← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

الاختلاف في العمل الإسلامي الأسباب والآثار (٢ـ٢) أ. د. ناصر بن سليمان العمر تحدث فضيلة الكاتب في العدد السابق عن طبيعة الاختلاف في العمل الإسلامي: الأسباب والآثار؛ فذكر أقسام الاختلاف باعتباراته المختلفة (حقيقة المسائل المختلفة فيها ـ مدحهم أصحابه وذمهم) ، ثم بين مسألة الاختلاف هل هو خير ورحمة أم عذاب وشر؟ وهل عمل أهل العلم على الخروج من الخلاف؟ ثم بين حكم الاختلاف في العمل الإسلامي، وأخيراً ذكر من أسباب الافتراق: (تفاوت الناس في الطباع ـ وفي العلم والمعرفة) وفي هذا العدد يتابع فضيلته بيان أسباب الافتراق وآثاره. ـ البيان ـ - ثالثاً: ومن أسباب الاختلاف اتباع الشهوات أو الشبهات: فالأهواء والشهوات تدفع إلى ظلم الغير في سبيل تحصيل الشهوة، فيقع الخلاف، وينشأ الافتراق؛ «فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه؛ وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار، فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيس للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع «الذات» في كفة، والحق في كفة؛ وترجيح الذات على الحق ابتداءً!.. ومن ثم جاء هذا التعليم بطاعة الله ورسوله عند المعركة.. إنه من عمليات «الضبط» التي لا بد منها في المعركة.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦] . وأما الشبهات والتأولات الفاسدة فتبعد الناس عن الحق إلى أقوال وآراء متباينة، ومن أظهر ذلك الافتراق الذي وقع في الأمة بانحراف ثنتين وسبعين فرقة عن الجادة. كما أن اتباع الشهوات والشبهات سبب لعدد من الآفات الكفيلة بتمزيق الصف وتفريق الأمة، ولعل من أهما ما يلي: (أولاً) : البغي: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) وهو صاحب تجربة واسعة مع المخالفين: «وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المُسْتَنَّة في محنة الصفات والقرآن محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على عليٍّ وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبِّهة على المنزِّهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به وهو الإسراف المذكور في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] » . (ثانياً) : الغرور بالنفس: فالغرور بالنفس يولد الإعجاب بالرأي، والكبر على الخلق، فيصر الإنسان على رأيه، ولو كان خطأ، ويستخف بأقوال الآخرين، ولو كانت صواباً؛ فالصواب ما قاله هو، والخطأ ما قاله غيره، ولو ارعوى قليلاً، واتهم نفسه، وعلم أنها أمارة بالسوء لدفع كثيراً من الخلاف والشقاق، ولكان له أسوة بنبينا ﷺ الذي قال الله - تعالى - له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وإذا كانت صفة التواضع ولين الجانب من أوائل صفات المؤمنين فإنها في حق من انتصب للعلم والدعوة والفتوى والتعليم أوجب وأكثر ضرورة وإلحاحاً (٢) . (ثالثاً) : سوء الظن بالآخرين: فهو ينظر لجميع الناس بالمنظار الأسود؛ فأفهامهم سقيمة، ومقاصدهم سيئة، وأعمالهم خاطئة، ومواقفهم مريبة، كلما سمع من إنسان خيراً كذّبه أو أوَّله، وكلما ذُكر أحد بفضل طعنه وجرحه، اشتغل بالحكم على النيات والمقاصد، فضلاً عن الأعمال والظواهر، والمصادرة للآخَر قبل معرفة رأيه، أو سماع حجته (٣) ، ثم هو لا يتوقف عند هذا الحد، بل لسان طليق في أعراض إخوانه، بسبهم، واتهامهم، وتجريحهم، وتتبع عثراتهم، فإن تورع عن الكلام في أعراض غيره من الفضلاء سلك طريق الجرح بالإشارة، أو الحركة؛ بما يكون أخبث وأكثر إقذاعاً، مثل: تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه، والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين، وتكليح الوجه، والتغير، والتضجر (٤) ، «وأنت ترى هؤلاء الجُراح القُصاب، كلما مر على ملأ من الدعاة اختار منهم (ذبيحاً) فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المرة، تمرق من فمه مروق السهم من الرمية، ثم يرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان!» (٥) . (رابعاً) : حب الظهور بالجدل والمماراة: ويكون دافع ذلك في الغالب هوى مطاعاً، وقد يكون قلة الفقه أو الفراغ وترك الاشتغال بما ينفع. وقد روى الإمام أحمد (٦) وغيره عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ، ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] . قال الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة ـ رحمهما الله: «الخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة، لو كانت فضلاً لسبق إليها أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم؛ فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر، وقال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] ، ولم يأمره بالجدل، ولو شاء لأنزل حججاً، وقال له: قل كذا وكذا» (٧) . وقال ابن قتيبة ﵀ يصف الحال في أيام السلف ـ عليهم الرحمة والرضوان ـ: «كان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح، وفيما ينوب الناس فينفع الله به القائل والسامع؛ فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي، وفيما لا يقع وفيما قد انقرض.. وصار الغرض فيه إخراج لطيفة، وغوصاً على غريبة، ورداً على متقدم. وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى؛ فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر؛ فهم دائبون يخبطون في العشوات، قد تشعبت بهم الطرق، قادهم الهوى بزمام الردى..» (٨) . فلما وقع الناس في الجدل تفرقت بهم الأهواء، قال عمرو بن قيس (٩) : قلت للحكم بن عتبة (١٠) : ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات (١١) . وقد روي عن أبي قلابة - وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ـ: لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون (١٢) . قال معن بن عيسى: «انصرف مالك بن أنس ﵁ يوماً من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الحورية، كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا عبد الله! اسمع مني شيئاً أكلمك به، وأحاجك وأخبرك برأي. قال: فإن غلبتني! قال: إن غلبتك اتبعني! قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال: نتبعه! فقال مالك ﵀: يا عبد الله! بعث الله محمداً ﷺ بدين واحد، وأراك تنتقل من دين إلى دين» . وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل. وجاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد! تعالَ حتى أخاصمك في الدين! فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني؛ فإن كنت أضللت دينك فالتمسه (١) ! وإذا كان الجدل والمراء والخصومة في الدين مذمومة على كل حال فإنها تتأكد في حق المقلدة والجهال. ويتأكد ترك المراء والجدل في كل ما لا طائل من ورائه كملح العلوم والنوادر، وما لا يثمر عملاً غير السفسطة والتلاسن. تنبيه: هذا السبب من أعظم أسباب الاختلاف المذموم، بل لا يكاد ينجم عنه اختلاف يحمد، ولعله عامل رئيس في إذكاء نار الفرقة والفتنة بين المسلمين، ولا سيما أن التنظير العلمي مستقر عند كثيرين؛ ولكن على الرغم من ذلك يقع الافتراق لوقوع الخلل في هذا الجانب، والله المستعان. - رابعاً: ومن عوامل الاختلاف والتفرق: التعصب: سواء كان سياسياً أو مذهبياً أو حزبياً أو لأفراد ورموز، وسواء كان لفرط حب أو فرط بغض. إن التعصب إذا ران على القلب والعقل وطغى فإنه يحجبهما، ومهما عرضت على المتعصب من الحجج والبراهين فلن يراها. يقول الماوردي ﵀: «ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلاً يناظر في مجلس حفل، وقد استدل عليه الخصم بدلالة صحيحة؛ فكان جوابه عنها أن قال: إن هذه دلالة فاسدة؛ وجه فسادها أن شيخي لم يذكرها، وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه؛ فأمسك عنه المستدل تعجباً؛ ولأن شيخه كان محتشماً. وقد حضرت طائفة يرون فيه مثل ما رأى هذا الجاهل، ثم أقبل المستدل عليَّ، وقال لي: والله لقد أفحمني بجهله! وصار سائر الناس المبرئين من هذه الجهالة ما بين مستهزئ ومتعجب، ومستعيذ بالله من جهل مغرب» (٢) . وما أقبح هذا الجهل يوم يسري إلى طوائف تعد نفسها في عداد العاملين للإسلام الذائدين عن حياضه! ويزداد هذا القبح يوم يزعم أصحابها أنهم أهل الفكر المستنير والعقول غير المنغلقة، ويتضاعف القبح يوم ينتسبون إلى السلف أو السنة، والسلف والسنة من هذا التعصب المقيت براء. يقول العلَم الإمام ابن تيمية ممتدحاً الأئمة الأعلام: «ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين: كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي ﵄؛ فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله ﷺ . فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصب لمالك، أو الشافعي، أو أبي حنيفة، أو أحمد، أو غيرهم. ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلاً بقدره في العلم والدين، وبقدر الآخرين؛ فيكون جاهلاً ظالماً، والله يأمر بالعلم والعدل، وينهى عن الجهل والظلم» (٣) . وقال مشيراً لآفة التعصب للحزب أو الجماعة: «وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزباً؛ فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل؛ فهذا من التفرق الذي ذمه الله ـ تعالى ـ ورسوله؛ فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان» (٤) . - خامساً: عوامل خارجية قادت إلى تفاقم الاختلاف: وتتلخص في الحضارات والديانات التي ناصبت الإسلام العداء في القديم أو الحديث، وحتى لا يتشعب الحديث أتناول بالبيان العامل النصراني كمثال، فأقول: لقد جاء الإسلام فألف بين أشتات العرب، بل ألف بين أهل الخير من العالمين؛ فبلال ﵁ حبشي، وصهيب ﵁ رومي، وسلمان ﵁ فارسي، ومحمد بن إسماعيل شيخ المحدثين بخاري، وصلاح الدين الأيوبي بطل الحروب الصليبية كردي، ومحمد بن إسحاق أول من دوَّن السيرة النبوية فارسي، والطبري شيخ المؤرخين والمفسرين تركي، وإذا نظرت في سير تراجم أعلام الإسلام ومبدعيه وجدتهم من أقطار الأرض وأطرافها. ومع ائتلاف هذه الخبرات المتنوعة وانسجامها ازدهرت حضارة الإسلام وقويت شوكة أهله. وكان لهذا الائتلاف أثر في صد الغزو الصليبي عن بلاد المسلمين على مر التاريخ. وباسترجاع سير أولئك الذين وقفوا في وجه المد الصليبي تتضح هذه الحقيقة بجلاء، ولعل أشهر نموذج هو صلاح الدين الأيوبي عليه رحمة الله. وقد أدرك أعداء الإسلام من النصارى واليهود هذه الحقيقة، فكانت الخطوة الأولى التي قاموا بها من أجل السيطرة على بلاد الإسلام وجعلها تابعة ذليلة هي العمل على تفكيك وحدتهم عملاً بمشورة القساوسة ووصيتهم للساسة، ومن بعض أقوالهم في ذلك ما يلي (١) : ١ - يقول القس سيمون: إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب الإسلامية، وتساعد على التملص من السيطرة الأوروبية، والتبشير عامل مهم في كسر شوكة هذه الحركة من أجل ذلك يجب أن نحوّل بالتبشير اتجاه المسلمين عن الوحدة الإسلامية. ٢ - ويقول المبشر لورنس براون: إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنةً على العالم وخطراً، أو أمكن أن يصبحوا أيضاً نعمة له، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير. ويكمل حديثه: يجب أن يبقى العرب والمسلمون متفرقين؛ ليبقوا بلا قوة ولا تأثير. ٣ - ويقول أرنولد توينبي في كتابه «الإسلام والغرب والمستقبل» : إن الوحدة الإسلامية نائمة، لكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ. ٤ - وقد فرح (غابرائيل هانوتو) وزير خارجية فرنسا حينما انحل رباط تونس الشديد بالبلاد الإسلامية، وتفلتت روابطه مع مكة، ومع ماضيه الإسلامي، حين فرض عليه الفرنسيون فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية. ٥ - من أخطر ما نذكره من أخبار حول هذه النقطة هو ما يلي: في سنة ١٩٠٧م عقد مؤتمر أوروبي كبير، ضم أضخم نخبة من المفكرين والسياسيين الأوروبيين برئاسة وزير خارجية بريطانيا الذي قال في خطاب الافتتاح: إن الحضارة الأوروبية مهددة بالانحلال والفناء، والواجب يقضي علينا أن نبحث في هذا المؤتمر عن وسيلة فعالة تحول دون انهيار حضارتنا. واستمر المؤتمر شهراً من الدراسة والنقاش. واستعرض المؤتمرون الأخطار الخارجية التي يمكن أن تقضي على الحضارة الغربية الآفلة؛ فوجدوا أن المسلمين هم أعظم خطر يهدد أوروبا. فقرر المؤتمرون وضع خطة تقضي ببذل جهودهم كلها لمنع إيجاد أي اتحاد أو اتفاق بين دول الشرق الأوسط؛ لأن الشرق الأوسط المسلم المتحد يشكل الخطر الوحيد على مستقبل أوروبا. وأخيراً قرروا إنشاء قومية غربية معادية للعرب والمسلمين شرقي قناة السويس؛ ليبقى العرب متفرقين. وبذا أرست بريطانيا أسس التعاون والتحالف مع الصهيونية العالمية التي كانت تدعو إلى إنشاء دولة يهودية في فلسطين» . وقد ترجم المنصِّرون وأتباعهم تلك التصورات إلى حركات ونعرات عنصرية أو قومية، نجحت في التأليب على دولة الخلافة الإسلامية، وفي تفكيك عرى الأخوة بين المؤمنين عرباً وتركاً. وإذا تأملت رواد حركة القومية العربية وجدت «كثرة كبيرة من رجال الرعيل الأول في هذه الحركة وفي هذا البعث من مسيحيي لبنان، مثل: البستاني، واليازجي، والشدياق، وأديب إسحاق، ونقاش، وشميّل، وتقلا، ومشاقة، وزيدان، ونمر، وصروف، وأغلبهم ممن اتصلوا بالإرساليات الإنجيلية الأمريكية التي بدأت تتوارد على بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لنشر مذهبهم البروتستانتي. وأكثرهم في الوقت نفسه قد رُموا بالماسونية؛ فإبراهيم اليازجي (١٨٤٧ - ١٩٠٦م) ، وأبوه ناصيف اليازجي (١٨٠٠ - ١٨٧١م) كانا على صلة حسنة بالإرساليات الأمريكية الإنجيلية، وكانا يترددان على مطبعتهم في بيروت التي كان يشرف عليها وقتذاك الدكتور فانديك، وقد علَّم اليازجي الكبير في مدارسهم، وأعان ابنه في ترجمتهم التوراة إلى العربية، ثم قدم بعد ذلك إلى مصر ومات بها، واحتفلت المحافل الماسونية في القاهرة والإسكندرية بتأبينه، وهو صاحب قصيدتين مشهورتين في استنهاض همم العرب ودعوتهم إلى إحياء أمجاد آبائهم، ورفض التجبر والاستبداد، وفيهما دعا قومه من العرب إلى الثورة على الأتراك، وختم قصيدته مهدداً الترك بقوله: صبراً هيا أمة الترك التي ظلمت دهراً فعما قليلٍ تُرفع الحجبُ لنطلبن بحد السيف مأربنا فلن يخيب لنا في جنبه أَرَبُ ونتركن علوج الترك تندب ما قد قدمته أياديها فتنتحبُ ومن يعش يرَ والأيام مقبلة يلوح للمرء في أحداثها العجبُ ومن مؤسسي هذه الدعوة أيضاً بطرس البستاني (١٨١٩ - ١٨٨٣م) ، وقد كان أيضاً على صلة بدعاة المذهب الإنجيلي والبروتستانت من الأمريكان، وتولى منصب الترجمة في قنصلية أمريكا ببيروت. وأعان الدكتور (سميث) المبشر الأمريكي، ثم الدكتور (فانديك) من بعده في الترجمة البروتستانتية للتوراة التي تمت في سنة ١٨٦٤م، ثم طبعت في أمريكا سنة ١٨٦٦م، وأعان الدكتور (فانديك) أيضاً في إنشاء مدرسة عبية الأمريكية، وهي مدرسة عليا ترجع أهميتها إلى أنها كانت تقوم بتدريس العلوم الحديثة من جغرافيا وطبيعة وكيمياء ورياضة باللغة العربية. وقد وضعت لذلك كتباً خاصة قامت بطبعها؛ فشاركت بذلك في حركة الإحياء العربية..، ومن الذين شاركوا في هذه الدعوة أيضاً من مسيحيي لبنان (فارس الشدياق ١٨٠١م - ١٨٨٧م) الذي تسمى بعد إسلامه بـ (أحمد) وكان قد اتبع المذهب الإنجيلي على يد المرسلين الأمريكان، فتولوا حمايته من بطش رجال الإكليروس الذين حبسوا أخاه، وعذبوه حتى مات في سجنهم بسبب تغييره مذهبه. حضر على نفقتهم إلى مصر في أيام محمد علي، ثم طوَّف كثيراً بين دول أوروبا والآستانة وتونس ومصر، ووصف كثيراً من هذه الأسفار في صحيفته (الجوائب) التي أصدرها سنة ١٢٧٧هـ. وقد استدعته جمعية ترجمة التوراة البروتستانتية في لندن سنة ١٨٤٨م، فأعان في ترجمتها إلى العربية، وله كتب كثيرة تغلب عليها النزعة اللغوية..، ومن دعائم هذه الدعوة أيضاً (سليم تقلا) مؤسس صحيفة (الأهرام) المصرية (١٨٤٩ - ١٨٩٢م) . تلقى علومه في مدرسة (عبية) التي أنشأها المبشر الأمريكي الدكتور (فانديك) أحد مؤسسي الجامعة الأمريكية التي بدأت سنة ١٨٦٦م باسم (الكلية السورية الإنجيلية) . ومنهم (جرجي زيدان ١٨٦١ - ١٩١٤م) الذي كان على صلة بالمبعوثين الأمريكان، وكان يدعى إلى احتفالات الخريجين بكليتهم، ثم التحق بالجامعة الأمريكية سنة ١٨٨١ لدراسة الطب، وغادرها دون أن يتم دراسته في العام التالي، وهو صاحب المباحث المعروفة في اللغة العربية وآدابها. ومؤلف سلسلة من القصص التاريخية العربية..، ومنذ ذلك الوقت نشأت التفرقة بين العروبة والإسلام على يد هذه الطائفة من المفكرين والكتاب من نصارى الشام» (١) . ولهذا لم يكن مستغرباً أن ينقلب الشاعر العراقي معروف الرصافي على دعاة الجامعة العربية حين عقدوا مؤتمرهم في باريس سنة ١٩١٣م بعد أن كان مؤيداً لهم بشد أزر دعوتهم بشعره، وذلك في قصيدته (ما هكذا) التي بدأها بقوله: أصبحت أوسعهم لوماً وتثريباً لما امتطوا غارب الإفراط مركوباً وفيها يقول: إني لأُبصر في (بيروت) قَائِبَةً للشَّرِ موشِكةً أنْ تُخرِج القُوبَا (٢) لو كان في غير (باريزٍ) تألُّبُهم ما كنت أحسبهم قوماً مناكيبا لكن (باريزَ) ما زالت مطامِعُها ترنو إلى الشام تصعيداً وتصويبا ولم تزل كلَّ يوم في سياستها تلقي العراقيلَ فيها والعراقيبا هل يأمن القوم أن يحتل ساحتهم جيش يَدكُّ من الشام الأهاضيبا وما قاله تحقق، فما انتهت الحرب العالمية الأولى حتى غدت الشام وغيرها من بلاد الإسلام موزعة بحسب القسمة التي تنبأ بها شكيب أرسلان في خطابه الموجه إلى الشريف حسين، حين بلغه عزمه على غزو سوريا مع جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى؛ فأرسل ينهاه عن المضي فيما هو فيه من دعوة زعماء السوريين للخروج على الدولة العثمانية، والالتحاق بالجيش الحسيني العربي، ويحذره عاقبة هذه الغارات التي يضرب فيها العرب بالعرب؛ فيقول له فيما يقول: «أتقاتل العرب بالعرب أيها الأمير، حتى تكون ثمرة دماء قاتلهم ومقتولهم استيلاء إنجلترا على جزيرة العرب، وفرنسا على سورية، واليهود على فلسطين» ثم يخاطب القائمين بالدعوة قائلاً: «قل لهؤلاء القائمين بالدعوة العربية، الناهضين لحفظ حقوقها وأخذ ثاراتها: ماذا إلى اليوم أمنوا من حقوق العرب بقيامهم؟ ليقولوا لنا: ماذا أقاموا للعرب من الملك حتى نشكرهم، ونقر بفضلهم؟ إننا عرب نحب كل من أحب العرب، ونبغض كل من أبغض العرب، ولا نبالي بالقيل والقال أمام الحقائق» (٣) . وحتى لا نستغرق في الاستطراد نرجع فنؤكد على التأثير النصراني في تفرقة المسلمين، وننبه إلى أنه لم يكن وليد العصر الحديث، ولكنه اشتد ونجح في القرون الأخيرة فأتى أُكُلَه وثماره المريرة، ولا يعني ذلك بحال عدم وجود محاولات قديمة من النصارى لتفريق صف المسلمين، بل كانت لهم صولات وجولات كان لها أثرها الفعال في شق صف أمة الإسلام. فـ «المراجع القديمة تثبت لنا أن «القدرية» أخذوا أقوالهم في القدر عن النصرانية، وتذكر لنا اسمين ارتبط بهما شيوع ذلك الاتجاه ونقله إلى المسلمين، وهما: معبد الجهني، وغيلان الدمشقي. قال ابن قتيبة ﵀ عن غيلان: كان قبطياً قدرياً، لم يتكلم أحد في القدر قبله، ودعا إليه معبد الجهني.. ونحو مما ذكره ابن قتيبة نُقل عن الأوزاعي وابن نباتة والمقريزي وغيرهم» (٤) . فأثر النصارى في اختلاف المسلمين قديم، وأما أثر اليهود فهو أظهر وأخطر في القديم والحديث، ولعله لا يتسع المقام لبسطه، وقد ركزت على الأثر النصراني لخفائه عن بعض الناس. - آثار الافتراق المذموم: لن يتناول الحديث آثار الافتراق المحمود والذي مضت الإشارة إليه؛ فالغالب أن آثاره حميدة، ومنها التنوع في أساليب عرض الخير، وتعدد التخصصات الدعوية والإسلامية، وغير ذلك. ولكني سأتناول الآثار السلبية للافتراق المذموم، ولن أطيل في تفصيلها وخاصة أن الواقع يحكيها، ويلقي دروساً مفصلة فيها، ويشرحها شرحاً مسهباً، ولعل من أهمها ما يلي: أولاً: الضعف والعجز: والنتيجة الطبيعية لذلك تخلف النصر والأمة وعجزها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] . قال ابن سعدي: « ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ تنازعاً يوجب تشتت القلوب وتفرقها؛ ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ أي: تجبنوا ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله» (١) . وفي الآية السابقة «عوامل النصر الحقيقية» : الثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله بالذكر، والطاعة لله والرسول، وتجنب النزاع والشقاق، والصبر على تكاليف المعركة، والحذر من البطر والرئاء والبغي..» (٢) . وقد علم العقلاء أن الاجتماع سبب قوة ومنعة.. كونوا جميعاً يا بَنِيَّ إذا اعترى خطبٌ ولا تتفرقوا أفرادا تأبى الرماحُ إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا ثانياً: هلاك الأمة: صح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٣) . قال في تحفة الأحوذي: «واختلافهم عطف على الكثرة لا على السؤال؛ لأن نفس الاختلاف موجب للهلاك بغير الكثرة» (٤) . قال ابن القيم ﵀: «وقد أخبر النبي ﷺ أن هلاك الأمم من قبلنا إنما كان باختلافهم على أنبيائهم، وقال: أبو الدرداء، وأنس، وواثلة بن الأسقع: «خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتنازع في شيء من الدين، فغضب غضباً شديداً لم يغضب مثله، قال: ثم انتهرنا، قال: يا أمة محمد! لا تهيجوا على أنفسكم وهج النار، ثم قال: أبهذا أُمرتم؟ أوَ ليس عن هذا نُهيتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا» . وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص أنهما قالا: «جلسنا مجلساً في عهد رسول الله ﷺ كأنه أشد اغتباطاً، فإذا رجال عند حجرة عائشة يتراجعون في القدر، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول الله ﷺ خلف الحجرة يسمع كلامهم، فخرج علينا رسول الله ﷺ مغضباً يعرف في وجهه الغضب، حتى وقف عليهم، وقال: يا قوم! بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضاً، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به، ثم التفت فرآني أنا وأخي جالسين؛ فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم، قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، والحميدي، وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال أحمد ابن صالح: أجمع آل عبد الله على أنها صحيفة عبد الله» (٥) . ثالثاً: العقوبات المعنوية: روى البخاري وغيره عن عبادة بن الصامت: «أن رسول الله ﷺ خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرُفعت» (٦) الحديث. قال النووي: «وفيه أن المخاصمة والمنازعة مذمومة، وأنها سبب للعقوبة المعنوية» (٧) ، وقال ابن حجر: «قوله: (فتلاحى) بفتح الحاء المهملة، مشتق من التلاحي بكسرها، وهو التنازع والمخاصمة ... قال القاضي عياض: فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة المعنوية أي الحرمان» (٨) . رابعاً: الجهل بالحق والبعد عنه: فإذا رأى طالب الحق أن أهله مختلفين فيه على أقوال عديدة، وكل طرف منهم شط فيما اختار؛ التبس الأمر عليه، وربما نفر من الحق وأهله جراء اختلافهم. ونتيجة هذا أن يعيش أهل الحق غربة بين الناس: وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تَحَكَّمُ خامساً: براءة الرسول ﷺ من المفترقين: قال الله : ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] ، يقول القرطبي ﵀: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ هم أهل البدع والشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة، ﴿شِيَعًا﴾ فرقاً وأحزاباً، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض؛ فهم شيع ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ؛ فأوجب براءته منهم» (٩) . سادساً: اسوداد وجوه طوائف من المفترقين يوم القيامة: كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٧] . هذا والله نسأل أن يلم شعث الأمة، وأن يوحد صفها، وأن يجعل الدائرة لها، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 5112

العمل الإسلامي بين التفاؤل والتشاؤم د. عبد الكريم بكار إذا راجعنا مقولات الخطاب الإسلامي قبل قرن من الزمان، فإننا سنجد أنه كان أكثر تفاؤلاً بحدوث التقدم والإصلاح. قد كان الوعي الإسلامي فرحاً بذاته من خلال اكتشافه رمزيات الانحطاط الذي خيَّم طويلاً على الأمة، واكتشافه آفاقاً جديدة للنهوض، ولكن بعد مرور السنين وتكرار المطالبات بالإصلاح والشعور بأن ما يحدث من تقدم أقل بكثير مما كنا نطمح إليه ـ مال خطابنا اليوم إلى أن يتشح بوشاح اليأس والحزن والعتب على الآخرين وجلد الذات، إنه صار خطاب أزمة أكثر من أن يكون خطاب نهضة. وسبب هذا مفهوم؛ حيث إن الوعي البشري يتخذ من بيان المثالب والشكوى من سوء الأحوال محرضاً على التقدم، لكن الحديث عن السلبيات إذا تجاوز حدوداً معينة، فأصبح سمة عامة للخطاب فإنه يغلِّف العقل ببطانة تمده برموز الاستحالة واليأس، فيميل صاحبه إلى الاستهانة بكل الأفكار والمفاهيم والمقترحات الإيجابية البناءة، ويصير إلى العطالة والانحسار. لا أعتقد أن المطلوب هو الصيرورة إلى الحديث عن الإيجابيات وغض الطرف عن السلبيات؛ فهذا غير صحيح وغير ملائم، لكن قد يكون المناسب هو أن نتحدث عن الإيجابيات والمفاهيم التي تدلنا على حقول الممارسة والطرق المفتوحة، ونتخذ من ذكر ملامح الأزمة شيئاً يؤكد الحاجة إلى العمل، ويثير الاهتمام بضرورة التغيير. إن الانتقال بالأمة نحو وضعية أفضل من الوضعية التي هي فيها يحتاج إلى أمرين جوهريين: الأول: هو إنتاج عدد كبير من المفاهيم التي تساعدنا على اجتراح الواقع واختراق طبقات الحقيقة. إن العقل البشري لا يستطيع رؤية الظواهر الاجتماعية من غير أدوات تساعده على الإبصار، وتلك الأدوات هي مجموعة المفاهيم التي تشكل صورتنا الذهنية عن قضية من القضايا أو مشكلة من المشكلات. إن إنتاج المفاهيم يحتاج إلى بحث عميق ومركّز من قِبَل متخصصين محترفين حتى تتسم تلك المفاهيم بالمصداقية، وتساعد العقل على أن يرى الأشياء على ما هي عليه دون تضخيم أو تقزيم. ونحن في الحقيقة لا نملك من مراكز البحوث ما يكفي لاحتضان الباحثين، كما لا نملك الإرادة المطلوبة لإقامتها والإنفاق عليها. لكن سيكون في إمكان المتخصصين الموجودين مضاعفة إنتاجهم على صعيد توليد الأفكار البناءة، ثم القيام بنشرها على أوسع نطاق ممكن. الثاني: تغييرات ملموسة تطرأ على البيئة التي نعيش فيها، وهذه التغييرات قطعاً هي شيء مغاير للكلام؛ فالكلام وكذلك الأفكار والمفاهيم لا يشكل المطية التي يمكن أن نمتطيها للانتقال من حال إلى حال. التغييرات الإيجابية في البيئة الاجتماعية تنشأ من خلال تغيير النظم والقوانين التي تضع حدوداً للتفاعل الثقافي، كما تنشأ من جملة ما ندخله نحن الأفراد على سلوكنا الشخصي من عادات حميدة، تنشأ عنها علاقات جديدة، تحفز الناس على أن يكونوا أكثر استقامة وأعظم عطاءً. إن القوانين الجيدة حين تطبق بعدل وصرامة تنشئ على المدى البعيد ثقافة شعبية جيدة، ومع الأيام تصبح تلك الثقافة أحد محركات السلوك العضوي، ولو نُسخ القانون أو غاب من يقوم على حراسته، من خلال المزيد من الوعي والفهم والمزيد من العمل والعطاء تتشكل منظومة مترابطة تدفع بالأمة نحو الأمام، فيرتقي خطابها، ويصبح أكثر تفاؤلاً.

стр. 5113

الإسلام الهيولاني أ. د. جعفر شيخ إدريس الإسلام الهيولاني (١) ليس إسلاماً لله تعالى، وإنما هو إسلام لأهواء كل من يدعي الانتساب إليه. إنه إسلام لا صورة له ولا محتوى، ولا يمكن أن يُعرَّف أو يوصف؛ لأنه دائم التغير والتشكل بأشكال تلك الأهواء التي لا تستقر على حال. وهو قابل لهذا التشكل المستمر؛ لأن القرآن في نظر الهيولانيين وإن كان نصاً مقدساً إلا أن فهمه هو دائماً فهمٌ بشري، والفهم البشري يتغير، بل يجب أن يتغير بحسب ظروف القارئ للقرآن زماناً ومكاناً وثقافة ومزاجاً. وإذا كانت الفهوم كلها بشرية فكلها متساوية في كونها فهماً للقرآن الكريم. كيف بغير هذا يكون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان؟ ما الإسلام إذن؟ من حق كل منتسب إلى الإسلام أن يجيب عن هذا السؤال بالطريقة التي يريدها، وليس من حق مخالفه أن يعترض عليه أو يصمه بالكفر أو الابتداع أو حتى الخطأ؛ لأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، وإنما هي أمر نسبي تابع لرؤى الناس وظروفهم. لا فرق إذن بين شيعة وسنة، ولا بين سني وأشعري ومعتزلي وخارجي، ولا بين معترف بالسنة ومنكر لها، ولا بين سلفي وصوفي حتى لو كان الصوفي من النوع الذي يعتقد الولاية في من قال: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسةِ كل هؤلاء متساوون، ولكل منهم من الحقوق ما لغيره في الوطن المسلم الذي يعيشون فيه. فالإسلام اشتراكي إذا كان هوى المنتسب اشتراكياً، وأبو ذر هو الاشتراكي الأول، وخديجة أم الاشتراكية [هذه أسماء كتب ظهرت في الخمسينيات] وهو رأسمالي إذا كان هواه مع الرأسمالية؛ لأن الله أحل البيع، أما الربا الذي حرمه فليس ربا البنوك الذي هو من ضرورات الاقتصاد الحديث، وإنما هو ربا العرب الجاهليين الذي كان يؤخذ أضعافاً مضاعفة استغلالاً لحجة المساكين. والإسلام ديمقراطي؛ لأن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] إذ ماذا تكون الشورى غير الديمقراطية؟ ولكنه أيضاً دكتاتوري؛ لأنه يامر بطاعة الحاكم وعدم الخروج عليه. والإسلام دين الجَمال فهو لا يعترض على شيء من الفنون الجميلة رسماً ونحتاً ولا على ما يرسم أو ينحت مكسواً كان أم عارياً، متحركاً كان أم ساكناً، ما دام الغرض منه تذوُّق الجمال، وإدخال البهجة على النفوس. والإسلام دين المتع البريئة؛ فلا اعتراض فيه على غناء أو موسيقى، ولا على رقص بين رجال ونساء؛ كيف يحرم الغناء والموسيقى من خلق الطيور المغردة ذات الأصوات الشجية؟ والإسلام دين السلام فلا مكان فيه لحرب ولا قتال؛ لأن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧] وأما الجهاد فإن المقصود منه جهاد النفس، وجهاد الكلمة والبيان؛ لأن الدعوة إلى الله لا تكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة. كيف يكون في الإسلام قتال وهو الدين الوحيد الذي يعترف بالآخر ولا سيما إذا كان منتمياً إلى دين إبراهيمي؟ فالدين عند الله الإسلام، وكل الأنبياء مسلمون، وكل ما جاؤوا به من دين فهو إسلام؛ فكل من انتسب إلى دين من تلك الأديان فهو مسلم لا فرق بينه وبيننا نحن المنتسبين إلى الدين المحمدي. فإذا كنا نعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله؛ فإن نصارى اليوم يعتقدون أنه لا نجاة إلا بعبادة المسيح ابن الله، واليهود يعتقدون أنه لا نجاة إلا لمن كان من الشعب الذي اختاره الله. لندع الخلق إذن لخالقها هو الذي يحكم بينها. والإسلام دين الحرية؛ إذ لا إكراه في الدين؛ فمن شاء أن يدخل فيه دخل، ومن شاء أن يخرج منه خرج، ولا تثريب على داخل فيه أو خارج منه، فلا كلام في عصرنا عن ردة ومرتد. إن عصرنا هو عصر حرية التعبير؛ فدعوا كل إنسان يقول ما شاء كيف شاء، ويدعو إليه ويدافع عنه. دعوا الأفكار تتصارع ولا تحكموا على واحد منها بالحرمان من الدخول في حلبة المصارعة. وإذا أراد المسلم أن يهاجر إلى بلد غير إسلامي ويعيش بين ظهراني أهله، فله أن يفعل ذلك؛ لأن الأرض كلها لله، والإسلام دين الله. ولكن عليه إذا اختار تلك الهجرة أن يعطي ولاءه الكامل لحكومة البلد الذي اختار الهجرة إليه، ولدستورها ولا سيما إذا كان دستوراً ديمقراطياً. فعلى من يعيش في الولايات المتحدة مثلاً أن يقرأ الدستور الأمريكي في أذن مولوده كما ينادي بالأذان في الأذن الأخرى (١) . وعليه أن يحتفل بما يحتفلون به من أعياد عامة كعيد الشكر، وأن يذبح البط كما يذبحون. ثم عليه أن يهنئهم بما يختصون به من أعياد دينية نصرانية كانت أم يهودية. إعفاء اللحية من العادات التي لا علاقة لها بالعبادات؛ فإذا كان الناس يرون في الماضي أن اللحية زينة للرجال، وأنها تميز بينهم وبين النساء، فإن ثقافة اليوم تريد أن تقرب بين الرجال والنساء، وأن تمحو الفوارق بينهم؛ فلا بأس على المسلم لذلك أن يحلق لحيته وشاربه، وإن قيل إنه بذلك يشابه امرأته. نظم الحكم وأمور السياسة والاقتصاد هي من أمر الدنيا الذي قال الرسول ﷺ عنه: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» فلا بأس على المسلمين اليوم ان يتخذوا من أنظمة الحكم ما يرونه مناسباً لعصرهم ومحققاً لمطامحهم. وما دام الاتجاه الآن إلى مساواة النساء بالرجال في كل شيء فيجب أن نغير أحكام الميراث فلا يكون فيها فرق بين ذكور وإناث. ويجب أن يكون من حق المرأة أن تزاحم لتحتل مكانها في الصفوف الأمامية من المسجد، وان تخطب المصلين وتؤمهم في صلاة الجمعة كما يؤمهم الرجال. كما يجب أن تنال حقها في الاختلاط بالرجال ومزاحمتهم في أماكن العمل وفصول الدراسة وقاعاتها، وأن ترتدي من الملابس ما شاءت وكيف شاءت ما دام اللبس مما يعتبر في عصرها محتشماً؛ لأن الحشمة مسألة نسبية تختلف باختلاف الثقافات والعادات والتقاليد. لماذا يُضطهد أناس خلق الله فيهم ميلاً طبيعياً إلى جنسهم رجالاً كانوا أم نساء؟ يجب أن نعطيهم حقوقهم في بلادنا الإسلامية كما تفعل الدول الراقية. أما قصة قوم لوط وعقاب الله لهم بجعل عالي أرضهم سافلها؛ فنحن مع أوليري ـ أحد مذيعي محطة فوكس الأمريكية ـ في أنها قصة رمزية لا حقيقة تاريخية، وإلا فلماذا لم يقلب الله مدينة سان فرانسسكو رأساً على عقب؟ كما قال هذا المذيع. وإذا كان من حق هؤلاء أن يقضوا شهوتهم بالطريقة التي تفرضها عليهم (جيناتهم) ؛ فكذلك ينبغي أن يعامل بقية الرجال والنساء فيعطوا من الحرية ما أعطي هؤلاء متزوجين كانوا أم عزاباً ما داموا راشدين وما داموا متراضين. هكذا تفعل الدول الراقية، وهكذا ينبغي أن يفعل المسلمون إذا أرادوا أن يعيشوا عصرهم. أما ما كان يقال من اختلاط الأنساب؛ فقد وفرت لنا حبوب منع الحمل علاجاً شافياً له. وإذا أخذنا بهذا فإنه يغنينا عن مسألة تعدد الزوجات ومشكلاتها. إنه من الواضح لنا أن القرآن لا يقر هذا التعدد؛ لأنه بناه على شرط ذكر لنا أن توفره مستحيل، فقال ـ تعالى ـ في آية: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] ، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] . هذا الدين الهيولاني المطواع هو الإسلام الذي تريده أمريكا وترضى عنه، وما عداه وخالفه فإنما هو إسلام المتشددين من الوهابيين وأمثال الوهابيين الذين ما يزالون يعتقدون أن القرآن كله كلام الله، وأنه يجب الالتزام بكل ما صح عن رسول الله ﷺ ، كما يجب الحكم بما أنزل الله.

стр. 5114

حوار مع الدكتور: محمود الزهار القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية حماس نائل نخلة أكد د. محمود الزهار القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية حماس أن حركته ستواصل المقاومة والانتفاضة بكافة أشكالها؛ حتى تحقيق أهداف الانتفاضة المتمثلة بطرد الاحتلال، رافضاً كل الاتهامات التي توجه لصواريخ القسام؛ بأنها توجد الذرائع للاحتلال لتصعيد عدوانه، متهماً من يردد ذلك بأنه يبرئ الاحتلال من جرائمه. وأوضح الزهار المختفي عن الأنظار منذ عدة أشهر لمجلة البيان أن المفاوضات مع إسرائيل أوصلت القضية الفلسطينية إلى طريق مسدود، وأنه لا بديل عن اعتماد طريق المقاومة، والتي أوضح أنها بدأت تؤتي ثمارها بعد اضطرار إسرائيل للتفكير جدياً في الانسحاب من القطاع. وأجاب المسؤول البارز في حماس عن الكثير من الأسئلة والمحاور التي تهم الشأن الفلسطيني، وفيما يلى نص الحوار: البيان: إسرائيل تقول إنها دخلت إلى شمال القطاع من أجل وقف إطلاق صواريخ القسام؛ فهل تعتقد أن قوات الاحتلال نجحت في مهمتها بعد ١٣ يوماً من العدوان؟ - إن وقف إطلاق صواريخ القسام يستدعي تدمير المصانع والمخزون، وقتل المجاهدين كلهم، والاستيلاء على المخيم لإبادة البنية التحتية للمقاومة، ولا شيء من هذا تحقق، وثلث الشهداء من الأطفال وأغلبية الباقين هم من المواطنين الذين سقطت القذائف على بيوتهم أو في الأسواق.. إن المتابع للصحافة الصهيونية يدرك بوضوح قناعة العدو أنه لم يحقق ذلك؛ فالصواريخ تقذف على المستوطنات، والدبابات الضخمة يتم تفجيرها بمجرد الاقتراب من المخيم، والجنود لا يجرؤون على الخروج من آلياتهم إلا بعيداً عن خط المواجهة كما أن خسائرهم كبيرة. البيان: السلطة الفلسطينية وعلى لسان رئيسها ياسر عرفات طلبت منكم سحب الذرائع من يد إسرائيل، والتي تستخدمها الأخيرة لتسويغ عدوانها على جباليا أمام العالم؛ فما تعليقكم؟ - إن من يعتقد أن العدو الصهيوني يحتاج إلى ذرائع فهو واهم.. ما هي الذرائع لعدوانهم على فلسطين عام ١٩٤٨م، وعام ١٩٥٦م وعام ١٩٦٧م، وعام ١٩٨٢م في لبنان؟ ما هي الذرائع اليوم ضد سوريا ولبنان، وهم يضربون في العمق؟ الحقيقة أن العدو كما عود العالم على أكله الفطير المختلط بـ «دم الأغيار» فإن المائدة السياسية الإسرائيلية الداخلية اليوم تحتاج إلى دم الفلسطينيين في عيدهم لتحل مشكلة الليكود، ومشكلة رئيس بلدية «سديروت» ، ومشكلة «المستوطنين» .. لا توجد صواريخ في الضفة، وهم يكتسحونها صباح مساء، ولو كانت هناك صورايخ وعبوات ما دخلوا.. لندع السلطة وغيرها يقول ما يشاء، ونحن سندافع عن أنفسنا. البيان: هل تتعرض حماس إلى ضغوط عربية لوقف إطلاق صواريخ القسام؟ - لقد عَوّدت حماس الدول العربية عبر علاقات بنتها بصورة متينة على ألا تخضع لضغوط، ولكن بالمشورة والنصيحة والفهم المشترك والحوار، ولو افترضنا أحداً سألنا فسنطلب منه الإجابة كيف ندافع عن أنفسنا..؟ أما أن يطلبوا منا الموت في الشوارع على نمط محمد الدرة فلا، لقد ذهبت تلك المرحلة. البيان: ما حقيقة المبادرة التي أعلنتم عنها شخصياً لوقف إطلاق الصورايخ مقابل وقف الاجتياحات؟ - الحقيقة أنا لم أطرح مبادرات.. إننا نعلن موقفنا موحداً واضحاً.. كل أدوات الدفاع عن النفس هدفنا ضد العدوان وطرد الاحتلال، وعندما يتحقق لنا ذلك فستبقى أدواتنا البسيطة تحت حالة من تبادل الضرر بدلاً من سنوات طويلة كنا نتقبل الضرر وحدنا.. نحن الآن نصدره إلى عدونا إن المشكلة ليست واحدة بواحدة؛ فالاجتياحات يتكبد فيها العدو خسائر، ولكن هناك أرضاً محتلة عليها استيطان، وهناك طائرات بكل أنواعها تقتل، وهناك إغلاق وسجن كامل وتدمير للبيوت والأشجار. البيان: لوحظ اختلاف وتناقض بين موقفكم من هذه المبادرة وموقف الذراع العسكري للحركة؛ إذ أكد الأخير على مواصلة إطلاق الصورايخ؟ - الحقيقة أن موقف الجناح العسكري هو موقف الحركة بكل أجنحتها، وهو موقف المواطن الفلسطيني المؤيد لحماس.. إنه قرار سياسي معلن، ولو تابعتم ما نشر في فضائيات العالم في الأسبوع الأخير من شعبان وبداية رمضان لرأيتم بوضوح ما قيل، ولكن هناك وكالة أنباء أجنبية قامت بتحريف تصريح أحد قادة الحركة السياسية في غزة، وقد تم توضيح ذلك على لسانه وفي بيانات الحركة الرسمية. البيان: تسريبات صحفية تحدثت عن اتصالات سرية بين أطراف فلسطينية وإسرائيلية للوصول إلى تسوية في شمال القطاع، هل أنتم طرف في هذه الاتصالات؟ - نحن لسنا طرفاً في أي اتصالات مع العدو، ولقد نفت السلطة الفلسطينية هذه الاتصالات، نحن لا يلزمنا إلا مصلحة شعبنا، ومصلحته اليوم هي ألا تحقق هذه الاعتداءات على الشعب أي إنجاز، يجب أن يغرق العدو في دمائه، ويترك خلفه أشلاء جنوده ودباباته فلعلَّ ذلك يردعه. البيان: أعلن رئيس بلدية «سديروت» عزمه لقاء خالد مشعل في القاهرة، هل وافقت حماس على مثل هذا اللقاء؟ - رئيس بلدية «سديروت» قال إنه سيدمر «بيت حانون» قبل بدء حملة ندم العدو على دخوله شمال قطاع غزة.. هذه نكتة يطلقها هذا المذعور ليبيع بضائع فاسدة في مجتمع فاسد، نحن لا ننظر إلى مثل هذه الأقوال، ولا نتعامل معها. البيان: أعلن القيادي في حماس «نزار ريان» أن مهندسي القسام يعكفون على تطوير صواريخ أرض جو، ما حقيقة هذا الأمر؟ - نحن قلنا بصراحة إن علينا أن نجد معادلاً لكل أدوات البطش الصهيوني التي مورست علينا؛ فعندما دخل الجنود مترجلين عاد أكثرهم جثثاً، وركّعوا «المركفاه» الضخمة، وتم تفجيرها في الشجاعية، والزيتون، وبيت حانون، ورفح، وخانيونس، وأخيراً في جباليا. إن التحدي اليوم بعد إغلاق الحدود بالسياج هو الصورايخ، والتحدي المطلوب حَلّه هو الطائرات بأنواعها، ونحن لا نملك سوى الدفاع عن أنفسنا بكل الوسائل. البيان: يديعوت أحرنوت ذكرت أن عناصر حماس أطلقوا صواريخ قسام مطورة وذات مدى أبعد تصل إلى ٩ كم، هل نجحت كتائب القسام في تحسين مدى صواريخها فعلاً؟ - إن قدرة حماس اليوم ـ ولله الحمد والشكر ـ أكبر من الأمس في موضوع تطوير الصواريخ المحلية الصنع، ونحن نعتمد سياسة ترشيد السلاح لتحقيق أقصى درجة من النتائج؛ فهذا من حقنا. البيان: لم تنجح حماس في تكبيد القوات الغازية في جباليا أية خسائر جدية، ألا ترى أن هذا قد يشجع إسرائيل على إعادة احتلال القطاع كاملاً؟ - هذه مقولة غير صحيحة؛ إن الحديث عن قتلى وجرحى بالعشرات يؤكده المجاهدون، وشهود العيان في المخيم، وفلتات لسان إعلامية، وفي يوم الثلاثاء ١٢/١٠/٢٠٠٤م اعترف العدو ـ على سبيل المثال ـ بتدمير دبابة كبيرة بعبوة كبيرة، وقال: لم تحدث إصابات أو أضرار؛ فهل يعقل هذا؟ العدو يخفي خسائره لأسباب معروفة، وإلا لما توقف لحظة عن دخول القطاع كما دخل الضفة، إن ضباط الجيش يقولون صراحة: إن دخول القطاع مغامرة خطيرة. البيان: هل صحيح أن السلطة أصدرت أوامر إلى عناصرها في الأجهزة الامنية بعدم المشاركة في التصدي للقوات الإسرائيلية في شمال القطاع؟ - السلطة لم تشارك في كل المواجهات التي حدثت في الزيتون والشجاعية ورفح وبيت حانون وجباليا ... إن الأجهزة الأمنية لم تشارك، ولكن هناك مجموعات محسوبة على فتح، ومنها شهداء الأقصى تشارك، وهذه تتبع فصيلاً وليس جهازاً أمنياً بعينه. البيان: حماس قالت: إنها تتصدر الفصائل التي تقاوم قوات الاحتلال في جباليا؛ فكم عدد الشهداء من حماس الذين سقطوا خلال هذه المواجهات؟ - الأرقام ليست ثابتة؛ فهي في مواجهة يومية؛ فعندما يتم نشر هذه المقابلة ستتضح الحصيلة النهائية، وستقوم بالإعلان عنها وعن خسائر العدو أيضاً، ويجب أن أؤكد أن حماس تتبع سياسة مواجهة فعّالة، وقلصت من حجم الخسائر في صفوفها، وزادت في خسائر العدو، وهذا باعتراف الجميع، ونحن ندخل في حساباتنا خسائرنا في أيام المعركة الذين استشهدوا بعيداً عن خط المواجهة، وبسبب الطائرات. البيان: يرى بعض المراقبين أن حماس باتت تكثر من الأقوال على حساب الأفعال، ويستشهدون بذلك بتهديدات حماس بتطوير صاروخ لضرب عسقلان أي بمدى يصل إلى ٢٠كم، وباستخدام صواريخ أرض جو، وبإيقاع خسائر بشرية فادحة في صفوف الجنود، ولكن أياً منها لم يحدث؛ ألا ترى أن هذا الواقع بات يهدد شعبية حماس التي اتسمت بالمصداقية والدقة في إعلاناتها وتهديداتها خلال سنوات عملها؟ - إن مصداقية حماس ازدادت بسبب ما قلته في سؤالك، لقد خسر العدو في السنوات الأربع الأخيرة أكثر من ألف قتيل، قتلت حماس أكثر من نصفهم، وزاد عدد جرحاهم عن خمسة آلاف، ولحماس نصف النسبة بينهم. حماس صاحبة الصواريخ التي تصل محيط القطاع، وليس لغيرها ذلك. وأما بقية ما ذكرت فإن المصلحة تقتضي عدم الإفصاح عما يفيد العدو ولا يخدم، وحماس ليست في حاجة لأن تقول ما لا تفعل، أو ما لا تملك. المحور الثاني: تصعيد عمليات الاغتيال للقادة الفلسطينيين في الخارج: البيان: أعلنت حماس أنها تجري تحقيقاً داخلياً في جريمة الاغتيال الجماعي التي تعرض لها عناصر من الحركة في ملعب الشيخ أحمد ياسين عقب عملية بئر السبع المزدوجة، هل انتهى التحقيق؟ وما هي أهم النتائج التي توصلتم إليها؟ - نعم! انتهى التحقيق والنتائج أشارت إلى اضطرار المجاهدين التواجد في ملعب واحد، ولكن على مسافات لوجود فصيل آخر كان يتدرب في الملعب المقرر لهم؛ بحيث لا يجتمع عدد كبير، ولانشغال بعض الأماكن المغلقة المعدة لذلك، وقد اتخذت إجراءات بحق بعضهم واستخلاص العبر مما حدث؛ حتى لا تتكرر هذه المصيبة. البيان: بالرغم من الحذر الشديد الذي اتسم به الدكتور الشهيد الرنتيسي ﵀ إلا أن إسرائيل تمكنت من اغتياله، ربما من خلال ثغرة أمنية ما، أو اختراق في الدائرة الضيقة المحيطة به، هل شكلتم لجنة تحقيق للوصول إلى حقيقة ما جرى، وهل وجدتم إجابات شافية على كل الأسئلة التي طرحت حول عملية الاغتيال، والنجاح الأمني الإسرائيلي في الوصول إلى الدكتور تقبله الله من الشهداء؟ - إن الخلل الواضح كان في المرافق الذي جاء إلى مكان تواجد الشهيد الدكتور «عبد العزيز الرنتيسي» ، والخلل الثاني هو خروج الشهيد وطائرات التجسس في الجو وفوق المنطقة، وحدث النزول من سيارة لسيارة أخرى تحت هذه الأجواء؛ وهذا ما توصلنا إليه، وأكدته العديد من المصادر، ولم يكن اختراقاً كما يحلو لبعضهم أن يصفه، علماً بأن كل هذه الإجراءات قد تم الاتفاق عليها من قبل، ولكن ما شاء الله كان. البيان: أنتم على رأس قائمة المستهدفين في الداخل، هل أنتم مطمئنون إلى طبيعة الاحتياطات والإجراءات الأمنية المحيطة بتحركاتكم وحياتكم؟ لقد مررت بتجربة القصف للبيت من طائرة F١٦، وذهب ابني خالد، أسأل الله له القبول. وفي الحقيقة نحن نأخذ بكل الأسباب المتاحة، وحتى الآن تسير الأمور بصورة مرضية، علماً بأنني احتاج في بعض الأوقات الاطلاع على الإعلام، وبعض اللقاءات الهامة مع جهات فلسطينية وإعلامية، والله خير حافظاً. البيان: كيف تنظرون إلى اغتيال الشيخ عز الدين خليل في دمشق؟ - العدو الصهيوني باغتيال الشهيد «عز الدين الشيخ خليل» قد وجه عدة رسائل في اتجاهات متعددة، في تصوري السكوت عليها لمن يهمه الأمر سيغريه أكثر، وليس معنى أن أمريكا والعالم أطلق للعدو الصهيوني اليد ألا ندافع عن أنفسنا، ولكن المسالة معقدة، وتحتاج إلى حسابات دقيقة، ومن هذه الحسابات ضرورة حماية ما يجب حمايته من إنسان أو أرض أو سيارة. البيان: صحيفة عربية سربت خبراً يفيد بأن بلداً عربياً سلّم الموساد ملفاً أمنياً دقيقاً عن قادة حماس في الخارج، مما سهل من عملية الاغتيال الأخيرة، ما هو تعقيبكم على هذا النبأ، وهل لديكم تفاصيل أخرى تضيفونها، ومن هو البلد العربي المقصود؟ - إن التعاون الأمني في المنطقة العربية عموماً وفي بعض البلدان على وجه الخصوص ليست سراً، ليس فقط ضد حماس، ولكنه ضد دول ومصالح إقليمية، وأعتقد أنه لا توجد أسرار في هذا العالم، وما لا يكشف للعلن اليوم سيفضحه الغرب نفسه غداً. إن المتضرر الأول لهذا التعاون في أي مكان وعلى أي مستوى هو المتعاون نفسه. إنها خيانة بكل المقاييس الدينية والوطنية والأخلاقية، ولا أريد أن أضيف. البيان: لماذا الشيخ «عز الدين خليل» تحديداً هو من اغتالته إسرائيل؟ هل لأنه هدف سهل أم لدور جهادي ريادي كان يقوم به في الخارج؟ «لعز الدين الشيخ خليل» دور مشرف في المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني في الانتفاضة الأولى، وقد أبعدته قوات الاحتلال في عام ١٩٩٣م، ولا أعرف ما هو دوره في الخارج، ولكنه شخصية محترمة في الشجاعية، وغزة.. نسأل الله له القبول. البيان: الشيخ «عز الدين الشيخ خليل» كان يتحرك بأسماء وهمية، وفي دائرة ضيقة جداً، وبالرغم من ذلك وصل إليه الموساد، كيف حصل هذا؟ - هذا الأمر مطروح للتحقيقات في الخارج، والتي لم تنته حتى الآن. البيان: إسرائيل قالت عبر وسائل إعلامها إن الشهيد كان مسؤولاً عن شراء ونقل السلاح إلى القطاع والضفة، هل من تعليق؟ - العدو الصهيوني يحاول دائماً أن يسوغ جرائمه، إذا كانت هذه الأقوال صحيحة؛ فهذا شرف وجهاد، أما تفاصيل نشاط الإخوة في الخارج فلا نعرف عنه شيئاً. البيان: هل تربط بين الاستهداف الإسرائيلي لقيادات حماس في الخارج وبين الاتصالات التي تجريها الحركة مع أطراف إقليمية لترتيب الأوضاع في القطاع بعد الانسحاب الإسرائيلي منه؟ - إن إعلان حماس واتصالاتها مع أطراف إقليمية ليست جديدة، وترتيب الأوضاع في الأراضي المزمع الانسحاب منها ضرورة إقليمية وفلسطينية.. ومن مصلحة العدو أن يفسد هذه العملية، ولكن الاستهداف الصهيوني ضد حماس عملية متعددة الأغراض؛ فالحركة موجودة في الداخل وفي الخارج، واستهداف أي من هذه القيادات لن يؤثر في دور الحركة الوطني والإقليمي. البيان: ماذا لو نجح الموساد في الوصول ـ لا قدر الله ـ إلى السيد «خالد مشعل» أو أي من قادتها البارزين في الخارج؟ فكيف سيكون رد حماس على مثل هذه الجريمة؟ وهل ستغيرون من استراتيجيتكم في عدم تصدر الصراع إلى خارج أرض فلسطين؟ - لقد تم استهداف الأخ «خالد مشعل» قبل ذلك، وأخفق العدو. إن جهاد حماس ليس رد الفعل العشوائي. إن كل عملية يتم دراسة كل أبعادها وسلبيات وإيجابيات وتصدير العمل إلى خارج الساحة الفلسطينية يخضع لحسابات متعلقة بالساحة، وهذا أمر ليس للنقاش في وسائل الإعلام. المحور الثالث الأخير: محصلة الانتفاضة ومستقبلها بعد أربعة أعوام: البيان: دخلت الانتفاضة عامها الخامس، هل أنتم مصممون على أن المقاومة هي الخيار الوحيد لاسترجاع حقوق الشعب الفلسطيني؟ - لقد جربت منظمة التحرير المفاوضات؛ فمنذ مدريد مروراً بأوسلو وصلت القضية الفلسطينية إلى طريق مسدود، إضافة إلى دماء وفساد؛ فكان لا بد من اعتماد خيار آخر؛ فكانت المقاومة، وهي وسيلة هدفها طرد الاحتلال. واليوم بدأنا نسمع عن نية الاحتلال الرحيل عن القطاع وشمال الضفة؛ فإذا تحقق ذلك فستكون المقاومة قد حققت جزءاً من أهدافها. لقد عاش الشعب الفلسطيني حالة استقبال الموت والضرر، والانتفاضة صدرت في المقابل نفس الحالة إلى العدو. وهذا خلق حالة من التراجع الأمني والاقتصادي والسياحي والهجرة القادمة وتشجيع الهجرة والمعاكسة. وليس المهم حجم الخسائر في الطرف الأخر، ولكن قيمة الأثر الذي أحدثته المقاومة، ولقد كبدت المقاومة العدو خسائر ١٣مليار دولار خسائر في ٤ سنوات، وهجرة ٧مليارات دولار إلى الخارج، وهذا ما نلمسه اليوم في الصراخ في كل مكان من تراجع أهم أسباب الهجرة. البيان: الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني لقاء استمرار الانتفاضة كان باهظاً، ويعزى بعض ذلك إلى العمليات الاستشهادية التي أصرت حماس على استخدامها، وما يتبعها من ردود أفعال إسرائيلية قاسية ضد الشعب الفلسطيني، ما تعقيبكم على ذلك، وهل حماس مصرة على العمليات الاستشهادية وإطلاق الصواريخ؟ - إن أحد أهم إنجازات الإعلام الصهيوني هو اختراق أفكار بعض المنهزمين؛ ولذلك حمَّلوا حماس مسؤولية المجازر التي ارتكبها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني؛ فهل إزالة ٤٥٠ قرية ومدينة في عام ١٩٤٨م، ومذابح كفر قاسم، وصبرا، وشاتيلا، وخان يونس، ومذابح ١٩٥٦م و١٩٦٧م و١٩٨٢م كلها بسبب حماس؛ إن هذا الطرح يحمِّل الضحية مسؤولية استفزاز الجزار.. ما نسمي قصف الطائرات الـ F١٦ لبيوت وأسواق ومدارس؟ كل ذلك رد فعل. إنه لشرف عظيم أن نملك مثل هذه الأدوات الحربية لمهاجمة المجرمين، وإن لم يتوفر لنا ما ندافع به عن أنفسنا فنستمر في إبداع المقاومة. البيان: بعد سنوات الانتفاضة هذه وضع شارون خطة الانفصال عن غزة، حماس ترى أنها انتصار للمقاومة إلا أن أقوال مدير مكتب شارون سابقاً دوف فايسغلاس كشفت أن هدف الخطة الحقيقي هو تجميد عملية السلام، ووضع مسألة إقامة الدولة الفلسطينية على الرف لسنوات طويلة، كيف ترى هذا؟ - هل تجميد عملية السلام جاء بناء على الانتفاضة أم أنها بدأت في عهد رابين، ثم في عهد بيريس ونتنياهو وباراك وشارون؟ ألم تتوقف المسيرة بعد «كامب ديفيد» قبل الانتفاضة الأخيرة؟ ومن قال إن عملية السلام كانت ستأتي بدولة؛ فهذه خدعة إعلامية، ونحن على قناعة أن طرد الاحتلال من أي شبر من الأرض الفلسطينية هو الذي يقرب من الاستقلال. البيان: العام الأخير من الانتفاضة كان دموياً وقاسياً على حركتكم التي فقدت مؤسسها الإمام الشهيد أحمد ياسين وقائدها الدكتور «عبد العزيز الرنتيسي» ، هل تجاوزت حماس هذه الضربات؟ - إن المراقب للواقع الحالي للحركة يقول عملياً: إن الحركة استمرت تكسب على كل المستويات؛ فالانتفاضة لم تتراجع، والدعوة تكسب في كل لحظة موقعاً جديداً، والحركة موحدة والسياسات واضحة، والتواصل الحركي في الداخل والخارج وعلى كل المستويات يسير بيسر؛ والحمد لله. البيان: كل استطلاعات الرأي ترجح فوز حماس في أية انتخابات، وأنها تحظى بشعبية متزايدة في الشارع الفلسطيني، فكيف ستحافظ حماس على زخمها في الشارع؟ - هذه واحدة من علامات تقدم حماس حتى بعد الخسائر الكبيرة في العام الأخير. إن حماس كما تخدم القضية الوطنية بالمقاومة، وتضحي من أجل ذلك فإن الحركة وبعد طرد الاحتلال ستقوم بالإصلاح عبر التغير. إن نجاح برنامج المقاومة في المستقبل يعتمد على تقوية البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، وهذه كلها روافد العمل المسلح حتى استرداد كامل الحقوق الفلسطينية. البيان: حماس محاصرة مالياً وأمنياً وعسكرياً وسياسياً، فهل تستعصي الحركة على الاستئصال؟ وما هي مقومات صمودها بما يضمن لها الاستمرارية؟ - الواقع العملي يقول بأن حماس لم تتأثر بكل هذه الوسائل التي شاركت فيها دول أجنبية ـ وعلى رأسها أمريكا ـ ومع ذلك فإن المساعدات الداخلية للحركة وللجهاد بالذات كانت مذهلة للعديد من المراقبين. إن شعبية حماس تزداد كل يوم، ولا بد من الحفاظ على هذا الدعم عبر حمل هموم هذا الشعب المعطاء، وتخليصه من كل القيود التي تعيق انطلاقته، وأهمها الدفاع عنه كما يحدث اليوم في منطقة مواجهة، ويستدعي ذلك الدفاع عن مصالحه الخدماتية، وهذا يأتي بالمشاركة في الانتخابات إن حدثت بعد استيفاء الظروف المناسبة كالسقف السياسي، وضمانه الشفافية والنزاهة. البيان: ما هو مستقبل الانتفاضة الحالية؟ - إن ما نتمناه ونخطط له هو أن تحقق الانتفاضة أحد أهدافها وهو طرد الاحتلال من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، ثم استمرار المقاومة في كل شبر حتى يتم التحرير، وفي نفس الوقت إعادة ترميم ما خلفه الاحتلال في مناحي الشعب الاجتماعية. البيان: متى ستكون حماس مع وقف الانتفاضة والتهدئة؟ - فقط بعد طرد الاحتلال من كل شبر احتُل. إن هدف الشعب الفلسطيني هو أن يعيش ككل شعوب الأرض، ولن يتحقق ذلك دون التحرير، واستكمال كل مظاهر السيادة. البيان: كلمة توجهها إلى العالمين الإسلامي والعربي عبر مجلة البيان؟ - أريد أن أذكر أن في الشعب الفلسطيني الآلاف ممن فقدوا رزقهم، ودمرت بيوتهم ومزارعهم، وفقدوا أحب الناس إليهم: أبناءهم وآباءهم وإخوانهم وجيرانهم..؛ ومع ذلك فهم على رباط، وأقول ما قاله الرسول #: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله» ، وحتى لا تضيع هذه التضحيات فإن أهم ما نحتاجه منكم وخاصة من رجال الفكر أن يحافظوا على ثقافة المقاومة؛ فهي ضرورة للأمتين العربية والإسلامية ضد الهجمة الغربية على تراثنا وحضارتنا وديننا.

стр. 5115

حوار مع خضر حبيب نائل نخلة حوار مع خضر حبيب العضو السياسي في حركة الجهاد الإسلامي المقاومة هي اللعة التي يفهمها العدو أكد خضر حبيب القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أن المقاومة هي الخيار الوحيد لتحقيق الحقوق الفلسطينية، وأنها هي الوحيدة القادرة على توحيد الشعب الفلسطيني الذي فرقته اتفاقات السلام. وعبّر حبيب في حوار خاص لمجلة البيان عن أسفه للأنباء التي تحدثت عن أن دولة عربية زودت الموساد بملف عن قادة حماس، مؤكداً أن حركته لن تصدّر الصراع للخارج تحت أي ظرف كان. ونفى حبيب المزاعم التي تقول إن العمليات الاستشهادية هي سبب ضخامة الضحايا في الجانب الفلسطيني مؤكداً أنها تصب في خدمة الشعب الفلسطيني، وتسعى لإيجاد توازن رعب مع المحتل الصهيوني. وهذا نص الحوار: البيان: بعد انتهاء العدوان على شمال القطاع.. هل تعتقد أن قوات الاحتلال نجحت في مهمتها بعد ١٣ يوماً من العدوان؟ - قوات الاحتلال لم تنجح في حملتها؛ لأنها جاءت لوقف المقاومة ووقف إطلاق الصواريخ، والتي استمرت حتى في الوقت الذي كأنت تحتل شمال القطاع، وكانت الصواريخ تنطلق على سديروت والمستوطنات. البيان: السلطة الفلسطينية طلبت منكم سحب الذرائع من يد إسرائيل، والتي تستخدمها الأخيرة لتسويغ عدوانها على جباليا أمام العالم، ما هو تعليقكم؟ - شيء عجيب أن يطلب العالم من الضحية أن تسكت تحت التهديد، وهذا أمر مرفوض منا كشعب فلسطيني وقوى مقاومة.. من حق شعبنا أن يقاوم، وإسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع لضرب شعبنا؛ فهي تمتلك خطة مبرمجة لضرب وتصفية شعبنا الفلسطيني. البيان: خسائر فادحة تكبدها الشعب الفلسطيني من حملة شمال القطاع.. ألم يكن من الممكن تخفيض وتقليل هذه الخسائر - وخاصة المادية منها؟ - هذا عدوان مفتوح على شعبنا الفلسطيني، ونحن كشعب فلسطيني ندافع عن قضية عادلة وهو واضح.. ولدينا الجاهزية للتضحية، ونحن نعرف أن عدونا يتألم كما نتألم وهذه المسألة لا تقاس من زاوية الربح والخسارة؛ فهذه قضية مبدأ. البيان: هل تعمل سرايا القدس على تطوير صواريخ قدس لقصف المستوطنات؟ - بكل تأكيد كل قوى المقاومة تعمل على تطوير إمكانياتها بما فيها سرايا القدس، وتقصف بها القرى الإسرائيلية، وهذا دأب المقاومة دوماً. البيان: هل تتعاون سرايا القدس مع حماس في تطوير الصواريخ؟ - حقيقة هذه معلومات يختص بها الجهاز العسكري، نحن كسياسيين لا نملك هذه المعلومات، ونتمنى أن يكون ذلك؛ لأن إخوأننا في حماس يربطنا بهم أكثر من رابط. البيان: لم تفلح المقاومة في تكبيد العدو خسائر جدية في الشمال ألا يشجع هذا إسرائيل على التفكير في احتلال القطاع كاملاً؟ - هذا غير صحيح! إسرائيل تكبدت خسائر في المعدات والأفراد، وعلى الجميع أن ينظر للفارق الكبير في المعدات التي يمتلكها عدونا وقدرات شعبنا الذي يمتلك فقط الإرادة والتصميم على خوض المعركة. البيان: اغتالت إسرائيل عام ١٩٩٥م الشهيد فتحي الشقاقي في الخارج، وعادت الآن لاغتيال قائد في الخارج من قادة حماس، ألا تخشون أن تصعد إسرائيل دائرة اغتيالاتها لتطاع قادتكم في الخارج؟ - هذا احتمال وارد؛ وأول من تعرض للاغتيال في الخارج الشهيد فتحي الشقاقي، ونحن نضع هذا في حساباتنا، لكن نحن كمقاومة نعمل فقط على حصر مقاومتنا في فلسطين. البيان: هل لديكم تحذيرات في هذا الشأن؟ - الموضوع لا يحتاج لتحذيرات، فهناك معلومات أكيدة على أن إسرائيل تستهدف المقاومة وقادتها في الداخل والخارج؛ هذه معلومات أصبحت واضحة للعيان، ونحن نأخذها على محمل الجد. البيان: اغتالت إسرائيل مؤخراً قائد سرايا القدس بشير الدبش وقبله الكثيرين، هل تعتقدون أن هناك ثغرة أمنية واختراقاً للدائرة الضيقة لهؤلاء الشهداء، وهل تحققون فيما يجري؟ - بكل تأكيد كل محاولة اغتيال يعقبها بحث وتحقيق في كيفية ظروف الاغتيال وفي الدائرة المحيطة بها.. نحن ندرك أن عدونا يمتلك قوة تكنولوجية هائلة من طائرات بدون طيار، إلى طائرات أباتشي..، وهي تمتلك ما يؤهلها للقيام بهذه الاعمال. ونحن لا نستبعد أن تكون هناك اختراقات في الدائرة الاجتماعية الضيقة للشهداء، وأن تكون هناك أيدٍ خفية تهدد شعبنا الفلسطيني ونحن نأخذ هذا في الحسبان. البيان: هل أنتم مطمئنون للاحتياطات الأمنية التي تتبعونها؟ - نحن نعمل ما نقدر عليه والباقي يرجع لمشيئة الله، وندرك أن هذا بيد الله وندرك أن كل قوى الأرض لن تستطيع إنقاص عمر إنسأن دقيقة واحدة، ونحن نعمل المفروض أن نعمله والأقدار يحددها الله. البيان: صحيفة عربية ذكرت أن دولة عربية سلمت الموساد ملفاً عن قادة حماس، ما تعقيبكم؟ خاصة أن هذا الأمر قد يطال قادة الجهاد، وهل لديكم معلومات؟ - سمعنا هذا الخبر، وهذا شيء مؤسف أن يتورط من نعتقد أنهم سند لمقاومة شعبنا أن ينخرطوا لصف الأعداء، ويقدموا المعلومات؛ كي يتم اصطياد المجاهدين، ونتمنى ألا يكون.. ولا معلومات دقيقة لدينا في هذا الشأن. البيان: إذا أقدم الموساد على اغتيال قادة الجهاد في الخارج فكيف ستتصرفون؟ وهل ستصرون على حصر المقاومة في الداخل؟ - نحن نعمل على عدم تصدير الصراع للخارج، ونعمل على حصره في داخل فلسطين، وحتى لو تم اغتيال أي قائد أو عنصر حتى إن كان على مستوى رأس الهرم؛ فهذا شيء لن يوقف مسيرة شعبنا الفلسطيني؛ فشعبنا يدافع عن حق واضح وقضية مقدسة، ونحن مستعدون للتضحية بأغلى ما نملك؛ فقبل ذلك تم اغتيال الشهيد القائد فتحي الشقاقي؛ وحركة الجهاد تعاظمت وكبرت وأصبحت من الأرقام المهمة على الساحة الفلسطينية. البيان: دخلت الأنتفاضة عامها الخامس؛ فهل أنتم مصممون على أن المقاومة هي الخيار الوحيد لاسترجاع حقوق الشعب الفلسطيني؟ - بكل تأكيد؛ فأرض الواقع تثبت أن المقاومة هي الخيار الوحيد، وهي اللغة التي يفهمها عدونا الذي جاء لينتزع الأرض، ويهجر الشعب ويقتل ويدمر. عدونا لديه مخططات واسعة، وإن لم يتم لجمها ووضع حد لها حتى لا تتمدد وتصبح كالغول، وتهدد كل الأقطار العربية والإسلامية، وليس شعبنا فقط. وعلى شعبنا وأمتنا أن تدرك أنه لا بد من التخلص من هذه الفئة السرطأنية المسماة إسرائيل. البيان: يُرجع بعضهم الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الفلسطيني خلال الأنتفاضة لأسلوب العمليات الاستشهادية نظراً للرد الإسرائيلي القاسي فما رأيكم؟ - نحن مع استخدام أي اداة للمقاومة وسواء كانت عمليات استشهادية أو إطلاق صواريخ، هذه أدوات لتعمل توازن رعب مع المحتل.. حقيقة العمليات الاستشهادية كأنت دوماً لصالح شعبنا وصالح المقاومة. غير صحيح أن هذه هي سبب فداحة الضحايا؛ فالعدو لديه خطة لقتل شعبنا ومحوه عن الخارطة، ونحن نتصدى بكل إمكأنياتنا لهذا المشروع الاستيطأني الإحلالي الذي يعمل على أنتزاع شعبنا ووطنه. البيان: ما موقفكم من الانتخابات، وهل ستخوضونها؟ - نرجِّح ألا تكون انتخابات؛ لأنه إذا أجريت فسيفوز بها الإسلاميون، ولن ترضى أمريكا وإسرائيل بذلك، وإذا أجريت أنتخابات رئاسية فسيفوز بها أبو عمار.. وهو شخصية غير مرغوب بها لدى الإدارة الأمريكية وشارون؛ لذلك نستبعد إجراءها؛ ربما تعقد أنتخابات بلدية، وسنقرر وقتها؛ فنحن لم نقرر المشاركة حتى الآن، لكننا أوعزنا لكوادرنا وانصارنا أن يسجلوا أسماءهم في سجل الناخبين حتى يضمنوا حقهم. البيان: المقاومة محاصرة فهل تستعصي على الاستئصال بما يضمن لها الاستمرارية؟ - مقاومة شعبنا لا يمكن استئصالها على الإطلاق؛ لأن شعبنا يمتلك مظلومية هي الأوضح والأكثر بياناً على مستوى العالم، ولا يمكن استئصال المقاومة إلا إن رجع الحق لأصحابه. البيان: هل من كلمة أخيرة توجهونها للأمتين العربية والإسلامية؟ - نحن يجب أن نذكر دوماً أن شعبنا الفلسطيني لا يدافع عن فلسطين فقط، بل يتصدى لمشروع آثم يستهدف الأمة وعلى شعوبنا العربية والإسلامية أن تدرك هذه الحقيقة، وأن تقف بجانب شعبنا الفلسطيني؛ لأن كسر شوكة شعبنا ـ نسأل الله السلامة ـ ستصبح معه كل العواصم مستباحة من العدو الصهيوني والأمريكي

