الدكتور وليد قصاب في حوار مع البيان
حاوره: محمود حسين عيسى
هناك من يحاول إلغاء المرجعية الإسلامية في العلوم الإنسانية!
الأديب الدكتور وليد قصّاب أستاذ الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، شاعر وقاص وناقد من أكثر من ربع قرن، وله ما يقارب خمسة وثلاثين كتاباً في الشعر والقصة ودراسات في الأدب واللغة وتحقيق التراث، وقد التقته البيان أخيراً، ليلقي الضوء على كثير من قضايا الأدب، فكان هذا الحوار.
البيان: لماذا الدعوة إلى الأدب الإسلامي؟ وما مسوغاتها؟
- لأن الأدب الإسلامي، عدا عن أنه الأصل الذي يمثل هويتنا الفكرية؛ فإن هنالك ـ في هذا العصر بالذات ـ من يحاول إلغاء المرجعية الإسلامية عن جميع العلوم الإنسانية، ومنها الأدب، ذلك النشاط المؤثر الفعّال، وهو لا يجد غضاضة أن يصبغها بأية صبغة إلا الصبغة الإسلامية. إن المحاولات اليوم جادة ـ على أيدي طوائف كثيرة ـ لإبعاد الأدب عن العقيدة، بل عن الحياة والمجتمع والرسالة، وهذا لم يحصل في يوم من الأيام، لم يكن رأي أو فكر يقدّم بين يدي الإسلام، ولذلك لم يجد علماؤنا المتقدمون حاجة أن يسموا نشاطاً معرفياً ما بأنه «إسلامي» ؛ لأنه كان كذلك حقاً، لم يكن أحد يتحدى هذه الصفة أصلاً، أو يحاول إقصاءها، أما الآن فقد ظهرت عندنا مذاهب أدبية غريبة ـ مستوردة من شرق ومن غرب ـ تلغي الإسلام وتعاديه، وتعده تخلفاً وانحطاطاً: كالوجودية، والواقعية الاشتراكية، والمدارس الحداثية المختلفة، وغيرها.
البيان: ولكن كثيرين يهاجمون الأدب الإسلامي، ولا يعترفون به أليس كذلك؟
- بلى صدقت! يواجه الأدب الإسلامي حرباً شعواء يشنها عليه العلمانيون والحداثيون والجاهلون بحقيقته ورسالته، ولكن المستقبل لهذا الأدب الجاد الرصين الذي يمثل عقيدة الأمة وهويتها الفكرية وذوقها، وهو جزء من الصحوة الإسلامية المتنامية، أو قل ـ إن شئت ـ إنه المعادل الجمالي للصحوة الإسلامية المعاصرة، وهو أدب المستقبل مثلما أن الإسلام هو دين المستقبل كما بشر بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار» .
لكن المعوقات في وجه هذا الأدب كثيرة ومتعددة نسأل الله أن يعين دعاته والحاملين رسالته النبيلة على تجاوزها، حتى يرسخوا أقدام هذا الأدب، ويقدموه البديل لتصحيح ما اعتور الأدب العربي الحديث من انحراف وتغريب.
البيان: ذكرت أن هنالك معوقات تقف في وجه الأدب الإسلامي؛ ما أبرز هذه المعوقات؟
- المعوقات كثيرة، منها ضعف منابره الإعلامية، وضعف موقعه على شبكة الإنترنت المنتشرة الفعالة. ومنها معوقات تعود إليه هو في حد ذاته متمثلاً ذلك ـ بشكل خاص ـ في قصور في فهمه؛ إذ لا يزال قوم من مبدعيه ونقاده يضيِّقون آفاقه، فيحصرونه في موضوعات معينة، كالحديث عن الجهاد، وفلسطين، وأفغانستان، ومسائل عبادية، وهذا كله ـ من غير شك ـ أدب إسلامي، ولكن قصر الأدب عليها وحدها يقصّ من أجنحة انطلاقه؛ إذ هو أوسع من ذلك وأرحب، وكلُّ تجربة مهما كان نوعها: سياسية، أو اجتماعية، أو عاطفية، أو ذاتية تصلح موضوعاً للأدب الإسلامي ما دام المبدع يقدّم عنها رؤية الإسلام وتصوره.
كما أن بعض النماذج الضعيفة فيه ـ وهي على كلٍّ فيه أقل منها في الأدب الآخر ـ تسيء إليه، وتقلل تأثيره، وتعيق انطلاقته. زد على ذلك قلة الإمكانات المتاحة لرابطته العالمية.
البيان: يتردد بعض دعاة الأدب الإسلامي في الانفتاح على الآخر، والأخذ منه، خوف الذّوبان فيه، ما رأيك؟
- الانفتاح على الآخر ضرورة لا بد منها، وهو سنة من سنن الله في الكون ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، والانفتاح على الآخر ـ في المنظور الإسلامي ـ لتبليغه رسالتك، والاستفادة مما عنده إن كان حكمة، وأنت اليوم لا تستطيع الانعزال والتقوقع أصلاً؛ فقد تحول العالم إلى قرية كونية واحدة، وانفتحت الثقافات بعضها على بعض، ولكن عليك أن تعرف باستمرار ماذا تأخذ وماذا تدع، وأنت لن تعرف ذلك إلا إذا حدّدت هويتك، ليكون في يدك معيار تزن به الأمور، وهذا الميزان بالنسبة لنا هو الإسلام؛ فما اتفق معه أخذناه، بل حرصنا عليه، وعددناه الحكمة الشاردة التي نحن مأمورون بالبحث عنها، ولكن ما خالف عقيدتنا انتبذناه ـ مهما كان مصدره ـ من غير استحياء ولا توارٍ، مدركين أنه باطلٌ لن يحمل لنا الخير.
البيان: تعاني الثقافة العربية والمثقفون في العالم العربي من مظاهر متعددة تحمل على الإحباط، ما رأيك؟
- صدقت. ما أكثر المحبطات والمثبطات، ولعل أمضّ إحباط يحسه المثقف هو تقهقر دور الثقافة في هذا المجتمع الاستهلاكي المادي المريض، وعدم تقدير العلم والعلماء، حتى أصبح لاعب الكرة، وهزازة البطن، والمهرّج، أرفع شأناً من كل أديب أو مثقف أو عالم.
وزيادة على هذا الخلل في التركيبة الاجتماعية، ساهم بعض المثقفين في تظليم صورة الثقافة والمثقفين؛ وذلك بتحول بعضهم إلى أبواق للسلطة تنطق باسمها، وتسوغ ظلمها، وعدم مصداقية بعضهم الآخر؛ إذ ﴿يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ، ويتملقون الكبراء وأصحاب النفوذ، ويتاجرون بالكلمة، وبعضٌ آخر فقد البوصلة التي يمشي على هديها، فهو يتبنى آراء من شرق أو غرب لا تمت إلى هذه الأمة، ولا تعبر عن همومها؛ إنه يغرد خارج سرب الأمة. ولكن المثقف الحقيقي الصادق المؤمن لا يزال صاحب دور فعّال؛ فهو الرائد الذي لا يكذب أهله، وكلمته ضاربة في أعماق الأرض، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
البيان: يتحدث الدارسون عن خلل في النقد العربي الحديث بسبب تماهيه في النقد الغربي. ما رأيك؟ وأين يقع نقدنا من خريطة هذا الثاني؟
- لا يوجد عندنا اليوم شيء اسمه النقد العربي الحديث، هنالك اجتهادات عند بعض الدارسين الأصلاء لما تكتمل لإنشاء نظرية نقدية عربية، ولكن التيار الكاسح هو تيار التغريب، يكاد نقدنا الحديث يكون نسخة من النقد الغربي، يتعاطى مناهجه، ويستخدم إجراءاته، ومن هنا تقع المفارقة المضحكة، مفارقة من يرتدي ثياباً ليست له، وهذه النظريات الغربية ـ زيادة على كونها نتاج حضارة أخرى تختلف في تصوراتها عن عقيدتنا وفكرنا ـ مليئة بالنقائض والفجوات، وهي متغيرة باستمرار، سليلة فكر جموح لا يؤمن بثوابت، يثور بعضها على بعض، ويلعن بعضها بعضاً. إن المذاهب النقدية الحداثية من بنيوية وأسلوبية وتفكيكية ونصية، تسفّه كل ما تقدمها من النقد، وتحول النص إلى عالم مغلق مستقل عن أي عالم خارجي، وفي الوقت الذي تدعي فيه أنها تريد (إضاءة) هذا النص من (الداخل) لم تستطع أن تحقق ذلك، بل اتسمت بالغموض والفوضى، وصارت أشبه بالطلاسم، حتى ما يكاد يفهم المتخصصون أنفسهم ماذا يكتب نقاد هذه الأيام؟ ولم يستطع أي مبدع أو متلق أن يستفيد شيئاً من هذا النقد المطلسم.
البيان: ما أبرز عيوب النقد الحديث في رأيك؟
- لعل أبرز المآخذ على النقد الحديث إسرافه في «علمنة» النقد، وتعامله مع الأدب كما يتعامل العلماء مع الظواهر العلمية في مختبراتهم ومعاملهم، وقد امتد هذا التأثير السلبي إلى مصطلحات النقد وآلياته، على شكل جداول وإحصائيات وإحداثيات رياضية لا معنى لها.
ثم إن هذا النقد الغربي المستورد من أبرز عيوبه أحادية النظرة. أطالت البنيوية مثلاً الكلام على سلطة النص وحده، وقطعت هذا النص عن كل مؤثر آخر، ثم جاءت التفكيكية فنقضت ما قالته البنيوية، متحدثة عن سلطة القارئ وحده، فهو الذي يؤوِّل النص كيف يشاء، تأويلات غير متناهية، كل تأويل يهدم ما قبله، فلا ثقة ولا مصداقية لأية قراءة، حتى كأن النص واللغة معاً يصبحان موضع شك.
وهكذا يبدو النقد الغربي الحديث الذي نتفاخر باستيراده ـ بما يشوبه من فوضى واضطراب ـ كالكرنفال كما يقول باختين.
البيان: كيف تؤسَّس نظرية النقد العربي الحديث؟
- لا بد أن يتأسس النقد العربي من داخله، من داخل الفكر العربي نفسه، من طبيعة الأدب العربي الأصيلة، وطبيعة لغته العربية، وأسلوبها في التعبير والأداء، وعندنا من الآراء النقدية والبلاغية التراثية ما يبهر ويدهش، ولكن الدارس الحديث لا بد أن يُعنى باستخراجها، بدل أن يعتمد اعتماداً كلياً على النقد الغربي، وعليه أن يطعِّمها بالنظرات الحديثة المناسبة لهوية الأدب العربي وطبيعته الفنية، عليه أن يأخذ ما يصلح، وأن يقدّم لنا منهجاً نقدياً، يقوم على التكامل، يتعامل مع النص من جميع وجوهه: شكلاً ومضموناً، وعاطفة وخيالاً، منهجاً لا ينظر إلى النص ـ كما تفعل البنيوية مثلاً ـ على أنه عالم مغلق مستقل، لا علاقة له بتاريخ ولا مجتمع ولا دين ولا أخلاق، ولا وظيفة له، أو غير ذلك مما تسميه المناهج الحداثية بـ «الخارج» الذي لا فائدة منه.
البيان: أخيراً، دكتور قصّاب، باعتبار أنك شاعر معروف، ولك عدد من المجموعات الشعرية، ما موقع الشعر اليوم، وما سبب قلة إقبال الجمهور العربي عليه؟
- لم يعد الشعر يحظى اليوم لا عندنا ولا عند الأمم الأخرى بما كان يحظى به من المكانة القديمة، بسبب طغيان الحياة المادية فيه، ونوع الثقافة التي تسود المجتمع، وهي ثقافة استهلاكية ضحلة، تقوم على المرئي والمسموع أكثر مما تقوم على المقروء، وتقوم على المتعة والتسلية أكبر مما تقوم عى الفائدة والجدية.
ولكن جزءاً رئيساً ـ في رأيي ـ من أزمة الشعر العربي الحديث، وزهد القارئ العربي فيه، يعود إلى ما دخل هذا الشعر ـ ولا سيما عند المشهورين ذائعي الصيت ـ من تغريب كثير باعد بينه وبين المتلقي، وهو تغريب يطول اليوم ـ عند الحداثيين المهيمنين على ساحته ـ جذوره الأصيلة، وقيمه الراسخة، نسفت فيه الموسيقى، واللغة، والمعنى، والوظيفة، وساده الغموض والركاكة والفوضى، وتسوّره الكثيرون، وصار ـ في غيبة المعايير التي حرصت الحداثة على نسفها ـ مطية ذلولاً لا تتأبى على أحد، وهذا أغلب ما تحفل به الصحف والمجلات، فانصرف الجمهور عنه انصرافاً واضحاً. ولكن الشعر الأصيل ـ وهو على كثرته مغيّب معتّم عليه ـ ما يزال له حضور عند الجمهور العربي، وهو الأمل المنشود لكي تعود لشعرنا العربي أصالته وحظوته ودوره الفاعل المؤثر.
стр. 5147
شموخ الطفولة في ديوان
(بشائر من أكناف الأقصى)
للشاعر الدكتور سعد بن عطية الغامدي
محمد شلال الحناحنة
للطفولة المسلمة في فلسطين المحتلة وقعٌ خاص، ورؤى شامخة في ديوان: (بشائر من أكناف الأقصى) للشاعر الدكتور سعد عطية الغامدي، وليس أطفالنا اليوم إلا شباب الغد القريب المفعم بالأمل والتفاؤل لانتصار الأمّة، ونهضتها مما آلت إليه من تمزّق واندحار وهزائم أمام أعدائها، ولن تنتصر الأمة إلا إذا نصرت الله، وعادت إلى مرجعيتها وعقيدتها الإسلامية.
وكما بشّرنا الله كذلك أخبرنا رسول الله ﷺ بالطائفة المنصورة ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس فقال ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك» قالوا: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (١) .
وإن كان الأقصى الجريح يعاني اليوم من حصار عصابات اليهود ومؤامراتهم ضدّ المسلمين، وشروعهم في تشريد وقتل أهلنا هناك؛ فمن يقف أمام جبروتهم وعدوانهم وطغيانهم؟! لقد انبرى فتية آمنوا بربهم، مجاهدين عدوهم، على الحق ظاهرين بإذن الله؛ وهكذا نصغي لشاعرنا سعد الغامدي يشدو لبطولات الطفولة في فلسطين الأبية في قصيدته (بشائر من أكناف الأقصى) :
(ويرمي عن حمى الرّحمان طفلٌ
رأى الحرمات دنّسها يهودي
فيخرج حاشداً للطفلِ جيشٌ
ويدفع للحجارة بالحشود
ترى دبّابة وترى صبيّاً
ينازلها ويهزأ بالحديدِ
لأنَّ عزيمة الإيمان أمضى
وأقوى في البلاغ وفي الوعيدِ)
هذا هو الطفل الفلسطيني المسلم بكلّ شموخه، طفل يواجه حشوداً من المحتلّين المدجّجين، طفلٌ شجاعٌ ينازل بحجارته وعزيمته الإيمانية الصادقة دبابات اليهود، بل يهزأ بجيشهم وعتادهم، ترى أليست هذه المواقف المجيدة الفريدة من عظمة هذا الدين، وعظمة مبادئه وقيمه التي لا تضاهيها قوة مادية؟ وقد وفّق شاعرنا الغامدي في استخدام الأفعال المضارعة (يرمي، يخرج، يدفع، ينازل، يهزأ) لاستحضار الهمّة الفاعلة لهذا الطفل الذي لقّن الدروس للأعداء في الإقدام والدّفاع عن وطنه وترابه المقدّس الطهور:
(فما أغنت قذائف عن نبالٍ
وما حمت المدافع من أسودِ
فقد ساقوا رجال الجيش سوقاً
وأسقوهم من البأس الشديدِ
وقد جعلوا حجارتهم سلاحاً
يثير الرعب في الجيش العتيدِ
ويلبسه بذلتهم لباساً
على ذلّ تلبّسهم تليدِ
فجاء قرارهم باللوم، يلقى
على جيل التلاوة والسجودِ)
إنَّ ما يميّز اليهود على مرّ التاريخ هو جبنهم في القتال، ورعبهم وخوفهم من أهل الدين والإيمان، رغم ما لديهم من قوّة وأسلحة حديثة، وهذا واقعهم في فلسطين أمام أشبال الإسلام، بل إنَّ أعظم ما يرعب اليهود ويرهبهم جيل المساجد من أطفال فلسطين، ولا شك أن الشاعر الدكتور سعد الغامدي ينهل من معين القرآن الكريم في رؤيته لأطفال المسلمين، وإبرازه لصفات اليهود في الجبن والذلّ والمسكنة فنقرأ قوله:
(ويلبسهم بذلتهم لباساً
على ذلّ تلبّسهم تليد)
وسنجد غير ذلك من إضاءات تقبس من الخطاب القرآني.
ففي قصيدة (اذهب وربّك قاتلا) يقول:
(هم يجبنون فلا يقاتل جيشهم
إلاّ تحصّنَ، أو أغار وأدبرا
أمّا منازلة الرّجال فإنها
تأبى عليهم أن تكون وتذكرا
اذهب وربك قاتلا إنّا هنا
سيظلّ سطراً في الجباه مسطّرا
وما لهم يتفرعنون، كأنهم
ليسوا اليهود مهانة وتقذّرا
ما بالهم يتطاولون، كأنهم
ليسوا الأشدّ تشتتاً وتبعثرا
طفلٌ ينازل جيشهم بحجارة
وجيوش يَعْرُبَ للعروض وللقِرى
يتسابق الأطفال إثر جنودهم
في مشهد يُذكي القلوب تأثرا
وإذا يموت الكلب منهم ولْوَلوا
باللطم.. بالأفواه تلتهم الثرى
وإذا يموت الشبل منّا أقبلت
أمّ الشهيد تزفّ شبلاً آخرا
لم تعرف الدنيا وفاء رجالنا
باعوا النفوس لربّهم وقد اشترى)
تقوم هذه القصيدة على مفارقات معبّرة موجعة في ألفاظها ومعانيها وصورها مفارقات بين اليهود وأطفال فلسطين، ومفارقات في صفات اليهود أنفسهم، ومفارقات بيننا وبين الأشبال المجاهدين، كما أنّها تحمل شذى القرآن الكريم في مضامينه المشرقة، فمن التضاد في الألفاظ نجد: (أغار، أدبر، باع، اشترى، يتطاول، يتبعثر) ومن المعاني والصور:
(ما بالهم يتفرعنون، كأنهم
ليسوا اليهود مهانة وتقذرا)
وكذلك المفارقة المعبّرة بين موت اليهودي، وموت الشبل الفلسطيني في أثرها على أهله ومجتمعه، وهي مفارقة لا تخرج عن الرؤية الإسلامية للحياة والموت.
كما يتكئ الشاعر في كثير مقاطعه الشعرية على التكرار الذي يمنح قصائده تأكيداً وأثراً عظيماً في النفوس المتشوّقة للجهاد في فلسطين، وتحرير الأرض المباركة من رجس اليهود.
أمّا في قصيدة (هم قتلوك يا سارة) فهي تتوجه إلى طفلة فلسطينية ذات الثمانية عشر شهراً التي اختارها السفاحون هدفاً فقتلوها شهوة لسفك الدماء؛ لأنهم يتقنون صناعة الموت. يقول شاعرنا الغامدي متألماً حزيناً:
(مساء الموت يا ساره
مساء القتل
يسري في الجموع يظلّ يشعلها
ويذكي من لهيب الحشد تياره
مساء دم زكيّ القطرات..
يا ساره
مساء براءة الأطفال
مثل سحابة في الفجر مدرارهْ
مساء مسيرة....
لله ...
للأقصى
إذا ما دنّسَ الخنزير حرمته
وروّع فيه عُمّارَهْ
مساء الحزن
منتشراً..
مساء الحقّ..
مستعراً..
مساء الأرض..
بالأطفال..
بالأبطال..
بالتكبير مَوّارهْ..)
هذا الشعر المتدفق تفاؤلاً وحماسة رغم الآلام والأحزان يوازن بين إيقاعاته الشفيفة ومضامينه العميقة القابضة على الجمر في ظل استلاب هوية الأمة، يوازن بين الشجى والأفراح أمام هجمة حاقدة شرسة ضد وجود الأمة، وضد تراثها وكيانها وعقيدتها السامية الصافية. وإن كان شاعرنا الدكتور سعد الغامدي يؤرخ بمداده وأنفاسه الحرّى، وأحاسيسه المرهفة لبراءة أطفالنا وبطولاتهم في الوقت نفسه؛ فإنه يؤرخ لبشارات المستقبل الإسلامي، وفجره القادم رغم كيد الأعداء الحاقدين الماكرين.
(١) رواه الإمام أحمد.
стр. 5148
فلوجة العز في زمن الذل
د. يوسف بن صالح الصغير
حتى كتابة هذه الكلمات فإن الاشتباكات ما تزال مستمرة في الفلوجة التي إن كانت القوات الأمريكية نجحت في تدمير أجزاء كبيرة منها؛ فالأحياء مدمرة بنسبة تتراوح بين ٣٠ و ٧٠ بالمئة؛ فإنها لم تُفلح في السيطرة عليها.
ويبدو أن المقاومة تصر على أن تجعل من الفلوجة جرحاً مفتوحاً في خاصرة القوات الأمريكية وحلفائها في خطة استنزاف طويلة، يمنع الكبرياء والمكابرة لدى الأمريكان من الانسحاب والخروج من الفخ الذي وقعوا فيه للمرة الثانية، واضطروا للاستعانة بالقوات البريطانية التي منيت بخسائر كبيرة، تحرص الحكومة على التعتيم عليها. وأرى هنا أن أهل الفلوجة يصدق عليهم توجيه الرسول ﷺ بقوله: «لا تتمنوا لقاء العدو؛ فإذا لقيتموه فاثبتوا» . نعم! لقد ابتلي أهل الفلوجة وظلموا، وحاول المحتل الكافر إذلالهم فصبروا وانتصروا لدينهم، فحق لهم أن يُنصروا بإذنه تعالى.
ويبدو من تسلسل الأحداث أن مدينة الفلوجة كانت مستهدفة منذ بداية الحرب؛ حيث إن خضوعها والسيطرة عليها يعني السيطرة على كافة مناطق أهل السنة في العراق؛ حيث إن هذه المدينة بنيت في مكان مدينة الأنبار القديمة، وارتبط اسمها بالمقاومة والصمود؛ ففي ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني كان للفلوجة دور ريادي، وتمكن أهلها من قتل قائد القوات البريطانية (لجمن) ، وقد مارس فيها الإنجليز من أعمال القتل والتدمير والسلب ما أثبته الشاعر العراقي (معروف الرصافي) في قصيدة منها قوله:
هو خطب أبكى العراقين والشام وركن البنية المحجوجهْ
حلها جيشكم يريد انتقاماً وهو مغر بالساكنين عُلوجهْ
ولِمَا عرف به أهل المدينة من التدين والمحافظة وحب الخير والنخوة فقد اصطدموا مع نظام البعث الذي اضطهد الفلوجة وقتل خيرة علمائها، وأغلق جلّ مدارسها الشرعية، ولكن في النهاية انتهج صدام حسين معهم سياسة خاصة تقوم على المجاملة ومحاولات الإرضاء، وأثناء تقدم القوات الأمريكية إلى بغداد، وبينما كان العراقيون يعيشون صدمة السقوط السريع لنظام البعث، ووقوع البلد تحت الاحتلال الأمريكي كان للفلوجة موقف ملفت: يتلخص في أنه تم الاتصال بالقوات الأمريكية وإبلاغهم أن المدينة لن تقاوم بشرط عدم دخول القوات إليها، وأنهم سيقومون بضمان الأمن فيها، وهذا ما تم حتى أسكر الأمريكان دخولُهم السهل والسريع لبغداد، فأرسلوا قوات أمريكية مدعومة بشرطة عراقية معينة من قِبَل الاحتلال، وكانت ممارسات هذه القوات سبباً رئيساً في تفجر الأوضاع؛ فالشرطة قامت بالتعدي على السكان، وكان رئيس الشرطة يتحدى أهل الفلوجة، ويتنقص منهم؛ مما أدى إلى قيام عدد كبير من المسلحين بمهاجمة مركز الشرطة الرئيس، وطرد من بقي حياً من رجال الشرطة. أما القوات الأمريكية فقد احتلت المدارس داخل الأحياء، وكان احتكاك الجنود بالنساء، بل حتى مراقبة البيوت بالمناظير المقربة مدعاة لسخط السكان الذين انتهزوا فرصة قرب بدء الدراسة، فقاموا بمظاهرات سلمية تطالب بإخلاء المدارس، وكانت ردة الفعل الأمريكية هي إطلاق النار على العزل، ومقتل حوالي سبعة عشر متظاهراً؛ ومن هنا بدأت عمليات إزعاج مسلحة حتى اضطرت القوات الأمريكية إلى الانسحاب والتمركز حول الفلوجة، ومع استمرار المواجهات ووقوع مجموعة من ضباط المخابرات الأمريكية في كمين، ونشر صور التنكيل بالجثث مما يدل على الكره الشديد للاحتلال، انكشف زيف الصورة الوردية المرسومة في أمريكا والتي تظهر الجندي الأمريكي يبتسم وهو يلعب الكرة مع الفتيان، أو يقوم بتوزيع الأدوات المدرسية والحلوى على أطفال العراق!
لقد كانت ردة الفعل الأمريكية المتشنجة بسبب نشر الصور أكثر منها بسبب حادثة يحصل مثلها يومياً، وكان الطلب الأمريكي تسليم جميع من ظهرت صورهم بالفلم وتسليم الجناة، ولم يتم تنفيذ الطلب لاستحالة الاستجابة له في مجتمع قبلي متماسك؛ ولذا قامت القوات الأمريكية بهجوم انتقامي وحشي قتل فيه آلاف الأشخاص في غارات جوية عنيفة، ودفن الناس قتلاهم في حدائق البيوت وملعب كرة القدم، وكان وجود وسائل الإعلام العربية في المدينة ونقلها وقائع الجريمة الأمريكية عاملاً في إحراج قوات الاحتلال وفضحها، وقد قامت القوات البرية بالدخول للمدينة، وكانت النتيجة أن القوات الأمريكية داخل الفلوجة تم حصارها وقطع الإمدادات عنها. أما القوات التي تحاصر الفلوجة فقد ضيق عليها الخناق، وكانت قوافل الإمدادات تتعرض لهجمات مستمرة؛ مما اضطر قوات الاحتلال لطلب الهدنة، وقامت بتوسيط (الحزب الإسلامي) ، وتم الاتفاق على السماح للقوات الأمريكية بالانسحاب ودخول قوات عراقية مكونة من أهل الفلوجة وما حولها، وتحمل العلم العراقي القديم.
لقد دفعت قوات الاحتلال ثمن استهتارها بقدرات أهل الفلوجة؛ ومن الطبعي أن السيطرة من جديد على الفلوجة أصبحت قضية كرامة للقيادة الأمريكية، وكانت الخطة الجديدة تقوم على حشد قوات كبيرة مدعومة بقوات عراقية؛ مع الحرص على منع جميع وسائل الإعلام الخارجة عن سيطرتهم من تغطية ما يجري.
وبقدر حرص الاحتلال على الانتقام كان حرص أهل الفلوجة على تجنب حدوث معركة جديدة يعلمون أن مدينتهم ستكون ضحية للهمجية والجبروت الأمريكي، وقام أهل الفلوجة بتشكيل وفد للتفاوض، ولكنهم صُدموا بالحقيقة المرة؛ فلم تكن المفاوضات إلا لتمديد الوقت حتى تنتهي الانتخابات الأمريكية، وكانت المطالب العلنية على لسان (علاوي) هي تسليم أبو مصعب الزرقاوي غير الموجود بالمدينة؛ بينما لم يتطرق لهذا الأمر مطلقاً أثناء التفاوض، وخلال ذلك كانت الطائرات الأمريكيه تُغِير يومياً على ما يُعتقد أنه أماكن يوجد فيها (الزرقاوي) أو معاونوه. وتستمر الغارات، ويستمر انتشال جثث النساء والأطفال؛ عفواً! إنها وسيلة مشروعة أمريكياً لإضعاف معنويات الخصم، وليحس بالعجز إزاء التفوق الأمريكي الكاسح.
ولنا أن نتساءل: ما هي الخيارات المطروحة أمام أهل الفلوجة؟
- الخيارات المطروحة:
١ - فتح المدينة أمام الغزاة وحلفائهم:
إن هذا الخيار تكتنفه كثير من المخاطر ليس أقلّها مدى حجم الخسائر الناجمة عن عمليات التفتيش، وما هي نسبة شباب ورجال المدينة الذين سيتم اعتقالهم؟ وهل لديهم استعداد لتحمل التعذيب والإذلال والخدمات الموجودة في أبو غريب؟
٢ - فتح المدينة وانسحاب المقاتلين:
إن هذا يبدو أسلم من السابق، ولكن هناك احتمال الانتقام من أسر المقاتلين والتنكيل بهم. وبالطبع هذا الخيار يقتضي توفير أماكن آمنة للمقاتلين مع احتمال انهيار معنويات الكثير منهم.
٣ - خروج أهالي الفلوجة من المدينة، وبقاء مفارز مقاومة؛ لإبداء مقاومة رمزية، ثم الانسحاب لتفويت فرصة تدمير المدينة: وهذا قد يؤدي إلى ارتفاع معنويات جيش الاحتلال، ويدفعهم إلى تكرار العملية في مدن سنية أخرى.
٤ ـ خروج أهالي الفلوجة، والصمود أمام قوات الاحتلال، ودفعها لخوض حرب شوارع تؤدي إلى خسائر كبيرة في الجانبين، وتدمير كبير للمدينة يكون سبباً في خسارة دعائية كبيرة، وعاملاً في اتساع المقاومة وتجذرها لانكشاف طبيعة المحتل وسقوط دعاوى الإعمار والحرية والديمقراطية، وارتفاع أسهم أهل الفلوجة، وتأكيد ما اتصفوا به شجاعة وإقدام.
إن القرار الذي اتخذه مجاهدو الفلوجة، واختيارهم عدم الانسحاب إلا بعد مواجهة يطير ذكرها في الآفاق يتناسب مع طبيعة أهل المدينة التي امتزج فيها الانتماء لقبائل عربية أصيلة مع غلبة التدين، وإن الذي اتخذ قرار المواجهة هم وجهاء المدينة وزعماء عشائرها؛ لأنه تبين لهم من خلال وفود المفاوضات أن المدينة هدف للانتقام الأمريكي أياً كان موقفهم؛ ولذا اختاروا وقفة العز في زمن الذل.
- ماذا أعدوا للفلوجة؟
لقد كان إخفاق محاولة إخضاع الفلوجة في المرة الأولى دافعاً للقيادة الأمريكية لتحضير قوات كبيرة مدعومة بالطيران والمدفعية والدبابات، والحرص على مشاركة عراقية في المعركة، وإظهار المعركة أنها تمت بأمر (علاوي) ، وعدم تكرار الأخطاء السابقة في فتح جبهات مختلفة في وقت واحد؛ ولذا تم تحييد الصدر وأتباعه ومحاولة اقتحام الرمادي قبْل الهجوم على الفلوجة؛ مع استقدام قوات بريطانية لدعم الوضع الأمني ببغداد. وكان هناك حرص شديد على تحميس الجنود ودفعهم للقتال؛ وذلك برفع شعارات دينية مثل: الصلبان على الدبابات، وتعميد الجنود قبل المعركة، وقراءة مقاطع من الإنجيل والتوراة عليهم لحثهم على الثبات، ومرافقة مجموعة كبيرة من القسيسين والحاخامات لهذه القوات في أرض المعركة وفي المستشفيات.
ويبلغ عدد القوات البرية المشاركة ما يلي:
١ - عشرة آلاف من مشاة البحرية الأمريكية، منهم حوالي ألف يهودي كثير منهم يعملون قناصة. وقد تحدثت صحيفة (هآرتس) عن نحيب الحاخامات في مراسم الجنازات الخاصة بعدد من الجنود الصهاينة الذين صُرعوا في الفلوجة.
ونقلت الصحيفة قول (أرفيننج ألسون) وهو أحد حاخامات مدينة نيويورك الأمريكية: «نحن هنا لتوديع عدد من الجنود اليهود الذين لقوا حتفهم في الفلوجة، وهم المقدم (آندي شتيرن) بسلاح المدفعية، و (مارك أفين) قناص يهودي وهو حفيد أحد الحاخامات الكبار في أمريكا» .
وكشف الحاخام في كلمته عن وجود عدد كبير من الجنود اليهود في الجيش الأمريكي، معظمهم يعملون في القنص، ودعا الحاخام عائلات الشباب اليهودي الأمريكي إلى إرسال أبنائهم للعراق للحرب ضد من أسماهم بـ (أعداء) الدين اليهودي، واعتبر أن القتال ومساعدة الأمريكان في العراق أفضل كثيراً من العمل الديني في المعابد اليهودية.
واعتبر أن الجنود اليهود في العراق «شهداء» إذا ما سقطوا خلال القتال، وخاصة أن أغلبهم «متدينون» ويحافظون على قراءة الكتب الدينية اليهودية.
وبحسب (هآرتس) فإن عدد الجنود اليهود في العراق يتراوح بين ٨٠٠ إلى ١٠٠٠ جندي وضابط، على حين يبلغ عدد الحاخامات نحو ٣٧ حاخاماً.
ويقول مراسل صحيفة (المونيتور) في تقرير له: إن جنود القوات يبدؤون حملتهم بقراءات من مزامير داود من العهد القديم، وقد بدأت «الكتيبة الحمراء» يومها بقراءة الإصحاح ٩١ من المزامير، وقد كتب العريف (دوستن باركر) من ولاية تكساس الأمريكية على خوذته أجزاءً من الإنجيل تقول: «لا تخشَ عدوك بالليل، ولا من الأسهم التي تتطاير بالنهار، ولا تخشَ من الأوبئة والطواعين التي تسير في الظلمة» .
٢ ـ ألفين من قوات الحرس الوطني، ويبدو من الصور المنشورة أنهم من أتباع (السيستاني) لحملهم الصور الخاصة به على عادة القوم في حمل صور مراجعهم. ويبدي الجنود الأمريكيون تذمرهم من انخفاض أدائهم وروحهم المعنوية.
٣ ـ ليس لديَّ معلومات عن مدى مشاركة الميليشيات الكردية (البشمركة) في الهجوم، ولكن ذُكر أن قائد قوة كردية اختفى بعد أن اطلع على خطط الهجوم، ولا يخفى أن الأكراد يحاولون الابتعاد عن التحالف الرافضي الأمريكي؛ بدليل انضمام الأحزاب الكردية للمطالبة بتأجيل الانتخابات، خلافاً لموقف بوش وعلاوي والسيستاني وإيران؛ حيث إن مشروعهم يقتصر على المنطقة الكردية في الشمال، ومحاولة توسيع تلك المنطقة لتضم الموصل، وكركوك.
- إنها حرب عصابات حقيقية:
تعاني القوات الغازية من أنها تجابه خصماً يجيد حرب العصابات؛ مما أعاد للأذهان عقدة حرب فيتنام. ويعاني الجنود من أنهم دائماً يسقطون، ولا تتاح لهم الفرصة غالباً للاشتباك مع الخصم؛ فهو دائماً يتوقع الموت في أي لحظة من رصاصة قناص، أو رشقة رشاش، أو قذيفة آر بي جي، أو عبوة ناسفة على جانب الطريق يُتحكم بها عن بُعد ولذا لا يستغرب القارئ أن كثيراً من الإصابات هي في حقيقتها نفسية وعقلية نتيجة حالة التوتر والخوف المتواصلة. وأنقل إليك أخي القارئ بعض مظاهر الانهيار النفسي الذي يعانيه جنود الاحتلال نتيجة الإجهاد وعدم القناعة بالحرب. يقول الوزير الأمريكي لشؤون المحاربين (أنطوني رنسيبي) : إن تكتيكات المقاومة العنيفة في العراق سوف تؤثر تأثيراً طويل المدى على الصحة النفسية للجنود؛ مما ينتج عنه تعويضات العجز مدى الحياة للكثيرين ممن رجعوا من الحرب. وحتى الآن فإن ٢٠% من المحاربين العائدين من العراق يطلبون الرعاية الصحية العقلية، وفي حين أن الكلفة الحقيقية لأولئك المصابين من حرب العراق غير معروفة فإن الوزارة تتوقع حالياً أن تدفع ٦٠٠ بليون دولار على مدى العقود الثلاثة القادمة كتعويضات للعجز النفسي للمحاربين في حروب سابقة.
ويقول (رينسيبي) : إن وزارة شؤون المحاربين تستعد لاستقبال دفقات من المحاربين المصابين بأمراض نفسية وعقلية واضطرابات من العراق. ويقول: «هذا النوع من الحرب - حرب العصابات - حيث لا تعرف إن كنت أنت الضحية التالية لسيارة مفخخة أو لغم شارع أو قنابل صاروخية. إنها مثل الحرب في فيتنام؛ حيث كنت في (دلتا ميكونج) فأنت لا تعرف متى تقع في كمين للمقاومة» .
صحيفة (الجارديان) البريطانية تابعت تطورات العراق من زاوية جديدة؛ حيث أجرت تحقيقاً مصوراً من مستشفى (لاندستهل) الألماني الذي يعالج فيه العسكريون الأمريكيون من إصاباتهم في العراق.
وينقل التحقيق كلمات العاملين ونزلاء في المستشفى، منها ما تقوله إحدى الممرضات من أن بعض الجرحى لا يستطيعون الكلام، وأن كل ما يفعلونه هو البكاء.
أما القس الملحق بالمستشفى فيقول: إن الأمر يبدو رهيباً، لكن هذه التضحيات لا بد منها.
اما صحيفة (الأوبزرفر) فقد كشفت أن الجيش البريطاني أخلى حوالي ثلاثة آلاف إصابة، كثير منها إصابات نفسية وعقلية وإعاقات جسدية، وأفادت إحدى الأمهات أن ابنها الذي كان اجتماعياً مرحاً أصبح لا يبتسم، وإذا ذكر العراق فإنه يبدأ بالصراخ.
ويقول العنصر الطبي (راميرز) البالغ من العمر ستاً وعشرين سنة من مدينة (سان أنطونيو) وضابط البحرية الملحق بفرقة (برافو) الجراحية: إنني اعتدت من قبل على رؤية أناس يقضون نحبهم على الطاولات في غرف العمليات الجراحية، غير أن ما شاهدته في الفلوجة كان مرعباً بحق. وبعد شهرين من ذلك وعند أول وصول للجرحى من الجنود الأمريكيين والعراقيين للمستشفى بعد اجتياح مدينة الفلوجة استعد (راميرز) للأسوأ من هذه المشاهد المخيفة، وقال (راميرز) إن عمله مع المرضى لم يكن يؤثر عليه، ولكن بعد مشاهدته المتكررة للدماء على الأرض أو لشخص يحمل قطعة من ذراع أو رِجل أدرك أن هذه المناظر ستبقى في ذاكرته طيلة حياته. وقال العاملون الطبيون في المستشفى الميداني لشركة (برافو) الجراحية والتي يتم نقل كافة قتلى وجرحى المعارك إليها: إن إصابات الجنود في قتال الفلوجة دائماً ما تكون مدمرة، وأن معظمهم أصيب في انفجارات قريبة منهم. وقال رئيس فريق معالجة الصدمات النفسية (دامون ساندرز) : إن اصابات الجنود مرعبة بحق؛ فقد شاهدنا أعداداً متزايدة من إصابات شظايا الانفجارات، وعادة ما يتعرض شخص أو شخصان إلى إصابات مباشرة من المتفجرات، بينما يتعرض الآخرون إلى شظايا تلك الانفجارات. وأضاف ساندرز «٣٦ عاماً» من مدينة (تيميكولا) من ولاية كاليفورنيا قائلاً: إن الإصابات في الفلوجة تعتبر أكثر قسوة وفظاعة من تلك التي يتعرض لها في العادة الجنود في العراق. وعزا ذلك على نحو كبير لسيطرة عناصر المقاومة العراقية على المدينة طيلة الشهر واستعدادهم للقتال حتى الموت. وأوضح (راميرز) أن المستشفى الجراحي الميداني كان مستعداً لاستقبال أكثر عدد من الجنود الجرحى قبل بدء معركة مدينة الفلوجة، ولكنه قال: إنه وزملاءه لم يكونوا مستعدين لهذا العدد الكبير من الجرحى بما في ذلك الذين يمشون على أرجلهم؛ مما اضطر إدارة المستشفى لنصب خيمة إضافية كبيرة لمعالجة هؤلاء الجرحى الذين يتم إحضارهم على نقالات. وأضاف (راميرز) قائلاً: إنه عندما تم إبلاغهم بالتوجه إلى الفلوجة فقد كان الكثير منهم يعتقد أنه سيشاهد الكثير من جرحى إطلاق الرصاص، ولم يكونوا يتخيلون أنهم سيشاهدون أشخاصاً بأعضاء مبتورة بسبب الانفجارات. وقال (راميرز) إنه قضى وقتاً طويلاً في طمأنة الجنود المصابين بأنهم سيتلقون أفضل الرعاية الصحية، وقال متذكراً: إنه كان هناك أحد الجنود المصابين في حالة عصبية حادة للغاية. ومضى (راميرز) قائلاً: إن العاملين في المستشفى الجراحي الميداني كانوا يعملون على مدار الساعة خلال اشتداد حدة المعارك في الفلوجة، وبصفة خاصة أثناء تقدم قوات مشاة البحرية صوب الأحياء الجنوبية للمدينة؛ حيث واجهوا مقاومة عنيفة من عناصر مسلحة مدربة جيداً؛ مضيفاً أن تلك أيام لا يمكنه وزملاؤه نسيانها طيلة حياتهم. وصدق الله العظيم في تثبيته للمؤمنين؛ حيث قال: ﴿إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] .
إن النجاح هو فيما إذا تمكنت المقاومة من الاستمرار في القيام بعمليات داخل وخارج الفلوجة، وجعل قوات الاحتلال في حالة استنفار دائم؛ مما يؤدي إلى إنهاكها مع العمل على قطع الإمدادات؛ فإن شح التموين عامل أساسي في تحطيم معنويات الخصم. ويبدو أن هذا هو ما يحدث؛ فبعد الخسائر الجسيمة في صفوف قوات الاحتلال يلاحظ أن حدة القتال خفت كثيراً، وغالباً ما تكون في الليل وبمبادرة من المقاومة. وكما صرح الشيخ (عبد السلام الكبيسي) رئيس قسم العلاقات العامة في هيئة علماء المسلمين في اتصال مع قناة الجزيرة: إنه إلى هذه اللحظة فإن أكثر من نصف الفلوجة بأيدي المقاومة الفلوجية، وأقول «الفلوجية» ؛ لأنه ليس هناك مقاتلون من غير الفلوجيين داخل الفلوجة - على حد قوله -.
وسخِر (الشيخ الكبيسي) من الادعاءات الأمريكية التي كانت تزعم أن الفلوجة ستُسحق خلال ٤٨ ساعة، وشدد على أن القوات الأمريكية تعيش حالياً مأزقاً حقيقياً في الفلوجة، وأنها كانت بادئ الأمر تهاجم، لكنها الآن تدافع؛ فهي متخندقة في الفلوجة، ولا تستطيع أن تخرج إلى أي شارع أو أي زقاق في أكثر من نصف الفلوجة، سواء كان في أحياء الجولان أو الشهداء أو الصناعي، وفي حي نزال، وفي أماكن كثيرة.
ونختم هنا بأن أمريكا قد فضحت نفسها بنفسها؛ فبعد تدمير الفلوجة، وتدمير ٣٢ مسجداً، وقتل الجرحى في المساجد، ونشر صورة الرجل الذي قُتل وهو يحمل أمه العجوز يخرج علينا السفير الأمريكي (نيغرو بونتي) وهو (حاكم العراق الفعلي) في تصريح لقناة العربية الإخبارية: إن الفلوجة لم تعد قاعدة لما وصفه بالإرهاب الأجنبي وعناصر النظام السابق. وأضاف: إن هذه القاعدة دُمرت الآن، وأعتقد أن هذا كان بمثابة درس لأولئك الذين يحاولون عرقلة الديمقراطية والحرية في هذه البلاد.
هذا شيء مما نشرته وسائل الإعلام الغربية، وتتحاشاه كثير من وسائل الإعلام العربية نضعه بين القارئ ليعرف حقيقة الحرية والديمقراطية التي جاء الأمريكيون ليبسطوها في أرض الرافدين، وهي درس لمن يفكر في خداع الرأي العام بها. تتهاوى وتسقط أمام كل ذي عينين. والله المستعان.
стр. 5149
الفلوجة.. عصر جديد
أمير سعيد
«الفَلَج» هو الظفر والفوز، و «التفليج» كالتقسيم (بين مرحلتين من تاريخ العراق) ، و «الفالج» الجمل الضخم ذو السنامين، وفي ذروة السنام يكمن السر وتتجلى الملحمة..، و «الفَلُّوجة» هي القرية بالسواد، والأرض المصلحة للزرع، كذا عند مجد الدين الفيروز أبادي، وعند الكماة المغاوير هي المصلحة للنضال.. فالجة الصبح وشارة النصر..
وبالفعل فقد كانت معركة الفلوجة الثانية فارقة بحق بين مرحلتين، وكانت نقطة تحول تستدعي وقفات عندها بكل شفافية واعتدال.. فربما كانت الفلوجة عند بعضهم محاولة انتحار.. ربما كانت لدى «المستنيرين» حاضنة للإرهاب ومعقل «الأجانب» .. ربما كانت لدى آخرين منطقة تمرد ضد حكومة «منتخبة جداً وبعناية.. لكنها من قبل ومن بعد حالة نضالية مستعصية على الجرَّاح الأمريكي، وتاريخ لا تمحوه الأكاذيب من ذاكرة الشباب العربي.
معركة الفلوجة.. أو الشبح الغاضب.. أو «يوم الرب الغاضب» (كما في رؤيا أشعياء ١٣: ٩ ـ ١٦) أحد أبرز معالم حرب العراق الرابعة؛ الدائرة منذ التاسع من إبريل ٢٠٠٣ لما يمكن اعتباره نقاط تحول دراماتيكي في تلك الحرب من حيث التوقيت والمناخ والنتائج، وللتفصيل:
- التوقيت:
أعقبت حرب الفلوجة الانتخابات الأمريكية، وسبقت ما يتطلع إليه المحتلون من انتخابات عراقية، وترافقت مع شهر رمضان الفضيل. ومن خلال هذه المنظومة الزمانية كانت الحرب التي بات فيها جلياً تباطؤ الإدارة الأمريكية في شنها خشية أن تنسف آمال الرئيس الأمريكي في الترشح لفترة رئاسة ثانية، وقد عكس ذلك شعوراً لا يمكن تجاهله لدى صقور البنتاجون بحجم ما يقاسونه في الأراضي العراقية، وبإمكانية إخفاقهم في صناعة نصر مظفر في تلك المدينة الصغيرة.
وسبقت ما أعلن عنه من قبل عن انتخابات برلمانية في شهر يناير المقبل؛ إذ لا انتخابات بدون كسر شوكة المقاومة، وفي الذهن العسكري الأمريكي قبل حرب الفلوجة أن ذلك لن يحدث من دون غزوها.
وترافقت مع العشر الأواخر من رمضان الفضيل وليلة القدر وعيد الفطر المبارك، وهي أيام أرادها الأمريكيون أن تكون تحدياً مخزياً للمسلمين ـ كما أرادوا من قبل ذلك في العدوان على أفغانستان ـ وأرادها الله أن تكون أيام ظفر وانتصار، كما كانت في معارك المسلمين دوماً. والحق أن الولايات المتحدة الأمريكية ارتكبت أكبر حماقاتها بهذا التوقيت الذي ملأ قلوب المسلمين كلهم بغضاً وكراهيةً لها، وأشعل قلوب المقاومين في العراق كله حماساً ضدهم.. وبعيداً عن الإنشاء؛ فإن هذا التوقيت ساهم إلى حد بعيد في فرض أجندة المقاومة الاستراتيجية على ساحة المعركة (نعرض لها لاحقاً) وهيأ كل فصائل المقاومة الفلسطينية تلقائياً لتقبلها.
- المناخ:
بدا أن المعركة قد استعرت في ظل مناخ يخدمها أكثر مما يخدم المحتل؛ فالمعركة وقعت في أجواء مشحونة جداً ضد الوجود الأمريكي في العراق؛ إذ بدأت المعركة فيما كانت الأرض تمور من تحت أقدام المحتلين، وشهدت أكثر من جهة غربية سواء من الصحف أو مراكز الدراسات الأمريكية على أن معظم غرب العراق (الأنبار) وكثير من شماله خارج سيطرة قوات الاحتلال، وتصاعدت العمليات في مجمل العراق على نحو كبير بلغ نحو ١٢٠ عملية في اليوم الواحد وفقاً لمصادر المقاومة العراقية (٧٠ حادثة يومياً وفقاً للطرف الأمريكي) ومن ثَمَّ؛ فإن هذه المعركة كانت تعد مصيرية للمحتلين حتى يتسنى لهم المضي قُدُماً في خطة إخضاع العراق وتنفيذ الاستحقاقات السياسية والدستورية في نظامه الموالي لهم، أو لنقلْ بشكل أكثر صراحة: حتى تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من البقاء بالأساس في العراق وإلا خارت قواها «الاستعمارية» في النهاية جراء حرب استنزاف تتضاءل أمامها حرب فيتنام. (صرح وزير «الدفاع» الأمريكي رونالد رامسفيلد في مطلع الحرب بأنه يتوقع لهذه الحرب ـ أي حرب الفلوجة ـ أن تكون «الأشرس منذ الحرب العالمية الثانية» متجاوزاً بذلك جميع معارك حرب فيتنام) .
مناخ المعركة كان مفعماً برغبة أمريكية في أن تواصل هروبها للأمام وبإلقاء كل ما في جعبتها للخروج من مآزقها المتعاقبة: نجاح بوش كان مؤشراً للرغبة الشعبية عند نصف الأمريكيين في أن يسفر المزيد من القتال عن حل لمعضلة الولايات المتحدة الأمريكية الأمنية والاقتصادية والسياسية، وتركيبة إدارة الرئيس الأمريكي الجديدة كانت علامة على هذا النهج الذي يريد أن يقطعه الصقور حتى النهاية، واغتيال الرئيس الفلسطيني كذلك كان مؤذناً بأن «العهد الجديد» لبوش سيكون أكثر شراسة من «العهد القديم» !.. مؤشرات كثيرة كلها أتت دالة على أن معركة الفلوجة هي معركة كسر الإرادة العراقية.. ولم تنكسر؛ أذن الله وقضت مشيئته.
الإدارة الجديدة أتت راغبة في قضم الأصابع عوض عضها، وكانت معركة الفلوجة فاتحة هذا العهد الدموي، ليس لأن الإدارة الجديدة/القديمة قوية، بل لأنها وضعت على مائدة الميسر ورقتها الأخيرة وإلا خسرت كل شيء، ومن ثم فليس إلا الفوز وليس إلا الانتصار، ولكنها كانت الهزيمة.. الهزيمة في ميدان الاستراتيجيا وليس في ميدان الفلوجة؛ إذ المعركة ليست معركة أرض كما يفهم ذلك ـ دون الكثير غيرهم ـ الحاملون الآر بي جي في أزقة الفلوجة.
النتائج والمستقبل:
حملت معركة الفلوجة أكثر من نتيجة وأكثر من دلالة، واعتبرت مرحلة جديدة فارقة عما قبلها، ويمكننا أن نجمل ذلك على عدة أصعدة:
الصعيد الأيديولوجي/السياسي: وفيه عدة محاور:
المحور الأول: عقيدة الحرب بالنسبة للطرفين: لم تكن هذه الحرب في الحرب كمثل الحرب العامة أول الغزو؛ فليس ثمة صدَّام ولا الكويت ولا الديمقراطية ولا حلبجة ولا غير ذلك، وإنما تجلى فيها الدين كمحرك للصراع بشكل مباشر، وهاكم الصورة حية كما نقلها موقع «دردوج» الأمريكي يوم ٦ نوفمبر لبعض الجنود المارينز الأمريكيين الذين شرعوا بتعميد ذواتهم قبل بدء معركة الفلوجة، وأشار الموقع إلى أحد الجنود الأمريكيين شرع بالقراءة من الإنجيل الحديث عن نبي الله داود ﵇ والذي هزم جالوت، وهو ما يعتبرونه نصرًا لليهود على الفلسطينيين؛ حيث قال جندي المارينز: «وهكذا هزم داود الفلسطينيين» ، فدفعت كلمته تلك بقية الجنود إلى الهتاف إعجابًا بما فعله نبي الله داود ﵇!! ومما يلفت النظر أن جنود المارينز هؤلاء هم من قاموا بعد ذلك بارتكاب جرائم الحرب «الدينية» ، ومنها الإجهاز على الجريح في أحد مساجد الفلوجة، وهذا غير مستغرب بالنظر إلى اعتقاد بعض هؤلاء بأن هذه هي «معركة بلا أسرى» مثلما نصت على ذلك الكتب القديمة؛ التي يتم فيها تدمير بابل بأمر «الرب في يوم احتدام سخطه عليها» !! فيما يواجه هؤلاء في المقابل ليس البعث القومي أو الجيش الوطني النظامي بل «مجلس شورى مجاهدي الفلوجة» وهو يحمل باسمه قبل أي شيء شارة هذا الصراع وعنوانه البارز، ولست أزعم أن هذه هي أول مظاهر دينية الصراع من الجانبين ـ فذاك الظن به سخف ـ وإنما أعني أن هذه هي أكبر تجليات هذا المشهد الديني (هل من مصادفة أن تبلغ حصيلة المساجد المتضررة في الفلوجة ١٢٠ مسجداً بينها ٣٣ مسجداً سوِّيت بالأرض؟!) .
المحور الثاني: عقيدة الحرب بالنسبة إلى الطرف المقاوم والطرف الموالي للاحتلال: والأول سبق الإشارة إليه، غير أن الثاني كشف لأول مرة بهذا الوضوح عن وجهه القمئ، أعني بهم محازبي السيستاني أو جيش علاوي أو جيش لحد العراقي.. إلى غير ذلك من المسميات التي لا تغير من الواقع شيئاً.. في الواقع هذه المعركة تميزت بوجود فئتين تتقاتلان وجهاً لوجه: إحداهما: سنية، والأخرى: موالية لعلي السيستاني ـ أو الخيانة العظمى علي السيستاني كما يحلو للكاتب عبد الرحمن عبد الوهاب، (الحقائق اللندنية ١١/٩) أن يدعوه ـ وهنا أيضاً حرب دينية بين السنة وفئة حزبية طائفية موالية للرجل الذي انكشف تماماً في حرب الفلوجة إلى الحد الذي جعله محل سخرية واستهجان العلمانيين قبل الإسلاميين، وأوجد من فوره تمايزاً فريداً لا يمكن جبره مذ حشد جنده اللحديين ضد شركاء الوطن في الفلوجة. (للرجل موقفان اثنان لا يمكن للسنة غفرانهما له؛ وهما: موقفه من الاحتلال ابتداءً في مستهل الحرب حين كانت المدن الشيعية تبدي مقاومة ضارية ضد الغزو، فأصدر فتواه المشؤومة بحرمة قتال المحتلين، وموقفه من الانتخابات التي أصدر فيها فتوى «ثيوقراطية» عجيبة بالحكم بجهنم على من لا يشارك بالانتخابات التي يديرها الاحتلال، وموقف ثالث له مع التيار الصدري حين غادر النجف إلى بريطانيا تاركاً للأمريكيين العبث بـ «المقدسات الشيعية» ومن ثم عاد بالهدنة الجائرة بعد تركيع الصدر. وللمناسبة فبرغم العلاقة غير السيئة بين التيار الصدري ومقاتلي الفلوجة، وإرسال مقاتلي الفلوجة العشرات منهم للوقوف بجوار ميليشيا الصدر أثناء حصار النجف إلا أن رد التيار الصدري بتعليق مشاركته في الانتخابات القادمة دون إعلان المقاطعة كان دون الحد المقبول سنياً، كما أن تدخلاً بوقف صادرات النفط في الجنوب العراقي كان كفيلاً بالضغط على الأمريكيين لوقف الهجوم مثلماً كان في أحداث النجف، وهو ما لم يحدث حتى على صعيد التلويح.
المحور الثالث: هو البداية النوعية للتحرك السياسي لحركات المقاومة العراقية: ونستطيع القول كذلك بأن معركة الفلوجة كانت فارقة في هذا الخصوص؛ إذ حملت المعركة الفصائل المقاوِمة إلى النزوع باتجاه التوحد شيئاً فشيئاً، والسعي لبلورة مواقف سياسية موحدة، ومن ثم التقدم بخطوات نحو تكوين سقف سياسي للمقاومة، سواء ما جرى بين فصائل المقاومة أو ذاك التحرك الواعي لهيئة علماء المسلمين التي نجحت في استقطاب الكثير من الفعاليات السنية والشيعية الوطنية و «المسيحية» والتركمانية العلمانية.. إلخ لمشروعها السياسي الفاعل لإحباط الانتخابات المزمعة قريباً والتي بدورها تهدف إلى تكريس الاحتلال من جهة ومنح الشرعية لأذنابه العميلة.
- الصعيد العسكري:
المعركة هي أيضاً في هذا الصعيد نقطة فارقة في تاريخ الحرب على أرض الرافدين؛ ففيها تمكنت المقاومة من فرض أجندتها العسكرية المتمثلة في تحويل هذه المعركة من معركة الدفاع عن أرض ومدينة محدودة إلى معركة استنزاف وتوسيع رقعة ميدانها؛ هذا ما أراده المقاومون وهذا ما نجحوا فيه إلى حد بعيد (وهنا نلفت إلى عبارة هامة لأحد قادة المقاومة العراقية في الفلوجة حينما تراءى لهم الانحياز عنها في لحظة معينة من لحظات المعركة «ليس الفلوجة مدينة مقدسة ولا هي أغلى عندنا من بغداد والرمادي وبعقوبة» ، ومن هنا نستطيع قراءة الأحداث من زاوية لا ترى في رفع الأعلام انتصاراً بالضرورة، ولا في نزعها هزيمة في حرب استنزاف لا تقدس الأرض. والناظر إلى هذه المعركة من الناحية العسكرية البحتة يلحظ أن هذا التوسيع الذي عمدت إليه فصائل المقاومة، والتنسيق العالي والتناغم اللافت في هذه المعركة فيما بينهم؛ إنما دل على حرفية قتالية كبيرة، بل دل أيضاً على أن هذا التوسيع هو علامة بارزة على ازدياد أعداد المقاتلين ونجاح المقاومة في حشد الشعب العراقي خلفها زرافات ووحداناً، وأنهم بذي السبيل أرهقوا العدو وألجؤوه إلى بعثرة قواته وتغيير خطته أكثر من مرة، ونجحوا كذلك في مباغتته في العديد من المرات، وجعل زمام المعركة بأيديهم في معظم فترات المعركة، باستثناء هذه المرحلة التي نجح فيها الأمريكيون في اعتلاء أسطح المنازل ونثر القناصة فوقها. ولا نبالغ إن قلنا إن هذه المعركة كسرت كثيراً من شوكة الأمريكيين، وأسقطت من هيبتهم في كثير من الأنفس المزعزعة بما تسمعه عن أسلحة متطورة وصواريخ عابرة وأقمار الولايات المتحدة الاصطناعية التجسسية والتي لم تحرم المقاومة من أن تجوب البلاد يمنة ويسرة، وتتحرك إلى داخل وخارج الفلوجة حتى إن ذرائع الولايات المتحدة بشأن أبي مصعب الزرقاوي لضرب أكثر من مدينة بالزعم بأنه كان داخلها ثم هرب منها كانت أضحوكة المحللين؛ لأن ما قيل عن حصار الفلوجة بأكثر من ٢٠ ألف جندي من النخبة المختارة الأمريكية ومتابعة أخطر رجل في العراق الذي وضعت الولايات المتحدة ـ عن طريق علاوي ـ شرطاً لأهالي الفلوجة بتسليمه لقاء العدول عن مهاجمة المدينة؛ لم يمنع من مغادرته المزعومة ولا أن يعود رفاقه ثانية بعد ٦ أيام من المعركة إلى الفلوجة لمعاودة القتال.
ونردف قائلين بأن هذه المعركة قد أفادت المقاومة كثيراً ولم تضعفها، على الأقل لجهة ضرورة توحدها أو على الأقل زيادة أطر التنسيق فيما بينها والالتقاء على أسس وقواسم مشتركة سياسية وعسكرية وأيضا إعلامية.
- الصعيد الإعلامي:
كانت معركة الفلوجة فارقة إعلامياً كذلك لجهة كونها كانت تحمل تباشير تحرر الإعلام الإسلامي من ربقة الإعلام العالمي، وتحريكه لكثير من الفعاليات الوطنية وحتى غير الوطنية في الوطن العربي من أجل الخروج من شرنقة وكالات الأنباء الغربية ووسائلها المضلة.
قبل الفلوجة كان التحرك خجولاً باستثناء بعض المواقع الإسلامية التي لا تجاوز أعدادها أصابع اليد الواحدة، والآن تغير الأمر كثيراً مع الأمل باستمراره، وبدا أنه كلما حرص الإعلام الإسلامي على توسيع روافده تمتع بحصانة وفعالية وجرأة أوفر.
وتلك قضية ينبغي أن تكون محل دراسة الإعلاميين الإسلاميين الذين صار بإمكانهم أن يوجدوا لهم موضع قدم على الخارطة الإعلامية العربية شريطة العمل على قاعدة التناغم لا التنافس.
هذا من حيث الحديث عن الخارج، وأعني به الوسط العربي المحيط، بيد أن الداخل أيضاً ـ وهو فصائل المقاومة ـ كانت هذه المعركة أيضاً فاتحة خير لها في كيفية توسيع رقعة تلامسها مع الخارج الإعلامي.. تعيين ناطق رسمي باسم مقاومة الفلوجة، وإن اعترى ذلك بعض الأخطاء المحدودة لحداثة التجربة، توزيع البيانات وبسرعة، تصوير بعض المشاهد للمعركة من الداخل في أتون المعركة الضروس وبثها في الأسبوع الثاني من القتال، الإحصاء السريع والدقيق نوعاً ما، كل هذه كانت تمثل نقطة عبور إلى مرحلة النضج الإعلامي العسكري والسياسي.
وبعد الصعيد الإعلامي، نعود للقاموس المحيط ثانية؛ حيث يقول عن الفلوجة: «والجمع فلاليج» .. وهي تلك المدن العراقية الصامدة الأبية التي لا تعرف الركوع لغير الله، ولا تنحني إلا لباريها، وتسقط من قلوبها رهبة جرذان المارينز الذين شاهدناهم ـ في أفلامهم أنفسهم ـ يطلقون النار؛ فلما سمعوا تكبير أعزل ولَّوُا الأدبار، ثم لا ينصرون.
стр. 5150
ما بعد عرفات: وأزمة السلطة الفلسطينية
باسل النيرب
عندما سقطت طائرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في الصحراء الليبية شعر الفلسطينيون بالجزع، وعندما مرض الرئيس أواخر عام ٢٠٠٣م أصيب الفلسطينيون بالذعر ولم يعرف المسؤولون الفلسطينيون كيف يعالجون الأمر؛ فالصلاحيات المطلقة بيد الرئيس وحده ولا يشاركه فيها أحد، وفي مرضه الأخير الذي استدعى نقله إلى باريس للعلاج شاهدنا اضطراب المشهد السياسي الفلسطيني والتصريحات التي تدور كلها في أن الوضع الصحي للرئيس الفلسطيني صعب جداً؛ ولكن دون أن يلجأ أحد من قادة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير إلى بحث مسألة ما بعد عرفات، وحتى من حاول السفر إلى باريس ظهرت بحقهم اتهامات صريحة من (سُهى عرفات) ووصفتهم بأنهم «حفنة من المستورثين يريدون دفن الرئيس حياً» ومن ثم أعلن مستشفى (برسيه) وفاة الرئيس عرفات ليسود المشهد الفلسطيني حالة من الحزن والخوف من المستقبل.
- الوضع القانوني:
مما لا شك فيه أن رحيل عرفات ترك فراغاً واضحاً في عمل أجهزة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير على اختلافها؛ بمعنى أن عرفات هو السلطة كما يؤكد ذلك العديد من التقارير، والعديد من المشاهدات اليومية لهذا الأمر، وأن من سيخلفه في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لن يستطيع الموافقة على أمر كان قد رفضه ياسر عرفات أو حتى القيام بالأدوار المتعددة التي كان يقوم بها، وتشمل مناصب عرفات: رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، ورئاسة السلطة الفلسطينية، ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئاسة اللجنة المركزية لفتح، وكان هو ذاته من يقوم باختيار المسؤولين في كل هذه الهيئات، بالإضافة إلى وكالات الأمن الفلسطينية المتعددة.
ودستورياً، وفق مسودة الدستور الفلسطيني الذي لم يصبح قانوناً بعد يتولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وهو (روحي فتوح) القيادة المؤقتة في حال وفاة الرئيس. وعلى خلاف التوقعات التي كانت غير متفائلة بالانتقال السلس للسلطة فقد عين (روحي فتوح) رئيساً للسلطة الفلسطينية لمدة ٦٠ يوماً على أن تجري بعد ذلك انتخابات رئاسية خلال تلك الفترة.
ومع تعدد الاحتمالات التي أصبحت تراوح مكانها في الساحة الفلسطينية بعد وفاة الرئيس الراحل يبدو أن الوضع الفلسطيني مقبل على مزيد من التعقيدات؛ فكل الأمور التي كانت في الماضي مناطة برجل واحد، ستؤول اليوم إلى أشخاص ربما لم يجدوا إجماعاً فلسطينياً حولهم، وهذا ليس بسبب موقف ياسر عرفات الذي لم يساعد على نشوء الرجل الثاني بعد استشهاد كلٍّ من خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد) فحسب؛ ولكن بسبب تعقيدات الوضع الإداري والقانوني للمؤسسات الفلسطينية؛ فعلى سبيل المثال لا يوجد ما يشير إلى نظام الخلافة في بناء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ ففي عام ١٩٦٨ تم إلغاء منصب نائب الرئيس من هيكل منظمة التحرير قانونياً، أما منصب السكرتير فلا يعطي حامله أي ميزة. ووفقاً لنظام منظمة التحرير الفلسطينية فإن منصب رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية يجب شغله بالانتخاب من بين أعضاء اللجنة. ونتيجة لما تتمتع به حركة فتح من سيطرة على القرار الفلسطيني الرسمي فقد جاء (محمود عباس) وهو عضو اللجنة التنفيذية خلفاً للرئيس الفلسطيني.
هذا الوضع القانوني المعقد لبنية منظمة التحرير الفلسطينية لم يمنع من احتدام المنافسة في أوقات سابقة، ولكن اليوم مع وفاة عرفات يجري التنافس في غرف مغلقة وخلف (الكواليس) لاختيار المرشح، ويحضرنا هنا قول الأستاذ (علي الجرباوي) في شأن الصراع على خلافة عرفات عندما كانت الأوساط السياسية الإسرائيلية تروج لفكرة عزله حين قال: «صحيح أنه لا يوجد من بين الشخصيات الفلسطينية من يملك الجرأة ولا حتى الرغبة في مناكفة عرفات وتحدي سلطته، ولكن هناك نوع من حرب الإزاحة والتنافس تجري من وراء (الكواليس) بين من يعتقدون أنهم أهل لخلافة عرفات» وكان هذا قبل وفاته، أما وقد توفي الرئيس الفلسطيني فحركة فتح باعتبارها «الحزب الحاكم» تشهد تكتلات سياسية وجهوية وتنافسات أدت إلى إطلاق النار على موكب أبو مازن في سرادق عزاء عرفات في غزة من قِبَل بعض الفئات التي توصف بأنها تعارض رئاسة أبو مازن للجنة التنفيذية وحتى الترشيح عن حركة فتح للانتخابات الرئاسية.
- المترشحون في الميزان:
وفي مسألة خلافة عرفات تتنوع الأسماء التي تقدم نفسها لهذا الأمر؛ فمن العميد جبريل الرجوب، إلى العقيد محمد دحلان إلى رئيس الحكومة الفلسطينية الحالي أحمد قريع أبو العلاء، وكذلك رئيس الحكومة الفلسطينية السابق محمود عباس أبو مازن الذي أصبح اليوم رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، إلى محمد رشيد وغيرهم، وهذه الأسماء وعلى اختلاف درجة قبولها لدى الجانب الرسمي الإسرائيلي فهي لا تحظى بجانب كبير من الشعبية على المستوى الفلسطيني. يقول المحلل السياسي الإسرائيلي (آلون بن مائير) : إن نسبة التأييد الشعبي لهم لا تتعدى الـ ٣٥%. وإن كفة الترجيح هنا سيحسمها أمران: أولهما هو علاقة المرشحين بدائرتين أساسيتين عربيتين هما: مصر، والأردن، ومستوى قبول الولايات المتحدة (وإسرائيل) لهذا الترشيح، وفيما يلي نحاول لملمة بعض مواقف المتنافسين على خلافة عرفات على النحو التالي:
ـ محمد دحلان: وهو رجل الأمن القوي في غزة، والذي يعرف كيف يحادث الغربيين، هو الخيار المفضل لأجهزة الأمن الأمريكية، والمقبول على المستوى الأمني في القاهرة وعمان، وصاحب العلاقة الطيبة بالإسرائيليين.
وهو له مواقفه المعروفة ضد حركات المقاومة الإسلامية وضد الانتفاضة الفلسطينية، وليس المجال لسردها إلا تذكيراً بعموميات الموقف، وهو ـ دحلان ـ رافض للعمليات المسلحة، ومع جمع السلاح الموجه ضد الإسرائيليين، ويؤيد أية ترتيبات أمنية تقوم بها الحكومة الفلسطينية لوقف الأعمال الجهادية ضد الإسرائيليين.
ـ جبريل الرجوب: مستشار مجلس الأمن القومي يبدو أقل دبلوماسية في المظهر والتعامل مع الغربيين، واتصالاته المتعددة مع الإسرائيليين معروفة، وهو المسؤول عن تسليم العديد من المجاهدين إلى قوات الاحتلال الإسرائيلية.
ـ أحمد قريع: هو مرشح قوي لرئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، اشتراك مع (أبو مازن) في قيادة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، إلا أنه لا يملك الدعم الكافي داخل حركة فتح.
ـ محمود عباس: الذي يعرف بأنه رجل العلاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية ـ الأمريكية، ومرشح قوي، ويحظى بدعم واضح من جانب الأردن، وإن كانت علاقاته مع مصر غير إيجابية في بعض الأوقات، وسوريا ترفضه لدوره في عملية اتفاقية أوسلو، ويتمتع بدعم بعض التحالفات في القيادات السياسية والأمنية في حركة فتح، وتحيط به مجموعة من الاتهامات، ولا يجد قبولاً في الشارع الفلسطيني، ويعتبر أن اتفاق أوسلو كان التتويج الأهم لنضال الشعب الفلسطيني على مدى القرن العشرين؛ لأن هذا الاتفاق هو الذي ثبت الشعب الفلسطيني على الخارطة السياسية بعدما تقرر شطبه منذ مطلع القرن، فقال إن أهمية أوسلو أنها كرست وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، وفرضت على أمريكا و (إسرائيل) الاعتراف به وبمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً لهذا الشعب.
ـ وهناك مروان البرغوثي أو (منديلا فلسطين) حسب رأي بعضهم، كما تحاول الدول الغربية أن تروج له؛ فالبرغوثي يتمتع بمصداقية بين الشباب والمقاتلين، وحتى داخل بعض أطر حركة حماس، رغم أنه من دعاة التعايش السلمي مع (إسرائيل) في إطار الدولتين؛ لأنه حمل السلاح في انتفاضة ٢٠٠٠م، وهو يقضي عقوبة بالسجن بعد أن أدانته محكمة إسرائيلية بتهمة التآمر وتدبير عدة جرائم قتل بحق يهود، وترجح بعض الأوساط السياسية أن يعود إلى الشارع الفلسطيني؛ وخاصة أن دوره مؤثر في كتائب شهداء الأقصى تحديداً، كما أن هناك الكثير من الجماعات التي تعقِّد المسألة «فزعيم كل وكالة أمنية عنده طموح بالسلطة، والتنافس بين المناطق، ولا سيما بين الضفة والقطاع، يجب أخذها بعين الاعتبار» عند الحديث عن خليفة عرفات المتوقع.
- صعوبة الاختيار:
في الحالة الفلسطينية لا تكمن المشكلة في صعوبة وجود البدائل المتاحة عند الاختيار والمفاصلة بينهم أو أن الرئيس الفلسطيني لم يضع خليفة له؛ المشكلة أن عرفات أغلق الطريق على إمكانية وصول أحد ما ليصبح خليفة له، وأعاق نشوء مؤسسات من شأنها أن تسهل مرحلة الانتقال، أو تحث على إيجاد قائد جديد.
إن أزمة القيادة في الساحة الفلسطينية بعد وفاة عرفات هي أزمة نظام الزعيم الوحيد، وهي أزمة في مجمل النظم السياسية المحيطة، وفي الشق الفلسطيني منها نتيجة غياب المؤسسات القيادية الفاعلة، وهي أزمة لها معطياتها التاريخية.
إن هذه المرحلة الانتقالية التي يترأسها رئيس المجلس الوطني الفلسطيني (روحي فتوح) لن تعتمد بأي درجة من الدرجات على المقررات الداخلية للأنظمة، وهي سوف تحتكم إلى من هو قادر على الإمساك بزمام المبادرة ويكون مقبولاً بالدرجة الأساسية فلسطينياً وعربياً وعالمياً وإسرائيلياً بلا شك، وسوف تشهد هذه المرحلة بوادر التدخل وتلحظ من توالي التصريحات في العالم العربي؛ فقد نقل الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر (صفوت الشريف) عن الرئيس (حسني مبارك) قوله في اجتماع لأعضاء مجلس الشعب من الحزب: «لا بد أن تجتمع الفصائل الفلسطينية، وسوف نساعد كثيراً (في ترتيب اجتماعها) وفي الأغلب سوف تجتمع هذه الفصائل في مصر، وستبدأ حواراً لتحديد مجلس لإدارة شؤون البلاد، وإدارة عملية السلام» . وأكد (صفوت الشريف) أن الرئيس مبارك مضى إلى القول إن «هناك اتصالات من جانب مصر ودول أخرى للتوصل إلى عقد هذا الاجتماع» .
في الحالة الفلسطينية بعد عرفات قد يظهر الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني إلى دائرة الحدث، ولكن بأي حال من الأحوال لن يصل الأمر إلى حد الاحتراب الداخلي؛ فالوعي الفلسطيني طالما أحبط هذا الأمر في الأوقات السابقة التي تعد أصعب وأخطر من فقدان أو غياب زعيم سياسي عن الحياة. أما حالة التدافع، أو إطلاق النار على (أبو مازن) ومقتل اثنين من حرسه الخاص فما هي إلا رسالة خاصة من حركة فتح لـ (أبو مازن) والدعوة إلى الالتزام بخط الرئيس عرفات الذي يحظى بإجماع كبير داخل أطر الحركة.
إن الهجمة الحقيقية التي يُخشى منها في الحالة الفلسطينية ما أشار لها الكاتب (علي أبو النعمة) بأن هدف أريل شارون أنه لا يريد فلسطينيين وإنما غزاويين وضفاويين وممثلي أطياف وطوائف، وهذا ما سيحول دونه الواقع الفلسطيني، ومع أن الظروف التي سيعيشها الشارع الفلسطيني ستكون حبلى بأسباب الشقاق، إلا أن الفوضى المسلحة التي يراهن عليها شارون لإسقاط السلطة الفلسطينية نهائياً لن تكون متاحة، كما أن الدول العربية وغيرها ستحاول أن تدلي بدلوها في الشأن الفلسطيني ـ الفلسطيني، وقد تحاول أن تدعم أحد الخيارات المطروحة من الورثة الشرعيين لسلطة الرئيس الفلسطيني؛ مما يعني عودة التدخلات العربية والعالمية إلى الشأن الفلسطيني.
- الانتفاضة والانتخابات:
إن من المؤكد أن الانتفاضة لن تتأثر بغياب الرئيس ياسر عرفات، وبالعكس فقد تزداد وتيرتها عندما يشعر الجانب الفلسطيني ـ كتائب الأقصى تحديداً ـ أن ما حدث للرئيس كان بسبب الحصار المفروض عليه في رام الله، أو أنه توفي نتيجة السم الإسرائيلي. أما السؤال الذي يتبادر إلى الذهن فهو: ما مستقبل حماس وعلاقتها مع السلطة الجديدة، والوضع الداخلي لحركة فتح بعد غياب ابرز مؤسسيها؟
فيما يخص حماس والدور المحتمل فإن الحركة قد لا تكون بوضع يسمح لها بالسيطرة على القرار الفلسطيني لاعتبارات عالمية وإقليمية، ولكنها يمكن أن تلعب دوراً حاسماً كحليف لفتح مثلاً أو غيرها من الحركات الفلسطينية؛ فقد استطاع ياسر عرفات بعد سنوات الانقطاع والشقاق أن يكسب حركة حماس، ونشهد فصولاً من التعاون بين كتائب شهداء الأقصى مع حركة حماس، وهذا ما يخشاه بعض من في السلطة الفلسطينية وبخاصة ما يعرف بـ (تيار أبو مازن ـ دحلان ـ روحي فتوح) من أن تعزز حماس موقعها في السلطة وتكون لها الرياسة.
كما أن حركة حماس ذاتها تدعو إلى تشكيل قيادة موحدة لتسيِّر دفة الأمور. ويقول الدكتور (نزار الريان) : (إن الحركة وسائر المجاهدين غير مرتهنين بقائد معين؛ فإذا كان القائد الجديد مع خيار الأمة والمجاهدين فلله الحمد، وإن أراد الوقوف في وجه المقاومة، فالمقاومة ليست عاجزة وباستطاعتها التعاطي مع كل جديد بما يناسبه) .
أما مصير حركة فتح بعد غياب زعيمها فستكون هي قبلة الصراع المصيري، وستواجه الخطر الأكبر بالانشقاق أو التفكك وبخاصة بين قيادات الصف الأول. ويقول (الدكتور عبد الستار قاسم) أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح ـ وهو مرشح حالي لانتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية ـ: «إن فتح ستتفكك بالتأكيد وتُستقطب في جماعات وفئات. في فتح يوجد وطنيون حقيقيون، ولكن فيها أيضاً الكثير من الطفيليين والانتهازيين الذين يؤيدون عرفات من أجل المصلحة المادية فقط» . وأما أمام تشعب وامتداد الحركة والطموحات عند أبنائها فقد تواجه الحركة صراعات مسلحة محدودة بين الفئات المختلفة وبخاصة من بين الذين جاؤوا إلى فلسطين بعد أوسلو، وبين الذين كانوا داخل فلسطين، ويؤكد هذا ما كتبه (أيا بيرمان) وهو نائب رئيس قسم السياسات في المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية من أن رحيل عرفات سوف يؤدي إلى تعميق الجرح القديم في السياسة الفلسطينية، وهو صراع النفوذ بين الحرس القديم في منظمة التحرير وبين أهالي ومواطني الضفة الغربية وقطاع غزة.
أما الانتخابات الفلسطينية فسوف تشهد الساحة الفلسطينية مزيداً من الراغبين للترشيح؛ فقد أعلن عبد الستار قاسم ترشيح نفسه، وكذلك طلال سدر وهو وزير الرياضة والشباب السابق، أما موقف حركة حماس فقد لخصه رئيس المكتب السياسي للحركة (خالد مشعل) بقوله: إن الحركة ليس لديها نية للمشاركة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية؛ وذلك لأنها انتخابات قائمة على أساس اتفاق أوسلو الذي تعتبره حماس باطلاً ومنتهياً وغير شرعي. وأكد أن الحركة تدعو لانتخابات حقيقية تشارك فيها جميع فئات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج؛ وذلك للوصول فعلاً إلى إصلاح حقيقي، من خلال إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية. أما الانتخابات المحلية فحماس ستشارك فيها، وتجري الاستعدادات الكاملة لخوضها، والموقف ذاته ينطبق على حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، كما تحاول الفصائل اليسارية الفلسطينية تسمية (حيدر عبد الشافي) مرشحاً لها وهو من الشخصيات المستقلة، ولكن لا يحظى بالتأييد اللازم.
وفيما يخص عودة قطار التسوية إلى مساره فتشهد الساحة السياسية عودة (كولن باول) وزير الخارجية الأمريكي المستقيل إلى المنطقة والتقاءه بالجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؛ فعملية إنعاش مسار التسوية واردة في الخطة الأمريكية للسنوات الأربع القادمة، وما بيان الاتحاد الأوروبي في التعامل مع مرحلة ما بعد عرفات وما قاله رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) من أنه سيجعل من (قضية الشرق الأوسط) في صلب زيارته للتهنئة للرئيس الأمريكي جورج بوش إلا ملامح لهذا التنسيق، كما أن الجانب الإسرائيلي موافق من ناحية مبدئية على التفاوض مع خليفة عرفات، شريطة أن يبدي التزامه بمكافحة «الإرهاب الفلسطيني» . أما الجانب الفلسطيني فإنه موافق على البدء في الانتخابات، شريطة أن يعي الأمريكيون والإسرائيليون أنه ليس في موقع التصادم مع أحد.
وأخيراً: ما بين المأمول والمتوقع اختلاف كبير، ولكن الحالة الفلسطينية يلخصها ما قاله عجوز فلسطيني عندما بدأت الدوريات الإسرائيلية الاقتراب أكثر فأكثر من مقر المقاطعة المحاصر منذ ثلاث سنوات فقال: «لماذا الاحتراب على السلطة وليست هناك سلطة؟ السلطة نفسها تحت الاحتلال. الاحتلال والاستيطان وممارسات (إسرائيل) ضدنا هي التي توحدنا، وتجعلنا لا نفكر حتى في إمكان الاقتتال» . فهل يعي أبناء فلسطين الدرس؟ هذا ما نرجوه.
