قراءة في «البيان الأدبي» في الأعداد الثلاثة الأخيرة
د. حسين علي محمد
هذه قراءة في أعداد البيان الثلاثة الأخيرة، أعداد ذي القعدة، وذي الحجة ١٤٢٥هـ، والمحرم ١٤٢٦هـ نستجلي من خلالها صورة الأدب الإسلامي، كما تقدم النماذج الإبداعية في الشعر والقصة القصيرة
| في العدد (٢٠٧) الصادر في ذي القعدة ١٤٢٥هـ نجد قصيدتين للشاعرين عدنان النحوي، وأحمد الصابطي، ومقالاً للأستاذ محمد شلال الحناحنة عن ديوان «بشائر من أكناف الأقصى» للشاعر الدكتور سعد بن عطية الغامدي، وحواراً مع الناقد الدكتور وليد القصاب.
| ففي قصيدة الشاعر عدنان علي رضا النحوي، وهي بعنوان «فجر أطلَّ» ، نجد صوتاً يذكرك بكبار شعراء مدرسة الإحياء، ومنهم حافظ إبراهيم (١٨٧٢ ـ ١٩٣٢م) ، ومحمد عبد المطلب (١٨٧١ ـ ١٩٣١م) ، وأحمد محرم (١٨٧٧ ـ ١٩٤٥م) ، وعلي الغاياتي (١٨٨٤ ـ ١٩٥٦م) ، وعلي الجارم (١٨٨٢ ـ ١٩٤٩م) .
والقصيدة نموذج حي لقدرة الشعر البياني المحافظ (الذي يكتبه الآن محمد التهامي، وعدنان النحوي) على أن يكسب للشعر جمهوراً بقدرته الفنية على التعبير عن جراح الأمة وعذاباتها.
ومن جَيّد قول النحوي في القصيدة:
أتوْكِ بزحفٍ كالجبال وأقبلوا
بآلاتهمْ تُلقي لهيبَ جهنمِ
أحاطوكِ مِنْ كلِّ النواحي وأطبقوا
بشرِّ حصارٍ من حواليْكِ مُحكمِ
وما تركوا للمستجيرِ منافذاً
ولا لضعيفٍِ أو لشيْخٍ ومُعْدَمِ
قذائفُ دوَّتْ والمساكنُ أطبقَتْ
على أهْلِها بيْنَ اللهيبِ المُضَرَّمِ
تناثرتِ الأشْلاءُ في كلِّ ساحةٍ
يُحيطُ بها صمْتٌ ولوْعةُ مأْتَمِ
| وفي قصيدة أحمد الصابطي، وهي بعنوان «هكذا حدّث التاريخ» نجد صوتاً عالياً يهيب بالناس أن يستيقظوا:
لا تكنْ كومَ عظامْ
تحتهُ عقلٌُ وقلبٌ مِنْ جمادْ
لا تكن ممن يُغطيه حجابُ السنواتْ
وهي قصيدة ذات صوت عالٍ، وحينما يعلو الصوتُ في القصيدة فإن الفنية تتوارى، أو تتلاشى.
وفي مقال الأستاذ محمد شلال الحناحنة عن ديوان «بشائر من أكناف الأقصى» للشاعر الدكتور سعد بن عطية الغامدي عرض لآفاق الديوان الموضوعية: من جهاد لأعداء الأمة، وانتفاضة الحجارة، وغضبة لله ورسوله، ثم الأقصى المُغتصب، ثم عرّج الدارس على بعض الخصائص الفنية، ومنها: المفارقة التصويرية، والتكرار، وحسناً أطلعنا الناقد على نماذج من هذا الديوان الذي قال عنه إنه: «يتدفق تفاؤلاً وحماسة، رغم الآلام والأحزان، وأن الشاعر فيه يُوازن بين إيقاعاته الشفيفة، ومضامينه القابضة على الجمر» (بتصرف) .
ونحن في حاجة إلى التعريف بالإصدارات الجديدة في مجالات الأدب الإسلامي (إبداعاً ونقداً) ؛ لنحاول إنقاذ هذا الأدب من تيه التجاهل الذي يحوطه.
| وفي حوار الأستاذ محمود حسين عيسى مع الناقد الدكتور وليد قصاب، تحدث في قضايا أهمها: الدعوة إلى وجود أدب إسلامي، ومسوغاتها، والمعوقات التي تقف في طريقه، وهل للعرب نظرية نقدية، وأسباب انصراف الجمهور العربي المعاصر عن الشعر، وقلة إقبال الجمهور عليه. وهي قضايا شائكة أحسن الدكتور وليد قصّاب فيها وضع النقاط على الحروف، وكشف الكثير من القضايا الملتبسة.
| في العدد (٢٠٨) الصادر في ذي الحجة ١٤٢٥هـ نجد قصيدتين: الأولى بعنوان «بَوْح الزلازل» لمروان كجك، والثانية بعنوان «دارفور» للأستاذ حسن مفرق، ونجد قصة بعنوان «سيف عربي يتحدث» لعدنان عبد القادر كزارة.
| ومروان كجك في قصيدة «بَوْح الزلازل» يرى في الزلازل غضباً من الله على من يحيدون عن منهجه، ويتنكبون طريق الهدى والعفاف، وهو يتوقف أمام المعاني والإضاءات الإسلامية في هذا الحدث المدمر المزلزل؛ حيثُ أوحى الله إلى الدنيا أن تزلزل الباغين الغافلين، والقصيدة تدور في فلك الشعر الحماسي المدمدم.
| وأما قصيدة «دارفور» للأستاذ حسن مفرق، فهي تتناول تكالب الأمم علينا، فها هو العدوان الصليبي لم يكتف في عصرنا الحديث بانتزاع فلسطين، وإنما حاربنا في كل أرض يُذكر اسم الله الحق فيها: في أفغانستان، والبوسنة والهرسك، والشيشان. والشاعر في قصيدته يعجب من غفلة المسلمين، ويستثير حماسهم، بمثل قوله:
يا أُمَّتي والليلُ أمسى حالكاً
وقصائد التأبينِ تقطرُ مِنْ دمي
ماذا دهاك؟ ألم تكوني أمة
ركضتْ بساحِ العزِّ ركضَ الأدهمِ
يا أمَّتي إن الفضَاءَ مُلبَّدٌ
بسحائبِ التخريبِ للمستسْلِمِ
أوَلَم تكوني أمةَ الشرفِ الذي
خلعَ اللثامَ لخائن متلثمِ
لا تُنصتي لمجالسِ الظلمِ الذي
نصرَ الظلومَ وحافَ بالمتكلِّمِ
يا أمَّتي هيا نعودُ لديننا
فالنصرُ في دينِ الإلهِ المُنْعمِ
ونبرة القصيدة عالية، وكان من الممكن أن يتخذ صورة لينميها، ولكنه آثر فنياً أن يتخذ صورة الحديث (عن) بدلاً من الحديث (بـ) ؛ لأن الأمة في تصوره غافلة، ولن تصحو إلا إذا جابهها صوتُ الشاعر بالحقيقة، كاشفةً صريحة كرابعة النهار الكاشف بلا غيوم، وقد جاءت قصيدته معارضة لمعلّقة عنترة التي مطلعها:
(يا دار عبلَة بالجواء تكلمي) فبدأ قصيدته بقوله:
يا دارفورٍ بالعناء تكلمي
وعِمي ظلاماً للعدوِّ وأظلمي
وهي صرخة نرجو ألا تكون في وادٍ؛ فبنو جلدتنا غافلون عما يُراد بهم، والمواقف العربية والإسلامية لا تعدو أن تكون مواقف المغلوبين على أمرهم المنبطحين، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
| أما قصة «سيف عربي يتحدث» لعدنان عبد القادر كزارة؛ فهي مبنية على مفارقة تصويرية، طرفها الأول السيف كما عرفناه في تراثنا، ويتضح ذلك من خلال الحوار التالي:
ـ هل انتهت المعركة؟
ـ عن أي معركة تتكلمون؟
ـ إذن أين كنت؟ ولِمَ غادرتنا؟
ـ واخيبتاه! لقد جهزتُ نفسي ليوم طالما حلمتُ له، ولكن لم أدر أنهم كانوا يريدونني ليوم المطعمة لا ليوم الملحمة.
ـ يوم المطعمة؟
ـ نعم، واسمعوا مني الحكاية!
ويروي حكايته أنه حملته سيارة إلى مكان شاهق «يُطاول عنان السماء، ارتقى من يحملني طوابقه العديدة بخطفة البرق، وهو يضغط أزراراً فتنفتح أبواب، ويضغط أزراراً فتوصد أبواب، إلى أن دخل بي قاعةً فسيحةً مزدانة باللوحات والصور، تغصّ بقوم من أجناس شتى، بعضهم يلبس زي آبائي وأجدادي» .
وتكون المُفارقة أنه جيء بالسيف؛ ليقطع كعكة سيأكلها القوم!
وقد صوَّر القاص على لسان السيف هذه الفاجعة، حينما حملته اليد العربية لتفعل به فعلتها، وكأنه يوازن بين صورة السيف في عهدين:
«صار يهزني بطريقة أدخلت الغرور إلى نفسي، فجاشت عواطفي، ورأيتني في ساح المعارك أخطر يميناً ويساراً، مرهف القدّ، رقيق الظبة، أهفو إلى عناق الرؤوس، واختراق الأجساد. لم يدم حلمي طويلاً؛ فسرعان ما أيقظتني يد المدير من أخذة الخيال؛ إذ جرّني من غمدي، وهوى بي على قالب (الكيك) ، فغصت في خضم لزج كثيف» .
وتنتهي القصة بخبر يسوقه الراوي ـ بعد أن ساق القصة على لسان السيف:
«قال الفرّاش العجوز المكلف بخدمة قاعة السلاح في متحف الآثار الإسلامية إنه سمع في الليل أصواتاً لصليل السيوف يشبه أنات بشرية، وفي الصباح حين تفقّد القاعة كعادته كل يوم، وجد السيف الذي استعير لحفلة (الكيك) مطروحاً على الأرض، وقد انشطر إلى نصفين» .
| وفي العدد (٢٠٩) الصادر في غرة المحرم ١٤٢٦هـ نجد مقالة لعباس المناصرة بعنوان «الخطاب الأدبي في القرآن الكريم» ، وقصيدة للشاعر محمد العثمان بعنوان «إليكِ يا بغداد» ، وقصة للبويسفي محمد بعنوان «عذابات البحر» .
| في مقالة عباس المناصرة التي بعنوان «الخطاب الأدبي في القرآن الكريم» يعرفنا على ملامح الخطاب الأدبي في القرآن الكريم، وقدرته على التأثير في أذواق المخاطبين، والرقي بها نحو الأهداف المرغوبة، وهو أقرب أنواع الخطاب للتربية، وتعديل السلوك وتعليم الناس، وهو خطاب لا يتأثر بتغير الزمان أو المكان.
| وفي قصيدة «إليكِ يا بغداد» لمحمد العثمان، يبكي فيه بغداد بعد اجتياحها، ويبدؤها بقوله:
بغدادُ يا انشودةً ترتلُ الدمارْ
بغدادُ يا بحبوحةً تفيء بالحصارْ
سينجلي الغبارْ.. سينْجلي الغبارْ
ويبدو أنها من التجارب الأولى للشاعر، فهي تسير في دائرة الشعر المعتاد الذي لا يُغامر في اللغة أو التصوير، بل يسير في الطريق التي سار فيها السابقون، ومن ثم لم تجد فيها التألق الشعري، أو خصوصية التفرد الإبداعي الذي تبحث عنه في كل نص جديد.
وقصة «عذابات البحر» للبويسفي محمد تتناول موضوع الهجرة بلغة نمطية معتادة، ليس فيها مجال لخصوصية الإبداع: «أأرحلُ عن وطنٍ فيه وُلدتُ وكبرتُ، قضيْتُ فيه أحلى الساعات بين الأهلِ والأحباب، تحت رحمة الأب وعطف الأم الحنون؟ لماذا يا نفسُ تهجرين مجتمعاً تقاليده وعقائده تجري مجرى الدم في جسمك؟ عشت فيه حتى أصبحت جزءاً منك، وأصبحت جزءاً منه» .
حتى وإن جعل البحر يحتضن المسافر، وهو يودع أضواء طنجة إلا أنه لم يستطع أن يعمق هذا الحدث، ويجعل منه فاجعةً بطعم الانتصار.
ولعل لغة القصة هي التي أفقدتها التوهج المطلوب، فرأينا لغةً باترة قاطعة كاللغة في المقالة أو الخاطرة، بل إن بعض المقالات الأدبية ذات الأسلوب الجيد المتوتر بالانفعالات؛ القادر على نقل مشاعر الكاتب بدقة وحيوية ـ كأسلوب الرافعي ـ في «السحاب الأحمر» مثلاً ـ نفتقده هنا.
ومجلة «البيان» بملفها الأدبي «البيان الأدبي» تُثري ساحة الأدب الإسلامي، بنشر نماذج أدبية منه يحتاجها القارئ المسلم، المُحاصَر بغزو القنوات الفضائية وأدب الحداثة.
стр. 5217
الإدارة الأمريكية الجديدة والشرق الأوسط
د. باسم خفاجي
أثبتت الانتخابات الأمريكية الأخيرة حدوث تغيرات هامة في موازين القوى التي تحرك السياسة الخارجية الأمريكية؛ فرغم أن فوز الرئيس بوش كان متوقعاً إلا أن أسلوب الفوز ونسبة النجاح والقوى التي ساندت الحملة الانتخابية كلها تشير إلى تنامي تيار جديد على الساحة السياسية الأمريكية، يفرض الصورة التي يراها ليس فقط للأولويات الأمريكية، وإنما لمستقبل العالم. ويهدف هذا المقال إلى استشراف آثار الانتخابات الأمريكية على المواقف السياسية تجاه الأمة العربية والإسلامية، وكيف ستتعامل الإدارة الأمريكية الجديدة مع الأزمات الراهنة التي تكونت خلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الأمريكي الحالي، وتشكل تصاعداً حاداً
- الانتخابات.. ورؤية حول أسلوب الإدارة الجديدة:
تشهد الأعوام الأخيرة تشابك وتضارب الاهتمامات والمصالح الأمريكية والعربية بدرجة لم تحدث من قبل في تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين العالم العربي. لقد أصبح الوجود الأمريكي في المنطقة مباشراً وملموساً سواء من الناحية العسكرية، أو من محاولات الهيمنة، أو الرغبة الأمريكية في فرض نموذج إصلاح غربي على شعوب المنطقة ودولها. فلا عجب أن أصبحت نتائج الانتخابات الأمريكية من القضايا التي تمسّ اهتمامات قطاعات كبيرة من الأمة.
لقد أظهرت الانتخابات الأمريكية الأخيرة جانبين هامين على الساحة السياسية الأمريكية:
الأمر الأول: هو التناغم والتعاون بين مجموعة من التيارات اليمينية والدينية من أجل مساندة الرئيس (جورج بوش) ، ودعم استمرار سياساته التي ينتقدها معظم قادة العالم. وهذه القوى السياسية الانتخابية لم تُعرف من قبل بتعاونها وتكاتفها حول سياسات واحدة بالشكل الذي ظهر جلياً في الانتخابات الأخيرة. وتمثلت هذه القوى في المراكز الفكرية المرتبطة بتيار المحافظين الجدد، وجمعيات التيار الصهيوني النصراني، ودوائر الحزب الجمهوري المعروفة بانتماءاتها اليمينية المحافظة، والشركات المرتبطة بكل من صناعة السلاح والبترول، وبعض وسائل الإعلام الأمريكي المعروفة بتوجهاتها اليمينية. ولأول مرة في التاريخ الأمريكي الحديث يتم انتخاب الرئيس من خلال تصعيد مشاعر الارتباط بالدولة الأمريكية، وإثارة التخوف الأمني من العدو الخارجي، واستدعاء الدين والنواحي الأخلاقية للتسويغ لدور جديد للأمن القومي الأمريكي يمتد خارج حدود القارة الأمريكية، ويمارس نفوذه وسلطته على العالم من أجل خدمة الهوية الأمريكية.
أما الأمر الثاني: فهو موافقة الشعب الأمريكي على السياسات الحالية للإدارة الأمريكية. لقد توقع العالم أن الأمريكيين غير راضين عن السياسات التي يتبعها (جورج بوش) مع العالم بعد أحداث سبتمبر، ولكن الانتخابات أثبتت أن هناك تياراً انتخابياً مؤثراً يرغب في استمرار هذه السياسات، ويعبر عن قطاع كبير في الحياة الأمريكية.
ورغم أن الفوز في الانتخابات الرئاسية لم يظهر وكأنه كاسح؛ فقد حصل منافس الرئيس على ٤٨% من أصوات الناخبين، إلا أن الحقيقة هي خلاف ذلك؛ فالرئيس الأمريكي لم يحصل فقط على ٥١% من الأصوات ـ بزيادة بلغت أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون صوت ـ ولكنه أيضاً حصل على مكاسب أخرى؛ فلقد انتخب الشعب الأمريكي ٥٥ عضواً جمهورياً في مجلس الشيوخ الأمريكي مقابل ٤٤ عضواً ديمقراطياً فقط، وارتفع عدد النواب الجمهوريين في مجلس النواب ليصبح ٢٣١ عضواً في مقابل ٢٠٠ عضو فقط للديمقراطيين.
ولذلك فإن الانتخابات تعتبر تأييداً من نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي للمضي قُدُماً في المشروع السياسي المرتبط بالتيار الجمهوري اليميني الذي اتخذ من رئاسة (جورج بوش) فرصة للتعبير عن نفسه في الحياة الأمريكية. وهذا ما عبر عنه (جورج بوش) نفسه بعد الإعلان عن نتيجة الانتخابات؛ ففي أول مؤتمر صحفي بعد الانتخابات قال الرئيس بوش: «لقد اختار الشعب الأمريكي في هذا الأسبوع الاتجاه الخاص بأمتنا للأعوام الأربعة القادمة. ولقد حصلت في هذه الانتخابات على رصيد سياسي ورأسمالي، وإنني عازم على إنفاق هذا الرصيد» (١) .
وستشهد الأعوام القادمة استمرار سياسات الرئيس الأمريكي المؤيد من قبل تيار يتحرك وفق رؤى فكرية واضحة المعالم. هذا التيار يؤمن - كما شهدنا في الفترة الرئاسية الأولى - بالأحادية الأمريكية، وفرض السيطرة على المناطق الاستراتيجية في العالم، وتهميش دور (الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية) ، واستخدام القوة المفرطة في التعامل مع العالم الإسلامي سواء في العراق أو مع الفلسطينيين من خلال (إسرائيل) ، والسعي للتدخل في الشؤون الداخلية الاجتماعية والثقافية والسياسية للعالم العربي بدعوى الإصلاح السياسي ومقاومة تنامي الإرهاب.
- التغير في الاستراتيجيات الأمريكية:
شهدت الأعوام الأربعة الماضية تغيرات حقيقية في الاستراتيجيات الأمريكية تجاه التعامل مع العالم. وقد كتب عن ذلك المفكر الأمريكي (جون لويس جاديس) في دورية «شؤون خارجية» ؛ فقال: «لقد قاد الرئيس الأمريكي (جورج بوش) أكبر عملية إعادة تصميم للسياسات الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة منذ عهد الرئيس السابق (فرانكلين روزفلت) . لقد كان أساس التغيير الاستراتيجي الذي قاده (جورج بوش) هو الأساس نفسه الذي استند عليه روزفلت، وهو صدمة المفاجأة لهجوم مباغت، وهذه الاستراتيجيات لن تتغير. لم يتمكن أي رئيس بعد روزفلت - ديمقراطي كان أو جمهوري - من التهرب من مواجهة الدرس المستخلص من يوم ٧ ديسمبر ١٩٤١ [الهجوم على بيرل هاربر] . لقد كان الدرس أن التباعد الجغرافي لم يكن كافياً لحماية أمريكا من الهجوم على يد دولة معتدية. ولن يملك بوش أو من سيأتي بعده من أي حزب كانوا أن يتجاهلوا ما أوضحته أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م، من أن الدفاعات العسكرية ضد هجوم متوقع من دولة ما لا تقدم حماية كافية من الهجوم الذي يتم بواسطة عصابات، والذي يمكن أن يسبب من الدمار ما كانت الدول فقط قادرة على القيام به في السابق من خلال الحروب» (١) .
- الاستراتيجية الخارجية الأمريكية القادمة:
لقد تسببت نتيجة الانتخابات الأمريكية في توجس قادة الدول الغربية من استمرار إدارة الرئيس الأمريكي في السير على الدرب نفسه الذي شكل تحدياً للكثير من دول العالم النامي، ومنطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وبما أن فوز أي رئيس أمريكي بفترة رئاسية ثانية يعتبر في نظر الكثيرين إقراراً وتفويضاً له بالاستمرار في السياسات والبرامج التي انتهجها في الفترة الرئاسية الأولى؛ فإن من المتوقع أن تجمع السياسة الأمريكية في التعامل مع العالم بين عناصر أربعة تشكل مزيجاً يثير القلق لدى المراقبين. وهذه العناصر هي:
١ ـ الهيمنة على المناطق الاستراتيجية:
اهتمت الإدارة الأمريكية في الفترة الرئاسية الأولى ببسط نفوذها العسكري على أكثر من منطقة من مناطق العالم التي تمثل محاور استراتيجية هامة. وبرز الوجود العسكري في كل من أفغانستان والعراق ليؤكد أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تنوي الانسحاب من أي من تلك المناطق في الزمن القريب، بل هناك نية لتقوية الوجود العسكري من خلال شبكة من القواعد العسكرية واتفاقات الدفاع المشترك مع عدد من دول المنطقة تسمح للجيش الأمريكي بالتحرك بحرية واسعة في تلك المناطق. كما تتدخل الإدارة الأمريكية مؤخراً في شؤون الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي السابق في مناورة واضحة لتحجيم التأثير الروسي على تلك المناطق. وكانت الانتخابات الأخيرة في (أوكرانيا) دليلاً واضحاً أن الولايات المتحدة ستسعى إلى مد نفوذها الاستراتيجي إلى تلك المناطق.
٢ ـ الانفراد بالقرار العالمي:
ستميل الإدارة الأمريكية القادمة إلى الانفراد بالقرارات التي تهم مستقبل العالم، وستسعى إلى تهميش دور المؤسسات الدولية، أو الحاجة إلى موافقتها أو التعاون معها في القضايا العالمية. وقد أبرزت أحداث الطوفان الذي أصاب جنوب شرق آسيا في بداية العام هذه النزعة لتهميش الأمم المتحدة من خلال قيام الولايات المتحدة بتقديم المعونات، وتحديد أولوليات إغاثة المناطق المنكوبة من خلال دوائر صنع القرار الأمريكي دون استشارة أو إشراك الأمم المتحدة.
٣ ـ استمرار توجهات التطرف اليمينية:
لقد حرص الرئيس الأمريكي أن يبين أن برنامجه الانتخابي سيمضي قدماً في برنامج ما يسمى بمكافحة الإرهاب، أو شن للحروب الاستباقية، أو ترك إسرائيل تفعل ما تراه لازماً لإخماد مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال؛ ولذلك فمن المتوقع أن تستمر هذه السياسات، وتأخذ منحى أكثر تطرفاً بما أن الشعب الأمريكي قد أقر ضمناً بموافقته على هذه السياسات من أجل حماية مصالح أمريكا أو أمنها الداخلي.
٤ ـ الانعزال عن العالم:
ستتسبب السياسات الاستراتيجية السابقة في المزيد من العزلة عن العالم. وقد ترى الإدارة الأمريكية أن هذا الانعزال عن العالم ليس مفيداً فقط باعتباره نتيجة أو محصلة للسياسات الاستراتيجية، ولكنه قد يكون مطلباً استراتيجياً في حد ذاته. فالانعزال عن العالم يقوي من رابطة المواطنة والهوية الأمريكية؛ فالآخر هنا هو بقية العالم، وليس دولة بعينها. ويغذي مثل هذا التوجه من قوة التيارات اليمينية المتطرفة، ويعطيها المزيد من الشرعية السياسية.
كما أن الانعزال عن العالم يقلل من احتمال تعرض أمريكا لضربات أمنية موجعة على غرار ما حدث في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م؛ ولذلك فإن الإدارة الأمريكية الجديدة مستمرة في التضييق على المسافرين إلى أمريكا من معظم أنحاء العالم. وتصدر وزارة الخارجية الأمريكية إنذارات متتالية لرعاياها ومواطنيها بالابتعاد عن السفر إلى العديد من دول العالم.
كما أن الانعزال عن العالم سيقلل من حدة الانقسام القائم داخل المجتمع الأمريكي بين من يعارضون التوجهات اليمينية المتطرفة للإدارة الأمريكية، وبين من يرون أهمية الانفتاح على العالم، وعدم التصادم مع الأصدقاء. ويرى بعض المفكرين في الإدارة الأمريكية أن من شأن رفع وتيرة الخوف الأمني أن تقلل من حدة هذا الانقسام؛ لأن الخطر - تبعاً لتصورهم - يهدد الولايات المتحدة بأكملها، ولا بد من الالتفات حول الرئيس في أوقات الأزمات، وكذلك فليست أمريكا في حالة أمنية تسمح لها بالانفتاح على العالم.
- السياسة الأمريكية تجاه أزمات الشرق الأوسط:
قامت الحكومات العربية بتأييد حملة الرئيس الأمريكي لإعادة انتخابه لأسباب متنوعة، ولكنها في مجملها كانت تهدف إلى استرضاء الإدارة الأمريكية أكثر من مواجهتها. وبعد نجاح الرئيس في الحفاظ على مقعده الرئاسي؛ فمن المتوقع ألا يلتفت لهذه الحكومات؛ لأنها في نظر الإدارة الأمريكية غير قادرة على تنفيذ المخططات الأمريكية، وغير قادرة أيضاً على الحفاظ على استقرار شعوب المنطقة. ومن أجل ذلك ستشهد الفترات القادمة توترات متعددة على صعيد العلاقات الأحادية للدول العربية مع الإدارة الأمريكية من ناحية، وعلى تصعيد متعمد من الإدارة الأمريكية بهدف إحراج هذه الدول مع شعوبها لتسويغ المضي قدماً في مشروع التدخل الأمريكي في شؤون المنطقة بدعوى الإصلاح. وفيما يلي استشراف لمواقف الإدارة الأمريكية من الأزمات الراهنة للشرق الأوسط.
- العراق:
إن السياسة الأمريكية في العراق - في هذه المرحلة - تقوم على أربع ركائز أساسية: الأول هو تهميش دور المقاومة العراقية، والثاني هو التصدي للمعارضة الدولية للاحتلال، والثالث هو القضاء على المقاومة العسكرية بشكل تام، والرابع هو المضي في مشروع التغيير الديمقراطي للمنطقة بانتخاب حكومة صديقة تتولى (التبشير بالإصلاح الأمريكي القادم) .
وقد اتخذ الرئيس الأمريكي فور الإعلان عن نجاحه سياسة أكثر دموية وحزماً تجاه المقاومة العراقية. وتبدو علامات الاقتباس من السياسة الإسرائيلية في التعامل مع الانتفاضة واضحة للمراقبين؛ فقد بدأ الجيش الأمريكي في إظهار الاستعمال المفرط للقوة، وإعدام الجرحى والمصابين، وهدم المنازل وقصفها جواً دون اعتذار، واختراق المدن بشكل دوري، وعدم مراعاة حرمة المساجد أو دور العبادة أو خصوصية المنازل (١) . ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تريد المضي قدماً في مشروع الانتقام من المقاومة، وعدم إعطائها أي شرعية، ومحاولة جر أقدام بعض الدول العربية للتعاون الأمني مع الاحتلال.
وستهدف الإدارة الأمريكية إلى تحجيم المقاومة العسكرية في العراق، وإظهارها على أنها مقاومة سنية، ومن ثم عزل الطوائف الأخرى عن المقاومة، وإشغالها بالانتخابات والمناصب الجديدة الشاغرة لحكم العراق. وسيتطلب ذلك زيادة في الاعتمادات المالية، وقد يضطر الرئيس أيضاً إلى زيادة عدد القوات العسكرية الموجودة بالعراق لضمان إضعاف المقاومة إلى أقصى حد ممكن.
أما من ناحية الانتخابات التي تمت، فإن الولايات المتحدة تهدف إلى استخدامها ذريعة لتحقيق نصر إعلامي بأن الديمقراطية قد بدأت في العالم العربي من بغداد، وأن الاحتلال ليس إلا وسيلة لفرض الديمقراطية التي ستأتي بالرخاء والسلام لشعوب المنطقة. كما ستسعى الإدارة الأمريكية إلى إيجاد حكومة صديقة للولايات المتحدة في العراق؛ بحيث تتولى هذه الحكومة التعبير عن اهتمامات واحتياجات الإدارة الأمريكية من العراق، سواء في النواحي الاقتصادية أو الاستراتيجية. كما ستستخدم الحكومة العراقية التي سيتم انتخابها للضغط على باقي الدول العربية من أجل المزيد من التطبيع مع دولة (إسرائيل) ، وكسر حدة المقاطعة العربية لمشروعات التعاون مع العدو الصهيوني.
إن أمريكا قد وقعت في مستنقع سياسي واستراتيجي باحتلالها العراق. والمشكلة أن الإدارة الأمريكية لن تقبل بالانسحاب لتقليل الخسائر البشرية، والحفاظ على ما تبقى من رصيد الاحترام العالمي؛ لذلك ستستمر الإدارة الأمريكية في المواجهة المسلحة مع المقاومة العراقية بهدف إخمادها تماماً، وتحقيق ما يمكن أن يسمّى انتصاراً على الإرهاب. المؤسف أن الكثير من الكتاب الغربيين المرتبطين بالمراكز الفكرية يدعمون الاستمرار في هذا المستنقع. كتبت الباحثة الأمريكية (آيمي ريدونوار) في دراسة صدرت عن المركز القومي لداسات السياسات العامة قائلة: «إن انتخابات أفغانستان كانت نجاحاً منقطع النظر، والعراق قادمة في الطريق ـ نفسه ـ. إننا اليوم في أمان أكثر مقارنة بالماضي، وسنصبح أكثر أماناً إذا حافظنا على هذه السياسات» (٢) .
وفي المقابل فإن هذا المستنقع السياسي والعسكري سيظهر مدى ضعف الجيوش في مواجهة المقاومة المحلية، وسيعطي ذلك المزيد من الانتصار الإعلامي للمقاومة التي تعتبر أن كل ضربة عسكرية موجهة ضد الاحتلال تسهم في تحقيق هزيمة استراتيجية يُمنى بها. والعناد الأمريكي في عدم الانسحاب دون تحقيق نصر كامل سيشعل المزيد من المقاومة، ويسبب المزيد من الصفعات الاستراتيجية التي ستتلقاها الإدارة الأمريكية جراء بقائها في العراق. إن بعض الكتابات الأمريكية أصبحت أكثر واقعية في التعامل مع مستقبل هذا الاحتلال. ففي افتتاحية مجلة «بيزنيس ويك» Business Week، وهي مجلة معروفة برصانتها واهتماماتها الاقتصادية المتخصصة، كتب رئيس التحرير: «نعم! قد ننتصر في الفلوجة، ولكن ماذا بعد؟ إن علينا أن نبدأ في التساؤل: ما هو الحد الأدنى من النجاح الذي يكفي لنا لكي نخرج من العراق؟ إن النظرة (البراجماتية) تحتم أن يكون ذلك هو استقرار العراق. أما حلم الديمقراطية التي ستكون مماثلة للديمقراطيات الغربية فقد يكون الأوْلى أن تنتظر. إن علينا أن نتقبل الآن أن المسلمين ينظرون إلى أفعالنا في العراق من خلال رؤيتهم للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. إن العودة إلى التفاوض كشريك في مشروع السلام بين الطرفين سيقوي من تأثير أمريكا على الشرق الأوسط» (١) .
- فلسطين:
لم تحظ القضية الفلسطينية بأي اهتمام يذكر للإدارة الأمريكية في الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الأمريكي. ومع التجديد لفترة رئاسية ثانية، ووفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والرغبة الأوروبية الملحة في المضي قُدُماً في حل سلمي للصراع حول فلسطين؛ فقد يظهر أن الإدارة الأمريكية ستواجه ضغوطاً كثيرة لتحريك ملف القضية. ولكن الإدارة الأمريكية القادمة لن تضع أية قيود على حكومة شارون، ومن ثم فإن السلام لن يصبح اهتماماً أساسياً لها، وإنما ستسعى الإدارة إلى تحريك المفاوضات في اتجاه المزيد من الضغط على الفلسطينيين للقبول بما ستقدمه لهم (إسرائيل) . ولن تسعى الإدارة الأمريكية القادمة إلى لعب دور الشريك العادل في السلام لعدم قناعتها بالحاجة إلى أن تلعب مثل هذا الدور في ظل الضعف العربي، وإمكانية السيطرة على المقاومة الفلسطينية من خلال الضغط المستمر على الرئيس الفلسطيني المنتخب.
ولعل من ملامح التغيير القادم أن الإدارة ستهتم أكثر بالحديث عن قضية فلسطين، بدلاً من الفعل؛ فهذا أسهل وأقل كلفة وأقرب إلى المزاج العربي الذي يبحث عن أية تصريحات تهدئ من الغضب الشعبي العام. فالمتابع لتصريحات الرئيس الأمريكي بعد انتهاء الانتخابات يرى أنه ذكر السلام في الشرق الأوسط أكثر من مرة. ولعل من أهمها عندما ذكر في حوار صحفي مع جريدة إسرائيلية قبل نهاية عام ٢٠٠٤م ما نصه: «أودّ أن تعرفوا أنني سأبذل الكثير من الوقت، والكثير من التفكير العميق لكي يتحقق أخيراً سلام دائم بين (إسرائيل) وبين الفلسطينيين. إنني على قناعة أنه خلال الفترة الرئاسية هذه سوف أتمكن من تحقيق السلام» (٢) .
ولعل الهدف الحقيقي - وغير المعلن - للإدارة الأمريكية في المرحلة القادمة تمهيداً للسلام سيكون «تصفية الانتفاضة الفلسطينية» ، ليس فقط بإطلاق يد (إسرائيل) لفعل ما تراه مناسباً لذلك، وإنما بالتضييق على الجهود الإعلامية التي تهدف إلى إبراز القضية بصورة أقرب إلى العدالة - كما حدث مع قناة المنار، ومنع تدفق المال أو المعونات إلى الشعب الفلسطيني إلا من خلال برامج حكومية يسهل التحكم فيها، ومحاولة تغيير البنية الفكرية العربية التي لا تزال ترى في المقاطعة ومعاداة الكيان الصهيوني حقاً ومطلباً ورغبة. وسيتم إحراج العديد من الدول العربية للقيام بتغييرات جوهرية في وسائل إعلامها، ومناهجها الدراسية، وما يبث عبر منابرها؛ من أجل استبدال العداء للكيان الصهيوني بنوع من التسامح معه، أو على الأقل السكوت عن جرائمه.
إن الإدارة الأمريكية الحالية تعتقد أن العنف الإسرائيلي الموجه ضد الشعب الفلسطيني يخدم أهدافها من ناحية أخرى: وهي أن هذا العنف يؤدي إلى مزيد من الخضوع العربي للولايات المتحدة الأمريكية، ومزيد من القبول بالحلول الأمريكية في المنطقة من أجل وهم أن أمريكا ستسهم في تخفيف وطأة العنف الإسرائيلي. إن ما يحدث هو مخطط كتب عنه أنصار المحافظين الجدد في الكثير من أدبياتهم، وهو أن السلام والأمن لن يتحققا في العالم إلا عندما يفقد الفلسطينيون والعرب كل أمل في أي نتيجة إيجابية للمقاومة أو لاستخدام السلاح في مواجهة الغير. لقد ذكر الرئيس الأمريكي مؤخراً: «إن أحد المفارقات العجيبة في الحياة أن دولة فلسطينية وأخرى عراقية سيصبحان نواة التغيير في هذا الجزء من العالم الذي يحتاج إلى أن يتغير. إنها سياستنا الخارجية على الأقل أن يتم هذا التغيير» .
ولذلك فستشهد الأعوام القادمة محاولات مستمرة للتجريد التام للأمة من أي مصادر للقوة الحقيقية، أو أي دوافع أو رغبات لاستخدام القوة، وتكريس مستمر لفكرة أن القوة لا تجدي، وأن المقاومة عنف، وأن العالم لن يسمح إلا بالتفاوض وسيلة لحل أي نزاع في المنطقة.
- محور الشر (إيران - سوريا) :
اتخذت الحكومة الأمريكية في الأعوام الماضية مواقف تبدو في ظاهرها التشدد تجاه كل من سوريا وإيران، وأسماهما الرئيس الأمريكي (جورج بوش) «محور الشر» ، ومارست الإدارة الأمريكية ضغطاً واضحاً على الوجود السوري بلبنان، وإيواء سوريا لعدد من قيادات المقاومة الفلسطينية، وعدم إذعانها بدرجة كافية لمشروع السلام مع دولة (إسرائيل) ، وعدم ترحيبها بمشروع الإصلاح الذي تبنته الإدارة الأمريكية.
ومن المتوقع أن تستمر الإدارة الأمريكية في الضغط على سوريا دون اللجوء إلى الحلول العسكرية حتى لا تتفاقم مشكلات المقاومة التي بدأت في العراق. ولكن الإدارة الأمريكية ستسعى إلى التدخل بشكل أكثر وضوحاً في ملف الوجود السوري في لبنان، وسيستخدم ذلك ذريعة لضرب قوة (حزب الله) في كل من لبنان وسوريا. وفي حوار للرئيس الأمريكي مع صحيفة (يديعوت أحرينوت) الإسرائيلية بعد إعادة انتخابه، ذكر الرئيس الأمريكي: «إن سوريا دولة ضعيفة للغاية، ولذلك لا يمكن الوثوق بها. وفي هذه المرحلة فإن على الأسد أن ينتظر، سنبدأ أولاً بالسلام بين (إسرائيل) وبين فلسطين، وبعد ذلك سنرى ما يجب أن نفعله مع سوريا» (١) .
أما إيران فستقوم الحكومة الأمريكية باستخدام كل من الملف النووي، وتصاعد التيارات الليبرالية، لزعزعة الاستقرار في إيران، وتشجيع الاضطرابات الداخلية، وإلهاء إيران عن التدخل في شؤون العراق. كما ستواجه إيران حملة إعلامية أمريكية تهدف إلى تخفيف حدة الهجوم الرسمي الإيراني على الكيان الصهيوني، ودعم حزب الله. وليس من المتوقع أن تقوم الإدارة الأمريكية الحالية بأية مواجهات عسكرية مع إيران، ولا يمنع ذلك من الإيعاز إلى الجيش الإسرائيلي بتوجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية بدعم أمريكي غير معلن.
- السودان:
استخدمت الإدارة الأمريكية ورقة الضغط على السودان بسبب المشكلات الداخلية فيها، والمتعلقة بالجنوب ودارفور لليِّ ذراع الحكومة السودانية للحصول على المعلومات فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، وللضغط على الحكومة السودانية بالصورة التي ترضي التيارات الدينية النصرانية الأمريكية التي ترى أن ما يحدث في السودان هي حرب على النصرانية. كما أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى استخدام النظرة القائمة عن السودان كمركز من مراكز التعاطف مع التيارات الجهادية الإسلامية للتقليل من ارتباط الحكومة السودانية بالتصورات الإسلامية. وستبقى الإدارة الأمريكية حريصة على إسقاط نظام الحكم الحالي بالسودان مع إجباره - حتى ذلك الحين - على المزيد من التنازلات فيما يتعلق بالجنوب النصراني!. وستلعب الإدارة الأمريكية مع السودان لعبة العصا والجزرة المعروفة؛ فمن ناحية ستعلن عن رغبتها في مد يد العون للسودان لمواجهة المجاعات والأزمة الاقتصادية، ومن ناحية أخرى ستنادي بتغيير الحكم في السودان بحكم ليبرالي ديمقراطي موالٍ لأمريكا. وستسعى أمريكا إلى إيجاد مزيد من عدم الاستقرار في السودان بهدف الضغط على مصر وإحراجها أمنياً وسياسياً؛ لأن مصر تعتبر أن أمن السودان واستقراره أحد قضايا الأمن القومي المصري.
- الإصلاح:
إن تصورات الرئيس بوش لتغيير الشرق الأوسط ليست فقط مرتبطة بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية أو الإسرائيلية، ولكنها أيضاً تمثل له شخصياً رؤية أيديولوجية، ورهاناًً شخصياً. إنها تمثل حلم هذا الرئيس أن يكون مؤثراً في تغيير العالم من خلال تغيير الشرق الأوسط. ولذلك فإن اهتمام الرئيس الأمريكي (جورج بوش) بدفع مشروعات التغيير الاجتماعي والفكري والسياسي في المنطقة العربية لن ترتبط فقط بمحددات السياسة الخارجية، وإنما ستستمد قوتها خلال السنوات القادمة من رغبة الرئيس الأمريكي نفسه. لقد ذكر الرئيس الأمريكي في خطاب سابق له ما نصه: «إن الأحداث في الشرق الأوسط الموسع ستحدد مَنِ المنتصر في الحرب على الإرهاب، ولن يتحقق السلام الدائم في العالم إلا عندما نتعامل مع العوامل التي سببت ظهور الإرهابيين، ويستلزم هذا شرقاً أوسطياً من نوع جديد» .
سيؤدي ذلك الموقف الفكري في الغالب إلى استماتة في تحقيق الأهداف حتى لو لم تكن واقعية أو ممكنة، ورفض لكل محاولات تحجيم المشروع الأمريكي الخاص بالشرق الأوسط، وإبعاد للمنافسين من ساحة التأثير على المنطقة، والمقصود هنا الاتحاد الأوروبي، ومعاونة (إسرائيل) في استثمار وجودها الجغرافي في المنطقة لتحقيق مكاسب سياسية تخدم الرؤى الأمريكية في تغيير المنطقة، وتحجيم التأثير الإسلامي أو القومي على شعوبها. ويستخدم الرئيس الأمريكي سخريته المعتادة في الاستهزاء بمواقف من يرون أن التغيير في الشرق الأوسط ليس بالبساطة التي يطرحها فيقول في أحد المؤتمرات الصحفية له: «أن هناك تصوراً في العالم من قِبَل بعضٍ أنه من تضييع الأوقات أن نحاول الدعوة إلى مجتمعات متحررة في ذلك الجزء من العالم (الشرق الأوسط) . لقد سمعت مثل هذا الانتقاد. وأنا متفهم تماماً أن هذا الأمر يمكن أن يربك بعضاً، ويمكن أن يراه بعضهم الآخر غباء» (١) .
إن التشدد في التعامل مع العالم العربي قد يصبح هو السمت العام للإدارة الأمريكية القادمة، فقد صرح (كولن باول) قبل مغادرته لمنصب وزير الخارجية أن الولايات المتحدة الأمريكية ستستمر في سياساتها الهجومية. كما أن اختيار (كونداليزا رايس) سيقوي من تيار التشدد في التعامل مع العالم العربي لقربها الشديد من دوائر المحافظين الجدد، وتأثرها بالخط اليميني المتشدد.
- التعامل مع الإسلام:
يرى المحافظون الجدد أن الإسلام يمثل خطراً على سيادة أمريكا وتفردها في عالم الغد. وتسهم التوجهات الدينية للرئيس الأمريكي في دعم الأفكار التي تخطط لمواجهة ما يسمى بـ «التطرف الإسلامي» . وقد أظهرت أحداث العالم في السنوات الأخيرة أن الإسلام يمثل تحدياً حقيقياً للهيمنة الأمريكية على العالم. ويؤكد الكثير من المفكرين المرتبطين بالإدارة الأمريكية أن التحدي الذي يواجه مشروع إتمام السيطرة على العالم اقتصادياً وسياسياً وفكرياً أيضاً سيواجه خصماً شرساً يستمد رصيده الثقافي والعقدي من تعاليم الإسلام.
ولذلك تدعم الإدارة الأمريكية العديد من البرامج التي تهدف إلى التخفيف من أثر الإسلام على الحياة اليومية في العالم الإسلامي. ومن ذلك تغيير المناهج الدراسية، وتحجيم ما ينشر في الفضائيات مما يمكن أن يعتبر معادياً للسامية أو مخالفاً للقيم العالمية، ومن ذلك أيضاً الضغط على الحكومات من أجل تحييد المسجد، وإتاحة فرصاً متساوية للجميع في التعبير عن رؤيتهم لدين الإسلام، وعدم الحجر على أي فكر بدعوى المساس بمسلَّمات عقدية بعينها. كما أن الإدارة الأمريكية تسعى بشكل واضح إلى استبدال كل جمعيات العمل الإغاثي الإسلامي أو المؤسسات الخيرية بمؤسسات محلية لا ترتبط بالدين بدعوى مقاومة الإرهاب.
ونشطت في الفترة الأخيرة كتابات المفكرين المرتبطين بالإدارة الأمريكية التي تدعو إلى إعادة شرح الإسلام في ضوء واقع العالم اليوم، وعدم الالتزام بأية تفسيرات سابقة للقرآن. كما تبرز وسائل الإعلام الأمريكية رموز ما يسمى بالتنوير في العالم العربي، ويقصد به في معظم الأحيان الهجوم على الإسلام أو محاولة إقصائه من الحياة العامة للمجتمعات العربية.
ورغم أن تصورات الإدارة الأمريكية الحالية لتغيير الإسلام متنوعة، إلا أنها تصورات يجمعها قاسم مشترك، وهو عدم الاعتماد الكلي على التيارات العلمانية أو الليبرالية العربية للقيام بذلك؛ فهذه التيارات رغم تبنيها للمناهج العلمانية والليبرالية الغربية، إلا أنها - في مجملها - تتوقف عندما يتعلق الأمر بالإسلام كدين. بعضهم يحمل بين جنباته قلباً لا يزال به نور الإسلام.. وبعضهم الآخر يدرك أن المعركة خاسرة، وهناك من لا يرى إشعال الصراع حول الإسلام حتى وإن كان ذلك ما تطلبه أمريكا.
وستشهد الأعوام القادمة لجوء الإدارة الأمريكية إلى أحد طريقين: الأول هو التدخل المباشر لتحقيق الهدف المطلوب من خلال استخدام القوانين الدولية والذراع العسكرية والاقتصادية الأمريكية. أما الطريق الآخر فهو الضغط المباشر على الدول والحكومات العربية والإسلامية لاتخاذ ما تراه أمريكا من خطوات لتحقيق الهدف المطلوب وهو تغيير الإسلام. كما ستستخدم السفارات الأمريكية ومؤسسات المعونة والجمعيات الأمريكية المتواجدة في المنطقة للمساهمة بشكل عملي ومكشوف في هذا البرنامج.
- أمريكا والقوى الدولية الأخرى:
تسعى أمريكا إلى إضعاف تأثير القوى العالمية الأخرى لضمان استمرار الهيمنة الأمريكية. ويرى الكثير من المحللين السياسيين الأمريكيين أن الصراع الحقيقي الذي يدور خلف الكواليس ليس هو الصراع مع الإرهاب، وإنما هو مواجهة تنامي قوة كل من أوروبا والصين اللتين أصبحتا تشكلان مصادر إزعاج مستمر للولايات المتحدة في أروقة المنظمات الدولية، وفي التأثير على مجريات الأحداث العالمية. فقد أظهر الاتحاد الأوروبي بروداً وممانعة مستمرة في مواجهة مشروع احتلال العراق، وأربك ذلك الحكومة الأمريكية، وأفقدها الشرعية الدولية التي كانت تحتاجها لتسويغ الأعمال العسكرية. كما أن موقف الاتحاد الأوروبي المتعاطف مع حقوق الشعب الفلسطيني يعيق من تكوين إجماع دولي يخدم الكيان الصهيوني.
وفي تحليل لمواقف الدول الغربية بعد الانتخابات الأمريكية، ذكرت مجلة وورلد برس World Press في أحد أعمدة الرأي بها أن الاتحاد الأوروبي يرى أن إعادة انتخاب (جورج بوش) ستؤدي إلى «زيادة الاحتكاك عبر الأطلنطي، وستجعل الأوروبيين يتساءلون عما إذا كانت هناك أية قواسم مشتركة لهم مع الحليف الأمريكي، وعلق على ذلك أحد المحللين البارزين في مركز السياسات الأوروبية في بروكسل قائلاً: إن إعادة انتخاب (جورج بوش) سوف تؤدي إلى زيادة مظاهر معاداة أمريكا في أوروبا» (١) .
أما الصين فقد أصبحت دولة دائنة للولايات المتحدة الأمريكية، وهي تمثل أقوى محركات الاقتصاد العالمي في الأعوام القادمة، وتتمتع بأعلى معدل نمو في الدخل القومي في العالم، ومن ثم فهي مؤهلة للعب دور بارز خاصة فيما يتعلق بالسياسات الأمريكية تجاه منطقة جنوب شرق آسيا. ومن المتوقع أن تبدأ الصين في ممارسة ضغوط مباشرة على الإدارة الأمريكية في الأعوام القادمة لما يخدم مصالحها. في افتتاحية جريدة (آسيا تايمز) ، كتب محرر الجريدة بعد إعلان نتائج الانتخابات: «اربطوا الأحزمة، فالطريق سيكون وعراً، تحكُّم كامل في الرئاسة ومجلس الشيوخ والنواب، موافقة من الشعب. أربع سنوات قادمة، ومن المحتمل أيضاً أربع حروب قادمة» (٢) .
- القوة أم التعاون؟
إن القوة العسكرية الأمريكية ليست كافية لإدارة صراعات العالم مهما بلغت قوتها، أو حتى الحماقة في استخدامها. فالعالم اليوم يقوم على مجموعة كبيرة من التوازنات، ويرتبط بالتعددية أكثر بكثير من ارتباطه بالانفرادية، حتى لو كانت أمريكا هي التي تمارس تلك الانفرادية. كتب عن ذلك المفكر الأمريكي (جون لويس جاديس) ، فقال: «إن من السهل أن نتجاهل ما حولنا؛ فإن أمة بقوة الولايات المتحدة لا تحتاج أن تهتم برأي الآخرين فيها. ولكن هذا ببساطة خطأ. ولكي نرى لماذا؟ فلنقارن بين مساحة التأثير الأمريكية مقارنة بالسوفييتية في أوروبا خلال الحرب الباردة. أمريكا كانت دائماً تعمل في إطار قبول الأوروبيين لها. أما الثانية (الاتحاد السوفييتي) فلم تفعل، وسبَّب ذلك تأثيراً سلبياً ضخماً بصرف النظر عن القوة العسكرية التي يمكن أن يستخدمها كل طرف في المنطقة. إن الدرس هنا واضح: لكي يستمر التأثير؛ فليس المطلوب فقط هو القوة، ولكن أيضاً عدم الممانعة، أو عدم الاحتكاك» (٣) .
لقد أثبتت المقاومة العراقية أن السلاح وحده لا يكفي لإدارة شؤون العالم وفرض الحلول الأمريكية على الشعوب. ولن يستطيع العالم الاستمرار في تجاهل تبعة الحماقات العسكرية والسياسية للإدارة الأمريكية. ولذلك فإن الصورة قد تشتد قتامة في العامين القادمين، ولكن من المتوقع أن ينشأ خلالها تحرك دولي واسع يحد من أحلام الإدارة الأمريكية في السيطرة على المناطق الاستراتيجية في العالم، أو تغيير الظروف الاجتماعية والثقافية للشعوب لتصبح أكثر تماشياً مع رغبات أصحاب المصالح والتوجهات الفكرية الأمريكية.
- السنوات الأربع القادمة:
إن المراقبين للسياسات الأمريكية في الفترات الرئاسية الثانية لأي رئيس أمريكي يُجمعون أن أولويات الفترة الثانية تكون محلية في الغالب، وتتراجع السياسة الخارجية في سلم أولويات الرئيس الأمريكي الذي يبدأ التفكير فيما سيفعل بعد انتهاء رئاسته، وخاصة في عدم وجود فرصة للتجديد لفترة ثالثة (٤) . ولا يملك رئيس أمريكي أن يُغضب اللوبي الصهيوني؛ فليس صحيحاً أنه يتحرر من ضغوطه في الفترة الرئاسية الثانية؛ فهذا اللوبي يمكن أن يسعى إلى تدمير الرئيس تدميراً كاملاً كما حدث في كل من حالة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، أو الرئيس السابق بيل كلينتون.
ولذلك فليس من المتوقع أن تشهد الفترة الرئاسية الثانية للإدارة الأمريكية الجمهورية تحسناً يذكر فيما يتعلق بالعالم العربي والإسلامي بسبب سيطرة المنطلقات الفكرية الدينية والعقدية التي تحكم وتؤثر في مسيرة عدد من الشخصيات الأمريكية البارزة في هذه الإدارة، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكية نفسه. ويرى بعضٌ أن الإدارة الأمريكية الحالية ستبشر بمولد نظام حكم أمريكي جديد قد يستمر لفترات طويلة يستخدم الدين والقوى الدينية محركات رئيسة لثقله السياسي والانتخابي (٥) .
стр. 5218
الاتجاهات الغربية نحو الحركة الإسلامية
حمدي عبد العزيز
يغلب على التحليلات الغربية للحركة الإسلامية التحيز في تناول الظاهرة؛ حيث يربط بعضها بين الإسلام والإرهاب، ويخلط بين مفاهيم الحركة الإسلامية والأصولية والتطرف الإسلامي؛ فضلاً عن أنها تذهب إلى أن الحركة الإسلامية مجرد رد فعل لمشكلات وظروف الواقع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وهي أمور تتسم بعدم الدقة؛ نظراً لأن نشأة الحركة الإسلامية ترجع لطبيعة الإسلام بوصفة ديناً تجديدياً، واستجابة في الوقت نفسه لتحديات خارجية وداخلية مثل
وقد التفت الغربيون للظاهرة الإسلامية منذ عام ١٩٧٩م؛ حيث نجحت (الثورة الإسلامية) في إيران في إقامة الحكم الشيعي الجعفري، وإزاحة نظام الشاه الموالي للغرب، ولكن لم يُنظر إلى ذلك على أنها نصر لشعب مستضعف، وإنما مصدر تهديد للمصالح الغربية والأمريكية. ثم زاد الاهتمام بالظاهرة إبان الانتفاضة الفلسطينية الكبرى ١٩٨٧م ـ ١٩٩١م حيث كان للدعاية الصهيونية دور واضح في تغذية المخاوف الغربية من الحركة الإسلامية، وتصوير المقاومة على أنها إرهاب إسلامي يستهدف القيم الغربية.
ومع بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي حدث تغير جوهري في هيكل النظام الدولي بزوال الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بالقيادة؛ حيث واكبه تغير مفهوم العدو من الخطر الشيوعي الأحمر إلى الخطر الإسلامي الأخضر، وهكذا أصبح ما يسمى بـ (الإسلام السياسي) مصدر الخطر الأكبر، وتعددت الكتابات والتحريات في وسائل الإعلام والدوريات الأكاديمية التي تشير إلى خطورة (الإسلام السياسي) ليس على الولايات المتحدة ونخبتها فقط، وإنما على غرب أوروبا وحلف الأطلسى ثم روسيا.
وعقب أحداث ١١/٩ حدثت تحولات دراماتيكية فيما يخص تناول تلك الظاهرة وكيفية مواجهتها؛ حيث سيطر الاتجاه (المتحامل) - الذي يربط بين الأصولية والحركة الإسلامية - على وسائل الإعلام ومراكز البحث الداعمة لصناع الاستراتيجيات، وسعى ليس إلى صياغة سياسات جديدة للمواجهة مع الحركة الإسلامية، وإنما إلى القيام بدراسات تبحث عن «تحويل دين عالَم بكامله» أو إقامة مراكز بحثية لدعم ما يسمى (الإسلام المعتدل) .
ومن ذلك التقرير الذي مولته مؤسسة (راند) للمحافظة الأمريكية وعنوانه: «الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والمصادر والاستراتيجيات» ويدعو إلى خلق صلات وثيقة مع القوى الإسلامية المحبة للغرب مثل الصوفيين والعلمانيين والحداثيين، ومساعي اليهودي الأمريكي المثير للجدل (دانيال بايبس) لتأسيس معهد إسلامي تحت اسم (مركز التقدم الإسلامي) للدفاع عما يسميه (الإسلام المعتدل) ، ومواجهة التجمعات الإسلامية التي تدافع عما يسميه المقاتلين الإسلاميين.
- أصولية أم حركة إسلامية؟
يصف (ماليس روتنين) مصطلح الأصولية في كتابه (الأصولية البحث عن معنى) ـ أكسفورد ٢٠٠٤م ـ بأنه يطلق على تطورات معينة في العصر الحديث، وتحول إلى مصطلح يراد به إلصاق تهم سلبية بجهة أو فكر، ويعني طريقة وأسلوب ديني للحياة يظهر نفسه في استراتيجية يحاول من خلالها المتدينون المحافظة على هويتهم المتميزة كشعب أو مجموعة في وجه العلمانية.
وقد حقق المصطلح ذيوعاً باعتباره جزءاً من التعامل مع العالم الإسلامي كمتعددات عرقية ودينية إسلامية من خلال إعادة برمجة الفوارق وتظهيرها وتشغيلها، واستنساخ (فوالق) تضاف إليها. ويريد البيروقراطيون في أجهزة الاستخبارات الغربية تثبيت المصطلح، وتعميم تداوله للتأكيد على أن الحركة الإسلامية هي الحامل الوحيد لمشروع الدولة الإسلامية وهو ما يشكل بدوره أكبر مخاطر الإرهاب (المزعوم) .
ورغم ولادة هذا المصطلح في معامل أجهزة الاستخبارات الغربية؛ فالاتجاه السائد يوافق على مفهوم الأصولية مثل (جيل كيل) و (جارودي) الذي يتحدث عن أصوليات. ويطابق هذا الاتجاه بين الأصولية والعنف والإرهاب مثل (برنارد لويس) و (فؤاد عجمي) (١) وللإسرائيليين دور في ترسيخ هذا التطابق، بل الربط بين العربي والمسلم والإرهاب مثل (بنيامين نتنياهو) في كتابه «كيف يمكن للغرب أن ينتصر؟» وهو ما يرفضه (جون أسبوزينغو) و (إيفون حداد) وغيرهم.
وهناك اتجاه آخر يرفض هذا المصطلح على اعتبار أن طبيعة المفهوم لا تتسق مع الحركة الإسلامية؛ فضلاً عن أنه لا مجال للربط بين الدين والأصولية. ويطلق بعضهم مصطلحات أخرى على الحركة الإسلامية مثل (جاك بيرك) : «الإسلاميون» و (فرانسوا بورجا) : «الإسلام السياسي» و (روجر أوين) : «الإسلام الراديكالي» .
ويمكن تحديد الظاهرة (الحركة الإسلامية) عملياً من خلال التمييز بين مستويات ثلاثة هي: الدعوة والحركة والتنظيم على ما بينها من تداخل وتشابك؛ فالدعوة ـ في الإسلام ـ واجب فردي في الأساس يفترض أن يمارسه كل مسلم قولاً وعملاً، ويتحول إلى حركة وتيار حين ينتقل ـ هذا الواجب ـ من قناعة فردية إلى سلوك جماعي، وهذا ما يطلق عليه التعبير الاجتماعى للحركة أو الجسد الاجتماعي، وهو الرصيد المتدين الذي يعتبر المجال الحيوي أو المعين الذي تتشكل منه الحركة في مستواها الثالث، والذي يظهر للوجود حين تحاول الحركة الانتقال بالدعوة محاولة تجسيدها في إطار دولة ونظام سياسي.
ومن ثم تصبح الحركة الإسلامية هي التعبير السياسي عن هذه الحركة المجتمعية، وتنطلق من فهم معين ومحدد للإسلام كدعوة، ويريد تحويله أو تجسيده في دولة ونظام سياسي محدد عبر مجموعة من الوسائل والأدوات التي تدور في إطار المشروعية الإسلامية.
وتتوافر لأي حركة إسلامية فعالة سبعة عناصر هي:
١ ـ العقيدة: وهي الإطار الفكري أو المشروع الإصلاحي أو التغييري التي يؤمن بها معظم التكوين الحركي بأفراده وقياداته.
٢ ـ الرؤية والتوجه: بمعنى وجود صورة واضحة عن الواقع المرفوض والمطلوب تغييره ولو في قسماته الأساسية؛ ولماذا هو مرفوض ومطلوب تغييره.
٣ ـ المشروع الإصلاحي أو التغييري: أي وجود صورة واضحة عن الواقع المرغوب والمراد الوصول إليه، ولماذا هو مرغوب ومطلوب.
٤ ـ البرنامج: وجود صورة واضحة عن الأساليب والأدوات التي يمكن من خلال التغيير والانتقال من الواقع المفروض إلى ذلك الواقع المطلوب الوصول إليه (المرغوب) .
٥ ـ الإرادة السياسية: وجود نوع من الاستعداد الحقيقي لدفع الثمن الذي تتطلبه عملية الإصلاح والتغيير، وتحمل تكاليفه على كل المستويات.
٦ ـ الحركة أو التنظيم: أي التنظيم الفعال القائد الذي يوحد الجهود وينسق بينها ويقودها نحو تحقيق الهدف المنشود الذي تحدده العقيدة.
٧ ـ القيادة: التي تقوم فكرياً بوضع التصورات والرؤى الفلسفية، وتحديد فلسفة الحركة، وحركياً بتجديد مشروع الحركة والمحافظة على نقائه والتبشير به والدعوة إليه، وتنظيمياً بوضع الخطط والبرامج موضع التنفيذ والإشراف عليها.
- انقسام حول الظاهرة:
والملاحظ على الأدبيات التي تدرس الحركة الإسلامية في الغرب أنها منشورة ليس في الدوريات الدينية وإنما في الدوريات السياسية، وهو ما يعكس وجود أبعاد أيديولوجية في دراستها وتخطيطية لمواجهتها إضافة إلى أن مراكز الأبحاث المهتمة بالظاهرة في تزايد مستمر سواء التابعة للكنائس الغربية أو ذات الصلة بالدوائر السياسية.
ويمكن تصنيف هذه الأدبيات إلى اتجاهين ـ حسب المهتمين بالظاهرة ـ وهما:
١ ـ الاتجاه الأكاديمي وهو ما يظهر في تحليلات الأكاديميين من خلال الكتب أو دوريات أو مراكز الأبحاث التي تختلف في معالجة الظاهرة تبعاً للانحياز الأيديولوجي، ووفقاً للاقتراب المنهجي، فنرى تضخيماً لها عند بعضٍ، ومحاولة للتأصيل عند آخرين من خلال البحث في أسبابها وتطورها ونتائجها.
٢ ـ اتجاهات عامة: مثل مواقف السياسيين، وأقربها مواقف (جيسكار ديستان) الذي كان يتخذ موقفاً موضوعياً من العرب والإسلام إبَّان تولِّيه منصب الرئاسة الفرنسية، ثم تغير بعد ذلك، وآخرها رفضه عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي لأسباب دينية، والكتابات الإعلامية التي تضخم الظاهرة من خلال حديث الصحفيين ـ الذين يقدمون أنفسهم كخبراء في (الشرق الأوسط) ـ عن أن الإسلام دين عنف، ويسعى دوماً إلى توسيع دائرة نفوذه، وأنه ليس قادراً على الحياة بسلام جنباً إلى جنب مع فئات غير مسلمة، وهو ما يعني تشكيل صورة الإسلام عموماً والحركة الإسلامية خصوصاً، وتصويرهما في صورة الخطر القادم على الحضارة الغربية.
وأيضاً يمكن تصنيف هذه الاتجاهات حسب درجة الموضوعية في تناول الظاهرة إلى اتجاهين هما:
١ ـ اتجاه تأصيلي معتدل: ويضم مستشرقين وأكاديميين درسوا الإسلام والحركة الإسلامية دراسة منهجية وافية، ومن أقطابه (مراد هوفمان) و (إلكسندر سيمرنوف) . وينظر الأول إلى الحركة الإسلامية باعتبارها إحياء (تجديد) الدين بالرجوع إلى مصادره الأولى، وليس عصرنة الدين لكي يتفق ومتطلبات العصر الحديث، وعليه قدّم مفهوماً مغايراً للأصولية وهو أنها عبارة عن موقف فكري ورؤية عالمية ترى الالتزام بالإسلام كما كان في أول عهده، وكما عرفه السلف الصالح من الصحابة منطلَقاً ومثالاً يحتذى به في صياغة المعايير والقيم وقواعد السلوك والمعاملات في عملية بناء الحاضر.
ويرى المستشرق الأوروبي (ستيفن لاكروا) أن هناك هوة فكرية بين رؤية المتخصصين في الشأن الإسلامي وما تطرحه وسائل الإعلام؛ حتى إن الأخيرة تعمد إلى تهميش المتخصصين، وتعتمد على ما يسميه (فينسان جيسر) في كتابه: «الإسلاموفوبيا الجديد» خبراء الرعب الجدد، ومهمتهم تغذية المخاوف من الإسلام و (الأصولية الإسلامية) .
كما يشير (إلبرشت متسكر) في كتابه: «الأصولية الإسلامية بين العنف والديمقراطية» أن العديد من المستشرقين الألمان يعتبرون أن اختصار الظاهرة على عنصرها العنيف بمثابة الوقوع في فخ التبسيط؛ نظراً لأن الأقلية هي التي تستخدم العنف كأداة للتغيير. وبالنظر إلى دول مثل مصر وفلسطين والأردن ولبنان واليمن، نجد الإسلاميين يظهرون كبرلمانيين وفي تركيا والأردن، أو ينشطون في المجتمع المدني (مصر) أو يشكلون جيشاً للتحرير لقتال الاحتلال (لبنان وفلسطين) .
أما الخبير الفرنسي في الحركات الإسلامية (أوليفيه روى) فيشير إلى أن استعمال العنف من جانب بعض التيارات الإسلامية هو نتيجة تلاقي عنصرين: تشدد داخلي، وآخر دولي في التعامل مع الظاهرة الأصولية، ويرفض مصطلح الأصولية مركِّزاً على التطبيق؛ حيث يقدم بعض التيارات تنظيرات معتدلة؛ لكن تطبيقها العكس؛ بينما نجد محافظين على مستوى الأفكار معتدلين على المستوى العملي.
ويؤكد بعض المنتمين لهذا الاتجاه أن الحركة الإسلامية لا تمثل أي تهديد للغرب، وأن التضخيم الدعائي للظاهرة في الغرب أدى إلى وقوع أضرار بالجاليات المسلمة، فيرى (جون أسبوزيتو) أن هناك طريقين لفهم الإسلام: الأول: سهل، والآخر صعب. السهل يرى الإسلام والإحياء الإسلامي تهديداً، والصعب هو الصعود خلف الأنماط والقوالب الجاهزة التي تساوي بين الإسلام والإرهاب، ويقرر أن الإسلام يمثل تهديداً للغرب إذا استُمِرَّ في مساندة الوضع غير العادل في (الشرق الأوسط) .
أما المستشرقون الهولنديون فإن (كونينجسفيلد) و (واصف شديد) ـ من جامعة ليدن ـ فيشبهان في مقال مشترك لهما بعنوان: (زمن الإسلام المتخفي) ـ في مجلة إم آي الهولندية عدد يوليو ٢٠٠٤م ـ أوضاع مسلمي أوروبا الآن بأوضاعهم في بلاد الأندلس في عهد (فرديناند وإيزابيلا) حيث عانوا من الملاحقات والمصادرة بعد قرون من التعايش والسلام، ويدعوان إلى عدم الخلط بين الإسلام والمسلمين وبين التنظيمات التي تستعمل العنف ولا تمثل بشكل حقيقي الإسلام وحقائقه السامية؛ لأن هذا أدى إلى تهميش المسلمين وإقصائهم، ثم ممارسة العنف ضدهم.
٢ ـ اتجاه أيديولوجي عدائي: وتنبع وجهة نظر أصحاب هذا الاتجاه من وجهة نظر صهيونية، ورؤيتهم للمصالح الغربية؛ بمعنى أن هناك دوراً لإسرائيل وتأثيراً واضحاً في تشكيل وتوجيه السياسة الغربية، وبخاصة السياسة الأمريكية تجاه الحركة الإسلامية.
ويمكن أن نصنف هذا الاتجاه على أساس التخصص الأكاديمي إلى الفئات التالية، وهم:
أـ المتخصصون بدراسة الأديان أو الأديان المقارنة: وكان من دوافع التطور والنمو في هذه الدراسات فهم الصورة التي شكل فيها الإسلام تحدياً للمسيحية، وعائقاً دون انتشارها، ومن أبرز هؤلاء الأكاديميين في جامعة هارتفورد التبشيرية.
ب ـ المتخصصون في دراسة المناطق: ورغم العمق التاريخي لهذه الدراسات في الجامعات الأمريكية؛ فإن الحاجة إلى تعميق الفهم بالمواقع الاستراتيجية، وارتباط المصالح الأمريكية بهذا الفهم كان حافزاً على تزايد الاهتمام بهذه الدراسات. ويسعى اليمينيون المحافظون إلى السيطرة على هذا الحقل مؤخراً من خلال مراقبة المتخصصين، وقطع التمويل عن أصحاب الرؤى المنصفة وتشويه مواقفهم.
ج ـ المتخصصون بالدراسات السياسية والعلاقات الدولية: وتتضمن هذه الفئة كثيراً من اليهود الأمريكيين المهتمين بدراسة الإسلام والحركة الإسلامية من موقع المصالح الغربية والصهيونية.
ويلاحظ أن الخبراء الأكثر شهرة في دراسة الحركة الإسلامية هم من اليهود المعادين للإسلام، وتتعزز الهوية الأكاديمية لهؤلاء بالاحتراف الصحفي والإعلامي، وبمواقع النفوذ السياسي لليمين المحافظ الأمريكي ليشكل الجميع حلقة فكر ومجموعة ضغوط هي الأشد عداوة للإسلام السياسي في أمريكا والغرب.
ويهاجم أصحاب هذا الاتجاه الحركة الإسلامية، بل يوسعون الهجوم على الإسلام مثل (برنارد لويس) الذي يهوِّل من خطر امتداد الحركة الإسلامية، بل المسلمين على الغرب بالقول: إن التهديد الإسلامي سياسي واجتماعي وديمغرافي. ويتطرق عالم الاجتماع الأوروبي (جان بودريان) للموافقة على تصفية الوجود الإسلامي من أوروبا، فيرى أن الصرب حلفاء الغرب؛ لأنهم يتخلصون من الأقلية الإسلامية غير المرغوب فيها.
ويحذر (مارتن كريمر) من القناعة السائدة بأن الإسلاميين فئات متعددة ساخراً من مجرد قيام صانعي السياسة الأمريكية باختبار محاولة تصنيفهم إلى معتدلين ومتطرفين، ويرى أن الإسلاميين رغم أنهم يتفاوتون في تشكيلهم للأحزاب السياسية أو الأجنحة العسكرية، ويستعملون في الوقت نفسه الرصاص وصناديق الاقتراع إلا أنهم يحملون نفس التوجهات في كل مكان، ويلجؤون إلى أساليب مختلفة حسب الظروف والمواقف، وما يحركهم هو فطرة أساسية مشتركة تتمثل في السعي نحو السلطة بأقصر طريق متاح.
وعلى مثل هذه الأكاذيب المستمرة انطلق أستاذ معروف في «هارفارد» هو (صمويل هنتنجتون) يبشر في أطروحة له في منتصف التسعينيات بحتمية المواجهة بين الغرب والعالم الإسلامي فيما أسماه بـ (صراع الحضارات) .
- السياسات: من الرؤى إلى التنفيذ:
ويلاحَظ الحضور القوي للاتجاه المعادي في الدوائر السياسية التي رفعت شعار التخوف من استخدام الدين للاستيلاء على الحكم ووقف الديمقراطية ـ ليتسلل من ورائه التخوف الحقيقي من تغيير طبيعة معادلات القوة الخاصة بالنفط والسوق العالمية ـ لتقوم منذ بداية التسعينيات بمواجهة الحركة الإسلامية من خلال عدة وسائل هي:
١ ـ الأدوات الاقتصادية: مثل منح القروض والتسهيلات بهدف إحداث تأثيرات اجتماعية محددة.
٢ ـ أدوات سياسية: تتعلق بتوثيق الروابط مع النخب السياسية، وتشجيع التغيير السياسي على غرار ما حدث في الجزائر ١٩٩٢م.
٣ ـ أدوات ثقافية: بالحوار الثقافي والسياسي، وتعزيز حقوق الإنسان بالمفهوم الغربي.
٤ ـ أدوات استراتيجية بوضع نظام دولي محكم للرقابة على الأسلحة والسعي لتدمير قدرات بعض الدول العربية والإسلامية عن طريق الأمم المتحدة، أو من خلال تحالف بقيادة «أمريكية وعضوية أطلسية، وانضمت إليه روسيا مؤخراً» .
واتسمت المواجهة مع الحركة الإسلامية منذ ذلك الوقت بالتصعيد والعداء المتزايد؛ حيث قامت الدول الغربية بمراجعة أنظمتها القانونية التي تتيح حق الهجرة والعمل للأجانب من جهة، وعززت من التعاون الأمني مع الدول العربية والإسلامية (الصديقة) في مقابل مساندة الحكومات الأوتوقراطية التي تتصدى للحركة الإسلامية.
وعقب أحداث ١١/٩ حدد أصحاب الاتجاه الأيديولوجي المعادي عدداً من الأسس التي تقوم عليها الاستراتيجية الأمريكية تجاه ما يسمى بالإسلام السياسي، وهي:
١ ـ أن تتفهم الولايات المتحدة حاجة دول (الشرق الأوسط) لاستخدام العنف ضد تيارات الإسلام السياسي؛ لأن تلك التيارات تعادي القيم الغربية والمصالح الأمريكية.
٢ ـ أن التنظيمات الإسلامية تزدهر في ظل ظروف اقتصادية صعبة من البطالة والفقر، ومن واجب الدول الغربية مساعدة بلدان الشرق الأوسط كي تخفف من حدة تلك المشاكل (وليس القضاء عليها) .
٣ ـ أن تقدم الولايات المتحدة شيئاً أكثر أهمية من الدعم الاقتصادي وهو الرؤية المستقبلية البديلة للرؤية الإسلامية؛ وذلك عن طريق نشر القيم الليبرالية والأمريكية.
٤ ـ تجنب وضع التنظيمات الإسلامية في سلة واحدة، والنظر إليهم فقط من منظور التهديد الأمني، والسعي إلى معرفة طبيعة الظاهرة وماهيتها بعيداً عن الصورة المشوهة.
٥ ـ تشجيع الأنظمة الحاكمة على ضم الإسلاميين المعتدلين إلى الحكم، ويجب الإشارة هنا إلى أن معظم الحكومات، وكذلك كثيراً من مجموعات المعارضة العلمانية لم تثبت أنها أكثر التزاماً بالديمقراطية من الإسلاميين.
٦ ـ انتقاد الغرب لانتهاكات حقوق الإنسان، والتزوير في الانتخابات عندما يقعان، وليس عندما يتعارضان مع مصالح الغرب.
٧ ـ يجب على الدول الغربية عموماً والولايات المتحدة خصوصاً أن تساعد في تحقيق نتائج جوهرية في حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبما يؤدي بالنتيجة إلى قيام (دولة فلسطينية) .
ولم تؤدِّ هذه المبادئ سوى إلى تغيير تكتيكي في سياسات المواجهة مع الحركة الإسلامية يتمثل في إقامة العديد من الندوات في أوروبا والمنطقة العربية هدفها الحقيقي فتح حوار مع الحركة الإسلامية ليس من أجل التفاعل والانفتاح المشترك، وإنما لخدمة الأجندة الأمريكية بالأساس خصوصاً في تركيزها على تغيير المفاهيم الإسلامية من خلال الحديث المتكرر عن (التسامح) أو في البحث عن وسائل جديدة للمواجهة بالحديث عن كيفية مواجهة العنف.
стр. 5219
اللغز الأمريكي السوري..الحل يبدأ من أفغانستان
أحمد فهمي
لماذا نشرّق ونغرّب دائماً بحثاً عن نظريات سياسية ومبادئ استراتيجية لتفسير الأحداث وكشف المخططات والمؤامرات، وبين أيدينا كتاب الله الذي هو أوْلى أن نبدأ به قبل غيره؛ ليس تقديراً وتقديساً فقط، بل نقول ذلك بين يدي العلاقة المتأزمة بين نظام البعث السوري وإدارة الرئيس بوش، وقد أثارت هذه العلاقة تساؤلات عديدة حول أسباب الأزمة ومستقبلها، وهل يمكن أن تقوم الولايات المتحدة بغزو سوريا أو على الأقل توجيه ضربات خاطفة لإسقاط النظام؟ والسؤال الجامع هو: ماذا تريد أمريكا من النظام السوري؟ وما هو أقصى إجراء عقابي يمكن أن تتخذه ضد دمشق؟
- القرآن يكشف أمريكا:
بعد أن تجهزت إدارة بوش لاحتلال العراق وقبل الغزو مباشرة، خاطب وزير الخارجية (كولن باول) رئيسه خطاباً يذكرنا بالحروب الصليبية؛ فقال: «ستصبح المالك المبجل لخمسة وعشرين مليوناً ـ عراقياً ـ ستملك آمالهم وأحلامهم ومشاكلهم، ستملك كل شيء» (١) .
يقول الله ـ تعالى ـ في قصة سليمان ﵇ وعلى لسان بلقيس ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ إنَّ الْمُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ، وهذه الآية تصلح أن تكون منطلقاً لفهم الاستراتيجية الأمريكية لاختراق وإعادة تشكيل عدة دول إسلامية بدأت بأفغانستان، ولن تنتهي بالسودان أو لبنان. قَالَ ابن عَبَّاس ﵄: «أَيْ إِذَا دَخَلُوا بَلَداً عَنْوَة أَفْسَدُوهُ أَيْ خَرَّبُوهُ، وَقَصَدُوا مَنْ فِيهَا مِنْ الْوُلَاة وَالْجُنُود فَأَهَانُوهُمْ غَايَة الْهَوَان إِمَّا بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْأَسْرِ» (ابن كثير) ، ويقول صاحب الظلال تعليقاً على هذه الآية: «إنهم إذا دخلوا قرية أشاعوا فيها الفساد، وأباحوا ذمارها وانتهكوا حرماتها، وحطموا القوة المدافعة عنها وعلى رأسها رؤساؤها، وجعلوهم أذلة؛ لأنهم عنصر المقاومة، وأن هذا هو دأبهم الذي يفعلونه» .
إذن فأهم ما يقوم به أمثال هؤلاء هو تحويل أعزة البلد إلى أذلة، وبمصطلح العصرالحديث تحويل الأغلبية إلى أقلية، والأغلبية يقصد بها غالباً أهل السنة، والأقلية هم غيرهم من الطوائف، وأهل السنة هم الأعزة الذين يحملون دوماً راية المقاومة ضد المحتل الأجنبي، وغير أهل السنة كانوا دوماً يداً ورجلاً وسمعاً وبصراً للأعداء يستخدمهم لإذلال أهل السُنِّة الأعزة دائماً كما حكم ربنا ـ جل وعلا ـ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] .
وعندما نتأمل الدول العربية والإسلامية التي وضعتها إدارة بوش ضمن أولوياتها فسنكتشف أنها دول تعاني من مشكلات طائفية وعرقية كبيرة: أفغانستان ـ إيران ـ العراق ـ سوريا ـ لبنان ـ السودان، وعند التدقيق يمكن ملاحظة نمطين تتعامل بهما الولايات المتحدة مع هذه الدول حسب هوية الأغلبية السائدة، وتنقسم الدول وفق ذلك إلى قسمين:
أولهما ويشمل: أفغانستان، العراق، السودان.
والثاني ويشمل: إيران، سوريا.
وتفسير ذلك أنه عندما تكون الطائفة السائدة هي أهل السُنَّة فإن النصرة تكون دوماً للأقليات، ويكون من ضمن مسوغات التدخل: المطالبة بحقوق الأقليات المضطهَدة، والهدف في هذه الحالة لا يقتصر على إسقاط النظام، بل يشمل إعادة صياغة التوازن العرقي والطائفي داخل البلد حسب الرؤية الجديدة، حدث ذلك في أفغانستان والعراق والسودان، وكانت النتيجة أن الأغلبية فقدت قوتها، وتراجعت في مواجهة الدعم الأمريكي للأقليات المتحالفة معها؛ فقد سقطت طالبان التي تنتمي إلى الأغلبية البشتونية، وتحوَّل السنة في العراق إلى أقلية لا تتجاوز في زعمهم ٢٠%، وفي السودان تمددت الحركة الشعبية وأصبح (جارانج) نائباً للرئيس وتنتشر مليشياته في أنحاء الدولة.
ولكن في المقابل عندما تكون الغلبة لغير أهل السنة أو يكونون أقلية فإن أحداً لا ينادي بالحقوق الضائعة، ورغم العلاقات المتوترة منذ سنوات طويلة بين أمريكا وإيران فإن أي إدارة أمريكية لم ترفع عقيرتها بالدعوة لنصرة الأقلية السُنية أو الكردية رغم أنهم يشكلون معاً نحو ٣٠% ورغم وجود أقليات أخرى مهضومة. وفي سوريا أيضاً لم يتحدث أحد عن حكم الأقلية العلوية للأغلبية السنية، وأنه ينبغي إعادة الأمور لنصابها الصحيح ـ كما ادعوا في العراق ـ وتسليم الأغلبية السنية التي تتجاوز ٨٠% من إجمالي السكان حكم البلاد.
والقرآن كما قلنا يُفسر ذلك، وحسب مفهوم المخالفة؛ فإنه إذا كان الملوك المحتلون يجعلون أعزة البلد أذلة؛ فكيف لو كانوا أذلة بحكم الواقع في إيران وسوريا؟ إذن تبقى الأمور على وضعها، وغير السنة لا خوف منهم؛ فلن يرفعوا للمقاومة راية، ولن يتخذوها غاية، ومن ثم تنحصر الجهود والضغوط في مجرد تغيير السياسات أو الأنظمة مع بقاء التركيبة العرقية والطائفية كما هي دون تغيير.
وحسب تلك الرؤية نعيد النظر مرة أخرى لخريطة الدول السابق ذكرها لاستيعاب السياسات الأمريكية ثم استشرافها في المرحلة القادمة، ويمكن تحديد بعض الملامح في هذا السياق نذكرها فيما يلي:
١ - في الغالب ـ والله أعلم ـ ستظل تركيبة الحكم في سوريا على وضعها؛ لأن أي تغيير يدفع بالسنة إلى تسلم الحكم يمكن أن يكون له تداعيات خطيرة في المنطقة؛ إذ سيتشكل هلال سني ـ بدلاً من الشيعي ـ ينطلق من سوريا ويتمدد إلى العراق شرقاً، ثم لبنان غرباً، ولن يكون ذلك ملائماً للمصالح الأمريكية، والبديل المناسب في هذه الحالة إما أن يكون علوياً، أو علاَّوياً ـ نسبة إلى إياد علاوي ـ ولكن إلى الآن لا توجد نماذج مشجعة يمكن لأمريكا أن تعتمد عليها.
٢ - التصريحات التي صدرت من الأردن بخصوص الهلال الشيعي لم تلق تجاوباً من الإدارة الأمريكية رغم خطورتها وصحتها، ورغم موقف الإدارة من إيران، وهذا أمر له دلالة خاصة لا تخفى.
٣ - عندما نرتب المناطق الساخنة التي ذكرناها سابقاً سنلاحظ أنها تشكل حزاماً ضاغطاً وخانقاً على الكتلة العربية الرئيسة التي تضم قوة اقتصادية وبشرية ودينية هائلة، خاصة لو أضيف إليها تأثير الكيان الصهيوني ورغبته في التمدد خارج حدود فلسطين ـ ليس عسكرياً بالضرورة ـ وأيضاً تأثير التواجد الشيعي في الخليج، ولا تصعب ملاحظة التأييد المطلق الذي تحظى به السياسة الأمريكية لدى هؤلاء، ونذكر مثالين فقط من الكويت والبحرين. يقول رجل الدين الشيعي الكويتي المعروف (محمد المهري) مهاجماً الإسلاميين الذين ينتقدون السياسات الأمريكية: «هناك تيار في الدول الإسلامية ـ سُني بالطبع ـ يعادي أمريكا في مواقفها؛ حتى ولو كانت لصالح الإسلام!» (١) وذكرت تقارير من البحرين أن بعض قادة المعارضة ـ من الشيعة ـ يعتزمون علانية بالاتصال بشخصيات غربية في الخارج ليمارسوا ضغوطاً على حكومة البلاد لتحقيق مطالبهم (٢) .
٤ - يبرز بوضوح الحرص الإسرائيلي على بناء علاقات قوية في أكثر المناطق الساخنة، مثل: العراق، والسودان، ولو عن طريق خفي.
٥ - الاستراتيجية التي تعتمدها الولايات المتحدة في الدول السابقة متماثلة تقريباً في جميع الدول بدءاً من أفغانستان وحتى السودان ولبنان، وهي: إعادة صياغة التوازن العرقي والطائفي وفق تركيبة تناسب المشروع الأمريكي، وهي تركيبة تتميز بإحداث فراغ سياسي عن طريق إضعاف سيادة الدولة، ويصبح التوازن السياسي مفتقراً دوماً إلى القوة الخارجية. وبمعنى آخر: فإن الصياغة الجديدة لا يتحقق فيها التوازن ذاتياً، ولكن خارجياً، وعندما ينسحب الطرف الخارجي تحت أي ظرف ولأي سبب ينهار البناء الداخلي. ولعلنا نذكر تأكيد جهات وأطراف كثيرة داخل العراق ـ بعضها سني ـ على أن انسحاب القوات الأمريكية في هذه المرحلة سوف يسبب انهياراً داخلياً، وحقيقة ما يحدث أن إدارة بوش تحوِّل دول المنطقة إلى قنابل زمنية تضبط مواعيد تفجيرها حسب مصالحها.
٦ - إذا أردنا معرفة الدول التالية التي تحتل الأولوية في قائمة التغيير الأمريكية علينا النظر إلى الدول المتعددة عرقياً أو طائفياً، وحيث توجد مشكلات ساخنة للأقليات أو تُبذل جهود لتسخينها عمداً.
٧ - مفهوم التحالف بين الولايات المتحدة ودول المنطقة طرأ عليه تغييرات جوهرية عجزت بعض الدول وبعض الزعماء عن قراءتها، أو هم لا يريدون ذلك، فلم تعد هناك تحالفات دائمة، وحليف اليوم قد يصبح عدواً في الغد، وقد يتحول إلى كبش فداء، كما حدث مع الحريري أو فداء للكبش كما حدث لعرفات، وبدا واضحاً أن الإدارة الأمريكية في الفترة الأخيرة تتبنى سياسة بديلة لسياسة «دعم الحليف مطلقاً» ، وهي «دعم الحليف حتى تنتهي مهمته فقط» ، وعندها يتم البحث عن بديل أكثر مناسبة للمرحلة القادمة حتى ولو كان البديل القديم لا يزال محتفظاً بولائه للمصالح الأمريكية. وهنا تجدر الإشارة إلى البدائل الليبرالية التي بدأت تنتعش في كثير من الدول العربية، سواء بفعل فاعل أو بفعل طامع، وبعض الرؤساء العرب قد يصعب عليهم تخيل الحد الذي يمكن أن تبلغه أمريكا في تطوير استراتيجية الاستبدال، وكان قد غاب عن عرفات إدراك هذه الحقيقة. ولو ثبت أن المخابرات الأمريكية أو الإسرائيلية وراء اغتيال الحريري فإن ذلك يعني أن أنماط التخلص من الحلفاء قد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وسندرك عندها «مستوى الذكاء الاستباقي» الذي يتمتع به العقيد القذافي حينما وضع كل ما في جيبه على الطاولة الأمريكية فأراح واستراح.
٨ - في مجال التعامل مع الأقليات فإنه من المبادئ المهمة معرفة أن: تحقيق بعض المكاسب لأقلية ما لا يعني أبداً تراكم قناعة لدى هذه الأقلية بالعدل والاكتفاء، وإنما يعني تراكم قناعة أخطر لدى قادة الأقلية بضرورة رفع سقف الطلبات لتحقيق مزيد من المكاسب في دورة قد لا تنتهي إلا بسقوط دولة الأغلبية.