стр. 5116

إصلاح التعليم وأزمة اللغة العربية في العالم الإسلامي (١ـ٢) د. فريد الأنصاري مقدمة: لا شك أن قضية النهوض الحضاري هي مشروع شمولي كلي؛ فبناء الأمة إنما يكون ببناء كل أركانها، كما أن انهيار ركن من الأركان مؤدٍّ بالضرورة إلى انهيار كل الأركان، كما هو مقرر في قواعد الأصوليين. إن البناء إذا ما انهد جانبه لم يأمن الناس أن ينهد باقيه! من هنا إذن كانت قضية اللغة العربية ـ باعتبارها جزءاً جوهرياً لا يتجزأ من مفهوم (إقامة الدين) ـ قضيةً من أهم قضايا مشروع التجديد والإصلاح، بمعناه الإسلامي الشامل. لا يمكن أن تحصل نهضة حقيقية لهذه الأمة بغير نهضة لغوية، متزامنة مع المشروع الكلي، وخادمة له، سواء من ذلك ما تعلق بتأصيل الفهم والتلقي للخطاب اللغوي من الوحي خصوصاً، والتراث العلمي الإسلامي عموماً، أو ما تعلق بالبلاغ والتواصل التعبيري المرتبط بالمفاهيم المكوِّنة لهوية الأمة على الإجمال. وما بين هذا وذاك تنتصب مشكلة إصلاح اللغة من ضروب المراجعة والتدقيق في هوية ما نروِّجه بوعي، أو بغير وعي من عبارات صنعها لنا (الآخر) على عينه، وتحت نظر مجهره؛ لتكون لنا حزناً وخراباً عقَدِيّاً، وإرباكاً لمشروع إعادة البناء والإعمار للحضارة والإنسان! لم تكن اللغة يوماً نافلة في مجال التدافع الحضاري، وساحة الصراع الأيديولوجي إلا عند من لا يفقه سنن المغالبة بين الأمم والشعوب؛ بل كانت ولا تزال من أهم مواقع الصراع الفكري، ومن أخطر أسلحة الاحتواء الاستراتيجي لثقافات الشعوب وتمييعها؛ لإخراجها عن طبيعتها وصبغتها؛ ولولا ذلك لما كانت الفرنكوفونية اليوم تجري في تنافس محموم مع الأنجلوسكسونية؛ لاحتلال مواقع التأثير الثقافي في العالم. ومن هنا تعيش اللغة العربية اليوم أزمة شديدة على وِزَانِ الأزمة العامة للأمة؛ بما هي مغلوبة على أمرها، تستهلك أكثر مما تنتج في كل المجالات تقريباً، من عالم الأفكار إلى عالم الصناعات، إلى عالم العادات وأشكال (الموضة) ، حتى تسريحة شعر الرأس، ولحن الخطاب في التحية أو إلقاء الخبر. أزمة اللغة العربية اليوم واقعة بما هي مبرمجة للاغتيال، ضمن مشروع استعماري تدميري كلي لهوية الأمة، في إطار الاستعمار العولمي الجديد للعالم. وليس بعيداً عن هذا فرض الاستكبار الأمريكي على الدول الإسلامية من خلال (مراجعات) شتى، و (إصلاحات) شتى لمناهج التربية والتعليم وبرامجهما برؤى خبيثة، لم تنس طبعاً في برمجتها الاستئصالية تناول جذور اللغة العربية بالقرض والتنقيص الممنهج، سعياً نحو أمية لغوية عامة في العالم الإسلامي تعزل المجتمع عن كتاب ربه وسنة نبيه، وتفصله عن تراثه الإسلامي الأصيل. ولذلك كان لا بد من تسليط الضوء على هذه القضية الحساسة في مشاريع إصلاح التعليم المتتالية على العالم العربي والإسلامي، أعني قضية اللغة العربية؛ فكانت هذه الندوة التي اخترنا لها عنوان: (أزمة اللغة العربية في برامج إصلاح التعليم) . وقد شارك فيها أساتذة باحثون مختصون في المجال، ومن أهل الخبرة والتجربة الميدانية: أولاً: الأستاذ الدكتور قاسم عزيز الوزاني أستاذ التعليم العالي (متقاعد) ، خبير لدى منظمة الإسيسكو في التربية والتعليم، تخصص اللغة العربية، ومبعوث معتمد لديها إلى البلاد الإسلامية. شارك في وضع الكتاب المدرسي للغة العربية بالمغرب ولدى بعض الدول الإسلامية، شارك في توجيه برامج التعليم المعتمدة لدى وزارة التربية الوطنية بالمغرب وفي بعض الدول الإسلامية. شغل عدة مهام إدارية لدى وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي بالمغرب. شارك في الإشراف على برنامج التعريب لتدريس العلوم بالتعليم الأساسي والثانوي، وهو الآن عضو بالمجلس العلمي للإرشاد الديني. ثانياً: الأستاذ الدكتور عبد النبي الدكير أستاذ التعليم العالي بجامعة السلطان المولى إسماعيل بالمغرب، تخصص النحو العربي، اشتهر لدى طلابه بنظريته في النحو العربي الموسومة بـ (نحو العلامة) . عضو المركز الجامعي لتعليم اللغة العربية وحضارتها لغير الناطقين بها. عضو معهد الدراسات المصطلحية بجامعة السلطان محمد بن عبد الله بفاس. له مشاركات متميزة في الندوات الجامعية، والأنشطة الثقافية المتعلقة باللغة العربية والدراسات القرآنية. ثالثاً: الأستاذ الدكتور أبو القاسم اليوبي أستاذ التعليم العالي متخصص في اللسانيات الحاسوبية، قسم اللغة العربية. جامعة السلطان المولى إسماعيل، وجامعة الأخوين. أستاذ زائر في الجامعات الأمريكية. عضو معهد الدراسات المصطلحية بجامعة السلطان محمد بن عبد الله بفاس، عضو المركز الجامعي لتعليم اللغة العربية وحضارتها لغير الناطقين بها. رئيس وحدة الدراسات العليا في اللسانيات. مسؤول نشيط في هيئة (النقابة الوطنية للتعليم العالي) بالمغرب. ولنبدأ بسؤال تمهيدي لقضايا هذا الموضوع، وهو كما يلي: البيان: (اللغةُ فِكْر) : مقولة مشهورة في الفكر المعاصر؛ فإلى أي حد ترون أنها صحيحة؟ وبأي معنى تتصورونها؟ - د. الدكير: الأزمة أزمة إنسان لا أزمة لسان؛ فما الكلام إلا فعل من الأفعال التي تترجم عن الإنسان ويختبئ دونها، وهي تحمل سيماه سِيما يعرفها الناظر، ويلمسها البصير بالكلام واحدة واحدة. إن القرآن الكريم مثلاً مطبوع بطابع الربوبية، والحديث الشريف مختوم بخاتم النبوة، وكل منها يمتاز بعلامات يلحظها كل من ألقى سمعه، ومدّ بصره وهو شهيد، وكل كلام دونهما يحمل أيضاً بصمات قائله؛ إذ المرء بأصغريْه، والرجل هو الأسلوب؛ على أن اللغة فكر. ويمتاز اللسان العربي بأن من امتلكه يتلقى عن الله مباشرة؛ إذ يشرب من معين القرآن إذا قرأه، وإنما جاءنا القرآن بلسان عربي مبين. - د. اليوبي: تماماً الأمر كما بيَّنَ فضيلة الأستاذ الدكير؛ فمقولة (اللغة فكر) : بمعنى أن اللغة هي وعاء الفكر، وهي مقولة مشهورة، نجد لها أصلاً في التراث العربي. وقد جاء في تعاريفهم أن اللغة: كل لفظ وضع لمعنى، وأنها عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني، وأنها لسان القوم الذي يتعارفون ويتواصلون عبره؛ فهي إذن كلام مصطلح عليه بين كل قوم، وهي طريق الدلالة على ضبط كلمة لها وجوه متعددة في الاستعمال. ومن هنا قول ابن الحاجب في مختصره: (حد اللغة: كل لفظ وضع لمعنى) ، وجاء في شرح منهاج الأصول للأسنوي: (اللغات عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني) . ويعرِّفها ابن جني بقوله: (باب القول على حد اللغة: أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم) (١) ؛ ويعرفها ابن خلدون بقوله: (اللغة في المتعارف هي: عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل اللسان، ناشئة عن القصد في إقامة الكلام. فلا بد أن تكون ملكة مقررة في العضو العامل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم) . كما تعرف بكونها أداة تواصلية واصفة. وإذا كان ثمة شيء ينوب عنها تحليلاً وتفسيراً، كالأرقام والرموز فمع ذلك لا بد منها؛ لكي يستدل بها على المعاني المتوخاة من هذه الأرقام، والدلالات المطلوبة من هذه الرموز؛ فهي إذن على حد تعبير تمام حسان: (منظمة عرفية للرمز إلى نشاط المجتمع، تشتمل على عدد من الأنظمة، يتألف كل واحد منها من مجموعة من المعاني، تقف إزاءها مجموعة من المباني المعبرة عن هذه المعاني، ثم من طائفة من العلاقات التي تربط فيما بينها) (١) ؛ فاللغة باعتبارها نصوصاً واصفة؛ تقوم بدور (تشكيل وعي الجماعة وسلوك أفرادها، أي علاقة اللغة بالثقافة كأداة؛ لتوحيد الجماعات في مجتمع خاص بهم) (٢) . فاللغة تبعاً لهذه التعاريف وعاء للأمة تجعل فيه أفكارها، وثقافتها، ومعارفها، وتاريخها، وبها تصاغ مقومات وخصائص وجودها، ومن ثم فإن التضييق على اللغة العربية ومحاولة القضاء عليها، أو استئصالها فعل ينضاف إلى المحاولات الاستعمارية الساعية إلى محو أهم خاصيات الأمة، بل محق وجودها. ولو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن من يبتعد عن لغته إنما يفقد ذاته. وفقدان الذات يحمل معه فقدان الثقافة، وتشتت اللغة يعني انفصام الرباط الذي يجمع بين متكلميها، والنتيجة الحتمية هي اندثار الثقافة التي يمثلونها. وإن العامل اللغوي كان ولا زال أهم العوامل في توحيد الشعوب والجماعات البشرية، والتقريب بين أفرادها. - د. الوزاني: نعم! ونتيجة ذلك كله فإن اللغة: هويةٌ وانتماءٌ روحي، وارتباط معنوي، وعامل جوهري قوي لغرس محبة الأمة والتعلق بماضيها وحاضرها وحضارتها. البيان: يُجمِع كثير من الملاحظين من المثقفين عموماً، ومن المهتمين بالتربية والتعليم في العالم العربي على ظاهرة الضعف اللغوي، والتدني الهائل لمستوى التعبير باللغة العربية لدى الأجيال الجديدة؛ كتابةً وخطابةً وتحدثاً؛ إلى درجة أن هذه الظاهرة صارت تصحب كثيراً من المتعلمين من الابتدائي حتى مرحلة التخرج، والحصول على أعلى الشهادات! ولم نعد نرى بروز العبقريات اللغوية والتعبيرية التي سادت في مرحلة ما اصطلح عليه (بجيل النهضة) ، بل ساد عَيٌّ لغوي فادح! حتى في المعاهد والجامعات التي اشتهرت بتخريج اللغويين والأدباء! فما بالك بعامة المثقفين والمتعلمين! كيف تفسرون ذلك في نظركم؟ ما الأسباب؟ وما العوامل التي أدت إلى ذلك؟ - د. الوزاني: تدني مستوى التعليم عموماً وتعليم اللغة العربية خصوصاً كان لأسباب عديدة منها: ـ برامج التعليم العقيمة التي تتغير باستمرار تغيراً معاكساً لما يمكن أن يرفع من قدرها؛ إذ يقوم بهذا التغيير رجال بيروقراطيون بعيدون عن المهنة، وممن يتلقون إملاءات من منظمات أجنبية، وهيآت داخلية متحيزة عوض أن تأتي الإصلاحات من الذين يمارسون عملهم في ميدان التعليم، والذين يلمسون الخلل مباشرة. ـ إحلال لغة المستعمِر محل اللغة الوطنية أو معها؛ لتزاحمها، وتُبعد الأنظار عنها عن طريق الإغراء بمساعدات وحسن العلاقات، أو عن طريق الترهيب بمنع الإعانات، وحتى بتهديد النظام. ـ ازدواجية التعليم في سن مبكرة. ـ انتشار اللهجات وتشجيعها، واستعمالها من قِبَل السلطات الرسمية؛ خذ مثلاً «ما تقيش بلادي!» بمعنى: (لا تُؤذِ بلادي!) ذلك الشعار المكتوب في الإعلانات العريضة الموجهة إلى الشعب في كل مكان. - د. الدكير: أحسب أن التدني في التعبير بالعربية فرع عن تدني روح التدين لدى العرب والأعراب والمستعربين؛ فالقلة القليلة سَمَتْ، والكثرة الكاثرة تخلت عن المقولات ـ على تفاوت ـ بما كسبت الأيدي في أزمنة التردي؛ حتى صار التباهي بالتحلي بِلُغَيَّاتِ العجم ظناً ـ بغير علم ـ أنها عنوان المدنية ومفتاح الحضارة، وأنها السبيل لاستلام المناصب العالية في الدولة، وكذلك دولياً. - د. اليوبي: إضافة إلى ذلك فالتدني اللغوي إشكالية ثقافية؛ ذلك أن تفعيل الثقافة رهين بتطور اللغة، ونمو اللغة يعكس القيم الثقافية للمجتمع الذي يتكلمها، وهما مقياس لإمكاناته وقدراته. اللغة مرتكز اجتماعي أساسي، مرتكز يرتبط بمرتكزين آخرين هما: الدين، والوحدة. ولا ننظر إلى اللغة باعتبارها ألفاظاً، ولكن باعتبارها نسقاً عاماً مشتركاً، يشكل رؤى مجتمعية منسجمة، ويسعف في إقامة التواصل والتفاهم بين أفراد المجتمع، داخل ثقافة تستجيب لحاجاتهم الفكرية والنفسية والاجتماعية. واللغة العربية شأنها شأن باقي اللغات؛ ليست هامدة ولا جامدة، بل هي متطورة متحركة، على الرغم مما يظهر أنها تعيش في أزمة، وأنها تسير بخطى بطيئة. فإذا كانت تعبر عن ثقافة وقيم متكلميها، وتصف سلوكهم وفكرهم فإن الأزمة في الحقيقة ليست فيها، وإنما هي فيهم، والبطء ليس صفة لها وإنما صفة لهم. ومن هنا فإن من جملة أساليب تطوير اللغة، وتفعيل الثقافة: الاستعمال والتداول. وسبيل ذلك القراءة والكتابة، ومن هنا كان قول الله ﷻ : ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ، وقوله ـ تعالى ـ:: ﴿ن» وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] . البيان: لكن المطالعة أو القراءة ظاهرة كادت تموت لدى الأجيال المعاصرة، مع أنها تعتبر من أهم روافد التكوين اللغوي، كيف تفسرون ظاهرة العزوف عنها؟ وما العلاج في نظركم؟ - د. الدكير: لا شك أن انصراف القوم إلى التوافه والمبالغة فيها بقوة صرفهم عن المطالعة والقراءة؛ فاستخفت الهمم؛ فرضيت بالذي هو أدنى، ورغبت عن حفظ النصوص الأدبية الرفيعة، أياً كانت: قرآنية أم حديثية، شعرية أم نثرية، خطباً أم أمثالاً؛ فإن قلباً لم يمتلئ بالنصوص القوية يهوي بلسان صاحبه إلى هاوية العَيِّ والعجمة والرطانة؛ لأن اللغة مَلَكة بالفطرة، ويصار إليها أيضاً بكثرة الممارسة والمزاولة. وقديماً نصح العلماء الأمراء بأخذ اللغة من أهلها، وحفظها من أفواههم بالرحلة إليهم، والإقامة معهم في بواديهم، أو استقدامهم وملازمتهم. إن العزوف عن المطالعة من أسبابه عدم قَدْرِهَا حقَّ قدرها، وتوهم أن الوسائل السمعية البصرية تغني كل الغَناء؛ وذلك غلط وخطأ يجب التراجع عنه؛ ببيان أن هذه الأجهزة العصرية تجعل وسائل التعقل عند الإنسان جهازاً واحداً، اختزلت فأضلت وأجحفت. فإن حق السمع والبصر التكامل والتداخل، لا الغلبة والطغيان. وكأني بهذه الأجهزة تلبي حاجة واحدة تشفي، لكن لا تجدي؛ لأنها تقصي سائر الملكات العقلية والقلبية؛ علماً أن من بني آدم من جعلت قوته في سمعه، ومنهم من رزقها في بصره، ومنهم من كانت وديعة في عقله وقلبه. ويغلب على الظن أن الوسطية علاج؛ فالتوازن أساس كل سير قويم، فلا ينبغي أن تطغى حاسة على أخرى، فلا إفراط ولا تفريط؛ إذ كانت الحواس تسعى وتتكامل لحفظ سلامة الجسم والعقل، وكل تعمل على شاكلتها. والاختصار اقتصار مخل، يجعل الإنسان قليل التبين والبيان قلما يميز بين الحقائق والألوان. ولقد امتاز الإنسان بالبيان، وأعلى درجاته اللسان؛ ذلك أن العبارة فاقت الإشارة، وإن كانت الإشارة من الفروع البيانية، فإنما يُلتجَأ إليها عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، حسب ظرف الزمان والمكان وطبيعة الإنسان. البيان: إضافة إلى ما ذُكِر من مشكلة العزوف عن القراءة والمطالعة هل من سبيل أو وسائل مفيدة لعلاج الجيل من هذه الآفة؟ وكيف يمكن اكتساب هذه المهارة وإكسابها؟ - د. اليوبي: حقيقة أن القراءة تعتبر من أهم روافد التكوين اللغوي، ومطلبها ضروري إلى جانب المهارات اللغوية الأخرى: السماع، والكلام، والكتابة. فالقراءة وسيلة الإنسان في الحصول على المعلومات والمعرفة. وكلمة (اقرأ) في كتاب الله منذ نزولها أذنت بحلول عصر العلم ومحو الأمية. والقراءة تعني الكتابة أيضاً، أي: (القلم) وبها بدأ التاريخ الإنساني المدوَّن، وبها فتح سجل الحضارة الإنسانية، وغدت حاجةً حقيقية، ولم تعد ترفاً أو تمريراً (للوقت الثالث) . (إن الشعب الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يعرف نفسه، ولا أن يعرفه غيره. والقراءة هي التي تقول لنا: هنا وقف السلف من قبلكم، هنا وصل العالم من حولكم، ومن هنا يجب أن تبدؤوا؛ لكي لا تكرروا الجهود التي سبق أن بذلها الآخرون، ولا تعيدوا التجارب التي مروا بها، ولا ترتكبوا الأخطاء التي ارتكبوها) (١) . فإذن يجب على المؤسسات التعليمية والتربوية أن تعير لهذه المهارة كثيراً من الاهتمام؛ بحيث: ـ تعمل ضمن برامجها على تنمية الاستعداد للقراءة، وخلق الرغبة في النشء للمداومة عليها. ـ توسيع دائرة تجاربهم، وتشجيع المتعلمين على القراءة بشتى الوسائل. ـ تجتهد في إكساب الناشئة مهارة القراءة، وترشد المهتمين إلى أنها عادة يجب أن تُطوَّر (الاستمتاع بالقراءة والتلذذ بها) . ـ تنتقي الأجود والمفيد من الكتب والمجلات، وتجنب القراء ثقافة الشعوذة والخرافة، أو ما يعبر عنه بثقافة السوق. ـ تشجع على الإبداع والمبادرة الإيجابية في القراءة والكتابة. إن ظاهرة العزوف عن القراءة مردها أساساً إلى التنشئة الاجتماعية؛ فالناس ليسوا مولعين بالقراءة، وربما ساهمت الظروف المادية أيضاً في هذه الظاهرة. يجب أن نشعر أولاً بالحاجة إلى القراءة، وأن نخلق في النشء الولع بالقراءة، ثم نعمل على تعميم وسائل القراءة، وجعلها متاحة وفي متناول الجميع. البيان: لا شك أن التربية والتعليم عملية معقدة جداً، ولا شك أيضاً أنها بجميع مكوناتها، ووسائلها ـ المادية والمعنوية ـ تمر في نهاية المطاف عبر القناة اللغوية؛ فكيف تقوِّمون دور اللغة في التكوين العلمي والعملية التربوية سلباً وإيجاباً؟ - د. قاسم الوزاني: إن مرور جميع مكونات التربية والتعليم عبر قناة اللغة العربية يقوي المعارف، ويوسع الفكر من جهة، ويرسخ القيم الروحية والتمسك بالمبادئ الخلقية من جهة أخرى، إذا أخلص المربون، وكانوا قدوة صالحة للمتعلم، ومحايدين لا ينتمون إلى أي تيار معادٍ، أو بلد محتل، أو أي توجيه مستورد؛ وإلا كانت التربية وبالاً، وجاءت بعكس ما ينتظر منها. - د. اليوبي: تعتبر اللغة من أهم مقومات وأسس المجتمع؛ إذ لا يمكن الحديث عن مجتمع بدون لغة، وهي أهم وسيلة يستخدمها الإنسان إلى حد الساعة للتعبير عن الثقافة، وبلورتها وتحليلها وتفسيرها؛ فبين اللغة والثقافة علاقة ترابط قوية، أولاً لكون الأولى تعبر عن الثانية وتسجلها، ولكون الثانية مادة الأولى وإنتاجها. وما من أحد يشك في العلاقة الجدلية القائمة بين اللغة والنشاط الإنساني داخل مجتمع معين. وبتعبير آخر: فإن الثقافة هي عالم الشخص، وحدودها هي حدود عالمه، وهي التي تشكل رؤيته وتفسر سلوكه. واللغة تبعاً لذلك ليست فقط وعاء لفكره، أو وسيلة لتواصله داخل وسطه الاجتماعي؛ بل علاوة على ذلك هي أداة تسجل ثقافة هذا الشخص وحضارته، وبها يتم الأداء الاجتماعي العام. إنها ذاكرة الحياة ومرآة تجارب الإنسان فيها. وأما إقامة التواصل فهو ما يقتضي تفاعلاً بين أفراد المجتمع، وبينهم وبين المؤسسات الدستورية والقانونية. وإذا كان التواصل يجري عبر أشكال متعددة فإن اللغة الطبيعية هي أشيع الوسائط، وبها ندرك المجتمع والعالم. وبناء على ما تقدم فإن التواصل بين الناس من الثوابت في المجتمع الإسلامي العربي، وهو قائم على أشيع الوسائط المختارة لديه، وهي اللغة العربية؛ لكونها الأكثر تداولاً وتأثيراً، والأقوى فاعلية؛ خاصة عندما نربطها بثوابت الوحدة والدين والدستور والقانون؛ إذ يقوم التواصل بين الناس في هذه الثوابت كلها عبر وسيط اللغة العربية. البيان: التعليم باللغات الأجنبية الوافدة مع الاستعمار للعالم الإسلامي واقع يكاد يشمل كل المؤسسات التعليمية في العالم العربي، وخاصة ما يتعلق من ذلك بعلوم الطبيعة والطب والهندسة ونحوها. تلك قضية أثارت معارك بين المثقفين بمختلف توجهاتهم، كما أنها كانت من أهم القضايا التي رفع لواءَها كثيرٌ من زعماء التحرير في القرن الماضي رغبةً في تعريب التعليم في العالم العربي، لكن كان الإخفاق ـ مع الأسف ـ نصيب أكثر المحاولات! حتى التجارب التي حصلت في مجال التعريب ـ إذا استثنينا بعض الجهات ـ كانت مشوهة؛ بحيث حافظت على الصيغ الأجنبية لأغلب التعابير الاصطلاحية للعلوم المعرَّبة، واقتصرت العملية على تعريب أدوات الربط اللغوي فقط؛ بينما لم يستطع أغلب الطموحين إلى التعريب الشامل الوصول إلى شيء يذكر؛ فإلى أي شيء تُرجعون ذلك؟ وكيف تفسرون هذا الإشكال؟ - د. الدكير: صحيح أن التعريب أمر مفيد، إلا أن الإشكال هو أنه قرار ما عرف له من قرار لدى أولي الأمر، وأحسب أنهم ما آمنوا به، ولا نشطت له عقولهم، وإنما هو لديهم أمانٍ. هذا هو الإشكال؛ ولو أنهم أخلصوا له لخلص، ولو اتخذوا لذلك أقوياء أمناء لانجلت لهم كل العوائق والموانع؛ فمن جَدَّ وجد، ومن زرع حصد، والسماء لا تمطر ذهباً؛ فاتخاذ الأسباب واجب، ومن جملتها هاهنا أن يعرِّب المسؤولون خطابهم؛ فلا يتحدثون إلا بالعربية، وإلا لزمتهم أولاً كفارات تقدر. - د. الوزاني: لكن الأمر ليس على إطلاقه كما تفضلتم من إخفاق تجربة التعريب؛ بل إن تجربة تعريب العلوم الطبيعية أعطت ثماراً طيبة على العموم، رغم القصور الحاصل فيها، وأما الاحتفاظ بالصيغ أو المصطلحات الأجنبية فيعد قصوراً في التفكير؛ لأن معاجم المعاني المتعددة: ككتاب المخصص لابن سيده، وغيره من الكتب حافل بكل ما يتوقف عليه عالم الطبيعة؛ فالنقص إذن فينا نحن، والتقاعس عن البحث والتنقيب منا نحن، وخدمة اللغة العربية دَيْنٌ مترتب علينا. البيان: لكن كيف تفسرون رواج المقولة المشهورة اليوم بين بعض أهل الشأن التربوي التي تزعم أن (تعليم العلوم الإسلامية والتراثية يكون أجدى أداءً باللغة العربية؛ بينما تعليم العلوم الطبيعية والطبية والهندسية إنما يكون أجدى باللغات الأجنبية) ؟ - د. الوزاني: هذا ادعاء باطل، ووجهة نظر خاطئة، وتحايل لالتقاط حجة ضعيفة تظهر عجز اللغة العربية، وتوجيه مغرض لحصرها في العبادات؛ حتى ينضب معينها، وتتقلص مهمتها، وتصبح مثلها مثل اللغة اللاتينية التي لا يكاد يعرفها إلا خواص الخواص؛ حيث تحولت اللهجات المنبثقة عنها إلى لغات متعددة. بل إن تعليم العلوم الطبيعية وغيرها من العلوم البحتة باللغة العربية يعطي نتائج أحسن وفوائد أكثر، كما جربناه وعايَنَّاه، ويشهد بذلك الخبراء من منظمة «اليونسكو» ؛ ذلك لأن المتعلم لا يواجه إلا قضية واحدة هي قضية فهم المادة فقط. ولنا في تجربة سوريا خير مثال؛ فالحاصلون على الشهادات العليا فيها قد برهنوا على تفوقهم على غيرهم في مناسبات شتى، وميادين علمية مختلفة، وكذلك اليابان تلك الدولة المتفوقة تكنولوجياً التي تعد في صفوف العالم الأول الآن؛ رغم أن لغتها تعد من أصعب لغات العالم. ولنا أيضاً خير مثال في تجربة تقديم هذه العلوم باللغة العربية في التعليم الأساسي والثانوي ـ لما انطلقت تجربة التعريب المحدودة بالمغرب على مستوى التعليم الأساسي والثانوي ـ وقد كنت شخصياً آنئذ من بين المشرفين على هذا التغيير؛ حيث انطلق العمل به في أواخر سنوات السبعينيات من القرن الميلادي الماضي؛ إذ أعطى نتائج أحسن بالمقارنة مع ما كان عليه الأمر من قبل، بشهادة الخبراء من المفتشين المخضرمين الذين مارسوا أعمالهم في المرحلتين؛ بالرغم من أن بعضهم كان متعصباً للفرنسية! ولم يتدن التعليم بالنسبة لهذه المواد إلا بعد تراجع الرأي، وتقرير دراستها باللغتين؛ مما أثقل كاهل المتعلم، وضيع عليه الفهم؛ بالإضافة إلى إسناد تدريسها لعناصر تجهل اللغة العربية من المتخرجين من مدارس البعثة الفرنسية. وطبعاً فإن «فاقد الشيء لا يعطيه» ، كما يقول المثل، ولأن من جهل شيئاً عاداه. أما صلاحية التدريس بالعربية لهذه المواد فهي قضية مُسَلَّمة، خصوصاً لدن الراسخين في علم اللغات، ولم يعد أحد يشك في ذلك؛ نظراً لاتساع العربية واشتمالها على الاشتقاق الذي هو ـ حسب علمي ـ قلما يوجد في غيرها من اللغات. - د. الدكير: تعليم العلوم سواء ـ والتاريخ له شهادة ـ فلا فرق بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والدينية، وإنما الفرق في الوسائل التي توظف قصد التمكن والتمكين، والتعرف والتعريف؛ فالجميع ترجمة عند التمحيص تؤول إلى المترجم المعْرِب أو المعَرِّب. فالتعليم القائم أغلبه قائم على فرض اللغات الأعجمية الأجنبية، وهي لغات تملى بكرة وأصيلاً، تملى إملاء على من نُصِّبوا حُرَّاساً نُصَّحاً لمصالح غير المسلمين، فلا يسمحون بالاجتهاد إلا في الإطار المُمْلى، وبقدر محدد؛ لتستمر التبعية والقابلية للاستعمار اللامباشر، وللتوجيه من بُعْد. - د. اليوبي: قد يفسر بعضهم الضعف الحاصل في تعليم العلوم بأنه راجع إلى اعتماد اللغة العربية؛ هكذا جزافاً، ولكن في غياب دراسات مقارنة علمية ودقيقة؛ يبقى الحكم غير مسوغ ومن ثم غير مقبول علمياً. ولذا يجب أن يؤدي تشخيص الواقع، وفحص الوضع البيداغوجي بالمؤسسات التعليمية بالوطن العربي عموماً إلى بروز منطلقات جديدة، لا تكتفي بالتوصيف والضبط، وإنما تعمل على تقديم بدائل وحلول عملية وتطبيقية لحل المشكلات البيداغوجية الحق، لكن الذي لا شك فيه هو أن التعليم باللغة الوطنية الرسمية المعتمدة دستورياً يبقى هو الأجدى والأقرب منالاً، وأسوق كلاماً للدكتور صالح بالعيد (الجزائري) ، قال: (ليس في وسع أمة أن تعيش عيشة محترمة، وتصون كرامتها ما لم تضطلع بالعلم اعتماداً على لغتها في المقام الأول. ومن هنا تسعى كل الأمم إلى استعمال لغاتها القومية؛ من أجل التواصل الحقيقي بين المعلم والمتعلم؛ حيث دلت الدراسات التربوية على أن أصلح لغة للتعليم هي اللغة التي يفكر بها الطالب كلما كان ذلك ممكناً، كي لا يفكر بلغة، ويعبر بلغة أخرى، وتكمن الضرورة كذلك في سهولة الاتصال بين المعلم وطلابه، وتوفير جو النقاش العلمي الخلي من الحرج والتكلف الذي تسببه الترجمة أحيانا) . أما دعوى اعتماد اللغة العربية في تعليم العلوم الإسلامية والتراثية، واعتماد اللغات الأجنبية في تعليم العلوم الهندسية والطبية والطبيعية؛ فهي نظرة أقل ما يقال عنها إنها مغرضة تريد أن تنال من اللغة العربية بوصفها بالعجز، والعجز ليس فيها، وهي نظرة يحملها أحد شخصين: إما جاهل، وإما مغرض، وهي نظرة إنما تعمل فقط على النيل من اللغة العربية؛ فمرة بدعوى إدماج العامية، ومرة بدعوى الانفتاح، ومرة بدعوى التقريب، ومرة بدعوى محدودية استعمالها، ويظهر لي أن هذا الأمر واضح ولا يحتاج إلى بيان؛ فالعلماء والكتاب قد أوضحوا وكتبوا ـ بما فيه الكفاية ـ عن معاول الهدم للفصحى، وكشفوا عن الجيوش التي تحاربها في الداخل والخارج. والله المستعان. البيان: لا شك أنه لا يمكن فصل سياسة التعليم في العالم الإسلامي والعربي عن الخلفيات السياسية والأيديولوجية للقائمين عليه برمجةً وتخطيطاً. ففي أي إطار إذن وضمن أي خلفية يمكن إدراج سياسة التعليم القائمة على فرض هيمنة اللغات الأجنبية في التعليم الحديث، بدءاً برياض الأطفال والتعليم الابتدائي عموماً، ثم الإعدادي والثانوي، حتى الجامعي؟ - د. الوزاني: إن أغلب الأنظمة العربية والإسلامية موالية للغرب، وهي التي تشجع اللغة الأجنبية، وتتجنب إظهار مزايا العربية ومكانتها؛ بدعوى التقدم والتمدن، حتى أصبح كثير من المواطنين يؤمنون بهذه الفكرة الهدامة، ويدافعون عنها، ويتحمسون لها؛ بحجة عدم تعريب التعليم الجامعي؛ مع أن أكثر أبنائهم لا يصلون إلى الجامعة؛ لأسباب متعددة. وأرى أن من يفكر في التعليم بلغة أجنبية من رياض الأطفال فما فوق؛ فهم يهيئون أبناءهم للهجرة إلى خارج الوطن. - د. الدكير: كل إناء بما فيه يرشح، وكلٌ ينفق مما عنده، لكن اقتضت الحكمة الإلهية أن يمحو الله ما يشاء ويثبت؛ فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ويحكم آياته؛ فإن الخلل لا يتعلق باللغة، بل هو فيمن يلقنها أدهى وأمر؛ فهل هو مسلم حقاً قلباً وقالباً، أو أنه امرؤ فيه إسلام؟ إنه لا بد من إيجاد عبد الله وأَمَة الله، أولئك الذين تحرروا من جاذبيات الأرض، وأوزار القوم؛ فإنما الرسالة بالرسول، وهل هو من أولي العزم، رجل عرف ما قصد فهان عليه ما وجد. البيان: هناك مقولات مثل: (التثاقف) و (الانفتاح على الآخر) ، و (التواصل) ، تستعمل مقابل مقولات أخرى، مثل: (الانغلاق) ، و (الأحادية) ، و (التزمت) ؛ كل ذلك لتسويغ حضور اللغة الأجنبية في التعليم العام بقوة منذ المراحل الأولى للعملية التربوية بما ينافس، بل يضعف الحضور التربوي والتعليمي للغة العربية. كيف ترون هذه المعادلة الاصطلاحية؟ - د. الوزاني: هذا استعمار فكري أخطر من الاستعمار السياسي. أما التثاقف، أو مبادلة الثقافة؛ فهي خرافة يريد بها مروِّجوها أن يصدروا لغتهم وثقافتهم من جانب واحد إلى البلدان التي فقدوا احتلالها العسكري المباشر. - د. الدكير: إن شعار التثاقف والانفتاح وما قاربهما أو ضادهما مصطلحات ظاهرها جميل، وباطنها من قِبَلها العذاب؛ فهي ضرب من القول يزعم أنه يصلح، ولكنه يفسد؛ لأن أهله هم بطانة من غيرنا، لا تألُوننا خبالاً، تود تسمية الأشياء بغير أسمائها؛ لحاجات في نفسها، تبدت لأولي النُّهى سماتُها، لكن يا ليت قومي يعلمون! ولا يقولون تالله إنك لفي ضلالك القديم! وإني أجد ريحها لولا أن تفنِّدون! وعن بينة عُمِّيَت على مريض القلب، ومن كان على سمعه وبصره غشاوة. وإنه لا بد من تجديد الإيمان بأن لسان العربية اختاره الله ـ جل وعلا ـ لمصطفاه وخاتم رسله، فأنزل القرآن عربياً غير ذي عوج، وغيره يناله العوج، ويعتريه النقص والعطب. - د. اليوبي: لكن لا بد من الاعتراف بأن المشهد التاريخي الذي نعرفه الآن متميز عن المشاهد التاريخية المنصرمة التي عرفناها والتي عاشها من سبقنا؛ فالتطورات التكنولوجية في تزايد مستمر، وكل إبداع جديد يحمل معه بصمات إبداع آخر بعده، وهذا الأمر لا يقف عند كونه إبداعاً تكنولوجياً وحسب، وإنما يتعداه إلى كونه تطوراً مرفقاً بتحولات اقتصادية، وعلمية، واجتماعية واسعة وشاملة، تفرض على رجال البيداغوجي والتعليم والمسؤولين عن السياسات التربوية أن يتعاملوا معها وفق منظور استراتيجي جديد، يراعي الخصوصيات الفردية والحضارية للمستخدمين. وما ذلك إلا لأن السيل الجارف لهذه الإبداعات قد فرض علينا تحديات لم نكن منتبهين إليها، وفرض علينا الدخول في حضارة لم نكن مستعدين لها. والآن يجب أن نعي أن ما نواجهه ليس مجرد تقدم في العلم، وتطور في التكنولوجيا؛ فهذه واجهة؛ والواجهة الثانية: هي أننا إنما نواجه تحدياً ثورياً حضارياً. ولا يجوز أن يهدف الإصلاح التعليمي إلى خلق أفواج من المتعلمين المتجانسين المتشابهين، بل إلى تخريج أفواج متميزة، متنوعة المعارف والخبرات، وقادرة على التواصل والتفاعل مع المحيط، ومع غيرها؛ لأن (التمادي في عملية التجنيس الحضاري التي نشهدها حالياً تهدد خصوصية الإنسان التي سرعان ما يفقدها تحت وطأة الشائع والغالب الذي يكسب سلطته من شيوعه وغلبته؛ لا من أصالته وتميزه) (١) البيان: ليست اللغة وعاء للفكر فحسب كما تقرر في بداية الكلام؛ ولكنها أيضاً وعاء للنفس، أي أنها تحمل ـ فيما تحمل ـ عوامل التأثير الذوقي والنفسي على المتلقي، وخاصة في مراحل الطفولة والشباب؛ فيكون لها أكبر الأثر في تكوين شخصية الإنسان النفسية، وتوجيه أذواقه وميولاته الوجدانية! وهذه من الحقائق التجريبية التي أقرها علم النفس اللغوي، ولا شك أن كلاً منا له ذكريات وجدانية ونفسية مع عبارات بعينها مما وقع على سمعه في صغره وسجلته ذاكرته، علاوة على ما استقر في عالم اللاشعور، وبقي يوجه ذوق الإنسان من حيث لا يدري؛ ألا يشكل ذلك خطراً حقيقياً بالفعل على الأجيال عند اتخاذ قرار مثل ما هو جار في كثير من الدول العربية من تعليم اللغات الأجنبية للأطفال، بل التسابق لتسجيلهم في سن مبكرة جداً في مدارس البعثات والمراكز الثقافية الفرنسية والأمريكية؟ وإذا كان ذلك كذلك فما هي المرحلة الآمنة، أو السن الضرورية ـ في نظركم ـ التي يمكن للإنسان أن يتلقى فيها لغة الآخر، ويكون أبعد من التأثر السلبي على المستويين المفهومي والنفسي بما يزاحم وعيه وإحساسه بهويته الإسلامية والعربية؟ - د. الوزاني: اللغة الأم تربط الفرد بوطنه وقيمه الروحية وتاريخ بلاده؛ مما يغرس في قلبه محبته، والدفاع عنه؛ ولهذا فإن المرحلة التي يمكن الاطمئنان فيها على الطفل الذي نريد أن نعلمه لغة أجنبية هي المرحلة التي تأتي بعد أن يرسخ في معرفة لغة وطنه، ويكتسب فيها ملكته، ويعرف عقيدته الدينية، ومن ثم يصبح محصَّناً من كل تيار أجنبي. ولقد قال (جان جاك روسو) في كتابه «أبناؤنا وبناتنا» : (لا يمكن للطفل أن يتقن لغتين وهو دون ١٢ سنة من عمره، إلا إذا كان عبقرياً) . ولقد كنت مدير مدرسة ابتدائية ما بين ١٩٧٠ إلى ١٩٧٦م؛ فكان التعليم في السنة الأولى والثانية بالعربية بما فيها الحساب والعلوم، وكانت النتائج لا تنزل عن ٨٠%؛ وفي السنة الثالثة والرابعة والخامسة كان تدريس المواد ٥٠% عربية، و٥٠% فرنسية، بما فيها الحساب والعلوم؛ فكانت النتائج فيها تنزل إلى ٦٠%، باستثناء السنة الخامسة التي ترتفع فيها قليلاً. - د. الدكير: بيد أني مع ذلك أتحفَّظ وأحتاط؛ إذْ ليس ثمة سِنٌّ فيه أمان، أو مرحلة تخلو من إلقاء الشيطان، وإنما السنّة هي التدافع؛ وذلك يتطلب الترشيد بالتصحيح والتحصين، وبالتثبيت والثبات، وبالتعهد والتخول: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] . (١) الخصائص ج ١/٣٣.

стр. 5117

عودة المطر محمد علي البدوي جلس الشيخ وحيداً على تلة قريبة مشرفة على القرية، أخذ يراقب المشهد باهتمام بالغ، كانت الشمس تتهيأ للغروب، والشفق الأحمر يسد واجهة الكون، عندما بدأ الطريق يموج بأعداد غفيرة من الشباب وطلاب يؤمون الجامع الكبير في خشوع. ندت دمعة ساخنة من عيني الشيخ، مسحها بيديه، ثم عاد يرمق الجموع التي انثالت على المسجد، ويرفع بصره إلى السماء ويتمتم: ـ الحمد لله.. الحمد لله. السماء ملبدة بالغيوم، والظلام الموحش يلتهم القرية في صمت موجع، وأرتال السيارات تحاصر القرية كاليعاسيب الكريهة، عشرات الجنود يدلفون إلى البيوت بلا استئذان، إنهم يقتادون الرجال والشباب وسط صراخ النساء، وعويل الأطفال الذي أخذ يقطّع سكون الليل الرهيب. في المخفر بدت له الحقيقة واضحة كرائعة النهار؛ فالنظام بات يخشى من هذه التجمعات التي انتشرت وأخذت في الظهور. قال له الضابط وهو يداعب شاربه الكث المقزز: يا أوغاد!!.. تعلمون الشباب الخلطة والعزلة.. وتدربونهم على إمامة الناس! الظلام الحالك يخنق المكان والعتمة الشديدة، لم تفتح شهيته للنوم بعد، كان إلى جانبه الشيخ حسان ـ إمام المسجد ـ بابتسامته الصافية المشرقة التي لم تبددها بقع الدم الحمراء وعلامات التعذيب التي أخذت تغطي وجهه. ـ لقد أوقفوا كل شيء ... كل شيء. ـ لا تحزن يا بني إن الله معنا.. وكفى. ـ لقد أغلقوا المساجد.. ومنعوا المحاضرات.. وسجنوا العلماء والدعاء. ـ المساكين! إنهم يحاربون الله. ـ لقد انتهى كل شيء.. كل شيء. ربت الشيخ على كتفه في حنان بالغ، وافتر ثغره عن ابتسامة مشرقة، تحامل على نفسه، ووقف منتصباً، ثم قال في عزم واثق وعينه ترنو إلى الأفق البعيد: ـ هذا الدين يا بني لا يموت.. وستشرق شمسه من جديد.. وسيعود أقوى مما كان. كان أذان المغرب قد انطلق جلياً ندياً، وعمّ الكون خشوع عجيب، والشيخ وسط هذه الجموع المؤمنة ينتظر إقامة الصلاة.

стр. 5118

أي عيد غازي المهر أيّ عيد تبدّت لنا شمسه من بعيدْ من وراء الليالي وقد لفها ظلمات الوجودْ؟ أيّ عيد أطلت علينا تباشيره خيبت لهفة القلب للفرح المستحيلْ؟ أيّ عيد مضى أمسهُ كسحابة صيف مضت دونما قطرة واحدة؟ أيّ عيد بدا غده كسراب يحيّرُ أحلامنا المشرعة؟ أيّ عيد حقيق بنا أمةً عرفت بالتخلي عن حروف الإباء؟

стр. 5119

سقوط بوش! حقيقة أم حكماً د. عبد العزيز كامل حقيقة أو حكماً بغض النظر عن نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية وما جرى فيها، وبغض النظر عن مصير بوش الإنجيلي وكيري اليهودي بعدها؛ فإن مرحلة بوش الرئاسية الأولى، قد مثلت سقوطاً مدوياً للولايات المتحدة ولدول الغرب المتحالفة معها. قد استطاع بوش «الناجح» في سقوطه، أو الساقط في نجاحه خلال مدته الرئاسية الفائتة، أن يجر بلاده إلى مشارف مهلكة حضارية، بعد أن عرًَّض ناصيتها لمطارق السنن وعواقب الأقدار المستوجبة لعاجل العقوبة وحتمية الانكسار: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] . ومنذ أن استطاع جورج بوش أن يرتقي ظهر الفيل الجمهوري الهائج ـ رمز الحزب ـ وهو يهرول به في حقول ألغام الشرق الأوسط (الكبير) في رحلة نَزَق ورَهَق أشغلت العالم حيناً من الدهر، حتى هوى هو وأصحاب الفيل في مستنقعات وورطات عديدة قد تحتاج الولايات المتحدة للخروج منها إلى عمليات إنقاذ قد تستغرق أجيالاً، في النواحي الأخلاقية القيمية، والسياسية القانونية، والاقتصادية والعسكرية. هذا إذا افترضنا أن منحنى السقوط سيتوقف حتى تتم عمليات الإنقاذ. إن التاريخ سوق يذكر لذلك الرئيس أنه قد دشن مع فريقه البئيس من الصهاينة الإنجيليين والصهاينة التوراتيين، مرحلة الانهيار والسقوط، الذي يحيق بالقرى الظالمة، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩] . وأياً كانت ملامح الفترة القادمة في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، فإننا نعتقد، أنها لن تستطيع أن تجبر الكسور البالغة التي أصابت صرح صنم (الحرية) الأمريكي، ولن تستطيع إعادة الوهج للشعلة التي انطفأت في يده. - السقوط الأخلاقي: «فإذا ذهبت أخلاقهم ذهبوا» : إذا كان القضاء الأمريكي لم يثبت للآن ـ وبعد ثلاثة أعوام من أحداث سبتمبر ـ أي تهمة ضد جهة بعينها في الوقوف وراء هجمات نيويورك وواشنطن التي قتل فيها نحو ثلاثة آلاف أمريكي؛ فإن أي قضاء في العالم يستطيع أن يثبت بسهولة، مسؤولية جورج بوش الابن عن قتل ما لا يقل عن ١٥٠ ألف مدني من المسلمين في هجمات أفغانستان والعراق، منهم ١٠٠ ألف في غزو العراق فقط، مات أكثرهم تحت ركام منازلهم، أو داخل مصانعهم أو مزارعهم؛ وذلك أثناء حربين لا أخلاقيتين، بُنيتا على دعاوى كاذبة، واتهامات غير ثابتة، أُلقيت فيهما آلاف الأطنان من القنابل الحارقة والخارقة، والذكية والغبية، على رؤوس المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، ثم تبع هذا السقوط الأخلاقي في أثناء الحرب سقوط أشد وأنكى بعد انتهاء الحرب في كل من أفغانستان والعراق، حيث شاهد العالم أشباه الرجال من الجنود الأمريكيين وهم يقتحمون الديار في ظلمات الليل أو في واضحة النهار، ليفجعوا الولائد في ذويهن، ويروِّعوا الزوجات والبنات في أزواجهن أو آبائهن، ولتنتقل (الفضائح البوشية) بعد ذلك إلى سقوط آخر داخل السجون، وما أدراك ما هو داخل السجون، بدءاً من سجن مزار الشريف في أفغانستان، الذي سُحِلَ فيه الأسرى على أيدي وحوش دوستم وبإشراف جيوش بوش، ومروراً بسجن جوانتانامو الذي تهدر فيه كرامة الإنسان إلى درك أسفل من الحيوان، ووصولاً إلى سجن أبي غريب الذي جسّد فضيحة تاريخية، لا تغيرها الدهور، ولا تغسلها مياه البحور. لو كان ما حدث في سجن أبي غريب تصرفاً فردياً، أو اجتهاداً شخصياً من بعض شواذ البشر، لهان الأمر، أما أن يُعرف بعد ذلك أن تلك التصرفات المرضية السادية كانت مأموراً بها ومأذونا فيها؛ فإن ذلك كان يكفي لإسقاط العديد من رموز إدارة بوش منذ الأسبوع الأول لتكشف تلك الفظائع. لقد قال السيناتور الديمقراطي في مجلس النواب الأمريكي (كارل ليفين) في مقال له على موقع الـ (BBC) في ١٠/٥/٢٠٠٤م: «إن الانتهاكات في سجون الاحتلال، تمثل جزءاً من السياسة الأمريكية في عهد بوش» . والمصيبة أن الجرائم التي وقعت في تلك السجون وشاهد العالم بعضها في سجن أبي غريب؛ لم تكن من فعل حفنة من مغامري تكساس أو متشردي شيكاغو فقط، بل شارك فيها رجال يفترض أنهم أصحاب مسؤولية ومشاعر إنسانية، فهل يُتصور أن يشارك أطباء في التنكيل بالأسرى والسجناء ...؟! هذا ما حدث، فقد شارك الأطباء المسؤولون عن سلامة المرضى من الأسرى في السجون العراقية في تلك المخازي الإجرامية! وقد كشف الأستاذ الجامعي (ستيفن مايلز) من جامعة (مينوسا) في تحقيق نشرته صحيفة (ذا لانسيت) الأمريكية في منتصف أغسطس من عام ٢٠٠٤م، عن الحقائق التي تتحدث عن مشاركة أطباء السجون في الجرائم ضد الأسرى، وطالب السلطات الأمريكية بالتحقيق في الأمر، غير أنها رفضت ذلك الطلب. وقد كشف مايلز أيضاً، أن هناك أساليب من التعذيب المنظم يقوم بها الجنود الأمريكيون في كل من أفغانستان والعراق وجوانتانامو، تشمل الضرب المبرح والحرق والصعق بالكهرباء، والتعليق والانتهاكات الجسدية، والعزل الانفرادي والحرمان من النوم لمدد طويلة، والتعريض للبرودة الشديدة بعد الحرارة الأشد، وقال مايلز: «إن الأدلة تشير إلى تورط الأطباء الأمريكيين في المشاركة في هذه العمليات، والوثائق الحكومية تشير إلى أن النظام الطبي للجيش الأمريكي أحجم عن حماية الحقوق الإنسانية للمعتقلين، ولم يبلَّغ هؤلاء الأطباء عن الكثير من الإصابات وحالات الوفيات الناجمة عن التعذيب» . وضرب ذلك الشاهد من أهلها مثالاً على ذلك، وهو أن أحد السجناء العراقيين، عُلق على باب زنزانة من أعلى بعد أن أثخن ضرباً، ولم يكتف السجانون القادمون لنشر القيم الديموقراطية بتعليق المعتقل، بل كمموا فمه، مما تسبب في اختناقه ووفاته معلقاً، ومع ذلك جاء تقرير أطباء السجن الأمريكيين بأن وفاة ذلك السجين جاءت (لأسباب طبيعية) !! ... أثناء النوم! (BBC) ١٠/٥/٢٠٠٤ م) وقد اضطرت وزارة الدفاع للتحقيق في الحادث؛ حيث تبين أن السجين توفي نتيجة قتل متعمد، وبأسوأ الوسائل. يذكر هنا أن ٣٧ سجيناً ماتوا في ظروف مشابهة، كما اعترف بذلك البنتاجون في ٢٢/٥/٢٠٠٤م، فماذا تركوا لسجون صدام حسين إذن؟! يبدو أن هؤلاء الأطباء الذين تصرفوا بسجية النرجسية الأمريكية، كانوا محميي الظهور من عناصر المخابرات؛ فقد تكشفت حقائق مذهلة عن دور الاستخبارات العسكرية الامريكية في التواطؤ في جرائم أبو غريب، وقد كتب (نك تشيلدز) مراسل إذاعة الـ (بي بي سي) في وزارة الدفاع الأمريكية أنه بالرغم من التهم التي تحوم حول عدد من عناصر الاستخبارات الأمريكية، وعلى رأسهم رئيس وحدة الاستخبارات داخل السجن، فإنه لم توجه حتى الآن أي تهمة لأي من عناصر تلك الاستخبارات، وعندما طولبت الحكومة الأمريكية بالتحقيق مع المشتبه بتورطهم في التعذيب من جهازها الاستخباري العسكري، اكتفت بإطلاع الصحفيين على ما يجري داخل إحدى قواعد تدريب الشرطة العسكرية في ولاية ميسوري الأمريكية؛ حيث يمكن لأولئك الصحفيين أن يطمئنوا إلى حسن (سير وسلوك) أفراد تلك الشرطة داخل معسكرات تدريبهم! والأمر ليس مقصوراً على عناصر من الشرطة والاستخبارات داخل الجيش، بل إن وزير الدفاع الأمريكي نفسه كان قد وقَّع وثيقة عام ٢٠٠٢م، تسمح بانتهاج أساليب عنيفة في انتهاك كرامة السجناء، ولكن (في حدود) ما تسمح به قيم الديموقراطية الأمريكية! وكان من ضمن ما وقَّع رامسفيلد على السماح به مما تسمح به «القيم» الأمريكية؛ الحبس الانفرادي ... والتعرية ... والانتهاك الجسدي ... والضغط العصبي ... واستخدام الكلاب ... (فقط) . ويبدو أن السقوط الأخلاقي في الحرب الأمريكية العالمية الجديدة، تتواصل حلقاته في سلسلة متصلة تنتهي إلى رقبة جورج بوش؛ فمثلما احتمى الجنود والأطباء بضباط الاستخبارات، واحتمى ضباط الاستخبارات بوزير الدفاع، فإن وزير الدفاع يستند إلى تعميد رئاسي من جورج بوش شخصياً؛ فقد صرحت منظمة (هيومان رايتس) لحقوق الإنسان، بأن الانتهاكات التي حدثت في سجون الاحتلال الأمريكي، نفذت بناء على قرار من الإدارة الأمريكية بتجاهل القوانين المحلية والدولية خلال الحملة الأمريكية على ما يسمى بـ (الإرهاب) وأوضحت تلك المنظمة أن الإدارة الأمريكية قررت تجاهل الدستور الأمريكي ذاته في هذا الصدد. وقد نشرت صحيفة الواشنطن بوست في عددها الصادر في ٢٠/٥/٢٠٠٤م، أنباء جديدة عن مظاهر السقوط الأخلاقي لإدارة جورج بوش؛ حيث ذكرت أن إدارات السجون الأمريكية في العراق وأفغانستان وجوانتانامو، درجت على تعذيب شباب ورجال المسلمين داخلها بفتح أبواق الموسيقى الصاخبة، وإجبار المساجين على أكل لحوم الخنازير واحتساء الخمور والخضوع لفتنة النساء المجندات، وذكرت الصحيفة أن أحد الأسرى أخبر بعد الإفراج عنه، أنه طُلب منه أن يجهر بالشكر لـ (الرب يسوع) لأنه أبقاه حياً بعد كل تلك المدة من الاعتقال. إن الأمريكيين لا يشعرون تجاه هذه المخازي بمجرد وخز في الضمير، لا، بل إن المسؤولين الأمريكيين لم يعدوا اللجوء إلى مثل تلك الأساليب الهمجية مجرد حق من حقوقهم، بل واجباً من واجباتهم؛ فقد جاء في تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية نشرته صحيفة (وول ستريت) في ٧/٦/٢٠٠٤م أن الرئيس جورج بوش يعتبر في نظر إدارته غير ملزم بالقوانين التي تحظر اللجوء للتعذيب، وعللوا ذلك بأن الأمن القومي الأمريكي فوق كل القوانين والمعاهدات الدولية. أما السجناء البؤساء في ظل الغزو الديموقراطي الحضاري، والبالغ عددهم وفق تقدير بعض الأوساط نحو مئة ألف شخص حتى شهر مايو ٢٠٠٤م، فإن من واجبهم أن يحنوا الرؤوس أمام الجندي الأمريكي (النزيه) الذي طالبت حكومته بتوفير الحصانة القضائية له، في مشروع قرار تقدمت به لمجلس الأمن في هذا الشأن، ومن واجب هؤلاء السجناء أيضاً، بل من واجب الشعب العراقي كله، بل العالم الإسلامي بأسره أن يتغاضى عن (بعض الهنات) التي حدثت من الأمريكيين أثناء هجمتهم (التنويرية) على العالم الإسلامي. يقول الجنرال (مارك كيمت) المتحدث باسم جيش الاحتلال الأمريكي في العراق: «إن الشعب العراقي سيغفر حتماً للولايات المتحدة ما حدث في سجن أبي غريب» !! وقال في حديث له مع الإذاعة البريطانية في ٣/٥/٢٠٠٤م: «إن ما حدث هو تصرف فردي من عدد محدود من الجنود الأمريكيين، إلا أن بقية الجنود الأمريكيين، في العراق، والبالغ عددهم ١٣٥ ألف جندي، يعاملون الشعب العراقي باحترام وإكرام» !! - السقوط الديمقراطي في أوحال الدكتاتورية: رصدت الولايات المتحدة الأمريكية المشكوك في شرعية رئيسها من الناحية الديموقراطية، مبلغ ٢٩ مليون دولار، لنشر الديموقراطية في العالم العربي وقد سخا الأمريكيون بهذا المبلغ (التافه) ضمن مشروع يتولى وزير الخارجية الأمريكي (كولن باول) الإشراف عليه، وهذا المبلغ قد يكفي بالكاد، لإطلاق حملات كذب دعائية، وإنتاج لافتات على واجهات المؤسسات الرسمية في مختلف البلدان العربية مكتوب عليها (دولة كذا ... الديموقراطية) ، ليسهل من خلال تلك اللافتات المزورة، تمرير التحول الخطير في بلاد الإسلام باسم الديموقراطية، التحول في السياسات، والتحول في المناهج، والتحول في المواقف، بل التحول في العادات والتقاليد والعقائد والقيم، وفق ما عرف بمشروع الإسلام المدني الديموقراطي، الذي تناولت الحديث عنه في مقال سابق. فأن ترصد الولايات المتحدة لهذا التغيير الكبير تحت مسمى التحول الديموقراطي مثل ذلك المبلغ؛ فهذا يدل على حسابات خاطئة، لا تعي طبيعة هذه الأمة التي تستعصي على الذوبان في طوفان المكر والسُكْر الأمريكي؛ فالأمريكيون كانوا قد رصدوا لغزو العراق عسكريا مبلغ مئتي مليار دولار، والآن يريدون أن ينشروا (الديموقراطية) منه إلى بقية دول العالم العربي والإسلامي بمبلغ ٢٩ مليون دولار. ما أرخص تلك الديموقراطية وما أحقرها! إن الأمريكيين وغيرهم من الغربيين، يضنون بديموقراطيتهم ـ المرفوضة إسلامياً ـ على بلدان المسلمين، ويرون أن تلك الديموقراطية الليبرالية لا بد أن تحل محلها في بلادنا (دماقراطية) عسكرية تجمع بين الدم والدمار، ذات أنياب ومخالب وأذناب وثعالب، وأقبية وسجون. تماماً كما يحدث الآن في أفغانستان وفي العراق، حيث ديموقراطية عهر وعار تتحكم بالحديد والنار. أما ديموقراطية الحياد والشفافية، واحترام الحريات والأصوات ونتائج الانتخابات فإنها خاصة بهم وموقوفة عليهم، بل حتى هذه (المقدسات) عندهم، قد دنسها بوش في انتخاباته الماضية. وبالرغم من أنني أتوقع (مهزلة) ديموقراطية أخرى في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، على غرار مهزلة عد الأصوات يدوياً في انتخابات عام ٢٠٠٠م لإنجاح بوش بأصوات حفنة من يهود فلوريدا؛ فإن مهازل أخرى ـ ديموقراطية أمريكية ـ جرت وتجري الآن في كل من العراق وأفغانستان؛ حيث تجري في كلا البلدين عملية سطو استعماري شامل باسم الديموقراطية، من خلال إضفاء الشرعية على عملاء جواسيس، بلا هوية إسلامية أو وطنية أو حتى إنسانية. - ديموقراطية بوش في أفغانستان: سقوط بوش في أفغانستان، لا قعر له؛ فخلاصة مشروعه للنهضة بأفغانستان بعد السطو عليها، هي تلك الأهزولة (الديموقراطية) الأخيرة، التي تعد فضيحة، لا تقلُّ في فداحتها عن فضائح نسبة الـ (٩٩%) الانتخابية في ٩٩% من بلدان العالم الثالث على اعتبار أنها جرت بإشراف وإسناد أمريكي. كرزاي الأمريكي الجنسية والأفغاني الهوية، تقدم بالترشيح في الانتخابات (الحرة) وهو محتفظ بمنصب الرئاسة، مع أنه ـ في الظاهر ـ مجرد رئيس (مؤقت) لأفغانستان، عينته قوى الاحتلال، أما في الباطن، فهو رئيس اختارته المخابرات المركزية الأمريكية لزعامة أفغانستان منذ عام ١٩٩٦م كما ذكر ذلك (تومي فرانكس) في مذكراته، أي أنه اختير قبل أحداث سبتمبر بنحو خمس سنوات، بل قبل سيطرة طالبان على الحكم في ربوع أفغانستان. ومع ذلك ظن بعض المخدوعين بسراب الديموقراطية الأمريكية، أن الولايات المتحدة جادة في إصلاح الأوضاع في أفغانستان تحت قيادة حرة مختارة، فراحوا يتسابقون في الترشيح للرئاسة إلى جانب حامد كرزاي، وظهرت العديد من الوجوه القديمة التي تحاول القيام بأدوار جديدة في محنة أفغانستان المتتابعة الفصول وكان منهم كتلة الجهل والغباوة، (عبد الرشيد دوستم) الشيوعي سابقاً، و (الليبرالي) لاحقاً، والذي أراد أن تنكب أفغانستان به رئيساً قادماً من حارات مزار شريف وخمارات موسكو وأنقرة!! وما المانع في ظل ديمقراطية ضاق عطنها بالشرفاء الأنقياء الذين اجتمعت عليهم قلوب الأمة الأفغانية، وارتضت قيادتهم؟ تقدم للترشيح للرئاسة ١٧مرشحاً، وسجل نحو عشرة ملايين ناخب أسماءهم للإدلاء بأصواتهم فيما يظنون أنه مشاركة فعالة في انتخابات حرة، وكان ٤١% من الأسماء للنساء اللاتي تبلغ الأمية في صفوفهن نحو ٨٠%، ولهذا كانت توضع على الصناديق صور المرشحين التي ربما لم يرَ الناخبون والناخبات صورهم قبل ذلك، أو يسمعوا بهم، وقد ساهمت الأمم المتحدة في إضفاء صفة المشروعية على تلك المسرحية الانتخابية، فوظفت ما بين ١٢٠ ـ ١٣٥ ألف شخص للإشراف على مراكز الاقتراع في أنحاء أفغانستان، في محاولة لإقناع العالم بأن الاحتلال ـ المأذون فيه من الأمم المتحدة ـ هو خير كله، وقد تحولت براعم الديمقراطية في ظله إلى ثمرات يانعات في أقل من ثلاث سنوات. ولكن الخديعة لم تطل؛ إذ اكتشف المرشحون المخدوعون أو أكثرهم، أن الانتخابات الأمريكية في أفغانستان تجري كشأنها في معظم انتخابات العالم الثالث وسط جو من الدجل، شمل شراء الذمم وعدم تكافؤ في الفرص مع تزييف النتائج وتغيير الحقائق، حتى إن كرزاي ـ ومن فرط إيمانه بـ «القيم» الديموقراطية ـ أوعز إلى شيوخ قبيلته (التيرازاي) بأن يهددوا كل من لم يصوِّت لصالحه بحرق بيوتهم وتشريد أسرهم. أما النزاهة المطلوبة في الانتخابات وفق المواصفات المتعارف عليها فقد رفضها الديموقراطي العريق (كرزاي) حتى إنه رفض أن تشكل لجنة مستقلة ومحايدة لتنظيم الانتخابات، كما رفض قبل ذلك أن يتنازل عن الرئاسة حتى تظهر نتائج الانتخابات. ثم ظهرت قصة التلاعب بالأحبار التي «يبصم» بها الناخبون، وتبين أنها كانت قابلة للإزالة، بحيث يتعين على كل من أراد أن يبصم بالعشرة لكرزاي أن يكتفي فقط بغسل الإصبع الذي سبق أن بصم به. وكانت هذه التصرفات كافية لأن يفهم بقية المرشحين المخدوعين أنهم مجرد ديكور رخيص في البهو الديموقراطي المزيف، فاضطر غالبيتهم للانسحاب ومقاطعة الانتخابات، ورفضوا القبول بنتائج تلك «اللعبة» الديمقراطية التي أظهرت أن كرازاي، هو الدمية المختارة كزعيم أوحد ينبغي أن يرضى به الشعب الأفغاني الحر، الذي قاتل كل الرؤساء القادمين على الدبابات الروسية، ليقبل في النهاية ـ فيما زعموا ـ بذلك الرئيس القادم على المجنزرة الأمريكية! ويعطيه ٦٢% من الأصوات ويوزع البقية على ١٧ مرشحاً. لقد أخفق كرزاي وسقط في حل سائر القضايا المتعلقة بأفغانستان، وسقط بسقوطه مشروع بوش هناك حيث رجعت أفغانستان إلى عهود الخوف والجوع تحت مظلة الاحتلال، ولذلك هي تنتفض الآن ضد بوش وعملائه، ولا يستبعد المهتمون والمراقبون ـ بمن فيهم كرزاي نفسه ـ أن تتمخص أحداث مقاومة الاحتلال في أفغانستان عن عودة النفوذ إلى الإسلاميين هناك، وفي مقدمتهم قوى طالبان العائدة، التي يستجير كرزاي من شبح عودتها للصعود؛ فقد صرح به في خطاب له أمام مجلس العموم البريطاني، بأن قوة القانون لا تحكم سوى ٤٥% من أراضي أفغانستان، أما بقية الولايات فإن كل واحدة منها تمثل دولة داخل الدولة، وقد قال نصاً أمام مجلس العموم البريطاني: «إن تهديد طالبان لا يزال موجوداً، وبلادي ليس بوسعها عمل شيء يحول دون عودة طالبان للسيطرة على أفغانستان، والمجتمع الدولي سيكون مسؤولاً عن صعود هؤلاء المقاتلين مرة أخرى» . - «ديموقراطية» بوش في العراق: يصر بوش على أن تجري الانتخابات «الديموقراطية» في العراق تحت أسنة الرماح على وجه السرعة، وهو ما يؤكد معظم المراقبين استحالة تحقيقه في الموعد المقرر في بداية الشهر الأول من العام القادم ٢٠٠٥م، إلا في حالة الرغبة في حسم نتائج الانتخابات مسبقاً لصالح الحكومة المؤقتة العميلة. وكما حدث في أفغانستان، فإن الفوضى الأمنية العارمة التي يعيشها العراق لن تسمح بسريان العملية الانتخابية في مجراها الطبيعي الآمن، وما تريده الإدارة الأمريكية باختصار في العراق، هو تكريس الاحتلال وتثبيت حكومة العملاء الحالية، لتتمكن بعد الانتخابات من الادعاء بأنها صاحبة الحق الشرعي في الموافقة على بقاء الاحتلال أو رحيله، فإذا تم انتخابها واكتسبت المشروعية المزعومة؛ فإنها ستطلب من (الصديق) الأمريكي، أن يتكرم بطول الضيافة في ربوع العراق؛ لأن العراق محتاج إلى ذلك المحتل! وعندها (سيتواضع) هذا الاحتلال، ويؤثر مصلحة العراقيين على مصلحة الأمريكيين، ويبقى جنوده في أرض الرافدين، لكن لا في داخل المدن؛ وإنما خارجها حيث تعد القواعد العسكرية لبقاء طويل الأمد، أما الأمن في المدن فإنه سيوكل إلى العراقيين أنفسهم، حيث سيأكل بعضهم بعضاً ـ بعد انتخابات ـ بدلاً من التفرغ لمقاومة الاحتلال. إن ما يريده بوش هو حقن دماء الأمريكيين بهدر دماء العراقيين، وذلك بتدشين حقبة جديدة من الاقتتال والصراع بين العراقيين في مواجهات أمنية، أو حتى حرب أهلية، ولذلك كان كل هذا الحرص على إمضاء العملية «الديموقراطية» في أسرع وقت وبأقل تكلفة. وقد نشرت مجلة التايم الأمريكية مؤخراً تقريراً حول حقيقة الديموقراطية التي يريدها بوش في العراق، فنسبت إلى مسؤولين أمريكيين قولهم: إن حكومة بوش كلفت جهاز الاستخبارات الأمريكي الـ (س. آي. إيه) أن يختار ويدعم المرشحين الذين يتعين على الولايات المتحدة أن تقف بكل ثقلها خلف إنجاحهم، دون النظر لمصالح أي قوى أخرى ـ غير أمريكا ـ لها نفوذ أو مصلحة في الداخل العراقي. وهكذا وبعد ما يقرب من عشرين شهراً من الاحتلال الأمريكي للعراق بدعوى القضاء على الديكتاتورية وإحلال الديموقراطية؛ يتضح للجميع أن الهمجية الديموقراطية التي يبشر بها بوش، تحاول التفوق على كل ما كان يقال عن ديكتاتورية صدام حسين. إلا أن أحلام بوش لن تكون سهلة المنال؛ فالعملية الانتخابية التي وضع بول بريمر نظامها الأساسي؛ يحتاج إتمامها إلى جيش حقيقي من رجال الشرطة يصل إلى ٦٠٠ ألف رجل أمن مسلح، لحماية ١٥٠ ألف موقع انتخابي في أنحاء العراق، أي بواقع ٤ رجال شرطة لكل موقع، وهو ما لا يمكن أن يضمن أمن الناخبين في ظل الأوضاع الأمنية المتردية حالياً، ومع ذلك فإن توفير هذا العدد (٦٠٠ ألف) لا يمكن للحكومة العميلة أن توفره بسهولة في ظل تخوف المتطوعين في الشرطة من الاستهداف المباشر من المقاومين. يضاف إلى ذلك أن الانتخابات ستجري ـ إن جرت ـ دون مشاركة عدد من المناطق العراقية تبلغ نحو ٣٠% من الأماكن المأهولة؛ فالفلوجة والرمادي وسامراء، وبعض المناطق الأخرى، جرى استثناؤها «بشكل ديموقراطي جداً» من المشاركة في العملية الانتخابية. لكل هذا فإن هيئة علماء المسلمين السنة، شككت في مصداقية تلك الانتخابات، إحساساً منها بأن إقصاء أهل السنة عن الحياة السياسية في عراق المستقبل أمر مرتب له، ولهذا أعلن أعضاء تلك الهيئة أنهم لن يشاركوا في تلك الانتخابات السياسية، وسيكتفون بموقع المرجعية الدينية للشعب العراقي. ومما يخشى من عواقب تنفيذ مشروع بوش «الديموقراطي» في العراق؛ أن يكون ذلك المشروع طريقاً إلى التقسيم، وبخاصه في ظل إصرار الزعامات العلمانية للأكراد على الاستقلال وفق نظام فيدرالي. أما الشيعة فإنهم قد يرضون بالتقسيم إذا لم يتمكنوا من السيطرة على أنحاء العراق، ولهذا فإن بينهم ما يشبه الإجماع على الانخراط في العملية الانتخابية، حتى من التيار الصدري الذي ضاق صدره سريعاً باستدراج الأمريكيين المتعمد لما يسمى بـ (جيش المهدي) وإصرارهم على اصطياد أفراده المتثاقلين بأسلحتهم، ولهذا قرر هذا الجيش (الفاتح) بيع أسلحته ـ إي والله ـ بيع أسلحته للمحتلين وعملائهم. إن ديموقراطية بوش في العراق الآن، ومن قبلها في أفغانستان، هي بشرى شر ونذير شؤم، لكل التواقين إلى النزول على الأسر في قصر الديمقراطية الأمريكية، ذي الأقبية والزنازين. - السقوط الاقتصادي «فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة» : تسببت حرب بوش العالمية ضد ما يسمى بـ (الإرهاب) ، في خسارة الولايات المتحدة لأموال طائلة، أثقلت كاهل الاقتصاد الأمريكي، وأسهمت هذه السياسة المتشنجة داخلياً وخارجياً في حرمان المناخ الاقتصادي من الاستقرار اللازم للازدهار، وإضافة إلى تعثرات أخرى مُني بها الاقتصاد الأمريكي، فقد تسبب كل هذا في وصول عجز الميزانية الأمريكية لعام ٢٠٠٢م إلى أربعمائة مليار دولار، وهي نسبة عجز كانت كافية لأن تلتهم ما كان كلينتون قد حققه من فائض الـ (١١٥) مليار دولار في عام ١٩٩٩م. ولم يتمكن الاقتصاد الأمريكي من استعادة شيء من توازنه، إلا بعد أن ألجأت الولايات المتحدة حلفاءها الاقتصاديين إلى ضخ أموال ضخمة في أسواقها، مخوفة إياهم من أن الخراب والدمار لن يقتصر عليها إذا تهاوى اقتصادها. ولكن هذا العلاج المؤقت؛ كان ولا يزال بمثابة المخدر الذي يخفي الألم ولا يذهب بالداء. الحاصل أن الاقتصاد الأمريكي أصبح مريضاً في عهد بوش، بما يهدد بكارثة قومية، لا قومة بعدها ولا تعافي. والمراقبون يتساءلون: هل هذا المرض قابل للشفاء؟ وتكاد الأجوبة تُجمع على أن هذا العلاج إذا لم يكن مستحيلاً؛ فإنه صعب ومكلف وغير مضمون، ومن هنا كانت وعورة أرض المنافسة التي يتسابق فيها جورج بوش ضد الحزب الديموقراطي ومرشحه جون كيري. إن فقدان الولايات المتحدة المنتظم لرصيد كبير من ثقة المستثمرين في الداخل والخارج؛ سيعني على المدى القريب انهيار القواعد الهيكلية لنظام بيوت المال الأمريكية الكبرى، القائمة أصلاً على الاستقرار والبعد على الأزمات الطارئة والمتكررة. ولكن لسوء حظ الاقتصاد الأمريكي ببوش، فإن هذا الرئيس المغامر فوق حصانه المجنون؛ لا يكاد يكف عن هز أعمدة ذلك الاقتصاد هزاً عنيفاً بدعوى إيقاظه، وهو ما أصبح يهدد الاقتصاد بأزمة لا تهدد مستقبل بوش وفريقه من كبار تجار الأسلحة والنفط فحسب، بل تهدد مستقبل الرفاه الأمريكي بكامله، وتنهي عصور الكفاية والوفرة التي عاشها الأمريكيون عقوداً وراء عقود. لقد بدأت معالم ذلك الضعف بعد أحداث سبتمبر؛ حيث انخفض مقياس (داوجونز) بمعدل (٦٢٤) نقطة، ثم عاد إلى الانخفاض بمعدل (١٧٧٥) نقطة، بعدما تكشفت فضائح الشركات الكبرى مثل (أنرون) (١) و (وورلد كوم) (٢) . والحكومة الأمريكية التي لا تكشف الحقيقة الكاملة عن حجم الخسائر، تحاول تعويض تلك الخسائر باتباع سياسة ريجان في استقبال الأموال السوداء لتبييضها في الأسواق. وقد أسهم أركان حكومة بوش من تجار السلاح والنفط بسياستهم الجشعة، في إيجاد ثارات اقتصادية ضد بوش وإدارته؛ حيث يحاول المتضررون من تلك السياسات أن يُحكموا الخناق حول أعناق خصومهم من خلال لف حبال الفضائح حول رقابهم، ومع اشتداد وطيس المعارك الانتخابية يستجمع خصوم بوش قواهم للكشف عن المزيد من الفضائح الاقتصادية التي تثبت أن بوش لم يكن فاشلاً فقط في إدارة الاقتصاد الأمريكي، بل كان رئيساً لعصابة من محترفي استغلال النفوذ. - السقوط العسكري.. تهافت الفراش إلى النار: قد يحسب بعض الناس غزو العراق وأفغانستان انتصاراً عسكرياً ساحقاً لبوش الابن أثناء فترته الرئاسية الأولى، ولكن لأن الأمور بخواتمها وعواقبها، فإن هذا الانتصار يتحول تدريجياً إلى انكسار مروِّع، وسقوط مدوٍ، يجعل الأمريكيين يترحمون على أيام فيتنام؛ فبعض الأوساط توصل عدد القتلى الأمريكيين بعد غزو العراق إلى نحو ٨٠٠٠ قتيل، بينما يحذف الأمريكيون صفراً واحداً ويكتفون بالإعلان عن ٨٠٠ قتيل، وقد بدأت روائح الفضائح الأمريكية في الكذب على الشعب الأمريكي تتكشف كلما ووريت الجيف بالأعلام الأمريكية، حتى إن الكاتب الأمريكي الذائع الشهرة (روبرت فيسك) كتب يقول بأن الإدارة العسكرية الأمريكية تكذب على الشعب الأمريكي فيما يتعلق بضحايا الحرب من القوات العاملة في العراق، واعتبر أن عدد القتلى أكثر بكثير من الأرقام المعلنة، وعلل ذلك بأن القيادة الأمريكية لا تعلن إلا عن أسماء القتلى الذين يحملون الجنسية الأمريكية، وأما الأعداد الأكثر في قوات الاحتلال والذي يمثلهم المرتزقة الراغبون في الحصول على الجنسية الأمريكية؛ فإنهم لا يذكرون ضمن أعداد القتلى، مع أنهم محسوبون ضمن قوة الجيش الأمريكي. وحتى هؤلاء الحاملون للجنسية؛ فإن القيادة العسكرية تتحدث عنهم وكأنهم قوى خارقة، أو جيوش من (السوبرمان) ، فرتل عسكري يدمر بكامله، فيعلن أن أحد سائقيه أصيب برضوض وخدوش، وطائرة عمودية محملة بالوقود تسقط في الرمال والجبال فيقال هبطت بسلام، ولم يصب أحد من الجنود بأذى، وما يقال في العراق يقال في أفغانستان، فقد ذكرت وكالة (يونايتد برس أنترناشيونال) ، أن ١٧ ألف مصاب في العراق وأفغانستان لم يقيدوا ضمن الخسائر البشرية الأمريكية في المعارك الحادثة هناك، أما العدد المعلن عنه رسمياً من المصابين فهو ٧ آلاف مصاب فقط. كنت قد كتبت في أعقاب أحداث سبتمبر ٢٠٠١م، عن (الورطة الكبرى) التي توقعت أن يقع الأمريكيون فيها إذا نفذ جورج بوش تهديداته وقتها بغزو بعض البلدان الإسلامية، ولكن ما وقع فاق التوقع؛ فلم يكن أحد يتصور أن تنتصب لمقاومة العدوان في بلد كالعراق المحاصر منذ طيلة ١٣ سنة قبل الحرب، كل تلك الأعداد من المقاتلين غير النظاميين؛ فالتقديرات المعلنة عن عدد المقاومين في العراق، من مواطنين وغير مواطنين، تتراوح ما بين ٣٠ إلى ٥٠ ألف مقاوم، ينفذون يومياً ما يقرب معدله من ٥٠ هجوماً عسكرياً ضد قوات الاحتلال ومعاونيها، بل إن صحيفة النيويورك تايمز أوصلت هذا المعدل في بعض الفترات إلى ٨٠ هجوماً يومياً؛ فكيف تصمد أفراخ بوش البيضاء أمام هجمات تلك الصقور الشهباء؟ إنه السقوط الذي وقع فيه بوش، حتى وإن تبختر أمام الناخبين مزهواً بانتصاراته المزعومة. وقد نقلت صحيفة الجارديان البريطانية عن خبراء وقادة عسكريين أمريكيين قولهم: إن الولايات المتحدة خسرت الحرب في العراق كنتيجة، وإن كانت قد انتصرت فيها كبداية، وأكد هؤلاء أن المستنقع العراقي أخطر بكثير من المستنقع الفيتنامي، وأكد عدد منهم للصحيفة ـ ومنهم الجنرال متقاعد (وليام أدوم) ـ الرئيس السابق لجهاز الأمن القومي الأمريكي والجنرال (جوزيف هوار) القائد السابق للبحرية الأمريكية، و (جيفري ريكورد) أستاذ الاستراتيجية العسكرية في الكلية الجوية بواشنطن: أن حسابات الحرب كانت خاطئة ولا أمل في إنقاذ الوضع المتردي للقوات الأمريكية في العراق؛ لأن إمكانية القضاء على المقاومة العراقية غير واقعية، بحسبان أنها تزداد كمّاً وتتطور كيفاً. وقد قال الصحفي الأمريكي الشهير (سيمور هيرش) : إن أمريكا في (مأزق حقيقي) . ومن مظاهر هذا المأزق، أن جنود الاحتياط داخل الولايات المتحدة، بدؤوا في الفرار من تلبية دعوات الخدمة خوفاً من إرسالهم إلى العراق، وقد بلغ عددهم بحسب صحيفة واشنطن بوست نحو ٣٠ ألف شخص. أما الذين لم يلتحقوا بالخدمة العسكرية بعدُ فإن أعداداً غفيرة منهم تغادر الولايات المتحدة إلى كندا، حتى لا ينتهي مصيرها إلى محرقة العراق. تُرى، هل تستطيع الإدارة الأمريكية في الفترة القادمة أن تتجاوز المخلفات المخزية الحزينة لسنوات مطلع الألفية السعيدة (السعيدة) ، وهل لا يزال الإنجيليون والتوارتيون مقتنعين بأنهم يعملون من أجل (الخلاص) ؟! رجاؤنا أن يخلّص الله الإنسانية، من تسلط هذه الشياطين البشرية التي ما كان لها أن تسود وتقود العالم إلا في غياب تمكين المسلمين، هذا التمكين الذي يسهمون الآن من حيث لا يشعرون في تيسير قدومه، وتسيير قافلته، حتى لو كانوا يظنون أنهم بنباحهم سيوقفونها أو يعرقلون خطاها ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] .

стр. 5120

ويبقى الأقصى في خطر عبد الرحمن شيخ حمادي تدمير المسجد الأقصى هو أهم الأهداف الصهيونية حالياً؛ فالمطلوب هو إزالته وبناء (الهيكل الثالث) مكانه. وتحقيق هذا الهدف يتم وفق خطط مدروسة بعناية؛ ونحن نتحدث عن تلك الخطط؛ لأن واجبنا يفرض علينا أن نعرفها ونسعى إلى مجابهتها؛ وخاصة أنها تطال مدينة إسلامية من أعرق مدننا وأقدسها. وهذه الخطط صارت معروفة للعالم. ففي ٩/٥/١٩٨٣م أصدرت أجهزة أمريكية رسمية وغير رسمية ومن بينها بعض أجهزة الاستخبارات تقريراً مفصلاً كشفت فيه عن خطط إسرائيلية متكاملة لإزالة المعالم العربية والإسلامية من مدينة القدس القديمة؛ بما في ذلك خطة لتدمير المسجد الأقصى وبناء (الهيكل الثالث) مكانه؛ وقد حذرت تلك الأجهزة من تنفيذ هذا المخطط؛ لأنه سيشكل خطراً على المصالح الأمريكية في الدول الإسلامية والعربية؛ وطالب التقرير بإجراء تحقيق رسمي موسع تشارك فيه وكالات الإدارة الأمريكية ولجان الكونغرس لمعرفة سبل مواجهة هذا الخطر. واللافت للنظر في ذلك التقرير أنه أشار ومنذ ذلك التاريخ إلى هجرة اليهود الروس بالملايين إلى فلسطين قبل نهاية عام ٢٠٠٠م؛ حيث يمكن بوجودهم إحياء مشروع (الهيكل الثالث) . كما أن التقرير تحدث عن عملية رسم خريطة المنطقة، وعن علاقة اليهود والجماعات الأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا التي تعتنق الأفكار الصهيونية، وتدين بالرأي القائل بأن العالم يعيش في آخر أيامه. إذن نحن مع تقرير أمريكي صدر عام ١٩٨٣م؛ وإن كان مكتوباً للأغراض الداخلية، ويحمل صفة السرية؛ إلا أنه يتحدث عن خطط صريحة لنسف المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وإقامة هيكل سليمان مكانهما؛ حيث يمكن المباشرة بتنفيذ هذه الخطط بعد وصول المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي سابقاً؛ ليس لأن هؤلاء سيشكلون قوة بشرية كبيرة تحمي عملية إزالة المسجد الأقصى فحسب؛ بل أيضاً على أساس (نبوءة توراتية) نشرتها الصهيونية تنص على أن بناء هيكل سليمان للمرة الثالثة سيتم على أيدي يهود روس؛ وهذه النبوءة ليست عبثاً في الطرح الصهيوني؛ ذلك أن معظم اليهود الذين أخذوا على عاتقهم مهمة تنفيذ خطة بناء (الهيكل الثالث) هم اليهود الذين هاجروا من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا؛ وهم أقلية بالقياس إلى طموحات (جمعية أبناء هيكل القدس) بإقناع وضم جميع اليهود إلى هذه الجمعية. والمهاجرون الروس هم أسهل إقناعاً واقتناعاً بهدف ومرامي الجمعية؛ وخاصة أنهم هاجروا بحماس كبير، ومن الممكن استغلالهم بهذا الحماس كأداة في تدمير المسجد الأقصى؛ وهم عندما يفعلون ذلك يجنبون إسرائيل كثيراً من المتاعب أمام الرأي العام العالمي؛ إذ يمكن آنذاك إلقاء اللوم على (الحماس الديني) أو (عدم ضبط النفس) . وهكذا في ذروة هجرة اليهود الروس عام ١٩٩٠م حدثت مجزرة المسجد الأقصى، وكان اليهود الروس أشد المهللين لها؛ حتى إن «ب. بوخينوف» الناطق الرسمي باسم المهاجرين الروس أعلن وبالحرف: «إن تحرير إسرائيل لن يكتمل إلا بعد أن ندمر كل المباني الإسلامية في أورشليم؛ وبعد أن نحرر أرض الهيكل من المسلمين.. لقد عجز الإسرائيليون عن ذلك حتى الآن، ولكن ها نحن قد جئنا لنفعل ما يريده الرب؛ ولن يوقفنا شيء عن إزالة هذا المسجد وبناء الهيكل المقدس مكانه» . من هذا وغيره يتضح أن خطة تهديم المسجد الأقصى في مدينة القدس وبناء ما يسمى (هيكل سليمان) مكانَه قائمة وراسخة في صلب الفكر الصهيوني؛ وقد أعلنها أعضاء (المنبر الأمريكي للتفاهم اليهودي ـ المسيحي) وله مقرَّان: الأول في القدس؛ والثاني في بنسلفانيا؛ وكذلك أعضاء (مؤسسة هيكل القدس) ولها أيضاً مقرَّان: في القدس، وكاليفورنيا؛ وهدف أمثال هاتين المنظمتين التي تعمل علانية هو تنفيذ (النبوءة التوراتية) ببناء الهيكل الثالث في القدس؛ والتمهيد لذلك بتدمير المسجد الأقصى وكافة الأماكن الأثرية الإسلامية والعربية. إن المتابع لما يجري في هذا المجال يجد أن حقبة تسعينيات القرن الماضي الميلادي والسنوات الأولى من القرن الجديد هي الوعاء لمخططات تدمير المسجد الأقصى؛ وكانت وما زالت تستند ـ كما قلنا ـ على توجيه اللوم للحركات الدينية المتطرفة في إسرائيل بعد كل عملية اعتداء على المسجد الأقصى؛ وكانت عمليات الحفريات حول وأسفل المسجد الأقصى تجري بنوع من السرية والصمت؛ لأن الحكومات الإسرائيلية كانت تخطط للتخفيف من غلواء المتطرفين وحماسهم لتدمير المسجد الأقصى، وتركز على تدمير الأماكن الإسلامية الأخرى التي تقلّ أهمية عن المسجد الأقصى؛ لذلك كانت منظمة هيكل القدس وغيرها من المؤسسات ذات الأهداف المشابهة تعتبر نفسها في حالة صدام مع الحكومات الإسرائيلية؛ لأن تلك الحكومات كانت تمنع هذه المنظمات من تنفيذ خططها علناً؛ ولكن منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي لم يعد أبرز قادة إسرائيل يخفون انتماءهم للمؤسسات المنادية ببناء الهيكل الثالث مكان المسجد الأقصى؛ مثل نتنياهو الذي تبين أنه من أبرز أعضاء منظمة هيكل القدس المتطرفة؛ وهو الذي قاد الحملة التي أجبرت شركات الطيران على عدم التحليق فوق المسجد الأقصى؛ باعتبار أن المكان هو منطقة الهيكل؛ ولذلك لم تعد ثمة حاجة لإبقاء خطط تدمير المسجد الأقصى في حيز السرية؛ فكان الإعلان عن فتح الأنفاق التي تم حفرها تحت الحرم القدسي أمام السياح كإعلان سافر بأن عمليات تهديم المسجد الأقصى مستمرة ـ الآن ومستقبلاً ـ وانهيار أحد أجزاء سور الحرم القدسي الشريف مؤخراً إنما هو جزء من عمليات التهديم هذه.