стр. 5151
هل تنجح المقاومة العراقية في رسم مستقبل العراق ؟
د. أكرم عبد الرزاق المشهداني
حذَّرَ تقرير سرّي أعدّته وكالة الاستخبارات الأمريكية لتقديمه للرئيس بوش ونشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في ١٦/٩/٢٠٠٤م من حصول «حرب أهلية» في العراق.
ووضع التقرير ثلاثة سيناريوهات يمكن أن ينتهي إليها الوضع العراقي: أسوؤها حرب أهلية وإقتتال داخلي، وأفضلها «استقرار سياسي وأمني هش» ويبدو أن وعود الإدارة الأمريكية ببناء عراق ديمقراطي يكون بمثابة «نموذج مشع في منطقة الشرق الأوسط» قد تلاشت.
فقد غزت أمريكا العراق وهي مصدقة وعود أصدقائها وحلفائها في ما يسمى بالمعارضة العراقية، من أن العراقيين المستبشرين بسقوط نظام صدام سوف يستقبلون القوات الامريكية المُحَرِّرة بالورود والرياحين مثلما استقبلتها الجماهير في دول أوروبا الشرقية بعد الأنهيار الفظيع للمعسكر الشيوعي أوائل التسعينيات من القرن الماضي. وبعد عام ونصف من احتلال العراق يبدو أن مشروع العراق الديمقراطي الذي يشع على الشرق الاوسط عامة ويؤذن ببداية ازدهار ورفاه اقتصادي للجميع، بدأ يبتعد مثل سراب الصحراء. وبحسب تحليل نشرته صحيفة الغارديان البريطانية في ١٥/٩/٢٠٠٤م، فالمشروع الامريكي الذي ولد في اذهان المحافظين الجدد الراغبين بحماية دولة العدو يبدو أكثر قتامة مما كان عليه قبل ١٨ شهراً، عندما غزت امريكا وبريطانيا العراق. فأعداد الجنود الأمريكيين القتلى تجاوز الألف، وللمرة الثانية هذا العام تفقد القوات الأمريكية سيطرتها على عدد من معاقل المقاومة التي ما زالت لا تعرف عنها شيئاً باستثناء بعض المعلومات المتضاربة. وأن المناطق التي تعتبر خارج السيطرة الأمريكية والبريطانية تتزايد كل يوم مما يعني أن عقد الانتخابات في موعدها سيكون في حكم المحال؛ فمدينة الفلوجة لم تكن الوحيدة في خروجها عن سيطرة الأمريكيين؛ فهناك معظم محافظة الأنبار، وصلاح الدين، ومعظم الأحياء داخل العاصمة بغداد، مثل مدينة الصدر والكرخ وشارع حيفا والأعظمية واللطيفية، وكذا النجف وكربلاء وتلعفر بالموصل، حتى بات موضوع الحديث عن انتخابات قريبة في العراق كلاماً سخيفاً إلى درجة أن معلق (الغارديان) قال متهكما: «إن الانتخابات قد تجري في المنطقة الخضراء التي يعمل فيها السفير الامريكي وفريقه والحكومة المؤقتة» .
وتنقل صحيفة (وول ستريت جورنال) يوم ١٤/٩/٢٠٠٤م عن أحد مستشاري الدفاع الأمريكية قوله: إن المقاومة العراقية لم تعد تعمل في جيوب معزولة، بل أصبح لديها القدرة على التنسيق والاتصال مع مناطق أخرى. وخشي أن تفقد حكومة إياد علاوي سيطرتها حتى على بغداد نفسها؛ حيث اندلعت في وضح النهار معارك شرسة بين مسلحين والقوات الامريكية في شارع حيفا في قلب بغداد وعلى بعد كيلو متر واحد عن مقر غروبونتي. وبحسب مراسل صحفي فإن شارع حيفا صار في يد المقاومة. وتشير الصحيفة إلى أن عملية احتواء مناطق الثوار تظل مهمة صعبة للأمريكيين والحكومة العراقية التي تعتمد اعتماداً كلياً عليها. والوضع ليس مقصوراً على العاصمة، بل على مدن عراقية أخرى؛ حيث لم يعد بمقدور الأمريكيين وحلفائهم العراقيين دخولها أو المجازفة بذلك؛ فعندما دخل الامريكيون مدينة سامراء ما لبثوا أن أُخرجوا منها على يد المقاومة التي أعادت تحريرها.
ومع فقدان السيطرة على المناطق بدأت تزدهر صناعة الاختطاف، وهو تكتيك جديد للمقاومة؛ حيث تزايدت عمليات خطف الرهائن والمطالبة برحيل القوات الأجنبية والشركات الداعمة لها، رغم حالة من الارتباك سادت العمليات، إلا أن النتائج كانت في صالح مطالب المقاومة؛ فمنذ نيسان (إبريل) الماضي بلغ عدد المخطوفين من الأجانب ٣٧ من مختلف الجنسيات حتى كتابة هذه المقالة، كما ازداد معدل هجمات المقاومة من ٢٥ يومياً في تموز (يوليو) ٢٠٠٣م إلى ٨٧ يومياً في سبتمبر ٢٠٠٤م بعد أن كان القادة الأمريكيون في بداية العام الحالي، يقللون من أهمية المقاومة وحجمها؛ حيث قالوا حينها إنها لا تزيد عن ٥ آلاف عنصر، أما الآن فهم يتحدثون أن عددها ربما تراوح ما بين ١٥ ـ ٢٠ ألف عنصر أغلبهم من العناصر المتدربة جيداً.
ويطرح محللون معضلة أمريكا في العراق التي كانت تريد منه أخباراً طيبة للرئيس الأمريكي عشية الانتخابات؛ فبقاء الأمريكيين يعني استمرار المقاومة وخروجهم يضع مستقبل العراق في الظرف الآني على الأقل في خطر. يقول غاريث ستانفيلد مؤلف كتاب (مستقبل العراق: ديمقراطية، ديكتاتورية أم تجزئة؟) : (إن الحل الوحيد لبقاء العراق موحداً هو بقاء قوات التحالف الأمريكي ـ البريطاني) ، ويرى ستانفيلد أن مستقبل العراق يثير التشاؤم. وسخر من ادعاء إجراء الانتخابات في كانون الثاني (يناير) القادم؛ حيث قال: (إن أي فكرة عن ديمقراطية قريبة في العراق مثيرة للسخرية) . ويرى الباحث أن السيناريو المحتمل في العراق هو بقاء الأمريكيين والبريطانيين لدعم نظام ديكتاتوري وليس ديمقراطياً هناك. ويقول إن بقاء القوات يعني حماية للحكومة المؤقتة، وفي حالة انسحاب الأمريكيين والبريطانيين فإن هذا يعني انتصاراً للمقاومة، وسيفتح الباب لفصل دموي وصراع على السلطة. وأن العراق قد يتحول لأفغانستان جديدة.
- تهاوي ذرائع أمريكا من احتلال العراق:
تصريح كوفي عنان يوم ١٤/٩/٢٠٠٤م عن (عدم شرعية الحرب على العراق) وإن كان متأخراً فإنه كشف جانباً مهماً من دحض افتراءات أمريكا من شن الحرب. إن الكلام عن مستقبل العراق يقودنا لبحث دوافع احتلال أمريكا له. إن ما حصل في العراق لم يكن غريباً أو مفاجئاً للمتابعين للاستراتيجيات الأمريكية منذ انتهاء الحرب الباردة؛ لأن عدداً من المفكرين والسياسيين الأمريكيين كتبوا عن هذا، وموضوع فكرة احتلال العراق كان سابقاً على موضوع أسلحة الدمار الشامل، وسابقاً على حرب ١٩٩١م، بل سابقاً حتى على غزو الكويت في آب (أغسطس) ١٩٩٠م؛ فالجنرال شوارزكوف ـ وهو الرجل الذي قاد القوات الأمريكية والمتحالفة فيما سمي عاصفة الصحراء عام ١٩٩١م كتب في مذكراته التي نشرت بعد الحرب في كتاب بعنوان: (لا يحتاج الأمر إلى بطل) : أنه بعد أن عين قائداً للقيادة المركزية الأمريكية، طُلِبَ منه أن يزور الشرق الأوسط ليُقَيِّم الأخطار التي تواجه أمريكا فيه. ونتيجة لهذه الجولة وفي أواخر عام ١٩٨٩م رفع تقريراً بنتائجها قال فيه: إن الخطر الأول والرئيس على المصالح الأمريكية يتمثل في العراق. ونتيجة لهذا التقييم وتهيئة للرأي العام الغربي لهذا التحول ضد العراق؛ فقد بدأت منذ أول عام ١٩٩٠م حملة إعلامية مكثفة ضد العراق، كان منها موضوعا المدفع العملاق وإعدام (بازوفت) الصحفي البريطاني بتهمة التجسس على العراق، وتم تجميد بعض التسهيلات الائتمانية (القروض) التي كان بنك التصدير والاستيراد الأمريكي قد منحها للعراق. كما أن القيادة المركزية حولت أساس خطط تدريباتها السنوية ابتداء من عام ١٩٩٠م من الاتحاد السوفييتي إلى العراق، علما أن تنفيذ هذا التدريب السنوي بدأ منذ تموز (يوليو) ١٩٩٠م، أي قبل الغزو العراقي للكويت.
كما بدأت أمريكا بالحديث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، وعلاقة العراق بالقاعدة، وذهبت لاحتلال العراق مع من يرغب بدون قرار من مجلس الأمن ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز الدفاع عن النفس في حالتين: في حال التعرض لاعتداء خارجي، والولايات المتحدة لم تتعرض لاعتداء من العراق، أو في حال وجود خطر وشيك على الولايات المتحدة من دولة معينة، وقد ثبت أن العراق لم يكن عنده أسلحة دمار شامل ولا يمثل خطراً وشيكاً.
أما الهدف المعلن الآخر وهو هدف الديمقراطية؛ فالمعلوم أن أمريكا كانت وما زالت تتعاون مع نظم حكم لها السمات نفسها الموجودة لدى النظام العراقي. ثم هل تريد أمريكا الديمقراطية فعلاً في البلدان العربية؟ الجواب بالتأكيد بالنفي؛ لأن أمريكا وقفت بشدة ضد نتائج الديمقراطية في تركيا والجزائر وماليزيا؛ لأنها تعرف يقيناً أن الديمقراطية الحقيقية سوف تأتي بقوى لا تسمح لبلدانها بالمزيد من الأستخذاء والطاعة لأمريكا. إن موضوع نشر الديمقراطية في العراق كذبة كبرى، وممارسات قوات الاحتلال الأمريكية في العراق تُكذبها، وهي خير شاهد على ذلك.
- المقاومة العراقية ترسم مستقبل العراق:
بدأت ظاهرة المقاومة بعد احتلال بغداد يوم ٩/٤/٢٠٠٣م بأيام قليلة، وما شهدته من استمرارية وتوسع أفقي ونوعي، قد أذهل الجميع داخل العراق وخارجه. ولقد حاولت دعايات الاحتلال وأتباعه في الداخل والخارج، أن تركز وتكثف الظن بأن المقاومة لا تعدو أن تكون محصورة ضمن ما أطلقت عليه تسمية (المثلث السُنّي) ومن عمل الفئات اليائسة حتى الموت (الانتحارية أو الاستشهادية) ، ومن بقايا النظام البعثي، وأخيراً من عمل أجانب يعملون ضد مصلحة العراق والعراقيين.
(*) باحث عراقي.
стр. 5152
الكيان الصهيوني من الداخل
ملامح وصور الانهيار الاجتماعي
د. يوسف إبراهيم
- انهيار الأخلاق:
إسرائيل الدولة ذات البريق الذي وهج وسطع، وأرادت أن تهيمن على الأمة العربية والإسلامية لم تعد كما تصورها بعضهم، وبدأت تنهار داخلياً من الناحية الاجتماعية، وهذا ما ركزت عليه الصحافة العبرية، ومنه ما أشارت إليه صحيفة (يديعوت أحرونوت) في عددها الصادر يوم ١١/١٢/٢٠٠٣م.
وركزت على أنه خلال الأسابيع الأخيرة من ذلك التاريخ علت إلى السطح حوادث عنف كثيرة في أوساط الفتيان وأبناء الشبيبة من الجنسين، مثل: التحرش الجنسي، تلميذات يتحرشن بزميلاتهن، إشهار سكاكين في المدارس، مدرسين يهاجمون من قِبَل الطلاب، وأيضا وقوع إصابات وقتل؛ ففي خلال السنة الحالية جرى فتح ٣٣ ألف ملف عنف لأبناء الشبيبة، منهم ٦٠% كانوا طرفاً في العنف، أو وقعوا ضحايا لهذه الحوادث و١٥% من التلاميذ يأتون إلى المدارس وهم يحملون سلاحاً حاداً أو نارياً، و٦٠% من تلاميذ المرحلة الثانوية أبلغوا عن وصول تهديدات لهم و ١٩% من التلميذات في المراحل الأساسية يبلِّغن عن تعرضهن لتحرشات جنسية.
أشارت دراسة علمية صهيونية إلى أن نحو ٣٠ ألف صهيونية يتعاطين الهيروين، وهناك عدد مضاعف (نحو ٦٠ ألف شخص) مدمنون على النقطة المريرة ويُعرفون كمدمني كحول.
- تفاقم الخمر والمخدرات:
أشارت معطيات جديدة نشرت في تل أبيب إلى تفاقم ظاهرتي معاقرة الخمر وتعاطي المخدرات بين صفوف تلاميذ المدارس «الإسرائيليين» . وذكرت صحيفة معاريف (٥/٦/٢٠٠٠م) أن استطلاعاً خاصّاً أجرته وزارة العمل والرفاهية الاجتماعية «الإسرائيلية» لحسابها مؤخراً أظهر أن ٣٧% من تلاميذ صفوف العاشر في المدارس «الإسرائيلية» معتادون على تناول الخمر، وأن ٨% من التلاميذ المعتادين على «الشرب» أبلغوا أنهم يستهلكون مراراً في المساء الواحد ست كؤوس من الخمر.
من جهة أخرى يتضح من معطيات صادرة عن (مجلس سلامة الطفل في إسرائيل) أن ارتفاعاً بنسبة ٣٠% قد سجل خلال عام ١٩٩٩م على عدد الشبان «الإسرائيليين» القاصرين الذين وجهت إليهم تهمة الاتجار بالمخدرات؛ حيث قدم في عام ١٩٩٨م ما مجموعه ٤١٧ لائحة اتهام ضد شبان ضُبطوا يمارسون تجارة المخدرات وحيازتها لغير أغراض الاستهلاك الذاتي، وقد ارتفع عدد لوائح الاتهام المماثلة الموجهة في عام ١٩٩٩م إلى ٥٥٦ لائحة اتهام» (١) .
ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية عن البروفيسور (ريتشارد يسرائيلوفيتش) من دائرة العمل الاجتماعي في جامعة بن غوريون قوله: إن مشكلة تعاطي الهيروين تؤثّر على جملة من مجالات الحياة، وهي تساهم في نقل الأمراض وزيادة الجريمة العنيفة ومظاهر قاسية أخرى تتطلّب موقفاً مناسباً.
وأوضحت «شيرا إيتان» التي شاركت في إعداد هذه الدراسة أن ٢٠% فقط من الـ ٣٠ ألف مدمنٍ على الهيروين يتلقّون عناية مهنية في محاولة لإشفائهم من الإدمان على المخدرات، و٢٠% منهم فقط ينتهي العلاج ببعض النجاح.
وأضافت الصحيفة أن أكثر من ٥٠% من تلاميذ الصفوف من السادس إلى العاشر كانوا مشتركين في العنف بصورة ما. وأكثر من ٦٠% من التلاميذ اشتركوا في أعمال بلطجة تجاه زملاء لهم أو كانوا ضحايا لأعمال عنف. واشترك حوالي ١٥% ـ ٢٠% في مستويات أكثر خطورة من العنف، وأصيب حوالي ١٤% خلال مشاجرات وكانوا في حاجة إلى علاج طبي.
وفي محاولة تفسير ظاهرة العنف نشر مقال في جريدة هاتسوفيه (٧/٤/٢٠٠٠م) بعنوان: «فناء مدرسة أم ساحة قتال؟» يبين أن العنف بين الشباب لم يأتِ من فراغ، بل إنه تغذى من العنف ذي المستوى المرتفع في مجتمع البالغين، وبصفة خاصة من اللامبالاة تجاه مظاهر العنف في السلوك «الإسرائيلي» (١) .
وقالت شيرا إنه يتبين من فحص لخصائص المدمنين أن الإدمان ينتشر في أوساط كلّ أنواع السكان: مهاجرين جدداً وقدامى، أشكناز وسليلي الطوائف الشرقية، والقاسم المشترك بين معظمهم هو حقيقة أنهم يأتون من خلفية اجتماعية ـ اقتصادية منخفضة.
وأشارت الباحثة إلى أن نحو ٢٠% من المدمنين هم نساء، ورغم ذلك لا توجد شبكة علاج خاصة للنساء، وهو الأمر الذي يمسّ شديد المساس آمالهن في الدخول في شبكة العناية، وإعادة الترميم والإشفاء.
وحسب إيتان فإن النساء المدمنات على الهيروين يصلن بشكلٍ عام إلى المخدرات في ظلّ استغلالٍ مّا لأجسادهن من مزوّدي المخدرات الذين قد يكونون رجالاً غرباء أو أزواجهن. وبيّنت نتائج البحث أن أغلب النساء كن في صباهن ضحايا استغلال جنسي.
ويبيّن البحث أن قليلاً جداً من الفتيان يدمنون على الهيروين، والمشكلة الأساس عندهم هي التبغ والكحول المسموح بتعاطيها، ولكنها مسؤولة عن معظم المشاكل التي يكون للفتيان ضلع فيها (٢) .
وقد أشارت الصحيفة إلى أن البروفيسور (عوزي ألموج) الباحث الاجتماعي في جامعة حيفا أرجع ذلك إلى أن العقوبات التي يتم فرضها هي متسامحة؛ حيث التسامح في البيت والمدرسة والمحكمة، وقد كثرت الدراسات والأبحاث التي أثبتت أن هناك صلة بين الكشف عن العنف والتصرف العنيف، هناك من لا يعرفون بعدُ الفرق بين الفيلم والواقع، حين تعرض الأفلام مشاهد عنيفة، وتبث دعايات عنيفة مصحوبة بالضحك،، هذه الرسائل تصور الجريمة وكأنها لعبة مسلية.
كما أشارت (سوزي بن باروخ) رئيسة قسم الشبيبة في شرطة إسرائيل، إلى تأثير الإعلام القوي جداً على جوانب الانهيار الاجتماعي؛ حيث قالت: نحن نشهد حوادث عنف متطرفة أكثر، والشبيبة تتأثر بذلك، قبل فترة حدثت حالة اغتصاب في الكرمل، وجرى الحادث عقب مشاهدة فيلم إباحي وشرب مشروبات روحية.
كما تطرق البروفيسور (ألموج) إلى أن حوادث العنف تنبع أيضاً من الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، مما يخلق نوعاً من الغيرة، ومن ثم الشعور بحب الانتقام، وأحياناً تكون الجريمة طريقاً للحصول على وسائل وأشياء «كما حدث مع المتهمين بسرقة الهاتف المحمول من الفتى (ماؤور حنوش) وتسببوا بإصابات خطيرة» . نحن مجتمع مهاجر، والفجوات الثقافية الناتجة عن ذلك تتسبب في توترات داخلية.
- معدلات عالية من العنف:
والتآكل الأسري عادة ما يؤدي إلى تزايد معدلات العنف بين الأطفال والشباب. وبالفعل ذكرت جريدة يديعوت أحرونوت (٢٤/٥/١٩٩٩م) أن الإحصاءات تشير إلى معدلات عالية من العنف في كل المجالات وجميع المراحل السنّية وكل شرائح السكان. وكشف كثير من التلاميذ عن تعرضهم للعنف اللفظي والبدني. ويعتبر العنف البدني هو الأكثر ذيوعاً بين تلاميذ المدارس الابتدائية، بينما يقل معدله مع اقترابهم لسن البلوغ. واكتشف الباحثون أن الاعتداءات البدنية البسيطة هي الأكثر انتشاراً، وإن كان معدل السلوك المتطرف ليس هيناً.
وأشارت (سوزي بن باروخ) إلى أن الفتى الذي يشعر بضائقة اقتصادية خانقة سيمد يديه إلى كل مكان ليملأها، بما في ذلك السطو، وخطف الحقائب، والسرقة وحسب أقوال (ألموج) ؛ فإن للاحتلال دوراً في هذه الظاهرة العنيفة؛ لأنه ينتج نماذج ترى أن الحل يأتي من خلال وسائل قوية، والاحتلال يجعل الأشخاص يتحولون إلى أفراد شرطة ويستخدمون وسائل عنيفة، هذا الوضع (العنف) لا يبقى هناك في المناطق فقط؛ لأن الإنسان ليس أداة آلية. إن الجندي يعود بهذه الحالة العنيفة إلى البيت، حتى بدون أن يعلم ذلك، هذا الوضع الأمني يخلق حالة من الضغط، مما ينتج النزاعات الداخلية، كما أن الوضع الأمني الاجتماعي معقد جداً. وتقول (بن باروخ) : «هذا يجعلنا نعيش في أجواء توتر، وذوي نَفَس قصير، وهذا يجد تعبيره في العنف على الطرقات والشوارع، وفي داخل العائلة، هناك ارتفاع عامٌّ في حوادث العنف على مستوى العالم، وهذا يصل إلينا. الخدمة العسكرية ـ حسب رأيي ـ تتسبب بصورة رئيسية في هذه الحوادث؛ لأن فتح ملف لواحد من هؤلاء الشبيبة في الشرطة ممن يتسببون في حوادث العنف، لا بد ان تمنعهم من التجند في صفوف الوحدات القتالية في الجيش» .
- تآكل الحياة العائلية:
والحياة العائلية في التجمع الصهيوني في حالة تآكل؛ فقد ذكرت جريدة معاريف (٢٥/١/٢٠٠٠م) أن من بين كل ٣ حالات زواج يكون مصير حالة منها الطلاق. وقد طرأت زيادة بنسبة ١٥% في عدد حالات الطلاق بإسرائيل منذ عام ١٩٩٠م، واستمرت هذه الزيادة أيضاً خلال السنة الميلادية الماضية؛ حيث سجلت زيادة بنسبة ١% في عدد حالات الطلاق (نحو ٨٦٠٤ حالات) . وتتصدر منطقة تل أبيب «قائمة الطلاق» حيث وقعت بها ٣٠١٦ حالة طلاق عام ١٩٩٩م بزيادة قدرها ٢١% مقابل عام ١٩٩٨م.
وقد ذكر ملحق هآرتس ٩/٥/٢٠٠٠م أن عدد السيدات اللاتي أنجبن خارج إطار الزواج ارتفع من واحد لكل مائة حالة إنجاب في السبعينيات إلى ١.٨ لكل مائة حالة إنجاب في عام ١٩٩٤م، وفي نفس الشهر أشارت جريدة (يديعوت أحرونوت) إلى أنه قد طرأت زيادة بنسبة ٥٠% في عدد حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال داخل الأسرة، كما طرأت زيادة بنسبة ٢٥% في عدد حالات الجرائم الجنسية التي يتعرض لها الصغار خارج نطاق الأسرة في عام ١٩٩٩م (١) .
- ملامح وصور الانهيار الاجتماعي:
- هجرة العقول في إسرائيل: شبان، ناجحون، محترفون، مطلوبون، ويفضلون الإقامة في الخارج:
ركز الكثير من وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة على الإشارة إلى نتائج الوضع الأمني المتردي في إسرائيل نتيجة لاستمرار انتفاضة الأقصى وأفادت مصادر أمنية غربية أن تردي الأوضاع الأمنية في الأراضي الفلسطينية وداخل إسرائيل إثر اندلاع انتفاضة الأقصى، وتوالي ضربات المقاومة دفع أعداداً كبيرة من الإسرائيليين إلى السعي إلى الهجرة من إسرائيل إلى الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية، وأوردت صحيفة «أوبزيرفر» اللندنية أن انتفاضة الأقصى المتواصلة أدت إلى موجة هجرة من إسرائيل ومن مناطق السلطة الفلسطينية. من ناحية أخرى كشفت تقارير إسرائيلية رسمية أن بين ٧٠٠ ألف إلى مليون يهودي غادروا إسرائيل نهائياً «هجرة عكسية» بسبب عدم إحساسهم بالأمن بعد انتفاضة الأقصى والعمليات الاستشهادية التي تقوم بها المقاومة الفلسطينية، في حين أعلن رسمياً أن أعداد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل في تناقص حاد وخطير، ويرجع عزوف عدد كبير من يهود العالم عن الهجرة إلى فلسطين إلى الخوف من الموت، ولم تعد أرض إسرائيل بالنسبة لليهود أرض العسل واللبن، ولم تعد أرض الآباء والأجداد التي يجب التمسك والتشبث بها والموت من أجلها. العديد من المعطيات المقلقة أشار إليها (شمعون بيريس) في اجتماع عقد خلال الأسبوع الأول لأعضاء حزب العمل في الكنيست، بقوله: إن شعاع الأمل انخفض في البلاد، هناك مواطنون يعيشون نصف حياتهم في إسرائيل، والنصف الآخر في أمريكا. مقربو بيريس قالوا إنه كان يقصد بكلامه تلك الظاهرة التي تسمى (هروب القمة) . وذكرت التقارير الإسرائيلية نقلاً عن المعهد المركزي للإحصاء أن عدد سكان إسرائيل يبلغ ٦.٦ مليون نسمة، وأن النمو السكاني بلغ خلال عام ٢٠٠٢م ما يقرب من ١٢٧ ألف شخص، أي ١.٩% وهي النسبة الادنى منذ عام ١٩٩٠م بحسب المعطيات الرسمية.
ويستدل من التقارير أن عام ٢٠٠٢م شهد تراجعاً في عدد المهاجرين إلى إسرائيل؛ حيث وصل العدد الإجمالي إلى ٣٤ ألف شخص فقط (بينهم حوالي تسعة آلاف من غير اليهود) مقابل ٤٤ ألفاً من المستجلبين في ٢٠٠١م، علما ان عام ٢٠٠١م كان قد شهد أيضاً انخفاضاً في عدد المهاجرين بسبب استمرار «انتفاضة الأقصى» والتراجع الحاصل على المستويين الاقتصادي والأمني في إسرائيل.
وذكرت المعطيات أن غالبية اليهود المستجلبين في عام ٢٠٠٢م (نحو ٥٤ في المائة) أي ما يزيد على ١٨ ألف شخص، قدموا من جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، كما قدم نحو ستة آلاف آخرين من الأرجنتين.
وفي غضون ذلك أقرت الحكومة الإسرائيلية تمديد فترة منح المهاجرين اليهود إلى إسرائيل من أمريكا الجنوبية وفرنسا «سلة الاستيعاب الموسعة» (منح مالية تقدر بنحو عشرة آلاف دولار) بسنة أخرى، بهدف تشجيع الهجرة اليهودية من هذه الدول. وذكرت وزارة الاستيعاب الإسرائيلية أن الدولة المرشحة لقدوم أعلى نسبة من المهاجرين منها في السنوات القادمة هي الأرجنتين، وأن مركز الثقل فيما يتعلق بنشاط الوزارة سيحوّل في الأعوام القادمة إلى أمريكا الجنوبية وغرب أوروبا، ولا سيما فرنسا.
ويتبين من المعطيات أن ارتفاعاً ملحوظاً قد طرأ عام ٢٠٠٢م على نسبة اليهود المستجلبين الذين يقبعون في السجون العسكرية. كما ذُكر أن ٢٥% من المهاجرين اليهود يؤدون خدمتهم العسكرية في وحدات قتالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وأن ثلث أفراد ميليشيا «حرس الحدود» هم من المهاجرين. كذلك، فإن لواء المظليين قد تحول في عام ٢٠٠٢م إلى مكان الخدمة المفضل في أوساط المهاجرين؛ حيث تجند ٢٤% من مجموع المهاجرين الذين يخدمون في جيش الاحتلال الإسرائيلي لهذا اللواء العسكري.
وتتوقع بعض الجهات الإسرائيلية أن يصل ما يقرب من مليون مهاجر يهودي إلى إسرائيل خلال السنوات العشر القادمة، وأعلن (أفراييم لابيد) الناطق بلسان الوكالة اليهودية المكلفة بشؤون هجرة اليهود والجالية اليهودية في العالم أن إسرائيل ستعطي الأولوية هذه السنة لهجرة يهود من بلدان غربية (١) .
وقد كشفت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الصادرة بتاريخ ١١/١٢/٢٠٠٣م ملامح هروب النخبة أو ما عرفت بـ (هروب القمة) .
- خبراء التكنولوجيا: كلهم يطلبون السفر!
أشارت الصحيفة إلى أن آلاف العاملين في مجال التكنولوجيا والإلكترونيات من الشبان أعمارهم بين ٢٢ ـ ٣٠ عاماً، تركوا البلاد في العامين الماضيين، كما تشير التقديرات؛ فكل ١ من كل ٢ من وحدة الحاسوب العليا الخاصة بالجيش يعيش في الخارج، وكل ١ من كل ٥ من العاملين في مجال التكنولوجيا يعيش حالياً في الخارج، أو يخطط للوصول إلى هناك، هذه المعطيات تعكس أن الأفراد المهمين، يتم استنزافهم من البلاد بصورة متلاحقة.
د. شوكي جليتمان، كبير الخبراء في وزارة الصناعة سابقاً، والذي يشغل رئيس أحد فروع الصناعات التكنولوجية يقول: إذا بقي الوضع في البلاد بدون تغير، وأقصد تغيراً حقيقياً، سوف نشهد فقداناً لجيل كامل من الشبان، الجيل الأفضل من الشبان، وهم مطلوبون وعمليون، والعالم كله مفتوح أمامهم. ويضيف أن المشكلة الكبرى ماثلة أمامنا، لقد أصبحنا منفصلين عن العالم: العالم الذي أصبح مكاناً أفضل، سعيداً أكثر، وغنياً أكثر، وفرصه نادرة، بينما إسرائيل ما زالت تعيش أوضاعها الصعبة.
رئيس شركة التكنولوجيا الأقدم في إسرائيل (يانكي مرجليت) يروي قائلاً: في الفترة الأخيرة توجه إليَّ موظفو شركتي، وسألوني بصورة مباشرة جداً هل أستطيع أن أنقلهم من إسرائيل إلى الولايات المتحدة مع عائلاتهم؟ خلال العام الأخير ساعدت عدداً من هؤلاء في الوصول إلى ألمانيا والولايات المتحدة، سواء لمدة قصيرة أو لمدد طويلة.
لماذا يريدون الهجرة؟ لدى الكثير منهم شعور بالاختناق، انعدام الأفق السياسي، وانعدام الأمل.
- من هم طالبو الهجرة من إسرائيل؟
والخطورة الكامنة في ظاهرة الهجرة تكمن في الفئة العمرية التي تتقدم بالطلب؛ فالمؤشرات تشير الى ان فئة الجيل الشاب الذين تتراوح أعمارهم بين ٢٤ ـ ٣٠ عاماً هي أكثر الفئات العمرية طلباً للهجرة، وهذا ما حصل في العامين الماضيين، والطلب ما زال يزداد ويتنامى هذا العام، واليوم لا يخجل أناس من القول إنهم يريدون الهجرة من إسرائيل، والانتقال للعيش في دولة أخرى. والفئة الأخرى هم أبناء الـ٣٠ عاماً وما فوق، ممن هم آباء لأطفال صغار، ويريدون الهجرة من البلاد لمدة طويلة، يسافرون إلى كل مكان، إلى أستراليا وحتى البرازيل، وما زال المكان الأكثر تفضيلاً هو الولايات المتحدة، ثم بريطانيا، والعواصم الأوروبية، ثم الشرق الأقصى، وأمريكا اللاتينية.
- الهروب ليس من الشبان فقط وإنما من رجال الأعمال ورؤساء الشركات:
لم تقتصر ظاهرة الهجرة العكسية على الشبان الذين قد يخشون على حياتهم، أو يريدون أن يستمتعوا في أيامهم، فلم تتح لهم الظروف الأمنية المتردية ان يجدوا ما يريدون، فانتشرت ظاهرة الهجرة العكسية بين المئات من الشركات العاملة في مجال البناء، فترك إسرائيل خلال السنوات الثلاث الأخيرة غالبية شركات المقاولات للعمل في مشاريع خارج حدود البحر المتوسط، وهم لا يخجلون من القول إنه في إسرائيل وحدها لا يمكن العمل.
كل واحدة من هذه الشركات ترسل أفضل عناصرها وقواها البشرية، للإقامة في الخارج وإدارة الأعمال إلى هناك، الأمكنة المفضلة اليوم هي: تورنتو، نيويورك، لندن، بودابست، وارسو؛ فهذا رجل أعمال شاب يبلغ ٣٢ عاماً، ترك إسرائيل مع ابنيه، يقول: إن العالم تحول إلى قرية كونية صغيرة، ومن الممكن حقيقة إدارة جميع الأعمال من بعيد، ولكن الأجواء في البلاد اليوم لا تغري بالبقاء ومن الأمثلة في الشهادة على ذلك رئيس بلدية كريات أونو، درور بيرنباوم ٤٢ عاماً، الذي يدير اليوم شركة مقاولات وبناء خاصة به، في شرق أوروبا، ويقيم في بودابست، وكذلك رجل الأعمال الشهير جيل بلوترايخ ٣٧ عاماً، صاحب شركة سكاي لاين، حيث يمتلك اليوم عدداً من الشركات، في إسرائيل وكندا، ووصل إلى هناك قبل أربعة أعوام، بهدف توسيع أعماله، والحد من المخاطر المتوقعة في السوق الإسرائيلية وحدها.
هذه هي ارض السمن والعسل، أرض الآباء والأجداد، يتركها أبناؤها وقادتها باحثين عن لذة أو منفعة اقتصادية؛ فكيف لو استمرت انتفاضة الأقصى لثلاثة أو أربعة أعوام أخرى، تلك الانتفاضة التي توقع كبار المسؤولين أن تنتهي في غضون مئة يوم.
- ملامح وصور الانهيار الاجتماعي (رفض الخدمة في جيش الدفاع) :
كل يوم تفيد المؤشرات والاستطلاعات أن شباب المقاومة في زيادة وازدياد، على الرغم من كل الهجمات والتصفيات التي قامت بها إسرائيل وما زالت تقوم بها إلا أن المقاومة لم تنحصر ولم تخبُ بل زاد أعداد الشباب المنظم إلى لجان المقاومة، على عكس ذلك في المجتمع الإسرائيلي؛ فقد ظهرت مظاهر الانهيار والانحسار في صفوف المنتسبين لجيش الدفاع على الرغم من كل ما يتمتع به رجل الأمن الإسرائيلي من مميزات وتوفر كل احتياجاته، مما دفع الصحافة إلى التركيز على ظاهرة الانهيار الاجتماعي المتمثلة في رفض الخدمة بداية من رجال سلاح الجو الإسرائيلي وانتهاء بعناصر النخبة من جيش الدفاع من عناصر الوحدة الخاصة المختارة التي تقدمت برفضها الخدمة في مناطق السلطة الوطنية، وهذا الذي دفع (زئيف شيف) الخبير الاستراتيجي للتصريح بأن حركة رفض الخدمة من اليسار واليمين تتغذى بعضها من بعض رغم ان جذورها متعارضة (هآرتس ٢٤/١٢/٢٠٠٣م) ويشير إلى أن هناك حركتي رفض نابعتين من طرفي الطيف السياسي تهددان اليوم وحدة المجتمع الإسرائيلي وجيش الدفاع. حركات الرفض من اليسار ومن اليمين تتشبث بعضها ببعض، ولا مجال للاعتقاد بأن كل واحدة منهما موجودة من تلقاء نفسها فقط؛ لأن العداء يسود بينها، إلا أن الخطر واحد، وكِلا الحركتين تتجاوزان بخطوتهما الرفضوية الخطوط الحمراء؛ فمن يقول إن جيش الدفاع لا يواجه مشكلة هنا أو أن حلها يمكن أن يتأتى من خلال الأوامر الانضباطية العسكرية فهو مخطئ، أما مجموعة الرافضين السابقة من ملاحي الجو في الاحتياط أو المجموعة الثانية من وحدة هيئة الأركان؛ فقد تأطرت كتظاهرة سياسية جماعية. رافضو اليسار يحظون بعناوين أكثر تعاطفاً معهم خصوصاً في الخارج قياساً مع رافضي اليمين الذين يقف من ورائهم عشرات الحاخامات.
ولفهم أهمية ظاهرة رفض الخدمة العسكرية تجدر الإشارة إلى أن الدولة الصهيونية عندها جيش نظامي صغير؛ لأن الاحتفاظ بجيش نظامي كبير أمر مستحيل نظراً لصغر حجم الكتلة السكانية وحاجة الدولة الصهيونية للأيدي العاملة، وهي تعوِّض هذا النقص من خلال نظام الاحتياط. ولذا يتعين على جميع المستوطنين الصهاينة تأدية الخدمة العسكرية؛ حيث يمضي الذكور ثلاث سنوات من الخدمة النظامية، بينما تمضي الإناث ٢١ شهراً في هذه الخدمة. وبعد انقضاء هذه الفترة، يتعين على الرجال، وحتى سن التاسعة والأربعين، قضاء فترة من الخدمة الاحتياطية قد تتجاوز شهراً في السنة (لا توجد في إسرائيل خدمة مدنية بديلة للخدمة العسكرية) . فالجنود الاحتياط ليسوا مجرد قوة إضافية أو هامشية، وإنما هم مكوِّن أساسي جوهري في قوة القمع الصهيونية. وكما قال أحد المعلقين: «كل الشعوب عندها جيش، إلا الشعب الإسرائيلي فهو جيش يمتلك شعباً» .
ويمكننا الآن أن نطرح السؤال التالي: ما هي الأسباب التي أدَّت إلى ظاهرة رفض الخدمة العسكرية: هل هو استيقاظ ضمير المجندين؟ أم خوفهم من الهلاك؟ أم أن السبب هو أزمة بنيوية حاقت بالتجمع الصهيوني؟ إذا تمعنَّا في الأمر فسنجد أن الدافع وراء هذه الظاهرة ليس عنصراً واحداً، وإنما هو مركب من كل هذه الأسباب، ومن أهمها تصاعد معدلات العلمنة والأمركة والتوجه نحو اللذة، وهي اتجاهات تنامت في إسرائيل بعد عام ١٩٦٧م وأدت إلى تحوُّل التجمُّع الصهيوني إلى مجتمع الثلاثة (V الفيديو والفولفو والفيلا) ، وإلى ظهور «الروش قطان» أي المستوطن المتوجه نحو اللذة ذي الرأس الصغير والمعدة الكبيرة، الذي يجيد الاستهلاك ولا يؤمن بأية مثاليات أو أيديولوجيات، بما في ذلك الأيديولوجية الصهيونية. مثل هذا المواطن لا يعرف كيف يضحي من أجل وطنه وكرامته، فهو ملتف حول ذاته، يريد أن يزيد من معدلات استهلاكه ورفاهيته، وهو من ثَمَّ ينصرف عن الخدمة العسكرية ويفر منه (١) .
ومن أهم أسباب رفض الخدمة العسكرية إدراك الجنود لمدى وحشية القمع الصهيوني للفلسطينيين. وقد ذكرنا من قبل أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نجحت في إقناع المجندين بأنهم يدافعون عن وجودهم الفردي والقومي، وأنهم يدخلون في حروب دفاعية متتالية بسبب لا عقلانية العرب وشراستهم. والرؤى الأيديولوجية عادةً ما تكتسب استقلالاً عمن يصوغها بحيث يصبح لها منطقها الخاص، وتؤدي إلى نتائج غير مقصودة. وهذا ما حدث في هذه الحالة؛ فجنود الاحتياط الذين غُسلت أمخاخهم بهذه الاعتذاريات الصهيونية الأخلاقية المصقولة، استقوا منها معايير للحكم على ما حولهم، وحينما أرسلوا إلى الضفة الغربية قاموا بالحكم على أفعالهم وعلى قياداتهم بهذه المعايير.
وكما قال أحدهم: «نحن نقوم بحماية حفنة من المستوطنين الموتورين الذين يستخدمون الجيش لأغراضهم الذاتية في الربح المالي أو الديني، ونحن علينا أن نساندهم ونرضيهم، ومن أجلهم نسلب حقوق الشعب الفلسطيني ونصبح جيش احتلال بشعاً بدلاً من أن نكون جيش دفاع» (الشرق الأوسط ١٣/١/٢٠٠٢م) . ولكن ـ على حد قول أحد الرافضين ـ: «إن كنت محتلاً، فلا يمكن أن تتسم بالرحمة؛ فالقسوة هي الشيمة الحتمية للمحتل» (الإندبندنت ٤/٢/٢٠٠٢م) . وقال آخر: «تربينا على أن نكون ضباطاً أنقياء كالبللور، وحولونا إلى غزاة فاشيين يريقون الدماء ويرتكبون جرائم الحرب» (هآرتس ١٣/١/٢٠٠٢م) . وقال ثالث: «لا أسمح لنفسي بأن أقمع جمهوراً من الجوعى، لقد دربوني في الجيش على القتال، ولست مستعداً لأن أواجه أطفالاً ونساءً وشيوخاً بالسلاح» (الشرق الأوسط ٣١/١/٢٠٠٢م) .
ومن المعروف أن شارون طرح برنامج الحد الأقصى الصهيوني الذي يلتزم بعدم التنازل عن غور الأردن أو إزالة المستوطنات أو تقسيم القدس أو عودة اللاجئين (معاريف ١٤/١١/٢٠٠١م) أي أن خريطته مختلفة تماماً عن الخريطة الفلسطينية. ثم بدأ شارون بعد ذلك يتحدث عن بعث الروح القديمة: روح التقشف وتحمل المشقات التي تسم الرواد الصهاينة. وقال إنه سيقود الإسرائيليين في حرب؛ بحيث يمكنهم دخول معركة تمتد لعدة سنين وربما عشرات السنين يردون فيها الصاع صاعين للفلسطينيين (١) .
ولكن شارون (كما يلاحظ جاكسون دايل في الواشنطن بوست في ٤/٩/٢٠٠١م) من القادة الإسرائيليين الذين أخفقوا في إدراك أن عقلية (الكيبوتس) القديمة قد ولَّت وذهبت، وأنه حل محلها مجتمع علماني مترف، مجتمع «الهاي تك» الذي لن يقبل سنوات طويلة من الهجمات الانتحارية دون وجود أمل في تسوية دائمة. (نقلاً عن باري روبين الجيروساليم بوست ١٦/٩/٢٠٠١م) .
وهذا ما لاحظه أيضاً إتيان هابر، فهو يشير في مقال له (يديعوت أحرونوت ١١/٢/٢٠٠١م) إلى أن جيش الحفاة في فيتنام الشمالية قد هزم الأمريكيين المسلحين بأحدث الوسائل القتالية.. ويكمن السر في أن الروح هي التي دفعت المقاتلين وقادتهم إلى الانتصار.. الروح تعني المعنويات والتصميم والوعي بعدالة النهج والإحساس بعدم وجود خيار آخر.
ومن أهم آثار الانتفاضة انتشار ظاهرة رفض الخدمة العسكرية والفرار منها، وهي ظاهرة جديدة/ قديمة في المجتمع الإسرائيلي، قديمة من حيث إن التجمُّع الصهيوني عرفها من قبل عدة مرات، كان آخرها أثناء احتلال جنوب لبنان. وهي جديدة من حيث إنها ظهرت مرةً أخرى استجابةً لتصاعُد المقاومة الفلسطينية في الانتفاضة الحالية. وظاهرة رفض الخدمة العسكرية مرتبطة بظواهر أخرى مثل الانصراف عن الخدمة العسكرية والفرار منها.
وأحدث تجليات هذه الظاهرة وأكثرها حدة حركة (الشجاعة في الرفض) التي بدأت بأن أصدرت مجموعة من ٥٠ ضابطاً وجندياً من جنود الاحتياط، وبعض ضباط في تشكيلات المظلات وغيرها من الوحدات الخاصة، بياناً تعلن فيه عن عدم استعداد الموقعين على البيان للخدمة في الضفة الغربية. وقد بدأ البيان بتأكيد أنهم (صهاينة مخلصون) ، وأنهم كانوا من الأوائل في الدفاع عن إسرائيل، إلا أن الأوامر التي يتلقونها الآن لا تمت لأمن الدولة بأية صلة، أي إنهم يرفضون التصور الصهيوني للأمن الإسرائيلي الذي يمتد من النهر إلى البحر، والذي يضم كامل تراب فلسطين. ومن ثَمَّ فالجيش الإسرائيلي في الضفة، بالنسبة لهم، هو جيش احتلال؛ لأن (الضفة الغربية ليست إسرائيل) ؛ ولذا فهم يعلنون أنهم لن (يشتركوا فيما يسمونه حرب سلامة المستوطنات) ، وأنهم لن يواصلوا (القتل خلف الخط الأخضر، بهدف السيطرة والطرد والهدم والإغلاق والتصفية والتجويع والإهانة لشعب بأكمله) (يديعوت أحرونوت ٣٠/١/٢٠٠٢م) .
وحركة رفض الخدمة العسكرية، في وقت تعاظمت فيه المقاومة، تشكل خطراً حقيقياً على القدرة العسكرية الإسرائيلية؛ فهي تسمم الجيش الإسرائيلي من الداخل، وتؤدي إلى خفض المساهمة الكمية في الجهد العسكري (ناحوم يرنباع، يديعوت أحرونوت ٢٨/١/٢٠٠٢م) (١) .
ويشير زئيف شيف أنه قبل خطوة الطيارين الرفضوية أُقيل ضابط مظلات تخدم كتيبته في المناطق من منصبه. جيش الدفاع رفض تمديد خدمته النظامية رغم كونه ضابطاً ممتازاً. كتيبته كلفت بتفكيك موقع استيطاني في المناطق، وكان قائدها يعرف حساسية هذا الضابط، ولذلك أمره أن يخدم في حاجز عسكري، وأن لا ينضم للقوة المكلفة بالإخلاء، إلا أن الضابط رفض ذلك أيضا (لأنه يدخل في إطار خطوة التفكيك) ولذلك أُقيل من منصبه.
محكمة العدل العليا لدولة إسرائيل قررت أنه لا يمكن قبول الرفض الانتقائي (مثل الطيارين) . الجندي النظامي أو الاحتياط لا يستطيع أن يحدد المنطقة الجغرافية التي سيخدم فيها. وفي نفس الموضوع قال (نير برعام) في صحيفة معاريف بتاريخ ٢٤/١٢/٢٠٠٣ في مقال بعنوان (الرافضون هم الأبطال) : «الرفض السياسي شرعي ومطلوب. في الفترة الأخيرة نحن نشهد موجات من الجنود وصلوا إلى الاستنتاجات التالية: الاحتلال ليس دفاعاً عن النفس، الاحتلال العنيد طويل المدى هو جريمة بحسب كل معيار دولي في عصرنا، حقيقة أن الأعوام الـ ٣٦ يزداد فيها فقط تقوي الزعم أنه هنا من أجل البقاء. إن الظلم الذي تجريه دولة إسرائيل في مناطق الاحتلال، هو جرائم، من الواجب رفضها كما طلبنا ونطالب من جنود في دول أخرى أن يرفضوا وقت الحاجة.
الجنود الذين يتوصلون إلى الاستنتاج بأنه في هذه الظروف، وفي واقع مجنون ومريض كهذا لا يستطيعون أن يخدموا التجمع القومي أكثر يستحقون الاحترام الكبير، وسيكونون في الذاكرة الإسرائيلية أبطال هذا الزمن القبيح.
وتتميَّز حركة رفض الخدمة، بأنها ليست مجرد فعل فردي أو حتى اتجاه تلقائي عام، وإنما عملية جماعية منظمة وضعت هدفاً واضحاً لها: الضغط على الحكومة الإسرائيلية للانسحاب من الأراضي المحتلة بعد عام ١٩٦٧م. وقد قال أحد الرافضين: إنه إن وصل عدد الموقعين إلى ٥٠٠ فسيكون على المؤسسة أن تختار بين الاحتلال وجيش الدفاع (هآرتس ٣١/١/٢٠٠٢م) . وقد لاحظت صحيفة الإندبندنت البريطانية (١/ ٢/ ٢٠٠٢م) أن الحركة (ثورة متنامية) ، كما أكد أحد الكُتَّاب في يديعوت أحرونوت (٣/١/٢٠٠٢م) أن (العصيان الكبير سيأتي) . أما يوئيل ماركوس (هآرتس ٢٩/٢/٢٠٠٢م) فقد قال: إن هذا التمرُّد قد يكون بسيطاً في بدايته، ولكنه يمكن أن يصبح عصياناً مدنياً وبداية الفوضى.
ويبدو أن هذه التوقعات آخذة في التحقُّق التدريجي؛ فقد ازداد عدد الموقعين حتى وصل إلى حوالي ٤٢٠ (حتى الأسبوع الثاني من نيسان (أبريل) ٢٠٠٢م) . ولكن يجب أن نضيف لهم ما يسمَّى (الرفض الرمادي) ، وهذا يضم أعداداً كبيرة من جنود الاحتياط الذين يلجؤون إلى تأجيل الخدمة العسكرية لأسباب صحية، أي أنهم يتمارضون. كما أعلن ٤٠٠ جندي احتياط أنهم سيرفضون الخدمة إن تمَّ استدعاؤهم. ولا شك في أن تجربة جنوب لبنان (عام ٢٠٠٠م) لا تزال عالقة في أذهان الجميع؛ فحينما تصاعدت المقاومة ضد جيش الاحتلال تزايد عدد رافضي الاشتراك في العمليات العسكرية في لبنان، وعدد الرافضين لاحتلال الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، مما اضطر المؤسسة العسكرية والسياسية الحاكمة إلى الإذعان في نهاية الأمر وقررت الانسحاب من طرف واحد، ولا يوجد ما يمنع من تكرار هذا النمط (٢) .
هكذا هي دولة الكيان الصهيوني كما ينظر لها بعض من مثقفيها، فها هي تنهار من الداخل الذي بدأ بانهيار الأخلاق، وهجرة أبنائها الشباب ورجال الأعمال بها، ووصولاً إلى التمرد وعدم الانصياع لقيادة هذه الدولة التي يصر قادتها على احتلال أراضي غيرهم.
(١) د. عبد الوهاب المسيري، موقع إسلام أون لاين على الإنترنت.
(١) المرجع السابق.
(٢) http://www.palestine-info.info/arabic/index.shtml.
(١) عبد الوهاب المسيري، مرجع سابق.
(١) موقع عرب ٤٨ الإلكتروني.
(١) http://www.palestine-info.info/arabic/books/entefada/tahrer ٩.htm
(١) http://www.palestine-info.info/arabic/books/entefada/tahrer٩.htm
(١) عبد الوهاب المسيري، من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية.
(٢) عبد الوهاب المسيري، مرجع سابق.
стр. 5153
مرصد الأحداث
أحمد فهمي
- أقوال غير عابرة -
a «أبي ذهب إلى الجنة حيث خالي نضال وعمي حسن والشيخ ياسين، وعندما أكبر سأستشهد وأذهب عندهم» الطفل أحمد ذو السبع سنوات ابن عماد عباس رفيق عدنان الغول من قادة القسام الذين اغتالتهما القوات الإسرائيلية معاً. [السبيل ٣-١١-٢٠٠٤م]
a «عملية التفتيش عن السلاح عملية متعبة بالنسبة لجنودنا، وعلى سكان الفلوجة أن يتحلوا بالصبر. إننا نحاول أن نجعل البلدة آمنة لهم عندما يعودون» المقدم الأمريكي (دان ولسون) يتحدث باسم قوات الاحتلال الأمريكي للفلوجة. [موقع البي بي سي ٢٤-١١-٢٠٠٤م] .
a «إنه أمر صعب أن تُبلغهم أنهم يُحرَّرون، بينما هم يشاهدون ابنهم يقتل» الجندي الأمريكي (جيمي ماسي) خدم في المارينز عشر سنوات يتحدث عن خدمته العسكرية في العراق قبل أن يُسرح لإصابته بالاكتئاب. [مجلة العصر ١٩-١١-٢٠٠٤م]
a «كلنا يعرف أن الإنسان العربي محكوم عليه بمعاصرة زعيم واحد أو اثنين على الأكثر خلال حياته، حتى وإن تجاوز عمر المواطن التسعين عاماً» المذيع بقناة الجزيرة (فيصل القاسم) يعلق في مقال له على فترة زعامة ياسر عرفات التي امتدت لما يقرب من أربعين عاماً. [صحيفة الحقائق ٢١-١١-٢٠٠٤م]
a «هذا ما يحتاجه بالضبط الرئيس بوش، أن يجد شخصاً إلى جانب زوجته لورا يتفق معه في الرأي عندما يقدم على اتخاذ قرار يتسم بالغباء» الصحفي الأمريكي البارز (نيكولاس كريستوف) يعلق على اختيار (كوندوليزا رايس) وزيرة للخارجية. [الاتحاد الإماراتية نقلاً عن النيويورك تايمز، ٢٠-١١-٢٠٠٤م]
a «نعتقد أن حزب الله يساعد على حماية الحدود، ومنع أي تغلغل عدائي نحو إسرائيل» الكاتب الأمريكي الشهير سيمور هيرش. [برنامج بالعربي، العربية نت ٣-١١-٢٠٠٤م]
a «لا يجب أن نكون أميركيين أكثر من الأميركان، للأسف هناك أصوات تنادي بعدم انتقاد أميركا، والأميركان أنفسهم ينتقدون سياسة بوش علناً» محمد المطيري أمين عام تجمع ثوابت الأمة الكويتي. [القبس ١٠-١٠-١٤٢٥ هـ]
a «الرئيس دمر سمعتنا، ودمر مصداقيتنا وهيبتنا الأخلاقية.. إن العالم اليوم في فوضى» (مادلين أولبرايت) وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة تنتقد جورج بوش. [الأسبوع ٨-١١-٢٠٠٤م]
стр. 5154
علم السنن وأهميته في الآفاق والأنفس
أ. د. محمد أمحزون
إن سنن الله ـ تعالى ـ أو القوانين التي يخضع لها الكون ثابتة وشاملة لا تتغير مهما تغير الزمان والمكان: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر: ٤٣] .
ولقد نجم هذا الثبات وذلك الشمول عن أمرين:
الأول: استبعاد عنصر المصادفة تماماً، إذ لا يمكن للمصادفة أن تثبت نظاماً أو تجعله شاملاً.
الثاني: هو أن الثبات والاطِّراد والشمول جعل قيام العلم أمراً ممكناً؛ إذ لو تغير نظام الوجود وخصائص الأشياء من مكان إلى آخر أو من زمان إلى آخر لما قامت حقائق علمية، ولما كان هناك تقدم وحضارة.
ولما كان دور العلم أن يبصرنا بآيات الخالق ـ جل علاه ـ في الكون، وبنظامه الرائع البديع، كان اطِّراد هذا النظام وسيلة إلى اكتشاف السنن الاجتماعية والتاريخية وقوانين المادة الثابتة الصارمة التي لا تعرف التغيير والتبديل، مما يساعد الإنسان على معرفتها ثم التكيّف معها وتوظيفها في عمارة الأرض وبناء الحضارة.
والأمر الأهم في السنن أنها:
- من الناحية الاجتماعية والتاريخية تكاد تلتحم مع أحكام الهداية القرآنية التي يمكنها بطبيعتها الإيمانية أن تشحن الطاقة الروحية للإنسان، وتجعل من إرادته وقدرته قوة محركة لسنن الأنفس والتاريخ والمجتمع؛ مما يغيّر الموازين والمقاييس الوضعية المتعارف عليها.
- ومن الناحية الطبيعية تفجر طاقاته الإبداعية وتوجه قدراته نحو الكشف والتطوير، وتسخيرهما في تجارب الحياة وتطويع الطبيعة والأشياء.
ومن هذا المنظور علينا أن نعيد إلى عقيدتنا حيويتها وفعلها الاجتماعي الذي ينهض بالأمة، ويدفع بها في مسار الحضارة.
- العلم بالسنن من فروض الكفاية:
من نافلة القول أن سنن الله ـ تعالى ـ المبيَّنة في القرآن الكريم وفي السنّة الشريفة جديرة بالدراسة والفهم؛ لأن دراستها وفهمها من الأمور المهمة جداً والواجبة شرعاً وديناً؛ إذ هي جزء من معرفة الدين، ومن جملته معرفة أحوال الأمم مع أنبيائهم، وما حلّ فيهم بسبب سلوكهم معهم وفقاً لسنن الله تعالى. كما أنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة حتى لا نقع في الخطأ والعثار والغرور والأماني الكاذبة، وبذلك ننجو مما حذرنا الله منه، ونظفر بما وعد الله ـ تعالى ـ به عباده المتقين (١) .
«والعلم بسنن الله ـ تعالى ـ من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة، وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم؛ إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها ... ولا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله ـ تعالى ـ من ذكرها ... إنهم بما لهم من معرفة بأحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم، ومن التجارب والأخبار في الحرب وغيرها، وبما منحوا من الذكاء والحذق وقوة الاستنباط كانوا يفهمون المراد من سنن الله ـ تعالى ـ ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها» (٢) .
- أثر السنن في تطور العلوم:
ومن المعلوم أن الله منح الإنسان القدرة العقلية ليتمكن بها من استكشاف العالم وتمييز السنن التي تتحكم في المخلوقات المختلفة، ومنحه القدرة المادية التي تمكنه من تسخير هذه المخلوقات في شؤونه وحاجاته؛ حيث أثر ذلك في مجرى وتطور الحياة الإنسانية تأثيراً عميقاً وجذرياً.
ويمكن الإشارة ها هنا إلى أمثلة من سنن كثيرة أثّرت في حياة البشرية، ومكنت من إحراز تقدم هائل في مضمار المدنية، نظراً لاستجابة العلماء لداعي البحث في هذا العلم وإدراكهم وجوب الاهتمام به وأهميته في تقدم المعرفة؛ لأن الهدف الذي تسعى إليه العلوم قاطبة هو معرفة السنن التي تحكم مفردات هذا الكون.
ومن نماذج السنن التي أثرت في حياة البشرية ودفعتها أشواطاً بعيدة في مجال تطور العلوم:
أ - تلك السنة التي تنبّه لها العالم الرياضي الشهير «نيوتن» ، والتي صاغها فيما عرف باسم «قانون الفعل ورد الفعل» ؛ فقد تمكن الإنسان بعد أن يسر الله ـ تعالى ـ له الظروف والإمكانيات المواتية أن يستفيد من خصائص هذه السنة في مجالات عديدة، من أبرزها اختراع المحركات النفاثة التي تساهم في تقدم صناعة الطائرات والصواريخ مساهمة فعالة، حتى أوصلت الإنسان إلى سطح القمر الذي كان في الماضي حلماً بعيد المنال (٣) .
ب - وما سيرة الطاقة الذرية أو النووية عنا ببعيدة؛ فقد تمكن الإنسان خلال سنوات قليلة أن يسخر هذه الطاقة الهائلة في أغراض شتى مدنية وعسكرية، بعد أن عرف السنن التي تتحكم فيها، ولم يكن ممكناً له ذلك من قبل حين كان يجهل هذه السنن جهلاً تاماً.
- السنن وسيلة للتحكم في الظواهر الاجتماعية والطبيعية:
وعلى الصعيد الاجتماعي؛ فإن الاستفادة من السنن وملاحظة الأمثلة والأحداث تقدم للناس بصراً ومعرفة نظرية وعملية، حتى لا يقعوا فيما وقع فيه مَنْ قبلهم من المحاذير والمثلات، أو تنقذهم إذا هم وقعوا فيها، وعلى أقل تقدير لكسبهم صلابة موقف من يدرك السنة؛ لأن موقف من يرى السنن يختلف عن نظر وموقف من يجهل مصدر الأحداث؛ فإن حيرة وخوف من يجهل غير بصيرة وطمأنينة من يعلم.
بل مثل من يعلم سنن الاجتماع والتاريخ ومن يجهلها، كمن يعيش في مفازة على خريطة وبوصلة، لا كمن يضرب في تيه الأرض دون معرفة أو دليل (٤) .
ولذلك يجب على المسلمين أن يركزوا في معارفهم العامة والمتخصصة على الدراسات التي تمكن من الإحاطة بمفردات هذا العلم، وضبط الآليات التي توجههم للاستفادة في ميدان التطبيق من مختلف السنن (القوانين) التي تتحكم في المساحات الكونية؛ إذ هي التي تؤدي عادة لحدوث الظواهر سواء كانت مادية (طبيعية) أو إنسانية (اجتماعية) ، وتفيدنا في التحكم بهذه الظواهر بمعرفة شروطها وأحكامها وموانع حدوثها، وتجعلها أكثر قدرة على تسخيرها لصالحنا، وتوظيفها في تصريف شؤون حياتنا؛ مما ييسر لنا مهمة الاستخلاف في الأرض وبناء الحضارة.
وإن انطلاق المسلمين لاستيعاب علم السنن، وامتلاك أسباب القوة في جميع مجالات العلوم تجريبيةً وإنسانيةً لحماية دينهم وأوطانهم ومكتسباتهم الحضارية؛ ما زال فريضة شرعية غائبة إن لم يقم بها بعضهم أثموا جميعاً وسئلوا عنها يوم القيامة بين يدي الله .
- ثمرات وفوائد اكتساب علم السنن:
فمن الثمرات التي نجنيها من فهمنا لطبيعة السنن ثمرة الإيمان، فالكون ما كان له أن يقوم على هذه الصورة البديعة من التناسق والجمال والتوازن والاستقرار لو لم يكن خالقه رباً واحداً وإلهاً حكيماً عالماً مريداً، خبيراً، قوياً، عظيماً، محيطاً بكل شيء، وقادراً على كل شيء، (٥) .
هذا من جهة. ومن جهة ثانية؛ فإن التوجيهات الإلهية للمؤمنين للتدبر والتفكر في سنن الوجود، هي توجيهات دقيقة للعقل المؤمن ليتفتح على رصد الوقائع واستقراء الظواهر لمعرفة قوانين المادة والكشف عن أسرار الكون؛ إذا ما ينبغي أن يعرض عن ملاحظة دقيق صنع الخالق ـ جل وعلا ـ في الأرض والسماء بعد أن أمره بذلك ليتعرف على كمال الله ـ تعالى ـ ودقيق صنعه، فيعبده على بينة وعلم، وليتعامل مع عالم الشهادة بإدراك قوانينه وتسخيرها، ومن ها هنا كان العقل المسلم فاعلاً متوهجاً تواقاً للمغامرة العلمية، والريادة في رصد الأفلاك، وتشريح الأعضاء، ودراسة الظواهر في العصر الإسلامي الذهبي (١) .
وثمة ثمرة طيبة أخرى يمكن أن نقطفها من فهمنا الصحيح لعلاقة السنن بحياتنا؛ ذلك أن إيماننا بأن كل أمر في هذا الوجود خاضع لسنة سوف يعين المسلمين على الخروج من متاهة الاختلاف والنزاع والضعف والتشتت؛ لأن كشف السنة التي تحكم أمراً من الأمور، سيجعل النظرة إلى هذا الأمر نظرة واقعية وموضوعية، وينقل التعامل معه من نطاق الفرضيات والنظريات القابلة للأخذ والردّ والاختلاف إلى آفاق العلم الذي لا جدال فيه ولا اختلاف (٢) .
وفائدة هذا العلم في معرفة أحوال الأمم كفائدة علم النحو والبيان في حفظ اللغة.
ومن الثمرات التي نجنيها من التفاعل مع هذا العلم، أننا حين ندرك إدراكاً عميقاً أن كل شيء في هذا الوجود خاضع لسنن لا تتبدل ولا تتحول، ثم نترجم هذا الإدراك إلى نتاج عملي من خلال تعاملنا الواقعي مع سنن الله ـ تعالى ـ في الخلق، فعندئذ نصبح ـ بعون الله تعالى ـ قادرين على تسخير الكون من حولنا وفق الطريقة القويمة التي أمرنا الله بها، وبهذا نتمكن أن نخرج من أزمة تخلفنا، وهي نتيجة طبيعية لغفلتنا عن العلاقة بين الجهد البشري وسنن الله ـ تعالى ـ في الخلق (٣) .
وكذلك من الفوائد التي يجنيها الإنسان بتعامله مع السنن ثمرة الحرية، فبفهمه لطبيعة بعض السنن استطاع أن ينفذ من الأرض إلى السماء ويكتسب هامشاً جديداً من الحرية؛ إذ تحرر من قيد الجاذبية الأرضية، وتحرر من قيد السرعة التي منحت له فطرة، وهي سرعة مشيه على قدميه، فأصبح قادراً على الحركة بسرعة مذهلة تتجاوز سرعة الصوت (٤) .
ذلك أن السنن تعد بمثابة حواجز تحد من حرية الإنسان في هذا العالم، وتقيد حركته، نلمس ذلك في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] .
ولذا نرجح أن السلطان المذكور في الآية هو سلطان العلم ومعرفة السنن الإلهية التي تعين الإنسان على الطيران للنفاذ من أقطار السماوات والأرض ـ والله أعلم ـ.
- السنن تتيح إمكانية تحويل الأفكار بسرعة إلى الفعل:
ولأهمية هذا العلم أصبح العلماء في العصر الحاضر ـ بفضل تعمقهم في فهم السنن الكونية ـ قادرين على كشف أسرار المخترعات الجديدة بصورة أسرع بكثير مما كان يجري في الماضي، كما أتاح لهم فهم السنن للتعجيل في تحويل أفكارهم الفطرية إلى تطبيقات عملية.
- سنن الله في الآفاق والأنفس وعلاقتها بالمجتمع:
السنن في مجال الطبيعة: هي القوانين التي سنّها الله لهذا الكون، وأخضع لها مخلوقاته جميعاً على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها (٥) : ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] ، فما في الكون من ذرة أو مادة أو حيوان أو نبات إلا له قانون يسير وفقه ويتحكم في جزئياته.
وفي الميدان الاجتماعي: هي القوانين التي يخضع لها البشر في تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة، وما يكونون عليه من أحوال، وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية والضيق في العيش، والسعادة والشقاء، والعز والذل، والرقي والتخلف، والقوة والضعف (٦) .
وفي حقل التاريخ: هي القوانين التي تتحكم في مسيرة التاريخ البشري، وفي حركته وتوجيه أحداثه.
والسنن مرتبطة أساساً بالله ؛ بمعنى أن كل ناموس من نواميس الكون يستهدف ربط الإنسان بالقوانين العلمية والموضوعية للكون.
فهو ـ سبحانه ـ الذي خلق الكون وخلق كل شيء فيه، وقدّر العلاقات المختلفة بين عناصره ومفرداته، وجعل السنن على هذه الصورة البديعة المتناسقة، وأوجد أسبابها، وقدّر نتائجها، وجعل العلاقة بين السبب والمسبَّب أو النتيجة قائمة وفق نظام مطرد، قابل للتكرار كلما توافرت شروطه وانتفت موانعه.
فلولا ثبات السنن على هذه الشاكلة لما أمكن للبشر أن يسخروها أو يستفيدوا منها، ولما كان في هذا الوجود أصلاً توازن ولا استقرار، ولكانت الفوضى حينئذ هي سمة الخلق.
ومن ها هنا تتجلى حكمة الله ـ جل ثناؤه ـ في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين الثابتة، وعلى مستوى الروابط المطردة، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر: ٤٣] .
ولما كان التعامل مع الكون المحيط بنا لا يتم بصورة صحيحة إلا بعد فهم السنن الإلهية التي جعلها الله مفاتيح للتعامل مع موجودات هذا العالم، وتتيح للإنسان فرصة الاستفادة من كنوزه وثرواته التي لا تعدّ ولا تحصى في آفاق الطبيعة والمادة والنفس والإنسان والمجتمع؛ لهذا فإن الهدف الذي تسعى إليه العلوم قاطبة هي معرفة السنن التي تحكم مفردات هذا الكون؛ لأن معرفة السنن أو الأسباب التي تؤدي عادة لحدوث الظواهر سواء كانت مادية أو إنسانية، تفيدنا في التحكم بهذه الظواهر، بمعرفة شروطها وأحكامها وموانع حدوثها، وتجعلنا قادرين على تسخيرها لصالحنا والاستفادة منها وتوظيفها في تصريف شؤون حياتنا، مما ييسر لنا مهمة الاستخلاف في الأرض وبناء الحضارة.
- أولاً: السنن الطبيعية وعلاقتها بالمجتمع:
القرآن الكريم لم يكتف بتأكيد موضوع السنن نظرياً، بل ربط عملياً إمكانية الإنجاز الحضاري بمعرفة الأسباب، وكشف السنن التي تحكم الكون وعالم الحياة والأحياء، وقدّم «ذا القرنين» أنموذجاً متجسداً للخبير المسلم الذي يستخدم العلم الصناعي في مصلحة البشرية. ويمكن القول بأن الكشف عن السنن الطبيعية قد أثر إلى حد كبير في حياة البشرية التي أخذت تقترب بخطى حثيثة من فهم العالم المحيط بها، وتسخيره بصورة أكثر فعالية.
إن حياة المجتمع واستمراره وتقدمه تعتمد على الكشف عن قوانين الكون وأسراره، وهذه العملية تتطلب صبراً وتحدياً واستجابةً ودأباً وإبداعاً.
فمن جهة: هناك الحاجة إلى معرفة الأسباب التي تفيد عادة في التحكم بالظواهر الكونية المختلفة، وتجعلنا أكثر قدرة على تسخيرها لصالحنا، ودرء أخطارها عنّا ـ بإذن الله تعالى ـ.
ومن جهة ثانية: هناك المعرفة اليقينية بعناصر الظاهرة الكونية؛ فلا يصح أن ندّعي بأن عندنا علماً بظاهرة من الظواهر الكونية ما لم نكن قد عرفنا السنَّة التي تحكمها، وأخذنا في الحسبان أن معرفة السنة التي تحكم ظاهرة ما: تعني بالضرورة معرفة كل العوامل والشروط المتعلقة بالظاهرة المحيطة بها. وتعني كذلك القدرة على إعادة تشكيل الظاهرة من جديد انطلاقاً من تلك العوامل والشروط.
فنصل من خلال ذلك إلى أمرين:
الأول: القدرة على التنبؤ بنتائج الظاهرة تنبؤاً يقينياً.
الثاني: القدرة على تسخير الظاهرة نفسها من خلال تهيئة شروطها وأسبابها التي سبقت المعرفة بها (١) .
وهذا هو العلم اليقيني النافع الذي لا يدانيه شك، ويمكن تسخير الأشياء به، والاستفادة من معطياته وثمراته في تصريف شؤون الحياة، وازدهار المجتمعات، وعمارة الأرض على الوجه الذي أمر الله به.
أما ثمار الكشف عن السنن الطبيعية: فإنها تتجلى في فسح المجال للإنسان باستخدام نتائج البحث العلمي في تطوير أساليب العمليات الإنتاجية، واستغلال البيئة المحيطة بالإنسان، وتطويع ما فيها من مواد وطاقة لإشباع مصالحه الاجتماعية: الضرورية والحاجية والتحسينية، وبصورة عامة فهي توفر مجموع السبل التي تتيح للمجتمع حياة مادية آمنة ومرفهة.
لكن ينبغي الإشارة إلى الفارق الكبير بين موقع العلم التجريبي في المشروع الحضاري الإسلامي وموقعه في المشروع الغربي؛ فرق في المنطلقات والغايات، وفرق في الضوابط والآليات، وفرق في التوجيه والتطبيق.
فالمنطلقات والغايات عند المسلمين عبادية وإنسانية، تقوم على تنفيذ إرادة الله ـ تعالى ـ وأوامره في النظر في الكون والآفاق، من أجل الوصول إلى السنن أو القوانين التي تحكم الموجودات والمخلوقات.
وهذا يفيد من جهتين:
الأولى: تعميق الطاقة الإيمانية عند الإنسان المسلم؛ إذ تؤدي العلوم الطبيعية إلى مزيد من الخشية لله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] .
والثانية: الانتفاع بالمعرفة السننية في التطبيقات العلمية (التقنية والصناعية) ، وهو الأمر الذي يؤدي إلى أن يكون المجتمع المسلم هو الأقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً وتعليمياً وصحياً (١) ، وهذا شرط رئيس للقيام برسالة الإنسان؛ لأن التنمية الشاملة بكافة جوانبها ومكوناتها لن تتحقق إلا إذا جُعل الإنسان محور أهدافها.
- ثانياً: السنن التاريخية وعلاقتها بالمجتمع:
ولأهمية السنن، قدّم القرآن الكريم تلخيصاً وافياً ودقيقاً عنها؛ حيث نبّه المسلمين إلى أهمية التعرف على السنن التاريخية: بعرضه لقصص الأمم السابقة للإفادة منها في الاعتبار، وبناء الحضارة، وكيفية المحافظة عليها من السقوط.
إن هذا الكون ـ بما فيه الإنسان وفعله ـ هو خلق الله ـ تعالى ـ فلا بد إذن من الرجوع إلى الخالق لفهم هذا الخلق: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] . وإذا رجعنا إلى الوحي المنزل من الخالق ـ جل وعلا ـ لهداية البشرية نجد الاتجاهات محددة، وهي تدعو إلى الاهتداء بالسنن في ثباتها وصرامتها واطرادها، ومعرفة الأطوار التاريخية التي مرت بها الأمم والدول في تقلباتها ومصائرها، والسنن الربانية التي حاقت بها (٢) .
فمن خلال السنن الإلهية في كتاب الله ـ تعالى ـ وسنة نبيه ﷺ نفهم التاريخ، ونفسر أحداثه تفسيراً ينفعنا في تقييم حاضرنا وبنائه، واستشراف المستقبل؛ إذ نعرف عوامل البناء والأمن والاستقرار والصحة والرفاهية، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] ، فربطت الآية الكريمة ها هنا بين وفرة الإنتاج وعدالة التوزيع، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] ؛ فالحفاظ على القيم العليا في المجتمع والحرص على تطبيقها لا بد أن يؤدي إلى عمارة الأرض، وترقية الحياة ونمائها، وهذه كلها مؤشرات الرخاء والازدهار التي وعد الله ـ تعالى ـ عباده المؤمنين المتقين.
كما نعرف عوامل الهدم والخوف والجوع والمرض، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] ؛ فتبدل الأحوال الذي يحدثه الله في المجتمع من الصحة إلى السقم، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الأمن إلى الخوف، ومن العزة إلى الذلة ... مرتبط بإرادة الناس وسلوكهم وأفعالهم السلبية المخالفة لما أمر الله ـ تعالى ـ به.
ونضع أيدينا على أسباب الاضمحلال والسقوط في مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] ؛ إذ ربطت هذه السنة بين أمرين: بين تأمير الفساق والمترفين في المجتمع، ووضع آليات التوجيه ودواليب السلطة في أيديهم، وبين دمار ذلك المجتمع وانحلاله، فمتى وجد الشرك: وجد الجزاء، ومتى كانت المقدمة سيئة، كانت النتيجة بدورها مخيبة للآمال.
وعليه، فإن انتقال المجتمع من حال إلى حال لا يحصل عشوائياً؛ بل يحصل وفق سنن ربانية تحكم مساره وتضبط وجهته؛ حيث حدثنا القرآن الكريم عن مجتمعات مختلفة: منها من عاش حياة رغيدة آمنة، ومنها من ذاق لباس الجوع والخوف، ومنها من باد وهلك بعذاب الاستئصال.
ولقد كان البيان القرآني جليّاً حين قرّر أن ازدهار المجتمعات أو اضمحلالها رهين بتطبيق شريعة الله ـ تعالى ـ أو النأي عنها؛ ففي باب الوفرة وبسط النعم يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ [المائدة: ٦٦] . وفي باب الشدة والجوع والوباء والعذاب يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٤] . إنها سنَّة ماضية في كل المجتمعات التي تحيد عن منهج الله ـ تعالى ـ وتأبى الخضوع لحكمه.
والقرآن الكريم حين لفت أنظار الناس إلى أحوال الأمم السابقة وعواقب الأمم البائدة، إنما أراد بذلك أن نستخلص العبر ونستجلي العظات لبناء مجتمعات مؤمنة سليمة، قوية وعادلة.
وللاعتبار ربط الكتاب العزيز بين ثبات السنَّة والسير في الأرض، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] .
ومن نافلة القول أن تفسير التاريخ الإنساني وفق قواعد منهجية كهذه وغيرها التي وجّه القرآن الكريم نظر الإنسان إليها، ووفق سنن صارمة مطردة تتحقق آثارها كلما تحققت أسبابها ـ بإذن الله تعالى ـ ويستطيع الناس ملاحظتها، وبناء تصورهم للمقدمات وسحب النتائج عليها، ومعرفة مراحلها وأطوارها. كان هذا التفكير السنني برمته في تفسير التاريخ شيئاً جديداً على العقل البشري؛ إذ كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدوّن من الأخبار، مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس، لا يربط بينها منهج تحليلي سببي يحدد نسق التسلسل بين الأحداث، كما يحدد نسق الترابط بين المقدمات والنتائج، وبين الأسباب والمسببات، وبين المراحل والأطوار، فجاء المنهج القرآني لينقل المجتمعات البشرية إلى الأفق الرحب، ويحدّد لها منهجاً للنظر والاستقراء والاستدلال في معالجة التاريخ الإنساني والفعل الاجتماعي عبر الماضي والحاضر والمستقبل.
- ثالثاً: السنن الاجتماعية وعلاقتها بالمجتمع:
بصدد الحديث عن السنن الاجتماعية وعلاقتها بالمجتمع سنعرض سُنَّتين؛ للأولى أثر كبير في إحداث التفاعل الاجتماعي والسير بعملية البناء الحضاري نحو الأحسن، وللثانية صلة بشدّ وظيفة المجتمع عندما يخرج أفراده عن النظام العام، ولا يحصل بينهم الانسجام والتكامل المطلوب، فينتهي المجتمع إلى الاضمحلال والزوال.
السُّنَّة الأولى: سُنَّة التغيير:
من المعلوم أن هذه السنَّة عظيمة القدر؛ لأن أهم شيء يحث عليه القرآن، ومن أجله أنزل الله ـ تعالى ـ الكتب وأرسل الرسل ﵈: هو تغيير المجتمعات من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.
ولهذا جاء الإلحاح في الكتاب العزيز لينظر الناس إلى العلاقة العضوية ما بين تغيير ما بداخل النفس وتغيير الواقع الاجتماعي في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . فالآية توحي بقانون صارم ثابت يحكم العلاقة بين المحتوى الداخلي النفسي للناس، وتغيير حال المجتمع إيجاباً أو سلباً نحو الأحسن أو نحو الأسوأ.
ومن منطلق هذه السنَّة ترتفع وتنخفض المجتمعات، وعلى أساسها يكافئ الله ويعاقب.
ولأنها سنة عامة، فسيتناول حديثي الجانب الإيجابي منها، وهو التغيير نحو الأحسن؛ حيث قضى الله ـ تعالى ـ أنه لا يغير واقع مجتمع حتى يبدأ أفراده بتغيير ما بداخل أنفسهم من مفاهيم وأفكار، ونظرة للكون والإنسان والحياة، ويصلحوا أحوالهم وأوضاعهم، فيغير الله ـ تعالى ـ آنذاك ما بهم ويأخذ بأيديهم إلى برّ الأمان.
ومن المعلوم أن التغيير لا بد أن يرتكز على ثلاثة مقومات أو تتوفر فيه ثلاثة شروط:
أولها: العقيدة: فالإيمان بالله ـ تعالى ـ يعد شرطاً أوّلياً لبسط النعمة، أو بالمصطلح المعاصر: «الحضارة» أو الرفاهية والرخاء، والعمل الصالح الذي يترجم هذا الإيمان إلى سلوك هو صِمَام الأمان للحفاظ على هذه النعمة أو الحضارة (١) .
وثانيها: الإنسان: وهو محور التغيير؛ لأنه اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فلا بد من تزكيته وتربيته وتهيئة إرادته للعمل والإبداع عن طريق شحذ قوته الداخلية: الروحية والعاطفية والنفسية والعقلية، ليمتلك رصيداً ضخماً في مجال المبادرات الحضارية.
ثالثها: الزمن: باعتباره عاملاً رئيساً لإنضاج عملية التغيير؛ ذلك أن التغيير النوعي في المجتمع يتطلب فترة زمنية كافية حتى يكتمل، ويؤتي ثماره يانعة سائغة.
وفي نطاق سنة التغيير: تبدأ الظواهر الاجتماعية ـ في العموم ـ بالمقررات الفكرية التي تولد الغايات، ثم الاتجاهات النفسية التي توجه الإرادات إلى أن تنتهي بالممارسات العملية التي تفرز الإنجازات المتقدمة أو المتخلفة في ميادين الحياة المختلفة (٢) .
وحتى يكون التغيير مثمراً، ينبغي أن يبدأ في محتويات الأنفس بتربية المجتمع على «مَثَل أعلى» يضحّى من أجله، وبذا يكون المجتمع في أعلى درجات الصحة؛ حيث يكون الولاء «للمَثَل الأعلى» ، وهو المحور الذي يتمركز حوله فكر وإرادة وسلوك الأفراد وعلاقاتهم وسياسات المجتمع، وفي هذه الحالة يتسلم مركز القيادة الأذكياء المخلصون الذين يحسنون «فقه القيادة» واتخاذ القرارات المناسبة؛ لأن حالة القوة تولد حين يتزاوج عنصران هما: الإخلاص في الإرادة، والصواب في التفكير والعمل (٣) .
