الاختلاف في العمل الإسلامي الأسباب والآثار
(١ ـ ٢)
أ. د. ناصر بن سليمان العمر
` أولاً: مقدمات:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فلا يخفى على كل مسلم بصير ما تعيشه أمة الإسلام من شتات وفرقة، واختلافات أوجبت عداوة وشقاقاً؛ إذ تجاذبت أهلها الأهواء، وتشعبت بهم البدع، وتفرقت بهم السبل، فلا عجب أن تراهم بين خصومة مذهبية، وحزبية فكرية، وتبعية غربية أو شرقية.. والنتيجة يخبر عنها قول المولى : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] .
وإذا كان المسلمون اليوم يلتمسون الخروج من هذا المأزق فلا سبيل إلاّ بالاعتصام بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، مجتمعين غير متفرقين، متعاضدين غير مختلفين.
ويكون ذلك بتوحيد الهدف والغاية مع حسن النية وسلامة القصد. قال ابن القيم ﵀: «ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحداً والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافاً لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة؛ فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة» (١) .
والاختلاف موضوع الحديث هو: «نقيض الاتفاق» . جاء في اللسان ما مفاده: اختلف الأمران لم يتفقا. وكل ما لم يتساوَ فقد اختلف. والخلاف: المضادة. وخالفه إلى الشيء: عصاه إليه، أو قصده بعد أن نهاه عنه. ويستعمل الاختلاف عند الفقهاء بمعناه اللغوي وكذلك الخلاف» . وبعض الفقهاء فرق بين الاختلاف والخلاف باصطلاحات خاصة. أما « (الافتراق) (والتفرق) (والفرقة) فبمعنى أن يكون كل مجموعة من الناس وحدهم؛ ففي القاموس: الفريق القطيع من الغنم، والفريقة قطعة من الغنم تتفرق عنها فتذهب تحت الليل عن جماعتها. فهذه الألفاظ أخص من الاختلاف» (١) .
فليس كل اختلاف افتراق، وكل افتراق اختلاف، وليس شرطاً أن يكونا مذمومين على ما سيأتي بيانه، وإن كان الغالب ذم أهل الفرقة والاختلاف.
` أقسام الاختلاف:
الاختلاف ينقسم إلى أقسام عدة باعتبارات مختلفة يتباين الحكم عليها. فمنها:
انقسام الاختلاف باعتبار حقيقة المسائل المختلف فيها. فمنه:
١- اختلاف صوري، ومن قبيله اختلاف التفاوت؛ كالذي يكون في الكلام، فيكون بعضه بليغاً وبعضه دون ذلك، ومنه كذلك اختلاف التلاؤم الذي يكون في الكلام، ومن قبيله كذلك اختلاف التنوع، وهو أن يذكر كل من المختلفين من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه. مثال ذلك تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قال بعضهم: السابق الذي يصلي أول الوقت، والمقتصد في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. وقيل: السابق المحسن بالصدقة، والمقتصد بالبيع، والظالم بأكل الربا. واختلاف التنوع في الأحكام الشرعية قد يكون في الوجوب تارة، وفي الاستحباب أخرى: فالأول مثل: أن يجب على قوم الجهاد، وعلى قوم الصدقة، وعلى قوم تعليم العلم. وهذا يقع في فروض الأعيان كما مثل. وفي فروض الكفايات، ولها تنوع يخصها، وهو أنها تتعين على من لم يقم بها غيره: فقد تتعين في وقت، أو مكان، وعلى شخص أو طائفة كما يقع مثل ذلك في الولايات والجهات والفتيا والقضاء. قال ابن تيمية: وكذلك كل تنوع في الواجبات يقع مثله في المستحبات. وقد نظر الشاطبي في المسألة، وحصر الخلاف غير الحقيقي في عشرة أنواع:
منها: ما تقدم من الاختلاف في العبارة. ومنها: أن لا يتوارد الخلاف على محل واحد. ومنها: اختلاف أقوال الإمام الواحد، بناء على تغير الاجتهاد، والرجوع عما أفتى به أولاً. ومنها: أن يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم، بأن يكون كل من العملين جائزاً، كاختلاف القراء في وجوه القراءات، فإنهم لم يقرؤوا بما قرؤوا به على إنكار غيره، بل على إجازته والإقرار بصحته؛ فهذا ليس في الحقيقة باختلاف؛ فإن المرويات على الصحة لا خلاف فيها؛ إذ الكل متواتر. وهذه الأنواع السابقة تقع في تفسير القرآن، وفي اختلافهم في شرح السنة، وكذلك في فتاوى الأئمة وكلامهم في مسائل العلم. وهي أنواع ـ وإن سميت خلافاً ـ إلا أنها ترجع إلى الوفاق (٢) .
تنبيه: الاختلاف الصوري: منه المذموم وهو ما وقع في باطل.
٢ - اختلاف حقيقي: ومنه اختلاف التضاد، وهو قسمان: سائغ، وغير سائغ. ولعله تأتي الإشارة إليهما (٣) .
ومن أقسام الاختلاف انقسام الاختلاف باعتبار ما يوجبه فمنه:
١ - اختلاف يقتضي عداوة وشقاقاً، ويقع في الاختلاف الحقيقي، كالاختلاف في الأصول المجمع عليها.
٢ - اختلاف لا يقتضي عداوة وشقاقاً، ويقع في عامة الاختلاف الصوري، وقد يقع في الاختلاف الحقيقي كالاختلاف في كثير من الفروع باجتهاد سائغ.
ومن أقسام الاختلاف انقسام الاختلاف باعتبار أثره فمنه:
١ - اختلاف مؤثر في الأحكام والأعمال المترتبة.
٢ - اختلاف نظري ذهني لا ينبني عليه شيء في أرض الواقع.
فالأول اختلاف مؤثر في العمل، ومنه السائغ الذي لا يضر، ومنه غير السائغ، والآخر من قبيل اختلاف السفسطائية: هل البيضة قبل الدجاجة أم الدجاجة قبل البيضة؟ قال شيخ الإسلام: «وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته؛ فإن الله نصب على الحق فيه دليلاً؛ فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك؛ فهذه الأمور طريق العلم بها النقل؛ فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحاً عن النبي ﷺ كاسم صاحب موسى أنه الخضر؛ فهذا معلوم. وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب كالمنقول عن كعب ووهب ومحمد بن إسحق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب؛ فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة» (٤) وقال: «وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيراً.. (٥) .
من أهم أقسام الاختلاف التي تحتاج إلى تحرير: انقسام الاختلاف باعتبار مدح أصحابه وذمهم:
وقد حرر ذلك ابن القيم ﵀ في الصواعق؛ حيث قال: «الاختلاف في كتاب الله نوعان:
أحدهما: أن يكون المختلفون كلهم مذمومين، وهم الذين اختلفوا بالتأويل، وهم الذين نهانا الله ـ سبحانه ـ عن التشبه بهم في قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] ، وهم الذين تسوَدُّ وجوههم يوم القيامة، وهم الذين قال الله ـ تعالى ـ فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] ، فجعل المختلفين كلهم في شقاق بعيد، وهذا النوع هو الذي وصف الله أهله بالبغي، وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف وفساد ذات البين، ويوقع التحزب والتباين.
والنوع الثاني: اختلاف ينقسم أهله إلى محمود ومذموم؛ فمن أصاب الحق فهو محمود، ومن أخطأه مع اجتهاده في الوصول إليه فاسم الذم موضوع عنه، وهو محمود في اجتهاده معفو عن خطئه، وإن أخطأه مع تفريطه وعدوانه فهو مذموم.
ومن هذا النوع المنقسم قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] .
والاختلاف المذموم، كثيراً ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق فلا يقر له خصمه به، بل يجحده إياه بغياً ومنافسة، فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل على النصوص التي مع خصمه، وهذا شأن جميع المختلفين؛ بخلاف أهل الحق؛ فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به، فيأخذون حق جميع الطوائف، ويردون باطلهم؛ فهؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، فأخبر ـ سبحانه ـ أنه هدى عباده لما اختلف فيه المختلفون.
وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» .
فمن هداه الله ـ سبحانه ـ إلى الأخذ بالحق؛ حيث كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه فهو ممن هدى لما اختُلف فيه من الحق، فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلاً وأقومهم قيلاً، وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا؛ فاختلافهم اختلاف رحمة وهدى يقر بعضهم بعضاً عليه ويواليه ويناصره، وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم بالتناظر والتشاور، وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب، فيأتي كل منهم بما قدحه زناد فكره وأدركته قوة بصيرته؛ فإذا قوبل بين الآراء المختلفة والأقاويل المتباينة، وعرضت على الحاكم الذي لا يجور، وهو كتاب الله وسنة رسوله، وتجرد الناظر عن التعصب والحمية، واستفرغ وسعه، وقصد طاعة الله ورسوله، فقلَّ أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال، وما هو أقرب إليه؛ والخطأ، وما هو أقرب إليه، فإن الأقوال المختلفة لا تخرج عن الصواب، وما هو أقرب إليه، والخطأ، وما هو أقرب إليه. ومراتب القرب والبعد متفاوتة، وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقاً في الكلمة، ولا تبديداً للشمل؛ فإن الصحابة ﵃ اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع كالجد مع الإخوة، وعتق أم الولد بموت سيدها، ووقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وفي الخلية والبرية والبتة، وفي بعض مسائل الربا، وفي بعض نواقص الوضوء وموجبات الغسل، وبعض مسائل الفرائض وغيرها، فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة، ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كان كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة، من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغناً، ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم، بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له، ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه؛ فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر، وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق» (١) .
وهذا النوع من الاختلاف بهذا المسلك الذي ذكره يراه بعض أهل العلم كالشاطبي ﵀ يرجع في الحقيقة إلى وفاق، «فإن الاختلاف في بعض المسائل الفقهية راجع إما إلى دورانها بين طرفين واضحين يتعارضان في أنظار المجتهدين، وإما إلى خفاء بعض الأدلة، أو إلى عدم الاطلاع على الدليل. وهذا الثاني ليس في الحقيقة خلافاً؛ إذ لو فرضنا اطلاع المجتهد على ما خفي عليه لرجع عن قوله؛ فلذا ينقض لأجله قضاء القاضي. أما الأول فإن تردده بين الطرفين تحرٍّ لقصد الشارع المبهم بينهما من كل واحد من المجتهدين، واتباعٌ للدليل المرشد إلى تعرف قصده. وقد توافقوا في هذين القصدين توافقاً لو ظهر معه لكل واحد منهما خلاف ما رآه لرجع إليه، ولوافق صاحبه. وسواء قلنا بالتخطئة أو بالتصويب؛ إذ لا يصح للمجتهد أن يعمل على قول غيره، وإن كان مصيباً أيضاً؛ فالإصابة ـ على قول المصوبة ـ إضافية. فرجع القولان إلى قول واحد بهذا الاعتبار؛ فهم في الحقيقة متفقون لا مختلفون. ومن هنا يظهر وجه التحابّ والتآلف بين المختلفين في مسائل الاجتهاد؛ لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع، فلم يصيروا شيعاً، ولا تفرقوا فرقاً» (٢) .
فلو نظرت هذا النوع من الاختلاف الذي حمده الشاطبي وابن القيم وغيرهم من أهل العلم، وجدت الحمد منصبّاً على اتفاق المختلفين في مراعاتهم قصد الشارع، وطلبهم لمراده، واتباعهم الدليل الذي ظهر منهم؛ ومن هذه الجهة جاء مدح مثل هؤلاء المختلفين.
ويتبع للتقسيم الذي سبق نوع آخر من الاختلاف:
وهو وفاق في الحقيقة، وهو اختلاف في الاختيار والأَوْلى بعد الاتفاق على جواز الجميع؛ كالاختلاف في أنواع الأذان والإقامة، وصفات التشهد والاستفتاح، وأنواع النُّسُك الذي يحرم به قاصد الحج والعمرة، وأنواع صلاة الخوف، والأفضل من القنوت أو تركه، ومن الجهر بالبسملة أو إخفائها، ونحو ذلك؛ فهذا وإن كان صورته صورة اختلاف فهو اتفاق في الحقيقة» (٣) .
والأصل ذم الخلاف وتجنبه، ما دام اختلافاً حقيقياً قد يسبب فرقة ويوقع في تعارض، وهذا ما دلت عليه نصوص الوحيين؛ ففي السنة جاء النهي عن «الذرائع التي توجب الاختلاف والتفرق والعداوة والبغضاء؛ كخطبة الرجل على خطبة أخيه، وسومه على سومه وبيعه على بيعه، وسؤال المرأة طلاق ضرتها، وقال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» سداً لذريعة الفتنة والفرقة، ونهى عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا ما أقاموا الصلاة سداً لذريعة الفساد العظيم والشر الكبير بقتالهم؛ كما هو الواقع؛ فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه والأمة في تلك الشرور إلى الآن» (١) .
وأدلة القرآن كثيرة ومنها:
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٤] .
وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] .
وقال : ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٣ - ١٤] .
وقال ـ سبحانه ـ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] .
بل عمل الخير إذا قصد به التمييز والتفريق بين المؤمنين كان لصاحبه نصيب من الذم، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨] .
فالاختلاف ما دام اختلاف تعارض ينقض بعضه بعضاً شر لا يسلم منه إلاّ من كان معه الصواب؛ فإذا توزع الصواب بين المختلفين كان معهم من الخير والبعد عن الذم بمقدار ما معهم من الحق، ومع ذلك قد يُعذر فيه المجتهد المخطئ، بل يثاب لإرادته الخير وقصده، ولهذا يسلم من آثار الاختلاف المذموم المجتهدون الذين استفرغوا وسعهم في معرفة الحق والعمل به.
` الاختلاف بين المشيئة الكونية والشرعية:
الاختلاف سنة كونية، وقدر واقع لا محالة بمشيئة الله الكونية. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] .
والقدر الكوني إن كان شراً فيجب أن يسعى الإنسان للخروج منه وعدم الوقوع فيه، كالكفر فهو قدر كوني حكم الله بوجوده كوناً، ومع ذلك واجب على كل إنسان أن يجتنبه وكذلك المعاصي، وكل ذلك مقدر شاء الله وقوعه كوناً بناء على علمه باختيار الإنسان؛ فالله وهب خلقه مشيئة واختياراً خاضعة لمشيئة الله مع علمه باختيارهم وكتابته له وتقدير كونه منهم.
فالخلاف قد يكون قدراً كونياً فيه شر ولا يخلو من خير ـ فالله لا يخلق شراً محضاً ـ فلا يستسلم له العبد، بل يقاومه بالقدر، فإن لم يزله خفف من آثاره وخرج بأقل أضراره.
` مسألة هل الاختلاف رحمة وخير، أم عذاب وشر؟
رُويت في ذلك أحاديث لا تثبت مثل حديث: «أصحابي كالنجوم؛ فبأيهم اقتديتم اهتديتم» (٢) ، وحديث: «اختلاف أمتي رحمة» (٣) .
ومع عدم ثبوت نص تباينت أقوال السلف في المسألة فأثر: «عن عمر بن عبد العزيز قوله: ما أحب أن أصحاب رسول الله لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم؛ فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة» .
وعن يحيى بن سعيد أنه قال: اختلاف أهل العلم توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحلل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا.
وقال ابن عابدين: الاختلاف بين المجتهدين في الفروع ـ لا مطلق الاختلاف ـ من آثار الرحمة؛ فإن اختلافهم توسعة للناس. قال: فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر.
وهذه القاعدة ليس متفقاً عليها؛ فقد روى ابن وهب عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه قال: «ليس في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ سعة، وإنما الحق في واحد» .
وقال المزني صاحب الشافعي: «ذم الله الاختلاف، وأمر بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة» .
وتوسط ابن تيمية بين الاتجاهين، فرأى أن الاختلاف قد يكون رحمة، وقد يكون عذاباً.
قال: «النزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يُفْضِ إلى شر عظيم من خفاء الحكم. والحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون خفاؤه على المكلف - لما في ظهوره من الشدة عليه - من رحمة الله به، فيكون من باب ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] . وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب قد يكون في نفس الأمر مغصوباً، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله حلالاً لا شيء عليه فيه بحال، بخلاف ما إذا علم. فخفاء العلم بما يوجب الشدة قد يكون رحمة، كما أن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة، كما أن رفع الشك قد يكون رحمة وقد يكون عقوبة. والرخصة رحمة. وقد يكون مكروه النفس أنفع كما في الجهاد» (١) .
` عمل أهل العلم على الخروج من الخلاف:
لكون الاختلاف مذموم من حيث الجملة؛ فقد راعى كثير من أهل العلم الخروج من الخلاف في تعليل كثير من الأحكام، ومن ذلك قول بعض فقهاء الحنابلة بكراهة الطهارة بالماء المتغير بمجاورة أو بملح مائي مع أنه طهور، ولكنهم يعللون بمخالفة غيرهم لهم فيما اختاروا، فاستحبوا الخروج من الخلاف بكراهة استعمال ذلك الماء (٢) .
ومنه كذلك قول بعض فقهاء الأحناف بالندب للإشهاد على الرجعة خروجاً من الخلاف (٣) .
ومنه قول بعض فقهاء المالكية بطواف القدوم بنية الركنية خروجاً من الخلاف (٤) .
ومنه قول الشافعية باستحباب عدم القصر لسفر أقل من مسيرة ثلاث أيام للخروج من الخلاف (٥) .
ويكاد يطبق أرباب المذاهب الأربعة على التعليل بالخروج من الخلاف في اختياراتهم الفقهية.
ولكنهم وضعوا لذلك ضوابط من أهمها ما قرره العز بن عبد السلام؛ حيث يقول: «والضابط في هذا أن مأخذ المخالف إن كان في غاية الضعف والبعد عن الصواب فلا نظر إليه، ولا التفات عليه؛ إذ كان ما اعتمد عليه لا يصح نصه دليلاً شرعاً» (٦) ، ثم قال: «وإن تقاربت الأدلة في سائر الخلاف؛ بحيث لا يبعد قول المخالف كل البعد؛ فهذا مما يستحب الخروج من الخلاف فيه حذراً من كون الصواب مع الخصم؛ والشرع يحتاط لفعل الواجبات والمندوبات، كما يحتاط لترك المحرمات والمكروهات» .
فالخلاف إذا كان له حظٌّ من النَّظر، والأدلَّة تحتمله، فالمحققون يكرهون ويستحبون لأجل الخروج منه؛ لا لأنَّ فيه خلافاً؛ بل هو من باب «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك» ، ويتأكد هذا، بل قد يتعين حتى مع الخلاف الضعيف إن خشي ترتب مفسدة أعظم على الخلاف.
أما إذا كان الخلاف لا حَظَّ له من النَّظر فلا يُمكن أن نعلِّلَ به المسائل؛ ونأخذ منه حكماً.
فليس كلُّ خلافٍ جاء مُعتَبراً إلا خلافٌ له حظٌّ من النَّظرِ
ولأنَّ الأحكام لا تثبت إلاّ بدليل، ومراعاة الخلاف غير المعتبر لا تصلح دليلاً شرعياً، فيقال: هذا مكروه، أو غير مكروه بناء عليه، إلاّ إن خشي ترتب مفسدة أعظم جرَّاء الفرقة، فتقدر حينها الأمور بقدرها؛ وذلك لأمر خارج عن مجرد الخلاف غير المعتبر، مع العمل على إعادة الحق إلى نصابه وإقرار المصيب على صوابه.
` حكم الاختلاف في العمل الإسلامي؟
حكم الاختلاف على أنواع:
«النوع الأول: أصول الدين التي تثبت بالأدلة القاطعة، كوجود الله ـ تعالى ـ ووحدانيته، وملائكته وكتبه، ورسالة محمد ﷺ ، والبعث بعد الموت، ونحو ذلك. فهذه أمور لا مجال فيها للاختلاف، من أصاب الحق فيها فهو مصيب، ومن أخطأه فهو كافر.
النوع الثاني: بعض مسائل أصول الدين، مثل مسألة رؤية الله في الآخرة، وخلق القرآن، وخروج الموحدين من النار، وما يشابه ذلك، فقيل يكفر المخالف، ومن القائلين بذلك الشافعي؛ فمن أصحابه من حمله على ظاهره، ومنهم من حمله على كفران النعم.
النوع الثالث: [الأمور] (٧) المعلومة من الدين بالضرورة كفرضية الصلوات الخمس، وحرمة الزنا، فهذا ليس موضعاً للخلاف. ومن خالف فيه فقد كفر.
النوع الرابع: الفروع الاجتهادية التي قد تخفى أدلتها؛ فهذه الخلاف فيها واقع في الأمة، ويعذر المخالف فيها لخفاء الأدلة أو تعارضها.. فأما إن كان في المسألة دليل صحيح صريح لم يطلع عليه المجتهد فخالفه، فإنه معذور بعد بذل الجهد، ويعذر أتباعه في ترك رأيه أخذاً بالدليل الصحيح الذي تبين أنه لم يطلع عليه. فهذا النوع لا يصح اعتماده خلافاً في المسائل الشرعية؛ لأنه اجتهاد لم يصادف محلاً، وإنما يعد في مسائل الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة» (١) .
أما واقع العمل الإسلامي فإذا كان الاختلاف من قبيل التنوع كأن يتخصص كل فريق أو جماعة في عمل، فهو اختلاف صوري وهو مطلوب، أما إذا كان الاختلاف اختلاف تحزب وتعصب يمنع التعاون والتعاضد وسماع النصيحة من الآخر فهو اختلاف مذموم، وكثير منه يقع في مسائل اجتهادية أو فرعية المخالف فيها معذور، ومثل هذا الخلاف لا ينبغي أن يخرج بالناس إلى ساحة احتراب وتناحر، بل لأصحابه في صحابة رسول الله ﷺ أسوة حسنة؛ فمع مخالفة بعضهم لبعض بقي إقرارهم بفضل ذوي الفضل وتوقيرهم، مع عمل كل برأيه وسعيه لنشره.
والذي ينبغي هو أن يكون اختلاف المسلمين في العمل الإسلامي من هذا القبيل إن لم يكن من قبيل اختلاف التنوع، ولا سيما مع كثير من الشعارات المرفوعة؛ فالهدف الأسمى واحد، ومجالات العمل متنوعة، والساحة تَسَعُ الجميع، بل تحتاجهم.
ولكن الواقع من الناحية العملية وجود التناحر والتحزبات والعصبيات التي تشبه عصبيات عصور التعصب المذهبي، ولئن سأل بعض المقلدة المتعصبة قديماً عن حكم صلاة الحنفي خلف المالكي أو العكس، فإن بعض جهلة الحزبيين اليوم يسألون عن حكم الصلاة خلف بعض إخوتهم المسلمين.
وكما أن أهل العلم ذموا التعصب للمذهب وأنكروه؛ فإن علينا أن نذم التعصب للجماعات أو الأفراد وننكره، وكما أن الذم لا يتوجه للمذاهب المعتبرة وأئمتها عند أهل التحقيق؛ فإن الذم قد لا يتوجه إلى الجماعات ورؤوسها طالما كانت ملتزمة بالسنة في الجملة وإن خرج بعض رجالاتها عن ركب السنة باجتهادات شخصية لم تؤثر على دعوة الجماعة كحال بعض رجالات المذاهب الفقهية المتبوعة.
وقد يتوجه الذم إلى الجماعة جملة وتفصيلاً إن كان التحزب والتقوقع أساساً من أسسها، أو كان من أسسها القول بمذاهب شاذة أواجتهادات غير سائغة عند أهل العلم.
` ثانياً: أسباب الافتراق:
الأسباب كثيرة ويمكن أن نقسمها إلى خمسة عوامل رئيسية تندرج تحتها أنواع عدة، وبعض هذه الخمسة يتعلق ببعض، ولكن أفردته لأهميته، وهذه العوامل هي:
أولاً: تفاوت الناس في الطبائع والميول وتفاضلهم في العقول.
قال ابن القيم ﵀: «ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم..» (٢) .
ولعل أثر تباين الطبائع والمدارك جلي في كثير من أشكال الاختلاف الواقع؛ فانظر إلى اختلاف أبي بكر وعمر ﵄ في شأن أسرى بدر، تجد كل واحد منهما نزع إلى ما يقارب طبعه؛ فأبو بكر الرقيق الشفيق مال إلى المن أو الفداء، وعمر القوي الشديد جنح إلى الإثخان، وهو الذي جاء به القرآن.
فالطبيعة الخَلْقية والظروف الاجتماعية والبيئية الخاصة بالشخص أو العامة في المجتمع كلها تؤثر على نمط التفكير، فيجنح كل طرف إلى ما لا يجنح إليه الآخر.
وفي بعض الأحيان يتطلب الحكم موازنة بين أمور تحتاج إلى قوة العقل وحضوره؛ والناس متفاوتون في ذلك، ولا يعني هذا أن الأكمل عقلاً هوالأرجح اختياراً، أو هو الذي ينحو نحو الصواب دائماً؛ وذلك لما يرد على الأفراد من أحوال وأوقات يتعكر فيها المزاج مع ازدحام الأشغال، أو يذهل فيها المرء لمؤثرات أثرت عليه دون الآخر سواء كانت هذه المؤثرات منبعثة من البيئة الخارجية أو عوامل نفسية خاصة بالشخص، فيؤدي ذلك لأن يخطئ الصواب وإن كان هو الأرجح عقلاً والأحضر ذهناً من حيث الجملة. ولعل من ذلك قصة عمر ـ على أن في ثبوتها مقالاً (٣) ـ مع المرأة في الميراث يوم قال: «أصابت امرأة، وأخطأ عمر» .
وربما تفاضل الناس في إدراك الصواب، واختلفوا لتبيان عقولهم ونفوسهم ضعفاً وقوة في جوانب مختلفة؛ فبعض الناس قد يحسن النظر في مسائل لاتساع معارفهم وتمرين عقولهم عليها، ولا يحسنون الخوض في مسائل أخرى، وكم من إنسان تكلم في غير ما يحسن فأضحك الناس، وشواهد هذا كثيرة.
ولهذا ذكر الأستاذ محمود الزحيلي أن أسباب الخلاف تنحصر في سبعة وذكر أولها:
الاختلاف في الأمور الجِبِلّية: إذ إن الأئمة والعلماء يتفاوتون في ملكاتهم وطبائعم وعقولهم، وهذا أمر طبعي ينتج عنه في بعض الأحايين اختلاف الأحكام المستنبطة من الأدلة الشرعية.
ولعله قدم هذا لما له من أثر على البقية.
ومن هذا القبيل الاختلاف في الحكم بسبب النسيان:
ومن قبيله ما يروى من أن علياً ذكَّر الزبير ﵄ يوم الجمل شيئاً عهده إليهما رسول الله ﷺ فذكره، فانصرف عن القتال. قلت: فيكون الناسي معذوراً بفتواه.
ومنه كذلك عندما همَّ عمر ﵁ أن يأخذ عيينة بن حصن، فذكّره الحُر بن قيس بقول الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، فأمسك.
ثانياً: من أسباب الاختلاف تفاوت الناس في العلم والمعرفة.
فأصل حدوث الاختلاف المذموم والتفرق في الأمة هو الجهل بالدين، ولهذا قال الشاطبي ﵀: «الاختلاف في القواعد الكلية لا يقع بين المتبحرين في علم الشريعة، الخائضين في لجتها العظمى، العالمين بمواردها ومصادرها؛ والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثاني» (١) .
ولهذا «روي أن عمر بن الخطاب ﵁ خلا يوماً، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة وكتابها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس ﵄ وسأله، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إنما نزل القرآن علينا، فقرأناه وعلمنا فيما نزل، وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي؛ فإذا كان ذلك اختلفوا (٢) .
قال الإمام الشاطبي معلقاً: وما قاله ابن عباس ﵄ هو الحق، فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت الآية أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قُصد بها، فلم يتعدَّ ذلك فيها، وإذا جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أوجهاً، فذهب كل إنسان مذهباً لا يذهب إليه الآخر.
فإذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله، وتصدَّر للتدريس والفتيا كل من وجد من نفسه زيادة فهم وفضل ذكاء وذهن مع أنه لم يأخذ العلم عن أهل التخصص والصناعة إذا كان ذلك كذلك وقع الافتراق والاختلاف.
وقد عد أهل العلم أن من البلايا «أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يُعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين ولم يبلغ تلك الدرجة فيعمل على ذلك، ويعد رأيه رأياً وخلافه خلافاً.. فتراه آخذاً ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها، وعليه نبه الحديث الصحيح: (لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) (٣) .
وأمثال هؤلاء أبكوا قديماً ربيعة الرأي. قال الإمام مالك ﵀: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: أمصيبةٌ دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفْتِيَ من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. وقال ربيعة: ولَبَعْضُ مَنْ يفتي ههنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق (٤) .
وإذا كان هذا في عصور التابعين والأئمة المرضيين؛ فماذا نقول في زمن الغربة بعد أن أصبح مجاهيل الإنترنت مشايخ يؤخذ عنهم العلم في كثير من الساحات، ويفتون في المدلهمَّات، والله المستعان.
ثم من أهم أسباب الاختلاف بسبب تباين العلوم والمعارف الاختلاف في العلم بنصوص الوحيين أو دلالتهما وهو ثلاثة أنواع (٥) :
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي قاله، أو لم يثبت عنده أن النبي ﷺ قاله.
الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.
الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وهذه الثلاثة تتفرع عنها أسباب عدة، ولعل في النماذج السابقة شيء من البيان، ويمكن أن نجملها فيما يلي:
١ - قد يكون النص لم يبلغ بعض المخالفين فعمل بظاهر آية أو حديث آخر، فمن لم يبلغه النص لم يكلف أن يكون عالماً به، بل يكتفي المخالف أحياناً بظاهر آية، أو بحديث، أو بموجب قياس، أو بموجب استصحاب (٦) . قال شيخ الإسلام: «وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفاً لبعض الأحاديث؛ فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة» (٧) ، ومن أمثلة ذلك:
أولاً: حكم أبي بكر الصديق ﵁ في الجدة بأنها لا ترث مطلقاً؛ فعن قبيصة بن ذؤيب قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، قال: فقال لها: ما لك في كتاب الله شيء، وما لك في سنة رسول الله ﷺ شيء، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ فأعطاها السدس فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر» (٨) .
ثانياً: خفاء سنة الاستئذان على عمر بن الخطاب ﵁؛ فعن أبي سعيد الخدري قال: «كنت في مجلس من مجالس الأنصار؛ إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) ، فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أُبَيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم؛ فكنت أصغر القوم؛ فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك» (٩) ؛ فهذه سُنَّة قد خفيت على عمر بن الخطاب ﵁ مع سعة علمه وفقهه في دين الله تعالى، وليس في هذا مذمة لعمر ﵁؛ فإن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ؛ فمهما بلغ الإنسان من العلم فلا شك أنه لن ينتهي، ولهذا قالوا: «العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وإن أعطيته بعضك فاتك كله» .
والأمثلة كثيرة، منها خفاء الحكم على كثير من الصحابة في نزول الطاعون ببلد (١) ، ومنها حكم عمر بمنع الحائض من النفرة قبل أن تطوف طواف الإفاضة ثم رجوعه لَمَّا بلغه الخبر (٢) ؛ فهذه أمثلة على خفاء بعض نصوص الشريعة على من شهدوا الوحي وعاينوا التنزيل؛ فخفاء بعض الأصول على من بعدهم أوْلى وأحرى، ولا يجوز لمن أتى بعدهم «أن يدعي انحصار حديث رسول الله ﷺ في دواوين معينة، ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله ﷺ ؛ فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها» (٣) .
ومن هذا القبيل أيضاً:
أن يكون النص قد بلغ المخالف، لكنه منسوخ، بنص آخر ولم يعلم المخالف بالناسخ (٤) .
ومن أمثلة ذلك اللَّبْس الذي حصل أول الأمر في رِبا النسا، ونكاح المتعة وغيرهما مما استقر الإجماع عليه بعد.
٢ - أن يكون النص قد بلغه ولكنه لم يثبت عنده؛ إما لأن محدثه مجهول أو سيئ الحفظ أو متهم، ولا يعلم أن له طرقاً أخرى، ولهذا علق كثير من الأئمة العمل بموجب الحديث على صحته؛ فكثيراً ما يقول الإمام: قولي فيه كيت وكيت، وقد روي فيه حديث بخلافه فإن صح فهو قولي.
٣ - اعتقاد ضعف النص باجتهاد خالفه فيه غيره، كتضعيفه لراو وثقه غيره، ومن ذلك أن بعض الأئمة كان لا يرى قبول حديث أصله غير حجازي (شامي أو بصري..) وبعضهم رأى هذا الرأي ثم رجع. ومما أثر في ذلك كلمة الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله! إذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شامياً كان أو عراقياً. ولعل من ذلك مخالفة الأحناف لغيرهم في القهقهة؛ فالإمام أبو حنيفة أخذ بحديث القهقهة في الصلاة، وجعل القهقهة من نواقض الوضوء، ومن مبطلات الصلاة (٥) ، مع أن الحديث الذي استدل به ضعيف عند الأئمة.. لكنَّ عُذرَه في ذلك ظنُّه أن الحديث صالح للاحتجاج به، وهذا ليس فيه مذمة له ﵀ بل هو في العلم والفضل من هو، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن، وإما بهوى؛ فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضي بالنبيذ في السفر (٦) مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس (٧) ، لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما» (٨) .
٤ - اشتراط بعضهم في قبول النص شروطاً يخالفه فيها غيره؛ كاشتراط بعضهم كون الراوي فقيهاً إذا روى ما يخالف القياس، واشتراط بعضهم ظهور الحديث وانتشاره إذا كان فيما تعم به البلوى، وربما وقع الاختلاف في بعض قواعد علوم الآلة ومنها المصطلح، ومن ذلك توثيق ابن حبان لمن لم يعرف بجرح، في مقابل طريقة ابن حزم في الرمي بالجهالة، وكتشدد أبي حاتم في نقد الرجال، وتساهل الحاكم في توثيقهم، واشتراط بعضهم للصحة اللقيا، واكتفاء آخرين بالمعاصرة، وغير ذلك.
٥ - أن ينسى بعضهم حديثاً أو آية؛ كما ذهل عمر ﵁ عن قول الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] لمّا مات نبينا محمد ﷺ .
٦ - عدم معرفة دلالة لفظ النص: ومن الركائز الأساسية في هذا العلمُ باللغة العربية. قال الشاطبي ﵀: «الله أنزل القرآن عربياً لا عجمة فيه؛ بمعنى أنه جارٍ في ألفاظه وأساليبه على لغة لسان العرب، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] .. وكان المنزل عليه القرآن عربياً أفصح من نطق بالضاد، وهو محمد بن عبد الله ﷺ ، وكان الذين بُعِثَ فيهم عرباً أيضاً، فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم ... وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله ـ تعالى ـ إلاّ من الطريق الذي نزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها» (٩) ، ولهذا قال الشافعي ﵀: «ما جهل الناس ولا اختلفوا إلاّ لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس» (١٠) ، وقال السيوطي معلقاً بعد أن ذكره: «أشار الشافعي بذلك إلى ما حدث في زمن المأمون من القول بخلق القرآن ونفي الرؤية، وغير ذلك من البدع وأن سببها الجهل بالعربية والبلاغة الموضوعة فيها من المعاني والبيان والبديع» ، ومما يؤكد هذا أن عمرو بن عبيد (١) جاء إلى أبي عمرو بن العلاء التميمي (٢) يناظره في وجوب عذاب الفاسق، فقال: يا أبا عمرو! هل يخلف الله وعده؟ فقال: لن يخلف الله وعده، فقال عمرو: فقد قال، وذكر آية وعيد، فقال أبو عمر: من العجمة أتيت، الوعد غير الإيعاد ثم أنشد:
وإني وإن أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي منجز له وعدي (٣)
ولهذا قال الحسن البصري ﵀: «إنما أهلكتهم العجمة يتأولونه على غير تأويله» (٤) ، ولو نظرت في كثير من أهل البدع التي فرقت المسلمين لوجدت أصولاً لا تنم عن أصالة في اللسان العربي؛ فغيلان الدمشقي أول من تكلم في القدر وقال بخلق القرآن كان مولى لآل عثمان بن عفان، والجعد بن درهم كان مولى لبني الحكم، وجهم بن صفوان كان مولى لبني راسب، وعمرو بن عبيد مولى لبني تميم، وواصل بن عطاء مولى لبني مخزوم أو لبني ضبة على خلاف في النسبة.
ولعل من أظهر عوامل الاختلاف بسبب عدم فهم دلالة النصوص عاملان:
- الأول إما لكون اللفظ غريباً، نحو لفظ المزابنة والمحاقلة والمنابذ، ومن هذا القبيل اختلافهم في تفسير: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» ففسره كثير من الحجازيين بالإكراه، وفسره كثير من العراقيين بالغضب، ومنهم من فسره بجمع الطلاق في كلمة واحدة؛ باعتبار أنه مأخوذ من غلق باب الطلاق جملة.
- أو لكون اللفظ مشتركاً أو مجملاً أو متردداً بين حمله على معناه عند الإطلاق (الحقيقة) أو حمله على معناه عند التقييد (مجاز) كاختلافهم في القرء ومعناه.
٧ - معرفة دلالة اللفظ وموضوعه، ولكن لا يتفطن لدخول هذا الفرد المعين تحت اللفظ: إما لعدم تصوره لذلك الفرد، أو لعدم حضوره بباله، أو لاعتقاده أنه مختص بما يخرجه عن اللفظ العام.
٨ - عدم اعتقاد وجود دلالة في لفظ النص على الحكم المتنازع عليه، وهذا له أربع حالات:
- أن لا يعرف مدلول اللفظ في عرف الشارع، فيحمله على خلاف مدلوله في العرف الشرعي.
- أن يكون له في عرف الشارع معنيان فيحمله على أحدهما، ويحمله المخالف على الآخر.
- أن يفهم من العام خاصاً أو من الخاص عاماً، أو من المطلق مقيداً، أو من المقيد مطلقاً.
- أن ينفي دلالة اللفظ؛ مع أن اللفظ تارة يكون مصيباً في الدلالة وتارة يكون مخطئاً؛ فمن نفى دلالة قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] على حِل أكل ذي المخلب والناب أصاب، ومن نفى دلالة العام على ما عدا محل التخصيص غلط، ومن نفى دلالته على ما عدا محل السبب غلط.
٩ - اعتقاد أن دلالة النص عارضها ما هو مساو لها فيجب التوقف، أو عارضها ما هو أقوى فيجب تقديمه، ولهذا أقسام متعددة (٥) ، ومن أمثلة ذلك:
أولاً: لما حدَّث ابن عباس عائشةَ بحديث عمر بن الخطاب ﵃ أن النبي ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» (٦) ، أنكرت ذلك وقالت:"إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ، يرحم الله عمر، لا والله ما قاله رسول الله ﷺ قط: إن الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنه قال: «إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذاباً، وإن الله لهو ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] ، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] » (٧) ، فظنت عائشة ﵂ أن هذا النص يخالف ما ثبت عندها من كلامه ﷺ ، بل يخالف مقتضى القرآن الكريم (٨) .
ثانياً: اختلاف العلماء في الجمع بين قوله - تعالى -: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، وبين قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] ؛ فالآية الأولى تحرم على المسلمين نكاح المشركات، والآية الثانية تحلل نكاح الكتابيات، وقد اختلف العلماء في نكاح الكتابيات؛ فالجمهور على جوازه، استناداً لآية المائدة، وقال بعض العلماء: لا يجوز نكاح الكتابيات استناداً لآية البقرة، وظناً منهم أن آية المائدة معارضة بآية أصرح منها وهي آية البقرة (٩) .
стр. 5077
الخطاب الوعظي لخطبة الجمعة خصائص وتنبيهات
د. أحمد العمراني
تعيش الأمة الاسلامية اليوم زمناً اختلطت فيه المفاهيم والتبست، وكثرت فيه التوجيهات عبر وسائل الإعلام المختلفة سواء منها المكتوبة أم المرئية أم المسموعة.
ومما وقع فيه الخلط الشديد، وأصبح محط جدال ونقاش خطاب خطيب الجمعة: كيف يجب أن يكون؟ وما هي خصائصه؟
` أولاً: مكانة خطيب الجمعة في الأمة:
إن أول ما يجب أن يوضح في هذا الأمر بإيجاز شديد: موقع خطبة الجمعة، ومكانة الخطيب في الأمة.
فالخطبة ـ وهي واحدة من وسائل الدعوة إلى الله التي وضع أسسها رسول الله ﷺ ـ شرعت مرة كل أسبوع لتذكير الناس بأمور دينهم وحسن توجيههم وتوعيتهم وتثقيفهم.
وعلى هذا؛ فالخطيب داعية إلى الله، ومهمة كل داع إلى الله النيابة عمن بعثهم الله لعباده؛ إذ الدعوة في أصلها رسالة الرسل والأنبياء، وبعد غيابهم ورثها عنهم العلماء لقول رسول الله ﷺ : «الْعُلَمَاءُ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ـ وَرَّثُوا الْعِلْمَ ـ مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١) .
والعالم هو وارث علم رسول الله ﷺ في أمته، يبين الحلال والحرام، ويميز الفاسد من الصحيح، وهو قائم في الأمة مقام الأنبياء، وسراج الأمة وضياؤها بلا مراء، يبين لهم الأحكام، ويخرجهم من الآثام بإذن ربهم، ويوضح لهم شرائع الإسلام.
وهو كالعين العذبة نفعها دائم، وكالغيث؛ حيث وقع نفع، وكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل زمانه وعصره، وكالسراج من مر به اقتبس.
وكل من يعتلي منبر الخطابة فهو يعتلي منبر رسول الله ﷺ ، وخصوصاً في جانبه الدعوي التوجيهي، لهذا وجب على الخطيب أن يسد ثغرة خطيرة، ويتخصص في جانب مهم من أمور الدين يمنع به ما قد يؤذي المسلمين.
وربنا يقول: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
ويقول ﷺ : «يحملُ هذا العِلْمَ من كل خَلَفٍ عدولُه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (٢) .
إضافة إلى كل ما ذكر؛ فمخاطبة الناس ـ زيادة على ما تستلزمه من شروط ينبغي توفرها في الخطيب ـ تتطلب موهبة خاصة يهبها الله ـ سبحانه ـ لمن اعتلى منبر رسول الله ﷺ ، فهناك من يُفتح له في هذا المنبر وهو بذلك يستحق اعتلاءه، وهناك من لا يُفتح له فيه فيجب بالضرورة أن لا يعتليه.
فقد روي عن إمامنا مالك ﵁ أنه قال مجيباً العمري العابد لما كتب له يحضه على الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم؛ حيث قال له: «إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق: فرُبَّ رجل فُتح له في الصلاة ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام، وآخَر فُتح له في الجهاد ولم يُفتح له في الصيام؛ ونشرُ العلم وتعليمه من أفضل البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه دون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قُسِمَ له. والسلام» (١) .
فأمور الدين أخطر مما يمكن تصورها؛ لهذا يجب أن يتولاها أهلها المستحقون لها، وقد حذر النبي الكريم من عكس هذا فقال: «لا تبكوا على الدين إذا وَلِيَهُ أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وَلِيَهُ غير أهله» (٢) .
كما يجب أن يكون خطاب الخطيب للناس خطاباً يسير وفق الأصل النبوي في خطابه، خطاباً مبنياً على حُسن البيان، والاختصار والإفهام، وهادياً ومحبباً الإسلام إلى الناس.
وهو ما أشار إليه الإمام علي ﵁ في قوله: «إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يرخِّص لهم في معاصي الله، ولم يؤمِّنهم من عذاب الله، ولم يَدَعِ القرآنَ رغبةً إلى غيره» (٣) .
فرواد الجمعة هم كل المجتمع: فيهم الأمي والمثقف، والجاهل والعالم، والصغير والكبير، والرجل والمرأة، والمتحزب وغيره. وكلهم مندرجون في أقسام أربعة وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي ﵀ حيث قال: «الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فارشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه» (٤) .
وكلهم يحضرون بقصد الاستفادة من توجيه الخطيب، والتعلم من العلم النافع الذي يخدم مسيرة كل واحد منهم في حياته؛ فمنهم من يأتي للاستفادة، ومنهم من يجب إيقاظه من غفلاته وسهواته، ومنهم من يرغب في الإرشاد، ومنهم من يستحق التنبيه والتحذير.
والمتفحص في نصوص شريعتنا يستخلص خصائص مهمة للخطاب الديني الذي يجب على خطيب الجمعة الالتزام بها، والحرص على تنفيدها للإسهام في توجيه مسار الأمة نحو الخير والوسطية التي جاء بها ديننا الحنيف، باعتبار أن الخطيب هو واحد من علماء الأمة الذين يوجهون للناس خطابهم الأسبوعي دون مناقشة أو استفسار، وينصتون إليه بكل شغف وشوق ويعطونه آذانهم دون كلل أو لغو، ويحرصون على الاستفادة من خطابه لحسن معاشهم ومعادهم؛ وخصوصاً أن نص الحديث يحيط بهم بقوله ﷺ : «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ؛ فَقَدْ لَغَوْتَ» (٥) .
` ثانياً: خصائص الخطاب الجمعي:
على خطيب الجمعة أن يراعي في خطابه جملة من الخصائص تتمثل في:
١ - أن يكون خطابه عقائدياً:
فعليه أن يحرص في خطابه على دعوة الناس إلى توحيد الله وعبادته وحده وعدم الإشراك به؛ فالأصل في بعثة الأنبياء والرسل الدعوة الى عبادة الله وحده، وتصحيح عقيدة الناس التي انحرفت؛ وخير مثال لذلك قول النبي ﷺ لما بعث مُعَاذاً ﵁ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ ...» (٦) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْماً لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ. قَالَ: مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شيئاً..» (٧) .
فالله ـ سبحانه ـ أخبر بأن المغفرة تشمل كل الخطايا والذنوب بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
كما حذر النبي ﷺ منه بقوله فيما رواه عن ربه: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٨) .
لهذا يبقى خطاب الدعوة العقدي أصل الخطاب الذي لا ينبغي أن يغيب، ولا بأس بتكراره، وبطرق ووسائل تبليغية تواكب مستجدات الشرك ومستحدثاته، كما تبدع في وسائل الخطاب الذي يحاربه، وبلغة سهلة ميسرة تصل الى القلوب قبل الأسماع.
٢ - أن يكون خطابه هادياً:
أي يحرص في خطابه على هدي الناس إلى البر، مع تجنب الجباية أو طلبها بخطابه؛ فالهادي ضد الجابي، والله في عون كل من رغب في هداية الناس إلى الخير ويوفقه ويجازيه خير الجزاء، ويكفي في بيان أجر ذلك حديث النبي ﷺ : «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» (٩) .
فأحب العباد إلى الله من يحبب الناس إليه ويقربهم، وهو ما بينه النبي ﷺ في حديثه: «إن أحب عباد الله الى الله الذين يحببون الله إلى الناس» (١٠) .
والخطيب إن تمثل الحكمة في خطابه كان من أفضل المحببين الناس لربهم، وهذا بالتركيز على أن الهداية بيد الله، وأن مهمة الخطيب لا تتجاوز التذكير؛ لأن من هو أسمى من كل خطيب قد وُجِّه إليه هذا الخطاب؛ حيث قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .
٣ - أن يكون خطابه اجتهادياً:
أي ليس توقيفياً؛ فالمطلوب من الخطيب الاجتهاد في خطابه، والإعداد الجيد لمواضيعه، والإبداع المستمر لما يقدمه للناس، مع تجاوز المكرور من الخطاب حتى لا يمل الناس فيملوه.
فالخطبة موعظة، والموعظة كلها توفيقية؛ فليس هناك نمط واحد لا يتغير في الأسلوب الذي يمكن مخاطبة الناس به، بل لا بد من التجديد والابتكار دون الخروج عن الأصول والثوابت؛ فألوان الخطاب كلها وسائل يستعان بها لحسن التبليغ، لكن الوسيلة في شرعنا غير مسوَّغة بالغاية، بل لا بد من إخضاعهما معاً لشرع الله.
٤ - أن يكون خطابه متدرجاً:
وهذا أمر بدأ به أمر الدين وخُتم؛ فكل ما حُرِّم على الأمة حُرِّم تدريجياً وعلى مراحل، وما أمر الخمر والربا في تنزيلات القرآن بخاف على المسلم.
فعلى الخطيب إن قصد بخطابه توجيه النصح أو الرغبة في تغيير ما يستحق التغيير أن يعرف كيف يعالج الأمر، وأن يستلهم منهجه ذلك من منهج رسول الإنسانية والرحمة المهداة للعالمين، ويكفي لبيان ذلك حديث المصطفى ﷺ لعائشة ﵂: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية (أو قال بكفر) لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحِجْر» . وفي رواية: «لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً، وزدت فيها ستة أذرع من الحِجْر؛ فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة» (١) .
٥ - أن يكون خطابه متفاعلاً مع الواقع:
أي أن يكون خطاباً يعترف بالواقع ومشاكله، ويعرف كيف يُخرِج الناس من مشاكل الحياة وصعوباتها، ويقدم لهم الحلول المناسبة التي تهدئ النفوس وتطمئن القلوب، وهذا يقتضي من الخطيب حسن التفقه في الدين وحسن التعرف على الواقع، والأخطر من ذلك حسن التفقه في كيفية تنزيل النص الشرعي على الواقع.
كما يقتضي من الخطيب أن لا يتقوقع أو يدعو إلى القوقعة في مواضيعه التوجيهية فيما لا يعود بالنفع على المسلمين، بل لا بد أن يعيش واقع الناس ويوجههم للمشاركة الإيجابية في المجتمع، وعلى مخالطة الناس بالتي هي أحسن، ويعلمهم أن الأصل والأفضل هو المخالطة وليس الانعزال؛ لقول الرسول ﷺ : «الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٢) .
٦ - أن يكون خطابه جامعاً لا مفرقاً:
فالخطيب لا لون له ولا توجُّه له؛ فهو أب للجميع ومعلم الجميع، مثل شجرة الزيتون «لا شرقية ولا غربية» ينير ضوؤه طريق كل الناس، بمختلف ألوانهم وأشكالهم، يحترم الجميع ويسعى لهدايتهم وتعليمهم دون تحيز أو ميل، يجمع ويوحد، يصلح ولا يفسد، مفتاح للخير مغلاق للشر كما قال النبي ﷺ : «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير؛ فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه» (٣) .
ويبني عمله وخطابه هذا على قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥] .
وهذا يقتضي استخدام الكلمة المسؤولة استخداماً أميناً، مع جمال التعبير والعرض، والتذرع بأخلاق أهل الإيمان التي تنفر من الحقد والوقيعة وسوء الظن، كما تنفر من الجهر بالسوء، لتصل إلى الحوار المنصف، والخطاب الصحيح السليم، مع تجنب التعيين والوصف والتشنيع؛ لأنه لم يثبت عن سيد الخطباء أنه عيَّن يوماً في خطابه أو خطبه أحداً باسمه، بل كان خطابه دائماً عاماً، لا يعدو أن يقول فيه: «ما بال أقوام، أو ما بال أحدكم» . وهلم جرّاً.
كما امتاز خطابه بالصدق وقول الحق في كل الأحوال، وعدم تهويل الأمور وإعطائها أكثر من حجمها الذي تستحق.
` ثالثاً: تجنب التعيين أثناء الخطاب:
لتغيير المنكر وتصحيح الأخطاء أساليب ووسائل أساسية استعملها القرآن الكريم تعليماً لنا بقوله ـ تعالى ـ: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وأثبتها التعليم النبوي في خطاباته ودروسه ونصائحه، وجعلها لنا منهجاً ونبراساً نقتدي بها في خطابنا ودعوتنا وتعليمنا.
فالمتأمل في الحديث النبوي ودعوة رسول الله ﷺ وتغييره للمنكر وتصحيحه للأخطاء التي كان يقع فيها الصحابة في مختلف مسؤولياتهم، تتضح له جملة أمور، من بينها:
أن النبي الكريم في كل مواقفه التغييرية لم تنبس شفتاه باسم المخطئ، أو بتعيين المسيء تجنباً لفضحه وستراً له أمام غيره.
وليتبين لنا ذلك نورد هذه النصوص التي يتجلى فيها بوضوح هذا الخطاب:
١ - ما بال عامل أبعثه:
- عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَسْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ ـ قَالَ عَمْرٌو وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَة ـ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. قَالَ: فَقَام رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المنبر فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَا بَالُ عَامِل أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُم وَهَذَا أُهْدِي لِي؟ أَفَلاَ قَعَدَ فِى بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لاَ؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ لاَ يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئاً إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ: بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَو بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطِيْهِ، ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ هَلْ بلغتُ» (٤) . وقد ورد نحو ذلك عدة أحاديث بألفاظ: «ما بال أقوام» ، «ما بال أحدكم» ، «ما بال رجال» (٥) .
وعلى هذا النهج سار سلفنا الصالح؛ حيث تمثلوا خطاب الرسول ﷺ ، واستلهموا من مواعظه وطريقة كلامه ما يوجه خطابهم ومن ذلك:
١ - من كلام عمر بن الخطاب:
عن أَبُي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجمعة إذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ؛ فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ، فَقَالَ عُمَر: وَالْوُضُوءَ أَيْضاً؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِل؟» (١) .
٢ - من كلام معاوية بن أبي سفيان:
عنْ أَبِى قِلاَبَة قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِى حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، فَجَاءَ أَبُو الأَشْعَثِ قَالَ: قَالُوا: أَبُو الأَشْعَثِ أَبُو الأَشْعَثِ. فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ! قَالَ: نَعَمْ! غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً أَنْ يَبِيعَهَا فِي أُعْطِيَاتِ النَّاسِ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِى ذَلِكَ؛ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ فَقَال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْناً بِعَيْنٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى. فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيباً فَقَالَ: أَلاَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُون عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ ـ أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ ـ مَا أُبَالِي أَنْ لاَ أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ» (٢) .
هذه بعض الإشارات والتنبيهات وردت في خطاب نبينا محمد ﷺ وفي خطاب بعض من صحبه واستفاد منه، لعل خطباء الأمة يستفيدون منها، فيتوجهون بخطابهم العام إلى تصحيح السلوكات، والقضاء على الانحرافات بحسن توجيههم ودقة تعبيرهم، مع نبذ التصنيف والتعيين.
` رابعاً: تجنب تلقي الشائعات والترويج لها:
يعتبر خطيب الجمعة مرآة تنعكس عليها هموم الأمة ومشاكلها، إليه يلجأ كل المصلين ليسترشدوا ويتعلموا، كل واحد منهم ينتظر جواباً عن سؤال أرَّقه، أو مشكل أهمَّه، أو حادث ملأ سمعه ويريد تبين صدقه أو كذبه.
وحيث إن الخطيب واحد من أفراد الأمة الذين حباهم الله سعة صدر بمخالطة الناس والسماع لمشاكلهم، والسعي المتواصل من أجل إيجاد الحلول الملائمة لهم، غالباً ما يكون من أوائل من يصل إلى سمعهم ما يكون في الغالب قد وصل إلى أسماع الناس، سواء تعلق الأمر بظاهرة تحتاج إلى تشريح وعلاج، أم بقضية أثارت زوبعة في الساكنة، أم خبراً صحافياً تم تناوله من زاوية مثيرة.
وكثيراً ما يطلق أناس شائعة غالباً ما تضاف إليها إضافات وزيادات، فتصبح كأنها حقيقة لا مراء فيها، لكن عند أول سؤال في محاولة تبين حقيقتها ومصدرها، تجد الكل يتبرأ منها وينسبها إلى غيره أو إلى قائل مجهول.
ولمعالجة هذه الظاهرة وجب على الخطيب تمثل ما يلي:
١ - ضرورة التبين: لقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .
فأول ما يجب أن ينتبه إليه الخطيب هو أن يسلم هو أولاً من الوقوع في خطر الشائعة سواء بالتصديق أم بالتكذيب، ولا يقع فيما وقع فيه الناس؛ لأن وقوع الناس في ترويج الشائعة والتحديث بها أمر مقبول مستساغ عند العامة، لكن وقوع الخطيب فيه أمر غير مقبول وغير مشفوع.
٢ - تعليم الناس البعد عن الإمعية:
فمن العار على أمة اقرأ أن تبقى رهينة ترويج الشائعات وتناقل الأخبار الكاذبة، وترتع في براثن التخلف وتجر أذيال الشعوذة والخرافات، بل وتقع فيها راتعة، بينما الأمم الأخرى تبني الحضارات. فعلى الخطيب أن يرتقي في خطابه للناس؛ بحيث يوصل إلى أسماعهم وقلوبهم ما يرقى بفكرهم، ويكسبهم قدراً من العلم والفقه يميزون به الصحيح من الكذب والغث من السمين.
فالمؤمن ليس إمعة؛ فهو كيِّس فَطِن، وقد نبه الرسول الكريم من الوقوع في التقليد الأعمى، فقال: «لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا؛ ولكن وطِّنوا أنفسكم إن حسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا» (٣) .
٣ - تحذير الناس من خطورة الكلمة:
ولعل من أخطر ما ينخر كيان الأمة في عمقها، أصغر جرم فيها، وكيف لا وقد قال فيه ﷺ : «من ضمن لي ما بين لحييه وفخذيه ضمنت له الجنة» (٤) .
فخطر اللسان عظيم؛ لأنه أعظم آلة للشيطان في استغواء الإنسان؛ حيث لا تعب في إطلاقه ولا مؤونة في تحريكه، وبألفاظ قليلة منه يستبين الكفر من الإيمان؛ لذا وجب تعليم الناس ضبطه وإمساكه وعدم التلفظ بكل صغيرة وكبيرة إلا بعد تبين حقيقتها ومعرفة حكم الشارع فيها. ومما يعين على ذلك:
أ - تعليم الناس عدم التحايل على إخوانهم أثناء التحديث:
وقد نهى النبي ﷺ وحذر من الكذب، بل اعتبر من أكبر الخيانة أن تكذب على من يثق بك، ويصغي إليك بقلبه وأذنه وأنت تكذب عليه، فقال: «كَبُرَتْ خيانةً أن تحدث أخاك حديثاً هو به مصدق وأنت له به كاذب» (٥) .
ب - توجيههم لعدم التحديث بكل المسموع:
وما أكثرها، ومنها الحديث بكل ما يسمع، والرسول ﷺ قد حذر من هذا، فقال: «كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع» (٦) .
نسأل الله لنا ولخطبائنا التوفيق لحسن الاستماع، وحسن القراءة، وحسن القول والفعل. آمين.
стр. 5078
التناقض بين العبادة والسلوك
د. أسامة مشعل
من نظر في حياة المسلمين في جانبيها العبادي والسلوكي وجد تناقضاً واختلالاً بين ما يجب أن يكون متلازماً ومتناغماً.
ففي الجانب العبادي: المساجد تغص بالمصلين، والصائمون في رمضان أكثر من المصلين، ومؤسسات استقبال الزكاة كثيرة ومتنوعة، وعدد الحجاج يزيد عن ثلاثة ملايين كل عام.
وفي الجانب السلوكي: انتشر الكذب والغيبة والنميمة والغش وقول الزور، وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين، والتعامل بالربا، وتكشُّف النساء ... إلخ.
ونظراً لما للتلازم بين العبادة والسلوك من أثر في إصلاح الفرد الذي هو اللبنة الأولى في إصلاح المجتمع وبنائه؛ ولما لذلك من علاقة في تغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة والمؤسسات قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم﴾ [الرعد: ١١] ؛ ولأن هذا التلازم كذلك يتعلق بجهاد النفس المقدم على جهاد العدو، والمسلم إذا لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أُمِرت به، وتترك ما نُهيت عنه، ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، وبإصلاح الفرد بدأ الأنبياء والمرسلون، وفي مقدمتهم نبينا محمد ﷺ .
من أجل ذلك وغيره فإن دراسة ظاهرة التناقض بين العبادة والسلوك في غاية الأهمية.
إن التساؤلات حول هذه الظاهرة كثيرة، ومن أبرزها: ما معنى هذا التناقض؟ وما هي أهمية هذا الموضوع؟ وما هي حقيقة العلاقة بين العبادة والسلوك؟ وما أدلتها؟ ما النماذج والصور الواقعية التي توضح هذا التناقض؟ ما الأسباب الرئيسية لهذا التناقض؟ ماالعلاج لهذا التناقض؟
` أولاً: معنى التناقض بين العبادة والسلوك:
التناقض لغة (١) : الإفساد أو الهدم أو الإبطال أو المخالفة والمعارضة.
العبادة لغة (٢) : الشعائر التعبدية: كالصلاة والصيام والزكاة والحج.
السلوك لغة (٣) : سيرة الإنسان: تصرفات الإنسان القولية والفعلية.
وبناء على ذلك يصبح معنى التناقض بين العبادة والسلوك: مخالفة الأصل الذي هو التلازم والانعكاس المتبادل بين العبادة والسلوك سلباً أو إيجاباً، وإبطال السلوك السلبي لأجر أو قبول عند الله.
` ثانياً: أهمية موضوع التناقض بين العبادة والسلوك:
تعود أهمية هذا الموضوع إلى أسباب اختياره، ومن أبرزها:
١ ـ انتشار هذا التناقض في حياة كثير من المسلمين.
٢ ـ جهل كثير من المسلمين بأثر هذا التناقض على الشعائر التعبدية.
٣ ـ اقتناع كثير من المسلمين بعدم وجود علاقة بين العبادة والسلوك.
٤ ـ نوضيح أسباب هذا التناقض، وأن الأصل هو التوافق.
٥ ـ تقديم مقترحات لعلاج هذا التناقض.
` ثالثاً: حقيقة العلاقة بين العبادة والسلوك:
إن حقيقة العلاقة بين العبادة والسلوك هي علاقة توافق سلباً وإيجاباً، وذلك وفق الآتي:
ـ إن العبادة التي تؤدى على الوجه الأكمل تنتج سلوكاً إيجابياً في الغالب.
ـ وإن العبادة التي لا تؤدى على الوجه الأكمل تنتج سلوكاً سلبياً في الغالب، أو على الأقل تنتج سلوكاً فيه نقص أو خلل.
ـ وإن السلوك الإيجابي يدل على أن العبادة تؤدى على الوجه الأكمل.
وإن السلوك السلبي يدل على أن العبادة لا تؤدى على الوجه الأكمل.
ولعل من المفيد الإشارة إلى أن البحوث الإعلامية تعبر عنها بالعلاقة بين متغيرين (متغير العبادة ومتغير السلوك) أي زيادة الانضباط في العبادة يؤدي إلى زيادة الانضباط في السلوك، وأن الخلل أو النقصان في العبادة يؤدي إلى خلل أو نقصان في السلوك الإيجابي، كما أن الانضباط في السلوك يشير إلى الانضباط في العبادة، والخلل في السلوك يشير إلى الخلل أو النقصان في العبادة.
وتظهر هذه الموازنات والمتغيرات كثيراً في علاقة عبادة الصلاة بالسلوك لتكررها اليومي، ثم الصيام؛ لأنه شهر مفروض في كل عام، وتكون أقل في الظهور في الزكاة لارتباطها بتوفر نصاب من المال، وتقل هذه الموازنات أكثر في الحج لكونه مرة في العمر على القادر والمستطيع.
والوجه الأكمل للعبادة هو: أن تكون خالصة لله ، وأن تؤدى وفق ما نقل عن رسول الله ﷺ شكلاً ومضموناً، وأن يخلو المؤدي لأي شعيرة من الشعائر التعبدية من موانع القبول وفي مقدمتها البعد عن المنهيات والمحرمات، وعن أمراض القلوب.
وإن السلوك الإيجابي هو: التخلق بأخلاق الإسلام المتعلقة بالقلب واللسان والجوارح.
وإن الأخلاق المتعلقة بالقلب هي ملء القلب بالإيمان وبذكر الله، وسلامته من أمراض القلوب المعنوية مثل: الحقد، والحسد، والعجب، والكبر، والغرور ... ، ومن العقائد والأفكار المخالفة للدين.
وإن الأخلاق المتعلقة باللسان هي: قراءة القرآن، والذكر، والصدق، وقول الحق، والدعوة إلى الله والنصح للمسلمين، والبعد عن آفاق اللسان، مثل الكذب، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، والدعاية للأفكار والمبادئ الهدامة، والترويج للبضائع المحرمة، والإخلال بالمقصود والعهود والمواثيق، واستخدامه في الضروريات والحاجيات والمباحث.
وإن الأخلاق المتعلقة بالجوارح (اليد والرجل والفم والسمع والبصر والبطن والفرج ... ) هي: استعمال الجوارح فيما أمر الله به أو أباحه، وتجنيبها ما نهى الله عنه أو حرمه.
` أدلة العلاقة الترابطية بين العبادة والسلوك:
تشير كثير من النصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية إلى العلاقة الترابطية بين الشعائر التعبدية والسلوك القولي والفعلي، وسأكتفي بذكر بعضها وفق الآتي:
١ ـ أدلة الترابط بين الصلاة والزكاة والسلوك من الكتاب والسنة:
ـ الترابط بين الصلاة والزكاة وسلوك الوفاء بالعهد والصبر:
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾ [البقرة: ١٧٧] .
ـ الترابط بين الصلاة والزكاة وسلوك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] .
ـ الترابط بين الصلاة وسلوك الانتهاء عن الفحشاء والمنكر:
قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون﴾ [العنكبوت: ٤٥] .
ـ الترابط بين الصلاة والزكاة وسلوك النصح:
عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة والزكاة والنصح لكل مسلم» (١) حديث صحيح حسن.
ـ الترابط بين الصلاة والزكاة وسلوك صلة الرحم:
عن أبي أيوب الأنصاري أن رجلاً قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال النبي ﷺ : «تعبدُ الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (٢) .
