← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

الحرب الصامتة.. التطبيع قد يستغرب بعض القراء عندما يكتشف أن الحرب الصامتة هي التطبيع مع الكيان الصهيوني؛ ذلك أن قضية التطبيع قُتلت بحثاً، ولكنا نقول: إنها لم تُقتل فعلاً بعد، وما لم يُقتل فعلاً لا بد من إعادة طرحه دوماً، وقضية التطبيع ترتدي حالياً ثوباً جديداً يفرض معاودة البحث لمواكبة الحدث. ونلفت هنا إلى قضية بالغة الخطورة، وهي «لعبة الألفاظ» التي استُخدمت أكثر من مرة لخداع الرأي العام العربي، وهي لعبة ماكرة تفرق بين المصطلح وتعريفه، وبين الاسم والمسمى، وتعتمد فكرتها الأساسية على حشد الرأي العام خلف مصطلح زائف تأييداً أو رفضاً، وعندما اختزلت السلطة الفلسطينية قضية فلسطين في مصطلح «الدولة» قال اليهود حسناً: «فلنعطهم دولة» لكن ما هو تعريف هذه الدولة؟ وهل يصح أن تكون دولة حقيقة؟ لا أحد يهتم طالما اتفق الجميع في النهاية على أن المنتج النهائي هو «دولة» . وفي مجال التطبيع، أصبح المصطلح يمثل قيداً لتعريفه، فقد تراكمت خلفه طبقات من الرفض والشجب والإنكار تعوقه عن الحركة، ومن ثم كان الحل في لعبة الألفاظ. فلنترك الحشود خلف مصطلح التطبيع قائمة، ولنعمد إلى تفعيل التعريف في أرض الواقع بعيداً عن الزحام! فأصبح هناك مساران، أولهما للمصطلح وهو يتعثر ويتراجع، والثاني للتعريف وهو يتقدم خلسة بعيداً عن الأعين. ولذلك أسقطنا مصطلح التطبيع عند تقديمنا لهذا الملف.. ووصَّفنا الحال: فهي حرب؛ لأنها مع العدو، وهي صامتة؛ لأنها تتسلل لِواذاً من بين أظهرنا، وتنسلُّ من بين الفُرَج كما يفعل الشيطان في صف المصلين.

стр. 5252

التطبيع.. صلح مقبول أم تفريط مرفوض ؟ محمد بن شاكر الشريف أرسل الله ـ تعالى ـ الرسل، وأنزل الكتب حتى يعرف الناس ربهم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فيعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئاً. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث رسولنا محمد ﷺ إلى الناس كافة، فختم الله ـ تعالى ـ به الرسالات؛ فكان ذلك إيذاناً أنه لا نجاة لأحد إلا بالإيمان بهذا النبي، والدخول تحت لوائه، وقد فرض الله على رسوله ومن آمن به دعوة الناس إلى الله ربهم، وتبصيرهم بحالهم ومآلهم، وبذل الجهد والطاقة في ذلك، وقد خاض المسلمون في سبيل دعوة الناس إلى ربهم أهوالاً جمة، وتجشموا في سبيل ذلك كثيراً من العنت والشدة، رجاء رحمة الله ورضوانه، والعمل على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، لكنهم لم يقوموا بذلك لإكراه الناس على الدخول في دين المسلمين؛ فإن إدخال الناس في الدين حقاً ليس مقدوراً لأحد كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] ، وفي الوقت نفسه فإن إكراه الناس على الإسلام ليس مشروعاً في الدين، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، وقد نفذ المسلمون أوامر ربهم فلم يكرهوا أحداً على الدخول في دينهم، ويدل لذلك أوضح الدلالة وجود اليهود والنصارى وغيرهم في بلاد المسلمين منذ زمن الرسول ﷺ ، وخلفائه الراشدين إلى يومنا هذا، فكان الجهاد والقتال من المسلمين لعدوهم من الكافرين لمنع إكراه الناس على الكفر؛ وإذا كان إكراه الناس على الإسلام لا يجوز فأحرى أن لا يجوز إكراههم على الكفر؛ فقد كان هدف القتال والجهاد في سبيل الله أن يكون وسيلة للتحرر من سلطان الطواغيت الذين يصدون الناس عن عبادة الله وحده؛ وذلك حتى لا يُصَدَّ أحدٌ أو يُمنع عن الدخول في دين الله، وهذا لا يكون إلا بأن يكون الإنسان مختاراً في البقاء على دينه، أو التحول إلى دين الإسلام. وكيف تتأتى الحرية في الاختيار في ظل حكومة كافرة مشركة ترى في التمسك بالكفر والبقاء عليه حماية لها ولمصالحها ولمكانتها؟ ومن هنا يتبين أن من مقاصد الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ منع تحكم الرؤساء والكبراء في العامة؛ بحيث يجبرونهم أو يكرهونهم على الكفر ﴿وَإذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ، وأيضاً ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ، ولا يتأتى ذلك إلا بمنع الكفار من تولي القيادة والإمرة في أرض الله، وتمكين المسلمين في الأرض كلها فلا يدعون أحداً يُكره الناس على الكفر، وهذا لا يعد تدخلاً في حريات الناس واختياراتهم؛ لأن ذلك تشريع من رب الناس الذي خلقهم ورزقهم، وليس من تشريعات البشر؛ فهو وحده الذي ينبغي أن يحكم فيهم بشرعه، وما على الخلق غير الطاعة، ولو عصى الكفار ربهم فلا يكون كفر الكافرين وتمردهم على ربهم مسوغاً للمؤمنين الطائعين أن يتركوا ما أمرهم ربهم به من عدم تمكين الكافرين من الحكم في خلق الله؛ وذلك أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وفعل المسلمون من ذلك ما قدروا عليه وما وسعته طاقتهم، وقد وجد من الكفار من يقبل ذلك، لكن علامة هذا القبول أن يدخل الكفار في ذمة المسلمين: بأن تجري عليهم أحكام الإسلام، فيقروا بدفع الجزية عن يدٍ دلالةً على الخضوع لأحكام الشريعة، وإيذاناً بانتقال الحكم بين الناس إلى شرع الله العلي الكبير؛ ولذلك جاءت وصية الرسول ﷺ لأمراء الجند: «وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال؛ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكُف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام؛ فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين؛ فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» (١) . وقال المغيرة بن شعبة لعامل كسرى عندما خرج المسلمون لقتال الفرس زمن عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ: «فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم، حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية» (٢) . وإذا بقي الكفار على دينهم لكن قبلوا بخضوعهم لحكم الإسلام، ودفع الجزية صارت دارهم بخضوعها لحكم الإسلام دار إسلام، فإن رفضوا صاروا محاربين، وإزاء إيمان المؤمنين، وكفر الكافرين وامتناعهم من الدخول في حكم الإسلام انقسمت البلدان إلى دارين: دار يأرز إليه الإيمان، وهي دار الإسلام التي تظهر فيها شرائعه وأعلامه، ويحكم فيها بشرع الله. ودار للكفر وهي التي تغلب فيها شرائع الكفر، ويحكم فيها بحكم الطاغوت. وقد كانت العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب ذات شقين: فمن جانب المسلمين كانت علاقة الدعوة إلى دين الله والقتال من جانب المسلمين؛ لمنع تسلط الكافرين على خلق الله. ومن جانب الكفار الحربيين كانت علاقة القتال للصد عن سبيل الله، والسعي في إطفاء نور الله، غير أن هذه العلاقة قد تتخللها في بعض الفترات الزمنية حالات، وأوضاع يحتاج فيها المسلمون إلى الصلح أو الهدنة، إما لأسباب تعود إلى المسلمين: (كضعف أو استعداد وتقوية ونحو ذلك) ، وإما لأسباب تعود إلى الكافرين: (كحُسن ظن في المسلمين، وقرب هداية، ونحو ذلك) والصلح فيه تفصيلات كثيرة، لكن يضبط هذه التفصيلات أمران لا بد من تحققهما: الأول: أن يكون الصلح مما يوافق أحكام الشريعة في أصله وتفصيلاته، فلا يشتمل في أصله أو تفاصيله على ما يضاد أو يناقض الأحكام الشرعية. الثاني: أن يكون مبناه على ارتياد ما هو في مصلحة الإسلام والمسلمين؛ فالصلح الذي يجلب على المسلمين الضرر، سواء في دينهم أو دنياهم، وكذلك الصلح الذي لا يجلب نفعاً، هو صلح لم يقم على قاعدة ارتياد الأصلح، وكل عهد أو صلح بين المسلمين وبين الكفار لم يحقق هذين الأمرين، أو أحدهما فهو صلح لا يعتد به شرعاً، وهو صلح باطل؛ لأنه أسس على غير التقوى. ومن هذا العموم الذي تقدم ننتقل إلى التفاصيل: تعريف الصلح: يراد بالصلح بين المسلمين وبين الكافرين الحربيين: هدنة أو موادعة أو معاهدة يتفق عليها الطرفان؛ لتحقيق بعض المصالح التي يهدف إليها كل طرف من وراء المعاهدة، ومن شروط هذه الهدنة أو الموادعة أو المصالحة أو المعاهدة المعتبرة شرعاً ما يلي: أن تكون على النظر لصالح المسلمين كأن تنزل بهم نازلة، أو أن المسلمين يرجون إسلام المشركين، أو أن المشركين يقبلون بإعطاء الجزية بلا مؤونة. أما الهدنة التي لا تكون على النظر لصالح المسلمين، بل يتحقق من خلالها مصالح المشركين: كرواج تجارتهم وتصدير سلعهم، ومنتجاتهم الصناعية، وغيرها إلى بلاد المسلمين، أو حصولهم على المواد الخام من بلاد المسلمين بأسعار رخيصة. أو كان يترتب على ذلك تدخل الكفار في ثقافة الشعوب الإسلامية، والتأثير في مناهج التعليم فيغيرون منها، أو يحذفون ما فيها من النصوص الشرعية التي تتحدث عن الأحكام التي ينبغي أن تكون بين المسلمين والكافرين (أحكام الموالاة والمعاداة) ؛ فإن هذا الصلح لم يقم على قاعدة ابتغاء مصلحة المسلمين، وإنما قام على ضرر المسلمين، ومن القواعد المقررة في فقه السياسة الشرعية أن تصرّف الإمام منوط بالمصلحة؛ فما لم يكن فيه مصلحة بل مفسدة فهو تصرف باطل؛ لأن الشرع لا يأمر بالفساد، قال الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: «وإذا سأل قوم من المشركين مهادنةً، فللإمام مهادنتهم على النظر للمسلمين، رجاء أن يسلموا أو يعطوا الجزية بلا مؤونة، وليس له مهادنتهم إذا لم يكن في ذلك نظر» (١) ، وقال: «وإن صالحهم الإمام على ما لا يجوز فالطاعة نقضه» (٢) ، وقال الماوردي الشافعي: «وإذا لم تَدْعُ إلى عقد المهادنة ضرورة لم يجز أن يهادنهم» (٣) ، وقال ابن العربي المالكي: «إذا كان المسلمون على عِزَّة، وفي قوة ومنعة، ومقانب (*) عديدة، وعدّة شديدة: فلا صلح حتى تُطعن الخيلُ بالقنا، وتُضرب بالبيض الرقاقِ الجماجمُ، وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يُجلب به، أو ضر يندفع بسببه؛ فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه، وأن يجيبوا إذا دُعوا إليه» (٤) ، وقال ابن قدامة الحنبلي: «ومعنى الهدنة: أن يعقد لأهل الحرب عقداً على ترك القتال مدة، بعوض وبغير عوض. وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة، وذلك جائز، بدليل قول الله ـ تعالى ـ: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] . وقال : ﴿وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] ، ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف، فيهادنهم حتى يقوى المسلمون. ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين؛ إما أن يكون بهم ضعف عن قتالهم، وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية، والتزامهم أحكام الملة، أو غير ذلك من المصالح» (٥) ، وقال صاحب الهداية الحنفي: «وإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقاً منهم، وكان في ذلك مصلحة للمسلمين فلا بأس به لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] ، ووادع رسول الله ﷺ أهل مكة عام الحديبية، على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين؛ ولأن الموادعة جهادٌ معنًى إذا كان خيراً للمسلمين؛ لأن المقصود وهو دفع الشر حاصل به، ... بخلاف ما إذا لم يكن خيراً؛ لأنه ترك الجهاد صورة ومعنى» (٦) ؛ فقيّد ذلك بكونه مصلحة للمسلمين، وجعل الموادعة إذا حققت الخير بمنزلة الجهاد من حيث المعنى، أما إذا كانت الموادعة لم تحقق الخير أو المصلحة كان ذلك تركاً للجهاد، وهذا لا مصلحة فيه، وقد بين الشيخ ابن باز ـ رحمه الله تعالى ـ أن الصلح إنما يكون «عند العجز عن قتال المشركين، والعجز عن إلزامهم بالجزية إذا كانوا من أهل الكتاب أو المجوس، أما مع القدرة على جهادهم وإلزامهم بالدخول في الإسلام أو القتل أو دفع الجزية ـ إن كانوا من أهلها ـ فلا تجوز المصالحة معهم وترك القتال وترك الجزية، وإنما تجوز المصالحة عند الحاجة أو الضرورة مع العجز عن قتالهم أو إلزامهم بالجزية إن كانوا من أهلها» (٧) . ومن الشروط الفاسدة التي لا مصلحة فيها للمسلمين مصالحتهم على «إعطائهم شيئاً من سلاحنا أو من آلات الحرب» قال ابن قدامة بعدما ذكر هذه وأشياء أخرى: «فهذه كلها شروط فاسدة لا يجوز الوفاء بها» (٨) ، ويلحق بإعطاء السلاح أو آلات الحرب الموافقة على الامتناع من استخدام بعض أنواع السلاح في الوقت الذي يمتلك فيه الكفار هذا النوع من السلاح ولا يمتنعون عن استخدامه عند الحاجة إليه مثل ما يعرف في وقتنا الحاضر بأسلحة الدمار الشامل؛ فإنه لو تمت المصالحة أو المعاهدة على أن يمتنع المسلمون من تملُّك هذا النوع من الأسلحة أو صناعته، بينما الكفار لا يمتنعون عن تملكه وصناعته كان هذا من الشروط الفاسدة التي لا يحل الموافقة عليها، لأنه شرط يضعف المسلمين مقابل أعدائهم كما أنه يخالف الإعداد المأمور به في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، فتكون نتيجة ذلك تجريد المسلمين من الأسلحة القوية التي يتحقق عن طريقها ردع العدو بإذن الله ـ تعالى ـ وتحقيق النصر. ومن شروط الهدنة الصحيحة عدم مخالفة الشريعة أو معارضتها: وتحدث المخالفة بأن تؤسس المعاهدة في أصلها أو في تفاصيلها على ما يخالف الشريعة، وهذا قد يأخذ صورا ًمتعددة؛ فمن ذلك: التعاهد على أن يكون التصالح أبدياً؛ لأن التأبيد يتضمن التعاهد على ترك الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو من فرائض الدين الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ولا يمكن أن تقبل الشريعة فكرة أن يتعاقد الناس ويتعاهدوا على تجاوز الأحكام الشرعية؛ فالغاية من الجهاد أمران: الأول: نشر الإسلام في أرض الله، وإزالة تحكم الكفار في خلق الله، وهذا يُعرف بجهاد الطلب. والثاني: الدفاع عن دار الإسلام ضد عدوان المعتدين من الكفار والمشركين وأضرابهم وهذا يُعرف بجهاد الدفع. وقد أتفق أهل العلم على أنه لا يجوز أن تكون المعاهدة أبدية، وهم بعد اتفاقهم على عدم التأبيد على قولين في توقيت المعاهدة: القول الأول: فالجمهور على أن المعاهدة ينبغي أن توقت بوقت، وأطول وقت يمكن اعتباره للمعاهدة هو عشر سنوات، وهي المدة التي صالح عليها رسول الله ﷺ المشركين في مكة، وإن كان هناك من أهل العلم من يجعل المدة مرتبطة بالمصلحة؛ فقد تزيد عن ذلك، وقد تنقص بشرط ألا تكون أبدية. والقول الثاني: بجواز أن تكون المعاهدة مطلقة؛ أي من غير تحديد فترة زمنية تنتهي عندها المعاهدة، بل تكون مطلقة عن قيْد الزمن، وأن من أراد نبذها فله ذلك بعد إعلام الطرف الثاني حتى لا يكون هناك غدر. وبعض أهل العلم يرفضون هذه الصورة من أجل خشيتهم أن يؤدي إطلاق المدة إلى تأبيد المعاهدة، وهذا التعاهد المؤبد يتضمن مفاسد أخرى؛ حيث يستروح المسلمون لتلك المعاهدة المؤبدة، فيقصرون في الاستعداد، حتى يصلوا إلى مستويات متدنية في القوة والتجهيزات، وحينئذ ينقض عليهم العدو الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، وحينئذ لا ينفع الندم، ولا يفيد ما يقوله النادمون: يا ليتنا ويا ليتنا! ونحن هنا لا نتكلم من قبيل الفروض الذهنية، وإنما نتكلم من قِبَل إخبار من هو بكل شيء عليم، ومن يعلم ما تخفي الصدور؛ فقد نبأنا الله من أخبار المشركين والكفار أنهم: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، وأنهم ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، وأنهم: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] ، وعندنا مثال من الواقع القريب؛ فها هي أمريكا قد عَدَتْ على أفغانستان، ثم العراق من بعدها بلا مسوغ حقيقي إلا مسوغ قدرتها على شن الحرب من غير أن يتمكن أحد من الوقوف في وجهها أو معاقبتها، والمتتبع لقضية حرب أمريكا على العراق يتبين له أن أمريكا ظالمة في ذلك إلى أبعد حدود الظلم، ومع ذلك لم يتمكن العالم من منعها من عدوانها، ولا حتى الأمم المتحدة التي زعموا إنشاءها من أجل مثل هذه الأمور، بل رغم اعتراف الأمم المتحدة بعدم شرعية حرب أمريكا على العراق، ومع ذلك يستمر احتلالها للعراق، وعلى ذلك فما كان من المعاهدات يشترط فيه أن تكون معاهدة أبدية دائمة؛ فهذا شرط فاسد لا يجوز، وليس هذا تشوُّفاً إلى الحرب والقتال وحباً له أو رغبة فيه، بل التشوُّف إلى نشر الإسلام؛ لأن هذا أمانة ائتمن الله عليها الصالحين من عباده؛ فهو يقول لهم: بلغوا رسالتي للناس، وأقيموا عليهم الحجة؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولا تقصروا في ذلك وابذلوا جهدكم وقاتلوا من يصد الناس عن الدين، أو من يحكم فيهم بغير ما شرع الله تعالى. كما أن المسلم ليس من أهل الأثرة الذين لا يعتنون إلا بمصلحهم الشخصية فلا يهمهم هلاك العالم وضلالهم إذا كانوا هم من المهتدين، بل هم كما قال الله عنهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، فهم خير الناس للناس، يسعون في هدايتهم ويتحملون ما يصيبهم في سبيل ذلك من أذاهم. قال الشافعي ﵀: «أحب للإمام إذا نزلت بالمسلمين نازلة، وأرجو أن لا ينزلها الله بهم إن شاء الله ـ تعالى ـ مهادنة يكون النظر لهم فيها، ولا يهادن إلا إلى مدة، ولا يجاوز بالمدة مدةً أهل الحديبية كانت النازلة ما كانت، فإن كانت بالمسلمين قوة قاتلوا المشركين بعد انقضاء المدة؛ فإن لم يَقْوَ الإمام فلا بأس أن يجدد مدة مثلها أو دونها، ولا يجاوزها من قِبَل أن القوة للمسلمين والضعف لعدوهم قد يحدث في أقل منها، وإن هادنهم إلى أكثر منها فمنتقضة؛ لأن أصل الفرض قتال المشركين حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية؛ فإن الله أذن بالهدنة؛ فقال ـ تعالى ـ: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤] ، فلما لم يبلغ رسول الله ﷺ بمدة أكثر من مدة الحديبية لم يجز أن يهادن إلا على النظر للمسلمين، ولا تجاوز (قال) : وليس للإمام أن يهادن القوم من المشركين على النظر إلى غير مدة، هدنةً مطلقةً؛ فإن الهدنة المطلقة على الأبد، وهي لا تجوز لما وصفت، ولكن يهادنهم على أن الخيار إليه، حتى إن شاء أن ينبذ إليهم؛ فإن رأى نظراً للمسلمين أن ينبذ فعل» (١) . وقال الماوردي في بيان أن أقصى مدة للهدنة عشر سنوات: «فإن هادنهم أكثر منها بطلت المهادنة فيما زاد عليها» (٢) ، وقال ابن قدامة عن الهدنة: «لا تجوز إلا مقيدة؛ لأن في جوازها مطلقاً تركاً للجهاد» (٣) ، وقال: «ولا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة مقدرة معلومة؛ لما ذكرناه. قال القاضي: وظاهر كلام أحمد، أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين. وهو اختيار أبي بكر، ومذهب الشافعي؛ لأن قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . عامٌّ خص منه مدة العشر لمصالحة النبي ﷺ قريشاً يوم الحديبية عشراً؛ ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم» (١) ، وليس المقصود هنا مناقشة كم المدة الجائزة أو أقصى مدى لها؛ إذ القصد بيان أن الصلح المؤبد لا يصلح؛ لأنه أولاً: يفضي إلى إبطال الجهاد، وهذا فيه تغيير للشريعة، وثانياً: فإن الكفار لا يحافظون عليه، بل سينقضونه؛ لأنهم ليسوا من ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] ، بل ينبغي توقيته بوقت زمني، حتى لا يتعطل الجهاد الذي مضمونه رحمة الله بالعباد في تيسير سبل الهداية لهم، كما قال الله ـ تعالى ـ عن رسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، ومن شروط الهدنة الصحيحة عدم جواز إقرار الكافر على ما غلب عليه من دار الإسلام؛ بحيث يُعترف له بأحقيته في تملك تلك الأرض وفي حكمها بما يخالف حكم الله وشرعه، وإقامة العلاقات المتنوعة معه، وهذا مما لا شك في مخالفته لدين المسلمين؛ فإن أهل العلم من جميع المذاهب قد اتفقت كلمتهم على أن الكفار، إذا نزلوا بدار المسلمين فقد وجب جهادهم، وتعين على أهل هذه البقعة فإذا لم تكن لديهم القدرة على صدهم وإخراجهم من دار الإسلام؛ فإن الوجوب يظل يشمل قطاعات من البلدان المجاورة، حتى تتحقق بهم الكفاية في دفع الكفار، ولو لم تتيسر الكفاية إلا بقيام المسلمين جميعهم بذلك لتعيُّن الجهاد على الأمة بأسرها. قال البابرتي: «إن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع: تخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن المولى، لأنه صار فرض عين» (٢) ، وقال ابن قدامة: «ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع ... الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم» (٣) ، وقال ابن تيمية: «وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا وهو خير مما في المختصرات. لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية؟ كلام أحمد فيه مختلف، وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيراً لا طاقة للمسلمين به، لكن يُخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلِّفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يُخاف عليهم في الدفع حتى يَسْلَمُوا، ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، وتكون المقاتلة أقل من النصف؛ فإن انصرفوا استولوا على الحريم؛ فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب، والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد (برأي) أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا دون (أهل) الدين الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم ولا (برأي) أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا، والرباط أفضل من المقام بمكة إجماعاً» (٤) . فإذا كانت النفوس تبذل في سبيل دفع الكفار عن أرض الإسلام وعن حريمهم وعن عيالهم؛ فلا يمكن أن يُقبل شرعاً صلح على شرط التنازل عن بعض أو جزء من دار الإسلام وتسليمها للكفار والتسليم لهم بحكمها، في مقابل حصول المسلمين على جزء آخر منها، وعلى ذلك فلا يصح مقايضة أرض الإسلام بشيء، فدار الإسلام ليست ملكاً لأحدنا حتى يمكنه التنازل عنها، وإنما هي لله ـ سبحانه ـ وهو يحكم فيها بما شاء، وقد قضى ـ سبحانه ـ أن الأرض للمسلمين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ، والصالحون هم المسلمون، فإذا كانت المصالحة أو المعاهدة ليست على النظر لصالح المسلمين (على النحو الذي تقدم ذكره) أو كان الصلح مؤبداً (ما يعني تعطيل الجهاد) ، أو كان بقبول التنازل عن جزء من دار الإسلام لصالح الكفار، والاعتراف بسلطانهم الدائم عليها وإقامة العلاقات الدائمة معهم (ما يعني الإقرار والقبول بأن تتحول بقعة من دار الإسلام إلى دار كفر) ، فإن ذلك الصلح ليس بصلح مشروع، بل هو تضييع وتفريط، وهذا هو التطبيع المعروض الآن على المسلمين من اليهود الذين اغتصبوا أرض فلسطين، واحتلوها أكثر من نصف قرن من الزمان: أن يسالمهم المسلمون، ويقروهم على ما اغتصبوه من أرض المسلمين، ويعترفوا لهم بأحقيتهم في الاستيلاء عليه وتملكه وحكمه، وأن يقيموا معهم العلاقات المتنوعة: السياسية، والاقتصادية، والثقافية، وأن يزيلوا من مناهجهم الدراسية كل ما يتعارض مع هذا التطبيع، ولا شكك أن هذا من الهوان الذي نُهينا عنه. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] ، ولا يسوغ الاحتجاج على جواز ذلك بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] ، أو بمصالحة الرسول ﷺ لمشركي قريش في صلح الحديبية، أو غيرها من معاهدات الصلح مع أهل الكتاب؛ لأن المنازعة ليست في جواز الصلح عند الاحتياج إليه ووجود دواعيه؛ فإن ذلك مما لا ينازع فيه أحد من أهل العلم المعتبرين، وإنما الكلام في الشروط المرتبطة به والنتائج المترتبة عليه، فلا ينبغي الدعوة إلى المصالحة أو قبولها على خلاف أحكام الشرع؛ لأن ذلك من ظن السوء بالله ـ تعالى ـ وهو من تصرفات أهل الجاهلية والشرك وليس من تصرفات المسلمين الذين يحسنون ظنهم في ربهم ودينهم، وأن الله ناصرهم ومؤيدهم إذا اعتصموا به واتبعوا شريعته، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ، وقال: ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] ، وإذا كان بالمسلمين ضعف فالحل لا يكمن في معصية الله، ومخالفة أمره، والركون إلى الكفار والاعتصام بهم والتودد إليهم والمسارعة فيهم؛ فإن ذلك لا يزيدهم إلا ضعفا على ضعف، وقد عدَّ الله المسارعة في الكفار بزعم الضعف من علامات مرض القلب، فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] . فإذا كان بالمسلمين ضعف فلا يجوز الركون إليه والاستسلام له والتعويل عليه، بل عليهم السعي إلى الأخذ بإزالة أسباب ضعفهم؛ لأن الاستسلام له حكم بالموت على المسلمين في واقع الحياة، والقدرة على التأثير فيها، وسيظل المسلمون رهينة لهذا الضعف، كل يوم يُنتقَص شيء من دينهم، وشيء من أراضيهم وممتلكاتهم، ثم يُسوَّغ ذلك بالحجة نفسها حجة الضعف. والذي يستقيم مع أحكام الشريعة في ظل الظروف التي تحياها الأمة الإسلامية أنه يجوز المصالحة أو المعاهدة على وضع الحرب عشر سنوات أو أكثر أو أقل حسب ما يُرى من تحقيق المصلحة في ذلك، من غير التسليم بأحقية الكفار في الاستيلاء على ما غلبوا عليه من دار الإسلام، ويقوم ولاة أمور المسلمين بالأخذ بأسباب القوة من التمسك بالشريعة الإسلامية وتحكيمها بمعناها الشامل الكامل (لا بمعنى الاقتصار على جزء منها كالعبادات، أو إقامة بعض الحدود) ، ومن العناية بتحصيل أسباب القوة المادية، سواء بالشراء أو التصنيع امتثالاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وتشجيع البحث العلمي، ورصد المكافآت له وإقامة مراكز الأبحاث والعناية بها، وليس ببعيد على المسلمين مع توفيق الله لهم أن يتمكنوا من تحصيل أسباب القوة في فترة عشر سنوات، إذا جدوا واجتهدوا، تمكنهم من استرداد حقوقهم المسلوبة، أو تمكنهم من إقامة صلح من مركز قوة تراعي فيه الشروط الشرعية المتقدمة؛ بدلاً من الهرولة والمسارعة إلى صلح ليس لهم منه إلا الاسم الأجوف، بينما الحقيقة خضوع واستسلام في ظل الهوان.

стр. 5253

عبَطَ يعبِط عَبطاً واعتباطاً.. فهو تطبيع أحمد فهمي «الاعتباط» و «التطبيع» كلمتان تتشابهان في اللفظ، ويبدو أنهما تتحدان في المعنى على الأقل من الناحية السياسية، وعبط بمعنى اعتبط، والعبط في لسان العرب هو: «ذبح البقرة السمينة من غير داء ولا علة سوى الكسر» (١) . نقول ذلك لأنه لا يبدو فرق كبير بين الكلمتين؛ فالذين يتحدثون عن تطبيع العلاقات مع دولة الكيان الصهيوني إنما «يعتبطون» الأمة العربية، ويمهدون لنحرها من الوريد إلى الوريد، والمؤسف أن الإغراءات التي يتضمنها التطبيع مع اليهود لا تكاد تُرى بالعين المجردة، وإنما فقط يمكن رصدها بعقول مجردة عن مصالح أمتها؛ فكل الشواهد والمعطيات تتحدث عن عدو لا يكف قادته السياسيون والدينيون عن بغض العرب. وفي الكتب المدرسية الإسرائيلية يتم وصف العرب بصفات وضيعة، مثل: «بيت الزواحف العربية» و «العرب اللصوص والمختلسون» و «الأنذال المتعطشون للدماء اليهودية» و «العرب البدو المتخلفون» و «العرب عابرو السبيل، وقطاع الطرق» ، ومؤخراً تقرر تدريس سيرة الوزير السابق (رحبعام زئيفي) وهو كاره للعرب، وكان ينادي بترحيل كافة الفلسطينيين، بينما لا تجرؤ دولة عربية على تدريس سيرة (أحمد ياسين) ضمن مناهجها، بل يتبجح اليهود، ويطالبون بتنقية خطب الجمعة من الآيات القرآنية التي تفضحهم. وفي جنوب النقب على مشارف سيناء يتم دفن ٣٢ طناً من النفايات النووية سنوياً دون أن يسأل أحد عن قصد تلويث المياه الجوفية أو التسريب الإشعاعي؛ فالجميع مشغولون بتأمين الصهاينة من تسرب المقاومة عبر الأنفاق. ويبالغ اليهود كثيراً في كشف عداوتهم دون اعتبارات دبلوماسية؛ فقد أُعلن عن تكريم رئيس دولتهم (موشي كاتساف) للخلية الإرهابية التي نفذت عدة تفجيرات في القاهرة عام ١٩٥٤م، ورغم عدم اعتراف الكيان بعلاقته بهم طيلة العقود الماضية؛ فقد اختار هذا التوقيت بالذات لتقديرهم، وإعلان مسؤوليته. وعربياً كان موقف الرئيس التونسي لافتاً؛ إذ سارع بدعوة شارون لحضور مؤتمر لن يُعقد إلا نهاية العام، يعني هو يبحث عن جملة مفيدة يضع فيها شارون لإثبات حالة أمام واشنطن. ومن الشواهد اللافتة إعلان الاستخبارات الإسرائيلية عن توقعها عام ٢٠٠٥م أنه سيكون عام التفاؤل بالنسبة للكيان، وهو خبر خطير في مدلوله؛ إذ يتضمن رهاناً على مواقف العرب المستقبلية، لكن كيف لا يتفاءلون، وهم يرون تهافتاً عربياً عجيباً، ونقلت بعض التقارير أن ٤٠ وفداً إسرائيلياً زار البلدان العربية سراً ما عدا السعودية ولبنان وسوريا. وهناك شاهد آخر لا يقل خطورة، وهو تحذير حكومة شارون لأبي مازن من تنفيذ ١٥حكم إعدام بحق جواسيس فلسطينيين؛ فهذا يعني أولاً: اعترافاً بعمالتهم للاحتلال، وثانياً: ترسيخاً لقاعدة جديدة بأن جواسيس تل أبيب في العالم العربي خطوط حمراء، والحجة الإسرائيلية كانت مثالاً في التبجح السياسي «كيف تُعدِمون أناساً ساعدونا في حربنا ضد الإرهاب؟» . لا شك بعد ذلك في أن دعاة التطبيع أو الاعتباط إنما هم دعاة لذبح الأمة، ويقول ابن منظور في كتابه المرجع: «يُقال: ناقة عبيطة ولحمها عبيط» ؛ فهل ترضى الأمة العربية أن تكون أمة «عبيطة» لأمة «ملعونة» في القرآن؟!