أما عندما تتشكل شبكة العلاقات في المجتمع طبقاً لمحاور الولاء الفردي والعشائري والمذهبي والحزبي، وطبقاً للدوران في فلك «الأشخاص» و «الأشياء» فإن الإنسان يصبح أرخص شيء داخل المجتمع وخارجه، ويدور الصراع داخل المجتمع نفسه، ويمزقه إلى شيع وطوائف وأحزاب يذيق بعضها بأس بعض (٤) ، ثم يكون من نتائج ذلك الفشل الذريع وذهاب الريح والسقوط الحضاري.
وخلاصة القول: إنه بتدبُّر هذه السنَّة، وتقصِّي أبعادها، وسبر آثارها في النفس والمجتمع ـ والتي لا يسع المقام الإحاطة بها ـ يمكن التوصل إلى إقامة قواعد لمنهج علم اجتماعي قرآني، يُتوصل به إلى تقنين سنن تحضر الأمم، وتحريك طاقاتها الإنسانية المتنوعة على المستوى النفسي ثم الاجتماعي ثم الحضاري.
السُّنَّة الثانية: سُنَّة الأجل الجماعي:
ينبغي العلم أن المجتمع الذي عبّر عنه القرآن الكريم بـ (أمة) له حياة، وله حركة، وله شيخوخة، وله احتضار، ثم له موت: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] .
ولا يمكن أن نفهم موت أمة أو مجتمع، ما لم نفهم ما هو المجتمع أصلاً؟ إن المجتمع ليس مجموعة أفراد، بل هو شبكة علاقات تنظم نشاط الأفراد، ولذا فإن وضع الشبكة المرتخي أو المشدود، حالها النشيط أو الخامل، يتعلق بالأفراد الذين يحفظون هذه العلاقات أو يدمرونها (١) .
ويتجلى المرض الاجتماعي في نوع العلاقات بين الأفراد، وأكبر دليل على ذلك ما يصيب (الأنا) عند الفرد من تضخم ينتهي إلى تحلل الجسد الاجتماعي مع مرور الوقت (٢) .
وما ضربُ الأمثال في الكتاب العزيز للإنسان من عالم الطبيعة إلا لاستخلاص العبر والدروس، لمنحه القدرة على التكييف مع السنن الاجتماعية وتوظيفها على أكمل وجه لمصلحة المجتمع: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .
المثال الأول: إن معدن الألماس اللامع الرائع الصلد مكون من ذرات الفحم الأسود (الكربون) المضغوط بشكل جبار، لكن الذي منح اللمعان واللألأة لتلك الذرات السوداء: هو التركيبة الداخلية لذرات الكربون بتماسكها القوي وتراصّها الشديد، وكذا المجتمع بدوره فهو (طبيعة تراص) بين أفراده، فإذا بقي ذرات أو عناصر لا رابط بينها كان سُخاماً أسود قاتماً عرضة للاندثار والموت، أما إذا تراصّت عناصره تحول إلى طاقة هائلة تصنع الأحداث، وتؤثر في مجرى التاريخ (٣) .
المثال الثاني: من جسم الإنسان: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] ؛ حيث يترابط ما يزيد عن مائة مليار خلية عصبية (النورونات) في الدماغ من خلال نسيج عصبي كثيف، كل خلية، مزودة بحوالي ألف ارتباط، وتتعاون هذه (النورونات) من خلال نظام التحام كل خلية وأخرى، تسري فيها سُيَالة عصبية تعبر هذا النسيج من أقصاه إلى أقصاه، بحيث تحيل الدماغ في النهاية إلى وحدة عمل مركزية مبدعة. أما إذا شُدَّ خيط عصبي أو توتر بشكل زائد لمصلحة إحدى العُقد، نتج عن ذلك ما يطلق عليه (الظاهرة الورمية في الدماغ) (٤) .
ولكي يبقى المجتمع نابضاً بالحياة، مستمراً في تفاعله وعطائه الثر، حثت النصوص الشرعية على التكافل والتعاون والتكامل، وتبادل المنافع بين الناس، وبناء مجتمع العدل والقوة من منطلقات فكرية وعملية قويمة، تحمل ميزاناً دقيقاً للحقوق والواجبات، حتى يبقى المجتمع المسلم متوازناً معطاءً ومتجدداً، فشبّه النبي ﷺ المجتمع السليم بالبنيان المتراص في قوله ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» ، ثم شبك ﵊ بين أصابعه (٥) ، كما شبهه بالجسد الذي تتجاوب وتتفاعل أعضاؤه: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» (٦) .
- الخاتمة:
وفي الختام، يمكن القول بأن سنن الله ـ تعالى ـ تتسم بالثبات والشمول والصراحة؛ فلا تحابي فرداً على حساب فرد، ولا مجتمعاً على حساب مجتمع آخر؛ فالنتائج التي قد يتطلع إليها على وجه الأرض أكثر المؤمنين إيماناً وأشدهم ورعاً وتقوى سوف يجنيها أكثر الكافرين كفراً وأشدهم فسقاً وفجوراً وعتوّاً، إذا وافق المقدمات الصحيحة المؤدية إليها، وربط الأسباب بمسبباتها، بينما ينتظرها المسلمون في هذا العصر ارتكازاً على إيمانهم وحده، دون أن يطلبوها من مقدماتها التي خلقها الله طريقاً إليها، فأنى يستجاب لهم؟! (٧) .
ومرجع ذلك إلى أن السنن الربانية في الحياة البشرية دقيقة كل الدقة، صارمة منتظمة أشد الانتظام، لا تحيد ولا تميل، ولا تحابي ولا تجامل، ولا تتأثر بالأماني وإنما بالأعمال، وهي في دقتها وانتظامها وجدّيتها كالسنن الكونية الطبيعية سواء بسواء.
ومن ها هنا تأتي أهمية ربط بناء المعرفة ثم القوة والحضارة بالجهد والعمل، والتخطيط والنظام، والانضباط والإتقان: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح: ٢٣] .
(*) أستاذ التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، المغرب.
(١) السنن الإلهية، عبد الكريم زيدان، ص ١٦ ـ ١٧.
(٢) تفسير المنار، رشيد رضا، ج ٤، ص ١٣٩.
(٣) أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق، أحمد كنعان، ص ٤٠.
(٤) حتى يغيروا ما بأنفسهم، ص ١٧٣.
(٥) أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق، أحمد كنعان، ص ١٠٥.
(١) الإسلام والوعي الحضاري، أكرم العمري، ص ١٠٧.
(٢) أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق، أحمد كنعان، ص ٣٥.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٥. (٤) المرجع السابق، ص ١٠٨.
(٥) أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق، أحمد محمد كنعان، ص ٥٢.
(٦) السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد، عبد الكريم زيدان، ص ١٢.
(١) المرجع السابق، ص ١١١ ـ ١١٥.
(١) التنمية بين المشروع الحضاري الغربي والمشروع الحضاري الإسلامي، نبيل السمالوطي، ص ٤٤.
(٢) كيف نفسر التاريخ، محمد بن صامل السلمي، ص ٩٥ ـ ٩٦.
(١) أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، أحمد كنعان، ص ١٥٣.
(٢) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ماجد الكيلاني، ص ٢١.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٢، ٢٣، ٣٣٠، بتصرف.
(٤) المرجع السابق، ص ٢٣.
(١) هل يموت المجتمع؟ ص ٥٥.
(٢) المرجع السابق، ص ٥٦.
(٣) المرجع السابق، ص ٥٦، بتصرف.
(٤) المرجع السابق، ص ٥٥.
(٥) أخرجه البخاري في جامعه الصحيح، كتاب الأدب، ج ٧، ص ٨٠.
(٦) المصدر نفسه، ج ٧، ص ٧٧.
(٧) أهل السنة والجماعة: معالم الانطلاقة الكبرى، محمد عبد الهادي المصري، ص ٢٠٢.
стр. 5155
الرقابة اللادينية !
اعتاد العلمانيون في العالم العربي
أ. د. محمد يحيى
في السنوات الأخيرة على الشكوى المنتظمة، مما يسمونه بالرقابة الدينية المفروضة على الإبداع والفكر. ومحور هذه الشكوى هو أن الإسلاميين (وهم في عرف العلمانيين من الجهلاء والظلاميين وأعداء العقل إلى آخر هذه الاتهامات الجوفاء) لا ينفكون يطالبون بمنع الكتب والكتابات والأعمال الرئيسة التي لا تعجبهم بحجة أنها تخالف الدين.
والعلمانيون يعدون أنفسهم في هذه المعادلة على أنهم الطرف المظلوم المضطهد الذي يدافع باستماتة عن التغرير والعقلانية والتقدم والعلم. والموضوع بأسره هو ضرب من الدعاية الكاذبة التي عودنا العلمانيون والمتغربون عليها لتغطية مواقفهم القمعية والضاربة للإسلام، والتي هي بالفعل أكثر مما يحصل. ولكن يشاء الله في الفترة الأخيرة أن يفضح الجانب العلماني نفسه في تطور مثير للاهتمام حدث في مصر؛ فخلال شهر مايو ـ ٢٠٠٤م ـ أخذت بعض الكتابات العلمانية تبشر بقرب إنشاء ما وصف بـ (المرصد الإعلامي للمرأة) أو المرصد النسائي الذي تحدد هدفه الأساسي في المتابعة الدقيقة لما يكتب ويثار في الإعلام حول المرأة لاتخاذ موقف منه بالمنع أو التحذير أو حتى الترحيب إذا كان مما يتماشى مع المفاهيم التي يقول دعاة النسائية أو النسوية أنها تخدم مصالح المرأة حسب مفاهيمهم هم التي هي مفاهيم حركات المرأة في الغرب. والطريف أن المرشح لرئاسة أو توجيه هذا المرصد هو رجل (وليس امرأة) ، كما أنه هو أعلى الأصوات العلمانية الداعية ـ بحكم منصبه الثقافي ـ إلى ضرب الإسلاميين بحجة رئيسية هي أنهم يحبذون ويروجون للرقابة الدينية أو محاكم التفتيش كما يسميها.
وهذا المرصد ليس أكثر من مجرد هيئة للرقابة، أو محكمة لكن أحداً لم يعترض عليها؛ لأنها محكمة تفتيش علمانية، وليست دينية رغم عدم وجود مثل هذه المحاكم على الجانب الإسلامي لا في الحاضر ولا في الماضي؛ فكل ما يخالف الأفكار الضيقة والخاصة عن المرأة التي يقول العلمانيون والنسويون أنها هي الحق المطلق والأبدي، سوف يختفي من وسائل الإعلام ودور النشر وصفحات الصحف وكل وسائل النشر والإعلان؛ بحجة أنها فكر ظلامي بائد يتنافى مع معايير العصر والعقل والاستنارة والإصلاح. أما كل ما يخدم هذا الفكر الضيق الخاص بدءاً من دعوة الاسترجال للمرأة، ونهاية بالشذوذ النسائي مروراً بكل دعوات الشقاق والصراع بين الرجال والنساء وهموم الأسرة، وقلب أدوار المرأة ونزع أوضاعها في كنف الإسلام وشريعته، فهو مقبول ومرحب به، بل شجع عليه باعتباره يخدم قيم العقل والاستنارة.. إلخ. إذن نحن أمام جهة رقابة على الفكر والضمائر والتوجهات في كل شيء إلا في الاسم؛ حيث زينت بلقب ـ على (الموضة) السائدة ـ وهو «المرصد» . لكن هذه الرقابة لها نفس الوضع الكريه والأفعال الشنيعة التي كانت تُلصق بمحاكم التفتيش الكاثوليكية، بل تتفوق ـ على العكس ـ من الكاثوليكية أو غيرها، وهي فئة ترفع للدعاية شعارات الحرية والعقل والديموقراطية، لكنها الآن تمارس عكس هذه الدعاية، وتفرض الرقابة الخانقة على كل ما يخالف آراءها الضيقة. ولا يخلو هذا الكلام من الدليل؛ فعندما عرض التلفزيون المصري منذ سنوات قليلة مسلسلاً يظهر فيه شخص مقترن بأربع نساء، ويحيا حياة سعيدة معهن ثارت ثائرة أدعياء الدفاع عن المرأة (بدون توكيل من النساء) وطالبوا وطالبن بمنع هذا المسلسل، وطاردوا مؤلفه وممثليه (ولا سيما القائم بدور البطل) ، ووصلوا إلى حد التهديد بقطع أرزاقهم وإيقافهم عن التمثيل. حدث هذا لمجرد أن المسلسل يقوِّم مفهوماً لا يخالف الشريعة، بل يوافقها ويظهر حسناته حتى وهو يفعل ذلك في قالب من الفكاهة لا يحبذ أبداً تعدد الزوجات. وخلال هذا وقبله وبعده لا ينفك أتباع مدخل ما يسمى بـ (صورة المرأة) في ملاحقة واصطياد كل صورة أو دور تظهر فيه المرأة محجبة، أو زوجة محبة متفانية، أو أمّاً مضحية أو متدينة، ويصورون ذلك كله على أنه تكريس لدونية واضطهاد وقمع للمرأة، ويطالبون بمنع هذه الصور أو «النماذج السيئة» بزعمهم، وإحلال أخرى محلها تتمثل في النساء المسترجلات السافرات الإباحيات اللواتي هن في عرف هؤلاء نموذج المرأة المصرية. أليس في كل هذه التوجهات قمع وكبت يتجاوز أي رقابة أخرى دينية كانت (وهي غير موجودة) أو غير دينية (وهي السائدة) .
ومما يلقي بأقوى الضوء على هذا التأسيس الجديد لرقابة علمانية أو نسوية جديدة وشرسة، ما حدث في مصر نفسها وفي نفس أيام طرح مفهوم المرصد النسائي. ففي أواخر شهر مايو نفسه خرج الأزهر فجأة وبدون توقع وعلى خلاف التوجه السائد فيه وخارجه بمؤتمر صحفي أعلن فيه عن حظر كتاب صدر منذ عشرين سنة لكاتبة علمانية على أنه يحتوي طعناً جوهرياً في الإسلام. وقبل أن يفيق الناس من هذه المفاجأة التي تتناقض مع مواقف مشهورة أخيرة لشيخ الأزهر ليس أقلها موقفه من قضية الحجاب في فرنسا، نشرت الصحف المصرية أن وزير العدل سوف يفعِّل قراراً بمنح سلطة الضبطية القضائية لأعضاء في مجمع البحوث الإسلامية فيما يتعلق بالكتابات التي تحتوي مساساً بالدين. وهنا نسي العلمانيون مطلبهم الجديد بإنشاء رقابة لا دينية لصالح فكرهم، وراحوا وسط مطالبهم بالقمع والكبت لما يخالف الفكر النسوي يتحدثون عن الرقابة الدينية وتدخُّلِ المشايخ الظلاميين في الإبداع وسيادة الجهل والقمع.. إلخ.
وطبعاً لم يهتم أحد أو يلاحظ أحد من العلمانيين وحتى من غيرهم هذا التناقض الصارخ بين إنشاء هيئة لقمع الكتب من ناحية، والهجوم على ما يسمونه كذباً بالقمع والكبت الديني من ناحية أخرى.
ويبدو أن العلمانيين في خضم الوقوع في هذا التناقض نسوا أن الهدف الحقيقي من وراء الإعلان المفاجئ والسائر ضد التيار عن حظر الكتاب وإرساء الضبطية القضائية لم يكن بأي حال مراقبة من يهاجمون الإسلام، بل على العكس مهاجمة الإسلاميين والكتاب الإسلاميين أنفسم عن طريق فرض الرقابة الحكومية على الفكر الإسلامي، وإرغامه على السير في ركاب عملية ما يسمى بتجديد الخطاب الديني (أي علمنته وتغريبه) برفع سيف الرقابة الأزهرية المزعومة على كل ما يكتب عن الإسلام من الجانب العلماني (بحجة أنه اجتهاد وتجديد) بينما تنزل بيد القمع على الكُتَّاب والمفكرين الصادقين (بحجة أنهم متطرفون متشددون يسيئون إلى صورة الإسلام) .
نسي العلمانيون هذا الهدف الواضح من التحرك المفاجئ ظاهرياً، وأثاروا ضجة حول ما أسموه بـ (الرقابة الدينية) . ولسوء حظهم فإن هذه الثورة من جانبهم أجبرت الجهات الرسمية على رد فعل دفاعي زعموا فيه أن الهدف من مسألة الضبطية القضائية هو الرقابة على طبع المصاحف وكتب الأحاديث فقط لضمان خلوها من الأخطاء المطبعية. وربما تكون هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي يتسبب فيها العلمانيون في خدمة للإسلام بإجبار المسؤولين على إخفاء حقيقة الهدف من مسألة الضبطية القضائية. لكن هذا لا يخفي أبداً التناقض الصارخ بين دعاواهم عن الحرية وممارساتهم القمعية «المرصدية» .
(*) أستاذ الأدب الإنجليزي، كلية الآداب، جامعة القاهرة.
стр. 5156
ذو الحجة - ١٤٢٥هـ
يناير / فبراير - ٢٠٠٤م
(السنة: ١٩)
стр. 5157
كلمتنا إلى العابثين بالأمن
التحرير
في الوقت الحرج الذي يتربص فيه الأعداء بهذه الأمة الدوائر، وينزلون بساحتها في العراق وفلسطين وأفغانستان، ويجلبون بخيلهم ورجلهم لحرب هذه الأمة حرباً شاملة على عقيدتها وفكرها وأخلاقها، تتواصل أعمال التدمير والتفجير العبثية في بلاد الحرمين الشريفين لتحصد مزيداً من الدماء والأنفس المعصومة، وتثير مزيداً من الاضطراب والقلق الأمني.
إن حرمة هذه الأرض المقدسة بدهية مسلَّمة في حسِّ كل مسلم يتقي الله ـ تعالى ـ ويُعظم حرماته، خاصة في الأشهر الحرم. قال الله : ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] .
كما أن حرمة الدماء والأموال والأعراض ثابتة بقطعيات النصوص الشرعية في الكتاب والسنة، لا يجوز لأحد أن يتطاول عليها بتأويل أو تحريف، ولهذا قال رسول الله ﷺ في أعظم أيام الإسلام في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (١) .
ورعاية أمن هذا البلد رعاية لدين الله وتأمين لأهله، وتأمين للعمَّار والحجاج من العباد الذين تتعلق أفئدتهم بالبيت العتيق، ورعاية هذا الأمن مسؤوليتنا جميعاً يجب أن نتواصى به، وننأى بهذه الأرض المقدسة عن كل ما يكدرها، ونربأ بأنفسنا عن استباحة حرمتها والعياذ بالله. قال الله : ﴿ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وهذا خبر بمعنى الأمر.
ومعاذَ الله أن تكون تلك التصرفات الخرقاء جهاداً كما يزعم مدَّعوها، بل هي إساءة للإسلام وظلم للمسلمين وتشويه لديننا الحنيف في أعين الآخرين وإلقاء للنفوس في التهلكة، ولهذا اتفقت كلمة العلماء والدعاة، والخاصة والعامة، على التحذير من هذه الأعمال المستنكرة.
وتتابع هذه الأحداث يجعلنا نؤكد أن تربية شباب الأمة على منهاج النبوة الذي لم تكدِّره شوائب الأهواء والضلالات هو الذي يحفظهم من طرفي الغلو والجفاء.
والله نسأل أن يحفظ لأمتنا دينها وحرماتها وأمنها، وأن يحفظها من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
стр. 5158
لبيك اللهم لبيك !
التحرير
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله النبي الأمين ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فإن فريضة الحج التي فرضها الله على عباده من أعظم شعائر الإسلام، ومشهد رفيع عالي القدر من مشاهد الأمة المكرمة المفضلة التي فضلها الله على سائر الأمم، ومشهد عظيم من مشاهد الأمة الواحدة الموحدة التي جمع بين أجناسها الدين، رغم اختلاف الألسن والألوان؛ حيث يجتمع مئات الألوف من المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها في صعيد واحد، عليهم ملابس الإحرام، ملابس الطهر والنقاء، ولهم جؤار عظيم، وهم يرددون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فهذا مشهد عظيم مهيب يأخذ بالنفس، ويذهب بها في آفاق السمو والعلو، فتتذكر رسول الله ﷺ والصحابة من حوله قد قَدِموا إلى البيت العتيق بيت الله الحرام بعد أن أعزهم الله ـ تعالى ـ ومكن لهم في الأرض. ولكن المسلم يفيق من مظاهر هذا المشهد العظيم على المشاهد التي تعصر فؤاده ألماً وحسرة؛ حيث يجد أمته في مؤخرة الأمم قد تقدمت عليها في مجال المعرفة والتقنية والاقتصاد أمم لا تعبد الله ولا توحده، كما يلتفت فيجد الكثير من أراضي المسلمين وقد نزل بساحتها الكفار؛ فهذه فلسطين بلد المسجد الأقصى، وهذه أفغانستان، وهذه العراق بلد الخلافة العباسية، وها هي كشمير والفلبين، وغيرها كلها صارت في أيدي المحتلين الغاصبين من اليهود والنصارى والوثنيين، يأكلون خيراتها، ويقتلون رجالها وشبابها، ويذلون نساءها وأطفالها، ويحكمون فيها بحكم الطاغوت، ويتساءل المسلم باحثاً عن جواب لهذا الوضع الأليم: أليس كان رسول الله ﷺ وأصحابه يقولون: لبيك اللهم لبيك، ونحن نقولها كما يقولون؟ لكن الإيمان ليس قولاً فقط، بل هو قول وعمل؛ فتلبية الأمة في وقتنا الحاضر وإن شابهت في اللفظ تلبية الرسول ﷺ وأصحابه لكنها باينتها في الحقيقة والمعنى؛ إذ تلبية الأمة المعاصرة ما هي إلا مجموعة من الحروف المتراصة جنباً إلى جنب التي تصدر في النهاية صوتاً كصوت التلبية، لكنها تلبية جامدة لا حياة فيها، ولا أثر لها في الواقع، تلبية صوت لا تلبية عمل، تلبية شكل ومظهر لا تلبية حقيقة ومخبر؛ فماذا تعني التلبية في حقيقتها ومخبرها؟ إنها تعني التوحيد الذي حرك القلوب فأخرج أصحابها من الظلمات إلى النور، وحوّلهم من مجموعات متناثرة من القبائل المتفرقة إلى أمة عظيمة، هي كما قال عنها ربها وخالقها وخالق الناس أجمعين: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، وقال الرسول ﷺ في تفسيرها: «أنتم توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله » (١) . قال جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ : «فأهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (١) ؛ فالتلبية هي إعلان بالتوحيد وإظهار له «فإن لبيك مأخوذة من ألَبّ بالمكان إلباباً: أي أقام به ولزمه، ولَبَّ لغة فيه، قال الفراء: ومنه قولهم: «لَبَّيْك» : أي أنا مقيم على طاعتك، وثنَّى: (لبيك اللهم لبيك) على معنى التأكيد: أي إلباباً بك بعد إلباب، وإقامة بعد إقامة» . ويقول ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: (التلبية هي: إجابة دعوة الله ـ تعالى ـ لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم ﷺ ، والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره، كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلُبته، والمعنى: إنّا مجيبوك لدعوتك، مستسلمون لحكمتك، مطيعون لأمرك مرة بعد مرة لا نزال على ذلك) (٢) ؛ فـ (لبيك) تعني أننا طائعون لك يا ربنا، وأننا مقيمون على هذه الطاعة التي هي طاعة خالصة لك إقامة متواصلة ليس لأحد فيها شيء؛ فنحن نعبدك وحدك ولا نعبد أحداً سواك، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو عبداً صالحاً، أو غير ذلك، ولا نطيع في معصيتك أحداً، سواء كان والداً أو رئيساً أو أميراً، ونحن نتبع شرعك الذي جاء في كتابك، أو بلَّغه لنا رسولك في سنته: نحل ما أحل ونحرم ما حرم، نعتقد صواب ما جاء به وبطلان ما خالفه؛ فنحن نتابع يا ربنا رسولك في العقيدة والعبادة والمعاملات والأخلاق والسلوكيات، وفي السياسة والاقتصاد وفي القضاء، وفي كل شؤوننا وأمورنا، لا نبتغي به بدلاً، نوالي من والى ونعادي من عادى، ونحن مقيمون على ذلك لا نغادره طرفة عين؛ لأنه ديننا الذي تصلح به أمور الدنيا، ويفوز العبد به بالرضوان في الآخرة؛ فأين نجد حقيقة هذه التلبية أو أثرها في حياة أو دنيا أمة التوحيد في عصرنا الحاضر؟
إن دلائل الشرك ومظاهره تعددت وتنوعت في أمة التوحيد، سواء منها ما كان على المستوى الفردي أو كان على مستوى المجتمع؛ فها هي القوانين الوضعية (التي وضعها الطاغون مخالفين بها شرع الله ومناقضين له) ضاربة بأطنابها في مجتمعات المسلمين ُيحكم بها بين الناس في الدماء والأعراض والأموال، بينما حكم الله العلي الكبير الذي جاء في كتابه المبين، أو في سنة رسوله الأمين المفروض على المؤمنين بمقتضى إيمانهم قد نُحّي جانباً، وأُبعد حتى صار مهجوراً، وقد قال الله ـ تعالى ـ في كتابه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠] ، وأين نجد حقيقة التلبية أو أثرها في التوجه إلى الله ـ تعالى ـ بالخوف والرجاء، ونحن نجد فئاماً عظيمة من الناس قد تعلقت قلوبها بغير فاطرها وبارئها، تدعوه في الشدائد والملمات ترجو عونه ولطفه، وتتوجه إليه في السراء تشكره وتثني عليه؟ وأين نجد حقيقة التلبية أو أثرها في معاداة الكافرين وقد صارت اليوم موالاة أعداء الله خوفاً منهم واتقاءً لشرهم، أو مسارعة فيهم ورغبة في التقرب إليهم والحصول على بعض المنح أو الهبات ديدناً للكثيرين، حتى إن الكثير من قوات الصليب التي قامت باحتلال بعض بلاد المسلمين لم تصل إليهم إلا عن طريق بلاد إخوانهم من المسلمين؟ وأين نجد حقيقة التلبية أو أثرها في موالاة المؤمنين وقد قام فريق من أهل العلم في بعض البلاد يفتون المسلمين العاملين في جيش الكفر بجواز مقاتلة المسلمين إخوانهم، واحتلال ديارهم طاعة لرؤسائهم من الكافرين ومحافظة على ولائهم لبلدانهم الكافرة؟ وأين نجد حقيقة التلبية أو أثرها في تعظيم الشرع المنزل واتباعه، وقد جعل فريق من المسلمين كل همه وجهده أن يروِّج لأفكار الأعداء في تغريب الدين، وإجراء التعديلات في أسسه وقواعده باسم «التجديد» ، حتى يتحول إلى صورة قريبة من صورة النصرانية عند النصارى؛ حيث يتم الفصل بين الدين والحياة؟ وأين نجد حقيقة التلبية أو أثرها في تصرفات بعض قومنا ونحن نجد من يؤلف الكتب ويفتتح المنتديات في شبكة المعلومات من أجل الدعوة لعلمنة الإسلام؟ وأين نجد حقيقة التلبية أو أثرها ونحن نرى من وقف حياته على تمجيد حضارة الغرب، تلك الحضارة المادية الجامدة القاسية التي لا أثر للدين فيها، والتي تقوم على العنصرية واستعباد الناس واحتلال بلادهم ونهب خيراتها بلا مسوغ غير مسوغ القوة الطاغية التي يمتلكونها والتي تمكنهم من هذا الظلم المبين؟
لقد خلت التلبية في أيامنا هذه عند الكثيرين من أهم مقوماتها، ولم يبق منها غير الحروف والألفاظ، ففُرِّغت من الجوهر والحقيقة، وبقي المظهر والشكل الأجوف، ومع ذلك يتساءل بعضنا وهو يرى حال أمته وموقعها من العالمين: (أنَّى هذا؟) ، ويأتي الجواب من رب العالمين: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ، فإن الله ـ تعالى ـ لا يخلف وعده، كما قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ، وقد وعدنا بقوله: ﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] ؛ فمن أراد النصر والعز والتمكين فليحقق شرطه وهو (الإيمان) . والإيمان هو القول والعمل؛ إذ لا فائدة ترجى من قول لا يتبعه عمل، ومن العمل الداخل في الإيمان الالتزام بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، ومنه أيضاً الأخذ بالأسباب التي جعلها الله ـ تعالى ـ موصلة لنتائجها مع عدم الالتفات إليها أو التوكل عليها؛ فإن التوكل لا يكون إلا على الله تعالى. قال بعض أهل العلم: (الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قَدْح في الشرع) (٣) ، ومعنى الالتفات إلى الأسباب اعتماد القلب واستناده عليها، وقد أعاد الله علينا من رحمته موسم الحج بخيره وبركته، وهي فرصة عظيمة للأمة في مجموعها وأفرادها أن يحققوا معنى التلبية في النفس والواقع والحياة، والتي لن يكون للأمة إفاقة من غفوتها أو قومة من كبوتها إلا بتحقيق التلبية قولاً وعملاً. اللهم اجعلنا ممن يقول: لبيك اللهم لبيك حقاً وصدقاً، قولاً وعملاً ... آمين.
стр. 5159
هل من الدين قتل الأبرياء وترويع الآمنين ؟!
محمد بن أحمد سيد أحمد
خلق الله ـ تعالى ـ الخلق ليعرفوه ويعبدوه، ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على كبريائه ليهابوه، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه، ليسارعوا إلى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه.
والمتأمل في أحوال الناس اليوم يجد أن بعضهم عمدوا إلى محارم الله فارتكبوها، ومنهياته فاستباحوها، ومأموراته فاجتنبوها ونبذوها، وقطعوا الأسباب بينهم وبين خالقهم ورازقهم، وعادوا بمُر الشكوى من تغير الأحوال والأزمان، وانتزاع البركة من الأرزاق والآجال، وهم مع ذلك معتمدون على رحمة الله وعفوه وكرمه، ونسوا أن الله ـ تعالى ـ يغار على أوامره أن تجتنب، ومحارمه أن ترتكب، وأنه ـ تعالى ـ شديد العقاب لا يردُّ بأسه عن القوم المجرمين، توعد عباده الذين يخالفون أمره، ويعرضون عن مراقبته، وينصرفون عن عبادته وذكره، ويجترئون على معاصيه، بشديد غضبه وعظيم سخطه، وحذرهم بأسه وانتقامه.
إن التعدي على حدود الله وانتهاك حرماته من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وهي تورث الذل والهوان على الله أولاً، ثم على الخلق ثانياً. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] ، قال ابن الأثير: الانتهاك: المبالغة في خرق محارم الشرع وإتيانها. قال ابن القيم ﵀ محذراً من انتهاك حرمات الله: لم يقدِّر الله حق قدْره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذِكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهم من طاعته، فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، هواه مقدم في ذلك كله، المهم أنه يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه، وهو في قبضته وناصيته بيده، ويعظم نظر المخلوق إليه واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه، يستحي من الناس ولا يستحي من الله، ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والاجتهاد، وبذل له من ماله ما يستحي أن يواجه به مخلوقاً مثله. فهل قدَّر الله حق قدْره مَنْ هذا وصفه، وهل قدَّره حق قدْره مَنْ شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذلّ والخضوع والخوف والرجاء؟» (١) .
g ومن صور انتهاك حرمات الدين:
١ - القتل بغير حق، وترويع الآمنين:
إن القتل من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب وأشد الآثام، بل هو أغلظها جميعاًَ بعد الإشراك بالله؛ ولذا نهى الله عن القتل بغير حق وترويع الآمنين. قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] .
وقال ـ سبحانه ـ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] .
إن جريمة القتل تعكير لأمن الحياة واستقرارها، وهدم لعمارة الكون.
ولقد جاء في السُنَّة المباركة كثير من الأحاديث التي تنهى عن القتل وتحرمه وتجرمه، وتنهى عن ترويع الآمنين وإخافتهم وإدخال الذعر والهلع إلى قلوبهم؛ فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سُنَّةً جاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه» (٢) ، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أول ما يُقضى بين الناس في الدماء» (٣) .
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً» (٤) .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عُمِّية يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبه فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني، ولست منه» (٥) ، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (٦) .
٢ - الإلحاد في الحرم والظلم فيه:
قال ابن عباس: الإلحاد أن تستحل من الحرام ما حرم الله عليك، من قتل مَنْ لم يقتل، وظلم مَنْ لم يظلم. وقال النيسابوري في تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ، قال: ومن يرد فيه مراداً ما، جائراً عادلاً عن القصد ظالماً فتدل هذه الآية على أن الإنسان يعاقب على ما ينويه بمكة وإن لم يعمله، وهذه من خصائص الأرض الحرام.
قال ابن مسعود ﵁: لو همّ رجل بقتل رجل وهو في هذا البيت ـ يعني البيت الحرام ـ وهو بعدن أَبْيَن ـ مكان بأقصى اليمن ـ لعذبه الله.
قال النيسابوري: وهذا الإلحاد والظلم يجمع المعاصي من الكفر إلى الصغائر؛ فلعظم حرمة المكان توعد الله ـ سبحانه ـ على نية السيئة فيه، ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة» (٧) .
ومن الأحاديث التي تنهى عن الإلحاد في الحرم وغيره من الأراضي المقدسة قوله ﷺ : «ستة لعنهم الله وكل نبي كان: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليعز بذلك من أذل الله، ويذل من أعز الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي» (٨) .
وعن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لأَعلَمَنَّ أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها الله هباءً منثوراً» قال ثوبان: يا رسول الله! صفهم لنا؛ جَلِّهم لنا أن لا نكون منهم، ونحن لا نعلم، قال: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» (٩) .
وعن أبي شريح العدوي ﵁ أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير! أحدثك قولاً قام به رسول الله ﷺ للغد من يوم فتح مكة، فسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرتْه عيناي حين تكلم به أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن مكة حرَّمها الله ولم يحرِّمها الناس؛ فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة؛ فإن قال أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا له: إن الله أذن لرسول الله ﷺ ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» (١) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «ألا أي شهر تعلمون أعظم حرمة؟ قالوا: ألا شهرنا هذا. قال: ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا بلدنا هذا. قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا. قال: فإن الله ﵎ قد حرَّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. ألا هل بلغت «ثلاثاً» ؟ كل ذلك يجيبونه: ألا نعم. قال: ويحكم أو ـ ويلكم ـ لا ترجعُنَّ بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (٢) .
وعن عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يُقبل منه صرف ولا عدل» (٣) .
عن جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ : «لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح» (٤) .
٣ - ترويع الآمنين وتخويف المسالمين:
إن الأمن نعمة عظيمة امتن الله بها على عباده قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤] .
إن الأمن لا يتحقق ولن يتحقق إلا بتحقيق الإيمان والعمل الصالح قال ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] .
وقال الشاعر المسلم (محمد إقبال) :
إذا الإيمان ضاع فلا أمانٌ ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا
لقد رهَّب رسول الله ﷺ وحذَّر وأنذر من ترويع الآمنين؛ فقال ﷺ : «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار» (٥) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه» (٦) .
وعن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يُتعاطى السيف مسلولاً» (٧) .
فعلى كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة أن يعظم حرمات الله، وتعظيم الحرمات هو العلم بوجوبها والقيام بحقوقها، وقيل تعظيم الحرمات يعني اجتناب المرء ما أمر الله باجتنابه في حال حله وإحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، وحُرماته أن يستحلها، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٢] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] قال عبد الله بن عمر ﵄ يوماً بعد أن نظر إلى الكعبة: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمنون عند الله أعظم حرمة منك!
قال ابن الجوزي ﵀: بقدر إجلال العبد لله يجله الله ، وبقدر تعظيمه قدره واحترامه يعظم قدر العبد وحرمتُه، وكم من رجل أنفق عمره في العلم حتى كبرت سنه، ثم تعدى الحدود فهان عند الخلق، ولم يلتفتوا إليه مع غزارة علمه! وأما من راقب الله في صبوته؛ فقد يكون قاصر الباع بالنسبة للصنف الأول، ومع ذلك عظَّم الله قدره في القلوب حتى علقته النفوس، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير» (٨) .
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجنب هذه البلاد خاصة وبلاد المسلمين عامة كل سوء ومكروه، وأن يحفظ على جميع بلاد المسلمين أمنها واستقرارها، وأن يحفظها من كيد الكائدين وعبث العابثين، وأن يصلح شباب المسلمين، وأن يرد العاصين منهم ردّاً جميلاً، وأن يهديهم سُبُل الرشاد، إنه أعظم مسؤول وأكرم مأمول، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 5160
أصل التوحيد
د. لطف الله خوجة
لا نعلم أمراً اجتمع كثير من الناس على التفريط فيه والغفلة عنه ونسيانه كاجتماعهم على التفريط في الدعوة إلى سؤال الله وحده، وترك سؤال المخلوق؛ فهذا الأمر بالرغم من كونه أصل التوحيد والدين، إلا أنه ما زال مجهولاً عند أكثر الناس، العامي منهم والمتعلم، ولا تكاد تجد أحداً يذكّر به، أو يلفت النظر إليه، بل جُلّ المواعظ منصبة على التحذير من الذنوب، والتحذير من كيد الأعداء، والحض على المسارعة في الطاعات، أما هذا الأصل الكبير فقلّ من يتكلم به، مع أن القرآن يوليه الأهمية الكبرى، والسنة تفسح له مكاناً كبيراً بالتفصيل والبيان البليغ، حتى ليخيل إلى المتأمل أن الدين كله في سؤال الله وحده.
فإذا تتبعنا آي القرآن وجدناها تحرض على سؤال الله تعالى، وتأمر به:
ـ تارة ببيان أن الفضل له. يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] .
ـ وأخرى ببيان قربه من عباده، وسماعه كل ما يسألونه، وإجابته لهم. يقول ـ تعالى ـ: ـ ﴿وَإذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
ـ وثالثة بوعيد من استغنى، فلم يرفع حاجاته إلى الله تعالى، واستكبر عن سؤاله. يقول ـ تعالى ـ:
ـ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]
ـ ورابعة بالترغيب في سؤال الله وحده، والتنفير من سؤال الخلق، بوصفهم لا يملكون شيئاًً. قال الله ـ تعالى ـ:
ـ ﴿إنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]
ويقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] .
ويقول: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٢ ـ ٣] .
ـ خامسة بالثناء الكبير على المستعفين المستغنين عن سؤال الناس. يقول الله ـ تعالى ـ:
ـ ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة. وإذا التفتنا إلى السنة وجدناها تفصِّل في هذه القاعدة تفصيلاً دقيقاً:
ـ فتارة ينهى رسول الله ﷺ أن يسأل أحد شيئاًً لا يحل له فيقول: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم» (١) .
ـ وأخرى يحث على العمل والتكسب حتى لا يتعرض لسؤال الناس فيقول: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو فيحتطب، فيبيع فيأكل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس» (٢) .
ـ وثالثة يخبر بأن الجنة ثواب من عفَّ عن سؤال الناس. يقول ثوبان ﵁: قال رسول الله ﷺ : «من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاًً فأتكفل له بالجنة؟ فقلت: أنا. فكان لا يسأل أحداً شيئاًً» (٣) .
ـ وفي الرابعة يبلغ به الحرص لتأصيل هذا الركن فيجعله من بيعته لأصحابه؛ فعن عوف بن مالك الأشجعي قال: «كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون» ؟ ـ وكنا حديثي عهد ببيعة ـ فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله! ثم قال: ألا تبايعون رسول الله؟ فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله! ثم قال: ألا تبايعون رسول الله؟ فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله! فعلامَ نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاًً، والصلوات الخمس وتطيعوا. وأسرَّ كلمة خفية: ولا تسألوا الناس شيئاًً؛ فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه» (٤) .
ـ وخامسة لكون هذا الأمر من أصول الدين؛ فقد كان يبادر به الصبيان والصغار، فيأمرهم به، كما كان يأمرهم بالصلاة لسبع، فها هو يقول لابن عباس ﵄ وهو غلام صغير:
ـ «يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» . ويؤكد له هذا المعنى بقوله: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف» (٥) .
ـ وسادسة كان ﵊ يستغل كل مناسبة وحادثة؛ ليبين للناس أن سؤال الله ـ تعالى ـ أجدى لهم من سؤال غيره، فيقول: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل» (٦) .
ـ وعن أبي سعيد الخدري أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر» (٧) .
وقد انتفع الصحابة من موعظة النبي ﷺ لهم، ورسخت فيهم هذه القاعدة؛ فكانوا لا يسألون أحداً شيئاًً، كما مر معنا في حديث عوف وثوبان. جاء حكيم بن حزام فسأل النبي ﷺ فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، فقال:
«يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع.. اليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً، حتى أفارق الدنيا» ؛ فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيماً إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئاًً، فقال: «إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه» ، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي (٨) .
ولم يكن النبي ﷺ وهو يأمرهم بما يأمرهم به إلا ممتثلاً قولاً وعملاً لما يدعو إليه، وذلك كان له أبلغ الأثر في قلوبهم وسلوكهم؛ ففي رحلة الهجرة قدم له أبو بكر راحلة ليركبها فأبى إلا بالثمن (٩) .
ومن هنا فلقد تربى الصحابة على سؤال الخالق وحده وترك سؤال المخلوق، ولو كان هذا المخلوق هو رسول الله ﷺ ؛ فلم يكونوا يسألونه شيئاًً من أمر الدنيا، بل كانوا يسألون الله ـ تعالى ـ ويطلبونه منه قبل كل شيء.
ـ «لما نزلت براءة عائشة قالت لها أمها: قومي إلى رسول الله! قالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي» (١) .
ـ «ولما نزلت توبة كعب بن مالك جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: «أمن عندك أم من عند الله» ؟ قال: «لا؛ بل من عند الله» (٢) .
لم يغضب النبي ﷺ من هذا السؤال، ولم يعدَّ موقفه وموقف عائشة ﵄ من سوء الأدب؛ لأنه هو الذي رباهم على هذه القاعدة التي هي من أصول الدين، وليس في ذلك سوء أدب، بل هو الأدب كله مع الله تعالى؛ حيث لا ينبغي لأحد أن يقدم على حق الله ـ تعالى ـ حق أي من البشر، ولو كان نبياً.
ولقد كان الأصل في كبار الصحابة أنهم لا يسألون رسول الله ﷺ شيئاً لأنفسهم، هذا في أمور دنياهم، أما في أمور دينهم فقد كانوا ينتظرون ما يأتي به، ولم يكونوا يتقدمون بين يديه، وكان من أدبهم أنهم لم يسألوه إلا أربع عشرة مسألة كلها في القرآن كقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ... ﴾ [البقرة: ٢١٥] .
نعم! قد كان بعض الصحابة الذين لم يلازموا رسول الله الملازمة الكاملة يسألونه شيئاً من أمور الدنيا؛ فما كان من النبي ﷺ إلا أن يترفق بهم، ويربيهم، ويدلهم على الأحسن والأفضل.
ـ عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: «ادع الله أن يعافيني! قال: إن شئت دعوت لك، وإن شئت صبرت فهو خير لك» ؛ فخيّره بين أمرين ورغّبه في الصبر، ووصف ذلك بأنه خير له من دعائه له، لكنه قال: ادعه! فأمره أن يتوضأ، فيحسن الوضوء، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد! إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، لتقضى لي، اللهم فشفعه فيَّ» (٣) . رغبه في دعاء الله والالتجاء إليه وحده، لكن لما أصر على دعائه له علمه شيئاً فيه خير له، فأمره بالدعاء مع دعاء النبي له، وهذا فيه غاية النصح؛ حيث علمه أن يرغب إلى الله، ولا يكتفي بدعاء أحد له، ولو كان هذا الداعي هو رسول الله ﷺ .
ـ ومثل هذا أن امرأة كانت تصرع فسألت النبي أن يدعو لها، فقال لها: «إن شئت صبرتِ ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك» (٤) ، وهذا أيضاً في نفس المعنى، إذ خيَّرها بين الدعاء وبين الصبر، وجعل صبرها ورغبتها إلى الله ـ تعالى ـ خيراً من دعاء النبي ﷺ لها. ومثل هذا كثير.
في كل ذلك كان النبي ﷺ يحرص على تعليق قلوب الصحابة بالله ـ تعالى ـ بالسؤال والرغبة، ويصرفهم عن سؤال غيره مهما كان شأنه، ولولا أنه من أصول الإيمان والدين لما اعتنى به هذه العناية.
وبعد: فقد رأينا كيف حرص الشارع على ترسيخ هذه القاعدة في نفوس الناس، والدارس المتعمق لهذه القضية في النصوص الشرعية وأحوال الرسل والأنبياء لا يتردد لحظة أن يخرج بقاعدة مفادها أن:
«أصل التوحيد سؤال الله تعالى، وأصل الشرك سؤال غير الله تعالى» .
تشرَّب الصحابة تلك القاعدة العظيمة، فتلاشى من بينهم التنازع والتناحر على الدنيا، وأخلصوا عملهم لله تعالى، وكان ذلك من أهم أسباب ثباتهم على دينهم من بعده. لما مات ﷺ قام تلميذه الأول أبو بكر ﵁ في الناس خطيباً فقال:
«أما بعد: من كان منكم يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] » (٥) .
فقد كان النبي ﷺ علمهم أن يعبدوا الله وحده، ويسألوه وحده كل شيء: «ليسأل أحدكم ربه حاجاته كلها، حتى شسع نعله إذا انقطع» (٦) .
فلما مات كانت قلوبهم قد اتصلت بربها الحي الذي لا يموت، فتسلت وصبرت وثبتت فلم تنتكس، وقامت بما عليها من واجب تجاه دينها، ولو كان النبي ﷺ رباهم على التعلق به لا بالله ـ تعالى ـ لما كان منهم ذلك، بل لما انتشر الدين، ولما عزّ الإسلام من بعد.
إن الصحابة عاشوا وهم يحملون في قلوبهم تعظيم الله وحده والثقة به، وسؤاله على الدوام كل صغيرة وكبيرة؛ ولذا كانوا نموذجاً فريداً في التاريخ من حيث التحمل والصبر والبذل والثقة بالله ـ تعالى ـ والإيمان.
ـ لما كتب أبو عبيدة عام اليرموك إلى عمر يستنصره على الكفار، ويخبره أنه قد نزل بهم جموع لا طاقة لهم بها، فلما وصل كتابه بكى الناس، وكان من أشدهم عبد الرحمن بن عوف، وأشار على عمر أن يخرج بالناس، فرأى عمر أن ذلك لا يمكن، فكتب إلى أبي عبيدة يقول: «مهما ينزل بامرئ مسلم من شدة، فيُنزلها بالله، يجعل الله له فرجاً ومخرجاً؛ فإذا جاءك كتابي هذا فاستعن بالله وقاتلهم» (١) .
إن موقف عمر ﵁ يعد في ميزان كثير من الناس إلقاءً بالنفس إلى التهلكة، وتعرضاً للهزيمة المؤكدة، لكن عمر كان يعلم أن النصر من الله تعالى، ولأن قلبه معلق بالله ـ تعالى ـ لم يتعود إلا سؤاله، ولم يغفل في تلك اللحظة الحرجة حين جاءه الكتاب عن الحقيقة التي تربى عليها، وتذكر أن الله ـ تعالى ـ فوق كل شيء، وقال ما قال بثقة كاملة وإيمان راسخ.
بعد أن عرضنا النصوص والآثار في المسألة بقي أن نعرِّج إلى فوائد سؤال الله ـ تعالى ـ ومفاسد سؤال الخلق التي بها نؤكد صدق تلك القاعدة السابقة، وموافقتها لما جاء عن الشرع.
إن الذي يعتاد سؤال الله ـ تعالى ـ وحده ينعم بنعمتين كبيرتين:
ـ الأولى: لذة المناجاة.
ـ والثانية: محبة الله.
أما عن لذة المناجاة: فالإنسان له حوائج لا تنتهي، ومسائل لا تنقضي، فإذا كان لا يسأل إلا الله تعالى، فإنه يكون دائم الصلة به، وذلك يفتح له باب معرفة الله تعالى. هذه المعرفة وتلك الصلة من خلال التضرع والسؤال الملحّ تفتح على الإنسان من أبواب الرحمة والإيمان ما لم يكن يعلم؛ فيجد لذة الإيمان ولذة المناجاة؛ فالقرب من الرحيم الكريم العظيم يورث النفس طمأنينة وسعادة؛ بخلاف الذي لا يسأل الله ـ تعالى ـ فإنه يفقد الصلة به، وإذا لم يتصل بالله اتصل بغيره من المخلوقين، والاتصال بالمخلوقين وذكرهم بلية وداء، كما يذكر عن عبد الله بن عون قوله: «ذكر الناس داء، وذكر الله دواء» (٢) .
فهذا التوجه إلى الله ـ تعالى ـ يعود بالأثر الطيب على النفس. كما يذكر عن بعضهم قوله: «إنه ليكون لي إلى الله حاجة، فأدعوه، فيفتح لي من لذيذ معرفته، وحلاوة مناجاته، ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي، خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك؛ لأن النفس لا تريد إلا حظها، فإذا قضت انصرفت» (٣) ، وصدق الله ـ تعالى ـ حين قال: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] .
وأما عن محبة الله تعالى: فإن الإنسان إذا كان لا يسأل إلا الله، عرف الله ـ تعالى ـ حق المعرفة من إجابته له؛ فما يسأل الإنسان ربه شيئاً من الخير إلا أعطاه، فإذا جرب سؤاله على الدوام، رأى كيف يكون إكرام الله له، من حيث الإجابة، أو صرف السوء، أو ادخار الحسنات له، كما جاء في الحديث أن الداعي له إحدى ثلاث:
ـ إما أن يعجل له بالإجابة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له (٤) .
وهذا مما يولد في قلبه المحبة لله تعالى؛ حيث يراه محسناً رحيماً به، رؤوفاً كريماً جواداً، عفواً غفوراً تواباً براً رزاقاً؛ فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، والذي يعتاد سؤال الله يعرف مدى إحسان الله ـ تعالى ـ إليه في قضاء حوائجه كلها.
كل هذه المزايا والبركات غير حاصلة في سؤال المخلوق، بل سؤال المخلوق فيه مفاسد كثيرة، منها:
ـ أولاً: سؤاله يورث القلب الظلمة والألم؛ لأنه اتصال بمن خُلق ظلوماً جهولاً، والاتصال بالظالم الجاهل يؤثر في النفس بالظلمة والجهل.
ـ ثانياً: التعلق بهم إن هم أجابوه حباً وخضوعاً وطاعة، وهذا فيه طعن في توحيده وإخلاصه لله تعالى.
ـ ثالثاً: أنه يبقى في منّتهم وعلوهم عليه وذله لهم، ومثل هذه عبودية لا تنبغي إلا لله تعالى.
ـ رابعاً: أنه يجب عليه أن يكافئهم؛ فقد لا يقدر فيبقى أسيراً لهم، كما قال بعضهم: (ما وضعت يدي في قصعة أحد إلا ذللت له) (١) .
ـ وقال بعضهم: «احتجْ إلى من شئت تكنْ أسيره، واستغنِ عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره» (٢) .
وقد يقدر على المكافأة، لكن لا يمكنه ذلك إلا بخرق دينه والتنازل عن مبادئه.
وإذا قدر على المكافأة دون أن يخرب دينه فلا أقل من أن يكون قد استهلك زمناً من عمره في همّ قضاء الدين ما لو قضاه في سؤال الله والسعي في الرزق لكان خيراً له.
ـ خامساً: ذلك حال إجابتهم سؤاله، أما إذا لم يجيبوه فالنتيجة التنازع والتناحر والقطيعة والتباغض والحقد والحسد؛ فكم من عداوات وقعت، وأرحام تقطعت، وأحوال طيبة تبدلت بسؤال سائل لم يجد إجابة أو عوناً!
ـ سادساً: وأخطرها أنها تفضي بكثير من الناس إلى التعبد لغير الله تعالى؛ والإسلام حرص غاية الحرص على سد كل منافذ الشرك والعبودية لغير الله تعالى؛ فمن ذلك: أنه منع الواسطة بينه وبين خلقه، وأمر بالسؤال منه مباشرة، ونهى عن اتخاذ الشفعاء لأمرين:
ـ الأول: حتى تكون العبادة خالصة له.
ـ الثاني: حتى لا يُحرم الإنسان فرصة القرب من الله والقبول. وبيان هذا:
أن الإنسان أذل ما يكون في حالين:
ـ الأول: بعد الذنب.
ـ الثاني: حين الحاجة.
أما بعد الذنب: فشعوره بعِظَم ما أتى وانكسار نفسه، وخوفه من الله ـ تعالى ـ والحياء منه؛ هي فرصته للإقبال على الله تعالى، والفوز بالتوبة والقرب؛ حيث إن الله ـ تعالى ـ يحب من عبده الانكسار له والذل والخضوع، وهو يكره العُجب والكِبْر ولو بالطاعة؛ فمن انكسر له وذل وخضع رفعه وقرَّبه. فعلى العبد أن يستغل فرصة الندم والذل والانكسار بعد الذنب بسؤال الله وحده أن يغفر له.
والشيطان في هذه اللحظة أحرص ما يكون على استغلال هذا الظرف العصيب بالغواية والوسوسة: بأن الله لن يقبل الإنسان وهو على هذه الحال؛ فهذا ما فعله مع المشركين قديماً؛ حيث أغراهم وزين لهم أن الله ـ تعالى ـ لن يقبلهم وهم متلطخون بالمعاصي، إلا بأن يتوسلوا بالصالحين الطاهرين؛ فاستجابوا لوسوسة الشيطان، وفوَّتوا على أنفسهم فرصة المغفرة والقبول والقربى، وانجرّوا إلى الشرك؛ بما صنعوا من التوجه إلى غير الله ـ تعالى ـ وسؤالهم باسم الشفاعة والوسيلة.
وقد وقع مثل هذا في المسلمين، حيث صار منهم من يعبد الأولياء والأضرحة باسم الولاية، وجعلوهم الواسطة بينهم وبين الله، وهذا هو بعينه ما فعله المشركون، والله ـ تعالى ـ كره ذلك منهم، وكفرهم به؛ حيث قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] .
إن الله ـ تعالى ـ يقبل سؤال العبد أن يغفر له مهما أتى من الذنب.
ـ ألم يغفر الله ـ تعالى ـ لمن قتل مائة نفس (٣) ؟
ـ ألم يغفر لبغِيٍّ سقت كلباً من عطش، فشكر الله لها فغفر لها (٤) ؟
ـ وهو الذي يقول: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة) (٥) .
كل هذا تأكيد وتحريض من الله ـ تعالى ـ لعباده أن يسألوه وحده كل شيء من أمور الدنيا والآخرة؛ حتى لا يفتحوا على أنفسهم باب الشرك.
ـ وحين الحاجة: يكون الإنسان أذل ما يكون لمن يقضي حاجته، والله ـ تعالى ـ يحب من عبده الذلة له، فإذا ترك سؤال الله ـ تعالى ـ وتوجه إلى سؤال المخلوق ذل لمن لا يستحق أن يذل له، وترك من يستحق أن يذل له.
إن خزائن الله ملأى لا تنفد، والله يرزق بغير حساب؛ فينبغي لنا:
١ ـ أن نثق بالله تعالى، وندعوه ونحن موقنون بالإجابة، كما قال ﵊: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» (١) .
٢ ـ أن ندعوه تضرعاً وخفية، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] .
٣ ـ أن ندعوه بعزم وإلحاح. قال ﵊: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقل: اللهم إن شئت فأعطني؛ فإن الله لا مستكرِه له» (٢) .
٤ ـ أن لا نستعجل الإجابة. قال ﵊: «يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت فلم أرَ يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء» (٣) .
فإذا فعلنا ذلك رأينا كيف يكون إكرام الله ـ تعالى ـ لمن دعاه؛ فالله ـ تعالى ـ يفرح بدعوة العبد له؛ وهذا بعكس المخلوق فإنه يغضب من السؤال، لشعوره بالنقص والفقر. قال ابن تيمية:
«فالرب ـ سبحانه ـ أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه وأفقر ما تكون إليه، والخلق أهون ما تكون عليهم أحوج ما تكون إليهم؛ لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم؛ فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جهلة بمصالح أنفسهم؛ فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم؟» (٤) .
ـ كلما اعتاد الإنسان سؤال الله ـ تعالى ـ فتح لنفسه أبواب الإيمان والتوحيد، وأغلق عنها أبواب الشرك.
ـ وكلما اعتاد سؤال المخلوق فتح على نفسه باب الشرك، وأغلق عنها باب التوحيد؛ ولأن هذه القاعدة من قواعد الإسلام العظيمة فقد لفتت نظر العلماء، فبنوا عليها أحكاماً فقهية:
ـ فالحج لا يجب بالهبة؛ فمن لم يملك الزاد والراحلة لم يجب عليه قبول الهبة من أجل أن يحج، ولو كان الفريضة، حتى لا تكون للمخلوق عليه منّة. قال ابن تيمية في شرح العمدة: «فإن كان قادراً على تحصيله بصنعة أو هبة أو وصية أو مسألة أو أخذٍ من صدقة أو بيت المال لم يجب عليه ذلك» (٥) : أي الحج.
ـ وكذا لا يلزم قبول الهبة لمن عدم السترة في الصلاة، مع كون ستر العورة من شروط الصلاة، جاء في الروض المربع: «وإن أعير سترة لزمه قبولها» ؛ لأنه قادر على ستر عورته بلا ضرر فيه، بخلاف الهبة للمنة، ولا يلزمه استعارتها» (٦) .
ولأجل ما سبق قال الإمام ابن تيمية: «سؤال الخلق في الأصل محرم، لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلاً على الله ـ تعالى ـ أفضل» وأسند ذلك لي الإمام أحمد ﵀ (٧) .
فهذه قاعدة مهمة: أن الأصل في سؤال الخلق أنه محرم، لكن لما كانت بعض حاجات الناس لا تقضى إلا بالسؤال فيما بينهم، حتى يتم التعاون والمودة والتكافل أباح الله هذا السؤال، على أن لا يتجاوز الحد؛ بحيث لا يكون هو الديدن والأصل، فيسأل كل شيء من غير تفريق بين ما يحسن وما لا يحسن، ولا بين الضروري وغير الضروري، وإذا تعرض لسؤال اضطراراً فيجب عليه أن يرُد بالمثل، ويجتهد في الرد بأحسن من ذلك، فإن لم يقدر لضيق في رزقه فليجتهد في الدعاء لمن أسدى إليه معروفاً.
يقول ﵊: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (٨) .
وبعد هذا العرض حول هذه القضية الخطيرة المهملة ليس أمامنا طريق نسلكه نعلم عاقبته إلا هذا الطريق:
ـ فأوْلى ما نربي نفوسنا عليه هو تربيتها على سؤال الله وحده.
ـ وأوْلى ما نربي أولادنا وأهلينا عليه هو ذلك.
ـ وأوْلى ما نربي الناس عليه هو هذا الأمر العظيم.
ويقيني أننا لو أخذنا بهذا المبدأ تعلماً وتعليماً ودعوة وترسيخاً بالتكرار، في كل مناسبة وحادثة، كما كان ﵊ يفعل؛ فإن ذلك سيحل كثيراً من المشكلات التي تعترض طريقنا في هذه الدنيا، من أصغر شيء إلى أكبره، من الذنب الصغير إلى الذنب الكبير، من الصغيرة إلى الكبيرة إلى الشرك، كلها ستحل، وكل أخطائنا ستتلاشى، وكل شيء في حياتنا سيحسن وسيطيب، كما طابت حياة الصحابة والصالحين، فلتكن هذه القاعدة المهمة منا على بالنا في كل وقت وآن!
стр. 5161
عشر وصايا للصبر على المصائب
أحمد بن صالح السديس
ضرب رسول الله ﷺ مثلاً معبراً للمؤمن في هذه الحياة، فقال: «مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأَرْزِ لا تهتز حتى تُستحصد» (١) . لقد اختلطت جذور الزرع في الأرض وتماسكت؛ فالريح ـ وإنْ أمالته ـ لا تطرحه ولا تكسره ولا تسقطه. وكذلك المؤمن فإنّ المصائب وإنْ آلمته وأحزنته فإنها لا يمكن أنْ تهزمه أو تنال من إيمانه شيئاً؛ ذلك أنّ إيمانه بالله عاصمُه من ذلك.
وهذه الدنيا مليئة بالحوادث والفواجع، والأمراض والقواصم؛ فبينا الإنسان يسعد بقرب عزيز أو حبيب إذا هو يفجع ويفاجأ بخبر وفاته، وبينا الإنسان في صحة وعافية وسلامة وسعة رزق إذا هو يُفجع ويفاجأ بمرض يكدر حياته ويقضي على آماله، أو بضياع مال أو وظيفة تذهب معه طموحاته، وتفسد مخططاته ورغباته.
في هذه الدنيا منح ومحن، وأفراح وأتراح، وآمال وآلام؛ فدوام الحال من المحال، والصفو يعقبه الكدر، والفرح فيها مشوب بترح وحذر. وهيهات أنْ يضحك من لا يبكي، وأنْ يتنعّم من لم يتنغَّصْ، أو يسعدَ من لم يحزنْ!!
هكذا هي الدنيا، وهذه أحوالها، وليس للمؤمن الصادق فيها إلا الصبر؛ فذلكم دواء أدوائها. قال الحسن ﵀: «جرَّبْنا وجرَّب المجرِّبون فلم نر شيئاً أنفع من الصبر، به تداوى الأمور، وهو لا يُداوى بغيره» . «وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر» (٢) ، وكان أمر المؤمن ـ من بين الناس ـ أمراً عجيباً؛ لأنّه «إنْ أصابته سراءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيراً له» (٣) .
أمرنا الله بالصبر، وجعله من أسباب العون والمعيّة الإلهية؛ فقال ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ، ثم أخبر مؤكِّداً أنّ الحياة محل الابتلاء بالخوف والجوع ونقص الأرزاق والأموال والأنفس والثمرات، وأطلق البشرى للصابرين، وأخبر عن حالهم عند المصائب، وأثبت جزاءهم؛ فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] .
فالصبر سبب بقاء العزيمة، ودوام البذل والعمل، وما فات لأحد كمال إلا لضعف في قدرته على الصبر والاحتمال، وبمفتاح عزيمة الصبر تُعالج مغاليق الأمور، وأفضل العُدَّة الصبر على الشدَّة.
- ما يعين على الصبر على النوائب:
ونظراً لحاجة الناس جميعاً إلى هذه الخصلة، وافتقارهم الشديد إليها أقف معها وقفات، أذكِّر فيها بعشر وصايا تعين المسلم في الصبر على المصائب. وهي:
- أولاً: إعداد النفس:
على المسلم أن يهيِّئ نفسه للمصائب قبل وقوعها، وأنْ يدرِّبها عليها قبل حدوثها، وأنْ يعمل على صلاح شؤونها؛ لأنّ الصبر عزيز ونفيس، وكل أمر عزيز يحتاج إلى دربة عليه.
عليه أنْ يتذكّر دوماً وأبداً زوال الدنيا وسرعة الفناء، وأنْ ليس لمخلوق فيها بقاء، وأنّ لها آجالاً منصرمة، ومدداً منقضية، وقد مثَّل الرسول ﵊ حالَه في الدنيا «كراكب سار في يوم صائف، فاستظلَّ تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها» (١) .
فلا تغترّ ـ أيها المسلم ـ برخاء، ولا تؤمِّلْ أنْ تبقى الدنيا على حالة، أو تخلوَ من تقلُّب وإصابة واستحالة؛ فإنّ من عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها، وقد قال بعض الحكماء: «من حاذر لم يهلع، ومن راقب لم يجزع، ومن كان متوقِّعاً لم يكن متوجِّعاً» . ومن أحبَّ البقاء فليُعِدَّ للمصائب قلباً صبوراً.
- ثانياً: الإيمان بالقضاء والقدر:
من آمن بالقضاء والقدر، وعلم أنّ الدنيا دار ابتلاء وخطر، وأنّ القدر لا يُردّ ولا يؤجَّل اطمأنت نفسه، وهان أمره. ومن المشاهَد المعلوم أنّ المؤمنين هم أقلّ الناس تأثُّراً بمصائب الدنيا، وأقلُّهم جزعاً وارتباكاً؛ فالإيمان بالقضاء والقدر صار كصِمَام الأمان الواقي لهم ـ بإذن الله ـ من الصدمات والنكسات. إنهم مؤمنون بما أخبرهم به الصادق المصدوق ﷺ : «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصحف» (٢) ، وبأنّ الآجال والأرزاق مقرَّرة مقدَّرة والمرء في بطن أمه؛ فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وكَّل الله بالرَّحِم مَلَكاً، فيقول: أيْ ربِّ نُطفةٌ؟ أيْ ربِّ عَلقةٌ؟ أيْ ربِّ مُضغَةٌ؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: أيْ ربِّ أذَكَر أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكتب كذلك في بطن أمه» (٣) .
قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ ـ يوماً ـ: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية. فقال النبي ﷺ : «قد سألتِ الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئاً قبل حِلّه، أو يؤخر شيئاً عن حله، ولو كنت سألتِ الله أن يعيذكِ من عذابٍ في النار، أو عذابٍ في القبر، كان خيراً وأفضل» (٤) . قال النووي ﵀: «وهذا الحديث صريح في أنّ الآجال والأرزاق مقدَّرة، لا تتغيّر عما قدّره الله ـ تعالى ـ وعلمه في الأزل، فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك» (٥) .
وأتى ابنُ الديلميِّ أُبَيَّ بنَ كعب فقال له: وقع في نفسي شيء من القَدَر، فحدِّثْني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي. قال: لو أنّ الله عذّب أهل سماواته وأهل أرضه عذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أُحُد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمنَ بالقدر، وتعلمَ أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان، فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت زيد بن ثابت، فحدَّثني عن النبي ﷺ مثل ذلك» (٦) .
- ثالثاً: تذكر حال الرسول ﷺ والسلف الصالح:
رسول الله ﷺ أسوة لكل مسلم، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ، وفي تأمُّل حاله ﵊ عظة وسلوى وعزاء؛ فقد كانت حياته كلها صبراً وجهاداً؛ ففي فترة وجيزة مات عمه أبو طالب الذي كان يمنع المشركين من أذاه، وماتت زوجته الوفيّة الصابرة خديجة، ثمّ ماتت بعض بناته، ومات ابنه إبراهيم، فلم يزد على أنْ قال ـ وقد دمعت عيناه ـ: «إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (١) ، ومات الكثير من أصحابه الذين أحبَّهم وأحبّوه، فما فَتَّ ذلك في عضُدِه، ولا قلَّل من عزيمته وصبره.
ومن تأمَّل أحوال السلف الصالح وجدهم ﵃ قد حازوا الصبر على خير وجوهه، وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الممتحنة: ٦] . تأمَّلوا حال عروة بن الزبير ﵀ وقد ابتلي في موضع واحد بقطع رجله مع موت ابنه، فلم يزد على أنْ قال: «اللهمّ كان لي بنون سبعة فأخذتَ واحداً، وأبقيتَ لي ستة، وكان لي أطراف أربعة؛ فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة؛ ولئن ابتلَيْتَ لقد عافيت، ولئن أخذتَ لقد أبقيت» (٢) .
ومات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، فدفنه أبوه، ثم استوى على قبره قائماً، فقال وقد أحاط به الناس: «رحمك الله يا بُنيّ! قد كنت براً بأبيك، والله ما زلتُ مذ وهبكَ الله لي مسروراً بك، ولا والله ما كنتُ قطّ أشدَّ بك سروراً، ولا أرجى بحظي من الله ـ تعالى ـ فيك منذ وضعتك في هذا المنْزل الذي صيَّرك الله إليه» .
- رابعاً: استحضار سعة رحمة الله، وواسع فضله:
المؤمن الصادق في إيمانه يُحْسِن ظنَّه بربه، وقد قال الله كما أخبر رسول الله ﷺ : «أنا عند ظن عبدي بي» (٣) ، فثقوا بسعة رحمة الله بكم، وأنّ أقداره خير في حقيقة أمرها، وإنْ كانت في ظاهرها مصائبَ مكروهةً وموجعةً، وقد قال الله: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ، وقال رسوله ﷺ : «عجباً للمؤمن؛ لا يقضي الله له شيئاً إلا كان خيراً له!» (٤) .
ثمَّ تأمَّلوا فيما حباكم به الله من النعم والمنن؛ لتعلموا أنّ ما أنتم فيه من البلاء كقطرة صغيرة في بحر النعماء! وتذكَّروا أنّ الله لو شاء لجعل المصيبة أعظم، والحادثة أجل وأفدح. واعلموا أنّ فيما وُقيتم من الرزايا وكُفيتم من الحوادث ما هو أعظم مما أُصبتم به.
لمّا قتل الخضرُ الغلامَ الذي لقيه مع موسى أنكر موسى ذلك أول الأمر، حتى تبيّن له أنّ قتله كان لحكمة عظيمة، أخبر الخَضِر بها كما حكى عنه الله في كتابه فقال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١] ، وأخبر عنه رسول الله ﷺ فقال: «إنّ الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» (٥) ، وقال قتادة: «قد فرح به أبواه حين وُلد، وحزنا عليه حين قُتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرضَ امرؤ بقضاء الله» (٦) .
- خامساً: التأسي بغيره من أهل المصائب:
تأسَّوْا بغيركم، وتذكَّروا مصاباتهم، وانظروا إلى من هو أشدّ مصيبة منكم؛ فإنّ في ذلك ما يُذهب الأسى، ويخفف الألم، ويقلِّل الهلع والجزع، وتذكَّروا أنّ «مَن يتصبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله» (٧) .
ليتذكَّرْ من أصيب بعاهة أو مرض مَنْ أصيب بما هو أشدّ، وليتذكَّرْ من فجع بحبيب مَن فُجع بأحباب، وليتذكَّرْ من فقد ابنه مَن فقد أبناء، وليتذكَّرْ مَن فقد أبناءً مَن فقد عائلة كاملة.
ليتذكَّر الوالدان المفجوعان بابنٍ آباءً لا يدرون شيئاً عن أبنائهم؛ فلا يعلمون: أهم أحياء فيرجونهم، أم أموات فينسونهم. وقد فقد يعقوبُ يوسفَ ﵉ ومكث على ذلك عقوداً من السنين، وبعد أنْ كبِر وضعف فقد ابناً آخر، فلم يزد على أنْ قال في أول الأمر: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ، ثمّ قال في الحال الثاني: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] .
جاء رجل كفيف مشوَّه الوجه إلى الوليد بن عبد الملك، فرأى حاله، ولم ير عليه شيئاً من علامات الجزع، فسأله عن سبب مصابه، فقال: كنت كثير المال والعيال، فبتنا ليلة في واد، فدهمنا سيل جرّار، فأذهب كل مالي وولدي إلا صبيّاً وبعيراً، فندّ البعير والصبيُّ معي، فوضعته وتبعت البعير لأمسك به، فعدت إلى الصبي فإذا برأس الذئب في بطنه قد أكله، فتركته وتبعت البعير فرمحني رمحة حطَّم بها وجهي، وأذهب بصري، فأصبحت بلا مال ولا ولد ولا بصر، فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أنّ في الناس من هو أعظم بلاءً منه.
- سادساً: تذكّر أنّ المصائب من دلائل الفضل:
المصائب من دلائل الفضل، وشواهد النبل، وكيف لا يكون ذلك، وقد سأل سعد بن أبي وقاص ﵁ رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أيُّ الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياءُ، ثم الأمثل، فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان دينه صُلْباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه؛ فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» (١) .
وقال عليه ـ الصلاة والسلام ـ: «مَن يرد الله به خيراً يُصِبْ منه» (٢) ، وأخبر أنّ «الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم» (٣) .
- سابعاً: تذكر حُسن الجزاء:
ليتذكر كل منا حُسن الجزاء ليخف حمل البلاء عليه؛ فإنّ الأجر على قدر المشقة، والنعيم لا يُدرك بالنعيم، والراحة لا تنال إلا على جسور من التعب، وما أقدم أحد على تحمُّل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجّلة، والصبر على مرارة العاجل يفضي إلى حلاوة الآجل، و «إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء» (٤) .
سأل أبو بكر ﵁ رسولَ الله ﷺ مستشكلاً وجلاً، فقال: يا رسول الله! كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣] ، فكل سوء عملنا جُزينا به؟ فقال رسول الله ﷺ : «غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تنصَب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟» ، قال: بلى! قال: «فهو ما تجزون به» (٥) .
تذكَّروا ما أعدّه الله للمبتلَين الصابرين من الأجر والثواب، وتكفير السيئات، ورفعة الدرجات، وحسن الخلف والعوض.
فأمّا الأجر والثواب فلا أحسن ولا أعظم من الجنة جزاءً وثواباً، وقد وعد بها كثير من الصابرين؛ فوُعِدت بها تلك المرأة التي كانت تُصرع إذا ما صبرت، كما حدَّث بذلك عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى! قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ ، فقالت: إني أُصرَع، وإني أتكشف، فادْعُ الله لي! قال: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيك» ، فقالت: أصبر. وقالت: إني أتكشف، فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها» (٦) .
ووُعِد بها الذي فقد بصره، فقال ﵊: «إنّ الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوَّضته منهما الجنة» (٧) .
ووُعِد بها المؤمن الذي يصبر عند موت حبيب له، فقال ﵊: «يقول الله ـ تعالى ـ: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» (٨) .
وكان لمن فقد ولداً نصيب كبير من البشارة بالجنة؛ لعلم الله بعظم مصيبته، وكونه بعباده رحيماً. فبشّر ﵊ المرأة التي مات لها ثلاثة من أولادها بأنها احتمت بحمًى منيع من النار؛ فقد أتته ومعها صبي لها مريض، وقالت: يا نبي الله! ادعُ الله له! فلقد دفنت ثلاثة. قال: «دفنتِ ثلاثة؟!» ، قالت: نعم! قال: «لقد احتظرت بحظار شديد من النار» (١) . وقال رسول الله ﷺ : «أيُّمَا مُسْلِمَينِ مَضَى لَهُمَا ثَلاثَةٌ مِن أولادِهِمَا، لم يبلُغُوا حِنْثاً كانُوا لَهُمَا حِصْناً حَصِيناً مِن النَّارِ» ، فَقَالَ أبُو ذَرٍّ: مَضَى لِي اثنان يا رسولَ اللهِ! قال: «واثنان» ، فقال أُبَيُّ أبُو المُنْذِرِ سَيِّدُ القُرَّاءِ: مَضَى لي واحدٌ يَا رسول اللهِ! فقال رسول اللهِ ﷺ : «وواحدٌ؛ وذلك في الصَّدمة الأولى» (٢) . وعن محمود بن لبيد عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنة» ، قال: قلنا: يا رسول الله! واثنان؟ قال: «واثنان» . قال محمود: فقلت لجابر: أراكم لو قلتم: وواحد لقال: وواحد. قال: وأنا ـ والله ـ أظنّ ذاك» (٣) .
وإليكما ـ أيُّها الوالدان المكلومان ـ حديثاً آخر ـ وحسبكما به عزاءً وتفريجاً ـ: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم! فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم! فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حَمِدَكَ واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسَمُّوه بيت الحمد» (٤) .
بل إنّ السِّقْطَ ـ وهو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه ـ سبب لدخول أمه الجنة؛ فقد قال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده إنَّ السِّقْطَ ليجر أمه بسَرَرِهِ إلى الجنة، إذا احتسبته» (٥) .
وأما تكفير السيئات فقد جاء في الحديث الصحيح: «ما من مسلم يصيبه أذى؛ شوكة فما فوقها إلا كفَّر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها» (٦) ، وفي الحديث الصحيح الآخر: «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا همٍّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (٧) ، و «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (٨) .
والمصائب من أسباب رفعة الدرجات؛ فبالصبر عليها يبلغ العبد منْزلة لم يبلغها بعمله. جاء في مسند الإمام أحمد: «إذا سبقت للعبد من الله منْزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبَّرَه، حتى يُبَلِّغَه المنْزلة التي سبقت له منه» (٩) .
سأل النبي ﷺ أصحابه يوماً: «ما تعدون الرَّقُوب فيكم؟» قالوا: الذي لا يولد له. قال: «ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدِّم من ولده شيئاً» (١٠) أي: يموت قبل أنْ يموت أحد أولاده، وفي هذا إشارة إلى أنّ الأجر والثواب لمنْ قدَّم شيئاً من الولد، وأنّ الاعتداد به أكثر، والنفع فيه أعظم.
وهي من أسباب حسن الخلف والعوض، فقد يعوَّض من فقد حبيباً بآخر أحسن منه، وقد يعوَّض من فقد ولداً بولد أبرَّ منه وأنفع، وكم في ثنايا المحن من منح! أخبرت أم سلمة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها» . قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسولَ الله ﷺ » (١١) .
ولذا فإنّ وفاة أحد الأبناء قد تكون خيراً لوالديه من وجوه؛ فقد يكون قد سبق في علم الله أنّ هذا الولد لو عاش لأتعب أبويه، كما مرّ في قصة الخضر والغلام، وقد يكون صبر الوالدين واحتسابهما سبباً لحسن الخلف، كما مرّ في قصة أم سلمة ﵂، وقد يكون دعاء المعزِّين والزائرين للوالدين: «اللهمّ اخلف عليهما خيراً، واجبر كسرهما، وأبدلهما خيراً منه» سبباً في صلاح إخوانه وتوفيقهم، وأنْ يُرزقا بخلف خير منه وأبرّ.
- ثامناً: كف النفس عن تذكر المصيبة:
على من أصيب بمصيبة أنْ يكفَّ نفسه عن تذكُّرها، وتردادها في ذهنه وتجوُّلها، وأنْ ينفيَ الخواطر والمهيِّجات إذا مرَّتْ به، ولا ينمّيها ويعايشها؛ فإنها تصير أماني لا نفع منها ولا غنًى وراءها، وأمثال هذه الأماني رؤوس أموال المفاليس؛ لأنّ من مات لا يعود، وما قُضي لا يردّ، وقد روي عن عمر ابن الخطاب ﵁ قوله: «لا تستفزُّوا الدموع بالتذكُّر» .
وممّا يقع فيه كثير ممّن أصيب بفقد حبيب أو قريب أنه يسعى إلى الاحتفاظ ببعض أشياء الميت التي تذكِّره به في كل حين، مما يحول دون برء جراحه، ويجدِّد همومه وأحزانه.
- تاسعاً: الابتعاد عن العزلة والانفراد:
ابتعد ـ أيُّها المصاب ـ عن العزلة والانفراد؛ فإنّ الوساوس لا تزال تجاذب المنعزل المتفرِّغ، والشيطان على المنعزل أقدر منه على غيره.
وأشغل نفسك بما فيه نفعك، واحزم أمرك، واشتغل بالأوراد المتواصلة والقراءة والأذكار والصلوات، واجعلها أنيسك ورفيقك؛ فإنّه بذكر الله تطمئنّ القلوب.
- عاشراً: ترك الجزع والتشكي:
إيّاكم ـ عند المصائب ـ والجزعَ وكثرةَ الشكوى، فإنّ من غفل عن أسباب العزاء ودواعي السلوة تضاعفت عليه شدّة الأسى والحسرة، وهو بهذا كمن سعى في حتفه وأعان على تلفه، فلا يطيق على مصابه صبراً، ولا يجد عنه سُلُوّاً، ولئن كان الصبر مستأصِلَ الحَدَثان فإنّ الجزع من أعوان الزمان. من علم أنّ المقدَّر كائن والمقضيَّ حاصل كان الجزع عناءً خالصاً، ومصاباً ثانياً، وقد قال ـ تعالى ـ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣] . حُكي أنّ أعرابية دخلت من البادية، فسمعت صُراخاً في دار، فقالت: ما هذا؟ فقيل لها: مات لهم إنسان. فقالت: ما أراهم إلا من ربهم يستغيثون، وبقضائه يتبرّمون، وعن ثوابه يرغبون!
تذكَّروا أنّ الجزع لا يردّ الفائت، ولكنه يُحزن الصديق ويسرّ الشامت، ولا تقرنوا بحزن الحادثة قنوط الإياس؛ فإنهما لا يبقى معهما صبر، ولا يتّسع لهما صدر. وقد قيل: المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين. مات لرجل وامرأة ابنٌ يُحِبَّانِهِ، فقال الرجل لزوجته: اتقي الله واحتسبيه واصبري! فقالت: مصيبتي أعظم من أنْ أفسدها بالجزع.
وقال بعض العقلاء: «العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر ... فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أنْ يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره!» (١) .
وإنما تُنال درجة الصبر في المصائب بما يدخل تحت اختيار المرء؛ فتُنال بترك الجزع، وشقّ الجيوب، وضرب الخدود، والمبالغة في الشكوى، وإظهار الكآبة، وتغيير العادة في الملبس والمفرش والمطعم. وعليه أنْ يُظهر الرضا بقضاء الله تعالى، ويعتقد أنّ ذلك كان وديعة فاستُرجِعتْ، ويصنع كما صنعت أم سُليم ﵂ حين مات ابن لها، فقالت لزوجها أبي طلحة ﵁: «أرأيتَ لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: «فاحتسب ابنك» . فلما علم رسول الله ﷺ قال: بارك الله لكما في غابر ليلتكما» (٢) .
وأخيراً: فإنّ الصبر على المصائب يُعقب الصابرَ الراحة منها، ويُكسبه المثوبة عنها، فإنْ صبر طائعاً وإلا احتمل همّاً لازماً، وصبر كارهاً آثماً، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سُلُوَّ البهائم. قال علي بن أبي طالب ﵁: «إنّك إنْ صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإنْ جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور» (٣) . وقال عمر بن الخطاب ﵁: «إنا وجدنا خير عيشنا الصبر» . وروي عن علي ﵁ قوله: «اعلموا أنّ الصبر من الإيمان بمنْزلة الرأس من الجسد، ألا وإنه لا إيمان لمن لا صبر له» . وقال الحسن ﵀: «ما تجرَّع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة» . وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: «ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عوَّضه خيراً مما انتزعه» .