стр. 5121

الرئيس الأندونيسي الجديد والسياسة المستقبلية في أندونيسيا د. ريزا سيهبودي في أول خطاب سياسي له ألقاه في اليوم التاسع من أكتوبر ٢٠٠٤م في تشيكياس Cikeas)) بوجور Bogor)) بيَّن الرئيس الإندونيسيّ الجديد سوسيلو بامبانج يودويونو Susilo Bambang Yudhoyono)) المعروف بـ (إسبيي/ (SBY أجندة أولويات أعماله في مائة يومٍ الأولى مِن تولِّيه رئاسة جمهوريَّة إندونيسيا مع نائبه (يوسف كلا) . ومما يُثير الدهشة أن الرئيس لم يتحدث في خُطبته عن سياسته الخارجيَّة، وهو الأمر الذي جعل بعض الفئات يرون أنَّ السياسة الخارجيَّة الإندونيسيَّة برئاسة (إسبيي) لا تزال غامضة، ويشوبها كثير من علامات الاستفهام. كما يرى بعضهم أنَّ السياسة الخارجيَّة الإندونيسيَّة برئاسة (إسبيي) لا تختلف كثيراً عن السياسة الخارجيَّة في عهد (سوهارتو) في السبعينيات والثمانينيات؛ فهي تميل إلى الاقتراب من الدول الغربيَّة، وبشكل أخصّ الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة. وهذا الرأي يمكن أن يقبله العقل؛ وذلك بالنظر إلى ثلاثة عوامل: ١ ـ أنَّ (إسبيي) درس في الولايات المتحدة الأمريكية العلوم العسكرية مدة طويلة. ٢ ـ أنَّ بعض المؤسسات التبرُّعيَّة الأمريكيَّة واليابانيَّة كان لها دور كبير في الدعاية (لإسبيي) وشهرته، سواء عن طريق استطلاعات الرأي العامَّة أو الاستفتاءات التي أُجريت قبيل الانتخابات الرئاسيَّة. وليس بغريبٍ أن يكون السفيران: الأمريكيّ رولف إيل بويس Ralph L Boyce)) ، واليابانيّ يوتاكا إيمورا Yutaka Iimura)) مِن أوائل من جاؤوا إلى مقرِّ (إسبيي) لتهنئته بمناسبة فوزه في الانتخابات الرئاسيَّة فور إعلان لجنة الانتخابات العامة والمحكمة الدستوريَّة رسمياَّ فوز (إسبيي) لرئاسة إندونيسيا في الفترة بين ٢٠٠٤ ـ ٢٠٠٩م. ٣ ـ إنّ الحكومة الأمريكيَّة من أكثر الحكومات في العالم تحمُّساً لقبول فوز (إسبيي) في الانتخابات الرئاسيَّة؛ فعندما جاء السفير الأمريكيّ (رولف إل بويس) إلى مقرِّ (إسبيي) في اليوم الثامن مِن أكتوبر الماضي أعرب عن أمله في التعاون الثنائيّ بين جمهوريَّة إندونيسيا والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة في المجال العسكريّ، وأضاف قائلاً: إنَّ الرئيس جورج بوش الابن هنَّأ (إسبيي) مشافهة بالهاتف بفوزه في الانتخابات الرئاسيَّة في اليوم نفسه. وقالت حكومة بوش ـ كما نقلته وكالة Associated Press للأنباء ـ إنَّ نجاح الانتخابات العامَّة هنا في إندونيسيا أكبر دولة إسلاميَّة يدلُّ على أنَّ الإسلام والديمقراطيَّة مؤتلفان ومتلائمان. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما مدى صحة ما يُقال أنَّ جمهوريَّة إندونيسيا برئاسة (إسبيي) سوف تقوم بسياسة أكثر موالاة للغرب، وبالأخص الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة؟ وكيف ستكون العلاقة بين حكومة (إسبيي) والشعب الإندونيسي المسلم؟ وإذا نظرنا إلى التشكيل الوزاري الجديد الذي أعلنه الرئيس (إسبيي) فإنه يمكن التنبؤ بعلاقات طيبة بين الحكومة والشعب الإندونيسي؛ وذلك لما في هذا التشكيل الوزاري الجديد من شخصيات إسلاميَّة بارزة وأعيان لهم انتماء إسلامي، وقد تقلَّدوا مناصب وزارية مهمة في الحكومة الجديدة. فعلى سبيل المثال اختير (أبو رزال بكري) ، أحد الأعضاء في رابطة المثقفين الإسلاميين الإندونيسيَّة وزير تنسيق للشؤون الاقتصاديَّة، وكذا (وسوغيهارتو) ، من حزب التنميَّة الاتحادي وزيراً للهيئات التجارية الحكوميَّة، ويمكن أن يكونا موضع أمل لكثير من التجار الأصليين، وأغلبهم مسلمون. وعلى جانب آخر فإنَّهما قادران على فتح مجالات للارتقاء بمستوى التعاون الاقتصادي مع الدول العربيَّة. وفي الحقيقة نجد في مجال الاقتصاد بعض الشخصيات الذين يُظنُّ أنَّهم موالون لصندوق النقد الدوليّ أو موالون لأمريكا، ومنهم (سري مولياني) و (ماري بانجيستو) ، ولكنَّ أمرهما لا يدعو للقلق؛ فـ (أبورزال بكري) أعلى منهما درجة في هذا التشكيل الوزاري، وأضف إلى ذلك (يوسف كلا) ، نائب الرئيس، وقد عُرف بقربه من أوساط المسلمين. وفي مجال السياسة الخارجيَّة من المؤكَّد عدم حدوث أيِّ تغير في سياسة حكومة إسبيي؛ فلا يزال (حسن ويرايودا) وزيراً للخارجيَّة، كما كان الحال في عهد (ميجاواتي) . وهذا يعني أن السياسة الخارجيَّة الإندونيسيَّة سوف تبقى حرَّة فعالة ونشيطة كما كان الحال من قبل، وقد أكَّد (إسبيي) ذلك في خطابه السياسي في اليوم العشرين من أكتوبر ٢٠٠٤م. وقد صرَّح وزير الدفاع الإندونيسيّ (جوونو سودارسو) بأنَّ إندونيسيا وإن كانت لا تزال جادة في محاربة الإرهاب ولكنَّها لن تكون تبعاً للولايات المتحدة الأمريكيَّة، ولا يمكن أن تُملي عليها أمريكا رغباتها. ونجد كذلك في هذا التشكيل الوزاري الجديد ثلاثة وزراء من حزب العدالة والرفاهية، ووزيرين من حزب الأمانة الوطنيَّة، ووزيرين من حزب نهضة الشعب، وثلاثة وزراء من حزب التنمية الاتحادي، وثلاثة من حزب الهلال والنجمة، وتلك الأحزاب لها شعبيتها الكثيرة في المجتمع الإندونيسي. كما أنَّ وجود هؤلاء الوزراء في التشكيل الوزاري الجديد سيضمن مسيرة الحكومة في الحفاظ على مصلحة الشعب. وبالطبع، لا بدَّ من النظر إلى برنامج مائة يوم في بداية حكومة (إسبيي) ، ولكن على أقل تقدير لا تزال الآمال نيرة لمستقبل إندونيسيا، وبالأخص المسلمين فيها. تقول إحدى النظريات في العلوم السياسية والعلاقات الدوليَّة: إنَّ السياسة الخارجيَّة لدولةٍ من الدول تقرِّرها أربعة عوامل على الأقل، وهي: عامل الرئاسة، وعامل الحالة السياسيَّة الداخليَّة، وعامل القدرة الاقتصاديَّة والعسكريَّة، وعامل المجتمع الدولي. إنَّ طريقة رئاسته لهذه الجمهوريَّة يبدو أنها لا تبعد كثيراً عن خلفياته العسكريَّة؛ حيث إنَّه تلقَّى علومه العسكريَّة في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، ويعني ذلك: أنَّ تلك الخلفيَّات العسكريَّة لها تأثيرها القويّ في تنفيذ سياسته المستقبلية، وبخاصة في مجال السياسة الخارجيَّة. ومن المعلوم في أي دولة يترأسها عسكري أنه يجعل القضايا الأمنيَّة من الأوليات التي يضعها نصب عينيه؛ وهذا الأمر يبدو شبه مؤكَّد بالنسبة (لإسبيي) ؛ ففي خطبته السياسيَّة في تشيكياس صرَّح بأنَّ إنهاء قضيَّة النزاعات في (أتشيه، وبابوا) من أولويات حكومته، وإن لم يصرح في تشيكياس ما هي الطريقة التي سوف يتبعها في مكافحة قضايا الإرهاب التي كثيراً ما يتحدَّث عنها، وبالأخصّ في أثناء حملاته الانتخابيَّة المنصرمة. وهذا يعني بالتأكيد أنه سيضع في أولويات مهامه التي سيقوم بتنفيذها: معالجة المناطق التي فيها نزاعات، وكذا قضيَّة الإرهاب. في القضيَّة الأولى ـ مع ملاحظة بقائه مراعياً أسس حقوق الإنسان ـ سوف يحصل (إسبيي) على تأييد من أغلبيَّة الشعب الإندونيسيّ، لا سيَّما أنَّه ـ مستقبلاً ـ قادر على كشف النقاب عن وجود تدخُّل خارجيّ من بعض الجهات الأجنبيَّة في تلك النزاعات المحليَّة في (أتشيه، وبابوا، وجزر مالوكو، وسولاويسي) . أمَّا بالنسبة لقضيَّة مكافحة الإرهاب فإنَّه يخشى عليه أن يكون تابعاً مُطيعاً للولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وأستراليا اللتين تميلان إلى القول بالربط بين الإرهاب والإسلام. وليس معنى ذلك أنَّ هذا التخوُّف لا أساس له ولا مسوغ؛ فعندما كان وزير تنسيق للشؤون السياسيَّة والأمنيَّة في حكومة ميجاواتي ـ على سبيل المثال ـ عقد (إسبيي) لقاءً مع وزير الأمن الداخليّ الأمريكيّ توم ريدج (Tom Ridge) في اليوم العاشر من مارس سنة ٢٠٠٤م. وتمَّت في هذا اللقاء مباحثات عن التعاون الثنائيّ في مكافحة الإرهاب. وقال ريدج في ذلك الوقت: إنَّ التهديدات الإرهابيَّة يمكن منعها عن طريق التعاون الدولي، وإندونيسيا هي الشريكة الرئيسة لحكومة أمريكا من بين جميع دول آسيا (المرجع: الإسلام أون لاين، الحادي عشر من مارس ٢٠٠٤م) . وفي المقابل طلب (إسبيي) توقيع إتفاقية عسكرية بين جمهوريَّة إندونيسيا والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، وأوضح أنَّ إندونيسيا في الخطوط الأماميَّة في محاربة الإرهاب، وأنَّها قد بذلت جهوداً كبيرة فعلاً في محاربة الإرهاب برغم مُشكلاتها المتعدِّدة في زمنٍ ليس بقصير. وهذا التصريح الذي أدلى به (إسبيي) متوافق مع ما أدلى به السفير الأمريكيّ (رولف إل بويس) لإسبيي في الثامن مِن أكتوبر الماضي؛ ولذلك بإمكان الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة أن توافق على ما طلبه (إسبيي) مِن إجراء علاقات عسكريَّة بين الدولتين شريطة أن توافق إندونيسيا على اتباع السياسة التي تتخذها الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة في محاربة الإرهاب. أضف إلى ذلك أنَّ أحد المؤيِّدين المقرَّبين له، وأحد الوزراء في حكومته الجديدة يوسريل إهزا ماهيندرا (Yusril Ihza Mahendra) ، وهو الرئيس العام لحزب الهلال والنجمة، قد أعرب عن رغبته في تطبيق قانون الأمن الوطنيّ، وهو القانون الذي يشبه ISA (Internal Security Act) أي: وثيقة الأمن الداخليّ الذي تطبِّقه حكومة سنغافورة وماليزيا، وهذا القانون إذا طُبق فسيتمُّ بموجبه إلقاء القبض على كل من يُتَّهم بأنَّ له علاقةً بالإرهاب دون مُحاكمة، مما يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان. وإذا حدث هذا الأمر فعلاً في حكومة (إسبيي) ؛ فمن المؤكَّد أن تحدث بينه وبين شعبه المسلم فجوة كبيرة؛ فالإرهاب في نظر حكومة بوش وحكومة جون هوارد الأسترالية هو الإسلام نفسه، والإسلام نفسه هو الإرهاب. والدليل على ذلك أنَّه قبل مرور يومٍ على حادثة تفجير في كوننجان (Kuningan) في التاسع مِن سبتمبر ٢٠٠٤م، قامت حكومة أستراليا بإلصاق التهمة والمسؤولية عن التفجير بالجماعة الإسلاميَّة؛ مع أنَّ موضوع الجماعة الإسلاميَّة لا يزال يُثير كثيراً من التساؤلات حول حقيقة وجودها في الوقت الحاضر؛ ففي إحدى المناسبات بعد حادثة تفجير كوننجان قال رئيس عام نهضة العلماء (كياهي الحاج هاشم مزادي) إنَّه يشكُّ في وجود تنظيم يُسمَّى «بالجماعة الإسلاميَّة» في إندونيسيا. وكذلك عندما احتُجزت الخادمتان الإندونيسيتان في العراق، وكذا حادثة التفجير التي وقعت أمام السفارة الإندونيسيَّة في باريس في السابع مِن أكتوبر ٢٠٠٤م قيل إنَّ القائمين بهذين العملين هم «جماعة جند الإسلام» وقيل إنَّ هؤلاء لهم علاقة وطيدة بالأستاذ (أبي بكر باعشير) أمير مجلس المجاهدين الذي لا يزال رهن الاعتقال بدعوى أن له صلة بالأعمال الإرهابية، وقد عجزوا عن إثبات الأدلة في ذلك. فإذا ثبت صحة ما قالوه بأنَّ هؤلاء من جماعة جند الله فما كانوا ليحتجزوا نساء وظيفتهنَّ خادمات منازل، ويستبعد أن يجعلوهنَّ هدفاً لهم، لا سيَّما أنَّ هؤلاء الخادمات مِن إندونيسيا، وهي الدولة التي ترفض علناً الغزو الأمريكيّ للعراق، أضف إلى ذلك أنَّ إندونيسيا لم يتغيَّر موقفها في تأييد جهاد الشعب الفلسطينيّ، ولا تزال تبدي تعاطفها مع القضيَّة الفلسطينيَّة بشكل متواصل، فعلى سبيل المثال أعلنت الرئيسة السابقة (ميجاواتي) في حديثها في قمة منظَّمة المؤتمر الإسلاميّ في بوتراراجا (Putraraja) ، في ماليزيا، أكتوبر ٢٠٠٣: أنَّ السبب الرئيس في انتشار الأعمال الإرهابية وبخاصة التي تقوم بها الجماعات الإسلامية تلك الأعمال الإجرامية التي تمارس ضد الشعب الفلسطينيّ من عشرات السنين، وبسبب التأييد المطلق مِن قِبل الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة لإسرائيل، وتغاضيها عن جرائمها في حق الشعب الفلسطيني، وقد بُذلت عدة مرات جهود مضنية للبحث عن حلٍّ سلميّ للقضية الفلسطينية، ولكنها باءت بالإخفاق؛ وذلك لعجز الولايات المتَّحدة أن تتصرَّف تصرُّفاً عادلاً في هذه القضيَّة. وبالطبع يؤمل من (إسبيي) أن يقف موقف سابقيه ويصرّ عليه، وهذا الأمل له ما يسوغه؛ فقد أكد (إسبيي) في إحدى المناسبات على أنَّ التعاون الأمني مع جميع الجهات شيء لا يمكن تفاديه ولا بد من قبوله، بل هو شيء لا بدَّ من المحافظة عليه والدفاع عنه باحتياط وحذر. وأضاف قائلاً: «ولكن بغض النظر عن الفرصة الاستراتيجيَّة التي أوجدها التعاون الأمني كان من الضروري أن تحرص جميع الجهات كلَّ الحرص في حربها على الإرهاب أن لا يؤدِّي ذلك إلى توتر استراتيجيَّ آخر، أو يؤدِّي إلى حالة أسوأ، وهو الأمر الذي يجعل الإرهاب المستفيد الأوَّل من هذه الحرب؛ لذلك فإنَّ المسألة التي لا بدّ من التفكير فيها بإمعان هي: كيف يمكن محاربة الإرهاب؟ فالطرق المثلى في محاربة الإرهاب تأتي عن طريق التوسُّع في التعاون الاستراتيجي مع الدول الأخرى مِن غير أن يؤدِّي هذا التعاون إلى خلق أوضاع متوترة أخرى. ومعنى ذلك أنَّه في محاربة الإرهاب العالميّ توجد فرص سانحة لـ (إسبيي) لا يكون فيه تبعاً للدول الأخرى؛ وبالأخص الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وأستراليا اللتين كثيراً ما ترددان أنَّ الإرهاب هو الإسلام نفسه. وفي هذه الحالة يؤمل من حزب «العدالة والرفاهيَّة» ، الحزب الإسلاميّ الوحيد الذي يؤيِّد (إسبيي) أن يقوم بمهمته في مراقبة سياسة أسبيي في محاربة الإرهاب حتى لا تؤدي هذه السياسة إلى كثير من الضغوطات على الشعب. فدور حزب «العدالة والرفاهية» مهمّ جدًا في مراقبة توازن سياسة (إسبيي) الخارجيَّة، حتى لا تكون هذه السياسة الخارجيَّة موالية موالاة تامَّة للولايات المتَّحدة الأمريكيَّة؛ فضلاً عن أن يكون هناك تعاون خارجي مع إسرائيل، ومن الجدير بالذكر أنَّ الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة في أيام حكومة (سوهارتو) كانت تحاول إغراء إندونيسيا، وتطلب منها مراراً أن تعترف بسيادة دولة إسرائيل، وتعقد معها علاقات دبلوماسيَّة، ولكن لحسن الحظّ أنَّ (سوهارتو) في أيامه تلك لم يكن خاضعاً لإغراءات أمريكا ولا لضغوطها، وهو الأمر الذي جعل أمريكا تثير قضيَّة (تيمور الشرقيَّة) على الساحة الدولية. إنَّ الأوضاع السياسيَّة والاقتصاديَّة والعسكريَّة التي ستواجه حكومة (إسبيي) تبدو أنَّها لا تختلف كثيراً ـ وإن لم تكن أسوأ حالاً ـ عن تلك الأوضاع في السنوات الأولى في حكومة (سوهارتو) ، وهي عبارة عن الأوضاع الداخليَّة التي لا تزال تعاني منها الدولة من النزاعات المحلية المنتشرة في بعض المناطق، والاختلاسات وسرقة أموال الدولة، وأعمال الشغب والعنف التي تتسع دائرتها يوماً بعد يوم. وأمَّا ما يتعلَّق بالأوضاع الاقتصاديَّة فإنَّ اقتصاد الدولة لا يزال يعاني مِن أزمة متزامنة لم يفِق منها بعدُ (على أقل تقدير إذا قورن بالدول المجاورة مثل: ماليزيا، وتايلاند، وفيتنام، لا سيَّما سنغافورة) . كما أنَّ قدرات إندونيسيا في الناحية العسكريَّة لا تزال بعيدة عن الحالة المثاليَّة بالمقارنة بتلك الدول السابق ذكرها. وفي مثل هذه الأوضاع السياسيَّة والاقتصاديَّة والعسكريَّة التي لم تستقرَّ بعد والإضطرابات التي لا تزال تعاني منها الدولة لم يكن لإسبيي بدّ ـ كما كان الحال زمن سوهارتو ـ إلا الالتفات والميل إلى الغرب، وبالأخص الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة. أضف إلى ذلك أنَّ أمريكا قد أعطت إشارات واضحة بأنَّها على أتمِّ استعداد لتقديم مساعداتِها العسكريَّة التي سبق أن تمَّ إيقافها لإندونيسيا في الأيام الأخيرة مِن حكومة (سوهارتو) بسبب قضيَّة تيمور الشرقيَّة. ومع ذلك فلا بدَّ من تذكُّر المَثَلٍ الإنجليزيّ الذي يقول: لا غداءَ بالمجان، يعني: أنَّ تلك المساعدات الأمريكيَّة التي سوف تُمنح لإندونيسيا، سواء أكانت اقتصاديَّة أم عسكريَّة أنَّها مِن غير مقابل. فالولايات المتَّحدة الأمريكيَّة بصفتها الدولة العظمى في أمسِّ الحاجة إلى كثير من الدول الحليفة لإنجاح مبدئها، وهي الحرب ضدّ الإرهاب؛ فأمريكا لا يمكن أن تقدم مساعداتها إلا لمن يقف معها من الدول التي تبدي استعدادِها للتعاون معها في محاربة الإرهاب، ولكنَّ الذي يدعو للأسف الشديد أنَّه في رأي حكومة بوش أنَّ الحرب على الإرهاب هي نفسها الحرب على الإسلام والمسلمين، وخصوصًا الأصوليين منهم على حسب زعمه، وبعبارة أخرى: إن أمريكا سوف تقدم مساعداتها لحكومة (إسبيي) إذا كانت الأخيرة تبدي استعدادها لمحاربة حركات الأصوليين أو القضاء عليها، مثل: مجلس المجاهدين، وجبهة الدفاع الإسلامية، وحزب التحرير الإندونيسيّ، وهؤلاء هم الذين يرفعون أصواتهم بشدة رافضين ومعارضين السياسات الأمريكيَّة في العالم الإسلاميّ، بالإضافة إلى تأكيدهم على أهمّية تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في إندونيسيا. وفي كلمته أمام منسوبي الجامعة الإسلامية الحكومية في أمبون في السابع من يونيو ٢٠٠٤م قال (إسبيي) : إنّه سوف يعارض ويحارب كلَّ محاولة تسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في إندونيسيا. وعلى جانب آخر فإنَّ أمريكا سوف تغري (إسبيي) وتطلب بإلحاح بل قد تضغط عليه أن يقيم علاقات دبلوماسيَّة مع الدولة العبرية، كما فعلت ذلك مع سوهارتو، ولا يمكن بمكان إنكار تأثير اللوبي الإسرائيلي الذي قوي ساعداه في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة في عهد حكومة (بوش الابن) متمشِّياً مع زيادة رسوخ أقدام المحافظين الجدد في دائرة بوش الابن، ومن ذلك ما قاده أوساط الطبقة الراقية في البنتاجون، مثل باول وولفويز Paul Wolfowitz)) ، ورتشارد برلي Richard Perle)) ، ودوجلاس فيث (Douglas Feith) ؛ فلذلك من المتوقَّع أن يكون إقامة علاقات دبلوماسيَّة مع (دولة العدو) من الشروط التي يجب أن تقبلها حكومة (إسبيي) للحصول على المساعدات الاقتصاديَّة والعسكريَّة الأمريكيَّة. وإذا قام (إسبيي) بهذين الأمرين؛ يعني: محاربة المسلمين الأصوليين في جانب، وإقامة علاقات دبلوماسيَّة مع الصهاينة في جانب آخر، فلا يمكن بعد ذلك تفادي النزاعات التي ستحدث بين الحكومة والإسلاميين، كما حدث في حكومة سوهارتو في الثمانينيات من اشتباكات دامية بين الحكومة والمسلمين، مثل مأساة حادثة تانجونج بريوك Tanjung Priok)) عام ١٩٨٤م، وحادثة هاور كونينج Haur Koneng)) ، وحادثة تالانج ساري Talangsari)) عام ١٩٨٦م. ومرَّة أخرى يكون دور حزب «العدالة والرفاهية» له تأثيره الفاعل، أضف إلى ذلك أنَّ منصب رئيس مجلس الشورى الشعبي للفترة بين ٢٠٠٤ ـ ٢٠٠٩م قد أنيط إلى (هدايت نور واحد) ، الرئيس العام السابق للحزب. فعندما قرر (هدايت نور واحد) ، أن يؤيِّد حزبه (إسبيي) في السادس والعشرين من يوليو ٢٠٠٤م عقد اتفاقاً سياسياً مع (إسبيي) ، ومِن مفردات هذا الاتفاق: أن يبدي (إسبيي) استعداده لتأييد جهاد الشعب الفلسطينيّ، وألا يُقيم علاقات دبلوماسيَّة مع الدولة الصهيونية. وفي قضيَّة التدخل الأجنبيّ وعد (إسبيي) أنَّه سوف يلتزم بمواجهته، كما أنَّه نفى ما يُشاع أنَّه حصل على تأييد أجنبيّ، وقال: إنَّه رفض هذا التأييد الأجنبيّ، وأقسم بالله أنّ ما قاله هو الصحيح، وهذا ما يُفترض تصديقه. وفي حديثه مع «رئيس عام إخوان المبلغين في معهد نور الأنوار» باتانج Batang)) جاوا الوسطى في الخامس والعشرين ٢٠٠٤م أكَّد (إسبيي) أنَّه لم يضع مسألة إقامة علاقات دبلوماسيَّة مع الصهاينة في أجندته السياسيَّة فضلاً عن أن يكون من الأولويات التي يجب تنفيذها. وفي هذه المناسبة صرَّح (إسبيي) بأنَّه يؤيِّد تأييدًا كاملاً جهاد الشعب الفلسطينيّ، وأضاف قائلا إنَّه لا يمكن أن يقيم علاقات دبلوماسيَّة مع العدو الصهيوني ما دام النزاع قائماً في فلسطين التي تحاول استرداد سيادتها من الصهيونيَّة الإسرائيليَّة، ويدرك (إسبيي) جيداً النفسيَّة السياسيَّة للأمَّة الإسلاميَّة الإندونيسيَّة والعالميَّة. وعلى جانب آخر فإنَّ رأيه تجاه تطبيق الشريعة الإسلاميَّة واضح وجليّ؛ فهو يرغب في أن يتمتَّع المواطنون بحرية كاملة في أداء شعائرهم الدينية، وهذا الأمر في رأيه يعطي طاقة روحانيَّة للشعب الإندونيسيّ في المستقبل الزاهر، كما أنَّه يرى أنَّ من أنيط إليه حكومة إندونيسيا لا يجوز أن ينكر تعدُّديَّة الشعب الدينيَّة، ولا يعادي مصالح المسلمين الذين يشكّلون الأغلبيَة العظمى في المجتمع، وعلى الرغم مِن ذلك فإنَّه يرفض رفضاً جازماً المصادقة على تطبيق التشريع الإسلاميّ في الدستور، كما كانت الحال في وثيقة جاكرتا (نور حياتي علي السقاف وياني واحد: «إسبيي» وشخصيته القياديَّة، مقال منشور في جريدة كومباس في العدد الرابع والعشرين من يونيو ٢٠٠٤م) . ومع حصوله على تأييد من حزب «العدالة والرفاهية» ، حصل (إسبيي) كذلك على تأييد من منظمة هداية الله الإسلاميَّة الاجتماعيَّة التي لها أكثر من مائة معهد إسلامي منتشر في أنحاء إندونيسيا. قال الأمين العام المجلس الأعلى لهذه المنظمة (بيئيم ويبوو BM Wibowo) إنَّما أعطت هذه المنظَّمة الإسلامية الاجتماعيَّة تأييدها للثنائي (إسبيي، ويوسف كلا) ؛ لما لهما من اهتمام كبير في الارتقاء بمستوى برنامج التربية الدعويَّة الإسلاميَّة. وقد بيَّن الرئيس ونائبه لهذه المنظَّمة رؤيتهما المستقبليَّة ورسالتهما في حكومتهما، ووعدا بمنح مزيد من الحرية للمنظمات الإسلاميَّة والمسلمين في تطوير التربية الدعويَّة كالحرية التي تُمنح للإعلام. إنَّ الانتخابات الرئاسيَّة عام ٢٠٠٤م أعطت درساً مفيداً للمسلمين أنَّ الأفكار والرؤية لم تجد رواجاً كاملاً لدى أغلب الشعب الإندونيسي، والبرهان على ذلك أنَّ الأستاذ الدكتور (أمين رئيس) ، وهو المرشَّح الذي قيل إنَّه يمثِّل الأغلبية المسلمة الإندونيسيَّة قد خسر الجولة الأولى. وقد حاول مؤخَّراً ألا يبدو ممثّلاً للأغلبيَّة المسلمة، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أنَّ (أمين رئيس) الذي سبق أن كان رئيساً عاماً للجمعيَّة الإسلاميَّة المحمَّديَّة هو الممثل الحقيقي للأغلبيَّة المسلمة. وعلى خلاف ذلك ـ على سبيل ـ المثال (حمزة هاز) فهو وإن رشَّحه أحد الأحزاب الإسلاميّة وهو (حزب التنمية الاتِّحاديَّة) فإنَّ دخوله في بورصة الترشيح الرئاسيّ لا يتجاوز عن كونه (كومبارس) في هذه المناسبة الوطنيَّة، بل قد يكون الأمر أكثر مِن ذلك؛ حيث صرَّح الأستاذ الدكتور محفوظ إمدي (Mahfud MD) نائب رئيس عام حزب نهضة الشعب بأنَّ دخول (حمزة هاز) في هذه البورصة جزء من السيناريو الذي صاغته (ميجاواتي) وجماعتها، وذلك لتتفرق الأصوات الإسلاميَّة التي من المفروض أن تعطى لأمين رئيس. والدليل على ذلك أنَّ (حمزة هاز) في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسيَّة كان يؤيِّد ميجاواتي. والذي يجري في الساحة أنَّ الشخصيَّة القياديَّة التي تُعرف بأنَّ لها خلفيات وطنيَّة وعلمانيَّة هي التي يختارها الشعب الإندونيسيّ الذين أغلبيّتهم مسلمون؛ فكانت الحسابات على الأوراق تبشِّر بإمكانيَّة فوز أمين رئيس في الانتخابات الرئاسيَّة، حيث إنَّه بمجرِّد حصوله على تأييد من المنظَّمات الاجتماعيَّة الإسلاميَّة مثل: الجمعيَّة المحمَّدية، وجمعيَّة الاتِّحاد الإسلاميّ، وكذا من الأحزاب الإسلامية، مثل حزب الأمانة الوطنيَّة، وحزب النجم الإصلاحي، وحزب العدالة والرفاهية، وأحزاب أخرى وطنيَّة، كان المفروض أن يحصل (أمين رئيس) على ثلاثين في المئة مِن أصوات الناخبين، ولكن الحاصل أنَّه في الواقع على خمسة عشر في المئة فقط من تلك الأصوات، وأخفق في الاشتراك في الجولة الثانية. يبين استفتاء للرأي العام أنَّ (أمين رئيس) حصل على أربعة وخمسين في المئة فقط من أصوات أعضاء الجمعيَّة المحمَّديَّة الإسلاميَّة والمتعاطفين معها، كما أُشيع أنَّ كثيرًاٍ من الناخبين مِن حزب العدالة والرفاهية قد انتقلوا إلى (إسبيي) . يقول استفتاء للرأي العام: إنَّ أربعة وعشرين في المئة من أصوات الناخبين في حزب العدالة والرفاهية كانت لإسبيي في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسيَّة، مع أنَّ مجلس الشورى للحزب قد اختار أمين رئيس مرشحاً للرئاسة، أضف إلى ذلك تلك الإشاعات القائلة إنَّ كثيراً من الشخصيات المسلمة في البلد لا يحبون إسبيي؛ حيث قيل إنَّه لم يكن موالياً للإسلام (Eramuslim Online, ٢٠ Juli ٢٠٠٤) . إنَّ قلَّة الأصوات المحمَديَّة لـ (أمين رئيس) سببها راجع إلى عامل اجتماعي وتقليد سياسيّ؛ فمن الناحية الاجتماعيَّة يعيش كثير من المحمديين في المدن، وكثيراً ما ينهلون الأفكار الليبرالية، وهو الأمر الذي جعل الطبقة العليا في هذه الجمعيَّة يشعرون بالعجز في توجيههم توجيهاً يتوافق مع المبادئ التي كانت تدرَّس لهم، ونجد مثل هذا الأمر في المنظمة الاجتماعيَّة الإسلاميَّة الأخرى، وهي جمعيَّة نهضة العلماء؛ حيث نجد بعض الشخصيات البارزة في هذه المنظمة يحاولون تطوير الأفكار الليبراليَّة في أوساط النهضيين، وهو الأمر الذي جعل كثيراً منهم ينبذون ارتباطهم بعلماء الجمعيَّة ومشايخها بل وبالشريعة الإسلاميَّة!! مع أنَّهم قبل ذلك كانوا يطيعون علماءهم وينصاعون لنصائحهم وفق ما تعلَّموه في الشريعة الإسلاميَّة، والذي يدعو للأسف الشديد في الوقت الحاضر أنّ الشريعة الإسلاميَّة يريدون انتشالها من هذه المنظَّمة لتحلَّ محلَّها الأفكار الإسلاميَّة الليبراليَّة. واجتماعياً نجد كثيراً من النهضيين يهاجرون إلى المدن الكبيرة، وفي هذه المدن الكبيرة ينهلون تلك الأفكار الليبراليَّة بنهم شديد، وأصبحت قيادة العلماء في أوساطهم ليس لها السيطرة المطلقة كما كان الحال مِن قبل، وهذا الأمر يؤدِّي إلى إخفاق المرشَّحين لمنصب نائب الرئيس من هذه المنظَّمة: وهما هاشم مزادي، وصلاح الدين وحيد، وقد دخلا في بورصة الانتخابات العامة الرئاسيَّة عام ٢٠٠٤م، مع أنّ َهذه المنظَّمة كثيراً ما تدَّعي أنَّها أكبر منظَّمة إسلاميَّة في إندونيسيا. ويظهر أنَّ المسلمين في إندونيسيا لا يبالون إن كان مرشَّحهم سوف يبذل جهوده فيما بعد لتطبيق الشريعة الإسلاميَّة في البلد أم لا، وهل يدافع عن المسلمين ومصالحهم أم لا؟ وهؤلاء في مثل موقفهم هذا لا يُلامون، ولا يمكن أن ينسب إليهم الخطأ؛ فالمسؤول عما آلوا إليه هم القياديون المسلمون والأحزاب الإسلاميَّة؛ فإنَّهم طوال هذه المدَّة لم يكونوا جادين في بناء الوعي السياسي في أوساط أولئك المسلمين؛ فالثمرات التي يجنيها القياديون الإسلاميون والأغلبيَّة الإسلاميَّة الإندونيسيَّة خلال هذه الفترة من الزمان هي الثمرات الليبراليَّة والعلمانيَّة التي طالما قام ويقوم بحملاتها القياديون السياسيون الإسلاميون أنفسهم؛ فهم يدعون المسلمين في أثناء الانتخابات العامَّة إلى جعل الإسلام أحد الخيارات في السياسة، ولكنَّهم لا يبيِّنون لهم أنَّ السياسة لا يمكن أن تنفصل عن الإسلام، بل نجد بعضَهم يدعون الأمَّة بالانشغال بالأمور التعبُّدية الشخصيَّة مثل الاستغاثة والذكر. وعلى الرغم مما سبق فإنَّ خسارة الأحزاب السياسيَّة وخسارة المرشَّحين مِن أوساط المسلمين في الانتخابات العامة، سواء أكانت في الانتخابات التشريعيَّة بين الأحزاب أم الانتخابات التنفيذيَّة بين المرشَّحين لرئاسة الدولة، هي الحقيقة التي لا بدَّ أن يقبلها المسلمون الإندونيسيُّون، كما أنَّ ظهور (إسبيي) رئيساً جديداً لإندونيسيا لا بدَّ مِن قبوله بصدور رحبة؛ فهذه هي النتيجة الطبيعيَّة مِن الديمقراطيَّة؛ فهناك فائز كما أنَّ هناك خاسراً. وفي المستقبل هناك وظيفتان: ذا أمد قصير، وذات أمد بعيد يمكن أن يقوم بهما المسلمون أو كبار السياسيين الإسلاميِّين؛ ففي الوظيفة ذات الأمد القصير، ومدَّتها خمس سنوات قادمة على المسلمين خصوصًا «حزب العدالة والرفاهية» والمنظَّمات الاجتماعيَّة الإسلاميَّة المؤيِّدة لـ (إسبيي) أن يقوموا بدور الحماية والحراسة لكيلا تكون السياسات التي تنفِّذها حكومة (إسبيي) تضرّ بالمسلمين وتمس كرامتهم بسوء كما سبق أن سردته سابقاً. وأمّا بالنسبة للمسلمين الذين هم خارج دائرة السلطة، وليسوا مؤيِّدين للرئيس الجديد المنتخب؛ فبإمكانِهم أن يقوموا بدور الرقابة، أو يكونوا معارضين بنَّائين؛ لكي يلتزم الرئيس (إسبيي) بما وعد قبل تولِّيه رئاسة حكومة إندونيسيا. وأمَّا بالنسبة للوظيفة ذات الأمد البعيد فعلى المسلمين وكبار السياسيين الإسلاميين أن يقوموا باتخاذ خطوات ثوريَّة جريئة إذا رغبوا في الحصول على السلطة في الانتخابات العامة القادمة. ومن تلك الخطوات: التوعية السياسية القاضية بأنَّ الإسلام لا يفصل الدين عن السياسة؛ فالدين والسياسة شيء واحد لا يتجزّأ، وعلى المشتغلين بالسياسة من المسلمين أن يُلقوا مصالحهم الشخصَّية وراء ظهورهم، ويقدِّموا المصالح المشتركة والأخوَّة الإسلاميَّة. وإنه من الممكن أن يكون للمسلمين في الانتخابات العامَّة القادمة حزب سياسي إسلاميّ واحد ومرشَّح واحد لرئاسة الجمهوريَّة القادمة من المسلمين. وفعلاً إنَّ مثل هذه الخطوات ليست سهلة بمكان، ولكن يبقى الدور المركزي للأحزاب الإسلامية هامشياً من غير اتخاذ مثل هذه الخطوات، وإن كانوا يمثلون السواد الأعظم في هذه الجمهورية.

стр. 5122

صفحات من التنصير في كردستان العراق جابان الكردي لا يتورع الغرب عن استخدام كافة الأسلحة واستغلالها لتحقيق أهدافه والحصول على أعلى المكاسب المادية الاستراتيجية البعيدة المدى، بما في ذلك استغلال المشاعر الدينية لدى النصارى في المناطق التي يعيشون فيها كأقلية وخاصة في الشرق الإسلامي؛ بحيث كلما ذُكر التنصير والمنصرون جاء إلى ذهن الشرقي المسلم الاستعمار والغرب. والضحية كانت المشرقيين وخاصة النصارى الذين أصبحوا أداة بيد الغرب سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوا، وخير شاهد كما يروي لنا التاريخ هو كيفية تعاون النصارى مع الصليبيين إبان الحروب الصليبية، وفي عصرنا نلحظ دورهم في الجنوب اللبناني، وتعاونهم مع الصهاينه المحتلين. بدأ التبشير في المشرق الإسلامي منذ قرون عديدة؛ وذلك بأساليب مباشرة أو غير مباشرة، مع ظهور الغرب باعتباره قوة على الساحة الدولية، وكانت الطلائع من المنصرين الذين شكلوا بدورهم رأس الحربة للقوات الغربية الغازية. فبدءاً من الكشوفات البرتغالية في القرن الخامس عشر الميلادي ووصولهم إلى رأس الرجاء الصالح وانتهائهم إلى الهند، كانت العملية استعمارية تماماً؛ فقد اكتشفوا أن تحصينات المسلمين كانت ضعيفة يسهل اختراقها، وصحت ظنونهم وفازوا بما أرادوا بعد ذلك. وفي الوقت نفسه انقسمت أوروبا على نفسها بين (الكاثوليكية) و (البروتستانتية) ، وانعكس ذلك على الشرق بعد ذلك بفترة؛ بحيث أفضت الصراعات إلى تدخلات أجنبية في العراق بالذات بين فرنسا الكاثوليكية وبريطانيا الإنجليكانية، وكل منهم يحلم بحشد أكثر الجماعات النصرانية تحت لوائه، ترقباً لانهيار الخلافة العثمانية، لذلك أكثروا من النشاط التنصيري. بدأ المنصرون البروتستانت الإنجليز يظهرون في العراق منذ أوائل القرن التاسع عشر وبالذات عام ١٨٢٩م، وأولهم (غروفر Grover، وبعد ذلك (صمويل) ترافقه البواخر الحربية والقوات المسلحة البريطانية، والتي كانت تهدف إلى فرض السيطرة على طريق العراق المؤدي إلى الشرق الأقصى بالقوة. قال الوكيل السياسي البريطاني في الشام (باركر Barkar) في أوائل القرن التاسع عشر: إن تسهيل المواصلات بين الشرق والغرب عبر الشام، ووضع هذه المواصلات في أيدي الأوربيين تسهيلاً لنشر المسيحية في المشرقيين الأوسط والأقصى أمر ملح. فأيدت جماعات تبشيرية غربية كثيرة هذا التوجه منها جماعة (سان سيمون) . لعدم قدرة المبشرين البريطانيين على مواجهة منافسيهم الفرنسيين فقد رحبوا بالمنصرين الأمريكيين البروتستانت، وكان هدفهم تحويل نصارى العراق، وخاصة كردستان من المذهب الكاثوليكي إلى المذهب البروتستانتي، بالإضافة إلى محاولة تنصير المسلمين. تمت هذه البعثة تحت إشراف (كرانت Grant) ؛ والذي كان أول منصر يدخل إلى كردستان رسمياً (١) . وكان (كرانت) يعتقد أن تحويل نصارى العراق وخاصة النساطرة عن مذهبهم إلى المذهب البروتستانتي يعتبر خطوة مكملة لمجهودات البعثات التنصيرية الأمريكية في تحويل نساطرة إيران إلى البروتستانتية. وإذا ما نجحت هذه الخطة فإنهم بذلك يحرزون انتصاراً على الجهات الكاثوليكية التي تبذل جهداً مضاعفاً لتحويل هذه الجماعات المسيحية إلى المذهب الكاثوليكي. نجح كرانت Grant في استمالة النساطرة إلى الغرب، وبدؤوا بتوجيه الاتهامات والإهانات إلى العثمانيين والكرد الذين كانوا أمراء المنطقة، بعد أن كانوا يعيشون مع الكرد مسالمين. بدأت المشكلات، وثار النصارى ومن ورائهم المنصرون، خاصة عندما لبى (مار شمعون) بطريرك النساطرة النداء معتمداً على العطف الأوروبي وتشجيعات (كرانت Grant) ، فكانت النتيجة مأساة للنصارى وتدخلاً أقوى للغرب في المنطقة بحجة حماية النصارى؛ ففرنسا حملت راية الدفاع عن الكاثوليك، أما بريطانيا فادعت حماية البروتستانت، فما زادت المنطقة إلا بلبلة وآلاماً (١) . - الموقف العدائي التنصيري ضد الثورات الكردية التحررية: لا يخفى على الباحث الحصيف دور المنصرين في دعم الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة في كردستان لكي يحصلوا على فرص التنصير، فحدث أن وصلت الثورات الكردية مراحل متقدمة، وكانت قاب قوسين أو أدنى للوصول إلى تحقيق شيء من الحرية لولا المؤامرات المدبرة والمكايد من كل جانب وخاصة الغرب النصراني. وليس كلامنا هذا من قبيل التحامل أو عدم الإنصاف، بل حدث في تاريخنا الطويل المليء بالمآسي والأحزان، مرات ومرات، أن الأكراد كانوا ضحية هؤلاء المتآمرين، ونحن لا نذكر أسباب النكسات، بل نشير إلى أيدي خفية وراءها. على سبيل المثال نأخذ تجربة الشيخ عبيد الله النهري ﵀ الذي حاول أن يعيد الحق إلى أصحابه بوسائل شرعية ومشروعة، فيروي لنا محمد أمين زكي الرواية هكذا: «وكان من أسباب هزيمة الشيخ عبيد الله النهري سنة ١٨٨١م أن بعثة التنصير الأمريكية لعبت دوراً مهماً في هزيمته (الشيخ عبيد الله النهري) . فكان للدكتور كوشران رئيس البعثة نفوذ كبير عند الشيخ، وعندما هدد الشيخ المجتمعات النصرانية (٢) في أورمية أنقذتهم البعثة (التنصيرية) فقد عرفت البعثة الشيخ، وكانت تعالج زوجته. كانت البعثة تعرف أن القوات الفارسية في طريقها إليه، وأقنعته أن يؤخر زحفه لعدة أيام حتى وصلت هذه القوات، حينها هرب أتباعه إلى المنطقة التركية، واندحر هو، ونقل إلى مكة منفياً حيث مات هناك» (٣) . وهنا تنتهي رواية المؤرخ الكردي المعاصر تقريباً لأحداث الثورة، ولا شك أن هذه الحادثة مظهر من مظاهر التآمر النصراني على الشعوب الإسلامية وخاصة الشعب الكردي. وإذا اعتقدنا أن الدين في الغرب منفصل عن السياسة فنحن واهمون؛ فعلى سبيل المثال: كان رئيس قوات التحالف الدولي عام ١٩٩٥م في زاخو امرأة أمريكية؛ حيث قادت قوات أحد الأحزاب الكردية وشجعته في مدينة أربيل ضد حزب آخر (٤) . وهذه المرأة أخت لأكبر منصر وماسوني أمريكي اسمه (دوكلاس) Douglas وهو غني عن التعريف في كردستان (٥) . فقد قال في محاضراته التي قدمها أنه رأى بأم عينيه وتجول في أراضي كردستان بمساعدة أخته شبراً شبراً. وليس معنى التجوال السياحة أو البحث عن الاستجمام في جبالها وسهولها، بل كان الهدف وما يزال هو تنصير الشعب الكردي، إذ التنصير حلقة من حلقات الزحف الغربي على العالم الشرقي الإسلامي وبخاصة على الشعب الكردي المسلم، وفي الوثائق أدلة واضحة على ما نذهب إليه سنأتي على ذكرها وترك القارئ الكريم أن يصل إلى الحقائق بنفسه مع تعليق وجيز منا. الوثيقة رقم (١) المنظمة العالمية عن حقوق الإنسان Haklarini Savunma ريكخراوي جيهاني بوداكوكي كردن لة مافي مروف aslarasi Insan Orgutu INTERNATIONAL ORGANIZATION FOR THE DEFENCE OF HUMAN RIGHT إلى/ الرأي العام وكافة وسائل الإعلام م/ استنكار ليس بخاف على أحد إذا قلنا إننا نعيش اليوم في كردستان في ظل ظروف صعبة ومعقدة بسبب الاقتتال الداخلي وعواقبه الوخيمة، وكذلك الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعانيها المواطن؛ إلى جانب الأوضاع السياسية المعقدة وغير المستقرة في المنطقة عموماً، وهذه الظروف تهدد بكوارث اجتماعية ونتائج غير محمودة العواقب. وعليه فإن الحاجة تدعو إلى بذل كل الجهود من أجل السلام والتعاون ورص الصفوف بالوحدة والتآخي بين كافة أبناء كردستان من كافة التلاوين (الاتجاهات) القومية والدينية لمواجهة هذه الظروف الصعبة وتخفيف آثارها قدر المستطاع. ولكن ما يدعو للأسف أن نلاحظ هنا وهناك بعض التصرفات والتصريحات التي تدعو إلى التفرقة والإساءة إلى مشاعر الآخرين، ولقد نسجت خطبة (ملاَّ بشير) التي ألقاها بتاريخ ٥/١/١٩٩٦م وتم بثها من قِبَل بعض القنوات الإعلامية على هذا الموال؛ حيث كان فيها إساءة واضحة إلى مشاعر (الإخوة النصارى) ونحن إذ نستنكر مثل هذه الأحاديث التى لا تخدم أحداً ولا تخدم الإسلام ولا المنطقة عموماً، والتي لا تنسجم وروح الحوار القائم بين المسيحية والإسلام منذ عهد نجران عام (٤) للهجرة بين النبي محمد ﷺ وأصحابه وبين مرجعية النصارة في حينه والمستمر إلى يومنا هذا. فإننا ندعو إلى العمل على توطيد الروابط وبث مشاعر الأخوة والإنسانية بين المسلمين والمسيحيين الذين يتعايشون معاً في هذه المنطقة منذ آلاف السنين، وشاركوا بعضهم البعض السراء والضراء ولقد كان الأجدر بالخطيب أن يدعو إلى السلام وإلى تعميق روح التآخي والمصير المشترك، ويدعو للتقارب بين أبناء هاتين الديانتين السماويتين، وأن يتحدث عن الآيات الكريمة العديدة في القرآن الكريم والتي تدعو للتآخي والتقارب. ونحن كمنتظمة تعني بحقوق الإنسان إذ نستنكر ثانية مثل هذه الإساءة إلى مشاعر الإخوة النصارى فإننا ندعو كافة الجهات للوقوف بحزم أمام كافة محاولات التفرقة والإساءة إلى مشاعر الآخرين والتي لا تخدم سوى مصالح أعداء الإخوة في الإقليم. المنظمة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان الأمانة العامة ١٥/١/١٩٩٦م عنوان الأمانة العامة ص. ب: ٩١٧ أربيل ـ مركز المدينة ت: ٠٠٨٧٣٦٨٢٦٢٢٧٥٧ فاكس: ٠٠٨٧٣٦٨٢٦٢٢٧٥٣ التعليق: تعليقنا على هذه الوثيقة: أولاً: أن هؤلاء لا يجيدون اللغة العربية، وأن كثرة أخطائهم اللغوية دليل على ذلك، والكلمات التي تحتها الخط وغيرها أمثلة على ذلك. ثانياً: أنا كنت شخصياً شاهداً على القضية، وأعرف شخص الخطيب وهو الشيخ الأستاذ بشير حفظه الله. فقد ألقى خطبة بمناسبة رأس السنة الجديدة عام ١٩٩٦م بعد نقل القنوات التلفزيونية المحلية لمراسم القداس داخل الكنائس العراقية وهم يهللون باسم الرب يسوع وابن الله أو ابن الرب الذي دأب القرآن على تكذيبهم في ادعائهم. فقام الرجل بإلقاء خطبة ليبين للناس حقيقة الأمر، فقال: إن المسيح ليس ابن الله، وليس هو الله، بل هو رسول من عند الله. هذا كل ما قاله الرجل ولم يرد من وراء ذلك إلا وجه الله ، وهو شخص معروف في الأوساط الكردية بنزاهته وصدقه. والشريط المسجل متوفر في كردستان لمن يريد أن يستمع إليه. فقامت القيامة على الرجل، وأثارت المنظمات التنصيرية حفيظة العلمانيين لإشعال الفتن بين الناس. والمنظمة المعنية بحقوق الإنسان في كردستان ليست إلا وجهاً من وجوه التغريب والانحراف، وتتستر وراء هذا الاسم. فنتساءل: لماذا لم يدافعوا عن مشاعر المسلمين وهم السواد الأعظم عندما نقلت القنوات التلفزيونية قداس النصارى وهم يرتلون ويدعون المسبح ابنَ الله والرب، وهم حثالة في المنطقة؟ هل لهؤلاء النصارى شعور والمسلمون بغير شعور؟ أم هو النية المبيتة والمكر والخبث ضد الإسلام والأكراد باسم حقوق الإنسان؟ وأين الأخوة التي يدعون إليها؟ فلماذا سكتوا عندما شتم دوكلاس في قاعة ميديا في أربيل ربيع عام ١٩٦٦م، وهو يشتم الرسول والإسلام (١) ؟ فما بال هؤلاء القوم إذا وقف شخص وقال كلمة حق انكبوا عليه وانهالوا عليه من كل جانب، باسم الحرية والأخوة؟ جدير بالذكر أن معظم المنظمات الغربية العاملة، إن لم نقل كلها، بما فيها منظمة الأمم المتحدة يفضلون التمركز في محلة عنكاوة النصرانية على أماكن أخرى في مدينة أربيل. والدعوة إلى التقارب بين الأديان التي جاء ذكرها فكرة ماسونية تروجها الأوساط الضعيفة والمشبوهة والمنهزمة أمام الزحف الغربي، والله قد أمرنا أن نسالمهم وأن نعايشهم بالمعروف. أما الدعوة إلى التقارب فعقيمة وباطلة، وقول الله قاطع دابر كل ضعيف ومكابر: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] فلا فائدة من وراء ذلك، والقول باحترام مشاعر النصارى ليس بأمر جديد؛ فنحن نسمع ونسمح لهم منذ ١٤٠٠ سنة وهم يرددون: (المسيح هو الله، وابن الله) ، وبالرغم من ذلك فلم يسئ إليهم أحد ما داموا لا يروِّجون دعوتهم، ولا يجهرون بها بين المسلمين كما يفعل المسلمون الآن بدلاً عنهم بنقل مراسمهم وطقوسهم على شاشات التلفزيون. الوثيقة (٢) رئاسة أسقفية أربيل الكلدانية أربيل ـ عنكاوة التاريخ: ٥/١٢/١٩٩٥م الثلاثاء إيضاح سلام أخوي من الرب منذ مئات السنين ونحن نعيش في هذه المنطقة جنباً إلى جنب مع إخوتنا المسلمين الأعزاء، ولم تحدث بيننا مشكلات أو نزاعات دينية أو طائفية بل كنا ولا نزال وسنستمر نعيش كإخوة في منطقة واحدة لكي تزدهر إيمانياً وثقافياً واجتماعياً رغم كل المحاولات التي تريد زرع المشاكل بيننا. إننا جميعاً أبناء إبراهيم أبي المؤمنين، نؤمن بإله واحد القادر على كل شيء، نؤمن بحياة أبدية وبقيامة الموتى. لذا نؤكد لإخوتنا المسلمين الأعزاء بأن الكنائس المحلية لا علاقة لها مطلقاً بتوزيع النشرات الدينية في الشوارع والمحلات والدوائر الرسمية؛ إذ إننا لم ولن نقوم بمثل تلك الأعمال، ونريد أن نعلن لإخوتنا المسلمين بأننا في مؤتمراتنا الكنسية ندعو دائماً إلى الحوار الأخوي بين النصارى والمسلمين، وإلى التعاون للعمل ضد الإلحاد والتفرقة الدينية. عاشت الأخوة الإسلامية ـ النصارى في كل مكان. والله هو الموفق، وعليه اتكالنا دائماً. وبعد هذا الإيضاح القصير الذي كان لا بد منه في هذه الظروف، تقبلوا فائق تقديرنا واحترامنا راجين منه ـ تعالى ـ أن يكون في عون كل المخلصين والعاملين من أجل التآخي والمحبة والسلام. أدامكم الرب. أخوكم ومحبكم حنا مرخو رئيس أساقفة أربيل وتوابعها عن الكلدان تعليق: النصارى في محلة عنكاوة يصاهرون روحياً المنظمات الغربية العاملة في كردستان والتي يتمركزون فيها، وهم يقدمون للنصارى كل الدعم مادياً ومعنوياً؛ فبالرغم من الحصار الظالم من الأمم المتحدة والحكومة العراقية لم يواجه النصارى خاصة في عنكاوة صعوبة العيش وقسوته كما عانى الاكراد، بسبب المساعدات السخية التي يحصلون عليها من الغرب. قلنا إن المنظمات استقرت في عنكاوة منذ دخولها كردستان، ومن ضمنها منظمة تنصيرية ماسونية اسمها: خدمات تنمية الشرق الأوسط MEDS Middle East Development Services، يقودها شخص بريطاني ولد في مصر وهو يجيد اللغة العربية (وخاصة اللهجة المصرية) وتساعده زوجته كريستينا (التي غيرت اسمها إلى الكردية كويستان) . وبقية أعضاء المنظمة هم من الأقباط المصريين الذين يحقدون على كل ما هو إسلامي، ومعظمهم عاش في العراق إبان أيام الخير، فيبدو أن الحسد قد دب في عروقهم لما كان يعيش العراقي في نعيم. إن هؤلاء ينتمون إلى الكنيسة البروتستانتية الأنجليكانية، الذين يرون أن هداية الكاثوليك النصارى (وأهل عنكاوة على هذا المذهب) واجب ديني، فحاولوا التقرب إلى رؤوس الكنائس، ويبدو أنهم أخفقوا في ذلك، بل حاربوهم أيضاً؛ فلذلك سلكوا طريقاً آخر وهو جر بعض شباب الكاثوليك إلى مذهبهم، ولم يحالفهم الحظ كثيراً؛ فقد شك نصارى عنكاوة في نياتهم، وبدؤوا يشتكون إلى المقامات العالية في الخارج، ولذا أرادت هذه المنظمة أن تعكر صفوهم، والأمر سهل للغاية، فقد كان إسكندر يدرِّس في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية جامعة صلاح الدين، وكان بين الطلاب طالب نصراني طيب القلب انخدع بوعوده، فانتمى إلى كنيسة الله الجديدة كما يسمونها. ومن عادات هذه المنظمة إقامة الحفلات، وتصنُّع المناسبات لذلك، وأخذ الصور (١) ، وذات مرة أخذوا الصور إلى استوديوهات عنكاوة لتحميضها، لا سيما أن أهلها يعرف بعضهم بعضاً جيداً، فإذا بالمصور يأخذ الصورة إلى الكنيسة بغية تدارك القضية وهي ارتداد كاثوليكي إلى بروتستانتي، وعندما علمت الكنيسة بذلك أخذوا الشاب ومعه أخته وأهانوهما وحلقوا رأسيهما، ودبروا لهما مقلباً أودى بهما إلى السجن لفترة تأديباً لهم وزجراً. كان هدف المنظمة إثارة البلبلة بين النصارى والتوغل بينهم من خلال سياسة فرق تسد، ثم إن هذه المنظمة تبشر علناً بموافقة حكومة الإقليم، ولها محطة إذاعية تبث برامجها التنصيرية في منتصف كل ليلة. ولهذا عندما لم يجدوا ضالتهم بين أهل عنكاوة، وبعد إخفاقهم في استدراج بعض شبابها وبعدما حدث طردوهم من عنكاوة، ذهبوا إلى خارجها ولو لفترة مؤقتة، ومع ذلك لم يسكتوا، بل وجهوا رسائل إلى شخصيات عالمية نصرانية للتدخل سنذكرها فيما بعد إن شاء الله. ولهذا اضطرت كنيسة عنكاوة أن تظهر للنصارى الكاثوليك والمسلمين أن لا علاقة بينها وبين المنشورات وعمليات التنصير التي تدار في كردستان وخاصة المنظمات التنصيرية. بل هناك مجموعة من وراء (الكواليس) تريد تعكير الصفو، وشق الصفوف، ولهذا أصدر رئيس أساقفة الكلدان مرسوماً كنسياً يبرئ ذمته من هذه الأعمال، وهو يدرك أن هذه الدعوات لا تخدم النصارى ولا علاقتهم مع المسلمين. الوثيقة (٣) مدير منظمة رعاية وإغاثة الأكراد الكنيسة الأسقفية لويس فيلي/ كينتاكي الولايات المتحدة الأمريكية رحمة واسعة من الكنيسة الأسقفية إلى/ المطران عبد الأحد يعقوب (السليمانية) المطران حنا فلو (دهوك) المطران حنا مرخو (أربيل) الخوري فيليب (دهوك) الأخ غالب بطرس (C.F.T.K. دهوك) الأخ إيليا يعقوب (C.F.T.K.دهوك) أصدقائي الأعزاء المحترمون سلام ونعمة من الله أبينا وربنا يسوع المسيح ـ السليمانية. يرجى الإصغاء إليّ بانتباه الآن. أنا أسمع وبصورة مستمرة كلاماً فيه نميمة وافتراء وأنصاف حقائق محرفة و ... إلخ من الكلدان والآشوريين في شمال العراق ضد الأخ يوسف والأخ أندريه نوريو. إن القس يوسف متى، وأنا لا نعمل معاً، ولكنه صديقي، وأنا أبدي احتراماً لعمله بالرغم من وجود اختلاف كبير بين عمله وعملي. أما الأخ أندريه نوريو يعمل معي لكنه لديه الحرية الكاملة للقيام بعمله في دهوك كما يأمره الروح القدس. يقول (ربنا يسوع المسيح) !: (أوصيكم بأن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أحبوا أنتم أيضاً بعضكم بعضاً بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذي إذا أحببتم بعضكم بعضاً: يوحنا ١٣/٣٤ ـ ٣٥) . وقال المسيح أيضا: (هذه وصيتي: أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم. ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه عن أحبائه، فإن عملتم بما أوصيكم به كنتم أحبائي: يوحنا: ١٥/ ١٣ ـ ١٤) . إني أسمع دائماً عن تقارير مطران الكلدان حنا فلو (دهوك) والمطران حنا مرخو (أربيل) والخوري الآشوري فيليب (دهوك) تتضمن كلمات سيئة أو انصاف حقائق محرفة ضد القس يوسف متى والأخ أندريه نوريو وكذلك ضد كل المسيحيين الأجانب الذين يعملون في شمال العراق. إني التزمت الصمت لمدة ثلاث سنوات ونصف، ولكن إذا استمر المطارنة والقسس من الكلدان والآشوريين في مضايقة المسيحيين الآخرين العاملين هنا (١) ، عندئذ سوف أقوم بكتابة تقرير واضح إلى البابا يوحنا بولص الثاني في الفاتيكان وإلى البطريك مار دنخا الرابع في شيكاغو، وكذلك إلى الرئيس الأمريكي بيل كلنتون وإلى النائب ايل كور وإلى الوزير الخارجية وارن كريستوفر وإلى سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مادلين أولبرايت. أقدم شكوى ضد الكلدان والآشوريين عن أحاديثهم وافتراءاتهم وعن عدائهم الذي يحدث هنا. وكذلك أوصي بإيقاف كافة المساعدات الغذائية والكتب والتجهيزات الأخرى عن الكلدان والآشوريين العراقيين. أرجو أن تعلموا بأن C.F.T.K لا ترغب بجعل أي من الكلدان والآشوريين بروتستنتياً، نحن نأمل ونريد أن يبقى جميع الآشوريين والكلدان في الكنيسة الآشورية والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، وأن يحبوا المسيح من كل قلبهم وذهنهم وروحهم، ويزداد إيمانهم بقوة روح القدس الإله بالمسيح ربنا: (مرقس ١١/٢٩ ـ ٣١، لوقا ١١/٩ ـ ١٣، يوحنا ٣/١ ـ ٢١) . آمين. على كل حال فإنه إذا رغب أي نصراني عراقي، على سبيل المثال، أن يترك الكنيسة الآشورية أو الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية كما يرشدهم الروح القدس للانضمام إلى الكنيسة الأرثوذكسية أو الإنجيلية أو البروتستنتية ... إلخ فهذا اختيارهم الحر وحقهم الممنوح من الله، ولا يحق لأحد أن يقوم بمضايقتهم أو التميز بينهم. لكن الافتراء والنميمة أو أنصاف الحقائق المحرفة هي إثم عظيم ضد الله والإنسان. وسوف يدين الله الناس الأشرار على أقوالهم السيئة (القساوة، الخبث والإثم) ، اقرأ بطرس: ٤/١٧، يعقوب: ٣/١ ـ ١٢، متى: ١٢/ ٣١ ـ ٣٧. الندامة: يقول ربنا يسوع المسيح: إن خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها وهي تتبعني، وأنا أهب لها الحياة الأبدية، فلا تهلك أبداً، ولا يختطفها أحد من يدي (يوحنا: ١٠/٢٧ ـ ٢٨) . وهكذا فالمشكلة ليست إلى أية طائفة كنسية ينتمي شخص ما أو يعمل، لكن هل الأشخاص (المسيحيين) يتبعون السيد المسيح حقاً وينفذون كلامه بقوة روح القدس، آمين. قدمت بفائق الاحترام مع المحبة بالمسيح. أخوكم الأصغر وليم براون مدير منظمة رعاية وإغاثة الأكراد الكنيسة الأسقفية ـ الولايات المتحدة الأمريكية نسخة إلى: ملف C.F.T.K. الأخ أندريه نوريو ـ دهوك. القس يوسف متى ـ دهوك. تعليق: هذه الوثيقة تزيح الستار عما خفي ولم يظهر للعيان. لقد ذكرنا أن النصارى في عنكاوة خاصة وفي كردستان العراق عموماً لا يحبذون وجود منظمات تنصيرية بروتستانتية في المنطقة، والمسألة بسيطة هي الصراع على النفوذ، والاستحواذ عليها؛ فالكل يريد أن يجمع حوله أكبر عدد ممكن من الناس. والمنظمات لا تخفى عليها ذلك، ولهذا حاولوا الدخول من الشباك وليس من الباب، ومع ذلك لم ينجحوا إلا نادراً، مع ما قدمت لهم من مساعدات؛ فالمعروف أن كل النصارى ـ خاصة أهل عنكاوة ـ يملكون بطاقات تموينية يحصلون بموجبها على المساعدات والإعانات الشهرية من الأغذية والمال.... من المنظمات الغربية وخاصة التنصيرية. بالرغم من ذلك لم ترضَ الكنائس المحلية بالتنصير بينهم، وعندما علموا أن المنظمات التنصيرية تحوم حول الشباب وتحاول جرهم إلى مذهب البروتستانت، تصدت لهم الكنائس المحلية بكل الوسائل مما أغضب تلك المنظمات حتى لم تعد تطق ذلك وتصبر، فهددوا من خلال الرئيس الأمريكي والبابا والوزراء واليهودية مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقه وسفيرتها في الأمم المتحدة سابقاً. وهذا أمر خطير ونذير شؤم للنصارى في كردستان، بمعنى: إن لم تسمحوا لنا بالعمل؛ فالويل لكم. الكلام في الوثيقة دال على الوعيد أكثر من الشكوى أو الرجاء، وقلنا إن التنصير ليس إلا مظهراً من مظاهر التغريب والزحف النصراني على العالم الإسلامي، وأنهم يخرجون في أوكار المخابرات والدسائس الغربية، والدليل ما جاء في الرسالة من أسماء وشخصيات تحكم العالم. فماذا يعني أن منظمة تنصيرية تهدد كافة الكنائس في كردستان لسبب بسيط أنهم لا يرضون عن منهجهم، ولا يشجعون الناس على المضي قُدُماً لتنفيذ مخططاتهم. وإن نصارى كردستان على وعي بما يجري وراء الكواليس ويبدو أنهم يفضلون السكوت. والدفاع عن بعض الأشخاص مثل يوسف متى ليس من باب الإنصاف؛ فهذا الرجل من نصارى الموصل يعمل قسيساً في دهوك وصديق لدوكلاس وجماعته، وقريب منه، وتردد على ألسنة الناس أن يوسف متى كان ضابطاً ضمن الجيش العراقي إبان عمليات الأنفال السيئة الصيت في كردستان، وقد ذُكر أنه استحوذ على مبالغ طائلة مقابل ما يدعو إليه من أفكار الكنيسة البروتستانتية في كردستان العراق. - المنظمات التنصيرية ونشاطها في كردستان العراق: منظمة إغاثة ضحايا الحروب الأهلية: Emergency life support for civilian war victims. أنشئت في بدايات سنة ١٩٩٥م في مدينة ميلانو milano الإيطالية من قِبَل مجموعة من عناصر وأعضاء سابقين في (الصليب الأحمر) الدولي بقيادة الجراح الإيطالي المتخصص والمتجنس الأمريكي الدكتور Gino Strada وممرضة العمليات النرويجية Liv Amund ومضمد العمليات الإيطالي Waller والممرضة الإيطالية Giovanna والممرضة السويدية Turid وممرض الطوارئ الفنلندي Aoke. وكان الهدف من تكوينها تقديم المساعدات إلى الشيشانيين وعندما حاولوا دخول الشيشان منعتهم الحكومة الروسية فغيروا وجهتهم إلى كردستان العراق بالخصوص إلى مدينة حلبجة الشهيرة كفرقة إغاثة، كان ذلك في كانون الثاني ١٩٩٥م، وفي حينه كان القتال بين الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي (PDK) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) على أشده في المنطقة الواقعة بين السليمانية وحلبجة، وحاولوا لمدة ثلاثة أيام العبور إلى حلبجة ولكنهم أخفقوا، واضطروا للعودة إلى مدينة السليمانية. وهناك اتصلوا بمنظمة MAG البريطانية المتخصصة في رفع الألغام، فأمضوا عدة أيام عندهم، ثم نصحوهم بالتوجه إلى قصبة جومان، التي يوجد فيها مستشفى مؤهل ومناسب للعمل الطبي، بالإضافة إلى تمركز فرع لمنظمة MAG في جومان. وهذا المستشفى كانت تديره حكومة إقليم لكردستان العراق، ولهذا بدؤوا في المرحلة الأولى بالإشراف على غرفة العمليات ثم إزاحة الشخصيات الإدارية المهمة غير المرغوبة لديهم، والذين يشكلون عقبة في طريقهم لتنفيذ مخططاتهم العدائية. واستغلوا في ذلك علاقتهم بالمكتب السياسي للحزب الديمقراطي وزعيمه تحت ذرائع شتى، وخلا لهم الجو بالكامل في شهر نيسان/ إبريل ١٩٩٥م، وخصصوا الرواتب للعاملين في المستشفى. - سياسة المنظمة في كردستان: السياسة التي تتبعها هذه المنظمة في كردستان تصبُّ في خدمة التنصير والحقد الغربي على المسلمين بشكل عام، ويتجلى ذلك في الآتي: ١ ـ اتباع سياسة فرق تسد بين الأعضاء والعاملين معهم من الكرد في المستشفى، والدوائر الحكومية في ضومان، ودائرة الصحة ووزارة الصحة، والاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. ٢ ـ العنجهية والتكبر على العاملين الكرد، والنظر إليهم كمواطنين من درجة ثانية أو كخدم لهم، خاصة عند اعتراض أحدهم على مخططاتهم أو إبداء رأي ما. وكانوا يقولون لهم: نحن ندفع لكم الأجور، والذي لا يرضى فالباب واسع ومع ألف سلام. وكانوا يقولون دائماً بدون خجل: ما أتينا حتى ندللكم ونأخذ بخاطركم، والذي لا يرضى فليترك العمل معنا. ٣ ـ محاولة تغليب العنصر النسائي على الرجالي بين الكرد عند التقديم للعمل معهم؛ فالأفضلية عندهم للمرأة على الرجال. ٤ ـ لم يُبدوا أي اهتمام بالرعاية الصحية، ومن ذلك إهمال المرضى وعدم العناية بهم، وخاصة: الأمومة والطفولة، الإرواء الفموي للأطفال، التلقيحات، رقابة المطاعم والمخابز المتعاملين معهم. ومنها أيضاً إهمال: الرعاية الطبية الأولية للمراجعين، وعدم توفير الأدوية للقسم الطبي في المستشفى، عدم السماح لمن يشكون من أمراض باطنية بالدخول إلى المستشفى، وعدم القيام بالعمليات الجراحية للحالات الباطنية الطارئة وإهمالهم. ببساطة: ينظرون إلى المستشفى كأنه حقل لتجارب الفئران (والفأر هو الكردي المسكين البائس) . ٥ ـ إهمال أبسط المبادئ الأساسية للصحة والجراحة، وإهمال ذوي الخبرات من غير أعضائهم الأوروبيين. على سبيل المثال عندما شارك ثلاثة من الجراحين الكرد من مدينة أربيل في العمل معهم أهملوهم حتى تم طردهم أو انسحبوا هم نتيجة عدم العناية بهم وتقديرهم. والسبب كان بسيطاً أن هؤلاء الثلاثة كانوا ذوي مقدرة كبيرة في الجراحة؛ ومن المضحك أن هؤلاء الجراحين الكرد كان عليهم أن يأخذوا الأوامر من مضمد فنلندي AKO الذي لا خبرة له في عالم الجراحة، وهو ليس إلا ممرضاً صغيراً مقابل هؤلاء الجراحين الكرد. فحدث أكثر من مرة في حالات الطوارئ أن أدخلوا مَنْ مرضُه أقل خطورة من غيره فمات الثاني وهو ينتظر العملية؛ لأن صاحب الجلالة المضمد لم يأمر الجراحين الكرد بإجراء العملية له وإدخاله غرفة العمليات. والأمرّ من ذلك لم يجد هذا الأمر آذاناً صاغية من قِبَل المسؤولين الكرد، والسبب يبدو أنه مخفي وراء الكواليس. أما في غرفة العمليات فقد كان على الجراحين، والأمر كان كذلك لمن بعدهم، أن ينتظروا الأوامر من المضمد AKO: أي خيط يستخدمون، وفي أي مكان يشقون، وكيف يخيطون الجرح، وكيف يقطعون العظم؟ ببساطة: كان على الجراحين أن يكونوا مضمدين وسيادته هو الطبيب والمشرف عليهم، وهذا من منطلق أن الكردي هو الخادم والأوروبي هو السيد. أما في قاعة المرضى أي بعد انتهاء العملية؛ فمن المفروض أن الجراح الذي قام بالعملية هو الذي يشرف على مريضه يومياً ويكتب له الدواء، أما هناك فكان الأمر من أعجب الأعاجيب؛ إذ إن الذي يعطي الدواء هو المضمد أو الممرضة، والأغرب أنهم لا يستخدمون المضادات بعد العمليات؛ وهذا من أبسط وأهم مراحل العلاج، كأنهم يتبعون منهج آبائهم في القرون الوسطى في العمليات الجراحية، ولهذا كانت الجروح تستغرق فترات طويلة حتى تندمل، وقد أقسم من نثق به قال: حدث أن رأينا الدودة في الجرح أكثر من مرة، وأن طيلة بقائهم في جومان لم يستخدموا أبداً المضادات، من له أذن فليسمع كما يقول هؤلاء النصارى. ٦ ـ الحوامل: الويل لمن أتى بها القدر إليهم؛ فالمقص والشفرات تنتظرها، والعمليات القيصرية هي الحل الوحيد ثم استئصال الرحم بحجج واهية وجهل الأزواج بالأمر والفاقة هما سببان رئسيان في قبولهم بالعمليات. وكانوا يقولون إن عدم استئصال الرحم يؤدي إلى موت الأم؛ فما كان على الزوج المسكين إلا الإذعان والسكوت. فحدث أكثر من مرة أن دخلت امرأة حامل وهي شابة في مقتبل عمرها أنجبت مرة أو مرتين عمليات استئصال الرحم تاريخ العملية تسلسلها في ملفات الجراح عمر الحامل اسم المرأة (١) ١٢/٩/٩٥ ٢٤٧ Aiberto/Gino ٢٧ بدرية أمين (٢) ٧/١١/٩٥ ٢٩٩ Yassin ٢٨ آيش حسن (٣) ٩/١/٩٦ ٣٤٦ Alessandro/Yassin ٣٠ آمنة عمر (٤) ٢٠/٥/٩٦ ٥١١ Stive ٢٥ بيروز مصطفى (٥) ٣٠/٥/٩٦ ٨٢٨ Aiberto ٢٥ جميلة أحمد بدون مشكلة ما أن تصل إليهم يقومون بالعملية القيصرية لها، وبعد ذلك استئصال الرحم، وهذا أمر غريب في منطقتنا فلم نسمع به إلا نادراً. وهذه بعض الأسماء لعل من له قلب أن يعي ما يحدث في كردستان، ولا ينخدع بدعواتهم: من الملاحظ أن أعمارهن تتراوح بين ٢٥ ـ ٣٠ سنة، والهدف من هذه العمليات تقليل نسبة الإنجاب بين المسلمين، والغريب أن الإخوة الشيشانيين أكدوا لنا أن عمليات استئصال الرحم جارية على قدم وساق في الشيشان، وكانت المنظمة قد حاولت في البداية الدخول إلى الشيشان ولم يستطيعوا، ويبدو أن هناك من يؤدي دورهم هناك. والله المستعان. ورد اسم الدكتور ياسين وهو غربي في شكل كردي، وهو أشد قسوة من هؤلاء، وترددت أنباء بأنه كاكائي (فرقة ضالة وكافرة) . أما الجراح Stive هو جراح نصراني كردي من السليمانية هو أشد قسوة من سابقيه لحقده النصراني وولائه للغرب. وأكد لنا بعض الإخوة أن كثيراً من الشرفاء من الأطباء والجراحين الكرد رفضوا العمل معهم لمعرفتهم ما يكيدون، ولا حول لهم ولا قوة إلا الرفض وعدم المشاركة في هذه الجريمة، وتلويث أسمائهم من أجل حفنة من الدولارات. على سبيل المثال نذكر ذلك للتاريخ أن طبيباً من أهل السليمانية اسمه (سرمد) لم يطع أوامرهم، وكانت أخلاقه وضميره ودينه ينهاه أن يسلك سبيل المجرمين، فكانت عاقبته الطرد من المنظمة، وسبقه في ذلك طبيبان جراحان كرديان من مدينة أربيل. ٧ ـ نتيجة لنفاقهم واتباع سياسة فرق تسد مع دوائر حكومة الإقليم أدركت الجهات المسؤولة والشرفاء الذين يهتمون بالشعب الكردي أن هؤلاء شر على المنطقة، فعملوا على طردهم منها، فذهبوا إلى مدينة السليمانية ووجدوا وكراً لهم، فأسسوا مستشفى خاصاً للعمليات الجراحية والطوارئ، ولهم حرية مطلقة في كل ما يفعلون. وقدموا طلباً إلى مستشفيات ولادة أربيل ودهوك أن يديروها ويشرفوا عليها بغية تنفيذ مؤامراتهم وخططهم التنصيرية، وقد باءت محاولاتهم بالإخفاق نتيجة مواقف الأطباء والمسؤولين الشرفاء من أبناء الكرد الذين يدركون أن هؤلاء لا يريدون خيراً لأحد. والجدير بالذكر أن المنظمات التنصيرية لها اجتماع دوري لمعرفة مستجدات الساحة الكردية وكيفية السبيل إلى تنفيذ مؤامراتهم، ويكون عادة في مقرات الأمم المتحدة الكائنة في محلة عنكاوة النصرانية. وما قدمناه هو تقرير ووثيقة تاريخية، وجعلنا الحقائق نفسها تنطق كما هي. ونقول: لا خير في هؤلاء؛ فإن قدموا لنا مساعدة، فوراءها (فاتورات) علينا أن ندفعها، ولأنهم لم ولن يرضوا عنا، كما بين في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ؛ فعلينا الحذر كل الحذر منهم ومن مساعداتهم، والله هو المولى ونعم النصير.

стр. 5123

- أقوال غير عابرة - - «من غير المقبول وصف تركيا بأنها جمهورية إسلامية، أو أن يُضفى عليها لقب لا معنى له مثل الإسلام المعتدل» الرئيس التركي أحمد نجدت سيزار في افتتاح جلسة للبرلمان. [السياسة ٢/١٠/٢٠٠٤م] - «المشكلة أن أي أحد يمكنه التصويت عدة مرات، أنا شخصياً قمت بذلك خمس مرات» علي أخباري، لاجئ أفغاني في مدينة مشهد بإيران يتحدث عن احتمالات التزوير في انتخابات الرئاسة الأفغانية. [www.bbc.co.uk، ١١/١٠/٢٠٠٤ م] - «الأمر كان أشبه بقنبلة هيروشيما، ضوء ساطع، ثم سحابة الفطر الهائلة من الدخان» يارون أمير، سائح إسرائيلي يصف الانفجار الذي وقع في فندق هيلتون طابا على الحدود المصرية الفلسطينية. [www.bbc.co.uk، ١١/١٠/٢٠٠٤ م] - «تبادل المعلومات الاستخباراتية مع العديد من الدول العربية يتم أحياناً بشكل يومي» الجنرال دان ارديتي رئيس هيئة مكافحة الإرهاب في مكتب شارون. [السبيل الأردنية، ١٢/١٠/٢٠٠٤م] - «الحديث عن عراق واحد ومتحد وديمقراطي يضم الأكراد والشيعة والسنة ليس أكثر من وهم» الصحفي الأمريكي مايك تيرنر. [النيوزويك ٥/١٠/٢٠٠٤م] - «لا أظن أن البعثيين يشكلون فصيلاً مهماً في المقاومة؛ فأغلبهم وجد عملاً في حكومة إياد علاوي» الشيخ فخري القيسي عضو الهيئة العليا للدعوة والإفتاء والإرشاد في العراق. [الوطن، ٢٤/١٠/٢٠٠٤م] - «إن انتقالاً فورياً نحو برلمان منتخب سيسبب الأذى أكثر من الخير؛ فالإسلاميون سيحققون نتائج حسنة، ما من شأنه أن يعقِّد استراتيجيتكم الأمنية» العالم السياسي ف. جريجوري غوز الثالث أستاذ العلوم السياسية في جامعة فيرمونت، الولايات المتحدة يحذر قادة الدول العربية من خطر الديمقراطية. [مجلة فورين بوليسي، عدد ٩ / ١٠ / ٢٠٠٤م] - «قد يسأل مواطنو الولايات المتحدة: لماذا يلتزمون بالقواعد بينما تستطيع القوة تحقيق ما يريدون؟» خافيير سولانا الأمين العام لمجلس الاتحاد الأوروبي. [فورين بوليسي، ٩ /١٠/ ٢٠٠٤م] - «السن بأسنان والعين بعيون، فإذا قتلوا لنا طفلاً فسنقتل لهم أطفالاً، وإذا سرقوا لنا ماعزاً فسنسرق قطيعاً، وإذا أطلقوا رصاصة على رجل دين يهودي فسوف ندمر لهم المسجد الأقصى» مجموعة من المستوطنين شكلوا عصابة لمهاجمة الفلسطينيين، يتحدثون لبرنامج وثائقي في القناة الثانية «الإسرائيلية» . [الشرق الأوسط، ٢٢/١٠/٢٠٠٤م]

стр. 5124

البراجماتية محمد إبراهيم مبروك عندما أراد (وليم جيمس) أهم فلاسفة البراجماتية عرض مذهبه ـ وإن كان هو نفسه رفض اعتباره مذهباً ـ في كتاب البراجماتية؛ فقد قدم له بهذا العنوان الجانبي: (اسم جديد لبعض الأساليب القديمة في التفكير) ، وما نراه هو أن هذا المذهب ـ كما سنثبت لاحقًا ـ هو عبارة عن تطوير جديد لمزاوجة فلسفية بين مذهبين تليدين هما: السوفسطائية، والأبيقورية. ولذا لزم الإشارة إلى أسس هذين المذهبين أولاً قبل تناول مذهب البراجماتية الذي نحن بصدده. - السوفسطائية: قد يكون المحور الأساسي الذي يقوم عليه تيار الفلسفة السوفسطائية هو تلك المقولة للفيلسوف اليوناني القديم (بروتاجوراس ٤٩٠ ـ ٤١٠) قبل الميلاد: «الإنسان هو مقياس كل شيء؛ فهو مقياس وجود ما يوجد من الأشياء ومقياس لا وجود ما لا يوجد منها» (١) ؛ فالعبارة تلخص نظرية السوفسطائيين في المعرفة؛ إذ يعتقدون أن الإنسان هو وحده معيار المعرفة فإن قال عن شيء إنه موجود فهو موجود، وإن قال إنه غير موجود فهو غير موجود؛ فالحواس أو الإدراك الحسي تحديدًا هو المعيار الذي يقيس به الفرد وجود الأشياء جميعاً، أو بحسب تحديد أفلاطون لهذه النظرية: «فإن كل إنسان فرد هو مقياس ما هو حقيقي بالنسبة له، وليست هناك حقيقة سوى إحساسات وانطباعات كل واحد منا؛ في ما يبدو حقيقياً بالنسبة لي فهو كذلك، وما يبدو صادقًا بالنسبة لك هو كذلك أيضًا» (٢) . وهذا الإقرار بنسبية الحقيقة هو ما جعل (بروتاجوراس) يقول ببساطة ودون أن يتنصل من نتيجة فكرته الأساسية إن القضيتين المتناقضتين يجب أن تكون كلتاهما صادقتين. ثم تمضي هذه النسبية المعرفية على يد (جورجياس ٤٨٠ ـ ٣٧٥ ق. م) إلى عدم إمكانية المعرفة تماماً من خلال قضاياه الثلاثة: لا يوجد شيء ـ إذا وجد شيء فلا يمكن معرفته أو إدراكه ـ إذا أمكن معرفته أو إدراكه فإنه لا يمكن نقله إلى الغير. ثم يأتي أحد تلامذة السوفسطائيين (جلوكون) فيقول: «إن أفعال العادل مماثلة لأفعال الظالم» (٣) ، وإن كل إنسان لا يفعل إلا ما فيه منفعته ومصلحته الشخصية حتى أولئك الذين يمارسون العدل يفعلون ذلك مكرهين؛ لأنهم عاجزين عن أن يقترفوا الظلم» (٤) . أما موقفهم من الدين فقد عبر عنه (بروتاجوراس) بقوله: «لا أستطيع أن أعلم إذا كانت الآلهة موجودة أم غير موجودة ولا هيئتها ما هي؛ لأن أمورًا كثيرة تحول بيني وبين هذه المعرفة، منها غموض الموضوع، وقِصَر الحياة» (١) . والنتيجة الطبيعية لكل ما سبق هو هؤلاء الفلاسفة السوفسطائيين بمهنة تعليم أبناء الطبقة الأرستقراطية من اليونانيين كيفية البرهنة على القول ونقيضه مقابل أجور مرتفعة كوَّنوا منها ثروات كبيرة. - الأبيقورية: كان لأبيقور (٣٤١ ـ ٢٧٠) ق. م تأثير رهيب على الجماهير، حتى إن أهل إحدى المدن قد جمعوا له مبلغًا كبيرًا من المال، اشتروا به بيتًا وحديقة في أثينا؛ ليتخذ من هذه الدار مدرسة ينشر من خلالها فكره في عاصمة الفلسفة في ذاك الحين، «وما من شك في أنه كان يرقب بكثير من الاهتمام حياة معاصره (ثيودورس القوريني) الذي كان يخطب في أثينا داعيًا إلى الخروج على الدين والأخلاق جهرة، وفي صراحة جعلت الجمعية توجه إليه تهمة الإلحاد، وكان درساً لم ينسه (أبيقور) قط.. وكان أصدقاؤه من الكثرة بحيث تضيق بهم مدن بأكملها» (٢) . وكان (أبيقور) يدعو الناس إلى حياة اللذة السهلة وهو يقول: «لا يبطئن الشاب في التفلسف، ولا يكلَّن الشيخ من التفلسف؛ فإن كل سن ملائمة للعناية بالنفس» (٣) . وقد بدأ (أبيقور) بتقرير المبدأ القائل: إن هدف الفلسفة هو أن يحرر الناس من الخوف، وخاصة من خوف الآلهة وهو يكره الدين؛ لأن الدين في رأيه يقوم على الجهل ويزيده، ويظلم الحياة بما يبثه في النفس من رهبة جواسيس السماء على حد تعبيره. وعندما رأى نفور اليونانيين من رأيه في كون الآلهة ليست هي التي أنشأت العالم، وليست هي التي ترشده وتسيره قال لهم: «فإن كان هذا لا يرضيكم فلتعزوا أنفسكم؛ بأن تفكروا في أن الآلهة بعيدة عنكم إلى درجة لا تستطيع معها أن تضركم أو تنفعكم» (٤) . والإحساسات برأي (أبيقور) كلها صادقة على السواء، وغاية الحياة هي اللذة، ومتى تقرر أن اللذة غاية لزم أن الوسيلة إليها فضيلة، وأن العقل والعلم والحكمة تقوم في تدبير الوسائل وتوجيهها إلى الغاية المنشودة، وهي الحياة اللذيذة السعيدة؛ فليس من الحق وصف اللذة بأنها جميلة أو قبيحة شريفة أو خسيسة؛ فإن كل لذة خير، وكل وسيلة إلى اللذة خير كذلك. وبحسب (أبيقور) : «ليس في الفلسفة إلا قضيتان اثنتان مؤكدتان وهما: اللذة خير، والألم شر» (٥) . - ما هي البراجماتية؟ لو أردنا توضيح نمطي التفكير الفلسفي الأساسيين في التاريخ الغربي فإننا نضع خصائصهما في عمودين متقابلين على طريقة الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس (منظِّر البراجماتية الأبرز) عند تقديمه لأفكاره في كتابه (البراجماتية ـ ١٩٠٧) هكذا: مثالي مادي عقلي تجريبي ديني لا ديني وعلى الرغم من الخلاف بين المذهبين فإنهما قد اتفقا على أن هناك مرجعاً ما، أو أصلاً قائماً يمكن الرجوع إليه في معرفة مدى صحة فكرة مطروحة، أو رأي أو قول ما؛ هذا الأصل القائم هو أفكار قبلية في العقل عند العقليين، أو واقعة خارجية تدرك بالحواس عند التجريبيين. ولأن المنازعات الفكرية بين الفريقين لا تنتهي؛ فلقد ادعى البراجماتيون أنهم يقدمون طريقة جديدة في التفكير لحسم هذه الخلافات؛ وهي التجريب العملي لأي فكرة من الأفكار؛ فالفكرة تكون صحيحة أو باطلة بحسب ما يمكن أن تحققه للإنسان من نفع في حياته العملية، لا لأنها صحيحة في ذاتها، أو لأنها مطابقة للواقع أو غير ذلك. وأول من أدخل لفظ البراجماتية في الفلسفة هو الفيلسوف الأمريكي تشارلز بيرس (١٨٣٩ ـ ١٩١٤م) في مقال له بعنوان «كيف نجعل أفكارنا واضحة» حيث ذكر فيه أنه «لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا من موضوع ما فإننا لا نحتاج إلا إلى اعتبار ما قد يترتب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي، قد يتضمنها الشيء أو الموضوع» . وعلى ذلك فإن بيرس يزعم «أن كل اصطلاح يكون حقًا إذا كان له مدلول، والمدلول له وجود حقيقي إذا كان ينتج بعض النتائج في هذه الدنيا التي نشاهدها، وإلا فلا معنى للاصطلاح ولا جود للمدلول أو الشيء» (٦) . وذهب وليم جيمس (١٨٤٢ ـ ١٩١٠م) إلى أن المنفعة العملية هي المقياس لصحة هذا الشيء. وذهب الفيلسوف الأمريكي جون ديوي (١٨٥٩ـ ١٩٥٢م) إلى أن «العقل ليس أداة للمعرفة وإنما هو أداة لتطور الحياة وتنميتها؛ فليس من وظيفة العقل أن يعرف ... وإنما عمل العقل هو خدمة الحياة» (٧) . أما الإنجليزي (فرديناند شيلر: ١٨٦٤ ـ ١٩٣٧م) فهو «يأخذ لنفسه تعبير بروتاجوراس المشهور: «الإنسان مقياس كل شيء» ويؤيد السوفسطائيين اليونان، ويدافع عنهم ضد المذهب العقلي لأفلاطون (١) . وإذا كان هؤلاء هم فلاسفة البراجماتية الأساسيين فإننا سنركز بوجه خاص على (وليم جيمس) الذي شرحها شرحًا وافياً في كتابه «البراجماتية» الذي سنعتمد عليه في ذكر أفكاره. - الاتجاه البراجماتي (٢) : لا بد أن نذكر أولاً أن الفلسفة البراجماتية قد جاءت فلسفة أمريكية في الأساس؛ لأنها الفلسفة التي تتسق مع أسلوب الحياة الأمريكي نفسه؛ أي أنها جاءت لتعبر عما هو واقع بالفعل. ويقول (ويلسون آلن) في ذلك في كتابه (الثقافة الأمريكية) : «إذا كانت النظرة البراجماتية للحياة سائدة ومبتغاة في الولايات المتحدة بأسلوب أكثر انتشارًا وأكثر صدقًا منه في أي مكان آخر في العالم الغربي؛ فقد كان لها السيطرة الحازمة على أغلبية الأمريكيين لمدة طويلة قبل أن يحاول أحد وصفها بأسلوب الفكر المجرد. وربما كانت الخاصية الطبيعية لهذه النظرة السبب في منع مناقشتها نظرياً، لكن بمجرد أن بدأ هذا فإنه لم يتوقف، وأدى إلى عدد من أكثر الاتجاهات الحاسمة تأثيرًا في الفكر الحديث» . يقول (وليم جيمس) عن الاتجاه البراجماتي: «إنه اتجاه تحويل النظر بعيداً عن الأشياء الأولية، المبادئ والنواميس والفئات، الحتميات المسلَّم بها، وتوجيه النظر نحو الأشياء الأخيرة: الثمرات، النتائج، الأثار، الوقائع الحقائق» . و «البراجماتية» ليس لها أية عقائد يقينية أو جزمية أو أية مذاهب أو مبادئ، اللهم إلا طريقتها؛ فنحن علينا أن نضع «كل المفاهيم المطروحة على بساط البحث على المحكك البراجماتي، وسنفوز عند ذلك بالنجاة من الجدل الباطل العقيم، فإذا لم يكن ثمة فرق عملي بين قولين بالقياس إلى صحة هذا أو ذاك؛ إذن فالاثنان حقًا عبارة واحدة في شكلين كلاميين، وإذا لم يكن ثم فرق عملي يحدث سواء كانت عبارة معينة صحيحة أو باطلة؛ إذن فالعبارة ليس لها معنى حقيقي، وفي كلتا الحالتين فليس هناك شيء يستحق أن نتنازع من أجله، وأوْلى بنا أن نوفر جهدنا، ونمضي إلى أمور أكثر جدوى وأهمية» . إن الحقيقي في أوجز عبارة لدى وليم جيمس «ليس سوى النافع المطلوب في سبيل تفكيرنا تمامًا، كما أن الصواب ليس سوى الموافق النافع المطلوب في سبيل مسلكنا» . و «البراجماتية» لا تمثل ولا تناصر أي نتائج معينة من طريقتها، كما أن حيازة الحقيقة عندها بعيدة كل البعد عن أن تكون غاية في ذاتها؛ فهي لا تزيد عن كونها مجرد وسيلة أو أداة أولية لبلوغ الإشباع والرضا والسرور، والحق يفضل على الباطل عندما يرتبط كلاهما بالموقف ـ أي البحث عن أيهما أنفع ـ أما إذا لم يرتبط بذلك فإن الحق يتساوى مع الباطل؛ ولأن الحقيقة ترتبط بالنتائج البراجماتية فهي نفسها في حالة تغير وتبدل وانتقال. - ولا بد لنا الآن أن نتساءل: إنه حتى لو كانت المنفعة هي الهدف الوحيد فكيف يمكننا بغير الحق أن ندرك ما هي هذه المنفعة، ولكن جيمس يقلب الأمور رأساً على عقب؛ فهو لا يبحث عن الحق كهدف أو غاية؛ لأن غاية جيمس هي التوافق مع الحالة الشعورية القائمة بالفعل، وهذا هو النفع المطلوب براجماتياً، وكل ما يؤدي إلى هذا التوافق وهذا النفع يكون حقاً. وما دامت الحالات الشعورية في تبدل مستمر، وما دامت المنافع تتبدل وتتغير بتغير الظروف والأحوال فلا بد أن يكون الحق في حالة تغير وتبدل وانتقال كما يقول؛ فالحق ليس قائداً يقود وإنما هو تابع يتبع. إن خلاصة الموقف في هذه الفلسفة هو اتخاذ المنافع الأبيقورية غاية يتم تسويغها بوسائل سوفسطائية، وهكذا تمت المزاوجة بين المذهبين القديمين في تطوير جديد تعبر عنه هذه الفلسفة. ووليم جيمس يعي جيدًا مدى ضعف نظريته منطقيّاً، وأنه لا يقدم أي مفهوم حقيقي للحق أو حتى راجح الصحة، وهو كذلك لا يطالبنا بأن نعتقد ذلك. إنما هو يقول لنا: إنه ما دامت كل الوسائل المعرفية التي لديكم تم هدمها ـ وهذا الكلام موجه إلى الفكر الغربي تحديداً ـ فينبغي لكم أن تأخذوا كلامي ولو على سبيل الظن، أو الفرض، أو حتى الاحتمال؛ فالأنماط المتعددة من التفكير كما يقول جيمس: «كلها متعارضة، وليس فيها واحد على سبيل الحصر يستطيع أن يقيم الحجة على دعوى الصحة المطلقة، أفلا ينبغي أن يثير ذلك احتمالاً أو فرضًا أو ظنًا أو حَدْسًا مناصرًا لوجهة النظر البراجماتية؟ وما دامت هذه الأنماط المتعددة من التفكير غير صحيحة، ولكنها خدمت أغراضًا معينة لكم فلماذا لا يثير ذلك ولو حتى احتمالاً مناصرًا لمقولتنا: إن الحقائق ينبغي أن تكون هي الوسائل التي نستطيع بها أن نصل إلى ما نريد؟» . أي أن الرجل يبدأ بموقف عبثي من الكون، ثم ينتهي بنا إلى موقف عبثي، ثم يقول لنا: إنه ما دام الأمر كذلك فبدلاً من اليأس والمرارة والسأم على كل منا أن ينتفع بما يريح نفسه، ويجد فيه اللذة ولو بشكل مؤقت ومتغير، وعليه لكي يستريح تمامًا أن يعتقد أن ذلك الذي يفعله هو الحقيقة. وبهذا تكون خلاصة المذهب هي: «البحث عن تسويغ المنافع كما يراها أصحابها في عالم يخلو من الحقيقة، وقد أرهقه البحث عنها» . ويشاع بين بعض الناس أن «البراجماتية» تمثل تسويغاً فلسفيّاً لمبدأ الغاية تسوغ الوسيلة، وهذا اعتقاد ساذج؛ لأن «البراجماتية» أبعد شراً من ذلك؛ فهذا المبدأ يعني أن الوسيلة القذرة قد تسوغها الغاية الشريفة، لكن «البراجماتية» لا يهمها الغايات الشريفة في شيء وإنما المهم لديها هو أن تكون الوسائل قادرة على تحقيق الغايات، كما أن «البراجماتية» لا تمارس ذلك على أنه عمل لا أخلاقي أو حتى مكيافيللي تسوغه الضرورة، ولكن على أن ذلك هو الحق والحقيقة، وما غيره لا شيء البتة، وسندها الوحيد في ذلك هو ما يدرُّه هذا السلوك من نفع على صاحبه. - الدين البراجماتي وإرادة الاعتقاد: يذهب (وليم جيمس) إلى أن هناك أفكاراً ليس في استطاعتنا أن نحكم عليها بأنها صحيحة أو كاذبة؛ لأن المعرفة العلمية الصحيحة مستحيلة تماماً في دائرتها؛ فماذا يكون موقفنا إذن من هذه الأفكار؟ هل ينبغي علينا أن نتوقف عن الحكم عليها، أم يحسن بنا أن نفترض عدة فروض من أجل تفسيرها؟ لقد فكر (وليم جيمس) كما جاء في كتابه «البراجماتية» ما يلي: «الواقع أننا لا نستطيع أن نحيا أو نفكر دون قدر من الإيمان أو الاعتقاد، وليس الاعتقاد ـ من وجهة نظره ـ إلا فرضاً ناجحاً؛ فلماذا لا نلتجئ إلى إرادة الاعتقاد؛ حيث يعسر الوصول بداهة على حقيقة يقينية؟ ألا يحدث أن يكون الاعتقاد نفسه عاملاً فعالاً من عوامل تحقق ما نؤمن به أو ما نعتقده؟ إننا بدلاً من أن نتساءل عما يسيِّر الأشياء: هل هي المادة أو الله؟ يجب أن يكون تساؤلنا هو التالي: ما هو الفرق العملي الذي يمكن أن يحدث الآن إذا قدر للعالم أن تسير دفته بواسطة المادة أو بواسطة الله؟ بالنسبة لماضي العالم فليس ثمة فرق سواء اعتبرناه من عمل المادة أم حسبنا أن روحاً قدساً هو خالقه ومنشؤه. أما بالنسبة للمستقبل فإن المادة لا تبشر بشيء من النجاح الذي نسعى إليه، بل تبشر بالتحطيم النهائي المطلق للكون وتحوله إلى مأساة في نهاية المطاف؛ لذلك يجب أن يكون اعتراضنا الحقيقي على المادة ـ في زعمه ـ هو قنوط نتائجها العملية. هذا في حين أن فكرة الله مهما تكن أقل وضوحاً من تلك الأفكار الحسابية التي أصبحت سارية رائجة في الفلسفة المكانيكية فإن لها على الأقل الميزة العملية المتفوقة عليها من حيث نتائجها العملية التي تمنح الأمل في المستقبل. والمنافع التي يريدها (جيمس) من الدين هي: الراحة والهدوء، والسكينة والطمأنينة، والسلام والاغتباط والمشاعر المتدفقة التي تلهب الصدور، وتبعث الحركة في الحياة ولكن دون أية التزامات. أي أن جيمس يريد من الدين أن يكون مجرد مسكِّن أو مخدر يستطيع الإنسان باعتياده إياه أن يواصل حياته بقوة وحماس أكبر؛ ولهذا فإنه لم يهتم كثيراً بالتفرقة بين كون الخالق هو الله ـ جلا شأنه ـ أو المادة، أو البحث عن كون الله موجوداً أو غير موجود، أو على فرض وجوده هو واحد أو ثلاثة، أو أكثر بل على كل إنسان أن يحدد صفات الإله الذي من الممكن أن يفيده الاعتقاد به. أي أنه لا يؤمن بإله خالق، بل هو يخلق من عند نفسه إلهاً محدد الصفات يعمل على خدمة وإرضاء من يؤمن به، وذلك على أساس قوله: «في مقدورنا أن نتمتع بإلهنا إذا كان لدينا إله» . لقد استعاض (جيمس) بالاعتقاد في إله من خلقه عن الله نفسه، واعتقد أن ذلك سيحقق له المنافع التي يبغيها؛ فهل من الممكن أن يتحقق شيء من ذلك. إن هذه المنافع وغيرها لا يمكن أن تتحقق إلا بشرط واحد هو أن يكون الإنسان مقتنعاً بوجود الله بالفعل، أما إذا لم يكن مقتنعاً بذلك فإنه من المستحيل أن يجد هذا العون من إله هو الذي خلقه، أو حتى اعتقد في وجوده من أجل إيجاد هذا العون؛ لأن ذلك أشبه ما يكون برجل يدرب نفسه على الاعتقاد بأنه غني، ثم يحاول أن يستمد من هذا الغنى الوهمي المال الذي يبتغيه. - الإسلام البراجماتي: والإسلام البراجماتي يعني بإيجاز شديد: التعامل بهذا المنظور النفعي مع الإسلام؛ أي استغلال الإسلام للمنفعة كما يراها البراجماتيون، دون التقيد بإطاراته أو شروطه أو تعاليمه، هذا بالإضافة إلى التوفيق أو بقول أكثر دقة: التلفيق المستمر بين مفاهيم البراجماتية الدينية التي تتعامل مع الدين بوجه عام على أنه مخدّر ذو مفعول متجدد دائماً، وعلى أنه وسيلة سياسية لتطويع الشعوب لإدارة الطغاة وبين بعض المظاهر والشكليات الإسلامية التي يمكن استغلالها لصالح تلك المفاهيم، وكلٌ له شرعيته ومنهاجه في أشكال هذا الاستغلال بحسب المصالح التي يبتغيها. (١) نقلاً عن د. مصطفى النشار ـ تاريخ الفلسفة اليونانية: ص ٤٦.