стр. 5254

صفاً! لهزيمة التطبيع.. لا تطبيع الهزيمة د. عبد العزيز كامل على الرغم من مضي أكثر من مائة عام على انطلاق المشروع الصهيوني في مؤتمر بازل بسويسرا عام ١٨٩٧م، واقتراب ما كان يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) من إكمال الستين عاماً، بعد حرب النكبة عام ١٩٤٨م؛ فإن مواقف الكثير من زعماء العرب ونخبهم السياسية والثقافية لا تزال تتخبط في فهم أبعاد هذا الصراع وإدراك أسراره، فضلاً عن الثبات في مواجهته للتغلب على أخطاره، وقد فضحت التطورات الأخيرة ـ وآخرها قمة شرم الشيخ بمصر، والقمة العربية في الجزائر ـ جوانب من هذا التخبط؛ حيث ظهر بعد كل ما مضى من عمر المواجهة، أنها لم تكن يوماً واضحة المعالم أو معروفة الغايات عند غالبية من تصدوا لها وتحدثوا باسمها؛ فالثوابت عندهم تتحول إلى متغيرات، والمقدسات تُجَرَّد من الحِمى والحرمات، وما كان ضاراً صار ضرورياً، وما كان محرماً مجرَّماً أضحى حلالاً أو واجباً في مسلسل جراءة وتهور لا يُعرف منتهاه. ü لاءاتهم.. ولاءاتنا: فبعد أن عشنا دهراً نسمع عن (الإجماع) العربي بلاءاته المشهورة «لا اعتراف.. لا تفاوض.. لا صلح مع الكيان الصهيوني» و ... «لا تفريط في شبر ... في بوصة ... في حبة رمل من الأرض» ، و ... «لا تنازل عن: عودة اللاجئين ... عن إعادة القدس ... عن الانسحاب إلي حدود ١٩٦٧م ... عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة....» ، بعد كل هذا أصبحنا نسمع باسم الواقعية والعقلانية والمصلحة الوطنية والإقليمية عن طروحات وشعارات في شكل لاءات من قبيل: «لا بديل عن السلام كخيار استراتيجي» ... «لا جدوى من المقاومة» ... «لا سبيل إلا مائدة التفاوض» ... «لا حل عن طريق الحرب» ... «لا أوراق إلا بيد أمريكا» ... «لا لعسكرة الانتفاضة» ... «لا فرار من حتمية التطبيع» ... «لا أمل في عمل عربي مشترك» ... «لا مجال أمام الفلسطينيين إلا الاعتماد على جهدهم الذاتي» ... «لا مشروعية إلا للشرعية الدولية» ! وفي المقابل ... نتحدى العلمانيين العرب، أن يكون (العلمانيون) أو المتدينون في دولة اليهود، قد تنازلوا عن (لا) واحدة من لاءاتهم الثابتة منذ قامت تلك الدولة؛ فالإسرائيليون يرفعون لاءاتهم ـ في السر والعلن، وبلسان الحال أو المقال ـ فيقولون: «لا عودة لحدود ١٩٦٧م» ، «لا تفاوض حول القدس بقسميها عاصمة موحدة وأبدية للدولة الإسرائيلية» ، «لا تفكيك للمستوطنات» ، «لا رجوع عن يهودية يهودا والسامرة» أي الضفة الغربية. «لا مجال لإعادة اللاجئين» ، «لا جلوس ولا تفاوض مع مَنْ يحمل السلاح» ، «لا ترسيم للحدود» ، «لا تنازل عن بقاء الدولة خالصة لليهود» ، «لا وزن لما يسمى بالشرعية الدولية إذا تهددت مصالح الدولة اليهودية» ، «لا سماح بدولة فلسطينية إلا منزوعة السلاح مقطعة الأجزاء» ، «لا صلح ... لا تفاوض.... لا تطبيع ... لا اعتراف متبادل، بل لا أمان لزعيم أو نظام إلا بعد التخلي (نهائياً) عن الدخول كطرف في الصراع ضد دولة (إسرائيل) » ! ومع أن اليهود لم يتنازلوا يوماً عن شيء من تلك اللاءات، قولاً أو عملاً، بل حشدوا لأجل حمايتها قواههم الذاتية والمتعدية؛ فإن العرب ـ في ظل العلمانية المتخاذلة ـ ساهموا في حفظ لاءات اليهود من أن يمسها ضعف أو انتقاص؛ حيث عطلوا جُل عوامل القوة في الأمة، وأبطلوا كل سلاح كان يمكن لها أن تستعمله للدفاع عن حقوقها المشروعة ديناً وعرفاً وقانوناً؛ فلا الحروب في نظرهم مجدية ... ولا المقاطعة أو المقاومة مغنية ... ولا الدفاع المشترك أصبح صالحاً.. ولا النفط عاد سلاحاً ... ولا دعم المجاهدين صار مباحاً ... لا سماح بفتح الحدود، بما يهدد أمن اليهود! لا، بل إن الأمر لم يعد تبرعاً بشل قوى الأمة وفلّ أسلحتها، بل تجاوز ذلك إلى (دعم) ... نعم! دعم العدو، في كل مجال يمكن أن يُدعم فيه ... كالتسابق في دعوتهم لحضور المؤتمرات ... وفتح السفارات والقنصليات، ومكاتب تبادل «المصالح» والاستشارات وتعاون الاستخبارات. ووصل الاستهتار بأمر القضية إلى أن تصبح مثاراً للهزء والضحك في اجتماع قمة الدول العربية؛ حيث استمع العرب والعالم معهم إلى «فيلسوف العرب» في حديث هراء مخرَّف يدين فيه أمجاد الجهاد في فلسطين، ويصف أصحابه السابقين واللاحقين بالغباء مرة، وبالإرهارب أخرى، ويتهم من لا يزالون يخلصون للقضية بالجمود وعدم الواقعية التي أصبحت تفرض القبول بدولة (إسراطين) كجماهيرية شعبية اشتراكية ديمقراطية فلسطينية إسرائيلية يهودية عربية عبرية ... عظمى ... ! ذلك ما كان في مؤتمر قمة عربية (عادية) في ظروف غير عادية، لم يتسع الوقت فيها ليستمع العرب إلى ما اتُّخذ من قرارات وتحركات لمواجهة الاستمرار في بناء الجدار الذي وصل إلى عزل مدينة القدس عن محيطها، ليستفرد بها اليهود، ولم يكف وقت المؤتمرين لمناقشة ما سوف يفعلون إذا نفذ المتطرفون اليهود خطتهم المعلنة باقتحام المسجد الأقصى في وقت قريب. ولم تسنح الفرصة لمناقشة كيفية التوحد في المواقف قبل اجتياح سوريا أو استباحة لبنان، وكذا لم يكن هناك وقت لاستصدار قرار بالوقوف مع السودان ضد محنة التقسيم، ولا كانت هناك فرصة لمناقشة استحلال (الفرس) في إيران للعراق، بعد احتلاله من الأمريكان، إنما كان الهاجس الكبير الذي سيطر على الأجواء قبل وبعد الانعقاد هو التوجه نحو التطبيع (الجماعي) بإجماع طبيعي، يتفق عليه الكل، مع فارق (بسيط) في «الاجتهاد» بين من يرون الدخول فيه قبل حل القضية الفلسطينية، ومن يرون عدم إضاعة الوقت، وانتهاز الفرصة عاجلاً، ولو لم تحل القضية. يراد الآن بكل ما هو شاذ و (غير طبيعي) من الوقائع والمتغيرات الحادثة بسبب العدوان اليهودي على العرب والمسلمين، أن يتحول إلى شيء (طبيعي جداً) في ظل هرولة عجلى طائشة، وراء سراب التطبيع المخادع، وليت الأمر سيقتصر على المستويات الرسمية، ولكن المقصود به في الأساس هو الإحاطة بالمحيط الشعبي ليدخل التطبيع بكل سوءاته في جملة مسلَّماته. - فالعَلَم الإسرائيلي الذي لا يزال يحمل بخطيه الأزرقين حدود التوسع الإسرائيلي ـ من النيل إلى الفرات ـ سيكون متعيناً على الأجيال بين النهرين أن تراه مرفرفاً على البلدان والمدن الممتدة بينهما، بل ترى بأعينها رمز قبلة اليهود (النجمة الدالة على الهيكل) تتراقص بينهما فوق بنايات السفارات، ووسط الأعلام والرايات (الشقيقة والصديقة) . - وسوف يتعين على الأجيال أن يكون شيئاً اعتيادياً لديها، أن تسمع معزوفات التحية العسكرية في الاستقبالات الرسمية، تتخللها الانحناءات والتحيات لذلك العلم وما يحمله، وللشخصيات التي تمثله. - وستُطالب الأجيال ـ في ظل ذلك التطبيع ـ ألا تتحرج من وضع كلمة (إسرائيل) بدلاً من (فلسطين) على الخرائط في الكتب والصحف والمجلات وشاشات الفضائيات (١) وغيرها، وسيكون مطلوباً من تلك الأجيال ألا ترى غضاضة وهي تشاهد على الشاشة بعض الساسة وهم يلقون الكلمات الودية تحت قبة الكنيست الإسرائيلية، وهي لا تزال تحمل على واجهتها العبارة التوراتية (لنسلِك أعطي هذه الأرض، من نهر الفرات الكبير إلى نهر النيل) . - وفي ظل التطبيع سيُنكَر على من ينكرون فتح أبواب الفتن الأخلاقية والتحرشات الأمنية والتشوهات المنهجية والتضييق على الأحرار وبخاصة الإسلاميين بقصد خنق الصحوة وتحويلها إلى غفوة بل كبوة، بعدما تبين أن تلك الصحوة هي الشيء الوحيد الباقي في عالم العرب والمسلمين، الذي يملك (الفعل) ولا يكتفي برد الفعل. ليس المطروح في مشاريع التطبيع، أن يكون مجرد (مرحلة) من هدنة يقبل بها العرب والمسلمون اضطراراً بسبب ضعفهم (المؤقت) كما يفهم بعض من يُفتون بجواز التطبيع بعد الصلح مع من يجنح إلى السلم، ولكن المطروح أن يكون هذا التطبيع ذا أثر جذري في تغيير العقليات والنفسيات، حتى تقتنع بعد عجزها وكسرها؛ بتفوق العدو واستحالة قهره مع حسن الظن في «تحسن» خلقه واستمالة قلبه من أجل سلام (دائم وشامل) . وهنا أمر هام ينبغي التنبه له عند النظر في الفتاوى والأحكام المتعلقة بمعاهدات الصلح واتفاقيات التطبيع، وهو أن هناك فرقاً جوهرياً، بين أحكام الهدنة والصلح التي تحدَّث عنها الفقهاء والتي يمكن أن يضطر إليها المسلمون مع بقاء الأعداء أعداء، والأولياء أولياء، ومع احتفاظ المسلمين بحقهم في الأخذ بأسباب القوة وحرية الاختيار، والاحتفاظ بالخصائص والثوابت والحقوق؛ وبين هذا المصطلح الغريب الجريء الشاذ البشع الذي لم يقره شرع ولم يعرفه عُرف طوال تاريخ هذه الأمة، وهو مصطلح (التطبيع) مع العدو المغتصب مع بقاء عداوته واستمرار اغتصابه. إن تسويغ ذلك التوجه باسم الدين أو حتى المصلحة، أمر لا يقول به إلا أخرق أحمق أعمى البصيرة، متفلت العقل والعقال؛ فإذا كان التطبيع المطروح تعميمه يرمي في جملته إلى نزع العداء (من جانب واحد) ؛ فإنه يستلزم بداهة نزع السلاح قبل نزع العداء، وخسئ من ادعى أن الله يرضى لنا أن نكون أمة منزوعة السلاح. من بدهيات الإيمان والأحكام أن تطبيع العلاقة (بمعنى الموالاة والمودة والمحبة وتبادل النصح والنصرة) لا تكون إلا بين المؤمنين؛ فالتطبيع بهذا المعنى مع المؤمنين إيمان، ومع المنافقين نفاق، ومع الظالمين ظلم، ومع الفجار فجور، ومع الكفار كفر ... والتطبيع بالمعنى الذي سترد تفاصيله، والذي يجري تفعيله هو في حقيقته ولاية، والولاية لا تجوز إلا لمسلم. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ١ - ٢] . ü عندما يغلب الطبع التطبع ... والتطبيع: باعتبار أن اليهود هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا؛ فإن العلاقة معهم ـ كأعداء ـ لا يمكن أن تستوي مع بقية الأعداء، وبخاصة أنهم يجمعون بين طباع الضباع والسباع في خستها ودناءتها، وقسوتها، وهو ما يجعل استقامتهم مستحيلة في التعامل مع البشر؛ فهكذا خُلقوا، وهكذا وُصفوا، وهكذا سيظلون إلى يوم القيامة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٥٥] ، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] ، ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ * وَإذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٠ - ٦٤] ؛ فهذه أخلاقهم وبخاصة مع المسلمين كما قال ـ تعالى ـ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] . لماذا يطبّعون إذن ما دامت هذه طباعهم..؟ يمكن إرجاع ذلك إلى ما يلي: - الاستراتيجية اليهودية تقوم على التوسع والسيطرة، بالسلم أو بالحرب، ولما كانت الحرب غير قابلة للاستمرار على الدوام ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ، فكان لا بد من صور أخرى لحرب صامتة وساكنة إلى جانب نمط الحرب الصارخة والساخنة، بحيث يظلون في حالة استنفار دائم، يمكِّنهم من إرباك وإنهاك الخصوم، مرة بالقتال في الساحات، ومرات بالمراوغة وإضاعة الأوقات في المباحثات والمفاوضات. - أن الأفعى اليهودية التي تقضم في غضون كل عقد زمني (منذ حرب ١٩٤٨م) قضمة من أراضي المسلمين، تحتاج إلى هضمها بعد قضمها، في فترة من الهدنة أو (الاستراحة) التي تكفي لارتخاء القبضة، وترهل القوة عند (الأغيار) وما يسمح بوقت كافٍ للتجهيز لمرحلة جديدة، يفاجئون بها العرب من جديد، ويقلبون في وجوههم طاولات المفاوضات ـ كما حدث عام ٢٠٠٠م ـ وينكثون ما سبق أن أبرموا من عهود وعقود: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] . - نظرية (الحدود الآمنة) التي طرحها (شيمون بيريز) الزعيم الإسرائيلي المبشر بالسلام النووي، في خطته «السلمية» التي عرفت بـ (الشرق أوسطية) تتلخص فكرتها في ضرورة صهر شعوب المنطقة في هوية جديدة، هي الانتماء إلى الشرق الأوسط بدلاً من الإسلام أو العروبة، فلا يكون الانتماء فيها للديانة أو العرق، بل للمنطقة، حتى يصبح اليهود جزءاً من نسيجها الظاهر، مع احتفاظهم الباطن بكل خصوصياتهم، وحرصهم في الوقت نفسه على تمييع خصوصيات من حولهم، حيث يكون هذا التمييع هو جوهر التطبيع. - إذا كانت الحروب الساخنة هي أقصر الطرق للسيطرة على الأرض؛ فإن الحروب الساكنة هي أضمن الطرق للهيمنة والاستحواذ على ما فوق هذه الأرض، والتطبيع ـ على النمط الإسرائيلي ـ هو الوسيلة المثلى في ذلك؛ لأنه يقرِّب من القدرة على الاختراق في الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والإعلامية والأمنية. - اليهود رغم شدة بطشهم عند القدرة، هم قوم جبناء، يسكنهم الرعب الدائم والذعر المزمن الذي ينتاب السرَّاق والمجرمين المطاردين، والتطبيع هو طريقهم الوحيد للتخلص من هذا الكابوس، عندما يوقِّع لهم زعماء المنطقة تباعاً أنهم لن يحاربوهم وإنما سيحاربون من يحاربهم، ولهذا فإن البنود الأمنية هي أهم بنود كل الاتفاقيات السابقة للتطبيع، وأهم موضوعات المفاوضة والمقايضة في السنوات الأخيرة حتى كادت القضية كلها أن تكون قضية أمنية، لا تتباحث بشأنها إلا أجهزة المخابرات. - مجموعة المفاهيم الإسلامية التي تدفع إلى استمرار روح المدافعة لدى العرب والمسلمين، مثل حب الجهاد والرغبة في الاستشهاد، وافتداء الدين والأرض والعرض.. كل ذلك يؤرق أحلام اليهود، ولا بديل عندهم من محاولة خلخلة تلك المفاهيم، مع السعي لإزالة ما ترسخ في الوجدان العربي والإسلامي من اعتبار اليهود أشد الأعداء، الذين يهددون أقدس المقدسات ويتجاوزون كل المحرمات. - والعدو دائماً يحتاج إلى آلية، لتوظيف قطار المنافقين بين صفوف المسلمين، واستثمار نشاط المفسدين والجواسيس والخونة، على أيدي عناصر الاختراق التابعة له أو المتعاونة معه، ولا آلية أنسب لذلك من التطبيع. - وإذا كان تقسيم البلدان العربية المحيطة بإسرائيل هدفاً يطول وقت الوصول إليه، فلا أقل من التعجيل بتقسيم مواقف تلك البلدان، وتجزئة جبهاتها، بحيث ينفرد العدو بكل طرف في مسار منفرد، ودهاليز خاصة، محجوب بعضها عن بعض بأسوار من الجدار العازل للثقة، والحاجب للبصيرة، ولهذا تكررت مهازل (الصلح المنفرد) فانفردت السياسة المصرية بعد كامب ديفيد، ثم انفردت منظمة التحرير للوصول إلى أوسلو، وانفردت الأردن لإبرام (وادي عربة) ، ثم اشترط الإسرائيليون على السوريين واللبنانيين أن يدخلوا في مسارات منفردة. - ولعل من أخطر أهداف التطبيع ـ إضافة إلى ما سبق ـ حرص اليهود على إلجاء العناصر الفاعلة في الأمة ـ وعلى رأسهم الإسلاميون ـ إلى التسليم بالعجز، والاقتناع بالانصراف إلى معارك أخرى غير المعركة الكبرى، التي شرع الجميع ـ إلا من رحم الله ـ يتسللون عنها لِواذاً. لكل هذا وغيره كان التنويع بين الحرب والتطبيع لدى اليهود حلماً فخاطراً فاحتمالاً، ثم أضحى حقيقة لا خيالاً، وقد تنوعت أشكال هذا التطبيع، وتعددت من ثَمَّ مخاطره، وأخذت ألواناً سياسية ودبلوماسية واقتصادية وثقافية وتعليمية وإعلامية وأيضاً ... أمنية. ü وأخطرها: التطبيع السياسي والدبلوماسي: وهو أخطرها لأنه البوابة الرئيسة التي تلج منها بقية الأنواع؛ فعندما يمارس الكبراء والزعماء التطبيع تحت سمع الميكروفونات وبصر الكاميرات، فإنهم بذلك يقصون شريط الافتتاح أو يطلقون رصاصة البدء، وعندها تغدو العقول مشدودة مشدوهة لفهم ما يجري، ثم يتتابع انفراط العقد المنظوم؛ حيث لا تكتفي الحكومات بأن يقتصر التطبيع عليها، فينحصر العار فيها، بل هي تستخدم كل قواها لتصوير التطبيع على أنه (إرادة الأمة) و (مطلب الشعب) و (مصير الجماهير) ! وأن معارضيه مجرد «زمرة» غير مسؤولة، أو «شرذمة» ذات عقلية غير ناضجة، وتبدأ حملات التعاون الإعلامي والأمني لإثبات أن القرار التاريخي ـ للزعيم ـ هو الخيار الاستراتيجي للأمة، وأن هذا القرار هو رأس الحكمة، وعين الصواب، والفراسة التي سبقت عصرها! إزالة الحواجز ـ بالتطبيع ـ تبدأ أولاً على مستوى السياسيين والدبلوماسيين؛ فالتطبيع السياسي يبدأ باتصالات سرية، ثم مصافحات خجولة علنية، ثم لقاءات وجلسات تعقبها مباحثات لإبرام المعاهدات الشاملة لبقية أنواع التطبيع، والبداية دائماً على يد وسطاء مشبوهين، يجمعون بين رأسين في (الحرام السياسي) . تفيض مذكرات واعترافات من شاركوا في مثل هذه المفاوضات، أن البداية المتعمدة دائماً في اللقاءات، كانت تقصد إلى ما يسمى: (إزالة الحواجز النفسية) أو قل رفع الحياء بين المسؤولين من الطرفين، حيث يجلسون سوياً على «مائدة عمل» يتبادلون خلالها الطعام، والكلام والابتسام، وربما النكات و (القفشات) ، وسط أنخاب (الصداقة) الجديدة الجريئة التي تزيح الرواسب و (العقد) وتريح النفوس من هواجس العداوات (المصطنعة) والأحقاد (التاريخية) التي عفى عليها الزمن! ولا بأس بعد ذلك من مسامرات وسهرات وزيارات وجلسات ـ ربما تكون عائلية ـ مع شيء من المباريات الرياضية، والحفلات الفنية ... حتى يتروض المتفاوضون السياسيون (نفسياً) على وضع طبيعي، أو تطبيعي، يجعل كلاً منهما (يتفهم) الآخر، ويكون أكثر (ليناً) وأكبر (عقلاً) وأقدر على (العطاء!) (١) . ولا غرابة بعد هذا أن تجد هذا السياسي العربي «المكافح والمناضل» ، وقد تذلل لسانه بعبارات من قبيل (حق اليهود في الوجود) ، (إسرائيل وُجدت لتبقى) ، (حتمية الخيار السلمي) ، (عقلانية القبول بالواقع) و (ضرورة الاعتراف بالآخر) ... مع أن هذا «المهذب» سرعان ما يتحول إلى مخلوق آخر، إذا كان هذا (الآخر) المطلوب الاعتراف به هو الشعب نفسه الذي يعلن معارضته، أو يكون هذا (الواقع) المراد القبول به هو الضرر الذي يتأكد حصوله. ü التطبيع الاقتصادي ... استراتيجية التسميم: يعتمدون على دعوى أن العرب استنزفوا مواردهم الاقتصادية في النفقات العسكرية خلال حروبهم (الخاسرة) ضد «إسرائيل» ، ولو أنهم استخدموا هذه الطاقات في بناء مجتمعاتهم، لوفروا للشعوب الرفاه والاستقرار والأمن، ودعم المنظمات الدولية السياسية الاقتصادية! كلام يقال لاستثارة غرائز الجشع والأنانية، التي تُجبَل عليها النفس الإنسانية عند ضعف الإيمان، حيث يلهج الأفراد والمجتمعات بعد الفتنة بهذا الدجل، بشعار من وحي الشيطان يقول: (أنا ... ومن بعدي الطوفان) ! ومع خسة هذا الشعار ودناءته؛ فإن مردديه (الواقعيين) يتعامون عن عدم واقعيتهم؛ فمصر ـ مثلاً ـ التي تخلت عن نهج المواجهة وتكاليف (المجهود الحربي) منذ ربع قرن؛ لم يتحسن أداؤها الاقتصادي ولا مستواها المعيشي، بل الجميع يعرف أن الشريحة الأوسع من الشعب المصري، وهي الطبقة المتوسطة اقتصادياً، كادت تختفي ليبرز في الصورة شريحتان هما: الطبقة الفقيرة المعدمة، والطبقة الغنية المتخمة، وهو ما يعكس واقع الأزمات الاقتصادية المتتابعة التي أوصلت معدل البطالة إلى ١٠.٥% وإجمالي الديون الخارجية إلى حوالي ٣٠ مليار دولار، والديون الداخلية إلى نحو ٣٠٠ مليار جنيه، حتى أصبح نصيب كل فرد من الشعب في الديون ٦٦٠٠ جنيه بما أوصل نسبة الفقر إلى ٥٥%، بحسب التقديرات الدولية لحد الفقر، و٢٥% بحسب التقديرات المصرية بعد أن كان مبرمو اتفاقية كامب ديفيد قد وعدوا الشعب بالرفاه والرخاء طبقاً لمشروع (مارشال) الذي وعدت به أمريكا، وظروف كل من الأردن وفلسطين ـ في ظل اتفاقات السلام، ليست أفضل من هذا؛ فالشعب الفلسطيني في ظل (أوسلو) لم يزدد إلا معاناة وعوزاً، بالرغم من أن الوعود كانت تأتيه بتحويل أراضي السلطة إلى سويسرا الشرق! ولقناعة الأمريكيين بأن سياسات التطبيع الاقتصادي ـ في ظل الجشع الإسرائيلي ـ ستؤدي إلى نتائج محرجة؛ فقد تعهدوا مبكراً بتقديم «مساعدات» ، مالية، هي في حقيقتها مقايضات سياسية، لتجميل قبح المقايضة من ناحية، ولتطويل عمر الصفقة من جهة أخرى، حيث إن قبح المقايضة مخيف، وثمنها فادح، فعلى المصريين في مقابل تقاضي ٢ مليار دولار سنوياً، أن يظلوا «متمسكين» بالتخلي عن فلسطين وما قد يلحق بها، فلا يمدون يداً للمساعدة إلا على المستوى الدبلوماسي والسياسي و ... الأمني! إضافة إلى أن ما يأخذه المصريون باليد اليمنى، تسرقه (إسرائيل) باليد اليسرى، على شكل تسهيلات وضمانات واحتكارات اقتصادية، لعل أخطرها وأقذرها احتكار بترول سيناء؛ حيث تحتكر (إسرائيل) بمقتضى كامب ديفيد ٨٠% من وارداته ولمدة ٥٠ سنة منها، وبثلث السعر العالمي، وهو المادة التي لا يمكن بدونها تشغيل الطائرات ولا الدبابات ولا الغواصات، بل ولا المحطات النووية الإسرائيلية. ومن جانب آخر فإن ما يتقاضاه المصريون مقابل الالتزام بأن تكون حرب أكتوبر ١٩٧٣م هي آخر الحروب مع إسرائيل، تتقاضى (إسرائيل) أكثر منه دون أن تلتزم بأن تكون أي حرب هي آخر الحروب مع العرب؛ فهي تتقاضى أيضاً ٣ مليارات دولار سنوياً، مكافأة على «التزامها» بعدم العدوان العسكري على مصر (فقط) . في حين أنها تتقاضى لتوسيع العدوان على بقية جيرانها وجيران جيرانها ما لا يقل عن عشرات المليارات، فبين عامي ١٩٧٦م وحتى عام ٢٠٠٠م بلغت المنح الأمريكية للدولة اليهودية أكثر من ٩٠ مليار دولار، هذا بخلاف القروض المسهلة والمؤجلة والملغاة السداد. وبمناسبة اتفاقية كامب ديفيد (السياسية) المنعقدة عام ١٩٧٩م، فهناك «كامب ديفيد» أخرى اقتصادية، أبرمت بين مصر وإسرائيل في (عام الذبح) الفلسطيني ٢٠٠٤م، وهي اتفاقية (الكويز) التي تعني اختصاراً: (المناطق الاقتصادية المؤهلة) ، وهذه الاتفاقية تعد اختراقاً إسرائيلياً جديداً، للاقتصاد العربي ـ بإخراج أمريكي ـ عبر البوابة المصرية، وهي تهدف إلى تحقيق الغاية التي عجزت عنها سياسات التطبيع في معاهدات السنوات الماضية، وهي: إدماج (إسرائيل) في المحيط العربي الشعبي الرافض لها. وتعد هذه الاتفاقية هي باكورة إنتاج مشروع (الشرق الأوسط الكبير) أو (الشرق الأوسع) الذي أطلقه جورج بوش، وهي تطبيق لبعض أفكار شيمون بيريز في مشروعه (الشرق الأوسط الجديد) الذي صدر في كتاب له بنفس الاسم عندما كان رئيساً للوزارة الإسرائيلية، وهنا تلاقت أفكار الهيمنة والصهينة الأمريكية الإسرائيلية، الهادفة في النهاية إلى تفكيك المنطقة العربية ثم إعادة تركيبها وفقاً للمصالح اليهودية والصليبية، وقد وقع الاختيار على مصر في (كامب ديفيد الاقتصادية) كما وقع الاختيار عليها في كامب ديفيد السياسية لتكون البداية منها باعتبارها (الشقيقة الكبرى) التي «تقلدها» أخواتها الأخريات ولو بعد فترة من المعاكسات والمشاكسات. الاتفاقية ظاهرها تأهيل الصناعات المصرية (وبخاصة صناعة النسيج) لتكون قادرة على المنافسة مع السوق الأمريكي، ولكن هذا التأهيل ـ ولاحظ الخبث ـ يحتاج إلى أن يكون داخل هذه الصناعة مكوِّن إسرائيلي بنسبة ١١.٧% ومكوّن أمريكي بنسبة ١٥%، وهو ما يعني أن تكون لهم شراكة مباشرة في صناعة النسيج المصري كبداية، حيث ستكون تلك الاتفاقية بداية لاتفاقيات شبيهة في صناعات أخرى؛ ووفقاً لهذه الاتفاقية ستدخل (إسرائيل) كعنصر أساس من عناصر تشغيل العديد من المصانع المصرية حيث سيستجيب الكثيرون بدوافع مختلفة؛ فأي دعوة مهما كانت شيطانية وإجرامية، ستجد من يستجيب لها، ثم يبحث عن مسوغاتها، وقد كشف رئيس اتحاد الصناعات الإسرائيلي في بداية شهر مارس ٢٠٠٥م، أن أكثر من ٤٠٠ مصنع مصري في مجالات الأنسجة والمعادن والجلود والأغذية قدمت طلبات لإقامة خطوط إنتاج مشتركة مع مصانع إسرائيلية في منطقة التجارة المصرية الإسرائيلية المشتركة، وقال المسؤول الإسرائيلي إنه من المتوقع أن ينمو حجم التصدير الإسرائيلي إلى مصر ليبلغ ١٠٠ مليون دولار سنوياً، وأنه سوف يتضاعف ليصل إلي مبلغ ٢٠٠ مليون بعد أربع سنوات، وكثير من الدول العربية مرشحة للحاق بهذا الركب، وهو أمر لم يعد غريباً بعد أن بلغت قيمة التعامل الاقتصادي السري والعلني بين (إسرائيل) وبعض الدول العربية ما قيمته ١٩٤ مليون دولار، رغم قرارات المقاطعة العربية، وهو ما يعني أن هذه الاتفاقية ستكون بداية للقضاء على ما كان يسمى بـ (استراتيجية المقاطعة العربية) مثلما قضت اتفاقية كامب ديفيد على ما كان يسمى بـ (استراتيجية الدفاع العربي المشترك) ، وهو ما يقدم خدمة مجانية لدولة اليهود، ترفع عن كاهلها كابوس المقاطعة التي كبدتها بين عامي ١٩٤٨م إلى ٢٠٠٤م، ما يقرب من مائة مليار دولار. والخدمة الأكبر التي تقدمها هذه الاتفاقية لـ (إسرائيل) هي أنها ستدعو بقية الدول إلى الاستعلان بالتطبيع بعد أن كانت تستخفي به، وهو ما أعلنه (إيهود ألمرت) وزير التجارة الإسرائيلي بعد توقيع الاتفاقية. ومن الطبيعي أن تستهدف (إسرائيل) إضافة إلى ترويج سلعها في السوق العربية بهذه الاتفاقية؛ تحطيم البدائل الوطنية، حتى لا يجد المنادون بتلك البدائل عن المنتجات الأمريكية والإسرائيلية ما يشجعهم على الاستمرار في دعوات المقاطعة، إضافة إلى ما ينتظر من انسحاب الدول المنضمة إلى اتفاقية الكويز من اتفاقية المقاطعة العربية لـ (إسرائيل) ، مثلما فعلت الأردن التي أعلنت انسحابها بعد التوقيع على الاتفاقية نفسها قبل مصر، ويذكر هنا أن اتفاقية الكويز أو (الكامبويز) لا تقتصر على التطبيع الاقتصادي، بل تتوسع إلى ما تبقى من مساحات لم يملأها التطبيع السياسي والثقافي. والعجيب أنها جاءت بعد أربع سنوات من الإذلال السياسي للعرب جميعاً مشخصاً في الفلسطينيين؛ حيث لم يستطع العرب أن يفعلوا شيئاً لشعب ظل هدفاً للرماية المسعورة في عملية اجتياح مجنونة، ختمت بقتل ثلاثة من الرموز التي بقيت غصة في حلوق الإسرائيليين وهم: الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والرئيس ياسر عرفات، وجاءت بعد ثلاثة استباحات لساحات عربية وإسلامية، وهي فلسطين وأفغانستان والعراق، وجاءت بالتزامن مع برهنة (إسرائيل) على «احترامها» لكامب ديفيد السياسية، بإطلاق نيران دبابة إسرائيلية عمداً لقتل ثلاثة جنود مصريين في رفح داخل الحدود المصرية. ü التطبيع الثقافي واقتحام المحرمات: قد يقلل بعضهم من خطر التطبيع الثقافي وعدم جدواه في المنظور القريب، نظراً لمستوى الطموح الجامح الذي يتطلع إليه الإسرائيليون من خلال تطبيق أفكار ذلك التطبيع، وهذا صحيح إذا نظرنا لفردية التحرك الإسرائيلي في هذا الجانب، ولكن الهجمة الأمريكية الأخيرة التي أصبحت رديفاً للمخططات الإسرائيلية في كل مجالاتها، أعطت هذا الأمر بُعداً أخطر؛ حيث أفصحت تفاصيل تلك الهجمة عن استهداف صريح للخصوصيات الثقافية للأمة باسم الحرب علي الإرهاب، وهي الحرب التي تتضمن في جانب كبير منها ما أسموه (التصدي لثقافة الإرهاب) ! وهذه الثقافة (الإرهابية) كما يزعمون، لا تعني في الحقيقة إلا التوجهات الداعية للرجوع بالأمة إلى ثوابتها المأخوذة من منهج السلف، ولهذا فإن (التوجه المنهجي السلفي) يأتي الآن في مقدمة التوجهات التي تستهدفها الحملة الأمريكية، مرة بذريعة (التشدد الحنبلي) وتارة تحت وصف (التطرف الوهابي) ومرات أخرى باسم (الأصولية الإسلامية) . فالحملة ليست قاصرة على محاربة العنف فقط، ولهذا فإن المتوقع هو أن تركز حملات التطبيع الثقافي في الحاضر والمستقبل القريب على محاربة مرتكزات التوجه المنهجي السلفي، بوجه عام لأنه يعكس هوية الأمة، إضافة إلى أنه أصبح خط الدفاع الأول عن ثوابتها، والرافد الأساس لما يمكن أن يسمى بـ (ثقافة المقاومة) في كل المجالات والساحات المستباحة في العالم الإسلامي، حيث أصبح (أهل السنة) ، هم الفصيل الوحيد الفاعل في مواجهة الهجمة الصهيونية المشتركة بين أمريكا وإسرائيل وحلفائهما. يدل على ذلك دلالة لا تقبل الشك، ما تضمنه مشروع (الإسلام المدني الديمقراطي) الهادف في جوهره إلى إلجاء المنهج السني السلفي إلى أضيق الطرق، لإفساح المجال للبديل (الروحي) للشعوب، ممثلاً في التصوف والتشيع و (الاستنارة) ! والعجيب هنا، أن الأمريكيين الذين لا أصل لهم ولا تاريخ، يطالبوننا ـ لصالح اليهود ـ بالتخلي عن أصولنا الأصيلة اللاصقة بهويتنا وحضارتنا، والأعجب منه: أنهم يتجاوزون في الوقت نفسه عن تنامي المد (الأصولي) اليهودي في (إسرائيل) ؛ حيث تقوم دعائم هذا الكيان على منهجية ثقافية عقائدية عنصرية تعود إلى ما قبل ألفي عام، ولا تجد من يطالبها بتغيير المناهج ولا تعديل الأفكار ولا الاقتراب من قيم التسامح والعدالة وقبول الآخر، ثم إنك تعجب ـ مرة ثالثة ـ من التطبيعيين العرب الذين لا يستحي أجلافهم من المطالبة بـ (نسيان الماضي) في تراثنا، ويلمزون هذا التراث بجملته بـ (الماضوية) و (الظلامية) في حين أنهم يتعامون عن تشبث أصدقائهم الطبيعيين من الإسرائيليين بإحياء مورثاتهم الثقافية المثبتة لدعواهم التي يطلقون عليها: (الحق التاريخي) ، وهذا (الإحياء) يتضمن إعادة الاعتبار لكل ما هو عبري يهودي، ونزعه من كل ما هو عربي إسلامي، كنزع اسم فلسطين ليوضع مكانها (إسرائيل) ونزع اسم (القدس) ليوضع (أورشليم) ووضع اسم (يهودا والسامرة) بدلاً من الضفة الغربية لنهر الأردن، وإعادة تسمية المدن والقرى والآثار بأسماء عبرية. وحتى المساجد والمعابد التاريخية يجري التغيير في اسمها ورسمها لمحو رمزيتها الثقافية والحضارية، فيتحول (المسجد الأقصى) إلى (جبل الهيكل) بكل ما يعنيه ذلك من توجهات خطيرة تهدف إلى تنفيذ أكبر عملية سطو حضاري يتطلع إليه الإسرائيليون، لتغيب هذه الرمزية الثقافية والدينية الأكبر التي تربط العرب والمسلمين بفلسطين، وذلك من خلال ذلك المشروع الشيطاني المعاند لمسيرة التاريخ، والمتعلق بمخطط هدم المسجد الأقصى لبناء (الهيكل الثالث) مكانه؛ حيث يراد أن يقام هذا البناء العبري ليزيل التاريخ العربي الإسلامي بأكمله عن فلسطين، حتى تنشأ أجيال تقول: كان هنا فلسطين ... كانت هنا القدس! كان هنا الأقصى، مثلما نقول نحن الآن ونحن ننظر إلى خريطة جنوب غرب أوروبا ونقول: كانت هنا الأندلس.. كانت هنا إشبيلية.. كانت هنا غرناطة ... كانت هناك دولة خلافة أموية ... قبل الخلافة العثمانية، التي (كانت) في جنوب شرق أوروبا! كل يوم يمر، يثبت لأعداء الأمة أن الإسلام هو سر ما تبقى من قوتها، بما تبقى من التمسك به؛ ولهذا فإن المعركة بمرور الأيام تتمحض مع ما يمثله هذا الإسلام من منهاج وثقافة ورموز وأتباع. يقول الكاتب الإسرائيلي (ألوف هارايفين) : «هناك عقبات صعبة أمام التطبيع، وأهمها الموقف الثقافي والعقائدي للإسلام والعروبة تجاه (إسرائيل) واليهود، والحل يستدعي الاعتماد والارتكاز على ضرورة وجود برامج مركزة في المجال التعليمي والثقافي، بهدف تفتيت الملامح السلبية للموقف تجاه الآخر، وأحد الأسس الحيوية لبرنامج كهذا هو الرصد الشامل والتغيير العميق لبرامج ومناهج التعليم» . إن هذه المهمات التي يراها أعداؤنا (عقبات صعبة) يتبرع التطبيعيون بتسهيلها وتذليلها في معاهدات رسمية، تتحول مع الوقت إلى جزء من النظام العربي و (الشرعية الدولية) . ومثلما نصت معاهدة كامب ديفيد على رعاية الجانب الثقافي في التطبيع؛ فقد جاءت اتفاقية (وادي عربة) على الطبيعة نفسها، بل زادت في التفصيل، حيث نصت في المادة العاشرة على أوجه من التطبيع الثقافي، فقالت: - «انطلاقاً من رغبة الطرفين في إزالة كافة حالات التمييز التي تراكمت عبر فترات الصراع؛ فإنهما يعترفان بضرورة التبادل الثقافي والعلمي في كافة الحقول، ويتفقان على إقامة علاقات ثقافية طبيعية بينهما» . - وجاء في المادة الحادية عشرة: «يسعى الطرفان إلى تعزيز التفاهم المتبادل فيما بينهما والتسامح القائم على ما لديهما من القيم «التاريخية» المشتركة، وبموجب ذلك فإنهما يتعهدان بما يلي: أ - الامتناع عن القيام ببث الدعايات المعادية القائمة على التعصب والتمييز، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية والإدارية الممكنة التي من شأنها منع انتشار مثل هذه الدعايات؛ وذلك من قِبَل أي تنظيم أو فرد موجود في المناطق التابعة لأي منها. ب - القيام بأسرع وقت ممكن بإلغاء كافة ما من شأنه الإشارة إلى الجوانب المعادية، وتلك التي تعكس التعصب والتمييز، والعبادرات العدائية في نصوص «التشريعات» الخاصة بكل منهما. ج - أن يمتنعا عن مثل هذه الإشارات أو التعبيرات في كافة المطبوعات الحكومية. ü التطبيع الاجتماعي ... قاع الضياع: فالضياع في هذا المجال من التطبيع، هو هدف بحد ذاته؛ حيث لا يطمع الإسرائيليون ـ وقد لا يريدون ـ أن تذوب الحواجز الاجتماعية بينهم وبين (الجوييم) أو (العامة) أو (الكوفريم) ـ يعني الأغيار الكفار ـ ولكن لما كان من دأب اليهود على مر التاريخ أن يستخدموا سلاح (الفساد الأخلاقي) ضد (الغرباء) ؛ فقد كان متوقعاً منهم ـ إذا فتحت لهم الأبواب ـ أن يسارعوا إلى إغراق الأجواء العربية الاجتماعية بكل ألوان الإفساد، وبخاصة الإفساد الموجه لشريحة الشباب، وتشهد المناطق التي فتحت السياحة فيها للإسرائيليين كيف أن اليهود استغلوا هذا الجانب في دفع الشباب إلى أوجه متعددة من الانحراف الذي قد يصل إلى حد التجنيد للعمالة أو الجاسوسية أو القوادة، وقد سهلت تشريعات التطبيع هذه المهمة بالسماح باقتران اليهوديات المشبوهات من شباب العرب والمسلمين؛ حيث وصل عدد الزيجات المختلطة ـ على الجانب المصري في ظل كامب ديفيد ـ إلى واحد وعشرين ألف حالة..! هذا عدا عما يمكن أن يقام من علاقات ـ خارج القانون ـ بسبب الانفتاح السياحي الإباحي في المنتجعات والشواطئ والملاهي. - ولم يخلُ الأمر من إفساد الأجواء الصحية إلى جانب إفساد الأجواء الأخلاقية؛ فهناك موجة من انتشار الأمراض الناشئة عن الانحلال الخلفي والممارسات المحرمة، إلى جانب إغراق الأسواق بأشكال وأنواع من المخدرات التي أصبحت في متناول الفقراء قبل الأغنياء، في ظاهرة لم يعرفها الشعب في مصر إلا بعد تمكين اليهود من ممارسة مهمتهم (الطبيعية) في إفساد الأجيال، كما دلت عليها بروتوكولاتهم المعاصرة التي تبرمج لتطبيق معتقداتهم وتصوراتهم القديمة في طرق إخضاع الأعداء. ومن ضمن ما يستهدفه اليهود من وراء التطبيع الاجتماعي، أن يجدوا مدخلاً إلى وضع حد لظاهرة (الانفجار السكاني) كما تطلق عليه وسائل الإعلام العربية نفسها؛ حيث يعتقد الإسرائيليون أن هذا التوسع السكاني هو القنبلة الموقوتة التي تهدد وجودهم برمته ـ وبخاصة في فلسطين ـ التي بارك الله في نسلها كما بارك في أرضها، فيعمد الإسرائيليون إلى فعل ما يستطيعون لتقليل هذا النسل، إما بالترويج لوسائل تحديد النسل ـ من خلال عملائهم التطبيعيين ـ أو من خلال وسائل نشر أمراض التناسل، أو إيقافه بوسائل من التعقيم المباشر ـ بإشراف أوساط طبية مشبوهة، أو أدوية مانعة مغشوشة. وقد وصل الأمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة ـ كما يقول (عبد العزيز شاهين) وزير الصحة الفلسطيني السابق، إلى حد ترويج أنواع من علكة اللبان، التي تؤدي إلى العقم، حيث اكتشفتها السلطات الفلسطينية وصادرت منها ـ كما يقول الوزير ـ نحو عشرين طناً! ü هراوات لا تخيف الأمة ... وهرولات لا تُلزمها: من مفارقات زمن الوهن الذي نعيشه، أن الهرولة العربية كانت تسوقها دائماً هراوة أمريكية في كل مرة تسارع فيها الأنظمة صوب عدوها، وقد اقترن التطبيع باسم أمريكا في كل مراحله السابقة بدءاً من كامب ديفيد الأولى وحتى شرم الشيخ الأخيرة، فقد درجت الولايات المتحدة على أنها كلما صُفع العرب صفعة حرب، أتبعتها بصفقة سلام حقيقته استسلام، هكذا فعلت بعد حرب أكتوبر والثغرة وفك الارتباط (كامب ديفيد) وبعد حرب لبنان (اتفاق ١٧ مايو) وبعد حرب الخليج الثانية (مؤتمر مدريد ثم أوسلو ثم وادي عربة) . وها هي بعد حرب الخليج الثالثة تطمع بالتنسيق مع (إسرائيل) ، في حشد بقية الدول العربية وحشرها في سلك السلام ... سلام (إسرائيل) . وقد اتضح بعد غزو العراق أن أمن (إسرائيل) كان يشغل أكبر هواجس أمريكا؛ حيث شرعت بعده مباشرة في الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يهدف إلى جعل إسرائيل جزءاً من المنطقة، ليتطابق ذلك مع مشروع الشرق أوسطية لبيريز، ولتتحول هذه المنطقة الشاسعة المحيطة بـ (إسرائيل) بعد تطويقها وتطبيعها، إلى فِناء فارغ لفضاء آمن، ولهذا سارعت أمريكا بشكل متسرع إلى الدعوة إلى برامج جديدة للتغيير» و «الإصلاح» الأمريكي الذي يستهدف إضعاف ما تبقى من مناعة الأمة ضد أي اختراق ثقافي أو حضاري أو سياسي أو اقتصادي. لا نبالغ إن قلنا إن الوجه المدني من الحرب الأمريكية على ما تسميه بـ (الإرهاب) هو في حقيقتة نوع من تطبيع الهزيمة، وفرض التعايش السلمي معها، لا بحسابات السنين والأعوام، ولكن بحسابات الأحقاب والأجيال، ولهذا سارع شارون ببسط يده الحمراء ليضعها في يد بوش الغبراء، مبايعاً إياه على النصرة والشراكة في تلك الحرب المصيرية الشاملة. أما الشعوب العربية والإسلامية في وسط كل هذا؛ فهي غير معنية ـ إذا خُيِّرت ـ بذلك التطبيع، ولو أجريت استفتاءات محايدة لتبين أن جُل الأمة تلعن كل سياسة تقرب من اليهود باعاً أو ذراعاً، في أي مجال من المجالات، وهنا ندرك عمق الهوة بين هوية الأمة وأهواء كثير من حكامها. ولكن نستطيع أن نقول: إن تلك الأهواء مهما كان وراءها من دوافع ترغيب أو ترهيب، فإنها لا تلزم الشعوب؛ حيث إنه من الممكن أن تصمد تلك الشعوب أمام الترهيب وترغب عن الترغيب، لأنها تملك مساحة أوسع للتحرك، وحرية أكبر في القبول أو الرفض؛ ولذلك فإن استراتيجية المقاطعة التي تقاطعها الأنظمة الآن تباعاً، يمكن أن تُبقي عليها الشعوب وتفعِّلها في جميع أوجهها الثقافية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية لتهزم التطبيع وتحول دون تطبيع الهزيمة، وبخاصة إذا كان في طليعة مقاومة الهزيمة ومقاطعة التطبيع وجهاءُ الأمة وعلماؤها ورموز الدعوة والحركة فيها على أن تكون لهم منطلقاتهم وبرامجهم ووسائلهم الواضحة، ونقترح منها ما يلي: - نفض اليد من قيام الجهات الرسمية العربية بدور فاعل في مناهضة التطبيع، والاعتماد ـ بعد الله تعالى ـ على استنهاض أخص خصائص الأمة الخيرية، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للوقوف في وجه هذا المنكر المتعدد الوجوه: التطبيع. - تأصيل أبعاد التصدي للتطبيع على أسس شرعية، مستخرجة من محكمات الكتاب والسنة، واستحداث الدراسات والفتاوى في ذلك، حتى لا تبقى الأمور المتعلقة بالتطبيع مجرد «حريات شخصية» أو «أذواق فردية» . - استخدام ذلك في إيجاد جبهة ـ وليس لجنة ـ لمقاومة التطبيع، تضع أسساً لمدافعته، كما يضع أصحاب التطبيع في المقابل الاستراتيجيات لنشره وتقويته. - إبراز الآثار الوخيمة العاجلة والآجلة للتطبيع، من خلال لجان لرصدها، والتعاون مع المنظمات والهيئات الشعبية في ذلك، لإظهار آفات التطبيع ونتائجها الملموسة والمحسوسة في البلدان التي بليت بها. - استغلال وسائل الإعلام الأوسع انتشاراً، والأقوى أثراً ـ وعلى رأسها المساجد ـ للتذكير بهذا البُعد المهمل من المعركة مع اليهود في حربهم الصامتة ضدنا، وإبقاء جرائمهم التاريخية ـ القديمة والمعاصرة ـ حاضرة في الذاكرة وبارزة في الأذهان. - من الأسلحة الأمضى في مقاومة مشاريع التطبيع دعم مشاريع المقاومة؛ فهناك ارتباط وثيق بين ضعف المقاومة وزيادة الإقبال على التطبيع ـ رسمياً أو شعبياً ـ والعكس صحيح. - إذا كانت المقاطعة سلاحاً قوياً في وجه أصحاب مشاريع التطبيع، فإنها ينبغي أن تكون السلاح الأقوى في مقاطعة الداعين والداعمين له، باعتبارهم مناصرين للعدو، ومؤيدين لتطبيع الهزيمة أمامه. وأخيراً.. فلعل السؤال الذي يتكرر كثيراً عند طرح الكلام عن الأخطار والمؤامرات، مجسداً في عبارة: (ما دورنا نحن) ؟ يجد الإجابة أو شيئاً من الإجابة في ثنايا هذه المقترحات وغيرها، لعلنا حقاً نكون معاً.. لهزيمة التطبيع.. لا لتطبيع الهزيمة.