- هل تتعرض سوريا لغزو أمريكي؟
هذا السؤال أتعب المحللين والسياسيين وحتى الزعماء، وقد صرح الرئيس السوري (بشار الأسد) في حوار مع صحيفة (لاريبوبليكا) الإيطالية قائلاً: «إذا سألتني عما إذا كنت أتوقع هجوماً مسلحاً؟ حسناً! أتوقعه منذ نهاية الحرب في العراق؛ تصاعدت التوترات منذ ذلك الحين» (١) ، وقد أسلفنا اجتهاداً للإجابة عن هذا السؤال استرشاداً بآية قرآنية، ونذكر أيضاً بعض الدلائل التي يمكن أن تساهم في بلورة أكثر لهذه الإشكالية:
أولاً: من المعلوم أن البيت الأبيض والخارجية والمؤسسات العسكرية والاستخباراتية يُعتمَد في أدائهم وقراراتهم على كَمٍّ هائل من البحوث والدراسات - جزء كبير منها غير معلن ـ التي تقذف بها عشرات مراكز الفكر والبحث الحكومية وغيرها، وهذا الكم يتضمن كل ما يمكن تخيله في هذا المجال، ولا نبالغ إذا قلنا إنه توجد خطط لغزو عدد كبير من الدول في منطقتنا العربية وقلب نظم الحكم فيها بالقوة أو بغيرها، ولا يعني أبداً تداول بعض هذه الدراسات والمخططات أنها دخلت دائرة التنفيذ والفعل، ولذلك ينبغي التفريق بين وجود خطط أو تصورات وبين الاتفاق على تنفيذها بالفعل.
ثانياً: ليس منطقياً أن تبادر أمريكا بفتح ساحة حرب جديدة داخل سوريا المجاورة للعراق، وخاصة أن هذا الاحتلال قد يمثل عنصر تحفيز واستنهاض للسنَّة في سوريا قد يُغرق أمريكا في مستنقع جديد. بالإضافة إلى عدم توفر نخب سياسية قادرة على تولي زمام الحكم في سوريا؛ فليس هناك معارضة قوية في الخارج لها أتباع وكوادر وميليشيات كما كان الحال بالنسبة لشيعة العراق، وجهة المعارضة السورية الأبرز هم الإسلاميون السُنة، ولا شك أنهم مستبعدون تماماً.
ثالثاً: كان مستهدفاً من مسرحية شرم الشيخ تهيئة الأجواء لمد الجسور بين إسرائيل والدول العربية، خاصة بعد انتخاب أبو مازن وانتهاء الانتخابات العراقية، وليس من المعقول أن يتم تعكير الأجواء مرة أخرى بحرب جديدة في سوريا تشارك فيها إسرائيل بدور واضح؛ فذلك يعني اشتعال الرأي العام العربي من جديد، وهو ما سيؤدي إلى عرقلة الاختراق الإسرائيلي للدول العربية.
رابعاً: لو أردنا معرفة أي الدولتين تُضرب أولاً: إيران أم سوريا؟ فالدلائل تشير إلى أن إيران سيكون لها السبق؛ فهي الأكثر تأثيراً على العراق والأكثر قوة وأطماعاً على المستوى الإقليمي، ولكن إلى الآن لا تبدو الإدارة الأمريكية قادرة على اختيار الاستراتيجية المثلى في التعامل مع نظام (الملالي) ؛ فمن الناحية العسكرية تتراوح الخيارات بين توجيه ضربات عسكرية للمواقع النووية والصناعات الصاروخية، ولكن قد لا يؤدي ذلك بالضرورة إلى سقوط النظام، وبين توجيه حملة شاملة لاحتلال الدولة؛ وهذا الخيار مستبعد إلا في حالة توفر رأي عام شعبي مؤيد لمثل هذا الإجراء الانتحاري في بلد مترامي الأطراف مثل إيران.
ومن الناحية السياسية فإن التحريض على الثورة لم يأت بنتائج مشجعة حتى الآن؛ كما أن الضغوط الدولية لم تسفر عن نتائج مرضية، ولذلك يغلب أن تدفع الإدارة الأمريكية في اتجاه مواصلة مزيد من الضغوط، ولا مانع من توجيه ضربات عسكرية وقائية للمواقع العسكرية لعلها تضعف النظام.
خامساً: القرار الأمريكي باحتلال دولة ما يمر قبل صدوره من الرئيس بمراحل مختلفة من البحث والتحليل، وتتناوشه جهات عدة وأطراف عديدة بدءاً من اللوبيات الصهيونية والمجمع العسكري الصناعي، ثم مؤسسات الدولة من استخبارات ودفاع وخارجية، ثم مجلس الأمن القومي ومستشاري بوش، وتوضع المعطيات في النهاية بين يدي الرئيس، بعضها يدعم بقوة اتخاذ قرار الغزو، وبعضها الآخر يحذر من اتخاذ مثل هذا القرار، وقد تتعدد الدلائل على صعوبة اتخاذ قرار الغزو، وأنه سيكون قراراً أحمق، ولكن من يدعي أن الساسة لا يتخذون قرارات حمقاء؟ في نهاية الأمر هناك جهات تستفيد من إشعال أي حرب في أي بقعة من العالم، ولا يهم في هذا الصدد نتيجة الحرب أو حجم الخسائر. وفي حرب العراق مثلاً يبرز عدد الجنود الأمريكيين كعلامة استفهام أثارت حيرة الكثيرين داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، بدءاً بنواب في الكونجرس وانتهاء بوزير الخارجية المستبعد (كولن باول) ، كلهم كانوا يتساءلون: لماذا الإصرار على هذا العدد بينما كان يمكن حسم الحرب ـ حسب رؤيتهم ـ بمضاعفته إلى ٣٠٠ ألف جندي؟ وهي التقديرات التي قدمها القادة العسكريون قبل بدء الاحتلال، ولكن (رامسفيلد) وزير الدفاع أصر على أن ١٥٠ ألف جندي تكفي وزيادة.
- ماذا تريد أمريكا من النظام السوري؟
الخلاف بين سوريا وبين أمريكا وإسرائيل ينبغي تحريره بدقة حتى نعرف إلى أين تسوقنا الاستنتاجات والتحليلات الكثيرة، وهنا تبرز عدة أفكار:
١ - لا توجد مشكلات لدى النظام السوري في عقد مباحثات سلام مباشرة مع حكومة شارون، كما أن التمسك بهضبة الجولان أمر يقبل الالتفاف عليه وتقديم تنازلات مشجعة، وقد أعلنت سوريا مؤخراً عن رغبتها في ذلك، ولكن بعد فوات الأوان؛ فقد دخلت المنطقة في مرحلة تقليم الأظافر، ومشكلة النظام السوري أنه يستغرق وقتاً حتى يتجاوز ثوابته القومية الخطابية ومصالحه الخاصة، وإن كان في المجمل يبدو أكثر فاعلية في هذا المجال من صدام حسين بطيء الإيقاع، ولكنه ليس في مستوى القذافي مثلاً الذي نجح في الاحتفاظ برأسه وكرسيه.
٢ - نظام البعث السوري لديه قدرة عالية على «ضبط النفس» في مواجهة الاستفزازات أو الاعتداءات الإسرائيلية، كما أن قدراته العسكرية تدهورت إلى حد كبير، وخاصة أنه يمكن اعتبار غالبية السلاح السوري هو منحة روسية.
٣ - الدعم الذي تقدمه سوريا للمنظمات الفلسطينية تراجع بصورة ملحوظة، ولم يعد يتجاوز تقديم مقرات لبعض الأعضاء مع تضييق نطاق النشاط والحركة إلى حد كبير، وحتى ذلك يجري تقليصه بعد الإعلان عن غلق مقرات ومكاتب حركة الجهاد الفلسطينية. ويبدي النظام تجاوباً واضحاً في هذا المجال، ولم تعد قضية الإيواء تحتفظ بأهميتها السابقة، خاصة بعد اغتيال أحد قادة حماس في دمشق واكتشاف اليد الطولى للموساد الإسرائيلي في قلب دمشق، وقد صرح (خالد مشعل) رئيس المكتب السياسي لحماس في مؤتمر صحفي عقده بالدوحة أن «الضغوط على سوريا مقلقة، وما يجري في أعقاب اغتيال الحريري مقلق وسينعكس علينا سلباً، لكنه صرح أن الحركة «موجودة في بلاد مختلفة بعضها بشكل معلن وبعضها غير معلن» .
٤ - تبقى العقبة الأساسية متمثلة في أنه من قواعد النظام الجديد للشرق الأوسط ألا يتعدى نفوذ أي دولة إلى دولة أخرى، وهذه من متطلبات الفراغ السياسي الذي تنشده أمريكا، ولعلنا نلاحظ ما حدث في معالجة القضية السودانية من تقليص واضح للدور المصري التاريخي في هذا البلد، وحتى تركيا رغم تحالفها مع أمريكا لم يُسمح لها بمد نفوذها إلى الشمال العراقي المجاور لها تحت أي مسمى، بينما فُسح المجال للإسرائيليين لاختراق المنطقة نفسها ـ رغم بعدها عنهم ـ اقتصادياً وعسكرياً واستخباراتياً، وتخلت باكستان راضية عن منطقة نفوذها الطبيعي في أفغانستان، ولا يزال النفوذ الإيراني لدى شيعة العراق وحزب الله يمثل مشكلة كبرى تسعى إدارة بوش للتخلص منها. والخلاصة: أن تقليص النفوذ الإقليمي من شعارات المرحلة الحالية التي يمكن أن تفسر كثيراً من التحركات السياسية، ومن أبرز صور النفوذ أو التدخل في المنطقة: الوجود السوري في لبنان.
٥ - وبذلك يبقى الملف السوري اللبناني هو مناط الخلاف، سواء بين السوريين والإسرائيليين، أو بينهم وبين الأمريكيين، وتمثل لبنان أحد المناطق العربية الساخنة التي يمكن لها أن تثير التوترات والاضطرابات على نطاق واسع، نتيجة تركيبتها الطائفية وسهولة اختراقها من قِبَل أجهزة المخابرات المعنية، وكان (هنري كيسنجر) وزير الخارجية الامريكي الأسبق يقول: «إن لبنان ساحة وليس مساحة» ، كما أن لبنان تمثل أداة اختراق مثالية للواقع العربي، سواء من الناحية الثقافية أو السياسية أو الاقتصادية. وبالنسبة لسوريا يعمل في لبنان مئات الألوف من السوريين يقدرهم بعض المحللين بأكثر من ٩٠٠ ألف سوري، ويحقق العامل البسيط دخلاً يتجاوز عشرة دولارات يومياً، وهو ما يصعب تحقيقه في سوريا، وقد أُجبر مائة ألف سوري على العودة إلى بلدهم عقب اغتيال الحريري مباشرة، أغلبهم من المناطق النصرانية، وفي لبنان تنتشر مشروعات واستثمارات قانونية وغير قانونية تابعة لأقطاب النظام في سوريا، وفي حالة تراجع النفوذ السوري في لبنان فإن ذلك يعني تعرض الاقتصاد والمصالح الخاصة لهزات وانكشافات وفضائح قد لا يمكن تحملها، وهذا ما يجعل الاستماتة السورية واضحة في لبنان. وفي حوار كان أدلى به رفيق الحريري لصحيفة (إيرش تايمز) الإيرلندية، قال: «قبل عام قال لي بشار: أنا الوحيد الذي أملك الحق في اختيار رئيس لبنان، وليس لأي شخص آخر هذا الحق سورياً كان أم لبنانياً» ، ويعتبر رئيس الاستخبارات السورية من أقوى الرجال نفوذاً داخل لبنان (١) .
إذن هي حرب مصالح وليست حرباً قومية أو عروبية؛ فالحرب القومية ينبغي أن تكون في الجولان حيث يمكث المحتل الإسرائيلي وليس في لبنان، ويمكن إضافة البعد الطائفي كمحدد رئيس للأحداث عندما نسترجع أسباب التدخل السوري في لبنان في مطلع السبعينيات عندما كان السُنة يتحكمون في أغلب الأراضي اللبنانية، وكان ذلك يمثل تهديداً لا يمكن السكوت عليه، لتستقر السيطرة العلوية في سوريا؛ فكان التدخل السوري في لبنان لتحجيم السيطرة السنية في الأساس.
هناك اتفاق إذن بين الأطراف المتصارعة على استبعاد السُنة، وعلى التضحية بالجولان، وعلى تسليم عناصر البعث العراقي للاحتلال، وعلى تجميد نشاط ومقرات المنظمات الفلسطينية في دمشق، وعلى ضبط عمليات التسلح، ولكن يبقى الخلاف محصوراً في لبنان كما ذكرنا، ويبقى قرار التعامل العسكري مع سوريا محصوراً بثلاثة عوامل: مرونة النظام الحالي، توفر البديل، مصالح جماعات الضغط الأمريكية.
стр. 5220
منازعة أمريكا لفرنسا على دول المغرب العربي
يحيى أبو زكريا
لم تصبح منطقة المغرب العربي تحت المجهر اليهودي ـ الموسادي على وجه التحديد ـ بسبب التواجد الكبير للفلسطينيين الذين أُجبروا على مغادرة بيروت متوجهين إلى دول المغرب العربي، بل إن منطقة المغرب العربي كانت مرصودة بسبب مواقف بعض دولها من الدولة العبرية ومشاركتها بقوة في الحروب العربية ـ الإسرائيلية. وقد استطاعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وبفضل الوجود اليهودي الغزير في منطقة المغرب العربي من إقامة شبكات
وعندما استقرت منظمة التحرير الفلسطينية في تونس ازداد نشاط الأجهزة الأمنية في منطقة المغرب العربي، وما لم يكونوا يتمكنون منه عبر شبكتهم كانوا يحصلون على ما يريدونه من معلومات من خلال المخابرات الفرنسية التي اخترقت المخابرات المغاربية وتحديداً في الجزائر وتونس والمغرب. ففي تونس كلف الموساد الإسرائيلي سيدة مجتمع تونسية بعد أن تم توظيفها في (عاصمة النور والملائكة) باريس بفتح محل للحلاقة النسوية، وتحول هذا المحل مع مرور الأيام إلى محط رحال زوجات المسؤولين التونسيين والفلسطينيين الموجودين في تونس، وكانت هذه السيدة تقوم بتسجيل ما يتلفظن به من أسرار تتعلق بالوجود الفلسطيني في تونس أو بعض القرارات السياسية المزمع اتخاذها.
ولم يكتف الموساد بالسيدة التونسية المذكورة، بل عمل على شراء ذمم بعض الشخصيات السياسية في الخارجية التونسية للحصول على معلومات تتعلق بنشاط كافة التنظيمات الفلسطينية في تونس.
وقد أعلنت الخارجية التونسية ذات يوم أنها سلمت للقضاء التونسي مديراً رفيع المستوى في الخارجية التونسية لتورطه في التعامل مع جهة أجنبية ـ الموساد الإسرائيلي ـ. واستغل الموساد الوجود المكثف لليهود التونسيين الذين يتمتعون بحقوق المواطنة التونسية، فورّط بعضهم في جمع معلومات عن منظمة التحرير الفلسطينية ونشاطها العسكري والسياسي، وقد اعتقلت السلطات التونسية ذات يوم اثنين من هؤلاء، وأطلقت سراحهما بعد تدخل حاخام اليهود الأكبر في تونس لدى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي. ومن الشخصيات الفلسطينية المهمة التي جرى اعتقالها في تونس الرجل الثاني في سفارة فلسطين في تونس عدنان ياسين الذي كلف من قِبَل الموساد الإسرائيلي بجمع معلومات عن مسودات محمود عباس ـ أبو مازن ـ وذلك قبل لقاء جرى بين محمود عباس - أبو مازن وشمعون بيريز في القاهرة. وقد تفاجأ أبو مازن لكون شمعون بيريز كان على اطلاع كامل على تفاصيل الطروحات الفلسطينية المتعلقة باتفاق غزة ـ أريحا أولاً. وقد طلب أبو مازن بإجراء مسح على مكتبه، فتمّ اكتشاف أن المصباح الموضوع على مكتب أبو مازن هو في حقيقته جهاز تصوير دقيق للغاية وعندما تمّ اعتقال عدنان ياسين عُثر في بيته على حبر سري وأربعة أقلام تحتوي على أجهزة تنصت، وأفادت المعلومات الأولية عندها أن عدنان ياسين جرى توظيفه في دولة غربية أثناء عرض زوجته التي كانت مصابة بسرطان المعدة على مستشفيات غربية، وجرى هذا التوظيف في بون، وكانت الدفعة الأولى التي استلمها هي ١٠,٠٠٠ دولار. كما جرى اعتقال العديد من الأمنيين بتهمة التجسس لصالح الموساد الإسرائيلي. وفي الجزائر نجحت فرقة كوماندوس إسرائيلية في تفجير سفن حربية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي كانت راسية في ميناء مدينة عنابة الواقعة في الشرق الجزائري.
وكان الموساد الإسرائيلي يوظف اليهود الجزائريين الذين منحتهم فرنسا جنسيتها عقب انتهاء حربها مع الجزائر، وغادروا الجزائر مع القوات الفرنسية في ٥/٧/١٩٦٢م، وكان هؤلاء على علاقة بمسؤولين جزائريين كانوا يقيمون في فرنسا وكانوا محسوبين على حزب فرنسا في الجزائر. وتركيز الموساد في الجزائر كان على أمور منها المعسكرات الفلسطينية في الجزائر، التسلح الجزائري ـ مفاعل عين وسارة الجزائري النووي. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الشخصيات السياسية الجزائرية المحسوبة على التيار البربري واليساري والفرانكوفوني نسجت علاقات مع ضباط في الموساد؛ وذلك في العاصمة الفرنسية باريس، وقد ضبطت السلطات الجزائرية حمولة أسلحة إسرائيلية موجهة من ميناء مارسيليا في جنوب فرنسا إلى ميناء بجاية الجزائري، والتيار السياسي المسيطر على بجاية هو التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري، ومن الشخصيات السياسية الجزائرية التي قتلت برشاش عوزي الإسرائيلي مدير المخابرات العسكرية الأسبق ورئيس الوزراء الجزائري الأسبق قاصدي مرباح.
كما أن السلطات الجزائرية اعتقلت بعض الطلبة العرب الذين جرى توظيفهم لحساب الموساد، وكان عملهم أن يجمعوا كافة المعلومات المتوفرة عن مفاعل عين وسارة النووي.
وفي المغرب وجد اليهود الساحة مفتوحة والمجال أرحب، وكانت علاقتهم بدوائر البلاط مباشرة، وكان أرباب الشركات الكبرى من اليهود عندما يشاركون في المعارض الاقتصادية الدولية في الرباط يحظون بمآدب يقيمها لهم الراحل الملك الحسن الثاني الذي كان يحاول على الدوام الجمع بين هؤلاء وشخصيات مالية من إحدى دول الخليج، وكانت الشخصيات اليهودية من أصل مغربي كديفيد ليفي وإيلي درعي وغيرهما دائماً تجد كل الأجوبة عن كل التساؤلات العبرية.
ويعتبر أندريه أزولاي مستشار الملك الراحل الحسن الثاني ومستشار الملك الحالي محمد السادس يهودي مغربي سبق له العمل في مصرف فرنسي كبير قبل أن يتحول إلى القصر الملكي في الرباط كمستشار سياسي، وكان أحد أبرز الدافعين إلى العلاقات العبرية ـ المغربية والحوار العربي ـ الإسرائيلي.
وكانت مقررات القمم العربية والمداولات السرية تصل تباعاً إلى تل أبيب عبر الرباط، وربما هذا ما جعل مراسل التايمز اللندنية في الرباط. يقول: إن يهود المغرب أفضل حالاً من السكان الأصليين.
- المغرب العربي بين فرنسا وأمريكا:
تدور في المغرب العربي حرب خفيّة وباردة إلى حدّ ما بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، والتي بدأت تنعكس على العلاقات الفرنسية ـ المغاربية بشكل عام مؤشرة إلى أن اللاعب الأمريكي استطاع بجدارة التسلل إلى الملعب المغاربي، والذي ما فتئت فرنسا تؤكد أنه من صلاحياتها دون غيرها، وفرنسا الرسمية التي تشن تصريحات يفهم منها عدم رضاها على وضعية حقوق الإنسان في تونس وموريتانيا والجزائر والمغرب وليبيا، ترفض الجهر بامتعاضها من التسهيلات التي بدأت تعطيها بعض هذه الدول المغاربية لأمريكا وموضوع حقوق الإنسان في المغرب العربي الذي تثيره فرنسا هو مجرّد لهو حديث؛ ومخاوف فرنسا من فقدها للمغرب العربي متشعبة: منها السياسية، والاقتصادية، والثقافية، وحتى الجيوسياسية.
إلى وقت قريب كانت فرنسا هي المحتكر الوحيد للأسواق المغاربية تمدها بكل صغيرة وكبيرة، وحتى تبقى على هذا الاحتكار كانت تقدم مساعدات لبعض الدول المغاربية لإبقائها دوماً في الدائرة الفرنسية؛ فعلى سبيل المثال قدمت فرنسا منذ ١٩٩٤م مساعدات كمنح لموريتانيا قدرت بمبلغ ٩٠٠ مليون فرنك، لكنّ هذه المساعدات تقلصت بعد بداية التقارب الموريتاني ـ الأمريكي وفتح واشنطن أبوابها لنواكشوط عقب استئناف علاقاتها مع الدولة العبرية. صحيح أن واشنطن تبحث عن المواقع التي فيها موارد أولية، لكن موريتانيا تتمتع بموقع استراتيجي مهم للغاية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.
وفي تقرير سابق كان قد كتبه أحد المستشارين للرئيس الفرنسي الراحل (فرانسوا ميتران) جاء فيه أن كل فرنك تدفعه فرنسا لأفريقيا ـ والمقصود هنا شمال أفريقيا أيضاً أي المغرب العربي ـ تسترجع مقابله فرنسا عشر فرنكات؛ وذلك في إشارة إلى حجم الأرباح التي تجنيها فرنسا من إفريقيا. وحتى الموارد الطبيعية كالنفط والغاز؛ فإن الشركات الفرنسية هي التي كانت مسيطرة عليها تنقيباً وتسويقاً واحتكاراً. أما الآن فالشركات الأمريكية باتت الأكثر حضوراً في مواقع النفط والغاز وعلى الأخص في الجزائر.
وعلى الصعيد الثقافي فإن اللغة الإنجليزية باتت تنافس اللغة الفرنسية التي كانت سيدة الموقف وبلا منازع؛ ولأجل هذا تحركت الدوائر الفرنسية ومنها منظمة الفرانكفونية العالمية لإعادة الاعتبار للغة الفرنسية ووقف الزحف اللغوي الإنجليزي للمغرب العربي.
وفرنسا التي حظرت اللغة العربية في المدارس الفرنسية تطالب دول المغرب العربي بضرورة إعطاء تسهيلات للغة الفرنسية في المغرب العربي، وجاءها الرد هذه المرة من الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي قال إن على فرنسا أن تتصالح مع اللغة العربية في مدارسها وبعد ذلك تطالبنا بتسهيلات للغة الفرنسية.
وعلى الصعيد الجيوسياسي فإن فرنسا تعتبر المغرب العربي هو بوابتها على أفريقيا التي فقدت فيها فرنسا كل أو بالأحرى جل مواقعها، وإخراجها من هذا الحزام هو بمثابة إنهاء وجودها التاريخي العريق في أفريقيا.
وتخشى الدوائر الفرنسية أن يؤدي تدفق الشركات الأمريكية على المغرب العربي إلى نكسة للاقتصاد الفرنسي الذي يعوّل كثيراً على الأسواق المغاربية. ومعروف أن هذه الأسواق تستورد كل صغيرة وكبيرة من المواد الغذائية والزراعية والأدوات الكهربائية والسيارات وغيرها من فرنسا. وقد بات مألوفاً بين المغاربيين النكتة التي تقول إن البواخر الفرنسية المحملة بالحنطة لو تأخرت يوماً واحداً في الوصول إلى الموانئ المغاربية فإن الشعوب المغاربية لن تجد ما تخبزه، ومن ثمَّ ما تأكله، وهذا التداخل بين فرنسا واقتصاديات الدول المغاربية. أفرز طبقة رسمية متنفذة تقتات من السمسرة والعمولات المقدمة من الشركات الفرنسية إلى درجة أن بعض المسؤولين في بعض الدول المغاربية يرفضون شراء بضائع معروضة عليهم من دول غير فرنسا بأثمان زهيدة، لكن العروض تهمل نظراً لأنّ المعنيين بالاستيراد لا يرجون عمولة مزجاة من الدول العارضة، وهؤلاء تربطهم بالدوائر الفرنسية أوشج العلاقات، ولديهم في باريس حسابات يسهل الضخ فيها بعيداً عن أعين المواطنين المسحوقين في المغرب العربي.
وفي الوقت الذي تسعى فيه باريس لتجذير مصالحها الاقتصادية والثقافية في المغرب العربي؛ فانّ لواشنطن بعداً آخر غير هذين البعدين ـ وإن كانت عينها جاحظة على الموارد الطبيعية الغنية في الشمال الأفريقي ـ وهو البعد الاستراتييجي؛ حيث تشير بعض الدراسات الأمريكية ومجلة فرين أفرز الأمريكية المتخصصة في القضايا الدولية أن منطقة المغرب العربي حساسة لدوائر القرار الأمريكية التي وضعت دراسة برمتها في كيفية زحزحة فرنسا عنها، ويرى بعض المراقبين في المغرب العربي أن الفترة المغاربية المقبلة ستكون أمريكية، وخصوصاً أن الرئيس التونسي الحالي زين العابدين بن علي علاقته بالأمريكان أقوى منه بالفرنسيين؛ فهو أكمل تكوينه العسكري في الولايات المتحدة الأمريكية، ولدى عودته من هناك بدأ نجمه السياسي يسطع، وبدأ نجم بورقيبة الفرانكفوني ـ الفرنسي ـ يخفت، والملك محمد السادس علاقته بالأمريكان أمتن ـ كما كانت علاقة أبيه ـ إلى درجة أن الكونغرس الأمريكي اعتبر المغرب بلداً نموذجياً في الوقت الذي تتهم فيه وسائل الإعلام الفرنسية الرباط بأنها تنحر حقوق الإنسان جهاراً نهاراً، وعبد العزيز بوتفليقة يحظى بدعم أمريكي مباشر إلى درجة أن المناورات العسكرية البحرية بين القوات الأمريكية والجزائرية على السواحل الجزائرية قد تكثّفت بشكل ملحوظ في المدة الأخيرة، والتطبيع بين واشنطن ونواكشوط يضطرد بسرعة، وهو الأمر الذي أغاظ باريس وجعلها تعتقل بعض المسؤولين الموريتانيين على أراضيها بدعوى انتهاك حقوق الإنسان في موريتانيا، أما ليبيا فهي وجدانياً أقرب إلى واشنطن منها إلى باريس. وقد بدأت دوائر أمريكية تكشف عن محطات تعاون بين الأجهزة الأمنية في تل أبيب وطرابلس الغرب وتقديم هذه الأخيرة لمعلومات تتعلق بتنظيمات فلسطينية كانت تحظى بالدعم الليبي في يوم من الأيام. والزحف الأمريكي باتجاه المغرب العربي يتم بسرية مغلقة وتامة إلى درجة أن باريس كلما تستيقظ صباحاً تجد أن ضفتها الجنوبية ـ المغرب العربي ـ تنزاح بهدوء باتجاه الهوى والهواء الأمريكيين، وهذا ما يجعل فرنسا متحمسة لفكرة الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والدول المغاربية. لكن ما لم تحققه باريس في مواقع أخرى من العالم لا يمكن أن تحققه في المغرب العربي.
стр. 5221
المساعدات الأمريكية للفلسطينيين أولويات مختلة وشروط خطرة
إبراهيم أبو الهيجاء
من المعروف في تاريخ الدعم المالي الأمريكي للفلسطينيين أن الولايات المتحدة لا تدعم جهاز السلطة الفلسطينية بشكل مباشر، وإنما تلجأ إلى تصريف هذا الدعم من خلال فريق الدول المانحة الدولي، وبهذه الآلية التحايلية أمنت الولايات المتحدة لذاتها ثغرة الهروب من التزاماتها الجدية؛ ليس فقط تجاه الشعب الفلسطيني النامي؛ بل حتى تجاه السلطة الفلسطينية المتبلورة نتاج اتفاق سياسي رعته هي ذاتها. ورغم أن السلطة الفلسطينية لبت الشروط الأمنية في العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن المساعدات الأميركية كانت شحيحة، وبقيت مساعداتها محصورة في إطار الدول المانحة أو صندوق النقد، أو تركزت في رفع الجاهزية الأمنية الفلسطينية دون أن يُدرج أو يُذكر حجم هذا التمويل في الموازنات الرسمية، كل ذلك كان يبين التالي:
١ - أن السلطة الفلسطينية الناشئة لم تتلق مساعدات اميركية تليق بحجم الثمن الذي قدمته في التسوية التي هي دون شك مصلحة أميركية، مما يؤكد أن الولايات المتحدة لا تعير هذه الجهات العربية أي رعاية مقابلة أو متبادلة.
٢ - أوهمت الولايات المتحدة السلطة الفلسطينية بجنة اقتصادية قبل التوقيع في أوسلو، وقد تبين فيما بعد ان كل ذلك مجموعة أكاذيب ورطت السلطة في انتفاخ اقتصادي أوهم الشعب الفلسطيني بأحلام سنغافورة الشرق الأوسط. ومع الوقت أدرك الشعب الفلسطيني أن أوضاعه الاقتصادية بعد التسوية ساءت بدل أن تتحسن، وفاقم ذلك السوء الاحتكارات والفساد المتفشي في أجهزة ووزارات السلطة من جهة، وحجم الإطار التوظيفي المتضخم الذي سعى لحل مشكلة البطالة، أو ربط الولاء بالتوظيف، مما أدى إلى بطالة مقنعة تأخذ ٥٠% من موازنة السلطة الكلية و ٦٨% من النفقات الجارية، وهذا أحدث عجزاً سنوياً يقدر بـ ٥٠٠ مليون دولار خاص فقط بالنفقات التشغيلية التي لو توقف صرفها الآن لانهارت السلطة على الفور.
٣ - بالمقابل بقيت دولة الصهاينة تستفيد من التهدئة المتحصلة نتاج التسوية المستجدة بأوسلو، من حيث حجم الاستثمار والعلاقات المنفتحة والتجارة الخارجية، والأهم أن الولايات المتحدة بقيت عند التزامها السنوي (لإسرائيل) والمقدر بثلاثة مليارات دولار، موزعة كالآتي: ٦٠% للجانب العسكري، و٤٠% للجانب الاقتصادي بعد اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، ناهيك عن البرامج الاقتصادية المشتركة والتسهيلات التجارية والائتمانية، القروض طويلة الأجل، وبلغت حصيلة المساعدات المباشرة من عام ١٩٨٩م، حتى عام ٢٠٠٢م (٤٢ مليار دولار) ، وهو تقريباً أكثر من نصف المساعدات المقدمة منذ نشوء إسرائيل عام ١٩٤٨م والتي بلغت ٨٣ مليار دولار.
٤ - في محطات مختلفة لا سيما في هَبَّة النفق الفلسطينية، تدخلت الولايات المتحدة سياسياً لتقويض دعم المؤسسات والدول المانحة لإجبار السلطة على تعديل سلوكها الأمني والسياسي تجاه (إسرائيل) ، والشواهد على ذلك كثيرة.
- أوجه المساعدات الأميركية:
توجه مجمل المساعدات الأميركية فقط إلى المنظمات غير الحكومية الفلسطينية، وهي بالمناسبة لم تتجاوز منذ سنة ١٩٩٦م وحتى الآن مبلغ ٩٠٠ مليون دولار، وهذا بالطبع رقم سخيف تجاه المعاناة الفلسطينية التي تخسر (يومياً) بعد انتفاضة الأقصى ١١ مليون دولار في القطاعات المختلفة ـ حسب إحصاءات الأمم المتحدة ـ ويمكن حصر وجهة هذه المساعدات بالبنود التالية:
١ - التزام سنوي من خلال وكالة غوث اللاجئين (تعليم وصحة وتدريب وإصلاح ضرر) يبلغ ٨٨ مليون دولار ارتفعت إلى ١٢٨ مليون دولار بعد انتفاضة الأقصى، وهذه المساعدات بالكاد تؤمِّن الاحتياجات الأساسية للاجئين في وطنهم، وحتى هذا التمويل جوبه بالكثير من التشكيك الإسرائيلي بعد تحول المخيمات الفلسطينية لمعاقل المقاومة، فضيقت الولايات المتحدة تصرُّف الوكالة في هذا الدعم من خلال التدقيق في هوية المستفيدين من جهة، وعدم إصلاح أضرار بيوت المقاومين أو عوائلهم مثلاً.
٢ - التزام سنوي من خلال وكالة التنمية الأمريكية يبلغ ٧٥ مليون دولار، ارتفع إلى ١٢٠ مليون دولار، يوجه أغلبه للقضايا الفكرية والتطويرية والإصلاحية؛ وذلك حسب المفهوم الأمريكي لكل هذه المعطيات.
٣ - بعد انتفاضة الأقصى أيضاً جرى توجيه ٢٠ مليون دولار مباشرة للسلطة في عهد حكومة أبو مازن، هي الأسبقية الأولى في توجيه المال بشكل مباشر.
٤ - بعد انتفاضة الأقصى جرى تبني العديد من البرامج الصحية والبنى التحتية بلغت ما يصل إلى ١٠٠ مليون دولار.
من خلال ما تقدم نستطيع استنتاج التالي:
أولاً: أن هذه المساعدات هشة، ولا يمكن أن تساهم في إنتاج اقتصاد فلسطيني يناسب الاولويات أو التنمويات الحقيقية؛ لأن التمويل مشروط بتطابقه مع البرامج والمصالح الاميركية، وليس الحاجات والأولويات الحقيقية.
ثانياً: ما بعد انتفاضة الأقصى نستطيع أن نرصد توجهات مالية أميركية انحرفت عن البرامج السابقة وحاولت محاكاة بعض جوانب المعاناة الفلسطينية؛ مع الحرص الشديد على عدم مساعدة المقاومين الفلسطينيين.
ويمكن رصد أسباب الانحراف الاميركي الطفيف عن السياسات السابقة في سعة التمويل أو أشكاله (ما بعد انتفاضة الأقصى) إلى التالي:
١ - الخشية من انهيار السلطة، والحاجة إلى الحفاظ على جيش المنتفعين منها بدل تحولهم إلى جيش من المقاومين، وهذا قريب جداً من الفلسفة الإسرائيلية التي تسعى إلى التهرب من الأعباء المدنية رغم سيطرتها الفعلية على كل مفاصل الحياة الفلسطينية؛ بحيث تبقيها مشلولة سياسياً، وضعيفة أمنياً بمقدار أو حدود تصديها للمقاومة الفلسطينية.
٢ - الحرب الأميركية والإسرائيلية على الجمعيات الإسلامية في الداخل والخارج، والحاجة إلى خلق بديل يعتمد عليه يبقى التمويل بيده يحدد لمن يعطي ولمن لا يعطي.
٣ - الخشية من تفرد الجمعيات الإسلامية في مساعدة الفلسطينيين المتضررين، ومن ثم قدرتها على تامين بنية إسنادية للمقاومين، وإنشاء بديل اجتماعي وارث لنظام السلطة الفلسطينية المتآكل.
- إشكالية الدعم الأميركي للمنظمات غير الحكومية:
الغريب أن الولايات المتحدة تخلط عمداً بين دعمها للشعب الفلسطيني والمنظمات غير الحكومية، فتحسب هذا على ذاك، ووجه الاعتراض لا يتعلق بالدعم الأميركي لتلك المنظمات؛ ففي الوضع الصحي ذلك هو المسار الأفضل، ولكن علينا أن نعيد النظر قبل تصنيف هذا الدعم، وكأنه دعم يصل لفئات الشعب المتضرر، من حيث:
ورغم أهمية هذه العناوين لدى الشعوب المعافاة من ظروف الاحتلال، إلا أن الحقيقة الملحَّة تبقى لإغاثة الشعب المتضرر يومياً. وللأسف فإن العديد من المنظمات الفلسطينية التي كانت تحاكي التمويل أكثر من محاكاة مدى الضرورة والحاجة، ساهمت في ذلك التشويه، من حيث درت أو لم تدرِ.
٣ ـ عندما حاولت السلطة سنة ١٩٩٩م السيطرة على التمويل الذي تحصله تلك المنظمات والذي يصل سنوياً إلى ٢٠٠ مليون دولار أخفقت، وذلك نتيجة تدخل اميركي حاسم رغم علاقة السلطة الجيدة بالأميركان في ذلك الحين، ورغم إدراكنا أن غاية السلطة السيطرة على هذه الموارد أكثر من رغبتها في محاربة تلك المنظمات، إلا أن إخفاقها يدل على مدى الاهتمام الأميركي بتكريس هذا التمويل بـ (أجندته) ذات الإشكالية.
- مخاطر الاشتراطات الجديدة:
الخطوة الجديدة التي سعت إليها الولايات المتحدة من خلال وكالة التنمية الأميركية، هي إضافة بند على شكل وثيقة يلزم الجمعيات أو الهيئات صراحة بعدم تقديم أي دعم مادي أو أية موارد لأي فرد أو هيئة تعلم أو بوسعها أن تعلم أنها تدعو إلى / أو تخطط أو ترعى أو تشارك أو أنها قد شاركت في النشاط (الإرهابي) . وتشكل هذه الشهادة أحد الأحكام والشروط الصريحة للاتفاقية، وأي خرق لها سيشكل أساساً لإنهاء الاتفاقية بشكل انفرادي من قِبَل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية قبل انتهاء مدتها.
من الواضح أن التفصيل الفني والتدقيق اللفظي لمصطلح (الإرهاب) حسبما جاء، قُصِد منه عدم وجود أي فسحة أو هامش للتهرب منها؛ لأن المطلوب هو أبعد من التوقيع على وثيقة روتينية، ويتمثل بالتالي:
١ ـ إخضاع الجمعيات الفلسطينية للشروط السياسية والمفاهيم الأميركية حول الإرهاب، الذي يعني حسب قانون الإرهاب الأميركي تنكُّر تلك الجمعيات لمقاومتهم المشروعة التي تصنفها اللوائح الأميركية كإرهاب ممارس ضد دولة مسالمة وآمنة، وليس ضد احتلال.
٢ - تضييق الخناق على المقاومة الفلسطينية، بعد ضرب إسنادهم من قِبَل الجمعيات الإسلامية، والمطلوب أيضاً إغلاق كل المنافذ التي يمكن أن يستفيدوا هم أو أقاربهم منها.
٣ - الهدف السياسي الكلي هو إجبار الفلسطينيين على تحسس مدى الثمن الذي يمكن أن يدفعوه إذا ما استمروا بالانتفاضة، أو بتأمين الدعم الشعبي لها؛ بحيث يصلون إلى لحظة الإنهاك والاستسلام؛ فبعد محاصرتهم سياسياً يأتي حصارهم اقتصادياً؛ بحيث يصبحون عالة على المساعدات الأميركية بالشروط التي يتنكرون فيها لمقاومتهم وحقوقهم.
٤ - لقد حصلت إسرائيل على تنكر فلسطيني رسمي لبعض فعاليات المقاومة، ولا سيما عمليات العمق، والمطلوب الآن إخضاع المؤسسات الأهلية للمنطق ذاته، بما يحاصر شرعية أعمال المقاومة رسمياً وأهلياً.
٥ - إن الآثار الخطرة لهذه الوثيقة ستأتي مع تقدم الزمن، حينما يتدخل المزاج الأميركي العلني والإسرائيلي الخفي في الوقوف على كل فعل، أو قول لهذه الجمعيات، وربما غدا التدخل في إطارها وموظفيها وقوائم المستفيدين منها، وربما مطالبتها غداً باستنكار عمليات المقاومة ونبذها، والانخراط الواضح في تأييد كل المبادرات السياسية الأميركية ... وهكذا.
- المواقف الفلسطينية تجاه تلك الاشتراطات:
اتسمت تلك المواقف بالتالي:
١ - التأخر في التحرك، بعد أن تورط الكثير من الهيئات والجمعيات بالتوقيع على هذه الوثيقة بقصد أو بدون قصد سوى دعاوى الجهل بخطورتها أو مراعاة لإشكالية توقف الدعم الأميركي عنها مما قد يعني نهايتها.
٢ - موقف السلطة الرسمي ذو إشكالية في ضوء أن تنكُّرها علناً لما أسمته بالارهاب والعنف لا يمكِّنها من مقاومة الوثيقة أو معارضتها لكونها تخشى ازدياد حنق الأمريكيين عليها.
٣ - تحرُّك القوى الفلسطينية ضعيف في التحذير من مخاطر الوثيقة، في ضوء تصورها المسبق والقائم على فلسفة «أن هذا التحرك الأمريكي متوقع وغير مستبعد» وربما يخشى بعضٌ «أن يظهر بمن يذرف الدموع على دعم أميركي هش ومختل» .
كل ذلك يدل على تلكؤ وأحياناً عجز التحرك الفلسطيني الرسمي والأهلي وحتى الشعبي، ورغم اليقظة المتأخرة لبعض القوى والفعاليات السياسية والأهلية، إلا أن التحرك بقي ضعيفاً وأولياً، وبرأينا أن استحقاقات الخطورة سيجري تلمسها مع مرور الوقت؛ ولعل الخطوة الأمريكية الأخيرة دليل على ما نذهب إليه؛ فقد أوردت (القناة الثانية في التلفزيون الفلسطيني أثناء إعداد هذا المقال) أن الإدارة الأمريكية هددت السلطة الفلسطينية بوقف دعمها للمنظمات غير الحكومية إذا لم يجرِ تسليم ثلاثة نشطاء فلسطينيين متهمين بتفجير الموكب الأمريكي العائد من غزة قبل مدة، مما أدى إلى قتل ثلاثة حراس أميركيين.
من المهم القول في نهاية كل ما تقدم: إن الإشكالية ليست فيما يقصده الدعم الأمريكي؛ فهذا معروف لكل قارئ ألف باء السياسة، ولكن الأهم: ماذا نريد نحن العرب والفلسطينيين؟ وإلى أي حد نحن واعون لما يريدون؟ وكيف يمكننا ترجمة ما نؤمن به إلى برامج؟
стр. 5222
نخيل بغداد
شادي الأيوبي
عَزِّ النخيل بعز ٍ منه مفقودِ
أيا ابنة الدين والإسلام يا حلماً
أَبَعْد ليلكِ ليلٌ غير مرتحل
وبعد جوعك أيتام ومسغبة
وبعد طول اصطبار طول موعدة
وبعد ظلم قريب غزو من طمعوا
أما وعدت بأن النصر موعدنا
وقلت إن دموع الحزن يتبعها
تلك الأناشيد تحكي في عذوبتها
وقلت إن الليالي رغم حلكتها
وأنت جدت بأرواح وأفئدة
وقد أتتك جيوش الواعدين وما
بغدادُ أَمْسِكِ فينا ليس ننكره
أما سمعتِ الندى في الأفق نرسله
أما رأيتِ أيادينا نمد بها
جئنا نعزيك يوم العيد قلتِ لنا:
وحيِّ بغداد في أبنائها الصيدِ
للسائرين ويا غيظاً لنمرودِ
وبعد دمعك دمعٌ غير مردودِ
وبعد بؤسك عيش غير محمودِ
وبعد تأجيج نار حفر أخدودِ
وبعد طول انتظار طول تسهيدِ
يا خير واعدة أوفت بموعودِ
ضحك الصغار شدوا حلوَ الأناشيدِ
نجوى سليمان مع تسبيح داوودِ
ستبعث النور من آفاقها السودِ
وأنتِ علَّمْتِنا ما منتهى الجودِ
أتتك يوماً بتحقيق المواعيدِ
يوماً؟ وفضلك فينا غير مجحودِ
عودي لأمتنا يا حُلمنا عودي
ندعو لكِ اللهَ مع دمع إلى الجيدِ
أقسى العزاءِ عزاءٌ جاءَ في العيدِ
стр. 5223
نقد النصرانية المحرفة
محمد إبراهيم مبروك
المنهج المعتاد في نقد النصرانية الثالوثية هو ذكر عقائدها ومفاهيمها، ونقدها نقداً عقليّاً في الأساس، ولكنني سأتخذ هنا منهجاً آخر: هو إثبات فقدان هذه النصرانية الثالوثية للمصداقية التاريخية، وفقدان قبولها العقلي، بل الإيماني لدى أهلها من الغربيين على وجه الخصوص. وحقاً أن المنهجين غير متناقضين ويكمل أحدهما الآخر، ولكن نظراً لضيق المساحة هنا فإنني سأكتفي بالمنهج المذكور إلى أن يتيسر لنا المجال للحديث عن الموضوع بشكل أشمل في موضع آخر.
ذكرت في دراسة سابقة لي في البيان ـ حقيقة التنوير: عدد (٢٠٤) ـ أن النصرانية الثالوثية قد تكون هي المعضلة العظمى التي تعرض لها العقل الغربي في تاريخه، والمبعث الأساسي لكل أزماته حتى وقتنا الحاضر، وتتمثل هذه المعضلة بشكل أساسي في إشكاليات أربع (١) هي: شك الغربيين في وجود المسيح نفسه ﵇ حيث يقول «هـ. ج. ويلز» في ذلك: «يكاد يكون المصدر الوحيد لمعلوماتنا عن السيد المسيح محصوراً في الأناجيل الأربعة» (٢) . والإشكالية الثانية: تتعلق بصحة تواريخ الأناجيل ومدى نسبتها إلى أصحابها؛ حيث يتفق المؤرخون الغربيون أنها وجدت بعد رحيل المسيح بعشرات السنين. والإشكالية الثالثة: هي صحة ما جاء في هذه الأناجيل والتناقضات فيما بينها. والإشكالية الرابعة: هي اختلاف مقررات وتعاليم هذه الأناجيل عن المقررات والتعاليم الأساسية للكنيسة؛ فليس في هذه الأناجيل مبدأ التثليث، ويكاد يجمع أعلام المؤرخين الغربيين من أمثال: (ول ديورانت) ، و (أرنولد توينبي) ، و (هـ. ج. ويلز) الذين يأخذ عنهم العالم أجمع إلى الدرجة التي يفتقر معها التوثيق التاريخي لدى كتاب العالم بالنسبة لما يخص العالم الغربي بفرض إهمالهم، أقول: يكاد يُجمع هؤلاء المؤرخون على أن النصرانية الثالوثية المعروفة الآن لا علاقة لها بالمسيح ﵇ وإنما هي من صنع شخص آخر هو «شاؤول اليهودي» أو مَنْ يسمى بـ «بولس الرسول» ، والذي لم يَرَ المسيح ﵇ قط.
ولد (بولس) المذكور في بلدة طَرَسوس التي كانت حينذاك من الحواضر الرومانية البارزة، وتضم جامعة تعلم الفلسفتين الرواقية والأبيقورية، وصارت لبولس معرفة بالأديان الإغريقية والرومانية. والخلاصة أنه كان يهوديّاً مشبعاً بالحضارة الهلينستية (الحضارة الإغريقية الممتزجة بالحضارات التي امتدت لها غزوات الإسكندر والرومان) . ولأنه كان من الفرِّيسيين فقد قصد أورشليم ليتعلم الناموس في مجمع أورشليم، وعندما فرّ النصارى هرباً من ملاحقة الفريسيين (١) والصدوقيين إلى دمشق وما وراءها طلب من رئيس الكهنة رسائل يحملها إلى مجامع دمشق لتلقي القبض على أتباع المسيح (٢) ، إلا أنه اتجه إلى وجهة أخرى تماماً في الطريق.
وبداية ينقل «ول ديورانت» عن بولس قوله: «استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين؛ فصرت لليهود يهودياً لأربح اليهود، وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس، وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس مع أني لست بلا ناموس.. صرت للكل كل شيء، لأخلِّص ـ على كل حال ـ قوماً، وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل؛ لأكون شريكاً فيه» (٣) .
ويضيف «ول ديورانت» : «لقد أنشأ (بولس) لاهوتاً لا نجد له إلا أسانيد غامضة أشد من الغموض في أقوال المسيح، وكانت العوامل التي أوحت إليه بالأسس التي أقام عليها ذلك اللاهوت هي انقباض نفسه وندمه، والصورة التي استحال إليها المسيح في خياله، ولعله قد تأثر بنبذ الأفلاطونية والرواقية للمادة والجسم واعتبارهما شراً وخبثاً» (٤) .
أما «هـ. ج. ويلز» فيقول عن (بولس) : «من الواضح جدّاً أنه متأثر بالمثرائية (٥) ؛ إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرائية، ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنباً إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعاً بفكرة لا تبدو قط بارزة قوية فيما نقل عن (يسوع) من أقوال وتعاليم؛ ألا وهي: فكرة الشخص الضحية الذي يُقَدَّمُ قرباناً لله كفارة عن الخطيئة، فما بشّر به (يسوع) كان ميلاداً جديداً للروح الإنسانية، أمَّا ما عَلَّمَهُ (بولس) فهو الديانة القديمة، ديانة الكاهن والمذبح وسفك الدماء طلباً لاسترضاء الإله» (٦) .
ويستطرد (هـ. ج. ويلز) في شرح التطورات التي طرأت على العقائد التي تم انتسابها للمسيح فيقول: «على أن ما أسهمت به نحلة الإسكندرية في الفكر المسيحي والطقوس النصرانية كان أعظم قدراً أو يكاد؛ إذ كان طبيعيّاً أن يجد المسيحيون في شخصية (حورس) ـ الذي كان ابناً لأوزوريس) في نفس الوقت ـ شبيهاً مرشداً لهم فيما يبذلون من جهود عنيفة لتفهم ما خلفه لهم (القديس بولس) من خفايا. وقد كان الانتقال من هذا إلى المطابقة بين شخصية (مريم، وإيزيس) ، ثم السمو بها إلى مرتبة شبه قدسية، بالرغم مما سبق أن اقتبسناه من أقوال (يسوع) عن أمه وإخوته ـ يقصد ما ورد في الأناجيل المتداولة من أقوال منسوبة للمسيح تظهر عادية شخصية الأم والأخوات ـ خطوة طبيعية جدّاً لذلك» (٧) .
أما (أرنولد توينبي) فقد ذهب إلى أن «الديانة المسيحية التي استأثرت في النهاية بنصف العالم الهليني تعد صورة معدلة للديانة اليهودية، وقد تم هذا التغيير عن طريق تطعيم الديانة اليهودية. تقول العقيدة المسيحية: إن (إله إسرائيل) الذي خلق الإنسان على صورته قد هيأ أيضاً وسيلة للخلاص لخلائقه البشرية بأن تجسد بذاته في صورة إنسان، وكان هذا المبدأ المسيحي الثوري الذي يقول بتجسيد الله في نظر اليهود إقحاماً إلحاديّاً على الديانة اليهودية لأسطورة كانت من أفدح وألعن الأخطاء التي وقعت فيها الديانة الوثنية الهلينية، كانت هذه خيانة لكل ما حققته العقيدة اليهودية بعد صراع طويل مرير من أجل تطهير نظرة الإنسان إلى طبيعة الله والسمو بها، ولم يكن لأي يهودي صادق الإيمان أن يُقدِم عليها» (٨) .
وهنا نلاحظ أن أهم أعلام التاريخ الغربي يتفقون على التالي:
- أن النصرانية الثالوثية بشكلها الحالي هي في الأساس من ابتداع (بولس) .
- أن (بولس) ابتدع هذه العقيدة من خلال المزج بين الديانة اليهودية والعقائد الهلينية (اليونانية) في الأساس التي تتشبع ثقافته بها.
- أن القصة النهائية التي صاغها هذا الابتداع في شكلها الذي عرفت به تمثل أسطورة سخيفة مثيرة للاحتقار لدى الأعلام الغربيين السابق ذكرهم.
والنتيجة الحتمية لكل ما سبق هو التناقض التام بين عقائد النصرانية الثالوثية والعقل، بين المؤمنين والكافرين بها على السواء؛ فيصف (القديس أوغسطين) ـ أهم أعلام النصرانية الثالوثية في العصور الوسطى ـ الموقف من هذه العقائد بقوله: «لست أسعى للفهم لكي أعتقد، بل إني أعتقد كي أفهم» .
- التغيير البروتستانتي على يد مارتن لوثر:
أما (مارتن لوثر) صاحب الثورة الإصلاحية البروتستانتية الأكبر فيقول: «لا تستطيع أن تقبل كلاً من الإنجيل والعقل، فأحدهما لا يفسح الطريق للآخر.. إن العقل هو أكبر عدو للإيمان» (٩) ، وعلى هذا فمن حق (فولتير) أن يصرخ: «إن لديَّ مائتي مجلد في اللاهوت المسيحي، والأدهى من ذلك أني قرأتها وكأني أقوم بجولة في مستشفى للأمراض العقلية» (١٠) .
ولعل عدم الائتلاف هذا والعداوة بين الإيمان والعقل لديهم هو الذي دعا أعلام رجال الدين المسيحي إلى ابتداع مفاهيم وأحكام تصيب من يتأمل فيها بالذهول؛ ولأن هذا باب لا نهاية له فسوف أذكر هنا مثالين فقط: المثل الأول: هو أن (القديس أوغسطين) قد ذهب إلى أن من مات من الأطفال قبل التعميد مآله النار» (١) . وكان (القديس أنسلم) يظن: «أنه ليس في عذاب الأطفال غير المعمدين الآثمين؛ لأن آدم وحواء قد (ارتكبا الإثم) من المخالفة للعقل والمنطق أكثر مما في فرض الرِّق على أبناء الأرقاء، وهو لا يرى أن في هذا بعداً عن المعقول» (٢) .
أما المثال الثاني: فهو كيفية مواجهة «مارتن لوثر» لمشكلة المشاكل الاجتماعية لدى النصرانية الثالوثية، وهي عدم السماح بالطلاق؛ فماذا يكون الموقف لو كان الرجل عِنِّيناً؟ لقد ذهب (لوثر) إلى الحل التالي: «أي امرأة تتزوج من رجل عِنِّين يجب أن يسمح لها ـ إذا وافق زوجها ـ بأن تضاجع رجلاً آخر لكي تنجب منه طفلاً، ويجب أن يسمح لها بأن تدعي أن الطفل هو ابن زوجها» (٣) .
حقاً! إن الإيمان بالنصرانية الثالوثية لا يعني فقط أن تقف فوق رأسك، ولكن أن تمشي عليه أيضاً.
ولقد أعتاد الكُتَّاب والباحثون أن يذكروا في هذا السياق الجمود الكنسي والفساد البابوي، واضطهاد الكنيسة للمفكرين والعلماء في العصور الوسطى، ولكن نظراً لانتشار هذا الموضوع، وشيوع ذكره لدى الكُتَّاب والباحثين فسوف نتغاضى عنه هنا تماماً (٤) ، ونعمد مباشرة لذكر التطورات الأكثر أهمية في تاريخ النصرانية.
- الاتجاهات النصرانية المذهبية:
أولاً: مجمع نيقية والصراع بين الموحدين والثالوثيين:
لم يتم انتشار النصرانية الثالوثية (مذهب بولس الجديد) إلا بعد صراع طويل مع النصارى الموحدين، تم حسمه أخيراً بقوة السيف؛ فقد تصدى تلاميذ المسيح المخلصون لأقوال (بولس) ، وتشير أعمال الرسل ـ كما تسمّى في العهد الجديد ـ إشارة دائمة إلى أعداء (بولس) ، وإلى صراع معهم أينما ذهب بغلاطية، وكورنثوس، وكولوسي، وروما، وإنطاكية (٥) .
ويشير المؤرخون إلى أن النصرانية ربما كانت الأكثر انتشاراً في القرون الأولى لميلاد المسيح ﵇، وكانت المشكلة الكبرى هي تبني الكنيسة الرومانية لعقيدة التثليث، والعمل على نشر ذلك بالقوة، وقد توالت الثورات والمذابح بسبب هذا الموقف، وكان أشد هؤلاء الثوار الموحدين خطراً هو (آريوس) الليبي المولد، ونظراً لانقسام الدولة الرومانية بين قوادها في مطلع القرن الرابع؛ فقد رأى (قسطنطين) أن يستعين بالنصارى في حربه ضد خصومه، وعندما انتصر في أحد معاركه تحت شارة الصليب رأى أنه مدين لهذه الديانة بالفضل، وعندما وجد الخلافات المذهبية قائمة وتهدد وحدة الإمبراطورية دعا أساقفة جميع الولايات لحضور مؤتمر عام في (نيقيا) ، وفي مايو عام ٣٢٥م افتتح بنفسه رسميّاً هذا الاجتماع الجليل ـ وهو أول المجامع المسكونية الكنسية ـ وأعرب عن أمله ورجاله في أن تتم وحدة المسيحيين واجتماع كلمتهم (٦) .
ويقدم (يوسبيوس) (٢٦٠ - ٣٤٠) أبو التاريخ الكنسي، والذي لعب دوراً هاماً في اجتماع نيقية «وكان المجلس عاصفاً، ولما قام (آريوس) المسن ليتكلم لطمه على وجهه شخص هو (نيقولاس الميري) ، ثم هرول الكثيرون بعد ذلك إلى الخارج، وقد وضعوا أصابعهم في آذانهم في رعب مفتعل من هرطقات الرجل.. وتمخض هذا المجمع عن بيان العقيدة النيقية وهو بيان «ثالوثي» دقيق، وناصر الإمبرطور هذه العقيدة الثالوثية» (٧) .
وإلى هنا أتوقف عن الحديث عن النصارى الموحدين، وتطورهم التاريخي بعد ذلك؛ حيث أجاد الدكتور (سفر الحوالي) الكتابة في هذا الموضوع في الدراسة التي نشرت بالبيان عدد (شعبان) ، ويمكن الرجوع أيضاً في ذلك إلى كتابنا الإسلام والغرب الأمريكي.
- مجمع خلقيدونية:
انعقد مجمع خلقيدونية في المدينة التي سمي بأسمها عام ٤٥١م بناء على دعوة الإمبراطور مرقيانوس، والإمبراطورة بولخاريا لانعقاد هذا المجمع بناءً على طلب أسقف روما الذي احتج على قرارات المجمع المسكوني الرابع سنة ٤٤٩م، الذي قرر أن السيد المسيح بعد تجسده صار اتحاد اللاهوت والناسوت في طبيعة واحدة بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، ومن ثم فقد قرر مجمع خلقيدونية إلغاء قرارات المجمع السابق الذي دعا إليه (تاؤدسيوس الصغير) الإمبراطور، والذهاب إلى أن السيد المسيح بعد تجسده كان له طبيعتان: لاهوتية، وناسوتية. ومشيئتان: لاهوتية، وناسوتية. وقد نتج عن قرارات هذا المجمع انقسام الكنيسة إلى شطرين:
الشطر الأول: يضم كنيسة رومية والقسطنطينية اللتين اعتنقتا المعتقد القائل بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين.
الشطر الثاني: ويضم كنيسة الإسكندرية ومن اتبع خطواتها مثل: السريان، والأرمن، وغيرهم الذين ذهبوا إلى أن طبيعة المسيح هي الطبيعة الواحدة (أي اتحاد اللاهوت والناسوت بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير) ، وتم نفي (ديسقورس بابا الإسكندرية) على أثر ذلك، والذي قام بإرسال تلميذه (يعقوب) إلى مصر لتثبيت أتباعه على معتقده، ومن هنا كانت تسمية بعض المؤرخين للأرثوذكس المصريين باليعاقبة.
ويذهب القمص (زكريا بطرس) إلى أنه: «قد تدخلت الأغراض والمطامع الشخصية في التفرقة بين صفوف الكنيسة الواحدة ـ الأوْلى أن يقول في اختراع المعتقدات ـ رأينا مجهودات بابا روما ضد البابا (ديسقورس) لا لشيء سوى الغيرة والأنانية ـ فقد أوكل الإمبراطور إلى (ديسقورس) رئاسة المجمع المسكوني الرابع، فعز على (بابا روما) الذي كان يطمع في هذا ـ فعمل على سحق (ديسقورس) ، وتم له ذلك في مجمع خلقيدونية؛ حيث استباح له ضميره أن يقسم الكنيسة إلى شطرين، ولكن نار الغيرة لم تقف عند هذا الحد فنظر (بابا روما) إلى بطريرك القسطنطينية ـ عاصمة الدولة الرومانية في ذلك الحين ـ وما وصل إليه من مركز مرموق أقر مجمع خلقيدونية ٤٥١م؛ فمنح بطريرك الإسكندرية حق الزعامة والتقدم، فاحتج أسقف روما، ووقف الخصمان وجهاً لوجه في نضال وشجار حول لقب «الأعظم» . ثم من جهة أخرى قام شجار آخر عنيف بين الكنيستين حول إضافة كلمة إلى قانون الإيمان ـ وهي كلمة «الابن» التي أضافتها كنيسة روما إلى قانون الإيمان عن الروح القدس عند القول: «نعم! نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب ـ وهنا تضيف كنيسة رومية كلمة «والابن» فيقولون المنبثق من الأب والابن» .
وكان نتيجة لهذا أن اعترضت كنيسة القسطنطينية على ذلك، واعترضت أيضاً على بعض العادات الكنسية التي وضعتها كنيسة رومية كضرورة بقاء الكهنة غير متزوجين، وظل النزاع قائماً بين الكنيستين حتى سنة ١٠٥٣م؛ حيث أصدر (بابا روما) حكم الحرمان على أسقف القسطنطينية، فلم يكن من هذا الأخير إلا أن أذاع على العالم أن كنيسة روما قد هرطقت.
- النصرانية في الميزان:
وقد نتج عن هذا الصراع والشجار انقسام للخلقيدونيين إلى شطرين:
الأول: كنيسة رومية، وسميت بالكنيسة الكاثوليكية أو اللاتينية أو الغربية، وكنيسة القسطنطينية التي سمت نفسها الكنيسة الأرثوذكسية الخلقيدونية تمييزاً لها عن الكنائس التي لا تعترف بمجمع خلقيدونية (١) .
- انقسام الكنيسة الكاثوليكية:
لرجال الدين النصارى الغربيين التابعين للكنيسة الكاثوليكية تاريخ طويل في الثورة عليها، ولكن أول الأعلام البارزين من هؤلاء (هوجون ويكلف ١٣٢٠- ١٣٨٤م) أستاذ اللاهوت الإنجليزي الذي ذهب إلى أن العلاقة بين الله والإنسان علاقة مباشرة لا تحتاج إلى وساطة الكنيسة، وأن أعظم ما تحتاجه الكنيسة هو التخلص من أملاكها الدنيوية المتزايدة. وقال: «إن المسيح والقديسين لم يأتوا إلى الناس بشيء من صكوك الغفران، وأن الأحبار يخدعون الناس بصكوك الغفران الزائفة، وينهبون بذلك أموالهم لعنة الله عليهم» .
أما زعيم البروتستانتية الأكبر فهو (مارتن لوثر) الذي كان متأثراً باليهودية تأثراً كبيراً، ويرى أن العهد القديم حجب العهد الجديد. ولكن من ناحية أخرى فهناك شواهد تدل على تأثر (لوثر) بالزرادشتية؛ فقد نسب إلى فعل الشيطان ظواهر شتى لا تسر مثل: سقوط البرد، والرعد، والطاعون، ولكن فلسفته ازدادت قتامة باقتناعه بأن الإنسان بطبيعته شرير وميال للإثم، وأنه ليس هناك من هو مسيحي، أو ورع بفطرته، ويرى أنه لا يمكن لقدر من الأعمال الصالحة أن تكفِّر عن الذنوب التي اقترفها خير الناس، «ولا يمكن أن تكفر خطايا البشر إلا تضحية المسيح المفتدية - آلام ابن الله وموته ـ ولا يمكن أن ينجينا من عذاب جهنم إلا الإيمان بهذا التكفير الإلهي» (٢) ؛ مما شكل ثورة على الكنيسة في الغرب إلى قسمين: كاثوليكية، وبروتستانتية.
بدأت ثورة (لوثر) على الكنيسة الكاثوليكية برفضه للشهادة على فاعلية صكوك الغفران التي يصدرها الباب ويتم الاتجار فيها لإعفاء الناس من الخطيئة، ورأى أن سهولة إصدار هذه الصكوك والاتجار فيها «قد أضعف الإحساس بالندم الذي يجب أن يثيره ارتكاب الإثم، وجعل الخطيئة تبدو أمراً تافهاً يمكن تسويته وديّاً بصفقة تعقد مع بائع يتجر بالغفران» (٣) .
وبعد انضمام عدد من علماء اللاهوت إليه، واشتداد صراعه مع الكنيسة ارتفع صوته عالياً بالقول بأن: «البابا زعيم لص، وأن عصابته تحمل اسم الكنيسة، وروما بحر من الدنس وحمأة من القذارة، وبالوعة ليس لها قرار من الظلم، ألا يجدر بنا أن نتقاطر من كل حدب وصوب لنقوم بإزالة هذه اللعنة الشائعة التي حاقت بالبشرية؟» (٤) .
وقد زار (لوثر) روما عام ١٥١٠م ولكنه وصفها بعد الثورة بأنها تدعو إلى المقت، وقال: «إن البابوات أسوأ من الأباطرة الوثنيين، وإن اثنتي عشرة فتاة عارية كن يقمن بخدمة رجال البلاط البابوي وقت ذلك» (٥) .
ويتم التساؤل: كيف من الممكن للاهوت غير جذاب كهذا أن يحرز رضا مئات الملايين من الناس في سويسرا، وفرنسا، واسكتلندا وإنجلترا وخصوصاً في أمريكا التي هي موضع دراستنا؟ بل نتساءل إلى أبعد من ذلك عن مدى علاقة تلك الجبرية المروعة بسلوك البيورتانيين الإنجليز أتباع (كالفن) في أمريكا الذي تميز بالإجرام والوحشية؟ ويجيب المحللون على ذلك بأن هؤلاء خصوصاً البيورتانيين (المتطهرين) رأوا في أنفسهم أنهم ينتمون إلى تلك الصفوة القليلة التي كتب لها الخلاص في القدر الإلهي، وأن ذلك الخلاص تبعاً لفكر (كالفن) ومن قبله (لوثر) لا يتعلق بشكل السلوك أو الأعمال التي يتخذونها خصوصاً عندما يكتمل الإيمان بالاعتقاد بأن من يمارسونه ضدهم من تلك الكثرة الغالبة التي قدر عليها العذاب. كما أنه من الجدير بالقبول تلك المقارنة التي يشيع بين المحللين عقدها بين عقيدة هؤلاء البيورتانيين (المتطهرين) وبين عقيدة الشعب اليهودي، وقد أشرنا فيما سبق لمدى تأثر (لوثر) نفسه بالعهد القديم؛ فكلا الفئتين تعتقد بالاختيار الإلهي لها، وأن لديها مهمة مقدسة في تطهير الأرض الموعودة (فلسطين بالنسبة لليهود وأمريكا أو إسرائيل الجديدة بالنسبة للإنجليز
стр. 5224
الدين منهاج شامل للحياة
أ. د. عماد الدين خليل
(١)
كل دين سماوي منهج حياة يحكمها ويهيمن عليها بتشريع من عند الله ـ سبحانه ـ يتضمن كل التفاصيل والكليات التي من شأنها أن ترتقي بالحياة
منهج شامل للحياة.. ذلك باختصار هو تعريف كل دين بعث به الله ـ سبحانه ـ رسله إلى هذا المكان من العالم أو ذاك، أو إلى العالم كله.. في هذه الفترة من التاريخ أو تلك.. أو عبر التاريخ كله.
منهج شامل للحياة، ولذلك حدثت المصادمات الحاسمة بين كل دعوة دينية وبين الوضع العام الذي جاءت لكي (تعدله) وتعيد صياغته من جديد وفق الأطروحات التي تنزلت من السماء.
إنه ما من (دين) سماوي إلا وجد قادته من الأنبياء الكرام أنفسهم يصطدمون، طال الوقت أم قصر، مع القيادات الوضعية التي تريد بنظمها وتشريعاتها أن تعبِّد الناس لزعاماتها الجائرة بدلاً من تعبيدهم لله. وإذا كان كل نبي يجيء حاملاً معه منهاجه المتمثل بالدعوة إلى عبادة الله وحده ورفض عبادة العباد بالانتماء إلى حكم الله وحده، والانشقاق عن الحاكمين بغير ما أنزل الله، والالتزام بتشريع الله وحده، والتحرر من نظم العبيد (التي ما أنزل الله بها من سلطان) .
كان لا بد من المجابهة والصدام؛ فليس ثمة تهاون أو تعايش أو تصالح بين الطرفين. ليس ثمة أيما جسر يصل بينهما، ولا أيما فسحة للمساومة وتقديم التنازلات من قِبَل هذا الجانب أو ذاك؛ إنه صراع بين موقفين لا لقاء بينهما على الإطلاق: الحق والباطل.. الهدى والضلال.. الإيمان والكفر.. الاستقامة والالتواء.. النور والظلام.
إن الحكم إما أن يكون لله، أو للطاغوت. وما كان لرسل الله ـ سبحانه ـ إلا أن ينفذوا كلمته في العالم أو تنفرد سوالفهم؛ وقد كان.
ونتذكر جيداً موسى ﵇ وقومه وهم يتعرضون لطغيان فرعون تقتيلاً وتعذيباً وتنكيلاً وتصليباً في جذوع النخل، وتقطيعاً من خلاف، وعيسى ﵇ وتلامذته وهم يتعرضون لطغيان قيصر وحملات الإرهاب والإفناء التي سلطها عليهم من كل مكان، ومحمداً ﵇ وأصحابه وهم يتعرضون لطغيان الوثنية العربية ومطارداتها وحصارها وتعذيبها المرير.
موسى وهو يتحدى فرعون: ﴿وَإنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ، وعيسى وهو يعلن بمواجهة روما: (لقد جئت بالسيف إلى هذا العالم) .. ومحمد (وهو يجابه الوثنية العربية بالحسم الذي يليق بجدية الأديان (والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه) (١) .
لقد كانت الأديان السماوية جميعاً مناهج حياة جاءت لكي تبني الحياة على عين الله وبتشريعه، وتعلن انقلابها على نظم الأرباب والكهنة والمشعوذين والزعماء الذين كانوا وسيظلون يمارسون عملية تشويه الحياة، وقتلها، وتخريبها.
(٢)
إن الله ـ سبحانه ـ لا يمكن أن يناقض نفسه؛ وحاشاه ـ سبحانه ـ وهو القائل في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] ، ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] . وهو القائل أيضاً في أكثر من موضع: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] . ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ [الزمر: ٦٣] .
هل ثمة أكثر وضوحاً من هذه الآيات بصدد حقيقة الدين، وكونه (تنظيماً) شاملاً للحياة البشرية على هذه الأرض وفق تشريع الله؟
إن ألوهية الله ـ سبحانه ـ أي ربوبيته وحاكميته، تمتد ـ بالضرورة ـ إلى أقطار الكون الأربعة: تحكم هذا الكون، وتنظم مسيرته، وترسم مصيره، لا يند عليها زمن أو مكان، أو حتى حيز من زمن أو مكان.. هيمنة مطلقة تمتد إلى الأجرام الهائلة فتسيرها في مداراتها الشاسعة، وتتوغل إلى قلب الهباءات الصغيرة في قلب الذرة، فتديرها في مساراتها التي لا تحس ولا ترى ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
أفيعقل أن تشذ كرتنا الأرضية الصغيرة وعالمنا المحدود عن هذه الهيمنة والحاكمية؟ ولماذا؟ أوَ يعقل أن تطوي إرادة الله ونظامه السماوات كلها وتترك الأرض تفلت من قبضته لكي يتولاها حفنة من الأرباب الزائفين الذين يسعون بنظمهم القاصرة، وتشريعاتهم الملأى بالتناقضات والأخطاء، وأحكامهم النسبية المنبثقة عن رؤيتهم المحدودة ذات الوجه الواحد، ومصالحهم، ومصالح المحيطين بهم والمقربين إليهم فحسب.. يسعون إلى تعبيد الناس لهم من دون الله؟ ثم: أيعقل أن يبعث الله أنبياءه إلى العالم لكي يعيدوا (روح) الإنسان إلى مسارها الطبيعي تاركين كل ما عدا هذا لاؤلئكم الأرباب الزائفين لكي يعمقوا الشرخ، ويزيدوا الفوضى، ويقوموا بعملية تطويق سهلة، ميسورة، لكافة الإنجازات الروحية للأنبياء ما دامت أنها لا تستند إلى قاعدة مادية صلبة، ونظرة شمولية في العمل، وتشريع يكفل تسيير كل صغيرة وكبيرة وفق المسار أو الناموس الذي يتوافق وينسجم مع قوانين الكون كله حيث لا حاكم، ولا مشرع إلا الله؟
أبداً ولن يقول بهذا مخلوق يملك ذرة من احترام للعقل البشري. إنه إذا كان الحكام الوضعيون لا يرتضون إلا أن تخضع كافة الممارسات وسائر الفاعليات في ممالكهم الصغيرة لنظامهم وتشريعهم وحاكميتهم، ويعتبرون الأخذ عن أي مصدر آخر للتشريع انشقاقاً على (شريعتهم) وتمرداً على حاكميتهم يستوجب الإيقاف والعقاب؛ فكيف تكون حاكمية الله خالق الإنسان والعالم، نسبية محدودة تمتد إلى هذه الجهة من الكون، وتترك تلك، وتهيمن بنظامها وقوانينها على هذا الجانب من الحياة وتترك ذاك؟
إن المنطق الديني يتجاوز هذا العبث الذي يصدر عن الجهل والسذاجة حيناً، ويرسم بمكر وخبث حيناً آخر لفتح الطريق أمام الانتهازيين والدجالين لكي يسوسوا الناس ويتعبدوهم على هواهم، ومن أجل تحقيق مصالحهم فحسب. يتجاوز هذا العبث ويطرح مقولاته بالصرامة والجدية والوضوح والحسم الذي يتطلبه الموقف الديني بما أنه صادر عن الله سبحانه.
إنها مقولة صارمة لا تقبل نقضاً ولا جدلاً؛ لأنها فوق التناقضات والمجادلات، ومعادلة دقيقة لا تقبل خطأ؛ لأن قيمتها موزونة محسوبة، ثابتة، وحقيقة واضحة لا تقبل تشويهاً وتزييفاً؛ لأنها امتداد للسنن والنواميس.
إن الله ـ سبحانه ـ هو حاكم الكون كله، ورب الكون كله، وإله الكون كله، لن يشذ عن حكمه وربوبيته وألوهيته نيوترون أو إلكترون، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا ورقة تسقط من شجرتها، ولا رطب ولا يابس. لا يشذ عن حاكميته شيء؛ فهل تشذ الكرة الأرضية، بطولها وعرضها، عنها؟ هل يشذ بنو آدم الذين سُخِّرت لهم هذه الأرض وينطلقون على هواهم في مناكبها؟
إنه الجهل والسذاجة، أو المكر والخبث والمصلحة، وليس ثمة شيء وراء هذا وذاك.
(٣)
منذ لحظة هبوط آدم ﵇ إلى هذا العالم كان (الدين) بمثابة الخلاص الوحيد؛ الخلاص على إطلاقه: الخلاص من التعاسة والشقاء والتمزق والتقاتل والتناقض والاضطهاد والاستغلال والامتهان والجوع والجهل والمذلة، الخلاص من كل ما من شأنه أن ينزل بالإنسان درجات عن المكانة الكريمة التي أرادها الله ـ سبحانه ـ يوم خَلْقِهِ وتكريمه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠] .
الخلاص على إطلاقه؛ ولن يتحقق هذا إلا بدين شامل يقود الناس عبر الطرق الملتوية المعوجة إلى الصراط. وكيف يعرف الناس الصراط ويلتزمون السير عليه إلى أهدافهم عبر رحلتهم الأرضية الطويلة المتشعبة المضنية الملأى باحتمالات الانحراف والمروق، إن لم يكن بشريعة شاملة فيها تبيان كل شيء وتتضمن ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْء﴾ [يوسف: ١١١] ؟ ؟!
إن مجابهة الانحراف لن تكون بكلمات تقال، ولا بدعوة مسالمة لتطهير روح الإنسان من الشر والخطيئة، ولا بدين تقتصر مفرداته على الصلاة والحج والصيام. لن تكون إلا بتشريع مفصل، ودعوة شاملة، ودين يتولى معالجة كل شيء. وإن تخليص الناس مما يعانونه، وتحريرهم منه، وصياغة عالم سعيد جدير بكرامة الإنسان لن تصنعه إلا حركة تسير على أرض الواقع وتستمد من ثقله ومواضعاته وسائل قدرتها على الانتقال بالناس من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
إنها مهمة ثقيلة مبهظة تحتاج إلى جهد مبهظ ثقيل، وبرنامج عمل مرسوم لا تند عنه صغيرة ولا كبيرة، ولا تنسحب من تحت قدميه أرضية العالم بكل ثقلها وصلابتها. تُرى أبمقدور حركة جادة أن تسير في الفضاء؟
لقد كان الدين منذ لحظة هبوط آدم وحتى مبعث الرسول الكريم ﵉ طريقاً للخلاص بهذا المعنى وحده، وليس بأي معنى آخر على الإطلاق: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ [البقرة: ٣٦ - ٣٩] .. ﴿إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] .
والدين هو المنهج والشريعة والنظام، وهو يأتي هنا لتأكيد حقيقة كونه المنهج الوحيد بمواجهة سائر المناهج الوضعية التي تقوم على التحريف والتزييف والتزوير لحقائق الكون والوجود والإنسان؛ فإما هذا أو ذاك، وليس ثمة اختيار ـ هاهنا ـ بين المنهجين. بمعنى آخر: ليس ثمة مجال (للتلفيق) بأخذ هذا الجانب من المنهج الديني، وذلك الجانب من المنهج الوضعي؛ إذ كيف يكتمل ويتوافق ما هو غير متوافق بطبيعته وبحكم انبثاقه عن مصدرين للمعرفة مختلفين ابتداء؟ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
فهو اختيار واحد حاسم أخير بين (الصراط) الذي يقود إلى الله؛ لأنه من شرع الله، وبين (السبل) التي تفرق الناس عن سبيل الله؛ لأنها من صنع الناس. وإذا كان الطريق الأول يقود إلى التحرر والكرامة والخلاص؛ فإن الطريق الثاني يقود ـ يقيناً ـ إلى العبودية والامتهان والشقاء.
ذلك؛ لأن معطيات التاريخ وأطروحاته لا تقول بغير هذا.
(٤)
وقد قيل في ذلك الكثير، وكتب الكثير. ولن نرجع هنا إلى شهادة التاريخ على امتداده ولا إلى أولئك (الشهود) الذين حدثونا عن أزمة الحضارة المعاصرة فأطالوا الحديث (١) ؛ حيث التأكيد الدائب المستمر على حاجة العالم المعاصر للدين، وعلى أنه (الحل) الوحيد لمعاناته ومرارته وعذابه.
ولكننا سنقف بعض الشيء عند حدث لا يزال قائماً، وهو بلا ريب واحد من أشد الأحداث المعاصرة إثارة وأهمية ذلك هو ثورة الطبقة العاملة في بولندة..
نعم الطبقة العاملة؛ حيث يفترض أن تعض بنواجذها على النظام الشيوعي باعتبارها صاحبة المصلحة الحقيقية فيه أولاً وأخيراً، وباعتبار أن الماركسية تنفيذ تاريخي لإرادة الطبقة العاملة بالذات، وهو الأمر الذي وجه ضربة قاسية للعمود الفقري للفكر الشيوعي، وزرع بذور القلق والشك في صدق المقولات الماركسية ابتداء.
ويبدو أن تحوُّل النظم والأحزاب الشيوعية إلى أدوات هينة لتحقيق أهداف (روسيا) وتبريرها، وإضفاء طابع (العقائدية) عليها على حساب الشعوب التي حكمت ـ عن غير اختيار ـ من قِبَل هذه النظم والأحزاب هو الذي أثار هذه الشعوب بكافة طبقاتها، بما فيها الطبقة العاملة صاحبة المصلحة الحقيقية في الشيوعية، فقامت بسلسلة من الانتفاضات والحركات الثورية للتحرر من الهيمنة الروسية التي دمغتها الصين بالإمبريالية (وهو الأمر الذي شهدناه في المجر وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وبولندة ... ) .
والذي يهمنا هاهنا ما حدث في بولندة في أواخر القرن الماضي؛ لأن فيه بُعداً واضحاً وملحّاً، بُعداً دينياً في كيان حركة عمالية كانت قد رُبِّيَتْ منذ نعومة أظافرها على المادية والإلحاد.
نعم! وليس ثمة في الأمر ما يدهش، بل إن العكس هو الذي يثير الدهشة؛ فلا تستطيع قوة في العالم مهما أوتيت من أسلحة فكرية أو إمكانيات مادية أو فن في التنظيم أن تقتل النزوع الديني في نفس الإنسان فرداً وجماعة، بَلْهَ أن تحجبه وتضيق الخناق عليه؛ لأن هناك في المقابل كل المتاعب والمآسي والمنغصات والمرارات التي تتمخض ـ بالضرورة ـ عن غياب الدين، وهي تملك من الثقل والامتداد والتأثير ما يدفع الناس دفعاً إلى البحث والخلاص بالرجوع ثانية إلى مرافئ الطمأنينة والأمن والتوازن والاستقرار.. المرافئ الآمنة التي ساقتهم بعيداً عن رياح المادية والإلحاد وعواصفهما المترعة بالغبار والتراب.
وفي يوم قام العمال الثائرون بصلاة جماعية من أقصى البلاد إلى أقصاها، وفي يوم آخر ذهب زعيمهم (ليش فاليسا) لمقابلة (البابا) في الفاتيكان وركع ـ على عادتهم ـ عند قدميه! لكي يتلقى منه البركات!! فضرب بسلوكه هذا مقولات الماركسية عرض الحائط؛ لأن المفروض والبديهي أن يذهب إلى الكرملين لكي يركع هناك ويأخذ مكانه في الطابور الطويل منتظراً دوره في إلقاء التحية وأداء مراسم التبجيل لجثمان الراحل العظيم (لينين) . ولن يستطيع أحد من تلامذة (لينين) أن يقول إن (فاليسا) شخص بورجوازي مهرطق؛ لأن الطبقة العمالية في طول البلاد البولوندية وعرضها هي التي اختارته وباركته. وإنها لمحنة بالنسبة للفكر والنظام الشيوعيين، وتحدٍّ تصعب الاستجابة له. ولكن من قال بأن الدين قد قُضي عليه إلى الأبد، وأنه لن يرجع ثانية وثالثة ورابعة لكي يتحدى المادية والإلحاد ويمتحنهما، ويقف قبالتهما قوياً، راسخاً، عميق الجذور؟
ولقد جاء انتخاب (البابا يوحنا) ، وهو الرجل البولوني، بمثابة دفعة جديدة قوية للنزوع الديني للثورة البولونية، وتعميق للعناق الحار بين الدين والثورة هناك.
فهاهنا.. في قلب المجتمعات ذات العلاقات المادية الصرفة، والتربية والتثقيف المبرمجين على أساس رؤية إلحادية بحتة ينتفض نداء الإيمان، ويتحرك الوازع الديني (١) من تحت ركام عشرات السنين المترعة بعمليات القتل والتدمير والاستئصال.
هنا نجد كيف تعمل حتميات التاريخ عملها؛ فليس الصراع الطبقي هو الحتمية الوحيدة؛ فهناك حتميات أخرى تكاد تطوي في جناحيها هذا الصراع، وتشق له مجرى آخر مغايراً تماماً.
وفي روسيا (الأم) نفسها لعبت (الحتمية) الدينية دورها في إرغام القيادة الفكرية على الاعتراف بهذا الكائن الحي الرابض في الأعماق، المتشابك مع الخلايا، المتوحد في صميم التجربة، فتراجعت بعض الشيء على مستوى المجتمعات النصرانية في الاتحاد السوفييتي أو على مستوى المجتمعات الإسلامية هناك، وأقر دستورها ما لم يكن يخطر على بال (ماركس) أو (لينين) .. ولا نقول (ستالين) لأن هذا وجد نفسه مضطراً هو الآخر لدى هبوب عاصفة الهجمة النازية لكي ينحني أمام المقولة الدينية ويطلقها من الأسر لكي تمنح الناس القدرة على المقاومة والصمود بعد إذ عجزت عنها مقولات التبدل في وسائل الإنتاج.
وفي الصين الشيوعية يحدث لأول مرة، وبعد مرور ما يقرب من نصف القرن على قيام تجربتها الماركسية أن تمنح المجتمعات الدينية حريتها المهضومة، وأن يتحرك ملايين المسلمين صبيحة عيد الفطر المبارك لكي يؤدوا صلواتهم كما كان يؤديها ـ يوماً ـ الآباء والأجداد.
ترى: أين ذهبت جهود نصف قرن في صياغة أجيال جديدة استُلت من كينونتها كل النزعات الدينية وشُحنت شحناً بتيارات الكفر والإلحاد؟
هذه لمحات مما حدث ـ هناك ـ في نسيج المجتمعات الشيوعية المادية؛ فكيف بغيرها من المجتمعات؟
مرة أخرى: إن معطيات التاريخ وأطروحاته لا تقول بغير ثِقَل الحقيقة الدينية وأصالتها وديمومتها وقدرتها على الفعل والتحقق والانتشار يقيناً.
(٥)
إن فطرة الأفراد، أو تكوينهم الذاتي، وتركيب المجتمعات، أو طبيعة العلاقات الاجتماعية، ومناهج البحث العلمي، تؤكد اليوم، وسيزداد تأكيدها، أطروحات الدين كضرورة نفسية، واجتماعية، وحضارية.
اليوم ندرك أكثر فأكثر إحدى مقولات القرآن الكريم: ﴿وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ #١٧٢#) أَوْ تَقُولُوا إنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] .
إنها الشهادة المركوزة في الأعماق على ربوبية الله: عهداً ومسؤولية والتزاماً، وإنه نسيج للفطرة قد تتشابك النزوع الديني في لُحمته وسداه.
إن فطرة الإنسان (متدينة) ابتداء، ولكن فقدانها التوازن لهذا السبب أو ذاك، وكنتيجة لهذه السلسلة من الضغوط أو القسر أو تلك، هو الذي يجنح بها باتجاه الإلحاد. والجنوح حالة مرضية، حالة استثنائية، ولن يؤخذ به مقياساً على أي وجه من الوجوه، إنما المقياس هو حالة التوازن، وحالة التوازن تلك قد محضت بالدين.
فمن خلال هزة نفسية عنيفة، أو خطر جاثم مخيف، أو نازلة مفجعة، أو خسارة مبهظة، ومن خلال إحساس مرير بالفراغ، أو التمزق، أو التشتت، أو الملل، أو التخمة، أو اليأس، أو الاكتئاب، أو الضيق، أو الاختناق: يجد الإنسان نفسه وهو يُهرَع لطرْق الأبواب التي أُقفلت على وجدانه الديني، وهز النوافذ التي سُدت على إحساسه الإيماني، وتمزيق الستائر التي أُسدلت على نزوعه الغيبي؛ حتى إذا ما فتحت الأبواب والنوافذ الموصدة، وأزيحت الستائر المسدَلة، وجد الإنسان نفسه يعود ثانية إلى فطرته التي فطر الله الناس عليها، ويتحقق ذلك بالتوازن المفقود.
وثمة حشود لا يحصيها عد لشهادات أناس عانوا من تجربة الجنوح المبهظة، ثم عادوا بعد فترات تطول أو تقصُر إلى مرافئ الإيمان في نفوسهم، فانقلب العالم في أعينهم بعد أن اضطرب وتفكك وتأرجح طويلاً: إلى سلام وود ومحبة وثقة وسكينة واطمئنان وفرح وتعاطف وتناغم وانسجام.
إن العودة إلى الدين ليست عودة إلى النبع الصافي والجذور الموغلة في الأعماق فحسب، وليست لقاء بالفطرة النقية بعد ضياع وتخبط طويلين في دروب الضلال المترعة بالغبار فحسب، ولكنها ـ فوق هذا وذاك ـ لقاء بالناموس الذي يسيِّر السماوات والأرض والحياة والأشياء.. تجانس معه ووفاق وتناغم؛ هنالك حيث يتوحد إيقاع الخليقة وهي تتحرك فاعلة معطاء، متوجهة صوب المصدر الواحد متعبدة إياه، مسبحة بحمده وجلاله.
ومن خلال هذا الإيقاع المتجانس.. هذا التوافق في الحركة، والتوجه المتوحد نحو المصدر والمصير يتحقق الكسب الكبير الواعد الذي يمنحه الله ـ سبحانه ـ لعباده الأوابين إلى فطرتهم على مستويين: مستوى الإحساس الذاتي بالانسجام والفرح والوفاق وهو إحساس حلو المذاق يصعب وصفه، ومستوى القدرة على الحركة والفاعلية والعطاء.
فإن إنساناً يلتقي بالناموس في حركته المتوحدة غير ذلك الذي يرتطم به ويتعارض معه. هاهنا تجميع للطاقة، واستجاشة لها، واستمداد من ارتباطاتها الكونية التي ما لها من حدود.. وهناك تفتيت لها، وتجميد لفاعليتها، وقطيعة مريرة بينها وبين الكون على مداه.
