← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

حكم التداوي بالمحرمات أ. د. عبد الفتاح محمود إدريس التداوي من الأمراض قد يكون بأدوية مباحة، وقد يكون بأدوية محرمة. ومن الأدوية المحرمة: التداوي بالمواد المسكرة، أو المخدرة، أو التداوي بالذهب أو الفضة في حق الرجال، أو بلبس الحرير في حقهم كذلك، أو اتخاذ الأدوية النجسة أو الخبيثة، أو التداوي بسماع الغناء والمعازف، أو بالسم أو ما اشتمل عليه، أو نحو ذلك. وفي البداية أقرر اتفاق الفقهاء على حرمة التداوي بالمحرم مطلقاً، إذا لم تَدْعُ الضرورة إليه، بأن وجد البديل المباح الذي يغني عنه، أما إذا دعت إليه الضرورة فقد اختلف الفقهاء في حكم التداوي به على مذهبين: - المذهب الأول: يرى أصحابه جواز التداوي بالمحرم، على تفصيل بينهم في ذلك. إلى هذا ذهب بعض الحنفية؛ إذ يرون جواز الاستشفاء بالحرام إذا أخبر طبيب مسلم أن فيه شفاء للمريض، ولم يوجد دواء مباح يقوم مقامه في التداوي به من المرض، وما عليه مذهب الشافعية وقطع به جمهورهم هو جواز التداوي بالمحرمات بسبب النجاسة ـ غير المسكر ـ إذا لم يوجد طاهر يقوم مقامها في التداوي، وكان المتداوي عارفاً بالطب، يعرف أنه لا يقوم غير النجس مقامه في المداواة، أو كان يعرف ذلك من تجربة سابقة له مع المرض، أو أخبره طبيب مسلم بذلك، وأما الطاهرات المحرمة كالحرير ونحوه فيجوز التداوي به في أظهر قولين في المذهب، بالقيود السابقة في التداوي بالنجس، ومذهب الظاهرية جواز التداوي بالمحرم مطلقاً، إلا لحوم بني آدم، وما يقتل من تناوله، فلا يحل التداوي به وإن دعت إليه الضرورة (١) . - المذهب الثاني: يرى من ذهب إليه أنه لا يجوز التداوي بالمحرم. إلى هذا ذهب جمهور الحنفية، وهو مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية، وإليه ذهب الحنابلة (٢) . أدلة المذهبين: استدل أصحاب المذهب الأول على جواز التداوي بالمحرم بشرطه بما يلي: أولاً: الكتاب الكريم: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] . وجه الدلالة من الآية: أسقط الحق ـ سبحانه ـ تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة إليه؛ فكل محرم هو عند الضرورة حلال، والتداوي بمنزلة الضرورة، فيباح فيه تناول هذه المحرمات للتداوي بها استناداً إلى هذه الآية. ثانياً: السنة النبوية المطهرة: روي عن أنس ﵁ قال: «إن رهطاً من عرينة أتوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنا اجتوينا المدينة، وعظمت بطوننا، وارتهست أعضادنا، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا براعي الإبل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلحقوا براعي الإبل، فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم، ثم قتلوا الراعي وساقوا الإبل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث في طلبهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وأُلقُوا في الحرة يستسقون فلا يُسقَوْن» (١) . وجه الدلالة منه: رخص رسول الله ﷺ لهؤلاء القوم بشرب أبوال الإبل على سبيل التداوي مما أصابهم من مرض، وقد صحت أبدانهم بعد شربه، والتداوي ـ كما قال ابن حزم ـ بمنزلة الضرورة التي ترخص في تناول المحرم، ولا يعد تناوله في هذه الحالة محرماً؛ فإن ما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب (٢) . اعتُرض على الاستدالال به بما يلي: أ - قال العيني والمرغيناني: إن رسول الله ﷺ خص العرنيين بذلك، لما عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، فلا يحل تناوله لعدم تيقن الشفاء فيه، فلا يعرض على الحرمة، وهو كما خص الزبير بن العوام بلبس الحرير لحكة كانت به أو للقمل (٣) ، أو لأنهم كانوا كفاراً في علم الله تعالى، ورسول الله ﷺ علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس (٤) . أجيب عن هذا الاعتراض: قال ابن المنذر: من زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب؛ إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ويؤيد هذا تقرير أهل العلم استعمال الناس أبوال الإبل في أدويتهم قديماً وحديثاً، وعدم إنكارهم ذلك (٥) . رد هذا الجواب: قال ابن حجر: إن المختلف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدل ترك إنكاره على جوازه (٦) . ب - قال السرخسي: حديث أنس رواه قتادة عنه، وفيه أن رسول الله ﷺ رخص للعرنيين في شرب ألبان الإبل ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكر هذا في رواية حميد الطويل عنه، والحديث حكاية حال، فإذا دار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة، فإنه يسقط الاحتجاج به (٧) . ج - افترض العيني اعتراضاً حيث قال: إن أبوال الإبل كانت محرمة الشرب، فلا يجوز التداوي به (٨) ؛ لِمَا روي عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ـ تعالى ـ لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» (٩) ، وما روي عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام» (١٠) . أجيب عن هذا الاعتراض بما يلي: ١- قال البيهقي: هذان الحديثان ـ إن قيل بصحتهما ـ يُحمَلان على النهي عن التداوي بالمسكر، أو على التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة إلى التداوي به، جمعاً بينهما وبين حديث العرنيين (١١) . ٢- قال ابن حزم: إن الحديث الذي روي عن أم سلمة باطل؛ لأن في سنده سليمان الشيباني، وهو مجهول، وقد جاء اليقين بإباحة الميتة والخنزير عند خوف الهلاك من الجوع؛ فقد جعل الله ـ تعالى ـ شفاءنا من الجوع المهلك فيما حرم علينا في غير تلك الحال. ونقول: نعم إن الشيء ما دام حراماً علينا فلا شفاء لنا فيه، فإذا اضطررنا إليه فلا يحرم علينا حينئذ، بل هو حلال، فهو لنا حينئذ شفاء، وهذا ظاهر الخبر (١) . ٣ - قال بعض العلماء: إن حديث أم سلمة وقع جواباً لمن سأل عن التداوي بالخمر وغيره من سائر المسكرات، فلا يجوز إلحاق غير المسكر به؛ لأن شرب المسكر يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف ذلك (٢) . رد جواب هؤلاء بما يلي: ١- قال العيني: حديث أم سلمة أخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه، وسليمان الشيباني أحد الثقات، وقول من يدعي خصوصية هذا بالخمر قول مردود؛ لأن دعوى الخصوصية لا تسمع إلا بدليل، والجواب القاطع عن هذا: أن حرمة التداوي بالمحرم محمول على حال الاختيار، وأما في حال الاضطرار فلا يكون حراماً، كتناول الميتة في المخمصة، والخمر عند العطش وإساغة اللقمة (٣) . ٢ - قال الشوكاني: إن قصر النهي عن التداوي بالمحرم على الخمر فقط، قصر للعام على السبب بدون موجب، والمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب، وأما النهي عن التداوي بالمحرم فهو محمول على التداوي به حال الاختيار، وأما في حال الضرورة فلا يكون حراماً، كإباحة تناول الميتة للمضطر؛ فالنهي عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها، والإذن بالتداوي بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة وإن كان حراماً، ولو سلم بهذا فالتداوي إنما وقع بأبوال الإبل خاصة، فلا يجوز إلحاق غيره به، لما ثبت من حديث ابن عباس مرفوعاً: «إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم» (٤) ، ولا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه (٥) . استدل أصحاب المذهب الثاني على حرمة التداوي بالمحرم بما يلي: أولاً: الكتاب الكريم: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وجه الدلالة من الآية: أفادت هذه الآية أن الشارع حرم تناول كل خبيث، ولو كان هذا لأجل التداوي به، سواء كان خبثه لنجاسته أو لغيرها. ثانياً: السنة النبوية المطهرة: ١ - روي عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» . ٢ - روي عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام» . وجه الدلالة منهما: بيَّن رسول الله ﷺ في حديث أم سلمة، أن الله ـ تعالى ـ لم يجعل فيما حرمه على هذه الأمة شفاء مما يصيبها من الأدواء، فدل على عدم جواز التداوي بالمحرم؛ لأنه لا أثر له في الشفاء من الأمراض، ونهى رسول الله ﷺ في حديث أبي الدرداء عن التداوي بالمحرم، والنهي يفيد التحريم عند الإطلاق؛ لأنه حقيقته، فأفاد كسابقه حرمة التداوي بالمحرم، سواء كانت حرمته بسبب نجاسته أو استقذاره أو غير ذلك. اعترض على الاستدلال بهما بما سبق أن اعترض به عليهما، وأجيب عن هذه الاعتراضات بما أجيب به عليها من قبل (٦) . وقد تأول بعض العلماء هذين الحديثين بما يلي: أ - قال النووي: إن النهي عن التداوي بالمحرم في حديثيْ أم سلمة وأبي الدرداء، محمول على حال عدم الحاجة إلى التداوي به، بأن يكون هناك من الأدوية المباحة ما يقوم مقام المحرم في التداوي به (١) . ب - قال البيهقي: إن هذين الحديثين إن صحا فإنهما يحملان على النهي عن التداوي بالمسكر، أو التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة، ليكون جمعاً بينهما وبين حديث العرنيين (٢) . تعقب الشوكاني قوله هذا: قال: لا يخفى ما في هذا الجمع من التعسف؛ فإن أبوال الإبل يمنع الخصم اتصافها بكونها حراماً أو نجساً، وعلى فرض التسليم بذلك فالواجب الجمع بين العام، وهو تحريم التداوي بالحرام، وبين الخاص وهو الإذن بالتداوي بأبوال الإبل، بأن يقال: يحرم التداوي بكل حرام إلا أبوال الإبل، هذا هو القانون الأصولي (٣) . ج - قال العيني: «الجواب القاطع أن الحكم الذي جاء به حديث أم سلمة (وفي حكمه حديث أبي الدرداء) من حرمة التداوي بالمحرم، محمول على حالة الاختيار، وأما حالة الاضطرار فلا يكون حراماً، كتناول الميتة في المخمصة، والخمر عند العطش وإساغة اللقمة، وقال ابن رسلان والشوكاني بمثل ذلك» (٤) . د - قال ابن البزار: إن حديث أم سلمة ﵂ فيه نفي الحرمة عن الدواء المحرم، إذا علم أن فيه شفاء، ولم يوجد ما يقوم مقامه من الأدوية المباحة، ومعنى هذا الحديث وفقاً لذلك: إن الله أذن لكم بالتداوي، وجعل لكل داء دواء؛ فإذا كان في ذلك الدواء شيئاً محرماً، وعلمتم به الشفاء، فقد زالت حرمة استعماله؛ لأنه ـ تعالى ـ لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (٥) . هـ - قال ابن عابدين: «إن معنى «لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» : يحتمل أن يكون هذا القول قد قيل في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغنى بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تتكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشفاء بالحرام، وإنما يكون بالحلال» (٦) . ٣ - روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عند الدواء الخبيث» (٧) . وجه الدلالة منه: أفاد هذا الحديث حرمة التداوي بالدواء الخبيث، وقد اختلف العلماء في المراد بالدواء الخبيث، فقال الحاكم: هو الخمر بعينه بلا شك، وقال الترمذي وابن ماجة: هو السم، وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون هو الدواء المكروه الذي تنفر النفس عنه، لما فيه من المشقة، والعوض عنه موجود. ويحتمل أن يريد به ما يجمع الضار والنافع كالترياق، ويحتمل أن يريد به الخمر، ويحتمل أن يريد به ما تستعمله العامة من الأدوية المجهولة، مما تسقيه أو تكتب فيه، توهم الناس أنه علم وهو سخافة وتلاعب، أو مما يعلقونه: كالخرز والودع، وقال الخطابي: قد يكون خبث الدواء من وجهين: أحدهما خبث النجاسة، وهو أن يدخله المحرم كالخمر ونحوها من لحوم الحيوانات غير المأكولة اللحم، وقد يصف الأطباء بعض الأبوال وعذرة بعض الناس لبعض العلل، وهي كلها خبيثة نجسة، وتناولها محرم، إلا ما خصته السنة من أبوال الإبل، وسبيل السنن أن يقر كل شيء منها في موضعه، وألا يضرب بعضها ببعض، الوجه الثاني: أن خبث الدواء قد يكون من جهة الطعم والمذاق، ولا ينكر أن يكون قد كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع، ولتكره النفوس إياه، والغالب أن طعوم الأدوية كريهة ولكن بعضها أيسر احتمالاً وأقل كراهة من بعض (٨) ، فإذا كان المراد بالدواء الخبيث هو المحرم أو المشتمل عليه، فإن هذا الحديث دليل على حرمة التداوي بالمحرم. تأول بعض العلماء هذا الحديث: أ - قال النووي: «إن النهي عن التداوي بالدواء الخبيث محمول على الحال التي لا تكون فيها ضرورة إليه، بأن يكون هناك دواء غير خبيث يغني عنه ويقوم مقامه» (١) . ب - قال البيهقي: «إن هذا الحديث إن قيل بصحته، محمول على النهي عن التداوي بالمسكر، أو على التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة، ليكون جمعاً بينه وبين حديث العرنيين (٢) . تعقب الشوكاني قوله هذا بما تعقب به هذا القول من قبل» (٣) . ثالثاً: قول الصحابي: ١ - روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «إن الله ـ تعالى ـ لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (٤) . وجه الدلالة منه: نفي هذا الخبر أن يكون فيما حرم الله ـ سبحانه ـ على هذه الأمة شفاء، فدل هذا على عدم جواز التداوي بالمحرم. تأول بعض العلماء هذا الخبر: قال ابن عابدين والبابرتي: قول ابن مسعود هذا يحتمل أن يكون قد صدر عنه في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغنى بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تنكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشفاء بالحرام، وإنما يكون بالحلال (٥) . ٢- روي عن نافع مولى ابن عمر ﵃ قال: «كان ابن عمر إذا دعا طبيباً يعالج بعض أهله اشترط عليه أن لا يداوي بشيء مما حرم الله » (٦) . وجه الدلالة: أفاد هذا الأثر أن ابن عمر ﵄ كان لا يرى جواز التداوي بالمحرم، ومثل هذا لا يكون منه إلا عن توقيف؛ لأنه لا مدخل للرأي فيه. رابعاً: المعقول: ١- إن الله إنما حرم ما حرمه على هذه الأمة لخبثه، حماية وصيانة لها عن تناوله؛ فلا يناسب هذا أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل؛ فإنه إن أثر في إزالتها أعقب سقماً أعظم منها في القلب، بقوة الخبث الذي فيه؛ فمن يتداوى به يكون قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب (٧) . ٢ - إن مقتضى تحريم شيء تجنبه والبعد عنه، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته، وهذا يخالف مقصود الشارع (٨) . ٣ - إن الدواء المحرم خبيث، ويكسب نفس المتداوي به صفة الخبث؛ لأن النفس تتأثر بكيفية الدواء تأثراً بيناً؛ فإذا كانت كيفيته خبيثة اكتسبت النفس منه خبثاً (٩) . ٤ - إن في إباحة التداوي بالمحرم ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها، مزيل لأسقامها، وكانت تميل إليه؛ فهذا أحب شيء لها، وقد سد الشارع الذريعة إلى تناوله بكل ممكن، وثمة تعارض وتناقض بين سد الذريعة إلى تناوله وفتحها (١٠) . المناقشة والترجيح: إن الذي تركن النفس إليه من هذين المذهبين ـ بعد الوقوف على أدلتهما، وما اعترض به على بعضها، وما أجيب به عن بعض هذه الاعتراضات ـ هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول، من جواز التداوي بالمحرم في الجملة، إذا ثبت أن فيه دواء لداء معين، ولم يوجد دواء مباح يقوم مقامه في التداوي به من هذا الداء، ووصف الدواء المحرم طبيب مسلم عدل ثقة حاذق بالطب، أو كان المريض يعلم أنه لا ينفع في مرضه إلا هذا المحرم، لمعرفته بالطب، أو لتجربة سابقة له مع هذا المرض، ولم يكن في التداوي به ـ والحال هذه ـ اعتداء على حياة محقون الدم أو صحته، وكان الغالب من استعمال هذا الدواء السلامة لمن استعمله، وذلك لما استدل به أصحاب المذهب الأول من الكتاب الكريم والسنة المطهرة. وأما ما استدل به أصحاب المذهب الثاني على حرمة التداوي بالمحرم فإنها محمولة على التداوي به في غير حال الضرورة إليه، كما قال ابن عابدين والبابرتي والعيني والبيهقي والنووي وغيرهم، أو أن الحرمة تزول عند الحاجة إلى استعمال الدواء المحرم، فلا يكون التداوي في هذه الحالة بمحرم، وإنما يكون بالحلال كما قال ابن البزاز وابن حزم وغيرهما، وحل التداوي به في هذه الحالة لا يقتضي الترغيب فيه وملابسته كما يقول أصحاب هذا المذهب؛ وذلك لأنه لا يتداوى به إلا عند الضرورة إليه، وهي حال نادرة التحقق، وإذا تحققت فلا تقتضي دوام ملابسته، للاقتصار منه على ما تندفع به الضرورة.

стр. 5182

سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله (٢ ــ ٢) محمد بن شاكر الشريف في عدد ذي القعدة تناول الكاتب بعضاً من سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله، فذكر منها: مراعاة الظروف والأحوال المحيطة ببيئة الدعوة، ومراعاة المصالح والمفاسد، والحرص على هداية المدعوين. ويواصل الكاتب في هذا المقال ما بدأه في المقال المشار إليه. - فمن سياسته ﷺ في الدعوة إلى الله: ٤ - عدم التقيد بالأرض: فقد تضيق أرض الأوطان على رحابتها بالدعاة إلى الله بحيث يحاصَرون من كل جهة، فلا يتمكنون من الدعوة أو تبليغ الأمانة التي ائتمنهم الله ـ تعالى ـ على تبليغها لخلقه، وقد لا يقف الأمر عند حدود المنع والتضييق، بل يتعداه إلى أن يأتمر أهل الظلم والضلال بالدعاة ليقتلوهم أو يخرجوهم وينفوهم من ديارهم أو يحبسوهم رجاء فتنتهم وردهم إلى الجاهلية التي أنقذهم الله منها، وقد سجل القرآن الكريم هذه الأساليب كلها في محاربة المشركين لرسول الله ﷺ حيث يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية والإثبات هو الحبس والقيد والإخراج هو النفي والطرد والإبعاد، والقتل معروف وإذا لم تسمح لهم الأحوال باتباع تلك الأساليب لمنع الداعية من الدعوة إلى الله، أو لقوة الركن الذي يركن إليه من قبيلة أو عرف أو نظام، أو لعدم مواتاة الظروف لاتباع ذلك المنهج؛ فإنهم يعمدون إلى فتنة الداعية بالإغراء كي يحولوه عن طريقته، وقد سجل أيضاً القرآن الكريم هذا الأسلوب؛ حيث يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] الآية؛ فماذا يفعل الداعية إزاء هذا الوضع الحرج؟ هل يستسلم لذلك ويركن إلى بعض القواعد الفقهية ويتكئ عليها بغير ضوابطها الصحيحة كما يفعل ذلك بعض الناس الذين صعبت عليهم تكاليف الدعوة حتى يسوِّغ لنفسه مداهنتهم وترك مدافعتهم؟ إن للدعاة في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة في كل شأنهم: في العبادة، والدعوة، وفي السياسة وفي كل شيء. لقد عانى الرسول الكريم ﷺ أشد المعاناة من إيذاء المشركين له في مكة المكرمة حتى قاطعوه هو وعشيرته وحاصروهم في الشعب حتى لم يجدوا ما يأكلونه، وضيقوا عليه كل التضييق، وحاصروه أشد المحاصرة حتى يحولوا بينه وبين لقاء الوفود ودعوتهم إلى الله؛ فماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ كان ﷺ يسعى إلى مقابلة الحجيج وعُمَّار بيت الله وزواره، وكان يجتهد في المحافظة على سرية هذه اللقاءات حتى لا يسعى المشركون في إفسادها، ولم يستسلم رسول الله ﷺ لذلك، بل حاول في اتجاه آخر هو الخروج بالدعوة من الحصار الذي فرض عليها، فقام برحلته المشهورة إلى الطائف على رجليه والتي تبعد عن مكة قرابة ثمانين كيلو متراً كل ذلك في سبيل أن يكسر الطوق المضروب حول الدعوة، وهو ما يعني أن المسلم لا يجوز له أن يتضعضع أمام الواقع ويستسلم له ولا يبحث عن مخارج أخرى، بل عليه السعي والبحث، وكلما لاح له بارق أمل فعليه أن يسلك السبيل إليه مهما كان في ذلك من مشقة، ولما بلغ الطغيان بالمشركين مبلغاً عظيماً يفوق قدرة بعض المسلمين أذن لهم رسول الله ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، وبقي هو ومن يمكنه البقاء من المسلمين في مكة يواصلون مهمة الدعوة إلى الله إلى أن طفح الكيل بالكفار، ولم يعودوا قادرين على تحمل بقاء الرسول ﷺ بين أظهرهم، فعزموا على قتله، ووضعوا الخطة لذلك وشرعوا في تنفيذها، عندها لم يعد البقاء في مكة والحالة هذه يرجى منه تحقيق نفع للدعوة، وأصبح البقاء في هذه الحالة من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة أو من قبيل تقديم حب الأوطان والديار على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، وكِلا الأمرين ممنوع في دين الله؛ فقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] كما قال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] ، وهذا يبين لنا جانباً من سياسة الرسول ﷺ في عدم التمسك بالأرض والتقيد بالوطن على حساب الدعوة، وإذا نظرنا نظرة إجمالية في ذلك فسنجد أن الرسول ﷺ ظل يدعو في مكة ثلاث عشرة سنة، ولم يترك مكة مع أول صدود أهلها أو مع تأخرهم وإبطائهم في الاستجابة، وهو ما يبين أن من السياسة الشرعية في الدعوة ألا يستعجل الداعية إيمان الناس واهتداءهم، بل عليه أن يبذل وأن يقدم ما دام هناك تقبل واستجابة ولو كان ذلك بطيئاً أو ضعيفاً؛ فإن الداعية لو كان كلما استعصت عليه محلة تركها، وذهب إلى غيرها لم يكد يستقر به المقام ولم يكد يحقق شيئاً، وسيظل ينتقل من مكان إلى مكان من غير فائدة أو جدوى؛ إذ غالبية الناس تظل فترة على المتابعة والتقليد لما وجدوا عليه آباءهم، ولا يتحولون عن ذلك إلا بعد جهد جهيد ومتابعة ومثابرة من الدعاة، ولذلك فإن الرسول ﷺ ظل مثابراً على المقام في مكة وهو يواصل الدعوة بكل ما أمكنه من سبيل، ولم يخرج منها إلا مكرهاً كما بين ذلك بقوله عن مكة حرسها الباري: «واللهِ إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» (١) . ومن الأمور التي ينبغي التفطن لها أن تكوين الرجال في مثل تلك البيئة المخالفة للدعوة المشاقة لها رغم صعوبته ومشقته، لكنه يأتي في الغالب الأعم بعظماء الرجال؛ لأنه لا يصبر على تلك الأحوال أو لا يستجيب للدعوة في ذلك الحين إلا من رسخ الإيمان عنده حتى صار مثل الجبل في ثباته ورسوخه، ولك أن تقيس ذلك بما كان عليه إيمان المهاجرين الأولين وثباتهم في الدين، ويتبين هذا من أن النفاق لم يظهر فيمن استجاب للدين في مكة بعكس من استجاب للدين عند ظهوره وفشوه؛ فقد ظهر فيهم النفاق لأنه في مثل هذه الحالة يدخله الصادق الذي يرجو الله والدار الآخرة كما يدخله المنافق الذي يطمع في الحصول على المميزات، وأما عند الشدائد فلا يدخل إلا الصادقون، وقد نجحت تلك السياسة التي اتبعها الرسول ﷺ في الحفاظ على الدعوة وعلى الدعاة. أما الدعاة فلم يحمّلهم ما لا يطيقون، ولم يجعل ارتباطهم بالأرض والوطن مما يُحرص عليه إن أضر بدينهم، بل سمح لمن لا تسمح له أوضاعه القبلية بالحماية أو المنعة بالخروج إلى الهجرة أو الإسرار بالدين إلى حين الظهور والغلبة، وأما الحفاظ على الدعوة فبالمرابطة والتواجد وعدم إخلاء الساحة عند الشدة (ما لم تصل إلى حد القضاء على الدعاة وإفنائهم) ؛ فالفئة التي لم تستطع تحمل الأذى خرجت إبقاء وحفاظاً عليهم، والفئة القادرة على التحمل بقيت للقيام بالواجب، إلى أن وجد المسلمون أرضاً تقلهم (المدينة) وجماعة تؤويهم وتحميهم (الأنصار) فانتقلوا إليها بكليتهم؛ فالأرض كلها لله والمسلم يبذر بذرة في الأرض التي تقبلها حتى تؤتي أكلها: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] ، فإذا ضُيِّق على الدعاة في أوطانهم ولم يعد لهم إمكانية الدعوة لدين الله رغم توسلهم لذلك بمختلف السبل؛ فإن أرض الله واسعة ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] . وبهذا يتبين أن الهجرة في سبيل الله عندما تسد السبل على الدعاة، وكذلك البقاء والقيام بالدعوة عندما يكون هناك أمل أو احتمال في الاستجابة كلاهما يتكامل في بيان معنى من معاني الجهاد والاجتهاد في تحقيق مرضاة الله؛ فليس المهاجر في سبيل الله الذي يترك وطنه ومسقط رأسه ليحافظ على دينه جناناً خوافاً خرج فاراً بنفسه تاركاً ما وجب عليه من الدعوة إلى الله، وليس من بقي بين القوم يدعوهم إلى الله متهوراً هجاماً على الأمور لا يقدرها حق قدرها، غير أن ترك الأوطان والهجرة منها ليس قدراً محتوماً في مسير الدعوات، وأنه ينبغي على كل داعية أن يهاجر من بلده كما هاجر رسول الله ﷺ وغيره من الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ وإنما هي سياسة جزئية يُلجأ إليها عند الحاجة، وإلا لو قُدِّر أن أهل البلدة استجابوا للدعوة لم يكن هناك ما يسوِّغ الخروج، بل الخروج في هذه الحالة يعد تفريطاً وتضييعاً للدعوة وإماتة لها، فلو أن أهل مكة آمنوا بالرسول لَمَّا دعاهم إلى الله من أول الأمر وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أُنزل معه لم يكن الرسول ﷺ ليهاجر ويخرج من مكة، ويدل على ذلك قوله ﷺ الذي تقدم: «ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» . ٥ - تقديم الأصول على الفروع: ومن السياسة في الدعوة إلى الله تقديم الأصول على الفروع؛ إذ الفرع الذي لا أصل له مقطوع مبتوت وإن طال به الزمن، وتقديم ما يلزم وجوده لصحة الأقوال والأفعال على الأقوال والأفعال نفسها، وهذا يتبادر لكثير من الناس أنه أمر منطقي لا ينبغي الاختلاف حوله أو العمل بغيره، لكن عند التطبيق نجد هذا الأمر مهملاً في كثير من الحالات، وقد أشار إلى هذه السياسة وصية الرسول ﷺ لمعاذ ﵁ عندما أرسله إلى اليمن داعياً، فقال له: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله؛ فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم تُرَدُّ على فقرائهم؛ فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقَّ كرائم أموال الناس» (١) ، وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم: «فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم ... » الحديث؛ ففيه تقديم عبادة الله وتوحيده والإيمان برسوله ﷺ على الصلاة والزكاة وسائر فروض الإسلام؛ إذ لا يصح شيء من أداء هذه الفرائض إلا بعد الإيمان، ومن هنا قدم الرسول ﷺ في تعليمه لمعاذ في كيفية الدعوة أن يدعو أولاً إلى الأصل الذي تتوقف عليه صحة الأشياء قبل الأشياء نفسها؛ إذ لا فائدة منها إذا لم تعتمد على الأصل الذي يصححها، وفي هذا السياق تقول عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ عن القرآن: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار؛ حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده» (٢) . قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث قَوْله: (نَزَلَ الحلال والحرام) أَشَارَتْ إِلَى الحِكْمَة الْإِلَهِيَّة فِي تَرْتِيب التَّنْزِيل، وَأَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد، وَالتَّبْشِير لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُطِيع بِالْجَنَّةِ، وَلِلْكَافِرِ وَالْعَاصِي بِالنَّارِ؛ فَلَمَّا اِطْمَأَنَّتْ النُّفُوس عَلَى ذَلِكَ أُنْزِلَتْ الْأَحْكَام؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: «وَلَوْ نَزَلَ أَوَّل شَيْء: لَا تَشْرَبُوا الْخَمْر لَقَالُوا: لَا نَدَعهُا» وَذَلِكَ لِمَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ النُّفُوس مِن النَّفْرَة عَنْ تَرْك الْمَأْلُوف» اهـ. فالالتزام بما جاء في الشرع عن الحلال والحرام والواجبات وغيرها يحتاج إلى قاعدة الإيمان؛ لذلك تأخر تشريع ذلك حتى استمكن الإيمان في القلوب، وهذه السياسة مما ينبغي على الدعاة مراعاتها في الدعوة إلى الله، فإنسان مثلاً يدعو غير الله ويستغيث به وهو في الوقت نفسه واقع في بعض البدع؛ فوجِّه همتك إلى نهيه عن الشرك واستغرق وقتك حتى يقلع عنه أو يتوب، ولا تصرف جهدك إلى نهيه عن البدع مع إقامته على الشرك؛ إذ ما الفائدة من تركه للبدعة وهو مقيم على الشرك؟ وإنسان تارك لبعض الواجبات لا تشغل نفسك بالحديث معه في بعض السنن، بل وجه همتك إلى الواجبات التي تركها؛ فإنه لو أطاعك واستمع لنصحك لكنت بذلك قد رحمته وسعيت في الخير له، وإذا تزاحم عليك أمران بحيث لم تتمكن من الجمع بين بهما فقدم الدعوة إلى ما يُعَدُّ أصلاً، ولا تشغل نفسك بالفرع، وإذا كان الأمران مما يعدان من الأصول فقدم أعلاهما منزلة، وإذا كانا في المنزلة سواء أو قريباً من السواء فقدم ما لا يحتمل التأخير ويضيع بخروج الوقت عما لا يضيع بالوقت أو كان وقته موسعاً، وإذا كانا في ضيق الوقت وسعته سواء فقدم المتفق على حكمه بين أهل العلم عما اختلفوا فيه؛ وهذا رسولنا ﷺ كان يخطب المسلمين وبينما هو على تلك الحالة إذ جاءه رجل فقال: «يا رسول الله! رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه. قال: فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتي بكرسي حسبت قوائمه حديداً، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها» (٣) ، فلما أخبر الرجل بأنه لا يدري ما دينه كان أوْلى ما يشتغل به الرسول ﷺ هو تعليم الرجل دينه، ولذلك ترك الخطبة وأقبل عليه يعلمه ولم يؤخر ذلك حتى ينتهي من الخطبة. قال النووي في شرح الحديث: «وَفِيهِ الْمُبَادَرَة إِلَى جَوَاب الْمُسْتَفْتِي وَتَقْدِيم أَهَمّ الْأُمُور فَأَهَمّهَا، وَلَعَلَّهُ كَانَ سَأَلَ عَن الإيمان وَقَوَاعِده الْمُهِمَّة. وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ يَسْأَل عَن الإيمان وَكَيْفِيَّة الدُّخُول فِي الإسْلام وَجَبَ إِجَابَته وَتَعْلِيمه عَلَى الْفَوْر» اهـ. وهكذا لا بد من مثل هذه الموازنات عندما لا يمكن تحقيق الجميع مرة واحدة، ولا يعني تأخير الحديث عن شيء أو السكوت عنه إباحة له؛ وإنما لأن هذا هو المتاح أو المقدور عليه أو الذي يقود إلى ما بعده، وقد يظن بعض الناس أن من الحكمة أو الحنكة أو السياسة وحسن التصرف واللباقة موافقة القوم على بعض ما عندهم من الباطل وعدم مواجهتهم بما يكرهون لإزالة الوحشة ولجعل الناس تُقبل على الدعوة وتقبل ما فيها، ثم يقولون: وبعد أن يرسخ الإيمان في قلوبهم يمكن نهيهم عما سبق موافقتهم عليه من الأخطاء، وهذا يعد من السياسة بمقتضى النظر العقلي الذي يتعارض مع النصوص الشرعية، ثم إنه قد يؤدي في النهاية وبمرور الزمن إلى ترسيخ تلك الأخطاء، وقد لا يجد الدعاة الفرصة المناسبة بعد ذلك لتصحيح تلك الأخطاء، فتظل عالقة بدعوتهم عند الناس، وهنا لا بد من التفريق بين السكوت عن النهي عن الشيء، أو السكوت عن الأمر به وبين الموافقة عليه وإقراره؛ فإن السكوت مما يمكن تحمله إذا لم تكن ظروف الدعوة تسمح بالجهر، أما الإقرار والموافقة على الباطل أو الخطأ فليس هناك ما يسوغه من أدلة الشريعة، بل الأدلة كلها على خلاف ذلك. ٦ - العناية بالأسباب مع عدم الاعتماد عليها: الداعية إلى الله يقوم بتلك المهمة انطلاقاً من التزامه بما شرع الله وحباً لهداية الناس إلى الخير، فتدفعه شفقته ورحمته إلى بذل الجهد في ذلك لكنه مع ذلك قد تعترضه بعض العوائق التي تحول بينه وبين مراده أو قد تضعف من همته في متابعة ذلك، وقد تكون بعض هذه العوائق مما يمكن التغلب عليها أو التقليل من تأثيرها عن طريق اتخاذ بعض السبل والوسائل التي تعين على ذلك، لكن هناك من الناس من يظن أنه ما دام يدعو إلى الله ابتغاء وجهه فإنه لا يحتاج إلى الأسباب وأن الله ناصر دعوته، وكأن هذا الشخص يرى أنه يجب على الله ـ تعالى ـ نصره بمجرد الدعوة إليه ولو مع ترك الأسباب، وهذا تصور غير صحيح ومما يبين عدم صحة إهمال الأسباب سياسة الرسول في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ فمن ذلك كانت دعوة الرسول ﷺ في أولها سرية؛ فقد ظل يدعو إلى الله في سرية ثلاث سنوات (ما يقابل ١٣% من سني الدعوة) حتى لا يعرضها في أول أمرها إلى مواجهات حادة مع المشركين لا يستطيع تحملها كثير من الناس وفي ذلك أخذ بالأسباب وعدم إهمالها، وعندما كان يطوف على الناس في المواسم ويطلب النصرة ويقول: «من يؤويني، من ينصرني حتى أبلِّغ رسالة ربي» (١) ، فكان يبحث عن الناصر؛ وهذا من الأخذ بالأسباب ولم يقل إني أدعو إلى ربي على بصيرة، ولا عليَّ إذا لم آخذ بالأسباب أو أبحث عن النصير. إن ترك تحصيل الأسباب المقدور عليها التي خلقها الله ـ تعالى ـ يعد تقصيراً يلام عليه العبد بحسب ما عنده من التقصير. وعند النظر في سيرة الرسول ﷺ منذ بداية الدعوة وحتى وفاته ﷺ نجد أن العناية بالأسباب والأخذ بها وعدم التفريط فيها كان ديدناً له ﷺ ؛ فعندما جاءه الأنصار يبايعونه عند العقبة أخذ عليهم: «وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم» (٢) ، ومن ذلك أيضاً عندما عزم على الهجرة مع أبي بكر ﵁ استأجر دليلاً خِرِّيتاً (أي ماهراً عارفاً بالطُرُق) يقود بهم ويدلهم على الطرق التي يستطيعون بها الخروج من غير أن يلحق بهم المشركون، والأمثلة على ذلك كثيرة. لكن العناية بالأسباب والأخذ بها لا يعني التوكل عليها أو الاعتماد؛ فإن التوكل والاعتماد إنما يكون على خالق الأسباب الذي جعل الأسباب أسباباً، وهو ـ سبحانه ـ قادر على أن يمنع الأسباب من أن تنتج نتائجها إذا شاء ذلك، وفي قصة الهجرة المتقدمة وعلى الرغم من الأسباب التي أخذ بها الرسول ﷺ إلا أن الكفار من تتبعهم للأثر ومن متابعة الرصد أوشكوا على التوصل إلى مكان الرسول ﷺ وصاحبه؛ وهنا يظهر عون الله خالق الأسباب ومسبباتها ودفاعه عن المؤمنين؛ إذ يمنع الكفار من التوصل إلى الرسول الكريم ﷺ وصاحبه ﵁ وتفصيل القصة معروف. وكما في قصة إبراهيم ﵇ عندما أراد قومه أن يحرقوه فأبطل الله السبب، ومنع النار من الإحراق: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] . وهذا موسى ﵇ عندما أراد فرعون وجنوده أن يقتلوه هو ومن آمن معه، ولما لم تكن به قدرة على مواجهته أخذ بالأسباب المقدورة له وهي الخروج بمن آمن معه من مملكة فرعون، ولما تبعه فرعون وجنوده ولم تعد لموسى ﵇ حيلة في ذلك ألغى الله الأسباب، وجعله يُعْبُرُ هو ومن آمن معه البحر بالآية التي جعلها له: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . فالأخذ بالأسباب كان مَعْلَماً بارزاً من سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله تعالى. ومع الأخذ بالأسباب وإحكامها وعدم التقصير فيها فلا بد من التوكل على الله والاعتماد عليه والاستعانة به واللجوء إليه؛ فإن الأسباب لا تفعل من تلقاء نفسها، وإنما بجعل الله لها تلك الخاصية؛ وهذا رسولنا الكريم في غزوة بدر بعدما أعد العدة ونظم الجيش لجأ إلى الله يدعوه ويكثر من الدعاء حتى أشفق عليه صاحبه أبو بكر من كثرة دعائه، وهذا عمر ﵁ يقص علينا ما كان من خبر ذلك الموقف فيقول: «لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض؛ فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك..» (١) الحديث. فإعداد العدة وأخذ الأهبة والتوسل بالأسباب لا يمنع من الدعاء واللجوء إلى الله مسبب الأسباب، وكذلك اللجوءُ إلى الله ودعاؤه، واعتقاد أن النصر من عنده، وأنه الخالق لكل شيء، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا يمنع من الاجتهاد في الأخذ بالأسباب وإعداد العدد المناسبة لكل أمر يراد الدخول فيه، بل هما أمران يتكاملان في فهم المسلم وتصوره. ٧ - الاستفادة من أوضاع المجتمع: قد يحدث أن تكون هناك أوضاع في المجتمع يمكن الاستفادة منها في نفع الدعوة وحماية الدعاة؛ فلا يجوز للدعاة إهمال ذلك وعدم الانتفاع على أساس أن تلك أوضاع في مجتمع جاهلي أو معادٍ للإسلام فلا ينبغي العمل بها أو الاستفادة منها؛ وذلك لأن النظر ينصبُّ على طبيعة الوضع ومدى موافقته للشرع، ولا ينظر إليه من جهته الجغرافية أي البقعة التي يكون فيها؛ إذ الحكم على الشيء يعتمد على ما يحمله من أفكار وتصورات، وليس على المكان الذي يوجد فيه. وبالنظر إلى سياسة الرسول ﷺ في ذلك نجده قد استفاد هو وجمع من أصحابه من تلك الأوضاع؛ فقد كانت مكة المكرمة ـ بل والجزيرة العربية كلها ـ ينتشر فيها النظام القبلي، وفي هذا النظام فإن القبيلة تحمي أفرادها؛ فقد تمتع رسول الله ﷺ وبعض من أصحابه بذلك، وظلوا في حماية قبائلهم، فلم يتمكن المشركون من الوصول إليهم وإيذائهم الإيذاء الشديد، وكان من الأمور المتعارف عليها مسألة الجوار وهو أن من نزل في جوار أحد فإنه يحميه من أن يصل إليه أحد بسوء، فكان بعض المسلمين الذين لا يجدون قبيلة تحميهم ينزلون في جوار بعض كبراء المشركين فيحمونهم، وليس في هذا مخالفة شرعية؛ إذ كل ما فيه أن يتمتع المسلم بالحماية وشعوره بالأمان في التزامه بالإسلام وهذا حقه، وكونه نزل في جوار أحد المشركين فليس في ذلك ما يعاب عليه؛ لأنه لم يفعل ما يخالف الشرع؛ فعندما ذهب رسول الله ﷺ إلى الطائف يدعو أهلها وردوا عليه بردهم القبيح لم يدخل مكة حينما رجع من هناك إلا في جوار المطعم بن عدي، وكذلك عثمان بن مظعون عندما رجع من هجرة الحبشة الأولى لم يدخل مكة إلا في جوار الوليد بن المغيرة، وأبو بكر ﵁ لما أراد الهجرة إلى الحبشة مما يلاقي من إيذاء قريش لقيه ابن الدغنة، وعرف مقصده، فعرض عليه الرجوع ودخل معه مكة وقد أجاره. فإذا كان الداعية إلى الله ـ تعالى ـ مضيَّقاً عليه، وكان في المجتمع الذي يدعو فيه أوضاع أو تنظيمات يمكن الاستفادة منها في الدعوة أو تدفع عنه شراً من غير أن يرتكب في سبيل ذلك شيئاً نهت عنه الشريعة؛ فعليه أن يستفيد من ذلك. ورغم أن الأوضاع الجاهلية الأصل فيها البعد عن الشريعة فلا يلزم من ذلك أن يكون رصيد الفطرة عندهم صفراً بحيث لا يكون في أمورهم ما يُقبل شرعاً، وهذه قريش رغم ظلمها وطغيانها مع المسلمين إلا أنهم عقدوا فيما بينهم عقداً لنصرة المظلوم (وكان ذلك قبل البعثة) وهو ما عرف بحلف الفضول قال عنه رسول الله ﷺ : «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت» (٢) ، وقد تتواجد اليوم في بعض المجتمعات بعض التنظيمات أو المؤسسات التي تحاول القيام بشيء شبيه بما كان في حلف الفضول؛ فلا عيب على الداعية إذا حاول الاستفادة من ذلك، أما إذا ترتب على ذلك مساس بالدين فعلى الداعية أن يكون أبعد شيء من ذلك؛ ففي قصة أبي بكر المتقدمة لما جهر بالصلاة وقراءة القرآن في مسجد فنائه وخيَّره ابن الدغنة بين عدم الجهر والاستعلان بالصلاة وبين أن يرد عليه جواره، اختار أبو بكر ﵁ الاستعلان بالصلاة والجهر بقراءة القرآن، ورد على ابن الدغنة جواره، وقال: «أرضى بجوار الله» (٣) . ٨ - عدم المداهنة في الحق: كثيراً ما يتعرض أصحاب الدعوات إلى محن وشدائد حتى يخيل لبعض الناس أن من السياسة الحكيمة تجاوز تلك المحن أو الشدائد ولو بالتصريح ببعض الكلمات والجمل التي يكون في ظاهرها مخرج من تلك الشدائد وإن لم يكن ذلك الظاهر مراداً لهم، لكن الناظر في سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ لا يجد لذلك التصور سنداً، بل يجد سياسته على العكس من ذلك؛ فقد نزل عليه قول الله ـ تعالى ـ يحذره من المداهنة في الدين، ويقول له: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] فأهل العداوة للدين يريدون من أصحاب الدعوة أن يداهنوهم وهم على استعداد لمكافأتهم على ذلك بمداهنة الدعاة أيضاً من باب المقابلة بالمثل؛ فقد عرض الكفار على رسول الله ﷺ أن يعبدوا الله سنة في مقابل أن يعبد آلهتهم سنة، فأنزل الله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢] ليقطع الطريق على ذلك التصور بصورة حاسمة، وقد فهم ذلك المعنى جيداً جعفر بن أبي طالب ﵁ وعمل به في أشد المواقف حلكة؛ فقد هاجر هو وجماعة من المسلمين إلى الحبشة عند ملكها النجاشي وكان نصرانياً، وقد أرسلت قريش في أثرهم عمرو بن العاص ليردهم من عند النجاشي، وحاول عمرو أن يقدم المسوِّغ الذي يجعل النجاشي يسلم له جعفراً ومن معه، فقال له: إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً؛ وذلك أن النصارى ترى عيسى ﵇ إلها أو ابن إله؛ بينما المسيح في العقيدة الإسلامية هو بشر رسول من عند الله ـ تعالى ـ مثل إخوانه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ فلما مثل جعفر بين يدي النجاشي، وسألهم عما يقولون في عيسى ﵇ لم يداهن ولم يحاول أن يتلفظ بألفاظ أو كلمات توافق في ظاهرها اعتقاد النصارى، بل أجمع على الصدق وعدم المداهنة في الدين، وقال: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم البتول العذراء. فأخذ النجاشي عوداً من الأرض وقال: واللهِ ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، ولو حاول جعفر ﵁ أن يداهن لانقلب الأمر عليه وعلى أصحابه؛ ذلك أن اعتقاد النجاشي في عيسى كان اعتقاداً صحيحاً؛ فعند الشدائد والأهوال قد يميل الداعية إلى المداهنة، ويتلفظ بألفاظ فيها نوع من الترضية لأهل الضلال، وإن كان هو يقصد بها في نفسه معاني صحيحة، لكن ليست العبرة بما في نفسه هو، وإنما بما يفهم الناس من كلامه؛ فلو كان الناس لا يفهمون من ذلك إلا ما يؤيد أهل الضلالة لم تكن تورية الداعية قد حققت إلا تأييد الباطل، وهذا بخلاف ما إذا كان يورِّي على الأعداء في الحرب أو القتال كما فعل محمد بن مسلمة ـ رضي الله تعالى عنه ـ عندما كان يخطط لقتل رجل من اليهود المحاربين، وقال له عن رسول الله ـ وهو يوري ـ: «هذا الرجل قد عَنَّانا» وبخلاف ما يقوله الأسير عندما يقع في أيدي الأعداء وكذلك الذي يُكرَه على كلمة الكفر؛ فإن هذا ونحوه ممن قال الله فيهم: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . غير أن هناك من الأمور التي قد يظنها الناس مداهنة وهي ليست من ذلك في شيء، وإنما هي كلمات حقيقية لا كذب فيها يقولها الداعية يستميل بها النفوس ويؤلف بها القلوب؛ فهذا جعفر ـ رضي الله تعالى عنه ـ يقول للنجاشي بعدما ذكر ما كانوا يلاقونه من المشركين في مكة: «فلما قهرونا وظلمونا وضيَّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك!» . تلك كانت بعض الوقفات القصيرة مع سياسة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله أما تفاصيل تلك السياسة فهي السيرة النبوية بكاملها على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولعلنا نرجع إليها في مناسبة أخرى على نحو أشمل وأكثر تفصيلاً.

стр. 5183

الاستشارات الهاتفية.. ضوابط وتنبيهات د. أحمد القاضي قد فتح الله ـ تعالى ـ لعباده في الآونة الأخيرة من أبواب رحمته ما لم يكن لهم بالحسبان، وهيأ لهم من أسباب الفرج ما يرفع الحرج، أو يدفعه، أو يخففه؛ فقد أتاحت وسائل الاتصال الحديثة من هاتف، وإنترنت، وبريد أن يصل العديد من الناس إلى مبتغاهم من الفُتيا، والمشورة من أهل الاختصاص، بطرق ميسورة مستورة. وقد كان كثير منهم، لا سيما النساء، وأهل البوادي، والمناطق النائية، والبلاد الخالية من العلماء، يتخبطون في الجهل، ويتهوكون (١) في تصرفات منافية للعقل؛ فصار قصارى جهد أحدهم الآن أن يلتقط الهاتف ليستفتي من شاء من طلبة العلم في مسألة يستحي من ذكرها كفاحاً (٢) . أو يسارِرَ بعض ذوي الرأي والمشورة في مشكلة ألَّمت به، يبتغي بذلك حلاً وإصلاحاً، وقد نتج عن ذلك ـ بحمد الله ـ حل مشاكل كثيرة، ورفع الجهل عن فئام من الناس المغيبين عن صوت العلم والموعظة؛ فلله الحمد أولاً وآخراً. قال ـ تعالى ـ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] . وكان من ثمرات هذا الأمر أن تمّت الاستفادة من كثير من طلبة العلم، والمختصين النفسيين والاجتماعيين، وأهل الرأي والعقل، ونظراً لبكارة (٣) التجربة، نسبياً وتفاوتها من شخص لآخر، ومن جهة لأخرى كان من المفيد أن يجري الحديث بين الممارسين لهذه الأعمال بصفة شخصية، وبين القائمين على تنظيمها من خلال جهات معلنة، وتبادل الخبرات فيما بينهم. - تعريف الاستشارة: لغة: قال الجوهري: (المشورة: الشورى، وكذلك المَشُورَة، بضم الشين، تقول منه: شاورته في الأمر، واستشرته بمعنى) (٤) . قال ابن فارس: (الشين والواو والراء أصلان مطَّردان: الأول منهما: إبداء شيء وإظهاره وعرضه، والآخر: أخذ شيء.. قال بعض أهل اللغة: من هذا الباب: شاورت فلاناً في أمري، قال: وهو مشتق من شور العسل؛ فكأن المستشير يأخذ الرأي من غيره) (٥) . اصطلاحاً: استنباط المرء الرأي من غيره فيما يعرض له من مشكلات الأمور، ويكون ذلك في الأمور الجزئية التي يتردد المرء بين فعلها وتركها (٦) . وأما الاستشارة الهاتفية: فهي طلب المشورة عن طريق الهاتف، وتمتاز على الاستشارة المباشرة بسقوط الكلفة والحرج اللذين يعتريان المستشير، فيمنعانه من البوح بما يستحي منه أحياناً، وتقصر الاستشارة الهاتفية عن المباشرة بعدم تمكن المشير من إدراك القرائن المحتفَّة (٧) بحال المستشير من ملامح وعلامات يستدل بها أهل الفراسة. - فضل الاستشارة: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ، وقال ﷺ لعائشة في قصة تخيير أزواجه: «إني سأعرض عليكِ أمراً، فلا عليك ألا تعجلي فيه حتى تشاوري أبويك!» (١) . واستشار النبي ﷺ أصحابه في مواطن كثيرة، في لقاء المشركين يوم بدر، وفي أسراهم، وفي حادث الإفك. وعن عمر بن الخطاب ﵁: «الرجال ثلاثة: رجل تَرِدُ عليه الأمور فيسددها برأيه، ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرأي، ورجل حائر بائر لا يأتمر رُشداً ولا يطيع مُرشداً» (٢) . وقال علي ﵁: «نِعْمَ المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد» (٣) . وقال عمر بن عبد العزيز: (إن المشورة والمناظرة بابا رحمة، ومفتاحا بركة، لا يضل معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم) (٤) . وقال الحسن: (والله ما استشار قومٌ قط، إلا هُدوا لأفضل ما بحضرتهم، ثم تلا: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ) (٥) . وقال ابن العربي: (الشورى أُلفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هُدوا) (٦) . - أركان الاستشارة: أولاً: المستشار: ينبغي أن يتحلى المستشار بجملة من الصفات الشخصية، وأن يسعى في تكميل ما نقص منها، وهي: ١ - العلم: فالحكم على الشيء فرع عن تصوره وإدراكه. وحقيقة العلم، عند الأصوليين، إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. فعدم الإدراك بالكلية جهل بسيط، وإدراكه على خلاف ما هو عليه جهل مركب، وإدراكه مع احتمال ضد مرجوح ظن، ومع احتمال ضد راجح وهم، ومع التساوي شك. والمقصود بالعلم ها هنا علمان: الأول: العلم بالشرع: فالشريعة الإسلامية مشتملة على جميع المصالح الدنيوية والأخروية قال ـ تعالى ـ: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] . ولأجل ذلك أحال الله على أهل العلم، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] . فلا شك أن المتضلع في الشريعة، المستنير بنور الكتاب والسنة، تنشأ عنده أهلية للنظر، وإصابة الحق، بسبب اعتصامه بنصوص الوحيين. وليس معنى ذلك أن لا يتصدى للمشورة إلا العلماء، أو طلبة العلم المتمكنون، بل المقصود أن يتوفر في المشير حدٌّ أدنى من العلم الشرعي، يمكنه من تبصير المستشير بحقوق الله، ويحجزه عن تعدي حدوده. ثانياً: العلم بالحال: وهو إدراك الواقعة، محل الاستشارة إدراكاً جيداً، مبنياً على معطيات صحيحة، خالياً من المؤثرات الآنية. ٢ - العقل: العقل في اللغة: (الحِجر والنهى) (٧) ؛ فالعقل ها هنا وصف زائد على مجرد ما يميز الإنسان عن الحيوان، أو الطفل، أو المجنون، مما يكون شرطاً في سائر العبادات، بل هو وصف شريف يتحلى به أفراد من الناس، ناتج عن سعة الأفق، وبعد النظر، والأناة، والتأمل في العواقب، وحسبان الآثار، وتمييز خير الخيرين، وشر الشرين، وقد قيل: إذا كنتَ في حاجة مُرسِلاً فأرسلْ حكيماً ولا توصِهِ وإنْ بابُ أمرٍ عليك الْتَوى فشاور لبيباً ولا تعصِهِ وربما كان حظ المرء من العلم وافراً، لكن لا يوازيه عقل راجح، فيضل. ٣ - التجربة: إن مما يذكي العقل ويسدده التجارب والمراس. قال القرطبي: (وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً وادّاً في المستشير. ونقل عن بعضهم: شاور من جرب الأمور؛ فإنه يعطيك من رأيه ما دفع عليه غالياً، وأنت تأخذه مجاناً) (٨) . ولهذا ينبغي أن يكون المستشار مطلعاً على أحوال مجتمعه، عارفاً بما يقع، على سبيل الجملة، مدركاً لاهتمامات أهل زمانه، وقد كان علماء أهل السنة (علماء عامة) ، يخالطون الناس، ويعيشون في أكنافهم. ومما يعوض قصور التجربة أن يستفيد المستشار من تجارب السابقين، وأن ينخرط في بعض الدورات المفيدة، المتعلقة بفن التعامل مع الناس، وإدارة الحوار. ٤ - التقوى: إن مقامَ المشورة يتطلب قدراً من استشعار مراقبة الله، وخشيته في الغيب؛ فقد يتسلل إلى نفس المستشار حظ من حظوظ النفس بسبب حاجة المستشير إليه، فيشير عليه بأمر له فيه غرض، وقد يُطيف به طائف من الشيطان بسبب النجوى مع النساء؛ فيفقد صوابه، ولا يعصمه من ذلك إلا تقوى الله؛ فإن آنس المستشار من نفسه ضعفاً أو هوى فالنجاءَ النجاءَ. ٥ - الأمانة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «المستشار مؤتمن» (١) ؛ فهو مؤتمن على أسرار من يستشيره من الناس، فلا يحل له أن يفشيها، لا تصريحاً، ولا تلميحاً، ولا تمثيلاً متضمناً لذكر علامة فارقة، تؤدي بمستمعه إلى معرفة المقصود، أما ما كان على سبيل المثال العام، أو مع أمن التعيين، واحتيج إليه لبيان حقيقة، أو التدليل على ظاهرة، فلا بأس إن شاء الله. ٦ - النصح: يتعين على المستشار أن يمحض المستشير خالص نصحه؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلم ست.. وذكر الثالثة: وإذا استنصحك فانصح له» (٢) ، وعنه أيضاً: «من استشارهُ أخوه المسلم، فأشار عليه بغير رُشده فقد خانه» (٣) . ٧ - حسن الإصغاء: ينبغي للمشير أن يصغي إلى الشكوى، ويستجمع أطرافها، ولا يعاجل المستشير برأي، أو تعليق، أو تخطئة، أو تصويب، قبل أن يتم حديثه، فإذا فرغ من عرضه ألقى عليه من الأسئلة ما يكشف ما طوى ذِكْرَه. ٨ - صفاء الذهن، وعدم التشوش: أن يكون المستشار حال بذل المشورة في وضع مطمئن، غير مهموم، ولا مشغول، ولا مستعجل، ولا متشوش بعارض خارجي. - ثانياً: المستشير: فاوت الله بين عباده في عقولهم، وعلومهم، وأخلاقهم، كما فاوت بينهم في أرزاقهم؛ ففيهم العالم والجاهل، والذكي والبليد، والعاقل والأحمق، والمطمئن والمنفعل، بل والصحيح والمعتل، فينبغي للمشير أن يدرك هذا التفاوت، وأن يخاطب الناس على قدر ما آتاهم الله، وألا يسوق الكلام سَوْقاً واحداً دون مراعاة للفروق الشخصية. ونذكر ها هنا بعض التنبيهات المتعلقة بطبقات مختلفة من الناس: ١ - الأسوياء: وهم عامة الناس الذين يحتكمون إلى معايير ثابتة، شرعاً، وعقلاً؛ فلا يجد المشير عناءً في الغالب في إقناعهم ومناقشتهم. ٢ - النساء: النساء من حيث الجملة دون الرجال في الخصائص الخلقية والخُلقية؛ ولهذا جعل الله شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، ومن مظاهر هذا الضعف: قلة التحمل، وعدم الضبط، وغلبة العاطفة التي تحمل على الانتقائية في العرض، وحجب بعض المعومات، والتفوُّه بذكر أسماء أو جهات تحرج المشير، أو الرغبة في الحديث والإفضاء فقط؛ فينبغي للمشير أن يكون في تعامله مع النساء حازماً في غير قسوة، متماسكاً لا تجرفه العاطفة، تقياً لا يتَّبِع الهوى، ومن ذلك أن يحذر من الوقوع في تخبيب المرأة على زوجها، وقد قال ﷺ : «ليس منا من خبَّب امرأة على زوجها» (٤) . ٣ - المنفعلون: يتصل بعض المستشيرين في حالة هياج، وتأثر من جراء موقف آني، فينبغي للمشير أن يرده رداً جميلاً، ويعمل على تهدئته حتى يعود إلى حال السواء، وإلا طلب منه أن يتصل في وقت لاحق؛ لأن التعاطي مع المنفعل لا يعطي رؤية واضحة، ولا يحقق تقبلاً جيداً؛ ولهذا أمر النبي ﷺ الغضبان بالوضوء، والصمت، والجلوس إن كان قائماً، والاستلقاء إن كان جالساً. ٤ - المرضى النفسيون: تعاني شريحة من المستشيرين من أمراض نفسية، عارضة أو مزمنة: كالاكتئاب، والوسواس، والشك؛ فيمكن للمشير أن يوجههم ضمن مشورته إلى مراجعة الطبيب النفسي، ويطمئنهم بأن ذلك يعينهم على اجتياز الأزمة، ولا يترتب عليه ـ بالضرورة ـ الوقوع في أسر العقاقير، وأن النفس تعتل كما يعتل البدن. ٥ - العابثون: يتسلى بعض العابثين بالاتصال على أرقام طلبة العلم، والمستشارين، والتظاهر بالوقوع في مشكلة ما، وربما عمد بعضهم إلى ربط هذا الاتصال بغرفة في (البال توك) بغرض التندر، ويمكن للحاذق كشف هذا التلاعب من لحن القول، ومجرى الحديث، كما أن بعض المتصلين يقوم بتسجيل المكالمة دون استئذان المستشار، وفي بعض البيوت يضع الزوج جهاز تنصت على المكالمات الهاتفية لأهل بيته، وكل ذلك ينبغي أن يحمل المستشار على ضبط كلامه، ووزن توجيهاته، بما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة. - ثالثاً: المشورة: ١ - التمييز بين: (الحكم) و (الفتوى) و (المشورة) : لا بد من التمييز بين هذه المقامات الثلاثة؛ فالفتوى: (إخبار بحكم الله ـ تعالى ـ عن دليل شرعي، لمن سأل عنه في أمر نازل) (١) ، والقضاء: (إنشاء إباحة أو إلزام في مسائل الاجتهاد فيما يقع فيه النزاع لمصالح الدنيا) (٢) ، فالحكم ملزِم، والفتوى غير ملزِمة، والحكم يتعلق بالواجبات والمحرمات والمباحات، ولا يتعلق بالمكروهات والمستحبات، والإفتاء يتعلق بالجميع، والحكم القضائي خاص بالخصومات والولايات والاستحقاقات، والإفتاء يكون في العبادات والمعاملات والحقوق والآداب. وأما المشورة فقد تقدم تعريفها: بأنها طلب الرأي الصائب فيما يعرض من مشكلات، وعليه فينبغي للمستشار، والمفتي أيضاً أن يتحاشيا التدخل في قضايا الخصومات المتعلقة بالمحاكم الشرعية، وينبغي للمستشار أن يتحاشى الفتيا فيما لا يحسن، وإن كان يسعه أن يحث المستشير على فعل الأولى، وإتيان الفضل. ٢ - عدم المكاشفة بالأسماء والعلامات الفارقة: يمكن أن تتحقق المشورة بصورة مجردة، دون إقحام أسماء أو ذكر سمات فارقة، تحرج المشير، أو ربما تؤثر في مشورته، ويمكن للمشير أن يعوِّد محدثيه على الالتزام بهذا الضابط، ويحجزهم عن الوقوع والمساس بالذوات، والجهات، ويمكن في حالات خاصة أن يحيلهم على أشخاص أو جهات مناسبة. ٣ - الوضوح: المشورة النافعة تتسم بالحزم، والوضوح، والتعليل، وهي بهذا الإخراج تريح المستشير، وتخرجه من دوامة التردد؛ ففي حديث استشارة فاطمة بنت قيس للنبي ﷺ قالت: «فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني؛ فقال رسول الله ﷺ أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد! فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة! فنكحته؛ فجعل الله فيه خيراً واغتبطت» (٣) . ٤ - التأجيل: قد يلتبس الأمر على المشير، فلا يفتح له في قضية من القضايا، فيبغي له أن يستمهل مستشيره ليتأمل، ويتبصر ويضرب له موعداً آجلاً، ولا يليق بالمستشار أن يتعجل في أمر له فيه أناة وفسحة؛ لأن المشورة أمانة ودين، كما قال ﷺ : «الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (٤) . ٥ - الاستخارة: ينبغي أن تجلل المشورة بالإحالة إلى الركن الشديد، والحرز المكين، ألا وهو دعاء الله المتمثل في (دعاء الاستخارة) ، فيؤمر المستشير بعد بذل المشورة بما دل عليه حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري ـ أو قال عاجل أمري وآجله ـ فاقدُره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري ـ أو قال في عاجل أمري وآجله ـ فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدُر لي الخير حيث كان ثم أرضني به، قال: ويسمي حاجته» (٥) . وقد قيل: ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وتثبت في أمره. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مشتبهاً علينا فنضل. وصلى الله على عبده ونبيه محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5184

كيف تختار موضوع الخطبة ؟ إبراهيم بن محمد الحقيل يشتكي كثير من الخطباء من كيفية اختيار الموضوع، وبعضهم يُرجِع سبب ذلك إلى ندرة الموضوعات التي يمكن أن يتناولها الخطيب، وتناسب الكثير من الناس، ولا سيما أن الخطبة تتم كل أسبوع. وأحسب أن السبب الرئيس لهذه النظرة عند الخطيب هي: قلة علمه، ومحدودية اطلاعه ومعلوماته، وضعف نظرته إلى واقع الناس. وإلا فإن الخطبة لو كانت تتكرر يومياً لما استطاع الخطيب أن يعالج جميع الموضوعات التي يحتاجها الناس في هذا العصر المتغير، الذي ضعفت فيه الديانة في قلوب الناس، وكثرت معها الفتن، فهم يحتاجون إلى تقوية إيمانهم، وترسيخ عقيدتهم، وما يُخلّ به من انحرافات من أقوال أو أفعال قد تناقضه بالكلية، أو تنقص كماله؛ فالناس يحتاجون إلى تصحيح عباداتهم، فأخطاء كثير منهم فيها كثيرة. يحتاجون إلى بيان الحكم الشرعي في كثير من المعاملات والعادات التي تتجدد باستمرار كثير من الصور، غير ما يفد إليهم من خارج مجتمعهم، ويحتاجون إلى الحث على مكارم الأخلاق والتنفير من مساوئها، وإلى ترقيق القلوب، والتذكير بالآخرة ... ، والموضوعات كثيرة جداً. ويمكن تقسيم الجُمَعات إلى قسمين: ü القسم الأول: جمعات توافق مناسبات مهمة: وهذه المناسبات على نوعين: أ - مناسبات طارئة: كحدث يحصل في الحي أو البلد واشتهر وعرفه الناس؛ فهم ينتظرون من الخطيب رأياً فيما حدث، ومنها أيضاً قضايا المسلمين التي تشتعل بين حين وآخر: كقضايا فلسطين، والشيشان، وكوسوفا، ونحوها. وينبغي للخطيب أن يعالج مثل هذه الموضوعات معالجة شرعية، تبين حجم القضية الحقيقي بلا مبالغة ولا تهوين، ومن ثم يبين موقف المسلم في هذه القضية، وما يجب عليه تجاهها، فلا يكفي مجرد عرضها. ويلاحظ أن بعض الخطباء قد تطغى عليه الحماسة في ذلك؛ فيبالغ في الموضوع أو يكثر من تكراره، والحديث عنه على نمط واحد، وبأسلوب رتيب، وهذا فيه مفاسد منها: ١ - فقدانه المصداقية، ولا سيما إذا انكشفت مبالغاته للناس، ومن ثم يضعف أخذ الناس عنه، أو التأثر بما يقول؛ لأنهم عرفوا عنه المبالغة. ٢ - ملال الناس، وانصرافهم عن تلك القضية، وكما قيل: كثرة الإمساس تقلل الإحساس. ٣ - أن تركيزه على قضية معينة، وتكرار ذلك سيكون على حساب موضوعات وقضايا قد تكون لها أهمية مثل قضيته التي يكررها، وربما تكون أهم منها. ب - مناسبات متكررة يتكرر الأعوام: كرمضان والحج وعاشوراء، والتحذير من البدع المحدثة ونحوها. وهذه المناسبات مريحة عند كثير من الخطباء؛ إذ لا يحتاجون إلى إعداد خطب جديدة في موضوعاتها، ولربما حفظ الناس خطبهم فيها من كثرة ترديدها، وأصابهم الملال منها. بيد أن هذه المناسبات تقلق من يهتموم بخطبهم، ويحبون التجديد في موضوعاتها، ويودن إفادة الناس بكل وسيلة ممكنة. ولتلافي التكرار في كل عام يمكن تفتيت الموضوع الواحد إلى موضوعات عدة، في كل عام يطرق الخطيب منها موضوعاً، وأضرب مثلاً لذلك؛ فبالمثال تتضح الصورة: درج الخطباء في ثالث جمعة من رمضان على الحديث عن غزوة بدر الكبرى (١) ، ويقدمون لها بمقدمة عن نصر الله ـ تعالى ـ لعباده، وكون رمضان شهراً للانتصارات والأمجاد، ويسردون عدداً من المعارك التي وقعت في رمضان: غزوة بدر، وفتح مكة، وعين جالوت، وفتح الأندلس ونحوها، ثم يخصصون الخطبة بكاملها عن غزوة بدر، وهكذا في كل عام. ومن الممكن لتلافي التكرار جمع الغزوات والأحداث الكبرى التي وقعت في رمضان، واختيار واحدة منها في كل عام للحديث المفصَّل عنها. ويمكن أيضاً تفتيت الغزوة الواحدة إلى عدة موضوعات، في كل عام يطرق جانباً جديداً منها. فغزوة بدر مثلاً يمكن إنشاء خطب عدة منها، كل واحدة تتناول جانباً مختلفاً، فتتكون مجموعة من الخطب موضوعاتها كالتالي: ١ - سرد أحداث الغزوة كما في كتب السير، وهذا يعمله أكثر الخطباء كل عام. ٢ - وصف حال المسلمين قبل الغزوة (الهجرة ـ المطاردة ـ المحاصرة ـ الضعف ـ القلة ـ الخوف) . وحالهم بعدها (ارتفاع معنوياتهم بالنصر، عز الإسلام، قوة المسلمين، رهبة اليهود والمنافقين) . ٣ - وصف حال الفريقين المتقابلين: حال المؤمنين: (الدعاء، الحماس للقتال، بوادر التضحية والفداء، التعلق بالله تعالى) . حال المشركين: (الكبرياء، محادة الله ورسوله، الاعتداد بالنفس، الاغترار بالكثرة، ممارسة العصيان، شرب الخمر وغناء القينات، كما هو قول أبي جهل) . ٤ - تأييد الله لعباده المؤمنين: (النعاس، المطر، قتال الملائكة معهم، وفيه عدة أحاديث صحيحة، الربط على قلوبهم، تقليل العدو في أعينهم) وخذلان الكافرين. ٥ - الحديث عن مصير المستكبرين حيال دعوة الأنبياء ﵈، ويكون صرعى بدر من المشركين نموذجاً على ذلك بذكر مجمل سيرتهم الكفرية وعنادهم ثم ما جرى لهم، وفيه قصص مبكية من السيرة. فهذه خمسة مواضيع، كل واحد منها يصلح أن يكون خطبة مستقلة، وهذه الموضوعات الخمسة في غزوة واحدة، ومن تدبر فيها أكثر استخراج موضوعات أخرى. والكلام عن المولد النبوي مثلاً يمكن تقسيمه أيضاً إلى عدة موضوعات منها: ١ - بيان حقيقة محبة الرسول #، وأنها تكون باتباعه لا بالابتداع، مع تقرير وجوب محبته من خلال نصوص الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح، وبيان العلاقة بين محبته وتطبيق سنته، وهذا موضوع ثري جداً يمكن صنع خطب عدة فيها. ٢ - تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي، وبيان أنه بدأ بعد القرون المفضلة في المئة الرابعة للهجرة على أيدي بني عبيد الباطنيين، وظل قرنين من الزمن لا يعرفه أهل السنة، حتى انتقل إليهم في المئة السادسة على يد شيخ صوفي استحسن هذه البدعة وتبناها، وبيان أن دوافع إحداث هذا الموضوع عند بني عبيد كانت فيما أحسب سياسية، ولم تكن بدافع محبة النبي # وآل بيته. ومع أهمية هذا البيان التاريخي في كشف حقيقة هذه البدعة النكراء وتنفير الناس منها، فإنه قلّ أن سمعناه من خطبائنا ومحاضرينا. ٣ - ذكر المخالفات الشرعية في احتفالات المولد، من الغلو في الرسول # الذي قد يصل إلى حد الشرك، إلى الأناشيد والأهاجيز الصوفية، إلى سائر المنكرات الأخرى: كالاختلاط في بعضها، وكونها تنشد على أنغام الموسيقى أو الدفوف. ٤ - التنبيه على أن الاشتغال بالبدعة يشغل عن السنة، وجعل المولد مثلاً لذلك، فما يصرف فيه من جهد ووقت ومال قد يصرف عن كثير من السنن؛ بل ربما صرف عن الفرائض، وكثير ممن يحتفلون بتلك الموالد تظهر عليهم مخالفات شرعية، ويعلم من سيرة بعضهم تضييعه للفرائض فضلاً عن المندوبات. ٥ - أخذ جانب من سيرة النبي # في مولده أو بعثته أو غير ذلك، ثم التنبيه على بدعة الاحتفال بمثل هذه المناسبات، فهذه خمسة موضوعات كل واحد منها يصلح لأن يكون خطبة مستقلة. والكلام عن عاشوراء ءأيضاً يمكن استخراج موضوعات عدة منه، ولا سيما أنه متعلق بقصة نجاة موسى ﵇ وغرق فرعون. وهي أكثر القصص وروداً في القرآن، وفيها جوانب كثيرة يمكن أن تكون موضوعات، وفي نهاية كل خطبة منها يتم التنبيه على سُنِّية صيام يوم عاشوراء كذلك الحديث عن مراحل صوم عاشوراء، وأنه كان واجباً، ثم نُسخ الوجوب إلى السُّنِّية بعد فرض رمضان، ثم في آخر سنة قصد النبي # مخالفة اليهود، وأمر بصيام التاسع مع العاشر، وذكر فضل صيام هذا اليوم، وفضل شهر الله المحرم. وهكذا يقال في بقية الموضوعات، تطرح من جوانب متعددة، كل جانب فيها يكون خطبة؛ مما يكون سبباً في إثراء المشروع الخطابي للأمة، وإفادة السامعين، والتجديد في الموضوعات التي يلقيها الخطيب. ü القسم الثاني: جمعات لا توافق مناسبات معينة: وهذه هي الأكثر، ويستطيع الخطيب أن يضع لها مخططاً يسير عليه، ويشتمل هذا المخطط على موضوعات عدة، وفي فنون مختلفة، ومن فوائد ذلك: ١ - عدم حيرته في اختيار موضوع الخطبة، ولا سيما إذا ضاق الوقت عليه. ٢ - نضج الموضوعات التي يطرحها، إذ قد يمرّ عليه شهور وهي تدور في مخيلته، وكلما حصل ما يفيده فيها من مطالعاته وقراءاته قيَّده، أو استذكره. ٣ - سهولة بحثه عدة موضوعات، إذا كانت في فن واحد، وتوفير كثير من الوقت؛ فمثلاً إذا كان في خطته خمسة موضوعات في العقيدة، فإن جلسته لبحث واحد منها كجلسته لبحثها كلها؛ إذ إن مصادرها واحدة، ومظانها متقاربة. ٤ - التنويع على المصلين وعدم إملالهم. ويمكن تقسيم الموضوعات إلى أقسام كثيرة، يختار في كل جمعة منها قسماً للحديث عن موضوع من موضوعاته، ومن تلك الأقسام: ١ - العقيدة وما يتعلق بها: وفيها موضوعات كثيرة، وكل موضوع منها يمكن استخراج عدد من الخطب فيه. ومن طالع المطولات من كتب العقيدة تبين له ذلك. ٢ - العبادات: وهي أيضاً باب واسع، وليس المعنى سرد الأحكام أو الإفتاء، ولكن المقصود تصحيح بعض الأخطاء فيها، وبيان فضائلها، والحث على المهجور منها.. وهكذا. ٣ - المعاملات: وفيها موضوعات كثيرة أيضاً، ولا سيما أن كثيراً من صورها يتجدد. ٤ - نص من الكتاب أو السنة: فيختار آية أو سورة قصيرة أو حديثاً، ويذكر ما فيه من الفوائد مع ربطه بواقع الناس ومعاشهم، ولا يكون مجرد سرد للفوائد، وقد لاحظت أن لذلك أثراً عظيماً، حتى كأن الناس لأول مرة يستمعون إلى هذه السورة أو الآية، أو لأول مرة يسمعون هذا الحديث مع أنه مشهور، ولكن لأن فهمهم له كان خاطئاً، أو لأن الخطيب عرض لهم استنباطات جديدة، ومعان مفيدة لم يعلموها من قبل. ٥ - الأخلاق والآداب: وهي باب طويل عريض، وفيه كتب متخصصة كثيرة، متقدمة ومتأخرة. ٦ - من قصص القرآن والسنة: وهذا يمكن أن يلحق بفقرة (٤) ويمكن أن ينفصل عنها، ويكون هنا خاصاً بالقصص، وما سبق ذكره في غير القصص. ٧ - السِّيَر والتراجم: يختار شخصية بارزة، ويلقي الضوء على صاحبها، وأسباب بروزه واشتهاره، والاستفادة من أقواله وسيرته، سواء كان من الصحابة ﵃ أم من التابعين لهم بإحسان، أم من العلماء المشاهير قديماً وحديثاً. ٨ - السيرة النبوية ومعارك الإسلام: يختار حديثاً أو معركة يتحدث عنها أو عن جانب منها، ويستخرج من ذلك الدروس والعبر. ٩ - موضوعات فكرية: ويذكر فيه المستجدات من الأفكار والمصطلحات والأحداث وموقف الشرع منها: كالديمقراطية، والعلمانية والحداثة، والحضارة الغربية وموقف المسلم منها. ١٠ - الفتن والملاحم وأشراط الساعة: وكل فتنة أو ملحمة أو علامة من علامات الساعة الكبرى صالحة لأن تكون خطبة مستقلة، بل ربما أكثر من خطبة، لغزارة ما فيها من نصوص ومعلومات شرعية. ١١ - القيامة وأحوالها: وفيها من الموضوعات شيء كثير: الصراط، الميزان، البعث، الحساب، القنطرة، الحشر، الديوان..، كذلك: الجنة والنار، وفيهما موضوعات كثيرة: وصفهما، وصف أهلهما، أعمال أهلهما، الطريق الموصلة إليهما. ١٢ - المواعظ والرقائق: وهو باب واسع أيضاً. هذه بعض الموضوعات الكلية، ويمكن تقسيم كل موضوع منها إلى موضوعات جزئية، في كل موضوع منها خطب كثيرة. فالخطيب إذا عمل هذا التقسيم، ورتّبه في خطة محكمة؛ بحيث يتعرض في كل جمعة لموضوع من هذه الموضوعات استفاد الفوائد التي ذكرتها آنفاً، إضافة إلى أنه يعلِّم الناس مجمل الشريعة، ويطلعهم على ما يحتاجون إليه في معادهم ومعاشهم، ويريح نفسه بحصر ذهنه عن الاختيار في موضوع واحد بدل التشتت في موضوعات كثيرة. والملاحظ أن كثيراً من الخطباء ممن لا يراعون مثل هذا التقسيم والتنظيم تنحصر خطبهم في موضوعات قليلة. ولربما أن بعضهم لم يتعرض لموضوع من هذه الموضوعات الكلية المهمة طيلة حياته الخطابية التي قد تمتد إلى عشرات السنوات، والسبب أن كثيراً من الموضوعات قد تغيب عن باله إذا لم يكن لديه خطة مكتوبة يسير عليها. ومن الملاحظ أيضاً: أن كثيراً من الخطباء يطرح موضوعات عامة، لا يتأثر بها المصلون، ولا يتفاعلون معها، ولربما كانت معلوماتهم فيها أثرى من معلومات الخطيب؛ فمثلاً في الحديث عن القيامة وأحوالها تجد أن كثيراً من الخطباء يريدون استيعاب يوم القيامة بأحواله، وما يجري فيه في خطبة واحدة. وهذا غير ممكن، ويؤدي إلى التطويل والتشعب والمشقة على السامعين، كما يؤدي إلى العمومية والسطحية في الطرح، وضعف المعالجة كما هو مشاهد. فيوم القيامة كألف سنة مما تعدون كما هو نص القرآن؛ فكيف يريد الخطيب أن يختزل الحديث عن أحداث ألف سنة في نصف ساعة أو أقل؟! لكن لو قسم أحواله وأهواله، وخصّ كل حال منها بخطبة، لكان أعمق في طرحه ومعالجته، وأوسع في معلوماته، وأكثر فائدة وتأثيراً في السامعين، وهكذا يقال في بقية الموضوعات. ü تتابع الخطب في موضوع واحد: يحلو لبعض الخطباء التركيز على موضوع من الموضوعات العامة، وعمل خطب كثيرة فيه تطرح تباعاً لفترة تطول أحياناً وتمتد إلى سنوات، وتقصر أحياناً بحسب ما عنده من مادة علمية في الموضوع الذي يطرحه. وكثير ممن يختطُّ هذه الطريقة ينوه في آخر الخطبة بأنه سيكمل بقية الموضوع في الخطبة التالية، ويرى أصحاب هذا المسلك أنه مفيد من جوانب عدة: ١ - تشويق السامعين إلى الجمعة القادمة. ٢ - ربط موضوعات الخطب بعضها ببعض. ٣ - أن طرح موضوع كلي بهذا التسلسل أنفع للناس، فتكون الخطبة درساً علمياً إضافة إلى كونها خطبة، وأعرف من الخطباء من حصر خطبه في التفسير فقط سنوات عدة قد تزيد على عشر سنوات، وغيره حصرها في السيرة النبوية وهكذا. وبعضهم يأخذ جانباً معيناً: كموضوع تربية الأولاد، أو أشراط الساعة، أو نحو ذلك، ويخطب فيه عشر خطب متتابعة أو أكثر، ثم ينتقل إلى موضوع آخر. ü خطأ الجمود على مواضيع معينة: والذي يظهر لي أن الجمود على فن من الفنون: كالتفسير، أو السيرة، أو على موضوع من الموضوعات؛ بحيث تكون الخطب فيه متوالية ليس حسناً لما يلي: ١ - أنه غير مأثور عن النبي #، ولم أقف فيما اطلعت عليه من سنته أنه كان يقول لأصحابه ﵃: سنكمل في الخطبة القادمة، أو موضوع الخطبة القادمة كذا، أو كان يذكر موضوعات متوالية في فن واحد، بل المحفوظ من هديه # أنه يذكر ما يحتاج الناس إليه، وما يصلح شؤونهم، وهذا يكون متنوعاً في الغالب، لأن حاجات الناس مختلفة باختلاف أفهامهم واهتماماتهم وأعمالهم، قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض لهم أمر، وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها» (١) . وقد يُعْتَرَضُ على هذا بأن أساليب الخطبة ووسائلها، والطريقة التي يختارها الخطيب اجتهادية، وليست توقيفية حتى يشترط أن يكون كل شيء فيها مأثوراً، وهذا محتمل، ولا سيما أن الفقهاء ـ فيما أعلم ـ لم يشترطوا تجنب ذلك في الخطبة لما ذكروا أركان وشروط الجمعة والخطبة. وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأن دواعي موجودة على عهد النبي # ولم يفعله، والقاعدة أن النبي # إذا ترك شيئاً مع توافر دواعي العمل به عُلم أنه قصد تركه، ولعل الأمر واسع في هذه المسألة، ولها حظ كبير من الاجتهاد والنظر. ٢ - أنه قد يؤدي إلى عكس ما أراده الخطيب من التشويق؛ لأنهم عرفوا الموضوع الذي سيخطب فيه سلفاً، والإنسان بطبعه يميل إلى اكتشاف المجهول، ويحب المفاجأة في مثل هذا الأمر. ٣ - أن هذه الطريقة تقيد الخطيب، وتجعله محصوراً في فن واحد على حساب فنون أخرى يحتاج الناس إليها. ٤ - أن ما يستجد من أحداث يُربك خطة هذا النوع من الخطباء، فإما أن يخطبوا عما استجد، ويقطعوا سلسلتهم المتصلة في موضوع واحد، وإما أن يُهمِلوا ما يحدث، وهذا غير مقبول عند السامعين. ٥ - أن من المصلين من لم يحضر الخطبة الماضية، وقد يكون فَهْمُ الخطبة الحاضرة مبنياً على حضور الماضية، فيقل انتفاع هؤلاء بالخطبة. ٦ - أن الخطيب قد يعرض له عارض من سفر أو مرض أو نحوه، فلا يستطيع الخطابة وإكمال الموضوع الذي ابتدأه فيكون الموضوع مبتوراً. لهذه الأسباب وغيرها أرى أن تلك الطريقة ليست حسنة، خاصة في المساجد العامة التي في المدن، لكن لو كان المسجد خاصاً في مزرعة مثلاً أو قرية لا يحضر فيه غير أهلها؛ فإن كثيراً من الملاحظات المذكورة آنفاً قد ترتفع. ومع ذلك فلا أجد ميلاً لتلك الطريقة، لأن الخطبة ليست درساً، وبإمكان الخطيب أن يضع درساً في مسجده، وتكون خطبه فيما يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم. وما من موضوع يرى الخطيب أنه طويل ويريد تغطيته إلا ويستطيع تجزئته بطريقة أو أخرى؛ بحيث لا يحتاج إلى جعله موضوعات متتابعة. وبكل حال فإن حرص الخطيب، وجدّه في اختيار موضوعات خطبه، واستفادته من الخطباء الآخرين سيعينه في هذا المجال كثيراً، كما أن اطلاع الخطيب، وغزارة علمه، واجتهاده في تحصيل العلم وطلبه، ومعرفته بأحوال الناس، وتلمس حاجاتهم، وقربه منهم، يجعله قريباً من قلوبهم، عارفاً بهمومهم، قادراً على معالجة مشاكلهم، في كل أسبوع يصعد درجات المنبر، ويخطب فيهم وهم له منصتون. وإذا كان الخطيب كذلك فإن المصلين سيشتاقون إلى الجمعة، وينتظرون خطيبهم برغبة كبيرة، ويفرحون بإطلالته عليهم، مما يجعل الخطيب قريباً من مستمعيه، وهذا حقيق بأن يجعل الخطبة تؤتي ثمارها، وتظهر فائدتها التي شرعت من أجلها.

