← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

الشارع العربي عبد الحميد سالم الجهني حفروه ألفَ مَرَّةْ دعسوه ألفَ مَرَّةْ دفنوا آثارَه مليونَ مَرَّةْ أيها الشارعُ.. لا تخشَ المعرَّةْ (١) أنت مُذْ كنتَ ضعيفاً.. مستكيناً دون مِرَّةْ (٢) يطأ القهرُ على جنبيكَ والأحزانُ في شفتيك مُرَّةْ عبَّدتك الأرضُ والدنيا وللأهواءِ في جوفك حفرةْ صامتٌ.. دهرَكَ والأبواقُ من حولك حُرَّةْ أنت دعوى قلمٍ جُنَّ على وقع المآسي المستمرةْ أنت فكرةْ!! خَدَعَتْ مَنْ ظنَّ يوماً أنَّ للأمواتِ فكرةْ لستَ شيئاً.. غارَ في أنحائِك البؤسُ وذُلِّلْتَ طويلاً كيف لا تعلو محياكَ الحزينَ الآنَ صُفْرةْ؟! * * * * * أيها الشارعُ فأصرُخْ أَرْسِلِ الصوتَ لأطرافِ المجرَّةْ زَلْزِلِ الأرضَ فقد طال الهوانْ مزِّق الذلَ فقد حان لقاءُ الذلِّ قَبْرَةْ أيها الشارع.. لا تخشَ من الدعسِ أو الدفنِ فإن الموتَ مَرَّةْ!!! (١) المعرَّة: الذم. (٢) مِرَّة: قوة.

стр. 5042

من الذي يعادي المرأة ؟ د. محمد يحيى في تصريحات لأحد المسؤولين عن هيئة إسلامية دولية في معرض الحديث عن تجديد الخطاب الديني الذي جعل منه بعض الكتاب قضية لا تعلوها قضية أخرى في الأهمية ذكر الرجل أنه لا بد أن يكف الدعاة عن العداء للمرأة في مواعظهم وأحاديثهم وعما أسماه بالعدوانية المفتعلة ضدها. وبصرف النظر عن أن هذا المسؤول كان يجاري موضة انتشرت وفرضت فرضاً، وكان يقول ما ينتظر في مثل هذه المناسبات الإعلامية، فإن حديثه هذا أثار نقطة مهمة للغاية هي الخلط الفادح ـ بوعي أو بدون وعي ـ بين ما يمكن أن يسمى عداء للمرأة كجنس بشري على إطلاقه، وبين انتقاد أفكار وسلوكيات معينة تُرَوَّج من جانب بعض الفئات باعتبارها ممثلة للنساء ومدافعة عنهن، وباعتبار هذه الأفكار هي وحدها المعبرة عن حقيقة وأوضاع وآمال وحقوق النساء. إن هذا الخلط بين ما هو عام ومطلق وشامل وبين ما هو جزئي ونسبي يعيب الكثير من جوانب حياتنا الفكرية، ويؤدي إلى الخلل الجسيم في النظر إلى الأمور وتقديرها مما يترتب عليه نتائج جسيمة في العمل والسلوك؛ ذلك لأن دعاة الإسلام وعلماءه ومفكريه عندما يهاجمون ويرفضون الأفكار التي يروِّج لها بعضهم باسم تحرير المرأة، أو المساواة بين الجنسين، أو التقدم الاجتماعي من خلال فرض سياسات عامة للنساء لا ينطلقون في ذلك في عداء للنساء أو للمرأة كنوع بشري، وإنما من رفض لمفهوم معين حول المرأة يراد فرضه على الساحة والحيازة للاحتكار له في وجه المفاهيم الأخرى وأبرزها النظرة الإسلامية. والداعية الإسلامي مهما كانت درجة ثقافته أو فهمه لا يمكن أن ينطلق من منظور العداء النوعي لجنس المرأة؛ لأنه لن يجد في الدين والعقيدة والفقه الإسلامي ما يسند ذلك، وحتى لو وجد مأثورات شعبية ورواسب جاهلية يبدو من ظاهرها أنها تنادي بمثل ذلك؛ فإنه لن يجد ما يسند هذه المأثورات من دين أو شريعة أو فقه، كما أنه سوف يجد في مقابلها مأثورات شعبية أخرى يبدو من ظاهرها أنها تعادي جنس الرجال على إطلاقه، وهذه المأثورات في الحالتين لا تعدو أن تكون تعليقات حول بعض السمات العامة لسلوك النساء والرجال في فترات تاريخية أو في ظل مجتمعات معينة، وهي في وضعها هذا لا تمثل أبداً عداءً لأي جنس على الإطلاق. وفي معظم الأحوال فإن النظر الإسلامي الصحيح كفيل بموازنة هذه الرواسب أو التقاليد حتى لو فهمت على أنها تعادي جنساً معيناً، وكفيل بفتح الأفق الفكري على رؤية أشمل وأرحب وأصدق لخصائص وسمات كل من الرجل والمرأة؛ كذلك فإن الداعية الإسلامي لا يعتمد في فكره ولا في دعوته على تلك المأثورات، بل هو يهتدي منذ البداية بهدي القرآن والسنة والشريعة والتاريخ الإسلامي. والذي يفسر حقيقة دعوى عداء الدعاة المزعوم للمرأة ـ باستثناء ظواهر شاذة نادرة لا يعوَّل عليها في أي حال ـ هو أن الذين يطلقون هذه الدعوة يرفضون من البداية ومن الأساس النظرة الإسلامية للإنسان رجلاً كان أم امرأة، ولوجوده وأهدافه وطبيعته، وهم على وجه الخصوص يرفضون هداية الإسلام للنساء ويريدونها فتنة يدخلون فيها من باب المرأة بوضع تصورات معينة لها تصادم مفاهيم الإسلام، ولذلك يبادرون على سبيل الأسلوب الدعائي في الحجج إلى وصم النظرة الإسلامية بأنها معادية لنوع النساء على إطلاقه، ولا يقولون من باب النزاهة الفكرية إن هذه النظرة تختلف عن منطلقاتهم رغم أنهم عادة يبشرون بتعددية الأفكار وتنوعها ونسبية المفاهيم وتاريخيتها، وهذا الزعم الأخير في حد ذاته كان يفرض على من يوجهون إلى الإسلام أو دعاته زعم معاداة المرأة أن ينظروا إلى المفاهيم الإسلامية عن المرأة باعتبارها منظوراً فكرياً مختلفاً عما يرونه لكنه يستحق الاحترام والتدبر الذي يطلبونه هم لأفكارهم؛ لكنهم بدلاً من ذلك فضلوا اللجوء إلى الأسلوب الدعائي الرخيص بوصم الخصوم بأنهم مجرد معادين لجنس النساء، وهذا الأسلوب الدعائي انتقل للأسف إلى بعض المسلمين الذين تلقفوه وكأنه حقيقة واقعة، وراحوا الآن يطالبون الدعاة المسلمين بالتخلي عن عدائهم المزعوم للمرأة. والقضية لا تقف عند حد الإشارة إلى الخلط الفكري المتعمد بين ما هو عام ومطلق وبين ما هو جزئي ونسبي؛ ذلك لأن المسألة يدخلها بالفعل عداء لنوع المرأة، ولكنه ليس من جانب دعاة الإسلام وفقهائه، بل من الجانب الآخر أي جانب من يدَّعون أنهم يمثلون المرأة ويدافعون عنها ويحفظون حقوقها؛ فجانب الفكر النسوي ذو الجذور والمضامين الغربية العلمانية يكشف عن احتقار مدهش ليس فقط لنوع الرجال كما هو واضح وجلي ومعلن بل لنوع النساء كذلك وبأشكال مختلفة. فالفكر النسوي هذا وَسْط دعاوى التقدمية والاستنارة يُدخِل إلى الساحة الفكرية والثقافية مفهوماً في غاية التخلف والجاهلية، وهو مفهوم عداء النوع والجنس، وإذا كانت البداية هي العداء المَرَضي للرجال كل الرجال تحت مزاعم ضعيفة ووهمية حول اضطهاد الرجال على مر التاريخ؛ فإن النهاية تشتمل كذلك على العداء المضمر للنوع الذي يزعمون رفع راية مناصرته؛ ذلك لأن إدخال مفهوم العداء للنوع البشري المعين لا بد أن ينعكس في عداء مضاد ضد النوع الآخر؛ كما أن الحجج نفسها المستعملة للهجوم على نوع الرجال يمكن وببساطة أن تنعكس لتستخدم وبتغيير طفيف للغاية ضد نوع المرأة. وبذلك فإن من يبني أساس فكرته على مجرد عداء النوع لا أكثر كما يفعل الفكر النسوي يمهد السبيل لبثِّ العداء للنوع الذي يقول إنه يتبنى نصرته. وعلى مستوى أشد خطورة فإن الفكر النسوي ينطوي بالفعل على عداء للمرأة بشكل أوضح؛ ذلك لأن هذا الفكر يركز دعوته على أساليب دعائية تعتمد سبيل الإثارة والتحريض والتهييج العاطفي، وتأجيج مشاعر الكراهية والحقد والغيرة والانتقام والشك والتشفي (يكفي ما سمعناه مؤخراً من النشوة التي راجت في أوساط أصحاب هذا الفكر عندما انتشرت أكذوبة تقول إن جنس الرجال في سبيله إلى الانقراض بعد بضعة آلاف من السنين لأسباب بيولوجية) . والفكر الذي يعتمد في دعوته على مثل هذه الأساليب لاجتذاب الأتباع والأنصار وتحفيزهم وحشدهم، ويضم إليها عدداً من الحجج التي لا تصمد أمام المناقشة والحجة العقلية والتاريخية هو فكر ينم عن احتقار لعقلية ونفسية وفهم هؤلاء الأتباع أي النساء في هذه الحالة. إن الفكر الموجه الآن للنساء تحت مسميات التحرير والانعتاق والمساواة، بل والسيادة والهيمنة يعادي أولئك النساء؛ لأنه يتقدم لهن بخليط من الأساليب الفجة والغوغائية، ومزيج من أشباه الحجج والتلفيقات البادية الزيف تحت مسمى الحقائق والوقائع. وهو في هذا يكشف عن أن نظرته لعقلية أتباعه أو تابعاته المزعومات هي أنهن قاصرات عقلياً ولا يعتمدن إلا على العواطف والمشاعر، وتحركهن الإثارة دون تدبر؛ مما لا يجعل هناك حاجة لمخاطبتهن بالعقل رغم كل دعاوى الحديث عن العقلانية والاستنارة، وإذا لم يكن هذا عداء لنوع المرأة فماذا يكون؟ وأخيراً: فإن الفكر النسوي في الغرب بخاصة (وإن كان بشكل مستتر في الشرق) يتحالف مع حركات وتوجهات الشذوذ الجنسي بنوعيها، وينم في ذلك في لون آخر وخطير عن العداء لنوع المرأة؛ فحركات الشذوذ الجنسي بين الرجال تعلن عن عداء صريح للمرأة ومقاطعة لها ورفض للتزاوج والامتزاج معها، ولا ننسى في هذا الصدد أن هذه الحركات تعود إلى الفلسفات اليونانية القديمة التي كانت تقرن الشذوذ بكراهية النساء، ولهذا فمن المستغرب أن يتحالف أصحاب الفكر النسوي تحالفاً وثيقاً مع توجه هو في صميمه معاد لنوع المرأة، ومع ذلك يتهمون دعاة الإسلام بأنهم هم ودينهم وفكرهم الذين يعادون النساء.

стр. 5043

عندما تحاول الفرنكوفونية استلاب المرأة المغربية حنان أعميمي تثبيت المنظور الجديد للعلاقات الأسرية المبنية على المصلحة المادية، وإخضاع مدونة الأحوال الشخصية لأكبر قدر ممكن للنفَس الروحي التغريبي أصبحت المسألة النسائية داخل الوطن العربي والإسلامي أكثر المجالات التي تبرز المخططات الرامية إلى النيل من ثوابت الأمة؛ فعلى مستوى القطر الواحد تشكل المرأة محل تجاذب إيديولوجي وصراع مذهبي بين تيارين: أحدهما إسلامي، والآخر علماني؛ بمرجعيتين مختلفتين؛ فالأول يعتمد الكتاب والسنة، والثاني يعتمد المواثيق والإعلانات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، أما على المستوى الدولي فالجبهة أوسع وأضخم لتتلخص في الصراع بين العالم الإسلامي والعالم الغربي الذي أصبح كل اهتمامهم ـ كما صرح الدكتور وحيد عبد المجيد رئيس التحرير للتقرير الاستراتيجي العربي ـ منصبّاً على تمويل الأنشطة المتعلقة بالمرأة والأبحاث الخاصة بالحركة الإسلامية. إن الاتصال/ الاصطدام الذي حصل بين الغرب النصراني والمشرق الإسلامي في عهود الحروب الصليبية والتي دامت لعهود طويلة كان من نتائجه اختبار الطرف الآخر للعقيدة الإسلامية، فوجدها في قوتها، وبالمقابل اكتشف ضعفاً عاماً لدى المسلمين في مناحي الحياة الاجتماعية ليكتشف فيما بعد أن قوة المسلمين تكمن في الخلية الأولى للمجتمع، فانصبَّ الاهتمام على التحكم في المحرك «الدينامو» لهذه الخلية ألا وهي المرأة للنيل من مقوماتها وهويتها الإسلامية. لم تخرج المرأة المغربية عن دائرة المخططات الغربية التي أصبحت مستهدفة بشكل كبير منذ بداية القرن الماضي بداية الاصطدام بالتيار الفرنكوفوني التغربيي الذي وظف وسائل متعددة منذ بداية الاستعمار الفرنسي للمغرب. في هذا التحقيق سنقف عند المخطط الفرنكوفوني الذي وُجِّه وما يزال يوجه ضد المرأة المغربية، مع الوقوف عند التاريخ الاستعماري الفرنسي الذي وظف فكره التغريبي للنيل من مدونة الأحوال الشخصية المغربية: وسنحاول الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي معالم المخطط الفرنكوفوني الذي اعتُمِدَ لإذابة المرأة المغربية في المنظومة الفرنسية؟ ما هي المجالات التي تم الاشتغال عليها؟ في ظل المتغيرات الدولية هل لا زالت الفرنكوفونية تتمتع بالقوة التي كانت لها سابقاً؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة التقينا ثلة من الأساتذة وهم: - الدكتور مصطفى الحيا أستاذ جامعي وعضو برلماني سابق، له عدة مؤلفات من بينها «المرأة المغربية بين مسارين وبين مسيرتين» . - الأستاذة فوزية حجبي. كاتبة مغربية متخصصة في الشأن النسائي، وعضو منظمة تجديد الوعي النسائي. - الأستاذ محمد يتيم. رئيس تحرير جريدة التجديد. - الأستاذة لطيفة ويرزكان. محامية. ` الفرانكوفونية والمرأة المغربية بدايات الصراع: أيديولوجية لتحطيم المرأة المغربية: لا يمكن فصل مفهوم «الفرنكوفونية عن سيرورتها التاريخية المرتبطة وراثياً بالفترة الاستعمارية؛ كما أنها مرتبطة بفترة التخلص من الاستعمار التي لم تنتهِ بعد (١) . عملت فرنسا منذ دخول قوتها على أن يصبح المغرب جزءاً من فرنسا ويدمج بأية وسيلة، وهو كذلك ما حاولته بالنسبة للجزائر، ولم يكن ذلك متاحاً إلا بالقضاء على العروبة والإسلام في هذين القطرين. فالاستعمار الذي تغلغل في العقدين الأولين من القرن الماضي في حياة المغرب حتى أصبح يسيطر على كل مقومات البلاد الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية بدأ بالبحث عن وسيلة جديدة يضمن بها البقاء، فاهتدى بالفعل إلى هذه الوسيلة التي تتمثل في تحطيم وحدة الوطن المغربي عن طريق التفرقة بين العرب والبربر في العرف وفي التشريع وفي الدين (٢) . سعت فرنسا على ترسيخ الخصومة المزعومة بين العرب والبربر التي شكلت الموضوع الرئيسي فيما يسمى بـ «العقيدة البربرية» . والسمات الرئيسة لهذه العقيدة هي ان البربري متفوق على العربي وأن «الشعب البربري» و «الحضارة البربرية» فيهما صفة التجانس التي تسمح لهما بشرف الادعاء أنهم يشكلون «أمة» وهي ميزة لا يحق للعرب ادعاؤها؛ وأخيراً أن البربر والعرب كانا على خصومة لا سبيل إلى التوفيق بينهما بشأنها. وهكذا أصدرت فرنسا الظهير البربري في ١١/٩/١٩١٤م بعد سنتين من احتلال المغرب استصدره المارشال اليوطي؛ حيث نص على أن البربر ليسوا في الأصل مسلمين؛ إذ لديهم أعراف سابقة على دخول الإسلام للمغرب وهي أعراف خاصة بالزواج والطلاق والميراث والمعاملات التجارية؛ لذلك لا بد من إحيائها، ومن ثم إيقاف التعامل بنصوص الشريعة الإسلامية؛ على ان يتعامل البربر فيما بينهم بالأعراف البربرية القديمة (٣) . سعت فرنسا إلى ترجمة «العقيدة البربرية» عبر السياسة البربرية واستغلت المرأة لهذا الغرض. عند رجوعنا لمحضر جلسات المداولة في مشروع الظهير البربري يتبين لنا هذا الاستغلال؛ فقد جاء في محضر (لجنة تنظيم العدلية البربرية) المنعقد في ٨/١٠/١٩٢٤م ما يلي: «ليس هناك ضرب في تحطيم وحدة النظام العدلي في المنطقة الفرنسية؛ وبما أن المقصود تقوية العضو البربري نظراً لدور الموازنة الذي يمكن أن تستدعى الحاجة إليه؛ فلا شك أن هناك فائدة مؤكدة من الناحية السياسية في تحطيم المرأة» (٤) . | لماذا ركزت دوائر الاستعمار الفرنسي على المرأة الأمازيغية دون العربية لاستلابها واجتثاثها من الهوية الإسلامية؟ يجيب الدكتور مصطفى الحيا: «إن التركيز على المرأة الأمازيغية كان يستهدف منه إثارة فتنة كبيرة لكون التشكيلة العرقية بالمغرب تشكيلة مزدوجة؛ فهناك الأمازيغ، وهناك العرب، وقد سُوِّغت هذه السياسة التفريقية في نظرية استشراقية مفادها أن الأصول الحقيقية للأمازيغ تعود إلى أصول أوروبية، ومن ثمة فلا علاقة موجودة بين العرب والأمازيغ، وبالمقابل يجب أن تكون العلاقة بين الأمازيغ والفرنسيين علاقة حميمة ووطيدة» . وتقول الأستاذة فوزية حجبي: «لقد شعر الاستعمار الفرنسي منذ أول يوم وطئت فيه رجله أرض المغرب بقوة الأسرة؛ لذلك سعى إلى تخريبها من الداخل اعتماداً على المرأة؛ لأنها هي الأداة الفعالة في هذا المجال، وهي التي تصنع الرجل والمنظومة القيمية والسلوكية، ومن ثم تبني المجتمع الذي تكون فيه الغلبة للقيم الإسلامية. وللوصول للأهداف الفرانكوفونية لا بد من صنع الإنسان المهزوم الذي لا هوية له؛ لأن هذه الأخيرة هي التي تصنع الممانعة وترفض الاستلاب» . وتضيف الأستاذة فوزية حجبي عن المسوغات التي تعتمدها الفرنكوفونية للتدخل في شؤون المغرب قائلة: «إن استغلال المرأة للتحكم في الشؤون الداخلية بالمغرب هو استعمار جديد وبطرق ذكية وحضارية؛ حيث تعطي مسوغاً من قبيل محاربة العنف الموجه ضد المرأة، عدم ممارسة المرأة لحقوق المواطنة، محاربة التطرف، الانخراط في العولمة، بل يزعمون أن المتاعب التي تعاني منها المرأة المغربية سببها مدونة الأحوال الشخصية.. وهكذا يتم استعمال مفاهيم يراد منها إذابة الذات المغربية في كل ما هو تغريبي، وتتخذ المرأة أداة فاعلة لتحقيق هذه الرسومات والتخطيطات» . ` محنة مدونة الأحوال الشخصية بالمغرب: في سنة ١٩٩٩م أصدرت «كتابة الدولة المغربية للرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة» مشروع «الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية» في عهد حكومة عبد الرحمن اليوسفي السابقة يضم حوالي ٣٠٠ صفحة، ورغم كون المشروع موجهاً للمرأة المغربية فقد تم إعداده باللغة الفرنسية ليترجم إلى اللغة العربية ترجمة رديئة مليئة بالأخطاء، واعتمد المشروع على دراسات غربية (*) ، وقد هدف هذا المشروع إلى تطبيق توصيات مؤتمري بكين والقاهرة بضع مطالب مختلفة منها تغيير مدونة الأحوال الشخصية في جوانب متعددة: - إسقاط شرط الولي للمرأة في الزواج. - منع تعدد الزوجات. - وضع الطلاق بيد القاضي. - رفع سن الزواج إلى ١٨ سنة. - إلغاء مفهوم الأسرة. - اقتسام الثروة بين الزوجين بعد الطلاق ... إلخ. تقول الأستاذة فوزية حجبي: «من المؤكد أن الفرانكوفونية لا زال لها تأثير في المجال الأسري بالمغرب؛ ففي مجال مدونة الأحوال الشخصية ـ التي تعد المجال الأكبر للصراع بين التيار الإسلامي والتيار العلماني ـ هناك رغبة هناك سلطة غير مرئية للنخبة الفرنكوفونية بالمغرب للنيل من الثوابت الإسلامية لتثبيت المنظور الجديد للعلاقات الأسرية المبنية على المصلحة المادية وإخضاع مدونة الأحوال الشخصية لأكبر قدر ممكن للنفَس الروحي التغريبي من جهة ثانية؛ وذلك من خلال بث شعارات مثل «حرية المرأة» التي تقتضي انفصال المرأة عن الرجل بمنتهى السهولة ومن منطلق المساواة، عدم اعتماد الولي، المطالبة بحق المساواة في الإرث، الإنجاب خارج مؤسسة الزواج ... إلخ؛ فهناك توحد بين المنظور الفرنكوفوني والعلماني والتغريبي لاقتلاع البقية الباقية التي تحتويها مدونة الأحوال الشخصية. وقد تبين من خلال معارضتنا ومناهضتنا «لخطة إدماج المرأة في التنمية» ـ الرامية إلى تثبيت توصيات غربية في مجال الأسرة ـ أن المشكل ليس في مدونة الأحوال الشخصية التي تستمد قوانينها من نصوص ثابتة ونصوص شرعية مقدسة، وما يحتاج إليه هو تغيير العقليات والذهنيات البعيدة عن الثقافة الإسلامية ... » . يقول الدكتور مصطفى الحيا: «إن الدعوى الرامية إلى تحرير المرأة ما هي إلا دعوى استعمارية ليس هدفها النهوض بالمرأة أو الدفاع عن حقوقها؛ فالغرب عامة والفرانكوفونية خاصة يعزفون على وتر واحد لتسويغ تدخلهم في الشؤون الخاصة، وأستدل على هذا بأستاذة أمريكية لها أكثر من ٨٠ كتاباً وقضت ٢٢ سنة في مصر (تناضل) من أجل تدمير مدونة الأحوال الشخصية المصرية؛ فأكدت في أحد عروضها التي حضرتها: «أن الصخرة التي تحطمت عليها كل جهودنا هي مدونة الأحوال الشخصية، وجئت الآن لأنقل تجربتي للمغرب» ... ومن جملة ما توصلت إليه هو: «لكي تصل المرأة إلى حقوقها في مصر يجب أن تصبح هي المفتية» ؛ لأنهم يعتبرون أن الرجال لا يمكن أن يفتوا لصالح المرأة. فقلت لها: لو تحقق مطلبكم هذا وأصبحت المرأة هي مفتية الديار، وأفتت بإبقاء المدونة على ما هي عليه فماذا سيكون ردكم؟ فقالت: إذا أفتت المرأة بذلك فستكون كارثة. إن هدف الغرب ليس أن تكون المرأة هي المسؤولة بل هدفهم هو تغيير الشريعة الإسلامية ... » . ` المرأة المغربية بين القانون الفرنسي والقانون المغربي: أصدرت فرنسا في مجال الأحوال الشخصية قرارات خطيرة جداً ـ خلال المرحلة الاستعمارية ـ تضرب الثوابت الإسلامية في هذا المجال، وتسعى إلى إرجاع المرأة المغربية إلى العهود الجاهلية: ١ - المرأة جزء من الإرث، وتعتبر كقطعة من الأملاك التي يخلفها المورِّث لورثته. ٢ - إذا انتُهكت حرمة امرأة تدفع لذويها معاوضة قدرها ٢٥٠ فرنكاً. ٣ - تعويض شرف زوج خانته امرأته بـ ٣٧٥ فرنكاً يدفعها عاشقها. ٤ - إن وراثة امرأة لم يكن لها أبناء ذكور ترجع لورثة زوجها ولو كان زوجها قد طلقها في حياته واضطرت إلى تسيير شؤونها بنفسها. ٥ - الدية أو الدم: ١٥٠٠ فرنك على اغتيال رجل، و٧٥٠ فرنكاً على اغتيال امرأة (١) . هذا هو «المشروع الحضاري» الذي سعت فرسا إلى تطبيقه في مجال الأحوال الشخصية بالمغرب، وهذه هي نظرتها التقدمية تجاه المرأة التي دافعت عن حقها في المساواة مع الرجل. | لماذا عملت فرنسا على حرمان المرأة المغربية من حقوق منحتها إياها الشريعة الإسلامية بل دافعت عنها في ثورتها الشهيرة باسم حقوق الإنسان؟ يقول الدكتور مصطفى الحيا: « ... دخل الاستعمار الفرنسي إلى المغرب فوجد المرأة المغربية متقدمة عن نظيرتها الفرنسية؛ حيث وجدها تتمتع بحريات متعددة من ضمنها حرية الاتجار في مالها، ولها استقلال مالي تتمتع به في قطاعات مختلفة في الوقت الذي كانت فيه المرأة الفرنسية لا تتمتع بهذا الحق (حق الاستقلال المالي) فعمل المستعمر الفرنسي على تكيف القانون المغربي الذي كان متقدماً عن القانون الفرنسي آنذاك حضارياً وحقوقياً لكي يحرم المرأة المغربية من هذا الحق وليؤخرها عن المرأة الفرنسية؛ فلا يعقل أن تكون الأولى متقدمة عن الثانية ... » . وهكذا نصادف في القانون المغربي نصوصاً تشريعية متفرقة تسربت أو على الأصح نقلت من التشريعات الفرنسية الصادرة في القرن ١٩؛ وهذه المقتضيات ألغيت الآن في فرنسا أو عدلت، ولكن ما يزال العمل جارياً بها داخل المغرب؛ فقد جاء في المادة السادسة من القانون التجاري التي تقضي بأنه: «لا يجوز للمرأة المتزوجة أن تكون تاجرة في المغرب بدون رضى زوجها مهما كانت مقتضيات قانونها للأحوال الشخصية بهذا الصدد» (٢) . وعن تأثير القانون الفرنسي على القضاء المغربي تقول الأستاذة لطيفة ويرزكان: «تعتمد مدونة الأحوال الشخصية بالمغرب على المذهب المالكي؛ لكن ما فتئت هذه المدونة بين الفينة والأخرى تقحم في الصراع الدائر بين التيارين الإسلامي والعلماني الذي يعتبرها مصدر المشاكل التي تعاني منها المرأة المغربية، لكن عندما نحاول أن نفكك الجوانب المتعلقة بالمشكل نجد أن الإشكال الحقيقي يعود إلى صعوبة وتعقد المساطر القانونية التي تعود بالأساس إلى مخلفات نظام القضاء الفرنسي الذي لا يزال يُعمل به إلى الآن في المحاكم المغربية. فالعلاقة الزوجية مثلاً تنتهي من منظور الشريعة الإسلامية بمجرد أن ينطق الرجل بكلمة الطلاق، لكن مع تعقد المساطر القانونية التي تعود كما ذكرت إلى التأثير الفرنسي في هذا المجال، بل الإشكال يزداد احتداماً لكون النظام الفرنسي يتعامل مع ميثاق الزواج كعقد مدني، وهذا للأسف ما يدافع عنه التيار الفرنكوفوني اليساري بالمغرب؛ في حين ندافع على أن يتم التعامل مع عقد الزواج على أساس أنه ميثاق غليظ؛ لأن هذا هو المفهوم الذي جاء به القرآن الكريم ليؤكد قداسة العلاقة الزوجية المبنية على الود والرحمة، وليس على المصلحة المادية كما يؤكده مفهوم العقد المدني الفرنسي ... » . ` المرأة المغربية في الإعلام الفرنكوفوني: في دراسة أنجزتها الدكتورة المهيدي مرية أستاذة بالمعهد العالي للصحافة بالرباط حول صورة المرأة المغربية في الإعلام الفرنكوفوني بالمغرب حول ثلاث جرائد مغربية، وهي: جريدة «ليبيراسيون» (جريدة تقدمية اشتراكية تصدر عن حزب الاتحاد الاشتراكي) وجريدة «لوبنيون» (جريدة تصدر عن حزب الاستقلال) ثم جريدة «لوماتان» جريدة رسمية، وهي جرائد مغربية ناطقة باللغة الفرنسية، فكان من نتائج البحث أن ٧٥.٣٤% من مجموع المواضيع المخصصة للمرأة داخل لوماتان مغربية محضة. كما أن لوبنيون قد خصصت نسبة ٧٠.١٥% من مجموع المواضيع التي تهم المرأة المغربية. مقابل ذلك نجد يومية ليبيراسيون تنحو منحى آخر؛ إذ تكثر من المواضيع الأجنبية المصدر، فخصت المرأة المغربية بنسبة ضئيلة ٣٤.٤٤% من مجموع المواضيع المخصصة للمرأة؛ بينما شكلت المواضيع الواردة من الخارج والتي تطرح قضايا وشؤون أجنبية نسبة ٦٥.٥٦%. وعن الفئة النسائية التي تستهدفها اليوميات الثلاث نجد أن المغنيات يأتين في الصدارة داخل يومية حزب الاستقلال بنسبة ٤.٤٨% وهي نتيجة تعود بالأساس إلى احتكار «باب المنوعات» الذي يستقبل أكبر نسبة من المواضيع النسائية بـ ٢٦.٨٥%الذي يقترح مواضيع ترفيهية أجنبية. أما جريدة لوماتان فإنها أعطت الأولوية للرياضيات بنسبة ١٥.٧٦%. أما الجريدة الاتحادية (ليبيراسيون) فإنها أعطت الأولوية للنساء البرلمانيات على أن أغلب الصور التي تعتمدها في مواضيعها لا تخص المرأة المغربية إلا بنسبة ٢٥.٨١%، أما المرأة الأجنبية فتمثل ٧٤.١٩% (١) . من النتائج السابق ذكرها يتبين النموذج النسائي المراد الترويج له داخل المغرب. تقول الأستاذة فوزية حجبي: « ... تناسلت في الآونة الأخيرة بشكل كبير مجلات ومنابر إعلامية فرنكوفونية، والمريب في الأمر هو أن هذا الصنف من الإعلام يغلب عليه الطابع الفرنسي المحض سواء من حيث الإخراج الفني أو التعليقات والمضمون، أو الصور المعتمدة، أو منطوق المواضيع التي توجه لربة البيت والمثقفة والمراهقة، ونعطي مثالاً على ذلك مجلة (la famille الأسرة) فالعنوان يوحي إليك أن المجلة موجهة للأسرة؛ لكن عندما نحلل منطوق ومضمون الخطاب نجده خطاباً تغريبياً محضاً يدعو إلى مجموعة من القيم والسلوكيات والاعتقادات التي تتنافى مع القيم والمعتقدات الإسلامية، وتدعو إلى التطبيع مع الثقافة الغربية. بدأت هذه المجلات بداية محتشمة لكنها ما فتئت تطور خطابها في اتجاه أكثر جسارة وأكثر اختراقاً ... » . وعن المكانة التي يحتلها الإعلام الفرنكوفوني في المشهد الإعلامي المغربي يقول الأستاذ محمد يتيم: « ... ما يمكن التأكيد عليه أن المغرب لا يزال يختار الفرنكفونية كلغة؛ فاللغة الفرنسية لا تزال لغة المعاملات ولغة المقاولات؛ لذلك تحظى بدعم متواصل عن طريق الإشهار من طرف المستثمر الذي يتوجه للمنابر الفرنكفونية على اعتبار أن اللغة الفرنسية اليوم هي لغة النخب الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتي تستفيد أكثر من توزيع الثروة، ومن ثم فإنني عندما أعطي إشهاراً لمجلة أو صحيفة فرنسية فإنني أتوجه إلى سوق مناسب للإشهار. يرتبط الدعم الإشهاري بمواقف سياسية؛ لأن الدولة أو المؤسسة العمومية عندما تعطي الإشهار لجهة معينة فهذا يعني أنها تدعم توجهاً معيناً. وإن كانت الصحف العربية على العموم في المغرب إذا ما قورنت بالصحف الفرنسية فهي لا تستفيد من الإشهار. بالإضافة إلى الحقيقة الاقتصادية والحقيقة السياسية التي أشرت إليها سابقاً يراد منه كذلك دعم التوجه الثقافي الفرنكوفوني؛ فقد أخذنا مجلة نسائية بدون ذكر اسمها وأحصينا حوالي ١٣٠ صفحة إشهارية في مجلة تتكون ٢٤٠ صفحة. فإن حوالي ٥٠%من الصفحات كلها إشهارات في ورق رفيع، وأنيقة جداً، وبطبيعة الحال أسعارها خيالية. ولهذا فثمن بيع هذه المجلة هو أرخص بكثير من كلفتها الحقيقية، وقد سمعت أنه في بداية بيع هذه المجلة كانت تقدم معها هدية تقدر بـ ١٠ دولارات. مما يؤكد أن للإشهار بُعداً سياسياً يسعى إلى التشهير بثقافة ما ولتوجهات محددة. يجب على الإعلام الإسلامي أن يكون لسان حال المجتمع الإسلامي، ونبغي أن يستجيب للتحديات المطروحة في العالم الإسلامي، وإذا أُخِذَ المغرب مثلاً فإنه يتعرض لتحديات علمانية ضارية تريد أن تجتث ما تبقى من الأصول الإسلامية؛ فالتحدي الأكبر المطروح أمام الإعلام الإسلامي المغربي مثلاً هو رصد الحالات الهجومية الرامية إلى النيل من هويتنا، وأن يكون إعلاماً مقاوماً» . ` الفرانكوفونية واللباس: من المجالات التي تقوَّت فيها الفرانكوفونية بالمغرب مجال اللباس الذي يعد أهم العناصر المشكِّلة للثقافة؛ فقد سعت الفرانكوفونية إلى طمس كل معالم الهوية المغربية العربية الإسلامية التي يتميز بها؛ فبغض النظر عن خصوصيات الزي الأوروبي الذي تعمل على نقله كما هو إلى المجتمع المغربي فإنها تعمل على إبادة تقاليد مغربية عريقة في مجال اللباس. تقول الأستاذة فوزية حجبي: «.. باسم «الموضة» عملت فرنسا على اختراق الذات المغربية في شِق اللباس؛ فعندما نأخذ القفطان مثلاً الذي يعتبر رمز الزي المغربي المحتشم لم يسلم من التأثير الفرانكوفوني؛ فهناك عملية التثبيت (fixation) على الزي المغربي؛ فبعد أن كانت الصور التي تعتمدها المنابر الفرنكوفونية عارية، وبعد الاحتجاجات التي قامت بها الحركة تم تغيير الوجهة فتم التثبيت على القفطان المغربي الذي أصبح مستهدفاً ليفقد كل مقوماته وخصوصيات الحشمة التي يتميز بها لتصبح عبارة عن مجموعة من القطع المرقعة ذات تصميم غربي محض أكثر منه مغربياً، بل حتى عارضات الأزياء يشترط فيهن الصفة الأوروبية على اعتبار أنهن يُجِدْنَ عملية العرض؛ في حين أن الغرض هو التركيز على النحافة وطريقة المكياج وطريقة تصفيف الشعر؛ هذه العناصر التي يتم التركيز عليها لتركيب صورة غريبة عن المرأة المغربية الأصيلة التي ترتدي القفطان بكل تمظهراته المحتشمة والأصيلة والمحافظة؛ فهناك قلاع صامدة حتى في مجال اللباس؛ لأن الزي هو جزء من الثقافة والهوية؛ ومن ثم يجب النيل منه لإذابته في الآخر. إن الهدف هو تجوُّف المرأة المغربية لتصبح متهافتة على استهلاك كل المظاهر الغربية؛ فالمرأة المجوفة بهذا الشكل سوف تقطع العلاقة مع المرأة الرسالية المجاهدة ضد المظالم التي يخاف منها الآن والتي تستهدف في جميع المخططات الغربية ... » . أما الدكتور مصطفى الحيا فيعلق على التأثير الفرنسي في مجال اللباس فيقول: «.. ظلت المرأة المغربية لعهود طويلة تعرف بزيها الأصيل والمحتشم الذي يشمل الجلباب والنقاب، لكن عندما خرج الاستعمار الفرنسي ترك نخبة تكونت بفرنسا فبقيت الحياة التنظيمية والعصرية مطبوعة بالطابع الفرنسي، فأثر ذلك على المظهر الخارجي للمرأة المغربية الذي أصبح مطبوعاً بالطابع الأوروبي؛ فالحجاب هو من خصوصيات المرأة المسلمة، ومنها المغربية، وقد استطاعت النخبة المغتربة بالمغرب أن تؤكد ان من مظاهر تحرر المرأة المغربية هو نزعها للحجاب، بل ذهب بعض مناضلي اليسار المغربي إلى اعتبار أن نزع المرأة المغربية للحجاب هو احتجاج على الاستعمار الفرنسي، وهذا منطق مغلوط؛ لأنه لا يمكن أن تكون مواجهة ومقاومة للغرب بنَفَس غير النفس الديني الإسلامي، وبدون الاعتماد على مقوماتنا، وخاصة أن عنصر القوة فينا هو الإسلام؛ ففي الجزائر مثلاً أصيب الاستعمار الفرنسي أثناء احتفاله بالذكرى المئوية لاحتلال الجزائر بالخيبة والحسرة عندما وجد نفسه أمام كم هائل من النساء الجزائريات المحجبات، فتأكد له أن كل خططه لن تنجح ما دامت المرأة ظلت متمسكة بدينها..» . ` تقوية الذات والهوية الثقافية: أكد الدكتور المهدي المنجرة أن فرنسا أًصيبت برجَّة خلال حرب الخليج سياسياً وعسكرياً أمام أمريكا، ويضيف أن فرنسا الآن تعاني تأخراً تقنياً للغة الفرنسية؛ فكل المهندسين وكل رجال المعرفة في فرنسا وفي المواصلات وفي البيوجينيتك وكل العلوم المتطورة يعرفون أن فرنسا تعاني تأخراً يتراوح ما بين ١٠ و ٢٠ سنة كحد أدنى، وأنها تحتاج إلى خمس سنوات لنشر آخر المنشورات العلمية الإنجليزية؛ فعدد المتكلمين بالفرنسية في تراجع ولا يتعدى ٢.٥%، وهي تحتل المرتبة التاسعة في العالم (١) . هذه الحقيقة العلمية تؤكد مدى الانحسار الشديد للفكر الفرانكوفوني لصالح الفكر الأنجلوساكسوني ومدى الهيمنة التي أصبحت للأمركة. يجب ألا يفهم من المعطيات السابقة أننا ندعو إلى تبني الفكر الأنجلوساكسوني أو الاحتفاء بالسيطرة الأمريكية للعالم العربي ما دامت هي الآن القائد الجديد للكوكبة الإمبريالية، بل بالعكس؛ فالشعوب العربية والإسلامية أصبحت واعية كل الوعي بما يحاك ضدها. ألم يحن الوقت أن نستفيق من الغفلة الثقافية والسبات الحضاري الذي يعاني منه الآن العقل العربي والإسلامي ليطرح أسئلته التي تخص ذاته وثقافته وهويته في مجالات عدة ومن ضمنها الأسئلة الخاصة بالقضية النسائية، ويجيب عنها بنفسه دون أن يستعير الإجابة من الطرف الآخر؟! لكي يحين ذاك الوقت لا بد من: \ إعادة صياغة الإنسان الموحد لله والمرتبط به رؤيةً وحياةً؛ ليس في المغرب الذي ما يزال يعاني من الهيمنة الفرانكوفونية إلى جانب الأمركة بل في العالم الإسلامي كله. \ بناء الممانعة لكل أشكال الغزو. \ إعادة الاعتبار للثقافة الإسلامية على أن تكون البداية بإعادة اللغة العربية، وخاصة أن ما يروَّج له بالحوار الحضاري المنادَى به الآن يفرض حضور الشخصية العربية الإسلامية بمعالمها المميزة لها حتى يكون الحوار ندياً.

стр. 5044

أباطيل د. أفراح بنت علي الحميضي لأجل المرأة تؤسس منظمات، وتفتتح مؤتمرات، وتدون أجندات، وتدبج مقالات، وتسخر أعمدة وكتابات، وتفتعل قضايا، وتهمش أخرى. وفي إطار الأباطيل والأكاذيب الشاملة (على نسق أسلحة الدمار الشامل) فإن لكل امرأة قضية لأجلها يجب أن تصعد من قضية فردية بسيطة إلى قضية معقدة شاملة. يجب أن تسخر كل الإمكانيات لأجل حلها. ومن خلال متابعة ما تدفع به المؤتمرات الخاصة بالمرأة من توصيات، وما يدون في بعض الأجندات من بنود، وما يصدر من وسائل الإعلام المقروءة والمكتوبة والمسموعة فإنه من الممكن رصد الأمور التالية: - تغييب أغلب المسلمين (عامة ومثقفين) عما يدور في (كواليس) المؤتمرات وخبايا الأجندات المسبقة الإعداد، وضعف التصور أو انعدامه لِمَا قد تؤول إليه النتائج، وتسفر عنه التوصيات، وعدم القدرة على الربط بين مؤتمر وآخر وضبابية الرؤية بواقع واحتياجات المجتمع المسلم؛ مما لا يمكن مقارنته مع مجتمع آخر، وقلة الاستبصار بما نفذ من توصيات المؤتمرات أمام أعين غالبية المسلمين. - سطحية القضايا المطروحة على طاولة المؤتمرات وبين أسطر المقالات؛ مما يصرف الذهن عن القضايا الأساسية والهموم الرئيسية. - اختزال قضايا عموم النساء بقضايا النخبة فقط، وتعميم قضايا فردية وافتعال قضايا غير موجودة. - سطحية العرض والتناول لقضايا المرأة وهو أمر متوقع؛ إذ إن أغلب الذين يتناولونها غير مؤهلين لذلك؛ حيث تتضح من خلال أطروحاتهم نقص العلم والفهم، وقصور في الاستدلال والاستعراض وقصر النظر في التقدير والتركيز على جانب وإهمال الجوانب الأخرى، واصطناع حلول تعد هي في جانبها خسارات وليست مكاسب. - استغلال احتياجات النساء وظروف المجتمعات، وتركيب الصورة المجزأة بطريقة تخدم مصالح معينة دون أن ترقب هذه الأطروحات في مجتمع إلاًّ أو ذمة. - استيراد قضايا للمرأة خارج المجتمعات المسلمة، ومحاولة تفصيلها وتعديل مقاسها لتناسب المرأة المسلمة؛ مع ما يشوب ذلك من اختلاف قضايا وتهميش أخرى. - قصر النظر في تقدير النتائج: إن سطحية التناول والدفع بحلول مستعجلة وغير مدروسة تخدم فئة، أو تركز على جزء دون آخر، أو تقديم حلول آنية دون التأكيد على تأصيل هذه الحلول قد يسهم في تفاقم القضايا؛ لأن أنصاف الحلول لا يحل إلا أنصاف القضايا، وإن تقدير النتائج والمضاعفات المستقبلية جزء من النظرة الشمولية لإدارة أي قضية أو أزمة أو مشكلة. - لا تخلو أي توصيات أو كتابات من التأكيد على الالتزام بالضوابط الشرعية، لكن الناظر بحصافة يجد أن كثيراً منها قد يعارض الثوابت الشرعية، ويجترئ على الضوابط الشرعية، بل إن مدوني هذه التوصيات والكتابات قد لا يعلمون ما هذه الضوابط. إن المسألة لا تَعْدُو كونها لوحة دعائية جميلة لتمرير بضاعة فاسدة. - الادعاء بضعف مشاركة المرأة الاجتماعية؛ ومن خلال هذا الجسر يتم تمرير مطالبات شتى. إن الذين يتبنون هذا الموقف عليهم أن يحرروا ما هي هذه المشاركة الاجتماعية المطلوبة، وكيف يخدع المرأة وهي معصوبة العينين لتغادر خندقاً وثغراً كُلفت بالحفاظ عليه إلى أرض جرداء بوار. - جعل المرأة وقضاياها كلأً مباحاً لكل صاحب قلم أو صوت؛ في حين أن الواجب أن لا ينظر في هذه القضايا دون تأصيل، وأن يكون ذلك ممن يملك العلم الشرعي والفقه بالواقع معاً.

стр. 5045

بريد القراء التحرير تتوالى الرسائل من جمهور القراء الكرام؛ بين مشاركات، وتعقيبات، وتصويبات، واقتراحات، ونحاول الرد عليها قدر المستطاع نظراً لكون المجلة شهرية، وليس من السهولة بمكان الرد على رسائل كل القراء؛ لأسباب عملية وفنية. رسالة من قارئ: - أرسل الأخ الفاضل ثامر سباعنة من قباطية ـ فلسطين رسالة مؤثرة يعبر فيها عن مشاعره ننشرها بتمامها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الإخوة الأحباب في مجلة البيان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: بداية أحب أن أبعث لكم بتحياتي وتحيات شعبي وشكرهم على ما تقدمونه في مجلتكم الرائعة والتي نحرص نحن الشباب الملتزم في بلدتنا أن نقرأها بمجرد وصولها إلى أيدينا، علماً بأنها تصلنا في نهاية الشهر بالإضافة إلى أنه يصل عدد واحد فقط لكل بلدتنا قباطية (٢٠ ألف مواطن) مما يدفعنا إلى أن نقرأها بسرعة، ونمررها بعضنا إلى بعض، وفي النهاية نضعها في المسجد. بداية حكايتي مع مجلتكم بدأت في سجون الاحتلال الصهيوني؛ حيث كان الإخوة يرسلونها لنا داخل السجون، وهناك تعرفت عليها وقرأت صفحاتها وأعجبت فيها، وبعد خروجي بحثت عنها كثيراً إلى أن وجدتها في إحدى مكتبات جنين، ومن وقتها ونحن نتابع أعدادها. ولما عرفناه عن مجلتكم من موضوعية وصدق كان منا هذه الرسائل: الرسالة الأولى: رسالة عتاب إلى الشعوب العربية والشعوب المسلمة في كافة الأقطار: شعب فلسطين لم يمل المقاومة ولن يستسلم مهما كان الثمن الذي يدفعه، ولكن الذي يعز علينا ويجرح قلبنا هو صمتكم بل تجاهلكم لنا ولآلامنا، بل حتى مظاهراتكم توقفت ولم نعد نسمع صوتاً واحداً مسانداً لنا، مع أن قضيتنا هي قضيتكم وديننا الذي ندافع عن عزته وكرامته هو دينكم. إن العدو الصهيوني يسعى بكل قوته ليدمرنا ويذلنا، بل ويسعى لإبعادنا عن ديننا وإسلامنا بكل الطرق والوسائل من قتل وتشريد وهدم للمنازل واعتقالات وتدمير لأخلاق الشباب لذا ندعوكم لوقفة جديدة معنا ومع قضيتكم لنكون كالجسد الواحد كما أرادنا الله ورسوله. الرسالة الثانية: الاعداء حاصروا المقاومة، بل حاصروا الإسلام في كل مكان وفي كل أرض، والحجة محاربة الإرهاب، إن في أرضنا جيلاً للقرآن تعهد بحمله وحفظه ودراسته رغم كل المصاعب، ولكن مراكز تحفيظ القرآن الكريم في وطننا تعاني من النقص المادي الذي أحدثته محاربة الإرهاب، لذا ندعو أهل الخير والإسلام في كل مكان لعدم التردد في دعم هذه المراكز ودور القرآن خاصة في فلسطين الغالية ليخرج جيل القرآن الذي ينهي دولة الظلم. الرسالة الثالثة: إلى مجلة البيان وكل المؤسسات الثقافية المسلمة ندعوكم لحملة دعم ثقافية إسلامية لشباب فلسطين من كتب ومجلات ونشرات وإصدارات، لتكون في عون الشباب المسلم هنا، بالإضافة إلى دعم طلاب الجامعات وخاصة أن حرب التجهيل هي إحدى مجالات الحرب مع عدونا. وختاماً أرجو الله ـ تعالى ـ أن تكون هناك آذان سامعة وقلوب واعية تدرك الخطر الذي نحن فيه، فبارك الله فيكم. - الأخ قاروت، مكة المكرمة، أرسل يشيد بالدراسات الفقهية التي قرأها على صفحات المجلة والتي تتناول موضوعات عن فقه البيوع والتورق والمرأة وغير ذلك، ويطالب بزيادة عدد الصفحات المخصصة للفقه الشرعي لما فيها من فائدة وتعليم، ونعِد الأخ الكريم بمواصلة نشر الموضوعات الفقهية النافعة، مع الإشارة إلى أن عدد الصفحات المخصصة لكل باب ليست ثابتة بل تكون حسب المادة المعدة للنشر، وأحياناً نضطر لنشر المقالة المطولة على حلقتين حتى لا تتأثر بقية الزوايا في المجلة. - الأخ أحمد محمد الأحمدي ـ اليمن ـ إب، يتابع مجلة البيان منذ سنوات ثلاث حتى أصبحت مجلته المفضلة كما يذكر، وكتب الأخ أحمد يُثني على المجلة ويُعدد أهم صفاتها، ثم قدَّم اقتراحاً ذا وجاهة جديراً بدراسته، وهو أن يخصص في المجلة زاوية للتاريخ الإسلامي يتم فيها استعراض متسلسل لأهم أحداثه، خاصة بعد أن «شوَّه كثيرون من أعداء الأمة تاريخها كما فعل المستشرقون وغيرهم ممن امتلأت قلوبهم حقداً وغيظاً على هذا الدين، وخصوصاً مرحلة الخلافة العثمانية، حتى أصبح العثمانيون في تصور كثير من الناس أنهم غزاة» . - الأخ أثير أنور العاني ـ العراق ـ الأنبار، له قصة مطولة مع مجلة البيان التي بدأ تعرفه عليها من العام ١٤٢٠هـ ولكن من خلال نسخ مصورة؛ لأن نظام صدام لم يكن يسمح بتداول المجلة وقتها، ويقول إنه حاول مراسلة المجلة أكثر من مرة لكنه لم يتلق رداً وهو يرجع السبب إلى الظروف السائدة في عهد النظام البعثي، والآن يعبر الأخ أثير عن شكواه المريرة من الاحتلال الأمريكي لمحافظته، ويقدم بعض النصائح للمجلة، وهي: «فتح فرع أو أكثر في بغداد وبعض المحافظات لممارسة النشاطات الدعوية ـ فتح وكالات لمجلة البيان ـ التعاون مع الكُتَّاب والمفكرين من العراق» . ونشكر الأخ الفاضل على نصائحه للمجلة ونعده بتنفيذ ما يتيسر منها حسب الظروف والإمكانات المتاحة، مع ملاحظة أن مجلة البيان مؤسسة إعلامية تعنى فقط بنشر الدوريات والإصدارات المختلفة، وللأخ استفسارات خاصة سوف نقوم بالرد عليها في رسالة بريدية مستقلة.

стр. 5046

لن نعطي الدنية في ديننا د. نزار عبد القادر ريَّان طِبْتَ حيّاً وميتاً سيدي رسول الله! والله يشرع لك الجهاد في سبيله، ويجعله من دينه ذروة السنام، ويحبه، ويحب المجاهدين الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص يصنعون للأمة فجرها، ويشيدون لها مجدها. طبت حياً وميتاً يا رسول الله! وأنت تعلمنا الجهادَ في سبيل الله، فتغزو، وتتمنى ألا تتخلف خِلافَ سَرِيَّة قط؛ وتسأل الله أن تُقتل في سبيله، ثم تُحيا، ثم تُقتل، ثم تُحيا، ثم تُقتل؛ فتورثنا العِزَّةَ صهوةً وسراجاً، ومحجناً ورِكاباً، فتدوس سنابكُ خيلنا عروشَ الظالمين شعوبَهم، القاهرين أممَهم، وتزيلهم، فَيَعزُّ بالجهادِ قومٌ طالما قُهروا، وبرغم أنف الجاهليةِ الأولى، فَيُدَكُّ عرشُها الفاني، ويهدم إرثها الماضي، فَكُنَّا رايةَ الحَق خفاقة بنودُها السامقات، تمضي في سبيل الله وحده، لا تعرف غير هذا السبيل نهجاً أو طريقاً، فمضينا ـ نحن المسلمينَ ـ كالدوحة الدانية الثمار والأُكُل، تمتَدُّ ظلالنا الوارفاتُ تحت سيوفنا المشرعة، تهتك زندقة الأنظمة الأولى، وتجعل كسرى كِسَراً، وتُنزل قيصرَ قَسْراً. ومضينا ـ نحن المسلمين ـ تعيش الشعوب معنا آمنةً مطمئنة، لا تعرف العبودية، بعد ليل طال، ضاعت فيه أمم، وتاهت فيه أجيال، بعد أن ولدتهم أمهاتهم أحراراً، نخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. كذلك كُنَّا قادة الأرضِ وسادَتها، تمطرُ السحابة حيثُ شاءتْ، ويأتي خراجُها بعد حين ليرتد في الفقراء والبؤساء والمستضعفين، فالضعيف بدولتنا هو القوي، والقوي بعظمة الله قُوَّتُه، لا يبطش، ولا يظلم، ولا يعتدي. ثمَّ دار الزمانُ دورتَه، ودَالَتِ الأيام بين الناس فإذا بزهرةِ الدنيا تأكلُ القلوبَ والأفئدةَ، وإذا السيف يذبلُ في المعاصم القابضة، واستَبَدَّ بالناسِ اتِّبَاعُ أذناب البقر، فتداعى الأكَلَةُ إلى قصعتنا على حين غفلة منا من كل حَدَبٍ يَنْسِلُون، يحملون الكفرَ والزندقةَ بضاعةَ الجاهليةِ الأولى، فانحنى للجاهلية القادمة مع السيوف والدماء إلى المكاحل والركب ناسٌ، وحمل السيف على تخوف آخرون، فكان لنا صلاح الدين الأيوبي يصنع فجر الأمة من مداد العلماء ودمائهم مجاهدين يركبون ثَبَجَ البحرِ الأخضرِ كالملوك على الأسِرَّةِ، فطهرنا بلادنا، ورفعنا في المسجد الأقصى نداء التكبير بعد قرن من التدنيس والتضليل، وإقامة الصلبان مكان المحاريب والتأذين. ثم دار الزمان دورته، وجاء الصليبيون الجدد كالحُمُرِ المستَنْفَرَة يخرجها التعصب والطمع، فانبهر الناس بالعلمانية القادمة من وراء البحار البعيدة، وكادت تكون في الناس ردة، وكنا ـ نحن الإسلاميين ـ الإبلَ الرواحلَ؛ نمنع الردة أنْ تكون، بنهج دعوتنا الربانية نسعف ونغيث، ونبني ونعلم، ونعيد الثقة إلى القلوب المرتجفة، ونقبض على الكفوف بيعة ووفاء، تجمع قطرات الندى أول وَدْقٍ في سبيل الفجر اللاحب. نحن ـ الإسلاميين ـ حملنا راية الدعوة الربانية يوم كان الناس مبهورين بالغرب الصليبي وحضارته، فسرنا بدعوتنا في كل باب خير؛ فإذا بمعاركنا في القناة تذيق الإنجليز الموت ألواناً، ما بين تفجير وتدمير وتتبير حتى زال الاحتلال عن مصر العربية المسلِمة. ونادتنا فلسطين؛ نادتنا والناس سكارى، والحكومات مشغولة بسفاسف تقاسم الوزارات، والأحزاب أطلالُ كَرْبٍ، وركامُ خصومات، نادتنا فلسطين فلبينا النداء، تتسابق قلوبنا نحو بئر السبع، والنقب، وصور باهر، ودير البلح في معركة كفار داروم، وخزاعة، والفالوجا، ودير سنيد، والتبة ٨٦، والعسلوج، وغيرها من معاركنا الكريمة نقِيم الخنادق، نزرعها بالذاكرين الله كثيراً، والركع السجود، أساتذتنا في الدعوة والجامعات قادتنا في الميادين والاقتحام والشهادة. نادتنا فلسطين، فزرعنا بالزنبق والياسمين. يقود «الشيخ محمد فرغلي» ابن مصر المجاهدين المصريين من أبناء الإخوان المسلمين، فكانت العملية الاستشهادية الأولى للبطل المجاهد «الشهيد عمر عثمان بلال المصري» من ثغر الإسكندرية تتناثر أشلاؤه على أسلاك مغتصبة كفار داروم (١) ، وندفن يومها سبعين شهيداً من الإخوان المسلمين المصريين. كذلك كانت مصر، وكذلك كان دروها أن تزرع الشهداء المصريين بجوار الشهداء الفلسطينيين نخلاً سامقاً، وكذلك يرتجى الدور لها الآن؛ فما في الدين مصري وشامي؛ فمصر العروبة والإسلام أكبر من أن يُختزل دورها في ترتيبات أمنية، وتدريبات شرطية، وحراسات للحدود بين أشقاء الروح والنفس الواحدة، مصر الكبيرة أكبر، مصر العظيمة أعظم من أن تكون كذلك. فببئر السبع قبور الشهداء والمجاهدين من مصر، يرقدون بها منذ عقود، يودون لو أن يسمعوا التكبير باللسان المصري، يتعشقون أن يسمعوا ضرب الرصاص اليعربي لو أنه يكون. كنا نحن ـ الإسلاميين ـ المجاهدينَ يوم كان الناس كل الناس إلا نحن حائرين، ورثنا الرمح والقَنا كابراً عن كابر، مضينا بها صعبة المراس، شديدة العناد؛ فكنا مع النصر والتمكن «حركة المقاومة الإسلامية حماس» فتناوشتها أنياب الأفاعي، وتداعت عليها (بساطير) الأجهزة الأمنية تدق في الثلث الأخير ليلاً بيوت جنودها الميامين. جاءت حماس، فشتمها الشاتمون، ونعتها الظالمون بكل نعت، وحاول المجرمون استئصال شجرتها، ولكنها قدر الله الغيث الآتي والميلاد المنتظر، تمتد في كل الأقطار أغصانها، تبعث الهمة في النفوس العالية، تمضي قدراً غلاَّباً في كل البقاع، فأبشروا وأَمِّلُوا الذي يسركم؛ فإنما هي همتكم الرائدة، ووقفتكم الماجدة، لحراسة حرابكم، من أن تتغول عليها أيدي الظالمين. فهل يعقل بعد أن ذاق المجاهدون حلاوة الرباط ليلاً في الثغور الحالمات أن يضعوا البنادق، بينما هربيا وبربرة، ونعليا والجورة، والخصاص والمجدل، وحمامة واسدود، ويبنا ويافا تُدَنِّسُ طهرَها زواني اليهود المجلوبين من كل بقاع الأرض وألوانها القاتمة؟ إنه الجهاد حتى تذهب أخر كلمة عبرية يتراطن بها المغتصبون في بلادنا. أرأيت الأسد كيف يُصْبَرُ في الحديقة حتى يصير أرنباً يهز ذيله ويُقعي بين يدي الأكلة يُطْعَمُها؟ أرأيت المجاهد كيف يُحتال عليه بالمنى حتى تُصْطاد بندقيته، ثم يحشر في الزنزانة للآهات والعذابات الطوال؟ أرأيت نفسك وأنت تسأل الجلاد أن يفتح (الطاقة) لحظة، أتذكر وأنت تصنع ابتسامة لوجهه المكفهر، وتقول له: يا أستاذ؟ أتذكر وأنت ترجوه أن يمنحك المصحف الذي صادره من جيبك ساعة اغتصب حريتك؟ أتذكر وأنت تسأله: أين القِبْلَة؟ فيهزأ منك ومن القِبْلَة ومن الدين والإيمان والوطن وفلسطين؟ أتذكر لحيتك؛ كيف تَفَلُوا بها، وكيف حلقوها بالأحذية كما قالوا؟ بل أتذكر كيف عبثوا بملابس زوجتك في الدولاب، وكيف نظروا لوجهها الحَيِيِّ الطهور؟ إياك إياك! وإن ساوروك على الذي ينبض بين الضلوع. إياك إياك! أن تبدي السمع والطاعة في وضع البنادق ساعة. فبالبنادق والخنادق والمسالح تكون الحياة: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] ، وما نُزِعت البندقيةُ من أحد وعاش بعدها كريماً؛ فالتاريخ ورسومه الدارسات، وأطلاله وأعقابه اليابسات، والزنازين والحواشر التي عرفت في السنوات السابقات تعظك أن تضع البندقية لحظة؛ فعانقها، وعاهدها أن تبقى معها إلى أن تموت.

стр. 5047

شعبان - ١٤٢٥هـ سبتمبر / أكتوبر - ٢٠٠٤م (السنة: ١٩)

стр. 5048

السجون المتحضرة !! التحرير إضراب مئات السجناء الفلسطينيين عن الطعام في سجون الاحتلال اليهودي فتح ملفاً كبيراً محزناً عن الأوضاع الإنسانية والإجراءات القمعية في السجون اليهودية. وأشد ما يؤلم في تلك السجون الاعتداء الحيواني الفاضح على أعراض النساء والأطفال، بل على أعراض الرجال أيضاً، والعياذ بالله. وأمام سمع العالم وبصره يمارس اليهود أبشع صور التعذيب والإهانة والظلم والديكتاتورية، ولا يجرؤ أحد على الإدانة، فضلاً عن التدخل أو فرض العقوبات. ولماذا الإدانة أصلاً والغرب كله يتفرج على العبث المستفز في حقوق سجناء جوانتانامو وجانجي، وأبو غريب ... وغيرها من السجون (الديموقراطية المتحضرة!) ولا يحرك ذلك ساكناً؟ وها هي ذي مهزلة جديدة تدور فصولها في المحاكم العسكرية الاستثنائية لمحاكمة معتقلي جوانتانامو، ومع ذلك كله يتحدثون عن القيم وحقوق الإنسان. إنها آيات صارخات للتردي الإنساني والحضاري الذي وصلت إليه السجون في ظل القيم المادية النفعية التي تسود العالم المتأمرك. والحقيقة التي استقرت من خلال التجربة الطويلة للفلسطينيين: أن القمع والجبروت والظلم اليهودي لن يُغيّر من الاعتزاز بالدين والغيرة على الحرمات شيئاً؛ بل إن السجون تزيد من إصرارهم وثباتهم على الحق، وإيمانهم بموعود الله لهم بالنصر والتمكين، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] .