إن المُنْبَتَّ لن يستطيع أن يفعل شيئاً؛ إنه مقطوع من شجرة الخليقة الكبرى، متيبس حتى النخاع؛ أينما توجهه لا يأتي بخير.
وما لم يرجع الإنسان إلى فطرته، فلن يفضُلَ ـ بحال ـ ورقة مهشمة صفراء لفظتها الشجرة الكبيرة التي لا تمنح نسغها إلا لمن تحس أنه منها وإليها.
(٦)
فماذا عن البعد الديني في المجتمع؟ ماذا عن النزوع الإيماني في شبكة العلاقات الاجتماعية المعقدة الشاملة؟
لقد جربنا وجرب الناس في مشارق الأرض ومغاربها حياة وعلاقات اجتماعية أريد للدين أن ينفض يديه منها، طلب منه حيناً وأرغم أحياناً، على عدم التدخل في هذه المسألة أو تلك، وفي هذه المعضلة أو تلك، وبمرور الوقت ازداد الطلب واتسع نطاق الإرغام، حتى جاء اليوم الذي ضيق فيه الخناق على (الحل الديني) للمشاكل الاجتماعية، و (الموقف الديني) من المعضلات العامة، ووجد الدين نفسه مضطراً للانزواء في المساجد والجوامع والتكايا؛ فإذا ما أتيح له أن يغادرها إلى الحياة العامة لم يسمح له بأكثر من الإدلاء برأيه في مسائل الأحوال الشخصية، ثم يقفل بعدها عائداً إلى زاويته لكي يأوي إليها.
ماذا كانت النتيجة؟
الفوضى، والفساد، ومن ورائهما حشود من الأخطاء والشرور والمآسي والمتاعب والمنغصات والآلام.
ابتداء بعلاقة الزوج بزوجته، والأب بأبنائه والرجل بالمرأة، وانتهاء بالعلاقة بين المجتمعات البشرية على مدى العالم كله، مروراً بشبكة واسعة معقدة من العلاقات الاجتماعية بين عدد لا يحصيه عد من الأطراف التي تعمل في المجتمع الواحد.
وكل النظم الوضعية المادية أو العلمانية التي سعت لتنظيم العلاقات الاجتماعية من خلال منظورها المذهبي أو التشريعي ما لبثت بعد فترة قد تطول وقد تقصر، أن وجدت تنظيمها يتعرض للاهتزاز والتفكك، وتنفتح فيه ثغرات تتسع يوماً بعد يوم لكي تدخل المزيد من الهواء الفاسد الذي يسمم الحياة الاجتماعية ويملؤها بالأكدار. وعبثاً حاولت سد تلك الثغرات وترصين السدود الاجتماعية كيلا يكتسحها الفيضان؛ ولكنه قدر الله؛ فإن من اختار أن يتجاوز تشريعاته المعجزة للعلاقات الاجتماعية واستبدلها بقوانين بشرية تتسم بالنسبية والعجز والقصور والخضوع لمقولات الزمن والمكان المحدودين: لا بد أن يتلقى جراء فعلته تلك اهتزازاً في النظام يفتح على من فيه ثغرات يتسلل منها الماء الذي يكسر كل الموانع والحواجز ليغمر التجربة كلها بالفوضى والفساد. ولقد حذر الرسول # من هذا المصير المفجع عندما شبه التجربة الاجتماعية بمجموعة من الناس تبحر في سفينة إلى هدفها المنشود، ويبيح بعض ركابها لأنفسهم أن يعبثوا فيها حيث يجلسون؛ فإن لم يأخذ الآخرون على أيديهم هلكوا جميعاً، وإن أوقفوهم في اللحظة المناسبة نجوا جميعاً.
ولكن أحداً لم يسعَ إلى وقف أولئك الذين يعبثون في سفن حياتنا المعاصرة، أولئك الذين منعوا الدين من أن يقوم بدوره كاملاً في مجابهة تحديات الحياة، وأحلوا بدلاً منه أهواءهم ومصالحهم وظنونهم، فكانت الكسور، وكان تسلل الماء والغرق الوشيك.
ونقرأ في كتاب الله هذه الدعوة الحاسمة: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [الأنفال: ٢٥] ، فنضع أيدينا على المفتاح، وندرك السر الذي يكمن وراء كل المتاعب والآلام التي تغطي حياتنا الاجتماعية وراء هذا البحر الطامي من الفوضى والفساد. إن أحداً لم يتحرك لوقف الفتنة، والذين تحركوا لم يُسمع لندائهم، وكان ما كان.
ونقرأ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] .
وإنه لتحدٍّ هذا الفساد الذي يأخذ اليوم بخناق العالم، وإن بوادر الاستجابة الناجحة له قد لاحت في الأفق لحسن الحظ. إنها الرجوع إلى الدين؛ وذلك هو المؤشر الذي يَسِمُ الكثير من المواقف والدعوات والحركات في العقود الأخيرة من القرن الفائت.
ومعنى هذا أن التنظيم الديني للحياة الاجتماعية يمثل (حتمية) لا بد من الاعتراف بها والإذعان لمقولاتها؛ وإلا اكتسحنا الفساد، وليس ثمة اختيار: إما هذا أو ذاك، إما (النظام) وإما (الفساد) .
فما شرعه الله للمجتمعات البشرية هو غير ما يشرعه العبيد؛ وليس ثمة وجه للقياس والمقارنة على الإطلاق.
شريعة الله ـ سبحانه ـ تنبثق عن العلم الكامل المحيط والرؤية الشاملة والنفاذ إلى أعماق الأشياء والظواهر؛ إنها تضع النظم والضوابط والقيم والمعايير لجماعة هي من خلق الله وصنعه ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] .
إن شريعة الله هي الصياغة المثلى لحياة اجتماعية يسودها التوازن والعطاء، وما دونها من الشرائع الوضعية لا تعدو أن تكون محاولات يحكمها الهوى والظن والتخمين، وتسودها تجارب الخطأ والصواب، فتفقد بمرور الوقت توازنها وقدرتها على الإبداع.
وشتان بين تشريع الله ـ سبحانه ـ للعلاقات الاجتماعية وبين تقنين هذا الفرد أو ذاك من عباده ذوي القدرات المحدودة والرؤى النسبية والأحكام التي تطيش معها الموازين. شتان بين تشريع يمتلك ضمانات الحماية والرقابة والتنفيذ الأمين بسبب من انبثاقها من الداخل، من الضمير المؤمن الذي يستشعر رقابة خالقه في كل ممارسة مهما كان حجمها صغيراً أم كبيراً، وبين تقنين لا يملك سوى ضمانات الرقابة الخارجية والحماية المادية والتنفيذ المنظور؛ وهي كلها لا تمنع (التجربة) من أن تنحرف عن مسارها الصحيح، وتتجاوز الخط المرسوم.
وكلنا يعرف ـ على سبيل المثال ـ ما حدث بالنسبة لواحدة من العلاقات الاجتماعية، بل بالنسبة لجانب صغير منها، تلك هي مسألة إباحة الطلاق وفق شروطها المعروفة؛ فإن النظم الوضعية وكهنتها أدانوا هذه الإباحة، وملأت إدانتهم آلاف الصفحات في بطون الكتب والدوريات، وعلت أصواتهم في قاعات الدرس والمحاضرات، وما حدث بعد هذا معروف؛ حيث عاد الكثير من هذه النظم، بعد عشرات من تجارب الخطأ والصواب، وبعد مسيرة طويلة مترعة بالتخبط، لكي تبيح الطلاق، وما قصة التصويت على الإباحة في البرلمان الإيطالي، على بعد خطوات من (الفاتيكان) معقل الكاثوليكية، عنا ببعيدة: صوّت أكثرية الأعضاء على الإباحة بعد سنوات من النقاش والجدل، واعتبر تحقيق الإباحة مكسباً شعبياً، ووصفته الصحف اليسارية بأنه خطوة تقدمية.
هذا مثل واحد من مئات، ولن يتسع المجال للمزيد. وثمة ما نقوله على وجه الجزم والحسم: إنه حيثما كانت هناك قضية أو معضلة اجتماعية، كان حلها الأوحد هو ذلك القادم من عند الله، وطاش ما عداها من محاولات؛ فأصحابها ﴿إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] ، والهدى واحد لا يتعدد، وما عداه فهو الضلال.
(٧)
وماذا عن الدين ـ أخيراً ـ كضرورة حضارية؟
لن يتسع المجال هنا للحديث عن هذا الجانب؛ فقد سبق أن أفضت القول فيه في ثلاث من الكتب (١) ، وليس ثمة ضرورة لتكرار ما قلته هناك؛ إذ يمكن الرجوع إليه في مظانه (٢) ..
ويبقى (الدين) قبل هذا كله، وبعد هذا كله الحتمية الوحيدة في مسيرة الإنسان فرداً وجماعة، وهو يصنع وجوده ويتحرك صوب مصيره.
стр. 5225
بندقيتي الحبيبة
أ. د. نزار عبد القادر ريان
الليل يرخي مع الشتاء برودة تمتد في الأعصاب، ترتجف الضلوع، ترتعد الأوصال، تصطك أسنان العراة الجائعين، تعربد الطائرة فوق سطوح القرميد في المخيم، تهتز كل الدور، وينادي بمنع التجوال الرعديد الخائف من قلب الدبابة، فيخرج من لا يجد في قدميه حذاءً غير الأرض الباردة، المتسربل بالظلام والعري والفخار، يواجه المخرز اليهودي؛ فما أشبه الشروق بالشروق، وما أشبه الظلام بالظلام، لكنها الشمس توشك أن تزيل الليل والعَتَمَة، وتنشر الدفء والحياة، وتكشف الضباب، وتخرس المنادي بمنع التجوال، وتفقده الحياة.
قد أَلِفَ المجاهدون معالم الطريق، في الليل تُقتسم المهام مع الشباب المؤمنين، رَشْمُ الطريق بالمسامير المعكوفة مهمةُ مجموعة من مسجد الخلفاء، على طول طريق صلاح الدين، ورَفْعُ الأعلام على أعمدة الضغط العالي، مهمة مجموعة مسجد العودة، وعلى مجموعة مسجد الرضوان رفعها على المآذن والأشجار الشامخات، الأعلام موجودة في دار الأخت فايزة؛ فقد صنعتها ليلة أمس، كما أخبرتنا في النقطة الميتة، وهي تنتظركم لأخذها من النقطة نفسها، وعلى مجموعة مسجد النور أن تكتب على الجدران. لحُسْنِ الخط بُعدٌ في نفسية المجاهدين والمواطنين، وتأنَّقْ في الكتابة والتخطيط يا سعد! وزخرِفْ كلمة «حماس» وزيِّنها ببندقية وقنبلة وشامة، وكَحِّل الكلمات بالسواد؛ فإنها العروس زينة وعزة ودلالاً، واصبر على نار العدو؛ فالصبر والمصابرة يورثان النور في القلوب، ويبدع المصابرون، ويصنعون الفجر والإيمان.
كان نادر في بداية الانتفاضة ممتلئاً شباباً وقوة وعنفواناً، لكنه لم يكن يملك البندقية، كان طويلاً فارعاً، لا يمكنه أن يختفي في الأزقة الصغيرة، لكنه كان متقدماً علينا جميعاً؛ فقد يبيت الليلة كلها فوق جدار المدرسة، ينتظر وراء العبوة المصنوعة من عيدان الكبريت، لا يقبل البلل، لا يعرف البرد، الدفء في أعطافه مختزن من عبق الجهاد والمقاومة، قنبلة الكبريت كانت مرعبة، فما أن تقترب آليات اليهود حتى تنفجر، ويطلق الرصاص يمزق صمت الليل وصفوه، وتتوالى الأصوات، وتكون تجربة رائعة لنادر، آهِ لو نملك القنابل والبنادق، وكيف يمكن أن نملكها، إن لم تكن إلا من أيدي الجنود الغاصبين؟
ولمعت الفكرة المجنونة في رأسه: هل يُعقل أن نقتلهم ونغنم سلاحهم؟ هل يمكن ذلك؟ كانت فكرة غريبة لا يمكن تصورها، لكنها عزيمة المقاتل في سبيل الله.
في إحدى مزارع البرتقال شرق معسكر جباليا (شوكة فلسطين) ، كَمَنَ نادر بصحبة مجاهدين آخرين، يترقبون ويرصدون. عواء الضواري في المزارع ليلاً تقشعر له الأبدان، انطلاقة طائر مفزوع ترتعد لمفاجأته البوادر، صوت صافرة من بعيد يقترب، هذا (جيب) مغتصِبٍ ينتهب الأرض، يتوقف لحظة، يترجل ضابط مغتصِب، تشتد الأعصاب وتتواتر الأنفاس، يلتقط عن الأرض بياناًً من بيانات الانتفاضة، آهِ لو كانت معنا البنادق، آهِ وكيف السبيل؟ مرة أخرى تتوهج الفكرة المجنونة في رأسه، لا بد من بندقية، لا تقل لي من أين نأتي بالبنادق، لا تقلْ! سنحتفل يوم نملك أول بندقية بصورة خاصة، سنحتفل وسنشعل النار في قلوب الصهاينة المغتصبين.
تلك الليلة لم يتمكن المجاهدون من فعل شيء، كانوا سيكسبون الجولة لو كانت معهم البنادق، لكنهم تعرَّفوا عن قرب على ثغرات في أمن المغتصبين الصهاينة. إن توزيع بعض بيانات على الطريق العام (شارع صلاح الدين) يمكن أن يكرر المشهد، يمكن أن يترجل الغاصب كي يلتقط البيانات، يمكن عندها أن نلتقط قلبه برصاصتين، نرد بها على مجازرهم في مخيم بلاطة، نثأر للدماء النازفة في كل فلسطين.
في الليلة التالية كان نادر وإخوانه يتدارسون كيف يمكن الحصول على البنادق؟
بعد بحث عن الإبرة في تلة القش، وبعد تشتيت عيون البوم ليلاً، وتفريق الغربان في وضح النهار والكلاب، بعد عناء دام شهوراً، عَلِم نادر وإخوانه أن هناك رشاشاً لدى رجل ورثه عن أبيه الشهيد، يطلب به ألفاً وخمسمائة دولار، ولكن من أين نأتي بالدولارات، ونحن الفقراء، لا نكاد نجدها في بيوتنا ولو اجتمعت؟ وأخيراً، ذهبوا إلى تيسير؛ فقد كانوا يحسبون أن له من اسمه نصيباً، بل في اسم عائلته أيضاً فأل حسن، وهو حديث عهد بعرس، أفيصح أن نطرقه في ثلث الليل الأخير؟ لكنهم مضوا وكلموه أن يقرضهم بعض المال، فيعجب منهم، وأي مال معه؟ فهمسوا إليه: ذَهَبُ الزوجة قد يكفي لشراء بندقية قديمة، فخلعت أم حمزة الأساور الجميلة، ليفرح المجاهدون بالرصاص والبنادق.
وأخيراً اشترى نادر قطعة قديمة من رشاش الكارلوستاف، كان قديماً جداً، في عمره آنذاك، لكنها بندقية مقاتلة، والقِدَم لن يضيرها، والبركة في تاريخها وشرفها، أليست بندقية مجاهد شهيد؟ كان نادر يعجبه الفأل الحسن، لذلك كان يرى أنها بركة جهاد لا يصح أن تفارقه، ولو أعطوه بدله ألف بندقية.
حين مضى ثلث الليل الأول، انطلق نادر ورفيقاه شرق معسكر جباليا، هناك وسط مزارع البرتقال التي شهدت تجربته الأولى للبندقية، أطلق الرصاصتين الأُوليين، سمع الرصاص والنباح وفرار الطيور معاً، ولما مضى ثلثا الليل، في منطقة الزرقا، بجوار الحفرة القديمة شمال غزة، بجوار المطينة، أطلق نادر الرصاصتين الأخريين، عوت الكلاب في المزارع، وقفزت في كل اتجاه، مرة أخرى، واللهِ هذا فأل حسن! الكلاب واليهود يفرون من بنادقنا ورصاصنا. وطار نادر ورفاقه إلى مزارع البرتقال، بعد مئة متر داخل المزرعة قال نادر: البندقية صالحة، ونقد الرجل ثمن البندقية القديمة، ثم احتضنها بخشوع، وسجد ورفيقاه في الوحل والطين.
فاضت الدموع في مآقيها وأشرق الأمل، هذه المرة الأولى التي أمتلك فيها بندقية مقاتلة، ما أكثر البنادق في بلادنا، لكنها معطلة! أصبح عندي الآن بندقية، أصبحت في قائمة المجاهدين، بل في رأس القائمة. غداً غداً سنحمل البنادق، غداً غداً، والليل يشهد عودة المرابط، غداً غداً. وجعل يدق الأرض بقدميه، والمجاهدان وراءه بين سطور الشجر، كأنهم في طابور عسكري، كانت يومها نشوة الحصول على البندقية المصنوعة سنة تسع وخمسين، أفضل من الترسانة العربية الكبيرة في مخيلته آنذاك، والحق معه، فرْقٌ بين بندقية تقاتل، وطائرة تُحطَّم في مطاراتها السرية، وأرتال من الدبابات تصدأ في المخازن، وتصير عبئاً على العرب والبيئة معاً، فرق كبير، والعزة للرصاصة الصافرة في الهواء بالنشيد والحداء والتكبير، عائدون عائدون، إننا لعائدون.
(*) عضو القيادة السياسية لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» .
стр. 5226
التركيز ... وصفتك الحقيقية للإبداع
عبير العقاد
كان يوماً بائساً كالأيام التي سبقته ... صحوتُُ مستاءةً كعادتي في هذا الشهر الذي تتالت فيه الإحباطات واحداً تلو الآخر.
توجهت إلى المطبخ لأعدّ فطور زوجي ... كان قد طلب مني شرائح من الزبدة مع العسل. تناولت الصينية.. وضعت عليها كأساً من الماء ورغيف خبز مع صحن من العسل.
«هيا يا عزيزي.. تعالَ لتتناول فطورك!» .
سألني: «أين الزبدة؟» .
ـ «ألم أضعها لك؟»
ـ «لا، يا عزيزتي.. لقد وضعتِ صحناً فارغاً مع سكين» .
ـ «آسفة.. سأحضرها حالاً» .
تساءلتُ: ما الذي أصاب حياتي مؤخراً؟ فهي ليست المرة الأولى التي لم أتمكن فيها من إتمام ما توجهت لفعله على خير وجه. تأملت في حالي، ورجعت بذاكرتي إلى الأيام الثلاثين الماضية، بل أرجعت شريط ذكرياتي خلفاً أكثر من ذلك.
وجدتها.. أنا أعاني من التشتت الذهني وفقدان القدرة على التركيز.
عليّ أن أعالج الأمر قبل أن يتفاقم.
توجهت إلى المكتبة لأدرس موضوعات عن التركيز؛ فعادتي أن أعمل دائماً بنصيحة شهيرة تقول: «الحياة التي لا نُخضعها للبحث والدراسة، لا تستحق أن نعيشها» .
لم تكن المراجع كثيرة حول هذا الموضوع، لكني وجدت: «التركيز: مهارتك الثمينة للتميز والإبداع/ كما قال أحدهم...............» .
حقاً هل هو مهارة؟ وهل هو بالمهارة الثمينة؟ وهل باكتسابه نتمكن من الوصول حقاً إلى التميز والإبداع؟ تساؤلات كان لا بد لها من إجابة.
بدأت التصفح والتأمل والتعلم لأصلَ في النهاية إلى الحقيقة المبهرة.. نعم إنه كذلك!
فما من كتاب ولا وصفة تتحدث عن النجاح والإبداع من قريب أو بعيد إلا وتذكر لنا التركيز بوصفه ركيزة أساسية للارتفاع إلى الدرجات العليا في سلم المجد، ولتحقيق الأهداف والأحلام البعيدة. وما من مهمة، صغيرة كانت أو كبيرة إلا وتحتاج بدءاً إلى التركيز على كافة جوانبها بدقة لإنجازها على أتم وجه.
فكي تصل مثلاً إلى الصلاة المثالية، عليك أن تستجمع كل أفكارك وتأمرها بالالتزام التام بالمهمة التي أنتَ بصددها، والتي هي إتمام الصلاة بخشوع دون السماح لوساوس إبليس وهمسات الدنيا أن تقتحم خيالك أثناء الصلوات الخمس المأمور بها. أي عليك التركيز في هذه الصلاة والتحكم بأفكارك كي لا تتشتت أثناء هذه الفريضة الدينية التي هي عماد الدين.
فما هذه النعمة التي باكتسابها واستغلالها نتمكن من تحقيق ما نصبو إليه مهما كان كبيرا؟
إنه التركيز.. وهو صبّ الاهتمام على أمور محددة، منتقاة، وتجاهل الأخرى التي لا تتعلق بها، مع إعطاء الأوامر للعقل للالتزام بها والمثابرة عليها دون غيرها.
والتركيز ـ حمداً لله ـ ليس بالموهبة السرية ولا بالأمر الموروث الذي قد نتحسر لأنه لم يكن من نصيبنا، بل إنه ببساطة: «مهارة وعادة يمكن لأي شخص أن يكتسبها إذا ما عزم على ذلك» . إذ من نِعَم الله علينا أن خلقنا وجعل بإمكاننا إعادة برمجة أنفسنا في أي وقت نختاره لاكتساب بعض المهارات والعادات الفعالة ومنها مهارة التركيز، على أن نتحلى بالصبر والمثابرة والإلحاح والتصميم، مع بذل الجهود الدائمة للوصول إلى الهدف المنشود.
وقد يبدو الأمر شاقّاً في البداية، لكن ما أن تطلق العنان لنفسك لتخطو الخطوة الأولى في طريقه، حتى يتبين لك أنه أصبح سهلاً للغاية؛ شأنه في ذلك شأن أي عادة أو سلوك تشرع باكتسابه وتداوم على تكراره بإصرار حتى يصبح إتيانه أمراً لا إرادياً في آخر الأمر.
لكن: لماذا نبذل الجهد والوقت لاكتساب تلك العادة؟ ألا ينبغي أن يكون رصيد الفوز بها ثميناً بقدر التعب الذي سنبذله لاكتسابها؟ نعم! إنه كذلك؛ فليس التركيز هدفاً بحد ذاته، إنما هو وسيلة لتحقيق أهدافنا في هذه الحياة.
فالأديب (تشارلز ديكنز) يقول: «لم أكن أبداًِ لأحقق النجاح دون عادات الدقة والنظام والاجتهاد والتصميم والتركيز على عمل واحد في كل مرة» .
وإذا تساءلنا عن فوائد التركيز ومزاياه، فستكون لدينا إجابات عديدة ومبهرة؛ إذ ستندهش حقاً عندما تعلم أن التركيز وسيلتك لتحقيق كل من الأمور التالية:
١ ـ زيادة الإنتاج على كافة الأصعدة: الإنتاج المادي والثقافي والاجتماعي والديني والسياسي ... إلخ.
٢ ـ تحسين نوعية الإنتاج بأشكاله المتعددة المذكورة آنفاً نتيجة التركيز على تحسين تلك النوعية، واستغلال الوقت، والتفكير لتطويرها.
٣ ـ اختصار الوقت اللازم للإنتاج والذي كان يذهب هباءً قبل ذلك نتيجة التشتيت وعدم وضوح الرؤية.
٤ ـ زيادة الثقة بالنفس؛ فالإنسان المنتج الذي يتمكن غالباً من تحقيق أهدافه لا بد أن يشعر بالفخر والثقة بنفسه لتسلسل نجاحاته.
٥ ـ تعزيز راحة البال والهدوء في النفس والطمأنينة؛ لأننا نعلم أننا قادرون على التحكم بأنفسنا والسيطرة عليها.
٦ ـ إنجاز الأهداف المرجوة وتجاوز حدود القدرات والظروف بسبب المثابرة العقلية والتركيز والتصميم على النجاح والتميز والإبداع.
- عوائق مهارة التركيز:
وبعد؛ فقد تجد أن التركيز وسيلة لأهداف ماسيّة، فلِمَ لا تتمتع بها؟ ما الذي يحول بينك وبينها؟ ما الذي أبعدها عنك مؤخراً؟ عليك أن تعرف المشكلة التي أصابت تركيزك فأحبطته؛ فوجود مشكلة في التركيز لا يعني أنك لا تستطيع التركيز البتة، بل ربما تعني أنك لا تستطيع التركيز كما يجب في هذا الوقت نتيجة عوامل تشتيت داخلية أو خارجية.
وقد حدد العلماء أحد عشر عائقاً أمام استخدام مهارة التركيز، وهي:
١ ـ التشتيت: إذ من الصعب التركيز عندما يقتحم الضجيجُ والناسُ وجرسُ الهاتف جوَّ التركيز لديك.
٢ ـ قلة التدريب والممارسة: فالتركيز ـ كما أسلفنا الذكر ـ مهارة، ولا يمكن إتقانها إن لم نتعلمها ونمارسها بشكل يومي.
٣ ـ عادة عدم تركيز الاهتمام وانشغال العقل بشكل دائم: إذ إن انشغال المرء بمشاغل كثيرة أثناء حياته يؤدي به إلى تشتيت معظم طاقاته دون طائل؛ لأنه يحاول القيام بأشياء كثيرة، أو أن يفكر بها كلها في آن واحد دون تحديد الأولويات.
٤ ـ قبول الإحباط البسيط: فهناك نوع من الناس يتلقى الإحباط كما لو كان كارثة من كوارث العالم المصائبية، فيغرق بين الهموم مبدداً كل طاقاته في التفكير بها. على عكس أولئك الذين تعلموا التعامل مع القلق والإحباط بشكل بنّاء لا هدّام.
٥ ـ ضعف الاهتمام أو عدم وجود الحافز: إذ لا تركيز دون وجود اهتمام أو حافز يجذبك ويحثّك على القيام بمهمةٍ مّا.
٦ ـ المماطلة: أي التأجيل والتسويف التلقائي لمهمة غير محببة دون وجود سبب معقول.
٧ ـ عدم وضوح الخطة أو الهدف: حيث تُعزى عدم القدرة على التركيز أحيانا إلى عدم إعطاء العقل أمراً من الأوامر؛ إذ لا بد أن تحدد لعقلك مشروعاً معيناً وتصوراً محدداً بالإضافة إلى خطة عمل واضحة المعالم.
٨ ـ تزاحم الأولويات في العقل: إذ إن وجود التزامات متعددة وواجبات كثيرة وتواريخ محددة تتزاحم لجلب اهتمامك لا بد للعقل أن يرفضها جميعاً بسبب عدم القدرة على تحديد الأولويات.
٩ ـ التعب والإجهاد والمرض: فالتركيز طاقة عقلية موجهة؛ فإذا كنت متعباً أو مجهداً أو مريضاً فلن يكون لديك الطاقة اللازمة لاستخدام قدراتك العقلية. كما قد تؤثر أدوية معينة على قدرة المرء على التركيز.
١٠ ـ انفعالات بلا حلول: إذ إن المشاكل الكبيرة قد تستدعي كامل اهتمام المرء دون ترك مجال للتفكير والتركيز على مسؤوليات أخرى.
١١ ـ الموقف السلبي تجاه التركيز: وهو أقوى المعوقات جميعا؛ لأن المرء يتصرف عادة حسب اعتقاده، فإن كان يعتقد عقلياً أنه لا يستطيع التركيز فلن يستطيع ذلك حتماً؛ إذ لا بد من إزالة الشك في قدراتنا كي نتعلم أي شيء.
إذاً؛ كثيرة هي العوائق التي تحول بيننا وبين الاستعانة بالتركيز لتحقيق أهدافنا، وعلى المرء أن يعالج هذه العوائق، وأن يصمم على التخلص منها أو التعامل معها كما لو كانت صخرة اعترضت طريقنا واستطعنا بالجهد والمثابرة والتصميم إزاحتها عن وجهنا. لكن حتى هذه المثابرة للتخلص من عوائق استخدام التركيز تحتاج منا إلى التركيز للوصول إلى مآربنا؛ شأنها شأن أشعة الشمس الحارة التي لا تصل إلى درجة الحريق إلا عند تركيزها وتوجيهها إلى نقطة محددة بواسطة مرآة. إذاً؛ علينا ألا نطلق العنان لاهتماماتنا لتتشتت بعيداً وفي جميع الاتجاهات.. علينا أن نستجمعها ونتحكم بها ونوجهها في مسار محدد كي تعطينا أعلى درجات الطاقة.
وللتركيز ـ كما أسلفنا الذكر ـ وسائل لاكتسابه؛ فهو ـ كما علمنا ـ مهارة يمكن برمجة أنفسنا لاقتنائها.
وقد وصف علماء النفس الكثير من التمارين الفعّالة لاكتساب هذه المهارة الثمينة، لكن اشترطوا للحصول على أفضل النتائج، التزامَ الصبر والمثابرة والتصميم؛ فالانتباه كما قال (وليم فالكيراتكينسون) في كتابه «قوة الفكر في الحياة العملية» : كائن عنيد، عليك ألا تدعه يأخذ زمام السيطرة عليك؛ فهو يكلّ كثيراً؛ لذا علّمه الامتثال، وحين تتغلب على هذا الانتباه الثائر فستكون قد أحرزت انتصاراً كبيراً أنت أعجز من أن تقيس أبعاده الآن.
ومع تمارين التركيز ستكون قادراً على ترك العادات الضارة واكتساب أخرى نافعة.. أي ستستطيع الأداء بشكل أفضل بكثير من السابق؛ فقد اكتسبت سيطرة قوية على الجسد والعقل، وسترى أنك سيد ميولك وليس عبدها، والقوة التي اكتسبتها لنفسك ستتجسد في كونك الآن ستسيّر الآخرين، ومن يحكم نفسه بنفسه يكون قادراً على نقل إرادته إلى الآخرين. واصل بمثابرةٍ التمرنَ على التركيز، وستصنع من نفسك عملاقاً مقارنةً مع من يهمل هذه القوة.
جرب قوة إرادتك على نفسك بشتى الأشكال، وحينما توفَّق في جعل نفسك سيد نفسك فإن السيادة على الآخرين ستصبح عندئذ طوع بنانك.
- وصفة مفيدة للتركيز:
وبعد هذه المقدمة الطويلة حول تمارين التركيز، نقف مع (سام هورن) وتمرين التركيز الذي وصفه لنا والذي من شأنه تنمية قدرات التركيز لدينا، وهي ما يلي:
١ ـ اعزل نفسك وتخلص من كل مسببات التشتت من أصوات وأشخاص وما شابه بذلك.
٢ ـ اختر لنفسك مهمة سهلة، ومن أسهل المهمات التي أثبتت نجاحها في هذا المجال، هي القراءة أو الكتابة أو القول بصوت مرتفع لمدة خمس دقائق، جملة قصيرة، وهي: «إنني جيد في التركيز» مع التركيز على كلمة جيد.
٣ ـ اضبط ساعة المنبه بحيث ينطلق جرسها خلال خمس دقائق.
ملاحظات حول التمرين:
- إذا شُغلت بأمر آخر أثناء التركيز فتدرب على وقف التفكير، ثم عد إلى مهمتك الأساسية بتركيز أعظم.
- كن صبوراً ومثابراً، ولا تترك الخواطر المختلفة تقتحم عقلك، ولا تستسلم للمشتتات.
- كرر هذا التمرين كل ليلة، وعندما تصبح قادراً على الحفاظ على تركيزك لمدة خمس دقائق دون تشتت خارجي (وهو تدريب يحتاج إلى أسبوعين أو ثلاثة) ، ابدأ بإدخال عناصر تشتيت كتشغيل الراديو أو التلفاز أو الجلوس في غرفة أناس غيرك. استمر على تمرين التركيز بوجود عناصر تشتيت كل ليلة إلى أن تتمكن من التركيز لمدة خمس دقائق. ويحتاج إتقان هذه المهارة لدى معظم الناس من أسبوعين إلى ثلاثة (وهو الوقت اللازم لترك عادة قديمة واكتساب أخرى جديدة) . وبمجرد أن تتمكن من إصدار الأوامر لعقلك وإرغامه على طاعتها رغم وجود عناصر التشتيت؛ فإنك ستكون مستعداً لنقل هذه المهارة إلى الحياة العملية.
وبعد: فقد لفت الخبراء انتباهنا إلى سر خفي قادر على قلب حياتنا رأساً على عقب؛ فقد تكون مهارة التركيز الفارق بين نجاحنا أو إخفاقنا، وبين تفوقنا أو انحدارنا. كما أنها المفتاح العظيم لأكوام من النجاحات والإبداعات.
فإن كنتَ ممّن يقدر قيمة الوقت، وتدرك أن لا أبدية لحياتك، وأنك لا بدّ مفارق أيامك الدنيوية غداً.. فبادر إذن بجعل سنيِّ عمرك أكثر قيمة وإفادة بل وسعادة أيضاً؛ وذلك بلمّ شتات فكرك وتركيزه على عمل خلاّق تتألق به في دنياك، وتُذكر به عند رحيلك.
ولا تنسَ مقولة (جورج برنادشو) : «إن السعادة الحقيقية هي أن نستغل وجودنا لتحقيق غاية ما، وعندئذ يكون وجودنا هذا عظيماً» .
هيا.. بادر.. سارع باقتناء المفتاح السري وطبّق الوصفة السحرية لحياة متلألئة واثبة من نجاح إلى آخر.
هيا.. ركّز لاكتساب مهارة التركيز.
стр. 5227
غياب الأيديولوجية في زمن الاستضعاف
ربيع الحافظ
طال الأمد على آخر تحوُّل أيديولوجي كبير يشهده العالم؛ فانقلاب شعوب أوروبا وآسيا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على نظم سياسية مزمنة تحت طائل العامل المعاشي والظلم أو الاستعلاء
كانت البؤر السياسية العالية الرئيسية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في حالة من عدم استقرار السياسي، والشيخوخة، وكانت المناخات السياسية تنذر بأن تحولات كبرى قد أزف أوانها؛ فالأحوال المعاشية المتردية في روسيا القيصرية في مقابل الفكر الشيوعي الوليد يومئذ، وتراجعات الدولة العثمانية المتعَبة أصلاً في حروب البلقان، ثم تحالفها الهش مع ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا في أوروبا، ووصول النازية إلى ألمانيا، والتخلخل السياسي في منطقة نفوذ الإمبراطورية اليابانية في جنوب شرق آسيا، ثم أمريكا التي لم تكن قد حزمت أمرها بعدُ حول علاقتها مع العالم الخارجي، هذه كلها كانت إرهاصات لتحول كبيرٍ مّا سيكتنف العالم.
عدم توافق السياسي والأيديولوجي السائد، والتنافس الاقتصادي أدخلا العالم طوراً من التوتر قاد إلى حربين عالميتين، كان من تداعياتهما قيام إميراطوريات جديدة، منها ما جسَّد فكراً آنياً عابراً كالشيوعية والنازية، ومنها ما ورث حضارات قائمة كأمريكا بالنسبة لأوروبا.
كما كان من تداعيات الحربين احتجاب نظم سياسية لحضارات كبرى، في طليعتها النظام السياسي للحضارة العربية الإسلامية، الذي اختفى من الخارطة السياسية بشكل كامل وللمرة الأولى منذ خروجه على العالم كلاعب سياسي رئيسي قبل أربعة عشر قرناً، تاركاً وراءه رقعة هائلة من الجغرافية السياسية المكشوفة دون غطاء سياسي ذاتي. فقد كانت الحقبة العثمانية الختامية أقرب للحراسة العسكرية لرقعة شعوب الحضارة العربية الإسلامية، وأفضى انتهاؤها إلى انكشاف هذه الرقعة على الأصعدة جميعها؛ الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
من جهة ثانية؛ فقد طال الأمد على آخر دور طليعي للعرب في النظم السياسية التي استوعبت الحضارة العربية الإسلامية؛ حيث تعتبر حقبة الخليفة المعتصم ولجوئه إلى الأتراك للحد من النفوذ الفارسي المتنامي في الدولة العباسية منعطفاً وبداية النهاية للطور العربي في النظام السياسي للحضارة العربية الإسلامية. لكن هذا الدور سد مسده ـ أو حد من تداعياته ـ في أحايين متعددة عالمية الحضارة العربية الإسلامية، وتعاقب شعوبها من سلاجقة وأكراد ومماليك ثم أتراك عثمانيين على انتشال نظامها السياسي في مراحل الضعف وتصريف شؤونها؛ حدث ذلك يوم كانت هذه الشعوب أعجمية النسب ولكنها عربية اللسان والثقافة، وسنية المعتقد سياسياً.
المنطقة تواجه من جديد زلازل سياسية على أعلى الدرجات في مقياس الزلازل، في ظرف يقترن فيه ـ هذه المرة ـ استمرار الغياب السياسي العربي، مع خروج اختياري لتلك الشعوب من المعادلة السياسية للحضارة العربية الإسلامية تحت طائل النزعة القومية التي اجتاحت شعوب الأرض في القرنين الأخيرين، فعادت تلك الشعوب أعجمية النسب واللسان والثقافة. يضاف إلى المشهد التراجع الكبير للدور الفكري العربي الذي كان رديفاً بالغ الأهمية ـ وإنْ من مواقع سياسية خلفية ـ للنظم الحاكمة غير العربية، ووازعاً لكثير من قراراتها السياسية المفصلية في مسار الحضارة.
السيناريو الحاضر يمكن إيجازه: بأن الخطر عاد إلى المنطقة من جديد، وأن الدور السياسي العربي لا زال معطوباً، والشعوب التي سدت مسد العرب في الماضي هجرت الميدان، وهي ليست بأحسن حال منهم، والحصيلة هي ما بات يطلق عليه «النظام السياسي العربي المنهار» . وقد توغلت أمريكا في جغرافية هذا النظام السياسي الفاقد للمناعة السياسية والثقافية، لإعادة تكوينه وإقامة ما تسميه «الشرق الأوسط الكبير» ، والعراق هو محطتها الأولى فيه.
لا يخفي نزلاء هذه الجغرافيا بدءاً من الأقليات السياسية والدينية والطائفية وانتهاءً بإسرائيل أن سيناريوهات كهذه هي فرص نادرة الحدوث في عمر الأمم لإعادة إحياء مشاريع مؤجلة أو ملغاة أو مستعصية، وقد نُبشت الأراشيف ولم يعد مستهجناً عند أصحاب المشاريع فتح ملفات علاها الغبار منذ عقود طويلة، ولا يعدّ محرماً أو عيباً اللجوء إلى أية وسيلة لبلوغ الغاية.
لم يألُ الظهير الإعلامي لتلك المشاريع جهداً في وضع الحدث اليومي في المشهد العراقي ضمن سياق لا تخطئه الإمكانيات الفكرية العادية لرجل الشارع العادي، سواء كان هذا الرجل في نيويورك حيث الحرب على الإرهاب، أو في إسرائيل حيث فرحة بلوغ الفرات (الحدود الشرقية لدولة الميعاد) وعبوره إلى بابل حيث منفى الأجداد، أو في «كردستان الجنوبية» المقتطعة من كردستان الكبرى، أو من مناطق المقابر الجماعية التي حفرت أخاديدها «الأقلية السنية» التي «ظاهرت» صدام، أو في المثلث السني الذي ما حمل السلاح وشن المقاومة لولا خسارته لمواقعه السياسية التاريخية.
كل شيء عند نزلاء الجغرافيا «وزوارها» (الأمريكان) يسير وفق سياق.
المشهد العراقي غني بمعطياته وانعطافاته القتالية والوطنية التي يراقبها باهتمام شديد العدو قبل الصديق، وهو مشهد يحدث على مفترق طرق رئيسي لعمالقة الأمم والكتل السياسية التي ترقب بصبر نافد عثرة العملاق الأمريكي المتغطرس في حلبة العراق التي باتت محكّاً سيكرّم فيه العملاق أو يهان.
الأمور مجتمعة (الاحتلال + مشاريع النزلاء + المقاومة بأشكالها المختلفة + الهشاشة السياسية في المنطقة + التنافس السياسي العالمي في المنطقة) تشكل وصفةَ تحوُّل كبير قابل للحدوث جداً في أحد اتجاهين متعاكسين.
من الواضح جلياً أن السياق الأيديولوجي مؤمّن بشكل جيد لأحد الاتجاهين، لكنه يغيب بشكل أكثر جلاءً عن الاتجاه الآخر. فالأخبار التي تتوالى من العراق عبر قنوات لا يفترض أن تكون مناوئة، هذه الأخبار على أهميتها ومراميها الاستراتيجية لا تتعدى في أحسن الأحوال كونها عرضاً نزيهاً لشريط أخبار لا تقع ضمن سياق، ويمكن وصفها إلى حد كبير بـ «كومة» مفردات؛ منها: المثلث السني، الحوزة الصامتة، أهل السنة الوحيدون من غير قيادة، المقاومة ليس لها ذراع سياسي، لولا طهران لما سقطت بغداد، ولولاها لما سقطت كابول أيضاً، الموساد يصطاد العلماء العراقيين، يهود يبتاعون عقارات في العراق، المقاومة تحارب على جبهتين أمريكية ومحلية، غزو ديموغرافي إيراني للعراق، حرق دور التراث، وغيرها من المفردات التي تثير فضول السامع العادي بشكل كبير لكنها لا تنبهه إلى ما تعنيه مجتمعة.
كان القاسم المشترك في تحولات القرن التاسع عشر والقرن العشرين هو ظهور قادة ملهمين سلبوا لب الشارع السياسي المتعطش للرؤى الثاقبة، وهيجوا المشاعر وأوجدوا القناعات فصنعوا التغيير. بعبارة ثانية: لقد كانت أزمات القرنين الماضيين محضناً ـ إن لم تكن رحماً ـ للأيديولوجيات التي قُيض لها من يحملها ويترجمها إلى شعارات تتقبلها عقول الناس.
لم يكن الحال في نظم حضارتنا السياسية عبر التاريخ على غير هذه الشاكلة؛ فقد ارتبطت محطات الحضارة بأسماء أعلام بعثوا الأمل في النفوس وقادوا مجتمعاتهم وتركوا بصمات غائرة على محيا التاريخ، وهم إلى هذا اليوم مدارس يلتقي عليها المفكرون.
ما نشهده في ساحتنا اليوم هو صورة مقلوبة لسنن التحول في حياة الأمم؛ شارع يبحث عن قيادة وليس العكس، عامة تبحث عن نخبة وليس العكس. التاريخ اليوم يُصنع في شوارع الفلوجة وبغداد وتكريت وسامراء والموصل وبعقوبة والأنبار على الوجه الذي يتوق إليه أي قائد جماهيري في أي شعب من الشعوب.
في الشهر القادم (نزول العدد) سيكون عامان من التغطية الإعلامية والإخبارية التي شهد لها العدو قبل الصديق بالشجاعة والسبق المهني، لكنها تغطية خارج السياق، كحبة الماس الثمينة التي تبحث عن عقد تنتظم فيه لتأخذ شكلها الجمالي النهائي، ولو خرجت أمريكا من العراق غداً فسيتحول شريط الأخبار إلى تغطية أحداث الغد، ونجد أنفسنا أمام كومة إخبارية جديدة.
أكثر من عام على الاحتلال كافٍ وزيادة لمجاراة العواطف والانفعالات الإنسانية التي لا مناص منها في الأزمات؛ فالعواطف مهما جاشت لن تدوم، بل ستخفت، ما يدوم هو الحقائق؛ فهي التي تُبقي النبض في العروق، وتشحذ الهمم كلما اقتضت الحاجة.
لقد أظهرت أحداث عام ونصف وبلون فاقع هشاشة الأداء السياسي عند أهل السنة وتذبذباته، وبدائية أدواته، وحسبنا أن أحدث معجم سياسي في حوزة المؤسسة السياسية للحضارة العربية الإسلامية يتناول مسألة خيانة طابور خامس هو نسخة سنة ٦٥٦هـ، مع أن سقوط بغداد في ذلك العام ليس هو الأقرب زمنياً لسقوطها في ٩ نيسان ٢٠٠٣م، بل سقوطها الثاني في ١٩١٧م على يدي الإنكليز هو الأقرب، ولا زال تصوير دواوين ابن كثير لتدمير بغداد وحرق دور تراثها بعد تسعة قرون على كتابتها هو أحدث ما في ملفاتنا عن مؤامرة تدمير حضارة بتنسيق بين عدو خارجي وطابور محلي وهدم دولة على رؤوس ساكنيها. المشكلة لا تُعزى إلى ندرة العمالقة في هذا العصر، ولكن السقوط الأول كان عسكري الطبيعة، وبقي هناك من يرصد الحدث بمنظار الحضارة، ويضع الأمور في سياقها، في حين خلت مدونات التاريخ المعاصر ـ أو كادت ـ من وثائق وحقائق سقوط بغداد الثاني، رغم التشابه الكبير في الحالات الثلاث، وامتلأت بالعموميات والتزييف، ولم تورّث أجيال اليوم مادة تسترشد بها أو تقتبس منها شعاراتها ونعوتها، فعادت إلى أراشيف القرن السابع الهجري.
إن الحقائق المذهلة التي تتكشف اليوم عن فصول التاريخ القريب قلبت قناعات ظنها الكثيرون نهائية، لكن هذه الحقائق ـ على أهميتها ـ تُقرأ اليوم كمادة إرشيفية منتهية الصلاحية، ولو أنها دونت في حينها بنمط آخر؛ لكنا اليوم أمام صورة مغايرة للتاريخ المعاصر، ولأغنى قاموس ١٩١٧ بشخصياته وبيوتاته المعاصرة عن قاموس ٦٥٦هـ، ولكانت أجيال اليوم أقل سطحية وحيرة وأكثر تأهباً لما حدث اليوم أو لما سيحدث في المستقبل.
لقد أيقظ الاحتلال والمقاومة معاً الإحساس بالهوية، وبعثا روح العزيمة، وأزالا الحدود القطرية التي كانت نُدَباً ثقافية وسياسية شبه مزمنة في العقل العربي المعاصر لتصبح المقاومة هي الأخرى متعددة الجنسيات مثل القوات الغازية، وكانت العثرة الحقيقية الأولى في مسار الإمبراطورية الأمريكية.
العراقيون ليسوا وحدهم في الميدان، بل معهم عرب الجوار وعرب الأقاصي والمسلمون، وكل شعوب الأرض التي اكتوت بظلم وجشع ظاهرة «دولة الشركات» كل يعبر عن حنقه بطريقته الخاصة، ولو بارتداء دثار «فانيلة» تحمل اسم العراق، أو رفع علم العراق في مناسبة رياضية. ليس المقصود عند هؤلاء العراق ذاته، ولا يهم العراقيين رفع العلم أو الدثار (الفانيلة) ، ولكن قضية العراق أصبحت بصيص أمل الفلسطيني في مخيم جنين، والسوداني في دارفور، والأفغاني في كابول، والأرجنتيني الذي سلبه المزارع الأمريكي مزرعته، والفيتنامي الذي حولت أسلحة الدمار الشامل الأمريكية أرضه إلى أرض جدباء لا تنبت، وأصبحت الفلوجة اسماً يضاف إلى قائمة الأمراض النفسية «للأمة الأمريكية» .
أهل السنة بحاجة إلى سياق أيديولوجي تنتظم فيه مكونات قضيتهم وفصول تضحياتهم، وترتسم من خلاله الصورة الكاملة للحدث بخلفياته ومراميه، سياق يتسق مع الماضي فيحتشد الماضي وراء ظهورهم، ويتسع للحاضر فينشدّ أحرار العالم إلى قضيتهم.
لا بد من ولادة أيديولوجية في مناخ أزمة كهذه، تحاكي كل أطياف المجتمع التي يرعبها المشروع الصهيو ـ أمريكي، ولا بد من المسارعة إلى تدوين أحداث الحاضر، وإعادة كتابة أحداث الماضي القريب الذي ترك لأقلام شعوبية بحبر جديد، وإعادة الثقة إلى الشارع السني بوطنية آبائه وأجداده وأدوارهم مع الإنكليز التي لم تختلف عما يشاهدونه اليوم.
نقول هذا خشية ذهاب حقائق وتضحيات مقاومة مثلثهم أو مستطيلهم أدراج الريح، وضياعها بين ثنايا الكتب غير السياسية كما حصل إبَّان الاحتلال البريطاني، أو أن تخطف المشهد زوابع لا تلبث أن تنتهي أو تقمع ذاتها.
لقد كانت معادلة أو «تفاهم» العلماء ـ الأمراء (العلماء أهل النظرية والأمراء أو الساسة أهل التنفيذ) هي المناخ السياسي الذي يُصنع فيه القرار السياسي في نظم الحضارة العربية الإسلامية، وكانت حجر الزاوية في تماسك نظامها السياسي وجبهتها الداخلية.
ولم يعرف العالم عن العرب قبل هذه المعادلة أو هذا «التفاهم» سمة الأممية، كما أنه لم يُعثر لها على أثر بعد اختلال هذه المعادلة، بل إن العرب بغير الرسالة السماوية التي تممت مكارم الأخلاق عندهم، وخلقت أيديولوجية أعادت صياغة نظام حياتهم هم أقل أقوام الأرض قدرة على إدامة المدنيات والحضارات، وبغيره يعودون إلى ثقافة داحس والغبراء التي تتخذ اليوم شكل (فيشت الديبل) و (البوليساريو) ، و (الكويت) و (حلايب) وغيرها.
لكنه لن يشق على الناظر إلى الساحة السياسية اليوم، وفي العالم العربي على وجه الخصوص، معرفة حجم الضرر الذي أصاب هذا «التفاهم» في ظل النظام السياسي المعاصر، وفي ظل الحرب الثقافية الأهلية التي اجتاحت المجتمعات العربية منذ مطلع القرن الماضي، ومزقت نسيج المجتمع وأنهكت الشعوب والحكومات معاً واستنزفت الثروات، وكانت بامتياز سمة القرن الماضي.
هذه الحرب هي التي تطورت وتعقدت فيما بعد، وشهدت استنجاد أطراف فيها بالخبرات الأمنية الخارجية لكسب المعركة الثقافية، وانتهت باستضافة الجيوش الأجنبية على أراضينا بشكل رسمي.
كان دخول المشروع القومي إلى المنطقة إيذاناً ببدء الحرب الأهلية؛ فقد جاء متأسياً بالمثال الأوروبي الذي أوصل أوروبا إلى جادة الرخاء والاستقرار التي هي فيه. الفارق هو أن المثال الأوروبي أتى في وقت كانت قد حسمت فيه القارة ومنذ وقت مبكر علاقتها مع كنائسها التي كانت سبباً في شقاء وهجرة الملايين من الأوروبيين وفي تخلفهم أيضاً. في حين اقتُبس المشروع القومي العربي في زمان كانت تؤوب الشعوب فيه إلى الدين تحسباً من بديل سياسي مجهول في ظل جيش احتلال أجنبي وأطقم ثقافية مرافقة، ومكان من العالم يُعتبر فيه الدين وما يتفرع عنه قاعدة لفهم السياسة والتاريخ، والنتيجة هي إرهاصات حرب ثقافية أهلية.
كان الدين في تلك اللحظة، ممثلاً بالمساجد والعلماء، خط الدفاع الأول في وجه القادم المجهول، وكان هو أيديولوجية المقاومة في أبسط أشكالها، قبل أن تنشأ مدارس سياسية تترجم الرفض الجماهيري إلى شعارات وأدبيات، وتصيغ مفاهيم الحضارة العربية الإسلامية بلغة معاصرة.
وبذلك تكون المنطقة قد تجاذبتها عموميات الفكرة القومية الليبرالية المسلوبة ـ إن لم نقل المحاربة ـ لشق الشخصية الحضارية العربية الإسلامية والتي فتحت الميدان السياسي لكل من نطق بالعربية، ومعارضة سياسية إسلامية مبتدئة فاقدة للخبرة السياسية، والتي فعلت الشيء نفسه ولكن لكل من رفع لافتة الدين، فحققت أطياف سياسية شروط الانخراط السهلة في النمطين الفضفاضين. ومن بين المتفوقين في اجتياز شروط النضال القومي العربي بامتياز «صفويون» فرس (مصطلح شيعي عربي) ولكن بأنساب عربية منتحلة، واجتاز متدينون منهم اختبار منح الثقة عند الإسلاميين، وظلت تلك الثقة مسبغة عليهم حتى لحظة وصولهم على ظهور الدبابات الأمريكية إلى أسوار بغداد، وسط ذهول كثير من القوميين والإسلاميين على حد سواء، الذين أنطقهم هول الصدمة بعبارة: (كنا نظنهم مناضلين) .
ليس من شطط الكلام القول إن هذه السذاجة الأيديولوجية عند القوميين والإسلاميين ـ التي لم تُستدرك ـ هي التي أسقطت العراق بيد الصفويين الجدد في صفر ١٤٢٣هـ / نيسان ٢٠٠٣م وقدمته على طبق من فضة، وقد تسببت السذاجة ذاتها في سقوط دول أخرى في المنطقة ولكن من دون ضجة.
الأحاديث الجريئة التي شقت طريقها أخيراً إلى الهواء الطلق بعناء واستحياء شديدين، عن تواطؤ الحوزة مع المحتل الأمريكي بعد عام ونصف على وقوع الاحتلال لا زالت ناقصة، ولم تخرج عن دائرة العموميات؛ فالتشيع الصفوي علاوة على الاختلافات المعروفة بين أهل السنة والشيعة مدرسة سياسية راسخة على الخريطة السياسية العالمية، لها أجندتها السياسية التي يفهمها الأوروبيون ويفهمها الروس وتفهمها الهند، منذ الانقلاب غير الأبيض الذي حمل الصفويين إلى الحكم عام ٩٠٠ هـ، وأخرج إيران من دائرة الحضارة العربية الإسلامية، لتكون الخروف الأسود في القطيع الأبيض، ويصبح خلافها السياسي مع محيطها الإقليمي ورقة ثمينة لا تفرط بها القوى الدولية في توازناتها الإقليمية والدولية.
ولم تتغير الأجندة الصفوية في إيران بتغير السلالات المتعاقبة على حكمها، ابتداءً بالصفويين أنفسهم، فالقاجاريين، فالبهلويين، وأخيراً الحوزة.
وقد التقت مصالح إيران الحوزة مع مصالح قوى عالمية على حساب جاراتها المسلمة ثلاث مرات خلال عقدين: تارة مع الشيوعية، وتارتين مع المسيحية المتصهينة التي يعتنقها نزلاء البيت الأبيض. وهذا الذي يحدث في العراق تكرار لتلك المصالح كما لا ينفي ذلك المسؤولون الإيرانيون، وهي مصالح تغلِّبها طهران كل مرة على تبعات الحروب المعروفة سلفاً من انتهاكات الحرمات والأعراض.
لا جدال في أن نمط الحياة السياسية في الدولة العراقية الحديثة، والأطقم الثقافية المبكرة للدولة من السنَّة العرب والأكراد من بقايا الدولة العثمانية له علاقة مباشرة بالخلاف الصفوي العثماني، وحساسية العثمانيين من الشيعة الذين قاطعوا مؤسسات الدولة العثمانية والتعليم الحكومي، وانصرفوا إلى أعمال التجارة، ومن أراد التعليم منهم طلبه في إيران.
ولكن في الوقت الذي غاب فيه الحضور العثماني عن العراق بجميع أشكاله، وخرج من اهتمامات الدولة التركية الوريثة شؤونُ الشعوب التي شاركتها نظامها السياسي أربعة قرون، إضافة إلى تخليها عن أدوار الدولة الإقليمية الكبرى، واكتفائها بشؤون التركمان العراقيين، ثم ارتفاع جُدُر ثقافية عالية تعزل أجيال اليوم عن شركاء الأمس بسبب أدبيات ومناهج تعليم الدولة القومية التي اعتبرت الحقبة العثمانية حقبة احتلال أجنبي، مقابل هذا كله يستمر حضور الشريك الفارسي بأشكاله المختلفة؛ الديموغرافية والفقهية والمالية والسياسية، وظلت إيران على الدوام الرقم الحاضر الغائب في المعادلة الداخلية العراقية، والعمق الاستراتيجي والروحي للحوزة ولشيعة العراق، وهو حضور يطوِّر الخلاف السني الشيعي المحلي، ويقلل من فرص الوفاق.
وربما ظهرت آثار هذا الحضور بادية في موقف الحوزة الصامتة ـ مصطلح شيعي عربي ـ التي يهيمن عليها التيار الفارسي في صمتها من تدمير الفلوجة وقتل أناسها العزل، في مقابل السلوك التكافلي الذي أبداه أهل السنة والتيارات الشعبية الشيعية العربية نحو بعضهم أثناء أحداث الفلوجة الأولى وأحداث النجف. وظهرت هذه الآثار في فتوى المرجعية العظمى في الحوزة ـ وهو إيراني لا يحمل الجنسية العراقية ـ بدخول النار لمن لا يشارك في العملية السياسية التي يريدها المحتل الأمريكي.
ليس مجانبة للصواب القول: إن الدولة العراقية استطاعت إيجاد شخصية عراقية تعتز بوطنها، وأن ملامح هذه الشخصية غطت إلى حد ما على الاعتبارات الأخرى التي يزخر بها كل مجتمع فسيفسائي كالمجتمع العراقي.
قد لا نبالغ إذا قلنا: إن المشوار الثقافي عند الفرد السني وطموحاته السياسية تنتهي عند الغلاف الخلفي لكتاب التربية الوطنية الذي تقرره مناهج الدولة في المدارس والمعاهد وحتى في الدوائر الحكومية.
هذه العلاقة بين الشخصية السنية ومؤسسات الدولة صيد سهل لخصوم أهل السنة، لكن الناظر في التاريخ يرى أن نشوء هذه الشخصية كان مصاحباً لنشأة دولة الحضارة العربية الإسلامية الأولى، بل إنهما أوجدا بعضهما، لتبقى هذه الشخصية لصيقة بالدولة ومؤسساتها الفقهية والفكرية والحضارية على مر العهود.
وفرق كبير بين أن تكون نقطة البداية من الحكم وبين أن تكون المعارضة هي الأصل.
المشكلة هي أن الدولة المعاصرة تغيرت والشخصية هذه استمرت؛ فما كان هو الأسلم في حساباتها يوم صفين ووصول الأمويين وفتن الفلسفة في خلافة بني العباس والعلاقة مع الأقليات المذهبية بقي هو الأسلم. الأسوأ هو عندما تُحسَب هذه الأنظمة على أهل السنة ويؤخذون بجريرتها. وقد خسر أهل السنة بسبب أيديولوجية استنبطت في ظروف مختلفة قطاعاً واسعاً من شارعهم ولا زالوا يفعلون.
يمكن القول: إن سيكيولوجية الحكم المزمنة لدى هذه الشخصية لا زالت تتحكم بها في زمن الاستضعاف؛ فهي لم تألف العمل المعارض، ولا تملك خطاً ثانياً من مؤسسات الاكتفاء الذاتي المالي والإعلامي والاجتماعي مما يوازي مؤسسات الدولة، فتفعله في الحالات الاستثنائية وتدير به شؤون «شارعها» كما هو الحال لدى الأقليات؛ لذا نرى الاضطراب والحيرة يدبان في سلوكها لحظة غياب الدولة.
من أين تبدأ هذه الشخصية خطة إعادة التأهيل؟ سؤال كبير. ولكن ما من شك أن طريقة التفكير هي إحدى العثرات المبكرة على الطريق؛ فلا زالت هذه الشخصية تفكر بعقلية من يحكم وليس بطريقة من اجتمعت عليه الأحزاب. وفي الغرب يدخل أفراد الحزب الحاكم الذي خسر الانتخابات في «كورس» لنقلهم من جو سيكيولوجي إلى آخر، وإعادة تكييف الشخصية بما ينسجم ومهامها الجديدة؛ فكيف بمن أمضى تاريخه كله في موقع الحكم ولم يجرب المعارضة، وليس في فقهه السياسي الذي استنبط في ظروف التمكن الكثير الذي يرجع إليه، أو في تاريخه من الفصول المشابهة التي يمكن الاقتباس منها؟
ما استيقظ عليه أهل السنة أمام مشهد سقوط بغداد وبعضهم لم يستيقظ حتى هذه اللحظة أن الحدث الكبير ألغى عملتهم الأيديولوجية في سوق صرف العملات، فلا العراق عاد عربياً، ولا وحدوياً، ولا عراقاً موحداً بالضروة. بضاعة خرج موسمها.
أمر آخر استيقظ عليه أهل السنَّة، وهو أن خصمهم وضعهم في خانة واحدة، إسلاميهم ووطنيهم، دون اعتبار لاختلافاتهم، وذبحهم على مذبح واحد.
وإذا كان الأمران الأول والثاني خارجين عن الإرادة؛ فإن الأمر الأخير هو إيضاح ميداني بالألوان لبيئة العمل السياسي الموحد لأطياف أهل السنة ولو إلى حين، وإذا كان الخوف من الغرق جدير بأن يحوِّل ركاب السفينة الجانحة إلى فريق إنقاذ واحد، فإن الفناء أمام الآلة العسكرية والسياسية الأمريكية أجدر به أن يحقق ذلك.
لقد كانت الشخصية الوطنية وسلامة الوطن والانتماء للمحيط العربي شغل الفرد السني الشاغل، لكن الحصار الداخلي الخانق الذي يواجهه أهل السنة اليوم، والحرب الأهلية غير المعلنة التي تشن ضدهم، واشتراك ميليشيات الفئات الأخرى مع جيش الاحتلال في دك مدنهم، والدور الإيراني المكشوف، ومجيء الكوريين والبولنديين والمجريين واليابانيين من وراء الحدود، هذا السيناريو بمجمله لا يبقي لمعاني المواطنة الشيء الكثير، ويختزل معنى الوطن إلى مساحة من اليابسة للعيش، ويدفع الخيارات الأيديولوجية للمحاصرين إلى ما وراء الحدود من جديد باتجاه عمقهم الإقليمي التاريخي.
ما ينتظر العراق علمه عند الله تعالى؛ فقد يطول الاحتلال وقد يقصر، ولكن الاحتراب الثقافي الداخلي يبقى بوابة المحتل متى ما شاء الدخول، وطوق النجاة إذا ما اضطر إلى الخروج يوماً، وحينها سيدخل في صفقة مع من يراه أخف الضررين في طرفي النزاع الثقافي، حتى لو كان ذلك الطرف فصيلاً في المقاومة، وسيتحول ذلك الفصيل إلى حكومة وطنية، وينقلب على رفيق الأمس، وحينها نكون قد عدنا إلى حيث بدأنا في القرن الماضي حينما قرر الإنكليز والفرنسيون «الخروج» ومنح «الاستقلال» .
قضيتنا نحن أهل السنة ـ وبخلاف غيرنا ـ هي أننا إما أن نكون أو لا نكون. شخصيتنا سبيكة ثنائية المعدن، العمل بأحدهما ينتج ثقافة عرجاء جربها جيلان على نحو ثمانية عقود فوصلوا بها إلى درك التخلف العالمي.
مدرسة أهل السنة اليوم ـ وكما في أية مدرسة سياسية ـ أمام مشكلة أطياف سياسية، هذه الأطياف منها ما يقف عند النص (في هذه الحالة بشقيه: الرسالة السماوية ومكارم الأخلاق العربية) ، وهو ما يقابل النظرية أو الأيديولوجية عند الأحزاب المعاصرة، وهذا طيف أقرب للمرجعية الفكرية. ومنها أحزاب سياسية ميدانية تلتقي في برامجها مع النظرية في مساحات وتبتعد عنها في مساحات أخرى. ونوع ثالث يصطدم مع النص ولا ينتسب إلى مدرسته في الواقع إلا انتساباً «بيولوجياً» .
لا يختلف المسلمون عبر تاريخهم أن السياسة هي فن الممكن، وفي كثير من الأحيان هي فن الإنقاذ. وإذا كان ركاب السفينة الجانحة يدركون تماماً أنهم أمام وفاق قسري مدته تعادل بُعدَهم عن اليابسة على الأقل، وإلا فالغرق هو خيارهم الآخر والوحيد؛ فإن الذين يذبحون اليوم على مذبح المارينز أمام وفاق قسري إلى حين انجلاء هذه الغمة، وإلا فالفناء السياسي هو خيارهم الآخر، إلا من أراد منهم الغرق الاختياري في المستنقع الأمريكي.
إذا كان الاقتباس السياسي في حكومة عمر بن الخطاب ﵁ هو أول صور المرونة التي مارستها دولة الحضارة العربية الإسلامية الفتية؛ فإن في العملية السياسية في الغرب اليوم طرفاً ثالثاً في معادلة صنع القرار يتوسط مؤسستي النظرية والتنفيذ، وقد قطع هذا الفن أشواطاً بعيدة تحت مسمى معاهد الفكر التي تكون ظهيراً ـ ولكن مستقلاً ـ للمؤسسات السياسية، التي تستفيد غير ملزَمة من عصارة بحوثها ودراساتها في رسم سياستها واستقراء الواقع من حولها. وتنتسب هذه المعاهد إلى مدارس أيديولوجية، وتتخصص في إثراء نظرياتها لتكون هي العمق الفكري للمؤسسة التفيذية، وهمزة الوصل بين شخصيتي المنظّر والمنفّذ.
وتلعب هذه المعاهد أدواراً مهمة في تحديد مواقع نقطة الوسط في الطيف السياسي؛ فهي ـ أي المعاهد ـ أقرب للمثالية منها إلى الواقع، وهو ما يحافظ على قرب أحزاب الوسط من النظرية، ويضع حداً لحالة التفلت الأيديولوجي. كما أن لهذه المعاهد المستقلة المقدرة على إبداء آراء ونشر دراسات يتعذر على المؤسسة التنفيذية القيام بها.
نحن أكثر حاجة من الغرب إلى معاهد فكر تعمِّق مفاهيم حضارتنا، وتؤطر أيديولوجيتنا، وترمم العلاقة بين طرفي معادلتنا، وتعيد صياغة قاموسنا السياسي بلغة سهلة يفهمها رجل الشارع.
الأزمات محطات مهمة في تاريخ الشعوب لا تفوّت، فيها تُراجَع القناعات وتُصنَع المعجزات، وفيها يعاد رسم الشخصية الجماعية للمجتمع، وهي فرص نادرة الحدوث.
الخطب ليس يسيراً، ولكن الأمم إما متبوئة لقمة الرفاهية راكنة إلى الدعة في فترات الاستقرار ومتراخية في مضمار البناء الفكري، وإما متبوئة لقمم الفكر في أوقات الضيق ومتراجعة عن رغد العيش، والأمل في الله ثم في سنن المجتمعات هو أن تكون الأخيرة من نصيب أجيال اليوم.
стр. 5228
نداء أم القرى
سالم بن رزيق بن عوض
حان الأذان وآن أن نزجي الورى
يعلو على درج الحياة وينتشي
يتلو على الدنيا ربيع وجودها
يسمو بها فوق الوجود ويعتلي
وكأنه في الناس صيحة صالح
يلوي الضلال، ويرتوي من مائه
هذه الدنى ظمأى إلى إشعاعه
خلعت ثياب الخير في أسلافها
تجري على الأيام في أهوائها
شربت كؤوس كؤوسها في غيها
وتقلب الأبصار في حمأ الخنا
حيرى الدروب، على القلوب سحابة
في دفتيه على الزمان شهادة
قوم على الهيجاء آساد وفي
زرعوا السفوح عقيدة لا تنثني
ومشوا على هام الخطوب وأوقدوا
وتسابقوا في الله وهو وليُّهم
قوم سرى في الأرض نور يقينهم
يا روح إخلاص الوجود وفيئه
وتروح في عين الرواح وتغتدي
كل الأنام تكاد تجأر في الدنى
فيض من الفيض العميم ونعمة
عذب الحقيقة لم تزل في مائه
نغماً من النور المبين معطرا
ويصب في ذات النفوس العنبرا
وتعب من ماء الحياة مكوثرا
فوق الحقيقة لا يهاب ولا يرى
وكأنه في الغاب آساد الشرى
قلب يسبح في الصباح وفي السرى!
تمسي وتصبح في العراء وفي العرا
ومشت مفتحة العيون إلى الكرى
وتخوض في وحل الضياع إذا جرى
وعتت، تلون ما تشاء وما ترى
دوماً تقدم من يبيع لمن شرى؟
سَوْدا، تحملق في المدائن والقرى
من جيل من عبد الإله وكبرا
رهج الظلام سنابك لا تزدرى
وتواضعوا لما أقاموا في الذرى
كل المشاعل في هدايات الورى
نحو الخلود وقدروا ما قدرا
فأتى إلى شتى النفوس ونورا
تبقى على أرض النعيم الكوثرا!
في الأفق تسفح جذوة أو بيدرا
وترى الأذان على العيون مسطرا
جذلى تفيض على الأحبة جوهرا
كل العيون ترى الأذان الأنهرا
يُهدَى إلى الآفاق من أم القرى
стр. 5229
مفهوم الإسلام النسوي اضطراب رؤية نساء المهجر
د. خالد قطب
يكاد كل مسلم ومسلمة في عصرنا يشعر بالدوَّار من جراء كثرة المذاهب والتيارات والأفكار الموجهة إلى الأمة المسلمة من كل حدب وصوب؛ تارة من الغرب، وتارة أخرى من الشرق وجيرانه، وتارة ثالثة من بعض أبناء المسلمين أنفسهم الذين تربوا على أفكار ومنطلقات غربية بعيدة عن الدين، وهذه الأخيرة أشد وأعظم خطراً على عقل ووجدان الأمة المسلمة. فالمتتبع لما يُبث على شبكات المعلومات وما يُتوصل إليه في المؤتمرات وحلقات النقاش التي تدور حول المرأة وقضاياها في الإسلام سيجد مجموعة من الأفكار المضللة صدرت عن بعض نساء المهجر اللاتي يَدِنَّ بدين الإسلام فاقت في خطورتها المذاهب والتيارات التي تريد النيْل من الإسلام وأهله. وتتجلى خطورة هذه الأفكار في أن جيلاً من مسلمات المهجر قد تربَّيْن على مبادئ الفكر النسوي الغربي الذي سعى لإخضاع المرأة المسلمة فكرياً وتربوياً لاتجاهاته المتطرفة التي تحارب الفطرة والدين. وقد انعكست آثار هذه التربية عليهن حيث روَّجن عدة أفكار تهاجم الدين الإسلامي زعماً بأنه دين يحقر المرأة ويمجد الرجل.
ويطالب هذا الجيل من مسلمات المهجر بضرورة إعادة النظر في العقائد والشرائع والقوانين التي أتى بها الدين الإسلامي لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة من حيث الإرث والزواج والطلاق والقوامة والسفر وغيرها، والمطالبة بفتح باب الاجتهاد في الأحكام الإسلامية المتعلقة بالمرأة حتى تلحق المرأة المسلمة في زعمهن بركب التقدم والرقي. إن الخطورة في أفكار هذا الجيل من مسلمات المهجر جاءت من الدعوة إلى ما يسمى بـ «الإسلام النسوي» الذي يمكن إدراجه ضمن الأفكار الهدامة التي تريد هدم الثوابت العقدية والتشريعية في حياة المسلم والمسلمة والنظر إلى هذه الثوابت نظرة ساخطة بحجة أنها راكدة جامدة لا تليق بالمرأة المسلمة في القرن الحادي والعشرين.
بدأ مصطلح الإسلام النسوي في الظهور والانتشار في فترة التسعينيات من القرن العشرين في العديد من البلاد الأوروبية (١) ، وامتد تأثير الأفكار التي يحملها هذا المصطلح إلى بلاد المسلمين عن طريق نساء مسلمات أقمن خارج حدود أوطانهن المسلمة الأصلية (خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا) حيث روَّجن لما يسمى بـ «الإسلام النسوي» بوصفه الدين الجديد الذي يلائم المتغيرات والتحولات التي يشهدها هذا العصر؛ فقد ادعت منظِّرات الإسلام النسوي من مسلمات المهجر أن لديهن الحل وطوق النجاة للمرأة المسلمة التي تعاني في زعمهن من صراعات داخلية حادة عند قراءتها للعلوم الشرعية والتفسيرات القرآنية؛ حيث تخرج المرأة المسلمة بعد هذه القراءات، بنتيجة مؤداها: أن الله ـ تعالى ـ يفضل الرجال على النساء، وهذا يولِّد لديهن شعوراً بأن النساء في مرتبة دنيا وأدنى من الرجال عند الله تعالى؛ لهذا وصل الأمر ببعض النساء المنظِّرات لما يسمى بـ «الإسلام النسوي» إلى القول: «كيف بوسعنا عبادة من يرى أننا أدنى مرتبة؟» .
لقد زعمت داعيات ما يسمى بـ «الإسلام النسوي» تقديم مبادئ وقيم قادرة على حل مشاكل المرأة المسلمة، ومن هذه المبادئ:
١ - أنهن يقدمن تفسيرات نسوية للقرآن الكريم ويعتبرونها بدائل للتفسيرات الذكورية له، فيزعمن على سبيل المثال أن التفسيرات التي وضعها علماء المسلمين تفسيرات ذكورية تمجد الرجل، وتقلل من شأن المرأة، وأن هذه التفسيرات تُخرج الكثير من الآيات عن سياقها لخدمة الرجل. لهذا كان التحدي الحقيقي في رأي داعيات الإسلام النسوي المزعوم مطالبة المرأة المسلمة بتجاوز التفسيرات الحرفية للقرآن الكريم، واعتبار القرآن وحياً داخل سياق اجتماعي تاريخي محدد بزمن معين، وأننا لسنا بملتزمين بهذا السياق في عصرنا الحاضر.
٢ - تذهب داعيات ما يسمى بـ «الإسلام النسوي» كذلك إلى إعادة النظر في علم العقائد الإسلامي عن طريق إعادة النظر في الصفات الإلهية التي تعبر في زعمهن عن وجهة نظر ذكورية؛ حيث يتم تفسير هذه الصفات كالإرادة والقوة والحكمة والعدل من منطق ذكوري؛ لهذا تطالب داعيات ما يسمى بـ «الإسلام النسوي» أن يكون هناك علم للعقائد الإسلامية يقوم على النظرة الأنثوية للصفات الإلهية.
٣ - تزعم داعيات ما يسمى بـ «الإسلام النسوي» أن الشريعة الإسلامية مجحفة بالمرأة؛ فقد أباحت هذه الشريعة تعدد الزوجات للرجل الواحد، وضرب الزوجة الناشز، وعدم تساوي الذكر والأنثى في الإرث، واعتبار شهادتي الأنثيين أمام القاضي مساويتين لشهادة الذكر الواحد، وانفراد الرجل بحق الطلاق. كما يزعم الإسلام النسوي أن الحدود التي جاءت بها الشريعة الإسلامية كقطع اليد والأقدام والرجم حتى الموت عقاباً للزنا وقتل المرتد هي في نظرهن أحكام لا إنسانية ومنافية لحقوق الإنسان.
٤ - تعيب داعيات ما يسمى بـ «الإسلام النسوي» فرض الحجاب على المرأة المسلمة؛ لأن هذا يمثل تمييزاً ضد المرأة وقهراً لها؛ لأن فرض زي معين على المرأة المسلمة يعد ظلماً كبيراً لها. كما تعيب أيضاً ربط مفهوم الشرف والعفة والعار ببكارة الأنثى؛ لهذا تطالب داعيات ما يسمى بـ «الإسلام النسوي» المرأة بخلع الحجاب نهائياً؛ لأنه ليس من الإسلام. تقول (زينا أنور) المدير التنفيذي للجمعية الماليزية التي تسمى «أخوات في الإسلام» والتي تعد من أبرز الداعيات المهاجرات إلى بلاد المهجر للإسلام النسوي بأفكاره المتطرفة: إن الإسلام لم يحدد زياً معيناً للمرأة، وإن المرأة حرة في ارتداء ما شاءت وقتما شاءت. وتزعم أن النساء المسلمات اللاتي يرتدين الحجاب وغطاء الرأس هن نساء قد حُرمن من الحرية، وحتى إذا دعا الأمر إلى ارتداء الحجاب فيجب ترك خصلة من الشعر تنزلق خارج أوشحة المسلمات، أو يزيِّنَّ وجوههن بقليل من المساحيق. (هذا هو شكل الحجاب المنتشر في العديد من البلاد الإسلامية الآن) .
٥ - تذهب داعيات ما يسمى بـ «الإسلام النسوي» إلى إعادة النظر في قضية الإمامة سواء المتعلقة بالحكم، أو تلك المتعلقة بإمامة الصلاة؛ حيث يرفض الإسلام النسوي تحريم الشريعة إمامة المرأة في صلاة الرجال. لهذا دعا الإسلام النسوي لضرورة أن تؤم المرأة الرجال في الصلاة، وأن تتولى مهمة الخطابة في الرجال في صلاة الجمعة والعيدين.
٦ - يطالب الإسلام النسوي بإلغاء عدة المرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، واقتسام الثروة بين الزوجين مناصفة في حالة الطلاق، وإلغاء دور الولي بالنسبة للمرأة.
٧ - كما يطالب الإسلام النسوي بضرورة إعطاء الحرية الجنسية الكاملة للمراهقين والمراهقات المسلمات. ومن ثم طالب الإسلام النسوي بمشروعية الإجهاض.
لقد أرادت بعض مسلمات المهجر، عبر ما نادين به من إسلام جديد يتخذ التفسير النسوي للعقائد والتشريعات الدينية هدفاً وغاية وجهاداً ـ أردن سلخ الأمة الإسلامية عامة والمرأة المسلمة خاصة عن عقيدتها وشريعتها وحضارتها الإسلامية الأصيلة، وإحلال قيم وأفكار ومبادئ الفكر النسوي الغربي، فوجدنا الإسلام النسوي المزعوم يصرخ بأعلى صوته عبر المنابر الدولية والمؤتمرات العالمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية بضرورة إقصاء وتقويض كل صحوة إسلامية تظهر على ساحة الواقع العربي والإسلامي؛ لأن صعود مثل هذه الصحوة يمثل الخطر الداهم على أفكار الإسلام النسوي. فالصحوة الإسلامية تهدف إلى إعادة هيكلة وبناء الإنسان (الذكر والأنثى) والمجتمع وفقاً لمبدأ واحد ووحيد وهو الإسلام كما وجد وكما جاء في كتاب الله وسنة نبيه #، وتسقط ما دونه من أفكار نسوية أو فلسفات عقلانية أو تجريبية علمانية تحديثية. إن داعيات الإسلام النسوي يردن تحويل الدين إلى قضية شخصية تتعلق بكل فرد على حدة وإلغاء الطابع الكلي الشامل له؛ بحيث تكثر التفسيرات والتأويلات بما يتناسب وشخصية كل فرد واتجاهاته وميوله الذاتية، فنجد الدين كما تفهمه المرأة، والدين
стр. 5230
٢١١ - ربيع الأول - ١٤٢٦ ه ـ
(السنة: ٢٠)
стр. 5231
التطوير غير الديمقراطي
التحرير
أصبح التطوير حُمَّى يريد المحافظون الجدد فرضه بالضغوط السياسية؛ فإن لم تفد فالحلول العسكرية هي البديل، كما حصل في أفغانستان والعراق والحبل على الجرَّار كما يقال، وأصبح ذلك كرباجاً تُهدَّد به كل دولة تحاول الخروج عن الهيمنة؛ مما زاد الكراهية والمقت لتلك الغطرسة. إلا أنهم لجؤوا مؤخراً إلى تحريك (الطابور الخامس) في كل بلد، وهم أفراد من الصحفيين والكتاب والخبراء، ومنهم جمعيات وجماعات تحت أسماء مرموقة من قِبَل (جمعيات حقوق الإنسان) و (دعاة المجتمع المدني) و (مراكز البحوث والدراسات) المدعومة حالياً منهم، فيؤدون الرسالة بالنيابة عن أسيادهم بإثارة الفرقة والشقاق في المجتمعات، ويروجون بدعاياتهم الفجة للطروحات (التغييرية الراديكالية) المغايرة للمعلوم من الدين بالضرورة، ويشككون في رموز الدعوة الإسلامية ويشهِّرون بهم ويثيرون الغوغاء ضدهم لخلخلة المجتمعات، ثم يهددون برفع أمرالدول المتمردة لمجلس الأمن والدعوة لتبني الطروحات التغييرية لبسط الديمقراطية المرادة بالقوة. ومن ذلك أيضاً وما قام به أولئك الأذناب من دعاوى باطلة ضد الأمة ومسلَّماتها المحترمة حينما نادت ثلة من الكتاب العلمانيين المتطرفين المغمورين بمحاكمة علماء ودعاة الإسلام عالمياً بزعم أنهم دعاة كراهية، وأنهم أعداء للتسامح؛ وما قامت به بعض المراكز البحثية المشبوهة من تشكيك في المناهج الإسلامية والدعوة إلى تغييرها، وما أثاروه من تحريك للخلافات الطائفية والعرقية؛ بزعم حقوق الأقليات. وهاهم يطبلون لبعض الطروحات المبتدعة مثل دعوة (أمينة ودود) إلى إمامة المرأة للرجال والنساء أسوة بالرجال، وهذا سيناقش في مقال خاص ـ إن شاء الله ـ يوضح خطأ هذه البدعة وتفنيد آراء مؤيديها من بعض المحسوبين على الإسلام.
إن تلك الطروحات المشبوهة التي يراد بها دعوى الإصلاح تخالف آراء عموم الأمة؛ فأين الديمقراطية في الأخذ برأي حفنة من المشبوهين وأهل الأهواء رجالاً ونساء، وتشجيعها بل وحمايتها لهم وترك إجماع الأمة على الرفض لمفترياتهم؟
هل هذه هي الديمقراطية، أم أن ذلك هو الضغوط للإذعان لتلك الطروحات المشبوهة على رغم أنف الشعوب؟ نعتقد أن ذلك هو (التغيير غير الديمقراطي) الذي سماه أحد الكتاب الغربيين بالمروق لدولتهم، وهي التهمة التي يزعمونها زوراً بحق الآخرين؛ فهل يعي قومنا الخطر، أم على قلوب أقفالها؟
стр. 5232
المصلحون.. عُبَّاد خاشعون
التحرير
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
إن من أبرز المقومات الأساسية للعلماء الراسخين والدعاة المصلحين: قطعَ جُلّ أوقاتهم في التعبد لله ـ تعالى ـ والتقرب إليه والاشتغال بذكره، ودعائه وإظهار الافتقار إليه سبحانه، لا يصدهم عن ذلك علم أو دعوة، فضلاً عن زوج أو مال أو ولد أو غفلة.
واستعراض سِيَر المرسلين ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وحياة المجددين والأفذاذ الربانيين الذين صنعوا مجد أمة التوحيد عبر عمر البشرية الطويل، رافعين لواء الإصلاح، قائدين عمليةَ البناء والتغيير.. خير برهان وأعظم شاهد؛ فهذا ربنا ومولانا القدير ـ بعد أن ساق لنا شيئاً من نبأ المرسلين ـ يقول ـ جل شأنه ـ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] .
وفي موضع آخر يقول : ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإقَامَ الصَّلاةِ وَإيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣] ، ويقول ـ سبحانه ـ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] .
وهذا سيد المصلحين نبينا محمد ﷺ الذي كان أتقى الناس وأعلمهم بالله ـ تعالى ـ دفعته معرفته بمولاه، وإجلاله له ومخافته منه ـ مع عظم واجب البيان والتبليغ والحِمل الأسري والاجتماعي الضخم الملقى على عاتقه ـ إلى أن يقوم من الليل يصلي حتى تتورم قدماه، ويصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام، ويصلي ولِصَدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء، ويتصدق وينفق في سبيل الله، حتى يقول القائل: يا قوم أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، ويتغنى بالقرآن حتى لا يحجبه عن قراءته شيء إلا الجنابة، ويكثر من الذكر والاستغفار، حتى إنه ليستغفر الله ويتوب إليه في اليوم مائة مرة، ويعدّ له العادّ من أصحابه في المجلس الواحد مائة مرة، يقول: «رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم» .
ذلك زادُه على الدوام، وذلك زادُه في الأحوال المتقلبة، منذ التعبد في غار حراء قبل البعثة، ثم الابتهال وقت الأزمات، يدعو في بدر، حتى يسقط رداؤه فيشفق عليه الصدِّيق، ويتضرع يوم الأحزاب ويصلي.. ويبقى الدعاء والتضرع والتعبد سلاحه على أعدائه في كل حين.
وحياة أئمة الهدى من الصحابة، والتابعين، والمقتفين أثرهم بإحسان زاخرة بذلك الجانب؛ فهذا محدِّث الأمة وحافظها أبو هريرة ﵁ كان هو وخادمه وامرأته يعتقبون الليل أثلاثاً؛ أي: يصلي كل واحد منهم ثلثه (١) ، وهذا الحِبْر محمد بن سيرين كان يصوم يوماً ويفطر يوماً (٢) ، وهذا سيد التابعين سعيد بن المسيب حج أربعين حجة ولم تفته صلاة في الجماعة أربعين سنة، عشرون منها لم ينظر أقفية الناس (٣) .
وهذا الإمام الثوري ما كان لسانه يكاد يفتُر في خروجه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤) ، وهذا فقيه الشام الأوزاعي كان يثبت في مصلاه عقب الفجر حتى تطلع الشمس، ويخبر عن السلف بأن ذلك كان هديهم (٥) ، وهذا الإمام الشافعي كان من أسخى الناس على الطعام والدينار والدرهم (١) .
وهذا إمام الزهد وشيخ الورع أحمد بن حنبل صبر على الفقر سبعين سنة، وكان يختم القرآن في كل سبعة أيام بلياليهن ختمتين، سوى صلاة النهار، وكان ينام نومة خفيفة بعد العشاء، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو (٢) ، وهذا الحافظ البزّار يصف تعبد شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه قلّ أن يسمع بمثله؛ لأنه قد قطع جُلّ زمانه فيه: قراءة وصلاة وتفكراً وذكراً (٣) ، وهذا من غيض من فيض من حياة المصلحين.
نماذج ناطقة بحقيقة راسخة، هي أن العناية بالتعبد والخشوع هدي ثابت، ومَعْلَمٌ كبير شامخ في حياة دعاة الإصلاح، عبر تاريخ الإسلام كله، على عمقه وطول امتداده منذ القديم.
سرّ للنجاح يدركه المتأمل للعلاقة الوطيدة بين تعبد هؤلاء الرواد ونجاحهم. إنها العبادة، زاد الصابر، وحلية الظافر.
هي ضرورة يفتقر إليها الصابر، بدلالة إيجاب صلاة الليل على الصحابة ﵃ عاماً كاملاً إبّان اشتداد البلاء وتسلط الأعداء، حتى صارت ديدنهم وهِجِّيراهم، وبشهادة آيات الذكر الحكيم الجامعة بين الأمر بالصبر وبين الأمر بالعبادة، ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] ، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .
كما لا يستغني عنها الظافر، ﴿إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] .
هكذا يجب أن تكون العبادة حلية المصلحين الصابرين اليوم، وبخاصة في ظل احتدام الخطوب، وتداعي الأعداء، وقلة الناصر، وضعف الأسباب المادية.
غير أن المتأمل اليوم في حياة بعضنا يلحظ بوضوح ـ وبخاصة في العقدين الأخيرين ـ خللاً تربوياً بارزاً يتمثل في ضعف التوازن بين الممارسة الدعوية والعمل لهذا الدين، وبين إشغال القلب وإلزام الجوارح بالخضوع والإخبات لرب العالمين، وكأن هذا الأخير ربما أضحى لدى بعضهم مجرد تاريخ يُروى من سير الأولين.
وغاية الخطورة أن الأمر أحياناً لا يقف عند حدّ ضعف التزود العبادي، استكثاراً من النوافل والمستحبات ونأياً عن المكروهات، وإنما يتجاوزه إلى ما وراء ذلك، من إقامة الواجبات واجتناب المحظورات، ما يمكن التعبير عنه بضعف الاستقامة والتدين، ولو جزئياً.
وحيث وجد ذلك وجدت الآفات الضخمة الحائلة دون النصر والتمكين الذي كتبه الله ـ سبحانه ـ للمتقين، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . [القصص: ٨٣]
إن المشتغلين بالدعوة هم أول مخاطب برعاية هذه القضية، والتحرز غاية التحرز مما قد يطيل الطريق، ويؤخر النصر، ويفتن الناس عن الدين، من التفريط في الواجبات الظاهرة كإقامة الصلاة على وجهها، والقلبية كتحقيق المحبة لله، والخوف والرجاء، والإخلاص والتوكل والتدبر للقرآن، والخشوع في العبادات، والتلذذ بها وإدراك أسرارها.
كما ينبغي الحذر من الاستهانة بالمعاصي، وآفات النفوس الخفية وأمراض القلوب كالعجب والغرور والرياء، وشهوة الجاه، وضعف الإنكار، والتعلق بالدنيا وملذاتها، وطول الأمل، وقلة تذكر الموت والبِلى، وضعف الصدق والنصح والإخلاص.