ـ الترابط بين الصلاة والصيام وسلوك تحريم الحرام وإحلال الحلال:
عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النعمان بن نوفل ﵁ جاء رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وحرمت الحرام، وأحللت الحلال ولم أزد على ذلك شيئاً أفأدخل الجنة؟ قال: نعم! فقال: والله لا أزيد على ذلك شيئاً» (٣) .
ـ الترابط بين الصيام والبعد عن سلوك قول الزور:
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه» (٤) حديث حسن صحيح.
ـ الترابط بين الحج والبعد عن سلوك الرفث والفسوق والجدال:
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حج ولم يرفث ولم يفسق غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» (٥) حديث حسن صحيح.
ـ وإن من أبلغ الأدلة على هذا الترابط أن السلوك السلبي لا يشير إلى أن العبادة لا تؤدى على الوجه الأكمل فقط، بل ينقل ثواب العبادة إلى المتضرر من السلوك السلبي، ويُدخل صاحبه النار، أو يبعده عن الله.
قال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما المفلس؟
قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي: من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار» (١) .
وعن أبي هريره ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : يا رسول الله! إن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل، وتتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها؟ قال رسول الله ﷺ : «لا خير فيها هي من أهل النار» (٢) .
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً» (٣) .
` رابعاً: نماذج وصور واقعية توضح التناقض بين العبادة والسلوك:
إن واقع المجتمعات المسلمة الظاهر، والممارسات الاجتماعية والاقتصادية في الغالب تدل على هذا التناقض، ويجد المتأمل أمثلة واقعية كثيرة قولية وفعلية، ومن ذلك انتشار التعامل بالربا، وكثرة الكذب والغيبة والنميمة والغش والخداع والظلم، وعقوق الوالدين، وعدم الوفاء بالعقود والعهود ... ، وتقليد غير المسلمين والتشبه بهم دون أي تمييز بين الحسن والقبيح، وعدم التزام الطالب بمدرسته أو جامعته أو المحافظة على أثاثها ومقتنياتها، وكذلك المدرس وأستاذ الجامعة والموظف.
وهذه بعض الصور والنماذج الواقعية التي توضح ذلك:
ـ امرأة تصف زوجها فتقول: إنه حريص على الصلاة في أوقاتها بالمسجد وعلى الصيام في رمضان وعلى أداء الزكاة وعلى الحج والعمرة، ومعاملته حسنة مع الناس، ولكنه يأكل الربا، ويسافر للخارج للزنا وشرب الخمور وفعل المنكرات، وإذا دخل المنزل يخلع ثلاثة أشياء: حذاءه، وثيابه، وأخلاقه؛ فهو فظ غليظ سبّاب فاحش مع زوجته وأولاده، ولا يجلس معهم، بل يقضي وقته في مشاهدة البرامج والأفلام الخليعة في الفضائيات والإنترنت.
ـ جار يصف جاره فيقول: جاري حريص على الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج في كل عام، ويلقي أحياناً دروساً في المسجد، ولكنه لا يتورع عن الكذب والغيبة والنميمة واحتقار بعض أقاربه وجيرانه، وسبَّاب وفاحش ولعَّان لزوجته وبناته وأولاده، ويربيهم على الحقد وعلى حب المال، ويقول: معك ريال فقيمتك ريال.
ـ صديق يتحدث عن صديق: صديقي حريص على الصلاة بجماعة في المسجد وعلى أداء السنن الرواتب بدقة وعلى بقية الشعائر التعبدية، ولكن بناته سافرات؛ فواحدة منهن تعمل مديرة لشركة في أوروبا بمفرها ولم تتزوج بعد، وواحدة تدرس دون مرافق محرم في بلد أوروبي، فهذه النماذج يغيب فيها السلوك الحسن والخلق الفاضل عن بعض المتدينين.
ـ من أبرز أركان العقود المتفق عليها في الشريعة الإسلامية: الإيجاب والقبول والصيغة؛ فعندما يتقدم الطالب بطلبه للقبول في الجامعة فإن ذلك يعتبر إيجاباً من طرفه وموافقة على نظام الجامعة إن قبلته، وإذا تم القبول فقد اكتملت أركان العقد، ووجب الالتزام به، قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
ويتألف نظام الجامعة في الغالب من آداب وشروط أو ضوابط، وتشتمل الآداب على علاقة الطالب بأساتذته وبزملائه وبالإداريين، وببناء الجامعة ومرافقها، وبالفصول الدراسية وأثاثها، وأما الشروط والضوابط فتتعلق غالباً بالالتزام في الحضور إلى المحاضرات في أوقاتها المحددة وفي حضور الامتحانات بأنواعها، وفي الحصول على الحد الأدنى من الدرجات التي تسمح للطالب بالاستمرارية إلى نهاية المرحلة التي هو فيها.
إن غالب طلاب الجامعات يؤدون الشعائر التعبدية، وإن كثيراً منهم لا يلتزمون بالمطلوب منهم في نظام الجامعة، وهذا تناقض بين العبادة والسلوك.
ـ عندما يتقدم الطالب بطلب إلى الجامعة للابتعاث للخارج فإن هذا الطلب هو إيجاب من الطالب أي موافقة من الطالب على أن ترسله الجامعة للحصول على التخصص الذي تحتاجه، ولهذا الابتعاث نظام معروف، وإذا قبلته الجامعة فقد تم العقد وعلى الطالب الوفاء بمضمونه.
ونظام الابتعاث يتضمن آداباً وشروطاً وضوابط منها العودة للعمل في الجامعة ضمن نظام يتعلق بأعضاء هيئة التدريس يجب أن يلتزم به العائد من الابتعاث، وفي هذا النظام كذلك شروط وضوابط وآداب، ومنها: تدريس ما يُكلَّف به، والحضور في المواعيد المحددة، والعلاقة بطلابه وزملائه والإداريين، ومباني الجامعة ومرافقها وأثاثها.
والمتأمل يرى أن بعض أعضاء هيئة التدريس من المؤدين للشعائر التعبدية لا يلتزمون بالمطلوب منهم في نظام الجامعة، وهذا تناقض بين العبادة والسلوك.
إن خلق الشعور بالمسؤولية والوفاء بالالتزامات التي يقطعها الإنسان على نفسه يعتبر من أعظم الأخلاق التي تدل على رقي صاحبها، وعلو مكانته، ومستواه الاجتماعي، ومن أهم العوامل التي تؤدي إلى نجاح الإنسان في مجتمعه.
فالوفاء بالعهد مسؤولية سيناقَش عليها الإنسان الحساب. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل: ٩١] ؛ ولذلك يجب الوفاء بالعهد مهما كانت الظروف. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون﴾ [الصف: ٢ - ٣] .
فالإخلال بالعقد والعهد من المقت السيئ الكبير الذي يكرهه الله لعباده المؤمنين.
إن حسن إسلام المرء تؤكده العبادات فقط، بل لا بد من تأكيد ذلك بالقول والفعل من خلال سلوكه وتصرفاته.
` خامساً: الأسباب الرئيسة للتناقض بين العبادة والسلوك:
ويمكن إجمالها في ستة أسباب رئيسة:
١ ـ الفهم غير الصحيح للإسلام:
ويعود ذلك بشكل رئىس إلى عدم فهم القرآن الكريم على وجهه الصحيح؛ حيث أصبحت قراءته لدى كثير من الناس دون فهم وتدبر وتطبيق، ويرجع هذا إلى عوامل عديدة من أبرزها:
أـ بُعد المسلمين عن العلم الشرعي وعلمائه.
ب ـ ضعف المسلمين باللغة العربية الفصحى.
ج ـ فشوُّ العامية.
لقد كان القرآن الكريم كل شيء في حياة المسلمين بدءاً من رسولهم ﵊ ويبدو ذلك جلياً عندما سألت السيدة عائشة ﵂ عن خُلُقه ﷺ ، فقالت: «كان خلقه القرآن» (١) ، ويظهر ذلك أيضاً في قول سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁: «كنا لا نتجاوز حفظ عشر آيات حتى نعمل بما فيهن» (٢) .
ومنذ نزول القرآن الكريم أدرك كفار قريش أن السبيل لمحاربته هو أن يبعدوا تأثيره عن قلوب المسلمين، وأن يصدوا الناس عن سماعه والإقبال عليه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون﴾ [فصلت: ٢٦] ، وما فتئ أعداء الإسلام منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا يبذلون كل طاقاتهم لصد الناس عن القرآن الكريم بمختلف الطرق والأساليب.
وعندما لم تستطع أوروبا أن تثبت أقدامها في العالم العربي بعد الحروب الصليبية بقوة السلاح بدأت تبحث عن العوامل التي حالت دون ذلك، وفي الوقت ذاته ظهر الاستشراق الذي كان من أول أهدافه أن يبحث لأوروبا عن سلاح غير أسلحة القتال، وبَعْد الدراسة والبحث تبين للمستشرقين: أن العامل الرئيس في قوة المسلمين هو القرآن الكريم؛ ولذلك فلا بد من العمل على إزالته.
وفي العصر الحديث وفي مجلس العموم البريطاني رفع (غلادستون) المصحف قائلاً: «إنكم لن تستطيعوا أن تحكموا المسلمين إلا إذا نزعتم هذا منهم» . ولكنهم بعد استعمارهم لبلاد المسلمين توصلوا إلى أنه لا يمكن نزع القرآن الكريم من حياة المسلمين إطلاقاً، ولكن من الممكن نزع تأثيره؛ ويصبح شكلاً دون مضمون، أو جسداً بلا روح، ولا يمكن نزع تأثيره إلا بإضعاف أدوات فهمه وتدبره، وفي مقدمتها: اللغة العربية الفصحى، والعلم الشرعي وعلمائه.
وهنا قرروا العمل بهذا الاتجاه، والذي يؤكد ذلك كثير، ومنه ما ورد في تقرير لجنة العمل المغربي الفرنسي: «وإن أول واجب هذ السبيل ـ مقاومة الإسلام ـ هو التقليل من أهمية اللغة العربية، وصرف الناس عنها؛ بإحياء اللهجات المحلية واللغات العامية في شمالي أفريقية حتى لا يفهم المسلمون قرآنهم، ويمكن التغلب على عواطفهم» (٣) .
وقد أدرك هؤلاء أن اللغة العربية تعتبر من أهم عناصر قوة الأمة الإسلامية؛ لأنها لغة القرآن والعنصر الرئيس في توحيد الأمة الذي يرتفع فوق العصبيات والقوميات، ولم يكن هذا الأمر وليد الساعة، بل تنبه إليه الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ وإليه أشار سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: «تعلموا العربية فإنها من دينكم» (٤) . وأشار إليه كذلك الإمام ابن تيمية ﵀ عندما قرر أن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله.
وعندما جاء الاستعمار الحديث إلى البلاد العربية، وقامت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة (نابليون بونابرت) ، وقد تم اختيارها ـ مصر ـ؛ لأنها بلد العلم ومصدر إشعاعه في العالم الإسلامي، ورافق المستشرقون الحملة ليضعوا أسس إضعاف تلك الأدوات ـ اللغة العربية، والعلم الشرعي وعلمائه ـ وتهميشهاً؛ ولتحقيق ذلك اصطحبت الحملة معها كتباً كثيرة، وفتحت مراكز للثقافة، وتوجهت إلى الأزهر ورجاله ودور العلم والمكتبات، وعاثت فيها فساداً من كل جوانبها.
وبعد أن خرج الفرنسيون صار أمر مصر إلى محمد علي باشا (الألباني) عام ١٨٠٥م، وسيطر قناصل أوروبا على مرافق البلاد، وفي مقدمتها التعليم، وركزوا على عدة أمور من أبرزها: إضعاف مناهج اللغة العربية، وتدعيم نشر العامية، وإبعاد الناس عن العلم الشرعي؛ وذلك برفع مستوى دخل المختص في غير العلوم الشرعية، وتشويه صورة العلماء في نفوس الناس.
وانطلاقاً من تلك الأمور وغيرها أرسلت البعثات العلمية إلى فرنسا عام ١٨٢٦م، وكان ممن رافق البعثات الأولى إماماً ومرشداً لها الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي، وبدلاً من أن يكون عامل وقاية للبعثة من التأثر بالأفكار الفرنسية تأثر هو بها، ولما عاد إلى مصر ألَّف عدة كتب، منها: «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني اسماعيل» يدعو فيه إلى العامية، ومما قال فيه: «نعم! إن اللغة المتداولة المسماة باللغة الدارجة التي يقع بها التفاهم في المعاملات السائرة لا مانع أن تكون لها قواعد قريبة المأخذ تضبطها ليعرفها أهل الإقليم حيث نفعها بالنسبة إليهم عميم، وتصنف فيها كتب المنافع العمومية والمصالح البلدية» .
وبعد ذلك أُلفت كتب كثيرة في مصر وغيرها تدعو إلى العامية، وتقعّد لها، وتهاجم الفصحى، ومن تلك الكتب: (قواعد اللغة العامية في مصر: ولهلم سبيتا) و (اللهجة العامية في مصر: كارل فورلرس) و (قواعد اللهجة اللبنانية السورية: رافائيل نخلة) و (في متلو هلكتاب: مارون غصن) و (معجم الألفاظ العامية في اللهجة اللبنانية: أنيس فريجة) .
وتكاثر دعاة العامية، وأغلبهم من النصارى: عيسى إسكندر المعلوف، ولويس عوض، وسعيد عقل، وسلامة موسى.
واللغة العربية من أهم أدوات فهم القرآن، فإذا ما اضعِفت أو هُمِّشت لم يعد يُفهم القرآن على وجهه الصحيح، ونجحوا في ذلك، فلم يعُد المسلم يفهم القرآن، ومن ثم ما عاد يتدبره ويطبقه؛ وبذلك تحقق في المسلمين قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] .
٢ ـ حب الدنيا واتباع الشهوات:
أصبح المسلم اليوم حريصاً على دنياه ومتبعاً لشهواته. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
لقد شُغل قلب المسلم وعقله وفكره بحب الدنيا وكيفية تحصيلها بأشكالها وأنواعها حتى أصبحت أكبر همه، واحتلت الشهوات المكانة الأولى في اهتماماته، ولم يعُد يفكر في الموت وما بعده، بل صار يكره الموت، وهذا ما عبّر عنه النبي ﷺ بقوله: «وليقذفن في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (١) .
٣ ـ خلوُّ الشعائر التعبدية من الخشُوع والخضوع الحقيقي:
لقد أصبحت الصلاة ـ مثلاً ـ لدى الكثيرين جسداً (شكلاً) دون روح (مضمون) ، فلم تعد تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولم يعد المصلي يستشعر بين يدي مَنْ يقوم، ومَنْ يواجه.
ويصوم المسلم عن الطعام والشراب، ولا تصوم جوارحه؛ فلا يكف لسانه عن الغيبة والنميمة والكذب ... ، ولا عينه عن النظر للعورات، ولا أذنيه عن سماع المحرمات.
ويؤدي المسلم الحج، ولكنه لا يتغير فيه شيء لا قَبْل الحج ولا بَعْده.
وبذلك تحقق في المسلمين: «يأتي على الناس زمان تصبح فيه الصلاة عادة، والصوم جلادة، يحج أغنياؤهم للنزهة، وفقراؤهم للتكسُّب، وقراؤهم للرياء والسمعة» (٢) .
٤ ـ ضعف الإيمان، وبخاصة في جانب مراقبة الله والموت والرزق:
لم يعد المسلم يستشعر أن الله يراه في كل وقت وحين؛ لذلك صار يقع في المخالفات الشرعية، وأيضاً لم يعد عمله يدل على أنه موقن بالموت، فصار لا يتوقف كثيراً للتدقيق في قضايا الحلال والحرام، وتحقق قول عمر بن عبد العزيز ﵁: «ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت، ثم لا يستعدون له يعني كأنهم فيه شاكون» (٣) .
ولم يعُد المؤمن يؤمن تمام الإيمان بأن الرزق تكفل به الله في كتابه الكريم: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُون﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣] ؛ ومن هنا وقع المسلم في الكسب الحرام، وسلك مسالكه.
٥ ـ الجهل بخطورة هذا التناقض على العبادة:
ويعود ذلك بشكل رئيس إلى بُعْد المسلمين عن العلم الشرعي وعن التلقي عن العلماء الذي تولَّد منه عدم الاكتراث بقبول العبادة أو عدمه. ومن جانب آخر ضعف الشعور بالمؤاخذة على أعمال الجوارح، بل برزت الاستهانة بأفعالها، حتى انطبق عليهم قول الله ـ تعالى ـ: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] .
٦ ـ الأفكار المستوردة:
ويعود انتشار الأفكار المستوردة إلى عوامل عديدة، من أبرزها:
الاستعمار في الماضي، عودة كثير من المبتعثين الذين يحملون الأفكار التغريبية، البعثات التنصيرية ـ في الماضي ـ إلى بلاد العرب والمسلمين، التدفق المعلوماتي والإعلامي عبر الوسائل الحديثة: الإنترنت والفضائيات ... ، وغيرها.
وتأتي فكرة فصل الدين عن الحياة في مقدمة الأفكار المستوردة التي كان لها أثر كبير في حياة المسلمين، وأصبح المسلم كالنصراني في نظرته لعلاقة الدين بالحياة والتي تقوم على: «دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله ... » .
` سادساً: علاج التناقض بين العبادة والسلوك:
إذا استطاع الطبيب أن يشخص أسباب المرض بدقة فإنه يتمكن في ـ الغالب ـ من إعطاء العلاج الناجع لهذا المرض، وإذا لم يستطع التشخيص التدقيق فإنه يعطي للمريض مسكنات للألم حتى يقيِّض الله له دواء شافياً.
وبعد سبْر حقيقة ظاهرة التناقض بين العبادة والسلوك أمكن حصر غالب أسبابها التي ذكرت آنفاً، وبالدراسة تبين أن العلاج الناجع لهذه الظاهرة يتلخص في النقاط الآتية:
١ ـ العودة إلى دراسة سيرة النبي ﷺ ، وصحابته ﵃ والتعمق في فهم الجوانب المتعلقة بالتلازم بين العبادة والسلوك.
٢ ـ العمل على إيجاد قدوات حقيقية في المجتمع المسلم يتمثلون تعاليم الإسلام بدقة وحذر، ويخشون أن يؤتى الإسلام من قِبَلهم.
٣ ـ إبراز مكانة العلم الشرعي وعلمائه في الأمة.
٤ ـ العودة إلى فهم الإسلام وتعاليمه على يد العلماء العاملين الثقات.
٥ ـ تعليم اللغة الفصحى، وإبراز مكانتها في الدين، وضرورتها في فهم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
في الختام: لا أزعم أن هذه العجالة كاملة مستوعبة إنما هي بداية لدراسة متعمقة إن شاء الله. وأؤكد: أنه لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وخير ختام ما قاله نبي الله شعيب فيما حكاه القرآن الكريم: ﴿إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيب﴾ [هود: ٨٨] .
стр. 5079
حتى لا يتأخر النصر
د. عبد الكريم بكار
هل طال النفق الذي نسير فيه أكثر مما ينبغي وأكثر مما هو متوقع؟ وهل طال انتظارنا للنصر الكبير والإصلاح الشامل والازدهار العام أكثر مما كنا نظن؟
أعتقد أن ذلك صحيح. ويمكن لكل ذلك أن يستمر عقوداً أو قروناً. وهناك إمكانية للانتكاس والارتداد على الأعقاب؛ فالتدهور لا قعر له، ولا حدود تجعله يتوقف.
لماذا لا يقدُم البشير وينبلج الفجر الجديد؟
ربما كان السؤال الأكثر دقة: لماذا يقدُم البشير ويلوح النصر الحاسم؛ ونحن لم نغيِّر في أنفسنا وسلوكاتنا وعلاقاتنا، ولا نشعر أننا نتقدم بخطى ثابتة في الاتجاه الصحيح؟
إن التخلص من وضعية الشَّرْذَمة والانكسار والوهن يحتاج إلى الكثير من العمل والكدح، ويحتاج إلى الكثير من العلم والفهم، كما يحتاج إلى التوقف عن الممارسات السيئة أو بالغة السوء. وأود هنا أن أشير إلى الملمحين الآتيين:
١ - علينا أن نكف عن ممارسة دور الضحية ودور المظلومين الذين اعتُدي عليهم، وسُلبت حقوقهم. الأمة تعزو تخلفها إلى الاستعمار القديم والجديد، والمدارس تعزو إخفاقها في تخريج جيل يعرف ويحب المعرفة إلى تقصير الأسر أو تقصير الجهات العليا في إمدادها بحاجاتها، والموظف المفصول من وظيفته يشكو ظلم رؤسائه ... وهكذا فإنك لا تواجه إلا المظلومين، ولا تواجه ظالمين أو معتدين. كل واحد فينا يذكر محاسن ذاته، ويتحدث عن الأعمال العظيمة التي قام بها ... ومن النادر أن نجد فرداً أو جماعة أو فريقاً يتحدث عن إخفاقاته أو أخطائه، ومن النادر جداً أن تجد كاتباً من كتّابنا يتحدث عن قصور معالجته لمسألة من المسائل أو يقول: إن هذه المسألة لم تتضح في ذهنه على النحو المطلوب. كل شيء على ما يرام. كلنا ضحايا. نحن لم نفعل إلا ما يجب فعله. والآخرون دائماً هم المذنبون وهم المطالبون بالتغيير!!
لا شك أن شيئاً مما نقوله صحيح، لكن الأصح منه هو ما لا نقوله. الحقيقة المؤكدة هي أن إساءاتنا لأنفسنا هي أكبر بكثير من إساءات الآخرين لنا، بل لا يستطيع الغرب والشرق وكل الخصوم والمنافسين أن يفعلوا بنا أسوأ مما فعلناه بأنفسنا، والله ـ جل وعلا ـ قال لمن هم أكرم منا وأتقى وأنبل: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] .
٢ - من غير الممكن الحصول على الازدهار الروحي والعمراني من غير ترسيخ فضيلة (الصدق) في حياتنا، ومن أهم مظاهر الصدق ولوازمه تحمل المسؤولية بأريحية عن أعمالنا. ولهذا فنحن في حاجة إلى أن نرسخ في تقاليدنا الثقافية وفي أعرافنا ونظمنا وقوانيننا سهولة الاعتراف بالخطأ، والاستعداد لتحمل النتائج المترتبة عليه عوضاً عما هو سائد اليوم من القول: كلنا مسؤول، وكلنا مقصِّر، وعلى الجميع أن يصلح شؤونه، إن هذا الكلام صحيح في مجمله، ولكن التعميم الزائد عن الحد يُفضي إلى عكس المطلوب؛ حيث تكون المحصلة النهائية عدم وجود مسؤول تمكن محاسبته. عدم تحديد المسؤولية يعني عدم الخوف من وقوع العقوبة، وعدم الخوف من وقوع العقوبة يعني استمرار الأخطاء واستفحالها، وربما كانت حرية التعبير المنضبط بضوابط الشريعة الغراء هي الشرط الأساس لذلك. إن أجواء الكبت والقهر لا تساعد أبداً على تكوين الأشخاص النبلاء ولا تنشئة جيل يبادر إلى الخير، ويتحمل مسؤولية ما عمل. والله الموفق.
стр. 5080
دعاء
د. عبد الغني التميمي
رباه يا رب العبادِ
وناصر المستضعفينْ
يا قاصم المتجبرين
ويا أمان الخائفينْ
يا من يقول إذا أراد
الشيء «كن» فوراً يكونْ
يا واهب البدر الجمالَ
وواهب الليل السكونْ
يا عالماً ما تُسقط الأشجار
من ورق الغصونْ
يا مودع البحر المحيط
مَحارَه المكنونْ
يا حافظاً فيه الجوار
ومجرياً فيه السفينْ
أنا عبدك الخطَّاءُ يا مولاي
ذو العمل المشينْ
قد جئت بابك بعدما
حَطَمَتْ حناياي السنونْ
أنا ذو الذنوب وللذنوب
هنا كرام كاتبونْ
قد جئت بابك طالب
الغفران من ذنبي المهينْ
أنا لست أسأل عن ذنوب
الناس أو ما يكسِبونْ
الناس أنت خلقتهم
وعلمت ماذا يفعلونْ
أنت المثيبُ الطائعينَ
معذبُ المستكبرينْ
أنا قد حزمت حقائبي
متأهباً للقا المنونْ
وتركت خلفي الناس
أحراراً بما قد يصنعونْ
من كان يسلك لليسار
فشأنه أو لليمينْ
أو كان يصلب في
المبادئ كالحجارة أو يلينْ
أو كان يصمد في لقاء
عدوه أو يستكينْ
رباه يا أمل الضِّعاف
ويا رجاء التائبينْ
قد جئت في ذلٍ إليك
يقودني القلب الحزينْ
من بعد ما ضعفت قواي
وخانني العزم الخؤونْ
هانت لدي مطالبٌ
من قبل ما كانت تهونْ
وشممت رائحة التراب
على المناخر والعيونْ
ورأيتُي متوسداً
في حفرتي ما يحفرونْ
والأهل قد حزنوا
عليَّ وبعضهم لا يأبهونْ
سألوا: أمات؟ ورجَّعوا
ومضوْا سراعاً يلعبونْ
وكأنهم لم يسألوا
عني ولا هم يحزنونْ
ها قد مضيت إلى المصير
بما اكتسبت غداً رهينْ
كم خلت نفسي عارفاً
جمع المعارف والفنونْ
وجلست فوق الناس
أفتي ما أشاء ويسألونْ
وتوهَّموا فيَّ التقى
وتركتهم يتوهمونْ
حسبوا صلاحاً هذه
الشعرات والسمتَ الرزينْ
رباه لا تكتب عليَّ
خطيئةً ما يحسِبونْ
لو أنهم عرفوا انتَهوْا
لكنهم لا يعرفونْ
هذا أنا في الجهل مغموساً
وهم بي جاهلونْ
ونسيت نفسي في غرورٍ
وافتخار من أكونْ
وجهلت أصلي أنني
والناسَ من ماء مهينْ
طين وماذا يَدَّعي من
كان من طين لطينْ؟!
стр. 5081
لك الله يا رمضان
عبد الله موسى بيلا
مِنَ الخُلْدِ.. أمْ مِن شاطئِ الغيبِ تُسفِرُ
صباحاتُ أيَّامٍ مِنَ النُورِ تُبهِرُ؟
تُنيرُ دَياجي النفسِ كالوحي مُشرِقاً
كما ضاءَ في الإظلامِ ماسٌ وجَوهَرُ
وينسابُ مِنها البِشرُ في كُلٍّ كائِنٍ
ويسري مَعَ الأنسام مسكٌ وعنبرٌ
وتجري مَعَ الأرياح أرواح هائِمٍ
تَخُبُّ بِبَرِّ الشوقِ حِيناً، وتُِبحرُ
فتُصبِحُ في دَيمُومةِ الحُبِّ والهوى
وتُمسي ببحرٍ بالتباريح يزخَرُ
تَصُبُّ على الأفهام مِن فَيضِ جُودِها
يقيناً ... وآمالاً عِظاماً تُفجِّرُ
فيِخشَعُ هذا الكونُ لِلَّهِ إذْ هفا
وأبدى مِنَ اللوعاتِ ما كانَ يُستَرُ
وطافَتْ على النورِ الإلهيِّ زُمرةٌ
كساها مِنَ الإيمانِ ثوبٌ ومِئزَرُ
تَغَنَّتْ ـ وما إثمٌ عليها ـ وزَغرَدَتْ
وهامَتْ بضيفٍٍ بالعطايا يُبشِّرُ
فأهلاً به يشدو بها كُلُّ طائرٍ
ومرحى بِهِ يَزهو به اليومَ مِنبَرُ
وَفَدْتَ أيا شَهْرَ التراتيلِ والهُدى
تُفَسِّرُ مِن لَوعاتِنا ما تُفسِّرُ
تَمُدُّ حِبالَ الوصل بينك والورى
بِصومٍ ... وأنفاسٍ إلى اللهِ تَجْأَرُ
لَك اللهُ.. يا شهراً أفاءَتْ بِظِلِّهِ
قُلُوبٌ على حَقلِ الخطيئاتِ تُزهِرُ
أتَتْكَ.. فَكُن برداً لها مِن ضرامِها
وملجأهَا ممّا تخاَفُ.. وتحذَرُ
وصُنها بِحِصنِ الصومِ عن كُلِّ مُوبِقٍ
فقد عَمَّها بحرٌ مِن الخوفِ أحمرُ
وكُنْ في خِضِمِّ الكونِ للخلقِ مَوئِلاَ
وجِسراً.. على أعجازِهِ الناسُ تَعْبُرُ
ألا أَيُّهذا الشهرُ أغدِق فضائِلاً
على كُلِّ مسكينٍ على العُدمِ يُفطِرُ
وأيقِظْ قلُوبَ الأغنياءِ لِيَذْكُروا
أُناساً على الإملاقٍ والجُوع تصبرُ
ففيكَ مِن الآياتِ للخلقِ غُنيةٌ
ومَوعظةٌ لو في عطاياكَ فكَّروا
أيا شهرَ نَصْر الدينِ في كُلِّ وَقعةٍ
يَقُودُ أُسودَ الحربِ فيها غَضَنْفَرُ
ببدرٍ ... وأملاكُ السما في دُروعِها
وفي كفِّها الأسيافُ للهامِ تَسْبُرُ
بمكةَ يومَ الفتحِ تسري ركائِبٌ
إلى النصرِ ... والإسلامُ أعلى وأظهَرُ
محمدُ يحدُوها.. وقد زاغَ باطِلٌ
وكُلُّ لِسانِ الخلقِ ... اللَّهُ أكبَرُ
وحِطِّينَ.. إذْ جَلَّى صلاحٌ عَنِ الدُنا
وعن قُدسِنا رِجساً على الطُهْرِ يَظهَرُ
ولكنْ.. أَجِلْ طَرْفاً علينا فلن ترى
عُيوناً لنا في عِزَّةِ الدينِ تنظُرُ
وسائِلْ بلادَ القُدسِ.. ماذا أصابها؟
وهل بينَ أهلِ الدينِ مَن سوفَ يَنصُرُ؟
وقد أصبَحَتْ مأوى اليهودِ.. ومَوطِناً
على سَفْحِهِ كُلُّ المُروءاتِ تُقبَرُ
وجالَت على أرضِ العراقِ عِصابةٌ
مِن الكُفرِ والعُدوانِ والظُلمِ تَفْجُرُ
فَذَلَّتْ رِقابُ المسلمينَ وأَذْعَنْتْ
وداسَ عليها كافِرٌ يتبختَرُ
سِهامُ الأعادي في حشاها كثيرةٌ
ولكنْ.. سهام الأهلِ والصَحْبِ أكثَرُ
فَأَيَّ سِهام في الوغى سوف تتقي..؟
وأيَّ يَدٍ منّانةٍ سوفَ تَشْكُرُ؟
أتيت أيا شهرَ التباشيرِ بالتُّقى
تزُورُ لِماماً.. والهوى فيكَ أخضَرُ
فَلَيلُكَ قُرآنٌ ... وإخباتُ خاشِعٍ
وصُبحُكَ أضواءٌ مِنَ اللهِ تُسفِرُ
حَنانَيكَ.. لا تَرحَلْ عن الكونِ، فالنُّهى
بِحُبِّكَ يا شَهْرَ السَناءَاتِ تَسكَرُ
يَلُوحُ عليها اليومَ مِن بَعدِكَ الأسى
عليكَ.. وما تخُفي مِنَ الوَجْدِ أكبَرُ
فَحُطها بِكفِّ العطفِ والحُبِّ والرِضا
فَكفُّكَ غَيثٌ مِن يَدِ العفوِ يُمطِرُ
فيا أيُّها الشهرُ الذي فيكَ أشهرٌ
ويا أيُّها الدهرُ الذي فيكَ أدْهرُ..!
بِمَن تزدَهي الدُنيا ـ سواكَ ـ وتنتشي
وأنتَ لِكُلِّ الكونِ عِزٌّ ومَفْخَرُ؟
وقد تعتري وجهَ الزمانِ مصائِبٌ
تُغِيرُ على أيَِامِهِ ... وتُكَدِّرُ
وأنت.. كما كُنتَ؛ ما زِلتَ باسِماً
ووجهُكَ ـ رغمَ الدهرِ ـ ريَّانُ أنْضَرُ
فَعُدْ.. مِثلما قد جِئتَ ضيفاً مُكرَّماً
تُعَمِّرُ مِن بُنيانِنا ما تُعَمِّرُ
لَكَ اللَّهُ.. يا رفداً مِنَ اللهِ للورى
وبحراً مِن الغُفرانِ.. للخَلقِ يَغمُرُ
فَمِثلُكَ شهرٌ لا تُوَفَّى حُقوقُهُ
وعن مَدْحِهِ كُلُّ الأقاويلِ تَقصُرُ
الفكر السياسي الأمريكي والحركات الإسلامية
قراءة في أوراق «الشريك الإسلامي» المطلوب
محمد سليمان أبو رمان
تزايد الجدل الداخلي الأمريكي ـ بعد أحداث ١١ سبتمبر ـ حول السياسة الخارجية الأمريكية تجاه حركات الإسلام السياسي، وحول تصنيف هذه الحركات. ويمكن تلخيص جزء كبير من هذا الجدل في إطار أسئلة رئيسة: هل توضع كل الحركات والفعاليات الإسلامية في المنزلة نفسها؟ أم لا بد من التمييز بينها؟ هل هناك إمكانية للتلاقي أياً كانت الصيغة (تحالفاً، تعايشاً) بين الولايات المتحدة والحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي؟.
هل هناك خطر من الإسلام الأمريكي والأوروبي؟ وطُرِح في هذا السياق سؤال محوري هو: ما هي سمات وخصائص الإسلام السياسي الذي يمكن أن يشكل شريكاً للولايات المتحدة، ويتوافق مع مصالحها الحيوية في العالم، وبالتحديد في العالم الإسلامي؟
للاقتراب من هذا الموضوع سوف أراجع الاتجاهات الفكرية الأمريكية إزاء الحركات الإسلامية، والتعريف الرسمي للسياسة الأمريكية تجاه هذه الحركات، ثم أتطرق إلى أحداث أيلول وآثارها على طبيعة العلاقة، كي أصل إلى تحديد موقع مفهوم الإسلام المعتدل وفكرة الشريك الإسلامي في الفكر السياسي الأمريكي، ومواصفات هذا الشريك المطلوب، ثم أناقش هذه الفكرة ومدى موضوعيتها المعرفية والمنهاجية.
` الاتجاهات الفكرية الأمريكية حول الإسلام السياسي:
يشكل الجدل الحالي استئنافاً قوياً للجدل السابق داخل الدوائر السياسية والبحثية (بنوك التفكير) حول ما يسمى ـ هناك ـ بالظاهرة الإسلامية. وقد انقسم الفكر السياسي الأمريكي ـ وفقاً لتصنيف أغلب الدارسين والمتخصصين ـ إلى اتجاهين رئيسين: اتجاه متشدد، واتجاه معتدل. وإن تعددت تسميات كل من الاتجاهين؛ ففواز جرجس ـ في دراسته المتميزة: أمريكا والإسلام السياسي صدام الثقافات أم صدام المصالح ـ يصف المعتدلين بـ «التعايشيين» ، ويصف المتشددين بـ «الإقصائيين» (١) . أمّا «دانيل بايبس» فيصف المعتدلين بالليبراليين، والمتشددين بالمحافظين (ويصنف نفسه منهم) (٢) .
لقد اختلف الاتجاهان في عدة أمور رئيسة يمكن إجمالها بقضيتين:
الأولى: تعريف الإسلام السياسي وتفسير أسبابه.
والثانية: تحديد السياسة الأمريكية تجاه الإسلام السياسي.
أما القضية الأولى فقد رأى المتشددون أن الحركات الإسلامية بمثابة حركات اجتماعية ذات أيديولوجية دينية، وأنها تشكل في مجملها ظاهرة بأفكار وبُنى وسياسات متطرفة، وأنها تتناقض مع مصالح الأمن القومي الأمريكي، وتمثل تهديداً للولايات المتحدة وحلفائها، وكذلك رأوا أنه لا يمكن التمييز داخل الحركات الإسلامية بين حركات معتدلة وحركات متطرفة؛ فكلها تتفق بالأهداف وإن اختلفت في الوسائل والآليات، بمعنى: أنّ الاستراتيجية واحدة والتكتيك مختلف (٣) ؛ في حين أنّ المعتدلين قد توافقوا في عدم الزج بالحركات الإسلامية كلها في التصنيف نفسه، ومن ثم رفضوا الاعتراف بأنها ـ جميعها ـ تشكل تهديداً للغرب والولايات المتحدة ومصالحها وأمنها، وقاموا بتقسيم الحركات الإسلامية إلى حركات متطرفة وحركات معتدلة؛ في حين اختلفوا في تعريف الحركات الإسلامية وفي تفسير الصعود الإسلامي. فهناك من يحيل ذلك إلى ظروف التهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي، وهناك من يعترف أن هذه الحركات تشكل الامتداد الطبيعي لحيوية وفعالية الروح الحضارية الإسلامية التي تشكل العمود الفقري لثقافة العالم الإسلامي، والمستندة على العامل الديني، بالدرجة الرئيسة، الذي لا يمكن إغفاله أو تجاهله عند التعامل مع العالم الإسلامي (٤) .
هذا التباين (النظري) الشاسع بين الطرفين في تعريف الحركات الإسلامية ألقى بظلاله على القضية الثانية وهي طبيعة السياسة الأمريكية من الحركات الإسلامية؛ فقد رأى الاتجاه الأول أنّ على الولايات المتحدة أن تعرّف هذه الحركات كعدو ومصدر تهديد لأمنها ومصالحها، وتبني سياستها الخارجية على هذا الأساس. وانطلاقاً من هذه الرؤية فقد طالبوا بدعم النظم العربية في مواجهة هذه الحركات، والعمل على مراقبتها ومحاصرتها وتجفيف منابع الدعم المالي والفكري لها، بما في ذلك الوجود الإسلامي في الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة وأوروبا، والعمل على منع قيام جمهوريات إسلامية جديدة على غرار الجمهورية الإيرانية ـ وفق الرؤية الأمريكية ـ ومدافعة الحركات الإسلامية كي لا تصل إلى الحكم سواء عن طريق العمل السياسي الرسمي أو العمل العسكري (٥) . أمّا المعتدلون فقد اختلفوا في تحديد السياسة الأمريكية تجاه هذه الحركات: بين من رأى ضرورة التمييز بين الحركات الإسلامية المعتدلة والمتطرفة من خلال اتخاذ طريق الحوار والتفاهم مع المعتدلين وطريق الردع والمواجهة مع المتطرفين (٦) ، وبين من رأى أن الأمر يتطلب إعادة النظر في السياسة الخارجية الأمريكية ذاتها القائمة على عدة قواعد أدت إلى ظهور الإسلام المتطرف ومنها دعم النظم الاستبدادية والموقف من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ومصالح المجمع الحربي الأمريكي في إشعال الصراعات في منطقة الشرق الأوسط لتسويق منتجاته العسكرية (٧) .
` التعريف الرسمي للسياسة الأمريكية:
الجدل السابق تمحور بين الاتجاهات الفكرية داخل مراكز الدراسات وبنوك التفكير. أما السياسة الخارجية الأمريكية الواقعية، والخبرة المعاصرة لها في التعامل مع حركات الإسلام السياسي، فتعتبر دراسة الخبير الصهيوني في معهد الشرق الأدنى للدراسات «روبرت ساتلوف» بعنوان: «السياسة الأمريكية تجاه الظاهرة الإسلامية مراجعة نظرية وتطبيقية» (١٩٩٨م) بمثابة الدراسة العمدة في هذا المجال؛ فقد رأى ساتلوف بعد دراسة وتمحيص وتوثيق للخطابات السياسية الرسمية الأمريكية تجاه الحركات الإسلامية أنه لا يوجد سياسة مقررة ومحددة رسمياً تجاه الحركات الإسلامية بعينها، وإنما هناك سياسة تجاه المصالح الأمريكية في العالم، وقد وضح ذلك بليترو ـ مساعد سكرتير الدولة لشؤون الشرق الأدنى سابقاً ـ بقوله: «الإسلام السياسي يصبح عاملاً بالنسبة لنا فقط عندما يرتطم بأهداف أو مصالح أمريكية» ، وقوله: «يجب أن نتعامل مع الأصولية الإسلامية في سياقات مختلفة، كيف تؤثر في قضايا ذات أهمية للولايات المتحدة، مثل: عملية السلام، محاربة الإرهاب، أو تشجيع الأسواق الحرة، أو احترام حقوق الإنسان، النقطة الأساسية في أهدافنا ليست الإسلام السياسي» .
وعلى رغم تأكيد ساتلوف السابق على عدم وجود تعريف رسمي للسياسة الأمريكية تجاه الحركات الإسلامية، فإنه قد أقرّ وبوضوح أن سياسة الولايات المتحدة قد تطورت عملياً من خلال عقد التسعينيات لتصل إلى المواقف التالية:
- إن تنامي الحركات الإسلامية عامل تهديد مباشر وغير مباشر للمصالح الأمريكية وحلفائها في العالم.
- إن الولايات المتحدة قد عرّفت هذا الخطر من خلال مصدرين: دول مستقلة كإيران والسودان، وحركات سياسية كحزب الله وحماس.
- وضعت الولايات المتحدة استراتيجية الاحتواء ضد النوع الأول (الدول المستقلة) ، أما النوع الثاني (الحركات الإسلامية) فقد أكدت الولايات المتحدة على المقولات التالية: محاربة الإرهاب مع عمل أمني قوي داخل العالم الإسلامي وخارجه، إصلاحات سياسية تدريجية في عدد كبير من الدول تتمحور في السماح بالحريات الفردية ثم الانتخابات، وعادة ما تترك واشنطن القرار العملي بهذا الخصوص في يد شركائها من الحكومات الصديقة وظروفها، تقديم مساعدات اقتصادية لعدد من الدول الحلفاء في مواجهة الأصولية الإسلامية، إفساح المجال لعملية السلام العربي ـ الإسرائيلي، كأحد العناصر الرئيسة في مواجهة الحركات الإسلامية.
وتتوافق الملاحظات السابقة مع رؤية «دانيل بايبس» التي تقوم على أنّ الولايات المتحدة قد أعادت تعريف مصالحها بعد انتهاء الحرب الباردة، وأعادت كذلك تحديد مصادر التهديد لأمنها القومي، وقد تكونت رؤية مع مرور الوقت داخل الدوائر الرسمية الأمريكية أنّ الحركات الإسلامية هي بمثابة أبرز مصادر التهديد الصاعدة، وأنها تشكل في مجملها خطراً على المصالح الأمريكية (١) ، وهي النتيجة التي أشار لها - بطريقة غير مباشرة ـ كل من «برنارد لويس» و «مارتن إنديك» الذي رأى في مقال له في مجلة الشؤون الخارجية (١٩٩٣م) أنّ الشرق الأوسط على مفترق طرق وأمام خيارين رئيسين: إما الأصولية الإسلامية، وإمّا الليبرالية الغربية.
وقد تصاعد الحديث بشكل كبير في فترة التسعينيات عما يسمى بالخطر الإسلامي الأخضر، والراديكالية الأصولية الإسلامية، وساهمت كثير من النظم العربية ـ كما يرى سبوزيتو ـ في تعزيز المخاوف والهواجس الغربية ضد الحركات الإسلامية في محاولة لدفع الغرب لتقديم المساعدات لهذه النظم في مواجهة هذه الحركات، كما ساهم اللوبي الصهيوني الأمريكي والكيان الصهيوني في الترويج داخل الدوائر الغربية للخطر الإسلامي القادم، كما لعب كل من الإعلام الغربي وعدة أحداث دامية قامت بها الحركات الإسلامية في التأكيد على منطق الصراع بين الإسلام السياسي وبين الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية.
ولا يخفى على هذا الصعيد الدور الذي مارسه عدد من المنظرين والكتاب الغربيين الصهاينة في تعزيز رؤية الصدام والصراع بين الإسلام السياسي والغرب، ويأتي في مقدمة هؤلاء الكتاب «صموئيل هنتنجتون» و «برنارد لويس» و «دانيل بايبس» ، وتقف معهم الحركات الإنجيلية الأصولية البروتستانتية التي تنطلق كلها من منظور ديني/ ثقافي وتاريخي للعلاقة بين الحركات الإسلامية وبين الغرب يقوم على سيطرة فكرة الصراع والعداء بين الطرفين.
` أحداث أيلول وتطورات العلاقة:
من الجدير ذكره أن الاتجاهات والاجتهادات السابقة، والتي رصدتها بعض الأدبيات العربية (في مقدمتها دراسة فواز جرجس) كانت قبل أحداث أيلول، وفي الأغلب الأعم في النصف الثاني من التسعينيات؛ حيث تزايد الاهتمام البحثي والسياسي الأمريكي بشكل كبير بدراسة الحركات الإسلامية، إلاّ أن أحداث أيلول قد أدت إلى تطور كبير في دراسة الحركات الإسلامية في الولايات المتحدة، بل وأصبحت من الموضوعات البارزة ومدار اهتمام عدد كبير من القراء والباحثين الغربيين، بحيث شهد الاهتمام الغربي طفرة كبيرة في هذا المجال البحثي، وإن كان قد تميز في أغلبه بروح العداء والموقف السلبي من الإسلام السياسي، ويكفي إلقاء نظرة على المنتجات الفكرية لعدد من مراكز الدراسات الأمريكية ومواقعها على شبكة الإنترنت حتى نجد مجالاً واسعاً من الإنتاج الخاص بدراسة الحركات الإسلامية المنتشرة في مختلف مناطق العالم، وتجد أنّ معظم هذه الدراسات قد جاءت تحت عنوان الإرهاب السياسي.
ويأتي في سياق الحديث عن أحداث أيلول ـ كنقطة تطور في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الإسلام السياسي ـ الحديث عن متغيرات رئيسة أخرى، وفي مقدمتها سيطرة المحافظين الجدد على مقاليد الحكم والإدارة في البيت الأبيض وعلى العديد من المؤسسات السياسية والإعلامية والثقافية، ويرتبط بذلك ما يحمله اليمين الأمريكي الجديد من رؤى دينية وسياسية تقوم على منظور الصراع الديني والحضاري مع الإسلام والمسلمين، مما أثّر بشكل كبير على صياغة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه العالم العربي والإسلامي، بما في ذلك الحركات الإسلامية.
وتزايد الحديث بعد أيلول عما زعم ضد الوهابية وخطورتها ودورها في تقديم السند الفكري والدعم المالي للحركات الجهادية، واعتبرت الوهابية بمثابة «رأس الحربة» في الهجوم السياسي والإعلامي الأمريكي الشديد على (الإرهاب الإسلامي) ، وتعرّضت السعودية في هذا الإطار إلى حملة سياسية وإعلامية كبيرة جداً، وهو الأمر الذي وصل بعدد من السياسيين والكتاب الأمريكيين إلى اعتبار السعودية عدواً وليس حليفاً للولايات المتحدة (١) .
لقد قيل بعد أحداث أيلول أن الأحداث - قد أضعفت اتجاه التعايش داخل الفكر السياسي الأمريكي، وأضعفت حججه ومواقفه، وأنها أتت لترجح التيار الآخر، وصارت بمثابة التطبيق العملي لمنطق صدام الحضارات والأديان، وما هذه الأحداث وما تلاها من تداعيات وفي مقدمتها إعلان الحرب على الإرهاب والحرب الأفغانية واحتلال العراق إلاّ إثبات عملي على أن الحركات الإسلامية هي العدو الجديد الرئيس للولايات المتحدة، لذلك يجب أن تكرس كل الجهود لمحاربتها وتجفيف مصادرها المالية والاجتماعية.
من هنا انطلقت الدعوات الكبيرة داخل الولايات المتحدة لإصلاح العالم الإسلامي، وكل ذلك بناء على فرضية رئيسة وهي: أن الظروف السياسية والاقتصادية داخل العالم الإسلامي هي التي توجد التربة الخصبة لنمو بذور (الأصولية الإسلامية) ، وأنّ مواجهة الأصولية وهي ـ وفقاً لهذه الرؤية ـ تمثل صدى الإحباط والغضب لإخفاق النظم السياسية العربية لا تكون إلا من خلال عمليات إصلاح بنيوية للعالم العربي تأخذ أبعاداً سياسية واقتصادية وثقافية وتعليمية (٢) .
بيد أنّ النقطة السابقة وهي: الإصلاح في مواجهة الإرهاب أو التطرف، هي ـ ذاتها ـ دفعت إلى إعادة الاعتبار لتيار التعايش داخل الفكر السياسي الأمريكي، وتبلور سؤال جدلي: هل هناك إمكانية لوجود حركات إسلامية معتدلة تدخل في إطار اللعبة السياسية وفق القواعد الأمريكية، وتشكل شريكاً محتملاً في المرحلة القادمة، وتساهم في إعادة صوغ العلاقة بين الإسلام السياسي وبين الولايات المتحدة الأمريكية؟.
إنّ تنامي الدعوات داخل الفكر السياسي الأمريكي، كما سنقرأ لاحقاً، يشكل نقيضاً أيديولوجياً وسياسياً لاتجاه الإقصاء والتشدد داخل السياسة الأمريكية، وقد لمح عدد من الكتاب هذا الأمر من خلال تعيين فيلدمان (على الرغم من أنه يهودي) مستشاراً في وضع الدستور العراقي، وهو الذي يحمل رؤى أكثر اعتدالاً في تصور العلاقة بين الإسلام والغرب من خلال كتابه المعروف عن الجهاد.
وعند التمعن في الموضوع، يمكن القول: إنّ «سؤال الشريك الإسلامي» لم يأت من فراغ في هذه الفترة، بل هناك كثير من المؤشرات التي تدل عليه، وأبرزها نموذج حزب العدالة والتنمية التركي، الذي رأى فيه «ريتشارد هاس» (مسؤول التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية) في خطاب مهم له بعنوان: «باتجاه ديمقراطية أكبر في العالم الإسلامي» Toward A Greeter Democracy in The Islamic World نموذجاً عملياً لقبول الولايات المتحدة بالتعايش مع الأحزاب الإسلامية في ضوء معايير ومحددات معينة، وهناك أيضاً نموذج الحزب الإسلامي في العراق (الذي يشكل جزءاً من التنظيم العالمي لحركة الإخوان المسلمين) ، وهناك الحوارات الدائرة بين دوائر غربية وأمريكية وبين حركات إسلامية، وكذلك الأمر هناك تقارير لمؤسسات ومنظمات دولية - غير حكومية - تدعو إلى إدخال الحركات الإسلامية في الترتيبات السياسية الجديدة في المنطقة العربية، وفي مقدمة هذه المنظمات: مجموعة الأزمات الدولية، التي أصدرت عدة تقارير ـ بهذا الخصوص ـ أبرزها تقرير حول مصر يدعو إلى إشراك الإخوان في المرحلة السياسية القادمة، وكذلك تقرير بعنوان «التعامل مع حماس» Dealing with Hamas يدعو إلى محاولة التفاهم مع حماس على ترتيبات المرحلة السياسية القادمة، والانسحاب الإسرائيلي من أراضي عام ١٩٦٧م، وفق قواعد معينة من الاتفاق يحددها التقرير المذكور (٣) .
ومن العوامل المؤثرة ـ في هذا السياق ـ تصاعد قوة وزخم نزعة «معاداة الأمريكية» في العالم أجمعه وفي العالم العربي والإسلامي بشكل خاص، وهو الأمر الذي دفع باتجاه البحث عن مسارات لتحسين العلاقة مع المجتمعات العربية، ولعل أفضل الطرق إلى ذلك وجود شركاء إسلاميين يقبلون بالمصالح الأمريكية في المنطقة، ويشكلون قاعدة اجتماعية تكفل تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم العربي، والتأكيد على جدية الولايات المتحدة في المضي قدماً بالإصلاحات، ومما يعزز هذا التصور، بالإضافة إلى المؤشرات السابقة، أن الإسلاميين ما زالوا يمتلكون الحضور والنفوذ الواسع في المجتمعات العربية والإسلامية، على النقيض من العلمانيين الذين يفتقدون إلى هذه القاعدة، كما أن العلمانيين، حتى وإن اتفقوا مع الولايات المتحدة في كثير من القيم الاجتماعية، إلاّ أنّ جزءاً كبيراً منهم معاد للسياسة الأمريكية (٤) .
` من الإسلام المعتدل إلى الشريك الإسلامي:
لقد تطورت رؤية الأدبيات الأمريكية حول الحركات الإسلامية خلال الفترة السابقة من الحديث عن إسلام معتدل وسلمي، وتحديد مواصفاته قبل أحداث أيلول، إلى الحديث عن الشريك الإسلامي في هذه المرحلة، والسبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى اختلاف الظروف السياسية بين المرحلتين؛ فالفترة السابقة كانت الأدبيات الأمريكية تناقش مشكلة ومعضلة جوهرية في السياسة الأمريكية، وهي تعريف الحركات الإسلامية وتحديد السياسة تجاهها، وقد غلب على تلك النقاشات الطابع النظري والفكري؛ إذ لم تكن الولايات المتحدة فاعلاً مباشراً ورئيساً علنياً في رسم السياسات في العالم العربي. أما الفترة الحالية فالمشكلة التي تواجه السياسة الأمريكية ليست فقط تعريف الحركات الإسلامية وتصنيفها، وإنما البحث عن شريك من هذه الحركات يقبل بالمشروع الأمريكي، ويندمج في الترتيبات السياسية القادمة في المنطقة؛ فالمطلوب هنا أمر عملي مباشر وليس محاولات تصنيف فكرية عامة.
الفقرات السابقة تقودنا إلى تحديد موقع مفهوم الإسلام المعتدل والشريك الإسلامي من الأجندة السياسية والبحثية الأمريكية، والملاحظة الأولى أن الحديث عن الإسلام المعتدل سابقاً، أو الشريك الإسلامي لاحقاً يأتي في سياق تيار داخل الفكر السياسي الأمريكي، وهذا التيار ليس هو التيار الغالب، وإن كانت بعض المؤشرات قد أتت ـ مؤخراً ـ في صالحه، إلاّ أنه يبقى التيار الأضعف والأقل نفوذاً وقوة داخل الدوائر الأمريكية التي يسيطر عليها التيار المتشدد، والذي يرفد قوته وحججه جملة كبيرة من العوامل أهمها الصورة الذهنية النمطية داخل المجتمع الأمريكي، التي تصيب النخبة هناك بمقدار ما تصيب الشعب، والمحملة بالموقف السلبي الكبير تجاه العرب والمسلمين بشكل عام، وكذلك دور الكنيسة هناك في تعزيز مظاهر العداء الديني، ودور اللوبي الصهيوني والإعلام والكونغرس ... إلخ. بمعنى: أنّ التيار الرئيس في الثقافة الأمريكية هو تيار التشدد وليس تيار التعايش (١) .
أما الملاحظة الثانية، وهي على درجة من الأهمية، أنّ النظر إلى مفهوم الإسلام المعتدل أو الشريك الإسلامي في الرؤية الأمريكية يأتي ضمن منظور المصالح السياسية الأمريكية، ومن ثم فإن تحديد وتعريف الإسلام المعتدل يتأطر بشكل رئيس بما بتوافق مع المصالح الأمريكية، ضمن رؤية التيار المعتدل في الفكر السياسي الأمريكي، وهنا نجد أننا أمام عملية محكمة لا تقيم اعتباراً للاختلافات الحضارية وللزوايا المختلفة في الرؤية لموضوع المصالح والقيم الحاكمة؛ فالذي يميز الإسلام المعتدل عن الإسلام المتطرف هو مقدار التوافق مع المصالح الأمريكية، دون النظر فيما إذا كانت هذه المصالح ذاتها شرعية أم، لا. ومن ثم نحن لسنا هنا أمام قضية معرفية أو حضارية، وإنما أمام قضية براغماتية سياسية.
والملاحظة الثالثة هي أنّ المنظور الثقافي كذلك يقوم على طابع نرجسي فوقي في التعامل مع الآخر؛ فالإسلام المعتدل هو الإسلام الذي يقبل القيم لثقافية والسياسية الغربية: حقوق الأقليات، حقوق المرأة، الحريات الدينية.. إلخ، وكل العناوين السابقة تأتي في إطار الفهم الثقافي الغربي لها ومنطلقاته القيمية الحاكمة، على اعتبار أنها الأمثل والأفضل، دون النظر كذلك في مدى توافق هذا الفهم مع المنظور الحضاري الإسلامي، وهنا فإنّ الإسلام المطلوب هو الإسلام الذي يلوَّن ويفسَّر ويؤطَّر بما يتوافق مع الثقافة الغربية والمنظور السياسي والأمني الأمريكي.
كل هذا وذاك يقودنا إلى موضوع خصائص الإسلام المعتدل والشريك الإسلامي، ويظهر من مجموعة كبيرة من التصريحات والكتابات جملة من السمات المطلوبة، وإن كان هذا الموضوع ـ كما يخلص ساتلوف من دراسته تلك - يشكل جوهر ومعضلة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، كما أنه مدار جدل واختلاف كبير في الدوائر الثقافية والسياسية هناك.
كان التمييز بين الإسلام المعتدل والإسلام المتطرف في بعض الأدبيات الأمريكية في فترة التسعينيات يقوم على معيار استخدام العنف والطريق السلمي، فوصفت الحركات التي تستخدم العنف بأنها متطرفة بينما التي تتخذ طريق العمل السياسي المشروع والتي تشارك في الانتخابات بأنها معتدلة، إلاّ أنّ هذا المعيار لقي معارضة شديدة؛ فقد رأى عدد من الباحثين أن الحركات الإسلامية السلمية تتخذ الديمقراطية تكتيكاً للوصول إلى أهدافها السياسية بإقامة الدولة الإسلامية، ثم تتخلى عن الديمقراطية، ورأوا أن الحركات السلمية والعنيفة تتفقان في الأهداف وإن اختلفتا في الوسائل. ورأى آخرون أن التمييز بين الحركات الإسلامية يمكن أن ينهض على معيار الممارسة القانونية داخل الدولة، لكن هذا المعيار اعترض عليه بأنّ هناك كثيراً من الأحزاب والحركات التي يتسم نشاطها بالمشروعية القانونية داخل دولها، لكنها معادية للولايات المتحدة مثل حزب الله اللبناني. وقد استقر عدد كبير من الباحثين والسياسيين الأمريكان على أنّ معيار الاعتدال يقوم على عدة مؤشرات رئيسة أهمها: القبول بالديمقراطية والتعددية كنظام سياسي نهائي، القبول بالتعددية السياسية، الحرية الدينية، حرية المرأة، حقوق الأقليات، الحريات العامة، العملية السلمية مع إسرائيل، عدم تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة (٢) .
وقد شكلت تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، بعد أحداث أيلول، نموذجاً لمفهوم الشريك الإسلامي المعتدل، ويمكن إجمال سمات هذا النموذج بـ: التصالح مع الغرب، القبول بالمصالح الأمريكية في المنطقة، الرؤية الليبرالية المحضة على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي، بما في ذلك الحريات السياسية والاقتصادية، القبول بالعملية السلمية، الشراكة مع الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب على المستوى السياسي والأمني (٣) .
أما تجربة الحزب الإسلامي العراقي إلى الآن، فإنها غير واضحة كثيراً، ولكنها تشكل مدخلاً عاماً لإمكانية التعايش بين الظاهرة الإسلامية والمشروع الأمريكي، خاصة إذا وضع نموذج الحزب الإسلامي، والاتحاد الإسلامي الكردي في مواجهة الحركات والأحزاب الإسلامية التي تتبنى خيار المقاومة والصدام مع المشروع الأمريكي.
كما تكررت فكرة الشريك الإسلامي في عدة مقالات ودراسات كان آخرها دراسة صادرة عن مؤسسة (راند) بعنوان: «الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والمصادر والاستراتيجيات» قامت بها الباحثة (شيريل برنارد) (١) ، وتقوم فكرة الدراسة على مفهوم جديد بدأ بتداوله عدد من السياسيين الأمريكان وهو «بناء الدين» Religion Building، وتستند إلى تقسيم ساذج للتيارات السياسية الإسلامية إلى أربعة تيارات: تقليديين، أصوليين، حداثيين (إسلاميين) ، علمانيين. ويقوم الدور الأمريكي المطلوب في البحث عن الشريك الإسلامي وهو وفقاً للكاتبة «الإسلام الحداثي» ، لكن هذا لا يمنع من مساهمة الولايات المتحدة في دعم التقليديين والعلمانيين بما يخدم أهدافها ومصالحها، فلا بد من تقوية التقليديين للوقوف في مواجهة الأصوليين، والعلمانيين للتأكيد على فكرة الفصل بين الدين والدولة.
إلاّ أن الذي يعنينا بالدرجة الأولى في هذه الدراسة أن فكرة الشريك الإسلامي هنا ترتبط ـ كما سبق بالمعيار السياسي والثقافي الأمريكي ـ من جهة، ومن جهة أخرى بدور هذا الشريك في مواجهة الأطراف الإسلامية الأخرى؛ فحتى التيار التقليدي مرشح أن يكون شريكاً بدرجة ما في سياق مواجهة الأصوليين، بمعنى آخر: فكرة الشريك هنا تمثل فكرة وظيفية في مواجهة الأطراف الإسلامية الأخرى، وليس شريكاً سياسياً عاماً ـ على سبيل المثال ـ. والمحصلة هي دوافع الباحثة في إشعال الحروب الداخلية بين التيارات الإسلامية، ونقل الصراع إلى الداخل.
` الخاتمة:
تقوم فكرة الشريك الإسلامي ـ والتي ورثت ـ إلى درجة كبيرة فكرة الإسلام المعتدل ـ في الرؤية السياسية الأمريكية على تحيز ثقافي وسياسي صارخ بعيد كل البعد عن الرؤية الموضوعية التي تقوم على التنوع الحضاري والثقافي ومشروعية تعدد المصالح السياسية والاقتصادية.
والأمر لا يخرج هنا عن عملية إنتاج لتيار إسلامي بمواصفات أمريكية، تتم عملية إدماجه في مشروع الهيمنة الأمريكية على المنطقة، ليصبح ملحقاً بهذا المشروع؛ ليكتسب المشروعية والقبول من قِبَل الطرف الأمريكي.
ولا تبدو فكرة الشريك الإسلامي واقعية رغم المؤشرات العديدة عليها، ذلك أنها تتصادم مع الشروط الموضوعية والعوامل الذاتية التي أنتجت الفعالية الإسلامية، وأوجدت بدورها مشروعيتها السياسية في تمثيل المجتمعات العربية؛ فالحركات الإسلامية تمثل طموح الأمة المشروع في استعادة روحها الحضارية، وفي الوصول إلى مطالبها في النهضة والاستقلال والتنمية والتحرر، وهذه المطالب تتناقض بدرجة كبيرة مع المصالح والمشروع الأمريكي في العالم العربي القائم على قاعدة الاستغلال والتبعية والهيمنة.
فنحن إذن ـ هنا ـ أمام مشروعين متضادين على المستوى السياسي، وعملية الشراكة بينهما تقوم على تنازل، والتنازل المطلوب أمريكياً تنازل كبير مبني على تقدير أن تدهور المجال السياسي العربي سيخدم حصول الولايات المتحدة على هذا التنازل من أحزاب إسلامية، سعياً لتحقيق مكاسب لها، كما هو الحال في الحزب الإسلامي العراقي. بينما الأحزاب الإسلامية لا يمكن أن تحصل على تنازل من الولايات المتحدة في ضوء المعادلة الحالية من حسابات القوة العسكرية والسياسية.
لذلك فإنّ فكرة الشراكة ستكون محدودة وغير فاعلة وعلى هامش الحياة السياسية العربية والإسلامية، ويعزز هذه النتيجة أن الحركات الإسلامية تحمل مشروعاً حضارياً يستند إلى جملة من القيم الحاكمة التي تختلف كثيراً عن القيم الثقافية الأمريكية، ومن ثم من الصعوبة بمكان تصور وجود حزب إسلامي يقبل بالتصور الثقافي الغربي كإطار فكري حاكم لمشروعه الإصلاحي، وإلاّ فلماذا يرفع الشعار الإسلامي؟ بل إن عدداً كبيراً من الحركات الإسلامية السلمية المعتدلة قامت في التاريخ الحديث والمعاصر على أساس رفض البديل الثقافي الغربي وعدم صلاحيته للتطبيق في العالم الإسلامي.
كما أن عملية تعميم نموذج حزب العدالة والتنمية في المنطقة العربية، عملية غير منطقية؛ لأن حزب العدالة والتنمية قد ولد في إطار ظروف خاصة ليتجاوب مع معادلة سياسية مختلفة تماماً عن المعادلة السياسية في العالم العربي، وكثير من مواقفه السياسية والفكرية تمليها عليه طبيعة المعادلة الداخلية التركية وليس المنطلقات الفكرية الأصلية له كحزب إسلامي، وبالضرورة فإن التجربة التركية مختلفة تماماً عن التجربة العربية، كما أن التحديات التي تواجه الحزب تختلف جذرياً عن التحديات التي تواجه الحركات والأحزاب الإسلامية العربية، وهو الأمر الذي يجعل من فكرة تعميم نموذج حزب العدالة فكرة وهمية غير قابلة للتطبيق.