стр. 5185

أساليب نبوية في التربية والتعليم إبراهيم بن صالح الدحيم نهوض الأمة ورقيها معقود بصحة التعليم وجودة التربية، والمناهج الأرضية وطرائق البشر مهما أوتيت من قوة واجتمع لديها من خبرة فإنها تقف عاجزة عن تحقيق الكمالات، وعن التناغم مع الفطرة السوية، والسبب هو أن هذه المناهج لا تخلو من هوىً بشريٍ جهول، أو نظرةٍ ضيقةٍ محدودةٍ مع ضعفٍ في الشعور الداخلي الصادق ـ المراقبة ـ الذي هو بلا شك مؤثرٌ كبيرٌ على سير العمل التعليمي والتربوي، ولذا فإن من المهم ـ والمهم جداً ـ إدامة النظر والتأمل في الأساليب النبوية في التربية والتعليم وذلك لأمور: أولاًً: أن الله بعث نبيه محمداً ﷺ معلماً ومزكياً، ومبشراً ونذيراً ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] ؛ فعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً» (١) ؛ فالحكمة مِنْ بَعْث النبي ﷺ أن يعلِّم الناس، ولذا كانت حياته ﷺ كلها تربية وتعليم، مما يجعلها غنية جداً بالأساليب التربوية والتعليمية. ثانياً: أن النبي ﷺ أوتي الكمال البشري، وعُصم من الخطأ الذي يقدح في تبليغه للدعوة «فأي عاقل حريص على مرضاة ربه يخيَّر بين الاقتداء بالمعصوم، الذي يكفل له السير على صراط الله المستقيم، وبين الاقتداء بمن لا يُؤمَن عثاره، ولا تضمن استقامته على الحق ونجاته..» (٢) ، لقد أعطي النبي ﷺ ـ مع أميته ـ علماً لا يدانيه فيه أحد من البشر ﷺ ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] . ثالثاً: لأن النبي ﷺ مرّ بمختلف الظروف والأحوال التي يمكن أن يمر بها معلم أو مربٍّ في أي زمانٍ ومكان؛ فما من حالة يمر بها المربي أو المعلم إلا ويجدها نفسها أو مثلها أو شبهها أو قريباً منها في حياة النبي ﷺ . لقد عاش النبي ﷺ الفقر والغنى، والأمن والخوف، والقوة والضعف، والنصر والهزيمة، عاش اليتم والعزوبة والزوجية والأبوة.. فكان يتعامل مع كل مرحلة وكل حالة بما يناسبها. لقد ساس النبي ﷺ العرب، ودعاهم وعلَّمهم وأحسن تربيتهم؛ مع قسوة قلوبهم وخشونة أخلاقهم، وجفاء طباعهم وتنافر أمزجتهم، لقد كان حال العرب كما وصفهم جعفر بن أبي طالب ﵁ بقوله: «كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف..» (١) . فاحتمل النبي ﷺ ما هم فيه من جفاء، وصبر منهم على الأذى، حتى كانوا خير أمة بعد أن لم يكن لهم قيمة ولا وزن ﴿وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] . إن الذي ينظر إلى الجاهلية قبل الإسلام، وكيف أنها كانت تعيش انتكاسة في الفطرة والعقيدة والأخلاق، لَيرى كم هو الدور الكبير الذي قام به النبي ﷺ ؛ حيث أحدث نقلة ضخمة في زمن قياسي. يقول «كارليل» وهو يقارن بين حال العرب قبل البعثة وبعدها: «هم قوم يضربون في الصحراء، لا يؤبه لهم عدَّة قرون؛ فلما جاءهم النبي العربي، أصبحوا قبلة الأنظار في العلوم والعرفان، وكثروا بعد القلة، وعزوا بعد الذلة، ولم يمض قرن حتى استضاءت أطراف الأرض بعقولهم وعلومهم» (٢) . رابعاً: وجود دعوات ضالة كانت ولا زالت تنادي بضرورة نقل أسلوب التعليم والتربية من الغرب العلماني أو الياباني الوثني دون نظرٍ إلى المبادئ والقيم والثوابت الشرعية. إننا قد نستفيد منهم في بعض الوسائل والطرائق ـ في توصيل المعلومة مثلاً والتي اعتمدوا فيها على تجارب ودراسات وجهود مضنية وافقوا فيها الصواب في أحيانٍ كثيرة - أما أن نأخذ ما نزاحم به ثوابتنا وقيمنا فلا يصح أن نختلف في رده والوقوف أمامه. إن من المحزن المبكي أنك تجد دول الغرب الكافر تحامي عن مبادئها، وتخشى على قيمها، بينا ترى أهل الإسلام أهل الملة الخالدة يبقون وكأن العبث بالثوابت لا يعنيهم، أوَ ليس هو شيئاً ذا بالٍ في نظرهم؟ تنبيه: حين نريد أن نقف على المنهج النبوي الصحيح في التربية والتعليم فلا بد أن نفرق بين السمات الثابتة في حياته ﷺ ، وبين السمات التي تستدعيها حالات معينة توجب نوعية معينة من التعامل، وإليك بعض الأمثلة توضح ذلك: - (الرفق واللين والرحمة) سمات ثابتة في الهدي النبوي لا تكاد تفتقدها وأنت تطالع السيرة؛ كيف لا وقد أنزل الله قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . بينما تجد - الشدة، الزجر - تكون أموراً عارضة لأحوال عارضة ناسب أن يتعامل معها النبي ﷺ بمثل هذا الأسلوب. - مثال آخر (الجدية، والعمل) سمة ثابتة في المنهج النبوي بينا ترى ـ المزاح، والترويح ـ وإن وُجدا في أمثلة متعددة في السنة والسيرة النبوية فإنها مع ذلك لا تزال محدودةً لا تستدعي تحويل المنهج التربوي إلى منهجٍ هزلي هزيل يعتمد على الفكاهة واللعب. إن المتأمل في هدي النبي ﷺ وسيرته يرى كثرة الوسائل والأساليب التي انتهجها ﷺ في تعليمه للأمة وتربيته لها، وإن الإحاطة بكل ذلك قد لا يكون ممكناً ولا مناسباً في مثل هذه العجالة، ولكني أقف مع بعض هذه الأساليب النبوية التي أرى الحاجة ماسة إلى التنبيه عليها: - أولاً: الحفاوة والترحيب وحسن الاستقبال: أحياناً نتعامل مع المتعلم والمدعو والمتربي على أننا أصحاب منَّةٍ عليه وتفضل، ولذا نرى أنه لا حاجة إلى القيام بشيء من الترحيب والحفاوة وحسن الاستقبال، بل قد نعتبر مجرد قبولنا له كافياً في الإكرام، وربما يشعر الأب والمربي أياً كان أن الحق له؛ فهو يطالب المتربي به. والحقيقة أن للأب والمربي حقاً كبيراً، لكن هذا الحق لن يتحقق إلا حين يُعرف الولد والمتربي بذلك ويغرس في قلبه إكرام أهل الفضل من خلال أساليب تربوية مشوقة وخطوات يقوم بها الأب والمربي. ولقد كان من يقابل النبي ﷺ ولو لأول وهلة يجد عنده من الحفاوة والترحيب وحسن الاستقبال ما يجعل النفوس تنجذب إليه وتأنس بحديثه. جاء صفوان بن عسال ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم. فقال له النبي ﷺ : «مرحباً بطالب العلم؛ إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم على بعض حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب ... » (١) ، كيف سيكون أثر هذا الترحيب وتلك الحفاوة في نفس صفوان، هل تراه يزهد في طلب العلم بعد ذلك؟ في بعض الأحيان يأتي الطالب ليشارك في حلقة قرآن أو منشط خيري فيقابل بشيء من البرود (.. لا بأس، اجلس مع زملائك..) دون أن يسمع كلمة ترحيب، بل ربما استُقبل بعارضة من الشروط المشددة (شروط القبول) والتي ربما جعلته يعود أدراجه. إن مما يُذكر فيُشكر أن بعض دور التعليم والمناشط الخيرية ربما جعلت حفل استقبال وترحيب بالأعضاء الجدد ذا أثر كبير في بعث الرغبة في النفوس. - وعن أبي رفاعة ﵁ قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله! رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل عليَّ رسول الله (وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتي بكرسيٍّ حسبت قوائمه حديداً. قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ ، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها» (٢) . عجيب والله! يوقف الخطبة، ويجلس للمتعلم! أي تكريم فوق هذا وأي حفاوة، وكم سيصنع هذا الأسلوب من رغبة في نفس المتعلم والطالب!! هل نستطيع نحن المعلمين أو المربين أن نقوم عن وجبة الإفطار ـ في المدرسة مثلاً ـ لنجيب الطالب عن مسألته؟ وحين يقطع علينا المتربي لذة النوم باتصال هاتفي لحل مشكلة، أو إجابة عن سؤال هل سيجد الترحيب منا وطيب النفس؟ - ولقد كان النبي ﷺ يستقبل الوفود ويحسن وفادتهم، ويتخذ لذلك لباساً خاصاً وخطيباً يخطب بين يديه إشعاراً منه بمزيد الاهتمام بهم؛ فلما أتى وفد عبد القيس رحب بهم ﷺ ، فقال: «مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى..» (٣) ، ولما قدم الأشعريون أهل اليمن قال النبي ﷺ : «أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ أفئدة، وألين قلوباً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية» (٤) ، وروي في وفادة وائل بن حجر ﵁ على النبي ﷺ : أن النبي ﷺ بشر به أصحابه قبل قدومه، فقال: يأتيكم بقية أبناء الملوك. فلما دخل رحب به، وأدناه من نفسه وقرب مجلسه وبسط له رداءه، وقال: اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده» (٥) . وقدم وفد عبس على النبي ﷺ وكانوا تسعة، فقال النبي ﷺ : أنا عاشركم. وعقد لهم لواءً وجعل شعارهم «يا عشرة» (٦) . إن القلم ليعجز عن التعبير عن جمال هذا الخُلُق وأثره في النفوس، ولو أردنا أن نقف مع كل موقف من هذه المواقف لنتأمل فيه ونقف على الأثر الذي يحدثه في النفوس لطال بنا ذلك، وفيما ذكرنا كفاية. - ثانياً: الرفق والرحمة وحسن التأني: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . لقد جعل النبي ﷺ الرفق سبباً من أسباب الكمال والنجاح؛ فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (٧) . وفي حديث جرير بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: «من حُرِمَ الرفق حُرِمَ الخير» (٨) . على هذه القاعدة العظيمة في التعامل (الرفق والرحمة) كان تعامل النبي ﷺ مع أصحابه؛ فعن أبي هريرة ـ رضي اله عنه ـ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعَلِّمُكُم؛ فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ... » (٩) ، فتأمل كيف ابتدأ النبي ﷺ بهذا الأسلوب اللطيف في التعليم، وكم سيكون له من أثر في نفس السامع..!! وعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتينا رسول الله ﷺ ، ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً؛ فلما ظن أنَّا قد اشتقنا أهلنا، سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلِّموهم» (١٠) الحديث. إن هذه الرحمة من النبي ﷺ بهؤلاء الشباب فيها التوجيه إلى ضرورة مراعاة طبائع النفوس، الشيء الذي قد يغفل عنه بعض المربين بحجة (الجدية والحزم) فربما كلفوا النفوس ما لا تطيق، وحَمَلوها على ما يسبب لها الانقطاع. وتتأكد الحاجة إلى الرفق والرحمة عند وقوع الخطأ غير المتعمد؛ لأن النفوس أحياناً قد يستثيرها الخطأ فتنسى التعامل معه بالرحمة والرفق، وتميل بقوةٍ إلى الردع والتأديب؛ فعن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ؛ إذ عطس رجُلٌ من القوم، فقلت: رحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكل أمِّيَاه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم؛ فلما صلى رسول الله ﷺ : فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه؛ فوالله ما نهرني ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن» (١١) . وعن أنس ﵁ قال: جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذَنوب من ماء فأُهريق عليه» (١) ، وفي رواية: فقال له رسول الله ﷺ : «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر؛ إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» (٢) . تأمل هذا الموقف لو وقع في مسجد حيِّك، لو أن ـ رضيعاً ـ بال في مصلى النساء فكم ستتابع على أمه كلمات التعنيف وربما السب، وسيكون ذلك حديث جماعة المسجد، وأهل الحي أياماً. إن التعامل بالرفق والرحمة يورث النفس نوعاً من الطمأنينة والهدوء، ويجعل تَفَهُّم المشكلة والتعامل معها أكثر نجاحاً وتحقيقاً للأهداف بخلاف ما لو صَحِب ذلك نوعٌ من التوتر. - ثالثاً: الثناء والتشجيع: الثناء والتشجيع وتسليط الضوء على مكامن الكمال في النفس البشرية والإشادة بها منهج نبوي كريم، يراد منه بعث النفس على الزيادة، وإثارة النفوس الأخرى نحو الإبداع والمنافسة، وهو مشروط بأن يكون حقاً، وأن يُؤمَن جانب الممدوح، وأن يكون بالقدر الذي يحقق الهدف. - عن أبي هريرة ﵁ قال: يا رسول الله! مَنْ أسعد الناس يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك، لِمَا رأيت من حرصك على الحديث....» (٣) . - وعن حذيفة ﵁ قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلاً أميناً، فقال: لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حقَّ أمينٍ، حق أمين. قال: فاستشرف لها الناس، قال فبعث أبا عبيدة بن الجراح «وفي رواية» فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: «هذا أمين هذه الأمة» (٤) . - وعن أُبي بن كعب ﵁ قال ﷺ : «أبا المنذر! أي آية معك من كتاب الله أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أبا المنذر! أي آية معك من كتاب الله أعظم؟ قال: قلت ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] قال: فضرب صدري، وقال: لِيَهْنَ لك يا أبا المنذر العلم» (٥) . - وعن أبي أيوب ﵁ أن أعرابياً عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله! أو يا محمد! أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار. قال: فكفَّ النبي ﷺ ، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: «لقد ـ وُفِّق أو لقد هُدي» ثم يُقبل عليه النبي ﷺ ويقول: كيف قلتَ؟ ... الحديث» (٦) ، انظر كم في هذه الأحاديث من تشجيع واهتمام ومزيد رعاية وعناية. كم يبعث التشجيع في نفس المتعلم من حب للعلم، وكم يساعد في تسارع خطوات التربية نحو الأمام، وذلك على عكس ما يأتي به كثرة التأنيب والعتاب واللوم، أو السكوت عن الثناء عند كل نجاح وتفوق. والثناء والتشجيع قد يستفاد منه في تدعيم سلوك معين أو التوجيه إلى عمل مهم يحسن اكتسابه. - عند الإمام مسلم (٧) من حديث ابن عمر ﵄ في الرؤيا التي رآها فقصها على أخته حفصة ﵂ فقصتها على النبي ﷺ ، فقال: «نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل» . فيا ترى ما أثر ثناء النبي ﷺ على ابن عمر ﵁؟ (قال سالم: فكان عبد الله، بعد ذلك، لا ينام من الليل إلا قليلاً) . - وفي قصة سلمة بن الأكوع ﵁ في (ذي القرد) لما رجعوا قافلين إلى المدينة بعد أن أبلى سلمة ﵁ بلاءً حسناً، ثم ناموا في الطريق. قال سلمة ﵁: فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا: سلمة. قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعاً، ثم أردفني رسول الله ﷺ على العضباء راجعين إلى المدينة» (٨) ، تأمل هذه الحادثة، وكم فيها من الثناء والتشجيع وتقدير الكفاءات؛ ففي قوله: «وخير رجالتنا سلمة» إعلان للتكريم أمام مجمع من الصحابة. ثم إن في إعطائه سهمين مكافأة أيضاً وتقديراً لجهوده، ثم في إرداف النبي ﷺ له على الدابة زيادة في التكريم والتقدير له، ولك أن تتصور مقدار التكريم حين يُركبك القائد معه في مركبته الخاصة تسير بصحبته أمام الناس ـ كم سيضاعف هذا الثناء والتقدير من نشاطٍ في نفس سلمة أو أبي قتادة ﵄، بل كم سيحرك في نفوس الآخرين حين يكون المدح في محله! إن كثيراً من القدرات، وكثيراً من أصحاب الكفاءات يصابون بالضمور، بل ربما يموتون وتموت مواهبهم وقدراتهم؛ لأنهم لا يجدون من يدفعهم بكلمة ثناء، أو يرفعهم بعبارة تشجيع. إننا حين نثني على أصحاب القدرات لسنا نحفظ ونضمن جهد المجتهد منهم فحسب، بل إننا نحرك نفوساً ربما لا يحركها أسلوب آخر.......!! - رابعاً: التدرج ومراعاة الحال: حين نرجع إلى المعنى اللغوي للتربية نجد أن من معانيها النمو والزيادة، ومنه أيضاً التدرج (فالتربية جهود تراكمية، يرفد بعضها، بعضاً والزمن واضح في قولهم: تربى، وتنشأ، وتثقف؛ فالتنشئة والتغذية والتثقيف لا تكون أبداً طفرة ومرة واحدة، وإنما تتم على مراحل متتالية ... ) (١) ؛ وذلك لأن (للجوانب التي تتطلب التربية والإصلاح في النفس البشرية من الاتساع والتعدد والتنوع ما يجعلها في وقتٍ وجهدٍ أمراً عسيراً ومتعذراً) (٢) . ثم إن المتربين والمتعلمين ليسوا على درجة واحدة من الفهم والإدراك، ولا على درجة واحدة في الحرص والرغبة. وقد كان التشريع الذي نزل من عند الحكيم الخبير، يرعى التدرج وتمرين الناس على قبول الشرائع وترويضهم عليها؛ حيث خوطب الناس ابتداءً بالأهم فالأهم، فكان التأكيد أولاً على تحقيق التوحيد، حتى إذا استقرت نفوسهم أمروا بالفرائض ثم سائر الشرائع والأحكام. تقول عائشة ﵂: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا؛ لقالوا: لا ندع الزنا أبداً..» الحديث (٣) . وكذا كان المنهج النبوي في التربية والتعليم يقوم على التدرج ومراعاة الحال. - روى ابن ماجه عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيماناً» (٤) . كم نستعجل أحياناً في تعليم القرآن (حفظه) للأبناء والتلاميذ قبل تثبيت الإيمان في نفوسهم، كم رأينا ممن قارب إتمام القرآن حفظاً فانقطع وتغير سلوكه؛ لأن بناء الإيمان لم يتزامن مع الحفظ، إني بهذا الكلام أؤكد دور التربية والبناء الإيماني، ولا أقلل من أهمية الحفظ. - وفي حديث ابن عباس ﵄ في بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن قال: إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا ذلك فأعلمهم أن الله افترض..... الحديث» (٥) . - وإن من التدرج ومراعاة الحال في التربية والتعليم عدم تقديم ما حقه التأخير، وأن يُخَصَّ بالعلم أناسٌ دون غيرهم مراعاةً للفهوم وتقديراً للمصالح. روى البخاري في صحيحه قال: (باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا) وذكر تحته حديث أنس ﵁ قال: ذُكِر لي أن النبي ﷺ قال لمعاذ: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة» قال: ألا أبشر الناس؟ قال: لا؛ إني أخاف أن يتكلوا» (٦) . قال العيني ﵀: (وفي الحديث بيان وجوب أن يُخَصَّ بالعلم الدقيق قومٌ فيهم الضبط وصحة الفهم، وأن لا يُبذل لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لتقصير فهمه) (٧) . وروى البخاري (٨) في صحيحه عن علي بن أبي طالب معلقاً قال: حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ﷺ . وروى مسلم (٩) ، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» . إن عملية التعليم والتربية ليست عملية استعراض يستعرض فيها المربي أو المعلم معلوماته، إنما هي صياغة متكاملة تحتاج في أولها إلى الأسس والمبادئ التي تصح بها النهايات وتكتمل، وكما قال شيخ الإسلام: (صحة البدايات تمام النهايات) . وهكذا كانت طريقة الربانيين الذين امتدحهم الله فقال: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] . قال البخاري: قال ابن عباس ﵁: (الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) . - ومما يدخل في مراعاة حال المتعلم أو المتربي إعطاء كل مرحلة ما يناسبها من العلم والتربية فـ (إن لكل مرحلة عمرية درجة من النضج، يصعب تجاوزها، كما أن لها مشكلات لا يمكن حلها إلا على نحو جزئي، ولذا فإن العجلة هي العدو الأول للتربية..هناك جوانب عديدة في شخصياتنا، لا ينضجها إلا الزمن..) (١٠) وكان ابن سيرين يقول: إنك إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرك مني من خلق إن بعض المربين قد يعمد في بعض المراحل العمرية إلى زيادة الجرعة وهذا أحياناً قد يحدث شيئاً من التشوه التربوي ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] . - خامساً: الاستفادة من الأحداث: كل يوم تطلع فيه الشمس تتجدد أحداث وتمر حوادث، وعلى المعلم اللبيب والمربي الحكيم أن يفيد من هذه الحوادث والأحداث في توجيه التعليم وتأكيد التربية كما هو حال النبي الكريم ﷺ : - روى مسلم عن جابر ﵁: «أن رسول الله ﷺ مر بالسوق، داخلاً من بعض العالية (١١) ، والناس كَنَفتيه (أي جانبيه) فمرَّ بجَدْيٍ ميت أسك (١٢) ، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله! لو كان حيّاً كان هذا أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: فوالله! للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (١) . كم يتكرر علينا مثل هذا الحادث أو قريباً منه ثم لا نوليه أدنى اهتمام. - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم على النبي ﷺ سَبْيٌ؛ فإذا بامرأة من السبي تبتغي، إذا وجدت صبياً في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ : «أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا، والله! وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله ﷺ : لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها» (٢) . كان يمكن أن يذهب هذا الحديث دون تعليق، لكن النبي الحكيم ﷺ أفاد منه أي إفادة؛ وهكذا ينبغي لنا، وحين نطيل التأمل في مثل هذا الحادث فإننا سنجد فيه فرصة للإفادة في جوانب أخرى؛ فكما أشار النبي ﷺ فيه إلى سعة رحمة الله؛ فإننا نجد فيه فرصة للتذكير بحق الوالدين، وتقلُّب الدنيا بأهلها؛ إلى غير ذلك. وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا جلوساً ليلة مع النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، فافعلوا» (٣) . كم نرى القمر ليلة البدر؟ كم نراه ونحن مع أولادنا أو مع طلابنا، ثم لا نجد فرصةً أن نُذَكِّر برؤية المؤمنين لربهم في الجنة؟ وكم يمكن أن نفيد من رؤية القمر مثلاً بالتذكير بالصلاة وعظمتها، وأنها نور (والصلاة نور) والتذكير بقيمة الجمال ومحبة الناس له؟ ولن نعدم توجيهاً لو أعملنا أذهاننا. وعن البراء بن عازب ﵁ قال: «أُهديتْ لرسول الله ﷺ حُلَّةُ حرير، فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها، فقال ﷺ : أتعجبون من لين هذه؟ لَمَناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين» (٤) . قد يقول قائل: إن هذا خبرُ غيبٍ جاء النبي ﷺ بطريق الوحي وليس لنا إلى ذلك سبيل، فنقول: نعم! ولكن لنا سبل أخرى، فنستطيع أن نُذَكِّر عند جمال الدنيا وحسنها بنعيم الجنة، وبنار الدنيا وعذابها عذاب الآخرة: «ناركم هذه التي يوقِد ابن آدم، جزء من سبعين جزءاً من حر جهنم» (٥) . وقد كان هذا من طريقة بعض السلف ﵏: كان حممة ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وهرم بن حيان ﵀ يصطحبان أحياناً بالنهار، فيأتيان سوق الريحان، فيسألان الله الجنة ويدعوان، ثم يأتيان الحدادين فيتعوذان من النار، ثم يتفرقان إلى منازلهما» (٦) . كثيراً ما نجلس ونحن نحيط بالنار نستدفئ أو نصنع طعاماً؛ فكم يمكن أن نستفيد من هذا الحادث؟ يمكن أن نقول للمتربين: أرأيتم النار كيف تلتهم الحطب؟ كذلك الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. ويمكن أن نقول ونحن نحس بالدفء إن هناك من المسلمين من يتقلب في العراء لا يجد له بيتاً يُكِِنُّه، ولا ناراً يستدفئ بها. إن الحادث الواحد قد يكون فيه فرص للتوجيه في جوانب عدة. نعم! قد لا يكون من المناسب أحياناً استعراض جميع جوانب العبرة في الحادث، لكن علينا أن نأخذ منه أنفع وألصق شيء بالحال. إن أي حادث يجري فإنه يمكن أن يفاد منه في التربية (والمربي البارع لا يترك الأحداث تذهب سُدى بغير عبرة وبغير توجيه. وإنما يستغلها لتربية النفوس وصقلها وتهذيبها. ومزية الأحداث على غيرها من وسائل التربية أنها تُحدِث في النفس حاله خاصة هي أقرب للانصهار. إن الحادثة تثير النفس بكاملها، وترسل منها قدراً من حرارة التفاعل والانفعال يكفي لصهرها أحياناََ، أو الوصول بها إلى قرب الانصهار ... والمثل يقول: اضرب والحديد ساخن؛ لأن الضرب حينئذ يسهِّل الطرق والتشكيل) (٧) . وإن ما تمر به الأمة اليوم من حوادث وفتنٍ متتابعة ليعتبر من جهة أخرى فرصة لصياغة الشخصية المسلمة صياغة جادة ثابتة مثمرة، وأكبر شاهد على ذلك الجيل الفريد الذي رباه النبي ﷺ في خضم الحوادث والمحن قبل الهجرة في مكة وكذا بعد الهجرة في الحوادث التي زاغت بها الأبصار؛ ففي مثل تلك الأوضاغ الشديدة (كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوماً بعد يوم، وحدثاً بعد حدث، كانت هذه الشخصية تنضج وتنمو وتتضح سماتها ... ) (٨) . وحين نطالب بالاستفادة من الأحداث فلسنا بذلك نريد التعنت والتكلف في توجيهها، بل نلفت النظر إلى أسلوب ناجع من أساليب التربية النبوية. - سادساً: التبسط وإزالة الحواجز: النفوس البشرية ضعيفة تحوي في داخلها مشاعر وعواطف، يجذبها المعروف، وتحب الأنس والتواضع، وتكره التعالي والتكلف، وتأنف الجفاء والعبوس وتقطيب الجبين. والتبسط وإزالة الحواجز بين المربي والمتربي كفيل بإيجاد بيئة مطمئنة تساعد في تسارع التعليم، وتطور التربية، واتساع مساحتها بشكل واضح، والناظر في هدي النبي ﷺ يجد ذلك واضحاً، ويرى الأثر الكبير الذي يحدثه هذا الأسلوب في النفوس. - كان الرجل يأتي إلى مجلس رسول الله ﷺ لا يحجبه عنه بوابون يقول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: «ما حجبني رسول الله منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي» (١) . وكان ﷺ ربما أتاه الرجل لا يعرفه وقد أخذه الفزع يظن أنه يقدِم على الملوك، فيهون النبي ﷺ عليه ذلك؛ فعن ابن مسعود ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ رجل فكلَّمه فجعل ترتعد فرائصه فقال له ﷺ : هوِّن عليك؛ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد» (٢) . بل لقد كثر توارد الناس على رسول الله ﷺ «حتى كان آخر حياته يصلي جالساً لمَّا حطمه الناس» (٣) . إن الناس لو كانوا يجدون وحشةً من رسول الله ﷺ لم يكونو يأتونه بهذه الجرأة ولا بهذه الكثرة. وحين يكون الوصول إلى المعلم أو المربي من الصعوبة بمكان فإن حلقات من التربية والتعليم في حياة المتعلم والمتربي ستكون مفقودة لصعوبة الاتصال. إن الناظر في هدي النبي ﷺ وسيرته يرى صوراً كثيرةً من تبسُّطه ﷺ مع أصحابه مع كثرة أشغاله وجدية حياته، إنه مع ذلك يجد فرصة للمزاح معهم ومخالطتهم والدخول في أحاديثهم واستشارتهم وتسليتهم ومواساتهم. وإليك شيئاً من هديه ﷺ في ذلك: - عن عثمان بن عفان ﵁ قال في خطبة له: «إنَّا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير» (٤) . - وعن أنس ﵁ قال: «إنْ كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير: «يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» (٥) . - روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل ﵁: «أن رسول الله ﷺ خرج بالناس قبل غزوة تبوك؛ فلما أن أصبح صلى بالناس صلاة الصبح، ثم إن الناس ركبوا؛ فلما أن طلعت الشمس نعس الناس على أثر الدلجة، ولزم معاذ رسول الله ﷺ يتلو أثره ... ثم إن رسول الله كشف عنه قِناعه، فالتفت فإذا ليس من الجيش رجلٌ أدنى إليه من مُعاذ فناداه، فقال: يا معاذ! قال: لبيك يا نبي الله! قال: أُذْنُ، دُونَكَ! فدنا منه حتى لَصِقت راحلتاهما إحداهما بالأخرى. فقال رسول الله ﷺ : ما كنت أحسب الناس مِنَّا كمكانهم من البُعد، فقال معاذ: يا نبي الله! نعس الناس، فتفرقت بهم ركابهم ترتع وتسير، فقال رسول الله ﷺ : وأنا كنت ناعساً. فلما رأى معاذ بُشرى رسول الله ﷺ وخلوته له قال: يا رسول الله! ائذن لي أسألك عن كلمة قد أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني! فقال نبي الله ﷺ : سلني عمّا شئت.... الحديث (٦) . بالتأكيد إن هذا السؤال عند معاذ كان حبيساً في نفسه منذ زمن، حتى إذا رأى انبساط النبي ﷺ ورأى البِشْر في محياه استدعاه ذلك إلى سؤال النبي ﷺ ؛ فكم في نفوس أبنائنا وطلابنا من أسئلة وإشكالات ومشاكل لو وَجَدت نفساً بسيطة وقريبة لا يجد المتربي أو المتعلم أدنى كُلفة في التعامل معها، أو نفساً منبسطة تجذب الناس إليها، وحين لا يجد المتربون والمتعلمون هذه النفوس فلا شك أنهم سيبحثون عن نفوس أخرى! - وعن سِماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة ﵁: كنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم! كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر جلس في مصلاّه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه يذكرون الجاهلية، ينشدون الشعر ويضحكون، ويبتسم رسول الله ﷺ (٧) . - عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس» (٨) . قال مرعي بن يوسف الكرمي ﵀ في كلامه عن المزاح: (.. اعلم أيدك الله، أنه لا بأس بالمزاح الخالي عن سفساف الأمور وعن مخالطة السفلة ومزاحمتهم، بل بين الإخوان أهل الصفاء بما لا أذى فيه ولا ضرر، ولا غيبة ولا شَيْن في عرض أو دين، بل ربما لو قيل: يُندب، لم يبعُد، إذا كان قاصداً به حسن العُشرة والتواضع للإخوان، والانبساط معهم، ورفع الحشمة بينهم، من غير استهزاء أو إخلال بمروءةٍ أو استنقاص بأحد منهم) (٩) . أفد طبعك المكدود بالجد راحةً يجم وعلِّله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما تعطي الطعام من الملح - وحين ندعو إلى الانبساط وإزالة الحواجز مع المتعلم أو المتربي فلسنا نقصد بذلك أن يذوب المربي في شخصية المتربي، أو يذوب المعلم في شخصية المتعلم. مع العلم أن الذوبان وذهاب المهابة لا يقع إلا حين يتخلى المعلم أو المربي عن شخصيته الحقيقية ودوره الحقيقي، وعندها يتحول هذا الأسلوب (الانبساط وإزالة الحواجز) عن كونه سبباً لتحقيق أهداف التربية والتعليم إلى كونه شهوةً ورغبةً وإيناساً للنفس وموافقة للطبع لا غير. - سابعاً: الإقناع: الأصل أن يربى الناس على التسليم للأوامر بالفعل وللنواهي بالترك، لكن بعض النفوس أحياناً قد تكون شاردة تعيش حالة من التصميم حتى ولو كانت على خطأ، ولا يوقظ هذه النفوس إلا شيء من الإقناع، بردِّها للجادة، وتأكيد معاني الخير فيها. - روى البخاري (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! وُلِدَ لي غلام أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم! قال: ما لونها؟ قال حمر. قال: هل فيها من أوْرق؟ قال: نعم! قال: فأنَّى ذلك؟ قال: نزعه عرق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق» . والملاحظ هنا في الإقناع النبوي الاستفادة من البيئة المحيطة، وكذا الاستفادة من البدهيات التي يؤمن بها المحاوَر، وهذا في حد ذاته من مؤكدات الإقناع. - أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ قال: إن شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مَهْ مَهْ! فقال: ادنه! فدنا منه قريباً. قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا، والله! يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه؛ فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (٢) . إن النبي ﷺ في هذا الحديث لم يكتفِ بدرجةٍ قليلة من الإقناع، بل مارس معه تأكيد الإقناع ـ إن صح التعبير ـ وكان يكفي قوله: أتحبه لأمك، لكنه عدد محارمه زيادة في الإقناع، ودلالة على أن ما قد يأتي من النساء لا تخلو أن تكون أماً لأحدٍ أو بنتاً أو عمة أو خالة. وفي المسند عن أبي حذيفة عن عدي بن حاتم سمعه يقول: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: «يا عدي! أسلم تسلم» قلت: إني من أهل دين. قال: «أنا أعلم بدينك منك» فقلت: أنت اعلم بديني مني؟! قال: «نعم! ألست من الرَّكوسية، وأنت تأكل مرباع قومك؟» قلت: بلى! قال: «فإن ذلك لا يحل لك في دينك» قال: فلم يعْدُ أن قالها فتواضعت لها، قال: «أما إني أعلم ما الذي يمنعك عن الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب؛ أتعرف الحِيرة؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فوَ الذي نفسي بيده! ليُتِمَّنَ اللهُ هذا الأمرَ حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتُفتحَن كنوز كسرى بن هرمز» قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: نعم! كسرى بن هرمز، وليُبذلن المال حتى لا يقبله أحد» (٣) الحديث. تأمل قوله ﷺ «أنا أعلم بدينك منك» فهو يحمل إشارة إلى أن من يقوم بالإقناع ينبغي أن يكون واسع المعارف كبير الفهم. وتأمل قوله ﷺ : «إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام..» فيه إزالة الموانع وتفتيت الحواجز ودحض الشبهات التي تقف أحياناً كثيرة أمام رقي المتعلم والمتربي. - وعند البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسين بن علي ﵁ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه فقال ﷺ : «كِخْ، كِخْ» ليطرحها، ثم قال: «أما شعرتَ أنَّا لا نأكل الصدقة؟» (٤) . يا ترى كم كان عمر الحسين بن علي ﵁ وقتئذ؟ لقد مات النبي ﷺ وعمر الحسين لم يجاوز الثامنة؛ ومع ذلك خاطبه ﷺ خطاب الكبار، ومارس معه الإقناع؛ فكأنه يقول له: أنا لم أخرجها من فمك شُحّاً أو طمعاً أو أن فيها ضرراً عليك ـ لا.. إن السبب أنَّا لا نأكل الصدقة. حين تجد مع ابنك صورة محرمة أو تجد عليه لباساً بعيداً عن روح الإسلام؛ فإن جلسة إقناع تؤكد فيها شخصية المسلم وتميُّزه كافية في التغيير بإذن الله، وعلى أقل تقدير كافية في هز القناعات السابقة وزعزعتها، وهذا سيجعل فرصة التخلي عنها في المستقبل أكبر. هذه بعض الأساليب النبوية في التربية والتعليم أحببت الإشارة إليها والوقوف معها لما لها من أثر في بناء النفس، وكلي أمل أن أكون أسهمت من خلال هذه الكتابة في تدعيم لبنات الإصلاح المنشود. والله أعلم وهو يهدي السبيل

стр. 5186

ملفاتنا الشخصية كيف نحافظ عليها ؟! مريم أحمد الأحيدب إذا كان لديك حاسب آلي فمن المؤكد أن لديك العديد من الملفات الشخصية. وإذا كنت ممن له صولات وجولات في عالم النت فلا بد أن تكون ملفاتك؛ بل وجهازك عرضة لمختلف أنواع الفيروسات. فمن المؤكد حينئذ أنك ستكون في منتهى الحذر خلال تعاملك مع هذه الشبكة. وملفاتك لا بد لها من الحماية.. وأن تضعها في مكان آمن كي لا تتعرض للتلف. وهذا ما أردت أن أصل إليه. أحبتي: لكل منا ملفه الشخصي. هذا الملف لا يوجد على سطح المكتب.. ولا في قائمة الملفات الصفراء. هذا الملف موقعه في داخلي وداخلك. هذا الملف يختلف كمّاً وكيفاً من شخص لآخر. وليست هذه هي القضية. القضية تكمن في طريقة الاحتفاظ.. وكيفية الحماية.. ونوع الفيروسات التي قد تصيبه. إنها فيروسات لا تُرى بالعين المجردة، ولا في أدق أنواع المجاهر. مما يتوجب علينا أن نعرف وبدقة متى نفتحه؟ ... وأين؟ ... وكيف؟ هل من حق الآخرين الاطلاع عليه.. ومعرفة تفاصيله؟ وهنا يكمن السؤال.. وتتبلور القضية. لقد خلقنا الله وأودع في كل منا قدرات وطاقات. هذه القدرات وتلكم الطاقات تستوعب كل ما قد يدهمنا من خطوب وهموم، وأحزان وشجون. فمن قدّر له هذه الأقدار أعطاه القدرة على الاحتمال. ولكن يأبى الله إلا أن يرينا ضعفنا.. فيأتي العبد المسكين رامياً أحماله وأثقاله على عبد ضعيف مثله ظاناً أن بمقدوره استيعاب همه واحتمال كربته وغمه. ونسي أن البشر طاقات، وأن طاقاتهم على قدر همومهم. فإن لم تستطع تحمّل همك فلن يتحملوه عنك. وإن تحمَّلوه اليوم فلن يتحملوه غداً. واعلم أنه بقدر ما تعرضه من صفحات بقدر ما تريق ماء وجهك.. وتبدد كرامتك.. وتزيد همّك.. وتهين نفسك.. فالشكوى لغير الله مذلة. فلا أكرم للإنسان.. وأحفظ لكرامته من حفظ أسراره.. وتغطية جروحه مهما كانت عميقة. والإقفال على عالمه الخاصّ تماماً، كما يقفل على الدنانير والدراهم. ولا تغرك ما تسمعه من عبارات تحمل في ظاهرها الشفقة، والرغبة في تخفيف وطأة الشجون. فإنهم على أنفسهم لا يقدرون، وعلى تحمل آلامهم قد لا يصبرون، وعلى كتمان أسرارهم قد يعجزون. ومن حمل سرك اليوم أصبحت أسيره طول العمر. فأثقلت على الهم عبودية أنت في غنىً عنها لو كنت تسلحت بالصبر ولزمت الكتمان. فكم من رفيق ضر صاحبه وهو يريد نفعه، فأورده المهالك بسوء نصحه! فالقدر ليس منه مفر، ومن ترك كاشف الكربة ورافع الغمة ومجيب المضطرين أوكله الله إلى ذاته. فلا يلومن حينئذٍ إلا نفسه.

стр. 5187

لا حلول كاملة في وسط غير كامل أ. د. عبد الكريم بكار إذا تساءلنا عن قاسم مشترك، أو عن شيء يستهدفه الناس جميعاً لأمكن أن نقول: إنه السعادة والهناء وراحة البال. والحقيقة أن الله ـ جل وعلا ـ فطر النفوس على حب الحياة وحب الاستمتاع بالخيرات التي بثها الله ـ تعالى ـ في الأرض، كما في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ، ويكفي في الأصل لأن يتخلص الإنسان من المعكرات والمنغصات حتى يشعر بشيء من الارتياح والابتهاج. في أيامنا هذه تزاحمت المطالب على الواحد منا، وصارت الضغوط التي يواجهها في كل اتجاه أكبر مما يمكن أن تتحمله جملته العصبية؛ أضف إلى هذا أن من شأن التقدم العمراني أن يزيد في طموحات الناس، ويوسِّع الهوة بينهم وبين الإمكانات الفعلية التي حوزتهم، وهذا يفتح عليهم باباً من العناء. كما أن إحساس الناس بمصالحهم يصبح أكبر، وهذا يجلب لهم شيئاً من القلق والتوتر، وبما أن التطورات التقنية المتلاحقة إلى جانب تعاظم رأس المال هي التي توجه كثيراً من أنشطة الحياة اليوم؛ فإن لنا أن نتوجس خيفة من عواقب الحركة الدائبة وتأثيرها في أمننا النفسي وإشراقنا الروحي. فما الذي يمكن عمله حيال كل هذه الأشياء؟ لا بد في البداية أن نتصرف في كل شؤوننا على أساس أننا لا نستطيع أن نصل إلى حلول كاملة في وسط غير كامل؛ مما يعني أننا سنظل نشعر أننا نلنا أقل مما يكفي وأقل مما نستحق، ولهذا فإن الرضا عن الله ـ تعالى ـ والقناعة بالمقسوم من الأمور الجوهرية في الحصول على الهناء، وبعد هذا يمكن أن نلاحظ وننجز عدداً من الأشياء، وهي كثيرة. أذكر بعضها: ١ - لا يصح أن نجعل السعادة هدفاً، نسعى إليه، فنحدِّث أنفسنا بأننا سنكون سعداء، وسنجد مشاعر لا نظير لها إذا فرغنا من كذا، أو حصلنا على كذا، أو وصلنا إلى كذا ... وذلك لأننا بهذا نكرس شعور عدم الارتياح في حاضرنا أملاً في الحصول عليه في مستقبلنا. وقد دلتنا الخبرة على أن ما نشغف به يكون عند وصولنا إليه ـ إن وصلنا ـ أقل إثارة للبهجة مما نظن، وأقل دواماً واستمراراً مما نتوقع في اشتهاء الشطر الثاني، ونقضي الشطر الثاني في التأسف على الشطر الأول. ٢ - قد استقر في وعي كثيرين منا أنه لا سعادة إلا مع توفر الكثير من المال، ولهذا فإن الهاجس المسيطر على معظم الناس هو كيف يحسِّنون دخلهم، وكيف يرفعون أرصدتهم ظناً منهم أن المزيد من المال سيعني على نحو آلي المزيد من الهناء والمسرات. إن قدراً ملائماً من المال سيظل ضرورياً لاستقامة حياتنا وتمشية أمورنا، لكن ليس هناك أي مؤشرات حقيقية إلى أن كثرة الأموال ستأتي براحة البال. وتجاربنا الشخصية تؤكد هذا. إن جعل المال محوراً لجهودنا وهدفاً مركزياً لمساعينا سيثير الكثير من التوترات الاجتماعية، وهذا لأن المعروض منه دائماً هو أقل من المطلوب، وذلك بسبب عدم شبع النفس البشرية منه، على ما نجده في قوله ﵊: «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب أحب أن له واد أخر ولن يملء فاه إلا التراب والله يتوب على من تاب» (١) . إن أفكار ما بعد الحداثة تصور للناس أن الرجل السعيد هو دائماً رجل شاب وثري، والمرأة السعيدة هي دائماً امرأة جميلة، والحركة العالمية للدعاية والإعلان تحاول بشتى الوجوه إيصال هذه الرسالة للناس، وهذا ساعد في انتشار عمليات الرشوة والغش والاحتيال وخرق النظم والقوانين السارية، وأوجد في الوقت نفسه تشوهاً مخيفاً في صورة المسلم في عين ذاته. ومن هنا فإن التحدي الذي يواجهنا هو: كيف نوفر الهناء من غير الحاجة إلى المزيد من المال؟ وهذا ما سنتحدث عنه في المقال القادم بحَوْل الله وطَوْله.

стр. 5188

الشيخ حسن يوسف في حوار مع البيان: علاقة حماس مع أبي مازن سيحكمها مقدار تمسكه بحقوق شعبنا نائل نخلة قاطعت حركة المقاومة الإسلامية حماس الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً، وأعلن في أعقابها فوز مرشح حركة فتح محمود عباس أبو مازن بنسبة ٦٢% من أصوات المقترعين، وقد اتخذت الحركة جملة من المواقف تجاه عملية الترشيح والاقتراع من أوجه مختلفة. وفي هذه المقابلة مع الشيخ حسن يوسف المتحدث باسم حركة حماس في الضفة الغربية، رصد لموقف الحركة تجاه كافة ملابسات العملية، واستيضاح لتوجه الحركة المستقبلي. من هنا جاء هذا اللقاء مع (البيان) . البيان: الشيخ حسن يوسف ما هو تعقيبكم على نتائج الانتخابات الرئاسية من حيث نسبة المشاركين ومن حيث فوز محمود عباس أبو مازن؟ - في البداية نحن في حركة حماس لا نريد سوى الاعتماد على الأرقام التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية؛ فمن مجموع مليون وثمان مئة ألف صوَّت ٧٥٧ ألفاً، وهذه تشكل حوالي ٤٠% من مجموع من يحق لهم التصويت، وإذا أضفنا نحو ٥٣ الف ورقة بيضاء أو باطلة؛ فالنسبة النهائية لمن اقترعوا كانت ٤٠%، وأبو مازن فاز بنسبة ٦٢% من مجموع المقترعين فقط، ومن ثم فإن نسبته الحقيقية هي ٢٦.٨%، بينما يحصل مصطفى البرغوثي على ٨% فقط، بمعنى ان هناك قرابة ٦٠% من الفلسطينيين اصحاب حق الاقتراع لم يصوتوا. وقد رافقت عملية الاقتراع معوقات وظروف مختلفة منها (صهيونية) ومنها ما هو غير ذلك، ولكن يجب أن نعلم أن مقاطعة حركة حماس للعملية الانتخابية الرئاسية كان له تأثير كبير على نسبة المشاركة والاقتراع يوم الانتخابات. بالنسبة للأخ ابو مازن، نحن نحترم اختيار شعبنا الفلسطيني، ونحترم العملية الانتخابية رغم بعض الملاحظات عليها، كما للكثيرين من المراقبين المحليين والدوليين الذين أشرفوا على هذه الانتخابات، ونحن نقبل باختيار شعبنا الفلسطيني، كما قمنا بتقديم التهنئة للأخ أبو مازن باعتباره رئيساً للسلطة الفلسطينية. وأود أن يعلم الكل أنه لا يوجد بيننا وبين (أبو مازن) أي إشكال شخصي مع أننا لا نريد أن نحكم عليه حكماً مسبقاً، بل ننظر ما سيقوم به على الأرض، ثم ستكون علاقتنا مع رئيس السلطة بمقدار تمسكه بحقوق شعبنا الفلسطيني، وإذا تحرك من أجل إصلاح كل أشكال الخلل الذي أصاب معظم نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتصحيح مسألة عدم احترام الحريات، والتهاون في مسألة احترام حقوق المواطن، وحافظ على استقلال القضاء وعلى تصويب الوضع الداخلي الفلسطيني، بل سنقوم بدعمه إذا ما تمسك بكافة حقوقنا. لكن إذا كان هناك تفريط بأي حق من حقوق شعبنا فحماس بلا شك ستعارضه، ولكنها معارضة حضارية علمية لا تتسبب بأي إشكال في الواقع الفلسطيني. البيان: ما هي استعدادات حركة حماس للمشاركة في انتخابات المجالس البلدية في قطاع غزة، وكذلك الجولة الاستكمالية لهذه الانتخابات في الضفة؟ - حركة حماس مع إجراء الانتخابات البلدية التي تشمل ٤٥٠ دائرة انتخابية للمجالس البلدية والقروية التي تنتشر في كافة أرجاء الوطن في الضفة وغزة والقدس، ولقد قررت حماس المشاركة في هذه الانتخابات لكونها على تماس مباشر مع المواطن الفلسطيني، الذي جربنا من خلال إدارة بعض المؤسسات الخيرية والاجتماعية، وشهد على نزاهة طواقمنا، رغم المراقبة والضغط الشديدين من قِبَل السلطة لعمل هذه المؤسسات، ولأن هذه الانتخابات البلدية هي بالأصل من أجل العمل الخدماتي؛ فقد شهد الفلسطينيون كافة بتقدم وفوز الحركة في الجولة الأولى منها والتي شملت ٢٦ دائرة انتخابية في الضفة، ونحن على ثقة أن المواطن لديه ثقة عالية بنا، وهذا يوضحه مدى التأييد الكبير الذي تتحلى به حماس في أوساط الفلسطينيين (*) . البيان: هل من استعدادات خاصة من قِبَل الحركة لخوض هذه الانتخابات؟ - نحن لا نزاحم أحداً وكأننا في معركة. في الواقع نحن لا نريد سوى إضافة جهودنا لجهود كل الخيرين في الساحة الفلسطينية من أجل إحداث تغيير في الشارع الفلسطيني من خلال دماء ووجوه جديدة من اجل عملية تغيير شاملة في الواقع الفلسطيني، وسنبذل كل ما بوسعنا في سبيل تحقيق أي خدمات للمواطن. البيان: هل لا زالت حركة حماس تدرس إمكانية مشاركتها في الانتخابات التشريعية التي من المقرر إجراؤها في السادس عشر من تموز المقبل؟ - نحن لا نخفي عن المواطن الفلسطيني أمراً إن قلنا إن هناك مجموعة ضغوطات من قِبَل شرائح محترمة من أبناء شعبنا ولها تأثير في الواقع الفلسطيني تدعونا وتُلح علينا بضرورة المشاركة في الانتخابات التشريعية، ولكن حماس لا زالت تدرس هذا الأمر بجدية كبيرة، وفي وقت قريب سيكون هناك قرار نهائي بهذا الشأن، وأي موقف ستتخذه الحركة سيكون خاضعاً لمصلحة وحقوق شعبنا الفلسطيني. لا يوجد تاريخ معين لإصدار قرار نهائي بهذا الشأن؛ فالكل يعلم وضع حركة حماس الأمني وملاحقة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية؛ لذلك هناك عقبات في التواصل بين القيادات، ولا يمكننا فرض القرار بشكل أحادي من قِبَل جهة واحدة في الحركة، هناك مؤسسات شورى في الحركة سواء في الضفة أو القطاع أو في السجون أو في الخارج، ومن ثم قد يستغرق الأمر وقتاً؛ لكنه سيكون قريباً بإذن الله.

стр. 5189

الشيخ نافذ عزام القيادي بحركة الجهاد الإسلامي للبيان: أبو مازن غير مفوض بتقديم تنازلات حتى لو كانت نسبة المشاركة ١٠٠% نائل نخلة جرت انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية يوم التاسع من يناير ٢٠٠٥م، لتكون بذلك ثاني انتخابات رئاسية فلسطينية، وقد فاز محمود عباس أبو مازن مرشح حركة فتح، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية بالانتخابات، بحصوله على نسبة ٦٢.٣٢% من بين الذين شاركوا في الاقتراع، والذين لم تتجاوز نسبتهم في أحسن الأحوال الـ ٤٥% من بين الذين يحق لهم الاقتراع، حسب القانون الفلسطيني. فوز محمود عباس أبو مازن، المعروف بمعارضته لـ «عسكرة الانتفاضة» وصاحب الدور الأبرز في التوصل لاتفاقية أوسلو، يطرح الكثير من التساؤلات حول طبيعة تعامله مع فصائل المقاومة، لا سيما التي قاطعت الانتخابات الرئاسية، وامتلاكه للتفويض من الشعب الفلسطيني بعد انتخابه رغم تدني نسبة المشاركة بالانتخابات. وفي محاولة للإجابة عن الأسئلة وغيرها، التقت «البيان» بالشيخ نافذ عزام القيادي البارز بحركة الجهاد الإسلامي. البيان: بدايةً.. كيف تنظرون لانتخابات الرئاسة الفلسطينية التي جرت؟ - نحن سبق أن أعلنا موقفنا الواضح بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، وعدم المشاركة فيها، ولا نرى من المناسب أن نخوض في جدل حول ما جرى في الانتخابات، لكن بشكل عام نحن نتصور أننا أمام انتخابات جرت بشكل سليم، وسنتعامل مع السيد محمود عباس على أنه الرئيس الذي أفرزته الانتخابات، وسوف نعامله كما كنا نتعامل مع الرئيس عرفات ﵀ فسنحاول من خلال هذا التعاون تعزيز وحدة شعبنا، وحماية حقوقه ومصالحه. البيان: هل لديكم ملاحظات حول مدى نزاهة الانتخابات الرئاسية التي أجريت؟ - لا توجد لدينا أي إثباتات أو أدلة على حدوث تزوير، بل ربما سارت العملية الانتخابية بشكل سليم، ربما كانت بعض التجاوزات البسيطة هنا أو هناك، لكن بشكل عام نحن نتصور أنه لم تحدث عمليات تزوير. البيان: كيف تقيِّمون نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية؟ - كما تحدثت التقارير، وكما أعلنت لجنة الانتخابات ذاتها؛ فإن نسبة المشاركة لم تكن كبيرة، ربما هناك اعتبارات وأسباب عديدة لتدني نسبة المشاركة. البيان: ما أسباب تدني المشاركة في الانتخابات حسب اعتقادك؟ - بالتأكيد مقاطعة بعض القوى والفصائل للانتخابات كانت أحد الأسباب، إضافة للجو العام؛ فالناس تشعر أن العدوان الإسرائيلي مستمر، وأن تجربة التفاوض السابقة، كانت تجربة عقيمة، والواقع الذي يعيشه شعبنا واقع مؤلم ومر، ومن ثم فإن كثيراً ممن قاطعوا أيضاً لم يجدوا تشجيعاً للمشاركة في ظل يقينهم بأن إسرائيل لا تغير سياساتها أبداً، وبأنها غير جادة في التعامل مع أي رئيس فلسطيني، وأنها غير جادة أبداً في مسألة ما يسمى بمسيرة التسوية. البيان: هل انتخاب أبو مازن رئيساً للسلطة الفلسطينية يعطيه تفويضاً من الشعب الفلسطيني لتطبيق رؤيته المتعلقة بوقف عسكرة الانتفاضة والبدء في عملية السلام؟ - حتى لو كانت نسبة المشاركة ١٠٠%، وحتى لو فاز السيد محمود عباس بنسبة ١٠٠%؛ فهذا لا يعني أبداً تفويضاً بالقيام بمفاوضات، أو اتخاذ خطوات وإجراءات؛ فنتيجة الانتخابات لا تعني تفويضاً أبداً، وخاصة أن الأمر يتعلق بقضايا حساسة جداً، وقضايا مصيرية بالنسبة للشعب الفلسطيني. نتيجة الانتخابات لا تعطي تفويضاً للقيام بأية خطوات أو اتخاذ أية سياسات، خاصة فيما يتعلق بقضايا ما يسمى الحل النهائي. الأمر الآن يحتاج إلى حوار معمق، وأتصور أن هذه مهمة كبيرة تواجه أبو مازن بحيث يتم تعزيز وحدة الشعب الفلسطيني، وأن يتم تكثيف الحوارات بين الفلسطينيين لمحاولة الخروج ببرنامج سياسي مشترك لمواجهة المرحلة المقبلة. البيان: لكن قادة حركة فتح شددوا في تصريحاتهم قبل الانتخابات على أن اعتبار انتخاب أبو مازن من قِبَل الشعب، يعني الموافقة على ما يدعو إليه؟ - حتى لو قيل مثل هذا الكلام؛ فنحن نتصور أن الحديث عن قضايا خطيرة مثل حق العودة للاجئين وقضية القدس ومسألة المستوطنات ومسألة الحدود، هذه كلها قضايا خطيرة وقضايا حساسة جداً، ولا يمكن على الإطلاق أن يكون هناك تفويض من الشعب الفلسطيني حول هذه المسائل. نحن لا نظن أن الانتخابات كانت أن يصوِّت الناس على المقاومة والانتفاضة أو التفاوض مع إسرائيل. لم تكن الصورة بهذا الشكل أبداً. نحن نعرف أن كثيراً ممن شاركوا بالانتخابات شاركوا على أنها نوع من التحدي للاحتلال، ونوع من التحدي لإجراءاته، وحتى الذين صوَّتوا لأبو مازن لم يصوتوا ضد المقاومة وضد الانتفاضة، أو مع الاتفاق بأي شكل مع إسرائيل، وحتى الإخوة من أبناء فتح الذين صوَّتوا لأبو مازن لم يصوتوا له على هذا الأساس. ومن ثم نتصور أن الأمر الآن يتطلب تكثيف الحوار بين الفلسطينيين جميعاً، وأن يسعى أبو مازن للخروج ببرنامج مشترك، وتأكيد الشراكة السياسية؛ حيث من الضروري أن تتمثل كل القوى الفاعلة في الساحة في هذا البرنامج. البيان: الأراضي الفلسطينية تشهد استعدادات لإجراء الانتخابات التشريعية، واستكمال مراحل الانتخابات البلدية؛ فهل قررت المشاركة في هذه الانتخابات؟ - نحن سنشارك في الانتخابات البلدية، ولدينا قوائم تقدمت فعلاً في المرحلة التي ستجري فيها انتخابات بلدية في قطاع غزة، وربما كانت بعض العوائق الفنية هي السبب في عدم المشاركة في المرحلة التي جرت في الضفة الغربية (*) . أما بخصوص الانتخابات التشريعية، فموقفنا معلق على طبيعة القانون الذي ستجري وفقه هذه الانتخابات؛ فإذا ظل القانون القديم نفسه الذي جرت بناءً عليه انتخابات كانون الثاني / يناير ١٩٩٦م سارياً، فنحن لن نشارك، لكن إذا توافق الفلسطينيون على قانون جديد، وإذا أُدخلت التعديلات، فنحن سندرس الأمر بشكل جدي. البيان: هل تتوقعون أن يطلب منكم أبو مازن الموافقة على هدنة جديدة؟ - لم يطلب أبو مازن هذا الأمر في اللقاءات التي حصلت معه قبل أسابيع، وقبل الانتخابات، ولا نعرف ما الذي سيطلبه، لكن نتصور أن المشكلة هي لدى إسرائيل، وليست لدينا كفلسطينيين. نحن نقول إن الحديث عن الهدنة الآن سابق لأوانه، وأبو مازن أصلاً لم يطلب منا هذا الأمر، إضافة إلى أن إسرائيل هي الطرف المعتدي، وهي التي تحتل الأرض، وهي التي تستخدم القوة، ونقول إنه من غير المنطقي أن يطالَب الفلسطينيون الذين يتعرضون للعدوان ويتعرضون للقتل وتُهدم بيوتهم، أن يطالَبوا بالقيام بخطوات، بينما تظل إسرائيل طليقة اليد تفعل ما تريد ضد الفلسطينيين.

стр. 5190

عذابات البحر البويسفي محمد اتجهتُ نحو الشمال، اخترقتُ جبال الريف، وصلتُ إلى طنجة، أمشي في شوارعها مطأطئ الرأس. كلما اقتربت من أوروبا، زادت معاناتي، أحس بشيء يجرني إلى الوراء، يحاول منعي من المضي، منظر غريب. كنت أتقدم إلى الأمام، لكن تفكيري، ووجداني بقيا مع الأهل، رفضا فراق الأحبة. أمشي في الطريق بين حشود من الناس في ازدحام الشارع، ولكنني رغم ذلك وحيد، غريب، خطواتي بطيئة، رجلي مثقلة علي.. في حيرة مع نفسي. وصلت إلى الشاطئ، على مشارف البحر التفت وها أنذا اللحظةَ أفارقها أرحل عنها، أتركها، صعب عليَّ ذلك؛ لا أطيقه. أأرحل عن وطن فيه ولدت وكبرت، قضيت فيه أحلى الساعات بين الأهل والأحباب تحت رحمة الأب وعطف الأم الحنون؟ لماذا يا نفس تهجرين مجتمعاً تقاليده وعقائده تجري مجرى الدم في جسمك، عشت فيه حتى أصبح جزءاً منكِ وأصبحتِ جزءاً منه؟ ردت نفسي قائلة: أنا أيضاً لم أشأ هجران وطني، صحيح هو جزء مني؛ فأنا لم أُرد الانسلاخ عنه، لكنه أبى أن يحتضنني، أبى أن يوفر لي لقمة عيش، بخل عليَّ بعيش زهيد. طرقت كل أبواب العمل، طرقت كل باب يمكنني من خلاله أن أوفر كسرة خبز.. للأسف لم أجد ولو باباً واحداً مفتوحاً في وجهي، أجلس بين أقراني وأصحابي أحسّ بالنقص؛ لأنني عاطل، أبي وأمي وإخوتي الصغار ينظرون إليَّ، فأقرأ في أعينهم الحاجة وواقع حالهم يقول لي: أنقذنا من غول الفقر. وجدتُ حجتها أقوى من حجتي فاقتنعت بالرّحيل. امتطيت القارب، تناولت مِجدافيه، وجَّهته قِبَل الشمال، واستدبرت الجنوب. كانت الشمس في مغربها تستعد لتودعنا، والليل يتأهب ليرخي سدوله ويغطينا بظلام قاتم.. غابت الشمس، وحلّ الظلام؛ لكن القمر وعلى خلاف عادته لم يظهر. ركبت القارب وسرت فوق موجات البحر أشق طريقي نحو الحلم، شيئاً فشيئاً أبتعد عن الوطن، لم أعد أرى أضواء طنجة.. أصارع أمواج البحر مع ظلمات الليل الحالك. يا للأسف! هاج البحر، أمواجه تتقاذفني، فأحاول السيطرة على القارب، وأُمسك جيداً بمجدافيه لكن دون جدوى. الأمر أعظم مما كنت أتوقع.. أصبحت في خطر حقيقي، حركات البحر غير عادية، شعرت بالموت يهاجمني من كل جانب وأنا أقاومه وحدي. يا إلهي! يا إلهي! وأخيراً تمكنت من رفع سبابتي نحو السماء فنطقت بالشهادتين، ليضمني البحر في أعماقه بين ذراعيه، ويقول لي: اضطررتُ لأمنعك من السير إلى الجحيم الذي احترق به أسلافك من الأندلسيين والأواخر من المهاجرين الذين هم الآن يحترقون. قال لي: اسألني! أنا الذي شاهدت مآسي الأندلس، ومحاكم التفتيش، ولا زلت أشاهد معاناة المهاجرين في أوروبا وهم يكتوون بنار الوحدة والغربة، والعنصرية التي يمارسها المستكبرون في الأرض. ويأبى البحر أن تتكرر مأساة الماضي.

стр. 5191

لا مرحباً بالرئيس ! د. عبد العزيز كامل قبل ستة أشهر من (الاعتراف به) نائباً للرئيس في السودان، ريثما تنضج الطبخة لتحويله إلى رئيس، هلل الآلاف من أنصار المتمرد الصليبي (جون جارانج) بالهتاف والأغاريد والزغاريد مرددين: «أهلاً أهلاً بالرئيس.. أهلاً أهلاً بالرئيس..» وكان ذلك في معقله بالجنوب؛ حيث ألقى فيهم كلمة حماسية قال فيها: «إن الجيش الشعبي لتحرير السودان، سيصبح قوة سياسية كبرى في جنوب السودان وشماله» . وبعد أن تم توقيع اتفاق (السلام) مع هذا المحارب في (٩/١/٢٠٠٥م) قال جارانج: «إن هذا الاتفاق سيغير وجه السودان إلى الأبد» ، وهي كلمة لها أبعادها، ولها ما بعدها. فالسودان يريد أعداء الأمة تغيير وجهه (إلى الأبد) لماذا؟ - لأنه بوابة الإسلام الجنوبية إلى إفريقيا المستهدفة بالتنصير الشامل منذ عقود. - ولأنه أكبر الدول الإفريقية مساحة، وأخصب الدول العربية أرضاً بما يكفي العرب جميعاً للاكتفاء الغذائي، لو أرادوا الاستغناء عن ابتزاز أعدائهم. - ولأنه يمثل العمق الاستراتيجي لمصر التي تظل بحجمها ودورها ـ رغم تقلبات السياسة ـ أكبرَ تحد لإسرائيل. - ولأن السودان الفقير في الواقع أصبح غنياً في المتوقَّع؛ بما ظهر فيه من كنوز البترول في جنوبه، واليورانيوم في غربه. - ولأن هذا البلد يملك موقعاً استراتيجياً متميزاً على البحر الأحمر، يتحكم في الملاحة إلى قلب إفريقيا. - ولأن السودان هذا هو البلد الذي خرج عما يشبه (الإجماع) على ضلالة العلمانية، فحاول إحلال أحكام الشريعة مكان أحكام البشر الوضيعة. - ولأنه هو البلد العربي الوحيد الذي عبأ جيشه الرسمي بشعارات (الجهاد) في المعارك المفروضة عليه، في زمان أصبح المراد بالجهاد هو أن يكون مرادفاً مباشراً لـ (الإرهاب) . - ولأن السودان كان له موقفه المميز من تأييد القضايا العادلة كما في فلسطين والعراق، بل كانت له مشاركات في تفعيل العمل الإسلامي، فصار ـ حتى وقت قريب ـ ملتقى للكلمة الحرة، والحركة الطليقة. - ولأنه شريك كبير في ملكية أطول نهر في العالم، وهو نهر النيل الذي جعله الله شرياناً للحياة لما لا يقل عن مئة مليون مسلم في مصر والسودان وغيرها، يراد إخضاعهم لتحكم حفنة من نصارى جنوب السودان المتواطئين مع نصارى أثيوبيا، وأوغندا، وكينيا، والمدعومين جميعاً من إسرائيل وأعوانها. لأجل هذا كله وغيره نُظر إلى السودان المستضعف على أنه يملك كل أسباب القوة البشرية والاقتصادية والمائية والاستراتيجية؛ بحيث لو تحرر من الضغوط والمشكلات والأزمات لأصبح مهيأ لانطلاقة كبيرة تكسر إسار الرق الحضاري المضروب على القسم الإسلامي من إفريقيا، وبخاصة إذا توافرت لمصر معه ظروف مشابهة من التحرر من الضغوط والمشكلات والأزمات وعشوائية السياسات. - تأهيل المحاربين: هل يعقل أن يتلقف عدو محارب كل أسباب القوة المعطلة هذه؛ ليفعِّلها في حرب المسلمين، بدلاً من انتفاعهم بها..؟ هذا للأسف ملخص المشهد الأخير في السودان بعد ما يسمى بـ (اتفاق السلام) ، مهما هلل المهللون، ورقص الراقصون! ... فأن يتولى كافر محارب المنصب الأول في جنوب السودان، والمنصب الثاني في كل السودان؛ فإن هذه ليست مصيبة السودان وحده، بل مصيبة كل جيران وإخوان السودانيين في العقيدة والدين؛ لأن هذا المنصب يؤهله واقعياً؛ لأن يكون رئيساً فعلياً لكل السودان إذا ما دبرت أحداث التغييب أو تغيير الرئيس ليحل محله ـ بشكل دستوري جداً ـ نائب الرئيس (الأول) ! وهنا تتحول الأغلبية إلى أقلية ويتحول الحكام إلى محكوميين يلهثون للاستجداء من الأعداء. هذه الصورة القاتمة من تنصيب الكفار في هذه المناصب الخطرة، إن ساغت في شرائع السياسات العلمانية اللادينية؛ فإنها لا تسوغ في الشرعة الإلهية التي لا تسمح بأن تكون كلمة الذين كفروا هي العليا في أوطان المسلمين؛ حتى انعقد إجماع الأمة على أن الكافر لا تصح ولايته في الحكم أو القضاء؛ فأن يكون تولي أمثال جارانج منصب قاضٍ في إحدى محاكم السودان المسلم باطلاً؛ فإن توليه لمنصب النائب الأول عن الرئيس العام أشد بطلاناً ونُكراً؛ فالحكم والنيابة في الحكم والإمارة والقضاء كلها ولاية، والولاية لا تكون لكافر طرأ عليه الكفر؛ فكيف بمن وُلد في الكفر وظل على الكفر، وحارب من أجل الكفر؟! إن ولايته باطلة منذ اللحظة الأولى لانعقادها ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] . وقد قال القاضي عياض: «أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل» (١) ونائب الإمام يأخذ حكم الإمام؛ لأنه في وارد أن يخلفه في أي لحظة. ولم ترتضِ الشريعة للمسلمين أن يكونوا سلبيين تجاه تولية الكفار؛ ولهذا قال الإمام ابن حجر العسقلاني: «ينعزل بالكفر إجماعاً، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قَوِيَ على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض» (٢) . هل نحن مضطرون لأن نثبت ـ في زمن الصحوة ـ بطلان ولاية النصارى على المسلمين، كما اضطررنا طويلاً لإثبات بطلان تولية المرتدين وغير ذلك من بدهيات الدين؟ إن تلك (المكافأة) التي توجت تمرداً استمر لنحو عشرين عاماً من كافر محارب ستكون سابقة لكل المتمردين على المسلمين لكي يستمروا في تمردهم حتى ينالوا جائزة المردة في نهاية المطاف. ما يحدث في السودان اليوم هو النهاية، أو بداية النهاية، لمسلسل طويل من تآمر النصارى وتواطؤ العلمانيين المنافقين وتغافل المسلمين؛ فالإنجليز ـ وقاتل الله الإنجليز ـ هم أول من وضع بذور الفتنة في جنوب السودان عندما احتلوا هذا البلد في أواخر القرن التاسع عشر؛ فقد تعمدوا وقتها إقفال الجنوب الذي يكثر فيه الوثنيون أمام الدعوة الإسلامية، في الوقت الذي أطلقوا فيه يد التنصير، فأباحوا وأتاحوا للمنظمات التنصيرية أن تنطلق دون عقال، مدعومة بإمكانات المؤسسات الكنسية في العالم، وبعد الاستقلال جاءت حكومات متعاقبة، كان لها دور ـ فيما يبدو ـ في إضعاف الدعوة بين الوثنيين الذين تحوَّل الكثير منهم إلى محاربين تحت لواء النصرانية، في وقت كانت الحكومات تتصرف وكأنها لا ترى للإسلام حاجة بهم، أو ترى بهم حاجة للإسلام ما داموا مواطنين مسالمين؛ وحتى المحاربين منهم أُهمل شأنهم حتى استفحل، وهكذا تدفع الأجيال ثمن التفريط في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله. والحكومة السودانية الحالية لا تُعفى أيضاً من جانب من المسؤولية عما آل إليه أمر الجنوب؛ فقد قامت بإلغاء قانون الحد من التنصير الذي أصدره الفريق إبراهيم عبود الذي حكم في الفترة من ١٩٥٨ إلى ١٩٦٤م، وكان هذا القانون قد منع بناء كنائس جديدة في الجنوب إلا بإذن الحكومة، فقيَّد من اندفاع حركة التنصير التي تتخذ من الكنائس منطلقاً لها، إلا أن الإنقاذ جاء ـ وللأسف ـ من حكومة الإنقاذ؛ حيث ألغت هذا القانون استجابة لشيطان الفاتيكان الذي زار السودان عام ١٩٩٤م، ففتحت بذلك باباً لدخول الناس في دين التثليث أفواجاً، وسارع مجلس الكنائس العالمي باهتبال الفرصة، لا في الجنوب فحسب، بل في الشمال والوسط كذلك، بل في العاصمة الخرطوم نفسها؛ حيث تجرأ النصارى في نشاط التكفير المسمى بـ (التبشير) ، حتى في أوساط المثقفين والطلبة المسلمين، وأقيمت معارض للترويج لما يسمى بـ (الكتاب المقدس) تحت شعار (إنجيل لكل طالب) ، وبدلاً من أن تتوجه جهود الدعوة الإسلامية إلى الجنوب الغارق في أوحال الأوثان والصلبان، إذا بدعوات الشرك المضادة تغزو الموحدين في عقر ديارهم في الوسط والشمال. فاتجهت المعركة إلى ساحة الصراع الديني باسم التنافس بين الشماليين والجنوبيين. وإلى جانب الضرب على وتر الاختلاف الاعتقادي بين الشمال والجنوب جاء اللعب بمشاعر الاختلاف العنصري؛ فالشماليون عرب في أكثريتهم، والجنوبيون زنج في غالبيتهم، وهنا تهيأت لأعداء السودان الفرصة في تأجج الخلاف وتحويله من نزاعات دينية وعنصرية إلى صراعات سياسية وعسكرية. لقد تلقفت دولة اليهود ـ بعد قيامها ـ الراية السوداء من الإنجليز بعد رحيلهم؛ ففي وقت مبكر، وفي عهد أول رئيس للوزراء في دولة اليهود وهو (داود بن جوريون) دعا مستشاره (أوري لوبراني) لمراقبة دائمة لأوضاع السودان، باعتباره العمق الاستراتيجي لمصر وهي العدو الأكبر لإسرائيل آنذاك، ولأن السودان ـ كما قال ـ يملك سواحل مترامية الأطراف على البحر الأحمر، فيمكن لإسرائيل أن تستفيد منها مستقبلاً، إذا وجدت لها موطئ قدم هناك من خلال العملاء. وقد كانت أثيوبيا ـ معقل النصرانية في إفريقيا ـ رديفاً لدولة اليهود في التربص بالسودان المسلم، ويمثل تحكُّمها في منابع النيل إغراء خاصاً لـ (إسرائيل) التي تتخذ من النيل إلى جانب الفرات شعاراً على عَلَمها الرسمي، يمثله الخطان الأزرقان، المشيران للحدود (الطبيعية) لدولة إسرائيل (الكبرى) . وقد بدأ الاتصال بين الإسرائيليين والانفصاليين الجنوبيين في السودان قبل ظهور (جارانج) بمدة طويلة؛ حيث قامت دولة اليهود طوال عقد الخمسينيات بتقديم أوجه الدعم للنصارى والوثنيين الجنوبيين في شكل مساعدات (إنسانية) لتعمق من خلال ذلك الشقاق بينهم وبين مواطنيهم من المسلمين في الشمال، وفي عقد الستينيات، بدأ الإسرائيليون في تسليح الجنوبيين وتشجيعهم على التمرد، وأقاموا لهم معسكرات تدريب في إثيوبيا وأوغندا وكينيا، ثم أقاموا معسكرات تدريب خاصة في الجنوب السوداني نفسه لتدريب الجنوبيين بإشراف ضباط إسرائيليين، وخلال عقد السبعينيات استمر تدفق الأسلحة على الجنوب السوداني على الرغم من منح الجنوبيين حكماً ذاتياً، وكانت الأسلحة التي يُقتل بها المسلمون هناك على يد النصارى والوثنيين هي أسلحة عربية، غنمها اليهود من العرب بعد هزيمتهم عام ١٩٦٧م. ومع اقتراب عقد الثمانينيات تكونت طبقة من العسكريين الذين خرجتهم مدرسة ضباط المشاة التي أنشأتها إسرائيل خصيصاً لتخريج عناصر عالية المستوى من المتمردين؛ حيث تكفلت دولة اليهود ـ إضافة إلى ذلك ـ بدفع رواتبهم، وفي تلك الأثناء بدأ نجم (جون جارانج) يسطع بالظلام، وقد اختبره ضباط الموساد الإسرائيلي طويلاً قبل أن يقتنعوا بنصيحة الأمريكيين بالاعتماد عليه، وبخاصة بعد أن حصل على منحة للدراسة في إحدى الجامعات الأمريكية، ليحصل بها على درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي، مضيفاً بذلك خبرة اقتصادية، إلى خبرته العسكرية كعقيد سابق في الجيش السوداني الحكومي في الجنوب. وقد حرصت (إسرائيل) على صقل وتطوير خبرات (جارانج) العسكرية، من خلال استضافته إليها، ليتلقى دورات تدريبية في كلية الأمن القومي في تل أبيب. وطوال عقد الثمانينيات اشتركت دول الجوار الجائر على السودان في ترسيخ أقدام المتمردين بزعامة جارانج، فزودتهم أثيوبيا بإذاعة خاصة، لينسقوا جهودهم من خلالها على المستوى الشعبي، واستضافت كينيا جارانج ليكون مقره الرسمي وسكنه فيها، وأسبغت دول أخرى الشرعية على حركته بقبولها ممثلاً لقسم من الشعب السوداني. أما عقد التسعينيات فقد شهد نقلة نوعية في الارتقاء بمستوى أعداء السودان؛ حيث بدأت دولة اليهود بإمدادهم بأسلحة ثقيلة ومتقدمة، وزودتهم بطائرات مقاتلة خفيفة للهجوم على المراكز الحكومية في الجنوب، وساعدتهم بأقمارها الصناعية في رصد تجمعات القوات الحكومية، وبدا للجنوبيين أن أوان قطف الثمار قد حان، فسعَّروا من حربهم الشرسة على الحكومة السودانية الواقعة تحت طائلة العقوبات والحصار الاقتصادي الأمريكي، ولم يكن أمامها من خيار إلا مواجهة العدوان بإمكانات متواضعة، لكن بروح جهاد وفداء رائعة، جعلت آلاف السودانيين يتطوعون مع الجيش الحكومي لخوض حرب مفروضة لإملاء شروط مرفوضة لإذلال المسلمين لعصابة الصليب المقاتلة. ولكن المعركة مع كل هذا البذل والتحمل والتضحيات لم تكن متكافئة، وبخاصة عندما توسع الدعم العالمي، فقوَّى مواقف الانفصاليين التفاوضية وجعلهم يتنطعون في الشروط والجزاءات والمطالبة بالمزيد من التنازلات في وقت كان الموقف العربي ـ كعادته ـ صامتاً باهتاً، مع يقين الساسة العرب أن السودان يغرق، لدرجة أن (عمرو موسى) الأمين العام للجامعة العربية قال قبيل الاجتياح الأمريكي للعراق: «إن ما يجري في السودان، لا يقل خطورة عما يجري في العراق» . وما هي إلا شهور معدودة حتى تفجرت الأحداث هناك في دارفور، لتترجم عما قاله وعرفه الأمين العام للجامعة، فتبين أن ما يراد بالسودان فعلاً من الإخضاع والتقسيم، لا يقل خطورة عما يراد بالعراق، وإن اختلفت الوسائل. - سلام أم انقسام؟ أطلقت الولايات المتحدة مؤخراً مشروعاً عدائياً جديداً تحت اسم (قانون سلام السودان) ، ويدعو القانون الذي وقع عليه بوش في ٢٤/١٢/٢٠٠٤م، إلى تجميد أرصدة الحكومة السودانية ومسؤوليها عقاباً لمواقفهم من أزمة دارفور التي ولدت فيها دعوة انفصالية أخرى بين العرب والأفارقة في غرب السودان، ليشمل الكلام عن التقسيم غرب السودان إضافة إلى جنوبه، ويدعو القانون أيضاً الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أن تحذو حذو الولايات المتحدة في اتخاذ إجراءات مماثلة، بما فيها وقف استيراد النفط السوداني (في عهد البشير طبعاً) ! الكلام عن تقسيم السودان باسم السلام ليس جديداً؛ ففي بداية عقد الثمانينيات نشرت مجلة (كيفونيم) الإسرائيلية تقريراً للمنظمة الصهيونية العالمية بالقدس يتحدث عن مخطط تقسيم الدول العربية إلى دويلات طائفية وعنصرية (١) ، وقد نظَّر واضعو هذا التقرير لسياسة استعمارية جديدة، تستهدف إعادة رسم الخرائط في المنطقة على أسس تختلف عن الأسس التي جرت عليها تقسيمات (سايكس ـ بيكو) ؛ بحيث تفصل هذه التقسيمات الأقليات غير العربية ـ ولو كانت مسلِمة ـ عن بقية الجسم العربي، وتفصل كذلك الكيانات الطائفية المذهبية عن المحيط السني الأوسع، وقد اشتمل ذلك التقرير على جزء خاص بالعراق، تحدث عن تقسيمه بين الشيعة والسنة، وبين السنة العرب والسنة الأكراد، وكان فيه جزء عن تقسيم سوريا بين العلويين والمسلمين والدروز، وجزء عن تقسيم لبنان المقسم أصلاً، بل تطرق التقرير إلى التقسيم في مصر والجزيرة العربية واليمن، أما السودان فكان طبيعياً أن يأتي الكلام عن تقسيمه بين الأغلبية العربية المسلِمة في الشمال، وبين الأقلية الزنجية النصرانية والوثنية في الجنوب. وبالرغم من مرور ما يقرب من ربع قرن على نشر هذا التقرير فإن (الجامعة) العربية لم تفلح في جمع الصفوف لمواجهته، بل تفرق أعضاؤها وبَلِيَتْ شعاراتها حتى صار الكلام عن الوحدة العربية الآن ضرباً من الهذيان، واقتصر الكلام اليوم في سائر الدول العربية على (الوحدة الوطنية) ، أما الوحدة الإسلامية التي ضُيعت بين هذه الدعوات، فقد كان تضييعها هو البداية لإضاعة ما سواها. دعوات الانفصال التي تطرح الآن تحت مسمى (الاستقلال) لتقسيم العالم العربي إلى أشلاء، هي التي طُرحت قبل ذلك لفصل العرب عن المسلمين وبخاصة عن تركيا، حتى انقسم العالم الإسلامي الواحد إلى عالمين: عربي وإسلامي، لا تجمع بينهم سياسياً إلا تلك الهيئة الهزيلة المسماة بـ (المؤتمر الإسلامي) . وفي ظل الوجود الصوري لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية، فإن (انفصال) أو (انقسام) أو (سلام) السودان جرى التوقيع على الاتفاقية الخاصة به، أو الممهدة له ليصبح التقسيم أمراً واقعاً ومتحققاً، لمدة ست سنوات تبدأ من تاريخ توقيع الاتفاق. وقد أصبح جون جارانج بعد توقيع هذا الاتفاق رئيساً فعلياً للجنوب ريثما يُجرى استفتاء بعد ست سنوات يحدد فيه جارانج وعصابته إن كانوا سيكتفون بجنوب السودان، أو سيظلون مشاركين ـ في ظل الاتفاق ـ في حكم بقية السودان. والاتفاق إضافة إلى هذا سيكون سبباً في ميلاد جيش نظامي (رسمي) جديد، لكنه سيسمى (جيش القوات المشتركة) ، بقيادة مزدوجة تضم قيادة جيش «تحرير» السودان المتمرد، مع الجيش الحكومي السابق، وسيبلغ قوام هذا الجيش ٣٩ ألف جندي، نصفهم من المتمردين، فإذا أسفر الاستفتاء بعد السنوات الست عن اختيار الجنوبيين للوحدة، فسيظل جيشاً واحداً برأسيين، وأما إن آثروا الانفصال ـ وهو المتوقع ـ فسيكون هناك جيشان نِدّان مستقلان. وسوف يحصل المتمردون خلال السنوات الست القادمة على ٥٠% من واردات البترول الذي جُمِّد في عروق الأرض حتى يتمكن الجنوبيون من الاستفادة منه، أما السلطة التي تاق إليها جارانج تحت مسمى (تحرير السودان) فإن اتفاق (السلام) أو (الانقسام) سوف يضمن له أن يرسخ أقدامه فيها عن طريق تقاسم كونفدرالي لتلك السلطة، يتيح لهذا المارد أن يتحول إلى رئيس وزراء، أو رئيس دولة في حكومة مستقلة في الجنوب، إضافة إلى احتفاظه بمنصب نائب الرئيس على كل السودان في حال الرغبة في ذلك. أما الشريعة الإسلامية ـ في ظل هذا التقاسم ـ فقد نالت النصيب الأوفر من الإجحاف؛ فبالرغم من أن الحكومة السودانية كانت تقدم رجلاً وتؤخر أخرى في مشوار تطبيق الشريعة بسبب الضغوط الدولية؛ فإن هذه الشريعة قد جرى إلجاؤها إلى الانزواء في أضيق الحدود، ليخرج أمر الجنوب كله عن أحكامها، التي تطبق في دولة الإسلام أول ما تطبق على المتمردين الخارجين عن الشرعية من الخونة والمحاربين والجواسيس، سواء كانوا من المسلمين أو غير المسلمين. والحكومة السودانية التي تشعر أنها مغبونة في نزاعها مع نصارى الجنوب، قد أعطت كل هذه التنازلات لعصابة من المردة حتى تحفزهم على تفضيل خيار الوحدة على الانفصال؛ لأن هذا الانفصال مهما بدا له من إيجابيات يدعيها بعضهم في السودان وخارجه؛ فإنه خيار سيئ، والأسوأ منه هو تحلُّل الاتفاق بحيث يصير كل طرف حراً فيما يفعل في ظل الاختلال الحاد في موازين القوى الآن لصالح الجنوبيين المدعومين من الطاغوت الأمريكي. ومدة السنوات الست التي حددها الاتفاق، كافية على كل حال لتغيير الوقائع على الأرض، لا في الجنوب (المستقل الآن) فقط، بل في الشمال كذلك، وإذا قُدِّر لهذا الاتفاق ألا ينجح مثلما حدث مع الاتفاقات السابقة مع زعماء متمردين آخرين مثل (مشار) و (لام آكول) اللذين عادا للمعارضة؛ فإن عودة جارانج في تلك الحالة لن تكون مجرد معارضة، بل ستكون معاندة مساندة بقوى اليهودية والصليبية العالمية التي سيُعتبر عندها أن الحكومة السودانية هي التي نقضت العهود، ولم تُوَفِّ بالالتزامات، ومن ثم ستكون هدفاً مباشراً للحرب المعلنة ضد الإسلام باسم الحرب على الإرهاب. هناك في الجعبة أيضاً (رؤساء) آخرون، يستعدون للقيام بما قام به (الرئيس) البئيس (جون جارانج) في الجنوب؛ ففي غرب السودان في (دارفور) برزت ثلاث حركات متمردة، اختارت إحداها نفس الاسم الذي اختاره المتمرد (جارانج) وهو (الجيش الشعبي لتحرير السودان) ، ويتهيأ خارجون آخرون من قبيلة الرشايدة في الشرق السوداني لتمردات مشابهة، وقد أطلق هؤلاء على مشاغبيهم من الآن اسم (الأسود الحرة) ! يضاف إلى هذا أن هناك فصائل من متمردي الجنوب لم يشملها الاتفاق الأخير، وهي غير ملزمة به، وهي الفصائل التي كانت قد انشقت على (جارانج) بعد اتفاقية الخرطوم للسلام عام ١٩٩٦م، ومن هذه الفصائل: الفصيل المتحد بزعامة (لام آكول) وفصيل (فاولينو ماتيب) وفصيل (قوة دفاع الجنوب) والخطر يأتي من كون هذه الفصائل لا تزال على خط المعارضة والمناهضة للحكومة السودانية، ولن تلتزم بما سيلتزم به جارانج بمقتضى الاتفاق ـ إن التزم به ـ وقد يعمل بعضها على إحباط ذلك الاتفاق لعدم اعترافها بزعامة جارانج. وتقف الحكومة السودانية وسط كل هذه التحديات الداخلية والخارجية في موقع الأسد الجريح المدافع عن عرينه المستهدف، وهو يتلقى الضربات والطعنات من كل حدب وصوب والهدف إخضاعها وتركيعها: مرة باسم تشددها مع الجنوب، ومرة بذريعة تسيبها في دارفور وتارة بدعوى رعايتها للإرهاب، ولو بأثر رجعي، وأخرى بحجة شعاراتها (الرجعية) التمسك بتطبيق الشريعة الإسلامية! لكل هذا أجدني موقناً بأن النظام السوداني نفسه مستهدَف، تماماً كما كان النظام في العراق وأفغانستان مستهدفين، مع الفارق في طبيعة الاستهداف، ولهذا فليس من المعتقد أن يصمد النظام وحده لمواجهة كل تلك التحديات ما لم يكن مدعوماً بلُحمة إسلامية موحدة تسدد رؤاه، وتعزز خطاه بعد عون الله. أما بقية العرب والمسلمين الذين تخلوا عن السودان بعد العراق وفلسطين، فحسابهم عند رب العالمين، ومصيرهم في المراحل المقبلة مرهون بمواقفهم من إخوانهم، فالكل في مركب واحد ينجو فيه الجميع، أو يغرق به سائرهم. ويبقى الإسلاميون في السودان هم أمل الأمة بعد الله في كشف تلك الغمة التي تتجمع نُذُرُها في الآفاق؛ فالظاهر أن قدر الإسلاميين في كل الأوطان الإسلامية، أن تنتهي إليهم إدارة الأزمات التي تسبب فيها غيرهم عبر عهود وعقود، وواجبهم اليوم أن ينهضوا لإحياء الولاية العلمية، الموكول إليها قبل الولاية السياسية أن تقود الأمة في أزمنة النوازل، ولعل ما يحيي الآمال في وضع الأقدام على بداية الطريق الصحيح في مواجهة التحديات، هو ما تنامى إلى أسماعنا عن تكوين رابطة عامة لفصائل الإسلاميين في السودان تحت مسمى (تجمع أهل القبلة) ليكون هذا التجمع منطلقاً لوضع حد للفرقة التي مزقت شمل العمل الإسلامي في السودان، كما مزقته في غيره من البلدان، فكان لذلك أثره المباشر في مزيد من الهوان الذي تعانيه الأمة، وليس على الله بعزيز أن يُفلح هذا التجمع في تأهيل الصف السوداني لمنازلة ما قد تأتي به الأيام من عوادٍ وأحزان. نسأل الله العظيم أن يحفظ السودان وأهله، ويبقيه قوياً بالتوحيد والوحدة، ولو كره المشركون والانفصاليون.