стр. 5255

لماذا الهرولة نحو تل أبيب ؟! ياسر الزعاترة حين نتحدث عن الهرولة العربية نحو تل أبيب، أو التطبيع العربي الرسمي مع الدولة العبرية فسنكون إزاء ثلاث مراحل يجدر التوقف عندها: أولاها: المرحلة الممتدة ما بين الاحتلال الثاني عام ١٩٦٧م وصولاً إلى مؤتمر مدريد عام ١٩٩١م، وثانيها: مرحلة ما بعد المؤتمر المذكور، وبشكل أكثر تحديداً مرحلة (أوسلو) وصولاً إلى قمة كامب ديفيد (صيف عام ٢٠٠٠م) . أما الثالثة: فهي المرحلة الحالية، وهي مرحلة يمكن وصفها بمرحلة ما بعد احتلال العراق، أو مرحلة ما بعد انتفاضة الأقصى. وتفصيل ذلك على النحو التالي: المرحلة الأولى: ما بين عامي ١٩٦٧ ـ ١٩٩١م: كنا إزاء نوعين من التطبيع؛ يتمثل الأول في قدر من التواصل السياسي الذي يتحرك عبر الاتصالات السرية بين بعض الدول العربية والدولة العبرية، وفي هذا الصدد تبرز تلك العلاقات التي كانت قائمة بين المغرب، وموريتانيا، والأردن وبين الدولة العبرية. ينطوي هذا البعد على صلات خاصة من لون الوضع المغربي، وأخرى تقوم على اجتهاد سياسي يحافظ على الوجود كما هو حال الاتصالات الأردنية، فيما يبدو التطبيع العربي العام من اللون الثاني القائم على الحفاظ على وتيرة الصراع ضمن حدود معقولة لا تفجّر المنطقة، بحسب رأي أصحاب هذه الرؤية. برز هذا اللون من التطبيع منذ الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، حزيران ١٩٦٧م، وذلك إثر توافق النظام العربي الرسمي بعد اعتراف مصر، ومن ثم سوريا بالقرار الدولي رقم ٢٤٢ المتضمن أن الدولة العبرية قد وجدت لتبقى، وأنه ما من سبيل إلى إزالتها، لكن هذا التوجّه بدا أكثر وضوحاً بعد عام ١٩٧٤م عندما انضمت منظمة التحرير الفلسطينية إلى السرب العربي، واعترفت بالقرار المذكور، بل بدأت مشاريع اتصالات سرية مع الدولة العبرية من خلال ما عُرف بالاتصالات مع التقدميين الإسرائيليين، أو اليسار الإسرائيلي. في العموم: كانت جميع الاتصالات مع الدولة العبرية تقوم على هذا الأساس، أي الحفاظ على وتيرة الصراع ضمن دائرة محدودة، مع محاولة اختراق المنظومة الإسرائيلية ذاتها، لا سيما بعد أن توفرت الشرعية لذلك السلوك من خلال الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، كما اعترف به في مؤتمر الرباط عام ١٩٧٤م، ولم يكن خافياً بالطبع ذلك الترابط بين اعتراف المنظمة بالقرار الدولي وبين الاعتراف بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. ضمن هذه الوجهة، جاء التطبيع المصري الإسرائيلي بعد كامب ديفيد عام ١٩٧٩م، وهو موقف لم يغير في واقع الحال كثيراً، اللهم إلا بفتحه أبواب أكبر عاصمة عربية للعلم الإسرائيلي، لكن السياق العام بقي على حاله؛ أي الحفاظ على الصراع ضمن الدوائر السياسية، وحين يكون ثمة فعل عسكري فإن الأصل هو أن يبقى ضمن حدود معقولة لا تغير في آلياته، بدليل التوافق على عدم فتح الجبهة الأردنية مع الدولة العبرية. في هذه المرحلة جرت كما أشرنا عشرات اللقاءات والاتصالات التي ظلت ضمن الأفعال المحرمة في الأوساط الشعبية، وحتى بعض الرسمية تبعاً للموقف السياسي لكل دولة على حدة، لكن عجلة التطبيع كانت ماضية، وأقلّه ـ باعتراف الوضع العربي الرسمي ـ أنه ما من شيء يمكن أن يزحزح الدولة العبرية عن الأراضي التي احتلتها عام ١٩٤٨م. المرحلة الثانية: مرحلة أوسلو.. الهرولة السريعة: جاءت مرحلة مدريد ثم أوسلو لتطلق حصان التطبيع العربي الإسرائيلي من عقاله؛ فما هي سوى عشرة شهور، وتحديداً في شهر تموز/ يوليو ١٩٩٤م، حتى كان الأردن يوقع اتفاقية (وادي عربة) تبعاً للمخاوف التي انتابت الملك حسين على الكيان الأردني، وما أن حدث ذلك حتى انطلق مسلسل سريع من الهرولة العربية صوب تل أبيب؛ من موريتانيا التي كانت الأكثر هرولة على الدوام، إلى المغرب صاحب العلاقات التاريخية مع تل أبيب، إلى تونس، وقطر، والبحرين، ولتكر المسبحة بعد ذلك، ولم يبق في واقع الحال إلا قلة من الدول العربية لم تبدأ شكلاً من أشكال الاتصالات أو العلاقات مع الدولة العبرية، ومن بينها السعودية، والسودان، وليبيا وسوريا، وإن دخلت هذه الأخيرة مسلسلاً تفاوضياً على ملف الجولان. أدركت الدول العربية المحورية، وعلى رأسها مصر، والسعودية، وسوريا أن موجة الهرولة العربية صوب تل أبيب تؤذن بإنجاح مشروع (شيمون بيريز) الشرق أوسطي القائم على فكرة التمدد السياسي والاقتصادي الإسرائيلي في المنطقة، ومن ثم سرقة دور مصر العربي والإقليمي. في هذه الأجواء جاء مؤتمر الإسكندرية مطلع عام ١٩٩٥م ليدشن مرحلة مقاومة رسمية للتطبيع والهرولة تجاه الدولة العبرية، وبدأت موجة من الضغوط على الدول العربية الأخرى كي تكبح جماح التطبيع، وتحشره في أضيق نطاق، وهو ما استجابت إليه معظم الدول في واقع الحال؛ إذ بقيت العلاقات الدبلوماسية في حدها الأدنى في غالب الأحيان. ما من شك أن التحالف المصري السعودي السوري قد أسهم مساهمة فعّالة في كبح جماح التطبيع في هذه المرحلة، لكن ما ينبغي قوله أيضاً: هو أن الشارع العربي قد قدم مساهمات جيدة على هذا الصعيد جعلت من التطبيع الرسمي من أي مستوى كان مع الدولة العبرية شكلاً من أشكال الرذائل السياسية التي تتردد الأنظمة في مقارفتها. غير أن الأهم من ذلك كله هو ما يتعلق بسير المفاوضات؛ فقد استخدمت الدول الثلاث حجة مهمة تقول: إن مسيرة التطبيع يجب أن تتزامن مع سير المفاوضات؛ إذ من دون الوصول إلى تسوية حقيقية لا يمكن الحديث عن تطبيع مع الدولة العبرية، وقد جاءت مسيرة المفاوضات الأولية من خلال جملة الاتفاقات التي تلت (أوسلو) لتؤكد أن نوايا الدولة العبرية بالتسوية لا تنسجم مع ما يعرف بقرارات الشرعية الدولية، وهو ما تأكد بعد ذلك في قمة كامب ديفيد، صيف عام ٢٠٠٠م، وهي القمة التي أكدت استحالة التسوية مع مطالب إسرائيلية لا يقبل بها أحد في الساحة الفلسطينية والعربية. جاءت انتفاضة الأقصى بعد ثلاثة شهور من القمة المشار إليها لتهيل التراب في زمن قياسي على جهود التطبيع التي بذلت طوال سبع سنوات أو تسع إذا بدأنا من مدريد، ولتبدأ مرحلة جديدة في الخطاب الرسمي العربي والإسلامي حيال الدولة العبرية، حتى أن الدولتين المرتبطتين باتفاقيات سلام مع الدولة العبرية، ولهما علاقات دبلوماسية معها قد اضطرتا إلى سحب سفيريهما من تل أبيب تحت وطأة الضغوط الشعبية. المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد انتفاضة الأقصى: يمكن التأريخ لهذه المرحلة منذ مقتل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات نهاية عام ٢٠٠٤م، وتوافق حركة فتح على تعيين (محمود عباس) خلفاً له، وبالطبع في ضوء ما هو معروف عن أن هذا الأخير كان له موقفه المناهض لبرنامج المقاومة الذي تبنته حركة حماس، لكن بالإمكان أيضاً التأريخ لها باحتلال العراق، على اعتبار أن ذلك الحدث هو الذي مهّد لمرحلة الرعب بالنسبة للنظام العربي الرسمي الذي شكّل وقوفه خلف (محمود عباس) سبباً أساسياً في إنهاء مرحلة انتفاضة الأقصى، وإعلان التعامل مع التسوية بلغة جديدة، على رغم عدم توفر أي أفق حقيقي لها في المنطقة بوجود شارون والمحافظين الجدد على رأس السلطة في الدولة العبرية والولايات المتحدة. من الممكن القول: إن الهرولة نحو الدولة العبرية قد بدأت في المرحلة الجديدة، سواء أكان بإعادة السفيرين المصري والأردني إلى تل أبيب، أم بدعوة شارون إلى تونس، أم بجملة اللقاءات المعلنة وغير المعلنة حتى الآن؛ حيث توقع وزير الخارجية الإسرائيلي (سلفان شالوم) أن تتحرك عشر دول عربية صوب شكل من أشكال العلاقة مع الدولة العبرية خلال الشهور القادمة. ما ينبغي أن يشار إليه هنا: هو أن خريطة الطريق التي وافقت عليها السلطة، والدول العربية عموماً تنص في أحد بنودها في المرحلة الثانية، أي مرحلة الدولة الفلسطينية المؤقتة على أن تستعيد الدول العربية مع إسرائيل ما كان لها من روابط قبل الانتفاضة (المكاتب التجارية ... إلخ) . ü القوم لماذا يهرولون؟ تحدثنا في السياق السابق عن منطق التطبيع الذي كان سائداً في المراحل الأولى، وهو ما يبدو مختلفاً إلى حد ما مع منطق الهرولة الجديدة ممثلاً في الاعتقاد بأن مفتاح الرضا بالنسبة للولايات المتحدة لا زال موجوداً بيد قادة الدولة العبرية، وهو اعتقاد لا يبدو خاطئاً في واقع الحال، وأقله في هذه المرحلة التي يتحكم المحافظين الجدد خلالها بالقرار السياسي في واشنطن من دون أن يعني ذلك تأييداً لمنطق اللّعبة ولا لرؤيتها السياسية. صحيح أن مرحلة (كلينتون) كانت عبرية اللغة والهوى أيضاً، لكن المرحلة الجديدة تبدو أكثر تطرفاً في التعاطي مع الهواجس الإسرائيلية، في الوقت ذاته تبدو فيه واشنطن أكثر سطوة على الوضع الدولي، وهو ما يمنح المسوغ للمهرولين كي يكونوا أكثر حماساً في هرولتهم، سواء أكان رغباً أم رهباً. هناك بالتأكيد تلك اللُّعبة التي تمارس من قِبَل الأمريكان والصهاينة في سياق اللعب على التناقضات العربية العربية، وتحديداً فيما بين الدول الكبيرة والصغيرة؛ وحيث يستخدم هذا الملف في سياق مناكفة بعضها لبعض. ثمة بُعدٌ على درجة من الأهمية في هذه المرحلة يتمثل في اكتشاف الولايات المتحدة ومحافظيها الجدد لوصفة ناجعة في ترهيب الأنظمة العربية وابتزازها، وتتمثل تلك الوصفة في الضغوط من أجل إصلاح الأوضاع السياسية ودمقرطة الواقع المحلي، وهنا كان على الأنظمة التي تريد الفرار من الإصلاح أن تدفع من جيب القضية الفلسطينية، وتتقرب من الدولة العبرية، وتتراجع في القضية العراقية. على هذا الإيقاع سنشهد مرحلة تطبيع ساخنة يمكن القول: إنها ستعتمد في مسارها وتوقيتها على إيقاع المفاوضات بين الطرف الفلسطيني والطرف الصهيوني، ومن ثم تطورات الوضع العراقي، فيما يمكن القول: إن الابتزاز الصهيوني سيسهم بدوره في طبيعة التسوية ومسارها أيضاً، والسقف الذي يمكن أن يقبل به الفلسطينيون. ونتذكر على هذا الصعيد أن ياسر عرفات عندما حُشِرَ في الزاوية في قمة (كامب ديفيد) قد طالب بموافقة عربية (مصرية سعودية على وجه التحديد) كي يقبل بما هو معروض بشأن المسجد الأقصى، وهو ما لم يحصل عليه كما هو معروف. خلاصة القول هي: أن المرحلة الجديدة ستعتمد على تطورات عملية التسوية؛ فإذا بلغت الجدار المسدود، وعاد الفلسطينيون إلى انتفاضتهم المسلحة من جديد كما فعلوا من قبل، فسينتهي كل شيء كما انتهى في المرة الماضية، أما إذا تواصلت اللعبة فستمضي عملية التطبيع قُدُماً إلى الأمام، وسيعتمد ذلك كله على الموقف العربي، ومدى تقدمه وتراجعه أمام سطوة الولايات المتحدة. ويبقى أن سطوة هذه الأخيرة، ومن ثم ردود الفعل العربية ستعتمد بدروها على تطورات الوضع العراقي، ومن ثم علاقاتها مع الشركاء الدوليين. وما يمكن أن يقال أخيراً هو: أن التقدم والتراجع العربي أمام الولايات المتحدة هو الذي يحكم لعبة التطبيع، بل إنه هو الذي يحكم العلاقة مع الدولة العبرية من الأساس، وإذا كان ثمة جوانب أخرى بالنسبة لبعض، فهي هامشية، كما هو حال موريتانيا التي يتحرك نظامها مقابل بعض الرشاوى الاقتصادية، إضافة إلى المساعدات الأمنية لنظام (ولد الطايع) . ما من شك أن لبعض الرموز في الدول العربية دوراً في مسيرة التطبيع مع الدول العربية، لكن هؤلاء لا يبرزون إلا عندما تكون الأجواء مواتية، أي أنهم يتقدمون عند الحاجة، ومن الصعب القول إنهم يجرُّون الأنظمة جراً إلى التطبيع، وإن كان لبعضهم دور في تزيين المنكر. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 5256

