد في الغرف الخلفية والتي يديرها رفسنجاني من إيران، والدكتور ولاياتي من الإمارات العربية المتحدة والسفارة الإيرانية في الكويت.
ولم تكن زلة موقف أن تطلب الإدارة الأميركية من الحكومة الإيرانية أن تكون وسيطاً مع مقتدى الصدر لمعالجة التداعيات في النجف وكربلاء.
ووصل الغزل الأمريكي الإيراني في العراق إلى حد ما صرح به نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية آدم إرلي الذي نفى فيها تورط إيران فيما يجري في العراق.
أمريكا وإيران تلتقيان على جامع مشترك هو الخلاص من أي مقاومة مسلحة على الساحة العراقية، ويبقى أن طهران تريد:
١ - قناعة أميركية بدور إيراني سياسي وأمني في العراق.
٢ - لا بأس من إلزام إيراني بجنوب العراق؛ حيث العناصر المؤثرة محلياً والاستخبارات الإيرانية فعالة هناك.
ولكن فجأة حدث توتر في العلاقات بين الحليفين الإيراني والأمريكي في العراق، وأعقبه اغتيال الدبلوماسي الإيراني في العراق؛ فما الذي حدث وأدى إلى هذا الخلاف؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد فيه من تحليل الدور الذي قام به أحمد الجلبي في العلاقات الإيرانية الأمريكية، والذي كشف عنه مؤخراً عديد من الصحف الأمريكية والغربية. ولكن أبرز التحليلات التي ظهرت في تفسير هذا الدور ما كتبه جورج فريدمان مدير مؤسسة (ستراتفور) الخاصة للاستخبارات العالمية يوم ١٩ فبراير الماضي في نشرة مؤسسته الشهرية بعنوان (أحمد الجلبي وصلاته الإيرانية) ، وشكك فريدمان في بداية مقالته بكثير من الأخبار الصحافية التي تشير إلى أن الولايات المتحدة تعرضت للاستغلال من جانب إيران مستخدمة الجلبي أداة في ذلك لدفعها إلى غزو العراق، وكان المعنى الضمني لهذا أنه كان من شأن الولايات المتحدة أن تختار مساراً آخر لولا حملة المعلومات المغلوطة من الجلبي. وبيّن الكاتب سذاجة هذا الطرح؛ أولاً: لأن الولايات المتحدة لديها أسبابها الخاصة لغزو العراق، وثانياً: لأن المصالح الأميركية والإيرانية لم تكن شديدة التباعد في هذه الحالة. ويقول فريدمان: «إن استراتيجية إيران مع الولايات المتحدة كانت تعتمد إنه إذا ما تعرضت الولايات المتحدة لمتاعب في العراق فإنها ستصبح معتمدة إلى أقصى درجة على الإيرانيين وعملائهم الشيعة، وإذا ما هبّ الجنوب العراقي الشيعي يصبح مركز الولايات المتحدة حرجاً؛ لهذا فإنه إذا كانت هناك متاعب ـ وكانت المخابرات الإيرانية على ثقة كبيرة بأنه ستكون هناك متاعب ـ فسيصعد النفوذ الشيعي صعوداً كبيراً قبل أن ينسحب الأميركيون.
كانت مهمة الجلبي أن يعطي للأميركيين مُسوّغاً للغزو، وهو ما فعله بحكاياته عن أسلحة الدمار الشامل، إنما كانت له مهمة أخرى وهي حماية جانبين دقيقين من المعلومات من الأميركيين: الأول: كان عليه أن يحمي المدى الذي وصل إليه الإيرانيون في تنظيم الجنوب الشيعي في العراق، والثاني: كان عليه أن يحمي أية معلومات عن خطط صدام حسين لشن حملة حرب عصابات بعد سقوط بغداد، كان هذان أمرين دقيقين، وإذا أُخذا بجملتهما فسيكون من شأنهما أن يخلقا حالة الاعتماد (الأميركية) التي تمس حاجة الإيرانيين إليها.
ويواصل الكاتب حديثه فيقول: «أما بالنسبة للولايات المتحدة فإن لها سياسة معروفة تستخدم فيها خطوط الصدع بين أعداء محتملين لإحداث انقسام بينهم، فتتحالف مع الأضعف ضد الأقوى إن خط الصدع في العالم الإسلامي هو بين السنة والشيعة، السنة مجموعة أضخم بكثير (عددياً) من الشيعة، وانتهاجاً للاستراتيجية الكبرى الأميركية يذهب المنطق إلى أن حل المشكلة هو بالدخول في تحالف من نوع ما مع الشيعة، ومفتاح الدخول إلى الشيعة هو الدولة الشيعية الكبرى إيران. ثمة شيء واحد كان لا بد أن يعرفه الجلبي ولم يخبر الأميركيين به بالتأكيد: أن صدام حسين سيشن حرب عصابات. وبشأن هذه النقطة لا يوجد أي شك في أن البنتاغون قد فوجىء، والأمر أهمه كثيراً» .
«لم يشارك الجلبي بمعلوماته المخابراتية التي كان الإيرانيون يملكونها بالتأكيد؛ وذلك لأن الإيرانيين أرادوا أن يغرق الأميركيون في حرب عصابات؛ فمن شأن هذا أن يزيد الاعتماد الأميركي على الشيعة وعلى إيران، ويسرِّع رحيل الأميركيين. كانت المخابرات الإيرانية قد توغلت بعمق في العراق. وكانت الاستعدادات لحرب العصابات واسعة للغاية. كانت إيران تعرف، وكذلك الجلبي. مع ذلك كانت الولايات المتحدة ستغزو، إنما كان يمكنها أن تستعد على نحو أفضل عسكرياً وسياسياً. لم يبلغ الجلبي البنتاغون بما كان يعرفه، وقد أدى هذا إلى جعل الحرب مختلفة بدرجة هائلة» .
ولكن الشيء الأخطر الذي يذكره الكاتب في مقالته الهامة «أن هذه اللعبة لم تَرُقْ لوكالة الاستخبارات المركزية التي كانت تفهم أن الجلبي لم يكن حقاً مصدراً بالمعنى التقليدي للكلمة إنما كان مخلباً جيوسياسياً، إلا أنها لم تتصل بوزارة الدفاع بهذا الشأن حتى كانت هذه الوزارة تواجه المتاعب في العراق» وإلى هنا ينتهي مقال الكاتب الأمريكي.
ومن هنا أدركت الولايات المتحدة مدى المستنقع الذي جرتها إليه إيران بواسطة الجلبي في العراق لتدفعها إلى مزيد من الاعتماد على الشيعة العراقيين ومن ثم إيران، ولعل إقالة (تينيت) في أعقاب هرب الجلبي إلى النجف ومساعده إلى إيران ومقتل مسؤول الاستخبارات الإيرانية في العراق يصب في هذا الاتجاه.
اللعبة الإيرانية في أراض الرافدين
«القيادة الإيرانية تقوم بدور مزدوج في العراق؛ فهي ليست راغبة في أن تنجح أمريكا بسهولة في هذا البلد، لكنها في الوقت نفسه ليست راغبة في أن يخفق الأمريكيون كلياً هناك؛ لأن هذا الإخفاق سيشكل حينذاك تهديداً للأمن القومي الإيراني» .
هذا قول مسؤول أوروبي كبير معلقاً على الدور الإيراني الذي تمارسه على الساحة العراقية.
стр. 5036
المسلمون المنسيون في أراكان بورما (ميانمار)
(الحاضر المؤلم والمستقبل المجهول)
صالح بن محمد البورمي
تقع دولة بورما (ميانمار حالياً) في الجنوب الشرقي لقارة آسيا، ويحدها من الشمال الصين والهند، ومن الجنوب خليج البنغال وتايلاند، ومن الشرق الصين ولاووس وتايلاند، ومن الغرب خليج البنغال والهند وبنغلاديش، (ويقع إقليم أراكان في الجنوب الغربي لبورما على ساحل خليج البنغال والشريط الحدودي مع بنغلاديش) .
وتقدر مساحتها بأكثر من ٢٦١.٠٠٠ ميل مربع، وتقدر مساحة إقليم أراكان قرابة ٢٠.٠٠٠ ميل مربع، ويفصله عن بورما حد طبيعي هو سلسلة جبال (أركان يوما) الممتدة من جبال الهملايا.
ويبلغ عدد سكان بورما أكثر من ٥٠ مليون نسمة، وتقدر نسبة المسلمين بـ ١٥% من مجموع السكان نصفُهم في إقليم أراكان ـ ذي الأغلبية المسلمة ـ حيث تصل نسبة المسلمين فيه أكثر من ٧٠% والباقون من البوذيين الماغ وطوائف أخرى.
ويتكون اتحاد بورما من عرقيات كثيرة جداً تصل لأكثر من ١٤٠ عرقية، وأهمها من حيث الكثرة (البورمان (١) وهم الطائفة الحاكمة ـ وشان وكشين وكارين وشين وكايا وركهاين ـ الماغ ـ والمسلمون ويعرفون بالروهينغا، وهم الطائفة الثانية بعد البورمان، ويصل عددهم قرابة ٥ ملايين نسمة) .
` وجود المسلمين في أراكان:
يذكر المؤرخون أن الإسلام وصل إلى أراكان في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد في القرن السابع الميلادي عن طريق تجار العرب حتى أصبحت دولة مستقلة حكمها ٤٨ ملكاً مسلماً على التوالي وذلك لأكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن، أي ما بين عامي ١٤٣٠ م - ١٧٨٤م، وقد تركوا آثاراً إسلامية من مساجد ومدارس وأربطة منها مسجد بدر المقام في أراكان والمشهور جداً (ويوجد عدد من المساجد بهذا الاسم في المناطق الساحلية في كل من الهند وبنغلاديش وبورما وتايلاند وماليزيا وغيرها) ومسجد سندي خان الذي بني في عام ١٤٣٠م وغيرها.
` الاحتلال البوذي لأراكان:
في عام ١٧٨٤م احتل أراكان الملك البوذي البورمي (بوداباي) ، وضم الإقليم إلى بورما خوفاً من انتشار الإسلام في المنطقة، وعاث في الأرض الفساد؛ حيث دمر كثيراً من الآثار الإسلامية من مساجد ومدارس، وقتل العلماء والدعاة، واستمر البوذيون البورميون في اضطهاد المسلمين ونهب خيراتهم وتشجيع البوذيين الماغ على ذلك خلال فترة احتلالهم أربعين سنة التي انتهت بمجيء الاستعمار البريطاني.
وفي عام ١٨٢٤م احتلت بريطانيا بورما، وضمتها إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية.
وفي عام ١٩٣٧م جعلت بريطانيا بورما مع أراكان مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية الاستعمارية كباقي مستعمراتها في الإمبراطورية آنذاك؛ وعُرفت بحكومة بورما البريطانية.
وفي عام ١٩٤٢م تعرض المسلمون لمذبحة وحشية كبرى من قِبَل البوذيين الماغ بعد حصولهم على الأسلحة والإمداد من قِبَل إخوانهم البوذيين البورمان والمستعمرين وغيرهم والتي راح ضحيتها أكثر من مائة ألف مسلم وأغلبهم من النساء والشيوخ والأطفال، وشردت مئات الآلاف خارج الوطن، ومن شدة قسوتها وفظاعتها لا يزال الناس ـ وخاصة كبار السن ـ يذكرون مآسيها حتى الآن، ويؤرخون بها، ورجحت بذلك كفة البوذيين الماغ، ومقدمة لما يحصل بعد ذلك.
وفي عام ١٩٤٧م قبيل استقلال بورما عقد مؤتمر عام في مدينة بنغ لونغ للتحضير للاستقلال؛ ودعيت إليه جميع الفئات والعرقيات إلا المسلمين الروهينغا لإبعادهم عن سير الأحداث وتقرير مصيرهم.
وفي عام ١٩٤٨م وبالتحديد يوم ٤ يناير منحت بريطانيا الاستقلال لبورما شريطة أن تمنح لكل العرقيات الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، ولكن ما أن حصل البورمان على الاستقلال حتى نقضوا عهودهم، ونكثوا على أعقابهم، حيث استمرت في احتلال أراكان بدون رغبة سكانها من المسلمين الروهينغا والبوذيين الماغ أيضاً، وقاموا بالممارسات البشعة ضد المسلمين، سنذكرها في السطور التالية:
` أهم مآسي المسلمين في أراكان:
- التطهير العرقي: منذ أن استولى العسكريون الفاشيون على الحكم في بورما بعد الانقلاب العسكري بواسطة الجنرال (نيوين) المتعصب عام ١٩٦٢م تعرض مسلمو أراكان لكل أنواع الظلم والاضطهاد من القتل والتهجير والتشريد والتضييق الاقتصادي والثقافي ومصادرة أراضيهم، بل مصادرة مواطنتهم بزعم مشابهتهم للبنغاليين في الدين واللغة والشكل.
- طمس الهوية والآثار الإسلامية: وذلك بتدمير الآثار الإسلامية من مساجد ومدارس تاريخية، وما بقي يمنع منعاً باتاً من الترميم فضلاً عن إعادة البناء أو بناء أي شيء جديد له علاقة بالدين والملة من مساجد ومدارس ومكتبات ودور للأيتام وغيرها، وبعضها تهوي على رؤوس الناس بسبب مرور الزمن، والمدارس الإسلامية تمنع من التطوير أو الاعتراف الحكومي والمصادقة لشهاداتها أو خريجيها.
- المحاولات المستميتة لـ (برمنة) الثقافة الإسلامية وتذويب المسلمين في المجتمع البوذي البورمي قسراً.
- التهجير الجماعي من قرى المسلمين وأراضيهم الزراعية، وتوطين البوذيين فيها في قرى نموذجية تبنى بأموال وأيدي المسلمين جبراً، أو شق طرق كبيرة أو ثكنات عسكرية دون أي تعويض، ومن يرفض فمصيره الموت في المعتقلات الفاشية التي لا تعرف الرحمة.
- الطرد الجماعي المتكرر خارج الوطن مثلما حصل في الأعوام التالية:
عام ١٩٦٢م عقب الانقلاب العسكري الفاشي حيث طرد أكثر من ٣٠٠.٠٠٠ مسلم إلى بنغلاديش.
وفي عام ١٩٧٨م طرد أكثر من (٥٠٠.٠٠٠) أي نصف مليون مسلم؛ في أوضاع قاسية جداً، مات منهم قرابة ٤٠.٠٠٠ من الشيوخ والنساء والأطفال حسب إحصائية وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
وفي عام ١٩٨٨م تم طرد أكثر من ١٥٠.٠٠٠ مسلم؛ بسبب بناء القرى النموذجية للبوذيين في محاولة للتغيير الديموغرافي.
وفي عام ١٩٩١م تم طرد قرابة (٥٠٠.٠٠٠) أي نصف مليون مسلم؛ وذلك عقب إلغاء نتائج الانتخابات العامة التي فازت فيها المعارضة بأغلبية ساحقة انتقاماً من المسلمين؛ لأنهم صوتوا مع عامة أهل البلاد لصالح الحزب الوطني الديمقراطي (NLD) المعارض.
- إلغاء حق المواطنة من المسلمين؛ حيث تم استبدال إثباتاتهم الرسمية القديمة ببطاقات تفيد أنهم ليسوا مواطنين، ومن يرفض فمصيره الموت في المعتقلات وتحت التعذيب أو الهروب خارج البلاد، وهو المطلوب أصلاً.
- العمل القسري لدى الجيش أثناء التنقلات أو بناء ثكنات عسكرية أو شق طرق وغير ذلك من الأعمال الحكومية (سخرة وبلا مقابل حتى نفقتهم في الأكل والشرب والمواصلات) .
- حرمان أبناء المسلمين من مواصلة التعلم في الكليات والجامعات، ومن يذهب للخارج يُطوى قيده من سجلات القرية، ومن ثم يعتقل عند عودته، ويرمى به في غياهب السجون.
- حرمانهم من الوظائف الحكومية مهما كان تأهيلهم، حتى الذين كانوا يعملون منذ الاستعمار أو القدماء في الوظائف أجبروا على الاستقالة أو الفصل، إلا عمداء القرى وبعض الوظائف التي يحتاجها العسكر فإنهم يعيِّنون فيها المسلمين بدون رواتب، بل وعلى نفقتهم المواصلات واستضافة العسكر عند قيامهم بالجولات التفتيشية للقرى.
- منعهم من السفر إلى الخارج حتى لأداء فريضة الحج إلا إلى بنغلاديش ولمدة يسيرة وبعد دفع رسوم ورشاوى باهظة للعسكر، ويعتبر السفر إلى عاصمة الدولة رانغون أو أي مدينة أخرى جريمة يعاقب عليها، وكذا عاصمة الإقليم والميناء الوحيد فيه مدينة أكياب، بل يمنع التنقل من قرية إلى أخرى إلا بعد الحصول على تصريح.