стр. 5049

السقوط المدوي في النجف التحرير بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد كشفت أحداث الأسابيع الأخيرة في العراق، عن حقائق جديدة على ساحة الصراع هناك، كان من أهمها، ذلك الانكشاف الشيعي محلياً وإقليمياً وعالمياً تجاه أحداث النجف؛ فمع أن تلك المدينة يعدها الشيعة مدينة (مقدسة) ، بل من أقدس أماكن العالم، ويخصونها بأنواع من العبادات والزيارات والطقوس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؛ فإن المراجع الدينية لتلك الطائفة، قد أبانت عن قدر غير قليل من عدم الأهلية لتحمل المسؤولية تجاه القضايا الكبيرة، عندما تلتهب المواجهة بشأنها، ويحمى الوطيس على أرضها. وبالرغم من تميز الطائفة الشيعية تاريخياً برفع شعارات الثورة، وإعلان حركات التمرد ضد ما يعدونه ظلماً مستمراً ضدهم، إلا أن هذه الشعارات والحركات قد تبخرت مؤخراً في سماء النجف مع أدخنة النيران الأمريكية، وبردت مع جثث القتلى التي ضحت بها القوات الأمريكية على عتبات النجف (المقدسة) . ولنا أن نتساءل هنا: أين شعارات الثورات الشيعية في كل من إيران، ولبنان، والعراق وغيرها عن إشعال الأرض تحت أرجل الأمريكيين إذا اقتربوا من الخطوط الشيعية الحمراء؟ وأين الكلام عن المنازلة الكبرى مع (الشيطان الأكبر) ؟ وأين التظاهرات التي كانت تطوف مدناً كثيرة ـ بما فيها مكة والمدينة ـ صارخة بهتاف (الموت لأمريكا ... الموت لإسرائيل) ؟ لقد سمعنا فقط، ومنذ أن أقبل الأمريكيون على غزو العراق، عن تسابق محموم لمساعدتهم على إنجاح ذلك الغزو، ثم تنافس أكثر حميمية على الاشتراك في ظل الاحتلال في مجالس ومقاعد الحكم. كل ذلك طمعاً في أن تؤول إليهم دفة القيادة على أرض العراق كلها، دون تضحيات أو تكاليف. إن الوصولية السياسية، والأنانية الطائفية، كانت السمة الأبرز لرموز التشيع في العراق إبان نكبته الأخيرة، ولم يكن هذا خاصاً بالمراجع والآيات ورجال الحوزات، بل امتد أيضاً إلى الزعامات الشيعية العلمانية، وعلى رأسها ذلك المغامر المقامر: أحمد الجلبي، الذي ضحى الأمريكيون به مؤخراً بعد أن ضحى هو بوطنه وقومه، كما فعل سلفه المأفون (ابن العلقمي) . وفي سبيل الرئاسة الدينية أو السلطة الدنيوية؛ هان على هؤلاء تراثهم الاعتقادي الذي تناقلوه عبر القرون، وبخاصة ما يتعلق بمدينة المقامات والكرامات والأضرحة والزيارات التي تقوم عليها الديانة الشيعية، التي تكاد تعد النجف قبلة ثانية، بعد أن عدت مسجدها بالفعل (حرماً مقدساً) . غير أن مدينة النجف ليست مدينة المقدسات فقط عندهم، بل هي أيضاً المدينة الزاخرة بالكنوز والنفائس التي لا تقدر بثمن، فما يطلق عليه الشيعة (المرقد الشريف) أو (الصحن الحيدري) أو (الحرم العلوي) الذي يُعتقد أن جثمان الصحابي الجليل علي ﵁ راقد فيه، يضم بداخله غرفة حصينة، تحتوى على كنوز هائلة من هدايا باهظة الأثمان، كانت تقدمها عبر العصور القديمة والحديثة أجيال من الزائرين، من الملوك والرؤساء والأمراء والأثرياء، الذين كان كل منهم يتباهى في هداياه لذلك الضريح، هذا عدا عن أكداس الأموال التي تقدم في شكل قربات وهبات ونذور، من ملايين (الحجاج) الشيعة، الذين يشدون الرحال إلى هذا القبر في مواسم متعددة. وهذا القبر في اعتقادهم هو قبر الإمام المعصوم الأول من أئمة الشيعة الاثني عشر، ولهذا فإن الشيعة الإثني عشرية، تحرص مرجعياتهم كلها على الاقتراب من مكان أو مكانة ذلك المرقد، لما يضفيه ذلك القرب من وجاهة ومهابة دينية ودنيوية تأسر أفئدة العوام. إن ما يسميه شيعة العالم بـ (النجف الأشرف) يضم إضافة إلى الصحن العلوي، أكبر مقبرة في العالم بعد مقبرة روما، وهم يطلقون على مقبرتهم تلك (وادي السلام) ، وهم يقولون أيضاً إن النجف مثوى نبيين عظيمين هما: صالح، وهود، ﵉، إضافة إلى العديد من الصحابة، ﵃ أجمعين. ولهذا فإن مدينة النجف هي مقر المرجعيات الدينية العليا لشيعة العالم الذين تقدرهم بعض الأوساط بـ (٣٠٠) مليون نسمة، وهو عدد مبالغ فيه إلى حد كبير. ونحن نذكِّر هنا بأن تقديس أماكن معينة، أو تقرير عبادات معينة بشأنها، أو الحكم لأفراد معينين من الأموات، والأحياء بمرتبة معينة من القربى في الدنيا أو الآخرة، كل ذلك من الأحكام الشرعية التي تفتقر إلى دليل صحيح صريح، وليس أمر ذلك موكولاً إلى أحد من البشر كائناً من كان بعد رسول الله ﷺ . أما الشيعة فقد تجاوزوا ذلك بمراحل، فعدوا هذا المكان (مقدساً) وهذه الروح (طاهرة) وذاك الرجل (حجة الله) وذاك الآخر (آية الله) ، وهؤلاء الناس (أولياء) عند الله، وأولئك الآخرين (أعداء) لآل بيت رسول الله ﷺ . وقد احتشدت هذه المعاني الباطلة كلها في مواقف الشيعة الاعتقادية من مدينة النجف، فأصبحت عندهم من أقدس مدن العالم. إننا ـ معاشرَ أهل السنة ـ نؤمن ـ قبل الشيعة وبعدهم ـ أن علياً ﵁ هو أعظم أصحاب رسول الله ﷺ منزلة عند الله بعد الشيخين وذي النورين ﵃ أجمعين؟ فهو ابن عم رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته، وهو أول من أسلم من الصبيان، وهو الخليفة الراشد الرابع، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ﵁ وعن بقية آل البيت والأصحاب أجمعين. إلا أن ذلك لا يعني أن نوافق الشيعة على اتخاذ قبره من بعده وثناً يُعبد؛ فإن هذا إن كان لأحد من البشر، لكان لرسول الله ﷺ ، إلا أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قال: «لا تتخذوا قبري عيداً» (١) ، وقال ﵊: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ـ يحذر ما صنعوا» (٢) ، ولقد خالف الشيعة في ذلك، فاتخذوا آلاف القبور مساجد، وعلى رأسها قبر علي ﵁ وأرضاه. إن علماء الشيعة الكبار، قد وجدوا أحد مغامريهم الصغار، وهو (مقتدى الصدر) يحاول أن يحوز تلك الحوزة دونهم، بل دون المرجعية الكبرى لشيعة العراق «آية الله» (علي السيستاني) ؛ فبعدما اشتهر عن تورط مقتدى الصدر في قتل أحد منافسيه على الحوزة الشيعية، وهو (عبد المجيد الخوئي) تبين أن من بين الذين قتلوا مع الخوئي (حيدر الكليدار) ابن عم رضوان الرفيعي، آخر سدنة «الصحن الحيدري» (٣) ، والذي كانت عناصر من أنصار مقتدى الصدر قد استولت منه على مفاتيح الضريح قبل عدة شهور، وقد بدأت شهرة الصدر تبرز إعلامياً، بُعيد اتهامه بقتل الخوئي؛ حيث طُلب للمحاكمة على ذلك، وأغلقت صحيفته التي سماها (الحوزة الناطقة) والتي أراد أن يجعلها رداً على ما يصفه بـ (الحوزة الصامتة) للمراجع التقليديين، ثم لم يلبث مقتدى الصدر أن سعى إلى تكوين ما أسماه (جيش المهدي) ليكون ذراعاً عسكرية له ـ كما توهم ـ ضد كل من يقف أمام طموحاته، وحاول أن يجعل من النجف القديمة ومن الضريح القائم بها، ومن المقبرة الكبرى فيها مراكز لنشاطه السياسي والعسكري؛ فكلما ضُيق عليه وعلى أفراد ميليشياته، لجأ هو إلى الصحن، ولجؤوا هم للقبور، فلاحقتهم القوات الأمريكية وقوات الحكومة العميلة فيها، وقد زاد هذا من سخط علماء الشيعة الآخرين عليه، لنقله المعركة إلى تلك الأماكن (المقدسة) لديهم. الذي يظهر أن الأمريكيين قد فهموا جيداً شخصية مقتدى الصدر، وأنه قليل التجربة، وخبروا أبعاد جيشه عديم الخبرة، فجعلوا منه ومن جنوده أحجاراً للعب، وبالونات للاختبار، بل ورقات يستفاد بها إعلامياً وانتخابياً كلما أراد بوش وفريقه المأزوم، تحقيق نصر غير مكلف، عسكرياً أو سياسياً أو إعلامياً. إن أحداث النجف الأخيرة قد كشف عن عدد من الحقائق المثيرة، المتعلقة بالعديد من الأطراف المشاركة فيما يمكن أن يسمى بـ (الاختبار المصيري) بـ (شيعة العالم) ، ونجمل أهم هذه الحقائق فيما يلي: أولاً: حدوث هروب جماعي أو شبه جماعي لرموز الشيعة من العراق أثناء أحداث النجف، يدل على نكوص واضح، تمثل في الضن على الأرض الأقدس عندهم، بأي نوع من التضحية والافتداء، فلأجل التشفي في الصدر وتياره، تركوا الأمريكيين يدكون المنازل ويحرقون القُرى والمساجد، دون أن تصدر عن غالبيتهم بيانات أو فتاوى تدين تلك الأعمال من المحتل، ودون أن يوجهوا أتباعهم بالمشاركة في الدفاع عن مدينتهم (المقدسة) ، وقد سوغ كثير من علماء الشيعة هروبهم من النجف أثناء الأزمة، بأنهم شعروا بالحرج من البقاء فيها وهي تُضرب وتُمتهن، مع أنهم لم يشعروا بالحرج عندما شارك كل من (حزب الدعوة الإسلامي) وما يسمى بـ (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) و (فيالق بدر) وغيرها من الأحزاب والفصائل الشيعية، في تسويغ وتسهيل عملية اجتياح الأمريكيين لأرض العراق كلها. وقد كشفت الأحداث أيضاً، أن تلك المرجعيات والزعامات، ليست لها (أجندة) سياسية واضحة، برغم تورطها في شؤون الساسة، بينما كانت الأطراف الأخرى تنفذ أجنداتها باستغلال مواقفهم المتواطئة مع قوى الاحتلال من جهة، والمناوئة لقوى المقاومة من جهة أخرى. ثانياً: تيار الصدر، تمدد في الفراغ الذي تركه أولئك الهاربون، فبينما فضل هؤلاء ممارسة الوصولية بطرق سياسية ودبلوماسية، حاول الصدر أن يجسد (أصولية) شيعية يرى الأمريكيون في ضربها وقهرها عزاءً وعوضاً عن العجز في ضرب ما يسمونه (الأصولية) السنية؛ فقد أبانت الأحداث الأخيرة عن خفة أحلام الرجل، وعن رهق في طموحاته، فتشكيله لما أسماه (جيش المهدي) من عوام الشارع الشيعي البسطاء، دفع بهؤلاء إلى مواجهات عسكرية لم يخبروها، ومنازلات لم يحسنوا التعامل معها بعد أقل من عام على تشكيل هذا (الجيش) ، فأصبحوا بسبب ذلك فرائس سهلة لكلاب الصيد الأمريكية، جلب خروجها باسم (المهدي) من المهانة والهوان أكثر مما حقق من نكاية في العدو أو تصدٍ للعدوان؛ فكيف ساغ لمقتدى الصدر أن يحول اسم (المهدي) إمام الفاتحين المنتصرين للدين في آخر الزمان إلى مهزلة سياسية، وأضحوكة عسكرية، وهو الذي ستسقط أمامه المدن وتفتح له البلدان في المشارق والمغارب، حتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل؟ لقد توعد مقتدى الصدر بأن يُخرج الأمريكيين من العراق بجيشه الموهوم، وقد كان بوسع مقتدى أن يكتسب مصداقية في دعوى المقاومة، مهما كانت ضعيفة وقليلة الفاعلية، لولا أنه أسقط تلك المصداقية باشتراكه من خلال عناصر جيشه، وباعتراف المتحدث باسمه (رائد الحائري) في التعاون مع قوات الحكومة المؤقتة في التصدي لما أسموه (الجماعات الإرهابية) السنية التي تناهض الاحتلال وحكومة الاحتلال، وهو ما جعل ذلك القيادي الصدري يتعجب من انقلاب الحكومة المؤقتة على التيار الصدري رغم ذلك التعاون. ثالثاً: تصدير الثورة إلى دول الجوار، كان شعار الثوريين الإيرانيين، نكاية في أمريكا أو (الشيطان الأكبر) كما سمتها الثورة الإيرانية، وقد كان العراق أول البلدان المرشحة للتثوير طوال العقدين الماضيين، ولكن عندما بسط هذا الشيطان الأكبر أجنحته على أرض العراق؛ وجد من الثوريين الإيرانيين من يجهز باحته ويهيئ ساحته لاستضافة طويلة، وقد كنا نظن أن ذلك لم يكن كذلك، إلا من باب الانتقام والثأر من عدو زعماء الشيعة اللدود (صدام حسين) ، ولكن تبين بعد سقوط النجف، واستيلاء الشيطان الأكبر على العتبات «المقدسة» أن «ثورة المستضعفين» قد رفعت يدها عن نصرة الضعفاء، ولو كانوا فقراء وضعفاء النجف، حتى إنها لم تأمر ولو (بمظاهرة) كتلك التي كانت تزعج الحجاج في مكة والمدينة، لتنادي بـ (البراءة من المشركين) ، والمناداة بـ (الموت لأمريكا) . رابعاً: سمعنا كثيراً عن صولات وبطولات ما يسمى بـ (حزب الله) اللبناني، وتوعد زعيم هذا الحزب بإحباط المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، ولكن المشروع الأمريكي الإسرائيلي الذي شارك الشيعة في نجاحه في العراق كله، لم يفلح حزب الشيعة اللبناني في تفسير تورطهم فيه، ثم جاء اجتياح النجف بعتباتها في ظل صمت الخطيب المصقع (نصر الله) ، ليشهد بأن صرخاته عن تحرير القدس، والجولان، ومزارع شبعا، ما هي إلا مفرقعات خطابية. لقد أظهرت مواقف ما يسمى بـ (حزب الله) أن السقوط الشيعي في النجف امتد من العراق وإيران، إلى سوريا ولبنان؛ حيث لم نسمع عن خطب عصماء ولا تظاهرات تحت رايات سوداء أو صفراء. خامساً: في ضوء كل ما سبق تبرز حقائق أخرى على الجانب الأمريكي، لعل من أهمها أن الأمريكان الذين جعلوا من الشيعة وغيرهم (حصان طروادة) لغزو كل من أفغانستان والعراق، يريدون اليوم أن يقتلوا هذا الحصان، أو ـ على الأقل ـ يحولوه إلى دابة أخرى لا تقوى على الحمل أو الجري، إلا بقدر ما يخدم المصالح الأمريكية؛ فإيران الآن في دائرة الاستهداف، عَلِمَ الآيات أو لم يعلموا؛ وكما لم تشفع مواقف التواطؤ مع عدوان الأمريكيين علي المسلمين السنة، فلن تشفع مواقف التباطؤ عن نصرة إخوانهم من الشيعة. إن حرص الإدارة الأمريكية على (تمطيط) وإطالة أمد الأزمة في النجف وغيرها من المدن الدينية الشيعية، لا نجد له تفسيراً إلا المزيد من الاستفزاز للإيرانيين، لاستدراجهم إلى مواقف سياسية، وربما عسكرية، يتم إيداعها في بنك الذرائع الأمريكية للمواجهة القادمة مع إيران؛ والأمريكيون يحاولون الاستفادة من ذلك مستقبلاً، ويستثمرونه الآن في تفريغ شعارات الثورة الإيرانية من مضمونها، عندما يُشهدون العالم على صمتها وهي ترى قبة الضريح الأول تتعرض للنيران، ومقابر الأولياء والأئمة تتعرض للقصف. لا شك أن الأمريكيين سيتعاملون مع الموقف الإيراني على أنه أصبح في غاية الضعف أو في غاية الخوف؛ فبينما هم يبالغون في استفزاز طهران، إذا بها تبالغ في تجاهل هذا الاستفزاز، وإذا كان هذا هو موقف زعيمة التشيع في العالم؛ فماذا يبقى للبقية؟ وهل نفعت مواقف النفعية والانتهازية والتَّقِيَّة في كَفِّ بأس (الشيطان الأكبر) عن شيعة العراق أو إيران أو لبنان فيما مضى، حتى تنفع في المستقبل؟ سادساً: المواقف التي أظهرتها الحكومة العراقية / الأمريكية المؤقتة، أثبتت صلاحيتها الكاملة للقيام بدور الأحذية الغليظة لقوات الاحتلال؛ فعلاوي الذي لا يكف عن التبشير بعراق الأمن والاستقرار، يستنكف ـ تبعاً للأمريكيين ـ عن مجرد الحوار مع تيار مقتدى الصدر ويلجأ ـ على الطريقة الأمريكية ـ إلى أسلوب (الحرب الاستباقية) ، حتى لا يضطر إلى تفاوض مع التيار الصدري، يعلم هو أن الصدريين سيسلمون في النهاية بكل شروطه وبنوده، كما يحدث في كل مرة. ولكن حرص الأمريكيين وحكومة علاوي معاً، على إحراز انتصارات رخيصة وسريعة، تعوض هزائمهم المنكرة والمتكررة في مناطق (المثلث السني) ، تجعلهم يبالغون في إطالة أمد هذه المعركة المسرحية مع مقتدى الصدر، الذي لا يمكننا أن نتصور عجز الإدارة الأمريكية أو الحكومة العراقية عن القبض بطريقة ما عليه وعلى زملائه إذا ما أرادوا، ولكنه اصطناع البطولات، للمتاجرة بها في إدارة الأزمات. وأخيراً: تجيء دروس النجف المؤسفة لتضيف أبعاداً أخرى لدروس الفلوجة المشرِّفة؛ فالفلوجة الخالية من العتبات والآيات ودعاوى المقدسات، لم تعرف إلا منهجية الجهاد الحق ضد عدو غاز محتل اتفق الجميع على وجوب التصدي له؛ فنازل مجاهدوها هذا العدو بما أنزله عن كراسي الفخار والاستكبار على المسلمين، وأعلموهم أن قدرة الله الكبير، أكبر من قدرة التحالف الدولي الحقير، الذي أغراه سفاؤه بالدخول إلى عرين الأسود، ليشاكسوا الجنود أولي البأس الشديد في عقر ديارهم، وقد خاب حلف الشيطان وخسر حزبه عندما أعلن حربه على الإسلام باسم الحرب على الإرهاب، مستعيناً بأولياء من الذين في قلوبهم مرض. إن خيبتهم وخسارتهم على أيدي المستقيمين على الشرع والسنة حتم لازم، واعتقاد جازم لا نشك في حصوله؛ لأن كل من يتحدى الإسلام إلى خسار وانحسار: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] .

стр. 5050

حكم تداول أسهم الشركات التي تقترض أو تودع بالربا (١ ـ ٢) خالد بن إبراهيم الدعيجي جاء في التقرير السنوي لنشاط سوق الأسهم السعودية ما نصه: «بلغت القيمة السوقية للأسهم المصدرة في نهاية عام ٢٠٠٣م (٥٨٩.٩٣) مليار ريال، وذلك بارتفاع نسبته (١١٠.١٤%) مقارنة مع ما كانت عليه في نهاية العام السابق ٢٠٠٢م عندما بلغت (٢٨٠.٧٣) مليار ريال. أما القيمة الإجمالية للأسهم المتداولة خلال عام ٢٠٠٣م فقد بلغت نحو (٥٩٦.٥) مليار ريال، مقابل (١٣٤) مليار ريال لنفس الفترة من العام السابق ٢٠٠٢م، محققة بذلك نسبة ارتفاع بلغت (٣٤٦%) . حكم تداول أسهم الشركات التي تقترض أو تودع بالربا جاء في التقرير السنوي لنشاط سوق الأسهم السعودية ما نصه: «بلغت القيمة السوقية للأسهم المصدرة في نهاية عام ٢٠٠٣م (٥٨٩.٩٣) مليار ريال، وذلك بارتفاع نسبته (١١٠.١٤%) مقارنة مع ما كانت عليه في نهاية العام السابق ٢٠٠٢م عندما بلغت (٢٨٠.٧٣) مليار ريال. أما القيمة الإجمالية للأسهم المتداولة خلال عام ٢٠٠٣م فقد بلغت نحو (٥٩٦.٥) مليار ريال، مقابل (١٣٤) مليار ريال لنفس الفترة من العام السابق ٢٠٠٢م، محققة بذلك نسبة ارتفاع بلغت (٣٤٦%) . أما إجمالي عدد الأسهم المتداولة خلال عام ٢٠٠٣م فقد بلغت نحو (٥.٦) مليار سهم مقابل (١.٧) مليار سهم لنفس الفترة من العام السابق ٢٠٠٢م، محققة بذلك نسبة ارتفاع مقدارها (٢٢١%) . أما إجمالي عدد الصفقات المنفذة خلال عام ٢٠٠٣م، فقد بلغ نحو (٣.٧٦) مليون صفقة مقابل (١.٠٣) مليون صفقة لنفس الفترة من عام ٢٠٠٢م محققة بذلك نسبة ارتفاع مقدارها (٢٤٦%) » (١) . تأمل معي أخي القارئ هذه الأرقام الخيالية، والقفزات الهائلة في نسب القيم السوقية وعدد الأسهم المتداولة والصفقات المبرمة، إنها لتدل على أن السوق المالية السعودية مقبلة على مزيد من الاستثمار في الأوراق المالية، وما زال الأمر في بداية الطريق، ومن المتوقع أن يتم افتتاح سوق «بورصة» سعودية يتم فيها إجراء عدد من العقود المالية المتنوعة، كما هو الحال في الأسواق العالمية. إن هذه الأرقام الناطقة في التقرير السابق تدعونا لقراءة قوائم المراكز المالية لهذه الشركات المتداولة أسهمها في السوق لمعرفة هل هذه الشركات قائمة على معاملات مباحة خالصة من المحرم، أما أنها تزاول المحرم في معاملاتها؟ وإن كانت الثانية فهل نسبة المحرم كثيرة أم قليلة؟ وما هو المحرم الذي تمارسه: هل هو الإيداع بفوائد، أم أنها تقترض بفوائد، أم أنها تستثمر جزءاً من أموالها في شركات محرمة؟ ومما يدعونا أيضاً لقراءة قوائم هذه الشركات الأسئلة الكثيرة التي ترد إلى طلبة العلم من قِبَل المساهمين مثل: - ما هي الشركات التي يباح المساهمة فيها؟ - كيف يمكن أن أتخلص من المحرم إذا كانت الشركة تتعامل بالمحرم؟ - أنا لا أستثمر بل أتاجر؛ فكيف أتخلص من المحرم؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير تدل دلالة واضحة على أن نسبة عظمى ممن يساهم في هذه الشركات يتوق إلى الحلال، ولا يريد أن يطعم من يعول الحرام. ولهذا قام الباحث بإجراء دراسة علمية لـ (١٦) شركة من شركات السوق السعودي، وكان الهدف من الدراسة معرفة المعاملات المالية المحرمة التي تجريها الشركات، وقد نشرت هذه الدراسة في موقع الإسلام اليوم، وقد خلص الباحث إلى ما يلي: أن الشركات المساهمة تنقسم من حيث طبيعة عملها: هل هو مباح أو حرام؟ إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما كان عملها مباحاً بالكامل، أي لا تزاول أي عمل محرم، وهذا مثل البنوك الإسلامية الجادة في أسلمة معاملاتها، وبعض الشركات؛ إذ توفرت الشروط السابق ذكرها أثناء دراسة قوائم هذه الشركات. القسم الثاني: ما كان عملها محرماً بالكامل أو بالأغلب، وهذه مثل البنوك الربوية. القسم الثالث: ما كان عملها في الأصل مباحاً، ولكنها تتعامل بالمحرم من إيداع بفوائد أو تقترض وتقرض بفوائد، أو تستثمر أموالها بمعاملات محرمة قطعاً كالسندات، وهذا القسم يمثل أكثر شركات السوق، وهذه الشركات تتفاوت فيما بينها ما بين مقل ومكثر في تعاملها بالمحرم. فما حكم هذه الأنواع الثلاثة من الشركات؟ أما النوع الأول فلا إشكال في إباحته. والنوع الثاني كذلك لا إشكال في حرمته. وأما النوع الثالث فقد اختلف فيه العلماء المعاصرون على أربعة أقوال: القول الأول: الجواز بشروط. القول الثاني: الجواز في شركات القطاع العام والتحريم في غيرها. القول الثالث: أن ذلك يرجع إلى نية المساهم؛ فإن كان بقصد المتاجرة فإنه يجوز مطلقاً، وإن كان بقصد الاستثمار فيحرم. القول الرابع: التحريم مطلقاً. وقبل أن نذكر هذه الأقوال وأدلتها بالتفصيل يحسن بنا ذكر توطئة كمدخل لهذه المسألة النازلة: ü توطئة: نشاط الشركة ـ كما سبق بيانه ـ لا يخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يكون جميع نشاط الشركة محرماً: والمقصود بهذه الحال أن يكون جل نشاط الشركة المساهمة في أمور محرمة. ويدخل في هذه الحال: ١ - الشركات التي تتاجر بالخمور أو المخدرات أو القمار. ٢ - المصارف الربوية بشتى أنواعها؛ لأن جل نشاطها في التمويل بفائدة. ٣ - شركات التأمين التجاري. ٤ - شركات الإعلام الهابط، أو الإعلام المحارب للعقائد والمبادئ الإسلامية. «ولا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات أو المتاجرة بها» (١) ؛ لأن من شرط صحة البيع أن يكون المبيع مباحاً، وهذه الأسهم محرمة. الحال الثانية: أن يكون جميع نشاط الشركة مباحاً: وهي الشركات التي تقع كل عملياتها في دائرة الحلال؛ حيث يكون رأس المال حلالاً، وتتعامل في الأنشطة المباحة، وينص نظامها وعقدها التأسيسي على أنها تتعامل في حدود الحلال، ولا تتعامل بالربا إقراضاً أو اقتراضاً، ولا تتضمن امتيازاً خاصاً أو ضماناً مالياً لبعض دون بعض. فهذا النوع من أسهم الشركات ـ مهما كانت تجارية أو صناعية أو زراعية ـ لا خلاف في جواز إنشائها والاكتتاب بها وبيعها وشرائها. ويمكن أن نمثل لهذا النوع بالمصارف الإسلامية التي ثبتت جديتها في أسلمة أعمالها المصرفية كلها. الحال الثالثة: أن يكون أصل نشاط الشركة مباحاً، ولكن تتعامل ببعض الأنشطة المحرمة: ويقصد بها تلك الشركات التي لا يغلب على استثماراتها أنها في أمور محرمة، وإنما تنتج سلعاً وخدمات مشروعة، ولكن وجودها في بيئة رأسمالية قد يؤدي إلى أن تمول عملياتها عن طريق الاقتراض الربوي أو توظف سيولتها الفائضة توظيفاً ربوياً قصير الأجل. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء المعاصرون اختلافاً كبيراً، وقبل أن نبدأ في ذكر الأقوال في هذا النوع من الشركات يحسن بنا أن نحرر محل النزاع في هذه المسألة: ü تحرير محل النزاع: لا خلاف بين العلماء المعاصرين على الأمور التالية: ١ - أن المساهمةَ في الشركات التي يغلب عليها المتاجرة بالأنشطة المحرمة محرمةٌ، ولا تجوز لما فيها من الإعانة على الإثم والعدوان. ٢ - وأن من يباشر إجراء العقود المحرمة بالشركة ـ كأعضاء مجلس الإدارة الراضين بذلك ـ يكون عملهم محرماً، قلّت نسبة الحرام في الشركة أم كثرت. ٣ - وأن الاشتراك في تأسيس شركات يكون من خطة عملها أن تتعامل في جملة معاملاتها بالعقود المحرمة، أو كان منصوصاً في نظامها على جواز ذلك؛ فإن هذا الاشتراك محرم. ٤ - وأن المساهم لا يجوز له بأي حال من الأحوال أن يدخل في ماله كسب الجزء المحرم من السهم، بل يجب عليه إخراجه والتخلص منه، حتى على القول بجواز مساهمته. واختلفوا في حكم المساهمة في الشركات المشروعة من حيث الأصل، لكنها تتعامل في بعض معاملاتها بالأنشطة المحرمة، أو تقترض أو تودع بالفوائد على أربعة أقوال: القول الأول: الجواز. وممن ذهب إلى هذا القول: الهيئة الشرعية لشركة الراجحي (١) ، والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني (٢) ، والمستشار الشرعي لدلة البركه (٣) ، وندوة البركة السادسة (٤) ، وعدد من العلماء المعاصرين (٥) . وقد اشترط أصحاب هذا القول شروطاً إذا توفرت جاز تداول أسهم هذا النوع من الشركات، وإذا تخلف منها شرط لم يجز، ومنها: ما جاء في قرار الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية رقم (٤٨٥) : «يجب أن يراعى في الاستثمار والمتاجرة في أسهم هذا النوع من الشركات المساهمة الضوابط الآتية: ١ - إن جواز التعامل بأسهم تلك الشركات مقيد بالحاجة، فإذا وجدت شركات مساهمة تلتزم اجتناب التعامل بالربا وتسد الحاجة فيجب الاكتفاء بها عن غيرها ممن لا يلتزم بذلك. ٢ - ألا يتجاوز إجمالي المبلغ المقترض بالربا سواء أكان قرضاً طويل الأجل أم قرضاً قصير الأجل (٢٥%) من إجمالي موجودات الشركة؛ علماً أن الاقتراض بالربا حرام مهما كان مبلغه. ٣ - ألا يتجاوز مقدار الإيراد الناتج من عنصر محرم (٥%) من إجمالي إيراد الشركة سواء أكان هذا الإيراد ناتجاً عن الاستثمار بفائدة ربوية، أم عن ممارسة نشاط محرم، أم عن تملك المحرم أم عن غير ذلك. وإذا لم يتم الإفصاح عن بعض الإيرادات فيجتهد في معرفتها، ويراعى في ذلك جانب الاحتياط. ٤ - ألا يتجاوز إجمالي حجم العنصر المحرم ـ استثماراً كان أو تملكاً لمحرم ـ نسبة (١٥%) من إجمالي موجودات الشركة. والهيئة توضح أن ما ورد من تحديد للنسب في هذا القرار مبني على الاجتهاد، وهو قابل لإعادة النظر حسب الاقتضاء» . وذهبت الهيئة الشرعية لدلة البركة إلى التفريق بين الأنشطة المحرمة التي تزاولها الشركة: فإن كان أصل نشاطها مباحاً، ولكنها تتعامل بجزء من رأس مالها مثلاً بتجارة الخمور، أو إدارة صالات القمار، ونحوها من الأنشطة المحرمة، فلا يجوز تملك أسهمها ولا تداولها ببيع أو شراء. أما إن كانت تودع أموالها في البنوك الربوية، وتأخذ على ذلك فوائد، أو أنها تقترض من البنوك الربوية، مهما كان الدافع للاقتراض؛ فإنه في هذه الحالة يجوز تملك أسهمها بشرط احتساب النسبة الربوية وصرفها في أوجه الخير (٦) . واتفق المجيزون على أنه يجب على المساهم في هذه الحال أن يتحرى مقدار ما دخل على عائدات أسهمه من الإيرادات المحرمة، وذلك من واقع القوائم المالية للشركة، فيتخلص منها بتوزيعها على أوجه البر، دون أن ينتفع بها أي منفعة، ولا أن يحتسبها من زكاته، ولا يعتبرها صدقة من حُرّ ماله، ولا أن يدفع بها ضريبة حكومية، ولو كانت من الضرائب الظالمة؛ لأن كل ذلك انتفاع بذلك العنصر الحرام من عائدات أسهمه (١) . ويمكن أن يستدل لهم بالأدلة الآتية (٢) : الدليل الأول: ما روى زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ «رخص في العرايا: أن تباع بخرصها كيلاً» متفق عليه (٣) . وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة، كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعاماً، نهى عن ذلك كله» متفق عليه (٤) . ثم إنه ثبت عنه ﷺ أنه رخص في العرايا يبتاعها أهلها بخَرْصها تمراً، فيجوز ابتياع الربوي هنا بخرصه، وأقام الخَرْصَ عند الحاجة مقام الكيل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من نوع ربا، أو مخاطرة فيها ضرر أباحها لهم في العرايا للحاجة؛ لأن ضرر المنع من ذلك أشد» (٥) . وقال أيضاً: «ويلحق بالعرايا ما كان في معناها؛ لعموم الحاجة إلى ذلك» (٦) . وقال أيضاً: «يجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها، كما يجوز بيع العرايا خرصاً بالتمر» (٧) . وعليه: «فإن الشركات المساهمة التي ظهرت في العصور الحديثة نتيجة لتطور الحياة المعاصرة ومنجزاتها العلمية، وظروفها الاقتصادية، وتأمين المرافق الكبرى كالكهرباء وشبكات المياه والهاتف والنقل، واستثمار الثروات الطبيعية المختلفة على النطاق المجدي اقتصادياً، كل ذلك يجعل تأسيس الشركات المساهمة حاجة حيوية عامة. وهذا يستلزم جواز تأسيس هذا النوع من الشركات التي أصل نشاطها حلال لكن تتعامل بالربا للحاجة العامة، فيصبح امتلاك أسهمها للاستثمار وأخذ أرباحها حاجة عامة أيضاً، ولا سيما بالنسبة إلى صغار المدخرين وأموال الأيتام والأرامل وسائر العاجزين عن استثمار ما لديهم من وفر ولا يكفي ما لديهم لمشروع تجاري، أو شراء عقار واستغلاله» (٨) . وقال الشيخ ابن منيع ـ حفظه الله ـ: «إن حاجة الناس تقتضي الإسهام في هذه الشركات الاستثمارية لاستثمار مدخراتهم فيما لا يستطيعون الاستقلال بالاستثمار فيه، كما أن حاجة الدولة تقتضي توجيه الثروة الشعبية إلى استخدامها فيما يعود على البلاد والعباد بالرفاهية والرخاء» (٩) . وعليه تقاس مسألة الإسهام بشركات تتعامل بالربا بشرط أن يكون أصل تعاملها بالحلال، على مسألة العرايا، كما قال شيخ الإسلام: «ويلحق بالعرايا ما كان في معناها لعموم الحاجة إلى ذلك» (١٠) . ولهذا يرى هؤلاء العلماء: أن الإسهام في هذه الشركات يلبي حاجة عامة للأمة، دولة وأفراداً؛ فتنزل منزلة الضرورة الخاصة، فيجوز الإسهام فيها وإن كانت تتعامل بالربا إيداعاً واقتراضا (١١) . ويناقش هذا الاستدلال بما يلي: أولاً: أن قياس هذه الشركات على مسألة العرايا قياس مع الفارق من وجهين: الوجه الأول: أن الربا الذي تقوم به هذه الشركات هو من ربا الديون وهو ربا الجاهلية الذي نز ل القرآن بتحريمه؛ فهو محرم تحريم مقاصد؛ فلا يباح بحال إلا عند الضرورة المؤدية للهلاك كالمضطر لأكل الميتة، وأما الربا الذي في العرايا فهو من ربا الفضل، وهذا تحريمه تحريم وسائل، فيباح عند الحاجة (١٢) . الوجه الثاني: أن أصل القياس على الرخص أمر مختلف فيه؛ فالحنابلة والحنفية وقول لدى المالكية لا يرون القياس على الرخص، ولهذا لم يقيسوا على ثمر النخل غيره، فاقتصروا على مورد النص، ولم يروا اطِّراد الحكم في الزبيب والزرع (١٣) . ثانياً: وأما دعوى أن الإسهام في هذا النوع من الشركات يجوز من باب أنها من الحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة الخاصة، فلا يسلم بذلك لما يلي: ١ - أنها لم تتعين طريقاً للكسب؛ إذ يوجد طرق أخرى من الكسب المشروع الحلال تغني عنها، ومن ادعى أن الحرام عم الأرض بحيث لا يوجد طريق للكسب المشروع يغني عن المشبوه فعليه الدليل (١) . ٢ - وعلى فرض وجود الحاجة؛ فإن من شروطها التي توجب تدابير استثنائية من الأحكام العامة أن تكون عامة لجميع الأمة، وليست هناك حاجة لعموم الأمة لأسهم الشركات التي تتعامل بالربا، ونسبة المستثمرين في الأسهم من عامة الناس أقل بكثير من غير المستثمرين بها. ٣ - وإن من شروط اعتبار الحاجة أن لا تصادم نصاً، وهذا الشرط منتفٍ هنا؛ إذ إن النصوص متوافرة على تحريم الربا قليله وكثيره (٢) . ٤ - وإن من شروط تنزيل الحاجة العامة منزلة الضرورة الخاصة أن يقطع بارتفاع الحاجة بارتكاب المحظور، وفي الاستثمار بالأسهم قد يسهم الفرد في شركة تتعامل بالربا فيخسر فتزداد حاجته، أو لا يربح فتبقى حاجته (٣) . ٥ - وإن من شروط تنزيل الحاجة العامة منزلة الضرورة الخاصة أن تقدر الحاجة بقدرها؛ فإذا كانت الضرورة تقدر بقدرها؛ فما بالك بالحاجة التي هي أدنى من الضرورة؟ فهل يسوغ القول بأن تتعدى قدرها إلى أن نجعلها تشريعاً عاماً؟ (٤) . ٦ - ولو صح العمل بمقتضى قاعدة الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة للزم من ذلك القول جواز الاستثمار في السندات دفعاً للضرورة (٥) . ٧ - وأيضاً للزم من ذلك فتح باب المحرمات بحجة الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة؛ فهذه القاعدة قد تصبح محل استغلال، بل حجة في الخروج من الحرمة إلى الإباحة لدى كثير من المتفقهين المسايرين للتيارات المعاصرة؛ فالاستناد إليها في تحليل المحرم دائماً مع وجود بدائل وحلول شرعية أخرى يمكن الأخذ بها ليس من قبيل الرجوع إلى التشريع المقرر، بل يكاد يكون نابعاً من اتباع الهوى وإرضاء النفوس المريضة، والانقياد مع نزوات النفس. ٨ - وأخيراً: لو فرضنا أن الاستثمار في الأسهم يحقق حاجة ومصلحة للبلد؛ فما القول في الاستثمار في الأسهم العالمية؟ والتي أصبحت تفوق في نفوذها وسيطرتها سوق الأسهم المحلية؟ «ويكفي أن نعرف أن استثمارات الصناديق في الأسهم المحلية في عام ١٩٩٨م لم تتجاوز (١,٣) مليار ريال، وهي لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من حجم السوق الذي بلغ في العام ذاته (٢٤,٣٨) مليار ريال، في حين بلغت استثمارات الصناديق في الأسواق العالمية (٩,٨) مليار ريال، ولغة الأرقام هذه تعطي دلالة واضحة على التدفقات الضخمة الخارجة من البلد والتي تنعم بها الشركات الأجنبية، وتصنع بها الرفاهية في بلادها، كل ذلك تسوِّق له الصناديق متذرعةً بأنها لا تساهم في شركات الخمور والقمار وغير ذلك؛ فهل يكفي ذلك لاستباحة الفوائد بحجة أنها تحقق حاجة ملحة للبلد؟» (٦) . الدليل الثاني: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من ابتاع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع» متفق عليه (٧) . وجه الاستدلال: أن الحديث دل على جواز بيع العبد مع ماله بثمن نقدي دون مراعاة لشروط الصرف؛ لأن المال الذي مع العبد تابع لا مقصود. وعلى ذلك: «فهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعاً، وليست أصلاً مقصوداً بالتملك والتصرف» (٨) . ومن هذا الحديث أخذ العلماء قاعدة عامة وهي: «يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً» . ولهذه القاعدة تطبيقات متعددة منها: جواز بيع الحامل، والدار مع الجهل بأساسات الحيطان وغير ذلك (٩) . «فيمكن اعتبار بيع سهم ـ من هذا النوع ـ من جزئيات هذه القاعدة» (١٠) . نوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الحديث ورد في مسألة منصوص أو مجمع على حرمتها استقلالاً وجوازها تبعاً، وهذا بخلاف ما معنا؛ فإن المحتج بهذا الدليل يريد أنه إذا حرم استقلالاً يجوز الاجتهاد في حله تبعاً، وليس هذا الذي عناه الفقهاء من الحديث، لا سيما في باب الربا المقطوع بتحريمه وضرره (١١) . الوجه الثاني: بأن التبع الذي يغتفر مما كان أصله المنع يشترط فيه أن يكون غير مقصود، أما هنا فإن الإيداع أو الاقتراض بفوائد مقصود في عمل الشركة، ولذا تلحظ إصرار المجالس الإدارية للشركات على هذا العمل مع علمهم بتحريمه (١) . الوجه الثالث: أن قياس تملك الأسهم على تملك العبد ونحوه قياس مع الفارق؛ فإن المحظور في تملك العبد هو في البيع نفسه لا في العبد، بينما في السهم يظل التحريم ملازماً لملكية السهم حتى بعد العقد، فتعاطي العقود المحرمة سيظل باقياً حتى بعد امتلاك السهم، ويد المساهم هي يد شريك؛ فكون الشركة أكثر أعمالها مباحة لا يبيح لها ممارسة قليل الحرام، ولهذا لم يجوِّز أهل العلم - القائلون بجواز بيع العبد بماله ـ أن يستثمر الشريك ماله بأمور محرمة ولو كانت يسيرة غير مقصودة (٢) . ونوقش استدلالهم بقاعدة (يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً) بما يلي: أولاً: أن هذه القاعدة معارَضة بأدلة وقواعد قد تكون أقوى منها دلالة في هذا الباب؛ فمن ذلك: ١ - ما ثبت في مسلم من حديث فضالة بن عبيد ﵁ أنه قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً، فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «لا تباع حتى تُفَصَّلَ» (٣) . فلم يتساهل النبي ﷺ في التابع الذي مع الربوي، مما يبين أن الربا قليله وكثيره حرام بخلاف غيره من المحظورات كالغرر ونحوه؛ فقد يتسامح في قليلها. ٢ - قاعدة: «إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام» . ٣ - قاعدة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» . ثانياً: أن القواعد الفقهية ليست من الأدلة الشرعية المتفق عليها أو المختلف فيها التي نص عليها علماء الفقه والأصول، فلا يصح الاحتجاج بها (٤) . الدليل الثالث: الاستدلال بقاعدة: «اختلاط الجزء المحرم بالكثير المباح لا يصيِّر المجموع حراماً» . وقاعدة: «للأكثر حكم الكل» . ومفاد هاتين القاعدتين أن اليسير المحرم إذا كان مغموراً في الكثير المباح فإنه لا يؤثر في صحة التصرفات الشرعية من بيع وشراء وإجارة وغير ذلك. والأصل في ذلك أن النبي ﷺ كان يعامل اليهود بيعاً وشراءً ورهناً وقرضاً مع أن الله وصفهم بأكل السحت والربا وأكل أموال الناس بالباطل. وقد ذكر العلماء لهاتين القاعدتين تطبيقات متعددة في أبواب الطهارة، والعبادات، والمعاملات والصيد والأطعمة واللباس كالحرير، وغيرها (٥) ؛ فمن ذلك: ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: «الحرام إذا اختلط بالحلال فهذا نوعان: أحدهما: أن يكون محرَّماً لعينه كالميتة، فإذا اشتبه المُذكّى بالميتة حُرِّما جميعاً. الثاني: ما حرم لكونه غصباً، والمقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر؛ فهذا إذا اشتبه واختلط بغيره لم يحرم الجميع، بل يميز قدر هذا من قدر هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه وهذا إلى مستحقه» (٦) . وسئل عن معاملة من كان غالب أموالهم حراماً، فقال: «إذا كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة، وإن كان الحرام هو الأغلب، قيل بحل المعاملة، وقيل: بل هي محرمة. فأما المتعامل بالربا فالغالب على ماله الحلال، إلا أن يعرف الكره من وجه آخر، وذلك أنه إذا باع ألفاً بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط» (٧) . وبناءً على ذلك فإن «جزءاً يسيراً من أسهم الشركات التي هي موضوع بحثنا من هذا النوع حرام، والباقي منها وهو الكثير مباح» (٨) . أي فيكون الحكم للأكثر وهو المباح. ونوقش هذا الاستدلال من خمسة أوجه: الوجه الأول: لا يُسلّم بأن نسبة الربا في هذه الشركات قليلة جداً، لما يلي (٩) : ١ - ما توصل إليه الباحث من خلال دراسته لبعض الشركات في السوق من أن نسبة التعامل بالمحرم وصلت إلى ٥٢% (١٠) . ٢ - أنه من الصعب إيجاد ضابط لذلك؛ فقد ترتفع نسبة الربا في سنة، وقد تهبط في أخرى، وما دامت الشركة لا تتورع عن الربا فإن نسبة تورطها فيه تخضع لمعايير تجارية ونظريات اقتصادية. ٣ - أن الشركات حديثة التأسيس التي لم تزاول نشاطها بعد قد ثبت من خلال الرجوع إلى ميزانياتها أنها تستثمر رأس مالها في الربا حتى يحين وقت توظيفه في مشروعها الأساسي، بل إن بعض هذه الشركات قد توزع أرباحاً للمساهمين وهي لم تزاول نشاطها بعد، وهذا يدل على أنها استخدمت أكثر رأس مالها في الربا. ٤ - أن نظام الشركات يفرض على الشركات المساهمة أن تخصص جزءاً من ربحها سنوياً ليكون احتياطياً لها، وهذه النسبة تختلف باختلاف الأنظمة؛ ففي نظام الشركات السعودي تنص (م ١٥) منه على ما يلي: «تجنيب مجلس الإدارة كل سنة ١٠% من الأرباح الصافية لتكوين احتياطي يسمى الاحتياطي النظامي، ويجوز أن تقرر الجمعية العامة العادية وقف هذا التجنيب متى بلغ الاحتياطي المذكور نصف رأس المال» . وعلى هذا فإن هذه الشركات المساهمة التي لا تتورع عن الربا لو التزمت حرفية النظام فجنبت الاحتياطي لدى أحد المصارف، وأخذت عليه فائدة لأصبحت تستثمر ثلث مالها تقريباً في الربا وهي نسبة لا يستهان بها. الوجه الثاني: أن قياس المشاركة في شركات تتعامل بالربا على معاملة من اختلط ماله الحرام بالحلال قياس مع الفارق (١) . ويظهر الفرق في ثلاثة أمور: ١ - أن معاملة من اختلط ماله بالحرام تُحمل على الجزء المباح من ماله؛ حملاً لتصرفات المسلمين على الصحة. أما المشاركة في شركات تتعامل بالربا فلا يمكن تصحيح الجزء المحرم؛ لأن المال المستثمر بالربا هو عين مال الإنسان؛ فلو ثبت أن النبي ﷺ - وحاشاه من ذلك ـ وضع أموالاً عند اليهود لاستثمارها بطريق المشاركة، أو أن أحداً من أهل العلم استعمل القاعدتين في باب المشاركة كما في البيع لكان حجة في ذلك، ولكن كل ذلك لم يكن، بل جاء عنهم ما يفيد المنع كما سيأتي. ٢ - أنه لو صح هذا القياس ـ أي قياس الشركة على المعاوضة ـ لجاز للإنسان أن يستثمر أمواله في الشركات ذات الأغراض المحرمة، قياساً على جواز المعاملة معها بالبيع والشراء، وهو أمر ممنوع بالاتفاق. ٣ - أن مشاركة من يتعامل بالربا فيها معنى الإعانة على الإثم، بخلاف التعامل معه بيعاً وشراءً واستئجاراً ونحو ذلك، فإن المشتري أو المستأجر يأخذ من المرابي ما يقابل عوضه المبذول. الوجه الثالث: أن هاتين القاعدتين مردودتان بقاعدة: «إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام» ، وقاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» . الوجه الرابع: أن إعطاء الكل حكم الأكثر ليس على إطلاقه؛ فالشراب المسكر محرم وإن كانت الخمرة التي فيه أقل من الماء، والنجاسة إذا غيرت لون الماء أو ريحه تنجس ولو كانت قليلة (٢) . الوجه الخامس: وما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية من جواز معاملة من اختلط ماله بالحرام لا يصح الاستشهاد به هنا لأمور: ١ - أن هذه النقول هي في حالة الاشتباه، والحالة التي نناقشها ليس فيها اشتباه، وإنما فيها علم وإقدام على شراء أسهم فيها حرام (٣) . ٢ - ما ذكره شيخ الإسلام وغيره عن المحرم لكسبه إنما هو فيما إذا جاء الغاصب ونحوه بمال حرام فضمه إلى ماله الحلال وخلطه، فإن هذا الخلط لا يحرم ماله الحلال لا أن العقد الفاسد ـ كما في موضوعنا ـ يكون صحيحاً؛ فهو لم يحكم بتصحيح الغصب، ولا ذلك العقد الفاسد. وحينئذٍ إذا أراد الخلاص من الحرام يميز كلاً منهما عن الآخر، فيصرف كلاً منهما إلى مستحقه؛ فالمغصوب إلى المغصوب منه، والحلال يبقى عنده. وهذا الحكم متفق عليه؛ فلا يُحكم بحرمة جميع مال المساهم الذي اشترك في الشركة معتقداً أنها لا تودع ولا تقرض بفوائد ربوية، ثم يتبين له مستقبلاً أنها تفعل ذلك، وإنما يقدر نصيب أسهمه من الفوائد الربوية ويخرجها منه، أو من ربحها؛ لأنها محرمة عليه، والباقي حلال له، لكن نقول: إن المساهم الذي يعلم أن الشركة تأخذ وتعطي فوائد ربوية يحرم عليه البقاء فيها، كالغاصب أو المتعامل بعقد فاسد يحرم عليه الاستمرار فيه؛ فهذا هو مراد أهل العلم فيما نقل عنهم (٤) . ٣ - أن في معاملة من في ماله حلال وحرام لا يجزم المتعامل معه بالبيع والشراء والاستئجار ونحو ذلك أن نصيبه وقع في الحرام قطعاً، بخلاف المساهم في الشركات التي تتعامل بالربا؛ فإنه بتملكه أسهماً في الشركة سيسهم قطعاً مع الشركاء فيما سيستقبلونه من أعمال تالية لتملك السهم؛ فإذا كانت هذه الأعمال محرمة؛ فبأي وجه يمكن تجويزها، ومن المعلوم أن السهم حصة شائعة في الشركة بجميع ما تشتمل عليه من أصول ثابتة أو منقولة أو حقوق أو أرباح ملوثة أو غير ذلك، ولا يمكن تمييز حصته عما عداه من الشركاء (٥) . ٤ - على أنه قد ورد عن بعض السلف تحريم التعامل مع المرابي ونحوه، فقد سئل الإمام أحمد عن الذي يعامل بالربا، يؤكل عنده؟ قال: لا، «قد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله» (٦) ، وقد أمر النبي ﷺ بالوقوف عند الشبهة (٧) ا. هـ. وللمقال بقية في العدد القادم

стр. 5051

مشاهدات داعية في اليابان سيف الله بلوشي توجد في اليابان في العصر الحالي ديانتان رئيستان هما: البوذية، والشنتوية. وكان دخولهما منذ القرن السادس عام ٥٣٨م. كما أن البلاط الإمبراطوري له تأثير كبير على الشعب، ويحضرنا هنا ما قام به الإمبراطور الياباني قديماً حوالي ١٩٠٧م عندما طلب من المسلمين إرسال معلمين إلى اليابان ليعرفوا شعبه عن الإسلام، فذهب بعض الدعاة من باكستان، وأسلم على أيديهم آلاف اليابانيين. ولكن بعد ذلك ضاعت ديانتهم لعدم وجود الرعاية الكافية لهم من قِبَل المسلمين. وكانت قوى المسيحية والبوذية قد حاولت أن تثني عزم الإمبراطور هذا عن رأيه، لكنها لم تفلح تماماً. وإضافة إلى هذا ظهرت أديان كثيرة جداً شبيهة بالبوذية من حيث المبدأ في اليابان. مثلاً وجدت ديانة منذ حوالي ٧٠ عاماً، ومؤسسها رجل عسكري؛ فعندما انهزمت اليابان في الحرب العالمية لجأ هذا العسكري إلى الجبال، ولم ينتحر مثل زملائه، وأسس ديناً جديداً، وأصبح له أتباع كثيرون، وأمثاله كثير يكادون يصلون إلى الآلاف، ولهم أتباع وميزانيات كميزانية الدولة، ونذكر هنا قصة عجيبة حدثت معنا أثناء قيامنا بالدعوة. مرة كنا خارجين من محطة القطار، فوجدنا امرأة عجوزاً يابانية تقرأ من كتاب، وتصيح وتنادي إلى مذهبها، وتحدثنا معها، فقالت: كل هؤلاء الناس الذين ترونهم بمئات الألوف ـ كل هؤلاء ـ من أولاد الشياطين إذا دخلوا في ديني فإنهم يصبحون أولاد الرب «كهامي ساما» ، فطلبنا منها أن توضح لنا منهج دينها، فقالت: تعالوا معي إلى مركزنا! فذهبنا مشياً على الأقدام حوالي ساعة كاملة، فوصلنا إلى عمارة مبناها كله من الزجاج، فدخلنا معها، وصعدنا المصعد، وفي الدور الثالث استقبلنا رجال ونساء يابانيون، ورحبوا بنا ترحيباً حاراً، فجلسنا معهم في المقاعد الخاصة بهم، وقالوا: مرحباً بكم في ديننا الجديد، فقلنا لهم: نحن لم ندخل في دينكم. فبدؤوا يقدمون لنا صور أشخاص اعتنقوا دينهم، منهم أفارقة، وكثير من اليابانيين، فقالوا: مِنْ هؤلاء من كانوا مرضى نفسياً وجسمياً، وأرونا الجروح التي كانت في أجسادهم، فعندما دخلوا دينهم تعافَوْا تماماً بفضل دينهم هذا. فطلبنا منهم أن يأخذونا إلى المسؤول الأول عندهم، أو إلى مؤسس هذا الدين فقالوا: مؤسس هذا الدين، هو رجل عسكري برتبة جنرال في الحرب العالمية الثانية؛ عندما ألقت أمريكا القنبلة الذرية على هيروشيما، ومات الكثير منهم، ومنهم من نجا أو انتحر، وورَّث ابنته قيادة مذهبه، وهي تأتي إليهم مرة في الشهر، ولا نستطيع مقابلتها إلا بدفع تذكرة بالفلوس لنراها، فطلبنا مقابلة المسؤول الثاني، فقالوا: هو لا يستطيع مقابلتكم لكثرة انشغاله بالأعمال الدينية وهو في المركز الرئيسي. فطلبنا مقابلة المسؤول عندهم في عمارتهم تلك، فجلسنا، وطلبت منهم أن يروني طريقتهم في علاج المرضى؛ حيث كنت مصاباً في رجلي أثر حادث، فقلت: «هل تروني علاجكم؟ فقالوا: أغمض عينيك فأغمضت عيني، فبدأ يقرأ قراءته، وبدأت أنا أقرأ في نفسي المعوذتين؛ حتى لا أصاب بشيء مما يقول، فعندما انتهى سألني ماذا كنت تتمتم؟ فقلت: شيء من ديني الإسلام. وكان هناك حوالي العشرات من أتباعهم، فقالوا: أنت لا تتأثر أبداً إلا إذا التزمت الصمت عندما نقرأ عليك. فقلت: لا أستطيع ذلك، ولقد سمعت منكم؛ فالآن أريدكم أن تسمعوا مني؛ فأنا أعرض عليكم ديني الإسلام، وإني أراكم في حاجة إلى دين الفطرة الذي ينقصكم، فاصمتوا، واسمعوا ما سأقرؤه عليكم! فبدأت اقرأ سورة من القرآن حتى ختمتها، وكانت سورة طويلة استمرت القراءة نصف ساعة، وهم يستمعون إليّ في صمت؛ فعندما انتهيت رأيت أعينهم تفيض من الدمع وفيها دهشة عجيبة، فبعضهم طلب المزيد من القراءة؛ لأنهم أحسوا بتغيير في نفوسهم ووجدوا راحة، وأعطوني عناوينهم لأتواصل معهم، واسْمِعُهم من تلك القراءة، وبعد فترة سمعت أن بعضاً منهم دخل في الإسلام، أو أتوا إلى الحج، فكنت أزورهم على فترات، وهكذا نجد الكثيرين لهم مذاهبهم وأديانهم المستحدثة منها والقديمة، ولكنهم لا يستقرون إلا في الدين الإسلامي عند اعتناقهم له. أيضاً تحضرني قصة أخرى، عندما ذهبت إلى أحد المطاعم الريفية فرآني صاحب المطعم ورأى ثيابي، فقال: من أين أنتم؟ فقلت: نحن مسلمون، وعلى الفور قال: أنتم لا تأكلون إلا أكلاً حلالاً؟ فقلت: نعم! فدخل وأتانا بدجاج حيٍّ كثير هدية لنا، ودخل في الإسلام. إن الشعب الياباني ليس له دين محدد يحكمه؛ ولذلك نشطت الهيئات الدينية المسيحية في إدخال اليابانيين في أديانهم، ولكنهم لم يفلحوا؛ وذلك لأن اليابانيين لا يميلون بطبعهم للدين المسيحي لأسباب كثيرة منها: أن المسيحية فيها رهبانية، وعقيدة الآلهة الثلاثة، مع عدم وجود نظام متكامل لحياة الإنسان، كذلك البوذية لم تفلح في إشباع الرغبة الروحية لهذا الشعب على الرغم من أن الشعب الياباني فريسة أمام المفترسين، إلا أن بعض دعاة الإسلام نشطوا في مجال الدعوة. ` بعض صعوبات الدعوة: لقد واجهتنا بعض الصعوبات قديماً عندما كنا نجوع، ننتظر أياماً حتى نجد الأكل الحلال، ولكن الآن ـ والحمد لله ـ بنشاط بعض المسلمين هناك ظهرت محلات لبيع الأكل الحلال، كما كنا من قبْل نصلي على الرصيف، وصلاة الجمعة نصليها على الرصيف أمام مسجد طوكيو عندما كان مهدوماً، أما الآن فقد تحسنت الأمور قليلاً، وهناك بعض الصعوبات التي واجهت الدعاة كصعوبة طبيعة تلك البلاد من غلاء في المعيشة، وغلاء إيجار البيوت، والطقس ... إلخ؛ فبعض الدعاة في الماضي تعبوا كثيراً في الكيفية التي يريدون بها العمل الدعوي، بل قال بعض منهم: إن اليابان تحتاج إلى مائة سنة حتى يدخل شعبها في الإسلام؛ ذلك لأن الشعب الياباني يحب المجاملات، ولا يقتنع بأي شيء، كما أنهم قوميون وبلادهم بعيدة جداً ولغتهم صعبة، ولكن نقول: إن كل ما ذكر لا يعد أقوالاً قاطعة، بل أمر الدعوة يحتاج إلى التعاون والتفكير. يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] . ومع هذا نشط بعض الناس هناك وكوَّنوا مصلَّيات، ودخل كثير من اليابانيين في الإسلام على يد المسلمين وعلى حسب نشاطهم وانتشار مذاهبهم؛ حتى أصبح المسلمون اليابانيون يسألون: إذا أسلمنا إلى أي مذهب سننتمي؟ بسبب كثرة التحزبات عندهم، وهذه مشكلة، وأكثر الناس دخولاً في الإسلام في اليابان هن النساء. إذا تزوجت اليابانية بمسلم فلا بد أن تدخل في الإسلام قبل الزواج؛ لأنها ليست كتابية، وزوجها يحدد مصيرها إن كان صالحاً أو طالحاً فهي تابعة له. وأصبح عدد المسلمين ما يقارب ١٠.٠٠٠ آلاف، ومعظمهم نساء أنجبن الأطفال، وإذا وجدوا رعاية واهتماماً من المسلمين فإنهن يكوِّنون مستقبلاً إسلامياً في اليابان. ومن هنا نرى خطأ بعض الدعاة عندما يَدخل شخص في الإسلام، ويتركونه بعد نطقه للشهادة، ويهملونه بحجة أنه دخل في الإسلام وكفى، فيتحولون عنه لآخر، وهكذا، بل يجب علينا أن نهتم بمن يسْلِم ونوليه عناية ورعاية حتى يتمكن في الدين، ويتعلم أساسيات الإسلام، ويترسخ فيها. ` مستقبل الإسلام في اليابان: يبدو أن اليابان اليوم تتطلع إلى الحوار مع الحضارة الإسلامية؛ لأن اليابان أمام خطر العولمة مثل البلدان الأخرى؛ فالشعب الياباني ٨٠% منه على دين البوذية والشنتوية، وأكثر من ١% مسيحية، وأقل من ١% على دين الإسلام، وفي الوقت الحاضر يبدو أنهم يرغبون في المناصرة من قِبَل المسلمين؛ ولهذا قال الوزير كونو: «الحصول على معرفة كافية عن الإسلام أمر مهم جداً وضروري» . فالديانة البوذية توصي بعدم اتخاذ طبيب حسب علمي، وتقول: لا تأخذ ذهباً ولا فضة. وهذه الوصايا لا يمكن لأي بوذي تحمُّلها، وذلك عكس الإسلام؛ فهو دين وسط لا رهبانية فيه، ولا إكراه في الدين. فإذا وجدت اليابان اهتماماً هذه المرة بالنسبة للدعوة الى الإسلام ـ إن شاء الله ـ فسوف يجد الإسلام طريقه على قلوبهم وخاصة الشباب؛ لأنه يمكن االتأثير فيهم عن طريق الحوارات واللقاءات والمناقشات. يقول بروفيسور ياباني في أحد كتبه: إن الإسلام قريب جداً لليابانيين، إذا اعتُني بأمر الدعوة تماماً فسوف ينفجر الإسلام في اليابان كانفجار البركان في وقت قياسي. وأنا أقول قد يظهر الإسلام في اليابان كما تظهر الشمس عندهم.

стр. 5052

عبر من فتنة دارفور أ. د. جعفر شيخ إدريس كثيراً ما نردد القول بأن الإسلام منهاج حياة متكامل، وهو قول صحيح، لكننا قلما نهتدي بهذا الدين في شؤون حياتنا كلها، ولا سيما ما كان منها متعلقاً بالحياة الاجتماعية والسياسية. إننا كثيراً ما نتصرف في هذا الجانب من حياتنا وكأن الإسلام لا قول له فيها وهدي، بل كثيرا ما نقتدي فيه بما هو شائع في عصرنا من فكر ولا سيما الفكر الغربي. ولو أننا اهتدينا في هذا المجال بهدي ربنا وعددناه أمراً لازماً لنا باعتبارنا مسلمين، لتجنبنا كثيراً من المشكلات، ولكانت حياتنا أحسن وأسعد. خطر ببالي هذا وأنا أتأمل فتنة دارفور التي صار السودان لا يُعرف إلا بها. تأملت بعض ما حدث فخطر ببالي: أولاً: أننا كثيراً ما ننسى أمر الله ـ تعالى ـ لنا بالشورى، وأن لا يستبد أحد أو أفراد منا بالبت في أمر يهم غيرهم كما يهمهم. كان الخلفاء الراشدون من أكثر الحكام استشارة للناس وكانوا ـ كما ثبت عنهم ـ أكثر استشارة لهم في أمر الحروب؛ وذلك لأن الحرب شأن يهم كل إنسان لما له من تأثير قد يكون كبيراً على حياته. لكن إخواننا من أبناء دارفور الذين أشعلوا نار الفتنة هذه لم يروا أن من حق أهليهم عليهم أن يستشيروهم قبل إقدامهم على أي عمل عسكري. ماذا يفعل أهلهم هؤلاء الذين لم يستشاروا، والذين قد لا يرون ما رأوا؟ هل يدخلون في حرب معهم أم هل يرضون بأن يستبدوا بالأمر دونهم؟ ثانياً: لو أنهم ـ وهم المسلمون ـ اهتدوا بهدي دينهم لعلموا أن رسولهم ﷺ نصحهم بأنه ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه، ولبدؤوا لذلك بسلوك طرق الرفق في محاولتهم لما يريدون من رفع ظلم يرونه واقعاً على منطقتهم. ثالثاً: ولو كانوا يهتدون بهدي دينهم لعلموا أن من أكثر ما حذر منه الرسول ﷺ وأئمة السنة من بعده هو الخروج المسلح على السلطة المسلمة الحاكمة. ولم يحذر الرسول من هذا إعانة للحكام الظلمة ـ حاشاه ـ وإنما حذر منه لعلمه ﷺ بأن ما ينتج عن مثل هذا الخروج من مفاسد هو أضعاف ما يرجو الخارج تحقيقه من مصالح. لكن إخواننا الذين أقدموا على هذا الخروج إنما تأسوا فيه بسنة قرنق. قولوا لي بربكم: ماذا حقق قرنق؟ نعم لقد اضطرت الحكومة لمصالحته، بل لأن يكون نائباً أول لرئيس الجمهورية. لكن ما الثمن الذي دفعه أهل السودان جنوباً وشمالاً في مقابل ذلك؟ هلاك مليونين أو أكثر، وتشريد الجنوبيين أيدي سبأ، حتى إن عدده بشمال السودان صار أكثر منه بجنوبه؟ أهذا عمل يُقدم عليه إنسان في قلبه رحمة لأبناء بلده، أو حرص على مصلحتهم؟ وماذا حقق الخارجون من أبناء دارفور؟ موت المئات، وتشريد الآلاف، وحرق القرى وضياع الأموال، ثم التهديد بالوباء؟ هب أن الضغوط اشتدت على الحكومة وأنها اضطرت لمصالحتهم وإعطاء قادتهم ما أعطي قرنق؛ أذلك ثمن يدفعونه للحصول على هذه الجائزة؟ وعلى فرض أن الحكومة كانت مسؤولة عن الضر الذي سوغوا به الخروج عليها؛ فهل كان ذلك الضر أكبر من هذا الذي وقع بسبب فتنة الخروج؟ رابعاً: ألا يحزن إخواننا الذين تسببوا في هذه الفتنة على التشويه الذي أصاب سمعة بلد كان اجدادهم ولا يزال معاصروهم من صناعه والدفاع عن أرضه ودينه؟ أيحسبون أن هذا التشويه لسمعة بلادهم لا يصيبهم كما أصاب غيرهم؟ أليس من ضيق الأفق أن يظن أن هذا كله أمر لا يشين إلا سمعة حكومة هم أعداؤها؟ خامساً: وإذا كانوا قد رأوا أن من حقهم أن يثوروا ثورة مسلحة على حكومة بلادهم؛ فكان ينبغي أن يتوقعوا أن يهبَّ لمساعدتها خصومهم المناصرون لها. لكننا نبادر فنقول: إنه إذا كان من حق هؤلاء الخصوم أن يدافعوا عن حكومة مشروعة، فليس من حقهم أن يتجاوزوا الشرع في دفاعهم عنها. ليس من حقهم أن يحرقوا القرى، ولا أن يعتدوا بالقتل على الأبرياء، ولا يجلوا المسالمين من الرجال والنساء والولدان. وإذا صح أنهم تجاوزوا ذلك بالاعتداء الجنسي على نساء مسلمات فليعلموا أن هذا ظلم لا يجوز ارتكابه حتى في حق الأعداء من الكفار. وعلى الدولة أن تعاقب كل من ثبت ارتكابه لمثل هذه الفظائع. سادساً: نقول كل هذا على افتراض أن ما حدث من خروج كان بدوافع الغيرة والحرص على مصلحة الأهل ورفع الظم عنهم. أما إذا صح ما يقال من أن كل هذا إنما كان لتحقيق مآرب سياسية حزبية ولإحراج حكومة هم من خصومها أو أعدائها او ضد توجهها الإسلامي، فإن الأمر يكون أفظع والجريمة تكون أكبر. سابعاً: أرأيتم كيف فرح أعداء المسلمين بهذه الفتنة (التي يقال إنهم من صناعها) وكيف تداعوا إلى استغلالها، وكيف صوروها بغير صورتها من أنها تطهير عرقي، وأنها حرب بين العرب والأفارقة، وأنها من صنع حكومة عربية إسلامية لا تراعي في أعدائها الأفارقة ديناً ولا إلاًّ ولا ذمة، وأنهم إنما تداعوا للدفاع عن هؤلاء المظلومين، والانتقام لهم من حكومتهم الظالمة بالضغط عليها وتهديدها، وربما باتخاذ هذا ذريعة لغزو السودان وإعادة استعماره، ولكن باسم بعض الأسماء من أبناء وطنه كما حصل في أفغانستان والعراق؟ أحديث عن تطهير عرقي في بلد عقد صلحاً مع قرنق ليكون نائباً أول وهو رجل ليس فيه قطرة من دم عربي؟ أحديث عن عرب وأفارقة في وصف قوم يصنفون جميعاً ـ عند الأمريكان ـ بأنهم سود؟ أحديث عن دولة تعتدي على فئة من مواطنيها وهي فئة يزخر بها جيشها وتزخر بها عاصمتها، وتشارك في حكومتها وحزبها؟ ما بالهم لم ينبسوا ببنت شفة حين حركت حكومة كلينتون قواتها عام ١٩٩٣م لتحاصر فئة من أبناء بلدها في مدينة واكوا بتكساس كانت عصت أمر الحكومة بتسليم أحد أعضائها، فكان عقابها أن قطعت تلك القوات الماء والكهرباء عن القاعة التي كانوا معتصمين بها، ثم نفخت فيها غازاً التهب فأحرق كل من كان فيها من الرجال والنساء والأطفال البالغ عددهم أربعة وسبعين نسمة. وقد قيل إن حادثة كلوهوما إنما كانت انتقاما لهؤلاء المساكين. وما بالهم لا يعترضون على الآلاف من مواطني العراق الذين تعتدي عليهم قوات اجنبية أمريكية أو بريطانية؟ السبب هو أننا قوم ضعفاء سلاحاً واقتصاداً، وأن هؤلاء قوم لا يحترمون إلا من كان قوياً. ألا تراهم إذا توجهوا إلى السودان قالوا في استكبار إنهم ذاهبون ليضغطوا على الحكومة؟ أتراهم قائلين ذلك لو كانوا ذاهبين إلى الصين؟ ثامناً: مهما يكن من أمر فلا بد من إسكان هذه الفتنة بوفاق وسلام؛ فالله ـ تعالى ـ يأمرنا إذا تقاتل فئتان منا أن نصلح بينهما ويأمرنا إلى اللجوء إلى الصلح حتى بعد قتال الفئة التي تصر على البغي. إن الوفاق هو الذي يهدئ الخواطر ويعين على اجتثاث الحقد من القلوب. وأما بغير صلح ووئام فتبقى البغضاء دفينة في النفوس، ويوشك أن يستعر أُوارها لأدنى شرارة تقترب منها. ﴿وَإن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإن بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . [الحجرات: ٩] . والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط.

стр. 5053

مقومات الشخصية الإيجابية د. عبد الكريم بكار وهذا الغموض يشجع على توليد الكثير من المعاني المرتبطة بها على نحو يعكس التوجهات العقدية والفكرية لمن يقوم بذلك، كما يعكس ما تمت بلورته من مفاهيم تتعلق بالمرونة الذهنية والحيوية في السلوك والعلاقات، وما دام الأمر على هذه الصورة فإن علينا أن نجتهد على نحو متصل في إغناء مدلولات (الإيجابية) من أفق رؤيتنا العامة للحياة، ومن أفق خصوصيتنا الثقافية، وهذا ما سأفعله بحول الله وطَوْله في عدد من المقالات. من الصعب أن تعثر في أي كتاب على تعريف جامع مانع ـ كما يقول المناطقة ـ للإيجابية، ولكن يمكن القول: إننا نعني بهذا المصطلح على نحو تقريبي درجة عالية من الفعالية الفكرية والشعورية والنفسية تترتب عليها وضعية حسنة من الطمأنينة والارتياح إلى جانب وضعية جيدة من الالتزام والإنتاجية الممتازة؛ بالإضافة إلى نجاح جيد في العلاقات الاجتماعية. ومن المهم أن أشير إلى أن الإيجابية لا تعني ما نعنيه حين نتحدث عن التفكير الإيجابي، إنها لا تتطابق معه، لكن بينهما العديد من الأمور المشتركة، ولعلِّي أعرض لهذا في مقالات قادمة بإذن الله تعالى. في كل الأحوال يظل الإطار المرجعي للتنظير في أية قضية من القضايا من الأمور الأساسية التي لا يصح إغفالها أو التهوين من شأنها؛ حيث إن كل التعريفات تخضع لنوع من الانتقاء، ولهذا فإن من السهل تحميلها بالمعاني المنحرفة أو غير الملائمة. إن أي شكل من أشكال الفاعلية الفكرية أو السلوكية لا يصح أن يكون مصادماً لمبدأ من مبادئ الشريعة الغراء، أو لحكم موضع إجماع، أو لنص قطعي؛ لأن شيئاً من هذا سينزع غطاء المشروعية عن تلك الفعالية. أما مستوى النشاط ومدى ملاءمته لما هو مطلوب من أجل المعاصرة؛ فهذا يحدِّده ما تراكم في خبرات البشرية من معايير ومقاييس للأداء الممتاز، ولما هو لائق وغير لائق على صعيد الأعمال. تأسيساً على هذا نقول: إن كل النجاحات وكل أشكال الفوز التي نحققها في هذه الحياة هي نجاحات مؤقتة وصغيرة؛ لأن الدنيا كلها صغيرة ومؤقتة. وحين يتم النجاح بطريقة غير مشروعة، كذاك الذي يتم عن طريق أكل الربا أو عن طريق السرقة أو الرشوة أو الغش.. فإن تسميته نجاحاً لا تعدو أن تكون ضرباً من التجوُّز؛ فالحقيقة أن ذلك عبارة عن مجموعة أوهام لا تنتهي إلا بالندم والحسرة. إن ما يفصل بين النجاح واللصوصية هو عبارة عن هامش ضيق؛ وعلى كل الناجحين أن ينتبهوا كيلا يتجاوزوه، فيصبحوا لصوصاً، وهم يظنون أنفسهم من أهل السبق والفوز. إذا كان للفضائل أمهات، فإن من أمهات الفضائل التي يحتاجها المسلم المعاصر فضيلتين: فضيلة الاستقامة، وفضيلة الفاعلية. ومن مجموع هاتين الفضيلتين تتكون الشخصية الإيجابية. ومع أن كلمة (الإيجابية) من الكلمات الأكثر تداولاً اليوم إلا أن العديد من دلالالتها لا يزال غامضاً.