مرحلة جديدة في المسألة: الدعوة إلى جماعية التطبيع مع الدولة العبرية طلعت رميح كل المؤشرات، والشواهد في التطورات الجارية حالياً تعطي إشارات ودلالات على أن الاعتراف بالكيان الصهيوني، والدخول في علاقات «طبيعية معه» تدخل الآن إلى مرحلة جديدة تتميز بالتوسع المضطرد في أعداد الدول المطبِّعة، أو الجاهزة لهذه الخطوة، وفي تحوُّل العلاقات الانفرادية (السياسية والاقتصادية) بين الدول العربية والكيان الصهيوني إلى علاقات تشمل دولاً متعددة في المجال الواحد من مجالات التطبيع وإلى تحول علاقات التطبيع الجديدة إلى نمط مستقر دائم، ووفق اتفاقيات تشمل قطاعات اقتصادية واسعة، ومؤثرة ترتبط بها أعداد واسعة من أصحاب المال ومن العمال ... إلخ، حتى يمكن القول: إن عملية التطبيع قد دخلت قفزة نوعية تفوق كل ما حدث في مرحلتها الأولى أو الأولية عند نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، بما يجعل حصاد الماضي مجرد مؤشرات مبسطة على ما يجري الآن وعلى ما هو مقبل. المؤشرات الجديدة تتمثل فيما صرح به وزير الخارجية «الصهيوني» سيلفان شالوم، من أن هناك عشر دول عربية سوف تقيم علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني خلال العام الحالي، وهو تصريح يَلْقى مصداقية ـ للأسف ـ مما جرى، ومما أعلن عنه رسمياً في الفترة الأخيرة، ومما تتناقله وسائط الإعلام وسط صمت، أو رفض علني رسمي (وهي السياسة المعتمدة دوماً في جسّ النبض لقرارات بدء التطبيع من قِبَل الأجهزة الرسمية العربية) عن لقاءات وزيارات علنية، وأخرى سرية. فإذا كان أمر زيارة شارون الأخيرة إلى تونس ضمن فعاليات مؤتمر التقنية والمعلومات الذي تنظمه (منظمة الأمم المتحدة) ، وقصة مصافحة الصادق المهدي لرئيس الوزراء الصهيوني السابق شيمون بيريز على هامش أحد المنتديات الدولية وزيارة مسؤول إماراتي إلى تل أبيب، وقبلها كانت زيارة أحد قيادات الأحزاب العراقية المتعاونة مع الاحتلال الأمريكي إلى تل أبيب وغيرها ـ وكلها أمور علنية ومعترف بها ـ فإن ما هو سري متكاثر ومتعدد وخطير تكاثرت عنه أنباء، أو أطلقت بالونات لجسّ النبض، بعضها تحدث عن قرب تطبيع العلاقات الليبية ـ الصهيونية، وأن اجتماعات جرت بهذا الشأن بين مدير المخابرات الليبية (اللواء موسى كوسا) ـ كما ذكرت صحيفة آفاق عربية (مصر) ـ مع رئيس الوزراء الصهيوني (آرييل شارون) ، تمهيداً لاجتماع آخر يُعقد في لندن بين وزير الخارجية الصهيوني (سلفان شالوم) ووزير الخاجية الليبي، وأن استعدادات تجري لفتح سفارة لليبيا في تل أبيب. كما تحدثت بعض الأنباء عن لقاءات قريبة بين مسؤولين صهاينة، وآخرين من البحرين بهدف الاتفاق النهائي على فتح سفارة بحرينية في تل أبيب، وأخرى صهيونية في المنامة، وعن استعدادت قطرية لإرسال ممثل قطري إلى تل أبيب للاجتماع بشارون بعد دعوة وجهها الأخير له، بهدف إعادة فتح المكتب التجاري بين البلدين تمهيداً للوصول إلى تمثيل دبلوماسي كامل متبادل (وهي أنباء تزيد مساحة المصداقية فيها؛ بسبب إجراء مفاوضات بين تلك الدولتين والولايات المتحدة لعقد اتفاقات تجارة حرة، يكون أحد شروطها كما هو معلوم تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني) . هذا بالإضافة إلى ما تردد عن لقاءات من أطراف في السلطة الجزائرية وقيادات صهيونية، وإلى ما هو معروف عن العلاقات المغربية الصهيونية منذ فترة طويلة، وإلى ما يتردد حالياً بصورة واسعة عن اتصالات بين أطراف في المعارضة اللبنانية لعقد اتفاق «سلام» مع الطرف الصهيوني، أو ما يسمى باتفاق مايو/ أيار جديد، يسمح بتوقيع اتفاقية «سلام لبنانية صهيونية» ، وتطبيع العلاقات، والذي تعتبر أهم مؤشراته حتى الآن ما أعلنه (وليد جنبلاط) من أن مزارع شبعا ليست لبنانية، بما يعني أن قوات الاحتلال الصهيوني انسحبت من كامل الأراضي اللبنانية وبما يمثل التمهيد الأبرز للقبول بانتهاء الصراع بين لبنان والدولة العبرية. وهكذا إذا جمعنا ما اعترف به، وأعلن إلى ما يجري الترتيب له حالياً ـ إضافة إلى ما لم يظهر حتى الآن للعلن ـ ربما يصل بعدد الدول العربية التي تعترف ديبلوماسياً بالكيان، وتقيم معه علاقات سياسية واقتصادية إلى ما قاله الوزير الصهيوني (١٠ دول جديدة، إضافة إلى مصر والأردن وموريتانيا) وهو ما يعني أن الدورة التي بدأت بها قصة التطبيع قد انعكست. فإذا كان الاستثناء في تطبيع العلاقات والاعتراف بالعدو الصهيوني هو الأصل، حينما انفردت مصر علناً بذلك، فإن الدورة وبعد نحو ٢٥ عاماً تكون قد انقلبت ليصبح الاستثناء هو الأصل. وإذا كانت تلك المؤشرات والشواهد تشير إلى مرحلة جديدة وخطيرة وواسعة مقبلة من تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني من قِبَل النظام الرسمي العربي، فإن التطورات الحادثة على الأرض باتت تؤكد هي الأخرى وبصورة عملية أن هذه المرحلة قد بدأت بالفعل ممثلة في الانطلاقة غير المسبوقة في العلاقات الرسمية المصرية ـ الصهيونية التي كانت شرارتها الأولى صفقة إطلاق الجاسوس الصهيوني (عزام عزام) مقابل الطلاب المصريين الستة الذين سبق اعتقالهم داخل حدود فلسطين المحتلة، والتي تلاها توقيع مصر على (اتفاقية الكويز) بعد طول رفض، وبعد سنوات من توقيع الأردن وتركيا عليها ـ وما يتردد حالياً دون إنكار مصري رسمي عن قرب إنهاء اتفاقية تصدير الغاز المصري إلى الكيان الصهيوني ـ ثم ما تلاها من عقد مؤتمر شرم الشيخ الذي حضره الرئيس المصري حسني مبارك، وملك الأردن عبد الله بن الحسين، ورئيس الوزراء الصهيوني، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والذي تلاه عودة السفيرين المصري والأردني إلى تل أبيب. وهناك في العراق تجري تطورات خطيرة في الاتجاه نفسه على أرض هذا البلد تتمثل في وصول عدد من الشركات الصهيونية العاملة في العراق إلى نحو ١٠٠ شركة تعمل في مجالات متنوعة من الأمن والأعمال التجارية، وسط دلالات على أن مخطط عودة خط البترول القديم من العراق إلى حيفا عبر الأردن بات تنفيذه مسألة وقت ترتبط بهدوء، أو ضعف عمليات المقاومة العراقية. وقبلها كانت الأردن، وتركيا قد وقعتا على (اتفاقية الكويز) التي ربطت الصناعات الأردنية في مجال الملابس والمنسوجات بالصناعات الصهيونية عبر فكرة فتح الأسواق الأمريكية أمام الصادرات الأردنية، والتي نتج عنها تضاعف حجم الصادرات الصهيونية للأردن ١٦ مرة في الفترة بين عامي ١٩٩٩م و ٢٠٠٣م (من ٥.٧ مليون دينار إلى ٨٢.٣ مليون دينار) . وهناك على الأرض في اليمن تجري عمليات تطبيع تتوسع باضطراد، تحت عنوان منح اليهود اليمنيين تسهيلات واسعة، كما تجري في كثير من أطراف منطقة الخليج أشكال متعددة وملتوية أخرى من عمليات التطبيع، تتضح أبعادها رويداً رويداً، بما يجعل عدم التطبيع الرسمي هو الاستثناء في الفترة المقبلة من قبل هذه الدولة أو تلك، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار النشاط «الدولي» لكثير من أصحاب رؤوس الأموال العرب، وتداخله مع نشاطات متعددة مع رأس المال اليهودي. وهكذا تشير كل تلك الشواهد والمؤشرات والوقائع الجارية على الأرض إلى طفرة في مسار التطبيع الرسمي العربي مع الكيان الصهيوني، جاء الكشف عنها عقب انفضاض مؤتمر (شرم الشيخ) ، وإن كان الأساس السياسي لها قد أقر في قمة بيروت. والخطير في الأمر أن التطبيع في المرحلة الجديدة ليس مجرد قفزة على المستوى العددي، أو انهياراً شاملاً للنظام الرسمي العربي فقط، وإنما أيضاً يؤكد أن تحولاً كبيراً على المستوى الرسمي العربي قد جرى، يتحول التطبيع من خلاله من حالات اضطرارية، أو حالات غير مستقرة إلى نمط من الارتباط الدائم، والمصالح المستقرة، والبناء الاقتصادي الدائم، ومن بناء للمنظومة الاقتصادية الشرق أوسطية بالتدريج، ومن إيجاد فرص واسعة من مجالات النشاط، والارتباط للنخب المالية العربية؛ بما يجعل قطاعات مجتمعية متزايدة في حالة ارتباط «معيشي» بعمليات التطبيع، واستمرارها. ü التطبيع: مختصر القصة: كانت مصر هي أول دولة عربية وإسلامية تطبِّع علاقاتها الرسمية مع الكيان الصهيوني، أو الدولة الأولى التي أقامت معه علاقات دبلوماسية، أو الدولة الأولى التي فكت حصار المحيط العربي على الكيان الصهيوني عقب توقيع معاهدة (كامب ديفيد) في عام ١٩٧٩م، وتلتها الأردن عقب توقيع اتفاقية (وادي عربة) في عام ١٩٩٤م، والتي جاءت خطوتها استناداً أيضاً إلى توقيع (اتفاق أوسلو) في عام ١٩٩٣م. وظلت الأردن هي الدولة الثانية بعد مصر أو التي حذت حذو مصر، إلى أن تطور الموقف ليشمل موريتانيا في أقصى المغرب العربي، وقطر في المشرق العربي، وفق نمط من العلاقات، وإن كان بدرجة أقل من التمثيل الديبلوماسي، وكذا البحرين وغيرها ـ إضافة إلى الحالة الخاصة المغربية الصهيونية ـ في سنوات ما بعد سريان اتفاق (أوسلو) ، وما زين فيه من آمال كاذبة حول حل عادل للقضية الفلسطينية. وفي تلك المرحلة نشطت الدعاوى حول المفاوضات متعددة الأطراف، والشرق أوسطية، أو البناء الاقتصادي للشرق الأوسط ... إلخ. مصر التي بدأت هذه الدورة لم تشهد علاقاتها فعلياً نشاطاً تطبيعياً واسعاً خلال المرحلة الأولى من عمليات التطبيع، ومن ثم ظهرت تعبيرات السلام البارد في وصف العلاقات المصرية الصهيونية؛ حيث لم تتأسس مشروعات اقتصادية كبرى بين مصر والكيان الصهيوني ـ كان المشروع الأهم هو في مجال صناعة النسيج، والذي عمل وضبط فيه الجاسوس (عزام عزام) ـ كما ظل وجود السفارة الصهيونية محاطاً بسياج من عدم التعاون؛ حيث اقتصر التطبيع على مجالات بعينها، أو لنقل أن عمليات التطبيع كانت موقوفة عند حدود وزارتي: الزراعة والسياحة المصريتين ـ إضافة إلى إنفاذ اتفاقيات بيع البترول المصري المستخرج من سيناء وفق نصوص بروتوكولات معاهدة كامب ديفيد ـ التي كانت الأنشط في مجالات التطبيع في تلك المرحلة. ومن ثم كانت أخطر نتائج التطبيع هي في مجال الإنتاج الزراعي، وصحة المواطنين وفي مجالات الاحتكاك بين المجتمع المصري والسياح الصهاينة، وخاصة في مناطق سيناء؛ حيث تتيح الاتفاقيات دخول الصهاينة إليها للسياحة حتى (خط العريش ـ رأس محمد) ، دون تأشيرات مسبقة. وكذلك يمكن القول: إن التطبيع في كل المناطق التي تم اختراقها في جسد الأمة ظل محصوراً أو محاصراً، ربما بحكم حالة الرفض الشعبي التي تجلت على أكثر من صعيد؛ حيث جرت مواجهة كل نشاط علني شاركت فيها دولة الكيان الصهيوني (كمظاهرات معرض الكتاب في مصر التي من بعدها لم يشارك الكيان الصهيوني فيه، وغيرها) ؛ وربما لأن أجهزة الدول ذاتها لم تكن جاهزة لهذا النمط من تطبيع العلاقات، وربما لأن النظم كانت تراهن على الوقت. غير أن مرحلة ما بعد توقيع اتفاق أوسلو شهدت تطورات واسعة نسبياً؛ حيث كانت الأردن هي البادئة في مجال أخطر اتفاقيات التطبيع، أو هي كانت الدولة العربية الأولى التي وقّعت على (اتفاقية الكويز) ـ تزامن ذلك في العام نفسه مع توقيع تركيا للاتفاقية ذاتها ـ ومن قبلها كانت الدولة الأنشط في قضية تفعيل الرؤية الاقتصادية الممثلة في مشروع الشرق أوسطية التي بدأت مشوارها من مؤتمر المغرب (كازبلانكا) ، لتحط رحالها في مؤتمر (عمان) ، والذي شهد ضغطاً مصرياً «لفرملة» تطوراته، والتي كان شاهدها صيحة وزير الخارجية المصري في ذاك المؤتمر ـ عمرو موسي ـ ضد الهرولة، وهو المؤتمر الذي تم وأده في الدوحة في تلك المرحلة وكذلك من بعده كانت المفاوضات متعددة الأطراف. ومن بعدها جاء اندلاع انتفاضة الأقصى (سبتمبر ٢٠٠٠م) ؛ لتختفي كل الأشكال العلنية في مجال التطبيع على كل المستويات، أو لتمارس عمليات التطبيع بعيداً عن الأعين، ولتقوم كل من مصر والأردن بسحب سفيريها من تل أبيب، ولتجمد رسمياً ـ وربما التعبير الأدق شكلياً ـ أشكال التطبيع على المستوى العلني في قطر، وتونس، والبحرين، وغيرها. وفي طول تلك المرحلة كانت كل أشكال التطبيع تواجه برفض نخبوي حركي تَرَافقَ مع حدوث ردات فعل عفوية، كما كان الحال في قيام المواطن المصري سعد حلاوة، أو الجندي المصري أيمن حسن، أو سليمان خاطر في مصر، بعمليات عفوية إعلاناً عن رفض الضمير الشعبي للتطبيع مع العدو الصهيوني. إلا أن التطبيع لم يتوقف فعلياً، بل ظل جارياً على الأرض من الناحية الفعلية، على الأقل على مستوى التبادل التجاري، والعلاقات الاقتصادية، وزيارات الوفود تنفيذاً للبروتوكولات التنفيذية، الأمر الذي انعكس في تصاعد التحذيرات في الصحف عن مخاطر وحصيلة التطبيع، سواء على مستوى التحذير من زيادة نسبة الأمراض السرطانية بين المواطنين المصريين؛ بسبب استيراد المبيدات، والمخصبات، والهرمونات، والشتلات من الكيان الصهيوني ـ حيث ضبطت سلطات الدولة المصرية قضية دخول مبيدات مسرطنة وعرضتها على القضاء، وصدر بشأنها أحكام ـ أو بسبب استيراد أو تهريب بعض المنتجات الصناعية الصهيونية، مثل: العلكة التي تصيب بالعقم، أو أحزمة الرجال التي تقلل نسب الخصوبة لدى الشباب، كما نشطت تحذيرات تتعلق بجوانب اجتماعية، وأمنية، كما هو الحال في ارتفاع نسب زواج المصريين من حاملات للجنسية الصهيونية، إلى أن وصلت إلى ٢١ ألف حالة، أو فيما تحدثت عنه كثير من الصحف حول دور مخطط للموساد الصهيوني في نشر الإيدز بين الشباب المصري من خلال سائحات صهيونيات، أو في التحذير من استمرار سفر المهندسين الزراعيين الشباب من مصر إلى الكيان الصهيوني أو من وجود خبراء صهاينة في مجال الزراعة المصرية ... إلخ. ü مصر: نقلة كبرى في التطبيع: بدءاً من صفقة إطلاق عزام عزام، وانعقاد مؤتمر شرم الشيخ، وتوقيع (اتفاقية الكويز) ، يمكن القول: إن مصر قد نقلت التطبيع مع الكيان الصهيوني نقلة كبرى. فعلى المستوى الاقتصادي، إذا كان حجم التبادل التجاري بين مصر والكيان الصهيوني قد وصل في عام ٢٠٠٣م إلى ٥٠ مليون دولار (وهو رقم يساوي ثلث حجم التبادل التجاري المصري السوداني البالغ ١٦٠ مليون دولار، ويزيد على حجم التبادل التجاري مع سلطنة عمان بنحو ١٥ ـ ٣٥ مليون دولار ... إلخ) إلا أن المتوقع أن يرتفع هذا الحجم إلى نحو ٢٠٠ مليون دولار خلال السنوات الخمس القادمة؛ حيث ستصل خلاله الصادرات الصهيونية إلى مصر إلى حوالي ١٠٠ مليون دولار سنوياً، حسب المصادر الصهيونية (ارتفعت الصادرات الصهيونية إلى مصر بنحو ١١% خلال عام ٢٠٠٢م) . وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي؛ فإن حجم العمالة المصرية التي سيرتبط نشاطها الصناعي بـ (اتفاقية الكويز) سيصل إلى ١٦٠ ألف عامل منضوين في نحو ٤٠٠ مصنع مصري، موزعين على نحو ٧ مناطق صناعية - إضافة إلى ما يتوقع أن توجده الاتفاقية من فرص عمل تصل إلى نحو ٢٥٠ ألف فرصة (حسب تصريحات وزير الصناعة المصري في الأهرام المصرية بتاريخ ٢٤/١٢/ ٢٠٠٤م) . هذا بالإضافة إلى أنها تسهم في وجود نخبة من رجال الأعمال قد «ارتقى» موقفهم في العلاقات مع الصهاينة من التطبيع المستتر إلى التطبيع العلني، وإلى وجود تعاون، أو كسر للحواجز، والعوامل النفسية على مستوى واسع من قِبَل مواطنين عاديين بحكم «أكل العيش» في التعاون مع يهود وصهاينة خلال عمليات اقتصادية دائمة. وربما يبدو مهماً الإشارة إلى أن خطورة (الكويز) في أحد جوانبها المستقبلية أيضاً هو: أنها تشكل توحيداً اقتصادياً في مجال صناعة النسيج في مصر، والأردن، وتركيا، والكيان الصهيوني؛ وهو ما يعني أن أول آليات الشرق أوسطية قد دخل إطاره التنفيذي بالفعل. كما تأتي أهمية التطورات الراهنة ـ في مصر والعالم العربي ـ من أنها جاءت في مرحلة دخلت فيها التهدئة بين الفصائل الفلسطينية والكيان الصهيوني حيز التنفيذ ـ بما يرفع الحرج عن بعض الأنظمة ـ ومن أنها تأتي في مرحلة من الضعف الرسمي العربي أمام الضغوط الأمريكية بعد احتلال العراق؛ وهو ما يشير إلى أن الارض مهيأة أكثر لاندفاعها. ويبقى أن القضية الأخطر، هي أن هذا الاندفاع والتوسع في عمليات التطبيع، بما يحمله من ملامح توسيع النخب المالية المرتبطة بها، يأتي متزامناً مع اتساع دائرة التدخل الأمريكي في الأوضاع الداخلية في مصر، والعالم والعربي؛ بهدف دفع النخب الأكثر تغرباً، والأكثر ارتباطاً بالمشروع الأمريكي الصهيوني؛ لأخذ مواقع أكثر تأثيراً في القرار السياسي الرسمي. وهو ما يعني عملياً أن عمليات التغيير الداخلية التي تشهدها المنطقة العربية، ستأتي مرتبطة بصعود العناصر الناشطة في مجال التطبيع، فضلاً عن نشاط ما يسمى بجمعيات المجتمع المدني الممولة أمريكياً في معظمها، وأوروبياً كذلك حيث سيتغير موقفها المتحفظ بعض الشيء في مجالات التطبيع، إلى حالة من العلنية وإلى دعم مباشر لها. وهنا يبدو العامل الأهم وهو: أن النخبة المصرية التي جرى تربيتها وتدعيمها من خلال التعاون بين منظمات «المجتمع المدني» بدأت تدخل على الخط المباشر في عمليات التطبيع؛ حيث زار بالفعل عدد من أفراد هذه المنظمات الكيان الصهيوني في الفترة الأخيرة. وإذا كانت تلك هي الحصيلة العامة على الجانب الرسمي وتطوراتها الخطيرة فإن حصاد التطبيع له وجه آخر؛ حيث كان قانون الأحزاب في مصر يمنع قيام أي حزب يرفض اتفاقيات التطبيع، ولذا اعتقل أشخاص بتهمة إساءة العلاقات مع دولة صديقة ومنهم (كامل زهيري) نقيب الصحفيين الأسبق الذي أوقف عقب اشتراكه في الاحتجاج على أول مشاركة إسرائيلية في معرض الكتاب، وقد نتج عن هذا الاحتجاج وقف المشاركة الإسرائيلية بعد ذلك.