стр. 5192

تحت نار أمريكية هادئة: اتفاق السودان.. سلام أم انقسام؟ حمدي عبد العزيز - مدخل: بعد حرب دامت ٢١ عاماً في جنوب السودان وقعت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة (جون جارانج) اتفاقاً مع الحكومة السودانية يوم الأحد ٢٨/١١/١٤٢٥هـ الموافق ٩/١/٢٠٠٥م، وسط حضور شعبي ودولي وقال الرئيس (البشير) : لن تكتمل الفرحة إلا بإدخال الطمأنينة إلى قلوب أهل دارفور وتحقيق السلام، وأضاف: لا نريد حرباً بعد اليوم في أي مكان، نريد السلام. ومعلوم أن الطرفين اتفقا على وقف النار الشامل، وقد تضمن الاتفاق: آليات التنفيذ، وجداول زمنية لبنود الاتفاق، ولجاناً مشتركة من الطرفين لتقويم الاتفاقات وخطوات تنفيذها، والله نسأل أن يقي السودان الشرور المحدقة به، ونرجو أن يكون ذلك الحدث بداية خير له ولشعبه حتى يقطعوا السبل التي يريد الأعداء من ورائها تنفيذ مآربهم المشبوهة التي عمل الأعداء على إشعالها، والتي يوضح هذا المقال شيئاً منها. اتجهت الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى وراثة النفوذ الغربي في أفريقيا وآسيا من خلال المعونات والعلاقات مع النخب السياسية، ولم يكن السودان بعيداً عن مثل هذا التوجه؛ حيث عمد الأمريكيون إلى إقامة علاقات مع الخرطوم، ومنحها المعونات منذ منتصف الخمسينيات في إطار مساعيهم إلى بسط النفوذ على منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي. وطوال مرحلة الاستقلال ظلت العلاقات الأمريكية ـ السودانية بين شدّ وجذب، وكانت مثالاً واضحاً على استخدام تكتيك «الخل والعسل» بمعنى استعمال الضغوط أو إعطاء المنح تبعاً لامتثال نظام الحكم في السودان للتوجهات الأمريكية، وكانت قضية الجنوب ورقة رابحة للأمريكيين في هذا الإطار. ومن المعروف أن الولايات المتحدة كانت تقف خلف اتفاقية أديس أبابا بين الحكومة وحركة التمرد في جنوب السودان من خلف الكواليس من خلال مجلس الكنائس العالمي الذي كان يتحرك بصورة قوية على مسرح المفاوضات التي توطدت باتفاقية أديس أبابا في عام ١٩٧٢م، وكان من نتائج توطيد هذه العلاقات هو وجود شركة شيفرون الأمريكية للاستثمار في مجال البترول، إضافة إلى تدفق المعونات الأمريكية، وصندوق النقد الدولي على السودان في تلك الفترة (١) . وبعد مجيء حكم الإنقاذ بعد انقلاب عسكري عام ١٩٨٩م ظلت الولايات المتحدة ملتزمة موقفاً محدداً هو عزل النظام واحتواؤه، حتى تغيرت هذه السياسة بعد مجيء الإدارة الجمهورية في واشنطن؛ حيث أصبح من الواضح أن هذه السياسة بحاجة إلى المراجعة خصوصاً مع الضعف الواضح للقوى السودانية السياسية المعارضة. وترافق مع ذلك حدوث تغير في الظروف الإقليمية المحيطة بالسودان بانفجار الحرب الإثيوبية ـ الإريترية، والحروب الأوغندية ـ الكونجولية وهو ما أثَّر على قدرة هذه الدول على تقديم الدعم المناسب للقوي المعارضة للنظام السوداني (١) . وعلى مستوي آخر كان نظام الإنقاذ نفسه قد شهد بعض التحولات بعد انفجار الخلافات الداخلية، وخروج الدكتور حسن الترابي وحزبه من الحكم، ومحاولة حكومة الرئيس عمر البشير التقارب مع الولايات المتحدة والغرب من خلال حزمة من السياسات والتوجهات الجديدة. وبمجيء إدارة بوش الجمهورية انتهج الأمريكيون سياسة الـ (خطوة ـ خطوة) والتي تتمثل في الحوار والتفاوض مع عدم التخلي عن التلويح بالعقوبات سعياً لبسط النفوذ الأمريكي على السودان بعد تغيير أيديولوجية النظام الحاكم في الخرطوم، وتبلورت هذه السياسة بدءاً من يوليو ٢٠٠٠م؛ حيث شرع مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن في دراسة ملف الحرب الأهلية، وفي فبراير ٢٠٠١م أصدر تقريره الشهير الذي أوصى بسياسة أمريكية جديدة نحو السودان تقوم على التواصل الإيجابي، وتهدف إلى تحقيق السلام ضمن معادلة جديدة (٢) ، وهو ما قامت به هذه الإدارة بعد نجاحها، فقام الرئيس الأمريكي بتنفيذ توصيات التقرير ـ ومن بينها تعيين مندوب خاص للسودان ـ فقرر تعيين السيناتور جون دانفورث مندوباً خاصاً للسودان في بداية سبتمبر ٢٠٠١م. - أولاً: تطور السياسة الأمريكية منذ بداية التسعينيات: ١ - سياسة الاحتواء والعزل: قبل انقلاب ١٩٨٩م كان للإدارة الأمريكية مآخذ على حكومة الوفاق، وأهمها أن الحكومة أوقفت التسهيلات كافة التي أعطاها نظام جعفر نميري للأمريكيين وهي: - تحالف أمني في البحر الأحمر. - تسهيلات تخزين معدات عسكرية في بورتسودان ومحطات تنصت. - التعاون ضد الدول المعادية للولايات المتحدة مثل: ليبيا وإيران (٣) . ومنذ وصول نظام الإنقاذ إلى الحكم عام ١٩٨٩م كانت واشنطن تنتهج تجاهه سياسة الاحتواء والمواجهة؛ نظراً لأنه اتخذ سياسة دولية عدائية، وكون المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي كبؤرة لتجمع الناقمين عبر العالم. وعلى الصعيد الإقليمي؛ فقد اتخذ النظام نهجاً أيديولوجياً توسعياً، ودعم الحركات المعادية لدول الجوار (٤) . واستمرت هذه السياسة الأمريكية خلال فترتي إدارة كلينتون، وارتكزت على صنع إطار إقليمي معادٍ للحكومة السودانية، ووصلت هذه السياسة إلى ذروتها مع القصف الصاروخي الذي تعرض له مصنع الأدوية في الخرطوم عام ١٩٩٨م (٥) . كذلك اتجهت إلى تأييد التجمع الوطني الديموقراطي، وعزل نظام الإنقاذ من خلال إدراج النظام ضمن الدول الراعية للإرهاب في عام ١٩٩٣م، وتأييد قرارات مجلس الأمن بإدانة النظام السوداني، وتطبيق عقوبات اقتصادية أمريكية عليه (٦) . ومنذ عام ١٩٩٣م اتخذت الولايات المتحدة موقفاً متشدداً من النظام السوداني؛ إذ تطلعت السياسة الأمريكية لقرن أفريقي موسع يضم السودان وأثيوبيا وإريتريا والكونغو وغيرها، ويقوده قادة جدد في تحالف مع الولايات المتحدة. هذه الرؤية تحطمت؛ لأن هؤلاء القادة اشتبكوا في حروب بينية (٧) ، ثم استغلت واشنطن محاولة اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا ١٩٩٥م، والاتهامات الموجهة للسودان بالضلوع فيها لتقوم بوضع السودان على قائمة الدول التي تمارس الإرهاب، والذي ترتب عليه بعد ذلك بإيعاز أمريكي إصدار الأمم المتحدة قراراتها (١٠٤٠، ١٠٥٤، ١٠٧٠) ضد السودان، والتي تتعلق بالحظر الدبلوماسي على المسؤولين السودانيين والحظر الاقتصادي والجوي على شركة سودانير (٨) . وفي عام ١٩٩٦م قامت الولايات المتحدة بتخصيص مبلغ ٢٠ مليون دولار لثلاث دول أفريقية لإسقاط النظام السوداني في صورة مساعدات عسكرية، وهذه الدول هي إريتريا وأوغندا وإثيوبيا، وفي نوفمبر ١٩٩٧م فرضت الولايات المتحدة منفردة عقوبات اقتصادية على السودان، وظلت هذه العقوبات تجدد سنوياً (٩) . وكشفت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (مادلين أولبرايت) عن دوافع هذه السياسة بتصريحها في يناير ١٩٩٨م أنه: لا ينبغي أن تترك هذه المنطقة ـ في إشارة لشرق أفريقيا ـ دون توجيه استراتيجي أمريكي من شأنه أن يؤدي إلى نتائج من مقدمتها قيام عدة دول إسلامية في الشرق الأفريقي. ودعت اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في مجلس النواب إلى تشديد العقوبات على السودان بدعوى أن الحكومة السودانية تقوم باسترقاق وقتل المواطنين الجنوبيين (١) ، وهو ما تبناه المجلس بالفعل في منتصف يوليو ١٩٩٨م بإصدار قرار يتهم الحكومة بممارسة الرق، وأعمال التطهير العرقي في الجنوب، ودعا إلى فرض حظر الأسلحة على السودان. كما أكد تقرير أصدرته وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عام ١٩٩٩م أن النهج الاستقلالي الذي تتجه إليه دول شرق ووسط أفريقيا، وسعيها إلى إنشاء السوق الأفريقية المشتركة، والذي سيؤثر على المصالح الأمريكية في المنطقة، وأن الهدف الأمريكي هو إحداث تغيير سياسي سريع في المنطقة، وعلمنة الحكم في السودان ليرتبط مع دول البحيرات العظمى في إطار تحالف قوي يضم كلاً من أوغندا، وأثيوبيا، والكونجو، والسودان الجديد (٢) ، ومن ثم التحكم في منطقة حوض النيل، وإخضاع الدول الواقفة عليها للسياسات الأمريكية. ٢ - سياسة (خطوة ـ خطوة) : وظلت الولايات المتحدة طوال عقد التسعينيات تدعم حركة التمرد في جنوب السودان في الوقت الذي لم تبتعد فيه عن الجهود الإقليمية والدولية لتسوية الصراع الأهلي بين الشمال والجنوب، ودخلت أمريكا في التوسط عبر (مبادرة الإيغاد) ، وشكلت ضمن دول غربية أخرى (منبر شركاء الإيغاد) لكي يكون الوسيط نافذاً له صفات لم تتوافر للوسطاء الإقليميين (٣) . وبدأت ملامح السياسة الأمريكية الجديدة تتشكل في عام ٢٠٠٠م؛ حيث وصل في فبراير ٢٠٠٠م المبعوث الأمريكي (هارس جونستون) إلى الخرطوم في أول زيارة له منذ تعيينه؛ حيث قدم مبادرته بشأن تحقيق السلام في السودان، وفي أغسطس وضعت الولايات المتحدة عدة شروط لإجراء حوار مع السودان تتعلق بالتخلص من المنظمات الإرهابية، ووقف الاسترقاق في الجنوب، واقترحت على الحكومة إجراء مفاوضات مباشرة مع الحركة الشعبية (٤) ، وهو ما رفضته الحكومة السودانية. ومنذ مارس ٢٠٠٠م بدأت حملات واسعة في واشنطن تقودها جماعات ضغط يمينية وكنسية، وشخصيات في الكونجرس، ومراكز الأبحاث من أجل دفع الإدارة الأمريكية لتتبنى سياسة جديدة تجاه السودان. واستجابت الإدارة الأمريكية لضغوط داخلية مورست في جانب تحالف واسع ومتباين الأطراف، يجمع بين اتجاهات سياسية شتى؛ فإدارة بوش التي تستند في قاعدتها إلى اليمين الجمهوري المحافظ، ولوبي شركات البترول وقعت تحت طائلة مطالب تبدو متعارضة؛ فاليمين النصراني، والمنظمات الكنسية تطالب بالمواجهة مع نظام الإنقاذ. أما شركات البترول فتطالب بتطبيع العلاقات مع السودان من أجل الحصول على حصة من البترول (٥) ، ولهذا جاء تعيين «القس جون دانفورث في بداية سبتمبر ٢٠٠١م لطمأنة اليمين النصراني بأن مطالبهم ستكون في رأس أولويات المبعوث الرئاسي، وفي الوقت نفسه تكريس السياسة الجديدة القائمة على الضغط من خلال الحوار والتفاوض. ولتسهيل مهمة المبعوث الأمريكي دعت الولايات المتحدة في ١٥/١٠/٢٠٠١م مجلس الأمن تمرير العقوبات عن السودان التي فرضها المجلس على السودان ١٩٩٦م، وقررت وقف تمرير قانون سلام السودان مؤقتاً، وفي ٢٨ أكتوبر رفع المجلس العقوبات المفروضة على السودان كمقدمة لوصول دانفورث إلى الخرطوم، وتقديم مبادرته إلى الحكومة (٦) . وتحرك (دانفورث) بناء على أن تعمل الولايات المتحدة مع الدول الأخرى في أوروبا وأفريقيا في إطار إيجاد دور محفز للمفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية، وذلك وفق رؤية لبعض الاستراتيجيين في الإدارة الجمهورية بأنه لا توجد أي دولة في العالم، وحتى الولايات المتحدة يمكنها أن تواجه تحديات القرن الحادي والعشرين بمفردها، وعلى سبيل المثال نجد أن تحقيق النصر في الحرب ضد الإرهاب يحتاج إلى وجود شبكة عمل بين الولايات المتحدة وحلفائها (٧) . واتضح منذ ذلك الوقت أن التصور الأمريكي للمرحلة الجديدة يتركز على توحيد المبادرات المطروحة لحل أزمة السودان في مبادرة واحدة، وإيجاد منبر واحد يحظى بالدعم الإقليمي الإفريقي والعربي والأوروبي، وإحداث تغيير جوهري في النظام السوداني مع الإعلان عن ميل الإدارة الأمريكية إلى فكرة: «دولة واحدة ونظامان» ، أي شكل من أشكال الكونفدرالية مع أهداف فرعية أخرى هي: إخراج الشركات العاملة في حقول النفط السوداني تمهيداً لإحلال شركات أمريكية محلها، وتحقيق المطالب الخاصة بالمنظمات الكنسية وحقوق الإنسان (٨) . وفي هذا الإطار وقعت الحكومة والحركة الشعبية اتفاقات (مشاكوس ونيفاشا) ، بناءً على مبادرة دول منظمة الإيغاد (السودان، وإريتريا، وكينيا، وأوغندا، وأثيوبيا، والصومال، وجيبوتي) ، وجوهرها تأكيد الحق في تقرير المصير للجنوبيين، أو بديل الدولة العلمانية في السودان، وضمان حرية الاعتقاد بالكامل لكل المواطنين السودانيين، كما يجب فصل الدين عن الدولة (١) . ومن أجل تحقيق هذا التصور والضغط على الحكومة السودانية أثناء المفاوضات في آن واحد، أُودع قانون سلام السودان في ٧/١٠/٢٠٠٢م، في مجلس النواب، وأجازه في العاشر من أكتوبر، وفي ٢٤ من أكتوبر وقع الرئيس بوش على القانون (٢) الذي تقدمت به لوبيات اليمين المحافظ، ويدعو إلى دعم السلام والحكم الديموقراطي في السودان، ومراقبة ما يحدث للتأكد من أن الحكومة والحركة الشعبية يتفاوضان بحسن نية وعزيمة صادقة عن طريق تقارير تقدم للكونجرس كل ستة أشهر، وفي حال إخلال حكومة السودان بهذا النهج يقوم الكونجرس بفرض عقوبات اقتصادية وحرمان النظام السوداني من عائدات النفط (٣) . وينص القانون في أحد بنوده أنه إذا لم تنخرط الحكومة السودانية بحسن نية في المفاوضات من أجل الوصول إلى اتفاقية سلام دائم ومنصف، أو إذا تدخلت بلا سبب معقول في الجهود الإنسانية، أو خالفت شروط اتفاقية سلام دائم بينها وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ فإن على الرئيس التشاور مع الكونجرس لتطبيق الإجراءات المنصوص عليها في الفقرة الثانية من نفس الباب. وهي إجراءات تتعلق بمعارضة منح قروض لصالح حكومة السودان من المؤسسات الدولية، وخفض العلاقات الدبلوماسية، واتخاذ كل الخطوات المناسبة لمنع حصول حكومة السودان على عائدات البترول، والسعي لاستصدار قرار من مجلس الأمن لفرض حظر السلاح على السودان، وفي فقرة أخرى تقرر رصد ٣٠٠ مليون دولار للجنوب (٤) . وإذا كانت التفسيرات الشائعة وقتذاك من جانب الإعلام الرسمي تذهب إلى أن تمرير القانون يعكس استمرار الدعم الأمريكي للقوى المعارضة للنظام السوداني بقدر ما يؤكد وجود غياب سياسة خارجية واضحة ومتوازنة؛ فإن أحد تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن يشير إلى المزاوجة بين الحوار، واستصدار قانون سلام السودان بالقول: إن الولايات المتحدة لا بد أن تقود جهداً جديداً للسلام لانتهاء الحرب بدعم من المجتمع الدولي، وأن تظل العقوبات على حكومة السودان حتى تتوقف عن ضرب المدنيين، ومعاقبة الشركات التي تكتشف النفط في السودان بحجة أن الاكتشافات تقود إلى تشريد المدنيين، والمشاركة في تقليل الإنتاج إلى أن يتم الوصول إلى تسوية مع الحركة الشعبية (٥) . - ثانياً: السياسة الأمريكية الجديدة ـ الدوافع والتطبيقات: ١ - عوامل التحول عن سياسة الاحتواء والمواجهة: يقف وراء الدور الأمريكي في السودان عدد من الدوافع تتعلق بالنفط، وبإعادة تصور اليمين المحافظ للخريطة السياسية للمنطقة، ويمكن تقسيمها إلى مجموعات ثلاث هي: المجموعة الأولى: وهي الدوافع التي تتعلق بمبادئ سياسة الإدارة الأمريكية، ويتمثل إحداها في أن على الولايات المتحدة أن تشجع التغيير نحو الديموقراطية من خلال المشاركة والتعاون، ومن خلال التشاور والطرق الدبلوماسية والاقتصادية، ومعايير حقوق الإنسان، ومعايير الأداء الناجح (٦) . لكن هذا لا يمنع من ظهور استراتيجيين في الإدارة الأمريكية يؤمنون بأن قوة الولايات المتحدة العسكرية هي القوة الحقيقية لدفع المصالح الأمريكية، وأن الولايات المتحدة بحكم الظروف قوة حميدة ذات نوايا جيدة. وفي إطار هذا المبدأ تلائم السياسة الأمريكية الجديدة سعي المؤسسات الدينية الغربية لإيجاد حل للمشكلة في إطار سياستها التبشيرية في جنوب السودان، وبين أتباع الأديان الأفريقية الوضعية، وسعي الإدارة الأمريكية بمزاجها الديني المحافظ لإيجاد حل، ثم اعتباره نموذجاً يمكن احتذاؤه وتطبيقه على حالات أخري في أفريقيا (١) ، ويقوم هذا الحل على أسس تقاسم السلطة والعلمانية والدولة الموحدة؛ حيث تفضل الولايات المتحدة أن يكون السودان موحداً؛ لأن في شمال مستقل احتمال تكوين قنبلة أيديولوجية تؤثر في الاستقرار الجيوسياسي، وجنوب مستقل يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات في القرن الأفريقي (٢) . المجموعة الثانية: وتتعلق بالنفط السوداني؛ حيث تؤكد بعض المصادر النفطية أن الاحتياطات الإجمالية تبلغ ما بين ٦٠٠ مليون إلى ١٢٠٠ مليون برميل مع احتياطي مرجح يصل إلى ٨٠٠ مليون برميل، وربما يكون ما دفع الولايات المتحدة للحفز على التواصل لاتفاق سلام هو السعي الأمريكي لاكتشاف أية احتياطات نفطية عالمية بعيداً عن منطقة الخليج العربي (٣) ، علاوة على المصالح المباشرة للشركات الأمريكية الوثيقة الصلة بالإدارة بما يعني رغبة الأخيرة في دعم مصالح الشركات النفطية الأمريكية في أن تكون لها الحصة الكبرى في عمليات استخراج النفط السوداني (٤) . ومن المعروف أن من بين مصالح واهتمامات الولايات المتحدة الحفاظ على مستوى ثابت من إمدادات النفط والغاز الطبيعي؛ فطبقاً لإحصاءات وزارة الطاقة نجد أن الولايات المتحدة تستورد ٦٠% من نفطها الخام؛ حيث تأتي ٢٠% من تلك الواردات من دول الخليج، ومن المتوقع أنه بقدوم عام ٢٠٢٥م ترتفع تلك النسبة لتصل إلى ٢٦% (٥) . وتؤكد دراسة أعدها فريق عمل أمريكي، وظهرت خلال أبريل/ نيسان ٢٠٠١م أن العالم صار عليه أن يواجه سوقاً مختلفة تتطلب توجيه المزيد من الاستثمارات للبحث عن مصادر جديدة للبترول لمواجهة احتياجاته المتزايدة من هذا الوقود الذي سيظل يحتل مركز الصدارة على خريطة الطاقة العالمية خلال المستقبل المنظور (٦) . وإضافة إلى هذا فإن تقريراً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية يؤكد أن النفط سيغير الحرب الأهلية في السودان من خلال تحويل ميزان القوة العسكرية لصالح الخرطوم، وأن أفضل مرحلة للتوصل إلى ما يحقق أفضل امتيازات للجنوب هي الوقت الراهن، وأن الاتفاق على دولة واحدة بنظامين ممكن، وعلى واشنطن أن تسعى لتحقيق ذلك (٧) . ويعمل التقرير على تحفيز الحركة الشعبية والتيار المؤيد لها في الإدارة الأمريكية على أهمية الانخراط في المفاوضات بالقول في المدى القصير والمتوسط الاكتشافات الحديثة ليس من المحتمل أن يكون لها تأثير واضح على ميزان القوة، وأن الهجمات الحكومية على التجمعات المدنية في مناطق النفط أصبحت واضحة ودموية، ولذلك من المهم على الجنوب أن يتفاوض الآن دون انتظار لعدة سنوات قادمة (٨) . المجموعة الثالثة: وتتمحور حول المياه واستعماله كإحدى وسائل الضغط على القوى الإقليمية، وأولها مصر، وهذا العامل لم يأخذ حقه من الاهتمام؛ رغم أنه يكاد يكون نتيجة مباشرة لكل التفاعلات، في عقد التسعينيات خصوصاً وأن جيران السودان ليسوا مجرد دول مفردة، وإنما أعضاء في منظمة «الإيجاد» التي ترعى عملية السلام، وفوق ذلك فإن قسماً كبيراً منها من دول منابع النيل والدول الموقعة على اتفاقية حوض النيل (٩) ؛ وتدخل الولايات المتحدة من خلال (منبر شركاء إيجاد) لعقد اتفاقية سلام بين الحكومة والحركة الشعبية قد يشكل خطراً على الأمن القومي المصري مستقبلاً، سواء من حيث اتفاقية مياه النيل (١٩٥٩م) ، والحصص، ونشأة كيان في جنوب السودان لم يكن طرفاً في الاتفاقية وغيرها من الاتفاقيات. كذلك فمن الواضح أن السياسة الأمريكية تعمل على تطويق وحصار الدور الإقليمي المصري في مناطق حوض النيل ذات الحساسية السياسية والثقافية والاجتماعية لمصر، سواء حول المياه، أو العلاقات التاريخية البالغة التميز مع جنوب وادي النيل، وذلك لإضعاف مصادر قوة المكانة الإقليمية المصرية في العالم العربي، وفي نظام حوض النيل بكل انعكاسات ذلك الجيوبوليتيكة والاستراتيجية (١٠) ، وخصوصاً أن هذه السياسة تستبعد المبادرة المصرية ـ الليبية، وتدعم منظمة الإيجاد، ومن ثم الدور الأفريقي المحض بكل دلالات ذلك. ٢ - تطبيق السياسة الجديدة: أ - الصراع الأهلي بين الشمال والجنوب: اتصل المبعوث الأمريكي بأطراف النزاع، وممثلي الحركة، ثم اقترح أربع نقاط لاختبار حسن النيات، وقدم اقتراحات في يناير ٢٠٠٢م، وقبلتها الحكومة والحركة الشعبية (١) ، وتتعلق بالاتفاق على هدنة في جبال النوبة، وإقامة ملاذات آمنة لتدفق الإغاثة، ووقف القصف الجوي للأهداف المدنية، وحدد سقفاً زمنياً لممارسة الضغط على الحكومة معتبراً أن الاستجابة لهذه المقترحات تعد تمهيداً أساسياً لإحلال السلام، وإنهاء الحرب الأهلية. تم رفع تقريره إلى الرئيس الأمريكي في أبريل ٢٠٠٢م الذي يحمل رؤيته لتسوية الصراع، فأشار إلى ثلاث قضايا أساسية هي: النفط، وحق تقرير المصير، ونظام الحكم، فذهب إلى أن التخصيص العادل للموارد النفطية يعد مفتاحاً أساسياً لمعالجة المسائل السياسية في إطار صيغة لتقاسم هذه الموارد بين الحكومة المركزية وجنوب السودان، أما حق تقرير المصير فأوضح أنه لا يدعم هذا الحق بشكل مطلق، وأنه ليس إلا وسيلة لحماية الجنوب من الاضطهاد. وفيما يتعلق بالدين فقد أكد على ضرورة إيجاد ضمانات للحرية الدينية (٢) . وبناء على هذه الرؤية بدأت المفاوضات في كينيا بين وفدي الحكومة السودانية والحركة الشعبية في ضاحية مشاكوس، والتي انتهت بتوقيع فاعل ومهيمن من كل من الولايات المتحدة وشركاء إيغاد، وعلى رأسها بريطانيا والنرويج وإيطاليا (٣) . واتفق الطرفان في مشاكوس على قضيتين رئيسيتين: الأولى: الاتفاق على منح الجنوب حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية قدرها ست سنوات على أن تكون الخيارات المطروحة للاستفتاء هي الاستمرار في النظام، أو الانفصال في كيان مستقل. الثانية: الاتفاق على إطار دستوري متعدد الطبقات؛ بحيث يكون هناك دستور للشمال، ودستور للجنوب، ثم دستور قومي يجمع بين الكيانين الشمالي والجنوبي (٤) . وبتوقيع بروتوكول مشاكوس بناء على الرؤية الواردة في تقرير دانفورث تكون الأزمة السودانية قد خرجت إلى أطر جديدة للتفاعل؛ حيث لم تعد شأناً داخلياً، أو إقليمياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من الأولويات الدولية للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، كما أصبحت بشكل أو بآخر خاضعة لتفاعلات قوى الضغط لجماعات المصالح داخل الولايات المتحدة (٥) . وبدأت الحكومة السودانية والحركة الشعبية جولة ثانية من مفاوضات مشاكوس في أغسطس ٢٠٠٢م، وانتهت في ١٨/١١/٢٠٠٢م إلى الإعلان عن التوصل إلى اتفاق حول بعض القضايا الجوهرية وتوقيع مذكرة تفاهم، ومن أهم بنودها: إجراء انتخابات خلال النصف الأول من الفترة الانتقالية، وإجراء إحصاء سكان لحسم الخلافات حول النسب السكانية، ثم الاتفاق حول الهيئة القضائية، وقيام حكومة وطنية خلال الفترة الانتقالية (٦) . وتقرر عقد جولة ثالثة في بداية يناير ٢٠٠٣م، ولكنها مرت بالعديد من الخلافات نتيجة تحيز الوسطاء للحركة الشعبية من خلال إضافة قضية المناطق المهمشة على جدول التفاوض، فضلاً عن تشدد الحركة الشعبية في مطالبها، واستغلالها قانون سلام السودان لصالحها، ثم انصرفت الجولة إلى التفاوض حول قضيتي قسمة الثروة والسلطة، ونقلها الوسيط إلى «كارن» في كينيا دون تشاور، وحدد موعد ١٥ يناير. وانتهت الجولة في الأسبوع الأول من فبراير دون الإعلان عن نتائج محددة (٧) ، وكانت نقطتا الخلاف الرئيسيتين في محادثات مشاكوس، قضية تعيين الحدود بين الأقاليم الشمالية، وتلك الجنوبية، وقضية توزيع الثروة لا سيما الثروة النفطية، وكلا النقطتين هما في قلب المعادلة النفطية (٨) . وتدخلت الولايات المتحدة لعقد جولة أخرى من المفاوضات؛ حيث تم في محادثات نيفاشا التوقيع على اتفاق في شأن الترتيبات الأمنية، وحسم وضع القوات المسلحة في الفترة الانتقالية في ٢٥/٩/٢٠٠٣م (٩) ، ومن ثم توصل الطرفان إلى ثلاث اتفاقيات إطارية حول تقسيم السلطة، ووضع العاصمة القومية والوضع في المناطق المهمشة، وبذلك اقتربا من توقيع اتفاق سلام بناء على الرؤية الأمريكية، ولم يتبق سوى خطوة واحدة تتمثل في التوصل إلى اتفاقيتين منفصلتين: أولهما: يحدد كيفية تطبيق الاتفاق. والثاني: يتعلق بوقف إطلاق النار النهائي والشامل ودور القوات الدولية. ويلاحظ على المفاوضات أن الدور الأمريكي كان مهيمناً؛ حيث كانت الولايات المتحدة قد عينت مبعوثاً رئاسياً لها هو السيناتور جون دانفورث، كما أن بريطانيا قد عينت مبعوثاً لها المهمة نفسها هو (آلان جولتي) ، إلا أن الدور الأمريكي ظل هو الفاعل الرئيسي والمهيمن على أجواء التفاوض، والموجه لها؛ حيث كان الدور البريطاني مسانداً للرؤية الأمريكية، وداعماً لها باعتبار الدراية والخبرة البريطانية العميقة بالشأن السوداني (١) . وساعد دانفورث فريق من الاختصاصيين المحترفين في تنفيذ المهمة برئاسة المسؤول المتقاعد في وزارة الخارجية روبرت أولكي، وضم الفريق نائب مساعد وزير الخارجية شارلي سنايدر، المنشق للشؤون السودانية جيف ميلينغتون، ومدير الشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي مايكل ميللر، ومساعد مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية روجر ونتر (٢) . وقام دانفورث بالتنسيق مع الحلفاء البريطانيين والنرويجيين والإيطاليين، والتشاور مع الفاتيكان، وكنيسة كانتر بري، والدول الأفريقية طوال المفاوضات معتبراً أن التعاون والتنسيق اللذين تحققا بين الولايات المتحدة وحكومات أوروبية معينة يعد تطوراً إيجابياً، في الماضي كان للاختلافات المضخمة في الأساليب بين الولايات المتحدة والأوروبيين تأثير على السودانيين على حساب الجهود المبذولة لتشجيع السلام (٣) . ثم بلور الأمريكيون عقب التوقيع على الاتفاقات خطة دولية لتمويل مشروعات التنمية تقودها لجنة خاصة يرأسها ممثلان للبنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويشارك فيها ممثلون لجهات إقليمية ودولية، ومطالب للجامعة العربية بالتنمية في الجنوب، وتمويل مشروعات تنموية في حدود ٢ مليار دولار (٤) . وطوال المفاوضات التي انطلقت منذ عام ٢٠٠٢م كانت أكبر المفارقات هي أن هناك أطرافاً في الصراع هي بعض الدول الإقليمية مثل: مصر والحكومة السودانية، استمرت في إبداء المرونة وما تسميه «حسن النيات» للإدارة الأمريكية، رغم وجود مخاوف حقيقية ليس من انفصال الجنوب والمناطق المهمشة، وإنما التوصل إلى نتائج سياسية وأمنية في المفاوضات تفضي إلى احتلال كامل السودان. ب - أزمة دارفور: خلال العام ٢٠٠٣م شهدت العلاقات السودانية - الأمريكية هدوءاً نسبياً بعد أن أحرزت الحكومة والحركة الشعبية تقدماً ملحوظاً في المفاوضات بين الجانبين، إلا أن اندلاع التمرد في دارفور جعل واشنطن تزيد من تهديدها إلى السودان، واستخدامها كورقة ضغط على الحكومة السودانية لإجبارها على تقديم تنازلات مع الحركة الشعبية (٥) ، وتحقيق المزيد من النفوذ في السودان. وفي بداية مارس ٢٠٠٤م أدانت الولايات المتحدة ممارسات (الجنجويد) ودعت الأحزاب للتفاوض على وقف إطلاق النار، واحترام القانون الإنساني، ونزع أسلحة القوات غير الشرعية، وفي هذا الوقت كانت الإدارة الأمريكية تشجع على اتفاق سلام بين الحكومة والحركة الشعبية، في حين كان اقترابها لصراع دارفور ينقصه نفس التشجيع (٦) ، على اعتبار أن الاتحاد الأفريقي يقوم بدور في حل الصراع. وفي ذلك الوقت صدر تقرير مجموعة الأزمات الدولية (ICG) متحاملاً على الخرطوم، وداعياً المجتمع الدولي لعمل حاسم، وأن يكون مستعداً لاستعمال القوة إذا استدعي الأمر، وذلك لإنقاذ حياة مئات الآلاف من المدنيين المعرضين لخطر الموت بسبب حملة السودان لقمع التمرد في إقليمه الغربي. واقترح تقرير مجموعة الأزمات الدولية عدة اقتراحات بالنسبة لأطراف الصراع، ومجلس الأمن، فبالنسبة لحكومة السودان الالتزام بمفاوضات سياسية بتيسير دولي مع متمردي دارفور هدفها وقف إطلاق النار بمراقبة دولية، ووقف كل المساعدة للجنجويد والميليشيات الأخرى، وتجريدهم من السلاح، ومحاكمة من يستمر منهم في مهاجمة المدنيين، والسماح لفريق مراقبة حماية المدنيين مباشرة، والتحري في المزاعم المتعلقة بالهجوم على المدنيين في دارفور من ميليشيات الجنجويد التي تساندها الحكومة (١) . وبالنسبة لمجلس الأمن الدولي: إصدار قرارات تتضمن ما يلي: - التنديد بانتهاكات القانون الإنساني الدولي التي ترتكبها كافة الأطراف في دارفور. - الدعوة إلى مفاوضات سياسية تحت مراقبة دولية بين الحكومة ومتمردي دارفور هدفها الأول وقف إطلاق النار بمراقبة دولية. - الحث على نهاية سريعة لمحادثات سلام الإيجاد لاتفاق سلام شامل بين الحكومة والجيش الشعبي. - كفالة عودة اللاجئين إلى مواطنهم، وتنسيق دعم مالي دولي لإعادة توطينهم واستقرارهم (٢) . وكان هذا التقرير بمثابة خطة عمل للولايات المتحدة في أزمة دارفور؛ حيث عملت الإدارة الأمريكية على تصعيد الأزمة من أجل استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، فوصل في ٢٩/٦/٢٠٠٤م وزير الخارجية الأمريكي كولن باول إلى الخرطوم للتحقق من صحة الأحداث في دارفور، وفي ٣٠ يوليو أصدر مجلس الأمن قراراً رقم ١٥٥٦ (الذي اعتمد بغالبية ١٣ صوتاً مع امتناع الصين وباكستان) ، الذي يمهل الحكومة السودانية ٣٠ يوماً للسيطرة على الوضع في دارفور وحل ميليشيات الجنجويد، وتقديم العون للنازحين وإعادتهم لمناطقهم وحمايتهم (٣) . وفي الوقت نفسه كان اجتماع قمة الدول الثمانية في (سي أيلاند) في ولاية جورجيا الأمريكية ـ يونيو ٢٠٠٤م ـ قد أصدر بياناً عن السودان رحب فيه بدور الاتحاد الأفريقي في حل أزمة دارفور ـ وليس الجامعة العربية ـ بناء على تقسيم أمريكي يعتبر السودان دولة تنتمي إلى القرن الأفريقي، ومن ثم يفصلها عن محيطها العربي (٤) ، وكان الأمريكيون ينفذون توصيات تقرير مجموعة الأزمات الدولية المشار إليه فيما يتعلق بشركاء الإيغاد: (الولايات المتحدة، بريطانيا، النرويج، ويدعو إلى التنسيق مع الدول الأخرى بما فيها فرنسا وتشاد لخلق إطار للتفاوض السياسي بين الحكومة والمتمردين، والتأكيد على الحكومة بأن أي فوائد يتم اكتسابها من محادثات الإيغاد سيتم سحبها إذا عارضت الحكومة المفاوضات الخاصة بتحديد جذور الصراع في دارفور (٥) . ومن ثم يمكن القول: إن الأمم المتحدة لها دور أساسي في الفترات الانتقالية التي تتبع تسوية الصراعات حتى تضفي صفة الشرعية الدولية على تلك الفترات. كما أن هناك مصالح مشتركة بين الولايات المتحدة والدول الغربية تصل إلى ما هو أبعد من حدود الحرب الباردة، ويظهر ذلك خلال كلمات الرئيس (جيرالد فورد) أمام مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا عام ١٩٧٥م في هلسنكي عندما قال: إن الولايات المتحدة وأوروبا مرتبطتان بعلاقات وثيقة، وفي مقدمتها حب الحرية والاستقلال، وهي المبادئ التي لا تعرف دولة محددة بعينها، وإنما هي راسخة في قلوب جميع شعوب العالم (٦) . وبينما كانت الحكومة وحركات التمرد في دارفور تجربان مفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي في العاصمة النيجيرية (أبوجا) ، أصدر مجلس الأمن قراراً رقم ١٥٦٤ يهدد السودان بعقوبات نفطية إذا لم يوقف الأعمال الوحشية بدارفور، وقال السفير الأمريكي في الأمم المتحدة (جون دانفورث) : تعمل اليوم؛ لأن حكومة السودان أخفقت في الالتزام الكامل بقرارنا السابق الذي جرى تبنيه في ٣٠/٧/٢٠٠٤م زاعماً أن أزمة دارفور أكبر كارثة إنسانية في العالم (٧) . ويلاحظ على القرار الجديد تركيزه على النفط وهو ما دعا مبعوث الأمم المتحدة الخاص للسودان يان برونك أن يوضح أن العقوبات النفطية قد تؤثر على إمدادات الوقود، وتضر بالجهود لنقل الغذاء إلى سكان دارفور (٨) . فضلاً عن أن العنصر الأساسي في القرار رقم ١٥٦٤ يكمن في أنه يكرس الدور المركزي للاتحاد الأفريقي في جهود حل أزمة دارفور فيقول (دانفورث) : إن مفتاح كل ذلك هو مشاركة الاتحاد الأفريقي، وينبغي علينا الآن التركيز على موضع تمركز المراقبين، وأن نكون على أهبة الاستعداد لتقديم أي مساعدة لوجستية يحتاج إليها الاتحاد الأفريقي (٩) . ومنذ بدايات الأزمة استخدم الأمريكيون الشعارات الأخلاقية لتمرير سياستهم في السودان، فيرى الكاتب البريطاني (جون لاغلان) أن الأخلاق ستعمل كذريعة لتبرير الحروب العسكرية، إلا أن التدخل العسكري المحتمل في السودان سيوفر خزان نفط ضخماً، وغير مستغل جنوب إقليم دارفور وجنوب السودان (١٠) .

стр. 5193

الغرب ليس أمريكا د. باسم خفاجي «إن التخوف الجماعي من الولايات المتحدة يبدو وكأنه الصمغ الوحيد الذي يحافظ على تلاصق الأوروبيين معاً؛ فالصحافة الأوروبية مليئة بالقصص المريرة عن عقوبات الإعدام الأمريكية، وانعدام الرفاهية بين الفقراء، وإطلاق النار في المدارس الثانوية، والسوق التي لا تتسامح مع أحد. أما الصحافة الأمريكية فتتحدث دائماً عن حكم العجائز المسنين في أوروبا، والبطالة المرتفعة، والميزانيات المنخفضة للدفاع. ليس هناك من أي علامات تدل على تجمع الكيانين الذي يصر العالم على دمجهما معاً باسم الغرب» . [الكاتب الإيطالي: جيانا رايوتا] الغرب ليس كياناً واحداً، ولا تتوافق دوله في الكثير من الآراء والمواقف. وقصور الفهم لهذا الواقع يؤدي إلى أننا نحمل كل الغرب حكومات وشعوباً ودولاً تبعات مواقف أمريكا من المنطقة العربية. وهذا المقال محاولة لوضع أسس الفهم الصحيح لواقع الغرب الذي تشكل العلاقة معه أحد أهم العلاقات الخارجية لدول الأمة الإسلامية. إن للحوار والتفاهم مكاناً هاماً في العلاقة مع الغرب ليس فقط من أجل المسوغات الاستراتيجية والسياسية، وإنما أيضاً من أجل النضوج في الرؤى الدعوية، وتطوير أساليب تقريب الآخرين من المفاهيم الفكرية والدينية الأساسية لهذه الأمة. وقد درج العالم العربي والإسلامي مؤخراً على استخدام مصطلح «الغرب» مرادفاً لأمريكا، وكأنهما يدلان على معنى واحد؛ ففي حوار مع صديق منذ فترة سألته عن مظاهر العداء بين أمتنا وبين دول مثل الدانمرك أو كندا، واندهش محدثي للسؤال، ونظر إليَّ بتعجب قائلاً: «الغرب وأمريكا شيء واحد.. كلهم أعداء للأمة.. وأمريكا زعيمتهم» . وهذا التصور يبعد كثيراً عن واقع الغرب في القرن الحادي والعشرين؛ فالغرب ليس كياناً واحداً، ولا تتوافق دوله في الكثير من الآراء والمواقف. وقصور الفهم لهذا الواقع يؤدي إلى أننا نحمِّل كل الغرب حكومات وشعوباً ودولاً تبعات مواقف أمريكا من المنطقة العربية والإسلامية. ومن النتائج الظاهرة لهذا الخلل في الفهم أننا أصبحنا نحشد كل الغرب في صف الأعداء في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا. ونعلن أحياناً الرغبة في الصدام أو العداء لكل الغرب، ونرفض أي محاولة للتقارب أو التفاهم أو مد الجسور الفكرية والثقافية أو التواصل الحضاري مع أي من بلدان الغرب بدعوى أنهم كلهم من أتباع أمريكا. وأضفنا مؤخراً إلى ذلك أننا أصبحنا نحمِّل الشعوب الغربية مسؤولية مواقف حكوماتها، حتى وإن خالفت الرأي العام لهذه الشعوب، رغم أننا لا نقبل أن نحمل نحن في الشعوب العربية والإسلامية الكثير من مواقف الحكومات السياسية أو الفكرية. إن الهدف من كتابة هذا المقال هو توسيع دائرة البحث في العلاقات الدولية للأمة مع دول العالم المحيط بنا شرقه وغربه؛ فنحن في حاجة إلى الفهم الصحيح لواقع الغرب الذي نتعامل معه، وتشكل العلاقة معه أحد أهم العلاقات الخارجية لدول الأمة الإسلامية. - مصطلح الغرب: الغرب كيان متشعب وغير متماسك أو مترابط فكرياً أو حضارياً، وتجمعه الهوية الجغرافية أكثر من أي رباط فكري أو عقدي أو ديني، رغم وجود بعض السمات المشتركة بين الشعوب وطرق الحكم والتوجهات الثقافية. والفوارق داخل الدول المكونة للكتلة الغربية أكبر من عوامل تجمعها معاً، وتشهد الأعوام الأخيرة أن أوروبا الغربية مثلاً ـ وهي أحد أهم مكونات الكيان الغربي ـ لا ترضى عن كثير من المواقف السياسية الأمريكية. وكما لاحظ أحد المراقبين الأوروبيين فإنه «من قوانين البحار إلى اتفاقية كيوتو، ومن اتفاقيات التنوع في المجالات الحيوية إلى تطبيقات المقاطعة التجارية.. ومن النداءات الفظة لإصلاح البنك الدولي وصندوق النقد، ومحكمة الجنايات الدولية.. تظهر الأحادية الأمريكية دليلاً واضحاً على مرض مستعص متواجد في كل مكان، ومتغلل في السياسة العالمية» (١) . إن أمريكا بالتأكيد أحد أهم رموز الغرب، وكذلك أوروبا الغربية، ولكنهما معاً ليسا إلا جزءاً من كيان الغرب الجديد. الغرب يجمع اليوم دول شرق ووسط وغرب أوروبا، إضافة إلى أمريكا الشمالية، وكذلك دول شمال آسيا، وحتى أستراليا تعتبر نفسها جزءاً من عالم الغرب. إن هذا الجزء من العالم المسمى بـ «الغرب» يشترك في أكثر من ٤٠ لغة، و١٥ عرقاً من الأعراق، وأكثر من ٥٧ من الدول بعضها يقارب في الفقر والتخلف كثيراً من دول العالم النامي: كألبانيا، واليونان، وجورجيا، وبعضها يعاني من مشكلات وأزمات اقتصادية وعرقية حادة كما في «يوغوسلافيا» السابقة «وأرمينيا» . ويعاني بعض دول الغرب من التسلط الأمريكي السياسي كما تعاني منه كثير من بلدان العالم الثالث، ويمارس الإعلام الأمريكي نفس حيله الماكرة وأساليبه المعروفة في تشويه الحقائق عند أي خلاف مع أي من هذه الدول، كما حدث مؤخراً لفرنسا ـ التي تعرضت لحملة إعلامية شعواء ـ لموقفها المعارض للغزو الأمريكي للعراق؛ فهذا هو المعلق التلفزيوني الأمريكي «مورتون كوندارك» ، يقول عن فرنسا: «إننا أقوى دولة في العالم.. وهناك عدد من الطامحين الصغار والتافهين مثل فرنسا يبغضهم ذلك كالجحيم. وعندما تتاح لهم فرصة إلصاق التهم بنا فإنهم يفعلون» (٢) . - هل الغرب متوحد سياسياً؟ عند إطلاق مصطلح الغرب دون تحديد للمصطلح فكأننا نتحدث عن كيان مترابط متوحد، أو كأنه كيان يميل إلى التوحد في مواجهة الأعداء الذين يكونون دائماً من الخارج، ولكن الأمر في حقيقته خلاف ذلك تماماً. فالغرب لم يتوحد طوال تاريخه الطويل، وإنما عاشت شعوبه فترات تاريخية قصيرة جداً من السلام الداخلي بين تلك الشعوب. ولا يفهم لماذا يصر الكُتَّاب والمفكرون العرب اليوم على إشعار الأمة أن هذا الكيان المسمى بـ «الغرب» كيان قوي يجتمع على قلب رجل واحد لضرب الأمة العربية والإسلامية، وكأننا نطلب من هذا الغرب، بل ونسعى إلى إجباره على التوحد ضدنا. لقد شكلت الصراعات داخل أوروبا وأمريكا معظم إشكالات وحروب العالم، وما سمي بالحروب العالمية لم يكن في حقيقته إلا حروباً بين كيانات الغرب المتصارعة على اقتسام ثروات العالم وخيراته، وحتى داخل الكيانات الغربية الواحدة؛ فإن الحروب الأهلية والعرقية داخل الدولة الواحدة قد أودت بحياة مئات الآلاف من الغربيين. والخلاف داخل أوروبا نفسها حول المواقف من قضايا السياسة الخارجية والدفاع فيما يتعلق بالعالم العربي والإسلامي أصبح معروفاً، ويتحدث عنه المهتمون بالشأن الأوروبي علناً؛ فقد ذكر المفكر الفرنسي (جاك ديلور) الذي رأس اللجنة الأوروبية من عام ١٩٨٥ ـ ١٩٩٥، والمعروف بأنه صاحب فكرة إنشاء السوق الأوروبية المشتركة في محاضرة أمام أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية في ٥ يناير ٢٠٠٤، فقال: «اختلف الأوروبيون بشكل مأساوي أمام أزمة يوغوسلافيا، ثم لم يوحد سقوط الشيوعية دول أوروبا الأعضاء إلى الدرجة التي كان يتطلبها التاريخ. وبعد ذلك أكدت الاختلافات حول العراق ما كان معروفاً منذ القدم، وهو أن بلادنا تختلف في مجالات السياسة الخارجية؛ فجزء منها يحلم بما كان، وكأنه ما زال قائماً» (١) . وهناك العديد من الأمثلة التاريخية على الفوارق الأوروبية والأمريكية، والخلافات الحادة الداخلية التي وصلت إلى حد مشروعات الإبادة، ومثال ذلك: الحرب الأهلية الأمريكية، ومأساة البلقان، والحرب الدينية التي استمرت لقرون ولم تنته حتى الآن في أيرلندا، وكذلك الحال في فرنسا وأسبانيا مع الأقليات العرقية أو الدينية التي لا تزال تحمل السلاح، وتنادي بالتحرر من الكيانات الأكبر داخل الغرب. وتاريخ أمريكا المعاصر، والذي يمتد للقرون الثلاث الماضية شهد من الحروب مع دول الغرب أكثر بكثير مما شهد من الحروب ضد أي دول أخرى؛ فقد حاربت أمريكا منذ استقلالها كلاً من فرنسا وبريطانيا وأسبانيا، وكانت الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا وإيطاليا واليابان، ولم يكن ذلك إلا منذ نصف قرن. وطوال القرون الثلاثة التي سبقت نصف القرن الأخير كانت أمريكا في معارك حربية فكرية مستمرة مع أوروبا الغربية بصورة أو بأخرى، وحتى خلال نصف القرن الماضي فقد كانت معركة أمريكا الكبرى هي مع المعسكر الشرقي الذي شمل أوروبا الوسطى والشرقية وشمال آسيا، وهي كلها اليوم من الكيانات والدول التي نحسبها نحن والعالم ضمن الكيان الغربي الجديد. إن المصالح النفعية قد توحد بين الدول والكيانات من أجل التهام ثروات الشعوب والأمم، ولكنها علاقة نفعية تقوم على المصالح، وليس على الأفكار، وترتبط بتلك المصالح أكثر من ارتباطها بأية روابط ثقافية أو فكرية أو اجتماعية. ويظهر ذلك من خلال دراسة عن «مشروع عبر الأطلنطي الجديد» الذي صدر في تقرير بوليسي ريفيو Policy Review الصادر في بداية هذا العام الذي يؤكد كاتباه على وجود المشكلات داخل الكيان الغربي، ويعبران عن ذلك بقولهما: «ليست كل الديمقراطيات الأوروبية مزدهرة، وليس الوضع الاقتصادي لكل دول أوروبا مزدهراً» (٢) . وحتى داخل الكيان الأوروبي توجد الكثير من الفوارق والتخوفات من مشروعات السيطرة المحلية. وفي تلخيص لهذا التخوف ذكرت مؤسسة الاستشراف الاستراتيجي: «إن السؤال الحقيقي في عقول سكان جنوب ووسط أوروبا هو: هل نفضل الحياة في كيان أوروبي موحد تتزعمه فرنسا وألمانيا، أم أن الأفضل أن نحيا حياة ذات استقلال محلي، وتحالف مع الولايات المتحدة في قضايا الأمن فقط» (٣) . - اختلاف الرؤى الفكرية: الغرب ليس كياناً واحداً من النواحي الفكرية والعقدية؛ فلا تشترك الدول الغربية في المفاهيم الفكرية أو العقدية إلا بقدر محدود. واختلاف اللغات والتقاليد الاجتماعية له أثر بالغ في اختلاف الرؤى حول مفاهيم الحضارة. ينظر أغلب الأوروبيين إلى الشعب الأمريكي على أنه من سلالة الفارّين من أوروبا من المجرمين والطبقات الدنيا من المجتمع الأوروبي، بينما ينظر الشعب الأمريكي للشعوب الأوروبية على أنها تمثل ماضي العالم، وهو ماض غير مشرف، ومن الأفضل تجاوزه إلى المستقبل، وأن أبناء أمريكا هم من فروا من التخلف الأوروبي لبناء الحضارة الأمريكية التي أصبحت تسمى اليوم الحضارة الغربية. كِلا الموقفين به بعض الصواب والكثير من الافتراء، ولكن المهم هنا هو إدراك عمق الهوة الفكرية والثقافية بين شعوب ذلك الكيان الواحد المسمى «الغرب» . وعندما تحدث دونالد رامسفيلد العام الماضي عن «أوروبا العجوز» فإنه كان يعبر عن مشاعر الشارع الأمريكي بالعموم تجاه أوروبا. فقد نشأت أمريكا منذ بدايتها على أنها مخالفة لأوروبا؛ فهي ديمقراطية وليست ملكية أو أرستقراطية، وهي مثابرة ومكافحة، وليست مترفة، وهي نفعية ولا تهتم بالتقاليد البالية. أوروبا تعني للشعب الأمريكي الثقافة بينما تعني أمريكا لهم الفرصة والإله والطبيعة، أو خليطاً بين كل ذلك (١) . وتعرِّف الثقافة الأمريكية نفسها أنها الثقافة الأصيلة مقابل الثقافة الأوروبية المعقدة. وأنها الجرأة والقوة في مقابل التردد.. حمرة الانفعال في مقابل رمادية البرود.. موسيقى الجاز في مقابل السيمفونيات.. عروض بروودواي في مقابل عروض الأوبرا.. أفلام الإثارة والحركة في مقابل أفلام الكلام والثرثرة. باختصار: إن الثقافة الأمريكية هي كل ما يناقض الثقافة الأوروبية. ولكن أوروبا أصبحت ترفض أن تكون الشريك المطيع والأقل درجة لأمريكا. وفي دراسة أجريت عام ١٩٩٤م ظهر أن أكثر من ٦١% من الفرنسيين و٤٥% من الألمان و ٣٢% من الإيطاليين يرون أن الثقافة الأمريكية تشكل تهديداً حقيقياً لثقافتهم (٢) . وحتى داخل أوروبا الغربية ذاتها يوجد العديد من الفوارق الفكرية والخلافات العقدية والثقافية أيضاً؛ فأوروبا الكاثوليكية لا تحترم أوروبا البروتستانتية والعكس صحيح. وبدأ ذلك منذ قرون، ولم ينته حتى الآن؛ فقد كانت الحرب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت التي استمرت لثلاثين عاماً من ١٦١٨م ـ ١٦٤٨م مقدمة لسلام وستفاليا الذي قسم أوروبا إلى دويلات صغيرة متناحرة. ولم تنته الصراعات التي تختفي تحت شعارات الدين منذ ذلك الحين (٣) . ويظهر ذلك جلياً في الصراع الأيرلندي مع الحكم البريطاني، وكذلك الحال مع إقليم الباسك في أسبانيا. وأوروبا الأورثوذكسية أيضاً تنظر بعين الاحتقار عقدياً إلى باقي أوروبا، كما هو الحال في صربيا واليونان التي تعتقد شعوبها أن الكنائس الإنجيلية والكاثوليكية قد خانت المسيح، وحرفت الدين، وأصبحت أسيرة للعلمانية اللادينية. وهكذا تتدخل هذه الفوارق في صياغة التوافق الفكري الغربي والأوروبي وعلاقة ذلك أيضاً بالولايات المتحدة. - الصراعات الاقتصادية: أما اقتصادياً فمن المهم أيضاً متابعة التطورات الأخيرة في العلاقة بين التحالف الأوروبي الجديد «الاتحاد الأوروبي» وبين زعيمة الحضارة الغربية «الولايات المتحدة الأمريكية» . فلقد أصبح الاتحاد الأوروبي يمثل المنافس الحقيقي والمزعج للولايات المتحدة في كثير من المجالات الاقتصادية والفكرية في عالم اليوم. إن عدد سكان أوروبا الموحدة اليوم يتجاوز ٨٠٠ مليون نسمة (بعد إضافة دول الكتلة الشرقية) (٤) . وهو ما يزيد عن ضعف عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية. كما تشير أسعار صرف اليورو مؤخراً أنه قد تغلب على الدولار في القوة الاقتصادية، وأنه أصبح أحد أهم عملات العالم وأكثرها استقراراً وقوة. - القرار العالمي والسياسات الدولية: ساهم الاتحاد الأوروبي في إقصاء أمريكا عن القرار العالمي في العديد من مجالس الأمم المتحدة والمنظمات العالمية من خلال التحالف مع غيرها لإسقاط المرشح الأمريكي. وكان أبرز هذه المحاولات ما حدث مؤخراً من إسقاط ممثل أمريكا في لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، والتصويت لمندوب السودان في محله بدعم وتأييد أوروبي صيني مشترك. كانت هذه الانتخابات صفعة قاسية للولايات المتحدة التي دأبت في العقدين الأخيرين على اتهام السودان بمخالفات صارخة في حقوق الإنسان في الجنوب، ونجحت أوروبا أيضاً في الضغط على منظمة العفو الدولية لتعلن مؤخراً أن «الولايات المتحدة تقف حجر عثرة أمام حقوق الإنسان بقدر ما هي مدافع عن هذه الحقوق» (٥) . كما كان للموقف الأوروبي من احتلال العراق أثراً واضحاً في اهتزاز السيادة الأمريكية في الأعوام الأخيرة تحت وطأة هذه المنافسة الأوروبية المتعددة التوجهات والحادة أيضاً. ولا شك أن الاتحاد الأوروبي قد ساهم في إقصاء أمريكا عن القرار العالمي بخطى أكثر نجاحاً من العالم العربي الذي اكتفى بالتباكي ورصد المصائب وتوثيقها بدلاً من العمل على تجاوزها والتصدي لها كما يفعل الاتحاد الأوروبي. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاتحاد الأوروبي يقف في صف الأمة العربية والإسلامية، وإنما علينا أن ندرك أن هناك فوارق جوهرية في المنطلقات السياسية لدول هذا الكيان، وعلينا أن نبذل الجهد لفهمها واستثمار ما نستطيع منها لخدمة قضايانا، ووضوح الرؤية في مواجهة ما لا نرضى عنه من سياسات أو مواقف، وعدم حشدها بالضرورة في الموكب الأمريكي لمعاداة الأمة العربية والإسلامية. ليس من صالح أمتنا أن نكثر من أعدائها، أو أن نحاول زيادة أو تقوية صفوفهم. ومن المهم في هذا السياق أن نرصد التغييرات السياسية وأسبابها، وألا نسارع بإلقاء الأحكام وتعميم الاتهامات دون وضوح أو حاجة. - كيف ينظر الأوروبيون للقوة الأمريكية؟ العقل الجمعي للشعوب الأوروبية ينظر بحذر إلى القوة العسكرية الأمريكية، ولا يعتبرها بالمجمل قوة خير؛ فقد عانى الأوروبيون من الجيوش الأمريكية الكثير؛ فهل ينسى الشعب الألماني مثلاً أن الطيران الأمريكي قصف مدينة درسدن الألمانية في مايو ١٩٤٥م، رغم أن الزحف الروسي كان قد تجاوزها، ولم تعد ـ لهذا السبب ـ تشكل هدفاً عسكرياً، وقد أدى القصف إلى قتل ١٥٠ ألف شخص مدني، وأسفر عن تخريب ٦٠% من أبنيتها (١) . وهل تنسى أسبانيا أن الولايات المتحدة الأمريكية حاربتها ١٤ عاماً متواصلة منذ عام ١٨٩٨م في معاركهما حول الاستيلاء على الفلبين (٢) . وهل ينسى اليونانيون أن الولايات المتحدة أشعلت حرباً أهلية في اليونان عام ١٩٤٩م ذهب ضحيتها ١٥٤ ألف شخص، وأودع حوالي ٤٠ ألف إنسان في السجون، و ٦ آلاف أعدموا بموجب أحكام عسكرية، وقد اعترف السفير الأمريكي الأسبق في اليونان «ماكويغ» بأن جميع الأعمال العسكرية والتأديبية التي قامت بها الحكومة العسكرية في اليونان في الفترة ما بين عام ١٩٤٧ ـ ١٩٤٩م كانت مصدّقة ومهيأة من واشنطن مباشرة. وماذا عن شعب صربيا الذي قُصف بالطائرات الأمريكية؛ رغم أن ذلك كان لتخفيف وطأة المذابح العرقية على مسلمي المنطقة، إلا أن ذلك الشعب الأوروبي يدرك تماماً أن أمريكا لا يمكن أن تكون حليفاً لأحد، إنه كيان يتحرك وفق مصالحه النفعية الخاصة، ولا يقدِّر قيمة الإنسان إلا من خلال المعايير النفعية فقط. ففي دراسة أجراها معهد «بيو» الشهير للدراسات الإحصائية، ونشرت في مجلة «رؤى حول العالم المتغير» وجد أن نسبة الفرنسيين الذين يحملون تصورات إيجابية عن الولايات المتحدة قد انخفضت من ٦٢% عام ٢٠٠٠م إلى ٤٣% عام ٢٠٠٣م، بالمثل فإن نظرة الألمان الإيجابية للولايات المتحدة هبطت من ٧٨% إلى ٤٥% في نفس الفترة (٣) . وكما عبر عن ذلك أحد أساتذة الجامعات الأمريكية قائلاً: «المشكلة ليست في أن أمريكا لا تؤمن بحقوق الإنسان، المشكلة في تعريفها للإنسان» (٤) . - المنافس الأوروبي القادم: إن أوروبا تقف اليوم موقف العداء والحذر الشديد من التصورات الاستعمارية الأمريكية، كما أن الخلاف امتد إلى مجالات كثيرة من الجوانب الاقتصادية إلى قضايا حماية البيئة؛ فأمريكا عارضت الغرب بأكمله عند رفضها للتوقيع على معاهدة كيوتو الخاصة بحماية العالم من ظاهرة الدفء العالمي Global warming التي تهدد مستقبل البشرية. إن بعض القيادات الأمريكية تدرك أن الوقت قد حان لأوروبا لمنافسة أمريكا على مراكز الصدارة العالمية؛ ففي محاضرة ألقاها مندوب أمريكا السابق لدى الأمم المتحدة (وليم فاندل هافيل) في الأكاديمية الأمريكية في برلين، أكد على ضرورة أن تتولى أوروبا قيادة الأمم المتحدة وليس أمريكا، ووصف الوضع الحالي للتأثير الأمريكي على الأمم المتحدة أنه «تأثير مدمر بدرجة متزايدة» ، وسوغ موقفه بأن قيادة أوروبا للأمم المتحدة ستقلل من تأثير الكونجرس الأمريكي على الأمم المتحدة الذي يهدف إلى «زعزعة المبادئ» التي قامت عليها الأمم المتحدة من أجل تقليل خطر الأمم المتحدة كعائق أمام الهيمنة الأمريكية على السياسات العالمية، وتهميش دور الأمم المتحدة في مواجهة فرض السيطرة الأمريكية على العالم (٥) . وفي دراسة متميزة للكاتب الأمريكي (كين سانز) نشرت في جريدة «آسيا تايمز» الصادرة من هونج كونج ركز الكاتب على أنه رغم القواسم المشتركة بين التطور المدني والحضاري لكل من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية فإن هذه الفوارق لا تمثل صوراً متغيرة لنظام واحد، وإنما هي تمثل نظامين مختلفين تماماً لقيادة العالم. نظرة أوروبا وأمريكا للعالم ليستا لهجتين مختلفتين للغة واحدة؛ إنهما لغتان مختلفتان تماماً كما يقول (١) . - تاريخ العلاقة مع الغرب: إن تاريخ العلاقة العربية والإسلامية مع الغرب شهد فترات من الصراع الحاد الذي كان منطلقه الدين في بعض الأحيان كما حدث فترة الحملات الصليبية، والاستعمار في أحيان أخرى كما حدث أعقاب سقوط الدولة العثمانية. وكانت هذه الفترات من العلاقة مع الغرب فترات مظلمة. والأطماع الاستعمارية والأحقاد الدينية لا تزال موجودة في هذا الكيان الغربي، ولكنها اليوم تختلط أيضاً برؤى فكرية أخرى ترتبط بالمصالح والمنافع أكثر من ارتباطها بالدين، وترتبط بالحوار أكثر من ارتباطها بالاستعمار. وحتى في الماضي فقد مرت فترات من الحوار الحضاري والتفاهم الفكري مع الغرب امتدت لقرون رغم اختلاف التوجهات والعقائد. واليوم يحيا العالم على ثمرات تلك الفترات من الحوار والتبادل الفكري والثقافي. فعندما بدأ الغرب انطلاقته المدنية والعمرانية كان للعلوم الإسلامية الأثر الأكبر في توجيه تلك الانطلاقة في مراحلها الأولى التي اعتمدت بشكل كبير على علماء المسلمين في شتى العلوم والمعارف المدنية. ولذلك فإن العلاقة مع الغرب ليست أحادية التوجه، وليست أيضاً علاقة سطحية ساذجة تعتمد على الحب أو الكراهية فقط، أو القبول التام أو الرفض المطلق أيضاً، رغم أهمية مثل تلك المشاعر في الجوانب العقدية من العلاقة. - الموقف الشرعي من العلاقة مع الغرب: ولكي نكون علاقة صحيحة مع الكيان الغربي فلا بد أن تنسجم هذه العلاقة من ناحية منطلقاتها الفكرية والعقدية مع أصول الشريعة التي تحكم علاقة المجتمع المسلم بغيره من المجتمعات. وقبل أن نتعرض لهذه القواعد الأساسية فمن المهم أن نوضح اهتمام الأمة الإسلامية منذ فجر هذه الدعوة بالعالم المحيط بها، ومحاولة فهمه فهماً صحيحاً. لقد كان في سبب نزول الآيات الأولى من سورة الروم بيان أن هذه الأمة لا تنعزل عن العالم الذي تعيش فيه، بل كان من همومها ومهام قيادتها استشراف مستقبل القوى العالمية التي كانت تحرك سياسة العالم في ذلك الوقت. وعندما أرسل النبي # أحد الصحابة إلى اليمن لكي يعلِّم قومها الإسلام أخبره بشأن هؤلاء القوم وصفاتهم النفسية وأنسب الطرق وأسرعها إلى قلوبهم وعقولهم، ولم يكن ذلك ممكناً دون معرفة الآخر معرفة صحيحة واقعية ومعاصرة أيضاً. أما أسس العلاقة مع الدول والكيانات غير المسلمة فهي تحتاج إلى أن تُبسط في مقال مستقل، ولكن من المناسب في هذا المقام بيان بعض الأطر العامة التي تحكم علاقة المجتمع المسلم بالمجتمعات غير المسلمة، سواء في النواحي السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية. وأول هذه الأسس وأهمها: هو الحفاظ على تميز الذات المستمد من الارتباط بالشرع ووضوح معالم المحبة والبغض بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم؛ ويثبت ذلك من خلال مفاهيم الولاء والبراء التي تجمع بين أبناء الأمة برباط المودة، وتحكم العلاقة مع الآخر ضمن أطر الدعوة من جانب، والبراءة من كل ما يخالف الدين من جانب آخر. كما أن العلاقة بين الحق والباطل قديمة وباقية، وتستدعي دائماً أن تحافظ الأمة على العدل، وأن تتحمل مسؤولية تقريب الخلق وعموم البشرية من خالقها، وتدافع عن هويتها بكل طريق ممكن ـ فيما لا يخالف الشرع ـ ويحفظ أصول الدين؛ ومن ذلك إقامة الجهاد، والحفاظ على عزة الأمة وحرمة مقدساتها (٢) . ويلي ذلك أن الأصل في العلاقة مع غير المسلم ـ وخاصة من لا يحارب الأمة أو يستهدف دينها ـ هو الحوار وحسن المعاملة. ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] . ولا يعني ذلك التهاونَ في الدين أو التنازلَ عن المسلَّمات، وإنما يعني طرحها وشرحها بأفضل الأساليب الممكنة التي تجمع بين الاعتزاز بالقيم والحفاظ عليها من ناحية، والاهتمام بفهم الآخر وطرق إدارة المجتمعات غير الإسلامية دون انفعال من ناحية أخرى. - قصور في فهم الغرب: إن الأمثلة على قصورنا في فهم آليات المجتمعات العالمية توقعنا دائماً في الكثير من الافتراضات الخاطئة، والتعميمات غير المفيدة؛ ففي الفترة الأخيرة يكتب في الكثير من الصحف العربية مثلاً أن تغير سياسات الهجرة في أوروبا وأمريكا هدفه الوحيد والأساس هو تقليل التواجد العربي الإسلامي في الغرب، ومحاربة الإسلام وأهله عن طريق تلك القوانين التي تهدف إلى تضييق دوائر الهجرة القانونية ومقاومة الهجرة غير القانونية إلى الغرب. ومن يتابع الموقف الاقتصادي الأوروبي طوال الأعوام الماضية وتفشي البطالة وسوء أوضاع المهاجرين غير القانونيين لا يعجب أن تسن دول أوروبا قوانين تحاول الحد من ذلك، والعالم أجمع ينحو في الأعوام الأخيرة إلى نفس التوجه، وهو تقليل الهجرات غير القانونية. ولكن العديد من كُتَّابنا ومفكرينا قرروا أن هذا التغير الأوروبي أو حتى الأمريكي مرجعه الأساسي والوحيد هو الخشية من تنامي الإسلام في أوروبا الغربية. هناك بالقطع من السياسيين الأوروبيين من يعتقد ذلك، ويتمنى الخلاص من الإسلام في القارة الأوروبية، ولكنهم في واقع الأمر قلة، ولا تملك السيطرة على صناعة القرار الأوروبي، وإنما تحاول التأثير عليه شأنها في ذلك شأن كل القوى الضاغطة، ولا يوجد ما يمنعنا من أن يكون لنا كيان ضاغط مقابل لمثل هذه التوجهات. ومن يتابع مثلاً موضوع الهجرات غير القانونية في العالم يدررك أنها مشكلة مزمنة وذات أبعاد أمنية اجتماعية واقتصادية مزعجة؛ ولذلك تحاول الكثير من دول العالم تقييد هذه الهجرات والحد منها. والمحزن أن معظم دول العالم العربي والإسلامي لها قوانين صارمة في هذه المجالات، وتوجه بالدرجة الأولى ضد أبناء الأمة من المسلمين مثلاً من الدول المجاورة. ولا نتهم أحداً منها بمعاداة الإسلام أو الأمة، وإنما نتفهم مواقفها على مضض أحياناً، وبالقبول والتشجيع أحياناً أخرى. فرغم أن أوروبا الغربية تضيِّق في قوانين الهجرة إليها والإقامة فيها، إلا أن كندا مثلاً ـ وهي من الغرب أيضاً ـ تستوعب الكثير من العرب والمسلمين، وترحب بهم للهجرة والإقامة والعمل، وخاصة بعد أن بدأت الحكومة الأمريكية في إجراءات الاضطهاد القانوني والتمييز ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر؛ أليست كندا من الغرب أيضاً؟ وأليس من المناسب أن نقر بأن الغرب ليس كياناً واحداً؟ وحتى عندما تناصرنا بعض هذه الدول نهزأ بالمساندة أو المساعدة، وندعي أنها من الحيل الماكرة للغرب، أو أنها ليست مساندات ذات قيمة؛ فكثير من الدول الغربية يساند القضية الفلسطينية، ويتحايل على إجراءات المقاطعات الاقتصادية الأمريكية تجاه دول أمتنا، وأغلبها عارض بوضوح وصراحة الحملة الأمريكية على العراق. ورفضت معظم دول الكيان الغربي مشاركة أمريكا في التمييز ضد المسافرين من أبناء الأمة الإسلامية بدعوى مقاومة الإرهاب، ورفض بعضها تسليم من تطالب بهم أمريكا في حربها المسماة بالحرب على الإرهاب، وغير ذلك من الكثير من المواقف التي تؤكد أن الغرب ليس كياناً واحداً، وأن زعيمته «أمريكا» غير قادرة على إحكام قبضتها على قيادة هذا الكيان. - فرض القيم الغربية: الغرب لا يسعى بمجمله إلى فرض قيمه على مجتمعاتنا؛ فمعظم دول هذا الغرب تعاني من انقسامات حادة في مجال القيم والأخلاق العامة، ولم يسمع أحد أن النرويج أو فنلندا أو كندا مثلاً يهدفان إلى غزو الثقافة العربية الإسلامية وتحويلها إلى ثقافة وقيم أسكندينافية أو كندية. ولم تعرف هذه الدول بعداء فطري للأمة أو موقف كراهية مبدئي من أبناء أمتنا. قد توجد هذه الكراهية في أفراد أو مجموعات بعينها في تلك المجتمعات، ولكن يوجد في مقابلها أيضاً أفراد ومجموعات تحمل رؤى مناقضة لذلك. لا بد أن نميز بين الغزو الإعلامي الأمريكي ومحاولة الولايات المتحدة تغيير قيم العالم لتناسب المزاج الأمريكي وبين باقي دول الغرب التي تعاني من هذا الغزو بدرجة مقاربة لمعاناتنا في العالم العربي. لقد رفضت فرنسا التوقيع على معاهدات حقوق الملكية الفكرية الدولية إلا بعد إضافة ما سمي بـ «الاستثناء الفرنسي» الذي يسمح لفرنسا والدول المتحدثة باللغة الفرنسية من تحجيم التأثير الإعلامي الأمريكي على ثقافة وأخلاق تلك الدول. وللأسف لم نسمع عن «الاستثناء العربي أو الإسلامي» ؛ لأننا نكتفي في عالم اليوم بتمثل عقلية الضحية، والتسابق في وصف وتوثيق أنواع الظلم الذي نعانيه. وفي بعض أنحاء أوروبا فإن العداء لأمريكا يتجاوز معاداة الإدارة الأمريكية، ويركز على معاداة الإنسان الأمريكي نفسه، وقد كتب ذلك (راسل بيرمان) في دراسة نشرت بمجلة مركز هوفر الفكري قائلاً: «إن ظاهر معاداة الغرب لأمريكا هي ظاهرة أكثر تعقيداً من معاداة الإسلاميين لها، وهي معاداة شخصية متجذرة في العقل الغربي. إن الدول الإسلامية لا تحب قوة أمريكا ولا غرورها.. ولا حتى نجاحها. أما في الغرب غير الأمريكي فإن الاعتراض الرئيس هو الشعب الأمريكي» (١) . ويعبر عن النقطة نفسها المخرج الألماني المسرحي (بيتر زادك) فيقول في مقابلة أجريت معه في «مجلة دير شبيجل» الألمانية في يوليو ٢٠٠٣م: «أعتقد أنه من الجبن أن نفرق بين الإدارة الأمريكية الحالية وبين الشعب الأمريكي. إن إدارة بوش قد تم انتخابها بصورة أو بأخرى بشكل ديمقراطي. ومعظم الشعب الأمريكي أيد غزو العراق؛ ولذا فإنه من المناسب تماماً أن تكون ضد الأمريكان اليوم بنفس الدرجة التي كان بها العالم ضد الألمان في الحرب العالمية الثانية، وبهذا المعنى فإنني ضد الأمريكان» . - الغرب.. أم أمريكا؟ هل أدعو اليوم إلى التقرب من الغرب والارتماء في أحضان أوروبا الغربية، واستبدال مستعمر بآخر؟ لا؛ وإنما أدعو فقط إلى محاولة فهم الغرب، وإلى تجنب السطحية والتبسيط الزائد في تقييم مواقف الأمم والشعوب، وعدم تحميلها ما يحتمل من التفسيرات. أدعو أيضاً إلى استثمار التغيرات العالمية لصالح أمتنا، ولتقليل عدد أعدائها وليس زيادة عددهم. إن أحد أهم عناصر الفعالية في السياسة الأمريكية يكمن في حشد الدول والشعوب لمناصرة الموقف الأمريكي وإلزام الأمم بذلك، وقد سئم العالم من هذا الأسلوب. وتسعى بعض دول العالم اليوم إلى التحالف معاً للحد من الهيمنة الأمريكية، فَلِمَ لا نشارك في مثل هذه التحالفات؟ ويعبر عن هذا التوجه الجديد الكاتب الأمريكي جون إيكنبري قائلاً: «تقوم بعض الدول اليوم بإجراء تعديلات طفيفة، وتكوين بدائل أخرى ومختلفة للتحالف مع الولايات المتحدة. وقد لا تبدو هذه الخطوات الصغيرة هامة اليوم، ولكن الأرضية سوف تهتز وتتغير، سوف يتفتت ويختفي نظام ما بعد الحرب الذي تزعمته الولايات المتحدة» (١) . إن كثيراً من دول أوروبا ترى في أمريكا العدو الحقيقي لها، فَلِمَ لا نتعاون معهم على إسقاط هذا الكيان الذي يريد الهيمنة على العالم أجمع، وبعد ذلك يكون لكل حادث حديث؟ أنا لست مع حرق المراحل، وحلفاء اليوم قد تتغير العلاقة معهم في الغد، فَلِمَ لا نتعاون اليوم على القواسم المشتركة التي تنفع أمتنا؟ لقد أثنى رسول الله # على حلف الفضول الذي كان يهدف إلى نصرة المظلوم، ورد الحقوق إلى أهلها، وتحجيم سطوة بعض القبائل على الأفراد والمجتمعات، وكان تحالفاً خارج دائرة الإسلام، بل كان قبله، ولكن نبي الأمة أوضح لنا أهمية التحالف لخدمة المصالح المشتركة؛ فقال في حديثه عن هذا الحلف: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت» (٢) . لقد صدر مؤخراً كتاب نرويجي بعنوان: «الخوف من أمريكا: تاريخ أوروبا» ، ويرى كاتباه أن معاداة ومقاومة أمريكا هو القاسم المشترك في الفكر الأوروبي المعاصر. إن أمريكا هي الآخر الذي يتحدد من خلاله وبمواجهته كل ما هو أوروبي، بل إنهما يذهبان إلى القول: «إنه من المستحيل إن تقنع نرويجياً بأن يقول أن الأمريكيين أذكياء. إن كراهيتنا للأمريكيين تتفوق كثيراً على بغضنا للمسلمين والأفارقة (٣) ، ويدل الكاتبان على حقيقة هذه المشاعر بملاحظة ذكية مفادها أنه في أي مدينة من مدن أوروبا لا يخجل الناس من الاستهزاء بالأمريكيين علناً، وحتى في الدوائر الاجتماعية المحترمة، بينما لا يمكن أن يهزأ أحد علناً بالباكستانيين أو الأفارقة رغم وجود مشاعر بغض لهم، ولكنها لم تصل من الشيوع والقبول العام إلى الدرجة التي وصلتها مشاعر كراهية الأمريكان. وإذا كانت هذه هي حقيقة المشاعر الغربية تجاه أمريكا، فَلِمَ لا نحسن استغلال ذلك لمصالح أمتنا؟ ولا يعني هذا أن الغرب يحب الخير لأمتنا، ولكنه يشترك معها في الرغبة في الحد من الهيمنة الأمريكية، وفي هذا فوائد كبيرة لكلا الجانبين. - مشروع الشرق الأوسط الكبير: إن الولايات المتحدة تتحرك اليوم نحو مرحلة جديدة من مراحل التآمر على العالم العربي والإسلامي! فلقد أوشكت مرحلة السيادة والهيمنة العسكرية على الانتهاء بالنجاح، وستبدأ في الأعوام القادمة مرحلة التفكيك من الداخل، أو محاولة تفتيت البنية التحتية الاجتماعية والهوية القومية والدينية للمنطقة العربية والإسلامية. ولذلك يجري إغراق المنطقة بمشروعات الإصلاح الأمريكي مع الهجمة التي تهدف إلى إيجاد بديل غربي للسلطات التي تحكم المجتمع العربي والإسلامي سواء كان ذلك يعني السلطة السياسية أو القضائية أو الدينية. لقد قررت أمريكا وحدها أن الشرق الأوسط يحتاج إلى تغيير، وأعلنت عن مشروع «الشرق الأوسط الكبير» دون مشورة الحلفاء الأوروبيين، بل إن معارضتهم لتفصيلات المشروع كانت معروفة للإدارة الأمريكية التي قررت تجاهلها تماماً، كما حدث من قبل عند اتخاذ قرار احتلال العراق. لقد أبدى عدد من دول الغرب مؤخراً استعداد بلاده لمعاونة العرب في مقاومة هذا المشروع وإسقاطه، وهذا هو ثمن التجاهل الأمريكي للحلفاء. لم تتعاطف أوروبا الغربية مع تصورات الولايات المتحدة لمشروع الشرق الأوسط الكبير؛ فبعد أيام من صدور مبادرة الشرق الأوسط الكبير الأمريكية على لسان (دونالد رامسفيلد) وزير دفاع الولايات المتحدة، والسيناتور (ريتشارد لوجار) رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، قدمت مبادرة (يوشكا فيشر) وزير الخارجية الألمانية أمام مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية حول الإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط التي تطورت إلى مشروع فرنسي ـ ألماني مشترك قدم إلى مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل. إن المخطط الأمريكي للمنطقة يهدف إلى إضعاف جميع السلطات المحلية وتقديم بدائل أمريكية لها، سواء من ناحية فرض نماذج ديمقراطية غربية على الواقع السياسي العربي والإسلامي، أو إقامة محاكم بديلة وحث المواطنين على اللجوء إليها، والبعد عن التحاكم إلى المحاكم المدنية أو الشرعية في الدول. كما يهدف هذا المشروع إلى تقليص جميع السلطات المتاحة للمؤسسة الدينية، سواء من خلال التعليم أو العمل الخيري أو منابر الإعلام والدعوة، واستبدال كل ذلك بإسلام معدل يوافق الرؤى السياسية الأمريكية لدور الدين في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً فيما يتعلق بموضوعات الجهاد واستعادة المقدسات، ورفض التخلي عن الهوية الإسلامية أو القومية للأمة، أو حتى الحقوق الإسلامية المكتسبة للمرأة. ولذلك فلا بد أن نتحالف مع جميع دول العالم لنقاوم هذا المشروع، وقد نجد من الدول الغربية من يرى مشاركتنا في هذا الجهد من أجل أن يساهم ذلك في إسقاط هيبة الكيان الأمريكي، وهو هدف تسعى الكثير من الدول الأوروبية مؤخراً إليه. لقد أدرك بعض حكام العالم الإسلامي منذ بداية القرن الماضي مسألة المصالح ودورها في الفكر الغربي، وأنها مقدمة على المعتقدات والأفكار، ولكن للأسف فإن أغلب من تسلح بهذا الفهم كان ممن لا يسعى بالضرورة إلى توحيد الأمة وجمع شملها؛ ولذلك فقد نجح محمد علي في استخدام فرنسا في مواجهة الإنجليز بشكل كبير، وقام بفتح علاقات واسعة مع الحكومة الفرنسية في ذلك الوقت، وأسهمت تلك العلاقات في النهضة العسكرية والصناعية والمدنية في مصر في القرن التاسع عشر. وأرسل محمد علي المبعوثين إلى فرنسا للتعلم منها، رغم أن هؤلاء المبعوثين خُدعوا بشعارات الحرية والمساواة في مقابل فهم قواعد اللعبة السياسية التي تحتكم إلى المصالح والمنافع أكثر من احتكامها إلى المبادئ. وهكذا كانت المصالح تحرك الاتفاقات وليس المبادئ، وبصرف النظر عن موقفنا الفكري من ذلك، سواء بالرضا أو بالرفض فإن هذا هو واقع العالم في ظل هيمنة النموذج الحضاري المدني الغربي على السياسات العالمية. - أمريكا ليست هي الغرب: إن أمريكا ليست هي الغرب، والغرب ليس أيضاً أمريكا، وبينهما من العداء المتنامي ما يمكن أن تستثمره أمتنا لصالح قضايانا. والمنافس القادم على الصدارة العالمية قد يكون من الغرب أيضاً، ولكنه لن يكون حليفاً أمريكياً، وأعني بذلك الاتحاد الأوروبي. وهذا الاتحاد مواقفه الحالية أكثر اعتدالاً من قضايا أمتنا، وله من المصالح الاقتصادية والاجتماعية مع الأمة ما يدفعه إلى التقرب منها ومحاولة كسب ودها. الغرب لا يزال طامعاً في ثرواتنا وأسواقنا، وليس بالضرورة حليفاً مناصراً لنا على المدى الطويل، ولكننا في هذه المرحلة قد نجني الكثير من محاولة الفهم، واستثمار الواقع السياسي والتنافس العالمي بين القوى لخدمة قضايانا. - مستقبل العلاقة مع الغرب: إن مراجعة تاريخ العلاقة مع الغرب يشهد أن هذه العلاقة مرت بتغيرات وتقلبات كثيرة ومتباينة. أحياناً كانت العلاقة تنطلق من مبادئ الحوار والتفاهم، وأحياناً أخرى كان الصدام والصراع تحت شعار الدين أو الاستعمار هو سمت هذه العلاقة. والعلاقة اليوم مع الكيان الغربي تحمل بذور جميع المراحل السابقة، وبإمكاننا أن نغذي وننمي الصورة التي نريد لهذه العلاقة، وليس بالضرورة الصورة التي يفرضها علينا الآخرون. الكثير يعتقد أن مستقبل العلاقة مع الغرب سيؤول إلى الصراع دون شك، وقد يكون ذلك صحيحاً، ولكن لماذا نحرق المراحل ونستبق التاريخ والأحداث؟ ولماذا لا نستثمر الواقع استثماراً أفضل مع بقاء الحذر في العلاقة والتروي في فهم الآخر؟ إن قراءة السيرة الإسلامية والاستشراف النبوي للمستقبل يقطعان أنه سيأتي زمان يتقبل فيه أبناء الغرب معتقدات هذه الأمة ودينها وثقافتها، ولن يحدث ذلك رغماً عن أبناء الغرب بل برضاهم وقبولهم؛ فأمتنا لا تفرض معتقداتها أو أفكارها على غيرها. قد تخضع الحكومات والدول لسيطرة غيرها بمنطق القوة والسلاح، أما الشعوب والأفراد والإنسان الغربي فإنه لن يقبل مقومات الحضارة الحقيقية لهذه الأمة والمستمدة من دينها إلا مختاراً طائعاً. إن للحوار والتفاهم مكاناً هاماً في العلاقة مع الغرب، ليس فقط من أجل المسوغات الاستراتيجية والسياسية، وإنما أيضاً من أجل النضوج في الرؤى الدعوية، وتطوير أساليب تقريب الآخرين من المفاهيم الفكرية والدينية الأساسية لهذه الأمة. ولم ينهنا الخالق عن حُسن التعامل مع من لا يكنُّون لهذه الأمة العداء أو يحاربونها في معتقداتها، وما أكثرهم في عالم الغرب!

стр. 5194

ارتفاع أسعار البترول التوقعات والآثار ممدوح الولي حققت أسعار البترول زيادة ملموسة خلال عام ٢٠٠٤م بنمو ٢٦% عما كانت عليه عام ٢٠٠٣م وهو ما تجاوز التوقعات لزيادة سعر البترول بنحو ٥% فقط سنوياً، وخاصة أنه لا توجد أسباب قوية تدفع لمثل هذا الصعود للأسعار؛ حيث لم تحدث أزمة اقتصادية أو حرب، بل على العكس كانت هناك حالة من الاستقرار النسبي السياسي والاقتصادي العالمي. وكانت الأسعار قد ارتفعت إلى نحو ٥٥ دولاراً للبرميل؛ ففي أكتوبر ٢٠٠٤م في بورصة نايمكس؛ إلا أن الأسعار انخفضت حول مستوى ٤٣ دولاراً للبرميل في الشهر الأخير من العام. ولم تُفلح محاولات خفض الأسعار سواء من قِبَل منظمة الأوبك التي ارتفع إنتاجها إلى ٢٧ مليون برميل يومياً، أو من قِبَل تهديدات الدول المستهلكة باللجوء إلى المخزون. وتمثلت أسباب الارتفاع السعري عام ٢٠٠٤م في زيادة معدلات النمو الاقتصادي في عدد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة ترتب عليها زيادة الاستهلاك؛ إلى جانب دور المضاربين والمخاوف الأمنية من تدهور الأوضاع بمنطقة الشرق الأوسط وخاصة في العراق، وبما يؤثر على انتظام الإمدادات البترولية من دول المنطقة. وذكر محللون أن أخطاء في المعلومات ربما تكون قد ساهمت في ارتفاع أسعار البترول حيث تبين أن توقعات الاستهلاك كانت مخطئة مما تسبب في منع الشركات من إعادة بناء مخزونها. وأشارت أحداث عام ٢٠٠٤م إلى أن سوق البترول قد أصبحت أكثر عرضة للصدمات الخارجية عما كانت سابقاً، وأن أية أحداث قد تبدو هامشية مثل الذي حدث في نيجيريا، أو أية تطورات سياسية في بلد منتج مهم للبترول ستكون لها آثار هائلة على الأسواق العالمية، وهو ما يشير إلى أهمية رفع الطاقة الإنتاجية من ناحية، وإلى خفض الاستهلاك من ناحية أخرى. وكان الطلب العالمي على البترول قد ارتفع خلال السنوات العشر الماضية بنسبة ٢٠% نتيجة لارتفاع معدلات الطلب في كل من الصين والهند؛ حيث تعد الصين ثاني أكبر مستهلك للزيت الخام على المستوى العالمي. كما يتوقع استمرار الطلب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خاصة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى زيادة الطلب من جانب الدول النامية. إلا أن أوضاع العرض والطلب العالمية على الزيت الخام ليست هي وحدها القوة المؤثرة في سوق البترول؛ حيث إن الطلب العالمي المتزايد على المنتجات البترولية العالية الجودة نتيجة لزيادة الوعي البيئي قد أدى إلى زيادة سريعة في معدلات الطلب على الخامات الخفيفة. وقد تزايد هذا الاتجاه مع محدودية معامل التكرير على المستوى العالمي، وكذلك وحدات التحويل لإنتاج المقطرات الوسطى مما أدى إلى عدم استقرار السوق؛ حيث ظهر ذلك في التباين الواضح في زيادة الأسعار بين الخامات الخفيفة والثقيلة. كما أكد الحاجة إلى زيادة الطاقة التكريرية الإضافية، ورفع كفاءة معامل التكرير على المستوى العالمي كضرورة لتغطية الطلب على المقطرات الوسطى، وتضييق الفجوة في الأسعار بين الخامات الخفيفة والثقيلة. - وكانت ملامح صعود أسعار البترول قد بدأت من رَحِم أزمة التدهور في أسعاره في خريف عام ١٩٩٨م عندما انهارت الأسعار لأقل من عشر دولارات للبرميل وهو ما أثر سلبياً على اقتصادات الدول المصدرة للبترول مع انخفاض عائد صادراتها، وتدهور موازين مدفوعاتها، وانخفاض إيرادات موازناتها. ومن هنا بدأت تلك الدول المصدرة في بذل مساع مكثفة لتحسين الأسعار، واكتسبت تلك المساعي مساندة السعودية لها باعتبارها أكبر منتج للنفط بين دول منظمة الأوبك، وأكبر مصدر له والتي كانت قد تعودت أن تكون أكثر الدول تحفظاً على رفع أسعار النفط بشكل كبير. ومن هنا توصلت دول الأوبك وبعض الدول المنتجة للنفط من خارج الأوبك وعلى رأسها المكسيك إلى اتفاق بخفض الإنتاج العالمي للنفط بنحو ٢.١ مليون برميل يومياً، منها ١.٧ مليون برميل تلتزم دول الأوبك بخفضها من إنتاجها. وبالفعل أدى هذا لتحسن الأسعار خاصة مع تحسن النمو الاقتصادي العالمي في عام ١٩٩٩م بعد خروج اليابان ودول شرق آسيا من الركود العميق الذي أصابها عام ١٩٩٨م. حتى بلغ معدل نمو الناتج العالمي ٣.٤% عام ١٩٩٩م مقابل ٢.٦% عام ١٩٩٨م بما يعنيه ذلك من تزايد الاستثمارات الجديدة وارتفاع مستوى تشغيل الاستثمارات القائمة وتزايد الطلب على مصادر الطاقة وعلى رأسها النفط. وفي عام ٢٠٠٠م ارتفع معدل نمو الناتج العالمي إلى ٤.٧% مما أدى لزيادة الطلب العالمي على النفط وارتفاع أسعاره لمستويات لم تبلغها منذ حرب الخليج الثانية؛ مما أدى بدول الأوبك لرفع سقف إنتاجها عدة مرات في محاولة لكبح جماح الأسعار وجعلها تتراوح ما بين ٢٢ و ٢٨ دولاراً للبرميل. حتى زاد العرض عن الطلب في الربعين الثاني والثالث من عام ٢٠٠٠م. ورغم ذلك استمرت الأسعار في الارتفاع بشدة خلال تلك الفترة؛ مما دفع رئيس الأوبك إلى القول وقتها بأن المضاربات في بورصات العقود النفطية الآجلة قد أضافت ثمانية دولارات لسعر البرميل. \ بدايات أسباب ارتفاع الأسعار: وتشير وقائع تلك الفترة إلى أن المضاربين على النفط والشركات النفطية الكبرى قد لعبوا دوراً مهماً في رفع الأسعار لمستويات لا تعكس التوازن بين العرض والطلب؛ حيث قامت الشركات الكبرى بالتحكم فيما يتم ضخه في السوق من منتجات مكررة، وكذلك من خلال خلق جو من المخاوف التي تدفع في اتجاه رفع الأسعار. كذلك ساهمت سياسة الولايات المتحدة بزيادة الواردات من أجل التخزين وحقن الآبار الناضبة فيها بنفط مستورد في زيادة الطلب على النفط العالمي بشكل مفتعل. كذلك أسهمت الضرائب المفروضة على استهلاك الوقود في أوروبا في ارتفاع أسعار الوقود فيها؛ حيث بلغ سعر لتر البنزين في فرنسا ٠.٣٤ يورو، وبعد فرض الضرائب يصبح ١.١١ يورو. وفي إيطاليا ٠.٤١ قبل الضريبة و ١.١١ يورو بعد الضرائب. وفي بلجيكا ٠.٣٤ يورو قبل و ١.٠٨ يورو بعد الضرائب. وهكذا شهد الحوار بين الدول المستهلكة والمنتجة للنفط مطالبة من جانب أمريكا لدول النفط بزيادة الإنتاج. بينما ركزت دول الأوبك في موقفها على مسؤولية الضرائب المرتفعة على الطاقة عن رفع الأسعار وكذلك محدودية طاقة التكرير في الدول المستهلكة كأسباب للأزمة في سوق النفط. ومع دق طبول الحرب على العراق صدرت التحذيرات من انفلات الأسعار إذا اندلعت الحرب في منطقة مليئة بالمخزون البترولي. وأعطت الحرب التي بدأت في مارس ٢٠٠٣م الشرارة البادئة لارتفاع الأسعار حتى جاوز السعر الثلاثين دولاراً في بداية عام ٢٠٠٤م. وفي عام ٢٠٠٤م تسببت عدة عوامل في ارتفاع أسعار البترول، منها التزايد المستمر في استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة خاصة في فصل الصيف ومواسم الإجازات، وظهور عجز واضح في معامل التكرير على مستوى العالم إما بدعوى الحفاظ على البيئة أو لارتفاع تكاليف إنشائها؛ حيث لم يتم إضافة أي معمل جديد للتكرير بالولايات المتحدة خلال العشرين عاماً الماضية مع تراجع الطاقة الإنتاجية لمعامل التكرير الأوروبية عن الوفاء باحتياجات الطلب على البترول ومنتجاته في أوروبا خاصة بعد تشديد القيود البيئية على معامل التكرير. وكذلك عدم دقة البيانات التي يتم من خلالها استقراء توقعات العرض والطلب على مستوى العالم مما قلل الثقة في الدراسات سواء من جانب المنتجين أو المستهلكين. حيث إن حجم الطلب العالمي حالياً يتجاوز ٨٢.٢ مليون برميل يومياً بينما العرض الفعلي للإنتاج العالمي ٧٨ مليون برميل يومياً منها ٥٠ مليون برميل من خارج دول الأوبك، و٢٨ مليون من دول الأوبك شاملاً تجاوزات حصص الإنتاج الخاصة بالدول الأعضاء. وتسبب في ارتفاع الأسعار كذلك اندفاع الصين والهند وكوريا الجنوبية وتايوان لزيادة الطلب على البترول لتأمين مخزونها البترولي. واتخاذ الحكومة الروسية إجراءات قانونية ضد شركة يوكوس الروسية ومطالبتها بوقف إنتاجها البالغ ١.٧مليون برميل، وهو ما يمثل نسبة ٢٠% من الإنتاج الروسي ثاني أكبر مصدر للبترول بالعالم، ورغم أن الإنتاج لم يتوقف، إلا أن البلبلة التي أثارها الموقف المالي للشركة كان له أثره على الأسعار. \ الأوبك تتحرك لتهدئة الأسعار: وفي اكتوبر ٢٠٠٤م شهدت أسعار البترول ارتفاعات قياسية رغم رفع الأوبك سقف الإنتاج مليوني برميل يومياً أعلى من سقف الإنتاج الرسمي البالغ ٢٥.٥ مليون برميل يومىاً. وبما يشير إلى أن مسألة نقص العرض لا تعد السبب الرئيسي لتلك الارتفاعات. والتي تعود أساساً إلى تصرفات المضاربين وضريبة الطاقة في الدول الأوروبية. والمخاوف الأمنية والضغوط السياسية التي تمارسها الدول الكبرى. وانتهاج الدول الصناعية سياسة توسعية في تخزين احتياطات إضافية لضمان نمو اقتصادي مستمر يواجه أي مشكلات طارئة بالذات للولايات المتحدة التي سعت لعدم تعريض اقتصادها لأي هزات في موسم انتخابات الرئاسة. وأيضاً طول الفترة التي استغرقها إصلاح الأرصفة النفطية في خليج المكسيك بعد إصابتها بأضرار بسبب الأعاصير خلال سبتمبر ٢٠٠٤م مما سبب خسارة بلغ متوسطها نصف مليون برميل يومياً لمدة ثلاثة أشهر، وكذلك إضراب اتحادات بترولية في نيجيريا احتجاجاً على ارتفاع أسعار الطاقة ورغم أن الإضراب لم يعطل الإنتاج في نيجيريا إلا أنه كانت له آثاره لوقوعه في بلد يعد السابع في الإنتاج العالمي؛ حيث ينتج ٢.٣ مليون برميل يومياً. وساهمت انباء تدمير بعض خطوط النفط العراقية من قِبَل المقاومة العراقية في تزايد المخاوف من تأثر إنتاج العراق مثلما حدث بتفجير خط بترول العمارة بالبصرة في أغسطس ٢٠٠٤م، واستمرار تلك التفجيرات خلال أكتوبر ٢٠٠٤م، وهي التفجيرات التي أثرت كثيراً على إنتاج شمال العراق من البترول وتركزه في الجنوب بعدها. وساهم النمو الكبير للاقتصاد الصيني والأمريكي في زيادة الطلب على البترول إلى جانب كندا واليابان والنرويج وبريطانيا رغم كون بعضها مصدرة للبترول، وكذلك إعلان الولايات المتحدة استبعاد استخدام مخزونها النفطي الاستراتيجي لتهدئة الأسعار؛ مع زيادة تناقص قدرة دول الأوبك على زيادة إنتاجها؛ حيث وصلت أغلب الدول إلى طاقتها الإنتاجية القصوى. وتستورد الولايات المتحدة نحو ١١.٥ مليون برميل يومياً تمثل نسبة ٦٠% من حجم الاستهلاك البالغ ٢٠ مليون برميل يومىاً، وهذا الكم من الاستيراد ليس مخصصاً كله للاستهلاك، ولكن جزءاً ليس قليلاً منه يذهب إلى المخزون الاستراتيجي الأمريكى. وساهمت البيانات الحكومية الأمريكية حول انخفاض مخزون المشتقات البترولية بما فيها وقود التدفئة، وارتفاع فاتورة وقود تدفئة الشتاء بنسبة ٢٨% عن عام ٢٠٠٣م مع توقع الأرصاد الجوية بشتاء أشد برودة في تجاوز سعر البرميل حاجز الـ ٥٥ دولاراً للبرميل للبترول الأمريكي الخفيف بسوق نيويورك في أكتوبر ٢٠٠٤م وهو ما يعد أعلى سعر ببورصة نايمكس منذ بدا التعامل بالعقود الآجلة بها قبل ٢١ عاماً.. وأظهرت بيانات حكومية أيضاً انخفاض مخزون وقود التدفئة في ألمانيا واليابان مما أثار المخاوف من أزمة في العرض خلال الشتاء بنصف الكرة الشمالي. وأشارت توقعات لصندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع تكلفة الطاقة سيؤدي لانخاض معدلات النمو العالمي خلال عام ٢٠٠٥م لتصبح ٤% فقط بدلاً من ٤.٣% كتوقعات مسبقة. \ الاقتصاد الامريكي يتأثر بالارتفاع: ورغم ارتفاع أسعار البترول بنسبة ٦٠% خلال الشهور العشرة الأولى من عام ٢٠٠٤م بالسوق الامريكي إلا أنها لم تتسبب في حدوث تضخم به مثلما حدث في السبعينيات رغم أن ارتفاع الأسعار للبترول بدأ منذ صيف عام ٢٠٠٣م نظراً لتحقيق الاقتصاد الأمريكي أداءً جيداً. كما أن تكلفة الطاقة تشكل فقط نسبة ٧% من تكلفة الإنتاج بالشركات مقابل نسبة ٧٠% لتكلفة الأجور، وإن كان ارتفاع أسعار البترول يؤثر على أرباح الشركات. حيث يشكل ارتفاع أسعار الطاقة تحدياً للاقتصاد الأمريكي. ولقد بدأ الصناعيون هناك يفرضون تكلفة إضافية على أسعار منتجاتهم. كما أن زيادة الأسعار لها تأثير مماثل لتاثير فرض ضريبة على المستهلكين؛ فتتقلص نفقاتهم بما يعوق النمو وتوقع اقتطاع نسبة ٤% من دخل الأسر. وهكذا يؤثر ارتفاع أسعار النفط على ثقة الأمريكيين وعلى وضعهم المالي مما سيضغط على النفقات الاستهلاكية لهم والتي تمثل نسبة ٧٥% من النمو للاقتصاد الأمريكي. وفي المؤتمر الوزاري للأوبك بالقاهرة في ديسمبر ٢٠٠٤م قررت المنظمة تثبيت سقف الإنتاج عند مستوى ٢٧ مليون برميل بداية من أول عام ٢٠٠٥م والتخلص من الإمدادات الزائدة التي بلغت مليون برميل يومىاً؛ وذلك لإحداث توازن في سوق النفط بين العرض والطلب استهدافاً لتثبيت الأسعار لصالح المنتجين والمستهلكين. كما تهدف الأوبك أيضاً من قرار التثبيت إلى تفادي الزيادة غير المعتادة في المخزون، وخاصة أن المخزون التجاري قد زاد إلى مستويات قريبة من متوسط السنوات الخمس الماضية. وكذلك كون أسعار النفط الخام قد أصبحت تعكس الواقع الفعلي لمتطلبات السوق العالمية. وتبلغ حصص الإنتاج لدول الأوبك ٨.٧٧ مليون برميل يومياً للسعودية و ٣.٩٦ مليون برميل لإيران و ٣.١١ مليون لفنزويلا و٢.٢٣ مليون للإمارات و ٢.٢٢ مليون لنيجيريا و ٢.١٧ مليون للكويت و ١.٤٥ مليون لليبيا و ١.٤٠ مليون برميل لإندونيسيا و٨٦٠ ألف برميل للجزائر و ٧٠٠ ألف برميل لقطر. أما العراق فما زالت خارج نظام الحصص بسبب ظروفها الحالية وما يواجه صناعتها النفطية من مشاكل. وجاء قرار الأوبك مسايراً للتوقعات بتراجع الطلب على النفط الخام خلال الربع الأول من عام ٢٠٠٥م بالمقارنة لنفس الربع من عام ٢٠٠٤م، وهو ما يؤثر على الربع الثاني من عام ٢٠٠٥م الذي يتوقع انخفاض الطلب فيه بشكل أوضح والتي ينتظر تعرض الأسعار خلاله لضغوط بسبب انخفاض الطلب وبطء النمو الاقتصادي العالمي. وكانت الدول المنتجة للبترول قد شكت من تأثير الخصومات التي تمنحها إلى الأسعار المعلنة مما يعمق انخفاض الأسعار. وكذلك من التأثير السلبي لارتفاع قيمة اليورو أمام الدولار الذي يتم التعامل به في سوق النفط. وذلك عند تقويم سعر البرميل باليورو. ويوضح ذلك أنه في عام ٢٠٠٢م عندما كان متوسط سعر صرف الدولار أمام اليورو نحو ٠.٩٤ وكان سعر خام برنت ٢٤.٥ دولاراً للبرميل كان هذا يعني أن السعر للبرميل لا يتعدى ٢٦ يورو. اما في ديسمبر ٢٠٠٤م ومع متوسط سعر صرف ١.٣٣ ومع متوسط سعر لخام برنت ٣٨ دولاراً للبرميل فإن ذلك يعني أن سعر البرميل ٢٨ يورو مما ساعد على خفض أسعار البترول بصورة إيجابية لصالح الدول المستهلكة بعكس التأثير السلبي لانخفاض أسعار البترول على الدول المنتجة له التي تتعامل بالدولار. - النمو الاقتصادي رهان الصعود: \ وفيما يتعلق بتوقعات أسعار البترول خلال الفترة القادمة فإن الطلب على الطاقة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستوى النشاط الاقتصادي ومعدلات نموه. فإذا كان معدل الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم سوف يتراوح حول ٢.٩% سنوياً في المتوسط خلال الفترة من ١٩٩٦م وحتى ٢٠٢٠م، فإن كل زيادة في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار ١% يتبعها زيادة في الطلب على الطاقة بنحو ٠.٧٥% ويتفاوت هذا المعامل بين الدول تفاوتاً كبيراً تبعاً لما حققته كل دولة من تقدم في مجال ترشيد الطاقة ورفع كفاءتها. وطبقاً لمعدلات النمو العالمي المتوقعة فإن معدل استهلاك العالم من الطاقة بمختلف مصادرها سينعكس على نمو الطلب العالمي على النفط بمعدل ١.٨% سنوياً في المتوسط ليرتفع من نحو ٧١.٥ مليون برميل يومياً عام ١٩٩٦م إلى ٩٤ مليون برميل يومياً عام ٢٠١٠م، وإلى ١٠٢ مليون برميل عام ٢٠١٥م، وإلى ١١٠ ملايين برميل عام ٢٠٢٠م، حيث يتوقع احتلال النفط مكان الصدارة في الاستهلاك العالمي من أنواع الطاقة بنصيب يتراوح بين ٣٧% و ٣٩% خلال تلك الفترة. وكانت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قد قدرت معدل نمو الطلب العالمي على النفط بنحو ٢.١% سنوياً حتى عام ٢٠٢٠م وهو ما يشير إلى توقع وصول حجم الطلب على النفط إلى ١١٧.٤ مليون برميل يومياً عام ٢٠٢٠م. وهناك آراء أخرى ترى أنه سيحدث تراجع لأسعار النفط خلال سنوات قليلة قادمة بتأثير تكنولوجيا المولدات التي ستولد الكهرباء بمواد بعيدة عن النفط. كذلك مع نمو الطلب العالمي على الغاز الطبيعي بمعدل نمو سنوي ٣.٣% مما يرفع نصيب الغاز من إجمالي الطاقة من نسبة ٢٢% من إجمالي أنواع الطاقة إلى نسبة ٢٩%. وذلك على حساب تراجع نصيب الطاقة النووية إلى ٣.٥% والفحم إلى ٢٢.٦% من الطاقة، وبقاء نصيب مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة بما فيها الطاقة الكهرومائية حول ٨% من أنواع الطاقة. - الغاز لن يزيح البترول: إلا أن القول بأن الغاز الطبيعي سوف ينافس البترول في أسواقه مما يدفعه لخفض أسعاره فإنه يحتاج إلى مراجعة رغم أن الاستهلاك العالمي من الغاز الطبيعي سوف ينمو بمعدل أسرع من نمو استهلاك البترول؛ حيث إن نمو الاستهلاك العالمي من الطاقة سوف يتسع لنمو المصدرين (البترول والغاز) معاً مع انخفاض طفيف في نصيب البترول والفحم وانخفاض أكبر نسبياً في نصيب الطاقة النووية. ومن ناحية أخرى فان الغاز ليس بديلاً كاملاً للبترول؛ ولهذا سيظل البترول يحتل مكان الصدارة خلال المستقبل المنظور بنصيب يدور حول نسبة ٣٨% من الاحتياجات العالمية للطاقة. كذلك فإن البنية الأساسية للغاز الطبيعي بما فيها شبكات الأنابيب الرئيسية والفرعية لا تتوافر إلا في مناطق محدودة من العالم مثل دول المجموعة الصناعية الغربية ودول الكومنولث المستقلة (الاتحاد السوفييتي سابقاً) . أما بالنسبة لباقي دول العالم وخاصة الدول النامية التي يتسارع فيها الطلب على الطاقة لأغراض التنمية فإن بناء شبكات الغاز واقتناء الأجهزة المستهلكة للغاز ـ وكلها أجهزة رأسمالية أو استهلاكية معمرة ـ تحتاج لاستثمارات باهظة ويستغرق إقامتها أو اقتناؤها سنوات طويلة مما تعجز عنه غالبية الدول النامية، ومن هنا يتوقع أن يظل البترول هو مصدر الطاقة الأفضل بها. أما بالنسبة للفحم فعلى الرغم من توفره بكميات كبيرة إلا أن آثاره البيئية الملوثة سوف تعيق مسيرته؛ وذلك باستثناء الصين والهند وعدد قليل من الدول النامية. ورغم توقع ارتفاع استهلاك الفحم خلال الفترة من ١٩٩٧ ـ ٢٠٢٠م بمعدل سنوي متوسطه ١.٧% إلا أنه لا يتوقع أن يحل محل البترول الذي سيرتفع استهلاكه بمعدل متوسطه ١.٨% خلال الفترة نفسها، وكذلك بالنسبة للطاقة النووية التي يتوقع تقلص استخدامها بنسبة ٠.٤% سنوياً كمتوسط. أما الطاقة الجديدة والمتجددة وأهمها الطاقة الكهرومائية فعلى الرغم من توقع ارتفاعها خلال الفترة من ١٩٩٧ ـ ٢٠٢٠م بمعدل نمو ٢.٥% سنوياً في المتوسط إلا أنه لا يتوقع أن تساهم مساهمة فعالة في مواجهة احتياجات العالم المتزايدة من الطاقة؛ حيث لا يتجاوز نصيبها من تلك الاحتياجات نسبة ٨%. وفي إطار تركُّز إنتاج البترول في عدد قليل من الدول يتوقع ارتفاع طاقة الإنتاج لدول الأوبك بما فيها سوائل الغاز الطبيعي من ٢٩.٤ مليون برميل يومياً عام ١٩٩٧م إلى ٤٣ مليون عام ٢٠١٠م وإلى ٤٩ مليون برميل عام ٢٠١٥م وإلى ٥٦ مليون برميل يومياً عام ٢٠٢٠م؛ فهناك ست دول داخل الأوبك سيكون لديها القدرة على توسيع وتنمية طاقاتها الإنتاجية وهي: السعودية، والإمارات، والكويت، والعراق، وإيران، ثم فنزويلا. وبذلك يرتفع نصيب بترول الأوبك الموجه لسد احتياجات دول العالم من نسبة ٤٠% عام ١٩٩٧م إلى ٤٦% عام ٢٠١٠م، وإلى ٤٧% عام ٢٠١٥م وإلى ٥٠% عام ٢٠٢٠م. ومع تركز إنتاج الأوبك في ست دول سيكون في مقدور عدد قليل من الدول تنسيق سياسة الإنتاج والتصدير بما يساند الأسعار إلى جانب الانخفاض المتوقع في الإمدادات البترولية نتيجة نضوب موارده في العديد من الدول المنتجة خلال المستقبل المنظور مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعاره حتى بدون تنسيق بين سياسات الدول المنتجة سواء الأعضاء بالأوبك أو غير الأعضاء بها. وفي خارج دول الأوبك يتوقع ارتفاع الطاقة الإنتاجية من البترول من ٤٤ مليون برميل يومياً عام ١٩٩٧م إلى ٥٢ مليون برميل عام ٢٠١٠م، ثم إلى ٥٥ مليون برميل عام ٢٠١٥م ثم إلى ٥٦ مليون برميل عام ٢٠٢٠م. \ اتساع فجوة الاستهلاك مستقبلاً: وتشير الدراسات إلى أن صافي العجز في الدول المستهلكة للبترول سوف يزداد مع الوقت وهو ما يؤدي إلى اتساع فجوة الاستيراد. فباستثناء دول الكومنولث المستقلة (الاتحاد السوفييتي سابقاً) وشرق أوروبا والتي يتوقع أن تحقق فائضاً قابلاً للتصدير في حدود من ٤ ـ ٧ مليون برميل يومياً خلال الفترة من ٢٠١٠ - ٢٠٢٠م فإن باقي العالم سوف يعاني من عجز صافٍ يستوجب الاعتماد لمواجهته على الأوبك بصفة أساسية. ويتركز أغلب العجز البترولي في الدول الصناعية الغربية التي يتوقع أن يرتفع استهلاكها البترولي من ٤٢ مليون برميل يومي عام ١٩٩٧م إلى ٥٠ مليون برميل عام ٢٠١٠م، و٥٥ مليون برميل عام ٢٠٢٠م، وحيث تعتمد تلك الدول على الاستيراد لسد فجوة العجز؛ فإن ذلك العجز سيزداد من ١٩ مليون برميل يومياً إلى ٢٥ مليون برميل عام ٢٠١٠م، وإلى ٣١ مليون برميل عام ٢٠٢٠م، ويتوزع هذا العجز بمقدار النصف تقريباً في الولايات المتحدة، والنصف الآخر في باقي دول المجموعة وهي أساساً أوروبا الغربية واليابان. كذلك يتوقع أن يرتفع الاستهلاك البترولي في باقي دول العالم خاصة الدول النامية من ٢٦ مليون برميل عام ١٩٩٧م إلى ٣٧ مليون عام ٢٠١٠م، وإلى ٤٩ مليون برميل عام ٢٠٢٠م، وبذلك يتوقع أن يرتفع العجز البترولي لدى باقي العالم من ١٣ مليون برميل يومياً عام ١٩٩٧م إلى ٢١ مليون برميل عام ٢٠١٠م ثم إلى ٢٩ مليون برميل عام ٢٠٢٠م. وهكذا فإن إجمالي العجز في احتياجات العالم من البترول والذي يتوقع أن تقوم دول الأوبك بتوفيره سوف يرتفع من ٢٩ مليون برميل يومي عام ١٩٩٧م إلى ٤٢ مليون برميل عام ٢٠١٠م، ثم إلى ٤٧ مليون برميل عام ٢٠١٥م ثم إلى ٥٤ مليون برميل عام ٢٠٢٠م. كذلك يتوقع ارتفاع حجم التجارة العالمية للبترول من ٤٠ مليون برميل يومياً عام ١٩٩٨م إلى نحو ٦٦ مليون برميل عام ٢٠٢٠م، وبذلك يرتفع نصيب الأوبك من صادرات البترول العالمية من ٦٢% عام ١٩٩٥م إلى ٧٢% عام ٢٠٢٠م، وفي المقابل يتوقع انخفاض نصيب الدول المصدرة للبترول غير الأعضاء في الأوبك خلال الفترة من ١٩٩٥م وحتى ٢٠٢٠م من نسبة ٣٨% بنصيب ١٤ مليون برميل إلى نسبة ٢٨% بنصيب ١٨.٥ مليون برميل يومىاً. وهكذا ترتفع درجة التركز في جانب العرض العالمي للبترول وكذلك في الصادرات البترولية، وهو ما يتيح لكبار المصدرين فرصة أكبر لمساندة الأسعار. ولهذا يتوقع ارتفاع أسعار البترول بمعدل سنوي ٥% في المتوسط منها نسبة ٢% تمثل معدل نمو الطلب العالمي على البترول مضافاً إليها نسبة ٣% كمعدل يحقق الحفاظ على قيمة البترول الحقيقية في مواجهة التضخم في الدول الصناعية المستهلكة للبترول. وذلك إذا لم يطرأ تغير جوهري على هذين المعدلين أو على المصادر البديلة للبترول.