стр. 5054

الشيخ عباسي مدني يكتب عن: حاجات النظام التربوي إلى الإصلاح د. عباسي مدني في العدد الماضي تحدث فضيلة الدكتور عباسي مدني عن أهداف إصلاح النظام التربوي، وأسباب تخلف النظم التربوية في العالم الإسلامي من وجهة نظر العلمانيين، وبيان فساد ما ذهبوا إليه، ثم بين أن العملية الإصلاحية عملية منهجية، وأن أي خطأ يرتكبه المصلحون في أي مرحلة من المراحل النظرية أو الإجرائية تترتب عليه عواقب ومشكلات ... وفي هذا العدد يُتم حديثه عن إصلاح النظام التربوي. ـ البيان ـ - مراحل إعداد الخطة الإصلاحية: إن إرادة الأمة هي أول ما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار عند إعداد الخطة؛ لأن إرادة الأمة أساسية أيضاً في مرحلة تبنيها والعمل بها؛ إذ بدونها لا يتحقق أمر ذو بال من الإصلاح، ويصبح هذا الأخير تعسفاً واضطهاداً. وإذا كانت إرادة الأمة مرتبطة بالاختيار، فإنه لا اختيار بغير حرية؛ فالأمة الحرة هي التي تقرر مصيرها بنفسها؛ وذلك عندما تكون متحكمة في أمورها وتمارس مسؤولياتها وتقرر ما بدا لها أنه الأصلح والأفضل في ضوء قِيَمها: دينها وأخلاقها وفكرها الأصيل؛ لأن الإصلاح يبدأ قبل كل شيء من وعي الأمة لذاتها عندما تدرك بوضوح من هي وكيف هي؟ وماذا يجب أن تكون عليه؟ ومن ثمة فإن أسوأ الأخطاء وأعظم الجرائم التي يمكن أن تُرتكب في حق الأمم هي أن تُفرض البدائل الإصلاحية على الأمة فرضاً، وتُفسر على العمل بها قسراً، كالذي حدث للبلاد المستعمرة، وفي تركيا أيام مصطفى كمال وغيرها من الأقطار الإسلامية، والتي ما تزال الأمة تعاني من آثارها إلى اليوم؛ لأن العملية الإصلاحية هي عملية شرعية وأخلاقية؛ فهي عملية شرعية؛ لأنها تستلزم الاختيار وإرادة الأفضل والاقتناع بأنه كذلك باتفاق. وهي أخلاقية؛ لأنها تقوم على شعور الأمة بمسؤولياتها نحو ما تختاره أمام أجيالها المتعاقبة، وبالنسبة أيضاً إلى عقيدتها ورسالتها ودعوتها؛ كل ذلك عن طواعية واقتناع وتتبناه عن رضا وحرية؛ لأن الإرادة مرتبطة بالحرية؛ فلا إرادة لمن لا حرية له، وإلا فما الفرق بين الخطة الإصلاحية الشرعية، والخطة الاستعمارية القسرية؟ لأن القهر عدو للإرادة وسالب للحرية وخصم للأخلاق والشرعية، ومخرب للحضارة. فمنذ أن فقدت الشعوب الإسلامية حقها في اختيار نموذج الحياة في ضوء عقيدتها وأخلاقها وشريعتها وخبرتها التاريخية ومستقبلها توقفت على الإنتاج الحضاري؛ لأن هذا الأخير يحتاج إلى جهود مبدعة ولا إبداع بدون إرادة واعية، وبدون اقتناع، ولا اقتناع بدون حق وعدالة وحرية. فاقتناع الأمة الإسلامية بسلامة دينها الحنيف وشريعته السمحة وأخلاقه الفاضلة، وعلمها بقدرته على ضمان سعادة الدارين الدنيا والآخرة في كل زمان ومكان جعلها بالضرورة ترفض ما عداه من البدائل والنماذج الإصلاحية والأخرى وإن فرضت عليها فرضاً وأجبرت عليها قسراً. لذلك ساءت عواقب التغيير القسري، وخابت خططه إلا في ما أفسدته من أوضاع اجتماعية وثقافية وتربوية، وما أحدثته من تناقضات، وما بثته من اتجاهات وانحرافات وتشويه للمنظومات التربوية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. دليلنا على ذلك أن الفرض لبدائل الحداثة لم يحقق النهضة المرجوة، بل عمل على تزييفها وتحريف اتجاهها؛ والسبب في ذلك أن النهضة لا تحققها العزائم المحطمة والذكاء المجمد والعبقرية المغمورة والضمائر المخدرة. فالذي يعود إلى التاريخ يجد أن النهضة وليدة العزائم المحفزة والذكاء المتقد والعبقرية الملهمة والضمائر اليقظة والفكر الحر. لقد كان لانعدام مراعاة إرادة الأمة في الخطة الإصلاحية التربوية أن زادت المشكلات تعقيداً والأزمات تفاقماً وحدَّة، ولا يمكن لأي خطة إصلاحية أن تنجح ما لم تراعِ الشروط المنهجية كالعدالة ببعدها الشرعي والأخلاقي مروراً بالمرحلة المنهجية الإجرائية اللازمة حسب ما جاء عند علماء التربية المقارنة. ويرى «هولمس» وغيره من علماء هذا العلم أن الخطة الإصلاحية الناجحة تمر في الغالب على المراحل التالية: أـ مرحلة الإعداد. ب ـ مرحلة التبني. ج ـ مرحلة التطبيق. وتشمل عندهم كل مرحلة مجموعة من الإجراءات المنهجية؛ بحيث كل مرحلة تكتسب فيها الخطة الإصلاحية الخصائصَ المنهجية اللازمة. وأي تقصير او نقص أو خطأ يقع في المرحلة من هذه المراحل تنجم عنه عراقيل من شانها أنها تعوق السير الطبيعي للعملية الإصلاحية. ولأهمية هذا التقسيم الإجرائي للعملية الإصلاحية سنعمل على مراعاته مع إضافة مرحلة ما قبل الإعداد؛ وذلك نظراً لما يحدث من أخطاء ليس لها فقط انعكاسات على مرحلة الإعداد، بل تؤثر في كل المراحل اللاحقة أيضاً، وقد لا نكون مبالغين عندما نعتبرها مرحلة مصيرية للخطة الإصلاحية برمتها وفي كل مراحلها. أ - مرحلة ما قبل الإعداد: ونظراً لأهمية اختيار الأشخاص الفنيين الذين يُعِدُّون الخطة الإصلاحية إعداداً فنياً أولياً، ونظراً لتأثير هؤلاء في اتجاه الخطة ومفاهيمها وغاياتها ومراميها ... مهما كانت طريق الإعداد تبدو فنية صرفة؛ فإن مرحلة ما قبل الإعداد مرحلة أساسية لا بد فيها من مراعاة أمور كثيرة. من ذلك إدخال هذه المرحلة في نطاق الشرعية؛ فعند تعيين هيئة الإعداد: ما هي المعايير أو الطرق التي يتم على أساسها تعيين أفراد هذه الهيئة؟ لا شك أن ثمة معايير فنية تشترك فيها أغلب الهيئات التي يجب أن تكون في مستوى من المؤهل العلمي المتخصص. لكن التخصص سوف لا يكون ذا مجال واحد؛ فهناك الجانب الإداري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي ... زيادة على ذلك مراعاة الشروط البيداغوجية المعقدة. ومن جهة أخرى فإنه لا بد من أن تكون هيئة الإعداد ممثلة لكل فئات المجتمع لتكون هي الأخرى شرعية، أو بمعنى آخر فإن الهيئة المكلفة بإعداد مشروع الخطة هي ذاتها يجب أن تكون ممثلة للأمة بأسرها تمثيلاً عادلاً وصادقاً. وأما إذا كانت المعايير التي تعين على أساسها هيئة الإعداد مجرد معايير فنية تقنية صرفة؛ فإن الأمة تكون حينئذ تحت سلطة التكنوقراطيين والبيروقراطيين، فتعطي لهؤلاء كل الصلاحيات الفنية والإدارية والسياسية وغيرها. ففي هذه الحالة يأتي المشروع حسب اتجاه هؤلاء البيروقراطيين والفنيين، فتقطع النظر عن رأي الأمة وإرادتها. وفي حالة ما إذا تعدّدت الطوائف والديانات والملل والنحل والإيديولوجيات، وكان التكنوقراطي من طائفة أو أخرى، أو اتجاه الخطة لصالح تلك التي ينتمي إليها التكنوقراطي، وفي هذه الحالة تصبح الخطة أبعد ما تكون عن الشرعية والعدل؛ ففي البلاد التي يقل فيها الوعي التربوي والسياسي تسند أمور إعداد الخطة الإصلاحية إلى أشخاص لا تتوفر فيهم الشروط المذكورة كالشرعية والعدالة والأمانة العلمية؛ عندئذ يتصرفون كما لو كان الأمر أمرهم هم وحدهم، وفي هذا الحال تسير الخطة من أول وهلة على غير الشرع، وتبدو أبعد ما تكون عن العدالة والفضيلة، فتنعدم الموضوعية، وتختل أدق القواعد الفنية، فتطغى الأهواء على العقول، وتجمح العاطفة بأصحابها، فيقعون في الشطط والتطرف سواء شعروا بذلك أم لم يشعروا. ففي مثل هذه الأمور العظيمة والمهام الخطيرة التي يتوقف عليها مصير أمة بأكملها، وترتبط به مصلحة الأجيال المتعاقبة، فلا بد من الموضوعية الكاملة والأمانة التامة والعدالة. إن الأمة التي وقعت تحت سيطرة البيروقراطيين التكنوقراطيين أمة محرومة من حرية القرار والعدالة الاجتماعية، فتصير شرذمة من الناس تتحكم في مصيرها وتعبث بآمال أبنائها ومستقبلها، ومن ثمة فإنه يمكن القول بأن مرحلة ما قبل الإعداد لا تقل أهمية عن التي تليها إذا لم تكن أحسم منها، وحتى تختار العناصر التي تشكل منها لجنة الإعداد على أساس العدالة يجب أن تتوفر الموضوعية والكفاءة والتمثيل، مبعدين الأهواء والعواطف والأغراض. ولشدة تعقد الأمور لا بدّ أن تعين لجنة الإعداد على ضوء الشروط التالية: أـ أن تكون لجنة الإعداد ممثلة للمجتمع أصدق تمثيل، فلا تكون لائكية (*) ، والمجتمع متدين، ولا تُشَكَّل من تشكيلة دينية واحدة، والمجتمع متعدد الديانات، ولا يجوز العكس. ب ـ ألا تتألف اللجنة من خبراء أجانب يجهلون الحقائق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والحضارية، أو يتجاهلونها لأمر ما. ج ـ أن يكون اختيار الفنيين من مختلف التخصصات التربوية والثقافية والإدارية والسياسية لمختلف المؤسسات؛ على أن تكون تحت إشراف محكم يضمن تكاملها وتعاونها في إطار منهجي موحد. د ـ أن تكون التخصصات في تنوعها ونوعيتها في المستوى المطلوب إلى جانب الشعور بالمسؤولية الأخلاقية. هـ ـ أن توفر اللجنة الفنية كافة الشروط المنهجية والظروف المناسبة اللازمة لإعداد مثل هذه الخطة على أكمل الوجوه وأتمها. مع العلم أن كل هذه الاحتياطات قد لا تكفي إلا إذا تدخلت الحكمة التي ترتفع إلى مستوى المسؤوليات التاريخية، وتتجاوز الاعتبارات الشخصية من الهوى والزيغ والشطط والضلال والتحيز والميل. معنى هذا أنه لا بد من لجنة حكماء للإشراف على عملية عن كثب، ووضع الأهداف الكبرى للسياسة التعليمية حتى تكون المنظومة التربوية في مستوى آمال أجيال الأمة المتعاقبة، وحسب متطلبات زمانهم الذي خُلقوا له، وقد يختلف كثيراً عن زماننا، وهذه من أعوص مشكلات السياسة التربوية في مرحلة الإعداد. ب ـ مرحلة الإعداد: من أهم مميزات هذه المرحلة معرفة أهم الأغراض الإصلاحية التي تتخذها العملية الإصلاحية هدفاً لها، ولذلك تعد الغائية من أهم الشروط المنهجية للعملية الإصلاحية التربوية؛ فهي التي تضفي على الإصلاح التربوي صفة الوعي والعمق والجدة والأصالة والفعالية؛ حيث تبرز العملية الإصلاحية في إطار منهجي متكامل، فلا تتعارض الوحدة والتنوع، ولا الجدة والأصالة، ولا الكمية والكيفية؛ إذ من المتطلبات المنهجية عند إعداد الخطة الإصلاحية معرفة ما انتهى إليه النظام التربوي من أوضاع لمختلف المؤسسات والمستويات من كل الجوانب الإيجابية والسلبية، ومعرفة الأسباب والعلل عن طريق التقويم الموضوعي الدقيق والتتبع الإجرائي للحياة التربوية. إن التقويم التربوي لمستوى التحصيل في مختلف المستويات والمؤسسات يساعد دوماًِ على معرفة مستوى التطور التربوي للمنظومة التربوية، وكذلك الشأن بالنسبة إلى اختيار الوسائل الفنية التي تتم بواسطتها العملية التربوية؛ فإنه مطلوب دوماً للتأكيد من نجاعتها وسلامتها والعمل على تطويرها. ويدخل في هذا الإطار المعلم وظروفه النفسية والاجتماعية، بالإضافة إلى وظيفته ورتبته ودرايته ومدى مردودها على مستوى معيشته ومكانته في المجتمع. لعله ليس من نافلة القول ضرورة التركيز على الظروف التي تجري فيها العملية التربوية وطرق التعليم ومدة التمرين وطرق التصحيح والترسيخ للخبرات التربوية، وكذلك مدى العناية بشخصية المتعلم بصورة كلية، والفروق الفردية، ومدى قدرة المحتوى التربوي على تشجيع القدارت المختلفة والهمم والمواهب المتنوعة، وتوجيه الميول المختلفة، وإتقان الخبرات. إن اختيار مدى القناعة الشخصية الإيمانية والخلقية والقيم الجمالية والفنية تساعد على التتبع الإجرائي لنمو الشخص بالطرق السوية للتأكد من سلامة ونجاعة العناية والرعاية في تهيئة الشروط البيئية اللازمة للنمو السوي لشخصية المتعلم؛ على أن هذا كله لا يكفي، بل لا بد من مقارنة مستوى التحصيل بمستوى الجهد المبذول لتحقيق النوعية التربوية المطلوبة. فإذا كنا قد عرفنا مقدار الجهد المبذول في مختلف المستويات الدنيا والعليا فإن هذه النتيجة لا تكون ذات دلالة إلا إذا ربطنا بين الحدين الأدنى والأقصى من الجهد وبين مردود كل منهما. فلتقدير قيمة النتائج بقيمة الجهود لا بد من هذه المقارنة؛ فإن كان المردود أكثر من الجهد علمنا أن الطريقة التي تم بها العمل التربوي ناجحة، وإن كان العكس أدركنا خطأ التوجيه؛ لأن الحكمة التربوية تقتضي توظيف الجهود أثناء العملية التربوية توظيفاً جيداً. ولئن قامت العملية التربوية على الجهد، ولن تقوم إلا عليه فإن توجيه الجهد يعد من أهم الوسائل التربوية التي على ضوئها تحدد النوعية التربوية. ومن ثم فإن العملية التربوية عملية منهجية بالدرجة الأولى وهادفة. وحتى في هذا الحال من بذل الجهد الأقصى والوصول إلى أعلى النتائج بالنوعية التربوية المحلية لا يكفي ما لم يقارن المستوى المحلي بمستويات أخرى بنفس الستوى التعليمي لأرقى النظم التربوية في العالم. وهو ما يساعد إلى حد بعيد على تطوير العملية التربوية والوصول بها إلى المستوى الأعلى من النوعية التربوية العالمية المتفوقة. فإذا كانت معرفة الفروق الفردية تفيد المعلم عند وضع الخطة العلمية التربوية وإعدادها قبل التطبيق لتكييف المادة التربوية حسب متطلبات المواهب والقدرات والاستعدادات المختلفة؛ فإنه أيضاً بات من الضروري إدراك مستوى الخبرة النوعية عند أنجح النظم التربوية في العالم، وأسباب ذلك التفوق أو عكسه. وهذه المعايير الفنية لكل جوانب العملية التربوية تساعد إلى حد ما على إدراك ما يمكن تعديله وتطويره، وتحقيق تلك المستويات من الخبرات الجدية دون أي مساس بما له علاقة بالشخصية التي لا بد للنظام ـ أي نظام تربوي ـ أن يحافظ عليها؛ لأنها تمثل جوهر أصالته. أما التقنيات التربوية البيداغوجية فهي ليست وقفاً على أحد، بل تُعد القاسم المشترك بين مختلف النظم التربوية المتطورة؛ بحيث يمكن قياسها واختيارها وتعديلها وتطويرها دون حد ولا انقطاع. إنها نتيجة العبقرية التربوية على مستوى العالم كجهد مشترك بين الناس، وهذه المعايير الفنية التربوية هي التي بواسطتها نستطيع أن نعرف ما يمكن استعارته مما لا يجوز أخذه، ومما لا يكون مشاعاً بين الحضارات والنظم التربوية كالدين ومختلف القيم مما هو خاص بالأمة. فالمواد العلمية مثلاً والتقنية والخبرات التكنولوجية موجودة في كل المحتويات التربوية على الإطلاق باستثناء المؤسسات الدينية ومعاهد العلوم الإنسانية المختصة؛ فهي لا تحتاج في تخصصاتها إلى هذه المواد العلمية؛ باستثناء معهد علوم التربية الذي لا بد له من كل هذه العلوم والمعارف؛ لأنها تُكَوِّن المحتوى التربوي في جملته. أما طرق مقارنتها فكثيرة تختلف باختلاف المناهج وطرق البحث في علوم التربية المقارنة والتي لا يسمح المقام بذكرها. وعلى الجملة فإن وضع رسم بياني لمستوى التحصيل أو النوعية التربوية ليس بالعسير، حيث يمكن أن تعطي صورة واضحة على الأوضاع التربوية المراد معرفتها كالرسم التالي: معاهد مختصة بالبحث العلمي ي معاهد مختصة ط ما بعد الدكتوراه ح ما بعد الجامعي ز الجامعي ماجستير وجامعي ليسانس هـ ثانويء تكميلي ج ابتدائي ب تقارن على هذا الأساس كل المواد العلمية في كل المستويات لمعرفة الفروق النوعية لمستوى التحصيل من مختلف النتائج في منظومات تربوية مختلفة. ثم تأتي مرحلة المقارنة بين مختلف الرسوم البيانية حسب التدرج للقيم المحددة لكل من النوعية التربوية ومردودها في كل من المؤسسات التربوية والتقنية والحياة العملية في المعامل وغيرها كمردود في كل من المؤسسات التربوية والتقنية والحياة العملية في المعامل وغيرها كمردود للفرد والأمة؛ فمقارنة «أ» في الجزائر بـ «أ» في بلد كألمانيا الغربية واليابان أو غيرهما في مستوى التحصيل لنفس الدرجة والمستوى والمادة تكشف عن مجموعة من العوامل التي تتحكم في الظواهر التربوية، سواء أكانت تتعلق بالمحتوى أم الطرق ومختلف الوسائل البيداغوجية. فإذا وجدنا مثلاً أن «أ» في ألمانيا يساوي مستوى التحصيل لـ «ب» أو «ج» في الجزائر أو اليابان، فإن هذا الفرق ذو دلالة في غاية الأهمية؛ لأن الفرق الكبير بين المستوى الواحد في مختلف البلدان أو النظم التربوية يعد مؤشراً خطيراً يساعد على تبيُّن الظواهر المراد دراستها؛ وهذه النتيجة إذا ساعدت على معرفة الفروق بين المنظومات التربوية فهي تساعد أيضاً على اكتشاف أسبابها وطرق معالجتها. وهذا ما يجعل الخطة الإصلاحية الجادة تتميز بالتحديد والدقة أبعد ما تكون عن الارتجال. إن معرفة العوامل التي تتحكم في مستوى التحصيل في مؤسسة تربوية معينة ومنظومة ما في شروط ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية نتيجة لها شأنها في علوم التربية وغيرها من العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع وعلوم السياسة والاقتصاد. وهكذا ترقى العلوم بدقة البحث والتحكم في الظواهر عن طريق التحكم في عواملها والقوانين التي لها الظواهر فضلاً عن تفسيرها. لكن الدراسة المقارنة لا تنتهي عند حد الكشف عن الفروق التي توجد بين المنظومات التربوية، بل تطمح إلى ما هو أهم من ذلك؛ أي تطمح إلى اختيار الحلول اختياراً واعياً مبنياً على بصيرة من الأمور وعلم بدقائق المسائل ومختلف أسرارها وتوقع نتائجها ... إلى غير ذلك مما يعطي الإصلاح صبغة غائية منهجية واضحة. فلا يكون الحل أسوأ من حال المشكل؛ لأن وراء كل حل خلفية إشكالية لا بدّ من معرفتها وإلا يصبح الإصلاح عبثاً لا غاية له. فإذا علمنا مثلاً أن مستوى التحصيل «ج» في الجزائر في مادة الرياضيات = مستوى التحصيل «ب» في ألمانيا أو سويسرا، ورحنا نرفع مستوى المحتوى التربوي في مادة الرياضيات أو بحسب مستوى «أ» و «ب» في ألمانيا وسويسرا دون أن نفكر في العوامل الأخرى ذات العلاقة المباشرة وتغيرها؛ كالمعلم ومستواه الثقافي والتربوي والبيداغوجي؛ فإن مجرد تغيير المحتوى التربوي لا يفيد شيئاً، بل قد يزيد المشكلة تعقيداً؛ فالمعلم الذي لم يكن له نصيب من الرياضيات غير نصيب الثقافة العامة لا يستطيع أن يتقن تدريسها كالمعلم الألماني المتخصّص بالإضافة إلى المدة الطويلة التي يقضيها في الإعداد والتربص التربوي في دور المعلمين المتطورة. مع العلم أن الدراسات المقارنة بينت أن بعض النظم التربوية قد وصلت في تطور مؤسساتها إلى وضع برامج تخصصية للمتعلمين المتفوقين من الصفوف الابتدائية. ولكي يشجعوا القدرات التي قد يقضى عليها في المعهد إذا لم تجد العناية منذ المراحل المبكرة الأولى من التعليم يخصصون لهؤلاء الموهوبين عناية فائقة؛ فما أكثر الموهوبين الذين ضاعوا بسبب سوء حظهم في المرحلة الابتدائية التي لم يصادفوا فيها معلماً في المستوى المطلوب. وهكذا الشأن في كل المستويات ومختلف مجالات المعرفة والتكنولوجية؛ فضحايا التخلف البيداغوجي الذين يترسبون في مختلف مستويات التعليم خسارة لا تقدر بثمن. وإن ما نضعه من مواهب ثرية ما أحوجنا إليها لبناء حضارتنا لا يعرف لها حد. فالدراسة التي عالجت موضوع التسرب التربوي في كثير من النظم التربوية تبين بوضوح مقدار جناية النظم التربوية الفاشلة على نسبة عالية من الأجيال. ومن جهة أخرى فإن النظم التي وسعت آفاق التربية، وأثْرَت محتوياتها بالتنوع، وطورت طرقها ووسائلها، وأعطت المعلمين ما يستحقونه من جدية التكوين وفائق الاحترام الأدبي والمادي، وحسنت الظروف الاجتماعية المدرسية، وفتحت الأبواب أمام المبادرات التربوية والمواهب المختلفة، لم تقض فقط على ظاهرة التسرب بل استطاعت أن تحصل على نتائج تربوية غير متوقعة. إن من أهم النتائج التي توصل إليها علم النفس الحديث أن القدرات العقلية التي يتمتع بها الإنسان السوي لا حد لها؛ على أنها تحتاج إلى البيئة التربوية التي تكون في مستوى ثقافي يبرر المواهب، ويلهم العبقرية، ويشجع على أن تساهم بصفة أكثر فعالية ونجاعة في الرقي الحضاري الشامل. فالدراسة الدقيقة للوضع التربوي للمنظومة سواء من الناحية النظرية أم العملية تصبح شرطاً من شروط الوعي والغائية الإصلاحية التربوية لضمان التطور السليم باستمرار؛ فبدونها لا يستطيع المصلح أن يعرف ما يجب تغييره وما يجب الإبقاء عليه. وعلى الجملة فإن التقنيات البيداغوجية ووسائلها، والعلوم والتكنولوجيا إنتاج للعبقرية البشرية المشتركة بين سائر الأمم دون تمييز أو فروق، ومن يدّعي غير ذلك فلا يستطيع أن يكذب التاريخ؛ إذ لم توجد حضارة في التاريخ بدأت من الصفر، بل كل واحدة انطلقت من حيث انتهت سابقتها. فإن كان للأواخر حظ المواصلة في تقرير الأصول وتطوير الفنون وتوسيع آفاق المعرفة على اختلاف ميادينها، فإن للأوائل على الأواخر فضل السبق وشرف البدء؛ فتاريخ الفكر ـ لا شك ـ يذكر لكل أمة فضلها، ويسجل لكل جيل جهوده، وما تميزت به عبقرية الإنسان في كل عصر ومصر. على أن بعض المؤرخين بدافع العنصرية ينكرون جهود بعض الأمم المساهمة في البناء الحضاري الإنساني: فلا يعترفون بما أنتجته أمة من الأمم، كنكران بعض مؤرخي الفلسفة والعلوم والتربية لما بذلته الأمة الإسلامية وما نبغ فيها من علماء وعباقرة نابهين ومجتهدين في كل ميادين المعرفة لولاها ما عرفت الحضارة الحالية هذا التطور؛ مع العلم أن إنكارهم هذا لا يستطيع أن يغير من الحقيقة التاريخية شيئاً؛ فهذا إنتاجهم، وهذه آثارهم في من جاء بعدهم من مفكرين وعلماء ستبقى حجة على المنكرين ودليلاً على المزيفين لتاريخ الفكر والعلوم والفنون، ولئن خدعوا أنفسهم فلن يخدعوا التاريخ. يقول شوقي: اخْدَعِ الأحياء ما شئتَ فلن تجد التاريخ في المنخدعين فبدافع التعصب يدعي بعضٌ أن شعوباً أذكى من شعوب، وأن العبقرية الفذّة هي للإنسان الأوروبي دون غيره؛ فهذا ادّعاء لا دليل له؛ فما أتى به علم النفس، وما جاء في تاريخ الحضارات لا يترك لهذا القول أي سند يذكر أو دليل مقنع. إن تفاوت الناس بحكم الفروق الفردية من أنواع الذكاء ودرجاته حسب الشروط البيولوجية والبيئية لا علاقة له باللون أو العنصر أو الجنس. فإن ما وهبه الله للإنسان في كل جنس وكل جيل من استعدادات وقدرات ومواهب تفوق الحصر وتتجاوز حدود إمكانيات التربية، ومهما حاولت هذه الأخيرة أن ترقى إلى مستوى تحصيل للمتعلمين؛ فإن ذلك ليس أبداً نقصاً في الفطرة، وإنما هي نقص في العناية والرعاية والتربية والتكوين؛ فالتربية مدعوة إلى أن تسمو إلى العدالة، وأن تنشد الخير للجميع دون ميز أو فرق أو تعصب، فتتخذ الحكمة ضالتها، والهدي دليلها، والحق والحقيقة غاية لها. ونظراً لتزايد تعقد الحضارة ونمو مطالبها وخاصة حاجتها إلى أرقى المواهب والخبرات؛ فإن الإنسانية أحوج ما تكون إلى أجود تربية للموهوبين والعبقريات التي لا تخلو منها فطرة بشرية سليمة في كل أمة؛ بقطع النظر عن اللون أو العنصر أو الجنس أو الطبقة، بالإضافة إلى لزوم العناية بالعاديين حتى لا تكون العناية بفئة على حساب الأخرى حسب مقتضيات العدالة كما أسلفنا، دون أن ننسى المتخلفين أولي صعوبات التحصيل والمعوقين. ولعلّ ظهور مؤسسات تربوية عالمية كاليونسكو والإسيسكو دليل قاطع على النضج التربوي والوعي الإنساني اللذين بفضلهما يمكن القضاء على النزعة العنصرية العرقية، وظاهرة الحرمان التربوي المجحف الذي لا يزال يسيطر على عالم العنصرية والاستعمار. إن الحرية حق لكل إنسان، وواجب على كل أمة من الأمم، بل هي حق إنساني يتجاوز كل الاعتبارات العرقية والعنصرية. فتبادل الخبرات التقنية والعلمية والوسائل التكنولوجية هي من علامات النضج الثقافي والحضاري والوعي التربوي الإنساني، ولكن في حدود ما يمكن أن يكون فيه تبادل الخبرات بين الأمم، دون أن يكون متبوعاً بعقدة النقص والميل إلى التقليد والاتكالية أو عقدة الاستعلاء؛ لأن الإعجاب بالآخرين قد تنشأ عنه عقدة الشعور بالنقص، كما أن الإعجاب بالنفس يتولد عنه الغرور، وكلاهما آفة للعلم. وفي الجملة: إن تداخل شؤون الثقافة والحضارة يجعل المصلح الاجتماعي والتربوي مضظراً إلى مراعاة كل العلاقات والأبعاد التي لها ارتباط بالعملية الإصلاحية وهو يعد الخطة الإصلاحية. ومن ثمة فلا بد من تحديد أهم العوامل وضبطها في مرحلة الإعداد مما يجعل تبنيها من طرف الأمة أيسر وأقرب. ج ـ مرحلة التبني: فإذا كانت المراحل الإجرائية للعملية الإصلاحية عادلة؛ فإن ذلك يتطلب أن تعقب مرحلةَ الإعداد للمشروع مرحلةٌ أخرى تفرضها طبيعة العدالة الاجتماعية بمعناها الشامل، ويعتبر الأستاذ «هولمس» هذه المرحلة من المراحل الهامة التي لا يتوقف عليها مصير الخطة الإصلاحية فحسب، بل يتوقف عليها أيضاً مصير التربية برمتها. إن عرض المشروع الإصلاحي على الأمة على اختلاف فئاتها حق من حقوقها، وفرصة ثمينة لجلب انتباهها إلى مختلف القضايا التربوية التي يرتبط بها مصيرها، وعليها تبني آمالها، وتحقق ازدهارها ورقيها؛ فمن حق كل مواطن أن يناقش بكل حرية كل بنود المشروع، وأن يقترح ما يبدو له أنه الأصلح والأصوب والأفيد. بالإضافة إلى جعل الأوضاع التربوية موضع إعادة النظر وإخضاعها للملاحظة والنقد والدراسة والتقويم، وعرض الحلول وإفساح المجال إلى انتقائها واصطفائها على بصيرة من الأمر، وقياسها واختيارها على ضوء المعطيات التاريخية، فلا تكون غريبة عنه ولا بعيدة، ثم يهيَّأ المناخ الاجتماعي والثقافي والظروف الاقتصادية والسياسية المناسبة. زد على ذلك أن عرض الخطة الإصلاحية على الأمة يساعد على تحفيزها وإعدادها للعمل بها عن طريق مشاركاتها في المناقشة في مرحلة التبني؛ فتبدي رأيها من جهة وتقتنع بمبررات الإصلاح التربوية، فتتبناها عن رَغَب لا يشوبه رهب. ومن ثمة فإن عرض المشروع على الأمة ضرورة تشريعية منهجية إجرائية تستلزمها طبيعة العدالة الاجتماعية، كما تستلزمها حاجة الخطة الإصلاحية إلى مساهمة الأمة في تحقيقها، ولهذا الغرض يطلب توفير الشروط التالية: أـ حق الأمة في اختيار البديل التربوي لتشعر بمسؤوليتها نحو الخطة الإصلاحية المعروضة، ويمارس حقوقها في تقرير مصيرها بنفسها كنتيجة من نتائج حريتها وبُعد من أبعادها. ب ـ إعداد الأمة للمساهمة في مرحلة التطبيق، ورفع وعيها التربوي كأهم عامل من عوامل الإصلاح التربوي. ج ـ اعتبار العدالة الاجتماعية حقاً من حقوق الأمة، ومبدأ من المبادئ الأساسية للخطة الإصلاحية تذوب أمامه كل الفورق، ويعمل على تحقيق التكامل الاجتماعي. د ـ إلقاء الأضواء على السلبيات والإيجابيات التي تشكل الحياة التربوية، بما في ذلك المؤسسات والمنظومات التربوية برمتها. هـ ـ نقد المفاهيم التربوية والمناهج والطرق والسياسة التربوية بأجمعها، والإحاطة بكل ما له علاقة بالتربية والثقافة؛ مع العناية التامة بمختلف المسائل التربوية والوعي اللازم، واتباع الخطة الإصلاحية للواقع ولجميع المعطيات الموضوعية التاريخية واختيارها قصد تكييفها بقدر ما يحقق للخطة من النجاح في مرحلة التطبيق. فإذا تحققت هذه الشروط في مختلف المراحل، وبعرض الموضوع على الأمة بحرية وجدية؛ فإن مرحلة التطبيق سوف لا تكون صعبة. ومما يساعد على سير الأمور سيرها الطبيعي أن تأخذ مرحلة الإعداد والتبني ما تستحقه كل مرحلة من العناية والجدية والشرعية والمنهجية؛ على أن طرق التبني كثيراً ما تختلف باختلاف النظم السياسية، ولذلك فإنه لا داعي لتحديدها.

стр. 5055

التكامل في التربية بين مفهومين محمد بن عبد الله الدويش كثيراً ما نتحدث عن التكامل في التربية باعتباره خاصية وسمة تربوية مهمة، بل إن هذا الأمر أصبح بديهة مستقرة في أذهان معظم المهتمين بالشأن التربوي. وحين نتجاوز الحديث عن أهمية التكامل والحاجة إليه، وننطلق للحديث في تحديد مفهومه أو عناصره نرى أن الغالبية يحددونه بأنه تحقيق البناء الإيماني، والعلمي (يُقصد به العلم الشرعي) والسلوكي، والدعوي. لكن هذا المفهوم للتكامل بحاجة إلى تساؤل مهم هو: ما مدى شمول هذا المفهوم واستيعابه لخاصية التكامل التربوي؟ إن من يتأمل في هذا المفهوم يرى أنه يكاد ينحصر في جانب التدين في شخصية المرء وما يتصل بها، ويتجاهل الجوانب الأخرى في الشخصية. ومن هنا؛ فالحديث عن بناء القدرات العقلية ومهارات التفكير لدى الفرد، والمهارات الاجتماعية، والصحة النفسية ... إلخ ـ الحديث عن هذه الجوانب في التربية الدعوية لا زال نادراً؛ فضلاً عن الاعتناء بذلك في التطبيق والممارسة. ولعل هذا الفهم المجزوء لقضية التكامل يمكن تفسيره باعتبارات عدة أهمها: ` طبيعة المهمة الدعوية، وأنها تُعنَى بتحقيق عبودية الفرد لله ، ويعنيها بناء التدين في شخص المتربي. ` ضخامة المتطلبات التربوية في بناء شخصية الإنسان، واعتبار هذه القضايا محدودة وثانوية في مقابل جانب التدين. ` اتساع دائرة المهتمين بالتربية الدعوية بصورة لايتلاءم معها الاتساع في الاهتمام بالتخصص والاعتناء به، بل يصاحبه في أحيان كثيرة التزهيد بهذا العلم باعتباره نتاجاً غربياً وافداً، وافتعال الثنائية بين التربية الشرعية أو التربية على منهج الكتاب والسنة، وبين الأخذ بالاتجاهات التربوية الحديثة، وهذه الثنائية إن لم تكن في التنظير فهي في التطبيق والممارسة. ` قصور مفهوم التربية لدى فئة من المهتمين بالعمل الدعوي، فهو يعني جوانب السلوك والآداب والرقائق، ولعل ما نسمعه كثيراً من مصطلح «قضايا تربوية» . «موضوعات تربوية» . «الجانب التربوي» ... إلخ. يعطي شاهداً على ذلك. إن هذا المفهوم القاصر للتكامل بحاجة إلى مراجعة، والتربية الدعوية بحاجة إلى الاعتناء بشخصية الإنسان بكافة خصائصها ومكوناتها؛ فالإنسان كائن متكامل تؤثر جوانب شخصيته وتتأثر بعضها ببعض، وحين نجتزئ شخصيته ونتعامل مع جانب دون آخر ننتج كائناً مشوهاً. والمهمة التي تنتظرها التربية الدعوية من منتجها تتجاوز مجرد الاكتفاء بالتدين الشخصي إلى الدعوة والإصلاح والتغيير في المجتمعات، وهذه المهمة تتطلب تحقق مواصفات وعناصر مهمة في شخصية المتربي، وهذه المواصفات والعناصر غائبة عن التربية المتكاملة بالمفهوم القاصر. إن طائفة من جوانب الإخفاق والفشل الدعوي لدى شباب الصحوة وفتياتها يمكن إحالتها إلى ضعف الهمة وقلة الشعور بالمسؤولية الدعوية وضعف الإيمان، لكن هناك طائفة أخرى من الإخفاقات مصدرها القصور في بناء شخصية هؤلاء، وفقدان جوانب جوهرية في تكوينهم. وتجاوز هذه المظاهر من الخلل والقصور لن يتم بمجرد إعداد قائمة بمظاهر الخلل والأسباب والحلول، إنه بحاجة إلى مراجعة تربيتنا التي أخرجت هذا المنتج، ومن أهم جوانب الخلل فيها غياب التكامل الحقيقي في رعاية شخصية الإنسان. وحتى نحقق هذا المطلب لا بد أن نفصل بين منزلة الإنسان عند الله التي معيارها التقوى والطاعة، وبين طبيعة المهمة التي نعد الشخص لها، وأن نعلم أن الشاب التقي الصالح الذي يفقد الشخصية الناضجة المتكاملة قد لا ينجح في المهمة التي تنتظر منه؛ فالذي يعد للمهمة الدعوية يحتاج مع الصلاح والتقوى إلى ما يهيئه لهذه المهمة ويعده لها. إننا بحاجة لحديث أعمق وتحليل لمفهوم التكامل التربوي، وإلى تجاوز اختزال شخصية المتربين في جوانب محدودة.

стр. 5056

تحيا اللغة العربية صلاح حسن رشيد هجمة «شعوبية» جديدة على العربية.. «يسقط سيبويه» دعاية مكشوفة للعامية في مصر كاتب يخطئ في قواعد العربية، ويتبنى أفكار سلامة موسى وطه حسين الخاسرة. ثم يدَّعي موت الفصحى لحساب اللهجات العامية. هل عادت الشعوبية تطل برأسها من جديد؟ وهل وُلد سلامة موسى ولويس عوض أعدى أعداء لغة الضاد مرة ثانية؟ وهل أضحت الفصحى مرتعاً خصباً لتخريب دعاة الاستشراق وتلاميذ الغرب في القرن الواحد والعشرين؟ وهل لغتنا الجميلة عقيمة وميتة مثلما يردد هؤلاء الموتورون والحاقدون؟ هذا باختصار ما يتضح لأول وهلة فور مطالعة العنوان المستفز لمؤلف أديب معروف، مناصر للثقافة الغربية هو «شريف الشوباشي» وكيل أول وزارة الثقافة المصرية، في كتابه «تحيا اللغة العربية.. يسقط سيبويه» (١) . وهذا ما سألط الضوء عليه. ^ فاقد الشيء لا يعطيه: بداية: كيف ينتقد شريف الشوباشي قواعد اللغة العربية، ويتهمها بالجمود والتخلف والتكلس، ويدَّعيِ أن الفصحى لغة ميتة، وأن هناك على حد تعبيره «شيزوفرنيا لغوية» داخل المجتمع العربي، بينما يبدو أسلوبه ركيكاً، فجاً، يخالف قواعد اللغة العربية، ومليئاً بالأخطاء النحوية والصرفية والسياقية والتاريخية؛ فضلاً عن خلوه من المنهجية العلمية التي تستوجب اتباع قواعد البحث العلمي القائم على الأدلة والبراهين والاستنتاجات لما يرمي إليه؛ بدلاً من الادعاء بلا دليل، وسوق النتائج بدون المقدمات المؤدية إليها، وهو ما وقع فيه الشوباشي؛ نظراً لقلة بضاعته اللغوية، وعدم تمكنه من أدوات الكتابة، ناهيك عن التصدي لموضوع أكبر من حجمه، وأعلى من ثقافته الغربية. ^ ادعاء واهم: ويدعي هذا المؤلف أن جيل الأمة العربية الجديد يعاني اليوم على حد قوله من «جراء تعلُّم العربية، أو يشعر بعقدة نقص لعدم إجادته العربية إجادة تامة» ليصل إلى أن السبب في ذلك ليس راجعاً لهؤلاء الصغار، ولكنه «في اللغة التي لم تشملها سُنَّة التطوير» ، وقوله: «إنما المعضلة تكمن في اللغة العربية التي ترقى تعقيداتها إلى مرتبة اللوغاريتمات المنغلقة على عقول غير المتخصصين» . ويصل إلى حقيقة الحقائق ـ من وجهة نظره الفاسدة والمغلوطة عقلاً ومنطقاً وتاريخاً ـ ليقول: «فالعربية هي اللغة الوحيدة في العالم اليوم التي لم تتغير قواعدها الأساسية منذ ١٥٠٠ سنة كاملة» . ونسي هذا الرجل أن اللغة العربية متطورة، فتية، خصبة، راسخة، ثابتة. وأن استطاعة العربية أن تبقى شامخة بليغة، في حين اندثرت لغات ولغات؛ وهذا أوكد الدليل على كذب افتراءاته، وسقم آرائه. ويتصور الشوباشي ـ بخياله الجامح ـ أن العربية «قد تتعرض لخطر التقوقع وربما الاختفاء، لا قدر الله، كلغة حية يستخدمها الناس في التعامل فيما بينهم. وقد تتحول إلى لغة لا يعرفها سوى بعض العلماء والمتخصصين، ويتعلمها الناس لقراءة القرآن الكريم فقط» . وينسى هذا المؤلف أن جميع لغات الأرض تشتمل على الفصحى والعامية، وأن المجتمعات الغربية والشرقية تتكلم بلغة أدنى بعض الشيء من لغتها الرسمية. يحدث هذا في الإنجليزية والفرنسية، وكذلك في العربية؛ وإلا اختفت لغة الأدب طالما أن لغة الشارع هي الفصحى اليوم. وأسأل الشوباشي: هل يفهم صغار فرنسا وإنجلترا أشعار شكسبير وجيمس جويس؟ وهل يتحدثون بلغتهم الصعبة؟ لا شك أن هناك ازدواجية في اللغة؛ لكنها لا تعني موت اللغة الأم، أو انتصار العامية عليها؛ مثلما يتقوَّل الشوباشي. ^ السير على أخطاء طه حسين: ويعتمد المؤلف على معلومات خاطئة وقع فيها طه حسين من قبل، ويرددها دون إعمال عقل أو تفكير؛ مستنداً إلى آراء أستاذه طه حسين في كتابه النكبة: «مستقبل الثقافة في مصر» ـ الذي تبرَّأ منه قبيل وفاته ـ ومنها قوله: «وأنا نذير للذين يقاومون هذا الإصلاح بخطر منكر، وهو أن اللغة العربية الفصحى إذا لم ننل علومها بالإصلاح، صائرة ـ سواء أردنا أم لم نرد ـ إلى أن تصبح لغة دينية ليس غير، يحسنها أو لا يحسنها رجال الدين وحدهم، ويعجز عن فهمها وذوقها، فضلاً عن اصطناعها واستعمالها غير هؤلاء السادة من الناس» . وعلى قول طه حسين السقيم: «إن اللغة العربية ليست ملكاً لرجال الدين، ولكنها ملك للذين يتكلمونها جميعاً من الأمم والأجيال» ؛ وذلك لأن اللغة ملك الجميع الذين يتحدثون بها، ويشاركون في إثرائها بالجديد والمفيد من المصطلحات والتعبيرات، وليس كما يتخرَّص الشوباشي. ويستدل المؤلف أيضاً بكتابات (فيليب حِتِّي) المعادية للعروبة والإسلام التي يقول فيها: «والعرب لم يبدعوا أن ينشئوا فناً عظيماً خاصاً بهم من الفنون المعروفة، ولكنهم عبروا عن الغريزة الفنية بصورة واحدة هي الكلام. فإن فاخر الإغريقي بما عنده من تماثيل الفن ومنشآت هندسة البناء؛ فالعربي يرى قصيدته أفضل ما يعبر عن خلجاته الداخلية» . ويتجاهل هذا الفرانكفوني أن إبداع الشعر أسمى الفنون والمواهب، وأن العرب امتازوا على أمم الأرض في هذه الملكة الني لم تدانيهم فيها أمة من قبل. ويهاجم الشوباشي التشكيل في العربية، زاعماً أنه السبب الرئيسي في الهوة الناتجة عن سوء استعمالها اليوم؛ متصوراً أن ذلك عيب فيها؛ بينما يؤدي الشكل إلى الإفهام والوصول إلى الإدراك بسرعة بدلاً من الإلغاز والضبابية والتشويش على المتلقي، وهو الحادث في اللغات الإنجليزية والفرنسية مثلاً. كما يعتبر الشوباشي أن المثنى في العربية داء وبيل؛ لأنه غير موجود في اللغات الأخرى، وأنه يوقع المرء في اللبس، وهو زعم يبدو واهياً؛ لأن التثنية شيء موجود في الواقع المعيشي، ولا يمكن إنكاره أو تجاهله من حياتنا؛ فكيف نتهم لغتنا إذن بأنها غير واقعية، وهي التي تعبر عن الكائنات والأشياء بدقة سواء مفردة أم مثناة أو مجموعة. ونصل في نهاية هذه القراءة السريعة لكتاب الشوباشي إلى أن سقطاته أدت إلى انحرافاته في الفهم، وقادته إلى الخطل، وسوء الفهم والقصد؛ لأنه قارن العربية باللغات الأوروبية المتيم بها؛ ولهذا جاء كتابه متحاملاً جداً على لغته وتراثه ودينه، كما أنه أعاد العزف الممل لـ (سيمفونيات) مكرورة ساذجة «نشاز» عزفها من قبل سلامه موسى ولويس عوض وطه حسين، وثبت بطلانها وفسادها على مر الأيام؛ والدليل أن أسلوب طه حسين في الكتابة آية في البلاغة، والفصاحة، والتعبير الجميل؛ أما أسلوب تلميذه الشوباشي فلا يمت للعربية بأية صلة.

стр. 5057

بكائيات عراقية بكائية الاحتلال سامي أحمد الموصلي بحشرجة الصدور بكى كلامي وبالدمع السخين غدا مُدامي بكيتُك يا عراقُ بكاء طفل تهدهده الوليدة من سقامِ يتيماً كنت في أيدي نظام وصرت بأسر ظُلاَّمٍ لئامِ تداعى الكافرون عليك زوراً بكل مكيدة في قوس رامِ وبت وقد تناوشك اعتداء كما اجتمع الضباع على الطعامِ وهذا الشعب نهبة كل غاوٍ وكل يدعي حب الوئامِ يتيم شعبنا المسكين حتى غدا كوليمة المال الحرامِ نرى الأعداء من شرق وغرب يحيكون التآمر في الظلامِ وأمريكا لها طعم شهي لمن يرضى الدنية في سلامِ لها لغو خبيث أعجمي ومعسول الكلام بلا نظامِ ويجرح وجه شاشات بكاءٌ من الأطفال في موت زؤامِ شكوت إلى الإله مصاب شعب وما قد حاكه خَفْرُ الذمامِ فكن للدين يا شعبي رفيقاً تكن في الخير حيث الخير رامي فهل نرجو على ما صار فينا شفاء من دواء أو طعام أم الدنيا يغالبها لئام ويبقى شعبنا غرض السهامِ بدون الدين دنيانا حرام وهل يرجى الحلال من الحرامِ؟ شهيد شعبنا في حرب كفر وعند الله محتكم الأنامِ

стр. 5058

وانتهى الضياع عبد الله السعد لست من النوع الذي يتنصت على جيرانه، أو يحاول كشف أسرارهِم. ولكن جاري عادل مختلف؛ فهذا الطالب الهادئ الرقيق جعلني أشعر بالتطفل والرغبة في معرفته أكثر. بدأت القصة عندما سكن بجواري طالب يدرس في المعهد العالي للموسيقى.. كان هادئاً تأنس النفس لمرآه.. وكنت ألتقيه على السلالم أو عند البقال، فيحييني في خجل وينصرف. وبالرغم من ابتسامته استطعت أن أرى لمحة من الحزن تظهر على وجهه تخبرك أنه من تلك الأسر التي تربت في النعيم، ثم أدركها فقر، فبقي نقاء الأصل، وهذب الفقر نفوسهم. وكان يحمل معه آلته في كل مكان. وكم رأيته في الحديقة القريبة يحضنها، وينظر للنهر، فأراه وقد رحل في عالم غير عالمنا فأمرُّ قريباً منه فلا يشعر بي، فأعلم أنه غارق في تأملاته.. وعجبت لمثله يحمل همّاً وهو في سن الانطلاق، وظننته من النوع المتشائم في البداية، ولكن ملاقاتي له لأكثر من مرة، وحديثنا البسيط أخبرني أن هذا الشاب ذو نفس حرة منشرحة.. ولكن الحياء يمنعه من الخلطة، والشعور بالغربة يبقيه في عزلته. سهري في بيتي الهادئ يجعل لديَّ وقتاً لأتابع معزوفاته.. ومع أنني لست من الذين يهتمون بالموسيقى وبالفنون إلا أنني كنت أحب سماعه وهو يعزف.. وعزفه الهادئ يعكس شخصيته، وتركيزه على الأوتار الحادة يجعلك تشعر برغبته في الصراخ كأن شيئاً يؤلمه. ولكن العجيب أنني كنت أسمعه يبكي في كل ليلة، ومهما حاول إخفاء البكاء فلا بد أن يصل لسببين: هدوء الليل في هذه المناطق.. والطريقة التي تبنى بها البيوت في المدينة؛ حتى لكأن كل الجيران يعيشون معاً في بيت واحد. وكنت أشعر بالعجب والتطفل لما يجري في غرفة الجار الصغير.. وكم مرة قمت من سريري ولبست معطفي لأذهب إليه؛ فلعله يشكو من شيء فأقف إلى جواره، ثم يدركني الحياء فأقول: وما شأنك أنت؟ رجل في بيته ويبكي.. ربما وصلته رسالة من أحد أهله فآلمته.. وربما يبكي غربته وبعده عن موطنه.. فأعود إلى فراشي ثانية وأدعو على تطفلي وعلى الموسيقى التي سببت لي هذا البلاء. ولكنني في النهاية عزمت على الحديث معه وبدأت تحيُّن الفرص؛ حتى جاءت الفرصة المناسبة في أحد الأيام، وكان الجو صافياً، والنسيم عليلاً فوجدته في الحديقة يقرأ كتاباً فاقتربت منه. فلما رآني هش لي ودعاني للجلوس، فاقتربت منه وأنا أبتسم، وبدأنا نتكلم عن الجو وعن الأهل والغربة.. والدراسة والتخرج.. والوظيفة والزواج.. حتى وجدت الوقت مناسباً فسألته: - عادل.. هل تشكو من مرض؟ - فتعجب من سؤالي، ولكنه رد عليَّ بنفس متوقدة: - لا، ولله الحمد. - هل تحن لأهلك؟ - الحنين وارد بلا شك، ولكنني أشعر بالراحة هنا أيضاً؛ حتى إنني أفكر أن أبقى هنا بعد تخرجي. - متى ستتخرج؟ - بإذن الله هذا هو الفصل الأخير.. ولكن. - ولكن ماذا؟ - صدرت عن صدره آهة عميقة شعرت بحرارة أنفاسها تحرق قلبه.. ثم رد في مرارة: - وماذا بعد ماذا؟ - وماذا بعد التخرج؟ - التعيين بإذن الله. - التعيين ... طلب الرزق بالمعصية؟ -..... - ربما تريد أن تصل إلى سبب بكائي.. أليس كذلك؟ - فاجأني بالسؤال.. فلم أرد عليه.. - الحقيقة أنني شعرت أنك سمعتني.. والمشكلة يا أخي أن منازل الورق التي نعيش فيها تفضح كل شيء حولنا. - إذاً.. ما السبب يا عادل؟ صارحني! - اسمع يا أخي! لقد نشأنا في بيوت بسيطة.. وكنا نعرف أن الله يعطي النعم؛ لأننا نعبده؛ فإذا عصيناه تحولت هذه النعم. - وأين المعصية في حياتك؟ - لقد كنت أشعر بالتميز من أجل دراستي، ولكن حضرت محاضرة في الكلية، وكان الشيخ يتكلم فيها عن المعازف.. ومن يومها شعرت أنني لست على الطريق الصحيح. - ولكن هذا رزقك.. وحياتك يا عادل.. والله غفور رحيم. - نظر إليَّ في هدوء وابتسم.. ثم رد: أمّا الرزق فهو يأتي من الله؛ فلو حَرَمَ عاصياً فقد أنصفه.. وأما حياتي فأي شيء تنفعني الحياة إذا غضب الله عليَّ؟ ثم حبس عبرة كانت تريد أن تخرج، واستأذن وقام وتركني.. ثم التفت ثانية وقال: المشكلة أن نفسي ضعيفة تعجز عن الوصول إلى الطريق. لم تتغير حياتنا كثيراً في الأيام التالية.. شيء واحد شعرت بتغيره.. وهو أن جلسة العزف التي بدأت تقل حتى انقطعت.. وصوت البكاء بدأ يتغير.. ولكنني لاحظت أنه يخرج من غرفته كل يوم بعد منتصف الليل أو قريباً من الفجر. في البداية لم يكن الأمر يشغلني كثيراً؛ فقد أخذتني الظنون كل مأخذ، وابتسمتُ وقلتُ: مرحلة شباب. ولكن لما كثر الأمر شعرت بالقلق على جاري، وأحببت أن أعرف سره، فسهرت في ليلة من الليالي، ثم لما شعرت به يتحرك قمت وارتديت معطفي، ولما خرج من الغرفة خرجت في أثره، وبدأت أتبعه بحيث لا أفقده ولا يراني. كان السكون يوحي بالرهبة والطمأنينة، وشعرت كأن نفسي تبتعد عني، وبدأت أسمع دقات قلبي. ومع انكسارات أنوار المصابيح على الجدران بدأت أذكر الله من خوفي.. وفي السكون سمعت في البعيد صوت المؤذن: «الصلاة خير من النوم» .. فشعرت برغبة في البكاء.. لم أصلِّ الفجر في المسجد منذ زمن.. سأصلي، ولكنني أريد أن أعرف أن سيذهب عادل. وتوجه عادل إلى منتصف المدينة. كنت أفكر ماذا سيفعل في منتصف المدينة في هذا الوقت.. ترى هل هو على موعد مع أحد؟ توقفت الرحلة عند هذا الحد؛ فقد وصلنا إلى الجامع الكبير.. ودخل عادل إلى المسجد.. كان متوضئاً، فوقف يصلي ركعتين.. وبقيت أنظر إليه.. لقد عرف الطريق.. ومع وقوفه في الصف توقفت دموعه، واتخذ القرار.. ووقتها انتهى الضياع.

стр. 5059

أسد من الفلوجة سعد بن ثقل العجمي أنا يا أخا ليث الشرى الفلُّوجي أنا في الحروب مزمجر العلوجِ القاذفُ النفسَ الأبيةَ في الوغى فتسمَّعوا يوم الفداءِ ضجيجي المشهرُ الرشاش في وجه العدا طلقاته لحن به تهييجي الملهِبُ الأرضَ اضطراماً والعدو يصيح ذلاً: كيف كيف خروجي فخروجكم هو في خروج الروح من جسدٍ وإلا فاحتموا ببروجِ * * * * * * * قف أيها الباغي فدونك ملحمهْ وخيولنا نحو المنية مقدمه لا لن نكل ولن نذل من الوغى حتى وإن أبدى الصديق تجهمه تالله لن نهنا بنوم لحظة ما دام في الدنيا تهان المسلمه والله لو أعلى العدو بأرضنا أنفاً لكان الفرض في أن نرغمه يا من يصدق خدعة التحرير هل قادت لِوَا التحرير يوماً مجرمه

стр. 5060

دموع الورد عز الدين سليمان فَتَحتْ لأطيار الصَّباحِ كتابَها بدم القرنفلِ كحَّلتْ أهدابها رشَّتْ على شَعْرِ الرُّبا أطيابها خَجِلتْ فما قالتْ: شربتُ رُضابها حتى الصَّباحِ، وحطَّمتْ أكوابها وتعيد، كيف تعيد لي أسرابها؟ كيمامةٍ قتل الهجيرُ صحابها وخرابهِ، تهوى الطيورُ خرابها وكُرومُ صدريَ أطلعَتْ أعنابها هَرِمَتْ أغانٍ، من يعيد شبابها؟ سَمِعَ النُّبَيْعُ جنونها فوشى بها تخفي بمئزرها السَّماءُ سحابها عصفورةُ الوادي أتحرقُ غابها؟ أسَكِرْنَ من حزنٍ؟ أصار شرابها؟ أَسقي بدمعي الأريحيِّ ترابها؟ رغم الصَّقيعِ، وعانقَتْ أترابها ناحَتْ ترودُ جُرودَها وشِعابَها شربَتْ أزاهيرُ الصَّباحِ عِذابها ضاعتْ، ولم تحملْ إليَّ جوابها تبكي، وقد حملتْ إليه ربابها غَسَلَتْ بدمع السَّاهرينَ خضابها تنسى الرِّياحُ العابراتُ عبابها والشَّمسُ تعلنُ في الدُّروب غيابها تبكي عليَّ، وأغلقَتْ أبوابها خلعَتْ وُرَيْداتُ السُّفَيْح ثيابَها صلَّت لربِّ الورد حتى نلتقي باحتْ بأسرارٍ قديماتٍ لنا قالتْ: سقاني شِعْرَه، وسقيتُه قالتْ: على الوادي سهرنا مرّةً قالتْ: أُحبُّ يديه تمسح جبهتي وأحنُّ للصَّدر الحنون يضمُّني وأحبُّه، وأحبُّ بعضَ جنونِه ما فاحَ عطريَ مرّةً إلاَّ له أسراريَ العطراتُ عرَّاها، وقد كم همسةٍ سرِّيةٍ مجنونةٍ خبّأتُ عطريَ في يديه مثلما أنفقت عمريَ كلَّه من أجله حزنٌ غريبٌ رفَّ فوق براعمي الله! ما هذا الهوى؟ أخرافةٌ كم وردةٍ قتل الصَّقيعُ، فأورقَتْ كم طيَّرتْ كفُّ الحنينِ حمامةً عادتْ وفي منقارها أكذوبةٌ كم دعوةٍ عطريّةٍ أرسلتُها كم أَرْزةٍ تسعى إليه جريحةً أقلقْتُ جيراني، فكم حُوريّةٌ وَعَدَ الشَّقيُّ، وما وفى بعهوده ومررتُ ملتحفاً ببُردةِ عاجزٍ فسمعتُ من خلف التّلالِ نداءها