- عدم السماح لهم باستضافة أحد في بيوتهم ولو كانوا أشقاء أو أقارب إلا بإذن مسبق، وأما المبيت فيمنع منعاً باتاً، ويعتبر جريمة كبرى ربما يعاقب بهدم منزله أو اعتقاله أو طرده من البلاد هو وأسرته.
- إجبار المسلمين - وخاصة العلماء والوجهاء - لإلحاق بناتهم لخدمة وحراسة الجيش والشرطة.
- عقوبات اقتصادية: مثل الضرائب الباهظة في كل شيء، والغرامات المالية، ومنع بيع المحاصيل إلا للعسكر أو من يمثلهم بسعر زهيد لإبقائهم فقراء، أو لإجبارهم على ترك الديار.
- تقليل أعداد المسلمين بأساليب شتى منها: إعطاء حقن مانعة للحمل للمرأة في حالات كثيرة، ورفع سن الزواج للفتيات إلى ٢٢ سنة، منع عقود الأنكحة إلا بعد إجراءات طويلة وإذن من الشرطة، منع التعدد منعاً باتاً مهما كان السبب، منع الزواج مرة أخرى للمطلق أو الأرمل إلا بعد سنة وإجراءات طويلة، وأي مخالفة في ذلك تعتبر جريمة ربما يعاقب عليها بالسجن والغرامة الباهظة أو الطرد من البلاد، والهدف من كل ذلك هو القضاء عليهم أو تقليل أعدادهم.
` المستقبل المجهول (وأفكار لحل القضية) :
من خلال العرض السابق يتبين لنا بجلاء المخطط البوذي البورمي لإخلاء إقليم أراكان من المسلمين بطردهم منه أو إفقارهم وإبقائهم ضعفاء لا حيلة لهم ولا قوة، ولاستخدامهم كعبيد وخدم لهم؛ حيث إنهم لم يُدْعَوْا حتى لحضور المؤتمر العام؛ لذلك ينبغي على المسلمين عموماً وعلى أهل الفكر والرأي والمشورة والعلم خصوصاً نصرة قضاياهم، وإعانتهم بكل السبل الممكنة في هذا العصر.
ولجعل المستقبل أفضل ولصالح المسلمين ـ وإن كان أمر المستقبل بيد الله إلا أننا أمرنا بالسعي ـ يمكن العمل على مراحل عدة:
المرحلة الأولى: المطالبة بالديمقراطية والمساواة في الحقوق العامة كغيرهم من المواطنين، وتنشيط القضية وتفعيلها من ناحية السياسة الداخلية والدولية حتى يتمكن المسلمون من الحصول على حقوقهم، ويحصلون على التمثيل في البرلمان والحكومات المحلية وغير ذلك؛ وبذلك تقوى مواقفهم.
المرحلة الثانية: المطالبة بتنفيذ رغبة الشعب الأركاني في تطبيق الشريعة الإسلامية على الإقليم، بكونهم الأغلبية في الإقليم، والإعداد لهذه المرحلة من الناحية الشرعية والدستورية، وتتبعها مراحل أخرى حتى يحصلوا على الاستقلال بإذن الله.
البدء بالمرحلة الأولى:
١ - توصيل قضية مسلمي أراكان إلى مندوب الأمين العام للأمم المتحدة لإحلال الديمقراطية في بورما بحلول عام ٢٠٠٦م برئاسة رضا علي إسماعيل وهو ماليزي، وكان مستشاراً للرئيس الماليزي السابق مهاتير محمد، ويمكن ذلك من خلال تشكيل وفود من المسلمين الأركانيين أو غيرهم وزيارته شخصياً، وتوضيح خطورة تجاهل أمر المسلمين في أراكان، وله كلمته القوية في شأن البلاد، ونفوذ قوي جداً في الحزب الوطني الديمقراطي المعارض (NLD) .
٢ - تشكيل وفد من رابطة العالم الإسلامي لتوصيل القضية وتفعيلها لدى رضا علي إسماعيل.
٣ - تفعيل القضية من قِبَل شخصيات في الخليج لهم علاقة خاصة مع رضا علي إسماعيل.
٤ - الاتصال بالمنظمات التايلاندية التي تسعى إلى توحيد مواقف المنظمات المعارضة في الخارج تجاه العسكر.
٥ - تشكيل وفد من بعض أعضاء البرلمان البنغالي المتعاطفين مع القضية أو ممن لهم علاقة مع رضا علي إسماعيل مثل مستشار رئيسة الوزراء وعضو البرلمان الأستاذ صلاح الدين شودري (وكان مرشحاً من قِبَل أكثر من ٣٠ دولة إسلامية للأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي للفترة القادمة) .
٦ - تفعيل دور منظمة المؤتمر الإسلامي وذلك لعلاقاتها مع المسؤوليين الماليزيين.
٧ - تفعيل دور المنظمات الحقوقية في العالم وخاصة الأوروبية حيث إن لها اهتماماً بالغاً بقضية إحلال الديمقراطية في بورما، وقد عقدوا عدة مؤتمرات في تايلند للأحزاب المعارضة، ودعي إليها بعض المنظمات الأركانية الإسلامية.
٨ - الاتصال بالحزب الوطني الديمقراطي المعارض، ومنظمات البوذيين الركهاين (الماغ) المعارضة في الخارج، وهم أيضاً من سكان أراكان الأصليين وكانوا على علاقة طيبة مع المسلمين.
٩ - فكرة تبني الحل السلمي من قِبَل المنظمات الإسلامية في الوقت الحاضر على طريقة الجناح السياسي للمنظمات المسلحة، أو تشكيل أحزاب ومنظمات حقوقية جديدة وبأسماء جديدة لهذا الغرض.
١٠ - تفعيل دور الإعلام في إبراز القضية من خلال عرض مآسي المسلمين داخل أراكان، كذلك أوضاع اللاجئين الأراكانيين في بنغلاديش، والمطالبة بحقوقهم.
١١ - ممارسة الضغط من خلال منظمات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أو المنظمات الأوروبية أو المنظمات العربية والإسلامية والمحلية أو المناضلة المعروفة في هذا الشأن.
١٢ - تأهيل أبناء الأركانيين في الداخل وفي المهجر تأهيلاً يمكنهم من السعي لقضيتهم؛ وذلك من خلال إعطاء منح دراسية في الجامعات في شتى التخصصات العصرية والشرعية.
هذه نبذة يسيرة عن القضية وبعض الأفكار للحل، والله أعلم بالصواب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 5037
التباين الإثني والثقافي في السودان وإشكالية الوحدة
أحمد محمد أحمد إسماعيل
` مقدمة:
تأتي أهمية هذه القضية من ارتباطها الوثيق بمسألة الهوية والتوجه؛ فقد كان من المسلَّم به حتى وقت قريب إسلامية هوية السودان. وتطرح العروبة في هذا الإطار؛ فإذا كان هناك شذوذ عن هذه القاعدة فلم يكن ذال بال.
وفي الآونة الأخيرة ومع تداعيات الحرب الانفصالية في الجنوب، وبروز النزاعات المماثلة في عدة مناطق من السودان، قوي تيار يحسب نفسه وحدوياً يدعو إلى جحد هوية السودان الإسلامية والعربية، في برنامج للوحدة يدعو إلى الاعتراف بتعدد مصادر الثقافة السودانية، ويعتبر الإسلامية العربية واحدة من هذه المصادر ليس أكثر، وعلى هذا الأساس تمت صياغة مشاريع للحل السياسي، ووضعت المواثيق، وتم غرس مصطلحات مثل «التباين العرقي والثقافي» و «التعددية الثقافية» بشكل أساسي في القاموس الثقافي والسياسي السوداني.
وفي هذه الورقة نحاول أن نلقي الضوء على هذا التباين من خلال مؤثراته في قضية الهوية، ونحاول أن نناقش هذه الأطروحة الجديدة التي تربط مشروع الوحدة بإقرار نظام سياسي يرعى التعدد وينميه، ويرفض مشاريع الأسلمة والاستعراب.
` ضبط المفهومات:
١ - السودان: في الوقت الحاضر يعني هذا المصطلح الرقعة التي تقع جنوب مصر في الجزء الأوسط من حوض النيل؛ أي ما كان يعرف في السابق بسودان وادي النيل، ويحتل ما يقرب من مليون ميل مربع، ويحد شمالاً بمصر وليبيا، وجنوباً بأوغندا والكونغو، وغرباً بتشاد وإفريقيا الوسطى، وشرقاً بإثيوبيا وإريتريا والبحر الأحمر، وقديماً أطلق العرب اسم «بلاد السودان» على الجزء في القارة الإفريقية الذي يقع جنوب الصحراء الكبرى، ويمتد من المحيط الأطلسي غرباً حتى البحر الأحمر والمحيط الهندي شرقاً، كما أطلق المصريون القدماء على البلاد التي تقع وراء حدودهم الجنوبية عدة أسماء مثل «تا ـ نحسيو» أي أرض السود، «تا ـ رستي» أي أرض القسي، وأسماها الآشوريون «كوش» ، وأطلق عليها اليونانيون «إثيوبيا» أي سمر الوجوه (١) .
٢ - التباين: كلمة تباين في لغة العرب من البين أي الفراق، والمباينة: المفارقة. قال الرازي في مختار الصحاح: «تباين القوم: أي تهاجروا» (٢) . وقد استُعملت هذه الكلمة في مصطلحنا السياسي مضافة إلى كلمة «إثني» من Ethnic وتعني عِرقي. وكلمة «ثقافي» وتعني أنماط السلوك البشري في المعتقدات والعادات والتقاليد وأنماط الحياة، كمفهوم يرمي إلى إبراز الاختلاف في التكوين القومي السوداني وتجسيد النقص في التجانس؛ ذلك باعتبار أن الوحدات العرقية التي يتكون منها السودان كانت وما زالت تشكل وحدات ثقافية قائمة بذاتها لها لغتها وعاداتها ودينها، ولم يحصل بينها اتصال وثيق يوحِّد انتماءها الحضاري والثقافي.
` مؤثرات التباين في تشكيل الهوية:
أولاً: المؤثِّر العرقي:
باعتبار أن السودان هو أكبر الأقطار الإفريقية والعربية مساحة؛ فإن هذه الرقعة الواسعة تضم العديد من الأجناس والمجموعات العرقية والسلالات ذات الأصول السامية والحامية والزنجية، والتي امتزجت واختلطت عبر مئات السنين، وكوَّنت المجموعة العرقية والقبلية المعروفة اليوم، وتؤكد الدراسات أن بالسودان الآن أكثر من ٥٧٢ قبيلة تتفرع إلى عشائر وبطون لا حصر لها (١) .
` أصول المجموعات العرقية في السودان:
تاريخ وجود الإنسان في السودان قديم جداً ويرجع إلى أكثر من ٧٠٠.٠٠٠ عام (٢) ، وعلى مدار التاريخ ظلت توافد مجموعات بشرية إلى السودان بشكل استمر بلا انقطاع، وأسهمت إسهاماً مباشراً في صناعة حضارة التاريخ؛ غير أن من المؤكد أنَّ السمة الغالبة لهذا التوافد ليس الثبات بل الحركة والتنقل. بيد أن أول وجود ذي بال للحضارة كان في بلاد النوبة نشأ عمن عرفوا عند الدارسين بالمجموعات الحضارية «الأولى والثانية والثالثة» ، ويرجع هؤلاء الدارسون أنهم ينتمون إلى جنس البحر المتوسط، وأن بهم شيئاً من العنصر الزنجي. وأن هذه المجموعات ـ بعد تعرضها إلى تدخلات فرعونية وحامية وغيرها من العناصر البشرية ـ انحدرت الفصائل التي أنشأت الحضارة في السودان القديم وهم النوبة والعنج.
وفي الشرق سكنت العناصر التي عرفت عند العرب باسم البجة، وتعرضوا كذلك للاختلاط بسكان النيل والمصريين، كما جاء في المخططات المروية والكوشية والفرعونية، كما خالطوا الأحباش، وخالطهم العرب في هجرات قديمة لقبائل حمير.
أما الغرب فقد توافدت إليه مجموعات كبيرة من وادي النيل عبر دارفور غرباً وحتى تشاد ونيجيريا، وبالقدر نفسه كانت هناك هجرات عكسية من غرب إفريقيا إلى دارفور.
أما الإقليم الجنوبي فقد شهد تحركات سكانية امتدت من بدايات القرن الميلادي الأول؛ فقد وفدت مجموعة تعرف باسم «اللول» سكنت على امتداد بحر الغزال ـ سابقة لمجيء الدينكا والنوير ـ وأصول هذه المجموعة زحفت من الشمال غالباً من كردفان (٣) .
وفي بداية القرن الثالث عشر الميلادي ـ أي بعد ستة قرون من محاولة الفتح الإسلامي الأول التي انتهت بمعاهدة البقط ـ تكاثفت الهجرات العربية بشكل كبير من مصر ومن الجزيرة العربية نتيجة لعوامل سياسية واقتصادية، وانفتح المهاجرون العرب على الشعوب السودانية من نوبة وبجة وعنج معايشة واختلاطاً؛ مستغلين نظام الوراثة والنسب عن طريق الأم لبسط نفوذهم السياسي؛ فقد صاهرت قبيلة ربيعة البجة في الشرق، وصاهرت فروعها النوبة في أرض المريس، نتج عن هذه المصاهرة الأحفاد المعروفون «ببني كنز» الذين استطاعوا الوصول إلى عرش النوبة؛ مما كان له أثر في إضعاف الكيان السياسي للنوبة حتى سقطت دولتهم «المقرة» لينفتح الباب على مصراعيه لتوغل العرب ـ وخاصة قبائل جهينة ـ إلى حوض وادي النيل الأوسط ومتابعة السير إلى أرض البطانة والجزيرة، عبر بعضهم النيل إلى كردفان ودارفور، وهناك التقوا بوافد بشري سار محاذياً لشواطئ النيل الغربية إلى دنقلا فكردفان ودارفور (٤) .
لما كان معظم هؤلاء العرب من البدو؛ فقد ظلوا على بداوتهم وترحالهم، غير أن جماعات غير يسيرة عمدت إلى الاستقرار واختلطت بالسكان المحليين، وقد أدى هذا التوافد العربي الكثيف إلى إسقاط الكيانات السياسية التي كانت موجودة «المقرة ـ وعلوة» ، ونشأت على أثرها مشيخات وإمارات عربية.
وهكذا أضفت الهجرات العربية صبغة جديدة على التركيبة السكانية في السودان؛ فنتيجة لحركة المصاهرة والاختلاط والحركة والتنقل ظهرت الكيانات القبلية المعروفة لدينا الآن في السودان الشمالي؛ فالقبائل النوبية في الشمال كالدناقلة والمحس والكنوز والسكوت دخلت في الإسلام ونالت حظاً من الاستعراب، ولكنها ظلت محتفظة بلغاتها ولهجتها وعاداتها المتوارثة ـ كذلك الأمر بالنسبة للقبائل البجاوية في الشرق كالأمرار والهدندوة والبشارين، وقبائل الزغاوة والمساليت والفور والتاما في الغرب، أما القبائل المصنفة عربياً مثل الجعليين والشكرية والبطاحين والكواهلة ودغيم وكنانة والكبابيش والبقارة والرزيقات والتعايشة؛ فإنها تأثرت في سحناتها بالتداخل مع السكان المحليين، ولكنها ظلت تحتفظ بكيانات قبلية متميزة تستشعرها وتعتز بها.
أما في الجنوب فإن المجموعات التي تتحدث اللغات النيلية اليوم، كالشلك والباريا والنوير والأنواك والأشولي، فقد انحدرت حسبما يشير التراث الشفهي المنقول إلى مواطنها الحالية من أصول أولية وفدت إلى المنطقة من جنوب غرب الحبشة، وبالتحديد ما بين نهر «أومو» وأعالي نهر البيبور (١) .
إن هذا الانحدار اتسم بالحركة وعدم الاستقرار نسبة لطبيعة المنطقة، ولم يستقر وجودها إلا بعد أن أنشأ الفونج سلطة مركزية قوية توغلت جنوباً في الأحراش إلى «غندكرو» ، ولكن تعرض هذه المجموعات للتأثير العربي كان ضعيفاً، ويكاد يكون منعدماً بسبب توقف حركة الفتح الإسلامي لدولة الفنج.
ثانياً: المؤثِّر الثقافي:
من الضروري لمناقشة المؤثِّر الثقافي في السودان، وما يتعلق به من أطروحات، أن نبدأ بتفكيك عناصره وتناولها على حدة، وهي تقريباً: «الدين، اللغة، المؤثرات الحضارية، العادات والتقاليد» .