стр. 5195

الإعلام الإسرائيلي رؤية الجلاد للضحية باسل يوسف النيرب تعي إسرائيل من جانبها أهمية الإعلام، وتسعى دائماً إلى الاستفادة من بيوت الخبرة الإعلامية المشهورة لتحسين صورتها، وقد جاءت توصيات تلك البيوت الإعلامية بإنشاء قنوات تلفزيونية وإذاعية متخصصة هدفها العرب والمسلمون عموماً، وهذا في سبيل تحقيق نصر وإنجاز إعلامي ليسجل لبني صهيون. وفيما يلي نحاول استعراض أبرز منطلقات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، وتسليط الضوء على الإذاعة الإسرائيلية، وتوضيح نوعية البرامج الموجهة للعرب، وكذلك التلفزيون ونوعية برامجه، وإلقاء نظرة على الدعاية الإسرائيلية، والخطوات الساعية إلى إعادة ترتيب الإعلام فيها. - منطلقات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي: استند الخطاب الإعلامي الإسرائيلي إلى جملة من المفاهيم الأساسية والأيديولوجية المتعلقة بأرض فلسطين، والأمتين العربية والإسلامية، ومما لا شك فيه أن خطابهم الإعلامي هو جزء أصيل من أدبيات الدعاية الصهيونية السياسية والفكرية التي تقوم على ما يلي: ١ ـ أرض فلسطين هي أرض الميعاد، وهي وعد الرب لبني صهيون بوطن خالص لليهود إلى آخر الزمان. ٢ ـ علو الشعب اليهودي فوق غيرهم من الشعوب وخاصة العرب، ومنها يتقدس الدم اليهودي، كما تؤكد ذلك فتاوى الحاخامات. ٣ ـ لليهود حق تاريخي في فلسطين؛ فهم أصل السكان، ولهم حق إعادة بناء الهيكل المزعوم. لقد عملت السمفونية الإعلامية الصهيونية على التركيز على القوة اليهودية العسكرية؛ فنجد أن الإذاعة والتلفزيون الإسرائيليين، وكذلك صحفهم تحثّ أبناء صهيون للانخراط في المؤسسة العسكرية لكون الجيش الإسرائيلي هو البوتقة التي تصهر الجميع؛ ومن ثم تدربهم على العنصرية ومقت (الأغيار) العرب تحديداً، من خلال نقد الحق الطبيعي للعرب في الحياة، ومن هنا تصبح عمليات الإبادة ـ رفح وغيرها من الممارسات الصهيونية نموذجاً ـ طبيعية، وكذلك تسويغ اللجوء إلى المجازر والقتل؛ لتحقيق الطموح الصهيوني في أرض إسرائيل الكبرى. هذه الرؤية تتوافق مع تصريحات كبار أركان «الدولة» والجيش لتكون طبيعية كتصريحات (جولدا مائير) عندما قالت: «ادفع دولاراً تقتل عربياً.. ولا يوجد شيء اسمه أرض فلسطين أو شعب فلسطيني» وغيرها من التصريحات العدائية دائماً بحق أهل فلسطين؛ ولهذا فقد ركز الخطاب الدعائي الإسرائيلي على صفات وصف بها العرب بـ (الإرهابيين) ؛ للتأكيد على «انحطاطهم ودنو مكانتهم» وفق تلك المرئيات الصهيونية، وكذلك أن العرب قتلة ومخربون، والعرب بقايا الشعوب، ومثلها: «العربي الجيد هو العربي الميت» ، وهي بالطبع استعارة من مقولات المهاجرين الإنجليز إلى الولايات المتحدة عندما كان المثل الشائع هو: «الهندي الجيد هو الهندي الميت» . لقد عمل مروجو الإعلام الإسرائيلي على استحداث نظريات إعلامية في المواجهة، ومنها نظرية «ليبكين» للإعلام القائمة على تطويع الإعلام الإسرائيلي نفسه بشكل يلائم المستجدات والتغيرات السياسية من خلال إرسال رسالتين: الأولى إلى الدول العربية المعادية والمجاورة لإسرائيل بواسطة الإعلام المرئي والمسموع، والرسالة الثانية إلى الدول الصديقة أو المحايدة والتي ليست طرفاً في النزاع العربي - الإسرائيلي، وهي بواسطة الإعلام المقروء. وينحصر أداء الإعلام الموجه إلى الدول العربية أو المعادية لإسرائيل في نظرية (الفريق الإعلامي) ؛ كأن يخالف بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية موقف رئيسها (إرئيل شارون) في مسألة (الهروب من غزة) مثلاً؛ ليضع المواطن العربي العادي في سؤال مستمر: من يسعى إلى السلام: الإسرائيليون أم الفلسطينيون؟ أو الخلافات التي تظهر على السطح بين الحزبين الرئيسيين في إسرائيل: العمل، والليكود حول بعض القضايا. إن مما لا شك فيه أن الهدف الذي تسعى له إسرائيل من ذلك هو تحويل الأنظار وقلب الباطل إلى حقائق، وتسويق وترويج المفهوم الدعائي الصهيوني، وكذلك حشد الرأي العام الغربي عموماً في صالح الدعاية الصهيونية. ومن نظريات المواجهة الإعلامية ما يقوم به مهندس اتفاقيات السلام الإسرائيلية - العربية (شمعون بيريز) ببث الدعاية الصهيونية، ومنها تحديداً ما يقوم به (مركز بيريز للسلام) للقبول بالتعايش اليهودي، ومن مشروعاته التي دعمها على سبيل المثال: ما قام به (منبر كرايسكي للحوار الدولي) في العاصمة النمساوية عبر مشروع سمي بـ (شبيبة السلام) استضاف طوال سبع سنوات مضت نخبة شبابية إسرائيلية، وفلسطينية، وأردنية، ومصرية للتشرب من قيم السلام، والتطبيع لدعم الدعاية الصهيونية أو دعاية (بيريز للسلام) . ولهذا عمد الإعلام الإسرائيلي إلى استخدام هذه النظريات في حروبه ومواجهاته الإعلامية، ومنها تجربة الإذاعة الإسرائيلية التي سنعرضها على النحو التالي: - الإذاعة الإسرائيلية: بدأ البث الإعلامي الإسرائيلي باللغة العربية أواخر عام ١٩٦٧م، ثم تطور البث، وتم تقوية أجهزة الإرسال الخاصة به، ومن الإذاعات الإسرائيلية العاملة: إذاعة خاصة بالمستوطنين، ومثلها خاصة بالجيش الإسرائيلي، وكذلك إذاعة صوت السلام لـ (إيبي ناتان) والتي كانت تبث من على سفينة من شواطئ تل أبيب منذ عام ١٩٦٥م، ثم توقفت عام ١٩٩٣م. ومؤخراً تناثر وعبر الأثير العزم على إعادة إحياء (إذاعة صوت السلام) لتكون مشروعاً فلسطينياً إسرائيلياً مشتركاً بدعم وتمويل من الاتحاد الأوروبي، وسيركز مضمونها على التعايش والنظر إلى الأمور السياسية من زاوية أخرى، ودعم عملية السلام لتقريب وجهات النظر بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني كما يدعي القائمون عليها. لقد أكد (حنا سنيورة) (١) مدير القسم الفلسطيني (من إذاعة صوت السلام) أن هدف المحطة: هو محاربة الشخصيات النمطية التي تعرضها وسائل الإعلام عن الفلسطينيين والإسرائيليين، كما تسعى إلى تعميق مبادئ الحوار والتفاهم، والعمل على ترسيخ مفهوم السلام بين الشعبين، وأكد (سنيورة) أن المحطة ستقدم الأغاني العربية والعبرية والإنجليزية، وبرامج ترفيهية موجهة للشباب والأطفال، ولن تركز على الأخبار والقضايا الساخنة. يأتي إعادة إحياء فكرة (إذاعة صوت السلام) التي توقفت عام ١٩٩٣م مرة أخرى إلى طبيعة الأحداث التي تمر بها المنطقة كما قال (شمعون فلكا) مدير القسم الإسرائيلي في الإذاعة؛ حيث قال: «إن فكرة هذه الإذاعة تبلورت على خلفية انعدام الثقة بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي بعد أحداث انتفاضه الأقصى؛ وذلك بهدف إيجاد نقطة التقاء إيجابية ليست سياسية بين الشعبين، وكان ذلك بواسطة إذاعة صوت السلام» (٢) . إن إعادة القرار بفتح مثل تلك الإذاعة الإسرائيلية - الفلسطينية المشتركة يعيدنا إلى المربع الأول والنظر إلى نوعية الأخبار والبرامج التي تقدمها مثل تلك الإذاعات الإسرائيلية عموماً؛ ففي دراسة قام بها (سليمان خير) تناولت سمات الإعلام الموجه باللغة العربية وفلسفته وأغراضه، استمع خلالها الباحث لفترات إلى (إذاعة إسرائيل) لتحليل المادة المذاعة ساعياً إلى دراسة ثلاثة عناصر أساسية في موضوعه، وهي: طبيعة الأخبار الصهيونية، والجمهور المستهدف بالأخبار، والسبل الممكنة لمواجهة هذه الأخبار، ويقول في دراسته: «لقد نجحت إذاعة إسرائيل مع الأسف من خلال الطريقة الانتقائية التي تعرض بها أخبارها العربية عما يجري داخل إسرائيل إلى أن تبني لنفسها هالة من المصداقية، وأرخت للمستمع العربي العنان لكي يصبغ هذه الصفة على كل ما يذاع منها من إخبار، أو تعليقات على الشعب العربي، وقد استثمرت شعور المواطن العربي في صياغة أخبارها الانتقائية، وتمريرها إلى أذنه ووجدانه، ونجحت إلى مدى كبير في توجيهها إلى المستمع العربي من خلال المصداقية، والعرض الموضوعي الزائفين لما يجري داخل إسرائيل، وقد استثمرت إسرائيل هذه «المصداقية» بذكاء في التوجه نحو المستمع العربي من خلال اللعب على الخلافات العربية، العربية وتأجيج نيرانها؛ فإذا نشرت صحيفة أو تناولت إذاعة عربية خبراً صغيراً عن بلد عربي نجده في الإذاعة الإسرائيلية مضخماً إلى درجة كبيرة» (١) . وفي دراسة ثانية للدكتور (نواف عدوان) حول اتجاهات إذاعة الكيان الصهيوني الناطقة باللغة العبرية استعرض الباحث فيه عدداً من المحاور، ومن أهمها: الموقف من القضية الأمنية الإسرائيلية، والموقف من القضية اللبنانية، والموقف من التناقضات العربية، وأكد أن الإذاعة الإسرائيلية تعاملت مع مستمعيها في داخل وخارج الأرض المحتلة بأسلوب مباشر؛ هدفه ربط المستوطنين الصهاينة بإسرائيل، ودفعهم إلى تحمل المسؤوليات الأدبية والمعنوية والتاريخية في أرض الميعاد التي قدموا من أجلها، وأكد أن الإذاعة الإسرائيلية قدمت برامج تشد المستمع اليهودي إليها من خلال تأكيد قوة ومناعة إسرائيل العسكرية، وقدرتها التكنولوجية المتنامية (٢) . - التلفزيون وتواصل الهدم: في رغبات صهيونية محمومة لتواصل الهدم ضد أخلاق المجتمع العربي في فلسطين يواصل قادة إسرائيل حملاتهم المتواصلة، ومن الأفكار في ذلك إنشاء قنوات تلفزيونية موجهة خصيصاً إلى العرب؛ فقبل سنوات انطلقت قناة فضائية سميت (الشرق الأوسط) ، ولم تكن تلك القناة الأخيرة التي اشتعلت وانطفأت، بل تبعها الكثير، وهي ليست سوى واحدة من عدة قنوات أو فترات بث تلفزيونية، أطلقت من بلدان غربية مثل: الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا. يشتمل الإعلام الإسرائيلي على قسمين: الأول رسمي تشرف عليه الدولة، وهو باللغتين العبرية والعربية، والقسم الثاني تجاري: تديره شركات خاصة، وقد بدأ البث الإعلامي الإسرائيلي باللغة العربية أواخر عام ١٩٦٧م من خلال تخصيص ساعات محددة للبث باللغة العربية في القناة الأولى الإسرائيلية، وعام ١٩٦٨ من خلال إذاعة «صوت إسرائيل» باللغة العربية. وجاء المسعى الإسرائيلي لإطلاق فضائية باللغة العربية كأحد الأفكار المشتركة لتعاون حزبي: العمل والليكود فقد كان رئيس الحكومة الإسرائيلية (إرئيل شارون) ووزير خارجيته السابق (شمعون بيريز) وراء قرار إطلاق فضائية جديدة بالعربية تشكل سلاحاً جديداً لإسرائيل في الحرب الدعائية الدائرة منذ اندلاع هبَّة الأقصى المباركة، وتقدم رداً على «تشويه صورة إسرائيل في الفضائيات العربية» . وأعلن شارون أن الفضائية الإسرائيلية ستكون منحازة للموقف الإسرائيلي، وتعمل على تغيير الرأي العام في العالم العربي لمصلحتها، مستدركاً أنها ستعتمد على الموضوعية وقدر عالٍ من المصداقية. أخضع (شارون) المحطة الجديدة لمكتبه أسوة بقنوات البث الرسمي الأخرى، وأنيطت مهمة تحرير نشرات الأخبار وإعداد البرامج السياسية بالثلة نفسها التي عملت في التلفزيون الرسمي، وتحديداً بصحافيين يهود ينطقون بالعربية من مواليد العراق ومصر والمغرب تخرج معظمهم ـ بحسب قول النائب العربي عزمي بشارة ـ من وحدات الاستخبارات العسكرية، إلى جانب آخرين مقربين من الأوساط الأمنية الإسرائيلية. وجاء المضمون على قدر توقعات مقيمي الفضائية؛ فحرصت على تغطية نمطية لأحداث الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين، ولجأت إلى معجم مصطلحات ينطبق على دولة احتلال توسعية، وضعته هيئة البث ليسري على الإذاعة الإسرائيلية الناطقة بالعربية أيضاً؛ فالمقاومون الفلسطينيون «إرهابيون» ، والمناطق الفلسطينية المحتلة هي «يهودا والسامرة» ، والعمليات الاستشهادية أو الفدائية «عمليات إرهابية» ، والمستوطنون في الضفة الغربية وقطاع غزة «إسرائيليون من المناطق» ، وغيرها من التعابير التي لا يمكن للآذان والعيون أن تستسيغها، وعملت الفضائية الجديدة تحت رقابة عسكرية صارمة. ورغم أن القناة كانت تجارية فهي لم تبتعد عن التوجهات الرسمية لإسرائيل، وحالها حال القناة الثانية بالتلفزيون الإسرائيلي؛ فهي تجارية، ولكنها أكثر عنصرية تجاه العرب؛ فلم تستضف أياً من النواب العرب، أو حتى أي شخصية عربية؛ في حين أن بعض القنوات الفضائية العربية تسارع إلى استضافة اليهود والمدافعين عنهم. مما لا شك فيه أن المطالب الإسرائيلية بإنشاء قنوات متخصصة عربية يأتي رداً على ظهور ونجاح الفضائيات العربية في الانتشار، ونجاح بعضها في السيطرة على المشاهدين العرب داخل إسرائيل كما هو خارجها، وهو ما جعل من إنشاء قناة موجهة أمراً حتمياً وضرورياً من وجهة نظر المستويين السياسي والإعلامي في إسرائيل، وحسب الخبير الإسرائيلي في الشؤون الفلسطينية (داني روبنشتاين) فإن ظهور الفضائيات العربية والمصداقية التي تحلت بها برامجها جعل الفلسطينيين والعرب يتوقفون عن مشاهدة وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تخلت عن المصداقية في نظرهم بعد حرب حزيران» . وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية (إرئيل شارون) واضحاً في مطالبته الوزير المسؤول عن سلطة البث (رعنان كوهين) ، بأن لا تكون المحطة الجديدة حيادية لدى عرضها المواقف الإسرائيلية، متمنياً لها أن تؤدي الدور المنوط بـ «تلفزة وطنية» . قدرت الميزانية المخصصة للقناة الفضائية الإسرائيلية التي أوقفت عن العمل بحوالي ١.٢ مليون دولار، إضافة إلى ٤.٦ مليون أخرى خصصتها سلطة البث الإسرائيلي للمشروع نفسه، وبثت لمدة اثنتي عشرة ساعة متواصلة يومياً، والتقطت في جميع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج العربي. وحسب صحيفة (صنداي تلغراف) اللندنية فقد استأجرت إسرائيل خدمات مكتب العلاقات العامة الأمريكي (هاورد روبنشتاين) في إطار الحملة التي شنتها «إسرائيل» على الساحة العربية والدولية؛ بهدف تحسين صورتها والتي رصد لها ٢٠٠ مليون دولار، واشترط (مكتب هاورد) بدوره أن تترأس (داليا رابين) هذه الحملة؛ بسبب الصدى الإعلامي الإيجابي الذي يتركه اسم (رابين) رئيس وزراء الكيان السابق في الأروقة الدولية. وكانت كتلة الصحفي الفلسطيني قد أفادت أن عدداً من أصحاب الملايين اليهود وبعض التنظيمات والتجمعات الأمريكية، ومنها ائتلاف اليمين المسيحي شارك في تمويل القناة وهو المعروف بضلوعه في حملات التشويه على الأوضاع الداخلية في العديد من البلاد العربية والإسلامية وكراهيته المعلنة للعرب والمسلمين، وتحالفه المعروف مع اليمين الصهيوني، كما هو ركن أساسي من أركان الحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية. إن ما يسعى له قادة الاحتلال الصهيوني من وراء إطلاق مثل تلك الفضائيات ما هو إلا لتغطية قصور الأداء الإعلامي الإسرائيلي في الساحة العربية؛ وهو الأمر الذي جعل الإعلام العربي - في اعتقادهم - يتمكن من تعرية السلوك السياسي لقادة إسرائيل، وإظهار الإرهاب المسلح الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. وقد زعمت «شولاميت جولان» المتحدثة باسم سلطة البث الإسرائيلية أن العالم العربي يتلقى المعلومات عن حياة الإسرائيليين من منظور واحد غير محايد وعن طريق الصور النمطية للإسرائيليين؛ ولهذا فإن الفضائية الإسرائيلية تناولت ما يجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين بإذاعة الأخبار بصورة حيادية! كما تقول، وتناولت كذلك المشاكل الاجتماعية لفلسطينيي المناطق المحتلة عام ١٩٤٨م، فضلاً عن بث حملات دعائية عن المناطق السياحية والدينية في إسرائيل. ومن ضمن ما روَّج له الإسرائيليون من أسباب بث هذه الفضائية أن إسرائيل تسعى إلى شرح وجهة نظرها بالنسبة لما يحدث في الضفة والقطاع على شاشات هذه الفضائية، واللافت للنظر أن لإسرائيل أكثر من فضائية تبث باللغات العبرية والإنجليزية، وتُقدَّم أحياناً بدبلجة عربية، وتعبر هذه الفضائيات عن سياستها الاقتصادية والعسكرية وكذلك الثقافية؛ فهي تملك أدوات التوجه إلى الرأي العام العالمي. إن الأهداف الإسرائيلية من وراء مثل تلك القنوات الوصول إلى المشاهد العربي الذي لم يعد يصدق ادعاءات السلام الإسرائيلي؛ فهو يشاهد على فضائيات العربية، وغيرها وعلى شاشات إرساله المحلي حقيقة ما يحدث للشعب الفلسطيني. وتسعى قناة إسرائيل باللغة العربية إلى بث برامج مصورة عن الانتفاضة تغاير الواقع بعد التدخل بالتركيب لتزييف الأحداث. وقد أشارت صحيفة (معاريف) في تحقيق عن القناة الفضائية الإسرائيلية إلى النية في التدخل فيما يذاع على شاشاتها عن أحداث الانتفاضة بالمونتاج الذي يغيّر الصور ليبدو الفلسطينيون وكأنهم يبادرون «بالعنف» ويرتكبون أعمال «الإرهاب» ، بينما جنود الاحتلال والمغتصبون ضحايا وأبرياء. ولهذا فقد وزعت برامجها بين السياسية والثقافية والرياضية والترفيهية ضمن رسالة إعلامية عمدت إلى نشر الكثير من الحقائق لخلق جو من الانفتاح الموضوعي الذي تبدد وتحول إلى إعلام موجه يعتمد على الدعاية السلبية، وبثت الأكاذيب عن حقيقة الصراع، وتركت المتلقي للفضاءات الفكرية لتحليل الرسالة بعيداً عن الإعلام المؤدلج أو ما يسمى بـ «نظرية الإعلام التفكيكي» ، وعبر هذه النظرية مارست القناة مهمة إظهار التناقضات بين أسلوب الحياة ومستواها في «إسرائيل» ونظيرتها في العالم العربي. وقد أشار المراسل الإعلامي في إذاعة الـ بي بي سي (Sebastian Usher) إلى اعتزام إحدى القنوات التلفزيونية في إسرائيل بث برنامج يصنف على إثر صدور تقرير سري لوزارة الخارجية الإسرائيلية مفاده أن صورة الكيان الصهيوني قد تدهورت في العالم جراء الأعمال الوحشية والعنصرية التي تقوم بها في فلسطين، وأن إسرائيل مع مرور الوقت ستصبح كياناً منبوذاً على غرار ما حصل لجنوب، ويركز هذا التقرير بالذات على علاقة إسرائيل بالاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن إسرائيل ستجدنّ نفسها في صدام مع الاتحاد الأوروبي. وعليه فقد قررت إحدى محطات التلفزيون الإسرائيلية بمبادرة من جماعة يهودية تسمى «إسرائيل في القلب» يديرها رجل أعمال يهودي أمريكي من نيويورك يدعى «جوي لو» وهو صاحب الفكرة وممولها ببث برنامج لتحسين صورة إسرائيل في الخارج عامة وأوروبا خاصة. سمّى البرنامج باسم برنامج «السفير» ، ويتلخص هذا البرنامج في اختيار ١٤ شاباً وشابة ليتنافسوا فيما بينهم على أداء واجبات معينة تهدف إلى اختبار مهاراتهم في تلميع صورة إسرائيل في الخارج، والفائز النهائي بعد التصفيات سيكون سفيراً يجوب العالم يشرح ويبين معالم الكيان، ويحشد التأييد لبلده وإظهاره بالصورة الحضارية المفترضة. في كل أسبوع يقوم المشاركون على تقديم إسرائيل بصورة إيجابية فمثلاً، قد يناقشون القضايا التي تهم إسرائيل في جامعة كامبردج وفي أسبوع آخر ينتقلون إلى باريس. يروجون للسياحة وفرض قضاء العطلات وغيرها من القضايا والأماكن. - الدعاية الإسرائيلية: لمواجهة التعاطف الدولي مع المعاناة الفلسطينية والتوازن الإعلامي الدولي في معالجة قضايا الانتفاضة اتبعت إسرائيل استراتيجية للتحرك الإعلامي معتمدة على اتجاهين: أحدهما داخلي، والآخر خارجي، خاصة داخل الولايات المتحدة؛ حيث يعمل اللوبي اليهودي هناك بقوة لتلبية الاحتياجات الإسرائيلية. ولتعزيز هذا التوجه بدأت استراتيجيتها الدعائية تركز على أن العنف هو سمة رئيسية من سمات العالمين العربي والإسلامي، بالإضافة إلى التركيز على وضع المرأة الفلسطينية والعربية وحالة حقوق الإنسان المتردية بسبب ممارسات أجهزة الأمن والفساد الواسع بين المسؤولين في السلطة الفلسطينية، وكذلك الدول العربية، كما نجحت في وصم كل الفصائل الفلسطينية الأخرى، بالإضافة إلى حماس والجهاد بتهمة الإرهاب، خاصة مع استمرار وضع هذه المنظمات على القوائم الأمريكية للمنظمات الإرهابية. كما اعتمدت إسرائيل على قوالب دعائية تبدو جديدة إلا أنها لا تخرج عن كونها ترديداً لأقوالها النمطية عن رغبة إسرائيل الدائمة في السلام.. فحسب ما نقلته صحيفة (هآرتس) عن (إرئيل شارون) قوله: إن الدعاية العربية تركز على أن اليهود بعد أن سرقوا فلسطين يزعمون أنهم راغبون في السلام. فأي ملاحظ محايد سيقول: إن من سرق لا يملك مصداقية السعي للسلام، ومن ثم فلا أحد يستطيع أن يلوم الفلسطينيين إذا ما مارسوا العنف ضد الإسرائيليين. لذا جاء تركيز الدعاية الإسرائيلية الجديدة على إلصاق تهمة الإرهاب بالفلسطينيين، وتأكيد حق إسرائيل الديني في الأرض، وأن إسرائيل في حرب منذ مولدها ضد (الإرهاب العربي) . كما استخدمت عائلات ضحايا العمليات الإرهابية في مهام إعلامية في أمريكا وأوروبا. وفي ضوء اتهام الصحف الإسرائيلية لـ (شارون) بأنه لا يجيد فن التعامل مع الإعلام، وأن صورته الحادة، وإشاراته العصبية، وطرقه على الطاولة تعطي صوراً سلبية؛ فقد سعى إلى الاستعانة ببيت خبرة إعلامي أمريكي، نصحه بالابتسام الدائم أمام الإعلام، والتركيز على الرفض الفلسطيني للسلام خلال الفترات الماضية، وعدم وجود شريك حقيقي للسلام. من ناحية أخرى تصاعدت الدعوات لإنشاء وزارة إعلام؛ حيث إن حرب الدعاية: هي حرب حقيقية، وتحتاج إلى استراتيجية وجيش؛ فلا بد أن تدير هذه الحرب وزارة مستقلة، وليس إدارات فرعية في وزارات مختلفة. - إعادة ترتيب البيت الإسرائيلي: نال الأداء الإعلامي الإسرائيلي انتقادات حادة من رئيس الوزراء الإسرائيلي في جلسات الحكومة؛ حيث قال في جلسة الحكومة يوم ٢٤ مارس ٢٠٠٤م: إن القناة الأولى للتلفزيون تفتح أبوابها لأعداء إسرائيل، وأن على سلطة البث أن تخدم مصالح دولة إسرائيل أولاً وقبل كل شيء، مضيفاً: إن إسرائيل في معركة كبيرة ضد الإرهاب الفلسطيني وعلى القناة العامة أن تكون رديفاً للدولة في هذه المعركة، وعدم منح العدو وقتاً من برامجها. جاء هذا التعنيف بعد أن قدمت النشرة الإخبارية تقريراً عما يحدث للفلسطينيين عند حاجز (إيريز) في قطاع غزة، وتطرق إلى الظروف الصعبة التي يعيشها المواطنون في غزة، كما قررت لجنة البرامج بالإذاعة الإسرائيلية استبدال أحد أهم البرامج السياسية ببرامج عن الشباب والموسيقى، وهو ما أوضح مدى الرغبة في تشديد السيطرة على أجهزة الإعلام الحكومية، كما قام (شارون) بتعيين الموالين له كرؤساء للأجهزة الإعلامية؛ مما دفع وزيرة الصناعة والتجارة (داليا إيتسيك) التي كانت مكلفة بالإشراف على شؤون البث التلفزيوني إلى القول: إن البث العام في إسرائيل يواجه هجوماً غير مسبوق من أعضاء الحكومة، وعلى رأسهم رئيس الحكومة (إرئيل شارون) ، مشيرة إلى وجود محاولات لتكميم أفواه معينة في التلفزيون الإسرائيلي في شكل تغييرات تنظيمية وتصفية حسابات مع المحررين. وأدرجت (سلطة البث) من ضمن مسؤوليات رئيس الحكومة اعتباراً من ١ أغسطس ٢٠٠٢م؛ رغم أن (سلطة البث) تقع في دائرة اختصاص حزب العمل في الائتلاف الحاكم، هذا بالإضافة إلى تشديد سلطة الرقيب العسكري وتدخله في حالات عديدة؛ لمنع إذاعة ونشر تقارير صحفية عن قضايا عدة؛ بحجة أنها تمس الأمن العسكري؛ وهو ما كان مجال نقد من الإعلام الإسرائيلي، حتى إن صحيفة (هآرتس) وصفت تدخل الرقيب العسكري في العمل الصحفي بأنه يتعامل مع الإعلام كعدو في الجبهة العسكرية. واستخدمت الشبكة العالمية الإنترنت؛ حيث أصدرت الحكومة تعليمات للمديرين العاملين في الوزارات بإدخال مواد إعلامية على المواقع الخاصة بوزاراتهم، تحمل مضامين تساهم في شرح السياسة الإسرائيلية، مع ربطها بمواقع وزارة الخارجية ورئاسة الحكومة، على أن يكون تحديد مضمون هذه المواد في إطار صلاحيات مكتب رئيس الحكومة، ووزارة الدفاع لنشرها باللغتين العبرية والإنجليزية، على أن يتم نشرها بلغات أخرى ـ منها اللغة العربية ـ في وقت لاحق، وهو ما تم تنفيذه في الشهر التالي؛ حيث بدأت كل المواقع الخدمية الحكومية في تبني الخط السياسي العام الذي تنتهجه دولة إسرائيل. - الممارسات ضد الإعلام في العالم: يدعي الإسرائيليون أن وسائل الإعلام العالمية المتحيزة مثل: (CNN - BBC) وخلفها آلة الدعاية العربية تسعى إلى تشويه صورة إسرائيل، ونقل حقائق مغلوطة عن الانتفاضة الحالية، وهو الأمر الذي أدى إلى اتخاذ شركة الكابل الإسرائيلية قرارها بإيقاف بث قناة (CNN) عبر الكابل إلى المشاهد الإسرائيلي، واستبدالها بقناة (فوكس للأخبار) المعروفة بانحيازها الصارخ إلى إسرائيل، كما وجهت اتهامات إلى الإعلام البريطاني والأوروبي بالانحياز لوجهة النظر الفلسطينية. وفي إطار التحرك الإسرائيلي لعرقلة التغطية الدولية لم يسلم مراسلو القنوات العربية من المضايقات التي وصلت إلى ضرب مراسل التلفزيون المصري، والتهديد بإغلاق مكاتب قناة الجزيرة وطرد مراسليها؛ حيث أعلن (روبي ريفيلين) وزير الاتصالات أن وزارته تدرس إمكانية إيقاف البث الكامل لقناة الجزيرة عبر الكابل وخدمات الأقمار الصناعية؛ بسبب عدائها لإسرائيل واستضافتها شخصيات تدعو عرب إسرائيل إلى التمرد، وامتد الضغط على قناة الجزيرة إلى اليهود الأمريكيين؛ حيث هدد (مركز ويزنشتال) في لوس أنجلوس بتنظيم حملة مقاطعة للجزيرة؛ بسبب لهجتها المعادية للسامية. وفي الولايات المتحدة تحرك اللوبي اليهودي الأمريكي للضغط على الدوائر الأمريكية؛ بحجة انتشار العداء لأمريكا والسامية في صحف ودول عربية حليفة لواشنطن، كما تعرضت الصحف الأمريكية لموجات من المقاطعة أو التهديد باللجوء إليها من قِبَل المنظمات والتجمعات اليهودية الكبرى؛ حيث بدأت بمقاطعة صحيفة (نيويورك تايمز) من قِبَل يهود المدينة لمدة شهر، وقد قاد هذه المقاطعة اثنان من الحاخامات الأرثوذكس المتشددين هما: هاسكيل لوكشتين، وإيلي شارف، كما تم إلغاء ١٠٠٠ اشتراك في صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) ، وواجهت (شيكاغو تريبيون) موجات عديدة من التهديد بإلغاء الاشتراكات، وخطابات الاحتجاج، وفيضان من الاتصالات التليفونية، والرسائل الإلكترونية مروراً بتنظيم احتجاجات على أبواب الصحيفة منذ بدء الانتفاضة منتقدين لها لعدم استخدامها كلمة (إرهاب) في وصف الفلسطينيين المسلحين، وهو ما علق عليه رئيس قسم الشؤون الخارجية: إن تغطية الصحيفة كانت متوازنة وعادلة، وإن هذه الاحتجاجات ترغب في جعلنا مؤيدين لإسرائيل. أما صحيفة (الواشنطن بوست) فقد تم استخدام أسلوب غير مباشر لمقاطعتها؛ فقد استخدمت مواقع الإنترنت اليهودية للدعوة لمقاطعتها، مطالبة قراء الموقع بإرسال احتجاجاتهم على ما تنشره الصحيفة. كما تضمن الموقع موضوعات تم رؤيتها على أنها نماذج لتحيز الصحيفة ضد إسرائيل؛ مما حدا بالصحيفة إلى دعوة منظمي المقاطعة إلى اجتماع مع المحررين لمناقشة وجهة نظرهم، وهو ما أثمر ـ حسب قول أحد منظمي المقاطعة ـ عن قيام الصحيفة بعد ذلك بتقديم تغطية واسعة للعمليات الفلسطينية ضد المدنيين الإسرائيليين، بل قامت بنشر صورها على الصفحة الأولى، كما امتدت الاحتجاجات اليهودية إلى تغطية الإذاعة القومية الأمريكية لأحداث الانتفاضة، واتهامها بالتحيز ضد إسرائيل، مطالبة أعضاءها بوقف تقديم المنح والمعونات والإعلانات للإذاعة. وقد كتب ج. ج. جولد بيرنج في كتابه السطوة اليهودية داخل المؤسسة الأمريكية اليهودية أن نسبة السيطرة اليهودية على صناعة الإعلام في الولايات المتحدة تزيد عن ٥% وأن نسبة المحررين والكتاب والمنتجين اليهود تزيد عن الربع في نخبة صناع الإعلام بما فيها الشبكات الإخبارية والمجلات الأسبوعية الكبرى وأكبر أربع صحف يومية كبرى. ورغم أن هذه المقاطعات ظاهرياً كانت بعيدة عن المنظمات اليهودية الرئيسية العاملة في الولايات المتحدة، مثل: إيباك، وغيرها إلا أنها كانت معتمدة على منظمات إعلامية أخرى منها منظمة كاميرا (CAMERA) : وهي منظمة يهودية إعلامية مهمتها الأساسية مراقبة تناول الإعلام الأمريكي لإسرائيل، وانحيازه فيما يتعلق بقضاياها، واتخاذ إجراءات احتجاج ضد هذه الصحف؛ فالمنظمات اليهودية الرئيسية لم تعلن تأييدها الرسمي لهذه المقاطعة، ولكنها أشارت إلى أنها حملت رسالة وأثمرت نتائج.

стр. 5196

الجدل حول: قانون الأسرة المعدل في الجزائر آخر معقل يراد دكه.. فهل هي الضربة القاضية؟! يوسف شلي الحديث عن الأسرة هو حديث عن شبكة معقدة من العلاقات والمفاهيم والتجارب تشكل النواة الأساسية للمجتمعات، كما تشكل المنظومة القيمية، والحاضنَ التربوي للفرد مهما كان دينه وعقيدته وانتماؤه. وعقد المقارنة بين سياقين حضاريين: النموذج الحضاري الإسلامي والنموذج الحضاري الغربي، لمصطلح «الأسرة» وتَشكله وما يتصل به، من شأنه أن يثير عدداً من التساؤلات حول المفارقات الكبيرة بين النموذجين «الغربي والإسلامي» ، ويلقي بثقله على الكثير من الحقول المعرفية المختلفة وخاصة منها الفلسفية والتربوية والاجتماعية والدينية، علماً بأن حجم المفارقة بين النموذجين أو المفهومين تصل إلى حالة من التناقض والتضاد. ü الأسرة في المفهوم الإسلامي: يعتبر «الزواج الشرعي» بين ذكر وأنثى هو الأساس الوحيد الذي تقوم عليه الأسرة، ومن هنا فإن الأسرة في المفهوم الإسلامي ليست تلك العلاقة المحدودة بالزوجين والأبناء فقط، بل تمتد بامتداد العلاقات الناشئة عن رباط المصاهرة والنسب والرَّضاع، والذي يترتب عليه مزيد من الحقوق والواجبات الشرعية والقانونية، مادية كانت كالميراث، أم معنوية كالبر والصلة والصدقات (١) . ولعل المتتبعين في العالم الإسلامي للجدل الكبير الدائر منذ شهور حول مشروع تعديل قانون الأسرة الجزائري (٢) ، أو بالتحديد تلك التعديلات التي اقترفتها أقلية مستغربة تمكنت من اللجنة الوزارية المكلفة بإدخال مراجعات أساسية لقانون الأسرة الصادر سنة ١٩٨٤م، وهي الأصوات التي رفعت سقف المزايدات على تماسك وانسجام الأسرة الجزائرية المحافظة، إلى حد الدعوة جهاراً إلى إلغاء قانون الأسرة جملة وتفصيلاً، والتحرر من قيود الشريعة الإسلامية والمرجعية الدستورية التي تؤكد بأن دين الدولة هو الإسلام. وكانت المطالبة بإلغاء أو تعديل قانون الأسرة في الجزائر جرت منذ سنوات طويلة من قِبَل المنظمات النسائية والأحزاب العلمانية؛ فقد طالبوا بضرورة التعديل الجذري، ووضعت صيغ ومشاريع عديدة لدراستها والأخذ بها؛ حتى أصدر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في مطلع ولايته الجديدة قراراً بتشكيل لجان عمل تدرس تغيير قانون الأسرة على أساس التغييرات الحاصلة داخل المجتمع الجزائري بالاستناد إلى الشريعة الإسلامية كمرجع للتشريع، والاعتماد على المذاهب الإسلامية «كلها» (١) للبحث عن أفضل الحلول. وما تزال دائرة النقاش والجدل الحاد تتمحور بشأن مشروع التعديل الذي ينظم الأحوال الشخصية في الجزائر حول ثلاث نقاط أساسية تتعلق بتعدد الأزواج ومسكن الزوجية والولي للمرأة عند الزواج (٢) . ولا يستبعد المتتبعون للملف أن تطول الحرب حوله بين دعاة تعديل القانون ممن ينعتون بـ «الأصوليين العلمانيين» الذين يضغطون على الحكومة لتعديل القانون الذي يزعمون أن فيه إجحافاً بالمرأة وخرقاً لمبادئ حقوق الإنسان وتقزيماً لكيانها، وبين دعاة الإبقاء عليه؛ لأنه مستمد من الشريعة الإسلامية ممن يُحسبون على التيار الإسلامي الذين ينظرون إلى القانون على أنه مكسب للأسرة الجزائرية ـ رغم ما فيه من نقائص ـ كما لا يستبعدون أن يشكل الملف محور التنافس المستقبلي بين مختلف الأطراف السياسية والحزبية على مرمى حجر من جملة مواعيد مقبلة واستحقاقات مهمة تنتظر الجزائر، كالاستفتاء على العفو الشامل وتطبيق المصالحة الوطنية لإسكات لغة الرصاص نهائياً، وتغيير الدستور وإقرار تغييرات كبرى سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية حاسمة. وكان عدد من أحزاب التيار الإسلامي وفي مقدمتها حركتا مجتمع السلم والإصلاح الوطني قد شرعتا في حملة تعبوية وإعلامية واسعة ضد المقترحات المخالفة للشريعة وفي مقدمتها التصريحات التي كان أدلى بها وزير العدل بشأن إمكانية تزويج المرأة لنفسها دونما الحاجة إلى وليّ (٣) ، وهو ما اعتبره الإسلاميون خطوة نحو إلغاء شرط الولي (٤) من عقد الزواج وبداية لإحداث تغييرات بعيدة على عقيدة وانتماء المجتمع الجزائري وثوابته ومحاولة لهدم مقومات الأسرة الجزائرية المستمدة من الشريعة الإسلامية السمحاء. واعتبر التيار الإسلامي في الجزائر أنه كان أوْلى للحكومة الجزائرية الاهتمام بالمشاكل العاجلة ذات البعد الوطني مثل أزمة العروش (القبائل) والزحف التنصيري المتزايد، ومشكلة البطالة التي تهدد ١٤ مليون مواطن، وغلاء المعيشة والانتحار الذي باتت أرقامه تفزع المختصين، وسلسلة الإضرابات التي أصبحت سمة الحياة الاجتماعية في الجزائر، والإجرام المتفاقم، متسائلين عن الجهة الحقيقية التي حركت الملف من جديد بعد شهر من قرار الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة خلال اجتماع لمجلس الوزراء تأجيل طرح ملف القانون لحساسيته (٥) . ü ماذا يريدون من الأسرة الجزائرية؟ المسلسل العلماني في تغريب الأسرة الجزائرية ومسخ هويتها الفكرية والأخلاقية مستمر لم ينقطع؛ فبعد استيلائهم على مقاليد الحكم في الجزائر بعد الاستقلال، اختتمت المؤامرة أخيراً من خلال التعديلات على قانون الأسرة الحالي الصادر في عهد الحزب الواحد سنة ١٩٨٤م. فإدماج الأسرة عموماً والنساء خصوصاً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تعتبر من أهم التطورات التي ستشهدها الجزائر مستقبلاً، ولكن هذه الثورة «الأسرية» لم تكتمل بعد؛ فالمساواة النوعية ما تزال هدفاً لم يتحقق، كما أن ما يواجه التيار العلماني المستغرب من تحد ومسؤولية بوصفه رأس الحربة في محاربة الأصالة والفضيلة في المجتمع الجزائري يفرض عليه أن يضمن أن القرن الحادي والعشرين سيوفر للنساء كعنصر أساسي في الأسرة الفرصة للمشاركة الكاملة في (صنع) التاريخ الجزائري بعد إقصائها لعقود. ولكن ألا يحق لنا أن نسأل: ماذا يريدون من الأسرة الجزائرية؟ إنهم يريدونها أن تتخلى عن دينها وتماسكها، وتصبح ألعوبة لشهواتهم الدنيئة ودمية لأهوائهم المريضة. يريدونها أن تتمرد على تقاليد المجتمع المحافظة، وتنتكس في حمأة الجاهلية ومستنقعاتها الآسنة. يريدون إلغاء دور الأسرة، ومسخ الهوية الاجتماعية للأمة، وإشاعة روح الانحلال والفساد. يريدون استنساخ الأسرة الغربية في بلادنا لتنتشر ثقافة الإيدز والعري والشذوذ الجنسي. والحق أن هناك مقاصد متعددة من وضع هذه التعديلات المقترحة نجملها فيما يلي: - مصادمة الشرع الإسلامي بتقرير نصوص وتعديلات قانونية مخالفة للشريعة. - التبجح بإقرار حقيقة مساواة المرأة بالرجل دستورياً، وهو أعلى قانون في البلاد وهو ما يوهم بوقوع حيف من الإسلام عليها. - الطعن في صلاحية الشرع الإسلامي للحكم بما يسوِّغ استبعاده والتخلص منه ـ على الأقل على المدى البعيد ـ. - إخضاع الأسرة الجزائرية تدريجياً للقانون الوضعي لئلا يبقى للشريعة نفوذ في المجتمع لا على الأفراد ولا على الجماعة. - إعادة صوغ الأسرة الجزائرية ومن ثم المجتمع على النمط الغربي المتهاوي. - ضرب الهوية الإسلامية للمجتمع والأسرة الجزائرية كونها اللبنة الأولى في الصرح. - إظهار سماحة الإسلام بمظهر الظالم للأسرة وللمرأة وللأطفال. ويجرنا الحديث عن الأسرة الجزائرية إلى نقطة مهمة وهي حرص أصحاب المشروع التغريبي على الاستقواء بأصحاب السلطة والنفوذ لفرض توجهاتهم بالإرهاب المعنوي عبر تمرير مشاريع لقوانين وقرارات حكومية بطريقة مريبة، كما حدث في الجزائر، وهذا التكتيك (فرض التوجهات بقوة القانون) كان قاسَماً مشتركاً في تحركات التيار العلماني، وقد رأينا بوضوح هذا (التكتيك) ممارساً على أرض الواقع عند تمرير التعديلات الخاصة بقانون الأسرة (الأحوال الشخصية) الجديد في الجزائر مصاحباً بحملة إعلامية علمانية تؤكد ضرورة التغيير والارتفاع بالمرأة من صفة الضحية «القاصر» إلى صفة المتحكمة في «مصيرها» جسداً وروحاً. ü الرئيس بوتفليقة مع تعديل قانون الأسرة: وكان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قد أعلن أن مراجعة قانون الأسرة الذي تم تبنيه في ١٩٨٤م في عهد الحزب الواحد جبهة التحرير الوطني «باتت أمراً حتمياً» . وقال بوتفليقة في الكلمة التي ألقاها بمناسبة افتتاح السنة القضائية ٢٠٠٤ ـ ٢٠٠٥م أن مراجعة قانون الأسرة: «باتت أمراً حتمياً إذا ما أردنا ضمان استقرار وانسجام المجتمع، وضمان احترام الشريعة الإسلامية؛ بحيث تظل صالحة لكل زمان ومكان اقتداء بسنة المجتهدين الأوائل بعيداً عن أية نية للزيغ عن الشريعة الإسلامية الغراء، وبالاتفاق مع المبادئ» . وأوضح: «لا تناقض بين إرادة السهر على حماية القيم الثقافية والروحية للمجتمع وتحقيق الهدف المتمثل في وضع حد لاختلال موقع المرأة وهشاشته بالنظر للقانون المدني، وكذلك ضمان حماية الطفل بموجب المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي وقعتها الجزائر» . وتبنت الحكومة الجزائرية اقتراح وزير العدل (الطيب بلعيز) بإدخال تغييرات جوهرية على (قانون الأسرة) بإلغاء شرط الولي في زواج المرأة، وتقييد تعدد الزوجات برخصة من القاضي، كما أعلنت عن تدابير أخرى ستنشر تباعاً في وسائل الإعلام. وذكر بيان للحكومة تناقلته وسائل الإعلام الوطنية والدولية، أن حضور الولي في زواج المرأة ملغى بالنسبة للبالغة ١٩ عاماً «ويمكن للمرأة الراشدة أن تفوِّض هذا الحق طوعاً لوليها» . وفي الشق المتعلق بتعدد الزوجات، قال البيان: إن هذا الحق مشروط بترخيص من القاضي بأن «يتأكد من موافقة الزوجة السابقة والمرأة التي يرغب في الزواج بها» . وعلى الرجل الذي يريد أن يضيف زوجة أخرى، أن يثبت قدرته على توفير العدل والشروط الضرورية للحياة الزوجية. وأوضح بيان الحكومة، أن «عدم احترام هذه الشروط يؤدي إلى فسخ عقد الزواج قبل الدخول. وفي حالة الغش يجوز لكل زوجة رفع دعوى قضائية ضد الزوج للمطالبة بالطلاق» ... وأوضح بيان الحكومة أن التعديلات التي تبنتها «تستجيب لتوجيهات رئيس الجمهورية، وتتماشى مع الدستور ومبادئ الشريعة الإسلامية، مع اللجوء إلى الاجتهاد» . وتعد التدابير المعلن عنها من طرف الحكومة نتاجَ ضغطٍ كبير من تنظيمات المجتمع المدني والجمعيات النسوية والأحزاب (العلمانية) ، التي ترى أن قانون الأحوال الشخصية جعل من المرأة قاصراً على مدى الحياة. ü نظرة في قانون الأسرة الجزائري: دخل قانون الأسرة الجزائري حيّز التنفيذ يوم ٩/٦/١٩٨٤م، بعد أن صادق عليه مجلس النواب الذي كان يسيطر عليه نواب من الحزب الواحد «جبهة التحرير الوطني» أي قبل عشرين سنة من الآن. وإلى حدود سنة ١٩٨٤م فإن قانوناً مؤقتاً من بقايا العهد الاستعماري الفرنسي هو الذي ظل ساري المفعول في الجزائر، وقد كانت تلك التشريعات الانتقالية في العديد من أوجهها في صالح «تحرر» المرأة. وكانت النقاط الجوهرية لهذا القانون الجديد محل انتقاد العديد من الجزائريات من التيارات المستغربة اللاتي رأين فيه إهانة واحتقاراً: - عندما تريد امرأة الزواج فلا بدّ لها من الحصول على توكيل وصائي من رجل. - الطلاق من صلاحيات الرجل وحده، ولا يمكن للمرأة أن تحصل على الطلاق إلاّ بمقابل مالي تسدده إلى الرجل (الخُلع) . - عندما يطلق رجل زوجته فإنها تظل ملزمة بتربية الأطفال، ومع ذلك يجب عليها أن تغادر مسكن الزوجية. - التعدد من حق الرجل فقط ودون قيد. في واقع الأمر، لا يختلف القانون الجزائري في مجمله عن القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية المعمول بها في أكثر البلاد العربية والإسلامية؛ غير أنه يزيد عليها باجتهادات مثيرة للجدل تتعلّق مثلاً بموضوع المطلّقة ذات الأولاد؛ ففي الوقت التي يضمن لها الدين الإسلامي ولأبنائها بيتاً ونفقة محترمة، ينص القانون الجزائري على طردها وأولادها إلى الشارع، ولا يلزم والدهم بأي شيء. ويعتبر قانون الأسرة الجزائري في صيغته الحالية مكسباً ناقصاً بنظر الإسلاميين والوطنيين بشكل عام، وكارثة ومأساة برأي العلمانيين والمعادين للإسلاميين بشكل خاص. والحقيقة أن الإسلاميين الجزائريين الذين يدافعون عن قانون الأسرة الحالي لم يكن لهم دخل في سنه وإقراره، لا من قريب ولا من بعيد؛ لأن أغلبهم كانوا في السجن أو الإقامة الجبرية خلال الثمانينيات، بمن فيهم أغلب القيادات الحالية المشهورة، أمثال الشيوخ أحمد سحنون وعبد اللطيف سلطاني وعمر العرباوي ﵏ وعباسي مدني وعبد الله جاب الله، وعلي بلحاج وغيرهم. ü المخرج من الورطة.. فقه الإمام أبي حنيفة: بمجرد فوزه بالانتخابات الرئاسية الأخيرة، وبنسبة كبيرة تقارب ٨٥% من أصوات الناخبين، شكّل بوتفليقة لجان عمل تدرس تغيير قانون الأسرة على أساس التغيّرات التي حصلت داخل المجتمع الجزائري في الفترة الماضية المليئة بالأحداث والوقائع، وفي ظل وجوب الاستناد على الشريعة الإسلامية كمرجع للتشريع والاعتماد على المذاهب الإسلامية. اعتمد العلمانيون داخل اللجان على فقه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان لسنّ القانون الجديد، وفوجئ الإسلاميون بطريقة الاعتماد الذكية على فقه أبي حنيفة لإسقاط شرط الولي في الزواج، فاقترح المشرّعون العلمانيون إعطاء حق اختيار الزوج للزوجة دون حضور وليّها أو اختياره ابتداء من سن التاسعة عشرة. وعلى هذا الأساس، يمكن للفتاة أن تتوجه مع من تحب وتختار إلى دار البلدية، وتطلب من الضابط الشرعي تقييدها في سجلات المتزوجين بالبلدية، وما على الأولياء في هذه الحالة، آباء وإخواناً وأعماماً، إلا القبول بما قامت به الفتاة التي يجب أن تُعتبر راشدة بحكم أهليتها في القانون المدني الجزائري، وهنا يكمن الخلاف والخطر المحدق على العلاقات الأسرية (١) . لقد شارك الإسلاميون في لجان إعادة صياغة القانون وخاصة حركتي مجتمع السلم والإصلاح الوطني؛ غير أن أمراً دُبّر بليل، جعلهم يفاجئون عند العودة من العطلة الصيفية الماضية بأن غيرهم (٢) كتب خلافاً لما قيل، ويحاول إجبار الجزائريين على اتباعه. واعتبر المراقبون أن قانون الأسرة المزمع إصداره وتمريره عبر البرلمان سيشكل لا محالة الضربة القاضية للإسلاميين والوطنيين والمحافظين بشكل عام بعد أن تراجعوا في معركتهم للدفاع عن اللغة العربية أمام اللغة الفرنسية بعد انضمام الجزائر إلى المنظمة الفرنكوفونية، ووقف محاولات التطبيع مع الكيان الصهيوني، لذلك كان رد فعلهم عنيفاً وغير متوقع وقد يتسبّب ـ إذا ما لم يتم نزع فتيل الأزمة ـ في مشاكل لا يستهان بها للرئيس بوتفليقة، المقبل على مواعيد سياسية كبيرة تتطلب إجماعاً وطنياً من التيارين السائدين في البلاد «الإسلامي والوطني» . ü الأسرة الجزائرية في مهب الريح: الأكيد أن الحديث عن التداعيات التي ستؤول إليها التغييرات المقبلة في قانون الأسرة الجزائري والتداخلات التي ستنشأ عنها لو تم تمرير التعديلات المقترحة ستفتح مجالاً واسعاً للمراجعة وللتفكير الاستراتيجي في مستقبل الجزائر السياسي والثقافي والاجتماعي وحتى الحضاري؛ وذلك بناء على بعض الطروحات التي عمل على إيجادها جهات خارجية عدائية ونساء الصالونات بما تمليه أفكارهم وإيديولوجيتهم المنحرفة. إن طرح مسائل عدم حضور الولي في الزواج بالنسبة للفتاة، وتقييد تعدد الزوجات بموافقة القاضي، والمساواة في الميراث بين الذكر والأنثى بكل تأكيد ليست في مقدمة أولويات وانشغالات المجتمع الجزائري الذي عانى من أزمات متعددة وأكثر إلحاحاً ابتداء من العشرية الدموية التي أهلكت الأخضر واليابس، وتفاقم الوضع الاجتماعي من خلال صعوبة تأمين لقمة العيش والمأوى وأماكن الدراسة للأبناء وزحف الأمراض والأوبئة في الجانب المادي إلى غاية مراجعة ثوابت المجتمع الكبرى ووعائه الثقافي المجمع عليه منذ قرون. ولذلك فإن قفز هذا المشروع «المشكوك فيه» إلى الواجهة يكون في أغلب الظن ذي خلفيات خفية ودواع مستبطنة لدى أصحاب المشروع لا تسير بالضرورة مع تطلعات المجتمع وهمومه، للاحتمالات التالية: الاحتمال الأول: أول ما يتبادر إلى الذهن حول دوافع طرح ملف قانون الأسرة على المجتمع الجزائري أولاً، وعلى المشرّع ثانياً هو كون المشروع نفسه وثبة علمانية في شكل بالون تجريبي لمعرفة رياح المواجهة الشعبية واتجاهها، أو مدى تجاوب المجتمع الجزائري بكل فئاته من عقدة المطالب الإسلامية السياسية الذي جسّدته الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة في بداية التسعينيات (١) . الاحتمال الثاني: استثمار الاتجاه التغريبي لبعض الأحزاب الجزائرية للرياح العالمية الحالية بعد أحداث سبتمبر/ أيلول ٢٠٠١م، من خلال استعمال القانون كوسيلة ضغط وإكراه لتوسيع دائرة التواجد السياسي في نواحيه الثقافية والاجتماعية والفكرية الذي تضاءل كثيراً بسبب الهزائم المتتالية التي مني بها على المستوى القاعدي والشعبي المزكي للتيار الإسلامي في أكثر من وقفة وواقعة انتخابية. الاحتمال الثالث: يكون بطرح مسألة حساسة في نظر المجتمع مثل إلغاء الولي في الزواج لتلهية النخبة السياسية والثقافية والمجتمع لتمرير مشاريع أخرى لم يكن مسموحاً به في الحالات العادية، كعلمنة المنظومة التربوية (٢) ، وتأطير الساحة السياسية لتكون على هوى السلطات الحاكمة، وتنظيم المساجد لحصارها، والتنازل عن الخدمات العامة الأساسية لإفقار الشعب، وتخصيص المؤسسات الاقتصادية وبيعها، وهيكلة الديون خدمة لجيوب الأغنياء. الاحتمال الرابع: استنزاف العاطفة الإسلامية الجياشة في صراع مصطنع تلهية لها عن الصراعات الحقيقية المقبلة أو الموجودة في جهة أخرى. الاحتمال الخامس: الحريصون على إلغاء أو تعديل قانون الأسرة بما يتماشى وسياسة التمدين والعصرنة، لا يضيرهم هذا التعديل، بل العكس سيجدون فيه حلاً للكثير من القضايا المستجدة، المترتبة عن المخالفات الشرعية في العلاقات بين الذكر والأنثى، مثل الأبناء غير الشرعيين، والأمهات العازبات. والسلطات أيضاً يخدمها هذا التعديل؛ حيث ستتخلص من مراكز الطفولة المسعفة، ومراكز رعاية الأمومة، وربما تحولت علاقات الزنا التي ترتب عنها حمل أو إنجاب إلى زواج شرعي بأركانه، يعالج كما يعالج الزواج الفاسد أو الباطل الذي افتقر إلى ركن من أركانه. الاحتمال السادس: يتعلق بالأبعاد الجيوستراتيجية للمشروع الأمريكي لتحديث الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا في جوانبه الثقافية والاجتماعية كوسيلة لتحجيم الدور المتنامي للإسلام وتغلغله في أعماق المجتمع الجزائري المسلم. وقانون الأسرة مع المنظومة التربوية مدخلان رئيسيان للتوجه الأمريكي في المنطقة حالياً. وعلى غرار ما يحدث في أغلب البلدان العربية من إملاءات وفق الحالة التي نحن بصدد تناولها مثل تمكين المرأة من المناصب السياسية والوظيفية العليا في بلاد الخليج، وحق الانتخاب والسياقة والسفر، واعتماد قانون الأحوال الشخصية الساري المفعول في مصر الذي أعدته بالأساس وزارة العدل المصرية دون اعتبار للأزهر المؤسسة الإسلامية الأولى وأحد المرجعيات السنِّية العليا في العالم الإسلامي وفي مصر، والذي جاء استجابة لتلبية مطالب اللوبي النسائي المصري المتشبع بالأفكار الغربية الهدامة، ومن قبل في لبنان الذي أثار موضوع الزواج المدني؛ حيث لا تقيم مؤسسة الزواج أي اعتبار للدين أو العقيدة؛ بحيث يمكن للمسلمة أن تتزوج كافراً أو مشركاً، وتصبح العلاقة الأسرية علاقة مدنية بحتة لا سلطان للدين فيها. وفي المغرب صيغت مجلة الأحوال الشخصية بعيداً عن التقاليد العائلية المغربية المحافظة، ومنع قانون عقوبة الزنا في تركيا إذعاناً لمطالب الاتحاد الأوروبي كشرط أساسي للانضمام إلى الوحدة الأوروبية؛ ولذلك فإن الجزائر سوف لن تبقى «تغرد خارج السرب» ومدعوة إلى ضرورة «التحديث» الذي يقتضي رفع مستوى منظومتها القانونية إلى الطروحات العلمانية، تماشياً مع ما يفرضه العالم الغربي ابتداء من خلال منظمات دولية أو حتى إملاءات قوى سياسية مباشرة (أمريكا، وفرنسا) وانتهاء بمطالب مترجلات الجمعيات النسوية في الجزائر إلى تعديل القانون الجزائري المشرب بالقيم الإسلامية ليساير القانون الدولي في معايير «حقوق الإنسان» العالمية (١) ، وليكون إذن منع تعدد الزوجات وعدم اشتراط الولي هو الصورة العاكسة لمطلب المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة كأول اختبار للجزائر في هذا المجال ضمن سلسلة المطالب الأخرى التي أقرتها فعاليات مؤتمر بكين سنة ١٩٩٥م (٢) التي يجب أن يحققها النظام الجزائري تدريجياً إن أراد أن يأمن شر النظام الدولي الجديد، ويكسب رضا القوى الدولية والمؤسسات المالية العظمى. ü خطباء المساجد يصدعون بكلمة الحق: وكان خطباء الجمعة عبر كل ولايات الوطن أبرز منتقدي وثيقة التعديلات (٣) لقانون الأسرة؛ وخصوصاً ما اتصل منها بموضوع إلغاء شرط وجود ولي الأمر أثناء مباشرة عقود الزواج وتقييد التعدد بموافقة القاضي. وأجمعوا على أن التعديل يستهدف القيم الإسلامية في المجتمع، واتهموا أطرافاً نافذة في السلطة بالوقوف وراء هذا التوجه الذي وصفوه بالخطير في تنظيم الأسرة الجزائرية؛ لأنه «يشجع على تفكيك خلية الأسرة وشيوع الفاحشة وميوعة الأخلاق» . وقال الأئمة المعارضون في خطبهم إن الزواج دون موافقة ولي الأمر باطل شرعاً، وأن تقييد تعدد الزواج بشروطه المعروفة في كنب الفقه الإسلامي بموافقة القاضي أولاً وأخيراً مسألة مخالفة للشرع الإسلامي وهدي الرسول #، ودعوا النساء والمواطنين إلى التصدي بحزم لرغبة من أسموهم المتغربين والمعادين لقيم الإسلام والمجتمع الجزائري، وعدم السكوت في هذه المرحلة المتسمة بالتكالب العلماني على مقدسات الجزائر الذي ضحى من أجلها أكثر من مليون ونصف مليون شهيد. ü الصحافة الجزائرية وقانون الأسرة.. كل يدلي بدلوه: نشرت اليومية الإخبارية «البلاد» (٤) نداء وجهته الهيئة الوطنية لحماية الأسرة إلى الجزائريين، تدعوهم إلى «التحرك للدفاع عن أسرهم، والوقوف في وجه محاولات «إلغاء» قانون الأسرة الأصلي، واستبداله بأحكام مستوردة، أو تلفيقات من مذاهب إسلامية بُترت من محيطها» . ورفعت هذه الهيئة شعار: «نعم للتعديل والإثراء، لا للإلغاء» .. «نعم للاستفادة من التنوع والثراء الفقهي دون انتقائية أو تلفيق..» و «لا للفرض بقرارات فوقية» .. «نعم لاستفتاء شعبي حول موضوع يمس كل الجزائريين» . ووقّع على هذه الوثيقة مجموعة من الوجوه الوطنية المرموقة والبارزة من أمثال الشيخ عبد الرحمان شيبان، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وموسى تواتي رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية المنضوية تحت المجلس الشعبي الوطني، ومجموعة من البرلمانيين وممثلي هيئات أو جمعيات وطنية. أما الصحافة ذات التوجهات العلمانية الناطقة باللغة الفرنسية؛ فقد شنت حملات شعواء لا مكان فيها للأخلاق والاحترام ضد التيارين الإسلامي والوطني وبالخصوص من حركتي المجتمع الإسلامي والإصلاح الوطني وجبهة التحرير الوطني مع شخصيات إسلامية من الحزب المُحَلّ وأخرى مستقلة، المنادين بالإبقاء على القانون كما هو حالياً دون تعديل في بنوده الأساسية المستندة إلى الشريعة الإسلامية الغراء. فنقرأ مثلاً في افتتاحية مغرضة لإحدى اليوميات ترحيبها بالتعديلات المطروحة التي «أنصفت المرأة» ـ حسب زعمها ـ بعد أن وضعها «أصحاب اللحى» من الإسلاميين في الحزب الواحد في وضعية «القاصر» مدى الحياة.. لتصل الافتتاحية في الأخير للتبجح بالقول: «فقد عدَّه الإسلاميون الأصوليون والرجعيون ـ قانون الأسرة الحالي ـ ضربة قاضية لهم، وقال قياديون بارزون ـ من التيار الإسلامي ـ: «إنه لا يمكن تعديل قانون الأسرة؛ لأنها خطوط حمراء لا يمكن التفاوض عليها مع الدولة» . وتبقى حرب العلمانيين ـ إعلاميين وسياسيين ـ مع الإسلاميين والوطنيين كما بينت معركة مشروع قانون الأسرة الأخير حرباً لا هوادة فيها؛ حيث نقرأ أيضاً في مقالة أخرى مغرضة تصريح كاتبها: «ويمكن وصف ما حدث بأنه معجزة؛ لأن اتفاق جمعية العلماء المسلمين السلفية التوجه، والزوايا الصوفية الكارهة لها، لم يحدث أن توحدت إلا خلال الحرب التحريرية ضد فرنسا ما بين عامي ١٩٥٤ و١٩٦٢م من القرن الماضي، وهو الأمر الذي يعني مدى خطورة هؤلاء ـ يعني الإسلاميين ـ على إجراء أية تغييرات لمصلحة الشعب الجزائري ومستقبله وتطوره» . ü الطبقة السياسية والشخصيات الوطنية والإسلامية والعلمانية بين التأييد والمعارضة: التيار الإسلامي والوطني والتأييد الصريح: ١ - الدكتور عمران الشيخ (رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر ووزير سابق) يصرح: لا نمس نقطة أو حرفاً من الشرع الإسلامي بصريح القرآن العظيم، أو السنة النبوية الصحيحة، أو اجتهاد العلماء الكبار، ما عدا هذا كل الاجتهادات مقبولة. نحن نجتهد في قضية الإسكان، نبدأ بأن تسكن الأم بأولادها، وعلى الزوج الذي يطلّق أن يتولى هذا، هذا نحن موافقون عليه ١٠٠% ولا يمس الشريعة في شيء، أما قضية الولي فلا نوافق على إلغاء الولي؛ لأنه في صريح القرآن العظيم في آية كريمة في سورة النساء: (فانكحوهنّ بإذن أهلهن) هذه الآية صريحة، ونحن لا صلاحية لنا، لا صلاحية ولا صلاحيات لنا في اجتهاد مع النص. ٢ - الأستاذ أبو جرة سلطاني رئيس (حركة مجتمع السلم «حمس» ) في لقاء ١٠/١١/٢٠٠٣م مع بعض الأحزاب الإسلامية في الجزائر يقول: إن من أسماهم بـ (العلمانيين) يسعون لإلغاء قانون الأسرة، ويريدون القضاء على العائلة المحافظة والثورة على ما تبقى من العمل بالشريعة الإسلامية في البلاد. وأضاف قوله: «الرافعون شعار التعديل يسعون للانحراف وتفكيك الأسرة، وجعل الرابطة بين الجنسين مسألة شخصية لا دخل للدين والعرف فيها» مشيراً إلى أن السلطة غضت الطرف عن الملفات الساخنة المطروحة التي تستدعي حلاً عاجلاً، لتنصرف إلى تشكيل لجنة لإعادة النظر في قانون الأسرة. وتساءل أبو جرة سلطاني: «لماذا نتجاوز المشاكل العويصة ونهتم بموضوع إسقاط الولي في الزواج؟ المعركة في تقديرنا خرجت عن إطارها لتصل إلى محاولة التمكين لمشروع مجتمع هجين بعيد عن أصالة الأمة» . ٣ - وقال الشيخ عبد الله جاب الله رئيس (حركة الإصلاح الوطني) في ندوة صحفية نظمها بمقر حزبه: إن نص التعديل المعروض يعتبر تعدياً صارخاً على الدين الإسلامي وأحكام الشريعة المنصوص عليها صراحة في القرآن. وحمَّل الشيخ جاب الله الأحزاب السياسية والجمعيات التي ساندت الرئيس بوتفليقة في الحملة الانتخابية مسؤولية ما يجري في قانون الأسرة الذي: «يراد من خلال التعديل المقترح فصله تماماً عن الشريعة الإسلامية، وإفراغه من محتواه الديني والحضاري للمجتمع الجزائري» . ودعا الشيخ عبد الله جاب الله المجتمع الجزائري بكل مكوناته إلى معارضة مشروع القانون: «المستمد من مؤتمر بكين لسنة ١٩٩٥م والخاضع لتعليمات غربية، تريد فصل المجتمع الجزائري عن دينه وهويته بتواطؤ من أطراف في الجزائر، لها مصالح في تحقيق أهداف التعديل» . وأشار الشيخ إلى أن الصراع على قانون الأسرة ليس وليد الساعة، وإنما يعود إلى السبعينيات؛ حيث طرحت الفكرة أول مرة في الجامعات، وتصدت لها الصحوة الإسلامية بكل قوة، ثم عاد الصراع مع سن القانون الحالي في سنة ١٩٨٤م، وردت رابطة الدعوة الإسلامية ـ كان يرأسها الشيخ أحمد سحنون ﵀ على دعاة التغريب بمسيرة نسوية حاشدة شارك فيها مليون جزائرية. ٤ - الشيخ شمس الدين بوروبي رئيس (الجمعية الخيرية الإسلامية) المحظورة: «إن الجزائريين يعانون أزمات كثيرة هي أولى بعناية السلطة، مثل الفقر الذي طال ١٤ مليون جزائري، والعنوسة التي تشمل ١٠ ملايين امرأة، و١٠٠ ألف طفل يشكون سوء التغذية، فضلاً عن ظاهرة الانتحار» (١) . ٥ - وانتقد الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) بشدة في عدة مناسبات مشروع التعديل الذي جاء في وثيقة وزارة العدل التي اعتمدتها الحكومة بانتظار أن تعرضها على البرلمان في وقت لاحق. وقال شيبان: «إن موافقة ولي الأمر شرط من شروط صحة عقد الزواج في كل المذاهب، بما فيها الحنفي الذي يعطيه حق الاعتراض في حالة تزويج المرأة نفسها» . وحذر من عواقب المساس بقيم المجتمع ودينه. ٦ - وقال الأستاذ محمد الشيخ مدير (بوزارة الشؤون الدينية) : «نكاح المرأة بدون ولي باطل، باطل، باطل، استناداً للشريعة الإسلامية» . ٧ - وقال عبد العزيز بلخادم وزير (الشؤون الخارجية الجزائري) : «إن برنامج الرئيس بوتفليقة تم إعداده في مقر جبهة التحرير» ، في إشارة إلى أن حزب الأغلبية منسجم مع كل مشاريع الرئيس، بما فيها تعديل قانون الأسرة الذي أدرجه بوتفليقة ضمن أولوياته في الفترة الرئاسية الثانية. في حين قال عبد الحميد سي عفيف (أحد قياديي جبهة التحرير الوطني) المختلفين سياسياً مع عبد العزيز بلخادم: «إن وزير الخارجية فاجأنا في لقاء مغلق بمعارضته الشديدة لتعديل القانون على أساس أنه لا يمت بصلة لدين الجزائريين وتقاليدهم» . ٨ - من جهة أخرى دعت السيدة نعيمة صالحي رئيسة (الاتحاد الوطني للإطارات من أجل الجزائر) رئيس الوزراء أحمد أويحيى إلى: «التزام النزاهة في الدفاع عن قانون الأسرة، وعدم استعمال مركزه كرئيس للحكومة للضغط بهدف تمرير مشروع القانون المعدل» . ü التيار العلماني والمعارضة المستميتة: ٩ - وقد طالب عمارة بن يونس الأمين العام (للاتحاد من أجل الجمهورية والديمقراطية) (٢) في ندوة صحفية بحل الأحزاب الإسلامية؛ لأنها تمثل في نظره خطراً على التوجهات الديمقراطية والحداثية للبلد، بالإضافة إلى دعوتها للجهاد في مقابل المحاولات، التي تقودها قوى حية في البلد، من أجل تغيير قوانين الأسرة. ويطالب بن يونس بتكتل القوى الوطنية والديمقراطية للتصدي لمعارضي قانون الأسرة الجديد، قائلاً: «مهمتي هي مكافحة المشروع الأصولي وكل الأصوليين» داعياً الشيخ عبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح الوطني، وأبو جرة سلطاني زعيم حركة مجتمع السلم إلى مناقشة قانون الأسرة باعتبارهم قادة سياسيين لا بوصفهم رجال دين وأئمة ـ حسب قوله ـ. ١٠ - ساند هذه الاقتراحات حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه رئيس الحكومة أحمد أويحيى؛ حيث أضاف زميله في الحزب الوزير عبد القادر امساهل (وزير منتدب لدى وزير الخارجية المكلف بالعلاقات الإفريقية) مطالبته بإقرار التعديلات في كل لقاءاته مع الصحافة. ١١ - ينادي الهاشمي شريف زعيم (التيار اليساري المتطرف) بإلغاء قانون الأسرة نهائياً واستبداله بالقانون المدني، مع وضع تشريعات ردعية لقمع كل من يخالف القوانين المدنية والدستورية وخاصة في نواحي التعدد والميراث. ١٢ - سعيدة بن حبيلس رئيسة (جمعية الحركة النسوية للتضامن مع المرأة الريفية) ووزيرة سابقة (٣) قالت: «كنا سباقين بتقديم مشروع لتعديل قانون الأسرة، وقد اشتركت بإعداده عدة جمعيات نسائية من مختلف التيارات السياسية، واتفقنا على إعادة النظر في المواد المتناقضة مع الدستور الجزائري الذي منح المرأة كافة الحقوق، كما أن تلك المواد المطلوب تعديلها تتناقض مع أحكام الشريعة الإسلامية» . ١٣ - أشادت نوارة جعفر (وزيرة شؤون الأسرة - تنتمي لحزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه أحمد أويحيى رئيس الحكومة) بقرار وزارة العدل، وقالت: «إنه جاء في وقته، شريطة الإسراع بالبت في بعض المواد، لتحقيق التوازن داخل الأسرة الجزائرية، خاصة أن بعض هذه المواد لها انعكاسات سلبية على الأسرة» . وأشارت الوزيرة ـ في تصريح للإذاعة الجزائرية ـ إلى موضوعات على قدر من الأهمية في النسيج الاجتماعي، مثل: حقوق الطفل، السكن الزوجي للمطلقة وحضانة أبنائها فيه. ١٤ - أوريدة شواقي رئيسة (جمعية ثروة فاطمة نسومر) ومنسقة الحملة داخل الجزائر من أجل إلغاء قانون الأسرة تصرح: بأنها شخصيّاً ترى ضرورة الفصل بين الدولة والدين، وإلغاء القانون الإسلامي للأسرة. ١٥ - اعتبرت عقيلة وارد رئيسة (جمعية الدفاع عن حقوق المرأة) أن: «التعديلات التي اقترحتها اللجنة الوطنية لتعديل قانون الأسرة هي إهانة حقيقية للمرأة، بالرغم من أن المرأة قدمت الكثير للجزائر خاصة في السنوات الأخيرة للإرهاب، ولهذا كنا نتوقع أن تأتي هذه الاقتراحات لترفع الغبن عن المرأة، ولكننا تأكدنا اليوم أن الأمر يتطلب ضرورة إلغاء هذا القانون وبصفة نهائية» . ١٦ - رحبت بختي عائشة رئيسة (جمعية التضامن مع النساء) بشدة بالاقتراحات التي تقدمت بها اللجنة، ولكنها قللت من شأنها كونها كما قالت: «هذه التعديلات لا تستجيب لطموحاتنا ولا تحقق المطالب التي ننادي بها» . وحسب الناشطة في مجموعة جمعيات ٢٠ سنة بركات (أي كفى) فإن «قانون الأسرة يعتبر أكبر إهانة للمرأة الجزائرية؛ لأنه يحرمها من كل حقوقها، ويعاملها بطريقة تجعلها معرضة للتشرد والضياع» . ١٧ - أما مريم بلعي رئيسة (مساعدة المرأة) وإن قالت بأنها لم تطَّلع على اقتراحات اللجنة إلا أنها أكدت: «مهما تكن هذه الاقتراحات؛ فنحن نعلم أنه لن تكون في مستوى طموحاتنا، ولن تضمن حقوق المرأة، وقد عبرنا عن مواقفنا من هذا الموضوع من قبل، ولن نقبل إلا بالإلغاء الكلي لهذا القانون؛ لأن ذلك هو الطريقة الوحيدة لرفع الظلم والغبن عن المرأة التي يسلطها قانون الأسرة» . وبناء على طلب علماء الجزائر صدرت فتوى سورية بعدم جواز زواج البكر دون إذن والدها: فقد قدم المجمع الفقهي للشيخ أحمد كفتارو (مفتي الجمهورية السابق بسوريا ﵀ فتوى بشأن قانون الأسرة الجزائري الجديد أفتى فيها بعدم جواز زواج الفتاة البكر ـ التي لم يسبق لها الزواج ـ بغير إذن وليها. جاءت هذه الفتوى بناء على طلب من الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من المجمع الفقهي للشيخ كفتارو بإصدار فتوى حول إلغاء شرط الولي في عقد الزواج الذي تضمنه قانون الأسرة الجزائري الجديد والذى يثير جدلاً كبيراً فى أوساط الجزائريين. وأوضحت الفتوى أن جمهور العلماء أكدوا على وجوب موافقة الولي في زواج البكر، وعن رأي «الأحناف» في زواج البنت دون وليها.. أوضحت الفتوى أن المذهب الحنفي ـ الذي اعتمدته لجنة صياغة قانون الأسرة الجزائري ـ يؤكد أن المرأة إذا تولت تزويج نفسها بنفسها، ولم يتم ذلك بناء على إجازة وليها؛ فهي مطالبة بأن يكون الزوج الذي اختارته شريكاً لحياتها كفؤًا لها؛ أي أن يكون في مقامها ومركزها الاجتماعي باعتبارها أحد أفراد الأسرة وأنها بتزويج نفسها ستحمل أسرتها تبعات قرارها. كما أكدت الفتوى السورية أن الأحناف لم يتوقفوا عند إباحة زواج البكر بغير إذن وليها، بل وضعوا لذلك شروطاً أخرى.. كما جعلوا أن من حق الولي في إلغاء عقد الزواج يبقى قائماً في حال ثبوت عدم توفر الشروط التي حددها الحنفيون (١) . أخيراً: إن ما يحدث الآن هو التلاعب بأسس ومقومات الأسرة الجزائرية وتقاليدها الضاربة في التاريخ، وطرح قواعد جديدة للأسرة الحديثة التي يرجى تأسيسها على غفلة من الناس، مستلهمة من الرؤية الغربية للعلاقات القائمة بين الأفراد، ذكوراً وإناثاً، إلى حد محاولة فرض أيديولوجية نسوية جديدة لها انتشارها وذيوعها كما كان الحال في السابق بالنسبة للاشتراكية والشيوعية والليبرالية والقومية، وتكون هذه الأيديولوجية عابرة للقارات لا حدود لها؛ بحيث تكون المساواة بين الذكر والأنثى هي محورها وقلبها النابض. إنها الحرب الجديدة، ولا شيء سوى كونها حرباً حقيقية تحتاج إلى وعي وجهاد لمدافعتها ورد خطرها عن مجتمعنا الجزائري المسلم؛ فهو آخر خطوط دفاعنا عن حصوننا المتبقية، وقبل أن يحل الندم والحسرة متأخراً.

стр. 5197

مرصد الأحداث أحمد فهمي أقوال غير عابرة - «هناك على الأقل ٤٠ ألف مقاتل شغلهم الشاغل مهاجمة الجنود الأمريكيين والعراقيين، بالإضافة إلى عدد هائل ممن يقاتل بين الفينة والأخرى، ومن يتطوع لجلب الدعم اللوجستيكي والمعلومات والمقام والمال» . اللواء (محمد عبد الله الشهواني) مدير المخابرات العراقية. [البي بي سي ٤/١/٢٠٠٥م] - «مصر تتعرض لغزو ثقافي من ثلاث جهات: الغزو الغربي الذي يعمل على تخريب العقول وإخضاعها، والغزو الخليجي الذي عمل على تخريب الحياة الفنية في مصر، وغزو جهات متخلفة تسعى إلى العودة للوراء مثلما سمعناه أن كلية الطب تسعى لوضع شريط أزرق يفصل بين الطلبة والطالبات في المحاضرات» . (صلاح منتصر) صحفي مصري معروف. [ميدل إيست أون لاين ١٦/١٢/٢٠٠٤م] - «اليوم عرفنا بوابة الفرج للصوص من عناصر الحكومة العراقية الحالية؛ فمن الآن وصاعداً كل السرقات الضخمة سيتم تسجيلها تحت باب: خسائر من جراء الأعمال التخريبية» . الكاتب العراقي خضير طاهر يعلق على خبر الإعلان عن خسائر نفطية مقدارها ٨ مليارات دولار بسبب الإرهاب. [موقع الاتجاه الآخر، ١٢/٢٠٠٤م] - «عندما يخرج الإسرائيليون من مصر وقطر سنخرجهم من العراق» . وزير الخارجية في حكومة إياد علاوي (هوشيار زيباري) يرد بانفعال على تساؤلات حول الوجود الإسرائيلي في العراق. [البيان ١٥/١٢/٢٠٠٤م] - «إعلان البيت الأبيض في الشهر الماضي إغلاق ملف البحث عن الأسلحة العراقية وضع نهاية لأفدح حالة من الخداع الدولي في العصور الحديثة» . (سكوت ريتر) أحد كبار المفتشين السابقين عن أسلحة الدمار الشامل في العراق. [البي بي سي ٢٧/١/٢٠٠٥م] - «قادة الجيش يحشوننا بمعلومات تُثقفنا بكراهية عدونا ـ العراقي ـ لنقتله» . الجندي البريطاني (جورج سولومو) يعلق على فضيحة كشف صور تعذيب لعراقيين بأيدي زملائه. [الحياة ٢٠/١/٢٠٠٥م] - «بابا نويل القادم بثياب بيضاء أو حمراء إرضاء لشركة كوكا كولا، ليس سوى إله طقس إسكندينافي قديم، ولهذا السبب يعيش في القطب الشمالي.. إنها بقايا أسطورة وثنية» . رئيس الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية البطريرك كريستودولوس. [العرب اليوم، ١٢/٢٠٠٤م]

стр. 5198

الخطاب الأدبي في القرآن الكريم والسؤال الغائب عباس المناصرة جاءت معجزة الإسلام (القرآن الكريم) تتحدى العقل البشري بالإعجاز: العلمي والثقافي واللغوي والفكري والتشريعي والمنهجي، وكل أنواع الإعجاز للعقل البشري في أقصى درجات رقيه المفتوح إلى يوم الدين. قال ـ تعالى ـ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . ولكن هذا الإعجاز بمختلف أنواعه وفروعه ورد بصورة واحدة من أساليب الخطاب هي صورة الخطاب الأدبي. وهنا تقفز إلى الذهن مجموعة من التساؤلات المتصلة بهذا الخطاب. فمن هذه الأسئلة التي تدور في الذهن مثلاً: ما الحكمة من مجيء القرآن في خطابه للعرب وللبشرية بجميع أجيالها وبيئاتها معتمداً الخطاب الأدبي أسلوباً؟ ولماذا لم يأت الخطاب الرباني للبشرية بأساليب أخرى من الخطاب: كالخطاب العلمي أو الخطاب الفلسفي أو الجدلي أو خطاب الحقائق والأرقام؟ وبصياغة أخرى: لماذا اختار الله أن تكون رسالته الخاتمة لخاتم الأنبياء ﷺ في تبليغ البشرية كافة على صورة الخطاب الأدبي في أعلى مراتب البيان وأرقى أساليب الإعجاز؟ هل هو التحدي والإعجاز للعرب البلغاء الذين خوطبوا به في زمانهم؟ مع العلم أن المعجزة قائمة ودائمة، لا تخص العرب أو البشرية في جيل محدد، ولأن الخطاب القرآني دائم للبشر في جميع الأجيال، والإعجاز دائمٌ ومستمر إلى يوم الدين. لا بد أن هناك حِكَماً أخرى غير تحدي العرب البلغاء في ذلك الزمان، وأن تحدي أولئك العرب هو جزء من ذلك الإعجاز. ولكن إعجاز القرآن أكبر من ذلك؛ لأنه إعجاز ممتد في تحدي البشرية إلى نهاية أجيالها على وجه الأرض. الآن وفي هذا العصر بالذات أصبح بإمكاننا أن نتعرف على حِكَمٍ أخرى مكنونة وراء هذا الاختيار الرباني لذلك الخطاب الأدبي، وخاصة بعد أن ارتقت الأمم بفنونها الأدبية، وتعمقت في تحليل هذا الخطاب، وأدركت عظمته وخطره على أذواق الأمة، والرقي بها نحو أهدافها المنشودة، وسوف يتأكد لنا ذلك أكثر عندما نتعرف على السمات التالية التي يمتاز بها الخطاب الأدبي على غيره من أنواع الخطاب: ١ ـ قدرة الخطاب الأدبي على التأثير في أذواق المخاطبين، والرقي بها نحو الأهداف المرغوبة. ٢ ـ هو أقرب أنواع الخطاب للتربية وتعديل السلوك وتعليم الناس؛ حيث إنه يرقى بالتفكير والقلب والسلوك من خلال أساليبه المختلفة؛ كالأساليب النوعية (القصة، والحوار، والشعر، والخطابة، والمثل..) أو الأساليب البيانية (كالتشبيه، والاستعارة، والمجاز، والمشهد، والرمز ... ) أو الأساليب التي تخص علم المعنى (كالدعاء، والاستفهام، والتسوية، والنداء، والتمني، والمقارنة، والأمر، والنهي..) أو الأساليب البديعية (المحسنات، المطابقة، المقابلة، التورية، المبالغة ... ) وهي أساليب تنبه الحس الجمالي والمتعة في النفوس، وتحمل الفائدة المرجوة في ثنايا الخطاب الممتع، فتوصلها بطريقة محببة بعيداً عن أساليب الجدل الجاف الذي لا تصبر له النفوس، ولا ترغب فيه. ٣ ـ الخطاب الأدبي لا يؤثر عليه تقلب الزمان ولا تغير المكان؛ ولذلك هو أدوم تأثيراً وخلوداً من أساليب (العلم، الجدل، الخبر) المتقلبة لتطورها وتغيرها المستمر وجفافها؛ فربما تقرأ الخبر لمرة واحدة، ولا ترغب في العودة إليه، بينما يبقى الخطاب الأدبي متميزاً بالجمال والمتعة والحيوية والفائدة، وكذلك بالبقاء والثبات والخلود، ولا يؤثر على قيمته أو دلالته أو جاذبيته تقادم الزمان والمكان وتقلب الأجيال؛ لأنه لا يؤدي إلى الملل الذي تقع فيه الأساليب الأخرى؛ فالنفس لا تملّ من تكرار السماع له مرات ومرات؛ لأنه معجون بالجمال الجذاب للنفوس. ٤ ـ يمتاز الخطاب الأدبي بقدرته على إيصال محتواه إلى طبقات المجتمع على اختلاف شرائحها؛ ليُسْر أداته (اللغة) التي يملكها الغني والفقير والمقيم والمرتحل والبدوي والمتحضر والجاهل والحكيم؛ فهو لا يكلفهم جهداً ولا مالاً، وإذا احتاج إلى شيء من ذلك فقد يحتاج إلى اليسير. ٥ ـ وأخيراً، أليس في اختيار الله للخطاب الأدبي تعليم للبشر، وشهادة منه على أنه أفضل أساليبهم لخطابهم والتأثير فيهم؛ مما يدلل على أهميته وعظمته وفضله وخطره؟ وهنا نسأل أنفسنا: لماذا أهملت الأمة بحث قضايا الأدب في منجزها الفقهي الضخم، ولم تفرد له أبواباً خاصة كما فعلت لغيره؛ مع أن الله خاطبها بأدواته وأساليبه؟ في ظني أن سبب ذلك الإهمال يرجع إلى غياب السؤال عن حكمة الخطاب الأدبي في القرآن الكريم عند فقهائنا؛ مما أدى إلى إهمال قضية الأدب في فقههم؛ فأوجد ذلك فراغاً فقهياً استغله تلاميذ الفلسفة اليونانية في العصر العباسي، وعندها قاموا بتعبئة هذا الفراغ؛ وذلك بترجمة نظريات الشعر عند أفلاطون وأرسطو وهوراس؛ مما أوجد نقداً عربياً على قواعد الذوق الإغريقي، ينحرف بذوق الأمة عن الاستقلال والتميز؛ فكان هذا السبب في إجهاض الميلاد الحقيقي لنقد عربي إسلامي يخرج من مرجعية الأمة ومن إنتاجها الإبداعي. أليس في طرح هذا السؤال الغائب إثارة جديدة في موضوع مهم ينبه دعاة الأدب الإسلامي إلى أهمية دراسة الخطاب الأدبي في القرآن الكريم من جديد؛ لأنهم سوف يجدون فيه خيراً كثيراً لنظرية الأدب الإسلامي، بدلاً من تسكعهم على أبواب النظريات الأدبية العلمانية التي لم تفدهم شيئاً سوى الحيرة والشتات؟ وأظن القرآن الكريم يكفي ويكفي ويكفي، حتى يجدوا ضالتهم فيه؛ فالله يقول: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ليعلموا أن كتاب الله ما فرط في حاجة نحتاجها في دنيانا، ومنها حاجتنا إلى نظرية الأدب، وسوف يجدون التفاصيل في أحاديث الرسول ﷺ وفي أدب الصحابة والنتاج الإبداعي للأمة، شريطة أن تصل العقول بمرجعيتها وهي واثقة بها، وتبذل الجهود الكافية لذلك. ولا يسعني في هذا المجال إلا أن أذكر بجهد رائد قدمه لنا الناقد الإسلامي الكبير محمد الحسناوي في كتابه الرائع: (الفاصلة في القرآن) ؛ حيث كشف أموراً كثيرةً تخص تطور الشعر والنثر، وكيف تغلغل التأثير القرآني في أساليب الأدباء، كما أنه ناقش فرضيات كثيرة حول تطور الشعر الحديث والموشحات، وربط ذلك بتأثير لغة النبأ العظيم عليها؛ ولذلك نحن بحاجة إلى استمرار جهد الحسناوي وجهد غيره في هذا المجال لاستخراج نظريتنا الأدبية من داخل مرجعيتنا وذاتنا الحضارية المستقلة عن حضارة العقل الشرقي (الصوفي) والعقل الغربي (الفلسفي) .