стр. 5257

المقاومة والتطبيع من يهمش الآخر ؟! أمير سعيد حينما كانت الجيوش العربية تشد رحالها ميممة شطر فلسطين في عام ١٩٤٧م، كان العديد من القادة العسكريين المخلصين يدركون حجم الخطيئة التي ارتكبتها القيادات السياسية يومئذٍ بحق هذه الجيوش وبحق فلسطين ومقدساتها. كان بعضهم يستشعر خيانات سياسية وعسكرية في الجانب العربي. أما الجانب الصهيوني فكان يبدو متماسكاً قوياً إلى حد بعيد. لم يكن الجندي المسلم العربي البسيط مطمئناً لقيادة (جلوب باشا) الإنجليزي للجيوش العربية؛ مثلما لم يكن بعض القادة العسكريين مطمئنين لقيادته للجيش الأردني على الأقل. الطيور العربية لم يكن أي منها يغرد خارج السرب، ذاك السرب لم يكن موجوداً بالأساس؛ فبينما الجيش المصري كان محاصراً بالفالوجا كان الأردن يقدم اللد والرملة غضتين للاحتلال، وبينما كان المتطوعون الفلسطينيون والمصريون والسودانيون يتقدمون كان الجيش العراقي يتقهقر، لم يكن هذا يدري بذاك، وكانت الهزيمة، لا بل النكبة التي يعزوها الخبراء مجتمعين إلى ضعف التنسيق، وتباين التوجهات لدى القادة السياسيين للبلاد العربية، وافتقار العرب إلى قيادة عسكرية موحدة جادة وقادرة على التخطيط، والتنسيق والإشراف على العمليات العسكرية، علاوة على التسليح الضعيف، والخيانات المترادفة. عشرات السنين مضت على هذه النكبة، تعاقبت فيها الأحداث، وتنوعت تلك التجارب التي عركت الفلسطيني المناضل، وصيرته موسوعة نضال؛ خلص بتمامها إلى مفهوم نضالي سديد: «شركاء الدم، شركاء القرار» . من هذا المنطلق، كانت الحاجة ملحة للتنسيق داخل الصف الفلسطيني بعدما أدرك الجميع في الداخل أن لا سرب عربياً يغردون فيه في الداخل. كما أن في الخارج مناضلين مزيفين وتجار قضية، لكن المعركة الحقيقية يدرك المناضلون الحقيقيون أنها ليست بين الفلسطينيين أنفسهم. في الواقع هناك محددات باتت تحكم القضية الفلسطينية الآن، لم يكن بمقدور أصحاب القضية القفز عليها: الأول: دولي: ويعني الضغوط الأمريكية والأوروبية التي تمارس ضد الفصائل الفلسطينية بطريقتين: مباشرة، وغير مباشرة: الطريقة المباشرة: هي تلك التي تمخض عنها وضع جملة الفصائل الفلسطينية في لائحة المنظمات الإرهابية، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا. الطريقة غير المباشرة: عبر توكيل الدول العربية نيابة عن الغرب بخنق الفصائل المقاومة سياسياً وعسكرياً، ونفض أيديها عنها؛ بغية قطع أي مدد (لوجيستي) قد يطيل مدد المقاومة، وهو ـ للتذكرة فقط ـ ما كانت تمارسه بريطانيا بالأصالة عن نفسها إبان حرب فلسطين المشار إليها، حين كانت تحول دون تسليح العرب، وتترك الباب مشرعاً أمام تسليح الصهاينة. الثاني: إقليمي: وهو نتاج الأول، غير أن الجهود التي كانت تسعى للحد من غلوائه قد تهاوت تحت المطرقة الأمريكية الثقيلة، وبات من الصعب تجاوز تأثير هذه المطرقة بكل اندفاعها في البطش. الثالث: محلي: وفيه عدة متغيرات: إحداها: مقتل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وغياب تأثير الرجل عن بسط هيمنتها على الأحداث، وتبعثر عناصر القيادة الفلسطينية في أيدي بعض الأقوياء نفوذاً. وثانيها: نتائج انتفاضة الأقصى حتى الآن، ومدى إمكانية البناء على انتصاراتها أو خسائرها. وثالثها: الاضطراب الحادث على الصعيد الفتحاوي، والذي تفيد منه الفصائل الإسلامية خصوصاً. هذه المحددات الثلاثة أدت بملف التطبيع إلى أن يعود فارضاً نفسه بقوة على طاولة العرب والصهاينة على حد سواء، حتى قبل أن تنعقد شرم الشيخ، أو يطرح الأردن ورقته الداعية للتطبيع في قمة الجزائر الأخيرة؛ فسياسياً واقتصادياً قد غدت ١٢ دولة عربية بطريق التطبيع من وراء حجب الحياء المصطنع. أما في الداخل الفلسطيني فقد طرحت ورقة أدنى إثارة للجدل، وهي ورقة «التهدئة» ، وهي ورقة بدت محل إجماع من جميع الأطراف لأول مرة منذ بداية النزاع. الولايات المتحدة الأمريكية: نظرت للتهدئة من منظور كونها ضرورة الظرف وواجب الوقت؛ فالدولة العظمى التي تعاني متاعب جمة في العراق لا ترى غضاضة في إشاحة وجهها عن «إرهاب» حماس مؤقتاً، وتشجيعها على المضي قدماً ففي التعاطي الإيجابي مع «التهدئة» ؛ فالولايات المتحدة ترى المعركة في فلسطين معركتها تماماً، مثلما تراها في العراق، ومهما رفعت أنفها في السماء بالادعاء بقدرتها على خوض معركتين في آن واحد؛ فإنها تراغمه وقت الكريهة، وهي تنظر للأحداث على نحو أوضح مما تراه تل أبيب؛ فخلافاً لنظرة الكيان الصهيوني القريبة؛ فإن واشنطن تنظر من البؤرة البعيدة، وتلك الأكثر وضوحاً، والأكثر قدرة كذلك على تحريك شرم الشيخ وعمان من «إسرائيل» القريبة. والولايات المتحدة ـ بنظرة استراتيجية ثاقبة ـ تعتبر أن الظرف الدولي والإقليمي والمحلي في صالحها «تطبيعياً» ، وليس كذلك إذا ما وضعت جيشها الصهيوني أمام المقاومة الفلسطينية، والحكمة تقتضي اتباع السبيل الأقصر للوصول للمراد. والولايات المتحدة الأمريكية التي كلت جفونها من طول إغماضها عن جرائم الصهاينة بحق الفلسطينيين، من دون أن يفلح شارون في إنجازها في الموعد المحدد الذي ضربه بنفسه (١٠٠ يوم جاوزت الألف حتى الآن) لا تستطيع الاستمرار طويلاً، وهي ترى الأحداث لا تصب ماءها في الجدول الصهيوني. و «إسرائيل» التي تحصي: ١٠٠١ قتيل، ٦٣٥٨ جريحاً ـ وفقاً للأرقام «الإسرائيلية» المبتسرة ـ بفعل انتفاضة الأقصى، قتلت منهم عدوتها اللدود (حركة حماس) وحدها ٤٦٥ بنسبة ٤٦.٥% من عدد من لقوا حتفهم من الصهاينة، لا تجد نفسها في وارد المخاطرة بأرواح آخرين، لا سيما وقد خلفت تلك الانتفاضة انتكاسات اقتصادية صهيونية لافتة؛ فقد شهد الاقتصاد الصهيوني انخفاضاً حاداً في حجم الاستثمارات المحلية والأجنبية التي تراجعت من ٤٩٨٨ مليون دولار عام ٢٠٠٠م إلى ١٦٤٨ مليوناً عام ٢٠٠٢م بنسبة تراجع قدرها ٥٣.٢%، وانكمشت الاستثمارات المباشرة للأجانب في الاقتصاد «الإسرائيلي» بنسبة ٨٠% في عام ٢٠٠٤م (عام الهدوء النسبي!!) عن العام السابق له وفقاً لـ (سيفر بلوتسكر) الخبير الاقتصادي الصهيوني (معاريف ٧/٢/٢٠٠٥م) لتبلغ مستواها الأدنى منذ ٩ سنوات، كما أن الاستثمارات «الإسرائيلية» رغم الهدوء النسبي تضخمت في الخارج (٢.٨ مليار دولار) بنسبة ٥٥%، وبلغ تقهقر الاقتصاد الصهيوني نتاج هجرة المال «الإسرائيلي» وغياب الأجنبي حد الملياري دولار في عام الهدوء الأخير. كل هذه المعطيات ومثيلاتها العسكرية التي تشهد هي الأخرى تطوراً هائلاً على الصعيد الفلسطيني، خاصة لدى كتائب عز الدين القسام التي لا يفتأ مهندسو حركتها العسكرية النشطة يفاجئون العقلية العسكرية الصهيونية بكل جديد. و «إسرائيل» التي ـ نعم ـ قتلت عرفات أدركت متأخرة أنها قد أسدت «معروفاً كاريزمياً» ـ سحرياً ـ لزعماء حماس، وأسهمت في القفز بشعبية الحركة، وهي ربما أدركت بعد فوات الأوان أن سم عرفات لم يكافئ صاروخ ياسين؛ من حيث الوقع النفسي على أفراد الشعب الفلسطيني. «إسرائيل» تدرك أن الظرف الإقليمي في صالحها تماماً؛ فسوريا ربما تكون مشغولة بالهم اللبناني الآن أكثر من الهم السوري، وهي قد انصاعت للضغوط بشأن الوجود الإعلامي والسياسي لقادة الفصائل الفلسطينية، ومصر تعاني من عدة مشاكل لعل أهمها الاستحقاقات الرئاسية والنيابية، والأردن قائم بدوره في طرح المبادرة التطبيعية، والعراق قد كفي مؤنته أمريكياً، غير أن كل هذا لا ينفي أن خطة المائة يوم التي أعلنها شارون قد باءت بالإخفاق، وأن سنوات حكمه تنقرض دونما إنجاز حقيقي سوى نجاحه في تغييب شيخٍ مقعدٍ من معادلة الصراع، ووضع «إسرائيل» داخل سجن الجدار الأمني. ولذا، فلم تكن ضحكات شارون في شرم الشيخ عاكسة فرحته فقط بمصافحة أيدي الزعماء العرب، بعد أن تلطخت من قبل بدم الشيخ ياسين ﵀، ونيله تطبيعاً عربياً بلا ثمن وهرولة بغير هدى، وإنما تعكس شعوراً بخيبة أمل كبيرة؛ لأن هؤلاء لم يصافحوه ـ كما كان يرجو من قبل ـ نتيجة لتسليمهم بانتصاراته، بل نتيجة لضغوطات أمريكية لو لم تكن موجودة لما صافحه أحد. وأبو مازن وفريقه يدرك من ناحيته حاجته الملحة للتهدئة، وإلى استرضاء عدوه اللدود (حماس) ؛ من أجل تحقيق هدنة أو قريب من هدنة تحفظ له كرسيه المهدد بالنسف في حال استمرار المقاومة، سواء على صعيد العلاقة مع الكيان الصهيوني، أو على الصعيد الفتحاوي الداخلي، وهو لا يريد أن يدخل نفق عرفات، ومن ثم فهو معني بلملمة الأطراف كلها، واسترضاء الجميع للدخول في لعبة التهدئة التي يريد لها أن تستحيل تطبيعاً للعلاقات بمرور الوقت. أما حماس وخلفها الفصائل الرافضة لأوسلو، فمعطياتها مختلفة؛ لكنها تؤدي النتيجة نفسها التي يريدها أبو مازن، على الأقل من الناحية الشكلية. هذه الفصائل تدرك أن فاتورة الانتفاضة ليست يسيرة؛ (إلى الآن أكثر من ٤٠٠٠ شهيد سدسهم من الأطفال، وأكثر من ٦٦ ألفاً من المكلومين) ، خلافاً للخسائر الاقتصادية الباهظة، إلا أنها تفهم أن هذا ليس ثمناً باهظاً، إذا قورن بما يألمه العدو في المقابل، وإذا ما قيس بحجم المكتسبات التي تحققت من ورائه. والفصائل تبدو غير ماضية في التطبيع، وليس مطروحاً على أجندتها؛ بيد أنها غير رافضة للتهدئة، وهذه رؤيتها كما نفهم من أدبيات (حماس) كممثلة للفصائل المقاومة. ü رؤية الفصائل الفلسطينية لقضيتي التهدئة والتطبيع: في نقاط محددة يمكن أن نعرض لرؤية حماس للمرحلة القادمة، وموقفها من المقاومة والتطبيع على طرفي نفيض: - حركة حماس لا ترى الآن أن الظرف الإقليمي في صالحها، اللهم إلا شلل الولايات المتحدة في العراق، وهو ما يمكن أن يكون ظرفاً دولياً أكثر من أن يكون إقليمياً، وهي تفهم جيداً المتاعب التي يلقاها قادة (حماس) في الخارج، وتحركهم غير الآمن في أكثر من عاصمة عربية، وما قد يجره ذلك على الحركة من احتمالية فقد أبرز أدمغتها في الخارج؛ فسوريا لم تعد آمنة لا سياسياً، بعد تكاثر الضغوط عليها، وتحديد إغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية: باعتباره أحد المطالب الأمريكية الثلاثة لنيل رضاها، ولا استخبارياً بعد محاولات الاغتيال الناجحة منها والمحبطة في العاصمة السورية لقادة حماس وعناصرها. وفي الأردن كذلك مرت الحركة فيه بالظروف عينها، وإنْ كان ذلك في مرحلة مبكرة، ولبنان تكاد تصفّى من الوجود السوري بما وفره من مظلة سياسية واستخبارية، ظلت تحمي قادة المنظمات ـ باعتبارهم ورقة للمساومة في قبضة السلطات السورية ـ من الطرد أو الاغتيال، والسودان أضحى تحت السيطرة تماماً، وإيران التي تمارس الولايات المتحدة ضغطاً نووياً عليها لا تريد أن تكون قاعدة انطلاق لحماس وغيرها من الفصائل، بعدما سلمت إيران من قَبْلُ قيادات الجماعة الإسلامية والجهاد إلى مصر، وبالتأكيد يفهم (خالد مشعل) ورفاقه أنهم حين يقيمون في قطر فإنهم يقيمون إلى جوار قاعدة العديد الأمريكية، ولن تكون تلك أرأف حالاً بهم من شارون. - وتتفهم حماس بشدة المعاناة التي يحياها الفلسطينيون بسبب العدوان الصهيوني الذي تناوئه انتفاضة الأقصى؛ وإذ تشارك في الحكم حتى الآن عبر المحليات فإنها تريد أن تضع بلسماً إنسانياً على جروح المكلومين، وتوفر سبل العيش للمحرومين، وهذا بدوره يستدعي تهدئة، وليس بالضرورة تطبيعاً. - وحماس تريد بذكاء أن تستثمر الشعبية الجارفة التي توافرت لها في تثبيت واقع لها على أرض السياسة، حين يتحدث الرسميون عن هذه الحركة التي تحظى بـ «نسبة كذا» من تمثيل الشعب الفلسطيني وهو ما يفرضها رقماً لا يتجاوزه من أراد حلاً حقيقياً للمعضلة الفلسطينية، لكن صناع القرار في حماس يدركون أيضاً أن هذه الشعبية التي عبر عنها اكتساح (حماس) لانتخابات غزة وفوزها في الضفة؛ لم تتوافر (لحماس) بسبب «المفاوضات» أو الذكاء السياسي فحسب، وإنما هذا الفوز الكبير كما قال الدكتور أحمد بحر، الكاتب والقيادي بحماس: لم يكن إلا ببركة دماء وأشلاء الشهداء، وعلى رأسهم شيخ الأمة الشهيد أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وآلاف الشهداء من أبناء شعبنا الصابر، وبسبب صواريخ القسام التي أقضت مضاجع العدو، وبالتفاف شعبنا حول المقاومة واحتضانه للمجاهدين، ووقوف الكثير من المخلصين من أبناء الأمة العربية والإسلامية مادياً ومعنوياً، والفضل أولاً وأخيراً لله ـ سبحانه ـ الذي أكرم الحركة الإسلامية وشعبنا الفلسطيني بهذا الفوز العظيم. لقد كان هذا الفوز نعمة من الله يجب أن يزيدنا ذلة وتواضعاً وخشوعاً لله سبحانه» . - وحماس تقرأ الواقع بعدسة غير تلك التي نظرت بها إبان أوسلو، لا بل تعتبر أن مشاركتها في اللعبة الانتخابية ينسف أوسلو أو ما تبقى منها. يقول الدكتور (محمد غزال) عضو القيادة السياسية لحركة المقاومة الإسلامية في مؤتمر صحفي أجرته الحركة في مدينة نابلس قبل أسابيع للإعلان عن مشاركتها في الانتخابات النيابية المزمعة في يوليو القادم: «إن انتفاضة الأقصى تجاوزت اتفاقية أوسلو، وأصبحت الأوضاع محكومة بمجموعة من الوقائع السياسية المختلفة، ننطلق في قرارنا مما أوجدته الانتفاضة من التفاف حول المقاومة» . وقد أكد المعنى عينه عضو القيادة السياسية للحركة الدكتور محمود الزهار في برنامج (أكثر من رأي) بقناة الجزيرة في يوم الجمعة ١٨/٣/٢٠٠٥م وهو أن «دخول حماس للمجلس التشريعي سوف يقضي على أوسلو تماماً» . - وحماس تتبع استراتيجية يدعوها الأستاذ خالد مشعل بـ «التيئيس» ، وبرغم كون القيادي البارز قد تحدث عنها في سياق عسكري بحت؛ فإنها تبدو إحدى لوازم تحركات حماس الآن، (ربما الأمثلة لدينا في استغلال كل ثغرة لدى العدو ضيقت سبيل التفجيرات الفدائية، بفعل الجدار؛ فأمسى الجدار مؤمِّناً لحدٍ ما من الصواريخ، وإلى استهداف الدوريات والأبراج العسكرية، وسعت عدة جهات لجر حماس إلى «قفص التفاوض» فجرتهم إلى وثيقة مشتركة (وثيقة القاهرة الأخيرة) . منح شارون نفسه مهلة للاستراحة؛ فاستثمرتها حماس بلدياً ونيابياً وحتى عسكرياً) ، وعن ذلك يقول الأستاذ مشعل: «قضية مهمة أسمّيها تيئيس الأعداء من أن ينجح خيارهم العسكري والأمني؛ هذه النقطة التي نراهن عليها، نحن لا نراهن على اعتدال ميزان القوى بيننا وبين عدونا اليوم، نحن نراهن أن نيئّس أعداءنا من أن قوّتهم العظمى المتفوقة لن تقهرنا، ولن تكسر إرادتنا، ولن تفرض الهزيمة علينا، هذا التيئيس أمر ضروري وصدق الله ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، وإذا وصلنا إلى لحظة التيئيس، فإنها اللحظة الحرجة التي تتقهقر بعدها قوى الأعداء. تخيّلوا الذين وضعوا حماس على قائمة الإرهاب ومنهم الأوروبيون؛ فعلوا ذلك استجابة للضغط الأميركي، ونفاقاً للصهاينة، على الرغم من عدم قناعتهم، تخيّلوا أنهم يضعون حماس على قائمة الإرهاب وهم يتصلون بها ويحاورونها، بل إن الأمريكان يسعون للحوار معنا بطرق مختلفة، كيف تحاورون إرهابيين؟! إنه التيئيس! لقد قالها أكثر من أوروبي، وأحدهم قال ـ كما سمعت في قطر ـ: لا حل في فلسطين دون حركة حماس» . - فوق هذا وذاك، فإن حماس تتوقع انسداد الأفق السياسي أمام أبي مازن ومن ثم عودته ـ كما جرى لسلفه عرفات ـ خالي الوفاض من دائرة التفاوض الفارغة، والتي لن ترضى عن انجرافها بشدة ضد تطلعات الشعب الفلسطيني قوى وطنية داخل فتح ذاتها، مما يجعل الأمور تسير نحو عودة التصعيد العسكري إلى وتيرته الأولى، وساعتئذ تكون حماس قد حققت بعض المكتسبات على الأرض وعلى الصعيد السياسي، وتكون قد أعذرت إلى شعبها بإفساحها المجال أمام أصحاب الحلول السلمية أن يجروا مفاوضاتهم الماراثونية دونما ضجيج. وإذن فقد تكون الحركة مراهنة على الانسداد السياسي في مسيرة يشارك الساسة الفلسطينيون فيها (آرييل شارون) أشهر جزاري العصر. - وبرغم نفي الدكتور (غزال) القيادي بحماس لإعلانها المشاركة في الاستحقاق النيابي على خلفية الاضطرابات البادية بقوة في الصف الفتحاوي؛ فإنها تبدو مقتنعة بأن هذه فرصتها الكبرى لاقتناص نسبة عالية من المجلس التشريعي الفلسطيني، يمكنها تالياً لطلب انضمامها لمنظمة التحرير الفلسطينية وفقاً لأرضية جديدة، ومن ثم تثبيت هذا الوضع دولياً وعربياً، ربما لفترة طويلة. ولا شك أن الحركة صادقة في نفيها ذلك؛ لاعتبار أنها أقدمت على دخول معترك الانتخابات البلدية قبل أن تستعر الخلافات داخل فتح، غير أنها تبدو متفهمة جيداً لمزاج الشعب الفلسطيني، حتى قبل هذه الخلافات والذي عبر عنه نجاحها في أكثر المناطق تعرضاً للبطش الصهيوني واجتياحاته: كـ (بيت حانون) وغيرها المتعرضة على الدوام لانتقام جنود شارون؛ لانطلاق سيل الصواريخ القسامية منها على بلدة سيديروت، هذا المزاج الذي لا يخطئ أيضاً ما يفوح من رائحة الفساد السلطوية التي أزكمت الأنوف، وغدت معها حديث الأطفال في الشوارع. - وحركة حماس برغم أسفها على غياب عرفات، تستوعب تأثير ذلك على شعبية فتح، وغياب (الكاريزما) سحر الشخصية التي كانت تضفي على حركة فتح بُعداً رابعاً؛ بما لا يمكن إنكاره، وتفهم أن الخيار الشعبي قد استقام لها بعد أن قتلت «إسرائيل» عرفات الحاصل على جائزة نوبل، والذي كان يصافح بيريز بكل ودّ في مرات عديدة؛ في الوقت ذاته الذي قتلت فيه الشيخ ياسين الذي لم تتلوث يده بمصافحة الأعداء، والذي لن تخطئه عين أي مواطن حاذق يرى السبيل للتعايش مع الصهاينة درباً من دروب الخيال غير العلمي لا ترقى إليه سوى عقول أصحاب «الخيار الاستراتيجي» . - وحركة حماس المنحدرة من أصول إخوانية لا تشذ عن فكر الإخوان الذي يؤكده الشعار الإخواني المصري: «مشاركة لا مغالبة» ، والذي استطاعت معه الحركة الأم انتزاع بعض المكتسبات السياسية من خصومها من دون أن تمنحهم فرصة «المغالبة» السياسية التي قد تجر في حالة مثل فلسطين إلى الاحتراب الداخلي، وهو ما أكده الدكتور غزال حين قال: «إن الحركة تسعى لتأسيس علاقة شراكة لا هيمنة» . - وحماس التي تدرك حق العسكريين في المشاركة بالقرار السياسي لم يفتها أن تؤكد على شمولية شوريتها في قرار الانخراط في اللعبة الانتخابية النيابية، وحرصت على التشديد على مشاركة الأسرى كذلك في التحضير لهذا القرار. ü الدول العربية بين التطبيع والمقاومة: بطبيعة الحال حزمت الدول العربية أمرها حين انحازت لـ «الخيار الاستراتيجي» (السلام والتطبيع) ، غير أنها كانت معنية بعدم فقدان آخر أوراقها التي تتعامل بها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهي ورقة التأثير على المقاومة، أو إمكانية ممارسة الضغط عليها، ومن هنا كان سحب هذه الورقة من يد سوريا إضعافاً شديداً لها، وكانت المفارقة أن حماس التي ترعرعت بالقرب من جماعة الإخوان في مصر (الثقل الكبير لحماس في غزة، ذاك القطاع الذي كان خاضعاً للإدارة المصرية لمدة طويلة قبل عقود، ومن ثم نبتت حماس من تربة إخوانية كانت غير بعيدة عن إخوان القاهرة إبان الخمسينيات والستينيات) ، غدت ورقة في يد الحكومة المصرية بعدما ابتعدت السلطة الفلسطينية عنها قليلاً بعد غياب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، (ولا نعني بورقة أنها أداة بل تبادلية العلاقة بين الطرفين) ، وحيث يمضي قطار التطبيع سريعاً تجد بعض الدول نفسها راغبة في كبح جوامحه لاستخدامها في إبطاء عجلة التغيير الأمريكي المفروض من الخارج، وتجد دول أخرى نفسها عازمة على تسريعه، حتى لا يدعسها قطار آخر هو قطار «الإصلاح» . ومن ثَمَّ تجد فصائل المقاومة نفسها في مأزق، كلما وجدت الدول العربية تهرول باتجاه الكيان الصهيوني غير عابئة بما تجره هذه الهرولة من تنسيق أمني عالٍ مع الكيان الصهيوني في المجال الأمني والاستخباري فيه خصوصاً مما يضرها أكثر مما ينفعها، والذي بدوره يقطع كثيراً من طرق الإمداد للمقاومة الفلسطينية، سواء العسكرية أو التموينية، كما يلاشي مساحة الوجود الفصائلية على التراب العربي، ومن ثم يقطع سبيل التواصل بين الخارج والداخل للفصائل الفلسطينية. والدول العربية ليست الأسعد حالاً من الفصائل بهذا التطبيع الأمني والاستخباري، وحتى الاقتصادي مع العدو الصهيوني؛ حيث يجردها من أي قيمة تفاوضية يمكن أن تتراجع بالتفريط فيها مستقبلاً، وهذا سيسيل لعاب «إسرائيل» لمزيد من المكتسبات التي تجعلها تمتطي ظهور العرب واحداً تلو الآخر. ü المقاومة بين التطبيع والتهدئة: هناك للأسف من يخلط بين مصطلحي (التطبيع) الذي تمارسه الدول العربية، والتهدئة التي تمارسها الفصائل المناضلة في فلسطين، وحتى يتم تحرير هذين المصطلحين في الأذهان نورد بعضاً من أدبيات حركة حماس بهذا الصدد، والتي تزاحمت نصوصها في أعقاب إعلان حركة حماس عن عزمها خوض الانتخابات النيابية في مناطق السلطة الفلسطينية: «حماس لن تتحول إلى حزب سياسي؛ لأنها أصلاً تتعاطى مع السياسة ضمن رؤيتها الشاملة معتبراً أن البندقية غير المسيَّسة هي بندقية حمقاء» . (د. محمود الزهار/ قناة الجزيرة) . «كل عدوان عسكري لا يكتفي بالعسكرة، وإنما يستصحب معه أشكالاً أخرى وهذا يعطينا مساحة واسعة لمقاومة هذه الأشكال من العدوان؛ فكما يستصحب العدوان أشكالاً أخرى؛ فعلى الأمة أن تستصحب أشكالاً من المقاومة، وعند ذلك تنتصر الشعوب المحتلة. بل لعلّي أقول من واقع تجربتنا في فلسطين: إن الذين يمارسون المقاومة في الشعب الواحد ومستلزماتها هم شريحة محدودة في الشعب، فليس كل الشعب يقاوم، وإن كانت روح وثقافة وإرادة المقاومة متوفرة، ولكن الذي يمارس المقاومة بنفسه أو مستلزماتها يبدون شريحة محدودة؛ فماذا تفعل شرائح الشعب الأخرى؟ عليها أن تقاوم بأشكال مقاومة أخرى» . (خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في كلمة ألقاها بقطر، ضمن فعاليات المؤتمر التأسيسي لمقاومة العدوان الشهر الماضي) ، «إن انتفاضة الأقصى تجاوزت اتفاقية أوسلو، وأصبحت الأوضاع محكومة بمجموعة من الوقائع السياسية المختلفة ـ وأضاف قائلاً ـ: ننطلق في قرارنا مما أوجدته الانتفاضة من التفاف حول المقاومة» (الدكتور غزال عضو القيادة السياسية لحماس في مؤتمر نابلس الصحفي) . «المفاوضات ليس حراماً ولكن السؤال على ماذا وكيف نتفاوض» (الدكتور محمود الزهار) . وهذا وإن كان يعطي انطباعاً دقيقاً حول تفكير الحركة إلا أنه لا ينفي أن مشاركة الحركة في النظام السياسي الفلسطيني هو أيضاً له تبعاته التي قد تضر بالحركة حين تجد نفسها شريكاً في العملية السلمية رغماً عنها، وتجد نفسها تخوض المعركة السياسية بكل ثقلها جوار المعارك الأخرى التي قد تستدعيها للحراك باتجاهها. كل ذلك مفهوم من الناحية النظرية، لكن السؤال الأصعب الآن: كيف سيكون حال الأجنحة العسكرية إذا ما غلب السياسي على العسكري في حركة حماس؟ وإذا ما وصلت الدول العربية إلى آخر طريق التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ الواقع أن هذين السؤالين ذوا شقين مختلفين من الإجابة؛ فالأخير أيسرهما من حيث الإجابة وأصعبهما على الأرض، فسهل أن نقول: إن التطبيع العربي يضر بالأجنحة العسكرية الفلسطينية بقدر محدود، وصعب أن نتصور تطبيعاً كاملاً مع الكيان الصهيوني من دون قلاقل داخل منظومة الدول العربية، لا سيما القريبة من الكيان الصهيوني، وبعضها قد بنى شرعيته الشعبية على رفع شعارات ثورية تغذي استتباب حكمه الطائفي أو محدود الشعبية، غير أن فئاماً من بني يعرب ممن كبّروا على المساندة العربية للقضية الفلسطينية أربعاً ـ أو حتى ربما يعبرون إلى منطقة أشد قتامة، هي منطقة عدم الفاعلية العربية في التأثير على القضية الفلسطينية سلباً أو إيجاباً ـ قد تستهلكهم الإجابة على السؤال الأول من دون الالتفات للأخير، وهؤلاء سينظرون بعين الاعتبار إلى تقرير نشرته صحيفة (يديعوت أحرونوت) الصهيونية (١٥/٣/٢٠٠٥م) جاء فيه على لسان اللواء أهرون زئيفي، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال الصهيوني: «إن قدرة حماس الآن أقوى مما كانت عليه في الماضي، وهذا ما يثير قلقي؛ لأنهم يبنون هذه القدرة تحت غطاء الهدوء. وإذا تلقوا أمراً فسيتركون الهدوء جانباً، وخلال ٢٤ حتى ٤٨ ساعة ستكون لديهم القدرة التي لم تكن لديهم بعد أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي أو ياسر عرفات، ومن ضمن ذلك عمليات داخل الكيان، وفي حالة كسر الهدوء، قد تقع عمليات كبيرة جداً» . ونلفت إلى أن «هناك الكثير من النشاط لإكمال عمليات، وهو نشاط نسميه نحن (عمليات مضبوطة) ، أو (عمليات في ماسورة السلاح) ، ولا يمكنني أن أقدم تفاصيل حول تلك العمليات، لكن تلك العمليات موجودة في مراحل يمكن خلال ٢٤ حتى ٤٨ ساعة أن نشهد عدة عمليات قاسية، من بينها أنفاق مفخخة. نحن نعرف أن هناك أنفاقاً مفخخة أكملوا إعدادها، وأن قسماً آخر في مراحل ما قبل إنهاء الإعداد في قطاع غزة، وهذا هو معنى استمرار الاستعدادات. كما أن هناك جهوداً كبيرة وحثيثة لجلب المعلومات والمعرفة، وتطوير صواريخ في الضفة الغربية، خاصة في جنين ونابلس (شمال الضفة الغربية) ، كما كان في نهاية عام ٢٠٠١م، وبداية عام ٢٠٠٢م، حركتا: حماس، والجهاد الإسلامي تستغلان كل هذه الجهود لاستخدامها في اليوم الذي ستضطران فيه إلى حمل السلاح. هذا وضع في غاية الحساسية» . وسيفهمون ما الذي يعنيه الأستاذ خالد مشعل بقوله: «إن الذين يمارسون المقاومة في الشعب الواحد ومستلزماتها هم شريحة محدودة من الشعب؛ فليس كل الشعب يقاوم» (يعني المقاومة المسلحة) . وسيلحظون معنى ما قاله بشير المصري الناطق باسم الحركة: «ستظل (حماس) حركة مقاومة إلى أن تتحقق أهداف الشعب الفلسطيني» ، وسيتوقفون عند رفض الحركة لنزع الأسلحة من أيدي المقاومين. إن الظروف الإقليمية والدولية والمحلية قد تكسرت نصالها بعضها على بعض من فرط تكاثرها على صدر حماس، بيد أنها هي ذاتها تعتبر هذه المقاومة منها لكافة ألوان التدجين سواء منها العسكري أو السياسي ـ وهو الأشد مراساً الآن ـ درباً من دروب الحياة التي قرأها الأستاذ خالد مشعل من خلال هذه الكلمات: «المقاومة حالة شاملة، وحياة متكاملة، كما أن الهزيمة تنعكس على الجوانب الأخرى للحياة، لذلك ينبغي أن تتجلّى على جوانب الحياة كلها، ينبغي للأمة والشعوب أن تعيش حالة المقاومة والممانعة، ولذلك نحن لسنا أمام الشكل العسكري للمقاومة فحسب، بل نحن أمام حياة كاملة، والقرآن سمّاها حياة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ؛ فالجهاد حياة شاملة، وهي الحياة الحقيقية، كما أن الهزيمة العسكرية في الغالب يرافقها انهيار شامل، فإن المقاومة ينبغي أن يكون معها إحياء ونهوض شامل، والشعب، أي شعب، لا يستطيع أن يقاوم محتلاً إلا إذا نهض بحياته، ووفّر كل مقوّمات الصمود، فتعيش المرأة، ويعيش الطفل، ويعيش الكبير والصغير، والكل يعيش حياة المقاومة، وهذا نموذج عشناه، ولا نزال في فلسطين، وأحبتنا في العراق كذلك، وكل الأمّة عليها أن تعيش ذلك. وكذلك كما أن المقاومة بحاجة قبل انطلاقتها إلى مرحلة تحضير؛ لأن المقاومة إنما تستند إلى قاعدة واسعة من التحضير؛ فإن شعباً غير حاضر للمقاومة ينكسر مع أول تجربة، وسبب الصمود في فلسطين، ـ بعد فضل الله تعالى ـ هو أن الشعب وطّن نفسه وجهّزها لمعركة طويلة؛ فكما أن هذه هي الحالة؛ فكذلك إذا انطلقت المقاومة فإنه لا يسع أي شعب إلا أن يستصحب مع المقاومة مشروعاً نهضوياً شاملاً؛ لأن المقاومة بحاجة إلى إسناد وإلى دعم ورعاية، وإلى ترشيد ورؤية، وإلى بوصلة، وإلاَّ فسيكون خياراً عسكرياً مضطرباً قد لا يصمد في المعركة الطويلة» .

стр. 5258

التطبيع بين الرؤية الإسرائيلية ومتغيرات الواقع محمد أبو رمان كان مفهوم «المقاطعة» هو المعتمد على النطاق الرسمي العربي سابقاً، لكن بعد توقيع بعض الدول العربية معاهدات سلام مع إسرائيل، وإقامة الكثير من هذه الدول علاقات علنية أو سرية مع الكيان الصهيوني، تبنّت القوى السياسية في العالم العربي ـ المعارِضة لمعاهدات السلام ـ مصطلح «مقاومة التطبيع» لبناء سد منيع ضد الاختراق الصهيوني للمجتمعات العربية، وتحديد العلاقات مع إسرائيل في الإطار الرسمي العربي فقط، وهو الأمر الذي نقل جزءاً رئيساً من المدافعة من حيز العلاقة بين الحكومات العربية وإسرائيل إلى مدافعة بين الحكومات التي وقعت الاتفاقيات، وبين القوى السياسية الشعبية الفاعلة، كما ترتب على ذلك تحول جزء كبير من عملية التطبيع إلى الطابع السري في حالة من التواطؤ بين بعض الحكومات العربية وإسرائيل. على الجانب الآخر فقد مرت الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية لعملية التطبيع في عدة مراحل تاريخية، كانت كل منها تشكل انعكاساً لطبيعة الظروف التاريخية ـ السياسية وموازين القوى القائمة؛ ففي حين كان التطبيع قبل اتفاق كامب ديفيد ١٩٧٨م «سرياً» مع بعض الأطراف العربية، والهدف منه إحداث اختراق داخل النخب السياسية العربية، فإن اتفاق كامب ديفيد يشكل مرحلة انتقالية دخل فيها التطبيع الرسمي مع إسرائيل المرحلة العلنية، لكنه بقي تطبيعاً محدوداً وسلاماً بارداً، وفي الثمانينيات كانت النظرة الإسرائيلية للتطبيع تتمثل في الجانب الاقتصادي، أما التسعينيات؛ فقد ظهرت معالم مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تبناه حزب العمل الإسرائيلي، في حين عاد الزخم والدفع الدولي باتجاه التطبيع اليوم من خلال تواطؤ رسمي عربي لإرضاء الولايات المتحدة، ولتخفيف الضغوط للقيام بإصلاحات داخلية. إلا أن الرؤية الإسرائيلية ـ الأمريكية للتطبيع اليوم تقوم على تغيير البنية الثقافية العربية لتصبح مهيأة لتقبل الهيمنة الإسرائيلية، بينما تتمثل خطورة التطبيع مع إسرائيل ـ في هذه الفترة الحرجة ـ في أنه يستند إلى تعزيز وتفعيل التناقضات السياسية والثقافية العربية، وهو الأمر الذي يجعل من هذه التناقضات حاكماً في العلاقات العربية ـ العربية، ويتخذ من إسرائيل حليفاً وصديقاً للعديد من الأطراف التي ستطغى خلافاتها مع الدول الأخرى على خلافاتها مع إسرائيل. ü كامب ديفيد مفتاح التطبيع العلني: على الرغم من قيام علاقات سرية عربية ـ إسرائيلية قبيل وبعد قيام الكيان الصهيوني، بل وفي ذروة الصراع بين الطرفين إلاّ أن معاهدة كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٨م تمثل المفتاح الرئيس الذي بدأت معه محاولات التطبيع العلنية الرسمية، وتضمنت المعاهدة إقامة علاقات طبيعية وودية بين الطرفين، لكن «خبرة كامب ديفيد» لم تكن مشجعة لقادة إسرائيل؛ إذ بقيت حالة الممانعة قائمة في المجتمع المصري ضد تطبيع العلاقات، وبقي المزاج الشعبي معادياً لإسرائيل، وهو الأمر الذي دفع إلى مناقشة الموضوع بجدية داخل الكيان الصهيوني وصوغ رؤى ومقاربة للتغلب على هذه الحالة التي وصفت بـ «السلام البارد» . من هنا بدأ الحديث داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية الأمريكية والإسرائيلية عن عملية بناء الثقة المتبادلة بين الشعوب العربية والإسرائيليين، واستعار السياسي والكاتب الأمريكي المخضرم (سنايدرز) مصطلح «الجدران الأخرى» ـ من خطاب للسادات ـ ويقصد بها الجدران النفسية والثقافية والذهنية التي تمنع كلا الطرفين من تقبل الآخر والثقة به، ووفقاً لهذه الرؤية: بدون هدم هذه الجدران فلن يكون للسلام استقرار في الشرق الأوسط. انطلاقاً من الإدراك السابق سعت مؤسسات صهيونية وأمريكية لدراسة سبل تطبيع العلاقات بين الشعوب العربية وإسرائيل، حتى لا يبقى الأمر في إطار علاقات مع دول محدودة علناً ومع العديد من الحكومات سراً. في هذا السياق نشر ثلاثة أكاديميين إسرائيليين عام ١٩٨٣م بحثاً بعنوان «اقتصاديات صنع السلام» ، وخلاصته أن التفاعلات الاقتصادية: كالتجارة، والاستثمار، وحركة البشر، والبضائع، والخدمات تشكل المضمون الملموس للسلام، وبدون ذلك سيبقى السلام خاوياً وحالة هشة، في الإمكان تهميشها بسهولة. والهدف من إقامة العلاقات الاقتصادية: هو نقل العلاقات بين الطرفين من «نظام التهديد» إلى «نظام التبادل» أو من «توازن الرعب» إلى «توازن الازدهار» ، ولحق بهذا البحث جملة من دراسات وأبحاث صدر أغلبها عن صندوق «آرمند همر» للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط (وهو مؤسسة تابعة لجامعة تل أبيب، تأسست على أثر اتفاقية كامب ديفيد) ، وقد انطلقت كل تلك الدراسات والأبحاث من تصور واحد وهو أن «الاقتصاد» يمثل حجر الأساس لأي مشروع سلام مستقر ودائم بين العرب وإسرائيل، وأن العمل والأرباح والمصالح المتبادلة على أرض الواقع ستشكل دافعاً حيوياً لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والمحيط العربي. ü التطبيع والشرق الأوسط الجديد: لقد عبّرت الدراسات السابقة عن جوهر الرؤية الإسرائيلية للتطبيع في مرحلة الثمانينيات من القرن المنصرم؛ إذ بدأت عملية التمهيد لاتفاقيات السلام المحتملة بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، إلا أن هذه الرؤية تطورت مع بداية عقد التسعينيات؛ إذ شهد النظام الإقليمي العربي تصدعاً كبيراً جرّاء حرب الخليج الأولى عام١٩٩٠م، وتبدت حالة الضعف هذه في ولوج دول الطوق العربي إلى مفاوضات السلام من خلال بوابة مدريد عام ١٩٩١م، والتي تمخضت عن معاهدات جديدة: أوسلو ١٩٩٣م مع منظمة التحرير الفلسطينية، ووادي عربة ١٩٩٤م مع الأردن، وتضمنت كلا المعاهدتين بنوداً خاصة بتطبيع العلاقات من خلال التنسيق والتعاون الأمني والاقتصادي وإزالة الحواجز التي تحول دون تحقيق عملية التطبيع. لقد كانت الفائدة الرئيسة لإسرائيل من خبرة «كامب ديفيد» هي أن القيمة الحقيقية لمعاهدات السلام تتمثل بتطبيع العلاقات مع الشعوب العربية. انعكس تطور الرؤية الإسرائيلية للتطبيع من خلال المشروع الذي نضج في مراكز ومؤسسات حزب العمل الإسرائيلي، وساهمت في تطويره مؤسسات اقتصادية وفكرية أمريكية، وتبنته العديد من الدول العربية؛ وقد انتقلت فكرة التطبيع من إقامة علاقات اقتصادية إلى مشروع كامل يقوم على إقامة نظام إقليمي يؤدي إلى إدماج إسرائيل بالمنطقة، ويستند إلى مجموعة كبيرة من التفاعلات والنشاطات المتشابكة والمصالح المشتركة. في هذا السياق صدرت وثيقة عن جامعة هارفارد (١٩٩٣م) تتبنى إقامة عدة مشاريع تساهم في تطوير وتوثيق العلاقات بين الجانبين العربي والإسرائيلي كمشروع إقامة ما يشبه الـ «ريفييرا» على البحر الأحمر، وإقامة مشروع البحرين والعديد من مشاريع البنية التحتية. ويمكن قراءة الصيغة الناجزة للمشروع الإقليمي للسلام والتطبيع في دراسة شمعون بيريس بعنوان «الشرق الأوسط الجديد» التي تقدم معالم هذا النظام الإقليمي، والذي يمر بمراحل تبدأ بإقامة شبكة علاقات متكاملة وبنية تحتية قوية بين الأردن وإسرائيل وفلسطين، ومن ثم توسعة دائرة العلاقات لتشمل مختلف الدول العربية، ويستند هذا المشروع «الطموح» إلى فرضية رئيسة وهي أن إقامة هذه العلاقات والمصالح هي الرابط الرئيس بين البشر في الدول العربية وإسرائيل، وهو الأمر الذي يجعل من أي محاولة لتخريب السلام تقابل بالرفض والمقاومة من قِبَل الأعداد الكبيرة من البشر المرتبطين بهذه المشاريع المشتركة، ووفقاً لهذه الرؤية فإن مصدر التهديد لكل من إسرائيل والدول العربية سيتمثل بالقوى والدول المعادية للسلام، وتقوم رؤية (بيريس) على الانتقال من مفهوم إسرائيل الكبرى «جغرافياً» إلى «إسرائيل العظمى» من خلال الهيمنة على المنطقة العربية؛ إذ يعتقد (بيريس) أنه يمثل تفوق العقل الصهيوني على العقل العربي، وهو الأمر الذي للأسف انجرَّ وراءه العديد من القادة والمثقفين العرب، فنادوا بالاستفادة من الحداثة والتفوق الإسرائيلي، في هذا السياق يعتبر (بيريس) أن التكامل الاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية المحيطة يقوم على أن إسرائيل تمتلك العقل والإبداع والخليج يمتلك المال ومصر والعرب الآخرون يمتلكون الأيدي العاملة. كان «الشرق الأوسط الجديد» يهدف إلى بناء روافع كبيرة ومتينة للتطبيع من خلال خطوات رئيسة؛ أولها الاعتراف بإسرائيل والقبول بها في المنطقة، وإنشاء شبكة علاقات تحمي السلام، بما في ذلك إقامة تعاون أمني واسع النطاق. وعلى الرغم من نجاح بيريس وحزبه في خلق قناعات عامة ـ حتى داخل الأوساط العربية المؤيدة لعملية التسوية والتطبيع ـ فإن مصدر التهديد والخطر الرئيس يتمثل بالقوى والدول الرافضة للتسوية السلمية بصيغتها القائمة، وفي مقدمة هذه القوى الحركات الإسلامية. إلا أن تغاضي بيريس عن القوى المتطرفة الإسرائيلية لم يكن عملياً؛ إذ سرعان ما اغتال أحد المتطرفين زعيم حزب العمل ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، وهو الأمر الذي دفع بيريس نفسه ـ بعد أن تولى رئاسة الوزراء ـ إلى المماطلة بتنفيذ اتفاق أوسلو، والتباطؤ في الخطوات والاستحقاقات المترتبة على الجانب الإسرائيلي إلى أن جمدت عملية السلام، وتبخرت تدريجياً طموحات بيريس وحزبه والديمقراطيين الأمريكيين والحكومات العربية المتحمسة لأفكار الشرق الأوسط الجديد، ثم بدأت عملية الانتكاس الحقيقي مع وصول الليكود إلى الحكم، ولم يسعف رجوع باراك وحزب العمل إلى السلطة ـ مرة أخرى ـ عملية السلام إلى أن عاد شارون، ودفع بالعملية السلمية إلى مربع إعادة النظر في الاتفاقيات التي وقعت، وتجميد استحقاقاتها على الجانب الإسرائيلي. خلال ذلك مرت عملية التطبيع بسنين عجاف؛ إذ تعالى الصوت العربي الرافض للتسوية، والمطالب بدعم الانتفاضة وازدادت قوة حركة ممانعة التطبيع، وتوارى المطبعون العرب عن الأنظار. إلا أن عملية التطبيع السرية بدعم من الحكومات العربية بقيت مستمرة، وظل الجانب الرسمي العربي في العديد من الدول، خاصة مصر والأردن مصرّاً على التطبيع ولو سراً، كما وُقعت اتفاقيات اقتصادية وتجارية شكلت معبراً غير معلن للبضائع والمنتجات الإسرائيلية إلى المحيط العربي، وقد شهد التطبيع السري ازدهاراً غير مسبوق في الفترة التي تلت سقوط بغداد، وهو الأمر الذي يؤشر إلى أن السياسة الإسرائيلية بخصوص التطبيع كانت تتجه إلى أن يكون جزءاً كبيراً منه سرياً في السنوات الأخيرة. ويمكن في هذا السياق الاطلاع على بعض الأرقام التي تبين حجم التطبيع على الجانب الأردني في فترة التراجع في مسار التسوية، على الرغم من القرار الرسمي العربي بتجميد العلاقات مع إسرائيل؛ فقد نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية (الصادرة ١/٤/٢٠٠٤م) أن هناك شركات إسرائيلية تعمل على تحويل البضائع الإسرائيلية إلى معبر الشيخ حسين ومنه لشركات أردنية تتولى بدورها تصديرها إلى العراق ـ بعد أن تكون قد أزالت أية إشارة إلى مصدر البضائع الحقيقي ـ وتدّعي الصحيفة أنه تم تحويل ما يقارب ٤٠ مليون دولار بهذه الطريقة عام ٢٠٠٣م، كما أنّ هناك ما بين ٧٠ إلى ١٠٠ شركة إسرائيلية تسوق منتجاتها في السوق المدنية العراقية، كما تشير إحصائيات (معهد التصدير الإسرائيلي) إلى أن الصادرات الإسرائيلية إلى الدول العربية ارتفعت في الأشهر التسعة الأولى من عام ٢٠٠٤م بنسبة ٥٣%، في نفسها الفترة ارتفعت إلى الأردن بنسبة ٦٣% لتبلغ ١٠٠.٧ مليون دولار، أما دول الخليج؛ فقد ارتفعت الصادرات الإسرائيلية إليها بنسبة ١٤٣%. وسواء كان في المعلومات التي قدمها (معهد التصدير الإسرائيلي) مبالغة أم لا؛ فإن ما يدعو للأسف أنّه من الصعوبة إغفال عمليات التطبيع السري الجارية على قدم وساق في كثير من الدول العربية، ولم يمنع استمرار هذه العمليات التوقف في مسيرة السلام، في حين يشير خالد الناشف (الباحث الفلسطيني) في دراسته المتميزة «الاختراق الصهيوني للعراق» (منشورات اتحاد الكتاب العرب عام ٢٠٠٥م) إلى جزء كبير من عمليات الاختراق الصهيوني للعراق، والتي ارتبطت بمختلف جوانب الحياة الاقتصادية والثقافية والأمنية. ü تحالف المحافظين الجدد والليكود والتطبيع المطلوب: لقد وصلت عملية السلام إلى طريق مسدود مع مفاوضات (كامب ديفيد ٢) ؛ وودع كلينتون البيت الأبيض بخيبة أمل كبيرة لعدم قدرته على إرغام عرفات على القبول بعرض باراك، وهو الأمر الذي دفع بالتسوية مرة أخرى إلى الوراء، ثم جاء المحافظون الجدد إلى البيت الأبيض، وتمثلت سياستهم تجاه الشرق الأوسط ـ في البداية ـ بما وصفه (محمد خالد الأزعر) بسياسة «الانغماس الحذر» ، والتي تقوم على انتقاد أساسي، وجهته المؤسسات البحثية والكُتَّاب المؤيدون للمحافظين الجدد لسياسة إدارة كلينتون لتورطها بتفاصيل المفاوضات، وعدم قدرتها على إقناع الأطراف الرئيسة بالوصول إلى الحل النهائي، وهو الأمر الذي أضعف من هيبة واحترام أمريكا في الشرق الأوسط، ولذلك امتنعت الإدارة الجديدة عن الولوج إلى التفاصيل والاكتفاء بالإدارة العامة للعملية، إلا أن هذه السياسة سرعان ما تلاشت مع أحداث أيلول ٢٠٠١م، والتي أعادت الجميع مرة أخرى إلى التفكير في القضية الفلسطينية وبسبل حلها، لكن الحل الأمريكي ارتبط ـ هذه المرة ـ بتغيير الوضع الاستراتيجي في المنطقة لصالح الكيان الصهيوني؛ لخلق شروط جديدة تدفع بالفلسطينيين والعرب للقبول بشروط أقل من السابق. استُؤنِفت محادثات السلام مرة أخرى بعد سقوط بغداد وعلى أثر وفاة عرفات، ودخل الفلسطينيون المفاوضات بشروط أصعب من السابق في ظل ضغوط أمريكية شديدة على الحكومات العربية؛ لإجراء إصلاحات داخلية، وهو الأمر الذي حاولت كثير من الدول العربية الهروب منه من خلال تقديم تنازلات في مجال التطبيع مع إسرائيل سعياً إلى تخفيف الضغوط الداخلية عليها. وفي هذا السياق من انهيار النظام الإقليمي العربي يمكن أن تقرأ المبادرة الأردنية لتفعيل عملية السلام التي قدمت إلى قمة الجزائر الأخيرة، ويمكن أن تُفهم ـ كذلك ـ تصريحات سيلفان شالوم ـ وزير الخارجية الإسرائيلي ـ بأن الفترة القريبة القادمة ستشهد تطبيعاً بين إسرائيل وبين عشرة دول عربية، ويبدو أن الرائد لا يكذب أهله. في حين أن التطبيع المطلوب إسرائيلياً وأمريكياً اليوم له مقتضيات مختلفة عن مشروع بيريس ـ وإن كان هناك اشتراك كبير في الأهداف ـ فهناك قناعة لدى الجانبين الإسرائيلي والأميركي بأن من يقف في وجه التطبيع هي القوى الإسلامية التي تحشد الرأي العام، وتعبئ الشارع ضد التطبيع، وتجعل المطبعين نُخُباً معزولة داخل المجتمعات العربية؛ لذلك فلا بد في البداية من إصلاح ثقافي وتعليمي يمنع توظيف الإسلام في مقاومة التطبيع، ويلغي مصادر العداء في الكتب المدرسية، ويقوم هذا الجانب على خلق قناعات بثقافة الهزيمة بدعوى عدم القدرة على مواجهة المشروع الصهيوني والأمريكي، وعبثية الدخول في المواجهة. كما يستند التطبيع الثقافي على الاهتمام بعينة من الكتاب والصحفيين والأكاديميين، وفتح المنابر لهم، وتوفير فرص تدفعهم إلى مناصب سياسية ومجتمعية متقدمة حتى وإن كانت مؤهلاتهم الحقيقية متواضعة وضعيفة. أو من خلال جمعيات أهلية عربية تدعم مشروع التسوية، وتدفع باتجاه التطبيع كجمعية بذور السلام غير الحكومية التي تأسست عام ١٩٩٣م إثر اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل في حين بدأت مشاركة الأردن فيه بعد التوقيع على اتفاق السلام مع إسرائيل عام ١٩٩٤م. من جانب آخر يقوم التطبيع الحالي على دفع وضغط أمريكي على الدول العربية للمضي قدماً بمشروع التطبيع وإقامة العلاقات مع إسرائيل، سعياً لاستثمار الفرصة التاريخية التي يترنح بها النظام العربي تحت وطأة انقساماته وأزماته البنيوية وأوضاعه الاقتصادية، والسياسية الهشة. في المحصلة؛ لا يمكن إنكار تحقيق اختراقات إسرائيلية في المجتمعات العربية بتواطؤ من العديد من الحكومات، بشكل كبير منذ سقوط بغداد، ولا يمكن ـ كذلك ـ تجاهل موازين القوى، والشروط التي تدفع بالقوى العربية والإسلامية المقاومة للتطبيع إلى الخلف؛ لكن بالتأكيد فإن أي اختراق أو نجاح لن يكون إلا مؤقتاً أو سطحياً؛ لأنك تستطيع تغيير السياسات في أي لحظة لكن من الصعوبة بمكان تغيير الثقافات إلا من خلال عملية متراكمة ومتدرجة. أما إذا ارتبطت هذه الثقافة بدين وتاريخ ومشاعر، وقوى ثقافية واجتماعية، وبقيمة العدل فإن هذه الثقافة ستكون راسخة ثابتة فيمكن قمعها لفترة معينة، لكن لا يمكن إلغاؤها مهما كان الاختلال بموازين القوى. (*) كاتب أردني، مدير الدراسات في صحيفة الغد اليومية