١ - الدين:
في السودان القديم كانت تسود الوثنية جميع أجزائه بأديانها المختلفة ومعبوداتها المتعددة، كالمعبودات الفرعونية في ممالك النوبة آمون وإيزيس وحورس، أو مثل المعبودات المحلية كأبادماك إله الحرب والنصر عند المرويين وسيبومكر، وأرينوسنوفس، أو المعبودات المأخوذة من الطبيعة مثل الأفعى والأشجار، أو مثل عبادة الطوطميات في الجنوب.
وفي منتصف القرن الرابع الميلادي دخلت النصرانية إلى السودان عن طريق الإرساليات البيزنطية، وما لبثت أن صارت هي الدين الرسمي لممالك النوبة الثلاث: «نوباطيا، المقرة وعلوة» ، وانتشرت الكنائس فيها، وإن كان هناك من يرجح أنها لم تكن ديناً شعبياً، بل كانت دين النخبة؛ بينما ظل عامة الشعب على معبوداتهم الوثنية.
أما الشعوب التي كانت تقطن شرق النيل، وإلى الجنوب الغربي، فقد ظلت متمسكة بمعتقداتها القديمة (٢) .
وفي القرن السابع الميلادي والأول الهجري ٣١ هـ/ ٦٥١ ـ ٦٥٢م توغلت الجيوش الإسلامية في بلاد النوبة وحاصرت دنقلا عاصمة المقرة، ولأن غرض المسلمين لم يكن الفتح، بل وضع حد لهجمات النوبة على الحدود المصرية؛ فقد انتهت هذه المرحلة بإبرام ما عُرف بـ (اتفاقية البقط) ، لكنها كفلت حق التوغل السلمي والتبادل التجاري للجانبين ـ مجتازين غير مقيمين، وهو الأمر الذي كان له أكبر الأثر في نشر العقيدة الإسلامية عن طريق التجار المسلمين.
كما تم عقد اتفاقات مماثلة مع البجة في القرن الثامن الميلادي، مكَّنت من فتح الموانئ السودانية مثل عيزاب وسواكن لنقل الحجيج، التجار القادمين من مصر، وهكذا تسربت المؤثرات الإسلامية تدريجياً حتى جاء القرن الثالث عشر الميلادي، وبدأت القبائل العربية تتدفق بأعداد كبيرة إلى السودان، وتداخلت مع السكان المحليين من النوبة والبجة، وفي منتصف القرن الرابع عشر سقطت مملكة النوبة المسيحية على يد بني عكرمة ـ إحدى بطون جهينة ـ وزال الكيان المسيحي الذي كان يصد توغل العرب، فاندفعوا بأعداد كبيرة خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر إلى مملكة «علوة» آخر معاقل النوبة المسيحيين، وغلبوها على أمرها، وتمكنوا من إزالتها من الوجود في منتصف القرن الخامس عشر على الأرجح؛ حيث انقضَّت جموع هائلة من القبائل العربية بقيادة عبد الله القرنياتي المعروف بـ «جماع» على سوبا وقضوا على ملكها، وهكذا انهزمت المسيحية تماماً في السودان، ولكنها عادت مرة أخرى على يد المبشرين الاستعماريين خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وأفسح لها الاستعمار الإنحليزي المجال للعمل منفردة في المناطق التي يضعف فيها الأثر الإسلامي مثل الجنوب وجبال النوبة، حتى صارت دين النخبة السياسية والمثقفين في تلك المناطق.
وفي بداية القرن السادس عشر جاءت قوة مسلمة وافدة من أعالي النيل الأزرق، وقامت بالإطاحة بحكم العربان وأقامت دولة إسلامية كان لها أكبر الأثر في نشر الثقافة الإسلامية ودحر الوثنية، وهي دولة الفونج التي تمددت شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً (٣) .
وفي غرب السودان قامت بعض الكيانات السياسية الإسلامية مثل المسبعات التي اندمجت بالقوة تحت سلطان الفونج، ومثل الفور التي ظلت كياناً سياسياً قائماً بذاته حتى العهد التركي.
لقد استطاع الإسلام ديناً وثقافة أن ينفرد تماماً في كل السودان الشمالي وجزء كبير من الجنوبي، ومثل جبال النوبة والأنقسنا.
٢ - اللغة:
للغة أثر كبير في شخصية الثقافة؛ حتى إن بعضهم يصنف الثقافة على أساسها، وفي السودان عدد كبير من اللهجات واللغات مثل اللغة النوبية أصل اللهجات «الدناقلة والسكوت والمحسن ... إلخ، ومثل اللغة التبداوية أصل لهجات البجة؛ إضافة إلى لهجات القبائل الإفريقية في الغرب مثل الفور والزغاوة والمساليت. أو لهجات القبائل النيلية من شلك ودينكا ونوير.. إلخ، ولكن العربية ظلت ـ في مستوياتها المختلفة ـ هي لغة التخاطب في السودان، والقاسم المشترك بين كل القبائل والثقافات، ولغة الشعائر الدينية، ولغة المعاملات التجارية والرسمية، وإن حاول المستعمر أن يغرس الإنجليزية بديلاً لها في الجنوب (٤) .
٣ - التأثيرات الحضارية:
تعرضت الممالك السودانية القديمة لمؤثرات حضارية عدة نتيجة لاتصالها بالعالم من حولها، فقد وفدت إليها تيارات حضارية مصرية ويونانية ورومانية وحبشية، أدلت بأثرها في العادات والتقاليد والطقوس وربما تسربت بقاياها حتى يومنا هذا (٥) .
٤ - العادات والتقاليد:
على الرغم من أن الإسلام قد غيَّر الخريطة الديمغرافية والثقافية في السودان، وأنشأ مجمل العادات والتقاليد لدى القبائل المحلية المستعربة على حد سواء، إلا أن قدراً لا يستهان به من العادات والتقاليد كان بعيداً كل البعد عن الأصول الإسلامية، بعضها تسرب من الوثنيات القديمة كبعض العادات المرتبطة بالزواج والميلاد والختان والنفاس ... إلخ.
` صراع الهوية:
برز التكوين الحالي للسودان الإسلامية، بل كان مسلماً بها حتى لدى الاستعماريين الأوروبيين أنفسهم، رغماً عن أن المصلحة الأوروبية اقتضت تأكيد التمايز الثقافي بين الجنوب والشمال على وجه الخصوص، ولهذا ابتدعوا سياسات للفصل العرقي والثقافي مثل قوانين المناطق المقفولة، وقاموا بإعلاء شأن الزنجية والنصرانية ضد الوجود المسلم، وفي وقت لاحق تطور الأمر إلى صراع انفصالي مسلح ألقى بظلاله على الأطروحة الثقافية للمفكرين السياسيين السودانيين، فظهرت لأول مرة اتجاهات جديدة فيما يتعلق بالهوية، بدأ الخلاف أكاديمياً في أول الأمر، وتبلور في ثلاثة أطروحات:
أ - أطروحة تؤكد أن الهوية الثقافية للسودان هي امتداد طبيعي للثقافة الإسلامية والعربية، حسب المعطيات المتوافرة من دين غالب ولغة غالبة وعادات، وعلى الرغم من وجود الثقافات الأخرى فإنها ثقافات أقلية.
ب - أطروحة تدعو إلى تعظيم دور النمط المحلي في تكوين الثقافة السودانية بقدر مكافئ للإسلام، وتعتبر الهوية السودانية ثنائية المصدر «أفرو عربية» ، لكن هذه الأطروحة تمتد أحياناً لتغليب الهوية الإفريقية مطلقاً.
ج - أطروحة تدعو إلى حجر هيمنة الثقافة العربية والإسلامية، وتعتبر أن الثقافة السودانية متعددة المصادر، اعتماداً على تعدد اللغات واللهجات «زنجية ـ عربية ـ نوبية تبداوية ... إلخ» (١) .
ونتيجة لتعاظم الضغط الانفصالي في الجنوب الذي صار مسنوداً من القوى الدولية، وبدفع من هذه القوى تم الترويج للأطروحة الأخيرة في الوسط السياسي كأساس للحل السياسي، واستناداً عليها يتم رفض مشاريع الحكم الإسلامية التي تستند إلى الهوية الإسلامية، وقد بلغ هذا الخط أقصى ما تتمناه قوى الاستكبار الدولي؛ حيث وصل إلى ما يشبه الإجماع بين القوى السياسية الفاعلة، بما في ذلك السلطة الحاكمة، وتم إثباته في الدستور، واعتمدته أغلب الأحزاب في مشاريعها للحل ومواثيقها السياسية.
` التباين وإشكالية الوحدة:
إذا كان المشروع التعددي يطرح نفسه كضمان للوحدة «ضد الانفصال» ، ويدعو إلى تنمية الثقافات المحلية، فإنه يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الثقافة الإسلامية ظلت هي الصبغة الشرعية للهوية السودانية، والقاسم المشترك بين الكيانات العرقية طوال قرون عدة.
أما تنمية التعدد الثقافي والعرقي؛ فلا تعدو أن تكون مجرد إرضاء لأهواء ساذجة لنخب سياسية لا تعبر عن حقائق، بل من الوهم تصور أن ذلك يمكن أن يكون ضماناً للوحدة؛ فهو ببساطة تعميق للفوارق وتعزيز للاعتداد بالكيانات الصغيرة، آخذين في الاعتبار أن التركيبة السكانية في السودان في غالبها الأعم أقرب إلى البداوة من التحضر، ولو فرضنا جدلاً أن ثمة تمازجاً قد حصل لتلك الثقافات في ظل التنوع المعبر عنه سياسياً وإعلامياً؛ فإن ذلك سيتمخض عن نتيجتين:
١ - أن تمتزج هذه الثقافات وتنتج نسيجاً جديداً، وهو في هذه الحالة سيكون منكراً ومتنافراً يحمل عوامل الفناء في داخله؛ فهي عملية عشوائية لا تقوم على معايير منضبطة.
٢ - أن تفرض ثقافة ما وجودها وهيمنتها بوصفها الأقوى والأكمل ـ إذ إن الطبيعة الاجتماعية تؤيد ذلك ـ وهو عين ما قامت به الثقافة الإسلامية حينما زاحمت الثقافات المحلية، فإن قربها للفطرة أعطاها هذا الوضع.
إن الفوارق العرقية الثقافية لم تكن يوماًِ ما عامل وحدة، بل ظلت على الدوام عامل شتات. وبالمقابل فإن الإسلام هو الثقافة الوحيدة التي ظلت تتمتع بالقدرة على صنع الوحدة والتجانس في أشد حالات التنوع تشابكاً. قال الله : ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ؛ ففي تاريخ الدولة الإسلامية استطاع الإسلام أن يجمع أجناساً وأعراقاً شتى وأصحاب ثقافات مختلفة، عرباً وفرساً وهنوداً وأرمن وصقالبة وبربر وإفريقيين وقبطاً، لقرون عديدة انحدرت كلها في إطار الثقافة الواحدة المهيمنة، وحتى في السودان نجد الآتي:
` اتحاد العبدلاب والفونج الذي صنع الدولة التي وحدت معظم أجزاء السودان كان بعد حرب، ولكن الإسلام وحد بينهم.
` تجربة الزبير باشا الذي أسس دولة إسلامية في قلب الجنوب الأكثر تشابكاً واختلافاً من ناحية التعدد الثقافي والعرقي.
` المهدية (الثورة والدولة) التي استطاعت أن تجمع كل السودانيين في منظومتها على اختلاف أعراقهم، بل وامتدت حتى جبل الرجاف في عمق الجنوب.
لقد أدرك المستعمرون الأوربيون هذه الحقائق، فعملوا على تعويقها بسياسة الفصل العرقي للجنوب عن الشمال بقوانين المناطق المقفولة، وبتعميق الشعور القبلي في الشمال (سياسة فرق تسد) حينما استخدموا أسلوب الإدارة الأهلية، وقد أدرك رواد الحركة الوطنية الأوائل في مؤتمر الخريجين هذه الحقيقة واستوعبوها، فكانت رؤيتهم لحل مشكلة الجنوب هي نشر الثقافة الإسلامية فيه.
ولهذا فإننا نطرح (الثقافة الإسلامية) كمشروع وحيد وأصيل للوحدة وليس العكس.
стр. 5038
هل حققت الصهيونية آمالها باحتلال العراق ؟
عبده عياش
يُجمِع المحللون والمراقبون السياسيون وخبراء السياسة الدولية أن حماية أمن الكيان الصهيوني «إسرائيل» هو أهم هدف لغزو واحتلال القوات الأنجلو أمريكية للعراق الشقيق إلى جانب الأهداف الأخرى المتمثلة في السيطرة على منابع النفط العراقي ومنطقة الخليج العربي، وأيضاً الهيمنة العسكرية والسياسية المباشرة على الممرات البحرية وطرق المواصلات العالمية لترسيخ الزعامة الانفرادية الأميركية على العالم وخصوصاً المنطقة العربية المكتنزة بالثروات والخيرات بأنواعها وأشكالها وكمياتها.
ويرى الباحثون الاستراتيجيون أن أمن دولة العدو قد توفر في الوقت الراهن بعد تدمير أميركا للقدرات العسكرية العراقية وإنهاء أي قدرة على تهديد ذلك العدو عقب تحلل الجيش العراقي بكافة أسلحته الجوية والصاروخية وحتى البرية، وهذا الأمر يؤكد أن حرب غزو العراق قامت بها القوتان الاستعماريتان أميركا وبريطانيا نيابة عن ربيبتهما اللقيطة (إسرائيل) .
ويبدو أن الأساطير اليهودية الصهيونية هي التي روجت لضرورة سحق القوة العراقية مبكراً؛ حيث يجد اليهود في تلمودهم المزعوم أن خراب دولتهم الثانية سيكون على أيدي جند أولي بأس شديد يخرجون من أرض بابل كما خرج نبوخذ نصّر الذي خرب دولتهم الأولى قبل آلاف السنين، وسباهم رجالاً ونساءً أسرى وعبيداً.
وعقب سقوط بغداد ودخول القوات الأمريكية الغازية إلى شوارعها وأحيائها كان أول الفرحين والشامتين (الإرهابي شارون) الذي أعرب عن سعادته باحتلال الأميركان لبغداد، وبينما كان العرب والمسلمون يعتصرهم الألم والقهر كان الصهاينة فرحين والابتسامات تعلو وجوههم، ويتبادلون التهاني، ويتعاقرون الخمر سعادة وطرباً بما وقع.
وخلال الأيام والأسابيع الماضية قبل وبعد الغزو الأنجلو أمريكي للعراق كانت أنباء تتحدث عن أصابع خفية يهودية صهيونية تعمل بإصرار لتحقيق الاستراتيجية الصهيونية في المنطقة من خلال إسقاط العراق لتتاح الفرصة لبني صهيون لتنفيذ مخططهم في فلسطين لإعلان (إسرائيل الكبرى) على أشلاء ودماء الفلسطينيين، وخراب ودمار دول العرب والمسلمين.
` حقد ومكائد:
منذ فجر الإسلام اتخذ اليهود موقفاً عدائياً من الإسلام عقيدة ورسولاً وأمة؛ فنفسياتهم النرجسية وسلوكياتهم العنصرية، وطبيعتهم الحاقدة والحاسدة، وأيضاً تاريخهم الحافل بالجرائم والمنكرات، ابتداءً من استحلال الحرام ونقضهم للعهود والمواثيق، وكفرهم وعصيانهم، وانتهاء بقتل الأنبياء والمرسلين، كل ذلك شكل موقفهم العدائي من الإسلام الذي أُرسل به النبي العربي الكريم محمد #، فحاكوا المؤامرات والمكائد، وأشعلوا الفتن والحروب حقداً من عند أنفسهم على أمة الإسلام من عرب وعجم.
وبرغم ذلك عاشوا في ديار المسلمين وتحت راية دولة الإسلام على مدى أكثر من ١٤٠٠ عام في أمان وسلام. ويؤكد هذا المعنى المؤرخ الإسرائيلي (صموئيل أتينجر) (١) بقوله: «عاش يهود المشرق الإسلامي على مدى ما يقرب من ألف ومائتي عام تحت حكم الإسلام؛ وقد أطلق عليهم طيلة هذه الفترة اسم أهل الذمة، وكان يحق لهم ممارسة شعائرهم الدينية في مقابل الجزية التي كانوا يدفعونها للسلطات التي كانت تتولى حماية ممتلكاتهم، واتسمت علاقة اليهود بالمجتمع المحيط بهم من المسلمين بقدر كبير من الاستقرار» .