стр. 5061

حركات «التحرير» في ثوبها الجديد د. عبد العزيز كامل التاريخ (الرسمي) الحديث أكثره تاريخ مزيف؛ فأبطاله المعاصرون أكثرهم من الأصنام المصنوعة في صور ثوار ملهمين، أو قادة مصلحين، أو جنرالات وضباط وُصِفوا بالأحرار مع أنهم لم يكونوا سوى حلفاء ثم خلفاء للاستعمار، بعد رحيل هذا الاستعمار شكليّاً ومرحليّاً عن بلاد المسلمين خلال عقود خلت. وقد جسد هؤلاء العملاء في وضوح مفضوح حقيقة التحالف السرمدي الدنس بين قوى الكفر الظاهر، وتكتلات النفاق المراوغ الذي يتقلب في ألوان الخداع والمكر محاولاً إخفاء حقيقته المعادية لله ولرسوله والمؤمنين ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] . ولم تكن حقبة الثورات والانقلابات التي عصفت بالمنطقة في النصف الثاني من القرن العشرين تحت مسمى (حركات التحرير) إلا تعبيراً عن تذبذب هؤلاء في الولاء بين الأمة وأعدائها؛ فهم قد قاموا بثوراتهم، وأطلقوا حركاتهم، وأسسوا أحزابهم باسم تحرير الشعوب واسترداد السيادة ومقاومة المعتدين، ولكن هذا الظاهر الطاهر كان يخفي وراءه باطناً شائناً تمثل في قهر الشعوب وإضاعة مقدراتها وتمكين الأعداء منها، ومع ذلك ظل هؤلاء (التحرريون) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلَى هَؤُلاءِ وَلا إلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] والآية ـ كما قال ابن كثير تتحدث عن قوم: «محيَّرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهراً أو باطناً، ولا مع الكافرين ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك؛ فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى أولئك ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] (١) . والمعروف أن الزعامات «التحررية» لم تزعم يوماً أنها تتبنى نهج الإسلام، بل إنها رفعت الرايات المناوئة له، وتبنت النظريات المتناقضة معه، حتى أوقعوا الناس معهم في حيرة بسبب التخبط في المناهج، ومحاولة إلصاق الباطل الذي يجيئون به مع الحق الذي جاء من عند الله، وقد وجدوا من المضللين من يلفق لهم خليطاً هجيناً ليصنعوا منه منهجاً وديناً ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤٣] ؛ فمرة يتحدثون عن الاشتراكية الإسلامية، ومرة عن الديمقراطية الإسلامية أو الإسلام الليبرالي، وأخيراً، يجري الحديث اليوم عن خداع جديد يتطلب مخادعين جدداً، تحت مسمى (الإسلام المدني الديمقراطي) على ما سيأتي بيانه. إننا على أبواب عهد جديد تغلق فيه الحقبة الثورية الصاخبة القديمة للتحريريين القدامى الذين أوغلوا في إضاعة الأمة وإضعافها، لنلج في مرحلة جديدة «أبطالها» جيل جديد من فصيلة «التحريريين» ولكن بلا رايات ثورية، ولا شعارات نارية، ولا حناجر ولا خناجر، جيل جرى تجهيزه في دهاليز المخابرات وأوكار الجاسوسية يمثله فئام من عملاء باهتين مدجنين، يرضون بالقوادة بدل القيادة، ولا يأنفون من الانبطاح لذوي «السيادة» من اليهود والنصارى أو غيرهم. أما مناسبة تسميتهم بـ (التحريريين) مع كل هذا؛ فلأنهم يتواءمون ويتلاءمون مع مشروعات وأطروحات مرحلة جديدة من خطط (التحرير) الأمريكي التي بدأت في أفغانستان، ثم انتقلت إلى العراق ليجري الترتيب بعد ذلك للمزيد من عمليات (التحرير) ، كـ «تحرير» سوريا و «تحرير» إيران، و «تحرير» لبنان، و «تحرير» السودان، وغير ذلك. إنها مرحلة جديدة من عهود «التحرير» تختلف جذريّاً عن مراحل الجعجعات النفاقية السابقة بإزالة الاستعمار، ومقاومة الاحتلال، والمقاومة من أجل الاستقلال، إنها مرحلة يدافع فيها «التحريريون» الجدد عن «حسنات» الأجنبي، و «مناقب» المحتل، و «فضائل» المستعمرين الجدد. وإذا كان التحريريون القدامى قد خبروا على مدى عقود طويلة كيف يخدرون الأمة بشعارات التحرير الزائفة الكاذبة لتجد نفسها في النهاية في أسر التبعية والعبودية؛ فإن التحريريين الجدد يختصرون الطريق، فيبشرون الناس مقدماً بالعجز والإفلاس، وضرورة الاستسلام المبكر باسم الواقعية، وهم يبذلون جهدوهم من الآن لتوطين الهزيمة، وتطبيع المشاعر لـ «التعايش السلمي» مع الغزاة المجرمين. ` بين عهدين: بالرغم من سطوع الحقيقة القائلة بأننا على أبواب عهد جديد من الممارسة النفاقية باسم التحرر، إلا أنني أقول إننا لم نَلِجْها بعدُ بشكل كامل، فلا زلنا نعيش في الفترة الانتقالية بين عهدي التحريريين القدامى والتحريريين الجدد؛ إذ لا تزال بقية من الثوريين والتحريريين القدامى تقاوم الفناء، وتستميت في استرضاء الأعداء بإحداث انقلابات فكرية جذرية موتورة، لا تقل في خفتها وسخافتها عن الانقلابات العسكرية الثورية التي كانوا يفاجئون الأمة بها بين آن وآخر. ولأن هناك أجيالاً ناشئة قد نأت زمانياً أو مكانياً عن عهود التحريريين القدامى، فلا بد من استرجاع شيء من مسيرة هؤلاء القدامى الذين مارسوا الإفساد باسم الإصلاح، ورسخوا التبعية باسم التحرير. إن نظرة عاجلة في تاريخ هؤلاء تنبئك بأنهم مسؤولون عن واقع الأمة الأليم اليوم، وما النكبات والنكسات المتوالية على أيديهم إلا أعراض لأمراض مزمنة مرضت بها قلوبهم، وأرادوا أن يمرضوا بها الناس، ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة: ١٠] ، وتتلخص هذه الأمراض في سوء الظن بالله والكراهية لما أنزل الله وشدة العداوة لأولياء الله من المؤمنين الصادقين العاملين لنصرة الدين؛ وذلك في الوقت الذي يحسنون فيه الظن بالأعداء وما هم عليه من باطل وشر، كان دوماً يأسر قلوبهم حتى يبالغوا في تقليده ويتفننوا في استيراده أو استنساخه في ديار المسلمين، وهم مع كل هذا يستنكفون أن يُنسب المسلمون إلى الإسلام، بل يختلقون من دونه الروابط والمناهج الجاهلية: مرة باسم القومية العربية، وتارة باسم البعث العربي الاشتراكي، وطوراً باسم التقدميين أو الاشتراكيين أو اليساريين، والآن باسم الليبراليين أو التنويريين أو الحداثيين. وفي جميع الأحوال فهم كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢] . لقد انتعشت تلك الحركات في ستينيات القرن المنصرم تحت ما يسمى بـ (ثورات التحرر) وكان على رأسها الحركات القومية التي تتمثل في ثلاث فصائل رئيسية هي: البعث العربي، والقوميون العرب، والناصريون. وقد تمكنت هذه الحركات من الوصول إلى السلطة مدعية أنها ستحرر شعوبها من آصار الاستعمار، فحكمت في مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا واليمن والسودان، وبقيت معظم الدول الأخرى في أطر تتسم بالفردانية لا القومية، فكانت في الغالب لا تثور ولا تثير ولا تثار. أما التحريريون القدامى؛ فقد ابتكروا ثم احتكروا شعارات التثوير والتخدير مثل: «ثورة ثورة حتى النصر» ، «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» ، «المعارك مستمرة حتى تحرير آخر شبر» .... «آخر بوصة» .. «آخر ذرة من التراب الوطني» .. «آخر حبة رمل من الأرض العربية» !! ولكن ذلك الـ «آخر» لم يأت في أول عهود الثوريين القدامى ولا في آخرها؛ فها هم يرحلون عن أسرَّة المرض أو كراسي الحكم، الواحد تلو الآخر، في وقت لا تجد فيه أقدس وأعز وأغلى أوطان العرب والمسلمين من يتحدث عن تحريرها، فضلاً عن العمل لإنقاذها. صحيح أن التحريريين عاشوا فترة من الانتفاش والانتعاش لا تزيد عن عقد واحد من الزمن، إلا أن الهزائم بدأت تتوالى عليهم، بدءاً من هزيمة عام ١٩٦٧م التي كسرت كبرياء زعيم القوميين جمال عبد الناصر، الذي كان قد حاز زعامة شعبية جارفة امتدت من المحيط إلى الخليج بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦م. ولكن عبد الناصر سقط في حرب النكسة أمام (عصابات) اليهود التي توعد بإلقائها في البحر. وسقطت بسقوطه العديد من شعارات التحريريين، ثم توالى السقوط للأنظمة «التحرّرية» الأخرى؛ فما أن مات الزعيم كمداً من خذلان الشرق الشيوعي له، حتى ارتمى أبرز زملائه التحريريين في أحضان الغرب الرأسمالي، سالكين سياسة (الانفتاح) على كل ما هو غربي في الفكر والسياسة والاقتصاد والثقافة. وقد سُبق ذلك بتتابع سقوط الثوريين في دول أخرى غير مصر عبر انقلابات واضطرابات سادت كلاً من اليمن والجزائر والسودان. أما ليبيا التي حاول زعيمها أن يتزعم مسيرة القومية العربية والناصرية معاً، فقد قام على القومية فانقلب عليها، وتنصل من الناصرية فابتعد عنها ونأى بليبيا عن العروبة بعد أن بَعُد بها عن تطبيق الإسلام الذي وعد به في أول عهده. وكان سقوط زعامة ليبيا للقومية العربية، قد سبقه بوقت غير طويل، سقوط قيادة البعث العراقي فكرياً قبل أن يسقط عملياً؛ حيث قَتَل صدام، فيمن قتل، آخر أمل بقيام وحدة عربية ـ ولو شكلية ـ بقيامه بالغزو المفاجئ للجارة الكويت، ولم تبق للقومية التي أسقطها الزعيم القومي صدام من صوت بعد ذلك السقوط، إلا في معقل قومي صغير ظل يعمل في سوريا باسم (البعث العربي السوري) وظل يردد في طنين بلا رنين طموحات التحرير والتغيير و (البعث) ، ولكن تحت مشاعر تبعث على الخجل أكثر مما تبعث على الأمل، لاستمرار الجولان في الأسر اليهودي نحو سبعة وثلاثين عاماً، تنادي البعثيين والقوميين والناصريين وكل الثوريين والتحريريين أن هلموا لإنقاذي؛ فأنا (الجولان) أخت القدس والضفة وقطاع غزة، ولكن لا حياة لمن تنادي. ` نتائج متوقعة لمقدمات واقعة: لم يكن فشل التحريريين القدامى في مجابهة التحديات التي واجهت الأمة إلا تحصيل حاصل؛ فحركاتهم الثورية لم تمارس الثوران إلا على شعوبها، ولم يصرفها عن مواجهة تحديات الخارج المزعومة، إلا الانشغال بتحديات الداخل الموهومة. وقد أثبتت الأيام أنه ما من حركة من تلك الحركات أو ثورة من تلك الثورات كانت ذات بأس إلا على قومها رغم دعاوى القومية، ولا كانت ذات جبروت إلا على مواطنيها، مع طنطنات الوطنية، أما الأعداء الحقيقيون فلم يكن أولئك الثوريون يمثلون أمامهم يوماً نموذجاً يبعث على الهيبة فضلاً عن الاحترام. إن هناك أسباباً موضوعية أوصلت «مشروعات التحرير» إلى التحلل من استحقاقات التغيير الموعود والتحرير المنشود، وأهمها: أن تلك الحركات لم تحمل في الحقيقة مشروعاً حقيقياً للنهوض يليق بتاريخ الأمة وحضارتها ودينها الذي مهما ابتغت العزة بغيره أذلها الله، بل كان الثوريون يحملون خليطاً هجيناً مستهجناً من أفكار الكفار في الشرق الشيوعي، مطعمة بسقطات أصحاب الفلسفات في الغرب الصليبي. وفي ظل ذلك وقع التنافس بين الثوريين و «المحافظين» وأخذ أشكالاً عديدة من الصراع وصلت في بعض الأحيان إلى التآمر المتبادل مع قوى «أجنبية» لقلب الأنظمة وتصفية الحسابات، وكان هذا التآمر ـ ولا يزال ـ سبباً في استهانة ذلك الأجنبي بكلا الطرفين، وازدرائه بقومية تقوم على قيام كل قوم على إخوانهم. كانت الأولوية في مهمات الأنظمة العربية الثورية، هي محاربة الأنظمة العربية غير الثورية، أو الأنظمة المحافظة التي كان الثوريون يدمغونها بالرجعية، وكانت تلك أيضاً لا تدخر وسعاً في دعم خصوم خصومها، لكي ينوبوا عنها في أدوار النكاية والتنكيل. وبينما كانت عقدة العقد عند الثوريين هي «تصدير الثورة» فقد كان جلها عند المحافظين هو احتكار الثروة. وبين نزق الثورة وجشع الثروة ضاعت الأرض وجاعت الشعوب وتفرقت الكلمة. ولم يدخر «الوحدويون» من التحريريين أي جهد لتمزيق وحدة الأمة، أو ما تبقى من وحدتها؛ فعبد الناصر مثلاً نكَّل بالإسلاميين في مصر، ومع ذلك تمكن من التفرد بزعامة الساحة الشعبية العربية في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، وحاول أن يخطو خطوة على طريق ما كان يسمى بـ (الوحدة العربية) بإقامة كيان (الجمهورية العربية المتحدة) بين مصر وسوريا على أساس القومية الجاهلية العربية، ولكن جاءه من القوميين من يفسد خططه؛ فإذا بالبعث السوري (القومي) ينبعث مسرعاً في منازعته في زعامة القوم، فانسحب ذلك البعث من الوحدة مؤيداً الانفصال، بل بادر البعثيون السوريون إلى تسريح الضباط الموالين لعبد الناصر في الجيش السوري، وأعدموا بعضهم إثر حركة (جاسم علوان) في شهر يوليو/تموز ١٩٦٣م الذي قاد تمرداً عسكرياً وطلب من عبد الناصر الحماية، وتقرر بعد ذلك فرض الانفصال بين دعاة الوحدة والتحرر. وما أن هُزم عبد الناصر بعد ذلك بأربع سنوات ـ أي في حرب النكسة ـ حتى انقلبت عليه بقية أخرى من القوميين العرب، وحمّلوه مسؤولية الهزيمة، بل تحول بعضهم من التوجه القومي إلى التوجه الماركسي، فتحولت مثلاً حركة القوميين العرب في اليمن الجنوبي إلى كيان ماركسي تمكن من إقامة دولة شيوعية في جنوب اليمن، فمثلت بذلك سابقة خطيرة في إخضاع شعب مسلم كريم لحكم عصابة من لئام الملحدين. وجرياً على عادة الثوريين المزمنة بتبادل تهم الخيانة؛ بادر المنشقون عن عبد الناصر من القوميين باتهامه بالخيانة بعد أن قَبِلَ بأول مبادرة سلام أمريكية مع اليهود، وهي مبادرة روجرز لعام ١٩٧٠م (١) . ولم يكن مصير تيار الناصرية والقومية خارج مصر بأحسن منه في داخلها؛ فقد انقلب رفيق درب عبد الناصر على الناصرية والمعسكر الشرقي، ليختط لنفسه سبيلاً موالياً للغرب، عُرِف بـ «النهج الساداتي» وكان أبرز معالم ذلك النهج الجديد (في العهد الثاني للثورة القومية) هو خلع أردية القومية الجماعية، والمبالغة في لبس مسوح الوطنية الفردية التي انعزلت بها مصر سياسياً عن العرب والمسلمين، لتقترب من اليهود والغربيين ضمن أُطر معاهدات السلام المنفردة مع (العدو المصيري) ، الذي لم يجئ الوحدويون التحريريون الثوريون ـ للأسف ـ إلا بدعوى مواجهته تحت شعار (قومية المعركة) . ولم تكن الوحدة العربية أسعد بالتحريريين في سوريا منها في مصر؛ فبعد انقلاب البعثيين في شهر فبراير/ شباط عام ١٩٦٦م، قام وزير الدفاع السوري آنذاك (حافظ الأسد) بحركة انقلابية في نوفمبر/ تشرين الثاني عام ١٩٧٠م، أطاح فيها بزعامة حزب البعث القطرية التي كان على رأسها أمين الحافظ الذي لجأ إلى العراق طوال العهد البعثي ولم يُسمح له بالعودة إلى سوريا حتى بعد سقوط صدام حسين. وانشق حزب البعث السوري أيضاً على حزب البعث العراقي بعد انشقاق البعثيين السوريين على أنفسهم، ثم انشق البعثيون العراقيون على أنفسهم، فقاد صدام حسين حركة انقلابية ضد رفاقه البعثيين وقتل منهم عدداً كبيراً، كان منهم قادة كبار من أعضاء القيادة القطرية في العراق، بل قتل صدام عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة نفسه، وأمر بعض الرفاق بأن ينفذوا حكم الإعدام رمياً بالرصاص في رفاقهم الآخرين عام ١٩٧٩م، وقد كانت تهمة البعثيين العراقيين لزملائهم من البعثيين العراقيين الآخرين هي التآمر لحساب البعثيين السوريين. أما رفاق التحرر والوحدة في اليمن، فلم يكونوا أقل سعياً في تفكيك عُرى الأمة؛ فرغم جعجعاتهم عن الوحدة القسرية المصيرية بين الأمة العربية لم يستطع أولئك (الأحرار) التحرر من نزعة الافتراق والتفرق؛ حتى إن فريقاً منهم اختلفوا في إحدى اجتماعات اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الحاكم، فلم يستطيعوا أن يديروا الحوار بينهم بالكلمات، أو حتى باللكمات؛ فما كان منهم إلا أن أداروا الحوار بينهم بالبنادق والرشاشات، حيث استطاعت الأقلية المعارضة من أعضاء اللجنة المركزية الاشتراكية تصفية شركائها، فقتلت أغلبيتهم في حوار ديمقراطي «تحرري» أسفر عن سقوط حصيلة كبيرة من القتلى. ` ملامح العهد التحرري الجديد: إذا كنا لا نزال نعيش مرحلة انتقالية بين عهدي التحرريين القدامى والتحرريين الجدد القادمين مع مشاريع «التحرر» الأمريكية؛ فلا بد لنا من التعرف على ملامح العهد التحرري الجديد الذي سيسلم فيه قدامى التحرريين مفاتيح المسؤولية طوعاً أو كرهاً للجيل الجديد، الذي سيعيد أو سيساهم في إعادة الاحتلال وإضاعة ما تبقى من استقلال لصالح المشروعات الأمريكية المعلنة وغير المعلنة في منطقتنا العربية والإسلامية. فلم يعد خافياً أن للولايات المتحدة الأمريكية مشروعاً كبيراً للسيطرة على العالم، ولم يعد خافياً أن هذا المشروع يقوم على نوع من الشراكة والتعاون بين الصهيونيتين اليهودية والنصرانية، ولم يعد خافياً كذلك أن لهذا المشروع آلياته الاستراتيجية وبرامجه السياسية وطموحاته الاقتصادية وطروحاته الحضارية والدينية، ولم يعد خافياً أيضاً أن من وضعوا أسس مشروع السيطرة الأمريكية على العالم باسم (إمبراطورية القرن الأمريكي) قد اختاروا ديار العالم الإسلامي بعربه وعجمه لتكون منطلقاً لذلك المشروع، بعد أن أطلقوا على ذلك العالم الإسلامي اسم (الشرق الأوسط الكبير) ثم (الشرق الأوسع) ! لم يعد هذا ولا ذاك خافياً، أما الذي لا يزال خافياً؛ فهو الخطوات العملية التنفيذية لهذه المشروعات التسلطية من حيث توقيتاتها وطبيعتها المتفاوتة بين الغزو العسكري الخارجي، والانقلابات الداخلية (الديمقراطية) التي سيقودها من يسمون بـ (الإصلاحيين التحرريين) وفي كلتا الحالتين فإن الأمريكيين سيحتاجون إلى فريق متكامل من هؤلاء التحرريين الجدد ليكوّنوا حكومات على شاكلة حكومة «التحرير» الكرزاوية (١) ، وحكومة «التحرير» (العلاوية) وكما كان الشأن في حكومات التحريريين القدامى؛ فإن مجموعاتهم لن تقتصر على العسكريين، بل سيكون بعض العملاء على شكل سياسيين أو مفكرين أو مثقفين أو حتى رجال دين، لا يجمعهم جميعاً إلا وصف الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين. ولأن الأمريكيين لن يستطيعوا الانطلاق في مشروعاتهم العالمية إلا من داخل عالمنا العربي والإسلامي؛ فقد كان لزاماً عليهم أن يجهزوا هذا الفريق من المتحررين من المبادئ لكي يعمل كـ «طابور خامس» (٢) تحت إمرة المستعمر الأمريكي الجديد. مهمة الأمريكيين ومن معهم من اليهود في المرحلة القادمة أن يطبقوا المزيد من مشاريع «التحرير» ..! ومهمة المنافقين المتعاونين معهم والموالين لهم أن يقوموا على تنفيذ هذه المشاريع بالأمانة كلها لأعداء الأمة، والخيانة كلها لهذه الأمة. لن يستطيع الأمريكيون والبريطانيون والإسرائيليون وغيرهم من أعداء الأمة أن يستكملوا مشروعاً واحداً إلا بمعاونة أولئك الخائنين أدعياء التحرر والتحديث، لن يستطيعوا إنجاز ما يريدون أو الباقي مما يريدون في أفغانستان أو العراق إلا بالتعاون معهم، ولن يستطيعوا الانتقال إلى ما يليهما من مشروعات لـ «التحرير» في كل من سوريا ولبنان والسودان وإيران وغيرها إلا بمساندتهم، ولن يجرؤوا على قطع أشواط أخرى في مشروع (الشرق الأوسط الكبير) أو (الشرق الأوسع) إلا بالتواطؤ معهم، ولن يتمكن اليهود من القفز خطوات أخرى في مشروع (إسرائيل الكبرى) إلا بحبل ممدود لهم من الأمريكان ومن هؤلاء المنافقين لأنهم. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] وكل هذا يصب في النهاية لخدمة مشروع التسلط الصهيوني ـ اليهودي النصراني على العالم؛ فهل يتمكن أعداء الخارج من القفز إلى مآربهم على أكتاف أعداء الداخل كما كان يحدث كل مرة؟ إننا لا نستبعد ذلك؛ وخاصة أن أولئك المنافقين من الأعداء الباطنيين لهؤلاء الأعداء يبالغون في الإخلاص الظاهر من بما يجعلهم أكثر عداءً للمؤمنين ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] . إن مشروعاً جديداً من التآمر على الأمة بالتعاون ما بين الكفار والمنافقين يجري الآن تسويغه تمهيداً لتسويقه، ولا يمكن لمثل هذا المشروع أن يجد طريقه أو بعض طريقه إلى التنفيذ دون اتكاء كامل على فريق متكامل من أولئك المنافقين العلمانيين التحرريين المعادين للعقيدة والدين؛ فما هو هذا المشروع؟ ` استراتيجية «التحرير» من العقيدة: في سياق حربها المعلنة على العالم الإسلامي لم تستطع الولايات المتحدة أن تخفي الجانب الاعتقادي من تلك الحرب، فأخرجت مؤخراً إلى العلن أطروحات ومشروعات وبرامج تستهدف الدين بشكل مباشر، بعد أن كانت الحرب الدائرة تتدثر أحياناً بالأثواب الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية باسم حماية المصالح. وقد كشف في الآونة الأخيرة عن مشروع عدائي جديد يتحدث عنه تقرير تحت عنوان: (الإسلام المدني الديمقراطي.. الموارد والاستراتيجيات) والتقرير أو البرنامج أصدره قسم أبحاث الأمن الوطني في معهد راند (٣) ، في سانتامونيكا بولاية كاليفورنيا الأمريكية وبتمويل من مؤسسة (سميث ريتشارد سون) . والتقرير عبارة عن استراتيجية جديدة ومبتكرة لإطالة أمد الحرب ضد الإسلام، وقد وضعته الباحثة الأمريكية (شريل بيرنارد) المتخصصة في قضايا ما يسمى بـ (تحرير المرأة) في العالم الإسلامي، وهي زوجة رجل المهمات القذرة (زلماي خليل زادة) الأفغاني الأصل، الأمريكي الجنسية، الذي هندس الساحة الأفغانية وهيأها لـ «التحرير» الأمريكي عن طريق ربط خيوط التحالف بين الأمريكيين وتحالف الشمال في أفغانستان، وهو الذي أنيطت به أيضاً مهمة التنسيق بين فصائل المعارضة العراقية العميلة والحكومة الأمريكية لتهيئة الأوضاع في عراق ما بعد صدام، وأنا شخصياً لا أستبعد أن يكون ذلك الزلماي القادم من (مزار الشريف) هو صاحب الدور الأساس في مشروع (الإسلام المدني الديمقراطي) . فما هي الأسس والمعالم التي يقوم عليها ويتسم بها ذلك المشروع؟ علماً بأن مؤسسة (راند) التي صدر عنها التقرير وثيقة الصلة بوزارة الدفاع الأمريكية التي أصبحت مرتعاً للمحافظين اليهود الجدد الذين يحكمون أمريكا اليوم. إن التقرير يقوم على ما يلي: ` أمريكا ستظل ملتزمة بنشر قيمها في العالم بوجه عام والعالم الإسلامي بوجه خاص، ولا بد من جهات يمكن التعامل معها داخل البلدان الإسلامية على المدى الطويل. ` التعامل مع (الإسلام السياسي) غير ممكن، ولو بمفهوم التعاون التكتيكي القائم على المصالح. ` لا مناص من تأييد العلمانيين (المنافقين) في البلاد الإسلامية ضد المحافظين (الإسلاميين) . ` الإسلاميون الأصوليون المعارضون للديمقراطية و «القيم» الغربية يجب اعتبارهم أعداء، وبخاصة بعد ما أظهرته أحداث سبتمبر. ` مناصرة العلمانيين ضد الإسلامين تعني تأييد التفسير العلماني للإسلام، ومساعدة العلمانيين على تأسيس منابر لنشر آرائهم، وإبرازهم على أنهم هم من يمثل الإسلام العصري المقبول، أو الإسلام الديمقراطي، باعتبار أن الإسلام (التقليدي) نظام ديكتاتوري..!! ` العلمانيون أنفسهم ليسوا على درجة واحدة من الاستعداد للتعاون مع أمريكا؛ فهناك الوطنيون واليساريون الذين يرفضون التعاون، ولذا ينبغي التركيز على «أنصار الحداثة» . ` جوهر الصراع بين العالم الإسلامي والغرب، أصبح فكرياً؛ لأن الغرب يتفوق على الشرق الإسلامي في كل شيء، بينما لا ينازعونه المسلمون إلا في مجال الفكر والقيم. ` الحداثة هي ميدان المعركة، والحداثيون والعلمانيون هم عمادها، ومن خلالهم لا بد من وضع تفسير جديد للقرآن؛ بحيث يُستغنى بهذا التفسير عن النقد المباشر للقرآن. ` ولا بد من الاستعانة بالحداثيين والعلمانيين في إعادة تفسير السنَّة والأحاديث، بما يخدم مفاهيم الإسلام «المدني الديمقراطي» واعتبر التقرير هذا الأمر مهمة عسيرة جداً، وأطلق عليها (حرب الأحاديث) ؛ لأن المعركة الأساسية في المفاهيم ستكون حولها؛ فالأصوليون ـ كما يقول التقرير ـ يستطيعون أن يعارضوا كل تفسير يقدمه الحداثيون والعلمانيون للأحاديث، وسيتمكنون من جذب شريحة العامة وغير المثقفين إلى جانبهم، ولذلك سيحتدم الصراع. ` لا بد من استغلال احتدام هذا الصراع لإشغال كل من الفريقين بالآخر، بما يؤدي في النهاية إلى جو من البلبلة والتوتر الذي تمكِّن من ضرب الاتجاهات الأصولية في الصميم. ولا بد أيضاً من استغلال ممارسات التيار الجهادي لضرب الاتجاهات الأصولية بوجه عام بواسطة الحداثيين والعلمانيين. ` في أثناء المعركة بين الأصوليين والحداثيين ينبغي استخدام شريحة «التقليديين» ـ أي العامة ـ ضد الأصوليين، وجذبهم إلى جبهة العلمانيين، ويحذر التقرير من كسب الأصوليين لهذه الشريحة الواسعة البالغة التأثير، ويرى واضعوه أن شريحة التقليديين هي المجال الخصب الذي يعوَّل عليه لتحقيق أطروحة (الإسلام المدني الديمقراطي) ولا بد من دعم العلمانيين في عملية كسبهم وجذبهم. ` اقترح التقرير دعم وتشجيع بعض أصحاب المذاهب الإسلامية لمواجهة المذهب السني المتشدد، وفي مقدمة تلك المذاهب: التصوف والتشيع، واقترح أيضاً العمل على توسيع الهوة بين بعض المذاهب السنية نفسها في بعض البلدان باستغلال الخلاف بين الأحناف مثلاً وبقية المذاهب وبخاصة المذهب الحنبلي. ` يرى التقرير أن الصوفية هي المذهب الديني المرشح لكي يسد الفراغ الروحي عند من يريد سداد هذا الفراغ؛ لأن الصوفية بما لديها من طقوس شعرية وموسيقية وتأملات فلسفية، تمثل جسراً للخروج من «مستنقع» الفكر الوهابي الحنبلي..! ` معركة الجميع: بهذا الشمول في توسيع دائرة الحرب الأمريكية على جوهر الوجود الإسلامي؛ يكون الأمريكيون قد حولوا تلك المعركة إلى مواجهة شاملة تستحق فعلاً أن تكون مقدمة لـ (صراع الحضارات) الذي بشروا العالم به منذ عقد مضى. وعندما ينتقل الأمريكيون بتلك الحرب إلى ساحة القرآن وميدان السنة مستخدمين المنافقين من العلمانيين والحداثيين ـ كما صرحوا بذلك ـ فإن نظرتنا نحن المسلمين إلى تلك المعركة لا بد أن تتخطى أيضاً ساحة الجهاد العسكري والسياسي إلى ساحة الجهاد الفكري والدعوي، حفاظاً على الأمة أن تجتاحها أعاصير التغيير الأمريكي القادم وراء أقنعة أدعياء التحرر الجديد. وهنا لن يكون النذير والنفير موجهاً إلى القادرين على منازلة الأعداء المغتصبين في الساحات المستباحة فقط، بل سيكون موجهاً إلى كل من له طاقة على إحقاق حق أو إزهاق باطل مما يتواطأ الكفار والمنافقون اليوم على رفع رايته وإقامة دولته. فعلى الذين استوعبوا معاني جهاد المنافقين في آيات البقرة والنساء والتوبة وغيرها من سور القرآن أن يضموا جهدهم إلى جهد من استوعبوا معاني جهاد الكافرين في الآيات والسور نفسها؛ فوالله الذي لا إله غيره لن تتحقق الانتصارات العسكرية على الأعداء الظاهرين إلا بتحقيق الغلبة الفكرية والمنهجية على الأعداء المستترين ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]

стр. 5062

حكومة علاوي و «سيناريو» الواقع الجديد للعراق إبراهيم العبيدي لقد نجحت إدارة الرئيس (بوش) بتمرير مشروع قرارها الأخير رقم ١٥٤٦ المتعلق بالعراق في مجلس الأمن الدولي، والقاضي بنقل السيادة للعراقيين ـ بحسب تعبير القرار ـ في نهاية يونيو/ حزيران وهو الموعد الذي اتفق عليه في قانون إدارة الدولة العراقي الذي أقره الحاكم المدني للعراق (بول بريمر) ومجلس الحكم الانتقالي المعين من قِبَل سلطات الاحتلال. نعم! تم تمرير هذا القرار الدولي بخصوص العراق على الرغم من اعتراضات وتحفظات بعض الدول الأعضاء الدائمين في المجلس على صيغة القرار، مما اضطر قوتي التحالف (الأمريكي والبريطاني) إلى الإذعان وإجراء بعض التعديلات على القرار لضمان اعتماده والتصويت عليه بالإجماع من قِبَل دول المجلس، وهو الأمر الذي سهَّل ولادة الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة الدكتور إياد علاوي. ويعد هذا القرار بتشكيل الحكومة المؤقتة للعراق فصلاً ومشهداً جديداً للاحتلال الأمريكي للعراق، وتكتيكاً بات مكشوفاً في سياق الخطط الأمريكية التي باتت واضحة للعيان في مسلسل مخططاتها في المنطقة، فلا يكاد يختلف كثيراً ما تفعله هذه الإدارة في العراق عما فعلته في أفغانستان والترتيبات التي أعقبت سقوط حركة طالبان: من إعداد الدستور، وتنصيب حكومة مؤقتة يرأسها حامد كرازاي الذي تربطه علاقة وثيقة بالمحرر الأمريكي، وتشكيلة وزارية من ذوي الجنسيات الأمريكية والبريطانية يتضمنها العنصر النسائي المحضر سابقاً لتقوم بمواجهة أي مقاومة من قِبَل أي شريحة من الشعب الأفغاني المعارض لخطط الاحتلال، نيابة عن الاحتلال وجنوده، ليكون المقاوم والمكافح له من الأفغان أنفسهم، كي يحتفظ الاحتلال بسلامة جنوده ما أمكن من الاستنزاف، ولتقنين دور الاحتلال وإضفاء الشرعية عليه في المجتمع الدولي والقوى المتعددة الجنسيات، ودعوى حفظ الأمن لترتيب انتخابات بعد شهور، وما يتمتع به حامد كرازاي من حماية أمريكية خاصة تحيط به لحين إتمام المسلسل. السيناريو نفسه اليوم يتكرر في المشهد العراقي؛ حيث إن الحكومة المؤقته التي تم تعيينها وتشكيلها من قِبَل قوات الاحتلال على غرار مجلس الحكم الانتقالي، وسيبقى خيار الشعب العراقي في ممارسة الديمقراطية المزعومة أمراً صعب المنال، وسيبقى مهمشاً في أي حكومة قادمة في ظل الاحتلال، ولم يكن اختيار إياد علاوي من قِبَل الإدارة الأمريكية (بحسب تصريح الحاكم المدني بول بريمر قبل مغادرة العراق في مقابلة صحفية) رئيساً للحكومة بمحض المصادفة، بل كان لأسباب موضوعية وعملية تتناسب مع المرحلة القادمة، ويعرفها الاحتلال. ` أهداف تشكيل الحكومة المؤقتة: لا يخفى على أي متابع أن الإدارة الأمريكية كان لها أهداف علنية وسرية لم تعد خافية على الساسة والمراقبين، أهداف تخص المصلحة الأمريكية على كافة الأصعدة الدينية والسياسية والاقتصادية والعسكرية في الشرق الأوسط، وهي ترغب في سيطرتها المطلقة على مصادر الطاقة الرئيسة في العالم، لتمتلك بعد ذلك زمام الأمور وتحقق الهيمنة الأمريكية وبسط نفودها في العالم. وهذه الأهداف وغيرها كلها تصب في مصلحة الكيان الصهيوني في المنطقة، مع التنسيق الكامل في التخطيط والتنفيذ ما بين الكيان والإدارة الأمريكية. والذي ينبغي تقريره هنا هو أن القوات الأمريكية جاءت لتبقى في المنطقة ولا سيما في العراق، وهذا ما أشار إليه أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي عند بداية الحرب على العراق وقبلها ما مفاده: «إننا سنبقى ستين عاماً» . ويبدو أن هذا المخطط متفق عليه في السياسة الأمريكية الخارجية بين الجمهورين والديمقراطيين، وآخر شواهد البقاء المشار إليه على الرغم من التعديلات في المدة بسبب مفاجأة المقاومة العراقية التي غيرت الحسابات، هو ما صرح به رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة قبل أيام بمناسبة تسليم السلطة للعراقيين «أن القوات الأمريكية ستبقى في العراق لمدة قد تصل إلى خمس سنوات» . إذن مخطط البقاء ـ قل أو كثر ـ أمر مفروغ منه في السياسة الأمريكية، ولكن الذي لم يحسب هو تكاليف هذا البقاء؛ لا سيما وقد فوجئ الأمريكان بالمقاومة الضارية الشرسة التي استنزفت منهم في سنة واحدة ما لم تخسره أمريكا في حرب فييتنام خلال ثلاث سنوات؛ فكيف إذا استمر الوضع على حاله لسنوات؟ لذلك ستسعى الإدارة الأمريكية جاهدة لتحقيق ذلك الوجود بأقل التكاليف، وهذا هو ما يراد تحقيقه من مكاسب القرار الدولي الأخير ١٥٤٦ الذي أقره مجلس الأمن الدولي بخصوص العراق. فبعد الحرب على العراق وغزوه من قِبَل الإدارة الأمريكية تحت ذرائع ودعاوى كذبتها الوقائع والأيام، وسقوط النظام العراقي خلال عشرين يوماً، لم تتوقع قوى الاحتلال الأمريكية من أن هناك قوة ما يمكن أن تعكِّر نشوة النصر وكسب الحرب وإسقاط النظام بفترة قياسية، إلا أن الواقع كان غير ذلك؛ إذ جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، وبدأت المقاومة العراقية توجه ضرباتها منذ الشهر الأول من الاحتلال، وظلت ضرباتها تزداد أثراً، وتتطورت نوعاً وكمّاً، واتسعت دائرتها لتشمل أغلب مدن العراق، بعد أن كانت محصورة بما يطلق عليه (المثلث السني) في الوسط والمناطق الغربية من العراق، مما تسبب في استنزاف غير متوقع للقوات الأمريكية جنوداً وآلياتٍ وعتاداً لدرجة أربكت (البنتاغون) وجعلته يتبادل الانتقادات في عدم تقدير القوة العسكرية المطلوبة لتغطية الحاجة في العراق، وهو الأمر الذي جعل الخط البياني للسياسة الأمريكية تطرأ عليه تغييرات جذرية يلحظها المتابع للأحداث. فمثلاً بعد أن كان الأمريكان أول دخولهم للعراق يقولون: لا ندري كم نبقى في العراق، والحديث عن سلطة عراقية سابق لأوانه، وما إلى ذلك من تصريحات تُنبئ عن عدم اكتراث بالمستقبل، لكن نتيجة لضربات المقاومة تم تشكيل مجلس الحكم الانتقالي ذي الصلاحيات المحدودة، وبعدها بدأ الحديث عن موعد لتسليم السلطة للعراقيين في الموعد الذي تم فيه نقل السلطة ولو بسيادة ناقصة وحكومة على المقاس الأمريكي، وغداً سيكون الحديث عن إمكانية خروج القوات الأمريكية من العراق إذا ما استمرت ضربات المقاومة الموجعة على مفاصل التنين الأمريكي وأثخنت جراحه. وهكذا نرى أن التغييرات السياسية في الملف العراق مرهونة بعمل المقاومة وشراستها، ومدى تأثيرها على القوات الغازية، وهي سنة ماضية في أي احتلال؛ فلم نسمع يوماً أن احتلالاً خرج من بلد ما إلا بمطرقة المقاومة، وشواهد التاريخ كثيرة على ذلك. ` الدور المناط بالحكومة المؤقتة: لم تتعلم الإدارة الأمريكية، ولم تشأ ذلك، ويبدو أنها مصرة على أن تعزف على الوتر والنغمة الطائفية في العراق، وتغليب الشيعة في المسار السياسي على حساب السنَّة؛ حيث لم تكن تشكيلة الحكومة العراقية المؤقته ذات السيادة والسلطة المنقوصة ـ قطعاً ـ تختلف كثيراً على تشكيلة مجلس الحكم الذي أكد الطائفية والعنصرية في المجتمع العراقي، وأن الثقل الشيعي في الحكومة الجديدة واضح للعيان، ويبدو أنها رغبة أمريكية في توقيت قنبلة الطائفية وجعلها جاهزة للانفجار في اي وقت، كما أن فيه مؤشراً على متانة التحالف الأمريكي، وأغلب الفصائل الشيعية على سيناريو العراق الجديد، بشرط تحقيق المكاسب الشيعية، وأبرزها التمثيل الكبير في الحكومة الجديدة للعراق. وهذا هو الذي دعا (الأحزاب الشيعية التي تحالفت مع الأجنبي في مؤتمر لندن بتنسيق إيراني وإقرار المرجعية) إلى لملمة ما سموه (البيت الشيعي) واحتواء انتفاضة الصدر وإقناعه بالعدول عن العمل المسلح ضد القوات الامريكية، وتسوية الأمور سياسياً للفوز بحصة الأسد من المحتل الأمريكي، وهو الأمر الذي يحمل في طياته إشارات الإخفاق المرتقب لهذه الحكومة طال الزمن أم قصر بسبب الثقل السني الحقيقي، وكون المقاومة المسلحة ضد الأمريكان أغلبها سنية، مما سيجعل السنَّة رقماً صعباً في المعادلة العراقية، واستقرار الوضع السياسي فيه لا يمكن تجاوزه بأي حال. أما لماذا يُنتقى علاوي رئيساً للحكومة المؤقتة؟ فهذا يعود بالدرجة الأولى لمواصفاته التأهيلية لهذا المنصب والدور المناط به، والتي من أبرزها بحسب ما ذكرته كثير من وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، وما اعترف به هو شخصياً، كونه رجل الاستخبارات الأمريكية (السي. آي. إي) ولديه علاقات حميمة مع الإدارة الأمريكية بمختلف دوائرها، وهو بعثي سابق منشق، وعمل في الأجهزة الأمنية العراقية آنذاك، وكان له دور مباشر في عمليات تفجير في بغداد ضمن مهام الأجهزة الأمنية العراقية راح ضحيتها عراقيون، وهو شيعي علماني يرأس حزب (الوفاق الوطني) الذي أسس في المنفى، وكان يحظى برضى واشنطن ولندن. فهذه أبرز الصفات التي يمكن القول إنها جعلت علاوي يسأثر بالمنصب والدور المناط به في العراق الجديد، وهي بطبيعة الحال صفات تؤهله أن يكون خليفة الرئيس العراقي المخلوع بجدارة. لذلك فإن الدور المناط بهذه الحكومة «الجديدة» والمعينة من قِبَل سلطات الاحتلال والمرضي عنها أمريكياً، سيكون ـ والله أعلم ـ في المرحلة القادمة على النحو التالي: ١ - ستكون هذه الحكومة عبارة عن «حكومة ظل» للسياسة الأمريكية التي ينفذها السفير الأمريكي الجديد (نيغروبونتي) من خلال أكبر سفارة أمريكية في العالم في بغداد. ٢ - تقنين الاحتلال، وإضفاء الشرعية عليه دولياً، ورفع صفة المحتل التي وُصِف بها بعد سقوط النظام العراقي، ولا سيما بعدما رأينا تمسك وزير الخارجية العراقي زيباري ورئيس الحكومة علاوي، وهما يطلبان بصريح العبارة إبقاء القوات الأمريكية في العراق، بعد أن احتدم الجدل بين بعض الدول الأعضاء على ضرورة خروج القوات الأمريكية، ووضع جدول زمني لذلك، ليكون الوجود الأمريكي بطلب رسمي من قِبَل الحكومة العراقية مما أحرج حتى دول المجلس. ٣ - تقديم الخدمات وكافة التسهيلات للقوات الأمريكية على كافة الأصعدة، وتمكينها من ترتيب قواعدها العسكرية الخمس في العراق، وإعطاؤها الصفة القانونية لكونها بطلب رسمي من الحكومة العراقية، وكذلك الاستئثار بالنفط العراقي لصالح الإدارة الأمريكية. ٤ - تمكين النفوذ الصهيوني في العراق، وغض الطرف عنه من خلال التطبيع السياسي والاقتصادي عبر الشركات الاستثمارية وشتى الأساليب المتاحة، ولا سيما في شمال العراق (*) . ٥ - محاربة وملاحقة وتصفية عناصر ومجموعات المقاومة العراقية تحت ما يسمى «محاربة الإرهاب» لتكون المواجهة بين العراقيين أنفسهم، بين أجهزة الأمن والشرطة والجيش العراقي والمقاومين، وتلويح رئيس الحكومة بإعلان حالة الطوارئ في بعض المدن خير دليل على ذلك، وهو الأمر الذي يشبه الحرب الأهلية، وهو ما ينذر بالخطر وتأزم الملف الأمني. ٦ - توفير بعض الوظائف للعراقيين ومحاولة احتواء جزء من البطالة المتردية في البلد، وتأمين بعض الخدمات الضرورية في مجال الكهرباء وما شابه ذلك للتخفيف من انتقادات الناس من جراء المعاناة الشديدة التي يعيشونها. ويرى محللون ان محاكمة صدام ستجر آخرين غيره إلى المساءلة إذا توفر لها الجو القانوني العادل النزيه؛ وذلك بسبب الجرائم التي ارتكبها النظام العراقي ولا سيما الخارجية منها. ` الخلاصة: نخلص من هذا كله إلي أن الحكومة العراقية المؤقته لم تُمنح حق السيادة والسلطة الكاملين، وأن رموز هذه الحكومة ولا سيما (رئيس الوزراء) سيبقون فيها حتى لو جرت الانتخابات «القادمة؛ حيث ستكون برعاية امريكية؛ لسبب بسيط؛ لأنهم يحوزون على رضى البيت الابيض، وهذه الصورة مطابقة لما عليه الرئيس الأفغاني (حامد كرازاي) ومنذ الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وحتى الآن هو موجود في السلطة، ويسعى للبقاء فترة رئاسية قادمة، وبغض النظر عن مدى قدرة الحكومة على تحرير الملف الأمني والنفطي والاقتصادي والسياسي للعراق. وفي المقابل لن تستطيع الإدارة الأمريكية تحقيق أهدافها المنشودة من خلال تشكيل هذه الحكومة، بسبب عدم شرعية هذه الحكومة، وكونها لم تأتِ عن طريق اختيار الشعب كما عبر عن ذلك العراقيون أنفسهم؛ وهو الأمر الذي يعني استمرار حدة العنف في العراق، واستمرار المقاومة، وأرتفاع مسلسل الاغتيالات لرموز الحكومة ومن يتعامل مع قوات الاحتلال، إضافة الى حوادث الخطف للأجانب والتي ستتسبب بتعثر عملية الإعمار المنشودة، ومشهد السيارات المفخخة المتكرر، واستهداف القوات الامريكية من قِبَل المقاومين في جل مدن العراق. وهو الأمر الذي يقودنا إلى القول بأن عنصر الرهان الحقيقي لاستقرار العراق هو خروج القوات الأمريكية منه، وتسليم السلطة للعراقيين بطريقة ديمقراطية «حقيقية» وليس كما يراه (بوش) لتحقيق أهدافه الانتخابية والعدوانية في المنطقة، وهذا الذي يبدو أن المقاومة العراقية تفقهه جيداً، ولا ينطلي عليها ولا على غيرها من الفصائل الوطنية العراقية؛ مثل هذه التكتيكات والمناورات السياسية الفجة التي تمارسها الإدارة الامريكية لتقنين احتلالها؛ لذلك فإن المتوقع مزيد من التصعيد في عمليات المقاومة حتى الإذعان للإرادة الشعبية الوطنية الحقيقية بعيداً عن التدليس والمناورات السياسية.

стр. 5063

المسلمون في الصين.. أمة منسية خالد اللحام الصين دولة متعددة القوميات، وتتكون من ٥٦ قومية يشكل فيها أبناء قومية هان ٩١%من مجمل عدد السكان، والقوميات الأخرى الخمسة والخمسين يبلغ عدد أبنائها ٩% من تعداد السكان أي ما يقارب ١٠٨ مليون نسمة، ولغة هان الصينية هي اللغة الرسمية المستخدمة في البلاد كلها. وينقل الباحث الأستاذ أنور مصباح سوبرة في دراسته المعنونة «المسلمون في الصين» والمحفوظة في كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في بيروت أن القوميات التي ينتمي إليها المسلمون في الصين عشر قوميات هي: ١ - هوي: من الصينيين. ٢ - الأوزبك: من الأتراك. ٣ - دونغشيانغ: من المغول. ٤ - سالار: من الأتراك. ٥ - باوآن: من المغول. ٦ - الويغور: من الأتراك. إضافة إلى القازاق، والقيرقيز، والتتار، والطاجيك. وينتشر المسلمون في القوميات العشرة هذه بشكل أساسي في أربع عشرة مقاطعة مع تواجدهم في كافة أنحاء الصين بنسب وكثافات متمايزة؛ بالإضافة إلى منطقة سينكيانغ التي تعتبر غالبية ساكنيها من المسلمين من قومية الويغور، وهذه المنطقة تشكل سدس مساحة الصين الإجمالية، أما باقي مناطق التواجد الإسلامي فتتوزع على: - المقاطعات الغربية: نن تشا ـ كانسو ـ تشينغهاي ـ خوبي ـ خنان ـ شاندونغ ـ يونان ـ شانسي ـ سيشوان. - المقاطعات الجنوبية: كوانغ دونغ - كوانغ شي ـ هونان ـ آنخوي ـ هوبي. ويرى سوبرة أن الديانات في الصين تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: في الصين الداخلية وتعتبر موطن قبائل هان وفيها: الكونفوشية ـ الطاوية ـ البوذية ماهايانا. القسم الثاني: في الصين الخارجية وفيها: البوذية اللامية ـ الإسلام. أما البروتستانتية والكاثوليكية فإن تأثيرهما ضيق ومقتصر على المدن الكبرى مثل شنغهاي وبكين، وقد دخلت المسيحية إلى الصين للمرة الأولى في القرن الثامن الميلادي، ثم اندثرت وعادت مرتين إلى أن انتهى الوجود المسيحي إلى حوالي أربعة ملايين مسيحي على المذهب البروتستانتي. ` أصول وقوميات مختلفة: وترى الباحثة فتحية يحيى الكمالي في دراستها المعنونة «المسلمون في الصين» - الواقع الراهن «المحفوظة في كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية» أن عدد المسلمين في الصين أكثر من مائة مليون نسمة حالياً، أي أكثر من عشرة بالمائة من تعداد السكان وهي تشرح أصولهم كما يلي وفق الأصول القومية: - قومية الخوي: وهي تنتمي إلى الأصل الصيني وتستخدم اللغة الصينية، وتتوزع في كافة أنحاء الصين مع غيرهم من الصينيين المعروفين بالخان، وتحاول هذه القومية التميز عن الخان في المأكل والملبس والمسكن وعدم الاختلاط بهم. - قومية الأوجور: والتي يسميها الباحث سوبرة الويغور (وهم مسلمو تركستان الشرقية) الذين يعيشون في الجزء الشمالي من الصين وأصولهم تركية، وهم السكان الأصليون لتركستان الشرقية، ويصل تعدادهم إلى ٢.٧ مليون نسمة. وهناك أيضاً خمسمائة ألف نسمة منهم في تركستان الغربية التي تحتلها روسيا يُعرفون بـ (كازاخستان، وأوزبكستان، وقرغيزستان، وتركمانستان وطاجيكستان) ، ويتحدث الأوجور اللغة الأوجورية، وهي من اللغات التركية القديمة، ويستخدمون الحروف العربية في الكتابة. - قومية القازان: ويسميها الباحث سوبرة (القازاق) وأصل هذه القومية من قازاقستان في آسيا الوسطى، وتعيش في الصين وفي تركستان الشرقية وشنغهاي، وتستخدم الحروف العربية للكتابة. - قومية الدونغشيانغ: (ذات الأصل المغولي) وهي تتحدث باللغة المغولية، وتتمتع بالحكم الذاتي في مناطق لينشيا الشرقية وفي شينيانغ. - قومية القرغيز: وأصلها من قرغيزستان في آسيا الوسطى، وتعيش في الصين في ولاية ذات حكم ذاتي تابع لمقاطعة سينيكيانغ ولغتها من اللغات التركية القديمة وتستخدم الحروف العربية في الكتابة. - قومية السالار: وتتمركز في مقاطعة تشيهو ذات الحكم الذاتي في شنغهاي، والبقية الباقية منها في محافظة هوالوانغ، ولغتها كذلك من اللغات التركية القديمة، وتستخدم الحروف العربية في الكتابة. - قومية الأوزبك: التي تعيش مع الأوجور في سينكيانغ (ولها وجود لا بأس به في أفغانستان) . - قومية الطاجيك: وهي تنتمي بالأصل إلى جمهورية طاجيكستان، وتسكن على جبال البامير التي ضمت للصين، ويتحدث الطاجيك اللغة الفارسية، وتستخدم الحروف العربية في الكتابة. - قومية البوان: ويسميها الباحث سوبرة باو آن، التي تمثل الفرع الثاني من الهجرة المنغولية نحو الصين وتتحدث اللغة المنغولية. - قومية التتار: ويعود أصل هذه القومية إلى تتار تتارستان، وتتار سيبيريا، والقرم، وتعيش في تركستان الشرقية، وتتحدث اللغة التتارية، وتستخدم الحروف العربية في الكتابة. ويلاحظ أن لكل قومية من هذه القوميات، كما تقول الباحثة، لغتها الخاصة بها وتاريخها وحاضرها الثقافي الخاص بها، وأن كل القوميات باستثناء الخوي ذات الأصل الصيني، لا تزال تسكن أوطانها الأصلية وقد ضمت إلى الجمهورية الصينية، إما بإقرار سياسي أو عن طريق الغزو العسكري المباشر. ` أعداد مختلفة ومتنوعة: أما الباحث فريد عبد الغفار الحراكي فيقول في دراسته المعنونة: (المسلمون في الصين، ماضيهم وحاضرهم) المحفوظة في كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية: إن عدد المسلمين في الصين غير معروف على وجه الدقة، وهذا اللغز الغامض لم يتمكن أحد من فك طلاسمه حتى اليوم، وقد حاول الباحثون الذين درسوا أحوال المسلمين في الصين تقصِّي أعدادهم بشكل أقرب ما يكون إلى الصحة فلم يوفقوا لذلك، ويعزى السبب الرئيسي في ذلك إلى أن التعداد السكاني في الصين لا يُعنى بالأديان بل بالقوميات فحسب، وإزاء هذا الوضع، تم إحصاء القوميات المسلمة البالغة عشر قوميات، وكانت الإحصائيات مجرد تقديرات تجافي الحقيقة والواقع، وفات الكثير أن مسلمين كثراً من غير تلك القوميات العشر أسلموا مع مرور الوقت وحافظوا على أصولهم القومية التي ينتمون إليها، ولم يحسبوا في تلك الإحصائيات مثل مسلمي قومية المنغول وقومية التيبت. ويورد الباحث عن كتاب «المساجد في الصين» للباحث (محمود يوسف لي هواين) أن عدد أبناء القوميات المسلمة يبلغ ١٤ مليوناً و ٢٧٩ ألف نسمة حسب الإحصاء الرسمي الثالث الذي أجري على نطاق البلاد عامة عام ١٩٨٢م، بينما ينقل عن «ول ديورانت» أنه إذا قيل إن في الصين مسلمين فجوابنا أن معظم الخمسة عشر مليوناً من المسلمين في الصين ليسوا صينيين، على حين ينقل عن أحمد الشلبي أن تعداد المسلمين في الصين كان ٤٨ مليوناً يوم كانت الصين ٤٦٠ مليوناً كما ذكر الإحصاء الرسمي للعام ١٩٤٨م. وإذا كانت الصين الآن قد زادت عن الألف مليون كما أعلنت إحصائيات ١٩٨٢م، وإذا افترضنا أن نسبة المواليد عند المسلمين هي نفس نسبة المواليد العامة في الصين فإن تعداد المسلمين في الصين ينبغي أن يكون أكثر من مائة مليون نسمة، في حين أن العالِم المسلم الصيني (محمد مكين) قال خلال دراسته في مصر في الثلاثينيات من القرن العشرين إن عدد المسلمين في الصين يساوي ثُمْنَ عدد سكان الصين ١/٨ أي إنهم كانوا قرابة الخمسين مليوناً في ذلك التاريخ، ولذا يخلص الباحث الحراكي إلى أنه يعجز عن إثبات رقم مقطوع بصحته وإن كانت نسبة لا بأس بها من الباحثين الصينيين ترجح أن العدد كان ١٥ مليون نسمة عام ١٩٨٠م، وأن هذا العدد قد تضاعف مع الوقت، ولا سيما أن المسلمين قد استُثنوا من قانون تحديد النسل المطبق في الصين الذي ينص على إنجاب طفل واحد فقط. ` دور وقضية: ويورد الباحث الأستاذ أنور مصباح سوبرة في دراسته التوثيقية عن المسلمين في الصين عام ١٩٩٨م، أن الواقع الإسلامي في الصين شهد العديد من الثورات التي تم قمعها بصورة قاسية، وكان أهمها في يونان وكانسو وتركستان الشرقية، ومنها خمس ثورات قامت في تركستان الشرقية وحدها ضد اضطهاد المسلمين في هذه المقاطعة وإن لم يكتب لها الاستمرارية، وكانت متفرقة في الأعوام ١٨٢٠-١٨٣٠- ١٨٤٧- ١٨٥٧م، وكانت أبرز هذه الثورات تلك التي قامت عام ١٧٦٨م بقيادة «مامنغ شين» أو كما يسميه بعضهم «مامنسين» في ولاية كانسو، وكان «مامنغ شين» قد تلقى دروسه في كاشغر، وبدأ بنشر ما سمي بـ «المذهب الجديد» وذلك في مقابل المسلمين التقليديين الذين كانوا قد بدؤوا يتعايشون مع المجتمع الكونفوشي الصيني. كما قامت في يونان ثورة إسلامية امتدت ما بين ١٨٥٥ حتى ١٨٧٣م، وقد بدأت بسبب خلاف بين عمال من المسلمين وآخرين من غير المسلمين مما استثارهم ضد المسلمين، إلا أن الغلبة كانت للمسلمين عام ١٨٥٦م بعد مجزرة رهيبة قتل فيها ما يزيد عن مليون مسلم، وفتحوا مدينة «تاليفو» ثم «يونان فو» وذلك بقيادة (تو ون هسيو) أو كما يسميه بعض الناس «توفنسيو» حيث نودي به سلطاناً في مدينة «تالي» ولقب باسم السلطان سليمان؛ وذلك اشتقاقاً من اسمه «سليمان توون هسيو» وقد استطاع إقامة دولة إسلامية طوال هذه المدة أي منذ ١٨٥٦ وحتى ١٨٧٢م على نصف مقاطعة يونان؛ إلا أن الجيش الصيني وجه حملة بقيادة القائد سن يوينغ، وانتهت المعركة بالقضاء على الثورة ومقتل ثلاثين ألف مسلم. وكانت قد قامت في «يونان» قبل ذلك ثورة في العام ١٨٣٤م استمرت حتى ١٨٤٠م سببها قتل ألف وستمائة مسلم من قِبَل الحاكم «شوانغ نينغ فو» في منطقة «ميانغ تينغ» . وفي منطقة «هواتشيو» شرق «سينغان فو» ثار المسلمون عام ١٨٦٠م ضد الصينيين والمغول، وشهدت المنطقة اندلاع صراع مكثف فيها أدى إلى استمرار الثورة خمسة عشر عاماً استولى المسلمون خلالها على مقاطعة كانسو وشانسي ما بين الأعوام ١٨٦٣م - ١٨٧٧م، وفي مرحلتها الثانية أي في العام ١٨٦٤م قامت الثورة في كانسو بقيادة «ماهوا لونغ» أو «مياو باي لين» المتأثرة بالحركة الوهابية، فسانده الأهالي في مناطق «تينغ هيا» و «شان هوا» و «ميننغ تياولينغ» شمال السور. وقد تمركزت حركة «ماهوا لونغ» في منطقة «جينجيباو» في مقاطعة «نينغشيا» واستمرت هذه المنطقة في كانسو وتشانسي مقاطعة إسلامية دينية لمدة عقد من الزمن يحميها حصون بنيت بالمئات في محيطها، وقد سار إلى هذه المقاطعة جيش الإمبراطور وحاصرها وقتل فيها خلقاً كثيراً، وفي عام ١٨٦٨م عادت الثورة فاشتعلت، فأرسل الإمبراطور الجيوش إلى المنطقة، واستطاع أن يستعيد مدناً كثيرة، وقبض على «ماهوا لونغ» وزعيم آخر معه اسمه «ماباتسياو» وصُلبا، وأخمدت الثورة. وقدر عدد الذين هلكوا بالملايين. ` ثورات مستمرة: وفي نفس الوقت الذي ظهرت فيه ثورة «ماهوا لونغ» في كانسو وتشانسي ظهرت ثورة في منطقة «أورومغي» بقيادة (تولونغا) الذي حمل لقب ملك الإسلام، وكان ذلك عام ١٨٦٠م، وتبع تولونغا في ثورته عسكري من طشقند كان رئيس أركان وقائد جيش عائلة الخوجا اسمه يعقوب بك، وقد استطاع بسط سيطرته على منطقة حوض تاريم ومن ثم منطقة أورومغي التي كان يسيطر عليها تولونغا، وأقام في هذه المنطقة نظام حكم إسلامي متشدد؛ لكن دولة يعقوب بك أو سلطنة كاشغر كما سميت انتهت في عام ١٨٧٧م؛ إذ وجه الإمبراطور عام ١٨٧٤م جيوشاً بقيادة ليوكين تانغ وكين شوان لمواجهة الزعيم الديني (باي ين هو) الذي كان مع يعقوب بك في كاشغر، فانهزم إلى أرض الروس في تركستان الغربية، وقتل ملك كاشغر يعقوب بك، وتحددت سين كيانغ أو تركستان الشرقية منذ ذلك الوقت، واحتلتها الصين ودخلت في حدودها المعاصرة نهائياً، وما كان للجيش الصيني أن يقضي على تلك الثورات لولا المساعدة الغربية وخاصة من الإنكليز الذين زودوه بالأسلحة النارية الحديثة في ذلك الوقت. ` الإخفاق دائماً: وبالإضافة إلى هذه الثورات كانت هناك ثورتان: الأولى عام ١٧٥٨م في ولاية كانسو بقيادة سوسيان، والثانية في سينكيانغ عام ١٨٢٥ - ١٨٢٧م بقيادة جنقغ. ويظهر أن كل تلك الثورات كانت تستمد قوتها من الحجاج الصينيين ـ رغم عددهم القليل ـ العائدين بالأفكار الجديدة بالإضافة إلى تأثير المجددين في الدين في الهند. وفي العصر الحديث بعد سقوط الإمبراطورية في الصين وقبل قيام الدولة الشيوعية عام ١٩٤٩م قامت انتفاضة عام ١٩٤٣م بقيادة أحد وجهاء المجتمع واسمه «مافوشان» وساعده «ماجي تسو» وقادا عشرة آلاف مسلم، وقبلها قامت انتفاضة عام ١٩٢٨ في خوتشو في مقاطعة كانسو بقيادة «ماتشونغ ينغ» وكان عمره ثمانية عشر عاماً. وكل هذه الثورات والانتفاضات انتهت إلى الإخفاق بسبب التفاوت في القوة العسكرية والبشرية، وكانت تنتهي دائماً بإبادة كبيرة للمسلمين وتشريدهم. ` أسباب ومطامع: وقبل أن ننتقل إلى ما حصل بعد قيام الشيوعية في الصين، لا بد لنا من الإشارة إلى دراسة الباحثة فتحية يحيى الكمالي لاستعراض أسباب تركز هذه المآسي في مناطق محددة من أماكن التواجد الإسلامي في الصين أكثر من سواها؛ إذ إن تركستان الشرقية تغطي ثمانين بالمائة من احتياجات الصين من النفط، ويقدر بعضهم أن مخزونها من النفط يضاهي المخزون النفطي للمملكة العربية السعودية، وقد اكتشفت فيه كميات احتياطية كبيرة من البترول، كما أن فيها أكثر من تسعين بالمائة من مناجم اليورانيوم في الصين، وكذلك الفحم الذي يبلغ رصيده ستمائة مليون طن، بينما اليورانيوم يقدر باثني عشر تريليون وهو من أجود أنواع اليورانيوم في العالم؛ حيث يستخرج من ستة مناجم فيها، بالإضافة إلى خام الحديد والذهب والكبريت والملح والنحاس والفضة والبلاتين والرصاص والقصدير والميكا والماس والزمرد والغاز. ويقول العلماء الجيولوجيون إن مناجم الفحم في تركستان الشرقية يمكن أن تكفي العالم ستين عاماً. كما أن تركستان الشرقية تعتبر ممراً برياً يصل الصين بحقول النفط والغاز في قرغيزستان وآسيا الوسطى، كما أنها لعبت دوراً تاريخياً هاماً في التجارة العالمية؛ فقد كان طريق الحرير المشهور يمر بها، وكان هذا الطريق يربط الصين بالدولة البيزنطية. وفي مقابل هذا الإنتاج الضخم كله، نجد أن المستوى الاقتصادي للمسلمين ضعيف جداً وخاصة في تركستان الشرقية؛ فهم يعانون من البطالة والأمية بسبب سياسة التمييز التعليمية التي اتبعت ضدهم، وهم لا يستطيعون النهوض في المجال الاقتصادي؛ فلا رساميل لديهم، وقد ركزت الدولة على إرسال الفنيين المؤهلين والمشرفين والقوى العاملة من الصينيين إلى تركستان الشرقية من أجل التنمية الاقتصادية، فصار اكتشاف البترول وبالاً كبيراً على الشعب التركستاني المسلم؛ حيث فتحت حقول النفط في كاراماي وقيزيلدانج وماتيانج واوجيك وكوكيار للاستثمار، وجرى إسكان أكثر من مليون صيني في المنطقة بعد أن أخرجت السلطات الصينية السكان المسلمين من أكثر من ستمائة منطقة سكنية بالقوة. من خلال ذلك كله نفهم لماذا دعم الغرب السلطة الصينية المركزية في مواجهة الانتفاضات الإسلامية قبل قيام الشيوعية، ولماذا لا تزال هذه المناطق عرضة للأطماع الغربية التي يمكنها أن تستفيد من خمائر الخلافات السابقة لإثارة المسلمين أو لإثارة الأوضاع ضدهم؛ حيث إن الدوائر الغربية في كلا الحالتين تحقق لنفسها وجوداً في المنطقة من خلال التدخل فيها، ويدفع المسلمون الثمن دائماً في الحالتين.