стр. 5259

الجاسوسية التي تعدد أنماطها من خفايا التطبيع مع الكيان العبري محمود سلطان لا شك أن خبرة المجتمعات العربية والإسلامية في فهم الأعراف والتقاليد «الخفية» في العلاقات الدولية، هي في واقع الحال خبرة تكاد تكون بكْراً، حيث لم تتعرف على العالم من خلال فضاءات رحبة محررة من القمع المؤسسي الداخلي، والحصار الإعلامي، والدعايات الرسمية التي تؤصل في الوجدان العام إحساسه بأنه «وعي قاصر» ، وأن الدولة أكثر منه «فهماً ووعياً» وأن عليه أن يسلم ناصية أمره لها، فهي تحب ألا تُسأل عما تفعل، وفيما تفعل، ولا فيما هي الفاعل فيه. ولقد أغرت هذه الحالة بعض الأنظمة العربية، أو الإسلامية التي أبرمت «اتفاقيات سلام» مع الكيان العبري في النزول عند رغبات وضغوطات هذا الكيان أو الوسطاء «غير المحايدين» ، والتوقيع على «تنازلات» بلغت مبلغ المسّ بالأمن القومي لدولها. باعتبار أن شعوب المنطقة ليست على الوعي الذي يؤهلها لفهم تجلّيات ما اتُّفق عليه خلف الأبواب المغلقة. وفي هذا الإطار، وفي بداية الأمر لاقت كلمة «التطبيع» ـ ولا سيما في الدول التي خاضت حروباً مع الكيان الصهيوني ـ بعضاً من «ارتياح» شعبي، باعتبار أنها ستضع حداً للاستنزاف الذي تقتضيه حالة الحرب من جهة، والنظر إليها باعتبارها مرادفاً لـ «الصداقة» من جهة أخرى، وهي كلمة عند العرب والمسلمين، لها حمولتها العاطفية، واستحقاقاتها الإنسانية. وكان هذا ـ في البدايات المبكرة لأول خبرة في هذا الإطار، والتي استهلتها القاهرة في أواخر سبعينيات القرن الماضي ـ هو الرهان الذي راهن عليه «التطبيع الرسمي» في تمرير سيناريوهات تجسير العلاقة مع تل أبيب. حتى ذلك الحين لم يكن ثمة رأي آخر غير رأي الدولة في مجتمع جرى تغييبه سياسياً، فلا يعرف معنى آخر غير الذي يراه صانع القرار في «دار الرئاسة» ، وظهر في غضون ذلك منحى ما سُمّي بـ «كسر الحاجز النفسي» مع العدو، في رسالة لا ندري من كان المقصود بها، وإن كانت تعني في مدلولها النهائي: أن العرب ينتظرون من إسرائيل أن تبادلهم «النيات الحسنة» و «نبل الهدف» و «نقاء القصد» مما يريب بها. والحال أن هذا كان نوعاً من أنواع المخادعة، تستهدف مخادعة «الداخل ـ العربي» لا «الخارج ـ الصهيوني» ؛ إذ إن الأخير هو الأكثر وعياً وخبرة في مهارات الإدارة الدولية لقضاياه، ومشاكله تجعله مستعصياً على مثل هذه المخادعة على سذاجتها. وهذه كانت «سقطة» رأت الإدارة المصرية أنها «مهمة» في حينها؛ ربما لأسباب تكتيكية، إلا أنه كان لها تداعيات خطيرة على «الوعي الأمني» عند المواطن العادي، وعند النخب المصرية بشكل عام، والتي كان يعوزها الخبرة التي تؤهلها للمناورة، والتفلّت من عمليات «تجنيد العملاء» ، والكشف المبكر والسريع لها. فليس ثمة صداقة بين الدول، حتى بين تلك التي ليس بينها عداوات، أو ثارات تاريخية؛ فالثابت والمتواتر من التراث السياسي الإنساني أن اتفاقيات السلام أو الصداقة لا تشكل مانعاً في أي لحظة يحول دون أن يعمد الأصدقاء إلى التجسس بعضهم على بعض؛ وذلك لأن أجهزة المخابرات تعمل بداهة وفق قاعدة ثابتة، يعرفها المشتغلون بالرأي العام، وهي: «أنه ليس في السياسة ـ وفي علاقات الدول ـ صداقات ولا عداوات دائمة، وإنما مصالح دائمة» ، ولوزير الخارجية الأمريكي الأسبق (هنري كيسنجر) مقولة مشهورة في هذا الإطار كثيراً ما يستشهد بها الخبراء الأمنيون على القاعدة؛ إذ يقول: «لا يوجد في العالم أصدقاء وأعداء، ولكن أعداء بدرجات مختلفة» . والحال أن أفضل أنموذج لصدق هذه المقولة، هو النموذج «الأمريكي ـ الصهيوني» ، فهما دولتان تتجاوز العلاقة بينهما ما تواطأ دولياً بأنه «صداقة» ؛ فهما حليفان عضويان، بلغت حميمية العلاقة بينهما مبلغ أن أستقر في الوجدان والضمير الدولي، أن الثانية هي إحدى ولايات الأولى، ومع ذلك اكتشف العالم أن الولايات المتحدة كانت ولا زالت ساحة مستباحة لعمليات تجسس إسرائيلية واسعة النطاق كان أشهرها قضية الجاسوس الإسرائيلي (جوناثان بولارد) الذي كان يعمل في البحرية الأمريكية، ونقل أكثر من خمسمائة ألف وثيقة أمريكية إلى (إسرائيل) ، وقضية رئيس المخابرات المركزية الأمريكية نفسه (جون دويتش) عام ١٩٩٥م، الذي قام هو أيضاً بنقل معلومات ووثائق سرية إلى منزله دون معرفة وموافقة الجهات المعنية؛ حيث أثبتت سلطات التحقيق أنه كان يسلمها إلى السفير الإسرائيلي في واشنطن (بن إليعازر) ، وقد ترك (دويتش) منصبه في عام ١٩٩٦م بعد أن قدّم اعتذاراً رسمياً، ثم كانت قضية (مارتن أنديك) السفير الأمريكي في (إسرائيل) الذي فوجئت الأوساط السياسية والدبلوماسية في واشنطن عام ١٩٩٩م بإيقافه عن عمله، ووضعه رهن التحقيق؛ بتهمة ارتكاب جريمة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، واستدعائه إلى واشنطن للتحقيق معه بعد تجريده من امتيازاته السياسية والأمنية؛ حيث ثبت أنه حوّل معلومات سرية من أجهزة الكمبيوتر الخاصة بوزارة الخارجية الأمريكية والسفارة، إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به، ومنه إلى أجهزة كمبيوتر الموساد، وهو الأمر الذي أدى إلى اطلاع المسؤولين الإسرائيليين على خطة الإدارة الأمريكية للتفاوض مع الدول العربية و (إسرائيل) ، ومن ثم تحسين موقف المفاوض الإسرائيلي، وهو الأمر نفسه تكرر مع المرشح سفيراً للولايات المتحدة في البحرين (رونالد نيومان) الذي كان أيضاً على اتصال بالموساد. وقد واكبت فضيحة (مارتن أنديك) فضيحة تجسس إسرائيلية أخرى كشفت عنها مجلة (أنسايت) الأمريكية المتخصصة في شؤون المخابرات، عندما ذكرت أن مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI يقوم بالتحقيق في قضية تجسس كبرى، تقوم بها إسرائيل داخل الولايات المتحدة من خلال التنصت على الاتصالات الهاتفية والإلكترونية لكبار المسؤولين الأمريكيين، وخاصة في البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، ونقلت المجلة عن مصادر أمنية أمريكية أن وزارة العدل تعرقل جهود مكتب FBI لتقديم لائحة اتهام رسمية ضد المتهمين في هذه القضية، بزعم أن ذلك من الممكن أن يؤثر سلباً على العلاقات مع (إسرائيل) في حين أكد تقرير عن القضية ذاتها صدر عن وكالة (درادج ريبورت) المختصة في الشؤون المعلوماتية أن عمليات التنصت التي كانت تجري منذ أربع سنوات كانت تتم بواسطة شركة اتصالات موجودة في واشنطن تملكها (الموساد) ، تقوم باختراق شبكات الاتصالات السياسية، والأمنية السرية في الولايات المتحدة. كما كشف تقرير آخر أن مكتب FBI قد تعقب جاسوساً إسرائيلياً كان يعمل لحساب شركة الاتصالات المحلية المشار إليها، وزوجته معروفة باعتبارها عميلة للموساد في واشنطن؛ ولأنها كانت تعمل في السفارة الإسرائيلية وتتمتع بالحصانة الدبلوماسية، فلم تتمكن FBI من التحقيق معها، وقد عُثر في حوزة العاملين في هذه الشركة على أرقام هواتف حساسة لبعض المسؤولين الأمريكيين الكبار الذين يستخدمون الشفرات الاتصالية في دوائر الأمن القومي التي يطلق عليها اسم «خطوط المكتب الأسود» . ومنها اتصالات دولية يؤدي الكشف عنها إلى التعرف على طبيعة نظام أجهزة مكافحة التنصت، وأن لهذه الشركة شخصاً كبيراً في أحد الأجهزة الأمريكية الحساسة، يسهِّل لها عمليات التنصت؛ ولكن لأن الأمور المتعلقة بعمليات التجسس الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة تندرج تحت أقصى درجات السرية، وقد تُكلِّف الذين يحشرون أنوفهم فيها مستقبلهم الوظيفي، فقد تمّ (لملمة) هذه القضية أيضاً وإسدال الستار عليها. وكان قد سبق لمكتب (التحقيقات الفيدرالية) أن قدّم العديد من التقارير للمسؤولين الأمنيين أشار فيه إلى خطورة وجود جواسيس إسرائيليين يقومون بالتجسس على الجهات العاملة في (وادي السليكون) بولاية كاليفورنيا؛ لجمع أحدث أسرار العلم والتقنية التي توصلت إليها الشركات الأمريكية. وجاء في تقرير رفعته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) إلى لجنة المخابرات بالكونغرس: أن (إسرائيل) تعتبر واحدة من ست دول أجنبية تقوم أجهزة مخابراتها العلمية بجهود حثيثة لجمع أسرار عسكرية، وتكنولوجية، واقتصادية، وسياسية تخص صميم الأمن القومي الأمريكي (١) . فإذا كان هذا هو حال «الكيان الصهيوني» مع حليفته الرئيسة «أمريكا» ؛ فما بالنا بحالها مع العالم العربي؟! لا شك في أن التطبيع مع (إسرائيل) ، وما تبعه من تحول كبير في علاقات العالم العربي الدولية، ورهانه على الإدارة الأمريكية في الخروج من أزماته المتفاقمة، أدخل المنطقة في خبرة جديدة عليها، وغير مسبوقة في عمليات متنوعة ومتباينة من الاختراق الأمني والاستخباراتي؛ إذ بات النفوذ الأمريكي، والذي تربطه مصالح مشتركة مع (إسرائيل) في استكشاف ومعرفة تفاصيل الحياة العربية، أكثر حضوراً داخل المجتمع العربي، يقيم مع مؤسساتها، سواء الرسمية أو المستقلة «علاقات ملتبسة» ، في وقت كانت فيه السلطات المركزية المحلية تتحرج من التصدي لها خشية الصدام مع الطرف الأمريكي، وعلى سبيل المثال: في مصر، وفي ثمانينيات القرن الماضي عندما بادر الدكتور (حامد ربيع) بنشر سلسلة من المقالات في مجلة (الأهرام الاقتصادي) ، منبهاً من خطورة تلك العلاقات التي تسببت حينها بأزمة في العلاقات الأمريكية المصرية، انتهت إلى صدور قرار بإقالة رئيس تحرير المجلة. واستطاعت (هيئة المعونة الأمريكية) في هذا المناخ الرسمي المتحسس من رد الفعل الأمريكي من جهة، ومناخ عام قليل الخبرة في إدراك أبعاد هذه التجربة الجديدة من جهة أخرى، واستطاعت تمويل مشروع بحثي، أُنجز بالتعاون بين عدد من الجامعات الأمريكية، والجامعات المصرية، شمل أكثر من ٥٠٠ دراسة بحثية برصيد ٦٠ مليون دولار، وتناولت كل شيء في مصر من الصناعات الاستراتيجية، مثل: صناعة الحديد، والصلب، مروراً بمناهج التعليم والتربية وموقع الدين فيها، وانتهاء بسياسة مصر الخارجية تجاه (إسرائيل) ، والتطبيع معها، وقد اشترك في هذا المشروع أكثر من ٢٠٠٧ من الباحثين المصريين، وأكثر من ٥٠٠ أمريكي، وقد كُتبت جميع هذه الدراسات باللغة الإنجليزية، وحصلت (هيئة المعرفة الأمريكية) على نسخ منها، وعلى جميع المعطيات والأرقام والاستنتاجات التي توصل إليها الباحثون (٢) . ومن الصعوبة أن نفصل بين الجهود الأمريكية والإسرائيلية في هذا الإطار؛ ففي إحدى الدول العربية التي أبرمت اتفاقيات سلام مع العدو الصهيوني، أقيمت فيها بعد الاتفاقية بسنوات قليلة ستٌّ وثلاثون مؤسّسة علمية أمريكية، وثقافية «إسرائيلية» ، مثّلت وتمثّل مظلّة رسميّة لاختراق الشخصية العربية، والتجسّس على قطاعات المجتمع كافّة. واللافت للنظر هنا أنّ المؤسّسات الأمريكية والإسرائيلية تبحث في هذا البلد العربي في «كل الموضوعات وفي كل مكان، وباستقلالية كاملة، أو في إطار بحوث مشتركة ومموّلة، كوّنت «بنوك معلومات متكاملة» إلى الحدّ الذي دفع بعض الباحثين الوطنيين إلى القول: إن «كمية المعلومات التي حصلت عليها هذه المؤسّسات تفوق تماماً ما تعرفه القيادة السياسية، وتفوق ما يعرفه علماؤنا» (٣) . ويؤكّد الرأي السابق الإعلان التالي ـ الذي نشر في جريدة جامعة أمريكية تحت عنوان: «فرص بحث» (٤) ـ: «تحتاج وزارة الخارجية لأبحاث عن الوجود الأمريكي في مصر، على ألاّ تتعدّى تكاليف مشروع البحث ٢٥ ألف دولار.. اتصل بوزارة الخارجية - فرع العقود - ص. ب ٩٢٤٤، روزين ستيشن، فيرجينيا ٢٢٢٠٩» . والحال أن التطبيع أحال العالم العربي إلى ساحة تستبيحها كامل فنون وأنماط الجاسوسية في التاريخ الإنساني الحديث، ففي سنوات المواجهة، كانت هذه العمليات تقتصر تقريباً على «التجسس العسكري» . وبعد «التسوية» بات المجتمع العربي تتقاطع على تضاريسه أنواع أخرى أشد فتكاً، مثل: التجسس الثقافي، والعلمي، والصناعي، والاجتماعي، وغيره، والذي ينتهي بخدمة الأجندة الأمنية الإسرائيلية للسيطرة على المنطقة. - التطبيع الثقافي: جسر التجسس: فالتطبيع الثقافي كان في واقع الحال «تجسساً ثقافياً» للاطلاع على الواقع الثقافي العربي، وعلاقته بالصراع العربي الصهيوني، ووضع سيناريوهات تطويعه على النحو الذي يخدم الوجود الصهيوني في المنطقة ككيان طبيعي. فمن بعد توقيع الاتفاقية الثقافية في مايو ١٩٨٠م بين القاهرة وتل أبيب، والتي أتاحت للعدو حضوراً كبيراً في الواقع المصري وقراءته، وتفسيره، وتوصيفه استهلت عمليات التجسس الثقافي من المركز الأمريكي بالقاهرة في الفترة ما بين عام ١٩٨٤م ـ ١٩٨٦م، عندما موّل أبحاثاً لليهودي الأمريكي «ليونارد بايندر» ـ عمل مستشاراً لـ (جولدا مائير) إبان حرب عام ١٩٧٣م، وشارك في حرب ١٩٤٨م، وعمل أستاذاً زائراً بالجامعات الأمريكية في مصر ـ حول احتمالات الثورة الإسلامية في مصر، وتأثير ذلك على مجريات الصراع العربي الإسرائيلي، ثم عقد صفقات بحثية بين إسرائيليين ومصريين، مثل: صفقة البروفسير الإسرائيلي «ستيفن كوهين» ، وعدد من أساتذة علم النفس المصريين في سبتمبر عام ١٩٨١م، شارك فيها من الجانب المصري د. قدري حفني، د. محمد شعلان، وكان أشهر هذه الأبحاث هو بحث «رؤى الصراع» ، والذي يهتم بالجوانب الاجتماعية والنفسية للصراع، ومولته (هيئة المعونة الأمريكية) و (المركز الأكاديمي الإسرائيلي) ، بالإضافة إلى عقد العشرات من المؤتمرات العلمية والثقافية، واختراق الاتحادات الطلابية، والجامعات المصرية (وقد شاركت إسرائيل بوفود علمية وثقافية رفيعة في مؤتمر (العلوم والطاقة النووية) الشهير الذي عقد بالإسكندرية عام ١٩٨٦م، وبعده مؤتمر القانون الدولي الذي عقد في جامعة القاهرة) ، وفي غضون هذه الهشاشة التي أصابت المشاعر العامة تجاه التطبيع، أنشئ (المركز الأكاديمي الإسرائيلي) بالقاهرة عام ١٩٨٢م، ليمثل أخطر مظاهر الاختراق الصهيوني للعقل المصري في المرحلة التالية لمبادرة القدس عام ١٩٧٧م، والذي اكتشف بداخله خلال عامي ١٩٨٥م، ١٩٨٦م ثلاث شبكات للتجسس، مكونة من عدد من الأمريكيين والإسرائيليين واليهود المصريين (١) . وفي هذا السياق أيضاً وفي إحدى زيارات الدكتور (ساسون صوميخ) أستاذ الأدب العربي بجامعة تل أبيب، قال بعد زيارة له للقاهرة: «لقد ساءني جداً خلال زيارتي لجامعة عين شمس أن أجد مكتباتها مليئة بالكتب التي ألّفها متعصبون ـ كما يزعم ـ ضد اليهود، وهذه الكتب تُباع في المكتبات، وأكشاك الصحف بُحريّة تامة، وإنني لا أعتب على أدباء مصر الذين «يعطفون» على (إسرائيل) كتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، إذا لم يفعلا شيئاً لمنع هذه الكتب، ولكنني أعتب على المؤسسات السياسية في مصر التي تستطيع «بجرّة قلم» أن تمنع كلّ هذه الكتب المناهضة «لإسرائيل» من التداول (٢) . هذا الاطلاع الذي حصل عليه «صوميح» في إطار تبادل التعاون الثقافي والعلمي، لم يكتشف منه هذه المعلومة فقط، إنما اكتشف أيضاً علاقات القوة داخل المجتمع المصري، وأن الدولة لا زالت أقوى من المجتمع، ومن ثم فهي قادرة على فرض أجندتها عليه، وهو ما يُفهم من آخر فقرة من كلامه المذكور آنفاً. وهو ما حدث فعلاً في أكثر من بلد عربي، حتى في دول لا تربطها علاقات رسمية مع تل أبيب؛ ففي مصر، أوردت جريدة «السياسي» القاهرية في عددها ٢٥/٥/١٩٩٣م بعنوان بارز «اليهود والأمريكان ... هل اندسوا في تطوير مناهجنا الدراسية؟» بعض المعلومات البالغة الدلالة إذ نشرت الفقرات المحذوفة من المناهج، مشيرة إلى أن «العملية التطويرية للمناهج التعليمية المصرية» قام بها ٢٩ أستاذاً ومستشاراً أمريكياً، بينهم عدد كبير من اليهود بتمويل من المعونة الأمريكية لمصر، وتطرقت جريدة «السياسي» إلى القول: إن وزارة التعليم المصرية ألغت كتاب «صور من تاريخ مصر الإسلامية» للصف الخامس الابتدائي، وقررت بدلاً عنه كتاب «تاريخ الفراعنة» ؛ بغية غرس القومية الفرعونية عوضاً عن الحضارة العربية الإسلامية. كما ألغي كتاب «الدولة الإسلامية العربية وحضارتها» للصف الثاني الثانوي، وتقرر عوضاً عنه كتاب «تاريخ أوروبا في القرون الوسطى» مع تحريف كتب التاريخ العربي، وتاريخ الحضارة الإسلامية. (فالله المستعان) . وتضيف جريدة «السياسي» قائلة: «هذا وقد تم حذف اسم فلسطين من كافة الكتب التاريخية، والجغرافية، والمناهج الدراسية في مصر ليحل محلها اسم «إسرائيل» . وفي مادة التاريخ الصف الثاني الإعدادي تم حذف موضوع الصليبية وموضوع جهاد صلاح الدين الأيوبي والسلطان قطز ضد المغول والصليبيين، وموضوع جامعة الدول العربية، وقضية فلسطين، والصهيونية العالمية، وذلك قبل الامتحان الدراسي بأيام قليلة من عامي ١٩٩٠ ـ ١٩٩١م» ولقد حدثت تعديلات مشابهة في دول عربية أخرى مثل: الإمارات، الكويت، واليمن، ولبنان. ولم ينحصر «التجسس الثقافي» عند استجلاء الواقع الثقافي العربي، وكشفه بغية اختراقه، والضغط على المؤسسات الرسمية العربية على التعاون في تغيير العقل العربي على النحو الذي يجعله ذا قابلية، لاحتضان الكيان الصهيوني في أفقه الجغرافي، والسياسي، وإنما يتفرع عنه نوع آخر من التجسس الثقافي يطلق عليه «التجسس الحفري» بحثاً عن أدلة «تهويد» مناطق عربية، والادعاء بحق الكيان الصهيوني فيها، أو إخفاء أدلة قد تنقض المشروع الصهيوني ذاته من أساسه في العالم العربي. في هذا الإطار، يشرح الدكتور (مروان أبو خلف) الأستاذ في (دائرة التاريخ والآثار) في جامعتي الخليل وبيرزيت غايات «التجسس الحفري» في فلسطين ـ مثلاً ـ قائلاً: «إن للحفر الأثري في فلسطين بدون شك العديد من التوجهات والأهداف التي يمكن تلخيصها في: التوجّه الديني، التوجه السياسي. أما التوجه الديني فقد كان توجهاً رئيساً لكون علم الآثار الفلسطيني قد قام بشكل أساسي على أساس توراتي للبحث في العهد القديم، بالإضافة إلى أن معظم الباحثين الذين جاؤوا للقيام بحفريات أثرية في فلسطين كانوا علماء آثار توراتيين منهم واران (War ren) ، والبرايت (Albright) ، وسللن (sellin) ، وغيرهم. وفيما يتعلق بالتوجه السياسي فإن هذا التوجه قد بدأ منذ فترة طويلة في فلسطين، إلا أنه لم يتبلور بشكل واضح إلا في فترة متأخرة؛ نتيجة للمعطيات السياسية الجديدة. ويركز هذا التوجه على القيام بحفريات أثرية الهدف منها هو العثور على مواد أثرية من شأنها إثبات واقع سياسي معين، يتمثل في تسويغ حق مجموعة من الناس في امتلاك الأرض، بالرجوع إلى الماضي من خلال المخلفات الأثرية (١) . والواقع أن هذا التجسس الحفري شجع كثيراً من المسؤولين الصهاينة و «مافيات الآثار» على المتاجرة بما سطوا عليه وتهريبه إلى خارج فلسطين، كما هو الحال مع (موشي دايان) مثلاً؛ حيث جاء في تقرير «سري جداً» رفعه رئيس الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي (مناحيم بيغن) بتاريخ ١٤/٣/١٩٨٣م، ـ أي بعد الاجتياح الصهيوني للبنان ـ وتحت عنوان: «تجاوزات الجنرالات (الصهاينة) ، وكسبهم غير المشروع» ذكر التقرير أن من أشهر الأسماء اللامعة في مجال التجاوزات، والكسب غير المشروع الجنرال الراحل (موشي دايان) الذي استغل منصبه وزيراً للدفاع، والسمعة التي اكتسبها في حرب حزيران ١٩٦٧م وبعدها، فقام باستخدام عمال وخبراء الدولة لمساعدته في التنقيب عن الآثار واستخراجها، لا ليقدمها هدية للدولة، أو للمتاحف بل إنه باعها بأسعار خيالية إلى تجار ومهربي الآثار (٢) . والواقع أيضاً أن تهريب هذه الآثار وبيعها إلى خارج فلسطين، والمنطقة العربية يعطي ضمانة بالغة الأهمية للسلطات الصهيونية (ولو كان وجهها تجارياً) باعتبار أن معظم هذه الأثار المكتشفة ينسف المقولات التوراتية من أساسها، وهذا خطر كبير فيما لو بقيت هذه الآثار في الداخل، حتى لا تشكل كارثة على سلطات الاحتلال لو وقعت بأيدي من لا تثق بهم، وعند ذلك تقع الفضيحة؛ لذلك يأتي «تضييعها» في أوروبا وأميركا، أو «إتلافها» عبر عملائها وسماسرتها الدوليين ضمانة أكيدة في ظل حرمان أصحابها الأصليين منها. كذلك كان حال المكتبات الخاصة بشخصيات عربية فلسطينية وطنية؛ حيث تحتوي على كنز ثمين من الوثائق والمخطوطات والكتب النادرة، سطت عليها سلطات الاحتلال، ونقلتها للجامعة العبرية. فضلاً عن سرقة «الدبكة» الفلسطينية، التي قدمتها فرقة يهودية على مسارح إيران أمام الشاه. هذا، ولم يكن نصيب مصر أقل من نصيب فلسطين في هذا المضمار؛ إذ قام العدو الصهيوني تحت ستار السياحة، والبحث العلمي بالعديد من عمليات التجسس في شكل مسح أثري لمناطق سيناء بالكامل، شمل الآثار الفرعونية والعربية والإسلامية، وكافة ألوان الفنون الشعبية، والحرف البيئية المختلفة، وجُهّز لها متحفان: أحدهما في تل أبيب، والآخر بالقدس، وقد تمت سرقة هذا التراث. ووصل الأمر إلى حد زعم (مناحيم بيغن) أن «تمثال أبو الهول» في مصر هو من صنع أجداده. ولم تكتف السلطات الصهيونية بالاستيلاء على هذه الفنون فحسب بل سعت وتسعى جاهدة «لتهويد» ما تم كشفه وجمعه منها، مدعية أن هذه الفنون والحرف التي يمارسها بدو سيناء هي فنون يهودية في الأساس. وهذا ما فعلته أيضاً حتى مع الموسيقى الشعبية لبدو سيناء حيث سرقتها، وكذلك أطلقت مسميات يهودية على الأعشاب الطبية التي تُزرع في هذه المناطق. كما قام الصهاينة بجمع العملات الفضية التي تزين الثوب النسائي السينوي في جنوب سيناء، واستبدلوها بوحدات رسمت عليها نجمة داوود السداسية، وتم جمع الأثواب التي تصنعها نساء واحة سيوة؛ نظراً لتمييزها في الشكل الفولكلوري، مع العلم أن الكيان الصهيوني ليس لديه موسيقاه المميزة أو رسمه المتميز، ولا فولكلور شعبي خاص به، وأن كل ما قام به من سلب ونهب في هذا الإطار نسبه إليه وجيره لمصلحته وحسابه (١) . وفي هذا الإطار نشير أيضاً إلى شبكات «السياح الجواسيس» ، والتي تتحول إلى بؤر لتسويق فتيات البغاء المصابات بالإيدز، والدولارات المزورة، وعمليات الاغتيال، والتي تأتي بأسماء مستعارة أحياناً، وتحت سواتر مختلفة أحياناً أخرى، للقيام بـ «مهمات خاصة» . وفي هذا الإطار يقول «دي شليط» مدير عام السياحة السابق، ورئيس هيئة الفنادق الإسرائيلية: «إن سُيَّاحنا في مصر أفضل للأمن الإسرائيلي من أي جهاز للإنذار المبكر» (٢) . وفي هذا السياق كشفت صحيفة الشعب المصرية في ٢٦/٧/١٩٨٨م أن «ما يزيد على ألف فتاة يهودية مصابة بفيروس الإيدز تم قذفهن في مصر، تحت إشراف الموساد الإسرائيلي، بعد إقناعهن بأنهن يقمن بعمل «قومي نبيل» ـ يهودياً ـ يتساوى في أهميته مع خوض معركة عسكرية كبرى مع العرب، وأنها مهمة مقدسة، وضرورة لا بد منها لسحق العرب نهائياً في أية معركة قادمة. هذا بالإضافة إلى قيام الموساد بنشر وباء «الإغماء الجماعي» في صعيد مصر بين الإناث؛ بغرض قتل قدرة الإنجاب والخصوبة لديهن، بينما استطاع الموساد نفسه المتسلل عبر لافتات السياحة تنفيذ عمليات تصفية للنخب العلمية المصرية، مثل: عالمي الذرة المصريين: يحيى المشد، وسميرة موسى. فضلاً عن التجسس الزراعي، والصناعي، وغير ذلك من أنماط تجسسية متعددة، يضيق المقام لذكرها، وعرض تفاصيلها تجري سيناريوهاتها تحت مسمى (التطبيع) . (*) باحث وكاتب مصري.