ويقرر أن «وضع يهود الشرق أفضل بكثير من وضع يهود أوروبا الذين اضطهدوا لأسباب سياسية واقتصادية ودينية؛ فكثيراً ما كانوا يُطردون من البلدان التي أقاموا فيها؛ في حين لم يتعرض يهود بلدان الشرق لنفس المصير» .
هذه الشهادة وغيرها من الوقائع والأحداث وردت في كتاب «اليهود في البلدان الإسلامية» وهو عبارة عن كتاب فيه عشرون دراسة لأربعة من الباحثين المتخصصين في دراسة تاريخ يهود العالم العربي والإسلامي.
والكتاب عبارة عن تحليل شامل للتاريخ الاجتماعي والاقتصادي والفكري ليهود البلدان الإسلامية خصوصاً العراق واليمن وأفغانستان، وإيران مروراً ببخارى، وعدن، وكردستان العراق، وحتى مصر، ودول المغرب العربي، كما يرصد التحولات الجذرية التي شهدها المجتمع اليهودي التقليدي منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.
` قوة في ظل الاحتلال:
أظهر التعداد السكاني الأول الذي أجري في العراق في عام ١٩٢٠م أن تعداد يهود العراق يقدر بـ ٨٧ ألف يهودي، وأظهر أيضاً أن (٥٠٣٠٠) يهودي يقيمون في بغداد، وأن ٧ آلاف يقيمون في البصرة، وفي عام ١٩٤٧م وصل تعداد يهود العراق إلى ١١٨ ألف نسمة (٢) .
ويمكن القول بشكل عام: إن أهل السنَّة من المسلمين كانوا أكثر تسامحاً تجاه اليهود، ولكن كان هناك عامل آخر حدد وضع اليهود وهو مركزية السلطة؛ حيث إنه كلما كانت السلطة مركزية أكثر وقادرة على الهيمنة بكفاءة على مقاليد القوة المختلفة، وخاصة إذا كانت هذه السلطة أجنبية كان وضع اليهود مريحاً أكثر. تفيد كتابات الرحالة التي يرجع تاريخها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى أن غالبية يهود العراق كانوا يعملون في المهن اليدوية والصرافة، وفي إنتاج الصابون والزيوت والحلويات والنبيذ؛ كما عملوا أيضاً بالتجارة.
وتسببت سيطرة اليهود على أسواق المال في تعرضهم للاضطهاد من قِبَل الأتراك الذين قالوا: إن اليهود تسببوا في انهيار قيمة العملة التركية، وبعد احتلال بريطانيا للعراق أصبح اليهود يتحكمون في اقتصاد العراق، فتولى اليهودي (ساسون يحزقيان) منصب وزير المالية في حكومة الانتداب البريطاني في العراق، كما سيطر اليهود على ما يربو من ٩٠% من حركة الواردات وأعمال المقاولات، وشغل اليهود أيضاً ٥٠% من حجم الوظائف الحكومية (٣) .
وحققت بعض العائلات اليهودية قدراً كبيراً من الثراء، وساهم افتتاح قناة السويس إلى حد كبير في ازدهار النشاط الاقتصادي في العراق، وتزايد ثراء العائلات اليهودية، وكانت عائلتا: زيلخا، وعبودي من أكثر العائلات اليهودية ثراء بالعراق، ونتيجة لسيطرة يهود العراق على حركة أسواق المال فقد ألحق رحيلهم عن العراق في عام ١٩٥٠م أشد الضرر بنظام البنوك هناك (٤) .
` خنجر مسموم في الظهر:
شارك اليهود في الحركات السياسية والقومية التي كانت ذات طابع ليبرالي، ولكن سرعان ما خرج اليهود من هذه الحركات خاصة بعد أن تزايدت في أوساطها قوة التوجهات الدينية والقومية المعادية لليهود.
وإبّان الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين انضمت أعداد كبيرة من اليهود إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وجذب هذا الحزب الذي تأسس في عام ١٩٢٤م اليهود إلى صفوفه لتأييده لقرار التقسيم الصادر في عام ١٩٤٧م والداعي إلى إقامة دولة يهودية ومعارضته للحرب، وتأييده للحل السلمي الذي دعا إليه (١) .
في الثاني من شهر نوفمبر عام ١٩١٧م شعر يهود الشرق الذين كانوا يأملون أن تنتصر بريطانيا على تركيا «الدولة العثمانية» بسعادة بالغة بعد صدور (وعد بلفور) ، وهو الوعد الذي دعا إلى إقامة وطن قومي لليهود، وبعد أن تم التوصل إلى اتفاقية (سان ريمو) في عام ١٩٢٠م والتي بموجبها وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وبعد أن تولى (هربرت صموئيل) منصب المندوب السامي البريطاني في فلسطين قال بأن كل هذه الأحداث لا تعد فقط بمنزلة اعتراف من قِبَل الآخرين بحق اليهود في فلسطين، وإنما تعد أيضاً بمنزلة خطوة عملية على صعيد إقامة «مملكة إسرائيل الثالثة» (٢) .
إبّان عقد العشرينيات كان لبعض الروابط الصهيونية في العراق بعض المنجزات المهمة في مجالي التبرعات «للصندوق القومي اليهودي» وشراء الأراضي في فلسطين.
وعند المقارنة بين حجم التبرعات التي قدمها يهود العراق إبّان عقد العشرينيات بالتبرعات التي قدمها يهود بولندا في الفترة نفسها نجد أن التبرعات التي قدمها يهود العراق كانت ضخمة للغاية، ولا يدل هذا الأمر على مدى تحمس يهود العراق للفكرة الصهيونية فحسب، وإنما يدل أيضاً على أن أوضاعهم إبّان فترة الاحتلال البريطاني للعراق كانت جيدة؛ ولذلك رأت المؤسسات الصهيونية أنه من الممكن الاعتماد على يهود العراق في مجال التبرعات المالية.
وبعد حصول العراق على الاستقلال الشكلي عام ١٩٣٢م فإن الحكومة العراقية حظرت منذ عام ١٩٣٥م النشاط الصهيوني وتدريس اللغة العبرية، والهجرة إلى فلسطين، ودخول أية صحف عبرية أو صهيونية إلى العراق.
ومع هذا بدأ يهود العراق منذ عام ١٩٤١م في ممارسة أنشطتهم الصهيونية بشكل سري، وكانت المنظمات الصهيونية الرئيسية بالعراق هي «الهجانة» و «هيحالوتس» ، وعملت هذه المنظمات على مساعدة الشباب على الانضمام إلى المنظمات الصهيونية السرية والهجرة إلى فلسطين.
` التسلل المبكر:
الدسائس والمؤامرات هي ديدن السياسة الصهيونية، وتصبح استراتيجية يُخطط لتنفيذها حين تتعلق بالعرب والمسلمين على وجه أخص؛ لذلك لا نغالي في تصوراتنا عندما نشير بأصبع الاتهام إلى اليهود الصهاينة في كارثة احتلال وتدمير العراق، فثمة مصالح كبيرة سيحصدها اليهود من وراء ذلك، سواء في الوقت الراهن أو في المستقبل القريب والبعيد.
فالعراق وإلى قبيل الغزو الأميركي البريطاني كان يشكل تهديداً مباشراً للأمن الإسرائيلي الاستراتيجي، ويقف عقبة في وجه التفوق العسكري للصهاينة، ويحول دون التوسع الجغرافي لدولة يهود الذين يحلمون بإقامة (إسرائيل الكبرى) التي حدودها من النيل غرباً إلى الفرات شرقاً، ومن جبال الأرز شمالاً في لبنان وحتى نخيل خيبر جنوباً في المملكة العربية السعودية، وهذا حلم إبليس في الجنة.
ولا غرابة أن يسعى الصهاينة لقضم ما تيسر لهم من كعكة العراق حتى وإن تعثر الأمريكان والبريطانيون في تثبيت أقدامهم على بلاد الرافدين جراء المقاومة المسلحة العراقية التي توالي تكبيدهم خسائر كبيرة وعلى رأسها حصد أرواح الجنود الأمريكان.
ويدل على صحة رأينا ما نقلته إحدى النشرات الأمنية المتخصصة في لندن على لسان رئيس الموساد الإسرائيلي حين كان يتحدث إلى ضباط وعناصر الموساد التي يطلق عليها «الشعبة العراقية» وهي المكلفة بمهمات حساسة في العاصمة بغداد، وقوله: (إننا نعود إلى بلد في غاية الأهمية الجغرافية والجيوستراتيجية، ونصبح على حدود إيران، ونطوِّق سوريا، ولذلك فالأخطاء أو الخطوات الناقصة ممنوعة) .
وتعود أخبار التسلل الإسرائيلي إلى ما قبل الغزو الأمريكي البريطاني حين نشرت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية تقريراً يفيد أن القوات الأمريكية الغازية تستعين بخبرات إسرائيلية في فنون وأساليب حرب المدن وقمع المقاومة المسلحة إبّان الاحتلال، وفي هذا الإطار ألقى الكولونيل الإسرائيلي (موشيه تامير) قائد فرقة جولاني الصهيونية محاضرة على ضباط قوات المارينز الأمريكي تمحورت حول الدروس التي تعلَّمها جيش الاحتلال الإسرائيلي من الصراع المسلح مع حركات المقاومة الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى.
وركزت محاضرة الكولونيل الإسرائيلي على عملية «السور الواقي» التي شنتها قوات الاحتلال الصهيوني على الشعب الفلسطيني في إبريل ٢٠٠٢م، ومحاضرته كانت جزءاً من سلسلة محاضرات وتدريبات حول حرب المدن التي كانت تتوقعها القوات الأمريكية مع الجيش العراقي.
وخلال الحرب أعلنت القيادة العراقية أنها عثرت على بقايا صواريخ تخص الجيش الإسرائيلي، وهي إشارة واضحة تؤكد أن إسرائيل خاضت الحرب على العراق جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
` اختراق استخباراتي:
أولى ثمرة قطفها الصهاينة من وراء احتلال أمريكا وبريطانيا للعراق هي إنهاء العراق كقوة إقليمية لا يستهان بها. هذا على الصعيد الاستراتيجي. أما الثمرة الأخرى فتمثلت في الاختراق الاستخباراتي للعراق أرضاً وإنساناً؛ فعلى هذا الصعيد أنشأت إسرائيل فرعاً للموساد في بغداد؛ وذلك حسب المصادر العراقية لتنفيذ مهام خطيرة تتعلق في مطاردة العلماء العراقيين، والبحث عن إرشيف المخابرات العراقية، وتجنيد العملاء المحليين، بالإضافة إلى اختراق المجتمع العراقي، والتغلغل في أوساط النخبة السياسية والحركات والمنظمات السياسية الناشئة، والتقصي والتفتيش عن برامج أسلحة الدمار الشامل، والبرنامج النووي العراقي الذي كانت إسرائيل قد سددت له ضربة قاتلة بقصفها لمفاعل (أوزيراك) العراقي أوائل الثمانينيات.
آخر المعلومات الواردة من بغداد تقول: إنه تم افتتاح مركز إسرائيلي للدراسات الشرق أوسطية في العاصمة العراقية أول أغسطس ٢٠٠٣م، ويحتل المركز مبنى كبيراً في شارع (أبو نواس) المطل على نهر دجلة، ويعد المركز أول مركز إسرائيلي يعمل علانية في بغداد بعد سقوطها، وقد تمكن من الحصول على التصريحات اللازمة من قوات الاحتلال الأمريكية، ومن وزارة الدفاع البنتاغون، كما أن حراسة أمريكية مشددة تفرض حوله.
وأكدت المصادر العراقية أن هذا المركز يتبع مؤسسة إسرائيلية تدعى «ميمري» (مركز الصحافة العربية) وأنه أنشئ قبل خمس سنوات ومقره الرئيس في العاصمة الأمريكية واشنطن وله فروع منتشرة في لندن، وبرلين، والقدس الغربية، والمركز يتولى ظاهرياً متابعة الصحافة العربية الصادرة في الوطن العربي والدول الأوروبية ولا سيما بريطانيا؛ حيث يقوم بترجمة المقالات الهامة الصادرة في الصحف العربية إلى اللغات العبرية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وتوزيعها على المشتركين، كما يقوم بتزويد المؤسسات الإسرائيلية الرسمية بهذه الترجمات (١) .
ولم يقتصر الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي للعراق على ذلك، بل إن الموساد وصل إلى بغداد على ظهر الدبابات الأمريكية، وبدأ في إقامة وتجنيد شبكات واسعة من العملاء والمخبرين، وجعل من محطة بغداد قاعدة عمليات يتم من خلالها مراقبة برامج التسلح الإيرانية، والحدود السورية الشرقية، والتغلغل أكثر في المناطق العراقية الكردية.
محللون سياسيون يحددون ثلاثة أهداف للوجود الأمني الاستخباراتي الإسرائيلي في العراق: الأول: إعادة تشغيل شبكة الموساد في العراق. والثاني: اختراق خريطة الأحزاب السياسية. بينما الثالث: يتمثل في دعم الجهود الاستخباراتية الأمريكية في البحث عن البرنامج السري العراقي للأسلحة والتحقيق مع العلماء العراقيين.
وتسربت معلومات عن أن وحدات أمنية إسرائيلية دخلت بغداد في اليوم الثاني لسقوطها، حيث تحركت تلك الوحدات من أربيل باتجاه كركوك، ثم استقرت في بغداد، وكانت برفقة قوات كردية تابعة لمسعود برزاني.
وقالت المصادر الحزبية العراقية: إن الوحدات الإسرائيلية التابعة للجنرال الإسرائيلي «ديفيد تزور» المعني بتطوير التعاون الأمني مع الأمريكيين في العراق دخلت بغداد مرتدية ملابس مدنية، وكانت تركب سيارات مدنية أيضاً مكتوب على لوحاتها «السليمانية، وأربيل» ، وبتنسيق كامل مع قنوات أمنية أمريكية (٢) .
في هذه الأثناء كشفت المصادر الصحافية أن الوحدات الأمنية الإسرائيلية في بغداد أرادت اكتشاف مخبأ أرشيف المخابرات العراقية لأسباب ترتبط بعمليات «الموساد» الإسرائيلي خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات للقرن العشرين؛ وخاصة تلك المتعلقة بصلة المخابرات العراقية مع أجهزة الأمن الفلسطينية التي قادها صلاح خلف «أبو إياد» وخليل الوزير «أبو جهاد» .
` شراء منازل وتنفيذ مخططات:
لم ينتظر الإسرائيليون كثيراً كي تستقر الأوضاع للأمريكان في العراق، فكانوا أول من وصلوا إلى بغداد بعد سقوطها وانهيار نظام حزب البعث؛ فبعد نصف قرن تمكن اليهود من العودة إلى بلاد الرافدين، وهذه المرة بطريقة علنية ورسمية.
ففي الثاني والعشرين من يونيو الفائت كشفت صحيفة (معاريف) الإسرائيلية أن ممثل الوكالة اليهودية (جيف كي) قد قام بزيارة رسمية إلى العراق استمرت خمسة أيام، وهو أول شخصية إسرائيلية رسمية يزور العراق بعد احتلاله من قِبَل القوات الأمريكية البريطانية (١) .
وذكرت الصحيفة أن الزيارة تمت بموافقة الإرهابي شارون رئيس وزراء الكيان الصهيوني، وأنها تمت بتنسيق كامل مع الإدارة الأمريكية.
المسؤول الإسرائيلي قال لوسائل الإعلام إنه اجتمع مع اليهود الذين يسكنون في بغداد وعددهم يصل إلى ٣٤ شخصاً معظمهم من المسنين، وأنه قام بتزويدهم بالمال؛ لأنهم حسب ادعائه يعيشون في فقر مدقع، وقاموا بمرافقته إلى الكنيس اليهودي في بغداد.
في هذه الأثناء تواترت أنباء عودة يهود عراقيين إلى بغداد، وانتشرت في العاصمة العراقية منشورات ومقالات صحافية وخطب لأئمة مساجد تحذر من تغلغل اليهود في المجتمع العراقي، ومن محاولاتهم شراء مبانٍ وبيوت حكومية وخاصة داخل بغداد، وعززت هذه الأنباء ما ذكرته صحيفة (معاريف) الصهيونية التي أكدت أن عراقيين يعملون لصالح المخابرات الإسرائيلية يعتزمون شراء فندق فخم ليكون مقراً للموساد.
وأوضحت أن الموساد يعمل على شراء أو استئجار فندق يكون قريباً من فندق بغداد الذي استأجرته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
ونقلت وكالة الأنباء الإسرائيلة «عيتيم» (٢) أن جهاز المخابرات الموساد يحاول استئجار أو شراء فندق زهرة الخليج القريب من فندق بغداد وسط العاصمة، وأبلغت أصحابه بأنها على استعداد لدفع أي مبلغ يطلبونه مقابل تأجيره أو بيعه.