стр. 5199

إليك يا بغداد محمد العثمان بغداد يا أنشودة ترتِّلُ الدمارْ بغداد يا بحبوحة تفيء بالحصار سينجلي الغبارُ.. سينجلي الغبارْ يا دوحة غنّاءة تفيض بالأسى سينجلي الغبار.. سينجلي الغبار يا نجعة فينانة تضوع بالنجيع يا مشعلاً قد صارع السواد والهجوع سينجلي الغبار.. سينجلي الغبار يا منبعاً يجود بالكرائم الزكية يا دوحة تفوح بالنسائم الشذية سينجلي الغبار.. سينجلي الغبار لا تيأسي فعن قريب يبزغ الصباح والديك سوف يتقن الغناء بالصياح سينجلي الغبار.. سينجلي الغبار يا (حاتماً) قد أكرمتْ براثن العلوج بفعلها (الأنفال) واستبشارها (البروج) سينجلي الغبار.. سينجلي الغبار يا قامة شمّاخة ترنو إلى العلوّ يا همة وثّابة تسير في زهوّ سينجلي الغبار.. سينجلي الغبار

стр. 5200

القرآن الكريم وسنن الله في التاريخ أ. د. عماد الدين خليل تلقى النص القرآني عبر العصور الكثير الكثير من المعالجات والدراسات سواء في العقيدة أو التشريع أو آداب السلوك، أو النحو واللغة والبلاغة؛ بينما ظلت حلقة مهمة لم تُعط العناية الكافية رغم أن القرآن الكريم منحها مساحة واسعة جداً تلك هي حلقة الفقه الحضاري التي تُعنى بمتابعة قوانين الحركة التاريخية، أو سنن الله العاملة في التاريخ. كان هناك نوع من عدم التوازن في التعامل مع النص القرآني؛ حيث تركت هذه الحلقة إلى فترات متأخرة نسبياً عندما جاء ابن خلدون في القرن الثامن الهجري لكي يضع يديه في (المقدمة) على شبكة من قوانين الحركة التاريخية التي تشكل المجتمعات وتنشئ الدول والحضارات أو تقودها إلي التفكك والزوال، لكن ابن خلدون على تألقه وتفرده وقدرته على الاكتشاف وريادته في مجال علم الاجتماع، وتفسير التاريخ أو فلسفته، فيما يعترف به الغربيون قبل الشرقيين لم يشر ـ ولا يدري المرء لماذا ـ إلى أن القرآن الكريم سبقه في التأكيد على هذه المسألة وإعطائها مساحات واسعة في سوره وآياته البينات. بوابات الخطاب الدعوي: مهما يكن من أمر فإن الخطاب الدعوي في القرآن الكريم يتحرك عبر ثلاث قنوات أو بوابات كبرى: أولها التاريخ؛ أي الزمن، وثانيتها العالم والطبيعة والكون: أي المكان، وثالثتها اليوم الآخر: أي المصير. وسنقف قليلاً عبر هذه المحاضرة الموجزة عند البوابة الأولى؛ حيث نجد النص القرآني يمنح أكثر من نصف مساحته للتاريخ وسننه وقوانينه، وهو يقودنا من وراء الأحداث والوقائع والتفاصيل إلى المغزى أو القانون الذي يتشكل الحدث بموجبه، وتنسج حيثياته لحظة بلحظة ودقيقة بدقيقة. يكفي أن نتذكر الآية الأخيرة في سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] ، لكي نعرف الأهمية الكبيرة التي أولاها القرآن الكريم للتاريخ وسننه للوقائع التاريخية ولما وراءها من قوانين تحركها وتسوقها إلى مصائرها. ورغم أن القرآن الكريم أعطى هذه الأهمية للتاريخ وسننه إلا أنه لم يشأ أن يجعل الأجيال المتعاقبة على مر الزمن أسيرة للتاريخ، مشدودة الأعناق إلى الماضي، تنوء بوقره الثقيل. إن هذا الكتاب لا تنقضي عجائبه؛ فهو يضعنا عبر ما يزيد عن نصف مساحته من خلال قصص الأنبياء ﵈ وحركة الصراع الأبدي بين التوحيد والشرك، وهو يحررنا ـ في الوقت نفسه من التاريخ فيما نجده في آيتين متقاربتين من سورة البقرة تصاغان بالمفردات نفسها: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] ؛ وذلك من أجل أن يضعنا في قلب العصر قبالة تحديات الواقع ومطالب المستقبل وضروراته. وبقدر ما يتعلق الأمر بمتابعة الظاهرة التاريخية في النص القرآني؛ فإنها بحاجة إلى المزيد من التحليل والدراسة بسبب من ارتباطها الوثيق بصراع الأمم والشعوب، والتحديات التي تجابه الأمة الإسلامية عبر اللحظات الراهنة، وإمكانات الانبعاث والنهوض مرة أخرى. إن القرآن الكريم يقدم عبر تجواله في التاريخ جملة من الإشارات الضوئية التي تعين الأمة على وضع خطواتها على الطريق الصحيح، وتمنحها الأمل فيما سيتشكل من مصائر ومقدرات على مستوى العالم، وتخرجها من دائرة السوء والانكسار التي قادتها إليها معطيات القرون الأخيرة. إن الذي تعانيه الأمة ليس هو قدرها النهائي ولا نهاية المطاف: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] ، ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٠] . إن القرآن الكريم يربط دائماً الأسباب بمسبباتها والنتائج بمقدماتها، ولا بد إذن ـ في المنطوق القرآني ـ من الأخذ بالأسباب، هذا هو المفتاح الأساس، ونحن لا نستطيع أن نجد آية واحدة تعدنا بالنهوض كرَّة أخرى إلا وهي مشروطة بالعمل والفاعلية والأخذ بالأسباب، وبدون ذلك لن يكون بمقدور الإيمان، أو العبادة المنفصلة عن العمل في واقع الحياة أن تؤدي دورها في إعادة الأمة إلى التاريخ مرة أخرى، بعد أن خرجت من التاريخ وإلى أن تبدأ خطواتها في إعادة نسج حضارتها الإسلامية الواعدة بعد أن تفككت وفقدت قدرتها على الفعل والإنجاز. إن بحثاً كهذا لا يسمح بالخوض في قوانين الحركة التاريخية التي عُني بها فلاسفة التاريخ، وبخاصة في القرون الثلاثة الأخيرة بدءاً من (أوغست كومت) ومروراً بـ (هيغل وماركس وإنغلز وكروتشه واشبنغلر) ووصولاً إلى (أرنولد توينبي) . ولحسن الحظ فإن ربع القرن الأخير شهد على مستوى دور النشر والدوائر الأكاديمية عدداً طيباً من الأعمال المعنية بدراسة هذا الجانب المهم من النص القرآني، ولا أكون مبالغاً إن قلت بأن ما يزيد عن عشر رسائل للماجستير والدكتوراه أنجزت عن سنن الله العاملة في التاريخ في الجامعات العربية والإسلامية المختلفة، والمستقبل القريب يعد بالمزيد لملء هذا الفراغ الملحّ الذي يُعدّ ضرورة من الضروريات على المستويين الدراسي والواقعي. سأنتقل من التعميمات أو المداخل العامة إلى اختبار عينة محددة، أو تأشيرة قرآنية واحدة تعطينا مثلاً فحسب عما ينطوي عليه القرآن الكريم بخصوص قوانين الحركة التاريخية تلك الآية التي تقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١] . إننا في العصر الراهن الذي منيت فيه الأمة بالهزائم والانكسارات بأمسِّ الحاجة إلى أن نقف طويلاً عند هذه الآية، لكي تمنحنا الأمل بالمصير من جهة وتبين لنا ـ من جهة أخرى ـ أن التاريخ لن يكون في يوم من الأيام ملكاً لقوة في الأرض، وأنه يقدم لنا معطيات معاكسة تماماً لما ادعته الماركسية ـ يوماً ـ بخصوص فكرة نهاية التاريخ حيث تتوقف حركته عند مرحلة حكم البروليتاريا (أي الطبقة العاملة) ، وتتراجع إلى الأبد معطيات الصراع الطبقي وإفرازاته كالعائلة والدين والوطنية والقيم الأخلاقية في ضوء ما سماه (ماركس، وانغلز) ـ في بيانهما الشيوعي بالقوانين العلمية لحركة التاريخ؛ حيث يبلغ التاريخ محطته الأخيرة فلا ظالم ولا مظلوم. ما لبثت هذه النظرية التي تتناقض مع قوانين الحركة التاريخية أن انهارت، وانهارت معها المؤسسة الكبرى للاتحاد السوفييتي بعد أن تبين عجزها عن الاستمرار. الآن، هناك ادعاء مشابه لدى المنظِّرين في الساحة الغربية الرأسمالية يوازي هذا الذي قالت به الماركسية، ولكنه يخالفه بزاوية مقدارها مائة وثمانون درجة، وسيؤول بالتأكيد إلى المصير نفسه الذي آلت إليه الماركسية تنظيراً وتطبيقاً، وهو ما يسمى بنظرية (نهاية التاريخ) التي كان المفكر الأمريكي (فرنسيس فوكوياما) قد نسج حيثياتها في ثمانينيات القرن الماضي، وقدمها في كتابه المعروف الذي يحمل الاسم نفسه، ثم ما لبث أن عاد في أواخر التسعينيات لكي يجري عليها بعض التعديلات بما يجعلها أكثر قبولاً وتوافقاً مع المعطيات والخصوصيات التاريخية للأمم والشعوب، وتلك هي إحدى إشكاليات العقل الغربي الوضعي التي تنطوي على ما يستحق التقدير والرفض في الوقت نفسه، التقدير للجرأة التي يملكها الغربيون في نقد وتعديل أنساقهم الفكرية لحظة يتبين وجود خطأ ما في جانب من جوانبها، وقد يقودهم هذا ـ كما حدث في كثير من الأحيان ـ إلى رفض النسق الفكري بكليته والانقلاب عليه والبحث عن بدائل أكثر إحكاماً. وأما ما يستحق الرفض والنقد في ممارسات العقل الغربي فهو ذلك التقليد الفكري الخاطئ الذي يجعل أي مفكر في الساحة الغربية، عندما يكتشف حقيقة أو معلومة ما تحمل أهمية معرفية؛ فإنه يحاول أن يمطها بأكثر مما تطيق من أجل أن يحولها إلى نظرية أو عقيدة تتحكم بالحقائق الكبرى وتصادر العقل البشري، وتحاول أن ترغمه على الدخول من عنق زجاجتها الضيق؛ فما تلبث أن تقع في الخطأ، وتدفع المستعبدين بحكم قوانين رد الفعل إلى التمرد عليها وإسقاطها من الحساب. لقد حاول ماركس وإنغلز ـ على سبيل المثال ـ أن يحكِّما كشفهما بخصوص الصراع الطبقي والتبدل في وسائل الإنتاج، بمجرى التاريخ البشري ومعطياته كافة بما في ذلك الظاهرة الدينية. (سيغموند فرويد) فعل الشيء نفسه إزاء كشوفه في مجال النفس والضغوط الجنسية، و (دركايم) مع نظريته في العقل الجمعي، و (جان بول سارتر) مع وجوديته، بل ما حدث ويحدث عبر العقود الأخيرة بخصوص تيارات الحداثة: البنيوية والتفكيكية وما بعدهما ... إلى آخره. يريد فوكوياما أن يقول بأن تاريخ البشرية ألقى قياده أو انتهى ـ بعبارة أدق ـ بالخبرة الليبرالية الرأسمالية التي تتزعمها ـ في اللحظات الراهنة ـ الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه ليس ثمة متغيرات تاريخية بعد هذا، لقد ألقى التاريخ عصا تسياره عند الحالة الليبرالية التي هي في زعمه أعلى صيغ الخبرة البشرية وأكثرها انطباقاً مع مطالب الأمم والشعوب، تماماً كما ادعت الماركسية على الطرف الآخر. وفي الحالتين فإننا نجد أنفسنا إزاء معطيات مناقضة لقوانين الحركة التاريخية التي أريد لها أن تمضي في تمخضها الدائم فلا تقف أو تسكن عند هذه المرحلة أو تلك، إننا نرجع مرة أخرى إلى القرآن الكريم لكي نجد أنفسنا إزاء هذه الرؤية الواقعية المحكمة لمجرى التاريخ البشري: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] ، أي أنه ـ سبحانه ـ خلقهم للتدافع والتغاير والاختلاف. وفي آية أخرى نقرأ: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] . ها هو ذا صنم جديد يبرز في الساحة الغربية باسم نظرية (نهاية التاريخ) يستعبد عقول أجيال من المعجبين في الغرب والشرق معتقدين أنها الإنجيل الذي يجب أن يتبع، وأن أي شعب من شعوب العالم في جانبيه الغني والفقير ما لم يحذُ حذو الخبرة الليبرالية الأمريكية بديمقراطيتها المدعاة، وبرغبتها في التنامي بالأشياء والتكاثر بالأموال والمتاع، والتنمية الاقتصادية التي تمضي إلى غاياتها بعيداً عن منظومة القيم الدينية والخلقية والإنسانية فلن يكون له مكان في العالم وفي التاريخ. ومرة أخرى فإن هذا الادعاء يذكرنا بادعاءات الماركسية التي انسحبت في نهاية الأمر من التاريخ، بينما ظلت الحركة التاريخية على دفقها وتزاحمها وتمخضها الدائم. ومرة أخرى ـ أيضاً ـ نرجع إلى كتاب الله، لكي نرى أنفسنا إزاء مفهوم (المداولة) الدائم الذي لا يسكن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . إنه الدولاب التاريخي الذي يظل يدور، يرفع قوماً ويضع آخرين، ولن تظل أمة أو دولة أو حضارة على حالها؛ إنها جميعاً تخضع للحركة ذاتها: الميلاد والنمو والشيخوخة والذبول. ليس ثمة نهاية للتاريخ في المنظور القرآني على الإطلاق، إنما هي الحركة الدائمة؛ لأن الله ـ سبحانه ـ أرادها منذ البدء أن تكون تدافعاً وتغايراً واختلافاً، وهذا هو الذي يحرك التاريخ ويعطيه طعمه وملحه، ويمكّنه من الانتقال من حالة إلى حالة أخرى، وإلا فهي المياه الراكدة التي تأسن، وتفقد القدرة على الاحتفاظ بصفائها ونقائها، والآن: ما الذي تريد الآية القرآنية أن تقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] ؟ إن الدلالات القرآنية يأخذ بعضها برقاب بعض، ولا يمكن لأية كلمة إلا أن تصب في البؤرة الأساسية للمنظور. ها هنا نلحظ ـ أولاً ـ حركة التاريخ، وتآكل الدول والإمبراطوريات والحضارات التي تفقد شروط الديمومة والبقاء. لا بد أن تتآكل؛ شاءت أم أبت، وفكرة أن العالم يمكن أن تحكمه قطبية واحدة لمديات زمنية متطاولة مسألة مرفوضة في المنظورين القرآني والتاريخي على السواء. إن الذي يشهده الميدان في الواقع، وليس في النظريات والأحلام، هو تآكل الأمم والجماعات والدول والإمبراطوريات والحضارات ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] ؟ بعد أن كانت إرادة الله ـ سبحانه ـ ومن خلال قوانين الحركة التاريخية قد مدتها وفتحتها وأعطتها فرصتها التاريخية حضارياً، أو سياسياً، أو اجتماعياً. ما من أمة تملك شروط التفوق أو جانباً منها، وتأخذ بأسبابها بالجد المطلوب ـ مؤمنة كانت أم كافرة ـ إلا ومنطق العدل الإلهي يمنحها الفرصة لأن تصعد إلى فوق: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] ، والذي يطمح للصعود للتمتع بالمنحة الإلهية المفتوحة عليه أن يعمل عقله وحواسه في كتلة العالم وأسرارها، فإذا أضفنا إلى هذا البعد (الإيماني) كأمة مسلمة ورثت مقدرات الأديان والنبوات قدمنا للعالم حضارة ليست كالحضارات، وحياة آمنة مطمئنة متوحدة سعيدة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، ولكن ـ وفي مقابل هذا ـ فإننا حيثما آثرنا الانسحاب من التعامل مع كتلة العالم ونواميسه ولم ننتبه إلى الخطاب القرآني كان (للآخر) أن يتفوق علينا، من خلال قدرته المتفوقة على الإمساك بتلابيب العالم الذي سخره الله ـ سبحانه ـ للبشرية كافة. إنه ـ إذن ـ التآكل المحتوم للقوى السياسية والعسكرية والاجتماعية والحضارية التي تتعاقب على مسرح التاريخ: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ إنه التأكيد على الإتيان الإلهي الذي لا راد لكلماته، هذا الإتيان الذي يجيء من خلال القوانين العاملة في التاريخ، والتي تقرض الأمم والدول والحضارات، فتتآكل يوماً بعد يوم، وسنة بعد أخرى وعقداً بعد عقد وقرناً بعد قرن. إن هذا يذكرنا ـ على سبيل المثال ـ بتلك الشبكة الكثيفة من عوامل التدهور والانحلال والفناء التي تحدث عنها المؤرخ المعروف (جيبون) في (تدهور وسقوط الإمبراطورية الرومانية) ، واحدة من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ البشري. إن هذا المؤرخ يمارس تغطية مدهشة عبر متابعته المتأنية الصبورة لقرون من الزمن تنخر فيها بجلاء وخفاء عناصر التآكل والدمار التي أتت في نهاية الأمر على هذه الإمبراطورية التي كانت يوماً تحكم العالم. ولسوف نؤشر بعد لحظات على تجارب كبيرة أخرى أعمل فيها قدر الله فأتى على بنيانها من القواعد ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] ؛ فالذي يحكم هذا العالم بدوله وإمبراطورياته وقطبياته وحضاراته، ويقودها عبر رحلة الصعود والتنامي، ثم في حركة الانكماش والسقوط إنما هو الله ـ سبحانه ـ وليس (بوش) أو (بريجينيف) أو (ماوتسي تونغ) أو (هتلر) أو (موسوليني) .. الله ﷻ هو الذي يحكم هذا العالم، وحكم الله ـ سبحانه ـ لا استنئناف فيه ولا مراجعات في دوائر القضاء العليا: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١] . هنا تأتي الدلالة الزمنية في المنظور القرآني لكي تتعامل مع الواقع التاريخي؛ فمهما طال المدى بالنسبة للدول الكبرى التي أخذت نصيبها في قيادة العالم لا بد أن ينتهي بها الأمر إلى التدهور والتآكل والسقوط، شاءت أم أبت، ورغم كل المسوغات التي ادعت يوماً على الساحة الماركسية الشرقية، ويوماً آخر على الساحة الأمريكية الغربية، قدرة هذه التجارب على أن تبقى إلى الأبد، وأن تكون نهاية التاريخ. الذي يحكم هو الله ـ سبحانه ـ وهو ـ على قدرته المطلقة ـ سريع الحساب. نحن ـ في المنظور الزمني الأرضي المحدود ـ لا يتجاوز عمرنا الحضاري أربعة أو خمسة آلاف سنة، وهي مجرد أيام قلائل وربما لحظات في المنظور الفوقي لحركة التاريخ: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] ، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ، أي ثمانية عشر مليوناً ومائتين وخمسين ألف يوم أرضي؛ فماذا تساوي هذه الإمبراطورية التي عاشت قرنين أو خمسة قرون، أو حتى ألفين من السنين في المنظور الإلهي؟! ومن ثم يعقب القرآن الكريم على الآية المذكورة مخاطباً رسول الله ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً * إنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٥ - ٧] . كل الدول الكبرى والإمبراطوريات التي امتدت في الزمن والمكان أتى عليها المقص الإلهي فتآكلت وآلت إلى الفناء. ونحن في لحظات اليأس والعتمة والانكسار والخروج من التاريخ وتيه الأربعمائة سنة بعيداً عن مواقعنا المتقدمة التي أرادها لنا الله ورسوله ﷺ ، نحن في هذه اللحظات نتصور أن القوة التي تحكم العالم اليوم وتسوده لن تنكسر أبداً. في المنظور القرآني ستنكسر، شاءت أم أبت، ولسوف تخرج من التاريخ، والقضية قضية وقت، بدليل أننا على مدى خمس وسبعين سنة فحسب ـ ولا أقول قرناً بكامله ـ شهدنا مصرع العديد من الإمبراطوريات العتيقة والاستعماريات الكبرى والدول الشمولية التي بسطت جناحيها على قارات العالم القديم. ولنتذكر كيف أتى عليها حكم الله ـ سبحانه ـ وكيف طواها النسيان! وعد (هتلر) في كتابه المعروف (كفاحي) بإقامة (إمبراطورية الألف عام) فقدر الله اختزالها باثني عشر عاماً فحسب، و (موسوليني) الذي كان يقف في شرفة قصره الكبير في روما مخاطباً عباده من الإيطاليين: (سنركز راياتنا فوق النجوم) بعدما غزا الحبشة، وسحق الحركة الجهادية في ليبيا، وأصبح الحاكم بأمره، ثم ما لبث بعد خمسة عشر عاماً أن هُزم وتجرع من الكأس نفسها حتى الثمالة، وأصبح الثائرون عليه يلاحقونه في سهول لومبارديا، وهو يهرب من بين أيديهم كالجرذ المذعور، حتى ألقي القبض عليه، وأعدم في حالة بائسة نقيضة تماماً لما كان عليه من أبهة وطاغوتية وجبروت. هناك ـ أيضاً ـ الإمبراطورية البريطانية العظمى التي كان معلمونا في الدراسة الابتدائية يسمونها (الدولة التي لا تغيب عن أملاكها الشمس) ما لبثت أن تآكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وأصبحت مجرد دولة صغيرة منحسرة في الجزيرة البريطانية والقليل من إيرلندا، وأصبحت المشاكل والتحديات تلاحقها من جيش التحرير السري الإيرلندي في عقر دارها، ونحن نذكر كيف تعرض يوماً مجلس الوزراء البريطاني نفسه ـ زمن تاتشر ـ لتفجير عنيف من قِبَل المنظمة المذكورة، كانوا يحكمون نصف العالم فأصبحوا لا يأمنون على أنفسهم في عقر دارهم. والإمبراطورية الفرنسية أين هي الآن؟ لقد وضع المجاهدون الجزائريون مسماراً في نعشها، تماماً كما وضع الأفغان أيام جهادهم الكبير مسماراً في جسد الاتحاد السوفييتي العملاق، كانت فرنسا تحكم مساحات شاسعة تمتد على قارات أربع، وترفرف راياتها ما بين (بيان بيان فو) في الهند الصينية و (كويبك) في كندا، والآن تنحسر في ديارها فيما كان يسمى يوماً بلاد الغال أو بلاد الفرنجة. والاتحاد السوفييتي الذي أريد له أن يحكم التاريخ إلى الأبد، باعتباره المرآة الصادقة للاشتراكية العلمية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.. أين هو الآن؟ وحتى التنظيرات والمذاهب الوضعية التي غزت عقول أجيال من الناس، وهيمنت على الشارع والمؤسسة الثقافية تعرضت هي الأخرى للتآكل والاندثار، وليست الوجودية التي أعلن موسسها ومهندسها (جان بول سارتر) تنصله منها عبر لقائه الأخير مع عشيقته (سيمون دو بوفوار) هي المثل الوحيد. كل المحاولات البشرية عرضة في نهاية الأمر للتآكل والزوال ... الأفكار الشمولية والدول الكبرى والنظريات التاريخية التي انعكست من خلال إمبراطوريات عملاقة كالاتحاد السوفييتي، تماماً كما تنعكس الآن نظريات (فرانسيس فوكوياما) في (نهاية التاريخ) و (صموئيل هنتنجتون) في (صراع الحضارات) ومعطيات العولمة، والقطبية أحادية الجانب، والنظام العالمي الجديد في الساحة الأمريكية التي يتصور المهزومون من ذوي النظر القصير أنها ستمسك بمقدرات العالم والبشرية إلى الأبد. إن تنوع التاريخ واستعصائه على المسطرة يجعل من النظام ذي القطبية الواحدة حالة استنثائية لن تدوم طويلاً؛ فعلى مدى التاريخ البشري كانت دائماً هناك روما بمواجهة أثينا، والبابوية بمواجهة القسطنطينية، والرومانية المقدسة بمواجهة البابا، وفرنسا بمواجهة بريطانيا وألمانيا وروسيا، وبريطانيا بمواجهة القارة، والمحور بمواجهة المستعمرين القدماء، وأمريكا بمواجهة بريطانيا، والاتحاد السوفييتي ومن بعده أوروبا الغربية بمواجهة أمريكا. ومعنى هذا أن تفرد قوة غربية واحدة بالسلطان أمر يكاد يكون مستحيلاً على الفترات الزمنية الطويلة نسبياً، وأن الثغرة التي قد ينفذ منها الإسلام المحاصر ستتشكل أو هي قد تشكلت فعلاً بحكم قوانين الحركة التاريخية التي طالما حدثنا عنها كتاب الله، ومعنى هذا أيضاً أن على عالم الإسلام اليوم ألا تذهب به الهزيمة النفسية إزاء التفرد الأمريكي إلى مدى بعيد، وأن يبذل جهده لكي يتماسك وينهض مستفيداً من حالة الثنائيات الغربية المتولدة باستمرار من الثغرات والممرات التي تفتحها في جدار الغالب، وقبل هذا من قدرات الإسلام الذاتية على كل المستويات النفسية والفكرية والاستراتيجية والاقتصادية، والحضارية في نهاية الأمر. وهي ـ بتميزها العقدي وعمقها التاريخي ـ ليست كلاماً يقال وأماني تزجى، ولكنها فاعلية في صميم الصيرورة التاريخية، قديرة في حالة اعتماد الصيغ المدروسة والمحسوب حسابها على أن تحمي الوجود الإسلامي من التفكك والذوبان، بل أن تمضي ثانية باتجاه مواقع أكثر تقدماً على خرائط العالم المعاصر، لكي تشارك في اتخاذ القرار وصياغة المصير. هناك ظاهرة مدهشة في النص القرآني لا بد من الالتفات إليها لدى دراسة واستقصاء قوانين الحركة في سياقها التاريخي والمادي: في الماركسية نلتقي بصيغتين من الحركة: إحداهما طبيعة مادية سميت بـ (المادية الديالكتيكية) ، والأخرى اجتماعية سميت بـ (المادية التاريخية) . تفسّر أولاهما الحركة الكونية من منظور مادي، وتفسر الأخرى الحركة التاريخية للجماعات والطبقات من منظور التغير الدوري المحتوم في وسائل الإنتاج، فالظروف الإنتاجية، فالبنى الفوقية التي تصوغها وتتحكم فيها تلك الظروف. وفي الماديتين يُستبعد الدين والإيمان، ويتم التنكر للوجود الإلهي، وتصير الرؤية الإلحادية هي الحَكَم الفصل في مجريات التقلبات الكونية والبشرية على السواء. في النص القرآني نلتقي بالثنائية نفسها: الكون، والتاريخ؛ ولكن بصيغة تختلف اختلافاً كلياً؛ فها هنا ـ في كتاب الله ـ سبحانه ـ تصميم كوني يتوازى مع التصميم التاريخي. التصميم الكوني حركة فرش ولمّ، والتصميم التاريخي يتحرك وفق المنطوق نفسه؛ فها هنا تفرش الإدارة الإلهية الفرص المفتوحة للجماعات والأمم والدول، والإمبراطوريات والحضارات، فيشهد التاريخ البشري وهو يتقلب ويدور دولاً وإمبرطوريات وحضارات للإنجليز والفرنسيين حيناً، وللروس والأمريكيين حيناً آخر، وللمسلمين حيناً ثالثاً. نحن كنا في يوم من الأيام ومن خلال أخذنا بالأسباب وتعاملنا الفاعل مع العقيدة قد فرشت لنا الأرض، ثم ما لبثت عملية التآكل واللم أن حاقت بنا بعد أن تخلينا عن الأخذ بالأسباب، وتهاونا في التعامل مع مطالب عقيدتنا العليا بمشروعها الحضاري الكبير، انسحبنا من التاريخ؛ لأن أيدينا ارتخت، وعقولنا عجزت عن أن تواصل التوتر المطلوب، ولو في حدوده الدنيا. وما جرى علينا مضى لكي يسوق كل التجارب التاريخية الكبيرة إلى المصير نفسه: التآكل واللم والزوال بعد الفرش والامتداد والسلطان. باختصار شديد فإن الحركتين الكونية والتاريخية تمضيان على خط متوازٍ بين الحالتين، ولكنهما في المنظور القرآني تتشكلان في إطار إيماني؛ حيث تصير إرادة الله ـ سبحانه ـ هي الحكم الفصل في بدء الحركتين وصيرورتهما، والمصير الذي تؤولان إليه في نهاية المطاف، والمساحة المعطاة للفعل الإنساني واسعة ممتدة فاعلة، ولكنها تتحرك في إطار الإرادة الإلهية المحيطة الشاملة التي يصير فيها الفعل الإنساني سبباً في الانبعاث والصعود أو الانحسار والزوال. في المنظور القرآني تبدأ الحركة الكونية بإرادة الله ـ سبحانه ـ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] فنحن إزاء عملية اتساع دائم تؤكده الدراسات الطبيعية والفيزيائية، كما تؤكده معطيات (أينشتاين) عن (الكون المتسع) والمنحنيات المتمددة إلى مسافات لا يعلم مداها إلا الله سبحانه. وبإزاء الفرش الكوني وبمرور الزمن وعبر مديات متطاولة قد تتجاوز مليارات السنين تبدأ عملية اللم المعاكسة التي تُؤْذِن بها ـ ربما ـ الثقوب السوداء التي تملك كما يؤكد الدارسون قدرة أسطورية على جذب الكتل والأجرام والتقامها. وفي كل الأحوال فإننا بإزاء إعادة الكتلة الكونية إلى ضيقها السابق يوم تشكلت أول مرة ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . مرة أخرى إننا بإزاء مسارين للحركة في المنظور القرآني: إحداهما طبيعية كونية، والأخرى تاريخية اجتماعية، بإزاء حركة فرش ولمّ محتوم، ولن تستطيع قوة في الأرض مهما ادعت من جبروت وطاغوتية وسلطان أن تقف قبالة قوانين الله ـ سبحانه ـ العاملة في الكون أو التاريخ؛ لأن الذي يحكم العالم والتاريخ هو الله جلت قدرته، وليست أية قوة في الأرض: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١] .

стр. 5201

أهم المراجع الفكرية للرئيس الأمريكي (جورج بوش) عرض: محمد عبد الشافي القوصي - «هذا الكتاب» أهم مصادر الكره الأمريكي الغربي للإسلام والعرب. - «المؤلف» هو جد الرئيس الحالي الذي يدعو صراحة في كتابه إلى التخلص من الإسلام والعرب والمسلمين! - «جورج بوش» الجد يصف الإسلام بالوباء، ومحمد بالدعي!! - يزعم ـ المؤلف ـ أن «محمداً» أرسله الله ليعاقب الكنائس الضالة. - بوش الجد يتوقع أنه ستحدث قريباً ردة كبيرة عن الإسلام نحو المسيحية! هذا الكتاب ( «محمد» مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين) .. أبرز وأهم المراجع الفكرية بالمكتب البيضاوي القابع فيه الرئيس الأمريكي «جورج بوش» ، وقد انفردت «دار المريخ» بالقاهرة بنشره وترجمته إلى العربية لأول مرة، وكان قد أعيد طبعه بلغته الأصلية ثلاث مرات من قبل، ويقع في قرابة ٧٠٠ صفحة من القطع الكبير، ١٦ فصلاً، ٥ ملاحق ... يكشف ـ هذا الكتاب ـ عن أهم مصادر الفكر الغربي الأمريكي العنصري المتطرف المتداول ـ الآن ـ في دوائر البحث العلمي والأكاديمي في الغرب عامة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص.. إنه نموذج صارخ على كراهية الأديان السماوية، وتحريض الغربيين على العنصرية والتطرف وإلغاء الآخر. مؤلف هذا الكتاب «جورج بوش» الجد الأكبر للرئيس الأمريكي الذي كان واعظاً بارعاً في الجدال والمناظرة، وراعياً لإحدى الكنائس في (إندانيا بولس) ، وأستاذاً في اللغة العبرية والآداب الشرقية في جامعة نيويورك، وله مؤلفات وشروح في أسفار العهد القديم، ومن أهمها هذا الكتاب الذي يتحدث بخبث وعنجهية عن حياة نبينا الكريم وأمة العرب والمسلمين، وهو ينطوي على بذاءات وادعاءات تصف العرب والمسلمين ونبيهم بما هو الأشنع مما كتب عنهم في الغرب على الإطلاق. - لماذا هذا الكتاب..؟! لعل عرض هذا الكتاب يكشف عن أحد أهم مصادر الفكر المخالف، وأهم مصادر ومرجعية التطرف في الفكر الغربي؛ إنهم يفهمون ديننا وتاريخنا وفق ما جاء في أمثال هذا الكتاب، ويطالبوننا الآن بشطب تراثنا. ونحن لا ندعو بشكل من الأشكال إلى تصادم في أساس الفكر الديني، وإنما ندعو إلى مواجهة الأفكار الخاطئة، خاصة أن المؤلف لا يكتفي بمهاجمة الإسلام ونبيه ﷺ ، وإنما يهاجم كل المذاهب النصرانية الشرقية.. فنحن نطالبهم أن يمعنوا النظر بتجرد علمي فيما ينطوي عليه هذا الدين من تسامح وإعلاء لكل القيم الإنسانية ـ كما يقول الأستاذ/ عبد الله الماجد ـ ناشر هذا الكتاب ـ. ولسنا هنا بصدد الرد على مزاعم المؤلف وافتراءاته التي تفوق الحصر، وتناقضاته التي هي ليس في كل صفحة فحسب، بل في كل فقرة من فقرات كتابه هذا الذي بدت على صفحاته الكراهية والبغضاء وما يخفي صدر مؤلفه أكبر، ولكننا نشير إلى بعض هذه المتناقضات والمغالطات المكشوفة، ويكفي من ذلك ما يشير إلى ما ينطوي عليه الكتاب. - بوش يؤكد أن التوراة والأناجيل تنبأت بظهور «محمد» ومعراجه إلى السماء: العجيب أن كتاب بوش هذا أكد في آخر الفصل السادس عشر أن نبينا محمداً ﷺ مكتوب عند أهل الكتاب في التوراة والإنجيل، تماماً كما أشار القرآن الكريم، وإن كان بوش اختلف مع علماء المسلمين في آيات التوراة والإنجيل التي قال علماء المسلمين إنها تتنبأ بظهور نبينا، وقال: إنهم فسروها خطأً، إلا أنه أورد آيات أخرى من العهدين القديم والجديد، قال مؤكداً إنها تشير إلى ظهور محمد وانتشار دعوته ... كما أكد هذا الكتاب أن النبوءات اليهودية والنصرانية تؤكد أن نبينا سيناطح «جند السماوات» وأنه هو «النجم إذا هوى» . وهذه مسألة تهم الباحثين في الإسراء والمعراج باعتبارهما نبوءة وردت في الكتب السابقة على الإسلام. - عقيدة «المؤلف» في القدر: ورغم أن «المؤلف» أورد ما سبق في سياق وصف فيه نبينا بكلمة خبيثة هي «الدعي» إلا أنه في أحيان كثيرة تحدث عنه واصفاً إياه بالنبي وأحياناً بالرسول، وذلك في سياق فهمه لعقيدة أن الأمور مقدرة سلفاً، وأن القضاء والقدر خيره وشره من الله سبحانه، وأنه لا يكون في كون الله إلا ما يريد، وما يريده الله ـ سبحانه ـ على حد فهم بوش هو أن ينتشر الإسلام، ولكن إلى حين يعود بعده المسلمون إلى حظيرة الكنيسة النصرانية، وبعدها يعود المسيح بن مريم ﵇ ليحكم في الألفية. ويقول مؤلف الكتاب: لقد قدر الله انتشار الإسلام وانتصاره، وليس من تفسير بشري معقول لهذا الانتشار والانتصار، ولا يمكننا بالحساب الذي نعرفه أن نفسر هذا، فلا مناص من أن نقول: إن الله أراد ذلك. هذا ما قاله (الجد بوش) . ولننقل هنا ترجمة عباراته التي وردت في الفصل الخامس عشر. يقول بوش: «لقد وضع محمد أساس إمبراطورية استطاعت في ظرف ثمانين سنة فقط أن تبسط سلطانها على ممالك وبلاد أكثر وأوسع مما استطاعته روما (أو الإمبراطورية الرومانية) في ثمانمائة سنة، وتزداد دهشتنا أكثر وأكثر إذا تركنا هذا النجاح السياسي وتحدثنا عن صعود دينه وانتشاره السريع واستمراره ورسوخه الدائم، والحقيقة أن ما حققه نبي الإسلام لا يمكن تفسيره إلا بأن الله كان يخصهما برعاية خاصة؛ فالنجاح الذي حققه محمد ﷺ لا يتناسب مع إمكاناته، ولا يمكن تفسيره بحسابات بشرية معقولة، لا مناص إذن من القول: أنه كان يعمل في ظل حماية الله ورعايته، ولا شك أنه يجب علينا أن ننظر للإسلام في أيامنا هذه بوصفه شاهداً قائماً ينطوي على حكمة غامضة لله ـ سبحانه ـ لا ندري مغزاها، حكمة لا تفهمها عقول البشر أو على الأقل لا تفهمها عقول البشر حتى يتحقق غرضها» . ولا يرى جورج بوش غير رعاية الله لمحمد ﷺ والمسلمين في أن قريشاً ومن حالفها لم يقضوا قضاءً مبرماً على المسلمين في «أُحد» ، لا يرى غير حكم الله المسبق بانتشار الإسلام ورسوخه في هذه الغزوة، خاصة بعدما أصيب «القائد» ولم يستطع الصلاة إلا جالساً، وبعدما تفرق كثير من أصحابه ـ ونحن نرى ذلك معه ـ. معركة أخرى يرى بوش أنه كان من الممكن أن ينتهي فيها أمر النبي والمسلمين، لكن هذا لم يحدث لأسباب بعضها مفهوم وبعضها غير مفهوم: إنها «غزوة الخندق» التي تسمى أيضاً «غزوة الأحزاب» .. لنقرأ ما يقوله بوش في الفصل الحادي عشر: «وسواء كان انسحاب الأحزاب عن (المدينة المنورة) بتدبير بشري أو بتدبير إلهي فمن المؤكد أن قريشاً تخلت بعدها عن كل أمل في وضع نهاية لقوة النبي المتنامية، فلم يعودوا من الآن فصاعداً يرسلون الحملات العسكرية ضده» . أما الأسباب البشرية التي يشير إليها بوش فهي: «الخندق» الذي أشار سلمان الفارسي بحفره حول المدينة، وكذلك «المبعوثون» الذين كان يبعثهم النبي إلى القبائل التي كانت تحاصر المدينة متحالفة مع قريش. فالعرب كلهم ـ وتعاون معهم اليهود ـ أتوا لحرب الرسول وليضربوه عن قوس واحدة؛ وعلى وفق حساب الاستراتيجيات والتكتيكات الدنيوية كان لا بد أن ينهزم المسلمون، لكن هذا لم يحدث؛ وهذا دليل فيما يرى بوش على أن الله لا يريد هذا، وأنه مكتوب للإسلام أن ينتصر ... إلى هذا الحد نتفق مع بوش، لكن الذي لا نتفق معه فيه هو ما جاء في الفقرة التالية مباشرة، إذ يقول: «إن الله أراد للإسلام أن ينتصر على يد هذا «النبي المحارب» ليؤدب الكنائس النصرانية الشرقية التي ضلت السبيل إلى حين، وأن من أسلموا سيتركون إسلامهم مرة أخرى ليعودوا إلى حضن كنيسة أخرى سليمة العقيدة، وربما كان هذا عند عودة المسيح في الألفية» (١) . - تساؤلات بوش الحائرة..!! ويتساءل جورج بوش الجد في نهاية الملحق الأول لهذا الكتاب قائلاً: «وإذا كان ما يذكر بشأن ظهور الإسلام وتقدمه وسلطانه غير كاف، وإذا كانت الأسباب الدنيوية التي عادة ما يجري إيرادها لشرح النجاح المذهل الذي حققه الادعاء الإسلامي لا زالت تبدو لنا غير كافية، وإذا كانت أعظم ـ أو أكبر ـ ثورة على الإطلاق واجهت الكنيسة النصرانية تبدو معضلة لا حل لها فلِمَ نتردد في أن نعزو هذا مباشرة إلى الله ومشيئته؛ وبذا نجد الحل الذي يفسر كل هذه الأسرار؟! لماذا نحن تواقون للهرب من الاعتراف بالتدخل الإلهي في قيام هذه الهرطقة (يقصد الإسلام) التي هي رأس الهرطقات؟ إن صح تفسيرنا لنبوءتي دانيال، ويوحنا فإن الخداع المحمدي (الإسلام) حقيقة تشهد بصحة محتوى كتبنا المقدسة، وحقيقة تاريخية تشهد بظهور الإسلام وانتشاره. والآن فما معنى أن نصرّ على أن العملية لا تعدو كونها ذات أسباب بشرية، بينما هي حقاً واردة في النبوءة، فإننا بهذا حقيقة نكون قد نزعنا حكم الكون (العالم) من يد الله. وهذا المبدأ يدفع إلى تكذيب كلمات النبوءة المؤكدة؛ لأنه يجعل الله مجرد متنبئ بأحداث ليس له سيطرة عليها وليس هو ضابطها! هذا المبدأ لا يصمد أمام أي قدر من التمحيص عندما تنبأ دانيال بمصير الإمبراطوريات الأربع الكبيرة، أو عندما تحدَّث أشعياء عن قورش (كورش) وأسماه بالاسم؛ باعتباره سيحقق هدفاً لله المحيط بكل شيء؛ فهل يمكننا بعد كل هذا أن نقول: إن الأحداث التي جرى التنبؤ بها تمت بعيدة عن المشيئة الإلهية؟ من الأسهل والأصوب أن نعترف بترسيم مسبق قضى الله بمقتضاه أن يظهر محمد الذي لا يزال باقياً (يقصد أمته) بهيمنته المرعبة، ودوامه المستمر، وتأثيره القدري في أمور البشر، كما أنه مجال لنبوءات مؤكدة. وهذا لا يعني عدم مسؤولية الإنسان عن عمله، ولا ينفي بالمرة الطبيعة الأخلاقية لهذه الأعمال؛ فعلم الله السابق بما سيكون لا يعني استبعاد حساب الإنسان عما اقترفت يداه، ولا يضعف من فكرة الثواب والعقاب. والكتاب المقدس (عندهم) زاخر بالأمثلة التي تؤكد هذا..» . - ماذا نفهم من هذا النص الخطير الذي يوضح فكر طائفة كبيرة من النصارى؟ لا شك أن لهذا مدلولات عندهم من أهمها: ـ أن الأسباب البشرية أو العملية لا يمكنها أن تفسر هذا النجاح المذهل لمحمد ﷺ وأتباعه، ومن ثم لا بد أن يعزى هذا لإرادة الله. ـ أن الله ـ سبحانه ـ ليس مجرد مخبر بما سيجري، وليس مجرد متنبئ بالأحداث التي ستحدث، وإنما هو فاعل لها مريد لها؛ فهو أراد أن يعذب النصارى الضالين بأيدي المسلمين. ـ دين محمد ﷺ ضلال ـ كما يزعمون ـ أراد الله به أن يزيد ضلال النصارى واليهود الذين خرجوا عن دينهم الصحيح. ـ محمد ﷺ رسول من الله بلا شك، لكن بمعنى أنه محنة أو مصيبة ليعود بعدها من آمن به إلى الدين الصحيح (النصرانية على وفق مذهبه) ؛ فبوش يتوقع حركة ردة كبيرة وكاسحة بين المسلمين!! (خيّبه الله وأخزاه) . - رحلة الإسراء والمعراج ـ كما يراها جورج بوش الجد ـ! يقول المؤلف «جورج بوش» في صفحة ٨٩ من كتابه هذا: «بأن النبي يتظاهر برحلة ليلية إلى السماء السابعة (المقصود المعراج) ؛ حيث آثر الله محمداً في السنة الثانية عشرة لبعثته المزيفة ـ كما زعم المؤلف ـ برحلة ليلية من مكة المكرمة إلى القدس، ومن القدس إلى السماء السابعة بصحبة جبريل. يقول المؤلف بالإضافة إلى هذه الحكاية المبالغ فيها التي لم ترد في القرآن، وإنما تنقلها الروايات (يقصد السنّة) ربما ابتدعها المدعي كي يحقق لنفسه شهرة بوصفه قديساً (٢) وربما ليرفع نفسه فوق مقام موسى كليم الله فوق الجبل المقدس، وعلى أية حال فإن المسلمين يؤمنون بقصة عروج النبي إلى السماء إيماناً يقينياً» ، وفي صفحتي ٩٠، ٩١ يقول المؤلف «إن واحداً من المسلمين كتب يصف كيفية حدوث هذا في تلك الليلة» . ثم يسرد المؤلف جورج بوش قصة المعراج التي دوَّنها كاتب مسلم اسمه «مرجان» ، ثم يعلق بوش عليها في الصفحة التي تليها ٩٢ قائلاً: «إذا تجاوزنا هذه المقدمة ذات الطابع الشعري وذات الأسلوب الشرقي الرائع حقاً لندخل في حقيقة هذه القصة الصبيانية نشعر على الفور أن خيال النبي يعاني من خلل، يمكن مقارنته بالخلل الذي اعترى تلميذه (المقصود راوي الرواية التي أشرنا إليها آنفاً وهو مرجان) الذي استطاع بالتأكيد أن يعطينا قصة أكثر تشويقاً عن هذه الرحلة السماوية من السخف البائس الذي يظهر في التلفيق الذي قدمه لنا النبي» . وبعدها يسرد ـ المؤلف جورج بوش ـ قصة المعراج في أربع صفحات متتالية ـ كما وردت في كتب السير الإسلامية ـ يعلق عليها قائلاً: «تلك هي التصورات أو الخيالات الصبيانية للنبي، تلك هي القصة الملحمية الغبية التي خدع بها السذج من أتباعه بما فيها من وصف حي. وفي صفحتي ٩٩، ١٠٠ من كتابه يقول جورج بوش «المؤلف» : ليس من المستبعد أن يعود أصل حكاية رحلته الليلية إلى السماوات أن «محمداً» أراد أن يعطي وزناً وقيمة لأقواله هو شخصياً.. فقد كان محمد واعياً وعياً كبيراً أنه إذا ما استطاع أن ينجح مرة في كسب تصديق أتباعه بأن الله قد تحدث إليه في حضرته التي لم يشهدها أحد، وأنه قد أفضى إليه بأسرار السماء العميقة؛ فإنه يستطيع بعد ذلك أن يدعي ما شاء له أن يدعي ضامناً تصديق أتباعه سريعي التصديق. تلك هي النتيجة الفعلية من الآن فصاعداً ارتبطت قداسة خاصة بكل ما صدر عن النبي من أقوال مبتذلة، وكل فعل غير مهم في كل أمر من أمور الدين. لقد حظيت أقواله وأفعاله وتقديراته بتوقير شديد أثناء حياته، وتم جمعها من الرواة بعد مماته، وأخيراً ضمتها مجلدات كونت السنّة، والمسلمون في هذا يحاكون بدقة الشريعة الشفهية عند اليهود» . ويرى جورج بوش ـ المؤلف ـ: «أنه ليس من المحتمل أن يكون هدف محمد ﷺ مجرد إدهاش أتباعه؛ فالمراقب اليقظ لخصائص الإسلام المميزة له لن يخفق في اكتشاف ما لا يحصى من أوجه الشبه بين هذا النظام (الإسلامي) والدين اليهودي الذي أوحى به الله، ويبدو أن المدعي (يقصد المصطفى ﷺ ) يقصد التشبه بموسى على قدر ما يمكنه، ويقصد أن يدخل في دينه أكبر قدر من التفاصيل الموجودة في اليهودية دون أن يدمر البساطة التي اتسم بها دينه (الإسلام) ، وهذه الحقيقة تتمشى تماماً مع ما يمكن تأكيده بشكل عام: وهو أن نسل إسماعيل كانوا ميالين لتقليد نسل إسحاق ويعقوب الذين نالوا بركة العهد من الله (النص ياهوه أو جاهو فاه) ، وانسالت بركة هذا العهد في ذراريهم» . - النسخ في القرآن الكريم هل هو دليل على الادعاء، وتذبذب الشريعة الإسلامية؟ يقول بوش «إن فكرة الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم خير دليل على الادعاء، وتغيير الأحكام على وفق الأهواء» ، لكنه تناسى أن النسخ موجود ـ أيضاً في التوراة والإنجيل ـ والشواهد على ذلك كثيرة جداً (١) . - (اقرأ) ..! يؤكد جورج بوش أن محمداً ﷺ كان يجيد القراءة والكتابة باللغة العربية، ويسوق عدة أدلة يراها كافية لتأكيد هذا فيما يرى؛ فالكتابة كانت شائعة بين العرب، وقد أوصى القرآن الكريم نفسه الناس إذا تداينوا بدين أن يكتبوه، كما كان علي بن أبي طالب ابن عم النبي والذي نشأ النبي في بيته (بيت أبي طالب) كان من كتاب الوحي، أي أنه كان يعرف القراءة والكتابة؛ فكيف يعلِّم أبو طالب ابنه القراءة والكتابة ولا يعلِّمها لابن أخيه، وقد عمل محمد ﷺ في التجارة، وذهب بتجارة خديجة ﵂ إلى الشام؛ والمشتغل بالتجارة يحتاج دائماً ـ فيما يرى بوش ـ للكتابة ليقيد ما يخشى أن يفلت من ذاكرته، وكانت مكة ملتقى حركة تجارية؛ لذا فالقراءة والكتابة لازمة لأهلها إلى حد كبير. تلك هي الأدلة العقلية التي ساقها المؤلف ـ في الفصل الأول من كتابه هذا ـ لتأكيد معرفة رسولنا ﷺ القراءة والكتابة. وليته سكت عند هذا الحد، لكنه تمادى في إساءته ـ وهذا ديدنه في سائر فصول الكتاب ـ فعمد إلى الزعم بأن محمداً ادعى أنه لا يعرف القراءة والكتابة رغبة منه في التأكيد على أن القرآن الكريم ليس من عنده وإنما هو وحي من عند الله (٢) . - «محمد» هل هو إنسان الخطيئة التي تنبأت به الكتب المقدسة؟ يذهب «المؤلف» جورج بوش وطائفة من النصارى إلى أن محمداً ﷺ هو إنسان الخطيئة المشار إليه في نبوءات كتبهم المقدسة وهو المسيح الدجال، ويعتبرون «الارتداد» الذي يسبق المجيء الثاني للمسيح هو انتشار الإسلام، ويعتبرون جلوس إنسان الخطيئة في هيكل الله هو فتح المسلمين للشام والقدس خاصة حيث الهيكل.. لذا وجدنا أن «المؤلف» في مقدمة كتابه صفحة ٢١ يؤكد الزعم على أن المقصود بإنسان الخطيئة هو محمد ﷺ . والمؤلف وطائفته الدينية يتوقعون عند بداية كل ألفية مجيء المسيح ثانية وعودة المسلمين إلى النصرانية ثانية، أو على حد تعبير المسلمين «ارتدادهم» عن الإسلام. المدهش حقاً أن جورج بوش الجد يؤكد بعد ذلك أن سمات جيوش النبي ﷺ كما أكدتها النبوءات في الكتب السابقة أنها لا تعتدي على راهب ولا دير ولا ناسك ولا موضع تنسكه ولا عابد ولا موضع تعبده، سواء كان يهودياً أو نصرانياً» . ونحن نتساءل: يا سبحان الله! أهذه هي صفات إنسان الخطيئة! إذن ماذا تكون صفات إنسان الفضيلة؟

стр. 5202

مالي وللوعود المزيفة ؟ سارة السلطان لماذا نعتقد، بل ونجزم أن الدعوة إلى مكان المرأة الفطري ـ البيت ـ وحدودية الوظائف غطرسة وظلماً، وأن بقاء عمل المرأة في بيتها امتهان لكرامتها ولذاتها؟ ولماذا نعتقد بشدة أن حق المرأة، ورقي المجتمع يكون بإعطائها مساحة كبيرة للعمل؟ وهل ستحرر المرأة ويرفع عنها الضيم (إذا كان هنالك ضيم) إذا شغلت الوظائف العامة والخاصة على جميع المستويات والمشاركات، بصرف النظر عن كونها تتناسب وتكوينها الجسمي والانفعالي؟ والأهم من هذا وذاك: مَنْ له الأحقية بالوظائف إذا كان هناك وظائف مطروحة (للرجل أو المرأة) ؟ وهل عمل المرأة في بيتها امتهان لذاتها وانتقاص من كرامتها؟ وهل تفضيل الرجل عليها ببعض الوظائف والمشاركات حرمان لها من الحقوق والمشاركة؟ إنها دعوات مزيفة من أعداء الإسلام من الدول الغربية وعلى رأسهم اليهود وبمساعدة ـ مع الأسف ـ بعض من أبناء ملتنا ممن يتحدثون بألستنا. حب كاذب للمرأة محفوف بالفتن ونشر الشقاء للمرأة التي تأبى إلا استغلالها بأبشع الصور من خلال استجابتها للدعوات الآثمة والشعارات المضللة، ظاهرها فيها الرحمة وباطنها العذاب. وهل مَنْ يطالبون بالمساواة وحقوق المرأة أكثر إخلاصاً ومودة من المرجعية الإسلامية؟ هيهات.. هيهات! لقد جاءنا من قِبَلهم بريق يشع نوراً نحسبه وهج الضوء وقنديل الدجا؛ فإذا ما قربناه وجدناه ناراً تلظى، تحرق فضيلتنا وعفتنا وأمننا؛ فدعاة الفساد والفتنة ينعقون باسم حرية الفكر والحوار الهادف وحفظ كرامة المرأة، وهم في الأغلب دعاة الرذيلة وسعاة للفساد. فهم يسعون في بث سمومهم في أرض المسلمين الخصبة، ويحرثونها بدعوى حسن نيتهم في مساعدة المسلمين، ثم يدسون بها بذوراً متعفنة لتنتج أراضي المسلمين ثماراً فجة تسر الناظرين في الظاهر، ولكن داخلها دوداً ينخر لبها لتخرج للناس ثماراً فاسدة متعفنة لا تنفع حين حصادها، وتؤثر على باقي الثمار الناضجة بالفساد، هذا ما يريده أعداء الإسلام؛ فهل نعي خطورة الأمر؟ فالجو الإيماني الهادئ الذي تعيشه المرأة المسلمة والذي حفظ لها دينها من سيادة في بيتها وعزة في قومها أقضَّ مضاجع اليهود الذين أغاظهم أن تحيا المرأة المسلمة حياة مطمئنة لها مكانتها، وقوة تأثيرها في المجتمع الإسلامي، لا يُمَس لها كيان أو كرامة في نطاق موزون وأهداف سامية تقتضيها الفطرة السوية لكل من المرأة والرجل، وما قوامة شقيقها الرجل إلا لعلو شأن المرأة، وليكون سنداً قوياً للذب عنها، وحمايتها من الاستبداد والاستغلال والاعوجاج. أما مجال العمل، فالإسلام لم يحرِّم عليها العمل والتجارة والخروج من المنزل؛ فأم المؤمنين خديجة ﵂ كانت تتاجر بمالها، واختارت أشرف الناس ليساعدها بهذه المهمة؛ فالمرأة مهما يكن من شأنها فلا غنى للرجل عنها. لذا يجدر بالمرأة المسلمة التي تريد العمل أو التجارة أن تلتزم بضوابط تحفظ لها نفسها وكرامتها وإنسانيتها حتى لا تتعرض لمكر مَنْ في قلوبهم مرض، وإذا انتفت المحاذير فالمجتمع في غنى عن عملها، والمصلحة العامة أوْلى من المصلحة الخاصة. والتوسع في عمل المرأة واستحداث تخصصات جديدة لمجرد أن المرأة تعمل لنساير التيارات الغربية ولترضى عنا المجتمعات الأوروبية، ليقال إننا شعب متحضر فهذا انهزامية، وهو من دواعي انكسار المجتمع المسلم، وأخشى أن تكون بداية للانسلاخ من قيمه ومبادئه ودينه الذي هو مصدر عزته. قال عمر بن الخطاب ﵁: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ولو ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله» . وخطورة مزاحمة الرجال في شغل الوظائف دون استثناء، هذا ليس في صالح الناحية الاقتصادية والاجتماعية؛ لأن العمل والحالة هذه يسهم في زيادة ارتفاع معدلات البطالة؛ فعمل المرأة يسهم في زيادتها بطريق غير مباشر؛ لأنها تقتحم جميع ميادين العمل؛ فالرجل أحق من المرأة في وظائف هو الأوْلى بشغلها لما عليه من التزامات مادية نحو نفسه وأسرته، والمهر والنفقة مستقبلاً، وما لتكوينه الجسمي والانفعالي ما يؤهله للعمل الشاق بجدارة، ولكن أعداء الإسلام الذين يبثون في روع المرأة التي لا تعمل سوى في بيتها أن كرامتها سلبت، وويل لها ولمجتمعها من شبح البطالة. فهذا حقد على المرأة المسلمة التي تعيش سيدة بيتها باطمئنان؛ لأن المرأة لا تعاني بطالة مطلقاً، وفي كل حال؛ فهي إن كانت ربة منزل فإن ذلك لا يُقِلُّ من شأنها وشخصيتها، بل هو مدعاة للفخر والعزة، وشرف عظيم لها تقصُر دونه الكثير من همم الرجال لما تقتضيه مسؤولية التربية والتنشئة من حلم ومجاهدة واستقرار نفسي يعود على الأبناء بالصلاح والتقوى.

стр. 5203

قبول الآخر معكوساً عبد الله المسفر يرى المتأمل في الأوضاع الحالية والمنعم النظر فيها أن هناك من أبناء هذه الأمة من يردد عن قصد أو عن جهل بعض المصطلحات التي يمكن أن نطلق عليها مسمى أدق وهو مصطلحات مقولية، أتت إلينا من الغرب محمولة على أجنحة الأخبار، أو على أثير القنوات الفضائية كما هي دونما تغيير، وكأنما هي مصطلحات مقدسة، ومن هذه المصطلحات الجديدة مصطلح «قبول الآخَر» أياً كان معتقده أو سلوكه أو أفعاله؛ في إطار من التسامح والبعد عن التعصب الذي أصبح من أهم الصفات التي تطلق على المسلمين في عصرنا الحاضر. ولكن المناداة بقبول الآخر لدى مطلقيها لا تعني عند كل ذي عقل إلا الاستسلام والتخلي عن ديننا وعقيدتنا، وحتى قيمنا وأعرافنا. وللرد على هؤلاء الذين ينادون «بقبول الآخر» على علاته ننصح بأن يطلعوا على ما كتبه الصحفي الأمريكي (نيكولاس كريستوف) في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ ١٧/٧/٢٠٠٤م حول موجة التعصب الشديدة ضد الغير التي تجتاح أمريكا حالياً؛ إذ يقول: (ظهرت آخر رواية في أمريكا «الظهور المجيد» يعود فيها المسيح إلى الأرض فيمسك بتلابيب غير النصارى، ويضعهم على يساره، ثم يلقي بهم في النار خالدين فيها أبداً. تقول الرواية إن المسيح سوف يرفع يده عدة بوصات فقط فتنشق الأرض، وتبتلع هؤلاء جميعاً في جهنم دفعة واحدة) . هذه عينة لأفضل الروايات مبيعاً في الولايات المتحدة التي يقرؤها البالغون، وقد بيع منها ٦٠ مليون نسخة، ومثل هذه الروايات تمثل التطرف الديني الشديد الذي لا يقبل بالآخر، ويود أن يقضي عليه دفعة واحدة، وأن هذا التطرف أدى إلى حبس آلاف المسلمين في أمريكا وفي الخارج بعد ١١/٩/٢٠٠١م، حتى إن المواطنين الأمريكيين العاديين شاركوا في تعذيب السجناء في سجن أبو غريب؛ بسبب عدم وجود أية عاطفة تربطهم بهم، ويرجع ذلك إلى استحالة وجود هذه العاطفة، ونحن نصفهم بالكفار، ونتوقع من المسيح أن يقطع ألسنتهم، ويفقأ عيونهم الآن وليس غداً. ü يقول الكاتب: «إنني لا أريد أن أسخر من أي معتقد ديني لأية مجموعة؛ لأن ملايين الأمريكيين يعتقدون أن «الظهور المجيد» يصف ـ ما يزعمونه ـ إرادة الله، لكني أكتب في الأمور الدينية؛ باعتبار أن الدين له جوانب إيجابية، وقد امتدحت من قبل المساعدات التي تقدمها جماعات نصرانية في السودان في الوقت الذي لم يتقدم فيه أحد لوقف مذابح الإبادة الجماعية هناك، لكني أشعر أيضاً بالمسؤولية التي تجعلني أحتج على عدم التسامح داخل الولايات المتحدة. يقرأ الكثير من النصارى الأمريكيين في الإنجيل ـ ما يعني ـ أن الأمريكان الذين هم من أصل أفريقي هم من سلالة حام ولد نوح ﵇ قد حكم الله عليهم بالعبودية في القرن التاسع عشر، تقبَّل الكثير من الأمريكيين الفكرة على أنها إرادة الله. من حق الناس أن يؤمنوا بإله عنصري، أو إله يلقي بالملايين من غير النصارى في النار، واعتقد أنه لا ينبغي علينا أن نحظر الكتب التي تقول بذلك، لكن يجب علينا أن نشعر بالارتباك عندما نجد أن أكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة هي التي تحض على عدم التسامح الديني، وتؤيد العنف ضد غير النصارى، هذه ليست أمريكا التي ندافع عنها ولا أمريكا التي يرضى عنها الله» . وتساءل الكاتب في مقاله عن موقف الأمريكان: «ماذا كان سيحصل لو أن كاتباً مسلماً كتب قصة على غرار «الظهور المجيد» في المملكة العربية السعودية يبيد فيها الله الملايين من غير المسلمين؟ ويضيف: إن الأمريكيين ربطوا بين الأصولية الإسلامية وعدم التسامح مع الغير» . هذا ما شهد به شاهد منهم؛ فهل نظل نردد شعارات ومفاهيم هي مصطلحات مقولية تخدر المسلمين حتى يتخلوا عن أوجب واجباتهم، حتى تتم إبادتهم جميعاً استناداً إلى روايات أو معتقدات دينية خرافية؟ سؤال نأمل الإجابة عليه ممن يجيدون ترديد الشعارات!

стр. 5204

صفر - ١٤٢٦هـ مارس / أبريل - ٢٠٠٤م (السنة: ٢٠)

стр. 5205

التربية أولاً التحرير ظهرت ـ في الآونة الأخيرة ـ نابتة في بعض دوائر الصحوة الإسلامية تزدري التربية، وتهوِّن من شأنها وشأن المشتغلين بها، وتتهمهم بالسطحية، وضيق الأفق، والتقوقع على الذات.. ونحو ذلك من المثالب. ونسي هؤلاء أن التربية من أجلِّ وظائف النبوة، كما قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] . ولهذا حفلت حياة النبي ﷺ كلها بتربية أصحابه الكرام ﵃ أجمعين؛ وكان من ثمرة ذلك جيل فريد جاهد في الله حق جهاده. وتزكية النفوس وتربيتها هي المنطلق الصحيح لبناء الإنسان، خاصة في هذا الزمن الذي طغت فيه الأهواء والشهوات، وأصبحت فيه الفتن تترصد للإنسان من كل باب؛ فلا فلاح ولا استقامة إلا بالتربية، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] . صحيح أن طريق التربية طريق طويل، يحتاج إلى أناة وصبر، لكنه ـ بإذن الله ـ الدعامة الرئيسة لنهضة الأمة وعزتها. وأحسب أن كثيراً من الكبوات التي أنهكت الأمة إنما سببها الرئيس هو ضعف التربية. وإذا أكدنا ها هنا على أهمية التربية فإن من مقتضى ذلك الحرص على الشمول والتوازن التربوي الذي لا يغفل أبواب التربية المختلفة: كالتربية العلمية، والإدارية، والسياسية..

стр. 5206

إن الدين عند الله الإسلام التحرير بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام علي نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن الإسلام هو الدين الحق الذي يكلف الله به الخلق ولا يقبل منهم سواه؛ إذ ما عداه من الدين باطل وضلال، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، وهذا من حقائق الدين الواضحة الجلية التي يؤمن بها كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بل إن هذه الحقيقة اكتسبت أنصاراً ومؤيدين من رجالات العلم والمعرفة والتعقل من أصحاب الديانات المخالفة للإسلام، ممن أطلقوا عقولهم من عقال التقليد والتعصب؛ فجذبتهم إليها عندما رأوا أن معارفهم وعلومهم التي أفنوا شطراً كبيراً من حياتهم للوصول إليها، توافق ما يقرره هذا الدين من حقائق وقواعد؛ لذلك أقبل الكثير منهم على الدخول تحت لواء هذا الدين، ورغم هذه المكاسب والاختراقات التي يحققها الإسلام على صعيد النخبة العقلية والعلمية؛ فإن المسلمين يواجههم اليوم تحدٍ كبير، ليس من قِبَل أعداء الإسلام عن طريق إثارة الشكوك والشبهات؛ وإنما يكمن التحدي أيضاً في الإقرار بأن الإسلام هو دين الحق، ثم محاولة تفريغه بعد ذلك من مضمونه الحقيقي في أذهان العامة الذين لا يستطيعون في كثير من الأحيان التمييز بين القشر واللباب؛ فيتحول الإسلام في وجدانهم إلى مظهر أجوف لا ثمرة له عند البحث عن المضمون. إن خطورة هذا التحدي لا تستمد من قوة الطرح ولا من صدقيته، وإنما تأتي الخطورة من كونه يُطرح باسم الفهم الصحيح للإسلام في ظل عصر التقنيات والاتصالات، ويقدمه مسلمون يظهرون في زي وسمت إسلامي. نحن اليوم في هذه الفترة العصيبة من أوقات المسلمين أمام مرحلة جديدة مرحلة ما يمكن أن تسمى بمرحلة تسويق الإسلام الجديد؛ ففي ظل الضعف الشديد الذي تعانيه أمة المسلمين على مختلف الأصعدة، وفي ظل سطوة الكافرين وظلمهم وطغيانهم بعدما حازوا أسباب القوة، وتفوقوا فيها على المسلمين واحتكروها، دَبّ الضعف والخَوَر في نفوس طائفة من المسلمين من الوجهاء، ومن بعض من يتعاطون شيئاً من العلوم الشرعية؛ فلم يروا مخرجاً من ذلك إلا عن طريق التقارب، مع ما أفرزته الحضارة الغربية المادية التي لا تتعامل إلا مع المحسوسات، والقبول بما جاءت به وعدم معارضتها. وفي ظل ذلك فقد بدأ العالم الإسلامي بعد الصحوة القوية التي شهدها مع مطلع القرن الخامس عشر المتزامن مع مطلع السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم بدأ الآن يتراجع إلى قريب من الحالة التي كان عليها مع قرب نهاية القرن الثامن عشر عندما دهمته قوى الاستعمار بما لديها من تقدم مادي وعسكري؛ فرجع إلى نصوص الشريعة يلوي أعناقها ويحرفها عبر دروب كثيرة من التأويلات الفجة التي لا تستقيم من أجل إيجاد أرضية مشتركة بين ما دلت عليه الشريعة وبين ما أتت به الحضارة الغازية؛ فبدأت تغزو أسماعنا الآن كلمات مثل: الإسلام المدني، والإسلام الديمقراطي، والإسلام الليبرالي، ثم الحديث عن قيم الإسلام التنويري، والانفتاح على الآخر في المختلف الثقافي والديني، والتعاون في سبيل المشترك الإنساني، وعدم نفي الآخر أو تهميشه، والتواصل بين المؤمنين في العالم (اليهود، النصارى، المسلمين) في سبيل خير الإنسانية.. والكثير الكثير من أمثال هذه الجمل والتعبيرات التي تتداخل فيها الألفاظ والمعاني لإنتاج خلطة متقنة فيها الكثير الكثير من الأمور والمسائل والقضايا التي تخالف عقائد الإسلام وأحكامه، إضافة إلى القليل القليل من الطلاء الذي يبدو وكأنه ينتمي إلى عناصر الدين الصحيح، حتى يبتلع المسلمون الخلطة المعدَّة، كما يحتال الصياد بحبة من القمح يوقع بها الطائر في شراكه، فلا يخرج منها إلا إلى الذبح. إن المعركة اليوم شديدة وقائمة على أشدها، وهي بكل أسف وأسى لا يديرها العدو الكافر المعلن بكفره وعداوته فحسب وإنما يديرها مسلمون من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويحتجون بما نحتج به من القرآن والسنة لكن على غير الوجه السليم والاستدلال المستقيم، وقد بين لنا هذه الحقيقة الساطعة حذيفةُ بن اليمان؛ حيث يقول: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنّا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير؛ فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم! قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم! وفيه دَخَن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم! دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله! صفهم لنا؟ فقال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا..» (١) . فالإسلام الجديد الذي يروَّج له اليوم في الدوائر الإعلامية والرسمية يتكلم به ناس من جلدتنا، ويتحدثون عنه بلغتنا، وهو ليس الإسلام الذي تعبَّدَنا الله به ورضيه لنا؛ فليس هو إسلام السعي لنشر دعوة الله بين العالمين؛ لأن ذلك وفق الفهم العصري للإسلام عدوان وهمجية تأباها الإنسانية المتمدنة، وإنما هو إسلام التعاون والتآخي بين المسلمين واليهود والنصارى على أساس أن المؤمنين إخوة، وليس هو إسلام الدفاع عن الحقوق والبلاد والعباد؛ لأن ذلك إرهاب يهدد السلم العالمي، وإنما هو إسلام المحبة والتصالح مع الأعداء من أجل أمن المجتمعات، والإقرار بحق الأعداء في العدوان على ديار المسلمين من أجل الحفاظ على أمنهم ومصالحهم، وحق احتلال الأراضي واقتطاع أجزاء منها تضمن لهم ذلك، وليس هو إسلام الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين، وإنما هو إسلام بذل المحبة للجميع للمسلم الصالح وللكافر المعاند؛ لأن ذلك من قيم التحضر والتمدن التي غابت عن المسلمين قروناً طويلة بسبب التأزم النفسي من الصراع مع غير المسلمين، وليس هو الإسلام الذي يمنع الربا في المعاملات المالية والاقتصادية؛ لأن ربا اليوم ليس كربا الأمس (ربا الجاهلية) القائم على الجشع، وإنما ربا اليوم إنما يعمل على رفاهية المجتمعات وتحقيق التنمية، وأن الاقتصاد لا يقوم إلا به، وأن الدول لا تنهض إلا عليه، وليس هو إسلام التمسك والاعتصام بالكتاب والسنة، وتقديم كلام الله وكلام رسوله على قول كل أحد؛ لأن هذا تنطع وتشدد وتزمت، يرفضه دين السماحة واليسر؛ فما خُيِّر رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما، (ويتركون بقية الحديث: ما لم يكن حراماً) ، وليس هو إسلام التزام المرأة بما حد الله لها؛ لأن هذا يعبر عن النظرة الدونية للمرأة، والهيمنة الذكورية التي تغلب على ثقافة المسلمين التي نشأت بسبب الموروثات البيئية، إضافة إلى عدم الثقة في المرأة مما يحرم المجتمع من قدراتها العظيمة، وإنما هو الإسلام الذي لا يمنع من تبرج المرأة وإظهارها لزينتها واختلاطها بالرجال، ومشاركتها لهم في كل مجالات العمل ما دام الجميع محافظاً على الآداب العامة مع الاحترام المتبادل بين الطرفين، وليس هو إسلام الثبات الذي يظل الحرام فيه حراماً والحلال حلالاً والواجب واجباً؛ لأن هذا تحجر وجمود ولا يراعي خصوصيات الزمان والمكان والمستجدات العصرية وإنما هو إسلام التطور والمرونة ومجاراة العصر، حتى لو أدى ذلك للخروج على أحكامه المعلومة، ما دام أن ذلك الخروج يحقق المصلحة؛ فالدين ما جاء إلا لتحقيق المصالح. وهكذا، والقائمة طويلة، ولكن نقول إن الإسلام ليس نظرية علمية أو اكتشافاً قابلاً للتغيير والتبديل مع تطور النظريات العلمية، أو تجدد الاكتشافات، كما أنه ليس «موضة من الموضات» التي تتغير وتتبدل بتغير أذواق الناس وأوضاعهم، بل إن هذا الدين قد أكمله الله، وأتم به النعمة علينا، ورضيه لنا ديناً ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ؛ فلا ينبغي للمسلمين أن يضيِّعوا نعمة الله التي حباهم بها، بل واجبهم أن يقدروا هذه النعمة حق قدرها، ويعلموا أن ما لم يكن ديناً على عهد الرسول ﷺ أو على عهد خلفائه الراشدين فليس اليوم ديناً؛ فما لم يعرفه أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا السابقون الأولون، ولا أصحاب الشجرة فليس من الدين. إن قوة الهجمة التي يراد منها تغيير الدين ولو باسم تجديد الدين أو باسم الدخول إلى عصر التقنيات الحديثة، أو باسم الانفتاح على الآخر، أو غير ذلك من المسوغات ينبغي أن تقابَل برد مكافئ في منتهى الوضوح بعيداً عن التعميم، والتداخل في الألفاظ والمناورات الكلامية، وتمييع القضايا؛ فالأمر جد لا هزل فيه، وقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ، وأمر رسوله ﷺ بالوضوح التام في القضايا المصيرية التي لا تحتمل إلا وجهاً واحداً فقال له: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢] . وقد حذرنا الرسول الكريم ﷺ من هذا الصنف الذي يعمل على إفساد الدين في جمل قاطعة وواضحة، فقال: «سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم؛ فإياكم وإياهم» (٢) . وقد بيّن الرسول ﷺ أن هؤلاء دجالون كذابون، وحذر من الاستجابة لهم؛ لأن في ذلك الفتنة والضلال، فقال: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم؛ فإياكم وإياهم لا يُضلونكم ولا يفتنونكم» (٣) . إن مهمة العلماء الراسخين في رد تلك الهجمة مهمة جليلة وعظيمة، وهذا هو دورهم، ولا يصلح أن تُترك قيادة السفينة في بحر قد تلاطمت أمواجه إلا للربان الخبير؛ فهل من مستجيب؟

стр. 5207

التحرير د. فريد الأنصاري Farid-elansari@maktoob.com جمالية الدين دراسة في المفهوم والسلوك نحن اليوم في عالم طغت ظلمات الفتن فيه على معالم السنن، وغطى دخان الحرائق على الحقائق؛ فتعسرت الرؤية، وتداخل الحق بالباطل، وتشابهت طرائق السير على السائرين؛ واختلّت الموازين لدى كثير من الناس؛ بفعل سحرة العصر وكهانه الكبار؛ من شياطين الإعلام، ومَرَدَةِ الإخراج والتصوير؛ حيث صار للدين صورة (كاريكاتورية) مرعبة في مخيلة كثير من المستلَبين، وجموع التائهين، من المسلمين المتغربين. وزاد في ذلك بشاعةً سلوكُ بعض المتدينين الجهلة، وخطابُهم الفجّ ممن تداخلت في (لا شعورهم) رغبة التدين مع رغبة التنفيس عن المعاناة والألم اللذين يعتصران قلب المؤمن في هذا الزمان؛ جرّاء الظلم والظلمات التي تجتاح هذا العالم الجديد؛ فكان تدين بعضهم إلى الانحراف أقرب منه إلى الاعتدال في السلوك والاعتقاد؛ بل حتى في الملبس والمظهر، وقد رأينا منهم من لبس اللباس الأفغاني ببلاد المغرب؛ ظناً منه أنه لباس السنَّة على التحديد والتعيين؛ فخالف عرف أهله وبلاده، وما جرت عليه عاداتهم من الأزياء؛ وكانوا بذلك إلى البشاعة أقرب؛ فساعدوا أبالسة الإعلام على صناعة الصورة المخيفة للإسلام والمسلمين، وبدأت تؤثر بالفعل حتى على بعض المسلمين؛ مما اضطرنا إلى أن نُذَكِّرهم بأن الدين جميل. ولقد وجدنا شرائح من هؤلاء ـ أيضاً ـ ممن ضاعت منهم هويتهم أو ماتت، وضلت عنهم لغتهم، أو كادت عندما يُقَدَّرُ لهم أن تستيقظ فطرتهم من جديد، ويرغبون في العودة إلى تحقيق الشعور بالانتماء إلى هذه الأمة؛ فيجدون حرجاً شديداً في أن يكونوا في صف واحد مع (الإرهاب) ، ولقد لقينا منهم من يخاف حتى من المرور إلى جانب شاب ملتح، أو شيخ معمَّم يمشي هادئاً على قارعة الطريق، وفي حوارات شتى، وجدنا من يفزع من عقيدة الإسلام؛ لأنها في مخيلته ـ كما تلقاها عن الإعلام الغربي المتصهين ـ عقيدة الموت أو أيديولوجية العدم، وهو مع ذلك يعلن ـ بقوة ـ أنه مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويكره أن يوصف بالكفر ـ صادقاً ـ كما يكره أن يُلقى في النار، إلا أن الشبهات تعذبه عذاباً مريراً. كيف يكون مسلماً، وهذا (الالتزام الديني) ـ كما يراه أو كما صُوِّرَ له بالأحرى ـ هو إلى البشاعة والشناعة أقرب منه إلى الجمال والجلال؟ فهل لم يعد من بدّ إذن من إعادة (درس الدين) ، وشرح أبجديات التدين في الإسلام للعالمين، والكشف عن حجاب النور الذي يجلل حقيقته للناظرين؟ لا شك أن من واجبات الدعوة إلى الله أن ينهض أهل الفضل والعلم بإنجاز شتى ضروب البيان؛ مما يحتاج إليه إنسان هذا الزمان الذي وقع ضحية التغريب والتخريب في السلوك والاعتقاد، ووقع أسيراً بالشبكة التي نصبها كَهَنَةُ الإعلام، وسَحَرَةُ الفضائيات، ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] . وما أحسب هذا ببعيد عن معنى (فتنةِ القَطْر) المذكورة في حديث رسول الله #، فيما رواه أُسَامَةُ بن زيد ﵁: (أَنّ النّبِي # أَشْرَفَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ (١) . ثُمّ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنّي لأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ، كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ» !) (٢) . من أجل هذا وذاك؛ كانت هذه الورقات في (جمالية الدين) . إن «الجمالية» علم يبحث في معنى «الجمال» من حيث ماهيته، ومقاييسه، ومقاصده. «والجمالية» في الشيء تعني أن «الجمال» فيه حقيقة جوهرية، وغاية مقصدية، فما وُجِدَ إلا ليكون جميلاً (٣) . أما عندما نقول هنا (جمالية الدين) فإننا نعني أن الله الذي جعل الدين جميلاً، قَصَد أن يكون التدين جميلاً أيضاً، قصداً تشريعياً أصيلاً؛ بمعنى أن ذلك قُصِدَ منه ابتداءً، وليس مصادفة واتفاقاً؛ فالجمالية هنا متعلقة بتلك الإرادة الإلهية التي قضت أن (يتجمل) الناس بالدين، ويتزينوا به؛ عبادةً لله رب العالمين، ومنهاجاً لعمران الإنسان في الأرض، مصداقاً للحديث النبوي الشريف: «إن الله ـ تعالى ـ جميل يحب الجمال» (٤) ، والتجميل المطلوب في هذا الحديث يتعلق بالشكل والمضمون معاً، كما سترى بعد مفصلاً بحول الله. ومن هنا فإن (جمالية الدين) مفهوم له امتداد كلي شمولي؛ إذْ يمتد ليغطي علاقات المسلم بأبعادها الثلاثة: علاقته مع ربه، وعلاقته مع الإنسان، ثم علاقته مع البيئة أو الكون والطبيعة. وما يطبع ذلك كله من معاني الخير والمحبة والجمال. وكل ذلك يدخل تحت مفهوم (العبادة) بمعناه القرآني الكلي الذي هو غاية الغايات من الخلق والتكوين، مما بينته الآيات البيِّنات من مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ ـ ٥٨] . ولذلك فإن «الجمالية» في الدين لا تدرك من ألفاظ بعينها في الشرع فحسب، بل هي (مفهوم) مبثوث في أصول الدين وفروعه. إنها تؤخذ من كل معاني الخير، والتخلق، والتجمل، والتزين، والإحسان، ونحو هذا من معاني الجمال المبثوثة في القرآن الكريم والسنة النبوية. ولن يكون التدين ـ من حيث هو حركة في النفس والمجتمع ـ جميلاً إلا إذا جَمُلَ باطنُه وظاهرُه على السواء؛ إذ لا انفصام ولا قطيعة في الإسلام بين شكل ومضمون، بل هما معاً يتكاملان. وإنما الجمالية الدينية في الحقيقة هي: (الإيمان) الذي يسكن نورُه القلبَ، ويعمره كما يعمر الماء العذب الكأس البلورية؛ حتى إذا وصل إلى درجة الامتلاء فاض على الجوارح بالنور، فتُجَمّل الأفعال والتصرفات التي هي أخلاق (الإسلام) ، ثم تترقى هذه في مراتب التجمل؛ حتى إذا وصلت درجةً من الحسن؛ بحيث صار معها القلب شفافاً كأنه يشاهد الله ـ تعالى ـ أو يراقبه؛ كان ذلك هو (الإحسان) . والإحسان: هو أعلي مراتب الدين وعنوان الجمال في الدين، وهو الذي عرفه الحبيب المصطفى بقوله #: «الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك!» (١) . فالدعوى التي بُني عليها غرض هذا المقال إذن: هي تقرير حقيقتين في الإسلام: الأولى: أن الجمال جوهر أصيل في الدين، تفيض أنواره من كل حقائقه الإيمانية والتشريعية؛ ولذلك فإن خطاب الوحي قد قام ـ فيما قام عليه ـ على وضع مقاييس الجمال، وبيان المعالم الكلية لمنهاج التجمل بالدين. والثانية: أن تجميل التدين وتحسينه؛ حتى يكون غاية في الحسن والجمال؛ هو قصد مبدئي أصيل من الدين. وإذا كان (الدين) هو نصوص القرآن والسنة الصحيحة ـ وهي كلها بحمد الله جميلة ـ فإن (التدين) هو كسب الإنسان، وسعيه؛ لتمثل قيم الدين في نفسه ومجتمعه. إلا أن الغالب في لفظ (الدين) أن يرد بمعنى (التدين) على سبيل الترادف، سواء على مستوى نصوص الشرع، أو على مستوى نصوص اللغة؛ ففي معجم مقاييس اللغة لابن فارس: (الدال والياء والنون: أصل واحد، إليه يرجع فروعُه كلها. وهو جنس من الانقياد والذل؛ فالدين: طاعة، يقال: دان له يدين دِيناً، إذا أصْحَبَ وانقاد، وطاعَ. وقوم دِينٌ؛ أي: مطيعون منقادون. قال الشاعر: «وكان الناس ـ إلا نحن ـ ديناً» ) (٢) . فالدين في هذا السياق هو التدين عينه أما في الاستعمال الشرعي؛ فالدين يَرِدُ بمعنى الإسلام نفسه؛ أعني: الاسم العَلَم على دين الله الحق. ويرد بمعنى التدين. ولا يميز بينهما إلا السياق. فالأول: هو قول الله : ﴿إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ، وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وكذا قوله : ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] . وأما الثاني: ـ أي حيث يرادف الدين ـ التدين، فهو كقوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩] . فالسياق هنا دال على أن المراد من (الدين) ، وهو ما يضمره الإنسان في قلبه من اعتقاد، وما يمارسه من عمل: هو التدين؛ ولذلك تعلق به الإخلاص، وإنما هذا شعور بشري. وقد تكرر هذا في القرآن كثيراً. ولعل ورودهما مترادفين في الحديث النبوي أكثر. وذلك نحو حديث: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدين تربت يداك!) (٣) ، فواضح أن المراد بـ (الدين) هنا هو عملها الديني؛ أي: التدين، لا نصوص الشرع، ومثل هذا قوله # للمسافر: (أستودع الله دينَك، وأمانتَك، وخواتيمَ عملك) (٤) . وكذا قوله #: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرْضِه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) (٥) . وكان أغلب استعمال العلماء قديماً لمعنى التدين، إنما هو بلفظ (الدين) لا (التدين) . وذلك نحو قول علماء الجرح والتعديل: (لين الدين، أو في دينه لين) لمن كان ضعيف التدين. ولم يرد لفظ (التدين) في القرآن قط، حتى إنه لما أراد الله أن يأمر بحسن التدين قال ـ سبحانه ـ: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] . فـ (إقامة الدين) كما دل عليه السياق: هي تطبيق نصوص الدين. والتطبيق: هو التدين. ولفظ (التدين) فصيح في العربية، وإن لم يجرِ استعماله لدى الأقدمين كثيراً؛ وذلك أنه (يقال: دَانَ بكذا دِيَانَةً، وتَدَيّن به فهو دَيِّن ومُتَدِّينٌ. والدين: الإسلام، وقد دِنْتُ به. والدِّين: ما يَتَدَيَّنُ به الرجل) (٦) . وإنما شاع استعمال لفظ (التدين) في العصر الحاضر؛ نظراً لما عرفه الناس من انسلاخ عن الالتزام بالدين؛ إذ قد يكون المسلم متديناً وقد يكون غير متدين، دون أن يلزم عن ذلك الخروج الكامل عن الدين. ولم يكن الناس قبل في حاجة إلى هذا التمييز في القديم إلا قليلاً. وأيضاً فإن خلط الدين كنصوص في أذهان الكثير من الناس، بالدين كممارسة بشرية؛ أدى إلى استحباب بعض العلماء الفصل بين المعنيين بتخصيص (الدين) ـ في الفكر الإسلامي الحديث ـ للدلالة على مجموع نصوص الوحي من الكتاب والسنة، وتخصيص (التدين) كما هو في اللغة بالدلالة على التطبيق البشري للدين. إلا أن استعمالنا نحن ههنا لمصطلح (الدين) إنما هو واقع بدلالته القرآنية الأصيلة؛ أي: الجامعة بين القصدين: قصد نصوص الوحي، وقصد التطبيق البشري لها؛ وذلك لأن (التدين) لا يكون جميلاً إلا بمقدار مقاربته للمقاييس الجمالية للدين، فجمالية الدين هي التي تفيض بأنوارها على جمالية التدين، لا العكس. ومن هنا كان حديثنا هاهنا مبنياً في القصد على بيان (جمالية الدين) بالأصالة، وما ينبغي أن ينتج من جمال في التدين بالتبع. فاستعمالنا لمصطلح (الدين) كان باعتباره مصطلحاً مركزياً كلياً ـ كما هو في القرآن ـ للدلالة على هذا الغرض الجامع. كما أننا استعملنا مصطلح (التدين) أحياناً لإفراد السلوك البشري بالقصد، إذا دعت الحاجة السياقية لذلك؛ إذْ إن (التدين) ـ من حيث هو تجربة بشرية ـ قد لا يكون جميلاً بالضرورة؛ لأنه ببساطة كسب الإنسان. والإنسان مهيأ للخير والشر معاً، ولو جاء ذلك في ثوب الدين وأشكاله، وهنا مكمن الخطر؛ فالدين ككسب بشري ـ من حيث الأصل ـ الغالب فيه أن يكون جميلاً، نعم! لأن الدين كنصوص إنما نزل من أجل هذه الغاية: تزيين بني آدم بعبادة الله تعالى؛ ومن هنا ظن بعض الناس أن كل ما ينسب من قول أو فعل للمتدينين إنما هو شيء جميل، كما أنه قد يظن بعض هؤلاء في أنفسهم ذلك، وقد لا يكون في واقع الأمر كذلك؛ لاحتمال الخطأ والزلل، والانحراف عن الدين بقصد أو بغير قصد. بل قد يكون ـ إذا شط به الانحراف في الفهم أو في الممارسة ـ إلى القبح أقرب. ومن هنا كان هذه المقالات محاولة للنظر في (جمالية الدين) لرد التدين إليه؛ لأن جمالية الدين ثابتة لا غبار عليها، ولا يخشى عليها. وإنما الذي يعتريه التشوه والانحراف هو التدين. وأما الدين فهو محفوظ بحفظ الله الحفيظ العليم. إلا أن ضياع الدين بضياع التدين وارد بمعنى آخر؛ وذلك أن التدين إذا جَمُل وحَسُن لَحِقَ جمالُه بالدين؛ فيزيده جمالاً وبهاءً، كما أنه إذا فسد وساء لحقه فسادُه؛ فيشوه معالمه، ويكسف صورته في العالم! وهنا تكمن المشكلة. لقد أتى على المسلمين حين من الدهر ضاعت منهم فيه قيم الدين؛ فتشوهت في قلوبهم وتصوراتهم مقاصده الجميلة. والنتيجة: أنِ انحرَفَ بذلك في حياتهم منهج الدين، لقد طغى على كثير من المتدينين اليوم سلوك خطير أعوج، وهو اعتقادهم الشعوري، أو اللاشعوري، بأن الدين الحق إنما هو الخشونة، والحُزُونَةُ في القول والعمل. إن الظروف التاريخية الحديثة والمعاصرة، وكذا الظروف السياسية التي أظلت العالم الإسلامي منذ بداية القرن الميلادي العشرين، والتي ما تزال تظله مع مطالع هذا القرن الجديد، قلت: إن هذه الظروف كلها أنتجت حالة «رد فعل» سيئة لدى كثير من المتدينين، سواء في فهم الدين، أو في انتهاجه وسلوكه. إن النار التي يُحَرَّقُ بها المسلمون في العالم اليوم، جماعات وشعوباً ـ وخاصة أجيال حركة الوعي الإسلامي، وطلائع الصحوة الإسلامية ـ جعلت تعابير طوائف منهم، وأشكالاً من ممارسة بعضهم، تنفث رماداً ودخاناً؛ فاستغله الإعلام الغربي ـ ومن هو على شاكلته ونهجه من الإعلام العربي ـ استغلالاً سيئاً؛ لخدمة أغراضه المركزية؛ فرسم له صورة كاريكاتورية مفزعة ما أنزل الله بها من سلطان؛ فسلط الضوء على النقطة السوداء في المجتمع الإسلامي، وضخَّمها تضخيماً، وعرض الصورة الشاذة بدل الصورة الطبيعية. تماماً كما يقع للوجه الجميل النابض بالحسن والجمال، إذا ركزت نظرك لا على هيئته الكلية، وإنما على موقع خالة ذات سواد غامق فيه، حتى لا تكاد ترى منه غيرها، فتضخمت في عينك؛ حتى استوعب نتوؤها في خيالك كل الوجه، فتحوَّل الجمال فيه إلى صورة مفزعة، ولو نظرت إلى الخالة بحجمها الصغير في عرض الوجه؛ لفاض الحُسْنُ المتدفق من كل تقاسيمه ومعالمه عليها، ولرأيتها آنئذ جمالاً في ذاتها، بل لرأيتها سراً من أسرار جمال الوجه، وعيناً من عيون الحسن المتدفق عليه، ولكن أعاذنا الله من العمى، ﴿فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] ، ورحم الله الشاعر العربي؛ إذ قال: وعينُ الرِّضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ولكنَّ عينَ السخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا وللأسف الشديد؛ فإن ذلك كان من الأسباب الرئيسة، الكامنة وراء ضمور الوجه الجميل للدين الذي هو وجهه الحقيقي، المعبر عن تناسق قسماته وصفاء جوهره. إن طوائف من أبناء جيل الصحوة الإسلامية اليوم قد تخشبت قلوبهم، وتشنجت أقوالهم، وتحجرت عيونهم؛ فكانوا مثالاً للتدين الفِجّ، والسلوك القبيح، والذوق المتردي، وقد استغل الإعلام المغرض هذه الحالات الشاذة المنحرفة؛ فانطبع بذلك في فهوم كثير من الناس: أن الدين هو أبعد ما يكون عن قِيَم الحب والجمال، وكأنه ما أُنزل إلا ليكون ملاذاً «أيديولوجياً» لمرضى العقول ومتخلفي الأذواق والشعور. وكان الأحرى بهؤلاء أن يحافظوا للناس على رونق الدين، ورُواء التدين، ويقدموا للناس مثالاً فنياً رفيعاً للإيمان، يشع بالجمال الآسر للقلوب، ويُخرجوا للعالم نموذجاً بهياً للسلوك، يسحر العقول، ويأخذ بالألباب، فيكون المسلم بذلك آية للجمال الرائق الرقراق، السارب أريجه في الأنفس والمجتمعات، ولا يصبغوه بأحوالهم النفسية التي تعاني تحت ضغط العالم الظالم، والطغيان العاتي هنا وهناك، ولكن.. ما أشد ردود الأفعال المتشنجة! لقد عورضت نصوص الكتاب والسنة معارضات غير متوازنة، وضرب بعضها ببعض؛ فشاهت الفهوم، وكانت الكارثة حيث غابت نصوص التيسير والتبشير، وسيطرت فهوم التعسير والتنفير؛ فاختلّ التوازن في تدين كثير من الناس فهماً وتطبيقاً. ساءت النماذج في هذا الزمن؛ حتى لقد شعرت ـ كما شعر كثير غيري ـ أننا في حاجة ماسّة إلى «تذكر» أن الدين جميل حقاً، وأن التدين إنما هو تمثُّل قيم الجمال، والتزين بأنوارها في السلوك والوجدان. نعم! الدين جميل، وأي شيء يكون جميلاً في هذه الدنيا إن لم يكن هو الدين؟ وإنما قدم القرآنُ «الإسلامَ» على أنه مثال الجمال الأعلى من كل الأديان، وإنما عرضه زين الدعاة محمد رسول الله # على الناس ـ كل الناس ـ عرضاً جميلاً؛ فكان المتدينون في زمانه ﵊ والأعصر التي بعده قناديلَ تمشي في الأرض، ورياحين تملأ الزمان والمكان بأريج الجنة، فماذا وقع للناس اليوم؟ إن معاني الجمال في الدين من صفاء الروح، ومنازل الإيمان، وأحوال الإحسان؛ لم يستفد منها جمهور كبير من أبناء الصحوة الإسلامية المعاصرة؛ لأسباب منها: اشتهار نسبة كثير من مفاهيمها وألفاظها إلى المتصوفة ـ زعموا ـ بشتى مدارسهم ومذاهبهم؛ فكان أن زهد الناس فيها؛ بسبب ما خالط بعض كتبهم من خرافات، وشطحات، وبدع في الدين، ومنكرات، وإنما هي آيات قرآنية أو نبوية محضة، نعم! ربما اكتسبت في سياق الاستعمال التاريخي دلالات منحرفة في بعض الأحيان؛ فيكون الواجب هو تحريرَها منها، لا إلغاءها والتنكر لها. إن بعض الناس قد تحدثه عن شيء من ذلك؛ فيتبادر إلى ذهنه أنك سوف تقيده ـ بعد ذلك ـ ببدع التصوف من وساطات منكرة، واصطلاحات غامضة، ودعاوى أخرى ما أنزل الله بها من سلطان؛ إلا الافتئات على الله ورسوله ﵊. مع أن المسلم غني ـ ولله الحمد ـ عن وساطة الأشياخ والأوتاد والأبدال؛ بكلام الله ـ جل ثناؤه ـ وحديث رسول الله # المتاحَين لكل من أقبل على الله ببصيرة وقلب مفتقر، لا يتوقف كرمه وفضله ـ تعالى ـ على (إذْن) شيخ، أو رِضى (غوث) ، وإنما نوره ـ سبحانه ـ ظاهر أبداً، متدفق سرمداً؛ وذلك سر من أسرار جمالية الإسلام دين التوحيد الحنيف، وهو لازم عن جمال أسمائه الحسنى، وكمال صفاته العلى عما يصفون. نعم! للعلماء المربين وللحكماء المرشدين فضل الدلالة على الله، والتبصير بمسالك السير إلى منازل الحق سبحانه؛ لما لهم من سابقة العلم والذوق والمعرفة بالطريق، والانتصاب للدعوة إلى الله. وما دون ذلك من دعاوى الخصوصات الشاطحة، والفلسفات المخرقة، باطل منكر، لا يقود إلا إلى العمى والضلال. ولكن ما ينبغي لهذا أن يعمينا عن جمال الدين، وإنما خاطبنا الله ـ تعالى ـ بالجمال، وأمرنا أن نرحل إلى منازله العليا، ونسير إليها سيراً لا يفتر، ولا ينقطع حتى يدركنا اليقين، لا ينبغي للمؤمن الكيِّس الفطن أن تعميه غلطات المبتدعين ـ مهما قبحت ـ عن محاسن الدين؛ فيقنع في دينه بظواهر الألقاب، ويرمي بعيداً باللباب. إذن يكون من الجاهلين! كيف والجمال هو الدين؟ لقد خلق الله الإنسان في أجمل صورة وأحسنها، وقارِنْ بينه ـ إن شئت ـ وبين سائر الحيوانات والوحوش ظاهراً وباطناً! قال : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ، ثم جعل له الكون من كل حواليه جميلاً، وحسنه تحسيناً، عساه يكون في تدينه حسناً جميلاً! قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧] ؛ فالزينة الكونية مبعث وجداني للتحلي بالزينة الإيمانية. إن الناظر في هذا العالم الكوني الفسيح، يدرك بسرعة أن الإنسان يعيش في فضاء فني راق، بيئة واسعة بهية، هي آية من الجمال الذي لا يبارَى، بدءاً بالأرض حتى أركان الفضاء، الممتدة بجمالها الزاخر في المجهول، تسير في رونق الغرابة الزاهي إلى علم الله المحيط بكل شيء، ومن ذلك قوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] وجعل الأرض الجميلة تتنفس بالجمال، نعماً لا تحصى ولا تنتهي ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] . وأرشد ذوق الإنسان إلى تبين معالم هذا الجمال في كل شيء: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ #! ٥! #) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ #! ٦! #) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ #! ٧! #) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥ - ٨] . ثم انظر إلى هذا الجمال المتدفق كالشلال من الآيات التاليات! يقول ـ سبحانه ـ بعد الآية السابقة بقليل في سياق المنّ بهذه النعم الجميلة الجليلة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ #^١٠^#) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ #^١١^#) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ #^١٢^#) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ #^١٣^#) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ #^١٤^#) وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ #^١٥^#) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ #^١٦^#) أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ #^١٧^#) وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٠ - ١٨] . إنها صورة كلية شمولية، ذات ألوان وأنوار حية متحركة، بتضاريسها وبحارها، وأحيائها جميعاً، ثم بفضائها الرحب الفسيح. وفي سورة الأنعام صور تنبض بجمال الخصب والنماء، جمال لا يملك من له أدنى ذرة من ذوق سليم إلا أن يخضع لمقام الجمال الرباني العظيم. قال ﷻ : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ #^٩٩^#) ﴾ [الأنعام: ٩٩] . ويلحق بها قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ #^٢٧^#) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧ - ٢٨] . فهذه آياته الصريحة، وإشاراته اللطيف كلها، كلها مشعة بتوجيهات ربانية لتربية الذوق الإسلامي؛ حتى يكون في مستوى تمثل مقاصد الدين البهية، بتدينه الجميل. إن الله ـ تعالى ـ خلق الحياة على مقاييس الجمال الإلهية الباهرة الساحرة، وأرسل الرسل بالجمال؛ ليتدين الناس على ذلك الوِزان وبتلك المقاييس، ولذلك قال النبي محمد # سيد الأتقياء، وإمام المحبين: «إن الله ـ تعالى ـ جميل يحب الجمال» (١) . وفيه زيادة صحيحة: «ويحب معالي الأخلاق ويكره سِفْسافَها» (٢) ؛ مما يشير إلى أن الجمال مطلوب في أداء المسلم شكلاً ومضموناً، مبنى ومعنى، رسماً ووجداناً. لقد كانت الآيات المذكورة قبل من سور النحل، والأنعام، وفاطر، توقظ الشعور الوجداني الإنساني؛ لينتبه إلى مواطن الخير والحسن في نعم الله؛ ولذلك كانت مقاطع الآيات كلها تختم بصيغ التنبيه والاعتبار: (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون.. لقوم يعقلون.. لقوم يذّكرون.. ولعلكم تشكرون.. لعلكم تهتدون) بل بعضها كان صريحاً في الأمر بالنظر إلى نوابض الجمال في الكون والطبيعة، كما في قوله ـ تعالى ـ الوارد قبل: ﴿انظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] . ذلك أن تتبع جداول الجمال يقود إلى منبعه العظيم؛ حيث الحق والخير الصافي الرقراق. هنالك إذن يعب المتدينون من موارد الدين ما يتزينون به لربهم عبادة وسلوكاً؛ فإذا القلوب تنبض بجمال الإيمان، حباً لا يخبو أبداً، وما ألطف قوله ـ تعالى ـ في هذا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] . أن تحب الإيمان يعني أن الدين سكن فؤادك، فتعلقتَ به كما يتعلق المتيم بمحبوبه، والحب لا يسكن قلباً إلا إذا شاهد مباهج الجمال التي تأخذ بمجامعه، ولذلك قال: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فإذن كيف يصدر عن مسلم كهذا قبح في التعبير أو قبح في السلوك؟ إذن يكون خارج معنى (العبادة) حينئذ، وخارج مقاييس الدين؛ ذلك أن الله لا يقبل إلا جميلاً ولا يقبل إلا طيباً صدقت يا رسول الله!: «إن الله ـ تعالى ـ جميل يحب الجمال، ويحب معالي الأخلاق ويكره سِفْسافَها» . فليكن الدين إذن: سيراً إلى الله في مواكب الجمال! قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ #^٣١^#) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ #^٣٢^#) قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٣] فأي جمال بعد هذا وأي حسن؟ وأي ترشيد لذوقه أدَقّ من هذا وأرقّ؟ بدءاً بخوالج نفسه ووجدانه حتى مظاهر شكله ولباسه، دون أن يغفل شيئاً من مقاييس الذوق في الطعام والشراب، كل ذلك في سياق عبادة الله رب العالمين، فليكن هذا هو الدين الحق وإلا فلا دين! وإنها للطافة كريمة أن يجمع الحق ـ سبحانه ـ في مفهوم الدين من خلال هذه الكلمات النورانية بين جمالين: جمال الدين، وجمال الدنيا: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، ليكون ذلك كله هو صفة المسلم. ولقد حرص الرسول # على تربية صحابته الكرام على كل هذه المعاني، وكيف لا، وهو أول من قرر جمال ربه؛ فأحبه حتى درجة الخلة، قال # لأصحابه يوماً: «لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت ابن أبي قحافة (أبا بكر) خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله» (١) وصح ذلك عنه # في سياق آخر؛ قال #: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله ـ تعالى ـ قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد! إني أنهاكم عن ذلك!» (٢) . وكان يعلمهم كيفية سلوك طريق المحبة بعبارات وإشارات شتى، ما تزال تنبض بالنور إلى يومنا هذا، فانظر إن شئت إلى قوله #: «أنتم الغُرُّ المحجَّلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء؛ فمن استطاع منكم فليطل غُرته وتحجيله!» (٣) . والغرة بياض في ناصية الحصان، والتحجيل بياض في يديه؛ فتلك سِيم الجمال في وجوه المحبين وأطرافهم، يوم يَرِدُون على المصطفى #، وهي سِيَم «ليست لأحد من الأمم» (٤) بها يُعرفون في كثرة الخلائق يوم القيامة، كالدُّرّ المتناثر في دُجُنَّة الفضاء، هذه ومضة الإبراق النبوي تبشر برشح الأنوار على أطراف المتوضئين الساجدين، رشحاً لا يذبل وميضه أبداً؛ فإذا النبي الكريم يميز جمال المحبين وسط الزحام واحداً واحداً. ـ قال #: «ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة! قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله! في كثرة الخلائق؟ قال: أرأيت لو دخلتَ صُبْرَةً [محجراً] فيها خيلٌ دُهْمٌ، بُهْمٌ، وفيها فرَسٌ أغَرُّ مُحَجَّلٌ، أما كنتَ تعرفه منها؟ قالوا: بلى! قال: فإن أمتي يومئذ غُرٌّ من السجود، مُحَجَّلون من الوضوء» (٥) . فأي تذويق فني هذا للدين؟ وأي ترقية لطيفة للشعور هذا؟ وأي تشويق؟ ولم يفتأ النبي # يرقّي الذوق على مستوى التصرف والسلوك، ليس في مجال المعاملات فحسب، ولكن أيضاً في مجال الدعوة والإرشاد. وليس قوله #: «إن الله ـ تعالى ـ رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» (٦) وقوله: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا..!» (٧) . وقوله أيضاً في فرض الإحسان على المؤمن في كل تصرفاته وأعماله التعبدية والعادية: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء..» الحديث (٨) ـ إلا نموذجاً لعشرات الأحاديث المنضوية تحت هذا المعنى الكلي الكبير: الإحسان في كل شيء: في الشعور، والأخلاق، والمعاملات، والتصرفات، والسلوك. إن الصحوة الإسلامية المعاصرة لفي حاجة إلى تربية ذوقية؛ ترهف حسها بمواطن الجمال، الموجهة لكل شيء في هذا الدين، عقيدةً وشريعة. ولقد انتبه السابقون إلى ذلك وانبهروا به؛ فسارعوا إلى الالتحاق بقوافل المحبين، وكان منهم مصنفون ذوّاقون، نبّهوا إلى هذه المعاني، من أمثال الإمام ابن الجوزي، والإمام ابن القيم، والإمام الشاطبي ﵏ أجمعين. ألا ما أحوجنا اليوم إلى إعادة القراءة للدين، في مصادره العذبة الصافية الجميلة! قراءة تصل المسلم بالله؛ حتى ينتبه إلى الحقيقة الجمالية الجوهرية في الإسلام، عقيدة وشريعة، وبيان نوابض الحسن من كل ذلك في مجال التدين؛ عسى ألا يحجبنا دخان الحرائق المشتعلة بهذا الزمان عن مشاهدة ما لدينا من ثروة جمالية، والتجمل بمباهجها تديناً نسلك به إلى الله ذي الجمال والجلال، سلوكاً نكون به (أسوة حسنة) حقاً، وشهداء على الناس صدقاً، كما كان رسول الله # بجمال تدينه الرفيع أسوةً حسنة لأمته وشهيداً عليها. قال ربنا ـ جل علاه ـ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] . وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . [الحشر: ١٠] . ^ العدد ٢١٠