стр. 5064

الدور التالي ! د. عبد الله اليحيى موقع «رجال الدين» في حياة الإسرائيليين الحاخامات هم مفسرو الشريعة ومعلموها عند اليهود، ولهم حضور دائم رغم المظاهر العلمانية والنمط الغربي للحكومات اليهودية المتتالية في فلسطين، واستطاعوا تشكيل الملامح السياسية البارزة فيها، وأصبحوا المحرك لها، ومفاتيح الكثير من القضايا؛ وذلك لدورهم الأساسي في تأسيس الفرق الدينية، والمدارس الأهلية، والأحزاب السياسية وقيادتها، وإصدار الفتاوى. والإحاطة بهم من أهم خطوات القراءة الناجحة لواقع الكيان الصهيوني في فلسطين ومستقبله وما يمارسه أو يتطلع إليه؛ إنهم معالم يهودية بارزة معاصرة، ومعرفتهم تنطلق من إلقاء الأضواء على الأمور الآتية: ` منزلتهم الدينية: تبرز أهميتهم من نصوص تشريعية يهودية واضحة رفعت مكانتهم، وأحاطتهم بالقداسة والعصمة، ومنها: (من يحتقر كلمات الربانيين يستحق الموت) ، (إن كل الربانيين حتى أيامنا هذه هم متنطقون بالسلطة الإلهية، وكل ما يقولونه يخرج من فم الله) ، (كلمات الربانيين هي كلمات الله الحية) ، (مخافة الربانيين هي مخافة الرب نفسها) (١) . وهذه النصوص ـ وغيرها ـ أصبحت تاجاً على رؤوس الحاخامات، وأعطتهم احجاماً ثم أدواراً في المجتمع اليهودي امتدت إلى دوائر القرار في قمة الهرم السياسي اليهودي المعاصر في فلسطين، مما دفع بعض الأحزاب اليسارية إلى التحذير من الظاهرة الخمينية اليهودية، (وتتركز القيادات الدينية في المجتمع الإسرائيلي في العديد من المؤسسات الرسمية والشعبية، وأهم هذه المؤسسات: ١ ـ دار الحاخامية. ٢ ـ وزارة الشؤون الدينية. ٣ ـ الأحزاب الدينية. ٤ ـ الكيبوتز الديني (٢) . وتتكون (دار الحاخامية) من قيادتين حاخاميتين: تمثل الأولى اليهود الغربيين، والأخرى اليهود الشرقيين؛ مع وجود عشرة أعضاء مقسمين بالتساوي بينهما ينتخبون كل خمس سنوات، وللكنيست حق تأخير الانتخابات الحاخامية، ودار الحاخامية مسؤولة (عن تفويض السلطة، وتدريب القضاة في المحاكم الدينية، وقوانين الأكل الحلال، وربما الأهم من هذا كله تفسير القوانين اليهودية وتطبيقها وفق مقتضيات الظروف العصرية) (٣) . والأصوليون الرافضون للدولة لا يخضعون ولا يعترفون بدار الحاخامية الرسمية. ثم يأتي بعد ذلك أن لكل مستوطنة وحزب وطائفة واتجاه حاخاماً أو داراً حاخامية مصغرة، وفي الغالب مستقلة. ` الصدام بين الحاخامات: المسافات بين الحاخامات واسعة، وتصل ـ أحياناً ـ إلى تبادل التهم بالفسق والجنون والسرقة والحماقة، وهذا الوضع انعكاس على تعدد الاتجاهات الدينية اليهودية، واختلاف مصادرها وثقافتها وقوميتها ولغتها، ومصالحها قبل ذلك كله. وتنوعها ثمرة من ثمار التنافس واختلاف المصادر والبيئات، ولا فرق في هذا بين الحاخامات الرسميين وغيرهم، ومن الأمثلة على ذلك تصريحات حاخام شمال فلسطين (شموئيل شولز ينحر) بأن الحاخام الأكبر (عوفاديا يوسف) «مصاب بمرضين: حب المال، وكراهية كبيرة لليهود الغربيين» ، وأن الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين (إلياهو بقشي) تسيطر الحماقة على أفعاله في الوقت الحالي، و (حوله ثلة من المنتفعين) ، ويختتم تصريحاته قائلاً: (نحن نعيش في غابة) (١) . وفي منتصف عام ٢٠٠١م أعلن (دافيد كدوري) نجل الحاخام (يتسحاق كدوري) كبير علماء الكابالاه ـ عن تشكيل مجلس أعلى للحاخامات من كبار علماء الكابالاه، من أهدافه: ١ - التأثير على وحدة حزب شاس، والدخول في تنافس مع مجلس حكماء التوراة. ٢ - الانتقام لرفض حزب شاس زعامة الحاخام (يتسحاق كدوري) ورفضه تسمية (يوسي كدوري) حفيد الحاخام كدوري ـ عضواً في الكنيست عن الحزب. ٣ - رغبة عائلة الحاخام (كدوري) الاستئثار بزعامة علماء الكابالاه، وجعل هذا المنصب وراثياً. والحاخام (شنيرسون ميلوفافيتش) زعيم الحسيديم (حبد) لمح إلى أنه المسيح المنتظر (٢) ، واتهمه الحاخام (إليعازر شاخ) بأنه المسيح الدجال، كما أن الحاخام (شاخ) أصدر قراراً لمريديه من الحاخامات والتلاميذ بتأسيس حزبين حريديين: أ - ديجل هاتوراة (علم التوراة) حزب غربي. ب - شاس (القائمة السفاردية التقليدية) حزب شرقي. من أجل أن يكونا ورقة قوة في يده أمام الحاخامات الغربيين وخطوة مهمة لإضعاف حزب (أغودات إسرائيل) ، وتولى الزعامة لهما، إلا أنه ـ في النهاية ـ دخل في صراع مع الحاخام (عوفاديا يوسف) حول الزعامة الروحية لحزب شاس، وقد أيد الحاخام (قدوري) الحزب وزعيمه (عوفاديا) وصرح أنه سيحمي زعماء شاس بالتعاويذ والحروز، ونتيجة لما حدث (تساءل الناس مثلاً: كيف يمكن أن يكون (شاخ) الحاخام الاشكنازي زعيماً روحياً لحزب شرقي؟ ثم كيف يكون (شاخ، وعوفاديا يوسف) أباً روحياً لنفس الحركة، حركة شاس، ثم كيف يكون (شاخ) زعيماً روحياً لحزبين اثنين مختلفين هما شاس وديغل هتوارة) (٣) . وتمتد الخلافات من أفراد الحاخامات إلى مجموعاتهم؛ كالخلاف بين الحاخامات الصهاينة والحاخامات التوراتيين والحاخامات الغربيين مع الشرقيين، ففي عام ١٩٩٢م قال حاخام شاس الغربي: (أنه أمكن بعد عدة أجيال خلق علماء دين كبار من السفارديم) ، وأضاف: (إلا أنه لم يحن الوقت لتوليتهم مناصب قيادية) ، وقد حذر من خطورة سيطرة السفارديم على اليهود في فلسطين المحتلة (٤) . ` علاقتهم بالسلطة: تمثل الحاخامية مركز قوة من الدرجة الأولى في إسرائيل؛ حيث تمتد سلطتها إلى نواحٍ عديدة من حياة المواطن، كما أنها تتمتع بصفة قانونية رسمية. والعلاقة بين الحاخامات وحكومات الكيان الصهيوني المتتالية تتراوح ما بين مدّ وجزر؛ فالحكومة في نظرهم ليست شرعية، ولكنها ـ عند بعضهم ـ خطوة إلى الدولة التوراتية، وكل واحد من الطرفين يسعى إلى توظيف الآخر لتحقيق أهدافه. ومن ثمار هذه الصورة المتأرجحة تعليق قضايا مهمة، ومنها: ١ ـ تعريف اليهودي. ٢ ـ الدستور اليهودي. ٣ ـ حدود دولة اليهود في فلسطين. وقد امتدت هيمنة الحاخامات والأحزاب الدينية إلى تهديد حزب شاس بالانسحاب من حكومة رابين؛ لأن وزيرة التعليم (ألوني) تم تصويرها وهي تأكل خلاف المواصفات اليهودية، كما احتج عدد من الأحزاب الدينية والحاخامات على تدنيس التعاليم اليهودية من قِبَل عضوة الكنيست (يائيل دايان) لأنها كانت ترتدي ثوب الاستحمام، وتقرأ كتاباً عن عيد الغفران على شاطئ تل أبيب، كما قام الحزب الديني القومي باستئجار مخبرين سريين من أجل التجسس على الوزراء لمعرفة الذين ينتهكون التعاليم اليهودية (١) . وحينما ننظر إلى مواقفهم في القمة السياسية نجد أن (رابين) لم يستطع الاتصال ببعض الحاخامات؛ لأنهم كانوا يرون (أن التواصل مع شخص آثم مثله يحط من قدرهم) (٢) ، وقد كانت فتاوى الحاخامات خلف مقتله، وأفتى الحاخام (عوفاديا يوسف) أن (إيهود باراك) يكره إسرائيل ويكره اليهود، وقرر الحاخام (زلمان ملميد) أن مصير (باراك) إلى جهنم إذا انسحب من القدس أو الضفة الغربية، وأيد ذلك الحاخام (أبراهام شابيرا) حيث أهدر دم كل سياسي إسرائيلي يدعو أو يعمل أو يؤيد الانسحاب من القدس وغزة وغيرهما، ولعن الحاخام (مردخاي إلياهو) من يفرط بأرض إسرائيل، واتهم (باراك) بخيانة الدين اليهودي، وأن من يقول بأن أجزاء من أرض إسرائيل تعود للعرب يكفر بالله. ومن كل الحاخامات شذ الحاخام (افنير) ، فمنع تلاميذه من تجريح وإيذاء المسؤولين الكبار بالكلمات. أما البقية فقد كانوا في دائرة العداء للسلطة اليهودية الحاكمة التي تنظر بعين الواقع إلى السلامس، ومع هذا تزداد اهتمامات السياسيين بالحاخامات، ويتطلعون إلى مباركتهم؛ فشارون رغم علمانيته وعمره وحجمه اضطر أن يسير أكثر من نصف كيلو متراً متجهاً للحاخام (رينغن) البالغ من العمر الخامسة والأربعين ـ طلباً لرضاه، كما أنه خضع لطقوس لا يؤمن بها في لقائه من الحاخام (إسحاق كدوري) ، وقد صرح الحاخام (إبراهام رافيتز) النائب عن اللائحة الموحدة للتوراة ـ خمس نواب في الكنيست ـ لوكالة فرانس أن (شارون ليس يهودياً يمارس طقوس ديانته، ولكنه بعكس باراك لا يشن الحرب على الديانة اليهودية) (٣) . إن مجيء الجنرالات للحكومة اليهودية في فلسطين المحتلة مؤشر على قوة الحاخامات وانتصارهم، وارتفاع أصوات المنادين بأن يكون قانون الدولة توراتياً علامة أخرى، وكون الحاخامات صناع بعض القرارات، والمشرفين على الأنشطة الاجتماعية، والمراقبين للمطبوعات والمجلات والأشرطة يؤكد ذلك. وتأثيراتهم في الجيش الصهيوني قوية وملموسة استطاعوا من خلالها أن يحققوا مطالبهم، وبعضها في الطريق، ومنها: ١ ـ إعفاء طلبة العلم الديني من الخدمة العسكرية. ٢ ـ فصل المجندين عن المجندات. ٣ ـ فصل المتدينين عن العلمانيين. ٤ ـ تشكيل وحدة عسكرية متدينة. وهذا التمكن والدور الكبير للحاخامات يعود إلى: ١ ـ مرجعيتهم الدينية؛ فالاستيطان في الأرض المحتلة فريضة إلهية، والجمع (بين شعب وتوراة وأرض إسرائيل) عقيدة، والإيمان بالتفوق الديني الذي يتكئ على الأصولية اليهودية هو القادر على رؤية النور الإلهي، وهذا يلتقي مع النظرة الصهيونية المؤمنة بتفوق العرق اليهودي. ٢ ـ نجاح الحاخامات في توظيف استقلالية المجتمع اليهودي عن الجيش والتوجهات السياسية الرسمية، فقاموا بملء الفراغ بمنهج أصولي. ٣ ـ تبني الحاخامات لليهود الشرقيين وتعليمهم والتعاطف معهم، وإظهار الرغبة في إنقاذهم من اضطهاد اليهود الغربيين منذ تأسيس حكومة الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨م جعلهم ورقة قوية في يد الحاخامات استفادوا منها أثناء الانتخابات. ٤ ـ التنافس بين الحاخامات، خاصة الشرقيين والغربيين مما جعلهم في تصعيد دائم للأصولية والإرهاب والعنصرية، والمساومة فيما بينهم بزيادة الغلو والتطرف. ` فساد الحاخامات: أصبح الفساد سمت الحاخامات، وعنوان أجهزتهم الدينية والتعليمية، تجترها يومياً الصحافة العبرية للكيان الصهيوني، وخاصة الدينية (فهناك الكثير من الممارسات الفاسدة للعديد من الحاخامات الإسرائيليين من الحريديم والحزب الديني القومي المسجلة بالوثائق في الصحافة الإسرائيلية العبرية والمعروفة على نطاق واسع في إسرائيل، وهذا الفساد هو امتداد لاتجاه طويل الأمد) (٤) . ومن ملامح الفساد والضعف لدى الحاخامات أنهم ـ غالباً ـ تحت تأثير الزوجات والأبناء وضغوط الشباب المتعصبين، ساعد هؤلاء البطانة على انفصال الحاخامات عن الواقع، وبعدهم عن مصادر المعلومات ومراكز البحوث، ووسائل الإعلام المعاصرة باستثناء الصحافة الدينية اليهودية العبرية وأحاديث المحيطين بهم فقط، وقد نجح الأزواج والأبناء في إيصال أفكار السياسيين إلى الحاخامات، وتمرير الكثير من القضايا، وإصدار بعض القرارات والتصريحات والفتاوى بالطريقة التي يريدها هذا الحزب السياسي أو ذاك، وبلغ الأمر أن توصف بعض زوجات الحاخامات بـ (الصقور) فـ (هداسا رالبج) زوجة الحاخام (إسحاق رالبج) استطاعت ـ بعد أن كلفها رابين ـ إنهاء مشروع حجب الثقة عن حكومته في أقل من أربع وعشرين ساعة (١) . وتسلل الفساد المالي والأخلاقي إليهم، وأصبح فوق الأرض وملء الأذن وأمام العين؛ فالصراع حول رسوم شهادات الأكل الحلال (كوشر) امتد إلى الحاخام الأكبر، وفجَّر خلافات كثيرة وكبيرة بين الطوائف اليهودية المتباينة والمختلفة في أصولها وولائها ومصالحها؛ فالحاخام (شموئيل شولز ينجر) حاخام شمال فلسطين تعرض ختمه في شهادات الذبح للمقاطعة بعد فتوى الحاخام الأكبر السابق (عوفاديا يوسف) مما أصاب مجازر الشمال بالكساد، وانعكس على دخل الحاخام الشمالي، فاندفع يسخر من الحاخام الأكبر ويستهجنه، ويؤكد أنه مصاب بمرضين: (حب المال، وكراهية اليهود) . ولم يسلم الحاخام الأكبر للشرقيين (إلياهو بقشي) من التهم، و (أن الحماقة سيطرت على أفعاله، ومن حوله مثل كلاب الصيد والقتلة، وأن اليهود الشرقيين مجرمون وقتلة) (٢) . ومن معالم الفساد في دائرة الحاخامات أنهم وظفوا مكانتهم الدينية لإملاء شروطهم على دولتهم، وطالبوها بإعفائهم من تقديم الخدمات ودفع الضرائب والخدمة العسكرية؛ لأنهم في حالة أنشغال دائم بدراسة التوراة وتدريسها، والتي ـ في نظرهم ـ تحمي دولة اليهود قبل الجنود. وهذه المطالب المبنية على التميز دفعت اليهود العلمانيين إلى ترديد حكمة تقول: (أي توراة غير مصحوبة بالعمل تكون باطلة، وتكون غاية هذا الشخص أن يسرق الناس) لتعزيز قناعاتهم بأن كل الحاخامات وخاصة في فلسطين لصوص. ووصل الخلاف والفساد فيما بينهم أن بعضهم دنس أماكن عبادة بعضهم الآخر، وبعض المنتمين إلى حزب شاس يؤمنون بأن سبب حصوله على المركز الثالث بين الأحزاب السياسية يعود ـ أولاً ـ إلى «الحروز» التي كتبها الحاخام (كدوري) . ` أمثلة من فتاويهم: إن بعض التصريحات والفتاوى الصادرة من الحاخامات تكشف ملامح شخصيتهم، وجذور الإرهاب والعنصرية والأصولية اليهودية فيهم، ويمكن الاطلاع على أمثلة مختزلة منها من خلال: ١ ـ الفتاوى السياسية: أفتى الحاخام (دوف ليئور) بـ (أن من يتفاوض مع الوحوش ـ العرب ـ خائن ونذل وجبان، ويجب شن حرب مقدسة على دعاة الانسحاب من أرض إسرائيل) والحاخام (عوفاديا يوسف) يرى (أن العرب أفاعٍ) ، وأدلى الحاخام (إسحاق بورغ) بتصريحات يؤكذ فيها أن الإنسان العربي حيوان بطبعه، وأن التوراة وصفته بالإنسان المتوحش، وأشاد بمنفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي، وقال: (إن ما قام به تقديس لله وإنقاذ أرواح، وعمله من الواجبات اليهودية الدينية) ، وبعد المجزرة أصدر ثلاثة من كبار الحاخامات ـ أبراهام شابير، موشي رافي، شارون إسرائيل ـ مذكرة حرضوا فيها الجنود اليهود على عصيان الأوامر القاضية بإفراغ المستوطنات، وقد طلب منهم (رابين) التراجع عن هذه المذكرة فأبوا، وحصلوا ـ أيضاً ـ على تأييد من الحاخام الأكبر الرسمي؛ حيث رفض إدانة مبادرتهم اللاقانونية ولكنها شرعية، ويؤكد الحاخام (تسفي يهوذا كوك) : (لقد كان أمرنا بأن نستولي على الأرض وبأن نستوطن، ومعنى هذا الاستيلاء هو الغزو، وقد فرض علينا في توراتنا الخالدة أن نستعمر الأرض اليباب، وليس في وسعنا أن نتجنب هذه الفريضة؛ فالتوراة والحرب والاستيطان ثلاثة في واحد) . وفي المقابل انتقد (يؤئيل تيلتباوم ـ الزعيم الروحي للحسديم الستمار) الحاخامات الذين دفعوا الجيش إلى القتال عام ١٩٦٧م، وأعلنوا أن النصر قادم كالمعجزة، وقال عنهم: (إن هؤلاء أيدوا الصهاينة في دخولهم الحرب بتنبؤات كاذبة، وأخبروا الصهاينة أنهم سينتصرون من خلال قوة التوراة، ولقد غشوهم عندما قالوا لهم: إن هذه الحرب هي حرب مقدسة) (١) . ٢ ـ الفتاوى الاجتماعية: من صور الصدام بين الحاخامات أن السنة السابعة للأرض الزراعية كيوم السبت يحرم زراعتها لما ورد في التوراة: (لا تغرس حقلك ولا تحصد كرمك) إلا أن الحاخام (إلياهو باكشي) أباح بيع الأرض لغير اليهودي لمدة سنة وفي أثنائها يمكن زراعتها؛ على أن تعود إلى اليهود بعد السنة السبعية، ولكن الحاخام (يوسف إلياشيع) حرم هذا البيع وكفَّر من أفتى به، وزعم أن الأرض اليهودية مقدسة لا يجوز تسليمها للغير، كما أن فتوى الحاخام (عوفاديا يوسف) برأت (آريه درعي) ، وسبقت وناقضت حكم المحكمة المركزية التي أدانته بالفساد وحكمت عليه بالسجن؛ وهذه الفتوى وسعت الفجوة بين اليهود الشرقيين والغربيين، وأثارت قضية من يحكم؟ وحجم سيطرة الحاخامات. والحاخام (موشى رفي) يدعو إلى ممارسة الإكراه في قضية الالتزام الديني، ويرى أنه شرعي لتربية عامة اليهود، ولا يزال الحاخامات مصرِّين على تعريف اليهودي كما تمليه التعاليم اليهودية؛ فالطفل الذي توفي من أب يهودي وأم مسيحية لا يدفن في مقابر اليهود، والجنود الذين قتلوا في الداخل أو على الحدود لا مكان لهم فيها إن لم تكن اليهودية ممتدة إلى جذورهم من جهة الأم، ويرفضون الزواج المدني، ومن يفعله زناة وأبناؤهم أبناء زنا، ويحرم عليهم الزواج من يهودية أو يهودي، كما فرضوا على مطاعم «ماكدونالدز» أن لا تقدم «الهمبورجر» مع الجبن؛ لأن التعاليم اليهودية تحرم أكل اللحوم المخلوطة باللبن. ٣ ـ من حيل اليهود الفقهية المعاصرة: تستيقظ حيل اليهود الفقهية حينما تتعارض مصالحهم ـ وخاصة المادية ـ مع التعاليم اليهودية، فيهبُّ الحاخامات لتضييق الفجوة وتبرير الانحراف، وفتح باب من خلاله تلج مصالحهم على حساب دينهم، وقد سبق ذكر تحايل الحاخام (إلياهو باكشي) في تجاوز تحريم زراعة الأرض في السنة السابعة وإراحتها ببيعها لغير يهودي لمدة عام، وزراعتها في السنة المؤجرة وإعادتها بعدها إلى صاحبها، ولكن الحاخام الأكبر (إبراهام كوك) وجد باباً آخر وهو أن هذا التحريم (لا ينطبق في فترة بناء الدولة) (٢) . وحاخام آخر أجاز الزراعة إذا وضع المزارع اليهودي في الأرض المحرمة رقاعاً من البلاستيك، والحاخامات المتعاطفون مع المستوطنين في فلسطين ابتدعوا من باب المساعدة فتوى، ما لبث حلفاؤهم في الأحزاب الدينية الصهيونية، فيما بعد، أن عملوا على إعطائها صفة الكمال، فأصبح هذا القانون ممارسة إسرائيلية ثابتة. يعمل هذا القانون كما يلي: قبل السنة السبتية بوقت قصير، يعطي وزيرُ الشؤون الداخلية الإسرائيلي للحاخام الرئيسي وثيقة تجعله المالك الشرعي للأرض الإسرائيلية كافة، الخاصة منها والعامة، فيذهب الحاخام الرئيسي إلى شخص غير يهودي، مسلحاً بهذه الورقة، فيبيعه أراضي إسرائىل كافة، (بما فيها المناطق المحتلة منذ عام ١٩٦٧م) ؛ وذلك لقاء مبلغ رمزي من المال. وتكون هناك وثيقة أخرى منفصلة، تنص على أن «الشاري» سوف «يعيد بيع» الأرض إلى الشخص الذي باعه إياها بعد انقضاء السنة. وتُكرر هذه المبادلة التجارية عادة كل سبع سنوات مع الشاري نفسه. لا يعترف الحاخامات غير الصهيونيين بشرعية هذه الفتوى، وهم يقولون إن القانون الإسرائيلي ما دام يحظر على اليهود بيع أراضٍ في فلسطين إلى الأغيار؛ فإن هذه المبادلة التجارية برمتها مبادلة قائمة على خطيئة، ومن ثم فإنها لاغية وباطلة. إلا أن الحاخامات الصهيونيين يردون على ذلك بالقول بأن المحظور هو عملية بيع حقيقية وليس عملية بيع غير حقيقية) (٣) . ومن الحيل ـ أيضاً ـ أن الدولة فرضت ـ بضغط من الحاخامات ـ على مزرعة (لاهافا التعاونية لتربية الخنازير) في فلسطين أن يكون هدفها من الخنازير الاحتياجات الطبية، وأن تضع ألواحاً خشبية تحت أقدام الخنازير لكي لا تلوث أرض الميعاد المقدسة (٤) ، ومن المحرمات لدى اليهود حلب الأبقار يوم السبت، وبما أن الحليب هو السائل الأبيض الخارج من ضروع الأبقار فإن الحاخامات أجازوا عملية الحلب إن كان الحليب غير أبيض، ولذا تم إعطاء البقر مادة تجعل حليبها أزرق حتى يمكن حلبها يوم البست، ثم يعود إلى لونه الأبيض بعد ذلك. ويصف الكاتب اليهودي (إسرائيل شاحاك) حيلة من حيلهم، فيقول: «للحاخامات غير الصهيونيين خطة ذات دلالة أكثر غموضاً كنت شاهداً شخصياً على تطبيقها في كيبوتس للمتدينين عام ١٩٥٢م؛ فقد اكتشف هؤلاء نصاً قديماً بإفراغ ضروع البقر يوم السبت فقط من أجل إراحتها من المعاناة التي يسببها انتفاخ ضروعها، ولكن بشرط متشدد بترك الحليب يُهدر سائلاً على الأرض» . وإليكم الآن ما يجري عمله في الواقع: يذهب أحد المستوطنين (الأتقياء) صباح يوم السبت إلى حظيرة البقر، ويضع السُّطُول تحت الأبقار ـ إذ لا يوجد حظر على هذا النوع من العمل في الأدب التلمودي كافة ـ ومن ثم يذهب إلى الكنيس من أجل الصلاة. فيأتي رفيقه بـ «النية الصادقة» لتخفيف آلام هذه الحيوانات، بجعل حليبها يسيل على الأرض. ولكن إذا صادف وجود سَطْل هناك، هل يصبح هذا الرفيق مجبراً على رفعه من مكانه؟ بالطبع لا. إنه يكتفي بتجاهل السُّطُول، ويؤدي مهمة الرحمة التي يتولاها، ثم يذهب إلى الكنيس. ويأتي أخيراً رفيق ثالث من (الأتقياء) ، فيدخل إلى حظيرة البقر ويكتشف لدهشته العظيمة، السُّطُول المليئة بالحليب، فيضعها في براد، ويلحق برفاقه في الكنيس، والآن أصبح كل شيء على ما يرام، وليست هناك حاجة لهدر المال على الصبغة الزرقاء) (١) . وإذا كان صوت المرأة عورة لدى اليهود والاستماع إليها وهي تغني من المحرمات؛ فإن القناة السابعة وجدت مخرجاً لهذه الأحكام الدينية؛ وذلك بتكليف رجل أو رجال يقومون بغناء الأغاني الشهيرة للمطربات ثم يتم تحويل الأصوات إلكترونياً إلى الطبقات الصوتية النسائية (٢) ، وعند ذلك يزول المحرم. ومن الحيل ـ أيضاً ـ القفز على منع الحاخام (شاخ) أعضاء حزبه (ياهدوت هاتوراة) من أن يتولى أحدهم وزارة ما في حكومة (نتنياهو) رغم أن الحزب من المؤيدين له، ولذا كافأهم رئيس الحكومة بإعطائهم التحكم في وزارة الإسكان، وتولى (نتنياهو) الوزارة بنفسه، ولكنه يقوم بالتوقيع على ما يراه نائب الوزير الذي يمثل حزب الحاخام (شاخ) . ومن يتأمل الحيل الفقهية اليهودية المعاصرة ـ وهي كثيرة ـ يجد أنها ذات خصائص تعبر عن مكونات نفوس اليهود، ومنها أنها: ١ ـ تخدم الأغنياء من اليهود. ٢ ـ تنبع من تصور سيئ يظن الحاخامات من خلاله أن إلههم غبي يمكن اللعب عليه. ٣ ـ تتجاهل تعاليم التوراة ما دامت تتعارض مع مصالحهم. ٤ ـ تبرز صفة الخداع الذي تربى عليه اليهود ويحاولون إخفاءه.

стр. 5065

- مرصد الأرقام - - بعد المؤتمر الثالث لجيل الهيكل الذي يعقده الصهاينة لإقامة ما يسمى بالهيكل قام ٤٠٠٠ مستوطن في ٢٨/٧/٢٠٠٤م مسيرة استفزازية حول المسجد الأقصى فيما يسمى (مسيرة الأسوار الشهرية) شارك فيها عدد من القيادات الدينية والسياسية اليهودية. [المجتمع، العدد (١٦١٢) ] - من يكفل هؤلاء؟ أعلنت ٦ طالبات إسلامهن من مدرسة العون المباشر (لجنة مسلمي إفريقيا) بأوغندا، وسبَّب اعتناقهن للإسلام المتاعب لهن من أهليهن الذين قاطعوهن وبخاصة أن جلهن يتيمات ويكفلهن أقاربهن الذين امتنعوا عن تسديد الرسوم الدراسية أو حتى الإنفاق عليهن، وقد قام (مركز عائشة) للبنات التابع للجنة مسلمي إفريقيا بكفالتهن، وإطعامهن وكسوتهن وإعفائهن من الرسوم الدراسية. ونظراً لقلة إمكانات المركز المالية لذا فلن يستطيع الاستمرار في تحمل تلك المصروفات، ويدعو المحسنين ومبتغي الأجر للمشاركة في هذه الكفالة. وللعلم فإن كل طالبة تبلغ كفالتها ١٦٠ دولاراً أمريكياً في العام ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] . [الكوثر، العدد (٥٨) ] - بعضهم من بعض ٤ - كشف تقرير سياسي رفيع في العاصمة العراقية أن القوات الأمريكية وطنت ما بين ٥ إلى ٦ آلاف يهودي مغربي بهدف تنفيذ مهام أبرزها التحقيقات الأمنية وأعمال الترجمة. وأضاف شهود عيان أن هؤلاء المغاربة اليهود يقومون بالإشراف على الحواجز الأمنية المؤدية إلى منازل ومكاتب المسؤولين العراقيين، وهو الأمر الذي تسبب في انزعاج كبير جداً في أوساط الأحزاب العراقية التي لها وزارة ومواقع في الهيئة الرئاسية ومجلس الوزراء. [السبيل، العدد (٥٥٠) ] - سجون أمريكا غير المعروفة تناول الصحفي المخضرم من وكالة رويترز (ألان إيلسنر) الموضوع في كتاب جديد اسمه «بوابات الظلم» ويرسم الكتاب صورة مروعة عن الوضع الذي لا يعرف عنه معظم الأمريكيين إلا القليل القليل. الإحصائيات التي يقدمها (إيلسنر) مدهشة؛ فهو يقول إن هناك ٢.٢ مليون شخص موجودون حالياً داخل السجون الأمريكية مما يجعل الولايات المتحدة تحوي أكبر عدد سجناء بالنسبة لعدد السكان في العالم الصناعي؛ فعلى سبيل المثال هناك ٧٠٢ من السجناء بين كل ١٠٠.٠٠٠ من سكان أمريكا، ويليها في ذلك روسيا حيث يوجد ٦٢٨ سجيناً من بين كل ١٠٠.٠٠٠ مواطن روسي، الأرقام بالنسبة لبريطانيا وفرنسا هي ١٣٨و ٩٠ بالتوالي. [الوطن السعودية، العدد (١٤٠٧) ] - أرقام في التدخين: أعلنت منظمة الصحة العالمية لشهر مايو ٢٠٠٤م أن عدد المدخنين في العالم بلغ (١.٣) مليار مدخن، ويتوقع أن يبلغوا عام ٢٠٢٥م إلى (١.٧) مدخن. [المدينة، العدد (١٥٠٩٤) ] - أين المليارات؟ قال قيادي فلسطيني في حوار مع الوطن الكويتية: ما حصلت عليه السلطة الفلسطينية من مساعدات دولية بلغ خمسة مليارات دولار ذهبت أدراج الرياح، ولا نعرف مصيرها حتى الآن. [الوطن الكويتية، العدد (٤٦٨٠) ] - ثمن تحرير التجارة في دراسة متخصصة يتوقع أن تحقق دول المجموعة العربية خسائر قيمتها نحو ٢٦٤ مليون دولار في العام جراء تحرير التجارة العالمية في السلع الزراعية يعود أكثر من نصفها إلى ارتفاع قيمة وارداتها من القمح والأرز والسكر، وذكرت الدراسة التي أعدها الدكتور صلاح فضل الله أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة أسيوط حول الأمن الغذائي العربي ومقومات تحقيقه في ظل المتغيرات الدولية. إن الخسائر ستتفاوت بين الدول العربية؛ حيث ستحتل مصر أكبر قدر منها حول ١٧٢ مليون دولار في السنة، والجزائر نحو ٩١ مليوناً، والعراق ٨٥ مليوناً، والسعودية ٧٦ مليوناً، والمغرب ٥٤ مليوناً، وسوريا ٣٧ مليوناً، وتونس ٢٥ مليوناً، والأردن ١٤ مليوناً، والسودان ١٠ ملايين، وباقي الدول العربية بأقل خسارة ممكنة، وأن الخسائر تتوقف عند هذا الحد، بل إنه نتيجة لسريان اتفاقية حماية الملكية الفكرية فإن الدول العربية ستعاني من صعوبات شديدة في مجال الحصول على (التقنية الحديثة) الدولة لتطوير وسائل الإنتاج في قطاعاتها المختلفة. [صحيفة اليوم، العدد (١٣٧٨) ]

стр. 5066

تقرير البيان الارتيادي ١٤٢٥ه ـ نقلة جديدة في بناء الوعي التحرير تواصل مجلة البيان للعام الثاني على التوالي رصد المتغيرات السياسية التي تؤثر على أمتنا الإسلامية من منظور استراتيجي؛ وذلك من خلال الإصدار الثاني من التقرير الارتيادي. واحتلال الولايات المتحدة للعراق: كان هذا هو الحدث السياسي الأبرز في عام ١٤٢٤هـ، وهو العام الذي يغطيه التقرير الارتيادي في عدده الثاني. الحدث الذي يضاف إلى أحداث القرن الواحد والعشرين الكبرى. وإذا كان للعالم شكل مختلف بعد هجمات ١١ سبتمبر على مركز التجارة العالمي في مانهاتن ووزارة الدفاع الأمريكية في واشنطون فإنه بالتأكيد قد أخذ مساراً آخر جديداً بعد كارثة احتلال العراق من قِبَل الولايات المتحدة. ونذكِّر في هذا المقام بأن أهداف التقرير الارتيادي (الاستراتيجي) التي وضعناها منذ العدد الأول هي: ١ - بحث الخيارات الممكنة والسبل المتاحة لكي تأخذ الأمة الإسلامية وضعها ومكانتها في البيئة الدولية وقدرتها على تحدي القوى والاستراتيجيات العالمية والإقليمية، بل وصولها إلى وضع القوة المهيمنة الأولى على الساحة الدولية مستقبلاً في ضوء اللحظة الراهنة ليس استكباراً أو تجبراً في الأرض، بل أداء لمهمتها التي كلفها الله بها في الأرض. ٢ - يكون التقرير أداة للتأثير على صانعي القرار أو النخبة القريبة من الدائرة المشتركة في صناعة القرار داخل دوائر الحكم العربية من سياسيين وإعلاميين؛ وذلك يتحقق من خلال إشراك مجموعة من الباحثين المحايدين في مراكز البحوث العربية والذين يرتبطون بدوائر صنع القرار عن طريق التشاور. ٣ - تربية وتدريب عناصر على التحليل السياسي المرتبط بالرؤية الارتيادية. ٤ - إحياء الحس الارتيادي لدى النخبة من أبناء الأمة. ٥ - إبراز جانب النظرية السياسية في المنهج الإسلامي. هذه هي الأهداف العامة للتقرير. ووضعنا هدفاً خاصاً لكل تقرير، وهو تتبع التغيرات العالمية الاستراتيجية بأبعادها السياسية والاقتصادية والإعلامية وغيرها التي جرت خلال عام على أوضاع الأمة الإسلامية وهي تجاهد لتحقيق مكانتها في البيئة الدولية وقدرتها على تحدي القوى والاستراتيجيات العالمية والإقليمية. ` وبدأنا التقرير بباب النظرية والفكر: ويتناول الفصل الأول في هذا الباب: مقدمة في فقه النظام السياسي الإسلامي من خلال التعريف بالنظام الإسلامي والتنظيمات الإدارية المتعلقة به، وأحكام الخلافة، ومستقبل النظام الإسلامي في واقعنا المعاصر. أما الفصل الثاني فيتناول قضية الإرهاب وشروط البحث في هذا الموضوع، والجوانب المرتبطة به مثل الإعلام والفكر والسياسة وغيرها. ويحاول الباحث في الفصل الثالث المشاركة في تأسيس معرفي إسلامي لمفهوم حوار الحضارات الذي كثر الكلام حوله، وتباينت المواقف تجاهه في ظل ظروف هيمنة للحضارة الغربية. ولما كان احتلال العراق يمثل الحدث الأبرز في هذا العام؛ فقد تم تخصيص باب كامل لدراسة هذه الحرب من زواياها الاستراتيجية المختلفة، فتحدث الفصل الأول عن مقارنة بين كل من الإعلام الغربي والعربي والصعوبات والتحديات والسلبيات التي أظهرتها تلك الحرب في هذا المجال. وتناول الفصل الثاني التعريف بأهل السنة في العراق؛ حيث جرى التعريف بأوضاعهم، ورصد الباحث التحديات التي تواجههم على عدة مستويات سواء في ذلك المحيط الدولي أو الإقليمي أو المحلي، ثم وضع حلولاً للتعامل مع هذه التحديات. أما في الفصل الثالث فيقوم الباحث برصد المتغيرات في المنطقة العربية بعد أحداث احتلال العراق، وحاول الإجابة عن أسئلة تتعلق بمجالات التغيير المتوقعة في المنطقة العربية، وما هي أهداف التغيير المحتمل؟ وما هي عوامل نجاح وإخفاق هذا التغيير المحتمل؟ ثم في النهاية حاول الإجابة عن السؤال المحوري فيما يتعلق بسبل مواجهة هذا التغيير وكيفية التعامل معه. وفي الفصل الرابع يتناول التقرير الدور الإسرائيلي في العدوان على العراق، ودلالاته الاستراتيجية. ويبحث في الدور الذي قامت به إسرائيل في التحضير للحرب قبل احتلال العراق وبعده؛ وذلك من خلال تحليل الاستراتيجية الإسرائيلية في العالم الإسلامي والعربي بشكل عام وفي العراق بشكل خاص. كما يبحث في سياسة إسرائيل في دعم الولايات المتحدة في عدوانها على العراق، والمكاسب التي حققتها إسرائيل من الاحتلال الأمريكي للعراق على الصعيدين الأمني والاقتصادي. ويبحث الفصل الخامس في تأثير الحرب على العراق على توازن القوى الدولي من خلال تقويم واقع كل قوة كبرى في حدود الدور واحتمالاته المستقبلية، وتأثير ذلك على العالم الإسلامي، ثم مناقشة بعض الخيارات الاستراتيجية للعالم العربي الإسلامي في ظل نتائج الدراسة. والفصل السادس يركز على المحددات التي يمكن بها توقع مستقبل الاحتلال الأمريكي للعراق والسيناريوهات المستقبلية لهذا الوجود، ثم إمكانية تأثير القوى الفاعلة في الأمة الإسلامية في هذا الوجود ومستقبله. أما الباب الثاني فيطل على العلاقات الدولية من خلال التركيز على أوضاع البؤر الساخنة التي تواجهها أمتنا: فالفصل الأول يتناول الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العالم وانعكاسها على العرب. ويتناول الفصل الثاني الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط؛ وذلك من خلال المشروع الأمريكي المسمى الشرق الأوسط الكبير. وفي الفصل الثالث من هذا الباب يرصد مسمى (المحافظون الجدد) ذلك المصطلح الذي أخذ يتردد بقوة في الفترة الأخيرة، ويحاول هذا الفصل إزالة الالتباس المتعلق بهذا المفهوم على صعيد النخب الفكرية. وفي الباب الرابع يحاول الباحث استكشاف التغيرات الطارئة على القضية الفلسطينية خاصة ما يمس منها المقاومة ويستشف أبعادها المستقبلية. وفي الباب الخامس يناقش الباحث التحديات التي تمس أمن باكستان القومي، والتحديات التي تهدد الهوية الإسلامية التي قامت عليها باكستان والتي على رأسها حصار المحور الأمريكي - الإسرائيلي - الهندي. ويتناول الفصل السادس المعادلة الأفغانية والصراع الدولي حولها، وسبل خروج الأمة الإسلامية من المأزق الأفغاني. ويضع الفصل السابع المسألة الشيشانية بأبعادها المختلفة القديمة والحالية تحت البحث، ويحاول الكشف عن أبرز العوامل المؤثرة في القضية في مراحلها المختلفة والإجابة عن تساؤلات عديدة. ويسلط الفصل الثامن الضوء على الصراع في إيران بين المحافظين والإصلاحيين أو دعاة التشيع وحاملي لواء الليبرالية. ويركز الفصل التاسع والأخير في هذا الباب على شكلين من أشكال الترجمة العملية للتناول الغربي لمصطلح الإرهاب. الشكل الأول: تقزيم العمل الخيري الإسلامي. والشكل الثاني: مصادرة الأموال الإسلامية والعربية. ` ويبقى في النهاية ملحقان للتقرير: الملحق الأول: يتعلق بترجمات النشرات الصادرة عن أهم مراكز البحوث والدراسات خاصة في الولايات المتحدة وإسرائيل ومنها ملخصات دراسة الوجه الآخر للحركة الإسلامية لمركز كارينجي للسلام، ودراسة انهيار العرب لمركز ديان، وملخص لتوقعات مركز جافي الإسرائيلي لعام ٢٠٠٣م، وملخص لنشرات مركز استخبارات الشرق الأوسط لنفس العام، وكذلك ملخص لنشرة واشنطون الفصلية للعام نفسه. الملحق الثاني: ويتناول أشهر تسعة كتب سياسية تتعلق بالشأن الإسلامي في العالم التي صدرت في العام الماضي؛ حيث تناولنا تعريفاً بالكتاب والمؤلف، وهي كتاب: (مستقبل الإسلام السياسي) وكتاب (ما بعد الحرب في العراق) وكتاب (التصدي للجهاد ووجهاً لوجه مع الإسلام السياسي) وكتاب (نهاية الشر) وكتاب (ما بعد الجهاد) وكتاب (أمريكا وأوروبا في النظام العالمي الجديد) وكتاب (الدور السياسي للدين في الشرق الأوسط) وأخيراً كتاب (مشكلة القوة الأمريكية) . وبذلك يتتبع التقرير حال الأمة الإسلامية ومدى ما تمتلكه من أدوات القوة ووسائلها، ووضع القوى الدولية وترتيبها، والعلاقات بينها، والنظريات السياسية التي تقودها؛ محاولاً رصد الفراغ الذي يمكن من خلاله أن تنفذ الأمة والقوى الفاعلة فيها. فالأمة بحاجة حقيقية إلى بعث الاهتمام جدياً بالدراسات المستقبلية في عالمنا الإسلامي؛ ليس بأن تأخذنا ضرورات البريق العالمي فنبدي ـ بشكل مظهري وقشري اهتماماً بالمسمى، دون أن نهتم اهتماماً فعلياً بالجوهر؛ وذلك من باب إبراء الذمة والظهور بمظهر المتقدمين، فنقوم بإضافة كلمة المستقبل إقحاماً إلى بحوثنا ودراساتنا ومقالاتنا، ولكن من خلال جهود علمية مؤسسية تأخذنا إلى نطاق أكثر جدية وفاعلية من مجرد حَدْس الأفراد وتوقعاتهم المعتمدة على قدراتهم الاستشرافية الذاتية؛ ذلك أن للدراسات المستقبلية أساليب منهجية تحتاج إلى درس ومران، وهي فوق ذلك تحتاج إلى قدر من التخيل العلمي المستقبلي، والتحرر الذهني، فضلاً عن قدرة على التدرب الدائم على تنمية عقلية البدائل القادرة على طرح تصورات إبداعية نظرية وواقعية على حد سواء، وهو ما يتطلب ضرورة التحرر من أسر الرؤية اللحظية بما تتطلبه من عدم إهمال للتفاصيل والأحداث والتطورات التي قد تبدو جزئية ومنفصلة، في حين أنها تنطوي على قدر كبير من الأهمية، كما أنها لا تهمل ما قد يراه أغلب الناس ضرباً من العشوائية، في حين أنه ينطوي على انتظام ما بالإمكان دراسته وفقاً لمنطقه الخاص. وفي الختام: ندعو الله أن يجعل هذا العمل إضافة جديدة لتدعيم مسيرة أمتنا في طريقها نحو العز والتمكين، وأن يرفع عنها الذل والمهانة لتعود خير أمة أخرجت للناس.

стр. 5067

الموحدون من النصارى أصولهم.. واقعهم.. معاناتهم د. سفر الحوالي في ظل الصراع بين الإسلام والغرب الذي تتضح ملامحه يوماً بعد يوم، وتجتهد قوى مؤثرة في الغرب في إيقاده، يبدو جهل الغرب بالإسلام من أهم أسباب إخفاقه في التعامل مع قضايا الصراع؛ حيث يتعامل وفقاً لصورة نمطية مقتضبة. ولكيلا نقع في الخطأ نفسه، ينبغي للأمة الإسلامية أن تعرف خصمها معرفة مفصلة، بدلاً من النظر إليه باعتباره كتلة واحدة ذات توجه واحد، ومن أهم أسباب المعرفة المطلوبة: ربط اتجاهات الصراع بأصولها العقدية، وقياس مدى تأثير تلك الأصول في توجيه الصراع، لا سيما وقد بدأ الغرب يتمايز، وقد تزيده المرحلة القادمة تمايزاً. وهذه المقالة تلقي الضوء على طائفة نصرانية تكاد تكون مجهولة لدى المسلمين، مع أهميتها عقدياً وعراقتها تاريخياً؛ فقد كان منها خمسة من رؤساء الولايات المتحدة، فضلاً عن حضورها الثقافي والسياسي في الساحة الأمريكية؛ فهم يمثلون دينياً النقيض للحركة الأصولية المتطرفة، وهم في الجملة محسوبون كجزء من التيار الليبرالي الذي لا يرى صراع الحضارات حتماً، ويرفض المشروع الصليبي المسمى «الحرب على الإرهاب» . ` المقصود بالموحّدين من النصارى: لا توحيد ـ على الحقيقة ـ إلا ما أرسل الله به رسله وأنزله في كتبه، وهو الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ واحد، وعبادته وحده لا شريك له؛ فهذا هو التوحيد المطلق. أما إذا قُيِّد بطائفة أو أحد من الناس فهو بحسب من يضاف إليه. ونحن هنا حين نتحدث عن الموحدين من النصارى فإننا نعني بها الفرقة النصرانية التي تعتقد أن الله واحد، وأن المسيح رسول الله، وترفض التثليث، وتتمثل في كنيسة (جماعة دينية) تؤمن بالوحي والعبادة، وبذلك يتميزون عن عامة الكنائس النصرانية التي تؤمن بعقيدة التثليث المنصوص عليها في قانون الإيمان الذي أقرّه مجمع «نيقية» (١) ، كما يتميزون في العصر الحديث عن منكري التثليث على أساس إنكار الخالق ـ تعالى ـ مطلقاً، أو على أساس إنكار الوحي مع الإقرار بالخالق؛ لأن هؤلاء على الحقيقة ليسوا من النصرانية في شيء، وإن كان هذا التمييز غير جلي في تاريخ الفكر الغربي الحديث كما سنرى. ` أصولهم وأسماؤهم: تعود جذور عقيدة الموحدين النصارى إلى الدين نفسه الذي علَّمه المسيح ﵇، وهو الإسلام في العقيدة، واتباع التوراة في الشريعة؛ فهم في الأصل الطائفة التي آمنت من بني إسرائيل كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] وتمسكوا بالإيمان الذي أعلنه الحواريون كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] وظل بعضهم على هذا الإيمان إلى البعثة المحمدية، وخلط آخرون ذلك بأنواع من البدع من قبل البعثة وبعدها لا مجال لتقصِّيها الآن. ومن أسمائهم «الناصريون» : إما نسبة إلى النُّصرة وهو الأقرب؛ كما في الآية، وإما إلى (الناصرة) البلدة التي ينسبون إليها المسيح ﵇، فيقولون: (يسوع الناصري) ، وفي انتسابهم هذا إعلان لبراءتهم من البدع التي أحدثها بولس وأتباعه. أما الاسم الذي ظلوا يشتهرون به حتى مطلع العصر الحديث فهو «الآريوسية» ـ أو «الأريانية» ـ نسبة إلى آريوس، أو «السوسنيانية» نسبة إلى «سوسنيان» الذي سنأتي على سيرته. وقد كان للاضطهاد الذي نالهم من المخالفين أثره في تشويه تاريخهم وطمس كثير من معالمه. فوقع خلط كبير بينهم وبين غيرهم من الفرق المنشقة عن الكنيسة الملكية الرومانية التي تسمي المنشقين جميعاً «هراطقة» . ومن ذلك أنك تجد من لا يفرق بينهم وبين «النسطورية» أو «اليعقوبية» وربما كان سبب ذلك أن الكنيسة الرومانية الملكية الكاثوليكية كانت تنبزهم بأنهم نسطورية أو يعقوبية، وفي الوقت نفسه تنبز النسطورية واليعقوبية بأنهم «موحدون» لتخرجهم من النصرانية وتكفِّرهم عند العامة. وشبهتها في هذا أن النَّسطورية مع اعتقادهم التثليث ينكرون أن يقال عن مريم: والدة الإله، ويقولون: إنما ولدت الناسوت وليس اللاهوت؛ فكفّرتهم الكنيسة الملكية بذلك، واشتبه الأمر على كثير من الباحثين ـ وبعضهم من الموحدين الأوروبيين أنفسهم ـ فظنوا أن النَّسطورية في الشرق يعتقدون أن عيسى ﵇ مجرد بشر؛ فهم بذلك موحِّدون. أما اليعقوبية فهم مع اعتقادهم التثليث ينكرون أن يكون للمسيح طبيعتان، ويجعلونها طبيعة واحدة «إلهية» فكفَّرتهم الكنيسة الملكية بإنكار التثليث في نظرها. ومن هنا أخطأ كثير من الباحثين أيضاً فظنوا ما جعلته الكنيسة توحيداً على سبيل التهمة هو التوحيد الذي عليه الموحدون. أما نسبة الموحدين إلى «أريوس الإسكندري» و «بولس الشمشياطي» ، فهي أقرب إلى الصواب، من جهة أن المنسوب إليهم في كتب النصارى هو إنكار لاهوت المسيح ـ لا سيما الأول منهما ـ على أن وصف الناصريين يظل أصدق الأوصاف وأبعدها عما أحاط بالأوصاف الأخرى من اضطراب. ` اضطهادهم: تعرض الموحدون لاضطهاد هائل من الكنائس الرسمية، ولعنتهم المجامع النصرانية المخالفة، ووصمتهم بالكفر والهرطقة، ومزقتهم كل ممزق. ومن هنا ـ مع ما أصاب بعضهم من الابتداع ـ صدق على المتمسكين منهم أنهم «بقايا» كما جاء في الحديث: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» (١) وفي قوله ـ تعالى ـ: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١١٣] فإن من كانوا على بقية من الحق عند بعثته ﷺ أعم من أن يكونوا من أتباع المسيح ﵇ فحسب؛ وذلك أن كثيراً من اليهود خارج فلسطين لم تبلغهم دعوة المسيح ﵇، أو لم يتبينوا حقيقة رسالته، وظلوا على الحق الذي في التوراة حتى أشرق نور الإسلام (٢) . فلما ظهر نور الإسلام وأضاء ما بين الخافقين دخل أكثر الموحدين فيه وبقيت منهم بقية على حالها وكانت على صنفين: الأول: من بلغته دعوة محمد ﷺ فلم يؤمن به، وعن هؤلاء يقول العالم المهتدي الحسن بن أيوب من علماء القرن الرابع الهجري: «ولما نظرت في مقالات النصارى وجدت صنفاً منهم يعرفون بالأريوسية يجردون توحيد الله ويعترفون بعبودية المسيح ﵇ ولا يقولون فيه شيئاً مما يقوله النصارى من ربوبية ولا بُنُوة خاصة ولا غيرهما، وهم متمسكون بإنجيل المسيح، مقرون بما جاء به تلامذته والحاملون عنه. فكانت هذه الطبقة قريبة من الحق، مخالفة لبعضه في جحود نبوة محمد ﷺ ، ودفع ما جاء من الكتاب والسنة» (٣) . والآخر: من لم تبلغه الدعوة لبعد الشُّقَّة، أو بلغته على الصورة البالغة التشويه التي نشرتها الكنيسة الحاقدة على الإسلام ولا سيما كنيسة روما. والثابت تاريخياً أن التوحيد كان عقيدة منتشرة في أوروبا في القرون الميلادية الأولى، لكن اختلفت أحوال الشعوب الموحِّدة، فبعضها مثل «الأيرلنديين» استطاعت الكنيسة البابوية استئصاله قبل الإسلام، وبعضها مثل «الأندلسيين» ظهر الإسلام والحرب لا تزال قائمة بينهم وبين روما. ومن الظواهر البارزة في التاريخ الديني الأوروبي أن الشعوب البعيدة عن تأثير السيطرة الرومانية كانت أقرب إلى الفطرة، ومن ثَمَّ أكثر قبولاً للتوحيد من غيرها، وربما كان الاضطهاد الذي مارسه الرومان على الشعوب الخاضعة لهم أعظم أسباب قلة الموحدين فيها. ففي بريطانيا كان الموحدون أول من أدخل النصرانية إلى الجزر البريطانية، وكان لهم فيها تاريخ طويل حتى انتقال مركزهم إلى أمريكا كما سيأتي. وفي إيرلندا كان الناس يدينون بالتوحيد ويعملون بشرائع التوراة، بل يسمون أنفسهم «ناصريين» حتى غزاهم الرومان في القرن الخامس الميلادي، واستأصلوا عقائدهم، وأحرقوا أناجيلهم المعروفة بالأناجيل «السلتية» (١) ، التي كانت خالية من عقيدة التثليث. وفي الأندلس ظلت الحروب بين الرومان وبين الموحدين حتى ظهور الإسلام، ويعزو المؤرخون من شرقيين وغربيين سرعة انتشار الإسلام هناك إلى أنهم كانوا في الأصل على التوحيد. وإجمالاً يمكن القول: إن تاريخ شعوب أوروبا الغربية وشمال أفريقية قبل الإسلام تاريخ للصراع بين الكنيسة الرومانية وبين الآريوسية ويشمل ذلك القوط والفاندال والسلت والبربر وغيرهم (٢) . يقول سلفستر شولر: (من المعلوم أن جميع البرابرة الذين استقروا على ضفاف الدانوب وعلى ضفاف الإمبراطورية (الرومانية) قد اعتنقوا أمة بعد أمة المسيحية الآريوسية ... وهكذا أخذت الآريوسية تجتاح البلاد التي يقيم فيها البرغوند والسويف والفندال واللومبارد، وغدت ديانة هذه الشعوب الوطنية) (٣) ، هذا عدا انتشار الموحدين في مصر وبلاد الشام والعراق وفارس والحبشة ومليبار. ثم كان أبرز الأحداث في تاريخ الموحدين هو قيام مملكة لهم في رومانيا في القرن السادس عشر؛ حيث كان الملك «جون سيقموند» المتوفى سنة ١٥٧١م موحداً، ولا يزال فيها أكبر تجمّع للموحِّدين في العالم بعد الولايات المتحدة؛ حيث يبلغ عددهم ثمانين ألفاً. وفي بولندا تكاثر الموحِّدون حتى أرغمهم البرلمان سنة ١٦٥٨م على اعتناق الكاثوليكية (٤) ، إلا من فرّ منهم إلى هولندا وإنجلترا، وهناك التقوا مع الفارين من الأندلس بعد سقوطها في يد الملكين الكاثوليكيين «فردِنَنْد» و «إيزابيلا» . وفي فرنسا ظهر الموحدون سنة ١٥٥٠م باسم «الهجونوت» إلا أن الكاثوليك شنوا عليهم حرباً ضروساً في أيام الملكة «كاترين» وابنها «هنري» حتى استأصلوهم سنة ١٥٧٢م إلا من استطاع الفرار إلى هولندا ثم إلى أمريكا (٥) . ` روافد وأشباه: فيما بين عقيدة الموحدين ـ هؤلاء ـ وعقيدة الطائفة الملكية (٦) ، وهي الطائفة النصرانية الكبرى المتحكمة في الإمبراطورية الرومانية، يوجد عقائد كثيرة تأثرت بالمد الإسلامي العظيم؛ إذ كان استعلاء الإسلام ووضوح حجته قد بهر العالم أجمع، فحرصت كل ملة على أن تفسر عقيدتها وإيمانها بما يشبهه أو يقاربه، حتى إن الطائفة الملكية نفسها أصبحت تدعي التوحيد على تفسير خاص لها (٧) . وقد بلغ التأثير ذروته في الحركتين المشهورتين في التاريخ الأوروبي، وهما: حركة تحريم الصور والتماثيل، والحركة الإصلاحية. وقد وفّر كلٌّ منهما نوعاً من الغطاء لعقيدة الموحدين التي كانت تظهر وتختفي بمقدار الحرية المتاحة لها. ١ - حركة تحطيم الصور والتماثيل: ظهرت هذه الحركة بظهور الإسلام الذي كان حكمه حاسماً جداً في هذا الشأن؛ فعندما عاد المهاجرون إلى الحبشة وذكروا للرسول ﷺ ما رأوا في الكنائس الحبشية ـ وهي يعقوبية المذهب ـ قال ﷺ : «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٨) . وهكذا طمس المسلمون ـ وحطموا ـ الصور والتّماثيل والصّلبان ليس فقط في الكنائس التي أسلم أهلها أو فتحوها عنوة، بل في كل مظاهر الحياة، وبذلك استيقظت الحركة الكتابية التي كانت تفعل ذلك قبل الإسلام عملاً بما جاء في الوصية الثانية من الوصايا العشر في التوراة (٩) . وقد بلغت هذه الحركة أوجَها في عهد الإمبراطور البيزنطي (قسطنطين الخامس) الذي عقد مجمعاً خاصاً لذلك في القسطنطينية سنة ٧٥٤م. ونلاحظ أن الإمبراطورية الشرقية البيزنطية هي الأكثر تأثراً؛ وذلك لقربها من دار الإسلام. ٢ - الحركة الإصلاحية: تأخر ظهور الحركة الإصلاحية في الإمبراطورية الغربية، بسبب بعدها الجغرافي عن دار الإسلام، والحُجُب الكثيفة من الافتراء والتشويه التي فرضتها الكنيسة الكاثوليكية على أوروبا الغارقة حينئذ في الجهل والهمجية، ولكن الاتصال بالمسلمين الذي حدث من طرق شتى - منها مراكز الحضارة الإسلامية في جنوب أوروبا، والحروب الصليبية، والتعامل التجاري، وغيرها ـ أدى إلى ظهور الحركة الإصلاحية البروتستانتية، التي كانت فاتحة التاريخ الأوروبي الحديث، والتي أحدثت زلزالاً هائلاً في الكنيسة الغربية، بل في الحياة الأوروبية عامة. إلا أن تأثيرها الإصلاحي لم يمسّ الجوهر (عقيدة التثليث) بل اقتصر أساساً على الحد من طغيان البابوات، وفساد رجال الدين عامة، وتحطيم الصور والتماثيل (١) ، وتعديل بعض الشعائر والطقوس. ويتمثل تأثيرها التاريخي الهائل في تأسيس كنائس جديدة منسوبة لزعماء الحركة، مثل «لوثر» «كالفن» «زونجلي» وكانت الاستجابة الواسعة لها تمثيلاً عميقاً لما عانته النفسية الأوروبية من كبت وضجر تحت سيطرة الاضطهاد البابوي، ولكنها ما لبثت أن ارتكبت كل الخطايا التي ارتكبتها كنيسة روما، ولا سيما اضطهاد المخالفين، وربما زادت عليها أحياناً، وهو الأمر الذي أدخل أوروبا في دوّامة من العنف لم يشهد لها التاريخ العالمي مثيلاً. وحدث من الفظائع والمنكرات ـ من الطرفين ـ ما اقشعرت لها أبدان المؤرخين، ووصفوها بأنها وحشية تترفع عنها الوحوش. وقد نالت هذه الوحشيةُ طائفةَ الموحدين التي انتهزت ـ بادئ الأمر ـ فرصة الصراع وانكسار باب السجن الكاثوليكي لتخرج في جملة من خرج من المأسورين، ولكن الاضطهاد الذي حلّ بها من قِبَل البروتستانت كان أفظع مما تصورت، بل كان مثار دهشة المؤرخين الغربيين ولا يزال. ` الموحدون والحركة الإصلاحية النصرانية: كان أعداء الموحدين ـ من الكاثوليك والبروتستانت سواء ـ ينبزونهم بلقب «سوسنيانية» نسبة إلى رجل دين إيطالي يدعى «سوسنيان» أو «سوسنيوس» (١٥٣٩ـ ١٦٠٤م) (٢) ، ظهرت آراؤه في عنفوان الثورة البروتستانتية على الكنيسة الكاثوليكية بقيادة زعيميها الشهيرين «مارتن لوثر» و «كالفن» . وكان «كالفن» ينافس «لوثر» في تزعّم الإصلاح، إلا أنه كان أكثر منه اعتماداً على التوراة ـ لا سيما في انتهاج القوة ـ وقد قرر كثير من المؤرخين أنه يهودي الأصل، ولعل هذا سبب خطأ من يظن أنه كان موحِّداً (٣) ، وقد عاصر من الموحدين غير «سوسنيان» الذي تنتسب إليه الطائفة «ميخائيل سرفت» صاحب الآراء المتناقضة والمحسوب على الموحدين، وإن كان بعض مؤرخي الفكر الغربي يجعلونه المؤسس. اتخذ كالفن «جنيف» مقراً لدعوته، وحكمها حكماً لاهوتياً شديد الصرامة، ويقول «ديورانت» : (إن «كالفن» كان يرى في مذهب الموحدين بداية النهاية للمسيحية، وخشي هذه الهرطقة أكثر من أي شيء آخر؛ لأنه وجدها متفشية في مدينة «جنيف» ذاتها، وفوق كل شيء بين اللاجئين البروتستانت الفارين من إيطاليا، وهذه إشارة إلى سوسنيان وأمثاله) . وقد بلغت فظاظة كالفن وبشاعة أحكامه حداً جعل أتباعه وأعداءه يشتركون في التعنيف عليه، وكان الموحدون أكثر المتضررين بذلك، ولا تزال مأساة «سرفت» تعد عند مؤرخي الفكر وصمة عار في جبين الإصلاحيين عامة و (كالفن) خاصة؛ فقد حكم (كالفن) على (سرفت) بأن يحرق حياً على نار بطيئة عقوبة له على إنكار التثليث سنة ١٥٥٣م. وكان هذا ـ إضافة إلى نبز (لوثر) لـ (سرفت) بأنه «مراكشي» ـ دليل على أن الضغينة عليه كانت بسبب تأثره بالإسلام أكثر من كونه كافراً بالتثليث؛ إذ يقول ديورانت (٤) ، بعد أن نقل فقرات من كلامه: (إن مفهومه عن المسيح قريب جداً من مفهوم محمد) فنظراً لأصله الأسباني وقراءته للقرآن، واطلاعه على العقائد الإسلامية كان يستحق عندهم أن ينزل عليه أشد العقاب، فيكون عبرة لغيره من الخارجين على عقيدة (لوثر) و (كالفن) . كان (سرفت) في أول الأمر مندفعاً جداً في الثورة على النصرانية، فألّف كتابه «خطأ التثليث» سنة ١٥٣١م وفيه شبّه الرب الذي يعبده النصارى بالصنم الخرافي الوثني «سربيروس» الذي كان أتباعه يعتقدون أن له ثلاثة رؤوس (٥) ، ولكنه آخر الأمر عاد ليكتب كتاباً عنوانه «إعادة المسيحية» . وسواء كان ذلك تراجعاً ظاهرياً أو اضطراباً في المعتقد، فالنتيجة أن ذلك لم ينقذه من العقوبة، وكان إحراقه نذيراً صارخاً لأصحاب مذهب التوحيد بالفرار إلى بلاد غير خاضعة للإصلاحيين، فاتجهوا إلى بولندا وهولندا ورومانيا ـ إقليم ترانسلفانيا ـ حيث كان الملك الموحِّد «جون سيقموند» يوفر حماية للفارين منهم في مملكته. إن مصادر التوحيد لهذه المملكة مجهولة، والظاهر أنها من بقايا الأريوسيين وأن حياتهم في غابة إقليم «ترانسلفانيا» النائي وَقَتْهم شر التسلط الكاثوليكي، ومن المحتمل جداً وجود علاقة لهم بالمسلمين؛ فقد شهدت روسيا وأوروبا الشرقية مرحلة من التواصل مع المسلمين تميز في عهد الخليفة المقتدر العباسي وبعده (٦) . على أن العقيدة التوحيدية ظهرت في أوروبا الغربية، ولا سيما في هولندا وبريطانيا، ومنها إلى أمريكا ضمن الخليط الناتج من الأفكار التي شهدها عصر التنوير الأوروبي الذي تُعَدُّ حركة التوحيديين أحد روافده، كما تعد أحد المستفيدين من ثورته. ` عقائد عصر التنوير الأوروبي: يسمى عصر الثورة العامة على المعتقدات الدينية النصرانية: (عصر التنوير) ، وهو يشمل المرحلة ما بين اشتداد الحروب الدينية في أوروبا، وبين ظهور الثورتين الأمريكية والفرنسية، أي أن القرن الثامن عشر الميلادي ـ على سبيل التقريب ـ هو عصر التنوير الذي أحدث في الفكر العالمي عامة والغربي خاصة زلزالاً لا تزال توابعه حتى الآن؛ فقد خلَّف آثاراً عظيمة في السياسة والاجتماع والأدب والفن. بيد أن أعظم آثاره تجلى في الصراع العنيف بين الكنيسة والعقل. ولا ريب أن عصر التنوير يعد امتداداً طبيعياً لعصر النهضة الأوروبية الذي يدين بالفضل للإسلام؛ فقد كان تأثير الحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية واضحاً في إيطاليا منطلق النهضة الأوروبية الحديثة، بل هو أكبر أسباب النهضة؛ فقد كان الإمبراطور «فردريك» الثاني في القرن الثالث عشر عاشقاً للثقافة الإسلامية، ولما رأت الكنيسة حرصه على تعلم العربية، وكثرة المسلمين في بلاطه، وتأثره الواضح بهم، أصدرت بحقه حرماناً وسمته «الزنديق الأعظم» ، ولكن المؤرخين في الفكر يسمونه «أول المحدثين» تقديراً لريادته في الحضارة والإنسانيات (١) . وفي الأندلس كان التواصل الثقافي مستمراً خاصة مع أوروبا الغربية، لا سيما الجزر البريطانية التي كادت أن تسلم ـ حيث يتحدث التاريخ عن إسلام أحد ملوكها، وكذلك إسلام ملك النرويج، وهما حدثان جديران بالبحث والاهتمام ـ فلما استطاعت الكاثوليكية استرداد البرتغال وأسبانيا من المسلمين، وأقامت محاكم التفتيش، لجأ كثير من أصحاب الفكر الحرِّ إلى أوروبا الغربية، لا سيما هولندا التي ظهرت فيها العقيدة التوحيدية بوضوح إلى جانب العقائد الأخرى المتحررة من ربقة الكنيسة الرومانية. وفي المرحلة التالية لم يقف الصراع الكبير الذي أحدثته الحركة الإصلاحية عند حد التمرد على البابا، بل انقلب تمرداً على كل العقائد الكنسيّة باسم «العقل» و «حرية التفكير» و «الدين المنطقي» و «الدين الطبيعي» ونحو ذلك من الشعارات التي كثرت في ذلك العصر واختلفت، وكان الجامع بينها رفض العقيدة النصرانية. ومن هنا اختلط الأمر على الباحثين، وصعب التفريق بين منكري الدين كلِّه ـ أي من ينكر وجود الله تعالى ـ وبين من ينكر عقائد الكنائس النصرانية ـ لا سيما التثليث ـ لكنه يؤمن بالوحي والكتب المقدسة، وبين من يقف بين ذلك فينكر الكتب والقدر، ويعترف بنوع من الوحي والتعبد. وفي غمرة هذا الاختلاط نجد تفسيراً للتنازع الشديد في عقيدة بعض الأعلام المشهورين بالعلم والفكر والفلسفة مثل «جون لوك» «إسحاق نيوتن» «شارل ديكنز» ، «روسو» ، «داروين» فالكنيسة الموحدة تدعي أنهم من أتباعها، وغيرهم لا يسلم لها بذلك، بل يجعلونهم «ربوبيين» (٢) ، أو «لا أدريين» أو «طبيعيين» ... إلخ. وكان لبريطانيا نصيب الأسد في ظهور هذه العقائد، ويعزى ذلك إلى الحرية المحدودة فيها وإلى طريقة التفكير البريطاني؛ حيث يمثل الإنجليز غالباً ما سماه المفكر العالمي (علي عزت بيجوفتش) : «الطريق الثالث خارج الإسلام» ، فقد رفضوا العقيدة الكاثوليكية، لكنهم لم يتطرفوا فيذهبوا مذهب الملاحدة العقلانيين في فرنسا، ولم يندفعوا مع اللوثرية اندفاع الألمان، بل سلكوا طريقاً وسطاً ـ تماماً كما فعلت بريطانيا في العصر الحاضر، حيث لم تكن شيوعية مثل روسيا، ولكنها أيضاً ليست في الرأسمالية مثل أمريكا. هناك ـ في بريطانيا ـ فشت عقيدة التوحيد هذه، وكادت تسيطر على مفكري عصر التنوير الإنجليزي، لولا أن منافساً ظهر أيضاً بقوة وهو دين الربوبيين ـ المؤمنين بالله مع إنكار الوحي ـ وكثيراً ما يقع الخلط بين هاتين العقيدتين، ويدعي أتباعهما أن رموز الأخرى هم من رموزها ـ كما سبق ـ. والواقع أن بريطانيا في ذلك العصر كانت تموج بالشك والتمرد بل التقلب والاضطراب لدى المفكر الواحد. وكان أبرز الأحداث هو إعلان الموحدين لعقيدتهم في التوحيد صراحة في بيان وجهوه إلى طلاب جامعتي «أوكسفورد» و «كامبردج» سنة ١٧٩٠م (٣) . على أن أهمية الكنيسة في بريطانيا تتجلى في كونها المصدر الأكبر للحركة في أمريكا، وهنا لا بد من بيان الفرق بين أوروبا وأمريكا في هذا الشأن؛ فأوربا كانت هائجة مضطربة تنتقل من فعل إلى ردة فعل أعنف، وهذا يصدق على كثير من مفكريها مع شيء من الاعتدال يتسم به شمالها. أما أمريكا فجذورها الدينية واضحة؛ بحيث يمكن القول إن ملاحدة أمريكا أقرب إلى الانتماء الديني، وأن متديني أوروبا أقرب إلى الملاحدة. وحين نصل إلى أمريكا نجد أنفسنا أمام تاريخٍ مستفيض، ووجود متميز للحركة الموحّديّة. ` الموحدون في أمريكا: تقول المصادر الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية إنها ثاني الدول الغربية تديناً بعد إيرلندا، ويقول المفكر إدوارد سعيد: (إن أمريكا هي أكثر دول العالم انشغالاً بالدين) . والواقع أن بين الدين الذي أسست عليه هذه الدولة والدين الذي تدين به اليوم بَوْناً شاسعاً، وهذا يصدق على حركة الموحٍّدين الأولى وواقع الموحدين اليوم. فالمؤسسون الأوائل لأمريكا كان منهم جمع غفير من المهاجرين بدينهم المتسمين باسم (الحجاج) ، وقد تحملوا مشقة الرحلة الطويلة إلى بلاد نائية فراراً من الحروب الدينية الضروس التي اجتاحت أوروبا لا سيما منذ ظهور الحركة الإصلاحية، وكان من بين المؤسسين مفكرون وساسة يؤمنون بالتسامح، ويمقتون الاضطهاد بنفس المقدار الذي كان عليه مفكرو التنوير في أوروبا أو أكثر، وهكذا أسسوا الدولة الناشئة على مبدأ فصل الدين عن الدولة، لكن بسبب وبشكل يختلفان عما هو الحال عليه في أوروبا؛ ففي فرنسا مثلاً كانت الثورة الفرنسية معادية للدين، وكان فصل الكنيسة عن الدولة إقصاء للمتدينين، وسلباً لمكانة الكنيسة. أما في أمريكا فقد جعلوه صيانة للدين وحفظاً لمكانة الكنائس، وأتاحوا للمتدينين الحرية في الانتماء إلى الكنيسة التي يريدون، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تجاوزه إلى الاتفاق على نفي أن تكون الدولة نصرانية رسمياً (١) ؛ وذلك أن المؤسسين الكبار كانوا يؤمنون بأفكار عصر التنوير وفلسفاته التي ذكرنا مع تفاوت بينهم في الالتزام الديني الشخصي بالذهاب إلى الكنائس أو الانتساب إليها. إلا أن كنيسة واحدة فقط كان الانتماء إليها ينسجم مع الأفكار التنويرية وهي الكنيسة الموحِّدة؛ بحيث يمكن القول إنه لو كان للحكومة الناشئة أن تختار ديناً رسمياً للدولة لما كان إلا دين الموحِّدين. وهذا ظاهر من استقراء عقائد الرؤساء الأوائل وعقائد المفكرين الأوائل مثل: بنيامين فرانكلين، ورالف أمرسن. ففي سنة ١٧٨٥م تحولت كنيسة الملك في بوسطن إلى كنيسة موحِّدة؛ حيث قرر أعضاؤها حذف الألفاظ الدالة على التثليث في الصلوات، ثم أسست كنيسة موحِّدية في «فيلادلفيا» سنة ١٧٩٤م، وبعد ذلك حدث تحول آخر مهم، وهو انتقال كنيسة الحجاج التي أسست سنة ١٦٢٠م إلى كنيسة موحِّدية سنة ١٨٠٢م. وتوّجَ هذه الأحداث حدثٌ من أعظم الأحداث في التاريخ الديني النصراني، وهو قيام الرئيس الأمريكي الثالث «توماس جيفرسن» بتأليف إنجيل جديد هذَّب فيه الأناجيل المعروفةَ في نسخةٍ منقّحةٍ محذوف منها كل ما يدل على التثليث، كما حذف ما يدل على المعجزات ـ وهنا يظهر عليه أثر عقلانية عصر التنوير ـ إلا أن «جيفرسن» لم يكن منتمياً إلى كنيسة، ومن ثمَّ يحسبه الباحثون ـ غالباً ـ بين الفلاسفة لا بين المتدينين، ونحن سوف نتسامح في هذا الشرط عند ذكر رؤساء أمريكا من الموحدين عما قليل. في سنة ١٨٢٥م أسست المنظمة الموحدية في أمريكا، ثم أسس المجمع الوطني للموحدين في سنة ١٨٦٥م، ولم تزل الحركة في صعود مستمر ـ لا سيما بين الطبقة المثقفة ـ حتى بلغ الذروة في تولي أحد الموحدين وهو (وليام تافت) رئاسة الولايات المتحدة، وأعقب ذلك تولِّيه رئاسة الكنيسة الموحدية سنة ١٩١٧م. وآخر المشهورين من السياسيين الموحدين هو «ادلاي ستيفنس» المرشح الرياسي الذي كان وزيراً في حكومة جون كندي ـ الرئيس الكاثوليكي الوحيد للولايات المتحدة ـ وقد توفي سنة ١٩٦٥م ولم ينجح في أن يصبح رئيساً. إنه باسترجاع مرحلة تأسيس أمريكا يجدر القول بأن المسلمين بسبب تخلفهم الديني والحضاري حينئذ، قد فوَّتوا فرصة عظيمة حيث كانت الدولة الأمريكية الناشئة مهيأة لاعتناق التوحيد الحقيقي، والدخول في دين الإسلام، وإن شئت فقل: إنه كان يمكن أن يكون للمسلمين مكانة كبرى في ذلك المجتمع الجديد، لو أن الأمة والدعوة في ذلك الحين كانت في حال أفضل. ` واقع الحركة الموحدية في أمريكا اليوم: يمكن إيجاز الواقع في العقود الأخيرة بأنه انتشار للعقيدة وانتكاسة للكنيسة. أما العقيدة ذاتها (أي إنكار التثليث أو إنكار ألوهية المسيح) فقد تنامت حتى يمكن القول إنها عقيدة الأغلبية في أمريكا هذه الأيام، وفقاً لاستبانات كثيرة لا مجال للتفصيل فيها. وأما الكنيسة فقد تقلصت، بل انتكست ـ مع أن تقديراتها تقول إن لها زهاء ألف معبد ينتمي إليها حوالي ١٦٠ألف عضو ـ وانحرف كثير من أتباعها انحرافاً خطيراً؛ وذلك أن الغليان الفكري والاجتماعي في أمريكا لدى جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، أدى إلى ظهور موجة من التحلل والتفسخ والانقسامات الدينية الحادة والحركات المتطرفة، وشمل ذلك الكنيسة الموحِّدية التي تحولت تحولاً كبيراً إلى الاتجاه الليبرالي، واتخذت خطوة بعيدة بتوحدها مع «كنيسة الخلاص للجميع» «اليونيفرسالية» ، وهي كنيسة تدعي التوحيد أسست سنة ١٧٩٣م، والواقع أنها لا تؤمن بالتثليث، لكنها تؤمن بعقيدة الخلاص للجميع. ومع تنامي موجة التحرر والانحلال، تحوّلت هذه العقيدة إلى إقرار عام لجميع الأديان والأفكار، وكان الاندماج بين الكنيستين سنة ١٩٦١م، ومن ثم بدأت مسيرة الذوبان مع كنائس كثيرة في بوتقة الليبرالية الحديثة التي تشمل تنوعاً مدهشاً من العقائد الشرقية والغربية (٢) تعطي برهاناً ساطعاً على حاجة هذه الأمة إلى الدين الصحيح، وتلقي على كاهل المسلمين واجباً عظيماً في إنقاذ هؤلاء الحيارى في مجتمع يظل ـ بغض النظر عن مواقف حكومته ـ من أكثر مجتمعات العالم تقبلاً للإسلام وإقبالاً على التعرف عليه، ومما يزيد ذلك توكيداً أن الاتجاه المقابل للاتجاه الليبرالي ـ ونعني به الاتجاه الأصولي الصهيوني ـ قد أخذ في التقهقر، وقد يسقط سقوطاً سريعاً في حالة إخفاق (جورج دبليو بوش) في الفوز بالرئاسة ثانية، وهو احتمال وارد بعد تورطه في الحرب الصليبية المسماة «الحرب على الإرهاب» وما تضمنته من فضائح أخلاقية وإخفاقات سياسية وعسكرية أسهمت في كشف الوجه القبيح لأمريكا على المستوى العالمي. إنها لمفارقة عجيبة أن تؤسَّس أمريكا لتكون تنويرية توحيدية، وينتهي بها الأمر لتكون إنجيلية صهيونية صليبية، ولكن هذا التحوّل البعيد ينبغي أن يفتح باب الأمل لأمة التوحيد الحقيقي لأن تجتهد في تحويلها إلى أمة مسلمة تعبد الله وحده لا شريك له، وتتخلى عن الغطرسة والاستكبار لتصبح أمة عدل وسلام؛ وذلك لا يكون إلا بالإسلام. ` الرؤساء الأمريكيون الموحدون: ١ - الرئيس الثاني «جون آدمز» تولى الرئاسة ما بين عامي ١٧٩٧ ـ ١٨٠١م وإليه تنسب معاهدة طرابلس مع الرئيس الأول «جورج واشنطن» التي نفى فيها أن تكون الجمهورية الأمريكية الحديثة ـ حينئذٍ ـ دولة نصرانية، وعليه فهي ليست معادية للإسلام بأي وجه من الوجوه. ٢ - الرئيس الثالث «توماس جفرسُن» تولى الرئاسة ما بين عامي ١٨٠١م ـ ١٨٠٩م وكتب الإنجيل المعدل عام ١٨٠٤م، وقد كان نائباً للرئيس الثاني «جون آدمز» وهو أكثر المؤسسين أثراً في تكوين الفكر الأمريكي، وكان «جيمس ماديسون» المشهور بأبي الدستور الأمريكي متأثراً بفكره، وقد عينه وزيراً في حكومته، ثم خليفة له في الحكم. ٣ - الرئيس السادس «جون قوينسي آدمز» تولى الرئاسة ما بين عامي ١٨٢٥م ـ ١٨٢٩م وهو ابن الرئيس الثاني. ٤ - الرئيس الثالث عشر «ميلارد فلمور» تولى الرئاسة ما بين عامي١٨٥٠م ـ ١٨٥٣م. ٥ - الرئيس السابع والعشرون «وليام تافت» تولى الرئاسة ما بين عامي ١٩٠٩م ـ ١٩١٣م وهو الذي ترأس الكنيسة الموحدية عام ١٩١٧م توفي عام ١٩٣٠م. ` الموحدون في العالم: خارج الولايات المتحدة ورومانيا توجد أقليات منتمية إلى كنيسة التوحيد في بلاد كثيرة أهمها جمهورية التشيك، وهنغاريا، والهند، والفلبين، وألمانيا، ونيجيريا، وكندا، وإيرلندا، وإسكندنافيا. على أنه ينبغي أن يُعْلم أن الذين لا يؤمنون بالتثليث ولا يعتقدون ألوهية المسيح ولا يجمعهم الانتماء إلى هذه الكنيسة هم أكثر عدداً، وهم ينتشرون في هذه الدول وغيرها منتسبين إلى كنائس أخرى أو متحررين من أي نسبة. وهم منجم خصب للدعوة إلى الله، وسيظل هؤلاء جميعاً برهاناً ساطعاً على أن الإسلام هو دين الفطرة، وأن وعد الله ـ تعالى ـ بإظهاره حق. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] .