وقال شهود عيان (٣) : إن عراقيين بعضهم قدموا من الخارج يقومون بشراء البيوت والأراضي السكنية بأسعار خيالية خاصة أن دوائر التسجيل العقاري معطلة؛ ولذلك تتم مثل هذه العمليات الشرائية خارج الإطار الرسمي وعلى أوراق غير رسمية تشير إلى بيع العقار للشخص الفلاني «المجهول الهوية» عبر وسيط من دون طلب إخلاء ذلك العقار.
وتتركز عمليات شراء البيوت والمباني في مناطق الكرادة الشرقية، والصليخ، والمنصور والمسبح، وعرصات الهندية وهي من الأحياء الراقية في بغداد. وذكرت مصادر إعلامية أن أكثر من خمسين يهودياً عراقياً وصلوا إلى بغداد قادمين من إسرائيل لأول مرة منذ عام ١٩٤٨م، وقال أحد العاملين في الفندق الذي نزلوا به: إنهم كانوا من كبار السن ويصطحبون معهم أبناءهم الذين لا يجيدون التحدث بالعربية على عكس آبائهم.
وقام هؤلاء اليهود بشراء عقارات في شارع فلسطين ببغداد بأضعاف أسعارها المعتادة.
هذه الأنباء المتواترة لشراء اليهود المباني والبيوت في بغداد استفزت جماعات المقاومة العراقية مما حدا بواحدة منها تطلق على نفسها منظمة «الإسلاميين العرب» إنذار اليهود من مغبة المجيء إلى بغداد، وأشارت في بيان لها إلى أن ١٧ شركة صهيونية ستفتح مكاتب لها في بغداد؛ لكنها توعدت بأنها ستنسف مقرات شركاتهم.
ونقلت وكالة (فرانس برس) عن بعض الصحف العراقية الجديدة أنباء شراء اليهود للدور السكنية، والمباني العامة في بغداد؛ فصحيفة «الدعوة» كتبت في مقال بعنوان «أسرار فندق في الكرادة» أن فندقاً في وسط المدينة يستقبل مجموعة من الصهاينة بهدف شراء منازل أو قصور كانت ملكاً لضباط النظام السابق.
وعنونت صحيفة (اليوم الآخر) عدداً لها بـ «اليهود يشترون كل شيء» أما صحيفة (الهلال) فكتبت: «اليهود جاؤوا، ويشترون كما فعلوا في فلسطين» . وتساءلت صحيفة «الساعة» عما إذا كان اليهود سيطالبون بالأملاك المصادرة سنة ١٩٥١م (٤) .
إذن تواتر الأنباء يؤكد أن الصهاينة تسللوا إلى بغداد في ظل حماية الاحتلال الأمريكي لهم؛ وقاموا بعمليات شراء لمساكن ومبانٍ مختلفة كان من بينها مبنى لإقامة خلية الموساد؛ بحيث يقومون بدورهم الاستخباراتي داخل المجتمع العراقي، وينفذون مخططاتهم التخريبية، وإثارة الفتن والقلاقل في العراق.
стр. 5039
- أقوال غير عابرة -
- «أتعلم ما أمنيتي حالياً؟ أن أرقص على أنغام السيدة فيروز، حصولي على الجنسية الأمريكية فوز عظيم» الضابط اللبناني محمود سلام الذي كان يعمل مرتزقاً للجيش الأمريكي في العراق، يعبر عن فرحته بحصوله على الجنسية كمكافأة.
[إيلاف، ١١/٧/٢٠٠٤مـ]
- «كان نائماً على عجلة قيادة أمريكا في الفترة التي سبقت هجمات ١١/٩» مخرج الأفلام الوثائقية المعروف مايكل مور يسخر من الرئيس الأمريكي جورج بوش في حديث لصحيفة ليبراسيون الفرنسية. [البيان الإماراتية، ١٢/٧/٢٠٠٤م]
- «كنت أظن أن الفلسطينيين جيش أكبر وأنهم يحاولون اجتياح إسرائيل وبدا لي وكأن الفلسطينيين هم الذين يسيطرون على الإسرائيليين» فتاة بريطانية تتحدث عن تأثير التغطية الإعلامية المنحازة في بريطانيا على تصورها للصراع العربي الإسرائيلي. [الوطن القطرية نقلاً عن الهيرالد تريبيون، ١٥/٧/٢٠٠٤م]
- «أقف ما بين ثماني و١٠ ساعات يومياً، لماذا يتم تحديد الوقوف لأربع ساعات فقط» وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد يعلق على تحديد الفترة التي يمكن للمحققين أن يطلبوا فيها من المعتقلين في قضايا الإرهاب الوقوف على أرجلهم، وذلك ضمن مذكرة تعود إلى العام ٢٠٠٠م وتم الكشف عنها مؤخراً. [النيوزويك، ٦/٧/٢٠٠٤م]
- «إذا أذعنتم انتهت اللعبة، سيكثفون من هجماتهم» رئيس الوزراء الأسترالي جون هاوارد ينتقد الدول التي قررت سحب قواتها من العراق بعد تكرار عمليات الاختطاف. [الرأي العام، ١٧/٧/٢٠٠٤م]
- «إنها لعبة شطرنج سريعة، لقد غيروا أساليبهم وعثروا على طرق جديدة لقتلنا، ونحن نبحث عن طرق جديدة لمواجهتهم» الضابط الأمريكي فيليب لودفيجسون عضو كتيبة سترايكر يُعلق على التطور المستمر في أساليب المقاومة العراقية في استخدام تقنية التفجير عن بعد. [الاتحاد الإماراتية، ١/٦/١٤٢٥هـ]
- «نحن نستمتع بوجودنا قرب الأمريكيين، ونضحك كثيراً؛ لأنهم لا يفهمون لغتنا، فنستطيع بذلك شتمهم وهم يعتقدون أننا نستلطفهم» شاب عراقي في بغداد. [الحياة، ١٨/٧/٢٠٠٤م]
- «أرسلوا لصاً ليمسك بلص آخر» كينيث بولاك محلل سياسي أمريكي مختص بالشؤون العراقية عمل بالسي آي إيه مطلع التسعينيات يتحدث عن تعيين الاحتلال الأمريكي إياد علاوي رئيساً للوزراء. [العربية نت، ١٩/٧/٢٠٠٤م]
- «كل شهرين يجب أن يداس كتاب الله حتى إن أحدهم ركله برجله والآخر رماه ثلاث مرات متتالية في الخلاء» الأسير المفرج عنه وسام عبد الرحمن يتحدث عن سلوك المحققين الأمريكيين في معتقل جوانتانامو، برنامج لقاء اليوم.
[الجزيرة نت، ١٤/٧/٢٠٠٤م]
стр. 5040
هل حقاً يا أماه! حفظتُ كتاب الله ؟
مريم بنت أحمد الأحيدب
في إحدى الليالي.. وبعد فراغي من كتابة واجباتي وترتيب كراساتي.. أويت إلى فراشي.
وقبل أن يطرق الكرى الأجفان أخذت أقلّب الأفكار.. وأستعرض الخواطر فيما قد جرى وصار.
عندها بدأت مخيلتي تسبح في أغوار الماضي مقتبسةً منه أروع الصور، وأجمل الذكريات.
استوقفتني إحداها.. ولعلها كانت من أكثر الصور في ذهني رسوخاً.. وأشدها ثباتاً.
قبل بضع عشرة سنة.. وتحديداً عندما بلغت السابعة.. أمسكتِ يا أمي الحبيبة بيدي الصغيرة.. تسابقين الخطى.. يسألك الرائح والغادي: أين يا أم الأشبال؟
تردين بكلّ فخرٍ وَاعتزاز: سأُلحق ابنتي بمدارس تحفيظ القرآن.
الجميع باستنكار: ما لكِ ولهذه المدارس يا أم الأشبال؟! فحصص القرآن فيها كثيرة.. ومناهجها كثيفة.. ارفقي بالبنية؛ فهي ما زالت صغيرة.
كنت تردين بكلّ عزة وإباء: (على قدر أهل العزم تأتي العزائم) .
أماه! كنتِ بالفعل جبارة.. قاومتِ المجتمع والأقارب وأهل الحارة.. لم يثنكِ عن عزيمتكِ تثبيط مثبط.. ولا تخذيل متخاذل.
تهافتت الذكريات.
دلفتُ بوابة المدرسة متأبطةً حقيبتي.
كنتِ برفقتي تشدين أزري، وتقيلين عثرتي.
رمقتِني بنظرات كلها حنانٌ وعطف.
ربَّتِّ على كتفي بلطف.
وعدتني بالبقاء.. وأن لا تتركيني وحيدة.
أدخلتني غرفة الصف، وجلست خارجه.
عيناكِ كانتا تراقباني.. وكفاكِ كانتا تدعوان لي.
مرّت الأيام والسنون.. كانت سعادتكِ بي غامرة.. وفرحتكِ بي بالغة.
كلما طرق مسمعي حديث رسولنا الكريم ـ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ـ أن حامل القرآن يُوضَع على رأسه يوم القيامة تاج الوقار، ويُكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا.. فيقولان: بِمَ كُسينا؟.. فيقال: بأخذ ولدكما القرآن.. تخيّلت ذاك المشهد.. وسألت الله أن يبلغني إياه.
إنه العز الحقيقي والراحة السرمدية التي تذوب فيها جميع المصاعب، وتتكسر أمامها كلّ التحديات.
أمي الحبيبة! عندما أردتِ أن أكون متميزة.. أردتِ أن تصنعي مني فتاة صالحة، وداعية ناجحة، ومربية فاضلة.
عندما أردتِ أن أكون متميزة.. اخترتِ لي العيش في ظلال القرآن حيث الأمان والاطمئنان.
أردتِ أن تحافظي عليَّ كما يُحافَظ على الدرّ والياقوت والمرجان.
لكن بقي في ذهني سؤال.. سؤال صال في خاطري وجال.
بعد مضيّ هذه السنوات الطوال: هل أنا حقاً حفظت القرآن؟
أكان حفظي للقرآن يعني فقط تجويدي لحروفه، وضبطي لمخارجه؟
أكان حفظي للقرآن يعني فقط ترديدي لآياته، وإتقاني لحركاته وسكتاته؟.. أم أن هناك للحفظ معنى آخر أعمّ وأشمل؟
كما طرحتُ هذا السؤال.. فأنا من سيتولى الإجابة:
إن حفظي للقرآن يعني لي الكثير.. الكثير..
يعني لي الحفظ بكافة صوره.. فأجوّد حروفه، وأقف عند حدوده.
أردد آياته، وأعمل بأحكامه.
أن أُعرف به بين الناس عِلماً وعملاً وسلوكاً.. مظهراً ومخبراً.
يؤسفني كثيراً.. عندما أعقد بعض المقارنات بيني وبين بعض الأقران.. ممن لم ينفقن أعمارهن في حفظ سورة من القرآن.. بل قد لا يقرأنه إلا في رمضان.. فأجد الفروق بيننا ليست بالكبيرة.
فالاهتمامات متشابهة.. والطموحات متقاربة.. حتى الشكل واحد.. لا فرق يُذْكر.
أين بصمات كتاب الله على سلوكي ومظهري؟
لقد قضيت في حفظي لكتاب الله عُمُراً.. فأين التحصيل؟
أين الثمرة التي تعاهدتِها بالسقاية والرعاية يا أمي؟
أمي الحبيبة! عندما أدخلتني المدرسة قاومتِ كلام الكثيرات.
استسهلتِ الصعب في سبيل التحاق ابنتكِ بركب الحافظات.
هيأتِ لي السبل كي أحفظ كتاب الله، فأرجوكِ ثم أرجوكِ.. واصلي معي المسير.
إن دورك يا أماه لا ينتهي عند بوابة المدرسة.. أو عند انخراطي مع الطالبات في الصف.. لا يا أمي.. إن متابعتك إياي ـ وخاصّة فيما يتعلق بسلوكياتي ـ أمر في غاية الأهمية؛ فأنتِ أقرب الناس إليّ.
قد تشغلك مهام الحياة ومتطلباتها عني.. ولكن تذكري دائماً أنكِ برعايتك إياي لا تبنِينَ فرداً بل تصنعينَ أمّة!
قد ينتابني ما ينتاب بنات جنسي من لحظات العناد.. وتقلبات المراهقات.. فتعاملي معي بحكمة.
حذريني من الانسياق خلف رغباتي التي لا حدود لها.. فلا تغضّي الطرف عنها، ولا تنساقي خلفها.. بل اعرضيها معي على الشرع.. على الشرع يا أمي!
اصنعي داخلي ميزاناً حساساً أميّز به الغث من السمين!
أذكي في داخلي روح العزة والكرامة!
ذكّريني بمن أكون.. ذكريني أنني ابنة عائشة وحفصة وزينب وأم عمارة!
أشعلي في داخلي الحماس والرغبة في طلب العلم!
ذكريني دائماً بما يجب عليّ تجاه ديني ومجتمعي، وبالأخصّ بنات جنسي.
فأنا الآن في مقام المسؤولية.. الكلّ يشير إليَّ بالبنان.. فأنا ابنة القرآن.
واعلمي يا أماه أن تاج الوقار الذي طالما تمنيتُه ثقيل الميزان.. لن تناله إلا من اتسمتْ بالوقار وكان خُلُقها القرآن.
التميز مطلب عظيم تتمناه كلّ أم لابنتها.. ولا أشك لحظة يا أماه في أنك تطلبينه لي.
فاجعليه تميزاً في الحياة وفي الممات!.. في الدنيا والآخرة.
ودائماً اسألي الله لي الثبات.. وألِحّي عليه بالدعاء أن يجعلني ممن يَصدِّق قولَه فعلُه.
إنه سميعٌ مجيب الدعوات.. التوقيع: حافظة.
стр. 5041
الشارع العربي
عبد الحميد سالم الجهني
حفروه ألفَ مَرَّةْ
دعسوه ألفَ مَرَّةْ
دفنوا آثارَه مليونَ مَرَّةْ
أيها الشارعُ.. لا تخشَ المعرَّةْ (١)
أنت مُذْ كنتَ ضعيفاً.. مستكيناً دون مِرَّةْ (٢)
يطأ القهرُ على جنبيكَ
والأحزانُ في شفتيك مُرَّةْ
عبَّدتك الأرضُ والدنيا
وللأهواءِ في جوفك حفرةْ
صامتٌ.. دهرَكَ
والأبواقُ من حولك حُرَّةْ
أنت دعوى قلمٍ
جُنَّ على وقع المآسي المستمرةْ
أنت فكرةْ!!
خَدَعَتْ مَنْ ظنَّ يوماً أنَّ للأمواتِ فكرةْ
لستَ شيئاً..
غارَ في أنحائِك البؤسُ
وذُلِّلْتَ طويلاً
كيف لا تعلو محياكَ الحزينَ الآنَ صُفْرةْ؟!
* * * * *
أيها الشارعُ فأصرُخْ
أَرْسِلِ الصوتَ لأطرافِ المجرَّةْ
زَلْزِلِ الأرضَ
فقد طال الهوانْ
مزِّق الذلَ
فقد حان لقاءُ الذلِّ قَبْرَةْ
أيها الشارع.. لا تخشَ من الدعسِ أو الدفنِ
فإن الموتَ مَرَّةْ!!!
(١) المعرَّة: الذم.
(٢) مِرَّة: قوة.
стр. 5042
من الذي يعادي المرأة ؟
د. محمد يحيى
في تصريحات لأحد المسؤولين عن هيئة إسلامية دولية في معرض الحديث عن تجديد الخطاب الديني الذي جعل منه بعض الكتاب قضية لا تعلوها قضية أخرى في الأهمية ذكر الرجل أنه لا بد أن يكف الدعاة عن العداء للمرأة في مواعظهم وأحاديثهم وعما أسماه بالعدوانية المفتعلة ضدها. وبصرف النظر عن أن هذا المسؤول كان يجاري موضة انتشرت وفرضت فرضاً، وكان يقول ما ينتظر في مثل هذه المناسبات الإعلامية، فإن حديثه هذا أثار نقطة مهمة للغاية هي الخلط الفادح ـ بوعي أو بدون وعي ـ بين ما يمكن أن يسمى عداء للمرأة كجنس بشري على إطلاقه، وبين انتقاد أفكار وسلوكيات معينة تُرَوَّج من جانب بعض الفئات باعتبارها ممثلة للنساء ومدافعة عنهن، وباعتبار هذه الأفكار هي وحدها المعبرة عن حقيقة وأوضاع وآمال وحقوق النساء.