стр. 5084
- أقوال غير عابرة -
- «شروط حماس لوقف الانتفاضة هي أن تحقق أهدافها والمتمثلة في: زوال الاحتلال، واسترداد الأرض، وعودة الشعب اللاجئ، وبناء مجتمع الفضيلة» محمود الزهار من أبرز قياديي حماس. [السبيل، ٢٨/٩/٢٠٠٤م]
- «أحد اسباب ذهاب بوش لحرب العراق كان خفض الاعتماد على النفط السعودي، اليوم أمريكا تعتمد أكثر على السعودية مما كانت أبداً» فريد زكريا رئيس تحرير الطبعة الدولية من مجلة النيوزويك الأمريكية ينتقد إدارة بوش. [النيوزويك، ٧/٩/٢٠٠٤م]
- «يحق للمرأة أن تتولى القضاء، أنا شخصياً لا أجد نصاً يمنع المرأة من ولاية القضاء، لكن هذه المسألة مرجعها إلى تقدير الهيئات القضائية» شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي. [السفير، ٣٠/٩/٢٠٠٤م]
- «إذا نظرتم إلى عدد الحوادث ووضعتموها على خريطة، فإنها ليست بضع محافظات فقط» الخبير آدم كولينز، المسؤول عن الاستخبارات في العراق لحساب شركة أمنية أمريكية يؤكد انتشار عمليات المقاومة في كافة أنحاء العراق. [السفير، ٣٠/٩/٢٠٠٤م نقلاً عن النيويورك تايمز]
- «بوش خير من يُجنَّد للقاعدة» السفير البريطاني السابق في روما ينتقد النتائج العكسية لسياسة بوش في حرب الإرهاب. [فضائية العربية، ٢٠/٩/٢٠٠٤م]
- «لن أفاجأ بأي شيء تفعله إيران في هذا البلد، ولا ينبغي لأي منا أن يُفاجأ» سيد عباس المدرسي أحد علماء الحوزة الشيعية في كربلاء يتحدث عن التغلغل الإيراني في العراق. [النيوزويك العدد (٢٢١) ]
- «نحن وزيرا الخارجية التونسيان الوحيدان في العالم» سيلفان شالوم وزير الخارجية الصهيوني يتحدث إلى نظيره التونسي الحبيب بن يحيى لافتاً إلى مسقط رأسهما المشترك في بلدة قابس التونسية. [السبيل، ٢٨/٩/٢٠٠٤م]
стр. 5085
التفاؤل فقه
د. محمد الخراز
التفاؤل متغلغل في نسيج الفكر الإسلامي. لفتت نظري هذه الظاهرة وأنا أتتبع جملة من الأحاديث وشروحها؛ فلقد فهم الشراح الكبار من المتقدمين هذه النزعة الإسلامية، وصاروا يبنون عليها كثيراً من تأويلهم للأقوال والأفعال النبوية.
وفي هذا العصر تتعاظم حاجة المسلم شالناس من حوله.
وتربوياً لا بد من زرع الثقة في العمل ليتقدم خطوة بعد أخرى، كما خُطِّط له. وهذا مما يساعد كثيراً في إنجاح الخطط، لا سيما بعيدة المدى، وهي التي إن لم تدعم بالثقة وتوطُّد الوشائج بينها وبين الأمل والعمل؛ فإنها كثيراً ما تتعثر، أو تتبعثر.
ومن غرائب اللجوء للتفاؤل في التعليل ما نُقل عن القاضي عياض ﵀ أنه قال في سر نفث القارئ على المريض: إنه قد يكون على سبيل التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض، كانفصال ذلك (الريق) عن الراقي. [فتح الباري/ كتاب الطب] . ومع غرابة هذا التعليل ـ وربما بُعده أيضاً ـ لكنه يشد من أزري فيما قلته عن إحساس الشراح بعمق هذا الأصل التربوي الإسلامي، وشغفهم بتقريره، ولو بَعُد مأخذه.
هذا الأصل تلزمنا العناية به الآن مثل أي وقت مضى من عصور الأمة الحرجة، لما لا يخفى من الطبيعة المشتركة بينها وبين مرحلتنا هذه. وقد أعجبت بما تفاءل به المسلمون من اسم (الفلُّوجة) المدينة العراقية الصامدة، حيث (الفلج) يعني الغلبة. وذكرني هذا بما علل السهيلي به لقول النبي ﷺ : «الله أكبر خربت خيبر» من أنه تفاؤل مستوحى من المقام، كما يشير إليه حديث أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى خَيْبَرَ لَيْلاً وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِرْ بِهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ؛ فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ الْيَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ ـ يعني الجيش ـ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خَرِبَتْ خَيْبَرُ؛ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) رواه البخاري. فانظر لدقة الفهم، وعمق التأويل في قول السهيلي ﵀: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل؛ لأنه ﷺ لما رأى آلات الهدم ـ مع أن لفظ المِسحاة من سَحَوْت إذا قَشَرْت ـ أَخذ منه أن مدينتهم ستَخرب. [فتح الباري/كتاب المغازي] .
وقد كان من هدي النبي ﷺ المزج بين التفاؤل والتخطيط والعمل. ففي خبر مَقْدَمِه ﵊ للمدينة مهاجراً أنه (نَزَلَ فِي عُلْوِّ الْمَدِينَةِ، فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) كما في البخاري عن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁. وهذا تفاؤل له ولدينه بالعلو. [فتح الباري/كتاب مناقب الأنصار] .
وفي أوقات الأزمات والشدائد تعظم الحاجة لاستحضار الفأل الحسن، ومن هنا كان ﵊ إذا استسقى بالناس قلب رداءه بعد الخطبة (ثم حوَّل إلى الناس ظهره) : ومن الحكمة في ذلك التفاؤلُ بتحوُّله عن الحالة التي كان عليها ـ وهي المواجهة للناس ـ إلى الحالة الأخرى؛ وهي استقبال القبلة واستدبارهم ليتحول عنهم الحالُ الذي هم فيه ـ وهو الجدب ـ بحال آخر وهو الخصب (١) .
وقد حرصت ـ فيما قلت ـ على سرد تطبيقات التفاؤل دون ذكر الآيات القرآنية والأحاديث الصريحة في الحث عليه؛ لأنها لا تخفى على أكثر المسلمين، ولكنهم إنما أُتوا من غياب الفقه بالدين، ومن التقصير في التماس مقاصده الخفية، ومن انخذالهم عن تطبيق مفهوم التفاؤل في عملهم وتعليمهم، فأحدثوا فجوة عميقة من القنوط واليأس. ولقد رأيت كثيراً من المؤلفين القدماء يختمون مؤلفاتهم بلفظ أو فصل يشعر معناه أو مضمونه ومحتواه بالتفاؤل والنجاح ليزرعوا في نفوس الطلاب والقراء هذا الحس الإيجابي القويم.
стр. 5086
أسرى فلسطين.. وثمن النصر
هل يستطيع الفلسطينيون انتزاع حقوقهم دون عناء أو مشقة؟! وهل يمكن أن تنتصر الدعوات بغير البذل والتضحية والثبات على الحق..؟!
إنها سنَّة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، جاء بيانها في قول الله : ﴿الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] .
إذن هو الابتلاء الذي تُمتحن فيه الأمة، وتتميز فيه الصفوف!
إنه طريق طويل فيه من الشدّة واللأواء والجراحات الشيء الكثير، ولا يقوى على تحمل آلامه وعنته إلا المخلصون من أولياء الله.
المخلصون الذين أيقنوا بموعود الله لهم، فبذلوا نفوسهم رخيصة في سبيله لا يتطلعون إلى مغنم أو جاه أو شرف شخصي، بل يرجون ما عند الله والدار الآخرة.
ومن حكمة الله أن هذا الطريق لو كان يسيراً هيناً لتكاثر فيه المتسابقون من طلاب الدنيا، ولتزيَّن به أقوام من أصحاب الأهواء، وصدق المولى ـ جلّ وعلا ـ: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة: ٤٢] .
ونحسب أن الأسرى والأسيرات الفلسطينيين في سجون العدو اليهودي ممَّن ضرب أروع الأمثلة في الثبات والصبر والعض على الدين بالنواجذ، بعيداً عن المزايدات السياسية، أو الادعاءات الحزبية.
وهذا الملف إضاءة يسيرة على جزء محدود من قضيتهم، نسأل الله ـ تعالى ـ أن يربط على قلوبهم، ويثبت أقدامهم، وينصرهم على القوم الكافرين.
стр. 5087
تطور الإضرابات داخل المعتقلات
نائل نخلة
تطورت الإضرابات داخل المعتقلات تبعاً للحاجة ولتطور الوعي لدى المعتقلين وتطور الخبرات الاعتقالية. وسنرى ذلك من خلال عرض هذه الإضرابات وتنوعها:
أولاً: إضراب معتقل (بيد ليد) في كانون الثاني ١٩٦٩م الذي استمر ١١ يوماً.
ثانياً: إضراب معتقل عسقلان في تموز ١٩٧٠م: إضراب مطلبي، وهو أول إضراب عن الطعام يخوضه المعتقلون في المعتقلات، واستمر الإضراب ثمانية أيام. غيرت إدارة المعتقلات العامة على إثره سياستها داخل المعتقلات بتلبية بعض المطالب. استشهد في هذا الإضراب وبقتل متعمد من مسؤول العيادة (عبد القادر أبو الفحم) .
ثالثاً: إضراب عسقلان في أيلول عام ١٩٧٢م: إضراب بمطالب أخذ شكل الإضراب عن الخروج للساحة والزيارة. على أثر ذلك حضر مدير المعتقلات العامة إلى المعتقل وتحققت بعض الإنجازات مثل: خلع الستائر الحديدية عن الشبابيك وتوسيع غرفة الزيارة، وإزالة أحد شبكي غرفة الزيارة، وإدخال بعض الكتب، والتي دخلت للمعتقل لأول مرة من الأهل بواسطة الصليب الأحمر.
رابعاً: إضراب عسقلان في أيلول عام ١٩٧٣م: كان إضراباً جزئياً عن الزيارة والخروح للساحة. استمر حوالي الشهر، وانتهى بالإخفاق بعد نشوب حرب تشرين عام ١٩٧٣م.
خامساً: إضراب معتقل (بيت ليد) عام ١٩٧٣م: أضرب الأسرى الجدد إضراباً بمطالب، إلا أنه أخفق بسبب نقل جميع المعتقلين إلى معتقل بئر السبع.
سادساً: إضراب معتقل بئر السبع في حزيران العام ١٩٧٣م: كانت أهم مطالب الإضراب رفض العمل الإجباري أياً كان نوعه، وجعله وفق مشيئة المعتقلين وقرارهم. رافق هذا المطلب مطالب حياتية كتحسين أوضاع المعاملة والطعام والصحة. اتخذ هذا الإضراب شكل الامتناع عن الحمَّام والخروج للساحة وعن زيارة الحلاقة، والأكثر فاعلية في هذا الإضراب هو التوقف عن العمل بجميع المرافق. استمر هذا الإضراب تسعة شهور حتى صدئت الأقفال التي على أبواب الغرف والزنزانات. كانت تجربة المعتقلين هذه ناجحة جداً، ويعود نجاحها إلى أسباب عديدة منها:
١ - التنسيق الواعي والمتواصل بين قيادات الفصائل.
٢ - عني معتقل بئر السبع بقيادات ذات وعي وتجربة عميقتين من معتقل بيت ليد بعد إضراب معتقل بيد ليد عام ١٩٧٣م، ومن معتقل عسقلان في آذار ١٩٧٣م.
٣ - معرفة القيادات لأوضاع المعتقلين في هذا المعتقل، وقدرتها على اتخاذ ترتيبات رفعت من تلاحم المعتقلين وصلابة إرادتهم.
٤ - الاعتماد على خطة المراحل في تثوير الواقع الاعتقالي وفي المواجهة مع إدارة المعتقل؛ إذ سبق الإضراب خطوات تكتيكية ضد الإدارة منها التوقف عن العمل في معظم المرافق، ومنها المطالبة ببعض الحقوق المهضومة مثل عدم قطع الماء الساخن وتوفير الصابون.
٥ - وضع خطة العمل على ضوء الإمكانيات المتوفرة في المعتقل. فمثلاً في ظل الظروف الموجودة آنذاك لم يكن بالإمكان خوض الإضراب عن الطعام حتى ولو بعد سنة من حضور قيادتي معتقل بيت ليد وعسقلان؛ فالعديد من المعتقلين كانوا جدداً وغير مهيئين لإضراب طويل عن الطعام.
٦ - وضع قيادات خلفية سرية لكافة الأجهزة على ضوء دراسة احتمالات المستقبل دراسة جيدة ولضمان استمرارية ومتانة البنية الاعتقالية وصلابة العمل النضالي واستمرارية الحركة إلى الأمام دون تراجع.
وقد اتخذت الإدارة ردود فعل عدة منها:
١ - قطع الماء الساخن عن الحمامات ولأي استخدام آخر.
٢ - مصادرة جزئية للبطانيات؛ فلم يتبق مع كل معتقل سوى أربع بطانيات من أصل ستة؛ وهذا في طقس النقب المعروف ببرده القارس خاصة ليلاً.
٣ - مصادرة الملابس الداخلية؛ فلم يبق لدى المعتقل منها إلا ما كان يلبس.
٤ - عزل بعض المعتقلين، مع عزل كافة المعتقلين عن العالم الخارجي.
٥ - إغلاق المذياع المركزي ومنع إدخال الجرائد.
سابعاً: إضراب معتقل عسقلان في كانون الأول ١٩٧٦م: وهو إضراب عن الطعام شمل كافة المعتقلين في المعتقل، واستمر لمدة خمسة وستين يوماً مع انقطاع ثلاثة أيام. عملت إدارة المعتقل على نقل العناصر القيادية من المعتقلين إلى معتقل الجلمة وتحت إشراف حرس الحدود. وقد مارس حرس الحدود أبشع أنواع التعذيب والتنكيل ضد هؤلاء المضربين. استمر الإضراب رغم ذلك لدرجة أن المعتقلين سمعوا أمراً من مدير المعتقلات العامة يقول لضابط حرس الحدود المرافق للمضربين أثناء عملية النقل: «إذا استطعت تكسير رؤوس هؤلاء؛ فإننا قد انتصرنا» ، إثر ذلك قرر المضربون استمرار الإضراب والصمود والتصميم على تحقيق المطالب.
بعد عشرين يوماً من الإضراب تدخل وفد من إدارة المعتقلات ووعد بتلبية المطالب وهي:
أ - فرشة إسفنج للنوم بطول ١٨٠ سم وعرض ٦٠ سم.
ب - إدخال كتب بشكل أوسع عما كان عليه سابقاً.
ت - إجراء عمليات جراحية للمرضى المحتاجين لها.
ث - الانتساب للجامعات.
لبت الإدارة كل هذه المطالب، ولكنها عادت ونكثت بالمطلب الأخير.
- انعكاسات الإضراب:
كان لهذا الإضراب القوي، وبسبب نجاحه، انعكاسات هامة على الحركة الاعتقالية والحياة داخل المعتقل، ومن هذه الانعكاسات ما يلي:
١ - دعم اللحمة الداخلية للمعتقلين بكافة اتجاهاتهم؛ بحيث بدأت الوحدة الوطنية داخل المعتقلات تتجسد بشكل سليم، وتسير بطرق صحيحة وبعيدة عن الصراعات السياسية والخلافات الخارجية.
٢ - ظهر هناك تضامن من كافة المعتقلات ولأول مرة؛ إذ أعلنت المعتقلات الأخرى إضراباً لأيام محدودة تضامناً مع إضراب عسقلان هذا، فكان لهذا تأثير على مسيرة الحركة الاعتقالية المستقبلية، وأدركت إدارة المعتقلات أنها لا تواجه معتقلاً منعزلاً وإنما تواجه المعتقلات جميعها.
٣ - تضامن سكان الوطن المحتل مع هذا الإضراب، ولأول مرة يلمس المعتقلون مثل هذا التضامن. نظمت مظاهرات جماهيرية واعتصامات تأييداً لمطالب المعتقلين.
٤ - تضامن لجنة الحقوقيين الديمقراطيين وقطاع من الديمقراطيين اليهود مع المعتقلين، وقيام اعتصام عند بوابة المعتقل.
٥ - تغطية الإضراب إعلامياً على المستويين العربي والدولي.
أما النتائج السلبية للإضراب فكانت إصابة اثنين من المضربين نتيجة إدخال الخرطوم إلى المعدة للتغذية بالحليب؛ إذ كان الخرطوم يُدخل بطريقة عنيفة وغير صحيحة مما أدى إلى تسرب الحليب إلى الرئتين. عانى المعتقلون من التهابات، واستؤصل جزء من رئة أحدهم. وكذلك انتشر مرض البواسير والالتهابات المعوية والإمساك الشديد.
ثامناً: إضراب معتقل بئر السبع في آذار ١٩٧٨م: هدف هذا الإضراب إلى حماية الإنجازات التي حققت في الإضراب السابق والتي حاولت إدارة المعتقل سلبها. وهو إضراب عن الطعام وعن الزيارة عدا الفوج الأول من الزائرين لبلاغ الأهل بالإضراب.
نقلت إدارة المعتقل غالبية المعتقلين إلى معتقل طولكرم، وقوبل المضربون المنقولون بالضرب والاستفزاز وبأوامر قهرية لتركيعهم. لم تُخضع هذه الإجراءات المعتقلين المنقولين فقرروا المواجهة؛ وذلك من خلال مواصلة إضرابهم في معتقلهم الجديد.
إلا أنه تم الاتفاق بينهم وبين إدارة المعتقلات العامة على العمل لدى مضربي معتقل بئر السبع لفك الإضراب مقابل الموافقة على مطالب المعتقلين. شكلت لجنة من مضربي معتقل طولكرم، وأرسلت إلى بئر السبع؛ إلا أن مهمتها أخفقت بسبب عدم موافقة الإدارة على المطالب.
على الأثر بدأ مضربو طولكرم بالمطالبة بإخلاء سبيلهم بسبب الظروف الصحية السيئة جداً، وفي هذه الأثناء طالبوا تخفيف الازدحام في الغرف وتحسين بعض الأوضاع الصحية، وهذا دعا من ثم إلى تنظيم الجهود في المعتقل ولجان التنسيق بين الفصائل.
تاسعاً: إضراب معتقل نفحة في تموز ١٩٨٠م: افتتح هذا المعتقل في ٢/٥/١٩٨٠م بهدف عزل القيادات عن بقية المعتقلين.
واجه المعتقلون فيه عملية قمع شديدة، وصوردت معظم حاجياتهم الخاصة. بمعنى آخر: سُلب المعتقلون من جميع الحقوق التي حصلوا عليها في المعتقلات الخاصة، فقرروا الإضراب بعد أن استعدوا له أكثر من شهرين. ويمكن إجمال مطالبهم بما يلي:
١ - تحسين نوعية الطعام وكميته.
٢ - معالجة المرضى.
٣ - توسيع مساحة المعتقل التي لم تتجاوز مساحتها ١٥م * ٧م.
٤ - إطالة مدة الخروج للساحة من نصف ساعة إلى ساعتين.
٥ - تركيب أسرَّة.
٦ - تحسين الإنارة والتهوية داخل الغرف.
٧ - استبدال نصب باب الغرفة المكون من الصاج بشبك.
٨ - إدخال الكتب المسموح بها داخل الوطن المحتل.
٩ - المطالبة بحيازة أجهزة استقبال إذاعي، مذياع.
١٠ - بناء غرف لزيارة الأهل.
بعد بدء الإضراب بتاريخ ٢١/٧/١٩٨٠م، نقلت إدارة المعتقل وفي ساعات المساء ستة وعشرين معتقلاً إلى مركز التوقيف في معتقل الرملة.
أثناء النقل بدأ العديد من المعتقلين يتقيؤون الدم بدل الطعام من معداتهم نتيجة الضرب المبرح. وعند وصولهم الى معتقل الرملة كان جنود القمع في استقبالهم مزودين بالهراوات البلاستيكية وخراطيم الغاز، فبدؤوا بضربهم أثناء مرورهم من بينهم يميناً ويساراً. من المعتقلين من وقع أرضاً من شدة الضرب والهزال، ومنهم من فقد وعيه ليصحو على ضرب متواصل. ثم نقلوا في حوالي الساعة الثانية عشرة ليلاً إلى زنزانات انفرادية، وباشرت إدارة المعتقل باستدعائهم واحداً تلو الآخر إلى قاعة كبيرة بها ممرض المعتقل وبعض مسؤولي المعتقلات. حاول هؤلاء إقناع المعتقلين بتناول طعام كان موضوعاً على طاولات في الغرفة ذاتها إلا أن المعتقلين رفضوا فك الإضراب، ورفضوا التهديد والوعيد. بعد ذلك بدأت جولة أخرى من الضرب الشديد، وأُمر المعتقلون بالتعري وانهال عليهم الجنود بالضرب الوحشي.
بعد إخفاق إدارة المعتقل في إقناع المعتقلين بفك الإضراب، بدأت عملية شاقة أخرى للمضربين، حيث تم إعطاؤهم السائل الأبيض المالح جداً بواسطة خرطوم يتم إدخاله بهمجية الى المعدة عن طريق فتحة الأنف أو الفم. ومن شأنهم أن يدخلوا الخرطوم أكثر من اللازم ليدخل معدة المضرب، ثم سحبه بعنف وإدخاله ثانية؛ وهكذا؛ وذلك بهدف استنزاف طاقة المضربين وإسالة الدم من الأنف والمعدة مما يؤدي إلى سقوط المضرب على الأرض من شدة الألم.
سقط في هذه الطقوس الإرهابية الشهيدان علي الجعفري، وراسم حلاوة، وكسرت ذراع ثالث، ورابع كتبت له النجاة بعد أن وصل إلى حالة الخطر ليلقى مصيره بعد أربع سنوات، حيث استشهد في بئر السبع نتيجة الإهمال الطبي المتعمد وهو الشهيد إسحق مراغي. أما بقية المعتقلين فقد حملت أجسادهم آثار الضرب بالهراوات، ونقل بعضهم إلى مشفى معتقل الرملة للمعالجة. وبتاريخ ٦/٨/١٩٨٠م، أعيد أربعة وعشرون منهم إلى معتقل نفحة. وتم نقل أربعة آخرين من معتقل نفحة في نفس اليوم، وهم أعضاء اللجنة النضالية العامة التي تقود الإضراب إلى معتقل الرملة. وانتهى الإضراب بتاريخ ١٦/٨/١٩٨٠م بعد أن استجابت إدارة المعتقلات العامة لمعظم مطالب المضربين.
عاشراً: إضراب معتقل جنيد في أيلول ١٩٨٤م: وهو إضراب عن الطعام، قام بهذا الإضراب احتجاجاً على ما اتضح لدى المعتقلين أنه الأسباب الحقيقية لافتتاح المعتقل وهو التحكم بهؤلاء المعتقلين بشكل أخضع من قبل إدارة المعتقل، ومن ثم فرض القلق النفسي من خلال الأجهزة الإلكترونية الموجودة بالمعتقل والمتصلة بجهاز تلفزيوني رئيسي موجود في مقر إدارة المعتقل، ومن ثم خلق شعور لدى المعتقلين بأنهم مراقبون في الساحة والردهات والغرف وفي غرفة الزيارة. بمعنى آخر: يُعمد لهذه الأساليب لخلق شعور يدعو إلى التوتر المتواصل مما يقود إلى التحطيم النفسي.
بدأ المعتقلون نتيجة لهذا الوضع السيئ التحضير لخوض إضراب يردع إدارة المعتقلات ويحافظ على المكتسبات التي تراكمت عبر سنتين من التضحيات. أخذ المعتقلون ينظمون صفوفهم وينسقون جهودهم في سبيل تدعيم وحدة وطنية صلبة قادرة على مواصلة الموقف بإصرار. وبعد أن أعد كل فصيل صفوفه تشكلت لجنة نضالية ضمت مختلف الفصائل وخاصة الرئيسية منها لتقود العمل وتنسقه. قامت هذه اللجنة بالاتصال بمختلف المعتقلات لإشعارها بقرب قيام إضراب يتطلب تضامناً من كل المعتقلين.
أما الخطوة التالية فكانت الاتصال بجماهير شعبنا داخل الوطن المحتل وخارجه، إيماناً من المعتقلين بأنهم جزء من هذا الشعب صاحب هذه القضية العادلة. تم الاتصال بكافة المؤسسات الوطنية بالداخل والخارج، وأُطلِعَتْ على الخطوات الإضرابية، وطولبت بالتضامن مع المضربين ودعم مطالبهم. ثم أُرسلت برقيات إلى المنظمات الدولية والحكومات المختلفة.
استمرت عملية التهيئة الداخلية (داخل المعتقل) والخارجية حوالي شهرين ونصف شهر، وبعد أن أدركت اللجنة النضالية أن الظروف الذاتية داخل المعتقل والظروف الخارجية أصبحت مهيأة للإضراب تقرر البدء به.
بدأ الإضراب صبيحة يوم ٢٢/٩/١٩٨٤م، وقدمت وثيقة المطالب التالية إلى إدارة المعتقل نكتبها هنا حرفياً:
١ - تخفيف حدة الاكتظاظ في السكن والنزهة، ويكون كالتالي:
أ - تخفيف عدد الأسرَّة بحيث لا تقل المساحة عن أربعة أمتار مربعة لكل معتقل وهو الحد الأدنى حسب اتفاقيات جنيف.
ب - تركيب مغسلة خارج المرحاض.
ت - توفير قاعة للطعام والدراسة.
ث - توسيع ساحة النزهة؛ بحيث يتوفر فيها إمكانية التحرك بحرية داخلها، وممارسة الرياضة البدنية وكرة السلة والطائرة والتنس، ومرحاض لقضاء الحاجة ومقاعد الجلوس.
ج - تحسين التهوية والإنارة الطبيعية بإزالة الإسبست عن النوافذ.
٢ - التسهيلات الاجتماعية وإقامة العلاقات الإنسانية، وتكون كالتالي:
أ - الإبقاء على الغرف مفتوحة في الصباح حتى التاسعة مساء اسوة بالسجناء الجنائيين.
ب - زيادة وقت النزهة اليومية المسموح بها وتقسيمها على دفعتين.
ت - حرية التنقلات والزيارات بين الأقسام.
ث - إعطاؤنا فرصة مصافحة ذوينا في الزيارة، وذلك بفتح طاقة في الشبك.
ج - التخفيف من الازدحام داخل غرف الزيارة، وتهيئة مكان يقي الأهل من البرد والشتاء والحر، ومراحيض كافية لقضاء الحاجة.
٣ - توفير التسهيلات الثقافية، ويكون كالتالي:
أ - حيازة راديو «ترانزستور» ومشاهدة التلفزيون.
ب - إعطاؤنا فرصة شراء الكتب والمجلات والصحف التي يتم طبعها ونشرها في البلاد.
ت - توفير ضابط ثقافة لشراء اللوازم والملابس الرياضية.
٤ - توفير الرعاية الطبية الضرورية، وتكون كالتالي:
أ - توفير طاقم طبي محايد لإجراء الفحوصات اللازمة لكافة المعتقلين.
ب - التعاطي مع الحالات النفسية الحادة والأمراض المزمنة بروح ميثاق جنيف.
ت - تغيير الشروط السكنية والمعاملة في معبار الرملة الذي يذهب المعتقلون إليه للعلاج.
ث - إجراء عمليات للذين تقرر لهم ذلك.
ج - توفير متخصصين في كافة المجالات الطبية.
ح - إخراج عمال للمستشفى لخدمة المرضى.
٥ - وقف ممارسة العنف الجسماني والإذلال واستخدام الغاز والعقوبات الجماعية والفردية.
٦ - الخروج من قانون الانتداب البريطاني المعمول به في مديرية المعتقلات العامة، وذلك بالتالي:
أ - إلغاء قانون الامتيازات الذي تتعامل به مديرية المعتقلات العامة ونرى فيه سيفاً مسلطاً على رقاب المعتقلين.
ب - كسر الفجوة القائمة بين الإقرار النظري وما هو قائم على أرض الواقع بمبدأ المساواة بين كافة المعتقلين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية.
٧ - تحسين الطعام، ويكون بالتالي:
أ - تسليمنا ما هو مقرر لنا، وإعطاؤنا حرية الإشراف على عملية الطهي حسب أذواقنا وعاداتنا.
ب - تنويع في الأصناف التي يتم تقديمها لنا بما ينسجم وذوقنا الشرقي.
ت - إخراج طباخين مؤهلين للمطبخ.
ث - تغيير طريقة تناول الطعام، بإيجاد قاعة لذلك.
ج - الإقرار بأن إحضار خضار وفواكه من شركة تنوفا هو من حقوقنا والتعاطي معها بجدية.
٨ - حل مشكلة مرافق العمل، ويكون بالتالي:
أ - إخراج عمال للمكتبة والمخيطة والمغسلة والمخزن والمطبخ والمستشفى.
ب - زيادة عدد عمال النظافة في الردهات.
ت - إيجاد مكان ملائم للحلاقة والخياطة.
٩ - إقامة صلاة الجمعة.
١٠ - توفير شراشف وبيجامات.
١١ - رفع المبلغ المسموح به في المقصف للشراء بحيث يلبي احتياجات الحد الأدنى للمعتقل الفلسطيني.
- انتهاء الإضراب:
قام وزير شرطة العدو الصهيوني حاييم بارليف في ١/١٠/١٩٨٤م بزيارة المعتقل، واعترف بشرعية بعض مطالب المعتقلين ووعد بتحقيقها. ولأول مرة في تاريخ المعتقلات توافق فيه إدارة المعتقل على التفاوض مع المعتقلين والإضراب مستمر. وطلب وزير الشرطة لجنة ممثلي المعتقل، وكأن ذلك اعتراف رسمي بشرعية هذه اللجنة، ووعد بتحقيق بعض مطالبهم الشرعية، وعلى أثر ذلك تم انتهاء الإضراب بعد أن استمر اثني عشر يوماً. وحققت بعض المطالب.
- التضامن مع الإضراب:
١ - شهدت معتقلات الأرض المحتلة إضرابات تضامنية مع مضربي جنيد.
٢ - قامت تظاهرات محلية واشتباكات بالحجارة مع سلطات الاحتلال ندد خلالها المتظاهرون بالممارسات القمعية ضد المعتقلين في كافة المعتقلات وخاصة معتقلي جنيد، وحصل اعتصام في مقر الصليب الأحمر الدولي في القدس.
٣ - تمت تغطية الإضراب إعلامياً من قِبَل صوت الثورة الفلسطينية، ومن خلال النشرات والصحف التي تصدرها فصائل الثورة الفلسطينية، وأرسلت الجهات الفلسطينية المسؤولة برقيات إلى المؤسسات للوقوف إلى جانب مطالب المعتقلين في جنيد.
٤ - تحرك بعض اعضاء البرلمان الإسرائيلي وقاموا بزيارة المعتقل والاجتماع مع المعتقلين.
أحد عشر: إضراب ١٩٧٨م: سجن جنيد الذي استمر ٢١ يوماً.
اثنا عشر: إضراب سجن النقب ١٩٨٨م (انتفاضة الصحراء) أعلن الأسرى الفلسطينيون في سجن النقب إضراباً مفتوحاً عن الطعام بتاريخ ١٦/٨/١٩٨٨م على أثر إطلاق قائد معسكر النقب النار على الأسيرين سعد الشوا وبسام سمودي بتاريخ ١٦/٨/١٩٨٨م واستشهادهما، وإصابة ١٢٥ اسيراً ... وتوقف الإضراب بعد ثلاثة أيام؛ حيث أذعنت إدارة المعتقل لمطالب الأسرى التي تمثلت بإلغاء أسلوب وضع الأيدي خلف الظهر أثناء العدد.
وتوقيف سياسة الضرب المبرح للأسرى والشبح ساعات طويلة تحت أشعة الشمس.
ثلاثة عشر: الإضراب الشامل ١٩٩٢م ـ انتفاضة أيلول بتاريخ ٢٧/٩/١٩٩٢م حيث أعلن الأسرى من كافة السجون الإسرائيلية إضراباً مفتوحاً عن الطعام استمر ١٥ يوماً، وكان من أبرز مطالب الأسرى إنهاء عزل الأسرى وإغلاق سجن العزل في نيتسان في الرملة ... وأذعنت إدارة السجون في نهاية الإضراب لمطالب الأسرى والتي أبرزها إغلاق قسم العزل.
أربعة عشر: إضراب ١٩٩٤م، الإضراب السياسي الأول.
خاض الأسرى في جميع السجون بتاريخ ٢١/٦/١٩٩٤م أول إضراب سياسي مفتوح عن الطعام، وعلى أثره جرى توقيع اتفاقية القاهرة (غزة ـ أريحا) بتاريخ ٤/٥/١٩٩٤م، واحتجاجاً على الآلية التي نفذ فيها الشق المتعلق بالإفراج عن ٥ آلاف أسير فلسطيني حسب الاتفاق، استمر الإضراب ٣ أيام.
خمسة عشر: إضراب ١٩٩٥م.
أعلن جميع الأسرى في سجون الاحتلال بتاريخ ١٨/٦/١٩٩٥م إضراباً مفتوحاً عن الطعام وهو الإضراب السياسي الثاني تحت شعار: «إطلاق سراح جميع الأسرى والأسيرات دون استثناء، ووفق جدول زمني واضح متفق عليه ومقبول على الحركة الأسيرة» . واعتبر هذا الإضراب من أكثر الإضرابات السياسية تأثيراً وقوة، طالب الأسرى فيه بإطلاق سراحهم في ظل عملية سلام، وعدم تصنيفهم إلى فئات.
استمر الإضراب ٢٠ يوماً، وعلق على أثر اجتماع تم بين الرئيس عرفات ووزير الخارجية الإسرائيلي في ذلك الوقت شمعون بيريز وصدور بيان أطلق عليه (بيان التفاهم) جاء فيه أن ترتيبات الإفراج التدريجي عن المعتقلين ستتم تحت مظلة اللجنة الوزارية الإسرائيلية ـ الفلسطينية التي شكلت لهذا الغرض، وأن هذه الترتيبات ستكون جزءاً من الاتفاق المرحلي.
ستة عشر: إضراب ١٩٩٨م.
أعلن الأسرى في كافة السجون الإضراب السياسي الثالث المفتوح عن الطعام بتاريخ ٥/١٢/١٩٩٨م احتجاجاً على اتفاق واي ريفر الذي وقع في واشنطن بتاريخ ١٣/١٠/١٩٩٨م والذي تضمن الإفراج عن سجناء جنائيين مع اسرى سياسيين، وقد توقف الاضراب يوم ١١/١٢/١٩٩٨م.
سبعة عشر: إضراب أيار/مايو ٢٠٠٠م.
أعلن الأسرى في ١/٥/٢٠٠٠م إضراباً مفتوحاً عن الطعام استمر ٣٠ يوماً، وهو إضراب مطلبي يستهدف تحسين شروط حياتهم الإنسانية على أثر تردي هذه الأوضاع بشكل خطير جداً، وكان من أبرز مطالب الأسرى: العلاج الصحي، زيارات الأهالي، توقيف سياسة الضرب بحق الأسرى، إزالة ألواح الصاج عن شبابيك الغرف، إنهاء سياسة العزل الانفرادي.
الثامن عشر: إضراب ٢٠٠٤م والذي أخذ زخماً إعلامياً عربياً وعالمياً؛ حيث استمرت الحرب من الأسرى الفلسطينيين المضربين مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ تاريخ ١٦/٨/٢٠٠٤م؛ حيث أضرب الأسرى عن الطعام، وحاول كل طرف كسر إرادة الطرف الآخر مستخدماً ما يتوفر لديه من سلاح، فبدأت إدارة السجون تنفيذ خطتها في الحرب النفسية التي أعدتها لجنة خاصة تضم علماء نفس؛ حيث سمحت للسجانين بشي اللحم في الساحات المقابلة لزنازين المضربين حتى تترك رائحة الشواء آثارها النفسية والمعنوية، وتجعلهم يحسون أكثر بألم الجوع، ووزعوا منشوراً طبياً يشرح الأضرار التي تلحق بالجسم إذا ما امتنع السجين عن الطعام لفترة طويلة، وأن هذه الأضرار ستكون مستديمة؛ مع بث الإشاعات الهادفة إلى دق الإسفين بين المضربين؛ منها أن أحد قادة الأحزاب تناول الغذاء مع مدير مصلحة السجون، وأن قائداً آخر كسر الإضراب بناءً على تعليمات الرئيس الفلسطيني (ياسر عرفات) . وعلى الصعيد الشعبي الفلسطيني تواصلت مظاهرات الاحتجاج والإضرابات، ونصبت خيام الاعتصام في المدن تعبيراً عن التضامن الأسري، وسلم الأهالي (اللجنة الدولية للصليب الأحمر) بغزة مذكرة لمكتب الأمين العام للأمم المتحدة تطالب بالتدخل الفوري للضغط على (دولة العدو المحتل) في قضية الأسرى، ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها عبارات موحية من مثل (نعم للجوع ولا للركوع) و (أين العالم من قضية الأسرى) وقد شارك في هذه التظاهرات القوى الإسلامية والوطنية؛ حيث أقيمت مهرجانات خطابية لدعم الأسرى والمطالبة بإطلاق سراحهم؛ حيث توافد على هذه المهرجانات آلاف المواطنين مظهرين تعاطفهم ودعمهم للأسرى مع المطالبة بإطلاق سراحهم؛ لا سيما أقارب الأسرى من الآباء والأمهات والأبناء، والدعوة لتحريرهم من الظلم الصهيوني، وضرورة دعم العالم بعامة لهم والعالم الإسلامي بخاصة.
стр. 5088
رسالة إلى المعتقلين والمعتقلات الفلسطينيين المسجونيين
في المعتقلات الصهيونية
د. علي محمد مقبول
ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فما سمعناه في وسائل الإعلام من إذلال وإهانة لإخواننا الأسرى الفلسطينيين والأخوات الفلسطينيات يذكرنا بتاريخ اليهود ومعاملتهم للأسرى؛ فدينهم يأمرهم بالقتل العام ومحو سكان البلاد المفتوحة فضلاً عن معاملة الأسرى. جاء في النص الوارد في الكتاب الخامس من الزبور ما يلي: «إذا أدخلك ربك في الأرض لتملكها، وقد أباد أمماً كثيرة من قبلك، فقاتلهم حتى تفنيهم عن آخرهم، ولا تعطهم عهداً، ولا تأخذك عليهم شفقة أبداً» (١) .
وجاء في الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر العدد بالحرف: « ... فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكر، اقتلوها، لكن جميع (الأبكار) من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم، لكم حيات ... » (٢) .
فهذه النصوص وغيرها كثير تبين لنا الصورة البشعة التي كان عليها حكم الأسرى عند اليهود، وهم ينسبونها إلى الكتب السماوية وإلى موسى وداود ﵉، وحاشاهما من ذلك.
ونجد أنفسنا مضطرين للاستدلال والاستشهاد بها إلى يومنا هذا؛ لأن اليهود يطبقون هذه المبادئ في عصرنا الحاضر حرفاً بحرف وكأنها تعليمات أُنزلت من عند الله. نقول هذا لإخواننا الأسرى نصبِّرهم ونخبرهم بحقيقة دين اليهود وموقفهم من المسلمين؛ نقول لهم: هذا هو حقد اليهود لن يتغير أبداً.
لكننا نعيب قومنا الذين تخلوا عنكم واتجهوا إلى (العالم الحر) العالم الحر الذي يشرد الشعوب من ديارها ـ على نحو ما يفعل بإخواننا الفلسطينيين ـ ثم يتباكى على الأسرى وعلى الذين شردوا من ديارهم.. ثم يتحدث عن اللاجئين وعن الأسرى وعن رعايتهم والعطف عليهم، وإقامة الخيام لهم؛ فمبادئ العالم الحر تقتضي العطف على المشردين والكلام عن حقوق الإنسان وعن الذين لا وطن لهم ... عن الأسرى في سجن أبو غريب وسجون الصهاينة.. حولوا البلد إلى سجن كبير ثم تباكوا على إهانة الأسارى والأسيرات.
لكني أقولُ لكم أيها الأسرى.. وأيتها الأسيرات: حياكم الله لقد تلفَّتنا فلم نجد إلا عملاً وتضحية، لم تعد مقاتلة الأعداء دعاية وتهريجاً، بل غدت سجناً وفداء وتضحية.
لقد تركتم ـ أيها الأسرى ـ غيركم يَخْطُبون ويكتبون. أما أنتم فذهبتهم إلى سجون الأعداء. لقد تركتم غيركم يجتمعون وينفضُّون، أما أنتم فقد حملتم سلاحكم ومضيتم صامتين.
إنكم تعملون لإعلاء كلمة الله في الأرض.. إنكم بعتم أنفسكم لله؛ فأجركم عند الله عظيم، ومصابكم عند الله كبير.
ولا نقول لكم أيها الإخوة الأسارى إلا كما قال الأول: «إنه لا كفاح بلا عقيدة؛ ولا حياة بلا عقيدة، ولا إنسانية بلا عقيدة؛ ولقد كنا نقولها كلمات فيتخذها السفهاء الصغار لعباً ولهواً. أما اليوم فتقولها الوقائع، وتقولها الأحداث، تقولها صور الأسرى والأسيرات الطاهرين والطاهرات؛ فإذا تشدق لسان تافه، وإذا تلاعب قلم هزيل بقضيتكم فمعذرةً؛ فتلك هموم التافهين المهزولين في كل زمان ومكان» (٣) .
стр. 5089
واجبنا تجاه أسرانا في فلسطين
عبد الحكيم بلال
لعل ما تقدم في ثنايا الملف من وصف واقع إخواننا أسرى فلسطين وتحليله يخدمنا بشكل مباشر في رسم الواجب المنوط بالأمة تجاه أسراها، وهو الذي ينبغي أن يكون الغاية من طرح هذا الملف؛ إذ تبقى المعرفة كالطاقة المعطلة ما لم توظف في العمل، كما تبقى المعلومة مواتاً ما لم تسهم في التنفيذ.
نحتاج في مطلع المقالة إلى تذكُّر جملة أمور:
١ - الإنسان في ميزان الشرع قبل الأوطان، ولَزَوال الدنيا أهون على الله ـ سبحانه ـ من قتل امرئ مسلم. وعليه يجب أن يكون البذل لحماية المسلم ورعايته وتخليصه فوق ما يبذل لحماية الأرض وتحريرها، والعقل يقتضي هذا؛ لأن الديار إنما تحرر بالرجال.
٢ - امتدح الله ـ تعالى ـ من يحسن للأسير الكافر ويطعمه ابتغاء وجهه تعالى؛ فكيف بمناصرة مَنْ حُرْمَتُه عند الله فوق حرمة الكعبة المشرفة؟!
٣ - السعي في فكاك أسرى فلسطين واجب شرعي دعوي، لا يسع إهماله، وخاصة حين يبتلى به صفوة الأمة وعمادها من العلماء والدعاة والشباب الصالح. ويدخل في هذا الواجب صور كثيرة من التفاعل مع القضية، مما تضمنته هذه المقالة وغيرها.
٤ - يتنوع ما يمكن عمله لأسرانا في أرض الإسراء أنواعاً عدة؛ فمنها ما هو عامٌّ للأسرى، ومنها ما يناسب بعضهم دون غيره، ومنها ما يقدم لأهله وذويه، ولعل سردها في سياق واحد أليق بمقالة قصيرة كهذه.
ومن أبرز وسائل مناصرة الأسرى:
١ - الوعي بأبعاد الموضوع، وبيان الأمر بصورة واضحة للناس بشتى شرائحهم، وتعريفهم بأن المحتجزين وراء القضبان اليهودية هم من خلاصة الناس وفضلائهم، من معلمين ومربين ومفكرين وغيرهم ممن يتضرر المجتمع كثيراً بغيابهم، مما يحتم الواجب تجاههم على الجميع.
٢ - التأكيد على السبب الذي من أجله أقيمت المعتقلات في فلسطين، وأنه جزء من الحرب على الدين وتمكين المفسدين، وهذا الأمر يجب استصحابه في التعامل مع القضية؛ إذ الأمر أكبر من أن يكون قضية شخص معتقل، بل قضية إسلام في مواجهة الكفر، وإنما الأسر أحد محطات تلك المعركة وفصولها، والمعتقل حال اعتقاله هو في مرحلة من مراحل النصرة؛ حيث الثبات والمصابرة وإغاظة العدو، وشحذ الهمم. وهذا الأمر صمام أمان دون تحوُّل مسار أهالي الأسرى عن مناصرة الدين إلى الانحصار في قضايا شخصية خاصة فحسب.
٣ - الشعور بمعاناة الأسير الفلسطيني، وترجمة ذلك إلى جهد منتظم متواصل لخدمة القضية، والظن أن اتساع دائرة الاعتقال وكثرة المعتقلين في الأرض المقدسة ربما تجعل القضية من الواجبات العامة، على الرغم من تزاحم الأولويات في أرض الرباط، وأهلنا هناك أدرى بأولوياتهم.
٤ - بث التفاؤل بعودة الغائب، وفي تجربة يوسف الصديق ﵇، وأحمد بن حنبل، وابن تيمية، وأحمد ياسين، وكثير ممن عاش ردحاً من حياته سجيناً من رجالات الجهاد والعلم والدعوة رحمهم الله تعالى.. أمل كبير وثقة بالغة بأن الأسير حال أسره يؤدي دوراً لا يمكن له تأديته طليقاً، كما أنه يعود بعد خروجه أصلب عوداً وأحكم تجربة وأكثر نقاء، إذا ثبته الله تعالى.
٥ - الدعاء للأسرى الفلسطينيين بالثبات والصبر والفرج، وبخاصة في مبتدأ اعتقالهم؛ إذ قد تشغلهم الصدمة وكثافة التحقيقات عن الضراعة. وقد ذكر بعض الأسرى أن العذاب ربما كان يهدأ أحياناً داخل السجن، بلا سبب ظاهر ولا وضع مألوف، فلا يجدون له تفسيراً إلا دعوات إخوانهم، والله أعلم.
٦ - السعي في فكاك الأسرى ومفاداتهم.
٧ - إعداد البرامج العلمية والدعوية المناسبة للأسرى في السجون، وتوفيرها عبر الشبكة العالمية المتوفرة في بعض السجون، كسجني: مجدو، وعسقلان.
٨ - السعي إلى إدخال الكتب التي تعينهم على مواصلة بناء النفس، وإصلاح الآخرين، وغير ذلك من البحث والتأليف ومواصلة الدراسة.
٩ - قيام عرب ٤٨ برفع الدعاوى تلو الدعاوى للمطالبة بحقوق الأسرى في المعاملة الإنسانية، من حيث: الإدانة والتبرئة، وممارسات المحققين، وأوضاع السجون، وأحوال النساء والأطفال. ولئن كان لهذا الأسلوب بعض الجدوى لدى بعض حكومات التسلط فلعله لدى دولة يهود أكثر جدوى. وكم يحجم المرء عن استثمار بعض الفرص؛ جهلاً بها، أو وهماً وتخوفاً لا مسوِّغ له!
١٠ - تكوين لجان مختصة لمتابعة قضاياهم الإنسانية، وفضح الممارسات البشعة التي ترفضها الأديان والفطر والعقول والأعراف كلها، ومراسلة الجهات المهتمة بالتقارير والأخبار، ولا ضير في مشاركة غير المسلمين في تلك الأعمال، وقد أقر النبي ﷺ حلف الفضول الذي تشكَّل لحماية الضعيف ونصرة المظلوم، وأخبر أنه لو دعي لمثله في الإسلام لأجاب. ويمكن التنسيق مع محامين دوليين لتوكيلهم بالدفاع عنهم، أو استشارتهم في ذلك، وبخاصة في قضايا الرموز من الأسرى.
١١ - استثارة الجمعيات الحقوقية والشخصيات الناقمة على السياسات الصهيونية في الغرب، وحثها على الزيارات التفقدية التي تكشف الحقائق وتعري الفضائح.
١٢ - التذكير المستمر بقضيتهم، على المنابر، وعبر وسائل الإعلام المختلفة، لتقوم فئات الأمة كل فئة بما تستطيع.
١٣ - استمرار المتابعة الإعلامية لقضاياهم حتى تثمر كما وقع أول الأمر مع قصة (الأمعاء الخاوية) التي شكلت نموذجاً لتكتل الأسرى وتنسيقهم وتصميمهم، لولا المحاذير الشرعية للإضراب عن الطعام؛ وذلك يعني ضرورة تفتق الأذهان عن أساليب مشروعة مؤثرة.
١٤ - التواصل مع أهالي الأسرى بالزيارة والمواساة المستمرة، بل كفالة أهله وتبنيهم، وحسن رعايتهم بشكل شمولي، لإعفافهم عن السؤال، وحفظهم من الابتزاز، ومن أجل إكمال مسيرة الأسير في تربيتهم وإعدادهم. ويمكن السعي في تدبير أمر أهل الأسير المادي بواسطة بعض أقربائه، بشكل يهدف إلى كفايتهم أولاً، ثم إيجاد عمل ومورد مادي للأسير بعد خروجه. وكم تهون على الأسير مصيبته، حين تقر عينه بصيانة ذريته، وقيامهم بحمل رسالته التي أصيب من أجلها.
١٥ - إصرار أهالي الأسرى وذويهم على تتبع شأن أسراهم، ونيل حقوقهم، والحرص على زيارة الأسرى من قِبَل كل من له أدنى علاقة قربى، ما وجد إلى الأمر طريقاً.
١٦ - استثمار وقت الزيارة بشكل يركز على طمأنة الأسير على أهله وولده وإزالة الأوهام المتعلقة بذلك؛ حيث يظن المعتقل أن أهله جميعاً في المعتقل، وكذا التركيز على تقوية قلبه وبث التفاؤل في نفسه، وعزله عن أخبار بعض المشكلات الخارجية التي لا تزيده معرفتها إلا هماً وغماً وحزناً.
١٧ - إبراز الشخصيات السجينة وحياتهم داخل السجن وخارجه، وأسلوب أهليهم في التعامل مع القضية بشتى جوانبها. وخيراً فعلت مجلة البيان الفتية حين قابلت الأستاذ: رائد صلاح، وهو في معتقله، وقد كانت قابلته قبيل اعتقاله أيضاً.
١٨ - استكتاب الأسرى لتوجيه رسائلهم العامة والخاصة إلى الأمة خاصتها وعامتها.
١٩ - تشجيع الأسرى الفلسطينيين والمطْلقين من الأسر على تحرير تجاربهم وكتابة خبراتهم وقصصهم داخل المعتقل.
٢٠ - توجيه الرسائل بكل طريق إلى الأسرى الفلسطينين بشكل دوري وفي المناسبات، وبخاصة من رموز الأمة العلمية والدعوية والفكرية.
٢١ - مبادرة علماء ودعاة فلسطين إلى التعامل مع الأسير ساعة خروجه بما يناسبه، لتخفيف آثار ردة الفعل التي قد تطرأ، سواء في خاصته وأهله، أم في المجتمع وتقلباته التي قد تؤثر عليه سلباً.
٢٢ - تلخيص أحكام الأسر، وبثها للأسرى وأهلهم وللعامة، وإبراز منهج الإسلام في التعامل مع الأسير، مع النماذج التاريخية، ونشرها في المجتمعات الغربية والأمريكية.
٢٣ - التركيز على قضية الأسيرات، والأطفال، ومنحها أولوية.
تلكم بعض ما فتح الله به، وغيره كثير، يدركه من يعاني ويقرب من المأساة أكثر.
غير أن فكرة واحدة يسير بها المرء نحو العمل خير من ألف فكرة تبقى حبيسة الورق تُبقي الأمةَ غير قائمة بواجبها تجاه الأسرى.
- توزيع الأسرى حسب مناطق سكناهم:
عدد الأسرى ٧٤٠٨ أسرى بينهم ٥٣٧١ من الضفة الغربية، و٦٠٢ من قطاع غزة، و٩٣ أسيراً من فلسطينيي الـ ٤٨، والباقون غير موثقين حسب مناطق سكناهم.
وطبقاً للإحصائية السابقة فإن ٨٨.٦% هم من الضفة الغربية و ٩.٩% من قطاع غزة والبقية من مواطني المناطق الفلسطينية المحتلة عام ٤٨، هذا باستثناء الأسرى غير الموثقين والذين يفوق عددهم ١٥٠٠ أسير في سجون الاحتلال الصهيوني.
- الأسرى المرضى:
ييلغ عدد الأسرى المرضى في سجون الاحتلال حوالي ١٠٠٠ مريض، يحتاج منها لعلاج عاجل حوالي ٣٠٠ أسير، ولا يستوعب مشفى السجن الوحيد منهم سوى ٢٥ مريضاً منهم ١٥ مقيمون بشكل دائم.
- ١٤٥ أسيراً يعانون من مرض الغضروف، وبعضهم يعانون من أمراض القلب والمفاصل وضعف النظر.
- ٨٢٨ أسيراً يعانون من أمراض مزمنة، ومنهم من اعتقل بعد إصابته بالرصاص ولم يقدم له العلاج اللازم حتى الآن.
أسيران مصابان بشلل نصفي.
- أساليب التعذيب:
- ٩٨% تعرضوا للتعذيب خلال عملية اعتقالهم والتحقيق معهم.
- ٨٦% في غرفة باردة «الثلاجة» .
- ٨٧% تعرضوا لعملية الشبح، وهي ربط اليدين للخلف وقوفاً.
- ٨٨% للوقوف لفترات طويلة، مع كيس في الرأس ذي رائحة كريهة.
- ٩٢% للحرمان من النوم، خلال فترات التحقيق الأولى.
هذا بالإضافة لأكثر من ١٥٠-١٨٠ أسلوب تعذيب محرمة دولياً تستخدمها سلطات الاحتلال ضد الأسرى لانتزاع الاعترافات منهم، مع العلم أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تقر التعذيب؛ فهي تقر أغلب الأساليب السابقة قانونياً لمحققيها، وبتصديق من الحكومة الصهيونية.
стр. 5090
شهادة حية
عبد الوهاب الطريري
من مشاهد الرباط في الأرض التي باركها الله حال أهلنا هناك، وحال إخواننا داخل سجون اليهود ومعتقلاتهم آيات بينات في جميل الصبر وطول المصابرة.
كانت أماني اليهود ـ وليس بأمانيهم ـ أن تتحول بلدات أهلنا في فلسطين إلى حظائر للدواجن يعيش فيها أهلنا استسلاماً للأمر الواقع، واعترافاً بواقع على الأرض طال أمده، ولكن هذه المواجهات المتتابعة تعلن الرفض، وتستعلن بالهوية، وتحفر خنادق عميقة بين أهلنا في فلسطين، وبين أماني اليهود باحتوائهم وتدجينهم، وتلفت نظر العالم إلى أن أصحاب الحق لم ينسوا حقهم أو يتخلوا عنه.
إن هؤلاء الذين يخوضون غمرات المواجهات مع الآلة العسكرية اليهودية شباب ولدوا وتفتح وعيهم على هذا الواقع، ولكن وعيهم بقضيتهم أوسع من أعمارهم وأقوى من قواهم، وكانت نتيجة هذه المواجهات المتطاولة والرفض المستمر شهداء قضوا نحبهم، وأسرى في سجون اليهود يعانون ألم الأسر ومرارة الصبر. فقدوا حريتهم؛ لأن حرية أمتهم هي قضيتهم، ومدافعة العدو جهادهم، والأسر في سجونه هو رباطهم. إن مصابرة إخواننا في هذه السجون شهادة حياة لهذه القضية، وإعلان بأن هذا الشعب مستعصٍ على الاحتواء والتدخين والإخضاع.
وإنا لنحتسب لهم في سجونهم أجر المرابط في سبل الله، ولَرِباطُ يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها.
ونسأل الله أن يربط على قلوبهم ويثبت أقدامهم ويمدهم بمدد من عنده، وأن يقر أعيننا وأعينهم بنصر قريب وفتح مبين.
стр. 5091
الأسيرات في سجون الاحتلال.. معاناة مستمرة
تحد وصمود واستعلاء
هشام سليم سلامة
إن معاناة الأسيرات في سجون الاحتلال تفوق قدرات التحمل البشرية. فالمعاملة السادية والأساليب المبتكرة للتعذيب التي يمارسها زبانية السجن للأسف لا تفرق بين الفتاة والشاب في التعذيب، بل بالعكس؛ فلقد روت لنا الأسيرات وقائع فظيعة حدثت معهن في سجون الاحتلال وتعرضهن للضرب المبرح والاعتداء عليهن من قِبَل الأسيرات الجنائيات اليهوديات؛ بالإضافة لمعاملة الإدارة السيئة للأسيرات دون مراعاة لوضعهن كفتيات مسلمات.
وقد تميزت معاملة الإدارة بالصلف والعُنجهية؛ إضافة إلى الانحطاط الخلقي الذي اكتسى به كل من انتمى إلى هذا السلك من سجانين وإدارة. ومن صلف الصهاينة أن الذي يحقق ويعذب هم السجانون وليس السجانات، ويحقق معهن رجال المخابرات الصهيونية ويعاملوهن بعنف ويرفضون تقديم العلاج لهن.
ولقد بلغ عدد الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الصهيوني ١٠٠ أسيرة موزعات على سجني تلموند ٥٨ والرملة ٤٢ إضافة لطفلين ولدا في السجن، وهما وائل ابن الأسيرة ميرفت طه ويبلغ من العمر عاماً واحداً، والطفل نور ابن الأسيرة منى غانم ويبلغ من العمر ٧ شهور.
اعتقل خلال انتفاضة الأقصى حوالي ٢٥٠ أسيرة، بقي منهن ١٠٠ أسيرة قيد الاعتقال، وهن موزعات على الشكل التالي:
(١) ٢٨ أسيرة صدرت أحكام بحقهن.
(٢) ٦٩ أسيرة موقوفة.
(٣) ٣ أسيرات إدارياً.
(٤) ٣ أسيرات اعتقلن قبل انتفاضة الأقصى.
(٥) ٢٢ منهن متزوجات وأمهات وعدد أبنائهن ٧٥.
(٦) ١٦ أسيرة قاصرة عمر الواحدة منهن أقل من ١٨ سنة.
` أسيرات بحاجة ماسة للعلاج:
١ - آمنة منى: تعاني من الديسك والمعدة.
٢ - لطيفة أبو ذراع: تعاني من مرض السكري والضغط.
٣ - سونية الراعي: تعاني من مرض عصبي.
٤ - عبير عمر خليل: تعاني من ديسك في الظهر.
٥ - منال غانم: تعاني من التسلايما ومعها رضيعها نور الذي ولد في السجن، وترفض إدارة السجن أن يمسك به أبوه أو يقبله في الزيارة.
- الأساليب التي اتبعتها سلطات الاحتلال للضغط على الأسيرات:
- التفتيش العاري.
- السب والشتم بألفاظ نابية.
- التهديد بالتعرية أمام المعتقلين.
- زجهن في غرف يمتلئ فيها العملاء للضغط عليهن.
- تعرية الأسرى الشباب أمام البنات وتهديدهن بالتعرية مثلهم.
- نتف الشعر، وبعد نتفه لفه على الأيدي للتعذيب.
- منعهن من وضع غطاء الرأس.
- تعرية الأسيرات عبر إعطائهن ملابس لا تكاد تستر الجسم، وتُظهر أكثر مما تُخفي.
- الوقوف وهن يحملن كرسياً أو طاولة لمدة ٤٨ ساعة.
- تساوي المرأة والرجل في أساليب التعذيب؛ حيث المرأة لا تتحمل مثل الرجل.
- وضع الأسيرات في دش ماء ساخن، ثم نقلهن إلى دش بارد.
- الحرمان من النوم.
- الضرب الشديد والمبرح مما تسبب للعديد من الأسيرات بعقد نفسية.
- العقاب بالزنازين الانفرادية.
- عدم الرعاية الصحية خصوصاً للحالات المرضية الصعبة وللأمهات الرضع.
- تعذيب الأسيرات بإجلاسهن بوضع الولادة والمرور على أجسادهن بآلات كهربائية والتركيز على المناطق الحساسة في الجسم.
- ربط الأسيرة من يديها ورجليها بالسرير وضربها بقوة كما حدث مع الأسيرة آمنة منى حتى سال الدم من رأسها.
- إغلاق فم الأسيرة بمنديل كي لا يُسمع صراخها خلال التعذيب والشد من الشعر.
- قصص من معاناة الأسيرات داخل السجون:
` التهديد بالاغتصاب:
تعرضت الأسيرة (س. م) للتهديد باغتصابها في سجون الاحتلال عندما كان يحقق معها رجل المخابرات وصرخ بها: «إن لم تعترفي فسأفعل بك كذا وكذا» ولكن صمود هذه الأسيرة في وجه رجل المخابرات الحاقد أغاظه، فانهال عليها ضرباً، وتعرضت الأسيرة نفسها للتعرية الكاملة ووضعها في غرفة فارغة لمدة تتجاوز الساعتين بمفردها، ومن ثم أعطيت ملابسها لتستر جسدها، وتروى قصتها عند الاعتقال وأن أكثر شيء آلمها هو صرخات أطفالها: ماما ... ماما! وقد تركت خلفها مجموعة من الأطفال كلهم بحاجة إلى رعاية، وقد عانت هذه الأم من الاعتقال المتكرر؛ حيث اعتقلت حوالي سبع مرات، وتعرضت فيهن للإهانات والحط من كرامتها ومحاولات متكررة للاعتداء عليها وتهديدها بالاغتصاب، ولكن الله أعانها، وصبرت على التعذيب والإهانات لتخرج وتكمل المشوار في رعاية أولادها.
` الربط لمدة طويلة:
تروي إحدى الأسيرات أنه تم ربطها من قدميها إلى الحائط وهي جالسة على كرسي، ويد مربوطة في يد الكرسي، وأخرى مربوطة في ماسورة حديدية للأعلى، وبقيت على ذلك عدة ساعات إلى أن تم استدعاؤها من قِبَل رجل المخابرات للتحقيق معها.
` أم مرضع في السجن:
عندما ضاق الأمر بإحدى الأسيرات وهي مرضع، وقد سحبوها للسجن وهي تُرضع وليدها الطفل الذي لم يبلغ من العمر سوى شهور قليلة. بدأت تشكو من تحجُّر الحليب في صدرها، فقيَّد الله لها سجينة كبيرة في السن مسجونة معها، فطلبت منها أن تقوم بعصر صدرها بيدها وإخراج الحليب مخافة أن يحصل لها شيء لا سمح الله، أو أن يتحجر صدرها، وبذلك وقت نفسها.
` ولدتا في السجن:
الأسيرتان منال غانم وميرفت طه ولَدتا في السجن؛ فمنال وضعت طفلها (نور) الذي يبلغ من العمر الآن سبعة شهور، والأسيرة ميرفت وضعت طفلها (وائل) أيضاً في السجن الذي يبلغ من العمر الآن عاماً، والطفلان يعيشان ظروفاً صعبة؛ فالطفل وائل يعيش أوضاعاً قاسية مع والدته الأسيرة؛ وخاصة أن ظروف السجن أبعد ما تكون أن تتلاءم مع احتياجات الطفل، أما نور فيعاني من مرض التلاسيميا، ويعاني من ضيق في التنفس، ولكن إدارة السجن تمنع خروجه هو وأمه. ويذكر أن إدارة الاحتلال صادرت مجموعة الألعاب التي كانت بحوزة الطفلين، وتتعامل إدارة السجن معهما كأنهم معتقلان؛ وبذلك يكونان أصغر معتقلين في العالم.
` الشد من الشعر:
تروي الأسيرة المحرَّرة (ف. ع) قائلة: «كانوا يعذبوننا بشد شعورنا، وأحياناً كنا نلجأ لقص شعرنا من أجل ألا تكون وسيلة لتعذيبنا، وكذلك كانوا يلفون شعر الأسيرات الطويل بعد قصه على أيدي الأسيرة ويعذبونها بشعرها المقصوص. هذا إضافة للشد بقوة من الشعر مما كان يؤلمنا جداً» .
` منع الأسيرات من ارتداء الحجاب:
تقول الأسيرة المحررة (ف. ع) : «هناك شعور مؤلم بالنسبة للمرأة المسلمة؛ حيث كانوا يمنعوننا من وضع غطاء للرأس، وعندما يتم أخذنا للتحقيق كنا نرى الألم في عيون الأسرى والقهر الشديد؛ لذا قمنا بوضع «البشكير (المنشفة) على الرأس، وكنا نلفه ليؤدي المهمة» .
` الحرمان من النوم والتعرية:
تروي الأسيرة المحررة (ف. ع) أن سلطات الاحتلال ورجال المخابرات كانوا يحرمونهن من النوم طوال اليوم، مع الشتم بالألفاظ النابية، والتهديد بالتعرية أمام المعتقلين وزجهم في غرف العملاء للضغط عليهم، وتقول: «عندما شاهدت صور أبو غريب لم أندهش؛ فلقد شاهدت بأم عيني كيف يقومون بتعرية الأسير أمامنا وضربه وتهديدنا أن مصيرنا سيكون مثلهم»
стр. 5092
جراح ما زالت نازفة
عائلة فلسطينية قدمت أروع صور الصمود في مجاهدة العدو
مصطفى صبري
نماذج التضحية والعطاء في ظل الاحتلال الصهيوني للأرض والمقدسات أخذت أشكالاً وألواناً من العذاب يصعب على الإنسان تخيله، إلا أن صور الصمود الفريد للمواطن الفلسطيني أصبحت منقوشة في الذاكرة وسجل الواقع.
عائلة الشوابكة وهي عائلة فلسطينية شردها الاحتلال الصهيوني كغيرها من العائلات الفلسطينية في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م؛ فبعد أن كانت آمنة في موطنها بالقرب من منطقة هرتسيليا وسط فلسطين المحتله كانت على موعد مع التشريد والتشتت في محافظات الضفة الغربية في قلقيلية ونابلس والخليل وجنين.
لم تتوقف معاناة تلك العائلة بالتشريد عام ١٩٤٨م، بل كانت محطة المقاومة في النكبة والنكسة والأسرى في انتفاضة الأقصى ممن نحسبهم شهداء والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً.