стр. 5208

التيسير في الفتوى تعريفه ومشروعيته ومجالاته وضوابطه وصفي عاشور أبو زيد تطالعنا بعض الفضائيات ومواقع الإنترنت ببعض المشايخ من غير أهل العلم الراسخين الذين يتصدرون لأخطر الأمور في الإفتاء، ويفتون الجمهور العريض في أنحاء العالم على الهواء مباشرة دون تأنٍّ ولا مراجعة، وبجرأة ظاهرة يجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً فيَضلون ويُضلون، وصدق فيهم ما رواه البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١) . وكثير من هؤلاء يبيحون أشياء محظورة، بل يحللون أشياء محرمة بحجة التيسير في الفتوى، وأن الدين الإسلامي دين التيسير ورفع الحرج، وأن رسول الله ﷺ قد بُعث بالحنيفية السمحة، وما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وهذا كله حق، لكن ما أجدره بكلمة علي بن أبي طالب ﵁ في قول الخوارج: «لا حكم إلا لله» بأنها «كلمة حق يراد بها باطل» . وهذا ما يدعو إلى الوقوف ـ بشيء من التفصيل ـ على تعريف التيسير، وتوضيح ضوابطه في الشريعة الإسلامية، حتى يتسنى لنا أن نفهم أنه ليس كل تيسير منضبطاً ومعتبراً، بل إن من التيسير ما لو تتبعناه بلا ضوابط لاندرست معه معالم الشريعة الغراء. ومن الأهمية ابتداء تبيين المصطلحات التي يحتوي عليها الموضوع مثل: الفتوى، والتيسير، وما يتصل بهما، حتى نكون على بينة من الأمر؛ فلن يكون هناك خلاف أو تناقض متى انكشفت المفاهيم، واتضحت المسميات. - معنى الإفتاء: قال في اللسان: يقال: أَفْتاه في المسأَلة يُفْتِيه إِذا أَجابه، والاسم: الفَتْوى، والفُتيا: تبيين المُشكِل من الأَحكام. أَصله من الفَتَى، وهو الشاب الحدث الذي شَبَّ وقَوِيَ؛ فكأَنه يُقوّي ما أَشكل ببيانه فيَشِبُّ ويصير فَتِيّاً قوِيّاً، وأَصله من الفتى، وهو الحديث السنّ، وأَفْتَى المفتي إِذا أَحدث حكماً (٢) . والإفتاء في الاصطلاح: هو تبيين الحكم الشرعي للسائل عنه، والإخبار بلا إلزام (٣) . وتجدر الإشارة أن مفهوم المفتي عند الأصوليين هو نفسه مفهوم المجتهد، فيقول علاَّمة متأخري الحنفية ابن عابدين ﵀: وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد، فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفتٍ، والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد كالإمام على وجه الحكاية، فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي (١) . وقال زكريا الأنصاري الشافعي: المفتي هو العدل المقبول الرواية المجتهد في الأحكام الشرعية (٢) . وبناء عليه فإن أغلب من نراهم اليوم على الهواء مباشرة في الفضائيات المتعددة ليسوا مفتين بالمعنى العلمي للكلمة وبمفهومها عند الأصوليين، وإنما هم نقلة لما قاله المجتهدون من قبل، والذين قالوا: إن المفتي هو المجتهد أرادوا بيان أن غير المجتهد لا يكون مفتياً حقيقة، وأن المفتي لا يكون إلا مجتهداً، ولم يريدوا التسوية بين الاجتهاد والإفتاء في المفهوم. - بين الفتوى والحكم: كما أن هناك فرقاً بين الحكم التكليفي لأمر ما والفتوى في هذا الأمر؛ فليس الحكم التكليفي هو الإفتاء، بل الحكم التكليفي شيء، والفتوى شيء آخر، وإن كانت وظيفة المفتي أن يحكم على أفعال العباد أياً كانت حالهم ووضعهم. والحكم في ذاته لا يتغير أبداً مهما تغير المكان والزمان والأشخاص والأحوال؛ فحكم شرب الخمر مثلاً في ذاته محرم شرعاً لا يتغير إلى يوم القيامة، أما الفتوى فتتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال والنية والعوائد، كما قرر ذلك المحققون من علماء الأمة. وعلى ذلك فيمكن أن تغير الفتوى حكماً من الأحكام لسبب من أسباب تغير الفتوى في واقع معين، لكن لا يغير ذلك من الحكم نفسه، إنما أباحت الفتوى شيئاً ما لضرورة من الضرورات؛ فشرب الخمر يباح أحياناً في أحوال وضرورة معينة؛ فإذا كان المسلم في صحراء ولا يجد ما يدفع به الموت من شدة العطش، أو حدثت له غُصَّة في حلقه، ولا يجد ما ينقذ به نفسه إلا شرب الخمر قطعاً فيباح له هنا ـ بالفتوى ـ أن يشرب الخمر، ومن هنا قعَّد الفقهاء قاعدة شهيرة: «الضرورات تبيح المحظورات» ، ولكن لا تغيِّر هذه الفتوى من الحكم في ذاته شيئاً؛ فيبقى حكم الشرب محرماً ثابتاً محكماً إلى يوم القيامة؛ فإذا ما وجد المسلم شديدُ العطش ما يدفع به عطشه سوى الخمر، أو يدفع به الهلاك بالغُصّة سواها ارتدَّ الحكم على الفور إلى أصله وهو الحرمة. - معنى التيسير وأدلته: أما التيسير أو اليُسْرُ بسكون السين وضمها فهو ضد العسر، والمَيْسُور ضد المعسور، وقد يَسَّرَهُ الله لليُسْرَى أي وفقه لها (٣) . والتيسير مبدأ أصيل في الشريعة الإسلامية، ومقصد أعلى من مقاصد التشريع الإسلامي؛ فما من حكم من الأحكام الشرعية العملية إلا والتيسير لحمته وسداه، والذي يتأمل التشريع الإسلامي يوقن بهذه الحقيقة يقيناً لا يخالطه شك ولا ريب، وقد قال ابن تيمية ﵀: «لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ولا ييسر آمِرٌ على مأموريه ويرفع عنهم ما لا يطيقونه إلا واللهُ ـ تعالى ـ أعظم تيسيراً على مأموريه، وأعظم رفعاً لما لا يطيقونه عنهم، وكل من تدبر الشرائع لا سيما شريعة محمد ﷺ وجد هذا فيها أظهر من الشمس» (٤) . والمتأمل في القرآن والسنة يجدهما يفيضان بذلك حقاً؛ فبعد تشريع الصيام قال ـ تعالى ـ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ؛ وبعد إباحة مُلك اليمين للزواج قال ـ سبحانه ـ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] ، وبعد أحكام الطهارة قال ـ عز من قائل ـ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ، وبعد أن عذر الضعفاء والمرضى في الجهاد قال ـ تعالى ـ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] ، وبعد الأمر بالجهاد قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، ورفع عن الأعمى والمريض والأعرج الحرج في أن يأكل من بيت أبيه أو أمه ... إلخ، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ، بل رفع عنهم الحرج مطلقاً، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧] ، ولما زوَّج الله رسولَه ﵇ بزوجة مولاه زيد بعد أن طلقها قرر أن الغاية من ذلك رفع الحرج على المؤمنين في أزواج أدعيائهم، فقال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] . والسنَّة النبوية المطهرة فيها ما فيها من مظاهر التيسير في حياة النبي العملية والقولية، بل إن فيها أوامر صريحة به من النبي عليه صلوات الله وسلامه. فعن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال: لما بعثه رسول الله ﷺ ومعاذ بن جبل قال لهما: «يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ... » (٥) . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي- ﷺ : «يسِّروا ولا تعسِّروا، وسكِّنوا ولا تنفروا» (٦) . وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «ما خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً؛ فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تُنتَهك حرمة الله فينتقم بها لله» (١) . وعن أبي هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : «دعوه وهَرِيقوا على بوله سَجْلاً من ماء، أو ذَنُوباً من ماء، فإنما بُعثتم ميسِّرين، ولم تُبعثوا معسِّرين» (٢) . والمتتبع لأقوال الصحابة وفهمهم للدين والأحكام، ويلاحظ معاملتهم وتعاطيهم مع الواقع المعيش في ظل النصوص، وكذلك السلف الصالح والأئمة الكبار على مر القرون لا يخطئه في ذلك كله مراعاتهم واعتبارهم، وفهمهم لهذا المبدأ الجليل، وقد أخرج الدارمي في سننه عن عمر بن إسحاق قال: لَمَن أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر مما سبقني منهم، فما رأيت قوماً أيسر سيرة، ولا أقل تشديداً منهم (٣) . - مجال التيسير: والتيسير وإن كان مبدأ أصيلاً في التشريع الإسلامي، ومقصداً أعلى في الشريعة الإسلامية إلا أن له مجالاً يعمل فيه، ومجالاً لا يعمل فيه؛ فالتيسير أو التغيير والتخفيف لا يدخل في أصول الدين وكليات الشريعة التي بها بقاء الدين ودوامه. قال الشافعي ﵀: «كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً لم يَحِلَّ الاختلاف فيه لمن عَلِمَهُ» (٤) . فأصول الدين، وكليات الشرع وثوابته، وأصول الحلال والحرام، وأصول الأخلاق والآداب لا يجوز أن يوضع شيء منها موضع الخلاف والجدل، وإلا اندرست معالم الشريعة، فلا يدخل فيها التيسير إلا لعارض الضرورة بالمعنى الأصولي للكلمة. وأما ما سوى ذلك من الفروع والجزئيات والمتغيرات، وكل ما لم يقم عليه دليل صحيح صريح قاطع؛ فهذا يدخله التيسير بضرورة وبغير ضرورة بما لا يتعارض وأصول الشرع والأخلاق والحلال والحرام. قال الإمام الشافعي: «وما كان من ذلك يحتمل التأويل، ويُدرَك قياساً، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه فيه غيره لم أقل إنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص» (٥) . وللإمام ابن القيم في هذا السياق كلام يؤكد هذا التقسيم؛ فيقول ﵀: «الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة: كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك؛ فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً ومكاناً وحالاً كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها؛ فإن الشارع ينوِّع فيها بحسب المصلحة» (٦) . يتبين من ذلك أن التيسير لا يكون في أي مجال في الشريعة، بل له مجال لا يتخطاه، ومدى لا يتعداه، ونحن إنما نكون مع الأصول في صلابة الحديد، ونكون مع الفروع في ليونة الحرير بما لا يتعارض مع المقررات الشرعية الكبرى. - مبادئ لها أثرها في التيسير: وقد ذكر الفقهاء أسباباً لها أثرها القوي في التحول من التشديد إلى التيسير، ومن العزيمة إلى الرخصة، مثل: السفر، والمرض، والإكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم البلوى، كما أن هناك مبادئ أصولية وفي علم القواعد استخلصها الفقهاء والأصوليون لها أثرها كذلك في هذا الأمر، ومن أهم هذه المبادئ: ـ المشقة: فإن المشقة توجب التيسير وتجلبه، والأمر إذا ضاق اتسع، وقد ضبط السيوطي المشقة التي تجلب التيسير فقال: المشاق على قسمين: مشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً: كمشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود، ورجم الزناة، وقتل الجناة، فلا أثر لهذه في إسقاط العبادات في كل الأوقات. وأما المشقة التي لا تنفك عنها العبادات ـ غالباً ـ فعلى مراتب: الأولى: مشقة عظيمة فادحة: كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء؛ فهي موجبة للتخفيف والترخيص قطعاً. الثانية: مشقة خفيفة لا وقع لها كأدنى وجع في إصبع، وأدنى صداع في الرأس، أو سوء مزاج خفيف؛ فهذه لا أثر لها، ولا التفات إليها. الثالثة: متوسطة بين هاتين المرتبتين؛ فما دنا من المرتبة العليا أوجب التخفيف، أو من الدنيا لم يوجبه: كحُمَّى خفيفة، ووجع الضرس اليسير، وما تردد في إلحاقه بأيهما اختلف فيه، ولا ضبط لهذه المراتب إلا بالتقرب (٧) . ـ ارتكاب أخفّ الضررين، فإذا ما كان هناك خياران أمام المكلف: أحدهما فيه ضرر، والآخر أشد ضرراً كان ذلك موجباً لارتكاب أخف الضررين، كالحاكم المسلم الذي يتحالف مع عدو لدفع خطر عدو أشد خطراً وضرراً منه؛ فهو يرتكب أخف الضررين، ويدفع أعظم الشرين. ـ تغير الفتوى بمقتضياتها، من تغيرٍ للزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال والنيات والعوائد، كما قرره ابن القيم وغيره، ومشهور ما فعله الإمام الشافعي ﵁ من تغيير في مذهبه بعد مجيئه إلى مصر، وصار له مذهبان: مذهب قديم، ومذهب جديد. وتغير هذا المتغيرات يقتضي الإفتاء بما يوائمها بما لا يتناقض مع الأصول الكلية والمبادئ الكبرى في الإسلام. ـ مآل الفتوى: بمعنى أن ينظر المفتي في مآل وعواقب فتواه؛ فإن أيقن أن مآلها ضرر وتعسير، وتحقيق لمصالح غير مشروعة امتنع عن هذه الفتوى، وبذلك يكون قد يسر على الناس، ومن ذلك امتناع النبي ﷺ عن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، مخافة أن تقع فتنة أكبر جراء حداثة القوم بالإسلام؛ فعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ قالت: فقلت: يا رسول الله! أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله ﷺ : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت» (١) . فهذه كلها مبادئ لها أثرها في التيسير على الناس في مجال الفتوى، بما استخلصه فقهاؤنا من قواعد وضوابط تؤثر بقوة في عملية التيسير. - ضوابط التيسير المعتبر: من المؤكد أن كل تيسير لا يعد معتبراً في شريعة الإسلام؛ فمن التيسير ـ كما سبقت الإشارة ـ ما لو تتبعناه لاندرست معه معالم الشريعة؛ ولذلك فهناك بعض الضوابط الحاكمة للتيسير حتى يكون تيسيراً متوافقاً مع مقاصد الشريعة ومع روح التشريع ومنها: الأول: أن يكون التيسير مضبوطاً بالدليل، وهو من أهم الضوابط، وأخطر الشروط للتيسير في الفتوى؛ فالقول بالتيسير لا بد له من دليل يسنده ويؤيده من أدلة أصول الفقه المعروفة، أما أن يُفتى بالتيسير دون ضابط من دليل كتاب أو سنة أو اجتهاد؛ فهذا ما لا يقره الشرع، وهو عينه الذي يقع فيه كثير من المفتين ـ أو بالأحرى نقلة الفتاوى ـ في هذا العصر. ومثال ما له دليل: زكاة الفطر هل تُخْرَج حبوباً أم نخرج القيمة؟ فيها الرأيان، ولكل دليله ووجهته، الحبوب هي رأي الجمهور، والقيمة هي مذهب عمر بن عبد العزيز، وأبي إسحاق، وأبي حنيفة، وجمهور من علماء العصر؛ فعلى المفتي هنا أن يراعي الأيسر على الناس في بيئة من البيئات، أو زمن من الأزمنة، وأن يراعي أيضاً الأنفع للآخذ ما دام في المسألة رأيان، ولكل رأي دليله المعتبر شرعاً. ومثال آخر: في وقوع الطلاق الثلاث طلقة واحدة أو ثلاث طلقات؛ فقد استقرت الفتوى على وقوعه طلقة واحدة، وهو الأيسر حفاظاً على كيان الأسرة من الانهيار، ومراعاة لما جُبِل عليه الإنسان من عجلة وتسرع، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته الذي خالف فيه الأئمة الأربعة، كل ذلك في ضوء ما يستند إليه هذا الأيسر من أدلة الشرع المعتبرة، وهكذا. أما أن يفتي المفتي برأي أيسر وليس له ما يؤيده من أدلة كتاب أو سنة أو غيرهما؛ فهذا ما لا يجوز الإفتاء به. الثاني: عدم تتبع الرخص، وهو من الشروط والضوابط المهمة أيضاً؛ لأن المفتي لو أفتى الناس بالرخص في كل شيء، وفي كل حال ولكل شخص لذاب الدين بين الناس، وأصبح الأصل هو الترخص لا العزيمة؛ ومع أن الله ـ تعالى ـ يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه؛ فإنه ـ تعالى ـ لا يرضى لعبده أو من قام مقامه في الفتيا أن يتتبع الرخص من كل مذهب، ويفتي الناس بها؛ لأنه بذلك يمرق من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة. ولذلك حذر فقهاؤنا كثيراً من هذا الأمر، وشددوا النكير على فاعليه. قال الزركشي: «فلو اختار من كل مذهب ما هو الأهون عليه ففي تفسيقه وجهان: قال أبو إسحاق المروزي: يفسق، وقال ابن أبي هريرة: لا ... وأطلق الإمام أحمد: لو أن رجلاً عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقاً. وخصّ القاضي من الحنابلة التفسيق بالمجتهد إذا لم يؤد اجتهاده إلى الرخصة واتبعها، وبالعامي المقدم عليها من غير تقليد؛ لإخلاله بغرضه وهو التقليد. فأما العامي إذا قلد في ذلك فلا يُفَسَّق؛ لأنه قلد من يسوغ اجتهاده. وفي (فتاوى النووي) الجزم بأنه لا يجوز تتبع الرخص. قال الزركشي: وفي «السنن» للبيهقي عن الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام، وعنه: يترك من قول أهل مكة المتعة والصرف، ومن قول أهل المدينة السماع، وإتيان النساء في أدبارهن، ومن قول أهل الشام الحرب والطاعة، ومن قول أهل الكوفة النبيذ. قال: وأخبرنا الحاكم، قال أخبرنا أبو الوليد يقول: سمعت ابن سريج يقول: سمعت إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد فدفع إليَّ كتاباً نظرت فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق؛ فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رُويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب (٢) . فلا بد من مراعاة الدليل للترخص، وحسن تقدير الحالة التي يفتى فيها هل يصلح لها الإفتاء بالرخصة أم لا؟ وكذلك الشخص المستفتي هل يصلح له الترخص المنضبط أم أن له العزيمة لزجره، وهكذا بحسب الحال والشخص وغير ذلك، فلا يكون الإفتاء بما فيه الرخصة عن غير ثقة ودليل، وإلا كان الترخيص تشهياً وجرياً مع الهوى؛ ولهذا قال النووي في مقدمات المجموع: وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل، وعليه يُحمَل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا! كقول سفيان: إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد (٣) . الثالث: ألا يتتبع الحالات الخاصة بوقائع معينة، أو ما كان استثناء من الأصل لبيان معنى معين، فلا يجوز للمفتي أن يعمم وقائع خاصة بأشخاص معينين إلى غيرهم من أفراد الأمة، كذلك الصحابي الذي أجاز النبي شهادته منفرداً، واكتفى بها دليلاً، مع أن الأصل شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين؛ فهذه خاصة به لا تتعدى إلى غيره من المسلمين. وكذلك ما جاء لا على الأصل ولكن على سبيل الاستثناء لإبراز معنى معين والتأكيد عليه؛ وذلك مثل ما فعله النبي ﵇ من جمع بين الصلوات دون عذر جمع من سفر أو مطر أو مرض، كما رواه مسلم بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لِمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يُحرِج أحداً من أمته (١) . فهذا الفعل فعله النبي ﵇ كي يبين مدى اليسر في الشريعة الإسلامية، ويؤكد على أن رسالته إنما جاءت لترفع الإصر والأغلال التي كانت على البشر قبل مجيء الرسالة الحنيفية السمحة. ومع ذلك فقد ذهب فقهاؤنا ﵃ مذاهب شتى في تأويل الحديث، حتى لا يخرج قصر الصلاة عن أعذاره المعروفة، فقال ابن قدامة بعد ذكر الحديث: ولنا عموم أخبار التوقيت، وحديث ابن عباس حملناه على حالة المرض، ويجوز أن يتناول من عليه مشقة: كالمرضع، والشيخ الضعيف، وأشباههما ممن عليه مشقة في ترك الجمع، ويحتمل أنه صلى الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، فإن عمرو بن دينار روى هذا الحديث عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال عمرو: قلت لجابر: أبا الشعثاء أظنه أخَّر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك (٢) . وهذا الإمام النووي يورد تأويلاً لهذه الحالة بأنها محمولة على المطر، ثم يقول: ولكن هذا التأويل مردود برواية في صحيح مسلم، وسنن أبي داود عن ابن عباس: «جمع رسول الله ﷺ بالمدينة من غير خوف ولا مطر» ، وهذه الرواية من رواية حبيب ابن أبي ثابت، وهو إمام متفق على توثيقه وعدالته والاحتجاج به. قال البيهقي: هذه الرواية لم يذكرها البخاري مع أن حبيب بن أبي ثابت من شرطه. قال: ولعله تركها لمخالفتها رواية الجماعة. قال البيهقي: ورواية الجماعة بأن تكون محفوظة أوْلى؛ يعني رواية الجمهور: من غير خوف ولا سفر. قال: وقد روينا عن ابن عباس وابن عمر الجمع في المطر، وذلك تأويل من تأوله بالمطر. قال البيهقي في معرفة السنن والآثار: وقول ابن عباس: أراد أن لا يُحرج أمته: قد يحمل على المطر؛ أي لا يلحقهم مشقة بالمشي في الطين إلى المسجد. وأجاب الشيخ (أبو حامد) في تعليقه على رواية من غير خوف ولا مطر بجوابين: أحدهما: معناه: ولا مطر كثير، والثاني: أنه يجمع بين الروايتين؛ فيكون المراد برواية: من غير خوف ولا سفر: الجمع بالمطر، والمراد برواية: ولا مطر: الجمع المجازي، وهو أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ويقدم الثانية إلى أول وقتها (٣) . وأياً ما كانت تأويلات الفقهاء فإن النفس تطمئن إلى أنه ثابت عن النبي ـ عليه الصلاة السلام ـ بيقين أنه جمع بلا عذر (٤) حتى يؤكد على المعنى الذي أشرنا إليه سابقاً، ولكن ليس معنى هذا أن يفتي المفتون بذلك، ويجعلوه أصلاً، وينسوا الأصل، وهو الجمع بأعذاره المعروفه؛ ولهذا قال (الشوكاني) بأن الجمع يجوز مطلقاً بشرط أن لا يتخذ ذلك خُلُقاً وعادة (٥) . قال ابن حجر: وممن قال به ابن سيرين، وربيعة، وأشهب، وابن المنذر، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث (٦) . وعليه فلا يجوز للمفتي أن يعدي حالة خاصة إلى الناس ويعممها عليهم، أو يفتي بحالة استثنائية، وينسى الأصل؛ ويجعلها هي الأصل؛ بدعوى التيسير على الناس. الرابع: أن يكون هناك ما يدعو للتيسير، وليس هذا شرطاً أساسياً من شروط التيسير في الفتوى؛ لأن التيسير أصل من الأصول التي بنيت عليها الأحكام، ولكن إذا كان هناك ما يدعو للتيسير الظاهر تأكد التيسير في الفتوى وتحتم، كضرورة من الضرورات، أو وقوع مشقة من المشقات، وهكذا. فالأصل أن يأخذ المكلفون بالعزيمة ما لم يدعُ داعٍ إلى التحول من العزيمة إلى الرخصة، وهذا الضابط يدخل فيه النوعان اللذان أشار إليهما الإمامان: الشافعي، وابن القيم من قبل؛ ففي النوع الأول ـ الكليات والأصول ـ يدخل التيسير فيه بالضرورة المعتبرة شرعاً؛ فالضرورة هنا هي التي دعت إلى التيسير، وفي النوع الثاني ـ الفروع والمتغيرات ـ يدخل التيسير باختيار الرأي الأيسر ما دام له دليل، وقد يكون التيسير فيه راجعاً إلى الضرورة أيضاً، ولا يلزم للتيسير في هذا النوع وجود الضرورة، وربما يليق للمفتي أن يفتي بالتغليظ والتشديد لمن يناسبه ذلك طبقاً لتغير الأحوال واختلاف الأشخاص زجراً للعامة، ولمن قلَّ دينه ومروءته، بشرط أن تكون فتياه طبقاً لمقتضى الأدلة الشرعية وأصول الفتيا. وبعد: فهذه بعض الشروط التي يجب على المفتي مراعاتها إذا أراد التيسير على الناس، والحق أن الباحث عن شروط التيسير لا يجد الحديث عنها مفرداً أو مستقلاً عند أحد من علمائنا لا في القديم ولا الحديث، كل ما هنالك الحض على التيسير في الفتوى وأدلة ذلك من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح مما يعطي البحث فيها أهميته، ويستوجب على الباحثين والمتخصصين إجراء البحوث العلمية في هذه المسألة. أما الذين يجترئون على منصب الإفتاء ـ وما أخطره ـ فالنصيحة الواجبة لهم هي: أن يتقوا الله في هذا المنصب الذي تولاه الله بذاته العليا: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ [النساء: ١٧٦] ، وأن يتريثوا في النطق بالحكم في مسألة من المسائل، حتى لا يأخذهم الله بما يقولون، وإذا كان لا يعلم حكم مسألة من المسائل فإنه يسعه ما وسع الأئمة الكبار الذين كانوا يقولون: «لا أعلم» ، وكانوا يحيل بعضهم الفتوى على بعض.

стр. 5209

المسلم والآثار النفسية للإيمان د. عز الدين المفلح غني عن القول أن قضية الإيمان هي قضية مصيرية بالنسبة للإنسان، إنها سعادة الأبد أو شقاء الأبد. إنها الجنة أبداً أو النار أبداً. والإيمان ليس مجرد إعلان المرء أنه مؤمن، وليس مجرد قيام الإنسان بأعمال وشعائر اعتاد أن يقوم بها المؤمنون، وليس مجرد معرفة ذهنية بحقائق الإيمان. وبكلمة مختصرة: ليس الإيمان مجرد عمل لساني، ولا عمل بدني، ولا عمل ذهني، بل هو عمل نفسي يبلغ أغوار النفس، ويحيط بجوانبها كلها: من هنا فإنه لا بد من إدراك ذهني تتكشف به حقائق الوجود على ما هي عليه، وهذا الانكشاف لا يتم إلا عن طريق الوحي الإلهي المعصوم، ولا بد من أن يبلغ هذا الإدراك العقلي حد اليقين الذي لا يزلزله شك ولا ارتياب. ولا بد من أن يصحب هذه المعرفة الجازمة إذعان قلبي وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة، ولا بد من أن يتبع تلك المعرفة حرارة وجدانية مسعدة. ومضمون هذا الإيمان هو وجود الله تعالى، ووحدانيته، وكماله، والإيمان بالنبوة والرسالة، وبوحدة الدين عند الله، والإيمان بمُثُل عليا إنسانية واقعية، وقدوات بشرية ممتازة، استطاعت أن تجعل من مكارم الأخلاق، وصوالح الأعمال، وفضائل النفوس، حقائق واقعة وشخوصاً مرئية للناس، لا مجرد أفكار في بعض الرؤوس، أو أمانٍ في بعض النفوس، أو نظريات في الكتب والقراطيس. ثم كيف يقبل العقل الحُرّ، أو ترضى الفطرة السليمة أن تنتهي الحياة، وقد طغى فيها من طغى، وبغى فيها من بغى، وقتل فيها من قتل، وتجبر فيها من تجبر، ولم يأخذ أحد من هؤلاء عقابه، بل تستر واختفى، وأفْلَت ونجا؟ وفي الجانب الآخر: كم استقام من استقام، وأحسن من أحسن، وضحّى من ضحّى، وجاهد من حاهد، وقدّم من قدّم، ولم ينل جزاء ما قدّم! ألا يحق للعقل أن يؤمن إيماناً جازماً أنه لا بد من وجود دار أخرى، تسوّى فيها الحسابات، يجزى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؟ قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠] . الإنسان مخلوق كريم عند الله، خلقه في أحسن تقويم، وكرمه أعظم تكريم، وصوَّره فأحسن صورته، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعلم والإرادة، وجعله خلفية في الأرض، وسخر له ما في السموات، وما في الأرض جميعاً منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة؛ فكل ما في الكون له ولخدمته، أما هو فجعله ـ تعالى ـ لنفسه. لذلك يشعر المؤمن بذاته، ويغالي بقيمة نفسه؛ لأنه يعتز بانتسابه إلى الله، وارتباطه بكل ما في الوجود؛ فيحيا عزيز النفس، عالي الرأس، أبياً للضيم، عصياً على الذل والهوان، بعيداً عن الشعور بالتفاهة والضياع، والصغار والفراغ. والإنسان في نظر الماديين لا يزيد ثمنه عن مئة من العملات الرخيصة؛ لأن فيه من الدهن ما يكفي لصنع سبع قطع من الصابون، وفيه من الفحم ما يكفي لصنع سبعة أقلام من الرصاص، وفيه من الفوسفور ما يكفي لصنع مئة وعشرين عود ثقاب، وفيه ملح المغنزيوم ما يصلح جرعة واحدة لأحد المسهلات، وفيه من الحديد ما يساوي مسماراً متوسط الحجم، وفيه من الكلس ما يكفي لطلاء بيت دجاج، وفيه من الكبريت ما يكفي لتطهير جلد كلب واحد، وفيه من الماء ما يزيد عن ثلاثين لتراً. السلامة والسعادة، مطلبان ثابتان لكل إنسان، كائناً من كان، في كل زمان ومكان، من الفيلسوف في قمة تفكيره وتجريده، إلى العامي في قاع سذاجته وبساطته، ومن الملك في قصره المشيد، إلى الصعلوك في كوخه الحقير، ومن المترف في ملذاته، إلى الفقير في ويلاته. ولكن السؤال الذي يحير الإنسان عبر العصور والأجيال: أين السعادة؟ ولماذا الشقاء؟ والجواب: لقد طلبها الأكثرون في غير موضعها، ومظانها، فعادوا كما يعود طالب اللؤلؤ في الصحراء صفر اليدين، مجهود البدن، كسير النفس، خائب الرجاء. لقد توهموا في ألوان المتع المادية، وفي أصناف الشهوات الحسية، فما وجدوها تحقق السعادة أبداً، وربما زادتهم مع كل جديد منها همّاً جديداً: «خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها همّاً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر» . ولا بد من التفريق بين السعادة واللذة. اللذة طبيعتها حسية، مرتبطة بالجسد الفاني، تأتي من خارج الإنسان؛ فهو يلهث وراءها، ويتعب في تحصيلها، وهي متناقضة في تأثيرها، تتبعها كآبة مدمرة، وتنقطع بالموت؛ فإن كانت مبنية على الظلم والعدوان، استحق صاحبها جهنم إلى أبد الآبدين. بينما السعادة طبيعتها نفسية، مرتبطة بذات الإنسان الخالدة، تنبع من داخل الإنسان، سهلة في تحصيلها، متناسبة في تأثيرها، يشقى الإنسان بفقدها، ولو ملك كل شيء، ويسعد بها، ولو فقد كل شيء، تقفز إلى ملايين الأضعاف بعد الموت، يستحق صاحبها جنة، عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفيها نظر إلى وجه الله الكريم، ورضوان من الله أكبر. واللذة تحتاج إلى عناصر ثلاث: وقت، وصحة، ومال. والإنسان يفتقد هذه العناصر في كل طور من أطوار حياته؛ ففي الطور الأول من حياته يتوافر الوقت والصحة، ويفتقد المال، وفي الطور الثاني من حياته يتوافر المال والصحة، ويفتقد الوقت، وفي الطور الثالث من حياته يتوافر الوقت والمال وتُفتقد الصحة. بينما السعادة تحتاج إلى عناصر ثلاث: إيمان بالله إيماناً حقيقياً، واستقامة على أمره، وعمل صالح تجاه خلقه. وهذه متوافرة في كل زمان ومكان، وفي طور من أطوار حياة هذا الإنسان. غاضب زوجٌ زوجته، فقال لها: لأشقينك! فقالت الزوجة في هدوء: لا تستطيع أن تشقيني، كما لا تملك أن تسعدني. فقال الزوج في حَنَق: وكيف لا أستطيع؟ فقالت الزوجة في ثقة: لو كانت السعادة في مال وكنت تملكه لقطعته عني، ولو كانت السعادة في الحلي والحلل، لحرمتني منها، ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون، فقال الزوج في دهشة: وما هو؟ فقالت الزوجة في يقين: إني أجد سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي. هذه هي السعادة الحقة التي لا يملك بشر أن يعطيها، ولا يملك أحد أن ينتزعها ممن أوتيها. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إمَّا أَن تُلْقِيَ وَإمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ* وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥ - ١٢٦] . ما الذي لاح لهؤلاء السحرة، وما الذي شعر به هؤلاء حتى تحدوا فرعون وما أدراكم من فرعون؟ إنها السعادة التي غمرت قلوبهم فآثروها على دنياهم العريضة التي وعدهم فيها فرعون. ولكن لا ننكر أن للجانب المادي مكاناً محدوداً في تحقيق السعادة؛ فقد قال ﵊: «من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح» (١) ، ولكن ليس لهذا الجانب المكان الأول ولا الأفسح، والمدار فيه على الكيف لا على الكم؛ فحسب الإنسان أن يسلم من المنغصات المادية التي يضيق بها الصدر: من مثل المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء، وأن يمنح الأمن والعافية، وأن يتيسر له القوت من غير حرج ولا إعنات. وما أروع وأصدق الحدث النبوي: «من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (٢) . ويقول ﵊: «إن الله ـ تعالى ـ بقسطه جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الهمّ والحزن في السخط والشك» (٣) . يكشف هذا الحديث الشريف عن حقيقة نفسية باهرة؛ فكما أن سنة الله قد ربطت الشبع والري بالطعام والشراب في عالم المادة؛ فإن سنته ـ تعالى ـ في عالم النفس قد ربطت الفرح والروح (أي السرور وراحة النفس) بالرضا واليقين؛ فبِرِضا الإنسان عن نفسه، وعن ربه، يطمئن إلى يومه وحاضره، وبيقينه بالله وبالجزاء في اليوم الآخر، يطمئن إلى غده ومستقبله، كما ربطت سنة الله الغم والحزن بالسخط والشك. فالساخطون والشاكون لا يذوقون للسرور طعماً، إن حياتهم كلها سواد ممتد، وظلام متصل، وليل حالك لا يعقبه نهار. أما حزن المؤمن فلغيره أكثر من حزنه لنفسه، وإذا حزن لنفسه فلآخرته قبل دنياه، وإذا حزن لدنياه فهو حزن عارض موقوت كغمام الصيف، سرعان ما ينقشع إذا هبت عليه رياح الإيمان. قدم عليه ﷺ وفد من اليمن، وهم ثلاثة عشر رجلاً قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسُرَّ رسول الله ﷺ بهم، وأكرم منزلهم، وقالوا: يا رسول الله! سقنا إليك حق الله في أموالنا، فقال رسول الله ﷺ : «ردوها على فقرائكم» . قالوا: يا رسول الله! ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا، فقال أبو بكر: يا رسول الله! ما وفد العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من اليمن، فقال رسول الله ﷺ : «إن الهدى بيد الله ؛ فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان» . وسألوا رسول الله ﷺ أشياء، فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد رسول الله ﷺ بهم رغبة، وأمر بلالاً بحسن ضيافتهم، فأقاموا أياماً، ولم يطيلوا المكث، فقيل لهم: ما يُعجِلكم؟. فقالوا: نرجع إلى مَنْ وراءَنا، فنخبرهم برؤيتنا رسول الله ﷺ وكلامِنا إياه، وما رد علينا. ثم جاؤوا إلى رسول الله ﷺ يدعونه، فأرسل إليهم بلالاً، فأجازهم بأرفع ما كان يجيز له الوفود. قال: «هل بقي منكم أحد؟» قالوا: نعم! غلام خلَّفناه على رحالنا هو أحدثنا سناً. قال: «أرسلوه إلينا» ، فلما رجعوا إلى رحالهم، قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله ﷺ ، فاقضِ حاجتك منه، فإنَّا قد قضينا حوائجنا منه وودعناه، فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني امرؤ من بني أبذي ـ يقول من الرهط الذين أتوك آنفاً ـ فقضيت حوائجهم، فاقضِ حاجتي يا رسول الله! قال: «وما حاجتك؟» ، قال: إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام، وساقوا من صدقاتهم، وإني ـ واللهِ ـ ما أقدمني من بلادي إلا أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غناي في قلبي. فقال رسول الله ﷺ وأقبل إلى الغلام: «اللهم اغفر له، وارحمه، وأجعل غناه في قلبه» ، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول الله ﷺ في الموسم بمنى سنة عشر. فقالوا: نحن بنو أبذي، فقال رسول الله ﷺ : «ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟» ، قالوا: يا رسول الله! ما رأيناه قط، ولا سمعنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها؛ فقال رسول الله ﷺ : «الحمد لله؛ إني لأرجو أن يموت جميعاً» . فقال رجل منهم: أوليس يموت الرجل جميعاً يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «تتشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا؛ فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية، فلا يبالي الله في أي أوديتها هلك» . قالوا: فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال، وأزهده في الدنيا، وأقنعه بما رزق، فلما توفي رسول الله ﷺ ، ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه، فذكَّرهم بالله وبالإسلام، فلم يرجع منهم أحد، وجعل أبو بكر الصديق يذكِّره ويسأل عنه حتى بلغه حاله، وما قام به؛ فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيراً (١) . فالناس يموتون على ما عاشوا عليه؛ فمن عاش جميعاً مات جميعاً، ومن عاش أوزاعاً شتى، وأجزاء متناثرة، مات عاش، وقليل من الناس، بل أقل من القليل ذلك الذي يعيش لغاية واحدة، ويجمع همومه في همّ واحد، يحيا له، ويموت له، ذلك هو المؤمن البصير الذي غايته الفرار إلى الله، وسبيله اتباع ما شرع الله، وكل شيء في حياته لله وبالله، حاله تنطق به هذه الآية: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] . إن الناس يخافون من أشياء كثيرة، وأمور شتى، ولكن المؤمن سد أبواب الخوف كلها، فلا يخاف إلا من الله وحده، يخافه أن يكون فرَّط في حقه، أو اعتدى على خلقه، أما الناس فلا يخافهم؛ لأنهم لا يملكون له ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. والمؤمن آمن على رزقه أن يفوته؛ فإن الأرزاق في ضمان الله الذي لا يُخلِفُ وعدَه، ولا يضيع عبده، وهو الذي يُطعم الطير في الوكنات، والسباع في الفلوات، والأسماك في البحار، والديدان في الصخور، وهو الذي يسمع دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. لقد كان المؤمن يذهب إلى ميدان الجهاد حاملاً رأسه على كفه متمنياً الموت في سبيل عقيدته، ومن خلفه ذرية ضعاف، وأفراخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر، ولكنه يوقن أنه يتركهم في رعاية رب كريم، هو أبر بهم، وأحنى عليهم منه، وتقول الزوجة عن زوجها وهو ذاهب في سبيل الله: إني عرفته أكَّالاً وما عرفته رزَّاقاً، ولئن ذهب الأكَّال، لقد بقي الرزاق. وهو آمن على أجله؛ فإن الله قدر له ميقاتاً مسمى، أياماً معدودة، وأنفاساً محدودة، لا تملك قوة في الأرض أن تنقص من هذا المقدار أو تزيد فيه. هدد الحجاجُ سعيدَ بن جبير التابعي الجليل بالقتل، فقال له سعيد: «لو علمتُ أن الموت والحياة في يدك، ما عبدت إلهاً غيرك» . إن الإيمان والأمل متلازمان، فالمؤمن أوسع الناس أملاً، وأكثرهم تفاؤلاً واستبشاراً، وأبعدهم عن التشاؤم والتبرم والضجر؛ إذ الإيمان معناه الاعتقاد بقوة عليا تدبر هذا الكون، لا يخفى عليها شيء، ولا تعجز عن شيء، بيدها كل شيء. المؤمن يعتصم بهذا الإله العظيم، البر الرحيم، العزيز الحكيم، الغفور الودود، ذي العرش المجيد، الفعَّال لما يريد، يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، أرحم بعباده من الأم بولدها، وأبر بخلقه من أنفسهم. فالمؤمن إذا حارب كان واثقاً بالنصر؛ لأنه مع الله فالله معه، ولأنه لله فالله له: ﴿إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢ - ١٧٣] . وهذا درس بليغ لنا في معركتنا مع أعدائنا. والمؤمن إذا مرض لم ينقطع أمله في العافية: ﴿وَإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] والمؤمن إذا اقترف ذنباً لن ييأس من المغفرة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] . وإذا أعسر لم يزل يؤمل باليسير: ﴿فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] . وإذا انتابته كارثة من الكوارث كان على رجاء من الله أن يأجره في مصيبته، وأن يخلفه خيراً منها. وإذا رأى الباطل يقوم في غفلة الحق، ويصول ويجول، أيقن أن الباطل إلى زوال، وأن الحق إلى ظهور وانتصار. وإذا أدركته الشيخوخة، واشتعل رأسه شيباً لا ينفكُّ يرجو حياة أخرى: شباباً بلا هرم، وحياة بلا موت، وسعادة بلا شقاء. المحبة هي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وهي الحياة التي من حُرِمَها فهو في جملة الأموات، وهي النور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، وهي الشفاء الذي من عدمه حلّت به الأسقام، وهي اللذة التي من لم يظفر بها؛ فعيشه كله هموم وآلام، لذلك قال ﷺ فما رواه أنس بن مالك: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يُلقى في النار» (١) . فالمؤمن من يعرف ربه، ويحبه، ويخطب وده، ويستقيم على أمره، ويعمل الصالحات ابتغاء وجهه، عندئد يجد حلاوة الإيمان، ويصبح شغله الشاغل التقرب إلى الله بالنوافل. وفي الحديث القدسي: «لا يزال عبدي يتقَّربُ إليَّ بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» (٢) . كثيرون هم الذين يدَّعون محبة الله ورسوله، ولا تجد في أعمالهم ما يُثبت ذلك، إنهم خاضوا بحار الهوى دعوى وما ابتُلوا، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخليُّ حُرقة الشجي، لذلك طولب المدعون بإقامة الدليل على صحة دعواهم فقال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] . المؤمنون هم أصبر الناس على البلاء وأثبتهم في الشدائد، وأرضاهم نفساً في الملمات، عرفوا أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، وأن من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، وعرفوا أن ما ينزل بهم من مصائب ليس ضربات عجماء، ولا خبط عشواء، ولكنه وفق قدر معلوم، وقضاء مرسوم، وحكمة إلهية، فآمنوا بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وعرفوا أن الله يقدر ويلطف، ويبتلي ويخفف، ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره، وعرفوا أن وراء كل شدة فرجاً، وأن وراء كل محنة منحة. وآيات الله في الآفاق والأنفس، تعد باباً واسعاً من أبواب الإيمان الحق، وطريقاً قصيراً إلى خشيته وطاعته: فالباحث في العلم يوقن، والمتأمل في الكون يشعر حينما يقرأ آيات القرآن المتعلقة بخلق الأكوان والإنسان، يوقن ويشعر بكل خلية في جسمه، وبكل قطرة من دمه، أن هذا القرآن كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وأنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن يأتي به بشر فرادى أو مجتمعين. فمن خلال المؤتمرات العالمية التي عقدت في عواصم متعددة في أنحاء العالم، حوْل الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، يتضح أن أبحاثاً علمية جادة ورصينة قام بها علماء ليسوا مسلمين، ولا تعنيهم آيات القرآن الكريم، استغرقت عشرات السنوات، وكلفت ملايين الدولارات، تأتي نتائج بحوثهم مطابقة مطابقة عفوية وتامة، من دون تكلف ولا تعنت، ومن دون تأويل بعيد لآية، أو تعديل مفتعل لحقيقة، تأتي نتائج بحوثهم تلك مطابقة لآية، أو لكلمة في آية، بل لحرف واحد في آية، وهذا مصداق قوله ـ تعالى ـ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .

стр. 5210

أهداف الترويح والترفيه من منظور إسلامي عبد العزيز الدغيثر للترويح آثار إيجابية كثيرة منها: إشباع الحاجات الجسمية والاجتماعية والعلمية والعقلية؛ إضافة إلى دوره في اكتشاف الأخلاق، كما أنه يمكن أن يكون وسيلة استثمار عالية العوائد. كما أن الترويح يزيد الترابط بين المشاركين في النشاط الترويحي. ومما هو معلوم لدى كل إنسان أن الأنشطة الترويحية تجعل الإنسان يعود إلى عمله بنشاط أكثر ورغبة أقوى وإنتاجية أعلى (١) . والنشاط الترويحي ضروري للبدن؛ لذا جاء في قصة حنظلة قال: لقيني أبو بكر الصديق ﵁ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة، حتى وكأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر الصديق، حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً. فقال ﷺ : «والذي نفسي بيده! أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ـ ثلاث مرات» (٢) . ولما رأى النبي ﷺ من عبد الله بن عمرو ﵄ زيادة في التعبد على حساب حاجات أخرى أمره بالتوازن؛ فقال: «صم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً» (١) . وقد جاءت الآثار عن الصحابة للتأكيد على هذا المفهوم؛ فقال علي ﵁: أَجِمُّوا هذه القلوبَ، والتمسوا لها طرائف الحكمة؛ فإنها تملّ كما تمل الأبدان» . وقال ابن مسعود ﵁: أريحوا القلوب؛ فإن القلب إذا أُكره عمي (٢) . إلا أن هذا لا يعني أن يغلب الترفيهُ الجِدَّ في حياة المسلم، بل الغالب على المسلم أن يكون جاداً منتجاً والترفيه طارئ. كما أن الترفيه له أهداف رئيسة وأهداف جانبية؛ فمن أهداف الترفيه: - الهدف الأول: تجديد النشاط، وتقوية الإرادة: للترويح أثر ملاحظ على النفس بتجديد نشاطها، وفي هذا يقول أبو الدرداء ﵁: «إني لأستجم لقلبي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق» . ولذا يجد المتأمل في حكمة التشريع الإسلامي أن عيد الفطر يأتي بعد وقت جد وعبادة، بالصيام، والقيام، وغيرها من النوافل، وعيد الأضحى يأتي بعد يوم عرفة، وهو يوم عبادة، ودعاء، وتضرع، وصيام لغير الحاج. والعيد هو البهجة والسعادة التي تجدد للقلب حياته وحيويته، وحتى يكون الفرح عبادة يؤجر عليها العبد ارتبط العيد بشعيرتين إسلاميتين، هما: صوم رمضان، وأداء مناسك الحج والأضاحي. وسمي العيد عيداً؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد. وليس للمسلم في السنة إلا عيدان؛ فعن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ ، ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال ﷺ : «قدمت عليكم، ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم النحر، ويوم الفطر» (٣) . والعيدان المذكوران هما: يوم النيروز، ويوم المهرجان (عون المعبود ٣/٤٨٥) . وفي حديث الجاريتين أنهما كانتا تغنيان، وتضربان بالدف عند عائشة ﵂ في العيد من أيام منى (٤) . وللترفيه أثر في إزالة ما يعتري النفس من تعب وجوع وعطش، وقد استخدم الصحابة الترفيه لتصبير أطفالهم على الصوم؛ فقد روى البخاري ومسلم عن الربيع بنت معوذ قالت: «أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتمّ بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن؛ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك، حتى يكون عند الإفطار» (٥) . والتغيير بالسفر أمر لا بد منه، ولا يعارضه الشرع؛ لأن فيه مصلحة واضحة جلية، قال الشافعي: ما في المقام لذي عقل وذي أدبِ من راحة فدعِ الأوطان واغتربِ سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصَبِ إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سال طاب وإن لم يجر لم يطبِ الأُسْدُ لولا فراق الغاب ما قنصت والسهم لولا فراق القوس لم يُصبِ والشمس لو وقفت في الفلك دائمة لملها الناس من عجم ومن عربِ والبدر لولا أفول منه ما نظرت إليه في كل حين عين مرتقبِ والتبر كالترب ملقى في أماكنه والعود في أرضه نوع من الحطبِ فإن تغرَّب هذا عز مطلبه وإن أقام فلا يعلو على رتبِ وقال: الكحل نوع من الأحجار منطرحاً في أرضه كالثرى يُذرى على الطرق لما تغرَّب نال العز أجمعه فصار يُحمل بين الجفن والحَدَقِ ولكن العاقل من يتعظ بسفره، ويجعل سياحته تقربه لربه، وتزيد من إيمانه ومعرفته وثقافته. ولما أراد أعداء ابن تيمية طرده من بلاده، قال ـ يرحمه الله ـ: «ما ينقم مني أعدائي. أنا جنتي في صدري. قتلي شهادة، وتسفيري سياحة، وسجني خلوة» . - الهدف الثاني: إظهار سماحة الإسلام: قد يظن ظان أن الترفيه يعارض الدين الإسلامي، وقد أعلنها رسول البشرية ﷺ حين قال لبعض الغلاة: «لا رهبانية في الإسلام» ؛ ولذا فإن إظهار الترفيه المباح لإعلام الآخرين بسماحة الدين وواقعيته أمر مطلوب ومشروع، ودليل ذلك ما ثبت في المسند من حديث عائشة أن النبي ﷺ لما أذن لعائشة باللعب بالبنات مع صواحبها، قال: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني بُعثت بحنيفية سمحة» (١) . وقد فهم السلف من الصحابة ومن تبعهم هذا المقصد؛ فقد قال أحد السلف لأصحابه ليبين لهم هذه السماحة: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يتبادحون بالبطيخ؛ فإذا كانت الحقائق كانوا هُمُ الرجال» (٢) . - الهدف الثالث: إسعاد الصغار: إسعاد الصغار أمر مطلوب حيث كان النبي ﷺ يتحراه ويقصده؛ لأن الصغار هُمْ بهجة الدنيا وإسعادهم يملأ الأجواء سعادة وفرحاً. ومما يدل على الحرص على هذا الأمر ما ثبت عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا أتى الثمر أُتي به فيقول: (اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي مدنا، وفي صاعنا بركة مع بركة) ، ثم يعطيه أصغر من بحضرته من الولدان (٣) . وهذه الهدية الصغيرة لها أثر عميق في نفس الصغير لا ينساه ما عاش. ومن ذلك إردافهم على الدابة؛ فقد قال عبد الله بن جعفر ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بالصبيان من أهل بيته. قال: وإنه قدم مرة من سفره فسيق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابنيْ فاطمة؛ إما حسن، وإما حسين فأردفه خلفه، قال: فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة» (٤) . وقال ابن عباس ﵄: لما قدم رسول الله ﷺ مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحداً بين يديه، وآخر خلفه (٥) . ومن إسعاد الصغار تفريحهم بالمال؛ فقد مَرّ ابن عمر ﵄ في طريق فرأى صبياناً يلعبون فأعطاهم درهمين (٦) . ومما يفرح الصبي حمله والإنشاد له؛ فعن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر ﵁ يحمل الحسن بن علي، ويقول: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيهاً بعلي وعلي معه يتبسم (٧) . قال الحافظ في الفتح: وكان عمر الحسن إذ ذاك سبع سنين (٨) . وعن عروة بن الزبير قال: كان أبي ينقزني ويقول: أبيض من آل عتيقِ مبارك من ولد الصديقِ ألذه كما ألذ ريقي (٩) وكان العباس ﵁ يرقص قثم، ويقول: يا قثم يا قثم يا ذا الأنف الأشم يا شبه ذي الكرم (١٠) وكانت أم الفضل بن عباس ترقصه وتقول: ثكلت نفسي وثكلت بكري إن لم يسد قهراً أو عين قهري بالحسب العز وبذل الوفر (١١) وقال الشعبي: كانت قريش تحب عثمان بن عفان ﵁ حتى إن المرأة كانت ترقص ابنها وتقول: أحبك والرحمن حب قريش عثمان (١٢) - الهدف الرابع: التنمية العضلية: من أفضل الوسائل الترفيهية ما يفيد البدن وينشطه؛ لأنه ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ... » (١) . والصغير كثير الحركة واللهو، والمطلوب من الكبار أن يتنزلوا لهم ليسعدوا؛ ولأن في حركتهم تنمية لقواهم العضلية؛ فعن أبي هريرة ﵁: «أنه صلى مع رسول الله ﷺ العشاء؛ فأخذ الحسن والحسين يركبان على ظهره؛ فلما جلس وضع واحداً على فخذه، والآخر على فخذه الأخرى ... » (٢) ، وفي حديث شداد بن الهاد ﵁ أنه رأى الحسن أو الحسين على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد فأطال السجود؛ فلما قضيت الصلاة قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة قد أطلتها؛ فظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، قال: «فكل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني؛ فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته» (٣) ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يصلي والحسن والحسين يثبان على ظهره، فيأخذهما الناس فقال: دعوهما بأبي هما وأمي! من أحبني فليحب هذين!» (٤) . فهذه الوقائع تدل على أن الإنسان في حال تعامله الجادّ يختلف عن حاله وقت الترفيه؛ فليس التجهّم من الإسلام في شيء، وقد ورد عنه ﷺ أنه كان من أفكه الناس مع صبي (٥) . ونقل ابن مفلح عن ابن عقيل أنه قال: «والعاقل إن خلا بأطفاله خرج بصورة طفل، ويهجر الجد في ذلك الوقت» (٦) . وقد عزل عمر والياً؛ لأنه لا يلاعب أطفاله (٧) . والصغار يحبون المنافسة كثيراً، وقد استخدم النبي ﷺ الترفيه للصغار عن طريق إجراء السباق بينهم؛ فقد ثبت عن عبد الله بن الحارث ﵁ قال: كان ﷺ يصفُّ عبدَ الله وعبيدَ الله ـ من بني العباس ـ ثم يقول: من سبق إلى كذا فله كذا وكذا، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم (٨) . والزوجة تحتاج إلى أن تأخذ حظها من الترفيه؛ فقد سابق النبي ﷺ عائشة مرة فسبقته، ثم سابقها بعد أن حملت اللحم فسبقها، فقال ﷺ : «هذه بتلك» (٩) . وورد عن عائشة ﵂ أنها كانت تلعب بالأرجوحة مع صاحباتها قبل دخول النبي ﷺ بها (١٠) . وقد وردت عدة وسائل في النصوص الشرعية؛ مما يحصل به الجمع بين الترفيه والتنمية العضلية والاستعداد العسكري للمجتمع المسلم؛ فمن ذلك: - أولاً: السبق بالأقدام: تعتبر المسابقة بالأقدام من أقدم أنواع المسابقات وأسهلها وأقلها كلفة، وقد وردت في قصة يوسف أن إخوته قالوا: ﴿إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧] ، قال ابن سعدي ﵀ في تفسيره: نستبق إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال. كما أن النبي ﷺ استخدم هذا الأسلوب الترفيهي كما في حديث عائشة ﵂ أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر فسابقته على رجلها فسبقته، قالت: فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال: «هذه بتلك» (١١) . وبعد غزوة (ذي قرد) سابق سلمة بن الأكوع رجلاً من الأنصار إلى المدينة بإذن النبي ﷺ فسبقه سلمة (١٢) . وعندما قفل النبي ﷺ وأصحابه من غزوة تبوك قالت الأنصار: السباق، فقال النبي ﷺ : إن شئتم (١) . وسابق ابن الزبير عمر بن الخطاب ﵄ فسبق ابن الزبير؛ فقال: سبقتك ورب الكعبة، قال عبد الله: ثم سبقني فقال: وسبقتك ورب الكعبة (٢) . - ثانياً: المصارعة: وهذه رياضة نبيلة، لكنها تطلق الآن على رياضة عنيفة لا يقرها دين ولا عقل، وقد ورد في المصارعة أن سمرة بن جندب ورافع بن خديج ﵄ تصارعاً بين يدي النبي ﷺ يوم أحد (٣) . ليتبين الأقوى فينال شرف الجهاد. وحديث ركانة بن عبد يزيد قال: كنت أنا والنبي ﷺ في غُنَيْمة لأبي طالب نرعاها في أول ما رأى؛ إذ قال لي ذات يوم: هل لك أن تصارعني؟ قلت له: أنت؟ قال: أنا، فقلت: على ماذا؟ قال: على شاة من الغنم، فصارعته فصرعني» (٤) . وقد أفادت هذه المصارعة إسلام ركانة؛ لأنه علم أن النبي ﷺ مُعان من الله تعالى. وردَّ عليه النبي ﷺ غُنيمته. - ثالثاً: الغطس: وهذه الوسيلة الترفيهية رياضة جماعية، وفيها فائدة تمرين الصدر والرئتين على الحصول على كمية أكبر من الهواء مع التكرار والصبر؛ ولذا نلاحظ أن الغواص المحترف يمكث تحت الماء مدة أطول من غيره لتمرّن رئتيه على ذلك، وقد ورد في هذا النوع من المسابقات أن عمر بن الخطاب ﵁ مَرّ بساحل البحر وهو محرم، فقال لابن عباس ﵄: تعالَ أباقيك في الماء أينا أطول نَفَساً؟ قال ابن عباس: ونحن محرمون. وجاء عن ابن عمر أن عاصم بن عمر وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتمالقان (يتغاطسان) يغيِّب أحدهما رأس صاحبه وعمر ينظر إليهما، فلم ينكر ذلك عليهما (٥) . - رابعاً: السباحة: وهي من أفضل وسائل الترفيه وأنفعها للبدن والنفس، وقد جاءت النصوص النبوية بمدح هذه الوسيلة، واستحباب تعلمها وتعليمها؛ لأنها قد تكون وسيلة لإنقاذ النفس، ومن طريف ما يُذكر أن نحوياً صعد سفينة فسمع ربانها يصيح بأعلى صوته: ارفعوا الشراعُ يا أيها البحارة! فقال النحوي للربان: ألا تعرف النحو؟ قال: لا، فقال النحوي: فاتك نصف عمرك! فهبَّت عاصفة هزت السفينة حتى ارتفعت الأمواج وتلاطمت؛ فقال الربان للنحوي: أتعرف السباحة؟ قال: لا؛ فقال الربان: فَاتَك عمرك كله! ومما ورد في فضل السباحة ممارسة وتعلماً وتعليماً حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو غير أربع خصال: تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بين الغرضين، وتعليم السباحة» (٦) . وكتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة ﵁ «أن علموا غلمانكم العوم ومقاتلتكم الرمي» (٧) ، وليعلم أن معرفة السباحة غاية في الأهمية؛ ولذا أوصى الحجاج مؤدب بنيه بقوله: «علمهم السباحة قبل الكتابة؛ فإنهم يجدون من يكتب عنهم ولا يجدون من يسبح عنهم» (٨) . - خامساً: الفروسية: وهي رياضة النبلاء والقادة؛ لأنها تدل على شجاعة وثبات ورباطة جأش وقوة عزيمة، ولقد حث الشرع على أن يكون الترفيه البدني معيناً على الاستعداد العسكري للجهاد، وأجاز بذل العوض فيه، والأصل في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا سَبْقَ إلا في خف أو حافر أو نصل» (٩) . وحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ «سبَّق بين الخيل وراهن» وفي لفظ: «سبق بين الخيل وأعطى السابق» (١٠) . وأصل الحديث في مسلم بلفظ: «أن النبي ﷺ سابق بالخيل ... » (١١) . دون ذكر الرهن. وتعليم الفرس وتأديبها من وسائل ذلك لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو غير أربع خصال: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بين الغرضين، وتعليم السباحة» (١) . - سادساً: السباق على الإبل: من وسائل الترفيه عند العرب السباق على الإبل التي هي سفينتهم التي يعبرون بها الفيافي والقفار، وقد كان أغنياء العرب يتنافسون في اقتناء الإبل الأصيلة السريعة الصبورة، وإجراء المسابقات بين الإبل أمر شائع في العهد النبوي، ففي البخاري عن أنس ﵁ قال: «كانت لرسول الله ﷺ ناقة تسمى العضباء لا تُسبق ... » (٢) . وكان الصحابة يسابقون على الخيل والركاب وعلى أقدامهم (٣) . - سابعاً: الرمي: من أجمل وأمتع وسائل الترفيه الرمي بالسلاح للتمرين على الإصابة والدقة؛ فقد ثبت في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» (٤) . وخرج النبي ﷺ على قوم مِن أسلم يتناضلون بالسوق فقال: «ارموا بني إسماعيل! فإن أباكم كان رامياً..» (٥) . بل حذر النبي ﷺ من نسيان الرمي؛ حيث قال: «من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا» (٦) . ولذا حرصوا على هذا الأمر، حيث كانوا يتواصون به، فكتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة ﵁ «أن علموا غلمانكم العوم ومقاتِلَتَكم الرمي» (٧) . وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: «عليكم بالرمي؛ فإنه خير لَهْوِكُم» (٨) . وفي مجمع الزوائد أن أنساً ﵁ كان يجلس ويُطرح له فراش ويجلس عليه ويرمي ولده بين يديه، فخرج يوماً وهم يرمون فقال: يا بنيَّ! بئس ما ترمون، ثم أخذ القوس فرمى؛ فما أخطأ القرطاس» (٩) . - ثامثاً: اللعب بالسلاح: واللعب بالسلاح يشبه إلى حد كبير رقصة الحرب، ووقتها في العادة قبل المعارك وفي الأعياد ونحوها، ومشاهدة هذا اللعب وممارسته أمر مباح، ودليل ذلك حديث عائشة، في إذن النبي ﷺ لها برؤية الحبشة وهم يلعبون بالحراب في المسجد (١٠) . - الهدف الخامس: التهيئة النفسية وإزالة التوتر: من حكمة الشارع أنه شرع للإنسان في حال توتره وخوفه بعض الوسائل الترفيهية لإزالة ذلك، ومن أصعب المواقف ليلة زفة العروس إلى زوجها؛ إذ كل طرف يصيبه توجس وقلق من الموقف، وقد يصيبه خوف من الإخفاق؛ فشرع الضرب بالدف، وذكر الأناشيد التي تؤدي الغرض. ومثل ذلك وقت الحرب والختان ونحوها. كما ورد في السنة النشيد وقت العمل الشاق، كمثل ما حدث في حفر الخندق، وفي السفر، ونحو ذلك. - جواز الغناء واستعمال الدف في وليمة العرس: ورد في السنة جواز ذلك: أولاً: حديث عائشة ﵂ أنها زفت امرأةً إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله ﷺ : يا عائشة! ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو» (١١) . ثانياً: حديث عائشة ﵂ أن يتيمة تزوجت رجلاً من الأنصار، وكانت عائشة فيمن أهداها إلى زوجها، قالت: فسلمنا ودعونا بالبركة، ثم انصرفنا، فقال ﷺ : إن الأنصار قوم فيهم غزل، ألا قلتم يا عائشة: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم» (١٢) . وفيه دليل على جواز الغزل غير الفاحش عند زفاف المرأة إلى زوجها. والحكمة في ذلك إعلان النكاح. ثالثاً: حديث عامر البجلي قال: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي مسعود ـ قال الراوي عنه: وذكر ثالثاً ذهب عليَّ ـ وجوارٍ يضربن بالدف ويغنين، فقلت: تقرون على هذا وأنتم أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قالوا: إنه قد رخص لنا في العرسات، وفي البكاء على الميت من غير نياحة» (١٣) . - حكم الدف والغناء في العرس: قال أحمد: يستحب أن يُظهر النكاح، ويُضرب عليه بالدف، حتى يشتهر ويُعرف. وقال أيضاً: لا بأس بالغزل في العرس كقول النبي ﷺ للأنصار: «أتيناكم أتيناكم..» (١) . وأما الدف للرجال فقد قال المرداوي: ظاهر قوله ـ أي صاحب المقنع ـ والضرب عليه بالدف، أنه سواء كان الضارب رجلاً أو امرأة، قال في الفروع وظاهر نصوصه، وكلام الأصحاب التسوية (٢) . وقال صاحب الشرح: وإنما يستحب الضرب بالدف للنساء. ذكره شيخنا ﵀ وأما الطبل فقال أحمد: وأكره الطبل، وهو المنكر، وهو: الكوبة التي نهى عنها النبي ﷺ (٣) . - الهدف السادس: التشجيع: إقامة الحفلات الترفيهية المباحة سبيل إلى تشجيع المحسن، سواء أكان كبيراً أم صغيراً، وقد ورد مثل هذه الحفلات عن بعض من سلف؛ فمن الأساليب التي تحبب العلم إلى الصغار الاحتفال بهم، بوضع حفلة ترفيهية مفرحة. قال أبو خبيب الكرابيسي: كان معنا ابن لأيوب السختياني في الكُتَّاب فحذق الصبي، فأتينا منزلهم فوُضِع له منبر، فخطب عليه، ونهبوا علينا الجوز، وأيوب قائم على الباب، يقول لنا: ادخلوا، وهو خاص لنا (٤) . - الهدف السابع: تنمية الروح الابتكارية والتخيلية: من أهداف الترفيه: التعليم والابتكار، وقد توالت الدعوات في الدراسات التربوية الحديثة إلى توسيع أسلوب التعليم بالترفيه. وقد كان من العادات التي أقرها الشرع استعمال الدمى للصغيرات؛ فقد ورد عن عائشة ﵂ أنه كان لها فرس، له جناحان (٥) . وفي الصحيحين عنها ﵂ قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل ينقمعن منه فيُسَرِّبُهن إليَّ فيلعبن معي» (٦) . قال النووي: قال القاضي: فيه جواز اللعب بهن، وهن مخصوصات من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن ... ثم قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهن. وقال ابن حجر نحو هذا الكلام وأضاف: جزم القاضي عياض بتخصيص لعب البنات من عموم النهي، ونقله عن الجمهور (٧) . وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «إن كانت لعب الأطفال المجسمة كخلق الإنسان فاجتنابها أوْلى، ولكن لا أقطع بالتحريم؛ لأن الصغار يرخص لهم ما لا يرخص للكبار في مثل هذه الأمور؛ فإن الصغير مجبول على اللعب والتسلي وليس مكلفاً بشيء من العبادات حتى نقول: إن وقته يضيع عليه لهواً وعبثاً ... » (٨) . ومن الأساليب الترفيهية التي تنمي الروح الابتكارية لعب الصغار بالتراب النظيف، وذكر البيهقي باباً فيما ورد من لعب الصبيان بالتراب (٩) . ومن الترفيه المحبب إلى نفوس الصغار اقتناء الحيوانات والطيور الأليفة وملاعبتها بما لا يؤذيها. فقد ذكر العلماء أنه يجوز لعب الأطفال ببعض الحيوانات والطيور؛ إذ لم يكن فيه أذى لها؛ ففي الصحيحين عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لأخ لأنس ﵁: «يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» (١٠) . وقد ذكر العلماء في فوائده: جواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح له اللعب به، وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ما دام يطعمه ويسقيه، وأشار بعض أهل العلم إلى جواز قص جناح الطير حتى لا يطير (١١) . وقد جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه كني بهرة كان يحملها معه ويلاعبها. ومما يقود إلى التعلم بأسلوب ترويحي وترفيهي استعمال المسابقات العلمية؛ وذلك بطرح المسألة على الحاضرين ليعرف الأحذق والأعلم فيجيب، والأصل في جوازه حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إن من الشجر شجرة لا يعضد شوكها ولا يتحات ورقها، وإنها مثل المؤمن فخاض الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة ... » (١٢) .

стр. 5211

صناعة الحدث محمد بن شاكر الشريف الحياة في جانبها المادي مجموعة من الأحداث التي تصدر لتحقيق غايات أو استجابة لمؤثرات. والحدث لا بد له من ظرف أو وعاء يحدث فيه من الزمان والمكان. والحدث الإرادي من صفات الأحياء، ولا ينفك ذلك عنه؛ فإذا انقطع منه الحدث كان ذلك دليل موته، أو ضعف حيويته ضعفاً شديداً، والأحداث إنما يصنعها فاعلها لتحقيق مصالح أو أغراض وأهداف، لكنه لا يملك النتيجة؛ فقد تأتي النتيجة موافقة للغرض الذي من أجله صنع الحدث، وقد تأتي مخالِفته مخالَفة تامة، أو تحقق شيئاً وتعجز عن شيء، وقد تُحقق شيئاً من الغرض وتحقق معه شيئاً آخر معاكساً، وهذا لا شك أنه من الأقدار التي يقدرها الله بحكمته وعلمه؛ فكل شيء مخلوق بقدر ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: لكن الله جعل الحياة تمضي وفق نظام، وهو السنن والأسباب التي قدرها لحصول المسببات؛ فمن اتبع السنن، وأخذ بالأسباب أوشك أن يحقق مطلبه إلا أن يشاء الله ـ تعالى ـ شيئاً غير ذلك، وهو الحكيم الخبير؛ وعلى هذا فليس هناك في ميزان الشارع تعارض بين الإيمان بالقدر وبين اتباع الشريعة والأخذ بالأسباب؛ فإن القدر والأسباب يسيران في اتجاه واحد ولا يتعاكسان؛ ومن هنا فإن ترك الأخذ بالأسباب الموصلة لمسبباتها ـ إذا كان تحصيلها مطلوباً ـ تقصير يلام عليه الإنسان، وذنب يحاسَب عليه بحسبه. والأحداث قد يصنعها المرء بنفسه ليحقق بها هدفه، وقد يصنعها عن طريق معاونين له في ذلك، وهذه صناعة مباشرة للأحداث، ولكن هناك صناعة غير مباشرة، وهي التدخل في أحداث الآخرين؛ لتأتي محققة لأهداف المتدخل فيها، فإذا أمكن أن نجعل الآخَر وهو يصنع حدثه بإرادته ليحقق مصلحته ـ بحيث يكون ذلك محققاً لأغراضنا ـ فإن ذلك يعد نجاحاً عظيماً؛ إذ يتمكن الإنسان بذلك أن يجعل الآخرين ـ حتى وإن كانوا مخالفين أو معادين ـ ساعين أو مساهمين في تحقيق أغراضه بإرادتهم وفق قناعاتهم الخاصة بهم لتحقيق مصالحهم التي يرونها، لكن السؤال الذي نحاول في هذا المقال أن نجيب عنه: هو كيف يمكننا أن نحقق ذلك؟ ومعنى هذا أنه ينبغي لنا أن نبحث عن إجابة للسؤال الذي يقول: ما التقنيات أو الأساليب التي يمكن من خلال اتباعنا لها أن نتدخل في صناعة الحدث عند الآخرين؟ وللإجابة عن هذا السؤال يحسن بنا أن نستعرض بعضاً من صور صناعة الحدث، أو التدخل في صناعته عند الآخرين في القديم وفي الحديث، ثم نستخلص من تلك الصور الجواب المطلوب: - قصة ملكة سبأ: في ما قصه الله علينا في قصة ملكة سبأ؛ حيث أبلغ الهدهدُ سليمانَ ﵇ بخبر تلك المرأة التي تعبد هي وقومها الشمس من دون الله تعالى، كان الحدث الذي يريده سليمان ﵇ هو هداية تلك المرأة وقومها، وعبادة الله وحده لا شريك له؛ فماذا فعل ﵇: ١ ـ أرسل لها خطاباً يقول فيه: ﴿أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] ، وهذا أمر جازم يصدر إلى ملكة مما يشعرها بمكانة مرسل الخطاب وقوته؛ إذ لا يجرؤ أن يكلم الملكة بهذه الطريقة إلا من كان أقوى منها، وأعز جانباً. ٢ ـ رفض قبول الهدية التي أرسلتها لتختبره، أو في مقابل تركها وما تعبد من دون الله، مما يدل على أنه رجل صاحب رسالة وليس طالب دنيا، وقال للرسول حامل هدية الملكة: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهَُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٦ - ٣٧] ، ويبدو أن الملكة بعد وصول هذا التهديد الشديد لها استشعرت خطورة القضية، فقررت الذهاب إليه لتستطلع الأمر بنفسها. ٣ ـ أمر سليمان أحد جنوده أن يأتي له بعرشها قبل أن يصلوا إليه، وأمر بتنكير العرش أي تغيير وضعه وترتيبه، ثم جاءت فوجدت العرش قد سبقها، وقيل لها ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢] أملاً أن تدرك أن هذا عرشها، رغم هذه التبديلات، فتعلم أن سليمان لم يكن لديه القدرة على إحضاره إلا بعون من الله، فيحملها ذلك على الإيمان، لكنها مع ذلك لم تهتد. ٤ ـ قيل لها: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] ! فلما رأت الصرح حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها؛ لتصون ثيابها من الماء، ولم تكتشف حقيقته، فقيل لها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤] ، وإنه لا خوف عليها من الماء، عند ذلك أدركت المرأة أن سليمان نبي من عند الله تعالى، وأن ما يدعو إليه هو الحق، فآمنت به، واعترفت بأنها كانت ظالمة لنفسها، وقالت كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾ [النمل: ٤٤] ، ومن ذلك نجد أن سليمان ﵇ لكي يصنع مع الملكة حدث الإيمان اتبع عدة أساليب: ١ ـ الأمر الجازم الجاد الذي يُشعِر الخصم بقوة خصمه وهيبته، وثقته في نفسه وفي إمكاناته. ٢ ـ عدم المساومة على المبدأ، ورفض قبول الهدية التي تكون في مثل هذه المواقف رشوة مقنعة. ٣ ـ تخويفهم بالقوة الشديدة التي لديه، وبتبدل حال النعيم التي هم فيها، وخروجهم عن الأوطان والديار أذلة صاغرين. ٤ ـ إظهار المقدرة غير المعتادة التي تدل على الإمكانات الهائلة التي لدى سليمان ﵇ كإحضار العرش قبل وصولها إليه؛ مما يدل على عدم جدوى معاندته أو الوقوف أمامه. ٥ ـ إقامة الدليل العقلي بالتجربة العملية على أن العين قد تخطئ في تقدير أقرب الأشياء إليها، فتخطئ في إدراك حقيقة ما تحت أرجلها، مما يدل على خطأ نظرها في عبادة الشمس من دون الله، ومن كل ذلك تولّد لدى المرأة اليقين التام بصدق سليمان ﵇، وأن ما يدعو إليه هو الحق، لذلك أعلنت الإيمان بما جاء به، وبذلك نقول: إن سليمان ﵇ قد تدخل في صناعة الحدث ليكون على النحو الذي يريد. والملاحظ أن الحدث الذي كان يريد سليمان ﵇ حصوله هو إيمان الملكة، وهو الانتقال من دينها إلى دين الإسلام، وشأن الانتقال من دين إلى دين آخر شأن ليس بالهين أو اليسير، ولذا فإن هذا يحتاج إلى قوة غير عادية لإحداث هذا التغيير، وهذا ما يفسر ـ من وجهة نظري ـ لهجة الخطاب الأول، كما يفسر لهجة التهديد الشديد بعد ذلك؛ فلعل تلك القوة تحملها على مزيد التفكير الذي يقودها للإيمان؛ فلما تغير موقفها، ووافقت على الذهاب إلى سليمان ﵇ ظهر من مسلكها نوع من التعقل والانصياع؛ لذا استعمل معها أسلوباً آخر، وهو التعامل مع قدراتها العقلية من خلال تنكير العرش، ومن خلال الصرح الممرد؛ حتى يتبين لها أن تلك الأفعال ليست في مقدور بشر غير مؤيد من الله. وأما في الجانب المقابل فإن الملكة في أول أمرها كانت تريد البقاء على دينها، وكانت تريد صرف سليمان ﵇ عنها؛ ولذا فقد حاولت أن تتدخل في صناعة هذا الحدث عن طريق المؤثرات فأرسلت إليه بهدية، لكنها أخفقت في تحقيق ذلك؛ لأن ذلك اصطدم بالإيمان، فغلبه الإيمان. - عمرة الحديبية: كان الرسول ﷺ يريد العمرة، وكان هذا هو الحدث الذي يريد صناعته، فلم يخرج لحرب أو قتال، فخرج ومعه المسلمون، وقد ساقوا الهدي، وأحرموا من الميقات، ليعلم الناس أنه خرج من بلده زائراً للبيت الحرام ومعظماً له؛ حتى إذا بلغ (عسفان) لقيه بشر بن سفيان (وقد كان الرسول ﷺ قد أرسله عيناً له، يأتيه بخبرهم) ، فقال: يا رسول الله! إن قريشاً قد سمعت بمسيرك، فخرجت معها العوذ المطافيل (١) ، وقد لبست جلود النمور استعداداً لحربك وقتالك، وقد عاهدت الله أن لا تدخلها عليهم أبداً، ولما لم يكن الحرب والقتال هو الحدث الذي يريده الرسول ﷺ بل العمرة فإن هذا الكلام لم يستفزه، ويخرجه عن مقصده، ويجعله يغير وجهته، أو يتخذ قراراً مناقضاً لمقصده، لا تدعو إليه ضرورة أو حاجة، بل بين له أنه لم يأت إلا لزيارة البيت، ثم حاول أن يتلافى الالتقاء في الطريق مع قريش، فقال لأصحابه: مَنْ رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فسلك بهم رجل طريقاً وعراً في سكة تخرجه على (ثنية المرار) مهبط الحديبية أسفل مكة، فلما سلكوا في ثنية المرار بركت ناقة الرسول ﷺ ، وعندئذ أدرك الرسول ﷺ أن حابس الفيل قد حبسها، وأن هذا أمر قد قدره الله تعالى؛ لذا عزم على القبول بأي خطة يطلبها المشركون، يعظمون فيها حرمات الله، وجاءه هناك بُدَيْل بن ورقاء الخزاعي في رجال من قومه، فكلموه، فبين لهم الرسول ﷺ وجهته، ووضح لهم أمره، وأخبرهم أنه لم يأت لقتال، ولا يريد حرباً وإنما جاء زائراً للبيت ومعظماً لحرمته، كما قال لبشر بن سفيان من قبل، وهكذا قال لمكرز بن حفص لما جاءه من بعده، وهو ﷺ في كل ذلك يبين أمره، ويفصح عن مقصده؛ لعل ذلك يبلغ قريشاً، فيعرفون وجهته، ولا يتعرضون له أو يعترضون طريقه، وقد سنحت لرسول الله ﷺ فرصة عظيمة، فلم يكن لمثله ـ وهو الذي أوتي الحكمة، وهو الهادي إلى صراط مستقيم ـ أن تفته؛ فقد أرسلت قريشاً الحليس بن علقمة بن زبان سيد الأحابيش، فلما رآه الرسول ﷺ مقبلاً قال لأصحابه: إن هذا من قوم يتألهون (٢) ، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده رجع إلى قريش، ولما يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاماً لما رأى، وقال: «سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت؛ فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قلدت، وأشعرت فما أرى أن يُصَدوا عن البيت، فقالوا له: اجلس! إنما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش! والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم، أيُصَدُّ عن بيت الله من جاء معظماً له؟ والذي نفس الحليس بيده لتُخَلُّنَّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد» (٣) . وهنا يكون التدخل في صناعة حدث الآخر قد بلغ أقصاه؛ إذ استطاع رسول الله ﷺ بهذا التدخل أن يجعل أحد قيادات المعسكر المناوئ له نصيراً، حتى كاد أن يشق صف التحالف، ثم آل الأمر بعد ذلك بين الرسول ﷺ وبين المشركين إلى الصلح، ولو استقبله الرسول ﷺ بغير ذلك كأن يجعل الصحابة يشهرون أسلحتهم من السيوف والرماح ونحوها؛ فربما رجع إلى قومه، وقال لهم: استعدوا للقتال! فالرسول ﷺ كي يصنع الحدث «الاعتمار» قام بما يلي: ١ ـ الإعلان الواضح عن المقصد، وبث ذلك بين الناس الذين يمكن أن يبلغوا قريشاً ذلك. ٢ ـ ساق الهدي الذي هو دليل واضح على المراد وعلى تعظيم البيت. ٣ ـ تدخل في تصرفات المعسكر المناوئ حتى ضم الحليس إلى صفه، ففرق بذلك صفهم أو كاد. وفي الجهة المقابلة فقد صنعت قريش بتهورها حدثاً معاكساً لما تريده؛ فهي قد اجتمعت وتحالفت مع غيرها من أجل صد الرسول ﷺ ومن معه، لكنها لما تهورت في الرد على سيد الأحابيش، وكلّمته بكلام خشن لا يناسب مقامه، وقالوا له بطيشهم ونزقهم وعدم تقديرهم للمواقف: «اجلس! إنما أنت أعرابي لا علم لك» أوشك ذلك أن ينقلب عليهم، ويفك تحالفه معهم على ما تقدم ذكره، وقد جاء عروة بن مسعود الثقفي يريد أن يخوِّف رسول الله ﷺ ومن معه، ويخذلهم عن مقصدهم، فقال لهم: «هذه قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله على أن لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً. فهو يريد أن يصد المسلمين عن مقصدهم، ويحطم معنوياتهم، فعظم لهم من قوة قريش ومن تصميمها على صدهم، ثم حاول التخذيل والتخويف بأن المسلمين قد ينفضُّون عن الرسول ﷺ ، ولا يصمدون في المنازلات عندما تشتعل الحرب بل يفرون، ولكن معرفة الرسول ﷺ بأقدار الرجال الذين معه وقدرتهم على الصمود في المواقف الصعبة؛ أدحضت صناعة الحدث الذي يريده مسعود الثقفي. - قصة ثمامة بن أثال: كان رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى الإسلام، ويحب أن يؤمن الناس جميعهم، بل هذا كان أوْلى شيء عنده؛ لذلك كانت كل تصرفاته على مختلف أنحائها ووجوهها من أجل تحقيق هذا الهدف، ولنرى في قصة ثمامة كيف تحقق هذا الحدث، نستمع إلى أبي هريرة ﵁ يقول: «بعث النبي ﷺ خيلاً قِبَل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له (ثمامة بن أثال) ، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد! إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتُرك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة قال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك، قال: أطلقوا ثمامة! فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.. الحديث (١) ؛ فثمامة هذا سيد قومه، وإسلامه علاوة على أنه خير له؛ ففيه أيضاً قوة للإسلام ومدعاة لإسلام قومه أو أكثرهم؛ فماذا فعل الرسول ﷺ ليحصل ذلك الحدث: ١ ـ اطلع ثمامة على عبادة المسلمين؛ وذلك من خلال ربطه في المسجد، فيرى إقبال المسلمين على الصلاة في خشوع ونظام، ويسمع القرآن الذي جعله الله ـ تعالى ـ هداية للقلوب، ويرى أثناء ذلك تعامل المجتمع المسلم من خلال تعامل الصحابة بعضهم مع بعض، ومن خلال تعاملهم مع قائدهم رسول الله ﷺ ، ولو حبسه في بيت من البيوت لما تحقق شيء من ذلك. ٢ ـ بيان أخلاق المسلمين في تعاملهم مع الأسرى؛ وذلك من خلال إطعامه، وإحضار كميات كبيرة له من الطعام، فلم يقوموا بضربه أو تعذيبه؛ إذ لا فائدة هنا ترتجى من وراء ذلك؛ مما يكون له أثر كبير على موقف الرجل من الإسلام. ٣ ـ ما ظهر له من أن المسلمين ليسوا طلاب دنيا، وأنه لا يدعوهم إلى أسْرِه الرغبةُ في جمع المال، فلم يلتفتوا إلى قوله: إن كنتم تريدون المال أعطيتكم منه ما شئتم. ٤ ـ وقد تبين للرسول ﷺ أن موقف ثمامة بدأ يتغير؛ وذلك من خلال اختلاف أجوبته؛ ففي أول مرة قدم التهديد؛ حيث قال: إن تقتلني تقتل ذا دم؛ أي إن قتلتني فهناك من يأخذ بثأري، لكنه ما عاد يكررها في المرات التالية، وقدم على ذلك مجازاة إحسان الرسول ﷺ بالاعتراف بالجميل والشكر عليه؛ وذلك بقوله: وإن تنعم تنعم على شاكر، وهنا أطلقه الرسول ﷺ ؛ لأن الخير في إطلاقه على كلا الحالين: فهو إن أسلم فذلك خير كبير، وإن لم يؤمن فسوف يحفظ هذه المنة للمسلمين، كما قال: «إن تنعم تنعم على شاكر» أي يشكر هذه النعمة، ويكافئ عليها، فصار ليس في قتله فائدة، وقد صدق ما توقعه الرسول ﷺ في ثمامة، فأعلن إسلامه وشهد شهادة الحق. والأمثلة في ذلك كثيرة جداً، وبعضها أوضح من بعض في الدلالة على المراد، وننتقل إلى العصر الحديث لنرى صناعة بعض الأحداث فيه. - حرب حزيران ١٩٦٧م: في الخامس من شهر حزيران من عام ١٩٦٧م نشبت حرب بين اليهود والعرب انتهت في مدة وجيزة بانتصار ساحق لليهود، حققوا به جزءاً من أحلامهم التي تحدد دولتهم بأنها من النيل إلى الفرات؛ فكيف حدث ذلك: جرى تسريب خبر مضمونه أن دولة اليهود تحشد جنودها على الحدود السورية، وهي على وشك أن تجتاح هذه البلدة الصغيرة، ومسربو الخبر يريدون إشعال حرب بين العرب واليهود، يظهر فيها العرب على أنهم البادئون في الوقت الذي تنتهي فيه هذه الحرب بفوز اليهود. وانطلاقاً من دراسة الواقع فقد جرى تسريب ذلك الخبر؛ ففي الجانب المقابل الزعيم العربي الذي ملأ بضجيجه دنيا العرب بالآمال العريضة، فقد كانوا يعلمون شخصيته المحبة للظهور بمظهر البطولة المفتونة بالعظمة وبإعلائه لوثن القومية، وأن خبراً مثل هذا سوف يدعوه لإظهار خصائص شخصيته، وسوف يتصرف تصرفات هوجاء لا تقوم على أية حسابات (وإن كان لا يريد حقيقتها وإنما للاستهلاك المحلي) ، ويقوم اليهود في الطرف المقابل في استغلال تلك التهويشات بشن الحرب الخاطفة التي تكون في نظر العالم يومئذ حرباً دفاعية، وليست عدوانية، (وهناك تحليلات كثيرة وتسريبات تذهب إلى أن زعيم القومية العربية كان متواطئاً مع اليهود في تلك الحرب، وذلك بإدخال الجيش في حرب غير مستعد لها؛ كي يحسم النزاع الداخلي على السلطة بينه وبين الجيش الذي كان مستحوذاً على السلطة الفعلية، ولكن هذا لا يهمنا كثيراً الآن، وإنما نحن نتحدث هنا بحسب الظاهر) ، وقد قامت الحرب بالفعل بعد أيام قليلة، وهزم الجيش المصري هزيمة نكراء، وكسب اليهود فوزاً ساحقاً رخيصاً لم يكلفهم ثمناً يذكر، وصارت هذه الحرب هي الطريق إلى إذلال العرب حتى اليوم، وقد تحقق الحدث على الصورة التي أراد له المصممون، وقد تم ذلك من خلال: ١ ـ المعرفة الجيدة بشخصية جمال عبد الناصر زعيم القومية في ذلك الوقت. ٢ ـ المعرفة بضعف إمكانات الجيش، وعدم قدرته على خوض معركة لم يجهز أو يعد لها. ٣ ـ الدعاية بأن اليهود في موقع الدفاع أمام طوفان العرب الذي سوف يلقي بهم في البحر، كما يصرح بذلك زعيم القومية. ٤ ـ استعداد اليهود لهذه الحرب والتخطيط لها منذ أمد؛ فالحرب لم تفرض عليهم، ولم يخوضوها رغماً عنهم، بل هم في الحقيقة الذين فرضوها. ولم يبق بعد ذلك إلا صناعة الحدث الذي تتوالى بعده الأحداث، ولم يستطع عبد الناصر أن يصنع شيئاً بتهديداته؛ لأنها كانت بلا رصيد، وكان الطرف المقابل يدرك ذلك جيداً. - حرب الخليج الثانية: وقريب مما تقدم ما عرف بحرب الخليج الثانية؛ فقد كانت أمريكا قد بدأت في الاستعداد لتنفيذ مخططها لتصبح إمبراطورية عظمى وحيدة في العالم، وكان من شرط ذلك أن تستولي على مصادر القوة الاقتصادية في العالم، بعد أن استحوذت على القوة العسكرية التي لا تقاوم، وأول ذلك النفط لتوقف جميع الصناعات على تواجده بوفرة؛ لذلك اتجهت بنظرها صوب نفط الخليج لتستولي عليه، أو لتجعله على الأقل في المرحلة الأولى تحت تصرفها، وكان مما يدخل في مخططها أيضاً تأمين الوجود اليهودي في فلسطين، والقضاء على أية قوة يحتمل أنها تهدد ذلك الوجود في يوم ما، ومع المعرفة بمكونات شخصية رجل مثل صدام حسين، ومع المعرفة بضعف دولة مثل الكويت، إضافة إلى الخلافات القديمة بين البلدين؛ فقد جرى تسريب خبر لصدام: أن أمريكا لن تتدخل في أي نزاع محلي ما دام ذلك لن يؤثر على الإمدادات النفطية التي تحتاجها، وقد كان ذلك بمثابة إشارة البدء لتحقيق الحدث الذي هدفت إليه أمريكا من وراء ذلك، وقد قام صدام باتخاذ الخطوة التي خططت لها أمريكا، وهي احتلال الكويت، وقد أوقعه طمعه الشديد في ابتلاع الطعم الذي كانت صِنارة الصياد ظاهرة فيه، ثم تداعت الأمور بعد ذلك على النحو المعلوم للجميع، والذي تم الترتيب له سابقاً، حتى انتهى الأمر باحتلال العراق بعد ما يقارب عقداً من الزمان؛ ليكون العراق النموذج «المؤمرك» لدول الشرق الأوسط، وليمثل ذلك التحول غير المتوقع صدمة للأنظمة العربية، حتى تهرول إلى التغيير المطلوب الذي تسعى أمريكا إلى حصوله، ولكن من غير أن تدفع أمريكا ثمناً لذلك، ولكن الريح لا تجري دائماً بما تشتهي السفن؛ فقد ظهر في المعادلة رقم صعب لا يمكن تجاوزه، لم تكن أمريكا قد عملت حسابه بشكل دقيق، وذلك متمثل في المقاومة العراقية التي كانت مفاجئة للجميع. ومن هنا يتبين أن عدونا يظل يخطط لما يريد حصوله سنوات عديدة سابقة على الحدث، فيحاول تحقيق شروط الحدث، ثم يفتعل أسبابه حتى تستكمل الخطة ما تحتاج إليه، ثم لا يبقى بعد ذلك إلا «القشة التي تقصم ظهر البعير» كما يقال، ثم تتداعى الأمور على النحو المرتب له والمدروس دراسة جيدة، فلا يكون هناك ـ والحالة هذه ـ مفاجآت تعترض وقوع الحدث كما جرى تصميمه، ولكن يبقى بعد ذلك قدر الله العلي الكبير، والقدر غالب ليس بمغلوب. - أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر: تذهب طائفة من المحللين إلى أن تلك الأحداث قد رُتب لها على طريقة صناعة الحدث؛ إذ الخطط لاحتلال أفغانستان كانت معدّة قبل ذلك، كما كشفت عن ذلك كثير من المصادر الإخبارية، وحتى مع اعتراف تنظيم القاعدة بمسؤوليته عن هذه الأحداث؛ فإن هذا لا يتعارض مع تلك التحليلات؛ إذ تكون المخابرات قد رصدت هذا التوجه، واعترضت رسائله المشفرة، وقامت بفكها، وتركتها تأخذ مسارها من غير تعطيل لها، مع المتابعة حتى يكون الأمر تحت السيطرة، وتم الاستفادة منه، واستغلاله في إخراج الحدث على النحو الذي يجعل ما تقوم به أمريكا له ما يسوغه أمام العالم، ولعلنا ندرك السبب الذي من أجله تحاول أمريكا أن تجعل لعملها مسوغاً أمام العالم، رغم امتلاكها لأكبر قوة عسكرية مجهزة بالعتاد الأقوى في العالم، إذا نظرنا إلى أن أكثرية دول العالم إن لم يكن جميعها قد سكتت عن ضرب أفغانستان، ولم تعترض على ذلك، بينما العكس في حالة العراق؛ إذ إن كثيراً من الدول، بل الأكثرية تعارض احتلال العراق؛ لأنه في الحالة الثانية يتم بغير مسوغ مقبول، ولعله من أجل هذا سعت أمريكا دوماً، ولا زالت تسعى لإيجاد علاقة بين صدام حسين وبين تنظيم القاعدة. فأمريكا لكي تحقق هدفها من إقامة إمبراطوريتها، وفرض سلطانها على العالم قامت بما يلي: ١ ـ اختيار أهداف ضعيفة يمكن التغلب عليها بسهولة، مع إظهار القوة الفائقة في ضرب هذه الأهداف التي تخيف الآخرين، وتردعهم عن الوقوف في طريق المشروع الأمريكي. ٢ ـ الإعلام المكثف، والدعاية المضللة، وترويج مصطلح (الإرهاب) بدون تحديد مضمون له، حتى يكون سيفاً على رقاب الجميع. ٣ ـ تخويف وترويع الآخرين بأن يحددوا مواقفهم، وأن من ليس مع أمريكا فهو في صف أعدائها، وعليه أن يتحمل تبعات ذلك. ٤ ـ المساهمة بطرق مباشرة وغير مباشرة في بعض الأحداث التي تسوِّغ لها شن الحرب؛ بزعم الدفاع عن نفسها. ٥ ـ ابتداع مصطلح الحرب الاستباقية الذي مضمونه شن الحرب على الآخرين بغير مسوغ إلا ضمان تفرد أمريكا بالقوة المسيطرة على العالم، وقد وصلت أمريكا بذلك إلى الحد الذي يجعلها تقصد إلى ما تريد قصداً من غير الاحتياج إلى اللجوء إلى تقنيات صناعة الحدث، لكن نتائج الحرب على العراق قد تردها عن ذلك، وتحوجها إلى الرجوع إليه. - متطلبات صناعة الحدث: ١ ـ دراسة كاملة وافية للحدث من جميع جوانبه، فتتم دراسة البيئة التي يراد صناعة الحدث فيها من حيث الزمان والمكان، والظروف المحيطة، والمؤثرات التي تؤثر فيه سلباً أو إيجاباً، وطرق تعزيز المؤثرات الإيجابية وإضعاف المؤثرات السلبية، كما يتم في ذلك دراسة تأثير دول الجوار على الحدث مع استكشاف الموقف العالمي. ٢ ـ دراسة الحدث نفسه وكيفيات التحقيق الممكنة، واختيار أفضلها، مع إمكانية التغيير وفق تطورات الواقع وما يستجد فيه من مؤثرات، فإن صناعة الحدث قد تستغرق عدة سنوات يتغير فيها أشياء كثيرة، لم تكن وقت التخطيط على مسرح الأحداث. ٣ ـ الاستكشاف الدوري لبيئة الحدث، حتى لا يحدث تغيير غير ظاهر قد لا ينتبه له مصممو الحدث، مما يكون له تأثير كبير على النتائج (وقد يكون ما يحدث الآن من المقاومة في العراق نتيجة مباشرة لعدم قيام العدو بهذه الخطوة المهمة) ولاستكشاف وسائل متعددة منها: الاستطلاعات، والاستبانات، والأبحاث التي تقوم بها مراكز الأبحاث المتخصصة، وغير ذلك من وسائل تجميع المعلومات، ثم تُفرز هذه المعلومات، وتُصنف وتُجرى عليها الدراسات والمعالجات التي يُتوصل منها إلى نتائج، تعتمد دقتها على دقة المعلومات المتحصل عليها، ودقة معالجتها. ٤ ـ سعة أفق الفريق الذي يقوم بصناعة الحدث أو التدخل فيه، والخبرة الطويلة والحكمة في التصرف، مع الصبر والتأني وعدم الاستعجال والتهور، وعدم الرغبة في الظهور أو إبداء المظاهر البطولية، وينبغي أن يعمل الفريق خلف الأضواء لا أمامها. ٥ ـ الاعتماد على الدراسات الدقيقة الموثقة، وليس على مجرد التصورات أو التحليلات الفكرية التي لا تستند إلى واقع صحيح، مع وجود البدائل المتعددة التي يمكن اللجوء إليها عند الحاجة. ٦ ـ معرفة الآخر معرفة جيدة من حيث: فكره وتصوراته، وعقائده وإمكاناته، وطبيعة الأفكار والتصورات التي تسود المجتمع، وكيفية مواجهة القيادات للأحداث والتفاعل معها، والمؤثرات التي تتدخل في صنع القرار السياسي، والحالة الاقتصادية، وغير ذلك مما يعكس رؤية الآخر رؤية واضحة مفصلة، تمكن فريق صناعة الحدث من تصميم الحدث تصميماً ملائماً للحالة. ٧ ـ عدم تغيير أو تعديل الخطط المعدة مسبقاً لأي عارض يطرأ، ما لم يدرس الأمر دراسة جيدة، ويكون التغيير أمراً لازماً، على أن يتم اتخاذ الخطة الجديدة بالطريقة نفسها التي أقرت بها الخطة المعدلة. - تقنيات (أساليب) صناعة الحدث: من خلال ما مر بنا من أمثلة يمكننا أن نستنبط مجموعة من التقنيات (الأساليب) التي تستخدم في صناعة الحدث، فمن ذلك: ١ ـ الجد والصرامة في التعامل مع المقابل، بحيث لا يطمع في التحايل أو الالتفاف عن طريق الترغيب كالرشوة ونحو ذلك (كما في قصة سليمان ﵇ مع ملكة سبأ) . ٢ ـ التهديد الجازم باستخدام القوة المؤثرة مع القدرة على التنفيذ (القصة السابقة أيضاً) . ٣ ـ الإعلام القوي الذي يبين القدرات، ويوهن من عزائم الطرف المقابل، سواء كانت العزائم معنوية (كما في إطلاق الهدي في عمرة الحديبية) ، أو كانت العزائم عسكرية، أو قتالية، وقد أرشد القرآن الكريم إلى ذلك فجاء قول ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ؛ فإن إعداد القوة المتزايدة التي يصعب هزيمتها والإعلان عن ذلك، قد يصنع حدث الانهزام في العدو المقابل وإيصاله لمرحلة الاستسلام من غير خوض حرب حقيقية، أو التعرض لتكاليفها، ولذلك فإننا نجد أن كثيراً من الدول تحرص على بيان ما لديها من قوة نيران لا تقاوم، وتقوم بعملية عرض للسلاح الجديد التي من شأنها أن تخيف الأعداء وتردعهم، ومن الأساليب المتبعة في ذلك القيام بالمناورات وإجراء العروض العسكرية، وقد مارس المسلمون الأوائل شيئاً من ذلك عندما قدم الرسول ﷺ ومعه المسلمون في عمرة القضية، فقال المشركون: إنه يقدُم عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحمَّى، ولقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر (من الكعبة) ينظرون المسلمين، وأمر النبي ﷺ المسلمين أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الركنين (حيث لا يراهم المشركون) ليرى المشركون شدتهم وجلدهم، وقد أتى ذلك السلوك بالنتيجة المرجوة منه، فقال المشركون لما رأوا ذلك: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمَّى قد وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا (١) ! قال ابن حجر تعليقاً على ذلك: «ويؤخذ منه جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهاباً لهم» (٢) كما حدث هذا أيضاً في فتح مكة؛ فبعدما أسلم أبو سفيان ـ رضي الله تعالى عنه ـ أُوقِفَ بمضيق الوادي عند خطم الجبل، وجعلت كتائب المسلمين تمر عليه كتيبة كتيبة، كلما مرت قبيلة يقول: من هذه؟ فيقولون: هذه سليم، فيقول: ما لي ولسليم! وهكذا قبيلة قبيلة، حتى أقبل رسول الله ﷺ في كتيبة المهاجرين والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: ما لأحد بهؤلاء طاقة واللهِ! فقال له العباس: النجاءَ إلى قومك، فجاءهم أبو سفيان يصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقد أُوقِفَ أبو سفيان في هذا المكان ليرى كتائب المسلمين، ويرى قوتهم واستعدادهم وإمكاناتهم؛ ليبلِّغ قومه عن اقتناع ويقين أنه لا أمل في المقاومة، وأن الاستسلام خير لهم وأبقى، وهكذا صنع هذا المسلك حدث الانهزام عند المشركين، فلم تعد بهم رغبة للمواجهة، وإنما صار همّ الواحد منهم أن يبحث عن طريقة ينجو بها، وقد كان لقول الرسول ﷺ : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» أثر كبير في صنع الانهزام التام؛ إذ إنه أفسح بذلك لهم مجالاً للنجاة، ولو أنه ﷺ ما جعل لهم طريقاً ينجون به، وأدركوا أنهم هلكى، فربما دفعهم ذلك إلى التجمع والمقاومة التي يترتب عليها في الغالب وقوع إصابات في صفوف المسلمين٠فكان الذي فعله رسول الله ﷺ من ذلك مطابق للحكمة التي يعلمها للناس. ٤ ـ الإقناع الملزم أو القاهر عن طريق الإعلام والاستعراض وإظهار القوة القاهرة؛ فعندما يريد قائد أن يصنع حدث الانهزام عند الطرف المقابل فإنه يحاول بطرق متعددة أن يرسِّخ في أذهانهم أنه لا أمل في النجاة أو الفكاك، ولا جدوى من المقاومة إلا المزيد من المعاناة ـ ويستعينون في ذلك بالمخذلين ـ فإن هذا يؤدي إلى الاستسلام، وفي كثير من هذه الحالات فإن الطرف المقصود بذلك لا يفكر حتى في مجرد النجاة، بل ربما لو أتيحت له بعض الفرص للنجاة والهرب من ذلك المصير لم يحسن أن يستغلها؛ لفرط انهزامه القلبي ولقناعته بأنه لا فائدة من ذلك، بل تنهار عنده كل عزيمة في التفكير في النجاة، ولا يبقى أمامه غير الاستسلام للقدر المحتوم، وقد روى التاريخ شيئاً من هذه الانهزامية العجيبة التي صنعها أعداؤنا على أمتنا فترة من الزمن؛ فإن كتب التاريخ تروي لنا: أن التتري كان يلاقي مجموعة من المسلمين فيقول لهم: مكانَكم حتى آتي بالسيف! فيذهب إلى بيته أو معسكره حتى يأتي بالسيف، ويقتلهم واحداً واحداً! وما فكر أحد منهم في مجرد الهرب عندما فارقهم ليحضر سيفه من شدة الهزيمة وفقد الأمل في أي نجاة، ولا شك أن أمة تصل إلى هذا المستوى فإن الهلاك والانزواء هو مصيرها، وقد حاولت أمريكا أن تصنع ذلك في حربها على أفغانستان والعراق، وهذه الطريقة في صناعة الحدث تفسر بعضاً من حالات الاستسلام المزرية على كثير من الشعوب في مواجهتها لطغيان أمريكا وحلفائها، وقد صنعت أمريكا ذلك في الحرب العالمية الثانية عندما استخدمت لأول مرة في التاريخ أسلحة الدمار الشامل، وقامت بضرب اليابان بالقنبلة النووية، فقتلت وأصابت مئات الآلاف في لحظات، ثم عاودت الكرَّة في اليوم الثاني مما جعل اليابان تستسلم، وتنهار انهياراً تاماً، ويشهد لهذا الأسلوب ما جاء في الخصائص النبوية قوله ﷺ : «نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر» (١) . ٥ ـ الاستدراج: وهو أسلوب يجري على أرض الواقع قبل التنفيذ بفترة للتأكد والتدقيق في المعلومات المتوفرة، ومدى مناسبتها للخطة الموضوعة، وكمثال لذلك: عندما تنشب معركة بين جيشين؛ فقد يعمد أحدهم من أجل استكشاف إمكانيات الجيش الثاني من حيث حجمه، والقوة التي معه، ومرابض النيران وقوتها، ونوعيات الأسلحة، والتكتيكات التي يتبعها إلى الاستدراج؛ وذلك عن طريق إخراج مجموعة صغيرة من القوات: الجنود، والآليات بغرض أن يشن عليه القائد الآخر الهجوم فيكتشف من خلال ذلك المعلومات التي يريدها، وهو في هذه الحالة لو وقعت في جنوده خسارة كان قادراً على تحملها؛ لأن هذه القوة هي مجموعة صغيرة، ولا تمثل القوة الضاربة لديه، وإذا كان القائد الآخر حكيماً وليس أهوج؛ فإنه لا يستدرج لمثل ذلك، وقد يترك هذه القوة، ولا يتعرض لها مع متابعتها حتى لا يؤخذ على غرة، أو يخرج لها قوة مكافئة من غير أن يستخدم لذلك كل قوته فيكشف عنها لعدوه. ٦ ـ إرباك الطرف المقابل: فعندما نريد مثلاً صناعة حَدَثِ التفرق والتشتت في الرأي عند الخصم فقد نعرض عليه عدة بدائل للاتفاق على أحدها، على أن تختار البدائل بعناية فائقة؛ بحيث يكون كل بديل محققاً لطموحات فئة من الفئات المقصودة بذلك الحدث، بينما يكون مخيباً لآمال الفئات الأخرى، وهكذا فتتفرق تلك الجموع، وتتشتت حول تلك البدائل مما يوهن الطرف المقابل ويضعفه. ٧ ـ الاستثارة: وهي استثارة ما عند الناس من قوى الخير المركوزة في الفطرة: كمن يريد أن يستثير الناس للدفاع عن الديار فيرسل لهم خصلة من شعور النساء، ويبين لهم أن النساء عرضة للأسر من قِبَل الأعداء المهاجمين ما لم يقف الشعب مع حكومته في مواجهة ذلك الهجوم، وعندما تكون عند الناس غيرة على الحرمات فإن ذلك يعد مثيراً جيداً، ومن المثيرات أيضاً الترغيب: وقد فعل ذلك الرسول ﷺ في غزوة بدر عندما قال لأصحابه: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض! ومن المثيرات أيضاً: الترهيب، ومن الوسائل المعاصرة التي تستخدم في ذلك: الصورة والأفلام المتحركة التي تنقل صورة حية لها تأثير أقوى بكثير من مجرد الكلام، فعندما تعرض فيلماً متحركاً ليهودي وهو يضرب امرأة فلسطينية عجوزاً، ويبعثر لها أغراضها على الأرض، ويركلها برجله، وهي تحاول جمع هذه الأغراض، فإن تأثير ذلك أقوى بكثير من نقل هذه الصورة عن طرق الكلمات فقط. ٨ ـ تقدير الناس وإنزالهم منازلهم حتى وإن كانوا من المخالفين أو الأعداء، وانظر ماذا فعل تقدير الرسول ﷺ للحليس عندما علمه ممن يعظمون الهدى، وأطلق الهدي أمامه إشارة لتقدير ذلك عنده، وانظر في الطرف المقابل عندما لم تقدره قريش، وكيف انتصر للصف المقابل لهم! ٩ ـ الإيهام: كأن تتصرف تصرفاً يوهم الطرف المقابل بما تريد أن يتصوره من غير أن يكون لذلك حقيقة، ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك ما قامت به مصر قبل حرب العاشر من رمضان من محاولة إيهام اليهود بأن مصر ليست مقبلة على الحرب أو القتال؛ إذ نزل إعلان في الصحف المصرية بفتح باب القبول لطلبات الحج من الضباط المصريين الراغبين في أداء فريضة الحج، فكان في ذلك إيهام لليهود أن مصر ليست مقبلة على قتال، مما يساعد على تشويش التفكير اليهودي حول النوايا المصرية في الحرب. ومما يساعد في تلك الأساليب ويعين عليها: اختيار الوقت المناسب والظرف المناسب، الإحاطة بدقائق الأمور وخصائصها المتعلقة بالحدث، سرعة التحرك والاستفادة من الفرص المتاحة، بناء قاعدة معلومات عن الطرف المقابل، التوازن وعدم الاضطراب في مواجهة الأمور، التفكير في أكثر من اتجاه، ولا نحصر أنفسنا في اتجاه واحد، إيجاد أكبر عدد ممكن من البدائل للجوء إليها عند الحاجة إليها، تقسيم الحدث إلى عدة أحداث جزئية كل منها يؤدي إلى الآخر، توظيف الحدث القائم (الاستفادة منه) إذا لم يمكن صناعته. ومما ينبغي معرفته أن الأساليب تختلف من حدث إلى آخر، فكل حدث له أسلوب يناسب صناعته، بل الحدث الواحد يختلف أسلوب صناعته باختلاف البيئة التي يطبق فيها أو عليها. إن عدم القدرة على صناعة الحدث له أخطار وأضرار كثيرة، إذ إنه يجعل غالب الأفعال والتصرفات مجرد ردود أفعال، والغالب على ردود الأفعال أن تكون غير مدروسة، وقد يكون رد الفعل في هذه الحالة داخل في نطاق صناعة الحدث المعادي، فيكون رد الفعل غير المدروس في هذه الحالة، أو الذي لم يأخذ حظه من الدراسة الصحيحة محققاً للمراد من الحدث المعادي؛ فقد يقوم العدو بعمل استفزازي يجعل أصحاب القرار يستعجلون الرد للحفاظ على الهيبة والمكانة بين الأتباع؛ مما يجعل العدو يقوم بعمل آخر، قد أعد له مسبقاً على أساس رد الفعل غير المدروس يكون أقسى وأشد من السابق؛ مما قد يضعف العزيمة والرغبة في المقاومة والثبات في الميدان إلى حد بعيد، وهذا يستلزم وجود مراكز أبحاث متخصصة لدراسة الأمور الواقعة، والأمور المحتملة الوقوع ودراسة الواجب إزاء ذلك كله، حتى يمكن الخروج من دائرة رد الفعل السريع المنفعل الذي قد يضر أكثر مما ينفع. - كيفية مواجهة صناعة الحدث المضاد: كما نحاول نحن أن نتدخل في صناعة الحدث عند الآخرين لمصالحنا فإن الآخرين يفعلون الشيء نفسه بالنسبة لنا، وينبغي أن تكون لنا القدرة على مواجهة ذلك حفاظاً على ديننا ودنيانا، فمن ذلك: ١ ـ التقيد الصحيح بما شرعه الله لنا؛ فإنه أحكم الحاكمين الذي هو بكل شيء عليم، الذي يقدر مآلات الأمور، وقد شرعها الله ـ تعالى ـ ليكون الالتزام بها محققاً للناس سعادة الدنيا والآخرة، فالالتزام بها يحقق للمسلمين صناعة الحدث على النحو الأفضل لهم، ويحقق لهم في الجانب المقابل مواجهة حدث الآخرين، وإن همْ لم ينتبهوا لذلك، ولم يخططوا له قصداً؛ فإن الشريعة موضوعة على هذا الوضع الذي يكفل السعادة والنصر للمسلمين بمجرد الاتباع والتقيد؛ فاتباع الشرع دائماً يصب في إخفاق الحدث الذي يريده الشيطان بالمسلمين، والشيطان هو ولي الكافرين، وهو الذي يخطط لهم، ويمدهم، والله ولي المؤمنين، وقد أنزل لهم الشريعة ليكون اتباعها نجاة من أساليب الشيطان وأوليائه، وتلك نتيجة الطاعة في أرض الواقع. ٢ ـ الهزيمة تبدأ أول ما تبدأ في القلب، ثم تنتقل بعد ذلك إلى الساعد والسلاح، فالثقة بالله والاعتصام به، والإيمان بالقدر، يمنع من هزيمة القلب، فيظل المسلم حتى آخر لحظة من حياته وهو عالي الرأس. ٣ ـ الثقة في وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين؛ فذلك يجعل المؤمنين يخططون ويعملون بهمة ونشاط، وهم على أمل الظفر، ويعلمون أن الله لا يخلف وعده، فإذا تخلف شيء من ذلك فإنما أسباب ذلك ترجع إلى تقصيرهم، وعدم قيامهم بما أوجب عليهم ربهم. ٤ ـ العاقبة للمتقين؛ فالمعرفة بذلك والتيقن منه تمنع من الإحباط ـ الذي يقتل الهمم ـ حتى مع التعثر، وحتى إن طال الطريق. ٥ ـ التحلي بسعة الأفق واتساع نطاق المعرفة، والخبرة بالنفوس البشرية وتقلباتها، ووجود القدرات الاستكشافية العالية التي ترصد تحركات وتصرفات الآخر بدقة والتي تمكن من رسم الخطط على بصيرة. ٦ ـ نشر العلم الشرعي بين الناس والدعوة إلى العمل به، ونشر ثقافة صناعة الحدث. والموضوع بعد ذلك موضوع كبير وعريض، ولعل ما قدمناه هنا يكون محرضاً لأهل الاختصاص على المشاركة والنزول إلى الميدان.