إن هذا الخلط بين ما هو عام ومطلق وشامل وبين ما هو جزئي ونسبي يعيب الكثير من جوانب حياتنا الفكرية، ويؤدي إلى الخلل الجسيم في النظر إلى الأمور وتقديرها مما يترتب عليه نتائج جسيمة في العمل والسلوك؛ ذلك لأن دعاة الإسلام وعلماءه ومفكريه عندما يهاجمون ويرفضون الأفكار التي يروِّج لها بعضهم باسم تحرير المرأة، أو المساواة بين الجنسين، أو التقدم الاجتماعي من خلال فرض سياسات عامة للنساء لا ينطلقون في ذلك في عداء للنساء أو للمرأة كنوع بشري، وإنما من رفض لمفهوم معين حول المرأة يراد فرضه على الساحة والحيازة للاحتكار له في وجه المفاهيم الأخرى وأبرزها النظرة الإسلامية.
والداعية الإسلامي مهما كانت درجة ثقافته أو فهمه لا يمكن أن ينطلق من منظور العداء النوعي لجنس المرأة؛ لأنه لن يجد في الدين والعقيدة والفقه الإسلامي ما يسند ذلك، وحتى لو وجد مأثورات شعبية ورواسب جاهلية يبدو من ظاهرها أنها تنادي بمثل ذلك؛ فإنه لن يجد ما يسند هذه المأثورات من دين أو شريعة أو فقه، كما أنه سوف يجد في مقابلها مأثورات شعبية أخرى يبدو من ظاهرها أنها تعادي جنس الرجال على إطلاقه، وهذه المأثورات في الحالتين لا تعدو أن تكون تعليقات حول بعض السمات العامة لسلوك النساء والرجال في فترات تاريخية أو في ظل مجتمعات معينة، وهي في وضعها هذا لا تمثل أبداً عداءً لأي جنس على الإطلاق. وفي معظم الأحوال فإن النظر الإسلامي الصحيح كفيل بموازنة هذه الرواسب أو التقاليد حتى لو فهمت على أنها تعادي جنساً معيناً، وكفيل بفتح الأفق الفكري على رؤية أشمل وأرحب وأصدق لخصائص وسمات كل من الرجل والمرأة؛ كذلك فإن الداعية الإسلامي لا يعتمد في فكره ولا في دعوته على تلك المأثورات، بل هو يهتدي منذ البداية بهدي القرآن والسنة والشريعة والتاريخ الإسلامي.
والذي يفسر حقيقة دعوى عداء الدعاة المزعوم للمرأة ـ باستثناء ظواهر شاذة نادرة لا يعوَّل عليها في أي حال ـ هو أن الذين يطلقون هذه الدعوة يرفضون من البداية ومن الأساس النظرة الإسلامية للإنسان رجلاً كان أم امرأة، ولوجوده وأهدافه وطبيعته، وهم على وجه الخصوص يرفضون هداية الإسلام للنساء ويريدونها فتنة يدخلون فيها من باب المرأة بوضع تصورات معينة لها تصادم مفاهيم الإسلام، ولذلك يبادرون على سبيل الأسلوب الدعائي في الحجج إلى وصم النظرة الإسلامية بأنها معادية لنوع النساء على إطلاقه، ولا يقولون من باب النزاهة الفكرية إن هذه النظرة تختلف عن منطلقاتهم رغم أنهم عادة يبشرون بتعددية الأفكار وتنوعها ونسبية المفاهيم وتاريخيتها، وهذا الزعم الأخير في حد ذاته كان يفرض على من يوجهون إلى الإسلام أو دعاته زعم معاداة المرأة أن ينظروا إلى المفاهيم الإسلامية عن المرأة باعتبارها منظوراً فكرياً مختلفاً عما يرونه لكنه يستحق الاحترام والتدبر الذي يطلبونه هم لأفكارهم؛ لكنهم بدلاً من ذلك فضلوا اللجوء إلى الأسلوب الدعائي الرخيص بوصم الخصوم بأنهم مجرد معادين لجنس النساء، وهذا الأسلوب الدعائي انتقل للأسف إلى بعض المسلمين الذين تلقفوه وكأنه حقيقة واقعة، وراحوا الآن يطالبون الدعاة المسلمين بالتخلي عن عدائهم المزعوم للمرأة.
والقضية لا تقف عند حد الإشارة إلى الخلط الفكري المتعمد بين ما هو عام ومطلق وبين ما هو جزئي ونسبي؛ ذلك لأن المسألة يدخلها بالفعل عداء لنوع المرأة، ولكنه ليس من جانب دعاة الإسلام وفقهائه، بل من الجانب الآخر أي جانب من يدَّعون أنهم يمثلون المرأة ويدافعون عنها ويحفظون حقوقها؛ فجانب الفكر النسوي ذو الجذور والمضامين الغربية العلمانية يكشف عن احتقار مدهش ليس فقط لنوع الرجال كما هو واضح وجلي ومعلن بل لنوع النساء كذلك وبأشكال مختلفة.
فالفكر النسوي هذا وَسْط دعاوى التقدمية والاستنارة يُدخِل إلى الساحة الفكرية والثقافية مفهوماً في غاية التخلف والجاهلية، وهو مفهوم عداء النوع والجنس، وإذا كانت البداية هي العداء المَرَضي للرجال كل الرجال تحت مزاعم ضعيفة ووهمية حول اضطهاد الرجال على مر التاريخ؛ فإن النهاية تشتمل كذلك على العداء المضمر للنوع الذي يزعمون رفع راية مناصرته؛ ذلك لأن إدخال مفهوم العداء للنوع البشري المعين لا بد أن ينعكس في عداء مضاد ضد النوع الآخر؛ كما أن الحجج نفسها المستعملة للهجوم على نوع الرجال يمكن وببساطة أن تنعكس لتستخدم وبتغيير طفيف للغاية ضد نوع المرأة.
وبذلك فإن من يبني أساس فكرته على مجرد عداء النوع لا أكثر كما يفعل الفكر النسوي يمهد السبيل لبثِّ العداء للنوع الذي يقول إنه يتبنى نصرته.
وعلى مستوى أشد خطورة فإن الفكر النسوي ينطوي بالفعل على عداء للمرأة بشكل أوضح؛ ذلك لأن هذا الفكر يركز دعوته على أساليب دعائية تعتمد سبيل الإثارة والتحريض والتهييج العاطفي، وتأجيج مشاعر الكراهية والحقد والغيرة والانتقام والشك والتشفي (يكفي ما سمعناه مؤخراً من النشوة التي راجت في أوساط أصحاب هذا الفكر عندما انتشرت أكذوبة تقول إن جنس الرجال في سبيله إلى الانقراض بعد بضعة آلاف من السنين لأسباب بيولوجية) .
والفكر الذي يعتمد في دعوته على مثل هذه الأساليب لاجتذاب الأتباع والأنصار وتحفيزهم وحشدهم، ويضم إليها عدداً من الحجج التي لا تصمد أمام المناقشة والحجة العقلية والتاريخية هو فكر ينم عن احتقار لعقلية ونفسية وفهم هؤلاء الأتباع أي النساء في هذه الحالة.
إن الفكر الموجه الآن للنساء تحت مسميات التحرير والانعتاق والمساواة، بل والسيادة والهيمنة يعادي أولئك النساء؛ لأنه يتقدم لهن بخليط من الأساليب الفجة والغوغائية، ومزيج من أشباه الحجج والتلفيقات البادية الزيف تحت مسمى الحقائق والوقائع.
وهو في هذا يكشف عن أن نظرته لعقلية أتباعه أو تابعاته المزعومات هي أنهن قاصرات عقلياً ولا يعتمدن إلا على العواطف والمشاعر، وتحركهن الإثارة دون تدبر؛ مما لا يجعل هناك حاجة لمخاطبتهن بالعقل رغم كل دعاوى الحديث عن العقلانية والاستنارة، وإذا لم يكن هذا عداء لنوع المرأة فماذا يكون؟
وأخيراً: فإن الفكر النسوي في الغرب بخاصة (وإن كان بشكل مستتر في الشرق) يتحالف مع حركات وتوجهات الشذوذ الجنسي بنوعيها، وينم في ذلك في لون آخر وخطير عن العداء لنوع المرأة؛ فحركات الشذوذ الجنسي بين الرجال تعلن عن عداء صريح للمرأة ومقاطعة لها ورفض للتزاوج والامتزاج معها، ولا ننسى في هذا الصدد أن هذه الحركات تعود إلى الفلسفات اليونانية القديمة التي كانت تقرن الشذوذ بكراهية النساء، ولهذا فمن المستغرب أن يتحالف أصحاب الفكر النسوي تحالفاً وثيقاً مع توجه هو في صميمه معاد لنوع المرأة، ومع ذلك يتهمون دعاة الإسلام بأنهم هم ودينهم وفكرهم الذين يعادون النساء.
стр. 5043
عندما تحاول الفرنكوفونية استلاب المرأة المغربية
حنان أعميمي
تثبيت المنظور الجديد للعلاقات الأسرية المبنية على المصلحة المادية،
وإخضاع مدونة الأحوال الشخصية لأكبر قدر ممكن للنفَس الروحي التغريبي
أصبحت المسألة النسائية داخل الوطن العربي والإسلامي أكثر المجالات التي تبرز المخططات الرامية إلى النيل من ثوابت الأمة؛ فعلى مستوى القطر الواحد تشكل المرأة محل تجاذب إيديولوجي وصراع مذهبي بين تيارين: أحدهما إسلامي، والآخر علماني؛ بمرجعيتين مختلفتين؛ فالأول يعتمد الكتاب والسنة، والثاني يعتمد المواثيق والإعلانات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، أما على المستوى الدولي فالجبهة أوسع وأضخم لتتلخص في الصراع بين العالم الإسلامي والعالم الغربي الذي أصبح كل اهتمامهم ـ كما صرح الدكتور وحيد عبد المجيد رئيس التحرير للتقرير الاستراتيجي العربي ـ منصبّاً على تمويل الأنشطة المتعلقة بالمرأة والأبحاث الخاصة بالحركة الإسلامية.
إن الاتصال/ الاصطدام الذي حصل بين الغرب النصراني والمشرق الإسلامي في عهود الحروب الصليبية والتي دامت لعهود طويلة كان من نتائجه اختبار الطرف الآخر للعقيدة الإسلامية، فوجدها في قوتها، وبالمقابل اكتشف ضعفاً عاماً لدى المسلمين في مناحي الحياة الاجتماعية ليكتشف فيما بعد أن قوة المسلمين تكمن في الخلية الأولى للمجتمع، فانصبَّ الاهتمام على التحكم في المحرك «الدينامو» لهذه الخلية ألا وهي المرأة للنيل من مقوماتها وهويتها الإسلامية.
لم تخرج المرأة المغربية عن دائرة المخططات الغربية التي أصبحت مستهدفة بشكل كبير منذ بداية القرن الماضي بداية الاصطدام بالتيار الفرنكوفوني التغربيي الذي وظف وسائل متعددة منذ بداية الاستعمار الفرنسي للمغرب. في هذا التحقيق سنقف عند المخطط الفرنكوفوني الذي وُجِّه وما يزال يوجه ضد المرأة المغربية، مع الوقوف عند التاريخ الاستعماري الفرنسي الذي وظف فكره التغريبي للنيل من مدونة الأحوال الشخصية المغربية:
وسنحاول الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي معالم المخطط الفرنكوفوني الذي اعتُمِدَ لإذابة المرأة المغربية في المنظومة الفرنسية؟ ما هي المجالات التي تم الاشتغال عليها؟ في ظل المتغيرات الدولية هل لا زالت الفرنكوفونية تتمتع بالقوة التي كانت لها سابقاً؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة التقينا ثلة من الأساتذة وهم:
- الدكتور مصطفى الحيا أستاذ جامعي وعضو برلماني سابق، له عدة مؤلفات من بينها «المرأة المغربية بين مسارين وبين مسيرتين» .
- الأستاذة فوزية حجبي. كاتبة مغربية متخصصة في الشأن النسائي، وعضو منظمة تجديد الوعي النسائي.
- الأستاذ محمد يتيم. رئيس تحرير جريدة التجديد.
- الأستاذة لطيفة ويرزكان. محامية.
` الفرانكوفونية والمرأة المغربية بدايات الصراع:
أيديولوجية لتحطيم المرأة المغربية:
لا يمكن فصل مفهوم «الفرنكوفونية عن سيرورتها التاريخية المرتبطة وراثياً بالفترة الاستعمارية؛ كما أنها مرتبطة بفترة التخلص من الاستعمار التي لم تنتهِ بعد (١) .
عملت فرنسا منذ دخول قوتها على أن يصبح المغرب جزءاً من فرنسا ويدمج بأية وسيلة، وهو كذلك ما حاولته بالنسبة للجزائر، ولم يكن ذلك متاحاً إلا بالقضاء على العروبة والإسلام في هذين القطرين. فالاستعمار الذي تغلغل في العقدين الأولين من القرن الماضي في حياة المغرب حتى أصبح يسيطر على كل مقومات البلاد الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية بدأ بالبحث عن وسيلة جديدة يضمن بها البقاء، فاهتدى بالفعل إلى هذه الوسيلة التي تتمثل في تحطيم وحدة الوطن المغربي عن طريق التفرقة بين العرب والبربر في العرف وفي التشريع وفي الدين (٢) .
سعت فرنسا على ترسيخ الخصومة المزعومة بين العرب والبربر التي شكلت الموضوع الرئيسي فيما يسمى بـ «العقيدة البربرية» . والسمات الرئيسة لهذه العقيدة هي ان البربري متفوق على العربي وأن «الشعب البربري» و «الحضارة البربرية» فيهما صفة التجانس التي تسمح لهما بشرف الادعاء أنهم يشكلون «أمة» وهي ميزة لا يحق للعرب ادعاؤها؛ وأخيراً أن البربر والعرب كانا على خصومة لا سبيل إلى التوفيق بينهما بشأنها. وهكذا أصدرت فرنسا الظهير البربري في ١١/٩/١٩١٤م بعد سنتين من احتلال المغرب استصدره المارشال اليوطي؛ حيث نص على أن البربر ليسوا في الأصل مسلمين؛ إذ لديهم أعراف سابقة على دخول الإسلام للمغرب وهي أعراف خاصة بالزواج والطلاق والميراث والمعاملات التجارية؛ لذلك لا بد من إحيائها، ومن ثم إيقاف التعامل بنصوص الشريعة الإسلامية؛ على ان يتعامل البربر فيما بينهم بالأعراف البربرية القديمة (٣) .
سعت فرنسا إلى ترجمة «العقيدة البربرية» عبر السياسة البربرية واستغلت المرأة لهذا الغرض.
عند رجوعنا لمحضر جلسات المداولة في مشروع الظهير البربري يتبين لنا هذا الاستغلال؛ فقد جاء في محضر (لجنة تنظيم العدلية البربرية) المنعقد في ٨/١٠/١٩٢٤م ما يلي: «ليس هناك ضرب في تحطيم وحدة النظام العدلي في المنطقة الفرنسية؛ وبما أن المقصود تقوية العضو البربري نظراً لدور الموازنة الذي يمكن أن تستدعى الحاجة إليه؛ فلا شك أن هناك فائدة مؤكدة من الناحية السياسية في تحطيم المرأة» (٤) .
| لماذا ركزت دوائر الاستعمار الفرنسي على المرأة الأمازيغية دون العربية لاستلابها واجتثاثها من الهوية الإسلامية؟
يجيب الدكتور مصطفى الحيا: «إن التركيز على المرأة الأمازيغية كان يستهدف منه إثارة فتنة كبيرة لكون التشكيلة العرقية بالمغرب تشكيلة مزدوجة؛ فهناك الأمازيغ، وهناك العرب، وقد سُوِّغت هذه السياسة التفريقية في نظرية استشراقية مفادها أن الأصول الحقيقية للأمازيغ تعود إلى أصول أوروبية، ومن ثمة فلا علاقة موجودة بين العرب والأمازيغ، وبالمقابل يجب أن تكون العلاقة بين الأمازيغ والفرنسيين علاقة حميمة ووطيدة» .
وتقول الأستاذة فوزية حجبي: «لقد شعر الاستعمار الفرنسي منذ أول يوم وطئت فيه رجله أرض المغرب بقوة الأسرة؛ لذلك سعى إلى تخريبها من الداخل اعتماداً على المرأة؛ لأنها هي الأداة الفعالة في هذا المجال، وهي التي تصنع الرجل والمنظومة القيمية والسلوكية، ومن ثم تبني المجتمع الذي تكون فيه الغلبة للقيم الإسلامية. وللوصول للأهداف الفرانكوفونية لا بد من صنع الإنسان المهزوم الذي لا هوية له؛ لأن هذه الأخيرة هي التي تصنع الممانعة وترفض الاستلاب» .