стр. 5260

٢١٢ - ربيع الآخر - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5261

الإبل المئون يتمايز الناس بمواقفهم تجاه واقعهم، فمن متباكٍ نادب حظه ساخط على مَنْ حوله، راغب في التغيير، وفي الوقت ذاته لديه من القناعة ما لا تزحزحه الحقائق التاريخية بأن التغيير يحتاج من الوقت الكثير، وأن أجيالاً لا بد أن تذهب حتى يتحقق النصر والتغيير، ولنا أن نتصور إنتاجية من يعمل وقد قدم هذه المقدمة. وفي واقعنا نرى آخرين هم من الإبل المئين ـ كما وصفهم النبي ﷺ : «الناس كالإبل المئين لا تكاد تجد فيها راحلة» ، قد استسلموا لواقعهم، ينتظرون ذلك القائد الرباني، خارق القدرات الذي يتنزل النصر على يديه، كما تتنزل الهداية لهم. لكن التاريخ بحقائقه الساطعة يضع بين أيدينا، أن رجالاً أبوا إلا أن يكونوا في مقدمة قومهم، قد وضعوا سيرة النبي ﷺ سيد ولد آدم نصب أعينهم؛ فخلال أعوام قد لا تزيد عن عشرين سنة إلا بقليل يُغيّر بقدر من الله وجه الأرض. فها هو نور الدين محمود زنكي، ويوسف بن تاشفين، وسيف الدين قطز، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد بن عبد الوهاب ﵏ استطاعوا خلال سنوات لم تزد عن ذهاب جيل وقدوم آخر ـ حتى أينعت ثمرات دعواتهم. إذاً، التاريخ يشهد أن كل شيء ممكن إلا المستحيل، وأصدق منه قوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] . وهو وعد متحقق لا محالة، إذا حققنا الشرط. فهل ننشغل بتحقيق الشرط في أنفسنا، قبل أن ننشغل بغيرنا؟

стр. 5262

حكومة إنقاذ الاحتلال.. من ينقذها الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن ورطة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق أصبحت حديث الناس في العالم؛ فبالرغم من مرور عامين على الغزو الأمريكي لأرض الرافدين؛ فإن جوانب التورط الأمريكي هناك تتضاعف بصورة جعلت الانسحاب أمراً لا مفر منه في تفكير المعنيين بالشأن الأمريكي، مع اختلاف بينهم في شيء واحد فقط وهو: هل يكون الانسحاب خارجياً ونهائياً ـ كما يقول المعارضون لسياسة بوش ـ أم يكون انسحاباً داخلياً خارج المدن، كما يصر أركان إدارته من الذين خططوا ونفذوا تلك الحرب ضمن مشروع الإمبراطورية الأمريكية. وفي الحقيقة فإن كِلا الفريقين يدفعهم إلى التفكير الجدي في الانسحاب ما يرونه من تزايد غوص الولايات المتحدة في رمال العراق المتحركة، كلما قام المقاومون بتحويل تلك الرمال إلى بحار تُغرق وإعصار يدمر؛ ولذلك يجري البحث عن مخرج وعن جهة إنقاذ أو جبهة إنقاذ تخرج الولايات المتحدة من ورطاتها المتعددة. - البحث عن مخرج عسكري: يراهن الأمريكيون على إحلال عراقيين محل الأمريكيين في الجيش والشرطة، ولكن عدم النجاح يلاحقهم في ذلك، حيث يتتابع إخفاق بناء تلك القوة البديلة العميلة بشكل يبعث على الإحباط بين المسؤولين الأمريكيين، إلى الحد الذي يضطرهم إلى الكذب، وهو ما دفع المفكر الاستراتيجي الأمريكي (أنتوني كوردسمان) أن يسخر من هذا التصرف في مقال له في ١/٢/٢٠٠٥م: قال فيه «نحن بحاجة إلى أن نتوقف عن الكذب على العراقيين والأمريكيين والعالم أجمع؛ فليس بحوزتنا الحد الأدنى من المسلحين المدربين؛ فالحد الأدنى يتطلب وجود ١٢٧ ألف جندي عراقي، إن كل من لدينا ـ وبكل صراحة ووضوح ـ ٧ آلاف إلى ١١ ألفاً فقط» . ولكن الرئيس الأمريكي ما ذلك لا يزال يواصل الكذب في هذا المجال؛ فقد صرح أمام الصحفيين في ١٢/٤/٢٠٠٥م، وهو يزم بشفتيه ابتسامة الكذوب: «إن القوات العراقية (المدربة) أصبحت الآن أكثر عدداً من القوات الأمريكية» !! إنه يحاول أن يعطي انطباعاً بأن القوات الأمريكية أدت مهمتها، وهي تستعد لتسليم (الأمانة) للعراقيين، بعد أن أحرزت نصراً نهائياً في العراق، مع أن الحقيقة عكس ذلك؛ فالهزيمة الأمريكية في أرض الرافدين تتزايد بشائرها؛ فالجيش الأمريكي الذي جُهز في الأساس لمواجهة دول عظمى بعد الحرب العالمية الثانية، لم يدخل تلك المواجهة أصلاً ليظهر قوته، ولكنه حارب عدة حروب ضد قوى ضعيفة، زوَّر فيها انتصارات مزيفة، وها هو الآن، وبعد عامين من إسقاط النظام العراقي المنهك، لا يستطيع أن يحسم المعركة مع من يطلق عليهم: «مجموعات الإرهابيين والمتمردين» ، وهو ما جعل هذا الجيش يتردد في أن يكرر التجربة في إيران أو سوريا أو كوريا الشمالية. وبالرغم من أن الحرب الأمريكية في العراق تجاوزت تكاليفها خلال العامين الماضيين ٢٧٠ مليار دولار، فإنها لم تؤت النتائج المرجوة منها، ولو على صعيد بناء الثقة؛ فالدراسات المنشورة في الغرب الآن، تثبت أن ٧٠% من الجنود الأمريكيين في العراق يعانون من حالات اكتئاب وخوف وتثاقل عن طاعة الأوامر العسكرية، حيث إنهم يعيشون في بيئة قاسية طقسياً وأمنياً ومعيشياً، وهو ما أدى إلى هروب نحو ستة آلاف منهم. وتشير الإحصاءات إلى أن ما لا يقل عن ٦٥% من الشباب الأمريكي في سن التجنيد يتهربون من الالتحاق بالخدمة في أقوى جيوش العالم، بسبب أخبار الرعب من العمليات الاستشهادية في العراق. الخسائر الأمريكية البشرية، مفجعة بالمقاييس الأمريكية المرفهة المترفة؛ فالإحصاءات الرسمية الأمريكية تقول إنه قتل بعد الإعلان الرسمي عن توقف الحرب ما يزيد على ألف وخمسائة جندي، وجرح أكثر من عشرة آلاف آخرين، بينما تذكر تقارير أخرى أضعاف هذا الرقم، ولا حل أمام الأمريكيين للخروج من التورط العسكري، إلا بإيجاد ما يمكن أن يطلق عليه (جيش عراقي) ولو كانت مهمة هذا الجيش فقط هي الحرب في الداخل؛ لأنه لم يعد للعراقيين أعداء في الخارج! إن تكوين هذا الجيش، هو إحدى المهام الكبار لحكومة إنقاذ الاحتلال. - البحث عن مخرَج أمني: لم تستطع الولايات المتحدة أن تثبت أنها جلبت الأمن للعراق، أو وضعت الأسس لاستقراره في المدى المنظور؛ فالتردي الأمني يأتي على رأس المشكلات التي فتحت الولايات المتحدة بابها، ولم تستطع أن تغلقه، وبالرغم من تسليم الأمريكيين (السيادة) للحكومة العميلة مع نهاية يونيو ٢٠٠٤م؛ فإنهم لا يزالون منهمكين بأنفسهم في سياسات الاعتقال والدهم للمنازل وإشاعة الرعب والخوف بين السكان في أكثر المدن، بالاشتراك مع قوات الشرطة العراقية. وبحسب آخر الاحصاءات؛ فإنه يوجد في السجون العراقية ما لا يقل عن تسعة آلاف معتقل منهم (٣١٦٠) معتقلاً في سجن أبي غريب وحده الذي لا يتسع في الأصل لأكثر من ٢٠٠٠ معتقل، ويشرف البريطانيون على سجن (بوكا) بجنوب العراق، وهو يضم ٥٦٠٠ معتقلاً ـ يخضعون لعمليات التعذيب والإهانة نفسها التي حدثت في سجن أبي غريب، وهو ما كشفت عنه صحيفة (ديلي ميرور) الصادرة في الأول من مايو ٢٠٠٤م، والمعتقلون جميعاً يفرض عليهم لبس اللون البرتقالي أسوة بأسرى جوانتانامو، إشارة من الأمريكيين إلى أنهم ليسوا مقاومين، بل مجرمين خارجين على القانون. وقد أصبح الانفلات الأمني خطراً يلاحق الأمريكيين في كل مكان، ولم يعد قاصراً على العسكريين، بل تعدى ذلك إلى كل من يتعاون معهم، بل طال العناصر الاستخباراتية والمنظمات الدولية وشركات النفط والاستثمار، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار اللازم لتنفيذ كافة المخططات الأمريكية التي من أجلها كان الغزو؛ فشركات النفط الغربية والأمريكية ـ على سبيل المثال ـ كانت تأمل في أن يتحول العراق بعد الغزو إلى منجم ذهب لا ينضب، ولكن هذه الأحلام سرعان ما تبخرت بسبب عدم القدرة على ضبط الأمن، حيث يحتاج ذلك ـ كما يقول (بروس إيفرز) الخبير الأمريكي في شؤون النفط ـ إلى (معجزة حقيقية) . إن هذه المعجزة هي الموكول أمرها إلى حكومة إنقاذ الاحتلال، حتى يطمئن خبراء نهب النفط ويتوافر الأمن لسراق العراق. - البحث عن مخرج اقتصادي: بالرغم من أن العراق لديه ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم، وثروات أخرى عظيمة مائية وزراعية وبشرية، إلا أن أحوال الشعب العراقي قبل الغزو لم تكن تعكس هذا الوضع، بسبب الحروب والحصار، وتصور الناس أن الوضع سيتحسن بعد الغزو، ولكن الحقيقة هي أنه بعد عامين من الاحتلال تضاعفت الأحوال الاقتصادية سوءاً؛ فقد ارتفعت أسعار بعض السلع والخدمات بشكل غير مسبوق، حتى وصلت إلى ٢٠٠٠% في مجال الوقود والمحروقات، وارتفعت أسعار اللحوم والخضروات والخبز وغير ذلك من الخدمات الأصلية من العقارات والإيجارات إلى نسبة ١٠٠ ـ ١٥٠%، في حين أن البطالة ارتفعت بعد الاحتلال لتصل إلى ٣٠%، وتراجع إجمالي الناتج المحلي بنسبة الربع في عام ٢٠٠٤م. ولم يستطع الاحتلال أن يطعم الناس بدعاوى الديمقراطية وثقافة الحرية؛ لأن إدارة الاحتلال نشطت لنهب النفط بدلاً من تنشيط صناعته التي يُعول عليها في تحسين أداء الاقتصاد، وهي صناعة تفتقر إلى الآن للتمويل.. ويحتاج المحتلون الأمريكيون إلى من يخفي هذه الأوضاع المزرية بغطاء عراقي، حتى ترتفع عن الأمريكيين معرَّة سياسة إفقار العراقيين التي يواجهون ... وهذه مهمة جديدة من مهام حكومة إنقاذ الاحتلال، التي يتوقع أن تقسم ثروات العراق بين المحتلين وعملائهم المنتفعين من عصابات الطائفييين والعرقيين. - البحث عن مخرج سياسي: يحاول الأمريكيون أن يثبتوا أنهم جلبوا الديمقراطية للعراق ليعمموا نموذجها على المنطقة كلها، وانحياز أمريكا لعملائها من الطائفيين والعرقيين من الشيعة والأكراد، فضح هذه الديمقراطية الانتقائية غير المحايدة، وهو ما شكل أزمة سيظل شبحها يطارد السياسة الأمريكية الدولية التي غدت تجعل من «القيم» الديمقراطية ديناً جديداً تبشر بنشره في أنحاء العالم، ولم يكن أمام الأمريكيين إلا أن يأتوا بحكومة تخفي طائفيتها بطاقية التقية، لتشارك مع آخرين من العرقيين العلمانيين الأكراد، في التستر على جريمة العصر ضد العرب والمسلمين على أرض العراق. ما يسمى بالعملية السياسية في العراق، يراد تصويرها على أنها منتهى الديمقراطية، مع أن الحقيقة تقول إن هذه العملية مرت بثلاث مراحل تدل على أن النحس الديمقراطي جاء بعملاء شعوبيين لا يقلون انتهازية ولا حقداً على العراق العربي المسلم السني من الأمريكيين أنفسهم. ففي المرحلة الأولى من هذه المراحل: جاء الأمريكيون بحاكم عسكري أوحد، هو اليهودي الأمريكي (غاري غارنر) الذي لم يشأ الأمريكيون أن يكون له شريك في السلطة من العراقيين، ليضع الأسس لتسيير الأمور لصالح أمريكا دون تشويش حتى من العملاء. وفي المرحلة الثانية: جاؤوا بحاكم مدني أمريكي وهو (بول بريمر) الذي بدأ في زرع العملاء والمنتفعين الطائفيين والعنصريين العرقيين فيما سُمي بـ (مجلس الحكم الانتقالي) مع حرص شديد على بذر بذور الاحتقان الطائفي الذي ستستفيد منه أمريكا فيما بعد، بتركيز الأمريكيين في هذا المجلس المشبوه على العناصر الشيعية والكردية العلمانية. أما المرحلة الثالثة: فهي المرحلة التي توجه المحتل فيها نحو تكريس الطائفية والعنصرية بحصاد ما سبق أن زرعه بول بريمر؛ فعندما سنت إدارة الاحتلال ما يسمى بقانون إدارة الدولة في مارس ٢٠٠٤م، لتسلم السلطة للعراقيين على أساسه، وليكون أرضية تجري عليها عملية الانتخابات، جعلت من هذا القانون مدخلاً للتوجس بين طوائف الشعب العراقي وعناصره؛ بحيث تتحسب كل طائفة من الأخرى وتتحفز ضدها؛ فقد أعطى القانون امتيازات غير نزيهة للشيعة والأكراد ضد السنة، وكأن العراق أصبح ملكاً لأمريكا، نهبته ثم وهبته للعملاء (عطاء من لا يملك لمن لا يستحق) كما فعلت بريطانيا مع اليهود في فلسطين. ومن المؤسف أن الأمم المتحدة على المسلمين، أسبغت «الشرعية» على هذا العبث بصدور القرار ١٥٤٦ من مجلس الأمن بإقرار هذا القانون، وقد تسببت هذه السياسة التمزيقية في زيادة التوتر والفرز الطائفي، وهو ما انعكس زيادة في النقمة من أهل السنة على الاحتلال وعلى كل من يدعمه. لقد أسفرت هذه الأجواء عن ميلاد نوع جديد من الديمقراطية، تختلف عن الديمقراطية الليبرالية والديمقراطية الدستورية وديمقراطية الغوغاء وحتى ديمقراطية «الأنياب والمخالب» ، وهي «الديمقراطية الطائفية» التي لا تُدخل في صناديقها المذهبية والعنصرية، إلا أوراق الانتهازية النفعية. ومع ذلك لم يخجل هؤلاء الطائفيون والعنصريون من الادعاء بأنهم ديمقراطيون. أسفرت الديمقراطية الطائفية عن تصعيد إبراهيم الجعفري (الشيعي) خلفاً (للشيعي) رئيساً للوزارة تضم ٢٢ شيعياً وثمانية أكراد، وخمسة من السنة، وقد جاء الجعفري خلفاً للشيعي إياد العلاوي، وكان قبل تسلمه لمنصب رئيس الوزراء أول رئيس (شيعي) لمجلس الحكم المؤقت الذي شكله بول بريمر، وتلاه في التناوب عليه (الشيعي) أحمد الجلبي، عرَّاب الغزو، وعلقمي العصر. الذي تولى في الوزارة منصب نائب رئيس الوزراء، ووزير البترول بالنيابة. والجعفري الذي يتزعم حزب الدعوة الشيعي، لا ينافسه في الصدارة في حكومة (الطائفية الديمقراطية) إلا عبد العزيز الحكيم، زعيم مجلس «الثورة» الإسلامية (الشيعية) بعد أن فازت قائمته الائتلافية بغالبية أعضاء الجمعية الوطنية (البرلمان) لتتحول تلك الثورة بعد ذلك إلى غورة؛ حيث انطفأت جذوتها ضد «الاستكبار العالمي» بمجرد أن حل هذ الاستكبار ضيفاً على العراق، بدعوة من حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة، حتى إن عبد العزيز الحكيم ـ وبعد مرور عامين على الاحتلال ـ طالب ببقاء الأمريكيين، محذراً من أن انسحابهم سيفجر حمامات دم في العراق؛ وهو نفس الطلب الذي يلح عليه الطالباني العلماني. وهنا نتساءل: مَنْ يحمي مَنْ في العراق..؟! أَهُمُ الأمريكيون الذين يريدون الاحتماء بفرق الشيعة وميلشيات الأكراد، حتى يخرج المحتلون بسلام إلى (مستوطنات) القرى المحصنة خارج المدن، أسوة بإخوانهم اليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟! أم هم هؤلاء الشيعة والأكراد الذين يترجى عملاؤهم المحتلَّ أن يبقى حتى لا يتحول العراق إلى حمام دم بعد خروجه؟! إن المأزق المشترك الذي يعيشه الطرفان، بسبب استمرار وتصاعد المقاومة، لم يمنع الشيعة مع كل هذا أن يقولوا: نحن حكومة ديمقراطية وطنية وليست شيعية، ولم يمنع الأكراد أن يقولوا: نحن لن نسمح بحكومة دينية أو عنصرية بل علمانية لا دينية؛ فالكل يريد أن يصور «الدم قراطية» الأمريكية في صورة (النسر النبيل) الذي يصطاد الحملان (الإرهابية) ليطعم بها الذئاب (الوديعة) في حزب الدعوة ومجلس الثورة الموجَّهين من وكلاء «قم» في العراق. تُرى ما هو مصير حكومة الديمقراطية الطائفية العنصرية إذا تركها الأمريكيون وانسحبوا؟! وما هو مستقبل الأمريكيين في العراق إذا خذلهم الطائفيون عندما يكتشفون أن خسارة الديمقراطية الأمريكية أخطر عليهم من خسائر ديكتاتورية صدام، وماذا يفعل الأمريكيون إذا اقتضت الطائفية توريط الأمريكيين أكثر في المستنقع العراقي، وبخاصة إذا اقترب الخطر من المرجعية الأم في مدينة قم؟! ستخبرنا الأيام عن مآل العراك في العراق بين مَنْ يقاتلون

стр. 5263

من ينقذنا من المفتي المتساهل ؟ عبد العزيز بن إبراهيم الشبل نسمع كثيراً في وسائل الإعلام الإنكارَ على تشدد بعض المفتين، والنهي عن الغلو في الدين، وما إلى ذلك من المطالبة باتخاذ موقف جاد من التطرف والتنطع والغلو (١) ، ولكننا لا نسمع إنكاراً على الطرف الآخر من المفتين المتطرفين، أعني المفتين المُجّان (٢) ، بل إن أولئك المفتين المجان يُبَجَّلون ويُثنى عليهم ويصدّرون فتاوى على الأهواء إن الغَيْرة على الدين تقتضي أن يتم التحذير من هؤلاء وهؤلاء؛ لأنهم كلهم خطر على الدين، بل في أحيان كثيرة يكون المفتي الماجن أخطر على الدين من المفتي المتشدد؛ لأنه وباستقراء التاريخ نجد أن الأقوال المتشددة لا تصمد للزمن، بل تندثر أو يقلّ أخذ الناس بها؛ لأنها مخالفة للنفس البشرية التي تميل إلى السكون والدعة، ودونك آراء الخوارج اندثرت في كثير من الأعصار والأمصار أو كادت أن تندثر، بينما نجد أن أقوال المفتين المجّان ما زالت تسري بين المسلمين. وعلى أية حال فالمطلوب التحذير من كلا المفتيَيْن، وكلاهما يشكلان خطراً على الناس. يقول الإمام الشاطبي ـ عليه رحمة الله ـ: (المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال ... فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق: أما في طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضاً؛ لأن المستفتي إذا ذُهِب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين ... وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن اتباع الهوى..) (١) . - تعظيم شأن الفتيا: كان السلف ﵏ يتحاشون الفتيا ويودّون أن غيرهم يكفيهم إياها، وما ذلك إلا لعِظَم خشيتهم من الله وكمال علمهم بالكتاب والسنة؛ فقد قال ـ عز من قائل ـ: ﴿قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] ، وقال ﷺ كما في الصحيحين من حديث ابن عمرو: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (٢) . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول ﷺ يُسأل أحدهم عن المسألة فيرد هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول» (٣) . وقال حذيفة ﵁: «لا يفتي الناسَ إلا ثلاثةٌ: رجل قد عرف ناسخ القرآن ومنسوخه، أو أمير لا يجد بدّاً، أو أحمق متكلف» (٤) . وقال ابن عيينة: أعلم الناس بالفتوى أسكتهم فيها.... (٥) . وسئل الشعبي عن شيء فقال: لا أدري. فقيل له: أما تستحي من قولك لا أدري وأنت فقيه العراق؟ قال: لكن الملائكة لم تستحِ حين قالت: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا (٦) . ودخل رجل على ربيعة وهو يبكي، فقال: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، وقال: أدخلت عليك مصيبة؟ فقال: لا، ولكن استُفْتِيَ من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. قال ابن الجوزي بعد ذكره لهذا الخبر: هذا قول ربيعة والتابعون متوافرون؛ فكيف لو عاين زماننا هذا؟ (٧) . وأوصى ابن خلدة القاضي ربيعة، فقال له: أراك تفتي الناس؛ فإذا جاءك رجل يسألك فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه، وليكن همك أن تتخلص مما سألك عنه (٨) . وقال أبو حنيفة: من تكلم في شيء من العلم وتقلده وهو يظن أن الله لا يسأله عنه: كيف أفتيتَ في دين الله؛ فقد سهلت عليه نفسه ودينه.. وقال: ولولا الفَرَق من الله أن يضيع العلم ما أفتيت أحداً، يكون لهم المهنأ، وعليَّ الوزر (٩) . وكان الإمام مالك يُكثر من قول لا أدري، وسئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في ثنتين وثلاثين منها: لا أدري، وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف (١٠) . وقال مالك: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة؛ فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن (١١) . وقال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا سئل عن المسألة قال للسائل: انصرف حتى أنظر فيها، فينصرف ويتردد فيها، فقلنا له في ذلك فبكى، وقال: إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم (١) . وسئل الشافعي عن مسألة فلم يجب، فقيل له، فقال: حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب (٢) . وعن الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول: لا أدري، فيما عرف الأقاويل فيه (٣) . وقال: ربما مكثت في المسألة ثلاث سنين قبل أن أعتقد فيها شيئاً، وقال أحمد المروزي: سألت أحمد بن حنبل ما لا أحصي عن أشياء فيقول فيها: لا أدري (٤) . وذكر ابن الجوزي عن بعض مشايخه أنه أفتى رجلاً من قرية بينه وبينها أربعة فراسخ، فلما ذهب الرجل تفكر فعلم أنه أخطأ، فمشى إليه فأعلمه أنه أخطأ، فكان بعد ذلك إذا سئل عن مسألة توقف، وقال: ما فيّ قوة أمشي أربعة فراسخ (٥) . - تتبع الرخص (٦) : وتتابعت كلمات السلف أيضاً في النهي عن تتبع الرخص، واختار جمع منهم تفسيق من فعل ذلك؛ وذلك لأنهم كانوا على فقه ودراية في نصوص الوحي ومقاصد الشرع وأحوال الناس، ولم يكن يغيب عنهم قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] ، ومن أقوالهم في ذلك قول الإمام الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام (٧) . وقال الإمام أحمد: لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقاً (٨) . ودخل إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي على المعتضد فدفع إليه كتاباً فقرأه؛ فإذا فيه الرخص من زلل العلماء قد جمعها له بعض الناس، فقال: يا أمير المؤمنين! إنما جمع هذا زنديق، فقال المعتضد: كيف؟ قال القاضي: إن من أباح المتعة لم يبح الغناء، ومن أباح الغناء لم يبح إضافته إلى آلات اللهو، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمرَ بتحريق ذلك الكتاب (٩) . ونقل ابن حزم وابن عبد البر الإجماع على عدم جواز تتبع الرخص (١٠) . وقد نصّ غير واحد من أهل العلم على حرمة تتبع رخص أهل العلم، وذكروا أنه لا يجوز استفتاء من تتبعها، وردوا على من قال أو عمل بذلك (١١) . - شبهة وجوابها: يتذرع هؤلاء المفتون ومن سار في مسارهم بالأدلة الدالة على التيسير على هذه الأمة، وكون الشريعة الإسلامية شريعة سمحة، مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله ـ تعالى ـ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] وقوله ﷺ : «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» (١٢) . والجواب عن هذه الشبهة من أوجه: الوجه الأول: أن الذي أراد التيسير وبعث بالحنيفية السمحة هو الله سبحانه؛ فكل ما شرعه فهو يسير، وعلى ذلك فعلى المفتي أن يبحث عما شرعه الله وفق الضوابط المرعية في الاجتهاد، وإذا وصل المفتي إلى ما شرعه الله فقد وصل إلى اليسر، وليس اليسر هو ما يهواه المفتي، وليس اليسر في اتباع رخص الفقهاء وزلاَّتهم، وأنا أسأل هذا المفتي سؤالاً واحداً: هب أنك واجهت النبي ﷺ ـ بأبي هو وأمي ـ وقال لك: إن حكم الله هو كذا وكذا في هذه المسألة، ثم واجهت العالم الفلاني الذي اجتهد في مسألة من المسائل وأخطأ فيها، وقال لك هذا العالم: إن حكم الله هو كذا وكذا؛ فبربك الذي سوَّاك فعدلك، وهداك النجدين، بأيهما تأخذ؟ ألست تأخذ بما قاله الحبيب ﷺ ؟ إذن فهذه سنته عندك خذ منها الأحكام ودع عنك سنة من سواه. الوجه الثاني: أن في تتبع الرخص اتباعاً للهوى؛ فالمفتي المتتبع للرخص لا ينظر في الأدلة والمقاصد الشرعية، بل ينظر في هواه أو هوى المستفتي، وقد نهينا عن اتباع الهوى في أكثر من دليل، مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥] . الوجه الثالث: ليس المقصودُ باليسرِ السهولةَ والدعةَ وإلا لم يكن للتكاليف معنى؛ فالأحكام الشرعية تخالف هوى الناس، ليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، وعندنا في الأحكام الشرعية الصلاة في الأيام الشديدة البرد، ودفع الزكاة، والحج، والجهاد، وإقامة الحدود، وغير ذلك من الأحكام الشرعية التي تخالف هوى النفوس، ومع ذلك لا يشك أحد في كونها من الشرع، ولا يشك أحد في يسر الشرع أيضاً. وباختصار: فالذي يحدد اليسر، هو الذي ذكر أن هذا الدين يسر، وهو الحكيم الخبير. الوجه الرابع: أن القول بتتبع الرخص وترك قواعد الاجتهاد والترجيح بين الأدلة يؤدي إلى ضياع الأحكام الشرعية، وترك الناس لهذه الشريعة (السمحة) ، والقفز على المسلّمات الشرعية، وانفراط العقد، وكثيراً ما نسمع من هؤلاء أهمية العلم بالمقاصد الشرعية، وصدقوا في ذلك، ولكن أليس اتباع زلات العلماء يؤدي إلى ترك الشريعة؟ أليست هذه الرخص تؤدي إلى تلاعب الناس بالدين، واتخاذه لهواً ولعباً، خذ لذلك مثلاً: من الفقهاء من يقول بعدم اشتراط الولي في النكاح، ومنهم من لا يشترط الشهود في النكاح، ويتركب من هذين القولين، جواز ما يعرف في بعض البلاد (١) بالزواج العرفي، وهل يقول بذلك أحد يخشى الله ويتقيه؟ ولهذا فغالباً ما يؤدي تتبع الرخص إلى التلفيق بين الأقوال. الوجه الخامس: أن هذه الطريقة في الاستدلال يمكن أن تُقلَب على صاحبها، فيأتي المفتي المتشدد فيقول: إن الله يقول: ﴿إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] ، ويستدل بقوله ـ تعالى ـ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤] ، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على تشريع بعض العبادات مع أنها كره لنا، والآيات التي ترغب في الآخرة وتحذر من الدنيا، ونحو ذلك من الآيات في هذا المعنى، وعلى ذلك يقول: علينا أن نأخذ بالقول الأشد، ونخرج من الخلاف بيقين، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وكل ما عرضت له مسألة بَحَثَ عن أشد قول فأخذ به، أقول: هل من الممكن أن نقبل ذلك منه؟ أليس ما ذكره من الأدلة كلها أدلة صحيحة؟ ولكن ـ لا والله ـ لن نأخذ بمسلك هذا المتشدد ولا بمسلك ذلك المتساهل، بل دين الله بين هذا وهذا، وليس الدين ديننا ونحن شرعناه حتى نأخذ منه ما نشاء، وندع ما نشاء، بل هو ديننا الذي آمنا به وعرفناه، وسنتبع هذا الدين حتى وإن خالف أهواءنا، ولن نكون كأولئك الذين إن كانت الموجة موجة تشدد ركبوها، وإن أتى وقت التساهل حملوا لواءه، حاله كما قال الأول: طوراً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمن وإن لاقيت معدياً فمن عدنان وأكثر ما يبتلى بهؤلاء في مسائل النوازل ـ وخاصة المالية منها ـ فتجد المتشدد يقف أمام شيء لم يعهده في السابق فيذهب ليحرمه، والآخر يرى الناس مقبلين على هذا الشيء فيذهب ليبرر لهم واقعهم. لست أنكر على المفتي أن يعتقد القول بعد النظر في المسألة والتجرد للحق ثم يقول بالقول الذي يراه سواء أكان هذا أشد مما عليه الناس أم أخف؛ إذ هذا ما أداه إليه اجتهاده وهذا ما يدين الله به، ولكن إنما اللوم على من يتبع هواه في التشديد والتسهيل، أو يتبع أهواء الناس (٢) وما يشتهونه، ويفسد دينه بصلاح دنيا غيره، أو يتبع معظماً في ذلك. قال ابن عقيل الحنبلي: «من أكبر الآفات: الإلف لمقالة من سلف، أو السكون إلى قول معظَّم لا بدليل؛ فهو أعظم حائل عن الحق وبلوى تجب معالجتها» (٣) . - أهم أسباب تساهل الفقهاء: ١ ـ ضعف الإيمان، وعدم معرفة الله حق المعرفة؛ أما من عرف الله حق المعرفة فإنه سيعلم أنه ذو الحكمة البالغة، ولا يصلح الناس إلا باتباع أمره واجتناب نهيه، ومن كان يخشى الله حق الخشية فإنه لن يجيب إلا بعلم أو سيسكت بحلم، ولن يفتي إلا بما يدين الله أنه هو الحق، ولن يبحث عن راحة غيره في الدنيا بشقائه في الأخرى. ٢ ـ غياب أو تغييب أهل العلم الراسخين في العلم. ٣ ـ حب الظهور بين الناس، فيأتي بالفتوى الشاذة، أو الرخص التي لا تقوم على ساق الدليل؛ لكي يبحث عنه الناس ويشتهر بينهم، وتتنافس عليه الفضائيات ليصدر فتاوى الهوى في برامج على الهواء ـ ولست أعمم هذا الحكم على كل الفضائيات، ولكن للأسف كثير منها كذلك ـ ويذكرني فعل هؤلاء بالذي بال في زمزم طلباً للشهرة، وحب الظهور يقصم الظهور. ٤ ـ تضخيم وسائل الإعلام لهؤلاء المفتين، حتى أصبح يخيّل إليهم أنه لا يجيد الفتوى إلا هم، ولا يفقه واقع الحياة أحد غيرهم. وقال الطانزون له فقيه فصعّد حاجبيه به وتاها وأطرق للمسائل أي بأني ولا يدري لعمرك ما طحاها (١) ٥ ـ الهزيمة النفسية التي يعاني منها هؤلاء، فيريدون أن يبرروا ـ عن حسن قصد منهم ـ كثيراً من أحكام الإسلام، وتجدهم يسعون جهدهم أن تكون مطابقة لما عليه واقع الناس حتى ولو كان ذلك لا يتأتى لهم؛ لكون ذلك مخالفاً لأحكام الشرع صراحة. ٦ ـ طلب الدنيا، سواء أكان ذلك طلباً للمنصب أم طلباً لرضا السلطان أم غير ذلك. ٧ ـ وجود الطرف المتشدد؛ فالتشدد في الفتوى يؤدي إلى ظهور الطرف المفرّط المتساهل، كما أن وجود الطرف المفرّط يؤدي إلى وجود الطرف المتشدد، فوجود هؤلاء ملازم لوجود هؤلاء، ولا مناص من التخلص من تطرف التشدد والتساهل إلا بسلوك مسلك الوسط، وليعلم أولئك الذين يسعون إلى تلميع هؤلاء المفتين أنهم ـ شعروا أم لم يشعروا ـ يساعدون على إذكاء نار التشدد. - من الحلول لهذه المشكلة: ١ ـ خروج أهل العلم الصادقين وتصدرهم للفتيا، والقيام بالواجب والعهد الذي أخذه الله عليهم. أما إذا قعدوا في البيوت أو انحصروا في فئة قليلة من طلابهم ولم يتصدوا لأسئلة الناس ومشاكلهم فإن هؤلاء المتساهلين سيجدون أرضاً خصبة وساحة خالية يصولون فيها ويجولون. وفي كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: «.. ولْتُفشوا العلم ولتجلسوا حتى يُعَلَّم من لا يعلم؛ فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً» (٢) . متى تصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحار من الركايا ومن يثني الأصاغر عن مراد وقد جلس الأكابر في الزوايا (٣) وقد يعتذر بعض أهل العلم بأنه لا يستجيز الخروج في بعض وسائل الإعلام، وليست هذه حجة كافية؛ لأنه حتى لو لم يكن يرى جواز الخروج في بعض وسائل الإعلام؛ فهناك وسائل إعلام لا حرج فيها عنده؛ فما عذره في تقصيره عن المشاركة فيها؟ ٢ ـ نشر الوعي بين الناس بأهمية استفتاء العلماء الموثوقين، وإعلام الناس أن استفتاء مفتٍ تعلم أنه متساهل في فتواه لا يبرئ ذمتك أمام الله (٤) ، وليعلم المستفتي المقلّد أن عليه الاجتهاد أيضاً، واجتهاده يكون في تحري المفتي الذي يثق في علمه ودينه، فيجتهد المستفتي في معرفة عدالة المفتي وعلمه، ولكن ليس عليه أن يبحث عن الأعلم إلا إذا اختلفا فإنه يبحث عن الأعلم، وليس له أن ينتقي من المذاهب ما يوافق هواه، ومثل العامي عند اختلاف المجتهدين كمثل من مرض له ابن وكان في البلد طبيبان قد اختلفا في علاج هذا الابن؛ فإنه يتبع الأعلم منهما بحسب ما ظهر له من القرائن (٥) . ٣ ـ المبادرة إلى إصدار فتاوى جماعية في بعض النوازل التي تقع للأمة، لكي يكون الناس على بينة من أمرهم، ولا ينفرد أولئك المفتون بإصدار فتاوى خاصة بها. ٤ ـ على من ولي أمراً من أمر المسلمين أن يمنع المفتين المتساهلين والمتشددين من إفتاء الناس وإضلالهم، ولا يكون السماح والمنع مبنياً على موافقة الوالي أو مخالفته. روى مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة يحدث عبد الله بن عمر أنه مر به قوم محرمون بالربذة فاستفتوه في لحم صيد وجدوا أناساً أحلة يأكلونه فأفتاهم بأكله، قال: ثم قدمت المدينة على عمر بن الخطاب فسألته عن ذلك، فقال: بِمَ أفتيتهم؟ قال: فقلت: أفتيتهم بأكله، قال: فقال له عمر: لو أفتيتهم بغير ذلك لأوجعتك. قال أبو الوليد الباجي: «وقوله: في آخره (لأوجعتك) تصريح منه بما توعده به، وإعلام منه بأنه يرى تأديب من يتسامح في فتواه ويفتي قبل أن يتحقق؛ لأنه شديد الإضرار بالناس في تحليل الحرام وتحريم الحلال» (٣٦) . والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 5264