عاهد الشوبكي ٥٥ عاماً يعمل مدرساً وهو أب لأسيرين، يقول وهو يصف محطات الشهادة والأسر لعائلته: في ٢٢/١١/١٩٤٧م كانت العائلة القاطنة في منطقة هرتسيليا عام ١٩٤٨م على موعد مع قدرها بعد أن قامت عصابات الصهاينة، وهي منظمات شتيرن والهاغاناه، بإعدام خمسة من أفراد العائلة وهم: بديع سلمان شوبكي وكان عمره ٢٤ عاماً وترك طفلين وشقيقه سامي ٢٢ عاماً وكان متزوجاً، وابن عمه وديع أحمد الشوبكي ٢٢ عاماً وله طفلان، وصابر أحمد الشوبكي ٢٤ عاماً وله طفل واحد.
يتوقف عاهد عن الكلام بعد أن تذكر أشقاءه وأبناء عمه كيف ذُبحوا كما تذبح الخراف أمام اعين العائلة التي كانت تحاول التشبث بأرض الأجداد والآباء. ويواصل الحديث قائلاً: بعد هذه الحادثة كانت محطة التشريد إلى المناطق المجاورة وهي منطقة بيار عدس ومسكة والطيرة، ومن ثم إلى قلقيلية ونابلس والخليل وجنين، وقسم هاجر مضطراً إلى الأردن.
وفي عام النكسة ١٩٦٧م كانت العائلة على موعد مع القدر، حيث ارتقى ثلاثة من أفراد العائلة ممن نحسبهم شهداء عندما أعدمهم الجيش الصهيوني أثناء احتلاله للضفة الغربية، وهم: أحمد سلامة الشوبكي الذي استشهد شرق نابلس، ومحمود شوبكي استشهد شرق قلقيلية، وأحمد محسن محمد شوبكي استشهد في منطقة نابلس. وقال عاهد وهو يتذكر أبناء العمومة الشهداء والأسرى: لم تكن محطة التشريد والمعاناة آخر المطاف للعائلة، بل كانت محطة الأسرى من أشد المحطات تاثيراً على واقع العائلة؛ فبعد احتلال الضفة الغربية بأشهر اعتقل كل من سامي شوبكي وشقيقه طالب؛ حيث أمضيا داخل السجن ١٨ عاماً وخرجوا في عملية التبادل في منتصف الثمانينيات.
` محطة الانتفاضة:
في انتفاضة الأقصى الحالية كانت العائلة على موعد مع الاعتقال للأبناء الصغار؛ فبعد الشهداء في النكبة والنكسة كانت محطة الاعتقال في انتفاضة الأقصى حيث تعرضت منازل العائلة الكائنة في شرق قلقيلية شمال الضفة الغربية للمداهمة والاعتقال الجماعي للجميع بما فيهم النساء والأطفال وكبار السن بحثاً عن شباب العائلة المتهمين بضلوعهم في عمليات مقاومة ضد الاحتلال الصهيوني.
ويضيف المواطن عاهد: في هذه الانتفاضة خمسة أفراد من العائلة داخل الأسر وهم: عمار عاهد شوبكي ٢٢ عاماً في سجن جلبوع، وشقيقه ربيع ٢٤ عاماً محكوم ست سنوات في سجن النقب، والأشقاء الثلاثة وهم سامح سمير شوبكي ٢٤ عاماً في سجن مجدو، ومحمد ٢٥ عاماً موقوف، ومؤيد ٢٤ عاماً في الاعتقال الإداري، وابن عمهم رياض حلمي شوبكي في سجن النقب.
وبالرغم من هذه الجراح النازفة لهذه العائلة الصابرة منذ النكبة إلى يومنا هذا يضيف المواطن عاهد بمعنويات عالية: عند زيارتي للأسرى في السجون شاهدت وقابلت العديد من أبناء الشعب الفلسطيني ممن سجلوا أروع صور الصبر والتحدي؛ فخلال زيارتي لسجن جلبوع شمال فلسطين وجدت شخصاً فقد ثلاثة اولاد شهداء وهدم منزله، ولديه ثلاثة أبناء داخل الأسر، ومعنوياته عالية، بل يحاول مواساة الآخرين وحثهم على الصبر والإيمان بقدر الله وقضائه.
واستذكر المواطن عاهد موقف أحد الأسرى وهو داخل محكمة صهيونية تزامنت محكمته مع محكمة أنجاله عندما حكم على ذلك الأسير بالحكم المؤبد، إلا أن رد الأسير على هذا الحكم كان الهدوء والطمأنينة، وطلب الأسير من القاضي طلباً بحيث يسمح له بالحديث مع أسرته التي كانت موجودة عندما قال لهم بعد أن صدر الحكم: هذا حكم الله وليس حكم القاضي الصهيوني؛ إنما هذا القاضي أداة، وسياتي اليوم الذي نحكم فيه هؤلاء الصهاينة، وستكون الكلمة للمؤمنين؛ لأن العاقبة للمتقين. عندها ضجت المحكمة بالتكبير، وجُن جنون القاضي الصهيوني الذي بادر بإخراج الأسير من المحكمة بعد أن تغيرت ألوان وجهه بعدد ألوان الطيف الشمسي من شدة الموقف
стр. 5093
رسالة إلى أم أسير
د. محمد العريفي
أوجب الله ـ تعالى ـ الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المستضعفين من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس أو أسرها؛ فإن تَلِفَتْ فهي الجنة، وإن أُسرت وجب فكُّها: إما بالقتال، أو الأموال. قال عمر ﵁: لئن أستنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي المشركين أحب إليّ من جزيرة العرب. وكان عمر بن عبد العزيز لا يسميهم أسارى إنما هم حُبَساء في سبيل الله.. فيا أم الأسير! بل يا أمنا جميعاً ـ فهو أخونا ـ لئن بكيت عليه دمعاً فنحن نبكي عليه دماً، نعم! وأي مسلم يحلو له أن يهنأ بطعام أو شراب، وإخوانُه في سجون الكافرين يعانون؟ فمن سجون فلسطين إلى جوانتانامو، إلى أفغانستان، والعراق، والشيشان.. نحزن جميعاً لأسرهم، ولكننا نفرح بأجرهم ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٢] .. وأحسب أننا ـ يا أمنا ـ نتفق جميعاً على أن المعالي لا تُكتسب إلا بالتضحيات، وهذا الدين عزيز، بُعِثَ رسوله بالسيف بين يدي الساعة، وهو نبي الملحمة، وما هو والدنيا إلا كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها، ومهما ضحى المسلمون في سبيل نصرة الدين، فما خسروا؛ فهم يعاملون ربّاً كريماً اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. ولما قاسى بعض الصحابة في الجهاد ما قاسوا، وجعلت أنفسهم تدعوهم للراحة بعدما قدموا كثيراً، أنزل الله عليهم ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، فالتهلكة هي الركون إلى الطعام والشراب والفراش وترك الجهاد في سبيل الله، فاصبري واحتسبي يا حفيدة خديجة وأخت الخنساء! واعلمي أن البكاء والجزع لن ينفع شيئاً، بل هو يُفرح العدو ويُحزن الصديق، وقولي كما قالت أسماء لما قتل الحجاج ابنها عبد الله بن الزبير وعلقه مصلوباً، ثم دخل عليها متشمِّتاً يردد: قتلنا ابنك يا عجوز! فقالت أسماء: وما صنعتَ؟! ما زدتَ على أن أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك. فانقلب فرح الحجاح إلى حزن.
стр. 5094
بعد اتهامه بالضلوع في المقاومة ضد العدو المحتل
الأسير المحرر مهدي جعرور يروي تجربته الفظيعة داخل السجن
معتصم الميناوي
عكّر السجان صفو حياتهم.. جردهم من فكرهم وقدرتهم على الوقوف من جديد، سرق منهم إحساسهم الجميل بالوجود، علمهم فنون التعذيب بلا حدود، تفنن في تفجير آبار أحزانهم، ورغم هذا وذاك يخرج الأسرى من سجون الاحتلال الصهيوني رافعين رؤوسهم حاملين بين ثناياها قصصاً بطولية لأجيال وأجيال.
واليوم نقف مع قصة المحرَّر (مهدي زكي محمود جعرور) الذي استنشق عبير الحرية بعد أن حرم منها خمسة أعوام خلف قضبان أعنف احتلال عرفته البشرية.
وفي حوار خاص بمجلتنا مع هذا المحرر استطعنا التعرف على بعض من محطات حياته التي رواها لنا بفيض من الذكريات ودموع اغرورقت بها عيناه، وكادت تسيل على وجنتيه.
` وكانت البداية:
بدأ ضيفنا بسرد حكاية مشواره الجهادي حيث قال: «تربيت في كنف والديْن حنونين زرعا في قلبي حب الله ورسوله، وربياني فأحسنا تربيتي لأكون الشاب الصالح الذي ينفع دينه ووطنه، وكان ميلادي يوم ٦/١/١٩٧٣م في بيت متواضع يقع في إحدى الأراضي الزراعية، لكنه كان بفضل الله ـ تعالى ـ بمثابة المحضن الأول الذي انطلقت منه في صرح الدعوة إلى الله» .
ومضى يقول: «كانت مرحلة الثانوية قاسية بالنسبة لي؛ حيث بدأت الانتفاضة الأولى، وكنت قد شاركت فيها بنشاط ملحوظ، وخلال ذلك كنت ملتزماً مسجد اليرموك الذي كان له أكبر الأثر في صقل حياتي وشخصيتي؛ حيث تربيت على يد الشيخ سعيد صيام، والشيخ فايز المحلاوي ومجموعة من الإخوة العلماء، ومن هنا بدأ انتظامي بشكل رسمي في حركة حماس، وكان هذا عام ١٩٨٩م؛ لكني كنت مشاركاً في جميع فعاليات الانتفاضة من قذف الحجارة والكتابة على الجدران، ولكن مَنْ صقل شخصيتي القيادية والمنهج الدعوى الذي تسير عليه الحركة؟» .
` في صفوف حماس:
يقول المحرر مهدي جعرور: «انتميت إلى صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس، وكان عمري في ذلك الوقت ١٩عاماً؛ حيث أحببت حركة حماس حباً كبيراً ملأ عليَّ قلبي وعقلي وروحي» .
وتابع يقول: «وجدت فيها صفوة الرجال وأخيارهم، وشعرت أنهم أناس من أولياء الله الصالحين، فعملت معهم في مجال الدعوة الى الله في كل الميادين، وبفضل الله استطعت بقوة الإيمان الانتماء إلى وحدة الصاعقة الإسلامية» .
وأكمل: «بعد أن أثبتُّ نفسي، وأصبحت عضواً نشيطاً بها كلفتني القيادة بأن أكون مسؤولاً عن مجموعتين في وحدة الصاعقة، بالإضافة إلى تولي مهام في جهاز الأحداث والأمن وجهاز القوة الضاربة للعملاء والمشبوهين وتجار المخدرات، وكانت مجموعتنا تسمى في ذلك الوقت: مجموعة الصاعقة الإسلامية» .
وأضاف: «بقيت أعمل في هذا المستوى حتى تاريخ ٨/٧/١٩٩٢م بعدها تم اعتقالي على يد قوات الاحتلال عن طريق وصول معلومات لهم بطبيعة عملي، وعلى إثرها تم اعتقالي، وكنت مسؤولاً عن مجموعتين للصاعقة الإسلامية» .
فترة التحقيق:
عندما وصل مهدي إلى سجن السرايا المركزي الساعة الثانية عشرة مساءً بوشر التحقيق معه فوراً في ما يسمى بالمسلخ، وبعدها تعرض للضرب القاسي وتم نقله في صباح اليوم التالي إلى المجدل، وهناك بدأت رحلة عذاب جديدة.
ويروي لنا تفاصيلها قائلاً: «هز الرقبة هو أسوأ أساليب التحقيق، والذي من شأنه أن يضر بالصدر وعظام الرقبة، وهناك أسلوب (الشبح) ـ وضع الأسير في أوضاع مرهقة ـ لساعات متواصلة، والموسيقى الصاخبة لأربع وعشرون ساعة والمنع من الذهاب إلى المرحاض مع الشتائم والتهديد» .
وأكمل: «هناك أسلوب في التعذيب اسمه الثلاجة وهي عبارة عن زنزانة، وقد وضعوني بها الساعة ١٢ ليلاً، وتحت تعذيب جسدي متواصل، وكانت يداي مقيدتين من الخلف؛ لكن الله أعطاني القوة والصبر وقد وضعت يدي تحت رأسي ونمت» .
وتابع يقول: «فجأة أيقظني الضابط الصهيوني، وسألني: كيف وضعت يدك بهذا الشكل؟ فقلت له: قدرة الله. فأمرني أن أرجعهما كما كانتا خلف ظهري، فلم أستطع فأرسل إليَّ سجاناً غليظ القلب، وكان قوي البنية فأمسك بي ورفعني إلى الأعلى وضربني بالأرض فتكسرت ضلوعي.
ويروي المحرَّر أنه أثناء التعذيب لم يستطع الوقوف على قدميه، فأمره ضابط التحقيق بالوقوف رغماً عنه دون أدنى شفقة، لكنه لم يستطع، وقال له: أنا الآن أفضل الموت على أن أعذب بهذه الطريقة؛ فكان رد المحقق: إذا أردت أن تموت فاختر لك ميتة! فقلت له: اشنقني، لكنه أجاب وبسخرية: لا نريد أن يقال عنا إننا من قتلناك؛ نريد أن تقتل نفسك بنفسك، وعاد لشبحي مرة أخرى بعد أن تماسكت يداي.
أكمل مهدي أنه بعد أيام من العذاب في المجدل رجع ليقضي أكثر من أربعين يوماً في مسلخ السرايا للتحقيق معه، وبعدها أعادوه إلى سجن عسقلان للتحقيق من أجل قضية قتل أحد العملاء على يد مجموعة أخرى لم يكن على علاقة بها، وقضى في التحقيق فترة ٦٨ يوماً.
` إلى المعتقلات:
وأكمل المحرر: «بعد مضي هذه الفترة من العذاب خرجت من التحقيق إلى المعتقلات في سجن عسقلان المركزي، وقد حكم عليَّ بخمس سنوات أمضيتها في طاعة الله والصبر والاحتساب؛ حيث حفظت ١٨ جزءاً من القرآن الكريم، وقراءة الحديث والمطالعة العامة» .
وأوضح المحرر: «هذه الفترة لا يعلم قيمتها الثمينة رغم ألمها إلا من خاضها وعاشها، وردد مقولة: «ليس الخبر كالعيان» .
واوضح المحرَّر: «هناك برنامج للمعتقلين، وكنت جزءاً من هذا البرنامج على مدار الخمس سنوات التي قضيتها في سجون الاحتلال، وبفضل الله لم اشعر يوماً واحداً بأن الضعف واليأس عرفا طريقهما إلى قلبي؛ لأني أدرك تماماً أن ما أقوم به خاص لوجه الله تعالى» .
وتنقل المحرَّر مهدي بين المعتقلات من غزة المركزي «السرايا» وأنصار (٢) وسجن النقب لمدة عامين، وبعدها تم ترحيله إلى سجن عسقلان المركزي ومنها إلى سجن نفحة الصحراوي وسجن السبع ثم سجن (كفاريونا) ثم عادوا إلى نقله إلى نفحة، ويُرجع المحرر مهدي سبب هذا التنقل إلى أربعة أسباب:
١ - التشويش على حياة واستقرار المعتقلين.
٢ - العقاب والعزل.
٣ - التأثير على برامج التنظيم داخل السجن.
٤ - الخوف من هروب السجين.
وأوضح المحرر قائلاً: «مَنَّ الله عليَّ داخل المعتقلات بلقاء قادة حركة حماس وجناحها العسكري الذين تعلمت على أيديهم الكثير، ونهلت من علمهم وتجاربهم، وكان من بينهم: حسن سلامة، وزاهر جبارين، ومحمد أبو عطايا، ومحمد أبو عايش، وروحي مشتهى، ويحيى السنوار» .
ومضى يقول: «أفضل أيام عمري تلك التي أمضيتها مع الشيخ صلاح شحادة، والمهندس إسماعيل أبو شنب، والمطارد أحمد الجعبري الذين كان لهم عليَّ فضل عظيم بعد الله تعالى؛ وهذا ما أفتخر به أمام كل شخص» .
وبعد خروجه من السجن يقول المحرر مهدي: «التحقت بجامعة القدس المفتوحة كلية إدارة وريادة ـ وتخرجت منها بمعدل جيد جداً، ومن ثم عملت في مجال خدمة الأسرى الشهداء» .
وتابع يقول: «خلال تلك الفترة اعتقلتني أجهزة الأمن الفلسطينية لتذيقني اشد مما لقيته في سجون الاحتلال من عذاب ومهانة» .
` لحظة الإفراج:
ومضى مهدي جعرور يقول: «بعد أن أخذ نفساً عميقاً لحظة الإفراج كانت إحدى اللحظات التي يتوق إليها كل معتقل ذاق مرارة العذاب في سجون الاحتلال الصهيوني، ولا أخفيكم انها كانت لحظات الم وفرحة في الوقت نفسه؛ فكانت ألماً لأنني سأفارق أحباء لي، عرفتهم في السجن فكانوا خير إخوة لي في محنتي، وفرحة لأنني سأخرج لأرى أحباء آخرين، أهلي وإخواني» .
وتابع بعينين قد اغرورقتا بالدمع: «لم يمر على حياتي لحظات أحلى من لحظات الإفراج من السجن؛ حيث أمي الغالية بدموعها المشتاقة ويديها الحنونتين والأهل والأصدقاء، تلك لحظات عشتها، ولا يمكن أن أنساها على مدار السنين، وتاريخ الإفراج عني ١٥/١٠/١٩٩٧م سيبقى محفوراً في ذاكرتي» .
стр. 5095
إحصائية بعدد الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني
بلغ عدد الأسرى ٦٥٠.٠٠٠ فلسطيني بنسبة ٤٠% من مجموع الرجال الفلسطينيين بما فيهم الأولاد والشيوخ، ومنهم منذ بداية انتفاضة الأقصى حوالي ٣٢.٠٠٠ أسير بقي منهم ٧٤٠٨ في سجون الاحتلال حتى الآن.
إحصائية عامة
مسلسل السجن العدد
السجون المركزية
١
عسقلان ٣٤٢
٢ نفحة ٨٠٠
٣ شطة ١٢٨
٤ جلبوع ٦١٠
٥
سجن الرملة
أيالون الرملة ٧٠
الرملة نيتسان ١٣٠
الرملة النساء ٤٢
الرملة المستشفى ٢٢
٦ تلموند
تلموند الأشبال ٨٩
تلموند النساء ٥٨
٧ هداريم ٣٦٠
٨
كفار يونا ١٠
٩ ريمونيم ٦٠
السجون المفتوحة «خيام»
١٠ مجدو ١٢٠١
١١ عوفر ٨٠٠
١٢ النقب ١٦٥٨
مراكز الاعتقال والتحقيق
١٣ المسكوبية ٣٧
١٤
بيتح تكفا ٣٥
١٥
بنيامين/عرفر ٧٠
١٦ قدوميم ٣٣
١٧ سالم ٤٢
١٨ حوارة ٢٣
١٩
كفار عتسيون ٥٠
٢٠ الجلمة ٢٨
الإجمالي ٧٤٠٨
- ملاحظة:
سجن الرملة ٤ أقسام، وتلموند قسمان، وهداريم ثلاثة أقسام، وبذلك المجموع يكون العدد الإجمالي لعدد للسجون ٢٧ سجناً، هذا إذا ما أضيف لهم السجن السري رقم (١٣٩١) الذي يقع في قرية تعاونية استيطانية داخل فلسطين المحتلة.
- ٦ أسرى قضوا أكثر من ٢٥ عاماً. منهم: سعيد العتبة، نائل البرغوثي، فخري البرغوثي، سمير القنطار.
- ١١ أسيراً أمضوا أكثر من ٢٠ عاماً.
- ٢٩٧ يقبعون داخل السجون منذ أكثر من ١٠ سنوات.
- ١١٣٥ أسيراً يقبعون في السجون إدارياً.
- ١٨٧٣ من الأسرى صدرت بحقهم أحكام بالسجن.
- ٣٠٥٨ أسيراً موقوفين على ذمة التحقيق.
- ٣٩٣ أسيراً يقضون حكماً بالسجن مدى الحياة، منهم ٢٧٩ قبل انتفاضة الأقصى.
- ٣٠٩ أسرى حكموا بالسجن أكثر من ١٥ عاماً. وأقل من ٥٠ عاماً.
- ١٤٢ أسيراً محكومين بالسجن من ١٠ ـ ١٥ عاماً.
عدد الشهداء في السجون ١٦٦ أسيراً استشهدوا داخل السجون، بينهم ٣١ بسبب الإهمال الطبي، و٦٨ جراء عمليات التعذيب الوحشية التي ترتكب بحقهم، بينما قتل ٦٧ خلال عمليات إعدام خارج نطاق القانون.
стр. 5096
أسير يحصل على درجة الدكتوراه
زنازين الاحتلال مقاعد دراسية لأسرى فلسطينيين!!
محمد ياسين
حوّل الأسرى الفلسطينيون سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى مقاعد دراسية، يحصلون من خلالها على الشهادات والدرجات العلمية المختلفة؛ وذلك رغم عزلهم عن العالم الخارجي، وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية؛ حيث إنهم استطاعوا ـ بعزيمتهم وإصرارهم على مواصلة الحياة ـ صنع الكثير من المعجزات، التي من بينها الحصول على الشهادات الجامعية.
ويقبع خلف أسوار سجون الاحتلال الإسرائيلي قرابة سبعة آلاف أسير فلسطيني، بينهم مئات الأطفال وعشرات النساء بعضهن حوامل وضعن أحمالهن داخل السجون؛ حيث تمارس بحقهم مصلحة السجون الإسرائيلية أبشع الممارسات، وتحرمهم من الكثير من الحقوق المكفولة لهم بموجب اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحقوق الأسرى.
وخاض الأسرى الفلسطينيون إضراباً مفتوحاً عن الطعام، استمر ١٩ يوماً على التوالي؛ حيث بدأ صباح الأحد ١٥/٨/٢٠٠٤م وانتهى مساء الخميس ٢/٩/٢٠٠٤م بعدما أذعنت مصلحة السجون الإسرائيلية لغالبية مطالبهم.
- الحياة الثقافية:
يؤكد الأسير أبو مجاهد في اتصال خاص بمراسلنا أن «الأسرى استطاعوا بجهودهم أن يحولوا حياة السجن بشكل عام من محنة إلى منحة» ، واصفاً الوضع الثقافي داخل السجون بأنه «جيد جداً» ، ومضى يقول: «الدورات الثقافية المتخصصة لا تنقطع، ونستغل وجود أي (كادر) ثقافي يدخل السجن لكي نستفيد من تجربته وخبرته» .
وأضاف قائلاً: «السجون أعطت مئات الأسرى شهادات في التلاوة والتجويد معترفاً بها من وزارة الأوقاف الفلسطينية، وعشرات الأسرى أكملوا حفظ القرآن داخل السجن، وقد استطعنا بصعوبة بالغة تكوين مكتبات داخل كل سجن» .
وأشار الأسير أبو مجاهد إلى أن الأسرى يُقبلون بشكل جيد على مكتبات السجون؛ لافتاً الانتباه إلى العراقيل التي تضعها إدارة السجون الإسرائيلية في وجه الأسرى، وقال: «حصل أحد الأسرى على درجة الدكتوراه في ظل ظروف قاسية للغاية دون علم إدارة السجن، التي لو علمت بذلك لما سمحت له بإكمال دراسته» .
وتابع قائلاً: «هناك برامج ثقافية متكاملة يبدأ بها الأسير منذ لحظة وصوله للسجن بعد فترة التحقيق، فيبدأ بالأهم ثم المهم، والتركيز يكون على البرامج التربوية والحركية، والأمنية، والدينية، وفي السنوات الأخيرة تعمدت إدارة السجون الإسرائيلية أن توقف النشاط الثقافي، فلجأت إلى أساليب وحشية مثل إغلاق مكتبات السجون، وتحطيم ما فيها من كتب وخزائن، حيث لا تزال المكتبات مغلقة خاصة في سجن عسقلان منذ سنتين ونصف» .
- درجة الدكتوراه:
وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة، حصل الأسير (ناصر عبد الجواد) من الضفة الغربية على درجة الدكتوراه؛ حيث منحته جامعة النجاح الوطنية بنابلس درجة الدكتوراه، لكونه ملتحقاً ببرنامج الدكتوراه في الجامعة الأميركية المفتوحة بواشنطن.
وقد تمت مناقشة الأسير ناصر في رسالة الدكتوراه عبر الهاتف بطلب من الجامعة الأميركية بواشنطن، حيث أشرف على رسالته الأستاذ الدكتور أمير عبد العزيز أستاذ الفقه المقارن في جامعة النجاح الوطنية سابقاً، وقد ضمت لجنة المناقشة كلاً من د. ناصر الشاعر عميد كلية الشريعة في جامعة النجاح، ود. حلمي عبد الهادي المحاضر بكلية الشريعة في الجامعة.
وحملت رسالة الدكتوراه عنوان «نظرية التسامح في التعامل مع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي» ، واستمرت مناقشة الأسير ناصر عبد الجواد نحو ثلاث ساعات، تم بعدها إجازته. وقال الأسير ناصر في اتصال هاتفي للصحفيين: «أثبتت بالأدلة القطعية التي لا تحتمل المناقشة أن جميع التعاملات بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع الإسلامي قامت على التسامح؛ وذلك في رسالتي للدكتوراه» .
وأكد الأسير الفلسطيني قائلاً: «إن فترة اعتقالي التي زادت على ١١ عاماً حتى الآن، لم تزدني إلا إصراراً على التميز والخروج بشيء ثمين من هذه الفترة الاعتقالية الطويلة، ولإثبات أن الفلسطيني قادر على التميز حتى وهو خلف القضبان» .
- جامعة بين جدران الأسر:
وينسب للدكتور الشهيد (إبراهيم المقادمة) أحد قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس فضل إقامة جامعة في سجن النقب، أطلق عليها اسم (جامعة يوسف) تيمناً بالنبي يوسف بن يعقوب ﵇ حيث وضع بمساعدة آخرين من محاضري الجامعات الفلسطينية خلال فترة اعتقالهم لدى سلطات الاحتلال مقررات دراسية لمن يرغب بالحصول على شهادة جامعية من الأسرى.
وبدأ الدكتور المقادمة قبل صدور الأحكام ضده بوضع مناهج إسلامية للمجموعة التي تم اعتقالها في قضيته ذاتها، وبدأ في تطبيق مناهج متعددة من قرآن وتفسير وسيرة ... إلخ، وكان في السجن عدد من طلاب الثانوية العامة في سجن المجدل لم يكونوا قد درسوا المناهج بشكل علمي سليم، فقام الدكتور المقادمة بتشكيل مجموعة من المدرسين المتطوعين في شتى مجالات العلوم قاموا بتدريس مواد الثانوية للطلاب، ووصل الطلاب إلى نتائج جيدة في الامتحانات، وحققوا إنجازاً بحصولهم على الثانوية العامة.
وقسم الدكتور المقادمة البرامج الثقافية في السجن إلى أربعة مستويات، وكان عندما يأتي المعتقل من خارج السجن أو من سجون أخرى يوضع في مستوى معين حسب مستواه العلمي والثقافي، وقد قام بوضع عدد من الكتب الموجودة في مكتبة السجن في إطار هذا البرنامج، وعندما كان يشعر بأن البرنامج يحتاج إلى الكتب من الخارج لا يتوانى عن إحضارها من خارج السجن.
يقول الدكتور محمد شهاب ـ رافق الدكتور المقادمة في السجن ـ: «كان الدكتور المقادمة يدفعنا إلى العمل والقراءة وإشغال الوقت بالمفيد، وكان يكلف كل واحد منا ببرنامج؛ فكان لا يستريح ولا يدع أحداً يستريح، وفي مرحلة لاحقة طرح الدكتور إبراهيم فكرة تكوين جامعة حقيقية لها مساقات ومدرسون، وتُعتمد شهاداتها من المؤسسات الخارجية، وبدأت اللجان التي شكلها بالعمل في تحضير المساقات والتعرف على حملة الشهادات العليا من المعتقلين» .
وأوضح أن المحاضرات تعقد في مواقيت رسمية معتمدة دون التلاعب أو الهروب أو الخروج على النظام، كما تم إفراز خيم معينة لإعطاء المحاضرات في أوقات معينة، وكان الطلاب يتوجهون إليها في مواعيد المحاضرات؛ حيث ساد جو علمي أكاديمي رائع.
وتطرح داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي العديد من المواد العلمية والدينية المختلفة؛ مثل مادة القرآن الكريم وعلومه، والمواد الشرعية (السيرة والفقه والسياسة الشرعية) ، وكذلك تاريخ القضية الفلسطينية، ودورات في الخط العربي واللغة العبرية، بالإضافة إلى دروس مكثفة لطلبة الثانوية العامة من المعتقلين.
- وأسير آخر ينال درجة (الماجستير) عبر الهاتف:
ومن جانب آخر نشر مؤخراً نيل الأسير الفلسطيني (وائل عبد الله أبو محيي) من سجن عسقلان هذه الدرجة في اللغة العربية من جامعة النجاح الفلسطينية، وتمت مناقشة أطروحته عبر الهاتف بين الطالب واللجنة المكونة من كل من:
الدكتور يحيى جبر: مشرفاً، والدكتور زاهر حنيني من جامعة القدس المفتوحة ممتحناً خارجياً. وكان موضوع الرسالة (النص الشعري، تفسير النص القرآني: دراسة في الدلالة النصية للقرآن الكريم، وتناول الطالب تحليل مفهوم النص ودلالاته، ولغة الشعر ولغة القرآن الكريم. والطالب المذكور أنهى درجة البكالوريس في تخصص اللغة العربية عام ٢٠٠٠م، وسجن خلال دراسته أكثر من عامين، ثم التحق ببرنامج الدراسات العليا، وما أن سلم أطروحته قبل عامين أبدى استعداداً للمناقشة حتى اعتقل مجدداً. وقال عميد الكلية بالجامعة: إن تسهيل إتمام مناقشة أطروحة الطالب يأتي في إطار التعاون الذي تبديه إدارة الجامعة مع طلبتها للتخفيف من معاناتهم، ومحاولة منها لمد جسور التواصل العلمي بينها وبين طلبتها (١) .
ولا شك أن قدرات هذا الشعب المجاهد توضح مدى جده واجتهاده وتميزه في الجهاد وطلب العلم.
стр. 5097
شهادة من الأسر بعد الإضراب المفتوح عن الطعام
عزل كفاريونا ... مدفن للأحياء
الشيخ: خضر عدنان
استجمعت جسدي وتناولت قلمي صبيحة بوم الجمعة الموافق ١٧/٩/٢٠٠٤م بعد انتهاء إضرابنا المفتوح عن الطعام في عزل كفاريونا يوم الأربعاء الموافق ١٥/٩/٢٠٠٤م. استيقظت وقد توزع الألم على جسدي. حالي كحال إخوتي هنا في العزل بعد إضراب مفتوح عن الطعام لمدة شهر. هنا في عزل كفاريونا، لا بل قل مدفن الأحياء. وحقيقة الأمر الْمُرَّة أن هنالك أحياء في مدفن خصص لهم لا للأموات؛ لكن المفارقة هنا أن المدفن هو العزل، وأن من فيه ـ بفضل الله ـ هم ممن يحيون بذكر الله، وأي حياة هي ولا نزكي على الله أحداً.
هنا وفي هذا المدفن الصهيوني (الإسرائيلي) يوجد ثمانية أنفار من أرض الرباط، فلسطين الأسيرة، لكل منهم قصة الم وأمل تختلج بها أضلعهم، أحدهم هو كاتب هذه السطور، ولكل ألم بداية هي بوابة هذا المدفن الغريب العجيب ليحيا ثمانيتنا بآلامنا وآمالنا في ثلاث زنازين ضيقة، لا بل قل ثلاثة قبور معتمة: قبراً جماعياً لأربعة أحياء، وقبرين في كل منهما أسيران من الأحياء.
ونبدأ التحدي من اليوم الأول لننير عتمة الزنزانة ـ أو قل القبر ـ بنور الإيمان وضياء البشارة بوعد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين، وأول من بدأ هذا التحدي لقيد السجن والسجان في هذا العزل، لا بل قل مدفن الأحياء هم الإخوة: ناصر أبو خضير من القدس، وعماد الصفطاوي وعلي أبو جريدة ورياض عياد وثلاثتهم من غزة هاشم، وقد حُوِّلوا للاعتقال الإداري مع بداية انتفاضة الأقصى، ليمضي الصفطاوي تسعة شهور في هذا المدفن وحده رهن الاعتقال الإداري قبل أن يحول إلى سجن نفحة على ذمة قضية. ونقل عياد إلى عزل الرملة للإداريين وما زال هناك حتى الآن، أما أبو خضير فقد أطلق سراحه، ولا زال أبو جريدة هذا الأخ الصابر في عزل كفاريونا حتى الآن.
وما أن تناهى إلى مسامعنا خبر الإضراب المزمع البدء فيه حتى بدأنا مناقشة الأمر سوية عبر فتحات صغيرة في الأبواب المغلقة، وكان القرار: «على بركة الله سنضرب عن الطعام» ... كيف لا؟! والدوافع للإضراب في السجون كثيرة ولدينا هنا في «المدفن» أكثر: تفتيش عاري ... تمديد للاعتقال الإداري ... وتنكيل نازي ... منع للزيارة ... وعزل على عزل ... وإهمال طبي كما هو في حالة الأخ حسان عبد الرازق ... ومنع رفع الأذان، وحظر صلاة الجمعة والجماعة ... وإدخال الأغراض لنا ممنوع ... ورداءة في الأكل نوعاً وكمّاً ... والقائمة تطول وتطول.
نعيش في قسم العزل من هذا السجن وعلى مقربة منا يهود جنائيون من ذوي الأحكام المؤبدة والعالية وتجار المخدرات؛ حيث تدفعهم إدارة السجن إلى إزعاجنا بواسطة الطَّرْق على جدران الزنازين وإصدار الأصوات المزعجة. ولم تقف الأمور عند ذلك حتى قام متطرف يهودي برشق ثلاثة منا ـ إسماعيل شكشك، وجمال زينو، وعلي أبو جريدة ـ بالزيت المغلي والحار جداً، مما أدى إلى إصابتهم بحروق في الرأس والأطراف؛ وفوراً كان تسويغ الإدارة القمعية بأنه مجنون؛ دون تحريك لساكن أو تسكين لتحرك مجرم ... ولِمَ لا؟ وهي الشريك لذلك المتطرف في إجرامه وفعله الجبان.
وتؤكد لنا إدارة سجن كفاريونا، لا بل قل مدفن الأحياء، على منع رفع الأذان وكذلك صلاة الجمعة والجماعة. وتحدث زلزلة إذا ما رفع الأذان أو أقيمت صلاة الجماعة في «الفورة» ... وترى الإدارة القمعية وكأن الطير على رؤوسهم والرجفة حال أجسادهم الممتلئة حقداً ولؤماً.
ومع بدء معركة الأمعاء الخاوية والإرادات الصلبة في مواجهة عتمة الزنزانة في مدفن الأحياء.. كفاريونا.. سارعت وحوش الجلادين إلى زنازيننا الثلاث في ساعة مبكرة من اليوم الأول في الإضراب، فصادروا كل الأغراض و «الكانتينا» لا سيما السوائل والملح والسكر؛ والممنوع الأخطر هو «الترانزستور» الراديو الصغير؛ فهو وسيلتنا الوحيدة لمعرفة أخبار العالم الخارجي.. يبحثون في كل شيء حتى في الأحذية، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل أرغمونا على التفتيش العاري؛ ليحدث، إثر ذلك شجار بين أخيكم كاتب هذه السطور وضابط اللؤم، ولأعزل انفرادياً في زنزانة قذرة لمدة ثلاثة أيام.
وتتحرك الأفعى الأم وبناتها ويتقلبن، فتعلن الإدارة أنها ستكسر الإضراب بكل الطرق، فبدؤوا بعزل بعضنا عن بعض في زنازين انفرادية ... كلاً على حدة ... ولنمضي أياماً في تلك الزنازين مقيدي الأرجل ليلاً ونهاراً، نذهب بها إلى بيت الخلاء وإلى الطبيب وإلى المحامي كذلك، ولا مجال للاستحمام أو تغيير الملابس. ثلاثة أسابيع أمضيتها وأخي إسماعيل في التنقل من زنزانة لأخرى إلى أن جرى نقلي إلى عزل سجن «أوفك» وإسماعيل إلى عزل سجن «التلموند» ومنه إلى مشفى الرملة بعد تردي حالته الصحية ... كل ذلك القمع من اللئام لم يزدنا إلا اتحاداً وإصراراً على المضي بالإضراب حتى اليوم التاسع والعشرين من الإضراب؛ حيث قام من يسمى رئيس مصلحة السجون (يعقوف جانوت) بزيارتنا في إحدى الزنازين، ووصلنا إلى تفاهمات بخصوص العزل وتحسين الحالة المعيشية العامة، وعلى ذلك انتهى الإضراب.
وإلى حين خروجنا من عزل كفاريونا سنبقى ـ بإذن الله ـ نعيش ونحيا بروح ونور الإيمان وضياء البشارة بوعد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين. ونحن هنا نحيا بهمة عالية؛ وذلك لما لهذا السجن من خصوصية ترفع فينا الهمم وتحيي فينا العزيمة ... ففي هذه الزنزانة ولنقل هذه المرة «الروضة» اعتقل شيخ المقاومة في فلسطين الشهيد الإمام احمد ياسين رحمه الله تعالى ... وفي تلك كانت كوكبة من أسرى المقاومة اللبنانية منهم الشيخ عبد الكريم عبيد والحاج أبو علي الديراني حفظهما الله تعالى ... ومن تلك الزنزانة حدثت واحدة من أعقد عمليات الهروب من السجون الإسرائيلية؛ حيث حرر المجاهدان غسان مهداوي والزبن نفسيهما عام ١٩٩٧م وعلى بعد عشرات الأمتار من بوابة هذا السجن، لا بل قل بوابة «المدفن» . يقع مفترق بيت ليد هذا الموقع الذي شهد بدء حياة ثلاثة أنفار وأي أنفار هم! منهم الشهيدان أنور سكر وأخوه عبد الحميد شاكر اللذان كانا على موعد مع الشهادة في عملية بيت ليد الأولى عام ١٩٩٥م عروس العمليات الاستشهادية ... والثالث هو الشهيد عبد الفتاح راشد منفذ عملية بيت ليد الثانية عام ٢٠٠١م.
وسنبقى ـ بإذن الله ـ نحيا في العزل، لا، بل مدفن الأحياء حتى يكتب الله لنا من أمره يسراً، وسيبقى اللئام أمواتاً، وهم أموات.
стр. 5098
ألا فلتتجلدوا.. فالنصر حليفكم
محمد بن عبد الكريم الشيخ
إنّ فاجعة الأسر شيء لا بدَّ منه في كثير من ملاحم المسلمين مع الكافرين، وهو من جملة ما يمحّص الله ـ تعالى ـ به عباده المجاهدين. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] . والإثبات هو الحبس والأسر، وهو أشد المصائب على النفوس الأبيَّة، التي لا تقبل ضيماً ولا ذلة، بخلاف طرفي الأمر في جهاد الأعداء: النصر أو الشهادة فهما حُسنيان، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلاَّ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] .
وذلك كله من قدر الله بعباده الدعاة والمجاهدين، كما كان علي ﵁ ينشد وهو يخوض المعارك:
أيَّ يوميَّ من الموت أفر يوم لا يقدر أم يوم قَدَر
يوم لا يقدر لا أحذره ومن المقدور لا ينجي الحَذر
إنّ الأسر إذا حاق بمسلم وجب على المسلمين السعي إلى تخليصه منه بكل سبيل شرعي، وشأنٌ كهذا أوضح من أن يحتاج إلى فتوى شرعية، أو يتوقف على دراسة فقهيَّة، ولكن لا بأس من التأكيد على هذه المسؤولية العظيمة، حتى ينهض جميع المسلمين بأعبائها، ويقدروها حق قدرها.
أولاً: الأدلة القرآنية والحديثية العامة التي ترمي إلى نصرة المسلم لإخوانه كقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] ، وما هذه النصرة إلا واجب من واجبات آصرة الديانة كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] ، فالمسلمون أمة واحدة دون الناس يسعى بذمتهم أدناهم، وتلك النصرة أيضاً من واجبات الأخوة الإيمانية. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ، وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخْذُلُه، ولا يحقره» (١) . قال أهل العلم: الخذل: ترك الإعانة والنصر، ومعناه إذا استنصر به في دفع السوء ونحوه لزمه إعانته إذا أمكن ولم يكن له عذر شرعي.
وأمر النبي ﷺ بمطلق نصرة المسلم، فقال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. قيل: يا رسول الله! أنصره مظلوماً؛ فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه» (١) .
وهل فينا من يملك الضمان ـ على الدهر المتقلب المملوء بالفواجع ـ من أن تخطفه يدٌ غيلةً؟ أو تنزل بساحته قارعة؟ إنّ المسلم إذا تخاذل عن نجدة إخوانه في الواقعة الواحدة، والحادثة الفذة فإنّ ربه له بالمرصاد يخذله في أحلك ما سيلقى، ويدعه إلى نفسه الضعيفة تستغيث ولات حين مغيث.
ثانياً: ثمة أدلة تتعلق بهذا الحكم خصوصاً ـ وهو وجوب فك أسرى المسلمين ـ ومن ذلك أنّ الله ـ تعالى ـ أمر بالقتال لتخليص ضعفة المسلمين، وأسارى المسلمين لهم في الحكم تبع، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] . قال القرطبي: «وتخليص الأسارى واجب على جميع المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال، وذلك أوجب لكونها دون النفوس؛ إذ هي أهون منها. قال مالك: واجب على الناس أن يُفْدوا الأسارى بجميع أموالهم، وهذا لا خلاف فيه» .
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فكوا العاني ـ يعني الأسير ـ وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» . وفي الصحيح أيضاً عن أبي حجيفة قال: قلت لعلي ﵁: «يا أمير المؤمنين! هل عندكم من الوحي شيء؟» قال: «لا؛ والذي فلق الحية وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه الله رجلاً، وما في هذه الصحيفة» ، قلت: «وما في هذه الصحيفة؟» قال: «العقل، وفكاك الأسير، ولا يُقتل مسلم بكافر» (٢) .
وإنّ في السيرة العملية لعبراً تؤثَرُ عن النبي ﷺ في فك الأسارى، ومن ذلك القيام بالفداء؛ فعن عمران بن حصين ﵁ أنّ النبي ﷺ فدى رجلاً برجلين، وكان من ديدنه ﵊ نصرة الأسرى بسهام الدعاء التي لا تخطئ أبداً، كما في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة يقول: «اللهم أَنْجِ عياش بن أبي ربيعة، اللهم أَنْجِ سلمة بن هشام، اللهم أَنْجِ الوليد بن الوليد، اللهم أَنْجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف» (٣) .
قال ابن العربي المالكي: «إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين: فإنّ الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن بألاّ يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عدواناًَ يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حلَّ بالخلق في تركهم إخوانهم في أمر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول الأحوال، والعدة والعدد، والقوة والجلد» (٤) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فكاك الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات» (٥) .
إن الأسرى الفلسطينيين الأبطال الذين يخوضون معركة شجاعة بأمعائهم يواجهون كل يوم من أيام أسرهم إجراءات الاحتلال الظالمة من تعذيب وقهر وإذلال وحرمان ومن المعلوم. يقيناً أن قرار الإضراب عن الطعام ليس بألأمر الهيّن، فلا يلجأ له الأسرى إلاّ بعد استنفاد كافة أساليب الاحتجاج الأخرى، ولو لم تكن أوضاعهم أسوأ بكثير مما ستكون عليها بعد الإضراب عن الطعام، ونحسب أن هذا أمر يؤرق كل مسلم أبي غيور، ويقضُّ مضجعه، ولكن الحزن وحده لا يجدي، وإظهار الأسى لحالهم فحسب لا يكفي، بل لا بدّ من تحرك عملي لنجدتهم، وتخليصهم من أسر عدوهم.
فعلى التجار والميسورين أن يبذلوا أموالهم، ولا يجوز لهم أن يضنوا بها عليهم، وعلى ذوي الجاه والمناصب أن يسعوا بسلطانهم، وعلى أهل العلم والدعوة القيام تحريضاً وتبصيراً بحقوق الأسرى بلسانهم، وعلى أهل الإعلام والصحافة أن يناضلوا بمدادهم وأقلامهم؛ فإن لذويهم أيضاً دَيْناً في أعناقنا.
стр. 5099
سباق الرئاسة الأمريكية (*)
تعد انتخابات الرئاسة الأمريكية هي أقوى تمثيل لتبادل الأدوار بين جناحي حزب المال والسلطة الأمريكي. فرغم أن مؤسسي أمريكي قد حذروا من الأحزاب السياسية، إلا أن أكثر من ٦٠% من الشعب الأمريكي اليوم ينتمي حزبياً إلى أحد الجناحين الديمقراطي أو الجمهوري. وحتى البقية التي تسمي نفسها "بالمستقلين"، فإن الانتخابات الرئاسية الأخيرة أوضحت أن أكثر من ٧٠% منهم قد صوتوا لأحد الحزبين. يعني ذلك أن ما يقارب من ٨٥% من الشعب الأمريكي يرتبط بشكل أو بآخر بالحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وفي دراسة لجون بيبي John Bibby، للخبير الأمريكي في شؤون الانتخابات، ذكر أن كل الرؤساء في أمريكا بدءا من عام ١٨٥٢م، وحتى اليوم كانوا من أحد الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري، وبلغت نسبة مجموع الأصوات التي حصل عليها الحزبان معاً في أي من الانتخابات الأمريكية التي تلت الحرب العالمية الثانية أكثر من ٩٤.٨% من إجمالي الأصوات الانتخابية. وجميع حكام الولايات الأمريكية أيضاً ينتمون إلى أحد الحزبين.
وفي ملف هذا العدد، نحاول أن نعرض بعض الجوانب التي يمكن أن تفيد القارئ حول الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ويتضمن الملف عدد من الدراسات التي تعرف بالمرشحين لمنصبي الرئيس ونائبه، ومواقفهم الانتخابية لهذا العام. كما يقدم الملف تلخيصاً لأهم المواقف السياسية لكلا المرشحين من القضايا الانتخابية الرئيسية، ومن القضايا التي تهم القارئ العربي والمسلم.
كما يتضمن الملف أيضاً دراسة عن العملية الديمقراطية لانتخاب الرئيس، ومدى الدور الذي يقوم به الشعب الأمريكي في انتخاب من سيتولى رئاسة الولايات المتحدة. وبالملف دراسة عن التمويل المالي لانتخابات الرئاسة، والدور الذي تلعبه الشركات الأمريكية الكبرى في ذلك. وأخيراً دور الإعلام في التأثير على سباق الرئاسة الأمريكية.
الانتخابات الرئاسية الأمريكية فرصة للتعرف على تأثير القوى المختلفة على الحياة السياسية الأمريكية. ومن المؤسف أن العالم العربي والإسلامي ليس له أثر مباشر في التأثير على هذه الانتخابات رغم أن نتيجتها تؤثر بشكل مباشر على الحياة السياسية في المنطقة العربية والإسلامية. إن مجرد الاكتفاء بدور المراقب والمعلق على هذه الانتخابات لن يفيد الأمة في هذه الفترة التي اختارت فيها الولايات المتحدة التدخل المباشر وغير المباشر في شؤون العالم العربي والإسلامي. وهذا الملف محاولة للتعرف على هذه الانتخابات من زوايا جديدة تعين على اختيار أنسب الوسائل في المستقبل للتأثير الإيجابي في هذه الانتخابات لخدمة مصالح الأمة. والله تعالى خير معين.
стр. 5100
من سيقود أمريكا ؟
استشراف لنتائج الانتخابات القادمة
تختلف الانتخابات الرئاسية لهذا العام في الولايات المتحدة عن الانتخابات السابقة في وضوح تدهور العلاقة مع العالمين العربي والإسلامي. ولذلك فإن المرشحين من الحزبين يراهنون على النجاح في كسب التأييد الشعبي من خلال إظهار المزيد من الحزم والقوة في التعامل مع الأمة العربية والإسلامية، ومزيد من التعاطف مع الكيان الإسرائيلي. ولذلك فكِلا الخيارين لا يخدم مصالح الأمة، أو يتعاطف مع قضاياها.
إن الهدف من استشراف نتائج الانتخابات القادمة في هذا المقال هو توضيح نوعية التحديات التي ستقابل الأمة في السنوات الأربع القادمة من خلال التعامل مع إدارة أمريكية لن تهتم إلا بمصالح الكيان الإسرائيلي. ولن تترك هذه الإدارة العالم العربي والإسلامي ليتعامل مع القضايا الداخلية، بل ستحاول فرض حلول أمريكية غير ناجعة أو مفيدة على شعوب الأمة. وستختلف التحديات التي ستواجهها الأمة تبعاً لنتيجة هذه الانتخابات كما سيتضح من خلال المقال.
- تعريف بالمرشحين:
أسهبت وسائل الإعلام العربية خلال هذا العام في التعريف بكل من جورج بوش، وجون كيري. ولا حاجة إلى تكرار ما أصبح معروفاً لدى الكثير عن كل من المرشحيْن. وتبين الجداول المرفقة أهم المعلومات الشخصية والعامة عن المرشحين لمنصب الرئيس الأمريكي ونائبه.
ويلاحظ من هذه الجداول بعض القواسم المشتركة الهامة بين المرشحين لمنصبي الرئيس ونائبه في كل من الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. أحد هذه القواسم المشتركة حصول جميع المرشحين على أكثر من شهادة أكاديمية، ومن جامعات عريقة ومعروفة. كما أن جميع المرشحين فيما عدا جون كيري يدينون بنفس المذهب البروتستانتي وهو الميثوديست، وهو مذهب منتشر بين سكان الولايات الجنوبية الأمريكية المعروفة بالتدين والتعصب المذهبي أيضاً.
جدول (١) تعريف بالمرشحين جدول (٢) تعريف بالمرشحين
جون كيري
مرشح لمنصب الرئيس
www.johnkerry.com
info@johnkerry.com
جون إدواردز
مرشح لمنصب نائب الرئيس
www.johnkerry.com
info@johnkerry.com
الحزب
الديمقراطي
الحزب
الديمقراطي
الإقامة
بوسطن الإقامة
رالي ـ نورث كارولينا
الحالة الاجتماعية
متزوج (تريزا هاينز كيري)
الحالة الاجتماعية
متزوج (إليزابيث إدواردز)
الوظيفة السابقة
محام
الوظيفة السابقة
محام
المنصب السياسي
سيناتور (عضو مجلس الشيوخ) منذ عام ١٩٨٤م
المنصب السياسي
سيناتور (عضو مجلس الشيوخ) منذ عام ١٩٩٨م
التعليم
جامعة ييل ـ ١٩٦٦، شهادة محاماة من كلية بوسطن ـ ١٩٧٦
التعليم
جامعة ولاية نورث كارولينا ـ ١٩٧٤، محاماة ـ ١٩٧٦
الميلاد
١١ ديسمبر ١٩٤٣
الميلاد
١٠ يونيو ١٩٥٣
مكان الميلاد
دنفر ـ كلورادو
مكان الميلاد
سينيكا ـ ساوث كارولينا
الديانة
كاثوليك
الديانة
ميثوديست
ميزانية الحملة
٣٠٤ مليون
ميزانية الحملة
٣٠٤ مليون (ميزانية كيري)
جدول (٣) تعريف بالمرشحين جدول (٤ ٢) تعريف بالمرشحين
جورج بوش
مرشح لمنصب الرئيس
www.georgewbush.com
bushcheney٠٤@georgewbush.com
ديك تشيني
مرشح لمنصب نائب الرئيس
www.georgewbush.com
bushcheney٠٤@georgewbush.com
الحزب
الجمهوري
الحزب
الجمهوري
الإقامة
مايلاند ـ تكساس الإقامة
كاسبر ـ وايومنج
الحالة الاجتماعية
متزوج (لورا بوش)
الحالة الاجتماعية
متزوج (لين تشيني)
الوظيفة السابقة
رجل أعمال
الوظيفة السابقة
رجل أعمال
المنصب السياسي
حاكم ولاية تكساس
١٩٩٤ ـ ٢٠٠٠
المنصب السياسي
وزير الدفاع
١٩٨٩ ـ ١٩٩٣
التعليم
جامعة ييل ـ ١٩٦٨، ماجستير إدارة أعمال ـ هارفارد ـ ١٩٧٥
التعليم
جامعة وايومنج ـ ١٩٦٥، ماجستير ١٩٦٥
الميلاد
٦ يوليو ١٩٤٣
الميلاد
٣٠ يناير ١٩٤١
مكان الميلاد
نيو هافن ـ كونيكتيكت
مكان الميلاد
لينكولن ـ نيراسكا
الديانة
ميثوديست
الديانة
ميثوديست
ميزانية الحملة
٢٤٤ مليون
ميزانية الحملة
٢٤٤ مليون (ميزانية بوش)
جدول (٥) من يتبرع للمرشحين (*)
جورج كيري
١ ـ جامعة كاليفورنيا
٢ ـ جامعة هارفارد
٣ ـ مؤسسة تايم وارنر الإعلامية
٤ ـ شركة ميكروسوفت
٥ ـ مجموعة سيتي كورب
٤٨١
٣١١
٢٦٠
٢٥٨
٢٥٢
стр. 5101
هل ينتخب الشعب الأمريكي رئيسه حقاً ؟
لا يعرف بعض من يتابعون الانتخابات الرئاسية الأمريكية أن الرئيس الأمريكي لا يتم انتخابه انتخاباً مباشراً من قِبَل الشعب الأمريكي. والأغرب من ذلك أن عدد من صوتوا في الانتخابات الأمريكية السابقة عام ٢٠٠٠م للمرشح الديمقراطي آل جور كان أكثر من عدد الناخبين الذين أعطوا أصواتهم لجورج بوش. ومع ذلك فقد فاز جورج بوش بالرئاسة لطبيعة نظام الانتخاب الأمريكي الذي لا يعتمد على الانتخاب المباشر.
فقد أسفرت نتيجة اختيار الشعب الأمريكي في الانتخابات الرئاسية السابقة (عام ٢٠٠٠م) عن فوز المرشح الجمهوري (جورج بوش) بنسبة ٤٧.٨٧% من إجمالي الأصوات التي شاركت في التصويت العام، بينما حصل المرشح الديمقراطي (آل جور) على ٤٨.٣٨% من الأصوات (١) ؛ وبذلك يكون (آل جور) هو من اختاره الشعب الأمريكي حقيقة لرئاسته. ومع ذلك فإن نظام الانتخاب المعروف بـ Electoral College أو «المجموع الانتخابي» قد أعطى الرئاسة إلى من حصل على عدد الأصوات الأقل؛ وذلك لأنه حصل على تمثيل أعلى من الولايات. ولذلك فمن المناسب شرح هذا النظام؛ لأن من المتوقع أن تكون الانتخابات القادمة متقاربة في عدد الأصوات، وقد يتكرر ما حدث في الانتخابات الماضية.
- نظام الانتخاب الأمريكي:
ينص الدستور الأمريكي في المادة الثانية منه، البند الأول على أن تدار الانتخابات الرئاسية لاختيار الرئيس ونائبه عن طريق نظام Electoral System أو نظام «المجموع الانتخابي» . هذا النظام لا يسمح بالانتخاب المباشر للرئيس ونائبه من قِبَل الشعب الأمريكي بطريقة «صوت واحد لكل ناخب» . وإنما يقوم سكان كل ولاية بتكليف مندوبين عنهم بانتخاب الرئيس، ونائبه، وهم من يسمون بالناخبين، أو Electors.
أما عموم الشعب الأمريكي الذي يذهب إلى صناديق الاقتراع يوم الانتخاب؛ فهو لا يسمى ناخباً، وإنما هو يختار من سيفوز في الولاية فقط. ولكل ولاية عدد من الناخبين Electors يساوي مجموع أعضاء مجلس الشيوخ والنواب لهذه الولاية. ويحصل الفائز في كل ولاية على جميع أصوات الولاية فيما يعرف بنظام «الفائز يحصد الكل» ، وليس فقط ما حصل عليه من أصوات.
- ٥٣٨ شخصاً فقط ينتخبون الرئيس:
عدد الناخبين في انتخابات الرئاسة الأمريكية هو نفس عدد ممثلي الشعب في الكونجرس (المكون من مجلسي الشيوخ والنواب) . ولتحديد عدد الناخبين Electors، فلا بد من معرفة العدد الإجمالي لأعضاء الكونجرس. يحدد نظام الولايات المتحدة عضوين لمجلس الشيوخ The Senate عن كل ولاية. ولذلك فإن إجمالي عدد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي هو ١٠٠ عضو (من خمسين ولاية) . ويسمى كل عضو في مجلس الشيوخ سيناتور.Senator.
أما عدد أعضاء مجلس النواب The House of Representatives، فإنه يتناسب مع عدد سكان كل ولاية. ويسمى عضو هذا المجلس نائباً.Representativ يتم اختيار نائب في المجلس ليمثل نصف مليون شخص تقريباً في كل من الولايات الخمسين. ولذلك فإجمالي عدد النواب الأمريكيين هو ٤٣٥ نائباً. وأضيف إلى مجلس النواب ثلاث نواب عن العاصمة الفيدرالية واشنطن التي لا تدرج ضمن أي ولاية تبعاً للتنظيم الداخلي للولايات المتحدة.
بذلك يكون إجمالي ممثلي الشعب في مجلسي الشيوخ والنواب هو ٥٣٨ عضواً. ويعني ذلك أيضاً أن عدد الناخبين Electors، الذين يقومون بانتخاب الرئيس الأمريكي هو ٥٣٨ ناخباً. ويشترط في الناخبين Electors عدد من الشروط من بينها عدم شغل أي وظيفة فيدرالية.
- دور الناخبين:Electors
يقوم كل حزب من الأحزاب المرشحة قبل الانتخابات باختيار عدد الناخبين Electors المطلوب في كل ولاية، وهو نفس عدد أعضاء الكونجرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب) عن هذه الولاية. ويتم الإعلان عن أسماء الناخبين Electors قبل الانتخابات الأمريكية. كما يتم تسجيل هؤلاء الناخبين Electors في السجلات الرسمية للولاية. ومهمة هؤلاء الناخبين Electors أن يقوموا بانتخاب الرئيس الأمريكي ونائبه في حال فوز حزبهم في هذه الولاية. ومن ثم فهم يعتبرون ممثلين عن الحزب في الإدلاء بأصواتهم.
وفي موعد الاقتراع العام (في الثلاثاء الأول من شهر نوفمبر) ، يذهب سكان كل ولاية للاقتراع على منصبي الرئيس ونائبه. وبعد صدور النتائج، تحدد كل ولاية من الولايات المرشح الفائز في الاقتراع في هذه الولاية. وفور إعلان هذه النتيجة، يصبح مندوبو الحزب الذين فازوا بهذه الولاية هم المكلفين بانتخاب الرئيس بالإدلاء بأصواتهم عن تلك الولاية. ويحصل الحزب الفائز على الحق في إرسال ممثليه من الناخبين Electors للتصويت في انتخابات الرئاسة بين الناخبين Electors، والتي تجري بعد الاقتراع العام بشهر، أي في شهر ديسمبر.
- كيف يحدد الفائز:
يحصد الحزب الممثل للمرشح الفائز في أي ولاية على حق إرسال مندوبيه للإدلاء بكل الأصوات الانتخابية في الولاية، وليس فقط نسبة ما حصل عليه المرشح من الأصوات. وهذا النظام يسمى «الفائز يحصد الكل» . والفائز في الانتخابات الرئاسية هو من يحصل على أصوات أكثر من نصف عدد الناخبين Electors، أي أكثر من ٢٧٠ صوتاً انتخابياً بصرف النظر عن نتيجة الاختيار الشعبي.
كان هذا هو سبب حصول جورج بوش على منصب الرئاسة في الانتخابات السابقة رغم أنه لم يحصل على أغلب أصوات الشعب. فقد حصل جورج بوش على ٢٧١ صوتاً انتخابياً Electors، بينما لم يحصل آل جور إلا على ٢٦٦ صوتاً، رغم أنه فاز بأغلب أصوات الشعب ـ انظر جدول (٢) .
- ثغرة انتخابية:
من المفترض أن يصوت أعضاء كل حزب للمرشح الذي يمثل هذا الحزب في حال فوزه في الاقتراع العام تعبيراً عن رأي سكان الولاية. ولكن القانون لا يلزم الناخبين Electors في ٢٤ ولاية أمريكية بذلك، وإن كان المتوقع منهم أن يفعلوا. ويلزم الناخبون في الولايات الـ ٢٦ الأخرى بالتصويت وفقاً لنتيجة الاقتراع العام في كل ولاية.
أما في الولايات التي لا تلزم الناخبين Electors بنتيجة الاقتراع، فإنه إذا اختار أحدهم أن يدلي بصوته بخلاف ما اختار سكان الولاية، وبخلاف توجه حزبه الذي يمثله، فإن رأي هذا الشخص يقدم على رأي الجماهير، ويصبح صوت هذا الناخب Elector، هو الفيصل النهائي فيمن ستنتخبه الولاية عنها. ولا يتعرض الناخب Elector في هذه الحالة إلى أي مساءلة قانونية. لذلك فمن حق الناخبين Electors الممثلين لمواطني ٢٤ ولاية أمريكية أن يختاروا بأنفسهم، ووفق رأيهم الشخصي المرشح الذي يروق لهم بصرف النظر عن رأي مواطني الولاية، أو أن يمتنعوا عن التصويت إن رأوا ذلك.
وفي الانتخابات الرئاسية السابقة، قام مواطنو العاصمة واشنطن بالتصويت لصالح جورج بوش، وفاز في هذا الاختيار، وأهَّله ذلك للحصول على جميع الأصوات الانتخابية للمدينة، وهي ثلاث أصوات يمثلها ثلاثة ناخبين Electors من الحزب الجمهوري. ولكن في يوم الانتخاب، قرر أحد هؤلاء الثلاثة الامتناع عن التصويت لصالح جورج بوش؛ للتعبير عن سخطه في قضية محلية. وبذلك لم يحصل جورج بوش إلا على صوتين فقط من أصوات العاصمة، بينما كان يتوقع وفق النظام الانتخابي أن يحصل على ثلاثة أصوات.
وفي تاريخ الولايات المتحدة العديد من المواقف التي قام فيها الناخبون Electors بالتصويت خلافاً لما اختاره الشعب في الاقتراع العام. ففي عام ١٨٣٦م، قام جميع الناخبين الديمقراطيين وعددهم ٢٣ ناخباً Electors برفض التصويت لريتشارد جونسون المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس رغم فوزه في الولاية؛ لأنه أنجب من امراة أمريكية سوداء طفلين أسودين (١) .
- ماذا عن التعادل؟
ينص الدستور الأمريكي أنه في حال تعادل الأصوات الانتخابية Electoral Votes، فإن الأمر يحال بأكمله إلى مجلس النواب الأمريكي، الذي يقوم باختيار رئيس الولايات المتحدة من بين المرشحين. ولا يلتفت في هذه الحالة إلى رأي الشعب الأمريكي الذي جرى التعبير عنه من خلال الاقتراع العام. فحتى لو أكد الاقتراع العام موافقة الشعب الأمريكي على اختيار مرشح بعينه بإعطائه عدداً أكبر من الأصوات، فإن الأمر في حال تعادل الأصوات الانتخابية Electoral Votes ينقل لمجلس النواب لاختيار من يراه المجلس رئيساً للدولة.
وقد حدث ذلك في تاريخ الولايات المتحدة مرتين من قبل: إحداهما: أسفرت عن اختيار توماس جيفرسون رئيساً، والأخرى: أسفرت عن اختيار جون كوينسي آدامز. أما إذا تعادلت الأصوات الانتخابية لنائب الرئيس، فيقوم مجلس الشيوخ، وليس مجلس النواب باختيار نائب الرئيس. ويتضح هنا أن التعادل في الأصوات الانتخابية Electoral Votes وهو أمر وارد، يحول الانتخابات الرئاسية بعيداً تماماً عن اختيار الشعب الأمريكي.
- بين الانتخاب المباشر والمجموع الانتخابي Electoral College:
الانتخاب المباشر لا يطبق في أمريكا في الانتخابات الرئاسية لعدد من الأسباب، من بينها ضمان تمثيل الولايات الصغيرة مساحة او سكاناً في انتخاب الرئيس ونائبه. كما أن هذا الأسلوب الانتخابي يجعل من الصعب على الأقليات أن تحول الانتخابات الرئاسية عن مسارها، ومن ثَمَّ فإن هذا النظام يمثل في النهاية مصالح الأغلبية.
أما المعادون لنظام المجموع الانتخابي Electoral College، فمسوِّغاتهم في عدم كفاءة أو نزاهة هذا النظام الانتخابي تتركز في أنه غير عادل للمرشحين من خارج الحزبين الرئيسيين في أمريكا (الديمقراطي والجمهوري) . كما أن هذا النظام يعطي الفائز في ولاية ما كل الأصوات الانتخابية في تلك الولاية رغم أنه لم يحصل عليها من خلال رأي الشعب، وإنما من خلال الدستور، وهو ما يطعن في أصل فكرة الانتخاب.
- توقعات الانتخابات القادمة:
من المتوقع أن تشهد الانتخابات الرئاسية القادمة معركة طاحنة بين الحزبين الجمهوري والديقراطي لاقتناص أكبر عدد من الأصوات الانتخابية لضمان الفوز لمرشحهم. وفي حال تخلي أي ناخب Elector عن تمثيل وجهة نظر الحزب، فإن ذلك من الممكن أن يتسبب في مشكلات كثيرة لم تستعد الحملات الانتخابية لمواجهتها.