جعلنا الله جميعاً من الصابرين الشاكرين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5162
بشائر على طريق العودة إلى الله
رشيد كهوس
قال الباري ـ جل وعلا ـ في كتابه العزيز: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] .
- أولاً: بداية الوهن:
ابتليت الأمة الإسلامية بـ «الوهن» الذي ما يزال يدب في جسمها، وكان سبباً في انتقاض عروة الحكم، وتحول ذلك البناء الشامخ والحصن المنيع من خلافة راشدة إلى حكومات ضعيفة متعددة؛ وهذا أصل البلاء، وما الأزمات التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم إلا أعراض لهذا المرض الدفين؛ فأول انكسار حدث في تاريخ المسلمين كان على مستوى الوضع السياسي؛ حيث افترق القرآن والسلطان، والدعوة والدولة، ومن ثم سرى المرض في جميع المجالات (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) ولا يزال، ونتج عن ذلك تفرق الأمة إلى شيع وطوائف، وعملت العصبيات، وظهرت حمية الجاهلية. يقول الحبيب المصطفى ﷺ : «من قاتل تحت راية عمِّيّة يغضب لعصبة، أو ينصر عصبة فقُتل فقتلة جاهلية» (١) ، ونسي المسلمون، وتناسوا تعاليم الإسلام التي تدعو إلى الوحدة وترك الخلاف المذموم الذي يؤدي إلى التمزق والتشرذم. يقول الباري ـ جل وعلا ـ: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] ؛ فالتنازع سبب الفشل. وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] ، وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ؛ فالتفرقة والتشرذم والطائفية والعرقية والعصبية والقومية والطبقية كلها شعارات تشتت وحدة الأمة، وتنخر كيانها، وتكون سبباً للهلاك والخراب والدمار الذي ما زلنا نكتوي بناره.
وبهذه التجزئة في أرض المسلمين، وهذا التفرق المذهبي، وهذه العصبيات المنتنة وجد الاستعمار الغربي الحاقد طريقاً نفذ من خلاله إلى جسم الأمة، وأخذ بعد ذلك يعمل على تقويض أركانها وتوسيع الخلافات بين أبنائها؛ ليحافظ بذلك على وجوده داخل المجتمع المسلم، بل الأشد من ذلك والأنكى أنه بعدما غرس أقدامه في أرض الإسلام واستحوذ على خيراتها واستغل طاقاتها بدأ يرسل جحافله الملوثة وأفكاره المسمومة إلى صدور المسلمين لزعزعة الإيمان في القلوب، وحوّل الغزو بالجيوش الوحشية الجرارة إلى غزو من نوع آخر بإرسال الإرساليات إلى المجتمع المسلم، وزرع بذرة المستشرقين والمنصِّرين والمغربين في وسط هذا المجتمع؛ فأينعت فساداً وإلحاداً وتفسخاً؛ من أجل قتل الأخلاق الإسلامية والقيم الدينية؛ لتصبح الأمة الإسلامية أمة غريبة في أخلاقها بعيدة عن دينها، لا تتحرك إلا وفق مصالح القارونية العالمية طاحنة الشعوب المستضعفة في العالم.
وفي مطلع هذا القرن الجديد «ق ٢١» جاءت جيوش التتار الجدد يجوسون خلال الديار من الغرب الحاقد، يأتون على الأخضر واليابس، يعيثون في الأرض الفساد، بدءاً من أفغانستان ومروراً بالعراق وقدوماً إلى البلدان المسلمة الأخرى، وما فلسطين بالتي تُنسى. هكذا دب الأمريكان والإنجليز تحت قيادة الصهيونية العالمية إلى العالم الإسلامي، وحل «الخطر الأزرق» محل «الخطر الأحمر» . وفي هذا الصدد تحضرني قولة «الدب الأليف» جورباتشوف، قال: «إن من الخطأ أن نتوهم أن الولايات المتحدة الأمريكية تمثل العدو الأول للاتحاد السوفييتي. إن عدونا الأول في الحقيقة هو الإسلام» . هكذا يعبرون بهذه الجرأة وبهذه الغطرسة والحقد الذي ملأ صدورهم منذ قرون، وهاهم يُخرجون ما كان تحت الأنقاض وما واراه الركام، وما أخفته النفوس منذ زمان.
وفي هذا الصدد يقول الدكتور «عماد الدين خليل» في مقال نشر له في مجلة البيان: «يدور الزمان دورته، ثم ما يلبث أن يرجع إلى هيئته الأولى.. فإذا بديار الإسلام تتلقى دفعة أشد ضراوة وهولاً من تلك التي تلقتها زمن الاستعمار القديم، وها هو ذا الإعصار الأمريكي المبطن بالمكر اليهودي، يدوِّم فوق رؤوسنا، ولا ندري إلى أين سيمضي؟ وما الذي يريد بعد أن وضع العراق ونفط العراق في جيبه، وضمن خزيناً احتياطياً هو الأكبر من نوعه في العالم كله؟» ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] .
- ثانياً: ناموس الله في الكون:
لكن رغم هذه الابتلاءات وتلك الخطوب يجب أن لا يدعونا هذا إلى اليأس والقنوط، والاستسلام للواقع المرير، وما نراه اليوم ونشاهده على شاشات التلفاز من حرب معلنة على الإسلام وأهله سواء في العراق أم فلسطين أم ... أم ... حيث يُشَرَّدُ المسلمون، ويقتلون، ويُعذب الأطفال وييتمون، ويُحرق الشيوخ ويذبحون، وتنتهك حرمات النساء ويرمّلن، و.. و.. هل نتحسر، ونقتل أنفسنا حزناً؟ أم نفهم هذه الرسالات الإلهية في الكون؟
لا يستفزنا كل هذا؛ نرضى بقدر الله جل وعلا. هذا حظ الحقيقة. أما حظ الشريعة فهو أن ننهض من كبوتنا وسباتنا، ونغير ما بأنفسنا بداية من التوبة إلى الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] ، والفرار إليه ـ سبحانه ـ: ﴿فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] ، واللجوء إليه جلت عظمته ﴿وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨] ، ونهاية بإعداد القوة لتنهض الأمة من كبوتها: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] . من هنا لا بد لنا من جهود، ولا بد أن نجتهد ونجاهد لنغير ما بالأمة، ونأخذ بأسباب النصر، ولا نستعجل قطف الثمار، ولا بد أن نأخذ ما عند الأمم وما طوروه من العلوم «التكنولوجيا» لأن النصر رهين بشروط مذكورة في كتاب الله ـ جل وعلا ـ من إعداد كامل وشامل ـ قوة الإيمان إضافة إلى القوة العسكرية ـ لجميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالمقاومة والاستشهاد في سبيل الله، والصبر الطويل حتى يحل النصر والتمكين والاستخلاف؛ فوعد الله آت، والله لا يخلف الميعاد ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] ، وفي الحديث يقول النبي الأكرم ﷺ : «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين» (١) .
ومن سنن الله ـ جل وعلا ـ أن النصر للمسلمين والمستقبل لهذا الدين. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ، وقال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] ، وبشائر النصر كثيرة، وأمارات الفتح جلية ولاحبة (*) ، ﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] .
- ثالثاً: سنة التمحيص والاختبار:
لكن لا بد من أداء الثمن، ولا بد من تمحيص واختبار، ولا بد للأمة من سياط لتستيقظ من سباتها العميق؛ لأنها أمة مرحومة رغم ما نراه من السياط التي تلهب ظهورها، قال الحبيب ﷺ : «أمتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل» (٢) ؛ فالمحن والمصائب قد تكون سبباً في الفتح المبين والنصر العظيم، فلا نيأس؛ فالعدو مهما طغى وتجبر فنهايته تعسة، وفي كتاب الله ـ جل وعلا ـ أمثلة كثيرة لأمم وأقوام كثيرة تجبرت وطغت؛ فكانت نهايتها الدمار والخسف والعذاب في الدنيا والآخرة؛ فمنهم من أرسل عليه الريح، ومنهم من أغرق في اليم، ومنهم من خسفت به الأرض ومنهم ومنهم..؛ فالخاتمة للمسلمين، والنصر لعباد الله الصالحين، رغم اليأس الذي أصاب بعض ضعاف النفوس الذين يظنون أن لا طاقة لنا اليوم بأمريكا وحليفتها الصهيونية؛ فسلموا للواقع، وانساقوا خلف التيار، وأغرقوا أنفسهم في الأوهام والأحلام، وعلى مثل هؤلاء فلتبك النساء! لعلهم ينهضون من كبوتهم وسباتهم؛ فالقعود والانتظار لا يمنحان النصر، والأماني والأحلام لا يخرجان من الأزمة. قال الباري في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٢] .
هكذا يخبرنا ـ جل وعلا ـ عن سنة الابتلاء، وعن تمحيصه واختباره لعباده؛ ليعلم الصادقين من الكاذبين، والمجاهدين من القاعدين، وقد ابتليت الأمة في مواطن كثيرة في عهد النبي ﷺ والصحابة الكرام رضوان الله عليهم، و «غزوة أحد» خير مثل؛ حيث ابتلي فيها المسلمون وزلزلوا، وهذه الآيات التي ذكرتها نزلت يوم أحد تحكي لنا ما وقع في هذه الغزوة، وما لقيه المؤمنون والنبي ﷺ من أنواع الابتلاء: كسرت رباعيته، وجرح وجهه الشريف ... ، كذلك «يوم حنين» ، وغيرها من الأيام، وإذا بحثنا عن أسباب هذا الابتلاء نجد أن سبب الأولى ـ أحد ـ يرجع إلى مخالفة الصحابة لأمر رسول الله ﷺ ، والثانية ـ حنين ـ اغتر بعض الصحابة بكثرتهم. قال الله ـ جل وعلا ـ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ، وهذه الأسباب نجدها في عصرنا هذا في مخالفة أمر الله وأمر رسوله في جميع أمور المسلمين «السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية» حيث تركوا شريعة الله، ونبذوها وراء ظهورهم، واتخذوا أعداء الله ملاذاً وملجأً؛ وهذا هو سبب الشقاء الذي تعيشه أمتنا الإسلامية. كذلك اغتر المسلمون اليوم بكثرتهم التي تزيد عن ١.٣ مليار مسلم، فلم تغنِ عنهم شيئاً، نزع الله من صدور عدوهم المهابة منهم، وقذف في قلوبهم الوهن، فأصبحوا عباداً للهوى، يلهثون وراء السراب، ويستنجدون بالعدو الذي يتربص بهم الدوائر، والذي ينهج سياسة «فرق تسد» .
هذا هو مكمن الداء والسبب المباشر لهذه الهزيمة التي حلت بالمسلمين اليوم. وإذا أراد المسلمون أن تعود لهم تلك العزة التي عاشوها في العهد الأول عهد النبي ﷺ والصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ وعهود الازدهار ـ عهد صلاح الدين الأيوبي، وغيره من المجاهدين والمصلحين ـ يجب أن يعود المسلمون إلى ما كان عليه هؤلاء. حين رفعوا رؤوسهم، وأرهبوا عدوهم، كان ولاؤهم لله ـ جل وعلا ـ ولرسوله ﷺ ، وكانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، لا يخافون في الله لومة لائم، فأمدهم الله بجنود من السماء تقاتل معهم العدو. قال الخالق ـ تقدست كلماته ـ: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] ، وقال ـ عز من قائل ـ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] .
- رابعاً: إن وعد الله حق:
وختاماً نستبشر خيراً بغد العزة وفجر الكرامة، بعد التوكل على الله ـ جل وعلا ـ في الأمر كله، والأخذ بأسباب النصر، واستنهاض الهمم، وتوعية الأمة بذاتيتها الضائعة وبوحدتها المتلاشية، والرجوع إلى ذلك النبع الصافي الذي استقى منه ذلك «الجيل القرآني الفريد» النموذج الخالد، جيل الصحابة؛ رضوان الله عليهم جميعاً، ﴿وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] . قال الباري ـ سبحانه ـ: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ؛ فهذا كلام الله الحي الذي يصلح للقرن الأول والقرن الثاني والثالث، ويصلح لسائر القرون إلى آخر الزمان، يعد المؤمنين بالعلو والرفعة بعد الهزيمة، وبالعز والتمكين والاستخلاف في الأرض بعد الذل: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٤ - ٦] .
هكذا ستعود لنا تلك المكانة الرفيعة بعدما مرت على الأمة سنون عجاف، وأصبحت بضاعة مزجاة، نشم نسائم الصباح، ونستبشر ببشارة خير الأنام ـ عليه وعلى آله الصلاة والسلام ـ أن بعد العض والجبر خلافة ثانية يعيش الناس في ظلها عدلاً وعزاً. يقول الحبيب المصطفى ﷺ : «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكاً عضّاً فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» (١) . إنها بشارة عظيمة جاءت على لسان الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر المحجلين، وإخوانه إلى يوم الدين.
وأخيراً: كيف نغير ما بالأمة إذا لم نستطع أن نغير أنفسنا بناءً على القاعدة القرآنية: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] ؟
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وكفى بالله وكيلاً. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] .
стр. 5163
العمل الخيري والمتغيرات الدولية
التحديات والأولويات والمستقبل
د. صالح بن سليمان الوهيبي
- أولاً: مقدمة:
يمر العالم الإسلامي بمرحلة عصيبة منذ أحداث واشنطن ونيويورك التي اصطلى المسلمون حيثما كانوا بحرّها. وكان للدعوة الإسلامية وللمنظمات الإسلامية نصيب وافٍ من الظلم الذي حاق بالعالم الإسلامي؛ بزعم أن المنظمات داعمة للإرهاب. ونعتقد أنه يُراد للمسلمين عامة ـ دولاً وحكومات وشعوباً ومنظمات.. ـ أن يخضعوا للابتزاز الصهيوني والاستعماري الذي حاول توظيف الأحداث لإذلال العالم الإسلامي والمسلمين.
وفي هذه الورقات استطلاع لأهم تلك التحديات التي تعرقل مسيرة العمل الخيري، مع الإشارة إلى أولوياته في هذه المرحلة، وما ينتظره من مستقبل وفق ما نتوقعه، والله ـ تعالى ـ أعلم وأحكم.
من أبرز تلك التحديات في نظرنا ما يأتي:
١ ـ الضغط الغربي (الأمريكي) على العمل الخيري والدعوي الإسلامي: وقد اتخذ هذا الضغط عدة أشكال منها:
- اتهامه بوجود علاقة بينه وبين الإرهاب، ويتمثل ذلك في وجود أي علاقة مع المجاهدين الأفغان أو حماس أو الجهاد الإسلامي أو حزب الله أو أحزاب كشمير. وقد أُغلقت بعض المؤسسات الإسلامية الأمريكية؛ بزعم وجود هذه العلاقة. كما حُبس بعض المسلمين العاملين في المجال الخيري والفكري؛ بزعم أنهم على علاقة بهذه أو تلك، منهم في أمريكا: الدكتور مازن النجار، والدكتور سامي العريان، والدكتور عبد الرحمن العمودي. وقُبض على عاملِين في المؤسسات الأمريكية؛ بذريعة أنهم طلاب خالفوا قوانين الهجرة بعملهم في المؤسسات، ولو تطوعاً كما حصل للدكتور إبراهيم سليمان الذي عمل متطوعاً مع الندوة العالمية في واشنطن بعض الوقت.
- محاولة إجبار الجهد الخيري على التخلي عن ربط الدعوة مع الإغاثة؛ إذ بدأت المؤسسات الأممية والغربية تثير الغبار حول العمل الإنساني الإسلامي بحجة أنه ليس عملاً إنسانياً خالصاً! أمَّا أن تقوم (المؤسسات النصرانية) باستغلال حاجة الناس، ونشر الإنجيل مع الغذاء فذلك أمر سائغ لديهم.
- التضييق على مناشطه التي يعقدها بالتعاون مع (المؤسسات الإسلامية) في الغرب. ويأتي هذا التضييق في صور شتى منها: عدم منح تأشيرات أصلاً، أو التأخر في منحها إلى أن تفوت المناسبة، أو إرهاب (المؤسسات الإسلامية) في الغرب والإيحاء إليها بخطورة العمل مع الهيئات الإسلامية في العالم الإسلامي، أو منع الأئمة والخطباء من إمامة الناس في رمضان.. وغير ذلك مما هو منشور في الصحافة مشهور.
- التضييق على التبرعات والتحويلات المالية للمؤسسات الإسلامية، ولعل الكل يعلم أن المصارف تعيش جوَّ رعب عند تحويل مبلغ ليتيم أو أسرة فقيرة مخافة أن يضل المبلغ طريقه فيقع في غير ما أريد له.
- تصفية المؤسسات نفسها ولو كانت خارج أمريكا، وهو من الأهداف الرئيسة من الحملة كلها. وقد جُمّدت مجموعة من المؤسسات الإسلامية في أمريكا وغيرها، كما صُفّيت مؤسسة الحرمين الخيرية.
٢ ـ الهجوم الصهيوني متمثلاً في وسائل الإعلام والمنشورات المتتابعة التي تهدف إلى تسميم عقول الناس عامة والغربيين على وجه الخصوص إزاء العمل الخيري الإسلامي. وقد كسب العدو الصهيوني الكثير بعد أحداث سبتمبر على نحو غير مسبوق.
٣ ـ الحملة العلمانية والليبرالية التي يقودها مجموعة من الكتّاب في منطقة الخليج بالذات، ويريدون تصفية العمل الخيري الدولي متذرعين بحجج واهية يقصدون من ورائها تقويض العمل وتصفيته. وقد تجرأ هؤلاء في حملتهم على المؤسسات والعاملين فيها، ونادى بعضهم بإغلاق بعض المؤسسات الخيرية زاعماً أنها استنفدت الغرض من قيامها.
إن الغرض من ذكر ما سبق هو بيان بعض التحديات والجهات المتربصة بالعمل الخيري داخلياً وخارجياً، وينبغي ألاّ يؤدي ذلك إلى إخافة العاملين في المؤسسات أو المتبرعين لها أو المتعاطفين معها؛ لأن العمل الخيري باقٍ ما بقي الإسلام، وما المؤسسات إلا أدوات لتنفيذ المبادئ الإسلامية الحاضّة على فعل الخير، وإسداء النفع للناس وخدمتهم.
وتقع على عاتق المؤسسات الخيرية مسؤولية الاستفادة من هذه المرحلة لمراجعة أوضاعها، والرقي بمستويات العمل فيها، وتحديد أولوياتها في العمل. ومن أهم العناصر التي ينبغي مراعاتها: هو الثبات على هذا الطريق، والإحسان فيه، والصبر على ما يرد من جرائه من إشكالات.
- ثالثاًً: أولويات العمل الخيري:
من الصعوبة بمكان أن نتحدث عن أولويات مؤسسات العمل الخيري وكأنها كتلة واحدة متجانسة؛ ذلك أنها في واقع حالها متنوعة من حيث الأجواء التي تحكمها، والوظائف التي تفضّل القيام بها والقناعات الفكرية لدى القائمين على شؤونها. لكنّ ثمة قدراً مشتركاً لدى هذه المؤسسات، أرجو أن أوفق إلى تحديده في مجال الأولويات، ومن ذلك:
أـ تحرير مفهوم العمل الخيري وهيئاته؛ وذلك بعدة وجوه:
(١) تحرير معنى العمل الخيري في عقول العاملين في مؤسساته؛ لئلا يختلط مع أية مفاهيم أخرى تؤثر فيه، أو تمكّن المتربصين به من الولوج إليه من خلال تلك الاجتهادات. ومن أخطر تلك المفاهيم في هذه المرحلة: الربط بين عمليات الجهاد أو المقاومة وبين العمل الخيري، وهي الثغرة التي يحاول العدو الصهيوني ومساندوه ـ مثلاً ـ الدخول على مؤسساتنا الإسلامية من خلالها.
(٢) العمل على تغيير نظرة الناس إلى العمل الخيري باعتباره عملية استجداء (شحاذة) ، والنظر إليه ـ بدلاً من ذلك ـ باعتباره خدمة تقدمها الهيئات للمتبرعين متحملة مسؤولية وضع التبرعات حيث ينبغي أن توضع.
ب ـ تثبيت عامة الناس والمتبرعين؛ لئلا تهتز ثقتهم بالمؤسسات الخيرية، وعدم الصمت على دعاوى الأعداء والمنافقين. ومن واقع تجربتنا في الندوة حققنا ما يلي:
- الاتصال بالمسؤولين في أي بلد يكون فيه مكتب للمؤسسة، وبيان دورها وما تقدمه من خدمات لهم، ومن ذلك المسؤولون في المملكة العربية السعودية. والقاعدة التي نتبعها مفادها أن: «اجعل المسؤولين يسمعون منك، لا عنك!» .
- تقوية العلاقة بالمتبرعين والمحسنين من خلال الزيارات الميدانية، وتزويدهم بتقارير دورية عن مصير تبرعاتهم، ودعوتهم لزيارة المؤسسة. وقد يرغب بعضهم في زيارة المسجد الذي شيده أو الآبار التي حفرها، فينبغي ترتيب الزيارة والإفادة منها لغرس مزيد من الثقة لديه.
- التزام (المصداقية) في العمل مع عامة الناس، سواء في تنفيذ المشروعات (من مساجد ومدارس وآبار..) أو كفالة الأيتام وغيرها من البرامج التي تجتذب الناس.
ت ـ مراجعة وضع المؤسسات الخيرية، والخروج بها من حيز التقليدية والإدارة الفردية إلى حيز العمل الشوريّ الذي يحقق لها ديمومةً بعون الله، ويعينها على الإفادة من أنظمة الجمعيات سواء مما وضعته الأمم المتحدة أو غيرها. وعلى الرغم من وجود مجالس إدارات لكثير من المؤسسات، إلا أنها غالباً ما تكون صورية، وقلما يدعى المجلس إلى اجتماع.
ث ـ الخروج من نطاق المحلية إلى نطاق العالمية الواسع بالتعاون مع الهيئات الإسلامية والعالمية الأخرى في مجالات البرامج والنشاطات والمشروعات. ومن ذلك أيضاً: المشاركة في مؤتمرات الجمعيات الأهلية (غير الحكومية) التي تنضوي تحت مظلة الأمم المتحدة. وقد جربت عدة جمعيات إسلامية المشاركة في تلك المؤتمرات، وقدمت خلالها ورش عمل بالتنسيق مع الجهات المعنية فيها.
ج ـ دعم المجالس والمكاتب التنسيقية والسعي لفهم وظيفتها، وعدم تحميلها مهمات تنفيذية أو معاني أخرى. ومن تلك المجالس: (المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة) ومقره القاهرة، (المكتب الدولي للجمعيات الخيرية والإنسانية) ومقره جنيف، وهنالك مجلس ثالث في طور التشكّل (تحت مظلة رابطة العالم الإسلامي) في مكة المكرمة.
ح ـ مراجعة وضع الهيئات من حيث الحرص على التخصص، وتوزيع المناشط والاهتمامات مع الهيئات الأخرى، فلا تستطيع هيئة خيرية أن تتميز في كل مجال، وإنما لها أولويات في برامجها تحتاج إلى التركيز عليها.
خ ـ تفعيل الآليات المناسبة لمواجهة الحملات الضارية، من نشاط إعلامي، ومؤتمرات، وندوات، واتصالات فردية.
د ـ بذل عناية خاصة لرفع كفاءة العاملين في القطاع الخيري والمشرفين على تنفيذ برامجه ومناشطه. وأعتقد أن الهيئات الخيرية بحاجة إلى هيئة خيرية تكرس جهدها لدعم مسيرة العمل الخيري وتدريب أطره، وقد كان لـ (معهد إعداد) في الرياض خطة طموح في هذا المنحى، فآمل أن تستمرّ.
- رابعاً: مستقبل العمل الخيري:
الحديث عن أمرٍ مستقبلٍ لا يخلو من صعوبات، لكننا نطرح بعض الرؤى والتوقعات التي نحسب أن العمل الخيري مقبل عليها، ومن ذلك:
١ ـ بقاء العمل الخيري: إذ إنه جزء من الدين، ولن يستطيع أحد أن يقتلع المبدأ ما دام الإسلام قائماً. وعلى الهيئات الإسلامية التذكير بهذا الأصل، وتذكّره في عملها وفي دفاعها عن نفسها وعن برامجها، مع إدراكها في الوقت نفسه أنها أدوات لتنفيذ المبدأ، وهي ليست في مأمن من التعسف والتصفية.
٢ ـ استهداف المؤسسات الخيرية: ذلك أنها استطاعت أن تنافس الجمعيات الدولية، وأن تعوق بعض مخططاتها. وفي هذا الشأن قد تختلف مصالح الهيئات الإسلامية مع الهيئات الدولية أحياناً وقد تفترق؛ فهي تلتقي مع الهيئات الدينية (النصرانية بالذات) في الدفاع عن القيم الأخلاقية والأسرية، وتلتقي مع (المؤسسات الأممية) في نصرة المظلومين وإغاثة المنكوبين، وتفترق رؤاها مع الفريقين في مجال التربية والدعوة.
٣ ـ حصول مزيد من التضييق على مناشط الهيئات الخيرية في الدول الغربية، وبعض الدول الإسلامية تحت ذريعة التطرف ودعم الإرهاب. وقد بدأت بوادر كثيرة منذ ثلاث سنوات أو أكثر، وأصبح وجود تأشيرة من باكستان مثلاً مثار شك قد يؤدي إلى الاعتقال تعسفاً.
٤ ـ احتمال دخول العمل الخيري والدعوي في صراع علني مع المحتل في فلسطين، وقد يشاركه في هذا الوضع بعض المؤسسات الغربية؛ وذاك أن المحتل الصهيوني يريد قطع أية صلة بين الفلسطينيين والعالم، وهو يضرب حصاراً كاملاً عليهم لإذلالهم وإخضاعهم لشروطه المهينة. وقد ظهرت حالات تذمر بين الهيئات الأوروبية من جراء ما يلاقيه عاملوها من معاملة سيئة في فلسطين من قوى الاحتلال. ومن الخير للمؤسسات الإسلامية أن تجمع معلومات عما تتلقاه إسرائيل من تبرعات، وتنظر في «مشروعيتها» لترد على الاتهامات بمثلها.
٥ ـ ازدياد الحاجة إلى مؤسسات العمل الخيري وخدماتها سواء في بلدانها أم في البلدان المستفيدة؛ نظراً لاحتمال ازدياد نسبة الفقر خلال العقود القادمة؛ فالزيادة السكانية مطردة، وعجز الجهات الرسمية عن توفير الخدمات الأساسية في تصاعد؛ مما يضع عبئاً من المسؤولية على الهيئات الخيرية. كما أن الكوارث والحروب صارت أشد ضرراً؛ مما يضاعف من مهمات العمل الخيري.
٦ ـ ضرورة التفكير في أطر جديدة للعمل، ومن ذلك مثلاً ما يلي:
(١) عقد اتفاقيات تعاون أو مذكرات تفاهم مع جهات خيرية وحكومية؛ لتسهيل مهمة الهيئات.
(٢) الحرص على توطين العمل الخيري والدعوة في المجتمعات المستهدفة؛ وذلك بتدريب كوادر من تلك المجتمعات، ومساعدتهم على إنشاء جمعيات خيرية ودعوية راشدة.
(٣) وضع (خطط استراتيجية) للعمل تتضمن مفردات العمل نفسه مع بدائل. والخطط تعين ــ بتوفيق الله ــ على البعد عن ردود الأفعال والارتجال.
(٤) عقد علائق مع المنظمات غير الإسلامية المستعدة للتعاون في مجالات الإغاثة والقضايا الإنسانية.
(٥) التفكير في آليات جديدة لتنمية الموارد المالية والأوقاف، وتحقيق نوع من الاستقرار؛ للعمل وفق الأطر المشروعة.
- خامساً: خاتمة:
نختم هذه الورقات بعدة أمور:
١ ـ تبشير الناس بمستقبل مشرق لهذا الدين وهذه الأمة، كما وعد بذلك الصادق المصدوق #، والعمل على الوصول إلى هذا الهدف.
٢ ـ الحرص على الثبات وتثبيت الناس في وسط هذه المحنة؛ بما في ذلك الحرص على تقوية ثقة الناس بالله ـ تعالى ـ أولاًً، ثم بالمنظمات والقائمين عليها.
٣ ـ بذل جهود مضاعفة في هذه المرحلة، وحث العاملين على الاحتساب وجودة العطاء والتوجه إلى الله ـ تعالى ـ بصادق الدعاء؛ للخروج من هذه المحنة التي تمر بها الأمة المسلمة.
٤ ـ الحرص على الالتزام بمنهج الإسلام في التعامل والحب والكره مع المسلمين وغيرهم؛ إذ العمل الخيري صور من صور هذه الأمة ودينها.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
- أصل هذه الورقات أفكار مقدمة للمؤتمر الخليجي الأول للجمعيات والمؤسسات الخيرية الذي عقد تحت عنوان (الآفاق المستقبلية للعمل الخيري: الواقع والتطلعات) الذي نظمته (مبرة الأعمال الخيرية) في الكويت في المدة ١٠ ـ ١٢/١٠/١٤٢٥هـ الموافق ٢٣ ـ ٢٥/١١/٢٠٠٤م.
стр. 5164
د. سعيد بن ناصر الغامدي في حوار موضوعي مع البيان
يقوم الاتجاهات الحداثية العربية الجديدة في الساحة النقدية
التحرير
تجاوزت الحداثة التي يتبختر بها بعض المنتسبين إلى الأدب والثقافة من بني جلدتنا التجديد في الأشكال والقوالب الأدبية، لتقدم فكراً وثقافة ورؤية اجتماعية وأخلاقية. وراح كثير من دعاتها يتيهون في مستنقعات الفكر الغربي، ويتقلبون بين مدارسه المختلفة بعقلية هزيلة لا تملك سوى التبعية والإمَّعية الساذجة، وربما تصدّر بعض هؤلاء الحداثيين العرب منابر الأدب والثقافة والإعلام، وتحذلقوا بمصطلحات فلسفية مستوردة، وعبارات رمزية مقَّنعة، تحت شعار الإبداع والتجديد الأدبي والثقافي..!!
ويسعدنا في مجلة البيان أن نستضيف فضيلة الدكتور سعيد بن ناصر أستاذ العقيدة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة ليكشف لنا حقيقة الاتجاهات الحداثية العربية.
وفضيلته له عناية مبكرة في دراسة الفكر الحداثي العربي، وكانت أطروحته لنيل درجة الدكتوراه بعنوان: (الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها.. دراسة نقدية شرعية) في كلية أصول الدين، قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والرسالة مطبوعة في ثلاثة مجلدات كبيرة.
البيان: يتهرب الحداثيون كثيراً من تعريف الحداثة، ويخلطون ما بينها وبين التحديث، وقد نجد لهم العذر لسببين: الأول تعدد مدارس الحداثة ما بين المدرسة الأوروبية، والمدرسة الأمريكية والروسية، وغيرها من المدارس الفكرية المتنوعة، والسبب الثاني: هو أن الذين ينقلون هذه النظريات الفكرية التي تعالج نظرة الغربي للإنسان والكون والحياة عندما يطبقونها على الواقع يدعون أنها نقد أدبي لا يجدون مسوغاً أمام المتلقي ـ وهو يرى دعوة تغييرية لا تتوافق مع عقيدته ونظرته ـ إلا أن يسعوا للهروب من التعريف أو يقوموا بالخلط بين التحديث والحداثة؛ فما رأي فضيلتكم في تعريف الحداثة؟
- الحداثة عند أصحابها في الغرب ثم عند المستعيرين لها في الشرق مصطلح عسير التحديد مضطرب الحدود، محمل بمعاني مشكلة، ومضامين ملتبسة متداخلة مع عبارات أخرى مثل (المعاصرة) و (التجديد) و (التحديث) و (التطوير) ، وهذا الاضطراب في تعريف الحداثة أورث أفكاراً مضطربة وغير منضبطة في فهم مضمون الحداثة، وأنتج خلطاً بين الحداثة الفكرية الفلسفية، والتحديث العصري التقني؛ ففي الوقت الذي يحاول فيه كاتب مثل د. الغذامي أن يعرف الحداثة (بأنها التجديد الواعي.. أي وعي في التاريخ وفي الواقع) نجده يشير إلى أن هناك تعريفات أخرى عند أدونيس تقول أو توحي بموقف مختلف في مسائل التراث (حكاية الحداثة ص ٣٦) ، وهذا نمط من الالتباس والتلبيس؛ فقضية التجديد الواعي لا يردها أحد، ولكن أي تجديد؟ وما هو الوعي المقصود؟ وهل علماء الإسلام ودعاته ومثقفوه إلا أصحاب تجديد واع وإن كانوا بدرجات مختلفة؟ بل إن هذا التجديد الواعي ـ بحسب منهجيتهم القرآنية والنبوية ـ هو الذي يُلمزون به ويُشتمون ـ من قبل الطرف العلماني ـ بألفاظ من قبيل: (الإسلام الشمولي، والإسلام السياسي، التيار التقليدي، النسق المحافظ) وغير ذلك٠
ثم إشارته إلى أدونيس وتعريفاته التي يقول عنها بأنها توحي بموقف مختلف في مسائل التراث تلبيس آخر؛ فهو لم يقلْ: تنص على موقف مناقض للدين ومناهض لقضاياه، كما هو واضح جلي في كتب أدونيس، ثم لم يقل: نصوص الوحي، بل قال: التراث!! والمراد من إيراد هذا المثال إظهار التلبيس والالتباس حتى عند من يرى نفسه أحد كبار الفاهمين للحداثة والواعين لها، وعلى الرغم من هذا الاختلاف في المفاهيم والاختلاف في العبارات وفي المعاني نجد أن الحداثة الفكرية تتفق على عدة قضايا منها: القضاء على فكرة الثابت والمؤسسي والاستعاضة عنها بفكرة الصيرورة الدائمة، ومنها التشبث بأغصان المادية المتشعبة ابتداءً من الدوران في إطار (الفكر الإنساني/الهيوماني) (الاستناري) الذي يجعل الإنسان هو المركز وعقلانيته هي المصدر والمنطلق، وانتهاءً بالجسد واللذة والمنفعة، وحاجة سوق العمل والاستهلاك، والقوة ومعدلات الإنتاج.
إن التأمل في المنظومات التعريفية الحداثية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يجد أنها تنطوي على كامن فكري جوهري بدايته إعلان استقلال الإنسان واكتفائه بذاته، ونهايته الوصول إلى تأليهه، لتكون الخاتمة بالقضاء عليه (فكرة موت المؤلف) (موت المبدع) (تفكيك الإنسان) ونحو ذلك.
إن البداية الحداثية الفكرية الفلسفية تدور حول (مركزية الإنسان) واستقلال وجوده، وهو ما يعرف بـ (الفكر الهيوماني) ولهذه الفكرة تعبيرات مختلفة منها (العقلانية، الاستنارة، البنيوية، التفكيكية.. إلخ) وهذه البداية اقتضت وتقتضي تجاوزاً لكل ما يعتقدون أنه (نسقي) أو (محافظ) أو (ثابت) أو (مؤسسي) إلى أن تصل في أقصى درجات غلوها إلى تجاوز (الغيبي) و (القيمي) .
كل ذلك في إطار تصفية الثنائيات ـ حسب تعبيرهم ـ فالنص دال ومدلول معاً، والإبداع كاتب وقارئ؛ لأن (المؤلف مات بمجرد إنتاجه) ، والثقافة فعل ومفعول في الوقت ذاته، إلى آخر ما هنالك من حذف للفواصل والحدود والأقواس في تراكميات لفظية تعود جميعها ـ جوهرياً ـ إلى إلغاء ثنائية الخلق والخالق، وهي الثنائية التي تعني عند المؤمن الانفصال التام بين الاثنين، وتعني افتقار المخلوق إلى خالقه، وإلغاء هذه الثنائية هو ما عبر عنه نيتشه بـ (موت الإله) ، وعبر عنه بعض الحداثيين العرب بـ (انتهاء المتعاليات) و (عودة الوجود الإنساني) و (أنسنة المقدس) و (أنسنة الوحي) وغير ذلك من التعبيرات.
ربما لا يوافق بعض الناس على ظهور الحداثة بهذه الصورة الصلعاء، وإن كانوا يتداولون مدلولات تنتهي في سياقها الفكري والفلسفي إلى ما أشير إليه آنفاً، ولهؤلاء يتوجه سؤال عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تفاعل إشكالية انفصال الدال عن المدلول بدءاً بالدراسات الأكاديمية النقدية والثقافية، وانتهاءً إلى الإطار الفلسفي والحضاري، بل لماذا نرى التحولات الغربية تتولى في موجات منداحة من الهيومانية إلى التنوير إلى البنيوية إلى ما بعد البنيوية؟ ثم نجد محترفي (الاستغراب) يتشربون ذلك، وينقلونه بحماسة شديدة، مدعين انفصاله عن جوهره، وانقطاعه عن جذوره الفكرية التي نما وترعرع عليها؟
أليست هذه الإشكاليات تجعلنا ندرك المضمون الفلسفي والإطار الأصولي الذي يجمع كل هذا الشتات؟ وهل استطاع المستعيرون إدراك هذا البعد الكلي، أم أنهم كانوا أوفياء في النقل بلا فهم؟ أم أنهم أدركوا ذلك، ولكن مقتضيات الأسواق المحلية لا تسمح لهم بكشف كل شيء والدعوة إليه؟ هل يمكن لنا ونحن نقرأ أقوالاً ضد (الأنا المتعالية) أن ندرك السلسلة (النسقية الفلسفية) التي أنتجت هذا المصطلح؟ وهل يليق أن نبتر هذا المفهوم عن سياقه الذي أنجبه وأخرجه؟ إذا كان الجواب بنعم، فلا بد من البرهنة على ذلك، وإلا كان هذا الفعل الثقافي ضرباً من التستر وهو فعل خطير.
البيان: فضيلة الشيخ سعيد، يتردد على أسماعنا اليوم، ونقرأ في مقالات هؤلاء الحداثيين ما أطلقوا عليه النقد الثقافي، وأصبحوا يسوقون له في كتاباتهم ومنتدياتهم؛ ما علاقة هذا بالأدب؟ ثم ما الخلفية الفكرية التي ينطلق منها هذا المصطلح أو بالأصح النظرية؟ نريد وضوحاً في تعريف هذه النظرية؛ لأن الذي يرجع إلى كتبهم وتأصيلاتهم كالعادة يجدها طلاسم من المصطلحات المنحوتة التي لا تعود لأصول اللغة العربية؟
- من أوائل من قال بالنقد الثقافي الباحث الأمريكي (فنسنت ليتش) الذي دعا إلى (نقد ثقافي لما بعد البنيوية) ، ثم الألماني اليهودي (تيودور أدورنو) بعنوان (النقد الثقافي والمجتمع) ، ثم تتالى استعماله حتى تم استيراده مؤخراً.
والنقد الثقافي عند من قال به وألف فيه يعني حسب فهمي لما كتب: أنه نظرية ومنهج في الأنساق المضمرة، أي في المعتقدات الذهنية العميقة؛ باعتبارها نماذج راسخة ومنظومة فكرية ثابتة، ذات أثر في النصوص الثقافية، والجمالية بالذات، تتولد منها هذه النصوص بالضرورة. ويمكن القول بأن النقد الثقافي استعمال للأدوات النقدية لنقد الخطاب الثقافي وكشف مجموعة الأفكار المتآزرة والمترابطة التي تكمن في الأعماق، وتؤثر بشكل حتمي في الفعل الجمالي والثقافي، حتى تصبح ذات وجود حقيقي يمثل الأصل النظري للكشف والتأويل.
ولعل من المناسب الإشارة باختصار شديد إلى مفاصل هذا النقد الثقافي عند القائلين به:
١ ـ أنه (نسق) يمكن أن يحدد هذا النسق عبر وظيفته وعمله وأثره، وليس من خلال وجوده المجرد.
٢ ـ أنه نظام بنيوي، بمعنى أن له بنية متآزرة كامنة في أعماق الخطاب الثقافي، وهذا النظام له وجهان أحدهما: ظاهر، والآخر: مضمر.
٣ ـ أن الوظيفة النسقية تظهر في النص الجمالي خاصة: كالشعر، والقصة، وتظهر في غير الجمالي أيضاً.
٤ ـ أن الدلالة النسقية المضمرة موجودة أزلية راسخة لها الغلبة دائماً.
٥ ـ أن الوظيفة النسقية لها جبروت رمزي يقوم بدور المحرك الفاعل في الذهن الثقافي للأمة، وهو المكون الخفي لذائقتها ولأنماط تفكيرها وصياغة أنساقها المهيمنة.
٦ ـ النقد الثقافي بمنهجه الموصوف وأدواته المذكورة وأسسه هو عبارة عن رؤية شمولية معززة بآليات ثقافية ونقدية، تستعمل فيه أدوات النقد من مثل: (المجاز الكلي، التورية الثقافية، المجمل، الكلي، المضمر، الكناية.... إلخ) .
٧ ـ بما أن الأنساق المضمرة هي صلب النقد الثقافي، وبما أنها حتمية؛ فمجموعة المثقفين والمبدعين ليسوا سوى (كائنات نسقية) ، ومهما كانت قدرات الثقافة الشخصية الذاتية الواعية فإنها لا تمتلك القدرة على إلغاء مفعول النسق؛ لأنه مضمر من جهة، ولأنه متمكن ومنغرس منذ القديم، وكشفه يحتاج إلى جهد نقدي متواصل ومكثف.
٨ ـ المراد بالنقد الثقافي كشف المخبوء تحت أقنعة البلاغة والشعر والنص الجميل؛ ولذلك كان من مطالب أصحابه إيجاد نظريات في (القبحيات) ، لكشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي:
ومما سبق يمكن استنتاج الخلفية الفكرية للنقد الثقافي؛ فهو فرع للنقد النصوصي العام، وإن حاول صاحبه التفريق بين نقد الثقافة والنقد الثقافي، ومن ثم فهو قريب من مجال (الألسنية) إن لم يكن أحد حقولها. وبالنظر إلى الشمولية والحتمية المدعاة في النقد الثقافي يمكن تصور العلاقة مع (البنيوية) التي تحدث عنها دعاتها أول ما استزرعت محلياً بالطريقة نفسها، وبحماسة فريدة وقطعية جازمة، وتكلموا عنها باعتبارها مشروعاً فكرياً له صفة شمولية سوف تغير بنية الثقافة العربية بصورة جذرية كما أكد ذلك ـ على سبيل المثال ـ كمال أبو ديب في (جدلية الخفاء والتجلي) .
وهناك أوجه للالتقاء بين البنيوية والنقد الثقافي منها:
١ ـ تحميل النص وقائله ما لم يرده على أساس لفظي في البنيوية، وعلى أساس مضموني في النقد الثقافي.
٢ ـ الحتمية المدعاة في أثر كل منهما ومنهجيته، وهذا يذكِّر بالحتمية الديالكتيكية في الماركسية، كما يذكر بالتلاقي البنيوي الماركسي.
٣ ـ الإيمان الراسخ بأن البنيوية (سابقاً) والنقد الثقافي (لاحقاً) ليست مجرد أداة إجرائية للنظر في النصوص الأدبية، بل هي رؤية ومنهج عام وشمولي، بل هي رؤية للعالم والوجود والإنسان.
٤ ـ التشابه (الحانوتي) بين الاثنين؛ فكما أعلنت البنيوية موت المؤلف والشاعر والمبدع؛ فقد أعلن النقد الثقافي موت النقد الأدبي.
ومع ذلك فهناك فوارق مهمة بين البنيوية والنقد الثقافي، وأهمها ـ في نظري ـ خطورة السياق الفلسفي والمنهجي للنقد الثقافي، وتلك الخطورة تتمثل في تقديري في الآتي:
أولاً: دراسة النسق، المضمر يرتكز على اكتشاف العيوب والخلل النسقي والقبحيات، والأنساق المضادة للوعي والحس النقدي والحيل النسقية، وهذه طريقة سلبية، وقراءة اقتناصية ونقد ترصدي، يعتمد على حذف الإيجابي ومؤشراته، وعزل سياقات ومكونات مهمة، وخوض بحار التأويل المتناقضة.
ثانياً: أن النقد الثقافي بأسسه النسقية يقوم على فكرة استباقية وعلى (نسقية مؤامراتية) تفترض القبيح والسلبي والخلل والخداع؛ فهو في حد ذاته نسق مضمر ومهيمن، حسب المواصفات المذكورة عن النسق، وعلى ذلك يمكن أن يصبح مخترع النقد الثقافي مشمولاً بكل ذلك النقد العنيف الذي رسخ مبادئه، وأقل ذلك أن يوصف في مرحلته السابقة للنقد الثقافي بأنه كان تحت حالة (العمى الثقافي) التي وصف بها (الغذامي) مرحلة ما قبل النقد الثقافي، وهذا يعني بكل وضوح أن ما كان قبل اختراع النقد الثقافي فهو جهل وتخبط وارتباك، يندرج تحت وصف (العمى الثقافي) .
ثالثاً: الاستنباطات الساذجة ـ أحياناً ـ من دراسة الأنساق الثقافية تدل على عيب منهجي وخلل معرفي، وخاصة إذا نظرنا إلى الدعوى الشاملة القاطعة بأن مجالات الثقافية بل الحياة قد (تشعرنت) أي أصيبت بفيروس (الشعر) القائم أصلاً على المجاز والمبالغة وعدم الإنجاز وعدم الفاعلية وعدم المعقولية، وأن هذا التشعرن عم حتى وصل الخطابة والقصة والقيم والأشخاص والأفعال.
ومثل ذلك ما توخاه (النقد الثقافي) من الاهتمام بما سماه (المهمشين) في الثقافة العربية وهم: الأقليات الدينية أو الطائفية أو العرقية، والتمركز الانتقائي حول الأنوثة ودراسات الجنوسة/الجندر، والتي منها وبناء عليها انبثق فكر الفحل والفحولة التي يرون أنها عمّت كل شيء بوصفها صيغة استبدادية قهرية شاملة.
رابعاً: إن النقد الثقافي بأدواته المذكورة وقراءته الترصدية وبحثه عن العيوب والخلل النسقي سيشمل ـ حالاً أو مآلاً ـ دراسة النسق الاعتقادي عند المسلمين؛ باعتباره النسق الأشمل والأظهر والأرسخ والأعمق.
وبالنظر إلى النفسية الترصدية والنظرة التشاؤمية الغالبة على هذا التيار، وبالنظر الى الخلفية الفكرية المؤطرة بالعلمانية فإنه سيجد ـ بحسب تصوراته ـ أنساقاً اعتقادية كامنة لها تأثيرات سلبية ومخرجات قبحية ـ بحسب أصولهم ونظريتهم ـ ومن ذلك على سبيل المثال القضاء والقدر، والولاء والبراء، والغيبيات كالجن والملائكة وخوارق العادات، وأشراط الساعة
هذه الأنساق الثقافية (الاعتقادية) المؤثرة هي التي عرَّفها الغذامي بقوله: (أنساق تاريخية أزلية وراسخة ولها الغلبة دائماً) ، وهي وإن حصرها في دراسته بالشعر بوصفه محور اهتمامه إلا أن الآلية بما فيها من تعميمية واقتناص وحتمية تعد منصة إطلاق يمكن نقلها إلى حقول أخرى خارج الأدب والشعر: كالتاريخ، والعلوم الإسلامية، وغيرها لممارسة القصف الشامل، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن فحيح الحداثيين ضد الثوابت الاعتقادية والأخلاقية والتشريعية واللغوية قد أصبح سمة على أكثر المنتمين لهذا التيار.
البيان: د. سعيد: ماذا يقصدون بالنسق في نظريتهم هذه؟ وهل يدخل الدين في تعريف النسق؟ وكيف ينظرون لثوابت الأمة عند مطالبتهم بالتحرر من الأنساق التي تؤثر على عملية التحديث كما يرون؟
- سبق في جواب السؤال الثاني الإشارة إلى هذا المعنى، والمراد بالنسق (النظام) : أي ما كان على نظام واحد، وكانت عناصره متلازمة ومترابطة بحيث تشكل كلاً عضوياً واحداً، هذا هو (النسق) ؛ فالنسق النباتي ـ مثلاً ـ يتحدث عن التمثيل الضوئي والبذور والجذور والأوراق والثمار، ويسمى (النظام النباتي) وفي العلوم النظرية يراد بالنسق: جملة الأفكار والقناعات المتشاكلة والمتآزرة والمترابطة التي تؤلف نظاماً عضوياً واحداً، ومثال ذلك (نسق داروين) و (نسق فرويد) و (نسق دوركايم) و (نسق كانط) وفي العلوم الإسلامية: مجموعة العقائد والكليات والمضامين المتلازمة التي تشكل كلاً معرفياً وعملياً مترابطاً، وهكذا في سائر العلوم والفلسفات والمعارف.
وأكثر من يستعمل مصطلح (النسق) ؛ هم (البنيويون) ؛ فالنسق عند ميشيل فوكو ـ مثلاً ـ علاقات تستمر وتتحول بمعزل عن الأشياء التي تربط بينها.
و (النقد الثقافي) يعتمد على قضية (النسق) ، وهو عند فلاسفة البنيوية: عامل مؤثر في بلورة منطق التفكير الأدبي في النص.
والنسق أيضاً هو الذي يحدد الأبعاد والخلفيات التي تعتمدها الرؤية، ومن هنا يمكن اعتبار النقد الثقافي سليل البنيوية من وجه، وسليل مدارس النقد الثقافي الأوروبي والأمريكي من وجه آخر.
و (النسقيون) إن صحت التسمية يرون في (النسق) عموماً وفي الفكر النسقي خصوصاً أنه منغلق على نفسه، وهو بذلك قابل للجمود والركود، وقد يقع في التعصب واللاتسامح.
ومن هنا يمكن أيضاً أن نكتشف عيوب وخطورة (النقد الثقافي) والنسقية التي يتحدثون عنها؛ ذلك لأنه نقد مبني على استخراج العيب والقبح والنقص، وهو نقد يعتمد على أن الأنساق (عقدية) كانت أو أخلاقية أو تشريعية أو إبداعية قوة حتمية جارفة أزلية راسخة لها صفة الغلبة دائماً، أضف إلى ذلك أن مروج النقد الثقافي يعدّ أن الكامن الثقافي والمعرفي هو مصدر التشويه والانتكاس، وهذا ينطبق على الكامن العقدي والأخلاقي، وإن لم يقلْ بذلك صراحة، إلا أن منهجيته توصل إلى ذلك قطعاً.
والحقيقة أن النقد الثقافي ـ بصورته التي ظهر بها ـ هو نقد أخلاقي، وإن حصره صاحبه في مجال الشعر، إلا أنه منطوٍ على نقد قيمي أخلاقي قابل للتطبيق ـ بحسب فلسفته وآلياته ـ في مجال الثوابت الاعتقادية والتشريعية.
وفي تقديري أن كتاب (النقد الثقافي) للغذامي لا يبعد كثيراً عن كتاب (الثابت والمتحول) لأدونيس أو كتاب (زمن الشعر) له، اللهم إلا في اختلاف حقلي الدراسة٠
وللقارئ أن يقارن بين هذين القولين الآتيين ليرى أوجه التشابه والاختلاف بينهما. يقول أدونيس: (ما يزال نظام العلاقات القديم بكل إرثه هو الفعال السائد في الحياة والثقافة العربيتين على السواء) ، ويقول الغذامي في النقد الثقافي ص٨٠: (هناك نوع من الجبروت الرمزي يقوم ... بدور المحرك الفاعل في الذهن الثقافي للأمة، وهو المكون الخفي لذائقتها ولأنماط تفكيرها وصياغة أنساقها المهيمنة) ، ومن هنا يمكن أن نفهم مدى خطورة هذه الأيديولوجيا على ثوابت الأمة ومنطلقاتها.
البيان: فحولة الخطاب، والدعوة إلى التسوية كما يتردد هذه الأيام، ماذا يقصد به بناءً على تأصيلهم النظري؟
- لكي نفهم قضية الفحولة والأنوثة التي يثيرها المنتحلون لا بد من العودة إلى جذور هذه الدعوة في محاولة تلخيصية توضيحية تناسب المقام.
١ ـ تقوم الفكرة أصلاً على قاعدة من الفلسفة المادية التي تنكر أي وجود جوهري للإنسان مستقل عن المادة وحركتها.
٢ ـ الفكرة المادية الشمولية، تشكل إطاراً مرجعياً (نسقياً) في أذهان المتأثرين به، بما في ذلك الذين لا يستبعدون الدين نهائياً.
٣ ـ الفلسفة العقلانية المادية في تعاملها مع الإنسان تنظر إليه في إطار نظرة تحليلية مادية تلغي كل الخصائص غير الطبيعية، ثم تقوم بتشريحه / تفكيكه إلى عناصره المادية الأولية.
٤ ـ من منطلقات هذه الفلسفات كان الهجوم المادي العنيف على الطبيعة الإنسانية، والسمات البشرية التي تميز الإنسان عن غيره، والمقومات الفطرية التي لها أثر في تحديد نوعية نشاط الإنسان بناءً على جنسه وخلقته.
٥ ـ من معطيات الهجوم المادي على الطبيعة الإنسانية والفطرة الخلقية للإنسان كانت دعوات الشذوذ الجنسي، والدعوة إلى تقنينه وتطبيعه اعتماداً على إلغاء ثنائية الذكر والأنثى، المستندة أصلاً إلى المعيارية الإنسانية، المستمدة من معيارية وجود خالق ومخلوق.
٦ ـ من تطبيقات هذه المبادئ ظهرت حركات تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها، ثم ظهر من سنوات قريبة مصطلح (الأنوثة) Fenminism، وحل محل حركة تحرير المرأة.
٧ ـ مذهب (الأنوثة) يقوم على رؤية تفترض مركزية الإنسان واستغنائه بذاته، وينطلق البرنامج الثقافي والفكري والاجتماعي لعقيدة (الأنوثة) من منطلق (مركزية المرأة) و (المرأة أولاً) ، ومن قاعدة أن الأنثى دائماً في حالة صراع كوني مع الرجل، مع السلطة الأبوية والزوجية، ومن هنا ظهرت نظريات عن أنوثة الإله ـ تعالى الله ـ وعن التفسير الأنثوي للتاريخ، وعن تأنيث اللغة، إلى آخر ما هنالك من أفكار ومذاهب تقوم على استحالة التواصل بين الذكر والأنثى؛ لأنهما في صراع مستمر لا ينقطع، ومهمة الدعوات (الأنثوية) تحطيم الفحولة والقضاء على الرجل المتسلط، وتحسين أداء الأنثى في عملية الصراع هذه.
٨ ـ من هنا يتم الهجوم على (الفحولة) أو ما يعبر عنه بـ (ذكورية اللغة) الذي هو في حقيقته هجوم على اللغة ذاتها وتشويهها، والتلاعب بمدلولاتها الحقيقية، بل المجازية أيضاً.
٩ ـ آخر المطاف وليس نهايته يصل مذهب (الأنوثة) ومقاومة الفحولة وتحطيم الرجل العدو اللدود للمرأة ـ حسب نظريتهم ـ يصل المذهب إلى (الجنوسة) Gender (الجندر) الذي: هو عبارة عن زيادة التمركز حول المرأة، وإيقاد نيران الصراع مع الرجل.
والجنوسة أو الجندر يعود في أصله إلى مصطلح لغوي ألسني، ومن هنا يمكن تلمس منابع مصطلحات (الفحولة) و (الأنوثة) في الخطاب المذكور٠
وتعتمد (الجنوسة) أو الجندر على إلغاء أي شكل أو نوع من أنواع التمايز بين الرجل والمرأة، تحت ذريعة إخراج المرأة من الهيمنة والسلطة والتسلط، وحصار الهوية، وهوس الفضيلة ونحو ذلك. والجنوسة في الفكر الغربي حاولت تحييد الرجل وإبعاده، والعجيب أن ذلك تم بأفكار ومنطلقات (ذكورية) تزداد فيها سيطرة الرجل على الأنثى، وتتسع بها مجالات استمتاعه بها، كما هو حاصل في دعوات تحرير المرأة ودعوات الأنوثة، وقد زعمت هذه الأفكار بأنها سوف تقلب بنية التضاد بين الذكر والأنثى؛ لكي تصبح الأنثى أصلاً والذكر فرعاً، وهذه الدعاوى المستندة على الفكر المادي التصارعي لن تستطيع فعل شيء في هذا المضمار، سوى أنها ستستخدم آلية القمع التي تزعم أنها جاءت لمناهضتها، وتوقع الأنثى في شراك خادع وفخاخ انتهازية شهوانية ذرائعية نصبها لها الرجل.
١٠ ـ إن التطبيق العلمي لدعوة (الأنوثة) أو (الجنوسة) ومحاربة (الذكورة) والقضاء على (الفحولة) تعني إلغاء أشكال السلطة المعروفة في الحياة الاجتماعية.
والمستعيرون لهذه الأفكار من أبناء المسلمين لا يخفون ذلك، بل يعتبرونه مجداً وفخراً وإنجازاً، ولو كانت هذه السلطة هي حق الله ـ تعالى ـ في التشريع والأمر والنهي، وهي ما يسمونه القضاء على (الأنا المتعالية) التي تمتد أيضاً لتصل إلى سلطة الأب على ابنته؛ فالأب ذكر فحل والبنت أنثى، أو سلطة الزوج الفحل أو سلطة النظام الذي يمثل الخطاب الفحولي، أو سلطة المدرس الذي يتمتع بالصلاحيات الفحولية. ثم يستمر الهوس (الأنثوي) (الجنسوي) (الجندري) عند هؤلاء لتطالع مفرداتهم من قبيل: (تدوين الأنوثة، تأنيث المكان، استرداد اللغة لأنوثتها، تأنيث الذاكرة) ، ونحو ذلك من المصطلحات والمفردات المكتوبة بحروف عربية وأفكار غربية، لا يتورع صاحبها أن يصف كل خطاب ونص له هيمنة بأنه خطاب (فحولي) (ذكوري) يجب أن تسحب منه هذه الصلاحيات، ويفكك ويشرَّح ليعود إلى الأصل، وهي الأنثى كما سمت نوال السعداوي كتابها (الأنثى هي الأصل) في خطاب يستند إلى الماركسية والتحليل الفرويدي، وهو خطاب صريح واضح وعدواني إلى الحد الذي جعل جورج طرابيشي يصفها بأنها (أنثى ضد الأنوثة) ، بعكس خطاب الغذامي ونظرياته المستعارة في الفحولة والأنوثة فإنها تؤصل وتضرب الأعماق من بعيد، بطريقة (فحولية) أيضاً ويا للعجب!
ومن يتتبع مسيرة حركات التحرر ثم الأنوثة ثم الجنوسة والسياق المستعار عند فاطمة المرنيسي ـ مثلاً ـ ثم عند عبد الله الغذامي يجد القدرة على استقبال الأفكار وإعادة صياغتها ونشرها باللغة العربية.
لقد قدم الغذامي كتبه الثلاثة عن المرأة (المرأة واللغة) و (المرأة واللغة: ثقافة الوهم) و (تأنيث القصيدة والقارئ المختلف) وهو يحوم حول مفاهيم مستعارة وشواهد مجتزأة، لا ليصل إلى حلول عملية تجلب المصالح الحقيقية للمرأة، وتدفع المفاسد عنها، وإنما ليتحدث منتشياً بقدرته على التعاطي مع السوق النقدية العربية وفق نظام العرض والطلب، المتساوق مع رهج العولمة وزخمها السياسي والاقتصادي والإعلامي.
إن الإعلان الاستعراضي عن حرب (الأنوثة) و (الفحولة) مرتبط بخلل في التصور والفهم، ومؤكد على انفعالية استعارية لم يحفل أصحابها بالمضمون الذي تحتويه، ولم يروا الأبعاد الحقيقية لهذه الدعوى؛ فإذا كانت اللغة العربية ـ حسب رأيهم ـ لغة فحولية ذكورية متسلطة مستبدة تغيب المرأة عن التاريخ والواقع، وخطاب هذه اللغة ـ حسب وصفهم ـ خطاب فحولي متحكم متعال، وذاكرة هذه اللغة ذاكرة فحولية مهيمنة ومهمشة للأنثى، إذا كانت كل هذه الأوصاف في اللغة العربية؛ فماذا عن القرآن العظيم الذي جاء أكثر خطابه بصيغة التذكير: هل تنطبق عليه كل هذه الأوصاف الشنيعة؟ إن قال دعاة الأنوثة: نعم! فذلك من أعظم أنواع السخرية والاستخفاف بكلام الله، وإن قالوا لا، فقد تناقضوا.
ثم هناك البعد الأخلاقي الخطير في دعوة (التأنيث) هذه؛ وذلك لامتلائها صراحة بالتحريض ضد الرجل، والتحريش ضد معالم الرجولة أو ما يسميه الفحولة، والتأجيج التاريخي واللغوي والعاطفي بين جنسين خلقهما الله ليتكاملا لا ليتصارعا.
ومما يؤكد ذلك ما نقلته الناقدة (ضياء الكعبي) ، وأشارت إليه في سياق دراستها لبعض مؤلفات الغذامي، وهي دراسة إطرائية متساوقة مع الغذامي إلى حد كبير. تقول الكاتبة: عندما تلقيت كتاب (المرأة واللغة) للمرة الأولى بسملت، وحوقلت..، وأذكر ما قالته لي صديقة متزوجة إنها عندما قرأت هذا الكتاب وصلت إلى مرحلة التطهير الأرسطي؛ فتمنت في عقلها الباطن أن تقتل زوجها انتقاماً من جنس الرجال قاطبة وما فعلوه بالنساء، وقتها حمدت الله أني لست متزوجة؛ كي لا يكون مصير زوجي التقطيع في أكياس، إذن نستعيذ بالله من فتنة القراءة الغذامية ومن شر إغوائها.
البيان: يردد هؤلاء بأن هناك غياباً شبه كامل وعدم وجود نظرية إسلامية تخدم الأدب العربي منذ نشأته في العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا، بل كل الإنتاج الأدبي هو عبارة عن خطابات فحولية تمجد الذكورية في طياتها، كما أنه عبارة عن مخرجات (لا واعية) متأثرة بالأنساق المسيطرة وتجبن في الخروج عليها؟
- لا يُتوقع من دعاة (الأنوثة) و (الجنوسة / الجندر) و (اليوني سكس أي الجنس الوسط) أن يعترفوا بوجود نظرية إسلامية تخدم الأدب العربي؛ وذلك لأن خطابهم في التجني على الثوابت والتحريض ضدها قد تجاوز اعترافهم بهذه القضية، أي أنهم قطعوا شوطاً بعيداً في الالتصاق بمنظومة أخرى لا ترى في الخطاب العربي واللغة العربية إلا الفحولة المستبدة، والذكورية الماكرة، والتعالي الفحولي، وغير ذلك من ألفاظ الثورة ضد اللغة ومدلولاتها وظلالها، وأبعادها ومعانيها ومراميها وعلاقاتها.
هذا الهجوم على ما يسمى (ذكورة اللغة) هو في واقع الحال هجوم مادي على مصادر اللغة والتي منها القرآن والسنة والشعر العربي والنحو العربي والبلاغة والصرف وتشويه لها، وتحويلها إلى مجرد أيقونات.
هذا هو وجدان ومضمون الخطاب (الأنوثي) المؤطر بإطار العقيدة المادية الطبيعية التي تستخدم الجنس أصلاً لإدراك كل شيء، والحكم على كل شيء، والمؤدى القريب أو البعيد لهذه الدعاوى تقويض حدود اللغة القائمة وضوابطها ومدلولاتها، وإبعاد المرجعية الإنسانية المتخطية لحدود المادة، أعني المرجعية الغيبية الدينية، وغني عن القول أن هذه النظرية تصوغ المرأة إما أنها أكثرمن أنثى أي (عدو للذكر) وخصم له، وإما أنها أقل من أنثى (متطابقة مع الرجل) باسم الجنوسة أو الجندر أو اليوني سكس، وفي كلتا النظريتين تسقط المرأة بوصفها الأم الحنون، والزوجة الرؤوم، والبنت البرة، والأخت الوفية، والمربية البانية، والمعلمة الحانية، ويحل محلها المرأة المتصارعة مع الرجل أباً كان أو زوجاً أو ابناً أو أخاً.
وبهذا السقوط تسقط الروابط الاجتماعية تحت حرب ميليشيات دعاة (الأنوثة) و (الجنوسة) ؛ وبذلك تسقط الأسرة في الحرب المفتعلة بين الذكور والإناث؛ وبذلك يتلاشى جوهر الوجود الإنساني؛ إذ يصبح كل فرد عبارة عن وجود رقمي مستقل، يعيش مصلحته الخاصة، ورغباته الذاتية، ويسقط في قبضة الحياة المادية الساحقة، وينزلق في حرب مستمرة قاتلة لكلا الطرفين.
البيان: السبئية، ثورة الزنج.... وغيرهما نماذج وتجارب لم يكتب لها النجاح في تأريخنا ـ في الخروج على النسق العام، وهؤلاء يدعون للاستفادة منها، ما علاقة هذا بالحداثة الأدبية كما يزعمون في كتاباتهم؟
- إذا نظرنا إلى أصول ومنطلقات الحداثة الأدبية فإننا نجد أنها قامت أساساً على ابتغاء التحول والدعوة إلى صيرورة جديدة منعتقة من الثابت والمؤصل في صياغة تتخذ التغيير مذهباً، والتقويض مسلكاً، وفي سبيل هذا الاتجاه الأيديولوجي تم اصطناع الأدوات المناسبة لعملية الهدم والتقويض: أدوات لغوية باسم (تفجير اللغة) و (تأنيث اللغة) و (القضاء على معجمياتها) و (نحوها وصرفها) وأدوات اعتقادية تجزم بحتمية الصيرورة الدائمة، وحتمية الحداثة، وأدوات تاريخية تستهدف التشكيك في التاريخ الثابت المنقول، كما تستهدف إحياء الأقليات التاريخية المارقة والمنحرفة تحت شعار البحث عن المهمش والمقصي؛ وبذلك ترسخت المفاهيم الباطنية في الشعر العربي الحديث، وساعد على ذلك وجود أشخاص متبوعين من هذه الطوائف المنحرفة، مثل: أدونيس، وزوجته خالدة سعيد، والبياتي، ومظفر النواب، ومهدي عامل، وحسين مروة، وشوقي بزيع، وحنان الشيخ، وتوفيق زياد، وسميح القاسم، وغيرهم.
وهذا ما لحظه إحسان عباس في كتابه (الاتجاهات الجديدة ص ٨١) ، حيث قال: (لا ريب أن عدداً من الشعراء المحدثين ينتمون إلى الأقليات العرقية والدينية والمذهبية في العالم العربي، وهذه الأقليات تتميز ـ عادة ـ بالقلق والدينامية ومحاولة تخطي الحواجز المعوقة والالتقاء على أصعدة أيديولويجية جديدة، وفي هذه المحاولة يصبح التاريخ عبئاً والتخلص منه ضرورياً، أو يتم اختيار الأسطورة الثانية؛ لأنها تعين على الانتصاف من ذلك التاريخ بإبراز دور تاريخي مناهض) .
وهذا الولع بالنماذج والتجارب الشاذة في التاريخ أصبح سمة عند هذا الاتجاه، حتى من أبناء المسلمين غير الطائفيين؛ وذلك لأن تنظيراً في هذا الاتجاه قد تأسس في أذهانهم وتشربوه كالمسلَّمات اليقينية، فساروا عليه، فأثر على كتاباتهم بالأسماء والرموز الشاذة في إطار امتداحي تبجيلي مخادع، يسير عليه بعض الكتّاب بعمى ثقافي وصمم معرفي لا يعرفون ما وراء الأكمة، ولا يرغبون في معرفته، بل قد ينهالون بالنقد والثَلْب لمن أخبرهم بأبعاد وخلفيات هذه الممارسة التي ظاهرها ثقافي أدبي وحقيقتها تقويض وهدم.
يقول أدونيس في الثابت والمتحول (٣/٩، ١٠) : (ومبدأ الحداثة: هو الصراع بين النظام القائم على السلفية والرغبة العاملة على تغيير هذا النظام، وقد تأسس هذا الصراع أثناء العهدين الأموي والعباسي؛ حيث ترى تيارين للحداثة: الأول سياسي فكري، ويتمثل من جهة في الحركات الثورية ضد النظام القائم بدءاً من الخوارج وانتهاءً بثورة الزنج ومروراً بالقرامطة، والحركات الثورية المتطرفة، ويتمثل من جهة ثانية في الاعتزال والعقلانية الإلحادية وفي الصوفية على الأخص) ، ولعل في هذا النص بعض الإجابة عن خلفيات هذه القضية وأغوارها.
البيان: ما تعليق فضيلتكم على التنقل بين النظريات الغربية، والتي تعالج الفكر الإنساني، وكلما لاح في سوق الفكر الغربي نظرية جديدة أو تحول جديد رأينا ممّن يدعون نقاد الحداثة يسعون وراءها، وهل هذا التنقل الفكري ينم عن استقرار نفسي ووضوح في الرؤية و (تجديد واعٍ) ، كما عرف الغذامي الحداثة؟
- طبيعة وكلاء التوزيع الفكري التنقل بين شركات الإنتاج الفكري والفلسفي، كما أن طبيعة المستهلك الثقافي تبرز جودتها في اعتناق كل جديد، ولو أدى ذلك إلى التناقض التام، وهذا ما نجده في أشخاص مشهورين عاشوا حالات الارتحال الفكري من النقيض إلى النقيض من الماركسية إلى البعثية اليسارية إلى الليبرالية الغربية. إن من أساسيات هذه المشكلة من زمان طه حسين إلى الآن الانحصار في مجرد النقل عن الآخر. يقول محمد مندور في كتابه (الميزان الجديد) مشيراً إلى ما تعلمه من أستاذه طه حسين: (لقد أخذت عنه شيئين كبيرين هما: الشجاعة في إبداء الرأي، ثم الإيمان بالثقافة الغربية، وبخاصة الإغريقية والفرنسية) ، وهذا النمط استمر وبطريقة مضاعفة في الأجيال اللاحقة، وهذا يدل على (العمى الثقافي) حقيقة وعلى التبعية العمياء، وممارسة (الاستغراب) ، كما سماه حسن حنفي مادحاً٠
وهذا النمط نفسه هو الذي جاء به الحداثيون منذ سنوات مضت بحماس شديد ليستنبتوا المناهج الغربية في بيئة النقد العربي والفكر والثقافة والفلسفة، بوصفها مشروعاً فكرياً لها القدرة الخارقة على تغيير البنية الثقافية بشكل جذري؛ فالبنيوية أو الواقعية الاجتماعية أو الألسنية أو التفكيكية ليست مجرد مناهج فنية أو أدوات إجرائية، بل هي ـ حسب قولهم ـ رؤية للإنسان والعالم والوجود، وهذا مثال واحد من عشرات الأمثلة، تدل على أن الزعم بأن الحداثة (تجديد واع) ليست كذلك بحال، وفي تقديري أن لذلك أسباباً كثيرة، بعضها معرفي فكري، وبعضها نفسي، وبعضها أخلاقي، والكلام عن هذه الأسباب يطول.
البيان: ما معنى النص المفتوح؟ وهل له أثر ملموس أو متوقع على تفسير القرآن الكريم والسنة النبوية؟ وهل هناك كتب عربية توسعت في هذا؟
- مصطلح (النص المفتوح) من المصطلحات المستخدمة في مذهب (ما بعد الحداثة) التي اهتمت بمناهضة الشكل المنتهي، ودعت للشكل المفتوح والفوضى التخريبية، والدعوة إلى التقويض، والنصوصية المتداخلة، والبعد الأفقي، وأهمية المكتوب، ومعاداة السرد، والاحتفاء بالمهمش والمقصي، واعتماد نظرية اللاتقريرية في قائمة طويلة من الألفاظ والمصطلحات التي تبدو عليها آثار الطروحات البنيوية وما بعدها.
ولـ (النص المفتوح) أبعاد فلسفية وتاريخية وسياسية؛ فأما البعد الفلسفي: فقائم على الأساس المادي، والعقل المادي الذي يؤكد أصحابه دائماً بأن (الحقيقة الثابتة) ليست سوى صناعة لغوية.
أما البعد السياسي (الأيديولوجي) فقائم على أن أهمية الشيء مرهونة بنتائجه، وهنا تلتقي مع (البراغماتية / الذرائعية)
ومنظور ما بعد الحداثة معني بإيجاد الإشكاليات ضمن المسلَّمات؛ حتى يمكن له خلخلة الثقة بها، ثم تقوم بعد ذلك بإعادة تعريف الحقائق المتغيرة، وزعزعة الثقة بالثوابت؛ من أجل ذلك سعت حركة ما بعد الحداثة إلى تأصيل النص وانفتاحه، وقدرته على إنكار الحد والحدود؛ مما يجعله يقبل التأويل المستمر والتحول الدائم، وبذلك ـ حسب رأيهم ـ تتحول النصوص إلى نصوص لا نهائية في نصيتها، ولا محدودية في معانيها؛ مما يفضي إلى تعدد الحقائق والعوالم بتعدد القراءات.
وفي الناتج العملي لفكرة (النص المفتوح) نجد البراغماتية والليبرالية التي يعتبر أصحابها (أن القطعيات والحقائق الثابتة والمطلقة عبارة عن نسق مغلق) تركي الحمد في كتابه (من هنا يبدأ التغيير ص ١٣٧) ، أما الليبرالية ـ حسب قوله ص١٣٨: (فتبقى نصاً مفتوحاً على عكس (لنصوص المغلفة في بقية الأيديولوجيات) ؛ ولذلك ـ حسب رأيه ـ انتصرت الليبرالية في صراعها مع بقية الأيديولوجيات، ولسنا هنا بصدد مناقشة هذا النوع من الادعاء، بل المقصود بيان أوجه التلاقي الفكري الفلسفي مع التنظير السياسي بين نظرية (النص المفتوح) و (الليبرالية المؤدلجة) . أما علاقة ما يسمى (النص المفتوح) بالوحي فإننا نجد أثر ذلك في هجوم نصر حامد أبو زيد، ومحمد (أركون) على نصوص القرآن، حيث يرى أبو زيد أن النصوص الدينية ليست سوى نصوص لغوية، ويتبنى القول ببشريتها، وينادي بتأويلها تأويلاً مفتوحاً متنوع القراءات بحسب نوعية وعدد القراء؛ لأنه يرى أن التمسك بحرفية النص ودلالاته اللغوية يجعل النص مغلقاً، ومن ثم ينحصر فهم النص في أقلية مستبدة مسيطرة حسب قوله، ونحواً من هذا الطرح ومن زاوية تاريخية يدرس أركون نصوص الوحي وفق مفهوم (النص المفتوح) أيضاً، وضمن منظور الدلالات المفتوحة القابلة للتجدد مع تغير آفاق القراءة، المرتهن بتطور الواقع اللغوي والثقافي ـ حسب كلامهم ـ وأما الكتب التي تناولت نصوص الوحي وفق هذا المنظور المادي التقويضي المستهدف تدنيس المقدس وتهميشه؛ فمنها كتب نصر أبو زيد، وخاصة كتابه (مفهوم النص) ، وكتاب لإبراهيم محمود بعنوان (قراءة معاصرة في إعجاز القرآن) ، وللتزيني كتاب (النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة) ، ولنائلة السليني (تاريخية التفسير القرآني) ، ولأركون (العلمنة والدين والإسلام) و (الفكر الإسلامي قراءة علمية) ، وغيرها.
البيان: ما تعليقكم حفظكم الله على من يقول أن النقد الأدبي قد انتهى، وأن الوقت الآن حان لما يسمى بالنقد الثقافي؟
- سبق أن ذكرت أن مشروع ما بعد الحداثة تقوم استراتيجياته ومنهجيته وطروحاته الفكرية والفلسفية على التقويض والفوضى التخربية والإنهاك والتشتيت وزعزعة الثقة بالأنموذج والأصل، كما أن الحداثة في أصلها قائمة على مقاومة الثابت والمؤسسي علمياً وفكرياً وثقافياً، يضاف إلى ذلك أن مروج (النقد الثقافي) هو الذي أعلن موت النقد الأدبي، وهذا الإعلان جزء من منظومة المزاعم المولعة بالمفارقة والتغييرات المصطنعة، والتقويض، وهو إعلان مستمر لكمية من الجنائز التي أولع الحداثيون بتشييعها مفتخرين! وإعلانات الوفاة عندهم كثيرة منها: موت المؤلف، موت اللغة، موت المسلَّمات، موت المتعاليات، موت الإنسان، موت الكلمة، موت التعبير الفني، إلى آخر ما هنالك من جنائز يعلن عنها أصحاب هذا الاتجاه انطلاقاً من العدمية والنسبية المطلقة، والفوضى، والهدم المعبر عنه بـ (التفكيكية) و (التشريحية) و (التقويضية) ، وغيرها من المصطلحات والعبارات.
стр. 5165
قضية العلمانية والدين في البلاد الغربية
أ. د. جعفر شيخ إدريس
إذا استمعت إلى ما يقوله بعض العلمانيين في بلادنا خيّل إليك أن العلاقة بين الدين والدولة أو بين الدين والسياسة لم تعد قضية في البلاد الغربية، وأن القوم هناك قد اتفقوا جميعاً المؤمنون منهم بالأديان وغير المؤمنين على أن الدولة يجب أن تكون علمانية وأن الدين لا دخل له بالشؤون العامة، بل يجب أن يكون محصوراً في الحياة الخاصة. لكنك إذا تتبعت ما يقوله الغربيون أنفسهم، ولا سيما في الولايات المتحدة تبين لك أن الأمر على غير ما صور لك أولئك العلمانيون في بلدك، وتبين لك أن هذه القضية ما زالت تثير عند أولئك القوم معارك حامية الوطيس، وما يزال كثير من الناس فيها يتجادلون، وعنها يكتبون ويخطبون، وبسببها يتحزبون، وعلى أساس منها يصوتون. بل إذا تُرجمت لك معاركهم الكلامية في هذه المسألة، وأُخفي عنك المكان الذي دارت فيه فلربما تخيلت أنها تدور في بلد إسلامي. وإليك أمثلة على ذلك:
التقيت منذ سنين في مؤتمر عالمي برجل أمريكي نصراني عرف أنني مستمسك بديني، فقال لي ناصحاً: لا تُخدعوا كما خُدعنا بالعلمانية، كنا نظنها نظاماً محايداً بين الأديان؛ فإذا بها دين مُعادٍ للأديان. استغربت كما لا بد أن يكون بعض القراء قد استغربوا في أن يأتي مثل هذا الكلام من رجل غربي. لكن هذا الشعور بخطر العلمانية على النصرانية بدأ الآن يزداد، حتى إن أستاذ فلسفة كاثولوكي نشر كتاباً في عام ١٩٩٦م نصح فيه إخوانه النصارى قائلاً: من أهم مسائل هذا الكتاب أننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في تصنيفاتنا الحالية وصفوفنا الحالية. إننا بحاجة إلى أن ندرك أولاً: أننا في حالة حرب، وثانياً: أن الأطراف قد تغيرت تغيراً جذرياً. كثيرون ممن كانوا أعداءنا (المسلمون مثلاً) هم الآن أصدقاؤنا، وبعض من كانوا أصدقاءنا الإنسيون (humanists) مثلاً هم الآن أعداؤنا (١) .
لكن الحملة النصرانية ضد العلمانية ازدادت ضراوة إبّان الانتخابات الأمريكية التي صوَّر المحافظون فيها الحزب الديمقراطي بأنه حزب العلمانية والليبرالية، والحزب الجمهوري بأنه الحزب المناصر للدين والقيم الخلقية.
فهذا أحدهم يكتب مقالاً بعنوان: الدين في مواجهة العلمانية (٢) يبدؤه بقوله: لقد أصبح الدين واحداً من أعظم العوامل التي تحدد لك كيف تصوِّت. إن الذين يكثرون من الصلاة يميلون إلى أن يصوتوا للحزب الجمهوري، والذين لا يفعلون هذا يميلون للتصويت للحزب الديمقراطي. لقد أظهر آخر استطلاع أن ٦٣% من الذين يشهدون مناسبات دينية أكثر من مرتين في الأسبوع يقولون: إنهم سيصوتون للجمهوريين، بينما يقول ٦٢% من الذين لا يشهدون مثل هذه المناسبات أو لا يشهدونها إلا نادراً: إنهم سيصوتون للديمقراطيين. لقد صار غير المتدينين هؤلاء قوة كبيرة في داخل الحزب الديمقراطي؛ يُخشى أن يحولوه إلى حزب علماني.
ثم يشكو من كون الإعلام يركز على سيطرة المحافظين الجدد والنصارى المتعصبين من أمثال (فولويل) . لكنه ـ أي الإعلام ـ نادراً ما يقول شيئاً عن سيطرة غير المتدينين على الحزب الديمقراطي. وينقل عمن وصفهما بـ (عالِمَي اجتماع) واهتمامهما بهذه القضية قولهما: إنه منذ عام ١٩٩٢م درج من سبعين إلى ثمانين بالمئة من العلمانيين الليبراليين على التصويت للمرشح الديمقراطي، بينما درج ما يقارب ثلثي المتدينين المحافظين على التصويت للمرشح الجمهوري. وينقل عن امرأة محافظة قولها عن الطريقة التي يصوت بها الناخبون: «إنها في الحقيقة فاصل على خط ديني بين من يعتقدون في حلول بشرية لمشكلاتنا وبين من يعتقدون في حلول مبنية على الإيمان» . وهو يفسر موقف الإعلاميين ذاك بقوله: «ربما لأن الصحفيين الذين ينتجون معظم الأخبار في أمريكا هم من المناصرين مناصرة كاملة لأعداء المؤمنين» . وينقل عن بعض الإحصاءات أن ما يقرب من ثلث هؤلاء الإعلاميين يعتقدون أن المسيحيين المنصرين خطر على الديمقراطية، وأن نصفهم يرى أن هؤلاء لهم قوة سياسية زائدة عن الحد. إن ما يقرب من نصف هؤلاء الإعلاميين يصرحون بأنهم لا دين لهم، وما يقرب من ثمانين بالمئة منهم لا يكادون يذهبون إلى الكنيسة.