ناهيك عما قد تبتلى به بعض الدعوات من ضعف التعبد بالدعوة المعبّر عنه بالفتور الدعوي، ومن الحركة في ظل قصور علمي وإيماني، وقلة القدوات أو ضعفها، وضعف الاهتمام بنوافل القربات، والإغراق في المباحات، وسطحية الاهتمامات أحياناً، والمشاحّة في الحقوق مع الآخرين أكثر من أداء الواجب لهم، مما لا يميِّز بعض هؤلاء أحياناً عن عامة الناس في التسامي والتعلق بما عند الله والدار الآخرة.
إلى نحو ذلك من المظاهر التي تدل على ما وراءها، وتتطلب دراسات تقويمية ومراجعات عميقة، للمناهج العلمية والتربوية المفعّلة في أوساط صحوتنا المباركة، بأطيافها المختلفة، إضافة إلى تضافر الجهود من المعنيين كافة بشأن إتقان صناعة جيل قادر على حمل لواء الحق، ومقارعة الباطل وأهله، وهو ما نرجو بأن يكون قريباً بإذن الله تعالى، حتى لا يتأصّل الانفصام بين الدعوة والتعبّد، وحتى نبلغ الغايات بأقصر الطرق.
فالغايات إنما تُبلَغ بجياد مُضمَّرة، لا خيل مُسَمَّنة.
والإصلاح والتغيير المنشود لا يبلغه إلا عبّاد خاشعون.
اللهم اجعلنا منهم، واهدنا وسددنا، واحفظ علينا علماءنا ودعاتنا وشبابنا وصحوتنا، وارزقنا شرف معرفتك، وتعلُّمَ أمرك، والعمل بمرضاتك، واستعملنا في طاعتك، إنك بَرٌّ رحيم، وصلى الله وسلم على النبي المختار، وآله وأصحابه السادة الأطهار.
стр. 5233
حاجة الأمة إلى العلماء الربانيين وخطر رفع العلم
د. أحمد العمراني
مَنِ العالم حقيقة الذي نخشى فقدانه؟ وما العلم المطلوب؟ وكيف واقع الأمة اليوم تجاه العلم والعلماء؟
إن أول ما يجب التسليم به هو أن علم البشر وعلم الخلائق كلها لا يساوي شيئاً أمام علم الله المطلق، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] . فعِلْمُ الله مطلق لا حد له ولا حصر، يعلم الجزئيات والكليات، ولا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، سواء أكان في السر أم في العلن. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] .
- بل إن علم الخلائق جملة سواء أكانوا ملائكة، أم رسلاً، أم أنبياء أم علماء هم من عطاء الله؛ حيث يقول ـ سبحانه ـ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٢] .
وعن أُبَيِّ بن كعب قال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا مُوسَى فِي مَلأ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْكَ فَقَالَ مُوسَى: لا، فَأُوحِىَ إِلَى مُوسَى: بَلَى! عَبْدُنَا خَضِرٌ» (١) .
- وفي رواية: «قال: فَانْطَلَقَا ـ موسى والخضر ـ يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ؛ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الخضِرُ: يَا مُوسَى! مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ في الْبَحْرِ» (٢) .
إنها نصوص رائعة من نصوص شرعنا، نصوص ناطقة ومعبرة، لهذا وجب على كل عالم أو متعلم، إرجاع العلم الى الله أولاً. وقد عنون البخاري ﵀ باباً من أبوابه الحديثية بقوله: «باب مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إذَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ» (٣) .
وهو المنهج الذي سار عليه السلف الصالح، فعن ابن أم عبد الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه قال: «مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لاَ يَعْلَمُ: لاَ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٤) . بل هو النهج الذي سار عليه سلفنا الصالح في كتاباتهم واجتهاداتهم؛ فقلما يخلو مقال لهم أو كتاب من ختم بكلمة: (الله أعلم) .
- العلم الذي يُخشى من رفعه:
ورد العلم في نصوص شريعتنا بعدة معانٍ من أهمها:
- بمعنى الخشية، قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . قال ابن مسعود: «ليس العلم بكثرة الحديث، ولكن العلم بالخشية» (١) .
- بمعنى: النور: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] . قال إمامنا مالك: «إن العلم ليس بكثرة الرواية، ولكنه نور جعله الله في القلوب» (٢) .
- بمعنى: القرآن: حيث سمّى الحق ـ سبحانه ـ القرآن علماً في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] . كما عرَّف النبي ﷺ القرآن بالعلم في قوله: «أبا المنذر! أي آية معك في كتاب الله أعظم ـ مرتين؟ قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، قال: فضرب في صدري، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر!» (٣) .
- بمعنى: الحديث: عن أبي هريرة ﵁ قال: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننتُ يا أبا هريرة! أنه لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوْلى منك؛ لِمَا رأيت من حرصك على الحديث، وإن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قِبَل نفسه» . وفي رواية: «والذي نفسي بيده! لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك؛ لما رأيت من حرصك على العلم» (٤) .
وأخرج الشيخان في صحيحيهما، واللفظ للبخاري عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِي قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (٥) .
- فَضْلِ الْعِلْمِ عامة والعلوم الشرعية خاصة:
وهذا أمر لا يخفى على عاقل أريب؛ فنصوص الوحيين ناطقة بفضله، مغرية بتمثله؛ حيث يقول ـ سبحانه ـ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] . وقال ﷺ : «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة» (٦) . وقال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٧) . وقال النبي ﷺ : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه» (٨) .
وقال ابن عمر: «العلم ثلاثة أشياء: كتاب ناطق، وسنة ماضية، و (لا أدري) » (٩) .
قال الشاطبي ﵀: (واتفق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم، وأعظمها أجراً عند الله يوم القيامة) (١٠) . وقال محمد بن القاسم بن خلاد: (العقل دليل الخير، والعلم مصباح العقل، وهو جلاء القلب من صدى الجهل) (١١) .
- آداب طلب العلم:
١ - النظر فيمن يؤخذ عنه العلم: وهذا يعني أنَّ تعلُّمَ العلم الشرعي: هو تديُّن وعبادة وتقرب إلى الله، لهذا يجب الاحتياط في أخذه، وحسن تلقيه من أهله؛ فعن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: (إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ؛ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ!) (١٢) .
٢ - ضرورة التخصص في العلم: قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] . وقال ﷺ : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما العلم بالتعلُّم» (١٣) . وقال أيضاً ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون» (١٤) وهم أهل العلم.
٣ - ضرورة الإخلاص في طلب العلم: وهو أمر لا يتمارى فيه اثنان، ولا يتناطح فيه عنزان؛ فكل عمل خلا من الإخلاص فَقَدَ قيمته؛ فالإخلاص أساس اليقين، ومن تيقن أمراً دام على السير في نطاقه قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .
٤ - الابتعاد عن تعلُّم العلم المذموم: ولا يخلو أمر من ثنائية تخالفه، أو تضاده؛ فما من شيء في الكون إلا وفيه النافع والضار؛ فالعلم علمان: علم نافع، وعلم ضار. ومن العلم الضار أن يتعلم الإنسان ما يضره أو يضر غيره، أو ما لا ينفع مطلقاً، لهذا قال ﷺ : «من اقتبس علماً من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» (١٥) .
٥ - ضرورة بذل الجهد في طلب العلم: ومن المسلّم به أن الله بنى حياة الإنسان على الأخذ ثم العطاء، فلا نيل دون جهد؛ فالجنة تُنال بالعمل، والنار تتجنب بالعمل، وتحقيق النجاح في الدنيا والفوز في الأخرى يتحقق بالعمل، وخصوصاً العلم؛ فلا يعقل أن يكتسب الإنسان علماً دون أن يبذل جهداً مقابل الحصول عليه، وهذا ما أكده أحد الصحابة الأجلاء فيما أخرجه مسلم في صحيحه قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «لاَ يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الجِسْمِ» (١) .
٦ - تجنب الخصال المبعدة عن التعلم: والعلم مطلوب، وبذل النفس والمال والعاطفة من أجل الحصول عليه أمور أساسية، ولكن هناك خصلتان تمنعان من توفره والحصول عليه، خصلتان يجب تجنبهما، وهما: الحياء في طلبه، والاستكبار عن أخذه، وفي ذلك يقول التابعي الجليل مجاهد بن جبر: «لاَ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحٍ وَلاَ مُسْتَكْبِرٌ» (٢) . وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ! لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِى الدِّينِ» (٣) .
- خطورة رفع العلم وآثاره:
قال ﷺ : «من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا» (٤) . وقال النبي الأمين: «بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّامُ الْهَرْجِ، يَزُولُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ فِيهَا الجهل» (٥) .
وقال ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً؛ فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٦) .
وفي رواية البخاري عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: حَجَّ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُمُوهُ انْتِزَاعاً، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ» (٧) .
وإن كنا لا ننكر وجود الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة فإن ما أصبحنا نشاهده اليوم من اتِّباع العامة للسفهاء، وهجر العلماء لَخَيْر دليل على أننا أضحينا أقرب إلى وقوع الآفة التي حذرنا منها الرسول ﷺ ، وإن حديث نبينا واقع لا محالة فينا.
ولعل من الآثار السلبية الواضحة لغياب العلم ورفعه ما يلي:
١ - حصول خلل في العقيدة:
إن غياب العلم برفعه أو بتغييبه عن واقع الأمة يُسهِّل على الشر والجهل العمل بسرعة من أجل الانتشار والتأثير، وأخطر تأثير يتسلط على الإنسانية بسبب غياب العلم: الجهل والتجهيل؛ حيث يحصل للناس نسيان الحقائق ثم تركها؛ فالابتعاد عنها، ثم استبدالها بما يضاد العلم والمعرفة. وأهم ما اكتسبه الإنسان بالعلم: العلم بالله وعبادته وتوحيده؛ فإذا غاب العلم حصل ابتعاد الناس عن توحيد الله وعبادته كما أمر، ثم يخلق الناس لأنفسهم؛ بسبب الجهل وغياب العلم آلهة تعبد، وهذا ما أكده ابن عباس حبر الأمة فيما أخرجه البخاري في صحيحه معلقاً قال: «صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِى قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ ... » (٨) .
٢ - الاستخفاف بالعلم والعلماء:
وهذا أمر خطير؛ لأنه بحصوله يفقد الناس أطباءهم الروحيين، ويحصل الضلال المبين، وقد حذر الفقيه الجليل الإمام ابن حزم الظاهري من حدوث هذا الأمر؛ فقال منكراً على أهل زمانه استخفافهم بالعلماء: «صار الناس في زماننا يعيب الرجل من هو فوقه في العلم ليرى الناس أنه ليس به حاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله، ويُزهى على من هو دونه، فذهب العلم وهلك الناس» (٩) .
ولن نذهب بعيداً، وننكر حدوث هذا الأمر، فكم استمعنا عبر الفضائيات إلى من يسب العلماء! وكم قرأنا من مقالات تطعن في علم بعضهم، وتسفِّه فكر الآخر؛ وهذا كله مع الأسف الشديد من قلة العلم وغياب فقه العلم.
٣ - جرأة الفساق على العلم:
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أمام الدجال سنين خَدَّاعة يُكَذَّبُ فيها الصادق، ويُصَدَّقُ فيها الكاذب، ويُخَوَّن فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرُّوَيْبِضة. قيل: وما الروبيضة؟ قال: الفُوَيْسق يتكلم في أمر العامة» (١٠) .
الرُّوَيْبِضة: أي الفاسق، وفي رواية التافه الذي يتكلم في أمور الدين وهو جاهل لأيسر قضاياه، وأمثال هؤلاء كثيرون في زمننا، بل وفي كل الأزمنة التي مرت بالمسلمين، ولكنهم سيظهرون بكثرة في زمننا لغياب العلماء، وابتعادهم عن واجبهم ومسؤوليتهم، وترك الحبل على الغارب لمن لا يحسن الكلام؛ فكيف بالفتوى وإصدار الأحكام؟
٤ - ولاية الدين من غير أهله:
وهذا يعني الترامي ـ إن صح التعبير ـ على العلم الشرعي من غير أهله وذويه، أو تولية غير أهله له؛ حيث يتقدم للفتوى من لا يدريها، ويُقدّم لها من لا يستحقها، كما يُقدمون لتعليم الناس، فيحتلون بذلك مناصب هم أبعد ما يكونون عنها، وهذا أمر حذّر منه النبي ﷺ ، بقوله: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله!» (١) .
فتولي أمر الفتوى وأمر الدين من غير أهله وذويه يطعن الأمة في عمقها، ويسبب تشتتها وتمزقها؛ إذ الدين هو موحدها وجامع كلمتها، وبتوليه من غير أهله تحصل كارثة في الأمة؛ إذ يمكن قبول أي ارتماء على أي مهنة أو حرفة إلا الارتماء على العلوم الشرعية وأمور الدين.
٥ - كثرة المعارف وقلة العمل:
حيث روي عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ﷺ شيئاً، فقال: «ذاك عند ذهاب العلم، قلت: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: ثكلتك أمك، زياد! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوَ ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل، لا يعملون بشيء مما فيهما؟» (٢) .
- وعن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عليه، ورَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ؛ فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بَهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ... » (٣) .
والعلم أيضاً مطلوب؛ لأنه طريق العمل؛ فلا عمل دون علم، والله لا يُعبَد بالجهل، وهو القائل: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] . والعلم إذا لم يكن ثمرة في القلب، والجوارح، والمعاملات؛ فكأنه لم يكن.
وقال ﷺ أيضاً: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في جوف البحر ليصلُّون على معلم الناس الخير» (٤) .
٦ - اتِّباع أهل الكتاب:
وقد حذر الشارع المسلمين من عداوة أهل الكتاب لأهل الإيمان من أمة محمد ﷺ ، وبيّن لنا في القرآن أن عداوتهم لن تنقطع، ولن يرضوا عن حالنا إلا إذا أبعدونا عن ديننا، أو نتبع ملتهم، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] . وقال أيضاً: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] .
كما أخبر الرسول الكريم بأن من سنن الله في خلقه، وفي هذه الأمة اتباع أهل الكتاب في كل ما نحلوه وفعلوه، فقال: «لتتبعُنَّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلتموه» (٥) .
فالأمة مطالبة اليوم بالحذر، وبالاحتياط فيما تأخذ وتتبع؛ فالإسلام لا يعادي الأخذ من الآخر ولا الاستفادة من تجارب الأمم وحضارتهم، ولكنه يعادي التقليد الأعمى، والتلقي السالب الذي يسلب المرء من كرامته وشخصيته وهويته؛ حيث قال ﷺ محذراً من التقليد كيفما كان: «لا تكونوا إمَّعة تقولون: إنْ أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا» (٦) . وعن حرب بن إسماعيل الكرماني، قال: قلت لإسحاق بن راهويه: ما معنى قوله: «إمَّعة» ؟ قال: تقول: إن ضل الناس ضللتُ، وإن اهتدوا اهتديت» (٧) .
- دور العلماء ومكانتهم في الأمة:
- لماذا إذن كل هذا التخوف والعلم موجود، والعلماء منتشرون في كل مكان، والكتب مطبوعة، والفضائيات منتشرة؟ من الطَبَعي أن يحصل التخوف؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُمُوهُ انْتِزَاعاً، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ» (٨) . وروي عن عطاء في تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] . قال أطرافها: موت علمائها وفقهائها» (٩) .
فالعلماء هم ورثة الأنبياء كما قال النبي ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء. إن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورَّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (١٠) . وقال الحسن: «مثل العلماء مثل النجوم إذا بدت اهتدوا بها، وموت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار» (١١) .
قال سهل بن عبد الله التستري: «من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء ﵈ فلينظر إلى مجالس العلماء» (١٢) .
- العالم الرباني والصفات المطلوبة:
والمطلوب اليوم لإنقاذ البشرية وإرجاع الناس إلى جادة الطرق وأحسن السبل: توفر الأمة على علماء ربانيين، ينظرون إلى المجتمع نظرة مستقبلية؛ سواء تعلق الأمر بالمستقبل الدنيوي أم الأخروي.
ومما أُثِرَ عن حَبْر الأمة عبد الله بن عباس ﵁ في تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] قال: «حُكَمَاءَ فُقَهَاءَ. وَيُقَالُ الرَّبَّانِي: الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ» (١) .
ولنا في سيرة رسول الله ﷺ مع جلسائه خير أنموذج نتعلم منه، ونستقي منه صفات العالم الرباني؛ حيث كان ﷺ كما حدَّث علي بن أبي طالب جواباً على سؤال ولده الحسن قائلاً: «كان رسول الله ﷺ دائم البِشْر، سهل الخُلُق، لين الجانب، ليس بفظ سيئ الخلق، ولا غليظ ولا سخاب، ولا فاحش، ولا عياب، ولا مزَّاح، يتغافل عما لا يشتهي، لا يُيئس منه راجيه، ولا يخيب فيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً، ولا يعيّره ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو. وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، يضحك مما يضحكون، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه، وسألته حتى إن كان أصحابه ليستحلبونه في المنطق، ويقول: إذا رأيتم صاحب حاجة فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام» (٢) .
كما تحدث السلف الصالح عن صفات خاصة للعلماء، فقالوا: هو من تمثل صفات خمس، وهي (٣) :
١ - الخشية لقوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] .
٢ - الخشوع لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ١٩٩] .
٣ - التواضع لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] . وقال ﷺ : «ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد مَلَك، فإذا تواضع قيل: للملك ارفع حكمته، وإذا تكبر قيل: للملك ضع حكمته!» (٤) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إلاَّ عِزاً، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ» (٥) .
وروي عن عمر الفاروق قال: «تعلَّموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، وليتواضع لكم من يتعلم منكم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم!» (٦) .
٤ - حسن الخُلُق: الخُلُق الحسن هو رسالة الإسلام، لقول الرسول الكريم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٧) . وقد سأل أحدهم أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عائشة ﵂ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بلى! قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ..» (٨) .
ومن أهم الأخلاق الحسنة المطلوبة في العالم قبل غيره باعتباره ممثلاً لنبي الإسلام: ليونة الخطاب مع تجنب الغلظة: وتتمثل الليونة في الخطاب التعليمي، ومحاولة إيصاله إلى القلوب بالتي هي أحسن، وليس بالتي هي أخشن. قال ـ تعالى ـ مخاطباً موسى لما بعثه إلى فرعون: ﴿اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٧ - ١٩] . وفي آية أخرى يقول ـ سبحانه ـ: ﴿اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] . وزاد القرآن الكريم بياناً لهذا الخلق وأهميته حين جعله من صفات رسول الله ﷺ ، وأثره في علاقته بمن دعاهم؛ حيث قال ـ تعالى ـ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
٥ - إيثار الآخرة على الدنيا: إذا قُبل اشتغال عامة الناس بالدنيا وتكالبهم عليها؛ فهذا الأمر ليس مقبولاً من أناس يوجهون الناس ويعلمونهم، ويحذرونهم من فتن الدنيا وشهواتها، فإذا غُلب عامة الناس لجهلهم؛ فكيف يُغلب العالم بعلمه، لكن الحقيقة أن للشيطان مداخل لكل إنسان؛ فهو يعرف كيف يصل الى كل القلوب، وإلى قلب العالم بشتى الطرق والوسائل؛ حيث لا يترك طريقاً، أو وسيلة إلا واستعملها معه للوصول إلى قلبه وإغوائه، ولعل ما يؤثر في العالِم، ويسيطر على فؤاده ما يعيشه اليوم من قِصَر اليد، وقلة النفقة، مما يضطره الى مد عينيه إلى ما في يد غيره، أو انتظار من يعينه ويقدم له المساعدة والصلة.
وقد حذر المولى من وقوع ذلك وبين على لسان العلماء أن الثواب المنتظر عنده أوْلى وأهم من ثواب الدنيا، وعطائها فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: ٨٠] .
- حق الناس على العلماء:
يمثل العلماء في مجتمع اليوم دور الطبيب الروحي أمام دور أطباء الأبدان؛ فوجودهم أمان للأرواح، ومحقق لسلامتها من الأسقام القاتلة والموجعة؛ فكم من قتيل لإبليس يبرأ بسماعه حديثاً واحداً من أحاديث نبينا الأمين ﷺ ، أو آية من كتاب الله الحكيم، فيرجع معافى مرتاح النفس! وصدق الله العظيم القائل: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] .
فدور العلماء اليوم هو حماية العلم من الرويبضات والمتطفلين عليه، حتى لا يشوهوه باقتحامهم لمجال لا علاقة لهم به، ثم الدفاع عنه أمام المنتحلين، وتصحيح مساره أمام المغالين والمتشددين؛ حيث يقول ﷺ : «يحمل هذا العلم من كل خلف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (١) . ومن أهم ما ينبغي لعالِم اليوم، ويعتبر من أجلّ أعماله:
١ - تحبيبه اللهَ للناس: وهو ما أخبر به رسول الله ﷺ معلماً أمته في قوله: «إنّ أحبّ عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى الناس» (٢) .
٢ - فتح باب التوبة أمام الناس: وهذا من أهم أدوار العالم؛ فالناس قد أصابتهم حُمّى الماديات، وغاب عنهم ضميرهم الحي الذي يوقظ فيهم حُبّ الآخَر والعمل الخيّر، ولكن سرعان ما يعودون إذا سمعوا كلمة طيبة مؤثرة من قلب صادق، وهذا ما حدثنا به رسول الله ﷺ في حديثه الصحيح الذي رواه عنه أبو سعيد الْخُدْرِي في قصة ذلك الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، وهو حديث مشهور.
فكم من سائل عن التوبة بعد طول معصية لو وجد من يرشده ويوجهه لأسرع بالرجوع والإنابة؟ وكم من عاصٍ طال بُعْده عن الله، وكثرت معاصيه له، ولكن يد الله ممدودة له ولأمثاله، يبحث عمن يوصله إليه ولن يجد أعظم وأفضل من كلمة العالِم وموعظته، مما يجعل مسؤولية العالِم أعقد وأصعب، ويتطلب منه عدم التقوقع في بيته، أو الانزواء في ركن من أركان صومعته، بل يجب عليه الخروج للناس، ومعرفة مشاكلهم، والتواضع لهم والإنصات لشكاويهم، ويكفيه دافعاً لكل هذا ومشجعاً حديث النبي ﷺ الموجّه لعلي بن أبي طالب ﵁ ومن خلاله للأمة كلها: «لأن يُهدَى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم» (٣) .
٣ - حمل العلم وتبليغه: فليس من المطلوب من كل الناس أن يتعلموا العلم، ويتخصصوا في كل مجالاته؛ فهذا عمل صعب وغير مستطاع لكل أحد، نعم! على المسلم أن يتعلم المعلوم من الدين بالضرورة، ولكن يبقى الكثير من العلم يحتاج إلى أهله ومتقنيه، وخاصة ما يستجد على الناس من القضايا والنوازل، وما يتطلب شرحه وتفسيره الكثير من العلوم والمعارف. وفي ذلك يقول ﷺ : «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، ثم بلّغها عني؛ فرُبّ حامل فقهٍ غيرِ فقيه، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (٤) .
فالفقيه بناء على الفهم السليم من الحديث: هو صاحب البصيرة في دينه الذي خلص إلى معاني النصوص، كما يستطيع أن يخلص إلى الأحكام والعبر والفوائد التي تحويها النصوص.
فحمل العلم وإيصاله إلى طالبيه عبر الكتابة والتعليم والموعظة والخطابة والتأليف، وعبر كل الوسائل المستحدثة والنافعة أمر أساسي ومطلوب ديني، يؤجَر عليه صاحبه في الدنيا والآخرة، ألم يقل ـ سبحانه ـ في محكم التنزيل: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . لماذا النفير إذن؟ إنه من أجل الإنذار والتبليغ والتحذير، وهذا دور العلماء الذي استُقي من دور الأنبياء والرسل، وفي هذا من الخير ما لا يعلمه إلا الله، كما أخبر رسوله ﷺ : «إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر؛ فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة، وما دام العلم باقياً في الأرض فالناس في هدى» (٥) .
وقال ﷺ أيضاً: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في جوف البحر ليصلُّون على معلم الناس الخير» (٦) .
ألم يقل رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ؟ (٧) . فما هو العلم النافع إن لم يكن ما خلفه الإنسان من ميراث ينفع الناس، سواء كان من مؤلفات الرجال أم من مؤلفات الكتب؟
٤ - تبليغ العلم عند السؤال: وهذه من المهام السامية للعلماء، وهي تكليف لا تشريف؛ حيث يوصي الحق ـ سبحانه ـ عباده بسؤال أهل العلم بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] . كما أوصى الشارع من عَلِمَ علماً، ووفقه الله لتعلم العلم بعدم كتمه، وبإنفاقه لأهله؛ حيث قال ﷺ محذراً: «من سُئل عن علم فكتمه أُلجم بلجام من نار» (٨) .
٥ - الشفقة على الناس واعتبارهم من الأهل: حيث إن نظرة العالم إلى الناس ليست كنظرة غيرهم، فالعالِم ينظر إلى الناس باعتبار العلم الذي حباه الله به؛ فنظرته إلى العاصي هي نظرة شفقة من عصيانه لربه، وتفكير كبير في كيفية الوصول إلى قلبه وحسن دعوته، ونظرته إلى الجاهل هي كيفية الوصول إلى إخراجه من جهله بنور العلم، ونظرته إلى الملتزم بهذا الدين هي في كيفية تحصينه من التعمق فيه والوقوع في التنطع، وكل هذا يندرج في نصوص عامة مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] . وقوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (١) . وقوله ﷺ : «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده» (٢) . والوالد يرغب في إنقاذ بنيه من النار.
٦ - إنزال الناس منازلهم: فالناس معادن، وهم مختلفون بطبائعهم وشخوصهم؛ فمنهم العزيز في قومه، ومنهم غير ذلك، وكل نفس تحب أن تُعامل بحسب ما يلزمها ويصلحها، وهذا ما بينه النبي ﷺ لأصحابه يوماً بقوله لهم: «أنزِلُوا الناس منازلهم!» (٣) .
٧ - محادثتهم على قدر عقولهم: وهو المنهج الأسلم؛ فالناس يتفاوتون في الفهم، كما يتفاوتون في القدرة على التلقي والأخذ؛ لهذا وجب تحديثهم على قدر ما يفهمون ويستوعبون؛ فعن عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ قَالَ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْماً حَدِيثاً لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» (٤) . وقَالَ عَلِي: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟!» (٥) . وقال رسول الله ﷺ : «ونكلمهم على قدر عقولهم» (٦) . ومما ورد في الأثر: «كِلْ لكل عبد بمعيار عقله، وزِنْ له بميزان فهمه، حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار» (٧) .
- حق العلماء على الناس:
١ - مجالستهم وحسن الاستماع إليهم: وهذه علاقة خاصة؛ لأن مجالسة العلماء هي مجالسة أناس يحملون تراث النبي ﷺ ، ويبلغون عن الله دينه الذي ارتضاه لعباده؛ لهذا فأثناء مجالستهم يجب استشعار هذا البعد الديني والتربوي؛ فعن شهر بن حوشب قال: مما أُثر عن لقمان الحكيم قوله لابنه: «إذا رأيتَ قوماً لا يذكرون الله فلا تجلس معهم؛ فإنك إن تكن عالماً لا ينفعك علمك، وإن تكن جاهلاً زادوك غيّاً أو عيّاً، ولعل الله يطلع عليهم بعذاب، فيصيبك معهم» (٨) .
٢ - حسن تقديرهم واحترامهم: وهذا أصل في التعليم وأدب التلقي؛ فإذا غاب الاحترام بين الآخذ والمعطي غاب كل شيء، ولنا في سلفنا الصالح خير موجّه لهذا، بل إن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ حدثونا أنهم كانوا إذا جلسوا إلى رسول الله يستمعون إليه كأن الطير على رؤوسهم، كما يحدثنا الصحابي الجليل زيد بن ثابت أنه صلى يوماً على جنازة، فقُرِّبت إليه بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال زيد: خلِّ عنه يا ابن عم رسول الله ﷺ ! فقال ابن عباس: هكذا أُمِرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء» (٩) .
- الاحتياط من مس لحومهم بسوء:
من الآفات التي أضيفت إلى ما ينخر الأمة اليوم في كيانها: جرأة الفساق والعوام والتافهين على العلماء، وجعلهم لقمة سائغة تلوكها ألسنتهم دون وجه حق، ودون وازع من الشرع. ولم يفقه هؤلاء ومن يلوذ بهم أن «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، وإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] » (١٠) .
- الجرأة على الفتوى وخطرها:
من الأمراض التي يقع فيها أبناء الأمة وقد وقعوا فيها كثيراً منذ صدر الإسلام؛ بسبب رفع العلم وقلته: الجرأة عل الفتوى.
وهو موضوع خطير؛ إذ تعد الفتوى من أخطر ما أوقف العلماء، وأحرجهم، بينما تجرأ عليها السفهاء؛ فبدؤوا يقدمون للناس الفتاوى على الهواء وفوق الأرض وتحت أديم السماء، ولكثرة الجهل، وحاجة الناس إلى الدواء الشرعي يصدِّق هؤلاء لقلة علمهم، وحسن نيتهم؛ فيسعون لتطبيق تلك الفتاوى على أنفسهم، وعلى غيرهم، ولم ينتبهوا إلى خطورة ما يفعلون، وإلى خطر هؤلاء المفتين المتجرئين.
وقد حذر النبي ﷺ من الفتوى وبين خطرها فقال: «من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه» (١١) .
كما روى ابن وهب المالكي قال: سمعت مالكاً يقول: «لم يكن من أمر الناس، ولا مَنْ مضى من سلفنا، ولا أدركت أحداً أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، وما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسناً، فينبغي هذا، ولا نرى هذا..» (١٢) .
فأين من يتجرأ اليوم على الفتوى من هذا الأدب الجمّ مع العلم؟ وأين هو من شروط الإمام أحمد الذي قال: «ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالماً بوجوه القرآن، عالماً بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسنن، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي ﷺ ، وضعف تمييزهم لصحيحها من سقيمها» (١) .
وكان ابن أبي جمرة عبد الله بن سعد يشكو، وهو في القرن السابع مما نشكو منه اليوم؛ فقال في كتابه (بهجة النفوس) : «كان العلم أولاً في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الأوراق والكتب، وبقيت مفاتحه في صدور الرجال، ثم الآن كثرت الكتب والأسفار وقلَّت المفاتيح، وإن وجد مفتاح فقلّ أن يكون مستقيماً إلا النادر، وقد ظهر اليوم في زماننا هذا، وتفاحش قوم يقرؤون علوم النحو والأصول والمنطق وعلم الكلام ونحوها، ثم يدعون بها الرئاسة، ويريدون أن يفتوا في دين الله بتلك العلوم، حتى إن بعضهم يدعي الاجتهاد على زعمه، ويخطّئ من تقدم من الفضلاء وأئمة الدين لقلة فهمه لِمَا قالوا، وسوء ظنه بهم» (٢) .
هذا كلام قيل قبل قرون خلت؛ فكيف لو شاهد صاحب القول ما يحصل في زمننا؛ بحيث يوجد أقوام يفتون دون علم لما سبق ذكره، فلا هم في العير ولا هم في النفير، لا يفقهون نحواً ولا صرفاً، ولا منطقاً ولا أصولاً، بل لماذا الذهاب بعيداً إلى دقائق العلوم؛ فهم لا يفقهون نصاً لغوياً واحداً، بل ولا يعرفون ولا يميزون بين كلام الله وكلام رسوله، بَلْهَ أنهم لا يحفطونه ولا يفهمونه.
وقد وقعت كوارث في الأمة؛ بسبب الجرأة على الفتيا، وكذا محاولة فهم نصوص الشرع دون آلياته ودون العلم الواسع به، ومن ذلك ما سطره التاريخ عن فهم الخوارج، وكثير من الطوائف الدينية التي ظهرت في صدر الإسلام، وبنت عقيدتها وعملها على النص الشرعي وفهمها له.
وهذا واحد من النصوص التي تبين لنا سوء فهمهم للنصوص، وقلة علمهم وكثرة جهلهم، ورجوع بعضهم إلى الحق بعد أن ظهر لهم بحسن الفهم والإقناع من علماء عصرهم.
فعن ابن عباس قال: لما اعتزلت الحرورية قلت لعلي: يا أمير المؤمنين! أبرد عني الصلاة، لعلِّي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم، قال: إني أتخوَّفهم عليك، قال: قلت: كلاَّ، إن شاء الله، فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية، ثم دخلت عليهم، وهم قائلون في نحر الظهيرة، فدخلت على قوم لم أرَ قوماً قطُّ أشدَّ اجتهاداً منهم، أيديهم كأنها ثفن إبل، ووجوههم مقلبة من آثار السجود، قال: فدخلت، فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس! ما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم على أصحاب رسول الله ﷺ ، نزل الوحي وهم أعلم بتأويله، فقال بعضهم: لا تحدثوه! وقال بعضهم: لتحدثُنَّه، قال: قلت: أخبروني. ما تنقمون على ابن عم رسول الله وختنه، وأول من آمن به وأصحاب رسول الله معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثاً، قلت: وما هن؟ قالوا: أُولاهن: أنه حَكَّم الرجال في دين الله، وقد قال الله : ﴿إنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٦٧] قال: قلت: وماذا؟ قال: قالوا: قاتل ولم يَسْبِ، ولم يغنم، لئن كانوا كفاراً لقد حلت له أموالهم، وإن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم، قال: قلت: وماذا؟ قال: قالوا: ومحا نفسه عن أمير المؤمنين، فإن لم يكن أميرَ المؤمنين فهو أمير الكافرين. فقال: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيكم ﷺ ما لا تنكرون أترجعون؟ قالوا: نعم! قال: قلت: أما قولكم: إنه حكَّم الرجال في دين الله فإنه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] . وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] أنشدكم الله! أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم، وصلاح ذات بينهم أحقُّ، أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ فقالوا: اللهم في حقن دمائهم، وصلاح ذات بينهم، قال: أَخَرَجْتُ من هذه؟ قالوا: اللهم نعم! قال: وأما قولكم: إنه قاتل ولم يَسْبِ، ولم يغنم، أَتَسْبُونَ أُمَّكم، ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم، وخرجتم من الإسلام؛ إن الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ؛ فأنتم تترددون بين ضالَّتين، فاختاروا أيهما شئتم. أَخَرَجْتُ من هذه؟ قالوا: اللهم نعم! قال: وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين؛ فإن رسول الله ﷺ دعا قريشاً يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم، فقال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله! فقالوا: والله! لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: والله! إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله؛ فرسول الله كان أفضلَ من عليّ. أَخَرَجْتُ من هذه، قالوا: اللهم نعم! فرجع منهم عشرون ألفاً، وبقي أربعة آلاف فقُتلوا» (٣) .
- خلاصة:
إن المتأمل في ما ذُكر من نصوص ليظهر له بكل جلاء: أن الأمة اليوم محتاجة أكثر من أي وقت مضى إلى علماء مخلصين ثقات، ينفرون إلى العلم للتفقه فيه، من أجل إنذار الأمة مما يمكن أن يصيبها؛ بسبب غياب العلم، فيحصل الحذر، وتحصل النجاة من العلل والأسقام الروحية، فتنطفئ الكثير من الفتن التي تحدق بالأمة؛ بسبب هذا الغياب.
فما أحوج الأمة اليوم الى العلم الصحيح، وإلى العلماء الأكفاء، وإلى الوقوف ضد الرويبضة، وما أكثرهم في واقعنا وزمننا!
(*) أستاذ الفقه والتفسير بجامعة شعيب الدكالي، الجديدة، المغرب.
(١) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ٣١ رقم: ٧٤٧٨.
(٢) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ٤٤ رقم: ١٢.
(٣) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ٤٤.
(٤) صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة ص، باب ١ رقم: ٤٧٧٤.
(١) جامع بيان العلم: ٢/ ٢٤٠.
(٢) جامع بيان العلم وفضله: ٢/ ٢٤٠.
(٣) صحيح البخاري، رقم الحديث: ١٣٤٣، والمستدرك للحاكم، رقم: ٥٣٢٦.
(٤) صحيح البخاري، كتاب العلم، ٩٧.
(٥) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ٢٠ رقم الحديث ٧٩، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب ٥، رقم الحديث: ٦٠٩٣.
(٦) صحيح مسلم، رقم الحديث: ٤٨٦٧.
(٧) صحيح مسلم: كتاب الوصية، رقم الحديث: ٣٠٨٤، سنن الترمذي، رقم: ١٣٧٨ وقال: حسن صحيح.
(٨) سنن ابن ماجه: ٣٠٦٥.
(٩) جامع بيان العلم وفضله: ٢/ ٢٣٨.
(١٠) كتاب الاعتصام: ٢/ ٣٤٠.
(١١) الفقيه والمتفقه: ٢/ ٧١.
(١٢) صحيح مسلم، المقدمة، باب ٥ رقم: ٢٦.
(١٣) أخرجه البخاري معلقاً في صحيحه باب ١٠ كتاب العلم.
(١٤) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام، باب ١٠.
(١٥) سنن أبي داود، رقم الحديث: ٣٤٠٦، وسنن ابن ماجه، رقم الحديث: ٣٧١٦.
(١) صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب ٣١ رقم: ١٤٢١.
(٢) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ٥٠.
(٣) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ٥٠.
(٤) صحيح مسلم، رقم الحديث: ٦٩٥٦.
(٥) صحيح البخاري، الفتن، باب ٥ رقم: ٧٠٦٦.
(٦) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ٣٤ رقم: ١٠٠، وصحيح مسلم، رقم الحديث: ٦٩٧١.
(٧) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب، باب ٧ رقم: ٧٣٠٧.
(٨) صحيح البخاري، تفسير سورة نوح، باب ١٠، رقم: ٤٩٢٠.
(٩) جامع بيان العلم وفضله: ٢/ ٤٤٠.
(١٠) مسند أحمد، رقم (١٢٨٢٠) .
(١) المستدرك للحاكم: ٨٥٧١/٢٧٩، وصححه الذهبي.
(٢) أخرجه ابن ماجه في صحيحه ٣٢٨٨/٤١٢٠ باب ٢٦ ذهاب العلم والقرآن، وانظر كتاب المشكاة، رقم الحديث: ٢٤٥/٢٧٧٩، وكتاب تخريج العلم لأبي خيثمة: ١٢١/٥٢، وكتاب تخريج اقتضاء العلم: ١٨٩/٨٩) .
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب ٤٣ رقم: ٥٠٣٢.
(٤) أخرجه الدارمي في سننه، ١/١١٧.
(٥) صحيح البخاري، رقم الحديث: ٣١٩٧.
(٦) سنن الترمذي وقال: حسن غريب: ٤/ ٣٦٧، رقم: ٢٠٠٧.
(٧) السنة للخلال ج: ٣/ ٥٦٠، رقم: ٩٤٤.
(٨) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب، باب ٧ رقم: ٧٣٠٧.
(٩) نشر طي التعريف في فضل حملة العلم الشريف: ١/ ٣٩.
(١٠) الترمذي كتاب العلم، رقم (٢٦٠٦) ، وأبو داود كتاب العلم، رقم (٣١٥٧) ، وابن ماجه المقدمة، رقم (٢١٩) ، وأحمد، رقم (٢٠٧٢٣) .
(١١) نشر طي التعريف في فضل حملة العلم الشريف: ١/ ٣٨.
(١٢) نشر طي التعريف في فضل حملة العلم الشريف: ١/٣٧.
(١) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ١٠ رقم: ١٠.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ٢٢/١٥٨، وابن سعد في طبقاته: ١/ ٤٢٤.
(٣) إحياء علوم الدين: ١/٩٢.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير: ٨٦٨/١٢/١٢٩٣٩، وهو صحيح لغيره.
(٥) صحيح مسلم، كتاب البر، باب ١٩ رقم: ٦٧٥٧.
(٦) إحياء علوم الدين للغزالي: ١/ ٩١.
(٧) مجمع الزوائد ٩/ ١٥، وسنن البيهقي: ١٠/١٩١/٢٠٥٧١، ونوادر الأصول: ٢/٣١٢/٤/٣٤٣، ورواه أحمد في المسند: ٢/ ٣٨١/٨٩٣٩ بلفظ: صالح الأخلاق، وكذا الحاكم في المستدرك: ٢/٦٧٠/٤٢٢١، وذكره صاحب كشف الخفاء: ١/٢٤٤/٦٣٨.
(٨) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب ١٨ رقم: ١٧٧٣.
(١) الفردوس بمأثور الخطاب لأبي شجاع الديلمي الهمذاني: ٥/٥٣٧/٩٠١٨، والتمهيد لابن عبد البر: ١/٢٨، وفيض القدير: ٦/٣٩٦، وميزان الاعتدال:١/١٦٧، وسنن البيهقي: ١٠/٢٠٩/٢٠٧٠٠.
(٢) المستدرك للحاكم: ١/١١٤/١٦٤.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب ١٠٢ رقم: ٢٦٤٢، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب ٤ رقم: ٦٣٧٦.
(٤) صحيح ابن ماجه: ١٩٤/٢٣٦،.ج ١/٩٦.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، رقم: ١٢٦٨٤.
(٦) أخرجه الترمذي في كتاب العلم، رقم: ٢٦٩٥، والطبراني في معجمه الكبير رقم: ٨/ ٢٣٤.
(٧) صحيح مسلم، كتاب الوصية، رقم: ٣٠٨٤، وسنن الترمذي، رقم: ١٣٧٨، وقال: حسن صحيح.
(٨) صحيح ابن ماجه: ٢١٤/٢٦٤.
(١) صحيح البخاري، كتاب الايمان، باب ٧ رقم الحديث: ١٣.
(٢) صحيح ابن ماجه، رقم: ٣١٣.
(٣) مقدمة صحيح مسلم: ١/٦، والعجلوني في كشف الخفاء: ١/٢٢٦، وفيض القدير نقلاً عن أبي داود: ٥ / ٤٢٧.
(٤) صحيح مسلم، ١٤، المقدمة باب ٣.
(٥) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ٤٩ رقم: ١٢٧.
(٦) فيض القدير: ٣/ ٣٧٨، وضعفه ابن حجر، وكشف الخفاء: ١/ ٢٢٦.
(٧) إحياء علوم الدين: ١/ ٧١.
(٨) أخرجه الدارمي في سننه ج: ١/ ١١٧.
(٩) إحياء علوم الدين: ١/ ٦٣، وفيض القدير: ٢/ ٢٢٢، وسير أعلام النبلاء: ٢/ ٤٣٧.
(١٠) التبيان في آداب حملة القرآن: ١/ ١٦.
(١١) سنن ابن ماجه ١/٢٠، رقم: ٥٣.
(١٢) إعلام الموقعين: ١/ ٣٩.
(١) إعلام الموقعين: ١/ ٤٤.
(٢) بهجة النفوس لابن أبي جمرة.
(٣) المستدرك للحاكم في المستدرك: ٢/ ١٦٤/٢٦٥٦، كتاب قتال اهل البغي وهو آخر الجهاد. وقال الذهبي: على شرط مسلم وأبو نعيم في حلية الأولياء: ١/ ٣١٨ ـ ٣١٩، وذكره عبد الرزاق في مصنفه: ١٠/١٥٧، ١٠/١٦٠، وابن ابي شيبة: ٧/ ٥٥١/ ٣٧٨٧٣، ونقله السيوطي: ٢/ ٥٢٧، عن ابي نعيم والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه.
стр. 5234
حرمان الظالمين من الإمامة في الدين
أنور قاسم الخضري
في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] أخبر الله ـ سبحانه ـ أنه امتّن على إبراهيم بجعله «إماماً للناس» يُقتدى ويُتأسى به في الدين؛ وذلك مقابل قيامه بالتكاليف التي أُمر بها على أتم وجه. وفي مقابل هذا التكريم طلب إبراهيم ﵊ من ربه أن تكون هذه الإمامة لأبنائه من بعده؛ فأجابه الله إلى ذلك، مستثنياً من ذلك «الظالمين» (١) . وهذا من شؤم الظلم على أهله.
وحول الظلم وأثره في حياة الأئمة يرتكز حديثنا في هذه الأسطر.
فالظلم معنى مبغوض من الخالق ومن الخلق؛ لذلك أخبر الله ـ تعالى ـ تنزهه عن الظلم من كل وجه من الوجوه؛ فهو ـ سبحانه ـ: ﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] و ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] . وقد تمت كلمته : ﴿صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] وحرَّم الظلم على نفسه، وجعله محرَّماً بين عباده، بل أخبر ـ سبحانه ـ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] ، وأن عذابه يلحق بالظالمين، ومن ركن إليهم أو سكت عن ظلمهم.
والحديث عن عواقب الظلم وذمه يطول في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وليس هنا محل بسطه، غير أن الإشارة الواردة في الآية ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] تتحدث عن نوع آخر من الظلم: إنه الظلم الذي يجب أن يتنزه عنه «أئمة الناس» في الدين، حتى يستقيم اتباع الناس لهم، وقبولهم إياهم، والاقتداء والتأسي بهم.
إنه «الظلم» الذي يُعطّل من «العهد» بالإمامة بمقداره، وهو الذي عُصم منه الأنبياءُ أجمعين، عليهم صلوات الله وسلامه. لهذا كان وصف النبي ﷺ بالظلم، أو حثه على العدل ممن هو أدنى منه رتبة كفراً بصاحبه، يستحق القتل لأجله؛ لأنه يطعن في أصل من أصول الرسالة، وهو القيام بالعدل والقسط بين الناس.
إن هذا «الظلم» هو المانع اليوم بين كثير من علماء ودعاة الصحوة الإسلامية، وقادة العمل الإسلامي وبين قبول عموم الأمة لهم، وهذه قضية يجب أن تكون حاضرة في النفس والتفكير عند محاولة إخراج قيادة للأمة. هذا مع عدم لزوم الطعن في خيرية هؤلاء ـ عموماً ـ وأنهم الأسبقون بالدعوة، والتعليم، والإحسان، والجهاد.
إلا أننا في إطار البحث عن العلل في غياب القيادة المؤثرة في عموم الأمة لا ينبغي أن تغلب علينا عواطف الحب والتقدير، حتى نرى الحقائق، ونمتلك ميزان الإنصاف مع الأشياء المؤثرة والمتأثرة.
صحيح أن الأمة غير مؤهلة ـ كما يبدو ـ لاستقبال قائد «رباني» ؛ نظراً لتمزقها على مستوى مناطق، ودول، وأحزاب، ومذاهب، وطوائف، وطبقات.. وما إلى ذلك. لكن في المقابل، كثير من العلماء والدعاة ـ هم أيضاً ـ غير مؤهلين ليكونوا «إماماً للناس» بحالتهم الراهنة؛ حيث لا تزال دوافع الظلم كامنة عند بعضهم.
ولا أقصد بالظلم هنا كبائر وعظائم الأمور، حاشا وكلا! وإنما أقصد ظلماً أخص، يدور في إطار الأفكار والأحكام والتعامل، وأضرب على ذلك مثالين:
١ - الظلم في الحكم على الأمور وتسميتها بمسمياتها:
إن خير من ينزِّل الأسماء الشرعية على مسمياتها هم العلماء، والناس تبع لهم في ذلك. وكم نجد اليوم من ظلم ظاهر في هذا الجانب؛ فإمامة المسلمين، وجماعة المسلمين، وكل معاني الإسلام الأخرى تُصبغ بها شخصيات، أو جماعات، أو دول، أو تُسحب من الآخرين لا بمنطق العدل الرباني.
وكذلك شأن الكفر أو البدعة أو الفسق؛ فإنها تُطلق اليوم بعيداً عن التحقيق والتدقيق، بل ربما أُطلقت على أهل التوحيد، ويُتورع في شأنها مع مستحقيها من المرتدين والزنادقة.
وليس بعيداً من ذلك مصطلحات «الجهاد» و «التطرف» و «الإرهاب» و «الاستشهاد» ... وإلخ؛ كلها أصبحت في غير محلها عند بعضهم.
ومن العجيب أن يغلو بعض الدعاة والعلماء في أمور يعلمها الصغير فضلاً عن الكبير، إذا كان له حظ من الدين؛ كأن يقول بعضهم: «لا يوجد في بلادنا ردة أو مرتدون» ، في حين ترتفع دعوات المفسدين على منابر الإعلام مهاجمة الشريعة، وحَمَلَتَها بمقاصد معلومة، ويأتي في مقابل هذا الغلو غلو آخر يُرى في المجتمع: «مجتمع ردة» تحل دماؤه وأعراضه وأمواله؛ لا لشيء سوى ظهور المنكرات فيه، وفي هذا ما يشيع الظلم والعدوان في الناس.
إن الواجب أن لا ينطق العلماء بحكم على أمر حتى يستنفدوا طاقتهم بتأصيل أمور ثلاثة، هي:
١ - التأكد من دلالة هذا اللفظ ومن لوازمه الشرعية: من نصوص الشريعة لا من واقع الاجتهادات الزمانية أو المكانية؛ لأنها مساندة في فهم علماء الأمة للدلالة، لكنها بأي حال ليست دليلاً مستقلاً بذاته.
٢ - التأكد من حال الواقع كما هو، لا كما نحب أن نراه، أو يفترض أن يكون عليه؛ لأن الانطلاق في النظر إلى الأمور من هذين المنظارين يدفع لحجب الحقائق وتكذيبها، أو البحث لها عن المسوغات التي تزيد من حضور الأخطاء والمنكرات.
والواقع لا تحده أمتار مسطحة أو عينات اجتماعية هنا وهناك، وإنما هو رصد وتتبع ونزول ميداني، وبحث في الظواهر (التي نطلع عليها أو يطلع عليها غيرنا) .
حدثتُ أحدهم عن فندق بإحدى المدن فيه زنى وخمور؛ فقال: يا أخي! علينا بالظاهر. فقلت له: فإذا ظهر الأمر في الشوارع (وهذا الذي تريده) فسيكون أحسننا حالاً من يقول: (هلاَّ خلف هذا الجدار!) ، كما ورد في بعض الأحاديث.
إنّ وصول الناس للمنكرات، وحصولهم على خدمات تقدِّم الفحش يعدُّ من إظهار المنكر مهما غُيّب في دهاليز المباني.
غير أن بعضهم يحب أن يعمي عينه عن الموجود، حتى لا يستلزم منه ذلك النطق بأحكام يكره التفوّه بها، ولا يعلم هؤلاء أنهم بذلك يعمون بصائرهم قبل أبصارهم؛ فإنهم مع مرور الوقت يستمرئون المنكرات، بل قد يكونون مشرّعين لها كما حدث مع علماء بني إسرائيل: كان إذا زنى فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد، وإذا زنى فيهم الشريف تركوه!
٣ - أن لا يستقل عالم بإعطاء حكم من هذا النوع بشخصه، وإنما عليه إن كان صادقاً مع الله ـ تعالى ـ ومع شرعه أن يعود إلى أكبر قدر من العلماء والدعاة، مبيناً لهم رؤيته وأدلته على ما ذهب إليه، ومستمعاً منهم رأيهم ومذهبهم، حتى يتفقوا على أمر واحد أو قريب منه.
إن غياب هذا المنهج في تقرير مسائل الواقع جعل بعضهم يتقفز من أقصى اليمين إلى الشمال، ومن أقصى الشمال إلى اليمين، وربما من الوسط إلى أحد الطرفين؛ ذلك أن عُمدته في الأمور هي نظرته الشخصية، ونسي الجميع أن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ، ومن هذا الأمر الذي يعنيهم الحُكم على الواقع والوقائع. لكن روح الاستقلال اليوم قتلت روح العدل والإنصاف؛ فإن العدل صفة تنمو في ظل الجماعة وأحضانها، بينما الظلم ينمو عند المنفرد المستقل.
إن نشوء الإنسان في مجتمع يقوّم أفكاره، ويوضح له علل الأمور وسنن المجتمعات، وخفايا النفوس، يعدّل من أحكامه ويهذبه؛ وذلك بحسب قرب هذا المجتمع من الإيمان والشريعة. ومن جالس العلماء والدعاة واختلط بهم بنفسية المتعلم برزت له هذه الحقيقة كالشمس في رابعة النهار.
٢ - الظلم في ردود الأفعال:
إن أوْلى الناس بسلامة الصدر، ونقاء السريرة، وصفاء القلب، وعفة اللسان: العلماء والدعاة، وقد وصف الله ـ تعالى ـ خيرته من الخلق بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] ؛ فالصبر أصناف منها: الصبر على الخلق وأذاهم، وهي ميزة ممدوحة، قال ﷺ : «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير أعظم أجراً من الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم» (١) . وأكثر الناس تأذياً هم العلماء؛ لأن عامة الناس جهلة فلا يتطاوعون معهم، وربما اعترضوا على العلماء بجهلهم، فلا يكون من العالم أو الداعية سوى الغلو في ردود الأفعال، وعوضاً عن أن تكون ساحة العلماء والدعوة ساحة أناة، وبصيرة، وسماحة تكون ساحات إثارة، وردود وهرج.
ومن المؤسف أن يترصد الإعلام هذه الحالات؛ لأنه عرف أو جهل أن أصحاب ردود الأفعال، مهما بلغت مكانتهم في العلم والدعوة، قد تتغير مواقفهم بسرعة؛ نتيجة ردة فعل بما لا تخطط له الحملات الدعائية؛ فتخسر أكثر مما تربح. ومؤسف أيضاً أن يصنع بعض العلماء والدعاة شهرتهم في ظل هذه الأجواء المنفعلة، دون أن ينتبهوا إلى ما وراء الأكمة.
إن مكانة العلماء والدعاة أعلى وأرفع، وينبغي عليهم أن يظلوا في نظر الأمة محل الاتزان الفكري والعاطفي والموقفي، حتى ولو اضطرهم هذا إلى التأخر في بيان مواقفهم؛ لتكون أكثر نضجاً وأسد مذهباً، بل إذا كان السكوت أجدى فلِمَ لا يتخذون من سكوتهم مذهباً، وهو مذهب قديم للعلماء بل وللأنبياء: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٧٧] ، ﴿إلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨] ؟.
إن ردود الأفعال في المصائب غالباً ما تُولّد جواً مشحوناً بالفتن، وإنّ ضياع حدث دون أن ينال حكمه في مسيرة التاريخ هو خير من أن يسجل بحكم خاطئ يحرف مفاهيم الأمة والأجيال القادمة، وقد قال ﷺ : «ما أدري أَتُبَّعُ لعين هو أم لا؟ وما أدري عُزَيْر نبي هو أم لا؟» (٢) ، فلا يضرُّ تُبّعاً ولا قومه، ولا محمداً ﷺ ولا أمته أن يُعرف ماذا كان؟! طالما أنه أدى رسالته ومهمته في التاريخ، وانقطعت صلته بالأجيال؛ فذِكْره في القرآن جاء عابراً، وكم في التاريخ من ذكر عابر!
وهنا أقدِّم نصحي في أن يُغفِل الناس عند الأحداث ردود الفعل المستعجلة، وأن يتحلوا بالتريث، طالما أنها بعيدة عن العمق والخبرة والمشورة. والحذر أن يتمكن الإعلام من صياغة «الرأي العام» بأسلوب «السلق السريع» و «التناول السفري» و «إبراز من فَوقَ خشبة المسرح دون من حولها» و «التشويش» ؛ فكلها تجر إلى التعبئة العاطفية، أو التنويم المغناطيسي دون شعور المتلقي.
ويبقى أن نعيد القول للعلماء والدعاة ـ وهم محط آمالنا ومعقد أماني الأمة ـ بأن يتنزهوا عن الظلم؛ بقبول النصح، ونقد الذات، ومراجعة السجل الخاص، وتنصيب حَكَمٍ عند الخصومة، وإنصاف الآخرين من النفس؛ فإن ذلك مما يرفع قدرهم، ويعلي شأنهم، ويجمع الخلق عليهم.
(*) مدير مركز دراسات الجزيرة العربية، ورئيس تحرير جريدة الرشد اليمنية.
(١) اختلف المفسرون حول معنى قوله ـ تعالى ـ: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ، والذي ذهب إليه ابن كثير: أن الاستثناء متصل بإجابة الطلب، وأن المعنى إن الظالمين ليس لهم حظ في أن يكونوا قدوة وأسوة للناس في هذا الدين. وحفاظاً على روح المقال أعرضت عن سرد الأقوال والترجيح بينها.
(١) رواه أحمد في المسند رقم (٤٧٨٠) ، وابن ماجه، كتاب الفتن، رقم (٤٠٢٢) ، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، رقم (٤٠٥٤) .
стр. 5235
السلطات العامة في الإسلام
مفهومها.. وظيفتها.. العلافة بينها
د. عثمان جمعة ضميرية
تقوم الدولة عند علماء القانون الدستوري والقانون الدَّوْلي المعاصرين على أركانٍ هي: الإقليم أو الأرض، والأمَّة أو السكان، والنظام أو السيادة الداخلية والخارجية للدولة، ويعبَّر عنها بالسُّلطة العامَّة.
والمقصود بالسُّلطة العامة: الهيئة التي لها الحق في إصدار الأوامر الملزمة للرعايا، لصيانة حقوق الجماعة ومنع العدوان. وهي تتكون من هيئات فرعية ثلاث: السُّلطة التشريعية، والسُّلطة التنفيذية، والسُّلطة القضائية.
وليس هذا التقسيم للسلطات أمراً متَّفَقاً عليه، فإنَّ بعضهم يجعل السُّلطة القضائية تابعةً للسلطة التنفيذية وغيرَ مستقلةٍ عنها، وقد يضيف بعضهم سلطةً رابعة هي سلطة الرقابة والتقويم، كما يضيف آخرون سلطة خامسة هي السُّلطة المالية.
وسنبحث فيما يلي ـ باختصار ـ معنى السلطات الثلاث، حسب التقسيم المشهور الغالب، ونضيف إليها سلطة الرقابة والتقويم، ثم نعقِّب على ذلك بمبدأ الفصل بين هذه السلطات وتوزيعها، ومدى شرعية ذلك وتطبيقه في النظام الإسلامي.
- أولاً: السُّلطة التشريعية:
للتشريع معنيان:
تطلق كلمة التشريع ويراد بها أحد معنيين: (أحدهما) : إيجاد شرع مبتدأ، و (ثانيهما) : بيان حكمٍ تقتضيه شريعة قائمة.
فالتشريع بالمعنى الأول في الإسلام، ليس إلا لله ـ تعالى ـ وحده، فهو ـ سبحانه ـ ابتدأ شرعاً بما أنزله في قرآنه العظيم، وما أقرَّ عليه رسوله الكريم، وما أقامه من دلائله. وبهذا المعنى: لا تشريع إلا لله تعالى، ولا حاكم إلا لله.
وأما التشريع بالمعنى الثاني ـ وهو بيان حكم تقتضيه شريعة قائمة ـ فهذا الذي تولاّه بعد رسول الله ﷺ خلفاؤه من علماء الصحابة، ثم مَنْ بعدهم من علماء التابعين وتابعيهم من الأئمة المجتهدين. فهؤلاء لم يشرِّعوا أحكاماً مبتدَأةً جديدةً، وإنما استمدُّوا الأحكام من نصوص القرآن والسنة، وما نصَبَه الشارع أو أقامه من دلائل، وما قرَّره من القواعد العامة؛ فمن استنبط حكماً منهم بواسطة القياس مثلاً، فهو لم يشرِّع حكماً مبتدَأً، وإنما اجتهد في تعرُّف علَّة الحكم المنصوص عليه، وعدَّى الحكم من موضع النص إلى موضعٍ اشترك معه في الوصف الذي هو مناط الحكم وهو العلة. فهو ـ باجتهاده ـ: قد استبان له أنَّ النصَّ يشمل موضعين: الموضع الظاهر فيه، والموضع الذي يشترك معه في علة الحكم. وهو بذلك يقوم بعملية كشفٍ عن الحكم وبيانٍ، ولا ينشئ حكماً من تلقاء نفسه.
وكذلك الاجتهاد؛ يطلق ويراد به أحد معنيين:
(أحدهما) : بذل الجهد في تعرُّف الحكم الشرعي من دليله أيّاً كان، فيشمل ما يفهمه المجتهد من النص، وما يستنبطه بالقياس، وما يستمدُّه من قواعد الشرع العامة؛ كسدِّ الذرائع، ودفع الحرج، والعمل بالمصالح المرسلة.
و (ثانيهما) : تعرُّف حكم ما لم ينصَّ عليه بواسطة قياسه على المنصوص على حكمه، فهو ـ بهذا المعنى ـ يرادف القياس.
والأحكام الاجتهادية - بهذا المعنى- خاصة بالأحكام المستنبَطة بواسطة القياس. وهذا المعنى هو المراد في مثل قول معاذ بن جبل ﵁: «إن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ : أجتهد رأيي» (١) . أما المعنى الأول فهو عامٌّ، والأحكام الاجتهادية بمقتضاه تنتظم كل نتائج جهد المجتهدين في النصوص وفي غيرها من الأدلة الشرعية، وهو المراد عند الإطلاق.
المقصود بالتشريع في هذا البحث:
وبعد هذا البيان لمعنيي التشريع تجدر الإشارة إلى أنَّ المعنى الثاني هو الذي نريده هنا، وهو يسمى في عرفنا الحاضر تشريعاً، ولكنه عند الفقهاء المتقدمين لم يكن يسمى تشريعاً، وإنما هو تنفيذ للأحكام أو اجتهاد فيها واستنباط؛ لأنها تستند إلى تشريع منصوص. فهو في الاصطلاح الحديث يسمى تشريعاً، وفي الاصطلاح القديم لم يكن يسمى بذلك، وإنما يدخل في دائرة التنفيذ، كما لو منع الحاكم نوعاً من الأعمال أو التصرفات المباحة أو قيَّدها لمفسدة تنشأ عنها تطبيقاً لقاعدة شرعية، أو وضع ضوابط لتحديد الأجور للعاملين مثلاً، أو ضوابط وشروطاً لمن يتولون الوظائف العامة، ونحو ذلك من الأمور التي تنتظم بها أحوال الناس مما لا يعارض نصاً ولا حكماً ثابتاً ولا مقصداً من مقاصد الشرع. ولذلك ينبغي التنبُّه إلى تطور المصطلحات ومعاني الألفاظ والكلمات.
نطاق هذا التشريع ومداه:
وأما دائرة هذا التشريع ونطاقه، فإنه يتحدد بتفسيرِ النصوص التي تقرِّر الأحكامَ (٢) ، والقياسِ على ما فيه نص عليها، والاستنباطِ من الأصول والقواعد العامة ومقاصد الشريعة، كما يشمل أيضاً دائرةَ المباح أو العفو الذي سكتت عنه الشريعة؛ فليس فيه حكم صريح أو قياس مستنبَط. وهذا السكوت في حد ذاته دليل على أن الشرع أعطى الإنسان حقَّ إبداء رأيه في أمور ومسائل هذا القسم.
قيود السُّلطة التشريعية:
وهذا التشريع ـ أو الاجتهاد التشريعي ـ ليس مطلقاً، كما لاحظنا، ولكنه مقيد بثلاثة قيود:
(الأول) أن يكون في المجال الذي يصحُّ فيه مما يشمل النوعين السابقين اللَّذَيْن أشرنا إليهما وهما:
(أ) التشريعات التنفيذية التي يُقصد بها ضمان تنفيذ نصوص الشريعة، وهي بمثابة اللوائح والقرارات التي يصدرها الوزراء اليوم، كلٌّ في حدود اختصاصه، لضمان تنفيذ القوانين الوضعية.
(ب) تشريعات تنظيمية، يُقصد بها تنظيم الجماعة وحمايتها وسدُّ حاجتها على أساس من مبادئ الشريعة العامة. وهذه التشريعات لا تكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة، فلم تأت فيه بنصوص خاصة.
(والقيد الثاني) : أن يكون هذا التشريع متفقاً قبل كل شيء مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، وإلا كان باطلاً بطلاناً مطلقاً (٣) ؛ فليس لأحد أن ينفِّذه، وليس لأحد أن يطيعه.
(والقيد الثالث) : ألاَّ يصادم هذا التشريع ولا يناقض ـ مناقضة حقيقية ـ دليلاً من أدلة الشريعة التفصيلية الثابتة.
الهيئة التشريعية وأهل الاجتهاد:
والذي يتولَّى سلطة التشريع ـ بهذا المعنى السابق ـ بعد وفاة الرسول ﷺ وبعد انقضاء عهد الخلفاء الراشدين: هم المجتهدون وأهل الفُتْيا، الذين توافرت فيهم أهلية الاجتهاد والنظر في الأحكام (٤) ؛ وذلك لأنَّ الله ـ تعالى ـ أمَرَنا بطاعة الله ورسوله وطاعة أولي الأمر منا؛ وأولو الأمر الديني هم العلماء والمجتهدون.
كما أن أهل الحل والعقد ـ وهم غير أهل الاجتهاد عند بعض العلماء أو هم دائرة أوسع ـ من أصحاب الاختصاص في الشؤون العامة كشؤون السلم والحرب والزراعة والتجارة والإدارة والسياسة وغيرهم، لهم دور في هذا النوع من التشريع؛ إذ يبني العلماء والمجتهدون أحكامهم الاجتهادية على رأي هؤلاء وما يقدِّمونه لهم. فلو أرادوا مثلاً أن يجتهدوا في بيان حكم معاملة من المعاملات المالية المعاصرة، فلا بد أن يكون بين أيديهم ما يبين نوع هذه المعاملة وطبيعتها وشروطها وما إلى ذلك، حتى يتسنى لهم استنباط الحكم الشرعي؛ وغنيٌّ عن البيان أن أهل الحل والعقد هؤلاء لا بد أن تتوافر فيهم صفات العدالة والعلم حتى يُقبل قولهم ورأيُهم. ونختم بأن أهل الاجتهاد ـ وبالمعنى والشروط السابقة لهم - لا يخرجون عن دائرة أهل الحل والعقد أيضاً؛ فهم من أهلها من باب أوْلى. والله أعلم (١) .
- ثانياً: السُّلطة التنفيذية:
تعريف السُّلطة التنفيذية ومفهومها:
هي السُّلطة المختصة بتنفيذ أحكام الشريعة، وتعمل على إقامة المرافق العامة وتنظيمها بما يكفل إشباع حاجات الناس في الدولة. ولا يختلف مدلول السُّلطة التنفيذية في الإسلام عنه في النظم المعاصرة؛ فهي تشمل جميع العاملين الذين يقومون بتنفيذ إرادة الدولة وقوانينها، ما عدا أعضاء الهيئة أو السُّلطة التشريعية والقضائية.
غير أن علماء القانون العام يفرِّقون بين من يقوم بالأعمال السياسية أو الحكومية، ومن يقوم بالأعمال الإدارية، وهم رجال الإدارة، فيدرسون نشاط الأعمال الحكومية ضمن دراسة النظم الدستورية، والنشاط الإداري ضمن دراسة القانون الإداري.
وفي ضوء هذا التقسيم ندرس في السُّلطة التنفيذية: الهيئةَ الحكوميةَ في الدولة الإسلامية. وهي تتكون في مستوياتها العليا من الإمام (الخليفة أو رئيس الدولة) ، والوزراء، والولاة، الذين يساعدون الإمام أو ينوبون عنه في تسيير أمور الدولة وتنفيذ قوانينها.
اختصاصات السُّلطة التنفيذية:
والأصل أن يقوم الإمام ـ رئيس الدولة ـ على السُّلطة التنفيذية، ويختصَّ بها وحده؛ فمن واجبه القيام بكل الأعمال التنفيذية لإقامة الإسلام وإدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية في حدود الإسلام. ويدخل في هذا اختصاصاتٌ شتى: أهمها تعيين الموظفين وعزلهم وتوجيههم ومراقبة أعمالهم، وقيادة الجيش وإعلان الحرب، وعقد الصلح والهدنة، وإبرام المعاهدات، وإقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وولاية الصلاة والحج، وحمل الناس على ما يُصلح أمورَهم، ويوجههم وجهة إسلامية صحيحة بما يسنّه من لوائح ويصدره من أوامر، والعفو عما يجوز العفو عنه من الجرائم والعقوبات. فالإمام هو رئيس الدولة ومصرّف أمورها والمسؤول الأول عن أعمالها، ومسؤوليته ليست محدودة، وإنما هي مسؤولية تامة؛ فهو الذي يضع سياسة الدولة ويشرف على تنفيذها، وهو الذي يهيمن على كل أمور الدولة ومصائرها (٢) .
القيود على سلطة الإمام التنفيذية:
وهذه السُّلطة التي يتمتع بها الإمام أو الخليفة ـ رئيس الدولة ـ ليست سلطة مطلقَةً مستبِدَّةً، بل هي سلطةٌ مقيَّدةٌ بثلاثة قيود من أصول الشريعة وقواعد النظام السياسي:
(الأول) : التقيُّد بأحكام الشريعة، وعدم مصادمتها أو مخالفتها لحكم شرعيٍّ أو مقصد من مقاصدها، فلا يجوز الخروج على حكم من أحكام الشريعة، وإلا كان العمل أو التصرف باطلاً بطلاناً مطلقاً.
(الثاني) : الشورى؛ فإن الإمام لا يستبدُّ بالأمور، بل هو يستشير أهل الشورى وأهل الحلِّ والعقد.
(الثالث) : مراعاة المصلحة العامة للأمة؛ فإن القاعدة الشرعية التي تحكم تصرفات الإمام ـ وسائر أصحاب الولايات ـ هي قاعدة «تصرُّف الإمامِ على الرعيَّةِ مَنُوطٌ بالمصلحة» (٣) .
الوزارة والوزراء في الدولة الإسلامية:
ولما كان الخليفة ـ رئيس الدولة ـ لا يستطيع أن يقيم المصالح، ولا أن يقوم بالوظائف كلها بنفسه، وبخاصة عند اتساع رقعة الدولة وتعدد وظائفها: وجب أن يكون معه من يُعِينُه في وظيفته التنفيذية هذه؛ فهو يستعين بالوزراء في القيام على شؤون الدولة وتوجيه أمورها، ولكنهم مسؤولون أمامه عن أعمالهم، ومركزُهم منه مركزُ النوَّاب عنه، فهو يعيِّنُهم وهو يُقِيلُهُم. ولم يكن منصب الوزارة منصباً رسمياً في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ولا في عهد الدولة الأموية، وإنْ كان أصلُ مشروعيَّتِه ثابتاً في القرآن الكريم فيما حكاه الله ـ تعالى ـ عن موسى ﵇ بقوله: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] . وكان موجوداً فعلياًً في عهد أبي بكر وعمر ﵄ ثم أصبح منصباً رسمياً من وظائف الخلافة والملك منذ عهد الدولة العباسيَّة. وأصبح علماء الفقه السياسي الإسلامي ـ كالماوَرْدِيِّ وأبي يَعْلَى الفرَّاء ـ وغيرهما، يبحثون في الوزارة ويجعلونها نوعين: وزارة تفويض ووزارة تنفيذ، ولكلٍّ منهما شروط، وبينهما فوارق في العمل والاختصاص.
ففي (الأولى) منهما: يفوِّض الخليفةُ وزيراً في تدبير الأمور برأيه وإمضائها باجتهاده، وله سلطات الخليفة نفسه كقاعدة عامة إلا في بعض الأمور المستثناة من ذلك. ولعلَّ هذا المنصب يشبه اليوم رئيسَ الوزراء أو الوزيرَ الأول في بعض الأنظمة السياسية.
و (في الثانية) ـ وزارة التنفيذ ـ: يعيّن الخليفة من ينوب عنه في تنفيذ الأمور دون أن تكون له سلطةٌ مستقلَّة؛ فهو يباشر تنفيذ ما يرد إليه من أوامر يصدرها الخليفة أو وزير التفويض. ودراسة هذا الجانب من النظام السياسي تكفَّلت به كتب الأحكام السلطانية (١) .
الإمارة والولاية على البلاد:
ويماثل الوزارةَ منصبٌ آخر من المناصب المتَّصلة بالخلافة والسُّلطة التنفيذية، وهو: الإمارة على البلاد، أو الولاية العامة عليها. ويختصُّ فيها الأمير أو الوالي ـ وكان يسمى عاملاً ـ بالنظر والعمل في إقليم معيَّن، ينوب فيه عن الإمام في نظر مصالح الأمة في تلك الجهة، وقد تكون ولايته على أقاليم الدولة كلها، وقد تكون ولاية خاصة في جانب معيَّن. وقد تناول الفقهاء السياسيون هذه الولايةَ بالبحثِ لمشروعيتها وتطوُّرِها وشروطِها واختصاصها، مما لا يدخل تفصيلُه في حدود بحثنا هذا (٢) .
- ثالثاً: السُّلطة القضائية:
مفهومها ومهمتها:
ومهمة هذه السُّلطة هي إقامة العدالة بين الناس، والحكم في المنازعات والخصومات والجرائم والمظالم، واستيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى مستحقها، والولاية على فاقدي الأهلية والسفهاء والمفلسين، والنظر في الأوقاف وأموالها وغلاَّتها، إلى غير ذلك مما يعرض على القضاء.
علاقتها بالسُّلطة التنفيذية:
والإسلام يوجب على القضاة أن لا يجعلوا لأحد عليهم سلطاناً في قضائهم، وأن لا يتأثروا بغير الحق والعدل، وأن يتجرَّدوا عن الهوى، وأن يسوُّوا بين الناس جميعاً: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] : ﴿يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥] .
وتاريخ القضاء الإسلامي قاطع في أن القضاة كانوا دائماً مستقلِّين في عملهم، لا سلطان لأحدٍ عليهم إلا لله، ولا يخضعون في قضائهم إلا لما يقضي به الحق والعدل.
والإمام هو الذي يولِّي القضاةَ بصفته نائباً عن الأمة، وله الإشراف عليهم وعزلهم بهذه الصفة، ولا يعتبر القضاة بمجرد تعيينهم نواباً عن الإمام، وإنما يعتبرون نواباً عن الأمة، ولذلك لا يعزلون عن عملهم بموت الإمام أو عزله، كما أن الإمام لا يملك عزلهم لغير سبب يوجب العزل.
وعلى هذا الأساس: يُعتبر القضاةُ سلطةً مستقلّةً مصدرها الأمة، وإذا كان الإشراف على هذه السُّلطة للإمام فإنما يشرف عليها بصفته نائباً عن الأمة.
ويلاحظ أن التقاليد الإسلامية جرت من أول عهد الإسلام على أن يباشر رئيس الدولة القضاء؛ فقد كان رسول الله ﷺ يقضي بين الناس وكذلك كان الخلفاء الراشدون، وكان المتفقهون من الخلفاء بعدهم يقضون، ثم انتهى الأمر إلى ترك القضاء للقضاة المختصين به.
القضاء وشرعية القوانين:
ويوجب الإسلام على القضاة أن يتصدَّوْا لشرعية القوانين والنصوص، وأن لا يحكموا إلا بما أنزل الله، وبما هو تطبيق لمبادئ الإسلام العامة، وذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] .
ويحرِّم الإسلام على المسلمين أن يحكموا بغير ما أنزل الله، ويعتبر من لم يحكم بما أنزل الله كافراً: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
وهكذا نزلت نصوص القرآن بوجوب تصدي القضاة لشرعية القوانين التي يطلب إليهم تطبيقها؛ فإن كانت شرعيةً طبَّقوها وإلا أهملوها وطبَّقوا نصوص الشريعة، ولا تكون القوانين شرعيةً إلا إذا جاءت متفقة مع نصوص الشريعة أو تطبيقاً لمبادئها العامة وروحها التشريعية.
وبذلك سبق الإسلامُ القوانينَ الوضعيةَ بحوالي خمسة عشر قرناً في تقرير نظرية شرعية القوانين أو ما يسمى اليوم في عرفنا القانوني بنظرية «دستورية القوانين» (١) .
والدراسة التفصيلية لنظام القضاء وعدالته في الإسلام، وتطور السُّلطة القضائية وما يتصل بذلك، تكفَّلت به كتب كثيرة متخصصة، علاوة على كتب الفقه في المذاهب الفقهية المشهورة، التي يعقد الفقهاء فيها دائماً باباً للقضاء وآداب القضاة (٢) .
- رابعاً: سلطة المراقبة والتقويم:
طبيعة هذه السُّلطة:
وهذه سلطة الأمة جمعاء في مراقبة الحكام وتقويمهم. وينوب عن الأمة في القيام بها: أهل الشورى، والعلماء، والفقهاء وأهل الحلِّ والعقد.
مشروعيتها: وهذه السُّلطة مقررة للأمة من وجهين:
(أحدهما) : أن الأمة يجب عليها مراقبة الحكام وتقويمهم بما أوجب الله عليها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
ولقد بيَّن لنا الرسول ﷺ أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى الفساد، وأوجب على كل قادر على تغيير المنكر أن يغيِّره ما استطاع لذلك سبيلاً، وجعل أدنى درجات التغيير عند العاجز أن يكره المنكر بقلبه، وأن يبغض فاعليه ويمقتهم عليه: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذاك أضعف الإيمان» (٣) .
و (ثانيهما) : أن الأمة هي مصدر سلطان الحكَّام باعتبارهم نواباً عنها، وبما يلزم الله الحكام من الرجوع إلى الأمة واستشارتها في كل أمور الحكم والتزام ما يراه ممثلوها: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] .
وإذا كانت الأمة هي مصدر سلطان الحكام، وكان الحكَّام نوَّاباً عنها؛ فللأمة أن تراقبهم في كل أعمالهم، وأن تردَّهم إلى الصواب كلما أخطؤوا، وتقوِّمهم كلما اعوجُّوا.
من الواقع التاريخي الإسلامي:
وسلطة الأمة في مراقبة الحكام وتقويمهم ليست محلَّ جدلٍ؛ فالنصوصُ التي جاءت بها قاطعةٌ في دلالتها وصراحتها، وخلفاء الرسول ﷺ كانوا أول من عمل بها وطبقها، وما عطل هذه النصوصَ وأنكر سلطانَ الأمة إلا الذين فسقوا عن أمر الله، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، ونصبوا من أنفسهم جبابرة على هذه الأمة يسلبونها حقوقها، وينكرون سلطانها، ويستعلُون عليها، وما فعلوا ذلك وما جرّأهم عليه إلا سكوت الأمة عن إقامة أمر ربها، وتهاونها في الدفاع عن حقوقها والتمسك بسلطانها.
في عهد الخلافة الراشدة:
لقد وُلِّيَ أبو بكرٍ الحكمَ بعد رسول الله ﷺ فكان أول ما تفوَّه به هو اعترافه بسلطان الأمة عليه، وحقها في تقويم اعوجاجه. خطب أول خطبة له بعد المبايعة فقال فيها: «أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني» (٤) .
ووُلِّي عمُر الحكمَ فكان يقول في خطبه: «من رأى فيّ اعوجاجاً فليقوِّمه» حتى قال له أعرابيٌّ: واللهِ لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوَّمناه بسيوفنا (٥) .
بل هذا ما كان عليه صلَحاءُ الأمة في العصور الأولى؛ فما كانوا يتأخرون في الدفاع عن حقوق الأمة وسلطانها كلما واتتهم الفرصة.
كان بين عمر بن الخطاب ورجل كلامٌ في شيء، فقال له الرجل: اتَّقِ الله يا أمير المؤمنين! فقال له رجل من القوم: أتقولُ لأمير المؤمنين اتّقِ الله؟ فقال عمر: دَعْهُ فلْيَقُلها لي! نِعْمَ ما قال؛ لا خير فيكم إذا لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلْها منكم (٦) .
وصعد عمر المنبر يوماً وعليه حلَّةٌ، والحلة ثوبان، فقال أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع. فقال عمر: ولِمَ يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك حُلَّة، فقال: لا تعجل يا أبا عبد الله! ثم نادى: يا عبد الله! فلم يجبه أحد. فقال: يا عبد الله بن عمر. فقال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: نشدتُك اللهَ، الثوبُ الذي ائتزرتُ به أهو ثوبك؟ قال: اللهمَّ نَعَم! فقال سلمانُ: أمَّا الآنَ فقلْ نسمعْ (١) .
وفي العصور التالية:
حبس معاويةُ العطاءَ عن الناس ذات مرة، شهرين أو ثلاثة، فقام إليه أبو مسلم الخَوْلاَنِيُّ، فقال له: يا معاوية! إنه ليس بمالك ولا مال أبيك ولا مال أمِّك. فغضب معاوية، ونزل عن المنبر، وقال للناس: مكانَكم! وغاب عنهم ساعة، ثم خرج عليهم وقد اغتسل فقال: إن أبا مسلم كلَّمني بكلام أغضبني، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الغضب من الشيطان، والشيطان خُلِقَ من النار، وإنما تطفأ النار بالماء؛ فإذا غضب أحدكم فليغتسل» وإني دخلت فاغتسلت، وصدَقَ أبو مسلم، إنه ليس من مالي ولا من مال أبي فهلمُّوا إلى عطائكم على بركة الله (٢) .
وأُدخل سفيان الثوري على أبي جعفرٍ المنصور، فقال له: ارفع إلينا حاجتك، فقال: اتق الله فقد ملأتَ الأرض ظلماً وجوراً. فطأطأ رأسه، ثم رفعه، فقال: ارفع إلينا حاجتك! فقال: إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار وأبناؤهم يموتون جوعاً فاتقِ اللهَ وأوصل إليهم حقوقهم! فطأطأ رأسه، ثم رفع، فقال: ارفع إلينا حاجتك، فقال: حج عمر بن الخطاب ﵁ فقال لخازنه كم أنفقت؟ قال بضعة عشر درهماً، وأرى هاهنا أموالاً لا تطيق الجِمالُ حملها، ثم خرج (٣) .
وهناك أمثلة أخرى كثيرة، في كل عصور التاريخ الإسلامي ومراحله، وما مواقف الأئمة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وربيعة الرأي، وسلطان العلماء العزِّ بن عبد السلام، وابن تيميَّة، وغيرهم ... وغيرهم ... ﵏ جميعاً، تلكم المواقف ما هي ببعيدة عن الأذهان.
فهؤلاء لم يواجهوا الخلفاء هذه المواجهة إلا بما للأمة من سلطان مراقبة الحكام وتقويم اعوجاجهم، وما قَبِل منهم الخلفاءُ هذا التحدِّي، وما استجابوا لهم: إلا لعلمهم أنَّ للأمة سلطاناً، وأن عليهم أن يطأطئوا رؤوسهم لهذا السلطان (٤) .
- خامساً: العلاقة بين السلطات:
مبدأ الفصل بين السلطات:
وقد جرى الباحثون الغربيون في العصر الحديث على تقسيم السلطات إلى ثلاث. وتبع ذلك الحديثُ عن فصل هذه السلطات، وهذا المبدأ ـ فصل السلطات ـ في مقدمة المبادئ الدستورية الأساسية التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية الغربية.
تاريخ المبدأ في الفكر الغربي:
وكان أول من تحدَّث عن العلاقة بين السلطات في العصور الحديثة هو الكاتب الإنجليزي «جون لوك» الذي ذهب إلى ضرورة الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، على أن تكون السيادة والصدارة للسلطة التشريعية. ثم جاء الكاتب الفرنسي «مونتسيكو» فعرض النظرية عرضاً مفصلاً في كتابه «روح القوانين» بحيث ارتبط هذا المبدأ باسمه وأصبح ينسب إليه ويعرف به.
المفهوم الصحيح لهذا المبدأ:
والتفسير الصحيح لهذا المبدأ: هو عدم الجمع بين السلطات في يد شخصية واحدة أو هيئة واحدة أياً كانت، بل ينبغي توزيعها وتقسيمها بين هيئات مختلفة، ضماناً لعدم إساءة استعمالها فتصبح أداة طغيان واستبداد. فهو مبدأ ظهر من أجل محاربة السُّلطة المطلقة للملوك الذين كانوا يجمعون في أيديهم السلطات الثلاث.
نقد المبدأ وعيوبه:
وهذا المبدأ في القانون الحديث واجه نقداً من وجوهٍ ثلاثة:
(أحدها) : أن هذا الفصل غير حقيقي؛ لأن الواقع العملي هو أن السُّلطة التنفيذية تستولي حتماً على السُّلطة التشريعية؛ فلا يتحقق التوازن بين السلطات.
(الثاني) : أن هذا الفصل قد يؤدي إلى التعطيل.
(الثالث) : أنه قد تجتمع السلطات في يد فرد واحد أو هيئة واحدة، ولا يؤدي ذلك إلى الفساد والاستبداد، والمثال على ذلك من قَبْل نظرية مونتسكيو، نجده في الدولة الإسلامية في عهد النبي ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين، كما نجده في عصرٍ لاحقٍ لمونتسكيو، وهو خاص بسويسرا، التي لا تأخذ بهذا المبدأ، ومع ذلك فإن الحريات مكفولة فيها إلى حدٍّ يفوق الكثير من البلاد التي أخذت بهذا المبدأ وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تأخذ بهذا المبدأ بصورة متطرفة (٥) .
النبيُّ ﵊ يتولّى جميع السلطات:
وعندما قامت الدولة الإسلامية في المدينة في عهد النبي ﷺ اجتمعت السلطات الثلاث للنبي ﷺ ؛ فقد كان يتولَّى سُلطةَ التشريع؛ بما أوحاه الله ـ تعالى ـ إليه في كتابه الكريم، وبما قلّده من أمانة البيان والبلاغ للكتاب الكريم، كما تولَّى ﵊ بنفسه سُلطةَ القضاء بما أعطاه الله ـ تعالى ـ بقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] ، كما استعمل النبي ﷺ قضاةً على بعض البلاد أو في بعض القضايا، مما هو ثابت في عدد من الأحاديث. وأمَّا سُلطةُ التنفيذ ـ وهو ما عدا التشريع والقضاء من سائر الأعمال التي تتطلبها سياسة المسلمين وتدبير شؤونهم ـ: فقد كانت لرسول الله ﷺ في عهده كما كان له التشريع والقضاء؛ لأن وظيفته ﵇ تقتضي أن تكون الشؤون الثلاثة بيده؛ فهو رسول يبلِّغ الناس ما أُنزل إليهم من ربه، ويدعوهم إلى الإيمان به، وراعٍ يَسُوس من أجاب دعوته ويدبِّر شؤونهم على وفق ما شرع الله. وهذا التبليغ والتدبير ينتظمان أو يجمعان التشريعَ والقضاءَ والتنفيذَ.
وما كان للجمع بين هذه السلطات الثلاث أيُّ خطر من الأخطار التي تقتضي الفصل بين السلطات؛ لأنه ﷺ معصومٌ، ولا يصدر منه قول أو فعل عن هوىً، غير أنه ﵇ استقلّ بولاية التشريع وحده، وأما القضاء فقد تولاَّه بنفسه وولاّه غيره، وكذلك أعمال التنفيذ تولاَّها بنفسه وولاّها غيره. وقد تكفَّلت بعض الكتب المتخصصة ببيان الأعمال والوظائف التي كانت في عهد الرسول ﷺ ومن تولاها، سواء كانت من الأعمال الحربية أو المالية أو الدينية أو غيرها (١) .
السلطات الثلاث في عهد الخلافة الراشدة:
ولما توفي الرسول ﷺ وانقطع الوحي اكتملت مبادئ التشريع الإسلامي، واكتفى المسلمون بالتطبيق والتفسير والاجتهاد، ومعنى هذا: أنَّ السُّلطة التشريعية مستقلةٌ تماماً عن السُّلطة التنفيذية والسُّلطة القضائية. أما السُّلطة التنفيذية فتولاها خليفة رسول الله ﷺ وسائر عمَّال الدولة، وكان الخليفة كذلك يتولى السُّلطة القضائية؛ لأن الخلافة نيابة عن صاحب الشرع، في الدعوة إلى الدين والمحافظة عليه وسياسة أمور الناس به، ومن مقتضيات هذه الخلافة: أن تكون له سلطة القضاء؛ لأن له أن يتولى كلَّ ما يقتضيه تدبيرُ شؤونِ المسلمين من تشريع وقضاء وتنفيذ، لهذا كان الخليفة يتولى القضاء بنفسه، وتارة يعهد به إلى غيره، وبخاصة عندما اتسعت رقعة الدولة منذ أواسط خلافة عمر ﵁ فصار القضاء يتولاه في الأمصار الإسلامية قضاةٌ معيَّنون، وتعيينهم تارة يكون من الخليفة نفسه، وتارة يكون من الوالي الذي يعيِّنه الخليفة. فالسُّلطة القضائية ظلت تابعة للخلافة من الناحية العضوية وإن انفصلت عنها من الناحية الوظيفية؛ إذْ إنَّ القضاة في الدولة الإسلامية يطبِّقون الشريعة الإسلامية، ولا يطبقون أوامر الخليفة إذا تعارضت مع أحكام الشريعة (٢) .