وفي الأيام الأخيرة أعلن أحد الناخبين Electors الجمهوريين من ولاية ويست فيرجينيا أنه يفكر في عدم إعطاء صوته للرئيس جورج بوش في حال فوزه في ولاية ويست فيرجينيا، وهو الأمر المتوقع؛ لأن هذه الولاية تعرف دائماً بميولها الجمهورية. ففي حوار أجري مع هذا الناخب، واسمه ريتشارد روب Richard Rob، أعرب عن امتعاضه من السياسات الاقتصادية للرئيس الأمريكي جورج بوش، وقال: «إنني متخوف من الاتجاه الذي تسير فيه هذه الدولة، وأنا لست من النوع الذي يبقى صامتاً عندما يؤمن بقضية ما. أنا لا أظن أنني أرغب في التصويت لهذا الرجل (جورج بوش) » (٢) .
ولذلك فإن كلاً من الحزبين يسعى جاهداً للتأكد من ولاء الناخبين Electors الذين يملكون في ٢٤ ولاية أمريكية أن يصوتوا وفقاً لرغباتهم، وليس تبعاً لنتيجة الاقتراع في هذه الولايات. ويستخدم هذا الاحتمال المعادون للنظام الانتخابي الرئاسي الأمريكي لبيان أن هذا النظام غير عادل وغير ديمقراطي أيضاً. وقد تشهد الانتخابات القادمة معركة دستورية جديدة تضيف إلى الشكوك في كفاءة النظام الانتخابي في التعبير عن طموحات ورغبات الشعب الأمريكي في اختيار من يرأس أكبر قوة عسكرية في تاريخ العالم.
- نسبة من يشاركون في الاقتراع العام:
تعاني الولايات المتحدة في العقود الأخيرة من مشكلة أخرى، وهي تقاعس الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم في الانتخاباب الرئاسية. لقد شهدت الخمسون عاماً الماضية تراجعاً واضحاً في نسبة من يذهبون إلى صناديق الاقتراع في يوم الانتخابات؛ فقد كانت نسبة من يشاركون في الإدلاء بأصواتهم في عام ١٩٦٠م أكثر من ٦٣% من إجمالي عدد الناخبين، وانخفضت تلك النسبة إلى ٤٩% في انتخابات عام ١٩٩٦م.
ويوضح الرسم البياني أن هذا التراجع قد توقف في العقد الماضي بسبب المنافسة بين المرشحين، ولكن المراقبين يجمعون على أن الناخبين قد فقدوا الثقة في جدوى التصويت بسبب الخدع الإعلامية، وتدخُّل قوى الضغط السياسي في العملية الانتخابية، وغير ذلك من الحيل التي أفقدت الانتخابات الأمريكية بريقها الديمقراطي.
- الحصول على موافقة غالبية الناخبين:
المتوقع من العملية الانتخابية أن تكون نتيجتها اختيار شخص لرئاسة الدولة يحظى بموافقة أغلبية من ذهبوا للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات. ولكن المراقب للانتخابات الأمريكية يجد أن الكثير من الرؤساء الأمريكيين قد حكموا الولايات المتحدة دون ان يحصلوا على هذه النسبة من القبول بين من صوَّت في الانتخابات.
ومما يجعل هذا الأمر ملفتاً للنظر عاملان آخران يتزايدان خلال الأعوام الأخيرة أيضاً. الأول أن ما يقارب نصف الناخبين لا يذهب إلى صناديق الاقتراع، ومن ثَمَّ فإن نصف الناخبين لا يشاركون في الانتخاب. ويتزايد في الآونة الأخيرة إحجام أبناء الشعب الأمريكي عن الحصول على بطاقات انتخابية أيضاً، مما يعني عدم المشاركة في أي انتخابات. ويضاف إلى ذلك أن الرئيس أحياناً لا يصل إلى الرئاسة وهو يحظى بدعم الأغلبية، وإنما بنسبة قبول أقل من ٥٠%. كل ذلك يلقي بالكثير من ظلال الشك حول حقيقة تمثيل رغبة الشعب الأمريكي في انتخابات الرئاسة.
والجدول المرفق يبين عدد المرات التي تولى فيها رئاسة الولايات المتحدة رؤساء لا يتمتعون بالنسبة التي تدل على قبول غالبية الناخبين الأمريكيين الذين أدلوا بأصواتهم لهذا الرئيس، وهي ٥٠%. وهذه القائمة تشمل ستة عشر رئيساً من بين ٤٤ رئيساً تولوا حكم الولايات المتحدة حتى الآن. ومن بين هؤلاء الرؤساء الذين لم يحظوا بنسبة ٥٠% من الأصوات الرئيس بيل كلينتون، وريتشارد نيكسون وجون كنيدي (١) .
- هل ينتخب الشعب الأمريكي الرئيس؟
لا شك أن المشاركة الانتخابية للشعب الأمريكي في اختيار الرئيس كبيرة. ولكننا أردنا في هذا المقال توضيح بعض الثغرات التي لا يتحدث الإعلام عنها في ذلك النظام الانتخابي. كما أن هذا المقال يهدف إلى توضيح أن المشاركة الانتخابية للشعب غير مباشرة في اختيار الرئيس، وأنها تتم بطريق لا يعبر أحياناً عن رغبات الشعب الأمريكي التي تظهر من صناديق الاقتراع كما حدث في الانتخابات الرئاسية الماضية.
وتظهر المشكلات الانتخابية جلية وواضحة في حال المنافسة الشديدة بين المرشحين، وتقارب نتيجة الانتخابات. وهذا هو المتوقع في انتخابات العام الحالي. لذا أردنا التفصيل في بيان الآلية التي يتم من خلالها اختيار الرئيس، والمشكلات الانتخابية في حال تقارب الأصوات.
стр. 5102
تجارة الانتخابات ..
دور الشركات الأمريكية في انتخابات الرئاسة
من المتوقع أن يصل حجم الإنفاق المالي على الانتخابات الرئاسية الأمريكية لهذا العام أكثر من مليار دولار. وهذا الرقم يمثل قفزة كبيرة في الإنفاق المالي لانتخاب الرئيس الأمريكي. وتلعب الشركات الأمريكية دوراً مؤثراً في الانتخابات الأمريكية من خلال الإغداق على المرشحين بالتبرعات في مقابل التزام المرشحين بوعود انتخابية تخدم مصالح هذه الشركات.
ويهدف هذا المقال إلى توضيح حجم الإنفاق المالي على سباق الرئاسة، ودور الشركات الأمريكية المباشر وغير المباشر في توفير المبالغ المالية اللازمة لنجاح المرشح الذي تميل له هذه الشركات.
- الإنفاق على سباق الرئاسة:
وصل الإنفاق المالي على سباق الرئاسة إلى أكثر من نصف مليار دولار مع نهاية السباق الماضي بزيادة تصل إلى أكثر من ٣٠٠% بالمقارنة مع انتخابات عام ١٩٧٦م. أما انتخابات هذا العام، فمن المتوقع أن تزيد تكلفتها الإجمالية عن مليار دولار.
وبما أن الحكومة الفيدرالية بالولايات المتحدة لا تعطي المرشحين أكثر من ٧٠ مليون دولار للمرشح الواحد خلال الحملة الانتخابية، فإن الفارق بين المبالغ المطلوبة، وبين ما توفره الحكومة الفيدرالية يتم توفيره من خلال تبرعات الأشخاص والجهات ذات المصالح المرتبطة بنتيجة الانتخابات، ومن أهم هذه الجهات الشركات الأمريكية الكبرى.
- الشركات والانتخابات الرئاسية:
تعتبر الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والذي تجري كل أربع سنوات فرصة للتغيير في الحياة الأمريكية. وتحاول الشركات الأمريكية انتهاز هذه الفرصة للحفاظ على مكاسبها المالية، والضغط على الإدارة الجديدة من أجل المزيد من المكاسب والمنافع. ولذلك تهتم الشركات الأمريكية والعالمية بالانتخابات الرئاسية، وتسعى هذه الشركات إلى دعم انتخاب المرشحين الذين يقدمون أفضل العروض إلى هذه الشركات، أو يعرف عنهم الاهتمام بمصالح الشركات الكبرى.
وتنفق الشركات الأمريكية مبالغ مالية ضخمة للتأكد من أن التشريعات التي تصدر عن الحكومة الأمريكية تخدم مصالحها. فقد قامت على سبيل المثال شركات الأدوية الأمريكية في العام الماضي بإنفاق أكثر من ١٠٩ ملايين دولار للتأكد من أن مشروع قانون إدارة الرئيس بوش حول التأمين الصحي سيتم إقراره من قِبَل الكونجرس. واستخدمت هذه الشركات أكثر من ٨٠٠ موظف من المختصين في الضغط السياسي والذين يسمون Lobbyists، لتحقيق ذلك. والمقابل أن القيمة المالية لهذا القانون بعد إقراره تزيد عن ٥٥٠ مليار دولار (١) ، ولذلك فإن الشركات الأمريكية تنفق الملايين في الضغط السياسي من أجل ضمان صفقات كبرى تصل قيمتها إلى المليارات.
- تكاليف الانتخابات الرئاسية:
تتزايد تكاليف الحملات الرئاسية الأمريكية بمعدلات سريعة بسبب ارتفاع تكاليف الإعلانات التلفزيونية للوصول إلى الناخبين، وارتفاع أسعار الموظفين المتخصصين في إدارة هذه الحملات. كما أن هذه الانتخابات تتحول إلى تظاهرات سياسية من أجل إبراز القوة المالية للأحزاب المختلفة وقوة المرشحين وقدرتهم على الوصول إلى المتبرع الأمريكي. ويكفي أن تكلفة مؤتمر الحزب الديمقراطي هذا العام قد فاقت ٩٥ مليون دولار، بينما وصلت تكلفة مؤتمر الحزب الجمهوري إلى أكثر من ١٦٠ مليون دولار، وهي تكلفة لم يصل إليها أي مؤتمر سياسي من قبل في أي مكان في العالم (٢) .
وبما أن القانون الأمريكي الجديد للانتخابات يقلل من الدعم المباشر من قِبَل الشركات للمرشحين، فإن الشركات تتحايل على ذلك بدعم بعض الهيئات السياسية المحلية التي تقوم بدورها بدعم المرشحين. كما تقوم الشركات بإنفاق مبالغ مالية ضخمة من أجل إقامة حفلات للمرشحين يعلن عنها وكأنها حفلات تكريم، ولكنها في حقيقتها تظاهرات لحشد الأصوات والتأييد للمرشح من قِبَل هذه الشركات.
وتتناول الصحف الأمريكية في الآونة الأخيرة ظاهرة هذه الاحتفالات التي تبلغ تكاليفها أرقاماً تزيد كثيراً عن التبرعات التي كانت هذه الشركات تقدمها للأحزاب بشكل مباشر من خلال القانون القدبم. فقد أنفقت شركة واحدة فقط وهي شركة AGA مبلغ ٧٠٠ ألف دولار مقابل إقامة حفلتين للتكريم للمرشحين في كل من الحزب الديمقراطي والجمهوري. وهذا مثال واحد من عشرات الأمثلة للإنفاق المالي الضخم من قِبَل الشركات في انتخابات هذا العام.
- من الذي يدعم كلاً من بوش وكيري؟
كانت الشركات الأمريكية في السابق ذات توجه محدد في دعم المرشحين، وكان ذلك التوجه يرتبط في الغالب مع مصالح هذه الشركات، وتوجهاتها السياسية أيضاً. اما السنوات الأخيرة فتشهد تغيراً في تلك السياسة. الشركات الأمريكية الكبيرة تدعم جميع المرشحين المؤهلين للفوز، وتحافظ على علاقات قوية مع كلا المعسكرين الديمقراطي والجمهوري. وهذا التوجه بدأ يظهر واضحاً في الانتخابات الرئاسية لهذا العام.
فبين أكبر ١٠ متبرعين لكل من الرئيس جورج بوش، ومنافسه جون كيري، توجد أربع شركات مشتركة تدعم الجانبين. ففي دراسة صدرت مؤخراً عن «مركز الاستقامة العامة» Center for Public-Integrity، وهو مركز فكري بواشنطن، ذكر القائم على الدراسة أليكس نوت: «نحن نشهد تغيراً في مواقف الشركات المالية من الانتخابات. فبينما كانت الشركات المالية الكبرى في السابق تفضل الحزب الجمهوري فقط من ناحية التمويل، فإننا نشهد هذا العام اهتماماً أيضاً بجون كيري» (٣) .
ومن الملفت للنظر أن أكبر ١٠ شركات تدعم الرئيس الأمريكي جورج بوش هي جميعها شركات مالية كبرى. ويعلق على ذلك معد الدراسة السابقة قائلاً: «لا بد أن هذه الشركات المالية مهتمة ببعض السياسات التي أقرها الرئيس الأمريكي. ولعل من بعض هذه السياسات التخفيضات المتتالية (٣ تخفيضات) في الضرائب على الدخل للشركات، والتي أجراها جورج بوش في الفترة الرئاسية الأولى له» .
ولكن الملاحظ تفاوت قيمة التبرعات بين المعسكرين. فلا تزال الشركات الكبرى تدعم التيار الجمهوري بشكل أكبر مما تدعم التيار الديمقراطي. فالشركات الأربع الكبرى التي تدعم كل من جورج بوش، وجون كيري قد دفعت أكثر للرئيس الأمريكي، ولكنها في المقابل اهتمت أيضاً بمنافسه. والجدول المرفق يبين هذه الشركات وحجم الإنفاق المالي لها على المعسكرين السياسيين حتى الآن.
- مثال: شركات الإعلام والإنفاق على المرشحين:
الانتخابات الأمريكية هي أحد المواسم الكبرى للمؤسسات والشركات الإعلامية في الولايات المتحدة. فقد ذكر أحد المراقبين أن قيمة الإعلانات السياسية لدعم المرشحين التي سيتم بثها في الإعلام الأمريكي لهذا العام ستتجاوز ١.٥ مليار دولار أمريكي. فحملة إعلامية واحدة لمدة أسبوعين فقط لشرح سيرة جون كيري العسكرية كلفت أكثر من مليون دولار أمريكي (١) ، ووصلت قيمة الإعلان التلفزيوني الواحد لمرة واحدة ما يقارب من ٢٠٠ ألف دولار في شبكة واحدة من الشبكات الأمريكية الكبرى.
لذلك فإن الشركات العاملة في مجال الإعلام تجني الكثير من الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ويوضح الجدول رقم ٣ حجم الإنفاق الإعلامي خلال السنوات الماضية. فرغم أن ساعات التغطية الإعلامية قد انخفضت من ١٨٠ ساعة تغطية إعلامية في عام ١٩٧٢م إلى أقل من ٢٠ ساعة في الانتخابات الأخيرة، إلا أنه من المتوقع أن تصل تكلفة الإعلانات إلى أكثر من مليار دولار مقارنة بـ ٢٤ مليون دولار فقط في عام ١٩٧٢م.
إن من مصالح الشركات الإعلامية الأمريكية أن يبقى الإنفاق السياسي في مجال الإعلام في تزايد مستمر. ولذ تدفع الشركات الإعلامية الأموال للمرشحين من أجل ضمان عدم تغيير سياسات الإعلان المتعلقة بالانتخابات. فقد قامت الجمعية العامة للإعلاميين NAB بدفع أكثر من ٣٣ ألف دولار في صورة تبرعات لكل من الحزب الجمهوري والحزب الديقرطي لضمان عدم تمرير قانون كان يلزم الشركات الإعلامية بتخفيض أسعار الإعلانات السياسية. وقامت الشركات الإعلامية بضغوط سياسية وتبرعات مالية كبيرة للقضاء على مشروع هذا القانون، وهو ما تم في العام الماضي.
وبلغ إجمالي الإنفاق على الضغط السياسي من قِبَل الشركات الإعلامية الخمس الكبرى (ديزني - نيوز كورب - جي إي - فياكوم - تايم) خلال الفترة الماضية أكثر من ١٠٠ مليون دولار. وفي المقابل تحصل هذه الشركات على حصة كبيرة من دخل الإعلانات السياسية في مواسم الانتخابات، ولذلك يعد الإنفاق السياسي لهذه الشركات استثماراً مالياً مربحاً (٢) .
- تنافس بين الأغنياء فقط:
إن الشركات الأمريكية ترتبط بمصالح كبيرة مع المرشحين لتولي منصب رئيس أكبر قوة اقتصادية في عالم اليوم. وهؤلاء المرشحون ليسوا غرباء عن الأجواء الاقتصادية لهذه الشركات. فقيمة الثروات التي يمتلكها كل من المرشحين كبيرة، واستثماراتهم المالية ضخمة، ولذلك فلا عجب أن يتفق الجميع على خدمة مصالح هذه الشركات الأمريكية الكبرى. إن العقلية النفعية المسيطرة على المجتمع الأمريكي تحكم كل آليات عمله، وحتى الانتخابات لا تفلت من حصار المنافع الشخصية التي تختلط بالمصالح العامة.
الفقراء في أمريكا يستخدمون من قِبَل الجميع. المرشحون يخاطبونهم بوعود معسولة لا ينفذ منها إلا القليل. والشركات الكبرى تدعي أنها تسعى إلى خدمتهم من خلال برامج اجتماعية لا تكلف إلا الفتات، وتحسم من الضرائب أيضاً. والإعلام لا يتحدث إلا عما يخدم الطبقة العليا من المجتمع الأمريكي التي أصبحت متحكمة في كل شيء بدءاً من المؤسسة السياسية إلى الإعلام ثم المؤسسات المالية والاقتصادية، وأخيراً السياسة الخارجية أيضاً التي تحولت إلى مشروع استثماري أيضاً.
ولذلك فلا عجب أن تهتم الشركات الأمريكية الكبرى بالتأثير على الانتخابات. إنها مشروع تجاري آخر في دولة تحولت إلى شركة كبرى تستغل جميع البشر لتحقيق أهداف اقتصادية لعدد قليل من الأشخاص.
جدول (١) إجمالي التبرعات للحملات الرئاسية (*)
مجموع المبالغ
المجموع
العام
стр. 5103
التضليل الإعلامي وانتخابات الرئاسة الأمريكية
الإعلام هو الوسيلة الأمثل والأكفأ لأي مرشح أمريكي لكي يصل إلى الناخبين. وينفق المرشح الأمريكي أكثر من ٨٥% من ميزانية حملته الانتخابية على وسائل الإعلام. ومن المتوقع أن يصل حجم الإنفاق على الحملات الانتخابية لسباق الرئاسة الأمريكي إلى أكثر من مليار دولار. ولذلك فإن المكاسب التي يجنيها الإعلام الأمريكي من الانتخابات كثيرة ومتعددة، ولا تتوقف فقط على الربح المادي، وإنما تتجاوز ذلك أيضاً إلى التأثير على مسار الانتخابات.
يهدف هذا المقال إلى دراسة الأساليب التي يستخدمها الإعلام للتأثير في الانتخابات الرئاسية، والآليات التي تستخدم لتشويه الحقائق. كما يطرح المقال عدداً من الأمثلة التي تبين وسائل التضليل والخداع الإعلامي التي يستخدمها الإعلام الأمريكي من أجل التأثير على الرأي العام. وأخيراً يوضح المقال كيف يستخدم المرشحون وسائل الإعلام من أجل الفوز في سباق الرئاسة.
- الإعلام والسلطة:
نادراً ما يزعج الإعلام الأمريكي السلطة. فرغم أن العالم يتحدث أحياناً عن حرية الإعلام الأمريكي، وجرأته في انتقاد الإدارات الأمريكية، إلا أن الحقيقة تختلف عن ذلك. فالإعلام الأمريكي ينتقد بقوة، ولكن ضمن المساحة المقبولة من الاعتراض بين أروقة السلطة، وحزبيها الديمقراطي والجمهوري.
ويشرح هذه النقطة خبير الإعلام الأمريكي مايكل بارينتي قائلا: «إن التيار العام للإعلام الأمريكي الذي تتحكم فيه شركات الإعلام الكبرى نادراً ما ينحرف إلى المناطق والموضوعات التي تسبب عدم ارتياح لمن يملكون السلطة السياسية والاقتصادية، ويتضمن ذلك من يملكون وسائل الإعلام، ومن يعلنون فيها أيضاً» (١) .
لقد تشابكت المصالح ضمن آلة الرأسمالية الأمريكية بحيث أصبح الاستقلال والنزاهة الإعلامية مكلفة وغير مجدية في معظم الأحيان. فوسائل الإعلام شركات تبحث عن الربح المادي، وهي جزء من الاقتصاد الأمريكي. والسياسيون يملكون السلطة، ويحتاجون إلى الإعلام من أجل التعريف بسياساتهم وأفكارهم. وهم يدفعون الكثير من المال من أجل أن تصل رسائلهم إلى الرأي العام. والشركات الأمريكية الكبرى تدفع للجميع، ولها مصالح عند الطرفين.
فالشركات تتبرع للسياسيين من أجل الحفاظ على المناخ التشريعي الملائم لمصالحهم. كما تدفع الشركات مبالغ مالية ضخمة للمؤسسات الإعلامية من أجل الإعلان عن منتجاتها، والوصول إلى الشارع المستهلك. فإذا كانت الانتخابات الأمريكية قد يصل الإنفاق فيها إلى مليار دولار، فإن شركة تجارية واحدة - على سبيل المثال ـ وهي شركة الأحذية نايكي NIKE تنفق في العام الواحد ١.٤ مليار دولار على الإعلانات في وسائل الإعلام. إن قوة الشركات الأمريكية وتأثيرها على الإعلام والسلطة معاً لا يستهان به.
إن النظام الرأسمالي يجعل من مصلحة الجميع التوافق في آليات العمل، والسعي من أجل المصالح المشتركة للأطراف المؤثرة في هذا النظام (السياسيون ـ الشركات ـ الإعلام) . الهدف النهائي للإعلام الأمريكي اليوم ليس هو البحث عن الحقيقة، وإنما هو أفضل طريق لتوصيف الواقع والمستقبل بشكل يرضي أصحاب المصالح. لذا تنشأ علاقات صداقة تجارية بين الإعلام والسلطة، وتبادل للمصالح لا يسمح لأي من الطرفين بالاعتداء المباشر على الطرف الآخر. وتبقى مساحة مقبولة من الاختلاف، وتبادل المقاعد بين حزبي السلطة الجمهوري والديمقراطي، وهي المساحة التي اصطلح على تسميتها بالحرية الإعلامية.
الإعلام الأمريكي يخضع لقواعد التنافس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ولكنه لم يعد رقيباً عليهما. إنه آلة يستخدمها كل طرف بقدر ما أوتي من مهارة ومال لتحقيق الانتصار على الطرف الآخر. الإعلام جزء من اللعبة الديمقراطية الأمريكية، وليس رقيباً عليها. الإعلام الأمريكي هو اليوم أحد أدوات السلطة. وهو كذلك ـ إلى حد ما ـ أحد القوى الضاغطة عليها والمؤثرة فيها. وضمن هذا الإطار من تبادل مراكز القوى وانتفاع كل طرف من الآخر، يقوم الإعلام الأمريكي بأداء رسالته التي لا تمت لمصالح الشعب الأمريكي إلا بالقليل من الصلة.
- كيف يتحكم الإعلام في الانتخابات؟
أظهرت أحد استطلاعات الرأي التي أجراها مركز أبحاث «بيو» المعروف، أن ٤٢% من الشعب الأمريكي يعتمد على القنوات التلفزيونية في الحصول على المعلومات حول سباق الرئاسة. ولذلك فالمشاهد بين خيارين هنا: الأول أن يستقي المعلومات من التغطية الإخبارية التي تقدمها هذه القنوات، أو من الإعلانات المدفوعة من قِبَل المرشحين.
مصلحة المشاهد ـ أو الناخب في هذه الحالة ـ أن تقدم له القنوات برامج إخبارية متوازنة تطرح الرأي والرأي الآخر، وتقدم مواقف الناخبين بحيدة وعدالة. أما مصلحة القنوات التلفزيونية المادية، فإنها تكمن في الإعلان أكثر من التغطية الإعلامية الإخبارية المكلفة. ومصالح المرشحين تركز على الإعلان السياسي بشكل أكثر من التغطية الإخبارية؛ لأن الإعلان السياسي يضمن وصول رسالة المرشح بالصورة التي يريدها، وفي الوقت الذي يريده.
المؤسف أن التغطية الإعلامية تتناقص باستمرار لتعطي مزيداً من الوقت للإعلان السياسي، ومن ثَمَّ زيادة الدخل المادي للقناة التلفزيونية. وكما عبر عن ذلك أحد المراقبين الإعلاميين قائلاً: «كلما قلَّت التغطية الإعلامية المعطاة لسباق الرئاسة، كلما احتاج المرشحون إلى الاعتماد الأكثر على الإعلانات» (١) ، وفي دراسة صادرة عن مركز الإعلام والشؤون العامة CMPA وهي مؤسسة غير حزبية للبحوث والتعليم، فقد وجد أن التغطية الإعلامية لسباقات المرشحين للكونجرس الأمريكي قد تناقصت في عام ٢٠٠٢م بنسبة ٧٨% مقارنة بانتخابات عام ١٩٩٨م، وتناقصت مدة تغطية السباقات الأولية للرئاسة من خمس دقائق في كل ليلة في انتخابات عام ١٩٩٨م إلى ٣٩ ثانية فقط في انتخابات عام ٢٠٠٠م، وذلك طبقاً لدراسة أجراها مركز نورمان لير Norman Lear Center للدراسات الإعلامية.
- الخدع الإعلامية، وحرية الرأي:
يعمل الإعلام الأمريكي وفق مجموعة من القواعد الإعلامية التي تحكمها المصالح المادية والنفعية أكثر مما يحكمها البحث عن الحقيقة. لا يعني ذلك أن كل من يعملون في الإعلام الأمريكي هم من المخادعين أو أصحاب نوايا تهدف إلى خداع الشعب الأمريكي. لكن الآلة الإعلامية تتحرك وفق مصالح متعددة ومتباينة أحياناً، ومن يعملون في تغطية الأخبار لا يملكون القرار النهائي في نشرها. وهنا تتدخل مصالح السلطة والشركات أيضاً لتحدد ما ينشر، وكيف ينشر، وما هي الروح العامة التي يقدم بها خبر ما.
وقد نشرت كثير من الدراسات حول أساليب الخداع الإعلامي التي انتشرت في أروقة الإعلام الأمريكي. نعرض هنا بعض هذه الوسائل، وكيف تؤثر على سير الانتخابات الرئاسية. وقد لخص بعض هذه الوسائل الكاتب الأمريكي (مايكل باريني) نقلاً عن كتاب بعنوان: (عشرون عاماً من الرقابة على الأخبار) س لمؤلفه كارل جينسن.Carl Jensen.
- طمس الحقائق بالإخفاء:
إخفاء الحقائق أو الأخبار هو أسرع الوسائل للتخلص من الأخبار المزعجة. والكثير من الأخبار الهامة في العالم لا تصل أبداً إلى المشاهد أو القارئ الأمريكي بسبب تعمد إخفاء هذه الحقائق. وهذه الحقيقة أصبحت معروفة بعد انتشار الفضائيات، والإنترنت التي تتيح للباحث معرفة ما ينشر في العالم مقابل ما ينشر ويذاع في الولايات المتحدة الأمريكية.
المشاهد الأمريكي لا يرى الفظائع التي ترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني. ولكنه في المقابل يشاهد بكثرة صور الجرحى والقتلى في أي عملية من عمليات مقاومة الاحتلال التي يقوم بها أبناء الشعب الفلسطيني. ولذا فلا غرابة أن تتكون صورة مشوهة عن القضية الفلسطينية لدى الشعب الأمريكي.
أما عن الانتخابات الأمريكية، فقد تعمدت الإدارة الأمريكية طوال الأشهر الماضية حجب الكثير من الصور المروعة لما يحدث في العراق من قتل للمدنيين باسم الحرية. ولا يعرف المشاهد الأمريكي عدد القتلى سواء من الشعب العراقي، أو حتى من الجنود الأمريكيين. ولا شك أن معرفة حقيقة ما يحدث في العراق يمكن أن يغير من قناعات الناخب الأمريكي، ولكن الإعلام والسلطة بطرفيها لا يرون مصلحة في ذلك. فحتى الحزب الديمقراطي لا يهتم بنشر حقيقة ما يحدث في العراق؛ لأنه في حالة فوزه في الانتخابات سيستمر في نفس السياسة العسكرية القمعية. ولذلك فليس من المصلحة أن تفضح سياسات يتفق الجميع على استمرارها.
وفي مثال آخر على حجب الأخبار الهامة المتعلقة بانتخابات الرئاسة، هو ما ذكره الكاتب الأمريكي (جريج بلاست (Greg Palast حول الانتخابات الرئاسية السابقة. فمن المعروف أن ولاية فلوريدا التي يحكمها جيب بوش ـ شقيق الرئيس الحالي ـ كانت هي الولاية التي حسمت نتيجة الانتخابات السابقة، وبفارق من الأصوات لا يزيد عن ١٠٠٠ صوت. وقد نشرت وكالة الأنباء البريطانية BBC أن إدارة الانتخابات في ولاية فلوريدا قد قامت قبل الانتخابات بفترة قصيرة بشطب أسماء ٦٤ ألف ناخب من القوائم الانتخابية بالولاية بدعوى أنهم من المجرمين الذين لا يعطيهم القانون حق التصويت في الانتخابات.
واتضح بعد الانتخابات أن أغلب الأسماء التي شطبت من القوائم الانتخابية كانت لغير مجرمين، وأن أغلبهم كانوا من الأمريكيين السود. ويعرف السود في الولايات الجنوبية الأمريكية أنهم يصوتون دائماً للحزب الديمقراطي. كان هذا الخبر من الأهمية لدرجة أن أهم الصحف البريطانية القومية قد وضعته على صفحاتها الأولى. ولكن هذا الخبر لم يصل إلى الولايات المتحدة، ولم تقبل أي من وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى إذاعته، أو تحري حقيقته.
وقد حاول الكاتب جورج بلاست أن ينشر هذا الخبر في قناة CBS، ولكنه تلقى اعتذاراً من القناة لأنها ـ على حد قولها ـ قد اتصلت بمكتب حاكم الولاية جيب بوش الذي نفى صحة الخبر! (١) لقد نشر هذا الخبر فيما بعد في عدد من وسائل الإعلام الأمريكية الصغيرة. ولكنه كان دائماً يقدم بأن هذا ما نشره الإعلام البريطاني، وكأن الأمر لا أهمية له.
- الهجوم على مصدر الحقيقة:
من المعروف إعلامياً أنك إن لم تستطع أن تخفي خبراً، فيمكنك أن تهاجم من نقله، وتتهمه لإضعاف مصداقية الخبر المنقول. وتستخدم هذه الخدعة الإعلامية طوال الوقت لتشويه الحقائق وإخفائها أيضاً. فبعد أحداث سبتمبر قامت إحدى القنوات الفضائية العربية بتبني فضح الأكاذيب الأمريكية في المنطقة العربية، واستمرت هذه القناة في ذلك خلال الحرب الأمريكية على العراق. وبما أنه كان من الصعب أن يُطعن في الأخبار التي تنقلها القناة من داخل العراق وفلسطين وأفغانستان؛ فقد اختارت الحكومة الأمريكية ـ بعد قصف مقر القناة في كل من العراق وأفغانستان (تحت ذريعة: خطأ مكرر غير مقصود بالطبع!) ـ أن تهاجمها إعلامياً بكل وسيلة ممكنة.
وبدأ الإعلام الأمريكي ينشر باستمرار، وفي صدر نشراته الإخبارية رأي وزراء الدفاع والخارجية الأمريكيين في تلك القناة. كما حذرت مستشارة الأمن القومي وسائل الإعلام الأمريكية من نقل الأخبار التي تبثها هذا القناة للشعب الأمريكي. ولذلك ألغت قناة CNN تعاقدها في تلك الفترة مع القناة لبث الأخبار عنها. واجتمعت وسائل الإعلام الأمريكية على وصف القناة بالتعاطف مع الإرهاب، وتشويه الحقائق، والكذب على المشاهد، وغير ذلك. الغريب أن القناة لم تكن تبث باللغة الإنجليزية، ولذلك فإن تأثيرها على المشاهد الأمريكي في النهاية محدود للغاية؛ لكن الإعلام والسلطة لم يتركا أي مجال لذلك عن طريق الهجوم المتكرر والمستمر.
- الوصم بالصفات السلبية:
تستخدم الأوصاف السلبية التي تسبق التغطية الإعلامية وترافقها أيضاً لإقناع المشاهد باتخاذ موقف مضاد تبعاً لرغبة الإعلام؛ فالإعلام الأمريكي يصف شارون أنه «رجل السلام» ، بينما يوصف عرفات أنه «ممول الإرهاب وشريك حماس» . ويوصف مدبر أحداث أكلاهوما التي تسببت في مقتل أكثر من ١٧٠ شخصاً أمريكياً بأنه «المتهم بأحداث أكلاوهوما» رغم أنه كاثوليكي متدين متطرف، وتوصف أي شخصية إسلامية تُعتقل في أمريكا بأنها من «دعاة دعم الإرهاب» .
إن استخدام الأوصاف بحق الأشخاص والأحداث يقنع المشاهد الذي لا يعرف خلفية الأحداث أو الأشخاص باتخاذ موقف تجاههم تبعاً للعبارات التي تصفهم وتسبق أسماءهم. ويجيد الإعلام الأمريكي استخدام هذه الحيلة باستمرار. ولذلك يحرص دائماً (جون كيري) عندما يتحدث عن المملكة العربية السعودية، وهو يتبنى الهجوم عليها، أن يسبق ذكرها دائماً بعبارات من مثل «الدولة الداعمة للإرهاب» ، أو «الدولة التي جاء منها عدد من خاطفي الطائرات» ، أو ما شابه ذلك. بينما ينحو المعسكر الآخر، وهو يهتم بالعلاقة مع نفس الدولة إلى استخدام مصطلحات من مثل «الدولة الشريكة في الحرب على الإرهاب» ، أو «الصديق الاستراتيجي» وغير ذلك. وكل منهما يسعى إلى إقناع الناخب الأمريكي بتبني موقف معين بناء على الصفات التي تسبق الأسماء.
وتعرف الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي بوش أنها «أقذر الحملات الانتخابية» من ناحية الهجوم السلبي المتواصل على الخصوم. ففي انتخابات هذا العام يوصف المنافس (جون كيري) ، أنه من الطبقة المخملية، وأنه ضعيف قيادياً، كما أنه لا يملك الإرادة اللازمة لمواجهة الإرهاب. وفي دراسة أجرتها مؤسسة TNS للبحوث الإعلامية، وجدت أن ٦٣% من الإعلانات التي يبثها القائمون على حملة الرئيس الانتخابية هي إعلانات سلبية عن الخصم، بدلاً من أن تكون إعلانات إيجابية عن مزايا المرشح نفسه، وليس عن عيوب خصمه. وبدأ جون كيري مؤخراً في استخدام الإعلانات السلبية أيضاً في الهجوم على منافسه بدلاً من توضيح المواقف الخاصة به، وأهدافه في خدمة الشعب الأمريكي.
- تشويه المصطلحات:
يعيد الإعلام الأمريكي تعريف المصطلحات أو تشويهها من أجل خدمة الرسالة الإعلامية التي تحتاج إليها السلطة. فالمرشحون في الانتخابات الأمريكية يجمعون على أهمية «الإصلاح» Reform في العالم العربي والإسلامي ليختفي تحت هذا المصطلح الهدف الرئيسي للسياسة الأمريكية، وهو التدخل في خصوصيات وحياة المجتمعات المسلمة. ويعاد تعريف مصطلح «الحرية» في العراق ليسوِّغ الاحتلال العسكري والقتل والقمع باسم الديمقراطية. ويوافق كلا المرشحين أن ما يحدث اليوم في العراق هو تحرير لها، وليس اغتصاباً لثرواتها.
- الكذب.. وتكرار الكذب:
استخدم تكرار الكذب منذ آلاف السنين لإخفاء الحقائق عن العامة. ففرعون كان يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ، ويكثر من تكرارها، ويصدقه الناس. ويكرر الإعلام العبارات الكاذبة نفسها حتى تتحول عند العامة إلى حقائق لا تقبل الجدل. ومن يتابع الحملة الإعلامية المنظمة والمستمرة بعد أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة للربط بين الإسلام والإرهاب يرى كيف يمكن للكذب الإعلامي أن يحقق من نجاحات في التأثير على العامة.
فهذا هو المرشح الأمريكي (جون كيري) يخبر الشعب الأمريكي في إحدى المقالات التي نشرت في نيويورك في الأشهر الأخيرة قائلاً: «إن أمريكا ستواصل الضغط على الدول العربية لوقف الإساءة لليهود وإثارة الكراهية ضدهم» (١) ؛ فالعرب هم الذين يسيئون إلى إسرائيل. واستمراراً لنفس سياسة استمرار الكذب يقول جورج بوش في حملته الانتخابية للشعب الأمريكي: «أمريكا ليست آمنة ما دامت إسرائيل تواجه عمليات إرهابية لا تتوقف» . والحقيقة أنه لا علاقة إطلاقاً بين ما يحدث داخل فلسطين، وبين أمن الشعب الأمريكي. لم يحدث طوال الأعوام الماضية أن صدر أي تقرير أمني أو سياسي يفيد بذلك. لكن الرئيس الأمريكي يستخدم الكذب لإقناع الناخب الأمريكي بضرورة استمرار تأييد إسرائيل، وليرضي من خلال العبارات نفسها اللوبي الصهيوني الذي يريد دائماً مزيداً من التنازلات من قِبَل المرشحين.
وحتى عندما أثيرت قضية كثرة أعداد القتلى من الجنود الأمريكيين في العراق، وقف الناطق باسم البيت الأبيض (سكوت ماكميلان) ليؤكد أن تضحيات هؤلاء الجنود تُظهر ضرورة مواصلة الحرب ضد الإرهاب. وقال: «إن الطريقة الأفضل لتكريم كل الذين فقدوا حياتهم في الحرب ضد الإرهاب، هي مواصلة شن حرب مكثفة ونشر السلام في المناطق الخطرة في العالم» ! وبذلك يصبح احتلال العراق حرباً ضد الإرهاب.. ومقتل الجنود الأمريكيين مسوِّغاً لقتل المزيد منهم.
المحزن في هذا الأمر أن تكرار الكذب الإعلامي الأمريكي لا يتحول فقط إلى حقائق لدى الشعب الأمريكي الذي يتعرض بشكل مباشر لهذه الأكاذيب، ولكنه يستخدم أيضاً من قِبَل أنصار مشروعات أمريكا العلمانية في تصدير الأكاذيب لتتحول إلى حقائق أيضاً في عالمنا العربي والإسلامي. وشواهد ذلك كثيرة في موضوعات تحرير المرأة والتعليم الديني، وحق الأمة في مقاومة الاحتلال، واستعادة المقدسات. كل ذلك أصبح يسمى في مُعجم بعضهم إرهاباً وتخلفاً ورجعية أيضاً بسبب الكذب وتكرار الكذب الإعلامي.
- تعمد نقل المعلومة دون التثبت منها:
يستخف الإعلام الأمريكي بالمشاهدين في كثير من الأحيان بنقل معلومات كاذبة تم تسريبها عمداً من أحد أجهزة السلطة أو أحد أحزابها دون التثبت منها. والانتخابات الأمريكية تشهد استخدام هذه الحيلة الإعلامية كثيراً من قبل وسائل الإعلام التي تتعاطف مع مرشح ما.
فعندما أعلنت الإدارة الأمريكية أن لديها ما يثبت أن العراق تعد أسلحة نووية وكيميائية، واستخدم ذلك مسوِّغاً لغزو واحتلال العراق، كان العالم أجمع يشكك في صحة ما تقوله الإدارة الأمريكية. أما الإعلام الأمريكي فقد اكتفى بنشر ما ذكرته الإدارة دون أي محاولة للتثبت من صحة تلك الأنباء، رغم الشكوك الكثيرة التي كانت تحيط بها.
وتقوم وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة التي تسبق الانتخابات الأمريكية بنقل آراء المرشحين الذين تتعاطف معهم دون تحقق من صحة المعلومة، أو صدق الوعود الانتخابية. ومن الغريب أن الرئيس الأمريكي قد استطاع أن يمضي في حملته الانتخابية حتى الآن دون أن يكون له سياسة اقتصادية معلنة للمرحلة القادمة، ودون أن تحاسبه وسائل الإعلام على ذلك. ومن المعروف أن من أهم القضايا الانتخابية في الحياة الأمريكية الملف الاقتصادي، وخطة المرشح لتحسين الاقتصاد الأمريكي.
- تغيير المضمون:
تشويه الحقائق وإعادة صياغتها من الحيل التي تستخدم في الحياة السياسية والإعلامية. ويتعمد الإعلام أحياناً نشر المعلومات المعروف أنها مزيفة إذا كانت تخدم توجهات الجهة الإعلامية. والفضيحة التي وقع فيها مؤخراً المذيع الأمريكي (دان راثر) من وكالة CBS خير شاهد على ذلك.
المرشح الأمريكي للرئاسة (جون كيري) يعيد توصيف العلاقة بين أمريكا والمملكة العربية السعودية في إطار حملته العدائية الموجهة للملكة فيقول: «أريد لأمريكا أن تعتمد على عبقريتها وإبداعها، وليس على العائلة المالكة السعودية» (٢) ، وكأن أمريكا اليوم قد أصبحت تحت رحمة دولة بعينها.. رغم أن العالم اليوم بأكمله يعاني من التسلط الأمريكي. هكذا يتم التضليل الإعلامي ويمرر على الشعب الأمريكي بتجاهل الإعلام أو موافقته.
- هكذا يستخدم الإعلام:
التضليل الإعلامي في الانتخابات الأمريكية أصبح أحد الحقائق التي يتعامل الجميع معها، وكأنها قدر لا يغير. وقد ظهر الإعلام الإلكتروني ـ شبكة الإنترنت ـ في هذا العام بقوة على ساحة الانتخابات الأمريكية ليقدم نوعاً من التوازن في عرض مواقف المرشحين. فمعظم من يكتبون على شبكات الإنترنت لا يحتاجون إلى موافقة أحد لكي تنشر أفكارهم على مستوى العالم. وأدى ذلك أحياناً إلى فقدان المصداقية، وضعف المحتوى التحليلي لمواقف المرشحين. ولكن من المتوقع أن يكون لشبكة الإنترنت دور أفضل في مراقبة العملية الانتخابية لهذا العام من الإعلام المرئي والمكتوب في الولايات المتحدة.
إن الوظيفة الحقيقية والمثالية للإعلام أن يساعد الناخبين على فهم الأفكار السياسية، وليس الترويج لبرامج انتخابية معينة. الإعلام الصادق يبحث عن المعلومة، ويقيِّم قيمتها ومصداقيتها قبل أن تُبَث على العامة. وعندما يتخلى العاملون في وسائل الإعلام عن التثبت من الحقائق، والبحث عن أثر المعلومة على المجتمع، فإن الإعلام يفقد الكثير من قيمته.
إن الكليات الأمريكية المتخصصة في الإعلام تعد من أفضل كليات العالم في التقنيات، وتعليم قواعد وأسس العمل الإعلامي أيضاً. ولكن الواقع الرأسمالي للشركات الإعلامية لا يعطي للجادين في هذه الوسائل الإعلامية إمكانية نقل الحقيقة المجردة إلى عامة الناس. تحول الإعلام اليوم في الولايات المتحدة من رقيب على جرائم السلطة، إلى شريك فيها، وأصبح العلم والتقنيات المتطورة أدوات لخدمة السلطة، وليست وسائل لخدمة الجماهير.
стр. 5104
شوال - ١٤٢٥هـ
نوفمبر / ديسمبر - ٢٠٠٤م
(السنة: ١٩)
стр. 5105
أضحى بيان الدين أوجب
التحرير
تتداعى قوى الشر الغربية وطلائعها من أبناء جلدتنا في بلداننا الإسلامية، وتتضافر جهودها؛ لتبديل كلام الله وإطفاء نوره، ومع يقيننا التام بأن الله ـ تعالى ـ حافظٌ دينه ومتمٌّ نوره ولو كره الكافرون، إلا أن حملة القوم الشرسة الرامية إلى إضعاف فرص تعلُّم الإسلام الصحيح وإلى تقديم معاني وتفسيرات جديدة للمفاهيم والمصطلحات الإسلامية قد تؤتي ثمارها النكدة، وبخاصة مع عمل القوم على احتواء جملة من دعاة الإسلام والتضييق على من يتأبى على ذلك.
كما تتوالى جهود القوم في محاربة التعليم الديني وتغيير مناهجه، وفي السعي للحيلولة دون تواصل المسلمين وتكاتفهم الإيماني، ودون استمرار مؤسساتهم التعليمية والدعوية التي تعمل على نشره والتعبير العملي عن يسره ورحمته وسماحته في الآفاق.
وفي المقابل يتم إفساح المجال أمام ما يُدْعى بالتيار التنويري وأهل البدع والأهواء، والذين يمكن احتواء رموزهم أو الالتقاء في المصالح معهم؛ لبث الأفكار التي يمكن أن تخدم تلك الحملة الظالمة ولو في إطار مرحلي.
وأمام تيار التفريط أو العمالة يمكن أن ينشأ تيار غالٍٍ في تفسير نصوص الشرع وعرض مفاهيمه؛ بحيث يستثمر الأعداء ذلك الغلو في التنفير من الدين وتشويه صورة أهله.
ولذا فقد أصبح علماء الإسلام ودعاته أمام مرحلة جديدة تتطلب النفرة لتبليغ دين الله وبيان مراده للناس كافة، وإن لم يُبذل الوسع وتُستفرغ الطاقة في هذا المجال فإن الدعوة لدين الإسلام الصافي النقي الخالي من الإفراط والتفريط قد تتراجع ـ لا سمح الله ـ من مرحلة العرض والبلاغ ومطالبة المسلمين بالامتثال إلى مرحلة الدفاع ونقض الشبه والدعاوى التي ترددها هذه الجهة أو تلك، ومن مرحلة انحسار التيارين البدعي والعصراني المطاوعين للغرب إلى مرحلة تَصَدُّرهما في الساحة الإسلامية وهيمنتهما على الخطاب الديني والدعوي الموجه عبر المسجد ومؤسسات التعليم والإعلام ودوائر التوجيه المختلفة كافة.
والأمل بعد الله ـ تعالى ـ كبير في أن يدرك علماء الإسلام الربانيون، ودعاته الصادقون، وأبناؤه المخلصون طبيعة المرحلة القادمة، والجهد الضخم الذي تتطلبه؛ فيقوموا بواجب البيان المتحتم، مستثمرين كل فرصة متاحة ووسيلة ممكنة، كلٌ حسب علمه وطاقته، امتثالاً لقول إمام المرسلين: «بلِّغوا عني ولو آية» ، وتلك قضية لا تحتمل التأجيل، ولا يُقبل فيها الارتجال، والأمل في الله ـ تعالى ـ كبير؛ إذ هو منجزٌ وعده، وغالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 5106
ضعف الوعي.. آفة مُقعِدة
التحرير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن التحديات الحضارية التي تواجه الأمة الإسلامية ـ سياسياً واقتصادياً وفكرياً واجتماعياً ... ـ كثيرة جداً، ومن أبرز المشكلات التي يعاني منها بعضنا: ضعف الوعي في إدراك هذه التحديات الكبرى وأبعادها العميقة في واقع الأمة ومستقبلها.
ومظاهر ضعف الوعي عديدة، نذكر منها هاهنا:
أولاً: اشتغال كثير من طلبة العلم والباحثين والمنتسبين إلى الدعوة بالأمور المفضولة على حساب الأمور الفاضلة؛ فتُهدر أوقات كثيرة، وتُستهلك طاقات عديدة، في أمورٍ غيرُها أوْلى منها، وتصبح القضايا الكلية الكبرى التي تحتاجها الأمة من القضايا الغائبة التي لم يلتفت إليها المصلحون. وكثيراً ما يغفل بعض الصالحين عن هذه الآفة؛ لأنهم يرون أنفسهم إنما يشتغلون في أعمال صالحة، ولكنهم لم يدركوا أن ذلك حجبهم عن أعمال أصلح وأكثر نفعاً للأمة. قال الإمام العز بن عبد السلام: «ولا يقدِّم الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح، أو شقي متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت» (١) .
وتقديم المفضول على الفاضل من أحابيل الشيطان التي يوقع فيها بعض الصالحين؛ فإن الشيطان أمر العبد بالأعمال المرجوحة «وحسَّنها في عينه، وزيَّنها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسباً وربحاً؛ لأنه لما عجز عن تخسيره أصلَ الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له..» (٢) .
بل حتى بعض المحافل العلمية التي يُنتظر منها ريادة الأمة وقيادتها كالجامعات الإسلامية، لا زالت تجتر بعض الموضوعات التقليدية، وتشققها بتكلف ظاهر، بعيداً عن الإبداع العلمي، وإلا فأين طلاب أصول الدين وأقسام العقيدة والدعوة عن التيارات الفكرية والكلامية المعاصرة التي تجتاح الأمة بغثائها، وتصدع أركانها بزندقتها؟! وأين طلاب الشريعة وأقسام الفقه عن النوازل الفقهية والاقتصادية ونحوها؟! وإن وجد شيء من ذلك لم ينزل في واقع الأمة ويتحول من الأطر النظرية والفلسفية الضيقة إلى الممارسة العملية الواسعة.
إنَّ مراعاة الأوْلويات من القواعد المحكَمة التي قررها الشارع الحكيم في نصوص كثيرة، وهي مسلَّمة عقلية اجتمعت عليها البصائر الواعية، لكنها تحتاج إلى تربية، وممارسة عملية يتصدر لها القدوات.
ثانياً: افتعال معارك صغيرة فكرية وحزبية وشخصية، أطاحت بهمم كثير من المصلحين وأبناء الدعوة، وأقعدتهم عن العطاء والإنجاز، واستهلكت طاقاتهم في القيل والقال.
وإذا أردت أن تقف على أمثلة من ذلك فانظر إلى بعض ما يُطرح في كثير من المحاضن التربوية، ومجالس الصالحين، وانظر إلى بعض ما يُكتب في منتديات الشبكة العالمية وساحاتها؛ ففي الوقت الذي تشتعل فيه الأرض المباركة في فلسطين بمكائد اليهود وجرائمهم، ترى بعض شباب الأمة وعقلها المبدع يلوك بعض المسائل الجزئية التي لا تقدم ولا تؤخر، ويفتعل لها الخصومات، ويجمع حولها الأنصار، ويصنف وراءها المخالفين.
وفي داخل العراق حيث يواجه المسلمون أكبر مشروع عدائي يستهدف الأمة في مقاتلها، تفاجَأ من بعضهم في الميدان بإثارة أغلوطات هزيلة يشغبون بها على العلماء وأهل الرأي، ويثيرون بعض الخلافات الفقهية بين الخاصة والعامة، ويصطنعون مشكلات كثيرة مع إخوانهم في مسائل اجتهادية يسع فيها الاختلاف، تاركين وراءهم قضايا مصيرية تؤثر في واقع البلد ومستقبله تأثيراً خطيراً.
وأي عقل، بل أي دين، ذلك الذي يدفع الإنسان دفعاً إلى ترك الواضحات المحكمات، ويشغله بفروع العلم ومُلَح المسائل..؟!
وواللهِ إننا لنألم أشد الألم عندما نرى طاقات الشباب تُستهلك في تلك الصوارف التي تُذهِب حلاوة الدعوة والعلم، وتُفسِد القلب.
قال الإمام الشاطبي ـ بعد أن قرر أن كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي ـ: «عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج من الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب، حتى تفرقوا شيعاً، وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السُّنَّة، ولم يكن أصل التفريق إلا بهذا السبب، حيث تركوا الاقتصار من العلم على ما يعني، وخرجوا إلى ما لا يعني، فذلك فتنة على المتعلم والعالم» (١) .
ثالثاً: الانغلاق الحزبي الذي يُري الإنسان الأمور بمنظار مختلف، ويجره إلى مستويات متدنية من الهموم؛ فالهم الأكبر الذي يتعب له العبد وينصَب لا يتجاوز حدود التوجهات الحزبية التي تنتقل في الدوائر التنظيمية الضيقة، أما التحديات الكبرى للأمة، والقضايا العظيمة التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، فهي ـ في حسه واقعياً لا نظرياً ـ قضايا هامشية شكلية ليس هذا وقتها، أو أنها ليست من اختصاصه.
ومن آثار هذا الانغلاق أيضاً: الرتابة والجمود في طريقة التفكير، ممَّا أدى إلى الاستسلام المفرط للتجارب العملية العتيقة، والانكفاء عليها؛ فما كنا نمارسه قبل عقود لا زال بعضنا يمارسه باستنساخ نمطي، ويدور في حلقات مغلقة تعيد نفسها، ولا تدفعها إلى العطاء المتجدد والإبداع العملي.
إنَّ الحراك السياسي والفكري والاجتماعي يتسارع بصورة مذهلة جداً، والضغوط من الداخل والخارج تتصاعد يوماً بعد يوم، وفي الوقت الذي ينشط فيه المستغربون وأهل الأهواء في مسخ هوية الأمة وإسقاطها في مستنقعات التبعية وحمأة الرذيلة، نرى بعض إخواننا يعيش عالماً خاصاً بعيداً عن هذا الواقع.
وهذه التربية المتوقعة نتيجتها الطبيعية العجز عن استيعاب المتغيرات الكثيرة التي تحيط بالأمة من كل مكان، والانهزام المقعِد أمام طوفان التغريب وتيارات العولمة الجارفة.
رابعاً: أخذت المعركة مع أعداء الدين طوراً جديداً تنوعت فيه وسائل المكر والكيد، وسخَّروا فيه إمكانات هائلة مادية ومعنوية.
وهذا الواقع يفرض على الدعاة فقهاً جديداً تتنوع فيه في المقابل وسائل المدافعة والمواجهة. ولئن كانت الوسائل التقليدية العتيقة نافعة في زمن مضى من الأزمان، فإنها قد لا تصلح بإطلاق لهذه المرحلة. ونحسب أن من أولى خطوات المواجهة تجاوز مرحلة العفوية والارتجال والاجتهادات الفردية، والاعتماد على الدراسات العلمية الواعية التي تحدد مراكز القوة لاستثمارها والبناء عليها، وتحدد مكامن الضعف والقصور لعلاجها ودرئها قدر الإمكان، وترصد التحديات والعقبات المتوقعة، ثم تستشرف المستقبل برؤية واعية قادرة على التطور والتجدد.
ربما يكون هذا الكلام يسيراً، لكن الحقيقة أن السير فيه بصدق له نتائج جد مهمة، ويتطلب ذلك بالتأكيد عملاً دؤوباً، وأفقاً واسعاً من العلماء والدعاة، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] .
إن عطاء الأفراد ووعيهم يرتبط - غالباً - ارتباطاً وثيقاً بالبيئة التربوية التي ينشؤون فيها؛ فبقدر نضج تلك البيئة وسلامتها المنهجية والعلمية، يكون نضج أبنائها وسلامتهم، ولهذا كان من أولى الأوْلويات إيجاد المحاضن التربوية المتوازنة التي تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق، وتؤسس لبناء جيل راشد ورع، واسع الأفق، ثابت على الأصول الشرعية، قادر على استيعاب المتغيرات من حوله.
стр. 5107
الموقف من الرأي الآخر نظرة شرعية
محمد بن شاكر الشريف
مع الحملة العسكرية المتصاعدة التي ابتدأتها راعية الصليب في العصر الحاضر على بعض الدول الإسلامية، والتي ينتظر ـ حسب ما يخطط له الصليبيون والصهيونيون ـ أن تعم دول العالم الإسلامي ـ عرباً وعجماً ـ بدأ يكثر الكلام وترتفع الأصوات في وسائل النشر المتعددة بالحديث عن «الآخر» ، حتى أصبح هذا اللفظ بمثابة مصطلح يُتداول بين الكُتَّاب، وفي المناقشات والحوارات، وبدأت تغزو أسماعنا مقولات: «ما الموقف من الآخر» و «العلاقة بالآخر» و «ينبغي أن لا تنفي الآخر» و «ينبغي التسامح مع الآخر» ، «التعاون مع الآخر» ولا بد أن يكون هناك «موقف حضاري وتعددي من الآخر» ومطلوب «القبول بالتعددية والاعتراف بالآخر» و «الاعتراف بحق الآخر في التعبير عن وجوده، وأفكاره بعيداً عن ضغوط الإكراه وموجات النفي والإلغاء» و «إعادة الاعتبار إلى الآخر وجوداً ورأياً ومشاعر» و «اكتشاف العناصر والمفردات الداخلية والخارجية التي تضيّق الهوة مع الآخر» .
تلك عينة من العينات التي باتت تتردد على ألسنة الكثير من المفكرين العصرانيين. والمقصود بالآخر في هذا الكلام «غير المسلم» أي الكافر، وهذا الكلام موجه للمسلمين، ومن يطالعه يخيل إليه من النظرة الأولى أن المسلمين جماعة من المتخلفين المتوحشين الذين يعيشون حياة بعيدة عن معاني الرقي والتمدن والحضارة، وأنهم لا ينظرون إلا لأنفسهم إما جهلاً وانغلاقاً، وإما تجبراً وكبراً، ثم يدلي كل من هؤلاء الكتاب والمتحدثين برأيه في تعليم المسلمين كيف يكونون متحضرين متقدمين في تعاملهم مع «الآخر» وفي النظرة إلى «الآخر» وموقفهم من «أفكار الآخر» ، وسأحاول بعون الله أن ألقي الضوء على هذه القضية على النحو التالي:
- مَنِ «الآخر» ؟
كثير من المواطن المطروحة للنقاش في هذا الموضوع تذكر كلمة «الآخر» دون بيان المراد منها، وفي بعضها يبين أن المراد هو «غير الإسلامي» ، ولفظ «الآخر» لغةً لا يحمل قيمة دلالية تتعدى أو تتجاوز معنى لفظ «غير» دون أن يكون في ذلك دلالة على المخالفة أو الموافقة؛ فالآخر قد يكون منا، وقد يكون من غيرنا. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قال ابن جرير: «عنى بذلك كل لاحق لحق بالذين كانوا صحبوا النبي ﷺ في إسلامهم من أي الأجناس؛ لأن الله عمَّ بقوله: وآخرين منهم» (١) ؛ فهنا وصف «الآخر» بأنه منهم، مما يعني أن «الآخر» قد يراد به المخالف، كما يراد به الموافق، وعلى ذلك فإن هذا اللفظ واسع المعنى يشتمل على أنواع متعددة من الموافقة والمخالفة على تعدد درجاتها، وحينئذ لا ينبغي أن يساق الحديث عن «الآخر» مساقاً واحداً؛ بحيث يعم الجميع بحكم واحد أو موقف واحد. وقد ظهرت مواقف كثيرة قدمت فيها أوراق وبحوث أغلبها ينطلق من الحديث عن «الآخر» بغير تفريق بين أنواعه، والسلوك الذي يوصف بأنه علمي يستوجب التفصيل حتى لا يكون هناك تجاوز في الأحكام أوالمواقف.
- أنواع «الآخر» :
«الآخر» قد يكون كافراً، وقد يكون مسلماً، والكافر أنواع: فمنه الكافر الحربي، والكافر الذمي، والكافر المعاهَد. والمسلم أنواع: فمنه المسلم الذي هو من أهل السنة والجماعة، ومنه من هو من أهل البدعة والضلالة. وأهل السنة توجد بينهم خلافات في الفقه على تعدد درجات الاختلاف، كما أن البدع منها الغليظة المكفِّرة ومنها دون ذلك؛ وإزاء هذا التباين الشديد؛ فإن سَوْق الكلام عن «الآخر» سَوْقاً واحداً فيه ظلم كبير، وتجاوز للصواب بيقين، وهو موقع في أحد الأطراف: إما الإفراط، وإما التفريط، وقديما قالوا: كِلا طرفي قصد الأمور ذميم.
- أصول عامة في مسألة الآخر:
لكن هنا أصول أو قواعد عامة لا ترتبط بـ «الآخر» أياً كان، من فئة أقرب الموافقين أو أبعد المخالفين ينبغي الالتزام والتقيد بها؛ فمن ذلك:
١ ـ العدل:
وهو قيمة عليا من قيم الإسلام، وهدف من أهدافه الرئيسة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿يَ االَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ؛ فالمسلم مطالب بالعدل مع الموافق والمخالف ولو كان كافراً، وإن المسلم لا ينبغي أن يحمله بغضه لأقوام ـ حتى وإن كان يبغضهم في الله ـ على ترك العدل معهم، وظلمهم، بل هو مطالَب ومأمور من الله ـ تعالى ـ بالعدل معهم بـ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وهو أيضاً مطالَب بالعدل مع نفسه ووالديه والأقربين. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] ، قال ابن جرير ـ ﵀ ـ: «ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط؛ يعني العدل» (١) . فالعدل عند المسلم صفة من الصفات وخلق من الأخلاق، وليس موقفاً من المواقف، وهو ما يعني ان هذه صفة أصلية ثابتة يطبع الإسلام بها المسلم في كل أحيانه؛ إذ العدل واجب من كل أحد على كل أحد في كل حال. ومن العدل ألا نفرق بين المتماثلين، وأن لا نساوي بين المختلفين؛ فمساواة المسلم بالكافر ليس عدلاً، ومساواة السني بالبدعي ليس عدلاً، كذلك مساواة من خالف في الأصول بمن خالف في الفروع ليس عدلاً، كما أن التفرقة بين الناس على أساس الاختلاف في مسائل الاجتهاد؛ بحيث يأخذ هذا حكم، وذاك حكم مع أن الخلاف في مسائل الاجتهاد فليس ذلك أيضاً عدلاً، كما أنه ليس من العدل نقل صورة غير أمينة عن الواقع سواء بالزيادة فيه وتضخيمه، أو بالتنقص منه وتقليله، سواء أكان ذلك يصب في مصلحة المنقول عنه أو ضرره؛ فكل تلك الأحوال ليست من العدل، ويتفرع عنها صور كثيرة جداً؛ والضابط في ذلك أن العدل هو الوقوف عند ما حدَّه الشرع بلا زيادة أو نقص، وليس بما يتصور الإنسان أنه عدل (٢) ؛ إذ إنه قد يُتصور أمور كثيرة من العدل، وهي ليست منه في شيء.
٢ ـ الأخذ بالظاهر:
الإنسان أياً كان؛ فمن الممكن أن يكون عمله في الظاهر ليس متوافقاً مع باطنه، وباطن الإنسان لا يعلمه أحد على الحقيقة إلا الذي يعلم السر وأخفى. وأما الإنسان فليس له إلى علم حقيقة البواطن سبيل، وإن كانت هناك قرائن قد تدل بغلبة الظن على الباطن؛ وعلى ذلك فإننا مطالَبون بالحكم على الشيء المنضبط الواضح وهو الظاهر الذي يظهر من الإنسان، ولا نرتب مواقفنا على تصوراتنا للباطن، ونقول: هو نيته كذا أو كذا، ونحو ذلك من الكلام، وهذه قاعدة معلومة؛ فإن المنافق مع أنه في الدرك الأسفل من النار، لكن لما كان ظاهره الإسلام، وكان يخفي نفاقه في داخله ـ وإن كانت هناك قرائن قد ترشد إلى شيء مما في داخله ـ فإننا نعامله بحسب ما يظهر منه، وهذا أيضاً نوع من أنواع العدل أن تكون المواقف مؤسسة على الأشياء الظاهرة الواضحة وليس على الأشياء الباطنة الخفية؛ إذ لو فُتِحَ باب أخذ المواقف بناءً على الأمور الباطنة الخفية ـ والتي لا سبيل إلى معرفتها يقيناً ـ لفسدت أمور الناس وسفك بعضهم دماء بعض، واستحلوا الأموال بناءً على ما يُتصور لهم في الباطن، وهذا من رحمة الله ـ تعالى ـ بالناس.
٣ ـ مرجعية الكتاب والسنة:
فكتاب ربنا ـ تعالى ـ تكفل الله بحفظه، وسنة رسوله ﷺ ملحقة به في ذلك الحفظ؛ لأنها من بيان الدين وتوضيحه، وهما المأمور بالاحتكام إليهما لاحتوائهما على الحق الصراح، وهما المأمور بالرد إليهما عند الاختلاف. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] ؛ فعلَّق الإيمان بالله واليوم الآخر على الرد إلى الله والرسول عند الاختلاف والتنازع، وبين أن ذلك هو الخير والأحسن عاقبة ومآلاً، وقد اتفق أهل العلم أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هوالرجوع إليه في حياته وإلى سنته بعد موته ﷺ .
وهذا يدل على أن الكتاب والسنة فيهما بيان كل شيء وتوضيح كل مشكل، وحل كل معضل. يقول ابن تيمية ﵀: «الكتاب والسنة وافيان بجميع أمور الدين» (٣) ، وعلى ذلك؛ فإن الكتاب والسنة هما اللذان يُرجَع إليهما، ويُعوَّل عليهما في تناولنا لجزئيات الحديث في موضوع هذه الدراسة.
٤ ـ التثبت من المنقول قبل اتخاذ المواقف:
المواقف لا ينبغي أن تُبنى على الظن ولا على التصور أو التخيل، وإنما ينبغي أن تُبنى على واقع وحقيقة؛ لذا فلا غناء للموقف الصحيح من أن يؤسَّس على التثبت مما ينقل والتأكد من صدقه وصوابه، وهذا أمر ذو أهمية كبرى، وقد أرشدنا الله ﵎ إلى التثبت قبل الإقدام بقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] ، وقد قُرئ قوله ـ تعالى ـ «فتبينوا» بقراءة ثانية وهي: «فتثبتوا» ، وقال ابن جرير ﵀: «فتبينوا» بالباء، يعني أمهلوا حتى تعرفوا صحته ولا تعجلوا بقبوله، وكذلك معنى «فتثبتوا» (١) ، وقد بينت الآية ضرر عدم التثبت؛ إذ يجعل الإنسان نادماً على ما فعل «ولات حين مندم» .