стр. 5125

رؤى العيد في الشعر الإسلامي المعاصر محمد شلاّل الحناحنة تتجدد الأعياد وتمضي، وما زال المسلمون في هذا العصر يعيشون أشجاناً بعد أشجان! وهل ترانا نحيا بهجة العيد وأفراحه الحقيقية في ظلّ حراب الأعداء وإذلالهم للأمّة الإسلامية في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وغيرها؟ كيف نحياه والأمم الحاقدة الظالمة تتكالب على أمّتنا، كما تتكالب الأكلة على قصعتها؟ وكيف يقف شعراؤنا أمام هذه المواجع القاسية التي تدمي القلوب؟ وما رؤى شعرائنا لأعياد المسلمين هذه الأيّام؟ ومتى تعود أعيادنا، وقد تصالحت الأمّة مع نفسها وعقيدتها الصافية، واحتكمت إلى شريعة الله؛ لتحقق أمانيها بالرفعة والتقدّم والقوّة استجابة لوعد الله بنصرها وتمكينها؟ ولعلّ وقفتنا الأولى مع الشاعر عبد الرحمن العشماوي الذي يخاطب العيد بكلّ وجدانه المفعم بالعزّ والنّصر المبين للمسلمين، رغم هذا الأسى: (اطلعْ علينا بالشذى بالعزّ بالنصر المبين اطلعْ علينا بالتئام الشمل بين المسلمين هذا هو العيد السعيد وسواه ليس لنا بالعيد غبْ يا هلالْ! حتى ترى رايات أمّتنا ترفرف في شممْ) إنَّ العيد الذي يريده شاعرنا العشماوي يعبق بشذى النّصر؛ ولذلك يظلّ هلال العيد في ذاكرته الإسلامية رمزاً منيراً زاخراً بنضارة الحلم القادم، وهو يخاطبه أكثر من مرّة (اطلعْ علينا) بأسلوب طلبي مشحون بهموم الأمّة، حاملاً وهج الفرح الحقيقي: فرحٍ بالعزّ والنّصر، وفرحٍ بالتئام الشمل بين المسلمين، وفرح حين نرى رايات الأمّة ترفرف في شمم!! أمّا الشاعر محمد ضياء الدين الصّابوني فقد أدمت عواطفه ذكرى فلسطين، وما يتعرّض له أهلنا من الأطفال والنّساء هناك من جرائم ومذابح مستمرة، وهو يبدأ قصيدته (تحية العيد) بمطلع فيه قدرة شعرية فائقة لملامسة نبض الجراح معنى وإيقاعاً: العيد وافى وقلب الحرّ يلتهبُ لا بهجة العيد تسليه ولا الطربُ ذكرى «فلسطين» قد أدمت عواطفه فالطفل يُذْبَحُ والعذراء تنتحبُ من للشيوخ وللأطفال ينقذهم مما اعتراهم ونار الحرب تلتهبُ من للثكالى وللأيتام يرحمهم ويمسحُ العار عن (قدسي) ويضطربُ وقد وُفّقَ الشاعر ببداية قصيدتة بهذا المقطع: (العيد وافى وقلب الحرّ يلتهب) ؛ لما في ذلك من دلالات زاخرة حميمة، تلحّ في وجداننا من خلال الجمل الفعلِية الخبرية التي تشعل في أحاسيسنا نيران الأسى والغضب: (العيد وافى، وقلب الحرّ يلتهبُ، لا بهجة العيد تسليه ... ، ذكرى فلسطين قد أدمت عواطفه، الطفلُ يذبح، العذراء تنتحبُ) ، كما أجاد شاعرنا الصابوني بإضافة الذكرى إلى (فلسطين) في بيته الثاني، لنبقى معه على نافذة دامية، وأشجان مريرة من المذابح التي ترتكب كُلّ يوم ضدّ المسلمين في أرض الإسراء؛ فالأطفال والشيوخ والنّساء يشرّدون. ويذبّحون دون أنْ يتحرّك إخوتهم في العقيدة لإنقاذهم، ويتساءل الشاعر في ظلّ هذا العيد بكلّ مرارة: (من للشيوخ؟! من للثكالى وللأيتام ... ؟) . فأين المجيبون يا ترى؟! وتنهض قصيدة الشاعر د. عدنان النحوي: (ما العيد إلاّ لحرّ لم يهن أبداً) من شموخ الهويّة الإسلامية حتى في عنوانها، لتحصر العيد الحقيقي المبهج بحُرّ شجاع شامخ أبداً، وتمتدّ القصيدة في خيوطها الفنية معتمدة على التكرار، ولعلّ هذا التكرار من جماليات الفنّ الشعري عموماً لدى النحوي؛ فقد كرر العيد: (ستّ مرات) ، والذكرى: (أربع مرّات) ، وما زال يتألّمَ ويتعذّب، ويزداد حزناً وسهراً لا سيّما في أيّام العيد! كذلك نرى شاعرنا د. عدنان النحوي يضيء نفوسنا بهدي الإسلام، ويمضي بنا حزيناً إلى ذكريات العيد؛ فيسأل بألم وحرقة: هل عدتَ بالأمل المحبوب يا عيدُ عودٌ سعيد فهل في العيد تجديدُ ما زلتُ أرجع للذكرى فتؤلمني وفي التذكُّر تعذيبٌ وتسهيدُ ما زلتُ أذكر أيّاماً مضت وخلت والعزّ فيها على الأرجاء ممدودُ قدْ كان يجمعنا دينٌ ويسعدنا عيدٌ ويوم من الأيّام مشهودُ لم يبق فيه حزين في ملمّته ولا تشتت في البلدان منكودُُ ما العيد إلاّ إذا قامت دعائمنا وفوقها علم للدين معقودُ ما العيد إلاّ لحرّ لمْ يهنْ أبداً ولا بدا وهو في الأغلال مصفودُ أيام هارون تدعوني فأندبها وأشتكي كيف أنَّ الوصل محدودُ حدائق الشام والفسطاط أنشدها وأرض أندلس ذكرى وتمجيدُ شاعرنا عدنان النحوي ينطلق دائماً من همّ الجماعة، ويحلم بحرّيتها وعزّتها، ونصرها على الأعداء، وانظر لاستخدامه للضمير: (نا) المتكلميّن: (يجمعنا، يسعدنا، دعائمنا) ، وفي ظلّ ذلك يعيدنا للمفارقات المترعة بالمواجع بين ماضٍ لعيدٍ سعيد، كان يأتي والأمّة موحدة تعيش في أمجادها وعزّها الممتدّ في أرجاء المعمورة، وقد عقدت لواء الدين خفّاقاً، وبين حاضرٍ لعيد حزين قد أتى وشعوبنا مشردة، وأمّتنا ضعيفة ممزّقة، ونحنُ نجترّ الذكريات المؤلمة مهزومين أمام الأعداء! كما نجد أنَّ هذه القصيدة في لغتها ومعانيها تقتبس من معين القرآن الكريم، ولعلّ الكثير من قصائد شاعرنا النحوي تنهل دائماً من المعجم القرآني مضموناً وأسلوباً!! وتأتي وقفتنا الأخيرة مع رؤى العيد في شعرنا الإسلاميّ أمام مشهد حزين يوقّعه الشاعر حفيظ الدوسريّ من خلال قصيدة له بعنوان: (في ليلة العيد) وهي قصيدة نونيّة، جاءت على مجزوء البحر الكامل الذي يتميّز بصفاء إيقاعه! ما زلتُ أسمع يا هلالَ العيد صوت النائحينْ ما زلتُ أسمع في الفضاء بكاء أمّتنا الحزينْ ما زلتُ أنظر للثكالى واليتامى الضائعينْ ما زال قلبي في الهموم مكبّلاً مثل السجينْ أنا يا هلال بحسرتي أبكي ضياع المسلمينْ أنا بين أمواج العذاب أغوص في نار الأنينْ عبّر الشاعر في قافيته الحزينة عن أوجاع مُرّة يعيشها إخوانه المسلمون في أقطار شتّى؛ ففي هذه القافية أنين دفين ونزف متّصل، وصوتٌ يتكرّرُ مستمراً مُتحسّراً متألّماً: (ما زلتُ أسمع) ، (ما زلتُ أنظر) ، (ما زال قلبي) ، (أنا يا هلال بحسرتي ... ) ، (أنا بين أمواج العذاب ... ) ، ولعلّ تكرار عبارات التحسّر والحزن واستمراريتها يدلّ على أنّ شاعرنا الدوسري يعيش بكلّ وجدانه المرهف، ومشاعره الرقيقة الشفيفة هموم الأمّة، وانظر إلى دلالات ألفاظه الموجعة: (صوت النائحين، بكاء أمّتنا الحزين، للثكالى واليتامى والضائعين، أبكي ضياع المسلمين، أغوص في نار الأنين) . أخيراً لقد دلّت رحلتنا مع هذه الرؤى أنَّ شعراءنا يعيشون آلام أمّتهم وآمالها بكلّ فكرهم ووجدانهم الحيّ، لكنّنا بحاجة إلى المزيد من القبسات الإيمانية التفاؤلية التي تشحذ الهمم لتغيير الواقع من خلال الفعل المقاوم!!

стр. 5126

فقه الحديبية أ. د. سليمان بن حمد العودة حدثٌ عظيم من أحداث السيرة النبوية نتوقف عنده، وكلُّ السيرة النبوية تستحق الوقفة والتأمل، حادثةٌ يحتاج كل مسلم أن يقرأها، ويحتاج العلماء والقادة والدعاة وطلبة العلم والمفكرون أن يتوقفوا عندها مليّاً يستلهمون عِبرها، ويعون فقهها ودلالتها. إننا نحتاج إلى فقه السيرة في كل حين، ولكن حاجتنا إليها في وقت الأزمات والشدائد أشد، ونحتاج إلى (فقه الحديبية) في كل حين، ولكن حاجتنا إليها أشدّ في زمان تفوُّقِ الخصوم، وضعف المسلمين، وضرورة الخروج من المأزق بسلام، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب بأدنى الخسائر بسياسة ووعي، وتحويل الهزيمة إلى نصر، والدنيَّة في الظاهر إلى فتح مبين على صعيد الواقع. الحديث عن صلح الحديبية وإن شئت فقل (فتح الحديبية) وإن شئت فقل (الفتح المبين) أو (فتح الفتوح) يفتح لنا نوافذ في (فقه التعامل مع الآخرين) ويرشدنا إلى المبادرات الواعية والتخطيط العميق والتحوُّط للسلامة، والأخذ بالأسباب المشروعة، وإلى اتهام أنفسنا ومراجعة مواقفنا على ضوء هدي المرسلين. صلح الحديبية (درسٌ في الأخلاق النبوية) و (فصْلٌ حكمٌ في العلاقات الدولية) و (فيصل في تحقيق وتطبيقات الولاء والبراء) و (نموذج رفيع في تحقيق المصالح العليا، وإنْ صاحَبَها شيءٌ من التنازلات الدنيا) . والحديث عن (فقه الحديبية) لا يعني ترسيخ مفهوم (التنازل) عن مسلَّمات الدين، ولكنه درسٌ عملي في (فقه التنازلات أو الموازنات) متى وكيف تكون؟ ولا يعني قبول (الدنية في الدين) بل هو اختيارٌ واعٍ للسياسة الشرعية التي تحقق أعلى المكاسب للإسلام والمسلمين. (فقه الحديبية) يحسم جدلاً بين نظرتين (جافية، وغالية) ويرسم منهجاً (وسطاً) لتحقيق (مفهوم الولاء والبراء) بين طرفي نقيض لا يُقيم أحدهما وزناً لأحكام الشريعة ومدلولات العقيدة في هذا الأمر المهم من الدين، ويُغالي طرفٌ أخر فيعتبر كلّ تصرفٍ وكلّ تعاملٍ مع الكفار هادماً لأسس الولاء نابذاً لمفهوم البراء. ما أحوجنا إلى التوسط والاعتدال (وهي سمة أمتنا، وشعار ديننا) وإذا اختلفنا كان هديُ رسول الله محمد ﷺ حَكَماً بيننا. تعالوا لنقرأ قراءة واعية متأملة شيئاً من أحداث قصة الحديبية عبر عددٍ من الوقفات والدروس حتى نضبط مواقفنا، ونقتدي بقدوتنا رسول الله محمد ﷺ . ١ ـ المبادرة الواعية: عجباً لك يا محمد! وأنت تباغِتُ قريشاً في عُقر دارها وتبادرها وتتجاوز تهديدها وتحزُّبَ أحزابها. أجل! لقد أطبق المشركون والأحزاب على المدينة في شوال من السنة الخامسة، وكانوا يرومون أن تكون وقعة الخندق نهايةً للإسلام والمسلمين، وقد بلغ الكربُ بالمسلمين إلى الحد الذي قال الله عنه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١] ، وردَّ الله الأحزاب عن المدينة بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال؛ لكن أن تكون هذه الغزوة آخر غزوة للمشركين على المدينة؛ فتلك آية، وأن يصدق فيهم حديثه ﷺ : «الآن نغزوهم ولا يغزوننا؛ نحن نسير إليهم» (١) ؛ فتلك من علامات النبوة. ولكن الأمر أعجب حين يستعدُّ النبي ﷺ لمبادرة المشركين، ويخرج بالفعل في ذي القعدة من السنة السادسة متجهاً إلى مكة (عام الحديبية) . نعم! إن (المبادرة) نهجٌ في سيرة النبي ﷺ لمن تأمل، وهي تبدو واضحة المعالم فيما نحن بصدده من (صلح الحديبية) . والمبادرة إجمالاً ليست خروجاً من المأزق فحسب، بل إرباكاً لسياسة العدو وإحباطاً لمخططاته. وحين ملك المسلمون زمام المبادرة ـ فيما مضى ـ كانوا سادة الدنيا، وعدوّهم يتخوفهم ويحسب لهم ألف حساب، وحين فاز بالمبادرة الأعداء باتوا يفاجئون المسلمين هنا وهناك، ويصيبونهم بالنازلة تلو الأخرى؛ فهل نعي ونقدر قيمة المبادرة؟ وكيف كانت سياسته ﷺ للمباغتة؟ ٢ ـ التخطيط لمباغتة العدو: استطاع رسول الله محمد ﷺ بقوة يقينه وتوكله على الله وحسن سياسته وعميق تخطيطه أن ينجح في مباغتة عدوه: أـ فهو حين أراد الخروج للحديبية استنفر العرب كافةً للخروج، وجيّشهم للذهاب معه إلى مكة؛ حتى إذا أبطأ عليه المخلَّفون من الأعراب الذين تشاغلوا بالأهل والأموال، وظنوا ظن السوء أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، لم يتأخر رسول الله ﷺ عن مشروعه، بل خرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، كما قال ابن إسحاق (١) . ب ـ وأعلن في خروجه أنه يريد تعظيم البيت والطواف به، ولذا أحرم بالعمرة من ذي الحليفة وقلّد هديه وأشعره، ومهما استكبرت قريشٌ في رفض حقِّ المسلمين في قصد البيت الحرام؛ فالعرب عامة تنكر الصدّ عن البيت لمن قصده؛ بل وفي بعض حلفاء قريش وأتباعها متألهون يستعظمون ردّ من أشعر الهدي وقلَّده، وفي قصة بعث قريشٍ (الحُلَيْس بن علقمة الكناني) سيد الأحابيش ما يشهد لذلك، وقد تأثر بمشهد الهدي المقلّدة حين رآها وقال لقريش: «ما أرى أن يُصَدوا عن البيت» (٢) ، فردت عليه قريش بكبرياء وغطرسة: (اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك) فغضب (الحُلَيْس) وقال: يا معشر قريش! والله ما على هذا حالفناكم! أيُصدُّ عن بيت الله من جاء معظِّماً له؟ والذي نفس الحليس بيده! لَتُخَلُّنَّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرنَّ بالأحابيش نفرةً رجلٍ واحد» ، قالوا: مَهْ، كُفّ عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. وهكذا نجح رسول الله محمد ﷺ في هذه المباغتة المخطط لها في خلق أجواء المنافرة والاختلاف بين (الخصوم) وتلك واحدةٌ من آليات التخطيط لإضعاف الخصوم. ج ـ وفي سبيل التخطيط للمباغتة لم يتحرك رسول الله محمد ﷺ دون علم بواقع عدوِّه، بل كان الرصد واستنفار العيون لتكون المباغتة مدروسة، والخِطة متكاملة، والمعلومات دقيقة ومتوفرة، وقد كان؛ فمِن (ذي الحليفة) بعث (بشر بن سفيان الخزاعي) عيناً له إلى قريش ليأتيه بخبرهم (٣) . وعندما وصل المسلمون (الروحاء) (على بعد ٧٣ كيلو متراً عن المدينة) جاءه نبأ عدوٍ بـ (غَيْقَة) فبعث إليهم بعض أصحابه، وعندما وصلوا (عُسفان) (على بعد ٨٠ كيلو متراً من مكة) جاءهم سفيان بخبر قريش. وهكذا يعتمد النبي ﷺ على المعلومة والرصد الدقيق للتعرف على عدوّه، وهذا سبقٌ للمسلمين في الرصد والتحري وقيمة المعلومة في كل حال لا سيما في التعامل مع الأعداء. وفي الجملة فقد استطاع رسول الله ﷺ بمبادرته وتخطيطه أن يُحطِّم كبرياء قريش، وأن يشعرهم بقوة المسلمين؛ إذ أضحت خيلهم على مقربة من مكة، وجُنّ جنون قريش وطار صوابها، ثم تنادوا وتواصوا ألا تسمع العرب أن محمداً دخل عليهم مكة عنوة، ورضوا راغمين أن يدخلها عليهم في عام قابل. وكانت مبادرة الحديبية ـ بحق ـ مسماراً يُدَقُّ في نعش الملأ من قريش، وبداية النهاية للمستكبرين، وكانت للمسلمين مقدمة للنصر، مؤذنة بالفتوح، كيف لا وقد سماها الله فتحاً مبيناً، ثم كانت بداية لفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً، بل بوابة ومنطلقاً لفتوح أخرى. ٣ ـ التحوّط للسلامة والأخذ بالأسباب المشروعة والحربُ ليست هدفاً بذاتها: ومحمد رسول الله ﷺ مؤيَّدٌ من ربّه ولكنه مُعلِّمٌ لأمته، ولذا يحتاط في أموره ويأخذ بالأسباب المشروعة، وهو داعيةٌ للإسلام ويجنح للسلام، لا يتعطش للدماء بل يعظم ما حرم الله، ولذا نجده في صلح الحديبية يُصلي بأصحابه صلاة الخوف في عُسفان حين بلغه قرب خيل المشركين (٤) . وليتفادى الاشتباك مع المشركين سلك طريقاً وعرة عبر ثنية المرار (مهبط الحديبية) وعندما بركت ناقته القصواء في الحديبية وقال الناس: خَلأَت القصواء، قال: «ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألونني ـ يعني قريشاً ـ خُطة يعظِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» (٥) . ورغم عدوان قريش وكبريائها فقد ظل ﷺ حريصاً على إسلامهم، مفضلاً حقن الدماء بينه وبينهم، متحسراً على أكل الحرب لهم، وقد عبّر ﷺ عن ذلك كلّه بقوله: «يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب؛ ماذا عليهم لو خلُّوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون» (٦) . ٤ ـ التعامل مع الكفار، ومتى يُستعان بالمشرك؟ يحسب من لا فقه عنده أن أي تعامل مع المشركين هو في حساب التنازلات المرفوضة، وأن أي تعاونٍ مع نفر منهم هو مناقضٌ للبراءة منهم، وأن أي استجابة لمطالبهم تعد نقيصة في الدين، وضعفاً في التعامل معهم، ولكن سيرة محمد ﷺ تصحح هذا المفهوم، وفي صلح الحديبية استعان رسول الله بالمشركين، وأعلن استجابته لمطالب الكافرين؛ فكيف وقع هذا وذاك؟ لقد كان (بشر الخزاعي) عينَ رسول الله ﷺ على المشركين، وهو لم يُسلم بعدُ، بل كانت (خزاعة) عيبة نصح رسول الله (ü) (مسلمهم وكافرهم) لا يخفون عليه شيئاً كان بمكة (١) . قال ابن القيم معلقاً: وفي قصة الحديبية من الفقه أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن بشر الخزاعي كان كافراً إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو، وأخذه أخبارهم (٢) . وقال الحافظ ابن حجر معلقاً على قول (بُديل بن ورقاء الخزاعي) ناصحاً للنبي ﷺ حين خرج عام الحديبية: لقد غزوت ولا سلاح معك، فقال: لم نجئ لقتال، فتكلم أبو بكر، فقال بُديل: أنا لا أُتَّهم ولا قومي» ، قال ابن حجر: والحديث فيه جواز استنصاح بعض المعاهَدين أهل الذمة إذا دلت القرائن على نصحهم، وشهدت التجربة بإيثارهم أهل الإسلام على غيرهم، ولو كانوا من أهل دينهم، ويستفاد منه: جواز استنصاح بعض ملوك العدوّ استظهاراً على غيرهم، ولا يعدُّ ذلك من موالاة الكفار ولا موادة أعداء الله، بل من قبيل استخدامهم وتقليل شوكة جمعهم، وإنكاء بعضهم ببعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق (٣) . أما استجابته ﷺ لأي طلب من المشركين تُعظَّم فيه حرمات الله كما سبق فقد علق عليه ابن القيم ـ كذلك ـ بقوله: ومن الفوائد في صلح الحديبية أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمراً يعظمون فيه حرمةً من حرمات الله ـ تعالى ـ أجيبوا إليه وأُعطوه وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره، فيُعانون على ما فيه تعظيم حرمات الله لا على كفرهم وبغيهم، ويُمنعون مما سوى ذلك؛ فكل من التمس المعاونة على محبوبٍ لله ـ تعالى ـ مُرْضٍ له أجيب إلى ذلك كائناً من كان ما لم يترتب على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق، وقال عمر ما قال، حتى عمل له أعمالاً بعده (٤) . ٥ ـ فقه التنازلات، أم فقه الموازنات؟ ليس كل تنازل للأعداء مرفوضاً، وليست كل استجابة لمطالبهم أمراً منكَراً؛ والفقه في ذلك تحقيق أعلى المكاسب بأدنى التنازلات، والوصول إلى الخير المحبوب وإن مرّ ببوابة المبغَض المكروه، والموازنة بين المصالح والمفاسد. والمتأمل في شروط الحديبية يرى فيها الغبن والحيف ظاهرين على المسلمين من الكافرين في إملاء الشروط؛ ألم يمنعوا المسلمين من كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم) وقالوا: لا نعرف إلا رحمان اليمامة، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فرفض المسلمون وأقرها النبي ﷺ ، ثم رفضوا كتابة (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) ، وقالوا: لو نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : إني رسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله، وكانت هذه الاعتراضات منهم (حميةً جاهلية) كما أخبر الله عنهم في كتابه، وإلا فقد تحققوا صدقه ﷺ ، وأيقنوا صحة رسالته بالبراهين التي رأوها وسمعوا بها (٥) ، حتى إذا وصلوا إلى شرط: على ألا يأتيك منا رجلٌ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَدّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ وفي تلك الأثناء قدم (أبو جندل بن سهيل) يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال أبوه (سهيل) : هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، فقال النبي ﷺ : إنّا لم نقض الكتاب بعدُ، فقال سهيل: إذاً والله لا أصالحك على شيء أبداً، فقال النبي ﷺ : فأجزه لي! فرفض سهيل، ثم استصرخ أبو جندل (المسلمين) وحرّك عواطفهم قائلاً: يا معشر المسلمين! أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً، ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عُذِّب في الله عذاباً شديداً، فتأثر المسلمون، وكان عمر من أشدهم تأثراً حتى أتى النبيَّ ﷺ وقال: يا رسول الله! ألستَ نبي الله حقاً؟ قال: بلى! قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى! فقلت: علامَ نعطي الدنية في ديننا إذاً، ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟ فقال: إني رسول الله وهو ناصري، ولست أعصيه. قال ابن القيم: ومن فوائد قصة الحديبية: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شرٌّ منه، ففيه دفعُ أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما (٦) . وهكذا يكون الفقه في التنازلات تحقيق المصلحة الكبرى، وإن وقع مفسدة أقل. وما أحوجنا إلى هذا الفقه! وهو الذي قال عنه ابن القيم: وهذا من أدق المواضع وأصعبها، وأشقها على النفس (٧) . نعم! إن رفض الآخر سهلٌ، والقطع بعدم التفهم والتعاون مع المخالفين لا يحتاج مزيد فقه، ولكن هل يحقق الخير المطلوب، وهل ينكأ العدو، وماذا يترتب عليه من المفاسد؟ تلك قضايا لا بد من إعادة النظر فيها في تعاملنا مع أعدائنا وتحقيق المكاسب لإسلامنا على هدي السيرة النبوية. أما رسول الله محمدٌ ﷺ ؛ فقد استسهل ما استصعبه غيره من المسلمين، وكان ينظر بنور الله إلى ما وراءه من الفتح العظيم، وقد كان، فحصل له العزّ حين صدق وانكسر لله، وذلّ غيرُه وقُهِرَ حيث طغى واستكبر (١) . ٦ - اتهام النفس والرأي: كم نزكي أنفسنا والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وكم نصحح مواقفنا ونُخطِّئ غيرنا؛ وأحد الصحابة (سهل ابن حنيف، ﵁ يقول حين قدم من (صِفِّين) : اتَّهِموا الرأي؛ فلقد رأيتُني يوم أبي جندل (الحديبية) ولو أستطيع أن أردّ على رسول الله ﷺ أمره لرددت، واللهُ ورسولُه أعلم (٢) . إن حق المسلم أن يجتهد في رأيه، ولكن مع تقدير آراء الآخرين، وليس بالضرورة أن يكون اجتهاده هو الحق، بل قد يكون الحقّ مع مخالفيه، ولذا ينبغي ألا يشتط المسلم على إخوانه المسلمين، إن خالفوه الرأي، بل ينبغي أن يعود إلى نفسه ويتهمها، وليست القوة بالمعارضة أبداً، ولا يعني أن المسلم الموافق لغيره ضعيفٌ جبانٌ. وفي تباين موقف الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ في شروط الصلح ما يؤكد هذا؛ فعمر تأثر للشروط وعارض، وأبو بكر سلّم ورضي، وكان أقوى من غيره إيماناً وتسليماً؛ حتى قال ابن القيم: والصّدِّيق تلقَّاه بالرضى والتسليم حتى كان قلبه على قلب رسول الله ﷺ ، وذلك يدل على أنه أفضل الصحابة وأكملهم وأعرفهم بالله ـ تعالى ـ ورسول الله ﷺ ، وأعلمهم بدينه وأقومهم بمحابِّه وأشدهم موافقة له (٣) . أجل لقد انبلج الصبح، وأصبح الصلح فتحاً، والغبن في الظاهر نصراً مبيناً، وعاد عمر إلى نفسه يؤنبها حتى كان يصوم ويتصدق ليكفِّر عما سلف منه، وهل كانت منك إلا غيرة على الإسلام يا ابن الخطاب؟ لكنه فهم ـ بعدُ ـ وفهم غيره من الصحابة أن الغيرة ينبغي أن تكون في مكانها، وإن اتهام النفس وارد، وإن التنازل إذا حقق مكاسب عليا فهو السياسة الشرعية والسنة النبوية التي ينبغي أن تقتفى، بل لقد أكرم الله المؤمنين بالنصر العزيز والسكينة المطمئنة كما أخبر في سورة الفتح. قال ابن القيم: وتأمل كيف وصف ـ سبحانه ـ النصر بأنه عزيزٌ في هذا الموطن، ثم ذكر إنزال السكينة في قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب وقلقت أشدّ القلق، في أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيماناً إلى إيمانهم (٤) . ٧ ـ استثمار الفرص وتحييد الأعداء: تحيُّن الفرصة المناسبة نجاح، والنجاح الأكبر استثمار الفرص المتاحة لمصلحة الإسلام والمسلمين، والمتأمل في سياق (قصة الحديبية) يرى أن النبي ﷺ بارعٌ ومتفوق في استثمار الفرص، فلم يكن نجاحه في (شروط الحديبية) ليقف عند حدود (اعتراف) المشركين بالمسلمين كقوة كبرى تستحق أن يُفاوض معها، وتُهادن بعد أن كانت قريش تَغيرُ عليها متى شاءت، والعهد قريب بغزوة (الأحزاب) ، بل تجاوزت نجاحات النبي ﷺ ذلك إلى (تحييد) قريش في معترك الصراع القائم آنذاك، وكبّلت قريش نفسها بهذه (المعاهدة) فلا تفكرُ بحرب المسلمين على الأقل (عشر سنين) وكان هذا نجاحاً وعمقاً في سياسة محمد ﷺ ؛ وربما خفي على بعض أصحابه. والنجاح الأكبر والاستثمار الأعظم هو استثمار النبي ﷺ لهذه الفرصة (الهدنة) وذاك (التحييد) ؛ فثمة خصوم آخرون لا بد من الالتفات إليهم والخلاص منهم، وثمة فرصٌ للدعوة لدين الحق هذا أوانها وميدانها، وقد كان. ففي الجانب الحربي غزا النبي ﷺ (اليهود) في (خيبر) وأدّبهم، وغنم أموالهم وعقد الصلح معهم، وفي الجانب السلمي تقدمت (الدعوة) خطواتٍ في أرض الحجاز وما حولها، ودخل في دين الله ـ زمن الهدنة ـ أضعاف ما دخل من قبل. وعن هذه المكاسب الدعوية يقول الزهري ﵀: «فما فُتح في الإسلام فتحٌ قبله (صلح الحديبية) كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس؛ فلما كانت الهدنة ووُضعت الحرب، وآمن الناسُ بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يُكلَّم أحدٌ بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر» ا. هـ. قال ابن هشام: «والدليل على قول الزهري أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ـ في قول جابر ـ ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف» (٥) . قال ابن القيم: «ومن حكم الصلح أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح؛ فإن الناس أمن بعضهم بعضاً، واختلط المسلمون بالكفار وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختلطاً بالإسلام (١) . لقد كان رسول الله ﷺ قادراً على استثمار الفرص؛ وفي صلح الحديبية درس عظيم للمسلمين للحوار والدعوة واستثمار الفرص، وتحييد الأعداء وإسماع صوت الإسلام لمن يسمع. ٨ ـ المستضعفون الأقوياء: لا ينبغي لأحد أن يغترَّ بقوته، ولا ينبغي لمستضعف حيناً أن يظنَّ أن استضعافه إلى الأبد، وفي قصة الحديبية استقوى الضعفاء، بل كانوا سبباً لتراجع قريشٍ عن شروطها، ولقد كان أبو بصير (عُتبة بن أسيد الثقفي) وأبو جندل (ابن سهيل بن عمرو) و (الوليد بن الوليد بن المغيرة) نفراً من هؤلاء المستضعفين بمكة (٢) . فماذا كان من خبر قائدهم (أبي بصير) ؟ لقد فرَّ إلى النبي ﷺ في المدينة بعد توقيع الصلح مع قريش، فأرسلت قريش في طلبه، وما كان للنبي ﷺ بدٌّ من إرجاعه وإن أبدى للنبي ﷺ تخوُّفه من فتنة المشركين وعذابهم، واكتفى الرسول ﷺ بالقول له: «اصبر واحتسب؛ فإن الله جاعلٌ لك فرجاً ومخرجاً» . وخرج أبو بصير مع صاحبيه ليعود إلى مكة؛ فما جاوز المدينة بقليل ـ قيل: عند ذي الحليفة ـ حتى قَتَلَ أحد الرجلين، وفرّ الآخر هائماً على وجهه مستصرخاً بالنبي ﷺ فزعاً؛ إلى حد أنه كان يعدو عاضّاً على أسفل ثوبه، وقد بدا طرف ذَكَرِه، والحصا يطير من تحت قدميه من شدة عَدْوِه، وأبو بصير يتبعه (٣) . وحينها قال النبي ﷺ لأبي بصير: «ويلَ أمه! مِسْعَرُ حرب لو كان له أحد» ففهم أبو بصير هذه الرسالة، وانطلق إلى الساحل حتى نزل إلى (العيص) (على طريق أهل مكة إذا قصدوا الشام) ثم انضمّ إليه كل من فرّ من قريش من مستضعفي المسلمين بمكة، وشكّلوا هناك قوةً وخطراً على تجارة قريش، وهم خارج إطار الصلح حتى ضاقت قريش بهم، وطلبت من النبي ﷺ أن يُلغي الشرط الخاص بمن قدم إليه من المسلمين وأن يستقبل هؤلاء. وهكذا تقوّى هؤلاء الضعفاء بصدقهم وتضحيتهم وصبرهم وجهادهم، حتى كتب الرسول ﷺ لهم بالقدوم عليه في المدينة ففرحوا، ولكن قائد المجاهدين أبا بصير لم تكتمل فرحته ولم يُقَدَّر له أن يلتقي بالنبي ﷺ بعد أن خرج من المدينة؛ إذ جاءه كتاب النبي ﷺ وأبو بصير يموت (كما تقول الرواية) فمات وكتاب رسول الله في يده، فدفنه أبو جندل في مكانه، وقدم أصحابه الآخرون إلى المدينة. وكذلك يقوى الضعفاء، ويضعف الأقوياء، والله غالب على أمره. قال الزهري: فعلم الذين كانوا أشاروا بأن لا يسلَّم أبو جندل إلى أبيه أن طاعة رسول الله ﷺ خيرٌ مما كرهوا (٤) . قال ابن القيم: وفي هذا من الفوائد جواز صُلح الكفار على ردّ من جاء منهم إلى المسلمين، وأن لا يرد من ذهب من المسلمين إليهم، هذا في غير النساء، وأما النساء فلا يجوز اشتراط ردِّهن إلى الكفار، وهذا موضع النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن، ولا سبيل إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجب (٥) . ٩ ـ العزة والثقة بنصر الله لا تفارق المؤمنين: المؤمن لا تفارقه العزّة وإن استكبر واستنكف منه المجرمون، وهو واثقٌ بنصر الله لدينه وإن كانت الغلبة في الظاهر لغير المسلمين، ورسول الله ﷺ وإن (صالح) المشركين و (هادنهم) و (لاينهم) لمصلحة وحكمة؛ فلم تفارقه (العزة) منذ خرج وحتى عاد إلى المدينة: أـ فهو حين خرج أهدى في جُملةِ هَدْيِهِ جملاً لأبي جهل في أنفه بُرَّةٌ من فضّة يغيظ به المشركين (٦) ، وفيه استحباب مغايظة أعداء الله مُستدلاً بقوله ـ تعالى ـ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ١٢٠] . ب ـ وهو حين بعث عثمان ﵁ إلى قريش كان من جُملة مهامه التي أوصاه بها أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين، ونساءً مؤمنات ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله مظهر دينه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإيمان، وأن الفرج قريب، فأعلمهم عثمان بذلك (٧) . ج ـ وحين أشيع أن عثمان ﵁ قُتل دعا المؤمنين معه إلى (البيعة) وكانت (بيعة الرضوان) على الجهاد والصبر وعدم الفرار، بل ورد أنها على الموت، والجمعُ وارد بين هذه العبارات (٨) ، وكانت هذه البيعة منه ﷺ ومن المؤمنين نصرة وعزة وانتصاراً لكرامة المسلم المظلوم، وإذلالاً ومعاقبة للظالم المعتدي، وقد رضي الله عن البيعة والمبايعين بنص القرآن الكريم، وما أحوجنا في زمننا المعاصر إلى معرفةِ حق المسلمِ ونصرته إذا اعتُدي عليه. د ـ ومن قبل الصلح وبعده لم يفارق رسول الله ﷺ ثقته بنصرة الله لدينه وإظهاره على الدين كله، وتلك مهمة لا بد أن تُستحضر في نفوس المفاوضين والمحاورين؛ فالحوار شيء والثقة بنصر الله شيء آخر، لا تعارض ولا تضاد بينهما. أجل لقد أنزل الله فيما أنزل في سورة (الفتح) : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨] ؛ فقد تكفّل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، وفي هذا تقويةً لقلوب المؤمنين وبشارة لهم وتثبيت، وأن يكونوا على ثقة من هذا الوعد الذي لا بد أن يُنجزه، فلا تظن أن ما وقع من الإغماض والقهر (يوم الحديبية) نصرة لعدوه، ولا تخلٍّ عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحق، ووعده أن يُظهره على كل دين سواه؟ (١) . ١٠ ـ حبل الإسلام ومودته أقوى من مودة القربى: ما عرفت الدنيا رابطةً أقوى من رابطة العقيدة، ولا نسباً أعظم من نسب الإسلام، والذين جمعهم الإسلام مع رسول الله محمدٍ ﷺ كانوا يمثلون قبائل شتى، ولكنهم في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد، وكانوا مع رسول الله ﷺ على التقدير والتضحية بما لم تبلغه بلاطات الملوك والأمراء والعظماء؛ ذلك الذي اعترف به (عروة بن مسعود) حين قدم في الحديبية على النبي ﷺ ، وصحح فهمه الخاطئ حين قال للنبي ﷺ ـ في البداية ـ: أيْ محمد! أرأيت لو استأصلتَ قومك! هل سمعت بأحدٍ من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى (يعني الهزيمة على النبي ﷺ ) فوالله! إني لأرى وجوهاً، وأرى أوشاباً من الناس خليقاً أن يفرُّوا ويدعوك. وهنا احتملت الغيرة أبا بكر ﵁ إذ تولى الرد على عروة فقال: امْصُصْ بَظْرَ اللات، أنحن نفرُّ عنه وندعه؟ و (البَظْر) قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة، وكانت عادة العرب الشتم بها، لكن بلفظ (الأم) ، فأراد أبو بكر المبالغة في سبِّ (عروة) بإقامة من كان يعبد مقام أمه؛ وذلك أن عروة نسب المسلمين إلى الفرار. قال ابن حجر: وفيه جواز النطق بما يُستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق. وقال ابن المنير: وفي ذلك تخسيسٌ للعدو، وتكذيبهم وتعريض بإلزامهم من قولهم: إن اللات بنتُ الله ـ تعالى الله عن ذلك ـ ا. هـ. وكم أنت عظيم يا أبا بكر: إن تكلمت فأنت شجاع، وإن سكتَّ فأنت راضٍ مسلِّم لأمر الله. وفقه القصة (إجمالاً) كما قال الحافظ ابن حجر: أن العادة جرت أن الجيوش المجمّعة لا يؤمَن عليها الفرار؛ بخلاف من كان من قبيلةٍ واحدة؛ فإنهم يأنفون الفرار عادة، وما درى عروة أن مودة الإسلام أعظم من مودة القرابة، وقد ظهر له ذلك من مبالغة المسلمين في تعظيم النبي ﷺ (٢) . وفي التنزيل: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ، ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ﴾ [الفتح: ٢٩] . ١١ ـ مفهوم القوة والضعف والمسامحة والشدّة: الحدَّة والشِّدة والعنف والتشنج ليست بلوازم للقوة، والمسامحة والمهادنة، والتعقّل والمداراة ليست مؤشراتٍ للضعف، والأمور تختلف بأحوالها، والناجح من وظّف الموقف المناسب في الوقت المناسب؛ فليس الشديد بالصّرعة، وإن من البيان لسِحراً، وإذا لم يكن إلا الأسنة مركباً فما حيلة المضطر إلا ركوبها، والمداراة من أخلاق المؤمنين، والمداهنة سِيما المنافقين. ومن تأمل هديه ﷺ ومواقفه في (الحديبية) وجدها محققة للغرض، وإن غلب عليها المسامحة والمفاهمة، ولذا قال العلماء بجواز بعض المسامحة في أمر الدين واحتمال الضيم ما لم يكن قادحاً في أصله؛ إذ تعين ذلك طريقاً للسلامة في الحال والصلاح في المآل، سواء كان ذلك في حال ضعف المسلمين أو قوتهم، وأن التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال، بل عليه التسليم؛ لأن المتبوع أعرفُ بمآل الأمور غالباً بكثرة التجربة، ولا سيما مع من هو مؤيدٌ بالوحي (٣) . كم نحتاج إلى هذه القاعدة التي فصّلها الحافظ ابن حجر، وحدد فيها هدف المسامحة في الدين، ووقتها، وضوابطها، وموقف التابع والمتبوع منها. وكم نحتاج قبل ذلك إلى الوقوف على نصوص الوحيين لمعرفة مفهوم الحق للقوة وأثرها، والواقع يشهد أن قوةً أدبيةً ومرافعة منطقية قد يستجيب ويخضع لها الخصوم، ولجاجاً ومهارشة وحُمقاً قد يتنافر منه الأقربون. وإذا كان في (الرمي) قوةٌ؛ ففي برهان (الحجة) قوةٌ أخرى، والقوة المثمرة في استخدام أي منها عند الحاجة إليها، كما تثمر المسامحة أو الشدة إذا وضعتا في موضعهما. ١٢ ـ روائع للثبات على الحق، ونموذج لخذلان الباطل: إنهما نموذجان مختلفان: نموذج الثبات على الحق رغم المكاره، ونموذج السقوط للباطل رغم الكبرياء. يمثل النموذجَ الأولَ أولئك الصحابةُ الذين أوذوا وعُذبوا بمكة؛ فلما حانت فرصة (الحديبية) خرجوا ليتنفسوا الحرية مع المسلمين، ولكن شروط الحديبية حالت بينهم وبين ما يشتهون، ولو كان عندهم أدنى شك في الدين لقال قائلهم، ها قد فعلنا الأسباب وصبرنا حتى عجزنا عن العذاب، أفنُرَدُّ مرة أخرى إلى الفتنة والأذى؟ ولكن الثبات على الحق والعزيمة على الرشد جعلت أمثال (أبي جندل، وأبي بصير) يفكرون تفكيراً آخر لا يخلصهم مما هم في من محنة؛ لا، بل يجبر قريشاً على أن تعيد حساباتها ـ وقد كان كما في تفصيل قصتهما ـ. أما النموذج المقابل فسيدته قريش ممثلة بزعيمها آنذاك (أبي سفيان) الذي هُرع إلى المدينة يستعطف رسول الله ﷺ في استقدام أبي بصير والمؤمنين معه؛ حيث ألحقوا بتجارة قريش الأذى، وهزّوا اقتصادها، وأخافوا أتباعها. ألا إن في مسارعة قريش لنقض شرط ردّ من جاء إليه مسلماً من مكة عبرة لكل طاغية يقف في طريق الإسلام وهو يحسب أنه قادر على الصدِّ عن دين الله، ونور الله نافذ وشريعته ماضية إلى يوم القيامة. إنهما نموذجان مختلفان كاختلاف الحق عن الباطل، وتباين المسلم عن الكافر. ورغم شجاعة العرب في الجاهلية؛ فما شهدت هذا اللون من الشجاعة إلا بعد أن شعَّ نورُ الإسلام؛ حيث تجاوز رابطة القبيلة وحدود الوطن إلى فضاء أرحب وقيم أعلى. ١٣ ـ ولتكون آية للمؤمنين: لا شك أن الله كان يحوط المؤمنين ويدافع عنهم، وهو الذي نصرهم ومكّن لهم، وجعل لهم من (عقد الحديبية) فتحاً مبيناً، وإلا فقد تعرضوا لخطر الأعداء، وكانت آيةً من الله؛ إذ كفّ الناس عنهم كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠] . فقيل: أيدي (أهل مكة) أن يقاتلوهم، وقيل أيدي اليهود حتى همُّوا بأن يغتالوا مَنْ (بالمدينة) بعد خروج رسول الله ﷺ بمن معه من الصحابة منها، وقيل: هم أهل (خيبر) وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرهم من أسد وغطفان. قال ابن القيم: «والصحيح تناول الآية للجميع» (١) . وقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠] ، أي ولتكون هزيمتهم وسلامتكم آيةً للمؤمنين، فيعلموا أن الله يحرسهم في مشهدهم ومغيبهم ـ قاله القرطبي (٢) . وقال ابن القيم: قيل هذه الفعلة التي فعلها بكم وهي كفُّ أيدي أعدائكم عنكم مع كثرتهم؛ فإنهم كانوا ـ أهل مكة ومَنْ حولها، وأهل خيبر ومَنْ حولها، وأَسَدٌ وغطفان، وجمهور قبائل العرب ـ أعداءً لهم، وهم بينهم كالشّامة، فلم يصلوا إليهم بسوء؛ فمن آياته ـ سبحانه ـ كفُّ أيدي أعدائهم عنهم، وتولي حراستهم وحفظهم في مشهدهم ومغيبهم (٣) . وفي المقابل كانت آية؛ إذ كفّ الله المسلمين عن دخول مكة؛ إذ حبس الناقة حابس الفيل، ولو دخل الصحابة ـ حينها ـ مكة، ثم صدّتهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء، ونهب الأموال، لكن سبق في علم الله أنه سيدخل في الإسلام خلقٌ منهم، ويستخرج من أصلابهم ناس يُسلمون ويجاهدون؛ هذا فضلاً عن أنهم لو دخلوا مكة حينها لما أُمن أن يُصاب أناسٌ من المؤمنين المستضعفين من الرجال والنساء والولدان بغير قصد، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥] . إنها حكم باهرات وآيات بينات، والله يحكم ما يشاء وهو العليم الحكيم، وكما يكون في القتال من حكم ومصالح يكون في السّلم أحياناً حكم ومصالح. ١٤ ـ الفأل والظن الحسن: كان ﷺ يعجبه الفأل ويكره الطيرة والتشاؤم، وكان كذلك يحسن الظنّ بمن لا يُعهد منه السوء، وكذلك ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بنبيهم؛ إذ الفأل يدفع للأمام، ويشحذ الهمم، والظنّ الحسن يُريح الصدور، وهو مؤشر إلى سلامة القلب. قال ابن القيم ﵀: ومن فوائد (قصة الحديبية) استحباب التفاؤل، وأنه ليس من الطِّيَرة المكروهة لقول النبي ﷺ لما جاء (سهيل) : «سَهُل أمركم» (٤) . أما حسن الظن فيظهر في تعامله ﷺ مع مقولة المسلمين للناقة: (خلأت القصواء) ، وقوله ـ دفاعاً عنها، وتبريراً لحالها ـ: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلُق، ولكن حبسها حابسُ الفيل» . قال العلماء: وفي ذلك جواز الحكم على الشيء بما عُرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، فإذ وقع من شخص هفوة لا يُعهد منه مثلها لا يُنسب إليها، ويرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله (٥) . ما أحوجنا إلى هذا الأدب في حسن الظن والتعامل مع الأخطاء مع البشر إنه لا يعني التغفيل لكنه حسن ظن، وإقالةٌ للعثرة، وتغلبٌ للخير والمحاسن على الشرِّ والقبائح، ولو أُسقط كلُّ أحدٍ بخطأ وقع فيه لما بقي أحدٌ صالحاً للاعتبار، فلنترفق بإخواننا وبأنفسنا، ولنحفظ حبل الودّ بيننا، وليكن حسن الظن أصلاً راسخاً في علاقاتنا وتعاملنا؛ فذاك يسهم في وحدتنا، ولا يدع مجالاً للشيطان للتحريش بيننا، ولا يعني ذلك بحال ترك المناصحة؛ فالمؤمن مرآة أخيه، والمؤمنون نَصَحة، لكن هذا شيءٌ، ومحاولة الإسقاط وتصيُّد الأخطاء شيء آخر. ١٥ ـ بشارات الحديبية: صدق المؤمنون في الحديبية ـ مع ربِّهم ـ فتوالت عليهم نعمه، وتتابعت عليهم البشائر. أجل! لقد رضي الله عن المبايعين تحت الشجرة، وأخبر عن إنزال السكينة على رسوله وعلى المؤمنين، وأنهم أحق الناس بكلمة التقوى، وأنهم أهل لها، غُفر لأهل الحديبية بخبر الذي لا ينطق عن الهوى: «كلكم مغفورٌ له إلا صاحب الجمل الأحمر» (١) . قيل: إن صاحب الجمل الأحمر ـ الجدُّ بن قيس، وقيل رجل من بني ضُمرة (٢) . وشهد النبي ﷺ بأنهم «خير أهل الأرض» (٣) ، وبشَّرهم بالنجاة من النار: «لا يدخل النار ـ إن شاء الله ـ من أصحاب الشجرة أحدُ الذين بايعوا تحتها» (٤) . ووعدهم الله مغانم كثيرةً يأخذونها، فعجّل لهم منها ما عجل، وكفّ أيدي المشركين عنهم، فُتِحَتْ خيبر، وخُضِدَتْ شوكة اليهود، وامتدت الدعوة في الجزيرة، وانتشر الإسلام، ووصل صوته عالياً إلى الأمم والملوك والرؤساء، ثم تحقق الوعد وجاءت قمة البشائر ودخل المسلمون مكة، واطَّوَّفوا ـ آمنين ـ في البيت الحرام ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . نعم لقد كان تأجيل دخولهم مكة لحكمة يعلمها الله (فعلم ما لم تعلموا) فلم يُرِد الله أن يدخل المسلمون مكة، وسيوفهم مصلتة على رؤوسهم، ولا يريد الله أن يدخلوا مكة وبعضهم يحمل السلاح وبعضهم يطوف. لا يريد الله ـ في هذه المرحلة ـ أن تقع معركة بين المسلمين وأهل مكة، بل اقتضت حكمته سبحانه ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧] ، ودخل المسلمون مكة في (عمرة القضاء) آمنين، وإن رغمت أنوف المشركين، واكتحلت عيونهم وقرَّت قلوبهم بالبيت الحرام بعد طول صد وغياب. وكذلك يفلح الصابرون، وينتصر الصادقون، وكلما صدق المسلمون مع ربّهم هيأ لهم من أسباب النصر ما لم يحتسبوا، وأثابهم من الرحمات والبركات فوق ما تصوروا، وفتح لهم من البشائر وأنواع النصر ما به يُسَرون ويفرحون؛ كيف لا؛ وربُّنا عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، وبيده بركات السماء والأرض، وخزائنه ملأى، وهو ذو الفضل العظيم. ألا إن الإيمان مفتاح الخيرات والبركات ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض﴾ [الأعراف: ٩٦] ، وبالإيمان يتحقق الأمن والهدى ويسود الإخاء ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] ؛ فهل يا ترى يبحث المسلمون عن ضالتهم المنشودة، أم تراهم يتخبطون في الظلم والظلمات والضياع والشتات، وأنَّى لهم أن يُنصروا؟ ١٦ ـ بين خوف الأخيار وتحكيم الآراء والأهواء: المتأمل في قصة عمر بن الخطاب ﵁ وموقفه (يوم الحديبية) يرى نموذجاً لخوف الأخيار؛ فهو حين تأثر لظاهر شروط الصلح، وراجع النبي ﷺ ثم راجع أبا بكر ﵁ إنما حملته الغيرة لدين الله ومحارمه، ومع ذلك وحين تبين له أن الخير فيما اختاره الله لرسوله ﷺ ، وكان هذا الصلح فتحاً مبيناً ـ كما أنزل القرآن ـ حينها تأثَّر عمر ـ مرة أخرى ـ وخاف أن يلحقه شيءٌ من الإثم، فعوّض عن ذلك بعمل الصالحات كما قال: «فما زلت أصوم وأتصدق، وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيراً» (٥) . وهكذا يحاسب الأخيار أنفسهم ـ على الدوام ـ ويرون الخطأ اليسير كالجبل العظيم، ولا يزالون يستغفرون ويعملون من الطاعات ما يرونه مُكفِّراً لأخطائهم، أما أهل السوء والغفلة فقد يعملون كالجبال من السيئات، ثم لا يتوبون ولا هم يذَّكَّرون، وفرقٌ بين القلوب الحية ومن قست قلوبهم. أما الدرس الآخر (في القصة نفسها) فينبِّه إلى أهمية طاعة الله ورسوله والانقياد للشرع وإن خالف الهوى. قال العلماء: لا يخفى ما في هذه القصة من وجوب طاعته والانقياد لأمره ولو خالف ظاهر ذلك مقتضى القياس، أو كرهته النفوس، فيجب على كل مكلفٍ أن يعتقد أن الخير فيما أمر به، وأنه عين الصلاح المتضمن لسعادة الدنيا والآخرة، وأنه جارٍ على أتم الوجوه وأكملها؛ غير أن أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته وعاقبة أمره (٦) . ولابن القيم ﵀ كلامٌ نفيسٌ في آثار تحكيم العقول والآراء على الوحي، ومما قاله: «وكلُّ من له مُسكةٌ من عقلٍ يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ في تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمةٍ إلا فسد أمرها أتمَّ فساد؛ فلا إله إلا الله كم نُفي بهذه الآراء من حق وأثبت بها من باطل، وأُميت بها من هدى، وأحيي بها من ضلالة، وكم هُدم بها من مَعقِل الإيمان، وعُمر بها من دينِ الشيطان..» (٧) . ١٧ ـ رُخص الحديبية: الله ـ تعالى ـ أرحم بعباده من أنفسهم، ومن رحمته بالمسلمين تشريع أحكام فيها تخفيف ورحمة ورفع للحرج والمشقة عنهم، وفي الحديبية شرع كثيرٌ من الأحكام التي كانت رحمةً للمسلمين في الحديبية وللمسلمين من بعدهم عامة، ومن ذلك: ١ - صلاة الخوف: فقد ثبت صلاة المسلمين لها في (عُسفان) زمن الحديبية، بل جزم بعض أهل العلم ـ كابن القيم ـ أن أول صلاة للخوف كانت في (عُسفان) (٨) . ٢ - وشُرعت في الحديبية (الفدية) لمن ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام، كما في قصة كعب بن عجرة ﵁، وأنزل الله الرخصة له وللمسلمين من بعده في قوله: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وحديث كعب (متفق عليه) (١) . ٣ - كما شرع فيها التحلُّل للمُحصَر، وأنه لا يلزمه القضاء. ٤ - وفي الحديبية شُرعت رخصة الصلاة في الرحال في حال المطر. قال أبو المُليح: قال لي أبي (أسامة بن عمير الهذلي) ﵁: «لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وأصابتنا سماء لم تبلَّ أسأفل نعالِنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ : صلُّوا في رحالكم» (٢) . ٥ - وفي الحديبية ـ وقيل تكرر في غيرها ـ شُرع قضاء الصلاة الفائتة بالنوم أو النسيان عند ذكرها؛ فعن ابن مسعود ﵁ قال: «أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فقال رسول الله ﷺ : من يكلؤنا (أي يحرسنا) فقال بلالٌ: أنا، فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ النبيُّ ﷺ فقال: افعلوا كما كنتم تفعلون، قال: ففعلنا، قال: فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي» (٣) . وهذه الحادثة فيها رخصة لمن اجتهد واحتاط للصلاة، ثم غلبه النوم، أو أدركه النسيان، وليس فيها حُجة للكسالى والمفرطين والذين هم عن صلاتهم ساهون. هذه بعض رخص الله للمسلمين في الحديبية، واستمرت من بعدهم، وهي سمةٌ من سمات هذا الدين العظيم كما قال ربنا ﵎: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . ١٨ ـ البيعة المرضية، وأعظم الفتوح، والثبات على الحق: لقد أثنى الله على المؤمنين الذين بايعوا تحت الشجرة (يوم الحديبية) وسميت بيعتهم (بيعة الرضوان) ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] . وكان الصحابة الذين شهدوها يعدونها (فتحاً) ؛ ففي صحيح البخاري من حديث البراء ﵁ قال: «تعدُّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعدُّ الفتح (بيعة الرضوان) يوم الحديبية» (٤) . قال ابن حجر: الفتح مترتب على الصلح حين وقع الأمن ورفع الحرب، وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك كما وقع لخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص وغيرهما، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضاً إلى أن كمُل الفتح (٥) . كما كان الرسول ﷺ والمسلمون يعدُّون (صلح الحديبية) (أعظم الفتوح) جاء ذلك في رواية موسى بن عقبة عن الزهري، والبيهقي عن عروة، قال: «أقبل النبي ﷺ راجعاً، فقال رجل من أصحابه، ما هذا بفتح؛ لقد صدونا عن البيت وصُدَّ هَدْيُنا، وردّ رسول الله ﷺ رجلين من المؤمنين كانا خرجا إليه، فبلغه ذلك ﷺ فقال: بئس الكلام، بل هو (أعظم الفتوح) قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا، وأظفركم الله عليهم، وردكم سالمين مأجورين؛ فهو (أعظم الفتوح) أنسيتم يوم (أُحُد) إذ تُصعِدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أُخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب؛ إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون؟ فقال المسلمون: صدق الله ورسوله هو (أعظم الفتوح) والله! يا نبي الله! ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا. أما روائع (البيعة) وصدق (المبايعين) فهي قمم في الصدق والتضحية، وأحدُ المبايعين، بل أولهم (أبو سنان الأسدي ﵁ يُبايع رسول الله ﷺ على ما في نفسه ﷺ : «الفتح، أو الشهادة» (٦) ، ثم يتتابع المسلمون ويبايعون على بيعة (أبي سنان) (٧) ، وآخر من المبايعين (سلمة بن الأكوع ﵁ بايع رسول الله ﷺ ثلاث مرات في أول الناس ووسطهم وآخرهم (كما رواه مسلم) وهذا مؤشر آخر للصدق والتضحية والثبات. وثمة مؤشر مُهم لهذه البيعة في الثبات على الحق حتى الممات، ويد الله فوق أيديهم، وأثرُ هذه البيعة ينبغي أن يمتد في لاحق الزمن (ثباتاً على الحق، وتضحيةً لهذا الدين) . وبقي رجال الحديبية على العهد، ولم ينكث منهم أحد، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم يقرؤون ما نزل بشأنهم من القرآن ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] . ألا وإن في الحديبية درساً في الثبات على الحق يوازي الصدق في الجهاد والتضحية في سبيل الله (٨) . وبالجملة: كانت بيعة على الصبر والجهاد والثبات، وعدم الفرار، ويكفي المبايعين أن الله زكاهم ورضي عنهم، وعلم ما في قلوبهم فأنزل عليهم السكينة والفتح. ١٩ ـ المنافقون وصلح الحديبية: هل كان مع رسول الله ﷺ في الحديبية منافقون؟ وماذا عن موقف المنافقين الذين لم يخرجوا مع رسول الله ﷺ في الحديبية؟ جاء في صحيح مسلم عن جابر ﵁: كنا (يوم الحديبية) أربع عشرة مائة، فبايعناه، غير جدِّ بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره (٩) . وعن جابر: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجد رجلاً منا يقال له الجدّ بن قيس مختبئاً تحت إبط بعيره (٠١) . وعند ابن إسحاق عن جابر قال: ولم يتخلف عنه ﷺ أحدٌ من المسلمين حضرها (البيعة) إلا الجدّ ابن قيس (أخو بني سلمة) ، قال جابر: واللهِ لكأني انظر إليه لاصقاً بإبط ناقته، قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس (١١) . قال الغضبان: وقد أثنى الله ـ تعالى ـ على المؤمنين يوم بايعوا، وسجّل واقعُ هذا الصف مخالفةً واحدة للجد بن قيس الذي اختفى هارباً من البيعة، ومختبئاً في ظل بطن ناقته (١) . قال ابن سعد: أظهر (الجد بن قيس) الإسلام، وغزا مع رسول الله ﷺ غزوات وكان منافقاً (٢) . وقال ابن عبد البر (في ترجمة الجد بن قيس) : كان ممن يغمَصُ عليه النفاق من أصحاب رسول الله ﷺ ، وساق حديث جابر: بايعنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية على ألا نفر كلنا إلا الجد بن قيس اختبأ تحت بطن ناقته، ثم قال (ابن عبد البر) : وفي حديث أبي قتادة عنه ما هو أسْمَج من هذا في الحديبية. ثم قال في آخر ترجمته: وقد قيل: إنه تاب فحسنت توبته. والله أعلم (٣) . وأياً ما كان الأمر؛ فقد أشارت سورة (الفتح) إلى (تعذيب) المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، بعد سياق (فضله) على المؤمنين والمؤمنات، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٦ - ٧] . قال القرطبي: (ويعذب المنافقين والمنافقات) أي بإيصال الهموم إليهم بسبب علوِّ كلمة المسلمين. ثم أورد الرواية التالية: وقيل: لما جرى صلح الحديبية قال (ابن أُبَيّ) : أيظن محمدٌ أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها لا يبقى له عدوّ؟ فأين فارس والروم؟ فبين الله أن جنود السموات والأرض أكثر من فارس والروم (٤) . إلا أن المنافقين شجى في حلوق المسلمين ـ في كل زمان ومكان ـ يغيظهم ما يسرُّ المؤمنين، ويُسَرون لمصاب المسلمين، ويبطئون إذا حزب الأمر، ويفرحون إذا انتصر الأعداء عليهم، قاتل الله المنافقين أنى يؤفكون، ألا فليُحذروا؛ فهم العدو كما أخبر الله، وإذا سُرَّ كلُّ أحد بنصر المسلمين على الكافرين بقي المنافقون وحدهم ـ داخل الصف الإسلامي ـ قلقين متحسرين ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] . ٢٠ ـ مُعاهدة طائفة من المسلمين لا يلزم بها غيرهم: قال ابن القيم ﵀: ومن فوائد صلح الحديبية أن المُعاهَدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم، ولم يتحيزوا إلى الإمام، لم يجب على الإمام دفعهم عنهم، ومنعهم منهم وسواءٌ دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين المشركين لم يكن عهداً بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهدٌ جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم، ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى شيخ الإسلام في نصارى مَلَطْية وسبيهم مستدلاً بقصة أبي بصير مع المشركين (٥) . ٢١ ـ المشورة وتثمين رأي المرأة: المسلمون أمرهم شورى بينهم، والسيرة النبوية وعاءٌ حافظ لمشورة النبي ﷺ لأصحابه، وفي الحديبية استشار النبي ﷺ المسلمين أكثر من مرة، ولم تقف مشورته عند حدود الرجال، بل استشار النساء، وأخذ برأي (أمِّ سلمة) ﵂ في المبادرة بحلْق نفسه حين أبطأ الناس عليه بالحلق؛ فلما رأوه فعل حلقوا وتحللوا، بل كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً (٦) ، وفي رواية ابن إسحاق قالت أم سلمة: يا رسول الله! لا تكلم؛ فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح. وعلَّق ابن حجر على ذلك بقوله: فيه فضل المشورة.. وجواز مشاورة المرأة الفاضلة، وفضل أم سلمة ووفور عقلها (٧) . كم نعتزّ بآرائنا ونقصر الأمور المهمة عن مشورة غيرنا. والمشورة تسديد للرأي واستفادة من عقول الآخرين، وفتح للمغلق وتبصير للمتردد، وإذا شاور المؤيد من السماء فغيره بالمشورة أوْلى، وكذلك تستشار المرأة وتشير في عظائم الأمور ـ في زمن النبوة ـ ثم تتغير الأحوال وتتقاصر الهمم (بشأن المرأة) حتى يستفتي الناس: هل تقود السيارة، أم لا؟ وكأنه لم يبق من قضايا المرأة إلا هذه؟ وخلاصة القول أن الحديبية بوقفاتها وفقهها تُعلمنا أن النصر مع الصبر، وأن العاقبة للتقوى والمتقين، وأن عروش الظالمين تتهاوى، وحمية الجاهلية تبطل وتخيب وأن المستضعفين يتقوون ـ إذا صبروا واتقوا ـ وأن الأقوياء يضعفون إذا طغوا وتجبروا. تعلمنا الحديبية كيف نبادر ونغتنم الفرص وننشر دين الله، وتؤكد لنا أن جولة الباطل ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة، وتعلمنا الحديبية أن على المسلمين أن يوحدوا صفهم ويتشاوروا بينهم، وأن لا تكون المعركة بينهم؛ فتلك هي المصيبة والحالقة، والمستفيد الوحيد أعداؤهم. تعلمنا الحديبية ألا نيأس ونقنط، بل نتفاءل ونستبشر، وألا تحجبنا اللحظة الحاضرة عن المستقبل المشرق، وتعلمنا كيف ننقاد للشرع ونتهم الرأي، كما ترشدنا إلى الثبات على الحق، وكيف يكون خوف الأخيار. تعلمنا كيف نوازن بين المصالح والمفاسد، ومتى وكيف نتحمل وبأي ثمن ضِيم الأعداء، وكيف نُحيّدهم ونفرق جمعهم، ونستثمر الفرص، ونخطط ونحتاط ونستفيد من كل طاقة دون هدر واختراق. تلك وقفات وقفتها حول (صلح الحديبية) أسأل الله أن ينفعني بها والمسلمين. وهكذا ينبغي أن تقرأ سيرة النبي ﵊، ويستخرج منها الفقه والدروس والعبر، وألا تقطع الأمة عن ماضيها المشرق؛ فهو رصيدٌ ضخم لانطلاقتها وهو موجهٌ أمين لمسيرتها، اللهم هيئ للمسلمين من أمرهم رشداً، وانصرهم على عدوك وعدوهم، وأقر عيونهم بنصر الإسلام، وعزة المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 5127

وقفه مع الثقة بالنفس فوز بنت عبد اللطيف كردي الدعوة إلى الثقة بالنفس ... جُملة جميلة برّاقة. كلمات يرسم لها الخيال في الذهن صورة خلابة ظلالها بهيجة، تعال معي ـ أيها القارئ الكريم ـ نتأمل جمالها: إنها صورة ذلك الإنسان الذي يمشي بخطوات ثابتة وجنان مطمئن. إنها صورة ذلك الصامد في وجه أعاصير الفتن. إنها صورة ذلك المبتسم المتفائل برغم الصعاب. إنها صورة ذلك الذي يجيد النهوض بعد أي كبوة. إنها صورة ذلك الذي يمشي نحو هدفه لا يتلفت ولا يتردد. ما أجملها من صورة! لذلك تجد الدعوة إلى «الثقة بالنفس» منطلقاً لترويج كثير من التطبيقات والتدريبات؛ فكل أحد يطمح في أن يمتلكها، وكل أحد يود لو يغيّر واقع حياته عليها. ولكن قف معي لحظة وتأمل هذه النصوص: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] . ﴿وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] . ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] . ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . وتفكّر معي في معاني هذه الدعوات المشروعة: اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمك. أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي. اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك فإنك تعلم ولا أعلم. اللهم لا حول ولا قوة لي إلا بك. اللهم إني أبرأ من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك. اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي. اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك فأَهْلَك. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. ألا ترى معي ـ أيها القارئ الكريم ـ أن النفس التي تتربى على هذه النصوص تعترف بعجزها وفقرها، وتُقرّ بضعفها وذلها، ولكنها لا تقف عند حدود هذا الاعتراف فتعجز وتُحبط وتكسل، وإنما تطلب قوّتها من ربها، وتسعى وتعمل وتتذلل لمن بـ «كن» يهبها القدرة على ما يريد، ويُلين لها الحديد، ويعطيها فوق المزيد. هذه ـ يا أحبة ـ هي طريقة الإسلام في التعامل مع النفس، والترقي بها، وتتلخص في: ـ تعريفها بحقيقتها؛ فقد خلقها الله من عدم، وجبلها على ضعف، وفطرها على النقص والاحتياج والفقر إليه. ـ دلالتها على المنهج الذي يرفعها من هذا الضعف والفقر جُبلت عليه، لتكون برغم صفاتها هذه أكرم خلق الله أجمعين! إنه تكريم تتجاوز به مكانة من خلقهم ربهم من نور، وجبلهم على الطاعة، ونقّاهم من كل خطيئة «الملائكة الأبرار» ! ـ تذكيرها بعَدُوِّها الذي يريد إضلالها عن طريق الله المستقيم بتزيين طرق غواية تشتبه به، وتحذيرها من اتباعه، وبيان طرق مراغمته. إنه منهج تعترف فيه النفس بفقرها وذلها إلى الله، وتتبرأ من حولها وقوتها، وتطلب من مولاها عونه وقوته وتوفيقه وتسديده، فيعطيها ﷻ ، ويكرمها ويُعليها. منهج تعترف فيه بضعفها واحتياجها، وتستعين فيه بخالقها ليغنيها ويعطيها، ويقيها شر ما جبلها عليه؛ فيقبلها ويهديها، ويسددها ويرضيها. منهج تتخذ فيه النفس أهبة الاستعداد لعدوها المتربص بها ليغويها؛ فتستعيذ بربها منه، وتدفع شر ذلك العدو بما شرع لها؛ فإذا كيده ضعيف، وإذا قدراته مدحورة عن عباد الله المخلصين؛ فقد أعاذهم ربهم وكفاهم وحماهم وهو مولاهم؛ فنعم المولى، ونعم النصير! إنه منهج يضاد منهج قارون: ﴿إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: ٧٨] . إنه منهج ينابذ منهج الأبرص والأقرع: «إنما ملكته كابراً عن كابر» . إنه منهج يتبرأ صاحبه أن يكون خصيماً مبيناً لربه الذي خلقه ورباه بنعمه، أو ينازعه عظمته وكبرياءه. إنه منهج لا يتوافق مع مذهب «القوة» الذي يقول زعيمه «نيتشه» : سنخرج الرجل السوبرمان الذي لا يحتاج لفكرة الإله! إنه منهج يصادم (الثيوصوفي وليام جيمس) ومذهبه البراجماتي، ومطبقي فكرة باندلر وجرندر، ومن بعدهم، وإبراهيم الفقي: «أنا أستطيع.... أنا قادر.... أنا غني ... أنا أجلب قدري ... » . تأمل هذا ـ أيها القارئ الكريم ـ ولا يشتبه عليك قول الله : ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ فقد جاء بعدها ﴿إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ؛ فمنه يستمد العلو، وبدوام الإلحاح والطلب منه تحقق الرفعة. احذر ـ أخي ـ ولا يشتبه عليك قول الرسول المصطفى ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» ؛ فالمؤمن القوي ليس قوياً من عند نفسه، ولا بمقومات شخصيته، ولا بتدريباته وبرمجته للاوعي! وإنما هو قوي لاستعانته بربه، وافتقاره إليه وتذلله بين يديه، وثقته في موعوداته الحقة. تأمل كلمات القوة من موسى ﵇ أمام البحر والعدو وراءه: ﴿كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] .. لم يثق بنفسه وقد أُعطي ﵊ من المعجزات وخوارق العادات ما أعطي! وإنما كانت ثقته بتوكله على الذي يستطيع أن يجعله فوق الإمكانات البشرية، بل يجعل لعصاه الخشبية قدرات لا يستطيعها أساطين الطقوس السحرية. تأمل ـ أخي الكريم ـ هذه الكلمات النبوية «استعن بالله ولا تعجزن» . إنها كلمات الحبيب ﷺ يربي أمته على منهج الإيجابية والفاعلية، ليس على طريقة أهل البرمجة اللغوية العصبية. لم يقل: تخيل قدرات نفسك. لم يقل: أيقظ العملاق الذي في داخلك وأطلقه. لم يقل: نوّم الواعي وخاطب اللاواعي لديك برسائل إيجابية، وبرمجْهُ برمجةً وهمية؛ وإنما دعاك ﵊ إلى الطريقة الربانية، وخاطبك مخاطبة عقلية بعبارات إيمانية «استعن بالله ولا تعجزن» . فاستعن به وتوكل عليه، ولا تعجزن بالنظر إلى قدراتك وإمكاناتك؛ فأنت بنفسك ضعيف ظلوم جهول، وأنت بالله عزيز، أنت بالله قادر، أنت بالله غني. ومن هذا الوجه، ومن منطلق فهم معاني العبودية وفقه النصوص الشرعية قال الشيخ الكريم والعلاَّمة الجليل بكر أبو زيد ـ حفظه الله ـ في كتابه «المناهي اللفظية» : إن لفظة الثقة بالنفس لفظة غير شرعية ووراءها مخالفة عقدية. فيا أخا الإسلام! إن رجوت ـ في زمان تخلُّف عامٍّ يعصف بالأمة ـ رفعة وعزة ونهضة وإيجابية. وإن أردت قدرات اتصال وتواصل ـ على الرغم من الصعاب ـ بفاعلية. وإن رغبت في نقض الإحباط عنك، والتطلع إلى الحياة بنظرة استشرافية تفاؤلية؛ فعليك بمنهج العبودية على المنهاج المحمدي، ودع عنك طريقة (باندلر وجرندر) الإلحادية؛ فوراءها فلسفة ثيوصوفية، وثقة وهمية ممزوجة بطقوس سحرية، وقدرات تميّز مادية تشهد على إخفاقها فضائحهم الأخلاقية، ومرافعاتهم القضائية التي ملأت سيرتهم الذاتية. فحذار من هذه التبعية إلى جحر الضب الذي حذرك منه قدوتك ﷺ ، وحذارِ من استبدال الطريقة الربانية بتقنيات البرمجة اللغوية العصبية وتهويماتها؛ فإنها من حيل إبليس الشيطانية وتزيينه للفلسفات الإلحادية؛ لتتكل على نفسك الضعيفة وقدراتك المحدودة فيكلك لها رب البرية، ويمدك في غيِّك بحصول نتائج وقتية، وشعور وهمي حتى تنسى الافتقار إليه الذي هو لب العبودية؛ فتحرم من السعادة الحقة التي تغنّى بها من وجدها، وبيَّن أسباب حيازتها فقال: ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي وأن صيّرت أحمد لي نبيا

стр. 5128

الثقة بالأشخاص ضلال د. عبد العزيز بن عبد اللطيف ما قال أبو الوفاء ابن عقيل هذه العبارة إلا عن دراية ومعرفة بطرائق المخالفين من المتكلمة والمتصوفة؛ فقد جرّب «الكلام» وخَبَر «التصوف» ، فقال: «أنا أنصح بحكم العلم والتجارب: إياك أن تتبع شيخاً يقتدي بنفسه، ولا يكون له إمام يُعزى إليه ما يدعوك إليه، ويتصل ذلك بشيخ إلى شيخ إلى السفير ﷺ ، اللهَ اللهَ؛ الثقة بالأشخاص ضلال، والركون إلى الآراء ابتداع» (١) . ورحم الله إمام دار الهجرة مالك بن أنس القائل: «ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ » . والناظر إلى حالنا يلحظ أن الاسترسال في العاطفة والانسياق في محبة أشخاص أوقع ـ وبلسان الحال ـ في غلو وتقديس لأولئك الأشخاص، كما أن بعضهم بلا قيد ولا زمام أعقبه بغي وعدوان كما هو مشاهد. فإذا تعيّن علينا اتباع الحق والدليل فلا يسوغ العدول عنه لرأي إمام نحبّه، أو متبوع نجلّه، وفي المقابل لا نجعل من زلة العالم أو كبوة المتبوع مسوغاً لظلمه والنيل منه. وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الوسطية بعبارة بليغة فقال: «إن الرجل العظيم في العلم والدين قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين. ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه، بل في برّه وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد. ومن سلك طريق الاعتدال عظَّم من يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيُحمد ويُذم، ويُثاب ويُعاقب، ويحبّ من وجه، ويبغض من وجه» (٢) . فالواجب أن نقبل الصواب من كل شخص، وأن نتجنب الباطل مهما كان قائله، فلقد كان الصحابي الجليل معاذ بن جبل ﵁ لا يجلس مجلساً للذكر إلا قال حين يجلس: «واحذروا زيغة الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فاقبلوا الحق فإن على الحق نوراً، فقالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال: هي كلمة تنكرونها منه وتقولون: ما هذه؟ فلا يثنيكم؛ فإنه يوشك أن يفيء، ويراجع بعض ما تعرفون» (١) . وأمر آخر ينبغي الاهتمام به ـ لا سيما في هذه الأيام ـ وهو ما قد يقع من مزالق وزلات لبعض المنتسبين للعلم الشرعي؛ فالواجب على سائر العلماء وطلاب العلم أن يعمدوا إلى مناصحة هؤلاء وتبيين الحق والصواب، وتذكيرهم بالوقوف بين يدي الجبار ﷻ فلا بد من الاحتساب عليهم والأخذ على أيديهم، وكما قال ابن تيمية: «يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟» (٢) . وما قد يمارسه بعض المنتقدين من قسوة و «إسقاط» لأولئك لا يجرنا إلى المداهنة أو التغاضي عن مآخذهم. ومن الاحتساب أن يقال عن طائفة منهم ـ مثلاً ـ لا تأخذوا بفتاويهم في باب الولاء والبراء لما غلب على تلك الآراء من تفريط وإضاعة لهذا الأصل العظيم، وقد يُنتفع بفتاويهم في أمور أخرى، أو أن يقال: لا تأخذوا بفتاوى ـ طائفة أخرى ـ في موضوع الحكم والسياسة لما استحوذ على آرائهم من تقديس وتسويغ للولاة، ووضع الآصار والتشديد على الرعية، ويمكن أن يقال ـ تارة ثالثة ـ: لا تأخذوا بفتاوى فلان في المعاملات المصرفية؛ إما لتساهله في مسائل الربا، أو لتشديد ومنع لا يستند إلى دليل. وهذا الشأن مسلك قال به أئمة السلف؛ حيث قال الأوزاعي: «من أخذ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في الصرف، وبقول أهل المدينة في الغناء فقد جمع الشر كله» (٣) . وقال عبد الله بن المبارك: «لا تأخذوا عن أهل مكة في الصرف شيئاً، ولا عن أهل المدينة في الغناء شيئاً» (٤) . وذلك أن أهل الكوفة عُرفوا بإباحة النبيذ ـ من غير العنب مما يسكر كغيره ـ كما أن أهل مكة أجازوا الصرف؛ فمنهم من أجاز ربا الفضل، كما عُرف بعض أهل المدينة بالترخص في الغناء. أحسب أن هذا «التبعض» يحصل به التوسط والعدل، فيُنتفع بحسنات القوم، وتُجتنب عثراتهم. وأمر ثالث من الأهمية بمكان وهو مراعاة قاعدة المصالح والمفاسد، ومعرفة مراتب الانحراف والشرور وتفاوت الأحوال؛ فقد تجد ـ مثلاً ـ من يتصدر منبراً إعلامياً كالقنوات الفضائية، أو منبراً دعوياً كالمساجد والمؤسسات وقد يتكلم في مسائل دينية برأيه دون أثارة من علم أو دليل، فيعقب ذلك شرور ومفاسد، وقد ينتفع به أقوام تمكّن منهم الجهل وغاب عنهم العلم، فهؤلاء الأقوام حصل لهم خير وصواب لا ينفك عن شوائب، ولا شك أن هذا الصواب المقترن بما يعكر عليه خير من باطل لا صواب فيه.. وأما من أغناهم الله ـ تعالى ـ عن تلك المنابر والمواقع؛ لأجل ما في برامجهم من خير محض وصواب لا تشوبه تلك الشوائب فهم في عافية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوكُ الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدَث لعدم القائم بالطريق المشروعة علماً وعملاً؛ فإذا لم يحصل النور الصافي بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقي الإنسان في الظلمة فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة، إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدلَ عن ذلك يخرج عن النور بالكلية» (٥) . ويقول في ـ موضع آخر ـ: «وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على أيديهم خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفاراً، وكذلك كثير من الأحاديث الضعيفة قد يسمعها قوم فينتقلون بها إلى خير مما كانوا عليه وإن كانت كذباً» (٦) . ويقول أيضاً: «والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة.. ليقدِّم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو دونه، ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإن لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدين لم يعرف أحكام الله في عباده» (٧) . فنسأل الله - تعالى - أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن نقول الحق في الغضب والرضا. وبالله التوفيق.

стр. 5129

ذو القعدة - ١٤٢٥هـ ديسمبر / يناير - ٢٠٠٤م (السنة: ١٩)

стр. 5130

من تطاول أهل الأهواء ..! التحرير الاستهداف الأمريكي للعمل الخيري الإسلامي يزداد يوماً بعد آخر، وهو جزء من الحملة على الإسلام ومؤسساته الفكرية والدعوية والخيرية. وعلى الرغم من أن التهم الكثيرة التي أثيرت في وسائل الإعلام الغربية لم تسندها الأدلة المادية، إلا أن سياسة الاستعلاء والضربات الاستباقية هي القانون الذي يسيطر على مجريات المعادلة الغربية في الآونة الأخيرة. المستفيد الأول من هذه الحملة: المنظمات التنصيرية والإرساليات الكنسية، التي استثمرت غياب المؤسسات الإسلامية، وقامت بدور تنصيري واسع النطاق، وربما تكون أزمة دارفور في السودان من أبرز الأمثلة الصارخة في هذا المجال..! الجدير بالإشارة ها هنا: أن الغرب الذي يلاحق العمل الخيري، ويصادر حقوقه، ويطالب بإغلاق مؤسساته، لا يتردد في تقديم شتى أنواع الدعم (لمؤسسات النفع العام) في بلادنا الإسلامية، التي تسعى لتغريب الأمة ومسخ هويتها، كالمؤسسات النسوية والاستشارية ونحوها من المؤسسات المشبوهة. أسوأ ما في هذه الحملة: أنَّ جمعاً من أهل الأهواء من بني جلدتنا ممَّن شَرِقَت حلوقهم بالإنجازات الكبيرة للمؤسسات الخيرية الإسلامية استثمروا المناخ العالمي المتوتر، وراحوا يكيلون التهم جزافاً، ويثيرون الشبهات، بأسلوب تحريضي رخيص، يفتقد إلى النزاهة والصدقية، دون أدنى اعتبار للحقائق والوقائع الثابتة. وحال كثير من هؤلاء كحال أولئك القوم الذين قال فيهم ربنا : ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] . الحقيقة التي تغيب عن هؤلاء وأولئك: أنَّ العمل الخيري لا يمكن أن تُقطع جذوره باستعلاء غربي، أو تطاول من أهل الأهواء؛ فذلك جزء رئيس من المكونات العقدية والتربوية الضاربة بأطنابها المتجذرة في هذه الأمة، ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] .