стр. 5212

الإسلامفوبيا أ. د. جعفر شيخ إدريس يتحدث الناس في الغرب عن مرض نفسي يسمونه الإسلامفوبيا يحسبونه جديداً وهو قديم قدم الرسالات السماوية. يتمثل المرض في كراهية أو خوف من الإسلام لا مسوغ له. يدفع هذا المرض المصابين به إلى اتخاذ مواقف عدائية من الدين الإسلامي وأهله تتمثل في مظاهر كثيرة يذكرون الكلام غير اللائق عن النبي ﷺ والافتراء عليه، الاستشهاد بآيات من القرآن أو نصوص من السنَّة وبترها عن سياقها، تصوير ما يتهم به بعض المسلمين من أعمال إرهابية بأنه ليس عملاً معزولاً يقوم به أفراد وإنما هو واجب ديني يأمرهم به الإسلام، الادعاء بأن الإسلام هو سبب تخلف المسلمين؛ لأنه مضاد للعلوم الطبيعية وللتقنية ولكل ما هو من ضرورات الحياة المعاصرة، اتهام الإسلام بأنه هو السبب في انتشار الحكم الدكتاتوري ولا سيما في البلاد العربية، القول بأن الإسلام لا يحترم المرأة بل يدعو إلى معاملتها معاملة الرقيق. وكان من نتائج هذه الدعايات أن كثيراً من المسلمين صاروا لا يعامَلون معاملة المواطن العادي في البلاد الغربية، حتى من كان منهم من مواطنيها، وحتى الطلاب لم يعودوا يلقون من زملائهم الترحيب العادي الذي يكون بين الشباب. ما السبب في هذا؟ من أسبابه جهل بعض الناس بالإسلام ومن ثم تأثرهم بمثل تلك الدعايات. فالإسلام الذي يمقتونه أو يخافون منه ليس هو الدين الذي أنزل على محمد ﷺ ، وإنما هو الدين الذي صوَّرته لهم وسائل إعلامهم، وحدثهم عنه سادتهم وزعماؤهم. ومنها أخطاء أو جرائم يرتكبها بعض المسلمين فتُعزى إلى دينهم. لكن السبب الاعظم هو كراهية بعض الناس للإسلام؛ لأنهم يكرهون الحق. هذا هو الداء العضال الذي وجد في الناس منذ أن وجدت رسالات السماء الداعية إلى الحق المبين. ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] . فأقوالهم هي ثمرة مرض الطغيان هذا الذي في قلوبهم؛ فهم لم يتواصوا به ولم يكونوا محتاجين إلى مثل هذا التواصي، بل إن كلاً منهم أصيل في الشر أصالة من سبقه؛ فأمرهم هو كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] . هذا هو القانون الجامع لهم. لكن القرآن الكريم كما أعطانا هذا القانون أعطانا أيضاً أمثلة للأفراد والأمم التي انطبق عليها. فهذا نوح يقول لقومه: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨] ؟ وهؤلاء ثمود الذين هداهم الله ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وهؤلاء أعداء محمد ﷺ من العرب الذين قال الله ـ تعالى ـ فيهم: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩ - ٧٠] \ كيف العمل مع أولئك وهؤلاء؟ نعالج كل فئة بحسب السبب الذي أدى إلى مرضها. فأما الجاهلون ـ ولعلهم الأكثرية ـ فمن حقهم علينا أن نعينهم على الفهم الصحيح، وأن نصبر عليهم ونستمع إلى حججهم واعتراضاتهم، وأن نجادلهم بالتي هي أحسن. وأما من كان سبب كراهيته أخطاء وقع فيها بعض المسلمين أو جرائم ارتكبوها؛ فمن حقهم وحق الإسلام علينا أن نعترف بتلك الأخطاء ونصرح بأنها أخطاء ونبرئ ديننا منها. هذا هو المنهج الذي يدعونا إليه ديننا. فعندما قتل بعض المسلمين بعض المشركين في الشهر الحرام، واستغل بعض المشركين هذا لتشويه سمعة المسلمين قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] . فقرر الله ـ تعالى ـ في بداية هذه الآية أن ما فعله اولئك النفر المخلصون من المسلمين كان خطأً كبيراً. وعندما اتهم بعض المنتسبين إلى الإسلام رجلاً يهودياً بالسرقة أنزل الله ـ تعالى ـ في تبرئته اثنتي عشرة آية من سورة النساء تبدأ بقوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] أي لا تكن مدافعاً عنهم. من هذه الآيات قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] هذا؛ لأن مهمتنا هي الدفاع عن الحق لا عن الخلق، ولأن العدل عندنا واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ﴿فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وأما من كان مصاباً بداء الكراهية للحق فلن يرضى إلا إذا كفرنا بهذا الحق بعد معرفتنا له وإيماننا به، ووافقناهم على باطلهم ديناً يهودياً او نصرانياً محرفاً، أو علمانية تنكر رسالات السماء، أو غير ذلك من سبل أهل الأهواء. هؤلاء الكارهون للحق قد يبذلون كل ما في وسعهم من مال ووقت وعلم، بل وقد يبذلون أرواحهم في محاربته؛ فما العمل معهم؟ هل نستجيب لهم فنكفر كما كفروا؟ كلا، والله، بل لن يزيدنا خلافهم وكراهيتهم إلا استمساكاً بالحق ودعوة إليه قائلين لهم موتوا بغيظكم، موقنين بأن كل جهودهم ستبوء بالإخفاق: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] ومع كراهيتنا لما يقولون عن دين الحق، ومع ما نلقاه منهم من عنت، إلا أننا نستبشر بهذه الحملة الظالمة على الإسلام، ونرى فيها دليلاً على أننا صرنا أمة حية، وأن دعوتنا بدأت تؤتي أُكُلَها. إن الأمة الميتة التي لا رسالة لها ولا نشاط لها لا يؤبه لها، ولا ينشغل الناس بها؛ لأنه لا تأثير لها عليهم. فهذا الانشغال بمحاربة الإسلام والخوف منه واعتباره العدو الأول بعد سقوط الشيوعية دليل على حيوية في هذه الأمة؛ فالحمد لله الذي جعل منا من يكون من أسباب حياتها ونشر رسالتها وإدخال الرعب في قلوب أعدائها. ونستبشر بها أيضاً؛ لأننا نعلم أنها من الوسائل التي يسخرها الله ـ تعالى ـ لنصرة دينه وإعزازه. ففي أول موسم للحج بعد إعلان الدعوة المحمدية المباركة خشي أعداؤه بمكة من أن يؤثر في الحجيج، فتفرقوا في كل سبل الحج يحذرون الناس منه ﷺ ، لكن ذلك كان من أسباب انتشار ذكره؛ فما رجع حاج إلى قومه إلا وهو ينقل لهم خبر الفتى القرشي الذي قال إن الله ـ تعالى ـ بعثه رسولاً. وهذا ما يحدث في أيامنا هذه؛ فما أكثر الذين لم يكونوا يعرفون عن الإسلام شيئاً ولا يفكرون في معرفة شيء عنه حتى جاء هذا الهجوم الظالم عليه، فأثار حب استطلاعهم، فذهبوا يسألون عن الإسلام ويقرؤون عنه، فكان هذا من أسباب هداية الكثيرين منهم. وإنا لنستبشر به؛ لأن الدعاوى الباطلة المثارة ضد ديننا تعطينا فرصة الرد عليها، وإبلاغ صوتنا إلى أقوام ما كانوا ليستمعوا إلينا ولا يهمهم أمرنا؛ وفي هؤلاء عقلاء يميزون بين الحق الأبلج والباطل اللجلج. ونستبشر به؛ لأن الخوض فيه كان على حساب أعظم ما يعتز به الغرب من قِيَم: إذ إن الحرب على الإسلام كانت على حساب دعاوى الحرية، وعلى حساب التسامح الديني، وعلى حساب حكم القانون. لقد تبين للكثيرين حتى من الغربيين أنفسهم أن قيمهم هذه إنما كانت مبنية على شفير هار، فانهارت في أول مواجهة لها مع الدين الحق. ونستبشر به؛ لأنه مما جعله الله وسائل لتنقية صفوف المسلمين، ونفي الخبث عنها. إن بعض من ينتسب إلى الإسلام سيتردد وسيجامل وسينحرف، بل إن بعضهم سيرتد بعد إيمانه كافراً. فماذا نفعل مع هؤلاء؟ هل نبكي وننوح ونستسلم للأحزان؟ كلاَّ، بل نقول: يا عباد الله فاثبتوا؛ فإن الله! مستبدلٌ لكم بهم من هو خير منهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦] .

стр. 5213

لا حلول كاملة في وسط غير كامل ٢ ـ ٢ أ. د. عبد الكريم بكار - خطوات العيش الهنيء: تحدثت في المقال السابق عن ملاحظتين حول السعادة والعيش الهانئ. واليوم أذكر بقية الملاحظات: ٣ ـ إن في إمكان (العقيدة) أن تشكل المصدر الأساس للإثراء الروحي والسرور القلبي؛ وذلك من خلال ما توفره من أسس للاستعلاء على حاجات الجسد، وما توفره من طاقة لمقاومة صعوبات الحياة. والعقيدة في الوقت نفسه ترسم الفضاء النظري لعلاقة العبد بربه . إن العقيدة تشرح للإنسان المسلم عظمة الخالق ـ جل وعلا ـ وبره ولطفه، ورحمته بعباده، واطلاعه على أحوالهم، كما تشرح له ذلك السيل المتدفق من الإمداد المستمر بالعطايا والهدايا، والحفظ والرعاية بعد أن كانت قد شرحت له مِنَّة الخلق والإيجاد، وحقوق الخالق الجليل المفضال. من هذا وذاك تتكون مشاعر العبودية والامتنان، ومشاعر الحاجة والافتقار، وتضحى مناجاة الله ـ تعالى ـ وذكره والثناء عليه والتذلل بين يديه، وبسط الحاجات على أعتاب فضله وكرمه ـ أعظم مورد لمسرات الروح وطمأنينة النفس. وحين يقع المسلم في شدة أو أزمة يشعر أن في إمكانه في أي لحظة أن يلجأ إلى ركن شديد. إن جلسة تستمر ساعة من زمان في الثناء على الله ـ تعالى ـ وتملُّقِه (١) والتودد إليه ... كافية لإضاءة كل الحجرات المظلمة في أرواحنا، وكافية لجعلنا نتربع على قمة من الانشراح والسكينة والارتياح. هذه الوضعية الروحية المتألقة هي ما عبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين قال: جنتي في صدري. وحين قال: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة (٢) . وقد سلك الرسل الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مسلك المناجاة في أبهى تجلياتها؛ ليعلِّموا أممهم كيف يَرِدُون هذا المورد العذب الجميل، وكيف يكون الاغتناء الداخلي مع قلة ما في اليد؛ ويكفيك أن تستعرض دعاء النبي # ومناجاته حين صدّه أهل الطائف ورموه بالحجارة. ٤ ـ الأنشطة الدعوية والأدبية والاجتماعية والخيرية مصدر كبير لتنشيط الروح وإثراء الداخل. إن قانون المال هو الجمع والاستحواذ، وفيه دائماً ما يشير إلى الاهتمام بالذات والمصلحة الخاصة. أما قانون العمل فهو العطاء والإيثار، وفيه دائماً ما يشير إلى النمو، وما يعزز عالم المعنى. إن مجتمعاتنا فقيرة بهذه الألوان من العمل؛ بسبب التخلف والتفكك والخوف المسيطر من التقاء الإنسان بالإنسان. وهذا جعل موارد تحقيق الذات وتعميق المعاني الإنسانية ما يدفع الناس نحو التفاعل على المال بوصفه المورد الوحيد للتميز على الأقران، والمورد الوحيد للشعور بالفوز والنجاح. إن الأعمال التطوعية تجعلنا نشعر بالتأنق الداخلي والرفاهية الروحية؛ وهذا ما نحن في أمسّ الحاجة إليه اليوم. ٥ ـ الأخوة والصداقة وما تشتملان عليه من معاني الأنس والوفاء والتضحية والتباذل والاهتمام المتبادل والتعاون والتكاتف ... من أعظم ما يغني مشاعرنا، ويضفي على نفوسنا الابتهاج. إن ثقافة الغني ظلت على مدار التاريخ صفوة ونخبة. أما ثقافة الفقر فهي ثقافة عموم الناس الذين يتواصلون بشكل أسهل، وتكون الحواجز بينهم أقل، كما أن علاقاتهم الاجتماعية لا تكون في العادة مكلفة. ونحن في حاجة اليوم إلى أن نبدع في الأطر والوسائل التي لا تجعل منازلنا الضخمة عبارة عن سجون مرفهة تعزلنا عن بعضنا، فنحرم من ثم من نغمة التناغم الروحي الذي نجده حين نلقي ونتبادل عواطف الأخوة والصداقة. ٦ ـ لنجعل من الخيال أداة للتمتع بما ننتظره من النعيم الذي أعده الله لعباده الصالحين، ولنجعل من الذاكرة أداة لاسترجاع الذكريات الجميلة التي نحتفظ بها صوراً نقية عن أجمل الأحداث التي مرت بنا، ولنجعل من إدارة الإدراك وتوجيه الوعي أداة لرؤية العالم بطريقة جديدة؛ وبذلك نكسر جمود الرتابة، ونذيب صقيع القلوب الذي بدد حرارتها، وزادها قسوة. إن شيئاً من كل هذا سوف يحدث إذا اعتقدنا أن كثيراً من شقاء الإنسان كان ـ

стр. 5214

السودان بين قلق الحاضر وغموض المستقبل الأمين الأحيمر حدث كبير له ما بعده في مستقبل السودان، وهو توقيع اتفاقية السلام بين الحكومة السودانية ومتمردي الجنوب بقيادة (جون قرنق) . اختلفت آراء المتابعين والمحللين في داخل السودان وخارجه في قراءة الاتفاقية، واستشراف أبعادها. المتفائلون والمتشائمون على حد سواء لا يخفون قلقهم من المستقبل، ولا يخفون قلقهم من الضغوط الأمريكية التي كان لها تأثير كبير في إدارة الاتفاقية. المشكلة معقدة جداً، ومتعددة المحاور، ويسعدنا في مجلة البيان أن نلتقي عدداً من الفضلاء من أهل الشأن والمتابعة علّنا نقرأ الأحداث معهم برؤى متنوعة؛ متكاملة أحياناً، ومتباينة أحياناً أخرى، ربما في الحصول على تقويم أقرب ما يكون للموضوعية وضيوفنا هم: | الأستاذ الدكتور: الطيب زين العابدين: أستاذ العلوم السياسية، جامعة الخرطوم. | الأستاذ: كمال عثمان حسن رزق: مدير إدارة البعثات الخارجية بمنظمة الدعوة الإسلامية، والمشرف العام على مركز تدريبات الداعيات بالخرطوم. | الدكتور: يوناس بول ديمانيال: أستاذ مشارك في كلية العلوم السياسية بجامعة الزعيم الأزهري بالسودان، وزير ولائي، نائب ^: كيف ترون تداعيات الاتفاقية وظلالها على السودان ودول الجوار، وعلى العالم الإسلامي سلباً وإيجاباً؟ | د: يوناس بول: الحرب لم يتضرر منها إلا السودان، وكذلك دول الجوار من الناحية الاقتصادية والأمنية؛ لأن الحرب كانت توجِد أعباء داخل هذه الدول سياسياً واقتصادياً وأمنياً، أما تأثيرها على الدول الإسلامية فهذه الاتفاقية تمت رعايتها إقليمياً ودولياً، وللأسف الحضور الإسلامي فيها غائب تماماً، وخاصة أن هذه المنطقة استراتيجية، ويعتبر ذلك مؤشراً سالباً بالنسبة للمسلمين والعالم الاسلامي لا يهتم بجنوب السودان بصورة مباشرة، وإهمال هذه المنطقة سيؤثر على القضايا الإسلامية، ولا بد من الاهتمام بهذه المنطقة أسوة بغيرها من المناطق المتأزمة. | د. علاء الدين الزاكي: أنا أرى أن الاتفاقية لها تداعيات عظيمة؛ فعلى المستوى الداخلي فتحت شهية المناطق الطرفية للتمرد على المركز بدعوى التهميش؛ فهناك البجة، وهناك الأسود الحرة في الشرق ودارفور وكردفان، بل وأخيراً الشمالية بدأت تنادي بدولة النوبة، وهناك عمل منظم ومخطط له؛ وذلك لأن الاتفاقية أعطت الجنوبيين وحرمت غيرهم، وأن السبيل الوحيد لانتزاع الحقوق هو السلاح، وهناك من يؤيد ويدعم. أما على مستوى دول الجوار فمنهم من شعر بالراحة: كدولة كينيا، وأوغندا؛ وذلك لأن مكاتب الحركة الموجودة فيها تشكل حرجاً شديداً لهما مع السودان، وهو الأمر الذي جعل السودان يتبنى جيش الرب المتمرد على أوغندا، وكذا أرتيريا التي تخشى من تكرار ما فعله السودان عندما أوصل قادتها إلى السلطة، ولربما تمت مقايضة بين الحكومة وأرتيريا بحركة الجهاد الأرتيري الموجودة في السودان، وبعض دول الجوار كمصر التي تخشى من أن الاتفاقية تقضي بالانفصال؛ مما يشكل تهديداً كبيراً على أمنها القومي المتمثل في (النيل) ، وخاصة بعد الكتاب الذي صدر مؤخراً، والملف الذي قدمه السودان لجامعة الدول العربية يشير فيه إلى علاقات قرنق مع (إسرائيل) ؛ فتظل مصر خائفة تترقب ما الذي يكون بعد السنوات الست؛ فمصر لن ترضى بالانفصال و (قرنق) رئيساً للسودان، وأهون عليها الانفصال ـ إذا خيرت ـ من حكم (قرنق) للسودان كله للسبب المذكور. أما الدول الإسلامية التي تفرجت على السودان، وهو يستعمَر بهذه الاتفاقية فستجني ثمرة سكوتها؛ لأن الدور القادم ربما يأتي عليها. ^: ما هي طبيعة بروتوكولات نيفاشا بين الإيجابيات والسلبيات بالنسبة للشمال والجنوب والسودان عموماً خلال فترة السنوات الست القادمة من توقيع الاتفاقية؟ | د. يوناس بول: الاتفاقية مربوطة بزمن، وهي تُعتبر اجتهاداً بشرىاً. بالتأكيد هناك جوانب قصور، ولكننا لا نسلط الأضواء على القصور فقط بقدر ما نسلط الأضواء على الإيجابيات حتى تنجح هذه الاتفاقية، حتى نتجاوز مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام، ونتعامل معها كما هي لإنهاء فترة مؤقتة، وإيجابيات الاتفاقية أعطت البروتوكولات حقوقاً لم تكن موجودة للجنوب بالذات وبقية المناطق الأخرى في السودان مثل: جبال النوبة، آبيي، الانقسنا. | الأستاذ كمال رزق: الذي أراه مكسباً عظيماً في هذه البروتوكولات هو تثبيت مبدأ حكم الشمال بشرع الله وحرية الحركة بالدعوة في طول البلاد وعرضها، وإذا استغل أهل الشمال هذين الأمرين بكفاءة عالية، فإني أحسب أنه لن تكون هناك سلبيات بإذن الله. ^: مستقبل السودان عامة والعمل الإسلامى بصورة، خاصة في ظل هذه الاتفاقية مشوب بالغموض؛ فكيف تقرؤون هذا المستقبل؟ | د. الطيب زين العابدين: تعتمد الرؤية المستقبلية على وضع السودان في تطبيق بنود هذه الاتفاقية على أرض الواقع بصورة عادلة. | د. يوناس بول: مستقبل السودان مرهون بالاستفتاء بعد ست سنوات، وهو يتم حسب سلوك الأطراف الرئيسة إذا كان إيجابياً، وتغيير المفاهيم وتواصل جديد؛ فإن السودان بالتأكيد سيكون له دور كبير في المنطقة، وفترة السلام هي أحسن فترة لإنعاش السلام في الجنوب، وجنوب السودان لم ينتعش إلا في السبعينيات من القرن الماضي. | الأستاذ كمال رزق: في ظل هذه الاتفاقية التي تمثل وسيلة في طريق الوصول إلى الهدف، وفي ظل غير هذه الاتفاقية من الظروف العالمية التي تحيط بالمسلمين فإني أرى أن المستقبل لهذا الدين، وأن العاقبة للمتقين، وأن الله لا يصلح عمل المفسدين. | د. علاء الدين: هذه الاتفاقية نصت على التحول الديمقراطي والحريات المطلقة وسيادة القانون، وأن الأساس في الحقوق والواجبات هو المواطنة، وهذا معناه أن العمل مكفول للجميع؛ للخير والشر، والحق والباطل، والقوي والضعيف، وصاحب الإمكانات هو الذي يكسب، ولو أن الإنسان اطلع على الفقرة الخاصة بالدين والدولة فإنه يرى العلمانية ابتداءً من فقرة (١ـ ٦) إلى فقرة (٦ـ ٦) ، والتأكيد على أن الدين لا يستعمل عاملاً للفرقة، ويتفق الطرفان على كفالة حريات المعتقد والعمل والدعوة والتبشير والعبادة والنشر والتدريس والتجمع لأداء العبادة وتولي جميع المناصب؛ بما في ذلك رئاسة الجمهورية والتمتع بجميع الحقوق والواجبات على أساس المواطنة؛ وليس على أساس الدين؛ فكل العداوات ترجى مودتها إلا عداوة من عاداك في الدين. والمطلوب استغلال مناخ الاتفاق لنشر الإسلام واستغلال كل ثغرة فتحت، وديننا دين الفطرة. ^: يرى كثير من المراقبين داخلياً وخارجياً أن الاتفاقية فرضت فرضاً على حكومة السودان بكل بنودها بما فيها تمويل جيش الحركة بجزء من خزينة الدولة، مع أن في ظل قسمة الثروة خصصت حصة للحركة من الثروة والسلطة ما رأيك في ذلك؟ | الأستاذ كمال رزق: إذا كانت الاتفاقية قد فرضت على الحكومة فرضاً فلماذا استغرقت كل هذا الوقت الطويل؟ أليس يكفي الحكومة أن يقال لها افعلي، وتقول سمعنا وأطعنا، ويتم التوقيع بعد ذلك؟ إن الحديث بهذه الطريقة استخفاف بعقول الناس وسذاجة لا تخطئها العين. | د. الطيب زين العابدين: المفاوضات يوجد فيها تدخل إقليمي ودولي مكثف وظاهر من (دول الإيقاد) وشركائها من الدول الغربية كأمريكا، وإيطاليا، وبريطانيا، والنرويج، والتي شكلت حضوراً مستمراً في المفاوضات، تمثلت في كبار المسؤولين واتصالات بعض رؤساء هذه الدول، إضافة إلى الدعم المادي للمفاوضات، وفيما يتعلق بمشكلة (أبيي) قامت الحكومة الأمريكية بالمزاوجة بين مقترح الحكومة والحركة، وحقيقة أن الدور الخارجي له دفع وتشجيع لبنود الاتفاقية. وفيما يتعلق بتمويل جيش الحركة الشعبية أعطت الحركة نصيباً من الثروة بتفصيل دقيق، وعدم موافقة الحكومة على ذلك جاء بحجة أن الجيش تابع للحركة والتمويل جزء من الثروة، ومن هنا تم الاتفاق على تمويل الجيش من الحكومة الإقليمية لجنوب السودان بدعم دولي، وأتوقع أن هذا الدعم سيغطي كل تكاليف الحركة خلال الفترة الانتقالية، أو جزءاً كبيراً منها. | د. يوناس بول: الاتفاقية تفرض على حكومة السودان التي بادرت بطلب إلى (الإيقاد) للتدخل في حل مشكلة السودان. والتدخل الإقليمي صار واضحاً لمدير منظمة (الإيقاد) ، واستعانت بدول أخرى لها أغراض خاصة بهم، وهذه المصالح تتحقق وتتضرر بالحرب. وقضية الجيش تم تقسيمه إلى ثلاثة جيوش؛ الأول: الحكومة، والثاني: الحركة، والثالث: مشترك. والحكومة ترى أن جيش الحركة تموله حكومة الجنوب من ميزانيتها، وتدخَّل الوسطاء لحل هذه المشكلة، وتم التوصل إلى صيغة وفاقية. | د. علاء الدين: إن المعروف الذي لا تنكره حتى الحكومة أن هذه الاتفاقية بذاتها عرضت عليها فرفضتها، وتم بعد رفضها ممارسة ضغوط عليها حتى قبلت، ولكن بصورة أسوأ مما كانت عليه سابقاً، واستخدمت أمريكا عدة أساليب منها: إصدار قانون سلام السودان، والتلويح بعصا العقوبات، والتهديد بمحاكمة من شارك في محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك، كانت مسألة واضحة، كلما تعثرت المفاوضات لوَّح الكونغرس بهذه الأشياء، وهو الأمر الذي وضع الحكومة بين أمرين أحلاهما مر: إما العقوبات، وإما السلام المفروض. ^: تشير بعض الدوائر إلى أن الاتفاقية خطوة في طريق تقسيم السودان إلى دويلات في الجنوب، والغرب، والشرق، والشمال والوسط. وما هي مقومات الوحدة وإرهاصات تحقق سناريو انفصال الجنوب بعد السنوات الست المنصوص عليها في الاتفاقية؟ | د. يوناس بول: الاتفاقية لم تصمم لفصل السودان، لكنها تسعى لوحدة السودان، وهنالك موضوع لوحدة السودان من ضمن بنود الاتفاقية. ووحدة السودان تعتمد على البرامج التي تجذب الجنوبيين للوحدة من خلال السنوات الست، وهي ليست ضماناً إلا إذا تم الاتفاق على الوحدة في هذه الفترة، ووحدة السودان مهددة حقيقة، وليس هنالك ضمان لوحدة السودان. | الأستاذ كمال رزق: تقسيم السودان إلى دويلات أمر مستحيل؛ فالسودان بلد مسلم يعتصم أهله بكتاب الله، ولما أراد الجنوب أن ينفصل قاتله كل أهل الشمال، ومسلمو الجنوب كذلك، والحركات التي في الغرب والشرق والوسط حركات مطلبية فقط، وبعضها يتدثر بدثار العنصرية، ولكن في حقيقة أمرها حركات مطلبية، ودعوى العنصرية إنما هو سلاح ليحرك به عاطفة الشعوب الغربية، لكي يعضد موقفها في تحقيق أهدافها المطلبية. أما الجنوب فإني أؤكد بأن خيار الوحدة عند أهله أكبر من خيار الانفصال، والجنوب اليوم معظم سكانه من المسلمين، وفي إحصاءات سابقة لمجلس الكنائس؛ فإن عدد المسيحيين ١٧%، وعدد المسلمين ١٨%، والباقي من الوثنيين؛ فكيف بالحال اليوم وأهل الجنوب يدخلون في دين الله أفواجاً؛ فأنا على ما يشبه اليقين بأن عدد المسلمين الآن في الجنوب لا يقل عن ٤٥% من جملة السكان. | د. علاء الدين: رؤيتي التي لا أتفق فيها مع كثير من المراقبين ممن قال بأن الاتفاقية تكرس للانفصال لبعض المعطيات الموجودة في الاتفاق، لكني أقول بأن الاتفاقية تضع السودان كله في يد (قرنق) ؛ وذلك لنقاط مهمة، وهي: ١ - لو كان (قرنق) يريد الجنوب لما كان حريصاً عليه، خاصة وأن تقرير المصير كان مطروحاً من قبل. ٢ - أن فصل الجنوب يعني إعطاء الشمال حرية إقامة دولة إسلامية، وهذا هو الذي جعل أمريكا تتدخل بقوة في السودان. ٣ - ظل (قرنق) يطرح مشروع السودان الجديد بالمواصفات التي نصت عليها الاتفاقية الآن، ويمكن الإشارة هنا إلى الندوة التي قدمها (قرنق) بأمريكا في عام ٢٠٠٢م، وكانت تحت عنوان (رؤية الحركة للسودان الجديد) ، وقامت وكالة السودان للأنباء بنشرها بتاريخ ٧/٥/٢٠٠٤م، حدد فيها (قرنق) رؤية الحركة للسلام، واستراتيجية التفاوض، فقال: لا بد من تفكيك النموذج الإسلامي العربي، وإعادة تشكيل السودان وفق (أفريقانية الهوية وعلمانية الدولة) ، وقال: على حكومة الخرطوم إما أن تختار وحدة الدين أو الوطن، لذلك كفلت لـ (قرنق) بنود الاتفاقية إمكانية حكم السودان، وأعطته الاتفاقية هيئة السودان الجديد الذي يريده بكامله كما في بروتوكول مشاكوس من فقرة (١ ـ ٦) إلى (٦ ـ ٦) الخاصة بالدين والدولة؛ فالانفصال خيار آخر أو أضعف ما يلجأ إليه (قرنق) إذا وجدت صلابة من الشمال وقوة من أهل الإسلام. ^: إذاً ما هي متطلبات المحافظة على الهوية الإسلامية في ظل التزاوج بين مشروع السودان الجديد الذي يطرحه (قرنق) والمشروع الحضاري الذي تتبناه الحكومة؟ | د. يوناس بول: للمحافظة على هذه الاتفاقية أرى أن على حكومة الشمال، لكي تحافظ على المشروع الحضاري أن تطبق الشريعة الإسلامية، والجنوب يكون مستثنى، وتطبق عليه قوانين تختارها حكومة الجنوب وحدها، ومشروع الحركة يتحقق من خلال البروتوكولات، وأول مرة في تاريخ السودان يكون نائب رئيس جمهورية السودان جنوبياً، وكذلك وزارة سيادية، أما الإسلام السياسي في السودان الذي طرح بتجربة الإنقاذ فأحسب أنه لم يكن موفقاً في كثير من الجوانب السياسية والفكرية، وهنالك إخفاقات أضرت بالمشروع نفسه. | الأستاذ كمال رزق: بدل كلمة المشروع الحضاري يمكن أن تضع كلمة المشروع الإسلامي؛ لأن كلمة حضاري كلمة هلامية، وهي قاصرة لا تغطي كل المعاني التي يحققها حكم الله في الأرض؛ فالحضارة جزء يسير من المكاسب التي يحققها تحكيم الشريعة الإسلامية في البشرية. ومشروع السودان الجديد الذي يطرحه (قرنق) ما هو إلا وجه سافر للعلمانية التي يريدها قرنق ولن تصمد أمام الإسلام طويلاً بإذن الله. | د. علاء الدين: لا يمكن أبداً الجمع بين مشروع (قرنق) للسودان الجديد والمشروع الحضاري الإسلامي، هما على طرفي نقيض؛ فقرنق يدعو إلى مشروع علماني، والحكومة تسعى لتطبيق نموذج إسلامي؛ فليس أمام الحكومة إلا الإحلال والإبدال. قال (قرنق) في الندوة التي أشرت إليها قبل قليل: «الهدف الرئيس للحركة هو إنشاء السودان الجديد، وهو يعني انتهاء النموذج العربي الإسلامي المتحكم الآن، وإعادة بناء السودان وفق رؤية السودان الجديد عن طريق الإحلال والإبدال بين النموذجين» ، وتم تفصيل الاتفاقية على هذه الطريقة؛ لذلك وافقت كل الأحزاب العلمانية عليها، وأعطيت الاتفاقية التدويل، وانعقد مجلس الأمن لأجلها في نيروبي، وحدّد موعداً للتوقيع، واعتمدت الاتفاقية بنيويورك وظل (قرنق) يهدد الحكومة كلما سنحت له الفرصة إن هي نقضت ما اتفقت عليه، فقال في رومبيك كما في جريدة الاتحاد ٣/١٠/٢٠٠٣م في اجتماعه مع القادة العسكريين: «إن الضمانات لالتزام حكومة البشير بما وقعت عليه هو حشد المجتمع الدولي، وعلى رأسه مجلس الأمن» ، وقد فعل. ثم قال: وأكبر ضمان هو احتفاظ الحركة بنحو (١٠٠ ألف مقاتل بكامل استعدادهم العسكري) ، وقال قبل أيام بمجلس الأمن: إني أحذر الحكومة من نقض الاتفاق! ^: انطلاقاً من هذا الواقع ما رؤيتكم لمستقبل الحكم الجنوبي في ظل الاتفاقية مع وجود تباين عرقي وثقافي بين قبائل الجنوب، تصل في كثير من الأحيان إلى العداوات المسلحة؟ | د. يوناس بول: تجربة اتفاقية (أديس أبابا) ناجحة، تؤكد قدرة الجنوبيين على حل مشكلاتهم بالطرق السلمية، والسبب في انهيار اتفاقية (أديس أبابا) الخوف من تمكن الجنوبيين من إدارة حكم السودان. في الوقت الحالي حدث تطور كبير في عقلية الجنوبيين من خلال الانفتاح على العالم، ونتوقعهم أن يستفيدوا من الدروس السابقة، ويستطيعون إدارة الحكم في الجنوب أفضل من أي وقت مضى في السودان. | الأستاذ كمال رزق: قبائل الجنوب لا يربطها توجه واحد ولا أهداف مشتركة ولا عقيدة مشتركة، وإنما هو تقاسم للسلطة وتقسيم لموارد، واسترداد للحقوق، والتباين العرقي والثقافي سيكون عقبة كؤوداً أمام تحقيق هذه الأهداف التي ذكرتها. ^: ما هي إسقاطات نيفاشا على مشكلات السودان الداخلية كقضية دارفور والشرق وغيرها من المناطق المرشحة للمشكلات وعلى أحزاب المعارضة بما فيها حزب الدكتور الترابى؟ | د. الطيب زين العابدين: من أكبر نقاط ضعف هذه الاتفاقية أنها حددت حقوق جنوب السودان في السلطة والثروة، لكنها أهملت أقاليم شمال السودان، ومن ثَمَّ تم فتح الباب أمام أقاليم شمال السودان لحمل السلاح، والاحتجاج الذي ظهرت بوادره في دارفور وشرق السودان. | د. يوناس بول: من الجوانب الإيجابية في هذه الاتفاقية أنه سيتم رفع قانون الطوارئ وإطلاق السجناء بما فيهم الترابي، وسيفتح المجال لكل الأفراد للعمل بحرية. ^: إذاً ما هي التحديات القادمة التي تواجة حكومة السودان في ظل الاتفاقية؟ | د. يوناس بول: أهم التحديات التي تواجهها في الفترة القادمة هي تطبيق الاتفاقية نفسها والجوانب التنموية والتعمير. | الأستاذ كمال رزق: أول التحديات التي تواجهها حكومة السودان هو النجاح في إطفاء الحرائق التي أشعلتها هذه الاتفاقية في بعض أطراف البلاد، وكما ذكرت فإنها حركات مطلبية فقط، والأمر الثاني هو ضبط الأمن في البلاد، وتوخي الحذر، والعمل على تطبيق الشريعة بالشمال. ^: في حالة اختيار الجنوب خيار الانفصال بعد السنوات الست القادمة ما هي الأخطار المتوقعة لدولة الشمال؟ | د. يوناس بول: في حالة الانفصال سيكون هناك عداء؛ لأن الانفصال لم يتم باتفاق، وخير مثال لذلك أن باكستان والهند ما زالت المشكلات قائمة بينهما حتى الآن. | الأستاذ كمال رزق: إذا حدث الانفصال فإن الجنوب سيكون قاعدة لأمريكا ومرتعاً خصباً لـ (إسرائيل) ومورداً عذباً للمياه، وسيبدأ في التهام الشمال رويداً رويداً، وكل ذلك لن يتحقق بإذن الله إن خلصت النوايا، وعرف المسلمون واجبهم في هذه المرحلة. | د. علاء الدين الزاكي: إن أعظم الأخطار في حالة الانفصال هو إسرائيل؛ لأن العلاقة بينها وبين الحركة قديمة، وهنالك عدة أدلة على رأسها كتاب (إسرائيل وحركة تحرير السودان) للكاتب (موشي فرجي) وهو ضابط متقاعد بالموساد وحدد الاستراتيجية الإسرائيلية في ذلك، وقال هي سياسة (شد الأطراف ثم بترها) لتفتيت العالم العربي، وتهديد مصالحه الاستراتيجية. وقال الكاتب: (واهتمت إسرائيل بجنوب السودان؛ لأنه يمثل عمقاً استراتيجياً لمصر أكبر دولة عربية وهي العدو الأخطر بعد زوال صدام) ، وقد قدمت حكومة السودان ملفاً كاملاً للجامعة العربية بوثائق دامغة تظهر علاقة (قرنق) مع (إسرائيل) . ^: الاتفاقية وفرت ضمانات للجنوبيين الذين يعيشون في الشمال كاستثنائهم من تطبيق الشريعة. مثلاً ما هي الضمانات التي وفرتها الاتفاقية لمسلمي الجنوب الذين يعيشون بالجنوب في ظل دستور علماني واقتصاد ربوي وغير ذلك؟ | د. الطيب زين العابدين: هنالك إحصائية قديمة سنة ١٩٥٤م هي التي حددت أن المسلمين ١٨% والمسيحيين ١٧% ونتيجة لبعض التغيرات مثل الحرب التي أضرت بالدعوة جعلت في رأيي الشخصي أن النصارى هم الأكثر ثم الديانات التقليدية الإفريقية، وأخيراً المسلمين؛ ونرى أن المنظمات التي عملت وسط الجنوبيين لها تأثير في الشمال، فنجد حول العاصمة الخرطوم الكنيسة الكاثولوكية وحدها لديها ٨٣ مدرسة والحكومة لا تملك هذا العدد. | د. يوناس بول: ليس هنالك ضمان للجنوبيين الذين يعيشون في الشمال لتطبيق الشريعة الإسلامية، والاتفاقية ركزت الحديث على العاصمة وهي التي تم استثناؤها؛ لأنها محل الحكم، وكل فرد يتقيد بالقانون الذي يسري في المنطقة التي هو فيها، والشمال كله فيه شريعة، وليست هنالك شريعة في الجنوب. | الأستاذ كمال رزق: المسلمون في الجنوب ما عادوا ذلك الكيان الضعيف الهزيل الذي يسهل ابتلاعه، وهضمه. المسلمون في الجنوب اليوم كيان قوي متماسك له مؤسساته الدعوية وبرامجه ووسائله المشروعة في الحفاظ على كيانه والدفاع عن نفسه، وهم ـ كما ذكرت لك ـ يمثلون الأغلبية من سكان الجنوب، ولا بد أن يعملوا لتحويل هذه السلبيات التي ذكرتها إلى إيجابيات تصب في مصلحة الإسلام إن شاء الله. | د. علاء الدين الزاكي: أهملت الاتفاقية تماماً مسلمي الجنوب باعتبارهم أقلية، ولم تحرص على إيجاد وضع لهم في ظل انفراد (قرنق) بالجنوب في حالة الانفصال، ونسيت من وقف معها: كالسلطان إسماعيل سلطان المورلي وغيرهم. ^: ما هو وضع الفصائل الجنوبية خارج الحركة والحكومة التي لم تشملها قسمة السلطة والثروة، وهل ذلك يهدد بتمرد محتمل من هذه الفصائل على حكومة الجنوب أو على السودان عامة؟ | د. يوناس بول: الحركة والحكومة هم أصحاب الاتفاق، وبعد أربع سنوات ستكون هنالك انتخابات على كل المستويات، وهي التي تحدد من يحكم السودان في الفترات القادمة، ولهذا أعطي هامش لبقية الأطراف. | الأستاذ كمال رزق: إن الضابط الحقيقي لسلوك الإنسان هو الدين؛ فإذا انعدم هذا الضابط فلك أن تتوقع حدوث كل شيء. | د. علاء الدين الزاكي: أن احتمال التمرد وارد حتى من داخل الحركة؛ لأنها ليست على قلب رجل واحد، حتى ولو تم الانفصال؛ فاحتمال التمرد على سلطة الجنوب وارد لتركيبة الجنوب التي لا يمكن جمعها في كيان واحد. ^: كيف تكون قرارات الرئاسة في ظل الاتفاقية التي تعطي النائب الأول حق النقد لقرارات الرئيس مع صلاحيات متساوية مع الرئيس في اتخاذ القرارات إذا وضعنا في الاعتبار التبيان الثقافي بين الرئيس ونائبه الأول، وكيف يتم تجاوز مثل هذه المعضلات إذا حدثت؟ | د. الطيب زين العابدين: الصلاحيات بين الرئيس والنائب الأول ليست متساوية؛ لأنها في أمور محددة نصت عليها الاتفاقية كحالة الطوارئ التي أسيء استعمالها في تقييد الحريات واعتقال الناس دون توجيه تهم أو محاكمة كحالة د. الترابي مثلاً من عام ٢٠٠١م؛ ولهذا من الأفضل ألا يولى هذا القانون لشخص واحد؛ حيث (قرنق) يخاف من استعمال هذا القانون ضده، وكذلك إعلان الحرب؛ لأنها تهم الجنوب، وحل البرلمان الجديد، ومن هذا المنطلق الصلاحيات التي أعطيت إلى النائب الأول لها منطق يسوغها لكن هنالك صلاحيات أخرى لرئيس الجمهورية ليست مقيدة بالنائب الأول. | د. يوناس بول: هذا الجانب مفصل في الاتفاقية وخاص بالقضايا المتعلقة بالاتفاقية، ولا يستطيع الرئيس اتخاذ قرارت بالحذف أو التعديل وإعلان الطوارئ والبرلمان، وهنالك قضايا خاصة بالرئيس تضمن في الدستور الذي يتم مناقشته في الفترة القادمة، والرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يحق للحكومة التدخل في الشأن الجنوبي، باعتبار إدارته تابعة لإدارة الجنوب. | الأستاذ كمال رزق: نرجو أن لا تحدث هذه المعضلات، ويكون هناك توافق في كل شيء، وإذا حدثت فإن لكل حادثة حديثاً. | د. علاء الدين الزاكي: الاتفاقية تنص على وجود مؤسسة الرئاسة ليست رئيساً ونائبه، وهي المعبر عنها بكلمة (presidency) وهذا معناه أن القرار لا يخرج إلا باتفاق الثلاثة، وليس للرئيس وحده الحق في إصدار قرار، وهذا تعزيز لدور (قرنق) . ^: الحكومة تقود مفاوضات على عدة أصعدة مع المعارضين وخاصة الأحزاب الشمالية فأين موقع مجموعة حزب الترابي من ذلك بعد اتهامهم بالمحاولة التخريبية التي خطط لها في نهاية العام الماضى (٢٠٠٤م) ، والتي لا زال بعض المتهمين فيها تحت المحاكمة؟ | د. يوناس بول: هذا يعتبر عملاً سياسياً ينتهي مع تطبيق اتفاقية السلام. | الأستاذ كمال رزق: أحزاب المعارضة بما فيها حزب الترابي لهم أجندة خاصة، ولن تستطيع الحكومة أن تلبي مطالب المعارضة مهما بذلت من الجهد؛ لأن المسافات متباعدة جداً فيها. ^: ما هو وضع القوات المسلحة السودانية في ظل الاتفاقية؟ وكيف تقابل حكومة السودان الاعتداءات والتهديدات الداخلية والخارجية للسودان، والجيش السوداني ستكون حاله غير ما عرف عنه قبل اتفاقية السلام من قوه وتدريب وتعداد وتجارب اكتسبها خلال السنين الطويلة في الحروب بجانب الاهتمام الذي وجده في ظل حكومتين عسكريتين (هما: حكومة نميري والبشير) والتي حكمت كل منهما السودان لفترة تصل إلى (١٥سنة) أو أكثر؟ | د. الطيب زين العابدين: الاتفاقية أتت ببدعة غير معهودة في جانب القوات المسلحة، فحددت ثلاثة جيوش: الأول: للقوات المسلحة القديمة المعروفة، وحصرت في الشمال، والثاني: قوات (قرنق) في الجنوب، والثالث: قوات مشتركة تقدر بحوالي (٤٠.٠٠٠) أربعين ألف مناصفةً بين الحكومة والحركة ووجودهم في الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق والعاصمة، وهذا وضع غريب وقبول الحكومة به غير موفق، ولكن (قرنق) يريد ضمانات لحراسة هذه الاتفاقية. | د. يوناس بول: على حسب الترتيبات يعتبر جيش الحكومة والحركه جيشاً وطنياً، وتنحصر مهمته في التصدي للتدخلات. | الأستاذ كمال رزق: القوات المسلحة السودانية لن تتبدل نظرتها تجاه واجباتها بسبب هذه الاتفاقية، وأحسب أن واجباتها هي حماية الوطن والدين وتدريبها وتأهيلها ينبغي أن يزداد، وأن يتسع ويأخذ بكل ما أنتجته القضية الحديثة، والجيش السوداني لا يقبل الهوان بأي حال من الأحوال، ولا يأكل من الفتات، ولا يحني رأسه للأعاصير والعواصف كما يفعل كثير من طلاب الدنيا. | د. علاء الدين الزاكي: إن اتفاقية الترتيبات الأمنية تعتبر من أخطر الاتفاقيات الموقع عليها، وأخطر ما فيها ما يلي: ١ - احتفاظ الحركة بكامل جيشها، وقد استفادت الحركة مما حدث مع حركة الأنانيا لما سرحت جيشها؛ فقد قال (قرنق) في (رومبيك) عقب التوقيع على اتفاقية الترتيبات الأمنية، كما جاء بصحيفة الاتحاد بتاريخ ٣/١٠/٢٠٠٣م: (إن الحركة الشعبية لن تكرر الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه الأنانيا عندما حلت جيشها بعد اتفاقية (أديس أبابا) للسلام؛ مما أعطى الرئيس (نميري) الفرصة لعدم احترام الاتفاق) ، وقال: (إن أكبر إنجاز حققه اتفاق (نيفاشا) للترتيبات الأمنية هو وضع جيش الحركة في مصاف الجيش القومي) ؛ أي أن الحركة سيكون لها جناح سياسي وجناح عسكري. ٢ - والخطر الأكبر هو وضع (١٥٠٠) جندي بالعاصمة فرغت الحركة بعد شهر ونصف من اختيارهم، وهذا يعني أنه تم انتقاء أكثر أعضاء الحركة تأهيلاً وتدريباً ليكونوا قرب الحدث. ٣ - تسريح القوات المسلحة السودانية والتفكير في جيش السودان الجديد مع احتفاظ الحركة بكامل قواتها. ٤ - سحب القوات السودانية التي يبلغ قوامها الآن أكثر من ١٠٠ ألف مقاتل من جنوب السودان إلى حدود ١٩٥٦م، والإبقاء على (١٢ ألفاً) فقط بالجنوب إن شئت قلت رهينة، وهذا كله يعني إضعاف الحكومة وتقوية الحركة، والتمهيد لعمليات خاطفة ربما أوصلت الحركة إلى الحكم وبمعاونة من شارك في وضع هذه الاتفاقية. ^: المناطق الثلاثة، آبيي، جبال النوبة، والنيل الأزرق ما وضعيتها في ظل الاتفاقية؟ وما مستقبلها في حالة تبني الحركة الشعبية خيار الانفصال وهي مناطق إسلامية أو تتجذر فيها الثقافة الإسلامية؟ | د. الطيب زين العابدين: منطقة (آبيي) هنالك خلاف حولها منذ الاستقلال، والحكومة قبلت أن يحصل فيها استفتاء بعد ست سنوات، وتمت معاملتها بوصفها وحدة إدارية لها حكم ذاتي تحت إشراف رئاسة الجمهورية، أما جبال النوبة، أو (جنوب كردفان) في التسمية الجديدة، وجنوب النيل الأزرق فليس هنالك خلاف حول تبعيتها لشمال السودان، لكن الحجة أن أبناء هاتين المنطقتين حاربوا مع الحركة لذلك تريد أن تحفظ لهم حقوقهم، وتم معالجة ذلك بإدارة مشتركة. الحكومة لديها النصيب الأكبر، ولكنه شبه استقلال من ولايات الشمال الأخرى، وفي حالة الانفصال أتوقع أن تكون (آبيي) تابعة لجنوب السودان. | د. يوناس بول: هي جغرافياً أو سياسياً تتبع الشمال، وتم حلّ هذه الإشكالية من خلال تعيين الوزراء والولاة في هذه المناطق، يكون بالمناصفة. بمعنى إذا كان الوالي من الحكومة فينبغي أن يكون نائبه من الحركة، وهكذا الاستفتاء ينحصر في منطقة آبيي. | الأستاذ كمال رزق: المناطق الثلاث هذه مناطق إسلامية تماماً، والحَكَم هو التاريخ لمن أراد اليقين، وهي أول من يلتئم مع جسم السودان الموحد، إذا أرادت الحركة الشعبية خيار الانفصال. ^: تناولت الصحف السودانية مؤخراً خلافات في داخل قيادات الحركة الشعبية، ما مدى تاثير ذلك على مسارات الاتفاقية؟ | د. الطيب زين العابدين: الصحافة السودانية تشير إلى اجتماع قادة الجيش الشعبي الذي عقد في (رومبيك) بحضور عدد كبير من قوات الجيش الشعبي تقدر بحوالى (١٠٠) مائة من القيادات، ووُجِّه فيه نقد شديد لقرنق لم يتعرض له رئيس حزب سوداني، ويمثل ظاهرة طيبة لما هو موجود في أحزابنا السودانية، ويعكس أن هنالك هلهلة في الحركة الشعبية، وهنالك شعور كأنما قيادات الجيش أقرب لتأييد (سلفاكير) منها لقرنق، وهذه ظاهرة خطيرة، قد تؤدي إلى انشقاقات في الحركة في المستقبل؛ مما يكون له التأثير على تعامل الحكومة في هذه الحالة؛ لأن من مصلحة الحكومة عدم وجود هذه الانشقاقات، وأن لا تتعامل بالانتهازية السياسية والنظرة السياسية الضيقة. | د. يوناس بول: الخلاف شيء طبيعي بين كل الجماعات والأحزاب السياسية، ويكون الخلاف في القضايا التقديرية والسياسية. | الأستاذ كمال رزق: لا شك أن الخلافات داخل القيادة لها أثر سلبي ربما يطيح بكل هذه المكاسب، ويحدث انتكاسة خطيرة. ^: ختاماً: ما الوضع الذي تريده أمريكا وإسرائيل للسودان بعد اتفاقية السلام؟ | الأستاذ كمال رزق: أن ينفصل الجنوب فيما أظن. | د. الطيب زين العابدين: من ناحية عامة أمريكا تريد تحقيق قدر من الاستقرار في السودان، حتى لا يكون له تأثير على دول الجوار؛ لأهميتها لأمريكا، وخوفاً من تفريخ جماعات مناهضة لأمريكا، وتقليل مصادر الأصولية الإسلامية، كذلك تريد إرضاء مصر التي لا ترغب في انفصال الجنوب لمصالحها في مياه النيل ودخول سوق النفط السوداني، وسيكون إنجازاً للحكومة الأمريكية أنها استطاعت تحقيق السلام، وإيقاف أطول حرب في أفريقيا، وهذا الظاهر في الأجندة الأمريكية. أما إسرائيل فأجندتها تخريبية، ويمكن أن يكون هنالك اتفاق مع أمريكا في تخفيف الأصولية الإسلامية في السودان. | د. يوناس بول: (إسرائيل) تعتبر عدو العرب والمسلمين، وإهمالهم للجنوب لصالح (إسرائيل) ؛ لأن انفصال الجنوب يصب لصالح إسرائيل، خاصة وأن الجنوب يعتبر منطقة استراتيجية، ولا بد من الوجود الفاعل للجماعات العربية والإسلامية. | د. علاء الدين الزاكي: الواضح من البروتوكولات الموقعة أن أمريكا تريد إقامة دولة علمانية على أنقاض الحكومة الحالية، وتفكيك نظام الإنقاذ الحالي، بفتح ملفات المحاسبة لما سبق خاصة قضايا تملك هذه الدول عليها وثائق، وكان لها الأثر المباشر على هذا الاتفاق: كقضية مبارك، ودارفور، وشرق السودان؛ لأن (نظام الانقاذ) يقوم على أعمدة قوية يصعب مواجهتها إلا بالتفكيك السلمي، كما عبروا عنه؛ فما أن انتهى السلام حتى برزت محاكمة المتورطين في دارفور بأسماء معنية. وبالجملة فإن مباركة أمريكا لهذا الاتفاق يظهر نيتها الواضحة والمشبوهة في السودان، وما لم يحقق بالحرب يحقق بالسلام.

стр. 5215

متى تؤوب القافلة ؟! محمد شلال الحناحنة ما أجمل أن نتواصل في (البيان الأدبي) مع عدد كبير من أدبائنا وكتّابنا! ممّا يدلّ على أنَّ الهمّ الذي يجمعنا واحدٌ، والرؤى متقاربة!! ومع هذا نرى أنّنا بحاجة إلى مزيد من التواصل مع إطلالة شهر عظيم، هو شهر صفر، بأيامه المباركة بإذن الله ونفحات نسماته الرّوحيّة العذبة، ولكنّنا نتساءَل، ونحنُ نظعنُ في قافلة الأدب الإسلاميّ: أين القصائد التي تهزّنا من الداخل، وتعبّر حقاً عن جراح الأسى التي أوغلت في جسد الأمة؟! أين تلك التي تحشدنا إلى الكلمة الفَصْل، والموقف النّاصع أمام تكالب الأعداء من كُلّ صوب؟! أين القصص القصيرة المتقنة فنيّاً التي تحكي أوجاعنا، وتجدّد آمالنا، وتفتح لنا آفاقاً من المصابرة والمجاهدة برؤى إيمانية صادقة؟! ولِمَ تغيب النصوص القادرة على مصافحة وجدان أطفالنا، ونقاء فطرتهم، ورهافة نفوسهم وأذواقهم؟! ترى لِمَ تغيب عن صفحاتنا الأدبية ونحنُ أحوج ما نكون إليها؟ أنترك أبناءنا للحكايات الضالّة الخبيثة التي تطمس عقيدتهم الصافية، وتشوّه أخلاقهم وبراءتهم، أم ترانا نسلمهم للفضائيات الهابطة الحاقدة؟ أين أدباؤنا وكتّابنا وأهل الفكر والعلم ممّا يحدث؟ كما يحقّ لنا أنّ نتساءل بحرقة وأَلم: أين أدب المرأة الراقي في مضمونه وأسلوبه وفنّه ليشارك في بناء مجتمعاتنا، ويمضي إلى الأصالة في الطرح، والقدرة على التأثير في المتلقي؟ ألسنا اليوم نفتقر إلى الكلمة التي تحشد القلوب إلى الإخلاص قبل أنْ نحشد الجيوش؟ فأين وصلنا في مشوارنا هذا في إعداد الكلمة وعتادها؟ وإلى أي مدى سيلامس هذا السؤال شفافية الحسّ وشغاف الأرواح لدى كتابنا وأدبائنا؟ وإلى متى سننتظر حتى تؤوب القافلة؟

стр. 5216

قراءة في «البيان الأدبي» في الأعداد الثلاثة الأخيرة د. حسين علي محمد هذه قراءة في أعداد البيان الثلاثة الأخيرة، أعداد ذي القعدة، وذي الحجة ١٤٢٥هـ، والمحرم ١٤٢٦هـ نستجلي من خلالها صورة الأدب الإسلامي، كما تقدم النماذج الإبداعية في الشعر والقصة القصيرة | في العدد (٢٠٧) الصادر في ذي القعدة ١٤٢٥هـ نجد قصيدتين للشاعرين عدنان النحوي، وأحمد الصابطي، ومقالاً للأستاذ محمد شلال الحناحنة عن ديوان «بشائر من أكناف الأقصى» للشاعر الدكتور سعد بن عطية الغامدي، وحواراً مع الناقد الدكتور وليد القصاب. | ففي قصيدة الشاعر عدنان علي رضا النحوي، وهي بعنوان «فجر أطلَّ» ، نجد صوتاً يذكرك بكبار شعراء مدرسة الإحياء، ومنهم حافظ إبراهيم (١٨٧٢ ـ ١٩٣٢م) ، ومحمد عبد المطلب (١٨٧١ ـ ١٩٣١م) ، وأحمد محرم (١٨٧٧ ـ ١٩٤٥م) ، وعلي الغاياتي (١٨٨٤ ـ ١٩٥٦م) ، وعلي الجارم (١٨٨٢ ـ ١٩٤٩م) . والقصيدة نموذج حي لقدرة الشعر البياني المحافظ (الذي يكتبه الآن محمد التهامي، وعدنان النحوي) على أن يكسب للشعر جمهوراً بقدرته الفنية على التعبير عن جراح الأمة وعذاباتها. ومن جَيّد قول النحوي في القصيدة: أتوْكِ بزحفٍ كالجبال وأقبلوا بآلاتهمْ تُلقي لهيبَ جهنمِ أحاطوكِ مِنْ كلِّ النواحي وأطبقوا بشرِّ حصارٍ من حواليْكِ مُحكمِ وما تركوا للمستجيرِ منافذاً ولا لضعيفٍِ أو لشيْخٍ ومُعْدَمِ قذائفُ دوَّتْ والمساكنُ أطبقَتْ على أهْلِها بيْنَ اللهيبِ المُضَرَّمِ تناثرتِ الأشْلاءُ في كلِّ ساحةٍ يُحيطُ بها صمْتٌ ولوْعةُ مأْتَمِ | وفي قصيدة أحمد الصابطي، وهي بعنوان «هكذا حدّث التاريخ» نجد صوتاً عالياً يهيب بالناس أن يستيقظوا: لا تكنْ كومَ عظامْ تحتهُ عقلٌُ وقلبٌ مِنْ جمادْ لا تكن ممن يُغطيه حجابُ السنواتْ وهي قصيدة ذات صوت عالٍ، وحينما يعلو الصوتُ في القصيدة فإن الفنية تتوارى، أو تتلاشى. وفي مقال الأستاذ محمد شلال الحناحنة عن ديوان «بشائر من أكناف الأقصى» للشاعر الدكتور سعد بن عطية الغامدي عرض لآفاق الديوان الموضوعية: من جهاد لأعداء الأمة، وانتفاضة الحجارة، وغضبة لله ورسوله، ثم الأقصى المُغتصب، ثم عرّج الدارس على بعض الخصائص الفنية، ومنها: المفارقة التصويرية، والتكرار، وحسناً أطلعنا الناقد على نماذج من هذا الديوان الذي قال عنه إنه: «يتدفق تفاؤلاً وحماسة، رغم الآلام والأحزان، وأن الشاعر فيه يُوازن بين إيقاعاته الشفيفة، ومضامينه القابضة على الجمر» (بتصرف) . ونحن في حاجة إلى التعريف بالإصدارات الجديدة في مجالات الأدب الإسلامي (إبداعاً ونقداً) ؛ لنحاول إنقاذ هذا الأدب من تيه التجاهل الذي يحوطه. | وفي حوار الأستاذ محمود حسين عيسى مع الناقد الدكتور وليد قصاب، تحدث في قضايا أهمها: الدعوة إلى وجود أدب إسلامي، ومسوغاتها، والمعوقات التي تقف في طريقه، وهل للعرب نظرية نقدية، وأسباب انصراف الجمهور العربي المعاصر عن الشعر، وقلة إقبال الجمهور عليه. وهي قضايا شائكة أحسن الدكتور وليد قصّاب فيها وضع النقاط على الحروف، وكشف الكثير من القضايا الملتبسة. | في العدد (٢٠٨) الصادر في ذي الحجة ١٤٢٥هـ نجد قصيدتين: الأولى بعنوان «بَوْح الزلازل» لمروان كجك، والثانية بعنوان «دارفور» للأستاذ حسن مفرق، ونجد قصة بعنوان «سيف عربي يتحدث» لعدنان عبد القادر كزارة. | ومروان كجك في قصيدة «بَوْح الزلازل» يرى في الزلازل غضباً من الله على من يحيدون عن منهجه، ويتنكبون طريق الهدى والعفاف، وهو يتوقف أمام المعاني والإضاءات الإسلامية في هذا الحدث المدمر المزلزل؛ حيثُ أوحى الله إلى الدنيا أن تزلزل الباغين الغافلين، والقصيدة تدور في فلك الشعر الحماسي المدمدم. | وأما قصيدة «دارفور» للأستاذ حسن مفرق، فهي تتناول تكالب الأمم علينا، فها هو العدوان الصليبي لم يكتف في عصرنا الحديث بانتزاع فلسطين، وإنما حاربنا في كل أرض يُذكر اسم الله الحق فيها: في أفغانستان، والبوسنة والهرسك، والشيشان. والشاعر في قصيدته يعجب من غفلة المسلمين، ويستثير حماسهم، بمثل قوله: يا أُمَّتي والليلُ أمسى حالكاً وقصائد التأبينِ تقطرُ مِنْ دمي ماذا دهاك؟ ألم تكوني أمة ركضتْ بساحِ العزِّ ركضَ الأدهمِ يا أمَّتي إن الفضَاءَ مُلبَّدٌ بسحائبِ التخريبِ للمستسْلِمِ أوَلَم تكوني أمةَ الشرفِ الذي خلعَ اللثامَ لخائن متلثمِ لا تُنصتي لمجالسِ الظلمِ الذي نصرَ الظلومَ وحافَ بالمتكلِّمِ يا أمَّتي هيا نعودُ لديننا فالنصرُ في دينِ الإلهِ المُنْعمِ ونبرة القصيدة عالية، وكان من الممكن أن يتخذ صورة لينميها، ولكنه آثر فنياً أن يتخذ صورة الحديث (عن) بدلاً من الحديث (بـ) ؛ لأن الأمة في تصوره غافلة، ولن تصحو إلا إذا جابهها صوتُ الشاعر بالحقيقة، كاشفةً صريحة كرابعة النهار الكاشف بلا غيوم، وقد جاءت قصيدته معارضة لمعلّقة عنترة التي مطلعها: (يا دار عبلَة بالجواء تكلمي) فبدأ قصيدته بقوله: يا دارفورٍ بالعناء تكلمي وعِمي ظلاماً للعدوِّ وأظلمي وهي صرخة نرجو ألا تكون في وادٍ؛ فبنو جلدتنا غافلون عما يُراد بهم، والمواقف العربية والإسلامية لا تعدو أن تكون مواقف المغلوبين على أمرهم المنبطحين، ولله الأمر من قبل ومن بعد. | أما قصة «سيف عربي يتحدث» لعدنان عبد القادر كزارة؛ فهي مبنية على مفارقة تصويرية، طرفها الأول السيف كما عرفناه في تراثنا، ويتضح ذلك من خلال الحوار التالي: ـ هل انتهت المعركة؟ ـ عن أي معركة تتكلمون؟ ـ إذن أين كنت؟ ولِمَ غادرتنا؟ ـ واخيبتاه! لقد جهزتُ نفسي ليوم طالما حلمتُ له، ولكن لم أدر أنهم كانوا يريدونني ليوم المطعمة لا ليوم الملحمة. ـ يوم المطعمة؟ ـ نعم، واسمعوا مني الحكاية! ويروي حكايته أنه حملته سيارة إلى مكان شاهق «يُطاول عنان السماء، ارتقى من يحملني طوابقه العديدة بخطفة البرق، وهو يضغط أزراراً فتنفتح أبواب، ويضغط أزراراً فتوصد أبواب، إلى أن دخل بي قاعةً فسيحةً مزدانة باللوحات والصور، تغصّ بقوم من أجناس شتى، بعضهم يلبس زي آبائي وأجدادي» . وتكون المُفارقة أنه جيء بالسيف؛ ليقطع كعكة سيأكلها القوم! وقد صوَّر القاص على لسان السيف هذه الفاجعة، حينما حملته اليد العربية لتفعل به فعلتها، وكأنه يوازن بين صورة السيف في عهدين: «صار يهزني بطريقة أدخلت الغرور إلى نفسي، فجاشت عواطفي، ورأيتني في ساح المعارك أخطر يميناً ويساراً، مرهف القدّ، رقيق الظبة، أهفو إلى عناق الرؤوس، واختراق الأجساد. لم يدم حلمي طويلاً؛ فسرعان ما أيقظتني يد المدير من أخذة الخيال؛ إذ جرّني من غمدي، وهوى بي على قالب (الكيك) ، فغصت في خضم لزج كثيف» . وتنتهي القصة بخبر يسوقه الراوي ـ بعد أن ساق القصة على لسان السيف: «قال الفرّاش العجوز المكلف بخدمة قاعة السلاح في متحف الآثار الإسلامية إنه سمع في الليل أصواتاً لصليل السيوف يشبه أنات بشرية، وفي الصباح حين تفقّد القاعة كعادته كل يوم، وجد السيف الذي استعير لحفلة (الكيك) مطروحاً على الأرض، وقد انشطر إلى نصفين» . | وفي العدد (٢٠٩) الصادر في غرة المحرم ١٤٢٦هـ نجد مقالة لعباس المناصرة بعنوان «الخطاب الأدبي في القرآن الكريم» ، وقصيدة للشاعر محمد العثمان بعنوان «إليكِ يا بغداد» ، وقصة للبويسفي محمد بعنوان «عذابات البحر» . | في مقالة عباس المناصرة التي بعنوان «الخطاب الأدبي في القرآن الكريم» يعرفنا على ملامح الخطاب الأدبي في القرآن الكريم، وقدرته على التأثير في أذواق المخاطبين، والرقي بها نحو الأهداف المرغوبة، وهو أقرب أنواع الخطاب للتربية، وتعديل السلوك وتعليم الناس، وهو خطاب لا يتأثر بتغير الزمان أو المكان. | وفي قصيدة «إليكِ يا بغداد» لمحمد العثمان، يبكي فيه بغداد بعد اجتياحها، ويبدؤها بقوله: بغدادُ يا انشودةً ترتلُ الدمارْ بغدادُ يا بحبوحةً تفيء بالحصارْ سينجلي الغبارْ.. سينْجلي الغبارْ ويبدو أنها من التجارب الأولى للشاعر، فهي تسير في دائرة الشعر المعتاد الذي لا يُغامر في اللغة أو التصوير، بل يسير في الطريق التي سار فيها السابقون، ومن ثم لم تجد فيها التألق الشعري، أو خصوصية التفرد الإبداعي الذي تبحث عنه في كل نص جديد. وقصة «عذابات البحر» للبويسفي محمد تتناول موضوع الهجرة بلغة نمطية معتادة، ليس فيها مجال لخصوصية الإبداع: «أأرحلُ عن وطنٍ فيه وُلدتُ وكبرتُ، قضيْتُ فيه أحلى الساعات بين الأهلِ والأحباب، تحت رحمة الأب وعطف الأم الحنون؟ لماذا يا نفسُ تهجرين مجتمعاً تقاليده وعقائده تجري مجرى الدم في جسمك؟ عشت فيه حتى أصبحت جزءاً منك، وأصبحت جزءاً منه» . حتى وإن جعل البحر يحتضن المسافر، وهو يودع أضواء طنجة إلا أنه لم يستطع أن يعمق هذا الحدث، ويجعل منه فاجعةً بطعم الانتصار. ولعل لغة القصة هي التي أفقدتها التوهج المطلوب، فرأينا لغةً باترة قاطعة كاللغة في المقالة أو الخاطرة، بل إن بعض المقالات الأدبية ذات الأسلوب الجيد المتوتر بالانفعالات؛ القادر على نقل مشاعر الكاتب بدقة وحيوية ـ كأسلوب الرافعي ـ في «السحاب الأحمر» مثلاً ـ نفتقده هنا. ومجلة «البيان» بملفها الأدبي «البيان الأدبي» تُثري ساحة الأدب الإسلامي، بنشر نماذج أدبية منه يحتاجها القارئ المسلم، المُحاصَر بغزو القنوات الفضائية وأدب الحداثة.