وعلى ما دلت عليه الآية السابقة دلَّ قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] ، يقول ابن جرير: «إذا سرتم مسيراً لله في جهاد أعدائكم، فتأنوا في قتل مَنْ أشكل عليكم أمره فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقيناً حرباً لكم ولله ولرسوله» (٢) ، وقد كان التثبت قبل الإقدام من سنة النبي ﷺ ؛ فعن أنس بن مالك «أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر؛ فإن سمع أذاناً كف عنهم وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم» (٣) ، وقد تبرأ النبي ﷺ من فعل خالد بن الوليد عندما أقدم على قتل الذين قالوا: «صبأنا» ولم يحسنوا أن يقولوا: «أسلمنا» فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ابن الوليد ـ مرتين» (٤) ، قال الخطابي: «أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا» (٥) .
٥ ـ قبول الحق ممن جاء به:
الحق لا يستمد قيمته من قائله، أو من الظرف الذي قيل فيه، وإنما يستمد ذلك من كونه الحق؛ فالحق يحمل قيمة ذاتية مستقلة عن ظروف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وإذا كان الحق يُقبل لأنه حق؛ فلذلك يُقبل الحق ممن جاء به، سواء كان من جاء به مسلماً أو كافراً، أو شريفاً أو وضيعاً؛ فقد يقول الكافر أو المنافق كلمة الحق، كما قد يقول المؤمن كلمة الباطل؛ لذلك جاء في وصية معاذ بن جبل ﵁ التي سبقت وفاته بعدما حذر من زيغة الحكيم، وبين أن المنافق قد يقول كلمة الحق، وأن الشيطان قد يلقي كلمة الضلالة على لسان الرجل الحكيم قال: «فخذ العلم أنَّى جاءك؛ فإن على الحق نوراً» (٦) .
وقد حشر لسليمان ﵇ جنوده من الجن والإنس والطير، وكان فيهم الذي يقدر على إحضار عرش ملكة سبأ في طرفة عين، ومع ذلك فلم يُخبر بخبر ملكة سبأ إلا هدهد، وقد قال الشيطان لأبي هريرة ﵁: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح» وأبو هريرة لا يعرفه، فقال الرسول ﷺ لأبي هريرة لما قص عليه ذلك: «أما إنه قد صدقك، وهو كذوب» (٧) ، فلم يمنع كونه شيطاناً أن يُقر الحق الذي قاله، لكن لا بد من الاحتراز في مثل ذلك؛ حيث لا يقبل منه إلا الجزء الذي تبينت حقيقته، ولعله لأجل ذلك عقَّب الرسول ﷺ على قوله: «صدقك» بكلمة: «وهو كذوب» حتى لا يكون قوله: «صدقك» تعديلاً وتوثيقاً له يحمل السامع على قبول كل ما جاء به، وقد قال علي ﵁: «إن الحق لا يُعرف بالرجال» (٨) ، مما يعني تميز الحق وتفرده وقبوله ممن جاء به.
- الموقف من فكر الكافر:
الكافر هو كل إنسان لم يؤمن بالله ورسوله محمد ﷺ ، ولم يدن بدين الإسلام سواء كان من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو كان من عبدة الأصنام والأوثان، أو كان ـ في ظاهره ـ لا يعبد شيئاً؛ فهذه الأصناف جميعها كفار، وعلى ذلك تطابقت أدلة الشرع من الكتاب والسنة، وأجمع على ذلك أهل الإسلام علماؤهم وعوامهم، بل الكفار أنفسهم يعلمون أن من دين المسلمين تكفير كل من لم يؤمن بالله ورسوله ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
والكافر قد يكون مقيماً بدار الإسلام إذا كان ذمياً أو دخل إليها بعهد أو أمان، كما قد يكون مقيماً ببلاد الكفر (دار الحرب، أو دار العهد) ، والكلام هنا مقصور على الكافر المقيم بيننا؛ فهذا هو المقدور عليه:
قَبِلَت الشريعة ـ وفق شروطها المعلومة ـ إقامة الكافر ببلد المسلمين، مع بقائه على دينه، وهذا يعني أن الكافر المقيم بدار الإسلام بسببٍ مشروعٍ لا يُجبر أو يُكره على ترك دينه والدخول في الإسلام، وهذا يتناول بالضرورة أن الكافر غير مجبر على ترك آرائه وأفكاره الشخصية وتصوراته سواء منها ما خالف الإسلام أو وافقه، وهذا يسميه بعض الناس: «حرية الاعتقاد» أو «حرية وحق التفكير» إلى غير ذلك من المسميات، ونحن لا نسمي ذلك «حقاً» أو «حرية» لأن الله لم يعط أحداً الحق في الكفر أو الضلال، ولم يبح ذلك في شريعته قط، وإنما نسمي هذا «عدم الإكراه» أو «الجبر» فلا حق لإنسان في أن يكفر ولا «حرية» في أن يضل ويشرد عن الطريق المستقيم. ولكن نقول كما قال ربنا: ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ؛ فنحن لا نُكرِه الكافر على الإسلام وإن كان لا حق له في أن يكفر، ويترتب على هذا الفرق الذي لم ينتبه له كثير من الكتاب المعاصرين تحديدُ الموقف من حكم نشر أو إذاعة الكافر لآرائه بين المسلمين؛ فإذا كان الكافر لا حق له ولا حرية في أن يكفر ويضل؛ فمن باب أوْلى لا حق له ولا حرية في نشر كفره وإذاعته بين الناس، وعدم إكراهه على الإسلام والهدى لا يعطيه حق الدعوة إلى كفره وضلاله في بلاد المسلمين.
وما يتكلم فيه الكافر المقيم بدار الإسلام إما أن يكون أموراً دنيوية بحتة، وإما أن يكون مسائل دينية أو لها متعلق بالدين. فالمسائل الدنيوية البحتة كالمسائل المتعلقة بالخبرة المكتسبة في الزراعة مثلاً أو الصناعة أو تخطيط المدن، وأشباه هذه الأمور، فليس بين أيدينا نصوص معينة تمنعه من المشاركة في ذلك أو من نشر رأيه في ذلك والدعوة إليه، ومن ثم فإن حريته في نشر ذلك النوع من الفكر والدعوة إليه يتبع السياسة الشرعية ويرتبط بالمصلحة في كل عصر.
وأما المسائل الدينية أو المسائل المتعلقة أو لها اتصال بالدين فيرى بعض المعاصرين أن في منعه من نشر فكره المخالف لدين الإسلام حَجْراً على الفكر وكبتاً لحريات الناس، وأن من حقه أن ينشر ما يراه، وينبغي أن يُمَكَّن من ذلك، وأن تُفتح له وسائل النشر المتعددة أبوابها، وربما يُعلل ذلك بأن صاحب الفكر الصحيح أو القوي لا يخاف أو يؤثر عليه صاحب الفكر الباطل والضعيف، وقد يضيف إلى ذلك قوله بأن بلاد الغرب أو الشرق الكافر تمنح المسلمين حرية نشر أفكارهم الإسلامية والدعوة إليها وهذا قمة الرقي والتحضر أو التمدن الحقيقي، حيث لا حجر على نشر الأفكار أياً كان نوعها، وينبغي أن نعاملهم بالمثل.
وهذه كما نرى احتجاجات فكرية، وهي احتجاجات مُقابلة بما هو أقوى منها وأكثر منطقية، ولا يتعارض مع العقول السليمة، فإذا قلنا: إن شريعة الإسلام تشهد بالبطلان على كل ما يخالفها ويناقضها، وأن في مخالفتها ومناقضتها الخسران والبوار، وأنها لذلك لا تسمح لأحد بنشر الدعوة المضادة لها بين أتباعها في أرض تحكمها وتسيطر عليها، كان هذا قولاً مقبولاً معقولاً؛ إذ كيف يستجيز عاقل يريد أن يبني بناءً أن يترك آخرين يهدمون ما يبني وهو قادر على منعهم، ويعلل ذلك بأنه قوي وأنه قادر على بناء ما يهدمون، هذا ليس بتصرف العقلاء.
وأما النقطة الثانية وهي سماحهم لغيرهم بالدعوة إلى أفكارهم ونشرها؛ فإن هذا له ما يسوغه عندهم، وهم في ذلك متوافقون من أنفسهم وليسوا مخالفين لنظمهم؛ فإن القوم مرجعيتهم العليا في ذلك هى الإنسان نفسه، وليس لهم مرجع خارج الإنسان نفسه؛ فالفكر الذي ينظر إليه على أنه مُغرق في الفساد الذي لا تقبله الفطرة يتمتع بالقدر نفسه من الحجية التى يتمتع بها الفكر الذي ينظر إليه على أنه فكر صالح؛ إذ الكل صادر عن الإنسان صاحب المرجعية العليا عندهم؛ حتى وجدنا لديهم أفكاراً في منتهى الفساد ـ ربما لا تقبلها بعض الحيوانات ـ تحولت عندهم إلى واقع ممارس أو قوانين يحتكم إليها الناس؛ ففي تلك البلاد توجد حرية الزواج بين المثلين (رجل لرجل، وامرأة لامرأة) بل يوجد عندهم زواج المحارم حيث يتزوج الرجل ابنته، وهكذا.
وعلى هذا نقول: لو أنهم سمحوا في بلادهم للمسلمين بنشر أفكارهم ودعوتهم؛ فهم لم يخالفوا القاعدة التى ينطلقون منها، ولا يُقبل شرعاً أو عقلاً أن نكافئهم على عدم مخالفتهم لأنظمتهم بمخالفتنا لشريعتنا.
- أدلة عدم جواز نشر ما يخالف الشريعة:
وقد دل عدم جواز نشر أو إذاعة آراء وأفكار الكفار المخالفة للشرع أدلة كثيرة؛ فمن ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ؛ فأمر الله ﵎ بالإعراض ـ أي الصد وعدم الاستماع أو الجلوس ـ عمن يخوض أى يستهزئُ ويكذِّب بآيات الله أو يخالفها ويناقضها حتى يأخذوا في حديث آخر؛ أي حتى يبتعدوا عن الخوض في آيات الله؛ فالمسلمون ممنوعون من الإقبال أو الجلوس إلى الكفار والاستماع إليهم حال خوضهم في آيات الله، وإذا كان المسلمون ممنوعين من ذلك، فلا يجوز أن يباح أو يسمح للكفار بأن يقتحموا على المسلمين بيوتهم ومجالسهم ونواديهم ـ عن طريق وسائل النشر الحديثة ـ ليسمعوهم باطلهم وكفرهم بآيات الله وتكذيبهم لها أو معارضتهم ومخالفتهم لها؛ لأنه لا يقول عاقل إن المسلم لا يجوز له أن يذهب إلى الكفار ويجلس إليهم ويستمع لما يقولون، بينما يجوز أن يذهب الكفار إلى المسلم ليسمعوه ما عندهم من الخوض في آيات الله، ولو قال قائل: إن هذه الآية منعت المسلمين من الجلوس لسماع خوض الكفار، ولم تأمر المسلمين بمنع الكفار عن الخوض في الدين، قلنا: هذه الآية مكية، والمسلمون في مكة لم تكن لهم قوة أو ولاية أو سلطان يتمكنون به من دفع الكفار عن الخوض في دين الله، وكان كل الذي يمكن فعله في هذه الحالة هو منع المسلمين من الجلوس إلى الكفار والاستماع إلى خوضهم في الدين، وهذا قد جاء الأمر به.
فلما انتقل المسلمون إلى المدينة وصارت لهم قوة ومنعة ودار حصينة، لم يكن أحد يستطيع إظهار الخوض في آيات الله، أو دعوة المسلمين إلى ذلك، وإنما كان يقوم بشيء من ذلك المنافقون، ولا يجلس إليهم أو يستمع إليهم إلا أمثالهم، فنزل تحذير الله لهم بقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨] ، إلى قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ إنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] ، وفي هذه الآية زجر شديد عن الجلوس والاستماع إلى الخائضين؛ وذلك حيث يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ﴾ . فلم يكن أحد في المدينة وخاصة بعد انتصار المسلمين في بدر، يستطيع أن يجهر بالخوض في آيات الله، واقتصر ذلك على المنافقين أو اليهود في مجالسهم الخاصة التي لا يطلع عليها غيرهم، ولذلك كان القرآن إذا نزل يخبر عن أقوالهم وأفعالهم؛ إذ ينظر بعضهم لبعض ويقول: هل سمع خبركم أو رآكم أحد، فأخبر محمداً ﷺ بذلك؟ وهذا من قلة علمهم وفقههم؛ لأن الله هو الذي يخبره. والمقصود أنهم كانوا يسرون ولا يجهرون، قال الله ـ تعالى ـ مبيناً ذلك: ﴿وَإذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧] . قال القرطبي: المنافقون: «إذا حضروا الرسول ﷺ وهو يتلو قرآناً أنزل فيه فضيحتهم أو فضيحة أحد منهم جعل ينظر بعضهم إلى بعض نظر الرعب على جهة التقرير يقول: هل يراكم من أحد إذا تكلمتم بهذا، فينقله إلى محمد ﷺ ؟ وذلك جهل منهم بنبوته ﵇، وأن الله يطلعه على ما يشاء من غيبه» (١) .
وإذا كانت وسيلة نشر الأقوال في الزمن الغابر هي الجلوس إلى صاحب القول والاستماع منه؛ فإن الوسائل قد تعددت الآن وتنوعت، وإذا كان المسلمون ممنوعين من الجلوس والاستماع لمن يخوض في دين الله؛ فإن المنع ليس قاصراً على الوسيلة، وإنما هو المنع من الاستماع للباطل، فيعم ذلك كل وسيلة تؤدي الغرض نفسه.
ومن الأدلة على ذلك أن يقال: إن الله ـ تعالى ـ ما أنزل كتبه ولا أرسل رسله إلا للنهي عن الشرك كما قال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وآيات كثيرة في ذلك، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ؛ فهذا أعظم مقصد من مقاصد بعثات الرسل على تعدد الأزمان؛ فكيف يقال إنه تباح الدعوة إلى ما يناقض ذلك، وأنه يحق لكل أحد التعبير عن ذلك ونشره بين الناس؟ ومن ذلك قوله ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله..» (٢) . فإذا كان رسول الله ﷺ مأموراً بقتال الناس من أجل توحيد الله تعالى؛ فكيف يقال: ينبغي أن تعطى للكافر الحرية ليدعو إلى كفره وشركه أو مناقضة ما هو معلوم من دين الإسلام؟
وقد عمل الصحابة ﵃ ومَنْ بعدَهم من أهل العلم بما دل عليه الكتاب والسنة؛ فقد جاء في الشروط العمرية (٣) ، التي تؤخذ على أهل الذمة: «ولا نُرغِّب في ديننا، ولا ندعو إليه أحداً» ، قال ابن القيم ﵀ في شرح هذه الفقرة من الشروط العمرية: «هذا من أوْلى الأشياء أن ينتقض العهد به» (٤) ؛ فبين ﵀ أن العهد ينتقض بذلك؛ وانتقاض العهد يحل دمه وماله. وذكر في الفروع أن العهد ينتقض بـ «ذكر الله أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء» (٥) ، وكذلك الأمر لو «فتن مسلماً عن دينه» (٦) ، وبعض أهل العلم يقول: ينبغي على الإمام أن يشترط عليهم أن من فعل ما تقدم ذكره ينتقض عهده، وإن لم يشترط ذلك في العقد فلا ينتقض عهده بذلك، ويعللون ذلك بأن من دينهم سب الرسول ﷺ ، وسب الإسلام، لكنهم يمنعون من إظهار ذلك؛ فأهل العلم متفقون على منعهم من إظهار الطعن في ديننا والانتقاص له، والخلاف بينهم هل يُعَدُّ ذلك منهم نقضاً للعهد حتى لو لم يشترط عليهم في أصل العقد، أم لا يكون ناقضاً إلا بالاشتراط (٧) ؛ فقد دلت الآيات والأحاديث ومقاصد الدين وكلام أهل العلم على عدم جواز السماح للكفار بنشر أقوالهم أو أفكارهم المناقضة للإسلام، فلا ينبغي أن يسمح لهم بذلك، ولا تجوز معاونتهم فيه؛ لأن التعاون المشروع هو التعاون على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وقد دلت النصوص أن من عاون أو ساعد في ذلك فله من جرمهم نصيب. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] ، ولكن هذا لا يمنع من مناقشة الكافرين ودعوتهم إلى الإسلام ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وسماع ما عندهم من شبهات أو اعتراضات تصرفهم عن الدين، والجواب عنها، ولا مانع من أن تُعقد جلسات لذلك بين الدعاة المسلمين وبين المدعوين الكفار لعرض الإسلام عليهم وبيان حقائقه ومزاياه، لكن هذا لا يستلزم السماح لهم بنشر أفكارهم المخالفة للإسلام والدعوة إليها بوسائل النشر المعلومة؛ إذ لا ارتباط بين دعوتهم إلى الإسلام وبين السماح لهم بعرض ما عندهم على الناس.
- الموقف من فكر المسلم المخالف:
عندما نتكلم عن المسلم فإنما نتكلم عن الشخص الذي يُحكَم له بالإسلام شرعاً، وليس عمن هو مولود لأبوين مسلمين، أو من كان مسمى باسم من أسماء المسلمين؛ لأنه يوجد في وقتنا الحاضر أناس لهم أسماء إسلامية لكنهم اعتنقوا آراءً وأفكاراً خرجت بهم من حظيرة الإسلام؛ فالشخص الذي لا يرى الإسلام ناسخاً لما سبقه من الرسالات، ويرى أن المسلمين واليهود والنصارى كلهم مؤمنون وأنهم ناجون في الآخرة، وأن الاختلاف بينهم كالاختلاف بين المذاهب الفقهية، وكذلك الذي يرى أن الإسلام صالح فقط لحياة البداوة، وأنه قد استنفد أغراضه، وأنه لم يعد صالحاً للحياة المعاصرة، وكذلك الذي يرى أن الحدود الشرعية عقوبات غير مناسبة للعصر الحديث، وأنه ينبغي استبدالها، وكذلك الذي يرى أنه ينبغي المساواة بين الذكر والأنثى في قسمة الميراث، وكذلك الذي يرى أن الشاب أو الفتاة إذا بلغا سن الرشد فإن لكل منهما أن يقيم ما شاء من علاقات «جنسية» خارج إطار الزواج ولا حرج عليه أو لوم في ذلك، ونحو هذا الكلام؛ فإن كل هؤلاء قد خرجوا من حظيرة الإسلام باتفاق العلماء؛ لأنهم أنكروا معلوماً من الدين بالضرورة، وإن كانت لهم أسماء إسلامية، وإن كانوا ما زالوا يؤمنون ببعض ما جاء به الشرع: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْملُون﴾ [البقرة: ٨٥] . ونحن هنا لا نتكلم عن هؤلاء؛ لأن هؤلاء يدخلون في الصنف الذي تقدم الكلام عنه، وإن كان هؤلاء من حيث الحقيقة لا يكون لهم وجود في دار الإسلام؛ لأن المرتد لا يُقَر على ردته؛ فإما أن يتوب ويرجع وإما أن يُقتل، وإنما يُتصور وجود هؤلاء: إما في بلاد الكفر، وإما في بلاد المسلمين التي لا تلتزم شرع الله، وأما في البلاد التي تلتزم شرع الله فإن هؤلاء يسرون ذلك الكلام ويخفونه، ولا يبوحون به إلا لأمثالهم؛ فهم في هذه الحالة منافقون. والمراد بحديثنا في هذه الفقرة المسلم المحكوم له بالإسلام شرعاً، وهنا أيضاً نقسم الفكر إلى نوعين:
نوع في مسائل الدين أو متعلق بمسائل الدين، ونوع متعلق بمسائل الدنيا البحتة:
الفكر الدنيوي:
لا تلزم الشريعة المسلمين باتباع نمط واحد في الفكر الدنيوي ولا تحجر عليهم في ذلك، ولا تمنعهم من نشر ما لديهم من الأفكار النافعة المفيدة التى تنفع المسلمين في حياتهم الدنيا، ولا بأس من تحاور المسلمين في ذلك وعقد المناقشات أو الندوات والمؤتمرات التي يعرض فيها كلٌ ما عنده، وليس من اللازم أن يتفق المسلمون في هذا النوع من الفكر، ولا يلام أحد على الخلاف في هذا الباب، وليس في منع هذا النوع حجة شرعية يُستند إليها، كما أنه ليس في منعه فائدة دنيوية، ويجوز نشر هذا النوع من الفكر بوسائل النشر المتعددة، لكن ينبغي أن يكون ذلك من أجل تقديم شيء مفيد نافع أو الوصول إلى شيء مفيد نافع، وأن يتكلم الإنسان فيما يحسن من الأمور، وأن لا يكون الحديث أو النشر هو الغاية؛ إنما الغاية تحقيق مصلحة حقيقية من وراء ذلك، ولا يضر المسلم بعد ذلك الخطأ في هذا النوع من الفكر.
الفقه في الدين:
النوع الثاني من الفكر هو الفقه في الدين، وهو ليس فكراً بالمعنى المتداول بين الناس «أي تكوين آراء قائمة على التأمل في الواقع من خلال الخبرات المكتسبة وإعمال العقل انطلاقاً من تلك الخبرات» ، وإنما الفقه هو: فهم المراد من نصوص الشرع ـ سواء أكانت النصوص تتعلق بمسائل الأصول أو بمسائل الفروع ـ وتقديم الآراء والحلول لما يجدُّ من أشياء وأمور استناداً إلى النصوص الشرعية والفقه فيها، والخلاف في فهم النصوص الشرعية أمر متصوَّر وممكن الحدوث، وقد وقع فعلاً، وله أنوع:
١ ـ خلاف في مسائل الأصول (العقيدة) :
والعقيدة هي كل ما يجب على المسلم اعتقاده يقيناً من غير شك أو ارتياب ولا يجوز له مخالفته، والعقيدة التي تتمتع بذلك هي عقيدة «أهل السنة والجماعة» وهي ـ بحمد الله ـ مدونة مسطورة، محددة مضبوطة، وما خالف هذه العقيدة فهو البدعة كبدعة الخوارج والمعتزلة والمرجئة والشيعة والجهمية والروافض (وهاتان الأخيرتان قد تكلم أهل العلم في تكفيرهما) ، وقد نهى أهل العلم قديماً وحديثاً عن الجلوس إلى أهل البدع والاستماع لما هم عليه (وإن قلتَ: أرد عليهم؛ فقد تدخل عليك شبهتهم ولا تستطيع ردها فتصبح بعدها متحيراً مضطرباً) .
قال في فتح القدير في قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ [الأنعام: ٦٨] : «وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة؛ فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه، فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم (١) » .
وإذا كان الدعاة إلى البدع ـ كما قرر أهل العلم من السلف والأئمة ـ لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون عقوبة لهم حتى ينتهوا عمّا هم فيه (٢) ؛ فكيف يجوز نشر بدعهم والسماح بذلك بزعم «حرية الفكر» أو «حق التعبير» أو «إشاعة ثقافة التعدد» أو «إطلاق روح الإبداع» ، ومثل هذه العبارات التى لا يترتب عليها غير إفساح الطريق أمام الدعوات الضالة والمنحرفة عن الصراط المستقيم لتغزو العقول والنفوس، وتؤثر في الأفكار والتصورات لتنتج في النهاية مجتمعاً متناقضاً متعارضاً، لا يرجى منه نفع ولا يعوَّل عليه في تحقيق هدف.
فالدعوة إلى الضلال لا تجوز ويتحمل الداعي وزر ذلك، وكذلك المعِين على ذلك أو المساعد فيه، وقد قال رسول ﷺ : «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» (٣) .
وقد منع أهل العلم قديماً وحديثاً من نشر الأقوال المضلة، وقالوا بحرق أو إتلاف الكتب المشتملة على تلك العلوم الباطلة. قال ابن القيم ﵀: «هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أوْلى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف، أو إتلاف آنية الخمر؛ فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها» (٤) . وقال النووي: «قال أصحابنا: ولا يجوز بيع كتب الكفر؛ لأنه ليس فيها منفعة مباحة، بل يجب إتلافها ... وهكذا كتب التنجيم والشعوذة والفلسفة، وغيرها من العلوم الباطلة المحرمة؛ فبيعها باطل؛ لأنه ليس فيها منفعه مباحة والله ـ تعالى ـ أعلم» (٥) . وقد ظهر في عصرنا الحاضر عدد من البحوث التي تدعو إلى مذهب المرجئة وتنتصر له، فأفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية في السعودية بعدم جواز نشر هذه الكتب أو طباعتها.
ومن الأدلة على عدم جواز نشر أفكار البدع والضلالات الكثرة الكاثرة من النصوص الشرعية التي تُلزم المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فكيف يكون هناك تقيد والتزام بتلك النصوص مع القول بجواز نشر البدع تحت زعم «حرية النشر» و «حق التعبير» ونحو ذلك الكلام؟
ومن الأدلة أيضاً قول الرسول ﷺ بعدما تلا قوله ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] : «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» (٦) ؛ فإذا كان الرسول ﷺ قد أمرنا بالحذر منهم؛ فكيف يُعطَوْن الحق في التعبير أو نشر ما حذَّر منه الرسول ﷺ ؟
وينبغي أن نشير هنا إلى أن المسلم قد يقع في مسألة أو مسألتين أو نحو ذلك، فيخالف بذلك مذهب أهل السنة والجماعة، ولا يعد بذلك مبتدعاً؛ لأنه لم يؤسس أقواله تلك على أصول أهل البدع، ولم يتخذ البدعة له منهجاً، وإنما وقع فيها من قبيل الخطأ؛ فلا يعد ميتدعاً إلا من يؤسس أقواله على أصول أهل البدع. لكن هذا الموقف إنما هو من الشخص القائل. أما الموقف من القول المبتدع فلا يتغير، بل يجب رده وعدم نشره أياً كان الموقف من قائله، وقد يبدو لبعضهم هنا أن يقول: لماذا لا تُترك لهم حرية نشر أفكارهم وآرائهم على الناس، ثم يُرد عليها ويُبين ما فيها من خطأ، ولا شك أن هذا الكلام يروِّجه بعضهم، وينظرون إليه على أنه من قبيل حرية الفكر، وأن نشر هذا الكلام أوْلى من جعله ينبت في السر والخفاء، لكن هذا القول معارَض بما كان عليه سلفنا الصالح؛ إذ الفتاوى المشهورة عنهم بهجر أصحاب البدع وعدم الجلوس إليهم والاستماع لهم. ثم إن هذا العمل ليس فيه فائدة سوى التشويش على بعض الذين لم ترسخ عندهم الحقائق، إضافة إلى إضاعة الوقت، ولهذا لا نرى صواب ما تقوم به بعض وسائل النشر والإعلام من عمل المناظرات والمقابلات بين من يحملون العلم الشرعي، وبين من يناقضون ذلك ويتمسكون بالأقوال المخالفة له؛ إذ لا فائدة ترجى من وراء ذلك؛ فلم نر أن أحداً على كثرة هذه المناظرات رجع عن مقالاته الفاسدة، وكل ما هنالك أنه تمكن من إسماع باطله لعدد كبير من الناس، ثم إنه قد يتأثر بباطله بعض أصحاب العقول الضعيفة، ولسنا نمانع من إجراء هذه المناظرة وأمثالها؛ ولكن ليس عن طريق النشر في وسائل الإعلام لما يترتب على ذلك من المفاسد التي تزيد عن المصالح المتوقعة. أما إذا لم يكن هناك طريق فعال للرد على تلك الأباطيل غير ذلك؛ فهل يجوز أن نشارك في الرد على أهل الباطل، ومناظرتهم في تلك الوسائل؟ والذي يظهر أن جواب ذلك مرتبط بالمصلحة حسبما تقرر في فقه السياسة الشرعية.
٢ ـ خلاف في مسائل الفروع (الخلاف الفقهي) :
وهو نوعان: خلاف تنوع وخلاف تضاد. والمراد بخلاف التنوع: هو خلاف في أمور متعددة كلها مشروعة فيختار هذا نوعاً، ويختار ذلك نوعاً آخر، ولا حرج في ذلك. ويلحق بالخلاف في ذلك الاختيارات المتعددة المتعلقة بأمور الدنيا، وهذا النوع لا يُحظر نشره والدعوة إليه بين الناس، وليس من شروطٍ في هذا غير عدم البغي على الآخرين. والمراد بخلاف التضاد: هو التناقض بين الأقوال، وهو أيضا نوعان:
- فخلاف تضاد ضعُفَ فيه أحد القولين ضعفاً كبيراً لمخالفته النص أو الإجماع أو نحوه، ومثل هذا القول يُنقَض؛ فلو حكم به حاكم نُقض حكمه. وما كان سبيله هذا السبيل فلا يجوز نشره والدعوة إليه والاستدلال له ممن يرى صوابه، وإن جازت حكايته لبيان خطئه وبعده عن الصواب. يقول شيخ الاسلام: «فإن الأئمة الأربعة متفقون على أنه إنما يُنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو معنى ذلك» (١) .
- وخلاف تضاد لم يضعف فيه قول من الأقوال بحيث يُرَدُّ؛ ومسائل هذا النوع يعبر عنها أهل العلم بمسائل الاجتهاد؛ فهذا النوع من الخلاف لا يمنع نشره والدعوة إليه، ومن رأى صواب شيء من الأقوال فله نشر ذلك والدعوة إليه، وعلى ذلك جرى الحال منذ أيام الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إلى يومنا هذا، يختلفون في كثير من هذا النوع من المسائل ولا يحجر بعضهم على بعض أو يبدِّع بعضهم بعضاً أو يفسق بعضهم بعضاً؛ مع الحفاظ على الأخوة والمحبة والألفة. وهكذا يتبين أنه ليس عندنا مشكلة تتعلق بحرية الفكر أو حق التعبير؛ فكل ما يسوغ القول به أوالعمل في الشريعة فلا منع ولا حرج من نشره والدعوة إليه، ولكن كثيراً من القوم يريدون منا تحت زعم «حرية الفكر» أو «حق التعبير» أو «إشاعة ثقافة التعدد» أن نبيح ما لا يباح وأن نتجاوز ما لا يجوز تجاوزه.
وقد سئل شيخ الإسلام عمن يقلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد؛ فهل ينكر عليه أم يُهجَر؟ وكذلك من يعمل بأحد القولين فاجاب: «الحمد لله: مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه، ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان: فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به، وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين. والله أعلم» (٢) .
وينبغي أن يُعلم أن التقليد هنا رخصة، ولا يجوز لمستعملها أن يدعو إلى ما تضمنه وينافح عنه ويستدل له، إنما يقوم بذلك من كان لديه علم بالأدلة؛ أما من ليس عنده غير التقليد فإنه لا ينبغي له أن ينشر؛ لأنه ليس من أهل ذلك، ولو تقيد الناس بذلك لقل كثير من الكلام الدي يُنشر؛ لأنه ليس من أهل العلم. قال ابن تيمية ﵀: «ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد؛ فإن هذا فعل أهل الجهل والأهواء» (٣) ، وقال: «مسائل الاجتهاد لا يجوز لمن تمسك فيها بأحد القولين أن ينكر على الآخر بغير حجة ودليل؛ فهذا خلاف إجماع المسلمين (٤) » .
وسئل ﵀ عمن ولي أمراً من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوِّز «شركة الأبدان» فهل يجوز له منع الناس؟ فأجاب: «ليس له منع الناس من ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد وليس معه نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك» (٥) .
وينبغي هنا التفريق بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد؛ إذ بعض الناس يستخدمون اللفظين على أنهما مترادفان؛ ومسائل الخلاف أوسع أو أعم من مسائل الاجتهاد؛ فمسائل الخلاف تشمل المسائل التي اختلف فيها المسلمون سواء أكان هذا الخلاف سائغاً أو غير سائغ، وأما مسائل الاجتهاد فإنما تتناول أو تشمل المسائل التي يسوغ فيها الاختلاف.
- آداب النشر:
وفي الدعوة إلى مسائل الاجتهاد أو نشرها ينبغي مراعاة أمور كثيرة حتى يكون العمل نافعاً مفيداً من غير أن يترتب عليه ضرر؛ فمن ذلك:
ـ عدم البغي أو الاستطالة على المخالف، واتهامه في نيته، والبحث له عن زلات أو عيوب خارجة عن نطاق الموضوع. ومنه أن تكون المرجعية والمحاججة لكتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله ﷺ وليس لفلان؛ فإذا وقف الأمر عند حد المحاججة بالرجال فينبغي أن ينتهي الحديث عند ذلك. ومن ذلك العلم؛ فلا يتكلم في شيء إلا إذا علمه صحيحاً من مصادره الصحيحة، وليس لمجرد كلمة يقرؤها من هنا وكلمة من هناك، ثم ينصب نفسه للدعوة والمجادلة. ومن ذلك عدم إهدار ما عند الآخرين من الخير والفضل من أجل الخلاف في هذه المسائل، ومن ذلك عدم التفسيق أو التبديع؛ لأن هذه المسائل ليست من مسائله. ومن ذلك أن يكون الحرص على الاتفاق لا على تأكيد الخلاف، ومن ذلك أن تبقى الأخوة والمودة والتناصح والتعاون على الخير حتى مع استمرار الخلاف.
لكن هناك مسألة ينبغي النظر إليها، وهي ما إذا كان الشخص قد جمع بين الأمرين: بين فساد في بعض مسائل الاعتقاد أو الأقوال الفقهية الشاذة، وبين جودة رأي في بعض المسائل الأخرى؛ فهل يسمح له بحرية النشر في المجال الذي أجاد فيه؟ وهذه المسألة قد تطرَّق لشبيه لها من بعض الوجوه علماء الحديث من قبل فيما يخص جواز التحديث عن أهل البدع؛ فبعض أهل العلم رأى أن مجال الرواية هو على الأمانة والصدق والضبط، فإذا كان الرجل أميناً صادقاً ضابطاً فلا حرج من التحديث عنه، وعليه بدعته.
ورأى آخرون أن يترك حديثه لئلا يكون في التحديث عنه إشهار لأمره وتعديل له وتزكية. وفصَّل آخرون وقالوا: إن كان ما يرويه يدعم بدعته ويؤيدها فلا يقبل، وإلا فلا مانع من التحديث عنه بشرط الصدق والضبط.
والذي يترجَّح لديَّ أن هذه المسائل تعد من مسائل السياسة الشرعية التي لا يترجَّح فيها قولٌ واحدٌ على طول الزمن، وإنما هو تابع للمصلحة الشرعية في كل عصر؛ فإن كان يوجد من بين المسلمين سليمي العقيده من يغني عما عنده من جودة فكر ورأي؛ فلا أرى تمكينه من النشر ومخاطبة الناس، وإن كان لا يوجد من يغني عنه، فلا مانع من النشر له في هذا الباب فقط، والمسألة من قبل ومن بعد مسألة اجتهادية.
стр. 5108
المرأة المسلمة والمشاركة السياسية أقوال الأعلام من علماء الإسلام
د. سامي محمد صالح الدلال
لقد دارت رحى القرون، وأبحرت سفن الحياة عبر محيطات الزمان، ثم أرست مراسيها في موانئ العصر الحاضر، فإذا بها إزاء أقوام تدثروا بالأوهام، وادعوا انقطاع عهدهم عن العهد الزاهر، وقالوا في المرأة ما لم يقله الشرع الطاهر. أرادوها مجرد متعة، ولكن دين الله أراد لها الرفعة! فجعل دائرة حركتها مؤطرة بالستر، وابتغى أولئك أن تكون مجللة بالوزر؛ فشتان ما بين الثرى والثريا، وما أبعد قضم الحجر عن أكل الثمر!
لقد حدد الإسلام بشكل واضح وجلي ما للمرأة وما عليها، ومن ذلك أنواع ولاياتها.
إن الولايات في الإسلام تقسم إلى قسمين:
الأول: الولايات العامة: كرئاسة الدولة، ورئاسة مجلس الوزراء، والوزارة والنيابة والقضاء، وهي ولايات مقصورة على الرجال.
الثاني: ولايات خاصة، وهي ما سوى ذلك. وللمرأة فيها نصيب بحسب تلك الولاية، وفي إطار نصيبها منها فإن لها حقوقاً وعليها واجبات.
وانطلاقاً من ذلك فإن كلامنا في الموضوع سيكون ضمن ثلاثة محاور رئيسة، هي:
(١) قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
(٢) قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] .
(٣) قول النبي ﷺ «لن يفلح قوم ولوْا أمرهم امرأة» رواه البخاري (١) ، وعند أحمد في أحد رواياته بلفظ: «ما أفلح» (٢) .
(٤) وقد اخترت هذا الترتيب ليتبين لنا أنه إذا كانت المرأة المسلمة مأمورة بالقرار في بيتها ـ من حيث الأصل ـ وأن المباشرة معها في الخطاب يكون من وراء حجاب؛ فكيف يتسنى لها مع ذلك أن تكون في إطار أي من الولايات العامة التي لا يمكن أن تمارس المرأة دورها فيها إلا إذا اخترقت الأصلين السابقين.
وسأذكر الآن نبذة مختصرة بشأن كل عنوان.
- قرار المرأة في البيت:
الأصل في ذلك قوله ـ تعالى ـ مخاطباً نساء النبي ﷺ ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] ، قال ابن كثير: «هذه آداب أمر الله ـ تعالى ـ بها نساء النبي ﷺ ، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك» (١) .
والحكمة في ذلك هي إتاحة الفرصة للمرأة للاضطلاع بدورها العظيم المناط بها شرعاً، وهو تربية الأولاد ليكونوا رجالاً صالحين عابدين مجاهدين، وللقيام بشؤون الزوج ولرعاية بيته، كما جاء في قول النبي ﷺ : «والمرأة راعية في بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم» رواه البخاري ومسلم من طريق ابن عمر ﵄ (٢) . فإذا ما أخلَّت المرأة بهذه المسؤولية انخرقت سفينة المجتمع، فربما غرقت أو أوشكت!
لذا وجب على الحكام والعلماء أن يُلزموا المرأة بأداء دورها الشرعي الذي ذكرته مستلهمين في ذلك حديث النبي ﷺ : «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها؛ فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم؛ فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا، جميعاً» رواه البخاري ـ وهذا لفظه ـ والترمذي، وأحمد من طريق النعمان بن بشير (٣) .
لكن للمرأة أن تخرج من بيتها، ويكون هذا الخروج ممثلاً لحركة طارئة من حيث الأصل، ومنضبطاً بالشرع من حيث الممارسة، وبما لا يخل بقاعدة «القرار» ، ومن ذلك:
١ ـ الخروج للعبادة:
كالصلاة في المسجد؛ لحديث ابن عمر عن الشيخين: «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فائذنوا لهن» ـ لفظ مسلم، وأخرجه أحمد (٤) ـ رغم أن صلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في المسجد، وكصلاة العيدين لحديث أم عطية قالت: «كنا نؤمَر بالخروج في العيدين، والمخبأة والبكر، قالت: «الحُيّض يخرجن فيكن خلف الناس يكبرن مع الناس» رواه مسلم (٥) . وفي رواية البخاري: «أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور» (٦) ، وتخرج المرأة للحج، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] . وهو شامل للرجال والنساء؛ على أن يكنَّ مع محرم؛ ولقول النبي ﷺ : «لكن أحسن الجهاد وأجمله، الحج المبرور» رواه البخاري والنسائي، وابن ماجه بنحوه (٧) .
٢ ـ الخروج في خدمة المجاهدين:
كما جاء في حديث الربيع بنت المعوذ، قالت: كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقي القوم، ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة (٨) . قال ابن عباس: «قد كان يغزو بهن (أي رسول الله ﷺ ) فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة» رواه مسلم والترمذي وأبو داود والبغوي (٩) .
٣ ـ الخروج للبيعة:
وهو ليس بالمعنى المعروف حالياً من المشاركة في الانتخابات، أو الترشيح للمجالس النيابية، بل هو خروج ضرورة حدث في عهد النبي ﷺ لتوثيق العهد على امتثالهن لأوامر الإسلام، وقد حدث ذلك مرات عديدة، كما حصل في بيعة العقبة الثانية، وكبيعة النساء للنبي ﷺ بعد صلاة العيد، وهو في الصحيحين (١٠) ، ومبايعة أميمة بنت رقيقة في نسوة، كما في رواية مالك والنسائي والترمذي وأحمد (١١) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال محقق جامع الأصول: إسناده صحيح (١٢) ، ومبايعة أم عطية في نسوة كما في رواية الصحيحين والنسائي (١٣) ، وقد جاء في التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢] .
٤ ـ الخروج لحوائجهن:
لقول النبي ﷺ : «قد أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحوائجكن» رواه الشيخان (١٤) . نقل الحافظ في «الفتح» عن ابن بطال قوله: «فقه هذا الحديث أنه يجوز للنساء التصرف فيما لهن الحاجة إليه من مصالحهن» (١) : أي مصالحهن الدينية والدنيوية: كطلب العلم، وزيارة الزوج في المعتكف، وللقيام بأعباء الحياة، قالت أسماء بنت أبي بكر: «كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ» رواه الشيخان (٢) .
٥ ـ الخروج للعرس:
هو مشروع للنساء؛ لحديث أنس ﵁ في الصحيحين: أن النبي ﷺ رأى صبياناً ونساءً مقبلين من عرس، فقال النبي ﷺ ممثلاً: «اللهم أنتم من أحب الناس إليَّ، يعني الأنصار» لفظ مسلم (٣) .
نلاحظ مما ذكرته أن الإسلام رغم أنه وسع للمرأة حركتها خارج المنزل للقيام بالمهمات المنوعة، لكنه لم يجعل من بينها المشاركة في أي عمل سياسي، إضافة إلى أنه وضع لها ضوابط في ذلك الخروج، من أهمها:
١ ـ أن لا يؤدي خروجها إلى خلل في أداء واجباتها الأصلية في مقرها وهو المنزل، أي لا بد من استحضارها لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
٢ ـ الالتزام بالحجاب؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] .
٣ ـ الالتزام بغض البصر: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .
٤ ـ عدم التبرج: لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] ولقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] .
٥ ـ عدم التعطر أو إصابة البخور؛ لقوله ﷺ : «.. والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا، يعني زانية» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه أبو داود بدون «يعني زانية» ، بل قال: «قال قولاً شديداً» ، لكن عنده «ليجدوا من ريحها فهي زانية» رواه النسائي، وأحمد؛ جميعهم من طريق أبي موسى الأشعري (٤) ؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» رواه مسلم، وأخرجه أحمد في المسند (٥) .
٦ ـ عدم الاختلاط بالرجال في أماكن التجمعات العامة، وقد وردت في ذلك أحاديث، منها فصل النساء عن الرجال في المساجد وفي صلاة العيد، بل وفي الطرقات؛ لحديث أبي أسيد الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول وهو خارج من المسجد؛ فاختلط الرجال بالنساء في الطريق، فقال رسول الله ﷺ للنساء: «استأخرن؛ فإنه ليس لَكُنَّ أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق؛ فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به» رواه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٦) .
ومعلوم أن مشاركة المرأة في أي من الولايات العامة لا بد لها فيه من الاختلاط بالرجال وحضور المجالس العامة، بل والاختلاء ببعض الرجال بسبب متطلبات العمل السياسي.
قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ليس مقصوراً على نساء النبي ﷺ ، هو قول جمهور المفسرين، منهم:
(١) ابن كثير ـ قال في تفسيره لهذه الآية: «هذه آداب أمر الله ـ تعالى ـ بها نساء النبي ﷺ ، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك» (٧) .
(٢) أبو عبد الله القرطبي، قال في «الجامع لأحكام القرآن» : «معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ ؛ فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء؛ فكيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والكفاف عن الخروج منها إلا للضرورة» (٨) .
(٣) العلامة الآلوسي البغدادي قال في «روح المعاني» : «والمراد على جميع القراءات أمرهن ﵅ بملازمة البيوت، وهو أمر مطلوب من معاشر النساء» (٩) .
(٤) الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية السابق، وعضو جماعة كبار العلماء قال في «صفوة البيان لمعاني القرآن» في تفسيره لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ : الزمنها! فلا تخرجن لغير حاجة مشروعة، ومثلهن في ذلك سائر نساء المؤمنين (١٠) .
ثم أسوق شهادتين أختم بهما هذه المحطة:
الشهادة الأولى: قال العالم الإنجليزي (سامويل سمايلس) ، وهو من أركان النهضة الإنجليزية: «إن النظام الذي يقضي بشتغيل المرأة في المعامل مهما تنشأ عنه من الثروة للبلاد فإن نتيجته كانت هادمة لبناء الحياة المنزلية؛ لأنه هاجم هيكل المنزل، وقوض أركان الأسرة، ومزق الروابط الاجتماعية» .
الشهادة الثانية: قالت الخبيرة الأمريكية الدكتورة «إيدا أولين» : «إن سبب الأزمات العائلية في أمريكا وسر كثرة الجرائم في المجتمع هو أن الزوجة تركت بيتها لتضاعف دخل الأسرة؛ فزاد الدخل، وانخفض مستوى الأخلاق. إن التجارب أثبتت أن عودة المرأة إلى الحريم ـ أي إلى البيت والقرار فيه ـ هو الطريقة الوحيدة لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الذي يسير فيه» .
ذكر تلكما الشهادتين الدكتور مصطفى السباعي ﵀ في كتابه «المرأة بين الفقه والقانون» (١) .
السؤال من وراء حجاب:
ومداره على قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] .
حيث تؤكد هذه الآية عدم جواز الاختلاط والذي لا بد منه في العمل السياسي؛ إذ تبين أن سؤال الرجل للمرأة ينبغي أن يكون من وراء حجاب، وأن ذلك عامٌّ، وليس مقصوراً على زوجات النبي ﷺ ، وقد جاءت أقوال المفسرين مبينة تماماً لهذا المعنى من الآية. أذكر منها:
١ ـ ابن جرير الطبري: قال في «جامع البيان في تفسير القرآن» : وإذا سألتم أزواج رسول الله ﷺ ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب، يقول من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن، ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن» (٢) .
٢ ـ ابن كثير قال في تفسيره لقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ .. إلى قوله: ﴿وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] : «حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة؛ فأمرهم بذلك؛ وذلك من إكرامه والدخول على النساء» الحديث (٣) ، ثم قال: «وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب» (٤) .
٣ ـ أبو عبد الله القرطبي: قال في «الجامع لأحكام القرآن» : «في هذه الآية دليل على أن الله ـ تعالى ـ أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض، أو مسألة يُستفتَيْن فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة: بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة: كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها» (٥) .
٤ ـ الشوكاني: قال في «فتح القدير» : «فاسألوهن من وراء حجاب» أي من وراء ستر بينكم وبينهن.. وفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه» (٦) .
- المرأة والولايات العامة:
المعوَّل عليه في هذه المسألة هو قول النبي ﷺ فيما رواه عنه أبو بكرة ﵁: «لن يفلح قوم ولَّوْا أمرهم أمرأة» هذا لفظ البخاري، وهو أيضاً عند النسائي والترمذي بلفظ «لن يفلح» ، وعند أحمد في المسند «لا يفلح قوم تملكهم أمرأة» ، و «ما أفلح قوم يلي أمرهم أمرأة» (٧) ، وجميع ألفاظه بصيغة العموم؛ فهو عام الدلالة، وليس فيه أدنى حجة لمن قصره على سبب وروده. ومعلوم لدى الأصوليين أن «العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب» . وما ورد من بعض الولايات للمرأة: كولايتها على بيت زوجها، وما سوى ذلك فهي ولايات مقيدة ومخصوصة من العموم المذكور، ولعلنا هنا نكشف أبرز ما يتعلق بهذه المسألة ضمن النقاط التالية:
(١) إن الذي دعا أولاً إلى تولية المرأة الولاية العظمى (رئاسة الدولة) ، والولايات العامة الأدنى (رئاسة الوزارة، الوزارة، النيابة، القضاء) هم العلمانيون، أفراداً ومؤسسات منسجمين في ذلك مع منهجهم القائم على كسر حصون خصوصية المرأة وفتح السبل على مصاريعها لجعلها في مساحة مكشوفة للجميع.
(٢) إن الذي تولى كِبْر هذه الدعوة هي الأنظمة العلمانية التي تسلطت بقوة الإرهاب على رقاب المسلمين؛ فأصدرت التشريعات التي تحقق تلك المآرب، ولا يزال المسلمون يعانون من هذه المأساة التي خلفت خللاً في توازن البنيان الاجتماعي.
(٣) إن القوى العالمية التي وراء تلك الدعوة هم اليهود والنصارى والمشركون، ويمارسون ذلك في اتجاهين:
أـ الضغط على الأنظمة في العالم الإسلامي لاستصدار تشريعات تتيح للمرأة تلك الولايات السياسية.
ب ـ تسخير الإعلام بكافة وسائله على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية للوصول إلى تحقيق هذا الغرض.
(٤) إن متولي الولايات العامة، وخاصة الولاية العظمى لا بد له من مواصفات معينة ذكرها العلماء في تصانيفهم، وقد ذكر منها الفراء عشرة (١) ، والماوردي سبعة (٢) . قال الفراء وهو يعدد تلك المواصفات: «السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة.. العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال ليهتم بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعوِّل على التفويض متشاغلاً بلذة أو عبادة» انتهى.
ومعلوم أن المرأة لا تستطيع الاضطلاع بهذه المسؤولية لضعف بدنها وشدة تأثرها العاطفي وتخوفها من مواجهة الأزمات وتقهقرها إزاء تحمل وقع الصدمات.
ومعلوم أن الجهاد لا يضطلع بقيادته إلا أصحاب الخبرة العسكرية، وأولو العقول الراجحة النقية، والقلوب الصامدة القوية، وذوو الدهاء والروية، ومن هم أهل لحضور مواقع القتال وساحات الوغى الدموية. وقد اتفق أصحاب العقول السوية أن المرأة ليست لذلك أهلاً، لا من حيث الخلقة ولا من حيث التخلُّق؛ ولذلك اشترط الماوردي فيمن يحق له تولي الإمامة العظمى «الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو» (٣) . إضافة إلى ذلك؛ فإن المرأة بسبب ما يطرأ عليها من العوارض الخلقية: كالحيض، والحمل، والنفاس فإنها لا تستطيع مباشرة أمورها العادية بسهولة ويسر؛ فكيف بمباشرة أمور أمة بكاملها. وقد ذكر الماوردي في شروط الإمامة: «سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض» (٤) .
(٥) احتج دعاة مشاركة المرأة في الولايات العامة بأن أبا يعلى الفراء لم يورد شرط الذكورية في شرائط الإمامة العظمى، وفاتهم أنه لا يرى جواز توليها منصب وزارة التنفيذ ولا ولاية القضاء؛ فكيف بمنصب الولاية العظمى؛ فهو بعد أن ذكر سبعة أوصاف فيمن يتولى وزارة التنفيذ قال: «ولا يجوز أن يقوم بذلك امرأة، وإن كان خبرها مقبولاً، لما تضمنه من معاني الولايات المصروفة عن النساء، وقد قال النبي ﷺ : «ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» (٥) ، وفي ولاية المرأة القضاء قال: «فأما ولاية القضاء فلا يجوز تقليد القضاء إلا لمن كملت فيه سبع شرائط: الذكورية، البلوغ..» ، ثم عدّد السبعة، ثم قال: «أما الذكورية فلأن المرأة تنقص عن كمال الولايات وقبول الشهادات» (٦) .
(٦) إن هذا الحديث الصحيح يشير بوضوح إلى أن «الفلاح» يفتقده القوم الذين يولون أمرهم امرأة؛ فهل الفلاح مفقود قبل توليتهم لها، أم بعد توليتهم لها، أم من قبل ومن بعد؟ وقد ورد الحديث عند البخاري وغيره بلفظ: «لن يفلح» وعند أحمد في أحد رواياته بلفظ: «ما أفلح» (٧) . إن المتمعن في اللفظ: «ما أفلح» ستنكشف له الحكمة المخبوءة من اختيار هذا التعبير النبوي المندرج في جوامع الكلم؛ إذ إنه يلقي الضوء على حال هؤلاء القوم الذين ضعفت فيهم الهمم، وقعدت بهم أسباب التخلف، واستوطنهم الوهن؛ فما بات رجالهم قادرين على القيام بأعباء نهوض أمتهم فانحط بهم ركبهم في وديان التردي إلى أن أصبحوا على مستوى أدنى من همم نسائهم في البذل والعطاء والعمل؛ فصار نساؤهم روادهم وقادتهم، فحالهم ذلك ليس من الفلاح في شيء؛ إذ لم يصبح نساؤهم رؤساءهم إلا لأن القوم «ما أفلحوا» .
فإذا ما تسلم النساء دفة القيادة وحُزنَ مواقع «الولايات» ، بما فيها «الولاية العظمى» ادلهمَّ الخطب، وعظمت المصيبة، وازداد تداعي الأمة في منحدرات التراجع والتقهقر، وأصبح القوم عن «الفلاح» في منأى؛ فهم لم يكونوا قبل ذلك مفلحين؛ إذ ولوا أمرهم امرأة، وما هم بعده سيكونون مفلحين؛ فقوله: «ما أفلح» وصف لحالهم فيما كانوا فيه، وقوله: «لن يفلح» وصف لحالهم فيما هم مقبلون عليه، وهم في الحالين ليسوا بمفلحين فتأمل!
(٧) جاءت لفظة «قوم» في الحديث غير معرَّفة، أيَّ نكرة في سياق النفي فهي تعُمُّ، وفقه ذلك أن أي قوم يولون أمرهم امرأة ليسوا مفلحين، بغض النظر عن عقيدتهم أو جنسهم أو بلادهم أو زمانهم؛ فهو أمر مضطرد على الدوام. وسر ذلك ليس فقط فيما ذكرناه في البند (٦) ؛ بل لأن وصول المرأة إلى هذا المركز الأول لم يأت من فراغ، بل هو محصلة عامة لوضع المرأة في ذلك المجتمع الذي سلك طريق الانفتاح الاجتماعي غير المنضبط بأي ضابط يضمن إطار ثباته، أو يحدد مساحة تموج حركته، فلا شك أن المجتمع الذي طوح برجاله عن مواقع المسؤولية، وأحل بدلهم نساءه هو مجتمع قد تخلت نساؤه عن القيام بواجباتهن المنزلية التربوية، وخرجن لممارسة الحياة العامة، أي أن البنية الأساسية لذلك المجتمع قد تخلخلت، ولبناته المكونة له قد انفرط عقدها ووهن تماسكها، وهذا يعني أنه في طريقه إلى التأخر، وأنه يختط سبيل التقهقر، بما يؤول به في النهاية إلى الانهيار ثم الاندثار. ويدل على صحة ما ذهبنا إليه أن جميع الدول التي سادت فيها النساء سواء في الدول النصرانية أو اللادينية، بل وحتى الدول الإسلامية قد أصابها هذا التفكك الأسري، ولكن ما أصاب الدول النصرانية أو اللادينية هو أكثر بكثير مما أصاب الدول الإسلامية؛ وسبب ذلك أن المرأة في تلك المجتمعات قد تخلت عن مهامها البيتية بالكلية؛ مما جعلها تتيه في صحراء العلاقات الآثمة؛ حيث تستنفد طاقاتها البناءة في الهدم الاجتماعي، وهذا لا يعني أنها تنكص عن حيازة الشهادات العلمية أو المشاركات السياسية، بل هي تفعل ذلك: أولاً لإثبات ذاتها في هذه المجالات الجديدة عليها، وثانياً لصرف الأنظار عن النتائج الوخيمة التي نجمت عن تركها لوظيفتها الأساسية، وقد أصبح معلوم لدى تلك المجتمعات وبعد تجاربها المريرة في هذا المضمار أنه ليس بالإمكان أن تجمع المرأة بين وظيفتها التربوية إزاء الأجيال الصاعدة وبين ممارسة المهام التي أرادت تقمصها عنوة. إنها بالتأكيد لن تستطيع فعل ذلك رغم الدعم اللامحدود الذي تحظى به من كافة المعنيين العلمانيين في جميع أنحاء العالم. ولذلك فإن أي «قوم» يصل بهم الحال إلى أن تتولى أمرهم امرأة لا بد لهم من الولوج عبر هذا النفق اللانهائي. إنه نفق الانخذال الاجتماعي والتزعزع الأسري؛ ولذلك فإنهم ليسوا في ساحة «الفلاح» بحال.
(٨) إن لفظ «ولوا أمرهم» تناول طبيعة الصلاحية الممنوحة، سواء كانت: مطلقة كالحكم الديكتاتوري، أو مقيدة كالحكم الديمقراطي؛ فاللفظ شامل لهما جميعاً.
(٩) باستثناء الولايات العامة التي ذكرتها فللمرأة أن تتولى ولايات أخرى في مختلف مجالات الحياة وفق الشروط التي ذكرتها بشأن خروج المرأة من المنزل. فيمكن أن تكون مديرة مدرسة بنات أو رئيسة مستشفى نسائي أو مسؤولة جمعية نسائية، وما شابه ذلك.
أقوال العلماء في تولي المرأة الولايات العامة:
اتفق العلماء على مضمون ما ذكرته بشأن تولي المرأة الولايات العامة، وهذه بعض أقوالهم:
(١) ابن حزم: قال في «المحلّى» في «كتاب الإمامة» : «ولا تحل الخلافة إلا لرجل من قريش» . ومنع ما سوى ذلك، ومنهم الصبي والمرأة، فقال: «وأما من لم يبلغ والمرأة فلقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث» ؛ فذكر الصبي، ثم ساق حديث أبي بكرة بلفظ: «لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» (١) . وقال في «الفصل في الملل والأهواء والنحل» : «وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة المرأة» (٢) .
(٢) الجويني: نقلنا قوله: «فما نعلمه قطعاً أن النسوة لا مدخل لهن في تخير الإمام وعقد الإمامة» (٣) ؛ فإذا كان لا مدخل لهن في التخير؛ فمن باب أوْلى أن لا يكون لهن مدخل إلى منصب الإمامة، ولذلك عندما ذكر الإمام الجويني شروط الإمام قال: «ومن الصفات اللازمة المعتبرة الذكورة والحرية، ونحيزة العقل والبلوغ» (٤) .
(٣) أبو حامد الغزالي: قال في «فضائح الباطنية» وهو يعدد شروط الإمام: «الرابعة: الذكورية؛ فلا تنعقد الإمامة للمرأة وإن اتصفت بجميع خلال الكمال وصفات الاستقلال، وكيف تترشح امرأة لمنصب الإمامة وليس لها منصب القضاء ولا منصب الشهادة في أكثر الحكومات» (٥) .
(٤) الماوردي: نُقلت أقواله في «الأحكام السلطانية والولايات الدينية» (٦) .
(٥) أبو يعلى الفراء: نُقلت أقواله في «الأحكام السلطانية» (٧) .
(٦) البغوي: قال في «شرح السنة» : «اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إماماً ولا قاضياً؛ لأن الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد والقيام بأمور المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز، وتعجز لضعفها عند القيام بأكثر الأمور؛ ولأن المرأة ناقصة، والإمامة والقضاء من كمال الولايات، فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال» (٨) . قال ذلك في شرحه لحديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» .
(٧) القاضي ابن رشد القرطبي: قال في «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» : «فأما الصفات المشترطة في الجواز ـ يعني فيمن يجوز قضاؤه ـ فأن يكون حراً مسلماً بالغاً ذكراً عاقلاً عدلاً» ، ثم قال: «فمن رد قضاء المرأة شبَّهه بقضاء الإمامة الكبرى» (٩) ؛ فإذا كان ذلك ممتنعاً لولاية القضاء فمن باب أوْلى امتناعه للولاية العامة.
(٨) ابن قدامة: قال في «المغني» : «جملته أنه يشترط في القاضي ثلاثة شروط: أحدها الكمال، وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الخلقة. أما كمال الأحكام فيعتبر في أربعة أشياء: أن يكون بالغاً، عاقلاً، حراً، ذكراً..» ثم رد على ابن جرير في عدم اشتراطه الذكورية؛ فقال: «ولنا قول النبي ﷺ : «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» ؛ ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال، ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي، ليست أهلاً للحضور في محافل الرجال» ، ثم قال: «ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يول النبي ﷺ ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخلُ منه جميع الزمان غالباً» (١) .
(٩) القرطبي: قال في تفسيره الشهير «الجامع لأحكام القرآن» : وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماماً، وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه» (٢) .
(١٠) العز بن عبد السلام: قال في «قواعد الأحكام» : «ولا يليق بالرجال الكاملة أديانهم وعقولهم أن تحكم عليهم النساء لنقصان عقولهن وأديانهن، وفي ذلك كسر لنخوة الرجال مع غلبة المفاسد فيما يحكم به النساء على الرجال، وقد قال ﵊: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (٣) .
(١١) ابن تيمية: قال في «مجموع الفتاوى» : «فإن الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلاً أهلاً للشهادة» (٤) . ومعلوم أن المرأة ليست دائماً أهلاً للشهادة منفردة دون رجل، إلا فيما لا يعلمه إلا النساء وفي حالات أخرى. وقال في «منهاج السنة النبوية» : «وإذا كان أبو بكر أوْلى بعلم مثل ذلك ـ أي ميراث الأنبياء ـ وأوْلى بالعدل؛ فمن جعل فاطمة أعلم منه في ذلك وأعدل كان من أجهل الناس، لا سيما وجميع المسلمين الذين لا غرض لهم مع أبي بكر في هذه المسألة؛ فجميع أئمة الفقهاء عندهم أن الأنبياء لا يورثون مالاً، وكلهم يحب فاطمة، ويعظم قدرها ﵂، لكن لا يترك ما علموه من قول النبي ﷺ ، لا عن أقاربه، ولا عن غير أقاربه، وإنما أمرهم الله بطاعة الرسول وأتباعه، وقد ثبت عنه في الصحيحين ـ كذا ـ (٥) أنه قال: «لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (٦) ؛ فكيف يسوغ للأمة أن تعدل عما علمته من سنة رسول الله ﷺ لما يحكى عن فاطمة في كونها طلبت الميراث، تظن أنها ترث» (٧) .
(١٢) النووي: قال في «مغني المحتاج» : «فلا تولى امرأة لقوله ﷺ : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» ؛ ولأن النساء ناقصات عقل ودين» (٨) .
(١٣) ابن حجر العسقلاني: نقلنا قوله في «الفتح» قبل ذلك (٩) وقال في مكان آخر من «الفتح» : «والمنع من أن تلي (أي المرأة) الإمارة والقضاء قول الجمهور» (١٠) .
(١٤) الخطابي: قال: «الحديث ـ يقصد حديث: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ـ أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء» نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١١) .
(١٥) الشوكاني: قال في «نيل الأوطار» : «قوله: لن يفلح قوم ... إلخ، فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها؛ لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب» (١٢) .
وقال في «السيل الجرار» : «وأما كونه ذكراً ـ أي الإمام ـ فوجهه أن النساء ناقصات عقل ودين، كما قال رسول الله ﷺ ، ومن كان كذلك لا يصلح لتدبير أمر الأمة؛ ولهذا قال ﷺ ثبت عنه في الصحيح: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (١٣) .
(١٦) الإمام الصنعاني: قال في «سبل السلام» بعد أن أورد حديث ـ لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ـ: «فيه دليل على عدم جواز تولية المرأة شيئاً من الأحكام العامة بين المسلمين، وإن كان الشارع قد أثبت لها أنها راعية في بيت زوجها» ، ثم قال: «والحديث إخبار عن عدم فلاح من ولي أمرهم امرأة، وهم منهيون عن جلب عدم الفلاح لأنفسهم، بل مأمورون باكتساب ما يكون سبباً للفلاح» (١٤) ، وقال في موقع آخر من الكتاب بعد أن أورد حديث: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة لنفسها» رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي وصححه الألباني في «الإرواء» (١٥) ، «فيه دليل على أن المرأة ليس لها ولاية في الإنكاح لنفسها ولا لغيرها، فلا عبارة لها في النكاح إيجاباً ولا قبولاً؛ فلا تزوج نفسها بإذن الولي ولا غيره، ولا تزوج غيرها بولاية ولا بوكالة ولا تقبل النكاح بولاية ولا وكالة، وهو قول الجمهور» (١٦) ؛ فمن كانت هذه حالها كيف لها تسلُّم مناصب الولايات العامة؟
(١٧) أبو العلى المباركفوري: نقل في «تحفة الأحوذي» ما ذكره الخطابي مما ذكرته آنفاً، ثم قال: «والمنع من أن تلي الإمارة والقضاء قول الجمهور» (١٧) .
(١٨) القرافي: قال في «الذخيرة» : «لم يسمع في عصر من الأعصار أن امرأة وليت القضاء، فكان ذلك إجماعاً؛ لأنه غير سبيل المؤمنين.. وقياساً على الإمامة العظمى» (١) .
(١٩) الشيخ سيد سابق: قال في «فقه السنة» : «فلا يصح قضاء المقلد ولا الكافر ولا الصغير ولا المجنون ولا الفاسق ولا المرأة لحديث أبي بكرة» ، ثم ذكر حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (٢) .
(٢٠) النيسابوري: قال في «الإجماع» : «وأجمعوا على أن شهادتهن لا تقبل في الحدود» (٣) ؛ فكيف تلي ولاية عامة وشهادتها في الحدود مردودة؟
(٢١) عبد الله بن عبد الرحمن البسام: قال في: «توضيح الأحكام» : «الحديث صحيح ـ يقصد حديث أبي بكرة: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ـ في عدم صحة ولاية المرأة، وأن الأمة التي توليها لن تصلح في أمور دينها ولا في أمور دنياها، وعدم صحة ولايتها هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، وذهب الحنفية إلى جواز توليتها الأحكام إلا الحدود، وقولهم مصادم للنص وللفطرة الربانية» (٤) .