стр. 5131

الفلوجة ... معركة الحراب والمحراب التحرير بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد بدأت معركة الفلوجة ولم تنته.. ولن تنتهي، لماذا؟ لأن أي معركة لكي تضع أوزارها لا بد من أن ينهزم أحد طرفيها وينتصر الآخر، أو يتصالحان؛ وهذا لم يحدث في الفلوجة؛ فالمقاومة انتصرت حتى قبل أن تبدأ المعركة، لكن في المقابل قوات الاحتلال لا تعترف بالهزيمة، وتستعيض بتدمير المباني التي يختبئ داخلها الإنسان ـ وهو عمل سهل ـ عن تدمير المعاني التي تختبئ داخل الإنسان ـ وهو مطلب عسير ـ وهنا تكمن المفارقة في معنى النصر والهزيمة لدى الفريقين. وعند هذه المرحلة التي وصلت إليها الحرب لم يعد كافياً التحدث بلغة الأرقام التي فقدت جانباً كبيراً من مصداقيتها مع تعدد الجهات المتحدثة بها واختلافها ومع طول المعركة، ومن ثم نقدم هذه الرؤية الاستراتيجية لثلاثة محاور مؤثرة في معركة الفلوجة التاريخية. - مستقبل المقاومة العراقية: المقاومة ضد المحتل لها طابع خاص يختلف عن سواها من المعارك الحربية؛ فهي حالة من الرفض والعداء لوجود الاحتلال الأجنبي، وانتصار المقاومة يحدث بمجرد بقائها واستمرارها، ولا يشترط لذلك تحقيقها لانتصارات عسكرية متواصلة، لكن المقاومة في العراق نجحت في تحقيق الأمرين، كما تفوقت في أمر ثالث أيضاً، وهو: دفع الاحتلال إلى خوض معركة أرقام مع المقاومة. وبعبارة أخرى: أصبحت قوات الاحتلال تخوض المعركة الخطأ في التوقيت الخطأ، كيف؟ حدث ذلك لتداعيات كثيرة أبرزها أن الحملة الأمريكية على الفلوجة أفضل دعاية لكي يُسارع العراقيون السُّنة للانضمام إلى المقاومة، ومنها أن الفلوجة تحولت إلى ميدان تدريب كبير لكي يكتسب فيه المقاتلون قدرات قتالية عالية، ومنها أن الفلوجة تحولت إلى ميدان أكثر ملاءمة لممارسة أسلوب الكر والفر في القتال. ويقول الخبير الاستراتيجي السويسري (ألبرت شتاهل) : «إن مدينة مدمرة تتيح مجالاً جيداً لاختباء فصائل المقاومة، وتدبير شراك وكمائن ضد قوات الاحتلال» . ومنها أن الاحتلال خاض المعركة لكي يكرس لإقامة الانتخابات في يناير القادم، فانتهى الحال إلى طلب تأجيلها ستة أشهر كاملة، ومنها أن أغلب من كان متردداً من العرب السُّنة في المشاركة الانتخابية أصبح موقفه الآن واضحاً وهو عدم المشاركة. وبدلاً من تدمير المقاومة؛ فإن الجهد العسكري الأمريكي يدفع في نهاية الأمر إلى انتعاشها، وتلك حقيقة يغفل عنها الأمريكيون. إن المقاومة تتنفس بنضالها وقتالها؛ وإن كانت هجمات المقاومة على الأمريكيين شهيقاً لها؛ فإن هجمات الأمريكيين على المقاومة زفيرُ أنفاسها، ومن غير شهيق وزفير لن تتنفس المقاومة ولن تعيش. وقد يصعب على بعض الناس استيعاب هذه الحقائق، ولذلك نسوق لهم شهادة أمريكية من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وهو مؤسسة بحثية لها مكانتها، وقد أصدر المعهد في سبتمبر الماضي وتحديداً قبل معركة الفلوجة تقريراً يُقوِّم فيه أداء المقاومة وتطورها ومستقبلها، وانتهى التقرير الأمريكي إلى أنها أحرزت تقدماً هائلاً على كافة الأصعدة، فذكر أنها تتجه إلى أن تكون موحدة تحت نوع من القيادة الجماعية، ويلتف أغلبها حول رجال الدين، وأنها أصبحت تمتلك قدرة على إدارة عمليات متواصلة ومستمرة بدلاً من الهجمات المتفرقة، وقدَّرت عدد المدن التي شهدت عمليات المقاومة بـ ٤٣ مدينة، وعدد المقاومين بـ ٢٠ ألف مقاتل. وعلى الجانب الآخر، أكد التقرير الأمريكي نجاح المقاومة في فرض أوضاع جديدة على قوات الاحتلال؛ فقد دفعت إلى تغيير وتسريع خطط الانتشار العسكري، وأخرجت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية من العراق، وأضعفت مساحة الدول المختلفة من قوات التحالف، وأرغمت الحكومة العراقية على تخصيص موارد كبرى للدفاع عن نفسها، وفي النهاية طرح التقرير ستة أسئلة ذكر أن الإجابة عنها ستعطي تحديداً دقيقاً لوضع المقاومة الحالي ومستقبلها، وتناولت الأسئلة: حجم المقاومة، درجة التنظيم التي تتمتع بها، المساحات التي تسيطر عليها، مدى تحسين قدرات المقاومة، قدرتها على الاستجابة للظروف المتغيرة، قدرتها على فرض تغييرات محددة على سياسات التحالف أو الحكومة العراقية، وكانت المفاجأة أن تقرير معهد واشنطن منح المقاومة العراقية علامات إيجابية على الأسئلة الستة، وهو أمر لن يرضي قطعاً الإدارة الأمريكية. - الأداء العسكري الأمريكي: هناك ظاهرة ملحوظة في الأداء العسكري الأمريكي ـ وأيضاً الإسرائيلي ـ وهي أن عجزهم عن تحقيق النصر يدفعهم عادة إلى ممارسة القتل بطريقة جنونية، ثم لا يقدرون على شيء بعد ذلك فينسحبون. فبعد سنوات طويلة من الإخفاق في فيتنام، شنت قوات الاحتلال على الثوار هجوماً ضارياً وهو ما أصبح يعرف بـ (معركة هوي) ، وكانت مذبحة كبرى ارتكبها الجنود الأمريكيون، ثم لم يلبثوا أن انسحبوا تماماً من فيتنام. الأداء نفسه مارسته القوات الإسرائيلية في مدينة جنين بالضفة الغربية، كان الهجوم وحشياً كاسحاً وتدميراً لكل ما هو على سطح الأرض، ثم ماذا بعد؟ انسحبت تجر أذيال الخيبة، ولم تلبث المدينة أن تعافت، على الأقل في ثبات أهلها وبسالتهم. ويقول الصحفي الإسرائيلي (عوفر شيلح) من صحيفة يديعوت أحرونوت: «إن الجنود كانوا يعلمون أن المهمة غير ممكنة، فكانوا يستعيضون عن إخفاقهم بممارسة القتل من أجل القتل فقط» . وهذا ما يحدث الآن في العراق؛ فالجنود الأمريكيون يمارسون القتل من أجل القتل فقط؛ فكل ما حولهم يوحي لهم بالإخفاق وعدم الجدوى، والشيء الوحيد الذي يستطيعونه لتفريغ الكبت الذي يعانون منه أن يقتلوا المزيد من العراقيين. يتحدث الجندي الأمريكي (جيمي ماسي) أنه قتل في يومين فقط أثناء خدمته في إحدى نقاط التفتيش في العراق نحو ثلاثين عراقياً بين رجل وامرأة وطفل، وكلهم لم يكونوا يحملون أي سلاح. ويروي الكابتن (روبرت بوريس) قائد سرية دبابات في الفلوجة بفخر للصحفيين: «أطلقنا قذائف الدبابات على المساجد، قُتل كثيرون، واعتقلنا عشرات في المساجد» . هذا يعني أن الظاهرة التي احتاجت سنوات طويلة لتظهر في فيتنام، بدأت في الظهور في العراق بعد أشهر قليلة من بدء الغزو؛ فهل يعني ذلك أن الانسحاب الأمريكي من العراق قد اقترب؟ - الصمت العربي والدولي: ونبدأ بالصمت الدولي، أو بالأحرى صمت الدول الغربية، فنقول: إنه في حقيقته ليس صمتاً.. نعم! قد يكون صمتهم عِيّاً باعتبار المبادئ التي زخرفوها لنا ليخدعونا بها، ولكن صمتهم بلاغة باعتبار حقيقة نواياهم وثقافتهم الاستعمارية التي وإن أبلت السنون غلافها الخارجي، فإنها لا تزال تتقد في عقولهم وقلوبهم، ويشتد أُوارها بما يرونه من حرق واحتراق بحراب كفارهم في محراب مؤمنينا. أما صمت العِيّ العربي فلا تفسير له، وسقوط مئة ألف قتيل عراقي منذ بدء الاحتلال إلى الآن لا يبدو كافياً كي تتفاعل ضمائرهم مع جوارحهم فتطلق أي رد فعل إيجابي، لكن الذي يحدث هو العكس تماماً. إن هذه دعوة للعرب كافة أن يتأملوا في معنى تدمير أكثر من نصف مساجد الفلوجة (١٢٠ مسجداً) واحتلال بعض النصف الباقي، ويسألوا أنفسهم: ماذا يعني تدمير مسجد أو احتلاله؟ إنه يعني هدم أركانه وتدنيس محرابه وتلويث جدرانه، وقبل ذلك ـ من بدهيات الموقف ـ تدنيس مئات المصاحف التي لا يخلو منها مسجد، وتمزيقها وإلقاءها على الأرض؛ وهذه لقطات لم تنقلها الكاميرا، ولكن نقلتها بوضوح لقطة الصليب المعلق فوق مدفع مصوب إلى نحور المسلمين في الفلوجة، ليخبرنا دون مواربة عن شعار المعركة.. إنها حرب بين الحِراب والمحراب.

стр. 5132

لماذا لا يجوز للمسلم أن يحتفل بالميلاد ؟ د. إلياس بلكا من مظاهر التغريب التي تنخر جسم الأمة، وتهددها في شخصيتها وتميزها، تقليد الغربيين في الاحتفال برأس السنة الميلادية ومجاراتهم في طقوس هذا الحفل.. فترى بعض المسلمين يُعِدُّون له بجد وحماس، فيتسابقون إلى محلات الحلويات لشراء كعكة الميلاد، ويزينون منازلهم بالأضواء، ويحرصون على اقتناء الشجرة المعروفة، ويهدون إلى أطفالهم لعباً نفيسة.. وربما أوهموهم أنها من «بابا نويل» ..! وقد عمّت بهذا البلوى في ديار الإسلام، وساهمت وسائل إعلامنا في نشرها.. بل أصبح فاتح السنة الميلادية النصرانية عطلة رسمية في بلاد إسلامية ليس فيها الكثير من النصارى من أهل البلد. ولا يدري هؤلاء المساكين الذين يهللون ويرقصون لمقدم السنة الجديدة أنهم ـ لو تدبروا ـ إنما يحتفلون بمضي سنة قد خُصمت من عمر قصير.. لعلَّهم لم يقوموا أثناءها بعبادة أو عمل صالح ينفعهم يوم ينادي المنادي: ﴿وَقِفُوهُمْ إنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] . - النهي عن موالاة المشركين: ولعلهم أيضاً لا يدرون أن ذلك يدخل في موالاة النصارى باتباعهم في عاداتهم، وتعظيم شعائرهم، ومشاركتهم في خصائصهم؛ وذلك منهي عنه بصريح قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] . قال ابن عطية: «نهى الله ـ تعالى ـ المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة. وحكم هذه الآية باق. وكل من أكثر مخالطة هذين الصنفين فله حظه من هذا المقت الذي تضمنه قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَإنَّهُ مِنْهُمْ﴾ . وأما معاملة اليهودي والنصراني من غير مخالطة ولا ملابسة فلا تدخل في النهي. وقد عامل رسول الله ﷺ يهودياً ورهنه درعه» (١) . وفي هذا المعنى أيضاً قال ـ جل وعلا ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] . قال القرطبي: «نهاهم الله أن يتخذوا اليهود والمشركين أولياء، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزواً ولعباً...» (٢) وذكر العلامة ابن عاشور أن «موقع هذه الجملة (يعني: إنما وليكم الله ورسوله..) موقع التعليل للنهي؛ لأن ولايتهم لله ورسوله مقررة عندهم؛ فمن كان الله وليَّه لا تكون أعداء الله أولياءه. وتفيد هذه الجملة تأكيداً للنهي عن ولاية اليهود والنصارى» (١) . فهؤلاء الذين يسخرون من ديننا لا يستحقون مودتنا؛ لأن «الذي يتخذ دين امرئ هزؤاً فقد اتخذ ذلك المتدين هزؤاً، ورمقه بعين الاحتقار... والذي يرمق بهذا الاعتبار ليس جديراً بالموالاة؛ لأن شرط الموالاة التماثل في التفكير، ولأن الاستهزاء والاستخفاف احتقار، والمودة تستدعي تعظيم المودود» (٢) . ولا يحسبنَّ المرء أن الموالاة شكل واحد هو التحالف معهم والسير في ركابهم وخدمتهم، بل الموالاة صور متعددة، كما أشار إلى ذلك الشيخ شلتوت: «ولموالاة الأعداء صور وألوان: المعونة الفكرية بالرأي والتدبير موالاة للأعداء، والمعونة المادية بالبذل والإنفاق موالاة للأعداء ... والاغترار بزخرف ثقافاتهم، وأن فيها ماء الحياة، وتوجيه النشء إليها، وغرس عظمتها في نفسه، موالاة للأعداء ... » (٣) . وهذا لا ينفي أن الموالاة درجات، وأن من مراتبها ما لا يصل إلى مستوى الكفر بحال. قال ابن عاشور: «قد اتفق علماء السنة على أن ما دون الرضا بالكفر وممالأتهم عليه ـ من الولاية ـ لا يوجب الخروج من الربقة الإسلامية، ولكنه ضلال عظيم. وهو مراتب في القوة بحسب قوة الموالاة، وباختلاف أحوال المسلمين» (٤) . والخلاصة ـ كما قال ابن تيمية ـ أن «من كان من هذه الأمة موالياً للكفار من المشركين أو أهل الكتاب ببعض أنواع الموالاة ونحوها، مثل: إتيانه أهل الباطل، واتباعهم في شيء من مقالهم وفعالهم الباطل كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك، ومثل متابعتهم في آرائهم وأعمالهم المخالفة للكتاب والسنة ... » (٥) . - فتوى قديمة في الاحتفال بالميلاد: ومن جملة هذه الأعمال التي لا يحل متابعتهم عليها وتقليدهم فيها: الاحتفال بسنة الميلاد. بهذا أفتى الفقهاء منذ قرون؛ فقد أورد الونشريسي في «موسوعته» في النوازل أنه قد «سئل أبو الأصبغ عيسى بن محمد التميلي عن ليلة يناير التي يسميها الناس الميلاد، ويجتهدون لها في الاستعداد، ويجعلونها كأحد الأعياد، ويتهادون بينهم صنوف الأطعمة، وأنواع التحف والطرف المثوبة لوجه الصلة، ويترك الرجال والنساء أعمالهم صبيحتها تعظيماً لليوم، ويعدونه رأس السنة، أترى ذلك ـ أكرمك الله ـ بدعة محرمة لا يحل لمسلم أن يفعل ذلك، ولا أن يجيب أحداً من أقاربه وأصهاره إلى شيء من ذلك الطعام الذي أعده لها، أم هو مكروه ليس بالحرام الصراح؟ فأجاب: قرأت كتابك هذا، ووقفت على ما عنه سألت، وكل ما ذكرته في كتابك فمحرم فعله عند أهل العلم، وقد رويت الأحاديث التي ذكرتها من التشديد في ذلك، ورويت أيضاً أن يحيى بن يحيى الليثي قال: لا تجوز الهدايا في الميلاد من نصراني، ولا من مسلم، ولا إجابة الدعوة فيه، ولا استعداد له، وينبغي أن يجعل كسائر الأيام. ورفع فيه حديثاً إلى النبي ﷺ أنه قال يوماً لأصحابه: «إنكم مستنزلون بين ظهراني عجم؛ فمن تشبه بهم في نيروزهم ومهرجانهم حشر معهم» (٦) . وقال الفقيه المالكي سحنون التنوخي صاحب المدونة: لا تجوز الهدايا في الميلاد من مسلم ولا نصراني، ولا إجابة الدعوة فيه ولا الاستعداد له (٧) . والحكمة من هذا النهي هي أن يحافظ المسلمون على هويتهم وشخصيتهم المستقلة، فلا يذوبوا في غيرهم من الأمم. - من مقاصد الشريعة تميز الأمة عن غيرها: ولذلك يقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» . وروي عنه أيضاً أنه قال: «ليس منَّا من تشبه بغيرنا، لا تشبَّهوا باليهود ولا بالنصارى» (٨) . قال العزيزي: قيل في زيهم، وقيل في بعض أفعالهم (٩) . والظاهر عندي أن المعنى على العموم، أي من تشبه بهم في سلوكهم وطرائق حياتهم.. مما هو خاص بهم، دال على هويتهم وشخصيتهم. فهذا الحديث ـ كما يقول ابن تيمية ـ: «أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (١٠) . ولهذا أيضاً كره بعض العلماء أن يفرد المسلم بالصيام الأيام التي يعظمها غير المسلمين.. حتى لو لم يكن إلى ذلك قاصداً. قال ابن قدامة: «ويكره إفراد يوم النيروز ويوم المهرجان بالصوم؛ لأنهما يومان يعظمهما الكفار، فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما، فكُره كيوم السبت، وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم» (١١) . وذكر ابن قدامة أيضاً أن ابن عمر كان إذا رأى الناس وما يعدُّونه لرجب كرهه، وذلك أن الجاهلية كانت تعظم هذا الشهر (١٢) . إذن؛ فمن مقاصد الدين وغاياته أن تتميز جماعة المسلمين عن الأمم الأخرى ... باعتقاداتها وشعائرها وعاداتها وأخلاقها ... وكذلك بأعيادها. - لكل أمة أعيادها: فالعيد هو شعار كل قوم أو شعب، فإذا أمكن لنا أن نستورد من أمة ما أشياء نحن بأمس الحاجة إليها، كبعض السلع والصناعات مثلاً فلا يمكن أن نستورد أيضاً أعيادها وطقوسها في الاحتفال. إن العيد ليس فقط عبارة عن تزاور وأكل وفرح، بل هو دليل على الانتماء الحضاري أو الديني، وهو يشعرك بأنك جزء من الجماعة التي تحتفل به، تفرح إذا فرحت وتحزن إذا أصيبت، ولذلك «حين زجر أبو بكر الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت عائشة صرفه عن ذلك النبي الكريم، وقال له: يا أبا بكر! إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا» (١) . لقد شرع النبي ﷺ للمجتمع الوليد الذي أسسه أعياده الخاصة به، وأسقط أيامه الجاهلية، وكان ذلك جزءاً من بناء الأمة الجديدة. يروي الحفاظ أنه حين قدم النبي المدينة وجد لأهلها يومين يلعبون فيهما، فسألهم: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال ﷺ : (إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر) (٢) . إن الناس يحتاجون إلى العيد والاحتفال؛ فتلك طبيعة بشرية قديمة، ولهذا كان الشارع حكيماً حين وضع للمسلمين أياماً خاصة يعيِّدون فيها، فيأكلون ويفرحون ويتزاورون.. وذلك إشباعاً لغريزة إنسانية هي الاحتفال بأيام استثنائية ليست كسائر أيام السنة. ولذا يجب أن نعتني أكثر بأعيادنا، ونعظمها ونستعد لها، ولا بأس أن نبدع فيها طرائق متعددة للاحتفال، كمختلف لعب الأطفال مثلاً، مما يتغير بتغير العصر والزمان. - الاحتفال بالميلاد من الزور: لقد اعتبر العلماء أن مشاركة أهل الملل الأخرى في أعيادهم نوع من الزور والباطل، واستنبطوا ذلك من وصف الله ـ تعالى ـ لعباده: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] . قال القرطبي: «أي لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه. والزور كل باطل زُوِّر وزُخرف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد. وفي رواية عن ابن عباس أنه أعياد المشركين. وقال عكرمة: لعب كان في الجاهلية يسمى بالزور» (٣) . وذكر ابن العربي أن في قوله ـ تعالى ـ: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ستة أقوال: الشرك، والكذب، وأعياد أهل الذمة، والغناء، ولعب كان في الجاهلية، والمجلس الذي يسب فيه النبي الأكرم. ثم قال القاضي معلقاً: «أما القول بأنه الكذب فهو الصحيح؛ لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع. وأما من قال: إنه أعياد أهل الذمة؛ فإنَّ فِصْحَ النصارى وسبت اليهود يذكر فيه الكفر؛ فمشاهدته مشاهدة كفر، إلا لما يقتضي ذلك من المعاني الدينية، أو على جهل من المشاهد له» (٤) . ولذلك يقول ابن تيمية: «وأما أعياد المشركين فجمعت الشبهة والشهوة والباطل، ولا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة فعاقبتها إلى ألم، فصارت زوراً، وحضورها: شهودها» (٥) . وفي أعياد الميلاد وجه آخر من الزور، وهو ما يذكره المؤرخون من أن تاريخ ميلاد عيسى ﵇ غير معروف على وجه الدقة واليقين، وإنما هو تخرص وظن. - السفر للاحتفال ... معصية أخرى: ويعظم الإثم بما يفعله بعض المسلمين اليوم من السفر إليهم في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر لمشاركة النصارى حفلاتهم، وفي هذا مفاسد أخرى: كإقرارهم على هذا الباطل، وصرف المال في ديارهم على ما لا يفيد بل يضر.. إضافة إلى ما يشوب هذه الأيام من شرب الخمور والاختلاط والرقص. والسفر عند الفقهاء ـ كأي عمل بشري ـ تجري عليه الأحكام الخمسة، ولا شك أن هذا «سفر معصية» يأثم صاحبه. ونقل ابن تيمية عن عبد الرحمن بن القاسم ـ صاحب مالك وأحد كبار المجتهدين في مذهبه ـ أنه سئل عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم؟ فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه (٦) . ولعل قارئاً يعترض عليَّ بالكتابة في هذا الموضوع «الجزئي الهامشي» ، وترك ما هو أعم وأهم ... والجواب أن التغريب يضرب بأطنابه في كل شيء، ولا يريد أن يستبقي لنا شيئاً خاصاً بنا ومن صميم حضارتنا، فهو ينفذ إلى طرائق التفكير ومناهج السلوك وأساليب العلم وأشكال تخطيط المدن وأنواع اللباس والمأكل ... حتى الأعياد التي هي شعار الأمم وأعلامها لم تنجُ من أثره. فهذا من مظاهر العولمة الضارة والغزو الفكري ... أن صارت الأعياد المسيحية تزاحم أعيادنا ... وفي عقر ديارنا ... إن من حقنا أن ندافع عن قيمنا وهويتنا في زمن أصبحت فيه حتى فرنسا تخاف على تميزها من طغيان العولمة الجارف (٧) ... وما الهوية والشخصية الذاتية إن لم تكن مجموع الدين واللغة والتقاليد والأعياد..؟ ثم أترى النصارى يشاركوننا أعيادنا..؟ إنهم ـ حتى ـ لا يعترفون بها، ويعتبرون بعضها ـ خاصة عيد الأضحى ـ نوعاً من الهمجية، وها هي الممثلة الفرنسية العجوز: بريجيت باردو تطلع على العالم عشية كل أضحى فتسب الإسلام والمسلمين، وتصفهم بالقسوة والبدائية؛ لأنهم يتقربون إلى الله ـ تعالى ـ بالذبيحة؛ فهل هانت علينا أنفسنا إلى هذا الحد؟ (*) أستاذ الدراسات الإسلامية بكلية الآداب - ظهر المهراز، بفاس. (١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، للقاضي ابن عطية، نشر وزارة الأوقاف بالرباط طبعة أولى، ١٩٧٩، ٥/١٢٦. (٢) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٨، ٦/١٤٥. (١) التحرير والتنوير من التفسير، للطاهر ابن عاشور، الدار التونسية، ٦/٢٣٩. (٢) التحرير والتنوير، ٦/٢٤١. (٣) من توجيهات الإسلام، لمحمود شلتوت، دار القلم، القاهرة، ص ٢٦٤. (٤) التحرير والتنوير، ٦/٢٣٠. (٥) مجموع الفتاوى لتقي الدين ابن تيمية، نشر المكتب السعودي بالرباط، ٢٨/٢٠١. (٦) المعيار المعرب والجامع المغرب، لأحمد الونشريسي، نشر وزارة الأوقاف بالمغرب، وطبع دار الغرب، ١٩٨١، ١١/١٥٠ ـ ١٥١. (٧) عن: المعيار، ١١/١٥٤. (٨) الحديث الأول رواه أبو داود في سننه عن ابن عمر، والطبراني في المعجم الأوسط عن حذيفة، وحسنه السيوطي كما في: الجامع الصغير بشرحه السراج المنير، ٣/٣٤٨. والثاني رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص بإسناد ضعَّفه، لكن يقويه ويشهد له غيره من الأحاديث كهذا الحديث الأول. (٩) السراج المنير شرح الجامع الصغير، لعلي العزيزي، دار الفكر، ٣/٣٤٨. (١٠) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية، دار الفكر، ص ٨٣. (١١) المغني لموفق الدين ابن قدامة، دار الفكر، ط ١، ١٩٨٤، ٣/١٠٦. (١٢) المغني، ٣/١٠٦. (١) رواه البخاري. (٢) رواه النسائي وأبو داود في السنن، وأحمد في المسند. (٣) الجامع لأحكام القرآن، ١٣/٥٤. (٤) أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي، دار الفكر، ٣/١٤٣٢. (٥) اقتضاء الصراط المستقيم، ص ١٨٣. (٦) مجموع الفتاوى، ٢٥/٣٢٦. (٧) راجع مقالة المفكر الفرنسي آلان مانك بصحيفة «لوموند» : Alain Mainc: in: le Monde, -١٣-٠١ -١٩٩٦

стр. 5133

جدار بني إسرائيل العازل وتأملات في سورة الحشر د. محمد عطا أحمد يوسف الجدار العازل الذي يقيمه شارون بن جدعون في أرض فلسطين في القرن الحادي والعشرين ليبتلع به ما تبقى من أرض الإسراء؛ ويمزق به شمل الأبرياء، ويطرد به قسراً ليس فقط خطة تطهير عرقية أو حماية الشيوخ، والأطفال، والرجال والنساء، ليس فقط خطة تطهير عرقية أو حماية أمنية وعسكرية فحسب، وإنما هو في المقام الأول استلهام شاروني لأفكار العهد القديم الذي يؤمن به؛ ففي سفر التثنية تقول كلمات العهد القديم: (وتبني حصناً على المدينة التي تعمل معك حرباً حتى تسقط) (١) أليست هذه هي فكرة الجدار الشاروني العازل الذي يتحصن خلفه اليهود من ناحية، ويحاصَر به الفلسطينيون من ناحية أخرى؟! وفي سفر القضاة ـ في العهد القديم أيضاً ـ وصف آخر للفكرة الشارونية نفسها؛ حيث جاء فيه: (بسبب المديانيين ـ أعداء اليهود ـ عمل بنو إسرائيل لأنفسهم الكهوف التي في الجبال، والمغارات والحصون) (٢) . إن النفس اليهودية لا تحيا آمنة مطمئنة إلا بحبل من الله وحبل من الناس كما جاء في القرآن الكريم في قوله ـ تعالى ـ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢] واليهود قطعوا حبل الله بما فعلوه هم وأسلافهم من قتل للأنبياء، وتحريف لكتاب الله، وتكذيب لرسله، وسيقطعون حبلهم مع الناس بما جبلوا عليه من غدر وخيانة، وأنانية، وسعي دائم للفساد والإفساد؛ ولهذا فهم يعيشون دوماً في خوف داخلي، ورعب يمتلك عليهم خلجات صدورهم. ودفعاً لهذا الشعور المتوارث في أجيالهم يلجؤون لاتخاذ الحصون المنيعة، والكهوف والمغارات، والجدر السميكة للتحصن بها والعيش في حماها. ففي العصور القديمة كان يهود بني قينقناع، وبني قريظة، وبني النضير يتفاخرون على قبائل الجزيرة العربية بأنهم أرباب الحصون المنيعة؛ وحصون يهود خيبر لا يزال صدى ذكراها يتردد عند الشعراء وأهل السير حتى يومنا هذا (٣) . وفي العصور الوسطى كان اليهود في روسيا هم أصحاب الأحياء المحصنة التي تجمعهم ويسمونها (الغيتو) لا يدخلها سواهم، ولا يعيش فيها إلا هم (٤) . وفي القرن العشرين من العصر الحديث كان اليهود هم أصحاب خط بارليف، وبناة الجدار العنصري العازل على أرض فلسطين. وإذا كان اليهود قد استلهموا فكرة جدرهم المحصنة من كتابهم المحرف «العهد القديم» لحمايتهم وضم أرض المسلمين إلى جعبتهم، فأوْلى بنا أن نراجع كتاب ربنا الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] لأن فيه بياناً شافياً لطبيعة عدونا، ورصداً لصفات ـ الجبن والبخل والخيانة والكذب، والكفر، والخصومة، واللدد والجدال بالباطل، وغير ذلك فيهم. وهي صفات حقيقية أخبر بها الخالق ـ جل في علاه ـ في كثير من آيات القرآن الكريم، وفي رأيي أنها ثقوب حقيقية، وفجوات ربانية، جعلها الله في جسم كل حصن، وفي جسد كل جدار يشيده اليهود مهما كان صلباً أو سميكاً ليطلع المسلمون من خلالها على ما خلف هذه الجدر والحصون فيعرفوا طبيعة عدوهم، وينفذوا منها إلى مواطن الضعف في صفوفه. وقد ذخرت سورة الحشر ببيان كثير من هذه الثقوب والفجوات التي يجب على المسلمين دراستها وتقليب الفكر في الإفادة منها في حربهم مع اليهود أعداء الله وأعدائهم. وأول هذه الثقوب التي تحدثت عنها سورة الحشر في جدر يهود بني النضير قديماً ولا زالت في جسم الجدار الشاروني العازل حديثاً ما جاء فيها من قوله ـ تعالى ـ عن إجلاء بني النضير من أرض المدينة المنورة: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢] . إن كثيراً من المسلمين الذين كانوا يحاصرون بني النضير في عهد النبي ﷺ لإخراجهم من المدينة بعد خيانتهم له، ظنوا أنهم لن يخرجوا إلا بعد قتال عنيف بسبب حصونهم وجدرانهم الصلبة. ولا يزال هذا الظن في عصرنا الحاضر يملأ قلوب الكثير من المسلمين ويسيطر على نفوسهم ويسبب من الإحباط والهزائم النفسية ما لا يعلمه إلا الله. وفي داخل الحصون وخلف الجدر العازلة ظن اليهود من بني النضير أن أيدي المسلمين لن تصل إليهم، وأن المسلمين أمام الحصون سيصابون باليأس من النصر، وسينفضُّون راجعين (لكن الله أتاهم من داخل أنفسهم لا من داخل حصونهم، أتاهم من قلوبهم فقذف فيها الرعب، ففتحوا حصونهم بأيديهم، وقد كانوا يحسبون حساب كل شيء إلا أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم؛ فهم لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم الله منها. وهكذا حين يشاء الله أمراً يأتي من حيث يعلم ومن حيث يقدر) (١) . وكما حدث مع بني النضير قديماً سيحدث مع ذراريهم على أرض فلسطين حديثاً إن شاء الله، وسيرى جند الله المرابطون على أرض الإسراء ما سيحل آنذاك باليهود. والثقب الثاني في جدر اليهود الحصينة ـ القديمة والحديثة ـ أنهم شاقُّوا الله ورسوله أي كذبوهما. قال الله عنهم في سورة الحشر: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِىدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٤] فمشاقتهم لله ولرسوله استحقت من الله ـ سبحانه ـ أن يتوعدهم بالعقاب الشديد الذي لا يقتصر على العقاب الأخروي فقط، وإنما سيكون عقاباً دنيوياً أيضاً على أيدي المسلمين، وعقاباً أخروياً على أيدي الملائكة المقربين. والثقب الثالث في جدارهم: ما يعقده اليهود من معاهدات مع أعداء الإسلام لحرب المسلمين؛ فإن مآلها إلى زوال سريع بل إلى خيانة مؤكدة من اليهود لحلفائهم؛ لأن اليهود: ﴿كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠] ، ولأن حلفاء اليهود عادة ما يكونون إما من الكافرين أو المنافقين، وقد أظهرت سورة الحشر مصير حلف ومعاهدة بين اليهود والمنافقين، فقال ـ تعالى ـ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ﴾ [الحشر: ١١ - ١٢] . والثقب الرابع في جدار اليهود: أنهم لا يفقهون عظمة الله ولا يقدرونه حق قدره، ولا يعظمون كتبه، ولا يصدقون رسله، فاستحقوا بذلك أن يلقي في قلوبهم الخوف والفزع والخور والجبن من جند الله المسلمين، فقال ـ تعالى ـ: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣] . والثقب الخامس في جدار اليهود: وهو كشف قرآني، وإن شئت فسمِّه إعجازاً قرآنياً؛ ففي القرن الحادي والعشرين، وبعد مرور ألف وأربعمائة عام على نزول القرآن، واليهود هم اليهود كما وصفتهم سورة الحشر، وبينت تفكيرهم العسكري ونمطهم الحربي، فقال الله في آياتها: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٤] . نعم! لم يتغير التفكير العسكري اليهودي الذي وصفهم القرآن به في طريقة بقائهم وحفاظهم على عنصرهم النجس؛ فما القرى المحصنة المذكورة في الآية سوى المستوطنات الحصينة التي يحيطونها بالجدر العازلة، ومن عجب أن نجد قراءة قرآنية لقوله ـ تعالى ـ: ﴿مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ هي: (من وراء جدار) ! (٢) . وأمام هذا التفكير الحربي العتيق، وأمام هذا الاختباء، والاحتماء بالحصون والجدر كشف الله للمسلمين قديماً وحديثاً عن ثلاثة ثقوب وفجوات أخرى إضافة إلى ما سبق في جدار اليهود ونجمعها في: الثقب السادس: وهو ثقب سيهدم جدر بني إسرائيل الحصينة على رؤوسهم؛ وذلك قوله ـ تعالى ـ في سورة الحشر: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤] فاليهود وإن اشتد بأسهم على المسلمين في فلسطين في زمننا هذا فقتلوا الأطفال، وشردوا النساء والشيوخ، وزجوا بالرجال في غياهب السجون، وهدموا المنازل، وعاثوا في الأرض فساداً؛ فكل ذلك إلى حين، وإلى زمن ليس بالبعيد إن شاء الله؛ فسرعان ما سيدب بينهم الشقاق والخلاف، وسيتحول بأسهم على المسلمين إلى بأس فيما بينهم. كل هذه الثقوب والفجوات كشفها الله في جدار اليهود وحصونهم المنيعة، وأخبر بها في سورة الحشر، فاستفاد منها المسلمون قديماً، وهزموا بها يهود بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، ويهود خيبر، وحديثاً تنادي سورة الحشر وأخواتها المسلمين في شتى بقاع الأرض أن أفيقوا من سباتكم، واستردوا عزتكم، وحرروا أقصاكم، وتنادي المسلمين المرابطين من أهل فلسطين قائلة: أنتم أيها المؤمنون بالله ورسوله، المقاتلون في سبيله الباذلون للنفس والمال، والولد والزوجة والدار، أنتم وحدكم لا سواكم ستكونون يد القدرة التي ستلقي الرعب والخوف والفزع والهلع في قلوب يهود، فأبشروا ولا تيأسوا، ولا تهنوا ولا تحزنوا، وإن قلَّ حولكم النصير، وإن تشرذم غيركم وأذل نفسه لعدو الله وعدوكم، وكشفوا له ظهوركم؛ فالله وحده ناصركم، وجاعلٌ منكم عجيبة من عجائب قدرته؛ فالصبرَ الصبرَ، والثباتَ الثباتَ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] .

стр. 5134

من سنن المحدثين عند تأليف كتبهم د. علي الصياح مِن الأدبياتِ العلمية والأخلاقِ الزكيّة عِند علماءِ الحديث عَرْضُ مؤلفاتهم عَلَى مشايخهِم وأقرانهم المتميزين قبلَ إخراجها للنّاس، وهذا أمرٌ ملفتٌ لنظر القارئ في سيرهِم وأخبارهِم، فأحببتُ في هذا المقالِ القصير الإشارة إلى هذه القضية الأدبية العلمية عند المحدثين، وَجَمْع مَا مرّ عليّ ـ من غير تتبعٍ واستقصاء ـ ومن ثمَّ تلمَّس الفوائد العلمية والتربوية من هذا العرض وأثره على مؤلفات هؤلاء الأعلام الكبار. والناظر في واقعنا المعاصر يرى أنَّ التأليف والتصنيف أصبح حِمىً مستباحاً لكل من هبَّ ودبَّ من غير مراعاةٍ لتخصصٍ أو حاجةٍ أو مصلحةٍ، والعذر في ذلك دعوى التعبير وحق المشاركة؛ فرجل السياسة والفن يفتي في الأحكام الشرعية، ويحكم على الأحاديث النبوية، فضلَّ وأضلّ. والله المستعان. ولو أنَّ كلَّ من ألف طَبّقَ سنة المحدِّثين في عرض الكتب قبل إخراجها على المتخصصين وأهل الفن من أساتذته وأقرانه المتميزين لسلمنا من تبعات مُعْضلةٍ، وتفردات منكرة، واجتهادات شاذة، واختيارات غريبة. وأنبه أنَّ الحاجة لعرض الكتاب تختلف باختلاف المؤلفين والموضوعات التي يبحث فيها الكتاب؛ فإذا كان المؤلف في بداية تأليفه، أو كان الموضوع الذي يبحث فيه دقيقاً أو خطيراً أو له أثر عام في المجتمع المسلم كانت الحاجة إلى العرض أشدّ وأوْلى. وبعد: فممن وقفتُ عليه ممن عَرَضَ كتابه عَلَى مشايخهِ وأقرانهِ: ١ - الإمام البخاري: مُحمَّد بن إسماعيل الجعفيّ أبو عبد الله البخاريّ (١٩٤ ـ ٢٥٦هـ) عرض صحيحه «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه» (١) ، على جمع من مشايخه. قال أبو جعفر العقيلي (ت ٣٢٢هـ) : «لما صنّف البخاريُّ كتابَ الصحيح عَرَضَه على ابنِ المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث» . قال العقيلي: «والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة» (٢) . ٢ - والإمام مسلم بن الحجاج القُشيري أبو الحسين النَّيْسَابوريّ (٢٠٤ ـ ٢٦١ هـ) ، عرض صحيحه «المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ » (٣) ، على بعض مشايخه. قال مكيّ بنُ عبدان ـ أحد حفاظ نيسابور ـ: «سمعتُ مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي؛ فكل ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة أخرجته» (٤) . ٣ - والإمام سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني (٢٠٢ ـ ٢٧٥ هـ) عَرَضَ كتابه «السنن» على شيخه الأوَّل الإمام أحمد بن حنبل. قال الخطيب البغداديّ: «يقال: إنّه صنف كتابه السنن قديماً، وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه» (٥) . ٤ - والإمام مُحمَّد بن عيسى أبو عيسى الترمذيّ (٢٠٩- ٢٧٩هـ) عَرَضَ كتابه «الجامع» على جمعٍ من مشايخه. قال منصورٌ الخالديُّ قال أبو عيسى الترمذيُّ: «صنفتُ هذا الكتاب يعني المسند الصحيح فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به» (١) . ٥ - والإمام محمد بن يزيد بن ماجه أبو عبد الله (٢٠٩ ـ ٢٧٣هـ) عَرَضَ كتابه «السنن» على شيخه أبي زرعة الرازيّ، قال ابنُ ماجه: «عرضتُ هذه السنن على أبي زرعة الرازي فنظر فيها، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع، أو أكثرها، ثم قال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثاً مما في اسناده ضعف أو نحو ذا» (٢) . قال الذهبيّ: «قلت: قد كان ابن ماجه حافظاً ناقداً صادقاً واسع العلم، وإنما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير وقليل من الموضوعات وقول أبي زرعة ـ إن صح ـ فإنما عنى بثلاثين حديثاً الأحاديث المطَّرحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة فكثيرة لعلها نحو الألف» . وقال الحافظ ابن الملقن: «وأما سنن أبي عبد الله ابن ماجه القزويني: فلا أعلم له شرطاً، وهو أكثر السنن الأربعة ضعفاً، وفيه موضوعات، منها ما ذكره في إتيانه بحديث في فضل قزوين، لكن قال أبو زرعة فيما رويناه عنه: طالعت كتاب أبي عبد الله بن ماجه فلم أجد فيه إلا قدراً يسيراً مما فيه شيء، وذكر قدر بضعة عشر، أو كلاماً هذا معناه، وهذا الكلام من أبي زرعة ﵀ لولا أنه مروي عنه من أوجه لجزمت بعدم صحته عنه؛ فإنه غير لائق لجلالته، لا جرم أن الشيخ تقي الدين قال في الإلمام: هذا الكلام من أبي زرعة لا بد من تأويله وإخراجه عن ظاهره وحمله على وجه صحيح، وعجيب قول ابن طاهر: (حسبك من كتاب يعرض على أبي زرعة الرازي ويذكر هذا الكلام بعد إمعان النظر والنقد) ، وقوله: ولعمري إن كتاب أبي عبد الله بن ماجه من نظر فيه علم منزلة الرجل من حسن الترتيب وغزارة الأبواب وقلة الأحاديث وترك التكرار، ولا يوجد فيه من النوازل والمقاطيع والمراسيل والرواية عن المجروحين إلا هذا القدر الذي أشار إليه أبو زرعة. وروى ابن عساكر عن أبي الحسن بن بالويه قال: أبو عبد الله ابن ماجة: عرضت هذه النسخة على أبي زرعة فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع كلها أو أكثرها، ثم قال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثاً مما في إسناده ضعف، أو قال: عشرين ونحوها من الكلام، قال: وحكى عنه أنه نظر في جزء من أجزائه وكان عنده في خمسة أجزاء، قال الشيخ تقي الدين: لا بد من تأويله جزماً، ولعله أراد ذلك الجزء الذي نظر فيه أو غيره مما يصح» (٣) . وفي المسألة مناقشات ليس هذا موضع ذكرها. ٦ - والحافظ عبد الرحمن بن محمد الاستراباذي المعروف بالإدريسي (ت ٤٠٥هـ) ، قال ابنُ كثير: «وسكن سمرقند، وصنف لها تاريخاً، وَعَرَضه على الدارقطني فاستحسنه» (٤) . ٧ - والحافظ أحمد بن طاهر أبو العباس الدَّاني الأندلسيّ (٤٦٧ ـ ٥٣٢ هـ) ، قال ابنُ الأبّار: «وله تصنيف على الموطأ سماه كتاب الإيماء ضاهى به كتاب أطراف الصحيحين لأبي مسعود الدمشقي، وعرضه على شيخه أبي عليّ الصَّدَفي فاستحسنه، وأمره ببسطه فزاد فيه» (٥) . هذا ما تيسر ذكره من غير استقصاء ومن عُني بهذه المسألة فسيجد الكثير من ذلك في جميع الفنون وخاصة علم الحديث الشريف (٦) ، ولعل هذا المقال أن يكون نواة لبحث دقيق حول هذه المسألة وذيولها. ومما يُذكرُ أنّ عدداً من العلماء والفضلاء المعاصرين سلكوا هذه السنَّة المحمودة فكان لمؤلفاتهم عظيم الأثر والقبول. قلتُ: وفي ضمن عَرْض العالمِ كِتابهُ على مشايخه وأقرانه فوائد عديدة تعود على المؤلف وعلى الكتاب؛ فمن ذلك: ١ - طلب الفائدة العلمية والمنهجية التي يبديها من عُرض عليه الكتاب من المشايخ والأقران؛ فكثيرٌ من الإشكالات والأوهام تزول بعد عرض الكتاب على المتخصصين وأهل الفن والمتميزين فيه، وأحياناً يطلب من المؤلف الزيادة أو الحذف أو التقديم أو التأخير مما يضيف على الكتاب دقة وجودة، ولذا ترى أنَّ غالب الكتب الستة التي وضع لها القبول والعناية من لدن الأمة جمعاء عُرِضت على العلماء قبل إخراجها كما تقدم. ٢ - التنبه والتنبيه لما قد يقع من شذوذ وتفرد ربما يسبب جدلاً واسعاً في الأوساط العلمية مما يشغل أهل العلم في قيل وقال، وكثرة السؤال. ٣ - تربية النفس على التواضع وعدم الكبر والغرور، وعدم الاعتداد في الرأي كثيراً، وفي الغالب أنه لا يعرض أحدٌ كتابه على غيره من مشايخه وأقرانه إلاّ من تواضع وطلب الحق. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] . وقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] .

стр. 5135

سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله (١ ــ ٢) محمد بن شاكر الشريف الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ عبادة من أشرف العبادات، وعمل من أجل الأعمال لا يقوم به على وجهه الصحيح إلا أولو العزم من الرجال لما يكتنفه من مشاق ومسؤوليات وخاصة في زمان غربة الدين. والدعوة إلى الله مهمة رسل الله إلى الناس من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله ﷺ الذين جعلهم الله ـ تعالى ـ واسطة بينه وبين خلقه يبلغون عنه شرعه إليهم، ويكفي في بيان شرف هذا العمل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] أي: لا أحسن من ذلك على الإطلاق؛ لكن الدعوة عمل، والعمل لا يؤتي ثماره المرجوة منه إلا أن يؤدى على وجه من الإتقان والكمال، وهذا هو ما يحبه الله ـ تعالى ـ كما قال رسول الله ﷺ : «إن الله ـ تعالى ـ يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (١) ، والإتقان في الدعوة أجلُّ وأخطر من أي عمل آخر؛ لأن الدعوة يعوَّل عليها في تحقيق الغاية من الخلق. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فكان في عدم إتقان الدعوة والخطأ فيها سبيل من سبل الصد عن دين الله وهو ذنب جسيم. والمسلم في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ يقابل بيئات مختلفة، ويتعامل مع أصناف شتى من الناس في ظل ظروف متباينة؛ لذا كان المسلم في حاجة ماسة إلى المعرفة بسياسة الدعوة في دعوته الناس إلى دين ربهم العزيز الحميد، السياسةَ التي يكون هدفها العمل على تحقيق الغاية من الخلق بالطرق المناسبة لتحقيق الهدف في ظل مراعاة البيئات المتعددة وأصناف الناس والظروف المحيطة بالداعية والمدعو، وهذا هو الإصلاح الحقيقي الذي يعمد إلى تحقيق المقاصد الحميدة بأقصى قدر ممكن في ظل الأوضاع والظروف القائمة من غير أن تتدخل تلك الظروف أو الأوضاع فتحرف مسار المقاصد والأهداف؛ فإن السياسة الحقة هي عمل ما فيه الصلاح، ولذلك كانت دعوات الرسل جميعهم دعوة للإصلاح كما قال نبي الله شعيب عندما دعا قومه إلى توحيد الله وعبادته والالتزام بما شرعه لهم من الأحكام: ﴿إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ﴾ [هود: ٨٨] فالإصلاح هو منهج الرسل وأتباع الرسل، بعكس الإفساد الذي هو منهج المنافقين ومعارضي رسل الله رغم تبجحهم بزعم الصلاح. قال الله ـ تعالى ـ عن المنافقين: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢] . ومن هنا فإن الله ينهى عن طاعة المسرفين أصحاب الفساد في الأرض إذ يقول: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥١ - ١٥٢] . والإصلاح أمر حسن جميل تدركه النفوس بما أودع الله في فطرتها من حب الجمال والحسن؛ حتى إن الإنسان ليدركه قبل أن تصل إليه في ذلك شريعة. قال الرجل الذي هو من قوم موسى ﵇ قبل أن تأتي موسى الرسالة: ﴿إن تُرِيدُ إلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] ، ولا أحد أحسن في سلوك طريق السياسة النافعة أو الإصلاح من رسل الله الذين أرسلهم لقيادة العالمين في طريق الهداية والخير، وفي هذا المقال نستعرض بعضاً من الملامح العامة لأساليب وطرائق السياسة الشرعية التي اتبعها الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ لتكون نبراساً للدعاة يقتفون أثرها، وينهجون على منوالها؛ فمن ذلك: ١ - مراعاة الظروف المحيطة وأحوال البيئة التي تتم فيها الدعوة: فينبغي على الداعية دراسة البيئة دراسة جيدة فيعرف عادات الناس وأخلاقهم ونقاط الضعف والقوة لديهم، كما يعلم عقائدهم وعباداتهم وما يتعلق بهم، حتى تكون خطواته الدعوية متناسقة مع تلك الأوضاع للحصول على أكبر قدر من النتائج الحسنة في الدعوة، وليس معنى ذلك الانحناء أمام هذه الظروف والأحوال وجعلها تعرض نفسها أو معطياتها على الدعوة، بحيث تؤثر في مضمون الدعوة بالتغيير أو التمييع، ولكن الداعية يتصرف مع مراعاة الظروف؛ فلا هو يستسلم لهذه الظروف ولا هو يغالبها ـ إذا كانت أكبر من استطاعته - فتغلبه، ولنأخذ المثال التطبيقي على ذلك من سيرة الرسول ﷺ ؛ فعندما أوحى الله إليه ﷺ كانت البيئة المحيطة كلها بيئة شركية، فكانت مواجهته لهم في بادئ الأمر فيها نوع من المغالبة التي لا يستطيعها الإنسان بمفرده، هذا من جانب. ومن الجانب الآخر فقد يموت الداعية أو يُقتل قبل أن يتمكن من كسب أحد من الناس ليقوم بمهام الدعوة من بعده، وهذا قد يؤدي في النهاية إلى إحباط المشروع الدعوي برمته (١) ، كما أن الإذعان لهذا الواقع والاستسلام لضغوطه بحيث تكون مهمة الداعية إجراء بعض الترقيعات على الواقع والتي قد لا تؤثر كثيراً، كان في هذا أيضاً انحراف بالدعوة عن طريقها؛ فماذا فعل الرسول ﷺ إزاء ذلك الوضع؟ لقد سلك الرسول ﷺ طريقاً وسطاً بحيث يحافظ على نقاء الدعوة وتوصيل الحق كاملاً غير منقوص، في الوقت الذي لا يغالب فيه الواقع الذي هو فوق الطاقة المحدودة للفرد؛ فقد لجأ الرسول ﷺ إلى الدعوة الفردية السرية، فبدأ بدعوة من يأنس فيهم الرشد ورجاحة العقل في إدراك الحق، فحافظ بذلك على نقاء الدعوة مع أمنه من مضايقات المشركين ومغالبتهم له في أول الأمر، وليس في هذا تقصير من ناحية عدم تعميم الدعوة؛ لأن هذا القدر كان هو الممكن، وكان هذا من السياسة الحكيمة التي اتبعها الرسول ﷺ في توصيل الدعوة وتبليغها، وبعض الناس لا يفطنون لذلك، فيريد أن يبلغ الشريعة كلها من غير نظر إلى ما حوله، فيصطدم بما يعوقه عن تحقيق قصده، وربما صرفه ذلك العجز عن الدعوة نهائياً، وهو إنما أُتي من عدم علمه بالسياسة الشرعية في الدعوة وظنه أن كل ما هو معلوم لديه ينبغي قوله وإذاعته. ولشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ كلام نفيس في ذلك عما ينبغي على العالم أن يقوم من البيان والتبليغ، فيقول ﵀ تعالى ـ: (فالعالم في البيان والبلاغ كذلك؛ قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن كما أخر الله ـ سبحانه ـ إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله ﷺ تسليماً إلى بيانها؛ يبين حقيقة الحال في هذا أن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] ، والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالجنون مثلاً؛ وهذه أوقات الفترات؛ فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول ﷺ لما بعث به شيئاً فشيئاً؛ ومعلوم أن الرسول ﷺ لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة. كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلغ (٢) إلا ما أمكن علمه والعمل به؛ كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يُلقّن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب؛ والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم؛ فإنه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان؛ كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه. ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل؛ وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط. فتدبر هذا الأصل؛ فإنه نافع. ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل، لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم؛ فإن العجز مُسقط للأمر والنهي وإن كان واجباً في الأصل. والله أعلم. ومما يدخل في هذه الأمور الاجتهادية علماً وعملاً أن ما قاله العالم أو الأمير أو فعله باجتهاد أو تقليد؛ فإذا لم يرَ العالم الآخر والأمير الآخر مثل رأي الأول فإنه لا يأمر به أو لا يأمر إلا بما يراه مصلحة، ولا ينهى عنه؛ إذ ليس له أن ينهى غيره عن اتباع اجتهاده، ولا أن يوجب عليه اتباعه؛ فهذه الأمور في حقه من الأعمال المعفوة لا يأمر بها ولا ينهى عنها، بل هي بين الإباحة والعفو. وهذا باب واسع جداً، فتدبره) (١) . لكن الدعوة السرية الفردية التي اتبعها الرسول ﷺ في أول الأمر، وإن كانت مهمة لمرحلة الابتداء أو شرطاً في النجاح والاستمرار، لكنها لا تصلح أن تكون منهجاً عاماً إلى آخر المدى؛ إذ لا يمكن لدعوة عالمية يرجى لها الذيوع والانتشار في مشارق الأرض ومغاربها أن تعتمد هذا الأسلوب فقط إلى النهاية؛ فإن في هذا إضعافاً شديداً للدعوة بل وأداً لها؛ لذلك فما أن استجاب لهذه الدعوة نفر من الصحابة الأجلاء، وخرجت الدعوة عن حيز الانحصار في شخص واحد بحيث يؤمَن من وأدها والقضاء عليها، وما أن وجد الرسول ﷺ أعواناً على الدعوة حتى بادر إلى الأسلوب الآخر أسلوب الإعلان والبوح وإظهار الدعوة والجهر بها بين الناس رغم ما في ذلك من تعرض للأذى والمضايقات؛ إذ هذا الأسلوب هو الكفيل بنشر الدعوة وبلوغها للناس على نطاق واسع في زمن قليل جداً إذا قورن بزمن الأسلوب الأول، لكن ما أن جهر الرسول ﷺ بالدعوة حتى عاداه المشركون وصدوا الناس عن دعوته، ولم يكن هذا في الحقيقة نتيجة لأمر عارض كطريقة عرض الدعوة مثلاً، ولكن كانت هذا المعارضة نتيجة تناقض حقيقي بين دعوة الإسلام ودعوة الشرك. فالإسلام قائم على عبادة الله وحده والعدل بين الناس، وأما الشرك فهو قائم على عبادة غير الله والعلو في الأرض بغير الحق، لكن الرسول ﷺ بعدما اطمأن على الدعوة ظل سائراً في طريقه لم يثنه عن ذلك ما ظهر من معارضة المشركين؛ لأن هذه المعارضة من طبيعة التناقض التام بين دعوة الحق ودعوة الباطل. وعلى الدعاة إلى الله ـ تعالى ـ على بصيرة أن يستفيدوا من هذه السياسة التي اتبعها الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله تعالى؛ فعليهم أن يراعوا الظروف والأحوال في الدعوة مع الحذر من أمرين: أحدهما: التفريط في مضمون الدعوة أو عرضها ناقصة أو مبتورة أو خلطها بأمور مخالفة بزعم ترويجها أو التخلص من بعض القيود. وثانيهما: تعرض الدعوة للوأد أو القضاء عليها نتيجة للمغالبات التي تفوق طاقتهم. ومن البيِّن أن الأسلوب أو الطريقة التي تتبع في ذلك قد تختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى آخر اعتماداً على أوضاع بيئة الدعوة وظروفها وإمكانات الدعاة وقوتهم. ولا شك أن هناك أساليب كثيرة يمكن أن تتحقق بها الدعوة مع تفادي المحذورين المذكورين، ومن هذه الأساليب الأسلوب الذي اتبعه رسول الله ﷺ وهو من باب السياسة الشرعية وليس من قبيل التشريع الدائم الذي ينبغي على الدعاة اتباعه وسلوكه في جميع الظروف والأحوال. ٢ - مراعاة المصالح والمفاسد: الشريعة كلها مبناها على المصالح؛ فما أمرت به فهو المصلحة الخالصة أو الراجحة، وما نهت عنه فهو المفسدة الخالصة أو الراجحة. وإذا تعارضت المصالح والمفاسد في الأمر الواحد بحيث لا يخلو من أحدهما بل يجتمعان معاً؛ فإنه يقدم الأرجح منهما؛ فما كانت مصلحته أرجح من المفسدة عُمل به وعُوِّل عليه، وما كانت مفسدته أرجح من مصلحته تُرك ولم يعوَّل عليه. وقد بين الرسول ﷺ هذه المراعاة في موقفه من أذى المشركين له ولأتباعه في مكة حينما جهر بدعوته؛ فقد بدأ المشركون في الصد عن دعوة الرسول ﷺ وتحذير القادمين إلى مكة منه وحرصهم على ألا يجلس إليه أحد، كما بدؤوا في إيذاء المسلمين وإهانتهم وتعذيب الضعفاء منهم، وقد كان في ذلك ظلم شديد للمسلمين؛ والعربي نفسه أبية لا تحتمل الضيم ولا تقبله حتى قال قائلهم: ولا يقيم على ضيم يُسام به إلا الأذلاَّن: عير الحي والوتدُ هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشح فلا يرثي له أحدُ فكيف إذا انضاف إلى ذلك الإسلام؟ ورد الظلم وإباء الضيم مصلحة ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] . لكن كان في رد الظلم والانتصار للنفس في ذلك الظرف إلى جانب تلك المصلحة مفسدة كبيرة تربو عليها، فكانت السياسة الشرعية في ذلك الوقت منع المسلمين من الرد على المجتمع الجاهلي والأمر بالصبر واحتمال الأذى؛ فإن أحداً لا يدري في تلك الظروف مع قلة المسلمين وضعفهم وقوة المجتمع الجاهلي ماذا يمكن أن تسفر عنه المواجهات بين المسلمين وعدوهم؟ فقد تتمخض عن معركة كبيرة يفنى فيها المسلمون أو أكثرهم، أو قد تتدخل القبائل دفاعاً عن أبنائها (ولو كانوا مسلمين بدافع العصبية الجاهلية) مما يمكن أن تنشأ عنه ما يعرف بالحرب الأهلية مما لا يوفر ظروفاً مساعدة للدعوة، بل تتقوقع الدعوة في هذه الحالة وتنحصر أو غير ذلك من الاحتمالات التي تخسر فيها كل ما حققته من مكاسب، فكان احتمال الضيم على ما فيه من إيلام وقسوة على النفوس الأبية أهون شراً وأقل ضرراً من محاولة دفع الظلم، لكن هذه المراعاة للمصالح والمفاسد لا تتم مع الاستكانة والشعور بالمذلة أو التعرض للإبادة الكاملة، لكنها تكون مع الاستعلاء بالدين والشعور بالعزة، ولذلك كان الرسول ﷺ في هذه الأجواء وهو يأمر أصحابه بالصبر يبشرهم بالعز والنصر والتمكين ويقسم على ذلك؛ ففي حديث خباب بن الأرت أنه قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، واللهِ ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» (١) . وعلى ذلك فإن من السياسة الشرعية أن يراعي الدعاة والعاملون المصالح والمفاسد المترتبة على الأعمال والتصرفات؛ فإن العمل لا يكفي فيه أن يكون ظاهره مشروعاً إذا عُلم أنه يترتب عليه مفسدة أكبر من المصلحة التي يحققها، وهذا يدخل في القاعدة الفقهية المعروفة بـ (سد الذرائع) وهي أن العمل المشروع إذا كان ذريعة إلى مفسدة أكبر فإنه يمنع، ومما ينبغي ملاحظته في هذا الباب أن المصالح والمفاسد المترتبة على بعض الأعمال لا تظل أبد الدهر هكذا؛ فإن المصالح والمفاسد المترتبة على أوضاع تتغير بتغير تلك الأوضاع، ولذلك فإن المسلمين بعدما انتشرت دعوتهم وقويت شوكتهم أذن لهم في القتال، ثم أمروا به، ولم يعد الرد على المشركين مفسدة ينبغي لأجلها تحمل الظلم والسكوت عن مواجهته. ونظراً لاتساع رقعة بلاد المسلمين اليوم فإن المصالح والمفاسد المرتبطة بالأوضاع تختلف من مكان لآخر لاختلاف الأوضاع فما يكون مفسدة في مكان قد لا يكون مفسدة في مكان آخر، وما يكون مصلحة في مكان قد لا يكون مصلحة قي مكان آخر، والمصلحة والمفسدة إنما تقاس بمعيار الشرع وليس بمعيار المكسب والخسارة المادية فقط؛ فقد دل غلامُ الأخدود الملكَ الكافر على كيفية قتله، وكان ذلك في ظاهره مفسدة لتمكين الكافر من التسلط على نفس مسلمة، ولكنه كان بمقياس الشرع مصلحة راجحة؛ لأن هذا التصرف كان سبباً ووسيلة إلى إحياء نفوس كثيرة بالإيمان، وكذلك إذا نزل الكافر الباغي المعتدي بأرض المسلمين؛ فإن التصدي له ومدافعته هو المصلحة وإن ترتب على ذلك مفسدة إهلاك للحرث والنسل؛ لأن تركه وعدم مدافعته يؤدي إلى إهلاك الدين الذي هو مقدم على الحرث والنسل، ثم هو بعد ذلك لن يحافظ على الحرث والنسل. ٣ - الحرص على هداية المدعوين أولاً: الداعية له هدف عظيم هو هداية الناس إلى دين الله وهذا هو ما يحرص عليه ويسعى في سبيل تحقيقه، ويلتمس له الوسائل والطرق المناسبة رغبة في إخراج الناس من الظلمات إلى النور للفوز برضا خالقهم، وليس همُّ الداعية محصوراً في إقامة الحجة على الناس وإن كان ذلك من مقتضيات دعوته؛ فعندما يكون همُّ الداعية إقامة الحجة وكفى فإنه لن يجتهد اجتهاد الحريص على هداية الناس؛ وقد كان رسول الله ﷺ في دعوته حريصاً على هداية الناس وكان يبذل لهم كل ما يدعوهم إلى الاهتداء، ويحزنه حزناً شديداً عدم استجابة الناس للدعوة؛ حتى خاطبه ربه في ذلك وقال له: ﴿وَلا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦] ، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] باخع نفسك: أي مهلكها. فلم يكن همُّ الرسول ﷺ محصوراً في مجرد إقامة الحجة عليهم، بل كان همه الأكبر هو في قيادهم إلى الإيمان، وقد كان ﷺ يسلك في ذلك كل طريق من شأنه أن يحقق مراده؛ وهذه عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ تخبرنا أنها قالت للنبي ﷺ : «هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي؛ فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد! فقال: ذلك فيما شئت؛ إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي ﷺ : بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» (١) . وعلى ذلك فإن من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ أن تظهر من الداعية الرغبة الحقيقية والحرص على هداية الناس والتحسر على ما هم فيه من الضلال والبعد عن دين الله تعالى، ولا يكون موقفه منهم موقف المتشفي فيهم الذي وقف جهده وهمه على الإغلاظ عليهم، وهذه السياسة الشرعية في الحرص على هداية الناس ليست قاصرة على شريعتنا، بل هذا ما أوصى الله به موسى وأخاه هارون عندما أرسلهما لدعوة فرعون؛ إذ قال الله لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ؛ فالموقف موقف دعوة وترغيب في الهداية، فكان المناسب لذلك هو القول اللين الذي من شأنه أن يقود إلى الاستجابة. وأما الإغلاظ في القول والشدة في التصرف في هذه الحالة يكون مدعاة للنفور والاستكبار. وهذا نوح ﵇ قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣ - ٤] إلى أن يقول: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ٨ - ١١] ، كل ذلك حرصاً منه ورغبة في هدايتهم. فالتماس الوسائل واتخاذ الطرق والأساليب المؤدية لذلك هو همُّ الدعاة الحقيقي. وبعد هذا الجهد الكبير فهناك من يشرح الله صدره ويهديه، ولكن مع ذلك تبقى بقية ظالمة فاجرة متكبرة لم يُرِدِ الله هدايتها؛ فإذا وصلت فئة إلى هذا الحد وانقطع أمل الداعية في رجوعهم للحق؛ فإن عليه أن يواجه الظالم الكفور بما يناسبه مع مراعاة ما تقدم ذكره من المصالح والمفاسد، وليس من السياسة الشرعية تركه والحالة هذه يتمادى في غيه ويزيد من شططه إذا لم تكن هناك مصلحة ترتجى من وراء ذلك، وقد قال الله ـ تعالى ـ في قصة موسى ﵇ مع فرعون ـ لعنه الله ـ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ، فرد عليه موسى ﵇ وقال له: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ، فبعد كل هذه الآيات البينات يلجُّ فرعون في غيه، ويرفض الإيمان، ويتهم موسى بالسحر؛ فما كان من موسى ﵇ إلا أن واجهه بأنك تعلم يا فرعون علماً يقيناً أن هذا ليس بسحر وأن هذه آيات أنزلها رب السموات، ثم يتهدده بقوله: وإنك يا فرعون لأظنك مثبوراً أي هالكاً ممقوتاً ناقص العقل، فليس من السياسة الشرعية في الدعوة أن نقف أبد الدهر عند قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] ، وليس من السياسة أيضاً أن نبدأ الدعوة بـ ﴿وَإنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ، وإنما السياسة الحقة هي مقابلة كل موقف بما يناسبه ففي موقف الدعوة وقبل استحكام العناد يأتي قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] ، وفي موقف الجهاد والجِلاد يأتي قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] ، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] ، ومن ذلك هذا الذي نزل فيه قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَوَ لَمْ يَرَ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٨] ، قال قتادة: (ذُكِرَنا لنا أن أُبَيَّ بن خلف أتى رسول الله ﷺ بعظم حائلٍ، ففتَّه، ثم ذرَّاه في الريح، ثم قال: يا محمد! من يحيي هذا وهو رميم؟ قال: الله يحييه، ثم يميته، ثم يدخلك النار. قال: فقتله رسول الله ﷺ يوم أحد» (٢) ، فقابله الرسول ﷺ بهذه الشدة في الجواب؛ فهذا الذي يناسب موقف المعاندين المتجبرين (يتبع) . (١) صحيح الجامع، للألباني، رقم ١٨٨٠ وحسنه. (١) قد كان الرسول ﷺ بتأييد من الله قادراً على القيام بذلك بمفرده، ولم يكن الله ليميت رسوله ﷺ قبل أن يكمل تبليغ رسالة ربه، لكن لما كان ﷺ قدوة وأسوة للمسلمين فإنه يسلك الطريق الذي يكون في وسع كل مسلم سلوكه، الطريق الذي يعتمد على الأسباب لا على خوارق العادات؛ لأن هذه ليست في يد المسلم، بحيث يكون تقاعس المسلم عن سلوك ذلك السبيل تقصيراً يلام عليه، ولا يعني هذا أن الرسول ﷺ لم يكن في هذه السياسة مؤيداً من الله وأنه كان يتصرف باجتهاده صرفاً، بل هو يجتهد في عمل الأصلح، والوحي يسدده في ذلك

стр. 5136

العمل الإسلامي بين التأسيس والتسييس د. شاكر بن عبد الرحمن السروي لم نعد في حاجة في أيامنا هذه إلى تأكيد قوة وانتشار العمل الإسلامي، ولم يعد ضرورياً البرهنة على تنامي الصحوة الإسلامية في شتى المجالات؛ فالعصر الحاضر وتداعياته وأحداثه تبرهن أن العملاق بدأ يتململ، وأن النصر قادم بإذن الله، تصديقاً لموعود رسول الله ﷺ : «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام، بعز عزيز وذل ذليل: إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، أو يذلهم فيدينون لها، قلت: فيكون الدين كله لله» صححه الألباني ـ مشكاة المصابيح. وليس أدل على ظهور الإسلام وتناميه من أن ملل ودول الكفر قاطبة قد تمالأت على حرب الإسلام وأهله بشتى الوسائل، ومن لم يستطع منهم ذلك صراحة سعى إلى ركوب موجة الإسلام، والسعي لتجييره لمصالحه، بالدعوة إلى مفهوم مسخ للإسلام بفتاوى غربية أو شرقية يصدرها أساطين الكفر هنا أو هناك. والسؤال المطروح الآن: هل دعاة الإسلام وأبناؤه على مستوى الحدث؟ وهل هم على استعداد للمواجهة؟ لا شك أن الإجابة عن هذا التساؤل لا يمكن أن تُختزل في جانب واحد، فضلاً عن أن تكون في مقالة مختصرة. لكني أستأذن القارئ الكريم لأجل هذا التساؤل للتأكيد على أهمية العمل المؤسسي في الدعوة إلى الله. وبرغم اتفاق غالب الإسلاميين على ضرورة العمل المؤسسي، وسعيهم إلى عدم تسييسه إلى صالح جهات أو أحزاب أو دول بما يضر بأصل العمل ومنهج الدعوة، إلا أن واقع العمل الإسلامي يعاني من نوع آخر من التسييس، ألا وهو التسييس لصالح أفراد من داخل العمل نفسه، وهو الأمر الذي يعود بالعمل المؤسسي من اسمه البرَّاق إلى واقع محكوم بالفردية، يصبح فيه القرار ـ فضلاً عن العمل المباشر والتخطيط ـ بيد فرد ما، يصبح هو الكل في كل شيء، يأمر هنا وينهى هناك، يخطط لهذا الأمر، ويباشر ذاك العمل، يتجاوز كل مجموعة ويتخطى كل فريق عمل. يعمل كل ذلك وفي الوقت نفسه هو القائد والمتحدث الرسمي، وهو المموّل المالي وأمين السر. وباختصار شديد: فإن أي عمل لا بد أن يرتبط به ابتداءً أو انتهاءً أو فيما بين ذلك. إنّ مثل هذه النوعية من أفراد العمل الإسلامي نوعية ـ ولا شك ـ معطاءة، وتملك من أسباب القوة الشخصية والعملية وعوامل الجذب والإقناع والاستعداد للبذل والتضحية ما يجعلها ـ بحق ـ من الأفذاذ. لكنّ مكمن الخلل هنا في أنه يصبح هو الجماعة وهو المؤسسة وهو العمل كله، وفجأةً تنتهي المؤسسة الدعوية أو الجماعة أو الحزب إلى أن تكون هي ذلك الفرد. وهو من خلال ذلك في محاكاة قريبة جداً لبعض الأنظمة الشمولية في العصر الحديث. إن خطورة هذا المسلك ينعكس على الفرد المعني ذاته، وعلى من يعمل معه، ثم على العمل بشكل عام؛ وهو الأمر الذي يستوجب من أصحاب الغيرة وأهل الدعوة التنبه له، والسعي في علاجه قبل أن يصبح مرضاً مزمناً يصعب علاجه. وإليكم ثلاثيات من مخاطر هذا المسلك على محاور ثلاثة: أولاً: خطورته على الشخص نفسه: ١ ـ أنه يستهلك جميع وقته وكل جهده، ومن طبيعة البشر العجز والقصور، وعلى هذا فقد تجد الشخص نفسه يقع في خلل بيّن في جوانب شخصية أو أسرية، أو عبادية أو اجتماعية قد تنتهي به إلى النكوص والفتور، والله ـ جلّ وعلا ـ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . ٢ ـ إنّ تراكم الأعمال عليه، وتزاحم المهمات لديه تجعله غير قادر على التخطيط السليم، فضلاً عن المتابعة الدقيقة والتقويم. والمحصّلة النهائية هي أنه صاحب مشاريع بلا نهايات، وصاحب أعمال لا تدوم، وإنما الأمر بدايات تبدأ فقط لتنتهي بعد فترة من انشغاله عنها بغيرها. ٣ ـ هذا الشخص لا تؤمَن عليه الفتنة ودواعي الغرور وحظوظ النفس، كيف لا، وهو يرى نفسه الوحيد في الميدان، وهو وحده الفاعل المؤثر وغيره نكرات لا دور لهم؟ قال ﷺ : «إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي» رواه مسلم. ثانياً: خطورته على العاملين معه: ١ ـ هذا المسلك يكرس في الأفراد المحيطين الاتّكالية، ويهمش أدوارهم، وينشر العجز عن النقاش، فضلاً عن التفكير والإبداع. ٢ ـ كما أن المسلك نفسه يجعل فئات من المحيطين القادرين على الإبداع والتفكير والقيادة؛ ينفضُّون عن العمل، ويفضلون الابتعاد لشعورهم بعدم الرضا، ولما يظهر لمثلهم من الأخطاء، ويتضح لديهم من عيوب العمل نتيجة الفردية والمركزية. ٣ ـ ربط الأفراد بأشخاص بذواتهم بعيداً عن المنهج السليم والعمل المؤسسي؛ مما قد ينحرف بهم ـ أو ببعضهم ـ عن النية الصحيحة وحسن القصد، وينتج عن ذلك أن يكون إقبالهم أو إدبارهم مرتبطاً بشخص ما لا بمنهج واضح، وفي هذا من الخلل والخطل ما لا تُجهل عواقبه، ولا تُحمد مآلاته. ثالثاً: الخطورة على العمل الدعوي: ١ ـ غياب العمل المؤسسي، ومن ثم سهولة توقف العمل أو إيقافه، فضلاً عن الكثير من الأخطاء التي تنتج عن طبيعة الأعمال الفردية. ٢ ـ سهولة اختراق العمل وكشف أسراره ومتابعة أطرافه؛ باعتبار ذلك نتيجة طبيعية (لوضع البيض في سلة واحدة) . ٣ ـ مخرجات العمل (وخصوصاً من الأفراد) تتسم بالنمطية والرتابة، وأحادية النظرة بعيداً عن التجديد والإبداع.

стр. 5137

اكتشاف الطاقات وتوظيفها علي القحطاني العنصر البشري هو الأساس لكل نهضة، وهو العماد لكل حركة، وبدونه تموت في مهدها أي فكرة، وعندما يشعر الأفراد في أي أمة أنهم غير قادرين على العطاء فإنما هم بذلك يُصدرون حكماً بالإعدام على أنفسهم ومجتمعهم، شاؤوا أم أبوا. وذلك أنهم بتقريرهم هذا الشعور يعلنون العزم المبَيّت على تجميد الحركة والعمل ليصبح ذلك المجتمع بعد ذلك كالجثة الهامدة. إن هذه الظواهر الاجتماعية التي يعرفها الخاص والعام قد جاءت نصوص الشريعة بتقرير الحقائق عنها؛ فهي ثابتة لا تتغير، وكونية لا تتبدل. قال ﵊: «إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم» (١) . لقد كان يقين السلف بقدرتهم على البذل والعطاء نابعاً من استشعارهم المسؤولية الفردية القائمة على الإحساس بالعزة الإيمانية؛ فجعلتهم مشاعل هداية، ونماذج فريدة في البذل والعطاء والتضحية؛ فكان الواحد منهم بأمة. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ إن مما يجدر بنا أن نستحضره في كل حين أنه لا أحد في المجتمع المسلم يمكن أن يوضع في قائمة من هو: (غير قادر على العطاء) ، بل الجميع يملكون شيئاً ما ـ إن لم يكن أشياء ـ يستطيعون من خلاله خدمة أمتهم، وهذا النسق الاجتماعي، قد قرره المصطفى ﷺ بقوله وفعله، والتزمته الأمة الإسلامية منذ فجرها الأول. فلو نظرنا إلى حديث الهجرة مثلاً لتجلّى لنا ذلك في أروع صورة؛ فالصدِّيق أمين السر ورفيق السفر، والجارية تحفظ السر وترتب الزاد، والصبي ينقل الأخبار ويعفو الآثار، كل ذلك في صورة مشرقة لتنوع البذل وتكامله بحسب القدرة. وفي المدينة يدعو الرسول ﷺ الناس للبذل قائلاً: «تصدقَ رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة» (٢) . بل في قمة أعمال البذل والعطاء ـ في الجهاد في سبيل الله ـ يبرز هذا المَعْلَم الإسلامي في أجلى صوره؛ فالكل يبذل، والجميع يُضحي، حتى إذا بقي الضعفة والمساكين الذين لا مال لهم ولا قوة يجاهدون بها يبقى لهم دورهم الذي ينبه إليه الرسول ﷺ بقوله: «إنما ينصُر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (٣) . إن خطر وأد الذات وتحييدها عن العطاء لا يمكن تجاهله أو تناسيه، خاصة في هذه الحقبة التي يقبع فيها أهل الإسلام في مؤخرة الركب، وإن هذا الخطر مما ينبغي تداركه وعلاجه حسماً لداء المواتِ الذي دبّ في أوصال الجسد الإسلامي المنهك. ومن صور وأد الذات الذي يمارسه أحياناً بعض من يتولى الريادة والقيادة ما يلي: ١ ـ ألاَّ تُستغل المواهب الخاصة والقدرات الفردية لدى الأفراد كل واحد منهم بحسبه، فتُقتل القدرات ويُخْنَق الإبداع، وقد خلق الله الناس مختلفين: منهم (القادة) ومنهم (الساقة) ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] . ٢ ـ ألاَّ يُنْظَر إلى الجميع عند توزيع الأعمال، بل تتكرر الوجوه نفسها دائماً لكل الأعمال، وهذا يقتل الفئتين؛ فالعاملة تُنهك بالأعمال، حتى تصبح غير قادرة على العطاء المثمر، كما تَفُوتُ الاستفادة منهم فيما لا يحسنه إلا هم، وأما الكثرة الباقية فتبقى أرقاماً لا رصيد لها في واقع الحياة. ٣ ـ الحكم بالإخفاق المؤبد على من يُسند له عمل ما، ثم لا يتقنه، في الوقت الذي قد يحسن غيره، بل ربما كان الخلل ابتداءً في إسناد هذا العمل له وهو لا يحسنه (١) . - لماذا نحرص على اكتشاف الطاقات؟ إن القدرة على الاستفادة من مكامن التفوق، والتميز لدى المرؤوسين بأفضل ما يمكن يعتبر من مسلّمات الإدارة الناجحة. ولكي يتحقق هذا كان لزاماً على الدعاة والمربين معرفة وتمييز هذه المكامن لدى المدعوين والمتربين وهو ما نعنيه باكتشاف الطاقات. إن توفر الرجال (أولاً) ، والقدرة على توظيفهم لخدمة أهداف رسمها لهم القادة (ثانياً) هما طرفا المعادلة الإدارية التي ينتج عنها نجاح القادة. كتبت إحدى أكبر المنظمات العالمية هذه الكلمات لتعبر عن سر نجاحها وتفوقها: «لقد حققنا هذا النجاح من خلال تنظيم إداري وجو عمل يساعدان على اجتذاب أفضل الطاقات البشرية، وتطوير وشحذ المواهب الفردية» . يقول أحد المفكرين: «إن معرفة الرجال بعمق من أدق أعمال الرئيس وأكثرها تأثيراً، إنها ينبوع القوة التي يملكها، إنها سر الرؤساء العظام» (٢) . ويمكنا هنا أن نقرر ما يلي: أولاً: أن توظيف الأفراد في المجالات التي يبدعون فيها يمكنهم من أن يقدموا أفضل ما لديهم لخدمة الأهداف المرسومة. ثانياً: أن ذلك يعتبر حافزاً لاستمرارية العطاء لدى الأفراد؛ حيث يحققون ذواتهم بتميّزهم وتفوقهم من خلال إمكاناتهم الحقيقية. ثالثاً: أن في توظيف أصحاب الطاقات في المجالات التي تميزوا فيها تحقيقاً للمزيد من التألق والإبداع في مجالات عملهم. رابعاً: أن عدم معرفة الطاقات واكتشافها يفضي إلى وضع الأفراد في أعمال لا تتناسب مع قدراتهم، مما يضعف الأعمال ويتسبب في إخفاقها. خامساً: أن سد الثغرات بالمرؤوسين الأكفاء الذين أحسن القائد انتقاءهم يمكنه من التفرغ والمراقبة عن كثب لمن هم بحاجة إلى توجيه، وبهذا يستطيع من خلال معرفته للرجال سد الثغرات، والارتقاء بالآخرين دون عناء. سادساً: أن عدم المعرفة المسبقة بالطاقات الموجودة وتوظيفها في وقت السعة والرخاء يجعل العثور عليها في وقت الضرورة شاقاً وعسيراً، كما أنه حتى وإن ـ تم اكتشافها ـ آنذاك ـ قد لا يكون هناك وقت لتطويرها وصقلها بالشكل المناسب. - خصائص المبدعين: ثمة خصائص كثيرة يذكرها باحثو الإبداع، غير أن من أهمها ما يلي: ١ ـ الخصائص العقلية: أـ الحساسية في تلمُّس المشكلات: يمتاز المبدع بأنه يدرك المشكلات في المواقف المختلفة أكثر من غيره؛ فقد يتلمس أكثر من مشكلة تلح على بحث عن حل لها، في حين يرى الآخرون أن (كل شيء على ما يرام) ، أو يتلمسون مشكلة دون الأخريات. ب ـ الطلاقة: وتتمثل في القدرة على استدعاء أكبر عدد ممكن من الأفكار في فترة زمنية قصيرة نسبياً، وبازدياد تلك القدرة يزداد الإبداع، وتنمو شجرته، وهذه الطلاقة تنتظم: ـ الطلاقة الفكرية: سرعة إنتاج وبلورة عدد كبير من الأفكار، (اذكر كل الاستخدامات الممكنة لكوب الشاي) . ـ طلاقة الكلمات: سرعة إنتاج الكلمات والوحدات التعبيرية واستحضارها بصورة تدعم التفكير. (اذكر أكبر عدد من الكلمات التي تبدأ بحرف الصاد) . ـ طلاقة التعبير: سهولة التعبير عن الأفكار، وصياغتها في قالب مفهوم. ج ـ المرونة: وتعني القدرة على تغيير زوايا التفكير (من الأعلى إلى الأسفل والعكس، ومن اليمين إلى اليسار والعكس، ومن الداخل إلى الخارج والعكس، وهكذا) من أجل توليد الأفكار عبر التخلص من (القيود الذهنية المتوهمة) (المرونة التلقائية) ، أو من خلال إعادة بناء أجزاء المشكلة (المرونة التكيّفية) مثال: الإمساك بطير وقع في حفرة عميقة. د ـ الأصالة: وتعني القدرة على إنتاج الأفكار الجديدة ـ على منتجها ـ وغير المكررة؛ فهي (أي الأصالة) تقاس بقيمة الأفكار لا بعددها، بشرط كونها مفيدة وعملية. هذه الخصائص الأربع حددها (جلفورد) ، وتشكل هذه الخصائص بمجموعها ما يسمى بالتفكير المنطلق (المتشعب) ، وهو استنتاج حلول متعددة قد تكون صحيحة من معلومات معينة، وهذا اللون من التفكير يستخدمه المبدع أكثر من التفكير المحدد (التقاربي) ، وهو استنتاج حل واحد صحيح من معلومات معينة. هـ ـ الذكاء: أثبت العديد من الدراسات أن الذكاء المرتفع ليس شرطاً للإبداع، وإنما يكفي الذكاء العادي لإنتاج الإبداع. وزادت بعض الدراسات العربية: الاحتفاظ بالاتجاه، وتعني القدرة على التركيز لفترات طويلة في مجال اهتمامه، برغم المعوقات والمشتتات. ٢ ـ الخصائص النفسية: يمتاز المبدع نفسياً بما يلي: أـ الثقة بالنفس والاعتداد بقدراتها. ب ـ قوة العزيمة ومضاء الإرادة وحب المغامرة. ج ـ القدرة العالية على تحمل المسؤوليات. د ـ تعدد الميول والاهتمامات. هـ ـ عدم التعصب. وـ الميل إلى الانفراد في أداء بعض أعماله، مع خصائص اجتماعية وقدرة عالية على اكتساب الأصدقاء. ز ـ الاتصاف بالمرح والأريحية. ح ـ القدرة على نقد الذات والتعرف على عيوبها. - خصائص متفرقة: أـ حب الاستكشاف والاستطلاع بالقراءة والملاحظة والتأمل. ب ـ الميل إلى النقاش الهادئ. ج ـ الإيمان غالباً بأنه في (الإمكان أبدع مما كان) . د ـ دائم التغلب على (العائق الوحيد) . (العائق الذي يتجدد، ويتلون لصرفك عن الإنتاج والعطاء) . هـ ـ البذل بإخلاص وتفان، وعدم التطلع إلى الوجاهة والنفوذ، بمعنى أن تأثره بالدافع الداخلي (كالرغبة في الإسهام والعطاء، تحقق الذات، لذة الاكتشاف، والانجذاب المعرفي، ونحوها) أكثر من الدافع الخارجي (المال، الشهرة، المنصب، ونحوها) . هل يتوجب توفر هذه السمات جميعها في الإنسان حتى يكون مبدعاً؟ بالنسبة للخصائص العقلية ينبغي توفرها كلها بدرجة معقولة، أما الخصائص الأخرى فيكفي أغلبها. وهناك بعض الروائز (المقاييس) التي يطبقها بعض من المعاصرين للتعرف على الشخص المبدع، وتقوم تلك الاختبارات على طرح بعض الأسئلة التي تقيس مستوى الثقافة وحسن التصرف، وتحدد الفارق بين المستوى العمري والمستوى العقلي. لكن تلك الاختبارات في الغالب ليست دقيقة النتائج؛ حيث يضعف من مصداقيتها، ودقة نتائجها عوامل متعددة كطبيعة البيئة الأسرية والاجتماعية للفرد، والمستوى الثقافي والحضاري فيهما. - كيف يتم اكتشاف الموهوبين والمبدعين؟ يعتمد نجاح البرامج المعدة لرعاية الموهوبين إلى حد بعيد على مدى النجاح في تشخيصهم وحسن اختيارهم؛ ولذلك تعددت وتطورت وسائل طرق التعرف على الموهوبين، والكشف عنهم والتي من أهمها: ١ ـ ملاحظة العمليات الذهنية التي يستخدمها الطالب في تعلم أي موضوع أو خبرة في داخل غرفة الصف أو خارجها. ٢ ـ ملاحظة أداء الطالب، أو نتائج تعلمه في أي برنامج من برامج النشاط، أو أي محتوى يعرض له أثناء الممارسة، أو الصور التي يعرضها في سلوك حل المشكلات. ٣ ـ تقارير الطلاب عن أنفسهم، أو تقارير الآخرين عنهم، مثل: تقارير المعلمين ومشرفي الأنشطة، والآباء والأمهات، وزملاء الدراسة. ٤ ـ استخدام المقاييس النفسية مثل: اختبارات الذكاء، والتحصيل، ومقاييس الإبداع. إلا أننا يجب أن نتذكر دائماً أنه لا يوجد طريقة واحدة يمكن من خلالها التعرف على جميع مظاهر الموهبة؛ لذلك فإن التعرف يتحقق بشكل أفضل دائماً باستخدام مجموعة من الأساليب المتنوعة التي تعتمد بشكل أفضل دائماً على عمل الفريق. كما يجب أن نتذكر أيضاً أنه كلما بكّرنا في اكتشاف الطفل المتفوق أو الموهوب، وهو ما زال في مرحلة عمرية قابلة للتشكيل كان ذلك أفضل كثيراً من الانتظار إلى سن متأخرة، قد يصعب فيها توجيه الموهوب الوجهة المرجوة؛ نظراً لما يكون قد اكتسبه من أساليب وعادات تجعل من الصعب عليه التوافق مع نظام تربوي، أو تعليمي مكثف. - صناعة الإبداع: هل ثمة طريق تتوصل به المجتمعات الإنسانية إلى إيجاد مناخ فكري تُغرس فيه شجرة الإبداع وتُصنع فيه منتجاته؟ بكل جزم: نعم! ذلك أن الإبداع ظاهرة إنسانية اندمجت فيها أسباب عقدية وثقافية ونفسية فكونت إطاراً ـ يستعصي على التجزئة ـ أسهم في إنتاج تلك الظاهرة وفي تشكيلها، ومن ثم ندرك أن الإبداع نتيجة، يمكن الظفر بها متى توافرت وتضافرت أسبابها. وبنظرة خاطفة إلى المجتمعات الإنسانية نتلمس سر نجاح بعضها في صناعة الإبداع في عقول أفرادها على نحو مكنها من النهوض الحضاري. لقد استطاع اليابانيون ـ مثلاً ـ أن يحدثوا انقلاباً إبداعياً، تمكنت به شركة يابانية أن تلتزم باختراع جهاز كل أسبوع، حتى ولو لم يتم تسويق منتجاتها في بعض الأسابيع بالصورة المطلوبة. قد تتساءل: لماذا لا ينتظرون حتى يتم تسويق المنتجات التي جرى عرضها بشكل جيد، ثم يقومون بعد ذلك بإنزال المنتج الجديد؟ إنهم لا يفعلون ذلك؛ لأنهم يجزمون بأنهم لو تأخروا يوماً واحداً أو أقل من ذلك فإن شركة أخرى ستقوم بالمهمة؛ وبذلك يخسرون ... ! ترى ماذا يخسرون؟ وبالتفاتة عاجلة إلى المجتمعات المسلمة نشعر بـ (دوار حضاري) ، ونستنشق تقليدية مقيتة يستوجبان الإسراع في صناعة سفينة الإبداع لتبحر في ذلك الخضمّ صوب بلاد ما وراء التقليد في طريقها إلى جزر الاكتشافات العلمية والتقنية، ولا سيما أنها تملك الإطار العقدي والقيمي الصحيح الذي يحث على العمل المبدع المخلص، ويجلّ حَمَلَةَ لوائه ورافعي رايته، يقول النبي ﷺ : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (١) . وتتأكد أهمية اقتناء سفينة إبداع للعاملين في الحقول الإسلامية في هذا الوقت بالذات الذي تكالبت فيه العوائق والصعوبات، وتفاقمت فيه الانشطارات والانقسامات، وشحت فيه الموارد والمساعدات، والتفكير العلمي والإبداعي الذي يضمن بالإخلاص والمتابعة التغلب على تلك المشاكل والأزمات، ويرسم طريقاً تعرف فيه الأولويات، وترسخ به الثوابت، وتميز به الصفوف، وتلتحم به العلاقات، وينهض به العمل الإسلامي، وتطيب ثماره، وتدار مشاريعه ومؤسساته، وتستكشف آفاقه ومجالاته. - المواد الأساسية لصناع الإبداع: وفيما يلي أهم المواد التي تسهم في صناعة سفينة الإبداع بشرط الالتزام بمصدر التلقي كتاباً وسنة وبعد توفيق الله ـ تعالى ـ وعونه: ١ ـ الإيمان بأهمية صنع البيئة الإبداعية وبإمكانياته، وبضرورة انبثاقه من قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] ، الأمر الذي يحتم إحداث (انقلاب فكري) في العقل المسلم الجمعي والفردي على حد سواء، ينشأ معه انجذاب صادق للمعرفة لا للمعرفة ذاتها، ولا لتحصيل لذة عقلية، ولا للظفر بشهرة علمية، ولا لتحقيق رغبة دنيوية وإنما هو انجذاب للمعرفة بقصد تطوير الذات وبنائها، لا للتطوير ولا للبناء ذاتهما أيضاً، وإنما للإبداع وللنهوض وللنماء وللعطاء المراد به وجه الله تعالى. ٢ ـ الإشاعة في العقل المسلم، والإيحاء في ذاته أن (الإبداع عادة) تُكتسب بشيء من البذل في تعلم وسائلها، والتلبس في خصائصها، والتدرب على تطبيقاتها. ٣ ـ تكييف العملية التعليمية والتربوية بما يجعلها دافعاً للإبداع ومحضناً للمبدعين، ومثل هذا التكييف يستلزم بالضرورة إعادة النظر في الأهداف التربوية، ومن ثم في وسائلها وبرامجها؛ بمعنى: أنه يجب أن يكون إكساب المتربين طرائق التفكير العلمي والإبداعي من الأهداف الأساسية. ٤ ـ صياغة شعارات جذابة ترسخ أهمية الإبداع، وتبشر بنتائجه وتحتفي بكل ملتبِّس به، والاجتهاد في بثها وإذابتها في النفوس وتفعيلها في العقول. ٥ ـ تنظيم دورات ودروس في التفكير العلمي والإبداعي لمختلف شرائح العمل الإسلامي. ٦ ـ ضرورة تلبُّس المربين والمعلمين بخصائص الإبداع ـ ولو تكلفاً ـ تجسيداً للقدوة الصالحة. ٧ ـ الاحتفاء بالمبدعين، وخاصة الأحداث منهم والاعتناء بهم وتقديرهم معنوياً ومادياً. - العوامل التي تؤثر في نشاط الإبداع: أسلوب التربية والتعليم. المؤسسات الثقافية (الإعلام ـ المنتديات والنوادي والمراكز الثقافية والعلمية والفكرية ـ الثقافة الذاتية بالاطلاع الواسع المتجدد على مصادر المعرفة) . المنزل والأسرة (حيث يمكنها زرع الثقة والدفع للإبداع، ويمكنها كبت الطاقات وقتلها) . المجتمع ومدى الشعور بالانتماء إليه؛ الألعاب وطريقة اختيارها؛ الاهتمام بملكة التأمل والتخيل؛ فائض الوقت واستثماره؛ تأثير الجوائز التشجيعية. - مشكلات في التعامل مع الموهوبين: من أهم المشكلات: ١ ـ استخدام فنيَّات ومحكات غير كافية مثل: تقديرات المعلمين والمربين، وتقييماتهم للفرد؛ لأن هذه الأدوات لا تعد كافية لتحقيق هذا الغرض، وفي أحيان أخرى قد لا تعد مناسبة. ٢ ـ عدم ملاءمة المناهج التربوية والأساليب المستخدمة للموهوبين. ٣ ـ قصور فهم بعض المربين لمعنى (الموهوبين) ، وكيفية التعامل معهم؛ فالمربي هو عماد التربية وأساسها، وهو الذي يهيئ المناخ الذي من شأنه إما أن يقوي من ثقة الموهوب بنفسه أو يزعزعها، ويشجع اهتماماته أو يحبطها، ينمي مقدراته أو يهملها، يقدح إبداعيته أو يخمد جذوتها، يستثير تفكيره أو يكفه، يساعده على التحصيل والإنجاز أو يعطله. ٤ ـ عدم توفر اختصاصيين نفسيين كافين يقومون بتطبيق الاختبارات، والمقاييس النفسية كاختبارات الذكاء، واختبارات التفكير الابتكاري، واختبارات القدرات والاستعدادات الخاصة، والتي تعاني هي أيضاً من مشكلة عدم تقنينها على البيئة المحلية. ٥ ـ عدم وجود تعريف موحد للطالب الموهوب: حيث نجد أن هناك اختلافاً كبيراً في المسميات بين العاملين في الميدان التربوي لمصطلح (موهوب) ؛ إذ يطلق عليه عدة مسميات مختلفة منها: متفوق، نابغة، عبقري، مبتكر، ذكي، مبدع لامع ... إلخ. كما أن هناك اختلافاً في الطرق المستخدمة في تحديد هؤلاء الطلاب الموهوبين لدى المتخصصين؛ فمنهم من يعتمد على الوصف الظاهري للسمات الشخصية كوسيلة لتحديد الموهوب، ومنهم من يعتمد على معاملات الذكاء، وفريق ثالث يستخدم مستوى التحصيل الدراسي، وفريق رابع يعتمد على محكات متعددة تبعاً لتعدد القدرات الخاصة. ٦ ـ عدم إعطاء الفرد الحرية التامة في اختيار المجال الذي يعمل فيه، ويتعلم من خلاله وفق رغبته وميوله وهواياته. ٧ ـ إهمال إنتاج المتربين والطلاب وإبداعاتهم، وعدم إبرازها والإشادة بها، وعدم توفر الحوافز التشجيعية لهم بالشكل اللازم. ٨ ـ عدم توفر الأدوات، والآلات، والكتب اللازمة للقيام ببعض الأنشطة (١) . ٩ ـ عدم توفر مواضع خاصة بكل موهبة؛ حيث تتم ممارستها داخل هذه المقار المهيأة.