- مدى شرعية العمل بمبدأ فصل السلطات:
وإذا كان مبدأ فصل السلطات، أو توزيعها، له أهمية في القانون الدستوري في الأنظمة الغربية لظروف معينة ودواعٍ استدعت ذلك؛ فإنه ليس في الإسلام ما يوجب ذلك الفصل أو يمنعه؛ لأن الدولة الإسلامية دولة عقائدية تقوم على الدين والإيمان، وتسعى لتطبيق أحكام الشريعة والالتزام بها في كل مجالات الحياة ـ كما رأينا ـ فكلُّ ما يحقق أهدافها وغايتها في إقامة الحق والعدل ومنع الظلم والطغيان والعدوان: يمكن الأخذ به، ويجوز تنظيمه، لخضوعه للمصلحة العامة التي لا تخالف نصاً شرعياً أو قاعدة عامة، ممّا لا تضيق به قواعد الإسلام ومقاصده.
وفي هذا يقول أستاذنا الدكتور مصطفى كمال وصفي ﵀: «فالفصل حقيقيّ تامّ بين السُّلطة التشريعية ـ وهي المقصودة في الحقيقة بالحماية والصيانة ـ وبين السُّلطة التنفيذية والقضائية. فالواقع أنَّ الأخيرتين تنفيذيتان بالنسبة للأولى؛ فإن القضاء إنما يطبِّق القانون، وتنظيمُه رهينٌ بالقانون ووليده؛ فالقانون هو أداة تنظيم القضاء، وبذلك فالسُّلطة التشريعية تعلو على السلطتين الأخريين، وتخضع هاتان السلطتان لعملها شكلاً (من حيث التنظيم) وموضوعاً (من حيث ما تطبقه من قواعد) .
وأما السلطتان: القضائية والتنفيذية، فلم يكن الفصل واضحاً بينهما في البداية في الإسلام، وكان رسول الله ﷺ ، وكذا الأئمة من بعده، يجمعون بين السلطتين معاً، ولكن صار الخلفاء من بعد ذلك يفوِّضون القضاةَ في أعمال القضاء، والولاةَ والعمالَ في أعمال التنفيذ. واعتمد الأمر في بعض الظروف على العرف أو قوة القاضي أو الوالي ... » .
- الخلاصة:
ثم يخلص ﵀ إلى أنَّ «الفصل تامٌّ وحتميٌّ ونهائيٌ في الإسلام بين السُّلطة التشريعية ـ أُمِّ السلطات ـ وغيرها. وأما السلطتان التنفيذيتان الأخريان، وهما ما تسمى إحداهما بالسُّلطة القضائية، فيقوم بينهما توزيع للاختصاص، وهو أمر يجوز تنظيمه لخضوعه للملاءمات والظروف في كل زمان، وهما تخضعان على أية حال لمشروعية واحدة، وتتلاقى أغراضهما، ومن ثم استحقاقهما لدرجة واحدة من الضمانات والاهتمام، خلافاً للنظرة العصرية التي تفاضل بينهما بتقديم القضاء على الإدارة» (٣) .
واللهَ ـ تعالى ـ أسألُ: أن يعيدَ الأمةَ إلى سالفِ عزتها ومنابع قوَّتها؛ إذْ لا يصلح آخر أمرِها إلا بما صلح عليه أولها. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربَّ العالمين.
стр. 5236
كيف تُعَدُّ خطبة الجمعة ؟!
إبراهيم بن محمد الحقيل
كثير من الخطباء لا يكتبون خطبهم التي يلقونها على الناس، ويكتفون بالارتجال ـ وبعضهم يضع عناصر أو رؤوس أقلام في ورقة صغيرة ـ أو يأخذ خطبة لغيره؛ وذلك باستعارتها أو تصويرها من كتبهم.
ومن سيئات الارتجال: أن الخطبة تُنسى وتَدْرس بانتهاء إلقائها، وبعض الخطباء المتميزين تُسجَّل خطبهم وتباع في التسجيلات، وهذا أيضاً يحفظها مدة معينة، ثم تضيع بعد ذلك، ولو سألت عن محاضرات أو خطب سجلت وانتشرت، وطارت في الآفاق قبل عشر سنوات لما وجدت لها أثراً لا عند الناس، ولا في التسجيلات إلا عند بعض من يهتمون بحفظ مقتنياتهم، وهم قليل، ومع قلتهم أنّى لك العثور عليهم؟ لكنك لو سألت عن كتاب طُبِعَ قبل خمسين سنة أو أكثر؛ فالظن أنك ستجده في المكتبات العامة، ومكتبات الجامعات، وعند أناس كثيرين.
وهذا يدلنا على أهمية الكتابة في حفظ جهود المحاضرين والخطباء؛ بل وطلاب العلم والعلماء؛ فكم من عالم طار صيته في الآفاق، إذا قرأت ترجمته عجبت من ثناء العلماء عليه، ليس له من التأليف إلا القليل؛ فكان أكثر نفعه مقصوراً على من حضروا زمنه، وتلقوا عنه! وكم من عالم أكثرَ من التأليف مع دقته وتحقيقه، وجودة ما يكتب؛ فنفع الله ـ تعالى ـ الأمة بكتبه سنين عدداً؛ بل قروناً متتابعة. وهذه كتب الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وغيرها انتفعت بها الأمة منذ أن كتبوها في المائة الثالثة والرابعة إلى اليوم؛ بل وإلى ما يشاء الله ﵎.
إن الخطيب قد يُعِدُّ خطبة فيتقنها، ثم تؤخذ منه فتُصوَّر وتوزع أو تطبع في كتاب، أو تُدخل في الشبكة العالمية (الإنترنت) ؛ فيخطب بها مائة خطيب، أو ألف خطيب، أو أكثر في أنحاء مختلفة من الأرض؛ فينتفع بها خَلْق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، لم يكن الخطيب وقت إعدادها يتصور انتفاع هذا العدد الهائل بها.
ولعل ما سبق ذكره يدفع الخطباء إلى كتابة خطبهم، والعناية بإعدادها، مثل عناية المؤلف بكتابه؛ بل هم مطالبون بما هو زيادة على ذلك؛ فإن المؤلف لا يستطيع أن يقرأ كتابه على عشرة ينصتون إليه باهتمام. والخطيب يقرأ خطبته التي كتبها على مئاتٍ يتعبدون الله ـ تعالى ـ بالإنصات إليه؛ وذلك من فضل الله ـ تعالى ـ على الخطباء، وهو ما يوجب عليهم أن يشكروا الله ـ تعالى ـ على هذه النعمة العظيمة؛ وذلك بالإخلاص في إعداد الخطبة، والاجتهاد فيها، واحترام عقول من ينصتون إليهم، وإفادتهم قدر المستطاع.
- لكل خطيب طريقته:
يختلف مَنْ يُعِدُّون خطبهم بأنفسهم من الخطباء تبعاً لاختلاف اهتماماتهم، وعلمهم، وثقافتهم، ونوعية المصلين معهم، ومدى تفاعلهم مع الخطيب.
فبعض الخطباء يكتفي بأفكاره وخطراته عن الرجوع إلى المراجع والمصادر، ويخط بنانه ما يوحي به ذهنه وقت الكتابة، بغض النظر عن أهمية ما يكتب من عدمه، أو ترابط الموضوع من تفككه.
وبعض الخطباء يكتفي بمرجع واحد ينقل منه، أو يختصره ويُعدِّل عليه، ويرى أنه أحسن من غيره، ممن لم يكتب، أو كتب من ذهنه وخواطره.
ومن الخطباء من لا يكتب خطبته حتى يقرأ في موضوعها عدداً من الكتب، ويراجع فيها مراجع كثيرة، وهؤلاء قلة، وفي الغالب تكون خطبهم متميزة ومفيدة.
كذلك يختلف الخطباء في مدى اهتمامهم بالخطبة؛ فبعض الخطباء لا يفكر في موضوع الخطبة إلا ليلة الجمعة أو صباحها، أو قبل صعود المنبر بوقت قصير، بل إنني سمعت مرة خطيباً في مجلس يفاخر بأنه يصعد المنبر وليس في ذهنه موضوع محدد، فيطرأ عليه الموضوع والمؤذن يؤذن، وهذا فيه استخفاف بعقول الناس، واستهانة بخطبة الجمعة التي أوْلاها الشارع الحكيم عناية كبيرة.
بينما سمعت أن بعض الخطباء المتميزين يبدأ تفكيره بموضوع الخطبة منذ نزوله من المنبر في الخطبة الماضية. وبين هذا وذاك مراحل متفاوتة من الحرص والاهتمام والفائدة.
وقبل عرض مقترح لكيفية إعداد الخطبة أحب التنبيه إلى أن الخطبة مثل الكتاب، والخطيب مثل المؤلف. ولكل كاتب أو خطيب أو مؤلف أو باحث طريقته في البحث؛ بيد أن عرض التجارب في هذه المجالات يحقق جملة من الفوائد، لعل من أبرزها:
١ - توجيه المبتدئ ومساعدته، بإعطائه منهجاً مجرّباً في إعداد الخطبة.
٢ - قد تكون الطريقة التي يُعدُّ بها الخطيب خطبته فيها شيء من العسر، وهناك طرق أيسر منها، فإذا اطَّلع عليها أخذ بها.
٣ - الإنسان في الأصل ناقص العمل، معرض للخطأ، والناس يكمل بعضهم بعضاً بتبادل تجاربهم وخبراتهم، وفي اطلاع الخطيب على تجارب الآخرين وطرائقهم في إعداد الخطبة تكميل للنقص عنده، أو إصلاح لخطأ في طريقة الإعداد.
لهذا ولغيره فإنني أدعو كل خطيب أن يطرح على الخطباء طريقته في إعداد خطبته؛ حتى تتلاقح الأفكار، ويستفيد بعضنا من تجربة بعض. على أن لا يزعم الواحد منا أن طريقته هي أحسن الطرق لكل الخطباء؛ فالطريقة التي تناسبني قد لا تناسبك، وقد استفيد من تجربتك كلها أو بعضها ولو كان قليلاً، والمسألة اجتهادية، ومهارات الخطيب وثقافته وعلمه وذوقه عوامل مؤثرة في ذلك.
ويمكن عرض الخطوات اللازمة لإعداد الخطبة على النحو التالي:
١ - اختيار الموضوع.
٢ - جمع النصوص والنقول والأفكار والعناصر للموضوع المختار، وبعد الجمع سيتضح للخطيب أن مادة الخطبة: إما أن تكون كثيرة فيقسمها إلى أكثر من موضوع، وإما أن تكون مناسبة فيكتفي بها، وإما أن تكون قليلة فيزيد البحث في مظان أخرى، فإن ضاق عليه الوقت أجَّل هذا الموضوع، وبحث عن موضوع آخر تكون مادته متوافرة.
وينبغي في الجمع مراعاة ما يلي:
أ - البدء بالمصادر المتخصصة وجعلها أصلاً، ثم البحث عن مصادر أخرى مساعدة؛ فلو اختار مثلاً موضوع (الشكر) فإنه يبدأ بالكتب المتخصصة في ذلك: ككتاب الشكر لابن أبي الدنيا، ثم يرجع إلى آيات الشكر في القرآن، وما قاله أهل التفسير، ثم الأحاديث وشروحها، ثم أبواب الشكر في كتب الآداب والمواعظ والأخلاق..؛ لأن الكتب المتخصصة في الموضوع ستكفيه ما يقارب ثلثي الموضوع أو نصفه على الأقل؛ فتخفف عنه مؤنة البحث والتقصي. والكلام على مصادر الخطبة يحتاج إلى مقدمة مستقلة.
ب - أن ينطلق في عناصره وأفكاره من النصوص التي جمعها؛ فذلك أدعى للإقناع، وأيسر عليه. وبعض الخطباء قد تقدح الفكرة في ذهنه فتعجبه فيكتبها، ثم يعيا في البحث عن دليل يعضدها، ويقنع السامع بها؛ فيضيع وقته هدراً في ذلك، ثم يشعر باليأس، وربما توقف عن الكتابة، أو يذكرها بلا دليل فلا تقنع السامع، وربما كانت خاطئة وهو لا يدري.
ولذا فإن صياغة الأفكار، ووضع العناصر على ضوء النصوص والنقول التي جمعها يُؤَمِّنُه من الخطأ بإذن الله تعالى، ويريحه من التعب، ويقنع المستمعين؛ وبناءً عليه فإن جمع النصوص والنقول يكون قبل وضع الأفكار والعناصر للموضوع.
٣ - بعد اختيار النصوص والنقول التي سيجعلها في خطبته يضع لها عناصر مختصرة (عناوين تدل عليها) ؛ فمثلاً عنده نص وهو قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] ، يجعل له عنواناً أو عنصراً: (الشكر يزيد النعمة) ، وهكذا في بقية النصوص والنقول.
٤ - يرتب العناصر التي وضعها بنصوصها حسب رؤيته التي يراها مناسبة لوضعها في الخطبة، فيجعل العناصر المترابطة متوالية؛ فمثلاً في موضوع الشكر سيكون عنده عناصر في فوائد الشكر، وعناصر في عاقبة الكفر (كفر النعمة) ، وعناصر في نماذج للشاكرين، وعناصر في نماذج لمن كفروا النعمة..، فيضم العناصر بعضها مع بعض تحت موضوعاتها. ويكون هذا الترتيب بالترقيم والإشارة إلى العناصر لا بالكتابة من جديد، حتى لا يُثقِل على نفسه، ثم يسير في صياغة الموضوع وفق الأرقام التي لديه؛ فلا يفوته شيء، ويكون موضوعه مترابطاً منسجماً.
٥ - بعد الفهرسة والترتيب يقرر ما للخطبة الأولى، وما للثانية من العناصر المذكورة.
٦ - ثم يبدأ بالصياغة حسب الخطة التي وضعها، والمادة التي جمعها.
وهناك أمور ينبغي التنبه لها أثناء الصياغة منها:
أ - الإخلاص لله ـ تعالى ـ في كتابته، واستحضار النية الخالصة، ومجاهدة النفس في ذلك؛ فلا تعجبه نفسه أثناء الكتابة، أو يتذكر مدح المصلين له، وماذا سيقولون عن خطبته؛ فإنه إن أخلص لله ـ تعالى ـ بارك الله في كتابته وجهده، ونفع به الأمة.
ب - أن يعيش مع الخطبة بقلبه، ويضع نفسه محل السامع؛ أي كأنه المخاطَب بهذه الخطبة؛ لأن ذلك سيجعله يختار العبارات التي يرضاها ويحبها وتقنعه؛ فمثلاً لو كان يوجه نصيحة لواقعٍ في معصية معينة؛ فليضع نفسه مكان صاحب هذه المعصية، وكأنه المخاطَب بهذا الخطاب؛ فذلك أدعى للتأثر، وأجود في انتقاء الألفاظ المناسبة.
وبعض الخطباء الذين لا يراعون هذه الناحية تجدهم يترفعون على صاحب المعصية، ويخاطبونه من علو؛ فيكون عتابهم عنيفاً، وربما لا يقبله صاحب المعصية، لكنه لو وضع نفسه مكان صاحب المعصية، وبدأ بالعتاب فسيكون عتاباً رقيقاً، تقبله النفوس وتتأثر به.
ج - إنْ أحسّ الخطيب أن القلم لا يجاريه في الكتابة، وأن أفكاره مشتتة، وذهنه مشوَّش فليتوقف عن الكتابة حتى يزيل ما يشغله أو ينساه، ثم يعود إليها مرة أخرى.
د - إذا أشكلت عليه بعض الكلمات أو الجمل من جهة إعرابها، أو صرفها، أو دلالتها على المعنى الذي يريده، أو كونها غير فصيحة فله خياران:
١ - الرجوع إلى المعاجم اللغوية للتأكد من صحة الكلمة، ومناسبتها للمعنى الذي أراده، أو سؤال من يعلم ذلك من أهل اللغة والنحو.
٢ - استبدال الكلمة أو الجملة التي يشك فيها بكلمة، أو جملة أخرى يعلم صحتها، واللغة العربية غنية بالمترادفات من الكلمات والجمل.
وإن كنتُ أستحسن الطريقة الأولى؛ لكي ينمِّي الخطيب مهاراته اللغوية، وتزداد حصيلته من الكلمات والجمل.
هـ - العناية بعلامات الترقيم، وبداية الجمل ونهايتها؛ حتى يعينه ذلك على قراءة الخطبة بشكل صحيح، وعدم التعتعة والإعادة، وكثرة التوقف والتلكؤ.
- أجزاء الخطبة:
أولاً: المقدمة: وهي التي يستهل بها الخطيب خطبته، ويهيئ السامعين لسماعها، ويجذبهم بها إليه. ونجاح الخطيب فيها كفيل بالنجاح في بقية خطبته؛ إذ إن عسيرات الأمور بداياتها. وينبغي أن يراعي الخطيب فيها جملة أمور منها:
أ - أن تكون ذات صلة وثيقة بموضوع الخطبة، وممهدة له، ومهيئة الأذن لسماعه.
قال ابن المقفع: «وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك» .
وعلق عليه الجاحظ فقال: «فرِّق بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد، وخطبة الصلح، وخطبة الواهب؛ حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه؛ فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت؛ والغرض الذي إليه نزعت» (١) .
ب - أن تكون مناسبة في طولها وقصرها لمجموع الخطبة، والملاحظ أن بعض الخطباء يطيل في المقدمة إطالة قد تستوعب أكثر الخطبة أو نصفها، وهذا قد يصيب السامعين بالملال، وربما يئسوا من الدخول في الموضوع، فانصرفت أذهانهم عن الخطيب. وعكس هؤلاء الخطباء مَنْ لا يعتنون بالمقدمة، فيشرعون في الموضوع مباشرة، ولمَّا يتهيأ المستمعون بعدُ، وكِلا الأمرين غير حسن، والمطلوب: الاعتدال في ذلك.
ثانياً: صُلْب الموضوع: فبعد أن يمهد الخطيب لموضوعه في المقدمة، ويتهيأ السامعون لسماعه؛ يبدأ في الموضوع، وينبغي أن يراعي ما يلي:
أ - ترتيب الأفكار وتسلسلها: بحيث لا ينتهي من فكرة إلا وقد أعطاها حقها من الاستدلال والإقناع، سواء كان الاستدلال لها بالنقل أم بالعقل، ولا يقفز إلى فكرة أخرى، ثم يعود إلى الأولى مرة أخرى؛ فإن ذلك يُربك السامع ويشوش عليه. ولا يتأتى ذلك للخطيب إلا إذا جمع مادة الخطبة من نصوص واستدلالات ونقولات وأفكار، ثم سلسلها ورتبها قبل أن يبدأ بصياغتها.
ب - التوازن بين الأفكار: فلا يُشبِع فكرة ويطيل فيها على حساب الأخريات. ومما يلاحظ عند كثير من الخطباء عدم التوازن في ذلك؛ فتراه في أول الخطبة يُشبِع كل فكرة ويطيل فيها، ويحشد النصوص لها، ثم لما يحسّ بأنه تعب، وأتعب السامعين، وأطال عليهم؛ سرد الأفكار الباقية سرداً بلا استشهاد ولا إقناع، رغم أهميتها، وربما تكون أهم مما طرحه في الأول، وسبب ذلك أن الخطيب ليس عنده تصور كامل لخطبته وما فيها من مادة، وكم تستغرق من وقت؟
وعلاج هذه المشكلة: أن يقدر الخطيب وقت خطبته، ويُستحسن ألا تزيد عن ثلث ساعة، فإن زاد لأهمية الموضوع فنصف ساعة على الأكثر لكِلا الخطبتين. ويقدر كم تكون من ورقة حسب خطه وإلقائه، ويحسب كم فكرة عنده، وكم لها من نص، ومن ثم يسجِّل الأفكار مع نصوصها، وما تحتاجه من صياغة على الأوراق التي قدَّرها من قبلُ، فلا تخلو حينئذ من إحدى حالات ثلاث:
١ - أن تكون الأفكار بنصوصها وصياغتها متناسبة مع حجم المساحة التي قدرها ـ أي زمن الخطبة ـ فيبدأ بالصياغة مرتباً الأفكار كما سبق ذكره، معطياً كل فكرة حقها من الأسطر بلا زيادة ولا نقص إلا شيئاً يسيراً لا يُخلُّ بالخطبة.
٢ - أن تكون الأفكار بنصوصها وصياغتها أقل من المساحة التي قدرها، وفي هذه الحالة له خيارات عدة:
أ - أن يقصر الخطبة فتكون أقلَّ من ثلث ساعة، فهو ينظر إلى استيعاب الموضوع، ولا يلتفت إلى الوقت.
ب - أن يزيد أفكاراً ذات صلة بالموضوع بقدر المساحة المتبقية.
ج - أن يسترسل في الصياغة؛ أي: يطيل في صياغة كل فكرة، بحيث يغطي النقص.
د - أن يزيد في الاستدلالات لكل فكرة.
وعلى الخطيب أن يقدر الأصلح في ذلك، بما يتناسب مع أحوال المصلين معه.
٣ - أن تكون الأفكار بنصوصها وصياغتها أطول من المساحة المقدرة؛ فإن كان الطول يسيراً فيمضي، وإن كان كثيراً فلا يخلو من إحدى حالتين:
أ - أن يمكن قسمة الموضوع إلى موضوعين فأكثر؛ بحيث يكون كل موضوع وحدة مستقلة، فيقسمه. ومثال ذلك: لو أراد الخطيب أن يتكلم عن حشر الناس يوم القيامة، وابتدأ حديثه منذ بَعْثِهم من قبورهم ثم حَشْرِهم في العرصات ... فسيجد أن موضوع البعث صالح لأن يكون موضوعاً مستقلاً؛ لكثرة ما فيه من نصوص، وهكذا موضوع الحشر، ثم ما بعد الحشر وهو فصل القضاء، فيجعلها موضوعات عدة.
ب - أن لا يمكن قسمته بهذا الشكل؛ كأن يكون الموضوع بطوله وحدة متكاملة لا تُجَزَّأ. مثال ذلك: الحديث عند فوائد الأمراض، وهي كثيرة، وفيها نصوص كثيرة أيضاً؛ فلو قدرنا أن فوائد الأمراض المنصوص عليها عشرون فائدة، وفيها من النصوص ثلاثون نصاً؛ فلا شك أن خطبة واحدة لا يمكن أن تستوعبها ولا اثنتين؛ لكن بالإمكان ذكر سبع فوائد في كل خطبة؛ بحيث تصير ثلاث خطب، أو عشر فوائد في كل خطبة؛ بحيث تصير خطبتين؛ فيسرد الخطيب في كل من الخطبتين أو الثلاث فوائد الأمراض جملة وتفصيلاً في الفوائد التي اختارها لهذه الخطبة بنصوصها. ثم في خطبة أخرى يسرد ما فصّله في الأولى جملة، ويفصل فيما لم يذكره وهكذا. ويكون عنده أكثر من خطبة في الموضوع.
ثالثاً: الخاتمة: بعضهم يجعلها في الخطبة الأولى، وينتقل في الخطبة الثانية إلى موضوع آخر في الغالب يكون موضوعاً وعظياً معتاداً يذكِّر بالنار، ويحث على التقوى، ويكون مسجوعاً، وهذا الأسلوب كان مستخدماً عند خطبائنا قبل سنوات، ولا يزال بعض كبار السن منهم ينهجونه إلى اليوم.
وأكثر الخطباء في هذا العصر ـ حسب علمي ـ يجعلون الخطبة الثانية موصولة بالأولى وفي موضوعها نفسه، وينهجون في ذلك منهجين:
أ - أن يلخص فيها موضوع الخطبة بعبارات مركزة؛ فتكون كخاتمة مركزة للموضوع.
ب - أن يذكر المطلوب من السامعين حيال الموضوع الذي طرحه، ولعلّ هذا المنهج أحسن لتلافي التكرار، ولحصول الفائدة من عرض الموضوع؛ ذلك أن المستمعين استمعوا في الخطبة الأولى إلى عرض الموضوع بأدلته النقلية والعقلية، فاقتنعوا بأهميته، وهم ينتظرون من الخطيب أن يبين لهم ما يجب عليهم تجاهه؛ فإن كان الموضوع عن سُنَّة مهجورة حفزهم لإحيائها، وإن كان منكراً حثهم على إنكاره، وإن كان نصرة للمسلمين بيّن لهم طرق النصرة ومسالكها.
- تنبيه مهم:
يلاحظ أن كثيراً من الخطباء يجتهدون في جمع مادة الموضوع، وحشد النصوص له، وحسن الصياغة، وهذا يُقنع المستمع بما أُلقي عليه؛ لكنهم لا يذكرون واجب المستمع تجاه ما أُلقي؛ حتى كأن الخطبة لم توجَّه للمستمع، ومن ثم لا تؤدي النتيجة المرجوة منها، وتجد أن الناس خرجوا من عند الخطيب متأثرين، مثنين على خطبته وجمالها وقوتها، وأهمية موضوعها؛ لكنهم لم يدركوا ما هو المطلوب منهم تجاه الموضوع المطروح.
وربما أن بعضهم لفطنته فهم أنه معنيٌّ بهذا الموضوع، ومخاطَب به، وعليه واجب تجاهه؛ لكنه لا يدري ماذا يفعل؟ أو ربما اجتهد فأخطأ؛ فينبغي للخطيب أن يلخص واجب كل مسلم تجاه الموضوع الذي أُلقي، سواء على وجه الإجمال، أو بشيء من التفصيل والبيان؛ إذ إن هذا هو مقصود الخطبة: وهو أن يخرج الناس من المسجد وهم متشوقون لأداء ما يجب عليهم تجاه ما ألقاه الخطيب.
стр. 5237
وقفات تربوية مع حديث تقسيم الغنائم في حنين
طه بن حسين بافضل
العلاقة بين القائد وأتباعه يشوبها بين الفينة والأخرى شيء من الوهن والضعف؛ فهي كالشجرة تحتاج إلى رعاية وعناية وحماية، أما إذا تُركت وأُهملت، وتعامل أهلها معها معاملة رتيبة، وساذجة، ومملة فإنها حينئذ يذهب عنها اخضرارها، ويظهر اصفرارها واسودادها، حتى تصبح هشيماً تذروه الرياح.
والقائد الفطن هو من يبذل كل ما في وسعه وطاقته؛ بغية حماية هذه الشجرة من الآفات والأمراض؛ فهو كالمزارع اليقظ الذي كرّس حياته لأجل زراعته؛ فضحّى بوقته وراحته، حتى يجني ثمارها، ويسوِّق بضاعته، «وعند الصباح يحمد القوم السُّرى» !
وكنت قبل فترة ليست بالقصيرة أتأمل ما حدث بعد قسمة غنائم هوازن يوم انتصر المسلمون في معركة حنين؛ فتعجبت من شدة حرص النبي ﷺ على علاقته بأنصاره وأصحابه. وإليكم سياق القصة:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لما أصاب رسولُ الله ﷺ الغنائمَ يوم حنين، وقسّم للمتأَلفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى قال قائلهم: لقي واللهِ رسول الله قومه. فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم. فقال: «فِيمَ؟» قال: فِيمَ كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شيء، فقال رسول الله ﷺ : «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: ما أنا إلا أمرؤ من قومي، قال: فقال رسول الله ﷺ : «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فأعلمني!» ، فخرج سعد فصرخ فيهم، فجمعهم في تلك الحظيرة، فجاء رجل من المهاجرين فأذن له، فدخلوا وجاء آخرون فردهم حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه، فقال: يا رسول الله! قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، حيث أمرتني أن أجمعهم؛ فخرج رسول الله ﷺ فقام فيهم خطيباً: فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضُلاَّلاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟» : قالوا: بلى! ثم قال رسول الله ﷺ : «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟!» قالوا: وماذا نقول يا رسول الله، وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ولرسوله. قال: «والله! لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم: جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمَّنَّاك، ومخذولاً فنصرناك» ، فقالوا: المنُّ لله ولرسوله، فقال رسول الله ﷺ : «أوَجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لُعاعة من الدنيا تألَّفت بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شُعْباً، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار! ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار!» قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله رباً وبرسوله قَسَماً، ثم انصرف وتفرقوا (١) .
- الوقفة الأولى: كرم بلا حدود:
إنه كرم النبي ﷺ وجوده المنقطع النظير، بل السهل الممتنع، ذلك الكرم الذي يصل إلى حد أن يعطي الرسول ﷺ الرحيم بأمته مئات من الإبل لأفراد لم يقاسوا بعدُ مشقات الطريق، ولم تُخْبَر بعدُ مواقفهم، بل إنّ منهم من سقط في أول اختبار له في حنين، ولكنها الحكمة النبوية الرائعة؛ فالمال عند القائد الرباني لا يعني شيئاً؛ لأنه ليس من أرباب الأموال الذين تتمايل نفوسهم وراء الدينار والدرهم، وترحل معها حيث رحلت؛ فهذا القائد يعطي متى ما كان معه شيء، ولو كان ثوبه الذي يلبسه؛ فعن سهل بن سعد ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ببردة، فقالت: يا رسول الله! أكسوك هذه؛ فأخذها النبي ﷺ ، فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله! ما أحسن هذه! فأكسُنيها، فقال: «نعم!» (١) .
ويَعِدُ ﷺ ويبشر بالخير ولا يقنّط أحداً؛ فعن جبير بن مطعم ﵁ قال: بينما أسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفِلة من حُنين، فعلقت الناس يسألونه، حتى اضطروه إلى سَمُرة، فخطفت رداءه فوقف النبي ﷺ فقال: «أعطوني ردائي! لو كان عدد هذه العضاة نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً» (٢) .
وكان يبشر أصحابه فيقول: «.. فأبشروا وأمِّلوا ما يسركم؛ فوالله لا الفقرَ أخشى عليكم! ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا، كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» (٣) .
القائد أياً كان وضعه عالماً، أو موجهاً، أو معلماً، أو قائداً عسكرياً لا يحبس شيئاً عن أتباعه، أو يبخل عنهم بشيء، كما أنّه يعطي رجالاً ويترك آخرين لحِكَم يراها مثل قوة إيمانهم، وإخلاصهم، ويقينهم، واستقامتهم، وثباتهم؛ فهو حكيم بنفوس الرجال، يقدّر قدرها، ويعرف كيف يمكن قيادها، وما هي الطريقة المثلى لعلاج ما اعوجَّ من سلوكها، فالقيادة والترؤس ليس تصدُّراً وظهوراً فحسب، فهذا يسير حتى على الأغمار وصغار الشباب، ولكن الأمر شيء آخر أبعد من ذلك.
لقد كان كرم النبي ﷺ لا لأجل استمالة قلوبهم إلى الباطل، وتزيينه في قلوبهم، وليس لأجل كسب ودّهم وتعاطفهم مع شخصه ﷺ بعيداً عن وظيفته التي كلفه الله بها، وهي الرسالة السماوية الخالدة، وإنما كان لهدف سامٍ ومقصد غاية في النبل والنقاء؛ وهو تأليفهم على الحق وتقريبهم له حتى يثبتوا وتخالط بشاشته قلوبهم.
- الوقفة الثانية: (المصلحة الشرعية ميزان العطاء والمنع) :
ينبغي للقائد في مسألة العطاء والمنع أن يقوم بأمر غاية في الأهمية، حتى لا يهتز مشوار تربيته لتلاميذه وأتباعه: وهو أن يعلمهم بميزان العطاء والمنع الذي يستند إليه، بل وفي كل مسائل تأليف النفوس من تقريب فلان على غيره، والاهتمام بمجموعة على أخرى وهكذا؛ لأن ذلك مدعاة إلى ترسيخ قواعد الثقة بينه وبين الأتباع، ودحض لكل الأقاويل والترهات التي تلوكها الألسن؛ بغية التفريق، وزعزعة الصف، وتوهين لُحمته وسَداه.
فهذه السياسة البعيدة الأفق للنبي ﷺ لم تُفهم أول الأمر، بل أطلقت ألسنة شتى الاعتراض؛ فهناك مؤمنون ظنوا هذا الحرمان ضرباً من الإعراض عنهم، والإهمال لأسرهم.
روى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله ﷺ قوماً ومنع آخرين؛ فكأنهم عتبوا عليه، فقال: «إني أعطي قوماً أخاف هلعهم وجزعهم، وأَكِلُ قوماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن تغلب» قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم؛ فكانت هذه التزكية تطييباً لخاطر الرجل، أرجح لديه من أثمن الأموال» (٤) . فالرسول ﷺ يستخدم هذه السياسة، ويثبت تلك القاعدة العتيدة في ميزان العطاء والمنع؛ «أعطي قوماً أخاف هلعهم وجزعهم، وأَكِلُ قوماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى» ، بل يبين مقاصدها وأهدافها؛ فها هو يقول للأنصار: «أَوَجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لُعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟» .
إن الدعوة إلى تمثل هذا الميزان من قِبَل الموجهين، والمربين، والقادة في الحقل الدعوي ليس معناه أن يبقى القائد رهيناً لأهواء تلامذته، وانتقاداتهم، وأمزجتهم، بل إن المسألة لا تعدو أن تكون تربية بالمواقف؛ فهو يستغل كل موقف وحدث استغلالاً رائعاً حتى يجعله لبنة في بنيان النفوس، وحبلاً يشدّ ويمدّ إلى رب العالمين؛ فترتبط بخالقها وبارئها، فلا ترتبط بهذه الدنيا وحطامها وشهواتها؛ ولذا كان لزاماً على القائد أن يكون قريباً من رجاله وتلامذته، يتحسس أخبارهم ولا يتجسس، ويشعر بآلامهم، ويقيّم مواقفهم ببراءة نفس، وصفاء سريرة دون أي مقدمات مسبقة، أو تراكمات سابقة، بل المعيار عنده كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم الخبرة الكبيرة التي اكتسبها من مشواره الطويل في خدمة هذا الدين وما أصابه وتعرض له من ابتلاءات ومشكلات.
- الوقفة الثالثة: المبادرة إلى حل الإشكالات:
عدم تأخر النبي ﷺ في حل الإشكال الحادث؛ فما أن سمع بالخبر حتى ذهب مسرعاً إلى القوم، بعد أن استدعاهم، وأنهى بحكمته وحنكته هذا الأمر الطارئ؛ فلو أنه تأخر أو استهان به وتركه، مع أنه سيكون حينئذ معذوراً؛ فهو النبي، وهو القائد الأعلى الذي على عاتقه من المهمات والأعمال الشيء الكثير ـ فلو أنه تأخر ـ لكان هذا الموقف من الأنصار ﵃ قنبلة موقوتة، ربما ستنفجر يوماً من الأيام، وتعلق في أفئدة الرجال استفهامات وتقديرات خاطئة، تساعدها مواقف أخرى، والشيطان لا يترك مثل هذه الفرص، بل يؤججها ويجعلها فتيلاً قابلاً للاشتعال فهو قد: «أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (١) ، «وتلك سنة حميدة يجب أن يتبعها القادة والزعماء مع أنصارهم ومحبيهم؛ فإن الأعداء متربصون لاستغلال كل حادثة أو قول يضعف تعلق المحبين بقادتهم، والشيطان خبيث الدسّ، سريع المكر؛ فلا يهملِ القادةُ استرضاءَ أنصارهم مهما وثقوا بهم» (٢) .
تحدث المشاكل بين العاملين في الحقل الدعوي، وتصل قضاياهم إلى قيادة العمل، ولكن للأسف تجد خمولاً إزاءها ولا مبالاة، وكأن هذه القيادة ليس لها إلا التصدر والترؤس، واستصدار الأحكام والفتاوى، أما حل تلك المشكلات وتقريب النفوس وتهذيبها فهذا ليس من اهتماماتها؛ لأن بعضهم يزعم أنها ستشغلهم عن مهمات كبيرة جداً، ولا أدري: هل هذه المهمات أعظم من التفكك والانشقاقات والتصدعات، وهشاشة العمل وتأخر ثمرته؟ فهل هؤلاء القادة يحملون أثقالاً أكثر وأعظم مما حمله ﷺ ؟ ولكن المشكلة الحقيقية عند بعض قيادات العمل الدعوي: هي عدم تقدير المواقف بشكل صحيح، وعدم القدرة على استيعاب مواطن الخلاف بين العاملين أو التلامذة، ومن ثم عدم قدرة القائد تحمل أن يرى عماله أو تلامذته يختلفون أمامه، بل بعض القادة يتمنى أن لو كانت الأمور تسير دائماً على ما يرام لا يشوبها كدر ولا خلاف أو شقاق وهيهات. لقد نسي هؤلاء ـ وفقهم الله ـ أن الله ـ تعالى ـ قال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] .
إن هذه الخلافات التي تبدو لأول وهلة صغيرة فإن فيها من مغذيات النمو ما هو كفيل بأن يجعلها مفاصَلات مع المربي نفسه، ودماراً وخراباً لكل ما بناه في سنيه التي خلت؛ فليس معه إلا أن يوجه أصابع الاتهام ليس إلى ذاته، وتفكيره، وعدم حنكته، وضعف بديهته، وإنما بالدرجة الأولى يوجهها إلى هذا الجيل المتأخر غير المتربي، والذي لا يحترم الكبير فضلاً عن القائد والمربي، ولعمري! إنها لمصيبة عظيمة أن نلقي التبعة على غيرنا، ونخرج نحن خارج الدائرة.
- الوقفة الرابعة: الحلم مع القدرة:
سعة صدر النبي ﷺ وتحمّله للنقد الموجّه له؛ «يغفر الله لرسول الله ﷺ ؛ يعطي قريشاً ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟» (٣) . فلم يرتفع صوته أو يحمرَّ وجهه ويَسوَدَّ، ولم يرتب أحكاماً ومواقف على هؤلاء المتكلمين؛ فيتعامل معهم معاملة جديدة وفق هذه المعطيات، فيهجرهم ويقاطع العمل معهم؛ بحجة أنهم لا يحترمون القيادة، ولا يوقرون الكبار، ولا يقدرون فضائل من ضَحّى من أجلهم. كلا، لم يفعل ﷺ شيئاً من ذلك؛ بل ذهب إليهم، وطرح عليهم أسئلة حكيمة، ثم مدحهم، وأثنى عليهم ثناءً ومدحاً فوق مستوى الحدث، لم يكن أحد منهم يتوقع هذا المدح والثناء؛ فلم يستطيعوا أن يوقفوا تدفق الدموع على خدودهم.
إن بعض القادة والمربين يستطيع أن يستميل قلوب تلامذته ورجاله لو رآهم أخطؤوا بموعظة بليغة تَوْجَل منها القلوب، وتذرف منها الدموع، إلا أنه تغلبه الطبيعة التي تربى عليها منذ صغره؛ فيرى أن كبرياءه قد جرحت وخدشت، ولا يعيدها إلا اعتذار على مستوى رفيع، كأن يعتذر هؤلاء الذين تكلموا ليس في اجتماع مغلق: كالحظيرة أو القبة التي اجتمع فيها الأنصار بل اعتذار على الملأ، حتى يجرح كبرياءهم ويخدشه مثلما فعلوا.
إن الرفق بالمتلقي إذا أخطأ أمر مهم جداً؛ إذ إن القسوة عليه في غير محلها، وهو يحب مربيه ومعلمه يوغر في صدره أموراً، ويطرح أمام ناظريه عدة تساؤلات، لا يجيب عليها إلا واقع سيئ يعيشه هذا المتربي في تعامل قادته مع أتباعهم.
كما أن على القائد أن يضع في عين الاعتبار والاهتمام أن أتباعه ذوو عقول تزداد خبرةً وعلماً ومعرفةً يوماً بعد يوم، وفكراً ينضج ساعةً بعد ساعةٍ. فلو أُهملت هذه العقول وتلك الأفكار المتراكمة لكانت العاقبة وخيمة، ويسقط البنيان من القواعد.
يجب ألاّ نتعامل مع المنتقد على أنه ذلك الشاب الصغير الذي كان يوماً من الأيام لا يستطيع أن يثبّت النظر في عيني شيخه ومعلمه، أو ذلك الطالب الذي كان يتلعثم في كلامه.
فعجلة الزمن لا تتوقف؛ فهي تدور ويتطور معها الكائن البشري، ويرتقي في سلم الكمال؛ فيصبح المتربي أو الجندي قائداً بين لحظة وأخرى، وربما نِدّاً لقائده ومعلمه ومربيه.
- الوقفة الخامسة: الصراحة، والوضوح:
لقد كان سعد بن عبادة ﵁: صريحاً وواضحاً في خطابه مع النبي ﷺ قائده ومعلمه؛ فها هو يقول له: «يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت؛ قسمت في قومك وأعطيت عطايا في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء» .
إن هذه الصفات والخصال الحميدة لا يجيدها إلا النادر من التلاميذ والأتباع، ولا يتقبلها إلا القليل من القادة أو الموجهين الذين لا يضعون على أنفسهم هالة من التبجيل، ولا تصيبهم غضاضة لو لم ينادَ بلقبه أو مركزه العلمي.
الصراحة، والوضوح أسماء ومعانٍ قلّما تجد من يتمثلها فتصبح واقعاً وسلوكاً ومنهجاً في تعامله مع الآخرين صغاراً أم كباراً، ولذا فإنك ترى من يفعل ذلك قد أصبح لكلامه وقعٌ في النفوس، ولوعظه تأثيرٌ في القلوب، وأعماله منهجٌ يسير عليه ويقتدي به الآخرون، وما ذلك إلا لأن هؤلاء قد عظّموا الله ﷻ تعظيماً فاق كل التصورات، واقتفوا أثر نبيهم، فكان نبراساً لهم في هذه الحياة. وما أجمل وضوح سعد بن عبادة ﵁ وشفافية رده للنبي ﷺ عندما سأله: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» فقال ﷺ : «يا رسول الله! إنما أنا رجل من قومي» ؛ أي: أن قولهم ورأيهم هو قولي ورأيي. لم يكن سعد ﵁ متكلفاً أو مجاملاً أو متلوناً، وهذه صفات تكثر في الأتباع تجاه قادتهم؛ مما يورث الجماعة انقساماً، وتحزباً، ونجوى مفسدة وموهنة لحبل الاجتماع. وقد يقول قائل: إن سعداً كان إمَّعة في قوله ذاك، أو أنه خاطب النبي ﷺ بالمنطق الجاهلي:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشدِ
كلاَّ! إنها مسألة بدهية أن يجد الإنسان في نفسه عندما يرى العطايا تقسم ولا يصل له منها شيء، مع أنه جزء من الجماعة؛ فما بالك إذا كان هو مرتكز التغيير والتحول، وصاحب السابقة، والتأييد، والإعزاز، والنصرة؛ فكيف سيكون الحال؟
إن المسألة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفطرة الإنسان في محبته للمال والعطاء؛ فلا أحد يرضى أن يكون فقيراً أو معدوماً، والله قد أحل الغنائم لأمة محمد ﷺ ؛ فأي غضاضة أن يطلب الإنسان حظه منها؟!
وهنا يأتي دور الإيمان واليقين والتسليم والاحتساب، يأتي دور المربي كي يبني بنيان الإسلام في قلب المتربي بكل ما يحمله من قِيَم ومبادئ ومعان سامية، حتى لا يبقي في قلبه سوى حب الله وحب الرسول ﷺ وما أعده الله للصابرين الذين باعوا الدنيا وما فيها، واشتروا بها جنة عرضها السموات والأرض، وهذا الذي فعله ﷺ ؛ فقد أعلنها واضحة جلية: أن قضيتهم ليست مرتبطة بلُعاعة الدنيا وحقارتها، وإنما مرتبطة باتباع هديه، ونصرة دينه، وإعلاء كلمة الله؛ فليذهب الناس بالشاة والبعير، فليس هناك مشكلة؛ بل أعظم المصيبة والبلاء أن يذهب المرء ومعه حظوظ الدنيا، وهو خالي الوفاض من دينه، وتمسكه بما أمر ربه، والتزام ما نهى؛ فالتخليط ديدنه، والتلوُّن طريقته، والترخُّص هِجِّيراه وعادته.
- الوقفة السادسة: الموعظة وليس الغلظة والفظاظة:
المتأمل لردة فعل النبي ﷺ ، وبما خاطب الأنصار في الحظيرة يجد أنه استخدم بذكائه العظيم، وحسن سياسته للأمور، أسلوب الموعظة. لقد عرف ﷺ من هم الأنصار، وما هي نفسياتهم، وفيمَ يفكرون، وكيف يتعاملون؟! عرفهم في البأساء والضراء، عرف فيهم دماثة الأخلاق، والكرم الجم، والحب الكبير له ﷺ ؛ فلماذا إذاً يعنِّفهم ويقسو عليهم؟ وهو القائل: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه» (١) ، وهو الذي قال عنه ـ المولى ﵎: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
وما أحوج قادة العمل الدعوي إلى استخدام هذا الأسلوب الدعوي العظيم إذا اعوجَّ سلوك النخبة من تلامذتهم وأتباعهم! ماذا يضيرهم لو سلكوا هذا المنحى؟ قد يظن بعضهم أنه ربما ينقص من قدره ومكانته، بل العكس إنما هو رفعة له في قلوبهم، وازدياد معدل المحبة فيها.
لقد عاتب ﷺ أنصار دعوته ومحبيه ليدلل على محبته لهم، واهتمامه بحالهم وأوضاعهم، يعيش آلامهم، ويحس بجراحهم لتبقى المودة على الدوام.
أعاتب ذا المودة من صديق إذا ما رابني منه اجتنابُ
إذا ذهب العتاب فليس ود ويبقى الود ما بقي العتابُ
«فما ثَمَّ شيء أحسن من معاتبة الأحباب، ولا ألذ من مخاطبة ذوي الألباب» (٢) ومن هنا كان لزاماً على من تولى قيادة النفوس أن يتقن فن الوعظ وطرقه؛ لأنه سيحتاج إليه حتماً في مسيرته التربوية والدعوية؛ فالسآمة والملل وتكرار صور الحياة أمور يجب الخوف منها، ومدافعتها عن قلوب الأتباع؛ فها هو ابن مسعود يقول: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (٣) .
ويحتج بعضهم أن القيادة مشغولة بمهام عدة، وربما ليس عندها وقت لتجلس مع أتباعها، وتُصلح ما فسد بينهم بسبب الشحناء والاختلاف. وهذا غير صحيح ومجانب لواقع النبي ﷺ ؛ ألم يكن بمقدور النبي أن يغض الطرف عن ما بدَر من الأنصار ويذهب لمهامه العظام؟ أليس شغل النبي ﷺ في تلك الفترة أعظم من انشغالات قيادات اليوم؟ بلى! ولكن القضية هي لا مبالاة قاتلة بواقع الأتباع، يرتكبها القادة بقصد أو بغير قصد. والنتيجة سيئة للغاية ومعالمها بادية للعيان: وهَنٌ في واقع الأتباع، ضعف للهمم، ركون لمتع الدنيا الزائلة؛ ويأس وقنوط من تغيّر وعدم تغير الأوضاع.
لقد كان ﷺ يتخذ من الوعظ بشتى صوره وأساليبه سلاحاً نافعاً لتلك المعالم آنفة الذكر، حتى استطاع أن يخرج جيلاً يقوم بواجب تبليغ الرسالة للأمم حق القيام، وكذلك كان الخلفاء الراشدون والأئمة من بعده. أما اليوم فالأمر بخلاف ذلك، والله أعلم.
- الوقفة السابعة: التذكير بالفضائل لأجل المتابعة:
إن من الغُرم الكبير الذي يقع على القائد، والموجه، والمربي من تلامذته، وأتباعه نسيانهم لفضائله وأعماله ومناقبه؛ فكم بذل وضحى وقاسى! وكم سهر وتعب وآسى! وربما مرض لأجل تربيتهم والحفاظ عليهم من الأعداء والمتربصين بهم؛ فكم كان يخطط وينسق وينظم جداول الأعمال والآمال لأجل صنع مستقبل مشرق، وتاريخ مجيد لهم في خدمة أمة الإسلام، ورفع راية التوحيد!
تُنسى الفضائل والأعمال والمناقب، بمجرد أن يصبح الطويلب طالب علم، أو شيخاً، أو عَلَماً دعوياً.
وتُنسى عندما يصبح طالب حلقة التحفيظ حافظاً لكتاب الله وقارئاً للقرآن يحمل الإجازات والقراءات.
وتُنسى أيضاً عندما يخطئ القائد خطأً ما، ويفحش في خطأ ما؛ بأن يصر عليه، ويتعنت فيه لرؤية رآها، واجتهاد وصل إليه والتلامذة والأتباع يرون خلاف ذلك، وأن قائدهم قد جانب الصواب.
ولوازم هذا النسيان متنوعة؛ فإما أن يوصم القائد بالتشدد أو الحزبية أو ضعف الرؤية، ثم تأتي معاول الهدم لتضرب على جدار تاريخه: ماذا فعل؟ لقد أخر العمل، وميّع القضية، وركن إلى الدنيا وشهواتها الدنية، ثم ينقَّب في أخطائه وزلاته حتى تصبح في نظرهم كالجبال، والنتيجة على أحسن الأحوال مقاطعة لمحاضراته ودروسه، ويبقى السلام والزيارة في الأعياد والمناسبات. أما على أسوئها فهو مبتدع، ضال، منحرف، أشد على الإسلام من اليهود والنصارى، لو استطاعوا أن يقتلوه لقتلوه ورموه في عرض الطريق.
لقد كبرت عقول الصغار حتى نسوا الماضي التليد، وانشغل الكبار حتى نسوا أنهم في عجلة الزمن التي لا تتوقف لمتباطئٍ، أو غافلٍ، أو بليد.
فمن حق القائد أن يوضح أعماله وفضائله ومناقبه، حتى يكون له الغُنْم وليس عليه الغرم، أو تعتدل كفة الميزان على الأقل.
ولعلنا نتذكر يوم دخلت الأحزاب على عثمان بن عفان ﵁ وأرادوا قتل أمير المؤمنين، وثالث الخلفاء الراشدين المهديين.
قال لزعمائهم: «أنشدكم الله! أتعلمان أن رسول الله ﷺ لما قَدِم المدينة ضاق المسجد بأهله، فقال: «من يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين، وله خيرٌ منها في الجنة؟» فاشتريتها من مالي، فجعلتها بين المسلمين، وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين، ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه إلا بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ : «من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين وله خيرٌ منها في الجنة؟» فاشتريتها من خالص مالي وأنتم تمنعوني أن أشرب منها. ثم قال: هل تعلمون أني صاحب جيش العسرة؟ قالوا: اللهم نعم! (١) .
لم يكن تصرف عثمان ﵁ يخدش مقام الإخلاص في قلبه، وإنما كان مجرد وسيلة لاستمالة قلوب أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، لكنها لم تنفع؛ ولذا فإن استمالة القلوب تكون أحياناً لا فائدة فيها عندما تقابل قلوباً أقسى من الحجارة، ناكرة للجميل، ومتناسية للأيام الخوالي، والزمن الطويل، فلم تترب التربية الإيمانية، ولم تصفُ سريرتها وأعمالها فتصبح نقية روحانية؛ ولذا فقد نفعت مع الأنصار حينما خاطبهم رسول الله ﷺ بخطاب رائع وموجز، لكنه غني: «ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألَّفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟» (٢) .
ولعلنا نتساءل: هل كان رسول الله ﷺ بحاجة إلى أن يوضح للأنصار ما عمل لهم؟ أو يخبرهم بحالهم، وكيف انتقلوا من حال الضعف إلى حال القوة بمجيئه ﷺ إليهم؟ هل كان بحاجة إلى كل هذا؛ وقد قضى معهم ثماني سنوات، كانت كفيلة بأن ترسخ تلك الحقائق في أذهان الأنصار؟
يجاب عن هذه التساؤلات بأن الإنسان ما سُمّي إنساناً إلا لنسيه، كما روي عن ابن عباس ﵁ (٣) وقد قال القائل:
وما سمي الإنسان إلا لنسيهِ
وما القلبُ إلا أنه يتقلب
فالأنصار بشر يعرض لهم ما يعرض للبشر من النسيان، والسهو والغفلة، وهُمْ من المؤمنين الذين أمر الله نبيهم أن يذكرهم ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] ؛ فلما ذكَّرهم نفعتهم الذكرى، واعترفوا بصدق ما قال؛ لأنهم يحملون قلوباً أرقّ من النسيم، ما أن تسمع الحق حتى وتباشره بالخشوع والبكاء؛ فليت لنا قلوباً مثل قلوبهم أو حتى نصفها.
أما الجانب الآخر من الاعتراف بالفضل: فهو اعتراف القائد بفضل أهل السبق ومكانتهم، وهذه قضية غفل عنها كثيرٌ من قيادات العمل الدعوي اليوم، فترى أحدهم تمر عليه السنون ولم يظهر ثناؤه لرجاله الذين ساندوه، ووقفوا إلى جانبه في الملمات والمهمات، وفي المصائب والنكبات؛ ألم يكن النبي ﷺ يقول عن أبي بكر: «لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر» (٤) وعن أبي عبيدة: «أمين هذه الأمة» (٥) ، والزبير: «إن لكل نبي حوارياً، وحواريِّي الزبير» (٦) ! وها هو يقول للأنصار: «والله! لو شئتم لقلتم ـ فصدقتم وصدقتم ـ: جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمَّناك ومخذولاً فنصرناك» ، وقال عنهم في آخر عمره: «أوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم؛ فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» (٧) ؛ فهل قيادات العمل الدعوي ـ يا ترى ـ قلَّبت صفحات سيرة المصطفى ﷺ وتأملت هذا الجانب؟
إن هذا التصرف من القائد له نتائج جميلة في نفوس النخبة الخُلَّص من الأتباع: فهو يبني بنيان الثقة في نفوسهم، ويكبر هو في عيونهم، ويرون أن كل ما قدموه لم يذهب هباءً منثوراً؛ فهو محفوظ في قلب قائدهم، ومرفوع ـ إن شاء الله ـ عند خالقهم وبارئهم. فلا يضرهم إن لم يحصّلوا ذهباً ولا فضة أو ديناراً أو درهماً؛ فكلمات القائد يخطّها الأتباع بماء الذهب؛ فتصبح أوسمة ونياشين تعلق في صدورهم، يتذكرونها في ذهابهم وإيابهم، وقبل منامهم، تشحذ فيهم همة الاستمرار على العمل، وتشعل في نفوسهم حماساً بالغاً لتحقيق الأمل.
فالإنسان مجبول على حب الثناء من الآخرين؛ وذلك لضعفه الفطري، حتى إذا تدرج في سلم الكمال، وارتقى في درجات القرب من الله الكبير المتعال، استوى عنده مدح الصديق المنوال، وذم العدو الحقود الغالِّ.
- الوقفة الثامنة: لا لإشاعة أخبار المشاكل:
جاء في رواية أبي سعيد الخدري ﵁: «فخرج سعد، فصرخ فيهم، فجمعهم في تلك الحظيرة، فجاء رجل من المهاجرين فأذن له فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، حتى لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه، فقال: يا رسول الله! قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار؛ حيث أمرتني أن أجمعهم، فخرج رسول الله فقام فيهم..» .
هذا المقطع من الرواية يبين لنا دلالات مهمة، ينبغي التفطن والاهتمام بها:
منها: أنه إذا حدث إشكال معين في صفوف الأتباع؛ فمن الحكمة ضرورة محاصرة خبره؛ لكيلا يصل خبره بين الأتباع الآخرين الذين ليس لهم علاقة به، ولم يشاركوا فيه؛ إذ إن وصول الخبر إليهم مدعاة لتضييع الأوقات وهدر الأوقات؛ فيتفشى فيهم ما نهى عنه رسول الله ﷺ من القيل والقال، وكثرة السؤال، وربما يعد عاملاً مساعداً في تفريق الجماعة، وبعث النعرات الخامدة في النفوس. ولقائل أن يسأل: ألم يدخل أحد من المهاجرين حظيرة الاجتماع؟ الجواب: نعم! ولكن قد بينت الرواية الأخرى عند الإمام أحمد من حديث أنس قال: «فجمعهم في قبة له، حتى فاضت فقال: فيكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا، إلا ابن أختنا. قال: «ابن أخت القوم منهم» (١) .
ومنها: على القائد أن لا يحمّل بقية الأتباع تبعة أخطاء مجموعة معينة من الأفراد؛ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، فما ذنب من لم يعلم، ولم يكن مشاركاً، أو مؤيداً أن يتحمل تبعات ونتائج أخطاء الآخرين؟ أليس الجهل بالأمر عذراً كافياً لاستثنائهم؟ بلى! ولذا فقد دلت الروايات أن النبي ﷺ قد جمع حياً واحداً من الأنصار، ولم يجمع الأنصار كلهم.
ومنها: أن مشاركة الآخرين مدعاة أيضاً إلى أن تأخذ نفوس المخطئين العزة بالإثم والإصرار على الخطأ، ومحاولة تسويغ أخطائهم؛ بذكر مثالب القائد، سواء كان في نفسه وإدارته، أو حتى في أسرته؛ فيسمع الصغير والكبير بذلك، فتحدث له فتنة جديدة ستكون عوناً على انحرافه وخروجه من دائرة الطيبين.
ومنها: أن تصرف النبي ﷺ كان غاية في الحكمة، وقمة في الذكاء والحنكة، فلم يجلس مع أبي بكر وعمر، أو المهاجرين ليحكي لهم ما بدَر من الأنصار، حتى يؤكد صحة مذهبه وطريقته؛ فيقوى بذلك جانبه، ويحقق مآربه، كلاَّ! فهو القائد والمعلم، وأولئك تلاميذ فحسب، والتلميذ مهما بلغ فهو تلميذ يجب أن يحترم قائده وموجهه، ويصبر على تعنيفه وإساءته؛ ففي معارضته حرمان نفسه لخيره وفضائله وصدق القائل:
اصبر على مر الجفا من معلم
فإن رسوب العلم في نفراته
لقد انفرد ﷺ بهذا الحي من الأنصار لينصحهم ويربيهم على انفراد تام؛ ليؤكد لنا على أهمية النصح للمخصوص دون استماع غيره، سواء كان هذا المخصوص فرداً أو جماعة وصدق الشافعي حين قال:
تعهدْني بنصحك في انفرادٍ وجنبني النصيحة في الجماعهْ
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعهْ
فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تغضب إذا لم تُعطَ طاعهْ
وقال مسعر بن كدام ﵀: «رحم الله من أهدى إليّ عيوبي في سر بيني وبينه؛ فإن النصيحة في الملأ تقريع» (٢) .
- الوقفة التاسعة: التعميم لا التعيين:
لقد استخدم ﷺ لفظاً عاماً في مخاطبة الحضور، ولم يعين شخصاً بعينه، أو اثنين أو ثلاثة بأسمائهم مع أنه ـ والله أعلم ـ كان يعلم بالذين تكلموا؛ فالوحي لم يكن ليترك النبي ﷺ دون أن يخبره بمثل ذلك.
والمتأمل لسيرة النبي ﷺ وخطابه عند حلول المشكلات، أو حدوث الأخطاء من الصحابة يرى استخدامه لكلمات عامة: «ما بال أقوام، وما بال رجال» ، وإليك نماذج من ذلك:
«ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله! إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية» (٣) .
«ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، ولكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٤) .
«ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحق؟ والله! ما علمت عليهم إلا خيراً. ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيراً، ولا يدخل بيتاً من بيوتي إلا وهو معي» (٥) .
«يا معشر الأنصار!» خطاب له مدلولاته ومعانيه وقوة حضوره، وهو نداء يشعل في قلوب السامعين ذكرى اللحظات الحاسمة في بيعة العقبة الثانية، يوم بايعوه على أن يضحوا بكل شيء؛ لأجل حمايته والذود عن دعوته.
إن استخدام القائد لأسلوب التعميم عند حل المشكلات له فوائد مهمة، ونتائج طيبة:
منها: أن الخطاب سيكون عاماً وليس معيناً ومحدداً، وهذا سيؤدي إلى جعل الحضور كلهم في محل المسؤولية؛ فغير المذنب سيمقت هذا التصرف، ويعتقد أنه ربما يُقصد بذلك فيربأ بنفسه عنه، وأما المذنب فسيستهجن ما قاله وفعله، فيبدأ بإصلاح نفسه دون التعرض لأمور تجرح قائده وموجهه.
ومنها: أن أسلوب التعميم وعدم ذكر أسماء الأشخاص يحفظ للمذنب كرامته، ويصون عرضه وشخصيته، فلا تجرح، وأعظم الجرح عندما يذكر شخصه، أما إخوانه فيأتي الشيطان ليهمس في أذنه أن هذه إهانة لا يمكن السكوت عليها ولا غض الطرف عنها، وقد يؤدي به آخر المطاف إلى الخروج من دائرة الطيبين ليكون مع الأعداء والمتربصين.
إن ما وقع من الأنصار بعد قسمة غنائم هوازن، وتصرف النبي ﷺ تجاه ما قالوا يعدّ ـ في نظري ـ منهجاً ينبغي أن يتخذه القادة، والمربون، والموجهون، يسيرون وفق معطياته عندما تعترضهم المشاكل والخلافات في أوساط أتباعهم، وتلامذتهم. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 5238
حاجتنا للإدارة
إبراهيم بن سليمان الحيدري
لن تكفي أصابع اليد الواحدة لسرد المشكلات التي يعاني منها الدعاة والمنظمات الدعوية، ولا نحتاج إلى كل أصابع اليد الأخرى لِنبْصِم أن الإدارة الفاعلة هي إحدى أهم الوسائل لعلاج هذا المشكلات.
لقد اهتمت الإدارة بالإنسان باعتباره حجر الرحى الذي تقوم عليه الأعمال لتجعله أكثر إنتاجية وموضوعية وأُلفة، والإنسان مشكلة الدعوة الأولى، والعقبة التي غدت أسطورة في تاريخ الدعوة. واهتمت الإدارة كذلك بالوقت، وهو العملة النادرة في حياة الدعاة، والمورد المهدر في مؤسساتهم، ولم تغفل الإدارة إدارة المال الذي جعل كثير من الأفكار، والمشاريع الدعوية حبيسة عقول الدعاة وأوراق ملفاتهم، كما أوْلت الإدارة عناية خاصة بالمعلومات التي تتعطش إليها قرارات الدعاة لتخرج أكثر موضوعية ونضجاً.
وحتى عندما كانت الحياة بسيطة كانت الأعمال تنجح، والنتائج تتضاعف عندما تدار بطريقة صحيحة؛ فقد أثبتت الأيام المحملة بالتجارب الناجحة والبائرة ضرورة تعلم الإدارة، وممارستها بطريقة علمية لاستثمار الموارد المتاحة، والوصول إلى النتائج المأمولة.
الإدارة علم محايد في أغلب مجالاته وأطروحاته؛ فمع أنه نشأ في الغرب وتطور فيه إلا أنه قلّما يوجد فيه انحرافات الغرب العقدية والأخلاقية، وإن وجدت فهي شوائب يمكن إزالة الأغلب منها، وتوظيفها لخدمة الصالح العام.
لقد تفرعت الإدارة لتشمل مجالات الناس المتنوعة؛ فهناك الآن إدارة تربوية، وإدارة صحية، وأخرى صناعية، بالإضافة إلى إدارة الأعمال.
والدعوة والدعاة هم أوْلى من يستفيد من علم الإدارة، ويتعلم مهاراتها؛ فهي كفيلة بحل كثير من المشكلات، كما أنها وسيلة لإتقان العمل، وحسن الأداء الذي حثنا عليه حبيبنا المصطفى ﷺ : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» .
ومع أن المهتم يرى خطوات رائعة لدى كثير من المؤسسات الدعوية في مسيرة التطوير الإداري في هذه الفترة إلا أن هذه الخطوات السارّة لا توازي أهمية الإدارة، ودورها الفاعل في الرقي بالعمل، والعاملين في الحقل الدعوي، كما أنها لا تترجم صدق هذه الرغبة وتهيؤ الكثير من الدعاة للتطوير.
وبين ارتفاع تكاليف بيوت الاستشارات الإدارية، وندرة المتخصصين من الدعاة في المجال الإداري يبقى الجواب الأكثر إلحاحاً للسؤال عن الوسيلة المناسبة للرقي والنهوض بالمستوى الإداري: هو أن تتحول المؤسسات الدعوية إلى مؤسسات متعلمة، تطوّر نفسها بما تتيح لها مواردها المالية والبشرية من خلال الدورات القصيرة، والقراءة والاستفادة من تجارب الآخرين، ومحاكاة المؤسسات الناجحة؛ بما يتفق مع خصوصيتها وإمكاناتها.
والأمل أن تكون هذه الزاوية سبيلاً للرقي بفن الإدارة في مؤسساتنا، وإيضاح السبل المختلفة للرفع من مستوى العاملين فيه؛ بما يعود علينا بالنفع والفائدة، والله من وراء القصد.
стр. 5239
المواطنة والهوية
أ. د. جعفر شيخ إدريس
المواطنة انتساب جغرافي، والهوية انتساب ثقافي. المواطنة انتساب إلى أرض معينة، والهوية انتساب إلى معتقدات وقيم ومعايير معينة.
فما العلاقة بينهما؟ نذكر فيما يلي أمثلة للعلاقات بينهما، وللمشكلات التي تثيرها هذه العلاقات، فنقول:
- الهوية لازمة للمواطنة؛ لأن المواطنين لا بد لهم من نظام سياسي، وعلاقات اقتصادية واجتماعية، وقوانين تضبط هذه العلاقات. وكل هذا إنما يبنى على معتقدات وقيم ومعايير؛ أي على هوية معينة.
- ليس الوطن الذي ينتسب إليه المواطنون هو الذي يحدد لهم نوع الهوية التي إليها ينتسبون. فالوطن الواحد قد تتعاقب عليه نظم مختلفة بل ومتناقضة. فالروس كانوا مواطنين روساً، حين كانوا ينتمون إلى الاتحاد السوفييتي، وحين كان نظامهم الاقتصادي اشتراكياً، وكان نظام حكمهم دكتاتورياً، وهم الآن مواطنون روس بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وبعد حلول الرأسمالية محل الاشتراكية، والديمقراطية محل الدكتاتورية.
- فالهوية إذن هي النظارة التي يرى من خلالها المواطنون ما هو مناسب أو غير مناسب، صالح أو غير صالح لوطنهم. فإذا اختلفت النظارات اختلف تقويم الناظرين إلى ما ينظرون إليه، وإن اتفقوا على الحقائق الحسية.
- وإذا صح هذا فإن المواطنين مهما كان إخلاصهم لوطنهم وحرصهم على مصلحته لا يمكن أن ينظروا إلى تلك المصلحة باعتبارهم مواطنين فقط، بل لا بد أن ينظروا إليها بحسب هوياتهم. لكن بعض الناس يتوهمون أنه بإمكان المواطنين في بلد ما أن يحلوا مشكلاتهم بمجرد انتمائهم الوطني. فيقولون مثلاً: لماذا لا نجلس باعتبارنا سودانيين فقط أو سوريين فقط، أو يمنيين، أو خليجيين، أو مصريين، وننسى انتماءاتنا الدينية والأيديولوجية لنحل مشكلة من مشكلاتنا الاقتصادية؟ نعم هنالك مشكلات يمكن أن يحلها الناس حتى باعتبارهم بشراً، ودعك من أن يكونوا مواطني دولة من الدول، ولكن ما كل المشكلات كذلك، وإلا لما انتمى الناس أصلاً إلى ثقافة من الثقافات، بل نظروا إلى كل مشكلة باعتبارهم بشراً لا غير.
خذ مثلاً مشكلة (مرض الإيدز) : إن الناس سيتفقون باعتبارهم بشراً وبغض النظر عن انتماءاتهم الوطنية بأنه شيء ضار؛ لأنه خطر على حياتهم وحياة أولادهم، وهم باعتبارهم بشراً حريصون على الحياة. هل يتفقون على طريقة معالجته؟ ليس بالضرورة؛ فقد يقول المتدينون ـ مسلمين كانوا أو يهوداً أو نصارى ـ إن العلاج الحاسم إنما يكون بالكف عن أية ممارسة جنسية قبل الزواج. وقد يذهب المسلم إلى القول: إن هذا يستدعي فصل الرجال عن النساء، وإلزامهن بزي معين لا يكون مثيراً للرجال. ولكن أناساً من غير المتدينين قد يرون في مثل هذه الاقتراحات حداً من الحرية، وهي في نظرهم أمر ضروري ضرورة العفة التي ينشدها المتدينون؛ ولذلك يرون الاكتفاء بالبحث عن علاج طبي لا سلوكي.
وخذ قضية أخرى يواجهها كل البشر: (كيف تكون العلاقة الجنسية بينهم؟) هل تكون إباحية يقضي كل فرد منهم حاجته مع من شاء كيف شاء؟ هل يتزوجون؟ وهل يكون الزواج بواحدة أم أكثر؟ وهل هنالك حد لهذا الأكثر؟ هذه قضايا لا يحلها الناس بمجرد انتمائهم الوطني؛ لأنه ليس في هذا الانتماء ما يهديهم إلى خيار من هذه الخيارات، أو يفرضه عليهم.
لا بد للمواطنين إذن من هوية، من ثقافة تكون هي المنظار الذي ينظرون به إلى الواقع، والمعيار الذي يقترحون به الحلول لمشكلاته.
ولكن ماذا إذا كان المواطنون في البلد الواحد منقسمين إلى ثقافات، وهويات مختلفة؟ هنالك عدة احتمالات:
- أحسنها من حيث الاستقرار وعدم التنازع: هو أن تكون إحدى هوياتهم هذه هي الغالبة من حيث عدد المنتسبين إليها. قيّدتُ الحسن بالاستقرار السياسي، وعدم التنازع ولم أقُلِ التطور العلمي، أو الاقتصادي، أو العسكري؛ لأن الهوية التي استقر أمرهم عليها قد لا تكون بطبيعتها مساعدة على ذلك.
- وإذا لم تكن هنالك هوية غالبة بهذا المعنى فقد يكون المنتمون إلى إحدى الهويات أقوى من غيرهم؛ فيفرضون على البلد هويتهم، وينظمون أمره على أساسها. هذا سيكون بالطبع على حساب بعض الحريات، لكن هذه الأدلجة المفروضة بالقوة قد تكون مساعدة على تطور البلاد اقتصادياً وعلمياً وعسكرياً، كما كان الحال في الاتحاد السوفييتي، وكما هو الآن في الصين، وكوريا الشمالية.
- وإذا لم يحدث هذا ولا ذاك، وكانت الهويات والثقافات المتعددة متساوية في قوتها فأمام مواطنيها خيارات:
- فإما أن يحلُّوا نزاعهم بتقسيم وطنهم، كما حدث للهند حين خرجت منها باكستان، ثم خرجت بنجلادش من باكستان، وكما خرجت أرتريا من أثيوبيا، وكما انقسمت شيكوسلوفاكيا، ويوشك أن تنقسم الآن أكرانيا.
- وإما أن يبحثوا عن صيغة يتعايشون بها رغم اختلافاتهم؛ فماذا يا ترى يمكن أن تكون هذه الصيغة؟
يرى بعضهم أن أحسن طريقة لتعايش مثل هذه الهويات المختلفة: هو أن تختار نظاماً علمانياً محايداً بينها، وديمقراطياً يعطى كل واحد منها حق الوصول إلى السلطة، إذا ما اختارته الأغلبية.
لكن المشكلة أنه لا يوجد نظام للحكم محايد بين هويات مختلفة اختلافاً أساسياً، ويستحيل عقلاً أن يوجد. لا يمكن أن يكون النظام الاقتصادي في البلد الواحد رأسمالياً واشتراكياً، ولا يمكن أن يكون اقتصاد السوق رأسمالياً يبيح الربا، وإسلامياً يحرمه ويفرض الزكاة، لا يمكن أن يكون النظام السياسي إسلامياً يلتزم بشرع الله باعتبار أن الحكم التشريعي له سبحانه، وديمقراطياً يعطي هذا الحق للبشر يشرعون ما شاؤوا؛ فالعلمانية هي نفسها إذن هوية من الهويات، فأنّى تكون محايدة بينها؟
ومن المتفق عليه بين منظِّري الديمقراطية من الغربيين، ودعك من عوام السياسيين من أمثال بوش: أن الديمقراطية لا تصلح ولا تكون سبباً للاستقرار إلا في إطار متفق عليه بين معظم المواطنين، ثم تكون خلافاتهم الثقافية خلافات فرعية داخل هذا الإطار العام الجامع. وأما إذا كانت الخلافات أساسية، وحول الإطار نفسه فإن الديمقراطية لن تحل إشكالاً، ولن تحقق استقراراً؛ لأنه لا أحد من المتنازعين سيقبل حلاً لمجرد أن الأغلبية التي يختلف معها قالت به.
ما الحل إذن؟ الحل في مثل هذه الحال: هو أن يجتمع المختلفون، ويبدؤوا بتقرير المبدأ الذي هم متفقون عليه: أنه من مصلحتهم جميعاً أن يبقوا في وطن واحد، ثم ينظروا إلى الكيفية التي يحققون بها هذا الهدف، من غير تقيد سابق بديمقراطية، ولا علمانية، ولا غير ذلك من النظم والأيديولوجيات الشائعة، بل يقولون: هذه أوضاعنا، وهذه خلافاتنا؛ فلنبحث عن حل أصيل لها ومتناسب معها، وهو حل يستلزم ـ ولا بد ـ قدراً من التنازلات والمساومات، وقد يكون شيئاً جديداً يستفيد من الدين ومن التجربة الديمقراطية، أو العلمانية، أو غيرها، ولا يأخذ أياً منها بكامله. هذا ما حاول فعله واضعو الدستور الأمريكي؛ فبالرغم من أن الولايات المتحدة تعد اليوم مثالاً للديمقراطية؛ إلا أن الذين وضعوا دستورها لم يكونوا ملتزمين بتجربة ديمقراطية معينة، ولا بمبادئ ديمقراطية معينة، بل كان بعضهم يخشى مما أسموه بدكتاتورية الأغلبية التي قد تؤدي إليها الديمقراطية. ولذلك جاء دستورهم شيئاً جديداً لا يمكن أن يوصف بالديمقراطي إذا ما قيس بالمبادئ الديمقراطية الصارمة. من ذلك أنه من الممكن ـ بل حدث ـ أن يكون الرئيس الفائز في الانتخابات أقل أصواتاً من منافسه. ومنها فكرة الكليات الانتخابية التي لا تقيد أعضاءها برأي ولايتهم، بل تجيز لكل واحد منهم أن يصوِّت لمن يراه صالحاً من المرشحين للرئاسة بغض النظر عن الأصوات التي نالها في الولاية.
لكن حتى هذا لم يحل الإشكال حلاً كاملاً؛ فما زال الشعب الأمريكي منقسماً في قضية العلاقة بين الدين والدولة، وما زالت الكتب فيها تكتب، والبحوث تُنشر، والقضايا ترفع، وهذا يعني أن التعددية ليست شيئاً حسناً في ذاته وبإطلاق. التعددية تكون حسنة إذا ما كانت إيجابية، وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت ضمن إطار ثقافي جامع؛ أي ضمن هوية جامعة. فتعددية الهويات المختلفة المتناقضة: هي مشكلة يجب أن تعالج وليست واقعاً يحافظ عليه، أو يتباهى به، كما يفعل كثير من الناس الآن في السودان وغيره؛ وذلك لأنه لا يسهل مع مثل هذه التعددية تحقيق استقرار سياسي، ولا يسهل معها من ثَمَّ تطور اقتصادي، أو علمي أو تقني. هذا هو المتوقع عقلاً، وهو الذي تدل عليه تجارب الأمم قديمها وحديثها.
قد يقال: لكن هذه هي الولايات المتحدة تتباهى بأنها أمة واحدة رغم أنها تكونت من مواطنين من أجناس متعددة، وديانات متباينة، ولغات مختلفة، وثقافات متناقضة. نعم! لكنها لم تصر أمة واحدة إلا حين صهرت هذه المكونات كلها في بوتقة، وأخرجت منها شيئاً واحداً متجانساً. يمكن لذلك أن نقول: إن التعدديات نوعان: تعددية صحن السَلَطة الذي يحتفظ كل مكون من مكوناته بلونه وطعمه وملمسه: فهذا طماطم، وهذا جرجير، وهذا عجور، وهكذا. وتعددية القِدر الذي توضع فيه كل المكونات، من لحم، وخضار، وملح، وبهارات لتطبخ إداماً واحداً ذا طعم واحد، وربما لون واحد. هذا الأخير هو الذي يقال: إن الولايات االمتحدة فعلته، إنها كما يحلو لهم أن يقولوا بوتقة melting pot جعلت من مكوناتها أمة أمريكية واحدة. يقول كاتب أمريكي: لقد كانت الأمركة عملية انسجام قسري كانت الولايات المتحدة فيها بمثابة البوتقة لا النسيج ذي الألوان والصور المختلفة. لم يكن ينظر إلى المجتمع الأمريكي على أنه قطعة من روسيا؛ قطعة من إيطاليا، وقطعة من بولندا مزج بعضها ببعض، كلا! بل إن القوميات المختلفة جُعلت أمريكية كما ينقى المعدن الخام ليصير ذهباً خالصاً. الأمركة نقتهم وأزالت خبثهم. إن أصحاب موكب حركة البوتقة لم يكونوا يحتفلون بالتسامح، ولكن بالخضوع لمفهوم ضيق للقومية الأمريكية، بتصوير الأجانب بأناس في أزياء غريبة، ينغمسون في قدر كبير، ويخرجون منه نقيين بهندام جميل، ولهجة أمريكية خالصة، ومنظر أمريكي؛ أي أمريكان إنجليز (١) .
كيف يقال: إن أمريكا تؤمن بالتعددية، وهي زعيمة الغرب الذي ما زال يسعى لقتل الثقافات الأخرى، ولأن تكون ثقافته هي المهيمنة على العالم؟ اقرؤوا في هذا ـ إن شئتم ـ كتاب (إدوارد سعيد) الاستعمار الثقافي (Cultural Imperialism) ، بل إنهم ليعدون ثقافتهم جزءاً من قوتهم التي يسمونها بالقوة الناعمة أو اللينة soft power في تقرير جديد للجنة استشارية من لجان الكونغرس فيه تقويم لسياسة الحكومة الأمريكية، ونقد لها جاء قولهم: كنا نتحدث حتى الآن على افتراض أن الهوية شأن داخلي في وطن من الأوطان، لكن الواقع ليس كذلك. فالعلاقة بين الوطن والهوية لا تكاد تكون علاقة مطابقة. وهذا يسبب مشكلات كثيرة منها:
- أنه كما أن تعدد الهويات في الوطن الواحد قد يؤدي إلى تمزيقه؛ فإن اتحاد الهويات في أوطان متعددة قد يؤدي إلى توسيع للحدود الوطنية، بضمّ بعض الأقطار إلى بعض، أو بالتعاون الوثيق بينها الذي يجعلها كالوطن الواحد، كما هو الحال الآن في الاتحاد الأوروبي.
- لكن هذا التوحيد أو التمزيق لا يحدث في الغالب إلا بطريقة عنيفة. وفي هذا يقول المؤرخ الإنجليزي (لويس ناميير) : «إن الدول لا تتوحد أو تُحطم، والحدود لا تُمحى أو يعاد رسمها بالحجج وصوت الأغلبية. إن الأمم تحرر وتتوحد أو تمزق بالحديد والدم، لا بالتطبيق الكريم لمبدأ الحرية» .
- بما أن مصالح المواطنين في أرض معينة لا تكاد تكون محصورة في حدود أرضهم، ولا سيما في عصرنا هذا الذي تشابكت فيه المصالح بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العالم؛ فإن مفهوم الدولة الوطنية بدأ يتضاءل، وتحل محله تحالفات أو اتحادات بين دول متعددة. ولكن هذه التحالفات لا تنجح إلا إذا كانت مبنية على هويات مشتركة. خير مثال على ذلك (الاتحاد الأوروبي) الذي لم يجد مشكلة في ضم كل قطر ذي هوية أوروبية نوعاً ما، لكنه يتلكأ في قبول (تركيا) ذات الهوية المختلفة، بالرغم من أنها دولة علمانية، وبالرغم من أنها غيرت في كثير من قوانينها لتوافق البلاد الأوروبية.
- بما أن التطور الهائل في وسائل الاتصال جعل من كرتنا الأرضية ما يشبه الوطن الواحد فقد ازداد حجم المشكلات التي تهم الناس باعتبارهم بشراً، وبغض النظر عن أوطانهم وهوياتهم. من أوضح الأمثلة على ذلك مشكلة (الخروق) التي بدأت تحدث في طبقة الأوزون، والتي تسببت في ارتفاع درجة الحرارة في الكرة الأرضية. وقد كان من نتائج كثرة ازدياد المشكلات المشتركة بين الناس أن كثرت المنظمات العالمية كثرة ليس لها مثيل في تاريخ البشرية.
- لكن بعض الدول القوية صارت تحاول إخضاع البشرية كلها إلى قيم نابعة من هويتها، أو خادمة لمصالحها؛ بحجة أنها قضايا إنسانية عامة لا ثقافية خاصة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما سمي بـ (الإعلان العام لحقوق الإنسان) الذي يقول كثير من نقاده حتى من الغربيين: إن كثيراً من بنوده لا ينطبق عليه وصف الحق الإنساني، والذي يرى بعضهم أن كثيراً منه تعبير عن ثقافة معينة هي الثقافة الغربية. بل إن بعض الجهات المؤثرة صارت تستغل الأمم المتحدة نفسها لإلزام الأمم كلها بقرارات نابعة من قيمها، ومنها قضية المرأة.
نخلص من هذا كله إلى أنه على المسلمين في بلد: كالسودان أن لا يُخدَعوا بما يقول لهم مثلاً الزعيم (قرنق) من أن علينا جميعاً أن نجتمع باعتبارنا سودانيين فحسب، وأن نجعل الدين أمراً شخصياً؛ لأن الأديان تفرقنا والوطن يجمعنا. إن قرنق لا يتحدث هنا باعتباره سودانياً فحسب، بل ولا باعتباره جنوبياً فحسب، وإنما يتحدث باسم الحضارة الغربية وقيمها.
إن تخلّي المسلمين عن دينهم في حياتهم العامة ليس استمساكاً بوطنية لا هوية فيها كما يدعي (قرنق) ، وإنما هو إحلال للهوية الغربية محل الهوية الإسلامية.
стр. 5240
العراق بعد الانتخابات
الطريق نحو السراب
إعداد: إبراهيم جاسم
- ضيوف الندوة:
- فضيلة الشيخ الدكتور محمود المشهداني: عضو الهيئة العليا للدعوة والإرشاد والفتوى.
- فضيلة الشيخ أحمد البغدادي: عضو هيئة الدعوة والإفتاء.
- فضلة الدكتور مثنى حارث الضاري: المدرس في كلية العلوم الإسلامية والمسؤول الثقافي والإعلامي في الهيئة.
تتشرف مجلة البيان بدعوة أصحاب الفضيلة الضيوف للمشاركة في ندوتها (العراق بعد الانتخابات) ، وهي تقدر استجابتكم لعلمها بما تعانونه من ضغوط وتضييق من قِبَل قوات الاحتلال، نسأل الله لكم الأجر العظيم على ذلك، وعلى جهودكم في تنوير القارئ المسلم، فيما حصل ويحصل في العراق الذي يتعرض لتضليل كبير من وسائل الإعلام الغربية، والسائرة في ركبها.
وتتناول هذه الندوة أربعة محاور مهمة في الواقع العراقي، وهي على النحو التالي:
- المحور الأول: الانتخابات:
البيان: الانتخابات حصلت رغم المقاطعات ومطالب التأجيل؛ فكيف تقوِّمون الانتخابات والنتائج التي تمخضت عنها؟
- د. محمود المشهداني: يعرف الجميع أن الانتخابات العراقية أُجريت بطلب من بوش لأغراض أمريكية داخلية. وهذا يفسر إصرار الرئيس الأمريكي بالذات على إجرائها؛ والذين سعوا إلى تأجيلها كانوا محقين في طلبهم من أجل أن تكون هذه الانتخابات حرة ونزيهة وشاملة. ولكن الإصرار الأمريكي أحبط هذا التوجّه، وكان ما كان، وبرغم ذلك فإن السحر انقلب على الساحر؛ حيث جاءت نتائجها مخيبة لآمال الذين راهنوا عليها، وأظهرت أغلبية السنة عصبية (شوفينية) الأكراد العلمانيين المقيتة، وعززت المخاوف من تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق، وتنقسم نتائجها في نظري إلى قسمين:
أولاً: النتائج السلبية:
١ - شرعنة الاحتلال.
٢ - تهميش السنَّة العرب.
٣ - تكريس الطائفية السياسية والدينية.
٤ - إظهار التشرذم العرقي والمذهبي بأبشع صورة.
٥ - الجاهلية السياسية لدى معظم المنتخبين.
٦ - زيادة رصيد المشروع الإيراني في العراق.
٧ - إعطاء الغطاء الشرعي لذبح المقاومة العراقية البطلة.
٨ - ضعف الأداء السياسي لدى الحزب السني الوحيد الحزب (الإسلامي) .
٩ - اضطراب الخطاب الشرعي والسياسي للنخب الدينية السنية.
١٠ - دفع مشروع (إسرائيل الكبرى) خطوة إلى الأمام.
ثانياً: النتائج الإيجابية:
١ - اصطفاف ستة ملايين ناخب من أصل أربعة عشر مليوناً وراء المقاومة العراقية.
٢ - إبراز الدليل الملموس لأكثرية السنة العرب في العراق.
٣ - إعطاء الدافع القوي للسنة العرب، وبعض الشيعة العرب؛ للتجمع في خيار المشروع الوطني العراقي، المتمثل في مجلس الحوار الوطني العراقي لخوض الانتخابات القادمة من موقع القوة والمسؤولية.
٤ - زيادة اهتمام قيادات المقاومة العراقية المسلحة لبلورة مشروعها السياسي البديل.
٥ - فضح التواطؤ السياسي بين الفرس وأمريكا في احتلال العراق.
٦ - زيادة مخاوف الدول الخليجية تجاه المشروع الفارسي في العراق؛ مما قد يدفعها للتعاون البناء مع مشروع الحوار الوطني العراقي، ودعمه مادياً وسياسياً وإعلامياً.
٧ - زيادة الضغط على أمريكا بسبب تهميش السنَّة العرب.
٨ - إبراز إشكالية المثلث السني، الذي هو القاسم المشترك الأعظم بين الأكراد السنة والشيعة العرب؛ وقدرته على إسقاط أو شل أي مشروع إن لم يأخذ دوره كاملاً في العملية الديمقراطية؛ وذلك لأن ورقة المقاومة بيده.
٩ - إبراز نهم الأحزاب السياسية للسلطة، وضعف دورها في إنقاذ الشعب العراقي من معاناته.
- الشيخ أحمد البغدادي: إن هدف أمريكا من هذه الانتخابات هو شيء واحد: صنع حكومة عميلة تجعل وجودها العسكري، وهيمنتها السياسية أمراً واقعاً معترَفاً به إقليمياً ودولياً، ثم الانطلاق إلى الخطوات التالية في مشروع القرن الأمريكي، وعلى رأسه تحقيق أمن الدولة العبرية في المنطقة.
نتائج هذه الانتخابات ـ والتي جاءت تحت مدافع الدبابات ودوي القاذفات، وأثناء عمليات هدم وإبادة المدن كما حدث في الفلوجة، وسامراء، والرمادي، وتلعفر، وتعذيب الشعب في غياهب السجون، واغتيال العلماء ـ هذه النتائج جاءت لصالح الذين أتوا مع المحتل من إيران في انتخابات ذات نتائج متولدة من رحم الخوف والرعب والبؤس وذهاب الأمن الذي ولَّده الاحتلال. أضف إلى ذلك تهميش السنَّة العرب الذين يمثلون الدعامة الأساسية في إدارة العراق قديماً وحديثاً، والواقع يشهد بذلك.
- د. مثنى حارث الضاري: نعم الانتخابات حصلت رغم مطالب التأجيل، وهذا الأمر كان متوقعاً؛ لأنه كان هناك إصرار أمريكي واضح على إجراء هذه الانتخابات مهما كانت الظروف وبغض النظر عن متطلبات الأوضاع في العراق. فهي إذن كانت رغبة أمريكية، وليست رغبة عراقية من أجل إجراء هذه الانتخابات بأي صورة من الصور لإظهار الأمريكان بمظهر المنتصر، وفرض الأمن في العراق على الرغم من مخالفة هذا لكل ما هو حاصل حقيقة على أرض الواقع. جرت هذه الانتخابات وتمخضت عن نتائج، هذه النتائج أثبتت صحة رأي الذين قاطعوها، وأثبتت أن كثيراً من القوى التي تدعي أنها تسيطر على الساحة، وأنها تحوز الأكثرية والأغلبية دعوة غير صحيحة، والذي ظهر أن الأوزان الحقيقية لكثير من الحركات والأحزاب والاتجاهات قد بانت الآن، وتبين للناس حقيقة هذه الدعاوى غير الصحيحة.