(٢٢) الدهلوي: قال في «الحجة البالغة» : «اعلم أنه يشترط في الخليفة أن يكون عاقلاً بالغاً حراً ذكراً شجاعاً ذا رأي وسمع وبصر ونطق، وممن سلَّم الناس بشرفه وشرف قومه ولا يستنكفون عن طاعته.. وإذا وقع شيء من إهمال هذه رأوه خلاف ما ينبغي، وكرهته قلوبهم وسكتوا على غيظ، وهو قوله ﷺ لما ولوا أمرهم امرأة، ثم ذكر الحديث» (٥) .
(٢٣) محمد صديق حسن خان القنوجي البخاري: قال في «الروضة الندية شرح الدرر البهية» بعد أن أورد حديث أبي موسى الصحيح «لا نكاح إلا بولي» (٦) ، وحديث عائشة الصحيح: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل؛ فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (٧) قال: «وأما ولاية السلطان فثابتة بحديث: «إذا تشاجر الأولياء فالسلطان ولي من لا ولي لها» الحديث رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، وصححه الألباني في الإرواء» (٨) ، قال الشافعي: لا يعقد نكاح امرأة إلا بعبارة الولي القريب، فإن لم يكن فبعبارة الولي البعيد، فإن لم يكن فبعبارة السلطان» (٩) . فإذا عدمت المرأة الولي فوليها السلطان، فكيف إذاً يمكن أن تكون هي السلطان!
(٢٤) مصطفى السباعي: قال في كتابه «المرأة بين الفقه والقانون» : «إني أعلم بكل صراحة أن اشتغال المرأة بالسياسة يقف الإسلام منه موقف النفور الشديد، إن لم أقل موقف التحريم، لا لعدم أهلية المرأة لذلك (كذا) ، بل للأضرار الاجتماعية التي تنشأ عنه، وللمخالفات الصريحة لآداب الإسلام وأخلاقه، وللجناية البالغة على سلامة الأسرة وتماسكها، وانصراف المرأة عن معالجة شؤونها بكل هدوء وطمأنينة» (١٠) .
وبعد: فهذه أقوال لأربعة وعشرين عالماً على مر الدهور والعصور تبين بجلاء ووضوح أن المرأة المسلمة لا محل لها في المشاركات السياسية؛ لما يترتب على ذلك من ضياع للمسؤوليات المناطة بها؛ بما يؤدي إلى انفراط العقد الاجتماعي وتداعي البناء الإسلامي.
ولمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى كتاب «المرأة المسلمة والولايات العامة» لكاتب هذه السطور.
ما كان من الحق فمن الله وحده، وما كان غير ذلك فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 5109
قطوف تربوية حول قصة المجادلة
د. حمدي شعيب
- شاهدة على عصرها:
عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: وَاللَّهِ فِيَّ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ. قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ وَضَجِرَ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْماً فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ سَاعَةً، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ؛ فَإِذَا هُوَ يُرِيدُنِي عَلَى نَفْسِي. قَالَتْ: فَقُلْتُ: كَلا؛ وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ. قَالَتْ: فَوَاثَبَنِي، وَامْتَنَعْتُ مِنْهُ، فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَأَلْقَيْتُهُ عَنِّي. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ جَارَاتِي فَاسْتَعَرْتُ مِنْهَا ثِيَابَهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ مَا لَقِيتُ مِنْهُ، فَجَعَلْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ ﷺ مَا أَلْقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ. قَالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَا خُوَيْلَةُ! ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي اللَّهَ فِيهِ. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ فِيَّ الْقُرْآنُ فَتَغَشَّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ. فَقَالَ لِي: يَا خُوَيْلَةُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ. قَالَ: فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ. قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِيناً وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ. قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا ذَاكَ عِنْدَهُ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ. قَال: َ قَدْ أَصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ، فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْراً. قَالَتْ: فَفَعَلْتُ. قَالَ سَعْدٌ: الْعَرَقُ: الصَّنُّ» (١) .
وردت هذه القصة، في مطلع (سورة المجادلة) ، وهي أول سورة في الجزء الثامن والعشرين، من القرآن الكريم.
وسور هذا الجزء تركز على البعد الداخلي؛ والمشاكل الداخلية للمجتمع الوليد في المدينة، خاصة المشاكل الحياتية اليومية العادية، مع عدم إهمال البعد الخارجي للواقع المحيط وما يوجد به من أعداء للدعوة مثل اليهود والمنافقين.
وهو عبارة عن جولة (مع الجماعة المسلمة الناشئة؛ حيث تُربى وتُقوَّم، وتُعد للنهوض بدورها العالمي، بل بدورها الكوني، الذي قدّره الله لها في دورة هذا الكون ومقدّراته. وهو دور ضخم يبدأ من إنشاء تصور جديد كامل شامل للحياة، في نفوس هذه الجماعة، وإقامة حياة واقعية على أساس هذا التصور، ثم تحمله هذه الجماعة إلى العالم كله لتنشئ للبشرية حياة إنسانية قائمة على أساس هذا التصور كذلك ... وهو دور ضخم إذن يقتضي إعداداً كاملاً.
وفي هذه السورة بصفة خاصة نشهد صورة موحية من رعاية الله للجماعة الناشئة؛ وهو يصنعها على عينه، ويربيها بمنهجه.
هذه الفترة الفريدة في تاريخ البشرية؛ فترة اتصال السماء بالأرض في صورة مباشرة محسوسة.
فنشهد السماء تتدخل في شأن يومي لأسرة صغيرة فقيرة مغمورة، لتقرر حكم الله في قضيتها) (١) .
وعندما نتأمل هذه السورة نجد أنها تدور حول عدة قضايا أو موضوعات رئيسة:
(أ) قصة المجادلة.
(ب) تهديد الذين يُحادّون، أي يخالفون ويعادون الله ورسوله.
(ج) التذكير بعلم الله ـ سبحانه ـ المحيط بكل نجوى، وتهديد من يتناجى بالإثم والعدوان والكيد والتآمر ضد المسلمين.
(د) التذكرة بأدب السماحة والطاعة للقيادة، وأدب مجالس العلم.
(هـ) كشف بعض كيد المنافقين الذين يتآمرون مع أعداء الدعوة من اليهود.
(و) بيان الصورة الربانية العظيمة لحزب الله؛ والممثل بالسابقين من المهاجرين والأنصار.
ولكن عندما نتدبر هذه القضايا المهمة والعظيمة، ونجد أن السورة قد بدأت بقضية المجادلة، بل إن اسم السورة التوقيفي نجده على نفس القضية، وهذا ما يُلقي في الروع؛ كيف أن الحق ـ سبحانه ـ يُولي أهمية خاصة بتلك القضية، وتكون في مقدمة سلم أولويات قضايا السورة بل والجزء كله.
وعندما نتأمل كيف أن التربية القرآنية الربانية ـ والممثلة في تلاوة وتدبر القرآن الكريم يومياً ـ تقوم بدور عظيم في عملية البناء الفكري والسلوكي لعقل الأمة الباطن، وتذكره بأهمية مثل تلك القضية.
لأن البداية في عملية التغيير الحضاري إنما تنبع من فكرة عظيمة في قلب رجل عظيم.
ثم تنشئ هذه الفكرة تحولاً نفسياً في نفوس البشر؛ وهذا التحول ينشئ دافعاً داخلياً؛ ثم يفرز هذا الدافع سلوكاً عملياً، فينتج تغييراً فردياً؛ ثم تحولاً حضارياً بأشكاله المنوعة؛ سواء الجانب الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] .
إذن: أي تغيير فردي أو جماعي أو أممي إنما ينطلق من تغيير فكري.
والتغيير الفكري هو الذي يحدد نوعية هذا التغيير الحضاري.
إذن: مقياس جودة أي تغيير فردي أو حضاري هو المنطلق الفكري لهذا التحول؛ أو القاعدة الفكرية لهذا التغيير.
فما أحوجنا لتأمل ذلك، وما أحوجنا لتدبر الأساليب التربوية القرآنية.
وكذلك ما أحوجنا لفقه دور القصة في تشكيل وإعادة صياغة عقل الأمة، في مواجهة التحديات الحضارية.
تلك التحديات التي تشمل صوراً منوعة من التدافعات؛ وأهمها التدافع الفكري والآرائي.
وبتدبر آيات هذه القصة، نجد أن لها بعدين:
الأول: وهو البعد الظاهر القريب؛ إذ تقص علينا أحداث خلاف حياتي عادي وملابساته، وقع في إحدى البيوتات الإسلامية، بين رجل وامرأته، فحدث بينهما ما يشبه الطلاق، ثم أراد الرجل أن يجامعها فأبت، وذهبت إلى الرسول ﷺ ، فشكت إليه، وحاورته، في رأيه في القضية، ولم تقتنع برأيه ﷺ ، حتى نزل الوحي بآيات الظهار، في مطلع سورة المجادلة؛ لتقدم الحل الرباني الشامل الكامل الخالد لهذه القضية.
الثاني: وهو البعد التربوي العظيم، والذي يمكننا استجلاؤه من خلال النظرة المنهجية الكلية الفاحصة لآيات القصة وملابساتها؛ حيث يقدم الرد الهادئ لقضية مهمة، طالما دار الجدال والتشكيك حولها؛ ألا وهي قضية مكانة المرأة ودورها في المجتمع الإسلامي.
وبتدبر آيات القصة ـ من خلال تلك النظرة ـ يمكننا أن نضع أيدينا على بعض السمات أو الركائز التي تجعل من خولة ﵂ شاهدة صادقة وموثقة على عصرها؛ ولتكون خير دليل، وبرهان عملي على مكانة المرأة في هذا المجتمع الرباني:
- السمة الأولى: قدرتها على إدارة الأزمة:
لقد أوضحت خولة بنت ثعلبة ﵂ أن سبب المشكلة، وبداية القضية؛ أنها راجعت زوجها أوس بن الصامت ـ وهو أخو عبادة بن الصامت ﵄ في شيء مما أثار غضبه، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي؛ أي محرمة عليّ، وهو من الطلاق في الجاهلية.
ثم بعد ذلك أراد زوجها أوس بن الصامت ﵁ أن يباشرها فأبت، وخرجت قاصدة الرسول ﷺ في شكواها، ورفع القضية إليه.
وقد ورد أن أوساً كان (امرأً به لَمَمٌ، فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته، وإذا ذهب لم يقل شيئاً) (٢) .
وسنرى كيف تصرفت خولة ﵂ تصرفاً راقياً حيال هذه المشكلة.
وسنرى كيف أن كل الروايات الصحيحة، أوردت أنها هي التي تحركت وجادلت، بل صممت على الحل العادل الذي يتوافق وظروف بيتها.
ويؤكد ذلك الروايات الصحيحة عن القصة، وكذلك اسم السورة.
وكل هذا يؤكد أنها كانت على قدر من المسؤولية على استيعاب أي خلاف عائلي، أو إدارة الأزمات العائلية بحكمة؛ خاصة إذا علمنا سلوك وطباع زوجها المذكورة.
- السمة الثانية: فقهها لأدب الاختلاف:
وعندما نورد هذا المثال إنما نورده، لنفتح باباً في التربية، وهو إذا كان هؤلاء بشر يخطئون، ويتشاحنون، ويختلفون، ولكن كان يظلل هذا الخلاف ضوابط معينة لم تك لتغيب عن امرأة من ذلك الجيل القرآني العظيم.
وهو باب عظيم في التربية، ومدخل يتوازى مع الخط الذي ينتهج دراسة الشخصيات المميزة، والقدوات من ناحية الفضائل، وننسى أنهم بشر، بل يجب دراسة أدب السلوك عند النقائص.
أو من باب فقه أن الإسلام من خصائصه العظيمة: الواقعية.
(وليس هذا من باب الطعن بالسلف بحالٍ من الأحوال، ونعلم أن الله ـ سبحانه ـ يزن المسلمين بميزان سورة الأحقاف: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] . نعم! إنه ليس الطعن، ولكنها دعوة إلى الواقعية في فهم تاريخنا) (١) .
وندرك أيضاً أن الاختلاف بين البشر سنة ثابتة ومطردة، من سنن الله الإلهية ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] .
إذن لا يحق لنا أن نذهل أمام المشاكل والخلافات التي تقع، سواء في محيط الأفراد، أو في محيط الأسرة الواحدة، أو في محيط المؤسسات.
ولكن الخطورة هي أن ينقلب هذا الخلاف الظاهري إلى خلاف باطني مذموم، بل محرم: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (٢) .
ومن هذا الملمح التربوي المهم، نضع أيدينا على سمة مهمة من سمات المنهج الذي أفرز هذا العصر الناصع؛ وهو أن المنهج الذي أخرج هذه الأمة الرائدة القائدة، كان منهجاً واقعياً، منهجاً يرقى بالبشر إلى أفق وضيء، ولا ينسى أنهم بشر، يخطئون، ويتعاتبون ويغفرون، ويُعاقبون.
منهج لا يقوم على المثالية المجردة، التي لا تحدث ولا توجد إلا في الأحلام والخيالات، في أحلام (اليوتوبيا) أو مدينة أفلاطون الفاضلة. والأمثلة كثيرة، أكثر من أن تُحصى، ولك في الخلاف على الغنائم أثناء غزوة بدر، أبرز مثال نرى فيه كيف كان هذا القرآن هناك يعاتب ويصحح: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] .
والعجيب أننا لا نعي ولا نستفيد مما وصل إليه الإداريون التربويون، في هذا الجانب؛ لقد وصلوا إلى خلاصة تعتبر قاعدة تربوية دعوية، نحن أحق بأن نعيها، وهو أن الخطأ يعتبر ظاهرة صحية في حق الجماعات، وليس الأفراد فقط؛ لأنه طريق التجربة والرصيد والمعرفة، ثم النماء إلى ما هو أفضل، (فالقائد يدرك أن للجماعة الحق في أن تُخطئ، وأنها لا تنمو إلا إذا تعلمت كيف تتحمل المسؤولية كاملة لِمَا تُصدره من قرارات وما تحسمه من أمور) (٣) .
ومن هنا يتبين لنا أن لا نذهل، ولا يصيبنا الإحباط إذا رأينا بعض الخلافات الداخلية، وننظر إليها برؤية المنهج، الذي جاء ليرقى بالبشر، من حيث هم، ولم يعاملهم كملائكة مبرئين من النواقص، جاء ليصنع أمة من البشر العاديين، ولن يحمله إلى الإنسانية إلا بشر، يخطئون، فيُصححون، ويختلفون، فيُراجعون.
وسنرى كيف تصرفت خولة ﵂ تصرفاً راقياً حيال هذه المشكلة.
حتى عندما نزل الوحي بالحل لقضيتها، نجد أنها جادلت وحاورت، وحصلت بحكمتها على أفضل الحلول، ثم كانت رفيقة بأسرتها، حتى بزوجها وهي في قمة غضبها منه ومن تصرفاته.
وهي بذلك تفتح لنا باباً عظيماً في التربية؛ وهو الباب الذي ننساه في خضم المشاكل الحياتية واليومية؛ ذلك الباب الذي نحن أحوج الناس إلى ممارسته؛ وهو الباب الذي لم يزل مفتقداً بين الدعاة، وانطمس أثره بين الناس عموماً؛ وهو أدب الاختلاف.
- السمة الثالثة: الورع والخوف منه سبحانه:
لقد كان موقف خولة ﵂ عظيماً وفريداً، عندما حكت عن زوجها عندما خرج وعاد؛ فقالت: «ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَإِذَا هُوَ يُرِيدُنِي عَلَى نَفْسِي قَالَتْ: فَقُلْتُ: كَلاَّ وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ. قَالَتْ: فَوَاثَبَنِي وَامْتَنَعْتُ مِنْهُ فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَأَلْقَيْتُهُ عَنِّي. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ جَارَاتِي، فَاسْتَعَرْتُ مِنْهَا ثِيَابَهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ » .
فتدبر أحداث تلك الواقعة، والملابسات الداخلية التي حدثت بين زوجين داخل بيتهما، وقارن بين سلوك زوجها وسلوكها الراقي الورع الذي استوعب أخطاء الزوج، من أجل عدم الوقوع فيما يغضب الحق سبحانه.
وتذكر كيف فقهت أن طاعة الزوج لها حدود؛ وهي طاعة مبصرة في غير معصية لله .
ثم سرعة تصرفها وحكمتها في وجوب الإسراع في حل تلك المشكلة العائلية، من أجل المحافظة على كيان الأسرة.
وهذا ما يشعرنا بالمستوى الراقي من الأخلاق والورع، الذي ربيت عليه المرأة في هذا المجتمع الرباني الفريد.
فالهدف العظيم الذي يرنو إليه أي زوجين؛ وهو حماية كيان الأسرة، لا يسوِّغ أن يكون ذلك على حساب طاعته سبحانه.
ولا يستوي بناء قام على طاعة الله مع بناء قام على غير ذلك: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩] .
- السمة الرابعة: فقهها للمرجعية:
لقد حملت خولة ﵂ شكواها إلى الحبيب ﷺ .
فلم تذهب لغيره ﷺ ، حتى وإن كانت عائشة رضوان الله عليها. وتدبر كيف أن خولة ﵂ أتت إلى بيتها، وانفردت به ﷺ ولم تشرك أحداً في حل قضيتها.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ؛ لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إِلَى آخِرِ الآيَةِ» (١) . وهذا يضع أيدينا على سمة أخرى، نستشعرها من هذا التصرف.
لقد كانت ـ مثل أي فرد داخل هذا المجتمع ـ تقر وتعلم أن لها قيادة ومرجعية تنظيمية يرجع إليها.
وكان لهذه القيادة، المرجعية في كل المجالات، سواء في مجال الفقه والتعليم، أو في مجال الأمور الحياتية العادية، أو في المجال العسكري.
وكان لها أيضاً المرجعية لكل فرد من الأمة، وكأنهم جنود داخل معسكر، يأتمرون ويرجعون إلى قيادتهم، ولم يكن يجهل ذلك أي فرد سواء الرجل أو المرأة أو الطفل.
ففي مجال الفقه في الدين، كانوا جميعاً يعودون إلى قيادتهم، ولقد وردت كلمة (يسألونك) تسع مرات في القرآن الكريم. وذلك كما في قوله ـ سبحانه ـ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] .
وفي المجال العسكري والفقهي أيضاً. كما في قوله ـ سبحانه ـ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ [الأنفال: ١] .
ويوضح هذا الملمح أيضاً أهمية وجود روح الانضباط التنظيمي داخل الأمة، ووجوب تنميتها، خاصة بين أفراد كل جماعة تتبنى المشروع الحضاري الإسلامي، وركن ذلك أن يعي كل فرد أن له قيادة ومرجعية يعود إليها.
فإذا كنا على قناعة بواقعية البشر؛ وأن من حقهم الخطأ، فلا يحق أن ننسى الضابط الذي يحمي هذه الواقعية ويمنع انحرافاتها؛ ألا وهو ضابط المرجعية التي يرجع إليها عند حدوث الخلافات.
وإن كنا على قناعة في أن كل زوجين من حقهما الخطأ، وأن حدوث أي مشاكل زوجية؛ هو أمر طبيعي من سمات البشر، فإننا نتعلم من خولة ﵂ أهمية معرفة من له الحق في إصلاح هذا الخلاف؛ فيحافظ على السر، ويحاول حل المشكلة.
- السمة الخامسة: شجاعتها الأدبية وقدرتها على الحوار:
لقد ورد عن خولة ﵂ أنها كانت تتمتع بقدرة فائقة على الحوار؛ حيث عرضت قضيتها بشجاعة وثقة ولباقة.
وكيف أنها بهذه الصفة قد رفعت عن نفسها؛ بل عن أمة كاملة الحرج والظلم إلى يوم القيامة.
وتدبر كيف بدأت شكواها وهي تقول: (يا رسول الله! أكلَ مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي، ظاهر مني! اللهم إني أشكو إليك) (٢) .
ثم في حوارها وجدالها في رأي الحبيب ﷺ :
(فسألت النبي ﷺ فقال لها: (حُرِّمْتِ عليه) فقالت: والله! ما ذكر طلاقاً، ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي وقد نفضت له بطني، فقال: (حُرِمْتِ عليه) فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه الآية. وروى الحسن: أنها قالت: يا رسول الله! قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهَرَ مني، فقال رسول الله ﷺ : (ما أُوحي إليَّ في هذا شيء) فقالت: يا رسول الله! أوحِيَ إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟ فقال: (هو ما قلت لك) فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله. فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (٣) .
وكذلك في حوارها وجدالها في الحل الرباني الذي جاءت به الآيات.
وتدبر ما ورد عن موقفها.
(قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ فِيَّ الْقُرْآنُ، فَتَغَشَّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ. فَقَالَ لِي: يَا خُوَيْلَةُ! قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ. قَالَ: فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ. قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِيناً وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ. قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا ذَاكَ عِنْدَهُ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ. قَالَتْ فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ. قَال: َ قَدْ أَصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ، فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْراً» (١) .
بل إنها كانت طوال حياتها على هذه السمة المميزة لها.
فقد (مر بها عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته والناس معه على حمار، فاستوقفته طويلاً ووعظته، وقالت: يا عمر! قد كنت تدعى عُمَيْراً، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر! فإنه من أيقن بالموت خاف الفَوْت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب؛ وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين! أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟
فقال: واللهِ! لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟) (٢) .
- السمة السادسة: اعتزازها بكرامتها وإنسانيتها:
لقد ورد في أمر خولة ﵂ أن أمها (معاذة) التي أنزل الله فيها: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور: ٣٣] وهي الأَمَة التي كان عبد الله بن أُبَيّ بن سلول يُكرهها على البغاء والزنا والفجور، فأبت ذلك ونزلت فيها هذه الآية (٣) .
قال السدي: أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أُبي بن سلول رأس المنافقين، وكانت له جارية تدعى (معاذة) وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له، فأقبلت الجارية إلى أبي بكر ﵁ فشكت إليه فذكره أبو بكر للنبي ﷺ ، فأمره بقبضها، فصاح عبد الله بن أُبي: من يعذرنا من محمد؟ يغلبنا على مملوكتنا. فأنزل الله فيه هذا) (٤) .
ونستشعر من هذا الخبر ملمحاً تربوياً طيباً؛ وهو أن خولة ﵂ قد نشأت متأثرة تأثراً بالغاً بأمها معاذة التي كانت مجرد أمة مملوكة؛ ولكنها لم تك إمعة أو سهلة أمام سيدها الذي أكرهها على الفسق، فرفضت وكان لها موقف زكاه الله من فوق سبع سماوات، وخلده فكان سبباً في نزول آية سورة النور.
ولو تدبرنا محور الآيات التي نزلت في خولة وأمها ـ رضوان الله عليهما ـ لوجدناها تدور حول قوة الشخصية، والاعتزاز بالرأي طالما كان على الحق، حتى كان موقفهما سبباً في نزول آيات بينات يتعبد بتلاوتها، وأحكام ثابتة نزلت لتوجه أمة إلى قيام الساعة.
وهي السمة التي تبين مدى رفعة المنهج الذي كان سبباً في بث روح الكرامة والعزة والأنفة في روح حامليه، حتى وإن كُنَّ نساءً أرقاءً.
وكذلك أهمية التربية الأسرية؛ وكيف أن الأبناء يتأثرون بالآباء والأمهات؛ ويحملون الكثير من صفاتهم.
- السمة السابعة: احترام خصوصية الزوج:
وهناك ملمح تربوي عظيم نستشعره من الحديث الشريف الذي ورد (عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: ِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ؛ لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ تَشْكُو زَوْجَهَا، وَمَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (٥) .
فعائشة ﵂ وهي من هي ـ لم تشأ أن يدفعها الفضول لترى أو تتسمع ما يحدث في بيتها بين زوجها ﷺ ، وبين أحد الضيوف؛ خاصة عندما يكون امرأة.
وهو الملمح الذي يبين مدى سعة أفق هذا الجيل الرباني، ومدى السمو في العلاقات الزوجية، ومدى الثقة التي كانت بين الزوجين.
- السمة الثامنة: الثقة في القيادة الواعية:
عندما حملت خولة ﵂ شكواها إلى الحبيب ﷺ أخذ الأمر بجدية وحقق في الأمر.
وتصرفه ﷺ إنما يدل على أمور عظيمة، تضع الضوابط المطلوب توافرها في كل قيادة راشدة.
تلك الصفات هي التي جعلت كل فرد يرجع إليها في كل شيء، حتى ولو كانت مشكلة داخلية عائلية، لا يدري بها أحد.
تلك الضوابط هي التي جعلت من الجميع حتى ولو كانت امرأة أن ترجع إليها بشكواها، وتطلعها على أسرارها الداخلية.
ومن هذه الصفات:
أ - الشعور بالمسؤولية: لأنه ﷺ كان على الرغم من مشاغله كحاكم مسؤول عن دولة عظيمة مترامية الأطراف، كان عنده الوقت ليفصل في الأمور الحياتية العادية بين الأفراد، دون قيود أو حواجز تحول بينه وبين كل فرد من أمته ليدخل عليه.
ب - التواضع: لأنه ﷺ ـ وهو من هو ـ لم يدّع الدراية بكل شيء، بل قال رأيه، وسمح لخولة ﵂ أن تحاوره، حتى نزل الوحي بالحل.
ج - الحيادية والتروي والعدل: وذلك عندما نرى أنه ﷺ قد قال لخولة ﵂ مذكراً إياها بحساسية القضية، فرد غيبة زوجها: «يَا خُوَيْلَةُ! ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي اللَّهَ» .
وكم مَنْ أُخذ بجريرة الوشايات، ولم يُستمع إلى رأيه!
د - الرفق بالرعية: خاصة إذا كان المقصود فرداً غائباً؛ وتدبر نصيحته ﷺ : «قَدْ أَصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ، فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْراً» .
هـ - الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم: وهذا هو حجر الزاوية؛ أو هي القاعدة التي تقوم عليها كل الصفات.
وهو ما يتضح من توجه خولة ﵂ بشكواها لثقتها أنه سينصرها ويأتي لها بحقها؛ لأن الكل عنده سواسية.
وكذلك لعلمها أنه ﷺ سيحافظ على سرها، وتدبر ما قالته عائشة ﵂ من أنها لم تدر ما هي المشكلة وهي في غرفة مجاورة.
وفي هذا المقام لا يسعنا إلا أن نورد هذا الرأي لخطورة هذا الضابط. وذلك من باب أن الحكمة هي ضالتنا.
ولنأخذ العبرة من ذلك الحوار الذي دار حول السياسة، بين الفيلسوف الصيني (كونفوشيوس) وأحد أتباعه ويدعى (تسي كوغ) الذي كان يسأل أستاذه عن السلطة.
(أجاب الفيلسوف قائلاً: على السياسة أن تُؤمِّن أشياء ثلاثة:
١ - لقمة العيش الكافية لكل فرد.
٢ - القدر الكافي من التجهيزات العسكرية.
٣ - القدر الكافي من ثقة الناس بحكامهم.
سأل التلميذ: وإذا كان لا بد من الاستغناء عن أحد هذه الأشياء الثلاثة، فبأيها نضحي؟
أجاب الفيلسوف: بالتجهيزات العسكرية.
سأل التلميذ: وإذا كان لا بد أن نستغني عن أحد الشيئين الباقيين؛ فبأيها نضحي؟
أجاب الفيلسوف: في هذه الحالة نستغني عن القوت؛ لأن الموت كان دائماً هو مصير الناس، ولكنهم إذا فقدوا الثقة لم يبق أي أساس للدولة) (١) .
وتدبر تلك الثقة العظيمة؛ فيما ورد عن الحبيب ﷺ : «بينما رجلٌ يسوقُ بقرةً له قد حملَ عليها، فالتفتَتْ إليه البقرة، فقالت: إني لم أُخلق لهذا، ولكني إنما خُلِقْتُ للحرثِ» .
فقال الناسُ: سبحان الله! ـ تعجباً وفزعاً ـ أَبقرةٌ تكَلَّمُ؟!
فقال رسول الله ﷺ : «فإني أُومن به، وأبو بكرٍ وعمر» (٢) .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 5110
تربية السلف لأطفالهم
عبد العزيز الدغيثر
إن من أعظم النعم أن يُرزق الإنسان ذرية تسعده وتبره في حياته، وتحمل اسمه من بعده بعد مماته، وفي هذه العصور يشتكي كثير من الناس من وجود عناصر خارجية مؤثرة في تربية الصغار كالإعلام والمدارس وغيرها. وفي هذا البحث محاولة لمعرفة بعض الطرق التربوية المستخرجة من التراث الإسلامي والتي أسأل الله ـ تعالى ـ أن ينفع بها كاتبها وقارئها.
- تعويد الصغار على الالتزام بالشعائر التعبدية:
أولاً: تعويدهم على الصلاة:
يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] ، قال علي ﵁: «علموهم وأدبوهم» وعن الحسن البصري مثله (١) ، وقال ـ تعالى ـ مادحاً نبيه إسماعيل ﵇: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] ، قال ابن مسعود ﵁: «حافظوا على أبنائكم في الصلاة، ثم تعوَّدوا الخير؛ فإن الخير بالعادة» (٢) ، و «كان عروة يأمر بنيه بالصيام إذا أطاقوه وبالصلاة إذا عقلوا» (٣) ، ولا مانع من إعطائهم الهدايا التشجيعية على أداء الصلاة؛ فقد روت عائشة ﵂ أنهم كانوا يأخذون الصبيان من الكُتَّاب ليقوموا بهم في رمضان، ويرغبوهم في ذلك عن طريق الأطعمة الشهية (٤) ، وكان بعض السلف يعطون الأطفال الهدايا التشجيعية على أداء الصلاة (٥) .
ثانياً: تعويدهم على الصيام:
روى البخاري ومسلم عن الربيِّع بنت معوذ قالت: «أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن؛ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار» (٦) . وجيء بسكران في رمضان إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له موبخاً وزاجراً: «في رمضان ويلك وصبياننا صيام؟!» فضربه (٧) .
- القدوة وأثرها في تعبد الصغار:
وذكر ابن الجوزي عن نفسه أنه كان يتأثر ببكاء بعض شيوخه أكثر من تأثره بعلمهم (١) ، وكان عبد الله التستري يردد في طفولته قبل أن ينام: الله شاهدي، الله ناظري، الله معي (٢) ، ولا شك أنه لشيء رآه من والديه أو أحدهما في هذا الأمر.
وقال عتبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك؛ فإن عيونهم معقودة بك؛ فالحسن عندهم ما صنعتَ، والقبيح عندهم ما تركتَ، وعلِّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روِّهم من الشعر أعفَّه، ومن الحديث أشرفه، ولا تُخرجهم من علم إلى غيره حتى يُحكِموه؛ فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم ... » (٣) .
ويحذر ابن مسكويه من ترك التربية للخدم خوفاً عليهم من أن يتأثروا بأخلاقهم وأفعالهم (٤) .
- الحرص على تعليمهم الخير:
وهذا من تمام القيام بالأمانة التي وليها الوالدان. جاء في الأثر: «ما نحل والد ولداً من نِحَل أفضل من أدب حسن» . وجاء الأمر النبوي بتعليم الصغار بعض الآيات لأهميتها؛ فقد قال ﷺ : «إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم؛ فإنها صلاة وقرآن ودعاء» (٥) . وروى ابن أبي شيبة أن النبي ﷺ كان يعلم الغلام من بني عبد المطلب إذا أفصح قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] ، سبع مرات. وكان علي بن الحسين يعلمهم: «قل آمنت بالله وكفرت بالطاغوت» ، وكان بعض السلف يعلم الصبيان قول: لا إله إلا الله» (٦) .
كما أن السلف كانوا يقدمون الغالي والرخيص ليرغبوا الأطفال في العلم؛ فقد روى النضر بن شميل قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: قال لي أبي: يا بنيَّ! اطلب الحديث؛ فكلما سمعت حديثاً وحفظته فلك درهم. فطلبت الحديث على هذا (٧) .
ولما كان الاختلاط بالأعاجم مظنة لفساد اللسان العربي، حرص السلف على تقويم ألسنة الصغار من اللحن؛ فقد جاء عن نافع عن ابن عمر ﵄ «أنه كان يضرب بنيه على اللحن» (٨) .
ولم يكن السلف غافلين عن العلوم الأخرى المفيدة كالأنساب والشعر؛ فقد أرسل معاوية ﵁ إلى دغفل فسأله عن العربية وعن أنساب العرب، وسأله عن النجوم فإذا رجل عالم. قال: «يا دغفل! من أين حفظت هذا؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول وإنَّ آفة العلم النسيان. قال: انطلق بين يديَّ ـ يعني ابنه يزيد ـ فعلمه العربية وأنساب قريش والنجوم وأنساب الناس» (٩) .
ولما دفع عبد الملك وُلْده إلى الشعبي يؤدبهم قال: علمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، وحسِّن شعورهم تشتد رقابهم، وجالس بهم عِلية الرجال يناقضوهم الكلام (١٠) .
ولأن السلف أمة مجاهدة، كانوا يربون أبناءهم على حب هذه الشعيرة والتدرب عليها ليكونوا على استعداد تام عند الحاجة إليهم؛ فقد أوصى عمر بن عبد العزيز مؤدب ولده سهلاً قائلاً: «وليفتح كل غلام فيهم بجزء من القرآن يثبت في قراءته؛ فإذا فرغ تناول قوسه ونبله وخرج إلى الغرض حافياً فرمى سبعة ارشقة ثم انصرف إلى القائلة» (١١) .
قال ابن القيم ﵀: «إذا رأى الصبي وهو مستعد للفروسية وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح وأنه لا نفاذ له من العلم ولم يخلق له، ومكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها فإنه أنفع له وللمسلمين» (١٢) .
ومن الأساليب التي يحببون بها العلم إلى الصغار الاحتفال بهم. قال أبو خبيب الكرابيسي: كان معنا ابن لأيوب السختياني في الكُتَّاب، فحذق الصبي، فأتينا منزلهم فوُضِعَ له منبر فخطب عليه ونهبوا علينا الجوز وأيوب قائم على الباب يقول لنا: ادخلوا، وهو خاص لنا (١٣) ، وقال يونس: حذق ابن لعبد الله بن الحسن فقال عبد الله: إن فلاناً قد حذق، فقال الحسن ﵁: كان الغلام إذا حذق قبل اليوم نحروا جزوراً وصنعوا طعاماً للناس (١٤) .
ومن ذلك أن الصبي إذا كان ذا موهبة خطابية فإن الأوْلى بمعلمه أن ينمي هذه الموهبة، وقد كان ابن الجوزي الواعظ من ثمار الشيخ أبي القاسم البلخي؛ فإنه علمه كلمات ثم أصعده المنبر فقالها وكان عمره ثلاث عشرة سنة، قال ابن الجوزي: وحزر الجمع يومئذ بخمسين ألفاً. وهو أول مجالسه ﵀ (١٥) .
ومن الأمور التي ينبغي أن يُعلَّمها الصبي: الجرأة على طرح أفكاره، ويكون هذا بمجالسة العقلاء الكبار ليكبر عقله وينضج تفكيره؛ فمن الخطأ أن يمنع الصغير من حضور مجالس أهل الخبرة والتجربة، وقد مر عمرو بن العاص ﵁ على حلقة من قريش فقال: «ما لكم قد طرحتم هذه الأغيلمة؟ لا تفعلوا! أوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إياه؛ فإنهم صغار قوم أوشك أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم فأنتم اليوم كبار قوم» (١٦) ، بل كان ابن شهاب الزهري ﵀ يشجع الصغار ويقول: «لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يتبع حدة عقولهم» (١) .
وتعليم الصبي الاعتماد على النفس بتعلم صنعة أو تجارة أمر مهم من أهم واجبات الولي؛ فقد روى أبو داود أن النبي ﷺ رأى غلاماً لا يحسن سلخ الشاة، فقال له: تنحَّ حتى أريك، فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس بها حتى توارت إلى الإبط، ثم مضى (٢) .
- الحفاظ على صحتهم:
من ذلك أنه حرص ﷺ على ألا يتعرض ابناه (الحسن والحسين) للشمس؛ فقد روى الحاكم من حديث فاطمة ﵂ «أن رسول الله ﷺ أتاها يوماً فقال: أين ابناي؟ فقالت: ذهب بهما علي. فتوجه رسول الله ﷺ فوجدهما يلعبان في مشربة وبين أيديهما فضل من تمر. فقال: أيا علي ألا تقلب ابنيَّ قبل الحر؟ (٣) .
ومن ذلك تنظيف جروح الصغار حتى لا يحصل تلوث بالجرح؛ فعن عائشة ﵂ قالت: «عثر أسامة بعتبة الباب فشج في وجهه، فقال رسول الله ﷺ : أميطي عنه الأذى، فتقذرته، فجعل رسول الله ﷺ يمصه ويمجه، ثم قال: لو كان أسامة جارية لحلَّيناه وكسوناه حتى ننفقه (٤) ، وعنها أيضاً أن أسامة كان بين يدي رسول الله ﷺ فذهب يمسح مخاطه، فقالت عائشة ﵂: دعني يا رسول الله دعني! أنا إليه، فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة! أحبيه؛ فإني أحبه» (٥) .
كما أن للوقف دوره في هذا الجانب؛ فقد أيقن المجاهد صلاح الدين أن التغذية السليمة للطفل تجعله قوياً سليم الجسم، والأطفال رجال المستقبل؛ فلبُعد نظره أوقف صلاح الدين وقفاً لإمداد الأمهات بالحليب اللازم لأطفالهن، وقد جعل في أحد أبواب قلعة دمشق ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزاباً يسيل منه الماء المذاب بالسكر، فتأتي الأمهات يومين في كل أسبوع فيأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر (٦) .
وليعلم أن الصغار كثيراً ما يتعرضون لأذى الشياطين لعدم تعويذهم للهدي النبوي الواقي للصغير من الشيطان والجان؛ فمما يشرع للصغير أن يعوَّذ من الشيطان؛ فقد قالت امرأة عمران: ﴿وَإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] .
وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يُعوِّذ الحسن والحسين وقال: «كان أبوكم إبراهيم يعوذ إسماعيل وإسحاق: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة» (٧) .
ويمنع الصبي من الخروج وقت انتشار الشياطين حتى لا يؤذوه؛ فقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «اكفتوا صبيانكم عند العشاء؛ فإن للجن انتشاراً وخطفة» (٨) ، وفي حديث جابر مرفوعاً: «إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ؛ فإذا ذهب ساعة من الليل فحُلُّوهم ... » (٩) ، وجنح الليل هو إقباله بعد غروب الشمس.
- التربية بالحب:
ولهذا النوع من التربية مظاهر منها:
- التقبيل للصغير واحتضانه وشمه:
ومن أعظم مظاهر الحب التقبيل للصغار وضمهم، وهذا من الرحمة التي يؤجر العبد عليها، وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قبَّل الحسن وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه النبي ﷺ ثم قال: من لا يَرحم لا يُرحم» (١٠) .
وروى مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، قال أنس: ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين، فانطلق ـ يعني رسول الله ﷺ ـ يأتيه واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخاناً، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف أمسك! جاء رسول الله ﷺ ، فأمسك، فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول (١١) .
وقال بريدة: كان رسول الله ﷺ يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه وقال: صدق الله: ﴿إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما (١٢) .
- ومن ذلك الدعاء للصغير:
وهذا هو هدي الأنبياء والصالحين؛ فعباد الرحمن يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] ، وزكريا يقول: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] ، وإبراهيم يقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ، ويدعو لهم بصلاح العقيدة: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ، ويدعو لهم بأن يكونوا مقيمين للصلاة: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] .
عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ وخرجت معه حتى أتينا سوق بني قينقاع، ثم انصرف فأتى بيت عائشة ثم قال: أثَمَّ لُكَع ـ يعني حسيناً ـ وظننت أن أمه حبسته تغسله أو تلبسه سِخاباً، فلم يلبث أن جاء يشتد فعانق كل واحد منهما صاحبه، ثم قال: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه (١) ، قال ابن مفلح: لُكَع هنا: الصغير، والسخاب بكسر السين: جمعه سخب، القلادة من القرنفل والمسك والعود ونحوها من أخلاط الطيب يُعمل على هيئة السبحة ويجعل قلادة للصبيان والجواري، وقيل: خيط يسمى سِخاباً لصوت خرزه عند حركته من السَّخب ويقال: الصَّخب وهو اختلاط الاصوات. وفيه جواز لباس الصبيان القلائد والسخب من الزينة (٢) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: «ضمني رسول الله ﷺ وقال: «اللهم علمه الكتاب» وفي رواية: «اللهم علمه الحكمة» وفي أخرى: «اللهم فقهه في الدين» (٣) .
وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: إن كان رسول الله ﷺ ليأخذني ويُقعدني على فخذه ويُقعد الحسن على الأخرى، ثم يضمنا، ثم يقول: اللهم ارحمهما؛ فإني أرحمهما (٤) ، وفي رواية: «اللهم إني أحبهما فأحبهما» (٥) .
أما الدعاء عليهم فقد ورد النهي عنه في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم» (٦) .
- ومن ذلك ممازحتهم وتفريحهم:
فقد كان ﷺ يمازح الصغار؛ فقد قال لأحدهم: «يا ذا الأذنين» (٧) ، ومجَّ ﷺ الماء في وجه محمود بن الربيع وهو ابن خمس سنين (٨) ، وقال لأحدهم: «يا أبا عمير ما فعل النغير» (٩) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى الثمر أُتي به فيقول: «اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي مُدِّنا وفي صاعنا بركة مع بركة» ثم يعطيه أصغر من بحضرته من الولدان (١٠) .
ومن ذلك إردافهم على الدابة؛ فقد قال عبد الله بن جعفر ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بالصبيان من أهل بيته. قال: وإنه قدم مرة من سفره فسيق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة إما حسن وإما حسين فأردفه خلفه. قال: فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة» (١١) ، وقال ابن عباس ﵄: لما قدم رسول الله ﷺ مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحداً بين يديه وآخر خلفه (١٢) .
ومر ابن عمر ﵄ في طريق فرأى صبياناً يلعبون فأعطاهم درهمين (١٣) .
وعن سعيد بن عمرو ـ في قصة قدوم خالد بن سعيد وعمرو ابن سعيد من الحبشة ـ وفي آخره قال: ومع خالد ابنة عليها قميص أصفر، فقال لها: اذهبي فسلمي على رسول الله ﷺ . قال: فانكبت على رسول الله ﷺ ، فجعلت تريه قميصها، فقال لها رسول الله ﷺ : سنه سنه ـ قال: حسن بلغة الحبشة ـ أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي (١٤) .
- السماح لهم باللعب فهو ربيع الصغار:
عن أبي هريرة ﵁: «أنه صلى مع رسول الله ﷺ العشاء فأخذ الحسن والحسين يركبان على ظهره؛ فلما جلس وضع واحداً على فخذه والآخر على فخذه الأخرى ... » (١٥) ، وفي حديث شداد بن الهاد ﵁ أنه رأى الحسن أو الحسين على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، فأطال السجود؛ فلما قضيت الصلاة قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة قد أطلتها فظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، قال: «فكل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته» (١٦) ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: كان النبي ﷺ يصلي والحسن والحسين يثبان على ظهره فيأخذهما الناس فقال: دعوهما بأبي هما وأمي، من أحبني فليحب هذين» (١٧) .
وعن عبد الله بن الحارث ﵁ قال: كان ﷺ يصف عبد الله وعبيد الله ـ من بني العباس ـ ثم يقول: من سبق إلى كذا فله كذا وكذا، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبِّلهم (١٨) .
وورد عنه ﷺ أنه كان من أفكه الناس مع صبي (١٩) .
ونقل ابن مفلح عن ابن عقيل أنه قال: «والعاقل إن خلا بأطفاله خرج بصورة طفل، ويهجر الجد في ذلك الوقت» (٢٠) .
وقد عزل عمر والياً؛ لأنه لا يلاعب أطفاله (٢١) .
وعنما تزوج النبي ﷺ عائشة ﵂ كانت صغيرة؛ ولذلك كان ﷺ يعطيها حقها من اللهو؛ فقد أذن لها برؤية الحبشة وهو يلعبون بالحراب في المسجد (٢٢) ، وسابقها مرة فسبقته، ثم سابقها بعد أن حملت اللحم فسبقها، فقال ﷺ : «هذه بتلك» (١) .
وعن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر ﵁ يحمل الحسن بن علي ويقول:
بأبي شبيه بالنبي
ليس شبيهاً بعلي
وعلي معه يتبسم (٢) ، قال الحافظ في الفتح: وكان عمر الحسن إذ ذاك سبع سنين (٣) .
وعن عكرمة قال: ختن ابن عباس بنيه، فأرسلني فجئته بلعَّابين فلعبوا وأعطاهم أربعة دراهم (٤) .
وعن الحسن أنه دخل منزله وصبيان يلعبون فوق البيت ومعه عبد الله ابنه فنهاهم فقال الحسن: دعهم فإن اللعب ربيعهم (٥) .
وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يرخصون للصبيان في اللعب كله إلا بالكلاب (٦) .
وقد ذكر البيهقي باباً في ما ورد من لعب الصبيان بالتراب (٧) .
وورد عن عائشة ﵂ أنها كانت تلعب بالأرجوحة مع صاحباتها قبل دخول النبي ﷺ بها (٨) .
وفي حديث الجاريتين أنهما كانتا تغنيان وتضربان بالدف عند عائشة ﵂ في العيد من أيام منى (٩) .
كما ورد عنها ﵂ أنه كان لها فرس له جناحان (١٠) ، وفي الصحيحين عنها ﵂ قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله ﷺ إذا دخل ينقمعن منه فيُسَرِّبُهن إليَّ فيلعبن معي» (١١) ، قال النووي: قال القاضي: فيه جواز اللعب بهن وهن مخصوصات من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن ... ثم قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهن. وقال ابن حجر نحو هذا الكلام وأضاف: جزم القاضي عياض بتخصيص لعب البنات من عموم النهي ونقله عن الجمهور (١٢) .
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «إن كانت لعب الأطفال المجسمة كخلق الإنسان فاجتنابها أوْلى، ولكن لا أقطع بالتحريم؛ لأن الصغار يرخص لهم ما لا يرخص للكبار في مثل هذه الأمور؛ فإن الصغير مجبول على اللعب والتسلي وليس مكلفاً بشيء من العبادات حتى نقول: إن وقته يضيع عليه لهواً وعبثاً..» (١٣) .
ويجوز لعب الأطفال ببعض الحيوانات والطيور إذا لم يكن فيه أذى لهم؛ ففي الصحيحين عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لأخ لأنس: «يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» (١٤) ، وقد ذكر العلماء في فوائده: جواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح له اللعب به، وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ما دام يطعمه ويسقيه. وأشار بعض أهل العلم إلى جواز قص جناح الطير حتى لا يطير (١٥) .
- التوسعة عليهم عند اليسار:
وهذا داخل في عمومات النصوص التي منها: «خيركم خيركم لأهله» وحديث: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» ، ومن أوْلى ما يدخل في ذلك التوسعة على الأولاد باللبس الحسن والطعام الحسن بل وتطييبهم بأنفس الطيب. قالت أم أبي محمد التمار: ربما حملنا أولاد أيوب فعبق لنا من ريحهم ريح المسك أو الطيب (١٦) .
- حقوق الصغار:
من ذلك تشميت الصغير إذا عطس، قال ابن مفلح ﵀: روى عبد الله بن أحمد: عن الحسن أنه سئل عن الصبي الصغير يعطس؟ قال: يقال له: بورك فيك. وقال صاحب النظم: إن عطس صبي عُلِّم الحمد لله، ثم قيل له: يرحمك الله، أو بورك فيك ونحوه، ويعلم الرد. وإن كان طفلاً حمد الله وليه أو من حضره، وقيل له نحو ذلك. ومال ابن مفلح إلى أنه لا يقال عنه: الحمد لله؛ لأنه غير مكلف، ولأن العبادة البدنية المحضة لا تُفعل عن الحي، كما أنه لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه استحباب ذلك مع توافر الهمم على نقله (١٧) .
ومن حق الصغير أن يُسَلَّم عليه؛ فعن أنس ﵁ قال: «كنت مع النبي ﷺ فمر على صبيان فسلم عليهم» (١٨) .
ومن ذلك أن يُستأذن عليه عند الدخول؛ فقد قال جابر ﵁: «يستأذن الرجل على ولده وأمه وإن كانت عجوزاً، وأخيه وأخته وأبيه» (١٩) .
ولا يقدَّم عليهم في حقهم إلا بإذنهم؛ فعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله! لا أؤثر بنصيبي منك أحداً، فتلَّه رسول الله ﷺ في يده» (٢٠) .
ومن ذلك أنه لا يجوز أن يُكذَب عليهم؛ فعن عبد الله بن عامر ﵁ قال: «أتانا رسول الله ﷺ في بيتنا وأنا صبي، قال: فذهبت أخرج لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله! تعالَ أُعطك، فقال رسول الله ﷺ : وما أردتِ أن تعطيه؟ قالت: تمراً، فقال: أما إنك لو لم تفعلي كُتِبَتْ عليك كذبة» (٢١) ، وصح عنه ﷺ أنه قال: «إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا أن يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له» (٢٢) .
- أخذ العلم عن الصغار إن كانوا أهلاً لذلك:
قال ابن عيينة: الغلام أستاذ إذا كان ثقة. وقال عمر بن الخطاب ﵁: إن العلم ليس عن حداثة السن ولا قدمه، ولكن الله يضعه حيث يشاء. وفي البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أُقرِئ رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف (١) ، قال ابن الجوزي في كشف المشكل: فيه تنبيه على أخذ العلم من أهله وإن صغرت أسنانهم أو قلَّت أقدارهم. وقد كان حكيم بن حزام يقرأ على معاذ بن جبل فقيل له: تقرأ على هذا الغلام الخزرجي؟ فقال: إنما أهلكنا التكبرُ (٢) .
قال ابن مفلح ﵀: والأوْلى أن لا يحدِّث حتى يتم له أربعون سنة إلا أن يُحتاج إليه؛ فقد حدَّث بُندار وله ثلاث عشرة سنة، وحدث البخاري وما في وجهه شعرة. وقد قال سمرة بن جندب: «لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلاماً فكنت أحفظ عنه؛ فما يمنعني من القول إلا أنَّ هاهنا رجالاً هم أسن مني» . متفق عليه (٣) .
- تقويم سلوك الصغار:
قد يظن ظان أن أسرع طريقة للتقويم الضرب وهو مخالف للهدي النبوي؛ كما أن الدراسات الحديثة أثبتت أن استخدام الوسائل الأخرى أكثر تقويماً للسلوك. ولنتأمل في هذه القصة التي رواها أحمد أن رسول الله ﷺ خرج إلى طعام كان قد دُعي إليه مع بعض أصحابه، فاستقبل رسول الله ﷺ أمام القوم وحسين مع غلمان يلعب، فأراد رسول الله ﷺ أن يأخذه، فطفق الصبي ها هنا مرة، وها هنا مرة، فجعل النبي ﷺ يضاحكه حتى أخذه (٤) ، فهذه وسيلة سهلة توصل إلى المقصود.
ومن الأساليب أيضاً العتاب الرقيق؛ فقد قال أنس بن مالك ﵁: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب ـ وفي نفسي أن أذهب لما أمرني نبي الله ﷺ ـ قال: فخرجت حتى أمرَّ على الصبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قابض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك، قلت: نعم! أنا أذهب يا رسول الله (٥) .
ولا يشك مؤمن ما للدعاء من أهمية في صلاح الصغار، وهو ما كان يوصي به المصلحون أولياء الصغار؛ فقد شكا أحدهم ابنه إلى طلحة بن مصرف فقال: استعن عليه بهذه الآية: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] » (٦) .
والضرب وسيلة تقويم وقبلها وسائل، وقد ورد الأمر بتعليق العصا في البيت (٧) .
وعن عائشة ﵂ قالت في أدب اليتيم: إني لأضرب اليتيم حتى ينبسط (٨) ، أي يعتدل. وقال الإمام أحمد: اليتيم يؤدب ويضرب ضرباً خفيفاً (٩) .
وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يكتب للأمصار: لا يقرن المعلم فوق ثلاث؛ فإنها مخافة للغلام (١٠) ، ـ يعني لا يجمع ثلاث ضربات. وسئل الإمام أحمد عن ضرب المعلم الصبيان، فقال: على قدر ذنوبهم، ويتوقى بجهده الضرب، وإن كان صغيراً لا يعقل فلا يضربه (١١) .
وليعلم أن الأمور لا تؤتى غلاباً كما قال الشاعر، وإنما التدرج مطلوب في التقويم؛ فقد نقل الحافظ عن سعيد بن جبير الحث على التدرج في أخذ الطفل بالجد (١٢) ، وهذا يتمشى مع الحكمة التي جاءت بها الشريعة، وطبيعة النفس الإنسانية التي تستثقل أخذها بالعزيمة بلا تدرج.
- الإنكار عليهم:
جاءت النصوص بالأمر بالإنكار على الصغار إن ارتكبوا محرماً؛ فعن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت في حِجْر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي: «يا غلام! سمِّ الله وكُلْ بيمينك وكل مما يليك» (١٣) .
وقال سنان بن سلمة: كنت في غلمة بالمدينة نلتقط البلح، فأبصرنا عمر وسعى الغلمان وقمت، فقلت: يا أمير المؤمنين! إنما هو ما ألقت الريح. قال: أرني أنظر. فلما أريته قال: انطلق. قال: قلت: يا أمير المؤمنين! ولِّ هؤلاء الغلمان! إنك لو تواريت انتزعوا ما معي. قال: فمشى معي حتى بلغت مأمني (١٤) .
ودخل أبو هريرة ﵁ مرة المسجد يوم الجمعة، فوجد غلاماً، فقال له: يا غلام! اذهب العب! قال: إنما جئت إلى المسجد. قال له: يا غلام! اذهب العب! قال: إنما جئت إلى المسجد. قال: فتقعد حتى يخرج الإمام؟ قال: نعم (١٥) ! وكأنه خشي أن يلعب في المسجد في أول الأمر فلما تأكد من أنه جاء لقصد العبادة تركه.
روى سعيد بن جبير أنه كان مع عبد الله بن عمر ﵄ في الطريق؛ فإذا صبيان يرمون دجاجة، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ فتفرقوا، فقال: إن رسول الله ﷺ لعن من مثَّل بالحيوان (١٦) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن ما حرم الله على الرجل فعله حرم عليه أن يُمكِن منه الصغير، وقد رأى عمر بن الخطاب ﵁ ثوباً من حرير على صبي للزبير فمزقه، وقال: لا تُلبِسوهم الحرير» (١٧) ، ومزق ابن مسعود ﵁ قميصاً من حرير على أحد أولاده، وقال: قل لأمك تكسوك غير هذا (١٨) .
وقال الموفق في المغني: ويتجنب الثياب التي عليها تصاوير أو صلبان (١٩) .
- اختيار أصحابهم:
قال علي بن جعفر: مضى أبي إلى أبي عبد الله ـ يعني الإمام أحمد ـ وذهب بي معه، فقال له: يا أبا عبد الله! هذا ابني. فدعا لي، وقال لأبي: ألزمه السوق، وجنبه أقرانه (٢٠) .
стр. 5111
الاختلاف في العمل الإسلامي الأسباب والآثار (٢ـ٢)
أ. د. ناصر بن سليمان العمر
تحدث فضيلة الكاتب في العدد السابق عن طبيعة الاختلاف في العمل الإسلامي: الأسباب والآثار؛ فذكر أقسام الاختلاف باعتباراته المختلفة (حقيقة المسائل المختلفة فيها ـ مدحهم أصحابه وذمهم) ، ثم بين مسألة الاختلاف هل هو خير ورحمة أم عذاب وشر؟ وهل عمل أهل العلم على الخروج من الخلاف؟ ثم بين حكم الاختلاف في العمل الإسلامي، وأخيراً ذكر من أسباب الافتراق: (تفاوت الناس في الطباع ـ وفي العلم والمعرفة) وفي هذا العدد يتابع فضيلته بيان أسباب الافتراق وآثاره. ـ البيان ـ
- ثالثاً: ومن أسباب الاختلاف اتباع الشهوات أو الشبهات:
فالأهواء والشهوات تدفع إلى ظلم الغير في سبيل تحصيل الشهوة، فيقع الخلاف، وينشأ الافتراق؛ «فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه؛ وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار، فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيس للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع «الذات» في كفة، والحق في كفة؛ وترجيح الذات على الحق ابتداءً!.. ومن ثم جاء هذا التعليم بطاعة الله ورسوله عند المعركة.. إنه من عمليات «الضبط» التي لا بد منها في المعركة.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦] .
وأما الشبهات والتأولات الفاسدة فتبعد الناس عن الحق إلى أقوال وآراء متباينة، ومن أظهر ذلك الافتراق الذي وقع في الأمة بانحراف ثنتين وسبعين فرقة عن الجادة.
كما أن اتباع الشهوات والشبهات سبب لعدد من الآفات الكفيلة بتمزيق الصف وتفريق الأمة، ولعل من أهما ما يلي:
(أولاً) : البغي:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) وهو صاحب تجربة واسعة مع المخالفين: «وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المُسْتَنَّة في محنة الصفات والقرآن محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على عليٍّ وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبِّهة على المنزِّهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به وهو الإسراف المذكور في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] » .
(ثانياً) : الغرور بالنفس:
فالغرور بالنفس يولد الإعجاب بالرأي، والكبر على الخلق، فيصر الإنسان على رأيه، ولو كان خطأ، ويستخف بأقوال الآخرين، ولو كانت صواباً؛ فالصواب ما قاله هو، والخطأ ما قاله غيره، ولو ارعوى قليلاً، واتهم نفسه، وعلم أنها أمارة بالسوء لدفع كثيراً من الخلاف والشقاق، ولكان له أسوة بنبينا ﷺ الذي قال الله - تعالى - له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وإذا كانت صفة التواضع ولين الجانب من أوائل صفات المؤمنين فإنها في حق من انتصب للعلم والدعوة والفتوى والتعليم أوجب وأكثر ضرورة وإلحاحاً (٢) .
(ثالثاً) : سوء الظن بالآخرين:
فهو ينظر لجميع الناس بالمنظار الأسود؛ فأفهامهم سقيمة، ومقاصدهم سيئة، وأعمالهم خاطئة، ومواقفهم مريبة، كلما سمع من إنسان خيراً كذّبه أو أوَّله، وكلما ذُكر أحد بفضل طعنه وجرحه، اشتغل بالحكم على النيات والمقاصد، فضلاً عن الأعمال والظواهر، والمصادرة للآخَر قبل معرفة رأيه، أو سماع حجته (٣) ، ثم هو لا يتوقف عند هذا الحد، بل لسان طليق في أعراض إخوانه، بسبهم، واتهامهم، وتجريحهم، وتتبع عثراتهم، فإن تورع عن الكلام في أعراض غيره من الفضلاء سلك طريق الجرح بالإشارة، أو الحركة؛ بما يكون أخبث وأكثر إقذاعاً، مثل: تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه، والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين، وتكليح الوجه، والتغير، والتضجر (٤) ، «وأنت ترى هؤلاء الجُراح القُصاب، كلما مر على ملأ من الدعاة اختار منهم (ذبيحاً) فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المرة، تمرق من فمه مروق السهم من الرمية، ثم يرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان!» (٥) .
(رابعاً) : حب الظهور بالجدل والمماراة:
ويكون دافع ذلك في الغالب هوى مطاعاً، وقد يكون قلة الفقه أو الفراغ وترك الاشتغال بما ينفع.
وقد روى الإمام أحمد (٦) وغيره عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ، ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾
[الزخرف: ٥٨] .
قال الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة ـ رحمهما الله: «الخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة، لو كانت فضلاً لسبق إليها أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم؛ فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر، وقال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] ، ولم يأمره بالجدل، ولو شاء لأنزل حججاً، وقال له: قل كذا وكذا» (٧) .
وقال ابن قتيبة ﵀ يصف الحال في أيام السلف ـ عليهم الرحمة والرضوان ـ: «كان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح، وفيما ينوب الناس فينفع الله به القائل والسامع؛ فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي، وفيما لا يقع وفيما قد انقرض.. وصار الغرض فيه إخراج لطيفة، وغوصاً على غريبة، ورداً على متقدم.
وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى؛ فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر؛ فهم دائبون يخبطون في العشوات، قد تشعبت بهم الطرق، قادهم الهوى بزمام الردى..» (٨) .
فلما وقع الناس في الجدل تفرقت بهم الأهواء، قال عمرو بن قيس (٩) : قلت للحكم بن عتبة (١٠) : ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات (١١) .
وقد روي عن أبي قلابة - وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ـ: لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون (١٢) .
قال معن بن عيسى: «انصرف مالك بن أنس ﵁ يوماً من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الحورية، كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا عبد الله! اسمع مني شيئاً أكلمك به، وأحاجك وأخبرك برأي.
قال: فإن غلبتني!
قال: إن غلبتك اتبعني!
قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟
قال: نتبعه!
فقال مالك ﵀: يا عبد الله! بعث الله محمداً ﷺ بدين واحد، وأراك تنتقل من دين إلى دين» .
وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل.
وجاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد! تعالَ حتى أخاصمك في الدين! فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني؛ فإن كنت أضللت دينك فالتمسه (١) !
وإذا كان الجدل والمراء والخصومة في الدين مذمومة على كل حال فإنها تتأكد في حق المقلدة والجهال.
ويتأكد ترك المراء والجدل في كل ما لا طائل من ورائه كملح العلوم والنوادر، وما لا يثمر عملاً غير السفسطة والتلاسن.
تنبيه: هذا السبب من أعظم أسباب الاختلاف المذموم، بل لا يكاد ينجم عنه اختلاف يحمد، ولعله عامل رئيس في إذكاء نار الفرقة والفتنة بين المسلمين، ولا سيما أن التنظير العلمي مستقر عند كثيرين؛ ولكن على الرغم من ذلك يقع الافتراق لوقوع الخلل في هذا الجانب، والله المستعان.
- رابعاً: ومن عوامل الاختلاف والتفرق: التعصب:
سواء كان سياسياً أو مذهبياً أو حزبياً أو لأفراد ورموز، وسواء كان لفرط حب أو فرط بغض.
إن التعصب إذا ران على القلب والعقل وطغى فإنه يحجبهما، ومهما عرضت على المتعصب من الحجج والبراهين فلن يراها.
يقول الماوردي ﵀: «ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلاً يناظر في مجلس حفل، وقد استدل عليه الخصم بدلالة صحيحة؛ فكان جوابه عنها أن قال: إن هذه دلالة فاسدة؛ وجه فسادها أن شيخي لم يذكرها، وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه؛ فأمسك عنه المستدل تعجباً؛ ولأن شيخه كان محتشماً. وقد حضرت طائفة يرون فيه مثل ما رأى هذا الجاهل، ثم أقبل المستدل عليَّ، وقال لي: والله لقد أفحمني بجهله! وصار سائر الناس المبرئين من هذه الجهالة ما بين مستهزئ ومتعجب، ومستعيذ بالله من جهل مغرب» (٢) .
وما أقبح هذا الجهل يوم يسري إلى طوائف تعد نفسها في عداد العاملين للإسلام الذائدين عن حياضه! ويزداد هذا القبح يوم يزعم أصحابها أنهم أهل الفكر المستنير والعقول غير المنغلقة، ويتضاعف القبح يوم ينتسبون إلى السلف أو السنة، والسلف والسنة من هذا التعصب المقيت براء.
يقول العلَم الإمام ابن تيمية ممتدحاً الأئمة الأعلام: «ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين: كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي ﵄؛ فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله ﷺ . فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصب لمالك، أو الشافعي، أو أبي حنيفة، أو أحمد، أو غيرهم. ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلاً بقدره في العلم والدين، وبقدر الآخرين؛ فيكون جاهلاً ظالماً، والله يأمر بالعلم والعدل، وينهى عن الجهل والظلم» (٣) .
وقال مشيراً لآفة التعصب للحزب أو الجماعة: «وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزباً؛ فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل؛ فهذا من التفرق الذي ذمه الله ـ تعالى ـ ورسوله؛ فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان» (٤) .
- خامساً: عوامل خارجية قادت إلى تفاقم الاختلاف:
وتتلخص في الحضارات والديانات التي ناصبت الإسلام العداء في القديم أو الحديث، وحتى لا يتشعب الحديث أتناول بالبيان العامل النصراني كمثال، فأقول:
لقد جاء الإسلام فألف بين أشتات العرب، بل ألف بين أهل الخير من العالمين؛ فبلال ﵁ حبشي، وصهيب ﵁ رومي، وسلمان ﵁ فارسي، ومحمد بن إسماعيل شيخ المحدثين بخاري، وصلاح الدين الأيوبي بطل الحروب الصليبية كردي، ومحمد بن إسحاق أول من دوَّن السيرة النبوية فارسي، والطبري شيخ المؤرخين والمفسرين تركي، وإذا نظرت في سير تراجم أعلام الإسلام ومبدعيه وجدتهم من أقطار الأرض وأطرافها.
ومع ائتلاف هذه الخبرات المتنوعة وانسجامها ازدهرت حضارة الإسلام وقويت شوكة أهله.
وكان لهذا الائتلاف أثر في صد الغزو الصليبي عن بلاد المسلمين على مر التاريخ. وباسترجاع سير أولئك الذين وقفوا في وجه المد الصليبي تتضح هذه الحقيقة بجلاء، ولعل أشهر نموذج هو صلاح الدين الأيوبي عليه رحمة الله.