من أبرز ما ظهر بهذا الصدد في الأشهر الأخيرة من انتخابات الرئاسة كتاب لمؤلف مسيحي مشهور عنوانه: الاضطهاد، كيف أن الليبراليين يشنون حرباً على المسيحية (١) . ظل هذا الكتاب لمدة خمسة أسابيع على رأس قائمة جريدة (النيويورك تايمز) لأكثر الكتب شراء. كان مما قاله هذا المؤلف في مناسبة دينية دعي لها:
نحن في أتون حرب ثقافية ـ يعنون بالثقافة هنا المعتقدات والقيم في هذا البلد ـ. أعتقد أن المسيحيين هم الهدف الأساس للعلمانيين الإنسيين (secular humanists) النشطين في حرب الثقافة هذه. إن نظرتنا المسيحية العالمية كلها محاصرة. لقد صارت القيم العلمانية هي المسيطرة في بلدنا، وهذا أمر يجب أن يحظى باهتمامنا.
وذكر أن من وسائل العلمانيين في محاربة المسيحية إبعادها من المجال العام، وأنهم يعتمدون في هذا على تفسير غير صحيح للمادة الدستورية المتعلقة بما عرف بفصل الدين عن الدولة. إنهم يفسرونها بالفصل الكامل بين المعتقدات الدينية والحياة العامة، لكنه ـ وهو رجل قانون ـ يقول: إن هذا لم يكن مقصود الآباء المؤسسين، هكذا يسمون واضعي دستورهم؛ لقد كان مقصودهم في نظره هو حماية الحرية الدينية بمنع الكونغرس والحكومة الفدرالية من إنشاء كنيسة قومية.
إن في الولايات المتحدة ظاهرة يسمونها بالحرب الثقافية (حرب الاعتقادات والقيم) ما تزال تزداد مع مرور الأيام استعاراً. لقد كُتبت فيها وفي أسبابها ومخاطرها وطرق علاجها كتباً وبحوثاً كثيرة، وما يزال المحافظون والليبراليون يتهم بعضهم بعضاً بأنهم السبب في زيادة حدة هذه الحرب. ينقل صاحب هذا المقال عن بعضهم قوله: إن الديمقراطيين هم السبب في هذا؛ لأنهم هم الذين جروا الحزب الديمقراطي إلى اليسار. إن كثيراً من العلمانيين والليبراليين ومن يمكن تسميتهم بأعداء المتدينين هم الآن ديمقراطيون لدرجة أن بعضهم صار يسمي الحزب الديمقراطي بالحزب الذي لا مكان فيه لله.
ومع أن أوروبا هي الآن أقلّ بلاد الدنيا تديناً إلا أنه مما أثار حنق الكثيرين من المتدينين فيها، ولا سيما رجال الكنيسة الكاثولوكية أن الدستور الجديد للاتحاد الأوروبي جاء علمانياً خالصاً لا ذكر فيه للنصرانية، حتى باعتبارها من المكونات التاريخية للثقافة الغربية.
في أكتوبر من العام الماضي ٢٠٠٤م قال الكاردينال راتزنجر ـ وهو كما يقال أحد المرشحين لمنصب البابوية ـ في إحدى المناظرات مبدياً قلقه من تزايد العلمانية بالاتحاد الأوروبي: إن العلمانية تقوم على مذهب وضعي يؤدي إلى اعتناق النسبية، وإنه إذا صارت النسبية مطلقة فإنها ستكون متناقضة مع نفسها، وتؤدي إلى تدمير العمل البشري. وقال: إن من الأسباب التي سُوِّغ بها إغفال ذكر النصراينة أن ذكرها كان سيؤدي إلى إثارة حفيظة المسلمين، لكن الحقيقة كما يقول: هي أن الذي يغضب الإسلام: هو الإساءة إلى الذات الإلهية، والغطرسة العقلانية اللتان تنتجان الأصولية الدينية (٢) . إن العلمانية كما يقول هذا الكاردينال: عقيدة جزئية لا يمكن أن تستجيب لكل التحديات البشرية. العقل بالعكس ـ كما يقول ـ ليس عدواً للإيمان، لكن المشكلة تنشأ عندما يكون هنالك احتقار للخالق وللمقدسات. وقال عن الحرية: إنها تفهم اليوم فهماً فردياً مع الناس أنهم إنما خلقوا ليتعايشوا. إن هنالك حرية مشتركة تضمن الحرية للجميع، وتمنع جعل الحرية مطلقة (٣) .
لقد صارت العلمانية في نظر بعض المتدينين الغربيين أيديولوجية تحدُّ من الحرية. وفي هذا الصدد يقول رئيس رابطة أطباء كاتالونيا المسيحيين بإسبانيا لموقع Zenit.org النصراني: إنه إذا كنا قد تحدثنا في الماضي عن أيديولوجيات هدامة: كالفاشية، والماركسية؛ فإننا نشاهد في العلمانية اليوم تقليصاً لحرية التعبير، ولممارسة التدين. ضرب بعض الأطباء الكاثوليك أمثلة على ذلك بأنه يكاد يكون من المستحيل اليوم أن تحصل على لقب طبيب نساء (gynecologist) إذا لم تكن قد أجريت عملية إجهاض، وأنهم في فرنسا يمنعون من وضع لافتات تعلن عن مؤتمراتهم بحجة أن هذا مظهر ديني لافت للنظر! (٤)
стр. 5166
مشكلة القراءة وأهمية معالجتها
أ. د. عبد الكريم بكار
كانت طبيعة العقل في الماضي غامضة إلى حد بعيد، وكانت من ثم علاقته بالثقافة والخبرة أيضاً غامضة. وقد تبين اليوم أن العقل الأول الوهبي ليس أكثر من وسيلة إدراك وتحليل، وأن علاقته بالمعرفة والخبرة هي تماماً مثل علاقة العين بالنور؛ فكما أن العين لا ترى الأشياء إلا إذا غمرها النور، كذلك العقل لا يستطيع إصدار أحكام راشدة من غير قدر حَسن من المعلومات حول ما نريد التحدث فيه. إذا فكرنا في أمر من غير معرفة ولا خبرة، فإننا نكون أقرب إلى من يخضّ الماء يبتغي منه الزبد! وسيكون في إمكان العقل دائماً أن يطرح الفروض، وأن يطلق التخمينات، لكن فروضه عند انحسار العلم تكون شكلية، وبعيدة عن ملامسة جوهر المشكلة. هذا يعني أن الأزمة الفكرية على أي مستوى وفي كل مجال كثيراً ما تكون صدى للأزمة الثقافية. لا يعني هذا بالطبع أن توفير قدر كبير من المعلومات والمفاهيم يجعلنا نفكر تلقائياً بطريقة صحيحة؛ إذ إن توفير المعلومات شرط ـ جوهري جداً ـ يترتب على عدمه العدم، ولا يترتب على وجوده وجود ولا عدم لذاته ـ كما يقول الأصوليون ـ. مهما وفرنا من المعرفة فإنه ستظل هناك فراغات تحتاج إلى فك. وقد جرت العادة أن نحاول ملأها عن طريق القياس والتعليل والخبرة في الأمور المناظرة لما نقوم بمعالجته. المطلوب من المعرفة لفهم جيد مثل المطلوب من المال سيظل دائماً أقل من المعروض، الغريب في الأمر أننا لم نقم ببذل الحد الأدنى من الجهد المطلوب والممكن لمعالجة مشكلة الإعراض الجماعي والشباب عن القراءة ومصاحبة الكتاب. إنني أعتقد أن هذه المشكلة لا تقل في خطورتها عن مشكلة البطالة، أو التدخين، أو المخدرات، أو الطلاق. وإنما أقول هذا القول للاعتبارات الآتية:
١ ـ لا يمكن فهم مرامي الإسلام الحضارية والتفاعل مع أطره ومفاهيمه من غير علم جيد وخلفية فكرية وثقافية راقية. وهذ ما يفسر انبعاث الصحوة الإسلامية في المدن والمراكز الحضرية دون البوادي والأرياف على نحو أساسي.
٢ ـ يشكِّل العلم اليوم المدخل الوحيد للتقدم التقني، والذي من جهته يشكِّل الطريق إلى امتلاك المال والقوة والمنعة. وأمتنا في حاجة ماسة إلى هذا اليوم.
٣ ـ العلم يغيّر نوعية الحياة، ويهذب النفوس، ويجعل تربية الأبناء والتعامل مع الناس أقرب إلى السواء. وهو إن كان لا يؤدي إلى التدين والالتزام على نحو مباشر إلا أنه يولِّد حساسيات خاصة من شأنها الحث على البحث عن المصير الإنساني وعن المثل والقيم الرفيعة.
لهذا فإني أرى أن علينا أن نوجِد الأطر التي تساعد على تعليم القراءة الجيدة، وتوفير الكتاب، وأن نرسي في البيوت والمدارس تقاليد ثقافية تجعل من التعليم مدى الحياة ومن السلوك الاجتماعي على أساس المعطيات المعرفية ـ شيئاً حاضراً في الوعي ومجسَّداً في الحركة اليومية.
وإن للإعلام بوسائله المتعددة دوراً أساسياً في هذا الشأن. إنه لا تنمية اقتصادية من غير تنمية فكرية. ولا تنمية فكرية من غير تنمية ثقافية، وإننا لن نحصل على أي شيء من ذلك من غير نقلة نوعية على صعيد الوعي، وعلى صعيد الهمة والاهتمام.
стр. 5167
بوح الزلازل
مروان كُجُك
أوْحَى لها هُزِّي إليْكِ
قلوبَهم وتَرَجْرَجِي
وخُذي عليهم أيَّ عَهْد
عندَ ضِيقِ المخرجِ
فلعلَّ فيهم من يَفِيءُ
إليَّ غيْرَ مُبَهْرَجِ
خلعَ الخطيئةَ وارتدَى
ثوباً طَهُورَ الْمَنسَجِ
ومضَى على سُنَنِ الهُدا ةِ
ولم يَزِغْ عن منهجي
ورمَى بعيداً عنهُ أوْ
ضارَ الشقاءِ المزعِجِ
وسعى لمرضاتي بغيْر
خديعةٍ وتَلَجْلُجِ
وأقامَ بنيانَ الحياة
عَلى الحياءِ الأبهجِ
وقَلا الشياطينَ العُتَاة
ولم يُصِخْ لِمُفَرْنَجِ
* * * * *
أوْحَى لها يا أرضُ أزْ ري
بالعُتاةِ ومَوِّجي
قولي لهم: الكَوْنُ كَوْ نِيَ
والنواطِحَُ أَبْرُجي
والراسياتُ الشُّمُّ في
أفْناءِ كَوْنِيَ تلتجي
إنْ شِئتُ أجعلهُا هَباءً
أو سَعِيرَ تَوَهُّجِ
أو شئتُ أجعلُها نعيـ ـيماً
مِنْ رِياضِ بَنَفْسَجِ
أو قارَةً حَمْقَاءَ لا
تَلْقَى بها مِنْ مَفْرَجِ
* * * * *
أوْحَى لها هُزِّي عُروش
الغافلينَ ودَجْدِجي
واسْتَنْفِري أهلَ الحِمَى
في لحظةٍ وتَفَرَّجي:
أُسْدُ الزمانِ غَدَوْا
نِعا جاً تَسْتَغِيثُ وتَرْتَجي
أضحتْ صَيَاصِيهِمْ
هَبَاءً، ضاقَ ثَقْبُ الْمَوْلِجِ
وَدَعَوْا كما يدعُو الطَّغا مُ
، بحُرْقَةٍ وتَشَنُّجِ
ونَسَوْا حديثَ الهَيْلَمان
ِ مُتَوَّجاً لِمُتَوَّجِ
الآنَ مُزِّقَ شَمْلُهُم
ونَسَوْا بَرِيقَ الزَبْرَجِ
* * * * *
أوْحَى لَها وكفَى بِهِ
منْ صانِعٍ ومُبَرْمِجِ
اليومَ ترجفُ هاهُنا
وغداً سُهُوبُ النِّرْوِجِ
في كلِّ يومٍ شَأنُهُ
دَرْسٌ سَدِيدُ المنهجِ
فاحزِمْ شُؤُونَك وانتظِرْ
يوماً به الأُخرى تَجِي
стр. 5168
يا دارفور !
حسن مفرق
في عصر غربة الإسلام وتكالب الأمم عليه يستمر الغزو الصليبي، وقد صوّب سهامه إلى السودان متذرعاً بقضية دارفور، وتستمر غفلة المسلمين، ويستمر المرجفون في التقليل من شأن مخططات الأعداء.
يا دارَفور بالعناءِ تكلمي وعِمِي ظلاماً للعدوِّ وأظلِمِي
ودعي زماناً قد مضى بجلالِهِ
لا تُنْصِتِي لزمانك المُتصرِّمِ
وتأهّبي فالشرُّ أضحى مُطْبِقاً
وتجهّزي لعدوِّك المُتجَهِّمِ
لم يتركِ الأفغانَ في أحلامِهمْ
ومضى إلى بلدِ العراقِ المسلمِ
آمالُهُ الخيراتُ والثرواتُ في
تلكَ الديار وأمتي لمْ تعلمِ
وبيارق التنصير في آفاقِهِمْ
تعلُو ونحن نسيرُ خلفَ المُجْرِمِ
يا دارَفور لستِ بِدْعاً فاجْهَدي
في ردّ عُدُوان تجلّلَ بالدمِ
أمّا جموعُ المسلمين فجُلُّهُمْ
قد نام في كهف الضلالِ المُعتِمِ
لا تطلُبي منّا جهادَ عدوِّنا
فـ (ضرورةٌ) (*) في حُضْنِه أنْ نرتمي!
حتى متى تلك (المصالحُ مُرسلة)
ووراءَها الخوان دوماً يحتمي
(أمقاصدُ التشريعِ) تقضي أنّنا
ندعُ الرضيع يُدَاسُ تحت المَنْسَمِ؟
(أمقاصدُ التشريعِ) أنْ نَدَعَ العِدا
يقتصُّ من آي الكتاب المُحْكَمِ؟
إنّ (المصالحَ والمفاسدَ) تشتكي
وتصيحُ: هيّا يا صلاحُ ألا اقدِمِ
يا أمّتي والليلُ أمسى حالِكاً
وقصائدُ التأبين تقطرُ منْ فمي
ماذا دهاكِ؟ ألمْ تكوني أمّةً
ركضتْ بساحِ العزِّ رَكْض الأدْهَمِ؟
يا أمتي إنّ الفضاء مُلَبّدٌ
بسحائِبِ التغريب للمستسلمِ
أوَ لمْ تكوني أمة الشرف الذي
خلعَ اللثامَ لخائنٍ مُتلثّمِ
لا تنصتي لمجلسِ الظلمِ الذي
نصرَ الظلومَ وحافَ بَالمُتظلمِ
يا أمتي هيّا نعود لدينَنا
فالنصرُ في دين الإلهِ المُنْعِمِ
стр. 5169
الرقص فوق سفينة تغرق !
قراءة في أزمة المياه وأبعادها الخطيرة
د. خالد سعد النجار
كثرت في الآونة الأخيرة صيحات الدعاة المخلصين والخبراء المتخصصين عن مواجهة المنطقة العربية الإسلامية (الشرق الأوسط) في القرن المقبل عدة أزمات، تضاف إلى رصيد الأزمات التي تعاني منها في الوقت الحاضر،
ولكن تلك الأزمات المقبلة المتوقعة ذات طبيعة خاصة؛ فهي من الخطورة الشديدة بما يجعلها قاصمة الظهر الحقيقية التي يمكن أن تؤدي إلى انهيار الكيان العربي الإسلامي في المنطقة بأسرها، ووقتها لن تنفع الشعارات ولا الهتافات ولا المؤتمرات التي تتمخض عنها استنكارات وتوصيات.
ولا سبيل للخروج من تلك الأزمات المتوقعة إلا بالاستعانة بالله ـ تعالى ـ ثم بالدراسات الواعية من الخبراء والمتخصصين لإيجاد الحلول المناسبة التي يعقبها البدء في التنفيذ الجاد، وأن نعد لكل أمر عدته قبل أن نكون لا في العير ولا في النفير.
- أزمة المياه في الوطن العربي:
تعاني أغلب مناطق الوطن العربي من ظاهرة ندرة المياه لوقوعها جغرافياً في المنطقة الجافة وشبه الجافة من الكرة الأرضية، ومع زيادة نمو السكان في الوطن العربي فإن مشكلة الندرة تتفاقم كنتيجة منطقية لتزايد الطلب على المياه لتلبية الاحتياجات المنزلية والصناعية والزراعية، كما لا تقتصر المشكلة على مسألة ندرة المياه، بل تتعدى إلى نوعية المياه التي تتدنى وتتحول إلى مياه غير صالحة للاستهلاك الآدمي لأسباب متعددة.
وتكاد المشكلة تشمل جميع مصادر المياه في الوطن العربي؛ فالأنهار العربية الكبرى مثل: النيل والفرات تنبع من دول غير عربية، وتجري وتصب في بلدان عربية؛ مما يجعل لدول المنبع ميزة (جيوبوليتيكية) استراتيجية في مواجهة البلدان العربية، كما لا تتوفر على المستوى الدولي قوانين كافية لتقاسم الموارد المائية المشتركة، وإن وجدت أعراف وتقاليد غير ملزمة لاقتسام المياه، وتبقى الاتفاقيات بين الدول المشتركة في مصدر مائي معين هي أعلى مراتب الالتزام المعترف به دولياً لتقاسم الموارد المائية، ويتطلب الاستغلال الأمثل للمياه الجوفية ومياه الأمطار استثمارات ضخمة لإقامة التجهيزات والمشروعات اللازمة لهذا الاستغلال، كما أن مشروعات تحلية المياه تحتاج بالإضافة إلى الاستثمارات الضخمة تكنولوجيا متقدمة.
وقد جاء في تقويم أجرته مجلة [إيكونوميست] البريطانية في أوائل عام ١٩٩٦م ما نصه: [إن الماء في الشرق الأوسط شحيح بدرجة ليس لها مثيل في أي مكان آخر في العالم، وأنه يزداد نقصاناً] .
وفي عام ١٩٨٩م خلص مؤتمر [الموارد المائية للدول العربية وأهميتها الاستراتيجية] الذي عقد في عمان بدعوة من الجامعة الأردنية إلى أن أهم خصائص موارد المياه العربية هو قلتها؛ بحيث إنها لا تكفي لتغطية الاحتياجات الحياتية واحتياجات التنمية التي يطمح إليها العرب في العقود المقبلة، وخلص المؤتمر إلى أن الأمن المائي العربي هو بأهمية الأمن السياسي العربي.
وفي تقرير «لمركز الدراسات الاستراتيجية» في واشنطن أكد أن المياه وليس النفط ستكون قضية المصادر الطبيعية المسيطرة؛ فالنزاع على مصادر المياه المحدودة والمهددة يمكن أن يؤثر في الروابط بين دول المنطقة، وربما يؤدي إلى جيشان لم يعرف له مثيل من قبل.
لذلك أصبح الماء قضية ملحة تحمل في طياتها إمكانية زعزعة استقرار النظام حيثما تطل بأنيابها، ونشوء نزاع بين الدول المتجاورة، وقد نقل عن العاهل الأردني السابق الملك حسين قوله: [إنه لن يدخل حرباً مع إسرائيل مرة أخرى إلا بسبب الماء] .
وبالرجوع بأحداث التاريخ إلى الوراء قليلاً نلاحظ وجود بعض التوترات بسبب قضية المياه؛ مما يؤكد أن أزمة المياه المتوقعة ليست من نسج الخيال أو حالة من التشاؤم تنتاب بعضاً منا، بل إن لها إرهاصات ومقدمات تنذر بإمكانية انفجارها في أي وقت.
ففي ٢٦/٢/١٩٥٦م أعلنت إثيوبيا في جريدتها الرسمية [إثيوبيان هيرالد] أنها سوف تحتفظ لاستعمالها الخاص مستقبلاً بموارد النيل وتصرفاته في الإقليم الإثيوبي ـ أي حوالي ٨٦% من إيراد النهر بأكمله ـ وقد وزعت مذكرة رسمية على جميع البعثات الدبلوماسية في القاهرة تضمنت احتفاظها بحقها في استعمال موارد المياه النيلية لصالح شعب إثيوبيا. وقد عادت تلك التصريحات إلى الظهور سنة ١٩٨٠م؛ حيث أشار ممثل إثيوبيا في «قمة لاجوس» أنه [لا توجد اتفاقيات دولية حتى الآن بشأن توزيع حصص مياه النيل] .
وقد وضعت إثيوبيا عام ١٩٨١م قائمة بأربعين مشروعاً للري يقع بعضها على حوض النيل الأزرق وحوض السوباط أمام «مؤتمر الأمم المتحدة للبلدان الأقل نمواً» ، وأعلنت أنه في حالة عدم توافر اتفاق مع جيرانها في حوض النيل فإنها سوف تحتفظ بحقها في تنفيذ مشروعاتها من جانب واحد.
وفي حديث للدكتور (زويدي أباتي) المدير العام «لتنمية الأودية الإثيوبية» دعا إلى توزيع مياه نهر النيل بالتساوي بين الدول التسع المشاركة في حوض نهر النيل، وأنه إذا أرادت دولة الاستئثار بنصيب أكبر فإنها يجب أن تدفع تعويضات مناسبة لدول الحوض الأخرى والتي ستتأثر الكمية التي ستحصل عليها من جراء ذلك، كما طالب بتوقيع اتفاقيات جديدة بين دول الحوض تقوم على أساس المساواة والعدالة في التوزيع.
أما في حوض نهر دجلة والفرات فالأزمة ليست بأقل شأناً من أختها في حوض النيل؛ ففي عام ١٩٨١م بدأت تركيا مشروعها الكبير [مشروع جنوب شرقي الأناضول الكبير] GA، وهو يضم ١٣مشروعاً لأغراض الري وتوليد الطاقة الكهربائية، وكان بناء سد أتاتورك - خامس أكبر سد في العالم ـ على نهر الفرات من أهم المشاريع التي أظهرت حقيقية أزمة المياه في حوض النهر؛ حيث أقدمت تركيا في ١٣/١/١٩٩٠م على منع مياه نهر الفرات وحبسها عن العراق وسوريا؛ بغرض تخزين تلك المياه خلف السد، وذلك لمدة شهر حتى ١٣/٢/١٩٩٠م، وكان قول الممثل التركي: [لا أحد يقيم سداً مائياً ليستخدمه كمتحف للجميع] ، ومضت تركيا في تنفيذ خطتها دون الالتفات للاحتجاجات السورية والعراقية من جراء ذلك العمل.
ويعتقد كثير من المحللين أن وجود شواهد بترولية في سوريا أدى إلى وجود نية تركية قوية لمقايضة البترول بالمياه؛ حيث يقول (سليمان ديميريل) في افتتاح سد أتاتورك في يوليو ١٩٩٢م: [إن منابع المياه ملك لتركيا كما أن النفط ملك للعرب؛ وبما أننا لا نقول للعرب إن لنا الحق في نصف نفطكم فلا يجوز لهم أن يطالبوا بما هو لنا] .
وأما في الأراضي الفلسطينية المحتلة فالأمر أكثر توتراً وصعوبة؛ حيث كان تأمين مصادر وفيرة من المياه للدولة الصهيونية أحد أهم أهداف الحركة الصهيونية على حساب العرب.
ويلخص د. سامر مخيمر ـ وهو أحد المتخصصين العرب في جانب المياه ـ خطة إسرائيل المائية وترتيباتها للاستحواذ على مياه نهر الأردن بقوله (١) :
يمكن تقسيم ترتيبات إسرائيل المائية إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: وتمتد في الفترة من ١٩٤٨ - ١٩٥٨م؛ حيث شرعت إسرائيل في أعمال خطة زراعية / مائية تركز على ثلاثة أهداف:
أ - إمكانية استيعاب المهاجرين الجدد.
ب - إقامة المستوطنات الزراعية.
ج - إنتاج الغذاء.
ويتطلب تحقيق هذه الأهداف تنفيذ مشروعات مائية تتمثل في:
١ - إنشاء شبكات مياه في مختلف المناطق لحصر الموارد الجوفية.
٢ - إقامة جملة من خطوط الأنابيب المحلية تمتد من الشمال إلى الجنوب.
٣ - إنشاء قناة لسحب المياه من نهر الأردن باتجاه الصحراء الفلسطينية.
وقد بدأت إسرائيل بين عامي ١٩٤٨ - ١٩٥٣م بحفر عدة آلاف من الآبار لتزويد المستوطنات بالمياه، لدرجة استنزفت الطبقة المائية الجوفية للشريط الساحلي، ثم شرعت بعد ذلك في تنفيذ ما عرف بـ[خطتي السنوات السبع، والسنوات العشر] ، وبدأ تنفيذ الأولى فعلاً عام ١٩٥٣م، ثم عدلت إلى الخطة الثانية عام ١٩٥٦م.
وتضمنت الخطتان استيلاء إسرائيل على ٥٠% من مياه نهر الأردن، مع العلم أن كمية المياه التي تنبع من الأراضي التي تحتلها لا تتجاوز ٢٣% من المجموع الكلي لكميات المياه التي يحتويها نهر الأردن وروافده. ويتوازى مع المشروع السابق مشروع [العوجا ـ النقب] الذي تم إقراره عام ١٩٥٤م، والذي يشكل حلقة متكاملة مع قناة نقل مياه الأردن، وهو يتألف من خطين: شرقي وقد نفذ عام ١٩٥٥م، وغربي ونفذ عام ١٩٦٠م، ويهدف إلى تأمين نقل المياه الواردة من مشروع تحويل نهر الأردن والضخ من بحيرة طبرية إلى أرض النقب.
المرحلة الثانية: وتمتد منذ ١٩٥٨ - ١٩٦٨م، وقد نفذت إسرائيل خلال هذه الفترة أضخم وأكبر مشروعاتها المائية مشروع [طبريا ـ النقب / الناقل القطري) لنقل ٣٠٠ مليون متر مكعب من المياه سنوياً إلى النقب الشمالي وإلى الجنوب.
المرحلة الثالثة: وتمتد منذ ١٩٦٨م ـ حتى الآن مرحلة الإنتاج والتكنولوجيا الزراعية، ولم تواكب هذه المرحلة مشروعات مائية كبرى.
وتشير البيانات إلى أن استهلاك الإسرائيليين في الضفة الغربية يمثل ٨٧.٥% من مياهها، بينما لا يتجاوز نصيب العرب ١٢.٥%؛ مما يعني أن معدل استهلاك الفرد الإسرائيلي يبلغ ستة أضعاف المواطن العربي الفلسطيني، كما يدفع الفلسطينيون في الضفة الغربية ستة أضعاف ما يدفعه المستوطن اليهودي في مقابل الانتفاع بالمياه؛ حيث يبلغ سعر المتر المكعب من المياه للفلسطينيين في الضفة الغربية ١.٣ دولار، أما سعر الكمية ذاتها للمستوطن فيبلغ ٦ دولارات فقط.
- أزمة الغذاء في الوطن العربي:
مما لا شك فيه أن العالم في الفترات الأخيرة شهد نمواً كبيراً في إنتاج الغذاء والمحاصيل الزراعية، إلا أن هناك بعض الحقائق لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن تلك النهضة، من أهم هذه الحقائق أن هذا النمو في إنتاج الغذاء جاء من خلال الارتقاء بإنتاجية الأرض، وليس من خلال زيادة المساحة المنزرعة، أي من خلال استخدام تكنولوجيات ومدخلات إنتاج أفضل. وهذا النمو في الإنتاج رافقه نمواً مماثلاً تقريباً في عدد السكان، ومن ثم ظهر التحسين في مستوى ما يخص الفرد الواحد محدوداً للغاية.
كما أنه في نطاق محدودية الموارد الطبيعية اللازمة للزراعة: [الأرض، والماء] وصعوبة زيادتها واستمرار الزيادة السكانية سوف يتركز اعتماد العالم مستقبلاً على التكنولوجيا للوفاء باحتياجات السكان الجدد ولتحسين مستوى ما يخص الفرد بوجه عام.
وهذه الحقائق تشمل بالطبع العالم العربي؛ فبالرغم من الزيادة المتواضعة في إنتاج الغذاء في الفترات الأخيرة إلا أن الزيادة السكانية قد التهمت كل هذه الزيادات، وظل مستوى ما يخص الفرد العربي من الغذاء أقل كثيراً عن المتوسطات العالمية، والتي لا يمكن بأي حال قبول أقل منها.
فبالنسبة للقمح كان متوسط ما يخص الفرد العربي ٧٧ كجم، بينما المتوسط العالمي ١٠١ كجم، والسكر ٩.٧ كجم والمتوسط العالمي ١٩.٩ كجم، وفي جانب اللحوم ١٦.٤ كجم والمتوسط العالمي ٣٣.٤ كجم، والأسماك ٧ كجم والمتوسط العالمي ١٨.٣ كجم، والألبان ٥٣ كجم أما المتوسط العالمي ٩٥ كجم.
ومن ثم لجأت الأقطار العربية قاطبة إلى الاستيراد لسد الفجوة الغذائية الناتجة من زيادة الطلب على الغذاء وضعف الإنتاج المحلي.
- مواجهة الزراعة العربية العديد من المخاطر:
١- تناقص قاعدة الموارد الطبيعية [الأرض الزراعية، والماء] :
لقد تناقص متوسط ما يخص الفرد العربي من المساحة المنزرعة بدرجة كبيرة؛ بسبب الزيادة السكانية والتوسع العمراني، مع قلة معدلات استصلاح أراضي جديدة. ففي مصر على سبيل المثال: أدى تحويل جانب من الأراضي الزراعية لاستخدامات أخرى غير زراعية إلى تناقص ما يخص الفرد الواحد من الأراضي الزراعية من نحو ٢٠٣٨م ٢ عام ١٩٠٧م إلى ١٠٢٠م ٢ عام ١٩٥٧م ـ أي إلى نحو النصف خلال خمسين عاماً ـ ثم إلى ٥٢٢م ٢ عام ١٩٨٥م ـ أي النصف مرة أخرى خلال ٢٨ عام فقط ـ ثم إلى ٤٧١م ٢ عام ١٩٩٢م، ومن حيث النوعية والخصوبة فلا شك أن الأرض تتعرض لكثير من المصادر المسؤولة عن تدهور الخصوبة، لعل أهمها: عوامل التعرية، والتدهور الكيماوي.
٢ - اتفاقيه الجات GATT:
إن كلمة «الجات» هي الحروف الأولى بالإنجليزية لتعبير [الاتفاقيات العامة على الرسوم الجمركية والتجارة] General Agreement on traiffs and trade، وهي تعود في تاريخها إلى عام ١٩٤٧م، عندما اجتمعت ٢٣ دولة صناعية في جينيف، للنظر في تحرير التجارة وفتح الأبواب بين هذه الدول وإلغاء الحواجز فيما بينها، وتم التوصل إلى اتفاقية وقعت في المغرب عام ١٩٩٤م، وبلغ عدد الدول الموقعة ١١٧ دولة.
وتنص بنود الاتفاقية بالنسبة للزراعة على تخفيض الدعم الداخلي للإنتاج الزراعي في الدول المتقدمة بنسبة ٢٠% خلال ٦ سنوات، وفي الدول النامية بنسبه ١٣.٣% خلال مدة ١٠ سنوات، وإلغاء دعم التصدير.
والمتوقع أن ترتفع أسعار الصادرات من الدول الزراعية المتقدمة، وهذا سوف يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة استيراد الغذاء بالدول الإسلامية النامية. كما أن التخوف قائم من ضعف استفادة الدول الإسلامية النامية من إزالة الحواجز، مع لجوء الدول المتقدمة إلى التشديد في مراقبة الجودة والالتزامات بالمواصفات القياسية والحجر الزراعي، وهي شروط لا تقدر عليها الدول النامية.
ولقد صدق حقاً من قال: [إن «اتفاقية الجات» منتدى الأغنياء] ؛ حيث إن المستفيد الأكبر هي الدول الصناعية والزراعية المتقدمة؛ فلقد نشرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التابعة للأمم المتحدة إحصائية توضح أرباح الدول الغنية من «الجات» ، وورد بها ما يلي:
- أرباح المجموعة الأوروبية: ٦١ مليار دولار سنوياً.
- الولايات المتحدة: ٣٦ مليار دولار سنوياً.
- اليابان: ٢٧ مليار دولار سنوياً.
- الصين: ٣٧ مليار دولار سنوياً.
وبصفة عامة يقدر إجمالي مكاسب الدول الغنية بين ٢٠٠ ـ ٣٠٠ مليار دولار سنوياً، اعتباراً من سنة ٢٠٠٢م.
وتشير دراسة للمنظمة العربية للتنمية الزراعية إلى أن: تحرير التجارة العالمية في السلع الزراعية سوف يسبب ارتفاع أسعار الحبوب الغذائية، وكذلك انخفاض الإنتاج الحيواني في دول المجموعة الأوروبية؛ بسبب إنقاص أو تخفيض الدعم، ومن ثم يتوقع ارتفاع الأسعار العالمية للحوم والألبان.. وتقدر خسائر الدول العربية نتيجة لذلك بنحو ٦٦٤ مليون دولار (زيادة في قيمة الواردات للدول العربية) ، وكذلك تقدر الخسارة في صورة نقص الرفاهية الاجتماعية للدول العربية بمقدار ٨٨٧ مليون دولار] .
إلا أنه ـ للأمانة ـ لا بد أن نذكر أن هناك فريقاً من الخبراء يرون بعض الجوانب المشرقة لهذه الاتفاقية، والتي تتمثل في تشجيع الاستثمار في الدول النامية وزيادة الحافز الذي يحتم عليها الارتقاء بالإنتاجية؛ لمواجهة هذا الارتفاع في الأسعار.
٣ - ضعف مجال البحوث الزراعية:
البحوث الزراعية هي الأمل الوحيد أمام الزراعة العربية للارتقاء بإنتاجية الأرض الزراعية عن طريق تطوير نوع السلالات المستخدمة، والتي تتميز بإنتاجية عالية، أو تحمُّل أكبر لظروف البيئة، أو غيرها من الصفات المرغوبة، والتي يطلق عليها «عملية التوسع الرأسي» في الزراعة، وخاصة أن التوسع في مساحة الأرض المنزرعة أصبح أملاً فرصته ضعيفة في كثير من البلدان العربية.
ومجال البحوث الزراعية يعاني في معظم البلدان العربية من العديد من الصعوبات التي تحد من قدرتها على تحقيق تلك الآمال المعلقة عليها، ومن أهم هذه الصعوبات: ضعف التمويل، وعجز العديد منها على مواجهة مشاكل التنمية دون عون خارجي، والافتقار إلى أسلوب سليم لإدارة الموارد البشرية والمادية المتاحة ونقص الكوادر البشرية المدربة، ويكفي أن نعلم أن عدد الباحثين في مجال البحوث الزراعية في الوطن العربي ـ وهي ١٩ دولة ـ هو ٦٥٣٤ باحثاً، وفي الدول المتقدمة ـ وهي ٢٢ دولة ـ هو ٥٦٣٧٦ باحثاً، وجملة الإنفاق على البحوث الزراعية في الوطن العربي هو ٢٣٠ مليون دولار، وفي الدول المتقدمة هو ٨٥٤٠٠ مليون دولار.
ويلخص د. محمد السيد عبد السلام ـ وهو من كبار المتخصصين في مجال الزراعة ـ الوضع الحالي في كلمات رائعة رشيقة حيث يقول (١) :
[والآن كل هذه الظروف آخذة في التغيير؛ فالموارد الطبيعية الزراعية المطلوبة للمزيد من الاستثمار لم تعد متاحة، بل إن المستثمر منها بالنسبة للفرد آخذ في التآكل؛ نتيجة لاستمرار الزيادة السكانية، والقلق على حالة البيئة آخذ في التصاعد، وفي فرض محددات جديدة على التنمية الزراعية ومستقبل إمدادات الغذاء على الصعيد العالمي وفي العالم النامي بوجه خاص لا يدعو إلى الاطمئنان، واستعداد الشمال لمساعدة الجنوب آخذ في التراجع على المستوى الثنائي وعلى مستوى المنظمات الدولية، والتكنولوجيا الحيوية الحديثة التي تبنى عليها الآمال في مستقبل التنمية الزراعية ليست متاحة مجاناً بل محمية، وينبغي على من يحتاج إليها أن يدفع الثمن، ونظم وإجراءات الحماية سوف تتلاشى في ضوء اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وسوف تتصاعد المنافسة بين الدول والتكتلات الاقتصادية، وسوف تكون قدرات العلم والتكنولوجيا السلاح الفاعل في هذه المنافسة، وسوف تكون المغانم للأقوياء الذين يملكون سلاح العلم والمغارم لأولئك الذين يفرطون في الاستحواذ على هذا السلاح. إنه نظام جديد عاصف، وغالباً لا يعرف التسامح تجاه العاجزين مما يحتم على الدول العربية أن تحسب له كثيراً لتواجه سلبياته، وتستفيد من إمكانياته، ولا تكون إحدى ضحاياه] .
- أزمة البطالة في الوطن العربي:
جاءت ثورة النفط عام ١٩٧٣م لترسم معالم جديدة للمنطقة العربية بالنسبة للأوضاع الاقتصادية؛ ففي الدول العربية النفطية زادت الدخول، وارتفع فيها متوسط دخل الفرد بما يقارب دخله في الدول الصناعية المتقدمة، وتميزت تلك الفترة بزيادة معدلات الاستثمار، ووضعت برامج وخطط طموحة لبناء شبكه البنية الأساسية والتوسع في بناء المدن والمناطق العمرانية الجديدة؛ وكان قلة عدد السكان في تلك البلاد سبب هام في زيادة احتياج تلك الدول للعمالة الخارجية لتحقيق تلك الثورة الهائلة في التنمية، فرحبت بالعمالة العربية وغير العربية التي راحت تتدفق إلى هذه البلاد بشكل سريع، وفي ظل هذا الرواج الاقتصادي اقترب معدل البطالة في تلك الدول إلى الصفر تقريباً.
وأما في الدول العربية غير النفطية فمعظمها كان عند مشارف السبعينيات قد وصل إلى حالة من الإنهاك الاقتصادي الذي سرعان ما أثر في أحوال العمالة وظروف التشغيل، إلا أنه بالرغم من ضغوط وصعوبات تلك المرحلة فإن ثمة عوامل مختلفة توافرت وخففت من صعوبة الموقف وظهور البطالة كأزمة تهدد العديد من الأيدي العاملة؛ فكان من هذه الظروف:
١ - خروج أعداد كبيرة من فائض العمالة إلى الخارج، وخاصة للبلاد العربية النفطية التي رحبت بتلك العمالة كما ذكرنا.
٢ - زيادة حجم المعونات الاقتصادية التي قدمتها البلاد العربية النفطية في تلك الفترة.
٣ - الموارد الضخمة التي حصلت عليها هذه البلاد في شكل قروض خارجية من أسواق النقد والمال العالمية؛ حيث كان الاقتراض سهلاً وميسراً في تلك الفترة، وإن كان بتكلفة مرتفعة مؤجلة.
٤ - استمرار التزام كثير من حكومات تلك الدول بتعيين الخريجين من حملة المؤهلات كسباً لتأييد الطبقة الوسطى، والحد من المشكلات الاجتماعية والسياسية نتيجة تفاقم البطالة.
ومع بداية الثمانينيات ومروراً بالتسعينيات بدأت الأوضاع تأخذ في التغيير، وأخذت مشكلة البطالة في الانفجار المدوي؛ حيث مالت أسعار النفط عالمياً للتدهور بشكل حاد؛ مما أثر بشكل مباشر على الدول العربية قاطبة، ففي البلاد العربية النفطية انخفضت أحجام دخولها القومية وتبعه انخفاض معدلات نمو الإنفاق الحكومي الاستثماري، وبالذات في مجال البنية الأساسية التي كانت قد قاربت على الاستكمال؛ مما حدا بتلك الدول تطبيق سياسات انكماشية، وكان من ضمنها وقف التعيينات في الأجهزة الحكومية، والحد من استقبال العمالة الوافدة.
أما في البلاد العربية غير النفطية فقد كان لانخفاض أسعار النفط آثار سلبية شديدة، من أهمها انخفاض الدخل القومي؛ حيث كان النفط مصدراً من مصادر هذا الدخل في بعض هذه البلاد مثل: مصر، وسوريا، كما انخفضت المساعدات العربية من الدول العربية النفطية، وكذلك عادت العمالة إلى أوطانها؛ مما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة، وفقدت هذه الدول مورداً هاماً من موارد الدخل القومي المتمثل في التحويلات النقدية التي كان يرسلها العمال بالخارج، وصاحب ذلك تفاقم أزمة المديونية الخارجية لهذه البلاد التي نجمت عن الإفراط في الاستدانة الخارجية وهو ما أدى إلى ارتفاع معدل خدمة الديْن.
كل هذه الضغوط قادت تلك الدول إلى اتباع سياسات اقتصادية صارمة كان لها دور كبير في زيادة معدلات البطالة؛ حيث تخلت كثير من هذه الدول عن تعيين الخريجين، وتقلص دور الحكومة في النشاط الاقتصادي؛ مما أدى إلى خفض الطاقة الإنتاجية التي تستوعب الأيدي العاملة العاطلة، وأضحت البطالة كارثة تهدد الوطن العربي.
ومع قله البيانات والإحصائيات عن حجم البطالة في الوطن العربي نستطيع أن نتلمس حجم المشكلة من التقارير المتاحة؛ ففي التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام ١٩٩٤م كان قد قدر معدل البطالة في الاقتصاديات العربية بحوالي ١٠% من قوة العمل العربية التي بلغت عام ١٩٩٣م حوالي ٦٧.٥ مليون عامل؛ مما يعني أن عدد المتعطلين يصل إلى حوالي ٦.٨ مليون عاطل، أما منظمة العمل العربية فقد قدرت معدل البطالة على مستوى جميع البلاد العربية بقرابة ١٥.٥% من قوة العمل العربية؛ وهو ما يعني وجود ما يزيد على عشرة ملايين عامل عربي عاطل.
بعد هذا العرض السريع لطبيعة الأزمات التي تواجه المنطقة العربية لا يسعنا إلا أن نقول: إن الأمر يتطلب جهوداً كبيرة تشمل كل قطاعات الوطن العربي لمواجهه تلك الأزمات، ولكن الملاحظ حتى الآن أن الجهود المبذولة متواضعة إلى حد كبير بالنسبة لحجم المشكلات؛ فالحل يبدأ من الإعلام العربي المسؤول عن عرض القضية أمام الرأي العام، وشحذ همم الشعوب لتحمل المسؤولية، وعقد الندوات واللقاءات مع الباحثين والعلماء المتخصصين لإيجاد تصور عام لحل مثل هذه المشكلات، وتقديم العلماء والخبراء على أنهم هم قدوة المجتمع ومثال كفاح مشرف لكل من أراد الرقي والنهضة؛ فكم في حياه هؤلاء الشرفاء من كفاح ومثابرة وإخلاص نحن أحوج أن نعرفه كي نحتذي به في حياتنا!
ولكن مع الأسف وجدنا قطاعاً عريضاً من الإعلام العربي بكافة أجهزته يلهث وراء نجوم الرياضة والفن، ويكرس جهده ووقته لعرض صور من حياتهم الخاصة وأعمالهم الفنية، وفي جميع المناسبات والأعياد القومية يحشد للمواطن العربي كماً هائلاً من هؤلاء النجوم؛ ليُسألوا عن آمالهم وطموحاتهم، والأكلات التي يفضلونها، والألوان المحببة لديهم، ومعاناتهم في تصوير آخر عمل فني، أو آخر مباراة شاركوا فيها.
وأضحى الأمر عادياً أن تفتح جريدة لتقرأ خبراً عن تهرب أحد هؤلاء النجوم من عدة ملايين من الضرائب، أو تقرأ عن أرباح نجم من آخر شريط كاسيت له بما يوازي ميزانية وزارة مرموقة.
كل هذه الشهرة والثروة دفعت بالكثير من شبابنا العربي العاطل للزحام على أبواب النوادي وصناع نجوم الفن؛ لعلهم يجدون فيهم موهبة تقودهم للنجومية وطريق الشهرة والثروة السهلة السريعة، وأصبح في كل حين يخرج عليك نجم فني أو رياضي جديد حتى فاق عددهم الحصر.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل نحن ـ حقاً ـ وفي ظل الوضع الراهن بحاجة إلى كل هذا الحشد من النجوم الرياضيين والفنانين الذين يقدمون لنا كل هذا الكم الهائل من المباريات والمسلسلات والأفلام والأغاني، أم أننا نرقص فوق سفينة تغرق؟!
- المصادر:
- الاقتصاد السياسي للبطالة، د. رمزي زكي سلسلة عالم المعرفة الكويتية عدد ٢٢٦.
- النظام الاقتصادي العالمي واتفاقية الجات، د. حسين شحاتة.
стр. 5170
السياسة الإيرانية حيال العراق وأبعادها الخطيرة
عماد القيسي
لقد اتسمت السياسة الإيرانية، في تعاملها مع العراق والمناطق المجاورة بسمات ثابتة ومتعددة منذ نشوئها وإلى الوقت الحاضر؛ فهي عندما تكون ضعيفة تقاتل من اجل الحفاظ على هويتها الثقافية واللغوية والدينية ذات الصفات الخاصة. أما حينما تكون قوية فإنها تحاول الاستيلاء على العراق ودول الخليج العربي الأخرى. وقد حاولت إيران وتحاول جر المسلمين إلى نهجها، ومن ثم بسط هيمنتها على الدول المجاورة لها (١) .
وهذه الرغبة المحمومة في التوسع وبسط النفوذ ليست وليدة اليوم أو الأمس القريب، وهي ليست نهجاً انفعالياً ظرفياً آنياً أو ردة فعل إزاء حدث بعينه، بل ذلك ديدن كل الحكومات والولاة والملوك الذين تعاقبوا على حكم الدولة الإيرانية.
ومنذ استيلاء إسماعيل الصفوي على بغداد سنة ١٥٠٨م وفتكه الفتك الذريع بالعراقيين، وقتله العلماء والوجوه والأعيان، وتدنيسه المساجد والجوامع، ونبشه قبور الأئمة إلى أن نكص على عقبه مدحوراً، وقد كان يبغي ان يُلحق (العراق) بـ (فارس) ويُخضع العرب للفرس.
وسعى الشاه إلى استغلال الأوضاع القائمة لتحقيق مصالحه على حساب مصالح الأمة الإسلامية ووحدتها، فرسم سياسته التوسعية على اساس التحالف مع البرتغاليين في الخليج العربي تارة، وتحالف بعض ممن خلفه مع الإنكليز تارة أخرى بهدف التنسيق معهم ومع الدول المعادية للدولة العثمانية ودولة المماليك في مصر والشام لبسط سيطرته على بلاد الشام مقابل أن تكون مصر وفلسطين من نصيبهم.
ولم تختلف أهداف حملات نادر شاه عن غايات سلفه؛ حيث وجَّه أعظم حملاته على العراق، وألقى بثقله على بغداد بهدف التوسع وبسط سلطانه ومد نفوذه، ولم يحقق من ذلك سوى الانسحاق والتخلف والهزيمة النكراء.
- القاجاريون والبهلويون على النهج:
وجاءت بعده دولة القاجاريين التي كانت في غاية الضعف، وأطاح بعرشهم رئيس إصطبلات جيادهم (رضا البهلوي) وكان طاغية سفاحاً ذا أطماع واسعة وطموحات كبيرة، ونصب نفسه على عرش فارس سنة ١٩٢٦م وفي رأسه حلم أسلافه إزاء العراق (١) .
وأخذ يتطلع إلى مياه شط العرب والخليج العربي وفق تصور يمكنه من خلاله توسيع رقعة الإمبراطورية الفارسية وإعادة مجدها الغابر حتى ولو كان على حساب جيرانه، ووصى ولده محمد رضا وصيته المعروفة: «لقد حررتُ الشاطئ الشرقي، وعليك أن تحرر الشاطئ الغربي» .
ولو تتبعنا العلاقات الإيرانية العراقية فسنجد أن إيران لم تعترف بالدولة العراقية ابتداءاً حين تأسيسها سنة ١٩٢١م إلا في سنة ١٩٢٩م أي بعد ثماني سنوات وبعد مفاوضات ومساومات ومساعٍ قامت بها الحكومة البريطانية مساندة منها للحكومة الفارسية حينئذٍ في تلبية مطالبها المعقولة (حسب الوصف البريطاني) من العراق مقابل اعترافها بالعراق دولة مستقلة.
وقد أثار الشاه (رضا بهلوي) موضوع تعديل الحدود في شط العرب، وطلبت إيران أن يتنازل العراق عن جزء منه، فرفض العراق ذلك، واتخذت إيران من هذا الرفض حجة لإحداث الاضطرابات والهجمات على الحدود العراقية، وبدأت بقطع المياه المستخدمة في الشرب وري البساتين، وإقامة المخافر الحدودية داخل الأراضي العراقية.
وفي سنة ١٩٥٨م وبعد الإطاحة بالنظام الملكي العراقي وإعلان الحكم الجمهوري وانسحاب العراق من حلف بغداد بدأ حكام إيران يختلقون المشاكل للعراق من خلال اتخاذ إجراءات استفزازية وعدوانية على الحدود كالتوغل داخل الأراضي العراقية واستخدام القوة المسلحة في شط العرب، والتجاوز على مياه الأنهار المشتركة بين العراق وإيران متجاهلة في ذلك الأعراف الدولية والاتفاقات الثنائية، فاستولت على مياه وادي كنكير في مندلي، ومياه نهر كنجلي جم في زرباطية.
وكان أهم شعار رفعته الثورة الإيرانية هو «تصدير الثورة» إلى البلدان المجاورة، وكان الهدف الأساسي التي نهضت وسائل الإعلام الإيرانية بالدعوة إليه في حينها هو العراق، ورغم نشوب الحرب العراقية الإيرانية واستمرارها لسنوات طوال، والتي كان بالإمكان إيقافها سنة ١٩٨٢ حين استطاعت إيران أن تقف على الحدود الدولية بينها وبين العراق، ولكن التطرف والرغبة في تصدير أفكار الثورة الإيرانية وبسط نفوذها على العراق جعلا الإصرار الإيراني على استمرار الحرب يقف حائلاً دون ذلك أملاً في أن ينهار العراق والذي عملت ملايين دولارات الخليج والدعم الغربي العسكري على بقائه صامداً.
وبعد وفاة الخميني في سنة ١٩٨٩م وجدت إيران نفسها بعد فترة من المقاطعة الغربية لها أن سياسات تصدير الثورة لم تعد ذات جدوى، وانتقلت إلى سياسة أكثر دهاء ومكراً تحت قيادة هاشمي رفسنجاني تقوم على تصدير الثورة بطريقة سلمية متبعة أسلوب الحوار والتهدئة خلافاً لأسلوب العنف والإرهاب والتطرف.
وقد ألزم علماء إيران أنفسهم من خلال خطة وضعوها تقضي بحمل واجب خطير وثقيل ألا وهو تصدير الثورة بحلتها الجديدة، وحددوا لحكومتهم مهامها في حفظ استقلال البلاد وحقوق الشعب، ووصفوها بأنها حكومة مذهبية (٢) .
وتنطلق خطتهم من نقطة ارتكاز فكرية وسياسية واقتصادية وعسكرية بعيدة المدى ألا وهي أن السيطرة على دول الخليج والعراق تعني السيطرة على نصف العالم بسبب طبيعة الموارد الأولية المخزونة في باطن الأرض وكمياتها الهائلة في هذه البلدان من نفط وكبريت وحديد وزئبق أحمر ... إلخ، ووضعوا أسلوباً لتنفيذها بعد دراسة اجتماعية لطبيعة سكان المنطقة معتمدين فيها على تحسين علاقات إيران مع تلك الدول، ويجب أن يكون هناك احترام متبادل وصولاً إلى قيام علاقات وثيقة وصداقة بين إيران وبين تلك الدول كهدف أساسي لبسط نفوذها رافعين شعار: «إن اسقاط ألف صديق أهون من إسقاط عدو واحد» .
ويهدفون من خلال وجود العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية ومد جسور الثقة بالتمهيد لهجرة عدد من الإيرانيين إلى هذه الدول، وهذا هو الهدف الأساسي والحيوي، ومن خلالهم يمكن إرسال عدد من العملاء والمدفوعين كمهاجرين ظاهراً، ولكنهم في الحقيقة من الرجال العاملين في النظام الإيراني (رجال مخابرات أو أمن أو عسكريين مدفوعين لتنفيذ مهمات خاصة) .
ومن ذلك أن شرطة دولة الإمارات العربية كشفت أن موضعاً لشركة المقاولات الإيرانية التي تعمل في الشارقة والفجيرة المخصص لسكنى موظفيها وعمالها قد انقلب إلى معسكر تدريب لعدد كبير من المتسللين الإيرانيين على الأسلحة الخفيفة، وقبل اكتشاف هذا المعسكر عثرت الشرطة في إمارة دبي على كميات كبيرة من الأسلحة مخبأة في مبنى المدرسة الإيرانية في هذه الإمارة، وقبضت الشرطة على ناظر المدرسة، واتضح أنه يعمل ضابطاً في المخابرات العسكرية الإيرانية٠
لقد بدأت ظاهرة تدفق عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى العراق وتجنيس أعداد كبيرة منهم بأساليب مزورة تشكل قلقاً للمسؤولين العراقيين في ظل انفلات الوضع الأمني وانعدام الرقابة على الحدود بعد حل شرطتها، وقيام بعض الأحزاب السياسية العراقية الموالية لإيران بدفع مسلحين منها إلى الحدود مع إيران، وجعلت منهم شرطة للرقابة عليها يقومون بإدخال عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الأراضي العراقية من دون أن يحملوا وثائق سفر، وهذه الأحزاب التي تتمتع بنفوذ كبير في بعض المدن الجنوبية ومحافظتي النجف وكربلاء؛ حيث تقوم بمنح الجنسية العراقية لهؤلاء الإيرانيين باستخدام طرق وأساليب مزورة.
ويتضح أن هذه الخطة بأهدافها ومراحل تنفيذها تعتمد على إحداث تغييرات في التركيبة السكانية لتلك المناطق التي تعتبرها كهدف في سبيل تهيئة الأجواء والمناخ الملائم لبسط النفوذ الإيراني التوسعي، واعتماد (التقيَّة) أسلوباً للتعامل مع هذه الدول من خلال إظهار الود والسعي لتمتين أواصر الثقة، وتقوية العلاقات المتبادلة بكافة أشكالها بشكل ظاهر ومعلن لهذه العلاقة، وكهدف خفي هو لبسط النفوذ والتغلغل من خلال الغزو البشري تمهيداً لضم هذه الدول إلى إيران في وقت لاحق إن أستطاعوا.
وحددت الخطة مراحل مهمة في طريق التنفيذ تتضمن شراء الأراضي والبيوت والشقق، وإيجاد العمل ومتطلبات الحياة وإمكانياتها لأبناء مذهبهم المتسللين، وضرورة قيامهم بتوطيد الصداقة وبناء العلاقات الجيدة مع أصحاب رؤوس الأموال والموظفين الإداريين والأفراد الذين يتمتعون بنفوذ وافر في الدوائر الحكومية.
وإذا تتبعنا الأحداث التي وقعت في العراق في نهاية الثمانينيات وتعقيداتها والتي هيأت بيئةً مناسبة لمد النفوذ الإيراني في العراق، تعد وفق الاعتبارات التخطيطية والتنفيذية والميدانية - مثالية للغاية - ساعدت على ذلك الأخطاء الفادحة المتلاحقة والمتكررة التي ارتكبتها القيادة العراقية وتداعيات هذه الأخطاء على الواقع العراقي والعربي والإقليمي التي استطاعت الجهات الإيرانية المعنية من استخدامها وتوظيفها واستثمارها، والاستفادة من طابع السخط والحقد من قِبَل قطاعات مهمة على النظام السابق باتجاه يخدم مصالحها ويحقق غاياتها.
ففي الأحداث التي أعقبت غزو العراق للكويت في ٢/٨/١٩٩٠ طورت إيران، ضمن مبدأ التقيَّة السياسية وتنفيذاً لخطتها سالفة الذكر، علاقاتها مع العراق في شتى المجالات، ووصلت إلى درجة أن صدام حسين وثق بها واطمأن لمواقفها، وأمَّن لديها أحسن ما لدى القوة الجوية العراقية، في حينه، من طائرات، بل إن ثقته بإيران وما توطد من علاقة معها فاق كل علاقة مع أية دولة اخرى. وبعد أن نال التدمير والتخريب كل مفاصل البنى التحتية في القطر من جراء القصف الجوي الأمريكي الذي استمر شهراً ونصف الشهر قامت إيران بدفع مجاميع من الإيرانيين والعراقيين من أصول إيرانية، وبعض الأسرى من الجنود العراقيين الذين جندتهم إيران ضمن ما يسمى «فيلق بدر» وهو الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (الذي كان يرأسه محمد باقر الحكيم ويرأسه حالياً أخوه عبد العزيز الحكيم، والذي أنشأته إيران وسلحته ودربته، وبقي في ضيافتها ما يقرب من ربع قرن) والتي أعملت قتلاً وتخريباً وسرقةً وحرقاً للمؤسسات والدوائر الحكومية والأرشيف الحكومي وكل ما وقع أمامها وتجاوزته، أو لم تصل إليه القنابل والصواريخ الأمريكية، فأحدثوا دماراً هائلاً وفوضى عمت المحافظات الجنوبية في حوادث لم يشهد مثيلها التاريخ الحديث للعراق. بل وصل الأمر بهؤلاء المدفوعين من خلف الحدود ومن آزرهم ولف لفهم إلى قيامهم بتجريد الجنود العراقيين الذين هربوا من صحارى الكويت من هول القصف الجوي الأمريكي من سلاحهم وفي بعض الأحيان قتلهم.
والأنكى من ذلك إطلاق تسمية «الانتفاضة الشعبانية المباركة» على هذه الأحداث الدموية، وتأسيس حركة لاحقاً تسمى حركة ١٥ شعبان الإسلامية وهي واحدة من الواجهات المتعددة التي أنشأتها إيران، ودفعت بها إلى الساحة العراقية؛ وذلك يوضح أن إيران تتعامل بمساحة واسعة من الاختيارات التنفيذية العسكرية والسياسية والاقتصادية «وحسب طبيعة الظروف» جنباً إلى جنب مع الخيارات الإعلامية.
ورغم تقهقر هؤلاء واندحارهم وعودتهم من حيث أتوا واستعادة السيطرة المركزية للدولة في حينها على مقاليد الأمور، إلا أن إيران ساهمت وخلال فترة الحصار ودعمت المجاميع التي اتخذت من الأهوار موطئاً للتمرد بالخبرات العسكرية والأسلحة ودربتها على السلب والنهب والخطف، وكانت هذه المجاميع معروفة بوسائلها وأساليبها وكانت لها عمليات خطف وسلب واعتداءات مسلحة ضمن الأهوار والمناطق القريبة منها.
ومن جهة أخرى كان لإيران خلال فترة الحصار دور رئيسي في دعم أحد قطبي المعارضة الكردية الرئيسة في شمال العراق وإيوائه وتسليحه.
وزادت إيران من دعمها لما يسمى بالمعارضة العراقية الموجودة في الساحة الإيرانية. وما أن سقطت بغداد بأيدي قوات الاحتلال في ٩/٤/٢٠٠٣ حتى تكرر المشهد الدامي نفسه الذي حصل في عام ١٩٩١؛ حيث دفعت إيران لمجاميع من خلف الحدود محفزة الناس من حولها، وأعملت فيما تبقى من الأبنية الحكومية التي لم ينلها القصف الأمريكي حرقاً وتخريباً وسرقةً، وكررت حرق الأرشيف الحكومي الخاص بتثبيت الجنسية والأملاك، ونهبت المصارف والمعامل والمخازن، ولا ينكر الدور الذي لعبته بعض المرجعيات الدينية وبالأخص من الأصول الإيرانية في التشجيع على عمليات السرقة وتمرير شرعيتها من خلال إجازتها الاستحواذ على أموال الدولة، وفتواها غير العلنية من أن السرقة من الدولة حلال؛ لأن الدولة سُنِّية كافرة لزعمها معاداتها وحقدها على مذهب آل محمد ﷺ حسب وصفة الاتهام الجاهزة لديهم ومن ثم فإنه يحق سرقتها.
إن حصول حالات السلب والنهب والتخريب والقتل من خلال مجاميع مدربة تدريباً جيداً ولمرتين خلال أربعة عشر عاماً مع استمرار حالات الاغتيالات لرموز المجتمع من أطباء وعلماء وأساتذة جامعيين وأُئمة مساجد، أحدثت شروخاً اجتماعيةً كبيرةً، ومزقت أستار الأمن الاجتماعي، وأحدثت جروحاً عميقة في بنية المجتمع العراقي. إن من يريد أن يبني لا يهدم؛ فكيف به إذ يتعمد مسح الذاكرة العراقية والتراث العراقي العربي الإسلامي الأصيل، وسرقة ثرواته.
وقد اعترف محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني السابق بالدور الإيراني في العراق في ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بإمارة أبو ظبي بتاريخ ١٥/١/٢٠٠٤ بأن بلاده «قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق» ومؤكداً أنه «لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة» .
وفي سياق التجاذب واللعب على الحبال المشتركة والغزل الخفي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وتصفية الحسابات المعلقة بينهما هدد علي أكبر هاشمي رفسنجاني قائلاً: «إن لإيران دوراً مهماً وحاسماً في تشكيل مستقبل العراق. وإن الولايات المتحدة الآن عالقة بالوحل العراقي، وإنها تعلم علم اليقين إن إيران بمقدورها تأزيم مشاكل الأمريكيين بشكل أسود (ديفيد أجنا ثيوس - الواشنطن بوست نقلاً عن صحيفة المؤتمر بعددها ٤٦١ في ٢٨/٢/٢٠٠٤) وفي تاكيد آخر لما أوردناه سابقاً تؤكد الصحيفة أن إيران تملك طابوراً طويلاً من الأدوات التي تستطيع من خلالها التأثير في العراق؛ فالحرس الثوري الإيراني وضباط الاستخبارات الإيرانية كانوا يعملون في العراق منذ سنوات ولديهم شبكات عميقة ومقتدرة.
وصفوة القول: إن الإيرانيين لا يبدون مهتمين باستقرارالعراق أو من هو الذي سيحكمه، ولكن سياسة إيران هذه تعطي إشارات من خلال تعليقات رفسنجاني أو أبطحي أو غيرهما من أن إيران لديها الاستعداد الكامل لعقد صفقات. وقد سعت إيران من خلال تحركاتها داخل العراق إلى إبراز دورها الكبير الذي يمكن أن تلعبه في الساحة العراقية، وإظهار مقدرتها على تحريك الأحداث للتوصل إلى فرض قناعاتها على الإدارة الأمريكية بشكل غير مباشر من خلال إحراجها داخل الساحة العراقية. وهوتكتيك مرحلي تسعى من خلاله إيران إلى توظيف تداعيات الأحداث في خدمتها.
وتبدو الساحة العراقية هي المجال الأرحب للصراع على النفوذ وبيان القوة بين المحافظين والإصلاحيين في إيران حيث يميل كلا الطرفين إلى تأييد الحركات الشيعية العاملة في العراق؛ فالمحافظون يؤيدون (مقتدى الصدر) ويصفون حركته بالشجاعة، ودعوا إلى استمرارها حتى إنهاء الاحتلال في العراق. أما الإصلاحيون (الذين هزموا المحافظين في الانتخابات الإيرانية في فبراير الماضي) فإنهم يرغبون في سحب القوات الأمريكية في العراق إلى مستنقع لمنع واشنطن من التحوُّل إلى استهداف إيران؛ ولذلك جاءت دعوات الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني في خطبة الجمعة بأستمرار المقاومة في العراق.
وفي تصريح للرئيس الإيراني محمد خاتمي خلال لقائه أحد أعضاء (مجلس الحكم) بالتاكيد على تاييده لحزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية والمرجع الإيراني الجنسية (المقيم في النجف) علي السيستاني.
فالصراع بين عناصر الأحزاب والحركات السياسية والدينية الشيعية الموجودة على الساحة العراقية تديره وتحركه بتوجيه من الجهات الرسمية الإيرانية. والمرجعيات الدينية في قم والنجف تعد في غالبيتها، أدوات رئيسية بيدها لإدامة هذا الصراع وتحويل اتجاهاته، إلا استثناء محدداً من المرجعيات ذات الأصول العربية، وتنفذ أجندة إيرانية فارسية بحتة لا تمت إلى تشيع آل البيت بشكل من الأشكال، ولا تهمها الشيعة في العراق إلا بالقدر الذي يحرك الأحداث باتجاه مصالحها الإيرانية الفارسية. والأخطر من ذلك أنه يجري تحت علم وبصر وإدراك قوات الاحتلال.
وقد استغلت إيران بعضاً ممن هم داخل (مجلس الحكم) من الأصول الإيرانية أو ممن ضيفتهم لديها سنوات طوالاً، وبعض المرجعيات الدينية من الأصول الإيرانية من خلال اتخاذها مواقف معينة تتناغم مع السياسة الإيرانية، وأحرجت قوات الاحتلال أو حاولت أن تجرها إلى مواقف وإجراءات تخدم مصلحتها، أو تحاول من خلالها توظيفها وتأزيم المواقف لتهيئة الأرضية المناسبة لعقد صفقات مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث سخرت إيران رجالاتها المشار اليهم آنفاً ومن سايرها في الطلب من قوات الاحتلال والأمم المتحدة لغرض التعجيل بإجراء انتخابات عامة في القطر، وأيد دعوتها وساندتها فتوى للسيستاني، وضغطوا على الإدارة المدنية لقوات الاحتلال من خلال التصريحات والتلميحات الإعلامية والمظاهرات. وهذا الطلب لم يتأتَّ من فراغ، وإنما هيأت له من خلال قيامها بالتمهيد لأعداد هائلة من الإيرانيين بالتسلل إلى المدن العراقية الجنوبية أو قرب مراقد الأئمة في بغداد وسامراء والنجف وكربلاء، واستقرارهم فيها، وزوّرت لهم وثائق رسمية لإثبات عراقيتهم حتى يتمكنوا من دخول الانتخابات. وبإمكان أصوات هؤلاء، على فرض حصول الانتخابات، أن تحدث تحولاً مهماً فيها، لكنه غير حقيقي، ومخادع، ويعد تنفيذاً لمخطط إيران في رغبتها المحمومة لبسط نفوذها على العراق. ويعلم هؤلاء علم اليقين أن الانفلات الأمني والفوضى وأبواب الحدود المشرعة، التي لا رقيب عليها ولا حسيب وتداعيات هذه الأوضاع وإفرازاتها تحول دون إجراء انتخابات عادلة نزيهة بعيدة عن كل التاثيرات الداخلية والإملاءات الخارجية، تهدف إلى إرساء قواعد نظام ديمقراطي وفق ما يتمناه العراقيون ويحقق أحلامهم بعد طول معاناة.
يقول الخبير الفرنسي لويزيار: «إن ما يجري في العراق يناسب إيران وهي تعتبر أن كل ما يربحه الشيعة في البلد المجاور يصب في صالحها؛ ولذلك بدأت تساعد كل الأطراف الشيعية (وإن كانت علمانية) بمن فيهم إياد علاوي وأحمد الجلبي.
ومما يزيد المشهد على الساحة العراقية قتامة هو أن جل أعضاء (مجلس الحكم) يعانون من عقدة الحقد المطلق على النظام السابق، وقد تكون لهم مبرراتهم، وغذت هذا الحقد وجذرته العلاقات الوطيدة لبعضهم مع جهات أجنبية (إسرائيلية، أمريكية، إيرانية) وكان من إفرازات ذلك أنهم سعوا إلى اجتثاث النظام السابق بكل مفاصله وأدواته وسياساته ورموزه ووصل الأمر إلى الكفاءات الإدارية والعلمية والشخصيات المستقيمة النظيفة، والفنية، التي يشهد لها الجميع بالوطنية والإخلاص، وخلو يدها من المظالم، والتي يمكن الاستفادة منها في إعمار الوطن وإعادة بنائه. وهذا فعل يمثل ردة فعل عصبية آنية ظرفية هدمت الكثير من مرتكزات البناء وعمقت جروح وطننا.
وهذا المجلس، إلا من عصم ربي، متوزع الولاءات طائفياً وسياسياً وعرقياً. وعندما يكون التنادي لتلك العناوين الضيقة المحدودة، ويكون حسم الأمور فيه بترتيب التسويات وعقد الصفقات خلف الكواليس المغلقة كما حصل في تثبيت مواد الدستور؛ فإن مصلحة الوطن والعراقيين تغيب تماماً، وتُدرج في أسفل سلم الأولويات.
و (أعضاء) هذا (المجلس) متباينون في التاثير والحظوة والمكانة، بين من هم تكملة عدد ونصاب، وبين من يمتلكون جيشاً وقوات أمن وشرطة وعَلَماً خاصاً. بين من يجد صعوبة بالغة في تامين شرطي واحد لحمايته، وبين من تمشي خلفه وعن يمينه وشماله أساطيل السيارات الحديثة مدججة بالسلاح والعتاد والرجال لتوفير الحماية له وتامين مروره في المدن والقصبات. بين من لديه الأموال الطائلة التي جناها من استحواذه على أموال الدولة والسحت الحرام ينفقها بسخاء بالغ لشراء المواقف وتثبيت الولاءات وتعزيزها وتاسيس الأحزاب والجمعيات «الإنسانية» والصحف، وبين من يتطلع بفارغ الصبر وينتظر نهاية الشهر يرمق بنظره صوب قوات الاحتلال عسى أن تشفق عليه وتعجل بتسليمه مرتبه.
وبداهة أن هناك فرقاً كبيراً بين من يتكلم ويأوي إلى ركن شديد، وبين من يتكلم يتلفت يميناً وشمالاً يخشى أن لا يصل إلى بيته. إلا من جعل الله غايته وهدفه وهم أقل القليل؛ ولا نزكي على الله أحداً.
ولا تزال عيون العراقيين تتطلع إلى وقفة جادة مؤمنة مخلصة، وأيادٍ نظيفة تمد العون لها من إخوانهم المسلمين عرباً وغير عرب للتكاتف والتناصح والعمل المشترك؛ فإن المخططات التي وُضعت للمنطقة سواء من قوات الاحتلال أو «إسرائيل» أو إيران أو غيرها لم تستثن أحداً وتشمل المنطقة كلها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 5171
مأساة اللاجئين البورميين المسلمين بين عداوة البوذيين وتخاذل المسلمين
إبراهيم عتيق الرحمن
لقد وقعت حادثة مؤلمة في مخيم اللاجئين بـ (كوتوفالنغ) في منطقة أوكيا تحت محافظة كوكسبازار (بجانب حدود بنغلاديش مع بورما) صباح يوم الثلاثاء ١٦/١١/٢٠٠٤م؛ حيث راح ضحيتها ١٣ قتيلاً و٢٥٠ جريحاً من اللاجئين.
وقعت هذه الحادثة العنيفة عندما أطلقت الشرطة الرصاص على اللاجئين الأبرياء داخل المخيم في حين أنهم كانوا يحتفلون فرحاً، فأصيبوا بالأسى والحزن على فراق الوطن والأقرباء.
أنشئ هذا المخيم في عام ١٩٩٢م عندما هاجر عدد كبير من اللاجئين البورميين من أراكان المحتلة فراراً من استبداد الحكومة البوذية العسكرية الغاشمة، ويسكن فيه حالياً ١١٠٨٣ أسرة بصفة رسمية ومسجلة لدى الحكومة ولجنة المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. (UNHCR)
- لماذا وكيف؟
وقّعت حكومة بنغلاديش الحالية على اتفاقية ثنائية مع بورما لتوطيد العلاقة التجارية بين البلدين، فاشترطت حكومة بورما العسكرية إعادة جميع اللاجئين دون شرط أو ضمان لحقوقهم في بورما بعد العودة، حتى تتخلص بورما من ضغوط الأوساط الدولية بخصوص مشكلة اللاجئين. فبدأت بنغلاديش بإعادة اللاجئين تلبية لمطالبة بورما رغم أن اللاجئين يرفضون الإعادة القسرية دون ضمان. ولتسهيل الإعادة عينت الحكومة بعضاً من المتعاونين كمسؤولين على اللاجئين. فهؤلاء المسؤولون يستخدمون طرق الشدة والعنف؛ بحيث إنهم يقبضون على أرباب الأسر من اللاجئين حسب الخطة ويسلمونهم للشرطة التي تعرض أمامهم خيارين: إما العودة إلى بورما، وإما الإرسال إلى السجن بعد الضرب المبرح. واستمر الوضع على هذا الحال إلى أن خرج المهاجرون بالاحتجاج والمظاهرة، وبدؤوا بالإضراب عن الطعام في شهر أغسطس الماضي مطالبين بإلغاء مهمة المسؤولين ومشروع الإعادة القسرية. ولكن بتدخل UNHCR بقيادة السيد كريستوفار لي ـ رئيس مكتب بنغلاديش ـ هدأ الوضع. ووعد السيد (لي) بعد النقاش مع السلطة المختصة بأن الحكومة تدرس مطالبهم. ولكن الحكومة لم تغير موقفها، واستمرت في الإعادة القسرية بأسوأ مما كانت عليه سابقاً. وحتى لا تعلو أصوات الاحتجاج مستقبلاً بدأت الحكومة بإلقاء القبض على المثقفين ووجهاء اللاجئين؛ حيث وصل عدد المسجونين في تلك الفترة إلى ٢٠٠ شخص. وشدد النظام الداخلي في المخيم كي لا يخلق أي جو لحدوث ردود الأفعال من اللاجئين. وعندما اتصل اللاجئون مع UNHCR قالوا إن الحكومة منعتهم من التدخل في شؤون اللاجئين في هذه الفترة.
صلى المسلمون في جنوب وشرق آسيا صلاة العيد يوم الإثنين بتاريخ ١٥/١١/٢٠٠٤م، وكان المهاجرون في داخل المخيم أيضاً قد صلوا العيد بعد أن أكملوا صيام رمضان بتوفيق من الله وعونه رغم هذه الظروف الصعبة، ولكن فرحة العيد لم تدخل في نفوسهم، وبالعكس كانوا احتفلوا بالأسى والحزن على فراق الوطن والأقرباء. وفي صباح اليوم التالي (الثلاثاء) وبينما كان السيد إسحاق وهو من اللاجئين يتحدث أمام UNHCR إذ جاء مجموعة من الشرطة، وقبضوا على بعض منهم، وبدؤوا يذهبون بهم إلى ثكنتهم القريبة من المخيم، فخرج بعض المهاجرين يتظاهرون ضد هذا القبض العدواني، فأطلقت الشرطة النار على اللاجئين الأبرياء، فسقط في الموقع ٦ قتلى وأكثر من مائتي جريح. ويقول الأطباء إن عدد القتلى قد يرتفع إلى خمسين؛ لأن الجرحى لم يجدوا الرعاية والعلاج الكافي، وكان من القتلى أطفال (إنعام ١٢ سنة، وعبد الله ٨ سنوات) .
ومن ناحية أخرى وبعد أن قبضت الشرطة على السيد إسحاق، كسروا أسنانه، وقطعوا لسانه قائلين: «بهذا اللسان اشتكى ضدنا لدى UNHCR والجهات المختصة. ثم قطعوا أصابع اليد اليمنى قائلين: «بهذه الأصابع حملتَ القلم لتكتب ضدنا» ، واستمروا في التعذيب إلى أن فارق الحياة في الساعة التاسعة صباح نفس ذلك اليوم (الثلاثاء) . ولم يكتف الشرطة بهذا الجور والعدوان، بل أمروا السكان المحليين بالهجوم على اللاجئين عبر مكبرات الصوت حتى يتعكر الوضع، فيجدوا مبرراً لإطلاق النار على الأبرياء؛ فهؤلاء المحليون الذين كانوا يربون الغل والحقد في نفوسهم ضد اللاجئين البورميين وفي الوقت نفسه يحملون الطمع على أموال وأعراض المهاجرين، بدؤوا بشن الهجوم على اللاجئين الأبرياء بقيادة «بختيار ممبر» ـ مسؤول السكان المحليين ـ حاملين العصي والسيوف والأسلحة الخفيفة، يضربون اللاجئين بكل قوة وقساوة دون أي فرق بين الشيوخ والأطفال والنساء، ويهدمون أكواخ اللاجئين التي يسكنون فيها، ثم يقومون بمهتين:
الأولى: نهب الأموال: هؤلاء المحليون يقومون بنهب أموال اللاجئين بغض النظر عن الثمين والرديء حتى الملابس يجردونها عن الجسد ويأخذونها. يقول شهود عيان إن امرأة تأخرت في خلع مجوهراتها التي تلبسها في أذنيها، فقطعوا أذنيها بالسكين، وأخذوا المجوهرات؛ فهم الآن يبيتون جائعين في العراء، لا يجدون ملابس ولا أغطية لإنقاذ أنفسهم من برد الشتاء.
والثانية: هتك الأعراض: وهكذا فهم يقومون بهتك الأعراض؛ فهناك وقعت بعض الأحداث التي تقشعر منها الجلود وتستحيي منها العيون لا يمكن التعبير عنها في رؤوس الأقلام.
- الوضع الحالي:
- إن الحكومة جعلت المخيم في حراسة شديدة، حيث عينوا ٦٠٠ شرطي في المخيم الذي يحاصرونه من جميع الجوانب، فتمنع المهاجرين عن الخروج من المخيم، كما لا تسمح للصحافيين والمراقبين ورجال المنظمات الإنسانية بالدخول إلى داخل المخيم، حتى تبقى هذه الأحداث في تعتيم إعلامي كامل، لا يعرف الناس عن الحقيقة ومدى مرارتها وشراستها.
- وفي داخل المخيم يستمر النهب والسلب وهتك الأعراض بأيدي السكان المحليين بدعم مباشر من الشرطة.
- تبدأ حملة القبض على أرباب أسر اللاجئين بأيدي الشرطة من الساعة السابعة صباحاً، وتستمر إلى الثامنة ليلاً؛ فالذين يتم القبض عليهم يرسَلون إلى السجن مباشرة بتهمة أنهم هم الإرهابيون الذين قاموا بتعكير الأوضاع.
- خوفاً من القبض بأيدي الشرطة والضرب المبرح بأيدي السكان المحليين فر الرجال (الذكور) ـ ما عدا الأطفال الصغار والشيوخ الكبار ـ إلى الغابات المجاورة.
- اللاجئون يقضون أيامهم ولياليهم تحت ظروف قاسية؛ بحيث لا يجدون لقمة العيش من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يجدون ملابس لإنقاذ أنفسهم من برودة الشتاء.
- ومن ثم أصبح وضع اللاجئين في اضطراب شديد وخوف مستمر، لا يعرفون أين مصيرهم وأي مستقبل ينتظرهم؟
стр. 5172
مرصد الأحداث
أحمد فهمي
أقوال غير عابرة
- «العرب الآن يتقاطرون إلى واشنطن للقاء بوش، وفي المقابل ماذا يعطي بوش للعرب حينما يلتقيهم غير الابتسامات وبضع مجاملات؟! ثم الأوامر والتعليمات؟» خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. [موقع الإسلام اليوم ١٤/١٠/ ١٢٤٥هـ]
- «فعلت ذلك خصيصاً من أجلك» الرئيس المصري حسني مبارك متحدثاً عبر الهاتف لرئيس الحكومة الإسرائيلية شارون تعليقاً على الإفراج عن الجاسوس عزام عزام، يديعوت أحرونوت ٥/١٢/٢٠٠٤م
- «فك الارتباط من دون تنسيق مع الفلسطينيين سيجعل من غزة أكبر سجن في العالم، عندما يغادر السجانون الداخل ليقفوا عند أبوابها» . الصحفي الإسرائيلي البارز أمنون كابليوك، موقع لوموند ديبلوماتيك، مجلة مفهوم، عدد ديسمبر ٢٠٠٤م.
- «سوريا بلد ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه، ولذلك يتحتم عليها الانتظار الى ما بعد السلام بين إسرائيل وفلسطين أولاً، ومن ثم سنرى ما نفعله معها» . الرئيس الأمريكي جورج بوش يتحدث لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية ٢٠/١٢/٢٠٠٤م
- «قوة أي تمرد تعتمد على قدرته على التغير باطراد، فإذا لم ينجح شيء جربوه اليوم، فبإمكانهم تغيير الطريقة وتجربة شيء آخر في الليل.. إن عدونا ذكي جداً» الجنرال سميث نائب قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط يتحدث عن تطور المقاومة العراقية. [الوطن القطرية ٢١/١٢/٢٠٠٤]
- «يوجد اليوم أكثر من ١٦٨ شركة و ٢٦ مكتباً يعمل من خلالها عناصر الموساد» نظلة الجبوري عضو جمعية المرأة العراقية وعضو الوفد الوطني العراقي المناهض للاحتلال تتحدث عن دور الموساد في العراق. [الرأي العام ٢٥/١٢/٢٠٠٤م]
- «الشريعة الإسلامية لا تمنع المرأة من تولي منصب رئيس الجمهورية، هذا حقها الذي يكفله الإسلام»
[شيخ الأزهر الدكتور سيد طنطاوي، مفكرة الإسلام ٢٠/١٢/٢٠٠٤م]
- «نحن المسيحيين لا نجد مبرراً لنقول إننا نعبد نفس إله المسلمين» . [فولفانج هوبر رئيس مجلس الكنيسة البروتستانتية في ألمانيا والتي يتبعها ٢٦ مليون ألماني، مجلة العصر ٣٠/١١/٢٠٠٤م]
- «كان الأقباط أيام أجدادهم الفراعنة يحتمون باليهود ووزيرهم آنذاك يوسف الصديق، واليوم جاء دوركم» .