إذن هناك أوزان حقيقية موجودة على الساحة الآن، هذه الأوزان الحقيقية دعت إلى أن هذه القوى ذات الدعاوى المفتراة بدأت بمحاولة الاتصال بالقوى الأخرى خارج العملية السياسية من الذين قاطعوا الانتخابات، من أجل إقناعها بالتكتل معها من أجل إنشاء كتل قوية داخل الجمعية الوطنية، وهي محاولات باءت بالإخفاق إلى الآن، والحمد لله.
إذن الانتخابات جرت ولم تحقق شيئاً، والأخبار التي نسمعها الآن عن استمرار الحكومة المؤقتة كما هي عليه دليل على أن الانتخابات لم تحقق أي هدف من أهدافها، وإنّ كل النتائج التي كانت مترتبة عليها كانت فقط لإظهار أن الديمقراطية المزيفة قد فرضت في العراق، أو أن قوات الاحتلال قد نجحت في العراق بمجرد إظهار صور الذين جاؤوا إلى مراكز الاقتراع، وأظهرتهم الآلة الإعلامية الأمريكية على أنهم الأكثرية في العراق أو أن العراقيين يفضلون الخيار السلمي على الخيارات الأخرى.
البيان: سينتج عن هذه الانتخابات جمعية وطنية، وستنتج عنها حكومة عراقية جديدة؛ فما أثر ذلك على المستقبل السياسي للعراق؟ وكيف ستكون الحكومة القادمة خصوصاً بعد فوز القائمة المدعومة من السيستاني بأغلبية المقاعد، وتليها قائمة الأكراد، مما يوحي بالأساس الطائفي الذي ستقام عليه؟ وهل ستكون تلك الحكومة ذات سيادة أم هي حكومة صورية؟
- د. المشهداني: إن الجمعية المنتخبة المنبثقة عن انتخابات ناقصة هي ناقصة، وما ينتج عن الناقص فهو ناقص، مما سوف يضطرها إلى الإذعان لإرادة المحافظات السنية عند الاستفتاء على الدستور، وهي مهددة بالسقوط في حالة رفض العرب السنة الدستور؛ مما سيؤدي إلى الانقسامات بين القوى المؤتلفة في قائمة السيستاني، إضافة إلى كونها غير قادرة بالكامل في السيطرة على الملف الأمني، مما سيدفع بها إلى طرح المشروع الفدرالي الطائفي الذي سيرفضه الشعب العراقي؛ مما يؤدي إلى تراجع شعبيتها في الانتخابات القادمة ما لم تدعم من قِبَل الغازي المحتل. هذا بالإضافة إلى أنّ المدة القصيرة لتوليها الحكم سيجعلها غير قادرة على الوفاء باستحقاقاتها التي أعلنتها في مشروعها الانتخابي، وهو توفير الأمن والحاجيات الضرورية لعموم الشعب العراقي؛ مما سيكشف ضعف أدائها الإداري، والأمني، والاقتصادي، والتي بمجموعها ستضعف مصداقيتها.
- الشيخ البغدادي: المستقبل السياسي للعراق ليس بيد ما يسمى بالمجلس الوطني الذي جاء من انتخابات باطلة ومعوقة وناقصة، والحكومة التي تتولد من انتخابات ميتة هي ميتة بالمثل ولا تملك من أمرها شيئاً، وما بُني على باطل فهو باطل؛ فهي حكومة صورية أمرها بيد المحتل.
- د. مثنى الضاري: الحكومة القادمة ستكون حكومة صورية بلا شك، وكل حكومة تنشأ في ظل الاحتلال ستكون كذلك، أما قضية الجمعية الوطنية، والمجلس الوطني، والحكومة التي ستنشأ عنهما نحن نعتقد أن الشكل الجديد من أشكال المؤسسات السياسية بعد الانتخابات لا يختلف أبداً عن الأشكال التي جرت قبل الانتخابات، سواء في مجلس الحكم، أو الحكومة المؤقتة، أو المؤتمر الوطني، وما إلى ذلك؛ فإذن كل الأشكال التي ستنتج بعد الانتخابات هي عبارة عن تكرار لما حصل قبلها، والأدلة على ذلك كثيرة، ومن ثم هذه الحكومة لن تكون ذات سيادة، هذا إذا اتُّفِق على تشكيل حكومة على المقاس الأمريكي، أنا اعتقد أن قضية تشكيل الحكومة ستمر وهي تمر الآن بمشكلات كبيرة جداً، وأن هناك صراعاً كبيراً على المناصب، ومن ثم حتى لو كان مخططاً لها أن تعطي نوعاً صغيراً من السيادة من أجل الإيحاء للناس بأنها ذات سيادة هذا كله قد انتهى من خلال ما رأيناه من خلافات كبيرة داخل القوائم الفائزة، بل حتى داخل القوائم التي لم تفز هناك صراع كبير جداً حول موضوع المناصب الأساسية في الحكومة العراقية، هذا الصراع يثبت أن الانتخابات لم تحقق شيئاً وأن أي حكومة قادمة هي مرهونة بأمر الاحتلال.
البيان: غالبية السنة قاطعت الانتخابات، وبدأت دعوات ولقاءات لعقد مصالحة وطنية مع الجهات المقاطعة؛ فكيف سيكون دور السنة في الحكومة القادمة؟ وما المشروع السياسي الذي يقدمه أهل السنة كبديل لما يحصل؟
- د. المشهداني: دور السنة في الحكومة القادمة لا يزال مشوشاً؛ وذلك بسبب عدم وجود مرجعية دينية وسياسية واحدة لهم؛ بسبب غياب المشروع السياسي لهم، واضطراب الرؤى لدى النخب الدينية، والسياسية، والعشائرية، وأما المشروع السياسي البديل فهو مشروع مجلس الحوار الوطني العراقي المقترح والمقدم إلى الجهات المعنية الرسمية والشعبية وهذا المشروع يتضمن النقاط الآتية:
١ - جدولة انسحاب قوات الاحتلال من العراق، والمباشرة بالابتعاد عن المدن، والقصبات إلى معسكرات وقواعد وقتية لحين إكمال انسحابها وفق الجدول المقرر.
٢ - عدم تهميش أهل السنة العرب، ووجوب إشراكهم في العملية السياسية، من خلال تخصيص عدد مناسب من المقاعد في الجمعية الوطنية (البرلمان) ، والحكومة الجديدة وأجهزة الدولة الأخرى؛ بما يتناسب مع حجمهم الحقيقي ومكانتهم في المعادلة العراقية، علماً بأن الذين أُعطِي لهم دور تمثيل السنة العرب في الحكومة المؤقتة لا يمثلون إلا أنفسهم، وليس لهم أي تأثير على الساحة السنية.
٣ - إلغاء قانون اجتثاث البعث وكل ما يترتب عليه باعتبار أن البعثيين وصف وظيفي أكثر من أن يكون انتماء فكرياً والكثير منهم مواطنون، ولهم حقوق المواطنة الكاملة أسوة بغيرهم، فيجب إعطاؤهم الفرصة للمشاركة في بناء العراق الجديد، والانسجام مع باقي أطياف وفئات المجتمع العراقي؛ خاصة وأن الاجتثاث جاء حصراً على البعثيين السنة فقط، ولم يشمل الشيعة منهم. وهنا مكمن الخطر الذي نستشعره.
٤ - إعادة تشكيل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية الأخرى؛ بما يخدم المصلحة الوطنية العليا بعيداً عن الحزبية والمذهبية.
٥ - إطلاق سراح جميع الأسرى، والمعتقلين في سجون الاحتلال، والحكومة العراقية.
٦ - إيقاف التعقبات والمداهمات على البيوت الآمنة، وترويع الأطفال والنساء، والعفو عن المطلوبين؛ بسبب العمليات العسكرية.
٧ - المباشرة بإعادة إعمار المدن التي أصابها الدمار من جراء العمليات العسكرية، وتعويض المتضررين منذ بدء الحرب، وحتى الآن.
٨ - يتعهد الجانب الأمريكي بالحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً، والتأكيد على انتمائه العربي وهويته الإسلامية، والتأكيد على تثبيت ذلك عند صياغة الدستور.
٩ - يتعهد الجانب الأمريكي بمنع دول الجوار، وخاصة إيران من التدخل في شؤون العراق الداخلية؛ لإبعاد العراق عن صراعات الإرهاب الدولي.
هذا المشروع بيده أخطر ورقة سياسية، وهي ورقة المقاومة العراقية التي تقف خلفه بكل قوة ومسؤولية، خاصة إذا أضيف إلى ذلك توحيد المرجعيات الدينية السلفية (والصوفية والإخوانية) في مرجعية عليا واحدة، تُغلّب المصلحة العامة على المنطلقات الخاصة بها.
- الشيخ البغدادي: إن البديل لما يحصل والواجب الشرعي يقتضي توحيد الموقف لأهل السنة، وأن يكون هنالك مجلس لأهل الحل والعقد من كبار العلماء والمفتين؛ لكي يطرحوا مشروعهم السياسي الشرعي، وقد قامت (هيئة الدعوة والإفتاء السلفية) بهذا المقترح، وخاطبت به جميع هيئات أهل السنة.
- د. مثنى الضاري: السنَّة الذين قاطعوا الانتخابات لم يكونوا وحدهم من قاطع الانتخابات؛ فهناك قوى وطنية كثيرة من غيرهم وكان قرار المقاطعة قراراً وطنياً شاركت فيه قوى كثيرة، والحمد لله نجح هذا النجاح الكبير الذي تحاول بعض وسائل الإعلام تشويهه. أما عن دور السنة في الحكومة القادمة فأنا لا أتصور أن يكون للسنة دور كبير في الحكومة القادمة، وأغلب السنة سيقاطعون هذه الحكومة من منطلق أن هذه الحكومة قامت في ظل الاحتلال، ومن ثم هم لا يدخلون العملية السياسية ما دام الاحتلال موجوداً، قد يدخل بعض السنة؛ نتيجة حوارات واتصالات، وتحالفات مع قوى أخرى، ولكن مهما كان هؤلاء فلن يكون لهم ثقل في العملية السياسية، ولن يكون لهم دور مؤثر، وإنما سيكونون بمثابة الديكور الذي يتم به تزيين الصورة للقول: إن السنة قد دخلوا في العملية السياسة.
أما المشروع السياسي الذي يقدمه أهل السنة بديلاً لما يحصل؛ فقد قُدِّم قبل سنة إلى الأخضر الإبراهيمي، ثم مرة ثانية أعلنت هذه القوى تأكيده يوم ١٧/١١/٢٠٠٤م من خلال بيان مقاطعة الانتخابات الذي تمخض وفداً ذهب إلى الجامعة العربية وقدم مذكرة فيها مشروع بديل يقوم على أساس جدولة انسحاب قوات الاحتلال، وفق قرار أممي، وبضمانات دولية، ثم بعد ذلك تنتشر قوات دولية لحفظ الأمن في العراق، وسد الفراغ الذي يحصل بانسحاب القوات المحتلة من المدن إلى خارجها، ثم تنشأ صيغة جبهوية من كل القوى العراقية؛ لإنشاء حكومة مؤقتة، هذه الحكومة المؤقتة تتولى مهمة الإعداد لانتخابات حرة ونزيهة بعيداً عن سيطرة قوات الاحتلال، وهذه الحكومة عندما تحضر لهذه الانتخابات فستجري الانتخابات، وتنشأ حكومة منتخبة تتولى هذه الحكومة كل الملفات المهمة، وعلى رأسها الملف السياسي، والملف الأمني، وتعمل على تمهيد الأجواء من أجل إحصاء سكاني، ومن أجل إلغاء كل القوانين غير الشرعية التي جرت في ظل الاحتلال، ثم أخيراً تتفرغ للتفاوض مع قوات الاحتلال، لإجلائها نهائياً من الأراضي العراقية، هذه هي الخطة البديلة التي تقدمها القوى الوطنية المناهضة للاحتلال في أُطُرها العامة، وهناك تفصيلات كثيرة في هذا الموضوع.
البيان: ما مدى مصداقية الانتخابات أمام المجتمع الدولي الذي سيضفي الشرعية على الحكومة القادمة بسبب الانتخابات؟
- د. المشهداني: مصداقية الانتخابات أمام المجتمع الدولي هي نفسها مصداقية الاحتلال أمامه؛ فالذي سكت على الاحتلال الأمريكي للعراق سيسكت على الزفاف الإعلامي لزواج غير شرعي بين المشروع الفارسي، والمشروع الصهيوني في العراق، وستبقى أصوات المقاومة الشريفة هي وحدها القادرة على شق سكون ليل القهر السياسي الذي يسود العالم الآن.
- الشيخ البغدادي: كيف يتعامل المجتمع الدولي مع حكومة جاء أفرادها على دبابات المحتل، ومعظمهم لا يحملون الجنسية العراقي. الرئيس الأمريكي قال مؤخراً حول أوضاع لبنان: لا يمكن أن تكون انتخابات في لبنان مع وجود القوات السورية المحتلة؛ فلماذا لا يطبق الرئيس الأمريكي هذه القاعدة في العراق؟ أليس العراق محتلاً من القوات الأمريكية التي احتلته بالدم والقتل؟ كيف يعتبر القوات العربية السورية في لبنان العربية المجاورة احتلالاً، ولا يعتبر القوات الأمريكية التي عبرت المحيطات، وجاءت إلى العراق احتلالاً؟ والأدهى من ذلك أن هذا الاحتلال يواجه مقاومة مسلحة عراقية مستمرة سنة ونيفاً، في كل يوم ليلاً ونهاراً؛ فكيف تكون انتخابات مع احتلال ومقاومة عراقية مستمرة. كم من الحدود مفتوحة مع إيران التي أدخلت ملايين من الإيرانيين يحملون جنسيات عراقية مزورة! بل حتى المفوضية العليا للانتخابات، وجميع اللجان الخاصة بها تم تعيينهم من قبل قوات الاحتلال، والأحزاب الموالية لإيران: السيستاني إيراني، إبراهيم الجعفري هندي؛ ما شأنهم بالعراق العربي؟
- د. مثنى الضاري: حقيقة هذه الانتخابات لا مصداقية لها، وإن كان الإعلام الغربي، وخاصة الإعلام الأمريكي قد أضفى عليها هالة كبيرة جداً، هذه الهالة توحي لكثير من غير المتابعين الجادين أن العراقيين فعلاً قد شاركوا في هذه الانتخابات بأعداد كبيرة، ومن ثم فهذه الانتخابات انتخابات شرعية. نحن نعتقد أن بعض المؤتمرات كمؤتمر القمة العربية، ومجلس الأمن قد يضفي الشرعية على هذه الحكومة تحت الضغوط الأمريكية، وقد تعودنا على هذا الأسلوب. المؤسسات الدولية تضفي الشرعية على بعض المؤسسات التي جرت في ظل الاحتلال، لكن لا يتم الاعتراف بهذه المؤسسات شعبياً، ولا يتم التعاون معها على هذا الأساس، ومن ثم تحبط، وهذا ما حصل لمجلس الحكم، ثم الحكومة المؤقتة، ثم المؤتمر الوطني، ثم هذه الانتخابات أيضاً، والدليل أن هناك شكوكاً كبيرة في مدى نجاح هذه الانتخابات في الوصول إلى صيغة جديدة تكون مؤهلة لتنال الشرعية والاعتراف من قِبَل المجتمع الدولي؛ فإذن الانتخابات لا مصداقية لها، وإن حاول الإعلام الغربي إعطاء هذا الانطباع.
- المحور الثاني: المقاومة في العراق:
البيان: يدور جدل طويل حول من يقاوم في العراق؛ وهناك من يقول: إنهم بقايا النظام السابق، ومن يقول: إنهم الوافدون من الخارج، والآخر يقول: إنهم الغيورون من أبناء الإسلام في العراق؛ فما هوية من يقاوم في العراق، وما مدى التأييد الشعبي لهم؟
- الشيخ البغدادي: المقاومة حق مشروع يلزم الشعب العراقي بالدفاع عن نفسه وعرضه وأرضه وماله وحاضره ومستقبله، وهو من جهاد الدفع وبابه دفع العدو الصائل، وحيثما كان هناك احتلال كانت هناك مقاومة؛ فعندما كانت أمريكا محتلة من بريطانيا قاتل الأمريكيون البريطانيين. وعندما احتلت بريطانيا العراق قاتل العراقيون الاحتلال البريطاني من قبل. حتى أمريكا نفسها اعترفت بشرعية المقاومة العراقية. على لسان رئيسها بوش الذي قال: لو احتلت أمريكا فسيقاوم الشعب الأمريكي المحتلين.
أما التركيز على الوافدين من الخارج فهذا غير صحيح. فالشعب العراقي وخاصة أهل السنة وقع عليهم ظلم عظيم؛ فماذا تنتظر من رد فعل المظلومين نحو الظالمين؛ فهم يرفضون هذا الظلم، وخاصة عندما عملت قوات الاحتلال على إبعادهم عن إدارة الدولة، وقربت الذين جاؤوا معها على الدبابات.
- د. مثنى الضاري: هذا السؤال أظنه متأخراً جداًَ؛ لأن هذا السؤال طُرِح منذ فترة متقدمة، فمن القضايا المسلَّم بها أن من يقاوم في العراق ليس من تدَّعيهم أمريكا؛ فلا هم بقايا النظام السابق، ولا الوافدون من الخارج.
الواقع يثبت ومن خلال بحوث علمية، أن المقاومة في العراق هي مقاومة عراقية وطنية من العراقيين يغلب عليهم التوجّه الإسلامي بنسبة كبيرة جداً؛ هذا بحسب دراسات علمية وهناك نسبة قليلة من الوافدين لا تتجاوز نسبتهم ٢% وبحسب اعترافات قوات الاحتلال بعد مهاجمتهم الفلوجة. فإذن قضية التركيز على بقايا النظام السابق، وعلى قضايا الوافدين من الخارج هي محاولات لصرف الأنظار عن المكونات الأساسية والحقيقية للمقاومة العراقية.
المقاومة في العراق هي مقاومة وطنية يغلب عليها الاتجاه الإسلامي، وتشارك فيها أعداد كبيرة جداً، وهذا الأمر كله نعرفه من خلال المتابعة الخارجية، واهتمامنا بالموضوع، ومن خلال متابعتنا ما ينشر من بيانات حركات المقاومة، وفصائلها على شبكة المعلومات الدولية، ومن خلال توزيعها في المساجد، ولصقها على الشوارع في المدن العراقية.
وكذلك من خلال بعض اللقاءات الصحفية والبيانات التي تصدر في بعض الصحف العربية. أما ما مدى التأييد الشعبي لها فأظن أن هذه المسألة لا تحتاج إلى دليل؛ لأنه لولا التأييد الشعبي للمقاومة والاحتضان الكبير لها لما استطاعت أن تواصل هذا الزخم من القوة إلى الآن، ونحن أتممنا العام الثاني لها؛ فإذن هناك تأييد شعبي كبير للمقاومة معنوياً ومادياً وفي مناطق كثيرة في العراق.
البيان: بعضهم يقول: إن الانتخابات هي بداية الطريق نحو تحرير العراق، ويراهن عليها لتحسين الوضع الأمني في العراق، والقضاء على ما يسمى بالمقاومة، والآخر يرى أن السبيل الوحيد هو المقاومة؛ فهل ستؤدي الانتخابات إلى إضعاف المقاومة، أم هي في تصاعد؟
- د. مثنى الضاري: نحن نجيب عن هذا السؤال بعد أن حصلت الانتخابات، كنا نقول قبل أن تحصل الانتخابات: إنها لن تؤثر على المقاومة. أما الآن وقد حصلت؛ فالواقع يثبت هذا. لقد زادت المقاومة أضعافاً بعد إجراء الانتخابات، بل أستطيع أن أقول إن المقاومة في العراق الآن قد نهجت نهجاً جديداً، هذا النهج بعيد جداً عن كل القضايا التي يمكن أن تشوِّه صورتها، أو يستغلها أعداء العراق لتشويه صورة المقاومة؛ فإذن الانتخابات ما كانت إلا مرحلة أو فاصلاً من الفواصل التي تعودنا عليها منذ الاحتلال وإلى الآن، ولكنها لم تُسفر عن شيء، ولم تؤثر على موضوع المقاومة، بل لم تؤثر على مواقف القوى المناهضة للاحتلال التي زادت مواقفها قوة بعد نجاحها في مقاطعة الانتخابات.
- الشيخ البغدادي: هل قالوا سنخرج بعد الانتخابات أبداً؟ رفضوا حتى وضع جدول زمني للانسحاب. الأمريكان اختاروا طريق الحرب؛ فكيف ستتوقف المقاومة؟!
البيان: الكثير يتخوف على مستقبل العراق من المقاومة خشية أن تتكرر مأساة أفغانستان في العراق خصوصاً في ظل تعدد أطياف المقاومة ومسمياتها؛ فما هي عوائق توحيدها، وما السبل لتحقيق ذلك؟
- الشيخ البغدادي: لا يمكن تعميم ما حدث في أفغانستان على ما يحدث في العراق؛ لأن وضع الجهاد الأفغاني كان معقداً منذ البداية، رغم جهود الشيخ (عبد الله عزام) عليه رحمة الله. فحب الزعامة عند بعض قادة الجهاد هي التي سببت هذه المأساة، وعلى العراقيين أن يضعوا نصب أعينهم هذه التجربة المريرة، وأن يحتكموا في كل أمورهم إلى الكتاب والسنة؛ لأن التمسك بهذين الأصلين: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ هو الطريق إلى النجاة من كل فتنة، ومصيبة، والله المستعان.
- د. مثنى الضاري: حقيقةً التخوف مشروع، ولكن أعتقد أن الأخطاء التي وقعت فيها بعض فصائل المقاومة والأعمال التي خرجت عن الضوابط الشرعية للعمل الجهادي أثرت، لكنها لن توصلنا ـ إن شاء الله ـ إلى ما حصل في أفغانستان؛ لأن هناك وعياً لكثير من هذه الفصائل بخطورة ما حصل، ثم إن هناك قوى كثيرة خارج المقاومة المسلحة من مرجعيات دينية وشخصيات سياسية تعمل على نشر الوعي الصحيح في هذا الموضوع من خلال اللقاءات العامة، ومن خلال الندوات، ومن خلال الإشادة بالمقاومة العراقية، ومع ذلك بيان بعض أخطائها، وهذه القضية يجب أن تُفهم هكذا: هذه المقاومة لكي تكون مقاومة حقيقية لطرد المحتل من العراق عليها أن تستفيد من أخطائها، وعليها أن تسمع لنصيحة الناصحين، وتوجيه الموجهين، ومن ثَمَّ على جميع هذه الفصائل أن تسعى فيما بينها من أجل تقليل الفوارق ما أمكن. وتعدد فصائل المقاومة العراقية أظن أنه عامل قوة للمقاومة العراقية، وليس عامل ضعف؛ فعامل الضعف: هو اختلاف رؤى هذه الفصائل، وأنا أظن من خلال المتابعة لهذا الموضوع أن أغلب فصائل المقاومة العراقية رؤاها واحدة، وأنها متفقة على هدف محدد ألا وهو: تحرير العراق من الاحتلال الأمريكي. تبقى هناك بعض الاختلافات حول السقف الأعلى لهذه الأهداف، وحول بعض الوسائل للوصول إلى تحقيق هذه الأهداف، والتي حصلت فيها أخطاء لا يمكن السكوت عنها، ويجب الإنكار عليها، وقد قمنا بدورنا في هذا الموضوع وأنكرنا كثيراً منها بأسلوب واضح وهادئ ورصين، لا يمكن أن يفتح طريقاً للتشكيك في هذه المقاومة، أو يفتح طريقاً للأعداء من أجل الاستفادة من هذه الأخطاء. إذن أعتقد أن تعدد فصائل المقاومة هو عامل قوة، وليس عامل ضعف، والمهم أن تنتبه هذه الفصائل إلى المكائد التي تُرتَّب من قِبَل قوات الاحتلال، وعلى رأس هذه المكائد محاولة الاستفراد ببعض هذه الفصائل في ظل ما يدعى التحاور مع المحتل لفرض الشروط، أو للتفاوض من أجل إخراجه. أظن أن فصائل المقاومة عليها أن تتفق على أهداف أساسية، وليس شرطاً أن تجتمع فيما بينها؛ لأن تفرقها هو من العوامل المهمة لتشتت جهود العدو من أجل القضاء عليها.
- المحور الثالث: الاقتصاد:
البيان: النفط والموارد الاقتصادية الكبيرة كانت من أسباب الحرب على العراق، ودخلت العديد من الشركات الأمريكية واليهودية، وبدأت عمليات استثمار كبيرة وكثيرة في العراق؛ فهل رُهِن العراق اقتصادياً؟ وما دور الحكومة التي ستفرزها الانتخابات في إضفاء الشرعية على هذا الرهن؟
- الشيخ البغدادي: إن قادة الاحتلال هم الذين يتصرفون في جميع موارد البلد من النفط وغيره، وهم الذين يعقدون الصفقات مع الشركات اليهودية وغيرها؛ فلا دخل للحكومة بهذا البرنامج؛ لأنها حكومة صورية كما قلنا فالعراق الآن محكوم بالمحتل الأمريكي سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً.
- د. مثنى الضاري: نعم العراق رُهِن اقتصادياً تماماً للاحتلال الأمريكي، وللمؤسسات اليهودية التي تدفع في هذا الاتجاه، وأظن أن أي حكومة عراقية في زمن الاحتلال لن تستطيع، ولن تقوى على معارضة هذا التوجّه، بل ستسهم في إضفاء الشرعية على هذا الرهن؛ هذا كقضية أولى عدم القدرة. والقضية الثانية: أن كثيراً ممن يلعبون الآن أدواراً سياسية في الحكومة العراقية المؤقتة، والحكومة القادمة بعد الانتخابات هؤلاء لهم مصالح كبيرة في الاستفادة من هذا الرهن الاقتصادي للعراق؛ فإذن لا يمكن لأي حكومة عراقية في ظل الاحتلال أن تكسر الطوق الأمريكي الكبير على الوضع الاقتصادي للعراق، وهذا من الأسباب المهمة والكبيرة جداً التي تدعونا إلى عدم الاعتراف بشرعية أي شكل من أشكال الحكم في ظل الاحتلال؛ لأننا حينذاك سنعطي الشرعية لعملية النهب المنظم للاقتصاد العراقي.
البيان: يعاني الشعب العراقي من انتشار البطالة؛ وهو ما يؤدي إلى انحراف اجتماعي؛ فما أثر انتشار حالة البطالة على الشعب العراقي وخصوصاً على البناء الأسري والشباب؟
- د. مثنى الضاري: حقيقةً هي مشكلة كبيرة جداً، وهذه المشكلة طبعاً من نتائج الاحتلال، ولكن كان بالإمكان التنبه لها وإصلاحها من خلال السعي إلى تقليل هذا الحجم الكبير من البطالة، إذا كانت القوى المكلفة في هذا الموضوع أو الصيغ التي شُكلت منذ الاحتلال جادة في ذلك. الذي نراه أنها غير جادة في ذلك تماماً، وقد ابتعدت عن هموم الشعب العراقي حقيقة، بل ساهمت في انتشار البطالة عندما لم تتح فرص العمل لكثير من الشباب، وأكرهتهم وأجبرتهم على الدخول في المؤسسات الأمنية التي أنشأتها من أجل قمع المواطنين العراقيين؛ فهناك فرص عمل كثيرة في كثير من الوزارات العراقية والمؤسسات، ولكن لا يتاح للشباب العمل فيها من أجل إرغامهم على التوجه إلى المؤسسات الأمنية.
- الشيخ البغدادي: بلا شك فإن تخريب الاقتصاد في العراق أمر مقصود منذ بداية الاحتلال، وتشير بعض الإحصائيات إلى وجود أكثر من أربعة ملايين عاطل عن العمل، وهذا يترتب عليه نتائج وخيمة، في حين أنه عندما دخل الأمريكان لوَّحوا بشعار إعمار العراق؛ فأين من هذا الشعار طوابير السيارات كل يوم على محطات البنزين، وقلة النفط، والانقطاع اليومي للتيار الكهربائي التي جعلت العودة إلى عهد صدام حسين لهم حلماً كبيراً.
البيان: ما مشاريع أهل السنة لتدارك المخاطر الاقتصادية والاجتماعية التي يعانون منها والتي أفرزها الاحتلال؟
- الشيخ البغدادي: أهل السنة العرب في العراق يواجهون الآن تحدياً لم يشهد مثله التاريخ، حتى في عهد الدولة الصفوية؛ فهم في محنة عظيمة؛ فالتواطؤ الفارسي الأمريكي مستمر في اعتقال رموز أهل السنة من العلماء والخطباء، واقتحام المساجد مما يسمى بالحرس الوطني وجلهم من الشيعة. الجميع يعلم ماذا فعلوا في جامع أبي طالب جهاراً نهاراً، ودعمهم القوات الأمريكية، وفي صلاة الجمعة من سب لأصحاب النبي ﷺ ، وقد قامت قوات الحرس الوطني بقتل بعض المصلين في داخل المسجد بعد صلاة الجمعة مباشرة، وهنالك العديد من المساجد التي اقتُحمت من الشرطة والجيش، وأُهين فيها المصلون الذين سمعوا بآذانهم سب الصحابة ﵃. وكذلك يواجه أهل السنة التصفية الجسدية. كل يوم تسمع من يُقتل من أهل السنة، وخاصة أصحاب الهدي الظاهر من أصحاب اللحى الذين أصبح مظهرهم تهمة حتى عند الحكومة المزعومة.
وهناك وزراء يخرجون في القنوات الفضائية، ويعتبرون السلفية تهمة إرهابية. كما يشمل القتل العديد من الكوادر العلمية النادرة، والذي ينجو منها يوشى به عند الأمريكان بتهمة الإرهاب.
كما دفعت إيران بمخابراتها حتى تعمل مع (فيلق بدر) الحكومي على تصفية أهل السنة باتفاق مع قوات الاحتلال الأمريكي؛ فأهل السنة في الجنوب، وهم كثر، يواجهون حرباً معلنة عليهم، وفي البصرة والعمارة خاصة تشمل قتلهم أو تهجيرهم.
- د. مثنى الضاري: حقيقة أهل السنة كغيرهم من أهل هذا البلد المخلصين، لديهم أفكار كثيرة لمعالجة هذه المخاطر، ولكننا نستطيع أن نقول: إن كل المخاطر الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزها الاحتلال لا يمكن التعامل معها، ومحاولة إصلاحها أو القضاء عليها إلا إذا خرج الاحتلال؛ لأن الاحتلال لا يمكِّننا من العمل في هذا الإطار، نحن نسعى بكل الجهود كل في إطار عمله، كل حسب تخصصه، كل حسب المحيط الذي يعمل فيه، ولكن أقول بكل احترام: إن هذه الجهود جهود ضعيفة جداً، وإن هذه الجهود تحتاج إلى تكاتف إخواننا في الخارج، ولكن على الرغم من كل ذلك مهما بذلنا من جهود، ومهما أنشأنا من مؤسسات، ومهما حاولنا من إصلاح في المجال الاقتصادي والاجتماعي؛ فإننا لن نبلغ الغاية التي نتمنى ونريد إلا بخروج الاحتلال. فإذن الاستراتيجية التي تقوم عليها نظرة القوى المناهضة للاحتلال: هي إخراج الاحتلال، ثم التفرغ لحل هذه المشاكل؛ لأنها وليدة هذا الاحتلال؛ فإذن يجب القضاء على الداء ثم القضاء على مضاعفاته، والأسباب التي سببها.
البيان: ما أوجُه معاناة الاقتصاد العراقي، وهل بالإمكان قيام مشاريع استثمار إسلامية في البلد لمواجهة الاستثمارات الأجنبية؟
- د. مثنى الضاري: نعم! أنا أعتقد أن الإمكانية واسعة جداً، وأنا هنا أدعو كل الخيِّرين من أبناء العالم الإسلامي إلى اغتنام هذه الفرصة، ولكن أنا أقدّر في الوقت نفسه أن الأوضاع الأمنية المضطربة في العراق قد لا تتيح لهذه المشاريع الاستثمارية الكبيرة أن تنشأ الآن، لكن هناك بدائل: وهي أن تُنشأ مشاريع استثمارية صغيرة، من خلال جهات إسلامية كثيرة في البلد. هذه المشاريع الصغيرة غير المعلنة من خلال فتح جمعيات للإغاثة وجمعيات لتشغيل كثير من الشباب العاطل عن العمل، وكذلك من خلال دعم بعض المؤسسات الاقتصادية التي تأثرت بسبب الاحتلال، هذا الدعم يمكن أن يؤسس لبناء قاعدة مشاريع استثمارية كبيرة في البلد بعد تحريره إن شاء الله. نعم! أنا أقدّر الأوضاع الأمنية، وأقدّر أن كثيراً من الراغبين في العمل في داخل العراق من إخوتنا المسلمين والعرب يحجم عن ذلك بسبب هذه الأوضاع، ولكن أقول: إن هناك بدائل، وبالإمكان الوصول إلى الساحة العراقية بطرق آمنة، وليس شرطاً أن تكون طرقاً مباشرة؛ فمن كان مهتماً فإنه يستطيع أن يصل إلى الساحة، وهناك تجارب إسلامية رائدة للكثير من إخواننا العرب نجحت في البلاد، وبالإمكان الاطلاع عليها من خلال الاتصال ببعض الجهات المهتمة بهذا الموضوع في داخل البلد.
- الشيخ البغدادي: بالإمكان قيام مشاريع استثمار إسلامية في العراق إذا قدر حكام العرب، وخاصة في دول الخليج خطورة التوسع الفارسي من خلال السيطرة على العراق سياسياً واقتصادياً ومذهبياً؛ فالعراق له عمق عربي وخليجي وإسلامي، وهو مهدد بالشعوبية والطائفية، وإن إيران ألقت بكل ثقلها في العراق؛ تصوَّر أن العملة الإيرانية هي المتداولة في كربلاء والنجف، واللغة الفارسية أخذت تنتشر في الجنوب!
- المحور الرابع: التربية والتعليم:
البيان: كيف ترون مستقبل قطاع التربية والتعليم؟ وكيف تواجهون التغيير الحاصل في بعض المناهج، والذي يتضمن إدخال أفكار علمانية وطائفية؟
- الشيخ البغدادي: هناك خطر كبير في هذا المجال وهذه بعض أهم الحقائق في هذا المجال:
١ - هناك سعي كبير لغلق أهم الوزارات أمام أهل السنة، وحصرها على الشيعة، وأهمها وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي، والبحث العلمي، ووزارة الصحة ووزارة الدفاع.
٢ - لا يمكن تعيين العراقي السني، خاصة في وزارة التربية، حتى يأتي بكتاب تزكية من الأحزاب الشيعية.
٣ - أخذ بعض المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات يفصحون علناً عن حقدهم على الصحابة ﵃ فيستمع الطلاب إلى سب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة ﵃.
٤ - محاربة الطلبة والطالبات السنَّة الملتزمين منهم خاصة، بل تم قتل العديد من طلاب الجامعات.
٥ - الجامعة المستنصرية أصبحت خاصة بالشيعة؛ لنشر عقائدهم، وأفعالهم، ومحاربة السنة، وأُقيم في داخل الجامعة معرض الكتاب الإيراني حيث بيعت فيه الكتب التي تسب الصحابة، وتعتبرهم كفاراً مرتدين.
٦ - انتشار نكاح المتعة الباطل بين الطلبة والطالبات الشيعة.
٧ - تغيير بعض المناهج في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وحتى في الجامعات، وتوجيهها توجيهاً طائفياً.
٨ - أصبح المشرفون على وزارة التربية وعلى المناهج من خبراء اليهود والشيعة لمحاربة أهل السنة.
٩ - إشاعة أكذوبة أكثرية الشيعة وأقلية السنة ـ والحقيقة هي العكس ـ عند العوام من العراقيين.
١٠ - نشر الإباحية والعلمانية والطائفية في المدارس والجامعات العراقية.
١١ - القيام بإبعاد أو قتل أساتذة الجامعات العراقية من أهل السنة.
- د. مثنى الضاري: حقيقة قطاع التربية والتعليم من أهم القطاعات ونحن نعتقد أن الحرب في العراق هي حرب فكرية بدرجة الأساس، وليست حرباً اقتصادية أو سياسية أو استعمارية. الحرب هي أساساً حرب فكرية من أجل القضاء على الأفكار الصحيحة لأبناء هذا البلد من أجل القضاء واجتثاث البذور التي بدأت تنشأ في هذا البلد، وفي المنطقة لمقاومة الغلو والعلو الأمريكي، ولكن ما حصل من تغيير إلى الآن في بعض المناهج تغيير غير ظاهر، وهناك تغييرات سرية لم تجرؤ قوات الاحتلال، ولا بعض القوى المتعاونة معها على الجهر بها، ولكننا نلمس أن هناك تغييرات قد دخلت في بعض المناهج، وقد وقفنا على بعض هذه المناهج، ولدينا دراسات حول هذا الموضوع. ثم هناك أيضاً حملة التثقيف من خلال وسائل الإعلام الفضائية، وغيرها من خلال الصحافة والترويج لأفكار كانت غريبة عن الساحة العراقية تماماً، كل هذا نحن كنا نتوقعه؛ كنا نقول: إن الخطر الأكبر بعد الاحتلال: هو الغزو الفكري الكبير للمجتمع العراقي الذي كان محصناً في كثير من الأوجه في هذه القضايا؛ لذلك فإن مسألة قطاع التربية والتعليم تحتاج إلى وقت طويل، تحتاج إلى تضافر جهود، تحتاج إلى رؤية حقيقية وواعية لهذا الموضوع، ولا تعالج بقضايا ردود الأفعال السريعة للتنبه إلى هذه المشكلة. المشكلة حاصلة لا داعي للتنبيه إليها، لن نحتاج إلى وقت كبير للدلالة عليها؛ فهو واقع نشاهده يومياً. ويمكن إيصال هذا الواقع لغير العراقيين في الخارج، ونطلعهم على المخاطر التي تجري في الداخل. أما الإصلاح فأعتقد أن هذا الأمر مرتبط بخروج الاحتلال كارتباط القطاع الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي. علينا أن نسعى، وأن نعمل كل في مجال اختصاصه، نحاول أن نقلل من الخرق الكبير في هذا المجال، ولكن أعتقد بأن المواجهة الحاسمة المواجهة الكبيرة: هي بالقضاء على السبب الذي أوجد لنا هذا الخرق، ألا وهو الاحتلال. فإذن أنا أعتقد أن كل المحاور: المحور السياسي، والمحور الاقتصادي، والمحور الاجتماعي، والمحور الثقافي، محور التربية والتعليم لا يمكن التعامل معها بالطريقة التي نريد ونتمنى إلا بعد خروج الاحتلال، ولكن هذا لا يعني أن نتوقف عن المعالجة. يجب على كل الجهات المعنية التي لها القدرة في هذا المجال أن تبذل ما تستطيع من جهود؛ هذه الجهود ستلتقي ـ إن شاء الله ـ بعد خروج الاحتلال، من أجل وضع استراتيجيات كبيرة للقضاء على كل المظاهر السلبية في هذه المحاور.
(*) مراسل مجلة البيان في العراق.
стр. 5241
نجوى القلم ..
عبد الله موسى بيلا
قلمي يئنُّ لوطأة الأحزانِ يبكي فيُوهِنُ بالخُطوبِ بياني
فمِدادُه ألمٌ بِمحبَرِة الأسى
قِرطاسُهُ سِفرٌ مِنَ الأشجانِ
لمَّا مددتُ يدي إليه كأنني
أشفي بذا الشعرِ العليلِ جَناني
أو ربما أسلوبه عن حاضرٍ
قد دنَّسَ الأطهارَ بالأدرانِ
قال القُليمُ: إليكَ عني فابتعدْ
يا من تعيشُ بذِلَّةٍ وهوانِ!
ثم انزوى عني يُجلّلُهُ الضنى
وصريرُه يحكي بغيرِ لسانِ
وغدا يقولُ، وكُنتُ أُنصتُ قَولَهُ
مُتأَملاً عِبَراً بِه ومعاني:
البَس رِداءَ العِزّ يا أسد الشرى
واصبِر فأنتَ بأغرَبِ الأزمانِ!
زمنٌ بِه ذلَّ العزيزُ، وأصبحَ الـ
ـحُرُّ الأَبيُّ به منَ العُبدانِ!
ومشى العبيدُ بهِ على هاماتِهم
وَمْضُ الجُمانِ، ورونقُ التيجانِ
والحُرُّ ليس لهُ بقايا عِزَّةٍ
إذ باعَها، وبأبخس الأثمانِ!
لكن.. رأيتُك يا أخي حُراً تَذودُ
عنِ الحنيفةِ أعظَمَ الطُغيانِ
ومُجاهداً ترنُو إلى قِمَمِ العُلا
ومُناضِلاً بالصبر والإيمانِ
ما ضرَّ عزمَكَ أن تَصاغَرَ عزمُنا
عن كُلِ فِعلٍ صادِقٍ، وبيانِ
فرَسَمتَ في بغداد أجمَلَ لوحةٍ
مصبُوغةٍ بدَمٍ طَهُورٍ قانِ
قد صُنتَ عرِضَ الدينِ عن دَنَسِ الأُلى
نَهَجُوا طريقَ الكُفرِ والشيطانِ
وَرَموا بِزُور القولِ دينَ محمدٍ
إذ ألبَسُوه غلالَة البُهتانِ
فأتيتَ يا أسدَ الوغى مُتوشِحاً
سيفاً تصُونُ به حِمى القرآنِ
ما كُنتَ إلا بالحُقوقِ مُطالباً
حتى تُقيمَ شوامِخَ البُنيانِ
حرّيةُ الإنسانِ حقٌّ لازِمٌ
قد أحْكَمتهُ شريعةُ الرّحمنِ
حرّيةُ الإنسانِ أوّلُ مَطلبٍ
نادى بِه الإنسانُ للإنسانِ
حرّيةُ الإنسانِ أنْ يحيا على
ما شاءَ مِن نهْجٍ بِغيرِ هوانِ
والدينُ لا إكراهَ فيهِ إذا انتهى
عن ظُلمِ أهلِ الدينِ كلُّ جبانِ
الغربُ نادى بالحُقوقِ بِزعمِهِ
للإنسِ والأشجارِ والحيوان!
أينَ الحُقوقُ؟ وأينَ زعمُهُمُ الذي
أمسى دَفينَ دفاتِرِ النسيانِ؟
يُعطي الحقوقَ لكل شعبٍ كافِرٍ
ويَغُضُّ طرفَ الجَوْرِ عن إيماني
يا مَن رفعتُم للتَحرُّرِ رايةً
خَفَّاقةً بالدينِ في الشيشانِ!
صُونُوا حِمى أُسدِ الوغى بِجهادكُم
وامضُوا لِرَبٍ راحِمٍ، وجِنانِ!
النصرُ لاحَ وسوفَ تُشرقُ شمسُكُم
لِتُزيلَ ليلَ الكُفرِ دونَ تواني
والحقُّ يُوشِكُ أن يعُودَ لأَهلِهِ
وَلَسَوفَ تُغْلَقُ صفحةُ الأحزانِ
стр. 5242
الجاسوسية التي تعدد أنماطها
من خفايا التطبيع مع الكيان العبري
محمود سلطان
لا شك أن خبرة المجتمعات العربية والإسلامية في فهم الأعراف والتقاليد «الخفية» في العلاقات الدولية، هي في واقع الحال خبرة تكاد تكون بكْراً، حيث لم تتعرف على العالم من خلال فضاءات رحبة محررة من القمع المؤسسي الداخلي، والحصار الإعلامي، والدعايات الرسمية التي تؤصل في الوجدان العام إحساسه بأنه «وعي قاصر» ، وأن الدولة أكثر منه «فهماً ووعياً» وأن عليه أن يسلم ناصية أمره لها، فهي تحب ألا تُسأل عما تفعل، وفيما تفعل، ولا فيما هي الفاعل فيه.
ولقد أغرت هذه الحالة بعض الأنظمة العربية، أو الإسلامية التي أبرمت «اتفاقيات سلام» مع الكيان العبري في النزول عند رغبات وضغوطات هذا الكيان أو الوسطاء «غير المحايدين» ، والتوقيع على «تنازلات» بلغت مبلغ المسّ بالأمن القومي لدولها. باعتبار أن شعوب المنطقة ليست على الوعي الذي يؤهلها لفهم تجلّيات ما اتُّفق عليه خلف الأبواب المغلقة.
وفي هذا الإطار، وفي بداية الأمر لاقت كلمة «التطبيع» ـ ولا سيما في الدول التي خاضت حروباً مع الكيان الصهيوني ـ بعضاً من «ارتياح» شعبي، باعتبار أنها ستضع حداً للاستنزاف الذي تقتضيه حالة الحرب من جهة، والنظر إليها باعتبارها مرادفاً لـ «الصداقة» من جهة أخرى، وهي كلمة عند العرب والمسلمين، لها حمولتها العاطفية، واستحقاقاتها الإنسانية. وكان هذا ـ في البدايات المبكرة لأول خبرة في هذا الإطار، والتي استهلتها القاهرة في أواخر سبعينيات القرن الماضي ـ هو الرهان الذي راهن عليه «التطبيع الرسمي» في تمرير سيناريوهات تجسير العلاقة مع تل أبيب.
حتى ذلك الحين لم يكن ثمة رأي آخر غير رأي الدولة في مجتمع جرى تغييبه سياسياً، فلا يعرف معنى آخر غير الذي يراه صانع القرار في «دار الرئاسة» ، وظهر في غضون ذلك منحى ما سُمّي بـ «كسر الحاجز النفسي» مع العدو، في رسالة لا ندري من كان المقصود بها، وإن كانت تعني في مدلولها النهائي: أن العرب ينتظرون من إسرائيل أن تبادلهم «النيات الحسنة» و «نبل الهدف» و «نقاء القصد» مما يريب بها.
والحال أن هذا كان نوعاً من أنواع المخادعة، تستهدف مخادعة «الداخل ـ العربي» لا «الخارج ـ الصهيوني» ؛ إذ إن الأخير هو الأكثر وعياً وخبرة في مهارات الإدارة الدولية لقضاياه، ومشاكله تجعله مستعصياً على مثل هذه المخادعة على سذاجتها. وهذه كانت «سقطة» رأت الإدارة المصرية أنها «مهمة» في حينها؛ ربما لأسباب تكتيكية، إلا أنه كان لها تداعيات خطيرة على «الوعي الأمني» عند المواطن العادي، وعند النخب المصرية بشكل عام، والتي كان يعوزها الخبرة التي تؤهلها للمناورة، والتفلّت من عمليات «تجنيد العملاء» ، والكشف المبكر والسريع لها.
فليس ثمة صداقة بين الدول، حتى بين تلك التي ليس بينها عداوات، أو ثارات تاريخية؛ فالثابت والمتواتر من التراث السياسي الإنساني أن اتفاقيات السلام أو الصداقة لا تشكل مانعاً في أي لحظة يحول دون أن يعمد الأصدقاء إلى التجسس بعضهم على بعض؛ وذلك لأن أجهزة المخابرات تعمل بداهة وفق قاعدة ثابتة، يعرفها المشتغلون بالرأي العام، وهي: «أنه ليس في السياسة ـ وفي علاقات الدول ـ صداقات ولا عداوات دائمة، وإنما مصالح دائمة» ، ولوزير الخارجية الأمريكي الأسبق (هنري كيسنجر) مقولة مشهورة في هذا الإطار كثيراً ما يستشهد بها الخبراء الأمنيون على القاعدة؛ إذ يقول: «لا يوجد في العالم أصدقاء وأعداء، ولكن أعداء بدرجات مختلفة» .
والحال أن أفضل أنموذج لصدق هذه المقولة، هو النموذج «الأمريكي ـ الصهيوني» ، فهما دولتان تتجاوز العلاقة بينهما ما تواطأ دولياً بأنه «صداقة» ؛ فهما حليفان عضويان، بلغت حميمية العلاقة بينهما مبلغ أن أستقر في الوجدان والضمير الدولي، أن الثانية هي إحدى ولايات الأولى، ومع ذلك اكتشف العالم أن الولايات المتحدة كانت ولا زالت ساحة مستباحة لعمليات تجسس إسرائيلية واسعة النطاق كان أشهرها قضية الجاسوس الإسرائيلي (جوناثان بولارد) الذي كان يعمل في البحرية الأمريكية، ونقل أكثر من خمسمائة ألف وثيقة أمريكية إلى (إسرائيل) ، وقضية رئيس المخابرات المركزية الأمريكية نفسه (جون دويتش) عام ١٩٩٥م، الذي قام هو أيضاً بنقل معلومات ووثائق سرية إلى منزله دون معرفة وموافقة الجهات المعنية؛ حيث أثبتت سلطات التحقيق أنه كان يسلمها إلى السفير الإسرائيلي في واشنطن (بن إليعازر) ، وقد ترك (دويتش) منصبه في عام ١٩٩٦م بعد أن قدّم اعتذاراً رسمياً، ثم كانت قضية (مارتن أنديك) السفير الأمريكي في (إسرائيل) الذي فوجئت الأوساط السياسية والدبلوماسية في واشنطن عام ١٩٩٩م بإيقافه عن عمله، ووضعه رهن التحقيق؛ بتهمة ارتكاب جريمة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، واستدعائه إلى واشنطن للتحقيق معه بعد تجريده من امتيازاته السياسية والأمنية؛ حيث ثبت أنه حوّل معلومات سرية من أجهزة الكمبيوتر الخاصة بوزارة الخارجية الأمريكية والسفارة، إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به، ومنه إلى أجهزة كمبيوتر الموساد، وهو الأمر الذي أدى إلى اطلاع المسؤولين الإسرائيليين على خطة الإدارة الأمريكية للتفاوض مع الدول العربية و (إسرائيل) ، ومن ثم تحسين موقف المفاوض الإسرائيلي، وهو الأمر نفسه تكرر مع المرشح سفيراً للولايات المتحدة في البحرين (رونالد نيومان) الذي كان أيضاً على اتصال بالموساد.
وقد واكبت فضيحة (مارتن أنديك) فضيحة تجسس إسرائيلية أخرى كشفت عنها مجلة (أنسايت) الأمريكية المتخصصة في شؤون المخابرات، عندما ذكرت أن مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI يقوم بالتحقيق في قضية تجسس كبرى، تقوم بها إسرائيل داخل الولايات المتحدة من خلال التنصت على الاتصالات الهاتفية والإلكترونية لكبار المسؤولين الأمريكيين، وخاصة في البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، ونقلت المجلة عن مصادر أمنية أمريكية أن وزارة العدل تعرقل جهود مكتب FBI لتقديم لائحة اتهام رسمية ضد المتهمين في هذه القضية، بزعم أن ذلك من الممكن أن يؤثر سلباً على العلاقات مع (إسرائيل) في حين أكد تقرير عن القضية ذاتها صدر عن وكالة (درادج ريبورت) المختصة في الشؤون المعلوماتية أن عمليات التنصت التي كانت تجري منذ أربع سنوات كانت تتم بواسطة شركة اتصالات موجودة في واشنطن تملكها (الموساد) ، تقوم باختراق شبكات الاتصالات السياسية، والأمنية السرية في الولايات المتحدة.
كما كشف تقرير آخر أن مكتب FBI قد تعقب جاسوساً إسرائيلياً كان يعمل لحساب شركة الاتصالات المحلية المشار إليها، وزوجته معروفة باعتبارها عميلة للموساد في واشنطن؛ ولأنها كانت تعمل في السفارة الإسرائيلية وتتمتع بالحصانة الدبلوماسية، فلم تتمكن FBI من التحقيق معها، وقد عُثر في حوزة العاملين في هذه الشركة على أرقام هواتف حساسة لبعض المسؤولين الأمريكيين الكبار الذين يستخدمون الشفرات الاتصالية في دوائر الأمن القومي التي يطلق عليها اسم «خطوط المكتب الأسود» . ومنها اتصالات دولية يؤدي الكشف عنها إلى التعرف على طبيعة نظام أجهزة مكافحة التنصت، وأن لهذه الشركة شخصاً كبيراً في أحد الأجهزة الأمريكية الحساسة، يسهِّل لها عمليات التنصت؛ ولكن لأن الأمور المتعلقة بعمليات التجسس الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة تندرج تحت أقصى درجات السرية، وقد تُكلِّف الذين يحشرون أنوفهم فيها مستقبلهم الوظيفي، فقد تمّ (لملمة) هذه القضية أيضاً وإسدال الستار عليها.
وكان قد سبق لمكتب (التحقيقات الفيدرالية) أن قدّم العديد من التقارير للمسؤولين الأمنيين أشار فيه إلى خطورة وجود جواسيس إسرائيليين يقومون بالتجسس على الجهات العاملة في (وادي السليكون) بولاية كاليفورنيا؛ لجمع أحدث أسرار العلم والتقنية التي توصلت إليها الشركات الأمريكية. وجاء في تقرير رفعته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) إلى لجنة المخابرات بالكونغرس: أن (إسرائيل) تعتبر واحدة من ست دول أجنبية تقوم أجهزة مخابراتها العلمية بجهود حثيثة لجمع أسرار عسكرية، وتكنولوجية، واقتصادية، وسياسية تخص صميم الأمن القومي الأمريكي (١) . فإذا كان هذا هو حال «الكيان الصهيوني» مع حليفته الرئيسة «أمريكا» ؛ فما بالنا بحالها مع العالم العربي؟!
لا شك في أن التطبيع مع (إسرائيل) ، وما تبعه من تحول كبير في علاقات العالم العربي الدولية، ورهانه على الإدارة الأمريكية في الخروج من أزماته المتفاقمة، أدخل المنطقة في خبرة جديدة عليها، وغير مسبوقة في عمليات متنوعة ومتباينة من الاختراق الأمني والاستخباراتي؛ إذ بات النفوذ الأمريكي، والذي تربطه مصالح مشتركة مع (إسرائيل) في استكشاف ومعرفة تفاصيل الحياة العربية، أكثر حضوراً داخل المجتمع العربي، يقيم مع مؤسساتها، سواء الرسمية أو المستقلة «علاقات ملتبسة» ، في وقت كانت فيه السلطات المركزية المحلية تتحرج من التصدي لها خشية الصدام مع الطرف الأمريكي، وعلى سبيل المثال: في مصر، وفي ثمانينيات القرن الماضي عندما بادر الدكتور (حامد ربيع) بنشر سلسلة من المقالات في مجلة (الأهرام الاقتصادي) ، منبهاً من خطورة تلك العلاقات التي تسببت حينها بأزمة في العلاقات الأمريكية المصرية، انتهت إلى صدور قرار بإقالة رئيس تحرير المجلة.
واستطاعت (هيئة المعونة الأمريكية) في هذا المناخ الرسمي المتحسس من رد الفعل الأمريكي من جهة، ومناخ عام قليل الخبرة في إدراك أبعاد هذه التجربة الجديدة من جهة أخرى، واستطاعت تمويل مشروع بحثي، أُنجز بالتعاون بين عدد من الجامعات الأمريكية، والجامعات المصرية، شمل أكثر من ٥٠٠ دراسة بحثية برصيد ٦٠ مليون دولار، وتناولت كل شيء في مصر من الصناعات الاستراتيجية، مثل: صناعة الحديد، والصلب، مروراً بمناهج التعليم والتربية وموقع الدين فيها، وانتهاء بسياسة مصر الخارجية تجاه (إسرائيل) ، والتطبيع معها، وقد اشترك في هذا المشروع أكثر من ٢٠٠٧ من الباحثين المصريين، وأكثر من ٥٠٠ أمريكي، وقد كُتبت جميع هذه الدراسات باللغة الإنجليزية، وحصلت (هيئة المعرفة الأمريكية) على نسخ منها، وعلى جميع المعطيات والأرقام والاستنتاجات التي توصل إليها الباحثون (٢) .
ومن الصعوبة أن نفصل بين الجهود الأمريكية والإسرائيلية في هذا الإطار؛ ففي إحدى الدول العربية التي أبرمت اتفاقيات سلام مع العدو الصهيوني، أقيمت فيها بعد الاتفاقية بسنوات قليلة ستٌّ وثلاثون مؤسّسة علمية أمريكية، وثقافية «إسرائيلية» ، مثّلت وتمثّل مظلّة رسميّة لاختراق الشخصية العربية، والتجسّس على قطاعات المجتمع كافّة.
واللافت للنظر هنا أنّ المؤسّسات الأمريكية والإسرائيلية تبحث في هذا البلد العربي في «كل الموضوعات وفي كل مكان، وباستقلالية كاملة، أو في إطار بحوث مشتركة ومموّلة، كوّنت «بنوك معلومات متكاملة» إلى الحدّ الذي دفع بعض الباحثين الوطنيين إلى القول: إن «كمية المعلومات التي حصلت عليها هذه المؤسّسات تفوق تماماً ما تعرفه القيادة السياسية، وتفوق ما يعرفه علماؤنا» (٣) . ويؤكّد الرأي السابق الإعلان التالي ـ الذي نشر في جريدة جامعة أمريكية تحت عنوان: «فرص بحث» (٤) ـ: «تحتاج وزارة الخارجية لأبحاث عن الوجود الأمريكي في مصر، على ألاّ تتعدّى تكاليف مشروع البحث ٢٥ ألف دولار.. اتصل بوزارة الخارجية - فرع العقود - ص. ب ٩٢٤٤، روزين ستيشن، فيرجينيا ٢٢٢٠٩» .
والحال أن التطبيع أحال العالم العربي إلى ساحة تستبيحها كامل فنون وأنماط الجاسوسية في التاريخ الإنساني الحديث، ففي سنوات المواجهة، كانت هذه العمليات تقتصر تقريباً على «التجسس العسكري» . وبعد «التسوية» بات المجتمع العربي تتقاطع على تضاريسه أنواع أخرى أشد فتكاً، مثل: التجسس الثقافي، والعلمي، والصناعي، والاجتماعي، وغيره، والذي ينتهي بخدمة الأجندة الأمنية الإسرائيلية للسيطرة على المنطقة.
- التطبيع الثقافي: جسر التجسس:
فالتطبيع الثقافي كان في واقع الحال «تجسساً ثقافياً» للاطلاع على الواقع الثقافي العربي، وعلاقته بالصراع العربي الصهيوني، ووضع سيناريوهات تطويعه على النحو الذي يخدم الوجود الصهيوني في المنطقة ككيان طبيعي.
فمن بعد توقيع الاتفاقية الثقافية في مايو ١٩٨٠م بين القاهرة وتل أبيب، والتي أتاحت للعدو حضوراً كبيراً في الواقع المصري وقراءته، وتفسيره، وتوصيفه استهلت عمليات التجسس الثقافي من المركز الأمريكي بالقاهرة في الفترة ما بين عام ١٩٨٤م ـ ١٩٨٦م، عندما موّل أبحاثاً لليهودي الأمريكي «ليونارد بايندر» ـ عمل مستشاراً لـ (جولدا مائير) إبان حرب عام ١٩٧٣م، وشارك في حرب ١٩٤٨م، وعمل أستاذاً زائراً بالجامعات الأمريكية في مصر ـ حول احتمالات الثورة الإسلامية في مصر، وتأثير ذلك على مجريات الصراع العربي الإسرائيلي، ثم عقد صفقات بحثية بين إسرائيليين ومصريين، مثل: صفقة البروفسير الإسرائيلي «ستيفن كوهين» ، وعدد من أساتذة علم النفس المصريين في سبتمبر عام ١٩٨١م، شارك فيها من الجانب المصري د. قدري حفني، د. محمد شعلان، وكان أشهر هذه الأبحاث هو بحث «رؤى الصراع» ، والذي يهتم بالجوانب الاجتماعية والنفسية للصراع، ومولته (هيئة المعونة الأمريكية) و (المركز الأكاديمي الإسرائيلي) ، بالإضافة إلى عقد العشرات من المؤتمرات العلمية والثقافية، واختراق الاتحادات الطلابية، والجامعات المصرية (وقد شاركت إسرائيل بوفود علمية وثقافية رفيعة في مؤتمر (العلوم والطاقة النووية) الشهير الذي عقد بالإسكندرية عام ١٩٨٦م، وبعده مؤتمر القانون الدولي الذي عقد في جامعة القاهرة) ، وفي غضون هذه الهشاشة التي أصابت المشاعر العامة تجاه التطبيع، أنشئ (المركز الأكاديمي الإسرائيلي) بالقاهرة عام ١٩٨٢م، ليمثل أخطر مظاهر الاختراق الصهيوني للعقل المصري في المرحلة التالية لمبادرة القدس عام ١٩٧٧م، والذي اكتشف بداخله خلال عامي ١٩٨٥م، ١٩٨٦م ثلاث شبكات للتجسس، مكونة من عدد من الأمريكيين والإسرائيليين واليهود المصريين (١) .
وفي هذا السياق أيضاً وفي إحدى زيارات الدكتور (ساسون صوميخ) أستاذ الأدب العربي بجامعة تل أبيب، قال بعد زيارة له للقاهرة: «لقد ساءني جداً خلال زيارتي لجامعة عين شمس أن أجد مكتباتها مليئة بالكتب التي ألّفها متعصبون ـ كما يزعم ـ ضد اليهود، وهذه الكتب تُباع في المكتبات، وأكشاك الصحف بُحريّة تامة، وإنني لا أعتب على أدباء مصر الذين «يعطفون» على (إسرائيل) كتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، إذا لم يفعلا شيئاً لمنع هذه الكتب، ولكنني أعتب على المؤسسات السياسية في مصر التي تستطيع «بجرّة قلم» أن تمنع كلّ هذه الكتب المناهضة «لإسرائيل» من التداول (٢) .
هذا الاطلاع الذي حصل عليه «صوميح» في إطار تبادل التعاون الثقافي والعلمي، لم يكتشف منه هذه المعلومة فقط، إنما اكتشف أيضاً علاقات القوة داخل المجتمع المصري، وأن الدولة لا زالت أقوى من المجتمع، ومن ثم فهي قادرة على فرض أجندتها عليه، وهو ما يُفهم من آخر فقرة من كلامه المذكور آنفاً. وهو ما حدث فعلاً في أكثر من بلد عربي، حتى في دول لا تربطها علاقات رسمية مع تل أبيب؛ ففي مصر، أوردت جريدة «السياسي» القاهرية في عددها ٢٥/٥/١٩٩٣م بعنوان بارز «اليهود والأمريكان ... هل اندسوا في تطوير مناهجنا الدراسية؟» بعض المعلومات البالغة الدلالة إذ نشرت الفقرات المحذوفة من المناهج، مشيرة إلى أن «العملية التطويرية للمناهج التعليمية المصرية» قام بها ٢٩ أستاذاً ومستشاراً أمريكياً، بينهم عدد كبير من اليهود بتمويل من المعونة الأمريكية لمصر، وتطرقت جريدة «السياسي» إلى القول: إن وزارة التعليم المصرية ألغت كتاب «صور من تاريخ مصر الإسلامية» للصف الخامس الابتدائي، وقررت بدلاً عنه كتاب «تاريخ الفراعنة» ؛ بغية غرس القومية الفرعونية عوضاً عن الحضارة العربية الإسلامية. كما ألغي كتاب «الدولة الإسلامية العربية وحضارتها» للصف الثاني الثانوي، وتقرر عوضاً عنه كتاب «تاريخ أوروبا في القرون الوسطى» مع تحريف كتب التاريخ العربي، وتاريخ الحضارة الإسلامية. (فالله المستعان) .
وتضيف جريدة «السياسي» قائلة: «هذا وقد تم حذف اسم فلسطين من كافة الكتب التاريخية، والجغرافية، والمناهج الدراسية في مصر ليحل محلها اسم «إسرائيل» . وفي مادة التاريخ الصف الثاني الإعدادي تم حذف موضوع الصليبية وموضوع جهاد صلاح الدين الأيوبي والسلطان قطز ضد المغول والصليبيين، وموضوع جامعة الدول العربية، وقضية فلسطين، والصهيونية العالمية، وذلك قبل الامتحان الدراسي بأيام قليلة من عامي ١٩٩٠ ـ ١٩٩١م» ولقد حدثت تعديلات مشابهة في دول عربية أخرى مثل: الإمارات، الكويت، واليمن، ولبنان.
ولم ينحصر «التجسس الثقافي» عند استجلاء الواقع الثقافي العربي، وكشفه بغية اختراقه، والضغط على المؤسسات الرسمية العربية على التعاون في تغيير العقل العربي على النحو الذي يجعله ذا قابلية، لاحتضان الكيان الصهيوني في أفقه الجغرافي، والسياسي، وإنما يتفرع عنه نوع آخر من التجسس الثقافي يطلق عليه «التجسس الحفري» بحثاً عن أدلة «تهويد» مناطق عربية، والادعاء بحق الكيان الصهيوني فيها، أو إخفاء أدلة قد تنقض المشروع الصهيوني ذاته من أساسه في العالم العربي.
في هذا الإطار، يشرح الدكتور (مروان أبو خلف) الأستاذ في (دائرة التاريخ والآثار) في جامعتي الخليل وبيرزيت غايات «التجسس الحفري» في فلسطين ـ مثلاً ـ قائلاً: «إن للحفر الأثري في فلسطين بدون شك العديد من التوجهات والأهداف التي يمكن تلخيصها في: التوجّه الديني، التوجه السياسي.
أما التوجه الديني فقد كان توجهاً رئيساً لكون علم الآثار الفلسطيني قد قام بشكل أساسي على أساس توراتي للبحث في العهد القديم، بالإضافة إلى أن معظم الباحثين الذين جاؤوا للقيام بحفريات أثرية في فلسطين كانوا علماء آثار توراتيين منهم واران (War ren) ، والبرايت (Albright) ، وسللن (sellin) ، وغيرهم.
وفيما يتعلق بالتوجه السياسي فإن هذا التوجه قد بدأ منذ فترة طويلة في فلسطين، إلا أنه لم يتبلور بشكل واضح إلا في فترة متأخرة؛ نتيجة للمعطيات السياسية الجديدة. ويركز هذا التوجه على القيام بحفريات أثرية الهدف منها هو العثور على مواد أثرية من شأنها إثبات واقع سياسي معين، يتمثل في تسويغ حق مجموعة من الناس في امتلاك الأرض، بالرجوع إلى الماضي من خلال المخلفات الأثرية (١) .
والواقع أن هذا التجسس الحفري شجع كثيراً من المسؤولين الصهاينة و «مافيات الآثار» على المتاجرة بما سطوا عليه وتهريبه إلى خارج فلسطين، كما هو الحال مع (موشي دايان) مثلاً؛ حيث جاء في تقرير «سري جداً» رفعه رئيس الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي (مناحيم بيغن) بتاريخ ١٤/٣/١٩٨٣م، ـ أي بعد الاجتياح الصهيوني للبنان ـ وتحت عنوان: «تجاوزات الجنرالات (الصهاينة) ، وكسبهم غير المشروع» ذكر التقرير أن من أشهر الأسماء اللامعة في مجال التجاوزات، والكسب غير المشروع الجنرال الراحل (موشي دايان) الذي استغل منصبه وزيراً للدفاع، والسمعة التي اكتسبها في حرب حزيران ١٩٦٧م وبعدها، فقام باستخدام عمال وخبراء الدولة لمساعدته في التنقيب عن الآثار واستخراجها، لا ليقدمها هدية للدولة، أو للمتاحف بل إنه باعها بأسعار خيالية إلى تجار ومهربي الآثار (٢) .
والواقع أيضاً أن تهريب هذه الآثار وبيعها إلى خارج فلسطين، والمنطقة العربية يعطي ضمانة بالغة الأهمية للسلطات الصهيونية (ولو كان وجهها تجارياً) باعتبار أن معظم هذه الأثار المكتشفة ينسف المقولات التوراتية من أساسها، وهذا خطر كبير فيما لو بقيت هذه الآثار في الداخل، حتى لا تشكل كارثة على سلطات الاحتلال لو وقعت بأيدي من لا تثق بهم، وعند ذلك تقع الفضيحة؛ لذلك يأتي «تضييعها» في أوروبا وأميركا، أو «إتلافها» عبر عملائها وسماسرتها الدوليين ضمانة أكيدة في ظل حرمان أصحابها الأصليين منها.
كذلك كان حال المكتبات الخاصة بشخصيات عربية فلسطينية وطنية؛ حيث تحتوي على كنز ثمين من الوثائق والمخطوطات والكتب النادرة، سطت عليها سلطات الاحتلال، ونقلتها للجامعة العبرية. فضلاً عن سرقة «الدبكة» الفلسطينية، التي قدمتها فرقة يهودية على مسارح إيران أمام الشاه.
هذا، ولم يكن نصيب مصر أقل من نصيب فلسطين في هذا المضمار؛ إذ قام العدو الصهيوني تحت ستار السياحة، والبحث العلمي بالعديد من عمليات التجسس في شكل مسح أثري لمناطق سيناء بالكامل، شمل الآثار الفرعونية والعربية والإسلامية، وكافة ألوان الفنون الشعبية، والحرف البيئية المختلفة، وجُهّز لها متحفان: أحدهما في تل أبيب، والآخر بالقدس، وقد تمت سرقة هذا التراث. ووصل الأمر إلى حد زعم (مناحيم بيغن) أن «تمثال أبو الهول» في مصر هو من صنع أجداده.
ولم تكتف السلطات الصهيونية بالاستيلاء على هذه الفنون فحسب بل سعت وتسعى جاهدة «لتهويد» ما تم كشفه وجمعه منها، مدعية أن هذه الفنون والحرف التي يمارسها بدو سيناء هي فنون يهودية في الأساس.
وهذا ما فعلته أيضاً حتى مع الموسيقى الشعبية لبدو سيناء حيث سرقتها، وكذلك أطلقت مسميات يهودية على الأعشاب الطبية التي تُزرع في هذه المناطق. كما قام الصهاينة بجمع العملات الفضية التي تزين الثوب النسائي السينوي في جنوب سيناء، واستبدلوها بوحدات رسمت عليها نجمة داوود السداسية، وتم جمع الأثواب التي تصنعها نساء واحة سيوة؛ نظراً لتمييزها في الشكل الفولكلوري، مع العلم أن الكيان الصهيوني ليس لديه موسيقاه المميزة أو رسمه المتميز، ولا فولكلور شعبي خاص به، وأن كل ما قام به من سلب ونهب في هذا الإطار نسبه إليه وجيره لمصلحته وحسابه (١) .
وفي هذا الإطار نشير أيضاً إلى شبكات «السياح الجواسيس» ، والتي تتحول إلى بؤر لتسويق فتيات البغاء المصابات بالإيدز، والدولارات المزورة، وعمليات الاغتيال، والتي تأتي بأسماء مستعارة أحياناً، وتحت سواتر مختلفة أحياناً أخرى، للقيام بـ «مهمات خاصة» . وفي هذا الإطار يقول «دي شليط» مدير عام السياحة السابق، ورئيس هيئة الفنادق الإسرائيلية: «إن سُيَّاحنا في مصر أفضل للأمن الإسرائيلي من أي جهاز للإنذار المبكر» (٢) . وفي هذا السياق كشفت صحيفة الشعب المصرية في ٢٦/٧/١٩٨٨م أن «ما يزيد على ألف فتاة يهودية مصابة بفيروس الإيدز تم قذفهن في مصر، تحت إشراف الموساد الإسرائيلي، بعد إقناعهن بأنهن يقمن بعمل «قومي نبيل» ـ يهودياً ـ يتساوى في أهميته مع خوض معركة عسكرية كبرى مع العرب، وأنها مهمة مقدسة، وضرورة لا بد منها لسحق العرب نهائياً في أية معركة قادمة. هذا بالإضافة إلى قيام الموساد بنشر وباء «الإغماء الجماعي» في صعيد مصر بين الإناث؛ بغرض قتل قدرة الإنجاب والخصوبة لديهن، بينما استطاع الموساد نفسه المتسلل عبر لافتات السياحة تنفيذ عمليات تصفية للنخب العلمية المصرية، مثل: عالمي الذرة المصريين: يحيى المشد، وسميرة موسى. فضلاً عن التجسس الزراعي، والصناعي، وغير ذلك من أنماط تجسسية متعددة، يضيق المقام لذكرها، وعرض تفاصيلها تجري سيناريوهاتها تحت مسمى (التطبيع) .
(*) باحث وكاتب مصري.
стр. 5243
لواء الغدر الروسي
د. يوسف الصغير
أثبتت الأحداث التي مرت بالشيشان أن أصلان مسخادوف ﵀ كان شخصية جديرة بالاحترام؛ فقد وصل للرئاسة عن طريق الانتخابات، وحاول منذ البداية أن يتجنب الصدام مع الروس الذين كانوا يعدون العدة للانقضاض على الجمهورية الإسلامية الوليدة، ولكنه تصرف مع الأحداث التي تلت دخول المجاهدين إلى (داغستان) على أساس أنها عامل تسريع للغزو الروسي الذي لا شك في وقوعه، وانحاز الى صف الجهاد، وكان هذا عاملاً مهماً في رص صفوف الشيشانيين، وثباتهم البطولي، ويصدق عليه بحق وصية الرسول ﷺ لكل مجاهد بقوله: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية؛ فإذا لقيتموهم فاصبروا» (١) ، وكان ﵀ حريصاً على بيان موقفه المبدئي الذي اعلنه قبل مقتله بأيام ويتلخص أنه على استعداد للقاء الرئيس الروسي بوتين والوصول إلى حل لقضية الشيشان خلال نصف ساعة مع قدرته على الصمود وتوسيع الحرب لتشمل شمال القوقاز.
لقد مد يده للتفاوض والسلام، ولكن الروس قاموا بقتله أعزل في ظروف غامضة؛ وذلك إما أثناء الاتصالات السابقة للمباحثات، أو أثناء اجتماع تفاوضي؛ حيث صرحت زوجته أنه خرج قبل مقتله بثلاثة أيام مع ثلاثة من مرافقيه للتفاوض مع الروس، وقد قام الروس بتدمير البيت الذي ادعوا انهم قتلوه فيه مما يلقي بظلال من الريبة على الرواية الرسمية للروس. والذي يهمنا أن الرئيس (مسخادوف) قتل غدراً أثناء التفاوض مع الروس كما قُتِل الرئيس جوهر دوداييف ﵀ في ظروف مشابهة؛ حيث قتل أثناء إجراء اتصالات من أجل التفاوض مع الروس. وما نرجوه من الله أن يمن على المجاهدين بالنصر والتمكين، وأنهم كما دخلوا جروزني مظفرين بعد الغدر بدوداييف أن يدخلوها من جديد رافعين راية الإسلام؛ فعدوهم مخذول؛ لأن الغدر عاقبته وخيمة، وكما أخبر الرسول ﷺ أنه لكل غادر لواء يوم القيامة (٢) ، ولا شك أنه لواء شؤم، ووبال على صاحبه.
стр. 5244
الموساد يتجسس إلكترونياً علي المصارف الإسلامية
علي البلاونة
يبدو أن المصارف الإسلامية التي تشكل جزءاً من أعمدة الاقتصاد الإسلامي أصبحت ضمن نطاق الاستهداف الصهيوني؛ فقد جاءت تصريحات أحد الخبراء العرب مؤخراً أن أجهزة أمن المعلومات التابعة لشركته قد كشفت النقاب عن عملية اختراق موسعة، قام بها مكتب المعلومات في الموساد الإسرائيلي لعدد من المصارف الإسلامية بحجة مراقبة الحوالات المالية الجارية في هذه البنوك في إطار الحرب الأمريكية على الإرهاب؛ وبدعوى أن هذه المصارف تشكل أحد أدوات وأذرع تمويل العمليات الإرهابية، وبزعم تمكينها المالي للأصولية الإسلامية المتطرفة، ومدها بالأموال اللازمة عن طريق التبرعات وغيرها، وذلك في خطوة تستهدف التأثير أو العمل على إعاقة الجهاز المالي والمصرفي الإسلامي، الذي بدأ في السبعينيات يخط طريقه بنجاح، وأصبح على درجة من القدرة والقوة والاحترام في منتصف التسعينيات؛ مما أثار خشية المصارف الغربية من احتمالية أن تكون هذه المصارف نواة تشكُّل اقتصاديّ سياسيّ مستقبليّ للأموال العربية والإسلامية.
- مقدمات ونتائج وأهداف واضحة:
فعقب أحداث ١١/٩/٢٠٠١م صدر قانون (الباتريوت الأمريكي patriot) ، وهو قانون منح السلطات الأمريكية صلاحيات واسعة للتصرف دون اللجوء إلى القضاء، وقد سُمّي هذا المشروع بـ (القانون المظلي umbrella law) ، نظراً لكونه يجمع في إطاره مسائل عدة، من الممكن التعامل معها، ابتداءً من القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية، وانتهاء بالمسائل المصرفية والحسابات المالية، وهذا القانون أصبح شبه قانون دولي؛ حيث فرضته الولايات المتحدة على غالبية المؤسسات الأمريكية، وعلى المتعاملين معها؛ مما اضطر دول الشرق الأوسط، وبخاصة العالم العربي والإسلامي للتعامل مع هذا القانون من خلال إصدارها قوانين مشابهة، مثل: قوانين محاربة الإرهاب، ومكافحة عملية غسيل الأموال، وامتد الأمر إلى الرقابة على البنوك، والحسابات المصرفية لبعض الجمعيات الخيرية ذات الصفة الإسلامية.
ولقد أكد العديد من الخبراء في مجال الاقتصاد الإسلامي أن الحرب على الإرهاب التي تشنها الولايات المتحدة تحمل في طياتها حرباً على الثقافة، والمؤسسات الاقتصادية الإسلامية الناجحة في العالم، والتي أصبحت تلقى رواجاً وقبولاً بسبب سمعتها العالية؛ حيث أصبحت البنوك الإسلامية أكثر تفاعلاً على الصعيد الاقتصادي العالمي، وتحظى بمكانة مرموقة ومتميزة؛ مما جعلها من ضمن الأهداف الأساسية للحرب الأمريكية في بُعدها الاستراتيجي؛ رغبة منها في تحرير القطاع المالي والمصرفي العالمي، وربط اقتصاديات الدول بفلك الاقتصاديات الرأسمالية وعلى قاعدة (دعه يعمل، دعه يمر) ؛ حيث يؤثر التحرر الاقتصادي في إمكانية إحداث تفكيك للبنى الثقافية والفكرية والسياسية، وتهميش لمنظومة القيم الأخلاقية والدينية الإسلامية؛ وبما يؤدي إلى تحقيق الانتشار والتأثير الأمريكي الواسع في المنطقة العربية، والتحكم في مستقبل هذه الدول والمجتمعات.
وطبقاً للقانون الأمريكي foreign intelligence surveillance act fisa، وبخاصة المادة ٢١٤، والتي نصت صراحة على حق الولوج للمعاملات والسجلات، والاطلاع على دفاتر، وسجلات وأوراق ومستندات البنوك، وغيرها من الأشياء المحمية؛ وذلك لمعرفة النشاط المالي للقوى الخفية. أصبحت السرية البنكية محط مراقبة وتجسس أمني من قِبَل الولايات المتحدة، والدولة العبرية تحديداً، خاصة بعد خروج مئات المليارات من الدولارات من الأسواق الأمريكية والغربية باتجاه شرق آسيا، والصين، وبعض البلاد العربية؛ مما أثار حفيظة الجانب الأمريكي، وتخوفاته من احتمالية حدوث أزمات اقتصادية؛ تؤدي في المستقبل إلى المساهمة في نقل المركز السياسي الدولي إلى تلك البلدان.
- اختراق صهيوني لقاعدة المعلومات المصرفية:
هذا الأمر جاء بالطبع متوافقاً تماماً مع الاتهامات التي صدرت مؤخراً من قِبَل بعض الشركات والبنوك العربية والإسلامية حول وجود تجسس صهيوني على حساباتها المالية؛ حيث اتهم خبير عربي في أمن المعلومات جهاز الموساد الإسرائيلي بالعمل على تحقيق اختراق ناجح للشبكات الإلكترونية للمؤسسات المالية العربية والإسلامية؛ بهدف الاطلاع على شبكة علاقاتها، وزبائنها، وعملائها من رجال المال والأعمال، وتتبُّع اتجاهات الحراك المالي، وعمليات انتقال رؤوس الأموال إلى مناطق أخرى غير أوروبا، والولايات المتحدة؛ حيث إن الرقابة على الجهاز المالي والمصرفي العربي والإسلامي تهدف إلى تعطيل تحركات هذه المؤسسات، والحد من تطورها وانتشارها؛ بحيث يصبح رأس المال الإسلامي قوة لا يمكن تجاهلها على الصعيد الاقتصادي الدولي.
فقد أكد (أنس شبيب) مدير عام شركة (إيه جي بي) المتخصصة في مجال أمن المعلومات ومقرها برلين: أن الموساد الإسرائيلي عمل بمختلف الطرق على اختراق شبكة المعلومات الإلكترونية للمؤسسات المالية العربية والإسلامية؛ بهدف رصد تحركات الحوالات المالية التي يتم تحويلها لصالح بعض قوى المقاومة الفلسطينية، وبعض التنظيمات الإسلامية المتطرفة، حسب الاتهامات الأمريكية؛ حيث أصدرت الولايات المتحدة قائمة بأسماء ما لا يقل عن ٢٣ منظمة عربية وإسلامية وُضعت على لائحة الإرهاب.
وأضاف (شبيب) أن السبب في عملية الاختراق الصهيوني لقاعدة المعلومات الإلكترونية للمصارف تعود إلى تقاعس المنشآت والمصارف والاتصالات العربية تحديداً عن تعزيز قدراتها وبُناها التحتية في أمن المعلومات، وهو الأمر الذي يعرضها لعملية القرصنة من قِبَل الهواة والمحترفين، موضحاً في الوقت ذاته أن ستة بنوك عربية (من بينها بنك خليجي) تعرضت في الفترة الماضية لأعمال الاختراق والقرصنة على شبكاتها الإلكترونية. وتشير الإحصاءات إلى أن حجم الخسائر المالية العالمية من الجرائم الإلكترونية مرشح للتزايد، والوصول إلى ٢٠ مليار دولار في السنوات الثلاث المقبلة، وأن نصيب الدول العربية سيكون بحدود مليار ونصف مليار دولار.
- استهداف الجمعيات الخيرية الإسلامية:
ويذكر أن الأمر لم يتوقف عند حدود استهداف البنوك الإسلامية فقط، وإنما تطور ليشمل وجود مطالب أمريكية مستمرة للاطلاع الدائم على قاعدة بيانات الجمعيات الخيرية الإسلامية، وذلك عقب أحداث ١١ أيلول الأمريكية، في حرب واضحة المعالم على عدد كبير من هذه الجمعيات.
ويبدو مما تقدم أن الحرب الصهيونية والأمريكية على العالم الإسلامي لن تتوقف عند حدود نهب الثروات، واحتلال منابع النفط، وجعل المنطقة سوقاً استهلاكية، ومحاربة الإسلام، وإيجاد زي ثقافي إسلامي على الطريقة الغربية، وإنما امتدت إلى قاعدة البناء الاقتصادي بعدما امتدت يده إلى قاعدة البيانات والمعلومات الشخصية، والأمنية في غالبية الدول العربية.
стр. 5245
تسوماني.. موعد مع الأرض والمئذنة
آدم بمبا
هكذا وقف (حلمي) ينظر مشدوهاً؛ فقد أجال نظره في الفراغ، لا شيء في هذا الموضع يمتُّ بصلة إلى ما كان يُدعى يوماً ببلدة (ملابو) سوى مسجد ومئذنة منصوبٍة في عنان السَّماء تشهد بوحدانيَّة الملك الجبَّار، متحدية في كبرياء شامخٍ الأمواجَ المدِّيَّة التي التهمت البشر والدَّواب، والشَّجر والمدر، وحتى الصُّخور؛ فإنَّ طوفان تسونامي قد التهمها؛ يا إلهي! والأحلامَ الجسامَ أيضاً كنسها الطُّوفان إلى قيعان المحيط.
أجال نظره إلى الضَّفة الأخرى من المضيق الفاصل بين اليابسَين، أحقّاً أنَّه كان يوجد بتلك الضَّفة بشرٌ أحياء يرزقون، وأنَّ المؤذِّن كان كلَّما نادى بـ «حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح» انطلقت القوارب الصَّغيرة متَّجهة نحو المسجد في الضَّفة الأخرى، وكأنَّ النِّداء الخالد: هو وقود تلك القوارب الصَّغيرة؟ ابتسم (حلمي) بسمةً هازئة، وهو يستعيد ذكريات صباه في هذا لمكان، وكأنَّه قد اكتشف دون سائر البشر للمرة الأولى مهزلة الحياة، وتنبَّه لسرِّ لعبتها بالعقول.
عاد به شريط الذِّكريات إلى آخر عهده بهذا الموضع، في ذلك اليوم، كان والده قد لفَّ في قماش أبيض شيئاً مربَّعاً، وربطه بخيط، وكان آخر وصيَّة والده له قوله: بنيَّ! ضع هذا المصحف في حقيبتك فوق ثيابك؛ إنَّه ـ كما تعلم ـ مصحف جدِّك الذي خطَّه بيده، احرصْ على أن تقرأه كلَّ حين عند الرَّوضة الشَّريفة؛ عسى أن يُغفَر لناسخه.
- أبي! اتركه هنا؛ قد تضيع حقيبتي، إني أخاف عليه.
وقبل أن يُكمل (حلمي) كلامه، كان والده قد وضع المصحف فوق الحقيبة الصَّغيرة، وخرج وهو مطرقٌ إلى الأرض.. أكان هو أيضاً يخاف على المصحف من طوفان تسونامي؟
هكذا أبَتِ الذكريات على (حلمي) إلاَّ أن يتذكَّر أنَّه قد عاشت في هذا المكان امرأةٌ كان تُدعى الحاجة (سُورْيانْتي) ، كانت هي الطِّيبة نفسها، كانت تبيع ثمار «رامْبُوتانْ» و «دُورْيانْ» ، لكن نصف بضاعتها كان يوزَّع على أطفال القرية وهم في طريقهم إلى دار تحفيظ القرآن، وفصول «فرضُ عين» ... إنَّ ذكريات الماضي تحاول عبثاً أن تقنعه أنَّ الحاجة (سورْيانْتي) هي التي حملتْ به، ووضعته، وأرضعته، وربّته..، وأنها قالت له يوم وداعها له، والدُّموع تنهمر من عينيها:
- مي (ترخيم حلمي) ! لا عليك أن لا تدفنني! وعندما تعود احملْ لي عبوةً من ماء زمزم؛ فإنْ تجدني حيَّة أُرزَق أخذتها منك، وإلاَّ فرشَّها على قبري، وادعُ لي.
- أمِّي! بدأتِ تفكِّرين في الموت مثلما كانت جدَّتي.
بدأت الصُّور تتكاثف في مخيلته، وكأنَّه يتذكَّرها الآن للمرَّة الأولى (روحانا، وحازمينْ) أختاه الشَّابتان، آه! كان قد وعد أن يشهد حفل زفاف (روحانا) ، ويهديها من إثمد المدينة المنوَّرة. قال لأمِّه مازحاً:
- أمِّي! على أيِّ حالٍ لا تقيموا حفل زفاف (روحانا) قبل الحجِّ. إن الإجازة السَّنويَّة بالسُّعوديَّة تبدأ قُبَيل الحج، ولكنَّني عائدٌ بعد الحج مباشرةً يا أماه! لا تقيموه بأي حالٍ، وإنْ أقامت (روحانا) الدُّنيا وأقعدتها ...
- هيهْ! لا تدعْنا نتخاصم اليوم وأنت مسافرٌ! قالتها (روحانا) وهي تشدُّ أكياس جوز الهند المدقَّق، وتضعها في حقيبة (حلمي) .
تلك أحلامٌ لم يبق لها باقية، معالم داثرة، وماضٍ مضى في دقائق إلى قاع البحر، كأنْ لم يكن شيئاً. كانت الوساوس تساوره وهو واجمٌ في موقفه. إنَّه يحاول عبثاً تجميع رسومٍ، وصورٍ داثرة في مخيلته وذاكرته، لكن قوَّة الحاضر الماثل أمامه تعصف بتلك الصُّور المتراقصة مثل فتيلة سراجٍ في مهبِّ عاصفة.
هنا فقط أدرك (حلمي) عمق أسى الشُّعراء الباكين على الأطلال، ولكن هنا في (ملابو) لا أطلال باقية إلا المئذنة الشَّامخة المتأمِّلة في البحر بكبرياء، ولا معالم واضحة إلا بعض الفِجاج والطُّرق المتعرِّجة التي خطَّتها الأقدام على مرِّ الأجيال في أرجاء البلدة، وجذوع أشجار جوز الهند المائلة التي أبقت عليها أمواج المدِّ العاتية، ولسان حال الأمواج تقول: «ألا فليبلِّغ الشاهد منكم الغائب!» . وهنا أيضاً تجلّت للفتى الواقف قدرة المولى الجبَّار وعظمته؛ فهو إن يشأ يذهب بالكون في لمح بالبصر، وما ذلك عليه بعزيز!