وتضيف الأستاذة فوزية حجبي عن المسوغات التي تعتمدها الفرنكوفونية للتدخل في شؤون المغرب قائلة: «إن استغلال المرأة للتحكم في الشؤون الداخلية بالمغرب هو استعمار جديد وبطرق ذكية وحضارية؛ حيث تعطي مسوغاً من قبيل محاربة العنف الموجه ضد المرأة، عدم ممارسة المرأة لحقوق المواطنة، محاربة التطرف، الانخراط في العولمة، بل يزعمون أن المتاعب التي تعاني منها المرأة المغربية سببها مدونة الأحوال الشخصية.. وهكذا يتم استعمال مفاهيم يراد منها إذابة الذات المغربية في كل ما هو تغريبي، وتتخذ المرأة أداة فاعلة لتحقيق هذه الرسومات والتخطيطات» .
` محنة مدونة الأحوال الشخصية بالمغرب:
في سنة ١٩٩٩م أصدرت «كتابة الدولة المغربية للرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة» مشروع «الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية» في عهد حكومة عبد الرحمن اليوسفي السابقة يضم حوالي ٣٠٠ صفحة، ورغم كون المشروع موجهاً للمرأة المغربية فقد تم إعداده باللغة الفرنسية ليترجم إلى اللغة العربية ترجمة رديئة مليئة بالأخطاء، واعتمد المشروع على دراسات غربية (*) ، وقد هدف هذا المشروع إلى تطبيق توصيات مؤتمري بكين والقاهرة بضع مطالب مختلفة منها تغيير مدونة الأحوال الشخصية في جوانب متعددة:
- إسقاط شرط الولي للمرأة في الزواج.
- منع تعدد الزوجات.
- وضع الطلاق بيد القاضي.
- رفع سن الزواج إلى ١٨ سنة.
- إلغاء مفهوم الأسرة.
- اقتسام الثروة بين الزوجين بعد الطلاق ... إلخ.
تقول الأستاذة فوزية حجبي: «من المؤكد أن الفرانكوفونية لا زال لها تأثير في المجال الأسري بالمغرب؛ ففي مجال مدونة الأحوال الشخصية ـ التي تعد المجال الأكبر للصراع بين التيار الإسلامي والتيار العلماني ـ هناك رغبة هناك سلطة غير مرئية للنخبة الفرنكوفونية بالمغرب للنيل من الثوابت الإسلامية لتثبيت المنظور الجديد للعلاقات الأسرية المبنية على المصلحة المادية وإخضاع مدونة الأحوال الشخصية لأكبر قدر ممكن للنفَس الروحي التغريبي من جهة ثانية؛ وذلك من خلال بث شعارات مثل «حرية المرأة» التي تقتضي انفصال المرأة عن الرجل بمنتهى السهولة ومن منطلق المساواة، عدم اعتماد الولي، المطالبة بحق المساواة في الإرث، الإنجاب خارج مؤسسة الزواج ... إلخ؛ فهناك توحد بين المنظور الفرنكوفوني والعلماني والتغريبي لاقتلاع البقية الباقية التي تحتويها مدونة الأحوال الشخصية. وقد تبين من خلال معارضتنا ومناهضتنا «لخطة إدماج المرأة في التنمية» ـ الرامية إلى تثبيت توصيات غربية في مجال الأسرة ـ أن المشكل ليس في مدونة الأحوال الشخصية التي تستمد قوانينها من نصوص ثابتة ونصوص شرعية مقدسة، وما يحتاج إليه هو تغيير العقليات والذهنيات البعيدة عن الثقافة الإسلامية ... » .
يقول الدكتور مصطفى الحيا: «إن الدعوى الرامية إلى تحرير المرأة ما هي إلا دعوى استعمارية ليس هدفها النهوض بالمرأة أو الدفاع عن حقوقها؛ فالغرب عامة والفرانكوفونية خاصة يعزفون على وتر واحد لتسويغ تدخلهم في الشؤون الخاصة، وأستدل على هذا بأستاذة أمريكية لها أكثر من ٨٠ كتاباً وقضت ٢٢ سنة في مصر (تناضل) من أجل تدمير مدونة الأحوال الشخصية المصرية؛ فأكدت في أحد عروضها التي حضرتها: «أن الصخرة التي تحطمت عليها كل جهودنا هي مدونة الأحوال الشخصية، وجئت الآن لأنقل تجربتي للمغرب» ... ومن جملة ما توصلت إليه هو: «لكي تصل المرأة إلى حقوقها في مصر يجب أن تصبح هي المفتية» ؛ لأنهم يعتبرون أن الرجال لا يمكن أن يفتوا لصالح المرأة. فقلت لها: لو تحقق مطلبكم هذا وأصبحت المرأة هي مفتية الديار، وأفتت بإبقاء المدونة على ما هي عليه فماذا سيكون ردكم؟ فقالت: إذا أفتت المرأة بذلك فستكون كارثة. إن هدف الغرب ليس أن تكون المرأة هي المسؤولة بل هدفهم هو تغيير الشريعة الإسلامية ... » .
` المرأة المغربية بين القانون الفرنسي والقانون المغربي:
أصدرت فرنسا في مجال الأحوال الشخصية قرارات خطيرة جداً ـ خلال المرحلة الاستعمارية ـ تضرب الثوابت الإسلامية في هذا المجال، وتسعى إلى إرجاع المرأة المغربية إلى العهود الجاهلية:
١ - المرأة جزء من الإرث، وتعتبر كقطعة من الأملاك التي يخلفها المورِّث لورثته.
٢ - إذا انتُهكت حرمة امرأة تدفع لذويها معاوضة قدرها ٢٥٠ فرنكاً.
٣ - تعويض شرف زوج خانته امرأته بـ ٣٧٥ فرنكاً يدفعها عاشقها.
٤ - إن وراثة امرأة لم يكن لها أبناء ذكور ترجع لورثة زوجها ولو كان زوجها قد طلقها في حياته واضطرت إلى تسيير شؤونها بنفسها.
٥ - الدية أو الدم: ١٥٠٠ فرنك على اغتيال رجل، و٧٥٠ فرنكاً على اغتيال امرأة (١) .
هذا هو «المشروع الحضاري» الذي سعت فرسا إلى تطبيقه في مجال الأحوال الشخصية بالمغرب، وهذه هي نظرتها التقدمية تجاه المرأة التي دافعت عن حقها في المساواة مع الرجل.
| لماذا عملت فرنسا على حرمان المرأة المغربية من حقوق منحتها إياها الشريعة الإسلامية بل دافعت عنها في ثورتها الشهيرة باسم حقوق الإنسان؟
يقول الدكتور مصطفى الحيا: « ... دخل الاستعمار الفرنسي إلى المغرب فوجد المرأة المغربية متقدمة عن نظيرتها الفرنسية؛ حيث وجدها تتمتع بحريات متعددة من ضمنها حرية الاتجار في مالها، ولها استقلال مالي تتمتع به في قطاعات مختلفة في الوقت الذي كانت فيه المرأة الفرنسية لا تتمتع بهذا الحق (حق الاستقلال المالي) فعمل المستعمر الفرنسي على تكيف القانون المغربي الذي كان متقدماً عن القانون الفرنسي آنذاك حضارياً وحقوقياً لكي يحرم المرأة المغربية من هذا الحق وليؤخرها عن المرأة الفرنسية؛ فلا يعقل أن تكون الأولى متقدمة عن الثانية ... » .
وهكذا نصادف في القانون المغربي نصوصاً تشريعية متفرقة تسربت أو على الأصح نقلت من التشريعات الفرنسية الصادرة في القرن ١٩؛ وهذه المقتضيات ألغيت الآن في فرنسا أو عدلت، ولكن ما يزال العمل جارياً بها داخل المغرب؛ فقد جاء في المادة السادسة من القانون التجاري التي تقضي بأنه: «لا يجوز للمرأة المتزوجة أن تكون تاجرة في المغرب بدون رضى زوجها مهما كانت مقتضيات قانونها للأحوال الشخصية بهذا الصدد» (٢) .
وعن تأثير القانون الفرنسي على القضاء المغربي تقول الأستاذة لطيفة ويرزكان: «تعتمد مدونة الأحوال الشخصية بالمغرب على المذهب المالكي؛ لكن ما فتئت هذه المدونة بين الفينة والأخرى تقحم في الصراع الدائر بين التيارين الإسلامي والعلماني الذي يعتبرها مصدر المشاكل التي تعاني منها المرأة المغربية، لكن عندما نحاول أن نفكك الجوانب المتعلقة بالمشكل نجد أن الإشكال الحقيقي يعود إلى صعوبة وتعقد المساطر القانونية التي تعود بالأساس إلى مخلفات نظام القضاء الفرنسي الذي لا يزال يُعمل به إلى الآن في المحاكم المغربية.
فالعلاقة الزوجية مثلاً تنتهي من منظور الشريعة الإسلامية بمجرد أن ينطق الرجل بكلمة الطلاق، لكن مع تعقد المساطر القانونية التي تعود كما ذكرت إلى التأثير الفرنسي في هذا المجال، بل الإشكال يزداد احتداماً لكون النظام الفرنسي يتعامل مع ميثاق الزواج كعقد مدني، وهذا للأسف ما يدافع عنه التيار الفرنكوفوني اليساري بالمغرب؛ في حين ندافع على أن يتم التعامل مع عقد الزواج على أساس أنه ميثاق غليظ؛ لأن هذا هو المفهوم الذي جاء به القرآن الكريم ليؤكد قداسة العلاقة الزوجية المبنية على الود والرحمة، وليس على المصلحة المادية كما يؤكده مفهوم العقد المدني الفرنسي ... » .
` المرأة المغربية في الإعلام الفرنكوفوني:
في دراسة أنجزتها الدكتورة المهيدي مرية أستاذة بالمعهد العالي للصحافة بالرباط حول صورة المرأة المغربية في الإعلام الفرنكوفوني بالمغرب حول ثلاث جرائد مغربية، وهي: جريدة «ليبيراسيون» (جريدة تقدمية اشتراكية تصدر عن حزب الاتحاد الاشتراكي) وجريدة «لوبنيون» (جريدة تصدر عن حزب الاستقلال) ثم جريدة «لوماتان» جريدة رسمية، وهي جرائد مغربية ناطقة باللغة الفرنسية، فكان من نتائج البحث أن ٧٥.٣٤% من مجموع المواضيع المخصصة للمرأة داخل لوماتان مغربية محضة. كما أن لوبنيون قد خصصت نسبة ٧٠.١٥% من مجموع المواضيع التي تهم المرأة المغربية. مقابل ذلك نجد يومية ليبيراسيون تنحو منحى آخر؛ إذ تكثر من المواضيع الأجنبية المصدر، فخصت المرأة المغربية بنسبة ضئيلة ٣٤.٤٤% من مجموع المواضيع المخصصة للمرأة؛ بينما شكلت المواضيع الواردة من الخارج والتي تطرح قضايا وشؤون أجنبية نسبة ٦٥.٥٦%.
وعن الفئة النسائية التي تستهدفها اليوميات الثلاث نجد أن المغنيات يأتين في الصدارة داخل يومية حزب الاستقلال بنسبة ٤.٤٨% وهي نتيجة تعود بالأساس إلى احتكار «باب المنوعات» الذي يستقبل أكبر نسبة من المواضيع النسائية بـ ٢٦.٨٥%الذي يقترح مواضيع ترفيهية أجنبية. أما جريدة لوماتان فإنها أعطت الأولوية للرياضيات بنسبة ١٥.٧٦%. أما الجريدة الاتحادية (ليبيراسيون) فإنها أعطت الأولوية للنساء البرلمانيات على أن أغلب الصور التي تعتمدها في مواضيعها لا تخص المرأة المغربية إلا بنسبة ٢٥.٨١%، أما المرأة الأجنبية فتمثل ٧٤.١٩% (١) .
من النتائج السابق ذكرها يتبين النموذج النسائي المراد الترويج له داخل المغرب.
تقول الأستاذة فوزية حجبي: « ... تناسلت في الآونة الأخيرة بشكل كبير مجلات ومنابر إعلامية فرنكوفونية، والمريب في الأمر هو أن هذا الصنف من الإعلام يغلب عليه الطابع الفرنسي المحض سواء من حيث الإخراج الفني أو التعليقات والمضمون، أو الصور المعتمدة، أو منطوق المواضيع التي توجه لربة البيت والمثقفة والمراهقة، ونعطي مثالاً على ذلك مجلة (la famille الأسرة) فالعنوان يوحي إليك أن المجلة موجهة للأسرة؛ لكن عندما نحلل منطوق ومضمون الخطاب نجده خطاباً تغريبياً محضاً يدعو إلى مجموعة من القيم والسلوكيات والاعتقادات التي تتنافى مع القيم والمعتقدات الإسلامية، وتدعو إلى التطبيع مع الثقافة الغربية.
بدأت هذه المجلات بداية محتشمة لكنها ما فتئت تطور خطابها في اتجاه أكثر جسارة وأكثر اختراقاً ... » .
وعن المكانة التي يحتلها الإعلام الفرنكوفوني في المشهد الإعلامي المغربي يقول الأستاذ محمد يتيم: « ... ما يمكن التأكيد عليه أن المغرب لا يزال يختار الفرنكفونية كلغة؛ فاللغة الفرنسية لا تزال لغة المعاملات ولغة المقاولات؛ لذلك تحظى بدعم متواصل عن طريق الإشهار من طرف المستثمر الذي يتوجه للمنابر الفرنكفونية على اعتبار أن اللغة الفرنسية اليوم هي لغة النخب الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتي تستفيد أكثر من توزيع الثروة، ومن ثم فإنني عندما أعطي إشهاراً لمجلة أو صحيفة فرنسية فإنني أتوجه إلى سوق مناسب للإشهار.
يرتبط الدعم الإشهاري بمواقف سياسية؛ لأن الدولة أو المؤسسة العمومية عندما تعطي الإشهار لجهة معينة فهذا يعني أنها تدعم توجهاً معيناً. وإن كانت الصحف العربية على العموم في المغرب إذا ما قورنت بالصحف الفرنسية فهي لا تستفيد من الإشهار. بالإضافة إلى الحقيقة الاقتصادية والحقيقة السياسية التي أشرت إليها سابقاً يراد منه كذلك دعم التوجه الثقافي الفرنكوفوني؛ فقد أخذنا مجلة نسائية بدون ذكر اسمها وأحصينا حوالي ١٣٠ صفحة إشهارية في مجلة تتكون ٢٤٠ صفحة. فإن حوالي ٥٠%من الصفحات كلها إشهارات في ورق رفيع، وأنيقة جداً، وبطبيعة الحال أسعارها خيالية. ولهذا فثمن بيع هذه المجلة هو أرخص بكثير من كلفتها الحقيقية، وقد سمعت أنه في بداية بيع هذه المجلة كانت تقدم معها هدية تقدر بـ ١٠ دولارات. مما يؤكد أن للإشهار بُعداً سياسياً يسعى إلى التشهير بثقافة ما ولتوجهات محددة. يجب على الإعلام الإسلامي أن يكون لسان حال المجتمع الإسلامي، ونبغي أن يستجيب للتحديات المطروحة في العالم الإسلامي، وإذا أُخِذَ المغرب مثلاً فإنه يتعرض لتحديات علمانية ضارية تريد أن تجتث ما تبقى من الأصول الإسلامية؛ فالتحدي الأكبر المطروح أمام الإعلام الإسلامي المغربي مثلاً هو رصد الحالات الهجومية الرامية إلى النيل من هويتنا، وأن يكون إعلاماً مقاوماً» .
` الفرانكوفونية واللباس:
من المجالات التي تقوَّت فيها الفرانكوفونية بالمغرب مجال اللباس الذي يعد أهم العناصر المشكِّلة للثقافة؛ فقد سعت الفرانكوفونية إلى طمس كل معالم الهوية المغربية العربية الإسلامية التي يتميز بها؛ فبغض النظر عن خصوصيات الزي الأوروبي الذي تعمل على نقله كما هو إلى المجتمع المغربي فإنها تعمل على إبادة تقاليد مغربية عريقة في مجال اللباس.