من نص بيان وجهته إلى آرئيل شارون الجمعية الوطنية للأقباط ومقرها واشنطن، تستنجد فيه برئيس الحكومة الإسرائيلية. [العربية نت ١٣/١٢/٢٠٠٤م]
стр. 5173
سيف عربي يتحدث
عدنان عبد القادر كزّارة
رأيته بأم عيني ـ السيف العربي المعقوف ـ مضرجاً بالكريم (CREAM) كان منظره مهيباً؛ فقد انتهى لتوه من الفتك بقالب من (الكيك) بعد أن انهال عليه بضربات لا ترحم، حملته يد عربية ولوحت به في الفضاء كما يفعل الفرسان، ثم هوت به على القالب تمزق أحشاءه، وتقطع فيه طولاً وعرضاً، ثم سلمت السيف المضرج بالدم الأبيض إلى الفراش ينظفه وينشفه ويعطره، ثم يعيده إلى مكانه اللائق معلقاً على الجدار، مزداناً بحليته التراثية، استسلم ليد الفراش بخنوع، كان الفراش أعجمياً ومع هذا لم ينبس بكلمة، خوَّف به الأطفال الصغار، وعندما وضعه تحت الصنبور، وانهمر فوقه صنبور الماء بكى واختلط دمعه بالماء فلم يشعر به أحد. لقد تذكر نساء قومه وهن يتلقينه بلطف وحنان من أيدي الرجال العائدين من المعركة، ثم يمسحن الدم المتجمد على شفرته بأعراف الخيل فيبرق تحت الشمس مزهواً كعريس في الزفة. أنهى الفرَّاش غسله، وراح يجففه بالقماش وهو أسلس ما يكون قياداً. ثم أغمده في جفنه النحاسي المزركش، وتوجه به إلى قاعة السلاح في متحف الآثار الإسلامية ليُعلق منسياً حتى مناسبة أخرى. نظر بأسى إلى الرماح والتروس والخوذ والدروع، فتلقته عيون الرفاق بالدهشة والاستغراب، وتساءلوا عن سبب عودته مبكراً بعد أن ودعوه بالأمس، قالوا بلهفة:
- هل انتهت المعركة؟
- عن أي معركة تتحدثون؟
- إذاً، أين كنت، ولِمَ غادرتنا؟
- واخيبتاه! لقد جهزت نفسي ليوم طالما حلمت به، ولكن لم أدر أنهم كانوا يريدونني ليوم المطعمة لا ليوم الملحمة.
- يوم المطعمة؟
- نعم! واسمعوا مني الحكاية.
حملتني سيارة فارهة ـ أيها الرفاق ـ وسارت عبر شوارع جميلة لا رمل فيها إلى مكان بعيد، وصلته بأسرع من الخيل الأصيلة، كان المكان بناءً شاهقاً يطاول عنان السماء، ارتقى من يحملني طوابقه العديدة بخطفة البرق، وهو يضغط أزراراً فتفتح أبواب، ويضغط أزراراً فتوصد أبواب إلى أن دخل بي قاعة فسيحة مزدانة باللوحات والصور تغص بقوم من أجناس شتى، بعضهم يلبس زي آبائي وأجدادي، وبعضهم يلبس أزياء غريبة لا أكتمكم الأمر أني شعرت بنفور غريب منها.
تحلق القوم ـ يا أصدقائي ـ حول شيء كبير مسجّى على المائدة ذي ألوان زاهية قيل إنه (الكيك) ووقف وسط الحلقة رجل وقور عربي القسمات تلحظه العيون، وتتسابق إليه الأيدي بالتحية، قيل إنه (المدير) كان الجميع بانتظاري وكلهم متلهف لرؤيتي؛ فما أن أطللت بطلعتي حتى تسابقت الأيدي لحملي إلى أن أوصلوني للمدير، وحين أمسك بي راح يقلبني بإعجاب كما كان يفعل أجداده الميامين، وعلق أحد المحاضرين: (OH! it ص s Original) لم أفهم لغته بالطبع، لكنني فهمت أنه معجب بي، هز المدير رأسه موافقاً وصار يهزني بطريقة أدخلت الغرور إلى نفسي، فجاشت عواطفي ورأيتني في ساح المعارك أخطِر يميناً ويساراً، مرهف القد، رقيق الظُّبة (١) ، أهفو إلى عناق الرؤوس واختراق الأجساد. لم يدم حلمي طويلاً؛ فسرعان ما أيقظتني يد المدير من أخذة الخيال؛ إذ جردني من غمدي، وهوى بي على قالب (الكيك) فغصت في خضم لزج كثيف، ثم سحبني في ثقل ليهوي بي في مكان آخر، ثم في مكان ثالث بين تهليل وتصفيق وكأنه يطعن بي نحور الأعداء وقلوبهم.
لم أحس حرارة الدماء تفرش وجهي، ولا طراوة اللحم ينشق بسرعة عن ساعدي، ولا صلابة العظام تتحطم تحت شفرتي، بل كان هناك شيء مختلف تماماً، لم أعهده في حياتي، ولم يعرفه تاريخ السيوف قبلي، جسد متماسك من الدقيق والسكر والزبد و (الكريم) أحاط بي من كل جانب حتى كدت أختنق، وما أن سحبت منه حتى كان (الكريم) اللزج يغشي وجهي كله كأنه وصمات عار. صدقوني يا إخوتي! إنني أحسست طعم الهزيمة لأول مرة في حياتي مع أني لم أقاتل، كنت أنزف داخلاً، وكان (الكريم) يشمت بي.
نعم! لا أنكر أن القوم بعد المعركة اعتنوا بي أيما اعتناء، فأسلموني إلى الفراش يغسلني ثم ينشفني ثم يعيدني إلى غمدي بكل رفق. لكن لا أعرف لماذا انتابني شعور بأنه يغسلني ويكفنني ويعدني للدفن، وحين عدت إليكم يا أصحابي! لم أصدق نفسي، كان فرحي عظيماً، صحيح أنني سأعلق على الجدار من جديد، ويعلوني الغبار، وربما صدئ حديدي، وصار حدي مفلولاً لكن هذا خير ألف مرة من تلك المعركة القاسية؛ حسبي أنني بين ظهرانيكم مرة أخرى.
تفرس الرفاق في وجوه بعضهم، وغمغموا بكلمات غامضة ضاعت في قاموس التاريخ المجيد، ثم استسلموا لنوم طويل.
قال الفراش العجوز المكلف بخدمة قاعة السلاح في متحف الآثار الإسلامية إنه سمع في الليل أصواتاً لصليل سيوف يشبه أنات بشرية، وفي الصباح حين تفقد القاعة كعادته كل يوم وجد السيف الذي استُعير لحفلة (الكيك) مطروحاً على الأرض وقد انشطر إلى نصفين
стр. 5174
ما بال أقوام يمالئون اليهود ؟
قراءة متأنيه في موسوعة د. المسيري عن اليهود واليهودية.
د. أحمد إبراهيم خضر
الكثير من المسلَّمات اللصيقة باليهود على امتداد الزمان والمكان حوّلها المفكر العربي المعروف، الخبير في الدراسات الصهيونية واليهودية (د. عبد الوهاب المسيري) ليس إلى مجرد افتراضات فقط، ولكنها افتراضات تنم عن فهم قاصر اختزالي وساذج يعمل على بث الرعب والهزيمة في نفوسنا، وأنه لا يجوز لمسلم ـ حسب رأيه ـ أن يوجه الاتهام إلى أي إنسان دون قرائن، كما لا يمكن لأي رؤية دينية حقة أن تحكم على اليهود باعتبارهم تجسيداً لفكرة، وأن الإسلام عرف حقوق أعضاء الأقليات، فحدد لهم أن لهم ما لنا وأن عليهم ما علينا، ومن ثم فإن حقوق اليهود مطلقة لا يمكن التهاون فيها.
وعلى سبيل المثال: افتراض أن اليهودي شخص فريد لا يخضع للحركات الاجتماعية التي يوجد فيها، وأنه لا ينتمي إلى الأمة التي يعيش بين ظهرانيها، وأنه يقف دائماً في مقابل الأغيار (غير اليهود) ، وأن لليهود يداً خفية توجد في كل مكان، وأنهم أفعى خيالية ميتافيزيقية لا يمسَك بها كالشيطان. وافتراض أن هناك مؤامرة يهودية عالمية تسعى إلى السيطرة على العالم بعد إفساده وتخريبه، وافتراض أن من خصائص اليهود الشر والمكر والرغبة في التدمير، وأن هذه الخصائص فطرت في عقولهم، وهي مكون أساسي وثابت في طبيعتهم، وأن سلوكهم إنما هو تعبير عن مخطط جبار، وضعه العقل اليهودي الذي يخطط ويدبر منذ بداية التاريخ. وافتراض أن اليهود وراء أشكال الانحلال المعروفة والعلنية والخفية في العالم العربي والغربي، بل في كل أرجاء العالم، وأنهم وراء (المحافل الماسونية) التي أسسوها لمؤامراتهم، وأنهم وراء (البهائية) التي تسعى لإفساد ألإسلام وكل العقائد.
كل هذه الافتراضات وغيرها في نظر المفكر العربي متحيزة تؤدي لنتائج مضللة، ولا تصدر إلا من ذات مهزومة أدمنت الهزيمة إدماناً كاملاً، واستسلمت لها بعد أن قَبِلت الآخَر وخضعت له، وهي أيضاً دعوة مقنَّعة للاستسلام، جعلت من يروجون لها جنداً يخدمون العدو بنزاهة موضوعية، يتصرفون بأمانة مضحكة دون تمحيص، كما أنها تسويغ للعجز العربي وللتخاذل أمام اليهود.
وهي في نظره أيضاً افتراضات تروج لها الصهيونية العالمية الواعية، والدعاية المعادية لليهود غير الواعية، بالإضافة إلى المخابرات الإسرائيلية؛ فهي تصور اليهود على أنهم عدو لا يقهر، وأنهم قادرون على كل شيء، وأنهم ظاهرة خرافية، وأن لهم قوة عجائبية، ومن المستحيل ضربهم أو إلحاق الهزيمة بهم، وأنهم وحدة متماسكة صلبة وظاهرة واحدة، وتشكيل حضاري واحد وكلٌّ متكامل متجانس، وهذا من شأنه أن يكسب اليهود شرعية غير عادية في عالم يؤمن بالنجاح والحلول العملية.
ولا شك أن هناك بعض الحق فيما يقوله «المفكر العربي» ، لكنه حق ملتبس بباطل مكسو بعبارات مستحسنة، فيها من حلو الفصاحة والعبارات الدقيقة ما يسرع إلى قبوله من كل من ليس له بصيرة نافذة.
وقَبْل أن نستطرد في إيضاح الكيفية التي يسوِّغ بها «المفكر العربي» السلوكيات اليهودية نرى أنه من اللازم أن نعرض لتجربة الزعيم النازي المعروف (أدولف هتلر) مع اليهود التي لم تسلم من اعتراضات «المفكر العربي» والتي سجلها «هتلر» في كتابه (كفاحي) ، واكتشف فيها أن وراء كل أشكال المعاناة والفساد والانحراف والهزيمة التي عانتها بلاده «مخلوق وديع» أسماه بـ «الغريب ذي الشعر الأسود والأنف الطويل» كناية عن اليهود.
يقول «هتلر» : «الأوضاع الراهنة في بلادنا مروعة. انهيار في الأخلاق، فقدان للشعور بالواجب، رب العائلة يهمل شؤون بيته، لانصرافه إلى البحث عن قوت يومه، المجتمع بأسره متفسخ، تفككت فيه الروابط بين الآباء والأبناء، ومن ثم تفككت تلك الروابط التي تربط بين العائلة والدولة. الأمراض الجنسية متفشية، البغاء والإباحية وكثرة اللقطاء وأبناء الزنا أمور لا تخفى على أحد. إن مجرد إلقاء نظرة على أوضاع الطبقات العليا في المجتمع تكشف درجة الخطورة التي تخطوها أمتنا نحو الانهيار.
ثقافة أمتنا تنحدر إلى الهاوية بفعل المؤثرات الغربية، الفن في بلادنا يخضع لأهواء قلة منحرفة فكرياً، أتت بفكرة التجديد والإبداع لتحط من تراث أمتنا الثقافي، ولتستهزئ بمقدساتها، تريد أن تقطع كل صلة للحاضر بالماضي، جعلت من الأدب الرخيص والفن الإباحي بضاعة سهلة التناول. كل ما يعرض لا يمثل إلا إنتاجاً هزيلاً لا أثر فيه للفكر أو الفن. حملات تشن على الدين والعقيدة بحجة حرية التعبير، المؤلفات والروايات الأجنبية المترجمة لا يجوز أن توضع بين أيدي المثقفين؛ فكيف بعامة الشعب!
رجال الكنائس في بلادنا منصرفون عن هذه الأعمال التخريبية إلى التسابق إلى هدي زنوج أفريقيا إلى النصرانية، هذا التسابق الذي لم يؤد إلى نتيجة، مقارنة بالنتائج الباهرة التي حققها الإسلام هناك.
وحل محلها التراخي والميوعة والتردد والتزلف. لا شك أن مناهج التربية والتعليم مسؤولة عن هذا التفسخ الخلقي، حيث تظهر هذه النقائص والعيوب بشكل واضح في مسلك رجالاتنا نحو رأس السلطة، فيتقبلون كل شيء تقوله لهم، ويعتبرونه مقدساً. إنه التزلف الذي أوصلنا إلى هذا الحال الذي نحن فيه.
أما البرلمان فهو أضعف جهاز في الدولة، يجتمع فيه الجبن والتهرب من المسؤولية، وتكثر فيه الثرثرات الفارغة. إن كل خطوة خطتها الحكومة وجاءت ناقصة كانت نتيجة لإهمال البرلمان، إن لم تكن خيانته. أكثرية جاهلة تتحكم في البلاد لا تخرج عن كونها مجموعة من رجال مغمورين، جعلت منهم الدعايات نجوماً لامعة، عضويتهم في البرلمان تتيح لهم حشو جيوبهم بالمال، وتحقيق الثروات الضخمة على حساب الشعب.
أما الجيش فقد انصب عليه ودسائس الدساسين من الأعداء في الداخل والخارج الذين اختلفوا على أشياء كثيرة، لكنهم أجمعوا على وجوب تصفية هذا الجيش؛ لأنه سياج للوطن وعنوان مجده.
أما الاقتصاد فإن المخلصين من رجاله يحذرون من خطورة رأس المال الدولي واستثماراته على البلاد واقتصادها. لكنه أصبح اليوم حقيقة واقعة، إنه لم يكتف بإشعال نار الحرب فقط، بل جعل من السلم جحيماً لا يطاق، ولم يبق شخص مخلص واحد إلا وأدرك أن محاربة رأس المال الدولي واستثماراته والمعد منه للقروض بوجه خاص أصبح واجباً وطنياً؛ لإنقاذ الأمة وإنقاذ حياتها واقتصادها.
تعلو الأصوات محذرة من تزايد السكان، ولكن ليعلم الجميع أن الطرق المتبعة في الغرب في هذا المجال لو اتبعت في بلادنا فإنها تعني ببساطة القضاء على هذه الأمة.
- ولكن مَن المسؤول عن هذا كله؟
لقد حاولت الوصول إلى هذه الروح الشريرة التي تقف وراء تخلف أمتنا وانهيارها، وتوصلت في النهاية إلى أن السبب في معاناة أمتنا يرجع إلى هذا «المخلوق الوديع» ، «ذي الشعر الأسود والأنف الطويل» إنه «اليهودي» . إن الله سينتقم من هؤلاء الذين يخالفون أحكامه، نسي أهل الأديان أنه عدوهم المشترك، فانصرفوا لقتال بعضهم بعضاً. نسوا هذا «الغريب ذا الشعر الأسود والأنف الطويل» الذي يعيش عالة عليهم، ويدبر لهم المؤامرات، ويلطخ دماءهم، ويحطم مصالحهم، ويقاسم أعداءنا في الخارج تقسيم العالم فيما بينهم ساخرين من مشاكلنا الداخلية الحقيرة. أما الشعب فكان في غفلة من دسائس اليهود، ولقد حاولنا لفت الانتباه إلى الخطر اليهودي المتفاقم، لكن الناس استنكروا علينا ذلك، واتهمونا بالتطرف. لقد أجاد اليهود تمثيل أدوارهم، وأتقنوا لعبتهم تماماً، حينما كانوا يلهُّون شعبنا الطيب بمسائل ثانوية جداً. لقد وجدت أن إتقان الكذب فن يجيده اليهود؛ لأن كيانهم يقوم من أساسه على كذبة ضخمة، وهي زعمهم أنهم «طائفة دينية» مع أنهم في الواقع جنس كسائر الأجناس، وأي جنس هؤلاء! لقد وصفهم «شوبنهاور» بأنهم أساتذة عظام في فن الكذب. نبغي أن يفهم شعبنا أن اليهودي حينما يقول الحقيقة إنما يحاول تغطية خدعة كبرى، وأن كل افتراء يصدر عن اليهود إنما هو شهادة بحسن السلوك. إن الرشوة متفشية في الدولة تفشي اليهود؛ فالرشوة واليهود صنوان لا يفترقان. لقد اختارت (اليهودية العالمية) بلادنا مسرحاً لدسائسها؛ فعمدت إلى تخريب الوجدان القومي لشعبنا لتخضع مقدراتنا لإشراف المؤسسات المصرفية اليهودية.
إن اليهود الذين يصفون أنفسهم بأنهم «شعب الله المختار» هم الذين يوجهون اقتصادنا؛ والإجراءات الاقتصادية التي تتخذ في بلادنا ليست إلا لمصلحة اليهود؛ فحياتنا الاقتصادية معلقة بأيديهم، حتى إن إنتاجنا الحربي بأسره خاضع لرأس المال اليهودي.
إن وجود يهود يهاجمون الصهيونية اليوم ليس إلا من باب التمويه، إنه أمر مصطنع، وهم يلعبون هذه اللعبة على امتداد العالم كله. وهي لعبة قذرة تعتمد على الكذب والرياء مما يتنافى والطهارة الخلقية التي يدعونها. إن كل طهارة يدعيها اليهود هي ذات طابع خاص؛ كنت أضطر إلى سد أنفي في كل مرة ألتقي بأحد لابسي القفطان اليهودي؛ لأن الرائحة التي تنبعث منهم تبعث على الاشمئزاز، ولكن قذارتهم الجسدية ليست شيئاً يذكر بجانب قذارة نفوسهم. لقد أثبتت لي الأيام أنه ما من عمل مناف للأخلاق وما من جريمة بحق المجتمع إلا ولليهود فيها يد.
إن تسعة أعشار المؤلفات والنشرات والمسرحيات واللوحات الفنية التي تدعو إلى الإباحية المطلقة هي من صنع هذا «الشعب المختار» !
أما الصحف الكبرى في بلادنا فإنما يوجهها اليهود وأتباعهم؛ لقد تحققت من تأثير اليهود على توجيه الرأي العام؛ وذلك بالنظريات والآراء التي تتناسب مع مصالحهم البعيدة الهدف. وهي اعتمادهم في أول المناقشة على بلاهة خصمهم، فإذا لم يتمكنوا منه تظاهروا بالغباء؛ فيستحيل على خصمهم أن يتحصل منهم على أجوبة واضحة، أما إذا اضطر أحدهم إلى التسليم بوجهة نظر خصمه في حضور بعض الشهود فإنه يتجاهل في اليوم التالي ما كان من أمره، ويتظاهر بالدهشة إذا ما استجوبه الشهود، ويسترسل في الكذب، ثم يزعم أنه أفحم خصمه بحججه الدامغة في اليوم السابق. لقد درست الاشتراكية؛ فاكتشفت أنها عقيدة مبنية على الحقد والأنانية، عقيدة يعني انتصارها هزيمة البشرية، وما لبثت أن اكتشفت أيضاً هذه الصلات الوثيقة بين هذه العقيدة الخطرة والمبادئ التي يدعو إليها اليهود، وأدركت مع الأيام أن أهداف اليهود هي نفسها أهداف الاشتراكية كشعب، واليهودية كدين، والصهيونية كحركة سياسية قومية.
وعند دراستي للمسألة اليهودية تفهمت الحركة الماركسية دون عناء؛ ذلك أن اليهود هم الذين وضعوا مبادئها، وتولوا الدعاية لها، وعرفوا كيف يستغلون جهود الذين كانوا ضحية لها.
رجعت إلى تاريخ الشعب اليهودي عبر الأجيال وما كان له من تأثير في توجيه البشرية فهالني ضخامة هذا التأثير، وتساءلت بقلق: هل يقضي القدر بأن يكون لليهود النصر النهائي؟» .
إننا خسرنا الحرب؛ لأننا أغضبنا الله والناس أجمعين. ومتى كان الواحد منا يضحي بمصلحة بلاده في سبيل مبدأ هلامي يُدعى بـ «السلام الشامل» الذي كان في أصله ابتكاراً يهودياً! وكيف يريد بعض منا أن نعقد الاتفاقات مع شعب شعاره الكذب والتلفيق والسرقة.
هناك أكثرمن دليل تاريخي يدل على أن الشعوب التي تلقي السلاح، وهي لا تزال قادرة على حمله تفضل أن تتلقى الصفعات والإهانات والذل على معاودة القتال. لقد ألقينا سلاحنا، ونحن لا نزال قادرين على حمله؛ فقبلنا شروط المنتصر، وضعفت عزائمنا، وأصبحنا عاجزين عن المقاومة. لقد قام أعداؤنا بسلسلة تدابير قاسية لإذلالنا وتعذيبنا. إن شعبنا لن يتمكن من تهيئة نفسه للمعركة الكبرى قبل أن يتخلص من أعدائه، وعلى رأسهم اليهود وقبل أن يتمكن من نزع الأفكار غير الصحيحة من عقول ملايين الناس من أفراد الشعب. إننا إذا لم نضع حداً لتلاعب «الشعب المختار» بمقدرات أمتنا فلن يمر وقت طويل حتى تتحقق نبوءة اليهود القائلة: سيُخضع اليهودي شعوب الأرض جميعها، ويصبح سيدها المطاع؛ سنقوم بتوجيه الشعوب حتى المعادية لنا بما يبيته اليهود لنا ولهم، سنخطط لشعبنا سبل الخلاص بحيث يكون كفاح شعبنا من أجل التحرر من سيطرة اليهود المشعل الذي يضيء الطريق أمام الشعوب الأخرى الراغبة في التخلص من «جرثومة اليهود» . إن اليهود كالإنجلو سكسون قد يتحولون عن أهدافهم لفترة محددة، لكنهم لن يتخلوا عنها مطلقاً. إن اليهود أضعف من أن يستمروا في محاولات إخضاع دولة كبرى لسيطرتهم لمدة طويلة؛ إن الملايين من شعبنا سقطوا أسرى لخدعة يهودية تقول: إنه يمكن مقابلة التحدي والعنف بالأسلحة الفكرية فقط. فجردتهم من السلاح، وجعلتهم يعتمدون على الفكر فقط كسلاح وحيد في معركة حياة أو موت، فأصبحوا بذلك تحت رحمة اليهود وعصاباتهم الشرسة. إنه في الوقت الذي نقرر فيه اعتماد الوسائل الفكرية لنشر مبادئنا يجب أن نحتفظ بمبدأ القوة لدعم هذه المبادئ إذا لزم الأمر.
هذه هي قصة «هتلر» مع اليهود، وصف فيها تجربة ألمانيا معهم، وحدد فيها خططه المستقبلية لإعادة بناء ألمانيا بعد تطهيرها مما أسماه «جرثومة اليهود» . وهو وإن كان في منطلقه عنصرياً كما يرى الكثير من المحللين فهذا شأنه، أما ما يقوله عن اليهود فهي قناعاته التي استخلصها من دراساته ومعايشته لليهود.
- فوربيه ينتقد اليهود:
الاشتراكي الفرنسي المعروف «شارل فوربيه» ، انتقد اليهود انتقاداً شديداً، وقد نقل عنه «مفكرنا العربي» قوله: «إن التجارة هي مصدر الشرور، وإن اليهود هم تجسيد لها، كما أنهم المستغلون الرئيسيون في أوروبا. واليهود (في تصوره) ليسوا جماعة دينية، وإنما هم جماعة قومية غير متحضرة وبدائية ومعادية للحقيقة، ولا بد للمجتمع من التخلص منهم بالدمج أو الطرد. وأشار «فورييه» إلى قوانين الطعام اليهودية على أنها قرينة على صدق كل الشائعات التي أطلقها أعداء اليهود عنهم مثل: اتهامهم بأنهم يعتبرون سرقة المسيحي أمراً شرعياً مباحاً لهم، ولذا يرى «فورييه» أن لفظي «يهودي» و «لص» مترادفان، وأن الإنسان عند التعامل معهم لا يتوقع سوى أكاذيب ولا شيء سوى الأكاذيب التي يشجعهم عليها دينهم. بل يرى «فورييه» أن اليهود عنصر تجاري لا ارتباط ولا انتماء لهم بوطن؛ ولذا فهم لا يتورعون عن ارتكاب أعمال الخيانة العظمى، ويعملون جواسيس لكل الأمم وجلادين لها، وهم كذلك غير مبدعين في الفنون والآداب، ولا يتميزون إلا بسجل طويل من الجريمة والقسوة. والنشاطات الاقتصادية لليهود كلها هامشية وشرسة وغير منتجة؛ فهم لا يعملون أبداً بالزراعة، ويشتغلون بالتجارة والأعمال المالية. وهم إلى جانب ذلك متمرسون في التهرب من دفع الضرائب، ولا يستثمرون أبداً رأسمالهم في الصناعة حتى لا يرتبط مصيرهم بمصير الدولة التي يعيشون فيها. ويقتصر نشاطهم على التجارة وعلى الاستيراد والتصدير حتى يحرموا تجار البلاد المضيفة من الاحتكاك بالبلاد الأخرى. وهم يحققون الثروات الهائلة على حساب المواطنين، وخصوصاً أنهم بخلاء إلى درجة أن بإمكانهم العيش على أقل القليل، مما يساعدهم على تراكم الثروة بسرعة.
وكان تصور «فورييه» لعلاج المسألة اليهودية هو تطبيق قوانين قاسية على اليهود، ومنعهم من الاشتغال بالأعمال التجارية، وإبعادهم عن الحدود والسواحل والأماكن التي يمكن أن يمارسوا فيها التهريب والتجارة. أما أتباع «فورييه» فكانوا يرون أن العِرْق اليهودي قبيح من الناحية الجسدية، فوجوههم تخرق قواعد الجماليات؛ والعِرْق اليهودي عِرْق طفيلي كليةً يصيب المجتمع بالتحلل، ولم يختلف رأي «أدولف ألايز» عن رأي «فورييه» و «هتلر» ، فقال: إن اليهود مثل البكتريا القذرة تؤدي إلى عفن المكان الذي تصل إليه. وقد ربطت مدرسة فورييه بين ماركس والبلشفية من جهة، وبين ماركس واليهودية من جهة أخرى، وقال «يوجين دوهرنج» عن اليهود: «إن جمجمة الإنسان اليهودي ليست جمجمة إنسان مفكر؛ فهي ملأى على الدوام بالربا، وأن الحل بالنسبة إلى اليهود هو القتل أو الطرد» (١٤٧ الحركات السرية الهدامة - ١٥١)
- موقف هنري فورد اليهودي مع قومه:
ولعل تجربة رجل الأعمال الأمريكي «هنري فورد» مع اليهود لا تخفى على أحد؛ فقد جَنّد العديد من الباحثين لرصد الظاهرة اليهودية، وسطر خلاصة هذه الأبحاث في كتابه الشهير: «اليهودي التائه» ، وغيره كثيرون وكثيرون.
طعن «مفكرنا العربي» في آراء «هتلر وفورييه» ، كان «هتلر» قد أشار إلى «بروتوكولات اليهود» على أنها دستور الحركة اليهودية، وأن هذه البروتوكولات ترى أن محور العمل اليهودي يجب أن ينطلق من بلاده لتحقيق حلمهم في السيطرة العالمية، وأنه إذا تمكن اليهود من إخضاع ألمانيا فسيكونون قد تخلصوا من أهم العقبات الرئيسة التي تعترض طريقهم، لكن «مفكرنا العربي» يرى في ذلك محاولة من الألمان لتسويغ هزيمتهم بأنها طعنة نجلاء من الخلف قام بها اليهود المشتركون في المؤامرة اليهودية الكبرى، أو العالمية. كما فسر «المفكر العربي» اتهام «هتلر» اليهود بالترويج للإباحية الجنسية والبغاء بأنه اتهام نتج عن ملاحظات «هتلر» لنشاط البغايا والقوادين اليهود في فيينا بشكل مكثف، وأن هذا الأمر ترك أثره على أدبيات معاداة اليهود التي وجدت في ذلك قرينة على مؤامرة اليهود في العالم ومحاولتهم إفساده. كما رفع «المفكر العربي» تهمة «هتلر» لليهود بالاتجار في الرقيق الأبيض، ويرى أنها وإن كانت حقيقة واقعة فهي في نظره «واقعة جزئية» ، وأن تقرير الواقعة الجزئية دون ذكر الحقيقة الشاملة هو جوهر العنصرية.
- تناقضات المسيري وآراؤه الغريبة!
ويعتبر «المفكر العربي» نفسه مجتهداً، وأن ما يقوله يدخل في دائرة الاجتهاد، في حين أن أبسط قواعد الاجتهاد تقول: «لا تجد مجتهداً يثبت لنفسه قولين معاً، وإنما يثبت لنفسه قولاً واحداً، وينفي ما عداه» وهذا ما لم يتبعه «المفكر العربي» في تحليلاته فهو يبرئ اليهود من تهم أثبتها عليهم في الوقت ذاته.
هاجم «المفكر العربي» الأوصاف الشائعة عن اليهود، كتلك التي وصفهم بها هتلر وغيره، فقال في ذلك: «يجب أن نبتعد عن الدهاليز الضيقة المظلمة، وأن نتوقف عن البحث الطفولي الساذج عن اليهودي ذي الأنف المقوس والظهر المحدودب الذي لا يوجد إلا في كتب الكاريكاتير وفي النماذج الاختزالية؛ ظناً منا أننا لو عثرنا عليه، وقضينا عليه فسنستريح» .
أما عن بروتوكولات اليهود فيقول «المفكر العربي» : وإن «البروتوكولات» ليست إلا وثيقة مزورة، وأن نبرتها ساذجة للغاية، وأن كاتبها «سيرجي تيلوف» هو الذي زيفها، رغم أنه لا يجيد التزييف محاولاً أن يضخم اليهود وقوتهم ليخيف الناس منهم. وأن هذه «البروتوكولات» ليست نقداً لليهود بمقدار ما هي تعبير عن إحساس الإنسان الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر بأزمته. ويرى «المفكر العربي» أن الإشارة إلى «البروتوكولات» واستخدامها في الإعلام المضاد للصهيونية أمر «غير أخلاقي» ، وحتى لو كانت حقيقية فإنه لا يمكن إثبات أن هذه الوثيقة تعبِّر عن دوافع أغلبية الجماعات اليهودية في العالم. وأن الهدف من ترويج هذه الوثيقة وغيرها ككتاب «أحجار فوق رقعة الشطرنج» هو إشاعة الخوف من اليهود والصهيونية، ومن ثم تسويغ العجز العربي والتخاذل أمامهما، كما أن استخدام «البروتوكولات» لاتهام اليهود فيه سقوط في العنصرية والعرقية التي تصنف الناس لا على أساس أفعالهم وإنما على أساس مادي علماني لا ديني مسبق وحتمي؛ ولذا فهي لا تميز بين ما هو خير وبين ما هو شر.
وعن رأس المال اليهودي ودوره التخريبي العالمي يقول «المفكر العربي» : إن رأس المال اليهودي يتحرك حسب حركة رأس المال المحلي الذي يتحرك بدوره حسب حركة رأس المال العالمي، وأن تأثير رأس المال اليهودي لا يتناسب بتاتاً مع قوته الفعلية.
وعن «التلمود» يرفض «المفكر العربي» رأي الحاخامات والمفكرين الصهاينة الذين يرون أن «التلمود» هو الذي علم اليهود الاستعلاء والتفوق المليء بالعصبية الضيقة الضارية، وأنه هو الذي صنع النفس اليهودية، وصاغ خصائصها، ويرى أي «المفكر العربي» أن التلمود ليس كلاً متجانساً، كما أن اليهود ليسوا على معرفة بكل ما جاء به، وأنه لا يحدد سلوك اليهود في كل زمان ومكان، وينتهي المفكر العربي إلى القول: «إن كل من يحول التلمود إلى نموذج تفسيري لسلوك اليهود أو أعضاء الجماعات اليهودية يكون قد حكم على نفسه بالانفصال عن الواقع والإخفاق الذريع في التنبؤ، وأن استخدام «التلمود» كنموذج تحليلي ينم عن الكسل الفكري ورفض للتعمق في الظاهرة اليهودية وتركيبتها وتنوعها» . ومع ذلك يرى هذا المفكر أنه ـ أي التلمود الذي هو تفسير الحاخامات للتوراة ـ هو المعيار السائد المقبول في كل ما يتعلق بحياة اليهود وأعمالهم ونشاطهم الفكري منذ القرن السابع الميلادي، وهو أهم الكتب الدينية عند اليهود وهو الثمرة الأساسية للشريعة الشفهية، وينتشر بين اليهود بشكل متزايد، وأنه ساعد على اكتساب مركزية في الفكر الديني اليهودي وأنه الرقعة اليهودية الخالصة، وأنه قد حلّ محلّ التوراة في العصور الوسطى باعتباره كتاب اليهود المقدس والأساسي، وأنه تركزت فيه كل السلطة الدينية والروحية في اليهودية، وأنه لا يقتصر على الحياة العامة لليهود، وإنما يمتد ليشمل أخص خصوصياتهم. وأشار «المفكر العربي» إلى أن الشرائع التلمودية تدرس في إسرائيل، ويعاد طبع النسخة الأصلية منها دون تعديل، وأن تأثيره واضح على قوانين الأحوال الشخصية وقوانين الطعام والقوانين الزراعية، وأن بعض الجامعات هناك تشترط على طلابها تحصيل معرفة تمهيدية بالتلمود، ومن المعروف أن التلمود يرى أن هناك نوعين من البشر فقط: اليهود، وغير اليهود. واليهود هم الوحيدون الذين يجسدون روح الإله، وأنه لن يدخل الجنة غير اليهود؛ لأنهم شعب الله المختار، وأن غير اليهود أنجاس....إلخ. وكل من ينظر إلى اليهود عبر التلمود هو في نظر «المفكر العربي» صاحب فكر اختزالي بسيط منغلق وساذج وبسيط؛ فالكتب الدينية والمثل العليا ليست هي التي تحدد سلوك فرد ما، وإنما هي مركّب هائل من الأسباب التاريخية الاقتصادية والاجتماعية؛ وعليه ـ وفق الفكر المركب المنفتح ـ أن يدرك أن التلمود كتاب تفسير وضعته القيادة الدينية لأقليات متناثرة كانت تعامل معاملة الحيوان، وكانت تعيش في قلق وخوف وإحساس بالخطر المحدق، وأنه ليس كل يهودي قد درس التلمود بعناية فائقة، وأنه يخضع كل حركاته وسكناته، لما يرد فيه من تعاليم دينية، وأنه لا يجب تجريد التلمود من سياقه التاريخي، وألا نستخدمه كنموذج تحليلي لفهم الظاهرة اليهودية.
تصدى «المفكر العربي» لرفض الاتهامات الموجهة لليهود ودورهم في الحركات الهدامة قديمها وحديثها، واعتبر أن العقل الاختزالي هو الذي ينسب لليهود كل الشرور، ويراهم مسؤولين عن هدم المسيحية والإسلام، وأن اليهود يوجدون في كل زمان ومكان بشكل واضح أحياناً وبشكل متخف أحياناً أخرى؛ وذلك لزيادة كفاءتهم في عملية الهدم ونشر الفساد، في نفس الوقت الذي يعترف فيه «المفكر العربي» بأن هناك فكراً هداماً نادت به بعض الجماعات اليهودية، وأن ظاهرة اليهود المتخفين هي ظاهرة حقيقية. بدأ «المفكر العربي» في عرضه للحركات الهدامة يشكك بأن «عبد الله بن سبأ» شخصية حقيقية، وأن هناك من كان يحمل أفكار «ابن سبأ» ، ويروج لها بغض النظر عن وجود ابن سبأ نفسه. افترض «المفكر العربي» أن الفكر الذي يحمله ابن سبأ فكر حلولي بمعنى أنه فكر يفترض الحلول الدائم للإله في الطبيعة والتاريخ، وأن هذا الفكر ذو أصول يمنية، وأن اليهودية التي كانت منتشرة في جنوب الجزيرة العربية يهودية منعزلة عن المراكز والحلقات التلمودية، سواء في فلسطين أو بابل، كما أن الطبيعة الجبلية لليمن تضمن استمرار كثير من العبادات والعادات ذات الطابع البدائي؛ ومن هنا يخرج «عبد الله بن سبأ» من دائرة الفكر التآمري لكونه يمنياً ذا فكر حلولي لم يتأثر بالفكر التلمودي التآمري؛ بفضل الطبيعة الجبلية المنعزلة لليمن.
يثبت «المفكر العربي» أن من ٢٠% إلى ٥٠% من أعضاء الحركات السرية الهدامة الموجودة في الولايات المتحدة هم من اليهود، كما يثبت أيضاً أن نسبة عضوية اليهود في الجماعات السرية في العالم تبلغ ٣٠%، كما يعطي بنفسه أمثلة لهذه الجماعات الهدامة كجماعة «عبدة الشيطان» ، ثم يسوغ ارتفاع هذه النسبة لليهود في هذه الجماعات الهدامة بأنه «تعبير عن ضعف العقيدة اليهودية، وعن تزايد الإحساس بالاغتراب؛ نتيجة لتزايد معدلات الترشيد والعلمنة، وتآكل الأسرة كمؤسسة وسيطة، كما يفسر إقبال الشباب اليهودي على العبادات الجديدة بأنه تعبير عن احتجاجهم على النجاح المادي الذي حققه أهلهم باندماجهم في الحضارة الغربية، فهو في تصورهم نجاح خال من المعنى والمضمون الخُلُقي، ويؤدي إلى الاستغراق في الحياة الحسية والاستهلاك غير المتناهي. وأياً كانت هذه التسويغات أو التفسيرات كما يحلو «للمفكر العربي» أن يسميها فهي ليست صادقة بالضرورة، وتحتمل الخطأ في نفس الوقت الذي تحتمل فيه الصواب، لكنها أياً كانت لا تغير من الحقيقة شيئاً، وهي أن نسبة اليهود في الجماعات الهدامة عالية.
يرفض «المفكر العربي» أي ربط بين الماسونية واليهودية، ومن ثم يرفض القول بوجود تعاون سري بينهما للسيطرة على العالم وتخريب المجتمعات، ثم يثبت في نفس الوقت أن ثمة علاقة سرية بنيوية وفعلية قائمة بين الماسونيين وأعضاء الجماعات اليهودية. يقول «المفكر العربي» : «حينما يربط المعادون لليهود بينهم وبين الحركة الماسونية فإنهم محقون في ذلك تماماً؛ إذ إن نسبة أعضاء الجماعات اليهودية في المحافل الماسونية عادة ما يكون أعلى» . ينفي «المفكر العربي» فكرة ارتباط عضوية اليهود في الجماعات الماسونية بيهوديتهم أو بعقيدتهم، ويرى أن انخراطهم في المحافل الماسونية يمثل بالنسبة لبعض منهم صياغة دينية مخففة تساعدهم على التخلص من هويتهم الدينية دون إحساس بالحرج من عدم وجود إيمان ديني على الإطلاق. هذا التفسير الذي يقول به «المفكر العربي» ليس له من دليل قاطع يثبته، ومع ذلك تظل أمامنا حقيقة قائمة أثبتَ ـ هو ـ بالدليل القاطع صحتها، وهي أن هناك ارتباطاً بين اليهود والمحافل الماسونية.
- اليهود فئه أم فئات؟
المحور الأساس الذي تدور حوله كل تسويغات «المفكر العربي» ـ د. عبد الوهاب المسيري ـ للسلوكيات اليهودية هو أنه ينظر إلى اليهود ليس بوصفهم يهوداً وإنما لكونهم (جماعات يهودية) تشكلت من خلال المحيط الحضاري الذي تنتمي إليه، وليس رغماً عنه، وأصبحت (جماعات وظيفية) تم دمجها في مجتمعاتها، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منه خاضعة تماماً لآلياتها، وليس أكثر من ذلك؛ ومن ثم لا شأن لليهود ولعقيدتهم الدينية في كل ما ينسب إلى اليهود من سلوكيات. ويعترف «المفكر العربي» بأن هذا المَخرج الذي اخترعه هو الذي أعطى القيمة التفسيرية لتحليلاته عن اليهود؛ وذلك لأن مصطلح «جماعات» يؤكد عدم التجانس، رغم وجود عنصر تشابه ووحدة بينها وهو «اليهودية» ، ثم يعود المفكر العربي بعد ذلك إلى القول: إن هذا لا يمنع من حفاظ اليهود على بعض معالم الهوية العرقية لهم.
«المفكر العربي» غير مقتنع برؤية «هتلر» في كذب ادعاء اليهود بأنهم طائفة دينية، وأنهم في الحقيقة «جنس» كسائر الأجناس، لقد نجح اليهود في إذابة جنسهم وقوميتهم في عقيدتهم. وهذا هو ما فات على «مفكرنا العربي» أو تجاهله، فبدا دفاعه عن عدم ربط سلوكيات اليهود بعقيدتهم مقبولاً؛ فلا يمكن والحال هذه الربط بين التوراة كما أنزلها الله وبين سلوكيات اليهود المشينة؛ فقد وصف الله ـ تعالى ـ هذه التوراة بأن فيها هدى ونوراً، وأن رسول الله محمداً ﷺ مكتوب عندهم في هذه التوراة وفي الإنجيل كذلك. وصمت «المفكر العربي» عن بيان أن اليهود لم يقيموا هذه التوراة، وأنهم حرّفوا الكلم عن مواضعه؛ ومن ثم فإنهم ليسوا على شيء. ومن هنا جاء التلبيس من «المفكر العربي» حيث جمع بين عقيدة اليهود - كما جاءت في التوراة - وبين اليهود كجنس، ثم بيَّن أن كل ما ينسب إلى اليهود لا شأن له بعقيدتهم الدينية، وبدلاً من أن ينسب هذه السلوكيات إلى اليهود كجنس نسبها إلى ما يسميه بـ «الجماعات اليهودية الوظيفية» التي تكون الوظيفة هي سبب تجانسها وليست العقيدة، وعضو الجماعة الوظيفية في نظر ـ المفكر العربي ـ هو إنسان اقتصادي محْض متحرر من القيم الأخلاقية، يكرس ذاته لمنفعته وللذته، ويؤمن بالنسبية الأخلاقية، وبازدواجية المعايير، ومرجعيته النهائية في علاقته بالمجتمع المضيف مرجعية مادية. وهذا الحكم بالرغم من احتمال صحته فيه تعميم شامل، وليس هناك من دليل قطعي لإثبات صحته. إن القيمة الكبرى التي يعطيها اليهود «للتلمود» ورفع مكانته فوق مكانة التوراة يجعله بمثابة عقيدة اليهود الأولى؛ ومن هنا تسقط تماماً كل دفاعات «المفكر العربي» الرافضة للربط بين سلوكيات اليهود وعقيدتهم الدينية.
إن محاولة الفصل بين اليهود «كجنس» وما يسميه بـ «الجماعات اليهودية» أمر غير منطقي. يفترض خطأً أن هذه الجماعات قد حدث لها ما يسميه العلماء الاجتماعيون بفقدان الطابع القبلي. واستناد «المفكر العربي» إلى هذا الفصل كمفتاح لتسويغ السلوكيات اليهودية يقوم على مسلّمة خاطئة تبناها وهي: اعتقاده أن مصطلح (جماعات) يؤكد عدم التجانس، وهذا خطأ لا يقع فيه دارس مبتدئ لشؤون الجماعات؛ فمجرد الإشارة إلى كلمة «جماعة» يعني الإشارة إلى بناء اجتماعي متكامل، وليس إلى فئة من الأفراد؛ فالروابط التكاملية هي المظهر البنائي للجماعة؛ بمعنى أن بين أفراد الجماعة علاقات معينة تحتم تفكيربعضهم ببعض، وأن الفرد في الجماعة عادة ما يتبنى توقعاتها ومعاييرها وقيمها وأهدافها؛ ويبدو التناقض واضحاً في اعتبار هذه الجماعات «جماعات يهودية ووظيفية» في الوقت نفسه؛ فهذه الخصائص التي تحدثنا عنها هي خصائص ما يسميه هو بـ «الجماعات اليهودية» . أما مصطلح «جماعات وظيفية» فهو لا ينطبق إلا على الجماعات التي تتكون لأداء مهمة متخصصة وهدف محدد كالجماعات المهنية؛ فكيف يمكن وصف الجماعات اليهودية التي يعترف هو نفسه بأنها تحمل بعض معالم الهوية العرقية على أنها جماعات وظيفية بحتة؟ وكيف يمكن الجمع بين قول «المفكر العربي» إن هذه الجماعات التي تنظر إلى المجتمع المضيف نظرة مادية بحتة؛ في الوقت نفسه الذي يقول فيه: إن هذه الجماعات قد اندمجت فيه اندماجاً عضوياً كاملاً، وخضعت كلية لآليات حركته؟ بل إن وصف المجتمع الذي يقيمون فيه بأنه مجتمع مضيف يتناقض مع القول بفكرة الاندماج الكامل هذه. ومن هذا المنطلق يستمر «المفكر العربي» في دفع التهم الموجهة لليهود.
- اليهود والثورة الروسية البلشفية:
إن ما أثير حول «الثورة البلشفية» بأنها ثورة يهودية يرفضه «المفكر العربي» ، بل إنه يرى أن هذا المصطلح له مضمون عنصري؛ لأنه يفترض أن اليهودي يظل يهودياً مهما غيَّر من آرائه، ومهما اتخذ من مواقف، وأن هذا يفترض بدوره وجود هوية يهودية ثابتة لا تتحول ولا تتغير بتغير الزمان والمكان؛ وهذا ما يرفضه «مفكرنا العربي» ، لكنه يسوِّغ كالعادة صعود القيادات البلشفية اليهودية في ميزان القوى بأنه أمر غير ناتج عن يهوديتهم، وإنما كان بسبب الظروف العامة للصراع داخل الحزب الشيوعي والمجتمع السوفييتي، وهذا التسويغ بسيط وغير منطقي؛ فتاريخ الانقلابات والثورات حتى في منطقتنا العربية يبرز كيف أن قادتها استطاعوا الصعود إلى قمة الثورة، بل والاستيلاء عليها لصالحهم الشخصي ولقيمهم الإيديولوجية مستثمرين هذه الصراعات استثماراً ناجحاً.
- اليهود والإفساد الحقيقي:
لا يقر «المفكر العربي» اتهام اليهود بالإباحية المطلقة - كما أوضحنا عند عرضنا لآراء «هتلر» في اليهود ـ باعتبار أن تلك الإباحية إنما هي امتداد لشيطانية اليهود، وجزء من تآمرهم على المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها، هذا في نفس الوقت الذي يعترف فيه «المفكر العربي» بأن سلوك الإسرائيليين يتسم بالكثير من الحرية الجنسية، وبانتشار ظواهر البغاء والإيدز والأطفال غير الشرعيين بينهم. كما يورد «المفكر العربي» مقولة «أميون روبنشتاين» الوزير الإسرائيلي الأسبق: بأن إسرائيل من أكثر المجتمعات إباحية. كما يقر «المفكر العربي» أيضاً بأن العديد من اليهود يعملون في تجارة الرقيق الأبيض اليهودية التي تمتد من شرق أوروبا إلى وسطها وغربها ومنها إلى الشرق، بالإضافة إلى مراكزهم في جنوب أفريقيا ومصر والهند وسنغافورة. ورغم كل ما يقر به «المفكر العربي» فإنه ـ كالعادة ـ يرى أن كل ذلك لا يمثل حقيقة واقعة، وأنه مجرد نشاط اقتصادي ومصدر من مصادر الرزق.
يقر «المفكر العربي» بأن رئيس أول جماعة عالمية للشواذ جنسياً من الذكور هو يهودي يدعى «جينوس هيرتشفيلد» ومساعده يهودي كذلك يدعى «كورت هيلي» ، وأن الأخير هو أول من طالب باعتبار الشواذ جنسياً أقلية لا بد من حماية حقوقها. كما يشير كذلك إلى يهودية عالم النفس المعروف «سبجموند فرويد» الذي نسب «الجنسية المثلية» أو الازدواجية الجنسية إلى كل البشر. ويبين «المفكر العربي» أيضاً أن اليهود الإصلاحيين والمحافظين على السواء لا يحرّمون الشذوذ الجنسي، كما أن هناك معابد يهودية تأسست للشواذ جنسياً، وأنه تم ترسيم حاخامات يهود من الشواذ جنسياً. وكالعادة يبرئ «مفكرنا العربي» اليهود من أي مسؤولية عن انتشار الشذوذ الجنسي؛ ويعطينا تفسيراً غريباً يصعب على أي عقل أن يقبله فيقول: إنه لا بد من الإشارة إلى أن التقبل المتزايد للشذوذ الجنسي هو إحدى سمات المجتمعات العلمانية المتقدمة، وأنه من السخف التحدث عن تاريخ يهودي مستقل أو عن مسؤولية اليهود عن البشر، وأن الوجود الملحوظ لليهود في الحركات الداعية لتطبيع الشذوذ الجنسي أمر نابع من أعضاء الأقليات الذين يوجدون في الهامش، والذين لديهم استعداد أكبر من استعدادات أعضاء الأغلبية لارتياد آفاق جديدة، سواء في عالم الاستثمار أو في عالم الأفكار والسلوك، وهكذا يصبح الشذوذ الجنسي عند «مفكرنا العربي» إبداعاً يتساوى مع الإبداع في عالم الاستثمار والأفكار والسلوك. كما يفرض علينا كذلك أن نعتبر أن لدى أعضاء الأقليات استعداداً أكبر من غيرهم لممارسة الشذوذ الجنسي، ومن ثم نعتبرهم هدفاً محتملاً دائماً للشذوذ الجنسي، وننظر في نفس الوقت إلى وجود الشذوذ الجنسي بين غير أعضاء الأقليات على أنه وجود ليس له أية دلالة حقيقية.
ومن هذا المنطلق التخصصي يمكن أن تبرز إلى السطح رؤية اليهود إلى غير اليهود كأغيار يجوز قتلهم أو سرقتهم أو الاعتداء عليهم، وتدخل تفسيرات «المفكر العربي» من ثم في حدود البواعث على ارتكاب الفعل وليس الدافع إليه.
يسرد «المفكر العربي» العديد من أمثلة الجرائم المالية والتزييف والغش التجاري، ويشير بالتحديد إلى فضائح الفساد المالي والسياسي التي ارتبطت باليهود؛ وكالعادة ينزع الصبغة اليهودية من هذه الجرائم، ويربطها بوجود اليهود داخل مجتمعات فاسدة مستغلة تساعد الإمكانيات الفاسدة داخل الإنسان على التحقق. كما يرى «المفكر العربي» أنه لا يمكن تفسير جرائم الغش التجاري التي يرتكبها اليهود بأنها جزء من المؤامرة اليهودية الأزلية لإفساد أخلاق الأغيار، ويرى بدلاً من ذلك أن الغش التجاري في عصر الرأسمالية يتسم بالرشد وعدم التمييز بين البشر، وأنه غش مجرد لا شخصي تماماً مثل رأس المال المجرد. ورغم هذا التفسير الذي قدمه «المفكر العربي» فإننا نرى أن فيه إدانة لليهود في ذات الوقت حينما يقر بأن في نفوس اليهود إمكانيات فاسدة أصلاً ساعدها فساد المجتمع على الظهور.
- حقيقة بروتوكولات اليهود:
تسيطر على العقل العربي كما يرى «المفكر العربي» أوهام «البروتوكولات» وأن هذه الأوهام مشوبة بإيمان عميق لا يتزعزع بأن لليهود سيطرة كاملة على السياسة والإعلام الأمريكيين، وأن اللوبي اليهودي هو الذي يؤثر في صناع القرار الأمريكيين. يرفض «المفكر العربي» هذا التصور العربي الذي أيده «هنري فورد» في بحوثه عن اليهود، ويرى عكس ذلك تماماً؛ ففي رأيه أن السر الحقيقي للنجاح الصهيوني في الغرب لا يعود إلى سيطرة اليهود على الإعلام ولا إلى شراء اليهود وسيطرتهم المزعومة على التجارة والصناعة، وإنما يعود إلى أن إسرائيل هي جزء من التشكيل الاستعماري الغربي، وأن الإعلام واللوبي الصهيوني يمثلان أداة الغرب الرخيصة، وأن إسرائيل ليست إلا دولة وظيفية عميلة للولايات المتحدة، تؤدي كل ما يوكل إليها من مهام ونجاح، وتنصاع تماماً للأوامر. أما «الجماعات اليهودية» أينما وجدت فليست جماعة من اليهود ذوي المصالح اليهودية، وإنما هي جماعات تم دمجها وأمركتها تماماً، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي خاضعة تماماً لآلياته، في الوقت الذي يستخدم فيه مصطلح المجتمع المضيف كما أشرنا من قبل.
- الشخصية اليهودية في الروايات العالمية:
انتقد «المفكر العربي» بشدة أدبيات معاداة اليهود في «الأدب الغربي» ، وتصويرها لهم على أنهم شياطين. الشر لصيق بطبيعتهم، يخربون أي مجتمع يعيشون في كنفه، ويحيكون المؤامرات عبر التاريخ للقضاء على الجنس البشري. تناول «المفكر العربي» أهم شخصيات «أدب شكسبير» في مسرحية (تاجر البندقية) ، وهي شخصية «شيلوك» اليهودي الذي يعمل بالربا والتي أصبحت جزءاً من المعجم الإنجليزي، وتعني الرجل الطماع الشره الذي لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه.
دافع «المفكر العربي» عن اليهودي، وقال: إنه لا يعرف على وجه الدقة أصل هذا الاسم ـ شيلوك ـ؛ فهو ليس اسماً يهودياً. كما انتقد «المفكر العربي» موقف الأديب الروسي «دوستوفيسكي» من اليهود؛ الذي كان يرى فيهم شعباً تحركه القسوة والرغبة في شرب الدماء، كل همهم إفساد الشعب واستغلاله بلا رحمة. اتهم المفكر العربي «دوستوفيسكي» بالعنصرية الشديدة فكرياً وعقائدياً، وبالاختزالية وضيق الأفق، والجهل الشديد بأحوال اليهود وبالحقائق التاريخية، وشبّه موقف الأديب الروسي من اليهود بموقف (هتلر) منهم، وسوغ «المفكر العربي» هذه الكراهية لليهود بأنها متجذرة في الوجدان الروسي ومسيطرة عليه، لكن «المفكر العربي» قد أثنى على «تولستوي» من جانب أنه كان ينادي بضرورة حب البشر، ثم انتقده من حيث أن كتاباته تظهر موقفه الأرستقراطي الروسي المعادي لليهود.
أما «هربرت صاموئيل» الذي صنفه اليهود على أنه أول حاكم يهودي على فلسطين منذ سقوط الهيكل، وكان أول مندوب سام بريطاني في فلسطين، وأول من كتب مذكرة مررها على أعضاء الوزارة البريطانية يقترح فيها: إنشاء محمية إنجليزية في فلسطين بعد الحرب، وتشجيع الاستيطان اليهودي فيها، وإعطاء الأولوية للهجرة اليهودية ولبناء مؤسسات استيطانية تساعد في نهاية الأمر على توطين جماعة يهودية يبلغ عددها ثلاثة ملايين، تصبح مكتفية ذاتياً إلى أن تشكل دولة ذات سيادة تكون مركزاً لحضارة جديدة. تبنى «لويد جورج» رئاسة الوزارة البريطانية التي كانت تضم «بلفور» ـ تبنى مشروع صموئيل، وعند تنفيذه له عُيّن «صموئيل» كأول مندوب سام بريطاني في فلسطين. استصدر «صموئيل» في العام الذي عين فيه كمندوب سام قانون الهجرة الذي سمح لستة عشر ألفاً وخمسمائة يهودي بدخول فلسطين. ساعد «صموئيل» النشاط الاستيطاني اليهودي، واعترف باللغة العبرية، وزاد عدد المستوطنات في عهده من أربع وأربعين إلى مائة مستوطنة، واستمر اهتمامه بالمستوطن اليهودي حتى بعد تركه منصبه؛ فكان رئيساً لشركة فلسطين للكهرباء، ثم رئيساً للجامعة العبرية.
ورغم تسجيل «المفكر العربي» لكل ذلك عاد ينكر أن كل ما فعله «صموئيل» كان دافعه يهوديته؛ فيقول: «وصموئيل نموذج جيد للصهيوني غير اليهودي الذي لا تختلف رؤيته لليهود عن رؤية أي عضو في الحضارة الغربية؛ فهو لا يهتم بالعرقية اليهودية ولا بالمصالح اليهودية، ولا بالتاريخ اليهودي، ولا بالعقيدة اليهودية؛ إنه يهودي مندمج تماماً، يود الحفاظ على وضعه، ولكن شأنه شأن أي سياسي غربي، ينظر إلى اليهود من الخارج، ويراهم كمادة بشرية نافعة يمكن أن توظف لصالح الحضارة العربية.
دافع «المفكر العربي» عن «كيسنجر» قائلاً: بأن محاولة اكتشاف المكون اليهودي في تفكير «كيسنجر» أمر لا طائل من ورائه، وأن ما يحدد موقف «كيسنجر» من إسرائيل ليس يهوديته، أو رغبته في الدفاع عن المصالح اليهودية، أو حماية الدولة اليهودية وإنما حرصه على أن تكون إسرائيل حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، وسوطاً رادعاً في يدها؛ ومن ثم لا يمكن تفسير مواقف «كيسنجر» السياسية على أساس يهوديته، كما يفعل بعض المحللين العرب.
- المسيري مع العدو الصهيوني أم ضده؟
من يقرأ «للمفكر العربي» سيطرح حتماً سؤالاً مؤداه: هل هو مع إسرائيل أم ضدها؟ هل هو مع دعاة السلام أم من دعاة الحرب؟ وقبل أن يطرح أحد السؤال على «المفكر العربي» طرحه هو بنفسه، وانتقده بأنه سؤال بسيط ينم عن عملية اختزالية، تفترض أن العالم مربعات بيضاء وسوداء، وأن المعرفة يتم التوصل إليها من خلال الاختيارات الموضوعية التي يجيب عليها الإنسان بنعم أو لا، وأنه أي «المفكر العربي» يتجاوز هذه الاختزالية، ومع ذلك فهو يجيب عن السؤال فيقول: «نحن ـ والحمد لله ـ لسنا من دعاة الحرب، ولا من دعاة السلام، وإنما نحن من دعاة إقامة العدل في الأرض، ونحن كبشر نفضل بلا شك أن يقام العدل بالطرق السلمية ومن خلال قرارات الأمم المتحدة، إن توفرت السبل إلى ذلك؛ فإراقة الدماء دون مسوغ مذبحة» . ثم يستطرد قائلاً: «ولكن إذا لم تتوفر السبل السلمية فهناك طرق مشروعة، تعترف بها المواثيق الدولية للدفاع عن الأرض والذات مثل المقاومة المسلحة» .
وواضح تماماً أن هذه إجابة غير مقنعة، بل إنها هزلية مستخفة بالعقول؛ فما سمع أحد منذ قرون عدة أن ثقافة العدل هذه لها وجود لا على المستوى النظري أو العملي، ولا حققت قرارات الأمم المتحدة العدل يوماً ما، ولا تحقق العدل لا بالطرق السلمية ولا بالمقاومة المسلحة؛ فما زالت فلسطين والجولان في يد اليهود، وها هو العراق قد سقط، وها هي ليبيا سلمت أسلحتها طواعية، والبقية تأتي، وبشائر الشرق الأوسط الجديد تلوح في الأفق، أليس كل ذلك من أجل سلامة أمن واستقرار اليهود؟
وما نتصوره هو أن السبب الذي يكمن وراء كل هذا الدفاع عن اليهود ومحاولة بذل أقصى الوسع في تبرئتهم من سلوكياتهم اللصيقة بهم إنما يكمن في هذا المنظور الذي تبناه «المفكر العربي» من العلوم الاجتماعية الذي يتلخص في منظومة (الاختزال - التقويض ـ التفكيك ـ التركيب) ، وهي منظومة تفوح منها بشدة رائحة المفكر المعروف «دريدا» صاحب فلسفة التقويض والتركيب. هذه الفلسفة التي أدت «بمفكرنا العربي» طبقاً لمفهوم التفكيك إلى نزع القداسة عما هو مقدس، وما يسمى بتقويض مرجعية المؤلف من جذورها، وأن صاحب النص لا يستطيع أن يفرض على نصوصه المعنى الذي يريده وإنكار لأي نص حتى ولو كان مقدساً له وجود ثابت ومستقر، والسماح للعقل بتجديد النصوص بشكل مستمر. وقد عبر عن ذلك مفكرنا «العربي» بقوله:
(حينما يتم تناول أي نص ـ أياً كانت قداسته - لا بد وأن يؤخذ في الاعتبار سياقه التاريخي ... فالمطلق مهما كان إطلاقه لا بد أن يتبدى من خلال النسبي ... إن الإنسان الذي يعيش في التاريخ لا يمكنه أن يدرك المطلق إلا من خلال النسبي ... وإذا كان هذا ينطبق على الكتب الدينية المقدسة فهو لا شك ينطبق بشكل أكبر على كتب الشروح والتفسير، مهما خلعت على نفسها من قداسة وإطلاق) . يقول «المفكر العربي» ذلك وكأنه لم ينشأ في دار الإسلام، ولم يتعمق في فهم ودراسة القرآن، حتى إنه تبنى المفاهيم الفلسفية عن الله ـ تعالى ـ (كالمطلق) ، ولم يصف الله ـ تعالى ـ كما وصف ـ سبحانه ـ به نفسه.
- تحليلات ساذجه برؤيه غربية:
ووفقاً للمنظور الذي تبناه «المفكر العربي» تسقط عن كل النصوص التي جاءت عن اليهود في القرآن والسنّة القدسية التي تحملها. ولكن أكلما جاءنا رجل ألحن من رجل تركنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واستمعنا إليه؟ إن نصوص القرآن والسنة تقطع تماماً أن الله ـ تعالى ـ قد غضب على اليهود، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، ووصفهم الرسول ﷺ بنفس الأوصاف التي وصفهم الله بها، وقال عنهم: إنهم إخوان القردة، وكان يبدأ أحاديثه عنهم «بقوله: قاتل الله اليهود، ولعن الله اليهود» ، وقال كذلك: «لا تأووا اليهود؛ فإن الله ضرب على رقابهم بذل مقدم» وقيل: «إنه لو بلغت ذنوب المسلمين عدد الحصا والرمال والتراب والأنفاس ما بلغت مبلغ ما قيل لنبي واحد، ولا وصلت إلى قول إخوان القردة ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقولهم ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقولهم ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ، أنترك نصوصنا المقدسة، ونستمع تحليلات المفكر العربي المستوحاة من العلوم الاجتماعية؟ إن طبيعة اليهود كما عرضها القرآن الكريم في شتى المناسبات هي:
إن تحليلات «المفكر العربي» ليست إلا رؤية واحدة من العديد من الرؤى التي تعج بها العلوم الاجتماعية، يرفض بها ما يسميه «بالنموذج الاختزالي التآمري» الذي تسبب في اتهام اليهود بكل هذه التهم، وسماه «المفكر العربي» بـ «النموذج البسيط المغلق الواحدي المصمت» الذي يتجه نحو اختزال العالم إلى عناصر بسيطة، والفكر الاختزالي في نظر «المفكر العربي» فكر كسول لا يكد ولا يتعب لكي يحيط بتركيبة الواقع، ويقنع بإدراك هذا الواقع على مستوى واحد، وتبنى بدلاً منه نموذجاً آخر استند إليه في تبرئة اليهود هو «النموذج المركب المنفتح التعددي الفضفاض» والذي يحتوي على عناصر متفاعلة مركبة، أهمها العامل الإنساني ودوافعه، والواضح هنا أن هذا الدفاع المستميت عن اليهود من المنظور المركب المنفتح الذي تبناه «المفكر العربي» ، قد أوقعه في شراك النموذج الاختزالي الواحدي المنغلق المصمت؛ فبدت دفاعاته عن اليهود ـ كما تخيلها ـ متماسكة واحدية صلبة، فيها شمولية التفسير، وطموح في درجة عالية من اليقينية والدقة المتناهية في المصطلحات، وهي نفس خصائص النموذج الاختزالي كما حددها بنفسه.
انتهى «المفكر العربي» إلى نتيجة غريبة لم تكن في الحسبان مطلقاً، وهي: أن اليهود ليسوا بأعدائنا بالدرجة الأولى؛ حيث يقول: «إن عدونا ليس الأفعى اليهودية ... وإنما هو العالم الغربي الذي يدافع عن مصالحه الاستراتيجية التي يمكن تعريفها والتصدي لها ومحاربتها في كل مكان» . والذي لا شك فيه هو عداء العالم الغربي للإسلام، لكن الله ـ تعالى ـ وليس «المفكر العربي» هو صاحب الحق الوحيد في تحديد من هو العدو؛ إذ قال في كتابه العزيز ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء: ٤٥] .
لقد حدد الله ـ تعالى ـ هؤلاء الأعداء في اليهود، كما جاء في الفقرة التي قبْلها في نفس الآية: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] ثم في الفقرة التي تليها في نفس الآية ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] ، وقال الله ـ تعالى ـ في سورة المائدة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢] ، وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما خلا يهودي بمسلم إلا همّ بقتله» .
ومن أحسن ما يختم به ما يراه علماء الإسلام أن المشتغلين بعلوم لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تُدخل عليهم الفتنة والخروج على الصراط المستقيم، فيتركون الاقتصار من العلم على ما يعني، ويخرجون إلى ما لا يعني، ويكون ذلك فتنة على المتعلم والعالم، أو تعطيل للزمان من غير تحصيل. (الموافقات للشاطبي ١/٢٢-٢٣) .
стр. 5175
تغطية (المؤتمر الإقليمي للقادة الدينيين)
حول الإيدز
الهيثم زعفان
في القاهرة وداخل فندق النيل هيلتون ولمدة ثلاثة أيام نظم البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة مؤتمراً اجتمع فيه عدد من العلماء المسلمين ورجال الدين المسيحي أُطلق عليهم اصطلاح: «القادة الدينيون في الدول العربية» هادفين تبني بيان يوضح التزام هؤلاء القادة في الاستجابة لبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة مرض الإيدز.
وتضمن برنامج المؤتمر كلمات لبعض الشخصيات الرسمية والدينية، وحقائق عن الإيدز، وشهادات وخبرات أشخاص يتعايشون مع الإيدز. وقد كانت جلسات المؤتمر مغلقة، ولا يسمح لغير القادة الدينيين المحددين سلفاً من قِبَل الأمم المتحدة بحضورها؛ حيث أوضحت تلك الجلسات أن آخر الإحصائيات المتوفرة حول انتشار الوباء في المنطقة العربية - ديسمبر ٢٠٠٤ - الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة تشير إلى:
- ٩٢٠٠٠ حالة عدوى جديدة بفيروس نقص المناعة المكتسب من البالغين والأطفال.
- من ٢٣٠٠٠٠ إلى ١.٥ مليون من البالغين والأطفال يتعايشون مع مرض نقص المناعة المكتسب.
- ٢٨٠٠٠ حالة وفاة بين البالغين والأطفال بسبب الإيدز.
- ٤٨ % من مجموع المصابين نساء.
وقد عمدت بعض جلسات المؤتمر المغلقة إلى إعداد دليل عمل القادة الدينيين المسلمين والمسيحيين مع وضع خطة عمل مشتركة لحشد كل طاقات الهيئات الدينية في مواجهة الإيدز للحد من خطره ورعاية المصابين به، وهذا الدليل ستصدره الأمم المتحدة مستقبلاً.
أما عن الهدف العام للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة من هذا المؤتمر فقد تمثل في إصدار (إعلان القاهرة) الذي تم توقيعه في اليوم الأخير للمؤتمر بعد إعداده على مدار يومين من قِبَل ثلاث مجموعات تضم (٩) أعضاء من مسلمين، ومسيحيين، وممثلي الأمم المتحدة. وقد أوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن هذا الإعلان يشكل الركيزة الأساسية لمواجهة تحديات هذا المرض، وأن الاجتماع والإعلان يتوِّج سلسلة من الخطوات السابقة لإشراك القادة الدينيين في كسر حاجز الصمت حول مرض الإيدز في المنطقة العربية؛ حيث يعتبر (إعلان القاهرة) تتويجاً وامتداداً لإعلان دمشق الصادر عن ثلاثين قائداً دينياً اجتمعوا في دمشق في الفترة من ٢٨يونيو إلى ١ يوليو ٢٠٠٤، وصاغوا اتفاقاً مبدئياً يدعو إلى احترام حقوق مرضى الإيدز والوصول للمجموعات الأكثر عرضة للمرض، وتطبيق طرق تقليل الإصابة، واستخدام الواقي الذكري؛ مع توضيح أهمية الامتناع والإخلاص والقيم العائلية.
وقد جاء (إعلان القاهرة) في ورقتين موضح في بدايتهما أن المبادرة كانت من البرنامج الإقليمي للإيدز في البلدان العربية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتضمن أربعة محاور: المبادئ العامة - الوقاية - العلاج والرعاية - مخاطبة القيادات الأخرى.
المبادئ العامة ركزت على وجوب التحرك العاجل أمام خطر وباء الإيدز انطلاقاً من تكريم الله للبشر أيّاً كانت ظروفهم أو خلفياتهم أو حالتهم المرضية. ومن واقع الجلسات المغلقة؛ فإن كلمة (الظروف) تعني الوضع الفردي للشخص سواء كان يمارس الجنس داخل النطاق الزوجي أو خارجه، أو هؤلاء الأشخاص غير الأسوياء الذين يخرجون عن الفطرة البشرية لممارسة الجنس. أما كلمة (خلفياتهم) فقد عُني بها معتقدهم الديني، وأما حالتهم المرضية فتمثل الإشكالية المرضية التي يعانيها الفرد، ومن ثم ينظر للإنسان المصاب أيّاً كانت ميوله الجنسية أو معتقده ومرجعيته الأيديولوجية على أنه إنسان مبتلى؛ لذلك ضمّن الإعلان عبارة: (المرض اختبار من الله يصيب به من يشاء من عباده، والمريض أخ لنا، ونحن معه حتى يأخذ الله بيده إلى الشفاء) .
الوقاية: لما كانت الأمم المتحدة هي راعية المؤتمرات التي أثار حولها العلماء المسلمون الشبهات مثل: المؤتمر الدولي للسكان (القاهرة ١٩٩٤) ، والمؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة (بكين ١٩٩٥) ، وهاهي الآن ترعى مؤتمر «القادة الدينيين» ؛ فقد كان من الطبيعي أن يصدر (إعلان القاهرة) وفق أجندة الجندر (المبنية على إلغاء أي تفرقة تترتب على الاختلاف الجنسي بين الذكر والأنثى - انظر الطروحات النسوية العولمية تجليات للاستعمار الجديد البيان العدد ٢٠٧) ؛ فبعد أن كان الخطاب الإسلامي يحرم الزنا والشذوذ، ويوضح العقوبات الشرعية في هذا الصدد تبدلت النظرة من خلال (إعلان القاهرة) إلى مرض نحاول علاجه جندريّاً؛ حيث أوضح الإعلان أن الفئات المتاجرة بالجنس وزبائنهم ومتعاطي المخدرات بالحقن والرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال وباقي أصحاب العادات الضارة كل هؤلاء وإن كان الإعلان لا يوافق على هذه السلوكيات (وليس يحرمها) فإنه يدعوهم إلى التوبة، وينادي بتصميم برامج تأهيل وعلاج لهذه الفئات نابعة من ثقافة وقيم القادة. وهنا يبدر تساؤل: هل ثقافة وقيم القادة مردودة إلى المجتمع الإسلامي والعربي، أم إلى أجندة الامم المتحدة؟
ويلاحظ في هذا الصدد التأكيد على استقلال المرأة عن الرجل، وظهر هذا في استثناء السحاقيات من الفئات المذكورة، وعدم استخدام مصطلح إجمالي كلفظ (المثليين) علمًا بأن الإعلان فصّل في حالة اللوطيين؛ وتفسير ذلك يتضح في الفقرة المستقلة في إعلان القاهرة والتي جاء فيها: (ننادي بحق المرأة في حماية نفسها من التعرض للإيدز) تلك الفقرة التي تتفق مع البند ٩٦ من وثيقة بكين (حق المرأة في أن تبت بحرية ومسؤولية في المسائل المتصلة بحياتها الجنسية) .
جاء (إعلان القاهرة) ليؤكد على طرح الأمم المتحدة في علاج الإيدز والمعروف بـ safe sex والذي يرى حق الفرد في إشباع غريزته بأي وسيلة، ولكن بطريقة آمنة باستخدام الوسائل الوقائية؛ حيث جاء في الإعلان (التأكيد على أن العفة والإخلاص هما العنصران الأساسيان لدعوتنا الوقائية، مع تفهمنا لدعوة الأطباء وأهل الاختصاص لاستخدام وسائل الوقاية المختلفة لدفع الضرر عن النفس والآخرين) والوسائل الوقائية واضحة في إعلان دمشق الذي يدعو إلى تطبيق طرق تقليل الإصابة واستخدام الواقي الذكري، كما أنها تظهر جليّاً في وثائق بكين (البند ٨٣/ل - البند ٩٨ - البند ١٠٨/م - البند ١٠٨/ل - البند ١٠٨/ن) وبكين +٥ (البند ١٠٣/ب من الوثيقة الختامية) .
يلاحظ أيضاً ذكر عبارة: «دعوة الأطباء وأهل الاختصاص» غاضين النظر عن الأبحاث الطبية المعتبرة التي تشدد على المنع كعلاج وحيد، وأن نسبة الأمان في الوسائل غير كاملة.
تطرق الإعلان للعَرَض ولم يتطرق إلى المرض الذي هو أصل القضية، وهي حرمة الممارسات التي تتم في غير فراش الزوجية من زنا ولواط وسحاق؛ فقد جاء في الإعلان: (نرى حرمة كل ما يتسبب في نقل عدوى الإيدز عمداً أو إهمالاً نتيجة عدم استخدام كل وسائل الوقاية المتاحة والممكنة والتي لا تخالف الشرائع السماوية) .
ففضلاً عن أن إعلان القاهرة لم يحرم الزنا؛ فقد حرم نقل الإيدز إذا أهمل الزاني استخدام الواقي الذكري، وتسبب في نقل الإيدز إلى الطرف الآخر ذكراً كان أم أنثى. ومن هنا لم يحرم الأصل وحرم الفرع. أما عن عبارة: (لا تخالف الشرائع السماوية) فهي عائدة في هذا الإعلان إلى كون الوسيلة نفسها هل مخالفة للأديان أم لا؟ وذلك من حيث الوظيفة وليس من حيث التوظيف.
في ضوء كل ما سبق يدعو الإعلان إلى (ضرورة كسر حاجز الصمت من على منابر المساجد والكنائس والمؤسسات التعليمية وفي أي مجال ندعى للحديث فيه عن كيفية مواجهة الإيدز بمبادئنا الدينية الأصلية، وإبداعنا المتسلح بالعلم لابتكار طرق جديدة للتعامل مع هذا التحدي الخطير) . والطرائق الجديدة المطلوب ابتكارها واضحة في أجندة الأمم المتحدة من خلال ما يعرف بـ (sex education) أو تعليم الجنس؛ وذلك بوضع برامج تعليمية (سمعية وبصرية وعملية) تعلم الأطفال والمراهقين والنساء عموماً كيفية ممارسة الجنس بطريقة أطلق عليها: (مسؤولة) يتم من خلالها توفير الجنس الآمن، ومن ثم يتم في نظرهم تفادي الإصابة بالإيدز. في ضوء ذلك توزع الواقيات الذكرية والنسائية بأسعار زهيدة وأحياناً مجاناً لتحقيق هذا الغرض، وثيقة بكين (بند ٨٣/ل - بند ١٠٧/هـ - بند ٢٦٧) مؤتمر القاهرة للسكان (بند ٧/٣، ٨/٣١) .
الأديان - خاصة الإسلام - كانت تمثل عائقاً كبيراً أمام الأمم المتحدة أثناء مراسم مؤتمراتها، وهو الأمر الذي دفع وثيقة بكين البند ٢٧٦/د إلى «دفع الحكومات لاتخاذ الخطوات الكفيلة بألا تُتخذ التقاليد (والأديان) ومظاهر ممارستها أساساً للتمييز ضد البنات» . لكن هذه الاستراتيجية أتت بنتائج عكسية على الأمم المتحدة، فكان لا بد من استحداث استراتيجية جديدة يتم معها احتواء الأجواء المعارضة بصورة دبلوماسية.
(إعلان القاهرة) نجحت الأمم المتحدة من خلاله في صناعة خطاب ديني جندري وقَّع عليه ٨٠ شخصية مسلمة ومسيحية، ومن خلاله تمت إذابة الخطاب الإسلامي في الخطاب المسيحي، وقد جاءت كلمات ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي معبرة عن ذلك المناخ؛ حيث يقول: «إن القادة الدينيين في المنطقة العربية قد أظهروا للعالم أجمع مدى حكمتهم وتراحمهم وتفتحهم واستعدادهم لتجاوز كل الاختلافات العقائدية ليحققوا لمنطقتنا جيلاً قادماً خالياً من مرض الإيدز» . لهذا وُصف هذا التجمع من قِبَل الأمم المتحدة بأنه (خطوة عملاقة للأمام - كسر حاجز الصمت - حدث عظيم - حدث هام وفريد) ولعله كذلك فعلاً؛ لأن هذا الإعلان سيتم استثماره جلياً في مؤتمر عشر سنوات على بكين المزمع عقده في نيويورك في الفترة من ٢٨ فبراير - ١٠ مارس ٢٠٠٥ لتقييم ما تغير في العالم في ضوء وثيقة بكين، وبعد عشر سنوات على وضعها.
стр. 5176
وما نرسل بالآيات إلا تخويفا
مروان كُجُك
ذُهل العالم لهذا الزلزال الذي وقع في المحيط الهندي، وراح الجيولوجيون يفيضون في الحديث عن أسبابه وتفسيراته، ورسموا لنا خرائط المواقع الزلزالية في الكرة الأرضية، وشرحوا لنا كيف حدث الزلزال، ونقلت لنا الأخبار وما زالت وصفاً لما حدث وصوراً تبين لنا بعضاً من الأهوال التي أحاطت بالمنطقة الزلزالية وما جاوزها حتى شواطئ إفريقيا؛ ولكنهم لم يتفطّنوا أن يسألوا أنفسهم: لِمَ حدث ذلك؟
هذا الزلزال بلا شك كارثة تأثر بها العالم من شرقه إلى غربه، ومن جنوبه إلى شماله، تابعها العالم من خلال ما نقلته الإذاعات، وما بثته القنوات الفضائية من صور، وما أسمعتناه من صراخ وبكاء ونحيب، وما أرتناه من الأجساد الهامدة التي لم تحترق بنار، ولم تصعق بكهرباء، ولم تُقتل برصاص، ولم تتوقف قلوب أصحابها لانفجارات قطعت نياطها، وإنما هو الماء الذي لا حياة إلا به.
إن بديع الكون وصاحبه ﷻ هو المتصرف فيه، ولا يمكن إلا لنواميسه وقوانينه وحده - سبحانه - أن تسيطر عليه وتحركه وتعمل فيه. إن الذي وضع الأرض للأنام هو المالك لها والمقدر لأقدارها، والعالِم بما ينهض بهذا الأنام أو يرديه، وبما يهلكه أو ينجيه؛ فإذا غفل العباد عن غاية الخلق نبههم، وجعل من بعض خلقه عبرة لبعض.
ومن رحمة الله بخلائف الأرض أنه ـ سبحانه ـ لا يدعهم في غمرة ساهين حتى يرسل إليهم بالآيات ليعودوا عن غفلتهم وغيهم وظلمهم؛ وما هذا الزلزال الرهيب إلا من تلك الآيات التي تترى بين صغير منها وكبير، ما يخص الفرد منها، أو الأسرة، أو الجماعة، أو الأمة، أو العالم بأسره مؤمنه وكافره؛ فرحمته وسعت كل شيء، ومن رحمته إرساله بهذه الكوارث التي تحرض العقلاء على الالتجاء إليه، والبعد عن معاصيه، وأنه لا أحد أكبر ولا أعظم منه، والله لا يريد ظلماً بالعباد، ولكنها رحمته ينبه بها خلقه ويستوفز بها وجدانهم، ويخوّفهم بقدرته ليخافوا يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، فلا يظلموا ولا يتجبروا، وليشفقوا من عذاب ربهم الذي ليس له من دافع. قال : ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] .
لم تهتز الكرة الأرضية بمزاجية منها وإنما بوحي من الله وأمر؛ وذلك لا يتعارض مع الوصف العلمي إن كان صادقاً دقيقاً؛ فقوانين الكون المادية كلها من صنع الله وتقديره، تتضافر جميعاً لتأخذ بيد الإنسان وفكره نحو إحقاق عبوديته لله وحده التي فيها سعادة البشر كل البشر في الدنيا والآخرة. قال - تعالى -: ﴿إذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ١ - ٥] ليكون ذلك عبرة لمن يعتبر من الكبار والصغار، والضعفاء والبسطاء والعتاة والجبارين، والصالحين والأشقياء، وكل ذي نفس منفوسة. إنها آيات تذكِّر الذاهلين عن صاحب الملكوت، وتهزأ بكل جباري الأرض أن لا أحد أكبر من الله، ولا أقدر، ولا أبرم لأمر منه.