стр. 5217

الإدارة الأمريكية الجديدة والشرق الأوسط د. باسم خفاجي أثبتت الانتخابات الأمريكية الأخيرة حدوث تغيرات هامة في موازين القوى التي تحرك السياسة الخارجية الأمريكية؛ فرغم أن فوز الرئيس بوش كان متوقعاً إلا أن أسلوب الفوز ونسبة النجاح والقوى التي ساندت الحملة الانتخابية كلها تشير إلى تنامي تيار جديد على الساحة السياسية الأمريكية، يفرض الصورة التي يراها ليس فقط للأولويات الأمريكية، وإنما لمستقبل العالم. ويهدف هذا المقال إلى استشراف آثار الانتخابات الأمريكية على المواقف السياسية تجاه الأمة العربية والإسلامية، وكيف ستتعامل الإدارة الأمريكية الجديدة مع الأزمات الراهنة التي تكونت خلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الأمريكي الحالي، وتشكل تصاعداً حاداً - الانتخابات.. ورؤية حول أسلوب الإدارة الجديدة: تشهد الأعوام الأخيرة تشابك وتضارب الاهتمامات والمصالح الأمريكية والعربية بدرجة لم تحدث من قبل في تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين العالم العربي. لقد أصبح الوجود الأمريكي في المنطقة مباشراً وملموساً سواء من الناحية العسكرية، أو من محاولات الهيمنة، أو الرغبة الأمريكية في فرض نموذج إصلاح غربي على شعوب المنطقة ودولها. فلا عجب أن أصبحت نتائج الانتخابات الأمريكية من القضايا التي تمسّ اهتمامات قطاعات كبيرة من الأمة. لقد أظهرت الانتخابات الأمريكية الأخيرة جانبين هامين على الساحة السياسية الأمريكية: الأمر الأول: هو التناغم والتعاون بين مجموعة من التيارات اليمينية والدينية من أجل مساندة الرئيس (جورج بوش) ، ودعم استمرار سياساته التي ينتقدها معظم قادة العالم. وهذه القوى السياسية الانتخابية لم تُعرف من قبل بتعاونها وتكاتفها حول سياسات واحدة بالشكل الذي ظهر جلياً في الانتخابات الأخيرة. وتمثلت هذه القوى في المراكز الفكرية المرتبطة بتيار المحافظين الجدد، وجمعيات التيار الصهيوني النصراني، ودوائر الحزب الجمهوري المعروفة بانتماءاتها اليمينية المحافظة، والشركات المرتبطة بكل من صناعة السلاح والبترول، وبعض وسائل الإعلام الأمريكي المعروفة بتوجهاتها اليمينية. ولأول مرة في التاريخ الأمريكي الحديث يتم انتخاب الرئيس من خلال تصعيد مشاعر الارتباط بالدولة الأمريكية، وإثارة التخوف الأمني من العدو الخارجي، واستدعاء الدين والنواحي الأخلاقية للتسويغ لدور جديد للأمن القومي الأمريكي يمتد خارج حدود القارة الأمريكية، ويمارس نفوذه وسلطته على العالم من أجل خدمة الهوية الأمريكية. أما الأمر الثاني: فهو موافقة الشعب الأمريكي على السياسات الحالية للإدارة الأمريكية. لقد توقع العالم أن الأمريكيين غير راضين عن السياسات التي يتبعها (جورج بوش) مع العالم بعد أحداث سبتمبر، ولكن الانتخابات أثبتت أن هناك تياراً انتخابياً مؤثراً يرغب في استمرار هذه السياسات، ويعبر عن قطاع كبير في الحياة الأمريكية. ورغم أن الفوز في الانتخابات الرئاسية لم يظهر وكأنه كاسح؛ فقد حصل منافس الرئيس على ٤٨% من أصوات الناخبين، إلا أن الحقيقة هي خلاف ذلك؛ فالرئيس الأمريكي لم يحصل فقط على ٥١% من الأصوات ـ بزيادة بلغت أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون صوت ـ ولكنه أيضاً حصل على مكاسب أخرى؛ فلقد انتخب الشعب الأمريكي ٥٥ عضواً جمهورياً في مجلس الشيوخ الأمريكي مقابل ٤٤ عضواً ديمقراطياً فقط، وارتفع عدد النواب الجمهوريين في مجلس النواب ليصبح ٢٣١ عضواً في مقابل ٢٠٠ عضو فقط للديمقراطيين. ولذلك فإن الانتخابات تعتبر تأييداً من نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي للمضي قُدُماً في المشروع السياسي المرتبط بالتيار الجمهوري اليميني الذي اتخذ من رئاسة (جورج بوش) فرصة للتعبير عن نفسه في الحياة الأمريكية. وهذا ما عبر عنه (جورج بوش) نفسه بعد الإعلان عن نتيجة الانتخابات؛ ففي أول مؤتمر صحفي بعد الانتخابات قال الرئيس بوش: «لقد اختار الشعب الأمريكي في هذا الأسبوع الاتجاه الخاص بأمتنا للأعوام الأربعة القادمة. ولقد حصلت في هذه الانتخابات على رصيد سياسي ورأسمالي، وإنني عازم على إنفاق هذا الرصيد» (١) . وستشهد الأعوام القادمة استمرار سياسات الرئيس الأمريكي المؤيد من قبل تيار يتحرك وفق رؤى فكرية واضحة المعالم. هذا التيار يؤمن - كما شهدنا في الفترة الرئاسية الأولى - بالأحادية الأمريكية، وفرض السيطرة على المناطق الاستراتيجية في العالم، وتهميش دور (الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية) ، واستخدام القوة المفرطة في التعامل مع العالم الإسلامي سواء في العراق أو مع الفلسطينيين من خلال (إسرائيل) ، والسعي للتدخل في الشؤون الداخلية الاجتماعية والثقافية والسياسية للعالم العربي بدعوى الإصلاح السياسي ومقاومة تنامي الإرهاب. - التغير في الاستراتيجيات الأمريكية: شهدت الأعوام الأربعة الماضية تغيرات حقيقية في الاستراتيجيات الأمريكية تجاه التعامل مع العالم. وقد كتب عن ذلك المفكر الأمريكي (جون لويس جاديس) في دورية «شؤون خارجية» ؛ فقال: «لقد قاد الرئيس الأمريكي (جورج بوش) أكبر عملية إعادة تصميم للسياسات الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة منذ عهد الرئيس السابق (فرانكلين روزفلت) . لقد كان أساس التغيير الاستراتيجي الذي قاده (جورج بوش) هو الأساس نفسه الذي استند عليه روزفلت، وهو صدمة المفاجأة لهجوم مباغت، وهذه الاستراتيجيات لن تتغير. لم يتمكن أي رئيس بعد روزفلت - ديمقراطي كان أو جمهوري - من التهرب من مواجهة الدرس المستخلص من يوم ٧ ديسمبر ١٩٤١ [الهجوم على بيرل هاربر] . لقد كان الدرس أن التباعد الجغرافي لم يكن كافياً لحماية أمريكا من الهجوم على يد دولة معتدية. ولن يملك بوش أو من سيأتي بعده من أي حزب كانوا أن يتجاهلوا ما أوضحته أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م، من أن الدفاعات العسكرية ضد هجوم متوقع من دولة ما لا تقدم حماية كافية من الهجوم الذي يتم بواسطة عصابات، والذي يمكن أن يسبب من الدمار ما كانت الدول فقط قادرة على القيام به في السابق من خلال الحروب» (١) . - الاستراتيجية الخارجية الأمريكية القادمة: لقد تسببت نتيجة الانتخابات الأمريكية في توجس قادة الدول الغربية من استمرار إدارة الرئيس الأمريكي في السير على الدرب نفسه الذي شكل تحدياً للكثير من دول العالم النامي، ومنطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وبما أن فوز أي رئيس أمريكي بفترة رئاسية ثانية يعتبر في نظر الكثيرين إقراراً وتفويضاً له بالاستمرار في السياسات والبرامج التي انتهجها في الفترة الرئاسية الأولى؛ فإن من المتوقع أن تجمع السياسة الأمريكية في التعامل مع العالم بين عناصر أربعة تشكل مزيجاً يثير القلق لدى المراقبين. وهذه العناصر هي: ١ ـ الهيمنة على المناطق الاستراتيجية: اهتمت الإدارة الأمريكية في الفترة الرئاسية الأولى ببسط نفوذها العسكري على أكثر من منطقة من مناطق العالم التي تمثل محاور استراتيجية هامة. وبرز الوجود العسكري في كل من أفغانستان والعراق ليؤكد أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تنوي الانسحاب من أي من تلك المناطق في الزمن القريب، بل هناك نية لتقوية الوجود العسكري من خلال شبكة من القواعد العسكرية واتفاقات الدفاع المشترك مع عدد من دول المنطقة تسمح للجيش الأمريكي بالتحرك بحرية واسعة في تلك المناطق. كما تتدخل الإدارة الأمريكية مؤخراً في شؤون الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي السابق في مناورة واضحة لتحجيم التأثير الروسي على تلك المناطق. وكانت الانتخابات الأخيرة في (أوكرانيا) دليلاً واضحاً أن الولايات المتحدة ستسعى إلى مد نفوذها الاستراتيجي إلى تلك المناطق. ٢ ـ الانفراد بالقرار العالمي: ستميل الإدارة الأمريكية القادمة إلى الانفراد بالقرارات التي تهم مستقبل العالم، وستسعى إلى تهميش دور المؤسسات الدولية، أو الحاجة إلى موافقتها أو التعاون معها في القضايا العالمية. وقد أبرزت أحداث الطوفان الذي أصاب جنوب شرق آسيا في بداية العام هذه النزعة لتهميش الأمم المتحدة من خلال قيام الولايات المتحدة بتقديم المعونات، وتحديد أولوليات إغاثة المناطق المنكوبة من خلال دوائر صنع القرار الأمريكي دون استشارة أو إشراك الأمم المتحدة. ٣ ـ استمرار توجهات التطرف اليمينية: لقد حرص الرئيس الأمريكي أن يبين أن برنامجه الانتخابي سيمضي قدماً في برنامج ما يسمى بمكافحة الإرهاب، أو شن للحروب الاستباقية، أو ترك إسرائيل تفعل ما تراه لازماً لإخماد مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال؛ ولذلك فمن المتوقع أن تستمر هذه السياسات، وتأخذ منحى أكثر تطرفاً بما أن الشعب الأمريكي قد أقر ضمناً بموافقته على هذه السياسات من أجل حماية مصالح أمريكا أو أمنها الداخلي. ٤ ـ الانعزال عن العالم: ستتسبب السياسات الاستراتيجية السابقة في المزيد من العزلة عن العالم. وقد ترى الإدارة الأمريكية أن هذا الانعزال عن العالم ليس مفيداً فقط باعتباره نتيجة أو محصلة للسياسات الاستراتيجية، ولكنه قد يكون مطلباً استراتيجياً في حد ذاته. فالانعزال عن العالم يقوي من رابطة المواطنة والهوية الأمريكية؛ فالآخر هنا هو بقية العالم، وليس دولة بعينها. ويغذي مثل هذا التوجه من قوة التيارات اليمينية المتطرفة، ويعطيها المزيد من الشرعية السياسية. كما أن الانعزال عن العالم يقلل من احتمال تعرض أمريكا لضربات أمنية موجعة على غرار ما حدث في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م؛ ولذلك فإن الإدارة الأمريكية الجديدة مستمرة في التضييق على المسافرين إلى أمريكا من معظم أنحاء العالم. وتصدر وزارة الخارجية الأمريكية إنذارات متتالية لرعاياها ومواطنيها بالابتعاد عن السفر إلى العديد من دول العالم. كما أن الانعزال عن العالم سيقلل من حدة الانقسام القائم داخل المجتمع الأمريكي بين من يعارضون التوجهات اليمينية المتطرفة للإدارة الأمريكية، وبين من يرون أهمية الانفتاح على العالم، وعدم التصادم مع الأصدقاء. ويرى بعض المفكرين في الإدارة الأمريكية أن من شأن رفع وتيرة الخوف الأمني أن تقلل من حدة هذا الانقسام؛ لأن الخطر - تبعاً لتصورهم - يهدد الولايات المتحدة بأكملها، ولا بد من الالتفات حول الرئيس في أوقات الأزمات، وكذلك فليست أمريكا في حالة أمنية تسمح لها بالانفتاح على العالم. - السياسة الأمريكية تجاه أزمات الشرق الأوسط: قامت الحكومات العربية بتأييد حملة الرئيس الأمريكي لإعادة انتخابه لأسباب متنوعة، ولكنها في مجملها كانت تهدف إلى استرضاء الإدارة الأمريكية أكثر من مواجهتها. وبعد نجاح الرئيس في الحفاظ على مقعده الرئاسي؛ فمن المتوقع ألا يلتفت لهذه الحكومات؛ لأنها في نظر الإدارة الأمريكية غير قادرة على تنفيذ المخططات الأمريكية، وغير قادرة أيضاً على الحفاظ على استقرار شعوب المنطقة. ومن أجل ذلك ستشهد الفترات القادمة توترات متعددة على صعيد العلاقات الأحادية للدول العربية مع الإدارة الأمريكية من ناحية، وعلى تصعيد متعمد من الإدارة الأمريكية بهدف إحراج هذه الدول مع شعوبها لتسويغ المضي قدماً في مشروع التدخل الأمريكي في شؤون المنطقة بدعوى الإصلاح. وفيما يلي استشراف لمواقف الإدارة الأمريكية من الأزمات الراهنة للشرق الأوسط. - العراق: إن السياسة الأمريكية في العراق - في هذه المرحلة - تقوم على أربع ركائز أساسية: الأول هو تهميش دور المقاومة العراقية، والثاني هو التصدي للمعارضة الدولية للاحتلال، والثالث هو القضاء على المقاومة العسكرية بشكل تام، والرابع هو المضي في مشروع التغيير الديمقراطي للمنطقة بانتخاب حكومة صديقة تتولى (التبشير بالإصلاح الأمريكي القادم) . وقد اتخذ الرئيس الأمريكي فور الإعلان عن نجاحه سياسة أكثر دموية وحزماً تجاه المقاومة العراقية. وتبدو علامات الاقتباس من السياسة الإسرائيلية في التعامل مع الانتفاضة واضحة للمراقبين؛ فقد بدأ الجيش الأمريكي في إظهار الاستعمال المفرط للقوة، وإعدام الجرحى والمصابين، وهدم المنازل وقصفها جواً دون اعتذار، واختراق المدن بشكل دوري، وعدم مراعاة حرمة المساجد أو دور العبادة أو خصوصية المنازل (١) . ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تريد المضي قدماً في مشروع الانتقام من المقاومة، وعدم إعطائها أي شرعية، ومحاولة جر أقدام بعض الدول العربية للتعاون الأمني مع الاحتلال. وستهدف الإدارة الأمريكية إلى تحجيم المقاومة العسكرية في العراق، وإظهارها على أنها مقاومة سنية، ومن ثم عزل الطوائف الأخرى عن المقاومة، وإشغالها بالانتخابات والمناصب الجديدة الشاغرة لحكم العراق. وسيتطلب ذلك زيادة في الاعتمادات المالية، وقد يضطر الرئيس أيضاً إلى زيادة عدد القوات العسكرية الموجودة بالعراق لضمان إضعاف المقاومة إلى أقصى حد ممكن. أما من ناحية الانتخابات التي تمت، فإن الولايات المتحدة تهدف إلى استخدامها ذريعة لتحقيق نصر إعلامي بأن الديمقراطية قد بدأت في العالم العربي من بغداد، وأن الاحتلال ليس إلا وسيلة لفرض الديمقراطية التي ستأتي بالرخاء والسلام لشعوب المنطقة. كما ستسعى الإدارة الأمريكية إلى إيجاد حكومة صديقة للولايات المتحدة في العراق؛ بحيث تتولى هذه الحكومة التعبير عن اهتمامات واحتياجات الإدارة الأمريكية من العراق، سواء في النواحي الاقتصادية أو الاستراتيجية. كما ستستخدم الحكومة العراقية التي سيتم انتخابها للضغط على باقي الدول العربية من أجل المزيد من التطبيع مع دولة (إسرائيل) ، وكسر حدة المقاطعة العربية لمشروعات التعاون مع العدو الصهيوني. إن أمريكا قد وقعت في مستنقع سياسي واستراتيجي باحتلالها العراق. والمشكلة أن الإدارة الأمريكية لن تقبل بالانسحاب لتقليل الخسائر البشرية، والحفاظ على ما تبقى من رصيد الاحترام العالمي؛ لذلك ستستمر الإدارة الأمريكية في المواجهة المسلحة مع المقاومة العراقية بهدف إخمادها تماماً، وتحقيق ما يمكن أن يسمّى انتصاراً على الإرهاب. المؤسف أن الكثير من الكتاب الغربيين المرتبطين بالمراكز الفكرية يدعمون الاستمرار في هذا المستنقع. كتبت الباحثة الأمريكية (آيمي ريدونوار) في دراسة صدرت عن المركز القومي لداسات السياسات العامة قائلة: «إن انتخابات أفغانستان كانت نجاحاً منقطع النظر، والعراق قادمة في الطريق ـ نفسه ـ. إننا اليوم في أمان أكثر مقارنة بالماضي، وسنصبح أكثر أماناً إذا حافظنا على هذه السياسات» (٢) . وفي المقابل فإن هذا المستنقع السياسي والعسكري سيظهر مدى ضعف الجيوش في مواجهة المقاومة المحلية، وسيعطي ذلك المزيد من الانتصار الإعلامي للمقاومة التي تعتبر أن كل ضربة عسكرية موجهة ضد الاحتلال تسهم في تحقيق هزيمة استراتيجية يُمنى بها. والعناد الأمريكي في عدم الانسحاب دون تحقيق نصر كامل سيشعل المزيد من المقاومة، ويسبب المزيد من الصفعات الاستراتيجية التي ستتلقاها الإدارة الأمريكية جراء بقائها في العراق. إن بعض الكتابات الأمريكية أصبحت أكثر واقعية في التعامل مع مستقبل هذا الاحتلال. ففي افتتاحية مجلة «بيزنيس ويك» Business Week، وهي مجلة معروفة برصانتها واهتماماتها الاقتصادية المتخصصة، كتب رئيس التحرير: «نعم! قد ننتصر في الفلوجة، ولكن ماذا بعد؟ إن علينا أن نبدأ في التساؤل: ما هو الحد الأدنى من النجاح الذي يكفي لنا لكي نخرج من العراق؟ إن النظرة (البراجماتية) تحتم أن يكون ذلك هو استقرار العراق. أما حلم الديمقراطية التي ستكون مماثلة للديمقراطيات الغربية فقد يكون الأوْلى أن تنتظر. إن علينا أن نتقبل الآن أن المسلمين ينظرون إلى أفعالنا في العراق من خلال رؤيتهم للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. إن العودة إلى التفاوض كشريك في مشروع السلام بين الطرفين سيقوي من تأثير أمريكا على الشرق الأوسط» (١) . - فلسطين: لم تحظ القضية الفلسطينية بأي اهتمام يذكر للإدارة الأمريكية في الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الأمريكي. ومع التجديد لفترة رئاسية ثانية، ووفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والرغبة الأوروبية الملحة في المضي قُدُماً في حل سلمي للصراع حول فلسطين؛ فقد يظهر أن الإدارة الأمريكية ستواجه ضغوطاً كثيرة لتحريك ملف القضية. ولكن الإدارة الأمريكية القادمة لن تضع أية قيود على حكومة شارون، ومن ثم فإن السلام لن يصبح اهتماماً أساسياً لها، وإنما ستسعى الإدارة إلى تحريك المفاوضات في اتجاه المزيد من الضغط على الفلسطينيين للقبول بما ستقدمه لهم (إسرائيل) . ولن تسعى الإدارة الأمريكية القادمة إلى لعب دور الشريك العادل في السلام لعدم قناعتها بالحاجة إلى أن تلعب مثل هذا الدور في ظل الضعف العربي، وإمكانية السيطرة على المقاومة الفلسطينية من خلال الضغط المستمر على الرئيس الفلسطيني المنتخب. ولعل من ملامح التغيير القادم أن الإدارة ستهتم أكثر بالحديث عن قضية فلسطين، بدلاً من الفعل؛ فهذا أسهل وأقل كلفة وأقرب إلى المزاج العربي الذي يبحث عن أية تصريحات تهدئ من الغضب الشعبي العام. فالمتابع لتصريحات الرئيس الأمريكي بعد انتهاء الانتخابات يرى أنه ذكر السلام في الشرق الأوسط أكثر من مرة. ولعل من أهمها عندما ذكر في حوار صحفي مع جريدة إسرائيلية قبل نهاية عام ٢٠٠٤م ما نصه: «أودّ أن تعرفوا أنني سأبذل الكثير من الوقت، والكثير من التفكير العميق لكي يتحقق أخيراً سلام دائم بين (إسرائيل) وبين الفلسطينيين. إنني على قناعة أنه خلال الفترة الرئاسية هذه سوف أتمكن من تحقيق السلام» (٢) . ولعل الهدف الحقيقي - وغير المعلن - للإدارة الأمريكية في المرحلة القادمة تمهيداً للسلام سيكون «تصفية الانتفاضة الفلسطينية» ، ليس فقط بإطلاق يد (إسرائيل) لفعل ما تراه مناسباً لذلك، وإنما بالتضييق على الجهود الإعلامية التي تهدف إلى إبراز القضية بصورة أقرب إلى العدالة - كما حدث مع قناة المنار، ومنع تدفق المال أو المعونات إلى الشعب الفلسطيني إلا من خلال برامج حكومية يسهل التحكم فيها، ومحاولة تغيير البنية الفكرية العربية التي لا تزال ترى في المقاطعة ومعاداة الكيان الصهيوني حقاً ومطلباً ورغبة. وسيتم إحراج العديد من الدول العربية للقيام بتغييرات جوهرية في وسائل إعلامها، ومناهجها الدراسية، وما يبث عبر منابرها؛ من أجل استبدال العداء للكيان الصهيوني بنوع من التسامح معه، أو على الأقل السكوت عن جرائمه. إن الإدارة الأمريكية الحالية تعتقد أن العنف الإسرائيلي الموجه ضد الشعب الفلسطيني يخدم أهدافها من ناحية أخرى: وهي أن هذا العنف يؤدي إلى مزيد من الخضوع العربي للولايات المتحدة الأمريكية، ومزيد من القبول بالحلول الأمريكية في المنطقة من أجل وهم أن أمريكا ستسهم في تخفيف وطأة العنف الإسرائيلي. إن ما يحدث هو مخطط كتب عنه أنصار المحافظين الجدد في الكثير من أدبياتهم، وهو أن السلام والأمن لن يتحققا في العالم إلا عندما يفقد الفلسطينيون والعرب كل أمل في أي نتيجة إيجابية للمقاومة أو لاستخدام السلاح في مواجهة الغير. لقد ذكر الرئيس الأمريكي مؤخراً: «إن أحد المفارقات العجيبة في الحياة أن دولة فلسطينية وأخرى عراقية سيصبحان نواة التغيير في هذا الجزء من العالم الذي يحتاج إلى أن يتغير. إنها سياستنا الخارجية على الأقل أن يتم هذا التغيير» . ولذلك فستشهد الأعوام القادمة محاولات مستمرة للتجريد التام للأمة من أي مصادر للقوة الحقيقية، أو أي دوافع أو رغبات لاستخدام القوة، وتكريس مستمر لفكرة أن القوة لا تجدي، وأن المقاومة عنف، وأن العالم لن يسمح إلا بالتفاوض وسيلة لحل أي نزاع في المنطقة. - محور الشر (إيران - سوريا) : اتخذت الحكومة الأمريكية في الأعوام الماضية مواقف تبدو في ظاهرها التشدد تجاه كل من سوريا وإيران، وأسماهما الرئيس الأمريكي (جورج بوش) «محور الشر» ، ومارست الإدارة الأمريكية ضغطاً واضحاً على الوجود السوري بلبنان، وإيواء سوريا لعدد من قيادات المقاومة الفلسطينية، وعدم إذعانها بدرجة كافية لمشروع السلام مع دولة (إسرائيل) ، وعدم ترحيبها بمشروع الإصلاح الذي تبنته الإدارة الأمريكية. ومن المتوقع أن تستمر الإدارة الأمريكية في الضغط على سوريا دون اللجوء إلى الحلول العسكرية حتى لا تتفاقم مشكلات المقاومة التي بدأت في العراق. ولكن الإدارة الأمريكية ستسعى إلى التدخل بشكل أكثر وضوحاً في ملف الوجود السوري في لبنان، وسيستخدم ذلك ذريعة لضرب قوة (حزب الله) في كل من لبنان وسوريا. وفي حوار للرئيس الأمريكي مع صحيفة (يديعوت أحرينوت) الإسرائيلية بعد إعادة انتخابه، ذكر الرئيس الأمريكي: «إن سوريا دولة ضعيفة للغاية، ولذلك لا يمكن الوثوق بها. وفي هذه المرحلة فإن على الأسد أن ينتظر، سنبدأ أولاً بالسلام بين (إسرائيل) وبين فلسطين، وبعد ذلك سنرى ما يجب أن نفعله مع سوريا» (١) . أما إيران فستقوم الحكومة الأمريكية باستخدام كل من الملف النووي، وتصاعد التيارات الليبرالية، لزعزعة الاستقرار في إيران، وتشجيع الاضطرابات الداخلية، وإلهاء إيران عن التدخل في شؤون العراق. كما ستواجه إيران حملة إعلامية أمريكية تهدف إلى تخفيف حدة الهجوم الرسمي الإيراني على الكيان الصهيوني، ودعم حزب الله. وليس من المتوقع أن تقوم الإدارة الأمريكية الحالية بأية مواجهات عسكرية مع إيران، ولا يمنع ذلك من الإيعاز إلى الجيش الإسرائيلي بتوجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية بدعم أمريكي غير معلن. - السودان: استخدمت الإدارة الأمريكية ورقة الضغط على السودان بسبب المشكلات الداخلية فيها، والمتعلقة بالجنوب ودارفور لليِّ ذراع الحكومة السودانية للحصول على المعلومات فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، وللضغط على الحكومة السودانية بالصورة التي ترضي التيارات الدينية النصرانية الأمريكية التي ترى أن ما يحدث في السودان هي حرب على النصرانية. كما أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى استخدام النظرة القائمة عن السودان كمركز من مراكز التعاطف مع التيارات الجهادية الإسلامية للتقليل من ارتباط الحكومة السودانية بالتصورات الإسلامية. وستبقى الإدارة الأمريكية حريصة على إسقاط نظام الحكم الحالي بالسودان مع إجباره - حتى ذلك الحين - على المزيد من التنازلات فيما يتعلق بالجنوب النصراني!. وستلعب الإدارة الأمريكية مع السودان لعبة العصا والجزرة المعروفة؛ فمن ناحية ستعلن عن رغبتها في مد يد العون للسودان لمواجهة المجاعات والأزمة الاقتصادية، ومن ناحية أخرى ستنادي بتغيير الحكم في السودان بحكم ليبرالي ديمقراطي موالٍ لأمريكا. وستسعى أمريكا إلى إيجاد مزيد من عدم الاستقرار في السودان بهدف الضغط على مصر وإحراجها أمنياً وسياسياً؛ لأن مصر تعتبر أن أمن السودان واستقراره أحد قضايا الأمن القومي المصري. - الإصلاح: إن تصورات الرئيس بوش لتغيير الشرق الأوسط ليست فقط مرتبطة بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية أو الإسرائيلية، ولكنها أيضاً تمثل له شخصياً رؤية أيديولوجية، ورهاناًً شخصياً. إنها تمثل حلم هذا الرئيس أن يكون مؤثراً في تغيير العالم من خلال تغيير الشرق الأوسط. ولذلك فإن اهتمام الرئيس الأمريكي (جورج بوش) بدفع مشروعات التغيير الاجتماعي والفكري والسياسي في المنطقة العربية لن ترتبط فقط بمحددات السياسة الخارجية، وإنما ستستمد قوتها خلال السنوات القادمة من رغبة الرئيس الأمريكي نفسه. لقد ذكر الرئيس الأمريكي في خطاب سابق له ما نصه: «إن الأحداث في الشرق الأوسط الموسع ستحدد مَنِ المنتصر في الحرب على الإرهاب، ولن يتحقق السلام الدائم في العالم إلا عندما نتعامل مع العوامل التي سببت ظهور الإرهابيين، ويستلزم هذا شرقاً أوسطياً من نوع جديد» . سيؤدي ذلك الموقف الفكري في الغالب إلى استماتة في تحقيق الأهداف حتى لو لم تكن واقعية أو ممكنة، ورفض لكل محاولات تحجيم المشروع الأمريكي الخاص بالشرق الأوسط، وإبعاد للمنافسين من ساحة التأثير على المنطقة، والمقصود هنا الاتحاد الأوروبي، ومعاونة (إسرائيل) في استثمار وجودها الجغرافي في المنطقة لتحقيق مكاسب سياسية تخدم الرؤى الأمريكية في تغيير المنطقة، وتحجيم التأثير الإسلامي أو القومي على شعوبها. ويستخدم الرئيس الأمريكي سخريته المعتادة في الاستهزاء بمواقف من يرون أن التغيير في الشرق الأوسط ليس بالبساطة التي يطرحها فيقول في أحد المؤتمرات الصحفية له: «أن هناك تصوراً في العالم من قِبَل بعضٍ أنه من تضييع الأوقات أن نحاول الدعوة إلى مجتمعات متحررة في ذلك الجزء من العالم (الشرق الأوسط) . لقد سمعت مثل هذا الانتقاد. وأنا متفهم تماماً أن هذا الأمر يمكن أن يربك بعضاً، ويمكن أن يراه بعضهم الآخر غباء» (١) . إن التشدد في التعامل مع العالم العربي قد يصبح هو السمت العام للإدارة الأمريكية القادمة، فقد صرح (كولن باول) قبل مغادرته لمنصب وزير الخارجية أن الولايات المتحدة الأمريكية ستستمر في سياساتها الهجومية. كما أن اختيار (كونداليزا رايس) سيقوي من تيار التشدد في التعامل مع العالم العربي لقربها الشديد من دوائر المحافظين الجدد، وتأثرها بالخط اليميني المتشدد. - التعامل مع الإسلام: يرى المحافظون الجدد أن الإسلام يمثل خطراً على سيادة أمريكا وتفردها في عالم الغد. وتسهم التوجهات الدينية للرئيس الأمريكي في دعم الأفكار التي تخطط لمواجهة ما يسمى بـ «التطرف الإسلامي» . وقد أظهرت أحداث العالم في السنوات الأخيرة أن الإسلام يمثل تحدياً حقيقياً للهيمنة الأمريكية على العالم. ويؤكد الكثير من المفكرين المرتبطين بالإدارة الأمريكية أن التحدي الذي يواجه مشروع إتمام السيطرة على العالم اقتصادياً وسياسياً وفكرياً أيضاً سيواجه خصماً شرساً يستمد رصيده الثقافي والعقدي من تعاليم الإسلام. ولذلك تدعم الإدارة الأمريكية العديد من البرامج التي تهدف إلى التخفيف من أثر الإسلام على الحياة اليومية في العالم الإسلامي. ومن ذلك تغيير المناهج الدراسية، وتحجيم ما ينشر في الفضائيات مما يمكن أن يعتبر معادياً للسامية أو مخالفاً للقيم العالمية، ومن ذلك أيضاً الضغط على الحكومات من أجل تحييد المسجد، وإتاحة فرصاً متساوية للجميع في التعبير عن رؤيتهم لدين الإسلام، وعدم الحجر على أي فكر بدعوى المساس بمسلَّمات عقدية بعينها. كما أن الإدارة الأمريكية تسعى بشكل واضح إلى استبدال كل جمعيات العمل الإغاثي الإسلامي أو المؤسسات الخيرية بمؤسسات محلية لا ترتبط بالدين بدعوى مقاومة الإرهاب. ونشطت في الفترة الأخيرة كتابات المفكرين المرتبطين بالإدارة الأمريكية التي تدعو إلى إعادة شرح الإسلام في ضوء واقع العالم اليوم، وعدم الالتزام بأية تفسيرات سابقة للقرآن. كما تبرز وسائل الإعلام الأمريكية رموز ما يسمى بالتنوير في العالم العربي، ويقصد به في معظم الأحيان الهجوم على الإسلام أو محاولة إقصائه من الحياة العامة للمجتمعات العربية. ورغم أن تصورات الإدارة الأمريكية الحالية لتغيير الإسلام متنوعة، إلا أنها تصورات يجمعها قاسم مشترك، وهو عدم الاعتماد الكلي على التيارات العلمانية أو الليبرالية العربية للقيام بذلك؛ فهذه التيارات رغم تبنيها للمناهج العلمانية والليبرالية الغربية، إلا أنها - في مجملها - تتوقف عندما يتعلق الأمر بالإسلام كدين. بعضهم يحمل بين جنباته قلباً لا يزال به نور الإسلام.. وبعضهم الآخر يدرك أن المعركة خاسرة، وهناك من لا يرى إشعال الصراع حول الإسلام حتى وإن كان ذلك ما تطلبه أمريكا. وستشهد الأعوام القادمة لجوء الإدارة الأمريكية إلى أحد طريقين: الأول هو التدخل المباشر لتحقيق الهدف المطلوب من خلال استخدام القوانين الدولية والذراع العسكرية والاقتصادية الأمريكية. أما الطريق الآخر فهو الضغط المباشر على الدول والحكومات العربية والإسلامية لاتخاذ ما تراه أمريكا من خطوات لتحقيق الهدف المطلوب وهو تغيير الإسلام. كما ستستخدم السفارات الأمريكية ومؤسسات المعونة والجمعيات الأمريكية المتواجدة في المنطقة للمساهمة بشكل عملي ومكشوف في هذا البرنامج. - أمريكا والقوى الدولية الأخرى: تسعى أمريكا إلى إضعاف تأثير القوى العالمية الأخرى لضمان استمرار الهيمنة الأمريكية. ويرى الكثير من المحللين السياسيين الأمريكيين أن الصراع الحقيقي الذي يدور خلف الكواليس ليس هو الصراع مع الإرهاب، وإنما هو مواجهة تنامي قوة كل من أوروبا والصين اللتين أصبحتا تشكلان مصادر إزعاج مستمر للولايات المتحدة في أروقة المنظمات الدولية، وفي التأثير على مجريات الأحداث العالمية. فقد أظهر الاتحاد الأوروبي بروداً وممانعة مستمرة في مواجهة مشروع احتلال العراق، وأربك ذلك الحكومة الأمريكية، وأفقدها الشرعية الدولية التي كانت تحتاجها لتسويغ الأعمال العسكرية. كما أن موقف الاتحاد الأوروبي المتعاطف مع حقوق الشعب الفلسطيني يعيق من تكوين إجماع دولي يخدم الكيان الصهيوني. وفي تحليل لمواقف الدول الغربية بعد الانتخابات الأمريكية، ذكرت مجلة وورلد برس World Press في أحد أعمدة الرأي بها أن الاتحاد الأوروبي يرى أن إعادة انتخاب (جورج بوش) ستؤدي إلى «زيادة الاحتكاك عبر الأطلنطي، وستجعل الأوروبيين يتساءلون عما إذا كانت هناك أية قواسم مشتركة لهم مع الحليف الأمريكي، وعلق على ذلك أحد المحللين البارزين في مركز السياسات الأوروبية في بروكسل قائلاً: إن إعادة انتخاب (جورج بوش) سوف تؤدي إلى زيادة مظاهر معاداة أمريكا في أوروبا» (١) . أما الصين فقد أصبحت دولة دائنة للولايات المتحدة الأمريكية، وهي تمثل أقوى محركات الاقتصاد العالمي في الأعوام القادمة، وتتمتع بأعلى معدل نمو في الدخل القومي في العالم، ومن ثم فهي مؤهلة للعب دور بارز خاصة فيما يتعلق بالسياسات الأمريكية تجاه منطقة جنوب شرق آسيا. ومن المتوقع أن تبدأ الصين في ممارسة ضغوط مباشرة على الإدارة الأمريكية في الأعوام القادمة لما يخدم مصالحها. في افتتاحية جريدة (آسيا تايمز) ، كتب محرر الجريدة بعد إعلان نتائج الانتخابات: «اربطوا الأحزمة، فالطريق سيكون وعراً، تحكُّم كامل في الرئاسة ومجلس الشيوخ والنواب، موافقة من الشعب. أربع سنوات قادمة، ومن المحتمل أيضاً أربع حروب قادمة» (٢) . - القوة أم التعاون؟ إن القوة العسكرية الأمريكية ليست كافية لإدارة صراعات العالم مهما بلغت قوتها، أو حتى الحماقة في استخدامها. فالعالم اليوم يقوم على مجموعة كبيرة من التوازنات، ويرتبط بالتعددية أكثر بكثير من ارتباطه بالانفرادية، حتى لو كانت أمريكا هي التي تمارس تلك الانفرادية. كتب عن ذلك المفكر الأمريكي (جون لويس جاديس) ، فقال: «إن من السهل أن نتجاهل ما حولنا؛ فإن أمة بقوة الولايات المتحدة لا تحتاج أن تهتم برأي الآخرين فيها. ولكن هذا ببساطة خطأ. ولكي نرى لماذا؟ فلنقارن بين مساحة التأثير الأمريكية مقارنة بالسوفييتية في أوروبا خلال الحرب الباردة. أمريكا كانت دائماً تعمل في إطار قبول الأوروبيين لها. أما الثانية (الاتحاد السوفييتي) فلم تفعل، وسبَّب ذلك تأثيراً سلبياً ضخماً بصرف النظر عن القوة العسكرية التي يمكن أن يستخدمها كل طرف في المنطقة. إن الدرس هنا واضح: لكي يستمر التأثير؛ فليس المطلوب فقط هو القوة، ولكن أيضاً عدم الممانعة، أو عدم الاحتكاك» (٣) . لقد أثبتت المقاومة العراقية أن السلاح وحده لا يكفي لإدارة شؤون العالم وفرض الحلول الأمريكية على الشعوب. ولن يستطيع العالم الاستمرار في تجاهل تبعة الحماقات العسكرية والسياسية للإدارة الأمريكية. ولذلك فإن الصورة قد تشتد قتامة في العامين القادمين، ولكن من المتوقع أن ينشأ خلالها تحرك دولي واسع يحد من أحلام الإدارة الأمريكية في السيطرة على المناطق الاستراتيجية في العالم، أو تغيير الظروف الاجتماعية والثقافية للشعوب لتصبح أكثر تماشياً مع رغبات أصحاب المصالح والتوجهات الفكرية الأمريكية. - السنوات الأربع القادمة: إن المراقبين للسياسات الأمريكية في الفترات الرئاسية الثانية لأي رئيس أمريكي يُجمعون أن أولويات الفترة الثانية تكون محلية في الغالب، وتتراجع السياسة الخارجية في سلم أولويات الرئيس الأمريكي الذي يبدأ التفكير فيما سيفعل بعد انتهاء رئاسته، وخاصة في عدم وجود فرصة للتجديد لفترة ثالثة (٤) . ولا يملك رئيس أمريكي أن يُغضب اللوبي الصهيوني؛ فليس صحيحاً أنه يتحرر من ضغوطه في الفترة الرئاسية الثانية؛ فهذا اللوبي يمكن أن يسعى إلى تدمير الرئيس تدميراً كاملاً كما حدث في كل من حالة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، أو الرئيس السابق بيل كلينتون. ولذلك فليس من المتوقع أن تشهد الفترة الرئاسية الثانية للإدارة الأمريكية الجمهورية تحسناً يذكر فيما يتعلق بالعالم العربي والإسلامي بسبب سيطرة المنطلقات الفكرية الدينية والعقدية التي تحكم وتؤثر في مسيرة عدد من الشخصيات الأمريكية البارزة في هذه الإدارة، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكية نفسه. ويرى بعضٌ أن الإدارة الأمريكية الحالية ستبشر بمولد نظام حكم أمريكي جديد قد يستمر لفترات طويلة يستخدم الدين والقوى الدينية محركات رئيسة لثقله السياسي والانتخابي (٥) .

стр. 5218

الاتجاهات الغربية نحو الحركة الإسلامية حمدي عبد العزيز يغلب على التحليلات الغربية للحركة الإسلامية التحيز في تناول الظاهرة؛ حيث يربط بعضها بين الإسلام والإرهاب، ويخلط بين مفاهيم الحركة الإسلامية والأصولية والتطرف الإسلامي؛ فضلاً عن أنها تذهب إلى أن الحركة الإسلامية مجرد رد فعل لمشكلات وظروف الواقع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وهي أمور تتسم بعدم الدقة؛ نظراً لأن نشأة الحركة الإسلامية ترجع لطبيعة الإسلام بوصفة ديناً تجديدياً، واستجابة في الوقت نفسه لتحديات خارجية وداخلية مثل وقد التفت الغربيون للظاهرة الإسلامية منذ عام ١٩٧٩م؛ حيث نجحت (الثورة الإسلامية) في إيران في إقامة الحكم الشيعي الجعفري، وإزاحة نظام الشاه الموالي للغرب، ولكن لم يُنظر إلى ذلك على أنها نصر لشعب مستضعف، وإنما مصدر تهديد للمصالح الغربية والأمريكية. ثم زاد الاهتمام بالظاهرة إبان الانتفاضة الفلسطينية الكبرى ١٩٨٧م ـ ١٩٩١م حيث كان للدعاية الصهيونية دور واضح في تغذية المخاوف الغربية من الحركة الإسلامية، وتصوير المقاومة على أنها إرهاب إسلامي يستهدف القيم الغربية. ومع بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي حدث تغير جوهري في هيكل النظام الدولي بزوال الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بالقيادة؛ حيث واكبه تغير مفهوم العدو من الخطر الشيوعي الأحمر إلى الخطر الإسلامي الأخضر، وهكذا أصبح ما يسمى بـ (الإسلام السياسي) مصدر الخطر الأكبر، وتعددت الكتابات والتحريات في وسائل الإعلام والدوريات الأكاديمية التي تشير إلى خطورة (الإسلام السياسي) ليس على الولايات المتحدة ونخبتها فقط، وإنما على غرب أوروبا وحلف الأطلسى ثم روسيا. وعقب أحداث ١١/٩ حدثت تحولات دراماتيكية فيما يخص تناول تلك الظاهرة وكيفية مواجهتها؛ حيث سيطر الاتجاه (المتحامل) - الذي يربط بين الأصولية والحركة الإسلامية - على وسائل الإعلام ومراكز البحث الداعمة لصناع الاستراتيجيات، وسعى ليس إلى صياغة سياسات جديدة للمواجهة مع الحركة الإسلامية، وإنما إلى القيام بدراسات تبحث عن «تحويل دين عالَم بكامله» أو إقامة مراكز بحثية لدعم ما يسمى (الإسلام المعتدل) . ومن ذلك التقرير الذي مولته مؤسسة (راند) للمحافظة الأمريكية وعنوانه: «الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والمصادر والاستراتيجيات» ويدعو إلى خلق صلات وثيقة مع القوى الإسلامية المحبة للغرب مثل الصوفيين والعلمانيين والحداثيين، ومساعي اليهودي الأمريكي المثير للجدل (دانيال بايبس) لتأسيس معهد إسلامي تحت اسم (مركز التقدم الإسلامي) للدفاع عما يسميه (الإسلام المعتدل) ، ومواجهة التجمعات الإسلامية التي تدافع عما يسميه المقاتلين الإسلاميين. - أصولية أم حركة إسلامية؟ يصف (ماليس روتنين) مصطلح الأصولية في كتابه (الأصولية البحث عن معنى) ـ أكسفورد ٢٠٠٤م ـ بأنه يطلق على تطورات معينة في العصر الحديث، وتحول إلى مصطلح يراد به إلصاق تهم سلبية بجهة أو فكر، ويعني طريقة وأسلوب ديني للحياة يظهر نفسه في استراتيجية يحاول من خلالها المتدينون المحافظة على هويتهم المتميزة كشعب أو مجموعة في وجه العلمانية. وقد حقق المصطلح ذيوعاً باعتباره جزءاً من التعامل مع العالم الإسلامي كمتعددات عرقية ودينية إسلامية من خلال إعادة برمجة الفوارق وتظهيرها وتشغيلها، واستنساخ (فوالق) تضاف إليها. ويريد البيروقراطيون في أجهزة الاستخبارات الغربية تثبيت المصطلح، وتعميم تداوله للتأكيد على أن الحركة الإسلامية هي الحامل الوحيد لمشروع الدولة الإسلامية وهو ما يشكل بدوره أكبر مخاطر الإرهاب (المزعوم) . ورغم ولادة هذا المصطلح في معامل أجهزة الاستخبارات الغربية؛ فالاتجاه السائد يوافق على مفهوم الأصولية مثل (جيل كيل) و (جارودي) الذي يتحدث عن أصوليات. ويطابق هذا الاتجاه بين الأصولية والعنف والإرهاب مثل (برنارد لويس) و (فؤاد عجمي) (١) وللإسرائيليين دور في ترسيخ هذا التطابق، بل الربط بين العربي والمسلم والإرهاب مثل (بنيامين نتنياهو) في كتابه «كيف يمكن للغرب أن ينتصر؟» وهو ما يرفضه (جون أسبوزينغو) و (إيفون حداد) وغيرهم. وهناك اتجاه آخر يرفض هذا المصطلح على اعتبار أن طبيعة المفهوم لا تتسق مع الحركة الإسلامية؛ فضلاً عن أنه لا مجال للربط بين الدين والأصولية. ويطلق بعضهم مصطلحات أخرى على الحركة الإسلامية مثل (جاك بيرك) : «الإسلاميون» و (فرانسوا بورجا) : «الإسلام السياسي» و (روجر أوين) : «الإسلام الراديكالي» . ويمكن تحديد الظاهرة (الحركة الإسلامية) عملياً من خلال التمييز بين مستويات ثلاثة هي: الدعوة والحركة والتنظيم على ما بينها من تداخل وتشابك؛ فالدعوة ـ في الإسلام ـ واجب فردي في الأساس يفترض أن يمارسه كل مسلم قولاً وعملاً، ويتحول إلى حركة وتيار حين ينتقل ـ هذا الواجب ـ من قناعة فردية إلى سلوك جماعي، وهذا ما يطلق عليه التعبير الاجتماعى للحركة أو الجسد الاجتماعي، وهو الرصيد المتدين الذي يعتبر المجال الحيوي أو المعين الذي تتشكل منه الحركة في مستواها الثالث، والذي يظهر للوجود حين تحاول الحركة الانتقال بالدعوة محاولة تجسيدها في إطار دولة ونظام سياسي. ومن ثم تصبح الحركة الإسلامية هي التعبير السياسي عن هذه الحركة المجتمعية، وتنطلق من فهم معين ومحدد للإسلام كدعوة، ويريد تحويله أو تجسيده في دولة ونظام سياسي محدد عبر مجموعة من الوسائل والأدوات التي تدور في إطار المشروعية الإسلامية. وتتوافر لأي حركة إسلامية فعالة سبعة عناصر هي: ١ ـ العقيدة: وهي الإطار الفكري أو المشروع الإصلاحي أو التغييري التي يؤمن بها معظم التكوين الحركي بأفراده وقياداته. ٢ ـ الرؤية والتوجه: بمعنى وجود صورة واضحة عن الواقع المرفوض والمطلوب تغييره ولو في قسماته الأساسية؛ ولماذا هو مرفوض ومطلوب تغييره. ٣ ـ المشروع الإصلاحي أو التغييري: أي وجود صورة واضحة عن الواقع المرغوب والمراد الوصول إليه، ولماذا هو مرغوب ومطلوب. ٤ ـ البرنامج: وجود صورة واضحة عن الأساليب والأدوات التي يمكن من خلال التغيير والانتقال من الواقع المفروض إلى ذلك الواقع المطلوب الوصول إليه (المرغوب) . ٥ ـ الإرادة السياسية: وجود نوع من الاستعداد الحقيقي لدفع الثمن الذي تتطلبه عملية الإصلاح والتغيير، وتحمل تكاليفه على كل المستويات. ٦ ـ الحركة أو التنظيم: أي التنظيم الفعال القائد الذي يوحد الجهود وينسق بينها ويقودها نحو تحقيق الهدف المنشود الذي تحدده العقيدة. ٧ ـ القيادة: التي تقوم فكرياً بوضع التصورات والرؤى الفلسفية، وتحديد فلسفة الحركة، وحركياً بتجديد مشروع الحركة والمحافظة على نقائه والتبشير به والدعوة إليه، وتنظيمياً بوضع الخطط والبرامج موضع التنفيذ والإشراف عليها. - انقسام حول الظاهرة: والملاحظ على الأدبيات التي تدرس الحركة الإسلامية في الغرب أنها منشورة ليس في الدوريات الدينية وإنما في الدوريات السياسية، وهو ما يعكس وجود أبعاد أيديولوجية في دراستها وتخطيطية لمواجهتها إضافة إلى أن مراكز الأبحاث المهتمة بالظاهرة في تزايد مستمر سواء التابعة للكنائس الغربية أو ذات الصلة بالدوائر السياسية. ويمكن تصنيف هذه الأدبيات إلى اتجاهين ـ حسب المهتمين بالظاهرة ـ وهما: ١ ـ الاتجاه الأكاديمي وهو ما يظهر في تحليلات الأكاديميين من خلال الكتب أو دوريات أو مراكز الأبحاث التي تختلف في معالجة الظاهرة تبعاً للانحياز الأيديولوجي، ووفقاً للاقتراب المنهجي، فنرى تضخيماً لها عند بعضٍ، ومحاولة للتأصيل عند آخرين من خلال البحث في أسبابها وتطورها ونتائجها. ٢ ـ اتجاهات عامة: مثل مواقف السياسيين، وأقربها مواقف (جيسكار ديستان) الذي كان يتخذ موقفاً موضوعياً من العرب والإسلام إبَّان تولِّيه منصب الرئاسة الفرنسية، ثم تغير بعد ذلك، وآخرها رفضه عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي لأسباب دينية، والكتابات الإعلامية التي تضخم الظاهرة من خلال حديث الصحفيين ـ الذين يقدمون أنفسهم كخبراء في (الشرق الأوسط) ـ عن أن الإسلام دين عنف، ويسعى دوماً إلى توسيع دائرة نفوذه، وأنه ليس قادراً على الحياة بسلام جنباً إلى جنب مع فئات غير مسلمة، وهو ما يعني تشكيل صورة الإسلام عموماً والحركة الإسلامية خصوصاً، وتصويرهما في صورة الخطر القادم على الحضارة الغربية. وأيضاً يمكن تصنيف هذه الاتجاهات حسب درجة الموضوعية في تناول الظاهرة إلى اتجاهين هما: ١ ـ اتجاه تأصيلي معتدل: ويضم مستشرقين وأكاديميين درسوا الإسلام والحركة الإسلامية دراسة منهجية وافية، ومن أقطابه (مراد هوفمان) و (إلكسندر سيمرنوف) . وينظر الأول إلى الحركة الإسلامية باعتبارها إحياء (تجديد) الدين بالرجوع إلى مصادره الأولى، وليس عصرنة الدين لكي يتفق ومتطلبات العصر الحديث، وعليه قدّم مفهوماً مغايراً للأصولية وهو أنها عبارة عن موقف فكري ورؤية عالمية ترى الالتزام بالإسلام كما كان في أول عهده، وكما عرفه السلف الصالح من الصحابة منطلَقاً ومثالاً يحتذى به في صياغة المعايير والقيم وقواعد السلوك والمعاملات في عملية بناء الحاضر. ويرى المستشرق الأوروبي (ستيفن لاكروا) أن هناك هوة فكرية بين رؤية المتخصصين في الشأن الإسلامي وما تطرحه وسائل الإعلام؛ حتى إن الأخيرة تعمد إلى تهميش المتخصصين، وتعتمد على ما يسميه (فينسان جيسر) في كتابه: «الإسلاموفوبيا الجديد» خبراء الرعب الجدد، ومهمتهم تغذية المخاوف من الإسلام و (الأصولية الإسلامية) . كما يشير (إلبرشت متسكر) في كتابه: «الأصولية الإسلامية بين العنف والديمقراطية» أن العديد من المستشرقين الألمان يعتبرون أن اختصار الظاهرة على عنصرها العنيف بمثابة الوقوع في فخ التبسيط؛ نظراً لأن الأقلية هي التي تستخدم العنف كأداة للتغيير. وبالنظر إلى دول مثل مصر وفلسطين والأردن ولبنان واليمن، نجد الإسلاميين يظهرون كبرلمانيين وفي تركيا والأردن، أو ينشطون في المجتمع المدني (مصر) أو يشكلون جيشاً للتحرير لقتال الاحتلال (لبنان وفلسطين) . أما الخبير الفرنسي في الحركات الإسلامية (أوليفيه روى) فيشير إلى أن استعمال العنف من جانب بعض التيارات الإسلامية هو نتيجة تلاقي عنصرين: تشدد داخلي، وآخر دولي في التعامل مع الظاهرة الأصولية، ويرفض مصطلح الأصولية مركِّزاً على التطبيق؛ حيث يقدم بعض التيارات تنظيرات معتدلة؛ لكن تطبيقها العكس؛ بينما نجد محافظين على مستوى الأفكار معتدلين على المستوى العملي. ويؤكد بعض المنتمين لهذا الاتجاه أن الحركة الإسلامية لا تمثل أي تهديد للغرب، وأن التضخيم الدعائي للظاهرة في الغرب أدى إلى وقوع أضرار بالجاليات المسلمة، فيرى (جون أسبوزيتو) أن هناك طريقين لفهم الإسلام: الأول: سهل، والآخر صعب. السهل يرى الإسلام والإحياء الإسلامي تهديداً، والصعب هو الصعود خلف الأنماط والقوالب الجاهزة التي تساوي بين الإسلام والإرهاب، ويقرر أن الإسلام يمثل تهديداً للغرب إذا استُمِرَّ في مساندة الوضع غير العادل في (الشرق الأوسط) . أما المستشرقون الهولنديون فإن (كونينجسفيلد) و (واصف شديد) ـ من جامعة ليدن ـ فيشبهان في مقال مشترك لهما بعنوان: (زمن الإسلام المتخفي) ـ في مجلة إم آي الهولندية عدد يوليو ٢٠٠٤م ـ أوضاع مسلمي أوروبا الآن بأوضاعهم في بلاد الأندلس في عهد (فرديناند وإيزابيلا) حيث عانوا من الملاحقات والمصادرة بعد قرون من التعايش والسلام، ويدعوان إلى عدم الخلط بين الإسلام والمسلمين وبين التنظيمات التي تستعمل العنف ولا تمثل بشكل حقيقي الإسلام وحقائقه السامية؛ لأن هذا أدى إلى تهميش المسلمين وإقصائهم، ثم ممارسة العنف ضدهم. ٢ ـ اتجاه أيديولوجي عدائي: وتنبع وجهة نظر أصحاب هذا الاتجاه من وجهة نظر صهيونية، ورؤيتهم للمصالح الغربية؛ بمعنى أن هناك دوراً لإسرائيل وتأثيراً واضحاً في تشكيل وتوجيه السياسة الغربية، وبخاصة السياسة الأمريكية تجاه الحركة الإسلامية. ويمكن أن نصنف هذا الاتجاه على أساس التخصص الأكاديمي إلى الفئات التالية، وهم: أـ المتخصصون بدراسة الأديان أو الأديان المقارنة: وكان من دوافع التطور والنمو في هذه الدراسات فهم الصورة التي شكل فيها الإسلام تحدياً للمسيحية، وعائقاً دون انتشارها، ومن أبرز هؤلاء الأكاديميين في جامعة هارتفورد التبشيرية. ب ـ المتخصصون في دراسة المناطق: ورغم العمق التاريخي لهذه الدراسات في الجامعات الأمريكية؛ فإن الحاجة إلى تعميق الفهم بالمواقع الاستراتيجية، وارتباط المصالح الأمريكية بهذا الفهم كان حافزاً على تزايد الاهتمام بهذه الدراسات. ويسعى اليمينيون المحافظون إلى السيطرة على هذا الحقل مؤخراً من خلال مراقبة المتخصصين، وقطع التمويل عن أصحاب الرؤى المنصفة وتشويه مواقفهم. ج ـ المتخصصون بالدراسات السياسية والعلاقات الدولية: وتتضمن هذه الفئة كثيراً من اليهود الأمريكيين المهتمين بدراسة الإسلام والحركة الإسلامية من موقع المصالح الغربية والصهيونية. ويلاحظ أن الخبراء الأكثر شهرة في دراسة الحركة الإسلامية هم من اليهود المعادين للإسلام، وتتعزز الهوية الأكاديمية لهؤلاء بالاحتراف الصحفي والإعلامي، وبمواقع النفوذ السياسي لليمين المحافظ الأمريكي ليشكل الجميع حلقة فكر ومجموعة ضغوط هي الأشد عداوة للإسلام السياسي في أمريكا والغرب. ويهاجم أصحاب هذا الاتجاه الحركة الإسلامية، بل يوسعون الهجوم على الإسلام مثل (برنارد لويس) الذي يهوِّل من خطر امتداد الحركة الإسلامية، بل المسلمين على الغرب بالقول: إن التهديد الإسلامي سياسي واجتماعي وديمغرافي. ويتطرق عالم الاجتماع الأوروبي (جان بودريان) للموافقة على تصفية الوجود الإسلامي من أوروبا، فيرى أن الصرب حلفاء الغرب؛ لأنهم يتخلصون من الأقلية الإسلامية غير المرغوب فيها. ويحذر (مارتن كريمر) من القناعة السائدة بأن الإسلاميين فئات متعددة ساخراً من مجرد قيام صانعي السياسة الأمريكية باختبار محاولة تصنيفهم إلى معتدلين ومتطرفين، ويرى أن الإسلاميين رغم أنهم يتفاوتون في تشكيلهم للأحزاب السياسية أو الأجنحة العسكرية، ويستعملون في الوقت نفسه الرصاص وصناديق الاقتراع إلا أنهم يحملون نفس التوجهات في كل مكان، ويلجؤون إلى أساليب مختلفة حسب الظروف والمواقف، وما يحركهم هو فطرة أساسية مشتركة تتمثل في السعي نحو السلطة بأقصر طريق متاح. وعلى مثل هذه الأكاذيب المستمرة انطلق أستاذ معروف في «هارفارد» هو (صمويل هنتنجتون) يبشر في أطروحة له في منتصف التسعينيات بحتمية المواجهة بين الغرب والعالم الإسلامي فيما أسماه بـ (صراع الحضارات) . - السياسات: من الرؤى إلى التنفيذ: ويلاحَظ الحضور القوي للاتجاه المعادي في الدوائر السياسية التي رفعت شعار التخوف من استخدام الدين للاستيلاء على الحكم ووقف الديمقراطية ـ ليتسلل من ورائه التخوف الحقيقي من تغيير طبيعة معادلات القوة الخاصة بالنفط والسوق العالمية ـ لتقوم منذ بداية التسعينيات بمواجهة الحركة الإسلامية من خلال عدة وسائل هي: ١ ـ الأدوات الاقتصادية: مثل منح القروض والتسهيلات بهدف إحداث تأثيرات اجتماعية محددة. ٢ ـ أدوات سياسية: تتعلق بتوثيق الروابط مع النخب السياسية، وتشجيع التغيير السياسي على غرار ما حدث في الجزائر ١٩٩٢م. ٣ ـ أدوات ثقافية: بالحوار الثقافي والسياسي، وتعزيز حقوق الإنسان بالمفهوم الغربي. ٤ ـ أدوات استراتيجية بوضع نظام دولي محكم للرقابة على الأسلحة والسعي لتدمير قدرات بعض الدول العربية والإسلامية عن طريق الأمم المتحدة، أو من خلال تحالف بقيادة «أمريكية وعضوية أطلسية، وانضمت إليه روسيا مؤخراً» . واتسمت المواجهة مع الحركة الإسلامية منذ ذلك الوقت بالتصعيد والعداء المتزايد؛ حيث قامت الدول الغربية بمراجعة أنظمتها القانونية التي تتيح حق الهجرة والعمل للأجانب من جهة، وعززت من التعاون الأمني مع الدول العربية والإسلامية (الصديقة) في مقابل مساندة الحكومات الأوتوقراطية التي تتصدى للحركة الإسلامية. وعقب أحداث ١١/٩ حدد أصحاب الاتجاه الأيديولوجي المعادي عدداً من الأسس التي تقوم عليها الاستراتيجية الأمريكية تجاه ما يسمى بالإسلام السياسي، وهي: ١ ـ أن تتفهم الولايات المتحدة حاجة دول (الشرق الأوسط) لاستخدام العنف ضد تيارات الإسلام السياسي؛ لأن تلك التيارات تعادي القيم الغربية والمصالح الأمريكية. ٢ ـ أن التنظيمات الإسلامية تزدهر في ظل ظروف اقتصادية صعبة من البطالة والفقر، ومن واجب الدول الغربية مساعدة بلدان الشرق الأوسط كي تخفف من حدة تلك المشاكل (وليس القضاء عليها) . ٣ ـ أن تقدم الولايات المتحدة شيئاً أكثر أهمية من الدعم الاقتصادي وهو الرؤية المستقبلية البديلة للرؤية الإسلامية؛ وذلك عن طريق نشر القيم الليبرالية والأمريكية. ٤ ـ تجنب وضع التنظيمات الإسلامية في سلة واحدة، والنظر إليهم فقط من منظور التهديد الأمني، والسعي إلى معرفة طبيعة الظاهرة وماهيتها بعيداً عن الصورة المشوهة. ٥ ـ تشجيع الأنظمة الحاكمة على ضم الإسلاميين المعتدلين إلى الحكم، ويجب الإشارة هنا إلى أن معظم الحكومات، وكذلك كثيراً من مجموعات المعارضة العلمانية لم تثبت أنها أكثر التزاماً بالديمقراطية من الإسلاميين. ٦ ـ انتقاد الغرب لانتهاكات حقوق الإنسان، والتزوير في الانتخابات عندما يقعان، وليس عندما يتعارضان مع مصالح الغرب. ٧ ـ يجب على الدول الغربية عموماً والولايات المتحدة خصوصاً أن تساعد في تحقيق نتائج جوهرية في حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبما يؤدي بالنتيجة إلى قيام (دولة فلسطينية) . ولم تؤدِّ هذه المبادئ سوى إلى تغيير تكتيكي في سياسات المواجهة مع الحركة الإسلامية يتمثل في إقامة العديد من الندوات في أوروبا والمنطقة العربية هدفها الحقيقي فتح حوار مع الحركة الإسلامية ليس من أجل التفاعل والانفتاح المشترك، وإنما لخدمة الأجندة الأمريكية بالأساس خصوصاً في تركيزها على تغيير المفاهيم الإسلامية من خلال الحديث المتكرر عن (التسامح) أو في البحث عن وسائل جديدة للمواجهة بالحديث عن كيفية مواجهة العنف.

стр. 5219

اللغز الأمريكي السوري..الحل يبدأ من أفغانستان أحمد فهمي لماذا نشرّق ونغرّب دائماً بحثاً عن نظريات سياسية ومبادئ استراتيجية لتفسير الأحداث وكشف المخططات والمؤامرات، وبين أيدينا كتاب الله الذي هو أوْلى أن نبدأ به قبل غيره؛ ليس تقديراً وتقديساً فقط، بل نقول ذلك بين يدي العلاقة المتأزمة بين نظام البعث السوري وإدارة الرئيس بوش، وقد أثارت هذه العلاقة تساؤلات عديدة حول أسباب الأزمة ومستقبلها، وهل يمكن أن تقوم الولايات المتحدة بغزو سوريا أو على الأقل توجيه ضربات خاطفة لإسقاط النظام؟ والسؤال الجامع هو: ماذا تريد أمريكا من النظام السوري؟ وما هو أقصى إجراء عقابي يمكن أن تتخذه ضد دمشق؟ - القرآن يكشف أمريكا: بعد أن تجهزت إدارة بوش لاحتلال العراق وقبل الغزو مباشرة، خاطب وزير الخارجية (كولن باول) رئيسه خطاباً يذكرنا بالحروب الصليبية؛ فقال: «ستصبح المالك المبجل لخمسة وعشرين مليوناً ـ عراقياً ـ ستملك آمالهم وأحلامهم ومشاكلهم، ستملك كل شيء» (١) . يقول الله ـ تعالى ـ في قصة سليمان ﵇ وعلى لسان بلقيس ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ إنَّ الْمُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ، وهذه الآية تصلح أن تكون منطلقاً لفهم الاستراتيجية الأمريكية لاختراق وإعادة تشكيل عدة دول إسلامية بدأت بأفغانستان، ولن تنتهي بالسودان أو لبنان. قَالَ ابن عَبَّاس ﵄: «أَيْ إِذَا دَخَلُوا بَلَداً عَنْوَة أَفْسَدُوهُ أَيْ خَرَّبُوهُ، وَقَصَدُوا مَنْ فِيهَا مِنْ الْوُلَاة وَالْجُنُود فَأَهَانُوهُمْ غَايَة الْهَوَان إِمَّا بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْأَسْرِ» (ابن كثير) ، ويقول صاحب الظلال تعليقاً على هذه الآية: «إنهم إذا دخلوا قرية أشاعوا فيها الفساد، وأباحوا ذمارها وانتهكوا حرماتها، وحطموا القوة المدافعة عنها وعلى رأسها رؤساؤها، وجعلوهم أذلة؛ لأنهم عنصر المقاومة، وأن هذا هو دأبهم الذي يفعلونه» . إذن فأهم ما يقوم به أمثال هؤلاء هو تحويل أعزة البلد إلى أذلة، وبمصطلح العصرالحديث تحويل الأغلبية إلى أقلية، والأغلبية يقصد بها غالباً أهل السنة، والأقلية هم غيرهم من الطوائف، وأهل السنة هم الأعزة الذين يحملون دوماً راية المقاومة ضد المحتل الأجنبي، وغير أهل السنة كانوا دوماً يداً ورجلاً وسمعاً وبصراً للأعداء يستخدمهم لإذلال أهل السُنِّة الأعزة دائماً كما حكم ربنا ـ جل وعلا ـ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] . وعندما نتأمل الدول العربية والإسلامية التي وضعتها إدارة بوش ضمن أولوياتها فسنكتشف أنها دول تعاني من مشكلات طائفية وعرقية كبيرة: أفغانستان ـ إيران ـ العراق ـ سوريا ـ لبنان ـ السودان، وعند التدقيق يمكن ملاحظة نمطين تتعامل بهما الولايات المتحدة مع هذه الدول حسب هوية الأغلبية السائدة، وتنقسم الدول وفق ذلك إلى قسمين: أولهما ويشمل: أفغانستان، العراق، السودان. والثاني ويشمل: إيران، سوريا. وتفسير ذلك أنه عندما تكون الطائفة السائدة هي أهل السُنَّة فإن النصرة تكون دوماً للأقليات، ويكون من ضمن مسوغات التدخل: المطالبة بحقوق الأقليات المضطهَدة، والهدف في هذه الحالة لا يقتصر على إسقاط النظام، بل يشمل إعادة صياغة التوازن العرقي والطائفي داخل البلد حسب الرؤية الجديدة، حدث ذلك في أفغانستان والعراق والسودان، وكانت النتيجة أن الأغلبية فقدت قوتها، وتراجعت في مواجهة الدعم الأمريكي للأقليات المتحالفة معها؛ فقد سقطت طالبان التي تنتمي إلى الأغلبية البشتونية، وتحوَّل السنة في العراق إلى أقلية لا تتجاوز في زعمهم ٢٠%، وفي السودان تمددت الحركة الشعبية وأصبح (جارانج) نائباً للرئيس وتنتشر مليشياته في أنحاء الدولة. ولكن في المقابل عندما تكون الغلبة لغير أهل السنة أو يكونون أقلية فإن أحداً لا ينادي بالحقوق الضائعة، ورغم العلاقات المتوترة منذ سنوات طويلة بين أمريكا وإيران فإن أي إدارة أمريكية لم ترفع عقيرتها بالدعوة لنصرة الأقلية السُنية أو الكردية رغم أنهم يشكلون معاً نحو ٣٠% ورغم وجود أقليات أخرى مهضومة. وفي سوريا أيضاً لم يتحدث أحد عن حكم الأقلية العلوية للأغلبية السنية، وأنه ينبغي إعادة الأمور لنصابها الصحيح ـ كما ادعوا في العراق ـ وتسليم الأغلبية السنية التي تتجاوز ٨٠% من إجمالي السكان حكم البلاد. والقرآن كما قلنا يُفسر ذلك، وحسب مفهوم المخالفة؛ فإنه إذا كان الملوك المحتلون يجعلون أعزة البلد أذلة؛ فكيف لو كانوا أذلة بحكم الواقع في إيران وسوريا؟ إذن تبقى الأمور على وضعها، وغير السنة لا خوف منهم؛ فلن يرفعوا للمقاومة راية، ولن يتخذوها غاية، ومن ثم تنحصر الجهود والضغوط في مجرد تغيير السياسات أو الأنظمة مع بقاء التركيبة العرقية والطائفية كما هي دون تغيير. وحسب تلك الرؤية نعيد النظر مرة أخرى لخريطة الدول السابق ذكرها لاستيعاب السياسات الأمريكية ثم استشرافها في المرحلة القادمة، ويمكن تحديد بعض الملامح في هذا السياق نذكرها فيما يلي: ١ - في الغالب ـ والله أعلم ـ ستظل تركيبة الحكم في سوريا على وضعها؛ لأن أي تغيير يدفع بالسنة إلى تسلم الحكم يمكن أن يكون له تداعيات خطيرة في المنطقة؛ إذ سيتشكل هلال سني ـ بدلاً من الشيعي ـ ينطلق من سوريا ويتمدد إلى العراق شرقاً، ثم لبنان غرباً، ولن يكون ذلك ملائماً للمصالح الأمريكية، والبديل المناسب في هذه الحالة إما أن يكون علوياً، أو علاَّوياً ـ نسبة إلى إياد علاوي ـ ولكن إلى الآن لا توجد نماذج مشجعة يمكن لأمريكا أن تعتمد عليها. ٢ - التصريحات التي صدرت من الأردن بخصوص الهلال الشيعي لم تلق تجاوباً من الإدارة الأمريكية رغم خطورتها وصحتها، ورغم موقف الإدارة من إيران، وهذا أمر له دلالة خاصة لا تخفى. ٣ - عندما نرتب المناطق الساخنة التي ذكرناها سابقاً سنلاحظ أنها تشكل حزاماً ضاغطاً وخانقاً على الكتلة العربية الرئيسة التي تضم قوة اقتصادية وبشرية ودينية هائلة، خاصة لو أضيف إليها تأثير الكيان الصهيوني ورغبته في التمدد خارج حدود فلسطين ـ ليس عسكرياً بالضرورة ـ وأيضاً تأثير التواجد الشيعي في الخليج، ولا تصعب ملاحظة التأييد المطلق الذي تحظى به السياسة الأمريكية لدى هؤلاء، ونذكر مثالين فقط من الكويت والبحرين. يقول رجل الدين الشيعي الكويتي المعروف (محمد المهري) مهاجماً الإسلاميين الذين ينتقدون السياسات الأمريكية: «هناك تيار في الدول الإسلامية ـ سُني بالطبع ـ يعادي أمريكا في مواقفها؛ حتى ولو كانت لصالح الإسلام!» (١) وذكرت تقارير من البحرين أن بعض قادة المعارضة ـ من الشيعة ـ يعتزمون علانية بالاتصال بشخصيات غربية في الخارج ليمارسوا ضغوطاً على حكومة البلاد لتحقيق مطالبهم (٢) . ٤ - يبرز بوضوح الحرص الإسرائيلي على بناء علاقات قوية في أكثر المناطق الساخنة، مثل: العراق، والسودان، ولو عن طريق خفي. ٥ - الاستراتيجية التي تعتمدها الولايات المتحدة في الدول السابقة متماثلة تقريباً في جميع الدول بدءاً من أفغانستان وحتى السودان ولبنان، وهي: إعادة صياغة التوازن العرقي والطائفي وفق تركيبة تناسب المشروع الأمريكي، وهي تركيبة تتميز بإحداث فراغ سياسي عن طريق إضعاف سيادة الدولة، ويصبح التوازن السياسي مفتقراً دوماً إلى القوة الخارجية. وبمعنى آخر: فإن الصياغة الجديدة لا يتحقق فيها التوازن ذاتياً، ولكن خارجياً، وعندما ينسحب الطرف الخارجي تحت أي ظرف ولأي سبب ينهار البناء الداخلي. ولعلنا نذكر تأكيد جهات وأطراف كثيرة داخل العراق ـ بعضها سني ـ على أن انسحاب القوات الأمريكية في هذه المرحلة سوف يسبب انهياراً داخلياً، وحقيقة ما يحدث أن إدارة بوش تحوِّل دول المنطقة إلى قنابل زمنية تضبط مواعيد تفجيرها حسب مصالحها. ٦ - إذا أردنا معرفة الدول التالية التي تحتل الأولوية في قائمة التغيير الأمريكية علينا النظر إلى الدول المتعددة عرقياً أو طائفياً، وحيث توجد مشكلات ساخنة للأقليات أو تُبذل جهود لتسخينها عمداً. ٧ - مفهوم التحالف بين الولايات المتحدة ودول المنطقة طرأ عليه تغييرات جوهرية عجزت بعض الدول وبعض الزعماء عن قراءتها، أو هم لا يريدون ذلك، فلم تعد هناك تحالفات دائمة، وحليف اليوم قد يصبح عدواً في الغد، وقد يتحول إلى كبش فداء، كما حدث مع الحريري أو فداء للكبش كما حدث لعرفات، وبدا واضحاً أن الإدارة الأمريكية في الفترة الأخيرة تتبنى سياسة بديلة لسياسة «دعم الحليف مطلقاً» ، وهي «دعم الحليف حتى تنتهي مهمته فقط» ، وعندها يتم البحث عن بديل أكثر مناسبة للمرحلة القادمة حتى ولو كان البديل القديم لا يزال محتفظاً بولائه للمصالح الأمريكية. وهنا تجدر الإشارة إلى البدائل الليبرالية التي بدأت تنتعش في كثير من الدول العربية، سواء بفعل فاعل أو بفعل طامع، وبعض الرؤساء العرب قد يصعب عليهم تخيل الحد الذي يمكن أن تبلغه أمريكا في تطوير استراتيجية الاستبدال، وكان قد غاب عن عرفات إدراك هذه الحقيقة. ولو ثبت أن المخابرات الأمريكية أو الإسرائيلية وراء اغتيال الحريري فإن ذلك يعني أن أنماط التخلص من الحلفاء قد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وسندرك عندها «مستوى الذكاء الاستباقي» الذي يتمتع به العقيد القذافي حينما وضع كل ما في جيبه على الطاولة الأمريكية فأراح واستراح. ٨ - في مجال التعامل مع الأقليات فإنه من المبادئ المهمة معرفة أن: تحقيق بعض المكاسب لأقلية ما لا يعني أبداً تراكم قناعة لدى هذه الأقلية بالعدل والاكتفاء، وإنما يعني تراكم قناعة أخطر لدى قادة الأقلية بضرورة رفع سقف الطلبات لتحقيق مزيد من المكاسب في دورة قد لا تنتهي إلا بسقوط دولة الأغلبية. - هل تتعرض سوريا لغزو أمريكي؟ هذا السؤال أتعب المحللين والسياسيين وحتى الزعماء، وقد صرح الرئيس السوري (بشار الأسد) في حوار مع صحيفة (لاريبوبليكا) الإيطالية قائلاً: «إذا سألتني عما إذا كنت أتوقع هجوماً مسلحاً؟ حسناً! أتوقعه منذ نهاية الحرب في العراق؛ تصاعدت التوترات منذ ذلك الحين» (١) ، وقد أسلفنا اجتهاداً للإجابة عن هذا السؤال استرشاداً بآية قرآنية، ونذكر أيضاً بعض الدلائل التي يمكن أن تساهم في بلورة أكثر لهذه الإشكالية: أولاً: من المعلوم أن البيت الأبيض والخارجية والمؤسسات العسكرية والاستخباراتية يُعتمَد في أدائهم وقراراتهم على كَمٍّ هائل من البحوث والدراسات - جزء كبير منها غير معلن ـ التي تقذف بها عشرات مراكز الفكر والبحث الحكومية وغيرها، وهذا الكم يتضمن كل ما يمكن تخيله في هذا المجال، ولا نبالغ إذا قلنا إنه توجد خطط لغزو عدد كبير من الدول في منطقتنا العربية وقلب نظم الحكم فيها بالقوة أو بغيرها، ولا يعني أبداً تداول بعض هذه الدراسات والمخططات أنها دخلت دائرة التنفيذ والفعل، ولذلك ينبغي التفريق بين وجود خطط أو تصورات وبين الاتفاق على تنفيذها بالفعل. ثانياً: ليس منطقياً أن تبادر أمريكا بفتح ساحة حرب جديدة داخل سوريا المجاورة للعراق، وخاصة أن هذا الاحتلال قد يمثل عنصر تحفيز واستنهاض للسنَّة في سوريا قد يُغرق أمريكا في مستنقع جديد. بالإضافة إلى عدم توفر نخب سياسية قادرة على تولي زمام الحكم في سوريا؛ فليس هناك معارضة قوية في الخارج لها أتباع وكوادر وميليشيات كما كان الحال بالنسبة لشيعة العراق، وجهة المعارضة السورية الأبرز هم الإسلاميون السُنة، ولا شك أنهم مستبعدون تماماً. ثالثاً: كان مستهدفاً من مسرحية شرم الشيخ تهيئة الأجواء لمد الجسور بين إسرائيل والدول العربية، خاصة بعد انتخاب أبو مازن وانتهاء الانتخابات العراقية، وليس من المعقول أن يتم تعكير الأجواء مرة أخرى بحرب جديدة في سوريا تشارك فيها إسرائيل بدور واضح؛ فذلك يعني اشتعال الرأي العام العربي من جديد، وهو ما سيؤدي إلى عرقلة الاختراق الإسرائيلي للدول العربية. رابعاً: لو أردنا معرفة أي الدولتين تُضرب أولاً: إيران أم سوريا؟ فالدلائل تشير إلى أن إيران سيكون لها السبق؛ فهي الأكثر تأثيراً على العراق والأكثر قوة وأطماعاً على المستوى الإقليمي، ولكن إلى الآن لا تبدو الإدارة الأمريكية قادرة على اختيار الاستراتيجية المثلى في التعامل مع نظام (الملالي) ؛ فمن الناحية العسكرية تتراوح الخيارات بين توجيه ضربات عسكرية للمواقع النووية والصناعات الصاروخية، ولكن قد لا يؤدي ذلك بالضرورة إلى سقوط النظام، وبين توجيه حملة شاملة لاحتلال الدولة؛ وهذا الخيار مستبعد إلا في حالة توفر رأي عام شعبي مؤيد لمثل هذا الإجراء الانتحاري في بلد مترامي الأطراف مثل إيران. ومن الناحية السياسية فإن التحريض على الثورة لم يأت بنتائج مشجعة حتى الآن؛ كما أن الضغوط الدولية لم تسفر عن نتائج مرضية، ولذلك يغلب أن تدفع الإدارة الأمريكية في اتجاه مواصلة مزيد من الضغوط، ولا مانع من توجيه ضربات عسكرية وقائية للمواقع العسكرية لعلها تضعف النظام. خامساً: القرار الأمريكي باحتلال دولة ما يمر قبل صدوره من الرئيس بمراحل مختلفة من البحث والتحليل، وتتناوشه جهات عدة وأطراف عديدة بدءاً من اللوبيات الصهيونية والمجمع العسكري الصناعي، ثم مؤسسات الدولة من استخبارات ودفاع وخارجية، ثم مجلس الأمن القومي ومستشاري بوش، وتوضع المعطيات في النهاية بين يدي الرئيس، بعضها يدعم بقوة اتخاذ قرار الغزو، وبعضها الآخر يحذر من اتخاذ مثل هذا القرار، وقد تتعدد الدلائل على صعوبة اتخاذ قرار الغزو، وأنه سيكون قراراً أحمق، ولكن من يدعي أن الساسة لا يتخذون قرارات حمقاء؟ في نهاية الأمر هناك جهات تستفيد من إشعال أي حرب في أي بقعة من العالم، ولا يهم في هذا الصدد نتيجة الحرب أو حجم الخسائر. وفي حرب العراق مثلاً يبرز عدد الجنود الأمريكيين كعلامة استفهام أثارت حيرة الكثيرين داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، بدءاً بنواب في الكونجرس وانتهاء بوزير الخارجية المستبعد (كولن باول) ، كلهم كانوا يتساءلون: لماذا الإصرار على هذا العدد بينما كان يمكن حسم الحرب ـ حسب رؤيتهم ـ بمضاعفته إلى ٣٠٠ ألف جندي؟ وهي التقديرات التي قدمها القادة العسكريون قبل بدء الاحتلال، ولكن (رامسفيلد) وزير الدفاع أصر على أن ١٥٠ ألف جندي تكفي وزيادة. - ماذا تريد أمريكا من النظام السوري؟ الخلاف بين سوريا وبين أمريكا وإسرائيل ينبغي تحريره بدقة حتى نعرف إلى أين تسوقنا الاستنتاجات والتحليلات الكثيرة، وهنا تبرز عدة أفكار: ١ - لا توجد مشكلات لدى النظام السوري في عقد مباحثات سلام مباشرة مع حكومة شارون، كما أن التمسك بهضبة الجولان أمر يقبل الالتفاف عليه وتقديم تنازلات مشجعة، وقد أعلنت سوريا مؤخراً عن رغبتها في ذلك، ولكن بعد فوات الأوان؛ فقد دخلت المنطقة في مرحلة تقليم الأظافر، ومشكلة النظام السوري أنه يستغرق وقتاً حتى يتجاوز ثوابته القومية الخطابية ومصالحه الخاصة، وإن كان في المجمل يبدو أكثر فاعلية في هذا المجال من صدام حسين بطيء الإيقاع، ولكنه ليس في مستوى القذافي مثلاً الذي نجح في الاحتفاظ برأسه وكرسيه. ٢ - نظام البعث السوري لديه قدرة عالية على «ضبط النفس» في مواجهة الاستفزازات أو الاعتداءات الإسرائيلية، كما أن قدراته العسكرية تدهورت إلى حد كبير، وخاصة أنه يمكن اعتبار غالبية السلاح السوري هو منحة روسية. ٣ - الدعم الذي تقدمه سوريا للمنظمات الفلسطينية تراجع بصورة ملحوظة، ولم يعد يتجاوز تقديم مقرات لبعض الأعضاء مع تضييق نطاق النشاط والحركة إلى حد كبير، وحتى ذلك يجري تقليصه بعد الإعلان عن غلق مقرات ومكاتب حركة الجهاد الفلسطينية. ويبدي النظام تجاوباً واضحاً في هذا المجال، ولم تعد قضية الإيواء تحتفظ بأهميتها السابقة، خاصة بعد اغتيال أحد قادة حماس في دمشق واكتشاف اليد الطولى للموساد الإسرائيلي في قلب دمشق، وقد صرح (خالد مشعل) رئيس المكتب السياسي لحماس في مؤتمر صحفي عقده بالدوحة أن «الضغوط على سوريا مقلقة، وما يجري في أعقاب اغتيال الحريري مقلق وسينعكس علينا سلباً، لكنه صرح أن الحركة «موجودة في بلاد مختلفة بعضها بشكل معلن وبعضها غير معلن» . ٤ - تبقى العقبة الأساسية متمثلة في أنه من قواعد النظام الجديد للشرق الأوسط ألا يتعدى نفوذ أي دولة إلى دولة أخرى، وهذه من متطلبات الفراغ السياسي الذي تنشده أمريكا، ولعلنا نلاحظ ما حدث في معالجة القضية السودانية من تقليص واضح للدور المصري التاريخي في هذا البلد، وحتى تركيا رغم تحالفها مع أمريكا لم يُسمح لها بمد نفوذها إلى الشمال العراقي المجاور لها تحت أي مسمى، بينما فُسح المجال للإسرائيليين لاختراق المنطقة نفسها ـ رغم بعدها عنهم ـ اقتصادياً وعسكرياً واستخباراتياً، وتخلت باكستان راضية عن منطقة نفوذها الطبيعي في أفغانستان، ولا يزال النفوذ الإيراني لدى شيعة العراق وحزب الله يمثل مشكلة كبرى تسعى إدارة بوش للتخلص منها. والخلاصة: أن تقليص النفوذ الإقليمي من شعارات المرحلة الحالية التي يمكن أن تفسر كثيراً من التحركات السياسية، ومن أبرز صور النفوذ أو التدخل في المنطقة: الوجود السوري في لبنان. ٥ - وبذلك يبقى الملف السوري اللبناني هو مناط الخلاف، سواء بين السوريين والإسرائيليين، أو بينهم وبين الأمريكيين، وتمثل لبنان أحد المناطق العربية الساخنة التي يمكن لها أن تثير التوترات والاضطرابات على نطاق واسع، نتيجة تركيبتها الطائفية وسهولة اختراقها من قِبَل أجهزة المخابرات المعنية، وكان (هنري كيسنجر) وزير الخارجية الامريكي الأسبق يقول: «إن لبنان ساحة وليس مساحة» ، كما أن لبنان تمثل أداة اختراق مثالية للواقع العربي، سواء من الناحية الثقافية أو السياسية أو الاقتصادية. وبالنسبة لسوريا يعمل في لبنان مئات الألوف من السوريين يقدرهم بعض المحللين بأكثر من ٩٠٠ ألف سوري، ويحقق العامل البسيط دخلاً يتجاوز عشرة دولارات يومياً، وهو ما يصعب تحقيقه في سوريا، وقد أُجبر مائة ألف سوري على العودة إلى بلدهم عقب اغتيال الحريري مباشرة، أغلبهم من المناطق النصرانية، وفي لبنان تنتشر مشروعات واستثمارات قانونية وغير قانونية تابعة لأقطاب النظام في سوريا، وفي حالة تراجع النفوذ السوري في لبنان فإن ذلك يعني تعرض الاقتصاد والمصالح الخاصة لهزات وانكشافات وفضائح قد لا يمكن تحملها، وهذا ما يجعل الاستماتة السورية واضحة في لبنان. وفي حوار كان أدلى به رفيق الحريري لصحيفة (إيرش تايمز) الإيرلندية، قال: «قبل عام قال لي بشار: أنا الوحيد الذي أملك الحق في اختيار رئيس لبنان، وليس لأي شخص آخر هذا الحق سورياً كان أم لبنانياً» ، ويعتبر رئيس الاستخبارات السورية من أقوى الرجال نفوذاً داخل لبنان (١) . إذن هي حرب مصالح وليست حرباً قومية أو عروبية؛ فالحرب القومية ينبغي أن تكون في الجولان حيث يمكث المحتل الإسرائيلي وليس في لبنان، ويمكن إضافة البعد الطائفي كمحدد رئيس للأحداث عندما نسترجع أسباب التدخل السوري في لبنان في مطلع السبعينيات عندما كان السُنة يتحكمون في أغلب الأراضي اللبنانية، وكان ذلك يمثل تهديداً لا يمكن السكوت عليه، لتستقر السيطرة العلوية في سوريا؛ فكان التدخل السوري في لبنان لتحجيم السيطرة السنية في الأساس. هناك اتفاق إذن بين الأطراف المتصارعة على استبعاد السُنة، وعلى التضحية بالجولان، وعلى تسليم عناصر البعث العراقي للاحتلال، وعلى تجميد نشاط ومقرات المنظمات الفلسطينية في دمشق، وعلى ضبط عمليات التسلح، ولكن يبقى الخلاف محصوراً في لبنان كما ذكرنا، ويبقى قرار التعامل العسكري مع سوريا محصوراً بثلاثة عوامل: مرونة النظام الحالي، توفر البديل، مصالح جماعات الضغط الأمريكية.

стр. 5220

منازعة أمريكا لفرنسا على دول المغرب العربي يحيى أبو زكريا لم تصبح منطقة المغرب العربي تحت المجهر اليهودي ـ الموسادي على وجه التحديد ـ بسبب التواجد الكبير للفلسطينيين الذين أُجبروا على مغادرة بيروت متوجهين إلى دول المغرب العربي، بل إن منطقة المغرب العربي كانت مرصودة بسبب مواقف بعض دولها من الدولة العبرية ومشاركتها بقوة في الحروب العربية ـ الإسرائيلية. وقد استطاعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وبفضل الوجود اليهودي الغزير في منطقة المغرب العربي من إقامة شبكات وعندما استقرت منظمة التحرير الفلسطينية في تونس ازداد نشاط الأجهزة الأمنية في منطقة المغرب العربي، وما لم يكونوا يتمكنون منه عبر شبكتهم كانوا يحصلون على ما يريدونه من معلومات من خلال المخابرات الفرنسية التي اخترقت المخابرات المغاربية وتحديداً في الجزائر وتونس والمغرب. ففي تونس كلف الموساد الإسرائيلي سيدة مجتمع تونسية بعد أن تم توظيفها في (عاصمة النور والملائكة) باريس بفتح محل للحلاقة النسوية، وتحول هذا المحل مع مرور الأيام إلى محط رحال زوجات المسؤولين التونسيين والفلسطينيين الموجودين في تونس، وكانت هذه السيدة تقوم بتسجيل ما يتلفظن به من أسرار تتعلق بالوجود الفلسطيني في تونس أو بعض القرارات السياسية المزمع اتخاذها. ولم يكتف الموساد بالسيدة التونسية المذكورة، بل عمل على شراء ذمم بعض الشخصيات السياسية في الخارجية التونسية للحصول على معلومات تتعلق بنشاط كافة التنظيمات الفلسطينية في تونس. وقد أعلنت الخارجية التونسية ذات يوم أنها سلمت للقضاء التونسي مديراً رفيع المستوى في الخارجية التونسية لتورطه في التعامل مع جهة أجنبية ـ الموساد الإسرائيلي ـ. واستغل الموساد الوجود المكثف لليهود التونسيين الذين يتمتعون بحقوق المواطنة التونسية، فورّط بعضهم في جمع معلومات عن منظمة التحرير الفلسطينية ونشاطها العسكري والسياسي، وقد اعتقلت السلطات التونسية ذات يوم اثنين من هؤلاء، وأطلقت سراحهما بعد تدخل حاخام اليهود الأكبر في تونس لدى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي. ومن الشخصيات الفلسطينية المهمة التي جرى اعتقالها في تونس الرجل الثاني في سفارة فلسطين في تونس عدنان ياسين الذي كلف من قِبَل الموساد الإسرائيلي بجمع معلومات عن مسودات محمود عباس ـ أبو مازن ـ وذلك قبل لقاء جرى بين محمود عباس - أبو مازن وشمعون بيريز في القاهرة. وقد تفاجأ أبو مازن لكون شمعون بيريز كان على اطلاع كامل على تفاصيل الطروحات الفلسطينية المتعلقة باتفاق غزة ـ أريحا أولاً. وقد طلب أبو مازن بإجراء مسح على مكتبه، فتمّ اكتشاف أن المصباح الموضوع على مكتب أبو مازن هو في حقيقته جهاز تصوير دقيق للغاية وعندما تمّ اعتقال عدنان ياسين عُثر في بيته على حبر سري وأربعة أقلام تحتوي على أجهزة تنصت، وأفادت المعلومات الأولية عندها أن عدنان ياسين جرى توظيفه في دولة غربية أثناء عرض زوجته التي كانت مصابة بسرطان المعدة على مستشفيات غربية، وجرى هذا التوظيف في بون، وكانت الدفعة الأولى التي استلمها هي ١٠,٠٠٠ دولار. كما جرى اعتقال العديد من الأمنيين بتهمة التجسس لصالح الموساد الإسرائيلي. وفي الجزائر نجحت فرقة كوماندوس إسرائيلية في تفجير سفن حربية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي كانت راسية في ميناء مدينة عنابة الواقعة في الشرق الجزائري. وكان الموساد الإسرائيلي يوظف اليهود الجزائريين الذين منحتهم فرنسا جنسيتها عقب انتهاء حربها مع الجزائر، وغادروا الجزائر مع القوات الفرنسية في ٥/٧/١٩٦٢م، وكان هؤلاء على علاقة بمسؤولين جزائريين كانوا يقيمون في فرنسا وكانوا محسوبين على حزب فرنسا في الجزائر. وتركيز الموساد في الجزائر كان على أمور منها المعسكرات الفلسطينية في الجزائر، التسلح الجزائري ـ مفاعل عين وسارة الجزائري النووي. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الشخصيات السياسية الجزائرية المحسوبة على التيار البربري واليساري والفرانكوفوني نسجت علاقات مع ضباط في الموساد؛ وذلك في العاصمة الفرنسية باريس، وقد ضبطت السلطات الجزائرية حمولة أسلحة إسرائيلية موجهة من ميناء مارسيليا في جنوب فرنسا إلى ميناء بجاية الجزائري، والتيار السياسي المسيطر على بجاية هو التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري، ومن الشخصيات السياسية الجزائرية التي قتلت برشاش عوزي الإسرائيلي مدير المخابرات العسكرية الأسبق ورئيس الوزراء الجزائري الأسبق قاصدي مرباح. كما أن السلطات الجزائرية اعتقلت بعض الطلبة العرب الذين جرى توظيفهم لحساب الموساد، وكان عملهم أن يجمعوا كافة المعلومات المتوفرة عن مفاعل عين وسارة النووي. وفي المغرب وجد اليهود الساحة مفتوحة والمجال أرحب، وكانت علاقتهم بدوائر البلاط مباشرة، وكان أرباب الشركات الكبرى من اليهود عندما يشاركون في المعارض الاقتصادية الدولية في الرباط يحظون بمآدب يقيمها لهم الراحل الملك الحسن الثاني الذي كان يحاول على الدوام الجمع بين هؤلاء وشخصيات مالية من إحدى دول الخليج، وكانت الشخصيات اليهودية من أصل مغربي كديفيد ليفي وإيلي درعي وغيرهما دائماً تجد كل الأجوبة عن كل التساؤلات العبرية. ويعتبر أندريه أزولاي مستشار الملك الراحل الحسن الثاني ومستشار الملك الحالي محمد السادس يهودي مغربي سبق له العمل في مصرف فرنسي كبير قبل أن يتحول إلى القصر الملكي في الرباط كمستشار سياسي، وكان أحد أبرز الدافعين إلى العلاقات العبرية ـ المغربية والحوار العربي ـ الإسرائيلي. وكانت مقررات القمم العربية والمداولات السرية تصل تباعاً إلى تل أبيب عبر الرباط، وربما هذا ما جعل مراسل التايمز اللندنية في الرباط. يقول: إن يهود المغرب أفضل حالاً من السكان الأصليين. - المغرب العربي بين فرنسا وأمريكا: تدور في المغرب العربي حرب خفيّة وباردة إلى حدّ ما بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، والتي بدأت تنعكس على العلاقات الفرنسية ـ المغاربية بشكل عام مؤشرة إلى أن اللاعب الأمريكي استطاع بجدارة التسلل إلى الملعب المغاربي، والذي ما فتئت فرنسا تؤكد أنه من صلاحياتها دون غيرها، وفرنسا الرسمية التي تشن تصريحات يفهم منها عدم رضاها على وضعية حقوق الإنسان في تونس وموريتانيا والجزائر والمغرب وليبيا، ترفض الجهر بامتعاضها من التسهيلات التي بدأت تعطيها بعض هذه الدول المغاربية لأمريكا وموضوع حقوق الإنسان في المغرب العربي الذي تثيره فرنسا هو مجرّد لهو حديث؛ ومخاوف فرنسا من فقدها للمغرب العربي متشعبة: منها السياسية، والاقتصادية، والثقافية، وحتى الجيوسياسية. إلى وقت قريب كانت فرنسا هي المحتكر الوحيد للأسواق المغاربية تمدها بكل صغيرة وكبيرة، وحتى تبقى على هذا الاحتكار كانت تقدم مساعدات لبعض الدول المغاربية لإبقائها دوماً في الدائرة الفرنسية؛ فعلى سبيل المثال قدمت فرنسا منذ ١٩٩٤م مساعدات كمنح لموريتانيا قدرت بمبلغ ٩٠٠ مليون فرنك، لكنّ هذه المساعدات تقلصت بعد بداية التقارب الموريتاني ـ الأمريكي وفتح واشنطن أبوابها لنواكشوط عقب استئناف علاقاتها مع الدولة العبرية. صحيح أن واشنطن تبحث عن المواقع التي فيها موارد أولية، لكن موريتانيا تتمتع بموقع استراتيجي مهم للغاية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. وفي تقرير سابق كان قد كتبه أحد المستشارين للرئيس الفرنسي الراحل (فرانسوا ميتران) جاء فيه أن كل فرنك تدفعه فرنسا لأفريقيا ـ والمقصود هنا شمال أفريقيا أيضاً أي المغرب العربي ـ تسترجع مقابله فرنسا عشر فرنكات؛ وذلك في إشارة إلى حجم الأرباح التي تجنيها فرنسا من إفريقيا. وحتى الموارد الطبيعية كالنفط والغاز؛ فإن الشركات الفرنسية هي التي كانت مسيطرة عليها تنقيباً وتسويقاً واحتكاراً. أما الآن فالشركات الأمريكية باتت الأكثر حضوراً في مواقع النفط والغاز وعلى الأخص في الجزائر. وعلى الصعيد الثقافي فإن اللغة الإنجليزية باتت تنافس اللغة الفرنسية التي كانت سيدة الموقف وبلا منازع؛ ولأجل هذا تحركت الدوائر الفرنسية ومنها منظمة الفرانكفونية العالمية لإعادة الاعتبار للغة الفرنسية ووقف الزحف اللغوي الإنجليزي للمغرب العربي. وفرنسا التي حظرت اللغة العربية في المدارس الفرنسية تطالب دول المغرب العربي بضرورة إعطاء تسهيلات للغة الفرنسية في المغرب العربي، وجاءها الرد هذه المرة من الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي قال إن على فرنسا أن تتصالح مع اللغة العربية في مدارسها وبعد ذلك تطالبنا بتسهيلات للغة الفرنسية. وعلى الصعيد الجيوسياسي فإن فرنسا تعتبر المغرب العربي هو بوابتها على أفريقيا التي فقدت فيها فرنسا كل أو بالأحرى جل مواقعها، وإخراجها من هذا الحزام هو بمثابة إنهاء وجودها التاريخي العريق في أفريقيا. وتخشى الدوائر الفرنسية أن يؤدي تدفق الشركات الأمريكية على المغرب العربي إلى نكسة للاقتصاد الفرنسي الذي يعوّل كثيراً على الأسواق المغاربية. ومعروف أن هذه الأسواق تستورد كل صغيرة وكبيرة من المواد الغذائية والزراعية والأدوات الكهربائية والسيارات وغيرها من فرنسا. وقد بات مألوفاً بين المغاربيين النكتة التي تقول إن البواخر الفرنسية المحملة بالحنطة لو تأخرت يوماً واحداً في الوصول إلى الموانئ المغاربية فإن الشعوب المغاربية لن تجد ما تخبزه، ومن ثمَّ ما تأكله، وهذا التداخل بين فرنسا واقتصاديات الدول المغاربية. أفرز طبقة رسمية متنفذة تقتات من السمسرة والعمولات المقدمة من الشركات الفرنسية إلى درجة أن بعض المسؤولين في بعض الدول المغاربية يرفضون شراء بضائع معروضة عليهم من دول غير فرنسا بأثمان زهيدة، لكن العروض تهمل نظراً لأنّ المعنيين بالاستيراد لا يرجون عمولة مزجاة من الدول العارضة، وهؤلاء تربطهم بالدوائر الفرنسية أوشج العلاقات، ولديهم في باريس حسابات يسهل الضخ فيها بعيداً عن أعين المواطنين المسحوقين في المغرب العربي. وفي الوقت الذي تسعى فيه باريس لتجذير مصالحها الاقتصادية والثقافية في المغرب العربي؛ فانّ لواشنطن بعداً آخر غير هذين البعدين ـ وإن كانت عينها جاحظة على الموارد الطبيعية الغنية في الشمال الأفريقي ـ وهو البعد الاستراتييجي؛ حيث تشير بعض الدراسات الأمريكية ومجلة فرين أفرز الأمريكية المتخصصة في القضايا الدولية أن منطقة المغرب العربي حساسة لدوائر القرار الأمريكية التي وضعت دراسة برمتها في كيفية زحزحة فرنسا عنها، ويرى بعض المراقبين في المغرب العربي أن الفترة المغاربية المقبلة ستكون أمريكية، وخصوصاً أن الرئيس التونسي الحالي زين العابدين بن علي علاقته بالأمريكان أقوى منه بالفرنسيين؛ فهو أكمل تكوينه العسكري في الولايات المتحدة الأمريكية، ولدى عودته من هناك بدأ نجمه السياسي يسطع، وبدأ نجم بورقيبة الفرانكفوني ـ الفرنسي ـ يخفت، والملك محمد السادس علاقته بالأمريكان أمتن ـ كما كانت علاقة أبيه ـ إلى درجة أن الكونغرس الأمريكي اعتبر المغرب بلداً نموذجياً في الوقت الذي تتهم فيه وسائل الإعلام الفرنسية الرباط بأنها تنحر حقوق الإنسان جهاراً نهاراً، وعبد العزيز بوتفليقة يحظى بدعم أمريكي مباشر إلى درجة أن المناورات العسكرية البحرية بين القوات الأمريكية والجزائرية على السواحل الجزائرية قد تكثّفت بشكل ملحوظ في المدة الأخيرة، والتطبيع بين واشنطن ونواكشوط يضطرد بسرعة، وهو الأمر الذي أغاظ باريس وجعلها تعتقل بعض المسؤولين الموريتانيين على أراضيها بدعوى انتهاك حقوق الإنسان في موريتانيا، أما ليبيا فهي وجدانياً أقرب إلى واشنطن منها إلى باريس. وقد بدأت دوائر أمريكية تكشف عن محطات تعاون بين الأجهزة الأمنية في تل أبيب وطرابلس الغرب وتقديم هذه الأخيرة لمعلومات تتعلق بتنظيمات فلسطينية كانت تحظى بالدعم الليبي في يوم من الأيام. والزحف الأمريكي باتجاه المغرب العربي يتم بسرية مغلقة وتامة إلى درجة أن باريس كلما تستيقظ صباحاً تجد أن ضفتها الجنوبية ـ المغرب العربي ـ تنزاح بهدوء باتجاه الهوى والهواء الأمريكيين، وهذا ما يجعل فرنسا متحمسة لفكرة الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والدول المغاربية. لكن ما لم تحققه باريس في مواقع أخرى من العالم لا يمكن أن تحققه في المغرب العربي.
следующие страницы →