стр. 5138

لماذا، ومن يستفيد من الحديث عن الخطبة ؟ أ. د. سليمان بن حمد العودة كانت الخُطبة ولا تزال، وستستمر مجالاً كبيراً للتأثير، استخدمها الأنبياء والمرسلون ﵈ للبلاغ ونشر الدعوة، ومارسها الساسة لتحقيق أهدافهم، وقدّم بها القادة والفاتحون توطئة لفتوحاتهم، وكانت الخطبة أحد المؤشرات الهامة لنجاح المديرين في إداراتهم المختلفة، وفوق هذا كله فهي درس أسبوعي تُهز به أعواد المنابر، ويلتقي المسلمون في المسجد لسماع الخطب، ويصدرون وقد خشعت قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، وأخذوا حظهم من الدعوة للخير والتحذير من الشرور والآثام. الخُطبة إذاً متعددة الأغراض، شاملة لكافة الأطياف، يستفيد من جمالها المربي الذي يريد أن يغرس مفاهيم التربية الحقة، كما يستفيد منها الواعظ الذي تذرف العيون لحسن عبارته ورقّة تعبيره، ويستخدمها المعلم الناجح الذي يُريد أن يهيئ طلابه لاستقبال درسه. إن الخُطبة بمفهومها الشامل أداة مهمة للتأثير في الإعلام والتعليم والدعوة والتربية في السلم وفي الحرب وفي حال السراء والضراء والضعف والقوة. وإذا كانت الخُطبة ونِسبُ التأثر والتأثير فيها قاسماً مشتركاً بين الأمم في القديم والحديث؛ فثمة مزايا ومميزات للخُطبة في الإسلام. وعند المسلمين تختلف عن غيرهم من الأمم والأديان، ولعل أبرز هذه المميزات الصدق في القول، والعدل في الحكم، ونُبل الهدف والغاية، وما من شكٍ أن الخُطبة تعبيرٌ عن المبدأ وترجمان للهدف، ومهما كان زخرف القول في الخُطبة فلا يصح إلا الصحيح، ويذهب الزبدُ جفاءً ويمكث في الأرض ما ينفع الناس. أجلْ! تأملوا في صدقية وآثار، بل والفرق بين آثار هذه الخطب المختصرة. قال النمروذ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ . وقال إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . والنتيجة: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . والفرق كبير بين علو فرعون حين قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ، وقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٢] . وحين أرسل في المدائن حاشرين: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإنَّا لَجِمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤ - ٥٦] . وبين كلمات موسى ﵇ وكلها صدق وتوكل واستعانة بالله: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] ، ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . والنتيجة: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ٥٧] ، ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ومن تأمل في كثير من الخُطب قديماً وحديثاً وبين سائر الأمم وجد الفرق ظاهراً في الحال والمآل. وخلاصة القول أن الخُطبة وإن كانت عند الإطلاق تتجه ابتداءً إلى خُطبة الجمعة، وهي أشرف الخطب وأعظمها أثراً وتستحق كل عناية واهتمام، إلا أن الخطبة وأثرها تتجاوز ذلك إلى منابر أخرى. وتتعدد أغراض الخطبة، وتتشعب مجالاتها، وهذه الأغراض والمجالات الواسعة حَرِيَّةٌ بالاهتمام، كما أن خطيب الجمعة ليس وحده المؤثر، وإن كان المفترض فيه أن يكون أقوى الخطباء المؤثرين؛ فثمة خُطباء آخرون وفي مواقع مختلفة حَرِيُّون كذلك بكل عناية واهتمام. إذاً يفترض في حديثنا عن خُطبة الجمعة وخطيب الجامع أن نستحضر كذلك المفهوم الواسع للخطبة وأطياف الخطباء المؤثرين ومدى التأثير المنتظر لكل منهم في متلقيه؛ ليكون في حديثنا شمول لا يؤثر على المرتكز والمحور في خُطبة الجمعة حتى يعم النفع بها، وتتسع دائرة تأثيرها، ويكثر عدد الخطباء، ونفسح المجال لقاعدة أكبر للتأثر بالخطبة والخطيب. وبهذا يتضح أثر وأهمية الخطبة، وبخاصة من أناس قد لا يتمكنون من صعود منابر الجمعة، لكن قد لا يقل أثرهم عن غيرهم في منابر أخرى. والله من وراء القصد. (*) أستاذ بجامعة القصيم ـ السعودية.

стр. 5139

بناء النفس خالد أبا الخيل يقول الله : ﴿بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥] . قال ابن كثير ﵀: «أي هو شهيدٌ على نفسه عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر» (١) . وهذه الآية فيها دِلالة ـ أيضاً ـ على أنه لا أحد أعلم بخبايا النفس بعد الله إلا صاحبها. ولذا كان من المطالب الشرعية أن يسوس الإنسان نفسه، ويعاركها في الحياة معركة بعد أخرى حتى تنقاد ويسلس قيادها. وليس هذا بالأمر الهيِّن السهل حتى يستطيعه كل الناس، وإنما هو طريقٌ طويل محفوفٌ بالمكاره. ومصداق ذلك في كتاب الله ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، فاشترط ـ سبحانه ـ لهداية السبيل أمرين اثنين: أولهما: أن تجاهد نفسك وتروضها على طاعة الله تعالى. وثانيهما: أن يكون ذلك كله في ذات الله تعالى؛ لا تبتغي به عرضاً من الدنيا أو فُتاتاً من حطامها. والسر في ذلك ـ والله أعلم ـ أن هداية السبيل ولزوم المحجة أمرٌ عزيز لا يمنحه الله إلا من يُحِب، وظهرت منه الدلائل على صدق المحبة. وفي هذه الوقفات أحاول جاهداً أن أبحث في العوامل التي بها ـ بعد توفيق الله للعبد ـ يبني الإنسان نفسه بناءً إيمانياً تستقيم معه حياته الدنيوية والأخروية. ولمَّا كان من المقرر عند أرباب الفقه والسلوك أن التخلية قبل التحلية رأيت أن أبدأ بجوانب التخلية. والتي منها: ١ ـ المطامَنة من كبرياء النفس، وإيقافها على عثراتها المستورة، والعلم بأن من لطف الله ـ سبحانه ـ بالعبد أنه سترَ هذه العيوب عن الناس. وتشتد الحاجة إلى هذا المطلب حين ترنو النفس إلى الزهو والعُجْب، وخاصة حينما يسمع المرء ثناء الناس عليه. قال ابن القيم ﵀: «ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيراً: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيّ شيء. وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت: أنا المُكدِّي وابنُ المكدي وهكذا كان أبي وجدي وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجددُ إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعدُ إسلاماً جيداً» (٢) . وتصور أخي الكريم حجم شخصية شيخ الإسلام، وتاريخه الجهادي، وما حصل له من مناظرات ومشاهد كثيرة، وكلها ينتصر فيها على أعدائه وكائديه، وأضف إلى ذلك ثناء الناس عليه في عصره من علماء وعامة، واحتفاءهم به، ثم تأمل قدر نفسِه عنده من خلال كلامه السابق لترى ترويضاً للنفس ومطامنة لكبريائها وزهوها، وعندها ستكتشف السر في القوة العلمية والعملية لهذا الأنموذج اللامع، والشخصية العظيمة. ولمَّا كان من المعلوم بداهة أنك ـ أيها المسلم ـ أعلم بنفسك من غيرك، وجب أن تعي أن الناس قد يمدحونك في يومٍ من الأيام، بل قد يُفرطون في رفعك على ملأ من الناس، وفي المقابل قد ينتقصونك يوماً أو أياماً، ويخفِضون من قدرك، ولكن أعلم أن كل هذا لا يُثقِّل ميزانك يوم القيامة. وما تعلمه من جنوح نفسك، وعثراتها المستورة، وخبايا السوء فيها هو الذي سيحاسبك الله عليه يوم القيامة. فإذن لا تقْدُر نفسك كما يقدرها الآخرون، ولا تحسن الظن بها وإن تكاثر وتتابع مدح الناس لك. ومن جميل ما يذكر في هذا الباب قول ابن حزم ﵀ حينما أراد أن يُعدد عيوبه، وكيف تغلّب عليها، قال: ومنها ـ أي عيوبه ـ عُجبٌ شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله، ولم يبق له والحمد لله أثر، بل كلّفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع (١) . وكان السلف ﵏ لغاية فقههم وتمام تدينهم ينفِرون من مجالس الشهرة ومشاهد الثناء، ويحذرون منها. قال أيوب: ما صدقَ عبدٌ قط فأحب الشهرة (٢) . وقال ابن المبارك: قال لي سفيان: إياك والشهرة؛ فما أتيتُ أحداً إلا وقد نهى عن الشهرة (٣) . وقال بشر الحافي: ما اتقى الله من أحب الشهرة (٤) . ولهذا كان من المُهِم في حياة الداعية أن يعي خطر هذا المزلق، وأن يرقب القصد الصالح في دعوته؛ وذلك كل لحظة من عمره. ومن أعظم الانحراف في القصد أن يبتغي الداعي في دعوته كسب الأتباع، وحصول المزايا لشخصه من الإجلال والتقدير، وهذا مدخلٌ عظيم من مداخل الشيطان. ٢ ـ العزلة بالنفس عن فضول المخالطة، ودوام المجالسة. قال ابن القيم ﵀: «قسوة القلب من أربعة أشياء ـ إذا جاوزت قدر الحاجة ـ: الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة» (٥) . وصدق ﵀ فليس أنفع للنفس، وأصفى للقلب من العزلة المعتدلة التي لا يُراد منها تنصلاً من تكليف، أو هروباً من ضغط الواقع وواجباته. والعزلة ـ بالأوصاف السابقة ـ مهمة للداعية والمربي؛ فهي بالإضافة إلى كونها توقف الداعية على حقيقة نفسه، تهيئ له مناخاً صحياً لاختيار الرأي الصواب البعيد عن المؤثرات الخارجية من شغب الجماهير، ومحاكاة الأقران، وغير ذلك. قال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] . وفي هذه الآية يأمر ـ سبحانه ـ كفار قريش ومن كابر عن الحق بأن ينفصل من مؤثرات الجماهير، ويخلو بنفسه أو مع صاحبه حتى يتبين له الحق؛ وذلك لأن من ألف المخالطة ـ في أيامه كلها ـ خمدت أدوات التفكير لديه، بل ويأسن عقله كما يأسن الماء، ويصبح ـ مع الزمن ـ خامل الفكر، تابعاً في رأيه، متردداً في اختيار قراراته، مراوغاً من تحمل تبعاتها. فائدة: قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه (٦) . وقال ابن القيم ﵀: حدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: كان في بداية أمره يخرج أحياناً إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه، فتبعته يوماً فلما أصحرَ تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر ـ وهو لمجنون ليلى ـ من قصيدته الطويلة: وأخرجُ من بين البيوت لعلني أحدِّث عنك النفس بالسر خاليا» (٧) إنه مشهدٌ من البهاء كبير حينما يبلغ حب العبد لخالقه هذا المبلغ، فيخلو بربه، معترفاً بذنوبه بين يديه، آنساً بذكره، متبصراً في أدواء نفسه. وإن هذه الخلوات بصفائها، ونقائها، وجمالها لتُخرجُ للأمة قادةً ربانيين، متجردين من حظوظ أنفسهم، وشهواتها، في سبيل النهوض بالأمة، والرفع من شأنها. وهنا تتجلى لنا الحكمة في موقف المصطفى ﷺ ، حينما كان يخلو بربه في غار حراء استعداداً لتلقي القول الثقيل، وتحمل التضحيات لأجله. ولابن القيم ﵀ كلام جميل في تقسيم المخالطة. قال (٨) : الاجتماع بالإخوان، قسمان: أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب، ويضيع الوقت. الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات: إحداها: تزيُّن بعضهم لبعض. الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادةً ينقطع بها عن المقصود. - جانب التحلية: وهنا نذكر أربعة أمور تساهم بعدما سبق في بناء النفس بناء إيمانياً: ١ ـ الإكثار من عمل السر؛ وهذا من دلائل صدق المحبة لله تعالى، ومن أمارات الإخلاص التي يجب على المسلم أن يتلبس بهذه الصفة، ولا أشق على النفس من عمل السر؛ لأنها ليس لها حظٌّ منه، كما قال بعض السلف. ولعمل السر ثمرات كثيرة، منها: أ - أن من كان هذا شأنه في جل أعماله الصالحة فإنه يكسب رصيداً كبيراً من الثبات يكون ذخيرة له أيام النوائب والمصائب، ومن هنا نفهم سر ذلك التحول الكبير الذي يلحق ببعض المنتسبين إلى الخير والصلاح حينما يصابون بأزمة أو ضائقة؛ وذلك أنه ليس عندهم من العمل الصالح ما يتكئون عليه ـ بعد رحمة الله وتوفيقه ـ. ب ـ أن عمل السر يعتبر ميزاناً يزن به العبد صواب طريقه أثناء سيره إلى الله تعالى؛ فإذا رأى المسلم من نفسه قوةً ونشاطاً في عمل الجهر، ويقابله ضعفٌ وفتورٌ في عمل السر فليتهم نفسه، وليعلم ـ حينها ـ أنه لم يسلم من بُنيَّات الطريق. ج ـ حياة شجرة الإخلاص في القلب؛ وذلك أنه لا شيء يعدل عمل السر في إنماء هذه الشجرة، وسقيها وتقويتها. ٢ ـ تعويد النفس على صدق اللجوء إلى الله ـ تعالى ـ والانطراح بين يديه؛ وذلك في كل ما نحتاجه من أمور الدين والدنيا، وقد يكون هذا أمراً بدهياً؛ إلا أنه ـ بكل أسف ـ مما يغفل عنه عامة الناس وخاصتهم، فترى حال الكثير منا ـ حينما تنتابه النوائب ـ يطرق كل باب إلا باب الله تعالى، وإن لجأ إلى الله؛ فعن غير يقين بزوال المكروب، ولا يحتقر الإنسان نفسه لكثرة تفريطه في حق الله تعالى؛ فإن الله لا يتعاظمه سؤال سائل؛ فإذا صدق العبد في المسألة، ووصل إلى درجة المضطر، وأيقن أنه لا كاشف للبلوى إلا هو ـ سبحانه ـ جاء الفرج ممن بيده كل شيء، وله كل شيء. قال ابن القيم ﵀: لا تسأم من الوقوف على الباب ولو طُردت، ولا تقطع الاعتذار ولو رُددت؛ فإن فُتح الباب للمقبولين دونك فاهجم هجوم الكذابين، وادخل دخول الطفيلية» (١) . ومما يساعد في توثيق صلة العبد بخالقه ـ سبحانه ـ معرفة أسماء الله وصفاته، والتأمل في معانيها، وتقليب النظر في لوازمها وآثارها، وهذا له أثرٌ ظاهر في ربط القلب بالله، وقطع العلائق بالمخلوقين. فائدة: قال ابن القيم: «ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألْفَوْها صحيحة: أن من أدمن: «يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت» أورثه ذلك حياة القلب والعقل. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ شديد اللهج بها جداً. وقال لي يوماً: لهذين الاسمين ـ وهما الحي القيوم ـ تأثيرٌ عظيم في حياة القلب» (٢) . ٣ ـ استدامة الذكر في كل الأحوال حتى يكون للإنسان عادة يألفها ولا ينفك عنها. والذكر يجلب الطمأنينة إلى القلب، ويضخ فيه دم القوة والثبات، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ، بل هو من أعظم وسائل الثبات والتماسك في الأزمات والنكبات. قال ـ تعالى ـ: ﴿إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥] . قال ابن القيم ﵀: «السابعة عشرة [من فوائد الذكر] : أنه قوة القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته. وحضرتُ شيخ الاسلام ابن تيمية مرةً صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله ـ تعالى ـ إلى قريبٍ من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ، وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ الغداء سقطت قوتي. أو كلاماً قريباً من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكرٍ آخر، أو كلاماً هذا معناه» (٣) . ٤ - تحديد الأهداف ورسمها على مدى العمر رسماً دقيقاً. والقصد من هذا أن نتجنب السلبية والفوضوية لنتحول إلى الإيجابية والتنظيم، واستشعار قيمة الوقت. ولنعلم أنه إذا اعتادت النفس على أن لا تتحرك في أي اتجاه إلا نحو هدفٍ مرسوم فإنها ـ والحالة هذه ـ ستبدأ باستشعار قيمة الوقت، وسترى منها تململاً حين ضياع الوقت الطويل من غير هدف، ونفرة من مجالس البطالة واللهو، وميلاً إلى مجالس الجد والخير. وهذه لذاتها منزلة رفيعة ينبغي أن نسعى إلى بلوغها. ولذا فغياب الهدف عن حياة الناس (٤) يمثل أزمة حقيقية في الوعي يحسن بالمربين وأهل التربية أن يعتنوا بهذا الجانب، ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن من ضمن المحاور التربوية التي لم تأخذ حقها من الدراسة والإثارة: كيف نصنع الهدف في حياة الناس؟ وهذا لا يمنع وجود الكثير ممن يبحث عن تحقيق هدف ما، لكنه لم يحقق ما يريد، فانتهى الزمن ولم يحصل الهدف!! وشاهد ذلك ما نراه من شتات الجهود، ورجوع الكثير من منتصف الطريق في كثير من المشاريع العلمية أو الدعوية، ونسي أولئك عامل الزمن في الوصول إلى الهدف. وليس القصد هنا بحث موضوع الهدف، وإنما الإشارة إلى أهميته، وافتقارنا إلى صناعته ونشره بين عامة الناس وخاصتهم. وبعد: فقد يتساءل بعضهم: لماذا كل هذه التقاسيم لبناء النفس وهي لم توجد في أدبيات السلف، وإنما غاية أمرهم أن يسمعوا آية من كتاب الله ـ تعالى ـ فتتحول حياتهم رأساً على عقب؟ والجواب أن يقال: أولاً: لا شك أن هذه موجودة في تطبيقات السلف وإن لم يوجد كلام نظري تفصيلي يُمثِّلها. وثانياً: لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أننا نعيش في عصرٍ يختلف عن عصر السلف؛ فنحن في زمانٍ صعب، صعبٍ بحياته الاجتماعية، صعب بنظمه وسلوكياته، صعب بتقلب معاييره، صعب بالانفتاح الذي يلف حياة الناس كلهم؛ ونتيجة لذلك كله أصبحنا نعاني من جفاف ماديٍ رهيب يحكم طوقه على مساحات واسعة من حياتنا. ولذا لا بد من استعمال كل طريق مشروع في الوصول بهذه النفس إلى ما يرضي خالقها قبل أن تقدم عليه. هذا؛ ونسأل الله ـ سبحانه تعالى ـ أن يأخذ بأيدينا إلى الخيرِ والسداد، وأن يثبتنا على قوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5140

لنتعلم.. كيف نتكلم ؟ أسامة علي متولي ـ الصمتَ الصمتَ، فإنه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، وكلُّ لفظٍ يخرج من فمك ستجده في كتابك مسجّلاً عليك ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] . ـ تعلّمْ قولَ: لا أعلم؛ فلا تتكلمْ فيما لا علمَ لك به. يقول ـ سبحانه ـ: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] . ومن هنا يلزم فقه بعض القواعد المهمة في هذا المجال ومنها: - أولاً: قل خيرًا أو اصمت: ليس عيباً إذا سئلت عن شيء لا تعلمُه أن تقولَ لا أدري. يقول ابن جماعة: «واعلم أن قولَ المسؤولِ: لا أدري، لا يضعُ من قدرِه كما يظنُّ بعضُ الجهلة بل يرفعُه؛ لأنه دليلٌ على عظمِ محلِّه، وقوة دينه، وتقوى ربه، وطهارة قلبه، وكمال رفعتِه، وحسن تثبتِه» . - غلِّب الاستماعَ على القول؛ فلك أذنان ولسانٌ واحد، ومع ذلك لا تستهنْ بقدرِ الكلام؛ فهو بداية العمل، ومن أهم وسائلِ الدعوةِ. - أحسِن الإنصاتَ للآخر، أعطِه الفرصةَ لإبداء رأيه وإفراغِ ما في نفسه، كما كان من حديث النبيِّ ﷺ مع عتبةَ بنِ ربيعة، قال ﷺ له: «قل يا أبا الوليد، أسمَع» ولما انتهى عتبةُ من حديثه، قال ﷺ : «قد فرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم! قال: «فاسمع مني........» . - وإذا تكلمتَ فلا تتكلمْ إلا بالخير، ادعُ إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، اتلُ آياتِ القرآن، سبِّح الربَّ الرحمن، أكثرْ من الدعاء ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] ، «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله » (١) . - اذكر الله في حديثك مع الناس، ابدأ باسم الله، ادعُ في ثنايا كلامك لمن يستمع لك: «بارك الله فيك.. جزاك الله خيراً.. حفظك الله....» . - لا تلغُ في كلامك، لا تتحدث بلا فائدة ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ، ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] ، يقول ابنُ مسعود: «والذي لا إله غيرُه ما على ظهر الأرض شيءٌ أحوجُ إلى طول سجنٍ من لسان» (٢) . - اجعل لكلامِك معنًى عميقاً، لا داعي للسطحيةِ غيرِ المجدية، كما في قول أحدهم: الليلُ ليلٌ والنهارُ نهارُ والأرضُ فيها الماءُ والأشجارُ - لا تشارك في المنتديات التافهة، والحوارات الجوفاء، والجدال العقيم؛ فوقتُك الثمينُ لا يسمحُ لك بذلك، ثم إن الجدالَ أحيانًا لا يأتي بخير. يقول ابن عباس: «ولا تمارِ حليماً ولا سفيهاً؛ فإن الحليمَ يقليك، وإن السفيهَ يُؤذيك» (١) ، إلا إذا كانت هناك حاجةٌ وفائدةٌ له. يقول ـ سبحانه ـ: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] . - احرص على صحة كلامك: - فلا تقل: مصادفة، ولكن قل: قدر الله. - لا تقل: لولا الله وفلان، وقل: لولا الله ثم فلان. - لا تقل: لا حول الله، وقل: لا حول ولا قوة إلا بالله. ـ وكن دقيقاً في كلامك، ولتكن معلوماتُك صحيحةً واقعياً وتاريخياً. - ولا تكن ممن يشارك في حواراتٍ عابثة مع ملحدين أو جاهلين أو فسقةٍ منحرفين. فتكون ممن: - يغضب فيتلفظ بكلماتٍ لا ينظرُ عقباها. جراحاتُ الطعان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسانُ قال ﷺ : «ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء» (٢) . - وقد يتعصّب لرأيه، فيتحدّث عن مُناظرِه متكبراً مغروراً بنفسه: «إنه جاهل.. سخيف.. متسرِّع.. فاسد النيّة.. عميل.. خبيث.. مبتدع.. فاسق.. ملعون.. مُلحِد.. كافر» . وربما يعمّمُ في أحكامه تلك، لتكون المصيبةُ أعظم، فيسبُّ أسرةً.. عائلةً.. قبيلةً.. جماعةً.. بلداً.. شعباً.. جنساً.. - يرتكبُ كبيرةً بغِيبةِ إنسان، يأكلُ لحم أخيه ميتاً، مع أن ربَّه نهاه ﴿وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ، ويتتبع عوراتِ المسلمين ليفضحَه ربه. يمشي بين الناسِِ بالنميمة.. فيوقع بينَهم ويُفرِّقُ بينَ قلوبِهم، ليُعذَّبَ في قبرِه قبلَ عذابِ يومِ الدين، ولتقفَ كلُّ تلك الجُموعِ الغفيرةِ التي سبَّها، واغتابَها، ومشى بينها بالنميمة لتأخذَ منه حقَّها من حسناتِه، أو تضع عليه من سيئاتِها، فما مصيرُ هذا التعيس؟ - لا يكتفي بأفٍّ لوالديه، بل إنه الزجر والنهر لهما، ليخسر دنياه وآخرته، مع أن الله ـ سبحانه ـ أمره ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] . بل نُهينا أن نكون مجرّد سببٍ في سبِّهما، يقول ﷺ : «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: يا رسول الله! كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمه فيسب أمه» (٣) . يَكتب شعراً أو نثرا، يتغزّل بألفاظٍ فاحشةٍ بذيئةٍ فاضحةٍ مخجلة، مقتدياً بامرئ القيس حاملِ لواءِ أمثالِه من الشعراء في النار، يدعو إلى الفحشاء، يثيرُ الغرائزَ المُحرَّمة. - يهجو مسلماً، ويُقذِعُ في هجائه، كما كان الحطيئة وضابئ ابن الحارث، لقد سجن عمرُ الحطيئةَ لهجائه الزِّبرقان بن بدر: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ـ يمدح فيبالغ كاذباً أو مشركاً: لقد نهَى النبيُّ ﷺ مادحيه: «لا تُطروني كما أطْرَتِ النصارى ابنَ مريم؛ فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسولُه» (٤) . وأمرنا ﷺ أن نحثوَ في وجوه المدّاحين التراب [في حديث لأبي هريرة في الترمذي] . بل إن المبالغة في المدح تقلِبُه ذمّاً، وقد فعل ذلك المتنبي عامداً في مدائحه لكافور الذي لم يحقق أحلامه، يقول: عدوُّك مذمومٌ بكلِّ لسانِ ولو كان من أعدائك القمرانِ ويقول: وللهِ سرٌّ في علاك وإنما كلام العدا ضربٌ من الهذيانِ - ثانياً: الوضوح وعدم التكَلّف: - لا تتكلمْ بسرعةٍ، تسردُ الحديث سرداً؛ فما كان رسول الله ﷺ يسردُ الحديث سرداً، وإنما يحدّثُ الحديثَ لو عدّه العادُّ لأحصاه. ولكنَّ أحدَنا يتحدّث بسرعةِ سبعين كلمةً في الدقيقة، يستأثرُ بالحديث، يدمنُ الكلامَ ويعشقُه، يخرج من موضوع إلى آخر، وأنت لا تدري: ماذا يقول، ومتى سينتهي؟ - تكلم بهدوءٍ وأريحيّة على سجيّتك، لا تتكلّف، لا تتشدق؛ فلقد كره رسول الله ﷺ الثرثارين والمتشدقين والمتفيهقين. يتكلم بكيفيةٍ تقول للناس: «انظروا كم أنا بليغٌ فصيح، أملك عنان الكلمة، وأعلم ما لا تعلمون» . قال ﷺ : «إن الله يبغضُ البليغَ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها» (٥) . وليكن كلامُك بلسانِ قومِك واضحاً مفهوماً، كما كان رسلُ الله الكرام ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] . تقول عائشةُ ﵂: «كان كلامُ رسول الله ﷺ كلاماً فاصلاً يفهمه كلُّ من يسمعه» (١) . - اجعلْ كلامَك مبسَّطاً مألوفاً.. وابتعد عن الكلام الغريب المعقَّد، الذي عفا عليه الزمان ومات، تريد به أن تُظهر علمَك باللغة، وتتفاخرَ بنفسِك. - لا تكنْ كذلك الأعرابي يبحثُ عن فرسه ومهره: (هل رأيتَ الخيفانةَ القبَّاء يتبعها الحاسنُ المسرهَف؟) . - ثالثاً: الكلام المناسب: - اختر الكلام المناسب للمقام وللمخاطَب، فأنت تكلم الأميرَ بغير ما تكلم به صديقك. - فكيف ستكلّم ربّ العالمين؟ تكلمه ـ جلّ شأنه ـ بكلِّ تذلُّلٍ وخضوع، مُظهِراً بين يديه الضعفَ والفقرَ والحاجة. هذا نبيُّ الله أيوبُ ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] . وموسى ﵇: ﴿رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] . وزكريا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] . ومحمد ﵊: «اللهمَّ إني أشكو إليك ضعف قوتي وهواني على الناس، يا أرحمَ الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي..» . وشاعرنا يناجي ربه: أنا العبدُ الذي أضحى حزيناً على زلاته قلقاً كئيبا أنا العبدُ الغريقُ بلُجِّ بحرٍ أَصيحُ لربما ألقى مجيبا أنا المضطرُّ أرجو منك عفواً ومن يرجو رضاك فلن يخيبا ـ وعندما تُكلِّمُ الخليفةَ أو الأميرَ أو القائد، فأنت دقيقٌ في كلامك، حريصٌ على انتقاء عباراتِك. - أما عامة الناس فأنت تكلمهم على قدرهم، لا تعطيهم من العلم إلا ما يناسبهم. قال ﷺ : «كفى بالمرء إثماً أن يحدِّث بكل ما سمع» (٢) . وقال علي ﵁: «حدّثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يُكَذَّب اللهُ ورسولُه؟» (٣) . وقال ابن مسعود ﵁: «ما أنت بمحدّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٤) . ومن الحِكَم: (لا تعطوا الحكمة لغير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم) . - وانتقاء الكلمةِ المناسبةِ يُظهِر عقلَك وثقافتك؛ فأنت تعلم أن الكلمة العربية لا تساوي مترادفاتِها، فـ «جلس» لا تؤدي معنى «قعد» .. تقول للنائم: اجلس، وتقول للواقف: اقعد. وكذلك «قام» ليست كـ «وقف» . - سمع ابن هَرمة رجلاً ينشد قصيدةً له: بالله ربِّك إن دخلت فقل لها هذا ابن هَرمةَ قائماً بالبابِ فقال ابن هرمة: لم أقل «قائماً» وإنما قلتُ «واقفاً» .. فما الفرق؟ إن القيام يقتضي الملازمة، وكأنما هو حاجبٌ على باب بيتِها، مقيم عليه ليلاً ونهاراً ينتظر الإذن بالدخول، بما يوحي بالمذلة والضّعة والصّغار، أما الوقوف فغير ذلك. - انظر إلى قول النبيّ ﷺ : «طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم» (٥) ؛ فما رأيك لو وضعت كلمة «تحصيل» مكان كلمة «يطلب» ؟ لا شكّ أنه سيأثم الكثير، فطلب العلم يستطيعه كل إنسان، أما تحصيله واستيعابه فهذه نتيجة للطلب، ولا يستطيعها كلُّ إنسان، فما أرحمَ دينَنا! - وهذا حوارُ رجلٍ مع هشام القرطبيّ: الرجل (يسأل هشاماً عن عمره) : ـ كم تعدّ؟ هشام: من واحدٍ إلى ألفِ ألفٍ وأكثر. ـ لم أُرِدْ هذا، كم تعدّ من السنّ؟ ـ اثنين وثلاثين: ستة عشر سناً من أعلى، وستةَ عشر من أسفل. ـ لم أُرِد هذا، كم لك من السنين؟ ـ والله ليس لي منها شيء، والسنون كلها لله. ـ يا هذا، ما سِنُّك؟ ـ عَظْم. ـ ابن كم أنت؟ ـ ابن اثنين: رجل وامرأة. ـ كم أتى عليك؟ ـ لو أتى عليّ شيء لقتلني. ـ فكيف أقول؟ ـ تقول: كم مضى من عمرِك؟ - بل إن حروف الجرّ لا تؤدِّي معاني بعضِها بنفس الدقة. فهذا قوله ـ سبحانه ـ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٤] فحرف الجرّ المناسب للعلوّ هو «على» ، ولكن عندما تسمع كلمة «علا» يتطاولُ عنقُك إلى السماء، تبحث عن هذا العالي، وإذا بك تفاجأ بأنه مهما علا وعلا فهو في الأرض. وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل، ولكن «في» تدلّ في حقيقتها على أنهم داخل جذوع النخل، وكأنهم من شدة إيثاقهم وتعذيبهم أصبحوا داخل جذوع النخل. وتأمّل رحمةَ الله ـ سبحانه ـ بأمّةِ محمّد ﷺ في قوله ـ جلَّ شأنُه ـ: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] ولو قال: في، بدل: عن؛ لهلَكْنا، لماذا؟ - وينبغي مراعاةُ مناسبةِ حديثِكَ للزمن المتاحِ لك؛ فلا تفتح مواضيعَ ربّما يطولُ لها الوقت. - ولا مانعَ من إعداد النقاطِ الرئيسةِ لحديثِك ولو كان معَ فرد. - ولو ارتجلتَ الحديثَ فكُن حاضرَ الذهن، دقيقاً في كلامِك، وبخاصّةٍ لو كنتَ رجلاً مسؤولاً؛ إذ تُحسَبُ كلُّ كلمةٍ لكَ أو عليك. - لاحظ تعبيراتِ مستمِعِك؛ فإن لاحظتَ تجاوُبَه معكَ، وفهمَهُ لحديثِك، وإلا فأنْهِ حديثَكَ النهايةَ المناسبة. - كما تراعي حالةَ المستمعِ نفسِه؛ فإن كان مريضاً؛ فهل يجوزُ أنْ تحكيَ له قصةَ مريضٍ بنفسِ مرضِه قد تُوُفِّي بسببِ هذا المرض؟! - وإنْ أردت حديثاً قد يطولُ مع أحد أصدقائِك في الهاتف، فاسألْه سؤالاً صريحاً: هل عندك الاستعداد للحديث الآن؟ أم أنّ هناك وقتاً أنسبَ لك؟ متى؟ فأنتَ لا تراهُ، ولا تعلمُ ما ظروفُهُ الآن. - رابعاً: الترتيب: - ابدأ كلامك بالأهمِّ ثم المهم؛ فإذا أردت أن تدعو رجلاً لا يصلي، ويلبس ثوباً طويلاً، ويدخن، فبأي شيء ستبدأ؟ وإذا أرادت امرأةٌ أن تدعوَ كافرةً للحجاب، فكيف ستدعوها؟ - احرص على ترتيبِ كلماتك حتى في الجملة الواحدة. - انظر إلى قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] . هناك فرقٌ هائل بين ذلك وبين قولك: أأنتم تعبدون ما تنحتون؟ في الآيةِ الكريمة إنكارٌ لعبادة الأصنام، سواء أكانت من أولئك القوم أم من غيرهم. أما القول الآخر فهو إنكارٌ أن يكونوا هم عبدة الأصنام، أما غيرهم فلا مانع. ما الفرقُ بين قولك لابنك منكراً: أتكذب؟ وبين قولك له: أأنت تكذب؟ - وإذا كان المجال فيه بشرى وسعادة؛ فابدأ البشرى. فإذا أردت أن تخبر طالباً بنجاحه؛ فكيف سترتب كلامك؟ (يا زيد، لقد ذهبتُ إلى مدرستك، وكنتُ أعرف أحد العاملين بها، وسألته عن نتيجتك، وبعد طول بحث وو........ نجحت) . أم تبدأ بتبشيره: (نجحت يا زيد......) ثم تقص القصة؟ - تأمل قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] . يقول الشاعر: سعدت بغرة وجهك الأيام وتزينت ببقائك الأعوام ـ وتقديم ما حقّه التأخير قد يفيدُ معاني جديدة، كتقديم الجارّ والمجرور أو الظرف للاختصاص. مثل: (الملك لله) لا تدل على نفس معنى (لله الملك) . الجملة الثانية تدل على أن الملك لله وحده لا شريك له. ما الفرق بين قولك: (هذه الهدية لخالد) وقولك: (لخالد هذه الهدية) ؟ - كما يحسُن أحياناً أن تبدأ بما يُشوِّق لتجعل مستمعَك متلهّفاً حريصاً على تكملة الكلام والانتباه له. - يقول ﷺ : «ثلاثُ دعواتٍ مستجابات لا شكَّ فيهنّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد» (١) . تخيّل لو كان الترتيبُ طبيعيًّا هكذا: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد.. ثلاث دعوات مستجابات. هل تجدُ فيها ذلك الجمالَ والرونق، وتلك الجاذبيةَ والبهاء؟ - تأمل: «منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال» .. «عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله» (٢) . - وأنت تعلن نتيجة إحدى المسابقات التي تقودُها، أتقول: (ثلاثة فازوا: زيد.. وخالد.. وعمرو) أم تقول: (زيد وخالد وعمرو: ثلاثة فازوا) ؟ - خامساً: الذوق: - باسطْ جلساءك عند الحديث، تواضعْ لهم، لا تكلمْهم من علٍ، اسأل عن أحوالِ مَنْ تكلِّمُه، فإن معظمَ الناس لا يهتمون بما لديك من معرفة إلى أن يعرفوا قدر ما لديك من اهتمام بهم. - اجعل في ثنايا كلامك، بعضَ ألفاظ الاحترام والتقدير لمحدثِك، كبيراً كان أم صغيرا، مثل: (من فضلك.. لو سمحت.. عن إذنك.. يا أُخيّ.. يا عمي.. يا شيخي.. يا مولانا.. يا بُنيّ....) وهذا هو الذوق، وتلك هي الكياسة. - وأثناء حديثِك حافظْ على ابتسامتك اللطيفة المناسبة، يقول أبو الدرداء ﵁: «ما رأيتُ أو سمعتُ رسولَ الله ﷺ يحدّث حديثاً إلا تبسّم» (١) . إنّ للابتسامةِ وتعبيراتِ الوجه أثرَها في المستمع، فهي تدلُّ على كرمِ الأخلاق، وحسنِ السجيّة، وطيبِ الطويّة. يقول زهير مادحاً: تراهُ إذا ما جئته متهللاً كأنّك تعطيه الذي أنت سائلُهْ - راعِ نبرةَ صوتِك أثناء حديثِك، ومدى مناسبتِها للموضوع وللمخاطَب، فلها أثرٌ عظيمٌ في معنى الكلام. فإذا قلتَ: ما هذا؟.. أو نَعم.. أو من أنت؟.. بصوتٍ عالٍ.. أو بصوتٍ طبيعيٍّ.. أو بنبرةٍ ساخرة.. أو بلهجةٍ متكبرة.. (جرّب الآن، وانظر الفرق) . ولكن، قد نحتاج إلى الصوت العالي في بعض الأحوال، ومنها: الإهلال بالحج والعمرة.. الأذان.. التلبية في الحج.. التأمين في الصلاة الجهرية.. الخطبة وموعظة الناس. عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسولُ الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتدّ غضبُه، حتى كأنه منذرُ جيشٍ يقول صبّحكم ومسّاكم» (٢) . - وراعِ كذلك إشاراتِك ونظراتِك، فالإشارة تدلّ على الاحترام أو الاحتقار، وطريقة النظر تتكلم، وحركة الحواجب تنطق، وتقطيبة الجبين تقول، أمَّا لوي العنق وتصعير الخدّ فهو الكبْرُ عينه. يقول ـ سبحانه ـ: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] ، والهمزة: هو الذي يعيب الناس، ويطعن عليهم بالإشارة والفعل. - إياك والكلماتِ الفاضحةَ غيرَ المهذّبة؛ فهذه فحشاءُ لا يحب المؤمن إشاعتَها، وفي الكناياتِ مخرج، يغلِّف الكلامَ بغلافِ الأدبِ والحشمةِ والجمال. انظر إلى تعبير قرآننا العظيمِ عن الجماع: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] . ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] . ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] . ﴿فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . ﴿وَإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . - ومن كناياتِ العرب: لسانه طويل (لبذيء اللسان) . نشر غسيله (لمن فضح نفسه) . نؤوم الضحى (للمُنعَّمَة المترَفة) . أوانيه نظيفة (للبخيل) . قلبه في جناحي طائر (للخائف) . نقية الثوب ـ (للعفيفة) . ذهبت إحداهن تشكو فقرها للخليفة، فقالت: أشكو إليك قلّة الجرذان في بيتي. - لا تكثر من قول: «أنا» .. «عندي» .. «في رأيي» حذرَ التكبُّر، كما حدث من إبليس اللعين: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] ، وفرعونَ الهالك: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] . وقارونَ الخاسر: ﴿قَالَ إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: ٧٨] . - إذا نصحتَ فلا توجِّه الاتهام لمن تنصحه مباشرةً، ولكن هناك طرق عديدة لطيفة، منها: (ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا؟.. هناك مشكلة عند أحدهم أريد أن أستشيرك في حلّها.. قرأت هذا الكتاب الجميل، وهو لك، اقرأه وقل لي رأيك فيه.. استمع إلى هذا الشريط، سيعجبك.. نريد أن نقوم ببحث في موضوع كذا، فعليه جوائز قيمة) . لا تحاصر من تستجوبه، فإذا أخطأ أحدٌ، وعرفتَ خطأه، وأخذتَ تعاتبه؛ فإنه سيحاول أن يبرّر لك فعلته، وهو نادمٌ عازمٌ على عدم العودة لمثله، فاتركْ له فرصةً للهرب، واستجِب لتبريره، واعفُ واصفحْ يغفرْ لك ربُّك. - سادساً: تنويع الأساليب: - تنقّل في حديثك بين مختلف الأساليب. ـ فما بين أسلوبٍ خبريّ، مثل: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] . ومثل: «المسلمُ مَن سلِم المسلمون من لسانِه ويدِه» (٣) . ومثل: كلُّ الحوادثِ مبداها من النظرِ ومعظمُ النارِ من مُستصغَر الشررِ ـ وأسلوبٍ إنشائيّ، مثل: - الاستفهام: ما رأيُك في كذا؟ هل تصدِّق هذا؟ قال ـ سبحانه ـ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ [الكهف: ١٠٣] . - والأمر: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] . - والنهي: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢] . ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . والنداء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] . يقول ﷺ مخاطِبًا الأنصار: «يا معشرَ الأنصار! ما مقالةٌ بلغتني عنكم وموجِدةٌ وجدتموها في أنفسكم؟» (٤) . والتمني: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ [الأنعام: ٢٧] . ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: ٧٩] . ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] . - سابعاً: الإيجاز والإطناب: - أوجز كلامك، لا تُطِل إلا لضرورة. - انظر إلى هذا الإيجاز الرائع في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] . إنها كلمات موجَزة معدودة، تحمل أعظمَ المعاني، ففي الجنة نعيمٌ لا مُنتهى لحسنه، فكلُّ ما تشتهيه نفسُك من مطاعمَ ومشاربَ وملابسَ ومساكنَ ونساء و.... ستجده. - وفي رسالة محمدٍ ﷺ إلى كسرى: «أسلِم تسلَم» (١) . وقوله ﷺ : «اعقلها وتوكّل» (٢) . أما الإطناب والزيادة في الكلام، فهو لفائدةٍ يقتضيها المقام. - كالتلذُّذ بالكلام مع من تحب، كما في جواب موسى ﵇ على رب العزة ـ جلّ شأنه ـ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٧ - ١٨] . ولم يكن الجواب على قدر السؤال: (عصا) . فهو ﵇ لا يريد أن ينهيَ حديثه مع ربه سبحانه. - أو للتهديد، كما في قوله ـ سبحانه ـ: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ - ٤] . - أو لبيان أهمية شيء خاص، كما في قوله : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . مع أن الصلاة الوسطى من الصلوات. وفي قوله ـ سبحانه ـ: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] . - أو للتأكيد، كما في قوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] . وفي قوله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] . وكأن تشرح درساً أو تفصل موضوعاً أو توضح مبهماً، كما كان النبيُّ ﷺ : «إذا تكلَّم الكلمة أعادها ثلاثاً حتى يفهمَ أصحابُه عنه» (٣) . المهم، لا تتكلمْ كلامًا زائدًا بلا فائدة. - ثامناً: الصور البيانية: وما أجملَ أن تُزيّن كلامك بصورٍ بيانيّة جميلة، تُبهج النفس، وتُنعشُ القلب. - تأمل هذه التشبيهاتِ الرائعة: يقول ـ سبحانه ـ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣] . ويقول : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] . وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] . ويقول ﵊: «إيّاكم والحسد؛ فإن الحسدَ يأكلُ الحسنات كما تأكل النار الحطب» (٤) . ويقول البوصيري: والنفسُ كالطفل إن تهملْه شبَّ على حُبِّ الرضاعِ وإن تفطمْه ينفطمِ ويقول البحتري مادحاً: دنوتَ تواضُعاً وعلوتَ قدراً فشأناك ارتفاعٌ وانخفاضُ كذاك الشمسُ تبعدُ أن تُسامَى ويدنو الضوءُ منها والشعاعُ ويقول بشّار بن بُرد يصفُ معركة: كأنّ مُثارَ النَّقعِ فوقَ رؤوسِنا وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُه - وانظر تلك الاستعارات الجميلة: يقول ـ سبحانه ـ: ﴿وَالصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] . وقال ﷺ : «بُنِي الإسلامُ على خمس....» (٥) . وفي الشعر: قال أبو ذؤيب الهذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارَها ألفيت كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ وقال التهامي يرثي ابنه: يا كوكباً ما كان أقصرَ عمرِه وكذاك عمرُ كواكبِ الأسحارِ ـ وهذا المجاز المرسل. يقول ـ سبحانه ـ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩] . فهم يضعون أطراف أصابعهم فقط في آذانهم، لكن من شدة الخوف كأنهم يحاولون وضع كامل أصابعهم فيها. ويقول : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨] . فهو لن يدعو النادي، وإنما سيدعو أصدقاءه من النادي، ولكن فليدع جميع الأصدقاء، وإن استطاع أن يأتي بالمبنى نفسِه فليأتِ به، وسوف يرى. - تاسعاً: البديع: - لا بأسَ في كلماتك بشيءٍ من البديع الجميل غيرِ المُتكلَّف، تشرئبُّ له أعناقُ المستمعين، ويترك للكلام وقعَه الأخّاذَ المبهرَ للنفوس، فالبديعُ في الكلام كالملحِ في الطعام، يعطيه طعماً لذيذاً. ـ تأمّل هذه الفواصلَ البديعة في كتاب ربنا جل شأنه. يقول ـ سبحانه ـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] . ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٤] . ـ وهذا السجع الجميل في قوله ﷺ : «.... اللهمّ أعطِ منفقاً خلفاً،.... اللهمّ أعطِ ممسكاً تلفاً» (١) . ـ وهذا الجناس المبهِج في مثل قوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] . ـ وهذا الطباق الأخّاذ في قوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢] . ـ والتورية المشوّقة في قول أبي بكر عندما سأله رجل أثناء هجرته: من هذا؟ يعني رسول الله ﷺ . فقال أبو بكر: هادٍ يهديني. فلكلمة «هاد» معنيان: معنى قريب غير مقصود يفهمه المستمع، وهو «دليل» ومعنى بعيد مقصود، وهو من الهداية والإرشاد، وذلك لخوفه ﵁ على حبيبه المصطفى ﷺ . - عاشراً: الصدق: - امزجْ كلماتِك بعاطفتِك الجيّاشة، وإحساسِك الصادق، فأنت منتبهٌ لما تقول، منفعلٌ به، متفاعلٌ معه. تتحدّث عن الآخرة، وأمام ناظريك الجنة والنار كأنّك تراهما رأي العين، وعندما تصف معركةً، فإنك تستحضرها، وكأنك تخوض غمارها. - وليخرجَ الكلام من القلب فأنت تمارس وتطبق وتعمل، لتتحدثَ عن قيام الليل تجعلُ لنفسك منه حظاً، ولتتكلمَ في صيام النفل فإن لك منه نصيباً، ولتلقي موعظةً في الموت فأنت من زوّار المقابر. ساعتئذ سترى أثر كلماتك، وما خرج من القلب يصل إلى القلب. ـ احذر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] . ـ ومن الكذِب حديثك في موضوعٍ تظهر فيه أنك عالمٌ به، ملمٌّ بأطرافه، وأنت لا تعلم عنه شيئاً. ـ وأنت عندما تحاور أو تناظر أو تخاصم.. فإن هدفَك الأسمى هو الحقّ، فإن ظهر لك الحقُّ قبلتَه، وخضعتَ له. يقول الشافعيّ ﵀: «ما ناظرتُ أحداً قطّ إلا أحببتُ أن يُوفَّق ويُسدّد ويُعان، ويكونَ عليه رعايةٌ من الله وحفظ، وما ناظرتُ أحداً إلا ولم أبالِ: بيّن الله الحقَّ على لساني أو لسانِه» . - والمؤمن لا يكذب أبداً، يقول ﷺ : «يُطبَع المؤمن على الخلال كلها، إلا الخيانة والكذب» (٢) . الكذب على دين الله من أقبح المنكرات، قال ﷺ : «إن كذباً عليّ ليس ككذبٍ على أحد، فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار» (٣) . بل ولا يكذب في المزاح، قال ﷺ : «ويلٌ للذي يحدّث بالحديث ليضحك منه القوم فيكذب، ويلٌ له، ويلٌ له» (٤) ، ويقول ﷺ : «إن العبدَ لَيقولُ الكلمة، لا يقولها إلا ليُضحكَ بها المجلس، يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض، وإن المرءَ ليزلُّ عن لسانه أشدّ مما يزلّ عن قدميه» (٥) . - لا تكثر من الأَيْمان في حديثك بغير داعٍ، فأنت صادقٌ لا تحتاج إلى اليمين إلا إذا أردت تأكيداً أو تحذيراً. - حادي عشر: التضمين: - ضمِّن كلامك آياتٍ كريمةً، وأحاديثَ شريفةً، وأشعاراً وحِكَماً وأمثالاً تزيّن الكلام وتجمّله وتدعّمُه، وتكسِبه تأثيراً وإقناعاً. لا تكلم المتحدث فيما لا يعلمه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . تقول للخائف على رزقه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] . تقول للمجاهر بفاحشته: «لو كان الحياء رجلاً لكان رجلاً صالحاً، ولو كان الفحشُ رجلاً لكان رجلاً سوءاً» (٦) . تُحدّث طالباً يريد النجاح ولا يذاكر: ترجو النجاةَ ولم تسلكْ مسالكَها إن السفينةَ لا تجري على اليبسِ تنظر أحوال أمتنا المسلمة: من يهُنْ يسهلِ الهوانُ عليه ما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ ترى ازدحاماً على باب كريمٍ أو عالمٍ: يزدحمُ الناسُ على بابِه والموردُ العذبُ كثيرُ الزحامِ تُكلّم من يريدُ أن يبلغ أعلى مكانة: تهون علينا في المعالي نفوسُنا ومن يخطبِ الحسناء لم يُغلها المهرَ وإذا رأيت شخصاً يتبسّم لآخر، وأنت على يقينٍ أنه يُضمرُ له الشرّ: إذا رأيت نيوبَ الليثِ بارزةً فلا تظنّنّ أنّ الليثَ يبتسمُ ولو رأيت أحد الناجحين المجتهدين أخفق مرةً: لكل جوادٍ كبوة، ولكل سيفٍ نبوة. ولو جمع أحدُهم بين خصلتين رديئتين: أحشَفاً وسوءَ كَيْلة؟ وإذا قصّر شخصٌ في أمرٍ طُلب منه، ولم يتقنه: ما هكذا تُورَدُ يا سعدُ الإبلُ. ولو سمعت من يعيبُ شعراً جميلاً أو عالماً جليلاً: ومن يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ يجدْ مُرا به الماءَ الزُّلالا أو: قدْ تُنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدٍ وينكرُ الفمُ طعمَ الماء من سقمِ - ثاني عشر: وأخيراً: هذه وصايا أخرى سريعة: ١ - كن واثقاً من نفسك عندما تتكلّم، لا تتلعثم مهما كان محدثُك، واحرص على عدم تكرار لفظ معيّن يدل على عدم تمكُّنك، مثل: آآ آ.. أم أم أم. ٢ - تدرّب على الكلام الصحيح؛ فإنما العلمُ بالتعلُّم. قال أحد الحكماء: «اللسان عضوٌ؛ فإن مرّنته مرن، وإن تركته حرن» وقال آخر: «أخزى الله المساكتة، ما أفسدها على اللسان، وأجلبَها للعيّ» . تمرّن وتمرَّس لترفعَ جوْدتَك؛ فإننا في حاجةٍ لتطوير أنفسِنا مدى الحياة. شاركْ في البرامجِ والحوارات، والجرائدِ والمجلات فتنمو مهارتُك، وينتشر علمُك. ٣ - نظّفْ قلبَك، فما في القلب يفضحُه اللسان، فاحذر الغشّ والحسد والحقد والكبر. ٤ - لا تتكلمْ وأنت غضبان، فما يخرج عند الغضب لا تُحمد عقباه. ٥ - أعطِ كلَّ موضوعٍ حقّه، فلا تكثرِ الكلام في موضوعٍ لا يستحقُّ على حساب الأهمّ. ٦ - لا تخرج من موضوعٍ إلى آخر بدون نظام، فكثرةُ الكلام يُنسي بعضُه بعضاً. ٧ - اجعل في كلامِك بعضَ الطُّرَف والمزح الجميلةِ الصادقة، يقول الشاعر: والنفسُ تسأمُ إن تطاول جدُّها فاكشف سآمةَ جدِّها بمزاحِ ٨ - لا تفقدْ خلقَك مع من لا خُلُقَ لهم؛ فهذا رسول الله ﷺ كما روت عائشة ﵂ تقول: استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال: «بئس أخو العشيرة هو» فلما دخل انبسط إليه وألان له القول؛ فلما خرج قلت: يا رسول الله! حين سمعت الرجل قلت: كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال: «يا عائشةُ! متى عهدتِني فاحشاً؟ إن من شر الناس عند الله ـ تعالى ـ منزلةً يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه» (١) . ٩ - تعلّم قواعد لغتك، وأكثِر من القراءة في كتابِ ربِّك سبحانه، وحديثِ نبيِّك ﷺ ، واقرأ في كتب الأدباء شعرِهم ونثرِهم.. يستقمْ لسانُك. ١٠ - خالط الفصحاءَ والبلغاء، وعايشْهم، واسمعْ منهم، واحضرْ ندواتِهم ومحاضراتِهم ومحاوراتِهم. ١١ - ربِّ ابنَك ومنْ تقومُ على تربيتِه، ربِّهم على مهارة الكلام، بتفهيمهم أهميةَ الكلام للإنسان، ثم بتدريبهم على القراءةِ أمامَ الآخرين، والخطابةِ، والمشاركةِ في إذاعةِ المدرسة، ومتابعة حسن الإعداد. واحذر إذا أردتَ أن تعلّمه الجرأة أن تفرح له إذا سمعتَه صغيراً يسبُّ ويلعن، متعلّماً من بيته، أو أنّ تربيةَ الشوارع قد ملأت كيانه، ولكن بادر بالعلاج بحزمٍ وحكمة. ١٢ - حدِّد الهدفَ دائماً من حديثِك: أهوَ للتحفيز، أمْ للتسليةِ، أمْ للدعوةِ، أم لأخرى؟ وبتحديدِ الهدف يتحدَّد مسارُ الحديثِ وكيفيَّتُه. ١٣ - حاسب نفسك بعد كلِّ حديثٍ أو حوار، وانظر السلبيات لتتلافاها، تعلَّمْ من نفسِك ومن الآخرين، قلِّد الناجحين والمبدعين، طبِّق ما تعلمتَه بعد تعديله بما يناسب. أخي: أمسكْ عليك لسانَك، اشغلْه بالخير، مرِّنْه على الذوق.. تسلمْ ويسلمْ دينُك

стр. 5141

هكذا حدث التاريخ أحمد الصابطي سطَّر التاريخ في الماضي بنوده وروى السائر والساكنَ والجرح وأفراحاً عديدة سطر التاريخ آلاف الحكايا والروايات بأقلام جديدة سطر التاريخ آلافاً من الشعر ولكنْ لم يغيِّر في ثناياها سوى شيئين هما نغمةُ الوزن وعنوان القصيدة كل ما سطره التاريخ مكرور معادْ أيها النائم عفواً كفّ عن هذا الرقادْ وانفض الترب وأكوام الرمادْ وتحرك بالمعاني في ميادين الجهادْ لا تكن كوم عظامٍ تحته عقل وقلب من جمادْ لا تكن ممن يغطيه حجاب السنواتْ ويرى اللحظة منزوعاً جناحاها بعصر القنواتْ ويرى البسمة في ثغر عدوٍ مثلِ ذئب الفلواتْ ويرى الناب ملاذاً لأحرِّ القبلاتْ هكذا تمتزج اليوم حروف الكلماتْ هكذا تُخْلط في سمع غبيٍّ لهجاتٌ ولغاتْ وتعاد النكباتْ وتصاغ الحسراتْ ويهودٌ هيكليُّون يبيتون على شط الفراتْ والصليبيون عاثوا في البلاد اليعربياتْ ويغطون عناوين الأزماتْ أيها النائم في حضن الشهواتْ أيها القابع في كهف الشبهاتْ كيف تنسى واعظ الشرع الحكيمْ كيف تنسى قصة الماضي الأليمْ كيف تنسى ما حكاه الدهر عن غدر اللئيمْ هكذا تأتي جيوشٌ وجيوشْ ليس في العدة فرق بين رومٍ وحبوش ليس في الخسة فرق بين هولاكو وجنكيز وبوشْ كيف نعطي اللعنة ذاك وذاك وهذا نال مفتاح العروشْ يا بني قومي ذوي الدرب القويمْ إنني أقسم بالله العظيمْ أن سطراً من دم الحرّ الشهيدْ سوف يربو فوق آلاف السطور السودِ من ذكرى خياناتِ العبيدْ سوف يعلو في شموخٍ صفحة التاريخ في اليوم السعيدْ إنني أقسم بالله المجيدْ أن رايات المآسي لن تسودْ ونداءَ الحق حتماً سيعودْ وقريباً يقتل الحيّةَ أشبالُ الأسودْ وهنا ينطق صخرٌ والشجيرات تناديك وتغري باليهودْ لا يغرّنك صمتٌ في فم الغرقدِ فالغرقد جزء من يهودْ هكذا حدثنا الصادق يوماًَ ورواها بأسانيد جدودي عن جدودْ وسيأتي ذلك اليوم السعيدْ إن في التاريخ آلاف الشهودْ إن في التاريخ آلاف الشهودْ