стр. 5177
المحرم - ١٤٢٦هـ
فبراير / مارس - ٢٠٠٤م
(السنة: ٢٠)
стр. 5178
أعداؤنا يريدون.. ولكن نحن نريد أيضاً
التحرير
إن الغرب وربائبه ـ من أبناء جلدتنا ـ يشنون حرباً شعواء متعددة الأغراض والمجالات والأماكن.. يريدون أن يطفئوا نور الله ويبدلوا كلامه.
ولا غرابة؛ فهو يعمل على نشر هويته، والتمكين لمعتقداته، وتحقيق مصالحه، وضمان استمرار تفوقه.
وسبيله في ذلك: تفريقنا، وتعميق ضعفنا، وتسطيح اهتماماتنا، وضرب معنوياتنا، والإجهاز على جديتنا وفاعليتنا، وإيلاجنا في دركات الشهوات والشبهات.
وحين نلحظ جهود الخيِّرين من أبناء أمتنا في مواجهة حملة أهل الصليب والنفاق الكبرى نرى بوضوح أن عامتها ينصبُّ في خانة ردود الأفعال، ومع إيماننا بضرورة القيام بشيء من ردات الفعل بياناً للأمة وتحذيراً لها من ناحية، ومقارعة للأعداء من ناحية أخرى؛ إلا أن الإغراق فيها ـ دون وقفات مراجعة جادة، وخطط مجابهة واضحة تمكننا من الاختيار الصحيح واتخاذ القرار الأنسب لنا ـ سيوقعنا في شِباك عدونا؛ مما يمكنه من قيادنا، ويلهينا عن أولوياتنا، وعن عمل ما هو الأصلح لأمتنا والأكثر تمكيناً لمبادئنا، بل إنه قد يفقدنا امتلاك روح المبادرة وإمكانية انتقالنا من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم.
ومما يزيد الأمر خطورة:
- أنها تجعلنا دوماً قابعين في دائرة التركيز على ما يريد خصومنا، لا على ما نطمح إليه نحن وتريده أمتنا.
- وأنها تُغفلنا عن الحدود الدنيا التي تبقينا في دائرة هويتنا، ولا يسوغ لنا بحال التنازل عنها.
- وأنها تضخم في دواخلنا قوة عدونا وجوانب ضعفنا، وفي المقابل: تنسينا عناصر قوتنا وجوانب ضعف عدونا.
ولذا فلا بد لنا ـ متى ما أردنا لأمتنا عزاً وتمكيناً ـ من إصلاح ذواتنا، وتقوية ثقتنا بمولانا، وأن لا نغفل لحظة عن تذكر ما نريد؛ لتكون الأعمال والبرامج التي نقوم بها محققة لها دوماً. إن علينا في خضم انشغالنا بالتصدي لمخططات أعدائنا أن نتذكر أنَّا: أفراداً.. ومؤسساتٍ.. ودولاً.. وأمةً.. نريد ذلك أيضاً.
إن الأمم كلها في مراحل نهوضها تستحضر ما تريده باستمرار وتعيه؛ فعلينا إن أردنا النهوض أن لا ننسى أن نريد.
стр. 5179
(بكين + ١٠) ونقلة نوعية نحو سقوط القيم
التحرير
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين.. وبعد:
فسوف يُعقد بعد أيام قليلة في مقر هيئة الأمم المتحدة في نيويورك مؤتمر (بكين + ١٠) للتأكيد على النتائج التي مُهِّد لها وأُقرت في مؤتمرات المرأة والسكان في القاهرة، وبكين، ونيويورك، ولتدعيم اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة اختصاراً بـ (اتفاقية السيداو) ، ووثيقة حقوق الطفل، ونحوها من المؤتمرات والمواثيق الدولية التي تهدف إلى عولمة الفكر الاجتماعي للأسرة والمرأة والطفل، وصياغته من جديد صياغة تتلاءم مع الثقافة والقيم الغربيتين بكل ماديتهما وتناقضهما الفكري والاجتماعي.
ولئن كانت هيئة الأمم المتحدة تمارس أدواراً معلومة وخطيرة جداً في الجانب السياسي؛ فإنها كذلك تمارس أدواراً لا يدركها كثير من الناس، مع أنها لا تقل خطورة عن الجانب السياسي، بل قد تزيد عنه في الجوانب الثقافية والاجتماعية والأخلاقية؛ فدورها يتمدد ويتزايد بصور مذهلة، ليتجاوز مجرد المقترحات والتوصيات العامة إلى فرض القيم والمبادئ، وتسويقها في مختلف أنحاء العالم، ووضع الآليات الرقابية التي تُلزِم الدول بتبني القرارات الأممية، وتنسخ بها التشريعات والنظم المحلية، وتفرض عليها العقوبات الصارمة التي تروِّضها، وتجعلها مجرد دمى وضيعة لا تملك هويتها وثقافتها المستقلة، ولا تستطيع المحافظة على خصوصيتها الاجتماعية. وقد شُكّلت مثلاً في هيئة الأمم المتحدة لجنة دائمة خاصة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، لمتابعة الدول وتقويم مقدار التزام تلك الدول والمنظمات بتطبيق بنودها.
وإذا كانت كثير من المنظمات الأممية المتخصصة في مجالات الإغاثة وما يسمى بالأعمال الإنسانية قد اختُرقت من قِِبَل المنظمات التنصيرية والإرساليات الكنسية، وأصبحت ذراعاً من أذرُع التنصير؛ فإن هيئة الأمم المتحدة بلجانها المتخصصة في الأسرة والمرأة قد اختُرقت أيضاً من المنظمات النسوية وجمعيات الشواذ ونحوها، ليصبح العالم ألعوبة بأيدي أهل الأهواء وذوي القلوب المنتكسة، وفي هذا تقول البروفيسورة (كاثرين فورت) : (إن المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تخص المرأة والأسرة والسكان تصاغ الآن في وكالات ولجان تسيطر عليها فئات ثلاثية: الأنثوية المتطرفة، وأعداء الإنجاب والسكان، والشاذون والشاذات جنسياً. وإن لجنة المرأة في الأمم المتحدة شكلتها امرأة إسكندنافية كانت تؤمن بالزواج المفتوح، ورفض الأسرة، وكانت تعتبر الزواج قيداً، وأن الحرية الشخصية لا بد أن تكون مطلقة) (١) .
لقد تحدث (فرانسيس فوكوياما) في أطروحته الشهيرة عن (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) ، وأكد باستعلاء: أن قيم الغرب الليبرالية الحداثية هي قمَّة السمو والتطور الحضاري والإنساني الذي بلغته البشرية، وأن الجانب الأكبر من العالم الثالث ما زال يتخبط في أوحال التاريخ. ويعترف فوكوياما في إحدى مقالاته (٢) بأن الإسلام هو الحضارة الرئيسة الوحيدة في العالم التي لديها بعض المشاكل الأساسية مع الحداثة الليبرالية، لكنه يضع المجتمع الإسلامي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يتصالح مع قيم تلك الحداثة.. وإمَّا الدمار.
هذه هي العقلية التي يتعامل بها الغرب مع شعوب العالم.. إنَّها بوضوح شديد عقدة الاستعلاء والهيمنة الحضارية التي تجعل من التمرد على الأخلاق، وإلغاء مؤسسة الأسرة والزواج، وإشاعة الزنا والفاحشة، والإجهاض، وكل ألوان الشذوذ الجنسي، والانحراف الأخلاقي ـ تجعل من ذلك كله قيماً إنسانية نبيلة تستحق أن تكون ثقافة أممية مشتركة تسود العالم.
ولذا ليس غريباً أن تمارَس الضغوط الغربية المستفِزة على دول العالم الثالث لتغيير قوانينها الاجتماعية وأحوالها الشخصية، بل ومناهجها التربوية والتعليمية، وتطالبها بإزالة كل العوائق الثقافية (الدينية) والاجتماعية التي قد تؤثر على جدية التطبيق.
ولمزيد من الإذلال والترويض جعلت الدول الغربية توقيع كثير من الاتفاقات الاقتصادية والمساعدات يتم بناء على مقدار التجاوب مع منظومة الإملاءات التي لا تنتهي حتى تمسخ الأمم والشعوب، وتسقط في مستنقعاتهم الآسنة. وصدق المولى ـ جلَّ وعلا ـ: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ولهذا انزعج الاتحاد الأوروبي كثيراً من بعض القوانين التي استُحدثت مؤخراً في تركيا للحدِّ من الزنا، وطالب تركيا ـ بلغة ملؤها التهديد والوعيد ـ بإلغاء تلك القوانين، بل والاعتراف القانوني بالشذوذ الجنسي وحقوق أصحابه في ممارسة رذائلهم في المجتمع.
وأخطر ما في هذه المؤتمرات والمواثيق الدولية أنَّ كثيراًَ من منظومة ما يسمى بدول العالم الثالث الإسلامية وغير الإسلامية لديها القابلية ـ بل لا نجافي الحقيقة إذا قلنا الرغبة أحياناً من بعضها ـ للتجاوب مع تلك المواثيق، والالتزام بمقتضياتها، ولهذا رأينا أكثر من عشر دول عربية على رأسها: تونس، والعراق، والجزائر، وليبيا، بالإضافة إلى عدد من الدول الإسلامية الكبرى مثل: الباكستان، وأندونيسيا، وبنجلاديش، توقع على اتفاقية (القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة) بدون أي تحفظ.
إزاء هذه الحملة المحمومة على الدين والأخلاق والقيم الاجتماعية، تأتي الأسئلة الكبيرة: ماذا قدمنا خصوصاً لمواجهة نتائج وقرارات مؤتمر (بكين + ١٠) القادم؟
وماذا قدمنا عموماً لمواجهة ذلك التغريب الاجتماعي الذي أضحى يحاصرنا في كل ميدان..؟
أين دور الإفتاء والمؤسسات الإسلامية في العالم الإسلامي..؟
أين العلماء والدعاة والتربويون..؟
بل أين العقلاء وأهل الغيرة..؟
إنَّ الأمر جِدُّ خطيرٍ، ويتطلب عملاً جاداً يبني الوعي في شتى شرائح المجتمع، ويستنهض كل ما يمكن من الطاقات والإمكانات لحماية الأمة من رذائل الفكر الغربي. ونوصي ها هنا ـ خصوصاً الجمعيات والمنظمات النسائية الإسلامية المتخصصة في مجالي الأسرة والمرأة ـ بتقديم الرؤية الإسلامية الشمولية في تلك الأطاريح الغربية، وبناء البديل العلمي الناضج الذي يستمد عزته وشموخه من منابع ديننا الإسلامي الحنيف، ولا ينهزم أو يلين أمام تيارات العلمنة والتغريب في الداخل والخارج، كما نوصيها بضرورة الوقوف بحزم وجد لتكوين قاعدة شعبية تواجه حُمَّى القوانين والتشريعات التي أخذت تتسلل بتدرج ودهاء إلى كثير من دولنا الإسلامية ومحاضننا الاجتماعية.
﴿قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
اللهم إنَّا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 5180
جمالية الدين في جمالية التوحيد
د. فريد الأنصاري
أول واجب في الإسلام هو قول: «لا إله إلا الله» ، وهي كلمةٌ عظمى في غاية اللطف والبهاء. نعم! كل المسلمين يقولونها، ولكن القليل منهم هم الذين يعرفونها حقاً؛ ذلك أن انصرافهم إلى التصورات الكلامية، في مجال العقيدة، قد صرفهم عن فضاءاتها الجميلة وأبعادها الجليلة.
وقد كان المسلمون عندما يتلقون العقيدة بعباراتها القرآنية الجليلة، يتفاعلون معها تفاعلاً عجيباً؛ إذ يتحولون بسرعة، وبعمق كبير من بشر عاديين، مرتبطين بعلائق التراب إلى بشر ربانيين ينافسون الملائكة في السماء؛ وما هم إلا بشر يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق؛ ولذلك حقق الله بهم المعجزات في الحضارة والتاريخ.
إن بعض التقسيمات الكلامية للعقيدة الإسلامية التي أملتها ضرورة حِجاجية حيناً، وضرورة تعليمية حيناً آخر، ليست ذات جدوى في عالم التربية الإيمانية؛ لخلوها من روحها الرباني، وسرها التعبدي الذي لا تجده إلا في كلمات القرآن وأحرفه: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: «ألم» حرف؛ ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١) . ثم إن الإخبار عن حقيقة الذات الإلهية لا يكون على كمال صدقه، جلالاً وجمالاً إلا إذا كان بما أخبر الله به عن ذاته ـ سبحانه ـ وصفاته. وما كان للمخلوق المحدود أن يحيط وصفاً وعلماً بالخالق غير المحدود؛ ومن هنا كان التوقيف في مجال التعبير العقدي في الإسلام.
كثير من الناس يتكلم في العقيدة اليوم، ولكن قليلاً منهم من يتفاعل معها؛ لأن العلم الجدلي ما كان له أن يؤتي ثماراً قلبية، وهو قد أُنتج أساساً لإشباع رغبات العقل المماري، لا لإشباع حاجات القلب الساري. وقد كان الرسول ﵊ يخاطب بالعقيدة الإيمانية العقول خطاباً ينفذ من خلالها إلى القلوب؛ حيث تستقر بذرة تنبت جنات وأشجاراً.
إن السر الذي تتضمنه عقيدة «لا إله إلا الله» والذي به غيرت مجرى التاريخ مرات ومرات، والذي به صنعت الشخصيات التاريخية العظيمة في الإسلام؛ إنما يكمن في (جمالها) !.. الجمال: ذلك الشيء الذي لا يدرك إلا بحاسة القلب. إنه إحساسُ: (كم هو جميل أن يكون المرء مسلماً!) .. ودون هذا الإدراك اللطيف للدين إدراكات أخرى من أشكال التدين، لا تغني من الحق شيئاً. لقد ضاع صفاء الدين وجماله السماوي في غبار التأويلات، ورسوم التقسيمات، وقد ذم قومٌ (الكلامَ) ، لكنهم لم يدركوا أنهم في خضم الصراع المذهبي، ردوا وقسموا؛ (فتكلموا) ؛ وسقط عنهم بذلك بهاء الدين وجماله، وهم لا يشعرون، أو ـ على الأقل ـ لم يترك ذلك في الأتباع لمسات الجمال، وأذواق الصفاء في السلوك الذي يصنفون به على أنهم (مسلمون) ؛ فكانت التصورات في وادٍ، والتصرفات في وادٍ آخر.
إن القرآن الكريم والسنَّة النبوية يقولان لنا حقيقة جليلة عظيمة لم يستطع أن يوصلها إلينا علم الكلام: هي أن عقيدتنا جميلة.
ولكم هو مؤسف حقاً أن يضيع هذا المعنى من تدين كثير من المسلمين اليوم، فلا يرون في الدين إلا خشونة وحزونة ﴿وَإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] ؛ هذا التخشب في الأقوال والفعال، الذي سيطر على تدين كثير من الناس اليوم إنما كان لأسباب سياسية واجتماعية مختلفة، ليس هذا مجال بيانها، ولا يجوز أبداً أن تكون مسوِّغاً للانحراف عن بهاء الدين وجماله، وإنما أنزله الله ليكون جميلاً، تتذوقه القلوب، وتتعلق به الأنفس؛ فلا تستطيع منه فكاكاً؛ فتُسْلِمُ ـ بجذبه الخفي وإغرائه البهي ـ لله رب العالمين.
«لا إله إلا الله» ـ إذ يقولها العبد مستشعراً دلالتها اللطيفة ـ كلمة (قلبية) مدارها على وصف حال، والاعتراف بذوق صفات الكمال والجلال. إنها تعبير عن الخضوع الوجداني التام لله. نعم! قلت: (الوجداني) ؛ لأنها ـ ببساطة ـ كذلك وردت في سياقها القرآني الأصيل.
ولو تأملت هذه العبارة العظيمة في اللغة لوجدتها تقوم على لفظتين أساسيتين: هما مدار الإسلام كله: (الله) و (الإله) .
فأما كلمة: (الله) فهو لفظ الجلال، الاسم العَلَم على الذات الإلهية، الاسم الجامع لكل الأسماء الحسنى والصفات الإلهية العلى. ولفظ (الله) فرد في اللغة، فلا يجمع ولا يتعدد.
وأما كلمة: (الإله) فهو لفظُ وصفٍ، يدل على معنى شعوري قلبي؛ ولذلك فهو يتعدد؛ إذ يُجمع على (آلهة) . وأما باقي العبارات في (لا إله إلا الله) فهي (لا) النافية، و (إلا) الحاصرة، تقومان بدور البناء والتركيب اللغوي؛ للنفي والإثبات الذي يربط نوع العلاقة في قلب المؤمن بين الصفة: (إله) والاسم: (الله) . وحقيقة تلك العلاقة هي ما يهمنا ههنا. إنها علاقة تملأ الوجدان بما يفيض به قلب العبد المعبر بها حقاً وصدقاً من الاعتقاد والشعور تجاه مولاه جل علاه.
ذلك أن كلمة (إله) في أصل الاستعمال اللغوي كلمة قلبية، وجدانية، كما ذكرنا. أعني أنها لفظ من الألفاظ الدالة على أحوال القلب، كالحب، والبغض، والفرح، والحزن والأسى، والشوق، والرغبة، والرهبة ... إلخ. أصلها قول العرب: «ألِهَ الفَصيلُ يَألَهُ ألَهاً» إذا ناح شوقاً إلى أمه. والفصيل: ابن الناقة إذا فُطم وفُصل عن الرضاع، يحبس في الخيمة، وتترك أمه في المرعى، حتى إذا طال به الحال ذكر أمه؛ وأخذه الشوق والحنين إليها ـ وهو آنئذ حديث عهد بالرضاع ـ فناح، وأرغى رغاء أشبه ما يكون بالبكاء. فيقولون: «ألِهَ الفصيلُ» فأمه إذن ههنا هي (إلهه) بالمعنى اللغوي. ومنه قول الشاعر: ألِهْتُ إليها والرَّكائِبُ وُقّفٌ.
جاء في اللسان: (اسم «الله» : تفرد ـ سبحانه ـ بهذا الاسم، لا يشركه فيه غيره، فإذا قيل: (الإله) انطلق على الله ـ سبحانه ـ وعلى ما يُعبد من الأصنام. وإذا قلت: (الله) لم ينطلق إلا عليه ، وقيل في اسم الباري ـ سبحانه ـ: إنه مأخوذ من ألِهَ يَأْلَهُ: إذا تحيَّرَ؛ لأن العقول تَأْلَهُ في عظمته. وأَلِهَ يَألَهُ ألَهاً: أي تحيَّرَ، وأصله وَلِهَ يَوْله وَلَهاً، وقد أَلِهْتُ على فلان: أي اشتد جزعي عليه؛ مثل وَلِهْتُ، وقيل: هو مأخوذ من: ألِهَ يَألَهُ إلى كذا، أي: لجأ إليه؛ لأنه ـ سبحانه ـ الْمَفْزَعُ الذي يُلْجَأُ إليه في كل أمر) (١) ؛ إذ (الإله) في هذا السياق اللغوي هو: ما يَشُوقُ القلب، ويأخذ بمجامع الوجدان إلى درجة الانقياد له والخضوع. قال : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] .
والراجح فعلاً أن (ألِهَ) هو من (وَلِه) ومنه اشتُق الاسم العلم: (الله) ؛ لأن مدار كلا المادتين على معاني القلب؛ فأبدلت من الواو همزة. قال الراغب الأصفهاني: (ألَه فلانٌ يأله: عَبَدَ، وقيل: أصله وِلاه؛ فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك؛ لكون كل مخلوق والِهاً نحوه، إما بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإما بالتسخير والإرادة كبعض الناس، ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها) (٢) .
و (الوَلَهُ) : هو الجنون الحاصل بسبب الحب الشديد، أو الحزن الشديد. يقال: امرأة وَلُوهٌ: إذا أحبت حتى جُنت، أو إذا ثكلت؛ فحزنت حتى جُنت. قال ابن منظور: (الوله: الحزن. وقيل هو ذهاب العقل والتحيُّر من شدة الوجد، أو الحزن أو الخوف. والوله: ذهاب العقل لفقدان الحبيب [و] ناقة مِيلاهٌ: هي التي فقدت ولدها فهي تَلِهُ إليه. يقال: وَلَهَتْ إليه تَلِهُ أي تحن إليه. وناقة وَالِهٌ: إذا اشتد وجدها على ولدها) (٣) .
وهكذا فأنت ترى أن مدار المادتين (أله) و (وله) هو على معان قلبية، ترجع في مجملها إلى التعلق الوجداني والامتلاء بالحب، فيكون قول المؤمن: «لا إله إلا الله» تعبيراً عما يجده في قلبه من تعلق بربه تعالى، أي لا محبوب إلا الله، ولا مرهوب إلا الله، ولا يملأ عليه عمارة قلبه إلا قصد الله. إنه أشبه ما يكون بذلك الفصيل الصغير الذي ناح شوقاً إلى أمه، إذا أحس بألم الفراق، ووحشة البعد. إن المسلم إذ (يشهد) أن لا إله إلا الله، يقر شاهداً على قلبه أنه لا يتعلق إلا بالله رغبة ورهبة وشوقاً ومحبة. وتلك لعمري (شهادة) عظيمة وخطيرة؛ لأنها إقرار واعتراف بشعور لا يدري أحد مصداق ما فيه من الصدق إلا الله، ثم الشاهد نفسه. ومعاني القلب لا تحد بعبارات، ولا تحصرها إشارات. ومن هنا كانت شهادة «أن لا إله إلا الله» من اللطافة بمكان؛ بحيث لا تدرك على تمام حقيقتها إلا ذوقاً.
قال ابن القيم ﵀: (إن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر، ولا نسبة لسائر المحاب إليها، وهي حقيقة: لا إله إلا الله!) (٤) إلى أن يقول في نص نفيس تُشد إليه الرحال: (فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولتعطلت منازل السير إلى الله؛ فإنها روح كل مقام ومنزلة وعمل. فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه. ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها، بل هي حقيقة الإخلاص، بل هي نفس الإسلام: فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله؛ فمن لا محبة له لا إسلام له البتة. بل هي حقيقة شهادة: أن لا إله إلا الله؛ فإن (الإله) : هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً، وخوفاً ورجاء، وتعظيماً وطاعة له، بمعنى (مألوه) : وهو الذي تألهه القلوب. أي تحبه وتذل له؛ فالمحبة: حقيقة العبودية) (٥) .
ذلك أن معنى (الإسلام) هو الخضوع لله رب العالمين، والاستسلام لأمره تعالى. إنه الاعتراف الوجداني، أي التعبير العملي عن الشعور الحقيقي الذي يلامس القلب عندما يدرك العبد و (يجد) أنه (عبد) لسيد هذا العالم العظيم. وحقيقة كون المسلم عبداً هي الحقيقة التي تغيب عن أكثر المسلمين؛ فيحدث بسبب ذلك الانحراف بشتى ألوانه وأشكاله.
إن (العبد) مسلوب الإرادة، ليس بالمعنى الكلامي ولكن بالمعنى الوجداني، أعني: أن تجد الشعور بأنك أيها المسلم مِلْكٌ لله الواحد القهار؛ تدور في فلك العبودية والخدمة كما تدور الكواكب في الأفلاك. ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] . وتلك هي مدارات لفظ (عبد) في اللغة: إنها لا تخرج عن معاني الذلة والخضوع والخنوع والانقياد، كما تنقاد الأنعام المذللة لمالكيها رغبةً ورهبةً انقياداً لا تشنج فيه ولا تَفَلُّت.
والعبد لا يكون إلا في باب الخدمة بين يدي مولاه، واقفاً على العتبة ينتظر الأمر والنهي بشوق المحب، ليبادر إلى التنفيذ دون سؤال: علامَ ولِمَهْ؟ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . إنه الرب المحبوب الأعظم، المرغوب المرهوب، رب الكون والخلق أجمعين. يمكنك أن تُعَرِّفَ عقيدة الإسلام في نهاية المطاف، فتقول: إنها ميثاق المحبة بين الله وعباده.
وحينما نقول (المحبة) فهي بمفهومها القرآني لا ما ذهبت إليه طوائف من الغلاة من هذا الاتجاه أو ذاك ممن قالوا بها، فأبطلوا كل منازل الإيمان من خوف ورجاء؛ فانتهى بهم الأمر إلى دعاوى عريضة يتشدقون بها ما أنزل الله بها من سلطان. كلا! بل لا تقوم المحبة بقلب العبد الصادق إلا على جناحي الخوف والرجاء، وما تفرع عن ذلك من معاني الرَّغَبِ والرَّهَبِ، والقرآن العظيم والسنة النبوية واضحان في هذا غاية الوضوح. ولا يزيغ عنهما إلا جاهل أو صاحب هوى، والمحب الحقيقي الصادق يخاف من الحرمان، ويخشى من العقوبة بقدر ما يرجو ويشتاق؛ فإذا جرد المحبة عن الخوف والرجاء كان من الكاذبين، كيف لا، ورب العالمين يقول عن صفوة من أنبيائه ورسله: ﴿إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ؟ وهذا محمد رسول الله ﷺ سيد الأولين والآخرين يعلنها في الأمة: «أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له! [وفيه قال] : فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) ، ألا وإن أي انحراف عن هذه السبيل لا يكون إلا جهلاً بالدين أو زيغاً من الضلال المبين.
فعلى هذا الوِزَانِ إذن؛ نقول: إن عقيدة الإسلام قائمة على المحبة، بل إنها ميثاق المحبة؛ وبذلك المعنى كانت تفيض بأنوار الجمال ومباهج الجلال؛ ولذلك يقول النبي ﷺ : «إن الله ـ تعالى ـ قد حرَّم على النار من قال: «لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (٢) ، أكلمة واحدة تتلفظ بها فتدخل الجنة؟ نعم! ولكنْ.. إنها ليست بكلمة ولا كلمات؛ إنها توجه قلبي وميل وجداني، إنها مسألة (حب) ، وإن من أحب اللهَ أحبه اللهُ، ومن أحبه الله وفقه إلى عبادته وطاعته. إنها حقيقة جميلة وعظيمة، وإن عدم إدراكها ذوقاً ووجداناً قد كان سبباً في تضييع معاني الدين وانحراف كثير من الناس عن منهاجه المستقيم.
ولقد تهتُ شخصياً عن هذا المعنى زمنا!
ولي في هذا الشأن قصة أذكرها لعل فيها ما ينبئ عما تعانيه حركة التدين في المجتمع اليوم؛ عسى أن نتمكن من تشخيص مكمن الداء.
وذلك أني في فهمي للدين عموماً، وللعقيدة منه خصوصاً، مررت بثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي التي ورثتها عن بيئتي الإسلامية التقليدية؛ حيث كان الدين بالنسبة لي سلوكاً خاصاً بالشيوخ، وكأنما هو على طائفة الشباب نفل وتطوع، ثم إن معنى «لا إله إلا الله» كان أقرب عندي إلى الشعار منه إلى (الشهادة) ! فلم أكن أفهم منها أكثر من مجرد كونها عنوان الدخول إلى الإسلام، واكتساب صفة (مسلم) ، كما هي عند سائر الناس. لكن هذا المعنى ولله الحمد لم يدم في تصوري طويلاً؛ فقد انتبهت في مرحلة الشباب الأولى إلى شيء اسمه (الحركة الإسلامية) ؛ وذلك بسبب ما كان يصلني عنها من أصداء وصراعات، خاصة في الصف الطلابي بالجامعة! وأنا آنئذ ما أزال تلميذاً بالصف الثانوي.
فكانت تلك إذن هي المرحلة الثانية في حياتي الدينية، وبحلولها زالت الصورة الأولى التقليدية من ذهني، وأبدلتها بما صرت أتلقاه من أدبيات إصلاحية، ومقولات دعوية جديدة، مثل: (الإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف.. إلخ) . ثم بدأ الوعي يتطور في الاتجاه نفسه، إلى تقرير أن (لا إله إلا الله منهج حياة!) وأن (الحاكمية لله) وهكذا بدأ الوعي الديني يتسع في وجداني شيئاً فشيئاً، حتى انخرطتُ في حركة الوعي الإسلامي عاملاً بهذه المفاهيم مجاهداً في سبيلها.
لكني أصدقكم القول: لقد مر عليَّ دهر وأنا أعمل على هذه التصورات، دون أن أجد للدين لذة في وجداني؛ هذه هي الحقيقة. إنني لا أتهم تلك التصورات بالقصور، كلا؛ فما زلت أومن بأن الإسلام مصحف وسيف، ودين ودولة! وأن (لا إله إلا الله) منهج حياة بالفعل. وما أحسب أن ذلك يخالف فيه أحد من المسلمين الصادقين. ولكن.. كانت ظروف التلقي سيئة للغاية. لقد انفتح وعيي الجديد هذا على مرحلة (رد الفعل غير المتوازن) في تاريخ الأمة المعاصر، فكان أن تلقيت كل التصورات الجديدة في سياق مواجهة الغرب، ومقاتلة العلمانية، ومدافعة الماركسية؛ ومجاهدة الطغيان السياسي، والظلم الاجتماعي؛ فاكتسبت من صفات المحامي كثيراً، بيد أني لم أكتسب من سلوك المؤمن إلا قليلاً، فعشت مع الناس أكثر مما عشت مع الله؛ لأن هذه الظروف جعلتني أفهم عقيدة «لا إله إلا الله» في سياق واحد ووحيد: هو أن (الحاكمية) إنما هي لله. وبدا لي زمناً أن ما سوى تصحيح قضية الحكم والتشريع في الدولة جزئيات من الدين، لا تستحق أي اهتمام! وكانت لنا أنشطة في هذه الاتجاهات، فبدأت ألاحظُ أن معي على الجبهة الواحدة، من يخطب الليل كله، ولا يصلي لله فريضة واحدة في وقتها! فإن فعل فبلا خشوع ولا طمأنينة، ينقرها نقر الغراب. لقد تعلمنا شهوة الكلام. نعم! اتبعنا الشهوات وأضعنا الصلاة إلا قليلاً. وبدأت أرى الآفات الخطيرة تعصف بالصف الإسلامي: العُجْب، وحب الرياسة، والتصدر أمام وسائل الإعلام. ورأيت بأم عيني أن هناك فتنة أخرى، لم أعرفها من قبل: هي فتنة (الكاميرا) ، أو فتنة (الميكرفون) كما سماها بعض الظرفاء! ورأيت رقة في الدين تجتاح الصفوف المتدينة كالوباء الفتاك، وسقوطاً هنا وهناك، يتتابع بين الإخوان والأخوات على السواء!
المنادي ينادي للصلاة: حي على الصلاة! حي على الفلاح! وخطاب الواجهة الفاتنة المفتونة مستمر كأنه لا يسمع شيئاً. وضربت الصفوفَ الدينية آفاتُ المجتمع المريض، من رعونة وتحلل خلقي، وانسياق وراء كثير من مغريات الحياة الدنيا وفتنتها. وبدأت أسأل نفسي متهماً إياها: أي دين هذا؟ وأي صلاح هذا؟ وبدل أن يتنافس شباب الصحوة الإسلامية حول منازل العلم، ومقامات التقوى والورع، بدؤوا يتنافسون حول حدود الشبهات، ويتبارون أيهم أقدر على الرعي حول الحمى دون أن يقع فيه! زعموا..! وانطلق السباق نحو الهاوية. أين المشكلة إذن؟
هذه هي البرامج التربوية تترى تأليفاً وتنظيراً، وهذه هي المطبوعات التصورية تتواتر، ولكن بلا جدوى، وبلا فائدة؛ فإنها جميعها تبقى على رفوف مقرات الحركات ومكاتبها موقَّرة إلى إشعار آخر؛ فأين الخلل؟ ولطالما وُضِع هذا السؤال، ولكن أين من يتابعه؟
وبقي الأمر بالنسبة لي غامضاً، حتى لقيت بعض أساتذتي الأجلاء، ممن تتلمذت عليهم، وأخذت عنهم علم الدعوة وعلم البحث العلمي، فكانت لي معه جلسة مذاكرة حول بعض مفاهيم القرآن الكريم، وتحدثنا عن بعض النماذج من بينها مفهوم (الإله) في القرآن الكريم، فنبهني إلى الأصل اللغوي لهذه العبارة، من أنه راجع إلى معنى قلبي وجداني، وذكر لي شيئاً من الدلالة اللغوية على المحبة، مما بينته قبل قليل، فكانت بالنسبة لي مفاجأة حقيقية، لا على مستوى الفهم فقط؛ ولكن على مستوى الوجدان والشعور.
نعم! أذكر أني قرأت مثل هذا قبل ذلك بكثير، ولكن اندماجي الكلي في تصوراتي الأخرى، وانغلاقي على (توحيد الحاكمية) إن صح التعبير، أعماني عن مشاهدة (توحيد المحبة!) الذي هو الأصل، والمفتاح الحقيقي لتوحيد الإلهية، والذي منه تفرعت فروع شتى منها توحيد الحاكمية نفسه. لقد جعلت الجزء محل الكل، وجعلت الفرع محل الأصل؛ وعشت في فهمي متناقضاً. فسِرْتُ في تديني مختلاً كسائر المختلين؛ حتى مَنَّ الله باللحظة التي انتقلت خلالها إلى مرحلتي الجديدة: حيث بدأت المراجعة في حياتي كلية، واكتشفت حقيقة أن هناك شيئاً اسمه (حلاوة الإيمان) ، ذوقاً لا تصورا! وحقيقة لا تخيلا! ثم بدأت أعود إلى القرآن.. فوجدت أني كنت بعيداً جداً عن بشاشته وجماله، وبدأت أعود إلى السنة؛ فوجدت أني كنت أجهل الناس بأخلاق محمد ﵊. وبدأت أراجع ما قرأته عن العقيدة، فوجدت صفحات مشرقة مما كتب السلف الصالح، قد مررت عليها مرور الأعمى ـ لا مرور الكرام ـ بسبب ما غطى بصري من فهوم سابقة حتى كأني لم أقرأ قط.
قلت: لم تكن مفاجأتي علمية بقدر ما كانت وجدانية! لقد كنت أقرأ عبارات «المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء» ولكن دون أن أجد لها شيئاً من نبض الحياة بقلبي.
فمثلاً هذا كتاب (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ـ وهو خلاصة للعقيدة السلفية ـ قد خضت به معارك ضد أهلي وعشيرتي زمناً؛ وأنا أقرب إلى المراهقة يومئذ مني إلى الشباب؛ ولقد ظللت أحارب به البدع والضلالات والمنكرات، في الاعتقاد والعبادات، اقتداء بشيخ شيوخنا العلاَّمة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ﵀؛ بَيْدَ أني كنت ألحظ أن كثيراً من هؤلاء (المبتدعة) هم أفضل مني حفظاً للصلاة وأوقاتها! إني لا أتهم الكتاب المذكور، ولكني أتهم نفسي ومنهجي في القراءة والاستعمال. لقد كانت العقيدة السلفية عندي عصا من خشب أصم أضرب بها غيري.. ولم أدرك أنما هي تربية ورحمة للعالمين. وإني لأعجب كيف لم أنظر إلى هذا المعنى من قبلُ في الكتاب المذكور؟
عجباً!.. أين كنت أنا إذن من مثل هذا الكلام؟ (السكون إلى حب الله.. الذي تألهه القلوب) أهي عقيدة قلبية وجدانية إذن؟ وهو إجماع من العلماء؟
أي عمى هذا الذي ركضت وراءه في نقع الخصومات والجدالات التي لا تغني ولا تسمن من جوع؟ وهذا قلبي ظل فارغاً من عبادة الحب وأذواق التعبد. أليس ذلك هو الضلال المبين؟ لقد أسأت زمناً طويلاً في فهم عقيدة السلف الصالح.
لقد رسخ في ذهني ـ بعد المشاهدة والمعاينة للآثار السلبية التي ترتبت عن التكوين العقدي القائم على نفسية ردود الأفعال المتشنجة، وعقلية التفتيش المذهبي ـ أننا في حاجة ماسة ومستعجلة؛ لإعادة قراءة عقيدة السلف الصالح من مصادرها الأولى، وإلى إعادة قراءة أعلامها الكبار الذين تميزوا في التاريخ الإسلامي بالريادة والقيادة، وأسهموا في بناء صرح الأمة وتجديد حياتها، كالأئمة الأربعة أبي حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ومن جاء بعدهم من المتميزين في هذا السياق، مثل حافظ المغرب أبي يوسف عمر بن عبد البر، ومجدد زمانه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ... إلخ.
هؤلاء وأضرابهم جميعاً، وقع خطأ منهجي كبير في قراءتهم. لقد كان الفكر السلفي المعاصر ـ في بعض تجلياته ـ إذ يقرأ تراثهم إنما يقرؤه ـ في كثير من الأحيان ـ بمنهج تجزيئي إسقاطي.
فأما كونه تجزيئياً؛ فلأنه كان يقرؤه بعين واحدة، فلا يرى من حقيقته إلا ما تتيحه له تلك الرؤية الجزئية المحدودة؛ فلا يتصور حقيقته في شموليته الكلية. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية مثلاً، لا تصوره كثير من المصنفات المعاصرة إلا شخصاً مقاتلا محارباً متخصصاً في تفصيل في مذاهب أهل النار؛ دون مذاهب أهل الجنة؛ فكل من أراد أن يَصِمَ شخصاً بصك الجحيم، فما عليه إلا أن يُخرج عليه سيف المقولة المشهورة. (قال شيخ الإسلام ابن تيمية) وكأن ابن تيمية ﵀ ما خلقه الله إلا للاستشهاد به على أهل الضلال وحسب؛ وكأنما تحولت نصوصه وفتاواه إلى مجرد صكوك اتهام، تقرأ على الضحية عند تنفيذ حكم الإعدام.
أين ابن تيمية الداعية إلى الله؟ أين ابن تيمية المربي؟ وأين ابن تيمية السالك إلى مولاه عبر منازل الخوف والرجاء؟ والشوق والمحبة؟ وأين ابن تيمية صاحب الأذواق الإيمانية والأحوال السنية؟.. ولقد حفلت كتبه وفتاواه بمعاني (الجمالية) ، ومقاصد (الربانية) في الدعوة والتربية والتعليم؛ مما يصعب ـ لغزارته ـ حصره واسقصاؤه! كما أن تلميذه الإمام الرباني ابن القيم ﵀ قد حكى عنه من ذلك الشيء الكثير! فأين ضاع ذلك كله؟
وأما كونه إسقاطيا؛ فلأنه تم استعمال ابن تيمية للتعبير عن مشكلات العصر النفسية والسياسية بصورة حرفية! ففُسِّرت نصوصُه بما تقتضيه حالة رد الفعل النفسي والاجتماعي ـ بصورة غير متوازنة ـ عن ظروف الظلم السياسي، ومظاهر الخلاف العقدي والمذهبي، بين طوائف وجماعات، ودول وتحالفات! وتم إسقاط زماننا على زمانه ﵀، وإلباس أحوالنا لأحواله دون مراعاة الفروق بين الثوابت والمتغيرات، سواء منها ما تعلق بالنصوص أو بتحقيق المناطات؛ وفي ذلك ما فيه من الشطط العلمي والانحراف المنهجي.
ولذلك فقد تمت عملية (إخراج) سيئة لشخص ابن تيمية ـ لدى بعضهم ـ على أنه شخص لا ذوق له ولا وجدان؛ وإنما هو السب والشتم واللعان؛ وما أبعد شيخ الإسلام ﵀ عن ذلك وأبرأه.
ولو تتبع متتبع نصوص فتاواه ومؤلفاته جميعا؛ لجمع من مشاهد الجمالية وأذواقها عنده في الدين والتدين الشيء الكثير، ولولا أن نخرج عن غرض هذا المقال لعرضنا من نصوصه مواجيد وأذواقاً وأحوالاً رِقَاقاً، ولكن لك أن تقرأ من ذلك هذه الإشارات؛ فقد تحدث ﵀ عن أحوال المؤمن لدى سماع القرآن الكريم، وذلك في سياق ذكر (السماع) بمعناه الشرعي، وأورد فيه آيات وأحاديث، ثم قال: (وهذا كان سماع سلف الأمة، وأكابر مشائخها، وأئمتها، كالصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المشائخ كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وأمثال هؤلاء.. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى! ذَكِّرنا ربَّنا! فيقرأ، وهم يسمعون ويبكون. ولهذا السماع من المواجيد العظيمة، والأذواق الكريمة، ومزيد المعارف، والأحوال الجسيمة؛ ما لا يتسع له خطاب، ولا يحويه كتاب. كما أن في تدبر القرآن وتفهمه؛ من مزيد العلم والإيمان، ما لا يحيط به بيان.
قال الشارح ﵀ في سياق ذكر كلام العلماء في معنى (لا إله إلا الله) : (وقال شيخ الإسلام [ابن تيمية] : الإله هو المعبود المطاع؛ فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يُعبد. وكونه يستحق أن يعبد هو: بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده. ولهذا كانت «لا إله إلا الله» أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه؛ فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد؛ فالفساد لازم له في علومه وأعماله.
وقال ابن القيم: (الإله) هو الذي تألهه القلوب محبة، وإجلالاً، وإنابة، وإكراماً، وتعظيماً، وذلاً، وخضوعاً، وخوفاً، ورجاء، وتوكلاً.
وقال ابن رجب: (الإله) هو الذي يطاع فلا يعصى؛ هيبة له وإجلالاً، ومحبة، وخوفاً، ورجاء، وتوكلاً عليه.
وقال البقاعي: «لا إله إلا الله» : أي انتفاءً عظيماً أن يكون معبودٌ بحق غير الملك الأعظم؛ فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة.
وقال الطيبي: (الإله) فِعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من ألِه إلهةً، أي: عبَدَ عبادةً.
قال الشارح: وهذا كثير في كلام العلماء وإجماع منهم) (١) .
ومما ينبغي التفطن له أن الله ـ سبحانه ـ قال في كتابه: ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] ؛ فبيَّن ـ سبحانه ـ أن محبته توجب اتباع الرسول ﷺ ، وأن اتباع الرسول يوجب محبة الله للعبد، وهذه محبةٌ امتحن الله بها أهل دعوى محبة الله؛ فإن هذا الباب تكثر فيه الدعاوى والاشتباه؛ ولهذا يُرْوَى عن ذي النون المصري أنهم تكلموا في مسألة المحبة عنده؛ فقال: «اسكتوا عن هذه المسألة؛ لئلا تسمعها النفوس فتدعيها» .
وكان المشائخ المصنفون في السنَّة يذكرون في عقائدهم مجانبة من يكثر دعوى المحبة، والخوض فيها من غير خشية، لِمَا في ذلك من الفساد الذي وقع فيه طوائف من المتصوفة.
وما وقع في هؤلاء من فساد الاعتقاد والأعمال أوجب إنكار الطوائف لأصل طريقة المتصوفة بالكلية، حتى صار المنحرفون صنفين: صنف يقر بحقها وباطلها، وصنف ينكر حقَّها وباطلَها! كما عليه طوائف من أهل الكلام، والفقه.
والصواب: إنما هو الإقرار بما فيها وفي غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكار لِمَا فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب والسنة (٢) .
فأي جمال هذا وأي إحسان؛ وأي فقه هذا وأي ميزان! ألا رحم الله شيخ الإسلام!
стр. 5181
حكم التداوي بالمحرمات
أ. د. عبد الفتاح محمود إدريس
التداوي من الأمراض قد يكون بأدوية مباحة، وقد يكون بأدوية محرمة. ومن الأدوية المحرمة: التداوي بالمواد المسكرة، أو المخدرة، أو التداوي بالذهب أو الفضة في حق الرجال، أو بلبس الحرير في حقهم كذلك، أو اتخاذ الأدوية النجسة أو الخبيثة، أو التداوي بسماع الغناء والمعازف، أو بالسم أو ما اشتمل عليه، أو نحو ذلك.
وفي البداية أقرر اتفاق الفقهاء على حرمة التداوي بالمحرم مطلقاً، إذا لم تَدْعُ الضرورة إليه، بأن وجد البديل المباح الذي يغني عنه، أما إذا دعت إليه الضرورة فقد اختلف الفقهاء في حكم التداوي به على مذهبين:
- المذهب الأول: يرى أصحابه جواز التداوي بالمحرم، على تفصيل بينهم في ذلك.
إلى هذا ذهب بعض الحنفية؛ إذ يرون جواز الاستشفاء بالحرام إذا أخبر طبيب مسلم أن فيه شفاء للمريض، ولم يوجد دواء مباح يقوم مقامه في التداوي به من المرض، وما عليه مذهب الشافعية وقطع به جمهورهم هو جواز التداوي بالمحرمات بسبب النجاسة ـ غير المسكر ـ إذا لم يوجد طاهر يقوم مقامها في التداوي، وكان المتداوي عارفاً بالطب، يعرف أنه لا يقوم غير النجس مقامه في المداواة، أو كان يعرف ذلك من تجربة سابقة له مع المرض، أو أخبره طبيب مسلم بذلك، وأما الطاهرات المحرمة كالحرير ونحوه فيجوز التداوي به في أظهر قولين في المذهب، بالقيود السابقة في التداوي بالنجس، ومذهب الظاهرية جواز التداوي بالمحرم مطلقاً، إلا لحوم بني آدم، وما يقتل من تناوله، فلا يحل التداوي به وإن دعت إليه الضرورة (١) .
- المذهب الثاني: يرى من ذهب إليه أنه لا يجوز التداوي بالمحرم.
إلى هذا ذهب جمهور الحنفية، وهو مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية، وإليه ذهب الحنابلة (٢) .
أدلة المذهبين:
استدل أصحاب المذهب الأول على جواز التداوي بالمحرم بشرطه بما يلي:
أولاً: الكتاب الكريم: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
وجه الدلالة من الآية: أسقط الحق ـ سبحانه ـ تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة إليه؛ فكل محرم هو عند الضرورة حلال، والتداوي بمنزلة الضرورة، فيباح فيه تناول هذه المحرمات للتداوي بها استناداً إلى هذه الآية.
ثانياً: السنة النبوية المطهرة: روي عن أنس ﵁ قال: «إن رهطاً من عرينة أتوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنا اجتوينا المدينة، وعظمت بطوننا، وارتهست أعضادنا، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا براعي الإبل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلحقوا براعي الإبل، فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم، ثم قتلوا الراعي وساقوا الإبل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث في طلبهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وأُلقُوا في الحرة يستسقون فلا يُسقَوْن» (١) .
وجه الدلالة منه:
رخص رسول الله ﷺ لهؤلاء القوم بشرب أبوال الإبل على سبيل التداوي مما أصابهم من مرض، وقد صحت أبدانهم بعد شربه، والتداوي ـ كما قال ابن حزم ـ بمنزلة الضرورة التي ترخص في تناول المحرم، ولا يعد تناوله في هذه الحالة محرماً؛ فإن ما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب (٢) .
اعتُرض على الاستدالال به بما يلي:
أ - قال العيني والمرغيناني: إن رسول الله ﷺ خص العرنيين بذلك، لما عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، فلا يحل تناوله لعدم تيقن الشفاء فيه، فلا يعرض على الحرمة، وهو كما خص الزبير بن العوام بلبس الحرير لحكة كانت به أو للقمل (٣) ، أو لأنهم كانوا كفاراً في علم الله تعالى، ورسول الله ﷺ علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس (٤) .
أجيب عن هذا الاعتراض:
قال ابن المنذر: من زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب؛ إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ويؤيد هذا تقرير أهل العلم استعمال الناس أبوال الإبل في أدويتهم قديماً وحديثاً، وعدم إنكارهم ذلك (٥) .
رد هذا الجواب:
قال ابن حجر: إن المختلف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدل ترك إنكاره على جوازه (٦) .
ب - قال السرخسي: حديث أنس رواه قتادة عنه، وفيه أن رسول الله ﷺ رخص للعرنيين في شرب ألبان الإبل ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكر هذا في رواية حميد الطويل عنه، والحديث حكاية حال، فإذا دار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة، فإنه يسقط الاحتجاج به (٧) .
ج - افترض العيني اعتراضاً حيث قال: إن أبوال الإبل كانت محرمة الشرب، فلا يجوز التداوي به (٨) ؛ لِمَا روي عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ـ تعالى ـ لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» (٩) ، وما روي عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام» (١٠) .
أجيب عن هذا الاعتراض بما يلي:
١- قال البيهقي: هذان الحديثان ـ إن قيل بصحتهما ـ يُحمَلان على النهي عن التداوي بالمسكر، أو على التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة إلى التداوي به، جمعاً بينهما وبين حديث العرنيين (١١) .
٢- قال ابن حزم: إن الحديث الذي روي عن أم سلمة باطل؛ لأن في سنده سليمان الشيباني، وهو مجهول، وقد جاء اليقين بإباحة الميتة والخنزير عند خوف الهلاك من الجوع؛ فقد جعل الله ـ تعالى ـ شفاءنا من الجوع المهلك فيما حرم علينا في غير تلك الحال.
ونقول: نعم إن الشيء ما دام حراماً علينا فلا شفاء لنا فيه، فإذا اضطررنا إليه فلا يحرم علينا حينئذ، بل هو حلال، فهو لنا حينئذ شفاء، وهذا ظاهر الخبر (١) .
٣ - قال بعض العلماء: إن حديث أم سلمة وقع جواباً لمن سأل عن التداوي بالخمر وغيره من سائر المسكرات، فلا يجوز إلحاق غير المسكر به؛ لأن شرب المسكر يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف ذلك (٢) .
رد جواب هؤلاء بما يلي:
١- قال العيني: حديث أم سلمة أخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه، وسليمان الشيباني أحد الثقات، وقول من يدعي خصوصية هذا بالخمر قول مردود؛ لأن دعوى الخصوصية لا تسمع إلا بدليل، والجواب القاطع عن هذا: أن حرمة التداوي بالمحرم محمول على حال الاختيار، وأما في حال الاضطرار فلا يكون حراماً، كتناول الميتة في المخمصة، والخمر عند العطش وإساغة اللقمة (٣) .
٢ - قال الشوكاني: إن قصر النهي عن التداوي بالمحرم على الخمر فقط، قصر للعام على السبب بدون موجب، والمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب، وأما النهي عن التداوي بالمحرم فهو محمول على التداوي به حال الاختيار، وأما في حال الضرورة فلا يكون حراماً، كإباحة تناول الميتة للمضطر؛ فالنهي عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها، والإذن بالتداوي بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة وإن كان حراماً، ولو سلم بهذا فالتداوي إنما وقع بأبوال الإبل خاصة، فلا يجوز إلحاق غيره به، لما ثبت من حديث ابن عباس مرفوعاً: «إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم» (٤) ، ولا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه (٥) .
استدل أصحاب المذهب الثاني على حرمة التداوي بالمحرم بما يلي:
أولاً: الكتاب الكريم:
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وجه الدلالة من الآية:
أفادت هذه الآية أن الشارع حرم تناول كل خبيث، ولو كان هذا لأجل التداوي به، سواء كان خبثه لنجاسته أو لغيرها.
ثانياً: السنة النبوية المطهرة:
١ - روي عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» .
٢ - روي عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام» .
وجه الدلالة منهما:
بيَّن رسول الله ﷺ في حديث أم سلمة، أن الله ـ تعالى ـ لم يجعل فيما حرمه على هذه الأمة شفاء مما يصيبها من الأدواء، فدل على عدم جواز التداوي بالمحرم؛ لأنه لا أثر له في الشفاء من الأمراض، ونهى رسول الله ﷺ في حديث أبي الدرداء عن التداوي بالمحرم، والنهي يفيد التحريم عند الإطلاق؛ لأنه حقيقته، فأفاد كسابقه حرمة التداوي بالمحرم، سواء كانت حرمته بسبب نجاسته أو استقذاره أو غير ذلك.
اعترض على الاستدلال بهما بما سبق أن اعترض به عليهما، وأجيب عن هذه الاعتراضات بما أجيب به عليها من قبل (٦) .
وقد تأول بعض العلماء هذين الحديثين بما يلي:
أ - قال النووي: إن النهي عن التداوي بالمحرم في حديثيْ أم سلمة وأبي الدرداء، محمول على حال عدم الحاجة إلى التداوي به، بأن يكون هناك من الأدوية المباحة ما يقوم مقام المحرم في التداوي به (١) .
ب - قال البيهقي: إن هذين الحديثين إن صحا فإنهما يحملان على النهي عن التداوي بالمسكر، أو التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة، ليكون جمعاً بينهما وبين حديث العرنيين (٢) .
تعقب الشوكاني قوله هذا:
قال: لا يخفى ما في هذا الجمع من التعسف؛ فإن أبوال الإبل يمنع الخصم اتصافها بكونها حراماً أو نجساً، وعلى فرض التسليم بذلك فالواجب الجمع بين العام، وهو تحريم التداوي بالحرام، وبين الخاص وهو الإذن بالتداوي بأبوال الإبل، بأن يقال: يحرم التداوي بكل حرام إلا أبوال الإبل، هذا هو القانون الأصولي (٣) .
ج - قال العيني: «الجواب القاطع أن الحكم الذي جاء به حديث أم سلمة (وفي حكمه حديث أبي الدرداء) من حرمة التداوي بالمحرم، محمول على حالة الاختيار، وأما حالة الاضطرار فلا يكون حراماً، كتناول الميتة في المخمصة، والخمر عند العطش وإساغة اللقمة، وقال ابن رسلان والشوكاني بمثل ذلك» (٤) .
د - قال ابن البزار: إن حديث أم سلمة ﵂ فيه نفي الحرمة عن الدواء المحرم، إذا علم أن فيه شفاء، ولم يوجد ما يقوم مقامه من الأدوية المباحة، ومعنى هذا الحديث وفقاً لذلك: إن الله أذن لكم بالتداوي، وجعل لكل داء دواء؛ فإذا كان في ذلك الدواء شيئاً محرماً، وعلمتم به الشفاء، فقد زالت حرمة استعماله؛ لأنه ـ تعالى ـ لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (٥) .
هـ - قال ابن عابدين: «إن معنى «لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» : يحتمل أن يكون هذا القول قد قيل في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغنى بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تتكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشفاء بالحرام، وإنما يكون بالحلال» (٦) .
٣ - روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عند الدواء الخبيث» (٧) .
وجه الدلالة منه:
أفاد هذا الحديث حرمة التداوي بالدواء الخبيث، وقد اختلف العلماء في المراد بالدواء الخبيث، فقال الحاكم: هو الخمر بعينه بلا شك، وقال الترمذي وابن ماجة: هو السم، وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون هو الدواء المكروه الذي تنفر النفس عنه، لما فيه من المشقة، والعوض عنه موجود. ويحتمل أن يريد به ما يجمع الضار والنافع كالترياق، ويحتمل أن يريد به الخمر، ويحتمل أن يريد به ما تستعمله العامة من الأدوية المجهولة، مما تسقيه أو تكتب فيه، توهم الناس أنه علم وهو سخافة وتلاعب، أو مما يعلقونه: كالخرز والودع، وقال الخطابي: قد يكون خبث الدواء من وجهين: أحدهما خبث النجاسة، وهو أن يدخله المحرم كالخمر ونحوها من لحوم الحيوانات غير المأكولة اللحم، وقد يصف الأطباء بعض الأبوال وعذرة بعض الناس لبعض العلل، وهي كلها خبيثة نجسة، وتناولها محرم، إلا ما خصته السنة من أبوال الإبل، وسبيل السنن أن يقر كل شيء منها في موضعه، وألا يضرب بعضها ببعض، الوجه الثاني: أن خبث الدواء قد يكون من جهة الطعم والمذاق، ولا ينكر أن يكون قد كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع، ولتكره النفوس إياه، والغالب أن طعوم الأدوية كريهة ولكن بعضها أيسر احتمالاً وأقل كراهة من بعض (٨) ، فإذا كان المراد بالدواء الخبيث هو المحرم أو المشتمل عليه، فإن هذا الحديث دليل على حرمة التداوي بالمحرم.
تأول بعض العلماء هذا الحديث:
أ - قال النووي: «إن النهي عن التداوي بالدواء الخبيث محمول على الحال التي لا تكون فيها ضرورة إليه، بأن يكون هناك دواء غير خبيث يغني عنه ويقوم مقامه» (١) .
ب - قال البيهقي: «إن هذا الحديث إن قيل بصحته، محمول على النهي عن التداوي بالمسكر، أو على التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة، ليكون جمعاً بينه وبين حديث العرنيين (٢) .
تعقب الشوكاني قوله هذا بما تعقب به هذا القول من قبل» (٣) .
ثالثاً: قول الصحابي:
١ - روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «إن الله ـ تعالى ـ لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (٤) .
وجه الدلالة منه:
نفي هذا الخبر أن يكون فيما حرم الله ـ سبحانه ـ على هذه الأمة شفاء، فدل هذا على عدم جواز التداوي بالمحرم.
تأول بعض العلماء هذا الخبر:
قال ابن عابدين والبابرتي: قول ابن مسعود هذا يحتمل أن يكون قد صدر عنه في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغنى بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تنكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشفاء بالحرام، وإنما يكون بالحلال (٥) .
٢- روي عن نافع مولى ابن عمر ﵃ قال: «كان ابن عمر إذا دعا طبيباً يعالج بعض أهله اشترط عليه أن لا يداوي بشيء مما حرم الله » (٦) .
وجه الدلالة:
أفاد هذا الأثر أن ابن عمر ﵄ كان لا يرى جواز التداوي بالمحرم، ومثل هذا لا يكون منه إلا عن توقيف؛ لأنه لا مدخل للرأي فيه.
رابعاً: المعقول:
١- إن الله إنما حرم ما حرمه على هذه الأمة لخبثه، حماية وصيانة لها عن تناوله؛ فلا يناسب هذا أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل؛ فإنه إن أثر في إزالتها أعقب سقماً أعظم منها في القلب، بقوة الخبث الذي فيه؛ فمن يتداوى به يكون قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب (٧) .
٢ - إن مقتضى تحريم شيء تجنبه والبعد عنه، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته، وهذا يخالف مقصود الشارع (٨) .
٣ - إن الدواء المحرم خبيث، ويكسب نفس المتداوي به صفة الخبث؛ لأن النفس تتأثر بكيفية الدواء تأثراً بيناً؛ فإذا كانت كيفيته خبيثة اكتسبت النفس منه خبثاً (٩) .
٤ - إن في إباحة التداوي بالمحرم ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها، مزيل لأسقامها، وكانت تميل إليه؛ فهذا أحب شيء لها، وقد سد الشارع الذريعة إلى تناوله بكل ممكن، وثمة تعارض وتناقض بين سد الذريعة إلى تناوله وفتحها (١٠) .
المناقشة والترجيح:
إن الذي تركن النفس إليه من هذين المذهبين ـ بعد الوقوف على أدلتهما، وما اعترض به على بعضها، وما أجيب به عن بعض هذه الاعتراضات ـ هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول، من جواز التداوي بالمحرم في الجملة، إذا ثبت أن فيه دواء لداء معين، ولم يوجد دواء مباح يقوم مقامه في التداوي به من هذا الداء، ووصف الدواء المحرم طبيب مسلم عدل ثقة حاذق بالطب، أو كان المريض يعلم أنه لا ينفع في مرضه إلا هذا المحرم، لمعرفته بالطب، أو لتجربة سابقة له مع هذا المرض، ولم يكن في التداوي به ـ والحال هذه ـ اعتداء على حياة محقون الدم أو صحته، وكان الغالب من استعمال هذا الدواء السلامة لمن استعمله، وذلك لما استدل به أصحاب المذهب الأول من الكتاب الكريم والسنة المطهرة.
وأما ما استدل به أصحاب المذهب الثاني على حرمة التداوي بالمحرم فإنها محمولة على التداوي به في غير حال الضرورة إليه، كما قال ابن عابدين والبابرتي والعيني والبيهقي والنووي وغيرهم، أو أن الحرمة تزول عند الحاجة إلى استعمال الدواء المحرم، فلا يكون التداوي في هذه الحالة بمحرم، وإنما يكون بالحلال كما قال ابن البزاز وابن حزم وغيرهما، وحل التداوي به في هذه الحالة لا يقتضي الترغيب فيه وملابسته كما يقول أصحاب هذا المذهب؛ وذلك لأنه لا يتداوى به إلا عند الضرورة إليه، وهي حال نادرة التحقق، وإذا تحققت فلا تقتضي دوام ملابسته، للاقتصار منه على ما تندفع به الضرورة.
стр. 5182
سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله
(٢ ــ ٢)
محمد بن شاكر الشريف
في عدد ذي القعدة تناول الكاتب بعضاً من سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله، فذكر منها: مراعاة الظروف والأحوال المحيطة ببيئة الدعوة، ومراعاة المصالح والمفاسد، والحرص على هداية المدعوين. ويواصل الكاتب في هذا المقال ما بدأه في المقال المشار إليه.
- فمن سياسته ﷺ في الدعوة إلى الله:
٤ - عدم التقيد بالأرض: فقد تضيق أرض الأوطان على رحابتها بالدعاة إلى الله بحيث يحاصَرون من كل جهة، فلا يتمكنون من الدعوة أو تبليغ الأمانة التي ائتمنهم الله ـ تعالى ـ على تبليغها لخلقه، وقد لا يقف الأمر عند حدود المنع والتضييق، بل يتعداه إلى أن يأتمر أهل الظلم والضلال بالدعاة ليقتلوهم أو يخرجوهم وينفوهم من ديارهم أو يحبسوهم رجاء فتنتهم وردهم إلى الجاهلية التي أنقذهم الله منها، وقد سجل القرآن الكريم هذه الأساليب كلها في محاربة المشركين لرسول الله ﷺ حيث يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية والإثبات هو الحبس والقيد والإخراج هو النفي والطرد والإبعاد، والقتل معروف وإذا لم تسمح لهم الأحوال باتباع تلك الأساليب لمنع الداعية من الدعوة إلى الله، أو لقوة الركن الذي يركن إليه من قبيلة أو عرف أو نظام، أو لعدم مواتاة الظروف لاتباع ذلك المنهج؛ فإنهم يعمدون إلى فتنة الداعية بالإغراء كي يحولوه عن طريقته، وقد سجل أيضاً القرآن الكريم هذا الأسلوب؛ حيث يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] الآية؛ فماذا يفعل الداعية إزاء هذا الوضع الحرج؟ هل يستسلم لذلك ويركن إلى بعض القواعد الفقهية ويتكئ عليها بغير ضوابطها الصحيحة كما يفعل ذلك بعض الناس الذين صعبت عليهم تكاليف الدعوة حتى يسوِّغ لنفسه مداهنتهم وترك مدافعتهم؟ إن للدعاة في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة في كل شأنهم: في العبادة، والدعوة، وفي السياسة وفي كل شيء.
لقد عانى الرسول الكريم ﷺ أشد المعاناة من إيذاء المشركين له في مكة المكرمة حتى قاطعوه هو وعشيرته وحاصروهم في الشعب حتى لم يجدوا ما يأكلونه، وضيقوا عليه كل التضييق، وحاصروه أشد المحاصرة حتى يحولوا بينه وبين لقاء الوفود ودعوتهم إلى الله؛ فماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ كان ﷺ يسعى إلى مقابلة الحجيج وعُمَّار بيت الله وزواره، وكان يجتهد في المحافظة على سرية هذه اللقاءات حتى لا يسعى المشركون في إفسادها، ولم يستسلم رسول الله ﷺ لذلك، بل حاول في اتجاه آخر هو الخروج بالدعوة من الحصار الذي فرض عليها، فقام برحلته المشهورة إلى الطائف على رجليه والتي تبعد عن مكة قرابة ثمانين كيلو متراً كل ذلك في سبيل أن يكسر الطوق المضروب حول الدعوة، وهو ما يعني أن المسلم لا يجوز له أن يتضعضع أمام الواقع ويستسلم له ولا يبحث عن مخارج أخرى، بل عليه السعي والبحث، وكلما لاح له بارق أمل فعليه أن يسلك السبيل إليه مهما كان في ذلك من مشقة، ولما بلغ الطغيان بالمشركين مبلغاً عظيماً يفوق قدرة بعض المسلمين أذن لهم رسول الله ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، وبقي هو ومن يمكنه البقاء من المسلمين في مكة يواصلون مهمة الدعوة إلى الله إلى أن طفح الكيل بالكفار، ولم يعودوا قادرين على تحمل بقاء الرسول ﷺ بين أظهرهم، فعزموا على قتله، ووضعوا الخطة لذلك وشرعوا في تنفيذها، عندها لم يعد البقاء في مكة والحالة هذه يرجى منه تحقيق نفع للدعوة، وأصبح البقاء في هذه الحالة من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة أو من قبيل تقديم حب الأوطان والديار على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، وكِلا الأمرين ممنوع في دين الله؛ فقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] كما قال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] ، وهذا يبين لنا جانباً من سياسة الرسول ﷺ في عدم التمسك بالأرض والتقيد بالوطن على حساب الدعوة، وإذا نظرنا نظرة إجمالية في ذلك فسنجد أن الرسول ﷺ ظل يدعو في مكة ثلاث عشرة سنة، ولم يترك مكة مع أول صدود أهلها أو مع تأخرهم وإبطائهم في الاستجابة، وهو ما يبين أن من السياسة الشرعية في الدعوة ألا يستعجل الداعية إيمان الناس واهتداءهم، بل عليه أن يبذل وأن يقدم ما دام هناك تقبل واستجابة ولو كان ذلك بطيئاً أو ضعيفاً؛ فإن الداعية لو كان كلما استعصت عليه محلة تركها، وذهب إلى غيرها لم يكد يستقر به المقام ولم يكد يحقق شيئاً، وسيظل ينتقل من مكان إلى مكان من غير فائدة أو جدوى؛ إذ غالبية الناس تظل فترة على المتابعة والتقليد لما وجدوا عليه آباءهم، ولا يتحولون عن ذلك إلا بعد جهد جهيد ومتابعة ومثابرة من الدعاة، ولذلك فإن الرسول ﷺ ظل مثابراً على المقام في مكة وهو يواصل الدعوة بكل ما أمكنه من سبيل، ولم يخرج منها إلا مكرهاً كما بين ذلك بقوله عن مكة حرسها الباري: «واللهِ إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» (١) .
ومن الأمور التي ينبغي التفطن لها أن تكوين الرجال في مثل تلك البيئة المخالفة للدعوة المشاقة لها رغم صعوبته ومشقته، لكنه يأتي في الغالب الأعم بعظماء الرجال؛ لأنه لا يصبر على تلك الأحوال أو لا يستجيب للدعوة في ذلك الحين إلا من رسخ الإيمان عنده حتى صار مثل الجبل في ثباته ورسوخه، ولك أن تقيس ذلك بما كان عليه إيمان المهاجرين الأولين وثباتهم في الدين، ويتبين هذا من أن النفاق لم يظهر فيمن استجاب للدين في مكة بعكس من استجاب للدين عند ظهوره وفشوه؛ فقد ظهر فيهم النفاق لأنه في مثل هذه الحالة يدخله الصادق الذي يرجو الله والدار الآخرة كما يدخله المنافق الذي يطمع في الحصول على المميزات، وأما عند الشدائد فلا يدخل إلا الصادقون، وقد نجحت تلك السياسة التي اتبعها الرسول ﷺ في الحفاظ على الدعوة وعلى الدعاة. أما الدعاة فلم يحمّلهم ما لا يطيقون، ولم يجعل ارتباطهم بالأرض والوطن مما يُحرص عليه إن أضر بدينهم، بل سمح لمن لا تسمح له أوضاعه القبلية بالحماية أو المنعة بالخروج إلى الهجرة أو الإسرار بالدين إلى حين الظهور والغلبة، وأما الحفاظ على الدعوة فبالمرابطة والتواجد وعدم إخلاء الساحة عند الشدة (ما لم تصل إلى حد القضاء على الدعاة وإفنائهم) ؛ فالفئة التي لم تستطع تحمل الأذى خرجت إبقاء وحفاظاً عليهم، والفئة القادرة على التحمل بقيت للقيام بالواجب، إلى أن وجد المسلمون أرضاً تقلهم (المدينة) وجماعة تؤويهم وتحميهم (الأنصار) فانتقلوا إليها بكليتهم؛ فالأرض كلها لله والمسلم يبذر بذرة في الأرض التي تقبلها حتى تؤتي أكلها: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] ، فإذا ضُيِّق على الدعاة في أوطانهم ولم يعد لهم إمكانية الدعوة لدين الله رغم توسلهم لذلك بمختلف السبل؛ فإن أرض الله واسعة ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] .
وبهذا يتبين أن الهجرة في سبيل الله عندما تسد السبل على الدعاة، وكذلك البقاء والقيام بالدعوة عندما يكون هناك أمل أو احتمال في الاستجابة كلاهما يتكامل في بيان معنى من معاني الجهاد والاجتهاد في تحقيق مرضاة الله؛ فليس المهاجر في سبيل الله الذي يترك وطنه ومسقط رأسه ليحافظ على دينه جناناً خوافاً خرج فاراً بنفسه تاركاً ما وجب عليه من الدعوة إلى الله، وليس من بقي بين القوم يدعوهم إلى الله متهوراً هجاماً على الأمور لا يقدرها حق قدرها، غير أن ترك الأوطان والهجرة منها ليس قدراً محتوماً في مسير الدعوات، وأنه ينبغي على كل داعية أن يهاجر من بلده كما هاجر رسول الله ﷺ وغيره من الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ وإنما هي سياسة جزئية يُلجأ إليها عند الحاجة، وإلا لو قُدِّر أن أهل البلدة استجابوا للدعوة لم يكن هناك ما يسوِّغ الخروج، بل الخروج في هذه الحالة يعد تفريطاً وتضييعاً للدعوة وإماتة لها، فلو أن أهل مكة آمنوا بالرسول لَمَّا دعاهم إلى الله من أول الأمر وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أُنزل معه لم يكن الرسول ﷺ ليهاجر ويخرج من مكة، ويدل على ذلك قوله ﷺ الذي تقدم: «ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» .
٥ - تقديم الأصول على الفروع: ومن السياسة في الدعوة إلى الله تقديم الأصول على الفروع؛ إذ الفرع الذي لا أصل له مقطوع مبتوت وإن طال به الزمن، وتقديم ما يلزم وجوده لصحة الأقوال والأفعال على الأقوال والأفعال نفسها، وهذا يتبادر لكثير من الناس أنه أمر منطقي لا ينبغي الاختلاف حوله أو العمل بغيره، لكن عند التطبيق نجد هذا الأمر مهملاً في كثير من الحالات، وقد أشار إلى هذه السياسة وصية الرسول ﷺ لمعاذ ﵁ عندما أرسله إلى اليمن داعياً، فقال له: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله؛ فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم تُرَدُّ على فقرائهم؛ فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقَّ كرائم أموال الناس» (١) ، وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم: «فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم ... » الحديث؛ ففيه تقديم عبادة الله وتوحيده والإيمان برسوله ﷺ على الصلاة والزكاة وسائر فروض الإسلام؛ إذ لا يصح شيء من أداء هذه الفرائض إلا بعد الإيمان، ومن هنا قدم الرسول ﷺ في تعليمه لمعاذ في كيفية الدعوة أن يدعو أولاً إلى الأصل الذي تتوقف عليه صحة الأشياء قبل الأشياء نفسها؛ إذ لا فائدة منها إذا لم تعتمد على الأصل الذي يصححها، وفي هذا السياق تقول عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ عن القرآن: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار؛ حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده» (٢) . قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث قَوْله: (نَزَلَ الحلال والحرام) أَشَارَتْ إِلَى الحِكْمَة الْإِلَهِيَّة فِي تَرْتِيب التَّنْزِيل، وَأَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد، وَالتَّبْشِير لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُطِيع بِالْجَنَّةِ، وَلِلْكَافِرِ وَالْعَاصِي بِالنَّارِ؛ فَلَمَّا اِطْمَأَنَّتْ النُّفُوس عَلَى ذَلِكَ أُنْزِلَتْ الْأَحْكَام؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: «وَلَوْ نَزَلَ أَوَّل شَيْء: لَا تَشْرَبُوا الْخَمْر لَقَالُوا: لَا نَدَعهُا» وَذَلِكَ لِمَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ النُّفُوس مِن النَّفْرَة عَنْ تَرْك الْمَأْلُوف» اهـ. فالالتزام بما جاء في الشرع عن الحلال والحرام والواجبات وغيرها يحتاج إلى قاعدة الإيمان؛ لذلك تأخر تشريع ذلك حتى استمكن الإيمان في القلوب، وهذه السياسة مما ينبغي على الدعاة مراعاتها في الدعوة إلى الله، فإنسان مثلاً يدعو غير الله ويستغيث به وهو في الوقت نفسه واقع في بعض البدع؛ فوجِّه همتك إلى نهيه عن الشرك واستغرق وقتك حتى يقلع عنه أو يتوب، ولا تصرف جهدك إلى نهيه عن البدع مع إقامته على الشرك؛ إذ ما الفائدة من تركه للبدعة وهو مقيم على الشرك؟ وإنسان تارك لبعض الواجبات لا تشغل نفسك بالحديث معه في بعض السنن، بل وجه همتك إلى الواجبات التي تركها؛ فإنه لو أطاعك واستمع لنصحك لكنت بذلك قد رحمته وسعيت في الخير له، وإذا تزاحم عليك أمران بحيث لم تتمكن من الجمع بين بهما فقدم الدعوة إلى ما يُعَدُّ أصلاً، ولا تشغل نفسك بالفرع، وإذا كان الأمران مما يعدان من الأصول فقدم أعلاهما منزلة، وإذا كانا في المنزلة سواء أو قريباً من السواء فقدم ما لا يحتمل التأخير ويضيع بخروج الوقت عما لا يضيع بالوقت أو كان وقته موسعاً، وإذا كانا في ضيق الوقت وسعته سواء فقدم المتفق على حكمه بين أهل العلم عما اختلفوا فيه؛ وهذا رسولنا ﷺ كان يخطب المسلمين وبينما هو على تلك الحالة إذ جاءه رجل فقال: «يا رسول الله! رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه. قال: فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتي بكرسي حسبت قوائمه حديداً، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها» (٣) ، فلما أخبر الرجل بأنه لا يدري ما دينه كان أوْلى ما يشتغل به الرسول ﷺ هو تعليم الرجل دينه، ولذلك ترك الخطبة وأقبل عليه يعلمه ولم يؤخر ذلك حتى ينتهي من الخطبة. قال النووي في شرح الحديث: «وَفِيهِ الْمُبَادَرَة إِلَى جَوَاب الْمُسْتَفْتِي وَتَقْدِيم أَهَمّ الْأُمُور فَأَهَمّهَا، وَلَعَلَّهُ كَانَ سَأَلَ عَن الإيمان وَقَوَاعِده الْمُهِمَّة. وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ يَسْأَل عَن الإيمان وَكَيْفِيَّة الدُّخُول فِي الإسْلام وَجَبَ إِجَابَته وَتَعْلِيمه عَلَى الْفَوْر» اهـ.
وهكذا لا بد من مثل هذه الموازنات عندما لا يمكن تحقيق الجميع مرة واحدة، ولا يعني تأخير الحديث عن شيء أو السكوت عنه إباحة له؛ وإنما لأن هذا هو المتاح أو المقدور عليه أو الذي يقود إلى ما بعده، وقد يظن بعض الناس أن من الحكمة أو الحنكة أو السياسة وحسن التصرف واللباقة موافقة القوم على بعض ما عندهم من الباطل وعدم مواجهتهم بما يكرهون لإزالة الوحشة ولجعل الناس تُقبل على الدعوة وتقبل ما فيها، ثم يقولون: وبعد أن يرسخ الإيمان في قلوبهم يمكن نهيهم عما سبق موافقتهم عليه من الأخطاء، وهذا يعد من السياسة بمقتضى النظر العقلي الذي يتعارض مع النصوص الشرعية، ثم إنه قد يؤدي في النهاية وبمرور الزمن إلى ترسيخ تلك الأخطاء، وقد لا يجد الدعاة الفرصة المناسبة بعد ذلك لتصحيح تلك الأخطاء، فتظل عالقة بدعوتهم عند الناس، وهنا لا بد من التفريق بين السكوت عن النهي عن الشيء، أو السكوت عن الأمر به وبين الموافقة عليه وإقراره؛ فإن السكوت مما يمكن تحمله إذا لم تكن ظروف الدعوة تسمح بالجهر، أما الإقرار والموافقة على الباطل أو الخطأ فليس هناك ما يسوغه من أدلة الشريعة، بل الأدلة كلها على خلاف ذلك.
٦ - العناية بالأسباب مع عدم الاعتماد عليها: الداعية إلى الله يقوم بتلك المهمة انطلاقاً من التزامه بما شرع الله وحباً لهداية الناس إلى الخير، فتدفعه شفقته ورحمته إلى بذل الجهد في ذلك لكنه مع ذلك قد تعترضه بعض العوائق التي تحول بينه وبين مراده أو قد تضعف من همته في متابعة ذلك، وقد تكون بعض هذه العوائق مما يمكن التغلب عليها أو التقليل من تأثيرها عن طريق اتخاذ بعض السبل والوسائل التي تعين على ذلك، لكن هناك من الناس من يظن أنه ما دام يدعو إلى الله ابتغاء وجهه فإنه لا يحتاج إلى الأسباب وأن الله ناصر دعوته، وكأن هذا الشخص يرى أنه يجب على الله ـ تعالى ـ نصره بمجرد الدعوة إليه ولو مع ترك الأسباب، وهذا تصور غير صحيح ومما يبين عدم صحة إهمال الأسباب سياسة الرسول في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ فمن ذلك كانت دعوة الرسول ﷺ في أولها سرية؛ فقد ظل يدعو إلى الله في سرية ثلاث سنوات (ما يقابل ١٣% من سني الدعوة) حتى لا يعرضها في أول أمرها إلى مواجهات حادة مع المشركين لا يستطيع تحملها كثير من الناس وفي ذلك أخذ بالأسباب وعدم إهمالها، وعندما كان يطوف على الناس في المواسم ويطلب النصرة ويقول: «من يؤويني، من ينصرني حتى أبلِّغ رسالة ربي» (١) ، فكان يبحث عن الناصر؛ وهذا من الأخذ بالأسباب ولم يقل إني أدعو إلى ربي على بصيرة، ولا عليَّ إذا لم آخذ بالأسباب أو أبحث عن النصير.
إن ترك تحصيل الأسباب المقدور عليها التي خلقها الله ـ تعالى ـ يعد تقصيراً يلام عليه العبد بحسب ما عنده من التقصير. وعند النظر في سيرة الرسول ﷺ منذ بداية الدعوة وحتى وفاته ﷺ نجد أن العناية بالأسباب والأخذ بها وعدم التفريط فيها كان ديدناً له ﷺ ؛ فعندما جاءه الأنصار يبايعونه عند العقبة أخذ عليهم: «وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم» (٢) ، ومن ذلك أيضاً عندما عزم على الهجرة مع أبي بكر ﵁ استأجر دليلاً خِرِّيتاً (أي ماهراً عارفاً بالطُرُق) يقود بهم ويدلهم على الطرق التي يستطيعون بها الخروج من غير أن يلحق بهم المشركون، والأمثلة على ذلك كثيرة. لكن العناية بالأسباب والأخذ بها لا يعني التوكل عليها أو الاعتماد؛ فإن التوكل والاعتماد إنما يكون على خالق الأسباب الذي جعل الأسباب أسباباً، وهو ـ سبحانه ـ قادر على أن يمنع الأسباب من أن تنتج نتائجها إذا شاء ذلك، وفي قصة الهجرة المتقدمة وعلى الرغم من الأسباب التي أخذ بها الرسول ﷺ إلا أن الكفار من تتبعهم للأثر ومن متابعة الرصد أوشكوا على التوصل إلى مكان الرسول ﷺ وصاحبه؛ وهنا يظهر عون الله خالق الأسباب ومسبباتها ودفاعه عن المؤمنين؛ إذ يمنع الكفار من التوصل إلى الرسول الكريم ﷺ وصاحبه ﵁ وتفصيل القصة معروف. وكما في قصة إبراهيم ﵇ عندما أراد قومه أن يحرقوه فأبطل الله السبب، ومنع النار من الإحراق: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] . وهذا موسى ﵇ عندما أراد فرعون وجنوده أن يقتلوه هو ومن آمن معه، ولما لم تكن به قدرة على مواجهته أخذ بالأسباب المقدورة له وهي الخروج بمن آمن معه من مملكة فرعون، ولما تبعه فرعون وجنوده ولم تعد لموسى ﵇ حيلة في ذلك ألغى الله الأسباب، وجعله يُعْبُرُ هو ومن آمن معه البحر بالآية التي جعلها له: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] .
فالأخذ بالأسباب كان مَعْلَماً بارزاً من سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله تعالى. ومع الأخذ بالأسباب وإحكامها وعدم التقصير فيها فلا بد من التوكل على الله والاعتماد عليه والاستعانة به واللجوء إليه؛ فإن الأسباب لا تفعل من تلقاء نفسها، وإنما بجعل الله لها تلك الخاصية؛ وهذا رسولنا الكريم في غزوة بدر بعدما أعد العدة ونظم الجيش لجأ إلى الله يدعوه ويكثر من الدعاء حتى أشفق عليه صاحبه أبو بكر من كثرة دعائه، وهذا عمر ﵁ يقص علينا ما كان من خبر ذلك الموقف فيقول: «لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض؛ فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك..» (١) الحديث. فإعداد العدة وأخذ الأهبة والتوسل بالأسباب لا يمنع من الدعاء واللجوء إلى الله مسبب الأسباب، وكذلك اللجوءُ إلى الله ودعاؤه، واعتقاد أن النصر من عنده، وأنه الخالق لكل شيء، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا يمنع من الاجتهاد في الأخذ بالأسباب وإعداد العدد المناسبة لكل أمر يراد الدخول فيه، بل هما أمران يتكاملان في فهم المسلم وتصوره.