стр. 5068

حقيقة التنوير ما هو التنوير الغربي؟ وهل نحتاج إليه؟ محمد إبراهيم مبروك ` مدخل تاريخي: قد تكون النصرانية (الثالوثية) هي المعضلة العظمى التي تعرَّض لها العقل الغربي في تاريخه، والمبعث الأساسي لكل أزماته حتى وقتنا الراهن. وتبدأ هذه المعضلة بإشكالية وجود المسيح ﵇ نفسه عندهم؛ حيث يقول (هـ. ج ويلز) في ذلك: «يكاد يكون المصدر الوحيد لمعلوماتنا عن السيد المسيح محصوراً في الأناجيل الأربعة» (١) . وعلى ذلك فإن المؤرخ الشهير (ول ديورانت) يذكر أن هناك بعض المفكرين الغربيين يشكُّون في كون المسيح قد وُجِدَ أصلاً، ويقول عن ذلك: «لقد كان (بولو سجبروك) والملتفون حوله وهم جماعة ارتاح لأفكارهم (فولتير) نفسه. يقولون في مجالسهم الخاصة: إن المسيح قد لا يكون له وجود على الإطلاق» ، ولما التقى (نابليون) في ١٨٠٨م بـ (فيلاند) العالم الألماني لم يسأله القائد الفاتح سؤالاً في السياسة أو الحرب، بل سأله: هل يؤمن بتاريخ المسيح؟» (٢) . أما الإشكالية الثانية فتتعلق بصحة تواريخ الأناجيل ومدى نسبتها إلى أصحابها. يقول هـ. ج ويلز: «الأناجيل الأربعة كلها كانت بالتأكيد موجودة بعد رحيل المسيح بعشرات السنين. ويظن الكثيرون أن الأناجيل الثلاثة الأولى (متَّى، ومُرْقُص، ولوقا) مستمدة من بعض الوثائق الأقدم منها» (٣) . والإشكالية الثالثة هي صحة ما جاء في هذه الأناجيل والتناقضات فيما بينها. يقول (ول ديورانت) : «ملاك القول أن ثمة تناقضاً كبيراً بين بعض الأناجيل وبعضها الآخر، وأن فيها نقطاً تاريخية مشكوكاً في صحتها، وكثير من القصص الباعثة على الريبة والشُبَه بما يروى عن آلهة الوثنيين» (٤) . أما الإشكالية الرابعة ـ ويا لغرابتها ـ فتتعلق باختلاف مقررات وتعاليم هذه الأناجيل عن المقررات والتعاليم الأساسية للكنيسة؛ فليس في الأناجيل مبدأ التثليث، أو ألوهية الروح القدس، أو ألوهية السيدة مريم، أو عقيدة الخطيئة الأولى، أو القربان المقدس، أو حتى الكنيسة ذاتها فضلاً عن الصلوات والرهبنة، وأحكام شهيرة أخرى مثل إباحة لحم الخنزير. يقول (ول ديورانت) : «كانت المسيحية حسب تعاليم المسيح وبطرس يهودية، ثم أصبحت في تعاليم بولس نصف يونانية، وأضحت في المذهب الكاثوليكي نصف رومانية» (٥) . وكان الناتج لهذه الإشكاليات الأربعة أن (رجال الدين) النصارى أنفسهم كانوا يدركون أن الديانة التي يحملون مسؤوليتها لا تحتمل على وجه من الوجوه أي إعمال للعقل، وهو الأمر الذي يعني أن استمرار وجودها ومن ثم استمرار مسؤولياتهم وامتيازاتهم رهين بضرب حجاب كثيف على العقل لإعاقة قدرته على العمل، وهو الأمر الذي تمثل في مقولة القديس (أوغسطين) الذي سادت أفكاره القرون الوسطى الأوروبية: «لست أسعى للفهم لكي أعتقد، بل إنني أعتقد كي أفهم» . بل إن (مارتن لوثر) نفسه الذي جاء بعده بعشرة قرون قرر بكل وضوح: «لا تستطيع أن تقبل كُلاً من الإنجيل والعقل ـ معاً ـ؛ فأحدهما لا يفسح الطريق للآخر.. إن العقل عندهم هو أكبر عدو للإيمان» . ولأن إلغاء العقل هو في ذاته أمر غير معقول ولا يتفق مع الطبيعة الإنسانية؛ فقد جاء التمرد من جانب العقول المفكرة في أوروبا، حيث مورست أبشع الوسائل الوحشية في مواجهة الخصوم الداعين إلى الحرية والفكر مما لا نظير له في التاريخ على امتداد قرون عصر النهضة الغربية أي منذ نهايات القرن الثاني عشر إلى نهايات القرن السابع عشر لتعود السيادة مرة أخرى على الحضارة الغربية للفكر العلماني الذي يقتصر على العقل الإنساني وخبراته في إدراك حقائق الوجود وتصريف شؤون الحياة، وليبدأ التخطيط لمرحلة جديدة من هذا الفكر هي مرحلة عصر التنوير. ` عصر التنوير في أوروبا: ما أن بدأ القرن الثامن عشر حتى أصبح الانحلال طاغياً، والإلحاد هو المذهب السائد، وكما يقول (ول ديورانت) عن صورة ذلك في فرنسا: «أصبح التحلل من الأخلاق شارة التحرر ورقي الثقافة. وكانت النصرانية قد أخذت في الاضمحلال قبل أن يصوِّب لها (فولتير) سهام قلمه حتى قال ماسينين في ١٧١٨م: «يكاد الكفر اليوم يضفي على أصحابه مظهر التمييز والفخار؛ إنه فضيلة توصل إلى العظماء.. وتجلب للمغمورين شرف الألفة بأمير الشعب» وقد كتبت أم ذلك الأمير قبل موتها في ١٧٢٢م تقول: «لست أعتقد أن في باريس سواء بين رجال الدين أو الدنيا مائة شخص يدينون بإيمان مسيحي صادق ويؤمنون حقيقة بمخلِّصنا، وهذا ما يجعلني أرتعد فَرَقاً» (١) . ` حاجة الغرب للتنوير: وعلى الرغم من انسحاب النصرانية من الحياة العامة إلى حد كبير وذهاب سطوتها القاهرة المرتبطة بالدولة إلا أن كل ذلك لم يعد كافياً، ولم تعد المسألة مسألة تمرد وثورة، وإنما الاحتياج إلى رؤية جديدة شاملة للكون. ونرى أن تنويريي ذلك العصر كانوا محقين إلى حد كبير؛ فالإنسان بحاجة إلى التحرر من مثل تلك الخرافات والقيود والأغلال التي تثقله بها (النصرانية الثالوثية) إلى الأبد رابطةً إياه إلى التعاسة؛ فلا يستطيع العقل أن يعيش على استقامته دون الإطاحة بكل ذلك. وكما يقول كرين برينتون: «ولنأخذ عقيدة التثليث النصرانية: كانت الرياضيات ضد هذا؛ إذ لا تجد نسقاً رياضياً سوياً يقبل القول بأن الثلاثة ثلاثة وفي الوقت نفسه يكون واحداً» (٢) . ثم لماذا يحمل الإنسان عبء عقيدة الخطيئة الأولى، وأنه يميل ميلاً فطرياً إلى الشر؟ وهذا القيد الأبدي في علاقات الزواج غير المحتملة، وتحريم الطلاق مهما كانت دوافعه التي لا تطاق، وهو الأمر الذي دعا (مارتن لوثر) نفسه إلى القول بهذه الشناعة: «أي امرأة تتزوج من رجل عِنِّين يجب أن يُسمح لها - إذا وافق زوجها - بأن تضاجع رجلاً آخر لكي تنجب منه طفلاً، ويجب أن يُسمح لها بأن تدعي أن الطفل هو ابن زوجها» . ومن ناحية أخرى «فقد أوضح العقل أن من غير الطبيعي تماماً أن يمسك الأصحاء عن ممارسة الجنس باسم الرهبنة، ويحرِّمونه على أنفسهم نهائياً، وأن التبرير اللاهوتي لمثل هذا الضرب من السلوك غير الطبيعي هراء» (٣) . بل إن مسألة السعادة نفسها كانت كما قال (القديس جوست) أمام الجمعية العامة الفرنسية: «فكرة جديدة على أوروبا» (٤) أضف إلى ذلك وضع (النبالة الموروثة) بمعنى أفضلية طبقة محددة بامتيازات خاصة متوارثة. هل هذا أمر يخضع للمعقولية؟ وغدا الانقلاب على كل ما سبق يحتاج إلى بناء نظرة جديدة ورؤية شاملة للكون. ` البحث عن رؤية جديدة للوجود: لقد استطاع (نيوتن) أن يقدم قانونه الرياضي الهام عن العلاقة بين الكواكب وقوانين الجاذبية، وهي إنجازات بدت لمعاصريه كافية تماماً لتفسير كل ظواهر الطبيعة، أو أن توضح على الأقل كيف يمكن فهم كل هذه الظواهر بعد أن كانت عالماً مجهولاً بفعل رؤية الكنيسة لها، والآن المراد إبداع رؤية مماثلة لتفسير وضبط سلوك الإنسان، وهذا ما تكفل به (لوك) الإنجليزي أيضاً. (وهنا ملاحظة سريعة هو أن أغلب الفكر التنويري كان نتاجاً للإنجليز، لكنه ذاع بوجه خاص على يد الفرنسيين) فماذا فعل لوك على وجه الدقة؟ إنه استعاض بالخبرة الحسية عن النفس الإنسانية تماماً؛ فقد رفض المبادئ المفترض انطباعها في ذهن الإنسان؛ حيث تتلقاها النفس منذ بداية إنشائها، ورأى أن العقل صفحة بيضاء خالية من أي رسم أو نفس ومن أية أفكار، وأنه يتم تزويده بكل ذلك من خلال الخبرة وعليها تنبني كل المعرفة، ومنها تستمد في النهاية؛ فكل الأفكار مستمدة إما من الإحساس أو الانعكاس على نتاج إحساسنا، والأحاسيس كلها مادية، ونتائجها العقلية هي الإدراك الحسي، وهو أول مواهب العقل. ما الذي فعله (لوك) لإنكار هذه المبادئ الفطرية مثل: ما هو كائن (مبدأ الهوية) ، ومحال أن يكون الشيء موجوداً وغير موجود معاً (مبدأ التناقض) ؟ إن جهوده في هذا الاتجاه لا تتجاوز أي ضرب من ضروب الاعتقاد عند غيره، وهو الأمر الذي يعني قيامها على التحيز، ومن ثم فإن المسألة لها علاقة بالموقف الأخلاقي. فعلى الرغم من إقراره بأن هذين المبدأين هما بداية كل بحث إلا أنه يذهب إلى أنهما لم يعلنا أنهما فطريان. وهذه النقطة تحديداً هي نقطة الأصل في الفلسفة؛ فعلى أساسها يتحدد مصدر المعرفة، ويفقد العقل الإنساني القدرة على إثبات أي من الموقفين (كون هذه الأفكار فطرية أو غير فطرية) إثباتاً يقابَل بالتسليم من الجميع، وما قاله (لوك) هنا هدمه الفيلسوف (كانط) تماماً بعد ذلك. ولكن تظل المسألة ـ كما أقول ـ لها علاقة بالموقف الأخلاقي؛ فإذا كان الفيلسوف (أَمْيَل) إلى الإيمان بالله انحاز إلى فطرية هذه المبادئ، وإذا كان أَمْيَل إلى إنكاره انحاز إلى عدم فطريتها. المهم في الموضوع أن لوك قدم للتنويريين من خلال أفكاره عن الخبرة كمصدر للمعرفة تلك الرؤية التي يحتاجونها للنفس الإنسانية في مقابل رؤية نيوتن للكون، وهو الأمر الذي تم تلخيصه بعد ذلك في قول (لا متري) : «الإنسان إله» . ولكن هيوم (الإنجليزي أيضاً) انتقل بالموضوع فيما بعد إلى خطوة أبعد من ذلك؛ فقد انتقل من مادية لوك البحتة إلى التشككية الكاملة من خلال فكرته عن العِلِّيَّة التي تعني أنَّ تعاقُبَ الحرارة بعد إدراك اللهب لا يعني أنه علة لها، وإنما الأمر مسألة تعاقب إدراك لا ندري مدى استمرارها؛ فكل استدلالاتنا العقلية المتصلة بالسبب والنتيجة لا مصدر لها غير العادة. وبإسقاط هيوم لمبدأ العِلِّيَّة لم تعد العقلانية فقط محل شك، وإنما المادية أيضاً محل شك (١) . وهكذا بعدما كانت العقلية التنويرية تبحث عن رؤية عقلانية وإنسانية بديلة للرؤية الخرافية النصرانية المعادية للإنسان تراوح تفكيرها الآن بين المادية البحتة والتشككية الكاملة، وهذا ما نجد صداه في أن الفلسفات التي سادت في القرن العشرين تراوحت ما بين الماركسية وما بعد الحداثة. بل وهذا ما يفسر أيضاً لماذا كانت السيادة للفلسفة البراجماتية في النهاية؛ وذلك لأنها تجمع بين البعدين معاً: المادية والعبث. ` حقيقة مونتسكيو: قد يكون مونتسكيو (روح القوانين) المثل الأكبر الذي يمكن ضربه على مدى ارتباط الاستجابة للفكر التنويري بالنوازع والميول أكثر كثيراً من ارتباطها بما يحمله من عمق. فكتاب مونتسكيو الذي اعتادت الدراسات على اعتباره أحد علامات عصر التنوير (*) ، والذي اعتبر في عصره بصفة عامة أعظم إنتاج عقلي في هذا العصر لا يمكن اعتباره من المنظور العلمي البحت إلا مجموعة مقالات من الأدب المفكك تجمع فيما بينها من الشطحات الفِجَّة أكثر مما تجمعه من النظرات الفكرية العامة. فالبارون (مونتسكيو) أقام فلسفة التاريخ في كتابه هذا اعتماداً على التأثيرات المختلفة لتغيرات المناخ بين الأقاليم، وأن تلك التأثرات هي التي تصنع العادات والتقاليد التي تكون ملائمة لكل إقليم عن الآخر، ولهذا ـ واتساقاً مع ميوله الأرستقراطية والعنصرية ـ كانت الفوارق البشرية بين الشمال والجنوب أو كما يقول: «إن الناس أكثر نشاطاً وحيوية في الأجواء الباردة، وهذا التفوق في القوة لا بد أن ينتج آثاراً مختلفة.. وعلى سبيل المثال جرأة أكبر، أي مزيداً من الشجاعة وشعوراً أكبر بالتفوق؛ أي رغبة أقل في الانتقام وشعوراً أكبر بالأمن أي مزيداً من الصراحة» (٢) . أما تأثير ذلك على القوانين فيضرب له المثل التالي: «في الشرق (تركيا وإيران والهند والصين واليابان) يُرغِم المناخ على حجاب النساء وعزلتهن؛ لأن (الهواء الحار يثير الشهوات) وقد يتعرض الزواج للخطر إذا أُطلق اختلاط الجنسين كما هو الحال في بلادنا في الشمال؛ حيث عادات النساء فاضلة بطيبعتها وحيث العواطف هادئة، وحيث يتسلط الحب على القلب تسلطاً وديعاً سوياً إلى حد أن أقل من الحزم والحكمة يكفي لتوجيهه وقيادته» (٣) ، وكان أقوى نقد لهذا الكلام هو ما وجهه (فولتير) له حيث «لاحظ أن النصرانية نشأت في أرض اليهود الحارة، وأنها لا تزال مزدهرة في النرويج القارسة البرد، ومن الأرجح أن إنجلترا تحولت إلى البروتستانتية؛ لأن (آن بولين) كانت جميلة لا لأن هنري الثامن كان فاتراً» (٤) ، وذهب (فولتير) أيضاً إلى أنه «ما كان بمقدور أحد أن يجعل من سكان إيرلندا أو الإسكيمو محاربين؛ على حين أن العرب فتحوا في ثمانين عاماً من الأقاليم ما فاق فتوحات الإمبراطورية الرومانية بأسرها» (٥) . إذن ما الذي أكسب هذا الكتاب كل هذه الشهرة؟ الأمر يكمن ببساطة في هجومه المستتر والواضح على النصرانية والاستبداد حيث أحل المناخ محل العناية الإلهية أي الإيمان بوجه عام. وفي مقابل الحكومة الاستبدادية ـ بوصفه من النبلاء ـ حكومة مختلطة فيها ملكية وأرستقراطية وديمقراطية معاً: ملكاً ونبلاء وجمعية عامة (إرضاء لكل الأطراف) . ومن هنا كان أشهر آرائه (نظرية الفصل بين السلطات) التشريعية والتنفيذية والقضائية في الحكومة. وتضم السلطة التشريعية مجلسين: واحداً يمثل العامة (مجلس العموم) والآخر يمثل الأرستقراطية (مجلس اللوردات) . فالملكية تكبح جماحها ديمقراطية مجلس العموم، كما يكبح جماح مجلس العموم الأرستقرطية في مجلس العموم الأرستقراطي وفي مجلس اللوردات، ومن المحاكم العادية بل أمام قضاة من نفس طبقتهم في هيئتهم» (١) . وعندما تقارن هذه الآراء بما جاء في الإسلام إزاء نفس القضايا قبل ذلك باثني عشر قرناً يتضح مدى كونها مغرقة في العنصرية والأرستقراطية والتفرقة بين البشر؛ ومع ذلك فما زالت الصفة التي تقترن بـ (مونتسكيو) كلما جاء ذكره في الدراسات والكتب الفكرية أنه هو الذي دعا إلى المساواة. ` روسو: وعقده الاجتماعي: ولقد أسهم الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو) في الفكر التنويري بفكرته عن العقد الاجتماعي؛ فعلى الرغم من أن روسو كان يعاني اضطراباً صحياً ونفسياً جعله أقرب في أول الأمر إلى النزوع الفوضوي، وينادي بالعودة إلى الطبيعة إلا أنه اضطر إلى استبدال حالة الطبيعة بحالة الحضارة. وإذا كان الإنسان في حالة الطبيعة لا يطيع أحداً؛ فإنه لزاماً عليه في حالة الحضارة أن يطيع أوامر يعرف أنها لم تنبع من ذاته مباشرة وإنما أملتها إرادة شارك فيها هو وغيره حتى غدت (إرادة عامة) صنعها «العقد الاجتماعي» . والعقد الاجتماعي عند روسو هو ذلك الذي يحذو حذو نمط (هوبز) حيث يدخل كل عضو من أعضاء المجتمع طرفاً في العقد مع كل إنسان آخر. غير أن الجماعة الناتجة عن هذا التعاقد لا تحوِّل الحكومة إلى ملكية مطلقة على نحو ما قال (هوبز) بل تعامل كل سلطة من السلطات الحاكمة باعتبارها مجرد وكيل يمكن عزله كلما ارتأت الإدارة العامة أن هذا العزل هو الأسلوب الأمثل (٢) . وهكذا عمل روسو على تسويغ فكرة الديمقرطية، وهي الفكرة التي ظلت مستهجنة على امتداد قرون من الفلاسفة منذ عهد أفلاطون وأرسطو إلى روسو مروراً بـ (الفارابي) و (هوبز) . ` فولتير: لماذا عدّوه رمزاً؟ إذا كان الفلاسفة هم مبدعو الأفكار فإن ذيوعها يحتاج إلى شيء أكثر من الفلسفة، وأفلاطون ذاته مدين إلى قدرته ككاتب في ذيوع صيته كفيلسوف، ومن هنا جاء دور فولتير بالنسبة للتنويريين. كان فولتير هو الثاني في كل شيء كما قال ديدرو (أحد الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين له) ولكن هذا نفسه أهَّله لأن يكون له التأثير الأكبر في انتشار أفكار عصر التنوير حتى طبع العصر بطابعه على حد قول بعض المفكرين، ولقد قاد فولتير عصره في الثورة على النصرانية. يقول فولتير في مقال المتناقضات: «مَنْ خوّل الكنيسة سلطة الحكم بأن تقول إن أربعة فقط من الخمسين إنجيلاً التي دونت في القرن الذي تلا موت المسيح هي وحدها - أي الأناجيل الأربعة - معتمدة، أي موحى بها من عند الله؟ وأي سهو فاضح أن يتحدث الكتاب عن مولد المسيح من مريم العذرا، ثم يتعقب نسبه إلى داود ( ... ) عن طريق يوسف المزعوم الخامل؟ ولماذا نبذت المسيحية شريعة موسى على الرغم من تكرار توكيد المسيح عليها؟ وهل كان بولس الذي نبذ هذه الشريعة (من أجل قطعة صغيرة من الجلد) سلطة أو مرجعاً أقوى من المسيح؟» (٣) . ويقول فولتير: «إن لديَّ مائتي مجلد في اللاهوت النصراني، والأدهى من ذلك أني قرأتها وكأني أتجول في مستشفى للأمراض العقلية..» (٤) . وقد رأى فولتير في تاريخ النصرانية «شقاء بالغاً للجنس البشري؛ فصوفية بولس، وخرافات الأناجيل المعترف بها أو المشكوك في صحتها، وأساطير الشهداء والمعجزات، وبراعة الكهنة في التخطيط والتدبير تضافرت كلها مع السذاجة المتغلفة بأهداب الأمل عند الفقراء لإيجاد الكنيسة النصرانية» (٥) . لم يقل فولتير في النصرانية شيئاً لم يسبق قوله ـ كما يقول ديورانت ـ ولكن كل ما في الأمر أنه حين تكلم انطلقت كلمته مثل اللهيب سرى في أوروبا وأصبحت قوة شكلت عصره ومن ثم عصرنا الحالي. ويرى فولتير أنه من المنطق التسليم بذهن ذكي عاقل بما في الكون مثلما هو منطق افتراض أن الساعاتي قد صنع الساعة. ففي كلتا الحالتين رأى دليلاً على التصميم والتخطيط في تهيئة وسائل معينة لغايات بعينها، ولكن كما أن الساعة من تصميم العقل تعمل وفق قوانين ثابته فكذلك الكون. كما يرى أن ليس ثمة وحي مقدس سوى الطبيعة نفسها، وهذا كاف، وهو مَعِين لا ينضب. وقد يكون ثمة بعض النفع في الدين، ولكن الرجل الأريب لا يحتاج إليه تعزيزاً للفضيلة، وغالباً ما استخدمه رجال الدين على مدى التاريخ لإرباك أذهان الناس؛ على حين ابتز الملوك أموالهم. وينبغي تعريف الفضيلة على أساس الخير الاجتماعي لا على أساس طاعة الله، ويجب ألا نتوقف على الثواب والعقاب بعد الموت. وهذا المذهب يمثل الحد الأدنى لموقف دعاة التنوير من العلمانيين عندنا من الدين؛ فهؤلاء على أفضل الأحوال غاية ما ينشدونه هو ترسيخ هذه الفكرة عند الناس: نحن لا نقول لكم لا تؤمنوا بالله أو بالإسلام، وإنما نقول لكم إن هذا الإيمان لا علاقة له بما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني أو الاجتماعي؛ فهذه أمور ينبغي أن نحتكم فيها إلى عقولنا وخبراتنا فقط مسترشدين بالتنويريين الغربيين في ذلك. بقي أن نذكر عن فولتير هذا الذي قال عنه بعض المفكرين أنه طبع العصر بطابعه وعده بعضهم في فرنسا إلهاً ـ والعياذ بالله ـ في آخر حياته، وكان مقرباً من الملوك والملكات في عصره مثل فردريك الأكبر حاكم ألمانيا، وكاترين إمبراطورة روسيا، وكذلك ملك السويد، أقول: بقي أن نذكر عنه أنه كان على علاقة غرامية معلنة بكونتيسة كان يعيش معها ومع زوجها في قصر واحد، وقد خانته بعد سنين طويلة مع أحد تلاميذه، ولكنه لم يغضب لهذا، وعاش الأربعة في القصر نفسه؛ بينما أكد الباحثون أنه كان على علاقة غرامية في الوقت ذاته بابنة أخته. أذكر هذا مع ما ذكرته من قبل عن أخلاق عصر التنوير ليدرك الناس القواعد الأخلاقية التي آل إليها فكر التنوير العلماني الذي يبشر به العلمانيون عندنا، ومدى ما يمكن أن يجرنا إليه من انحطاط. ` تأثير التنويريين في الثورتين الأمريكية والفرنسية: يذهب (ول ديورانت) إلى أن الفلسفة اتفقت مع الدبلوماسية في المساندة الفرنسية للثورة الأمريكية «فمؤلفات فولتير وروسو وديدرو ورينال وعشرات غيرهم أعدت الذهن الفرنسي لمناصرة تحرير المستعمرات كما ناصرت التحرير الفكري، وكان الكثيرون من الزعماء الأمريكيين ـ كواشنطن وفرانكلين وجيفرسون ـ أبناء التنوير الفرنسي؛ ومن ثم فحين قَدِمَ (سيلاس دين) إلى فرنسا (مارس ١٧٧٦م) ملتمساً قرضاً للمستعمرات الثائرة كان الرأي العام الفرنسي شديد التعاطف معه» (١) . ومن الصعب القول بأن الشخص العادي الذي كان يعمل بالمستعمرات كان يتبع الحركة التنويرية الأوروبية، ومع ذلك فقد توافرت للأسرة الميسورة الحال نسبياً كل من الموارد والوقت اللازمين للمشاركة في التنوير الأوروبي. «ولقد كوَّن العديد من الصفوة التي تبنت الآراء التنويرية رؤية غير تقليدية للدين؛ فالدين نفسه كان يجري تحليله بطريقة عقلانية» (٢) ، وإذا كان رجال الثورة الأمريكية استعاروا من مونتسكيو نظرية الفصل بين السلطات؛ فإن جيفرسون قد استعار الكثير من جون لوك حين كتب نظريته السياسية كما جاءت في الفقرة الثانية من دستور الثورة. أما بالنسبة للثورة الفرنسية فإن الواقع التاريخي يؤكد أن جميع الفلاسفة المرموقين كانوا معارضين للثورة على حكومات أوروبا القائمة آنذاك، ويذكر ول ديورانت «أن منهم من وضعوا إيمانهم في الملوك؛ لأنهم أكثر أدوات الإصلاح عملية، واحتفظ فولتير وديدرو وجريم بعلاقات صداقة إن لم تكن إعجاباً شديداً بواحد أو آخر من أشد الحكام المعاصرين استبداداً (فردريك الثاني ـ كاترين الثانية ـ جوستاف الثالث) » (٣) . ومع ذلك فإنه يمكن القول إنهم قدَّموا التمهيد الطبيعي للثورة بتوفير الإعداد الأيديولوجي لها. وقد يكون الخلاف كبيراً حول العامل الأساسي للثورة: هل هو العامل السياسي أو الاجتماعي أوالاقتصادي؟ ومع ذلك يظل الوقود الدافع لهذا الانقلاب الرهيب الذي حدث في فرنسا هو الرغبة في التخلص من كل الميراث الكهنوتي الرهيب المتحالف مع الملوك والإقطاع والطبقات الأرستقراطية. وقد ذهب توكفيل إلى أن «سوء السمعة العام الذي انحدر إليه الإيمان الديني كله في نهاية القرن الثامن عشر كان له ولا ريب أعظم الأثر في سير الثورة برمته» (٤) . ` التنوير والربوبية: من المعروف أن معظم التنويرين (الفرنسيين منهم على وجه الخصوص) كانوا ربوبيين أي أنهم يؤمنون بإله ما، ولا يؤمنون بأي دين. ويمكن تلخيص المذهب الربوبي في التالي: - يؤمن الربوبيون بمعبود (إله) هو خالق الكون. - يطلق على هذا المعبود أحيانا الرب، ولكن في كثير من الأحوال يشار إليه بألفاظ مثل «الخالق» أو «رب الطبيعة» أو «حاكم الكون» أو «مبدع الوجود» أو «الفنان العظيم!!» . - تتجاوز طبيعة هذا المعبود قدرة البشر على الإدراك، ولكنه لا يتدخل في شؤون البشر، وإنما يحكم العالم من خلال القوانين التي وضعها في الطبيعة (نظرية الساعة لفولتير) (٥) . «لقد زعم الربوبيون بوجود نور العقل داخل جميع البشر، وهذا النور يمكِّنهم من إدراك جميع الحقائق الدينية الضرورية دون أن يكونوا في حاجة إلى دعم من وحي أو إلهام» (١) . ولا تكاد تخالف الربوبية الماسونية في الاعتقاد، ولكن الأخيرة تزيد عليها فيما أبدعته من طقوس. ونظراً للسرية الشديدة لتلك الطقوس فإن المؤرخين يجدون صعوبة شديدة في التفرقة بين من ينتمون لكل منهما. ` علاقة التنوير بالماسونية: يكاد يكون ارتباط التنوير بالماسونية شبه مؤكد نظراً لكثرة العلاقات التي تذكرها الدراسات بين التنويريين والمحافل الماسونية. ولكن السؤال الذي يسبق هذا هو: ما هي الماسونية أصلاً؟ يذهب نورمان ماكنزي في الكتاب الذي قام بتحريره (الجمعيات السرية) إلى أن هناك أكثر من تسعة نظريات تتحدث عن أصل الماسونية منها: - أنها نتاج فرسان الهيكل بعد قمع هذه الجماعة عام ١٣١٢م. - أنها جُلبت مع الصليبيين العائدين إلى أوروبا. - أنها ترجع إلى بناة الأحجار في العصور الوسطى. - أنها تعود إلى هيكل سليمان (٢) . ويرجح (مرفين جونز) في دراسته المنشورة بالكتاب السابق أن الماسونية بدأت مع العمال البنائين المتنقلين في القرن الرابع عشر، ومن هنا كان إطلاق لقب البنائين الأحرار على الماسونيين، وهو الأمر نفسه الذي يذهب إليه عبد الوهاب المسيري تقريباً في موسوعته عن الصهيونية (٣) . ولكن الماسونية الحديثة أو التأملية انطلقت من إنجلترا في القرن التاسع عشر، وقد نسبت نفسها إلى بناة هيكل سليمان، ودعوا إلى التسامح مع الأديان، وأنه من الممكن للماسوني أن يؤمن بأي ديانة، لكن من غير المسموح له أن يكون ملحداً، وأنها امتازت بالكثير من الطقوس السرية. أما عن علاقة التنويريين بالماسونية فيذكر مرفين جونز أن «ديدرو كان قومياً في نظرته الفلسفية، ومتطرفاً، في السياسة والدين، وكان أيضاً ماسونياً هو وعدد ممن كانوا سيقومون بالعمل في موسوعة التنوير (رغم أن هذه الحقيقة موضع شك في حالات عدة) وكتب ديدرو نفسه أقساماً كبيرة من الموسوعة. وشارك بأقسام أخرى أناس كانوا يسمون فلاسفة التنوير أمثال فولتير وروسو ومونتسيكو ودولباش ودالمبير، وكانت الموسوعة مثلها مثل الماسونية تعبيراً عن الإنسانية الجديدة والكونية والعقلانية» (٤) . وهذا الذي قرره جونز بقدر من الشك يؤكده ول ديورانت إلى درجة أنه يذكر عن فولتير في آخر حياته «في ٧/٤/١٧٧٨م أُخذ فولتير إلى محفل «الأخوات التسع» الماسوني فقُبل عضواً دون أن يُلزَم باجتياز المراحل التمهيدية المألوفة. وكلل رأسه بإكليل من الغار، وألقى رئيس المحفل خطاباً قال فيه: «إننا نقسم بأن نساعد إخوتنا، ولكنك كنت المؤسس لمستعمرة كاملة تعبدك وتفيض بإحسانك ... لقد كنت أيها الأخ المحبوب جداً ماسونياً قبل أن تنال الرتبة، وقد حققت التزامات عضو الماسونية قبل أن تتعهد بالوفاء بها» (٥) . ويذكر جونز عن التنويريين الأمريكيين «أن بنيامين فرانكلين الذي تبنت جمعيته الفلسفية النظرة العقلانية أصبح ماسونياً عام ١٧٣١م، وسرعان ما صار رئيساً أعظم لدولة بنسلفانيا. ومن بين الشخصيات الأمريكية الماسونية الشهيرة في تلك الفترة جورج واشنطون الذي كان رئيس ميثاق محفل الإسكندرية، والجزندر هميلتون، وأبطال ثوريون من أمثال بول ريفير والأميرالاي جون بول جونز» (٦) . وعلى الرغم من كوني من الأشخاص الذين يطرحون الفكر التآمري جانباً عند القيام بأي من الدراسات؛ إلا أنه من الملحوظات التي تفرض نفسها هنا وتثير علامات استفهام شديدة الضخامة أن الماسونية متهمة عادة بانتمائها لجمعيات يهودية شديدة السرية في الوقت نفسه؛ فإن الفلاسفة التنويريين الذين مهدوا للثورة الفرنسية والساسة التنويريين الذين قادوا الثورة الأمريكية كانوا من الماسون أو متهمين بذلك؛ فإذا وضعت هذا بجانب ما تقرره بروتوكولات حكماء صهيون من أن الجمعيات السرية اليهودية هي التي عملت في الخفاء على قيام الثورتين؛ أفلا يثير كل ذلك علامات استفهام كبيرة؟ وإذا كنا نطرح الفكر التآمري جانباً عند القيام بالبحث؛ فإن نفي ذلك الفكر لا يمثل لنا أيضاً هدفاً محورياً نبتغيه، وقد يكون ذلك تحديداً ما نستشعره عند الباحث الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته الشهيرة عند تعرضه لمثل هذه المواضيع. وعلى الرغم من اجتهاده الكبير في دفع الروابط التآمرية بين اليهود والماسونية التي أقر بصلات التنويريين الربوبيين الوثيقة بها اضطر المسيري إلى أن يقر بالكلام التالي: ورغم أن هذا هو رأينا إلا أننا نود أن ننبه إلى أن نموذجنا التفسيري يترك قدراً لا يستهان به من الحوادث والوقائع دون تفسيره. فعلى سبيل المثال من المعروف أن عدداً كبيراً من رؤساء الجمهورية في الولايات المتحدة (ومنهم جورج واشنطن) كانوا من الماسونيين. كما لوحظ أن عدداً كبيراً من قادة الثورة الفرنسية كانوا أيضاً من الماسونيين. والواقع أن هناك شخصيات مهمة في كثير من الحكومات الغربية (في المعسكر الرأسمالي) أو الحكومات الشرقية (في المعسكر الاشتراكي) كانوا أعضاء في المحافل الماسونية، ولكن عضويتهم تظل طي الكتمان. كما أن بعض الجرائم تشير إلى وجود شبكة ماسونية، ولكن الوصول إلى الحقائق ما زال في حاجة إلى المزيد من البحث الذكي والموضوعي (ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن نوادي الروتاري والليونز التي يثار حولها لغط شديد في مصر وغيرها من بلاد العالم الإسلامي دون أن تكون شواهد معينة تشكل أساساً لمثل هذا اللغظ» (١) . إن غاية ما نستهدفه من الكلام السابق أن هناك الكثير من علامات الاستفهام التي تدفعنا إلى عدم التعامل مع ما يسمون بدعاة التنوير باعتبارهم دعاة فكر مجرد؛ يعزز ذلك الموقف أن أياً من التنويريين الفرنسيين الكبار لم يكن من الثقل الفكري ما يدفع أفكاره ليس فقط إلى درجه الانتشار الكبير في فرنسا (التي قد يؤهلهم لها احترافهم لمهنة الأدب) ولكن لاستمرارها وانتقالها إلى أقاليم أخرى في الوقت الذي يتم فيه تجاهل الناتج الفلسفي لفيلسوف كبير بوزن الفيلسوف الألماني كانط الذي عاصر تلك المرحلة، وكان متناقضاً إلى حد كبير مع فكر التنويريين. ولا تتوقف علامات الاستفهام عند مدى صحة اتهامات علاقة هؤلاء بجماعات سرية يهودية أو تحريك الأخيرين لهم في الخفاء، ولكن أيضاً يجب الحديث عن الصيغة التوفيقية لهذه الأفكار التنويرية التي تستجيب لمتطلبات تستر التمرد الإلحادي اللا ديني بوجه عام في الواقع الاجتماعي المحاط به؛ حيث نلاحظ طردية العلاقة بين مدى تدين ذلك الواقع وشدة الحاجة إلى تلك الأفكار. والحد الأدنى الذي نستطيع الجزم به أن هناك شبكة من المصالح الدنيوية الفعلية تربط بين دعاة هذه الأفكار وتتجاوز بشكل كبير الغايات الفكرية التي يدعونها. ` هل نحن نحتاج إلى التنوير الغربي؟ أشرت من قبل إلى أن التنويريين في الغرب كانوا محقين في ثورتهم على الكنيسة والنصرانية الثالوثية بالأصالة، وكذلك في حاجاتهم إلى رؤية جديدة للكون والإنسان، وكان يبدو أن لديهم إحدى سبيلين إلى ذلك: إما اختيار التعرض للقتل باللجوء إلى الإسلام حيث كانت تلك مسألة غير قابلة للنقاش؛ لأنها تمثل التحول إلى معسكر العدو التركي المهدد للغرب على الدوام في ذلك الوقت، وإما الاعتماد على الفكر العلماني المقتصر على العقل الذي نجم عنه كل ذلك الشطح والمبالغة؛ لأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى التفكير الذكي لكي يصل إلى الحقيقة، ولكن لا بد أن يصاحب ذلك دائماً البعد عن الهوى. وما كان يؤرق الغربيين من ظلامية النصرانية الثالوثية كان الإسلام بريئاً منه تماماً؛ فعقيدة الله الواحد الأحد لا تتناقض مع أي قانون رياضي في الوجود، بل تستمد منها كل القوانين الرياضية منطقيتها في شروح يضيق عنها المجال هنا. فالإسلام لا يرى الإنسان نزَّاعاً إلى الشر بطبيعته، وإنما الإنسان يولد على الفطرة بمعنى الطبيعة الخيرة كما جاء في الحديث النبوي الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة ... إلخ» . ليس هذا فقط، بل إن إيمان الإنسان بالله أصل يولد به كما أشارت الآية الكريمة: ﴿وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] . والإسلام يجعل من حرية الإرادة محور الوجود ومناط التكليف؛ فهي الأمانة التي ورد ذكرها في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] . والزواج في الإسلام ليس قيداً أبدياً اضطرارياً، وإنما هو مودة ورحمة؛ فإذا انعدمت المودة والرحمة فقد الهدف منه وكان الطلاق حلاً لرفع المشقة عن الجانبين. ومن ناحية أخرى فإن موقف الإسلام من الرهبنة واضح صريح كما جاء في الحديث النبوي: «لا رهبانية في الإسلام» . كما أنه دعا الناس إلى الحياة الطيبة، بل رفع الشقاء عنهم ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] . والناس في الإسلام سواسية كأسنان المشط حيث يقول الله في كتابه العزيز: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] . وفي هذا الخلاف بين موقفي النصرانية والإسلام من هذه القضايا ما يفسر الرواج السريع للأفكار التنويرية في الغرب النصراني نظراً لتلبيتها لحاجة المجتمع هناك، واستجابتها لنوازعه وميوله بعكس الاستغراب والفتور الذي قوبلت بهما في المجتمعات الإسلامية (باستثناء جماعات المصالح) حيث يتم التساؤل: إلامَ يدعو هؤلاء؟! هل وقف الإسلام ضد العقل كي يدعوا إلى العقل؟ هل وقف الإسلام ضد العلم كي يدعوا إلى العلم؟ أما عن الاستبداد فإن الإسلاميين هم الذين يقاسون ويلات الاستبداد من أقوام يتحالف معهم هؤلاء التنويريون. بقيت الدعوة إلى الإباحية؛ والمجتمعات الإسلامية بعكس المجتمعات النصرانية في العصور الوسطى لا تحتاج إليها، وإنما تسعى لاتقاء شرورها. إذن فإلامَ يدعو هؤلاء؟! وما أريد قوله من كل ما سبق: أن الإسلام يدعو إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور، والتنوير الإسلامي تنوير شامل، تنوير للروح والجسد، للدين والدنيا، لعالم الغيب والشهادة. وحقاً؛ فإن العقول المفكرة في أوروبا عانت كثيراً من ظلمات النصرانية الثالوثية للدين والدنيا معاً. ولكن جهود أغلبهم أثمرت فقط في كشف الظلام عن متع الدنيا، بينما مضوا في عماء تام بالنسبة لعالم الروح. محمد إبراهيم مبروك

стр. 5069

قضايا المرأة.. قضايا المجتمع د. نورة خالد السعد هل المرأة المسلمة محرومة من حقوقها كما جاءت في الإسلام؟ وهل هي مضطهدة؟ وهل هناك تمييز ضدها في التشريع الإسلامي؟ هذه الأسئلة وما يماثلها تعتبر (محورية) لأنها هي السائدة الآن وسابقاً، سواء على المستوى العالمي أو العربي وحتى المستوى الإسلامي ممن يناقش قضاياها. ورغم مئات المقالات وعشرات المؤلفات، ومثلها الدراسات التي تصدر في مجال الحديث عن قضايا النساء المسلمات وحقوقهن معظمها يصب في خانة الدفاع عن هذه الحقوق التي تميز بها الإسلام ديناً يكرم المرأة ويرفع من مكانتها. بعض هذه المؤلفات يحمل إعلاءً للتقاليد في ثنايا السطور، وليس للنص القرآني الحقيقي للحقوق المالية والأسرية للنساء. على سبيل المثال، بعضهم يناقش هذه الحقوق وفق التشريع الحقيقي وكأنه (واقع) لا تجد أي ملامسة لسلبيات التطبيق لهذه الحقوق في الواقع المجتمعي في معظم مجتمعاتنا الإسلامية، والذي ينبغي أن نتعرف أنه واقع لا يماثل ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع الذي يتشكل وفق الأصول الشرعية التي هي دستور كل مسلم. فقد تحرم المرأة من ميراثها ومن حقها في التصرف في أموالها بتقييد هذا التصرف من خلال إجراءات إدارية هي (القيود) لتلك الذمة المالية التي منحها لها الله ، وقد تُحرم من طلبها (الخُلع) إذا ما انطبقت شروطه لمجرد أن القاضي أخذ بما يطلق عليه (الاستئناس) ، وهناك من تحرم من الحصول على (مهرها) وهو حق شرعي لها في بعض مجتمعاتنا العربية ليأخذه الأب، وقد يتزوج الأب نفسه بهذا المهر. وفي الوقت نفسه هناك مجتمعات إسلامية تحرم المرأة من حقها الشرعي في (الحجاب) . وأخيراً وكما صدر في إحدى الدول العربية مُنعت النساء من حضور صلاة الجمعة في المساجد، وتم ذلك باسم الدين؛ فقد تم تجميع عدد من الأحاديث كي تسوِّغ هذا القرار خصوصاً بعد أن أصبح ملحوظاً أن النساء في ذلك المجتمع قد التزمن الحجاب الشرعي. إذن هناك إجراءات مجتمعاتية وممارسات مؤسساتية تزيد من حرمان النساء من هذه الحقوق المكفولة لهن شرعاً. وفي الوقت نفسه نجد أن مرحلتنا المعاصرة تسود فيها أجندة ثقافة حقوق المرأة من منظور الجندر (النوع الاجتماعي) هذا المفهوم الذي أصبح الورقة الرابحة في كل مؤتمر وكل وثيقة وكل نشاط نسائي. هذا المنظور الذي يحمل جانبين: أحدهما: إيجابي إذا ما تم استخدامه بصفه آلية للتحليل الاجتماعي لكل دور اجتماعي يمارس من قِبَل الرجل أو المرأة. والجانب الآخر: سلبي إذا كان يستخدم كآلية لإلغاء الفوارق بين الرجل والمرأة فسيولوجياً واجتماعياً وإعلاء (التماثل) بين دور الرجل ودور المرأة في المجتمع وفق جذوره التاريخية المستمدة من الحركة النسوية الراديكالية. وحتى لا نقع ضمن حدين متناقضين بين واقع اجتماعي تعيشه معظم النساء المسلمات ليس هو (التطبيق الحقيقي) لما جاء في التشريع القرآني في شموليته، وبين واقع اجتماعي فرض أجندته بما يناسب مضمون اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة دونما (استثناء) لبعض بنودها الخاصة بالولاية والميراث والمناقضة لما في التشريع الإسلامي. بين هذين الجانبين يتم النظر في قضايا المرأة المسلمة رغم الاهتمام، لكنها تظل (مشكلة) ؛ لأن الفهم الصحيح لها وتعريفها يقع بين هذين الجانبين المتناقضين إلى حد ما. فالحركات الغربية النسوية تعرّفها على أنها قضايا (نسوية) تناقش غالباً سياق الأسرة والمجتمع. بينما ـ نحن ـ في الجانب الإسلامي ننظر إليها ضمن سياق هذه الأسرة، وننطلق من النص القرآني الذي يمنح النساء المساواة في الأجر والثواب لقوله ـ تعالى ـ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ، وفي الوقت نفسه هذا المصدر السماوي يميز بين الذكر والأنثى في الحقوق والالتزامات إذا ما كان الحديث عن النظام المالي الخاص (بالميراث) ؛ لأنه يضع الأسس في المجتمع من خلال نظام مساواة اقتصادي اجتماعي ينطلق من (الأسرة) بدلاً من الانطلاق من (الفرد) . ومن ثم يتم ضبط مسؤولية كل فرد فيها بدقة حتى لا يهمل أي فرد فيها؛ ولهذا كان التمييز لصالح الأنثى من قِبَل الذكر المسؤول (مسؤولية كاملة) عن (الأسرة) وفي حالة تعذر القيام بهذا الواجب لأي سبب كالوفاة أو المرض والعجز؛ فإن المسؤولية تنتقل آلياً إلى أقارب الأسرة الذكور، ثم المجتمع بعد ذلك لتوفير الرعاية للأسرة. هذه الدوائر لتداول المسؤولية المالية تجاه رعاية الأسرة والمرأة الزوجة، أو الأم، أو الابنة على وجه الخصوص هي الجزء الذي تم إضعافه في واقعنا المعاصر للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولهذا نجد في بعض مجتمعاتنا الإسلامية أن النساء أصبحن في مواجهة أعباء الحياة ورعاية الأسرة، وتناقص دور بعض الأزواج أو أولياء الأمور في هذا الجانب، ولكن بقي في الجانب الآخر وهو ممارسة التسلط وليس القوامة كما جاءت في التشريع، وتنامى هذا الخلل في استيعاب (الحكمة) من نظام الميراث في الإسلام على الأقل من وجهة نظر بعض رائدات الحركات النسوية العربية. هذا مثال فقط؛ ولهذا فإذا كان الخلل من سوء التطبيق وعدم مساندة مؤسسات المجتمع الثقافية والاقتصادية لما يحقق التشريع الرباني ليس لقضايا النساء معزولة عن (الأسرة) ولكن لجميع قضايا الأفراد رجالاً ونساء وفق دائرة الأسرة ثم المجتمع. والإصلاح لا بد أن ينطلق من مصدر الخلل، وليس محاكمة المصدر التشريعي، واعتساف تطبيقه على الواقع. إصلاح الخلل لن يتم عبر مقالات، أو كتب، أو مؤتمرات فحسب، بل لا بد من تغيير نوعي في الوعي الحقوقي الاجتماعي لأفراد المجتمع، ولا بد من إشاعة روح الحوار والتفاعل بين مختلف المهتمين بالمرأة وقضاياها والأسرة أيضاً، واستثمار هذا المناخ العالمي الذي يُظهر الاهتمام بقضايا النساء للتأكيد على تفعيل الحقوق الشرعية في الإسلام، والاستفادة من آليات التفعيل لمواثيق الأمم المتحدة شرط أن لا تتعارض مع ثوابتنا وقيمنا وأخلاقياتنا، ولكن هذا ينبغي أن يتم (عملياً) وليس (نظرياً) .

стр. 5070

الوعد بالتمكين لدعوات المرسلين أحمد الشهري ` وعد القرآن بالتمكين لدعوة الحق: الوعد بالتمكين لدعوات المرسلين وأتباعهم من المؤمنين استفاضت به آيات التنزيل، وكادت لا تذكر تحدياً بين الحق والباطل أو صراعاً أو دولة دالت بأتباع الحق إلا وعقبت على ذلك الحال بالطمانة بأن العاقبة للمتقين، والنصر للمرسلين، والغلبة للجند المؤمنين. قال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦] . قال أكثر أهل التفسير: أي كتب الله ذلك عنده من اللوح المحفوظ وهو الذكر، وجزم به ـ سبحانه ـ بعد ذلك في «الزبور» وهو اسم جنس للكتاب المنزل على الأنبياء من التوراة والإنجيل والقرآن وما هو من جنسها (١) . فالوعد إذن بالتمكين مؤكد غاية التوكيد مجزوم به من الله في أم الكتاب عنده وفي سائر كتبه المنزلة، ولقد تكاثرت الآيات وتظاهرت على توكيده كذلك في القرآن الكريم. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] وقال : ﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] ؛ وقال ـ سبحانه ـ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠ - ٢١] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤] . والوعد بالتمكين يأتي أحياناً في الذكر الحكيم مجزوماً به، ولكن يُذكر فيه الرسل فقط، وأحياناً يُذكر الرسل والمؤمنون في سياق بعض آيات الوعد بالتمكين أو النصر، وتارة ثالثة يفرد ذكر المؤمنين فقط في سياق الآيات، ولا إشكال في ذلك أو عظيم تباين؛ فالوعد للرسل ينسحب كذلك على المؤمنين باعتبار أن الرسل لا يمكن أن يجاهدوا أو يُمَكَّنوا إلا في أتباع من المؤمنين، وكذلك الوعد للمؤمنين ينسحب على الرسل باعتبارهم من أهل الإيمان. لكننا نلحظ في القرآن مجيء الوعد بالنصر والغلبة والعاقبة والتمكين المذكور فيه الرسل أكثر وآكد ـ بمؤكدات لفظية ظاهرة ومعنوية ـ من الوعد بالتمكين والنصر المذكور فيه المؤمنون فقط، وما ذاك إلا أن دعوات الرسل خصوصاً من أمر منهم بقتال؛ فلا يمكن أن يغلبه أعداؤه أبداً، بل النصر مجزوم به له ولأتباعه وهم الغالبون القاهرون. وقال ـ تعالى ـ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] ، وهنا أكد الله غلبة الرسل بمؤكد ما بعده مؤكد؛ فقد عطف الرسل على ذاته العلية (أنا) فتأكدت الغلبة كل تأكيد؛ فالله معهم، وهو غالب لا يُغلب سبحانه. والتحقيق أن الأنبياء الذين ذكر القرآن أن أقوامهم قتلوهم أنهم لم يكونوا في قتال (٢) . أما من قاتل منهم فإنه لا يتصور بحال، ولا يليق بحال العزيز القهار ذي الانتقام أن يكلف ويرسل رسولاً ويأمره بقتال، ثم يُقتل وهو لم يرَ ما وُعِدَ من نصر، والآية المذكورة شاهدة في هذا المعنى بذلك. ومما يلاحظ كذلك أن الآيات التي جاء فيها الوعد بالتمكين ونحوه وذكر لفظ الرسل فيها فهي في الغالب تجزم بالوعد دون تعليقه على أي عمل أو شرط أو تقديم يتقدم به الرسل لينالوا الوعد ويتحقق لهم؛ بينما الآيات التي يذكر فيها الوعد بالتمكين ونحوه للمؤمنين يعلق الوعد بالتمكين أو النصر أو نحوها بأعمال وأحوال إذا هي تحقق لهم متعلقها من الموعود به من النصر والتمكين؛ وذلك أن الرسل على صلة مباشرة بالوحي فلا حاجة لتنبيههم لحالة أو صفة ليتحلوا بها، وهم قد تحلوا بالصفات المؤهلة لنيلهم النصر منذ تأهلوا واستحقوا أن يكونوا موضع رسالات الله . وكذلك فهم لصلتهم المباشرة بالوحي وعناية الإله ورعايته لدعوتهم لا يمكن أن يخطئوا الطريق، أو يَعْشَوْا عن عوامل النصر وأسباب تحقق الوعد بالتمكين. أما أهل الإيمان من بعد الرسل فإنهم لا يلبثون بين فينة وأخرى حتى يقصِّروا عن أسباب النصر، وعوامل التمكين، أو يبحثوا عنها أحياناً، ويخطئوا الطريق إليها أحياناً، أو تفقد منهم صفات وأحوال هي حتمية لنيل النصر وإحقاق وعد الله لهم بالعاقبة؛ ولذلك جاء الوعد بالتمكين لهم معلَّقاً بصفات وأعمال وتقدمات يجب أن يحفظها أهل الإيمان ليتحقق لهم وعد النصر والتمكين. وإليك الآيات في ذلك؛ فهي ظاهرة الدلالة واضحة في ترتيب الوعد لهم وتعلقه بأمور عدة بخلاف ما سبق سرده من آيات ذكر فيها الرسل، وذكر فيها الوعد لهم بالنصر والتمكين دون تعليق إلا نادراً. وهذه الآيات التي ذكر فيها وعد المؤمنين: قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] ، فعلق الوعد بالتمكين هنا بأربعة أمور: ١ - وجود الجماعة المؤمنة وتحقيق الإيمان فيها. ٢ - عمل الصالحات: من القيام بشرائع الدين وتنفيذ أوامر الله عملاً وليس دعاء فقط. ٣ - التزام نهج الصحابة، لقوله: ﴿مِنكُمْ﴾ فالخطاب لهم، وينسحب على من نهج نهجهم. ٤ - انتفاء الشرك في العبادة: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ . قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] ، وهنا علق الله نصره للمؤمنين بقيامهم بنصر دينه سبحانه. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣] . فرتب النصر والفتح هنا على الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله بالمال والنفس. ` نتيجة تمايز الوعدين: ومن خلال امتياز وعد الرسل بالتمكين عن وعد المؤمنين في القرآن حيث تظهر الميزتان السابقتان وهما: ١ - كثرة المؤكدات اللفظية والمعنوية. ٢ - عدم تعليق الوعد بتمكينهم بشرط أو عمل كما في وعد المؤمنين. من خلال ذلك نخرج بنتيجة هامة جداً وهي أن التزام منهج الرسل في نصرة الدين أعظم عوامل تمكين الجماعة المؤمنة من بعدهم، وذلك أن هذا الالتزام التزام لمنهج قد ضمن الله ـ سبحانه ـ له التمكين، وكتبه على نفسه، وأكده أعظم تأكيد، ولم يعلقه بشرط أو أمر، مما يدل على أنه منهج شامل متكامل يضم كل عوامل النصر والتمكين ويضمنها؛ فالثبات عليه هو جماع الأمر في تمكين المؤمنين ودعوتهم، والسبب الأول والأخير في سعادتهم في الدنيا والآخرة. ولقد بيَّن الله ـ جل وعلا ـ هذا أتم البيان، وجعل ذلك سنة لا تتخلف في نصر المؤمنين إذا ثبتوا على مناهج المرسلين، وسماهم بذلك «المحسنين» . قال ـ تعالى ـ عن الجموع الغفيرة من المؤمنين الذين ثبتوا بعد قتل النبي: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ *فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] . فتأمل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِل مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ أي كم من نبي قتل؛ فهذا ليس بحال نبي واحد ولا مجموعة بل كثرة، وهذا حال المؤمنين بعدهم، وهذا حال نصر الله لهم فآتاهم الله (ثواب الدنيا) أي «النصر والظفر والعاقبة» (٢) ، مع حسن ثواب الآخرة كذلك. وجعل هذا ـ سبحانه ـ سُنَّةً ثابتة في سورة الصافات للمؤمنين إذا ترسموا مناهج النبيين، فعقب على نصر نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ كلاً على حدة ـ بقوله: ﴿إنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١ - ١٢٢] أي نصر الله هذا لهم ليس خاصاً بهم فقط، وإنما لكل جماعة مؤمنة أحسنت على نهج إحسانهم، وعبدت الله على حقيقة إيمانهم. ومن هنا نعلم مدى الحكمة عند الصحابة، وعظيم الحرص على الثبات على الحال التي فارقهم عليها رسول الله ﷺ حتى في بناياتهم ومقتنياتهم وحالتهم المادية ـ عند كثير منهم ـ فكيف بحرصهم على البقاء على الدين والمعتقد والإيمان والمنهج وهو سبيل النصر العظيم في الدنيا، وسبيل النجاة في الآخرة؟

стр. 5071

رمضان - ١٤٢٥هـ أكتوبر / نوفمبر - ٢٠٠٤م (السنة: ١٩)

стр. 5072

من ينتهك الحريات الدينية ؟! التحرير اعتادت وزارة الخارجية الأمريكية إصدار تقرير (انتهاك الحريات الدينية) في العالم، وهو لهذا العام ٢٠٠٤م نص وبشكل بارز على اتهام كل من (بورما والصين وإيران وكوريا الشمالية وإرتيريا والسودان والسعودية) والسؤال الذي يطرح نفسه: هل شمل التقرير كل الدول التي تمارس ذلك حقاً، أم أنه تعامى عن غيرها، ليكون وسيلة ابتزاز وبخاصة حيال الدول الإسلامية؟ ثم نعم تحدث عن غيرها لكن لماذا لم يشر إلى انتهاك الحريات الدينية للمسلمين في فلسطين حيث تهدم المساجد وتجعل خمارات ومراقص وحظائر حيوانات؟ وأمريكا نفسها تنتهك حقوق المسلمين في حربها القائمة ضد الإرهاب حيث يسجن المسلمون، ويذلون ويطاردون بمجرد الشبهة، وما قصة طالب الدكتوراه السعودي (سامي الحصين) عنا ببعيدة، وبعد فترة طويلة عانى فيها الأمرَّيْن انتهت التحقيقات إلى تبرئته مما اتهم به، ولم يسمح له بمغادرة أمريكا إلا بعد التنازل عن كل حقوقه القانونية، وأين حقوق معتقلي (جوانتانامو) ومعتقلي (أبو غريب) مثلاً حيث فضحت الديمقراطية الأمريكية على رؤوس الأشهاد، وكشفت عن وجهها القبيح؟ أين كل هذه الانتهاكات من الإدانة؟ ألا يفترض أن تكون أمريكا على رأس القائمة، أم أنهم مبرؤون من كل جريمة؟ كما يطالبون بعدم محاكمة جنودهم في الحروب التي يخوضونها حتى مع اقترافهم لجرائم الإنسانية في الحروب التي يخوضونها. أما تليمحاتهم للتنصير وبناء الكنائس في السعودية؛ فهذا مرفوض بنصوص شرعية؛ ثم إن العمال غير المسلمين يوقعون على أنظمة محددة منها ضرورة احترام خصوصية هذا البلد؛ أما محاولة الضرب على وتر النزعات الطائفية المقيتة، وادعاء أن بعض الطوائف محرومة من حقوقها الدينية؛ فهذه محاولة للصيد في الماء العكر قد تنطلي على بعض السذج من أبناء تلك الطوائف، إلا أن الكثيرين منهم يرفضون الزج بهم في هذه المعركة الخاسرة. لذا نقول لأمريكا وأذنابها الذين يطالبون ببناء الكنائس في السعودية كُفوا عن دعاويكم الباطلة، وطالبوا بالحرية الدينية في أمريكا نفسها! ألم يمنعوا دخول الداعية الإنجليزي المسلم (يوسف إسلام) مؤخراً لمجرد شبه حوله غير صحيحة، بل إنهم يضطهدون حتى من يحمل جنسيتهم من المسلمين ممن يعانون الظلم والقهر والعذاب لا لشيء إلا أنهم يدينون بالإسلام. فهلاَّ كشفوا عن الانتهاكات الصهيونية لحقوق المسلمين في فلسطين إن كانوا صادقين! إننا نتحداهم أن يجرُؤوا على تجريم اليهود في انتهاكاتهم الدينية والإنسانية في فلسطين ليكونوا ضمن منتهكي الحريات الدينية في تقريرهم هذا؛ لأن من يضع هذه التقارير غير الموضوعية من فئة التيار اليميني المتطرف الحاكم في أمريكا حالياً، والشيء من معدنه لا يُستغرب.

стр. 5073

المشهد العراقي هل يتكرر ..؟! التحرير بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فمما لا شك فيه أن غزو العراق كان جزءاً من إستراتيجية للهيمنة التامة على المنطقة يشترك فيها أساساً كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل؛ مع محاولات بعض الدول الكبيرة مثل فرنسا وألمانيا عدم الغياب عن مسرح الأحداث، وأصبح ينطبق علينا قول الرسول ﷺ : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» . وإذا كانت البداية هي العراق؛ فإن السودان وسوريا وإيران على القائمة المستعجلة. أما مصر والسعودية وباكستان فهي على قائمة الانتظار. لقد كان سقوط بغداد سهلاً وسريعاً وبثمن بخس جعل الإدارة الأمريكية تطمئن بادئ الأمر إلى نجاح المخطط، ومن ثم تخلت عن صفتي الحرص واللباقة في التعامل مع الآخرين، وجرى التنكر للدور الإيراني الحيوي في ضمان ولاء الأحزاب الشيعية العاملة من إيران وتحويل فيلق بدر وقوات حزب الدعوة من قوى تدعم ثورة إسلامية (رافضية) إلى طليعة للخونة والمرتزقة الذين يبذلون مهجهم في سبيل الدفاع عن الاحتلال، ولا يبعد عنه موقف المراجع الشيعية المهادن أحياناً والمتعاون أحياناً أخرى مع قوى الاحتلال. لم تشفع هذه المواقف لإيران، واستمر التحرش بها عن طريق التركيز على البرنامج النووي عن طريق الوكالة الدولية للطاقة النووية والاتحاد الأوروبي، وبأسلوب يذكِّر بأيام التفتيش على العراق، وبلغ الأمر بإيران وقد أحست بالخطر أن أعلنت أنها ستمارس حقها في تخصيب اليورانيوم، وأجرت تجارب على الصواريخ الذاتية الدفع، وقد تحول نتيجة لذلك الثقل الغربي ناحية الأهداف الأضعف، فتذكر العالم أن سوريا لها جيش في لبنان، وتناسى أن هناك جيشاً لليهود في الجولان السورية، وأصدر مجلس الأمن العتيد قراراً بسحب القوات السورية من لبنان، ولم تنفع احتجاجات الحكومة اللبنانية أنها لم تطلب ذلك، وأن إسرائيل تحتل جزءاً من لبنان. وأين مجلس الأمن وبنده السابع من احتلال فلسطين، بل أين هو من الجدار الفاصل؟ كل هذا لا يهم، ولكن يجب على سوريا أن تعيد ترتيب أوراقها بسحب الغطاء السوري عن حزب الله في لبنان، وأن تركز جهودها لضبط الحدود مع العراق ومنع تسلل المجاهدين عبرها، وأن تتخلى عن المنظمات الفلسطينية بتقديم ما لديها من معلومات عن هياكل التنظيمات. وقد تمت تصفية أحد قيادات حماس في دمشق وسط تبجح إسرائيلي بالتنفيذ وشبه سكوت سوري عن انتهاك السيادة. تمر سوريا هذه الأيام بآخر مراحل الترويض، ويبدو أن النظام السوري يفقد أوراقه بسرعة، ولم يبق له إلا تهديد الأسد الأب بأن يطلق لحيته. أما السودان فإن مشروع تقسيمه قديم؛ فالجنوب قد انتهى أمره، وغربه على وشك ذلك، أما الشرق فالحركات المسلحة للبجه أقدم وأقوى من دارفور، ولا نظن أن الأمر سينتهي بتكوين كيانات هزيلة تنهب خيراتها بلا ثمن، بل المقصود أمران مهمان هما: تكوين حاجز بين العرب ووسط أفريقيا، والثاني ـ وهو الأخطر ـ محاصرة مصر وإضعافها تمهيداً للمرحلة القادمة عندما تصبح في دائرة الضوء، وتعطى مهلة شهرين لحل مشكلة الأقباط ورفع الاضطهاد عنهم بعد سلسلة من الحوادث المفتعلة في الصعيد. إن الأحداث قابلة للتكرار وبالتفاصيل نفسها أحياناً؛ لأن أمريكا لن تكلف نفسها كتابة نص مسرحي جديد، ولا نظن أن البلدان المستهدفة سيفيدها تقديم التنازلات؛ لأنها ستستمر كما حدث مع العراق، وليس هناك مفر لأي نظام يريد البقاء إلا تطبيق نظرية الأسد أي: إن كل بلد يجب أن يحافظ على وجود تيار شعبي إسلامي قوي، بل يدعمه مما يجعل البلد غير قابل للاحتلال ـ فكرياً وسياسياً ـ بسهولة وسيجعل البقاء فيه مستحيلاً. إن هذا الوضع سيعطي الأنظمة قدرة على المناورة، ويمنحها الحرية والاستقلال الذي تم سلبه من الجميع. إن العراق يعطي مثالاً حياً على أن الإسلام فقط هو القادر على الصمود، وأنه مهما حاول الاحتلال تجاوز أخطائه القاتلة وتغيير أساليبه الفجة؛ فإن المقاومة الإسلامية هي العامل المشترك لأي مقاومة لغاصب أو محتل؛ لأن ما يجري في العراق حالياً هو نتيجة التجربة الأولى لأمريكا في المنطقة والتي أسكرتها مظاهر النصر المبدئية، ولذا لم تبالِ، فجرى إذلالُ عامة الناس وخاصتهم علناً، وحلُّ الجيش العراقي وتسريح الضباط والجنود جماعياً، بل ألغوا وزارة الداخلية. ولم يبالوا بالسنَّة، وأبعدوا جزءاً من الشيعة؛ ولذا تشكلت مجاميع مقاومة كثيرة يجمعها كراهية المحتل وإن اختلفت الأسباب؛ فكثير من الجنود والضباط فقدوا لقمة العيش والوجاهة التي كانوا يتمتعون بها، وكان من المحتمل عدم انخراطهم في المقاومة لو استمر الحفاظ على تماسك الجيش، ومثل هذا ينطبق على رجال الأمن والحزبيين. أما تيار الصدر فإن الاحتلال هو الذي استفزه، وكان يمكن للاحتلال الوقوف على الحياد في الصراع الداخلي الشيعي؛ لأن جميع التيارات الشيعية لا تضع المقاومة من أولياتها وكلها متفقة إما على التعاون مع الاحتلال، أو المقاومة السياسية له، ولكن الأمريكيين حشروا أنفسهم في هذا الصراع، وقرروا تصفية الصدر حتى ولو أدى ذلك إلى انتهاك مقدسات الشيعة مما أفقدهم دعم العامة، وأحرج حلفاءهم من المراجع والسياسيين. وما زال الصدر موجوداً على الساحة ينتظر فرصة أخرى تجعل منه الزعيم الأوحد لشيعة العراق والخليج؛ سواء بقيت أمريكا في المنطقة أو انسحبت. أما التيارات الدينية السنية فهي مُجمِعة على مقاومة الاحتلال وعدم التعامل معه، وما يقوم به الاحتلال حالياً هو محاولة الدخول من جديد في المدن السنية التي أُخرج منها، وبدأ بسامراء، ويتوقع الجيش الأمريكي ـ بضرباته الوحشية المتشنجة ـ أنه سيتمكن من تحقيق إنجازات تدعم فرص بوش بالفوز، وتجعل تمثيلية الانتخابات في العراق أكثر إتقاناً. إنها مغامرة جديدة سيسقط فيها كثير من الضحايا من النساء والأطفال، وستغرق فيها أمريكا، ولن تستطيع الخروج منها بسهولة؛ فمن توسط لهم وأخرجهم من ورطة الفلوجة لن يستطيع تكرار التجربة؛ لأن المفاصلة بين السنة والمحتل تتعمق وتتجذر، ولن تتوقف المقاومة إلا بخروج المحتل وأذنابه. ونحن نؤكد هنا أن المقاومة الشعبية المستندة إلى المبادئ الصحيحة لا يمكن قهرها ولا إغراؤها؛ ولذا فإن جهاد أهل السنة هو الباقي في العراق، وهو ما سيقابل الغرب في أي مغامرة جديدة مهما استفادوا من أخطائهم، أو غيَّروا من أساليبهم؛ فهل نعقل ذلك شعوباً وحكومات؟ فقد قال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] .