стр. 5142

حوار مع الدكتور محمد بشار الفيضي الناطق الرسمي لهيئة علماء المسلمين: لا يمكن أن يبدأ أي مشروع مالم يغادر المحتل أجرى الحوار: إبراهيم جاسم شغلت هيئة علماء المسلمين في العراق الناس منذ ظهورها؛ فهي تمثل أبرز مرجعية سنية في العراق، وقد حاولت أن تجمع أغلب أطياف الشعب العراقي، وتبنت مقاومة الاحتلال منذ أول يوم وكانت لها مواقف مشهودة في ذلك. والدكتور محمد بشار محمد أمين الفيضي عضو تأسيسي للهيئة، وعضو الأمانة العامة لها، والمتحدث الرسمي باسمها، إضافة إلى كونه رئيس قسم الحديث في الجامعة الإسلامية في بغداد، وإمام وخطيب جامع طيبة في بغداد، التقت به البيان للحديث عن العراق في الظرف الراهن والمستقبل ودور الهيئة. وكنا نتمنى أن نستكمل معه أطراف المستجدات الأخيرة، لكن أوضاعه الأمنية لم تسمح له بذلك خاصة بعد مقتل أخيه عضو هيئة العلماء ﵀. البيان ترحب بكم فضيلة الشيخ، وتشكركم على إتاحة الفرصة لهذا اللقاء. الدكتور الفيضي: شكراً جزيلاً وأنا أرحب بها أيضاً في هذا اللقاء للمرة الأولى. البيان: لنبدأ حوارنا فضيلة الدكتور بتعريف قرّاء البيان بهيئة علماء المسلمين. - هيئة علماء المسلمين تشكلت بعد سقوط النظام بأربعة أيام لمعالجة مشكلات أفرزها الاحتلال؛ منها الفراغ الإداري فيما يخص إدارة المساجد خصوصاً؛ ومنها معالجة مشكلة الطائفية التي بدأ المحتل يضع بذورها كمقدمة لحرب أهلية؛ ومنها مشكلة موالاة المحتل؛ فقد كانت هناك مشاعر بالرضا بالوجود الأمريكي، وكنا نعلم خطورة ذلك، ولذلك أيضاً بدأ العمل منذ الأيام الأولى بتثقيف الشعب على البراءة من الاحتلال، وأن لا يغتروا بالشعارات؛ لأن التأريخ يشهد بأنها مزيفة، وأن هناك أهدافاً خطيرة من وراء هذا الاحتلال. هذه هي المحاور الثلاثة التي بدأت من خلالها الهيئة أعمالها. بدأت بهيئة تأسيسية تكونت من عشرين عضواً، ثم تحولت الهيئة التأسيسية مع عشرين آخرين دخلوا إليها فيما بعد إلى مجلس شورى، انبثق من مجلس الشورى الأمانة العامة بثلاثة عشر عضواً، وعبر الانتخابات كان أمينها العام الشيخ د. حارث الضاري. البيان: هل لديكم برنامج سياسي تقدمونه للناس؟ وهل تنطلقون فيه من منطلق ديني أم من منطلق وطني؟ - نحن بصفتنا مرجعية دينية لا بد أن نكون بمستوى المسؤولية؛ لذلك لدينا برنامج سياسي ينطلق بالدرجة الأولى من الثوابت الشرعية، ويراعي كذلك المصالح الوطنية؛ لأننا نعتقد أنَّ المحافظة على الوطن جزء من الدين حسبما يقول سيدنا المصطفى ﷺ : «من قاتل دون ماله فهو شهيد، ودون أهله فهو شهيد، ودون دينه فهو شهيد» . نسأل أين يوجد هؤلاء؟ يوجدون على الأرض؛ فبالضرورة أن يكون مَنْ قتل دون أرضه فهو شهيد كذلك. أما مشروعنا السياسي فهو يركز بالدرجة الأولى على المشكلة الكبرى وهي الاحتلال، لا يمكن أن يبدأ أي مشروع ما لم يغادر الاحتلال أرض العراق، ونعتقد أنَّّ الدعوات التي تدعو لقبول المشاريع السياسية في ظل الاحتلال تضمن تكريساً لوجود الاحتلال، وهي من الخطورة بمكان؛ بحيث لا تقل آثارها السلبية عن الاحتلال نفسه، أما بعد أن يمنَّ الله علينا بجلاء الاحتلال؛ فنحن مع الانتخابات التي تُمنَح للشعب العراقي ليمارسها بحرية، وينتخب القادة الذين يعقد عليهم الآمال، والشورى ثابتة من ثوابت الدين. البيان: لِمَ هاجمتم قانون الدولة المؤقت، ورفضتم المشاركة في الجمعية الوطنية؟ وما موقفكم من الانتخابات القادمة؟ - القانون المؤقت نحن سميناه مؤامرة، والمتأمل في فقراته يجد أنَّ في كل فقرة فيه شيئاً من السم ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، أراد هذا القانون أن يسوغ الوجود الأجنبي، وأن يسمح ببيع منشآت العراق، وأن يسمح بدخول الوافدين إليه، والعمل على أرضه، من دون قيد أو شرط، وأن يلغي التوجه الإسلامي لأبناء هذا البلد، وفيه مشكلات كثيرة أعربنا عنها في وقتها، لا يمكن أن تثق بقانون يضعه جلادوك، ونحن نعتقد أنَّ القانون لم يُصَغ من قِبَل أعضاء مجلس الحكم كما يُشاع، وإنما هو قانون جيء به جاهزاً من شخصيات غربية، ومن الطريف أننا وجدنا فيه فقرة تؤكد هذا؛ إذ تناقش هذه الفقرة قضية العبيد، وقضية العبيد عندنا في العالم الإسلامي انتهى أمرها منذ أمد، لكنها إلى حد قريب كانت موجودة في أمريكا، فحتى هذه غفل من وضع القانون فنقلها إلينا بحماقة، ولعلها من لطف الله ليترك هذه البصمة لتدل على أنَّ القانون أمريكي، نحن نرفض صياغة أي قانون يتجاهل ثوابت الإسلام، نحن مسلمون، ومن حقنا أن نختار القانون الذي يلائمنا. أما الجمعية الوطنية فنحن لم نشارك فيها، وقلنا إنَّ هذه الجمعية لن تحصل على الثقة، وفي لقائنا مع الأخضر الإبراهيمي سلمنا له مقترحات كانت رائعة جداً لو تم الأخذ بها، وكان من الممكن أن تحل المشكلة العراقية إلى حد كبير، ويوم جاء الإبراهيمي رأينا أنه نوّه بالكثير من هذه المقترحات التي رفضها الأمريكيون ورفضها أعضاء مجلس الحكم. البيان: ما هي هذه المقترحات؟ - نحن اقترحنا أن تشكل الحكومة العراقية الحالية من غير أعضاء مجلس الحكم، وقلنا إنَّ هؤلاء الأعضاء تعرضوا لفقدان الثقة فلا يمكن أن تُشكَل الحكومة الحالية منهم، وهذه مرحلة حساسة يُفترَض أن يقتنع من خلالها الشعب العراقي بأعضاء الحكومة ليتعاونوا معها، وقلنا لا بأس من تشكيل لجنة من الأمم المتحدة تتقدم إليها شخصيات مختارة تمتحنهم، وتنسب إليهم المهام حسب الاختصاص والكفاءة، وأن تشارك في هذا جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وقلنا أيضاً لا بد أن يخرج الأمريكيون من المدن كمرحلة مؤقتة، وأن تباشر هذه العملية برمتها الأمم المتحدة باعتبارها طرفاً محايداً إلى حد ما، وهي في قضايا كثيرة ليست محايدة حين تتعرض للضغوط الأمريكية، ولكنها في قضية العراق هناك نوع من الثقة بها بسبب أنها رفضت أن تمنح الأمريكيين إذناً بغزو العراق؛ هذا الرفض جعلها تتمتع بشيء من المصداقية، فقلنا لو أنَّ الأمم المتحدة باشرت هذا الموضوع فإننا نعتقد أنَّ الشعب العراقي سيستقبل فكرة الحكومة الجديدة، ولكن رُفِضَ هذا الأمر من قِبَل الأمريكيين، وتمت صياغة الحكومة بطريقة تتضح عليها آثار التدخل الأمريكي، لذلك قلنا من أول يوم تشكلت فيه: إن َّ هذه الحكومة لن تحظى بثقة الشعب العراقي، وستتعرض للطعن، وقلنا: نتوقع أن تشهد الأشهر السبعة القادمة تصاعداً غير طبيعي للمقاومة، وحدث ما كنا توقعناه، وللأسف الشديد أن بعض مواقع شبكة المعلومات الدولية قالت (ومن أين للفيضي علم بهذا هل نزل عليه الوحي؟) . أنا أتعجب من اعتراض كهذا الذي لا يحتاج إلى وحي، والوحي من الله قد انقطع منذ انتقال سيدنا المصطفى ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ولكن من البديهيات السياسية لكل مشتغل في عالم السياسة، أو لديه معلومات متواضعة يعلم أن حكومة يضعها المحتل لن تحظى بالثقة، وستقاوَم من قِبَل الشعب. أما بالنسب للانتخابات القادمة فنحن لدينا مواقف ثابتة منبعثة من ثوابتنا الشرعية؛ قلنا إنا لن نشارك في أيّ عملية سياسية تجري في ظل الاحتلال، أو بإشرافه؛ لأنَّ هذه العملية لن تحظى بالمصداقية، ولن تكتسب الشرعية، وكما قلت سابقاً لا يمكن أن تُسنِد إلى الجلاَّد مشروعاً مهماً مثل هذا المشروع، ولكن جدَّ جديد في حينه هو فكرة انعقاد مؤتمر في القاهرة، ورافقه مقترح فرنسي رأيناه خطوة في الاتجاه الصحيح تضمّن بندين مهمين: ١ ـ أن يتضمن المؤتمر جدولاً زمنياً لانسحاب قوات الاحتلال. ٢ ـ أن تشارك أطياف الشعب العراقي في المؤتمر، ومنها أبناء المقاومة العراقية (١) . قلنا إذا أُخِذَ هذا المقترح بعين الاعتبار فنؤجل كلمتنا الفصل في الانتخابات لحين انعقاد المؤتمر وانتظار النتائج التي سيتمخض عنها المؤتمر، ثم حدث طارئ آخر هو الإعداد لاجتياح الفلوجة، وطلب منا أهل الفلوجة أن نعقد مؤتمراً لعلماء العراق كافة من أعضاء الهيئة ومن غير أعضاء الهيئة لتدارس موقف الفلوجة، وقمنا بالفعل باستضافة هذا المؤتمر، واجتمع فيه ما يقرب من مئتي عالم من علماء العراق، وتدارسوا الموضوع، وخرجوا بقرارات مهمة منها أنه في حالة اجتياح الفلوجة، أو استمرار قصفها بالطائرات، أو طال هذا القصف أي مدينة عراقية أخرى، فإن علماء العراق سيدعون الشعب العراقي إلى مقاطعة الانتخابات. التزمنا بموجب هذا الطارئ مع إخواننا العلماء، لذلك فإن موقفنا هو هذا. بطبيعة الحال لا يعني هذا أن الأمريكيين إذا لم يجتاحوا الفلوجة فإننا سنشترك في الانتخابات؛ لأنَّ هذا الشرط إضافي. لو افترضنا جدلاً أن الأمريكيين لن يجتاحوا الفلوجة، فسنعود إلى موقفنا الأول وهو عدم المشاركة في الانتخابات، والطعن في مصداقيتها. على أنه من المناسب القول إن هذا القرار قد استوفى شرطه؛ لأنَّ الأمريكيين بعد صدور قرارنا قصفوا الفلوجة عدة مرات. البيان: هل تعد الهيئة واجهة سياسية للمقاومة؟ وما مدى تأثيرها على الجماعات الجهادية؟ - حتى نكون صرحاء نحن لسنا واجهة، ولكن القدر ساقنا، وهذا قدر الله، لنعبر عن مواقف أبناء المقاومة العراقية. المعلوم أنَّ أبناء المقاومة العراقية هوياتهم ليست واضحة المعالم، تطغى عليهم صفة الشبحية، هم فيما علمنا يرون ذلك ضرورة؛ لأنهم إذا ظهروا فسيستهدَفون حتماً؛ فنحن من حرصنا على قضيتنا بدأنا نجهر بالمطالب الوطنية والمطالب الدينية التي تتفق مع مطالب أبناء المقاومة العراقية، لذلك أصبحنا من حيث لا نشعر كأننا وجه سياسي للمقاومة العراقية، أصبحنا في وضع يعبر عن مواقف العراق السياسية، وهي أيضاً ذات المواقف التي تطمح إليها المقاومة. أما تأثيرنا على أبناء المقاومة العراقية فنحن نلاحظ أننا نؤثر على الكثيرين، ولكن ليس على الجميع، ولاحظنا هذا من مؤشرات كثيرة؛ منها أنّ أبناء المقاومة كانوا يصدرون بيانات يدينون فيها شخصيات وهيئات دينية وسياسية، ويتجنبون التعرض لهيئة علماء المسلمين، مما يوحي أن هناك رضا عن سياسة الهيئة، وقناعة بمصداقيتها، ومنها موضوع الرهائن كشف لنا شيئاً من هذا؛ فيوم أطلقنا نداءنا بإطلاق الرهائن الذين لا علاقة لهم بقوات الاحتلال، فوجئنا بإطلاق سراح أكثر من عشرين رهينة خلال فترة وجيزة، وكان المحتجِزون يظهرون على الشاشة، ويقولون فعلنا هذا استجابة لنداء الهيئة. هنا أدركنا أننا نتمتع بثقة مباركة لدى أبناء المقاومة، وبصراحة هذا يُدخل في قلوبنا البهجة، لكن في الوقت نفسه نلاحظ أن هناك جماعات لا تمنحنا هذا الاعتبار، وحينما نناشدها بتصحيح خطئها فإنها لا تستجيب. البيان: تحدث في العراق دورياً العديد من عمليات الاختطاف، وقد كنتم وسيطاً ناجحاً في إطلاق العديد منهم؛ فما رأيكم في هذه العمليات؟ وما رأيكم فيمن يدعي أنكم وراء بعض عمليات اختطاف الرهائن ثم إطلاقهم لتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية؟ - ظاهرة اختطاف الرهائن ظاهرة عنف نحن لا نميل إليها، ولكن في الحرب خصوصيات. نحن نخوض حرباً، وأعداؤنا يمارسون الاختطاف ضدنا، يختطفون شبابنا، يختطفون نساءنا، بل يختطفون حتى أطفالنا، أنا لا أستطيع أن ألوم أبناء المقاومة العراقية حينما يبادلون الأسلوب بنفس الأسلوب هذا من حقهم؛ لأن الله منحهم هذا الحق ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، ونحن قلنا للإعلام بصراحة غير وجلين: لا نستطيع أن نلوم أبناء المقاومة العراقية حين يختطفون رهائن لها علاقة بالمحتل، ونقصد لهم علاقة. إنهم يقدمون دعماً مباشراً أو غير مباشر؛ لأنّ الذي يقدم الدعم حكمه حكم المحتل، السائق الذي يأتي بالتجهيزات العسكرية للأمريكي هو مقاتل، والذي يأتيهم بالطعام والشراب والدواء هو مقاتل، وهكذا. فحينما تحتجز رهينة من هذا النوع لا يقال إنَّ هذا الاحتجاز مرفوض لأن هذا بريء؛ هذا ليس بريئاً، هذا يطعم من يقتل أولادي، ويسقي من يهدم مسجدي، لكن في نفس الوقت نحن نرفض أي احتجاز لرهينة ليس له علاقة بالمحتل حتى وإن كان أمريكياً أو بريطانياً أو إيطالياً، ونحن حريصون على أن تسير المقاومة في الاتجاه الصحيح، وأن لا ترتكب أي أخطاء؛ فلذلك تلاحظنا عندما يحدث احتجاز رهينة يتأكد لنا أنه بريء سرعان ما نظهر على شاشات التلفاز وعبر الفضائيات نناشد إخواننا أن يطلقوا أو سراحه، وكثيرون يسألوننا: لماذا هذا الاهتمام؟ نقول: إننا حريصون على القضية العراقية وهي قضية أصبحت اليوم إسلامية ووطنية، لا نريد أن يرتكبوا أخطاء؛ لأن الأخطاء تشوّه القضية، وتضعف التفاعل معها، وللأسف الشديد هناك من لا يستجيب. كما أننا نرفض أساليب يرتكبها بعض أبناء المقاومة حتى مع الأسرى الذين يتبعون قوات الاحتلال ومنها مثلاً أسلوب الذبح، وقلنا هذا الأسلوب لا يصب في مصلحة قضيتنا، ونحن نعرف كيف يفكر شبابنا؛ لأن أكثرنا علماء ومتعايشون مع الشباب في المساجد، فقلنا لهم: قد تقولون إنّ أسلوب الذبح قد يحقق هدفاً مرحلياً؛ وهو إرعاب العدو والعمل على إضعافه، ولن نقول لا يحقق هدفاً مرحلياً، لكن يجب أن تضعوا في حسابكم أن هذا الهدف المرحلي يسيء إلى الهدف الاستراتيجي؛ وهو المحافظة على صفة الخلود للشريعة الإسلامية. نحن لا نضحي بالأهداف الاستراتيجية من أجل أهداف مرحلية؛ على سبيل المثال: الاستشهاد شيء عظيم إلا أنه هدف مرحلي، وتحقيق النصر على العدو هو هدف مرحلي أيضاً أمام الهدف الاستراتيجي ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩] ، لذلك كنا نقول: يا شباب! لا تبتهجوا بهذا النصر المؤقت؛ لأنكم تضرون بالهدف الاستراتيجي حين يبصركم العالم وأنتم تذبحون رجلاً كما تذبح الشاة وهو يتلوى، إن هذا يُحدث شرخاً في التصور تجاه القضية المركزية، نتمنى منكم أن تتركوا هذا الأسلوب، ولكن للأسف الشديد لا نرى استجابة، ولن نقطع الأمل. إن من له نية صادقة في حفظ هذا الدين لا بد أن يستجيب للنداء المخلص؛ لأننا جميعاً مدعوون للحفاظ على هذا الدين وهذه قضيتنا الأولى. أما الادعاء بأننا نتفق ـ والعياذ بالله ـ مع الخاطفين من أجل تحقيق مكاسب إعلامية؛ فأنا أتعجب منه، نحن لو أردنا المكاسب الإعلامية فقد حققناها من أول عملية اختطاف، وهي عملية اختطاف اليابانيين، عرف بهيئتنا كل العالم، وبدأت تأتينا الفضائيات بالعشرات، وأستطيع أن أقول: لا يوجد رجل في العالم لم يسمع بهيئة علماء المسلمين بسبب ذلك الحادث؛ فلو كانت القضية قضية مكاسب، لأكتفينا بهذا القدر، ولكن القضية قضية منهج، ولهذا حتى هذه اللحظة لم ننقطع عن المناشدة على رغم من أنها سببت لنا إحراجاً، وجرأت الكثير ممن يصطادون في الماء العكر على الإساءة إلينا، بسبب هذا الموضوع ترانا ما زلنا متشبثين؛ لأننا كما قلت لا ننطلق من أجل المصالح، بل نحن ننطلق من ثوابت لا تتغير، لذلك هذا الكلام للأسف الشديد مغرض، وليس له أي رصيد من الحقيقة، وأعتقد أن حصول رفض لبعض دعوات الهيئة بإطلاق سراح بعض الرهائن، لعله حكمة من الله ليبرئ ذمتنا. البيان: بصفتكم تمثلون المرجعية الأبرز لأهل السنة في العراق فما هو حجم أهل السنة، وكيف تتصدون لعملية التهميش التي تتعرضون لها؟ - سياسة تهميشنا هي سياسة أمريكية مقصودة؛ فمنذ الأيام الأولى لغزو العراق بدأ التهميش من خلال الزعم بأننا أقلية، وأننا لا نشكل ثقلاً في الساحة، والزعم أن غيرنا أكثرية وهو ما يردده (جورج بوش) وبقية أركان الحكومة الأمريكية، والذي يعرفه كل المتخصصين في العالم أنه لا يوجد إحصاء في العراق يحدد أي جهة أقلية وأي جهة أكثرية. إذن السؤال: لماذا يتجاوز الرئيس الأمريكي منطق العلم ولغة الأرقام ويتحدث بهذه القضية؟! واضح أن هناك تهميشاً مقصوداً لنا، في أكثر من مرة سُئلنا: ألا تخشون هذا التهميش؟ فقلنا: لا؛ حين يهمشك عدوك فهو يزكيك، نحن الذي يهمنا تقييم أبناء شعبنا، فأبناء شعبنا يعرفون جداً مدى ثقلنا في الساحة، ويعرفون جيداً صحة موقفنا وسلامة خطواتنا. وأنت تلاحظ التهميش في السياسية الأمريكية على لسان رجالها؛ فمثلاً (بريمر) كان يذكر كل الناس عرباً وأكراداً وغيرهم ولا يذكر اسمنا، وهكذا يفعل بوش، ولكن، واللهِ لم يكن هذا ليزعجنا؛ لأننا نعرف أهداف الأمريكيين، ولا نعبأ إن هم همشونا أو لا، الذي يثبت على الأرض هو الذي تمتد جذوره إلى أعماقها. البيان: ما رأيكم بالمشروع الفدرالي لإدارة العراق، وهل يعد السبيل الأمثل لحكم العراق لما يتمتع به هذا البلد من تنوع عرقي وديني وطائفي؟ - أنا أعتقد أنَّ العراق إذا بقي موحداً فهذا هو السبيل الأمثل ليبقى قوياً؛ لأن العراق يشكل نقطة مهمة في المنطقة، وتداعياته تؤثر كثيراً على العالم العربي والإسلامي، فإذا كان هشاً فستمتد هشاشته إلى العالمين العربي والإسلامي، وإذا كان قويا فستمتد قوته إليهما أيضاً، وقد لاحظنا أن الحدث يحدث في العراق وتداعياته تصل إلى أقصى الصين، لذلك نحن في الهيئة لا نرغب بأي مشروع يضعف العراق، والفدرالية تضعف العراق، أحياناً يضربون لنا أمثلة بالإمارات وأمريكا؛ نقول لهم إن الوضع يختلف. أمريكا، والإمارات كانت في الأساس دولاً ضعيفة؛ لأنها متفرقة فقوت نفسها بالمشروع الفدرالي، وانتقلت من حالة الضعف إلى حالة القوة، أما العراق فوضعه يختلف، نحن في الأساس دولة واحدة قوية، لماذا نضعف أنفسنا بالفدرالية، لكن بلا شك إنا نعتقد أن لإخواننا الأكراد وضعاً خاصاً باعتبارهم مجموعة عرقية كبيرة، تعرضت في التاريخ الماضي إلى ضغوط كبيرة، وأُلحِق بها كثير من الظلم، لكننا نقول إنَّ موضوع الفدرالية أو ما هو دونه كالحكم الذاتي ... صحيح هو يهم إخواننا الأكراد؛ لكنه في الوقت نفسه يهم العراقيين، لذا طلبنا من إخواننا الأكراد تأجيل النظر في هذا الموضوع لحين تأسيس حكومة منتخبة وكتابة الدستور، ويعرض هذا الموضوع على التصويت؛ فإذا وافق الشعب العراقي على الفدرالية بمحض اختياره، فلن نخرج على إرادة الشعب العراقي، أما استغلال الظروف، وفرض قضية الفدرالية أو غيرها، أعتقد أن ذلك ليس صحيحاً، وسيعقِّد الوضع في العراق، وإخواننا الأكراد أو أي فئة أخرى إنما تكون قوية يوم تكون ممتزجة بلُحمة العراق. البيان: هناك استراتيجية قد تلجأ إليها أمريكا إذا أُحبطت في العراق؛ وهي تقسيم العراق إلى ثلاث دول: كردية، وسنية، وشيعية، والأكراد يلعبون الدور الرئيسي في ذلك، ولعل جولة البرزاني الأخيرة على دول الجوار، وإعلانه أن كركوك الغنية بالنفط مدينة كردية، دليل على النوايا المبيتة؛ فما موقفكم تجاه محاولة التقسيم الأمريكي؟ - مشروع الانفصال وتقسيم العراق هو مشروع صهيوني، وليس مشروعاً أمريكياً بحتاً، إنما يوافق على المشروع بعض المتصهينين من الإدارة الأمريكية، وأنا أعتقد حتى هذه اللحظة أنه لا توجد قناعة عند الأمريكيين بهذه اللعبة؛ فلو كانت لديهم قناعة لكان بمقدورهم تقسيم العراق منذ أمد بعيد، كانت الظروف مهيأة أكثر لهذا التقسيم، أعتقد أننا تجاوزنا هذه المرحلة إلى حد ما. أنا أعتقد أن العراق وضعه معقد، وفي معاهدة سايكس ـ بيكو تم الاتفاق على كثير من الدول وبقي العراق هو المعضلة، ولم يقسم العراق رغم أنه كانت هناك رغبة في تقسيمه؛ لأنه بطبيعته الجغرافية معقد، وأظن أن هذا التعقيد سيبقى قائماً، وسيبقى تقسيم العراق خياراً بعيدا، وليس بمصلحة الدول الكبرى تقسيمه؛ لأن تقسيم العراق إلى منطقة كردية وسنية وشيعية يعني الآتي: يعني الجنوب يلحق بإيران، وأمريكا يجنُّ جنونها من ذلك؛ لأنه إذا أُلحق الجنوب بإيران، فإيران ستهيمن على منطقة الخليج، والدولة الكردية إذا انفصلت ليست فيها مصلحة لكثير من الدول التي لها علاقة قوية بأمريكا كتركيا، وأنا أعتقد أن أمريكا لا تفرط بحليفتها تركيا، ونحن نبقى دولة واحدة بسبب أن تقسيمنا ليس فيه مصلحة، لذلك أنا شخصياً أستبعد هذا الخيار، ولكني أعتقد أنهم إذا قرروا الانسحاب، فسيحاولون إشعال حرب أهلية قبل أن ينسحبوا، سواء كانت مذهبية أو طائفية أو عرقية أو دينية، ويتركونا في حرب لسنة أو سنتين حتى يضعفونا تماماً، ثم آنذاك تعود الدولة العراقية بزعامة ضعيفة، لكن في الوقت نفسه لا أعتقد أن الشعب العراقي تافه إلى هذا الحد، والتجارب التي مضت أكدت للعالم أنه أكثر الشعوب نضوجاً؛ فقد حيكت له الدسائس، ووضعت له مصائد تكفي لتقسيمه مائة مرة، وإشعال العشرات من الحروب الأهلية فيه، لكن المفاجئ لهم وليس لنا أن الشعب العراقي كان فوق المكائد، واستطاع أن يتحلى بضبط النفس رغم الظروف التي تعرض لها، وحينما يكون الشعب بهذا المستوى فليس من السهل أن يفقد هذا المعنى خلال أشهر؛ فأنا أستبعد تقسيم العراق أولاً، وأستبعد ثانياً أن تحدث حرب أهلية، ولديَّ أمل أن هذا العراق في الوقت الذي أريد له أن يكون نموذجاً أمريكياً سيتحول ـ هكذا أقول متفائلاً ـ إلى نموذج إسلامي شاء الأمريكيون أم أبوا. البيان: هناك من يقول إنَّ الشيعة سيكسبون كل شيء لاختيارهم الحل السلمي، والسنة هم الخاسر الأكبر لاختيارهم الحل المسلح. كيف تردون على ذلك؟ وكيف تنظرون إلى الدور الشيعي في رسم خارطة العراق الجديد؟ - بصراحة أنا لا أحب الخوض في مثل هذه الأشياء: السنة، والشيعة؛ أنا أعتقد أنها تثير الحساسية، ونحن في ظرف إثارة الحساسية فيه ليس من مصلحتنا؛ أطالب أن تعفيني من الإجابة عن هذا السؤال، ولكن أقول لك أمراً: الشيعة والأكراد والسنة من مكونات الشعب العراقي، ومن الخطأ أن نقيّم هذه المكونات بمواقف ساستها. هناك فصل بين مواقف الساسة ومواقف الشعب. أنا لدي قناعة أن عموم الشعب سواء كان من السنة أو الشيعة أو الأكراد متفقون على رفض الاحتلال، ومتفقون على رفض المحاصصة الطائفية وغيرها، لكن المشكلة أن صوتهم مغيب تماماً، والأمريكيون لا يبرزون من الأصوات إلا التي تتماشى مع أهدافهم؛ فمن الظلم أن نحاكم الشيعة أو السنة أو الأكراد من خلال ساستهم، نحن شعب واحد، وسنبقى بإذن الله شعباً واحداً، وسنقضي على نوازع الفرقة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. البيان: هناك تدخُّل إيراني في مناطق الشيعة، وقد تجنس العديد منهم بالجنسية العراقية، وتمت عملية تهجير للسنة من تلك المناطق؛ فكيف تنظرون إلى ذلك الدور؟ - إيران لها حدود تمتد مئات الكيلو مترات، وإذا تركنا إيران بوصفها دولة إسلامية تعلن عن نفسها إضافة إلى كونها دولة سياسية، فمن الطبيعي أن تتدخل ـ وسياسة القوم تعرف كيف تسير ـ حتى تحفظ مصالحها، لذلك فهي تبقى عاملاً مؤثراً في داخل العراق، وليس إيران وحدها، بل كل دول الجوار. نعم! قد تختلف نسب التدخل حسب نشاط تلك الدول، لكن بالمحصلة هناك تدخل من كل دول الجوار، ولذلك نحن نقول دائماً، وهذا من أسباب رفضنا للانتخابات: لا نقبل أن تجري انتخابات في ظل هذه الظروف؛ لأنّ الحقوق ستضيع وسيدخل أناس غير عراقيين يشاركون في التصويت، وهذا ليس عدلاً، نحن نريد أن تجري الانتخابات في ظل حكومة تتمتع بثقة الشعب العراقي، وتعمل على عزل العراق حدودياً لفترة أشهر؛ عزله تماماً، ولا بأس أن تستعين بقوات دولية وتبدأ بعملية تنظيف العراق وتعمل على تطهيره من العناصر الدخيلة. ولدينا وثائق مهما حاول الآخرون إخفاءها ـ لا تزال توجد وثائق كثيرة ـ تؤكد من هو عراقي ومن هو ليس عراقياً؛ فإذا استتب لها الوضع وأيقنت أن العراق أصبح جاهزاً فحينذٍ تكون الانتخابات. أما أن تجري الانتخابات في ظل هذه الظروف الراهنة، فبلا شك ستكون هناك نتائج غير عادلة، وستبقِي العراق قلقاً؛ لأنّ هذه النتائج لن يرضى عنها أحد. قد يرضى عنها طرف لكن قطعاً الأطراف الأخرى ستقف منها موقف الريبة وستعارضها. وللأسف هذا ما يريده الأمريكيون. نحن نعتبر أن الأمريكيين حتى إذا انسحبوا فإنهم يريدون أن يبقى العراق ضعيفاً؛ لهذا فإن المطلوب منا أن نتعاون بكل مكوناتنا على أن نجعل العراق قوياً، وأن نتجنب مثل هذه الأخطاء. من هنا نحن وجهنا أكثر من مرة نداء للإخوة الشيعة أن يؤجلوا موضوع الانتخابات على الرغم من أنهم قابلونا بدعوة أن نندفع للانتخابات، لكننا نعتقد أن الانتخابات ليست من مصلحتنا كعراقيين؛ لأن النتائج مهما كانت لن ترضي الآخرين، وهذا يعني أننا سنخسر بلادنا. طلبنا وما زلنا نطلب منهم تأجيل الانتخابات حتى يحين ظرف يثق فيه العراقيون بنتائجها. البيان: لعب الصهاينة دوراً كبيراً في غزو العراق، ودوراً أكبر في إدارته بعد الغزو؛ فقد أصبح العراق مباحاً لعناصر الموساد والتجار اليهود؛ فما ملامح هذا الدور، وكيف تتصدون له، وما موقفكم من إقامة علاقات مع إسرائيل خصوصاً بعد مصافحة علاوي لشالوم؟ - دولة يهود عدوة ليست للعراق فحسب بل عدوة لدول العالم العربي والإسلامي، وهي لا تألو جهداً في إحداث التخريب في أي بنية تصل إليها، وكان غزو العراق بالنسبة لها الفرصة الذهبية؛ فهي من دعت إلى هذا الغزو ونمَّت هذا الشعور لدى الإدارة الأمريكية الحالية التي هي وجه من وجوه الصهيونية في تقديرنا؛ لذلك نعلم جيداً أنها استغلت الفرصة أبشع استغلال؛ فعلت ما لا يخطر على البال، وما لا يخطر على البال، ولكن هذا قدر الله حالياً، وليس بأيدينا أن نفعل شيئاً إلا ما نستطيع أن نفعله لذلك. الفيصل هو الحكومة العراقية القادمة، إذا حرصنا أن تكون الحكومة القادمة منتخبة تتمتع بمصداقية الشعور الديني والوطني؛ فمن الإمكان أن نصلح كل ما فسد، وأن نخرج الصهاينة من أرضنا كما دخلوها كاللصوص، ولكن المصيبة ـ نسأل الله أن لا تقع علينا مصيبة كهذه ـ إذا جاءت حكومة موالية لأمريكا؛ فهذا يعني أن يتغير وجه العراق تماماً، وأن يبدأ عده التنازلي نحو الحضيض على المستوى الاقتصادي وعلى المستوى السياسي وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي. ولهذا نحن قلقون جداً من موضوع الحكومة المقبلة، وسنبذل كل جهدنا أن لا تحدث أي انتخابات في ظل الاحتلال. أما الوجود الإسرائيلي فأنا أعجب ممن يقولون لا يوجد وجود إسرائيلي. المئات إن لم أقل الآلاف شاهدوهم في الفنادق يرتدون قبعاتهم فوق رؤوسهم، والآن هناك معلومات كثيرة أنهم يشترون الكثير من الأراضي بأسماء عراقيين، ويقيمون المشاريع. لكن هذا لا يخيفنا؛ لأنه في ظل ظروف شرعية من الممكن بترها في لحظة واحدة، لكن المصيبة حينما تأتي حكومة تمنح هذه الممارسات الشرعية، فآنذاك سيكون الموقف في غاية الصعوبة. البيان: هناك حملة شرسة تشن على الهيئة تستهدف تشويه صورتها في وسائل الإعلام واتهامها بدعم الإرهاب. ما أسباب هذه الحملة، وما أثرها على سياسة الهيئة؟ - الهيئة على الرغم من عمرها القصير؛ كتب الله لها النجاح بالحصول على ثقة العراقيين من مختلف الأطياف. أؤكد من مختلف الأطياف. كثير من إخواننا الأكراد يحترموننا، ويثقون بكلامنا ويتابعوننا، وكثير من إخواننا الشيعة يحترموننا ويتابعون كلامنا، وكذلك بقية العراقيين، بلا شك هذا أثار النقمة عند كثيرين يريدون أن يكسبوا الجولات السياسية المقبلة حتى ولو على حساب قضية العراق. والسياسيون اليوم في العالم ليس لديهم مبادئ في الأعم الأغلب، لا أريد أن أقول الجميع، لذلك سلُّوا سيوفهم ضد الهيئة في محاولة لإضعافها وزعزعة الثقة بها، وجندوا لذلك صحفاً وفضائيات، وأنفقوا أموالهم. والغريب في الأمر أنهم اعتمدوا طريق الكذب؛ لأن الهيئة ليس لها ما يستدعي الإدانة. المتابع لمواقف الهيئة يجدها ـ بفضل الله ـ تتمتع بالتوازن وبالمصداقية، وبأنها تنطق باسم العراقيين جميعاً مع أننا نمثل أعلى مرجعية للسنة، لكننا لم نتحدث يوماً باسم السنة، بل نتحدث باسم العراق، بل حين نرى بعض الفضائيات تدعونا باسم هيئة علماء السنة نُستشاط غضباً، وقناة العربية كررت هذا الخطأ أكثر من مرة مما دفعنا قبل أيام أن نرسل لها كتاباً شديد اللهجة ونأخذ منها تعهداً خطياً أن لا تكرر ذكرنا بهذا العنوان (هيئة علماء السنة) بل نحن (هيئة علماء المسلمين) . يسألنا بعضهم: ولِمَ هذا التشدد وانتم سنة ومرجعية لأهل السنة؟ فنقول لهم: نحن نراعي الجانب النفسي للشعب العراقي، لا نريد أن ننمي بيننا هذه المصطلحات (الشيعة، والسنة، عرب، وأكراد، وتركمان) لا بد أن نحبط المشروع الأمريكي، ونحن مسلمون جميعاً، وعراقيون، ونتحدث بهذه اللغة العامة، لقد بلغ الكذب حداً لا يصدق؛ فإحدى الصحف العراقية نشرت على لساننا بياناً وأعطته رقماً أذكر الرقم ٣٢ تضمن معلومة ما، ونشرته الجرائد وقرأنا البيان وكان مصاغاً بطريقة ذكية تحاكي صياغة بياناتنا، فاضطررنا إلى عقد مؤتمر صحفي وقلنا لهم: انظروا إلى أي حد بلغ الجنوح ببعض الصحف حينما تدعي الكذب بهذه الطريقة من غير خجل، وأخرجنا بياننا رقم ٣٢ وكان عن قضية بعيدة تماماً عن القضية التي أثارها، كان عن قضية العلم العراقي. وهناك قناة الآن تسمى قناة الفيحاء مدعومة حسب معلوماتنا من بعض الشخصيات كأنها أنشئت لهدف واحد وهو الطعن بالهيئة، وليتها تقول صدقاً. سنرحب نحن بأي نقد صادق، ولكنها للأسف تختلق الكذب وتلصقه بنا وتحاسبنا عليه؛ فعلى سبيل المثال أصدرت شريطاً مسجلاً أن بعض الأشخاص قاموا بمحاولة اعتقال رجل مرجع ديني شيعي، وأن هؤلاء الأشخاص قالوا في التحقيق إن الهيئة هي التي طلبت منهم ذلك، وهذه كذبة كبيرة؛ لأن هؤلاء مطلق سراحهم الآن وبعد التحقيق تبين أن ليس لهم علاقة بالموضوع، وأن هذا التسجيل كان تحت التعذيب لغرض أن يخرجوا منهم ما يدين الهيئة، وهم الآن أحياء شهود عيان وعلى الرغم من وضوح هذه الفرية التي عرفها كل الناس؛ فقناة الفيحاء للأسف تختلق المعلومة كذباً، وتحاول أن تشوه سمعتنا، لكن نحن لسنا مستائين؛ فإن حبل الكذب قصير، وإن الكاذب لا يحصد إلا الخيبة، ونلاحظ ردود فعل الناس كلما زاد هؤلاء طعناً فينا ازداد الناس حباً لنا، وما يدرينا لعل هذا من لطف الله بنا. البيان: تم استهداف العديد من الكنائس بعد انتهاك الأمريكيين لحرمة المساجد؛ فما موقفكم تجاه ذلك خصوصاً بعد مطالبتكم البابا والهيئات النصرانية بإدانة استهداف المساجد ولم تصدر تلك الإدانة؟ - هذه من القضايا التي استُغلت للطعن بنا، وللأسف أنا قرأت في صحف عراقية وبعض مواقع الإنترنيت ما أتعالى عن ذكره. اتهمونا بأننا نحرض على قتل المسيحيين، ونحرض على تفجير الكنائس. هذا كله كلام باطل ليس له أصل من الصحة، كل ما حدث أن مساجدنا استهدفت في الآونة الأخيرة بطريقة يتضح منها أن الغرض هو الإساءة للدين فقط، بحيث كانت المساجد خالية ليس فيها مصلون أو أسلحة، وبعد ذلك فجر الأمريكيون أبوابها وداسوا حرمها بأحذيتهم، وقلبوا المصاحف على الأرض، فكان من الواضح منه هو الإساءة للدين، ونحن حينما حدث التفجير الأول للكنائس أدنَّا ذلك العمل واعتبرناه خرقاً كبيراً، وحينما حصل الاستهداف للمساجد لم يصدر شيء من المسيحيين، فبدأ الناس يأتوننا ـ ونحن لدينا مقاييس لردود أفعال الناس بسبب كثرة مراجعتهم لنا ـ وقالوا انظروا إليهم إنهم راضون عما يحدث لنا، فدفعنا حرصنا على أبناء العراق، وحرصنا على أن لا تحدث بيننا وبين مواطنينا المسيحيين فتنة، فطلبنا عبر قناة الجزيرة ولم نناشد؛ طلبنا من رجال الدين من كافة الطوائف والمذاهب أن يدينوا هذا التصرف، وقلنا: كما تضامنَّا معكم في موقف تفجير الكنائس عليكم أن تتضامنوا معنا حتى نفوِّت الفرصة على من يصطاد في الماء العكر ليحدِث بيننا فتنة. وللمعلومات المسيحيون استجابوا في اليوم التالي، واصدروا بياناً شديد اللهجة أدانوا فيه الاحتلال وسموه احتلالاً، واعتبروا الاعتداء على المساجد انتهاكاً لحرمة الدين، وقالوا إن هذا يمثل وجهة نظر البابا، وصرح بذلك البطريرك عمانوئيل دلي وهو مسؤول عالمي، وانتهت المشكلة بفضل الله، واستطعنا أن نفوت الفرصة على من أراد الإساءة إلى الوطن، ولكن مع هذه التصريحات انبرى من يوجه إلينا التهم، وكأنه يريد أن يوحي إلى العالم أننا من حرَّض على تفجير الكنائس، وهذا باطل بطبيعة الحال، ومع ذلك فرموز المسيحيين زارونا في الهيئة، وكانوا أكثر من خمس عشرة شخصية رفيعة المستوى، تمثل الأطياف المسيحية، وبينوا لنا وجهة نظرهم، وأنهم لا يحبون الأمريكيين، وأنهم ينظرون إليهم على أنهم قوات احتلال، وأنهم يعتبرون الإساءة إلى المساجد إساءة إلى الكنائس، وهكذا بفضل الله انقلب السحر على الساحر. البيان: هناك مرجعيات سنية أخرى كمجلس شورى أهل السنة والجماعة، والهيئة السلفية للدعوة والإرشاد والفتوى، ما علاقتكم بتلك المرجعيات، ولِمَ لا تتوحد في مرجعية واحدة لأهل السنة؟ - نحن لسنا ضد أن يكون هناك أكثر من مرجعية، وأنا قلت في لقاء مع قناة الجزيرة مع بداية تشكيل مجلس شورى أهل السنة والجماعة قالوا: ألا يضايقكم هذا؟ قلنا: بالعكس كلما تعددت المرجعيات تعددت نقاط الاستقطاب، وهذا بدوره يسهل عملية الحوار. أنا حينما أريد أن أوحد الشعب العراقي على رأي لا أستطيع أن ألتقي بالشعب كله، فسألتقي بمرجعياته، ومن ثم كل على رعيته، وبذلك نحصل على موقف موحد. البيان: وقد يكون العكس!! - إذا أخلصنا النيات لا يكون العكس بدليل أننا نجحنا في اختبار في قضية الفلوجة؛ فقد قمنا بدعوة عامة لعلماء العراق، ووجهت الدعوة لكل المرجعيات السنية، واشترك ما يقرب من مائتي عالم يمثلون مختلف الأطياف، ثم دخلنا للمداولة وكانت أيسر مداولة رأيتها في حياتي؛ فسرعان ما اتفقنا على المقررات، ولم تحدث سوى مناقشات طفيفة. بالعكس نحن راضون بهذا التعدد، وكل ما نأمله أن لا يحدث تقاطع؛ فالتقاطع لا يخدمنا، بل يخدم أعداءنا. وبالمناسبة أعطيك معلومة أرجو أن تعفيني عن ذكر مصدرها: حاول الأمريكيون من خلال أشخاص عراقيين التسلل إلى بعض المراجع لتعبئتها ضدنا، بل بعضهم دخل بصفة محسن يريد دعم المرجعية الفلانية، وقدم أموالاً طائلة، لكن بفضل الله الإخوة في جميع المراجع يتحلون بالوعي، وفوّتوا الفرصة على الأمريكيين بأن يجعلوا منا أنداداً يعادي بعضنا بعضاً؛ فهي ظاهرة إيجابية وليست سلبية؛ فلا يمكن أن تحكم الناس بمرجعية واحدة؛ شاء الله أن يخلق الناس طبائع وتيارات؛ وبدل أن ننظر إلى كل تيار على أنه عدو ننظر إليهم على أنهم سلة فواكه لكل فاكهة طعمها الخاص، ولكل مرجع فائدة في إيضاح هذا الدين؛ فنحن نحب التعدد، ولا يغيظنا، بل يسعدنا. المهم أن نتوافق في المواقف. البيان: كيف تقيِّمون عمل أجهزة الشرطة وجيش الدفاع والحرس الوطني؟ - إن هناك حقيقة شرعية لا ينبغي أن تغيب عن البال، فكما أن الجهاد فرض فحفظ الأمن فرض، ووجود مستشفيات يتعالج فيها الناس فرض، ووجود أسواق يتعيش منها الناس فرض. أقصد فرض كفاية، ومن ثم لا بد من توفير المناخ المناسب لمثل هذه المؤسسات لتأخذ دورها في المجتمع؛ وعُرفاً أجهزة الشرطة هي المسؤولة عن ذلك؛ لذا قلنا يحرم استهداف الشرطة إذا تمسكت بواجبها الوطني ولم تخرج عن هذه الدائرة إلى دائرة العمالة والتجسس. عبرنا عن هذا في مؤتمر صريح، وما زلنا على هذا الموقف. المشكلة في خطأ فادح ارتكبته الحكومة العراقية هو أنها استعملت هذه القوة في ضرب المقاومة، ليس هذا فحسب، بل بالمشاركة مع قوات الاحتلال، وهذا الخطأ من الحكومة لن يُغتفَر؛ لأنها هوّنت من شأن هذه الأجهزة وأفقدتها احترامها في نظر الشعب العراقي، ومن ثم أصبحنا نميز بين الشرطة الذين يخدمون المجتمع ولا يتواطؤون مع المحتل، وبين شرطة آخرين يضرون المجتمع ويتواطؤون مع المحتل. هذا بحث، وهذا بحث آخر. البيان: هناك مشاريع لتغيير المناهج الدراسية ولا سيما الدينية منها يتضمن حذف العديد من ثوابت الإسلام كآيات الجهاد وأحاديثه، ويتضمن إدخال الآراء المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة؛ فكيف تعمل الهيئات السنية لمواجهة هذه المشاريع؟ - هذا طموح أمريكي؛ فقبل أن تصل قوات أمريكا إلى منطقة الخليج قالوا لا بد من تغيير المناهج الدينية في منطقة الشرق الأوسط؛ لأنها تخرِّج إرهابيين حسب زعمهم. ونحن واعون لهذه اللعبة، ولكن حينما وصل الأمريكيون وبدأت المقاومة اختلفت مواقفهم واختلت كل مشاريعهم ومنها هذا المشروع لم يستطيعوا أن يحققوه. البيان: لقد تم حذف آيات الجهاد من بعض المناهج. - نعم! حذف آيات الجهاد جزء من اللعبة. لا تستبعد أن يأتونا بآيات من التوراة والإنجيل، قد لا يأتون بالنصوص ذاتها لكن يأتون بمضامينها. حتى الآن الوضع لا يسمح لهم بتحقيق مشاريعهم، ولكن كما قلت سابقاً الخطورة في الحكومة القادمة، وأكرر هذا دائماً، وأتمنى أن يعي الشعب العراقي أنه إذا جاءت حكومة مقبلة موالية للأمريكيين؛ فهذا سيحدث كله، وهنا تكون الطامة. ولكن إذا تعاون العراقيون على الحيلولة دون مجيء حكومة من هذا النوع فلن يحدث كل هذا. إن انتخاب حكومة حرة بعمليات حرة هذا الذي نعوِّل عليه. الشعب العراقي لا يمكن أن يتخلى عن ثوابته الدينية. ومن ثم هو يرى أن حدوث مثل هذا الأمر أشبه بالكارثة. البيان: ما هي نظرتك لمستقبل العراق وفق الظروف الراهنة؟ - أنا شخصياً متفائل جداً لمستقبل العراق. منذ الأيام الأولى للغزو الأمريكي لديَّ خطب ومحاضرات مسجلة قلت فيها لأبناء شعبي: حذارِ أن تيأسوا؛ ما يدريكم لعل ما حدث بداية الخير، وما يدريكم لعل ما حدث بداية النهاية للشر، وأنا شخصياً أعتقد أن الأمريكيين متورطون في العراق، وأن ابتداءهم بتحقيق مشاريعهم بغزو العراق كان من القدر الإلهي، وأن نهايتهم ستبدأ من هنا. إن شاء الله، هذا الكلام قلته منذ الأيام الأولى للغزو، ولو تتابع سير الأحداث فستجد أن الأمريكيين فقدوا الكثير خلال السنة والنصف الماضية: فقدوا الكثير من سمعتهم، وفقدوا الكثير من التأييد الدولي لهم، وفقدوا الكثير من الأموال، وفقدوا الكثير من الشباب، ولا يوجد في الأفق ضوء يجعلهم يشعرون بالأمل. بالعكس نلاحظ أنّ المقاومة تتسع دائرتها، وأن البغض بلغ الذروة. لذلك لا أعتقد أن الأمريكيين سيتمكنون من البقاء في العراق، بل لدي قناعة أنهم لن يتمكنوا من بناء قواعدهم العسكرية، وسيخرجون حتماً أو يرضون بالمصائب التي لا تتحملها بلادهم. هناك تعمية على حقيقة الخسائر. نحن في الهيئة في المركز في بغداد، ولدينا فروع في المحافظات يأتينا بشكل يومي حقيقة ما يجري. حينما يقول الأمريكيون أنفسهم أن هناك ثمانين عملية تحصل لهم في اليوم، فلك أن تتصور حجم الخسائر لثمانين عملية؛ فعلى فرض أنه يموت في كل عملية جندي واحد؛ فهذا يعني أنه يموت ثمانون أمريكياً في اليوم، يعني في الشهر ما يقارب ألفين وخمسمائة إن لم يكن أكثر. ولعل استغاثة الأمريكيين بالبريطانيين أن يأتوا بجنودهم إلى وسط العراق، يعد عند العسكريين مؤشراً على نقص كبير في العدد يوازيه نقص كبير في العدة يوازيه النقص في المعنويات؛ فأنا أعتقد أن أمريكا في مأزق كبير، وإذا استمر هذا المأزق فلا أستبعد أن تغادر العراق في ليلة مظلمة كما غادرت الصومال. البيان: ما الذي تتوجه به إلى الأمة لمواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني؟ - ما يجب أن تعرفه الأمة أنها مستهدفة جميعاً. مستهدفة على مستوى الشعوب، مستهدفة على مستوى الحضارة والثقافة، وكانت البداية هنا في العراق، هكذا أرادوا وهكذا شاء الله كما قلت ليكون بداية نهاية هذا المشروع، لكن المؤسف والمحبط أن الأمة من حولنا ساكتة حكاماً وشعوباً. أتمنى أن يتيقظوا وان يعينونا على طرد هذا المحتل بكل ما يستطيعون. لا نريد مهم رجالاً ليقاتلوا، ولا نريد منهم أموالاً نريد منهم مواقف: موقفاً للحكام، موقفاً للشعوب، مواقف مشرفه تبرئ ذمتهم أمام خالقهم جل وعلا، أنت تعلم أن العدو يحارب بكل الوسائل ومن أهم الوسائل أن يضيق عليك سياسياً. على مستوى العالم الإسلامي أنا أوجه نداء من أرض المعركة إلى أبناء الإسلام أقول لهم: إن أمريكا ليست إلهاً، بل هي عبد عاق سيقصم سيدُه ظهرَه ـ أقصد المولى ، وهو رب الناس جميعاً، لكن الله سيسألنا جميعاً: من الذي أعان على طرد المحتل، ومن الذي أعان على بقائه؟ أتمنى أن يكون لأبناء الأمة الإسلامية حكاماً وشعوباً مواقف تثلج الصدور، وتؤكد لهذا العدو أننا كما أراد الله أمة واحدة. البيان: كلمة أخيرة! - هناك سلاح فعال بمقدور المسلمين أن يلجؤوا إليه وهو الدعاء. نعتقد أن دعاء المسلمين المخلصين منهم سيكون أمضى سلاح، لذا نرجو أن لا ينسونا من الدعاء.

стр. 5143

إ صلاح التعليم وأزمة اللغة العربية في العالم الإسلامي (٢ــ٢) د. فريد الأنصاري تضمن القسم الأول من هذه الندوة في العدد السابق إجابات حول مقولة أن اللغة فكر، وظاهرة الضعف اللغوي والتدني في مستوى التعبير باللغة العربية، وأن المطالعة كادت تموت لدى الأجيال المعاصرة وما هي الوسائل المفيدة لعلاج هذه الآفة، وما هو دور اللغة في التكوين العلمي والعملية التربوية سلباً وإيجاباً، وقضايا التعريب، وتعليم العلوم الطبيعية وغيرها باللغة الأجنبية، وسياسة التعليم في فرض اللغة الأجنبية بدءاً من رياض الأطفال، وغير ذلك. وفي هذا العدد بقية الندوة. ـ البيان ـ البيان: بغير معرفة الأسباب لا يمكن علاج الداء، حتى ولو تم تشخيصه، بل معرفة السبب جزء جوهري من التشخيص المتكامل، ومن هنا فإنه لا يمكن معرفة أدواء سياسات التعليم في العالم العربي والإسلامي، ولا القدرة على علاجها إلا بمعرفة طبيعة العلاقات المختلفة التي تربط الدول العربية بالآخر، يعني ضرورة معرفة طبيعة الولاء الخارجي، من حيث عمقه وحدوده. في نظركم كيف تتصورون برنامج التغيير من هذا الجانب خاصة؟ ومن يتحمل مسؤوليته من فعاليات الأمة وطاقاتها؟ - د. الوزاني: لقد سبق أن قلنا إن أغلب الأنظمة العربية والإسلامية موالية للغرب، والتغيير يتأتى بمحاربة الأمية، وتشجيع البحث العلمي، وتحسين الاقتصاد الداخلي، والإصلاح السياسي، ومحاربة الفساد الإداري. - د. الدكير: التجديد سُنَّة الله في خلقه، يُوفق الله من يُحييها ممن أنعم عليهم، فهداهم للتي هي أقوم، ولا يقوم التجديد على التقليد؛ فإنه مباين له. بل إن التجديد بعث من بقيَّة باقية حية تُنفخ فيها روح فتجعلها خلقاً آخر أصوله ثابتة وفروعه في السماء، تؤتي أكلها حيناً بعد حين لمن فقه في دين الله. وأحسن التنزيل بأن راعى المقاصد، ولم يقعّد على القواعد؛ فالمثلث: (الدين، التعليم، اللغة) بعض من بعض، ثلاث مزايا ذوات علاقات تبادلية، لكن الأصالة للدين أولاً، وما عداه فروع تُردُّ إليه؛ فالدين منه يستمد، وعليه يعتمد، ثم التعليم، وهو بالعربية الصراط المستقيم إلى دين الله، وبغيرهما قد يكون دخَن، وهو يخفُّ ويشتد حسب ما أُشْرِبَتْهُ الألفاظ والمناهج من نسمات الوسائط؛ على أنه لا مانع في أن يُبدأ في مكانٍ باللغة، وفي زمان بالتعليم، لينتهي إلى الدين؛ فقد يسمو المفضول على الفاضل، وقد يُحَكَّمُ الفرع؛ ليظهر الأصل في أساسه ثابتاً. وهذا من تطبيب الحواس التي هي بريد إلى سلامة القلب أو العقل الذي ران عليه الرَّانُ أو الصدأ، مما لا ينجلي إلا بوسائل الآن. والتغيير تجديد، وحقه ليؤتي أكله ـ في ظل الظروف المذكورة آنفاً ـ أن يكون تدريجياً، وبوسائل مناسبة للمراحل، عبر خطوط متوازية، وبخطوط متفاوتة، حسب اليسر والحاجة؛ فقد كان عمل الرسول # على اليسر، ونصح لنا بأن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل، علماً بأن العالم اليوم يُسْمَحُ فيه إلى حد معين بالتجارب، وتجارب التعليم الحُر في العالم الإسلامي مفيدة، (أي: ما يسمى في بعض البلاد بالتعليم الأهلي أو الخاص) إنها تجارب مهمة، وأحسنها مطية صالحة، ومنها ما يغري بالاتباع؛ لأن الخريجين أقوياء، وهم شامة بين الناس، والعبرة بالقليل النوعي القوي، لا بالكمِّ الكثير الغثائي. البيان: لكن بالنسبة للدكتور اليوبي ـ باعتباره أحد الأطر التي واكبت قضية الإصلاح الجامعي بالمغرب على مستوى المسؤولية النقابية ـ أحب أن أسمع رأيه في إشكال إصلاح التعليم مركِّزاً بالأساس على واقع الجامعة: كيف ترون إمكان التجديد والإصلاح من هذه الناحية خاصة؟ - د. اليوبي: أرى أنه مع التطور المذهل الذي تشهده علوم المعلومات والاتصالات؛ قد أضحت تطبيقاتها أمراً واقعاً، ومفروضاً في كافة مناحي المعارف والتخصصات، كما أن غياب التفكير العلمي الدقيق من أجل التخطيط السليم، وإنجاز مشاريع تهم قضايا واستراتيجيات إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في أعمال البيداغوجية؛ لهو مما يساهم في تردي الحاضر التربوي بالجامعة. نذكر في هذا التشخيص البدهي والواقعي أن العمليات الأساسية في تداول المعرفة تجري راهناً عن طريق الاعتماد على التوظيف والاستخدام لأنواع التكنولوجيا المعلوماتية والاتصالية. ولعل نجاح البيداغوجية الجامعية اليوم رهين بمدى تفاعلها مع عالم هذه التكنولوجيات، تفكيراً وتخطيطاً وتوظيفاً؛ وبوضع سياسة إصلاحية فعلية تنموية واقتصادية، في المؤسسة والإدارة أولاً؛ وفي البيداغوجيا ثانياً؛ إذ نحن في حاجة إلى مشاريع بيداغوجية مبنية على فحص الحاجات الواقعية، غير غافلة عن الانتماء الحضاري لأولئك الذين سيتولون العمل عليها وتطبيقها. إننا نكاد نقرر هنا أن أي مشروع أو تخطيط بيداغوجي، يروم إصلاح التعليم، ولا يأخذ بعين الاعتبار العنصر البشري القائم على التنفيذ، ولا يراعي تحسين ظروف عمله، مآله الإخفاق؛ لأن العنصر البشري هو الفاعل والفعال والوسيط والبؤرة، مدرِّساً كان أو متعلماً أو إدارياً؛ وعليه فإن النظر إلى مشاكلنا البيداغوجية من منظور تكنولوجي معلوماتي، وإن كان يبرز قصوراً تزداد حدته؛ نظراً لعدم مواكبة البيداغوجيا سرعة وتيرة التقدم العلمي، وقلة نجاعة الاستفادة من التطور المستمر الذي تعرفه التكنولوجيا المعلوماتية؛ فإنه يجب أن لا يؤدي فقط إلى مجرد تشخيص الواقع، وفحص الوضع البيداغوجي بالجامعة؛ وإنما إلى بروز منطلقات جديدة لا تكتفي بالتوصيف والضبط، بل تعمل على تقديم بدائل وحلول عملية وتطبيقية. ومن جملة هذه المنطلقات: - التركيز على الرفع من جودة تعليم اللغة العربية لأبنائها؛ إذ يعتبر تعليم اللغة من أهم مجالات التعلم؛ ذلك أن اللغة ـ كما أسلفنا ـ وسيلة الفرد في اكتسابه المعرفة، والحصول على المعلومات. وتعلم اللغة نافذة يطل منها المتعلم على ميادين الثقافة التي كتبت بتلك اللغة. واللغة العربية هي القناة الثابتة التي نتواصل بها على امتداد الزمان والمكان، وهي ذاكرتنا الجماعية، بها وفيها نُخَزِّنُ مفاهيمنا ونسجل قيمنا، وبها نحفظ رؤانا وحضارتنا، وهي بحاجة فعلاً إلى أن توضع لها رؤى وخطط تعليمية متجددة؛ للرفع من جودة تعليمها ونشرها وتداولها. - التركيز على ضرورة تحسين طرق ومناهج تعليم العربية لغير أبنائها؛ ذلك أنها بحاجة إلى من يقدمها لهؤلاء على حقيقتها، وفي جودتها من دون تحريف ولا تشويه. - ثم في ظل هذه الثورة لم تعد الجامعة تسعى إلى نقل المعرفة وحسب؛ فهي ليست هدفاً أولياً في الممارسات التعليمية، وإنما الأوْلى تطوير القدرات العملية التي تُعْتَمَدُ في الوصول إلى مصادر المعرفة من أصولها، واستثمارها في بناء مشاريع تنموية اقتصادية واجتماعية. والإبحار في محيط المعارف لا يجوز أن ينحصر في محاولة إيجاد الأجوبة، وإنما الأهم من ذلك تحريك الفكر لطرح الأسئلة. ذلك أن طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة عن طريق الوسائط التكنولوجية يُكسب المتعلم قدرة على التكيف وسرعة في التعلم، بحكم قابليته للتنقل والاطلاع الواسع الذي يوفره عالم التكنولوجيات. وهنا تكمن جسامة العمل البيداغوجي الجامعي؛ حيث لا يجوز أن ينحو منحى الثبات والاستقرار، بل التوجه نحو التنوع والتطور، وهو ما يتطلب وعياً من البيداغوجيين والمسؤولين على السواء؛ لتوفير ظروف التنويع، ووسائل التطوير، والحد من القيود التي تحد من مشاركة المتعلمين (تلاميذ وطلبة) في التعلم، وإسهامات الأساتذة في المشاريع البيداغوجية، وينتهون جميعهم إلى أن المسألة ليست بالدرجة الأولى في التعميم والانتشار؛ وإنما هي في القدرة والنوعية. إن التعليم الجامعي مُعْنى حالياً بالمشاركة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويستفيد من استثمار التكنولوجيا المعلوماتية والاتصالية في دعم المتعلمين لتغيير طرائق عملهم، ودفعهم نحو التفكير والفهم المبنيين على التفاعل المباشر والذكي مع المعرفة المعروضة. ومن هنا يدرك الجامعيون عموماً أن وظيفتهم ليست مقصورة على نقل المعارف والعلوم؛ وإنما تنصبُّ بالأساس على ضبط أهداف النقل وكيفياته، وطرقه ومناهجه، ومن ثم السعي لإكساب الفرد أقصى درجات المرونة، وسرعة التفكير، وقابلية التنقل بمعناه الواسع، والتنقل الجغرافي لتغير أماكن العمل والمعيشة، والتنقل الاجتماعي تحت فعل الحراك الاجتماعي المتوقع، والتنقل الفردي كنتيجة لانفجار المعرفة، وسرعة تغير المفاهيم (١) . إن إصلاح التعليم بالجامعة المغربية يقول بضرورة الارتقاء بمهنة الفاعلين البيداغوجيين إلى درجة أكثر احتراماً ومسؤولية، وأن يكون التعليم بالجامعة أكثر عمقاً؛ وهذا يقضي أن يوضح للمدرسين ما الذي ينبغي أن يعرفوه ويفعلوه ويزاولوه؛ حتى ترتقي البيداغوجيا من مجرد كونها عملاً فردياً؛ إلى وضعها في مصاف العلوم المعرفية العلمية؛ وبما أن البيداغوجيا ممارسة وتجربة فإن ذلك مما يوجب تكامل التجارب وإفادة بعضها من بعض. والتكنولوجيا المعلوماتية تعتبر وسيطاً مهماً؛ للربط بين مختلف المدرسين بالجامعة. البيان: لقد لوحظ أن حُمَّى ما سمي بـ (إصلاح التعليم) التي عصفت بالعالم الإسلامي أخيراً؛ كانت متزامنة مع حمى أخرى، هي المتعلقة بأطروحة تغيير مدونة الأسرة، وقضية المرأة؛ كما تجلى بالفعل في بعض الدول العربية ـ كيف تفسرون هذا التزامن: أهو محض مصادفة؛ أم أن هناك علاقةً ما بين البرنامجين؟ - د. الوزاني: لا شك أن المقصود بالبرنامجين معاً إنما هو ضرب مبادئ الإسلام في العمق، والتشكيك في نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ ليصبح المسلم في مهب الريح، ضعيف الإرادة، مهيأً لتغيير فكره بسهولة. - د. الدكير: نعم! هو كما قال فضيلة الدكتور الوزاني؛ ذلك أن إصلاح التعليم قضية ولا أبا حسن لها! وتغيير مدونة الأسرة رِدَّةٌ ولا أبا بكر لها! وهما كلمتا حق أريد بهما باطل، وتحريف للكلم عن بعض مواضعه للإجهاز على الإرث العلمي والعملي في العالم الإسلامي الذي يراد له أن يُحمل على كلمات خبيثات ما لها من قرار، بَلْهَ أن تثمر الثمار. ولعل العلاقة بين الْمَكْرَيْن الْمُبَيَّتَيْن لا تخفى إلا على عريض القفا النومان، وإلا على جاحد مكابر قد ألقى الحبل على الغارب؛ ذلك بأن العلاقة صارت إلى عالم المشاهدة، وقد جرت بها مختلف وسائل الإعلام، على تفاوت في التلطف والجهر. - د. اليوبي: إصلاح التعليم والمدونة مخططان من أقوى مخططات الهيمنة والسيطرة، ويجب الإقرار أولاً أن هذا التزامن ليس من محض المصادفة، وإنما هو أمر مدروس ومخطط له: مرة علناً، ومرات سراً. والبرنامجان من أخطر ما يمكن أن يعصف بقيم ودعائم المجتمع؛ فكلاهما مرتبط بأعظم مكون من مكونات المجتمع: المؤسسة التعليمية، والأسرة؛ فإن هما فسدا فسد المجتمع كله، وهذا أمر في اعتقادي لا يحتاج إلى توضيح بقدر ما يحتاج إلى تنبيه واستنهاض. وفي رأيي لا يجوز النظر إلى القضيتين نظرة واحدة؛ إذ الحقيقة أن نظمنا التربوية تحتاج إلى إصلاح وتغيير، وهذا أمر طبيعي. ولكن المهم في الأمر هو أن تصبح مؤسساتنا التعليمية والتربوية فاعلة ومنتجة. أما أن تتوالى عليها إصلاحات عقيمة تحتاج هي بدورها إلى إصلاح منذ ولادتها؛ فهو مما يجب التفكير فيه ملياً. ثم إن الإصلاح في المجال التربوي والتعليمي لا يجوز أن يقتصر على القضايا الفكرية، وإنما يجب أن تنكبَّ الدراسات على قضايا التكوين والإعداد؛ فالعنصر البشري هو ما ينبغي التفكير فيه أولاً وأخيراً، ومن دونه فكل مشروع إصلاح يحمل معه إشارات مشروع إصلاح آخر. أما ما يتعلق بحمَّى تغيير مدونة الأسرة ـ بشكل خاص ـ ففي اعتقادي أن هذا الأمر أخطر بكثير؛ لأنه يعني خلخلة جوهر المجتمع الإسلامي وزلزلته من عمقه، وقد بدأت بالفعل تظهر علامات هذه الخلخلة من خلال العزوف الكثير عن الزواج، والهروب من مسؤولية تكوين (أسرة) . ثم الأخطر من هذا كله هو التراجع عن المحافظة على الأسر القائمة بالفعل، وعدم الرغبة في الاستمرار داخل الأسرة المبنية أصلاً، وقد نتج عن ذلك ارتفاع نسب الطلاق، والعزوف عن الزواج كلية، وتضاعف ظاهرة العنوسة، وهي علامات خطيرة ناتجة عن التغييرات التي مست مدونة الأسرة. إن التفكير في إصلاح مدونة الأسرة ليس عيباً، ولكن العيب أن يتم ذلك جراء إملاءات خارجية لا تراعي القيم الدينية والثقافية للمجتمع المسلم. صحيح أن هناك مشاكل كثيرة، ولكن التفكير في حلها لا يجوز أن يؤدي إلى زعزعة نظام الأسرة بكامله، والعصف بروحه. وأما علاقة البرنامجين فمن الضروري التذكير بأن محاولات الهيمنة والسيطرة على العالم الإسلامي قد أخذت أشكالا كثيرة ووسائل متعددة، والتركيز على مجالي التعليم والأسرة إنما وقع بعد دراسة استعمارية متفحصة وعميقة؛ خططت للتوصل إلى زعزعة كيان العالم الإسلامي وخلخلة بنيانه كله. البيان: بناء على ما تقرر قَبْلُ مِنْ عُمْرَان اللغة بالمذهبيات المفهومية للحضارة المتكلمة بها؛ كيف تنظرون إلى معضلة ترجمة العلوم الاجتماعية والطبيعية وقضية المصطلح؟ وإلى أي حد يمكن ضمان نقل المفاهيم سليمة من المؤثرات الأيديولوجية والفلسفية؟ هذا من جهة. ومن جهة ثانية فإنه رغم وجود مكتب تنسيق التعريب بالرباط، التابع للمنظمة العربية للثقافة والعلوم؛ فإننا نلحظ اختلاف التعبير الاصطلاحي وتضاربه بين كثير من الأقطار العربية عند وضع مصطلح جديد لما استُحدث من الآلات الصناعية، أو المفاهيم العلمية والعمرانية؛ فما شروط الوحدة اللغوية في نظركم؟ أعني في مجال التداول الاصطلاحي. - د. الدكير: الترجمة تتعلق بالمترجِم أولاً، والمنقول له ثانياً، إنها تتعلق بالإنسان؛ فما غلب على الأول وأُشْرِبَهُ قلبُه جرى على لسانه، وخطه قلمه؛ على أن قلب الثاني ـ وهو المترجَم له أو المنقول له ـ قد ينكر ما يلقى إليه، ويلفظه بفطرته أو بعمله. ولا ينبغي أن تُغفل قيمة عمليات التصحيح والنقد، التي تكشف السموم، وتعري العيوب. وأما الاصطلاح فهو فرع والتعريب فرع آخر، ووجود مكتب لتنسيق التعريب ـ وهو وحيد في ركن ركين، ولا يُلتفت إليه إلا قليلاً ـ عيب كبير؛ لكثرة الوارد، وضعف ذات اليد، فضلاً عن الأهواء والأدواء، وإعجاب كل معرِّب بكَلِمِهِ، ولا وحدة لغوية في مجال الاصطلاح وغيره إلا بالإيمان بضرورة الوحدة أولاً؛ هذه هي الجادة؛ فإن الإيمان بالشيء يأمر باللوازم التي يجب أن تؤخذ بقوة، وعلى بصيرة؛ ليولد المصطلح سوياً سليماً، ثم قد يتثقّفه أو يهذِّبه أولو الاجتهاد في العربية. - د. الوزاني: لعل من سوء حظ مكتب تنسيق التعريب أنه وُجِدَ في المغرب! لأن أهل هذا البلد وأصحاب القرار منهم بالخصوص لا يعيرون اهتماماً للتعريب، وإلا فكيف نفسر إنشاء مكتب آخر في نفس المدينة خاص بالمغرب يحمل عنوان: «معهد التعريب والبحث العلمي» بدل التعاون مع مكتب التعريب التابع للجامعة العربية، وتعضيده ليقوى إنتاجه؟ وأظن أن ما قام به هذا المكتب منذ إنشائه إلى الآن كفيل بأن يجيب عن هذه الأسئلة التي وردت في هذه الندوة. أما فيما يتعلق بتعريب المصطلحات وتوحيدها؛ فقد نشر المكتب عشرات المعاجم، في شكل مشاريع لمختلف الفنون، ولا يحتاج إلا إلى مناقشتها من قِبَل المجامع اللغوية، والمتخصصين فيها للاتفاق حول صيغة واحدة، واعتمادها بصفة رسمية، ونشرها في معاجم خاصة، ولتكون مرجعاً للجميع. وبذلك نتلافى الاختلافات في شأنها. والحل في نظري لمعالجة الإشكال بوجهيه المذكورَيْن هو تكتيل الجهود من جميع الجهات المختصة؛ لدعم مكتب تنسيق التعريب في مسيرته، وإحيائه من جديد؛ لاستثمار أعماله الغزيرة، ودعمه؛ وليواكب العصر ويساير المستجدات، ولا يعدم العالم العربي في هذه الخطة حلاً يرتاح له الغيورون على لغة القرآن الكريم. - د. اليوبي: لا تنازع في أهمية الترجمة وقيمتها في نقل العلوم والمعارف، والتعرف على الثقافات وتجارب الآخرين. ولا شك في عدم إمكانية نقل المفاهيم سليمة بإطلاق من المؤثرات الأيديولوجية والفلسفية؛ لأن المصطلحات التي تعبر عن المفاهيم هي من ذات الفكر الذي أنتجها؛ فمن غير المنطقي أن تكون غيره. وقد تقرر تاريخياً أن الثقافة الغربية نقلت عن الثقافة العربية الإسلامية، وقد نقلت الثقافة العربية عن الثقافة اليونانية. لكن في رأيي لا يجوز اعتبار الترجمة معضلة من حيث هي، وإنما يجب التفكير في قيمة المنقول وحمولته؛ قصد التحكم في عملية نقله، وكيفية الاستفادة منه؛ وذلك قصد التمكن من تبادل المعلومات، وإقامة التواصل والتفاهم بصورة إيجابية. ولا ضير في اختلاف التعبير الاصطلاحي بين الأقطار العربية، وإنما التضارب والتعارض في مؤدَّى المفاهيم الاصطلاحية هو ما يجب تلافيه؛ لأنه مربك فعلاً. وقد أنشأت الدول العربية (مكتب تنسيق التعريب) بالرباط لهذا الغرض. وقد قام ـ وما يزال ـ بجهود تنسيقية محمودة معروفة، ويبقى أن دوره يحتاج إلى إعطائه سلطة علمية يستطيع بها النفاذ إلى جميع الدول العربية لتحقيق الوحدة اللغوية على مستوى المصطلحات والمفاهيم. ولقد أصبح مطلوباً الآن ـ أكثر من أي وقت مضى ـ من وزارات التعليم والتكوين والتربية في العالم العربي؛ أن تقوم بالتنسيق والتشاور في البرامج والمناهج وإعداد النظم التعليمية كلها؛ لإرساء دعائم الوحدة اللغوية وضبط مجال التداول الاصطلاحي. ولقد أضحى الحديث عن المسألة اللغوية بالعالم العربي مصدر إزعاج وانزعاج؛ سبَّبَ تدافعاً بين فريقين: فإن كان الحديث عن قيمة اللغة العربية ورد الاعتبار لها؛ بكونها لغة القرآن ولغة الأمة الإسلامية، ووسيلة تواصلها وعنوان هويتها؛ انزعج له الحاقدون والناقمون على هذه الأمة. وإن كان الحديث عنها بكونها لغة لا تخدم العصر وأنها قادرة على مسايرة التطورات في المجالات العلمية المختلفة؛ كان ذلك الحديث مصدر إزعاج لأهلها الذين يرون في اللغة العربية قدرة وقوة تأتيها من داخلها. فالقضية إذن قضية ولاء لهذه الأمة أو براء منها. البيان: ما الوسيلة الأنجع في نظركم لإعادة الاعتبار الحقيقي للغة العربية وهي لغة القرآن؛ لتمتين الأداء اللغوي لدى الجيل من جهة، وضمان الفهم السليم عن الله ورسوله من جهة ثانية؟ - د. الدكير: إن الوسيلة الأنجع لإعادة الاعتبار للعربية لغة القرآن هي القرآن الكريم؛ فقد أدب به ربُّنا ـ جل وعلا ـ رسولَه محمداً # فأحسن تأديبه، فجرى على لسانه جوامعُ الكَلِم؛ فضلاً من الله ونعمة. على أن المجاهدة بالقرآن هي الجهاد؛ علماً أن الله هو الذي تكفل بحفظ القرآن، وحِفْظُ العربية مِن حِفْظِه؛ فإن الأمر بالشيء أمر بوسيلته. ومحاولة فهم القرآن وإعرابه وتفسيره تستوجب ضرورة العربية، وفي خير القرون ـ خير أسوة ـ نصح سلف الأمة: أنْ إذا لم تفهموا شيئاً من القرآن فالتمسوه في شعر الجاهلية؛ فإنه ديوان العرب. أقول: لا بد من حفظ القرآن عن ظهر قلب؛ فالذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب. وإن هذه الأمة لتُغْبَطُ بأن احتياجاتها من العلم والدين في صدورها. فالحفظ يجعل اللسان رطباً بالذكر، والذكر يهدي للتدبر والتفكر، فتُدرَك الحاجات، وتُطلَب رويداً رويداً؛ وطلبها واجب، وهو إن كان كفائياً ـ وقد كادت تجعله عينياً ـ حتى إذا قام به البعض سقط عن الكل. - د. الوزاني: نعم! هو كما قال فضيلة الدكتور الدكير، ولكن يمكن تفصيل ذلك في خطة مبرمجة على خطوات؛ فالوسيلة الأساسية هي التفكير في تعميم حفظ كتاب الله العزيز؛ فهو أساس اللغة العربية. وينفذ برنامج التكوين اللغوي اعتماداً على وسائل مساعدة، وهي كما يلي: - التعاون مع منظمة «الإيسيسكو» التي من أهدافها الجليلة نشر اللغة العربية لغير الناطقين بها، والتدريب على طرق تدريسها. - تبسيط دروس النحو، وحذف الأبواب التي لا تفيد كثيراً. - تبسيط العربية بالنسبة للمبتدئين، بوضع معاجم متدرجة في عدد كلماتها، بدءاً من الكلمات السهلة الحسية، والمتداولة بكثرة، كالفطور والغداء مثلاً، وما شابه ذلك، ويراعى فيها اختيار مترادفة واحدة بدل مترادفتين، أو أكثر، كالجلوس والقعود، والفرس والحصان، وهلمَّ جراً، على أن يشتمل المعجم الأول على: ٢٠٠٠ كلمة مثلاً، والثاني على: ٤٠٠٠ ولا تؤخذ المفردات المستعملة في دروس التهجي وقصص الأطفال؛ إلا من هذا المعجم. واختيار هذه الكلمات يخضع لطرق خاصة، كالتقاط الكلمات الفصيحة المتكررة، بوضع آلة التسجيل في الشوارع العمومية، وكذا من تعابير الإنشاء لتلاميذ الشهادة الابتدائية. - استغلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة؛ لتوسيع مدارك الأطفال في اللغة العربية، وتصويب الخطأ في برنامج «قل ولا تقل» مثلاً. - التفكير في شكل الكلمات، خصوصاً الأعلام، والكلمات التي تتطلب ذلك، كالمبني للمجهول مثلاً. - فرض مادة اللغة العربية على كل طالب يتابع دراسته في أي كلية، أو معهد يعتمد اللغة الأجنبية. - د. اليوبي: بداية، يجب الاعتراف بأن التقصير فينا وليس في لغتنا، وارتقاء اللغة رهين بدرجة الاعتناء بها، واستعمالها، وكذا الاعتزاز بها، وتطوير طرق نقلها وتقديمها للآخرين. وهنا تكمن مسؤولية الجميع: علماء، وباحثين، ومفكرين، ومجامع علمية ولغوية، ومؤسسات تعليمية وتربوية. وقد يتحقق ذلك بالأمور الآتية: - الاهتمام باللغة العربية في البرامج التعليمية والمناهج التربوية، في مختلف وزارات التعليم بالبلاد العربية. - السعي إلى توظيف اللغة العربية توظيفاً مقبولاً في الإدارات والمؤسسات العمومية. - الارتقاء بالاستعمال اللغوي في الوسائل الإعلامية المسموعة والمكتوبة. - الاهتمام بالقراءة باللغة العربية وتشجيع الإنتاج والإبداع العلميين المكتوبين باللغة العربية. - ثم إن المؤسسات التعليمية والجامعة على الخصوص لها دور ريادي في هذا الباب؛ فهي لها من القدرة ما تستطيع رد هذا الاعتبار. البيان: هل يمكن في نظركم تقريب العاميات العربية ـ بصورة ما ـ في الاستعمال الشعبي من اللغة الفصحى؟ وإذا كان ذلك ممكناً فما الوسائل الكفيلة بالنهوض به؟ - د. الوزاني: التفكير في تقريب العامية من الفصحى تفكير لا بأس به، ولكن أخوف ما نخاف منه هو إحلال العامية محل لغة القرآن بالتدريج حتى تصبح كاللغة اللاتينية المهجورة بعدما تفرقت اللهجات المنبثقة عنها إلى اللغات اللاتينية المعروفة، وبذلك نصبح بعيدين كل البعد عن فهم كتاب الله وتراثنا العظيم الذي نفخر به، وتصبح اللغات في البلدان العربية ـ لا قدر الله ـ متعددة مختلفة. وأما التقريب من حيث المبدأ؛ فهو فكرة حسنة. ولنا في المسلسلات (المدبلجة) خير مثال ـ على الرغم مما فيها من عادات سيئة، بعيدة عن عاداتنا وعقائدنا ـ فالخطاب فيها يصل إلى الجميع بسرعة؛ بسبب بساطة العبارات، وسهولة الحوار، أو أدائه كأنه طبيعي؛ حيث يفهمه الجميع، على عكس ما نشاهده في بعض المسلسلات العربية الأخرى التي يتحاور أصحابها كأنهم يلقون خطباً. وفي هذا الصدد يحسن بي أن أسوق ما يراه الدكتور أحمد أمين في كتابه «حياتي» قال: وكثيراً ما شغل ذهني مشكلة العلاقة بين اللغة الفصحى ولا سيما من ناحية الإعراب، تحول دون انتشارها في جمهور الشعب، وخاصة إذا أردنا مكافحة الأمية وتعميم التعليم؛ فنحن لو أردنا تعميم التعليم بين الجماهير باللغة الفصحى المعربة احتجنا إلى زمن طويل، ولم نتمكن من إجادة ذلك كما لم نتمكن إلى اليوم من إجادة تعليم المثقفين إياها؛ فطلبة المدارس يقضون تسع سنين في التعليم الابتدائي والثانوي، وأربع سنين في الجامعة، ثم لا يحسن أحدهم الكتابة والقراءة، وكثيراً ما يُلْحِنون في الإعراب، ومن أجل هذا اقترحت في بعض مقالات نشرتها، وفي محاضرة في المجمع اللغوي أن نبحث عن وسيلة للتقريب، واقترحت أن تكون لنا لغة شعبية، ننفيها من حرافيش الكلمات ـ على حد تعبير ابن خلدون ـ وتلتزم في آخر الكلمات الوقف من غير إعراب، وتكون هي لغة التعليم ولغة المخاطبات، ولغة الكتابة للجمهور، ولا تكون اللغة الفصحى إلا لغة المثقفين ثقافة عالية، من طلبة الجامعة وأشباههم، وإلا الذين يريدون الأدب القديم ويستفيدون منه. وبهذا نكسب اللغة العامية والفصحى معاً. فاللغة الفصحى الآن لا تتعدى كثيراً من استعمال الكلمات اليومي، وهذا الاستعمال اليومي في الشارع وفي البيوت، وفي المعاملات من طبيعته أن يُكسب اللغة حياة أكثر من حياتها بين الدفاتر وفي الأوساط الخاصة، ويُكسب اللغة العامية رقياً يقربها من الفصحى، وهو يمكِّننا من نشر الثقافة والتعليم لجمهور الناس في سرعة، ويمكننا من تقديم غذاء أدبي لقوم لا يزالون محرومين منه إلى اليوم! (١) . ولكن هذا الاقتراح لم يلق قبولاً كما قال. - د. الدكير: يغلب على الظن أن العاميات أغلبها لهجات تفرعت عن لسان العربية، وتُنوسي الأصل وصار مهجوراً وهو الحق. والناظر في العامية بالبوادي والمداشر و (القصور الصحراوية) بالمغرب مثلاً؛ يجد كثيراً من الألفاظ تستعمل الاستعمال العربي الفصيح الذي عُرف في الشعر العربي قديماً، مما لا وجود له حتى في فصحى اليوم. فالعامية وعاء خزان، يجب إحياؤه والعودة إليه ـ والعود أحمد ـ لكن يُصفّى مما علق به من شوائب؛ بسبب عوامل التعرية. فالعامية بحاجة إلى تخلية وتحلية؛ لتصبح صافية. ولقد عمل القرآن زمان نزوله على توحيد لهجات العرب، فأنزل الله ـ سبحانه ـ القرآن على سبعة أحرف، والأحرف: اللغات عند أغلب العلماء. هذا وإن عاميات الدول العربية ولهجاتها، ليُعتنى بها اليوم في المعاهد والجامعات بالشرق والغرب؛ لحاجات في نفوس القوم، لكن كلٌّ يعمل على شاكلته، ولكل وجهة هو موليها، وإنما الأعمال بالنيات، والله من وراء القصد، نسأله ـ تعالى ـ أن يهدينا للتي هي أقوم، ويهيئ لنا من أمرنا رشداً. - د. اليوبي: إن المسألة باختصار تتشكل كما يلي: فرغم الإقرار بحضور العاميات المتنوعة في البلاد العربية، ورغم جماليات بعض النصوص والإنتاجات التي قد تأتي بالعامية مكتوبة أو شفهية؛ فإن اللغة العربية الفصحى لا يجوز أن تعوض بالعامية؛ لأن الخطر لا ينحصر في كونه مسألة لغوية فحسب؛ وإنما يتعدى ذلك إلى كونه يمثل دعوة مغرضة ذات أبعاد سياسية مقيتة، أو استشراقية أو طائفية، ولا يخفى ما في ذلك من خطر على فقدان الذاكرة التي تجمع العرب والمسلمين عموماً تلك هي القضية في حقيقتها بلا مراء. البيان: شَكَرَ الله للإخوة الأساتذة الفضلاء مشاركتَهم المتميزة والمفيدة في هذه الندوة ذات الإشكال المعقد؛ بما تبين من ارتباطاته المتعددة مع سائر أوجه النشاط الإنساني للمجتمع. ولا شك أن ضمن ما ورد من أجوبة ومناقشات وإثارة للخبايا ملامحَ واضحة لطبيعة الداء، وملامح أخرى لوصفة الدواء. وقد تبين أن مسألة اللغة العربية بالنسبة للأمة الإسلامية ليست ترفاً فكرياً يتناوله المفكرون المترفون؛ كلاّ، بل هي قضية وجود أو عدم. إن معنى إشكالها هو تمام المعادلة المشهورة: (إما أن نكون أو لا نكون) ومن هنا كان من الخطأ الجسيم أن تأتي دعوات للإصلاح هنا وهناك؛ وليس لها أدنى تصور للمسألة اللغوية في العالم العربي والإسلامي. إن معنى ذلك أن علينا أن نفكر بجد في إعادة بناء جيل قيادي متكلم بالعربية الحقيقية، عربية القرآن، جيل قادر على بناء (الجملة القرآنية) ـ على حد تعبير مصطفى صادق الرافعي ﵀ قادر على توظيفها واستعمالها والتواصل بها؛ من أجل إحسان ربط الصلة بالتراث العلمي والحضاري للأمة. إذْ بدون ذلك سيكون التَّبَيُّن والبيان ضعيفاً جداً؛ فتَبَيُّنُ مفاهيم التراث على حقيقتها، وتبيينها على أحسن وجوهها؛ هو من أكبر مهام تجديد الدين في النفس والمجتمع. ولا شك أن حل هذا الإشكال هو أول منطلقات العلم، ولا وجود لهذه الأمة إلا بعلم. ولا شك أن استصدار مشروع لذلك في ميدان التربية والتعليم، بهذا البلد أو ذاك؛ لهو من أكبر التحديات؛ ذلك، والله الهادي إلى الصواب والموفق إليه.

стр. 5144

حوار مع المهندسة كاميليا حلمي الطروحات النسوية العولمية تجليات للاستعمار الجديد أجرى الحوار: الهيثم زعفان المهندسة «كاميليا حلمي» ـ المدير التنفيذي لمكتب اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل في القاهرة التابعة للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، تخرجت في كلية الهندسة جامعة الإسكندرية، واشتغلت بالعمل الخيري منذ الثمانينيات، ثم اهتمت بقضية المرأة والطفل، حضرت العديد من المؤتمرات الدولية والإقليمية. متزوجة من مهندس ولديها ثلاثة من الأولاد. وكان للبيان معها هذا الحوار: البيان: من خلال اهتمامكم بالحركة النسوية وتطوراتها المتسارعة في السياق العولمي ما رأيكم فيما يجري باسم المرأة الآن؟ - الطرح النسوي العولمي هو أحد أبرز تجليات الموجة الجديدة من الاستعمار التي تتبنى مسالك ملتوية، وتتزيف بقضايا براقة مثل: قضية المرأة على المستوى الأممي؛ فاليوم يسعى الغرب جاهداً إلى تفكيك المؤسسات التي تقوم على توريث الإسلام للأجيال، وقد نجح من قبل في تحييد الدولة بمؤسساتها تجاه الدين، وبقيت الأسرة حجر عثرة في طريقه، والمرأة كأم هي حجر الزاوية في الأسرة والعنصر الأهم في تنشئة الأجيال، وحتى لا تستثار الشعوب أمكن توظيف هيئة الأمم المتحدة كمنظمة تنضوي تحتها كل الدول في هذا السبيل، وقد صدرت عنها عدة وثائق وفعاليات لو طبقت ـ لا قدر الله ـ لتحقق لهم ما أرادوا، وقد سخرت كل المؤسسات الدولية لدفع الدول لتبني هذا الفكر في شكل قيم وقوانين وسياسات تدفع بالمجتمعات نحو تبني وتطبيق المفاهيم والقيم النسوية الشاذة عن مدارك البشرية كلها، والسعي في تنشئة الأجيال الجديدة على تلك المفاهيم. البيان: هل يمكن القول إن تبنّي الأمم المتحدة هذه القضية قد بدأ مع مؤتمر القاهرة للسكان؟ - التبني الأممي للفكر النسوي بدأ يتبلور مبكراً منذ عام ١٩٤٨م، وتجلّى في مؤتمرات عدة للمرأة، وفي وثائق منها السيداو، لكنه اصطدم بوعينا، وتجلّت لنا خطورته في مؤتمر القاهرة للسكان عام ١٩٩٤م، ثم استشرت في بكين ١٩٩٥م، وما تبعهما من مؤتمرات وتفاعلات، حيث بدأت الأجندة النسوية العولمية في إعلان مطالبها بوضوح وصراحة، وضمنت وثيقة القاهرة للسكان بعضاً من ذلك، بما أحدث صدمة كبيرة ورد فعل قوي من الأزهر، وحين أخفقوا في نيل المشروعية ضمناً من الأزهر، ذهبوا إلى بكين ليحققوا ما أرادوا. البيان: وما وجه التغير في هذين المؤتمرَين عما قبلهما؟ - قبل المؤتمرَين كان الفكر النسوي فكراً نخبوياً، لكن بعد هذين المؤتمرَين استهدف الفكر ثقافة الجماهير وعامة الناس من خلال تبنّي آليات للتغيير في الأوضاع الاجتماعية بصورة مستفزة، وقد اكتسبت تلك الأفكار والمطالب سلطة الأمم المتحدة، وحققت اعتراف الدول بها والتوقيع عليها من قبْل، ثم جاء المؤتمرَان ليكشفا المخبوء، ويطرحا برامج معلنة للتطبيق، من إباحة الإجهاض، والشذوذ، والممارسات الجنسية للمراهقين، إلى طرح فكرة التمييز ضد المرأة كشعار برّاق ومعمَّى، يحمل في طياته مضامين تهدد المجتمعات، ولما أبى الأزهر أن يكون لهم ذلك، سارعوا بالمؤتمر اللاحق في بكين ـ أقصى الأرض ـ وقد رأينا كيف شاركت فيه مئات من المنظمات السحاقية والشاذة، وكيف باتت مطالبهم مشروعة ومضمنة في الوثائق الدولية كجزء من الحقوق في وثائق المرأة والطفل وغيرها. البيان: «العنف ضد المرأة» و «التمييز ضد المرأة» و «تمكين المرأة» و «المساواة» قيم يطرحها الخطاب النسوي كقيم مطلقة، كيف هي مضامين هذه الشعارات؟ - نحن أصبحنا نتعامل بصورة يومية مع ألفاظ من غير أن ندرك معناها وفي هذا خطورة كبيرة؛ فتمكين المرأة كما قلنا يعني إقصاء الرجل، وتسويد المرأة وما يحمله ذلك من إجراءات تحقق هذه القيمة من التمكين السياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي. أما التمييز ضد المرأة فهو لفظ فضفاض يدخل تحته أي لون من ألوان الاعتراض أو الإعاقة التي تقف دون تمكين المرأة. أما العنف ضد المرأة فيعرَّف في وثائق الأمم المتحدة على أنه: «أي تفريق في التعامل بين الرجل والمرأة لمجرد كونها امرأة وكونه رجلاً، وعلى هذا فطاعة المرأة لزوجها وتربيتها لأولادها ومكوثها داخل البيت لرعاية الأسرة، وكون العصمة بيد الرجل والقوامة كذلك كل هذا عنف، أي أن العنف هو أي انتقاص من الحقوق التي حددتها الأمم المتحدة للمرأة، و (السيداو) تعطي المرأة الحرية المطلقة، وتتعامل معها وكأنها كائن يحيا منعزلاًَ ليس في أسرة وإنما في صحراء، له حقوق دون أن يكون عليها واجبات، وهذا ما نشهده وسنشهده في واقعنا العربي من خلال سلسلة من القوانين التي بدأت تجد سبيلها للتطبيق. البيان: هل فكر (الفيمينزم) حين تسعى لتقديس المرأة بهذا الشكل ترسخ لمعاداة للرجل؟ - الـ «Feminism» أو الاتجاه الراديكالي يتبنى مبدأ الاستغناء عن الرجل، أو مبدأ استئصال الرجل، وتمركز العالم حول الأنثى، ويحلمون بعالم من النساء فقط بلا رجال، لدرجة أنهم أنشؤوا جمعية تحمل اسم «تقطيع أوصال الرجال» هذا الطرح يشمل كل صور الاستغناء اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وجنسياً، ويستعيضون عن الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي بحركات أو تيارات تمكين للمرأة، وعن الجانب الجنسي بالسحاق والعلاقات المثلية، بمعنى التجاوز المطلق للرجل والتمكين المطلق للمرأة في مواقع صنع القرار؛ ولهذا فكل ما يقف في وجه هذا التمكين هو تمييز ـ وفق ما يقصدونه بالتمييز ـ ضد المرأة، وهذا تمييز سلبي مرفوض في نظرهم، ولو كان حكماً من أحكام الشريعة، كما أن أي تمييز لصالح المرأة هو تمييز إيجابي كما تنص وثائق المرأة، بمعنى أنه ليس هناك مانع أن نميز لصالح المرأة؛ إذن المسألة لا تعني حتى المساواة التي يبشروننا بها، ولو كانوا يبحثون عن العدالة لأعطوا لكل من الرجل والمرأة حقوقه، ونحن مع أن يأخذ كل منهما حقوقه، ويتحمل مسؤولياته، لكنهم يحلمون بعالم خالٍ من الرجال، ولهذا نسمع عن التمكين الاقتصادي والاجتماعي، وأيضاً الاستغناء الجنسي طبعاً بديله أن ينتشر الشذوذ، ويصبح الشذوذ بالنسبة للمرأة منظماً ومشرعاً، وليس مجرد انحلال خلقي، لكي تتعود أن تستغني عن الرجل وعن الأسرة تماماً في حياتها، وتستغني كذلك عنه في الإنجاب من خلال الاستنساخ الذي هو من أجل الاستغناء عن الرجل، وأول طفلة مستنسخة كانت من جمعية (فيمينزم) وهم الذين أشرفوا على هذه العملية؛ فبالاستمرارية البشرية عبر الاستنساخ تستطيع الاستغناء كلياً عن الرجل وعن كل ما يرتبط به..! هذا الفكر لو عم فسيفني البشرية كلها. البيان: لكن هل يمكن أن تستغني الحركة النسوية بذاتها عن الرجل؟ - لا، بل حتى من واقع فكر الفيمينزم ما زال الرجل هو الذي يقود العالم، ويتحكم في المؤسسات والدول، ما زال هو المسيطر، هم يعترفون أن هناك فقراً في الكفاءات من النساء اللاتي يستطعن أن يسيرن العالم. البيان: تعد ثقافة الجندر تطوراً نوعياً في الطرح النسوي، كيف ترصدين تسرُّب هذه الثقافة إلى وعينا اليوم؟ - الـ Gender هو ما يعبر عنه بـ «النوع» ، ويعني: «إلغاء أي تفرقة تترتب على الاختلاف الجنسي بين الذكر والأنثى» ، هذا اللفظ تحول من كونه مصطلحاً مفرداً إلى منظومة تحمل أكثر من ٦٠ مصطلحاً تنبثق عنه ـ وهي في ازدياد ـ بحيث تغطي مختلف جوانب الحياة من خلال ما يسمى: «إدماج الجندر في كل مؤسسات العالم وكل مؤسسات الدولة» (Gender Main Enstring) سواء المؤسسات الحكومية أو المؤسسات الخيرية.. بحيث يدمغ كل مناشط الحياة بمفاهيم الجندر، وهناك مفاهيم اجتماعية، اقتصادية، سياسية ... إلخ كلها مبنية على الجندر. فلو أريد تطبيق «الجندر» على الجوانب الاجتماعية فسنجد «النوع الاجتماعي» Social Gender وما يتشعب عنه من مصطلحات اجتماعية كلها مضافة إلى جندر، ولو أخذنا مثالاً تطبيقياً حول ما يعرف بـ «العلاقات الجندرية» Gender Lotion فهم في الغرب كانوا يتصورون العلاقات بين أفراد الأسرة من خلال منطق القوة Power Relation؛ فالرجل أقوى من المرأة، ولهذا فهو الذي يسيطر على البيت. أما في الجندر فلا يعترفون بوجود فوارق مطلقاً بين الرجل والمرأة، ومن ثم فكل ما ينبني على الفوارق فهو نوع من الظلم وفق رؤيتهم يجب إزالته؛ وعليه تتماثل المرأة مع الرجل في كل شيء. البيان: وهل هناك تطبيقات لهذه الثقافة؟ - هناك تقسيم وظيفي كامل وفق الجندر؛ بحيث يقوم كلا الطرفين بجميع الأعمال مناصفة وبصورة متساوية، فلا تختص الأنوثة برعاية الأطفال وأعمال البيت، بل تقوم العلاقة على نِدِّية تامة وتقسيم حرفي للوظائف مناصفة؛ فإذا ما أرضعت الأم طفلها مرتين فيجب على الأب أن يقوم بنفس العدد من ذات المهمة، هذا ضمن مفهوم مساواة الجندر. وإذا كان لا مزية لفرد على آخر داخل الأسرة فلا سلطة إذن لطرف على آخر؛ فالأخت الكبرى ليس لها أي سلطة على الأخت الصغرى، فتزول مختلف الفوارق، الآدميون كلهم صاروا أشبه بآلات «Machine» ..! بلا مشاعر ولا أحاسيس ولا خصائص نفسية أو جسمية؛ فكل ذلك لا وجود له أو لا تأثير له على الاختلاف الوظيفي. البيان: وهل يمكن أن نجد لمثل هذا التطرف تطبيقاً داخل المجتمعات؟ - الأمر تجاوز التنظير الفكري والنشر الثقافي إلى اختراق بنية المجتمعات لصبها على هذه الصورة نظرياً وعملياً في وقت واحد، هناك سعي لتطوير وتفعيل هذا الطرح، وهم ينطلقون من مسلَّمة أن المجتمع بقيمه هو الذي يبني التفرقة بين الذكر والأنثى، وليس مجرد الاختلاف الجسدي؛ ولهذا فهناك سلسلة متشابكة من القوانين والقيم والرسائل الإعلامية والمضامين التربوية والإجراءات والسياسات التي تفرض من خلال الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية، والتي تمتد عبر مؤسسات للمجتمع المدني ذات صلاحيات كبيرة داخل المجتمعات تتيح فرصاً كبيرة أمام هذا الطرح في اختراق بنيتنا الثقافية والاجتماعية. البيان: لكن نفي الاختلاف مطلقاً له آثار خطيرة ومخالف لناموس الخلائق كلها! - الجندر يعمل على محو فكرة التكامل الوظيفي القائم على الاختلاف الفطري داخل المجتمع من خلال بناء منظور جديد لصورة كل من المرأة والرجل والعلاقة بينهما، ولذلك لا بد من هدم جميع القيم والتخلي عنها من دون استثناء، فينبغي إزالة كل صور التفريق، في التنشئة، في التسمية، في اللباس، في التعامل، في كل شيء حتى العلاقات الجنسية ينبغي عدم التفرقة، وإذا انتفت التفرقة فلا فرق بين الزواج في ظل الأسرة الشرعية وبين العلاقات المثلية الشاذة؛ فجميع الأطراف متساوون في كل الحقوق طبقاً لمساواة الجندر Gender Equality، والتي تترجم عندنا خطأ على أنه شيء آخر تماماً: «المساواة بين الرجل والمرأة» ، بينما هي تحمل نفس المضامين لو تأملنا. البيان: هل يمكن القول إن الحركة النسوية نجحت في تسخير المؤسسات الدولية لأغراضها؟ - اللجنة المضطلعة بشؤون المرأة داخل الأمم المتحدة والتي تعرف بـ (لجنة مركز المرأة) جميع أعضائها من الاتجاه النسوي الراديكالي (الحركة الأنثوية المتطرفة) ، وهي التي تتخذ الإجراءات وبيدها القرار، وهي التي تضع الأجندة وتتابع تطبيقها. البيان: إذن الثورة الأممية في صف الشواذ تنال شرعيتها من هذا المدخل! - نعم! وقد بدأت تداعيات هذا تظهر في مؤتمر نيويورك ٢٠٠٠م، حين أصدر الأمين العام قراراً بمساواة المتزوجين الشواذ بالتقليديين ـ لا يقول: الطبيعيين، ولكن يقول التقليديين، ولا يعترف أن الشواذ غير طبيعيين ـ والمساواة تكون في الميراث والضرائب والتأمين، وسائر الحقوق المدنية المعطاة لأي مواطن، وتصبح العلاقة علاقة شرعية تتمتع بكافة الحقوق ودون أي تجريم لأي شكل من العلاقات. البيان: وماذا عن اعتراضات الدول العربية والإسلامية على هذه القضايا؟ - الدول العربية والإسلامية اعترضت على هذا الطرح، لكن المشكلة أن الاعتراض يأتي في بعض التفاصيل، دون الانتباه إلى أن العلاقات الجندرية Gender Equality هي الإطار الكلي الذي سيظل يحكم الأمور، فتظل رغم تحفظاتك تدور في الحلقة التي وضعوك فيها، ويبقى الهدف الرئيسي كما هو؛ أن يعيش الشواذ بالمساواة في المجتمع، ويأخذوا حقوقهم؛ بينما أنت تتحفظ على الميراث وعلى بعض التفاصيل، نحن نريد من الوفود العربية والإسلامية أن يكون تحفظهم على أصل الوثيقة لا على بعض تفاصيلها. البيان: وهل لوجودكم باعتباركم منظمة إسلامية جدوى داخل الأمم المتحدة في ظل قوانين تسن من قِبَل قلة في مقابل إذعان أو ضعف الخيارات أمام الوفود الرسمية؟ - اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل تُعد إحدى اللجان الاستشارية المعتمدة من الأمم المتحدة، ومشاركتها يعد دعماً لمواقف الوفود الإسلامية، ووجود اللجنة وغيرها من المؤسسات الإسلامية مهم للغاية من هذا الجانب، كما أنه يتيح لنا موقعاً لمعرفة ما يجري وخلفياته، بالإضافة إلى أنه باب جيد لفهم الأجندات المفروضة وما ينبغي أن يكون معها، واللجنة منذ حصولها على عضوية المجلس الاقتصادي والاجتماعي ـ أحد هياكل الأمم المتحدة ـ وهي تعمل على الحد من المقررات التي من شأنها الإضرار بالأسرة والقيم المرتبطة بها، كما نسعى من خلال المؤتمرات لبيان القيم الاجتماعية في الإسلام للجميع، والتعريف بالموقف الإسلامي من قضايا الأسرة والمرأة، والتأكيد على دعم التوجه الإسلامي باعتباره خصوصية ثقافية لم يفهمها كثير من الغربيين على حقيقتها بعد، وقد حققنا ـ بفضل الله ـ بعض النتائج الطيبة من خلال إضافة بعض الفقرات في بعض الوثائق، وكان لنا دورنا ـ بفضل الله ـ في إلغاء التوقيع على وثيقة إدماج الرجال والصبية في تفعيل «مساواة الجندر» ، هذه الوثيقة ولو نجحت ـ لا قدر الله ـ لكان لها آثار كبيرة وخطيرة على المجتمعات عموماً، كما كان لنا دورنا في دعم المواقف الرسمية العربية الإسلامية المعارضة لمقررات «بكين» . أما عن الطموحات فهي كبيرة، وكذلك نحن نلنا رئاسة غرفة الشرق الأوسط بالأغلبية، وانتخب منا رئيس لهذه الغرفة. وقد انتهت اللجنة الإسلامية للمرأة والطفل من وضع «ميثاق الطفل في الإسلام» كوثيقة تجلّي مكانة الطفل في الإسلام والتدابير التي وضعها الإسلام لحماية الطفولة، وقد سجل هذا الميثاق في منظمة المؤتمر الإسلامي تمهيداً لتسجيله في الأمم المتحدة، والذي يمكن أن يعد مرجعية للدول الإسلامية في مجال الطفولة. البيان: وماذا عن المضايقات؟ - المضايقات تعرقل بعضاً من جهودنا، لكنها تزيدنا إصراراً وتمسكاً بمواقفنا. البيان: وما دور «ائتلاف المنظمات الإسلامية» الذي شاركتم بتأسيسه، وما طبيعته؟ - «ائتلاف المنظمات الإسلامية» هو ائتلاف يضم عدداً من المنظمات الإسلامية على مستوى العالم على اختلاف الهويات والانتماءات والتيارات الفكرية، ويتبنى قضية الأسرة والحفاظ عليها، ويسعى إلى إبراز موقف عالمي إسلامي من قضية المرأة والأسرة، وقد نلنا تأييداً كبيراً من منظمات حماية الأسرة والمنظمات الكاثوليكية الرافضة للفكر النسوي، ونسعى خلال الفترة المقبلة إلى ترجمة هذا الموقف في شكل وثيقة إسلامية عالمية عن المرأة والأسرة في الإسلام، وأملنا كبير أن يتسع الائتلاف ليضم كل المؤسسات الإسلامية العاملة حتى يتعضد موقفنا عالمياً. وحاجتنا إلى دعم وتأييد أي جمعية وأي مؤسسة وأي منظمة كبيرة وماسة، حتى ولو كان نشاطها في غير المجال النسوي؛ لأن قضية الأسرة مسؤولية الجميع، وليس في هذا الانضمام أدنى مشكلة؛ فالائتلاف عبارة عن جسد بغير رأس يتزعمه، وأسماء المنظمات مرتبة تحت العنوان الكبير بدون تمايز. البيان: كثيراً ما يثار أن النسخة العربية من وثائق الأمم المتحدة لا تعبر تعبيراً دقيقاً عن كثير من النقاط، وهذا أحسبه موجوداً في وثائق المرأة، وأحياناً يكون الفرق شاسعاً؟ هل يتاح للدول العربية أن تلتزم بالنسخة العربية دون الإنجليزية؟ - التوقيع يتم على النسخة الإنجليزية؛ أما النسخة العربية فهي غير دقيقة، وتخالف في عباراتها كثيراً من العبارات المنصوص عليها في النسخة الإنجليزية، ولهذا فالنسخة العربية ليس لها حجية في الأمم المتحدة، وعلى هذا ينبغي الرجوع إلى النسخة الإنجليزية إذا ما أردنا أن نعرف ماذا يريدون من هذه الاتفاقيات، مثلاً لفظ «Gender Equality» والذي مُرِّر في بكين تم إحلاله مكان لفظ «sex» ، يترجم في العربية: أنه يعني: «المساواة بين الجنسين» ، «Sex Education» أي: «تعليم الجنس» ، ويترجم على أنه «الثقافة الجنسية» ، والذي يعد لفظاً مخففاً لا يحمل نفس الحساسية التي يحملها لفظ التعليم في بلادنا، بينما هو يحمل نفس المضامين، وهم يتحدثون الآن عما هو أكثر من التعليم؛ يتحدثون عن: «خدمات الصحة الإنجابية» التي يدخل فيها تعليم الجنس والثقافة الجنسية وتوزيع وسائل منع الحمل على المراهقين في المدارس، وما يعرف بالإجهاض الآمن (الذي يتم بصورة قانونية) ، وقد شهدنا بيان ذلك في مؤتمر الأمم المتحدة ٢٠٠١م عن حقوق الطفل. والطفولة بنص الوثيقة ممتدة إلى ١٨ سنة، كل هذا سيحدث في بلادنا لو وقعنا على الوثيقة. البيان: كيف تجري متابعة تطبيق الدول للاتفاقيات من قِبَل الأمم المتحدة؟ - بالنسبة إلى اتفاقية (سيداو) مثلاً أنت كدولة بمجرد توقيعك عليها تُلزم بعد سنة من تاريخ التوقيع أن تقدم تقريراً شاملاً توضح فيه واقعك من سيداو، ثم تلزم بتقديم تقرير دوري كل أربع سنوات إلى لجنة سيداو، وتقسم دول العالم على جلسات دورية خلال السنوات الأربع؛ بحيث تناقش في كل جلسة خمسة تقارير أو ستة، ويقوم بصياغة التقرير المؤسسة الرسمية التي ترعى قضية المرأة داخل كل دولة، وتجري الصياغة وفق نظام مُعَدّ من اليونيسيف، والتقرير الرسمي يراعي التحفظات التي وضعتها الدولة، لكن هناك تقريراً آخر يقدم يعرف بتقرير «الظل» ، ويعده ائتلاف سيداو داخل كل دولة، وهو عبارة عن مجموعة منظمات مدنية تأخذ دعماً وتمويلاً خارجياً، ويسعى هذا الائتلاف إلى تطبيق «مقررات بكين» دون أي تحفظات، وأول بند في توصيات تقرير الظل رفع التحفظات بالكامل عن السيداو. وكلا التقريرين يعدد ما تحقق وما لم يتحقق، وغالباً ما يتهم تقرير «الظل» الحكومة بالإخفاق والتواني في تطبيق المقررات. ولا نعجب إذا ما علمنا أن كل تقرير لا بد أن يسبقه مجموعة من الإجراءات والقوانين والسياسات التي تسجل في التقرير، وهو من خلال هذه التقارير يدرس طبائع الشعوب قبل أن يطبق المقررات، ولكن ينبغي للدول الإسلامية أن يكون لها موقف جديد من السيداو؛ بحيث ترفضها وكل ما ينبني عليها من اتفاقيات، وإلا فسنرى ما لا يحمد عقباه في مجتمعاتنا، وقد بدأنا نرى بعض ذلك.