٧ - الاستفادة من أوضاع المجتمع: قد يحدث أن تكون هناك أوضاع في المجتمع يمكن الاستفادة منها في نفع الدعوة وحماية الدعاة؛ فلا يجوز للدعاة إهمال ذلك وعدم الانتفاع على أساس أن تلك أوضاع في مجتمع جاهلي أو معادٍ للإسلام فلا ينبغي العمل بها أو الاستفادة منها؛ وذلك لأن النظر ينصبُّ على طبيعة الوضع ومدى موافقته للشرع، ولا ينظر إليه من جهته الجغرافية أي البقعة التي يكون فيها؛ إذ الحكم على الشيء يعتمد على ما يحمله من أفكار وتصورات، وليس على المكان الذي يوجد فيه.
وبالنظر إلى سياسة الرسول ﷺ في ذلك نجده قد استفاد هو وجمع من أصحابه من تلك الأوضاع؛ فقد كانت مكة المكرمة ـ بل والجزيرة العربية كلها ـ ينتشر فيها النظام القبلي، وفي هذا النظام فإن القبيلة تحمي أفرادها؛ فقد تمتع رسول الله ﷺ وبعض من أصحابه بذلك، وظلوا في حماية قبائلهم، فلم يتمكن المشركون من الوصول إليهم وإيذائهم الإيذاء الشديد، وكان من الأمور المتعارف عليها مسألة الجوار وهو أن من نزل في جوار أحد فإنه يحميه من أن يصل إليه أحد بسوء، فكان بعض المسلمين الذين لا يجدون قبيلة تحميهم ينزلون في جوار بعض كبراء المشركين فيحمونهم، وليس في هذا مخالفة شرعية؛ إذ كل ما فيه أن يتمتع المسلم بالحماية وشعوره بالأمان في التزامه بالإسلام وهذا حقه، وكونه نزل في جوار أحد المشركين فليس في ذلك ما يعاب عليه؛ لأنه لم يفعل ما يخالف الشرع؛ فعندما ذهب رسول الله ﷺ إلى الطائف يدعو أهلها وردوا عليه بردهم القبيح لم يدخل مكة حينما رجع من هناك إلا في جوار المطعم بن عدي، وكذلك عثمان بن مظعون عندما رجع من هجرة الحبشة الأولى لم يدخل مكة إلا في جوار الوليد بن المغيرة، وأبو بكر ﵁ لما أراد الهجرة إلى الحبشة مما يلاقي من إيذاء قريش لقيه ابن الدغنة، وعرف مقصده، فعرض عليه الرجوع ودخل معه مكة وقد أجاره. فإذا كان الداعية إلى الله ـ تعالى ـ مضيَّقاً عليه، وكان في المجتمع الذي يدعو فيه أوضاع أو تنظيمات يمكن الاستفادة منها في الدعوة أو تدفع عنه شراً من غير أن يرتكب في سبيل ذلك شيئاً نهت عنه الشريعة؛ فعليه أن يستفيد من ذلك. ورغم أن الأوضاع الجاهلية الأصل فيها البعد عن الشريعة فلا يلزم من ذلك أن يكون رصيد الفطرة عندهم صفراً بحيث لا يكون في أمورهم ما يُقبل شرعاً، وهذه قريش رغم ظلمها وطغيانها مع المسلمين إلا أنهم عقدوا فيما بينهم عقداً لنصرة المظلوم (وكان ذلك قبل البعثة) وهو ما عرف بحلف الفضول قال عنه رسول الله ﷺ : «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت» (٢) ، وقد تتواجد اليوم في بعض المجتمعات بعض التنظيمات أو المؤسسات التي تحاول القيام بشيء شبيه بما كان في حلف الفضول؛ فلا عيب على الداعية إذا حاول الاستفادة من ذلك، أما إذا ترتب على ذلك مساس بالدين فعلى الداعية أن يكون أبعد شيء من ذلك؛ ففي قصة أبي بكر المتقدمة لما جهر بالصلاة وقراءة القرآن في مسجد فنائه وخيَّره ابن الدغنة بين عدم الجهر والاستعلان بالصلاة وبين أن يرد عليه جواره، اختار أبو بكر ﵁ الاستعلان بالصلاة والجهر بقراءة القرآن، ورد على ابن الدغنة جواره، وقال: «أرضى بجوار الله» (٣) .
٨ - عدم المداهنة في الحق: كثيراً ما يتعرض أصحاب الدعوات إلى محن وشدائد حتى يخيل لبعض الناس أن من السياسة الحكيمة تجاوز تلك المحن أو الشدائد ولو بالتصريح ببعض الكلمات والجمل التي يكون في ظاهرها مخرج من تلك الشدائد وإن لم يكن ذلك الظاهر مراداً لهم، لكن الناظر في سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ لا يجد لذلك التصور سنداً، بل يجد سياسته على العكس من ذلك؛ فقد نزل عليه قول الله ـ تعالى ـ يحذره من المداهنة في الدين، ويقول له: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] فأهل العداوة للدين يريدون من أصحاب الدعوة أن يداهنوهم وهم على استعداد لمكافأتهم على ذلك بمداهنة الدعاة أيضاً من باب المقابلة بالمثل؛ فقد عرض الكفار على رسول الله ﷺ أن يعبدوا الله سنة في مقابل أن يعبد آلهتهم سنة، فأنزل الله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢] ليقطع الطريق على ذلك التصور بصورة حاسمة، وقد فهم ذلك المعنى جيداً جعفر بن أبي طالب ﵁ وعمل به في أشد المواقف حلكة؛ فقد هاجر هو وجماعة من المسلمين إلى الحبشة عند ملكها النجاشي وكان نصرانياً، وقد أرسلت قريش في أثرهم عمرو بن العاص ليردهم من عند النجاشي، وحاول عمرو أن يقدم المسوِّغ الذي يجعل النجاشي يسلم له جعفراً ومن معه، فقال له: إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً؛ وذلك أن النصارى ترى عيسى ﵇ إلها أو ابن إله؛ بينما المسيح في العقيدة الإسلامية هو بشر رسول من عند الله ـ تعالى ـ مثل إخوانه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ فلما مثل جعفر بين يدي النجاشي، وسألهم عما يقولون في عيسى ﵇ لم يداهن ولم يحاول أن يتلفظ بألفاظ أو كلمات توافق في ظاهرها اعتقاد النصارى، بل أجمع على الصدق وعدم المداهنة في الدين، وقال: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم البتول العذراء. فأخذ النجاشي عوداً من الأرض وقال: واللهِ ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، ولو حاول جعفر ﵁ أن يداهن لانقلب الأمر عليه وعلى أصحابه؛ ذلك أن اعتقاد النجاشي في عيسى كان اعتقاداً صحيحاً؛ فعند الشدائد والأهوال قد يميل الداعية إلى المداهنة، ويتلفظ بألفاظ فيها نوع من الترضية لأهل الضلال، وإن كان هو يقصد بها في نفسه معاني صحيحة، لكن ليست العبرة بما في نفسه هو، وإنما بما يفهم الناس من كلامه؛ فلو كان الناس لا يفهمون من ذلك إلا ما يؤيد أهل الضلالة لم تكن تورية الداعية قد حققت إلا تأييد الباطل، وهذا بخلاف ما إذا كان يورِّي على الأعداء في الحرب أو القتال كما فعل محمد بن مسلمة ـ رضي الله تعالى عنه ـ عندما كان يخطط لقتل رجل من اليهود المحاربين، وقال له عن رسول الله ـ وهو يوري ـ: «هذا الرجل قد عَنَّانا» وبخلاف ما يقوله الأسير عندما يقع في أيدي الأعداء وكذلك الذي يُكرَه على كلمة الكفر؛ فإن هذا ونحوه ممن قال الله فيهم: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] .
غير أن هناك من الأمور التي قد يظنها الناس مداهنة وهي ليست من ذلك في شيء، وإنما هي كلمات حقيقية لا كذب فيها يقولها الداعية يستميل بها النفوس ويؤلف بها القلوب؛ فهذا جعفر ـ رضي الله تعالى عنه ـ يقول للنجاشي بعدما ذكر ما كانوا يلاقونه من المشركين في مكة: «فلما قهرونا وظلمونا وضيَّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك!» .
تلك كانت بعض الوقفات القصيرة مع سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله أما تفاصيل تلك السياسة فهي السيرة النبوية بكاملها على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولعلنا نرجع إليها في مناسبة أخرى على نحو أشمل وأكثر تفصيلاً.
стр. 5183
الاستشارات الهاتفية.. ضوابط وتنبيهات
د. أحمد القاضي
قد فتح الله ـ تعالى ـ لعباده في الآونة الأخيرة من أبواب رحمته ما لم يكن لهم بالحسبان، وهيأ لهم من أسباب الفرج ما يرفع الحرج، أو يدفعه، أو يخففه؛ فقد أتاحت وسائل الاتصال الحديثة من هاتف، وإنترنت، وبريد أن يصل العديد من الناس إلى مبتغاهم من الفُتيا، والمشورة من أهل الاختصاص، بطرق ميسورة مستورة. وقد كان كثير منهم، لا سيما النساء، وأهل البوادي، والمناطق النائية، والبلاد الخالية من العلماء، يتخبطون في الجهل، ويتهوكون (١) في تصرفات منافية للعقل؛ فصار قصارى جهد أحدهم الآن أن يلتقط الهاتف ليستفتي من شاء من طلبة العلم في مسألة يستحي من ذكرها كفاحاً (٢) .
أو يسارِرَ بعض ذوي الرأي والمشورة في مشكلة ألَّمت به، يبتغي بذلك حلاً وإصلاحاً، وقد نتج عن ذلك ـ بحمد الله ـ حل مشاكل كثيرة، ورفع الجهل عن فئام من الناس المغيبين عن صوت العلم والموعظة؛ فلله الحمد أولاً وآخراً. قال ـ تعالى ـ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] .
وكان من ثمرات هذا الأمر أن تمّت الاستفادة من كثير من طلبة العلم، والمختصين النفسيين والاجتماعيين، وأهل الرأي والعقل، ونظراً لبكارة (٣) التجربة، نسبياً وتفاوتها من شخص لآخر، ومن جهة لأخرى كان من المفيد أن يجري الحديث بين الممارسين لهذه الأعمال بصفة شخصية، وبين القائمين على تنظيمها من خلال جهات معلنة، وتبادل الخبرات فيما بينهم.
- تعريف الاستشارة:
لغة: قال الجوهري: (المشورة: الشورى، وكذلك المَشُورَة، بضم الشين، تقول منه: شاورته في الأمر، واستشرته بمعنى) (٤) .
قال ابن فارس: (الشين والواو والراء أصلان مطَّردان: الأول منهما: إبداء شيء وإظهاره وعرضه، والآخر: أخذ شيء.. قال بعض أهل اللغة: من هذا الباب: شاورت فلاناً في أمري، قال: وهو مشتق من شور العسل؛ فكأن المستشير يأخذ الرأي من غيره) (٥) .
اصطلاحاً: استنباط المرء الرأي من غيره فيما يعرض له من مشكلات الأمور، ويكون ذلك في الأمور الجزئية التي يتردد المرء بين فعلها وتركها (٦) .
وأما الاستشارة الهاتفية: فهي طلب المشورة عن طريق الهاتف، وتمتاز على الاستشارة المباشرة بسقوط الكلفة والحرج اللذين يعتريان المستشير، فيمنعانه من البوح بما يستحي منه أحياناً، وتقصر الاستشارة الهاتفية عن المباشرة بعدم تمكن المشير من إدراك القرائن المحتفَّة (٧) بحال المستشير من ملامح وعلامات يستدل بها أهل الفراسة.
- فضل الاستشارة:
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ، وقال ﷺ لعائشة في قصة تخيير أزواجه: «إني سأعرض عليكِ أمراً، فلا عليك ألا تعجلي فيه حتى تشاوري أبويك!» (١) .
واستشار النبي ﷺ أصحابه في مواطن كثيرة، في لقاء المشركين يوم بدر، وفي أسراهم، وفي حادث الإفك.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: «الرجال ثلاثة: رجل تَرِدُ عليه الأمور فيسددها برأيه، ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرأي، ورجل حائر بائر لا يأتمر رُشداً ولا يطيع مُرشداً» (٢) .
وقال علي ﵁: «نِعْمَ المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد» (٣) .
وقال عمر بن عبد العزيز: (إن المشورة والمناظرة بابا رحمة، ومفتاحا بركة، لا يضل معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم) (٤) .
وقال الحسن: (والله ما استشار قومٌ قط، إلا هُدوا لأفضل ما بحضرتهم، ثم تلا: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ) (٥) .
وقال ابن العربي: (الشورى أُلفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هُدوا) (٦) .
- أركان الاستشارة:
أولاً: المستشار: ينبغي أن يتحلى المستشار بجملة من الصفات الشخصية، وأن يسعى في تكميل ما نقص منها، وهي:
١ - العلم: فالحكم على الشيء فرع عن تصوره وإدراكه. وحقيقة العلم، عند الأصوليين، إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. فعدم الإدراك بالكلية جهل بسيط، وإدراكه على خلاف ما هو عليه جهل مركب، وإدراكه مع احتمال ضد مرجوح ظن، ومع احتمال ضد راجح وهم، ومع التساوي شك.
والمقصود بالعلم ها هنا علمان:
الأول: العلم بالشرع: فالشريعة الإسلامية مشتملة على جميع المصالح الدنيوية والأخروية قال ـ تعالى ـ: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] . ولأجل ذلك أحال الله على أهل العلم، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] . فلا شك أن المتضلع في الشريعة، المستنير بنور الكتاب والسنة، تنشأ عنده أهلية للنظر، وإصابة الحق، بسبب اعتصامه بنصوص الوحيين.
وليس معنى ذلك أن لا يتصدى للمشورة إلا العلماء، أو طلبة العلم المتمكنون، بل المقصود أن يتوفر في المشير حدٌّ أدنى من العلم الشرعي، يمكنه من تبصير المستشير بحقوق الله، ويحجزه عن تعدي حدوده.
ثانياً: العلم بالحال: وهو إدراك الواقعة، محل الاستشارة إدراكاً جيداً، مبنياً على معطيات صحيحة، خالياً من المؤثرات الآنية.
٢ - العقل: العقل في اللغة: (الحِجر والنهى) (٧) ؛ فالعقل ها هنا وصف زائد على مجرد ما يميز الإنسان عن الحيوان، أو الطفل، أو المجنون، مما يكون شرطاً في سائر العبادات، بل هو وصف شريف يتحلى به أفراد من الناس، ناتج عن سعة الأفق، وبعد النظر، والأناة، والتأمل في العواقب، وحسبان الآثار، وتمييز خير الخيرين، وشر الشرين، وقد قيل:
إذا كنتَ في حاجة مُرسِلاً
فأرسلْ حكيماً ولا توصِهِ
وإنْ بابُ أمرٍ عليك الْتَوى
فشاور لبيباً ولا تعصِهِ
وربما كان حظ المرء من العلم وافراً، لكن لا يوازيه عقل راجح، فيضل.
٣ - التجربة: إن مما يذكي العقل ويسدده التجارب والمراس. قال القرطبي: (وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً وادّاً في المستشير. ونقل عن بعضهم: شاور من جرب الأمور؛ فإنه يعطيك من رأيه ما دفع عليه غالياً، وأنت تأخذه مجاناً) (٨) . ولهذا ينبغي أن يكون المستشار مطلعاً على أحوال مجتمعه، عارفاً بما يقع، على سبيل الجملة، مدركاً لاهتمامات أهل زمانه، وقد كان علماء أهل السنة (علماء عامة) ، يخالطون الناس، ويعيشون في أكنافهم.
ومما يعوض قصور التجربة أن يستفيد المستشار من تجارب السابقين، وأن ينخرط في بعض الدورات المفيدة، المتعلقة بفن التعامل مع الناس، وإدارة الحوار.
٤ - التقوى: إن مقامَ المشورة يتطلب قدراً من استشعار مراقبة الله، وخشيته في الغيب؛ فقد يتسلل إلى نفس المستشار حظ من حظوظ النفس بسبب حاجة المستشير إليه، فيشير عليه بأمر له فيه غرض، وقد يُطيف به طائف من الشيطان بسبب النجوى مع النساء؛ فيفقد صوابه، ولا يعصمه من ذلك إلا تقوى الله؛ فإن آنس المستشار من نفسه ضعفاً أو هوى فالنجاءَ النجاءَ.
٥ - الأمانة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «المستشار مؤتمن» (١) ؛ فهو مؤتمن على أسرار من يستشيره من الناس، فلا يحل له أن يفشيها، لا تصريحاً، ولا تلميحاً، ولا تمثيلاً متضمناً لذكر علامة فارقة، تؤدي بمستمعه إلى معرفة المقصود، أما ما كان على سبيل المثال العام، أو مع أمن التعيين، واحتيج إليه لبيان حقيقة، أو التدليل على ظاهرة، فلا بأس إن شاء الله.
٦ - النصح: يتعين على المستشار أن يمحض المستشير خالص نصحه؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلم ست.. وذكر الثالثة: وإذا استنصحك فانصح له» (٢) ، وعنه أيضاً: «من استشارهُ أخوه المسلم، فأشار عليه بغير رُشده فقد خانه» (٣) .
٧ - حسن الإصغاء: ينبغي للمشير أن يصغي إلى الشكوى، ويستجمع أطرافها، ولا يعاجل المستشير برأي، أو تعليق، أو تخطئة، أو تصويب، قبل أن يتم حديثه، فإذا فرغ من عرضه ألقى عليه من الأسئلة ما يكشف ما طوى ذِكْرَه.
٨ - صفاء الذهن، وعدم التشوش: أن يكون المستشار حال بذل المشورة في وضع مطمئن، غير مهموم، ولا مشغول، ولا مستعجل، ولا متشوش بعارض خارجي.
- ثانياً: المستشير:
فاوت الله بين عباده في عقولهم، وعلومهم، وأخلاقهم، كما فاوت بينهم في أرزاقهم؛ ففيهم العالم والجاهل، والذكي والبليد، والعاقل والأحمق، والمطمئن والمنفعل، بل والصحيح والمعتل، فينبغي للمشير أن يدرك هذا التفاوت، وأن يخاطب الناس على قدر ما آتاهم الله، وألا يسوق الكلام سَوْقاً واحداً دون مراعاة للفروق الشخصية. ونذكر ها هنا بعض التنبيهات المتعلقة بطبقات مختلفة من الناس:
١ - الأسوياء: وهم عامة الناس الذين يحتكمون إلى معايير ثابتة، شرعاً، وعقلاً؛ فلا يجد المشير عناءً في الغالب في إقناعهم ومناقشتهم.
٢ - النساء: النساء من حيث الجملة دون الرجال في الخصائص الخلقية والخُلقية؛ ولهذا جعل الله شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، ومن مظاهر هذا الضعف: قلة التحمل، وعدم الضبط، وغلبة العاطفة التي تحمل على الانتقائية في العرض، وحجب بعض المعومات، والتفوُّه بذكر أسماء أو جهات تحرج المشير، أو الرغبة في الحديث والإفضاء فقط؛ فينبغي للمشير أن يكون في تعامله مع النساء حازماً في غير قسوة، متماسكاً لا تجرفه العاطفة، تقياً لا يتَّبِع الهوى، ومن ذلك أن يحذر من الوقوع في تخبيب المرأة على زوجها، وقد قال ﷺ : «ليس منا من خبَّب امرأة على زوجها» (٤) .
٣ - المنفعلون: يتصل بعض المستشيرين في حالة هياج، وتأثر من جراء موقف آني، فينبغي للمشير أن يرده رداً جميلاً، ويعمل على تهدئته حتى يعود إلى حال السواء، وإلا طلب منه أن يتصل في وقت لاحق؛ لأن التعاطي مع المنفعل لا يعطي رؤية واضحة، ولا يحقق تقبلاً جيداً؛ ولهذا أمر النبي ﷺ الغضبان بالوضوء، والصمت، والجلوس إن كان قائماً، والاستلقاء إن كان جالساً.
٤ - المرضى النفسيون: تعاني شريحة من المستشيرين من أمراض نفسية، عارضة أو مزمنة: كالاكتئاب، والوسواس، والشك؛ فيمكن للمشير أن يوجههم ضمن مشورته إلى مراجعة الطبيب النفسي، ويطمئنهم بأن ذلك يعينهم على اجتياز الأزمة، ولا يترتب عليه ـ بالضرورة ـ الوقوع في أسر العقاقير، وأن النفس تعتل كما يعتل البدن.
٥ - العابثون: يتسلى بعض العابثين بالاتصال على أرقام طلبة العلم، والمستشارين، والتظاهر بالوقوع في مشكلة ما، وربما عمد بعضهم إلى ربط هذا الاتصال بغرفة في (البال توك) بغرض التندر، ويمكن للحاذق كشف هذا التلاعب من لحن القول، ومجرى الحديث، كما أن بعض المتصلين يقوم بتسجيل المكالمة دون استئذان المستشار، وفي بعض البيوت يضع الزوج جهاز تنصت على المكالمات الهاتفية لأهل بيته، وكل ذلك ينبغي أن يحمل المستشار على ضبط كلامه، ووزن توجيهاته، بما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة.
- ثالثاً: المشورة:
١ - التمييز بين: (الحكم) و (الفتوى) و (المشورة) : لا بد من التمييز بين هذه المقامات الثلاثة؛ فالفتوى: (إخبار بحكم الله ـ تعالى ـ عن دليل شرعي، لمن سأل عنه في أمر نازل) (١) ، والقضاء: (إنشاء إباحة أو إلزام في مسائل الاجتهاد فيما يقع فيه النزاع لمصالح الدنيا) (٢) ، فالحكم ملزِم، والفتوى غير ملزِمة، والحكم يتعلق بالواجبات والمحرمات والمباحات، ولا يتعلق بالمكروهات والمستحبات، والإفتاء يتعلق بالجميع، والحكم القضائي خاص بالخصومات والولايات والاستحقاقات، والإفتاء يكون في العبادات والمعاملات والحقوق والآداب. وأما المشورة فقد تقدم تعريفها: بأنها طلب الرأي الصائب فيما يعرض من مشكلات، وعليه فينبغي للمستشار، والمفتي أيضاً أن يتحاشيا التدخل في قضايا الخصومات المتعلقة بالمحاكم الشرعية، وينبغي للمستشار أن يتحاشى الفتيا فيما لا يحسن، وإن كان يسعه أن يحث المستشير على فعل الأولى، وإتيان الفضل.
٢ - عدم المكاشفة بالأسماء والعلامات الفارقة: يمكن أن تتحقق المشورة بصورة مجردة، دون إقحام أسماء أو ذكر سمات فارقة، تحرج المشير، أو ربما تؤثر في مشورته، ويمكن للمشير أن يعوِّد محدثيه على الالتزام بهذا الضابط، ويحجزهم عن الوقوع والمساس بالذوات، والجهات، ويمكن في حالات خاصة أن يحيلهم على أشخاص أو جهات مناسبة.
٣ - الوضوح: المشورة النافعة تتسم بالحزم، والوضوح، والتعليل، وهي بهذا الإخراج تريح المستشير، وتخرجه من دوامة التردد؛ ففي حديث استشارة فاطمة بنت قيس للنبي ﷺ قالت: «فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني؛ فقال رسول الله ﷺ أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد! فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة! فنكحته؛ فجعل الله فيه خيراً واغتبطت» (٣) .
٤ - التأجيل: قد يلتبس الأمر على المشير، فلا يفتح له في قضية من القضايا، فيبغي له أن يستمهل مستشيره ليتأمل، ويتبصر ويضرب له موعداً آجلاً، ولا يليق بالمستشار أن يتعجل في أمر له فيه أناة وفسحة؛ لأن المشورة أمانة ودين، كما قال ﷺ : «الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (٤) .
٥ - الاستخارة: ينبغي أن تجلل المشورة بالإحالة إلى الركن الشديد، والحرز المكين، ألا وهو دعاء الله المتمثل في (دعاء الاستخارة) ، فيؤمر المستشير بعد بذل المشورة بما دل عليه حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري ـ أو قال عاجل أمري وآجله ـ فاقدُره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري ـ أو قال في عاجل أمري وآجله ـ فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدُر لي الخير حيث كان ثم أرضني به، قال: ويسمي حاجته» (٥) . وقد قيل: ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وتثبت في أمره.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مشتبهاً علينا فنضل. وصلى الله على عبده ونبيه محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 5184
كيف تختار موضوع الخطبة ؟
إبراهيم بن محمد الحقيل
يشتكي كثير من الخطباء من كيفية اختيار الموضوع، وبعضهم يُرجِع سبب ذلك إلى ندرة الموضوعات التي يمكن أن يتناولها الخطيب، وتناسب الكثير من الناس، ولا سيما أن الخطبة تتم كل أسبوع.
وأحسب أن السبب الرئيس لهذه النظرة عند الخطيب هي: قلة علمه، ومحدودية اطلاعه ومعلوماته، وضعف نظرته إلى واقع الناس. وإلا فإن الخطبة لو كانت تتكرر يومياً لما استطاع الخطيب أن يعالج جميع الموضوعات التي يحتاجها الناس في هذا العصر المتغير، الذي ضعفت فيه الديانة في قلوب الناس، وكثرت معها الفتن، فهم يحتاجون إلى تقوية إيمانهم، وترسيخ عقيدتهم، وما يُخلّ به من انحرافات من أقوال أو أفعال قد تناقضه بالكلية، أو تنقص كماله؛ فالناس يحتاجون إلى تصحيح عباداتهم، فأخطاء كثير منهم فيها كثيرة. يحتاجون إلى بيان الحكم الشرعي في كثير من المعاملات والعادات التي تتجدد باستمرار كثير من الصور، غير ما يفد إليهم من خارج مجتمعهم، ويحتاجون إلى الحث على مكارم الأخلاق والتنفير من مساوئها، وإلى ترقيق القلوب، والتذكير بالآخرة ... ، والموضوعات كثيرة جداً.
ويمكن تقسيم الجُمَعات إلى قسمين:
ü القسم الأول: جمعات توافق مناسبات مهمة: وهذه المناسبات على نوعين:
أ - مناسبات طارئة: كحدث يحصل في الحي أو البلد واشتهر وعرفه الناس؛ فهم ينتظرون من الخطيب رأياً فيما حدث، ومنها أيضاً قضايا المسلمين التي تشتعل بين حين وآخر: كقضايا فلسطين، والشيشان، وكوسوفا، ونحوها.
وينبغي للخطيب أن يعالج مثل هذه الموضوعات معالجة شرعية، تبين حجم القضية الحقيقي بلا مبالغة ولا تهوين، ومن ثم يبين موقف المسلم في هذه القضية، وما يجب عليه تجاهها، فلا يكفي مجرد عرضها.
ويلاحظ أن بعض الخطباء قد تطغى عليه الحماسة في ذلك؛ فيبالغ في الموضوع أو يكثر من تكراره، والحديث عنه على نمط واحد، وبأسلوب رتيب، وهذا فيه مفاسد منها:
١ - فقدانه المصداقية، ولا سيما إذا انكشفت مبالغاته للناس، ومن ثم يضعف أخذ الناس عنه، أو التأثر بما يقول؛ لأنهم عرفوا عنه المبالغة.
٢ - ملال الناس، وانصرافهم عن تلك القضية، وكما قيل: كثرة الإمساس تقلل الإحساس.
٣ - أن تركيزه على قضية معينة، وتكرار ذلك سيكون على حساب موضوعات وقضايا قد تكون لها أهمية مثل قضيته التي يكررها، وربما تكون أهم منها.
ب - مناسبات متكررة يتكرر الأعوام: كرمضان والحج وعاشوراء، والتحذير من البدع المحدثة ونحوها.
وهذه المناسبات مريحة عند كثير من الخطباء؛ إذ لا يحتاجون إلى إعداد خطب جديدة في موضوعاتها، ولربما حفظ الناس خطبهم فيها من كثرة ترديدها، وأصابهم الملال منها.
بيد أن هذه المناسبات تقلق من يهتموم بخطبهم، ويحبون التجديد في موضوعاتها، ويودن إفادة الناس بكل وسيلة ممكنة.
ولتلافي التكرار في كل عام يمكن تفتيت الموضوع الواحد إلى موضوعات عدة، في كل عام يطرق الخطيب منها موضوعاً، وأضرب مثلاً لذلك؛ فبالمثال تتضح الصورة:
درج الخطباء في ثالث جمعة من رمضان على الحديث عن غزوة بدر الكبرى (١) ، ويقدمون لها بمقدمة عن نصر الله ـ تعالى ـ لعباده، وكون رمضان شهراً للانتصارات والأمجاد، ويسردون عدداً من المعارك التي وقعت في رمضان: غزوة بدر، وفتح مكة، وعين جالوت، وفتح الأندلس ونحوها، ثم يخصصون الخطبة بكاملها عن غزوة بدر، وهكذا في كل عام.
ومن الممكن لتلافي التكرار جمع الغزوات والأحداث الكبرى التي وقعت في رمضان، واختيار واحدة منها في كل عام للحديث المفصَّل عنها. ويمكن أيضاً تفتيت الغزوة الواحدة إلى عدة موضوعات، في كل عام يطرق جانباً جديداً منها.
فغزوة بدر مثلاً يمكن إنشاء خطب عدة منها، كل واحدة تتناول جانباً مختلفاً، فتتكون مجموعة من الخطب موضوعاتها كالتالي:
١ - سرد أحداث الغزوة كما في كتب السير، وهذا يعمله أكثر الخطباء كل عام.
٢ - وصف حال المسلمين قبل الغزوة (الهجرة ـ المطاردة ـ المحاصرة ـ الضعف ـ القلة ـ الخوف) .
وحالهم بعدها (ارتفاع معنوياتهم بالنصر، عز الإسلام، قوة المسلمين، رهبة اليهود والمنافقين) .
٣ - وصف حال الفريقين المتقابلين: حال المؤمنين: (الدعاء، الحماس للقتال، بوادر التضحية والفداء، التعلق بالله تعالى) .
حال المشركين: (الكبرياء، محادة الله ورسوله، الاعتداد بالنفس، الاغترار بالكثرة، ممارسة العصيان، شرب الخمر وغناء القينات، كما هو قول أبي جهل) .
٤ - تأييد الله لعباده المؤمنين: (النعاس، المطر، قتال الملائكة معهم، وفيه عدة أحاديث صحيحة، الربط على قلوبهم، تقليل العدو في أعينهم) وخذلان الكافرين.
٥ - الحديث عن مصير المستكبرين حيال دعوة الأنبياء ﵈، ويكون صرعى بدر من المشركين نموذجاً على ذلك بذكر مجمل سيرتهم الكفرية وعنادهم ثم ما جرى لهم، وفيه قصص مبكية من السيرة.
فهذه خمسة مواضيع، كل واحد منها يصلح أن يكون خطبة مستقلة، وهذه الموضوعات الخمسة في غزوة واحدة، ومن تدبر فيها أكثر استخراج موضوعات أخرى.
والكلام عن المولد النبوي مثلاً يمكن تقسيمه أيضاً إلى عدة موضوعات منها:
١ - بيان حقيقة محبة الرسول #، وأنها تكون باتباعه لا بالابتداع، مع تقرير وجوب محبته من خلال نصوص الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح، وبيان العلاقة بين محبته وتطبيق سنته، وهذا موضوع ثري جداً يمكن صنع خطب عدة فيها.
٢ - تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي، وبيان أنه بدأ بعد القرون المفضلة في المئة الرابعة للهجرة على أيدي بني عبيد الباطنيين، وظل قرنين من الزمن لا يعرفه أهل السنة، حتى انتقل إليهم في المئة السادسة على يد شيخ صوفي استحسن هذه البدعة وتبناها، وبيان أن دوافع إحداث هذا الموضوع عند بني عبيد كانت فيما أحسب سياسية، ولم تكن بدافع محبة النبي # وآل بيته.
ومع أهمية هذا البيان التاريخي في كشف حقيقة هذه البدعة النكراء وتنفير الناس منها، فإنه قلّ أن سمعناه من خطبائنا ومحاضرينا.
٣ - ذكر المخالفات الشرعية في احتفالات المولد، من الغلو في الرسول # الذي قد يصل إلى حد الشرك، إلى الأناشيد والأهاجيز الصوفية، إلى سائر المنكرات الأخرى: كالاختلاط في بعضها، وكونها تنشد على أنغام الموسيقى أو الدفوف.
٤ - التنبيه على أن الاشتغال بالبدعة يشغل عن السنة، وجعل المولد مثلاً لذلك، فما يصرف فيه من جهد ووقت ومال قد يصرف عن كثير من السنن؛ بل ربما صرف عن الفرائض، وكثير ممن يحتفلون بتلك الموالد تظهر عليهم مخالفات شرعية، ويعلم من سيرة بعضهم تضييعه للفرائض فضلاً عن المندوبات.
٥ - أخذ جانب من سيرة النبي # في مولده أو بعثته أو غير ذلك، ثم التنبيه على بدعة الاحتفال بمثل هذه المناسبات، فهذه خمسة موضوعات كل واحد منها يصلح لأن يكون خطبة مستقلة.
والكلام عن عاشوراء ءأيضاً يمكن استخراج موضوعات عدة منه، ولا سيما أنه متعلق بقصة نجاة موسى ﵇ وغرق فرعون. وهي أكثر القصص وروداً في القرآن، وفيها جوانب كثيرة يمكن أن تكون موضوعات، وفي نهاية كل خطبة منها يتم التنبيه على سُنِّية صيام يوم عاشوراء كذلك الحديث عن مراحل صوم عاشوراء، وأنه كان واجباً، ثم نُسخ الوجوب إلى السُّنِّية بعد فرض رمضان، ثم في آخر سنة قصد النبي # مخالفة اليهود، وأمر بصيام التاسع مع العاشر، وذكر فضل صيام هذا اليوم، وفضل شهر الله المحرم.
وهكذا يقال في بقية الموضوعات، تطرح من جوانب متعددة، كل جانب فيها يكون خطبة؛ مما يكون سبباً في إثراء المشروع الخطابي للأمة، وإفادة السامعين، والتجديد في الموضوعات التي يلقيها الخطيب.
ü القسم الثاني: جمعات لا توافق مناسبات معينة:
وهذه هي الأكثر، ويستطيع الخطيب أن يضع لها مخططاً يسير عليه، ويشتمل هذا المخطط على موضوعات عدة، وفي فنون مختلفة، ومن فوائد ذلك:
١ - عدم حيرته في اختيار موضوع الخطبة، ولا سيما إذا ضاق الوقت عليه.
٢ - نضج الموضوعات التي يطرحها، إذ قد يمرّ عليه شهور وهي تدور في مخيلته، وكلما حصل ما يفيده فيها من مطالعاته وقراءاته قيَّده، أو استذكره.
٣ - سهولة بحثه عدة موضوعات، إذا كانت في فن واحد، وتوفير كثير من الوقت؛ فمثلاً إذا كان في خطته خمسة موضوعات في العقيدة، فإن جلسته لبحث واحد منها كجلسته لبحثها كلها؛ إذ إن مصادرها واحدة، ومظانها متقاربة.
٤ - التنويع على المصلين وعدم إملالهم.
ويمكن تقسيم الموضوعات إلى أقسام كثيرة، يختار في كل جمعة منها قسماً للحديث عن موضوع من موضوعاته، ومن تلك الأقسام:
١ - العقيدة وما يتعلق بها: وفيها موضوعات كثيرة، وكل موضوع منها يمكن استخراج عدد من الخطب فيه. ومن طالع المطولات من كتب العقيدة تبين له ذلك.
٢ - العبادات: وهي أيضاً باب واسع، وليس المعنى سرد الأحكام أو الإفتاء، ولكن المقصود تصحيح بعض الأخطاء فيها، وبيان فضائلها، والحث على المهجور منها.. وهكذا.
٣ - المعاملات: وفيها موضوعات كثيرة أيضاً، ولا سيما أن كثيراً من صورها يتجدد.
٤ - نص من الكتاب أو السنة: فيختار آية أو سورة قصيرة أو حديثاً، ويذكر ما فيه من الفوائد مع ربطه بواقع الناس ومعاشهم، ولا يكون مجرد سرد للفوائد، وقد لاحظت أن لذلك أثراً عظيماً، حتى كأن الناس لأول مرة يستمعون إلى هذه السورة أو الآية، أو لأول مرة يسمعون هذا الحديث مع أنه مشهور، ولكن لأن فهمهم له كان خاطئاً، أو لأن الخطيب عرض لهم استنباطات جديدة، ومعان مفيدة لم يعلموها من قبل.
٥ - الأخلاق والآداب: وهي باب طويل عريض، وفيه كتب متخصصة كثيرة، متقدمة ومتأخرة.
٦ - من قصص القرآن والسنة: وهذا يمكن أن يلحق بفقرة (٤) ويمكن أن ينفصل عنها، ويكون هنا خاصاً بالقصص، وما سبق ذكره في غير القصص.
٧ - السِّيَر والتراجم: يختار شخصية بارزة، ويلقي الضوء على صاحبها، وأسباب بروزه واشتهاره، والاستفادة من أقواله وسيرته، سواء كان من الصحابة ﵃ أم من التابعين لهم بإحسان، أم من العلماء المشاهير قديماً وحديثاً.
٨ - السيرة النبوية ومعارك الإسلام: يختار حديثاً أو معركة يتحدث عنها أو عن جانب منها، ويستخرج من ذلك الدروس والعبر.
٩ - موضوعات فكرية: ويذكر فيه المستجدات من الأفكار والمصطلحات والأحداث وموقف الشرع منها: كالديمقراطية، والعلمانية والحداثة، والحضارة الغربية وموقف المسلم منها.
١٠ - الفتن والملاحم وأشراط الساعة: وكل فتنة أو ملحمة أو علامة من علامات الساعة الكبرى صالحة لأن تكون خطبة مستقلة، بل ربما أكثر من خطبة، لغزارة ما فيها من نصوص ومعلومات شرعية.
١١ - القيامة وأحوالها: وفيها من الموضوعات شيء كثير: الصراط، الميزان، البعث، الحساب، القنطرة، الحشر، الديوان..، كذلك: الجنة والنار، وفيهما موضوعات كثيرة: وصفهما، وصف أهلهما، أعمال أهلهما، الطريق الموصلة إليهما.
١٢ - المواعظ والرقائق: وهو باب واسع أيضاً.
هذه بعض الموضوعات الكلية، ويمكن تقسيم كل موضوع منها إلى موضوعات جزئية، في كل موضوع منها خطب كثيرة.
فالخطيب إذا عمل هذا التقسيم، ورتّبه في خطة محكمة؛ بحيث يتعرض في كل جمعة لموضوع من هذه الموضوعات استفاد الفوائد التي ذكرتها آنفاً، إضافة إلى أنه يعلِّم الناس مجمل الشريعة، ويطلعهم على ما يحتاجون إليه في معادهم ومعاشهم، ويريح نفسه بحصر ذهنه عن الاختيار في موضوع واحد بدل التشتت في موضوعات كثيرة.
والملاحظ أن كثيراً من الخطباء ممن لا يراعون مثل هذا التقسيم والتنظيم تنحصر خطبهم في موضوعات قليلة. ولربما أن بعضهم لم يتعرض لموضوع من هذه الموضوعات الكلية المهمة طيلة حياته الخطابية التي قد تمتد إلى عشرات السنوات، والسبب أن كثيراً من الموضوعات قد تغيب عن باله إذا لم يكن لديه خطة مكتوبة يسير عليها.
ومن الملاحظ أيضاً: أن كثيراً من الخطباء يطرح موضوعات عامة، لا يتأثر بها المصلون، ولا يتفاعلون معها، ولربما كانت معلوماتهم فيها أثرى من معلومات الخطيب؛ فمثلاً في الحديث عن القيامة وأحوالها تجد أن كثيراً من الخطباء يريدون استيعاب يوم القيامة بأحواله، وما يجري فيه في خطبة واحدة. وهذا غير ممكن، ويؤدي إلى التطويل والتشعب والمشقة على السامعين، كما يؤدي إلى العمومية والسطحية في الطرح، وضعف المعالجة كما هو مشاهد. فيوم القيامة كألف سنة مما تعدون كما هو نص القرآن؛ فكيف يريد الخطيب أن يختزل الحديث عن أحداث ألف سنة في نصف ساعة أو أقل؟! لكن لو قسم أحواله وأهواله، وخصّ كل حال منها بخطبة، لكان أعمق في طرحه ومعالجته، وأوسع في معلوماته، وأكثر فائدة وتأثيراً في السامعين، وهكذا يقال في بقية الموضوعات.
ü تتابع الخطب في موضوع واحد:
يحلو لبعض الخطباء التركيز على موضوع من الموضوعات العامة، وعمل خطب كثيرة فيه تطرح تباعاً لفترة تطول أحياناً وتمتد إلى سنوات، وتقصر أحياناً بحسب ما عنده من مادة علمية في الموضوع الذي يطرحه.
وكثير ممن يختطُّ هذه الطريقة ينوه في آخر الخطبة بأنه سيكمل بقية الموضوع في الخطبة التالية، ويرى أصحاب هذا المسلك أنه مفيد من جوانب عدة:
١ - تشويق السامعين إلى الجمعة القادمة.
٢ - ربط موضوعات الخطب بعضها ببعض.
٣ - أن طرح موضوع كلي بهذا التسلسل أنفع للناس، فتكون الخطبة درساً علمياً إضافة إلى كونها خطبة، وأعرف من الخطباء من حصر خطبه في التفسير فقط سنوات عدة قد تزيد على عشر سنوات، وغيره حصرها في السيرة النبوية وهكذا.
وبعضهم يأخذ جانباً معيناً: كموضوع تربية الأولاد، أو أشراط الساعة، أو نحو ذلك، ويخطب فيه عشر خطب متتابعة أو أكثر، ثم ينتقل إلى موضوع آخر.
ü خطأ الجمود على مواضيع معينة:
والذي يظهر لي أن الجمود على فن من الفنون: كالتفسير، أو السيرة، أو على موضوع من الموضوعات؛ بحيث تكون الخطب فيه متوالية ليس حسناً لما يلي:
١ - أنه غير مأثور عن النبي #، ولم أقف فيما اطلعت عليه من سنته أنه كان يقول لأصحابه ﵃: سنكمل في الخطبة القادمة، أو موضوع الخطبة القادمة كذا، أو كان يذكر موضوعات متوالية في فن واحد، بل المحفوظ من هديه # أنه يذكر ما يحتاج الناس إليه، وما يصلح شؤونهم، وهذا يكون متنوعاً في الغالب، لأن حاجات الناس مختلفة باختلاف أفهامهم واهتماماتهم وأعمالهم، قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض لهم أمر، وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها» (١) .
وقد يُعْتَرَضُ على هذا بأن أساليب الخطبة ووسائلها، والطريقة التي يختارها الخطيب اجتهادية، وليست توقيفية حتى يشترط أن يكون كل شيء فيها مأثوراً، وهذا محتمل، ولا سيما أن الفقهاء ـ فيما أعلم ـ لم يشترطوا تجنب ذلك في الخطبة لما ذكروا أركان وشروط الجمعة والخطبة.
وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأن دواعي موجودة على عهد النبي # ولم يفعله، والقاعدة أن النبي # إذا ترك شيئاً مع توافر دواعي العمل به عُلم أنه قصد تركه، ولعل الأمر واسع في هذه المسألة، ولها حظ كبير من الاجتهاد والنظر.
٢ - أنه قد يؤدي إلى عكس ما أراده الخطيب من التشويق؛ لأنهم عرفوا الموضوع الذي سيخطب فيه سلفاً، والإنسان بطبعه يميل إلى اكتشاف المجهول، ويحب المفاجأة في مثل هذا الأمر.
٣ - أن هذه الطريقة تقيد الخطيب، وتجعله محصوراً في فن واحد على حساب فنون أخرى يحتاج الناس إليها.
٤ - أن ما يستجد من أحداث يُربك خطة هذا النوع من الخطباء، فإما أن يخطبوا عما استجد، ويقطعوا سلسلتهم المتصلة في موضوع واحد، وإما أن يُهمِلوا ما يحدث، وهذا غير مقبول عند السامعين.
٥ - أن من المصلين من لم يحضر الخطبة الماضية، وقد يكون فَهْمُ الخطبة الحاضرة مبنياً على حضور الماضية، فيقل انتفاع هؤلاء بالخطبة.
٦ - أن الخطيب قد يعرض له عارض من سفر أو مرض أو نحوه، فلا يستطيع الخطابة وإكمال الموضوع الذي ابتدأه فيكون الموضوع مبتوراً.
لهذه الأسباب وغيرها أرى أن تلك الطريقة ليست حسنة، خاصة في المساجد العامة التي في المدن، لكن لو كان المسجد خاصاً في مزرعة مثلاً أو قرية لا يحضر فيه غير أهلها؛ فإن كثيراً من الملاحظات المذكورة آنفاً قد ترتفع. ومع ذلك فلا أجد ميلاً لتلك الطريقة، لأن الخطبة ليست درساً، وبإمكان الخطيب أن يضع درساً في مسجده، وتكون خطبه فيما يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم.
وما من موضوع يرى الخطيب أنه طويل ويريد تغطيته إلا ويستطيع تجزئته بطريقة أو أخرى؛ بحيث لا يحتاج إلى جعله موضوعات متتابعة.
وبكل حال فإن حرص الخطيب، وجدّه في اختيار موضوعات خطبه، واستفادته من الخطباء الآخرين سيعينه في هذا المجال كثيراً، كما أن اطلاع الخطيب، وغزارة علمه، واجتهاده في تحصيل العلم وطلبه، ومعرفته بأحوال الناس، وتلمس حاجاتهم، وقربه منهم، يجعله قريباً من قلوبهم، عارفاً بهمومهم، قادراً على معالجة مشاكلهم، في كل أسبوع يصعد درجات المنبر، ويخطب فيهم وهم له منصتون.
وإذا كان الخطيب كذلك فإن المصلين سيشتاقون إلى الجمعة، وينتظرون خطيبهم برغبة كبيرة، ويفرحون بإطلالته عليهم، مما يجعل الخطيب قريباً من مستمعيه، وهذا حقيق بأن يجعل الخطبة تؤتي ثمارها، وتظهر فائدتها التي شرعت من أجلها.
стр. 5185
أساليب نبوية في التربية والتعليم
إبراهيم بن صالح الدحيم
نهوض الأمة ورقيها معقود بصحة التعليم وجودة التربية، والمناهج الأرضية وطرائق البشر مهما أوتيت من قوة واجتمع لديها من خبرة فإنها تقف عاجزة عن تحقيق الكمالات، وعن التناغم مع الفطرة السوية، والسبب هو أن هذه المناهج لا تخلو من هوىً بشريٍ جهول، أو نظرةٍ ضيقةٍ محدودةٍ مع ضعفٍ في الشعور الداخلي الصادق ـ المراقبة ـ الذي هو بلا شك مؤثرٌ كبيرٌ على سير العمل التعليمي والتربوي، ولذا فإن من المهم ـ والمهم جداً ـ إدامة النظر والتأمل في الأساليب النبوية في التربية والتعليم وذلك لأمور:
أولاًً: أن الله بعث نبيه محمداً ﷺ معلماً ومزكياً، ومبشراً ونذيراً ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] ؛ فعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً» (١) ؛ فالحكمة مِنْ بَعْث النبي ﷺ أن يعلِّم الناس، ولذا كانت حياته ﷺ كلها تربية وتعليم، مما يجعلها غنية جداً بالأساليب التربوية والتعليمية.
ثانياً: أن النبي ﷺ أوتي الكمال البشري، وعُصم من الخطأ الذي يقدح في تبليغه للدعوة «فأي عاقل حريص على مرضاة ربه يخيَّر بين الاقتداء بالمعصوم، الذي يكفل له السير على صراط الله المستقيم، وبين الاقتداء بمن لا يُؤمَن عثاره، ولا تضمن استقامته على الحق ونجاته..» (٢) ، لقد أعطي النبي ﷺ ـ مع أميته ـ علماً لا يدانيه فيه أحد من البشر ﷺ ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] .
ثالثاً: لأن النبي ﷺ مرّ بمختلف الظروف والأحوال التي يمكن أن يمر بها معلم أو مربٍّ في أي زمانٍ ومكان؛ فما من حالة يمر بها المربي أو المعلم إلا ويجدها نفسها أو مثلها أو شبهها أو قريباً منها في حياة النبي ﷺ . لقد عاش النبي ﷺ الفقر والغنى، والأمن والخوف، والقوة والضعف، والنصر والهزيمة، عاش اليتم والعزوبة والزوجية والأبوة.. فكان يتعامل مع كل مرحلة وكل حالة بما يناسبها.
لقد ساس النبي ﷺ العرب، ودعاهم وعلَّمهم وأحسن تربيتهم؛ مع قسوة قلوبهم وخشونة أخلاقهم، وجفاء طباعهم وتنافر أمزجتهم، لقد كان حال العرب كما وصفهم جعفر بن أبي طالب ﵁ بقوله: «كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف..» (١) .
فاحتمل النبي ﷺ ما هم فيه من جفاء، وصبر منهم على الأذى، حتى كانوا خير أمة بعد أن لم يكن لهم قيمة ولا وزن ﴿وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] .
إن الذي ينظر إلى الجاهلية قبل الإسلام، وكيف أنها كانت تعيش انتكاسة في الفطرة والعقيدة والأخلاق، لَيرى كم هو الدور الكبير الذي قام به النبي ﷺ ؛ حيث أحدث نقلة ضخمة في زمن قياسي. يقول «كارليل» وهو يقارن بين حال العرب قبل البعثة وبعدها: «هم قوم يضربون في الصحراء، لا يؤبه لهم عدَّة قرون؛ فلما جاءهم النبي العربي، أصبحوا قبلة الأنظار في العلوم والعرفان، وكثروا بعد القلة، وعزوا بعد الذلة، ولم يمض قرن حتى استضاءت أطراف الأرض بعقولهم وعلومهم» (٢) .
رابعاً: وجود دعوات ضالة كانت ولا زالت تنادي بضرورة نقل أسلوب التعليم والتربية من الغرب العلماني أو الياباني الوثني دون نظرٍ إلى المبادئ والقيم والثوابت الشرعية. إننا قد نستفيد منهم في بعض الوسائل والطرائق ـ في توصيل المعلومة مثلاً والتي اعتمدوا فيها على تجارب ودراسات وجهود مضنية وافقوا فيها الصواب في أحيانٍ كثيرة - أما أن نأخذ ما نزاحم به ثوابتنا وقيمنا فلا يصح أن نختلف في رده والوقوف أمامه. إن من المحزن المبكي أنك تجد دول الغرب الكافر تحامي عن مبادئها، وتخشى على قيمها، بينا ترى أهل الإسلام أهل الملة الخالدة يبقون وكأن العبث بالثوابت لا يعنيهم، أوَ ليس هو شيئاً ذا بالٍ في نظرهم؟
تنبيه: حين نريد أن نقف على المنهج النبوي الصحيح في التربية والتعليم فلا بد أن نفرق بين السمات الثابتة في حياته ﷺ ، وبين السمات التي تستدعيها حالات معينة توجب نوعية معينة من التعامل، وإليك بعض الأمثلة توضح ذلك:
- (الرفق واللين والرحمة) سمات ثابتة في الهدي النبوي لا تكاد تفتقدها وأنت تطالع السيرة؛ كيف لا وقد أنزل الله قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
بينما تجد - الشدة، الزجر - تكون أموراً عارضة لأحوال عارضة ناسب أن يتعامل معها النبي ﷺ بمثل هذا الأسلوب.
- مثال آخر (الجدية، والعمل) سمة ثابتة في المنهج النبوي بينا ترى ـ المزاح، والترويح ـ وإن وُجدا في أمثلة متعددة في السنة والسيرة النبوية فإنها مع ذلك لا تزال محدودةً لا تستدعي تحويل المنهج التربوي إلى منهجٍ هزلي هزيل يعتمد على الفكاهة واللعب.
إن المتأمل في هدي النبي ﷺ وسيرته يرى كثرة الوسائل والأساليب التي انتهجها ﷺ في تعليمه للأمة وتربيته لها، وإن الإحاطة بكل ذلك قد لا يكون ممكناً ولا مناسباً في مثل هذه العجالة، ولكني أقف مع بعض هذه الأساليب النبوية التي أرى الحاجة ماسة إلى التنبيه عليها:
- أولاً: الحفاوة والترحيب وحسن الاستقبال:
أحياناً نتعامل مع المتعلم والمدعو والمتربي على أننا أصحاب منَّةٍ عليه وتفضل، ولذا نرى أنه لا حاجة إلى القيام بشيء من الترحيب والحفاوة وحسن الاستقبال، بل قد نعتبر مجرد قبولنا له كافياً في الإكرام، وربما يشعر الأب والمربي أياً كان أن الحق له؛ فهو يطالب المتربي به. والحقيقة أن للأب والمربي حقاً كبيراً، لكن هذا الحق لن يتحقق إلا حين يُعرف الولد والمتربي بذلك ويغرس في قلبه إكرام أهل الفضل من خلال أساليب تربوية مشوقة وخطوات يقوم بها الأب والمربي.
ولقد كان من يقابل النبي ﷺ ولو لأول وهلة يجد عنده من الحفاوة والترحيب وحسن الاستقبال ما يجعل النفوس تنجذب إليه وتأنس بحديثه.
جاء صفوان بن عسال ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم. فقال له النبي ﷺ : «مرحباً بطالب العلم؛ إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم على بعض حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب ... » (١) ، كيف سيكون أثر هذا الترحيب وتلك الحفاوة في نفس صفوان، هل تراه يزهد في طلب العلم بعد ذلك؟ في بعض الأحيان يأتي الطالب ليشارك في حلقة قرآن أو منشط خيري فيقابل بشيء من البرود (.. لا بأس، اجلس مع زملائك..) دون أن يسمع كلمة ترحيب، بل ربما استُقبل بعارضة من الشروط المشددة (شروط القبول) والتي ربما جعلته يعود أدراجه. إن مما يُذكر فيُشكر أن بعض دور التعليم والمناشط الخيرية ربما جعلت حفل استقبال وترحيب بالأعضاء الجدد ذا أثر كبير في بعث الرغبة في النفوس.
- وعن أبي رفاعة ﵁ قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله! رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل عليَّ رسول الله (وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتي بكرسيٍّ حسبت قوائمه حديداً. قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ ، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها» (٢) .
عجيب والله! يوقف الخطبة، ويجلس للمتعلم! أي تكريم فوق هذا وأي حفاوة، وكم سيصنع هذا الأسلوب من رغبة في نفس المتعلم والطالب!! هل نستطيع نحن المعلمين أو المربين أن نقوم عن وجبة الإفطار ـ في المدرسة مثلاً ـ لنجيب الطالب عن مسألته؟ وحين يقطع علينا المتربي لذة النوم باتصال هاتفي لحل مشكلة، أو إجابة عن سؤال هل سيجد الترحيب منا وطيب النفس؟
- ولقد كان النبي ﷺ يستقبل الوفود ويحسن وفادتهم، ويتخذ لذلك لباساً خاصاً وخطيباً يخطب بين يديه إشعاراً منه بمزيد الاهتمام بهم؛ فلما أتى وفد عبد القيس رحب بهم ﷺ ، فقال: «مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى..» (٣) ، ولما قدم الأشعريون أهل اليمن قال النبي ﷺ : «أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ أفئدة، وألين قلوباً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية» (٤) ، وروي في وفادة وائل بن حجر ﵁ على النبي ﷺ : أن النبي ﷺ بشر به أصحابه قبل قدومه، فقال: يأتيكم بقية أبناء الملوك. فلما دخل رحب به، وأدناه من نفسه وقرب مجلسه وبسط له رداءه، وقال: اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده» (٥) . وقدم وفد عبس على النبي ﷺ وكانوا تسعة، فقال النبي ﷺ : أنا عاشركم. وعقد لهم لواءً وجعل شعارهم «يا عشرة» (٦) . إن القلم ليعجز عن التعبير عن جمال هذا الخُلُق وأثره في النفوس، ولو أردنا أن نقف مع كل موقف من هذه المواقف لنتأمل فيه ونقف على الأثر الذي يحدثه في النفوس لطال بنا ذلك، وفيما ذكرنا كفاية.
- ثانياً: الرفق والرحمة وحسن التأني:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
لقد جعل النبي ﷺ الرفق سبباً من أسباب الكمال والنجاح؛ فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (٧) . وفي حديث جرير بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: «من حُرِمَ الرفق حُرِمَ الخير» (٨) .
على هذه القاعدة العظيمة في التعامل (الرفق والرحمة) كان تعامل النبي ﷺ مع أصحابه؛ فعن أبي هريرة ـ رضي اله عنه ـ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعَلِّمُكُم؛ فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ... » (٩) ، فتأمل كيف ابتدأ النبي ﷺ بهذا الأسلوب اللطيف في التعليم، وكم سيكون له من أثر في نفس السامع..!!
وعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتينا رسول الله ﷺ ، ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً؛ فلما ظن أنَّا قد اشتقنا أهلنا، سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلِّموهم» (١٠) الحديث. إن هذه الرحمة من النبي ﷺ بهؤلاء الشباب فيها التوجيه إلى ضرورة مراعاة طبائع النفوس، الشيء الذي قد يغفل عنه بعض المربين بحجة (الجدية والحزم) فربما كلفوا النفوس ما لا تطيق، وحَمَلوها على ما يسبب لها الانقطاع.
وتتأكد الحاجة إلى الرفق والرحمة عند وقوع الخطأ غير المتعمد؛ لأن النفوس أحياناً قد يستثيرها الخطأ فتنسى التعامل معه بالرحمة والرفق، وتميل بقوةٍ إلى الردع والتأديب؛ فعن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ؛ إذ عطس رجُلٌ من القوم، فقلت: رحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكل أمِّيَاه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم؛ فلما صلى رسول الله ﷺ : فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه؛ فوالله ما نهرني ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن» (١١) .
وعن أنس ﵁ قال: جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذَنوب من ماء فأُهريق عليه» (١) ، وفي رواية: فقال له رسول الله ﷺ : «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر؛ إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» (٢) .
تأمل هذا الموقف لو وقع في مسجد حيِّك، لو أن ـ رضيعاً ـ بال في مصلى النساء فكم ستتابع على أمه كلمات التعنيف وربما السب، وسيكون ذلك حديث جماعة المسجد، وأهل الحي أياماً.
إن التعامل بالرفق والرحمة يورث النفس نوعاً من الطمأنينة والهدوء، ويجعل تَفَهُّم المشكلة والتعامل معها أكثر نجاحاً وتحقيقاً للأهداف بخلاف ما لو صَحِب ذلك نوعٌ من التوتر.
- ثالثاً: الثناء والتشجيع:
الثناء والتشجيع وتسليط الضوء على مكامن الكمال في النفس البشرية والإشادة بها منهج نبوي كريم، يراد منه بعث النفس على الزيادة، وإثارة النفوس الأخرى نحو الإبداع والمنافسة، وهو مشروط بأن يكون حقاً، وأن يُؤمَن جانب الممدوح، وأن يكون بالقدر الذي يحقق الهدف.
- عن أبي هريرة ﵁ قال: يا رسول الله! مَنْ أسعد الناس يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك، لِمَا رأيت من حرصك على الحديث....» (٣) .
- وعن حذيفة ﵁ قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلاً أميناً، فقال: لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حقَّ أمينٍ، حق أمين. قال: فاستشرف لها الناس، قال فبعث أبا عبيدة بن الجراح «وفي رواية» فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: «هذا أمين هذه الأمة» (٤) .
- وعن أُبي بن كعب ﵁ قال ﷺ : «أبا المنذر! أي آية معك من كتاب الله أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أبا المنذر! أي آية معك من كتاب الله أعظم؟ قال: قلت ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] قال: فضرب صدري، وقال: لِيَهْنَ لك يا أبا المنذر العلم» (٥) .
- وعن أبي أيوب ﵁ أن أعرابياً عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله! أو يا محمد! أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار. قال: فكفَّ النبي ﷺ ، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: «لقد ـ وُفِّق أو لقد هُدي» ثم يُقبل عليه النبي ﷺ ويقول: كيف قلتَ؟ ... الحديث» (٦) ، انظر كم في هذه الأحاديث من تشجيع واهتمام ومزيد رعاية وعناية.
كم يبعث التشجيع في نفس المتعلم من حب للعلم، وكم يساعد في تسارع خطوات التربية نحو الأمام، وذلك على عكس ما يأتي به كثرة التأنيب والعتاب واللوم، أو السكوت عن الثناء عند كل نجاح وتفوق.
والثناء والتشجيع قد يستفاد منه في تدعيم سلوك معين أو التوجيه إلى عمل مهم يحسن اكتسابه.
- عند الإمام مسلم (٧) من حديث ابن عمر ﵄ في الرؤيا التي رآها فقصها على أخته حفصة ﵂ فقصتها على النبي ﷺ ، فقال: «نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل» . فيا ترى ما أثر ثناء النبي ﷺ على ابن عمر ﵁؟ (قال سالم: فكان عبد الله، بعد ذلك، لا ينام من الليل إلا قليلاً) .
- وفي قصة سلمة بن الأكوع ﵁ في (ذي القرد) لما رجعوا قافلين إلى المدينة بعد أن أبلى سلمة ﵁ بلاءً حسناً، ثم ناموا في الطريق. قال سلمة ﵁: فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا: سلمة. قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعاً، ثم أردفني رسول الله ﷺ على العضباء راجعين إلى المدينة» (٨) ، تأمل هذه الحادثة، وكم فيها من الثناء والتشجيع وتقدير الكفاءات؛ ففي قوله: «وخير رجالتنا سلمة» إعلان للتكريم أمام مجمع من الصحابة. ثم إن في إعطائه سهمين مكافأة أيضاً وتقديراً لجهوده، ثم في إرداف النبي ﷺ له على الدابة زيادة في التكريم والتقدير له، ولك أن تتصور مقدار التكريم حين يُركبك القائد معه في مركبته الخاصة تسير بصحبته أمام الناس ـ كم سيضاعف هذا الثناء والتقدير من نشاطٍ في نفس سلمة أو أبي قتادة ﵄، بل كم سيحرك في نفوس الآخرين حين يكون المدح في محله!
إن كثيراً من القدرات، وكثيراً من أصحاب الكفاءات يصابون بالضمور، بل ربما يموتون وتموت مواهبهم وقدراتهم؛ لأنهم لا يجدون من يدفعهم بكلمة ثناء، أو يرفعهم بعبارة تشجيع.
إننا حين نثني على أصحاب القدرات لسنا نحفظ ونضمن جهد المجتهد منهم فحسب، بل إننا نحرك نفوساً ربما لا يحركها أسلوب آخر.......!!
- رابعاً: التدرج ومراعاة الحال:
حين نرجع إلى المعنى اللغوي للتربية نجد أن من معانيها النمو والزيادة، ومنه أيضاً التدرج (فالتربية جهود تراكمية، يرفد بعضها، بعضاً والزمن واضح في قولهم: تربى، وتنشأ، وتثقف؛ فالتنشئة والتغذية والتثقيف لا تكون أبداً طفرة ومرة واحدة، وإنما تتم على مراحل متتالية ... ) (١) ؛ وذلك لأن (للجوانب التي تتطلب التربية والإصلاح في النفس البشرية من الاتساع والتعدد والتنوع ما يجعلها في وقتٍ وجهدٍ أمراً عسيراً ومتعذراً) (٢) .
ثم إن المتربين والمتعلمين ليسوا على درجة واحدة من الفهم والإدراك، ولا على درجة واحدة في الحرص والرغبة.
وقد كان التشريع الذي نزل من عند الحكيم الخبير، يرعى التدرج وتمرين الناس على قبول الشرائع وترويضهم عليها؛ حيث خوطب الناس ابتداءً بالأهم فالأهم، فكان التأكيد أولاً على تحقيق التوحيد، حتى إذا استقرت نفوسهم أمروا بالفرائض ثم سائر الشرائع والأحكام. تقول عائشة ﵂: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا؛ لقالوا: لا ندع الزنا أبداً..» الحديث (٣) .
وكذا كان المنهج النبوي في التربية والتعليم يقوم على التدرج ومراعاة الحال.
- روى ابن ماجه عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيماناً» (٤) . كم نستعجل أحياناً في تعليم القرآن (حفظه) للأبناء والتلاميذ قبل تثبيت الإيمان في نفوسهم، كم رأينا ممن قارب إتمام القرآن حفظاً فانقطع وتغير سلوكه؛ لأن بناء الإيمان لم يتزامن مع الحفظ، إني بهذا الكلام أؤكد دور التربية والبناء الإيماني، ولا أقلل من أهمية الحفظ.
- وفي حديث ابن عباس ﵄ في بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن قال: إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا ذلك فأعلمهم أن الله افترض..... الحديث» (٥) .
- وإن من التدرج ومراعاة الحال في التربية والتعليم عدم تقديم ما حقه التأخير، وأن يُخَصَّ بالعلم أناسٌ دون غيرهم مراعاةً للفهوم وتقديراً للمصالح. روى البخاري في صحيحه قال: (باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا) وذكر تحته حديث أنس ﵁ قال: ذُكِر لي أن النبي ﷺ قال لمعاذ: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة» قال: ألا أبشر الناس؟ قال: لا؛ إني أخاف أن يتكلوا» (٦) .
قال العيني ﵀: (وفي الحديث بيان وجوب أن يُخَصَّ بالعلم الدقيق قومٌ فيهم الضبط وصحة الفهم، وأن لا يُبذل لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لتقصير فهمه) (٧) .
وروى البخاري (٨) في صحيحه عن علي بن أبي طالب معلقاً قال: حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ﷺ . وروى مسلم (٩) ، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» .
إن عملية التعليم والتربية ليست عملية استعراض يستعرض فيها المربي أو المعلم معلوماته، إنما هي صياغة متكاملة تحتاج في أولها إلى الأسس والمبادئ التي تصح بها النهايات وتكتمل، وكما قال شيخ الإسلام: (صحة البدايات تمام النهايات) .
وهكذا كانت طريقة الربانيين الذين امتدحهم الله فقال: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] . قال البخاري: قال ابن عباس ﵁: (الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) .
- ومما يدخل في مراعاة حال المتعلم أو المتربي إعطاء كل مرحلة ما يناسبها من العلم والتربية فـ (إن لكل مرحلة عمرية درجة من النضج، يصعب تجاوزها، كما أن لها مشكلات لا يمكن حلها إلا على نحو جزئي، ولذا فإن العجلة هي العدو الأول للتربية..هناك جوانب عديدة في شخصياتنا، لا ينضجها إلا الزمن..) (١٠) وكان ابن سيرين يقول:
إنك إن كلفتني ما لم أطق
ساءك ما سرك مني من خلق
إن بعض المربين قد يعمد في بعض المراحل العمرية إلى زيادة الجرعة وهذا أحياناً قد يحدث شيئاً من التشوه التربوي ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] .
- خامساً: الاستفادة من الأحداث:
كل يوم تطلع فيه الشمس تتجدد أحداث وتمر حوادث، وعلى المعلم اللبيب والمربي الحكيم أن يفيد من هذه الحوادث والأحداث في توجيه التعليم وتأكيد التربية كما هو حال النبي الكريم ﷺ :
- روى مسلم عن جابر ﵁: «أن رسول الله ﷺ مر بالسوق، داخلاً من بعض العالية (١١) ، والناس كَنَفتيه (أي جانبيه) فمرَّ بجَدْيٍ ميت أسك (١٢) ، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله! لو كان حيّاً كان هذا أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: فوالله! للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (١) . كم يتكرر علينا مثل هذا الحادث أو قريباً منه ثم لا نوليه أدنى اهتمام.
- وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم على النبي ﷺ سَبْيٌ؛ فإذا بامرأة من السبي تبتغي، إذا وجدت صبياً في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ : «أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا، والله! وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله ﷺ : لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها» (٢) .
كان يمكن أن يذهب هذا الحديث دون تعليق، لكن النبي الحكيم ﷺ أفاد منه أي إفادة؛ وهكذا ينبغي لنا، وحين نطيل التأمل في مثل هذا الحادث فإننا سنجد فيه فرصة للإفادة في جوانب أخرى؛ فكما أشار النبي ﷺ فيه إلى سعة رحمة الله؛ فإننا نجد فيه فرصة للتذكير بحق الوالدين، وتقلُّب الدنيا بأهلها؛ إلى غير ذلك.
وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا جلوساً ليلة مع النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، فافعلوا» (٣) .
كم نرى القمر ليلة البدر؟ كم نراه ونحن مع أولادنا أو مع طلابنا، ثم لا نجد فرصةً أن نُذَكِّر برؤية المؤمنين لربهم في الجنة؟ وكم يمكن أن نفيد من رؤية القمر مثلاً بالتذكير بالصلاة وعظمتها، وأنها نور (والصلاة نور) والتذكير بقيمة الجمال ومحبة الناس له؟ ولن نعدم توجيهاً لو أعملنا أذهاننا.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: «أُهديتْ لرسول الله ﷺ حُلَّةُ حرير، فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها، فقال ﷺ : أتعجبون من لين هذه؟ لَمَناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين» (٤) .
قد يقول قائل: إن هذا خبرُ غيبٍ جاء النبي ﷺ بطريق الوحي وليس لنا إلى ذلك سبيل، فنقول: نعم! ولكن لنا سبل أخرى، فنستطيع أن نُذَكِّر عند جمال الدنيا وحسنها بنعيم الجنة، وبنار الدنيا وعذابها عذاب الآخرة: «ناركم هذه التي يوقِد ابن آدم، جزء من سبعين جزءاً من حر جهنم» (٥) .
وقد كان هذا من طريقة بعض السلف ﵏: كان حممة ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وهرم بن حيان ﵀ يصطحبان أحياناً بالنهار، فيأتيان سوق الريحان، فيسألان الله الجنة ويدعوان، ثم يأتيان الحدادين فيتعوذان من النار، ثم يتفرقان إلى منازلهما» (٦) .
كثيراً ما نجلس ونحن نحيط بالنار نستدفئ أو نصنع طعاماً؛ فكم يمكن أن نستفيد من هذا الحادث؟ يمكن أن نقول للمتربين: أرأيتم النار كيف تلتهم الحطب؟ كذلك الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. ويمكن أن نقول ونحن نحس بالدفء إن هناك من المسلمين من يتقلب في العراء لا يجد له بيتاً يُكِِنُّه، ولا ناراً يستدفئ بها.
إن الحادث الواحد قد يكون فيه فرص للتوجيه في جوانب عدة. نعم! قد لا يكون من المناسب أحياناً استعراض جميع جوانب العبرة في الحادث، لكن علينا أن نأخذ منه أنفع وألصق شيء بالحال.
إن أي حادث يجري فإنه يمكن أن يفاد منه في التربية (والمربي البارع لا يترك الأحداث تذهب سُدى بغير عبرة وبغير توجيه. وإنما يستغلها لتربية النفوس وصقلها وتهذيبها. ومزية الأحداث على غيرها من وسائل التربية أنها تُحدِث في النفس حاله خاصة هي أقرب للانصهار. إن الحادثة تثير النفس بكاملها، وترسل منها قدراً من حرارة التفاعل والانفعال يكفي لصهرها أحياناََ، أو الوصول بها إلى قرب الانصهار ... والمثل يقول: اضرب والحديد ساخن؛ لأن الضرب حينئذ يسهِّل الطرق والتشكيل) (٧) .
وإن ما تمر به الأمة اليوم من حوادث وفتنٍ متتابعة ليعتبر من جهة أخرى فرصة لصياغة الشخصية المسلمة صياغة جادة ثابتة مثمرة، وأكبر شاهد على ذلك الجيل الفريد الذي رباه النبي ﷺ في خضم الحوادث والمحن قبل الهجرة في مكة وكذا بعد الهجرة في الحوادث التي زاغت بها الأبصار؛ ففي مثل تلك الأوضاغ الشديدة (كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوماً بعد يوم، وحدثاً بعد حدث، كانت هذه الشخصية تنضج وتنمو وتتضح سماتها ... ) (٨) .
وحين نطالب بالاستفادة من الأحداث فلسنا بذلك نريد التعنت والتكلف في توجيهها، بل نلفت النظر إلى أسلوب ناجع من أساليب التربية النبوية.
- سادساً: التبسط وإزالة الحواجز:
النفوس البشرية ضعيفة تحوي في داخلها مشاعر وعواطف، يجذبها المعروف، وتحب الأنس والتواضع، وتكره التعالي والتكلف، وتأنف الجفاء والعبوس وتقطيب الجبين. والتبسط وإزالة الحواجز بين المربي والمتربي كفيل بإيجاد بيئة مطمئنة تساعد في تسارع التعليم، وتطور التربية، واتساع مساحتها بشكل واضح، والناظر في هدي النبي ﷺ يجد ذلك واضحاً، ويرى الأثر الكبير الذي يحدثه هذا الأسلوب في النفوس.
- كان الرجل يأتي إلى مجلس رسول الله ﷺ لا يحجبه عنه بوابون يقول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: «ما حجبني رسول الله منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي» (١) . وكان ﷺ ربما أتاه الرجل لا يعرفه وقد أخذه الفزع يظن أنه يقدِم على الملوك، فيهون النبي ﷺ عليه ذلك؛ فعن ابن مسعود ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ رجل فكلَّمه فجعل ترتعد فرائصه فقال له ﷺ : هوِّن عليك؛ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد» (٢) .
بل لقد كثر توارد الناس على رسول الله ﷺ «حتى كان آخر حياته يصلي جالساً لمَّا حطمه الناس» (٣) . إن الناس لو كانوا يجدون وحشةً من رسول الله ﷺ لم يكونو يأتونه بهذه الجرأة ولا بهذه الكثرة. وحين يكون الوصول إلى المعلم أو المربي من الصعوبة بمكان فإن حلقات من التربية والتعليم في حياة المتعلم والمتربي ستكون مفقودة لصعوبة الاتصال.
إن الناظر في هدي النبي ﷺ وسيرته يرى صوراً كثيرةً من تبسُّطه ﷺ مع أصحابه مع كثرة أشغاله وجدية حياته، إنه مع ذلك يجد فرصة للمزاح معهم ومخالطتهم والدخول في أحاديثهم واستشارتهم وتسليتهم ومواساتهم. وإليك شيئاً من هديه ﷺ في ذلك:
- عن عثمان بن عفان ﵁ قال في خطبة له: «إنَّا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير» (٤) .
- وعن أنس ﵁ قال: «إنْ كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير: «يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» (٥) .
- روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل ﵁: «أن رسول الله ﷺ خرج بالناس قبل غزوة تبوك؛ فلما أن أصبح صلى بالناس صلاة الصبح، ثم إن الناس ركبوا؛ فلما أن طلعت الشمس نعس الناس على أثر الدلجة، ولزم معاذ رسول الله ﷺ يتلو أثره ... ثم إن رسول الله كشف عنه قِناعه، فالتفت فإذا ليس من الجيش رجلٌ أدنى إليه من مُعاذ فناداه، فقال: يا معاذ! قال: لبيك يا نبي الله! قال: أُذْنُ، دُونَكَ! فدنا منه حتى لَصِقت راحلتاهما إحداهما بالأخرى. فقال رسول الله ﷺ : ما كنت أحسب الناس مِنَّا كمكانهم من البُعد، فقال معاذ: يا نبي الله! نعس الناس، فتفرقت بهم ركابهم ترتع وتسير، فقال رسول الله ﷺ : وأنا كنت ناعساً. فلما رأى معاذ بُشرى رسول الله ﷺ وخلوته له قال: يا رسول الله! ائذن لي أسألك عن كلمة قد أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني! فقال نبي الله ﷺ : سلني عمّا شئت.... الحديث (٦) . بالتأكيد إن هذا السؤال عند معاذ كان حبيساً في نفسه منذ زمن، حتى إذا رأى انبساط النبي ﷺ ورأى البِشْر في محياه استدعاه ذلك إلى سؤال النبي ﷺ ؛ فكم في نفوس أبنائنا وطلابنا من أسئلة وإشكالات ومشاكل لو وَجَدت نفساً بسيطة وقريبة لا يجد المتربي أو المتعلم أدنى كُلفة في التعامل معها، أو نفساً منبسطة تجذب الناس إليها، وحين لا يجد المتربون والمتعلمون هذه النفوس فلا شك أنهم سيبحثون عن نفوس أخرى!
- وعن سِماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة ﵁: كنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم! كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر جلس في مصلاّه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه يذكرون الجاهلية، ينشدون الشعر ويضحكون، ويبتسم رسول الله ﷺ (٧) .
- عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس» (٨) .
قال مرعي بن يوسف الكرمي ﵀ في كلامه عن المزاح: (.. اعلم أيدك الله، أنه لا بأس بالمزاح الخالي عن سفساف الأمور وعن مخالطة السفلة ومزاحمتهم، بل بين الإخوان أهل الصفاء بما لا أذى فيه ولا ضرر، ولا غيبة ولا شَيْن في عرض أو دين، بل ربما لو قيل: يُندب، لم يبعُد، إذا كان قاصداً به حسن العُشرة والتواضع للإخوان، والانبساط معهم، ورفع الحشمة بينهم، من غير استهزاء أو إخلال بمروءةٍ أو استنقاص بأحد منهم) (٩) .
أفد طبعك المكدود بالجد راحةً
يجم وعلِّله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن
بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
- وحين ندعو إلى الانبساط وإزالة الحواجز مع المتعلم أو المتربي فلسنا نقصد بذلك أن يذوب المربي في شخصية المتربي، أو يذوب المعلم في شخصية المتعلم. مع العلم أن الذوبان وذهاب المهابة لا يقع إلا حين يتخلى المعلم أو المربي عن شخصيته الحقيقية ودوره الحقيقي، وعندها يتحول هذا الأسلوب (الانبساط وإزالة الحواجز) عن كونه سبباً لتحقيق أهداف التربية والتعليم إلى كونه شهوةً ورغبةً وإيناساً للنفس وموافقة للطبع لا غير.
- سابعاً: الإقناع:
الأصل أن يربى الناس على التسليم للأوامر بالفعل وللنواهي بالترك، لكن بعض النفوس أحياناً قد تكون شاردة تعيش حالة من التصميم حتى ولو كانت على خطأ، ولا يوقظ هذه النفوس إلا شيء من الإقناع، بردِّها للجادة، وتأكيد معاني الخير فيها.
- روى البخاري (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! وُلِدَ لي غلام أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم! قال: ما لونها؟ قال حمر. قال: هل فيها من أوْرق؟ قال: نعم! قال: فأنَّى ذلك؟ قال: نزعه عرق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق» . والملاحظ هنا في الإقناع النبوي الاستفادة من البيئة المحيطة، وكذا الاستفادة من البدهيات التي يؤمن بها المحاوَر، وهذا في حد ذاته من مؤكدات الإقناع.
- أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ قال: إن شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مَهْ مَهْ! فقال: ادنه! فدنا منه قريباً. قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا، والله! يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه؛ فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (٢) .
إن النبي ﷺ في هذا الحديث لم يكتفِ بدرجةٍ قليلة من الإقناع، بل مارس معه تأكيد الإقناع ـ إن صح التعبير ـ وكان يكفي قوله: أتحبه لأمك، لكنه عدد محارمه زيادة في الإقناع، ودلالة على أن ما قد يأتي من النساء لا تخلو أن تكون أماً لأحدٍ أو بنتاً أو عمة أو خالة.
وفي المسند عن أبي حذيفة عن عدي بن حاتم سمعه يقول: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: «يا عدي! أسلم تسلم» قلت: إني من أهل دين. قال: «أنا أعلم بدينك منك» فقلت: أنت اعلم بديني مني؟! قال: «نعم! ألست من الرَّكوسية، وأنت تأكل مرباع قومك؟» قلت: بلى! قال: «فإن ذلك لا يحل لك في دينك» قال: فلم يعْدُ أن قالها فتواضعت لها، قال: «أما إني أعلم ما الذي يمنعك عن الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب؛ أتعرف الحِيرة؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فوَ الذي نفسي بيده! ليُتِمَّنَ اللهُ هذا الأمرَ حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتُفتحَن كنوز كسرى بن هرمز» قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: نعم! كسرى بن هرمز، وليُبذلن المال حتى لا يقبله أحد» (٣) الحديث.
تأمل قوله ﷺ «أنا أعلم بدينك منك» فهو يحمل إشارة إلى أن من يقوم بالإقناع ينبغي أن يكون واسع المعارف كبير الفهم. وتأمل قوله ﷺ : «إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام..» فيه إزالة الموانع وتفتيت الحواجز ودحض الشبهات التي تقف أحياناً كثيرة أمام رقي المتعلم والمتربي.
- وعند البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسين بن علي ﵁ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه فقال ﷺ : «كِخْ، كِخْ» ليطرحها، ثم قال: «أما شعرتَ أنَّا لا نأكل الصدقة؟» (٤) .
يا ترى كم كان عمر الحسين بن علي ﵁ وقتئذ؟ لقد مات النبي ﷺ وعمر الحسين لم يجاوز الثامنة؛ ومع ذلك خاطبه ﷺ خطاب الكبار، ومارس معه الإقناع؛ فكأنه يقول له: أنا لم أخرجها من فمك شُحّاً أو طمعاً أو أن فيها ضرراً عليك ـ لا.. إن السبب أنَّا لا نأكل الصدقة.
حين تجد مع ابنك صورة محرمة أو تجد عليه لباساً بعيداً عن روح الإسلام؛ فإن جلسة إقناع تؤكد فيها شخصية المسلم وتميُّزه كافية في التغيير بإذن الله، وعلى أقل تقدير كافية في هز القناعات السابقة وزعزعتها، وهذا سيجعل فرصة التخلي عنها في المستقبل أكبر.
هذه بعض الأساليب النبوية في التربية والتعليم أحببت الإشارة إليها والوقوف معها لما لها من أثر في بناء النفس، وكلي أمل أن أكون أسهمت من خلال هذه الكتابة في تدعيم لبنات الإصلاح المنشود.
والله أعلم وهو يهدي السبيل