стр. 5074

حكم تداول أسهم الشركات التي تقترض أو تودع بالربا (٢ - ٢) خالد الدعيجي في المقال السابق بين الكاتب أنه قام بإجراء دراسة علمية لست عشرة شركة من شركات السوق السعودي، وذكر أن الشركات المساهمة تنقسم من ناحية طبيعة عملها من حيث الحلال والحرام إلى ثلاثة أقسام، وأن نشاط الشركة لا يخلو عن ثلاث حالات: أن يكون جميع نشاط الشركة محرماً، أو يكون جميع نشاط الشركة مباحاً، أو يكون أصل نشاط الشركة مباحاً ولكن تتعامل ببعض الأنشطة المحرمة. وقد بين الأقوال المختلفة حول ذلك وناقشها، وفي هذا المقال يتم موضوعه..ـ البيان ـ [٤ - على أنه قد ورد عن بعض السلف تحريم التعامل مع المرابي ونحوه، فقد سئل الإمام أحمد عن الذي يعامل بالربا، يؤكل عنده؟ قال: لا، «قد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله» (١) ، وقد أمر النبي ﷺ بالوقوف عند الشبهة (٢) ا. هـ] (*) . الدليل الرابع: الاستدلال بقاعدة «ما لا يمكن التحرز منه فهو عفو» . ولهذه القاعدة تطبيقات متعددة ذكرها الفقهاء، منها: العفو عن يسير رذاذ البول، ويسير طين شارع تحققت نجاسته، ونحو ذلك. ووجه الاستدلال بهذه القاعدة: أن أسهم الشركات التي تتعامل بشيء من الحرام لا يمكن الاحتراز منه، فهو معفو عنه (٣) . ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: لا يسلَّم بذلك؛ لأنه غير شاق، والاحتراز عنه ممكن؛ وذلك بعدم الدخول في هذا النوع من الشركات، فهو لن يجد من يجبره على الاشتراك فيها، لا سيما مع توسع فرص الاستثمار المباح في المجالات المتعددة، ومع انتشار المصارف الإسلامية في هذا الوقت، بعد أن كان المجال المصرفي إلى وقت قريب مقتصراً على المصارف الربوية. الثاني: وأما قولهم: (يعفى عما يعسر الاحتراز عنه) فإن هذا إذا كان بغير قصد؛ أما بقصد الدخول فإنه يعتمد على عدم التحرز عنه، فلا يعفى حينئذ (٤) . الدليل الخامس: الاستدلال بالمصلحة. ووجه ذلك: أن تملك الأسهم من قِبَل أهل الخير والصلاح المنكرين لهذه المعاملات فيه مصلحة شرعية بالقضاء على تلك المعاملات عن طريق الدخول في المجالس الإدارية (٥) . ونوقش من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بأن المشاركة في هذه الشركات من المصلحة، بل قد يكون المصلحة في عدم الاشتراك أكثر من مصلحة الاشتراك، ووجه ذلك: أن منع الاشتراك في هذه الشركات مع بيان سبب المنع ـ وهو وقوع هذه الشركات في المعاملات المحرمة ـ من شأنه أن يجعل القائمين على هذه الشركات يبادرون مبادرة جادة إلى التخلص من هذه المعاملات المحرمة، وتوسيع التجارة المشروعة بأنواعها طلباً لاشتراك الناس ومساهماتهم (١) . الوجه الثاني: ومع التسليم بوجود مصلحة في المشاركة؛ فهذه المصلحة غير معتبرة للأسباب الآتية: ١ - أن المصلحة إذا كانت مصادمة للنص فهي ملغاة، فلا عبرة بها (٢) . ٢ - أن هذه المصلحة مظنونة، والمفسدة المترتبة على المساهمة محققة، والمفسدة المحققة مقدمة في الاعتبار على المصلحة المظنونة، كما هو معلوم من قواعد الشرع (٣) . ٣ - أن هذا التعليل متوجه في حق كبار التجار، والشركات الإسلامية، الذين يرجى من مساهمتهم التغيير المباشر لنظام الشركة، أما آحاد الناس فإن هذا المقصد إن صدق في بعضهم فهو غير موجود عند كثير منهم (٤) . مناقشة دعوى إمكانية التخلص من الكسب الحرام (٥) : بقي أن يقال: إن أصحاب القول الأول اشترطوا في جواز المشاركة بمثل هذه الشركات: أن يتخلص المساهم من الكسب المحرم. ومما يؤكد أن هذا الاشتراط افتراضي وليس واقعياً، أنه يستحيل تحديد مقدار الكسب المحرم من عوائد السهم. ونحن هنا في مقام لا يحتمل الظن والتخمين، بل لا بد من القطع واليقين. وإيجاب بعضهم ـ عند الجهل بالحرام ـ إخراج نصف ربح السهم أو ثلثه؛ فهم قالوا به من باب الاحتياط، وهو نافع في حالة وجود أرباح حقيقية للشركة من النشاط المباح، وهو أيضاً غير شاق من الناحية العملية، إلا أنه غير عملي ولا يفي بالغرض في صورتين: الأولى: عندما لا تحقق الشركة أرباحاً تذكر من مبيعاتها في بعض السنوات، فتبقى معتمدة في توزيعات الأرباح على فوائد الودائع، والسندات البنكية والأوراق قصيرة الأجل ذات الدخل الثابت. الثانية: كما أن بعض الشركات تقوم بتوزيع الأرباح قبل البدء بتشغيل منشآتها، وهذه الأرباح تحصلت عليها من إيداع رأس المال في البنوك. وعليه: إذا كان الأمر محتملاً فلا يكفي التقدير في هذه الحالة. أما تحديد مقدار الكسب الحرام، كما تفعله بعض الهيئات الشرعية، من أجل دقة التخلص من الحرام فهو متعذر؛ لأمور، منها: ١ - أن جميع المجيزين يفترضون أن الشركة تودع وتأخذ فوائد، فيوجبون على المساهم إخراج ما يقابل نصيب الودائع من الأرباح. فإذا كانت الشركة تقترض من البنوك لتمويل أعمالها، أو لإجراء توسعات رأسمالية ونحو ذلك؛ فما السبيل لتحديد ما يقابل هذه القروض من الأرباح؟ ٢ - أن أغلب المستثمرين يشترون الأسهم بقصد الحصول على الأرباح الرأسمالية، أي فرق السعر بين الشراء والبيع، ومن المتعذر في هذه الحالة تحديد مقدار الكسب الحرام، ولا سيما أن من العوامل المؤثرة على القيمة السوقية للسهم مدى قدرة الإدارة على الحصول على التسهيلات والقروض البنكية. ٣ - إذا خسرت الشركة؛ فما هو نصيب الكسب الحرام من هذه الخسارة؟ إذا علمنا أن إيرادات الودائع والسندات ثابتة، فهذا يعني أن الخسارة على من يريد التخلص من الربا ستكون مضاعفة. ٤ - ومن المعتاد أن الشركة تستثمر جزءاً من أموالها في شركات تابعة أو شركات زميلة أو في صناديق استثمارية بالأسهم أو السندات، وقد تكون تلك الأسهم لشركات ذات أنشطة محرمة أو ذات أنشطة مباحة وتتعامل بالفوائد، وهكذا تمتد السلسلة إلى ما لا نهاية، ويصبح تحديد الحرام في هذه السلسلة من الشركات أشبه بالمستحيل. القول الثاني: التفريق بين شركات القطاع العام وغيرها، فيجوز في شركات القطاع العام، ويحرم في غيرها. وممن ذهب إلى هذا القول الدكتور مصطفى الزرقا رحمه الله تعالى (٦) . والمقصود بشركات القطاع العام: هي الشركات التي تملكها الدولة، أو تملك معظم أصولها، وتهيمن على إدارتها، ويملك الأفراد بعضها الآخر، مثل شركات الماء والحديد والكهرباء والاتصالات (٧) . وأما شركات القطاع الخاص: فهي الشركات التي يملكها الأفراد، ولم تكن الدولة طرفاً فيها. واستدل أصحاب هذا القول بأدلة القول الأول وقد سبق ذكرها ومناقشتها. ويمكن أن يستدل لهم أيضاً بدليل خاص يؤيد ما ذهبوا إليه: وهو دليل مركب من حديثين: الحديث الأول: ما روى سمرة بن جندب «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة» (١) . الحديث الثاني: ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ «أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة. قال: فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة» (٢) . وجه الدلالة منهما: أما الحديث الأول: ففيه نهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة مطلقاً. أما الحديث الثاني: فإنه يدل على إباحة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وذلك لمصلحة الجهاد؛ فالجهاد فيه مصلحة عامة للأمة من حفظ أمنها وتقوية جانبها. فكل ما فيه مصلحة للأمة فإنه يجوز التعامل به وإن كان يلزم منه الوقوع في المحرم، كبيع الحيوان بالحيوان نسيئة لتجهيز جيش المسلمين. ومثل ذلك شركات القطاع العام؛ فهي تمثل ضرورة قائمة، وتكاليف هذه المشروعات مرتفعة جداً، وتحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة مما يعجز عنه كثير من الدول في عصرنا هذا لا سيما في الدول النامية، واليوم معظم الخدمات العامة في كثير من البلدان النامية تقوم على أساس الشركات المساهمة، وإذا قيل بمنع هذه الشركات لم تتحقق تلك الخدمات، ولا سبيل إلى الاستغناء عنها، وإلا بقي المجتمع متخلفاً في أهم المرافق الحيوية، بخلاف الشركات التجارية، فيمكن أن يستمر المجتمع بدونها. وعليه: يجوز الإسهام في مثل هذا النوع من الشركات وإن كانت تودع أموالها بفوائد أو تقترض بفوائد؛ لأنه إذا لم نساهم فيها بقيت الأمة متخلفة في أهم المرافق الحيوية الضرورية للمجتمع. ويناقش هذا الدليل بما يلي: أولاً: أن حديث سمرة ﵁ ضعيف ـ كما هو مبين في تخريجه. وعليه فلا يصح الاستدلال بحديث عبد الله بن عمرو ﵄ على جواز الوقوع في المحرم من أجل المصلحة؛ لأن الحديث باق على أصل الإباحة في المعاملات. ثانياً: أن النهي في حديث سمرة محمول على أن تكون النسيئة من الطرفين في الثمن والمثمن، وهذا محرم بالإجماع، ويدخل في بيع الكالئ بالكالئ (٣) . وأجيب (٤) : أنه لا يحمل هذا على النسيئة من الجانبين من وجهين: ١ - لأن ذلك يستفاد بنهيه ﷺ «عن بيع الكالئ بالكالئ» (٥) . ٢ - ولأنه إذا قيل: باع فلان عبده بالحيوان نسيئةً؛ فإنما يفهم منه النسيئة في البدل خاصة، ومطلق الكلام محمول على ما يتفاهمه الناس. والذي يظهر للباحث أن حديث سمرة ﵁ ضعيف؛ فلا يكون حجة في أصل المسألة؛ وعليه فيبقى حديث ابن عمرو ﵄ على إطلاقه، وأنه يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، ولا يدخل ذلك في الربا، ومن ثَمَّ لا يكون فيه دليل لهم على جواز الإسهام في شركات القطاع العام إذا كانت تتعامل بالربا. وأما دعوى الحاجة فقد سبق الجواب عنها أثناء مناقشة القول الأول. ومما يُضعِف هذا القول ـ أعني التفريق بين شركات القطاع العام والخاص ـ أنه توجد شركات في القطاع الخاص ولا تملك الدولة منها شيئاً إطلاقاً؛ ومع ذلك فهي مهمة جداً، بل قد توازن في أهميتها شركات القطاع العام، كشركات الإسمنت والصناعات الأساسية كالحديد والشركات الطبية كالدوائية وغيرها من الشركات؛ فهل أصحاب هذا القول يُدخِلون هذه الشركات ضمن شركات القطاع العام أم لا تدخل في ذلك؟ فالتفريق بين الشركات تفريق بين المتماثلات، ومن علامات صحة القول اطِّراده، والظاهر أن هذا القول غير مطَّرد. فهل الضابط في ذلك كون الدولة تملك هذه الشركة؟ أم أن الشركة ضرورية للمجتمع؟ أما إن كان الضابط أن تكون الشركة ملكاً للدولة؛ فإن الدولة قد تمتلك شركات وهي ليست من الشركات الضرورية للمجتمع؛ فهل في هذه الحالة يجوز الإسهام فيها؟ وأما إن كان الضابط: أن الشركة تكون ضرورية للمجتمع فهذا غير مطَّرد، وتختلف أنظار الناس في كون هذه الشركة ضرورية أم لا، وما كان ضرورياً عند قوم قد لا يكون ضرورياً عند آخرين، والشريعة عامة للجميع لم تختص بقوم دون قوم. القول الثالث: الرجوع إلى نية المساهم؛ فإن كان يقصد المتاجرة بأسهم هذا النوع من الشركات فيجوز تداولها، وإن كان يقصد الاستثمار فلا يجوز. وممن ذهب إلى هذا القول الدكتور محمد المختار السلامي (١) . واستدل الدكتور السلامي لقوله بما يلي: الدليل الأول: أن من يقصد نشاط الشركة وأرباحها، فإنه عندما يشتري السهم يصبح من الشركاء؛ فهو رضي عند الشراء بكل ما جاء في عقد التأسيس، ومنه عدم الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية في التعامل الذي هو قصده. وأما من يقصد المتاجرة بالسهم فهو لم يقصد نشاط الشركة ولا عملها، بل يقصد فارق السعر من تقلبات السهم في الأسواق (٢) . ويناقَش هذا الدليل بما يلي: أولاً: أن مشتري السهم بقصد المتاجرة أو الاستثمار كل منهما قد رضي عند الشراء بكل ما جاء في عقد التأسيس، ومنه عدم الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، فلا وجه للتفريق بينهما. ثانياً: أنه يلزم على هذا التفريق أن من يشتري أسهم البنوك الربوية أو السندات المحرمة بقصد المتاجرة بها فهو جائز، وهذا لم يقل به أحد من العلماء المعتبرين. ثالثاً: ومما يضعف هذا التفريق: أنه لو حدث توزيع لبعض الأرباح أو خسارة للشركة، أثناء تربص حامل السهم لارتفاع قيمته، هل يكون هذا الربح حلالاً؟ فإن ألزمناه بالتخلص من نسبة المحرم فقد ساوى بذلك من قصد الاستثمار، وإن أبحنا له الربح كله، فهذا لم يقل به أحد من العلماء المجيزين للتعامل بمثل هذا النوع من الشركات، بل جميعهم متفقون على التخلص من نسبة المحرم في السهم. الدليل الثاني: أن مجمع الفقه الإسلامي تبعاً لذلك لم يسوِّ بينهما في الزكاة؛ فقد قرر أن الأسهم التي يقصد من تملكها الحصول على ربحها السنوي يزكي صاحبها الريع بعد دوران الحول من يوم قبضه. وأن الأسهم التي يقصد من تملكها التجارة تزكى زكاة عروض التجارة (٣) . ويناقَش من وجهين: الأول: أن عدم تسوية المجمع بينهما في الزكاة نظراً لاختلاف حكم الزكاة بين عروض التجارة وأموال القنية لا لشيء آخر. الثاني: أن هذا الأمر ليس مجمَعاً عليه، وإن من العلماء من طرد الحكم في جميع الأسهم وأوجب فيها زكاة العروض مطلقاً، فليست هذه المسألة محل وفاق حتى نلتزم بها (٤) . القول الرابع: عدم الجواز مطلقاً. يرى جمهور العلماء المعاصرين، وعدد من الهيئات الشرعية تحريم المساهمة في الشركات التي يكون أصل نشاطها مباحاً، إذا كانت تتعامل ببعض المعاملات المحرمة كالإقراض والاقتراض بفائدة. فيحرم الاكتتاب بها، وبيعها وشراؤها وامتلاكها. وممن ذهب إلى هذا القول: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكه، وعلى رأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٥) ، والهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي (٦) ، والهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي (٧) ، وهيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي السوداني (٨) ، وعدد من الفقهاء المعاصرين (٩) . وأصدر مجمعان فقهيان مشهوران قرارين يقضيان بتحريم هذا النوع من الشركات، وهذان المجمعان يحويان ثلة من علماء العصر المعتبرين؛ فأما المجمع الأول فهو: المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ونص قراره هو: «ج: الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة» (١٠) . وأما المجمع الثاني فهو: المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، ونص قراره هو: «لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، وكان المشتري عالماً بذلك» (١١) . استدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: قول الله ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ، وقوله ﷺ : «ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع» (١) . وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ : «لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» (٢) . ووجه الدلالة من هذه النصوص: أنها عامة في التحريم، فتشمل الربا قليله وكثيره. ووجه العموم يظهر فيما يلي: ١ - كلمة «الربا» في الآيتين معرَّفة بأل التي تفيد استغراق الجنس، فتعم. ٢ - كلمة «كل» في حديث جابر من صيغ العموم. ٣ - «آكل الربا» و «موكله» نكرتان مضافتان إلى معرفة، فتعمان. ٤ - «الربا» في الحديث الأخير معرَّفة بأل، وهي من صيغ العموم، فيشمل الحديث كل آكل للربا أو موكل له، قلَّ الربا أو كثر. والربا الناتج عن اقتراض الشركات المساهمة أو إيداعها هو من ربا الجاهلية الذي جاء القرآن بتحريمه، وبينت حكمه هذه الأحاديث الشريفة؛ فكيف يسوغ لقائل بعد ذلك أن يقول: إن الربا إذا كان قليلاً ومغموساً في الحلال الكثير فهو جائز (٣) . * نوقش: بأن المستثمر لا يأخذ الربا؛ إذ يجب عليه فوراً التخلص من مقدار الكسب الحرام، وصرفه في وجوه البر (٤) . وأجيب عنه من أربعة أوجه: الوجه الأول: أنه وإن كان لا يأكل الربا فهو يؤكله؛ لأن الشركة تتمول بفوائد فتدفع الربا لجهات التمويل؛ فهو داخل في لعن النبي ﷺ (٥) . الوجه الثاني: أن تقدير الحرام وإخراجه لا يبيح شراء أسهم هذا النوع من الشركات لأمرين: الأول: لأن محل العقد (وهو سهم الشركة التي تقترض بفوائد ربويه) مالٌ محرم بسبب ما اشتمل عليه من الربا. وبناءً عليه؛ فهذا العقد باطل على مذهب جمهور الفقهاء، وفاسد عند الحنفية؛ لأن العقود التي يدخلها الربا تكون فاسدة عندهم كبيع الدينار بالدينارين، فإذا زال المفسد وهو الدينار صح العقد. لكن الربا في الأسهم هذه لا يمكن فصله عن المبيع حتى يمكن إمضاء العقد في المباح ومنعه في الحرام، لاختلاط ذلك اختلاطاً يتعذر معه التمييز، ولأن الواقع أن بائع الأسهم يبيعها بجميع حقوقها، ولا يتم استثناء شيء من ذلك، ولذا فإن العقد باطل لم تترتب عليه آثاره، فمشتري السهم لم يمتلك السهم أصلاً حتى يتخلص من مكاسبه المحرمة (٦) . الثاني: ولأن هذا التقدير مبني على الحَزْر والتخمين، ولا يستطيع أي محاسب مهما بلغ من العلم أن يصل إلى حساب قطعي. والتخمين لا يكفي في العقود الربوية؛ لأن التخمين لا يؤدي إلى التساوي يقيناً، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، بدليل تحريم المزابنة (٧) ، والمحاقلة (٨) ، وعلة تحريمهما عدم العلم بالتساوي لنشوفة أحدهما ورطوبة الآخر (٩) . الوجه الثالث: أن تقدير الحرام وإخراجه لا يكون توبة من الذنب الذي وقع فيه؛ لأن من شروط التوبة الإقلاع عن الذنب، والعزم على ألا يعود، والندم على ما عمل، والذي دأبه أخذ الحرام ثم إخراجه لا يعد نادماً ولا عازماً على الإقلاع (١٠) . قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «تستحيل التوبة مع مباشرة الذنب» (١١) . الوجه الرابع: أن التخلص من الربا قد يكون ظاهراً فيمن يريد الاستثمار، لكن من كان يتاجر بالسهم، وينظر إلى تقلب الأسعار، ولا ينتظر الربح الذي يعطى في نهاية السنة حتى يطهره من الربا، كيف يمكن أن يصنع؟ إن قلتم: إنه يبيع السهم ولا يلزم بالتخلص من عوائد الربا فما الفرق بينه وبين السندات والأسهم الربوية إذا كان قصده المتاجرة بها فقط؟ وإن قلتم: يلزمه التخلص من عوائد الربا؛ فما هي القاعدة في ذلك وهو لم يحصل على أي ربح؟ ثم إن الشركة قد تخسر ولا توزع أرباحاً؛ فماذا يصنع؟ الدليل الثاني: قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] . وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ «لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» . ووجه الدلالة من هذين النصين: أن الذي يساهم في الشركات التي تتعامل بالمحرمات مُعِين لها على الإثم، فيشمله النهي. الدليل الثالث: قوله ﵊: «درهم ربا يأكله الرجل، وهو يعلم، أشد من ست وثلاثين زنية» (١٢) . ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ عد أكل درهم واحد من الموبقات، ورتب عليه هذا الوعيد الشديد؛ فكيف بمن يضع المئين والآلاف من أمواله في المصارف الربوية؟ وإخراج قدر الحرام تخمين؛ فمن غير المستبعد أن يدخل ماله شيء من الحرام (١٣) . الدليل الرابع: قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) . وجه الدلالة من الحديث: إن هذا الحديث حجة في إبطال جميع العقود المنهي عنها، وعدم وجود ثمرتها المترتبة عليها؛ فالنبي ﷺ حكم في هذا الحديث بالرد وعدم القبول على كل مخالف للشرع، ومن المخالف كل بيع يدخله الربا وشراء أسهم شركات يدخل الربا في نشاطها مردود؛ لأنه منهي عنه بنص الحديث؛ لاشتمال الأسهم على الربا؛ ولأنه ليس عليه أمر النبي ﷺ . الدليل الخامس: قوله ﷺ : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم منه فائتوا منه ما استطعتم» (٢) . وجه الدلالة منه: أن المنهيات تجتنب على الإطلاق، ولهذا لم يتسامح الشرع في الإقدام على شيء منها، وخصوصاً الربا؛ لأنه من الكبائر. وأسهم الشركات التي يدخلها الربا من المنهيات، فتجتنب جميعها. الدليل السادس: أن شبهة الربا مفسدة للعقد ومحرمة له؛ كما في بيع المزابنة والمحاقلة؛ وذلك لاحتمال الربا، وقد أجمع الفقهاء على أنه يحرم بيع المحاقلة (٣) . ويرى جمهور الفقهاء أن عقد المزابنة والمحاقلة باطل، ويرى الحنفية أنه فاسد (٤) . وقد أجمع الفقهاء على تحريم بيع الثمر على النخل بالتمر في غير العرايا، وأجمعوا أيضاً على تحريم بيع العنب في الكرم بالزبيب (٥) ، وإنما رخص الشارع من المزابنة فيما دون خمسة أوسق لحاجة الناس. فإذا كانت شبهة الربا محرمة للعقد، ومفسدة له؛ فإن حقيقة الربا الموجودة في أسهم الشركات التي تودع، أو تقترض بفوائد ربوية أشد حرمة وأقوى بطلاناً. الدليل السابع: أن يد الشركة على المال هي نفس يد المساهم، فأي عمل تقوم به فهو عمله لا فرق بينهما؛ فكما يحرم على الإنسان أن يستثمر جزءاً من ماله - ولو يسيراً - في معاملات محرمة، فكذا يحرم عليه المشاركة في شركات تتعامل بالحرام؛ لأن المال المستثمر هو ماله عينه (٦) . ويتأيد هذا الدليل بأمرين: الأمر الأول: أن الشركة فيها معنى الوكالة، والشريك وكيل عن صاحبه في التصرف؛ فتصرف الوكيل يقع للموكل نفسه. وعلى هذا: فإن مجلس الإدارة يعتبر وكيلاً عن المساهم في التصرفات. فإن قيل: إن المساهم لم يفوض مجلس الإدارة بذلك، ولم يرض بهذه التصرفات، وقد يكون في المجلس من لم يرشحه المساهم. فالجواب: إن المساهم بقبوله المساهمة بالشركة قد فوض مجلس الإدارة، ووكلهم في التصرف بالمال؛ لأن هذا الأمر مشروط في لائحة الاكتتاب (٧) . الأمر الثاني: أن من المتفق عليه أن الشركة لو كانت بين اثنين، فيحرم عليهما المتاجرة بالربا ولو كان يسيراً، والبقاء في هذه الشركة يعتبر محرماً؛ فكذلك إذا زاد عدد الشركاء؛ إذ لا فرق بين أن يكون الشركاء اثنين أو مئاتٍ أو آلافاً. * الترجيح: من خلال استعراض أدلة الأقوال الأربعة يتبين للباحث ما يلي: أن القول الأول والثاني يتوجه القول بهما بالشروط الآتية: ١- إذا لم توجد شركة مساهمة لا تتعامل بالربا إيداعاً واقتراضاً؛ حيث كانت جميع شركات السوق مما يتعامل بالربا. وهذا الشرط منتفٍ في هذا العصر حيث أثبتت الدراسة التي أجراها الباحث (٨) ، أنه توجد شركات مساهمة معاملاتها حلال بالكامل، ومما يؤيد هذا الشرط أن الهيئة الشرعية للراجحي ذكرت في قرارها رقم (٤٨٥) : «إن جواز التعامل بأسهم تلك الشركات مقيد بالحاجة؛ فإذا وجدت شركات مساهمة تلتزم اجتناب التعامل بالربا وتسد الحاجة فيجب الاكتفاء بها عن غيرها ممن لا يلتزم بذلك» . ٢ - إذا كان نظام الدولة يجبر الشركات أن تودع جزءاً من أموالها في البنوك الربوية ويجبرها أيضاً على أن تدخل الفوائد ضمن أرباح المساهمين. وهذا الشرط حسب علمي غير موجود في هذا العصر، لانتشار البنوك الإسلامية، ومن ثم انتشار المعاملات الإسلامية المصرفية. ٣ - أن لا تجد الشركة بُدّاً من إتمام عملياتها إلا عن طريق الاقتراض بالربا. وهذا الشرط منتف في هذا العصر؛ إذ وجدت بنوك إسلامية تمول الشركات بالطرق المباحة: كالمرابحة، وعقود الاستصناع، والسلم، والمشاركة المنتهية بالتمليك، والإجارة المنتهية بالتمليك، وغير ذلك مما جاءت شريعتنا بإباحته. ثم إن المتأمل في القول الأول والثاني يجد: أن القول بهما كان في فترة فشا فيها الربا، والبنوك الإسلامية لم تقم بعدُ على ساقيها، أما في هذه المرحلة فالأمر عكس ذلك، فنحمد الله على انتشار هذه البنوك الإسلامية في أنحاء الأرض؛ فأيهما أسهل: تحويل بنك ربوي إلى بنك إسلامي، أم تحويل شركة تتعامل بالربا إلى شركة خالية من ذلك؟ لا شك أنه الثاني. فالذي يظهر للباحث رجحان القول الرابع، وهو حرمة المساهمة في الشركات التي يكون أصل نشاطها مباحاً، وتتعامل بالفوائد أو بغيرها من المعاملات المحرمة، لعموم الأدلة الشرعية في تحريم الربا قليله وكثيره، فلم تستثن تلك الأدلة ما كان تابعاً أو مغموراً أو يسيراً.

стр. 5075

دور الأمة ومكانتها في بناء النظام السياسي (٢ ـ ٢) محمد بن شاكر الشريف نشرت البيان في العدد ٢٠٣ مقالاً في هذا الموضوع ذكر الكاتب فيه الأدلة على دور الأمة في نصب الإمام، وبين كيفية دورها في التولية عن طريق أهل الحل والعقد، ودورها عن طريق الاستخلاف، ودورها في التغلب أو القهر، ويواصل الكاتب في هذا العدد بقية الحديث. ـ البيان ـ بلغ من اعتداد الشريعة بمكانة الأمة في بناء النظام السياسي أنها لم تسمح بأي مسوغ للالتفاف حول اختيارها، بل أمرت بقتل من يحاول أن يفسد هذا الاختيار الذي تم بإرادة هذه الأمة ورضاها، فقال رسول الله ﷺ : «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (١) ، وقد قيد الرسول ﷺ حل دمه بكونه خرج على من اجتمعت عليه الأمة، مما يبين المكانة العظيمة والدور الكبير للأمة، وأنه يترتب على اختيارها من الأحكام ما لا يترتب إذا لم تكن هي المختارة. ^ صور تحقيق دور الأمة في الاختيار: في المقال السابق تبين وجود صورتين عمليتين لدور الأمة قد حدثتا في زمن الخلافة الراشدة، وقد دل على اعتبار مشروعية تلك الصور أمران: الأول: قول الرسول ﷺ : « ... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ... » (٢) الحديث، وهذا من سنن الخلفاء الراشدين. والأمر الثاني: أن هذه الصور قد تحقق فيها دور الأمة فعلاً وواقعاً، وقد بين المقال السابق كيف تحقق دور الأمة في كليهما، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا العصر: هل هناك صور أخرى يمكن أن يتحقق بها دور الأمة في الاختيار غير تلك الصورتين؟ الأمر البين الذي لا يُختلَف عليه أن النصوص الشرعية لم تحدد طرقاً عملية معينة لكيفية قيام الأمة بدورها في ذلك؛ بحيث يقال: لا يصلح غير هذه الطرق، وإنما دلت على دور الأمة الذي يجب عليها، وأطلقت الكيفية، وهذا يقود إلى نتيجتين في غاية الأهمية: الأولى: أن الطريق الذي لا يجعل للأمة دورها في بناء النظام السياسي هو طريق غير شرعي. الثانية: أن الطريق العملي الذي يؤدي إلى قيام الأمة بدورها في ذلك هو طريق مشروع وإن لم يأت في خصوصه نص شرعي. والحكمة في عدم النص على الطرق العملية لتنفيذ بعض الأحكام الشرعية تكمن ـ والله تعالى أعلم ـ في أن النص عليها يجعلها من الأمور التي ينبغي اتباعها في كل زمان ومكان؛ بينما كانت هي في الواقع حلاً مرتبطاً بعناصر البيئة التي يطبق فيها؛ فكان المناسب لكمال الشريعة وحكمتها الكاملة أن الأمور التي لا ترتبط بتغيرات الزمان والمكان، أو التي ينبغي مراعاتها في جميع الأحوال أن تذكر في النصوص الشرعية. وأما الأمور المرتبطة بالزمان والمكان وتختلف فيها وجوه المصلحة باختلاف العصور والأحوال، فإنها تترك لأهل العلم كي يجتهدوا في النصوص الواردة للإتيان بتفاصيل تناسب الواقع من جانب، وتحقق النصوص من جانب آخر، من غير أية مخالفة للشريعة؛ وعلى ذلك جاءت النصوص ببيان دور الأمة في الاختيار؛ بينما أطلقت الطرق العملية في الكيفيات؛ فالأمور التفصيلية قد يحتاج إليها في زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وبتفصيلات متباينة؛ فليس من الحكمة أن ينص على جميع التفصيلات لتكون على مستوى واحد؛ فإذا كانت الدولة ذات مساحة صغيرة جداً لا تتجاوز مساحة المدينة المنورة (في أول الهجرة) فلا ينبغي أو فلا يلزم أن توجد فيها جميع التنظيمات أو الإدارات التي وجدت فيما بعد في الدولة ذات المساحة الواسعة التي شملت كل ما يسمى بالعالم الإسلامي؛ لذلك لم يكن عدم النص على مثل ذلك إهمالاً لها أو نسياناً أو عدم معرفة أو خبرة، ولكن لأن الأوضاع لا تحتملها أو لا تحتاج إليها، في الوقت الذي يوجد فيه في النصوص الشرعية ما يسمح باستنباط كل ما يلزم الدولة من مؤسسات أو هيئات أو تنظيمات عند الحاجة؛ ولذلك لم يشعر أحد من المسلمين بوجود نقص في التشريعات في هذا الباب، ولم يشعر أحد كذلك في استنباط ما دعت إليه الحاجة أنه قد جاء بأمر سد به نقصاً، أو دارى به عيباً؛ لأن الذي يستنبط ذلك إنما يرجع إلى النصوص ويعول عليها، وهي ـ بحمد الله ـ كافية شافية لا تُحْوِجُ أحداً إلى شيء غيرها، وإنما المطلوب هو حسن الفهم والقدرة على الاستنباط السليم. والأمور المستجدة التي تعد تطبيقاً عملياً للنصوص الشرعية حسب الإمكانات المتاحة، ينبغي أن يراعى في استنباطها أن تكون محققة للحكم الشرعي، من غير أن يخالف قاعدة من قواعد الشريعة، أو يعارض دليلاً من أدلة الشرع التفصيلية، أو أن يترتب على ذلك مفسدة تربو على المصلحة المتوخاة منه، ومثل هذه الطرق التي تتحقق بها الأحكام الشرعية في الواقع تعد من السياسات الجزئية التي تتناسب مع الزمان والمكان وتختلف باختلافهما، وليست من الشرائع الكلية أو العامة اللازمة للأمة إلى يوم القيامة؛ فالذي يجمع بين السياسات الجزئية أنها تتفق في تحقيق الحكم الشرعي أو المقصد الشرعي وإن اختلفت أعيانها. ولو نظرنا بهذا المقياس فيما تم في زمن الخلافة الراشدة لوجدنا ذلك متحققاً؛ إذ جميع الطرق اتفقت على إعطاء الأمة دورها ومكانتها في الاختيار وإن اختلفت طرق تحقيق ذلك في الواقع، وهذا الإطلاق في النصوص يناقضه أن نضع اليوم طريقة ونقول: هذه هي الطريقة المشروعة الوحيدة التي يتحقق بها دور الأمة، فنجعلها من قبيل الشريعة العامة، بينما هي في حقيقة الأمر من السياسات الجزئية. ومن هذا المنطلق؛ فإنه يتصور تغاير الطرق من زمن إلى زمن، ولا يعد في ذلك مخالفة شرعية ما دام الأصل ـ وهو اشتراك الأمة ـ في ذلك موجوداً. ^ صور لا يتحقق فيها دور الأمة: ونعني بها صوراً واقعة، وليست صوراً متخيلة افتراضاً؛ فمن ذلك: التغلب والقهر: صورة التغلب والقهر التي ينزو فيها واحد أو جماعة على السلطان بما يمتلكونه من أدوات القوة ووسائل التأثير بغير اختيار من الأمة أو الرجوع إليها في ذلك، وهذه صورة وجدت في القديم كما وجدت في الحديث وتكلم عنها أهل العلم. وهذه الأصل فيها أنها لا تحل ولا تجوز (١) ، وتقدم الحديث عنها في المقال السابق. ومن ذلك صورة أخرى وهي في مظهرها على النقيض من صورة التغلب والقهر، وهي صورة الانتخابات، ولما كانت هذه الصورة معاصرة لم يتقدم فيها كلام لأهل العلم السابقين، فيحسن أن نبسط الكلام فيها بما يناسب حجم المقال. الانتخابات: والمراد بالانتخابات اشتراك جميع أفراد المجتمع البالغين في الاختيار، والدعاة إلى ذلك يرونه أصدق أسلوب في التعبير عن رأي الأمة، ومن ثم فهو أفضل طريق لتمثيل الأمة. والانتخابات في حقيقتها ليست مجرد آلية للاختيار، وإنما هي تنطلق من مبدأ قائم على أن الشعوب هي سيدة نفسها، وأنه لا سلطان عليها من خارجها، وانطلاقاً من ذلك فإنه يدخل في الاختيار طوائف المجتمع كلها فيدخل في ذلك كل من يطلق عليه لقب مواطن سواء كان مسلماً أو نصرانياً أو يهودياً أو وثنياً؛ لأن له من الحق في السيادة مثل ما لغيره، كما يدخل في الاختيار النساء للسبب نفسه أيضاً. ومن الأمور المجمع عليها في فقه الشريعة أن غير المسلم لا يتدخل في الاختيار، كما أن النساء لا مدخل لهن في الاختيار أيضاً (٢) ، ويترتب على هذا الأسلوب أمران: أولهما: جواز أن يرشح الإنسان نفسه لتولي هذا المنصب، (أي يسأل أو يطلب هذا الأمر لنفسه) . وثانيهما: إباحة الدعاية لنفسه والثناء عليها باستحقاقها لهذا المنصب وقدرتها على القيام بأعبائه، وكلها أمور منهي عنها بمقتضى النصوص الشرعية (٣) ، وإذا أخرجنا من الاختيار غير المسلمين، وأخرجنا كذلك النساء، ولم نسمح أيضاً بالترشيح والدعاية؛ فإن طريقة الانتخابات تظل مع ذلك غير محققة لدور الأمة في الاختيار؛ لأمور كثيرة منها: عزوف أو غياب كثير من الناس عن المشاركة في ذلك لأسباب متنوعة حتى يصل عدد المشاركين في أحيان كثيرة إلى أقل من نصف الذين يحق لهم التعبير عن رأيهم، حسب أنظمة الانتخابات، ومنها: وجود الأصوات الباطلة، نتيجة الوقوع في بعض مخالفة نظام الانتخابات، ومنها: توزع أصوات الناخبين على أكثر من مرشح، حتى يصير المرشح فائزاً في الانتخابات لحصوله على الأغلبية؛ بينما هو في حقيقة الأمر لم يحصل إلا على أغلبية المشاركين في الاختيار، وهي في أحيان كثيرة أغلبية نسبية وليست أغلبية مطلقة (أي يحصل على أكبر عدد من الأصوات بالنسبة للمرشحين الآخرين، وليس الحصول على أكثر من نصف الأصوات مجتمعة) ، ومنها: ـ وهو الأهم ـ إضاعة رأي الفئة المميزة في المجتمع سواء كان التميز علمياً أو دينياً؛ فرأي الفئة المميزة في المجتمع وفقاً لهذه الطريقة مهدر لا قيمة له، وهذا من أهم العيوب والقوادح التي تقدح في هذا الأسلوب؛ وذلك إذا قسمنا المجتمع إلى عدة مستويات من حيث النضج والمقدرة على تمييز من يصلح ممن لا يصلح؛ فإننا نجد أن المستوى الأعلى من ذلك هم قلة قليلة جداً بالنسبة لمجموع الشعب، وأن الكثرة الغالبة من الشعب لم تصل إلى هذه المستويات من النضج والوعي على اختلاف بينهم في ذلك. والمقصود أن رأي هذه الفئة ذات المستوى المميز يضيع وسط تلك الكثرة الكاثرة، ولا يكون له تأثير في الأمور؛ إذ صوت العالم الخبير بالأمور يستوي مع صوت العامي الذي لا يملك من المؤهلات أكثر من كونه بالغاً عاقلاً (١) مما يبين فساد تلك الطريقة في التعبير عن رأي الأمة. ^ حدود دور الأمة: الأمة عندما تقوم بهذا العمل لا تقوم به من باب المصلحة فتكون حدودها بحدود تلك المصلحة، وإنما تقوم بأداء عمل قد وجب عليها أداؤه من قِبَل الشريعة، وعلى ذلك فإن حدود دورها إنما يحدده الذي أوجب عليها هذا الدور: ليس للأمة تولية من لا يستحق العزل: فالشريعة أوجبت عليها الاختيار وحددت شروطاً معينة ينبغي توافرها فيمن تختاره الأمة، وعلى ذلك فليس للأمة أن تختار من تشاء بمجرد الرغبة في اختياره إذا لم تتحقق فيه الشروط المطلوبة؛ فإذا اختارت الأمة من ليس أهلاً للإمامة؛ فلا يقبل ذلك منها؛ لأنها تصرفت بغير ما أُذن لها فيه، وهذا مما يبين فساد من يقول إن السيادة أو السلطان للأمة، أو أن الأمة هي مصدر السلطات، تأثراً ببعض النظريات السياسية الغربية؛ فإن الأمة وإن كان منوطاً بها الاختيار مثل ما تملك الحق في عزل من أتى بما يستحق لأجله العزل، فإنها لم تفعل ذلك بمجرد رأيها وإنما تفعله وفق الشروط الشرعية لذلك، وإذا كانت لا تفعل ذلك إلا بتلك الشروط، وهي لم تضعها، بل وضعت لها؛ فكيف يقال إنها صاحبة السيادة؟! فالأمة ليست هي التي تمنح الحاكم الحق في المنصب، وإنما الذي يمنحه ذلك الحق هو الشرع لتحققه بالصفات والشروط المطلوبة، والأمة شاهدة أن ذلك الشخص تحققت فيه تلك الشروط والصفات المطلوبة وهي بعد ذلك مأمورة أن تعطي هذا المنصب لمن يستحقه، فإذا شهدت الأمة بما علمت، وقامت بإعطاء الحق لمن يستحق لا يقال إنها صاحبة السيادة أو السلطان، أو أنها هي مصدر السلطات، ولكنها فعلت ما يجب عليها أن تفعله. ليس للأمة عزل من لا يستحق: والشريعة قد أوجبت إمضاء البيعة وعدم السعي في حلها ما دام الإمام محققاً للشروط، قائماً بالواجبات من غير إخلال؛ وعلى ذلك فليس للأمة أن تحل البيعة أو أن تسعى في ذلك من غير سبب شرعي يسوغه، ولا يعد نبوغ من هو أفضل من الإمام بعد البيعة له مسوغاً شرعياً يبيح حلها وعقدها للأفضل؛ إذ إن هذا أمر لا ينفك عن مثله الزمان، ولو كان كلما نشأ في الزمان رجل أفضل من رجل حللنا بيعة المفضول وعقدناها للفاضل لم يستتب للإمامة معنى؛ فقد أخذ الرسول ﷺ البيعة من المسلمين وكان مما جاء فيها: «وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان» (٢) ؛ فمنازعة ولاة الأمر الذين تولوا بطريقة شرعية لا تجوز إلا ببرهان دل عليه الشرع؛ فإذا كان الإمام مستوفياً للشروط، قائماً بواجباته من غير إخلال ولا تقصير، متجافياً عما يقدح في استمرار ولايته، كان إقصاؤه عن منصبه رغبة في التغيير والتجديد، وإحلال من هو أفضل منه مكانه، ليس من البرهان الذي دل عليه الشرع. قال الماوردي ﵀: «فلو تعين لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه على الإمامة، وحدث بعده من هو أفضل منه انعقدت ببيعتهم إمامة الأول، ولم يجز العدول عنه إلى من هو أفضل منه» (٣) . وقال إمام الحرمين: «الإمام إذا لم يخلُ عن صفات الأئمة، فرام العاقدون له عهداً أن يخلعوه لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً باتفاق الأمة؛ فإن عقد الإمامة لازم لا اختيار في حله من غير سبب يقتضيه، ولا تنتظم الإمامة ولا تفيد الغرض المقصود منها إلا مع القطع بلزومها، ولو تخير الرعايا في خلع إمام الخلق على حكم الإيثار والاختيار لما استتب للإمام طاعة، ولما استمرت له قدرة واستطاعة، ولما صح لمنصب الإمامة معنى» (٤) . ولا يبيح ذلك أن يشترط في عقد البيعة تقييدها بمدة زمنية معلومة كما يقول به المتأثرون بالنظم الديمقراطية المعاصرة؛ إذ هذا الكلام ليس إلا مجرد حيلة شكلية للخروج من مخالفة الشريعة، وبيان ذلك من عدة وجوه منها: أن خروج الإمام عن منصبه لا يكون إلا بالإخلال بواجباته، أو فقد أحد شروطه، وأن انقضاء فترة زمنية معينة ليست داخلة في ذلك، ومنها: أن دور الأمة أن تشهد بأن هذا صالح لذلك المنصب. ومعلوم أن هذه الصلاحية لا تتقيد بزمن، ومنها: أن هذا القيد هو في حقيقته إخراج للصالح للإمامة عن ولايته بغير سبب شرعي يوجبه، ومنها: أن هذا القيد منافٍ للغرض المقصود تحقيقه من عقد الإمامة وهو استقرار الأحوال وانتظام الأمور، ومنها: أن هذا القيد لم يقل به أحد من أهل العلم المتقدمين، ومنها: أن هذا القيد قد جاء عن أهل العلم ما يدل على إهدارهم له؛ وذلك أنهم افترضوا مثل تلك الحالة التي نحن بصددها من حصول من هو أفضل من الإمام المبايع، ومع ذلك لم يحترزوا لها ويقيدوا الولاية بفترة زمنية تمكنهم من العقد للأفضل بعدها، ومنها: أن هذا الحكم حكم شرعي، وليس حكماً عقلياً؛ وعلى ذلك فالذي يضع عليه القيود أو الشروط هو الشرع وليس العقل، والشريعة لم تضع قيداً على استمرار الولاية سوى متابعة ولي الأمر للشريعة وتقيده بها وعدم الخروج عليها، وقدرته على القيام بأعباء الإمامة وتحقيق المصالح المناطة بها. وهذه الطريقة التي يطالب بها بعض المفتونين بحضارة الرجل الأبيض يضيع فيها كثير من الوقت والجهد والمال؛ إضافة إلى المهاترات والمزايدات السياسية التي نراها اليوم، حتى إن منهم من يفتعل المشاكل افتعالاً في الفترة التي تسبق الانتخابات حتى يشعر الناخب بحاجته إليه، ثم إذا انتهت الانتخابات عاد كل أمر إلى حاله كأن لم يكن شيء قبل ذلك، لا فرق في ذلك بين من يقال عنها إنها دول متقدمة أو عريقة في الديمقراطية، وبين من يقال عنها إنها دول متخلفة أو حديثة في الديمقراطية، حتى قال بعضهم إن أسوأ أربعة أشهر في حياة الولايات المتحدة على الإطلاق هي تلك التي تسبق عملية الانتخابات الرئاسية في كل مرة، وليس يخفى على القارئ أنه في ظل أن يكسب مرشح تلك الانتخابات قد ينفق عشرات من ملايين الدولارات؛ فمن أين يأتي بها؟ وكيف يعوضها؟ وتلك أمور وراءها قصص يطول سردها. وإذا كان المسلم يعلم أن تلك المسؤولية حسرة وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها؛ فهل يعقل أن يدفع مسلم صالح تقي يخشى الله ـ تعالى ـ عشرات الملايين من الدولارات لكي يتحمل هذه المسؤولية؟ ^ حقيقة ما يجب على الأفراد في بناء النظام السياسي: القول بأن على الأمة أن تقوم ببناء النظام السياسي لا يعني أن كل فرد فيها مطالب بالقيام بكل مهمة من مهمات هذا النظام، وإنما يعني أن الأمة مجتمعة عليها أن تقوم بذلك، وهذا يؤدي إلى أمرين هامين: الأول: تقسيم المهام على الناس بحسب الاستعدادات والقدرات والإمكانات؛ بحيث يقوم كل واحد بما يستطيعه ويحسنه، فيصير مجموع الأمة قائماً بمجموع مهام بناء النظام السياسي؛ فأهل الحل والعقد يعقدون البيعة لمن يستحقها (أو يحلونها ممن فقد استحقاقها) ، وأهل القوة والشوكة ينصرون ذلك ويساعدون عليه ويمضونه، وبقية الرعية تقبل وتطيع وتتابع وتشايع. والأمر الثاني: الاشتراك في المسؤولية العامة؛ بحيث لا يقول أحد: ليس هذا مطلوباً مني، بل هو مطالب بالسعي، فيسعى بما يمكنه من ذلك ولو كان غير مطالب به على التعيين، قال الشاطبي ﵀ في تفسير فرض الكفاية: «القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة؛ فهم ـ المكلفون ـ مطلوبون بسدها على الجملة؛ فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان أهلاً لها، والباقون ـ وإن لم يقدروا عليه ـ قادرون على إقامة القادرين؛ فمن كان قادراًِ على الولاية فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها؛ فالقادر إذاً مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر؛ إذ لا يُتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة من باب ما لا يتم الواجب إلا به» (١) .

стр. 5076

الاختلاف في العمل الإسلامي الأسباب والآثار (١ ـ ٢) أ. د. ناصر بن سليمان العمر ` أولاً: مقدمات: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فلا يخفى على كل مسلم بصير ما تعيشه أمة الإسلام من شتات وفرقة، واختلافات أوجبت عداوة وشقاقاً؛ إذ تجاذبت أهلها الأهواء، وتشعبت بهم البدع، وتفرقت بهم السبل، فلا عجب أن تراهم بين خصومة مذهبية، وحزبية فكرية، وتبعية غربية أو شرقية.. والنتيجة يخبر عنها قول المولى : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] . وإذا كان المسلمون اليوم يلتمسون الخروج من هذا المأزق فلا سبيل إلاّ بالاعتصام بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، مجتمعين غير متفرقين، متعاضدين غير مختلفين. ويكون ذلك بتوحيد الهدف والغاية مع حسن النية وسلامة القصد. قال ابن القيم ﵀: «ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحداً والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافاً لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة؛ فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة» (١) . والاختلاف موضوع الحديث هو: «نقيض الاتفاق» . جاء في اللسان ما مفاده: اختلف الأمران لم يتفقا. وكل ما لم يتساوَ فقد اختلف. والخلاف: المضادة. وخالفه إلى الشيء: عصاه إليه، أو قصده بعد أن نهاه عنه. ويستعمل الاختلاف عند الفقهاء بمعناه اللغوي وكذلك الخلاف» . وبعض الفقهاء فرق بين الاختلاف والخلاف باصطلاحات خاصة. أما « (الافتراق) (والتفرق) (والفرقة) فبمعنى أن يكون كل مجموعة من الناس وحدهم؛ ففي القاموس: الفريق القطيع من الغنم، والفريقة قطعة من الغنم تتفرق عنها فتذهب تحت الليل عن جماعتها. فهذه الألفاظ أخص من الاختلاف» (١) . فليس كل اختلاف افتراق، وكل افتراق اختلاف، وليس شرطاً أن يكونا مذمومين على ما سيأتي بيانه، وإن كان الغالب ذم أهل الفرقة والاختلاف. ` أقسام الاختلاف: الاختلاف ينقسم إلى أقسام عدة باعتبارات مختلفة يتباين الحكم عليها. فمنها: انقسام الاختلاف باعتبار حقيقة المسائل المختلف فيها. فمنه: ١- اختلاف صوري، ومن قبيله اختلاف التفاوت؛ كالذي يكون في الكلام، فيكون بعضه بليغاً وبعضه دون ذلك، ومنه كذلك اختلاف التلاؤم الذي يكون في الكلام، ومن قبيله كذلك اختلاف التنوع، وهو أن يذكر كل من المختلفين من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه. مثال ذلك تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قال بعضهم: السابق الذي يصلي أول الوقت، والمقتصد في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. وقيل: السابق المحسن بالصدقة، والمقتصد بالبيع، والظالم بأكل الربا. واختلاف التنوع في الأحكام الشرعية قد يكون في الوجوب تارة، وفي الاستحباب أخرى: فالأول مثل: أن يجب على قوم الجهاد، وعلى قوم الصدقة، وعلى قوم تعليم العلم. وهذا يقع في فروض الأعيان كما مثل. وفي فروض الكفايات، ولها تنوع يخصها، وهو أنها تتعين على من لم يقم بها غيره: فقد تتعين في وقت، أو مكان، وعلى شخص أو طائفة كما يقع مثل ذلك في الولايات والجهات والفتيا والقضاء. قال ابن تيمية: وكذلك كل تنوع في الواجبات يقع مثله في المستحبات. وقد نظر الشاطبي في المسألة، وحصر الخلاف غير الحقيقي في عشرة أنواع: منها: ما تقدم من الاختلاف في العبارة. ومنها: أن لا يتوارد الخلاف على محل واحد. ومنها: اختلاف أقوال الإمام الواحد، بناء على تغير الاجتهاد، والرجوع عما أفتى به أولاً. ومنها: أن يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم، بأن يكون كل من العملين جائزاً، كاختلاف القراء في وجوه القراءات، فإنهم لم يقرؤوا بما قرؤوا به على إنكار غيره، بل على إجازته والإقرار بصحته؛ فهذا ليس في الحقيقة باختلاف؛ فإن المرويات على الصحة لا خلاف فيها؛ إذ الكل متواتر. وهذه الأنواع السابقة تقع في تفسير القرآن، وفي اختلافهم في شرح السنة، وكذلك في فتاوى الأئمة وكلامهم في مسائل العلم. وهي أنواع ـ وإن سميت خلافاً ـ إلا أنها ترجع إلى الوفاق (٢) . تنبيه: الاختلاف الصوري: منه المذموم وهو ما وقع في باطل. ٢ - اختلاف حقيقي: ومنه اختلاف التضاد، وهو قسمان: سائغ، وغير سائغ. ولعله تأتي الإشارة إليهما (٣) . ومن أقسام الاختلاف انقسام الاختلاف باعتبار ما يوجبه فمنه: ١ - اختلاف يقتضي عداوة وشقاقاً، ويقع في الاختلاف الحقيقي، كالاختلاف في الأصول المجمع عليها. ٢ - اختلاف لا يقتضي عداوة وشقاقاً، ويقع في عامة الاختلاف الصوري، وقد يقع في الاختلاف الحقيقي كالاختلاف في كثير من الفروع باجتهاد سائغ. ومن أقسام الاختلاف انقسام الاختلاف باعتبار أثره فمنه: ١ - اختلاف مؤثر في الأحكام والأعمال المترتبة. ٢ - اختلاف نظري ذهني لا ينبني عليه شيء في أرض الواقع. فالأول اختلاف مؤثر في العمل، ومنه السائغ الذي لا يضر، ومنه غير السائغ، والآخر من قبيل اختلاف السفسطائية: هل البيضة قبل الدجاجة أم الدجاجة قبل البيضة؟ قال شيخ الإسلام: «وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته؛ فإن الله نصب على الحق فيه دليلاً؛ فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك؛ فهذه الأمور طريق العلم بها النقل؛ فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحاً عن النبي ﷺ كاسم صاحب موسى أنه الخضر؛ فهذا معلوم. وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب كالمنقول عن كعب ووهب ومحمد بن إسحق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب؛ فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة» (٤) وقال: «وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيراً.. (٥) . من أهم أقسام الاختلاف التي تحتاج إلى تحرير: انقسام الاختلاف باعتبار مدح أصحابه وذمهم: وقد حرر ذلك ابن القيم ﵀ في الصواعق؛ حيث قال: «الاختلاف في كتاب الله نوعان: أحدهما: أن يكون المختلفون كلهم مذمومين، وهم الذين اختلفوا بالتأويل، وهم الذين نهانا الله ـ سبحانه ـ عن التشبه بهم في قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] ، وهم الذين تسوَدُّ وجوههم يوم القيامة، وهم الذين قال الله ـ تعالى ـ فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] ، فجعل المختلفين كلهم في شقاق بعيد، وهذا النوع هو الذي وصف الله أهله بالبغي، وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف وفساد ذات البين، ويوقع التحزب والتباين. والنوع الثاني: اختلاف ينقسم أهله إلى محمود ومذموم؛ فمن أصاب الحق فهو محمود، ومن أخطأه مع اجتهاده في الوصول إليه فاسم الذم موضوع عنه، وهو محمود في اجتهاده معفو عن خطئه، وإن أخطأه مع تفريطه وعدوانه فهو مذموم. ومن هذا النوع المنقسم قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] . والاختلاف المذموم، كثيراً ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق فلا يقر له خصمه به، بل يجحده إياه بغياً ومنافسة، فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل على النصوص التي مع خصمه، وهذا شأن جميع المختلفين؛ بخلاف أهل الحق؛ فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به، فيأخذون حق جميع الطوائف، ويردون باطلهم؛ فهؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، فأخبر ـ سبحانه ـ أنه هدى عباده لما اختلف فيه المختلفون. وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» . فمن هداه الله ـ سبحانه ـ إلى الأخذ بالحق؛ حيث كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه فهو ممن هدى لما اختُلف فيه من الحق، فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلاً وأقومهم قيلاً، وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا؛ فاختلافهم اختلاف رحمة وهدى يقر بعضهم بعضاً عليه ويواليه ويناصره، وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم بالتناظر والتشاور، وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب، فيأتي كل منهم بما قدحه زناد فكره وأدركته قوة بصيرته؛ فإذا قوبل بين الآراء المختلفة والأقاويل المتباينة، وعرضت على الحاكم الذي لا يجور، وهو كتاب الله وسنة رسوله، وتجرد الناظر عن التعصب والحمية، واستفرغ وسعه، وقصد طاعة الله ورسوله، فقلَّ أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال، وما هو أقرب إليه؛ والخطأ، وما هو أقرب إليه، فإن الأقوال المختلفة لا تخرج عن الصواب، وما هو أقرب إليه، والخطأ، وما هو أقرب إليه. ومراتب القرب والبعد متفاوتة، وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقاً في الكلمة، ولا تبديداً للشمل؛ فإن الصحابة ﵃ اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع كالجد مع الإخوة، وعتق أم الولد بموت سيدها، ووقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وفي الخلية والبرية والبتة، وفي بعض مسائل الربا، وفي بعض نواقص الوضوء وموجبات الغسل، وبعض مسائل الفرائض وغيرها، فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة، ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كان كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة، من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغناً، ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم، بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له، ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه؛ فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر، وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق» (١) . وهذا النوع من الاختلاف بهذا المسلك الذي ذكره يراه بعض أهل العلم كالشاطبي ﵀ يرجع في الحقيقة إلى وفاق، «فإن الاختلاف في بعض المسائل الفقهية راجع إما إلى دورانها بين طرفين واضحين يتعارضان في أنظار المجتهدين، وإما إلى خفاء بعض الأدلة، أو إلى عدم الاطلاع على الدليل. وهذا الثاني ليس في الحقيقة خلافاً؛ إذ لو فرضنا اطلاع المجتهد على ما خفي عليه لرجع عن قوله؛ فلذا ينقض لأجله قضاء القاضي. أما الأول فإن تردده بين الطرفين تحرٍّ لقصد الشارع المبهم بينهما من كل واحد من المجتهدين، واتباعٌ للدليل المرشد إلى تعرف قصده. وقد توافقوا في هذين القصدين توافقاً لو ظهر معه لكل واحد منهما خلاف ما رآه لرجع إليه، ولوافق صاحبه. وسواء قلنا بالتخطئة أو بالتصويب؛ إذ لا يصح للمجتهد أن يعمل على قول غيره، وإن كان مصيباً أيضاً؛ فالإصابة ـ على قول المصوبة ـ إضافية. فرجع القولان إلى قول واحد بهذا الاعتبار؛ فهم في الحقيقة متفقون لا مختلفون. ومن هنا يظهر وجه التحابّ والتآلف بين المختلفين في مسائل الاجتهاد؛ لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع، فلم يصيروا شيعاً، ولا تفرقوا فرقاً» (٢) . فلو نظرت هذا النوع من الاختلاف الذي حمده الشاطبي وابن القيم وغيرهم من أهل العلم، وجدت الحمد منصبّاً على اتفاق المختلفين في مراعاتهم قصد الشارع، وطلبهم لمراده، واتباعهم الدليل الذي ظهر منهم؛ ومن هذه الجهة جاء مدح مثل هؤلاء المختلفين. ويتبع للتقسيم الذي سبق نوع آخر من الاختلاف: وهو وفاق في الحقيقة، وهو اختلاف في الاختيار والأَوْلى بعد الاتفاق على جواز الجميع؛ كالاختلاف في أنواع الأذان والإقامة، وصفات التشهد والاستفتاح، وأنواع النُّسُك الذي يحرم به قاصد الحج والعمرة، وأنواع صلاة الخوف، والأفضل من القنوت أو تركه، ومن الجهر بالبسملة أو إخفائها، ونحو ذلك؛ فهذا وإن كان صورته صورة اختلاف فهو اتفاق في الحقيقة» (٣) . والأصل ذم الخلاف وتجنبه، ما دام اختلافاً حقيقياً قد يسبب فرقة ويوقع في تعارض، وهذا ما دلت عليه نصوص الوحيين؛ ففي السنة جاء النهي عن «الذرائع التي توجب الاختلاف والتفرق والعداوة والبغضاء؛ كخطبة الرجل على خطبة أخيه، وسومه على سومه وبيعه على بيعه، وسؤال المرأة طلاق ضرتها، وقال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» سداً لذريعة الفتنة والفرقة، ونهى عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا ما أقاموا الصلاة سداً لذريعة الفساد العظيم والشر الكبير بقتالهم؛ كما هو الواقع؛ فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه والأمة في تلك الشرور إلى الآن» (١) . وأدلة القرآن كثيرة ومنها: قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٤] . وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] . وقال : ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٣ - ١٤] . وقال ـ سبحانه ـ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] . بل عمل الخير إذا قصد به التمييز والتفريق بين المؤمنين كان لصاحبه نصيب من الذم، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨] . فالاختلاف ما دام اختلاف تعارض ينقض بعضه بعضاً شر لا يسلم منه إلاّ من كان معه الصواب؛ فإذا توزع الصواب بين المختلفين كان معهم من الخير والبعد عن الذم بمقدار ما معهم من الحق، ومع ذلك قد يُعذر فيه المجتهد المخطئ، بل يثاب لإرادته الخير وقصده، ولهذا يسلم من آثار الاختلاف المذموم المجتهدون الذين استفرغوا وسعهم في معرفة الحق والعمل به. ` الاختلاف بين المشيئة الكونية والشرعية: الاختلاف سنة كونية، وقدر واقع لا محالة بمشيئة الله الكونية. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] . والقدر الكوني إن كان شراً فيجب أن يسعى الإنسان للخروج منه وعدم الوقوع فيه، كالكفر فهو قدر كوني حكم الله بوجوده كوناً، ومع ذلك واجب على كل إنسان أن يجتنبه وكذلك المعاصي، وكل ذلك مقدر شاء الله وقوعه كوناً بناء على علمه باختيار الإنسان؛ فالله وهب خلقه مشيئة واختياراً خاضعة لمشيئة الله مع علمه باختيارهم وكتابته له وتقدير كونه منهم. فالخلاف قد يكون قدراً كونياً فيه شر ولا يخلو من خير ـ فالله لا يخلق شراً محضاً ـ فلا يستسلم له العبد، بل يقاومه بالقدر، فإن لم يزله خفف من آثاره وخرج بأقل أضراره. ` مسألة هل الاختلاف رحمة وخير، أم عذاب وشر؟ رُويت في ذلك أحاديث لا تثبت مثل حديث: «أصحابي كالنجوم؛ فبأيهم اقتديتم اهتديتم» (٢) ، وحديث: «اختلاف أمتي رحمة» (٣) . ومع عدم ثبوت نص تباينت أقوال السلف في المسألة فأثر: «عن عمر بن عبد العزيز قوله: ما أحب أن أصحاب رسول الله لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم؛ فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة» . وعن يحيى بن سعيد أنه قال: اختلاف أهل العلم توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحلل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا. وقال ابن عابدين: الاختلاف بين المجتهدين في الفروع ـ لا مطلق الاختلاف ـ من آثار الرحمة؛ فإن اختلافهم توسعة للناس. قال: فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر. وهذه القاعدة ليس متفقاً عليها؛ فقد روى ابن وهب عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه قال: «ليس في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ سعة، وإنما الحق في واحد» . وقال المزني صاحب الشافعي: «ذم الله الاختلاف، وأمر بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة» . وتوسط ابن تيمية بين الاتجاهين، فرأى أن الاختلاف قد يكون رحمة، وقد يكون عذاباً. قال: «النزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يُفْضِ إلى شر عظيم من خفاء الحكم. والحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون خفاؤه على المكلف - لما في ظهوره من الشدة عليه - من رحمة الله به، فيكون من باب ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] . وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب قد يكون في نفس الأمر مغصوباً، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله حلالاً لا شيء عليه فيه بحال، بخلاف ما إذا علم. فخفاء العلم بما يوجب الشدة قد يكون رحمة، كما أن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة، كما أن رفع الشك قد يكون رحمة وقد يكون عقوبة. والرخصة رحمة. وقد يكون مكروه النفس أنفع كما في الجهاد» (١) . ` عمل أهل العلم على الخروج من الخلاف: لكون الاختلاف مذموم من حيث الجملة؛ فقد راعى كثير من أهل العلم الخروج من الخلاف في تعليل كثير من الأحكام، ومن ذلك قول بعض فقهاء الحنابلة بكراهة الطهارة بالماء المتغير بمجاورة أو بملح مائي مع أنه طهور، ولكنهم يعللون بمخالفة غيرهم لهم فيما اختاروا، فاستحبوا الخروج من الخلاف بكراهة استعمال ذلك الماء (٢) . ومنه كذلك قول بعض فقهاء الأحناف بالندب للإشهاد على الرجعة خروجاً من الخلاف (٣) . ومنه قول بعض فقهاء المالكية بطواف القدوم بنية الركنية خروجاً من الخلاف (٤) . ومنه قول الشافعية باستحباب عدم القصر لسفر أقل من مسيرة ثلاث أيام للخروج من الخلاف (٥) . ويكاد يطبق أرباب المذاهب الأربعة على التعليل بالخروج من الخلاف في اختياراتهم الفقهية. ولكنهم وضعوا لذلك ضوابط من أهمها ما قرره العز بن عبد السلام؛ حيث يقول: «والضابط في هذا أن مأخذ المخالف إن كان في غاية الضعف والبعد عن الصواب فلا نظر إليه، ولا التفات عليه؛ إذ كان ما اعتمد عليه لا يصح نصه دليلاً شرعاً» (٦) ، ثم قال: «وإن تقاربت الأدلة في سائر الخلاف؛ بحيث لا يبعد قول المخالف كل البعد؛ فهذا مما يستحب الخروج من الخلاف فيه حذراً من كون الصواب مع الخصم؛ والشرع يحتاط لفعل الواجبات والمندوبات، كما يحتاط لترك المحرمات والمكروهات» . فالخلاف إذا كان له حظٌّ من النَّظر، والأدلَّة تحتمله، فالمحققون يكرهون ويستحبون لأجل الخروج منه؛ لا لأنَّ فيه خلافاً؛ بل هو من باب «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك» ، ويتأكد هذا، بل قد يتعين حتى مع الخلاف الضعيف إن خشي ترتب مفسدة أعظم على الخلاف. أما إذا كان الخلاف لا حَظَّ له من النَّظر فلا يُمكن أن نعلِّلَ به المسائل؛ ونأخذ منه حكماً. فليس كلُّ خلافٍ جاء مُعتَبراً إلا خلافٌ له حظٌّ من النَّظرِ ولأنَّ الأحكام لا تثبت إلاّ بدليل، ومراعاة الخلاف غير المعتبر لا تصلح دليلاً شرعياً، فيقال: هذا مكروه، أو غير مكروه بناء عليه، إلاّ إن خشي ترتب مفسدة أعظم جرَّاء الفرقة، فتقدر حينها الأمور بقدرها؛ وذلك لأمر خارج عن مجرد الخلاف غير المعتبر، مع العمل على إعادة الحق إلى نصابه وإقرار المصيب على صوابه. ` حكم الاختلاف في العمل الإسلامي؟ حكم الاختلاف على أنواع: «النوع الأول: أصول الدين التي تثبت بالأدلة القاطعة، كوجود الله ـ تعالى ـ ووحدانيته، وملائكته وكتبه، ورسالة محمد ﷺ ، والبعث بعد الموت، ونحو ذلك. فهذه أمور لا مجال فيها للاختلاف، من أصاب الحق فيها فهو مصيب، ومن أخطأه فهو كافر. النوع الثاني: بعض مسائل أصول الدين، مثل مسألة رؤية الله في الآخرة، وخلق القرآن، وخروج الموحدين من النار، وما يشابه ذلك، فقيل يكفر المخالف، ومن القائلين بذلك الشافعي؛ فمن أصحابه من حمله على ظاهره، ومنهم من حمله على كفران النعم. النوع الثالث: [الأمور] (٧) المعلومة من الدين بالضرورة كفرضية الصلوات الخمس، وحرمة الزنا، فهذا ليس موضعاً للخلاف. ومن خالف فيه فقد كفر. النوع الرابع: الفروع الاجتهادية التي قد تخفى أدلتها؛ فهذه الخلاف فيها واقع في الأمة، ويعذر المخالف فيها لخفاء الأدلة أو تعارضها.. فأما إن كان في المسألة دليل صحيح صريح لم يطلع عليه المجتهد فخالفه، فإنه معذور بعد بذل الجهد، ويعذر أتباعه في ترك رأيه أخذاً بالدليل الصحيح الذي تبين أنه لم يطلع عليه. فهذا النوع لا يصح اعتماده خلافاً في المسائل الشرعية؛ لأنه اجتهاد لم يصادف محلاً، وإنما يعد في مسائل الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة» (١) . أما واقع العمل الإسلامي فإذا كان الاختلاف من قبيل التنوع كأن يتخصص كل فريق أو جماعة في عمل، فهو اختلاف صوري وهو مطلوب، أما إذا كان الاختلاف اختلاف تحزب وتعصب يمنع التعاون والتعاضد وسماع النصيحة من الآخر فهو اختلاف مذموم، وكثير منه يقع في مسائل اجتهادية أو فرعية المخالف فيها معذور، ومثل هذا الخلاف لا ينبغي أن يخرج بالناس إلى ساحة احتراب وتناحر، بل لأصحابه في صحابة رسول الله ﷺ أسوة حسنة؛ فمع مخالفة بعضهم لبعض بقي إقرارهم بفضل ذوي الفضل وتوقيرهم، مع عمل كل برأيه وسعيه لنشره. والذي ينبغي هو أن يكون اختلاف المسلمين في العمل الإسلامي من هذا القبيل إن لم يكن من قبيل اختلاف التنوع، ولا سيما مع كثير من الشعارات المرفوعة؛ فالهدف الأسمى واحد، ومجالات العمل متنوعة، والساحة تَسَعُ الجميع، بل تحتاجهم. ولكن الواقع من الناحية العملية وجود التناحر والتحزبات والعصبيات التي تشبه عصبيات عصور التعصب المذهبي، ولئن سأل بعض المقلدة المتعصبة قديماً عن حكم صلاة الحنفي خلف المالكي أو العكس، فإن بعض جهلة الحزبيين اليوم يسألون عن حكم الصلاة خلف بعض إخوتهم المسلمين. وكما أن أهل العلم ذموا التعصب للمذهب وأنكروه؛ فإن علينا أن نذم التعصب للجماعات أو الأفراد وننكره، وكما أن الذم لا يتوجه للمذاهب المعتبرة وأئمتها عند أهل التحقيق؛ فإن الذم قد لا يتوجه إلى الجماعات ورؤوسها طالما كانت ملتزمة بالسنة في الجملة وإن خرج بعض رجالاتها عن ركب السنة باجتهادات شخصية لم تؤثر على دعوة الجماعة كحال بعض رجالات المذاهب الفقهية المتبوعة. وقد يتوجه الذم إلى الجماعة جملة وتفصيلاً إن كان التحزب والتقوقع أساساً من أسسها، أو كان من أسسها القول بمذاهب شاذة أواجتهادات غير سائغة عند أهل العلم. ` ثانياً: أسباب الافتراق: الأسباب كثيرة ويمكن أن نقسمها إلى خمسة عوامل رئيسية تندرج تحتها أنواع عدة، وبعض هذه الخمسة يتعلق ببعض، ولكن أفردته لأهميته، وهذه العوامل هي: أولاً: تفاوت الناس في الطبائع والميول وتفاضلهم في العقول. قال ابن القيم ﵀: «ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم..» (٢) . ولعل أثر تباين الطبائع والمدارك جلي في كثير من أشكال الاختلاف الواقع؛ فانظر إلى اختلاف أبي بكر وعمر ﵄ في شأن أسرى بدر، تجد كل واحد منهما نزع إلى ما يقارب طبعه؛ فأبو بكر الرقيق الشفيق مال إلى المن أو الفداء، وعمر القوي الشديد جنح إلى الإثخان، وهو الذي جاء به القرآن. فالطبيعة الخَلْقية والظروف الاجتماعية والبيئية الخاصة بالشخص أو العامة في المجتمع كلها تؤثر على نمط التفكير، فيجنح كل طرف إلى ما لا يجنح إليه الآخر. وفي بعض الأحيان يتطلب الحكم موازنة بين أمور تحتاج إلى قوة العقل وحضوره؛ والناس متفاوتون في ذلك، ولا يعني هذا أن الأكمل عقلاً هوالأرجح اختياراً، أو هو الذي ينحو نحو الصواب دائماً؛ وذلك لما يرد على الأفراد من أحوال وأوقات يتعكر فيها المزاج مع ازدحام الأشغال، أو يذهل فيها المرء لمؤثرات أثرت عليه دون الآخر سواء كانت هذه المؤثرات منبعثة من البيئة الخارجية أو عوامل نفسية خاصة بالشخص، فيؤدي ذلك لأن يخطئ الصواب وإن كان هو الأرجح عقلاً والأحضر ذهناً من حيث الجملة. ولعل من ذلك قصة عمر ـ على أن في ثبوتها مقالاً (٣) ـ مع المرأة في الميراث يوم قال: «أصابت امرأة، وأخطأ عمر» . وربما تفاضل الناس في إدراك الصواب، واختلفوا لتبيان عقولهم ونفوسهم ضعفاً وقوة في جوانب مختلفة؛ فبعض الناس قد يحسن النظر في مسائل لاتساع معارفهم وتمرين عقولهم عليها، ولا يحسنون الخوض في مسائل أخرى، وكم من إنسان تكلم في غير ما يحسن فأضحك الناس، وشواهد هذا كثيرة. ولهذا ذكر الأستاذ محمود الزحيلي أن أسباب الخلاف تنحصر في سبعة وذكر أولها: الاختلاف في الأمور الجِبِلّية: إذ إن الأئمة والعلماء يتفاوتون في ملكاتهم وطبائعم وعقولهم، وهذا أمر طبعي ينتج عنه في بعض الأحايين اختلاف الأحكام المستنبطة من الأدلة الشرعية. ولعله قدم هذا لما له من أثر على البقية. ومن هذا القبيل الاختلاف في الحكم بسبب النسيان: ومن قبيله ما يروى من أن علياً ذكَّر الزبير ﵄ يوم الجمل شيئاً عهده إليهما رسول الله ﷺ فذكره، فانصرف عن القتال. قلت: فيكون الناسي معذوراً بفتواه. ومنه كذلك عندما همَّ عمر ﵁ أن يأخذ عيينة بن حصن، فذكّره الحُر بن قيس بقول الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، فأمسك. ثانياً: من أسباب الاختلاف تفاوت الناس في العلم والمعرفة. فأصل حدوث الاختلاف المذموم والتفرق في الأمة هو الجهل بالدين، ولهذا قال الشاطبي ﵀: «الاختلاف في القواعد الكلية لا يقع بين المتبحرين في علم الشريعة، الخائضين في لجتها العظمى، العالمين بمواردها ومصادرها؛ والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثاني» (١) . ولهذا «روي أن عمر بن الخطاب ﵁ خلا يوماً، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة وكتابها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس ﵄ وسأله، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إنما نزل القرآن علينا، فقرأناه وعلمنا فيما نزل، وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي؛ فإذا كان ذلك اختلفوا (٢) . قال الإمام الشاطبي معلقاً: وما قاله ابن عباس ﵄ هو الحق، فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت الآية أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قُصد بها، فلم يتعدَّ ذلك فيها، وإذا جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أوجهاً، فذهب كل إنسان مذهباً لا يذهب إليه الآخر. فإذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله، وتصدَّر للتدريس والفتيا كل من وجد من نفسه زيادة فهم وفضل ذكاء وذهن مع أنه لم يأخذ العلم عن أهل التخصص والصناعة إذا كان ذلك كذلك وقع الافتراق والاختلاف. وقد عد أهل العلم أن من البلايا «أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يُعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين ولم يبلغ تلك الدرجة فيعمل على ذلك، ويعد رأيه رأياً وخلافه خلافاً.. فتراه آخذاً ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها، وعليه نبه الحديث الصحيح: (لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) (٣) . وأمثال هؤلاء أبكوا قديماً ربيعة الرأي. قال الإمام مالك ﵀: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: أمصيبةٌ دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفْتِيَ من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. وقال ربيعة: ولَبَعْضُ مَنْ يفتي ههنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق (٤) . وإذا كان هذا في عصور التابعين والأئمة المرضيين؛ فماذا نقول في زمن الغربة بعد أن أصبح مجاهيل الإنترنت مشايخ يؤخذ عنهم العلم في كثير من الساحات، ويفتون في المدلهمَّات، والله المستعان. ثم من أهم أسباب الاختلاف بسبب تباين العلوم والمعارف الاختلاف في العلم بنصوص الوحيين أو دلالتهما وهو ثلاثة أنواع (٥) : أحدها: عدم اعتقاده أن النبي قاله، أو لم يثبت عنده أن النبي ﷺ قاله. الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول. الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. وهذه الثلاثة تتفرع عنها أسباب عدة، ولعل في النماذج السابقة شيء من البيان، ويمكن أن نجملها فيما يلي: ١ - قد يكون النص لم يبلغ بعض المخالفين فعمل بظاهر آية أو حديث آخر، فمن لم يبلغه النص لم يكلف أن يكون عالماً به، بل يكتفي المخالف أحياناً بظاهر آية، أو بحديث، أو بموجب قياس، أو بموجب استصحاب (٦) . قال شيخ الإسلام: «وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفاً لبعض الأحاديث؛ فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة» (٧) ، ومن أمثلة ذلك: أولاً: حكم أبي بكر الصديق ﵁ في الجدة بأنها لا ترث مطلقاً؛ فعن قبيصة بن ذؤيب قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، قال: فقال لها: ما لك في كتاب الله شيء، وما لك في سنة رسول الله ﷺ شيء، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ فأعطاها السدس فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر» (٨) . ثانياً: خفاء سنة الاستئذان على عمر بن الخطاب ﵁؛ فعن أبي سعيد الخدري قال: «كنت في مجلس من مجالس الأنصار؛ إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) ، فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أُبَيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم؛ فكنت أصغر القوم؛ فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك» (٩) ؛ فهذه سُنَّة قد خفيت على عمر بن الخطاب ﵁ مع سعة علمه وفقهه في دين الله تعالى، وليس في هذا مذمة لعمر ﵁؛ فإن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ؛ فمهما بلغ الإنسان من العلم فلا شك أنه لن ينتهي، ولهذا قالوا: «العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وإن أعطيته بعضك فاتك كله» . والأمثلة كثيرة، منها خفاء الحكم على كثير من الصحابة في نزول الطاعون ببلد (١) ، ومنها حكم عمر بمنع الحائض من النفرة قبل أن تطوف طواف الإفاضة ثم رجوعه لَمَّا بلغه الخبر (٢) ؛ فهذه أمثلة على خفاء بعض نصوص الشريعة على من شهدوا الوحي وعاينوا التنزيل؛ فخفاء بعض الأصول على من بعدهم أوْلى وأحرى، ولا يجوز لمن أتى بعدهم «أن يدعي انحصار حديث رسول الله ﷺ في دواوين معينة، ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله ﷺ ؛ فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها» (٣) . ومن هذا القبيل أيضاً: أن يكون النص قد بلغ المخالف، لكنه منسوخ، بنص آخر ولم يعلم المخالف بالناسخ (٤) . ومن أمثلة ذلك اللَّبْس الذي حصل أول الأمر في رِبا النسا، ونكاح المتعة وغيرهما مما استقر الإجماع عليه بعد. ٢ - أن يكون النص قد بلغه ولكنه لم يثبت عنده؛ إما لأن محدثه مجهول أو سيئ الحفظ أو متهم، ولا يعلم أن له طرقاً أخرى، ولهذا علق كثير من الأئمة العمل بموجب الحديث على صحته؛ فكثيراً ما يقول الإمام: قولي فيه كيت وكيت، وقد روي فيه حديث بخلافه فإن صح فهو قولي. ٣ - اعتقاد ضعف النص باجتهاد خالفه فيه غيره، كتضعيفه لراو وثقه غيره، ومن ذلك أن بعض الأئمة كان لا يرى قبول حديث أصله غير حجازي (شامي أو بصري..) وبعضهم رأى هذا الرأي ثم رجع. ومما أثر في ذلك كلمة الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله! إذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شامياً كان أو عراقياً. ولعل من ذلك مخالفة الأحناف لغيرهم في القهقهة؛ فالإمام أبو حنيفة أخذ بحديث القهقهة في الصلاة، وجعل القهقهة من نواقض الوضوء، ومن مبطلات الصلاة (٥) ، مع أن الحديث الذي استدل به ضعيف عند الأئمة.. لكنَّ عُذرَه في ذلك ظنُّه أن الحديث صالح للاحتجاج به، وهذا ليس فيه مذمة له ﵀ بل هو في العلم والفضل من هو، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن، وإما بهوى؛ فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضي بالنبيذ في السفر (٦) مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس (٧) ، لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما» (٨) . ٤ - اشتراط بعضهم في قبول النص شروطاً يخالفه فيها غيره؛ كاشتراط بعضهم كون الراوي فقيهاً إذا روى ما يخالف القياس، واشتراط بعضهم ظهور الحديث وانتشاره إذا كان فيما تعم به البلوى، وربما وقع الاختلاف في بعض قواعد علوم الآلة ومنها المصطلح، ومن ذلك توثيق ابن حبان لمن لم يعرف بجرح، في مقابل طريقة ابن حزم في الرمي بالجهالة، وكتشدد أبي حاتم في نقد الرجال، وتساهل الحاكم في توثيقهم، واشتراط بعضهم للصحة اللقيا، واكتفاء آخرين بالمعاصرة، وغير ذلك. ٥ - أن ينسى بعضهم حديثاً أو آية؛ كما ذهل عمر ﵁ عن قول الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] لمّا مات نبينا محمد ﷺ . ٦ - عدم معرفة دلالة لفظ النص: ومن الركائز الأساسية في هذا العلمُ باللغة العربية. قال الشاطبي ﵀: «الله أنزل القرآن عربياً لا عجمة فيه؛ بمعنى أنه جارٍ في ألفاظه وأساليبه على لغة لسان العرب، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] .. وكان المنزل عليه القرآن عربياً أفصح من نطق بالضاد، وهو محمد بن عبد الله ﷺ ، وكان الذين بُعِثَ فيهم عرباً أيضاً، فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم ... وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله ـ تعالى ـ إلاّ من الطريق الذي نزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها» (٩) ، ولهذا قال الشافعي ﵀: «ما جهل الناس ولا اختلفوا إلاّ لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس» (١٠) ، وقال السيوطي معلقاً بعد أن ذكره: «أشار الشافعي بذلك إلى ما حدث في زمن المأمون من القول بخلق القرآن ونفي الرؤية، وغير ذلك من البدع وأن سببها الجهل بالعربية والبلاغة الموضوعة فيها من المعاني والبيان والبديع» ، ومما يؤكد هذا أن عمرو بن عبيد (١) جاء إلى أبي عمرو بن العلاء التميمي (٢) يناظره في وجوب عذاب الفاسق، فقال: يا أبا عمرو! هل يخلف الله وعده؟ فقال: لن يخلف الله وعده، فقال عمرو: فقد قال، وذكر آية وعيد، فقال أبو عمر: من العجمة أتيت، الوعد غير الإيعاد ثم أنشد: وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي منجز له وعدي (٣) ولهذا قال الحسن البصري ﵀: «إنما أهلكتهم العجمة يتأولونه على غير تأويله» (٤) ، ولو نظرت في كثير من أهل البدع التي فرقت المسلمين لوجدت أصولاً لا تنم عن أصالة في اللسان العربي؛ فغيلان الدمشقي أول من تكلم في القدر وقال بخلق القرآن كان مولى لآل عثمان بن عفان، والجعد بن درهم كان مولى لبني الحكم، وجهم بن صفوان كان مولى لبني راسب، وعمرو بن عبيد مولى لبني تميم، وواصل بن عطاء مولى لبني مخزوم أو لبني ضبة على خلاف في النسبة. ولعل من أظهر عوامل الاختلاف بسبب عدم فهم دلالة النصوص عاملان: - الأول إما لكون اللفظ غريباً، نحو لفظ المزابنة والمحاقلة والمنابذ، ومن هذا القبيل اختلافهم في تفسير: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» ففسره كثير من الحجازيين بالإكراه، وفسره كثير من العراقيين بالغضب، ومنهم من فسره بجمع الطلاق في كلمة واحدة؛ باعتبار أنه مأخوذ من غلق باب الطلاق جملة. - أو لكون اللفظ مشتركاً أو مجملاً أو متردداً بين حمله على معناه عند الإطلاق (الحقيقة) أو حمله على معناه عند التقييد (مجاز) كاختلافهم في القرء ومعناه. ٧ - معرفة دلالة اللفظ وموضوعه، ولكن لا يتفطن لدخول هذا الفرد المعين تحت اللفظ: إما لعدم تصوره لذلك الفرد، أو لعدم حضوره بباله، أو لاعتقاده أنه مختص بما يخرجه عن اللفظ العام. ٨ - عدم اعتقاد وجود دلالة في لفظ النص على الحكم المتنازع عليه، وهذا له أربع حالات: - أن لا يعرف مدلول اللفظ في عرف الشارع، فيحمله على خلاف مدلوله في العرف الشرعي. - أن يكون له في عرف الشارع معنيان فيحمله على أحدهما، ويحمله المخالف على الآخر. - أن يفهم من العام خاصاً أو من الخاص عاماً، أو من المطلق مقيداً، أو من المقيد مطلقاً. - أن ينفي دلالة اللفظ؛ مع أن اللفظ تارة يكون مصيباً في الدلالة وتارة يكون مخطئاً؛ فمن نفى دلالة قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] على حِل أكل ذي المخلب والناب أصاب، ومن نفى دلالة العام على ما عدا محل التخصيص غلط، ومن نفى دلالته على ما عدا محل السبب غلط. ٩ - اعتقاد أن دلالة النص عارضها ما هو مساو لها فيجب التوقف، أو عارضها ما هو أقوى فيجب تقديمه، ولهذا أقسام متعددة (٥) ، ومن أمثلة ذلك: أولاً: لما حدَّث ابن عباس عائشةَ بحديث عمر بن الخطاب ﵃ أن النبي ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» (٦) ، أنكرت ذلك وقالت:"إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ، يرحم الله عمر، لا والله ما قاله رسول الله ﷺ قط: إن الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنه قال: «إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذاباً، وإن الله لهو ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] ، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] » (٧) ، فظنت عائشة ﵂ أن هذا النص يخالف ما ثبت عندها من كلامه ﷺ ، بل يخالف مقتضى القرآن الكريم (٨) . ثانياً: اختلاف العلماء في الجمع بين قوله - تعالى -: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، وبين قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] ؛ فالآية الأولى تحرم على المسلمين نكاح المشركات، والآية الثانية تحلل نكاح الكتابيات، وقد اختلف العلماء في نكاح الكتابيات؛ فالجمهور على جوازه، استناداً لآية المائدة، وقال بعض العلماء: لا يجوز نكاح الكتابيات استناداً لآية البقرة، وظناً منهم أن آية المائدة معارضة بآية أصرح منها وهي آية البقرة (٩) .