ظلَّ (حلمي) واجماً في هذا المكان يحاوره الصَّمت والذِّكريات، متأمِّلاً في البحر الهادئ الذي طالما دفع فيه هو بزوْرَقه الصَّغير في الصَّباحات الدّافئة بصحبة والده، أو أترابه الصِّغار لنشر الشّباك، وصيد الأسماك، ابتسم للبحر، وقال له:
- لا عليك! إنَّك حبيبنا ومصدر عيشنا، لا يمكن أن تَعْتُو علينا. إنَّها أمواجٌ غريبةٌ جاءت من بعيد.
أدرك حلمي في تأمُّله أن وقوفه لا يجدي، لا بدَّ من فعلٍ ومن حياةٍ مستمرَّة! لذلك ابتعد عن قريته ليلبِّي نداءات المتأوِّهين من الجرحى، وليشارك فِرَق العمَّال المتطوِّعين في انتشال أشلاء الجثث من تحت أنقاض البيوت المتهدّمة في «كوتاراجا» و «بيت الرَّحمان» و «لوسوكونْ» وغيرها من مدن بانْدا آتشيه. قال في صمت: إني عائدٌ إليكِ يا (ملابو) مع النَّفر القليل الباقين من أبنائك؛ لنبني مستقبلكِ عتيداً، مثلما بنى الأجدادُ ماضيك مجيداً، يوم جاؤوا إلى هنا ولم يكن إلا الماء والغابة والوحوش.
كان حلمي يخطو خطواتٍ واثقة، وهو يبتعد عمَّا كان يدعى منذ يومَين قرية (ملابو) ، وكان يتعاظم شيئاً فشيئاً مع كلِّ خطوةٍ مثل ظِلِّ إنسانٍ متَّجه نحو عمود نور. وقف على الثنية المطلَّة على البلدة، التفت فجأةً كأنَّه قد تنبَّه إلى جسامة العهد الذي قطعه على نفسه بالعودة، وبناء هذا المكان الخالي. نظر نظرةً أخرى إلى المسجد، وإلى المئذنة المنتصبة، مثل إصبع متشهِّداً أنْ «لا إله إلا الله وحده» . قال في خشوع:
- حمداً لك ربِّي على كلِّ حال. ما أسهل بناء حضارةٍ تنطلق من مسجد ومئذنة.. وقرآن ورثته من والدي!
стр. 5246
مرصد الأحداث
أحمد فهمي
أقوال غير عابرة
- «على المسلمين أن يقبلوا واقعاً جديداً يتمثل في أن الشرطة ستوقفهم وتفتّشهم، وتستجوبهم أكثر من باقي قطاعات المجتمع» (هيزل بليرز) وزيرة شؤون مكافحة الإرهاب البريطانية تعليقاً على قانون الإرهاب الجديد. [البي بي سي، ٢/٣/٢٠٠٥م]
- «رجاءً أرسل هذه الرسالة.. لست صدام حسين.. أنا أريد التعاون» الرئيس السوري بشار الأسد يتحدث إلى مراسل مجلة (التايم) الأمريكية. [مفكرة الإسلام، ٦/٣/٢٠٠٥م]
- «ليأخذوا حبة أسبرين، ويذهبوا للنوم، حتى يشعروا بتحسن» المعلق العسكري الأمريكي (إدوارد لوتووك) ينتقد الغضب الإيطالي من قتل جنود أمريكيين لعميلهم الاستخباراتي في العراق أثناء نقل الصحفية المطلق سراحها (جوليانا سجرينا) . [الجزيرة نت، ٧/٣/٢٠٠٥م]
- «أود أن أنطلق بطائرة إف -١٥ مزودة بقنبلتين نوويتين، ثم أسقط إحداهما على سوريا، فلا نحتاج للقلق بشأنها بعد ذلك» (سام جونسن) عضو الكونغرس الجمهوري عن ولاية تكساس يتحدث للرئيس جورج بوش. [الرأي العام، ٧/٣/٢٠٠٥م]
- «لينزل الله عليه ضربة واحدة قاتلة، ولا يقوم منها» الحاخام (عوفاديا يوسيف) زعيم حزب شاس اليهودي المتطرف ينتقد آرئيل شارون؛ بسبب خطة فك الانسحاب من غزة. [يديعوت أحرونوت، ١٠/٣/٢٠٠٥م]
- «لا يمكن التدريب على مشاهدة مقابر جماعية، وكلاب تأكل لحوم الملقين بها، أنت تخرج إلى ساحة المعركة، وتحصل على التدريب هناك» الرقيب (كيفين بندرمان) من فرقة المشاة الأمريكية يؤكد عدم جدوى التدريب الذي يتلقاه الجنود قبل الذهاب للعراق. [البي بي سي، ١٩/٣/٢٠٠٥م]
- «هناك من يرى أن مشكلة عباس مع فتح ربما كانت أكبر من مشكلته مع حماس» (عاطف الجولاني) رئيس تحرير صحيفة السبيل الأردنية. [الإسلام اليوم، ١٥/٣/٢٠٠٥م]
- «من يريد أن يضع أشياء غير صحيحة في المشروع الأردني فهو لم يقرأ المشروع، وعليه أن يذهب إلى المدرسة، ويتعلم مرة أخرى كيف يقرأ؟» (هاني الملقي) وزير الخارجية الأردني يرد على من يتهم الأردن بالرغبة في تخفيف شروط مبادرة قمة بيروت للسلام مع إسرائيل. [الإسلام اليوم، ١٩/٣/٢٠٠٥م]
- «غداً ستنكشف أصابع وأيادٍ إسرائيلية في كل مكان توجد فيه فتنة في العالم العربي» الرئيس اللبناني أميل لحود في رسالته التي وجهها إلى القمة العربية في الجزائر.
[الجزيرة نت، ٢٣/٣/٢٠٠٥م]
- «إنه رجلنا.. إنه يتوقع إشادة وسيحصل عليها.. على كثير منها» وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس تمتدح برويز مشرف مندوب أمريكا في باكستان. [الوطن الكويتية، ١٣/٣/٢٠٠٥م]
أحاج وألغاز
- في الانتخابات أم عاشوراء
نقلت صحيفة التايمز البريطانية عن الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط قوله: «من الغريب أن أقول هذا.. لكن عملية التغيير هذه بدأت بسبب الغزو الأمريكي للعراق.. عندما رأيت ثمانية ملايين من أفراد الشعب العراقي يصوتون قبل ثلاثة أسابيع، كانت تلك بداية عالم عربي جديد» . [البي بي سي، ٣/ ٣/ ٢٠٠٥م]
- التعليم عن «غُلب»
«الدول الغربية تتعلم من الإمارات دروساً في مكافحة تمويل التطرف» محافظ المصرف المركزي الإماراتي سلطان السويدي. [الجزيرة نت، ٧/٣/٢٠٠٥م]
- بائع اللبن
في كلمة له في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن، قال الرئيس الأمريكي جورج بوش: «إن الديمقراطية تطرق أبواب لبنان الآن، ولو نجحت في لبنان فستطرق باب كل نظام عربي» . [مفكرة الإسلام، ٨/٣/٢٠٠٥م]
- وزير عراقي.. لحقوق الإنسان الأمريكي
رفض وزير حقوق الإنسان العراقي (بختيار أمين) ما تردد عن تعمد الأمريكيين قتل الصحفية الإيطالية إسجرينا بعد إطلاق سراحها، فقال مدافعاً: «لماذا يريد الأمريكيون منع الإفراج عن الصحفية؟.. يجب ألا ننسى المجرمين الذين خلقوا هذا الوضع، فالخاطفون هم المسؤولون» . [الجزيرة نت، ٧/٣/٢٠٠٥م]
- «الأيدي- لوجيا» الأمريكية في مواجهة الإرهاب
ظاهرة جديدة انتشرت في مطارات أمريكية؛ حيث يقوم رجال الأمن بتفتيش المسافرين بالأيدي، وبينهم السيدات في جميع أجزاء الجسم، وقد أبدى كثيرون دهشتهم، وتعجبوا من عدم الاستعانة بالأجهزة ذات التكنولوجيا الحديثة، ويسوغ رجال الأمن تصرفهم بأن كثيراً من الأجهزة لم تعد دقيقة، وتصدر صوت كجرس الإنذار فقط، ويؤكد الخبراء أن هناك أجهزة تكشف بالفعل عن وجود أية متفجرات، ولكن الكثير يرفضون المرور من خلالها؛ حيث إنها ذات أشعة إكس تتخلل الملابس، وتكشف تفاصيل الجسم بدقة. [أخبار اليوم، ١٩/٣/٢٠٠٥م]
- جائزة نوبل للسلام.. مع الأمريكان
دعا الصحفي الأمريكي اليهودي (توماس فريدمان) إلى ترشيح المرجعية الشيعية الأعلى في العراق علي السيستاني لنيل جائزة نوبل للسلام، وقال فريدمان: «إنني جاد» ، وقال: «إذا كانت شبه ديموقراطية تقام في العراق فهذا يعود إلى حد كبير إلى حدس السيستاني والتوجيهات التي أصدرها» .
[ميدل إيست أون لاين، ٢١/٣/٢٠٠٥م]
مرصد الأخبار
- السي آي إيه تعمل دون خطوط حمراء
تحقق أجهزة الأمن في كل من إيطاليا وألمانيا والسويد في قيام عملاء المخابرات الأمريكية باختطاف مهاجرين مسلمين من أراضي هذه الدول، ونقلهم للتحقيق معهم في الخارج، وذكرت مصادر أن أجهزة الأمن اكتشفت أدلة عديدة على قيام (السي آي إيه) بهذه الأنشطة من بينها شهادات بعض الضحايا الذين تم اختطافهم بطريق الخطأ، وأفرج عنهم لاحقاً، وأثبتت التحريات صدق شهاداتهم، وطلبت أجهزة الأمن من المسؤولين الأمريكيين في القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في هذه الدول تقديم سجلات الطائرات التي هبطت وأقلعت من القواعد في التواريخ التي حددها الضحايا لعمليات الاختطاف، ويعتقد الأوروبيون أن الأمريكيين يعملون من وراء ظهورهم بطريقة تنتهك سيادة الدول الأوروبية. [الأخبار القاهرية، ١٨/٣/٢٠٠٥م]
- ما يطلبه الأفغان: أعيدوا حكم طالبان
إنها قصة حزينة لمقاول بناء في قندهار بأفغانستان، قام رجال مجهولون بخطف ابنه، وتركوا له رسالة تقول: «نحن أناس متوحشون قاسون، وسنقتل ابنك إن لم تدفع فدية قدرها ١٥ ألف دولار» فما كان من الرجل إلا أن جمع المال بكل الوسائل المتاحة وبكل سرعة ممكنة وتركه في المكان الذي حدده له الخاطفون، لكنه في اليوم التالي عثر على جثة ابنه ممزقة في أحد شوارع المدينة الوسخة، وبعدها بقليل ثار مئات الأهالي وخرجوا متظاهرين يهتفون: يسقط أباطرة الحرب، أعيدوا حكم طالبان.. وذلك إثر العثور على جثة طفل آخر مخطوف، وكل ما يفعله رئيس أفغانستان حامد كرزاي أن يعزل مسؤولاً ويعين آخر أسوأ منه، وتؤكد صحيفة الواشنطن بوست إن هناك شعوراً متزايداً بالحنين إلى حقبة طالبان بين السكان المحليين.
[بتصرف عن الجزيرة نت، ١٨/٣/٢٠٠٥م]
- أهالي نابلس يستغيثون من.. حركة فتح
«نستحلفكم بالله، ونناشدكم باسم الشرفاء والغيورين أن تفضوا هذا النزاع، وأن يتوقف إطلاق النار حتى نشعر بالأمان في بيوتنا.. علينا تفويت الفرصة على عدونا الأول الذي يتربص بنا ليوقع العداوة والبغضاء» .. هذه رسالة استغاثة موقعة باسم أهالي مدينة نابلس في الضفة الغربية جرى إرسالها إلى عدة جهات ووسائل إعلام، وهي ردة فعل يائسة على الصراع الذي اندلع مؤخراً بين أجنحة متصارعة داخل حركة فتح، وفي نابلس كان الصراع العنيف بين كتائب «العودة ـ طلائع الجيش الشعبي» المحسوبة على حركة فتح وأفراد من الشرطة الفلسطينية، وتحول دوار الشهداء وسط مدينة نابلس إلى ما يشبه ساحة قتال، مجموعات ضخمة تابعة لمختلف الأجهزة الأمنية بعتادها الكامل من أسلحة وجيبات عسكرية تقف على الناصية اليمنى وفي مقابلهم، ولا يبعد عنهم أمتاراً قليلة مسلحون محسوبون على كتائب العودة، وأيضاً بكامل عتادهم، واستمر إطلاق النار بين الأجهزة الأمنية من جهة والمسلحين من جهة أخرى لأكثر من خمس ساعات متواصلة، استخدمت خلالها كافة أنواع الأسلحة المعروفة من كلاشينكوف، وأم ١٦، وأسلحة ثقيلة، نصبت على أسطح البنايات العالية، في صورة تذكر بحروب الشوارع التي كانت تقع بين الأطراف المتناحرة في دول أفريقيا، أحد المواطنين علق على ما حصل بالقول: «أين كانت هذه الأسلحة عندما كان الجيش الإسرائيلي يجتاح نابلس؟» ، وأضاف: «الآن شارون يتفرج بفرح على ما جرى، إسرائيل عرفت كيف توقع بيننا؟» .
المعلومات المتوفرة تشير إلى أن الأحداث بدأت عندما جاء عضو في كتائب العودة إلى مركز الشرطة لزيارة شقيق له مسجون، لكن الشرطة رفضت السماح له بالزيارة؛ فوجه الناشط تهديدات إلى الشرطة التي قامت بضربه، قبل أن يحضر مسلحون آخرون من الجماعة، ويطلقوا النار على المركز، فرد أفراد الشرطة على إطلاق النار؛ مما أدى إلى إصابة اثنين من المسلحين بجروح، وكان قد سبق هذا الحادث حادثان آخران، يعبران عن الحالة المتردية داخل حركة فتح؛ حيث أطلق مسلحون من كتائب شهداء الأقصى النار على سيارة وزير الداخلية اللواء نصر يوسف خلال زيارته لمدينة جنين في ١/٣/٢٠٠٥م، وفي ٣/٣/٢٠٠٥م أطلق مسلحون زخات كثيفة من الرصاص تجاه منزل وزير الشؤون المدنية السابق جميل الطريفي في مدينة رام الله، فيما يبدو أن أجنحة فتح تراعي التنوع الجغرافي في صراعاتها.
ويقول المحلل السياسي هاني المصري: «علينا التفريق بين الكتائب التي تقاوم ومن ينسبون أنفسهم لها، وهي منهم براء» ، ويقول المحلل حسن أبو حشيش: «الأخطر من ذلك هو أنك لا تستطيع أن تحدد من هي الجهات المسلحة التي تسبب الفوضى؛ فعندما تذكر كلمة الكتائب تتساءل: من هؤلاء، هل هم محسوبون على فلان أو فلان، وأين يسكنون؟ هل هم كتائب غزة أو كتائب جنين أو نابلس، هل هم شهداء الأقصى أو العودة أو غيرهما؟ للأسف هناك جهات عديدة داخل السلطة وداخل فتح تقود جهة مسلحة تحت اسم الكتائب» . [بتصرف عن السبيل، ٨/٣/٢٠٠٥م]
- المقرمشات الأمريكية في العراق
برنامج «بانوراما» الذي تعرضه القناة الأولى الألمانية ARD تناول قضية السلوك الوحشي للجنود الأمريكيين مع العراقيين في إحدى حلقاته مؤخراً، وعرض تقارير في هذا الصدد مدعمة بأشرطة فيديو سرية حصل عليها البرنامج، ويقول «مايكل راتنر» أحد خبراء مركز حقوق الإنسان في نيويورك للبرنامج: «إن كل الجنود الأمريكيين عصبيون، ويسيرون على قاعدة: أولاً: أطلق الرصاص، وبعد ذلك اسأل: ونحن نعرف أن مئات المدنيين الأبرياء قتلوا بإطلاق الرصاص عليهم من قِبَل الجنود الأمريكيين بلا أي سبب» .
وذكر البرنامج حالات عديدة لإطلاق الرصاص على عائلات عراقية تضم نساء وأطفالاً، إلا أن التحقيقات التي تجريها قوات الاحتلال الأمريكي مع جنودها لا تخرج بأي نتيجة ونادراً ما يعاقب الجناة، وقامت القناة بعرض نص إحدى الوثائق السرية التي حصلت عليها لأحد هذه التحقيقات، قال فيه أحد الجنود الذي قام بقتل مدنيين عراقيين على أحد الحواجز: «لقد وضعنا لافتتين مكتوباً عليهما باللغة العربية: 'تراجعوا وإلا أطلقنا عليكم الرصاص، وعندما تجاوزوا اللافتة الثانية أطلقنا عليهم الرصاص وقتلناهم، وأحياناً كان في السيارات نساء وأطفال، واليوم أفكر أحياناً في أنهم لربما حتى لم يكونوا يستطيعون رؤية اللافتات» .
ويقول «جون بايك» من معهد الأمن الكوني في واشنطن للبرنامج: «إنه إذا ما قام جندي أمريكي في نقطة تفتيش بقتل أي مدني وتم التحقيق معه، لا يحدث له أي شيء، فهو يعمل هناك بتكليف من الولايات المتحدة، ولا يخضع لمحاكمة إلا إذا خالف التعليمات» وعرض البرنامج لشريط فيديو مصور كانت قد عرضته قناة ABC News يظهر فيه أحد شباب مشاة البحرية الأمريكية وهو يمسك مدفعاً رشاشاً فوق سيارة جيب عسكرية أمريكية، تسير بجوار سيارات مدنية عراقية، فيأمرهم الجندي الشاب قائلاً: «تراجعوا.. تراجعوا، بينما يقوم بعض ركابها برفع المنديل الأبيض إشارة إلى أنهم مدنيون.. وفجأة وبعدها بثوان، وبلا أي مسوغ يطلق الرصاص عليهم.. فيقتل ثلاثة عراقيين مدنيين، كما عرضت القناة شريط فيديو استطاعت الحصول عليه، كان قد صوره الجنود الأمريكيون أنفسهم وهو يُظهر مجموعة من جنود المارينز تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٢٥ عاماً، وهم يجلسون في سيارة ميكرو باص تجوب شوارع مدينة الرمادي ويكيلون الشتائم للمواطنين في الشارع مثل: «اذهبوا للجحيم أيها الأغبياء» . إلا أن البرنامج تعجب من قيام هؤلاء بوضع عنوان لشريط الفيديو الذي يصورونه وهو «الحادث الأخير» وكأنه شريط يُصور لفيلم في رحلة، رغم أنهم يصورون بعد ذلك عراقياً تم قتله وهو يقود سيارته، والجنود يتلاعبون بيده تارة وبرأسه تارة أخرى، بينما أحدهم يشد جسده ويهزه بقوة، في الوقت الذي يرد عليه آخر قائلاً: «اجعله يحني رأسه ويقول: هالو!» .
ويعرض شريط الفيديو مواطناً عراقياً تعرض لإصابة خطيرة بعد أن قام الجنود الأمريكيون بإطلاق الرصاص على كليته، ويقومون بضربه بأحذيتهم في وجهه وجسده، ثم يضع أحدهم قدمه فوق رأسه. ويبرز البرنامج الألماني تعجبه من استمرار الجنود في التصوير، كما يظهر الشريط صورة جثة محترقة ومتناثرة الأشلاء لعراقي قتل في تبادل لإطلاق النار، بينما أحد هؤلاء الجنود يقول ضاحكاً: «شكله يبدو مقرمشاً بصورة حقيقية» بل وصل الأمر إلي عرض صورة جندي أمريكي وهو يركل بقدمه جزءاً من رأس أحد القتلى العراقيين، ويقول مايكل رايتنر من مركز حقوق الإنسان في نيويورك: «المشكلة الكبرى أن هؤلاء الناس يقومون بتصوير وتوثيق كل ذلك بالفيديو، وهذا يظهر أنهم يعتبرون ذلك أمراً عادياً تماماً، وأنهم ليس لديهم أي خوف من أن يرى هذه الأدلة المادية أي قائد لهم.. من أصغر ضابط وحتى دونالد رامسفيلد.. فلا أحد سوف يعاقبهم» ، وفي نهاية البرنامج تعرض القناة الألمانية رد القائد الأعلى للقوات الأمريكية في العراق الجنرال (جورج كيسي) : «أنا شخصياً لا أعرف شيئاً عن ذلك» . [الأسبوع، ٢١/٣/٢٠٠٥م]
- عيدان الثقاب تهدد الأمن الأمريكي
أعلنت وزارة الطيران المدني المصرية حظر عيدان الثقاب والولاعات على متن طائراتها المتوجهة إلى الولايات المتحدة، اعتباراً من منتصف إبريل المقبل، وصرح مصدر مسؤول بالوزارة: «قررت شركة مصر للطيران حظر حمل الركاب الولاعات وأعواد الثقاب على طائراتها المتوجهة إلى الولايات المتحدة اعتباراً من ١٥ إبريل بناء على أمر من سلطات الطيران المدني الأمريكية لكل شركات الطيران العالمية التي تهبط بالمطارات الأمريكية بحظر حمل الولاعات وأعواد الثقاب» واتخذت سلطات الطيران المدني الأمريكية منذ اعتداءات ١١/٩/٢٠٠١م، سلسلة من الإجراءات الوقائية، وفرضت شروطاً أمنية صارمة على الطائرات التي تحط في الولايات المتحدة. [الرأي العام، ٢٧/٣/٢٠٠٥م]
- بنوك «إسرائيل» تغسل أكثر بياضاً
تكشفت في الكيان الصهيوني فضيحة غسيل أموال كبرى بعدما أُلقي القبض على ٢٢ موظفاً بمصرف هابواليم ـ مصرف العمال ـ وهو من المصارف التجارية الكبرى لتورطهم في عمليات غسيل أموال بلغت مئات الملايين من الدولارات، وقال قائد الشرطة (أميشاي شاي) في مؤتمر صحفي: إنها أكبر عملية في تاريخ إسرائيل، وقد شملت أموالاً من عدد من الدول الأخرى.
وتقول الشرطة: إن الأموال وردت إلى المصرف من عدة دول، ولكنها ذكرت من بينها فرنسا فقط، وقالت: إنها تقوم حالياً بفحص أكثر من ٨٠ حساباً مصرفياً على صلة بـ ١٧٠ عميلاً، وقد أصدر المصرف بياناً قال فيه: إنه اتخذ الإجراءات الضرورية لمنع عمليات تبييض الأموال عن طريق المصرف، والطريف أن اسم «إسرائيل» كان قد رفع من القائمة السوداء لمنظمة التنمية والتعاون الدولي بعد صدور قانون مكافحة غسيل الأموال عام ٢٠٠٢م، ولا عزاء للدول الإسلامية. [بتصرف عن البي بي سي، ٧/٣/٢٠٠٥م]
- الصومال.. مقلب نفايات ونفايات مقلوبة
كشف (نيك نوتال) الناطق باسم برنامج الأمم المتحدة للبيئة في القرن الإفريقي أن كارثة أمواج تسونامي تسببت في قلب وإفساد مستوعبات النفايات السامة التي كانت مخزنة قريباً من الشاطئ الصومالي؛ مما أدى إلى تسرب مواد كيميائية ومشعة، تسببت بدورها بظهور أمراض لدى المواطنين المحليين، وقال نوتال: «هناك مؤشرات تؤكد أن بعض المستوعبات التي تحتوي على نفايات كيميائية ومشعة، ومواد أخرى خطيرة كانت على الساحل الصومالي، تضررت بكارثة تسونامي» . وقال الناطق الأممي: «لقد ظهرت لدى القرويين مجموعة من المشاكل الصحية: كالنزيف من الفم، والنزيف الداخلي، والمشاكل الجلدية غير الاعتيادية، إضافة إلى مشاكل في التنفس» ، وأكد بعض المسؤولين في الأمم المتحدة أن هذه العوارض ناجمة عن التعرض للمواد المشعة.
وكانت شركات أوروبية في آخر الثمانينيات قد تخلصت من بعض النفايات السامة: كاليورانيوم، والرصاص، والزئبق، وغيرها من النفايات الصناعية عبر نقلها إلى شمال الصومال، ويؤكد مسؤولون في الأمم المتحدة أن هذا النوع من الممارسات قد تفاقم بعد ان غرق هذا البلد الفقير في الفوضى بعد سقوط الرئيس محمد سياد بري في العام ١٩٩١م. [وكالات الأنباء، ٨/٣/٢٠٠٥م]
- ذكر النبي ﷺ ممنوع بالأمر
كتاب «القيم والأخلاق» هو الكتاب البديل للتربية الدينية، والمقرر على تلامذة الصف السادس الابتدائي في مصر، لكن بمجرد أن تتصفح فصول الكتاب تجد نفسك أمام اختراق فكري لا يقل أثراً عن الاختراق عبر بوابات التجسس، والعجيب أن مؤلفي الكتاب كانوا حريصين بشدة على تجنب ذكر النبي ﷺ في أي موضع، وعلى الرغم من ذلك فقد نقلوا عدداً من الأحاديث تروي قصصاً للصحابة مع نبيهم، إلا أن المؤلفين تجنبوا ذكر النبي ﷺ ، واستبدلوه بـ «العالم» مرة، وبـ «الشيخ الحكيم» أحيانا، وكأن ذكره ﷺ أصبح تهمة في عالم العولمة بكل ما يحمله من تيارات وضغوط واتجاهات.
الأغرب من ذلك أن مؤلفي الكتاب راحوا يخلطون الحابل بالنابل من خلال تخصيص مساحة من كل درس تحت عنوان: «أنشطة ومعلومات إثرائية» خلطوا فيها بين آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والأقوال المأثورة وأقوال الشعراء، إضافة إلى أقوال (بولس الرسول، ويعقوب الرسول) ، وكله باسم القيم والأخلاق. [الأسبوع القاهرية، ٢١/٣/٢٠٠٥م]
- هتلر يغزو تركيا
تحول كتاب «ماين كامبف» أو «كفاحي» لمؤلفه الزعيم النازي (أدولف هتلر) إلى أكثر الكتب مبيعاً في تركيا، حيث بيع منه أكثر من ٥٠ ألف نسخة منذ يناير الماضي فقط، وهو ما جعل اليهود يتجهزون لإطلاق مزاعمهم عن تنامي شعور معادٍ للسامية في البلاد، ويتوقع محللون أن تكون الحرب الأمريكية في العراق قد أشعلت مشاعر عقدية في تركيا التي كانت تعد من الأماكن المفتوحة أمام اليهود منذ قرون عندما منح سلطان عثماني الحماية ليهود فروا من أسبانيا في القرن الخامس عشر، لكنهم تحولوا مع الوقت إلى مركز مؤامرات ضد العثمانيين، ويبلغ تعدادهم في تركيا حالياً ٢٢ ألف يهودي أغلبهم يعيش في استنبول.
ويباع الكتاب بسعر يعادل ٤.٥٠ دولار، ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية على لسان صاحب دار النشر التي أعادت إصداره إن «ماين كامبف» طالما كان نائماً، لكنه يحمل سر نجاحه، وقال: «أخرجناه من المخزن لأسباب تجارية ليس إلا» ، وقال صاحب دار أخرى للنشر: إن أكثر مشتري الكتاب من الشباب الذين يتفاعلون مع الأحداث الدولية.
وقد نشر لأول مرة في تركيا عام ١٩٣٩م، وكانت الضغوط اليهودية بدعوى معاداة السامية قد نجحت في منع نشره في ألمانيا. [وكالات، ١٩/٣/٢٠٠٥م]
ترجمات عبرية خاصة بالبيان
محمد زيادة
mozeada@yahoo.com
تصريحات
«الحجيج الجماهيري إلى الحرم لن ينسق بالطبع مع الشرطة التي على أي حال تتعامل مع اليهود كسياح في الحرم. حان الوقت ليفهم الجميع بأننا سنقاتل ليس فقط في سبيل بيوت اليهود، بل في الأساس في سبيل بيت الرب تبارك اسمه» .
المتطرف اليهودي «يوسف ديان» أحد الموقعين على فتوى قتل رئيس الوزراء الصهيوني الراحل «إسحاق رابين» قبل شهر من اغتياله، يدعو اليهود للقتال للسيطرة على المسجد الأقصى. [صحيفة معاريف، ١٦/٣/٢٠٠٥م]
«بلادنا تُقدر مواقفك وخطواتك بشأن السلام» !
رئيس الوزراء الدانمركي «اندرس راسموسين» لشارون.
[إذاعة «ريشت بيت» العبرية، ١٧/٣/٢٠٠٥م]
«بالفعل انخفض مستوى التحريض في وسائل الإعلام الفلسطينية، لكن هذا ليس كافياً؛ لأن السلطة لا تفعل ما فيه الكفاية لوقف التحريض في المساجد وفي كتب التعليم» . آرييل شارون للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. [موقع بوابة الحكومة الإسرائيلية، ١٣/٣/٢٠٠٥م]
«منذ انتخاب أبو مازن يوجد تغيير جوهري في طبيعة البث التلفزيوني، ويوجد تقليص في التحريض ضد إسرائيل. ومؤخراً طُلب من الخطباء في المساجد تلقي مصادقة من الأمن الوقائي على مضمون خطبهم لضمان ألا تتضمن الخطب تحريضاً ضد إسرائيل. وفي المدارس أيضاً طرأ تغيير؛ فقد تم توجيه المعلمون للكف عن استخدام الاصطلاحات المعادية لإسرائيل» . منسق شؤون المناطق، اللواء «يوسف مشلاف» ، في جلسة لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الصهيوني.
[قناة الكنيست التلفزيونية العبرية، ١٧/٣/٢٠٠٥م]
أخبار
- سيناريو مخيف لشارون
أفادت استطلاعات الرأي أن شارون على رأس الليكود المعتدل سيهزم نتنياهو كرئيس للليكود المتطرف واليميني، الحقيقة أنه إذا لم تنجح ميزانية الدولة في نهاية الشهر، وتوجهت إسرائيل نحو انتخابات مبكرة، فلن يتمكن شارون من خوض الرئاسة على رأس الليكود الحالي. هذا هو السيناريو الذي يخيف شارون. [صحيفة هآرتس، ١٤/٣/٢٠٠٥م]
- الشيخ مؤنس يطالب بأرض جامعة تل أبيب
الشيخ مؤنس رجل كبير السن، لكنه قوي الملامح، قدم دعوة للمحكمة العليا يطالب بتمكينه من أرضه التي أقيمت عليها جامعة تل أبيب على الطلاب أن يتذكروا أن حرمهم الجامعي الجميل يقوم على أراضي فلسطينيين مطرودين. [صحيفة يديعوت أحرونوت، ١١/٣/٢٠٠٥م]
- حماس ترص الصفوف
«المعلومات الاستخباراتية تحذر من أن الفلسطينيين بمختلف فصائلهم مشغولون الآن برص صفوفهم، وزيادة وتيرة التسلح التي تضاءلت قبل موت عرفات؛ فحماس تبذل جهوداً كبيرة لنقل تقنيات إطلاق صواريخ القسام إلى الضفة الغربية» . [صحيفة هتسوفيه العبرية، ١٢/٣/٢٠٠٥م]
«المتحف الجديد لذكرى الهولوكوست في مؤسسة «يد فشيم» في جبال القدس تكلف ٦٠ مليون دولار» . [موقع «نيوز فرست كلاس» العبري، ١٥/٣/٢٠٠٥م]
«كشف استطلاع جديد أن ٨٩.٦% من الشباب الإسرائيلي مرتبطون بشبكة الإنترنت مقابل ٧٩.١% من الفتيات، وظهرت معطيات قلقة في الاستطلاع، تتمثل في أن ٣٨% منهم يتصفحون مواقع إباحية» . [صحيفة يديعوت أحرونوت، ١٥/٣/٢٠٠٥م]
أخبار التنصير
أبو إسلام أحمد عبد الله
- اتفاقية تنصير بين الفاتيكان وأذربيجان
وقع رئيس جمهورية أذربيجان اتفاقية تعاون مع الفاتيكان تحت عنوان (الدفاع عن الحرية الدينية) يتم بمقتضاها السماح للكنيسة بحرية الدعوة للنصرانية بين الشعب الأذربيجاني، وكان البابا يوحنا بولس الثاني قد قام بزيارة لأذربيجان عام ٢٠٠٢م. [حامل الرسالة، ٦/٣/٢٠٠٥م]
- أربعة أيام في مصر وفد رؤساء الجامعات الكاثوليكية بأوروبا وأمريكا
من ١٩ ـ ٢٢ فبراير استطاع وفد أوروبي أمريكي يمثل رؤساء الجامعات الكاثوليكية أن يلتقي بعدد كبير من الهيئات الإسلامية والمسيحية الرسمية في مصر بما فيها رابطة الجامعات الإسلامية التي صرح رئيسها د. جعفر عبد السلام أن جامعة الأزهر قد وقعت منذ فترة اتفاقية تعاون مع جامعة فلورنسا من كبريات الجامعات الكاثوليكية في أوروبا، وأنه بمقتضاها يتم تبادل البعثات الطلابية بين الجامعتين. [مركز التنوير - القاهرة ٢٣/٢/٢٠٠٥م]
- رئيس الكنيسة الإنجيلية الكويتي «ويل لي إن كنت لا أبشر»
ادعى (القس عمانوئيل) غريب راعي الكنيسة الإنجيلية الوطنية في الكويت أنه جاء بدعوة إلهية من المسيح عندما ظهرت أمامه عبارة من كتابه المقدس تقول: (كما أرسلني الأب أرسلكم أنا) ، وقال في حوار مع فضائية العربية إن رئاسته للكنيسة كانت مطلباً شعبياً كبديل للقس المصري السابق (نبيل عطا الله) الذي يعتبر غريباً عن البلاد، وعن سعيه لنشر النصرانية بالكويت، قال (عمانوئيل) : إن المسيحية دين دعوي، وهناك نص في الإنجيل: (ويل لي إن كنت لا أبشر) ، وعلى كل مسيحي مؤمن أن يبشر بالمسيح، ويطرق مختلفة، خاصة من خلال العلاقات الشخصية، وبالنسبة للكويتيين فإن من حق كل واحد أن يسألنا، وأن نجيبه، ويكون له حق الاختيار بعد ذلك.
جدير بالذكر أن عدد المسيحيين الذين يحملون الجنسية الكويتية يتراوح بين ١٥٠ و٢٠٠ فرد، بينما الإنجيليون الأجانب يتراوح عددهم بين ٢٥٠ ألفاً إلى ٣٠٠ ألف بما فيهم المسيحيون العرب. [فضائية العربية - نقطة نظام، ٢/١٢/٢٠٠٤م]
стр. 5247
صورة المسلم الملتزم في الدراما العربية المعاصرة
وجه جديد للاغتراب
مدى الفاتح
قبل أربعة أعوام تقريباً، وبالتحديد في أغسطس من عام ٢٠٠٠م أذاعت (مونت كارلو) في أنبائها الصباحية نبأً غريباً عمَّا أسمته «ثورة شعبية» ضد مسلسل عربي بعنوان «العائلة» كان يُعرض آنذاك في اليمن، وأخبرتنا المذيعة أن المسلسل الذي كان يتضمن ـ بحسب الثائرين ـ إساءات بالغة للإسلام والجماعات الإسلامية، تحول إلى موضوع لخطب الجمعة في المساجد اليمنية، كما أثار حفيظة الكثيرين من الدعاة والعلماء.
على المستوى الشخصي أنا لم أشاهد المسلسل المذكور، ولا أعلم ما إذا كان قد عُرض على شاشة بلادي الصغيرة أم لا، إلا أنه وعلى كل حال فإنها لم تكن المرة الأولى ولا الأخيرة التي تتم فيها الإساءة بشكل مباشر ـ أو غير مباشر ـ للمسلم الملتزم، أو للثقافة الإسلامية كمجموعة عن طريق العمل الفني.
أما موضوع الغرابة الحقيقي فليس الإساءة بحد ذاتها؛ فقد اعتدنا على ذلك في أفلام وفنون الغرب التي لا يكتب لها النجاح إلا إذا طفحت بمشاهد تسيء إلى العرب والمسلمين بشكل يبدو في بعض الأحيان عدائياً كما في أفلام (سلفستر ستالون) ، (رامبو) ، وفيلم (تايتنك) ، وغيرها، وإنما تستغرب؛ لأن الدراما هذه المرة عربية تُنتج في بلاد العرب هناك حيث الغالبية المطلقة من المسلمين!
- سلوك الرافضين:
إن تلك الحقيقة البدهية الأخيرة إن دلت على شيء فإنما تدل من جديد على حجم الاغتراب الذي نعيش فيه، فنحن لا ننظر لأنفسنا إلا من منظور عيون الغرب، ولا نحاكم حضارتنا إلا من تلك الزوايا التي يحاكمنا بها أعداؤنا، وهي نظرة أقل ما يمكن أن توصف به: هو كونها نظرة مَرَضِية ومشوهة وغير موضوعية، تعمل على رفض جذورنا الحضارية الحقيقية لتفرض نماذجاً من واقع خيالها، إلا أن هذه النظرة للأسف هي نظرة منتشرة، بل وذات أغلبية، وإذا أخذنا صورة المسلم الملتزم (المستقيم) ، أو الداعية في دراما التلفزيون كمثال، ورأينا كيفية معالجة هذه الشخصية؛ فإننا سنكتشف أنها كانت سلبية على الدوام، سلبية تماماً.
فمن ناحية كان رأي قطاع كبير من العاملين بالحقل الإعلامي هو تجاهل هذه الشخصية بوصفها شخصية «معقدة» أو «مركبة» من (وجهة النظر الدرامية) وعدم الإلماح لها بخير أو شر، وهذا الرأي وإن كان يبدو في ظاهره محايداً إلا أنه يحمل في مضمونه مجافاة شديدة للواقع؛ فشخصية الملتزم ـ شاباً ـ أو شابة هي شخصية متنامية في المجتمع العربي المعاصر، ومن الصعب تجاوزها، خاصة لمن يزعم أنه حريص على تصوير الواقع العربي المعاصر كما هو؛ فالواقع الحق هو أن المجتمع العربي ما زال يحتفظ بقيمه، والواقع أن حركة التدين ليست في مراحل انحسارها كما يصورون بل هي في أوج نشاطها، والواقع أن الصحوة الإسلامية قد أصبحت محل تعاطف شعبي واسع، يزداد يوماً إثر يوم.
أما القسم الآخر من كتَّاب ومخرجي الأعمال الدرامية ـ ولعله القسم الأكبر ـ فإنه لا يتجاهل ـ كالأول ـ الشخصية المتدينة، فيعمل على تقديمها، لكنه وفي أغلب الأحوال لا يقدمها بصورة صادقة وحقيقية؛ فهو إما أن ينقل لك الجانب السلبي من هؤلاء الإسلاميين؛ حيث العقيدة المنحرفة والمرتبطة بالخرافات، والدجل، واستغلال البسطاء، أو أن يقدم لك صورة الشخصية المسلمة لا كما يجب أن تكون، وليس أيضاً كما هي بالفعل، بل كما يريد لها هو أن تكون، وسنمثل لكل هذا لاحقاً.
ما أريد قوله هو أن هذه الشخصية بشكلها الذي تعالج به حالياً نادراً ما تكون موقعاً لتعاطف المشاهدين، وحتى في المسلسلات المسماة «دينية» فإن المبالغة في رسم الشخصيات الإسلامية كشخصيات أسطورية تملك خصائص نادرة لن تتكرر يمنع عنها تعاطف المشاهد، كما يصيبه في الوقت نفسه بالإحباط واليأس والتباكي على ماضٍ لن يعود (١) . أما في حقبة السنوات الأخيرة حين علا صوت الاستنكار الشعبي لما يسمى بـ (الإرهاب الإسلامي) فإن المثقفين الرافضين قد استغلوا الأحداث أسوأ استغلال، وبدؤوا جهاراً بمحاربة ما يطلقون عليه رموز الإرهاب! لا غرو؛ فقد وجدوا الآن مسوِّغاً (شرعياً!) ، لكن ما هي رموز الإرهاب في نظرهم؟ هي الحجاب واللحية والجماعة الإسلامية! ثم بدأت فلسفتهم تأخذ شكلاً أكثر وضوحاً. إن أفضل طريقة للقضاء على الإرهاب، ورموز الإسلام السياسي هي القضاء على الإسلام ذاته.
وبدوا مصرّين على تحقيق هذا الغرض، مصرّين تماماً.
- الإساءة للنموذج الإسلامي في السينما:
وفي تلك المرحلة، وبينما كانت تتم تعبئة الشعوب داخلياً وخارجياً ضد كل من يمكن أن ينتمي للصحوة الإسلامية، كان يجري في هوليود الشرق ـ القاهرة ـ تنافس من نوع آخر؛ حيث كانت تستعد لإخراج سلسلة من الأفلام حول موضوع الساعة (الإرهاب) مستعينة بألمع نجوم الشاشة، إلا أن أعظم الأفلام أثراً ـ في رأيي ـ كان فيلم بعنوان: (الإرهابي) لـ (عادل إمام) النجم المصري المعروف، وفي هذا الفيلم استغل النجم قاعدته الشعبية العريضة الممتدة من المحيط إلى الخليج لإيصال رسالة ما، أما مضمون الرسالة فقد كان واضحاً منذ البداية: محاربة الإسلام الأصولي، وتسويغ مواقف بعض السلطات العنيفة ضد الإرهابيين المتسترين خلف عباءة الدين، وقد كانت هذه الأفكار المبدئية ولحد كبير محل تعاطف الجميع.
إلا أن النجم المشهور ورفاقه قد خذلوا الجمهور بشكل مفاجئ؛ فحينما وصل الفيلم إلى المنتصف ما عدنا ندري ما القضية بالضبط، وأين الرسالة؛ فقد بدأ الفيلم بهجوم على الجماعات المسلحة، ثم أصبح هجوماً على اللحية، ثم على الصلاة، ثم على أشرطة الدعوة، ثم ... إلخ.
وبدا ذلك غريباً؛ لأنه من المعروف عن أبطال هذا الفيلم أنهم يختارون أدوارهم بعناية، أما (عادل إمام) فهو لا يعمل وحده، وهو محاط دوماً بفريق يليق به ذي مستوى عالٍ من التمثيل والإخراج، إلا أن نوايا (عادل إمام) الخفية في هذا الفيلم أفسدت حتى الحبكة السينمائية التي بدت سخيفة ومملة، وذات خطاب مبتذل. والقصة باختصار: هي أن أحد شباب الجماعة المسلحة يأتي إلى العاصمة لتنفيذ جريمة اغتيال، ويصور الجزء الأول كيف أن هذا الشاب غير مرتاح لحياته الملتزمة المليئة بقيود الدين والخلق، ثم يحدث أن يفقد وعيه في حادثة؛ حيث يؤخذ لبيت عائلة لا علاقة لها بالدين إلا الاسم، يبدو معقداً في البداية، ويبدأ في مقارنة حياته السابقة بحياته الحالية، وسرعان ما تُحسم المقارنة لصالح حياته الجديدة؛ حيث الخمر، والنساء، والعالم الجديد، وفي نهاية الفيلم يترك الالتزام كلية واقعاً في حب إحدى بطلات الفيلم، أما النهاية التراجيدية فهي أن جماعته الإرهابية تلاحقه وتقتله قبل اكتمال فرحته.
لقد كان هذا الفيلم بحق نكسة لجميع أعمال (عادل إمام) والفريق الذي معه الذين قدموا من قبل عدة أعمال ناجحة، وربما كان من الممكن أن يُكتب لهذا الفيلم انتشار أوسع، لولا طابع السخرية العنيف من المظاهر الإسلامية الذي تميز به منذ البداية، والسذاجة الفائقة التي عولج بها السيناريو والحوار.
إلا أنه يبدو أن الكثيرين لا يشاركونني الرأي؛ فقد حصد بطل الفيلم جوائز عدة بعد هذا الفيلم! كما اعتبرته اليونسكو ممثلاً للسلام والنوايا الحسنة، ويا سلام!!
- الشاشة الغشاشة:
ولأسباب استراتيجية فضّل العاملون في قطاع الدراما نقل المعركة إلى التلفزيون بوصفه الوسيلة الأكثر شعبية وانتشاراً، إلا أن السخرية من الإسلاميين ورجال الدعوة كانت تتطلب هذه المرة حنكة من نوع خاص؛ فالأسلوب الساخر غير محبَّذ في التلفزيون، ولنأخذ على سبيل المثال عدداً من الأعمال، اخترتها من بين الأعمال الأكثر شهرة، والتي لاقت نجاحاً منفرداً في مجتمعنا العربي المسلم.
إن أحدهم فضّل اتباع طريقة التحليل النفسي لدراسة سلوك الشاب المنتمي للجماعة الإسلامية، وفي رأيه أن المشكلات الاجتماعية هي التي تدفع الشاب لهذا الاتجاه المتطرف؛ حيث يقوده اليأس من الحياة الحاضرة إلى البحث عن حياة أخرى أجمل؛ إنني أعني بالتأكيد قصة (اسطبل عنتر) ؛ ففي هذا المسلسل تجمع الجماعة المشبوهة عدداً من المنحرفين نفسياً، وباسم الدين تخدعهم لتنفيذ الأهداف الشريرة لإمام الجماعة الذي يستغل ضعفهم ومشكلاتهم، وسرعان ما يكتشف الشاب الذي انضم أخيراً للجماعة بحثاً عن الحق والخير أن هذه الجماعة ما هي إلا ستار لتنفيذ العمليات الإجرامية، وما ظنَّه شيخاً لم يكن في الواقع سوى مجرم محتال. والفكرة التي تبدو واضحة خلف مشاهد المسلسل هي أنه يجب التعامل مع دعاة الدعوة السلفية بوصفهم مرضى نفسيين، يتم علاجهم ببعث الأمل فيهم وحل مشاكلهم النفسية والاجتماعية.
ومن مَعِين الأعمال الروائية الذي لا ينضب قام التلفزيون المصري باستعارة رواية إحسان عبد القدوس (لن أعيش في جلباب أبي) ، ومن أجل ما يعرف بالمعالجة التلفزيونية يقوم العاملون على إخراج المسلسل بالتصرف في الرواية حذفاً وإضافة؛ مما ينعكس بطبيعة الحال على شخصية الابن الذي يتعرض لهزة نفسية تقوده إلى طريق الزهد والتشدد؛ وهي المرحلة التي لا يلبث فيها كثيراً حتى يُشفى منها، ويتجاوزها عائداً إلى حالته الطبيعية، (وهي الفكرة السابقة نفسها) .
وفي أحد المشاهد يسأله رفيق جماعته السابقة قائلاً: لماذا حلقت لحيتك؟ فيجيبه بما معناه أن لا أحد له شأن بذلك، وأنه لم يكن لديه سبب معين لإرخاء اللحية؛ فيبهت رفيقه أمام هذا المنطق، وينتهي المشهد هنا كما أراد المخرج، وهو يُظهر رجل السنَّة بمظهر الضعيف الذي لا يمتلك حُجة، ولا يقتنع بما يفعل.
ومن جهة أخرى تظهر سلسلة من الأعمال الدرامية هدفها: تكريس فكرة (الإسلامي المنافق) ؛ أي: الشخص الذي يستغل مظهره كملتزم بالسنَّة لتنفيذ أعمال الشر مستغلاً ثقة الناس به؛ منها مسلسل (الإعصار) الذي تكتشف فيه أن رأس العصابة هو الرجل ذو اللحية الكثيفة، والشارب المحفوف والأصابع التي لا تفارق المسبحة. ونجد سمات هذه الشخصية مع تعديلات بسيطة في مسلسل (وما زال النيل يجري) لـ (أسامة أنور عكاشة) ، إلا أن الأخير يقدم هذه النظرية بشكل أكثر عمقاً، يعرض لك شخصيتين إسلاميتين: إحداهما أقرب ما تكون لأهل السنة في مظهرها، أما الثانية فهي شخصية عالم إسلامي شاب مستنير حليق الوجه، يتميز أنه لا يجد حرجاً في التعامل مع الجنس الآخر، وتفسير النصوص بما يتلاءم مع روح العصر، وبينما يجعلنا التسلسل الدرامي نكتشف تحالف الشخصية السُنّية مع قوى الشر والاستغلال، تبرز لنا شخصية الإسلامي التقدمي المتحضر الذي يحارب الجهل، والعادات الضارة، ويقتنع بضرورة تنظيم النسل، تلك الشخصية المتمثلة في الإسلامي (المودرن) .
وهنا نسأل عن فحوى رسالة هذا العمل الكبير: فهل المقصود تقديم صورة أكثر تحضراً لرجل الدين الذي لا يتوقف كثيراً عند أحكام النصوص (رجل الدين هي العبارة الأكثر استخداماً في سيناريو المسلسل) أم أن الفكرة هي أن التمسك بالمظهر الإسلامي ليس بالشيء الرئيس، وأن الأهم هو العقل والقلب؟ (وهو المنطق نفسه الذي تلجأ إليه بعض النساء المسلمات عند حديثهن عن نزع الحجاب) .
أما في (زيزينيا) كما في غيره من الأعمال التي تعرض المواصفات الاجتماعية للمجتمع المصري المعاصر فإن شخصية نمطية تتكرر بانتظام تلك هي شخصية الصوفي الدرويش؛ حيث هناك يتحد الدين مع الجهل والتخلف، والاستغلال المحمي بالأساطير والخرافة؛ فحينما يقدم المؤلف (أسامة أنور عكاشة) يقدم شخصية الولي؛ فإنه بلا شك يقدمها بحسب المفهوم الشعبي السائد، لا بحسب معناها الأصيل، ولا يبذل مزيداً من الجهد لتفسير هذه المفاهيم بحثاً عن «واقعية العمل الفني» .
ولا يستطيع أحد أن ينكر وجود هذه النماذج وانتشارها في معظم البلاد العربية والإسلامية، إلا أن الاقتصار على تقديمها كنموذج وحيد لرجل الدين المسلم يحتاج لإعادة نظر، لكن يبدو أن هذه الصور المشوهة للعقيدة الإسلامية هي المثال الوحيد المسموح به في دراما التلفزيون، وهذا ما تعبّر عنه ـ على الأقل ـ الدراما المصرية المعاصرة.
وحتى في الجزء الأخير من مسلسله الأشهر (ليالي الحلمية) حينما اضطر صاحب (الليالي) لمعالجة الأنموذج الجديد من الإسلاميين ـ على الأقل ليبدو أكثر واقعية ـ فإنه لم ينتج إلا مشاهد ضعيفة وسطحية لا تتناسب مع روح العمل الممتد، والذي استغرق العمل فيه سنوات طوالاً.
أحد هذه المشاهد مشهد لحفل غنائي شعبي يشترك فيه الجميع بمرح وسعادة، لكن لسوء الحظ فإن جماعة متطرفة تتدخل لتحاول إفساد الحفل باعتباره منكراً، إلا أن الحضور يمنعونها من ذلك، وينبري أحد المتحدثين مسوغاً ذلك أنه لا حرج في الفرح، وأن «الفرفشة» هي عادة هذه الأحياء التي ترفض صوت التطرف، وينتهي المشهد مرة أخرى بإظهار المعارضين بشكل الهمج المتشددين، بينما ينتصر صوت الاعتذار المنادي بالغناء والرقص والمرح.
وهنا مشهد آخر يحاول سيناريو المسلسل إقناعنا بأن المشكلات الاجتماعية كانت وحدها السبب في تحوّل أحد نجوم المسلسل عن طريق الاعتدال إلى التطرف، متجاهلاً بشكل يدعونا للتشكك تلك الجذور الفكرية لهذه الجماعات.
لقد تحدث (عكاشة) كثيراً عن الضغوطات التي تصاحب الأعمال الدرامية، والتي يتعرض لها الكاتب (منها لقاؤه مع تلفزيون السودان) ، حيث قال: «إن الفرد لا يستطيع أن يقول كل ما يؤمن به» وأنا بدوري أتفهم ذلك، لكنني في الوقت نفسه أربأ بهذا الكاتب الكبير أن يكون (أداة) ، أو أن يكتب كما يراد له؛ فالسخرية من رجال الدين والورع ليست خطرة فقط من الناحية العقدية، ولكنها أيضاً تشوه ـ ولحد كبير ـ المعالجة الدرامية التي يجتهد المؤلف في نظمها، ولا أعتقد أن الكاتب بحاجة للتذكير بالحكمة القديمة: إذا لم تستطع قول الحق فلا تقل الباطل!
وكمثال أخير لإقحام الفكرة الإسلامية المشوهة، والأمثلة كثيرة للأسف: نأخذ مسلسل (أهل الدنيا) الذي يحكي قصة الرجل المتسلط (شيخون) الذي أمضى حياته في جمع المال، ولغرض وحيد هو أن يصبح تاجراً عظيماً، فقضى حياته بلا حب ولا عواطف، وقد سيطرت عليه النزعة المادية التي جعلته يحطم أمامه كل القيود، إلا أن ذلك الرجل يندم في النهاية حينما يضيع المال ويخذله الجميع ـ حتى أبناؤه ـ فيُظهر احتقاراً لنفسه وللمال، ويبدأ في الحلقة الأخيرة في اعتزال الحياة ليعيش زاهداً بل متصوفاً، وسؤالي الآن لمخرج المسلسل الذي أنهاه بآية كريمة من تأصيل الدراما كما يبدو: ألم يكن من الأفضل أن تتوج هذه التوبة بتعرُّف الرجل على طريق الإسلام الصحيح بدلاً من انخراطه في سلك هذه الجماعة المبتدعة التي لم تطلب منه لكي يصير ولياً بعد بضع سنوات إلا أن يتبعهم في الرقص والغناء ودق الطبول؟ إن هذا جعل النهاية تبدو ـ بالنسبة لي على الأقل ـ غير إيجابية، وإن أنهاها بنص قرآني.
- البطولة الزائفة:
الواقعية: هو المشجب المفضّل لدى كُتّاب السيناريو لتسويغ المآخذ، مشجب مهترئ، أصبح بالياً وسقيماً؛ بحيث لم يعد يحتمل المزيد من أسمال الفنانين وقرين الواقعية: هو البطولة الزائفة التي تمنح لمن لا يستحق كما منحت للشيوعيين في (ليالي الحلمية) ، متجاهلة عن عمد خذلانهم التاريخي لقضايا أمتهم، وحديثهم القديم عن دعوتهم المزعومة للتكامل مع (الدولة العبرية) بالتحالف مع الطبقات الاشتراكية في المجتمع، تلك التي لم يكن آخرها (قاسم أمين) الرجل الذي أفنى عمره في سبيل إخراج المرأة من بيتها، وحثها على نزع الحجاب، وتشجيعها على الاختلاط بالرجال.
هذه الواقعية وغير الواقعية عميت أن ترى دور الحركات الإسلامية والجهادية في التحرر من الاستعمار، أما (الحركات الإسلامية) فلم تلق في أي عمل درامي تقريراً أو اعترافاً بالفعل لدورها الوطني على الأقل أسوة بغيرها من الحركات السياسية، وما زال الفنانون لا يستحيون أبداً، ولا يخجلون وهم يُسندون أدوار البطولة لشخصية شيوعية تتحدث في القرن الحادي والعشرين عن الماركسية، وتضع في مكان مقدّر صورة بحجم كبير لـ (لينين) (حسن.. مسلسل الأصدقاء ٢٠٠٢م) .
البطولة الزائفة هي دوماً خلفنا، وهو أمر لا يجعلنا نشعر بالدهشة، خاصة إذا استحضرنا إجابات لأسئلة مِن نوع: مَن هو الذي يكتب ويُعِدُّ ويموّل هذه الأعمال؟ ولمصلحة من هذه الأفكار المغلوطة؟ وما الغرض من تمرير هذه الأعمال بهذا الكم؟ هل هو فقط غرض تجاري؟ أم..؟ ولنترك الإجابة عن هذه الأسئلة لفطنة القارئ الكريم!
ولنعد لذلك المسلسل الناجح (زيزينيا) ، لمن أسندت البطولة؟
لشخصية منحرفة مولعة بالنساء، ومصابة بعقدة الانتماء لشخصية أقل ما توصف به هو كونها شخصية مَرِيضة، نعم هذا هو البطل الواقعي الجديد؛ فليس في المجتمع نبلاء ولا فضلاء ولا ملتزمون بالدين، بحسب المسلسل فليس فيه سوى هذا المثال الشاذ، والغريب أن هذه الشخصية تتكرر بالاستعانة بالممثل الجماهيري (يحيى الفخراني) نفسه في مسلسل لاقى هو الآخر نجاحاً ورواجاً، وهو (أوبرا عايدة) ؛ حيث نجح المؤلف والمخرج، وطاقم العمل في إقناعنا بكون المحامي الأفاك ـ والمشغول هو الآخر بغرائز نفسه ـ قد يصبح أيضاً بطلاً محبوباً.
وحتى حينما يحاول هؤلاء الفنانون تقديم عمل يخدمون به قضايا أمتهم فإنهم لا ينتجون إلا أعمالاً هشة ومسطحة، لا تثير سوى الضحك والاستهزاء والاستخفاف بتلك القضايا؛ لماذا؟ لأنهم ببساطة لا يملكون التصور الصحيح لقضايا الإنسان والوجود، ولا يفهمون جدوى كوننا على هذه الأرض، وفاقد الشيء أبداً لن يعطيه؛ ولأنهم في الوقت ذاته ملوَّثون ومضللون ـ ما زالوا ـ بالشعارات القومية، والعلمانية التي لا تجعل أفقهم يمتد لأكثر من حدود المحيط والخليج.
ولأنهم يعملون في ظل حكومات تجاهر بسعيها لقمع الأفكار التي تناقش هذه القضايا من منظور شرعي وإسلامي؛ لكل ذلك فالمنتوج لا يصبح سوى مثل ذلك العمل الذي قيل عنه إنه يتحدى (إسرائيل) ، ويناقش بروتوكولات حكماء صهيون، ويتحدث عن حقبة مهمة في التاريخ العربي، وأنه محارب من أمريكا وتلاحقه الضغوطات لتمنع عرضه، فلما عرض وجدناه عملاً بهلوانياً مملاً، لا يشير في النفس سوى الاستياء والضجر، ففيه قليل جداً من التاريخ، وكثير من الدجل الدرامي الذي جعل أولئك الذين كانوا ينتظرون عرضه يتخلون عنه منذ بدايات حلقاته. هذا هو مسلسل (فارس بلا جواد) الذي تسابقت القنوات العربية على عرضه بعدما تأكدت من خلوه من أفكار الدمار الشامل، أما مؤلفه ومعدّه ومخرجه للتلفزيون (محمد صبحي) فقال ـ في حوار له أيضاً مع التلفزيون السوداني ـ إنه لم يكن يريد التحدث عن «قضيتنا» من منطلق ديني، ولم يكن يريد الإساءة لأحد؛ فهل وصل بنا الهوان إلى هذا الحد؟!
- وختاماً:
فقد كانت هذه مجرد ملاحظات سريعة. أما معالجة هذا الموضوع من كل نواحيه فأعتقد أنها تحتاج لعدد من الدراسات والبحوث المتخصصة، وما أريد التنويه عنه هو أن هدف هذه المقالة لم يكن تجاوز الحكم الشرعي في قضايا التمثيل والدراما، وإنما كان مناقشة واقع قائم، ورد حجة أولئك الفنانين الذين يصرون دوماً على دور الفن، وضرورته، وخدمته لقضايا المجتمع.
لقد قطعت المؤسسات العلمانية دوراً كبيراً في ترويض المجتمعات الإسلامية بفضل ما تملكه من أدوات؛ لذا فإنه لا يجب النظر إلى هذه القضية بوصفها حدثاً منفرداً؛ فتشويه الرمز الديني لا ينفصل عن التشويه الحضاري العام الذي تعرضه الأعمال العربية بتقديمها المجتمع في الصورة التي تريد له أن يكون بها، لا بشكله الواقعي والمنطقي، وهذا بدوره لا ينفصل عن قضية التغريب والاستلاب، الفكرين اللذين انتشرا كالسرطان في الفنون العربية، تماماً كما انتشر من قَبْل في الأدب والسياسة والاقتصاد.
إن المسلسلات العربية ـ بشكلها الراهن ـ ما عادت تثير فقط غضب الجماعات الإسلامية المتشددة، بل أيضاً أثارت غضب الشخصيات الوطنية التي تبحث عن الأصالة؛ فها هو (فاروق خورشيد) أحد كبار الإعلاميين المصريين، والناشطين من ذوي النزعة القومية الناصرية، قال معلقاً على هذه المسلسلات: (وقارن معي بين هذا الكَمّ الفني من مسلسلات الإعلام! ماذا أضافت؟ لا شيء سوى التدمير، وحينما كان الكِتاب في الستينيات هو الأساس كان الاهتمام به أساسياً، ولما تغير الوضع وأصبح الراديو والتلفزيون يأخذان كل الوقت أصبح لكُتَّاب المسلسلات التافهة حظوة كبيرة؛ فهم يقومون بهدف دعائي يخدم كثيراً من أصحاب السلطة بأي شكل، لكن قيمة الكتاب تبقى ما بقي قراء) (١) ، وإنما كانت الأمثلة من الأعمال المصرية بوصفها الدراما الأكثر انتشاراً في العالم العربي؛ وهي لذلك معنية أكثر من غيرها بتقديم الصورة المقنعة للمجتمع العربي بسلبياته وإيجابياته. لكن المحزن هو أنها معنية ـ في الوقت ذاته ـ بالنضال ضد ما يسمى بـ «الإسلام السياسي» ، وهو ما ساهم لحدٍ كبير في توجيه أعمالها في مسار موحد واحد بعيد عن الحياد.
стр. 5248
القصة القصيرة بين الغاية والوسيلة
محمد علي البدوي
تحتل القصة القصيرة كلون أدبي ذائع الصيت موقعاً متميزاً على خارطة الأدب العالمي؛ إذ ينتشر أعلامها والناشئون في رحابها على طول العالم وعرضه، ولا تكاد تلم بمطبوعة أدبية أو صحيفة سيارة إلا وتجد بين طياتها قصة أو نقداً لقصة أو حديثاً يمتّ لها بصلة من قريب أو بعيد؛ فلماذا كل هذا الاهتمام بهذه المساحة الصغيرة من الأدب؟
لعل السر يكمن في السحر؛ سحر القصة وسيطرتها على النفس الإنسانية، إضافة إلى مقدرتها على الإمتاع والإقناع «الإمتاع: من خلال رؤاها الجمالية المختلفة، ومن خلال نزوعها التواق إلى التكامل مع الأجناس الأدبية الأخرى، والإقناع: من خلال مناقشة هموم الواقع، وطرح آمال الإنسان العادي الصغيرة» . وإن كان مرجع ذلك كله إلى مقدرة الكاتب وإلمامه بأدوات وتقنيات القص «فالقصة في العصر الحديث تشهد رواجاً وازدهاراً؛ باعتباره العصر الذهبي لها، وباعتبارها فناً من فنون النثر التي لا تزال قادرة على مواكبة العصر» .
لذا سارع الكثير من الكتاب على اختلاف مشاربهم، وتوجهاتهم إلى استخدام هذا الفن الأدبي كوسيلة من وسائل الترويج لأفكارهم، ومبادئهم على أرضية المشهد الثقافي؛ فالحداثيون وبعد أن قوضوا معالم الشعر العربي الأصيل معنى ومبنى يمموا أقلامهم قِبَل القصة، وأخذوا يجلبون عليها بخيلهم وخيالهم، ويبثون من خلالها سمومهم، حتى أضحت القصة الحداثية اليوم داعية فُحش وإثارة، بل شركاً يُخرِج صاحبه من الملة، خصوصاً إذا «ما عملت القصة على طمس معالم الإيمان بالله في نفوس المسلمين، والنيل من الدين وأهله، وتكاد تكون هذه من الموضوعات الأثيرة لدى كثرة من كتاب القصة في البلدان العربية» .
وإلى جانب الحداثيين قام الشهوانيون الذين ما انفكوا يتاجرون بالقصص الهابطة، ويمتهنون فن الإغراء؛ فقد جعلوا من القصة مطية ذلولاً لإشباع نهمهم وإمتاع غرائزهم على النحو الذي نجده في قصصهم التي تنضح بالثورة على الدين، والقيم، والأعراف، والتي استهوت فئاماً من المراهقين، لا سيما إذا ما يُقدَّم في صورة أفلام، ومشاهد تدغدغ الحواس، وتنبت الرذيلة في القلب كما ينبت الماء البقل.
وغير بعيد عن هؤلاء نجد الشيوعيين قد أفادوا من القصة في الترويج لبضاعتهم المزجاة، وتعاليمهم الحمراء؛ فقد كانت «قصة الأم لمكسيم جوركي أفضل في الدعوة إلى الفكر الشيوعي من كتابات (ماركس، ولينين، وتروتسكي) وغيرهم من الشيوعيين» «كما جعل بعض كتابهم القصة طريقاًَ للنيل من دين الله والسخرية منه، كما هو الحال عند الجزائري (الفرانكفوني) الهالك (كاتب ياسين) وسيئ الذكر البعثي (عبد الرحمن المنيف) وغيرهما» .
ومن بين هذه القصص السوداء والقذارات الأدبية المتلاحقة التي تبعث على التقيؤ يبرز القصص الإسلامي كمَعْلَم جميل من معالم الأدب الناضج، ورافداً من روافد الدعوة الحقة، بما تخطه من إبداع، وما تقدمه من إمتاع في نفس القارئ، وإن كانت الأرض الأدبية المجدبة عطشى لمثل هذه التجارب الحية، والقصص المؤثرة. يقول الراحل الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا ﵀: «إذا كنا نريد التصدي لهذا الغزو الهائل من الفنون المنحرفة المدمرة التي تشيع الإباحية والانحلال بين الناس فلا يكون ذلك باستنكارها أو الإعراض عنها، ولا يتحقق ذلك بالصراخ والعويل، وإنما يكون بالعمل الإيجابي البناء؛ وذلك بأن نواجه الأدب الذي لا نريد بالأدب الذي نريد» .
стр. 5249
وا إسلاماه !
أم سليمان بنت محمد الشريف
صرخة صرخها المظفَّر سيف الدين قُطُز، تردد صداها بين ظهراني المسلمين؛ فتجاوب معه الكون كله، وهبّ جنود الإسلام لنصرة دينهم والذود عن حياضه، وسطروا بسيوفهم أروع البطولات في الجهاد ضد المغول.
لكن....... واحسرتاه!
لو قالها الآن إخوتنا في فلسطين، والعراق، وغيرها؛ فمن ذا الذي سيجيبهم؟!
بل قالوها وصاحوا بأعلى صوتهم، فلم يجدوا غير صدى الصوت. لقد كثرت الجراحات في كثير من بلدان أمتنا الإسلامية، ونزفت بشدة في أكثر من موضع. انظروا حيث شئتم، تلفتوا يميناً ويساراً، انظروا من بين أيديكم ومن خلفكم! فلن تجدوا إلا بيتاً محطماً، ويتيماً مشرداً، وأسرة لا عائل لها!
انظروا إليهم في فلسطين في الشيشان، وأفغانستان، وكشمير، والفلبين، في بورما وأندونيسيا، وسمّوا ما شئتم من الدول! فالحال هو الحال، والمصير هو المصير، ولسان حالهم كما قال الشاعر (محمود غنيم) :
أنَّى اتجهتَ إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه
فحسبنا الله ونعم الوكيل!
كم يؤلم منظر تلك الطفلة ـ التي ينطق وجهها براءة وطهراً ـ وهي تقاوم جنود الاحتلال الذين نزعوا أباها من قلبها! تحاول تخليصه منهم؛ فليس لها في الدنيا بعد الله غيره فيقتله الأوغاد، ويتناثر جسده أمام عينيها الحزينتين، فتصيح باكية، وتقترب منه، وتناجيه بكل حواسها، ولكن لا مجيب؛ فقد ذهب أبوها، وذهب معه قلبها المكلوم، ما ذنب هذه الطفلة؟ أغفلتم عنها يا مسلمون؟!
بل يؤلم أكثر ما يؤلم منظر الجثث المتناثرة في بلاد الإسلام الحزينة؛ حيث الأشلاء تسبح في برك من الدماء البريئة، هذه قدم ملقاة هنا، والآخر رأسه يتدحرج بعيداً عن جسده، يا لبشاعة الحرب، ويا لبشاعة المعتدين!
تلك الأم تضم ابنها إلى صدرها، وكأنها تريد دفع الموت عنه، تركض وتجري، لكن إلى أين؟ لا تدري؛ والوحوش حولها في كل مكان؛ إذن لا بد من الاختباء. اختبأت مع ابنها خلف أحد المنازل المهدمة، ولكن الله أراد لها أن تقتل بآخر رصاصة أُطلقت في ذلك اليوم، استلقت بجانب وليدها الصغير الذي قال لها: ماما لِمَ تنامين هنا في هذا الشارع؟ ولِمَ لَمْ تحكي لي اليوم حكاية؟ ونام بجانبها، ولا أعلم ما فعل حين علم أنها ماتت!
بل يؤلمنا أكثر وأكثر عندما نرى إخواننا المسلمين في كل مكان يتعرضون لسفك الدماء، وتكسير العظام، والقتل العشوائي، والضرب الشديد، وإسقاط الأجنة من بطون الحوامل، وتقطيع الأطفال وهم أحياء، وشيهم على النار أمام عيني والديهم.
بل يؤلم أكثر وأكثر منظر تلك الطفلة الجميلة البريئة التي لم تتعد السنتين التي كل من يراها يُؤخَذ بجمالها الطفولي الباهر، لكن ما أن ينظر إلى قدميها ويجدهما مقطوعتين؛ حتى يقطع الألم فؤاده، ما ذنبها؟ وما كان جرم تلك المسكينة؟
لقد تشرد الملايين من المسلمين، وأغلبهم من كبار السن الذين أصبحوا بلا مأوى ولا دفء، يموت أكثرهم من البرد والجوع؛ فماذا اقترفت أيديهم حتى يُفعل هذا بهم؟
الكل له بواكٍ إلا المسلمين فلا بواكي لهم.
فماذا فعل المسلمون ليصير هذا حالهم؟
هل هم قتلة؟
هل هم مجموعة من المجرمين؟
هل هم مجموعة لصوص وقطاع طرق؟
كلاَّ! فما عرفت الإنسانية أمة تضارع هذه الأمة في طهرها ونقائها وعفافها وصدقها وأمانتها.
قال ـ تعالى ـ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ . [آل عمران: ١١٠]
لقد كان خطأ المسلمين في نظر أعدائهم ـ الذين ما عدلوا معهم يوماً، ولا راعوا لهم حقا أبداً ـ لقد كان الذنب الذي لا يغفر هو أنهم ما عبدوا غير الله، وما انحنت جباههم إلا لله الواحد القهار، ولا مُدَّت أيديهم إلا أمام أبواب رحمة الله.
قال : ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] .
يا مسلمون! إنها محن يلين لها الحجر، ويأسى لها القلب وينفطر، وتسكب العين دمعها مراراً وينهمر.
لكن..... أين دوركم؟ أين أموالكم واقتصادكم؟ أين أسلحتكم بل أين جيوشكم؟
لماذا نُصِمُّ الآذان؟ بل لماذا نتجاهل الأحداث حتى الآن؟ لماذا قلوبنا أصبحت كالحجر؟ ألا نشعر بالخجل حتى من مجرد الحديث عنهم؟ أأصابنا الفتور والكسل؟
إنها أخوة الدين ورابطة العقيدة؛ فأين الشعور بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى؟!
نحن بحاجة إلى عودة صادقة إلى العزيز الجبار، نتوب إليه من ذنوبنا وآثامنا التي حالت بيننا وبينا نصره، وسُلِّط علينا أعداؤنا، وجعلتهم ينالون منا، فيتحقق لنا الذي وعد الله به عباده الذين آمنوا: ﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] .
فما النصر إلا من عند الله، وهو ليس بكثرة عدد أو عتاد، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء، وفقاً لوعده الذي لا يخلف، وإن غطت غيوم الضباب بريقه ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ . [محمد: ٧]
وعندها نقول: وا إسلاماه! ويجيبنا الكون كله، وتنطلق جنود الله من الإنس والملائكة والجبال والشجر والحجر ... ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] ؛ ليتحقق الأمل المنشود، ويرتفع الظلم عن العباد، وتعلو كلمة التوحيد خفاقة على ربوع البلاد، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً.
قال رسول الله ﷺ : «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر» (١) .
ادعوا لإخوانكم يا مسلمون! اللهم انصرهم، وارفع عنهم، وأيد بهم راية الجهاد!
فإنهم يصرخون، ولكن من يسمع صرختهم وصوتهم واهن مبحوح؛ لقد أزعجهم صدى الصوت، وأتعب نظرهم التلويح، لكنهم ما زالوا يصيحون..... يصرخون.... يهتفون.
стр. 5250
أمريكا لا تتسامح مع غيرها
أ. د. محمد يحيى
وسط دعاوى كثيرة من الغرب تبشر بقيم التسامح والتعددية في الرأي، وسعة الصدر لتقبل النقد، وهي دعاوى موجهة للمسلمين، وبخاصة المتهمين مسبقاً بالتعصب وعدم تقبل الرأي الآخر ـ وسط ذلك كله نجد في الكتابات الصحفية الأمريكية تعبيراً خطيراً عن رفض الأمريكيين لهذه القيم بالذات وتبرمهم بها.
بل سعيهم إلى القضاء عليها ومحاربة من يوجه النقد لأمريكا حتى ولو لم يكن معه سوى القلم يسجل به احتجاجه. ففي عدد مايو ـ يونيو من المجلة المعروفة فورين أفيرز (الشؤون الخارجية) يكتب موسى نعيم محرر المجلة مقالة تحت عنوان: (مخاطر العداء الخفيف لأمريكا) ويعمد في بدايتها إلى التفرقة بين نوعين من العداء لأمريكا أولهما: هو النوع القاتل المتمثل في أعمال العنف (أو الإرهاب) الناجمة عن كراهة القيم والسياسات الأمريكية والرغبة في إيذاء ذلك البلد وشعبه، والثاني: هو العداء الخفيف (وهو يستعمل هذه الكلمة في إيجاد لبعض أنواع الأطعمة التي تقل فيها نسبة السكر أو الدهون) الذي يعبّر عن الاحتجاج الشعبي في الشوارع والإعلام ضد أمريكا دون الوصول إلى الرغبة في تدميرها.
ويرى الكاتب أنه بينما يقلل بعض الأمريكيين من خطر العداء الخفيف لأمريكا باعتباره لا ينتج أعمالاً ملموسة مدمرة، ولأن دعاته يقولون في الوقت نفسه أنهم لا يكرهون أمريكا كبلد، بل يرفضون وينتقدون سياساتها إلا أن لهذا النوع من العداء لأمريكا مخاطرة حسب قوله، ويمضي إلى القول: «إلا أن أصحاب العداء الخفيف لأمريكا مخطئون عندما يفترضون أن لا ثمن لإدانتهم العامة ولا سيما أن هجماتهم الحادة ضد سياسة الولايات المتحدة تساعد على إشعال نار العداوات الأعمق والأشمل، وعلى إثارة الشكوك ضد الولايات المتحدة وحكومتها وشعبها. ولسوء الحظ أصبح من السهل جداً على من يختلفون مع سياسات أمريكية محددة أن يصدقوا، وينشروا أسوأ الاقتراحات الممكنة حول الطبيعة السيئة والدوافع الشريرة والأصوات الخفية للولايات المتحدة» .
ويستطرد الكاتب قائلاً: «إن الذين يسهمون في العداء الخفيف لأمريكا ويروجونه حتى وهم يشاطرون المبادئ والقيم التي تمثلها الولايات المتحدة يدمرون من قدرة البلاد على الدفاع عن تلك المبادئ في الخارج؛ فالنفوذ الدولي يتطلب وجود القوة، لكنه يعتمد كذلك على المشروعية، وتنبثق تلك المشروعية من تقبل الآخرين الذين يسمحون باستعمال ذلك النفوذ، بل يرحبون به. وفي نهاية المطاف فإن رفض أصحاب العداء الخفيف للولايات المتحدة بشكل تلقائي لتصرفات الولايات المتحدة الدولية هو على قدر من السوء بالنسبة للعالم كمثل إعطاء تلك القوة العظمى شيكاً على بياض بأن تمارس قوتها دون القيود التي يفرضها المجتمع الدولي، وبالإضافة إلى ذلك فإن حدة الجرعة المعادية لأمريكا عالمياً تزعزع ـ أيضاً ـ دعم الشعب الأمريكي لالتزامات بلادهم الدولية، وقد لا يكون الالتزام الأمريكي الدولي أفضل وصفة دائماً لحل المشكلات الدولية؛ لكنه في الغالب الفرصة الوحيدة الموجودة. ويعاني الكثير من الأمريكيين بالفعل من صعوبة تفهُّم أن يحملوا عبء كونهم رجل شرطة العالم، ومع ذلك لا يتلقون الاحترام في المقابل، بل ربما يساعد العداء الخفيف لأمريكا السائد في بلدان عديدة على دعم اتجاه دعاة العزلة في أمريكا» .
وبعد أن يوجه محرر مجلة (الشؤون الخارجية) اللوم إلى إدارة الرئيس بوش؛ لأنها لا تأخذ العداء الخفيف لأمريكا ـ حسب تعريفه له ـ على محمل الجدية وتعتبره مجرد (موضة) لا ضرر منها؛ لأن المحتجين في غالبهم يأخذون بالعادات الأمريكية في أنماط الملبس والمأكل والمشرب. ويمضي في تحذيره بالقول: «وعلى الجانب الآخر فإن رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) ورئيس الوزراء الأسباني (خوزيه ماريا أسنار) ورئيس الوزراء الإيطالي (سيلفيو بيرلسكوني) يستطيعون بدقة تحديد تكاليف العداء الخفيف لأمريكا الذي يسود في مجتمعاتهم. إن العداء الخفيف لأمريكا قد رفع من المخاطر الشعبية السياسية لدعمهم لبوش الذي سوف يدرك بدوره وبسرعة أن كلامه الشديد اللهجة، وتصرفاته الأحادية تنطوي على مخاطر وتكلفة ضخمة. صحيح أن الولايات المتحدة استطاعت غزو العراق دون موافقة الأمم المتحدة، لكن عسكرييها بحاجة إلى القواعد في البلدان الأخرى، كما تحتاج أجهزة مكافحة الإرهاب فيها إلى مساعدة استخبارات الدول الأخرى بما فيها حتى الفرنسية، ويحتاج مراقبوها الحاليون إلى العمل الوثيق مع نظراتهم بالخارج، كما أن موظفيها الذين يبعثون بالدولة في أفغانستان والعراق يحتاجون إلى مساعدة وأموال الدول الأخرى. إن الولايات المتحدة سوف تكتشف بسرعة أنها تعتمد على البنية التحتية للدول الأخرى بقدر ما تعتمد على الكفاءة الفتاكة لقواتها المسلحة في تحقيق أهدافها الدولية، وفي المقابل فإن تلك النية الحسنة تعتمد بشدة على مزاج وتوجهات القوى الشعبية في الداخل وفي شتى أنحاء العالم؛ ولهذا السبب فإن الصعود العالمي لتيار العداء الخفيف لأمريكا هو تيار خطير، ولا يتوقف خطره على الأمريكان وحدهم» .
وخطورة الفكر الذي يعبِّر الكاتب عنه هنا هو ذلك التسويغ لمواقف أمريكا، والتحذير مما يسميه بالعداء الخفيف لأمريكا، وهو في حقيقته مجرد تعبير سلمي عن الاحتجاج ضد سياسات الولايات المتحدة، ونجده حتى وهو يتفق مع عدم خطورة هذا التوجه بشكل مباشر يحذر منه، ويدعو ضمناً لمواجهته؛ لأنه ينطوي على مصادمة الأفعال وتصرفات أمريكا على الساحة الدولية التي يعترف هو وفي صلب مقاله أنها كثيراً ما تكون أحادية ومصادمة لقرارات الأمم المتحدة وآراء المجتمع الدولي، وهذا التوجه ينطوي على دعوة لمحاربة أشكال الاحتجاج السلمي وبالتعبير على سياسات أمريكا بعد معاملتها على أنها ضرب في ضروب العداء لأمريكا واعتبارها تمثل خطراً.
стр. 5251
الحرب الصامتة.. التطبيع
قد يستغرب بعض القراء عندما يكتشف أن الحرب الصامتة هي التطبيع مع الكيان الصهيوني؛ ذلك أن قضية التطبيع قُتلت بحثاً، ولكنا نقول: إنها لم تُقتل فعلاً بعد، وما لم يُقتل فعلاً لا بد من إعادة طرحه دوماً، وقضية التطبيع ترتدي حالياً ثوباً جديداً يفرض معاودة البحث لمواكبة الحدث.
ونلفت هنا إلى قضية بالغة الخطورة، وهي «لعبة الألفاظ» التي استُخدمت أكثر من مرة لخداع الرأي العام العربي، وهي لعبة ماكرة تفرق بين المصطلح وتعريفه، وبين الاسم والمسمى، وتعتمد فكرتها الأساسية على حشد الرأي العام خلف مصطلح زائف تأييداً أو رفضاً، وعندما اختزلت السلطة الفلسطينية قضية فلسطين في مصطلح «الدولة» قال اليهود حسناً: «فلنعطهم دولة» لكن ما هو تعريف هذه الدولة؟ وهل يصح أن تكون دولة حقيقة؟ لا أحد يهتم طالما اتفق الجميع في النهاية على أن المنتج النهائي هو «دولة» .
وفي مجال التطبيع، أصبح المصطلح يمثل قيداً لتعريفه، فقد تراكمت خلفه طبقات من الرفض والشجب والإنكار تعوقه عن الحركة، ومن ثم كان الحل في لعبة الألفاظ. فلنترك الحشود خلف مصطلح التطبيع قائمة، ولنعمد إلى تفعيل التعريف في أرض الواقع بعيداً عن الزحام! فأصبح هناك مساران، أولهما للمصطلح وهو يتعثر ويتراجع، والثاني للتعريف وهو يتقدم خلسة بعيداً عن الأعين.
ولذلك أسقطنا مصطلح التطبيع عند تقديمنا لهذا الملف.. ووصَّفنا الحال: فهي حرب؛ لأنها مع العدو، وهي صامتة؛ لأنها تتسلل لِواذاً من بين أظهرنا، وتنسلُّ من بين الفُرَج كما يفعل الشيطان في صف المصلين.
стр. 5252
التطبيع.. صلح مقبول أم تفريط مرفوض ؟
محمد بن شاكر الشريف
أرسل الله ـ تعالى ـ الرسل، وأنزل الكتب حتى يعرف الناس ربهم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فيعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئاً. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث رسولنا محمد ﷺ إلى الناس كافة، فختم الله ـ تعالى ـ به الرسالات؛ فكان ذلك إيذاناً أنه لا نجاة لأحد إلا بالإيمان بهذا النبي، والدخول تحت لوائه، وقد فرض الله على رسوله ومن آمن به دعوة الناس إلى الله ربهم، وتبصيرهم بحالهم ومآلهم، وبذل الجهد والطاقة في ذلك، وقد خاض المسلمون في سبيل دعوة الناس إلى ربهم أهوالاً جمة، وتجشموا في سبيل ذلك كثيراً من العنت والشدة، رجاء رحمة الله ورضوانه، والعمل على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، لكنهم لم يقوموا بذلك لإكراه الناس على الدخول في دين المسلمين؛ فإن إدخال الناس في الدين حقاً ليس مقدوراً لأحد كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] ، وفي الوقت نفسه فإن إكراه الناس على الإسلام ليس مشروعاً في الدين، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، وقد نفذ المسلمون أوامر ربهم فلم يكرهوا أحداً على الدخول في دينهم، ويدل لذلك أوضح الدلالة وجود اليهود والنصارى وغيرهم في بلاد المسلمين منذ زمن الرسول ﷺ ، وخلفائه الراشدين إلى يومنا هذا، فكان الجهاد والقتال من المسلمين لعدوهم من الكافرين لمنع إكراه الناس على الكفر؛ وإذا كان إكراه الناس على الإسلام لا يجوز فأحرى أن لا يجوز إكراههم على الكفر؛ فقد كان هدف القتال والجهاد في سبيل الله أن يكون وسيلة للتحرر من سلطان الطواغيت الذين يصدون الناس عن عبادة الله وحده؛ وذلك حتى لا يُصَدَّ أحدٌ أو يُمنع عن الدخول في دين الله، وهذا لا يكون إلا بأن يكون الإنسان مختاراً في البقاء على دينه، أو التحول إلى دين الإسلام. وكيف تتأتى الحرية في الاختيار في ظل حكومة كافرة مشركة ترى في التمسك بالكفر والبقاء عليه حماية لها ولمصالحها ولمكانتها؟ ومن هنا يتبين أن من مقاصد الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ منع تحكم الرؤساء والكبراء في العامة؛ بحيث يجبرونهم أو يكرهونهم على الكفر ﴿وَإذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ، وأيضاً ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ، ولا يتأتى ذلك إلا بمنع الكفار من تولي القيادة والإمرة في أرض الله، وتمكين المسلمين في الأرض كلها فلا يدعون أحداً يُكره الناس على الكفر، وهذا لا يعد تدخلاً في حريات الناس واختياراتهم؛ لأن ذلك تشريع من رب الناس الذي خلقهم ورزقهم، وليس من تشريعات البشر؛ فهو وحده الذي ينبغي أن يحكم فيهم بشرعه، وما على الخلق غير الطاعة، ولو عصى الكفار ربهم فلا يكون كفر الكافرين وتمردهم على ربهم مسوغاً للمؤمنين الطائعين أن يتركوا ما أمرهم ربهم به من عدم تمكين الكافرين من الحكم في خلق الله؛ وذلك أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وفعل المسلمون من ذلك ما قدروا عليه وما وسعته طاقتهم، وقد وجد من الكفار من يقبل ذلك، لكن علامة هذا القبول أن يدخل الكفار في ذمة المسلمين: بأن تجري عليهم أحكام الإسلام، فيقروا بدفع الجزية عن يدٍ دلالةً على الخضوع لأحكام الشريعة، وإيذاناً بانتقال الحكم بين الناس إلى شرع الله العلي الكبير؛ ولذلك جاءت وصية الرسول ﷺ لأمراء الجند: «وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال؛ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكُف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام؛ فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين؛ فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» (١) . وقال المغيرة بن شعبة لعامل كسرى عندما خرج المسلمون لقتال الفرس زمن عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ: «فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم، حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية» (٢) . وإذا بقي الكفار على دينهم لكن قبلوا بخضوعهم لحكم الإسلام، ودفع الجزية صارت دارهم بخضوعها لحكم الإسلام دار إسلام، فإن رفضوا صاروا محاربين، وإزاء إيمان المؤمنين، وكفر الكافرين وامتناعهم من الدخول في حكم الإسلام انقسمت البلدان إلى دارين: دار يأرز إليه الإيمان، وهي دار الإسلام التي تظهر فيها شرائعه وأعلامه، ويحكم فيها بشرع الله. ودار للكفر وهي التي تغلب فيها شرائع الكفر، ويحكم فيها بحكم الطاغوت. وقد كانت العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب ذات شقين: فمن جانب المسلمين كانت علاقة الدعوة إلى دين الله والقتال من جانب المسلمين؛ لمنع تسلط الكافرين على خلق الله. ومن جانب الكفار الحربيين كانت علاقة القتال للصد عن سبيل الله، والسعي في إطفاء نور الله، غير أن هذه العلاقة قد تتخللها في بعض الفترات الزمنية حالات، وأوضاع يحتاج فيها المسلمون إلى الصلح أو الهدنة، إما لأسباب تعود إلى المسلمين: (كضعف أو استعداد وتقوية ونحو ذلك) ، وإما لأسباب تعود إلى الكافرين: (كحُسن ظن في المسلمين، وقرب هداية، ونحو ذلك) والصلح فيه تفصيلات كثيرة، لكن يضبط هذه التفصيلات أمران لا بد من تحققهما:
الأول: أن يكون الصلح مما يوافق أحكام الشريعة في أصله وتفصيلاته، فلا يشتمل في أصله أو تفاصيله على ما يضاد أو يناقض الأحكام الشرعية.
الثاني: أن يكون مبناه على ارتياد ما هو في مصلحة الإسلام والمسلمين؛ فالصلح الذي يجلب على المسلمين الضرر، سواء في دينهم أو دنياهم، وكذلك الصلح الذي لا يجلب نفعاً، هو صلح لم يقم على قاعدة ارتياد الأصلح، وكل عهد أو صلح بين المسلمين وبين الكفار لم يحقق هذين الأمرين، أو أحدهما فهو صلح لا يعتد به شرعاً، وهو صلح باطل؛ لأنه أسس على غير التقوى.