تقول الأستاذة فوزية حجبي: «.. باسم «الموضة» عملت فرنسا على اختراق الذات المغربية في شِق اللباس؛ فعندما نأخذ القفطان مثلاً الذي يعتبر رمز الزي المغربي المحتشم لم يسلم من التأثير الفرانكوفوني؛ فهناك عملية التثبيت (fixation) على الزي المغربي؛ فبعد أن كانت الصور التي تعتمدها المنابر الفرنكوفونية عارية، وبعد الاحتجاجات التي قامت بها الحركة تم تغيير الوجهة فتم التثبيت على القفطان المغربي الذي أصبح مستهدفاً ليفقد كل مقوماته وخصوصيات الحشمة التي يتميز بها لتصبح عبارة عن مجموعة من القطع المرقعة ذات تصميم غربي محض أكثر منه مغربياً، بل حتى عارضات الأزياء يشترط فيهن الصفة الأوروبية على اعتبار أنهن يُجِدْنَ عملية العرض؛ في حين أن الغرض هو التركيز على النحافة وطريقة المكياج وطريقة تصفيف الشعر؛ هذه العناصر التي يتم التركيز عليها لتركيب صورة غريبة عن المرأة المغربية الأصيلة التي ترتدي القفطان بكل تمظهراته المحتشمة والأصيلة والمحافظة؛ فهناك قلاع صامدة حتى في مجال اللباس؛ لأن الزي هو جزء من الثقافة والهوية؛ ومن ثم يجب النيل منه لإذابته في الآخر. إن الهدف هو تجوُّف المرأة المغربية لتصبح متهافتة على استهلاك كل المظاهر الغربية؛ فالمرأة المجوفة بهذا الشكل سوف تقطع العلاقة مع المرأة الرسالية المجاهدة ضد المظالم التي يخاف منها الآن والتي تستهدف في جميع المخططات الغربية ... » .
أما الدكتور مصطفى الحيا فيعلق على التأثير الفرنسي في مجال اللباس فيقول: «.. ظلت المرأة المغربية لعهود طويلة تعرف بزيها الأصيل والمحتشم الذي يشمل الجلباب والنقاب، لكن عندما خرج الاستعمار الفرنسي ترك نخبة تكونت بفرنسا فبقيت الحياة التنظيمية والعصرية مطبوعة بالطابع الفرنسي، فأثر ذلك على المظهر الخارجي للمرأة المغربية الذي أصبح مطبوعاً بالطابع الأوروبي؛ فالحجاب هو من خصوصيات المرأة المسلمة، ومنها المغربية، وقد استطاعت النخبة المغتربة بالمغرب أن تؤكد ان من مظاهر تحرر المرأة المغربية هو نزعها للحجاب، بل ذهب بعض مناضلي اليسار المغربي إلى اعتبار أن نزع المرأة المغربية للحجاب هو احتجاج على الاستعمار الفرنسي، وهذا منطق مغلوط؛ لأنه لا يمكن أن تكون مواجهة ومقاومة للغرب بنَفَس غير النفس الديني الإسلامي، وبدون الاعتماد على مقوماتنا، وخاصة أن عنصر القوة فينا هو الإسلام؛ ففي الجزائر مثلاً أصيب الاستعمار الفرنسي أثناء احتفاله بالذكرى المئوية لاحتلال الجزائر بالخيبة والحسرة عندما وجد نفسه أمام كم هائل من النساء الجزائريات المحجبات، فتأكد له أن كل خططه لن تنجح ما دامت المرأة ظلت متمسكة بدينها..» .
` تقوية الذات والهوية الثقافية:
أكد الدكتور المهدي المنجرة أن فرنسا أًصيبت برجَّة خلال حرب الخليج سياسياً وعسكرياً أمام أمريكا، ويضيف أن فرنسا الآن تعاني تأخراً تقنياً للغة الفرنسية؛ فكل المهندسين وكل رجال المعرفة في فرنسا وفي المواصلات وفي البيوجينيتك وكل العلوم المتطورة يعرفون أن فرنسا تعاني تأخراً يتراوح ما بين ١٠ و ٢٠ سنة كحد أدنى، وأنها تحتاج إلى خمس سنوات لنشر آخر المنشورات العلمية الإنجليزية؛ فعدد المتكلمين بالفرنسية في تراجع ولا يتعدى ٢.٥%، وهي تحتل المرتبة التاسعة في العالم (١) .
هذه الحقيقة العلمية تؤكد مدى الانحسار الشديد للفكر الفرانكوفوني لصالح الفكر الأنجلوساكسوني ومدى الهيمنة التي أصبحت للأمركة.
يجب ألا يفهم من المعطيات السابقة أننا ندعو إلى تبني الفكر الأنجلوساكسوني أو الاحتفاء بالسيطرة الأمريكية للعالم العربي ما دامت هي الآن القائد الجديد للكوكبة الإمبريالية، بل بالعكس؛ فالشعوب العربية والإسلامية أصبحت واعية كل الوعي بما يحاك ضدها.
ألم يحن الوقت أن نستفيق من الغفلة الثقافية والسبات الحضاري الذي يعاني منه الآن العقل العربي والإسلامي ليطرح أسئلته التي تخص ذاته وثقافته وهويته في مجالات عدة ومن ضمنها الأسئلة الخاصة بالقضية النسائية، ويجيب عنها بنفسه دون أن يستعير الإجابة من الطرف الآخر؟! لكي يحين ذاك الوقت لا بد من:
\ إعادة صياغة الإنسان الموحد لله والمرتبط به رؤيةً وحياةً؛ ليس في المغرب الذي ما يزال يعاني من الهيمنة الفرانكوفونية إلى جانب الأمركة بل في العالم الإسلامي كله.
\ بناء الممانعة لكل أشكال الغزو.
\ إعادة الاعتبار للثقافة الإسلامية على أن تكون البداية بإعادة اللغة العربية، وخاصة أن ما يروَّج له بالحوار الحضاري المنادَى به الآن يفرض حضور الشخصية العربية الإسلامية بمعالمها المميزة لها حتى يكون الحوار ندياً.
стр. 5044
أباطيل
د. أفراح بنت علي الحميضي
لأجل المرأة تؤسس منظمات، وتفتتح مؤتمرات، وتدون أجندات، وتدبج مقالات، وتسخر أعمدة وكتابات، وتفتعل قضايا، وتهمش أخرى.
وفي إطار الأباطيل والأكاذيب الشاملة (على نسق أسلحة الدمار الشامل) فإن لكل امرأة قضية لأجلها يجب أن تصعد من قضية فردية بسيطة إلى قضية معقدة شاملة. يجب أن تسخر كل الإمكانيات لأجل حلها.
ومن خلال متابعة ما تدفع به المؤتمرات الخاصة بالمرأة من توصيات، وما يدون في بعض الأجندات من بنود، وما يصدر من وسائل الإعلام المقروءة والمكتوبة والمسموعة فإنه من الممكن رصد الأمور التالية:
- تغييب أغلب المسلمين (عامة ومثقفين) عما يدور في (كواليس) المؤتمرات وخبايا الأجندات المسبقة الإعداد، وضعف التصور أو انعدامه لِمَا قد تؤول إليه النتائج، وتسفر عنه التوصيات، وعدم القدرة على الربط بين مؤتمر وآخر وضبابية الرؤية بواقع واحتياجات المجتمع المسلم؛ مما لا يمكن مقارنته مع مجتمع آخر، وقلة الاستبصار بما نفذ من توصيات المؤتمرات أمام أعين غالبية المسلمين.
- سطحية القضايا المطروحة على طاولة المؤتمرات وبين أسطر المقالات؛ مما يصرف الذهن عن القضايا الأساسية والهموم الرئيسية.
- اختزال قضايا عموم النساء بقضايا النخبة فقط، وتعميم قضايا فردية وافتعال قضايا غير موجودة.
- سطحية العرض والتناول لقضايا المرأة وهو أمر متوقع؛ إذ إن أغلب الذين يتناولونها غير مؤهلين لذلك؛ حيث تتضح من خلال أطروحاتهم نقص العلم والفهم، وقصور في الاستدلال والاستعراض وقصر النظر في التقدير والتركيز على جانب وإهمال الجوانب الأخرى، واصطناع حلول تعد هي في جانبها خسارات وليست مكاسب.
- استغلال احتياجات النساء وظروف المجتمعات، وتركيب الصورة المجزأة بطريقة تخدم مصالح معينة دون أن ترقب هذه الأطروحات في مجتمع إلاًّ أو ذمة.
- استيراد قضايا للمرأة خارج المجتمعات المسلمة، ومحاولة تفصيلها وتعديل مقاسها لتناسب المرأة المسلمة؛ مع ما يشوب ذلك من اختلاف قضايا وتهميش أخرى.
- قصر النظر في تقدير النتائج: إن سطحية التناول والدفع بحلول مستعجلة وغير مدروسة تخدم فئة، أو تركز على جزء دون آخر، أو تقديم حلول آنية دون التأكيد على تأصيل هذه الحلول قد يسهم في تفاقم القضايا؛ لأن أنصاف الحلول لا يحل إلا أنصاف القضايا، وإن تقدير النتائج والمضاعفات المستقبلية جزء من النظرة الشمولية لإدارة أي قضية أو أزمة أو مشكلة.
- لا تخلو أي توصيات أو كتابات من التأكيد على الالتزام بالضوابط الشرعية، لكن الناظر بحصافة يجد أن كثيراً منها قد يعارض الثوابت الشرعية، ويجترئ على الضوابط الشرعية، بل إن مدوني هذه التوصيات والكتابات قد لا يعلمون ما هذه الضوابط. إن المسألة لا تَعْدُو كونها لوحة دعائية جميلة لتمرير بضاعة فاسدة.
- الادعاء بضعف مشاركة المرأة الاجتماعية؛ ومن خلال هذا الجسر يتم تمرير مطالبات شتى. إن الذين يتبنون هذا الموقف عليهم أن يحرروا ما هي هذه المشاركة الاجتماعية المطلوبة، وكيف يخدع المرأة وهي معصوبة العينين لتغادر خندقاً وثغراً كُلفت بالحفاظ عليه إلى أرض جرداء بوار.
- جعل المرأة وقضاياها كلأً مباحاً لكل صاحب قلم أو صوت؛ في حين أن الواجب أن لا ينظر في هذه القضايا دون تأصيل، وأن يكون ذلك ممن يملك العلم الشرعي والفقه بالواقع معاً.
стр. 5045
بريد القراء
التحرير
تتوالى الرسائل من جمهور القراء الكرام؛ بين مشاركات، وتعقيبات، وتصويبات، واقتراحات، ونحاول الرد عليها قدر المستطاع نظراً لكون المجلة شهرية، وليس من السهولة بمكان الرد على رسائل كل القراء؛ لأسباب عملية وفنية.
رسالة من قارئ:
- أرسل الأخ الفاضل ثامر سباعنة من قباطية ـ فلسطين رسالة مؤثرة يعبر فيها عن مشاعره ننشرها بتمامها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الإخوة الأحباب في مجلة البيان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
بداية أحب أن أبعث لكم بتحياتي وتحيات شعبي وشكرهم على ما تقدمونه في مجلتكم الرائعة والتي نحرص نحن الشباب الملتزم في بلدتنا أن نقرأها بمجرد وصولها إلى أيدينا، علماً بأنها تصلنا في نهاية الشهر بالإضافة إلى أنه يصل عدد واحد فقط لكل بلدتنا قباطية (٢٠ ألف مواطن) مما يدفعنا إلى أن نقرأها بسرعة، ونمررها بعضنا إلى بعض، وفي النهاية نضعها في المسجد.
بداية حكايتي مع مجلتكم بدأت في سجون الاحتلال الصهيوني؛ حيث كان الإخوة يرسلونها لنا داخل السجون، وهناك تعرفت عليها وقرأت صفحاتها وأعجبت فيها، وبعد خروجي بحثت عنها كثيراً إلى أن وجدتها في إحدى مكتبات جنين، ومن وقتها ونحن نتابع أعدادها.
ولما عرفناه عن مجلتكم من موضوعية وصدق كان منا هذه الرسائل:
الرسالة الأولى: رسالة عتاب إلى الشعوب العربية والشعوب المسلمة في كافة الأقطار: شعب فلسطين لم يمل المقاومة ولن يستسلم مهما كان الثمن الذي يدفعه، ولكن الذي يعز علينا ويجرح قلبنا هو صمتكم بل تجاهلكم لنا ولآلامنا، بل حتى مظاهراتكم توقفت ولم نعد نسمع صوتاً واحداً مسانداً لنا، مع أن قضيتنا هي قضيتكم وديننا الذي ندافع عن عزته وكرامته هو دينكم. إن العدو الصهيوني يسعى بكل قوته ليدمرنا ويذلنا، بل ويسعى لإبعادنا عن ديننا وإسلامنا بكل الطرق والوسائل من قتل وتشريد وهدم للمنازل واعتقالات وتدمير لأخلاق الشباب لذا ندعوكم لوقفة جديدة معنا ومع قضيتكم لنكون كالجسد الواحد كما أرادنا الله ورسوله.
الرسالة الثانية: الاعداء حاصروا المقاومة، بل حاصروا الإسلام في كل مكان وفي كل أرض، والحجة محاربة الإرهاب، إن في أرضنا جيلاً للقرآن تعهد بحمله وحفظه ودراسته رغم كل المصاعب، ولكن مراكز تحفيظ القرآن الكريم في وطننا تعاني من النقص المادي الذي أحدثته محاربة الإرهاب، لذا ندعو أهل الخير والإسلام في كل مكان لعدم التردد في دعم هذه المراكز ودور القرآن خاصة في فلسطين الغالية ليخرج جيل القرآن الذي ينهي دولة الظلم.
الرسالة الثالثة: إلى مجلة البيان وكل المؤسسات الثقافية المسلمة ندعوكم لحملة دعم ثقافية إسلامية لشباب فلسطين من كتب ومجلات ونشرات وإصدارات، لتكون في عون الشباب المسلم هنا، بالإضافة إلى دعم طلاب الجامعات وخاصة أن حرب التجهيل هي إحدى مجالات الحرب مع عدونا.
وختاماً أرجو الله ـ تعالى ـ أن تكون هناك آذان سامعة وقلوب واعية تدرك الخطر الذي نحن فيه، فبارك الله فيكم.
- الأخ قاروت، مكة المكرمة، أرسل يشيد بالدراسات الفقهية التي قرأها على صفحات المجلة والتي تتناول موضوعات عن فقه البيوع والتورق والمرأة وغير ذلك، ويطالب بزيادة عدد الصفحات المخصصة للفقه الشرعي لما فيها من فائدة وتعليم، ونعِد الأخ الكريم بمواصلة نشر الموضوعات الفقهية النافعة، مع الإشارة إلى أن عدد الصفحات المخصصة لكل باب ليست ثابتة بل تكون حسب المادة المعدة للنشر، وأحياناً نضطر لنشر المقالة المطولة على حلقتين حتى لا تتأثر بقية الزوايا في المجلة.
- الأخ أحمد محمد الأحمدي ـ اليمن ـ إب، يتابع مجلة البيان منذ سنوات ثلاث حتى أصبحت مجلته المفضلة كما يذكر، وكتب الأخ أحمد يُثني على المجلة ويُعدد أهم صفاتها، ثم قدَّم اقتراحاً ذا وجاهة جديراً بدراسته، وهو أن يخصص في المجلة زاوية للتاريخ الإسلامي يتم فيها استعراض متسلسل لأهم أحداثه، خاصة بعد أن «شوَّه كثيرون من أعداء الأمة تاريخها كما فعل المستشرقون وغيرهم ممن امتلأت قلوبهم حقداً وغيظاً على هذا الدين، وخصوصاً مرحلة الخلافة العثمانية، حتى أصبح العثمانيون في تصور كثير من الناس أنهم غزاة» .
- الأخ أثير أنور العاني ـ العراق ـ الأنبار، له قصة مطولة مع مجلة البيان التي بدأ تعرفه عليها من العام ١٤٢٠هـ ولكن من خلال نسخ مصورة؛ لأن نظام صدام لم يكن يسمح بتداول المجلة وقتها، ويقول إنه حاول مراسلة المجلة أكثر من مرة لكنه لم يتلق رداً وهو يرجع السبب إلى الظروف السائدة في عهد النظام البعثي، والآن يعبر الأخ أثير عن شكواه المريرة من الاحتلال الأمريكي لمحافظته، ويقدم بعض النصائح للمجلة، وهي: «فتح فرع أو أكثر في بغداد وبعض المحافظات لممارسة النشاطات الدعوية ـ فتح وكالات لمجلة البيان ـ التعاون مع الكُتَّاب والمفكرين من العراق» . ونشكر الأخ الفاضل على نصائحه للمجلة ونعده بتنفيذ ما يتيسر منها حسب الظروف والإمكانات المتاحة، مع ملاحظة أن مجلة البيان مؤسسة إعلامية تعنى فقط بنشر الدوريات والإصدارات المختلفة، وللأخ استفسارات خاصة سوف نقوم بالرد عليها في رسالة بريدية مستقلة.