стр. 5145

فجر أطل د. عدنان علي رضا النحوي أَنيري سَبيل الحقِّ واستقبلي العُلا أضيئي لنا الأرض التي عمَّ فوقها وشقِّي لنا دَرْبَاً ودوِّي بصيحةٍ هنالك في «الفلُّوجَةِ» اليوم آيةٌ هنالك فجرٌ قد أطلّ وأُمّةٌ يقينٌ من الإيمانِ أطْلق زَحْفَها وحوْلكِ يا «فلُّوجةُ» اليومَ مُجرمٌ ومستكبرٌ في الأرض! ما بين ظالمٍ فردّي صُفوف المجرمين وزلزلي ورُدِّي على الآفاقِ إشراقَ دفقةٍ أعيدي رُبى «الفلّوجة» اليوم صيحةً أطلّي علينا! أيقظي كلّ عزمةٍ وصبّي دماً في الأرض يُنْبِتُ عَزْمَةً أطلّي علينا كلّ يومٍ بجولةٍ جميع الرَّوابي في الدِّيارِ تلفّتتْ تَحِنُّ! وفي أحنائها عزّةُ المنى تكادُ إذا ما هاجها الشوق تَنْثَني أمامك يا «فلُّوجةُ» اليوم عُصبةٌ فتُخْفي أمانيَّ الجريمة! تَنْثَني أَتَوْكِ بِزِحْفٍ كالجبالِ وأَقْبَلوا أحاطوك من كلِّ النّواحي وأَطْبَقوا وما تَرَكوا للمستجير منافذاً قذائفُ دوَّتْ والمنازِلُ أَطْبَقتْ تناثَرَتِ الأشلاءُ في كلِّ ساحةٍ وأرواحُها تَعْلو إلى الله تَرْتجي فَتحْنو عليها من ظِلالٍ نديّةٍ يَهيمُ بها الأطفال! ما من منافذٍ يَهيمون ما بين الطُّلول فلا ترى شيوخٌ على مُرِّ الأنينِ تَمزَّقُوا وكَمْ من جريحٍ أَفْرَغُوا فوقَ جُرْحِهِ وكَمْ مسجدٍ قد دَمّروه ومَا رَعَوْا لقدْ منعُوا الذّكْرَ النديَّ وقتَّلوا أولئك أشقى الخَلْقِ! ما كنْت تلتقي مشاهدُ! ويْحي! لا تزال كأنَّها لتكشفَ زيْفَ المجرمين جميعِهم وتكشفَ أطْماعاً وفتنةَ دعْوةٍ لِتَلْقى مع الأيَّام حَسْرةَ ما جَنَتْ بلاءٌ سَيُرْدِيها على سُنَّةٍ مَضَتْ سَيُشْرقُ في «الفلُّوجة» النصرُ زَاهياً ويَطْلعُ في أرض «الرَّمادي» فوارسٌ ومن أُفق «البصرا» وساحةِ «موصلٍ» جنودٌ إلى الرَّحمنِ هَبُّوا وأَقْبَلوا وتَشْرقُ دارُ المسلمين جَميعُها وجُودي بأرواحٍ تُعَزُّ وبالدِّمِ ظلام طغاةٍ أو جهالةُ مجْرمِ تُزَلْزِلُ أركانَ الطّغاةِ وأقْدمِ مِن العزِّ! من زحفٍ غنيّ ومن كمي تَواثَبَ مِنْها كُلُّ حُرٍّ مُعَلِّمِ وعزمٌ من التوحيد يَسْكبُ من دمِ شقيّ وغازٍ في هوى مُتوَهِّمِ أصمَّ وباغ في الميادين أو عمي قواعِدَهُمْ في كلِّ ساحٍ وحطّمي من الدّم! من عزم الفتى المُتَوسِّمِ لتُوقِظَ من غافٍ هناك ونُوَّمِ وكلّ فؤادٍ للقنوطِ مُسَلّمِ ويُحْيي نُفوساً أو أمَانيّ أحزمِ أشدَّ وزحفٍ في الميادين مُلْهِمِ إليك على شوقٍ ولهفةِ مسلمِ وخَفْقُ طيوفٍ من أمانيكِ حُوَّمِ إليك! ودون الشوقِ أهوالُ مَعْلمِ من الشرِّ هاجتْ في هوى مُتَكَتِّمِ لِزُخْرِفِ أهواءٍ وفتنةِ مَزْعَمِ بآلاتهم تلقي لهيبَ جَهَنَّمِ بِشَرِّ حصارٍ من حواليك مُحْكَمِ ولا لضعيفٍ أو لشيخٍ ومُعْدمِ على أهلها بين اللهيب المضرَّمِ يُحيطُ بها صمتٌ ولَوْعةُ مأتمِ من الله طيبَ المنزلِ المُتوسّمِ من الله في عَفْوٍ أبَرّ وأرْحمِ ولا من سبيلٍ للنجاةِ مُحَتّمِ سِوى دَمِ قَتْلى أو مَدامعِ يُتَّمِ وشكوى الصبايا أين ياناسُ نَحْتَمي؟! رصَاصَاً وكَمْ واهٍ من الجوعِ أو ظَمي له حرمةً! يا ويْلَ باغٍ ومجرمِ هُناك بقايا من مُصلِّين جُثَّمِ بأخْزى ولا أَعْتَى نُفُوساً وأظْلمِ على الدّهْر تَرْوي قصَّةً لم تُتَمَّمِ وتُسْقِطَ عنهم من قِناعٍ مُنَمْنَمِِ وفِرْيةَ وَهْمٍ أو ضَلالةَ مَزْعَمِ يَداها على ذلٍِّ من الله مُرْغَمِ مِن الله في حقٍّ أجلَّ وأعظمِ ويُشْرِقُ في «بَعْقوبَةٍ» كُلُّ مَعْلَمِ يَشُقّون من دربٍ إلى الحقِّ أقْوَمِ ومن كُلِّ ميدانٍ تواثُبُ ضَيْغَمِ على فَوْحِ جنَّاتٍ أعزَّ وأكرمِ مآذنُ تَكْبِيرٍ، وعِزّةُ مُسْلِمِ

стр. 5146

الدكتور وليد قصاب في حوار مع البيان حاوره: محمود حسين عيسى هناك من يحاول إلغاء المرجعية الإسلامية في العلوم الإنسانية! الأديب الدكتور وليد قصّاب أستاذ الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، شاعر وقاص وناقد من أكثر من ربع قرن، وله ما يقارب خمسة وثلاثين كتاباً في الشعر والقصة ودراسات في الأدب واللغة وتحقيق التراث، وقد التقته البيان أخيراً، ليلقي الضوء على كثير من قضايا الأدب، فكان هذا الحوار. البيان: لماذا الدعوة إلى الأدب الإسلامي؟ وما مسوغاتها؟ - لأن الأدب الإسلامي، عدا عن أنه الأصل الذي يمثل هويتنا الفكرية؛ فإن هنالك ـ في هذا العصر بالذات ـ من يحاول إلغاء المرجعية الإسلامية عن جميع العلوم الإنسانية، ومنها الأدب، ذلك النشاط المؤثر الفعّال، وهو لا يجد غضاضة أن يصبغها بأية صبغة إلا الصبغة الإسلامية. إن المحاولات اليوم جادة ـ على أيدي طوائف كثيرة ـ لإبعاد الأدب عن العقيدة، بل عن الحياة والمجتمع والرسالة، وهذا لم يحصل في يوم من الأيام، لم يكن رأي أو فكر يقدّم بين يدي الإسلام، ولذلك لم يجد علماؤنا المتقدمون حاجة أن يسموا نشاطاً معرفياً ما بأنه «إسلامي» ؛ لأنه كان كذلك حقاً، لم يكن أحد يتحدى هذه الصفة أصلاً، أو يحاول إقصاءها، أما الآن فقد ظهرت عندنا مذاهب أدبية غريبة ـ مستوردة من شرق ومن غرب ـ تلغي الإسلام وتعاديه، وتعده تخلفاً وانحطاطاً: كالوجودية، والواقعية الاشتراكية، والمدارس الحداثية المختلفة، وغيرها. البيان: ولكن كثيرين يهاجمون الأدب الإسلامي، ولا يعترفون به أليس كذلك؟ - بلى صدقت! يواجه الأدب الإسلامي حرباً شعواء يشنها عليه العلمانيون والحداثيون والجاهلون بحقيقته ورسالته، ولكن المستقبل لهذا الأدب الجاد الرصين الذي يمثل عقيدة الأمة وهويتها الفكرية وذوقها، وهو جزء من الصحوة الإسلامية المتنامية، أو قل ـ إن شئت ـ إنه المعادل الجمالي للصحوة الإسلامية المعاصرة، وهو أدب المستقبل مثلما أن الإسلام هو دين المستقبل كما بشر بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار» . لكن المعوقات في وجه هذا الأدب كثيرة ومتعددة نسأل الله أن يعين دعاته والحاملين رسالته النبيلة على تجاوزها، حتى يرسخوا أقدام هذا الأدب، ويقدموه البديل لتصحيح ما اعتور الأدب العربي الحديث من انحراف وتغريب. البيان: ذكرت أن هنالك معوقات تقف في وجه الأدب الإسلامي؛ ما أبرز هذه المعوقات؟ - المعوقات كثيرة، منها ضعف منابره الإعلامية، وضعف موقعه على شبكة الإنترنت المنتشرة الفعالة. ومنها معوقات تعود إليه هو في حد ذاته متمثلاً ذلك ـ بشكل خاص ـ في قصور في فهمه؛ إذ لا يزال قوم من مبدعيه ونقاده يضيِّقون آفاقه، فيحصرونه في موضوعات معينة، كالحديث عن الجهاد، وفلسطين، وأفغانستان، ومسائل عبادية، وهذا كله ـ من غير شك ـ أدب إسلامي، ولكن قصر الأدب عليها وحدها يقصّ من أجنحة انطلاقه؛ إذ هو أوسع من ذلك وأرحب، وكلُّ تجربة مهما كان نوعها: سياسية، أو اجتماعية، أو عاطفية، أو ذاتية تصلح موضوعاً للأدب الإسلامي ما دام المبدع يقدّم عنها رؤية الإسلام وتصوره. كما أن بعض النماذج الضعيفة فيه ـ وهي على كلٍّ فيه أقل منها في الأدب الآخر ـ تسيء إليه، وتقلل تأثيره، وتعيق انطلاقته. زد على ذلك قلة الإمكانات المتاحة لرابطته العالمية. البيان: يتردد بعض دعاة الأدب الإسلامي في الانفتاح على الآخر، والأخذ منه، خوف الذّوبان فيه، ما رأيك؟ - الانفتاح على الآخر ضرورة لا بد منها، وهو سنة من سنن الله في الكون ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، والانفتاح على الآخر ـ في المنظور الإسلامي ـ لتبليغه رسالتك، والاستفادة مما عنده إن كان حكمة، وأنت اليوم لا تستطيع الانعزال والتقوقع أصلاً؛ فقد تحول العالم إلى قرية كونية واحدة، وانفتحت الثقافات بعضها على بعض، ولكن عليك أن تعرف باستمرار ماذا تأخذ وماذا تدع، وأنت لن تعرف ذلك إلا إذا حدّدت هويتك، ليكون في يدك معيار تزن به الأمور، وهذا الميزان بالنسبة لنا هو الإسلام؛ فما اتفق معه أخذناه، بل حرصنا عليه، وعددناه الحكمة الشاردة التي نحن مأمورون بالبحث عنها، ولكن ما خالف عقيدتنا انتبذناه ـ مهما كان مصدره ـ من غير استحياء ولا توارٍ، مدركين أنه باطلٌ لن يحمل لنا الخير. البيان: تعاني الثقافة العربية والمثقفون في العالم العربي من مظاهر متعددة تحمل على الإحباط، ما رأيك؟ - صدقت. ما أكثر المحبطات والمثبطات، ولعل أمضّ إحباط يحسه المثقف هو تقهقر دور الثقافة في هذا المجتمع الاستهلاكي المادي المريض، وعدم تقدير العلم والعلماء، حتى أصبح لاعب الكرة، وهزازة البطن، والمهرّج، أرفع شأناً من كل أديب أو مثقف أو عالم. وزيادة على هذا الخلل في التركيبة الاجتماعية، ساهم بعض المثقفين في تظليم صورة الثقافة والمثقفين؛ وذلك بتحول بعضهم إلى أبواق للسلطة تنطق باسمها، وتسوغ ظلمها، وعدم مصداقية بعضهم الآخر؛ إذ ﴿يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ، ويتملقون الكبراء وأصحاب النفوذ، ويتاجرون بالكلمة، وبعضٌ آخر فقد البوصلة التي يمشي على هديها، فهو يتبنى آراء من شرق أو غرب لا تمت إلى هذه الأمة، ولا تعبر عن همومها؛ إنه يغرد خارج سرب الأمة. ولكن المثقف الحقيقي الصادق المؤمن لا يزال صاحب دور فعّال؛ فهو الرائد الذي لا يكذب أهله، وكلمته ضاربة في أعماق الأرض، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. البيان: يتحدث الدارسون عن خلل في النقد العربي الحديث بسبب تماهيه في النقد الغربي. ما رأيك؟ وأين يقع نقدنا من خريطة هذا الثاني؟ - لا يوجد عندنا اليوم شيء اسمه النقد العربي الحديث، هنالك اجتهادات عند بعض الدارسين الأصلاء لما تكتمل لإنشاء نظرية نقدية عربية، ولكن التيار الكاسح هو تيار التغريب، يكاد نقدنا الحديث يكون نسخة من النقد الغربي، يتعاطى مناهجه، ويستخدم إجراءاته، ومن هنا تقع المفارقة المضحكة، مفارقة من يرتدي ثياباً ليست له، وهذه النظريات الغربية ـ زيادة على كونها نتاج حضارة أخرى تختلف في تصوراتها عن عقيدتنا وفكرنا ـ مليئة بالنقائض والفجوات، وهي متغيرة باستمرار، سليلة فكر جموح لا يؤمن بثوابت، يثور بعضها على بعض، ويلعن بعضها بعضاً. إن المذاهب النقدية الحداثية من بنيوية وأسلوبية وتفكيكية ونصية، تسفّه كل ما تقدمها من النقد، وتحول النص إلى عالم مغلق مستقل عن أي عالم خارجي، وفي الوقت الذي تدعي فيه أنها تريد (إضاءة) هذا النص من (الداخل) لم تستطع أن تحقق ذلك، بل اتسمت بالغموض والفوضى، وصارت أشبه بالطلاسم، حتى ما يكاد يفهم المتخصصون أنفسهم ماذا يكتب نقاد هذه الأيام؟ ولم يستطع أي مبدع أو متلق أن يستفيد شيئاً من هذا النقد المطلسم. البيان: ما أبرز عيوب النقد الحديث في رأيك؟ - لعل أبرز المآخذ على النقد الحديث إسرافه في «علمنة» النقد، وتعامله مع الأدب كما يتعامل العلماء مع الظواهر العلمية في مختبراتهم ومعاملهم، وقد امتد هذا التأثير السلبي إلى مصطلحات النقد وآلياته، على شكل جداول وإحصائيات وإحداثيات رياضية لا معنى لها. ثم إن هذا النقد الغربي المستورد من أبرز عيوبه أحادية النظرة. أطالت البنيوية مثلاً الكلام على سلطة النص وحده، وقطعت هذا النص عن كل مؤثر آخر، ثم جاءت التفكيكية فنقضت ما قالته البنيوية، متحدثة عن سلطة القارئ وحده، فهو الذي يؤوِّل النص كيف يشاء، تأويلات غير متناهية، كل تأويل يهدم ما قبله، فلا ثقة ولا مصداقية لأية قراءة، حتى كأن النص واللغة معاً يصبحان موضع شك. وهكذا يبدو النقد الغربي الحديث الذي نتفاخر باستيراده ـ بما يشوبه من فوضى واضطراب ـ كالكرنفال كما يقول باختين. البيان: كيف تؤسَّس نظرية النقد العربي الحديث؟ - لا بد أن يتأسس النقد العربي من داخله، من داخل الفكر العربي نفسه، من طبيعة الأدب العربي الأصيلة، وطبيعة لغته العربية، وأسلوبها في التعبير والأداء، وعندنا من الآراء النقدية والبلاغية التراثية ما يبهر ويدهش، ولكن الدارس الحديث لا بد أن يُعنى باستخراجها، بدل أن يعتمد اعتماداً كلياً على النقد الغربي، وعليه أن يطعِّمها بالنظرات الحديثة المناسبة لهوية الأدب العربي وطبيعته الفنية، عليه أن يأخذ ما يصلح، وأن يقدّم لنا منهجاً نقدياً، يقوم على التكامل، يتعامل مع النص من جميع وجوهه: شكلاً ومضموناً، وعاطفة وخيالاً، منهجاً لا ينظر إلى النص ـ كما تفعل البنيوية مثلاً ـ على أنه عالم مغلق مستقل، لا علاقة له بتاريخ ولا مجتمع ولا دين ولا أخلاق، ولا وظيفة له، أو غير ذلك مما تسميه المناهج الحداثية بـ «الخارج» الذي لا فائدة منه. البيان: أخيراً، دكتور قصّاب، باعتبار أنك شاعر معروف، ولك عدد من المجموعات الشعرية، ما موقع الشعر اليوم، وما سبب قلة إقبال الجمهور العربي عليه؟ - لم يعد الشعر يحظى اليوم لا عندنا ولا عند الأمم الأخرى بما كان يحظى به من المكانة القديمة، بسبب طغيان الحياة المادية فيه، ونوع الثقافة التي تسود المجتمع، وهي ثقافة استهلاكية ضحلة، تقوم على المرئي والمسموع أكثر مما تقوم على المقروء، وتقوم على المتعة والتسلية أكبر مما تقوم عى الفائدة والجدية. ولكن جزءاً رئيساً ـ في رأيي ـ من أزمة الشعر العربي الحديث، وزهد القارئ العربي فيه، يعود إلى ما دخل هذا الشعر ـ ولا سيما عند المشهورين ذائعي الصيت ـ من تغريب كثير باعد بينه وبين المتلقي، وهو تغريب يطول اليوم ـ عند الحداثيين المهيمنين على ساحته ـ جذوره الأصيلة، وقيمه الراسخة، نسفت فيه الموسيقى، واللغة، والمعنى، والوظيفة، وساده الغموض والركاكة والفوضى، وتسوّره الكثيرون، وصار ـ في غيبة المعايير التي حرصت الحداثة على نسفها ـ مطية ذلولاً لا تتأبى على أحد، وهذا أغلب ما تحفل به الصحف والمجلات، فانصرف الجمهور عنه انصرافاً واضحاً. ولكن الشعر الأصيل ـ وهو على كثرته مغيّب معتّم عليه ـ ما يزال له حضور عند الجمهور العربي، وهو الأمل المنشود لكي تعود لشعرنا العربي أصالته وحظوته ودوره الفاعل المؤثر.

стр. 5147

شموخ الطفولة في ديوان (بشائر من أكناف الأقصى) للشاعر الدكتور سعد بن عطية الغامدي محمد شلال الحناحنة للطفولة المسلمة في فلسطين المحتلة وقعٌ خاص، ورؤى شامخة في ديوان: (بشائر من أكناف الأقصى) للشاعر الدكتور سعد عطية الغامدي، وليس أطفالنا اليوم إلا شباب الغد القريب المفعم بالأمل والتفاؤل لانتصار الأمّة، ونهضتها مما آلت إليه من تمزّق واندحار وهزائم أمام أعدائها، ولن تنتصر الأمة إلا إذا نصرت الله، وعادت إلى مرجعيتها وعقيدتها الإسلامية. وكما بشّرنا الله كذلك أخبرنا رسول الله ﷺ بالطائفة المنصورة ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس فقال ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك» قالوا: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (١) . وإن كان الأقصى الجريح يعاني اليوم من حصار عصابات اليهود ومؤامراتهم ضدّ المسلمين، وشروعهم في تشريد وقتل أهلنا هناك؛ فمن يقف أمام جبروتهم وعدوانهم وطغيانهم؟! لقد انبرى فتية آمنوا بربهم، مجاهدين عدوهم، على الحق ظاهرين بإذن الله؛ وهكذا نصغي لشاعرنا سعد الغامدي يشدو لبطولات الطفولة في فلسطين الأبية في قصيدته (بشائر من أكناف الأقصى) : (ويرمي عن حمى الرّحمان طفلٌ رأى الحرمات دنّسها يهودي فيخرج حاشداً للطفلِ جيشٌ ويدفع للحجارة بالحشود ترى دبّابة وترى صبيّاً ينازلها ويهزأ بالحديدِ لأنَّ عزيمة الإيمان أمضى وأقوى في البلاغ وفي الوعيدِ) هذا هو الطفل الفلسطيني المسلم بكلّ شموخه، طفل يواجه حشوداً من المحتلّين المدجّجين، طفلٌ شجاعٌ ينازل بحجارته وعزيمته الإيمانية الصادقة دبابات اليهود، بل يهزأ بجيشهم وعتادهم، ترى أليست هذه المواقف المجيدة الفريدة من عظمة هذا الدين، وعظمة مبادئه وقيمه التي لا تضاهيها قوة مادية؟ وقد وفّق شاعرنا الغامدي في استخدام الأفعال المضارعة (يرمي، يخرج، يدفع، ينازل، يهزأ) لاستحضار الهمّة الفاعلة لهذا الطفل الذي لقّن الدروس للأعداء في الإقدام والدّفاع عن وطنه وترابه المقدّس الطهور: (فما أغنت قذائف عن نبالٍ وما حمت المدافع من أسودِ فقد ساقوا رجال الجيش سوقاً وأسقوهم من البأس الشديدِ وقد جعلوا حجارتهم سلاحاً يثير الرعب في الجيش العتيدِ ويلبسه بذلتهم لباساً على ذلّ تلبّسهم تليدِ فجاء قرارهم باللوم، يلقى على جيل التلاوة والسجودِ) إنَّ ما يميّز اليهود على مرّ التاريخ هو جبنهم في القتال، ورعبهم وخوفهم من أهل الدين والإيمان، رغم ما لديهم من قوّة وأسلحة حديثة، وهذا واقعهم في فلسطين أمام أشبال الإسلام، بل إنَّ أعظم ما يرعب اليهود ويرهبهم جيل المساجد من أطفال فلسطين، ولا شك أن الشاعر الدكتور سعد الغامدي ينهل من معين القرآن الكريم في رؤيته لأطفال المسلمين، وإبرازه لصفات اليهود في الجبن والذلّ والمسكنة فنقرأ قوله: (ويلبسهم بذلتهم لباساً على ذلّ تلبّسهم تليد) وسنجد غير ذلك من إضاءات تقبس من الخطاب القرآني. ففي قصيدة (اذهب وربّك قاتلا) يقول: (هم يجبنون فلا يقاتل جيشهم إلاّ تحصّنَ، أو أغار وأدبرا أمّا منازلة الرّجال فإنها تأبى عليهم أن تكون وتذكرا اذهب وربك قاتلا إنّا هنا سيظلّ سطراً في الجباه مسطّرا وما لهم يتفرعنون، كأنهم ليسوا اليهود مهانة وتقذّرا ما بالهم يتطاولون، كأنهم ليسوا الأشدّ تشتتاً وتبعثرا طفلٌ ينازل جيشهم بحجارة وجيوش يَعْرُبَ للعروض وللقِرى يتسابق الأطفال إثر جنودهم في مشهد يُذكي القلوب تأثرا وإذا يموت الكلب منهم ولْوَلوا باللطم.. بالأفواه تلتهم الثرى وإذا يموت الشبل منّا أقبلت أمّ الشهيد تزفّ شبلاً آخرا لم تعرف الدنيا وفاء رجالنا باعوا النفوس لربّهم وقد اشترى) تقوم هذه القصيدة على مفارقات معبّرة موجعة في ألفاظها ومعانيها وصورها مفارقات بين اليهود وأطفال فلسطين، ومفارقات في صفات اليهود أنفسهم، ومفارقات بيننا وبين الأشبال المجاهدين، كما أنّها تحمل شذى القرآن الكريم في مضامينه المشرقة، فمن التضاد في الألفاظ نجد: (أغار، أدبر، باع، اشترى، يتطاول، يتبعثر) ومن المعاني والصور: (ما بالهم يتفرعنون، كأنهم ليسوا اليهود مهانة وتقذرا) وكذلك المفارقة المعبّرة بين موت اليهودي، وموت الشبل الفلسطيني في أثرها على أهله ومجتمعه، وهي مفارقة لا تخرج عن الرؤية الإسلامية للحياة والموت. كما يتكئ الشاعر في كثير مقاطعه الشعرية على التكرار الذي يمنح قصائده تأكيداً وأثراً عظيماً في النفوس المتشوّقة للجهاد في فلسطين، وتحرير الأرض المباركة من رجس اليهود. أمّا في قصيدة (هم قتلوك يا سارة) فهي تتوجه إلى طفلة فلسطينية ذات الثمانية عشر شهراً التي اختارها السفاحون هدفاً فقتلوها شهوة لسفك الدماء؛ لأنهم يتقنون صناعة الموت. يقول شاعرنا الغامدي متألماً حزيناً: (مساء الموت يا ساره مساء القتل يسري في الجموع يظلّ يشعلها ويذكي من لهيب الحشد تياره مساء دم زكيّ القطرات.. يا ساره مساء براءة الأطفال مثل سحابة في الفجر مدرارهْ مساء مسيرة.... لله ... للأقصى إذا ما دنّسَ الخنزير حرمته وروّع فيه عُمّارَهْ مساء الحزن منتشراً.. مساء الحقّ.. مستعراً.. مساء الأرض.. بالأطفال.. بالأبطال.. بالتكبير مَوّارهْ..) هذا الشعر المتدفق تفاؤلاً وحماسة رغم الآلام والأحزان يوازن بين إيقاعاته الشفيفة ومضامينه العميقة القابضة على الجمر في ظل استلاب هوية الأمة، يوازن بين الشجى والأفراح أمام هجمة حاقدة شرسة ضد وجود الأمة، وضد تراثها وكيانها وعقيدتها السامية الصافية. وإن كان شاعرنا الدكتور سعد الغامدي يؤرخ بمداده وأنفاسه الحرّى، وأحاسيسه المرهفة لبراءة أطفالنا وبطولاتهم في الوقت نفسه؛ فإنه يؤرخ لبشارات المستقبل الإسلامي، وفجره القادم رغم كيد الأعداء الحاقدين الماكرين. (١) رواه الإمام أحمد.

стр. 5148

فلوجة العز في زمن الذل د. يوسف بن صالح الصغير حتى كتابة هذه الكلمات فإن الاشتباكات ما تزال مستمرة في الفلوجة التي إن كانت القوات الأمريكية نجحت في تدمير أجزاء كبيرة منها؛ فالأحياء مدمرة بنسبة تتراوح بين ٣٠ و ٧٠ بالمئة؛ فإنها لم تُفلح في السيطرة عليها. ويبدو أن المقاومة تصر على أن تجعل من الفلوجة جرحاً مفتوحاً في خاصرة القوات الأمريكية وحلفائها في خطة استنزاف طويلة، يمنع الكبرياء والمكابرة لدى الأمريكان من الانسحاب والخروج من الفخ الذي وقعوا فيه للمرة الثانية، واضطروا للاستعانة بالقوات البريطانية التي منيت بخسائر كبيرة، تحرص الحكومة على التعتيم عليها. وأرى هنا أن أهل الفلوجة يصدق عليهم توجيه الرسول ﷺ بقوله: «لا تتمنوا لقاء العدو؛ فإذا لقيتموه فاثبتوا» . نعم! لقد ابتلي أهل الفلوجة وظلموا، وحاول المحتل الكافر إذلالهم فصبروا وانتصروا لدينهم، فحق لهم أن يُنصروا بإذنه تعالى. ويبدو من تسلسل الأحداث أن مدينة الفلوجة كانت مستهدفة منذ بداية الحرب؛ حيث إن خضوعها والسيطرة عليها يعني السيطرة على كافة مناطق أهل السنة في العراق؛ حيث إن هذه المدينة بنيت في مكان مدينة الأنبار القديمة، وارتبط اسمها بالمقاومة والصمود؛ ففي ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني كان للفلوجة دور ريادي، وتمكن أهلها من قتل قائد القوات البريطانية (لجمن) ، وقد مارس فيها الإنجليز من أعمال القتل والتدمير والسلب ما أثبته الشاعر العراقي (معروف الرصافي) في قصيدة منها قوله: هو خطب أبكى العراقين والشام وركن البنية المحجوجهْ حلها جيشكم يريد انتقاماً وهو مغر بالساكنين عُلوجهْ ولِمَا عرف به أهل المدينة من التدين والمحافظة وحب الخير والنخوة فقد اصطدموا مع نظام البعث الذي اضطهد الفلوجة وقتل خيرة علمائها، وأغلق جلّ مدارسها الشرعية، ولكن في النهاية انتهج صدام حسين معهم سياسة خاصة تقوم على المجاملة ومحاولات الإرضاء، وأثناء تقدم القوات الأمريكية إلى بغداد، وبينما كان العراقيون يعيشون صدمة السقوط السريع لنظام البعث، ووقوع البلد تحت الاحتلال الأمريكي كان للفلوجة موقف ملفت: يتلخص في أنه تم الاتصال بالقوات الأمريكية وإبلاغهم أن المدينة لن تقاوم بشرط عدم دخول القوات إليها، وأنهم سيقومون بضمان الأمن فيها، وهذا ما تم حتى أسكر الأمريكان دخولُهم السهل والسريع لبغداد، فأرسلوا قوات أمريكية مدعومة بشرطة عراقية معينة من قِبَل الاحتلال، وكانت ممارسات هذه القوات سبباً رئيساً في تفجر الأوضاع؛ فالشرطة قامت بالتعدي على السكان، وكان رئيس الشرطة يتحدى أهل الفلوجة، ويتنقص منهم؛ مما أدى إلى قيام عدد كبير من المسلحين بمهاجمة مركز الشرطة الرئيس، وطرد من بقي حياً من رجال الشرطة. أما القوات الأمريكية فقد احتلت المدارس داخل الأحياء، وكان احتكاك الجنود بالنساء، بل حتى مراقبة البيوت بالمناظير المقربة مدعاة لسخط السكان الذين انتهزوا فرصة قرب بدء الدراسة، فقاموا بمظاهرات سلمية تطالب بإخلاء المدارس، وكانت ردة الفعل الأمريكية هي إطلاق النار على العزل، ومقتل حوالي سبعة عشر متظاهراً؛ ومن هنا بدأت عمليات إزعاج مسلحة حتى اضطرت القوات الأمريكية إلى الانسحاب والتمركز حول الفلوجة، ومع استمرار المواجهات ووقوع مجموعة من ضباط المخابرات الأمريكية في كمين، ونشر صور التنكيل بالجثث مما يدل على الكره الشديد للاحتلال، انكشف زيف الصورة الوردية المرسومة في أمريكا والتي تظهر الجندي الأمريكي يبتسم وهو يلعب الكرة مع الفتيان، أو يقوم بتوزيع الأدوات المدرسية والحلوى على أطفال العراق! لقد كانت ردة الفعل الأمريكية المتشنجة بسبب نشر الصور أكثر منها بسبب حادثة يحصل مثلها يومياً، وكان الطلب الأمريكي تسليم جميع من ظهرت صورهم بالفلم وتسليم الجناة، ولم يتم تنفيذ الطلب لاستحالة الاستجابة له في مجتمع قبلي متماسك؛ ولذا قامت القوات الأمريكية بهجوم انتقامي وحشي قتل فيه آلاف الأشخاص في غارات جوية عنيفة، ودفن الناس قتلاهم في حدائق البيوت وملعب كرة القدم، وكان وجود وسائل الإعلام العربية في المدينة ونقلها وقائع الجريمة الأمريكية عاملاً في إحراج قوات الاحتلال وفضحها، وقد قامت القوات البرية بالدخول للمدينة، وكانت النتيجة أن القوات الأمريكية داخل الفلوجة تم حصارها وقطع الإمدادات عنها. أما القوات التي تحاصر الفلوجة فقد ضيق عليها الخناق، وكانت قوافل الإمدادات تتعرض لهجمات مستمرة؛ مما اضطر قوات الاحتلال لطلب الهدنة، وقامت بتوسيط (الحزب الإسلامي) ، وتم الاتفاق على السماح للقوات الأمريكية بالانسحاب ودخول قوات عراقية مكونة من أهل الفلوجة وما حولها، وتحمل العلم العراقي القديم. لقد دفعت قوات الاحتلال ثمن استهتارها بقدرات أهل الفلوجة؛ ومن الطبعي أن السيطرة من جديد على الفلوجة أصبحت قضية كرامة للقيادة الأمريكية، وكانت الخطة الجديدة تقوم على حشد قوات كبيرة مدعومة بقوات عراقية؛ مع الحرص على منع جميع وسائل الإعلام الخارجة عن سيطرتهم من تغطية ما يجري. وبقدر حرص الاحتلال على الانتقام كان حرص أهل الفلوجة على تجنب حدوث معركة جديدة يعلمون أن مدينتهم ستكون ضحية للهمجية والجبروت الأمريكي، وقام أهل الفلوجة بتشكيل وفد للتفاوض، ولكنهم صُدموا بالحقيقة المرة؛ فلم تكن المفاوضات إلا لتمديد الوقت حتى تنتهي الانتخابات الأمريكية، وكانت المطالب العلنية على لسان (علاوي) هي تسليم أبو مصعب الزرقاوي غير الموجود بالمدينة؛ بينما لم يتطرق لهذا الأمر مطلقاً أثناء التفاوض، وخلال ذلك كانت الطائرات الأمريكيه تُغِير يومياً على ما يُعتقد أنه أماكن يوجد فيها (الزرقاوي) أو معاونوه. وتستمر الغارات، ويستمر انتشال جثث النساء والأطفال؛ عفواً! إنها وسيلة مشروعة أمريكياً لإضعاف معنويات الخصم، وليحس بالعجز إزاء التفوق الأمريكي الكاسح. ولنا أن نتساءل: ما هي الخيارات المطروحة أمام أهل الفلوجة؟ - الخيارات المطروحة: ١ - فتح المدينة أمام الغزاة وحلفائهم: إن هذا الخيار تكتنفه كثير من المخاطر ليس أقلّها مدى حجم الخسائر الناجمة عن عمليات التفتيش، وما هي نسبة شباب ورجال المدينة الذين سيتم اعتقالهم؟ وهل لديهم استعداد لتحمل التعذيب والإذلال والخدمات الموجودة في أبو غريب؟ ٢ - فتح المدينة وانسحاب المقاتلين: إن هذا يبدو أسلم من السابق، ولكن هناك احتمال الانتقام من أسر المقاتلين والتنكيل بهم. وبالطبع هذا الخيار يقتضي توفير أماكن آمنة للمقاتلين مع احتمال انهيار معنويات الكثير منهم. ٣ - خروج أهالي الفلوجة من المدينة، وبقاء مفارز مقاومة؛ لإبداء مقاومة رمزية، ثم الانسحاب لتفويت فرصة تدمير المدينة: وهذا قد يؤدي إلى ارتفاع معنويات جيش الاحتلال، ويدفعهم إلى تكرار العملية في مدن سنية أخرى. ٤ ـ خروج أهالي الفلوجة، والصمود أمام قوات الاحتلال، ودفعها لخوض حرب شوارع تؤدي إلى خسائر كبيرة في الجانبين، وتدمير كبير للمدينة يكون سبباً في خسارة دعائية كبيرة، وعاملاً في اتساع المقاومة وتجذرها لانكشاف طبيعة المحتل وسقوط دعاوى الإعمار والحرية والديمقراطية، وارتفاع أسهم أهل الفلوجة، وتأكيد ما اتصفوا به شجاعة وإقدام. إن القرار الذي اتخذه مجاهدو الفلوجة، واختيارهم عدم الانسحاب إلا بعد مواجهة يطير ذكرها في الآفاق يتناسب مع طبيعة أهل المدينة التي امتزج فيها الانتماء لقبائل عربية أصيلة مع غلبة التدين، وإن الذي اتخذ قرار المواجهة هم وجهاء المدينة وزعماء عشائرها؛ لأنه تبين لهم من خلال وفود المفاوضات أن المدينة هدف للانتقام الأمريكي أياً كان موقفهم؛ ولذا اختاروا وقفة العز في زمن الذل. - ماذا أعدوا للفلوجة؟ لقد كان إخفاق محاولة إخضاع الفلوجة في المرة الأولى دافعاً للقيادة الأمريكية لتحضير قوات كبيرة مدعومة بالطيران والمدفعية والدبابات، والحرص على مشاركة عراقية في المعركة، وإظهار المعركة أنها تمت بأمر (علاوي) ، وعدم تكرار الأخطاء السابقة في فتح جبهات مختلفة في وقت واحد؛ ولذا تم تحييد الصدر وأتباعه ومحاولة اقتحام الرمادي قبْل الهجوم على الفلوجة؛ مع استقدام قوات بريطانية لدعم الوضع الأمني ببغداد. وكان هناك حرص شديد على تحميس الجنود ودفعهم للقتال؛ وذلك برفع شعارات دينية مثل: الصلبان على الدبابات، وتعميد الجنود قبل المعركة، وقراءة مقاطع من الإنجيل والتوراة عليهم لحثهم على الثبات، ومرافقة مجموعة كبيرة من القسيسين والحاخامات لهذه القوات في أرض المعركة وفي المستشفيات. ويبلغ عدد القوات البرية المشاركة ما يلي: ١ - عشرة آلاف من مشاة البحرية الأمريكية، منهم حوالي ألف يهودي كثير منهم يعملون قناصة. وقد تحدثت صحيفة (هآرتس) عن نحيب الحاخامات في مراسم الجنازات الخاصة بعدد من الجنود الصهاينة الذين صُرعوا في الفلوجة. ونقلت الصحيفة قول (أرفيننج ألسون) وهو أحد حاخامات مدينة نيويورك الأمريكية: «نحن هنا لتوديع عدد من الجنود اليهود الذين لقوا حتفهم في الفلوجة، وهم المقدم (آندي شتيرن) بسلاح المدفعية، و (مارك أفين) قناص يهودي وهو حفيد أحد الحاخامات الكبار في أمريكا» . وكشف الحاخام في كلمته عن وجود عدد كبير من الجنود اليهود في الجيش الأمريكي، معظمهم يعملون في القنص، ودعا الحاخام عائلات الشباب اليهودي الأمريكي إلى إرسال أبنائهم للعراق للحرب ضد من أسماهم بـ (أعداء) الدين اليهودي، واعتبر أن القتال ومساعدة الأمريكان في العراق أفضل كثيراً من العمل الديني في المعابد اليهودية. واعتبر أن الجنود اليهود في العراق «شهداء» إذا ما سقطوا خلال القتال، وخاصة أن أغلبهم «متدينون» ويحافظون على قراءة الكتب الدينية اليهودية. وبحسب (هآرتس) فإن عدد الجنود اليهود في العراق يتراوح بين ٨٠٠ إلى ١٠٠٠ جندي وضابط، على حين يبلغ عدد الحاخامات نحو ٣٧ حاخاماً. ويقول مراسل صحيفة (المونيتور) في تقرير له: إن جنود القوات يبدؤون حملتهم بقراءات من مزامير داود من العهد القديم، وقد بدأت «الكتيبة الحمراء» يومها بقراءة الإصحاح ٩١ من المزامير، وقد كتب العريف (دوستن باركر) من ولاية تكساس الأمريكية على خوذته أجزاءً من الإنجيل تقول: «لا تخشَ عدوك بالليل، ولا من الأسهم التي تتطاير بالنهار، ولا تخشَ من الأوبئة والطواعين التي تسير في الظلمة» . ٢ ـ ألفين من قوات الحرس الوطني، ويبدو من الصور المنشورة أنهم من أتباع (السيستاني) لحملهم الصور الخاصة به على عادة القوم في حمل صور مراجعهم. ويبدي الجنود الأمريكيون تذمرهم من انخفاض أدائهم وروحهم المعنوية. ٣ ـ ليس لديَّ معلومات عن مدى مشاركة الميليشيات الكردية (البشمركة) في الهجوم، ولكن ذُكر أن قائد قوة كردية اختفى بعد أن اطلع على خطط الهجوم، ولا يخفى أن الأكراد يحاولون الابتعاد عن التحالف الرافضي الأمريكي؛ بدليل انضمام الأحزاب الكردية للمطالبة بتأجيل الانتخابات، خلافاً لموقف بوش وعلاوي والسيستاني وإيران؛ حيث إن مشروعهم يقتصر على المنطقة الكردية في الشمال، ومحاولة توسيع تلك المنطقة لتضم الموصل، وكركوك. - إنها حرب عصابات حقيقية: تعاني القوات الغازية من أنها تجابه خصماً يجيد حرب العصابات؛ مما أعاد للأذهان عقدة حرب فيتنام. ويعاني الجنود من أنهم دائماً يسقطون، ولا تتاح لهم الفرصة غالباً للاشتباك مع الخصم؛ فهو دائماً يتوقع الموت في أي لحظة من رصاصة قناص، أو رشقة رشاش، أو قذيفة آر بي جي، أو عبوة ناسفة على جانب الطريق يُتحكم بها عن بُعد ولذا لا يستغرب القارئ أن كثيراً من الإصابات هي في حقيقتها نفسية وعقلية نتيجة حالة التوتر والخوف المتواصلة. وأنقل إليك أخي القارئ بعض مظاهر الانهيار النفسي الذي يعانيه جنود الاحتلال نتيجة الإجهاد وعدم القناعة بالحرب. يقول الوزير الأمريكي لشؤون المحاربين (أنطوني رنسيبي) : إن تكتيكات المقاومة العنيفة في العراق سوف تؤثر تأثيراً طويل المدى على الصحة النفسية للجنود؛ مما ينتج عنه تعويضات العجز مدى الحياة للكثيرين ممن رجعوا من الحرب. وحتى الآن فإن ٢٠% من المحاربين العائدين من العراق يطلبون الرعاية الصحية العقلية، وفي حين أن الكلفة الحقيقية لأولئك المصابين من حرب العراق غير معروفة فإن الوزارة تتوقع حالياً أن تدفع ٦٠٠ بليون دولار على مدى العقود الثلاثة القادمة كتعويضات للعجز النفسي للمحاربين في حروب سابقة. ويقول (رينسيبي) : إن وزارة شؤون المحاربين تستعد لاستقبال دفقات من المحاربين المصابين بأمراض نفسية وعقلية واضطرابات من العراق. ويقول: «هذا النوع من الحرب - حرب العصابات - حيث لا تعرف إن كنت أنت الضحية التالية لسيارة مفخخة أو لغم شارع أو قنابل صاروخية. إنها مثل الحرب في فيتنام؛ حيث كنت في (دلتا ميكونج) فأنت لا تعرف متى تقع في كمين للمقاومة» . صحيفة (الجارديان) البريطانية تابعت تطورات العراق من زاوية جديدة؛ حيث أجرت تحقيقاً مصوراً من مستشفى (لاندستهل) الألماني الذي يعالج فيه العسكريون الأمريكيون من إصاباتهم في العراق. وينقل التحقيق كلمات العاملين ونزلاء في المستشفى، منها ما تقوله إحدى الممرضات من أن بعض الجرحى لا يستطيعون الكلام، وأن كل ما يفعلونه هو البكاء. أما القس الملحق بالمستشفى فيقول: إن الأمر يبدو رهيباً، لكن هذه التضحيات لا بد منها. اما صحيفة (الأوبزرفر) فقد كشفت أن الجيش البريطاني أخلى حوالي ثلاثة آلاف إصابة، كثير منها إصابات نفسية وعقلية وإعاقات جسدية، وأفادت إحدى الأمهات أن ابنها الذي كان اجتماعياً مرحاً أصبح لا يبتسم، وإذا ذكر العراق فإنه يبدأ بالصراخ. ويقول العنصر الطبي (راميرز) البالغ من العمر ستاً وعشرين سنة من مدينة (سان أنطونيو) وضابط البحرية الملحق بفرقة (برافو) الجراحية: إنني اعتدت من قبل على رؤية أناس يقضون نحبهم على الطاولات في غرف العمليات الجراحية، غير أن ما شاهدته في الفلوجة كان مرعباً بحق. وبعد شهرين من ذلك وعند أول وصول للجرحى من الجنود الأمريكيين والعراقيين للمستشفى بعد اجتياح مدينة الفلوجة استعد (راميرز) للأسوأ من هذه المشاهد المخيفة، وقال (راميرز) إن عمله مع المرضى لم يكن يؤثر عليه، ولكن بعد مشاهدته المتكررة للدماء على الأرض أو لشخص يحمل قطعة من ذراع أو رِجل أدرك أن هذه المناظر ستبقى في ذاكرته طيلة حياته. وقال العاملون الطبيون في المستشفى الميداني لشركة (برافو) الجراحية والتي يتم نقل كافة قتلى وجرحى المعارك إليها: إن إصابات الجنود في قتال الفلوجة دائماً ما تكون مدمرة، وأن معظمهم أصيب في انفجارات قريبة منهم. وقال رئيس فريق معالجة الصدمات النفسية (دامون ساندرز) : إن اصابات الجنود مرعبة بحق؛ فقد شاهدنا أعداداً متزايدة من إصابات شظايا الانفجارات، وعادة ما يتعرض شخص أو شخصان إلى إصابات مباشرة من المتفجرات، بينما يتعرض الآخرون إلى شظايا تلك الانفجارات. وأضاف ساندرز «٣٦ عاماً» من مدينة (تيميكولا) من ولاية كاليفورنيا قائلاً: إن الإصابات في الفلوجة تعتبر أكثر قسوة وفظاعة من تلك التي يتعرض لها في العادة الجنود في العراق. وعزا ذلك على نحو كبير لسيطرة عناصر المقاومة العراقية على المدينة طيلة الشهر واستعدادهم للقتال حتى الموت. وأوضح (راميرز) أن المستشفى الجراحي الميداني كان مستعداً لاستقبال أكثر عدد من الجنود الجرحى قبل بدء معركة مدينة الفلوجة، ولكنه قال: إنه وزملاءه لم يكونوا مستعدين لهذا العدد الكبير من الجرحى بما في ذلك الذين يمشون على أرجلهم؛ مما اضطر إدارة المستشفى لنصب خيمة إضافية كبيرة لمعالجة هؤلاء الجرحى الذين يتم إحضارهم على نقالات. وأضاف (راميرز) قائلاً: إنه عندما تم إبلاغهم بالتوجه إلى الفلوجة فقد كان الكثير منهم يعتقد أنه سيشاهد الكثير من جرحى إطلاق الرصاص، ولم يكونوا يتخيلون أنهم سيشاهدون أشخاصاً بأعضاء مبتورة بسبب الانفجارات. وقال (راميرز) إنه قضى وقتاً طويلاً في طمأنة الجنود المصابين بأنهم سيتلقون أفضل الرعاية الصحية، وقال متذكراً: إنه كان هناك أحد الجنود المصابين في حالة عصبية حادة للغاية. ومضى (راميرز) قائلاً: إن العاملين في المستشفى الجراحي الميداني كانوا يعملون على مدار الساعة خلال اشتداد حدة المعارك في الفلوجة، وبصفة خاصة أثناء تقدم قوات مشاة البحرية صوب الأحياء الجنوبية للمدينة؛ حيث واجهوا مقاومة عنيفة من عناصر مسلحة مدربة جيداً؛ مضيفاً أن تلك أيام لا يمكنه وزملاؤه نسيانها طيلة حياتهم. وصدق الله العظيم في تثبيته للمؤمنين؛ حيث قال: ﴿إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] . إن النجاح هو فيما إذا تمكنت المقاومة من الاستمرار في القيام بعمليات داخل وخارج الفلوجة، وجعل قوات الاحتلال في حالة استنفار دائم؛ مما يؤدي إلى إنهاكها مع العمل على قطع الإمدادات؛ فإن شح التموين عامل أساسي في تحطيم معنويات الخصم. ويبدو أن هذا هو ما يحدث؛ فبعد الخسائر الجسيمة في صفوف قوات الاحتلال يلاحظ أن حدة القتال خفت كثيراً، وغالباً ما تكون في الليل وبمبادرة من المقاومة. وكما صرح الشيخ (عبد السلام الكبيسي) رئيس قسم العلاقات العامة في هيئة علماء المسلمين في اتصال مع قناة الجزيرة: إنه إلى هذه اللحظة فإن أكثر من نصف الفلوجة بأيدي المقاومة الفلوجية، وأقول «الفلوجية» ؛ لأنه ليس هناك مقاتلون من غير الفلوجيين داخل الفلوجة - على حد قوله -. وسخِر (الشيخ الكبيسي) من الادعاءات الأمريكية التي كانت تزعم أن الفلوجة ستُسحق خلال ٤٨ ساعة، وشدد على أن القوات الأمريكية تعيش حالياً مأزقاً حقيقياً في الفلوجة، وأنها كانت بادئ الأمر تهاجم، لكنها الآن تدافع؛ فهي متخندقة في الفلوجة، ولا تستطيع أن تخرج إلى أي شارع أو أي زقاق في أكثر من نصف الفلوجة، سواء كان في أحياء الجولان أو الشهداء أو الصناعي، وفي حي نزال، وفي أماكن كثيرة. ونختم هنا بأن أمريكا قد فضحت نفسها بنفسها؛ فبعد تدمير الفلوجة، وتدمير ٣٢ مسجداً، وقتل الجرحى في المساجد، ونشر صورة الرجل الذي قُتل وهو يحمل أمه العجوز يخرج علينا السفير الأمريكي (نيغرو بونتي) وهو (حاكم العراق الفعلي) في تصريح لقناة العربية الإخبارية: إن الفلوجة لم تعد قاعدة لما وصفه بالإرهاب الأجنبي وعناصر النظام السابق. وأضاف: إن هذه القاعدة دُمرت الآن، وأعتقد أن هذا كان بمثابة درس لأولئك الذين يحاولون عرقلة الديمقراطية والحرية في هذه البلاد. هذا شيء مما نشرته وسائل الإعلام الغربية، وتتحاشاه كثير من وسائل الإعلام العربية نضعه بين القارئ ليعرف حقيقة الحرية والديمقراطية التي جاء الأمريكيون ليبسطوها في أرض الرافدين، وهي درس لمن يفكر في خداع الرأي العام بها. تتهاوى وتسقط أمام كل ذي عينين. والله المستعان.

стр. 5149

الفلوجة.. عصر جديد أمير سعيد «الفَلَج» هو الظفر والفوز، و «التفليج» كالتقسيم (بين مرحلتين من تاريخ العراق) ، و «الفالج» الجمل الضخم ذو السنامين، وفي ذروة السنام يكمن السر وتتجلى الملحمة..، و «الفَلُّوجة» هي القرية بالسواد، والأرض المصلحة للزرع، كذا عند مجد الدين الفيروز أبادي، وعند الكماة المغاوير هي المصلحة للنضال.. فالجة الصبح وشارة النصر.. وبالفعل فقد كانت معركة الفلوجة الثانية فارقة بحق بين مرحلتين، وكانت نقطة تحول تستدعي وقفات عندها بكل شفافية واعتدال.. فربما كانت الفلوجة عند بعضهم محاولة انتحار.. ربما كانت لدى «المستنيرين» حاضنة للإرهاب ومعقل «الأجانب» .. ربما كانت لدى آخرين منطقة تمرد ضد حكومة «منتخبة جداً وبعناية.. لكنها من قبل ومن بعد حالة نضالية مستعصية على الجرَّاح الأمريكي، وتاريخ لا تمحوه الأكاذيب من ذاكرة الشباب العربي. معركة الفلوجة.. أو الشبح الغاضب.. أو «يوم الرب الغاضب» (كما في رؤيا أشعياء ١٣: ٩ ـ ١٦) أحد أبرز معالم حرب العراق الرابعة؛ الدائرة منذ التاسع من إبريل ٢٠٠٣ لما يمكن اعتباره نقاط تحول دراماتيكي في تلك الحرب من حيث التوقيت والمناخ والنتائج، وللتفصيل: - التوقيت: أعقبت حرب الفلوجة الانتخابات الأمريكية، وسبقت ما يتطلع إليه المحتلون من انتخابات عراقية، وترافقت مع شهر رمضان الفضيل. ومن خلال هذه المنظومة الزمانية كانت الحرب التي بات فيها جلياً تباطؤ الإدارة الأمريكية في شنها خشية أن تنسف آمال الرئيس الأمريكي في الترشح لفترة رئاسة ثانية، وقد عكس ذلك شعوراً لا يمكن تجاهله لدى صقور البنتاجون بحجم ما يقاسونه في الأراضي العراقية، وبإمكانية إخفاقهم في صناعة نصر مظفر في تلك المدينة الصغيرة. وسبقت ما أعلن عنه من قبل عن انتخابات برلمانية في شهر يناير المقبل؛ إذ لا انتخابات بدون كسر شوكة المقاومة، وفي الذهن العسكري الأمريكي قبل حرب الفلوجة أن ذلك لن يحدث من دون غزوها. وترافقت مع العشر الأواخر من رمضان الفضيل وليلة القدر وعيد الفطر المبارك، وهي أيام أرادها الأمريكيون أن تكون تحدياً مخزياً للمسلمين ـ كما أرادوا من قبل ذلك في العدوان على أفغانستان ـ وأرادها الله أن تكون أيام ظفر وانتصار، كما كانت في معارك المسلمين دوماً. والحق أن الولايات المتحدة الأمريكية ارتكبت أكبر حماقاتها بهذا التوقيت الذي ملأ قلوب المسلمين كلهم بغضاً وكراهيةً لها، وأشعل قلوب المقاومين في العراق كله حماساً ضدهم.. وبعيداً عن الإنشاء؛ فإن هذا التوقيت ساهم إلى حد بعيد في فرض أجندة المقاومة الاستراتيجية على ساحة المعركة (نعرض لها لاحقاً) وهيأ كل فصائل المقاومة الفلسطينية تلقائياً لتقبلها. - المناخ: بدا أن المعركة قد استعرت في ظل مناخ يخدمها أكثر مما يخدم المحتل؛ فالمعركة وقعت في أجواء مشحونة جداً ضد الوجود الأمريكي في العراق؛ إذ بدأت المعركة فيما كانت الأرض تمور من تحت أقدام المحتلين، وشهدت أكثر من جهة غربية سواء من الصحف أو مراكز الدراسات الأمريكية على أن معظم غرب العراق (الأنبار) وكثير من شماله خارج سيطرة قوات الاحتلال، وتصاعدت العمليات في مجمل العراق على نحو كبير بلغ نحو ١٢٠ عملية في اليوم الواحد وفقاً لمصادر المقاومة العراقية (٧٠ حادثة يومياً وفقاً للطرف الأمريكي) ومن ثَمَّ؛ فإن هذه المعركة كانت تعد مصيرية للمحتلين حتى يتسنى لهم المضي قُدُماً في خطة إخضاع العراق وتنفيذ الاستحقاقات السياسية والدستورية في نظامه الموالي لهم، أو لنقلْ بشكل أكثر صراحة: حتى تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من البقاء بالأساس في العراق وإلا خارت قواها «الاستعمارية» في النهاية جراء حرب استنزاف تتضاءل أمامها حرب فيتنام. (صرح وزير «الدفاع» الأمريكي رونالد رامسفيلد في مطلع الحرب بأنه يتوقع لهذه الحرب ـ أي حرب الفلوجة ـ أن تكون «الأشرس منذ الحرب العالمية الثانية» متجاوزاً بذلك جميع معارك حرب فيتنام) . مناخ المعركة كان مفعماً برغبة أمريكية في أن تواصل هروبها للأمام وبإلقاء كل ما في جعبتها للخروج من مآزقها المتعاقبة: نجاح بوش كان مؤشراً للرغبة الشعبية عند نصف الأمريكيين في أن يسفر المزيد من القتال عن حل لمعضلة الولايات المتحدة الأمريكية الأمنية والاقتصادية والسياسية، وتركيبة إدارة الرئيس الأمريكي الجديدة كانت علامة على هذا النهج الذي يريد أن يقطعه الصقور حتى النهاية، واغتيال الرئيس الفلسطيني كذلك كان مؤذناً بأن «العهد الجديد» لبوش سيكون أكثر شراسة من «العهد القديم» !.. مؤشرات كثيرة كلها أتت دالة على أن معركة الفلوجة هي معركة كسر الإرادة العراقية.. ولم تنكسر؛ أذن الله وقضت مشيئته. الإدارة الجديدة أتت راغبة في قضم الأصابع عوض عضها، وكانت معركة الفلوجة فاتحة هذا العهد الدموي، ليس لأن الإدارة الجديدة/القديمة قوية، بل لأنها وضعت على مائدة الميسر ورقتها الأخيرة وإلا خسرت كل شيء، ومن ثم فليس إلا الفوز وليس إلا الانتصار، ولكنها كانت الهزيمة.. الهزيمة في ميدان الاستراتيجيا وليس في ميدان الفلوجة؛ إذ المعركة ليست معركة أرض كما يفهم ذلك ـ دون الكثير غيرهم ـ الحاملون الآر بي جي في أزقة الفلوجة. النتائج والمستقبل: حملت معركة الفلوجة أكثر من نتيجة وأكثر من دلالة، واعتبرت مرحلة جديدة فارقة عما قبلها، ويمكننا أن نجمل ذلك على عدة أصعدة: الصعيد الأيديولوجي/السياسي: وفيه عدة محاور: المحور الأول: عقيدة الحرب بالنسبة للطرفين: لم تكن هذه الحرب في الحرب كمثل الحرب العامة أول الغزو؛ فليس ثمة صدَّام ولا الكويت ولا الديمقراطية ولا حلبجة ولا غير ذلك، وإنما تجلى فيها الدين كمحرك للصراع بشكل مباشر، وهاكم الصورة حية كما نقلها موقع «دردوج» الأمريكي يوم ٦ نوفمبر لبعض الجنود المارينز الأمريكيين الذين شرعوا بتعميد ذواتهم قبل بدء معركة الفلوجة، وأشار الموقع إلى أحد الجنود الأمريكيين شرع بالقراءة من الإنجيل الحديث عن نبي الله داود ﵇ والذي هزم جالوت، وهو ما يعتبرونه نصرًا لليهود على الفلسطينيين؛ حيث قال جندي المارينز: «وهكذا هزم داود الفلسطينيين» ، فدفعت كلمته تلك بقية الجنود إلى الهتاف إعجابًا بما فعله نبي الله داود ﵇!! ومما يلفت النظر أن جنود المارينز هؤلاء هم من قاموا بعد ذلك بارتكاب جرائم الحرب «الدينية» ، ومنها الإجهاز على الجريح في أحد مساجد الفلوجة، وهذا غير مستغرب بالنظر إلى اعتقاد بعض هؤلاء بأن هذه هي «معركة بلا أسرى» مثلما نصت على ذلك الكتب القديمة؛ التي يتم فيها تدمير بابل بأمر «الرب في يوم احتدام سخطه عليها» !! فيما يواجه هؤلاء في المقابل ليس البعث القومي أو الجيش الوطني النظامي بل «مجلس شورى مجاهدي الفلوجة» وهو يحمل باسمه قبل أي شيء شارة هذا الصراع وعنوانه البارز، ولست أزعم أن هذه هي أول مظاهر دينية الصراع من الجانبين ـ فذاك الظن به سخف ـ وإنما أعني أن هذه هي أكبر تجليات هذا المشهد الديني (هل من مصادفة أن تبلغ حصيلة المساجد المتضررة في الفلوجة ١٢٠ مسجداً بينها ٣٣ مسجداً سوِّيت بالأرض؟!) . المحور الثاني: عقيدة الحرب بالنسبة إلى الطرف المقاوم والطرف الموالي للاحتلال: والأول سبق الإشارة إليه، غير أن الثاني كشف لأول مرة بهذا الوضوح عن وجهه القمئ، أعني بهم محازبي السيستاني أو جيش علاوي أو جيش لحد العراقي.. إلى غير ذلك من المسميات التي لا تغير من الواقع شيئاً.. في الواقع هذه المعركة تميزت بوجود فئتين تتقاتلان وجهاً لوجه: إحداهما: سنية، والأخرى: موالية لعلي السيستاني ـ أو الخيانة العظمى علي السيستاني كما يحلو للكاتب عبد الرحمن عبد الوهاب، (الحقائق اللندنية ١١/٩) أن يدعوه ـ وهنا أيضاً حرب دينية بين السنة وفئة حزبية طائفية موالية للرجل الذي انكشف تماماً في حرب الفلوجة إلى الحد الذي جعله محل سخرية واستهجان العلمانيين قبل الإسلاميين، وأوجد من فوره تمايزاً فريداً لا يمكن جبره مذ حشد جنده اللحديين ضد شركاء الوطن في الفلوجة. (للرجل موقفان اثنان لا يمكن للسنة غفرانهما له؛ وهما: موقفه من الاحتلال ابتداءً في مستهل الحرب حين كانت المدن الشيعية تبدي مقاومة ضارية ضد الغزو، فأصدر فتواه المشؤومة بحرمة قتال المحتلين، وموقفه من الانتخابات التي أصدر فيها فتوى «ثيوقراطية» عجيبة بالحكم بجهنم على من لا يشارك بالانتخابات التي يديرها الاحتلال، وموقف ثالث له مع التيار الصدري حين غادر النجف إلى بريطانيا تاركاً للأمريكيين العبث بـ «المقدسات الشيعية» ومن ثم عاد بالهدنة الجائرة بعد تركيع الصدر. وللمناسبة فبرغم العلاقة غير السيئة بين التيار الصدري ومقاتلي الفلوجة، وإرسال مقاتلي الفلوجة العشرات منهم للوقوف بجوار ميليشيا الصدر أثناء حصار النجف إلا أن رد التيار الصدري بتعليق مشاركته في الانتخابات القادمة دون إعلان المقاطعة كان دون الحد المقبول سنياً، كما أن تدخلاً بوقف صادرات النفط في الجنوب العراقي كان كفيلاً بالضغط على الأمريكيين لوقف الهجوم مثلماً كان في أحداث النجف، وهو ما لم يحدث حتى على صعيد التلويح. المحور الثالث: هو البداية النوعية للتحرك السياسي لحركات المقاومة العراقية: ونستطيع القول كذلك بأن معركة الفلوجة كانت فارقة في هذا الخصوص؛ إذ حملت المعركة الفصائل المقاوِمة إلى النزوع باتجاه التوحد شيئاً فشيئاً، والسعي لبلورة مواقف سياسية موحدة، ومن ثم التقدم بخطوات نحو تكوين سقف سياسي للمقاومة، سواء ما جرى بين فصائل المقاومة أو ذاك التحرك الواعي لهيئة علماء المسلمين التي نجحت في استقطاب الكثير من الفعاليات السنية والشيعية الوطنية و «المسيحية» والتركمانية العلمانية.. إلخ لمشروعها السياسي الفاعل لإحباط الانتخابات المزمعة قريباً والتي بدورها تهدف إلى تكريس الاحتلال من جهة ومنح الشرعية لأذنابه العميلة. - الصعيد العسكري: المعركة هي أيضاً في هذا الصعيد نقطة فارقة في تاريخ الحرب على أرض الرافدين؛ ففيها تمكنت المقاومة من فرض أجندتها العسكرية المتمثلة في تحويل هذه المعركة من معركة الدفاع عن أرض ومدينة محدودة إلى معركة استنزاف وتوسيع رقعة ميدانها؛ هذا ما أراده المقاومون وهذا ما نجحوا فيه إلى حد بعيد (وهنا نلفت إلى عبارة هامة لأحد قادة المقاومة العراقية في الفلوجة حينما تراءى لهم الانحياز عنها في لحظة معينة من لحظات المعركة «ليس الفلوجة مدينة مقدسة ولا هي أغلى عندنا من بغداد والرمادي وبعقوبة» ، ومن هنا نستطيع قراءة الأحداث من زاوية لا ترى في رفع الأعلام انتصاراً بالضرورة، ولا في نزعها هزيمة في حرب استنزاف لا تقدس الأرض. والناظر إلى هذه المعركة من الناحية العسكرية البحتة يلحظ أن هذا التوسيع الذي عمدت إليه فصائل المقاومة، والتنسيق العالي والتناغم اللافت في هذه المعركة فيما بينهم؛ إنما دل على حرفية قتالية كبيرة، بل دل أيضاً على أن هذا التوسيع هو علامة بارزة على ازدياد أعداد المقاتلين ونجاح المقاومة في حشد الشعب العراقي خلفها زرافات ووحداناً، وأنهم بذي السبيل أرهقوا العدو وألجؤوه إلى بعثرة قواته وتغيير خطته أكثر من مرة، ونجحوا كذلك في مباغتته في العديد من المرات، وجعل زمام المعركة بأيديهم في معظم فترات المعركة، باستثناء هذه المرحلة التي نجح فيها الأمريكيون في اعتلاء أسطح المنازل ونثر القناصة فوقها. ولا نبالغ إن قلنا إن هذه المعركة كسرت كثيراً من شوكة الأمريكيين، وأسقطت من هيبتهم في كثير من الأنفس المزعزعة بما تسمعه عن أسلحة متطورة وصواريخ عابرة وأقمار الولايات المتحدة الاصطناعية التجسسية والتي لم تحرم المقاومة من أن تجوب البلاد يمنة ويسرة، وتتحرك إلى داخل وخارج الفلوجة حتى إن ذرائع الولايات المتحدة بشأن أبي مصعب الزرقاوي لضرب أكثر من مدينة بالزعم بأنه كان داخلها ثم هرب منها كانت أضحوكة المحللين؛ لأن ما قيل عن حصار الفلوجة بأكثر من ٢٠ ألف جندي من النخبة المختارة الأمريكية ومتابعة أخطر رجل في العراق الذي وضعت الولايات المتحدة ـ عن طريق علاوي ـ شرطاً لأهالي الفلوجة بتسليمه لقاء العدول عن مهاجمة المدينة؛ لم يمنع من مغادرته المزعومة ولا أن يعود رفاقه ثانية بعد ٦ أيام من المعركة إلى الفلوجة لمعاودة القتال. ونردف قائلين بأن هذه المعركة قد أفادت المقاومة كثيراً ولم تضعفها، على الأقل لجهة ضرورة توحدها أو على الأقل زيادة أطر التنسيق فيما بينها والالتقاء على أسس وقواسم مشتركة سياسية وعسكرية وأيضا إعلامية. - الصعيد الإعلامي: كانت معركة الفلوجة فارقة إعلامياً كذلك لجهة كونها كانت تحمل تباشير تحرر الإعلام الإسلامي من ربقة الإعلام العالمي، وتحريكه لكثير من الفعاليات الوطنية وحتى غير الوطنية في الوطن العربي من أجل الخروج من شرنقة وكالات الأنباء الغربية ووسائلها المضلة. قبل الفلوجة كان التحرك خجولاً باستثناء بعض المواقع الإسلامية التي لا تجاوز أعدادها أصابع اليد الواحدة، والآن تغير الأمر كثيراً مع الأمل باستمراره، وبدا أنه كلما حرص الإعلام الإسلامي على توسيع روافده تمتع بحصانة وفعالية وجرأة أوفر. وتلك قضية ينبغي أن تكون محل دراسة الإعلاميين الإسلاميين الذين صار بإمكانهم أن يوجدوا لهم موضع قدم على الخارطة الإعلامية العربية شريطة العمل على قاعدة التناغم لا التنافس. هذا من حيث الحديث عن الخارج، وأعني به الوسط العربي المحيط، بيد أن الداخل أيضاً ـ وهو فصائل المقاومة ـ كانت هذه المعركة أيضاً فاتحة خير لها في كيفية توسيع رقعة تلامسها مع الخارج الإعلامي.. تعيين ناطق رسمي باسم مقاومة الفلوجة، وإن اعترى ذلك بعض الأخطاء المحدودة لحداثة التجربة، توزيع البيانات وبسرعة، تصوير بعض المشاهد للمعركة من الداخل في أتون المعركة الضروس وبثها في الأسبوع الثاني من القتال، الإحصاء السريع والدقيق نوعاً ما، كل هذه كانت تمثل نقطة عبور إلى مرحلة النضج الإعلامي العسكري والسياسي. وبعد الصعيد الإعلامي، نعود للقاموس المحيط ثانية؛ حيث يقول عن الفلوجة: «والجمع فلاليج» .. وهي تلك المدن العراقية الصامدة الأبية التي لا تعرف الركوع لغير الله، ولا تنحني إلا لباريها، وتسقط من قلوبها رهبة جرذان المارينز الذين شاهدناهم ـ في أفلامهم أنفسهم ـ يطلقون النار؛ فلما سمعوا تكبير أعزل ولَّوُا الأدبار، ثم لا ينصرون.

стр. 5150

ما بعد عرفات: وأزمة السلطة الفلسطينية باسل النيرب عندما سقطت طائرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في الصحراء الليبية شعر الفلسطينيون بالجزع، وعندما مرض الرئيس أواخر عام ٢٠٠٣م أصيب الفلسطينيون بالذعر ولم يعرف المسؤولون الفلسطينيون كيف يعالجون الأمر؛ فالصلاحيات المطلقة بيد الرئيس وحده ولا يشاركه فيها أحد، وفي مرضه الأخير الذي استدعى نقله إلى باريس للعلاج شاهدنا اضطراب المشهد السياسي الفلسطيني والتصريحات التي تدور كلها في أن الوضع الصحي للرئيس الفلسطيني صعب جداً؛ ولكن دون أن يلجأ أحد من قادة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير إلى بحث مسألة ما بعد عرفات، وحتى من حاول السفر إلى باريس ظهرت بحقهم اتهامات صريحة من (سُهى عرفات) ووصفتهم بأنهم «حفنة من المستورثين يريدون دفن الرئيس حياً» ومن ثم أعلن مستشفى (برسيه) وفاة الرئيس عرفات ليسود المشهد الفلسطيني حالة من الحزن والخوف من المستقبل. - الوضع القانوني: مما لا شك فيه أن رحيل عرفات ترك فراغاً واضحاً في عمل أجهزة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير على اختلافها؛ بمعنى أن عرفات هو السلطة كما يؤكد ذلك العديد من التقارير، والعديد من المشاهدات اليومية لهذا الأمر، وأن من سيخلفه في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لن يستطيع الموافقة على أمر كان قد رفضه ياسر عرفات أو حتى القيام بالأدوار المتعددة التي كان يقوم بها، وتشمل مناصب عرفات: رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، ورئاسة السلطة الفلسطينية، ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئاسة اللجنة المركزية لفتح، وكان هو ذاته من يقوم باختيار المسؤولين في كل هذه الهيئات، بالإضافة إلى وكالات الأمن الفلسطينية المتعددة. ودستورياً، وفق مسودة الدستور الفلسطيني الذي لم يصبح قانوناً بعد يتولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وهو (روحي فتوح) القيادة المؤقتة في حال وفاة الرئيس. وعلى خلاف التوقعات التي كانت غير متفائلة بالانتقال السلس للسلطة فقد عين (روحي فتوح) رئيساً للسلطة الفلسطينية لمدة ٦٠ يوماً على أن تجري بعد ذلك انتخابات رئاسية خلال تلك الفترة. ومع تعدد الاحتمالات التي أصبحت تراوح مكانها في الساحة الفلسطينية بعد وفاة الرئيس الراحل يبدو أن الوضع الفلسطيني مقبل على مزيد من التعقيدات؛ فكل الأمور التي كانت في الماضي مناطة برجل واحد، ستؤول اليوم إلى أشخاص ربما لم يجدوا إجماعاً فلسطينياً حولهم، وهذا ليس بسبب موقف ياسر عرفات الذي لم يساعد على نشوء الرجل الثاني بعد استشهاد كلٍّ من خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد) فحسب؛ ولكن بسبب تعقيدات الوضع الإداري والقانوني للمؤسسات الفلسطينية؛ فعلى سبيل المثال لا يوجد ما يشير إلى نظام الخلافة في بناء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ ففي عام ١٩٦٨ تم إلغاء منصب نائب الرئيس من هيكل منظمة التحرير قانونياً، أما منصب السكرتير فلا يعطي حامله أي ميزة. ووفقاً لنظام منظمة التحرير الفلسطينية فإن منصب رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية يجب شغله بالانتخاب من بين أعضاء اللجنة. ونتيجة لما تتمتع به حركة فتح من سيطرة على القرار الفلسطيني الرسمي فقد جاء (محمود عباس) وهو عضو اللجنة التنفيذية خلفاً للرئيس الفلسطيني. هذا الوضع القانوني المعقد لبنية منظمة التحرير الفلسطينية لم يمنع من احتدام المنافسة في أوقات سابقة، ولكن اليوم مع وفاة عرفات يجري التنافس في غرف مغلقة وخلف (الكواليس) لاختيار المرشح، ويحضرنا هنا قول الأستاذ (علي الجرباوي) في شأن الصراع على خلافة عرفات عندما كانت الأوساط السياسية الإسرائيلية تروج لفكرة عزله حين قال: «صحيح أنه لا يوجد من بين الشخصيات الفلسطينية من يملك الجرأة ولا حتى الرغبة في مناكفة عرفات وتحدي سلطته، ولكن هناك نوع من حرب الإزاحة والتنافس تجري من وراء (الكواليس) بين من يعتقدون أنهم أهل لخلافة عرفات» وكان هذا قبل وفاته، أما وقد توفي الرئيس الفلسطيني فحركة فتح باعتبارها «الحزب الحاكم» تشهد تكتلات سياسية وجهوية وتنافسات أدت إلى إطلاق النار على موكب أبو مازن في سرادق عزاء عرفات في غزة من قِبَل بعض الفئات التي توصف بأنها تعارض رئاسة أبو مازن للجنة التنفيذية وحتى الترشيح عن حركة فتح للانتخابات الرئاسية. - المترشحون في الميزان: وفي مسألة خلافة عرفات تتنوع الأسماء التي تقدم نفسها لهذا الأمر؛ فمن العميد جبريل الرجوب، إلى العقيد محمد دحلان إلى رئيس الحكومة الفلسطينية الحالي أحمد قريع أبو العلاء، وكذلك رئيس الحكومة الفلسطينية السابق محمود عباس أبو مازن الذي أصبح اليوم رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، إلى محمد رشيد وغيرهم، وهذه الأسماء وعلى اختلاف درجة قبولها لدى الجانب الرسمي الإسرائيلي فهي لا تحظى بجانب كبير من الشعبية على المستوى الفلسطيني. يقول المحلل السياسي الإسرائيلي (آلون بن مائير) : إن نسبة التأييد الشعبي لهم لا تتعدى الـ ٣٥%. وإن كفة الترجيح هنا سيحسمها أمران: أولهما هو علاقة المرشحين بدائرتين أساسيتين عربيتين هما: مصر، والأردن، ومستوى قبول الولايات المتحدة (وإسرائيل) لهذا الترشيح، وفيما يلي نحاول لملمة بعض مواقف المتنافسين على خلافة عرفات على النحو التالي: ـ محمد دحلان: وهو رجل الأمن القوي في غزة، والذي يعرف كيف يحادث الغربيين، هو الخيار المفضل لأجهزة الأمن الأمريكية، والمقبول على المستوى الأمني في القاهرة وعمان، وصاحب العلاقة الطيبة بالإسرائيليين. وهو له مواقفه المعروفة ضد حركات المقاومة الإسلامية وضد الانتفاضة الفلسطينية، وليس المجال لسردها إلا تذكيراً بعموميات الموقف، وهو ـ دحلان ـ رافض للعمليات المسلحة، ومع جمع السلاح الموجه ضد الإسرائيليين، ويؤيد أية ترتيبات أمنية تقوم بها الحكومة الفلسطينية لوقف الأعمال الجهادية ضد الإسرائيليين. ـ جبريل الرجوب: مستشار مجلس الأمن القومي يبدو أقل دبلوماسية في المظهر والتعامل مع الغربيين، واتصالاته المتعددة مع الإسرائيليين معروفة، وهو المسؤول عن تسليم العديد من المجاهدين إلى قوات الاحتلال الإسرائيلية. ـ أحمد قريع: هو مرشح قوي لرئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، اشتراك مع (أبو مازن) في قيادة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، إلا أنه لا يملك الدعم الكافي داخل حركة فتح. ـ محمود عباس: الذي يعرف بأنه رجل العلاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية ـ الأمريكية، ومرشح قوي، ويحظى بدعم واضح من جانب الأردن، وإن كانت علاقاته مع مصر غير إيجابية في بعض الأوقات، وسوريا ترفضه لدوره في عملية اتفاقية أوسلو، ويتمتع بدعم بعض التحالفات في القيادات السياسية والأمنية في حركة فتح، وتحيط به مجموعة من الاتهامات، ولا يجد قبولاً في الشارع الفلسطيني، ويعتبر أن اتفاق أوسلو كان التتويج الأهم لنضال الشعب الفلسطيني على مدى القرن العشرين؛ لأن هذا الاتفاق هو الذي ثبت الشعب الفلسطيني على الخارطة السياسية بعدما تقرر شطبه منذ مطلع القرن، فقال إن أهمية أوسلو أنها كرست وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، وفرضت على أمريكا و (إسرائيل) الاعتراف به وبمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً لهذا الشعب. ـ وهناك مروان البرغوثي أو (منديلا فلسطين) حسب رأي بعضهم، كما تحاول الدول الغربية أن تروج له؛ فالبرغوثي يتمتع بمصداقية بين الشباب والمقاتلين، وحتى داخل بعض أطر حركة حماس، رغم أنه من دعاة التعايش السلمي مع (إسرائيل) في إطار الدولتين؛ لأنه حمل السلاح في انتفاضة ٢٠٠٠م، وهو يقضي عقوبة بالسجن بعد أن أدانته محكمة إسرائيلية بتهمة التآمر وتدبير عدة جرائم قتل بحق يهود، وترجح بعض الأوساط السياسية أن يعود إلى الشارع الفلسطيني؛ وخاصة أن دوره مؤثر في كتائب شهداء الأقصى تحديداً، كما أن هناك الكثير من الجماعات التي تعقِّد المسألة «فزعيم كل وكالة أمنية عنده طموح بالسلطة، والتنافس بين المناطق، ولا سيما بين الضفة والقطاع، يجب أخذها بعين الاعتبار» عند الحديث عن خليفة عرفات المتوقع. - صعوبة الاختيار: في الحالة الفلسطينية لا تكمن المشكلة في صعوبة وجود البدائل المتاحة عند الاختيار والمفاصلة بينهم أو أن الرئيس الفلسطيني لم يضع خليفة له؛ المشكلة أن عرفات أغلق الطريق على إمكانية وصول أحد ما ليصبح خليفة له، وأعاق نشوء مؤسسات من شأنها أن تسهل مرحلة الانتقال، أو تحث على إيجاد قائد جديد. إن أزمة القيادة في الساحة الفلسطينية بعد وفاة عرفات هي أزمة نظام الزعيم الوحيد، وهي أزمة في مجمل النظم السياسية المحيطة، وفي الشق الفلسطيني منها نتيجة غياب المؤسسات القيادية الفاعلة، وهي أزمة لها معطياتها التاريخية. إن هذه المرحلة الانتقالية التي يترأسها رئيس المجلس الوطني الفلسطيني (روحي فتوح) لن تعتمد بأي درجة من الدرجات على المقررات الداخلية للأنظمة، وهي سوف تحتكم إلى من هو قادر على الإمساك بزمام المبادرة ويكون مقبولاً بالدرجة الأساسية فلسطينياً وعربياً وعالمياً وإسرائيلياً بلا شك، وسوف تشهد هذه المرحلة بوادر التدخل وتلحظ من توالي التصريحات في العالم العربي؛ فقد نقل الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر (صفوت الشريف) عن الرئيس (حسني مبارك) قوله في اجتماع لأعضاء مجلس الشعب من الحزب: «لا بد أن تجتمع الفصائل الفلسطينية، وسوف نساعد كثيراً (في ترتيب اجتماعها) وفي الأغلب سوف تجتمع هذه الفصائل في مصر، وستبدأ حواراً لتحديد مجلس لإدارة شؤون البلاد، وإدارة عملية السلام» . وأكد (صفوت الشريف) أن الرئيس مبارك مضى إلى القول إن «هناك اتصالات من جانب مصر ودول أخرى للتوصل إلى عقد هذا الاجتماع» . في الحالة الفلسطينية بعد عرفات قد يظهر الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني إلى دائرة الحدث، ولكن بأي حال من الأحوال لن يصل الأمر إلى حد الاحتراب الداخلي؛ فالوعي الفلسطيني طالما أحبط هذا الأمر في الأوقات السابقة التي تعد أصعب وأخطر من فقدان أو غياب زعيم سياسي عن الحياة. أما حالة التدافع، أو إطلاق النار على (أبو مازن) ومقتل اثنين من حرسه الخاص فما هي إلا رسالة خاصة من حركة فتح لـ (أبو مازن) والدعوة إلى الالتزام بخط الرئيس عرفات الذي يحظى بإجماع كبير داخل أطر الحركة. إن الهجمة الحقيقية التي يُخشى منها في الحالة الفلسطينية ما أشار لها الكاتب (علي أبو النعمة) بأن هدف أريل شارون أنه لا يريد فلسطينيين وإنما غزاويين وضفاويين وممثلي أطياف وطوائف، وهذا ما سيحول دونه الواقع الفلسطيني، ومع أن الظروف التي سيعيشها الشارع الفلسطيني ستكون حبلى بأسباب الشقاق، إلا أن الفوضى المسلحة التي يراهن عليها شارون لإسقاط السلطة الفلسطينية نهائياً لن تكون متاحة، كما أن الدول العربية وغيرها ستحاول أن تدلي بدلوها في الشأن الفلسطيني ـ الفلسطيني، وقد تحاول أن تدعم أحد الخيارات المطروحة من الورثة الشرعيين لسلطة الرئيس الفلسطيني؛ مما يعني عودة التدخلات العربية والعالمية إلى الشأن الفلسطيني. - الانتفاضة والانتخابات: إن من المؤكد أن الانتفاضة لن تتأثر بغياب الرئيس ياسر عرفات، وبالعكس فقد تزداد وتيرتها عندما يشعر الجانب الفلسطيني ـ كتائب الأقصى تحديداً ـ أن ما حدث للرئيس كان بسبب الحصار المفروض عليه في رام الله، أو أنه توفي نتيجة السم الإسرائيلي. أما السؤال الذي يتبادر إلى الذهن فهو: ما مستقبل حماس وعلاقتها مع السلطة الجديدة، والوضع الداخلي لحركة فتح بعد غياب ابرز مؤسسيها؟ فيما يخص حماس والدور المحتمل فإن الحركة قد لا تكون بوضع يسمح لها بالسيطرة على القرار الفلسطيني لاعتبارات عالمية وإقليمية، ولكنها يمكن أن تلعب دوراً حاسماً كحليف لفتح مثلاً أو غيرها من الحركات الفلسطينية؛ فقد استطاع ياسر عرفات بعد سنوات الانقطاع والشقاق أن يكسب حركة حماس، ونشهد فصولاً من التعاون بين كتائب شهداء الأقصى مع حركة حماس، وهذا ما يخشاه بعض من في السلطة الفلسطينية وبخاصة ما يعرف بـ (تيار أبو مازن ـ دحلان ـ روحي فتوح) من أن تعزز حماس موقعها في السلطة وتكون لها الرياسة. كما أن حركة حماس ذاتها تدعو إلى تشكيل قيادة موحدة لتسيِّر دفة الأمور. ويقول الدكتور (نزار الريان) : (إن الحركة وسائر المجاهدين غير مرتهنين بقائد معين؛ فإذا كان القائد الجديد مع خيار الأمة والمجاهدين فلله الحمد، وإن أراد الوقوف في وجه المقاومة، فالمقاومة ليست عاجزة وباستطاعتها التعاطي مع كل جديد بما يناسبه) . أما مصير حركة فتح بعد غياب زعيمها فستكون هي قبلة الصراع المصيري، وستواجه الخطر الأكبر بالانشقاق أو التفكك وبخاصة بين قيادات الصف الأول. ويقول (الدكتور عبد الستار قاسم) أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح ـ وهو مرشح حالي لانتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية ـ: «إن فتح ستتفكك بالتأكيد وتُستقطب في جماعات وفئات. في فتح يوجد وطنيون حقيقيون، ولكن فيها أيضاً الكثير من الطفيليين والانتهازيين الذين يؤيدون عرفات من أجل المصلحة المادية فقط» . وأما أمام تشعب وامتداد الحركة والطموحات عند أبنائها فقد تواجه الحركة صراعات مسلحة محدودة بين الفئات المختلفة وبخاصة من بين الذين جاؤوا إلى فلسطين بعد أوسلو، وبين الذين كانوا داخل فلسطين، ويؤكد هذا ما كتبه (أيا بيرمان) وهو نائب رئيس قسم السياسات في المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية من أن رحيل عرفات سوف يؤدي إلى تعميق الجرح القديم في السياسة الفلسطينية، وهو صراع النفوذ بين الحرس القديم في منظمة التحرير وبين أهالي ومواطني الضفة الغربية وقطاع غزة. أما الانتخابات الفلسطينية فسوف تشهد الساحة الفلسطينية مزيداً من الراغبين للترشيح؛ فقد أعلن عبد الستار قاسم ترشيح نفسه، وكذلك طلال سدر وهو وزير الرياضة والشباب السابق، أما موقف حركة حماس فقد لخصه رئيس المكتب السياسي للحركة (خالد مشعل) بقوله: إن الحركة ليس لديها نية للمشاركة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية؛ وذلك لأنها انتخابات قائمة على أساس اتفاق أوسلو الذي تعتبره حماس باطلاً ومنتهياً وغير شرعي. وأكد أن الحركة تدعو لانتخابات حقيقية تشارك فيها جميع فئات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج؛ وذلك للوصول فعلاً إلى إصلاح حقيقي، من خلال إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية. أما الانتخابات المحلية فحماس ستشارك فيها، وتجري الاستعدادات الكاملة لخوضها، والموقف ذاته ينطبق على حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، كما تحاول الفصائل اليسارية الفلسطينية تسمية (حيدر عبد الشافي) مرشحاً لها وهو من الشخصيات المستقلة، ولكن لا يحظى بالتأييد اللازم. وفيما يخص عودة قطار التسوية إلى مساره فتشهد الساحة السياسية عودة (كولن باول) وزير الخارجية الأمريكي المستقيل إلى المنطقة والتقاءه بالجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؛ فعملية إنعاش مسار التسوية واردة في الخطة الأمريكية للسنوات الأربع القادمة، وما بيان الاتحاد الأوروبي في التعامل مع مرحلة ما بعد عرفات وما قاله رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) من أنه سيجعل من (قضية الشرق الأوسط) في صلب زيارته للتهنئة للرئيس الأمريكي جورج بوش إلا ملامح لهذا التنسيق، كما أن الجانب الإسرائيلي موافق من ناحية مبدئية على التفاوض مع خليفة عرفات، شريطة أن يبدي التزامه بمكافحة «الإرهاب الفلسطيني» . أما الجانب الفلسطيني فإنه موافق على البدء في الانتخابات، شريطة أن يعي الأمريكيون والإسرائيليون أنه ليس في موقع التصادم مع أحد. وأخيراً: ما بين المأمول والمتوقع اختلاف كبير، ولكن الحالة الفلسطينية يلخصها ما قاله عجوز فلسطيني عندما بدأت الدوريات الإسرائيلية الاقتراب أكثر فأكثر من مقر المقاطعة المحاصر منذ ثلاث سنوات فقال: «لماذا الاحتراب على السلطة وليست هناك سلطة؟ السلطة نفسها تحت الاحتلال. الاحتلال والاستيطان وممارسات (إسرائيل) ضدنا هي التي توحدنا، وتجعلنا لا نفكر حتى في إمكان الاقتتال» . فهل يعي أبناء فلسطين الدرس؟ هذا ما نرجوه.
следующие страницы →