стр. 5077

الخطاب الوعظي لخطبة الجمعة خصائص وتنبيهات د. أحمد العمراني تعيش الأمة الاسلامية اليوم زمناً اختلطت فيه المفاهيم والتبست، وكثرت فيه التوجيهات عبر وسائل الإعلام المختلفة سواء منها المكتوبة أم المرئية أم المسموعة. ومما وقع فيه الخلط الشديد، وأصبح محط جدال ونقاش خطاب خطيب الجمعة: كيف يجب أن يكون؟ وما هي خصائصه؟ ` أولاً: مكانة خطيب الجمعة في الأمة: إن أول ما يجب أن يوضح في هذا الأمر بإيجاز شديد: موقع خطبة الجمعة، ومكانة الخطيب في الأمة. فالخطبة ـ وهي واحدة من وسائل الدعوة إلى الله التي وضع أسسها رسول الله ﷺ ـ شرعت مرة كل أسبوع لتذكير الناس بأمور دينهم وحسن توجيههم وتوعيتهم وتثقيفهم. وعلى هذا؛ فالخطيب داعية إلى الله، ومهمة كل داع إلى الله النيابة عمن بعثهم الله لعباده؛ إذ الدعوة في أصلها رسالة الرسل والأنبياء، وبعد غيابهم ورثها عنهم العلماء لقول رسول الله ﷺ : «الْعُلَمَاءُ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ـ وَرَّثُوا الْعِلْمَ ـ مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١) . والعالم هو وارث علم رسول الله ﷺ في أمته، يبين الحلال والحرام، ويميز الفاسد من الصحيح، وهو قائم في الأمة مقام الأنبياء، وسراج الأمة وضياؤها بلا مراء، يبين لهم الأحكام، ويخرجهم من الآثام بإذن ربهم، ويوضح لهم شرائع الإسلام. وهو كالعين العذبة نفعها دائم، وكالغيث؛ حيث وقع نفع، وكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل زمانه وعصره، وكالسراج من مر به اقتبس. وكل من يعتلي منبر الخطابة فهو يعتلي منبر رسول الله ﷺ ، وخصوصاً في جانبه الدعوي التوجيهي، لهذا وجب على الخطيب أن يسد ثغرة خطيرة، ويتخصص في جانب مهم من أمور الدين يمنع به ما قد يؤذي المسلمين. وربنا يقول: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . ويقول ﷺ : «يحملُ هذا العِلْمَ من كل خَلَفٍ عدولُه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (٢) . إضافة إلى كل ما ذكر؛ فمخاطبة الناس ـ زيادة على ما تستلزمه من شروط ينبغي توفرها في الخطيب ـ تتطلب موهبة خاصة يهبها الله ـ سبحانه ـ لمن اعتلى منبر رسول الله ﷺ ، فهناك من يُفتح له في هذا المنبر وهو بذلك يستحق اعتلاءه، وهناك من لا يُفتح له فيه فيجب بالضرورة أن لا يعتليه. فقد روي عن إمامنا مالك ﵁ أنه قال مجيباً العمري العابد لما كتب له يحضه على الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم؛ حيث قال له: «إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق: فرُبَّ رجل فُتح له في الصلاة ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام، وآخَر فُتح له في الجهاد ولم يُفتح له في الصيام؛ ونشرُ العلم وتعليمه من أفضل البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه دون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قُسِمَ له. والسلام» (١) . فأمور الدين أخطر مما يمكن تصورها؛ لهذا يجب أن يتولاها أهلها المستحقون لها، وقد حذر النبي الكريم من عكس هذا فقال: «لا تبكوا على الدين إذا وَلِيَهُ أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وَلِيَهُ غير أهله» (٢) . كما يجب أن يكون خطاب الخطيب للناس خطاباً يسير وفق الأصل النبوي في خطابه، خطاباً مبنياً على حُسن البيان، والاختصار والإفهام، وهادياً ومحبباً الإسلام إلى الناس. وهو ما أشار إليه الإمام علي ﵁ في قوله: «إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يرخِّص لهم في معاصي الله، ولم يؤمِّنهم من عذاب الله، ولم يَدَعِ القرآنَ رغبةً إلى غيره» (٣) . فرواد الجمعة هم كل المجتمع: فيهم الأمي والمثقف، والجاهل والعالم، والصغير والكبير، والرجل والمرأة، والمتحزب وغيره. وكلهم مندرجون في أقسام أربعة وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي ﵀ حيث قال: «الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فارشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه» (٤) . وكلهم يحضرون بقصد الاستفادة من توجيه الخطيب، والتعلم من العلم النافع الذي يخدم مسيرة كل واحد منهم في حياته؛ فمنهم من يأتي للاستفادة، ومنهم من يجب إيقاظه من غفلاته وسهواته، ومنهم من يرغب في الإرشاد، ومنهم من يستحق التنبيه والتحذير. والمتفحص في نصوص شريعتنا يستخلص خصائص مهمة للخطاب الديني الذي يجب على خطيب الجمعة الالتزام بها، والحرص على تنفيدها للإسهام في توجيه مسار الأمة نحو الخير والوسطية التي جاء بها ديننا الحنيف، باعتبار أن الخطيب هو واحد من علماء الأمة الذين يوجهون للناس خطابهم الأسبوعي دون مناقشة أو استفسار، وينصتون إليه بكل شغف وشوق ويعطونه آذانهم دون كلل أو لغو، ويحرصون على الاستفادة من خطابه لحسن معاشهم ومعادهم؛ وخصوصاً أن نص الحديث يحيط بهم بقوله ﷺ : «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ؛ فَقَدْ لَغَوْتَ» (٥) . ` ثانياً: خصائص الخطاب الجمعي: على خطيب الجمعة أن يراعي في خطابه جملة من الخصائص تتمثل في: ١ - أن يكون خطابه عقائدياً: فعليه أن يحرص في خطابه على دعوة الناس إلى توحيد الله وعبادته وحده وعدم الإشراك به؛ فالأصل في بعثة الأنبياء والرسل الدعوة الى عبادة الله وحده، وتصحيح عقيدة الناس التي انحرفت؛ وخير مثال لذلك قول النبي ﷺ لما بعث مُعَاذاً ﵁ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ ...» (٦) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْماً لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ. قَالَ: مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شيئاً..» (٧) . فالله ـ سبحانه ـ أخبر بأن المغفرة تشمل كل الخطايا والذنوب بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . كما حذر النبي ﷺ منه بقوله فيما رواه عن ربه: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٨) . لهذا يبقى خطاب الدعوة العقدي أصل الخطاب الذي لا ينبغي أن يغيب، ولا بأس بتكراره، وبطرق ووسائل تبليغية تواكب مستجدات الشرك ومستحدثاته، كما تبدع في وسائل الخطاب الذي يحاربه، وبلغة سهلة ميسرة تصل الى القلوب قبل الأسماع. ٢ - أن يكون خطابه هادياً: أي يحرص في خطابه على هدي الناس إلى البر، مع تجنب الجباية أو طلبها بخطابه؛ فالهادي ضد الجابي، والله في عون كل من رغب في هداية الناس إلى الخير ويوفقه ويجازيه خير الجزاء، ويكفي في بيان أجر ذلك حديث النبي ﷺ : «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» (٩) . فأحب العباد إلى الله من يحبب الناس إليه ويقربهم، وهو ما بينه النبي ﷺ في حديثه: «إن أحب عباد الله الى الله الذين يحببون الله إلى الناس» (١٠) . والخطيب إن تمثل الحكمة في خطابه كان من أفضل المحببين الناس لربهم، وهذا بالتركيز على أن الهداية بيد الله، وأن مهمة الخطيب لا تتجاوز التذكير؛ لأن من هو أسمى من كل خطيب قد وُجِّه إليه هذا الخطاب؛ حيث قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . ٣ - أن يكون خطابه اجتهادياً: أي ليس توقيفياً؛ فالمطلوب من الخطيب الاجتهاد في خطابه، والإعداد الجيد لمواضيعه، والإبداع المستمر لما يقدمه للناس، مع تجاوز المكرور من الخطاب حتى لا يمل الناس فيملوه. فالخطبة موعظة، والموعظة كلها توفيقية؛ فليس هناك نمط واحد لا يتغير في الأسلوب الذي يمكن مخاطبة الناس به، بل لا بد من التجديد والابتكار دون الخروج عن الأصول والثوابت؛ فألوان الخطاب كلها وسائل يستعان بها لحسن التبليغ، لكن الوسيلة في شرعنا غير مسوَّغة بالغاية، بل لا بد من إخضاعهما معاً لشرع الله. ٤ - أن يكون خطابه متدرجاً: وهذا أمر بدأ به أمر الدين وخُتم؛ فكل ما حُرِّم على الأمة حُرِّم تدريجياً وعلى مراحل، وما أمر الخمر والربا في تنزيلات القرآن بخاف على المسلم. فعلى الخطيب إن قصد بخطابه توجيه النصح أو الرغبة في تغيير ما يستحق التغيير أن يعرف كيف يعالج الأمر، وأن يستلهم منهجه ذلك من منهج رسول الإنسانية والرحمة المهداة للعالمين، ويكفي لبيان ذلك حديث المصطفى ﷺ لعائشة ﵂: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية (أو قال بكفر) لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحِجْر» . وفي رواية: «لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً، وزدت فيها ستة أذرع من الحِجْر؛ فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة» (١) . ٥ - أن يكون خطابه متفاعلاً مع الواقع: أي أن يكون خطاباً يعترف بالواقع ومشاكله، ويعرف كيف يُخرِج الناس من مشاكل الحياة وصعوباتها، ويقدم لهم الحلول المناسبة التي تهدئ النفوس وتطمئن القلوب، وهذا يقتضي من الخطيب حسن التفقه في الدين وحسن التعرف على الواقع، والأخطر من ذلك حسن التفقه في كيفية تنزيل النص الشرعي على الواقع. كما يقتضي من الخطيب أن لا يتقوقع أو يدعو إلى القوقعة في مواضيعه التوجيهية فيما لا يعود بالنفع على المسلمين، بل لا بد أن يعيش واقع الناس ويوجههم للمشاركة الإيجابية في المجتمع، وعلى مخالطة الناس بالتي هي أحسن، ويعلمهم أن الأصل والأفضل هو المخالطة وليس الانعزال؛ لقول الرسول ﷺ : «الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٢) . ٦ - أن يكون خطابه جامعاً لا مفرقاً: فالخطيب لا لون له ولا توجُّه له؛ فهو أب للجميع ومعلم الجميع، مثل شجرة الزيتون «لا شرقية ولا غربية» ينير ضوؤه طريق كل الناس، بمختلف ألوانهم وأشكالهم، يحترم الجميع ويسعى لهدايتهم وتعليمهم دون تحيز أو ميل، يجمع ويوحد، يصلح ولا يفسد، مفتاح للخير مغلاق للشر كما قال النبي ﷺ : «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير؛ فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه» (٣) . ويبني عمله وخطابه هذا على قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥] . وهذا يقتضي استخدام الكلمة المسؤولة استخداماً أميناً، مع جمال التعبير والعرض، والتذرع بأخلاق أهل الإيمان التي تنفر من الحقد والوقيعة وسوء الظن، كما تنفر من الجهر بالسوء، لتصل إلى الحوار المنصف، والخطاب الصحيح السليم، مع تجنب التعيين والوصف والتشنيع؛ لأنه لم يثبت عن سيد الخطباء أنه عيَّن يوماً في خطابه أو خطبه أحداً باسمه، بل كان خطابه دائماً عاماً، لا يعدو أن يقول فيه: «ما بال أقوام، أو ما بال أحدكم» . وهلم جرّاً. كما امتاز خطابه بالصدق وقول الحق في كل الأحوال، وعدم تهويل الأمور وإعطائها أكثر من حجمها الذي تستحق. ` ثالثاً: تجنب التعيين أثناء الخطاب: لتغيير المنكر وتصحيح الأخطاء أساليب ووسائل أساسية استعملها القرآن الكريم تعليماً لنا بقوله ـ تعالى ـ: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وأثبتها التعليم النبوي في خطاباته ودروسه ونصائحه، وجعلها لنا منهجاً ونبراساً نقتدي بها في خطابنا ودعوتنا وتعليمنا. فالمتأمل في الحديث النبوي ودعوة رسول الله ﷺ وتغييره للمنكر وتصحيحه للأخطاء التي كان يقع فيها الصحابة في مختلف مسؤولياتهم، تتضح له جملة أمور، من بينها: أن النبي الكريم في كل مواقفه التغييرية لم تنبس شفتاه باسم المخطئ، أو بتعيين المسيء تجنباً لفضحه وستراً له أمام غيره. وليتبين لنا ذلك نورد هذه النصوص التي يتجلى فيها بوضوح هذا الخطاب: ١ - ما بال عامل أبعثه: - عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَسْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ ـ قَالَ عَمْرٌو وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَة ـ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. قَالَ: فَقَام رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المنبر فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَا بَالُ عَامِل أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُم وَهَذَا أُهْدِي لِي؟ أَفَلاَ قَعَدَ فِى بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لاَ؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ لاَ يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئاً إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ: بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَو بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطِيْهِ، ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ هَلْ بلغتُ» (٤) . وقد ورد نحو ذلك عدة أحاديث بألفاظ: «ما بال أقوام» ، «ما بال أحدكم» ، «ما بال رجال» (٥) . وعلى هذا النهج سار سلفنا الصالح؛ حيث تمثلوا خطاب الرسول ﷺ ، واستلهموا من مواعظه وطريقة كلامه ما يوجه خطابهم ومن ذلك: ١ - من كلام عمر بن الخطاب: عن أَبُي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجمعة إذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ؛ فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ، فَقَالَ عُمَر: وَالْوُضُوءَ أَيْضاً؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِل؟» (١) . ٢ - من كلام معاوية بن أبي سفيان: عنْ أَبِى قِلاَبَة قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِى حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، فَجَاءَ أَبُو الأَشْعَثِ قَالَ: قَالُوا: أَبُو الأَشْعَثِ أَبُو الأَشْعَثِ. فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ! قَالَ: نَعَمْ! غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً أَنْ يَبِيعَهَا فِي أُعْطِيَاتِ النَّاسِ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِى ذَلِكَ؛ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ فَقَال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْناً بِعَيْنٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى. فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيباً فَقَالَ: أَلاَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُون عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ ـ أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ ـ مَا أُبَالِي أَنْ لاَ أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ» (٢) . هذه بعض الإشارات والتنبيهات وردت في خطاب نبينا محمد ﷺ وفي خطاب بعض من صحبه واستفاد منه، لعل خطباء الأمة يستفيدون منها، فيتوجهون بخطابهم العام إلى تصحيح السلوكات، والقضاء على الانحرافات بحسن توجيههم ودقة تعبيرهم، مع نبذ التصنيف والتعيين. ` رابعاً: تجنب تلقي الشائعات والترويج لها: يعتبر خطيب الجمعة مرآة تنعكس عليها هموم الأمة ومشاكلها، إليه يلجأ كل المصلين ليسترشدوا ويتعلموا، كل واحد منهم ينتظر جواباً عن سؤال أرَّقه، أو مشكل أهمَّه، أو حادث ملأ سمعه ويريد تبين صدقه أو كذبه. وحيث إن الخطيب واحد من أفراد الأمة الذين حباهم الله سعة صدر بمخالطة الناس والسماع لمشاكلهم، والسعي المتواصل من أجل إيجاد الحلول الملائمة لهم، غالباً ما يكون من أوائل من يصل إلى سمعهم ما يكون في الغالب قد وصل إلى أسماع الناس، سواء تعلق الأمر بظاهرة تحتاج إلى تشريح وعلاج، أم بقضية أثارت زوبعة في الساكنة، أم خبراً صحافياً تم تناوله من زاوية مثيرة. وكثيراً ما يطلق أناس شائعة غالباً ما تضاف إليها إضافات وزيادات، فتصبح كأنها حقيقة لا مراء فيها، لكن عند أول سؤال في محاولة تبين حقيقتها ومصدرها، تجد الكل يتبرأ منها وينسبها إلى غيره أو إلى قائل مجهول. ولمعالجة هذه الظاهرة وجب على الخطيب تمثل ما يلي: ١ - ضرورة التبين: لقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] . فأول ما يجب أن ينتبه إليه الخطيب هو أن يسلم هو أولاً من الوقوع في خطر الشائعة سواء بالتصديق أم بالتكذيب، ولا يقع فيما وقع فيه الناس؛ لأن وقوع الناس في ترويج الشائعة والتحديث بها أمر مقبول مستساغ عند العامة، لكن وقوع الخطيب فيه أمر غير مقبول وغير مشفوع. ٢ - تعليم الناس البعد عن الإمعية: فمن العار على أمة اقرأ أن تبقى رهينة ترويج الشائعات وتناقل الأخبار الكاذبة، وترتع في براثن التخلف وتجر أذيال الشعوذة والخرافات، بل وتقع فيها راتعة، بينما الأمم الأخرى تبني الحضارات. فعلى الخطيب أن يرتقي في خطابه للناس؛ بحيث يوصل إلى أسماعهم وقلوبهم ما يرقى بفكرهم، ويكسبهم قدراً من العلم والفقه يميزون به الصحيح من الكذب والغث من السمين. فالمؤمن ليس إمعة؛ فهو كيِّس فَطِن، وقد نبه الرسول الكريم من الوقوع في التقليد الأعمى، فقال: «لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا؛ ولكن وطِّنوا أنفسكم إن حسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا» (٣) . ٣ - تحذير الناس من خطورة الكلمة: ولعل من أخطر ما ينخر كيان الأمة في عمقها، أصغر جرم فيها، وكيف لا وقد قال فيه ﷺ : «من ضمن لي ما بين لحييه وفخذيه ضمنت له الجنة» (٤) . فخطر اللسان عظيم؛ لأنه أعظم آلة للشيطان في استغواء الإنسان؛ حيث لا تعب في إطلاقه ولا مؤونة في تحريكه، وبألفاظ قليلة منه يستبين الكفر من الإيمان؛ لذا وجب تعليم الناس ضبطه وإمساكه وعدم التلفظ بكل صغيرة وكبيرة إلا بعد تبين حقيقتها ومعرفة حكم الشارع فيها. ومما يعين على ذلك: أ - تعليم الناس عدم التحايل على إخوانهم أثناء التحديث: وقد نهى النبي ﷺ وحذر من الكذب، بل اعتبر من أكبر الخيانة أن تكذب على من يثق بك، ويصغي إليك بقلبه وأذنه وأنت تكذب عليه، فقال: «كَبُرَتْ خيانةً أن تحدث أخاك حديثاً هو به مصدق وأنت له به كاذب» (٥) . ب - توجيههم لعدم التحديث بكل المسموع: وما أكثرها، ومنها الحديث بكل ما يسمع، والرسول ﷺ قد حذر من هذا، فقال: «كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع» (٦) . نسأل الله لنا ولخطبائنا التوفيق لحسن الاستماع، وحسن القراءة، وحسن القول والفعل. آمين.

стр. 5078

التناقض بين العبادة والسلوك د. أسامة مشعل من نظر في حياة المسلمين في جانبيها العبادي والسلوكي وجد تناقضاً واختلالاً بين ما يجب أن يكون متلازماً ومتناغماً. ففي الجانب العبادي: المساجد تغص بالمصلين، والصائمون في رمضان أكثر من المصلين، ومؤسسات استقبال الزكاة كثيرة ومتنوعة، وعدد الحجاج يزيد عن ثلاثة ملايين كل عام. وفي الجانب السلوكي: انتشر الكذب والغيبة والنميمة والغش وقول الزور، وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين، والتعامل بالربا، وتكشُّف النساء ... إلخ. ونظراً لما للتلازم بين العبادة والسلوك من أثر في إصلاح الفرد الذي هو اللبنة الأولى في إصلاح المجتمع وبنائه؛ ولما لذلك من علاقة في تغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة والمؤسسات قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم﴾ [الرعد: ١١] ؛ ولأن هذا التلازم كذلك يتعلق بجهاد النفس المقدم على جهاد العدو، والمسلم إذا لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أُمِرت به، وتترك ما نُهيت عنه، ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، وبإصلاح الفرد بدأ الأنبياء والمرسلون، وفي مقدمتهم نبينا محمد ﷺ . من أجل ذلك وغيره فإن دراسة ظاهرة التناقض بين العبادة والسلوك في غاية الأهمية. إن التساؤلات حول هذه الظاهرة كثيرة، ومن أبرزها: ما معنى هذا التناقض؟ وما هي أهمية هذا الموضوع؟ وما هي حقيقة العلاقة بين العبادة والسلوك؟ وما أدلتها؟ ما النماذج والصور الواقعية التي توضح هذا التناقض؟ ما الأسباب الرئيسية لهذا التناقض؟ ماالعلاج لهذا التناقض؟ ` أولاً: معنى التناقض بين العبادة والسلوك: التناقض لغة (١) : الإفساد أو الهدم أو الإبطال أو المخالفة والمعارضة. العبادة لغة (٢) : الشعائر التعبدية: كالصلاة والصيام والزكاة والحج. السلوك لغة (٣) : سيرة الإنسان: تصرفات الإنسان القولية والفعلية. وبناء على ذلك يصبح معنى التناقض بين العبادة والسلوك: مخالفة الأصل الذي هو التلازم والانعكاس المتبادل بين العبادة والسلوك سلباً أو إيجاباً، وإبطال السلوك السلبي لأجر أو قبول عند الله. ` ثانياً: أهمية موضوع التناقض بين العبادة والسلوك: تعود أهمية هذا الموضوع إلى أسباب اختياره، ومن أبرزها: ١ ـ انتشار هذا التناقض في حياة كثير من المسلمين. ٢ ـ جهل كثير من المسلمين بأثر هذا التناقض على الشعائر التعبدية. ٣ ـ اقتناع كثير من المسلمين بعدم وجود علاقة بين العبادة والسلوك. ٤ ـ نوضيح أسباب هذا التناقض، وأن الأصل هو التوافق. ٥ ـ تقديم مقترحات لعلاج هذا التناقض. ` ثالثاً: حقيقة العلاقة بين العبادة والسلوك: إن حقيقة العلاقة بين العبادة والسلوك هي علاقة توافق سلباً وإيجاباً، وذلك وفق الآتي: ـ إن العبادة التي تؤدى على الوجه الأكمل تنتج سلوكاً إيجابياً في الغالب. ـ وإن العبادة التي لا تؤدى على الوجه الأكمل تنتج سلوكاً سلبياً في الغالب، أو على الأقل تنتج سلوكاً فيه نقص أو خلل. ـ وإن السلوك الإيجابي يدل على أن العبادة تؤدى على الوجه الأكمل. وإن السلوك السلبي يدل على أن العبادة لا تؤدى على الوجه الأكمل. ولعل من المفيد الإشارة إلى أن البحوث الإعلامية تعبر عنها بالعلاقة بين متغيرين (متغير العبادة ومتغير السلوك) أي زيادة الانضباط في العبادة يؤدي إلى زيادة الانضباط في السلوك، وأن الخلل أو النقصان في العبادة يؤدي إلى خلل أو نقصان في السلوك الإيجابي، كما أن الانضباط في السلوك يشير إلى الانضباط في العبادة، والخلل في السلوك يشير إلى الخلل أو النقصان في العبادة. وتظهر هذه الموازنات والمتغيرات كثيراً في علاقة عبادة الصلاة بالسلوك لتكررها اليومي، ثم الصيام؛ لأنه شهر مفروض في كل عام، وتكون أقل في الظهور في الزكاة لارتباطها بتوفر نصاب من المال، وتقل هذه الموازنات أكثر في الحج لكونه مرة في العمر على القادر والمستطيع. والوجه الأكمل للعبادة هو: أن تكون خالصة لله ، وأن تؤدى وفق ما نقل عن رسول الله ﷺ شكلاً ومضموناً، وأن يخلو المؤدي لأي شعيرة من الشعائر التعبدية من موانع القبول وفي مقدمتها البعد عن المنهيات والمحرمات، وعن أمراض القلوب. وإن السلوك الإيجابي هو: التخلق بأخلاق الإسلام المتعلقة بالقلب واللسان والجوارح. وإن الأخلاق المتعلقة بالقلب هي ملء القلب بالإيمان وبذكر الله، وسلامته من أمراض القلوب المعنوية مثل: الحقد، والحسد، والعجب، والكبر، والغرور ... ، ومن العقائد والأفكار المخالفة للدين. وإن الأخلاق المتعلقة باللسان هي: قراءة القرآن، والذكر، والصدق، وقول الحق، والدعوة إلى الله والنصح للمسلمين، والبعد عن آفاق اللسان، مثل الكذب، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، والدعاية للأفكار والمبادئ الهدامة، والترويج للبضائع المحرمة، والإخلال بالمقصود والعهود والمواثيق، واستخدامه في الضروريات والحاجيات والمباحث. وإن الأخلاق المتعلقة بالجوارح (اليد والرجل والفم والسمع والبصر والبطن والفرج ... ) هي: استعمال الجوارح فيما أمر الله به أو أباحه، وتجنيبها ما نهى الله عنه أو حرمه. ` أدلة العلاقة الترابطية بين العبادة والسلوك: تشير كثير من النصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية إلى العلاقة الترابطية بين الشعائر التعبدية والسلوك القولي والفعلي، وسأكتفي بذكر بعضها وفق الآتي: ١ ـ أدلة الترابط بين الصلاة والزكاة والسلوك من الكتاب والسنة: ـ الترابط بين الصلاة والزكاة وسلوك الوفاء بالعهد والصبر: قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾ [البقرة: ١٧٧] . ـ الترابط بين الصلاة والزكاة وسلوك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] . ـ الترابط بين الصلاة وسلوك الانتهاء عن الفحشاء والمنكر: قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون﴾ [العنكبوت: ٤٥] . ـ الترابط بين الصلاة والزكاة وسلوك النصح: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة والزكاة والنصح لكل مسلم» (١) حديث صحيح حسن. ـ الترابط بين الصلاة والزكاة وسلوك صلة الرحم: عن أبي أيوب الأنصاري أن رجلاً قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال النبي ﷺ : «تعبدُ الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (٢) . ـ الترابط بين الصلاة والصيام وسلوك تحريم الحرام وإحلال الحلال: عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النعمان بن نوفل ﵁ جاء رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وحرمت الحرام، وأحللت الحلال ولم أزد على ذلك شيئاً أفأدخل الجنة؟ قال: نعم! فقال: والله لا أزيد على ذلك شيئاً» (٣) . ـ الترابط بين الصيام والبعد عن سلوك قول الزور: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه» (٤) حديث حسن صحيح. ـ الترابط بين الحج والبعد عن سلوك الرفث والفسوق والجدال: قال الله ـ تعالى ـ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حج ولم يرفث ولم يفسق غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» (٥) حديث حسن صحيح. ـ وإن من أبلغ الأدلة على هذا الترابط أن السلوك السلبي لا يشير إلى أن العبادة لا تؤدى على الوجه الأكمل فقط، بل ينقل ثواب العبادة إلى المتضرر من السلوك السلبي، ويُدخل صاحبه النار، أو يبعده عن الله. قال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي: من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار» (١) . وعن أبي هريره ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : يا رسول الله! إن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل، وتتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها؟ قال رسول الله ﷺ : «لا خير فيها هي من أهل النار» (٢) . ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً» (٣) . ` رابعاً: نماذج وصور واقعية توضح التناقض بين العبادة والسلوك: إن واقع المجتمعات المسلمة الظاهر، والممارسات الاجتماعية والاقتصادية في الغالب تدل على هذا التناقض، ويجد المتأمل أمثلة واقعية كثيرة قولية وفعلية، ومن ذلك انتشار التعامل بالربا، وكثرة الكذب والغيبة والنميمة والغش والخداع والظلم، وعقوق الوالدين، وعدم الوفاء بالعقود والعهود ... ، وتقليد غير المسلمين والتشبه بهم دون أي تمييز بين الحسن والقبيح، وعدم التزام الطالب بمدرسته أو جامعته أو المحافظة على أثاثها ومقتنياتها، وكذلك المدرس وأستاذ الجامعة والموظف. وهذه بعض الصور والنماذج الواقعية التي توضح ذلك: ـ امرأة تصف زوجها فتقول: إنه حريص على الصلاة في أوقاتها بالمسجد وعلى الصيام في رمضان وعلى أداء الزكاة وعلى الحج والعمرة، ومعاملته حسنة مع الناس، ولكنه يأكل الربا، ويسافر للخارج للزنا وشرب الخمور وفعل المنكرات، وإذا دخل المنزل يخلع ثلاثة أشياء: حذاءه، وثيابه، وأخلاقه؛ فهو فظ غليظ سبّاب فاحش مع زوجته وأولاده، ولا يجلس معهم، بل يقضي وقته في مشاهدة البرامج والأفلام الخليعة في الفضائيات والإنترنت. ـ جار يصف جاره فيقول: جاري حريص على الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج في كل عام، ويلقي أحياناً دروساً في المسجد، ولكنه لا يتورع عن الكذب والغيبة والنميمة واحتقار بعض أقاربه وجيرانه، وسبَّاب وفاحش ولعَّان لزوجته وبناته وأولاده، ويربيهم على الحقد وعلى حب المال، ويقول: معك ريال فقيمتك ريال. ـ صديق يتحدث عن صديق: صديقي حريص على الصلاة بجماعة في المسجد وعلى أداء السنن الرواتب بدقة وعلى بقية الشعائر التعبدية، ولكن بناته سافرات؛ فواحدة منهن تعمل مديرة لشركة في أوروبا بمفرها ولم تتزوج بعد، وواحدة تدرس دون مرافق محرم في بلد أوروبي، فهذه النماذج يغيب فيها السلوك الحسن والخلق الفاضل عن بعض المتدينين. ـ من أبرز أركان العقود المتفق عليها في الشريعة الإسلامية: الإيجاب والقبول والصيغة؛ فعندما يتقدم الطالب بطلبه للقبول في الجامعة فإن ذلك يعتبر إيجاباً من طرفه وموافقة على نظام الجامعة إن قبلته، وإذا تم القبول فقد اكتملت أركان العقد، ووجب الالتزام به، قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] . ويتألف نظام الجامعة في الغالب من آداب وشروط أو ضوابط، وتشتمل الآداب على علاقة الطالب بأساتذته وبزملائه وبالإداريين، وببناء الجامعة ومرافقها، وبالفصول الدراسية وأثاثها، وأما الشروط والضوابط فتتعلق غالباً بالالتزام في الحضور إلى المحاضرات في أوقاتها المحددة وفي حضور الامتحانات بأنواعها، وفي الحصول على الحد الأدنى من الدرجات التي تسمح للطالب بالاستمرارية إلى نهاية المرحلة التي هو فيها. إن غالب طلاب الجامعات يؤدون الشعائر التعبدية، وإن كثيراً منهم لا يلتزمون بالمطلوب منهم في نظام الجامعة، وهذا تناقض بين العبادة والسلوك. ـ عندما يتقدم الطالب بطلب إلى الجامعة للابتعاث للخارج فإن هذا الطلب هو إيجاب من الطالب أي موافقة من الطالب على أن ترسله الجامعة للحصول على التخصص الذي تحتاجه، ولهذا الابتعاث نظام معروف، وإذا قبلته الجامعة فقد تم العقد وعلى الطالب الوفاء بمضمونه. ونظام الابتعاث يتضمن آداباً وشروطاً وضوابط منها العودة للعمل في الجامعة ضمن نظام يتعلق بأعضاء هيئة التدريس يجب أن يلتزم به العائد من الابتعاث، وفي هذا النظام كذلك شروط وضوابط وآداب، ومنها: تدريس ما يُكلَّف به، والحضور في المواعيد المحددة، والعلاقة بطلابه وزملائه والإداريين، ومباني الجامعة ومرافقها وأثاثها. والمتأمل يرى أن بعض أعضاء هيئة التدريس من المؤدين للشعائر التعبدية لا يلتزمون بالمطلوب منهم في نظام الجامعة، وهذا تناقض بين العبادة والسلوك. إن خلق الشعور بالمسؤولية والوفاء بالالتزامات التي يقطعها الإنسان على نفسه يعتبر من أعظم الأخلاق التي تدل على رقي صاحبها، وعلو مكانته، ومستواه الاجتماعي، ومن أهم العوامل التي تؤدي إلى نجاح الإنسان في مجتمعه. فالوفاء بالعهد مسؤولية سيناقَش عليها الإنسان الحساب. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل: ٩١] ؛ ولذلك يجب الوفاء بالعهد مهما كانت الظروف. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون﴾ [الصف: ٢ - ٣] . فالإخلال بالعقد والعهد من المقت السيئ الكبير الذي يكرهه الله لعباده المؤمنين. إن حسن إسلام المرء تؤكده العبادات فقط، بل لا بد من تأكيد ذلك بالقول والفعل من خلال سلوكه وتصرفاته. ` خامساً: الأسباب الرئيسة للتناقض بين العبادة والسلوك: ويمكن إجمالها في ستة أسباب رئيسة: ١ ـ الفهم غير الصحيح للإسلام: ويعود ذلك بشكل رئىس إلى عدم فهم القرآن الكريم على وجهه الصحيح؛ حيث أصبحت قراءته لدى كثير من الناس دون فهم وتدبر وتطبيق، ويرجع هذا إلى عوامل عديدة من أبرزها: أـ بُعد المسلمين عن العلم الشرعي وعلمائه. ب ـ ضعف المسلمين باللغة العربية الفصحى. ج ـ فشوُّ العامية. لقد كان القرآن الكريم كل شيء في حياة المسلمين بدءاً من رسولهم ﵊ ويبدو ذلك جلياً عندما سألت السيدة عائشة ﵂ عن خُلُقه ﷺ ، فقالت: «كان خلقه القرآن» (١) ، ويظهر ذلك أيضاً في قول سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁: «كنا لا نتجاوز حفظ عشر آيات حتى نعمل بما فيهن» (٢) . ومنذ نزول القرآن الكريم أدرك كفار قريش أن السبيل لمحاربته هو أن يبعدوا تأثيره عن قلوب المسلمين، وأن يصدوا الناس عن سماعه والإقبال عليه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون﴾ [فصلت: ٢٦] ، وما فتئ أعداء الإسلام منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا يبذلون كل طاقاتهم لصد الناس عن القرآن الكريم بمختلف الطرق والأساليب. وعندما لم تستطع أوروبا أن تثبت أقدامها في العالم العربي بعد الحروب الصليبية بقوة السلاح بدأت تبحث عن العوامل التي حالت دون ذلك، وفي الوقت ذاته ظهر الاستشراق الذي كان من أول أهدافه أن يبحث لأوروبا عن سلاح غير أسلحة القتال، وبَعْد الدراسة والبحث تبين للمستشرقين: أن العامل الرئيس في قوة المسلمين هو القرآن الكريم؛ ولذلك فلا بد من العمل على إزالته. وفي العصر الحديث وفي مجلس العموم البريطاني رفع (غلادستون) المصحف قائلاً: «إنكم لن تستطيعوا أن تحكموا المسلمين إلا إذا نزعتم هذا منهم» . ولكنهم بعد استعمارهم لبلاد المسلمين توصلوا إلى أنه لا يمكن نزع القرآن الكريم من حياة المسلمين إطلاقاً، ولكن من الممكن نزع تأثيره؛ ويصبح شكلاً دون مضمون، أو جسداً بلا روح، ولا يمكن نزع تأثيره إلا بإضعاف أدوات فهمه وتدبره، وفي مقدمتها: اللغة العربية الفصحى، والعلم الشرعي وعلمائه. وهنا قرروا العمل بهذا الاتجاه، والذي يؤكد ذلك كثير، ومنه ما ورد في تقرير لجنة العمل المغربي الفرنسي: «وإن أول واجب هذ السبيل ـ مقاومة الإسلام ـ هو التقليل من أهمية اللغة العربية، وصرف الناس عنها؛ بإحياء اللهجات المحلية واللغات العامية في شمالي أفريقية حتى لا يفهم المسلمون قرآنهم، ويمكن التغلب على عواطفهم» (٣) . وقد أدرك هؤلاء أن اللغة العربية تعتبر من أهم عناصر قوة الأمة الإسلامية؛ لأنها لغة القرآن والعنصر الرئيس في توحيد الأمة الذي يرتفع فوق العصبيات والقوميات، ولم يكن هذا الأمر وليد الساعة، بل تنبه إليه الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ وإليه أشار سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: «تعلموا العربية فإنها من دينكم» (٤) . وأشار إليه كذلك الإمام ابن تيمية ﵀ عندما قرر أن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله. وعندما جاء الاستعمار الحديث إلى البلاد العربية، وقامت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة (نابليون بونابرت) ، وقد تم اختيارها ـ مصر ـ؛ لأنها بلد العلم ومصدر إشعاعه في العالم الإسلامي، ورافق المستشرقون الحملة ليضعوا أسس إضعاف تلك الأدوات ـ اللغة العربية، والعلم الشرعي وعلمائه ـ وتهميشهاً؛ ولتحقيق ذلك اصطحبت الحملة معها كتباً كثيرة، وفتحت مراكز للثقافة، وتوجهت إلى الأزهر ورجاله ودور العلم والمكتبات، وعاثت فيها فساداً من كل جوانبها. وبعد أن خرج الفرنسيون صار أمر مصر إلى محمد علي باشا (الألباني) عام ١٨٠٥م، وسيطر قناصل أوروبا على مرافق البلاد، وفي مقدمتها التعليم، وركزوا على عدة أمور من أبرزها: إضعاف مناهج اللغة العربية، وتدعيم نشر العامية، وإبعاد الناس عن العلم الشرعي؛ وذلك برفع مستوى دخل المختص في غير العلوم الشرعية، وتشويه صورة العلماء في نفوس الناس. وانطلاقاً من تلك الأمور وغيرها أرسلت البعثات العلمية إلى فرنسا عام ١٨٢٦م، وكان ممن رافق البعثات الأولى إماماً ومرشداً لها الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي، وبدلاً من أن يكون عامل وقاية للبعثة من التأثر بالأفكار الفرنسية تأثر هو بها، ولما عاد إلى مصر ألَّف عدة كتب، منها: «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني اسماعيل» يدعو فيه إلى العامية، ومما قال فيه: «نعم! إن اللغة المتداولة المسماة باللغة الدارجة التي يقع بها التفاهم في المعاملات السائرة لا مانع أن تكون لها قواعد قريبة المأخذ تضبطها ليعرفها أهل الإقليم حيث نفعها بالنسبة إليهم عميم، وتصنف فيها كتب المنافع العمومية والمصالح البلدية» . وبعد ذلك أُلفت كتب كثيرة في مصر وغيرها تدعو إلى العامية، وتقعّد لها، وتهاجم الفصحى، ومن تلك الكتب: (قواعد اللغة العامية في مصر: ولهلم سبيتا) و (اللهجة العامية في مصر: كارل فورلرس) و (قواعد اللهجة اللبنانية السورية: رافائيل نخلة) و (في متلو هلكتاب: مارون غصن) و (معجم الألفاظ العامية في اللهجة اللبنانية: أنيس فريجة) . وتكاثر دعاة العامية، وأغلبهم من النصارى: عيسى إسكندر المعلوف، ولويس عوض، وسعيد عقل، وسلامة موسى. واللغة العربية من أهم أدوات فهم القرآن، فإذا ما اضعِفت أو هُمِّشت لم يعد يُفهم القرآن على وجهه الصحيح، ونجحوا في ذلك، فلم يعُد المسلم يفهم القرآن، ومن ثم ما عاد يتدبره ويطبقه؛ وبذلك تحقق في المسلمين قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] . ٢ ـ حب الدنيا واتباع الشهوات: أصبح المسلم اليوم حريصاً على دنياه ومتبعاً لشهواته. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] . لقد شُغل قلب المسلم وعقله وفكره بحب الدنيا وكيفية تحصيلها بأشكالها وأنواعها حتى أصبحت أكبر همه، واحتلت الشهوات المكانة الأولى في اهتماماته، ولم يعُد يفكر في الموت وما بعده، بل صار يكره الموت، وهذا ما عبّر عنه النبي ﷺ بقوله: «وليقذفن في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (١) . ٣ ـ خلوُّ الشعائر التعبدية من الخشُوع والخضوع الحقيقي: لقد أصبحت الصلاة ـ مثلاً ـ لدى الكثيرين جسداً (شكلاً) دون روح (مضمون) ، فلم تعد تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولم يعد المصلي يستشعر بين يدي مَنْ يقوم، ومَنْ يواجه. ويصوم المسلم عن الطعام والشراب، ولا تصوم جوارحه؛ فلا يكف لسانه عن الغيبة والنميمة والكذب ... ، ولا عينه عن النظر للعورات، ولا أذنيه عن سماع المحرمات. ويؤدي المسلم الحج، ولكنه لا يتغير فيه شيء لا قَبْل الحج ولا بَعْده. وبذلك تحقق في المسلمين: «يأتي على الناس زمان تصبح فيه الصلاة عادة، والصوم جلادة، يحج أغنياؤهم للنزهة، وفقراؤهم للتكسُّب، وقراؤهم للرياء والسمعة» (٢) . ٤ ـ ضعف الإيمان، وبخاصة في جانب مراقبة الله والموت والرزق: لم يعد المسلم يستشعر أن الله يراه في كل وقت وحين؛ لذلك صار يقع في المخالفات الشرعية، وأيضاً لم يعد عمله يدل على أنه موقن بالموت، فصار لا يتوقف كثيراً للتدقيق في قضايا الحلال والحرام، وتحقق قول عمر بن عبد العزيز ﵁: «ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت، ثم لا يستعدون له يعني كأنهم فيه شاكون» (٣) . ولم يعُد المؤمن يؤمن تمام الإيمان بأن الرزق تكفل به الله في كتابه الكريم: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُون﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣] ؛ ومن هنا وقع المسلم في الكسب الحرام، وسلك مسالكه. ٥ ـ الجهل بخطورة هذا التناقض على العبادة: ويعود ذلك بشكل رئيس إلى بُعْد المسلمين عن العلم الشرعي وعن التلقي عن العلماء الذي تولَّد منه عدم الاكتراث بقبول العبادة أو عدمه. ومن جانب آخر ضعف الشعور بالمؤاخذة على أعمال الجوارح، بل برزت الاستهانة بأفعالها، حتى انطبق عليهم قول الله ـ تعالى ـ: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] . ٦ ـ الأفكار المستوردة: ويعود انتشار الأفكار المستوردة إلى عوامل عديدة، من أبرزها: الاستعمار في الماضي، عودة كثير من المبتعثين الذين يحملون الأفكار التغريبية، البعثات التنصيرية ـ في الماضي ـ إلى بلاد العرب والمسلمين، التدفق المعلوماتي والإعلامي عبر الوسائل الحديثة: الإنترنت والفضائيات ... ، وغيرها. وتأتي فكرة فصل الدين عن الحياة في مقدمة الأفكار المستوردة التي كان لها أثر كبير في حياة المسلمين، وأصبح المسلم كالنصراني في نظرته لعلاقة الدين بالحياة والتي تقوم على: «دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله ... » . ` سادساً: علاج التناقض بين العبادة والسلوك: إذا استطاع الطبيب أن يشخص أسباب المرض بدقة فإنه يتمكن في ـ الغالب ـ من إعطاء العلاج الناجع لهذا المرض، وإذا لم يستطع التشخيص التدقيق فإنه يعطي للمريض مسكنات للألم حتى يقيِّض الله له دواء شافياً. وبعد سبْر حقيقة ظاهرة التناقض بين العبادة والسلوك أمكن حصر غالب أسبابها التي ذكرت آنفاً، وبالدراسة تبين أن العلاج الناجع لهذه الظاهرة يتلخص في النقاط الآتية: ١ ـ العودة إلى دراسة سيرة النبي ﷺ ، وصحابته ﵃ والتعمق في فهم الجوانب المتعلقة بالتلازم بين العبادة والسلوك. ٢ ـ العمل على إيجاد قدوات حقيقية في المجتمع المسلم يتمثلون تعاليم الإسلام بدقة وحذر، ويخشون أن يؤتى الإسلام من قِبَلهم. ٣ ـ إبراز مكانة العلم الشرعي وعلمائه في الأمة. ٤ ـ العودة إلى فهم الإسلام وتعاليمه على يد العلماء العاملين الثقات. ٥ ـ تعليم اللغة الفصحى، وإبراز مكانتها في الدين، وضرورتها في فهم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. في الختام: لا أزعم أن هذه العجالة كاملة مستوعبة إنما هي بداية لدراسة متعمقة إن شاء الله. وأؤكد: أنه لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وخير ختام ما قاله نبي الله شعيب فيما حكاه القرآن الكريم: ﴿إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيب﴾ [هود: ٨٨] .

стр. 5079

حتى لا يتأخر النصر د. عبد الكريم بكار هل طال النفق الذي نسير فيه أكثر مما ينبغي وأكثر مما هو متوقع؟ وهل طال انتظارنا للنصر الكبير والإصلاح الشامل والازدهار العام أكثر مما كنا نظن؟ أعتقد أن ذلك صحيح. ويمكن لكل ذلك أن يستمر عقوداً أو قروناً. وهناك إمكانية للانتكاس والارتداد على الأعقاب؛ فالتدهور لا قعر له، ولا حدود تجعله يتوقف. لماذا لا يقدُم البشير وينبلج الفجر الجديد؟ ربما كان السؤال الأكثر دقة: لماذا يقدُم البشير ويلوح النصر الحاسم؛ ونحن لم نغيِّر في أنفسنا وسلوكاتنا وعلاقاتنا، ولا نشعر أننا نتقدم بخطى ثابتة في الاتجاه الصحيح؟ إن التخلص من وضعية الشَّرْذَمة والانكسار والوهن يحتاج إلى الكثير من العمل والكدح، ويحتاج إلى الكثير من العلم والفهم، كما يحتاج إلى التوقف عن الممارسات السيئة أو بالغة السوء. وأود هنا أن أشير إلى الملمحين الآتيين: ١ - علينا أن نكف عن ممارسة دور الضحية ودور المظلومين الذين اعتُدي عليهم، وسُلبت حقوقهم. الأمة تعزو تخلفها إلى الاستعمار القديم والجديد، والمدارس تعزو إخفاقها في تخريج جيل يعرف ويحب المعرفة إلى تقصير الأسر أو تقصير الجهات العليا في إمدادها بحاجاتها، والموظف المفصول من وظيفته يشكو ظلم رؤسائه ... وهكذا فإنك لا تواجه إلا المظلومين، ولا تواجه ظالمين أو معتدين. كل واحد فينا يذكر محاسن ذاته، ويتحدث عن الأعمال العظيمة التي قام بها ... ومن النادر أن نجد فرداً أو جماعة أو فريقاً يتحدث عن إخفاقاته أو أخطائه، ومن النادر جداً أن تجد كاتباً من كتّابنا يتحدث عن قصور معالجته لمسألة من المسائل أو يقول: إن هذه المسألة لم تتضح في ذهنه على النحو المطلوب. كل شيء على ما يرام. كلنا ضحايا. نحن لم نفعل إلا ما يجب فعله. والآخرون دائماً هم المذنبون وهم المطالبون بالتغيير!! لا شك أن شيئاً مما نقوله صحيح، لكن الأصح منه هو ما لا نقوله. الحقيقة المؤكدة هي أن إساءاتنا لأنفسنا هي أكبر بكثير من إساءات الآخرين لنا، بل لا يستطيع الغرب والشرق وكل الخصوم والمنافسين أن يفعلوا بنا أسوأ مما فعلناه بأنفسنا، والله ـ جل وعلا ـ قال لمن هم أكرم منا وأتقى وأنبل: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] . ٢ - من غير الممكن الحصول على الازدهار الروحي والعمراني من غير ترسيخ فضيلة (الصدق) في حياتنا، ومن أهم مظاهر الصدق ولوازمه تحمل المسؤولية بأريحية عن أعمالنا. ولهذا فنحن في حاجة إلى أن نرسخ في تقاليدنا الثقافية وفي أعرافنا ونظمنا وقوانيننا سهولة الاعتراف بالخطأ، والاستعداد لتحمل النتائج المترتبة عليه عوضاً عما هو سائد اليوم من القول: كلنا مسؤول، وكلنا مقصِّر، وعلى الجميع أن يصلح شؤونه، إن هذا الكلام صحيح في مجمله، ولكن التعميم الزائد عن الحد يُفضي إلى عكس المطلوب؛ حيث تكون المحصلة النهائية عدم وجود مسؤول تمكن محاسبته. عدم تحديد المسؤولية يعني عدم الخوف من وقوع العقوبة، وعدم الخوف من وقوع العقوبة يعني استمرار الأخطاء واستفحالها، وربما كانت حرية التعبير المنضبط بضوابط الشريعة الغراء هي الشرط الأساس لذلك. إن أجواء الكبت والقهر لا تساعد أبداً على تكوين الأشخاص النبلاء ولا تنشئة جيل يبادر إلى الخير، ويتحمل مسؤولية ما عمل. والله الموفق.

стр. 5080

دعاء د. عبد الغني التميمي رباه يا رب العبادِ وناصر المستضعفينْ يا قاصم المتجبرين ويا أمان الخائفينْ يا من يقول إذا أراد الشيء «كن» فوراً يكونْ يا واهب البدر الجمالَ وواهب الليل السكونْ يا عالماً ما تُسقط الأشجار من ورق الغصونْ يا مودع البحر المحيط مَحارَه المكنونْ يا حافظاً فيه الجوار ومجرياً فيه السفينْ أنا عبدك الخطَّاءُ يا مولاي ذو العمل المشينْ قد جئت بابك بعدما حَطَمَتْ حناياي السنونْ أنا ذو الذنوب وللذنوب هنا كرام كاتبونْ قد جئت بابك طالب الغفران من ذنبي المهينْ أنا لست أسأل عن ذنوب الناس أو ما يكسِبونْ الناس أنت خلقتهم وعلمت ماذا يفعلونْ أنت المثيبُ الطائعينَ معذبُ المستكبرينْ أنا قد حزمت حقائبي متأهباً للقا المنونْ وتركت خلفي الناس أحراراً بما قد يصنعونْ من كان يسلك لليسار فشأنه أو لليمينْ أو كان يصلب في المبادئ كالحجارة أو يلينْ أو كان يصمد في لقاء عدوه أو يستكينْ رباه يا أمل الضِّعاف ويا رجاء التائبينْ قد جئت في ذلٍ إليك يقودني القلب الحزينْ من بعد ما ضعفت قواي وخانني العزم الخؤونْ هانت لدي مطالبٌ من قبل ما كانت تهونْ وشممت رائحة التراب على المناخر والعيونْ ورأيتُي متوسداً في حفرتي ما يحفرونْ والأهل قد حزنوا عليَّ وبعضهم لا يأبهونْ سألوا: أمات؟ ورجَّعوا ومضوْا سراعاً يلعبونْ وكأنهم لم يسألوا عني ولا هم يحزنونْ ها قد مضيت إلى المصير بما اكتسبت غداً رهينْ كم خلت نفسي عارفاً جمع المعارف والفنونْ وجلست فوق الناس أفتي ما أشاء ويسألونْ وتوهَّموا فيَّ التقى وتركتهم يتوهمونْ حسبوا صلاحاً هذه الشعرات والسمتَ الرزينْ رباه لا تكتب عليَّ خطيئةً ما يحسِبونْ لو أنهم عرفوا انتَهوْا لكنهم لا يعرفونْ هذا أنا في الجهل مغموساً وهم بي جاهلونْ ونسيت نفسي في غرورٍ وافتخار من أكونْ وجهلت أصلي أنني والناسَ من ماء مهينْ طين وماذا يَدَّعي من كان من طين لطينْ؟!
следующие страницы →