وقد أدرك أعداء الإسلام من النصارى واليهود هذه الحقيقة، فكانت الخطوة الأولى التي قاموا بها من أجل السيطرة على بلاد الإسلام وجعلها تابعة ذليلة هي العمل على تفكيك وحدتهم عملاً بمشورة القساوسة ووصيتهم للساسة، ومن بعض أقوالهم في ذلك ما يلي (١) :
١ - يقول القس سيمون:
إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب الإسلامية، وتساعد على التملص من السيطرة الأوروبية، والتبشير عامل مهم في كسر شوكة هذه الحركة من أجل ذلك يجب أن نحوّل بالتبشير اتجاه المسلمين عن الوحدة الإسلامية.
٢ - ويقول المبشر لورنس براون:
إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنةً على العالم وخطراً، أو أمكن أن يصبحوا أيضاً نعمة له، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير.
ويكمل حديثه:
يجب أن يبقى العرب والمسلمون متفرقين؛ ليبقوا بلا قوة ولا تأثير.
٣ - ويقول أرنولد توينبي في كتابه «الإسلام والغرب والمستقبل» :
إن الوحدة الإسلامية نائمة، لكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ.
٤ - وقد فرح (غابرائيل هانوتو) وزير خارجية فرنسا حينما انحل رباط تونس الشديد بالبلاد الإسلامية، وتفلتت روابطه مع مكة، ومع ماضيه الإسلامي، حين فرض عليه الفرنسيون فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية.
٥ - من أخطر ما نذكره من أخبار حول هذه النقطة هو ما يلي:
في سنة ١٩٠٧م عقد مؤتمر أوروبي كبير، ضم أضخم نخبة من المفكرين والسياسيين الأوروبيين برئاسة وزير خارجية بريطانيا الذي قال في خطاب الافتتاح:
إن الحضارة الأوروبية مهددة بالانحلال والفناء، والواجب يقضي علينا أن نبحث في هذا المؤتمر عن وسيلة فعالة تحول دون انهيار حضارتنا.
واستمر المؤتمر شهراً من الدراسة والنقاش.
واستعرض المؤتمرون الأخطار الخارجية التي يمكن أن تقضي على الحضارة الغربية الآفلة؛ فوجدوا أن المسلمين هم أعظم خطر يهدد أوروبا.
فقرر المؤتمرون وضع خطة تقضي ببذل جهودهم كلها لمنع إيجاد أي اتحاد أو اتفاق بين دول الشرق الأوسط؛ لأن الشرق الأوسط المسلم المتحد يشكل الخطر الوحيد على مستقبل أوروبا.
وأخيراً قرروا إنشاء قومية غربية معادية للعرب والمسلمين شرقي قناة السويس؛ ليبقى العرب متفرقين.
وبذا أرست بريطانيا أسس التعاون والتحالف مع الصهيونية العالمية التي كانت تدعو إلى إنشاء دولة يهودية في فلسطين» .
وقد ترجم المنصِّرون وأتباعهم تلك التصورات إلى حركات ونعرات عنصرية أو قومية، نجحت في التأليب على دولة الخلافة الإسلامية، وفي تفكيك عرى الأخوة بين المؤمنين عرباً وتركاً.
وإذا تأملت رواد حركة القومية العربية وجدت «كثرة كبيرة من رجال الرعيل الأول في هذه الحركة وفي هذا البعث من مسيحيي لبنان، مثل: البستاني، واليازجي، والشدياق، وأديب إسحاق، ونقاش، وشميّل، وتقلا، ومشاقة، وزيدان، ونمر، وصروف، وأغلبهم ممن اتصلوا بالإرساليات الإنجيلية الأمريكية التي بدأت تتوارد على بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لنشر مذهبهم البروتستانتي. وأكثرهم في الوقت نفسه قد رُموا بالماسونية؛ فإبراهيم اليازجي (١٨٤٧ - ١٩٠٦م) ، وأبوه ناصيف اليازجي (١٨٠٠ - ١٨٧١م) كانا على صلة حسنة بالإرساليات الأمريكية الإنجيلية، وكانا يترددان على مطبعتهم في بيروت التي كان يشرف عليها وقتذاك الدكتور فانديك، وقد علَّم اليازجي الكبير في مدارسهم، وأعان ابنه في ترجمتهم التوراة إلى العربية، ثم قدم بعد ذلك إلى مصر ومات بها، واحتفلت المحافل الماسونية في القاهرة والإسكندرية بتأبينه، وهو صاحب قصيدتين مشهورتين في استنهاض همم العرب ودعوتهم إلى إحياء أمجاد آبائهم، ورفض التجبر والاستبداد، وفيهما دعا قومه من العرب إلى الثورة على الأتراك، وختم قصيدته مهدداً الترك بقوله:
صبراً هيا أمة الترك التي ظلمت دهراً فعما قليلٍ تُرفع الحجبُ
لنطلبن بحد السيف مأربنا فلن يخيب لنا في جنبه أَرَبُ
ونتركن علوج الترك تندب ما قد قدمته أياديها فتنتحبُ
ومن يعش يرَ والأيام مقبلة يلوح للمرء في أحداثها العجبُ
ومن مؤسسي هذه الدعوة أيضاً بطرس البستاني (١٨١٩ - ١٨٨٣م) ، وقد كان أيضاً على صلة بدعاة المذهب الإنجيلي والبروتستانت من الأمريكان، وتولى منصب الترجمة في قنصلية أمريكا ببيروت. وأعان الدكتور (سميث) المبشر الأمريكي، ثم الدكتور (فانديك) من بعده في الترجمة البروتستانتية للتوراة التي تمت في سنة ١٨٦٤م، ثم طبعت في أمريكا سنة ١٨٦٦م، وأعان الدكتور (فانديك) أيضاً في إنشاء مدرسة عبية الأمريكية، وهي مدرسة عليا ترجع أهميتها إلى أنها كانت تقوم بتدريس العلوم الحديثة من جغرافيا وطبيعة وكيمياء ورياضة باللغة العربية. وقد وضعت لذلك كتباً خاصة قامت بطبعها؛ فشاركت بذلك في حركة الإحياء العربية..، ومن الذين شاركوا في هذه الدعوة أيضاً من مسيحيي لبنان (فارس الشدياق ١٨٠١م - ١٨٨٧م) الذي تسمى بعد إسلامه بـ (أحمد) وكان قد اتبع المذهب الإنجيلي على يد المرسلين الأمريكان، فتولوا حمايته من بطش رجال الإكليروس الذين حبسوا أخاه، وعذبوه حتى مات في سجنهم بسبب تغييره مذهبه. حضر على نفقتهم إلى مصر في أيام محمد علي، ثم طوَّف كثيراً بين دول أوروبا والآستانة وتونس ومصر، ووصف كثيراً من هذه الأسفار في صحيفته (الجوائب) التي أصدرها سنة ١٢٧٧هـ. وقد استدعته جمعية ترجمة التوراة البروتستانتية في لندن سنة ١٨٤٨م، فأعان في ترجمتها إلى العربية، وله كتب كثيرة تغلب عليها النزعة اللغوية..، ومن دعائم هذه الدعوة أيضاً (سليم تقلا) مؤسس صحيفة (الأهرام) المصرية (١٨٤٩ - ١٨٩٢م) . تلقى علومه في مدرسة (عبية) التي أنشأها المبشر الأمريكي الدكتور (فانديك) أحد مؤسسي الجامعة الأمريكية التي بدأت سنة ١٨٦٦م باسم (الكلية السورية الإنجيلية) .
ومنهم (جرجي زيدان ١٨٦١ - ١٩١٤م) الذي كان على صلة بالمبعوثين الأمريكان، وكان يدعى إلى احتفالات الخريجين بكليتهم، ثم التحق بالجامعة الأمريكية سنة ١٨٨١ لدراسة الطب، وغادرها دون أن يتم دراسته في العام التالي، وهو صاحب المباحث المعروفة في اللغة العربية وآدابها. ومؤلف سلسلة من القصص التاريخية العربية..، ومنذ ذلك الوقت نشأت التفرقة بين العروبة والإسلام على يد هذه الطائفة من المفكرين والكتاب من نصارى الشام» (١) .
ولهذا لم يكن مستغرباً أن ينقلب الشاعر العراقي معروف الرصافي على دعاة الجامعة العربية حين عقدوا مؤتمرهم في باريس سنة ١٩١٣م بعد أن كان مؤيداً لهم بشد أزر دعوتهم بشعره، وذلك في قصيدته (ما هكذا) التي بدأها بقوله:
أصبحت أوسعهم لوماً وتثريباً
لما امتطوا غارب الإفراط مركوباً
وفيها يقول:
إني لأُبصر في (بيروت) قَائِبَةً للشَّرِ موشِكةً أنْ تُخرِج القُوبَا (٢)
لو كان في غير (باريزٍ) تألُّبُهم ما كنت أحسبهم قوماً مناكيبا
لكن (باريزَ) ما زالت مطامِعُها ترنو إلى الشام تصعيداً وتصويبا
ولم تزل كلَّ يوم في سياستها تلقي العراقيلَ فيها والعراقيبا
هل يأمن القوم أن يحتل ساحتهم جيش يَدكُّ من الشام الأهاضيبا
وما قاله تحقق، فما انتهت الحرب العالمية الأولى حتى غدت الشام وغيرها من بلاد الإسلام موزعة بحسب القسمة التي تنبأ بها شكيب أرسلان في خطابه الموجه إلى الشريف حسين، حين بلغه عزمه على غزو سوريا مع جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى؛ فأرسل ينهاه عن المضي فيما هو فيه من دعوة زعماء السوريين للخروج على الدولة العثمانية، والالتحاق بالجيش الحسيني العربي، ويحذره عاقبة هذه الغارات التي يضرب فيها العرب بالعرب؛ فيقول له فيما يقول: «أتقاتل العرب بالعرب أيها الأمير، حتى تكون ثمرة دماء قاتلهم ومقتولهم استيلاء إنجلترا على جزيرة العرب، وفرنسا على سورية، واليهود على فلسطين» ثم يخاطب القائمين بالدعوة قائلاً: «قل لهؤلاء القائمين بالدعوة العربية، الناهضين لحفظ حقوقها وأخذ ثاراتها: ماذا إلى اليوم أمنوا من حقوق العرب بقيامهم؟
ليقولوا لنا: ماذا أقاموا للعرب من الملك حتى نشكرهم، ونقر بفضلهم؟ إننا عرب نحب كل من أحب العرب، ونبغض كل من أبغض العرب، ولا نبالي بالقيل والقال أمام الحقائق» (٣) .
وحتى لا نستغرق في الاستطراد نرجع فنؤكد على التأثير النصراني في تفرقة المسلمين، وننبه إلى أنه لم يكن وليد العصر الحديث، ولكنه اشتد ونجح في القرون الأخيرة فأتى أُكُلَه وثماره المريرة، ولا يعني ذلك بحال عدم وجود محاولات قديمة من النصارى لتفريق صف المسلمين، بل كانت لهم صولات وجولات كان لها أثرها الفعال في شق صف أمة الإسلام.
فـ «المراجع القديمة تثبت لنا أن «القدرية» أخذوا أقوالهم في القدر عن النصرانية، وتذكر لنا اسمين ارتبط بهما شيوع ذلك الاتجاه ونقله إلى المسلمين، وهما: معبد الجهني، وغيلان الدمشقي. قال ابن قتيبة ﵀ عن غيلان: كان قبطياً قدرياً، لم يتكلم أحد في القدر قبله، ودعا إليه معبد الجهني.. ونحو مما ذكره ابن قتيبة نُقل عن الأوزاعي وابن نباتة والمقريزي وغيرهم» (٤) .
فأثر النصارى في اختلاف المسلمين قديم، وأما أثر اليهود فهو أظهر وأخطر في القديم والحديث، ولعله لا يتسع المقام لبسطه، وقد ركزت على الأثر النصراني لخفائه عن بعض الناس.
- آثار الافتراق المذموم:
لن يتناول الحديث آثار الافتراق المحمود والذي مضت الإشارة إليه؛ فالغالب أن آثاره حميدة، ومنها التنوع في أساليب عرض الخير، وتعدد التخصصات الدعوية والإسلامية، وغير ذلك.
ولكني سأتناول الآثار السلبية للافتراق المذموم، ولن أطيل في تفصيلها وخاصة أن الواقع يحكيها، ويلقي دروساً مفصلة فيها، ويشرحها شرحاً مسهباً، ولعل من أهمها ما يلي:
أولاً: الضعف والعجز:
والنتيجة الطبيعية لذلك تخلف النصر والأمة وعجزها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] .
قال ابن سعدي: « ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ تنازعاً يوجب تشتت القلوب وتفرقها؛ ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ أي: تجبنوا ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله» (١) .
وفي الآية السابقة «عوامل النصر الحقيقية» : الثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله بالذكر، والطاعة لله والرسول، وتجنب النزاع والشقاق، والصبر على تكاليف المعركة، والحذر من البطر والرئاء والبغي..» (٢) .
وقد علم العقلاء أن الاجتماع سبب قوة ومنعة..
كونوا جميعاً يا بَنِيَّ إذا اعترى خطبٌ ولا تتفرقوا أفرادا
تأبى الرماحُ إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا
ثانياً: هلاك الأمة:
صح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٣) .
قال في تحفة الأحوذي: «واختلافهم عطف على الكثرة لا على السؤال؛ لأن نفس الاختلاف موجب للهلاك بغير الكثرة» (٤) .
قال ابن القيم ﵀: «وقد أخبر النبي ﷺ أن هلاك الأمم من قبلنا إنما كان باختلافهم على أنبيائهم، وقال: أبو الدرداء، وأنس، وواثلة بن الأسقع: «خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتنازع في شيء من الدين، فغضب غضباً شديداً لم يغضب مثله، قال: ثم انتهرنا، قال: يا أمة محمد! لا تهيجوا على أنفسكم وهج النار، ثم قال: أبهذا أُمرتم؟ أوَ ليس عن هذا نُهيتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا» . وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص أنهما قالا: «جلسنا مجلساً في عهد رسول الله ﷺ كأنه أشد اغتباطاً، فإذا رجال عند حجرة عائشة يتراجعون في القدر، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول الله ﷺ خلف الحجرة يسمع كلامهم، فخرج علينا رسول الله ﷺ مغضباً يعرف في وجهه الغضب، حتى وقف عليهم، وقال: يا قوم! بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضاً، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به، ثم التفت فرآني أنا وأخي جالسين؛ فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم، قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، والحميدي، وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال أحمد ابن صالح: أجمع آل عبد الله على أنها صحيفة عبد الله» (٥) .
ثالثاً: العقوبات المعنوية:
روى البخاري وغيره عن عبادة بن الصامت: «أن رسول الله ﷺ خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرُفعت» (٦) الحديث.
قال النووي: «وفيه أن المخاصمة والمنازعة مذمومة، وأنها سبب للعقوبة المعنوية» (٧) ، وقال ابن حجر: «قوله: (فتلاحى) بفتح الحاء المهملة، مشتق من التلاحي بكسرها، وهو التنازع والمخاصمة ... قال القاضي عياض: فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة المعنوية أي الحرمان» (٨) .
رابعاً: الجهل بالحق والبعد عنه:
فإذا رأى طالب الحق أن أهله مختلفين فيه على أقوال عديدة، وكل طرف منهم شط فيما اختار؛ التبس الأمر عليه، وربما نفر من الحق وأهله جراء اختلافهم.
ونتيجة هذا أن يعيش أهل الحق غربة بين الناس:
وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تَحَكَّمُ
خامساً: براءة الرسول ﷺ من المفترقين:
قال الله : ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] ، يقول القرطبي ﵀: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ هم أهل البدع والشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة، ﴿شِيَعًا﴾ فرقاً وأحزاباً، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض؛ فهم شيع ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ؛ فأوجب براءته منهم» (٩) .
سادساً: اسوداد وجوه طوائف من المفترقين يوم القيامة:
كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٧] .
هذا والله نسأل أن يلم شعث الأمة، وأن يوحد صفها، وأن يجعل الدائرة لها، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 5112
العمل الإسلامي بين التفاؤل والتشاؤم
د. عبد الكريم بكار
إذا راجعنا مقولات الخطاب الإسلامي قبل قرن من الزمان، فإننا سنجد أنه كان أكثر تفاؤلاً بحدوث التقدم والإصلاح. قد كان الوعي الإسلامي فرحاً بذاته من خلال اكتشافه رمزيات الانحطاط الذي خيَّم طويلاً على الأمة، واكتشافه آفاقاً جديدة للنهوض، ولكن بعد مرور السنين وتكرار المطالبات بالإصلاح والشعور بأن ما يحدث من تقدم أقل بكثير مما كنا نطمح إليه ـ مال خطابنا اليوم إلى أن يتشح بوشاح اليأس والحزن والعتب على الآخرين وجلد الذات، إنه صار خطاب أزمة أكثر من أن يكون خطاب نهضة. وسبب هذا مفهوم؛ حيث إن الوعي البشري يتخذ من بيان المثالب والشكوى من سوء الأحوال محرضاً على التقدم، لكن الحديث عن السلبيات إذا تجاوز حدوداً معينة، فأصبح سمة عامة للخطاب فإنه يغلِّف العقل ببطانة تمده برموز الاستحالة واليأس، فيميل صاحبه إلى الاستهانة بكل الأفكار والمفاهيم والمقترحات الإيجابية البناءة، ويصير إلى العطالة والانحسار.
لا أعتقد أن المطلوب هو الصيرورة إلى الحديث عن الإيجابيات وغض الطرف عن السلبيات؛ فهذا غير صحيح وغير ملائم، لكن قد يكون المناسب هو أن نتحدث عن الإيجابيات والمفاهيم التي تدلنا على حقول الممارسة والطرق المفتوحة، ونتخذ من ذكر ملامح الأزمة شيئاً يؤكد الحاجة إلى العمل، ويثير الاهتمام بضرورة التغيير.
إن الانتقال بالأمة نحو وضعية أفضل من الوضعية التي هي فيها يحتاج إلى أمرين جوهريين:
الأول: هو إنتاج عدد كبير من المفاهيم التي تساعدنا على اجتراح الواقع واختراق طبقات الحقيقة. إن العقل البشري لا يستطيع رؤية الظواهر الاجتماعية من غير أدوات تساعده على الإبصار، وتلك الأدوات هي مجموعة المفاهيم التي تشكل صورتنا الذهنية عن قضية من القضايا أو مشكلة من المشكلات. إن إنتاج المفاهيم يحتاج إلى بحث عميق ومركّز من قِبَل متخصصين محترفين حتى تتسم تلك المفاهيم بالمصداقية، وتساعد العقل على أن يرى الأشياء على ما هي عليه دون تضخيم أو تقزيم. ونحن في الحقيقة لا نملك من مراكز البحوث ما يكفي لاحتضان الباحثين، كما لا نملك الإرادة المطلوبة لإقامتها والإنفاق عليها. لكن سيكون في إمكان المتخصصين الموجودين مضاعفة إنتاجهم على صعيد توليد الأفكار البناءة، ثم القيام بنشرها على أوسع نطاق ممكن.
الثاني: تغييرات ملموسة تطرأ على البيئة التي نعيش فيها، وهذه التغييرات قطعاً هي شيء مغاير للكلام؛ فالكلام وكذلك الأفكار والمفاهيم لا يشكل المطية التي يمكن أن نمتطيها للانتقال من حال إلى حال. التغييرات الإيجابية في البيئة الاجتماعية تنشأ من خلال تغيير النظم والقوانين التي تضع حدوداً للتفاعل الثقافي، كما تنشأ من جملة ما ندخله نحن الأفراد على سلوكنا الشخصي من عادات حميدة، تنشأ عنها علاقات جديدة، تحفز الناس على أن يكونوا أكثر استقامة وأعظم عطاءً.
إن القوانين الجيدة حين تطبق بعدل وصرامة تنشئ على المدى البعيد ثقافة شعبية جيدة، ومع الأيام تصبح تلك الثقافة أحد محركات السلوك العضوي، ولو نُسخ القانون أو غاب من يقوم على حراسته، من خلال المزيد من الوعي والفهم والمزيد من العمل والعطاء تتشكل منظومة مترابطة تدفع بالأمة نحو الأمام، فيرتقي خطابها، ويصبح أكثر تفاؤلاً.
стр. 5113
الإسلام الهيولاني
أ. د. جعفر شيخ إدريس
الإسلام الهيولاني (١) ليس إسلاماً لله تعالى، وإنما هو إسلام لأهواء كل من يدعي الانتساب إليه. إنه إسلام لا صورة له ولا محتوى، ولا يمكن أن يُعرَّف أو يوصف؛ لأنه دائم التغير والتشكل بأشكال تلك الأهواء التي لا تستقر على حال.
وهو قابل لهذا التشكل المستمر؛ لأن القرآن في نظر الهيولانيين وإن كان نصاً مقدساً إلا أن فهمه هو دائماً فهمٌ بشري، والفهم البشري يتغير، بل يجب أن يتغير بحسب ظروف القارئ للقرآن زماناً ومكاناً وثقافة ومزاجاً. وإذا كانت الفهوم كلها بشرية فكلها متساوية في كونها فهماً للقرآن الكريم. كيف بغير هذا يكون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان؟
ما الإسلام إذن؟ من حق كل منتسب إلى الإسلام أن يجيب عن هذا السؤال بالطريقة التي يريدها، وليس من حق مخالفه أن يعترض عليه أو يصمه بالكفر أو الابتداع أو حتى الخطأ؛ لأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، وإنما هي أمر نسبي تابع لرؤى الناس وظروفهم. لا فرق إذن بين شيعة وسنة، ولا بين سني وأشعري ومعتزلي وخارجي، ولا بين معترف بالسنة ومنكر لها، ولا بين سلفي وصوفي حتى لو كان الصوفي من النوع الذي يعتقد الولاية في من قال:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسةِ
كل هؤلاء متساوون، ولكل منهم من الحقوق ما لغيره في الوطن المسلم الذي يعيشون فيه.
فالإسلام اشتراكي إذا كان هوى المنتسب اشتراكياً، وأبو ذر هو الاشتراكي الأول، وخديجة أم الاشتراكية [هذه أسماء كتب ظهرت في الخمسينيات] وهو رأسمالي إذا كان هواه مع الرأسمالية؛ لأن الله أحل البيع، أما الربا الذي حرمه فليس ربا البنوك الذي هو من ضرورات الاقتصاد الحديث، وإنما هو ربا العرب الجاهليين الذي كان يؤخذ أضعافاً مضاعفة استغلالاً لحجة المساكين.
والإسلام ديمقراطي؛ لأن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] إذ ماذا تكون الشورى غير الديمقراطية؟ ولكنه أيضاً دكتاتوري؛ لأنه يامر بطاعة الحاكم وعدم الخروج عليه.
والإسلام دين الجَمال فهو لا يعترض على شيء من الفنون الجميلة رسماً ونحتاً ولا على ما يرسم أو ينحت مكسواً كان أم عارياً، متحركاً كان أم ساكناً، ما دام الغرض منه تذوُّق الجمال، وإدخال البهجة على النفوس.
والإسلام دين المتع البريئة؛ فلا اعتراض فيه على غناء أو موسيقى، ولا على رقص بين رجال ونساء؛ كيف يحرم الغناء والموسيقى من خلق الطيور المغردة ذات الأصوات الشجية؟
والإسلام دين السلام فلا مكان فيه لحرب ولا قتال؛ لأن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧] وأما الجهاد فإن المقصود منه جهاد النفس، وجهاد الكلمة والبيان؛ لأن الدعوة إلى الله لا تكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة. كيف يكون في الإسلام قتال وهو الدين الوحيد الذي يعترف بالآخر ولا سيما إذا كان منتمياً إلى دين إبراهيمي؟ فالدين عند الله الإسلام، وكل الأنبياء مسلمون، وكل ما جاؤوا به من دين فهو إسلام؛ فكل من انتسب إلى دين من تلك الأديان فهو مسلم لا فرق بينه وبيننا نحن المنتسبين إلى الدين المحمدي. فإذا كنا نعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله؛ فإن نصارى اليوم يعتقدون أنه لا نجاة إلا بعبادة المسيح ابن الله، واليهود يعتقدون أنه لا نجاة إلا لمن كان من الشعب الذي اختاره الله. لندع الخلق إذن لخالقها هو الذي يحكم بينها.
والإسلام دين الحرية؛ إذ لا إكراه في الدين؛ فمن شاء أن يدخل فيه دخل، ومن شاء أن يخرج منه خرج، ولا تثريب على داخل فيه أو خارج منه، فلا كلام في عصرنا عن ردة ومرتد. إن عصرنا هو عصر حرية التعبير؛ فدعوا كل إنسان يقول ما شاء كيف شاء، ويدعو إليه ويدافع عنه. دعوا الأفكار تتصارع ولا تحكموا على واحد منها بالحرمان من الدخول في حلبة المصارعة.
وإذا أراد المسلم أن يهاجر إلى بلد غير إسلامي ويعيش بين ظهراني أهله، فله أن يفعل ذلك؛ لأن الأرض كلها لله، والإسلام دين الله. ولكن عليه إذا اختار تلك الهجرة أن يعطي ولاءه الكامل لحكومة البلد الذي اختار الهجرة إليه، ولدستورها ولا سيما إذا كان دستوراً ديمقراطياً. فعلى من يعيش في الولايات المتحدة مثلاً أن يقرأ الدستور الأمريكي في أذن مولوده كما ينادي بالأذان في الأذن الأخرى (١) . وعليه أن يحتفل بما يحتفلون به من أعياد عامة كعيد الشكر، وأن يذبح البط كما يذبحون. ثم عليه أن يهنئهم بما يختصون به من أعياد دينية نصرانية كانت أم يهودية.
إعفاء اللحية من العادات التي لا علاقة لها بالعبادات؛ فإذا كان الناس يرون في الماضي أن اللحية زينة للرجال، وأنها تميز بينهم وبين النساء، فإن ثقافة اليوم تريد أن تقرب بين الرجال والنساء، وأن تمحو الفوارق بينهم؛ فلا بأس على المسلم لذلك أن يحلق لحيته وشاربه، وإن قيل إنه بذلك يشابه امرأته.
نظم الحكم وأمور السياسة والاقتصاد هي من أمر الدنيا الذي قال الرسول ﷺ عنه: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» فلا بأس على المسلمين اليوم ان يتخذوا من أنظمة الحكم ما يرونه مناسباً لعصرهم ومحققاً لمطامحهم. وما دام الاتجاه الآن إلى مساواة النساء بالرجال في كل شيء فيجب أن نغير أحكام الميراث فلا يكون فيها فرق بين ذكور وإناث. ويجب أن يكون من حق المرأة أن تزاحم لتحتل مكانها في الصفوف الأمامية من المسجد، وان تخطب المصلين وتؤمهم في صلاة الجمعة كما يؤمهم الرجال. كما يجب أن تنال حقها في الاختلاط بالرجال ومزاحمتهم في أماكن العمل وفصول الدراسة وقاعاتها، وأن ترتدي من الملابس ما شاءت وكيف شاءت ما دام اللبس مما يعتبر في عصرها محتشماً؛ لأن الحشمة مسألة نسبية تختلف باختلاف الثقافات والعادات والتقاليد.
لماذا يُضطهد أناس خلق الله فيهم ميلاً طبيعياً إلى جنسهم رجالاً كانوا أم نساء؟ يجب أن نعطيهم حقوقهم في بلادنا الإسلامية كما تفعل الدول الراقية. أما قصة قوم لوط وعقاب الله لهم بجعل عالي أرضهم سافلها؛ فنحن مع أوليري ـ أحد مذيعي محطة فوكس الأمريكية ـ في أنها قصة رمزية لا حقيقة تاريخية، وإلا فلماذا لم يقلب الله مدينة سان فرانسسكو رأساً على عقب؟ كما قال هذا المذيع.
وإذا كان من حق هؤلاء أن يقضوا شهوتهم بالطريقة التي تفرضها عليهم (جيناتهم) ؛ فكذلك ينبغي أن يعامل بقية الرجال والنساء فيعطوا من الحرية ما أعطي هؤلاء متزوجين كانوا أم عزاباً ما داموا راشدين وما داموا متراضين. هكذا تفعل الدول الراقية، وهكذا ينبغي أن يفعل المسلمون إذا أرادوا أن يعيشوا عصرهم. أما ما كان يقال من اختلاط الأنساب؛ فقد وفرت لنا حبوب منع الحمل علاجاً شافياً له.
وإذا أخذنا بهذا فإنه يغنينا عن مسألة تعدد الزوجات ومشكلاتها. إنه من الواضح لنا أن القرآن لا يقر هذا التعدد؛ لأنه بناه على شرط ذكر لنا أن توفره مستحيل، فقال ـ تعالى ـ في آية: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] ، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] .
هذا الدين الهيولاني المطواع هو الإسلام الذي تريده أمريكا وترضى عنه، وما عداه وخالفه فإنما هو إسلام المتشددين من الوهابيين وأمثال الوهابيين الذين ما يزالون يعتقدون أن القرآن كله كلام الله، وأنه يجب الالتزام بكل ما صح عن رسول الله ﷺ ، كما يجب الحكم بما أنزل الله.
стр. 5114
حوار مع الدكتور: محمود الزهار
القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية حماس
نائل نخلة
أكد د. محمود الزهار القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية حماس أن حركته ستواصل المقاومة والانتفاضة بكافة أشكالها؛ حتى تحقيق أهداف الانتفاضة المتمثلة بطرد الاحتلال، رافضاً كل الاتهامات التي توجه لصواريخ القسام؛ بأنها توجد الذرائع للاحتلال لتصعيد عدوانه، متهماً من يردد ذلك بأنه يبرئ الاحتلال من جرائمه.
وأوضح الزهار المختفي عن الأنظار منذ عدة أشهر لمجلة البيان أن المفاوضات مع إسرائيل أوصلت القضية الفلسطينية إلى طريق مسدود، وأنه لا بديل عن اعتماد طريق المقاومة، والتي أوضح أنها بدأت تؤتي ثمارها بعد اضطرار إسرائيل للتفكير جدياً في الانسحاب من القطاع.
وأجاب المسؤول البارز في حماس عن الكثير من الأسئلة والمحاور التي تهم الشأن الفلسطيني، وفيما يلى نص الحوار:
البيان: إسرائيل تقول إنها دخلت إلى شمال القطاع من أجل وقف إطلاق صواريخ القسام؛ فهل تعتقد أن قوات الاحتلال نجحت في مهمتها بعد ١٣ يوماً من العدوان؟
- إن وقف إطلاق صواريخ القسام يستدعي تدمير المصانع والمخزون، وقتل المجاهدين كلهم، والاستيلاء على المخيم لإبادة البنية التحتية للمقاومة، ولا شيء من هذا تحقق، وثلث الشهداء من الأطفال وأغلبية الباقين هم من المواطنين الذين سقطت القذائف على بيوتهم أو في الأسواق.. إن المتابع للصحافة الصهيونية يدرك بوضوح قناعة العدو أنه لم يحقق ذلك؛ فالصواريخ تقذف على المستوطنات، والدبابات الضخمة يتم تفجيرها بمجرد الاقتراب من المخيم، والجنود لا يجرؤون على الخروج من آلياتهم إلا بعيداً عن خط المواجهة كما أن خسائرهم كبيرة.
البيان: السلطة الفلسطينية وعلى لسان رئيسها ياسر عرفات طلبت منكم سحب الذرائع من يد إسرائيل، والتي تستخدمها الأخيرة لتسويغ عدوانها على جباليا أمام العالم؛ فما تعليقكم؟
- إن من يعتقد أن العدو الصهيوني يحتاج إلى ذرائع فهو واهم.. ما هي الذرائع لعدوانهم على فلسطين عام ١٩٤٨م، وعام ١٩٥٦م وعام ١٩٦٧م، وعام ١٩٨٢م في لبنان؟ ما هي الذرائع اليوم ضد سوريا ولبنان، وهم يضربون في العمق؟ الحقيقة أن العدو كما عود العالم على أكله الفطير المختلط بـ «دم الأغيار» فإن المائدة السياسية الإسرائيلية الداخلية اليوم تحتاج إلى دم الفلسطينيين في عيدهم لتحل مشكلة الليكود، ومشكلة رئيس بلدية «سديروت» ، ومشكلة «المستوطنين» .. لا توجد صواريخ في الضفة، وهم يكتسحونها صباح مساء، ولو كانت هناك صورايخ وعبوات ما دخلوا.. لندع السلطة وغيرها يقول ما يشاء، ونحن سندافع عن أنفسنا.
البيان: هل تتعرض حماس إلى ضغوط عربية لوقف إطلاق صواريخ القسام؟
- لقد عَوّدت حماس الدول العربية عبر علاقات بنتها بصورة متينة على ألا تخضع لضغوط، ولكن بالمشورة والنصيحة والفهم المشترك والحوار، ولو افترضنا أحداً سألنا فسنطلب منه الإجابة كيف ندافع عن أنفسنا..؟ أما أن يطلبوا منا الموت في الشوارع على نمط محمد الدرة فلا، لقد ذهبت تلك المرحلة.
البيان: ما حقيقة المبادرة التي أعلنتم عنها شخصياً لوقف إطلاق الصورايخ مقابل وقف الاجتياحات؟
- الحقيقة أنا لم أطرح مبادرات.. إننا نعلن موقفنا موحداً واضحاً.. كل أدوات الدفاع عن النفس هدفنا ضد العدوان وطرد الاحتلال، وعندما يتحقق لنا ذلك فستبقى أدواتنا البسيطة تحت حالة من تبادل الضرر بدلاً من سنوات طويلة كنا نتقبل الضرر وحدنا.. نحن الآن نصدره إلى عدونا إن المشكلة ليست واحدة بواحدة؛ فالاجتياحات يتكبد فيها العدو خسائر، ولكن هناك أرضاً محتلة عليها استيطان، وهناك طائرات بكل أنواعها تقتل، وهناك إغلاق وسجن كامل وتدمير للبيوت والأشجار.
البيان: لوحظ اختلاف وتناقض بين موقفكم من هذه المبادرة وموقف الذراع العسكري للحركة؛ إذ أكد الأخير على مواصلة إطلاق الصورايخ؟
- الحقيقة أن موقف الجناح العسكري هو موقف الحركة بكل أجنحتها، وهو موقف المواطن الفلسطيني المؤيد لحماس.. إنه قرار سياسي معلن، ولو تابعتم ما نشر في فضائيات العالم في الأسبوع الأخير من شعبان وبداية رمضان لرأيتم بوضوح ما قيل، ولكن هناك وكالة أنباء أجنبية قامت بتحريف تصريح أحد قادة الحركة السياسية في غزة، وقد تم توضيح ذلك على لسانه وفي بيانات الحركة الرسمية.
البيان: تسريبات صحفية تحدثت عن اتصالات سرية بين أطراف فلسطينية وإسرائيلية للوصول إلى تسوية في شمال القطاع، هل أنتم طرف في هذه الاتصالات؟
- نحن لسنا طرفاً في أي اتصالات مع العدو، ولقد نفت السلطة الفلسطينية هذه الاتصالات، نحن لا يلزمنا إلا مصلحة شعبنا، ومصلحته اليوم هي ألا تحقق هذه الاعتداءات على الشعب أي إنجاز، يجب أن يغرق العدو في دمائه، ويترك خلفه أشلاء جنوده ودباباته فلعلَّ ذلك يردعه.
البيان: أعلن رئيس بلدية «سديروت» عزمه لقاء خالد مشعل في القاهرة، هل وافقت حماس على مثل هذا اللقاء؟
- رئيس بلدية «سديروت» قال إنه سيدمر «بيت حانون» قبل بدء حملة ندم العدو على دخوله شمال قطاع غزة.. هذه نكتة يطلقها هذا المذعور ليبيع بضائع فاسدة في مجتمع فاسد، نحن لا ننظر إلى مثل هذه الأقوال، ولا نتعامل معها.
البيان: أعلن القيادي في حماس «نزار ريان» أن مهندسي القسام يعكفون على تطوير صواريخ أرض جو، ما حقيقة هذا الأمر؟
- نحن قلنا بصراحة إن علينا أن نجد معادلاً لكل أدوات البطش الصهيوني التي مورست علينا؛ فعندما دخل الجنود مترجلين عاد أكثرهم جثثاً، وركّعوا «المركفاه» الضخمة، وتم تفجيرها في الشجاعية، والزيتون، وبيت حانون، ورفح، وخانيونس، وأخيراً في جباليا. إن التحدي اليوم بعد إغلاق الحدود بالسياج هو الصورايخ، والتحدي المطلوب حَلّه هو الطائرات بأنواعها، ونحن لا نملك سوى الدفاع عن أنفسنا بكل الوسائل.
البيان: يديعوت أحرنوت ذكرت أن عناصر حماس أطلقوا صواريخ قسام مطورة وذات مدى أبعد تصل إلى ٩ كم، هل نجحت كتائب القسام في تحسين مدى صواريخها فعلاً؟
- إن قدرة حماس اليوم ـ ولله الحمد والشكر ـ أكبر من الأمس في موضوع تطوير الصواريخ المحلية الصنع، ونحن نعتمد سياسة ترشيد السلاح لتحقيق أقصى درجة من النتائج؛ فهذا من حقنا.
البيان: لم تنجح حماس في تكبيد القوات الغازية في جباليا أية خسائر جدية، ألا ترى أن هذا قد يشجع إسرائيل على إعادة احتلال القطاع كاملاً؟
- هذه مقولة غير صحيحة؛ إن الحديث عن قتلى وجرحى بالعشرات يؤكده المجاهدون، وشهود العيان في المخيم، وفلتات لسان إعلامية، وفي يوم الثلاثاء ١٢/١٠/٢٠٠٤م اعترف العدو ـ على سبيل المثال ـ بتدمير دبابة كبيرة بعبوة كبيرة، وقال: لم تحدث إصابات أو أضرار؛ فهل يعقل هذا؟ العدو يخفي خسائره لأسباب معروفة، وإلا لما توقف لحظة عن دخول القطاع كما دخل الضفة، إن ضباط الجيش يقولون صراحة: إن دخول القطاع مغامرة خطيرة.
البيان: هل صحيح أن السلطة أصدرت أوامر إلى عناصرها في الأجهزة الامنية بعدم المشاركة في التصدي للقوات الإسرائيلية في شمال القطاع؟
- السلطة لم تشارك في كل المواجهات التي حدثت في الزيتون والشجاعية ورفح وبيت حانون وجباليا ... إن الأجهزة الأمنية لم تشارك، ولكن هناك مجموعات محسوبة على فتح، ومنها شهداء الأقصى تشارك، وهذه تتبع فصيلاً وليس جهازاً أمنياً بعينه.
البيان: حماس قالت: إنها تتصدر الفصائل التي تقاوم قوات الاحتلال في جباليا؛ فكم عدد الشهداء من حماس الذين سقطوا خلال هذه المواجهات؟
- الأرقام ليست ثابتة؛ فهي في مواجهة يومية؛ فعندما يتم نشر هذه المقابلة ستتضح الحصيلة النهائية، وستقوم بالإعلان عنها وعن خسائر العدو أيضاً، ويجب أن أؤكد أن حماس تتبع سياسة مواجهة فعّالة، وقلصت من حجم الخسائر في صفوفها، وزادت في خسائر العدو، وهذا باعتراف الجميع، ونحن ندخل في حساباتنا خسائرنا في أيام المعركة الذين استشهدوا بعيداً عن خط المواجهة، وبسبب الطائرات.
البيان: يرى بعض المراقبين أن حماس باتت تكثر من الأقوال على حساب الأفعال، ويستشهدون بذلك بتهديدات حماس بتطوير صاروخ لضرب عسقلان أي بمدى يصل إلى ٢٠كم، وباستخدام صواريخ أرض جو، وبإيقاع خسائر بشرية فادحة في صفوف الجنود، ولكن أياً منها لم يحدث؛ ألا ترى أن هذا الواقع بات يهدد شعبية حماس التي اتسمت بالمصداقية والدقة في إعلاناتها وتهديداتها خلال سنوات عملها؟
- إن مصداقية حماس ازدادت بسبب ما قلته في سؤالك، لقد خسر العدو في السنوات الأربع الأخيرة أكثر من ألف قتيل، قتلت حماس أكثر من نصفهم، وزاد عدد جرحاهم عن خمسة آلاف، ولحماس نصف النسبة بينهم. حماس صاحبة الصواريخ التي تصل محيط القطاع، وليس لغيرها ذلك. وأما بقية ما ذكرت فإن المصلحة تقتضي عدم الإفصاح عما يفيد العدو ولا يخدم، وحماس ليست في حاجة لأن تقول ما لا تفعل، أو ما لا تملك.
المحور الثاني: تصعيد عمليات الاغتيال للقادة الفلسطينيين في الخارج:
البيان: أعلنت حماس أنها تجري تحقيقاً داخلياً في جريمة الاغتيال الجماعي التي تعرض لها عناصر من الحركة في ملعب الشيخ أحمد ياسين عقب عملية بئر السبع المزدوجة، هل انتهى التحقيق؟ وما هي أهم النتائج التي توصلتم إليها؟
- نعم! انتهى التحقيق والنتائج أشارت إلى اضطرار المجاهدين التواجد في ملعب واحد، ولكن على مسافات لوجود فصيل آخر كان يتدرب في الملعب المقرر لهم؛ بحيث لا يجتمع عدد كبير، ولانشغال بعض الأماكن المغلقة المعدة لذلك، وقد اتخذت إجراءات بحق بعضهم واستخلاص العبر مما حدث؛ حتى لا تتكرر هذه المصيبة.
البيان: بالرغم من الحذر الشديد الذي اتسم به الدكتور الشهيد الرنتيسي ﵀ إلا أن إسرائيل تمكنت من اغتياله، ربما من خلال ثغرة أمنية ما، أو اختراق في الدائرة الضيقة المحيطة به، هل شكلتم لجنة تحقيق للوصول إلى حقيقة ما جرى، وهل وجدتم إجابات شافية على كل الأسئلة التي طرحت حول عملية الاغتيال، والنجاح الأمني الإسرائيلي في الوصول إلى الدكتور تقبله الله من الشهداء؟
- إن الخلل الواضح كان في المرافق الذي جاء إلى مكان تواجد الشهيد الدكتور «عبد العزيز الرنتيسي» ، والخلل الثاني هو خروج الشهيد وطائرات التجسس في الجو وفوق المنطقة، وحدث النزول من سيارة لسيارة أخرى تحت هذه الأجواء؛ وهذا ما توصلنا إليه، وأكدته العديد من المصادر، ولم يكن اختراقاً كما يحلو لبعضهم أن يصفه، علماً بأن كل هذه الإجراءات قد تم الاتفاق عليها من قبل، ولكن ما شاء الله كان.
البيان: أنتم على رأس قائمة المستهدفين في الداخل، هل أنتم مطمئنون إلى طبيعة الاحتياطات والإجراءات الأمنية المحيطة بتحركاتكم وحياتكم؟
لقد مررت بتجربة القصف للبيت من طائرة F١٦، وذهب ابني خالد، أسأل الله له القبول. وفي الحقيقة نحن نأخذ بكل الأسباب المتاحة، وحتى الآن تسير الأمور بصورة مرضية، علماً بأنني احتاج في بعض الأوقات الاطلاع على الإعلام، وبعض اللقاءات الهامة مع جهات فلسطينية وإعلامية، والله خير حافظاً.
البيان: كيف تنظرون إلى اغتيال الشيخ عز الدين خليل في دمشق؟
- العدو الصهيوني باغتيال الشهيد «عز الدين الشيخ خليل» قد وجه عدة رسائل في اتجاهات متعددة، في تصوري السكوت عليها لمن يهمه الأمر سيغريه أكثر، وليس معنى أن أمريكا والعالم أطلق للعدو الصهيوني اليد ألا ندافع عن أنفسنا، ولكن المسالة معقدة، وتحتاج إلى حسابات دقيقة، ومن هذه الحسابات ضرورة حماية ما يجب حمايته من إنسان أو أرض أو سيارة.
البيان: صحيفة عربية سربت خبراً يفيد بأن بلداً عربياً سلّم الموساد ملفاً أمنياً دقيقاً عن قادة حماس في الخارج، مما سهل من عملية الاغتيال الأخيرة، ما هو تعقيبكم على هذا النبأ، وهل لديكم تفاصيل أخرى تضيفونها، ومن هو البلد العربي المقصود؟
- إن التعاون الأمني في المنطقة العربية عموماً وفي بعض البلدان على وجه الخصوص ليست سراً، ليس فقط ضد حماس، ولكنه ضد دول ومصالح إقليمية، وأعتقد أنه لا توجد أسرار في هذا العالم، وما لا يكشف للعلن اليوم سيفضحه الغرب نفسه غداً. إن المتضرر الأول لهذا التعاون في أي مكان وعلى أي مستوى هو المتعاون نفسه. إنها خيانة بكل المقاييس الدينية والوطنية والأخلاقية، ولا أريد أن أضيف.
البيان: لماذا الشيخ «عز الدين خليل» تحديداً هو من اغتالته إسرائيل؟ هل لأنه هدف سهل أم لدور جهادي ريادي كان يقوم به في الخارج؟
«لعز الدين الشيخ خليل» دور مشرف في المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني في الانتفاضة الأولى، وقد أبعدته قوات الاحتلال في عام ١٩٩٣م، ولا أعرف ما هو دوره في الخارج، ولكنه شخصية محترمة في الشجاعية، وغزة.. نسأل الله له القبول.
البيان: الشيخ «عز الدين الشيخ خليل» كان يتحرك بأسماء وهمية، وفي دائرة ضيقة جداً، وبالرغم من ذلك وصل إليه الموساد، كيف حصل هذا؟
- هذا الأمر مطروح للتحقيقات في الخارج، والتي لم تنته حتى الآن.
البيان: إسرائيل قالت عبر وسائل إعلامها إن الشهيد كان مسؤولاً عن شراء ونقل السلاح إلى القطاع والضفة، هل من تعليق؟
- العدو الصهيوني يحاول دائماً أن يسوغ جرائمه، إذا كانت هذه الأقوال صحيحة؛ فهذا شرف وجهاد، أما تفاصيل نشاط الإخوة في الخارج فلا نعرف عنه شيئاً.
البيان: هل تربط بين الاستهداف الإسرائيلي لقيادات حماس في الخارج وبين الاتصالات التي تجريها الحركة مع أطراف إقليمية لترتيب الأوضاع في القطاع بعد الانسحاب الإسرائيلي منه؟
- إن إعلان حماس واتصالاتها مع أطراف إقليمية ليست جديدة، وترتيب الأوضاع في الأراضي المزمع الانسحاب منها ضرورة إقليمية وفلسطينية.. ومن مصلحة العدو أن يفسد هذه العملية، ولكن الاستهداف الصهيوني ضد حماس عملية متعددة الأغراض؛ فالحركة موجودة في الداخل وفي الخارج، واستهداف أي من هذه القيادات لن يؤثر في دور الحركة الوطني والإقليمي.
البيان: ماذا لو نجح الموساد في الوصول ـ لا قدر الله ـ إلى السيد «خالد مشعل» أو أي من قادتها البارزين في الخارج؟ فكيف سيكون رد حماس على مثل هذه الجريمة؟ وهل ستغيرون من استراتيجيتكم في عدم تصدر الصراع إلى خارج أرض فلسطين؟
- لقد تم استهداف الأخ «خالد مشعل» قبل ذلك، وأخفق العدو. إن جهاد حماس ليس رد الفعل العشوائي. إن كل عملية يتم دراسة كل أبعادها وسلبيات وإيجابيات وتصدير العمل إلى خارج الساحة الفلسطينية يخضع لحسابات متعلقة بالساحة، وهذا أمر ليس للنقاش في وسائل الإعلام.
المحور الثالث الأخير: محصلة الانتفاضة ومستقبلها بعد أربعة أعوام:
البيان: دخلت الانتفاضة عامها الخامس، هل أنتم مصممون على أن المقاومة هي الخيار الوحيد لاسترجاع حقوق الشعب الفلسطيني؟
- لقد جربت منظمة التحرير المفاوضات؛ فمنذ مدريد مروراً بأوسلو وصلت القضية الفلسطينية إلى طريق مسدود، إضافة إلى دماء وفساد؛ فكان لا بد من اعتماد خيار آخر؛ فكانت المقاومة، وهي وسيلة هدفها طرد الاحتلال. واليوم بدأنا نسمع عن نية الاحتلال الرحيل عن القطاع وشمال الضفة؛ فإذا تحقق ذلك فستكون المقاومة قد حققت جزءاً من أهدافها. لقد عاش الشعب الفلسطيني حالة استقبال الموت والضرر، والانتفاضة صدرت في المقابل نفس الحالة إلى العدو. وهذا خلق حالة من التراجع الأمني والاقتصادي والسياحي والهجرة القادمة وتشجيع الهجرة والمعاكسة. وليس المهم حجم الخسائر في الطرف الأخر، ولكن قيمة الأثر الذي أحدثته المقاومة، ولقد كبدت المقاومة العدو خسائر ١٣مليار دولار خسائر في ٤ سنوات، وهجرة ٧مليارات دولار إلى الخارج، وهذا ما نلمسه اليوم في الصراخ في كل مكان من تراجع أهم أسباب الهجرة.
البيان: الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني لقاء استمرار الانتفاضة كان باهظاً، ويعزى بعض ذلك إلى العمليات الاستشهادية التي أصرت حماس على استخدامها، وما يتبعها من ردود أفعال إسرائيلية قاسية ضد الشعب الفلسطيني، ما تعقيبكم على ذلك، وهل حماس مصرة على العمليات الاستشهادية وإطلاق الصواريخ؟
- إن أحد أهم إنجازات الإعلام الصهيوني هو اختراق أفكار بعض المنهزمين؛ ولذلك حمَّلوا حماس مسؤولية المجازر التي ارتكبها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني؛ فهل إزالة ٤٥٠ قرية ومدينة في عام ١٩٤٨م، ومذابح كفر قاسم، وصبرا، وشاتيلا، وخان يونس، ومذابح ١٩٥٦م و١٩٦٧م و١٩٨٢م كلها بسبب حماس؛ إن هذا الطرح يحمِّل الضحية مسؤولية استفزاز الجزار.. ما نسمي قصف الطائرات الـ F١٦ لبيوت وأسواق ومدارس؟ كل ذلك رد فعل. إنه لشرف عظيم أن نملك مثل هذه الأدوات الحربية لمهاجمة المجرمين، وإن لم يتوفر لنا ما ندافع به عن أنفسنا فنستمر في إبداع المقاومة.
البيان: بعد سنوات الانتفاضة هذه وضع شارون خطة الانفصال عن غزة، حماس ترى أنها انتصار للمقاومة إلا أن أقوال مدير مكتب شارون سابقاً دوف فايسغلاس كشفت أن هدف الخطة الحقيقي هو تجميد عملية السلام، ووضع مسألة إقامة الدولة الفلسطينية على الرف لسنوات طويلة، كيف ترى هذا؟
- هل تجميد عملية السلام جاء بناء على الانتفاضة أم أنها بدأت في عهد رابين، ثم في عهد بيريس ونتنياهو وباراك وشارون؟ ألم تتوقف المسيرة بعد «كامب ديفيد» قبل الانتفاضة الأخيرة؟ ومن قال إن عملية السلام كانت ستأتي بدولة؛ فهذه خدعة إعلامية، ونحن على قناعة أن طرد الاحتلال من أي شبر من الأرض الفلسطينية هو الذي يقرب من الاستقلال.
البيان: العام الأخير من الانتفاضة كان دموياً وقاسياً على حركتكم التي فقدت مؤسسها الإمام الشهيد أحمد ياسين وقائدها الدكتور «عبد العزيز الرنتيسي» ، هل تجاوزت حماس هذه الضربات؟
- إن المراقب للواقع الحالي للحركة يقول عملياً: إن الحركة استمرت تكسب على كل المستويات؛ فالانتفاضة لم تتراجع، والدعوة تكسب في كل لحظة موقعاً جديداً، والحركة موحدة والسياسات واضحة، والتواصل الحركي في الداخل والخارج وعلى كل المستويات يسير بيسر؛ والحمد لله.
البيان: كل استطلاعات الرأي ترجح فوز حماس في أية انتخابات، وأنها تحظى بشعبية متزايدة في الشارع الفلسطيني، فكيف ستحافظ حماس على زخمها في الشارع؟
- هذه واحدة من علامات تقدم حماس حتى بعد الخسائر الكبيرة في العام الأخير. إن حماس كما تخدم القضية الوطنية بالمقاومة، وتضحي من أجل ذلك فإن الحركة وبعد طرد الاحتلال ستقوم بالإصلاح عبر التغير. إن نجاح برنامج المقاومة في المستقبل يعتمد على تقوية البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، وهذه كلها روافد العمل المسلح حتى استرداد كامل الحقوق الفلسطينية.
البيان: حماس محاصرة مالياً وأمنياً وعسكرياً وسياسياً، فهل تستعصي الحركة على الاستئصال؟ وما هي مقومات صمودها بما يضمن لها الاستمرارية؟
- الواقع العملي يقول بأن حماس لم تتأثر بكل هذه الوسائل التي شاركت فيها دول أجنبية ـ وعلى رأسها أمريكا ـ ومع ذلك فإن المساعدات الداخلية للحركة وللجهاد بالذات كانت مذهلة للعديد من المراقبين. إن شعبية حماس تزداد كل يوم، ولا بد من الحفاظ على هذا الدعم عبر حمل هموم هذا الشعب المعطاء، وتخليصه من كل القيود التي تعيق انطلاقته، وأهمها الدفاع عنه كما يحدث اليوم في منطقة مواجهة، ويستدعي ذلك الدفاع عن مصالحه الخدماتية، وهذا يأتي بالمشاركة في الانتخابات إن حدثت بعد استيفاء الظروف المناسبة كالسقف السياسي، وضمانه الشفافية والنزاهة.
البيان: ما هو مستقبل الانتفاضة الحالية؟
- إن ما نتمناه ونخطط له هو أن تحقق الانتفاضة أحد أهدافها وهو طرد الاحتلال من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، ثم استمرار المقاومة في كل شبر حتى يتم التحرير، وفي نفس الوقت إعادة ترميم ما خلفه الاحتلال في مناحي الشعب الاجتماعية.
البيان: متى ستكون حماس مع وقف الانتفاضة والتهدئة؟
- فقط بعد طرد الاحتلال من كل شبر احتُل. إن هدف الشعب الفلسطيني هو أن يعيش ككل شعوب الأرض، ولن يتحقق ذلك دون التحرير، واستكمال كل مظاهر السيادة.
البيان: كلمة توجهها إلى العالمين الإسلامي والعربي عبر مجلة البيان؟
- أريد أن أذكر أن في الشعب الفلسطيني الآلاف ممن فقدوا رزقهم، ودمرت بيوتهم ومزارعهم، وفقدوا أحب الناس إليهم: أبناءهم وآباءهم وإخوانهم وجيرانهم..؛ ومع ذلك فهم على رباط، وأقول ما قاله الرسول #: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله» ، وحتى لا تضيع هذه التضحيات فإن أهم ما نحتاجه منكم وخاصة من رجال الفكر أن يحافظوا على ثقافة المقاومة؛ فهي ضرورة للأمتين العربية والإسلامية ضد الهجمة الغربية على تراثنا وحضارتنا وديننا.
стр. 5115
حوار مع خضر حبيب
نائل نخلة
حوار مع خضر حبيب العضو السياسي في حركة الجهاد الإسلامي المقاومة هي اللعة التي يفهمها العدو
أكد خضر حبيب القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أن المقاومة هي الخيار الوحيد لتحقيق الحقوق الفلسطينية، وأنها هي الوحيدة القادرة على توحيد الشعب الفلسطيني الذي فرقته اتفاقات السلام.
وعبّر حبيب في حوار خاص لمجلة البيان عن أسفه للأنباء التي تحدثت عن أن دولة عربية زودت الموساد بملف عن قادة حماس، مؤكداً أن حركته لن تصدّر الصراع للخارج تحت أي ظرف كان.
ونفى حبيب المزاعم التي تقول إن العمليات الاستشهادية هي سبب ضخامة الضحايا في الجانب الفلسطيني مؤكداً أنها تصب في خدمة الشعب الفلسطيني، وتسعى لإيجاد توازن رعب مع المحتل الصهيوني.
وهذا نص الحوار:
البيان: بعد انتهاء العدوان على شمال القطاع.. هل تعتقد أن قوات الاحتلال نجحت في مهمتها بعد ١٣ يوماً من العدوان؟
- قوات الاحتلال لم تنجح في حملتها؛ لأنها جاءت لوقف المقاومة ووقف إطلاق الصواريخ، والتي استمرت حتى في الوقت الذي كأنت تحتل شمال القطاع، وكانت الصواريخ تنطلق على سديروت والمستوطنات.
البيان: السلطة الفلسطينية طلبت منكم سحب الذرائع من يد إسرائيل، والتي تستخدمها الأخيرة لتسويغ عدوانها على جباليا أمام العالم، ما هو تعليقكم؟
- شيء عجيب أن يطلب العالم من الضحية أن تسكت تحت التهديد، وهذا أمر مرفوض منا كشعب فلسطيني وقوى مقاومة.. من حق شعبنا أن يقاوم، وإسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع لضرب شعبنا؛ فهي تمتلك خطة مبرمجة لضرب وتصفية شعبنا الفلسطيني.
البيان: خسائر فادحة تكبدها الشعب الفلسطيني من حملة شمال القطاع.. ألم يكن من الممكن تخفيض وتقليل هذه الخسائر - وخاصة المادية منها؟
- هذا عدوان مفتوح على شعبنا الفلسطيني، ونحن كشعب فلسطيني ندافع عن قضية عادلة وهو واضح.. ولدينا الجاهزية للتضحية، ونحن نعرف أن عدونا يتألم كما نتألم وهذه المسألة لا تقاس من زاوية الربح والخسارة؛ فهذه قضية مبدأ.
البيان: هل تعمل سرايا القدس على تطوير صواريخ قدس لقصف المستوطنات؟
- بكل تأكيد كل قوى المقاومة تعمل على تطوير إمكانياتها بما فيها سرايا القدس، وتقصف بها القرى الإسرائيلية، وهذا دأب المقاومة دوماً.
البيان: هل تتعاون سرايا القدس مع حماس في تطوير الصواريخ؟
- حقيقة هذه معلومات يختص بها الجهاز العسكري، نحن كسياسيين لا نملك هذه المعلومات، ونتمنى أن يكون ذلك؛ لأن إخوأننا في حماس يربطنا بهم أكثر من رابط.
البيان: لم تفلح المقاومة في تكبيد العدو خسائر جدية في الشمال ألا يشجع هذا إسرائيل على التفكير في احتلال القطاع كاملاً؟
- هذا غير صحيح! إسرائيل تكبدت خسائر في المعدات والأفراد، وعلى الجميع أن ينظر للفارق الكبير في المعدات التي يمتلكها عدونا وقدرات شعبنا الذي يمتلك فقط الإرادة والتصميم على خوض المعركة.
البيان: اغتالت إسرائيل عام ١٩٩٥م الشهيد فتحي الشقاقي في الخارج، وعادت الآن لاغتيال قائد في الخارج من قادة حماس، ألا تخشون أن تصعد إسرائيل دائرة اغتيالاتها لتطاع قادتكم في الخارج؟
- هذا احتمال وارد؛ وأول من تعرض للاغتيال في الخارج الشهيد فتحي الشقاقي، ونحن نضع هذا في حساباتنا، لكن نحن كمقاومة نعمل فقط على حصر مقاومتنا في فلسطين.
البيان: هل لديكم تحذيرات في هذا الشأن؟
- الموضوع لا يحتاج لتحذيرات، فهناك معلومات أكيدة على أن إسرائيل تستهدف المقاومة وقادتها في الداخل والخارج؛ هذه معلومات أصبحت واضحة للعيان، ونحن نأخذها على محمل الجد.
البيان: اغتالت إسرائيل مؤخراً قائد سرايا القدس بشير الدبش وقبله الكثيرين، هل تعتقدون أن هناك ثغرة أمنية واختراقاً للدائرة الضيقة لهؤلاء الشهداء، وهل تحققون فيما يجري؟
- بكل تأكيد كل محاولة اغتيال يعقبها بحث وتحقيق في كيفية ظروف الاغتيال وفي الدائرة المحيطة بها.. نحن ندرك أن عدونا يمتلك قوة تكنولوجية هائلة من طائرات بدون طيار، إلى طائرات أباتشي..، وهي تمتلك ما يؤهلها للقيام بهذه الاعمال.
ونحن لا نستبعد أن تكون هناك اختراقات في الدائرة الاجتماعية الضيقة للشهداء، وأن تكون هناك أيدٍ خفية تهدد شعبنا الفلسطيني ونحن نأخذ هذا في الحسبان.
البيان: هل أنتم مطمئنون للاحتياطات الأمنية التي تتبعونها؟
- نحن نعمل ما نقدر عليه والباقي يرجع لمشيئة الله، وندرك أن هذا بيد الله وندرك أن كل قوى الأرض لن تستطيع إنقاص عمر إنسأن دقيقة واحدة، ونحن نعمل المفروض أن نعمله والأقدار يحددها الله.
البيان: صحيفة عربية ذكرت أن دولة عربية سلمت الموساد ملفاً عن قادة حماس، ما تعقيبكم؟ خاصة أن هذا الأمر قد يطال قادة الجهاد، وهل لديكم معلومات؟
- سمعنا هذا الخبر، وهذا شيء مؤسف أن يتورط من نعتقد أنهم سند لمقاومة شعبنا أن ينخرطوا لصف الأعداء، ويقدموا المعلومات؛ كي يتم اصطياد المجاهدين، ونتمنى ألا يكون.. ولا معلومات دقيقة لدينا في هذا الشأن.
البيان: إذا أقدم الموساد على اغتيال قادة الجهاد في الخارج فكيف ستتصرفون؟ وهل ستصرون على حصر المقاومة في الداخل؟
- نحن نعمل على عدم تصدير الصراع للخارج، ونعمل على حصره في داخل فلسطين، وحتى لو تم اغتيال أي قائد أو عنصر حتى إن كان على مستوى رأس الهرم؛ فهذا شيء لن يوقف مسيرة شعبنا الفلسطيني؛ فشعبنا يدافع عن حق واضح وقضية مقدسة، ونحن مستعدون للتضحية بأغلى ما نملك؛ فقبل ذلك تم اغتيال الشهيد القائد فتحي الشقاقي؛ وحركة الجهاد تعاظمت وكبرت وأصبحت من الأرقام المهمة على الساحة الفلسطينية.
البيان: دخلت الأنتفاضة عامها الخامس؛ فهل أنتم مصممون على أن المقاومة هي الخيار الوحيد لاسترجاع حقوق الشعب الفلسطيني؟
- بكل تأكيد؛ فأرض الواقع تثبت أن المقاومة هي الخيار الوحيد، وهي اللغة التي يفهمها عدونا الذي جاء لينتزع الأرض، ويهجر الشعب ويقتل ويدمر. عدونا لديه مخططات واسعة، وإن لم يتم لجمها ووضع حد لها حتى لا تتمدد وتصبح كالغول، وتهدد كل الأقطار العربية والإسلامية، وليس شعبنا فقط.
وعلى شعبنا وأمتنا أن تدرك أنه لا بد من التخلص من هذه الفئة السرطأنية المسماة إسرائيل.
البيان: يُرجع بعضهم الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الفلسطيني خلال الأنتفاضة لأسلوب العمليات الاستشهادية نظراً للرد الإسرائيلي القاسي فما رأيكم؟
- نحن مع استخدام أي اداة للمقاومة وسواء كانت عمليات استشهادية أو إطلاق صواريخ، هذه أدوات لتعمل توازن رعب مع المحتل.. حقيقة العمليات الاستشهادية كأنت دوماً لصالح شعبنا وصالح المقاومة. غير صحيح أن هذه هي سبب فداحة الضحايا؛ فالعدو لديه خطة لقتل شعبنا ومحوه عن الخارطة، ونحن نتصدى بكل إمكأنياتنا لهذا المشروع الاستيطأني الإحلالي الذي يعمل على أنتزاع شعبنا ووطنه.
البيان: ما موقفكم من الانتخابات، وهل ستخوضونها؟
- نرجِّح ألا تكون انتخابات؛ لأنه إذا أجريت فسيفوز بها الإسلاميون، ولن ترضى أمريكا وإسرائيل بذلك، وإذا أجريت أنتخابات رئاسية فسيفوز بها أبو عمار.. وهو شخصية غير مرغوب بها لدى الإدارة الأمريكية وشارون؛ لذلك نستبعد إجراءها؛ ربما تعقد أنتخابات بلدية، وسنقرر وقتها؛ فنحن لم نقرر المشاركة حتى الآن، لكننا أوعزنا لكوادرنا وانصارنا أن يسجلوا أسماءهم في سجل الناخبين حتى يضمنوا حقهم.
البيان: المقاومة محاصرة فهل تستعصي على الاستئصال بما يضمن لها الاستمرارية؟
- مقاومة شعبنا لا يمكن استئصالها على الإطلاق؛ لأن شعبنا يمتلك مظلومية هي الأوضح والأكثر بياناً على مستوى العالم، ولا يمكن استئصال المقاومة إلا إن رجع الحق لأصحابه.
البيان: هل من كلمة أخيرة توجهونها للأمتين العربية والإسلامية؟
- نحن يجب أن نذكر دوماً أن شعبنا الفلسطيني لا يدافع عن فلسطين فقط، بل يتصدى لمشروع آثم يستهدف الأمة وعلى شعوبنا العربية والإسلامية أن تدرك هذه الحقيقة، وأن تقف بجانب شعبنا الفلسطيني؛ لأن كسر شوكة شعبنا ـ نسأل الله السلامة ـ ستصبح معه كل العواصم مستباحة من العدو الصهيوني والأمريكي