ومن هذا العموم الذي تقدم ننتقل إلى التفاصيل: تعريف الصلح: يراد بالصلح بين المسلمين وبين الكافرين الحربيين: هدنة أو موادعة أو معاهدة يتفق عليها الطرفان؛ لتحقيق بعض المصالح التي يهدف إليها كل طرف من وراء المعاهدة، ومن شروط هذه الهدنة أو الموادعة أو المصالحة أو المعاهدة المعتبرة شرعاً ما يلي:
أن تكون على النظر لصالح المسلمين كأن تنزل بهم نازلة، أو أن المسلمين يرجون إسلام المشركين، أو أن المشركين يقبلون بإعطاء الجزية بلا مؤونة. أما الهدنة التي لا تكون على النظر لصالح المسلمين، بل يتحقق من خلالها مصالح المشركين: كرواج تجارتهم وتصدير سلعهم، ومنتجاتهم الصناعية، وغيرها إلى بلاد المسلمين، أو حصولهم على المواد الخام من بلاد المسلمين بأسعار رخيصة. أو كان يترتب على ذلك تدخل الكفار في ثقافة الشعوب الإسلامية، والتأثير في مناهج التعليم فيغيرون منها، أو يحذفون ما فيها من النصوص الشرعية التي تتحدث عن الأحكام التي ينبغي أن تكون بين المسلمين والكافرين (أحكام الموالاة والمعاداة) ؛ فإن هذا الصلح لم يقم على قاعدة ابتغاء مصلحة المسلمين، وإنما قام على ضرر المسلمين، ومن القواعد المقررة في فقه السياسة الشرعية أن تصرّف الإمام منوط بالمصلحة؛ فما لم يكن فيه مصلحة بل مفسدة فهو تصرف باطل؛ لأن الشرع لا يأمر بالفساد، قال الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: «وإذا سأل قوم من المشركين مهادنةً، فللإمام مهادنتهم على النظر للمسلمين، رجاء أن يسلموا أو يعطوا الجزية بلا مؤونة، وليس له مهادنتهم إذا لم يكن في ذلك نظر» (١) ، وقال: «وإن صالحهم الإمام على ما لا يجوز فالطاعة نقضه» (٢) ، وقال الماوردي الشافعي: «وإذا لم تَدْعُ إلى عقد المهادنة ضرورة لم يجز أن يهادنهم» (٣) ، وقال ابن العربي المالكي: «إذا كان المسلمون على عِزَّة، وفي قوة ومنعة، ومقانب (*) عديدة، وعدّة شديدة: فلا صلح حتى تُطعن الخيلُ بالقنا، وتُضرب بالبيض الرقاقِ الجماجمُ، وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يُجلب به، أو ضر يندفع بسببه؛ فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه، وأن يجيبوا إذا دُعوا إليه» (٤) ، وقال ابن قدامة الحنبلي: «ومعنى الهدنة: أن يعقد لأهل الحرب عقداً على ترك القتال مدة، بعوض وبغير عوض. وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة، وذلك جائز، بدليل قول الله ـ تعالى ـ: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] . وقال : ﴿وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] ، ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف، فيهادنهم حتى يقوى المسلمون.
ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين؛ إما أن يكون بهم ضعف عن قتالهم، وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية، والتزامهم أحكام الملة، أو غير ذلك من المصالح» (٥) ، وقال صاحب الهداية الحنفي: «وإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقاً منهم، وكان في ذلك مصلحة للمسلمين فلا بأس به لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] ، ووادع رسول الله ﷺ أهل مكة عام الحديبية، على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين؛ ولأن الموادعة جهادٌ معنًى إذا كان خيراً للمسلمين؛ لأن المقصود وهو دفع الشر حاصل به، ... بخلاف ما إذا لم يكن خيراً؛ لأنه ترك الجهاد صورة ومعنى» (٦) ؛ فقيّد ذلك بكونه مصلحة للمسلمين، وجعل الموادعة إذا حققت الخير بمنزلة الجهاد من حيث المعنى، أما إذا كانت الموادعة لم تحقق الخير أو المصلحة كان ذلك تركاً للجهاد، وهذا لا مصلحة فيه، وقد بين الشيخ ابن باز ـ رحمه الله تعالى ـ أن الصلح إنما يكون «عند العجز عن قتال المشركين، والعجز عن إلزامهم بالجزية إذا كانوا من أهل الكتاب أو المجوس، أما مع القدرة على جهادهم وإلزامهم بالدخول في الإسلام أو القتل أو دفع الجزية ـ إن كانوا من أهلها ـ فلا تجوز المصالحة معهم وترك القتال وترك الجزية، وإنما تجوز المصالحة عند الحاجة أو الضرورة مع العجز عن قتالهم أو إلزامهم بالجزية إن كانوا من أهلها» (٧) .
ومن الشروط الفاسدة التي لا مصلحة فيها للمسلمين مصالحتهم على «إعطائهم شيئاً من سلاحنا أو من آلات الحرب» قال ابن قدامة بعدما ذكر هذه وأشياء أخرى: «فهذه كلها شروط فاسدة لا يجوز الوفاء بها» (٨) ، ويلحق بإعطاء السلاح أو آلات الحرب الموافقة على الامتناع من استخدام بعض أنواع السلاح في الوقت الذي يمتلك فيه الكفار هذا النوع من السلاح ولا يمتنعون عن استخدامه عند الحاجة إليه مثل ما يعرف في وقتنا الحاضر بأسلحة الدمار الشامل؛ فإنه لو تمت المصالحة أو المعاهدة على أن يمتنع المسلمون من تملُّك هذا النوع من الأسلحة أو صناعته، بينما الكفار لا يمتنعون عن تملكه وصناعته كان هذا من الشروط الفاسدة التي لا يحل الموافقة عليها، لأنه شرط يضعف المسلمين مقابل أعدائهم كما أنه يخالف الإعداد المأمور به في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، فتكون نتيجة ذلك تجريد المسلمين من الأسلحة القوية التي يتحقق عن طريقها ردع العدو بإذن الله ـ تعالى ـ وتحقيق النصر.
ومن شروط الهدنة الصحيحة عدم مخالفة الشريعة أو معارضتها: وتحدث المخالفة بأن تؤسس المعاهدة في أصلها أو في تفاصيلها على ما يخالف الشريعة، وهذا قد يأخذ صورا ًمتعددة؛ فمن ذلك: التعاهد على أن يكون التصالح أبدياً؛ لأن التأبيد يتضمن التعاهد على ترك الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو من فرائض الدين الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ولا يمكن أن تقبل الشريعة فكرة أن يتعاقد الناس ويتعاهدوا على تجاوز الأحكام الشرعية؛ فالغاية من الجهاد أمران:
الأول: نشر الإسلام في أرض الله، وإزالة تحكم الكفار في خلق الله، وهذا يُعرف بجهاد الطلب.
والثاني: الدفاع عن دار الإسلام ضد عدوان المعتدين من الكفار والمشركين وأضرابهم وهذا يُعرف بجهاد الدفع.
وقد أتفق أهل العلم على أنه لا يجوز أن تكون المعاهدة أبدية، وهم بعد اتفاقهم على عدم التأبيد على قولين في توقيت المعاهدة:
القول الأول: فالجمهور على أن المعاهدة ينبغي أن توقت بوقت، وأطول وقت يمكن اعتباره للمعاهدة هو عشر سنوات، وهي المدة التي صالح عليها رسول الله ﷺ المشركين في مكة، وإن كان هناك من أهل العلم من يجعل المدة مرتبطة بالمصلحة؛ فقد تزيد عن ذلك، وقد تنقص بشرط ألا تكون أبدية.
والقول الثاني: بجواز أن تكون المعاهدة مطلقة؛ أي من غير تحديد فترة زمنية تنتهي عندها المعاهدة، بل تكون مطلقة عن قيْد الزمن، وأن من أراد نبذها فله ذلك بعد إعلام الطرف الثاني حتى لا يكون هناك غدر. وبعض أهل العلم يرفضون هذه الصورة من أجل خشيتهم أن يؤدي إطلاق المدة إلى تأبيد المعاهدة، وهذا التعاهد المؤبد يتضمن مفاسد أخرى؛ حيث يستروح المسلمون لتلك المعاهدة المؤبدة، فيقصرون في الاستعداد، حتى يصلوا إلى مستويات متدنية في القوة والتجهيزات، وحينئذ ينقض عليهم العدو الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، وحينئذ لا ينفع الندم، ولا يفيد ما يقوله النادمون: يا ليتنا ويا ليتنا! ونحن هنا لا نتكلم من قبيل الفروض الذهنية، وإنما نتكلم من قِبَل إخبار من هو بكل شيء عليم، ومن يعلم ما تخفي الصدور؛ فقد نبأنا الله من أخبار المشركين والكفار أنهم: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، وأنهم ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، وأنهم: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] ، وعندنا مثال من الواقع القريب؛ فها هي أمريكا قد عَدَتْ على أفغانستان، ثم العراق من بعدها بلا مسوغ حقيقي إلا مسوغ قدرتها على شن الحرب من غير أن يتمكن أحد من الوقوف في وجهها أو معاقبتها، والمتتبع لقضية حرب أمريكا على العراق يتبين له أن أمريكا ظالمة في ذلك إلى أبعد حدود الظلم، ومع ذلك لم يتمكن العالم من منعها من عدوانها، ولا حتى الأمم المتحدة التي زعموا إنشاءها من أجل مثل هذه الأمور، بل رغم اعتراف الأمم المتحدة بعدم شرعية حرب أمريكا على العراق، ومع ذلك يستمر احتلالها للعراق، وعلى ذلك فما كان من المعاهدات يشترط فيه أن تكون معاهدة أبدية دائمة؛ فهذا شرط فاسد لا يجوز، وليس هذا تشوُّفاً إلى الحرب والقتال وحباً له أو رغبة فيه، بل التشوُّف إلى نشر الإسلام؛ لأن هذا أمانة ائتمن الله عليها الصالحين من عباده؛ فهو يقول لهم: بلغوا رسالتي للناس، وأقيموا عليهم الحجة؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولا تقصروا في ذلك وابذلوا جهدكم وقاتلوا من يصد الناس عن الدين، أو من يحكم فيهم بغير ما شرع الله تعالى.
كما أن المسلم ليس من أهل الأثرة الذين لا يعتنون إلا بمصلحهم الشخصية فلا يهمهم هلاك العالم وضلالهم إذا كانوا هم من المهتدين، بل هم كما قال الله عنهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، فهم خير الناس للناس، يسعون في هدايتهم ويتحملون ما يصيبهم في سبيل ذلك من أذاهم. قال الشافعي ﵀: «أحب للإمام إذا نزلت بالمسلمين نازلة، وأرجو أن لا ينزلها الله بهم إن شاء الله ـ تعالى ـ مهادنة يكون النظر لهم فيها، ولا يهادن إلا إلى مدة، ولا يجاوز بالمدة مدةً أهل الحديبية كانت النازلة ما كانت، فإن كانت بالمسلمين قوة قاتلوا المشركين بعد انقضاء المدة؛ فإن لم يَقْوَ الإمام فلا بأس أن يجدد مدة مثلها أو دونها، ولا يجاوزها من قِبَل أن القوة للمسلمين والضعف لعدوهم قد يحدث في أقل منها، وإن هادنهم إلى أكثر منها فمنتقضة؛ لأن أصل الفرض قتال المشركين حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية؛ فإن الله أذن بالهدنة؛ فقال ـ تعالى ـ: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤] ، فلما لم يبلغ رسول الله ﷺ بمدة أكثر من مدة الحديبية لم يجز أن يهادن إلا على النظر للمسلمين، ولا تجاوز (قال) : وليس للإمام أن يهادن القوم من المشركين على النظر إلى غير مدة، هدنةً مطلقةً؛ فإن الهدنة المطلقة على الأبد، وهي لا تجوز لما وصفت، ولكن يهادنهم على أن الخيار إليه، حتى إن شاء أن ينبذ إليهم؛ فإن رأى نظراً للمسلمين أن ينبذ فعل» (١) .
وقال الماوردي في بيان أن أقصى مدة للهدنة عشر سنوات: «فإن هادنهم أكثر منها بطلت المهادنة فيما زاد عليها» (٢) ، وقال ابن قدامة عن الهدنة: «لا تجوز إلا مقيدة؛ لأن في جوازها مطلقاً تركاً للجهاد» (٣) ، وقال: «ولا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة مقدرة معلومة؛ لما ذكرناه. قال القاضي: وظاهر كلام أحمد، أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين. وهو اختيار أبي بكر، ومذهب الشافعي؛ لأن قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . عامٌّ خص منه مدة العشر لمصالحة النبي ﷺ قريشاً يوم الحديبية عشراً؛ ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم» (١) ، وليس المقصود هنا مناقشة كم المدة الجائزة أو أقصى مدى لها؛ إذ القصد بيان أن الصلح المؤبد لا يصلح؛ لأنه أولاً: يفضي إلى إبطال الجهاد، وهذا فيه تغيير للشريعة، وثانياً: فإن الكفار لا يحافظون عليه، بل سينقضونه؛ لأنهم ليسوا من ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] ، بل ينبغي توقيته بوقت زمني، حتى لا يتعطل الجهاد الذي مضمونه رحمة الله بالعباد في تيسير سبل الهداية لهم، كما قال الله ـ تعالى ـ عن رسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، ومن شروط الهدنة الصحيحة عدم جواز إقرار الكافر على ما غلب عليه من دار الإسلام؛ بحيث يُعترف له بأحقيته في تملك تلك الأرض وفي حكمها بما يخالف حكم الله وشرعه، وإقامة العلاقات المتنوعة معه، وهذا مما لا شك في مخالفته لدين المسلمين؛ فإن أهل العلم من جميع المذاهب قد اتفقت كلمتهم على أن الكفار، إذا نزلوا بدار المسلمين فقد وجب جهادهم، وتعين على أهل هذه البقعة فإذا لم تكن لديهم القدرة على صدهم وإخراجهم من دار الإسلام؛ فإن الوجوب يظل يشمل قطاعات من البلدان المجاورة، حتى تتحقق بهم الكفاية في دفع الكفار، ولو لم تتيسر الكفاية إلا بقيام المسلمين جميعهم بذلك لتعيُّن الجهاد على الأمة بأسرها.
قال البابرتي: «إن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع: تخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن المولى، لأنه صار فرض عين» (٢) ، وقال ابن قدامة: «ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع ... الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم» (٣) ، وقال ابن تيمية: «وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا وهو خير مما في المختصرات. لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية؟ كلام أحمد فيه مختلف، وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيراً لا طاقة للمسلمين به، لكن يُخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلِّفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يُخاف عليهم في الدفع حتى يَسْلَمُوا، ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، وتكون المقاتلة أقل من النصف؛ فإن انصرفوا استولوا على الحريم؛ فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب، والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد (برأي) أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا دون (أهل) الدين الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم ولا (برأي) أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا، والرباط أفضل من المقام بمكة إجماعاً» (٤) .
فإذا كانت النفوس تبذل في سبيل دفع الكفار عن أرض الإسلام وعن حريمهم وعن عيالهم؛ فلا يمكن أن يُقبل شرعاً صلح على شرط التنازل عن بعض أو جزء من دار الإسلام وتسليمها للكفار والتسليم لهم بحكمها، في مقابل حصول المسلمين على جزء آخر منها، وعلى ذلك فلا يصح مقايضة أرض الإسلام بشيء، فدار الإسلام ليست ملكاً لأحدنا حتى يمكنه التنازل عنها، وإنما هي لله ـ سبحانه ـ وهو يحكم فيها بما شاء، وقد قضى ـ سبحانه ـ أن الأرض للمسلمين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ، والصالحون هم المسلمون، فإذا كانت المصالحة أو المعاهدة ليست على النظر لصالح المسلمين (على النحو الذي تقدم ذكره) أو كان الصلح مؤبداً (ما يعني تعطيل الجهاد) ، أو كان بقبول التنازل عن جزء من دار الإسلام لصالح الكفار، والاعتراف بسلطانهم الدائم عليها وإقامة العلاقات الدائمة معهم (ما يعني الإقرار والقبول بأن تتحول بقعة من دار الإسلام إلى دار كفر) ، فإن ذلك الصلح ليس بصلح مشروع، بل هو تضييع وتفريط، وهذا هو التطبيع المعروض الآن على المسلمين من اليهود الذين اغتصبوا أرض فلسطين، واحتلوها أكثر من نصف قرن من الزمان: أن يسالمهم المسلمون، ويقروهم على ما اغتصبوه من أرض المسلمين، ويعترفوا لهم بأحقيتهم في الاستيلاء عليه وتملكه وحكمه، وأن يقيموا معهم العلاقات المتنوعة: السياسية، والاقتصادية، والثقافية، وأن يزيلوا من مناهجهم الدراسية كل ما يتعارض مع هذا التطبيع، ولا شكك أن هذا من الهوان الذي نُهينا عنه. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] ، ولا يسوغ الاحتجاج على جواز ذلك بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] ، أو بمصالحة الرسول ﷺ لمشركي قريش في صلح الحديبية، أو غيرها من معاهدات الصلح مع أهل الكتاب؛ لأن المنازعة ليست في جواز الصلح عند الاحتياج إليه ووجود دواعيه؛ فإن ذلك مما لا ينازع فيه أحد من أهل العلم المعتبرين، وإنما الكلام في الشروط المرتبطة به والنتائج المترتبة عليه، فلا ينبغي الدعوة إلى المصالحة أو قبولها على خلاف أحكام الشرع؛ لأن ذلك من ظن السوء بالله ـ تعالى ـ وهو من تصرفات أهل الجاهلية والشرك وليس من تصرفات المسلمين الذين يحسنون ظنهم في ربهم ودينهم، وأن الله ناصرهم ومؤيدهم إذا اعتصموا به واتبعوا شريعته، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ، وقال: ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] ، وإذا كان بالمسلمين ضعف فالحل لا يكمن في معصية الله، ومخالفة أمره، والركون إلى الكفار والاعتصام بهم والتودد إليهم والمسارعة فيهم؛ فإن ذلك لا يزيدهم إلا ضعفا على ضعف، وقد عدَّ الله المسارعة في الكفار بزعم الضعف من علامات مرض القلب، فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] . فإذا كان بالمسلمين ضعف فلا يجوز الركون إليه والاستسلام له والتعويل عليه، بل عليهم السعي إلى الأخذ بإزالة أسباب ضعفهم؛ لأن الاستسلام له حكم بالموت على المسلمين في واقع الحياة، والقدرة على التأثير فيها، وسيظل المسلمون رهينة لهذا الضعف، كل يوم يُنتقَص شيء من دينهم، وشيء من أراضيهم وممتلكاتهم، ثم يُسوَّغ ذلك بالحجة نفسها حجة الضعف.
والذي يستقيم مع أحكام الشريعة في ظل الظروف التي تحياها الأمة الإسلامية أنه يجوز المصالحة أو المعاهدة على وضع الحرب عشر سنوات أو أكثر أو أقل حسب ما يُرى من تحقيق المصلحة في ذلك، من غير التسليم بأحقية الكفار في الاستيلاء على ما غلبوا عليه من دار الإسلام، ويقوم ولاة أمور المسلمين بالأخذ بأسباب القوة من التمسك بالشريعة الإسلامية وتحكيمها بمعناها الشامل الكامل (لا بمعنى الاقتصار على جزء منها كالعبادات، أو إقامة بعض الحدود) ، ومن العناية بتحصيل أسباب القوة المادية، سواء بالشراء أو التصنيع امتثالاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وتشجيع البحث العلمي، ورصد المكافآت له وإقامة مراكز الأبحاث والعناية بها، وليس ببعيد على المسلمين مع توفيق الله لهم أن يتمكنوا من تحصيل أسباب القوة في فترة عشر سنوات، إذا جدوا واجتهدوا، تمكنهم من استرداد حقوقهم المسلوبة، أو تمكنهم من إقامة صلح من مركز قوة تراعي فيه الشروط الشرعية المتقدمة؛ بدلاً من الهرولة والمسارعة إلى صلح ليس لهم منه إلا الاسم الأجوف، بينما الحقيقة خضوع واستسلام في ظل الهوان.
стр. 5253
عبَطَ يعبِط عَبطاً واعتباطاً.. فهو تطبيع
أحمد فهمي
«الاعتباط» و «التطبيع» كلمتان تتشابهان في اللفظ، ويبدو أنهما تتحدان في المعنى على الأقل من الناحية السياسية، وعبط بمعنى اعتبط، والعبط في لسان العرب هو: «ذبح البقرة السمينة من غير داء ولا علة سوى الكسر» (١) .
نقول ذلك لأنه لا يبدو فرق كبير بين الكلمتين؛ فالذين يتحدثون عن تطبيع العلاقات مع دولة الكيان الصهيوني إنما «يعتبطون» الأمة العربية، ويمهدون لنحرها من الوريد إلى الوريد، والمؤسف أن الإغراءات التي يتضمنها التطبيع مع اليهود لا تكاد تُرى بالعين المجردة، وإنما فقط يمكن رصدها بعقول مجردة عن مصالح أمتها؛ فكل الشواهد والمعطيات تتحدث عن عدو لا يكف قادته السياسيون والدينيون عن بغض العرب.
وفي الكتب المدرسية الإسرائيلية يتم وصف العرب بصفات وضيعة، مثل: «بيت الزواحف العربية» و «العرب اللصوص والمختلسون» و «الأنذال المتعطشون للدماء اليهودية» و «العرب البدو المتخلفون» و «العرب عابرو السبيل، وقطاع الطرق» ، ومؤخراً تقرر تدريس سيرة الوزير السابق (رحبعام زئيفي) وهو كاره للعرب، وكان ينادي بترحيل كافة الفلسطينيين، بينما لا تجرؤ دولة عربية على تدريس سيرة (أحمد ياسين) ضمن مناهجها، بل يتبجح اليهود، ويطالبون بتنقية خطب الجمعة من الآيات القرآنية التي تفضحهم.
وفي جنوب النقب على مشارف سيناء يتم دفن ٣٢ طناً من النفايات النووية سنوياً دون أن يسأل أحد عن قصد تلويث المياه الجوفية أو التسريب الإشعاعي؛ فالجميع مشغولون بتأمين الصهاينة من تسرب المقاومة عبر الأنفاق.
ويبالغ اليهود كثيراً في كشف عداوتهم دون اعتبارات دبلوماسية؛ فقد أُعلن عن تكريم رئيس دولتهم (موشي كاتساف) للخلية الإرهابية التي نفذت عدة تفجيرات في القاهرة عام ١٩٥٤م، ورغم عدم اعتراف الكيان بعلاقته بهم طيلة العقود الماضية؛ فقد اختار هذا التوقيت بالذات لتقديرهم، وإعلان مسؤوليته.
وعربياً كان موقف الرئيس التونسي لافتاً؛ إذ سارع بدعوة شارون لحضور مؤتمر لن يُعقد إلا نهاية العام، يعني هو يبحث عن جملة مفيدة يضع فيها شارون لإثبات حالة أمام واشنطن.
ومن الشواهد اللافتة إعلان الاستخبارات الإسرائيلية عن توقعها عام ٢٠٠٥م أنه سيكون عام التفاؤل بالنسبة للكيان، وهو خبر خطير في مدلوله؛ إذ يتضمن رهاناً على مواقف العرب المستقبلية، لكن كيف لا يتفاءلون، وهم يرون تهافتاً عربياً عجيباً، ونقلت بعض التقارير أن ٤٠ وفداً إسرائيلياً زار البلدان العربية سراً ما عدا السعودية ولبنان وسوريا.
وهناك شاهد آخر لا يقل خطورة، وهو تحذير حكومة شارون لأبي مازن من تنفيذ ١٥حكم إعدام بحق جواسيس فلسطينيين؛ فهذا يعني أولاً: اعترافاً بعمالتهم للاحتلال، وثانياً: ترسيخاً لقاعدة جديدة بأن جواسيس تل أبيب في العالم العربي خطوط حمراء، والحجة الإسرائيلية كانت مثالاً في التبجح السياسي «كيف تُعدِمون أناساً ساعدونا في حربنا ضد الإرهاب؟» .
لا شك بعد ذلك في أن دعاة التطبيع أو الاعتباط إنما هم دعاة لذبح الأمة، ويقول ابن منظور في كتابه المرجع: «يُقال: ناقة عبيطة ولحمها عبيط» ؛ فهل ترضى الأمة العربية أن تكون أمة «عبيطة» لأمة «ملعونة» في القرآن؟!
стр. 5254
صفاً! لهزيمة التطبيع.. لا تطبيع الهزيمة
د. عبد العزيز كامل
على الرغم من مضي أكثر من مائة عام على انطلاق المشروع الصهيوني في مؤتمر بازل بسويسرا عام ١٨٩٧م، واقتراب ما كان يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) من إكمال الستين عاماً، بعد حرب النكبة عام ١٩٤٨م؛ فإن مواقف الكثير من زعماء العرب ونخبهم السياسية والثقافية لا تزال تتخبط في فهم أبعاد هذا الصراع وإدراك أسراره، فضلاً عن الثبات في مواجهته للتغلب على أخطاره، وقد فضحت التطورات الأخيرة ـ وآخرها قمة شرم الشيخ بمصر، والقمة العربية في الجزائر ـ جوانب من هذا التخبط؛ حيث ظهر بعد كل ما مضى من عمر المواجهة، أنها لم تكن يوماً واضحة المعالم أو معروفة الغايات عند غالبية من تصدوا لها وتحدثوا باسمها؛ فالثوابت عندهم تتحول إلى متغيرات، والمقدسات تُجَرَّد من الحِمى والحرمات، وما كان ضاراً صار ضرورياً، وما كان محرماً مجرَّماً أضحى حلالاً أو واجباً في مسلسل جراءة وتهور لا يُعرف منتهاه.
ü لاءاتهم.. ولاءاتنا:
فبعد أن عشنا دهراً نسمع عن (الإجماع) العربي بلاءاته المشهورة «لا اعتراف.. لا تفاوض.. لا صلح مع الكيان الصهيوني» و ... «لا تفريط في شبر ... في بوصة ... في حبة رمل من الأرض» ، و ... «لا تنازل عن: عودة اللاجئين ... عن إعادة القدس ... عن الانسحاب إلي حدود ١٩٦٧م ... عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة....» ، بعد كل هذا أصبحنا نسمع باسم الواقعية والعقلانية والمصلحة الوطنية والإقليمية عن طروحات وشعارات في شكل لاءات من قبيل: «لا بديل عن السلام كخيار استراتيجي» ... «لا جدوى من المقاومة» ... «لا سبيل إلا مائدة التفاوض» ... «لا حل عن طريق الحرب» ... «لا أوراق إلا بيد أمريكا» ... «لا لعسكرة الانتفاضة» ... «لا فرار من حتمية التطبيع» ... «لا أمل في عمل عربي مشترك» ... «لا مجال أمام الفلسطينيين إلا الاعتماد على جهدهم الذاتي» ... «لا مشروعية إلا للشرعية الدولية» !
وفي المقابل ... نتحدى العلمانيين العرب، أن يكون (العلمانيون) أو المتدينون في دولة اليهود، قد تنازلوا عن (لا) واحدة من لاءاتهم الثابتة منذ قامت تلك الدولة؛ فالإسرائيليون يرفعون لاءاتهم ـ في السر والعلن، وبلسان الحال أو المقال ـ فيقولون: «لا عودة لحدود ١٩٦٧م» ، «لا تفاوض حول القدس بقسميها عاصمة موحدة وأبدية للدولة الإسرائيلية» ، «لا تفكيك للمستوطنات» ، «لا رجوع عن يهودية يهودا والسامرة» أي الضفة الغربية. «لا مجال لإعادة اللاجئين» ، «لا جلوس ولا تفاوض مع مَنْ يحمل السلاح» ، «لا ترسيم للحدود» ، «لا تنازل عن بقاء الدولة خالصة لليهود» ، «لا وزن لما يسمى بالشرعية الدولية إذا تهددت مصالح الدولة اليهودية» ، «لا سماح بدولة فلسطينية إلا منزوعة السلاح مقطعة الأجزاء» ، «لا صلح ... لا تفاوض.... لا تطبيع ... لا اعتراف متبادل، بل لا أمان لزعيم أو نظام إلا بعد التخلي (نهائياً) عن الدخول كطرف في الصراع ضد دولة (إسرائيل) » !
ومع أن اليهود لم يتنازلوا يوماً عن شيء من تلك اللاءات، قولاً أو عملاً، بل حشدوا لأجل حمايتها قواههم الذاتية والمتعدية؛ فإن العرب ـ في ظل العلمانية المتخاذلة ـ ساهموا في حفظ لاءات اليهود من أن يمسها ضعف أو انتقاص؛ حيث عطلوا جُل عوامل القوة في الأمة، وأبطلوا كل سلاح كان يمكن لها أن تستعمله للدفاع عن حقوقها المشروعة ديناً وعرفاً وقانوناً؛ فلا الحروب في نظرهم مجدية ... ولا المقاطعة أو المقاومة مغنية ... ولا الدفاع المشترك أصبح صالحاً.. ولا النفط عاد سلاحاً ... ولا دعم المجاهدين صار مباحاً ... لا سماح بفتح الحدود، بما يهدد أمن اليهود!
لا، بل إن الأمر لم يعد تبرعاً بشل قوى الأمة وفلّ أسلحتها، بل تجاوز ذلك إلى (دعم) ... نعم! دعم العدو، في كل مجال يمكن أن يُدعم فيه ... كالتسابق في دعوتهم لحضور المؤتمرات ... وفتح السفارات والقنصليات، ومكاتب تبادل «المصالح» والاستشارات وتعاون الاستخبارات.
ووصل الاستهتار بأمر القضية إلى أن تصبح مثاراً للهزء والضحك في اجتماع قمة الدول العربية؛ حيث استمع العرب والعالم معهم إلى «فيلسوف العرب» في حديث هراء مخرَّف يدين فيه أمجاد الجهاد في فلسطين، ويصف أصحابه السابقين واللاحقين بالغباء مرة، وبالإرهارب أخرى، ويتهم من لا يزالون يخلصون للقضية بالجمود وعدم الواقعية التي أصبحت تفرض القبول بدولة (إسراطين) كجماهيرية شعبية اشتراكية ديمقراطية فلسطينية إسرائيلية يهودية عربية عبرية ... عظمى ... !
ذلك ما كان في مؤتمر قمة عربية (عادية) في ظروف غير عادية، لم يتسع الوقت فيها ليستمع العرب إلى ما اتُّخذ من قرارات وتحركات لمواجهة الاستمرار في بناء الجدار الذي وصل إلى عزل مدينة القدس عن محيطها، ليستفرد بها اليهود، ولم يكف وقت المؤتمرين لمناقشة ما سوف يفعلون إذا نفذ المتطرفون اليهود خطتهم المعلنة باقتحام المسجد الأقصى في وقت قريب. ولم تسنح الفرصة لمناقشة كيفية التوحد في المواقف قبل اجتياح سوريا أو استباحة لبنان، وكذا لم يكن هناك وقت لاستصدار قرار بالوقوف مع السودان ضد محنة التقسيم، ولا كانت هناك فرصة لمناقشة استحلال (الفرس) في إيران للعراق، بعد احتلاله من الأمريكان، إنما كان الهاجس الكبير الذي سيطر على الأجواء قبل وبعد الانعقاد هو التوجه نحو التطبيع (الجماعي) بإجماع طبيعي، يتفق عليه الكل، مع فارق (بسيط) في «الاجتهاد» بين من يرون الدخول فيه قبل حل القضية الفلسطينية، ومن يرون عدم إضاعة الوقت، وانتهاز الفرصة عاجلاً، ولو لم تحل القضية.
يراد الآن بكل ما هو شاذ و (غير طبيعي) من الوقائع والمتغيرات الحادثة بسبب العدوان اليهودي على العرب والمسلمين، أن يتحول إلى شيء (طبيعي جداً) في ظل هرولة عجلى طائشة، وراء سراب التطبيع المخادع، وليت الأمر سيقتصر على المستويات الرسمية، ولكن المقصود به في الأساس هو الإحاطة بالمحيط الشعبي ليدخل التطبيع بكل سوءاته في جملة مسلَّماته.
- فالعَلَم الإسرائيلي الذي لا يزال يحمل بخطيه الأزرقين حدود التوسع الإسرائيلي ـ من النيل إلى الفرات ـ سيكون متعيناً على الأجيال بين النهرين أن تراه مرفرفاً على البلدان والمدن الممتدة بينهما، بل ترى بأعينها رمز قبلة اليهود (النجمة الدالة على الهيكل) تتراقص بينهما فوق بنايات السفارات، ووسط الأعلام والرايات (الشقيقة والصديقة) .
- وسوف يتعين على الأجيال أن يكون شيئاً اعتيادياً لديها، أن تسمع معزوفات التحية العسكرية في الاستقبالات الرسمية، تتخللها الانحناءات والتحيات لذلك العلم وما يحمله، وللشخصيات التي تمثله.
- وستُطالب الأجيال ـ في ظل ذلك التطبيع ـ ألا تتحرج من وضع كلمة (إسرائيل) بدلاً من (فلسطين) على الخرائط في الكتب والصحف والمجلات وشاشات الفضائيات (١) وغيرها، وسيكون مطلوباً من تلك الأجيال ألا ترى غضاضة وهي تشاهد على الشاشة بعض الساسة وهم يلقون الكلمات الودية تحت قبة الكنيست الإسرائيلية، وهي لا تزال تحمل على واجهتها العبارة التوراتية (لنسلِك أعطي هذه الأرض، من نهر الفرات الكبير إلى نهر النيل) .
- وفي ظل التطبيع سيُنكَر على من ينكرون فتح أبواب الفتن الأخلاقية والتحرشات الأمنية والتشوهات المنهجية والتضييق على الأحرار وبخاصة الإسلاميين بقصد خنق الصحوة وتحويلها إلى غفوة بل كبوة، بعدما تبين أن تلك الصحوة هي الشيء الوحيد الباقي في عالم العرب والمسلمين، الذي يملك (الفعل) ولا يكتفي برد الفعل.
ليس المطروح في مشاريع التطبيع، أن يكون مجرد (مرحلة) من هدنة يقبل بها العرب والمسلمون اضطراراً بسبب ضعفهم (المؤقت) كما يفهم بعض من يُفتون بجواز التطبيع بعد الصلح مع من يجنح إلى السلم، ولكن المطروح أن يكون هذا التطبيع ذا أثر جذري في تغيير العقليات والنفسيات، حتى تقتنع بعد عجزها وكسرها؛ بتفوق العدو واستحالة قهره مع حسن الظن في «تحسن» خلقه واستمالة قلبه من أجل سلام (دائم وشامل) .
وهنا أمر هام ينبغي التنبه له عند النظر في الفتاوى والأحكام المتعلقة بمعاهدات الصلح واتفاقيات التطبيع، وهو أن هناك فرقاً جوهرياً، بين أحكام الهدنة والصلح التي تحدَّث عنها الفقهاء والتي يمكن أن يضطر إليها المسلمون مع بقاء الأعداء أعداء، والأولياء أولياء، ومع احتفاظ المسلمين بحقهم في الأخذ بأسباب القوة وحرية الاختيار، والاحتفاظ بالخصائص والثوابت والحقوق؛ وبين هذا المصطلح الغريب الجريء الشاذ البشع الذي لم يقره شرع ولم يعرفه عُرف طوال تاريخ هذه الأمة، وهو مصطلح (التطبيع) مع العدو المغتصب مع بقاء عداوته واستمرار اغتصابه.
إن تسويغ ذلك التوجه باسم الدين أو حتى المصلحة، أمر لا يقول به إلا أخرق أحمق أعمى البصيرة، متفلت العقل والعقال؛ فإذا كان التطبيع المطروح تعميمه يرمي في جملته إلى نزع العداء (من جانب واحد) ؛ فإنه يستلزم بداهة نزع السلاح قبل نزع العداء، وخسئ من ادعى أن الله يرضى لنا أن نكون أمة منزوعة السلاح.
من بدهيات الإيمان والأحكام أن تطبيع العلاقة (بمعنى الموالاة والمودة والمحبة وتبادل النصح والنصرة) لا تكون إلا بين المؤمنين؛ فالتطبيع بهذا المعنى مع المؤمنين إيمان، ومع المنافقين نفاق، ومع الظالمين ظلم، ومع الفجار فجور، ومع الكفار كفر ... والتطبيع بالمعنى الذي سترد تفاصيله، والذي يجري تفعيله هو في حقيقته ولاية، والولاية لا تجوز إلا لمسلم. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ١ - ٢] .
ü عندما يغلب الطبع التطبع ... والتطبيع:
باعتبار أن اليهود هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا؛ فإن العلاقة معهم ـ كأعداء ـ لا يمكن أن تستوي مع بقية الأعداء، وبخاصة أنهم يجمعون بين طباع الضباع والسباع في خستها ودناءتها، وقسوتها، وهو ما يجعل استقامتهم مستحيلة في التعامل مع البشر؛ فهكذا خُلقوا، وهكذا وُصفوا، وهكذا سيظلون إلى يوم القيامة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٥٥] ، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] ، ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ * وَإذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٠ - ٦٤] ؛ فهذه أخلاقهم وبخاصة مع المسلمين كما قال ـ تعالى ـ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] .
لماذا يطبّعون إذن ما دامت هذه طباعهم..؟ يمكن إرجاع ذلك إلى ما يلي:
- الاستراتيجية اليهودية تقوم على التوسع والسيطرة، بالسلم أو بالحرب، ولما كانت الحرب غير قابلة للاستمرار على الدوام ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ، فكان لا بد من صور أخرى لحرب صامتة وساكنة إلى جانب نمط الحرب الصارخة والساخنة، بحيث يظلون في حالة استنفار دائم، يمكِّنهم من إرباك وإنهاك الخصوم، مرة بالقتال في الساحات، ومرات بالمراوغة وإضاعة الأوقات في المباحثات والمفاوضات.
- أن الأفعى اليهودية التي تقضم في غضون كل عقد زمني (منذ حرب ١٩٤٨م) قضمة من أراضي المسلمين، تحتاج إلى هضمها بعد قضمها، في فترة من الهدنة أو (الاستراحة) التي تكفي لارتخاء القبضة، وترهل القوة عند (الأغيار) وما يسمح بوقت كافٍ للتجهيز لمرحلة جديدة، يفاجئون بها العرب من جديد، ويقلبون في وجوههم طاولات المفاوضات ـ كما حدث عام ٢٠٠٠م ـ وينكثون ما سبق أن أبرموا من عهود وعقود: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] .
- نظرية (الحدود الآمنة) التي طرحها (شيمون بيريز) الزعيم الإسرائيلي المبشر بالسلام النووي، في خطته «السلمية» التي عرفت بـ (الشرق أوسطية) تتلخص فكرتها في ضرورة صهر شعوب المنطقة في هوية جديدة، هي الانتماء إلى الشرق الأوسط بدلاً من الإسلام أو العروبة، فلا يكون الانتماء فيها للديانة أو العرق، بل للمنطقة، حتى يصبح اليهود جزءاً من نسيجها الظاهر، مع احتفاظهم الباطن بكل خصوصياتهم، وحرصهم في الوقت نفسه على تمييع خصوصيات من حولهم، حيث يكون هذا التمييع هو جوهر التطبيع.
- إذا كانت الحروب الساخنة هي أقصر الطرق للسيطرة على الأرض؛ فإن الحروب الساكنة هي أضمن الطرق للهيمنة والاستحواذ على ما فوق هذه الأرض، والتطبيع ـ على النمط الإسرائيلي ـ هو الوسيلة المثلى في ذلك؛ لأنه يقرِّب من القدرة على الاختراق في الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والإعلامية والأمنية.
- اليهود رغم شدة بطشهم عند القدرة، هم قوم جبناء، يسكنهم الرعب الدائم والذعر المزمن الذي ينتاب السرَّاق والمجرمين المطاردين، والتطبيع هو طريقهم الوحيد للتخلص من هذا الكابوس، عندما يوقِّع لهم زعماء المنطقة تباعاً أنهم لن يحاربوهم وإنما سيحاربون من يحاربهم، ولهذا فإن البنود الأمنية هي أهم بنود كل الاتفاقيات السابقة للتطبيع، وأهم موضوعات المفاوضة والمقايضة في السنوات الأخيرة حتى كادت القضية كلها أن تكون قضية أمنية، لا تتباحث بشأنها إلا أجهزة المخابرات.
- مجموعة المفاهيم الإسلامية التي تدفع إلى استمرار روح المدافعة لدى العرب والمسلمين، مثل حب الجهاد والرغبة في الاستشهاد، وافتداء الدين والأرض والعرض.. كل ذلك يؤرق أحلام اليهود، ولا بديل عندهم من محاولة خلخلة تلك المفاهيم، مع السعي لإزالة ما ترسخ في الوجدان العربي والإسلامي من اعتبار اليهود أشد الأعداء، الذين يهددون أقدس المقدسات ويتجاوزون كل المحرمات.
- والعدو دائماً يحتاج إلى آلية، لتوظيف قطار المنافقين بين صفوف المسلمين، واستثمار نشاط المفسدين والجواسيس والخونة، على أيدي عناصر الاختراق التابعة له أو المتعاونة معه، ولا آلية أنسب لذلك من التطبيع.
- وإذا كان تقسيم البلدان العربية المحيطة بإسرائيل هدفاً يطول وقت الوصول إليه، فلا أقل من التعجيل بتقسيم مواقف تلك البلدان، وتجزئة جبهاتها، بحيث ينفرد العدو بكل طرف في مسار منفرد، ودهاليز خاصة، محجوب بعضها عن بعض بأسوار من الجدار العازل للثقة، والحاجب للبصيرة، ولهذا تكررت مهازل (الصلح المنفرد) فانفردت السياسة المصرية بعد كامب ديفيد، ثم انفردت منظمة التحرير للوصول إلى أوسلو، وانفردت الأردن لإبرام (وادي عربة) ، ثم اشترط الإسرائيليون على السوريين واللبنانيين أن يدخلوا في مسارات منفردة.
- ولعل من أخطر أهداف التطبيع ـ إضافة إلى ما سبق ـ حرص اليهود على إلجاء العناصر الفاعلة في الأمة ـ وعلى رأسهم الإسلاميون ـ إلى التسليم بالعجز، والاقتناع بالانصراف إلى معارك أخرى غير المعركة الكبرى، التي شرع الجميع ـ إلا من رحم الله ـ يتسللون عنها لِواذاً.
لكل هذا وغيره كان التنويع بين الحرب والتطبيع لدى اليهود حلماً فخاطراً فاحتمالاً، ثم أضحى حقيقة لا خيالاً، وقد تنوعت أشكال هذا التطبيع، وتعددت من ثَمَّ مخاطره، وأخذت ألواناً سياسية ودبلوماسية واقتصادية وثقافية وتعليمية وإعلامية وأيضاً ... أمنية.
ü وأخطرها: التطبيع السياسي والدبلوماسي:
وهو أخطرها لأنه البوابة الرئيسة التي تلج منها بقية الأنواع؛ فعندما يمارس الكبراء والزعماء التطبيع تحت سمع الميكروفونات وبصر الكاميرات، فإنهم بذلك يقصون شريط الافتتاح أو يطلقون رصاصة البدء، وعندها تغدو العقول مشدودة مشدوهة لفهم ما يجري، ثم يتتابع انفراط العقد المنظوم؛ حيث لا تكتفي الحكومات بأن يقتصر التطبيع عليها، فينحصر العار فيها، بل هي تستخدم كل قواها لتصوير التطبيع على أنه (إرادة الأمة) و (مطلب الشعب) و (مصير الجماهير) ! وأن معارضيه مجرد «زمرة» غير مسؤولة، أو «شرذمة» ذات عقلية غير ناضجة، وتبدأ حملات التعاون الإعلامي والأمني لإثبات أن القرار التاريخي ـ للزعيم ـ هو الخيار الاستراتيجي للأمة، وأن هذا القرار هو رأس الحكمة، وعين الصواب، والفراسة التي سبقت عصرها!
إزالة الحواجز ـ بالتطبيع ـ تبدأ أولاً على مستوى السياسيين والدبلوماسيين؛ فالتطبيع السياسي يبدأ باتصالات سرية، ثم مصافحات خجولة علنية، ثم لقاءات وجلسات تعقبها مباحثات لإبرام المعاهدات الشاملة لبقية أنواع التطبيع، والبداية دائماً على يد وسطاء مشبوهين، يجمعون بين رأسين في (الحرام السياسي) .
تفيض مذكرات واعترافات من شاركوا في مثل هذه المفاوضات، أن البداية المتعمدة دائماً في اللقاءات، كانت تقصد إلى ما يسمى: (إزالة الحواجز النفسية) أو قل رفع الحياء بين المسؤولين من الطرفين، حيث يجلسون سوياً على «مائدة عمل» يتبادلون خلالها الطعام، والكلام والابتسام، وربما النكات و (القفشات) ، وسط أنخاب (الصداقة) الجديدة الجريئة التي تزيح الرواسب و (العقد) وتريح النفوس من هواجس العداوات (المصطنعة) والأحقاد (التاريخية) التي عفى عليها الزمن! ولا بأس بعد ذلك من مسامرات وسهرات وزيارات وجلسات ـ ربما تكون عائلية ـ مع شيء من المباريات الرياضية، والحفلات الفنية ... حتى يتروض المتفاوضون السياسيون (نفسياً) على وضع طبيعي، أو تطبيعي، يجعل كلاً منهما (يتفهم) الآخر، ويكون أكثر (ليناً) وأكبر (عقلاً) وأقدر على (العطاء!) (١) .
ولا غرابة بعد هذا أن تجد هذا السياسي العربي «المكافح والمناضل» ، وقد تذلل لسانه بعبارات من قبيل (حق اليهود في الوجود) ، (إسرائيل وُجدت لتبقى) ، (حتمية الخيار السلمي) ، (عقلانية القبول بالواقع) و (ضرورة الاعتراف بالآخر) ... مع أن هذا «المهذب» سرعان ما يتحول إلى مخلوق آخر، إذا كان هذا (الآخر) المطلوب الاعتراف به هو الشعب نفسه الذي يعلن معارضته، أو يكون هذا (الواقع) المراد القبول به هو الضرر الذي يتأكد حصوله.
ü التطبيع الاقتصادي ... استراتيجية التسميم:
يعتمدون على دعوى أن العرب استنزفوا مواردهم الاقتصادية في النفقات العسكرية خلال حروبهم (الخاسرة) ضد «إسرائيل» ، ولو أنهم استخدموا هذه الطاقات في بناء مجتمعاتهم، لوفروا للشعوب الرفاه والاستقرار والأمن، ودعم المنظمات الدولية السياسية الاقتصادية!
كلام يقال لاستثارة غرائز الجشع والأنانية، التي تُجبَل عليها النفس الإنسانية عند ضعف الإيمان، حيث يلهج الأفراد والمجتمعات بعد الفتنة بهذا الدجل، بشعار من وحي الشيطان يقول: (أنا ... ومن بعدي الطوفان) !
ومع خسة هذا الشعار ودناءته؛ فإن مردديه (الواقعيين) يتعامون عن عدم واقعيتهم؛ فمصر ـ مثلاً ـ التي تخلت عن نهج المواجهة وتكاليف (المجهود الحربي) منذ ربع قرن؛ لم يتحسن أداؤها الاقتصادي ولا مستواها المعيشي، بل الجميع يعرف أن الشريحة الأوسع من الشعب المصري، وهي الطبقة المتوسطة اقتصادياً، كادت تختفي ليبرز في الصورة شريحتان هما: الطبقة الفقيرة المعدمة، والطبقة الغنية المتخمة، وهو ما يعكس واقع الأزمات الاقتصادية المتتابعة التي أوصلت معدل البطالة إلى ١٠.٥% وإجمالي الديون الخارجية إلى حوالي ٣٠ مليار دولار، والديون الداخلية إلى نحو ٣٠٠ مليار جنيه، حتى أصبح نصيب كل فرد من الشعب في الديون ٦٦٠٠ جنيه بما أوصل نسبة الفقر إلى ٥٥%، بحسب التقديرات الدولية لحد الفقر، و٢٥% بحسب التقديرات المصرية بعد أن كان مبرمو اتفاقية كامب ديفيد قد وعدوا الشعب بالرفاه والرخاء طبقاً لمشروع (مارشال) الذي وعدت به أمريكا، وظروف كل من الأردن وفلسطين ـ في ظل اتفاقات السلام، ليست أفضل من هذا؛ فالشعب الفلسطيني في ظل (أوسلو) لم يزدد إلا معاناة وعوزاً، بالرغم من أن الوعود كانت تأتيه بتحويل أراضي السلطة إلى سويسرا الشرق!
ولقناعة الأمريكيين بأن سياسات التطبيع الاقتصادي ـ في ظل الجشع الإسرائيلي ـ ستؤدي إلى نتائج محرجة؛ فقد تعهدوا مبكراً بتقديم «مساعدات» ، مالية، هي في حقيقتها مقايضات سياسية، لتجميل قبح المقايضة من ناحية، ولتطويل عمر الصفقة من جهة أخرى، حيث إن قبح المقايضة مخيف، وثمنها فادح، فعلى المصريين في مقابل تقاضي ٢ مليار دولار سنوياً، أن يظلوا «متمسكين» بالتخلي عن فلسطين وما قد يلحق بها، فلا يمدون يداً للمساعدة إلا على المستوى الدبلوماسي والسياسي و ... الأمني!
إضافة إلى أن ما يأخذه المصريون باليد اليمنى، تسرقه (إسرائيل) باليد اليسرى، على شكل تسهيلات وضمانات واحتكارات اقتصادية، لعل أخطرها وأقذرها احتكار بترول سيناء؛ حيث تحتكر (إسرائيل) بمقتضى كامب ديفيد ٨٠% من وارداته ولمدة ٥٠ سنة منها، وبثلث السعر العالمي، وهو المادة التي لا يمكن بدونها تشغيل الطائرات ولا الدبابات ولا الغواصات، بل ولا المحطات النووية الإسرائيلية.
ومن جانب آخر فإن ما يتقاضاه المصريون مقابل الالتزام بأن تكون حرب أكتوبر ١٩٧٣م هي آخر الحروب مع إسرائيل، تتقاضى (إسرائيل) أكثر منه دون أن تلتزم بأن تكون أي حرب هي آخر الحروب مع العرب؛ فهي تتقاضى أيضاً ٣ مليارات دولار سنوياً، مكافأة على «التزامها» بعدم العدوان العسكري على مصر (فقط) . في حين أنها تتقاضى لتوسيع العدوان على بقية جيرانها وجيران جيرانها ما لا يقل عن عشرات المليارات، فبين عامي ١٩٧٦م وحتى عام ٢٠٠٠م بلغت المنح الأمريكية للدولة اليهودية أكثر من ٩٠ مليار دولار، هذا بخلاف القروض المسهلة والمؤجلة والملغاة السداد.
وبمناسبة اتفاقية كامب ديفيد (السياسية) المنعقدة عام ١٩٧٩م، فهناك «كامب ديفيد» أخرى اقتصادية، أبرمت بين مصر وإسرائيل في (عام الذبح) الفلسطيني ٢٠٠٤م، وهي اتفاقية (الكويز) التي تعني اختصاراً: (المناطق الاقتصادية المؤهلة) ، وهذه الاتفاقية تعد اختراقاً إسرائيلياً جديداً، للاقتصاد العربي ـ بإخراج أمريكي ـ عبر البوابة المصرية، وهي تهدف إلى تحقيق الغاية التي عجزت عنها سياسات التطبيع في معاهدات السنوات الماضية، وهي: إدماج (إسرائيل) في المحيط العربي الشعبي الرافض لها.
وتعد هذه الاتفاقية هي باكورة إنتاج مشروع (الشرق الأوسط الكبير) أو (الشرق الأوسع) الذي أطلقه جورج بوش، وهي تطبيق لبعض أفكار شيمون بيريز في مشروعه (الشرق الأوسط الجديد) الذي صدر في كتاب له بنفس الاسم عندما كان رئيساً للوزارة الإسرائيلية، وهنا تلاقت أفكار الهيمنة والصهينة الأمريكية الإسرائيلية، الهادفة في النهاية إلى تفكيك المنطقة العربية ثم إعادة تركيبها وفقاً للمصالح اليهودية والصليبية، وقد وقع الاختيار على مصر في (كامب ديفيد الاقتصادية) كما وقع الاختيار عليها في كامب ديفيد السياسية لتكون البداية منها باعتبارها (الشقيقة الكبرى) التي «تقلدها» أخواتها الأخريات ولو بعد فترة من المعاكسات والمشاكسات.
الاتفاقية ظاهرها تأهيل الصناعات المصرية (وبخاصة صناعة النسيج) لتكون قادرة على المنافسة مع السوق الأمريكي، ولكن هذا التأهيل ـ ولاحظ الخبث ـ يحتاج إلى أن يكون داخل هذه الصناعة مكوِّن إسرائيلي بنسبة ١١.٧% ومكوّن أمريكي بنسبة ١٥%، وهو ما يعني أن تكون لهم شراكة مباشرة في صناعة النسيج المصري كبداية، حيث ستكون تلك الاتفاقية بداية لاتفاقيات شبيهة في صناعات أخرى؛ ووفقاً لهذه الاتفاقية ستدخل (إسرائيل) كعنصر أساس من عناصر تشغيل العديد من المصانع المصرية حيث سيستجيب الكثيرون بدوافع مختلفة؛ فأي دعوة مهما كانت شيطانية وإجرامية، ستجد من يستجيب لها، ثم يبحث عن مسوغاتها، وقد كشف رئيس اتحاد الصناعات الإسرائيلي في بداية شهر مارس ٢٠٠٥م، أن أكثر من ٤٠٠ مصنع مصري في مجالات الأنسجة والمعادن والجلود والأغذية قدمت طلبات لإقامة خطوط إنتاج مشتركة مع مصانع إسرائيلية في منطقة التجارة المصرية الإسرائيلية المشتركة، وقال المسؤول الإسرائيلي إنه من المتوقع أن ينمو حجم التصدير الإسرائيلي إلى مصر ليبلغ ١٠٠ مليون دولار سنوياً، وأنه سوف يتضاعف ليصل إلي مبلغ ٢٠٠ مليون بعد أربع سنوات، وكثير من الدول العربية مرشحة للحاق بهذا الركب، وهو أمر لم يعد غريباً بعد أن بلغت قيمة التعامل الاقتصادي السري والعلني بين (إسرائيل) وبعض الدول العربية ما قيمته ١٩٤ مليون دولار، رغم قرارات المقاطعة العربية، وهو ما يعني أن هذه الاتفاقية ستكون بداية للقضاء على ما كان يسمى بـ (استراتيجية المقاطعة العربية) مثلما قضت اتفاقية كامب ديفيد على ما كان يسمى بـ (استراتيجية الدفاع العربي المشترك) ، وهو ما يقدم خدمة مجانية لدولة اليهود، ترفع عن كاهلها كابوس المقاطعة التي كبدتها بين عامي ١٩٤٨م إلى ٢٠٠٤م، ما يقرب من مائة مليار دولار. والخدمة الأكبر التي تقدمها هذه الاتفاقية لـ (إسرائيل) هي أنها ستدعو بقية الدول إلى الاستعلان بالتطبيع بعد أن كانت تستخفي به، وهو ما أعلنه (إيهود ألمرت) وزير التجارة الإسرائيلي بعد توقيع الاتفاقية. ومن الطبيعي أن تستهدف (إسرائيل) إضافة إلى ترويج سلعها في السوق العربية بهذه الاتفاقية؛ تحطيم البدائل الوطنية، حتى لا يجد المنادون بتلك البدائل عن المنتجات الأمريكية والإسرائيلية ما يشجعهم على الاستمرار في دعوات المقاطعة، إضافة إلى ما ينتظر من انسحاب الدول المنضمة إلى اتفاقية الكويز من اتفاقية المقاطعة العربية لـ (إسرائيل) ، مثلما فعلت الأردن التي أعلنت انسحابها بعد التوقيع على الاتفاقية نفسها قبل مصر، ويذكر هنا أن اتفاقية الكويز أو (الكامبويز) لا تقتصر على التطبيع الاقتصادي، بل تتوسع إلى ما تبقى من مساحات لم يملأها التطبيع السياسي والثقافي.
والعجيب أنها جاءت بعد أربع سنوات من الإذلال السياسي للعرب جميعاً مشخصاً في الفلسطينيين؛ حيث لم يستطع العرب أن يفعلوا شيئاً لشعب ظل هدفاً للرماية المسعورة في عملية اجتياح مجنونة، ختمت بقتل ثلاثة من الرموز التي بقيت غصة في حلوق الإسرائيليين وهم: الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والرئيس ياسر عرفات، وجاءت بعد ثلاثة استباحات لساحات عربية وإسلامية، وهي فلسطين وأفغانستان والعراق، وجاءت بالتزامن مع برهنة (إسرائيل) على «احترامها» لكامب ديفيد السياسية، بإطلاق نيران دبابة إسرائيلية عمداً لقتل ثلاثة جنود مصريين في رفح داخل الحدود المصرية.
ü التطبيع الثقافي واقتحام المحرمات:
قد يقلل بعضهم من خطر التطبيع الثقافي وعدم جدواه في المنظور القريب، نظراً لمستوى الطموح الجامح الذي يتطلع إليه الإسرائيليون من خلال تطبيق أفكار ذلك التطبيع، وهذا صحيح إذا نظرنا لفردية التحرك الإسرائيلي في هذا الجانب، ولكن الهجمة الأمريكية الأخيرة التي أصبحت رديفاً للمخططات الإسرائيلية في كل مجالاتها، أعطت هذا الأمر بُعداً أخطر؛ حيث أفصحت تفاصيل تلك الهجمة عن استهداف صريح للخصوصيات الثقافية للأمة باسم الحرب علي الإرهاب، وهي الحرب التي تتضمن في جانب كبير منها ما أسموه (التصدي لثقافة الإرهاب) ! وهذه الثقافة (الإرهابية) كما يزعمون، لا تعني في الحقيقة إلا التوجهات الداعية للرجوع بالأمة إلى ثوابتها المأخوذة من منهج السلف، ولهذا فإن (التوجه المنهجي السلفي) يأتي الآن في مقدمة التوجهات التي تستهدفها الحملة الأمريكية، مرة بذريعة (التشدد الحنبلي) وتارة تحت وصف (التطرف الوهابي) ومرات أخرى باسم (الأصولية الإسلامية) . فالحملة ليست قاصرة على محاربة العنف فقط، ولهذا فإن المتوقع هو أن تركز حملات التطبيع الثقافي في الحاضر والمستقبل القريب على محاربة مرتكزات التوجه المنهجي السلفي، بوجه عام لأنه يعكس هوية الأمة، إضافة إلى أنه أصبح خط الدفاع الأول عن ثوابتها، والرافد الأساس لما يمكن أن يسمى بـ (ثقافة المقاومة) في كل المجالات والساحات المستباحة في العالم الإسلامي، حيث أصبح (أهل السنة) ، هم الفصيل الوحيد الفاعل في مواجهة الهجمة الصهيونية المشتركة بين أمريكا وإسرائيل وحلفائهما.
يدل على ذلك دلالة لا تقبل الشك، ما تضمنه مشروع (الإسلام المدني الديمقراطي) الهادف في جوهره إلى إلجاء المنهج السني السلفي إلى أضيق الطرق، لإفساح المجال للبديل (الروحي) للشعوب، ممثلاً في التصوف والتشيع و (الاستنارة) !
والعجيب هنا، أن الأمريكيين الذين لا أصل لهم ولا تاريخ، يطالبوننا ـ لصالح اليهود ـ بالتخلي عن أصولنا الأصيلة اللاصقة بهويتنا وحضارتنا، والأعجب منه: أنهم يتجاوزون في الوقت نفسه عن تنامي المد (الأصولي) اليهودي في (إسرائيل) ؛ حيث تقوم دعائم هذا الكيان على منهجية ثقافية عقائدية عنصرية تعود إلى ما قبل ألفي عام، ولا تجد من يطالبها بتغيير المناهج ولا تعديل الأفكار ولا الاقتراب من قيم التسامح والعدالة وقبول الآخر، ثم إنك تعجب ـ مرة ثالثة ـ من التطبيعيين العرب الذين لا يستحي أجلافهم من المطالبة بـ (نسيان الماضي) في تراثنا، ويلمزون هذا التراث بجملته بـ (الماضوية) و (الظلامية) في حين أنهم يتعامون عن تشبث أصدقائهم الطبيعيين من الإسرائيليين بإحياء مورثاتهم الثقافية المثبتة لدعواهم التي يطلقون عليها: (الحق التاريخي) ، وهذا (الإحياء) يتضمن إعادة الاعتبار لكل ما هو عبري يهودي، ونزعه من كل ما هو عربي إسلامي، كنزع اسم فلسطين ليوضع مكانها (إسرائيل) ونزع اسم (القدس) ليوضع (أورشليم) ووضع اسم (يهودا والسامرة) بدلاً من الضفة الغربية لنهر الأردن، وإعادة تسمية المدن والقرى والآثار بأسماء عبرية. وحتى المساجد والمعابد التاريخية يجري التغيير في اسمها ورسمها لمحو رمزيتها الثقافية والحضارية، فيتحول (المسجد الأقصى) إلى (جبل الهيكل) بكل ما يعنيه ذلك من توجهات خطيرة تهدف إلى تنفيذ أكبر عملية سطو حضاري يتطلع إليه الإسرائيليون، لتغيب هذه الرمزية الثقافية والدينية الأكبر التي تربط العرب والمسلمين بفلسطين، وذلك من خلال ذلك المشروع الشيطاني المعاند لمسيرة التاريخ، والمتعلق بمخطط هدم المسجد الأقصى لبناء (الهيكل الثالث) مكانه؛ حيث يراد أن يقام هذا البناء العبري ليزيل التاريخ العربي الإسلامي بأكمله عن فلسطين، حتى تنشأ أجيال تقول: كان هنا فلسطين ... كانت هنا القدس! كان هنا الأقصى، مثلما نقول نحن الآن ونحن ننظر إلى خريطة جنوب غرب أوروبا ونقول: كانت هنا الأندلس.. كانت هنا إشبيلية.. كانت هنا غرناطة ... كانت هناك دولة خلافة أموية ... قبل الخلافة العثمانية، التي (كانت) في جنوب شرق أوروبا!
كل يوم يمر، يثبت لأعداء الأمة أن الإسلام هو سر ما تبقى من قوتها، بما تبقى من التمسك به؛ ولهذا فإن المعركة بمرور الأيام تتمحض مع ما يمثله هذا الإسلام من منهاج وثقافة ورموز وأتباع. يقول الكاتب الإسرائيلي (ألوف هارايفين) : «هناك عقبات صعبة أمام التطبيع، وأهمها الموقف الثقافي والعقائدي للإسلام والعروبة تجاه (إسرائيل) واليهود، والحل يستدعي الاعتماد والارتكاز على ضرورة وجود برامج مركزة في المجال التعليمي والثقافي، بهدف تفتيت الملامح السلبية للموقف تجاه الآخر، وأحد الأسس الحيوية لبرنامج كهذا هو الرصد الشامل والتغيير العميق لبرامج ومناهج التعليم» .
إن هذه المهمات التي يراها أعداؤنا (عقبات صعبة) يتبرع التطبيعيون بتسهيلها وتذليلها في معاهدات رسمية، تتحول مع الوقت إلى جزء من النظام العربي و (الشرعية الدولية) .
ومثلما نصت معاهدة كامب ديفيد على رعاية الجانب الثقافي في التطبيع؛ فقد جاءت اتفاقية (وادي عربة) على الطبيعة نفسها، بل زادت في التفصيل، حيث نصت في المادة العاشرة على أوجه من التطبيع الثقافي، فقالت:
- «انطلاقاً من رغبة الطرفين في إزالة كافة حالات التمييز التي تراكمت عبر فترات الصراع؛ فإنهما يعترفان بضرورة التبادل الثقافي والعلمي في كافة الحقول، ويتفقان على إقامة علاقات ثقافية طبيعية بينهما» .
- وجاء في المادة الحادية عشرة: «يسعى الطرفان إلى تعزيز التفاهم المتبادل فيما بينهما والتسامح القائم على ما لديهما من القيم «التاريخية» المشتركة، وبموجب ذلك فإنهما يتعهدان بما يلي:
أ - الامتناع عن القيام ببث الدعايات المعادية القائمة على التعصب والتمييز، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية والإدارية الممكنة التي من شأنها منع انتشار مثل هذه الدعايات؛ وذلك من قِبَل أي تنظيم أو فرد موجود في المناطق التابعة لأي منها.
ب - القيام بأسرع وقت ممكن بإلغاء كافة ما من شأنه الإشارة إلى الجوانب المعادية، وتلك التي تعكس التعصب والتمييز، والعبادرات العدائية في نصوص «التشريعات» الخاصة بكل منهما.
ج - أن يمتنعا عن مثل هذه الإشارات أو التعبيرات في كافة المطبوعات الحكومية.
ü التطبيع الاجتماعي ... قاع الضياع:
فالضياع في هذا المجال من التطبيع، هو هدف بحد ذاته؛ حيث لا يطمع الإسرائيليون ـ وقد لا يريدون ـ أن تذوب الحواجز الاجتماعية بينهم وبين (الجوييم) أو (العامة) أو (الكوفريم) ـ يعني الأغيار الكفار ـ ولكن لما كان من دأب اليهود على مر التاريخ أن يستخدموا سلاح (الفساد الأخلاقي) ضد (الغرباء) ؛ فقد كان متوقعاً منهم ـ إذا فتحت لهم الأبواب ـ أن يسارعوا إلى إغراق الأجواء العربية الاجتماعية بكل ألوان الإفساد، وبخاصة الإفساد الموجه لشريحة الشباب، وتشهد المناطق التي فتحت السياحة فيها للإسرائيليين كيف أن اليهود استغلوا هذا الجانب في دفع الشباب إلى أوجه متعددة من الانحراف الذي قد يصل إلى حد التجنيد للعمالة أو الجاسوسية أو القوادة، وقد سهلت تشريعات التطبيع هذه المهمة بالسماح باقتران اليهوديات المشبوهات من شباب العرب والمسلمين؛ حيث وصل عدد الزيجات المختلطة ـ على الجانب المصري في ظل كامب ديفيد ـ إلى واحد وعشرين ألف حالة..! هذا عدا عما يمكن أن يقام من علاقات ـ خارج القانون ـ بسبب الانفتاح السياحي الإباحي في المنتجعات والشواطئ والملاهي.
- ولم يخلُ الأمر من إفساد الأجواء الصحية إلى جانب إفساد الأجواء الأخلاقية؛ فهناك موجة من انتشار الأمراض الناشئة عن الانحلال الخلفي والممارسات المحرمة، إلى جانب إغراق الأسواق بأشكال وأنواع من المخدرات التي أصبحت في متناول الفقراء قبل الأغنياء، في ظاهرة لم يعرفها الشعب في مصر إلا بعد تمكين اليهود من ممارسة مهمتهم (الطبيعية) في إفساد الأجيال، كما دلت عليها بروتوكولاتهم المعاصرة التي تبرمج لتطبيق معتقداتهم وتصوراتهم القديمة في طرق إخضاع الأعداء.
ومن ضمن ما يستهدفه اليهود من وراء التطبيع الاجتماعي، أن يجدوا مدخلاً إلى وضع حد لظاهرة (الانفجار السكاني) كما تطلق عليه وسائل الإعلام العربية نفسها؛ حيث يعتقد الإسرائيليون أن هذا التوسع السكاني هو القنبلة الموقوتة التي تهدد وجودهم برمته ـ وبخاصة في فلسطين ـ التي بارك الله في نسلها كما بارك في أرضها، فيعمد الإسرائيليون إلى فعل ما يستطيعون لتقليل هذا النسل، إما بالترويج لوسائل تحديد النسل ـ من خلال عملائهم التطبيعيين ـ أو من خلال وسائل نشر أمراض التناسل، أو إيقافه بوسائل من التعقيم المباشر ـ بإشراف أوساط طبية مشبوهة، أو أدوية مانعة مغشوشة. وقد وصل الأمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة ـ كما يقول (عبد العزيز شاهين) وزير الصحة الفلسطيني السابق، إلى حد ترويج أنواع من علكة اللبان، التي تؤدي إلى العقم، حيث اكتشفتها السلطات الفلسطينية وصادرت منها ـ كما يقول الوزير ـ نحو عشرين طناً!
ü هراوات لا تخيف الأمة ... وهرولات لا تُلزمها:
من مفارقات زمن الوهن الذي نعيشه، أن الهرولة العربية كانت تسوقها دائماً هراوة أمريكية في كل مرة تسارع فيها الأنظمة صوب عدوها، وقد اقترن التطبيع باسم أمريكا في كل مراحله السابقة بدءاً من كامب ديفيد الأولى وحتى شرم الشيخ الأخيرة، فقد درجت الولايات المتحدة على أنها كلما صُفع العرب صفعة حرب، أتبعتها بصفقة سلام حقيقته استسلام، هكذا فعلت بعد حرب أكتوبر والثغرة وفك الارتباط (كامب ديفيد) وبعد حرب لبنان (اتفاق ١٧ مايو) وبعد حرب الخليج الثانية (مؤتمر مدريد ثم أوسلو ثم وادي عربة) . وها هي بعد حرب الخليج الثالثة تطمع بالتنسيق مع (إسرائيل) ، في حشد بقية الدول العربية وحشرها في سلك السلام ... سلام (إسرائيل) .
وقد اتضح بعد غزو العراق أن أمن (إسرائيل) كان يشغل أكبر هواجس أمريكا؛ حيث شرعت بعده مباشرة في الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يهدف إلى جعل إسرائيل جزءاً من المنطقة، ليتطابق ذلك مع مشروع الشرق أوسطية لبيريز، ولتتحول هذه المنطقة الشاسعة المحيطة بـ (إسرائيل) بعد تطويقها وتطبيعها، إلى فِناء فارغ لفضاء آمن، ولهذا سارعت أمريكا بشكل متسرع إلى الدعوة إلى برامج جديدة للتغيير» و «الإصلاح» الأمريكي الذي يستهدف إضعاف ما تبقى من مناعة الأمة ضد أي اختراق ثقافي أو حضاري أو سياسي أو اقتصادي.
لا نبالغ إن قلنا إن الوجه المدني من الحرب الأمريكية على ما تسميه بـ (الإرهاب) هو في حقيقتة نوع من تطبيع الهزيمة، وفرض التعايش السلمي معها، لا بحسابات السنين والأعوام، ولكن بحسابات الأحقاب والأجيال، ولهذا سارع شارون ببسط يده الحمراء ليضعها في يد بوش الغبراء، مبايعاً إياه على النصرة والشراكة في تلك الحرب المصيرية الشاملة.
أما الشعوب العربية والإسلامية في وسط كل هذا؛ فهي غير معنية ـ إذا خُيِّرت ـ بذلك التطبيع، ولو أجريت استفتاءات محايدة لتبين أن جُل الأمة تلعن كل سياسة تقرب من اليهود باعاً أو ذراعاً، في أي مجال من المجالات، وهنا ندرك عمق الهوة بين هوية الأمة وأهواء كثير من حكامها. ولكن نستطيع أن نقول: إن تلك الأهواء مهما كان وراءها من دوافع ترغيب أو ترهيب، فإنها لا تلزم الشعوب؛ حيث إنه من الممكن أن تصمد تلك الشعوب أمام الترهيب وترغب عن الترغيب، لأنها تملك مساحة أوسع للتحرك، وحرية أكبر في القبول أو الرفض؛ ولذلك فإن استراتيجية المقاطعة التي تقاطعها الأنظمة الآن تباعاً، يمكن أن تُبقي عليها الشعوب وتفعِّلها في جميع أوجهها الثقافية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية لتهزم التطبيع وتحول دون تطبيع الهزيمة، وبخاصة إذا كان في طليعة مقاومة الهزيمة ومقاطعة التطبيع وجهاءُ الأمة وعلماؤها ورموز الدعوة والحركة فيها على أن تكون لهم منطلقاتهم وبرامجهم ووسائلهم الواضحة، ونقترح منها ما يلي:
- نفض اليد من قيام الجهات الرسمية العربية بدور فاعل في مناهضة التطبيع، والاعتماد ـ بعد الله تعالى ـ على استنهاض أخص خصائص الأمة الخيرية، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للوقوف في وجه هذا المنكر المتعدد الوجوه: التطبيع.
- تأصيل أبعاد التصدي للتطبيع على أسس شرعية، مستخرجة من محكمات الكتاب والسنة، واستحداث الدراسات والفتاوى في ذلك، حتى لا تبقى الأمور المتعلقة بالتطبيع مجرد «حريات شخصية» أو «أذواق فردية» .
- استخدام ذلك في إيجاد جبهة ـ وليس لجنة ـ لمقاومة التطبيع، تضع أسساً لمدافعته، كما يضع أصحاب التطبيع في المقابل الاستراتيجيات لنشره وتقويته.
- إبراز الآثار الوخيمة العاجلة والآجلة للتطبيع، من خلال لجان لرصدها، والتعاون مع المنظمات والهيئات الشعبية في ذلك، لإظهار آفات التطبيع ونتائجها الملموسة والمحسوسة في البلدان التي بليت بها.
- استغلال وسائل الإعلام الأوسع انتشاراً، والأقوى أثراً ـ وعلى رأسها المساجد ـ للتذكير بهذا البُعد المهمل من المعركة مع اليهود في حربهم الصامتة ضدنا، وإبقاء جرائمهم التاريخية ـ القديمة والمعاصرة ـ حاضرة في الذاكرة وبارزة في الأذهان.
- من الأسلحة الأمضى في مقاومة مشاريع التطبيع دعم مشاريع المقاومة؛ فهناك ارتباط وثيق بين ضعف المقاومة وزيادة الإقبال على التطبيع ـ رسمياً أو شعبياً ـ والعكس صحيح.
- إذا كانت المقاطعة سلاحاً قوياً في وجه أصحاب مشاريع التطبيع، فإنها ينبغي أن تكون السلاح الأقوى في مقاطعة الداعين والداعمين له، باعتبارهم مناصرين للعدو، ومؤيدين لتطبيع الهزيمة أمامه.
وأخيراً.. فلعل السؤال الذي يتكرر كثيراً عند طرح الكلام عن الأخطار والمؤامرات، مجسداً في عبارة: (ما دورنا نحن) ؟ يجد الإجابة أو شيئاً من الإجابة في ثنايا هذه المقترحات وغيرها، لعلنا حقاً نكون معاً.. لهزيمة التطبيع.. لا لتطبيع الهزيمة.
стр. 5255
لماذا الهرولة نحو تل أبيب ؟!
ياسر الزعاترة
حين نتحدث عن الهرولة العربية نحو تل أبيب، أو التطبيع العربي الرسمي مع الدولة العبرية فسنكون إزاء ثلاث مراحل يجدر التوقف عندها: أولاها: المرحلة الممتدة ما بين الاحتلال الثاني عام ١٩٦٧م وصولاً إلى مؤتمر مدريد عام ١٩٩١م، وثانيها: مرحلة ما بعد المؤتمر المذكور، وبشكل أكثر تحديداً مرحلة (أوسلو) وصولاً إلى قمة كامب ديفيد (صيف عام ٢٠٠٠م) . أما الثالثة: فهي المرحلة الحالية، وهي مرحلة يمكن وصفها بمرحلة ما بعد احتلال العراق، أو مرحلة ما بعد انتفاضة الأقصى. وتفصيل ذلك على النحو التالي:
المرحلة الأولى: ما بين عامي ١٩٦٧ ـ ١٩٩١م:
كنا إزاء نوعين من التطبيع؛ يتمثل الأول في قدر من التواصل السياسي الذي يتحرك عبر الاتصالات السرية بين بعض الدول العربية والدولة العبرية، وفي هذا الصدد تبرز تلك العلاقات التي كانت قائمة بين المغرب، وموريتانيا، والأردن وبين الدولة العبرية.
ينطوي هذا البعد على صلات خاصة من لون الوضع المغربي، وأخرى تقوم على اجتهاد سياسي يحافظ على الوجود كما هو حال الاتصالات الأردنية، فيما يبدو التطبيع العربي العام من اللون الثاني القائم على الحفاظ على وتيرة الصراع ضمن حدود معقولة لا تفجّر المنطقة، بحسب رأي أصحاب هذه الرؤية.
برز هذا اللون من التطبيع منذ الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، حزيران ١٩٦٧م، وذلك إثر توافق النظام العربي الرسمي بعد اعتراف مصر، ومن ثم سوريا بالقرار الدولي رقم ٢٤٢ المتضمن أن الدولة العبرية قد وجدت لتبقى، وأنه ما من سبيل إلى إزالتها، لكن هذا التوجّه بدا أكثر وضوحاً بعد عام ١٩٧٤م عندما انضمت منظمة التحرير الفلسطينية إلى السرب العربي، واعترفت بالقرار المذكور، بل بدأت مشاريع اتصالات سرية مع الدولة العبرية من خلال ما عُرف بالاتصالات مع التقدميين الإسرائيليين، أو اليسار الإسرائيلي.
في العموم: كانت جميع الاتصالات مع الدولة العبرية تقوم على هذا الأساس، أي الحفاظ على وتيرة الصراع ضمن دائرة محدودة، مع محاولة اختراق المنظومة الإسرائيلية ذاتها، لا سيما بعد أن توفرت الشرعية لذلك السلوك من خلال الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، كما اعترف به في مؤتمر الرباط عام ١٩٧٤م، ولم يكن خافياً بالطبع ذلك الترابط بين اعتراف المنظمة بالقرار الدولي وبين الاعتراف بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.
ضمن هذه الوجهة، جاء التطبيع المصري الإسرائيلي بعد كامب ديفيد عام ١٩٧٩م، وهو موقف لم يغير في واقع الحال كثيراً، اللهم إلا بفتحه أبواب أكبر عاصمة عربية للعلم الإسرائيلي، لكن السياق العام بقي على حاله؛ أي الحفاظ على الصراع ضمن الدوائر السياسية، وحين يكون ثمة فعل عسكري فإن الأصل هو أن يبقى ضمن حدود معقولة لا تغير في آلياته، بدليل التوافق على عدم فتح الجبهة الأردنية مع الدولة العبرية.
في هذه المرحلة جرت كما أشرنا عشرات اللقاءات والاتصالات التي ظلت ضمن الأفعال المحرمة في الأوساط الشعبية، وحتى بعض الرسمية تبعاً للموقف السياسي لكل دولة على حدة، لكن عجلة التطبيع كانت ماضية، وأقلّه ـ باعتراف الوضع العربي الرسمي ـ أنه ما من شيء يمكن أن يزحزح الدولة العبرية عن الأراضي التي احتلتها عام ١٩٤٨م.
المرحلة الثانية: مرحلة أوسلو.. الهرولة السريعة:
جاءت مرحلة مدريد ثم أوسلو لتطلق حصان التطبيع العربي الإسرائيلي من عقاله؛ فما هي سوى عشرة شهور، وتحديداً في شهر تموز/ يوليو ١٩٩٤م، حتى كان الأردن يوقع اتفاقية (وادي عربة) تبعاً للمخاوف التي انتابت الملك حسين على الكيان الأردني، وما أن حدث ذلك حتى انطلق مسلسل سريع من الهرولة العربية صوب تل أبيب؛ من موريتانيا التي كانت الأكثر هرولة على الدوام، إلى المغرب صاحب العلاقات التاريخية مع تل أبيب، إلى تونس، وقطر، والبحرين، ولتكر المسبحة بعد ذلك، ولم يبق في واقع الحال إلا قلة من الدول العربية لم تبدأ شكلاً من أشكال الاتصالات أو العلاقات مع الدولة العبرية، ومن بينها السعودية، والسودان، وليبيا وسوريا، وإن دخلت هذه الأخيرة مسلسلاً تفاوضياً على ملف الجولان.
أدركت الدول العربية المحورية، وعلى رأسها مصر، والسعودية، وسوريا أن موجة الهرولة العربية صوب تل أبيب تؤذن بإنجاح مشروع (شيمون بيريز) الشرق أوسطي القائم على فكرة التمدد السياسي والاقتصادي الإسرائيلي في المنطقة، ومن ثم سرقة دور مصر العربي والإقليمي.
في هذه الأجواء جاء مؤتمر الإسكندرية مطلع عام ١٩٩٥م ليدشن مرحلة مقاومة رسمية للتطبيع والهرولة تجاه الدولة العبرية، وبدأت موجة من الضغوط على الدول العربية الأخرى كي تكبح جماح التطبيع، وتحشره في أضيق نطاق، وهو ما استجابت إليه معظم الدول في واقع الحال؛ إذ بقيت العلاقات الدبلوماسية في حدها الأدنى في غالب الأحيان.
ما من شك أن التحالف المصري السعودي السوري قد أسهم مساهمة فعّالة في كبح جماح التطبيع في هذه المرحلة، لكن ما ينبغي قوله أيضاً: هو أن الشارع العربي قد قدم مساهمات جيدة على هذا الصعيد جعلت من التطبيع الرسمي من أي مستوى كان مع الدولة العبرية شكلاً من أشكال الرذائل السياسية التي تتردد الأنظمة في مقارفتها.
غير أن الأهم من ذلك كله هو ما يتعلق بسير المفاوضات؛ فقد استخدمت الدول الثلاث حجة مهمة تقول: إن مسيرة التطبيع يجب أن تتزامن مع سير المفاوضات؛ إذ من دون الوصول إلى تسوية حقيقية لا يمكن الحديث عن تطبيع مع الدولة العبرية، وقد جاءت مسيرة المفاوضات الأولية من خلال جملة الاتفاقات التي تلت (أوسلو) لتؤكد أن نوايا الدولة العبرية بالتسوية لا تنسجم مع ما يعرف بقرارات الشرعية الدولية، وهو ما تأكد بعد ذلك في قمة كامب ديفيد، صيف عام ٢٠٠٠م، وهي القمة التي أكدت استحالة التسوية مع مطالب إسرائيلية لا يقبل بها أحد في الساحة الفلسطينية والعربية.
جاءت انتفاضة الأقصى بعد ثلاثة شهور من القمة المشار إليها لتهيل التراب في زمن قياسي على جهود التطبيع التي بذلت طوال سبع سنوات أو تسع إذا بدأنا من مدريد، ولتبدأ مرحلة جديدة في الخطاب الرسمي العربي والإسلامي حيال الدولة العبرية، حتى أن الدولتين المرتبطتين باتفاقيات سلام مع الدولة العبرية، ولهما علاقات دبلوماسية معها قد اضطرتا إلى سحب سفيريهما من تل أبيب تحت وطأة الضغوط الشعبية.
المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد انتفاضة الأقصى:
يمكن التأريخ لهذه المرحلة منذ مقتل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات نهاية عام ٢٠٠٤م، وتوافق حركة فتح على تعيين (محمود عباس) خلفاً له، وبالطبع في ضوء ما هو معروف عن أن هذا الأخير كان له موقفه المناهض لبرنامج المقاومة الذي تبنته حركة حماس، لكن بالإمكان أيضاً التأريخ لها باحتلال العراق، على اعتبار أن ذلك الحدث هو الذي مهّد لمرحلة الرعب بالنسبة للنظام العربي الرسمي الذي شكّل وقوفه خلف (محمود عباس) سبباً أساسياً في إنهاء مرحلة انتفاضة الأقصى، وإعلان التعامل مع التسوية بلغة جديدة، على رغم عدم توفر أي أفق حقيقي لها في المنطقة بوجود شارون والمحافظين الجدد على رأس السلطة في الدولة العبرية والولايات المتحدة.
من الممكن القول: إن الهرولة نحو الدولة العبرية قد بدأت في المرحلة الجديدة، سواء أكان بإعادة السفيرين المصري والأردني إلى تل أبيب، أم بدعوة شارون إلى تونس، أم بجملة اللقاءات المعلنة وغير المعلنة حتى الآن؛ حيث توقع وزير الخارجية الإسرائيلي (سلفان شالوم) أن تتحرك عشر دول عربية صوب شكل من أشكال العلاقة مع الدولة العبرية خلال الشهور القادمة.
ما ينبغي أن يشار إليه هنا: هو أن خريطة الطريق التي وافقت عليها السلطة، والدول العربية عموماً تنص في أحد بنودها في المرحلة الثانية، أي مرحلة الدولة الفلسطينية المؤقتة على أن تستعيد الدول العربية مع إسرائيل ما كان لها من روابط قبل الانتفاضة (المكاتب التجارية ... إلخ) .
ü القوم لماذا يهرولون؟
تحدثنا في السياق السابق عن منطق التطبيع الذي كان سائداً في المراحل الأولى، وهو ما يبدو مختلفاً إلى حد ما مع منطق الهرولة الجديدة ممثلاً في الاعتقاد بأن مفتاح الرضا بالنسبة للولايات المتحدة لا زال موجوداً بيد قادة الدولة العبرية، وهو اعتقاد لا يبدو خاطئاً في واقع الحال، وأقله في هذه المرحلة التي يتحكم المحافظين الجدد خلالها بالقرار السياسي في واشنطن من دون أن يعني ذلك تأييداً لمنطق اللّعبة ولا لرؤيتها السياسية.
صحيح أن مرحلة (كلينتون) كانت عبرية اللغة والهوى أيضاً، لكن المرحلة الجديدة تبدو أكثر تطرفاً في التعاطي مع الهواجس الإسرائيلية، في الوقت ذاته تبدو فيه واشنطن أكثر سطوة على الوضع الدولي، وهو ما يمنح المسوغ للمهرولين كي يكونوا أكثر حماساً في هرولتهم، سواء أكان رغباً أم رهباً.
هناك بالتأكيد تلك اللُّعبة التي تمارس من قِبَل الأمريكان والصهاينة في سياق اللعب على التناقضات العربية العربية، وتحديداً فيما بين الدول الكبيرة والصغيرة؛ وحيث يستخدم هذا الملف في سياق مناكفة بعضها لبعض.
ثمة بُعدٌ على درجة من الأهمية في هذه المرحلة يتمثل في اكتشاف الولايات المتحدة ومحافظيها الجدد لوصفة ناجعة في ترهيب الأنظمة العربية وابتزازها، وتتمثل تلك الوصفة في الضغوط من أجل إصلاح الأوضاع السياسية ودمقرطة الواقع المحلي، وهنا كان على الأنظمة التي تريد الفرار من الإصلاح أن تدفع من جيب القضية الفلسطينية، وتتقرب من الدولة العبرية، وتتراجع في القضية العراقية.
على هذا الإيقاع سنشهد مرحلة تطبيع ساخنة يمكن القول: إنها ستعتمد في مسارها وتوقيتها على إيقاع المفاوضات بين الطرف الفلسطيني والطرف الصهيوني، ومن ثم تطورات الوضع العراقي، فيما يمكن القول: إن الابتزاز الصهيوني سيسهم بدوره في طبيعة التسوية ومسارها أيضاً، والسقف الذي يمكن أن يقبل به الفلسطينيون. ونتذكر على هذا الصعيد أن ياسر عرفات عندما حُشِرَ في الزاوية في قمة (كامب ديفيد) قد طالب بموافقة عربية (مصرية سعودية على وجه التحديد) كي يقبل بما هو معروض بشأن المسجد الأقصى، وهو ما لم يحصل عليه كما هو معروف.
خلاصة القول هي: أن المرحلة الجديدة ستعتمد على تطورات عملية التسوية؛ فإذا بلغت الجدار المسدود، وعاد الفلسطينيون إلى انتفاضتهم المسلحة من جديد كما فعلوا من قبل، فسينتهي كل شيء كما انتهى في المرة الماضية، أما إذا تواصلت اللعبة فستمضي عملية التطبيع قُدُماً إلى الأمام، وسيعتمد ذلك كله على الموقف العربي، ومدى تقدمه وتراجعه أمام سطوة الولايات المتحدة. ويبقى أن سطوة هذه الأخيرة، ومن ثم ردود الفعل العربية ستعتمد بدروها على تطورات الوضع العراقي، ومن ثم علاقاتها مع الشركاء الدوليين.
وما يمكن أن يقال أخيراً هو: أن التقدم والتراجع العربي أمام الولايات المتحدة هو الذي يحكم لعبة التطبيع، بل إنه هو الذي يحكم العلاقة مع الدولة العبرية من الأساس، وإذا كان ثمة جوانب أخرى بالنسبة لبعض، فهي هامشية، كما هو حال موريتانيا التي يتحرك نظامها مقابل بعض الرشاوى الاقتصادية، إضافة إلى المساعدات الأمنية لنظام (ولد الطايع) .
ما من شك أن لبعض الرموز في الدول العربية دوراً في مسيرة التطبيع مع الدول العربية، لكن هؤلاء لا يبرزون إلا عندما تكون الأجواء مواتية، أي أنهم يتقدمون عند الحاجة، ومن الصعب القول إنهم يجرُّون الأنظمة جراً إلى التطبيع، وإن كان لبعضهم دور في تزيين المنكر. وحسبنا الله ونعم الوكيل.