التقول على الشرع بغير علم د. عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين حرم المولى القول عليه بغير علم، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ، وحذر من الكذب في العلم، قال ﷻ : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] . فالتقوُّل على الشرع بغير علم من الآفات الخطيرة لمن تلبس بها، وهي تدل على ضعف الدين، وحب المتقول للرياء، والمفاخرة بادعاء العلم، والتطاول على الدِّين. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] . وكان نبينا محمد ﷺ يُسأل عن أمور فَيَكِلُ فيها العلم إلى الله تعالى، ويظل منتظراً الوحي. قال الإمام مالك (ت ١٧٩هـ) : «كان رسول الله ﷺ إمامَ المسلمين وسيدَ العالمين يُسألُ عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحيُ من السماء» (١) . ونهى النبي ﷺ من التقوُّل على الشرع بغير علم في قوله: «المُتَشَبِّعُ بما يُعْطَ، كَلابِسِ ثَوْبَي زُورٍ» (٢) ، قال الإمام أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ) معلقاً على الحديث: «ويدخل في هذا فتوى العالم بما لا يتحققه، وروايته الحديث الذي لا يثبته؛ إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه؛ فهو لذلك يستنكف من أن يقول لا أدري، وهذا حرام» (٣) . وحذر الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ من الفتيا والتقول على الله ـ تعالى ـ بغير علم؛ إذ قال: «من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم؛ فإن الله ـ تعالى ـ قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] » (١) . لقد تسارع أقوام من المنتسبين إلى العلْمِ على الشرف والمنصب، حباً في الدنيا وطمعاً في وظائفها، فتقوّلوا على الله ـ تعالى ـ وعلى رسوله ﷺ ، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم (ت ٧٥١هـ) : «كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلا بُدَّ أن يقول على الله ـ تعالى ـ غير الحق في فتواه وحكمه، في خبره وإلزامه» (٢) . وخشية الإطالة على القارئ الكريم، أوجز حديثي عن موضوع: (التقوّل على الشرع بِغَيرِ عِلم) في الأمور الآتية: - التلاعب بأحكام الكتاب والسنة: جاء التحذير من الذين يقرؤون القرآن، ثم يُغيّرون أحكامه وحدوده، ويتلاعبون به يميناً وشمالاً، ويَتَقَوَّلُون على الله تعالى. عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رُئيت بهجته عليه، وكان ردئاً للإسلام غيَّرَهُ إلى ما شاء الله، فانسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك» (٣) . ومن أمثلة التلاعب بالسنّة وكثرة الكذب في العلم في آخر الزمان، ما يدل عليه حديث النبي ﷺ : «يَكُونُ في آخر الزمان أناسٌ دَجَّالُون كَذَّابُون. يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعُوا أنتم ولا آباؤُكُم، فإياكم وإياهُم، لا يُضلُونكُم ولا يفتنونكم!» (٤) ؛ فاستشراء الكذب على النبي ﷺ دليل على مدى ضعف الأمانة في العلم والتقول على رسول الله ﷺ بما لم يقله. ومن أمثلة التلاعب بالعلم، ما روي أن أمير المؤمنين علي بن طالب ﵁ دخل المسجد فرأى واعظاً يعظ الناسَ ويخوَّفهم؛ فما كان منه إلا أن سأله: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال له: هلكتَ وأهلكتَ، ثم أصدر أمره بمنعه من التحدث إلى العامة (٥) . ولأجل مواجهة المتلاعبين بالدِّينِ دأب الصحابة ﵃ على التثبت في التحديث عن رسول الله ﷺ ؛ فعن مجاهد قال: جاء بُشيرٌ العدوي إلى ابن عباس ﵄ فجعل يحدِّثُ، ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ؛ فجعل ابن عباس لا يَأْذَنُ لحديثه، ولا ينظُرُ إليه. فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أَرَاكَ تَسْمَعُ لحديثي؟ أُحَدِّثُكَ عن رسولِ الله ﷺ ولا تسمع، فقال ابن عباس: «إنَّا كُنَّا مَرَّةً إذا سَمِعْنَا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدَرَتهُ أبصارُنا، وأصغَيْنَا إليهِ بآذَانِنَا؛ فلما رَكِبَ الناسُ الصَّعْبَ والذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ من النَّاسِ إلا مَا نَعْرِفُ» (٦) . - التسرع في الفتيا قبل التأمل والدراسة: حذر النبي ﷺ تحذيراً شديداً من أن يفتي المرء بغير علم، أو يتقول على الشرع الحنيف؛ فقد جاء في حديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجرٌ في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات؛ فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخْبِرَ بذلك، فقال: «قتلوهُ قتلهمُ الله؛ ألا سألوا إذْ لم يعلموا؟ فإنما شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ، إنَّما كان يَكْفِيهِ أن يَتَيَمَّمَ ويعصِرَ أو يعصِبَ على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثم يَمْسَحُ عليها ويَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ» (٧) ، وعدَّ ﷺ الذين أفتوا الجريح بغير علم بمنزلة القتلة لأخيهم. والمتأمل لما كان عليه الصحابة الكرام ومن بعدهم العلماء السابقون يجدهم يتدافعون الفتيا، ويخشون الإجابة على المسائل، خوفاً من التقول على الشرع. يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى (ت ٨٣ هـ) : «أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، ما منهم أحد يُسأل عن حديث أو فتيا إلا وَدَّ أن أخاه كفاه ذلك» وفي لفظ: «كانت المسألة تُعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر، ويردها الآخر إلى الآخر، حتى تعود إلى الأول» (٨) . وكذا وصفهم الإمام سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) : «أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا، حتى لا يجدوا بُدّاً من أن يفتوا» (٩) ، هذا على وفرة العلماء وعلو كعبهم في العلم، وإذا ما تأملنا حال العلماء في زمننا نجده يحفل بأناس ضعفت أمانتهم يتخبطون في الفتيا، ويتسرعون في إصدارها، دون تأن، وتثبت ودراسة. ومن أمثلة ذم التسرع في الفتيا والتقول على الشرع بغير علم: «رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: استُفْتِي من لا عِلْمَ لَهُ، وظهرَ في الإسلام أمرٌ عظيمٌ. قال: ولَبعض من يُفتي ها هنا أحق بالسجن من السُّراق» (١٠) . ونقل الإمام ابن القيم عن بعض العلماء قولهم: «فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدام من لا علم عنده على الفتيا، وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة، وسوء السيرة، وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس لَهُ في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب» (١) ؛ فكيف الحال بأزماننا المتأخرة، وقد تجرأ في التقوُّل على الشرع من هَبَّ ودَبَّ بدون علم ولا ورع ولا أدب. ومن الشواهد على التسرع في الفتيا قيام بعض طلبة العلم المبتدئين المستندين على التلقي المباشر من الكتاب والسنة بإصدار الفتاوى التي هي من شأن العلماء الراسخين (٢) ، ويصدق على هؤلاء المتسرعين بالفتاوى قول الفقيه القاضي سحنون (ت ٢٤٠ هـ) : «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه» (٣) . - اشتغال غير المختصين بمسائل العلم: تحتاج مسائل العلم الدقيقة، والقضايا الفقهية، والفتاوى النازلة إلى من أفنى عمره في دراسة العلم ومسائله من العلماء الأثبات، المشهود لهم بسعة العلم، ودقة المعرفة، وسلوك الورع، ومعرفة الواقع، ومقاصد الشريعة، وربما أحاط أصحاب العلوم التجريبية ببعض العلوم الشرعية، لكن لا يعني ذلك القدرة على البحث والاستنباط في مسائل العلم الشرعي، وبحسب أصحاب التخصص التجريبي الإبداع في تخصصاتهم، وإفادة الأمة الإسلامية التي هي أحوج ما تكون إليهم في مجالهم، وكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ لَهُ. ومن أمثلة ذلك: اشتغال جمع من أصحاب التخصصات في العلوم التجريبية بساحة التخصص الشرعي، وتطاولهم على كتب السلف في العقيدة والتفسير والحديث والفقه وأصوله وغيرها، فوقعوا في مزالق خطيرة (١) . ولا يُشَكُّ في حسن نية بعض الباحثين والدارسين، لكن لا يكفي المرءَ قراءتُه للكتب الشرعية ليصبح في عداد العلماء المتخصصين في الشريعة، بل لا بد من العكوف على سؤال العلماء، والإفادة منهم في فهم المراد من النصوص الشرعية، والإلمام بدقائق العلم الشرعي وآلته، والقدرة على النظر في الأدلة الشرعية، ومعرفة مظان الأحكام الشرعية في مصادر الشريعة، أُثِرَ عن الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) في رواية ابنه عبد الله قوله: «إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ ، واختلاف الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بما شاء، ويتخير فيقضي به، ويعمل به، حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به، فيكون يعمل على أمر صحيح» (٢) . وأحسن الإمام الشافعي إلى التنبيه على أهل العلم بضبط أصول العلم، وأدواته قبل الشروع في الفتوى؛ إذ قال: «لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، وبمُحكمه ومتشابهه، وتأويله وترتيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله ﷺ ، وبالناسخ والمنسوخ منه، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر، وبما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يتكلم في العلم ولا يفتي» (٣) . وما أجمل قول الشاعر في هذا: متى ما أتيت الأمر من غير بابه ضللت وإن تدخل من الباب تهتدِ - التحدث ببعض العلم المأثور أمام من قَلَّ فقهه وتأخرت رتبته: يتحدث بعض أهل العلم في قضايا علمية في محيط أوساط المجتمع، والذي يحوي فئات متفاوتة في الفهم والاستيعاب، وربما تكلم في قضايا شرعية آلت إلى فتن عظيمة، ولا سيما في قضايا تهم الأمة، وتختلط فيها السبل، وليس من المصلحة إثارتها أمام العامة. وبوب البخاري «باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهيةَ أن لا يفهموا» ثم ساق قول علي ﵁: «حدِّثُوا الناسَ بما يعرفون، أتحبونَ أن يُكَذَّبَ الله ورسُولُه!» (٤) ، وجاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ قوله: «ما أنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغهُ عقولُهُم، إلا كان لبعضهم فِتنةً» (٥) . وليس هذا من كتمان العلم المنهي عنه، بل هو من حسن إنفاقه في محله، وبذْله إلى أهله؛ ولذا ينبغي مراعاة ما ينشر من العلم والحق وفق المنفعة المترتبة منه. يقول الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) : «ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة، ومما يفيد علماً بالأحكام، بل ذلك ينقسم: منه ما هو مطلوب النشر وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص» (٦) .

стр. 5265

سبيل العلاج من الوساوس والشكوك د. عبد العزيزآل عبد اللطيف لا ينفك الإنسان عن الوساوس والخطرات، كما لا يخلو من شكوك وشبهات. فالإنسان مجبول على الفكر والتفكير كما جاء في قوله ﷺ : «أصدق الأسماء حارث وهمَّام» (١) ؛ فأحق ما يسمى به الإنسان أنه حارث (عامل) وأنه همَّام أي صاحب فكر وهمة ونية سواء كان فكراً صائباً أو فاسداً. وأهل الإسلام والسنة وإن كانوا أرباب تصورات حقة، لكن قد تعتريهم الوساوس، وتعرض لهم الشكوك، وهم إزاء تلك الوساوس والشبهات على طرفي نقيض: فمنهم من ينساق معها ويغرق في لُجَّتها، فتستحوذ عليه الحيرة، وتغلبه الشكوك، وربما أفضى به ذلك إلى ما ينقض أصل دينه. وطرف آخر إذا خطر له أذى وسواس في دينه إذا به ينوح على نفسه، ويتهمها بالكفر والنفاق، والواجب التوسط في ذلك كما سنبينه إن شاء الله. إن من المهم أن نراعي طبيعة النفس البشرية، وما يكتنفها من تلك الأدواء، لا سيما في هذا العصر عصر الانفتاح والفضائيات و «الإنترنت» . فالوساوس والشكوك واردة وواقعة، ولذا شُرع لنا أن نستعين بالله ـ تعالى ـ من تلك الوساوس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٦] ، وقد عرض لبعض الصحابة ﵃ تلك الوساوس، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله! إنّا نجد في أنفسنا الشيء يعظم أن نتكلم به، ما نحب أن لنا الدنيا وأنَّا تكلمنا به، فقال: (أَوَقد وجدتموه؟ ذاك صريح الإيمان) (٢) . والمراد بصريح الإيمان؛ أي: الإيمان الخالص، وهو كراهية تلك الوساوس ومدافعتها، وليس المراد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، بل هي من كيد الشيطان (٣) . يقول ابن تيمية: «لا بد لعامة الخلق من هذه الوساوس؛ فمن الناس من يجيبها فيصير كافراً أو منافقاً، ومنهم من قد غمر قلبه الذنوب، فلا يحسّ بها إلا إذا طلب الدين، ولهذا يَعْرِض للناس من الوساوس في الصلاة ما لا يعرض لهم إذا لم يصلُّوا؛ لأن الشيطان يكثر تعرُّضه للعبد إذا أراد الإنابة إلى ربه، والتقرب إليه ... » (٤) . وإذا تقرر وقوع الوساوس وورود الشكوك؛ فما سبيل السلامة والخلاص منها؟ - أول علاج وآكده أن يُعنى بحفظ الخواطر والأفكار عن وساوس الشيطان، فيصرف تفكيره فيما ينفع من العموم والإرادات النافعة؛ فمن أشغل فكره بالتصورات الصحيحة المفيدة، فإنه يسلم من الوساوس وما تؤول إليه من الأفكار الخاطئة. كما قرر ذلك ابن القيّم ﵀ بقوله: «وإياك أن تمكِّن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك؛ فإنه يفسدها عليك فساداً يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك. وجماع إصلاح ذلك أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها، وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته، وطرح إرادة ما يضرك إرادته..» (١) . - ومما يقي العبد من ركام الوساوس والشكوك أن يجتهد المسلم في تحقيق التسليم التام، والانقياد الكامل لما جاء عن الله ـ تعالى ـ في كتابه، وما صح عن رسول الله ﷺ ؛ فما سلم في دينه إلا من سلّم لله ولرسوله ﷺ ، ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم كما قال الإمام الطحاوي. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] . إن الإذعان لنصوص الوحيين يدفع الشكوك، ويزيل الاشتباه، ولما أعرض أهل الكلام عن هذا التسليم والإذعان، بل عارضوا النصوص الشرعية بمعقولاتهم، أعقبهم ذلك حيرة وشكّاً، حتى قال بعض السلف: أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام. ووصف الإمام الطحاوي ﵀ حال من أعرض عن الكتاب والسنة، واشتغل بعلم الكلام، فقال: «فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً، شاكّاً زائفاً، لا مؤمناً مصدقاً ولا جاحداً مكذباً» (٢) وألف شيخ الإسلام الهروي (ت/ ٤٨هـ) كتابه «ذم الكلام» واستهله بهذا العنوان: «باب بيان أن الأمم السابقة إنما استقاموا على الطريقة ما اعتصموا بالتسليم والاتباع، وأنهم لما تكلَّفوا وخاصموا ضلوا وهلكوا» (٣) . - وإن مما يدفع الوساوس والشكوك: تحقيق اليقين في تلقي الدين، سواء كان عقيدة أو شريعة؛ فلقد أثنى الله ـ تعالى ـ على المؤمنين الموقنين، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] . فعلى المؤمن أن يكون موقناً ثابتاً؛ فاليقين يقابل الريب «والريب نوعان: نوع يكون شكّاً لنقص العلم، ونوع يكون اضطراباً في القلب، والإيمان لا بد فيه من علم القلب.. وعمل القلب أو بصبره وثباته، وطمأنينته، وسكينته، وتوكله، وإخلاصه، وإنابته إلى الله تعالى. والريب: الحركة، والعرب تقول: ماء يقن، إذا كان ساكناً لا يتحرك؛ فقلب المؤمن مطمئن لا يكون فيه ريب» (٤) . ويقرر ابن القيم عِظَم منزلة اليقين وكبير أثره فيقول: «ومتى وصل اليقين إلى القلب، امتلأ نوراً وإشراقاً، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط، وهمّ وغمّ، فامتلأ محبةً لله، وخوفاً منه، ورضًى به، وشكراً له، وتوكلاً عليه، وإنابة إليه؛ فهو مادة جميع المقامات والحامل لها» (٥) . وإذا كان أهل الإرادة والسلوك يؤكدون على عظم اليقين ـ كما بسطه ابن القيم في مدارج السالكين ـ فإن الفقهاء يؤكدون على ذلك أيضاً؛ فمن القواعد الكلية الكبرى أن اليقين لا يزول بالشك. كما جاء في قوله ﷺ : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً، فأشكل عليه: أَخَرَجَ منه شيء، أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد، حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (٦) . وهذه القاعدة العظيمة تدخل في عامة أبواب الفقه ومسائله. وإذا كان الدهماء ينخدعون ويتشككون، فيحاكون كل ناعق؛ فإن أرباب اليقين والرسوخ في دين الله لا تزيغ قلوبهم، ولا تضطرب ثوابتهم زمن المحن والأزمات، فضلاً عن زمن الرخاء والسلم. إن على أهل العلم والدعوة أن يلتفتوا إلى الوسائل والبرامج التي تحقق اليقين. ومن ذلك التأكيد والتذكير بالثوابت الشرعية؛ فكم هي الأحكام القطعية ـ المعلومة من الدين بالضرورة ـ قد صارت الآن محل اشتباه واضطراب، ومثال ذلك شعيرة الولاء والبراء، التي تواترات النصوص بتقريرها، واحتفتْ بترسيخها، حتى قال بعض العلماء: «أما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله قد أوجب ذلك، وأكّد إيجابه، وحرم موالاتهم، وشدّد فيها، حتى إنه ليس في كتاب الله ـ تعالى ـ حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم، بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده» (٧) . ومع ذلك كله فقد أضحى ـ في هذه الأيام ـ محل خصومة وجدال، وتشكيك والتباس، تحت أسماء موهمة كالتعايش، والحوار.. أو خضوعاً للواقع وانهزامية تجاه الأحداث وفق هالات «المراجعات» و «التحديات» . إن اليقين يحصل بأمور عديدة، وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثلاثة منها فقط: أحدها: تدبر القرآن. والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس، والآفاق التي تبيّن أن القرآن حق، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . والثالث: العمل بموجب العلم؛ فإن العمل بموجب العلم يثبته ويقرره، ومخالفته تضعفه، بل قد تذهبه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] (١) . - وإن من آكد السُبُل في دفع الوساوس ورفعها: الانتهاء عن تلك الوساوس والشكوك، والكفّ عنها، والاستعاذة بالله من الشيطان، كما جاء في المسلك البرهاني الذي بيّنه رسول الله ﷺ بقوله: «يأتي الشيطانُ أحدَكم، فيقول: مَنْ خَلَقَ كذا؟ من خَلَق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه؛ فليستعذ بالله ولْيَنْتَهِ» (٢) . وفي لفظ لمسلم: «لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا الله خلق الخلق؛ فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنتُ بالله» . قال الخطابي: «قوله: من خلق ربَّك؟ كلام متهافت ينقض آخره أوله؛ لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقاً، ثم لو كان السؤال متجهاً لاستلزم التسلسل وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدَثات مفتقرة إلى محدِث، فلو كان هو مفتقِراً إلى محدِث لكان من المحدَثات» (٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنما وجب انتهاؤه؛ لأنه من المعلوم بالعلم الضروري الفطري لكان من سلمت فطرته من بني آدم أنه سؤال فاسد، وأنه يمتنع أن يكون خالقاً لكل مخلوق خالقُه؛ فإنه لو كان له خالق لكان مخلوقاً، ولم يكن خالقاً لكل مخلوق، بل كان يكون من جملة المخلوقات، والمخلوقات لا بد لها من خالق، وهذا معلوم بالضرورة والفطرة..» (٤) . ولا بد من التنبيه إلى أن الوساوس والشكوك في البدهيات لا تنمحي بالدليل والبرهان؛ لأن البدهيات يُستدل بها، ولا يُستدل عليها، والبرهان لا بد أن ينتهي إلى تلك البدهيات، كما بيّن ذلك شيخ الإسلام بقوله: «الوسوسة والشبهة القادحة في العلوم الضرورية لا تُزال بالبرهان، بل متى فكر العبد ونظر ازداد ورودها على قلبه، وقد يغلبه الوسواس حتى يعجز عن دفعه عن نفسه. وهذا يزول بالاستعاذة بالله؛ فإن الله هو الذي يعيذ العبد ويجيره من الشبهات المضلّة، والشهوات المغوية، ولهذا أمر العبد أن يستهدي ربه في كل صلاة فيقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] » (٥) . - من وسائل دفع الشبهات والوساوس أن يقوم أهل العلم وطلابه بواجبهم في ردّ الوساوس وقطعها، وتفنيد الشكوك، وبيان ما يُشْكِل سواء من خلال الفتاوى، أو الردود، أو المناظرات.. كما أن على سائر أهل الإسلام أن يسألوا أهل العلم الثقات، وطلاب العلم الأكفاء «وقد كان الصحابة ﵃ يسألون رسول الله ﷺ ، ويسأل بعضهم بعضاً، عن أدنى شبهة تعرض في حطابه وخبره..» (٦) . وها هي الشبهات والإشكالات تتتابع وتتلاحق، وتغزو البلاد والعباد، فيعمد بعض المتحمسين إلى دفعها، لكن بجواب ضعيف، وأسلوب ركيك، ويقابلهم من آثر القعود محتجاً بعلل عليلة، كأن يظن أن في الردّ على تلك الشكوك والإشكالات إظهاراً لها، وقد ذهل أن تلك الإشكالات متداولة بارزة في كتب ومجلات، وفضائيات وشبكات معلومات؛ فأي ظهور بعد هذا؟ وربما استروح بعضهم إلى آثار عن بعض السلف في منع مناظرة أهل البدع أو الرد على شبهاتهم، لكنهم غفلوا عن مناظرة ابن عباس ﵄ للخوارج، وما صنعه جابر بن عبد الله ﵄ مع يزيد الفقير الذي شُغِفَ برأي الخوارج، فحدّثه جابر بحديث الجهنميين، فأقلع عن ذلك الرأي، وتاريخ أهل الإسلام والسنة حافل بالردود والمناظرات لمخالفيهم. ومما سطّره ابن القيم ـ ضمن فوائد قصة وفد نجران ـ قوله: «جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرتْ مصلحته من إسلام من يُرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة؛ فليولّ ذلك إلى أهله..» (٧) . فمن أهم المهمات أن نقرر ونذكّر بأصول الاعتقاد وقواعد الشريعة، وأن نجيب عما يرد في ذلك من شبهات واقعة، أو إشكالات ملبّسة، وأن نقدِّم ما كان أشدها أثراً، وأعظمها انحرافاً وانتشاراً، فلا ننشئ شكوكاً مطمورة، ولا نحتفي بشبهات مغمورة، كما لا نعرض عن شبهات وإشكالات صارت ملء السمع والبصر. - ومما يدفع الشكوك والوساوس: سؤال الله ـ تعالى ـ اليقين، كما في حديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: سمعت رسول ﷺ يقول: «سلوا الله اليقين والمعافاة؛ فما أوتي أحد بعد اليقين خيراً من العافية» (٨) . قال ابن القيم: «فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية؛ فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه» (٩) . وكتب بعضهم إلى الإمام الشعبي قائلاً: رزقك الله اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا تعتمد في الدين إلا عليه (١٠) . والله المستعان.

стр. 5266

العلاقات الاجتماعية بناؤها وتوظيفها في الدعوة إلى الله الربيع بن إبراهيم مليحي تتولد بين الناس في خضم هذه الحياة علاقات مختلفة باختلاف الدوافع، والأغراض التي هي من ورائها؛ فهناك روابط يؤلف بينها النسب، وأخرى تجمع أطرافها المصاهرة، وثالثة يحكمها الجوار، وهكذا سائر العلاقات الأخرى التي تتكون نتيجة المصالح المشتركة، والمواقف المتبادلة، واللقاءات اليومية، والاجتماعات الدورية، كعلاقة زملاء العمل، وعلاقات التجار والشركاء، والأصدقاء، وغيرها؛ مما يجعل موضوع العلاقات، والإفادة منه في مجال الدعوة إلى الله محل اهتمام الباحثين، ومن هنا وُلدت هذه الدراسة الموجزة في هذا الموضوع المهم، فخرجت بتوفيق الله ـ تعالى ـ في سطور معدودة، رجاء أن يعقبها دراسات متميزة من المختصين في هذا المجال الحيوي الذي يأتي اليوم في مقدمة الأولويات. ورغم إيماني الكبير بأن الجميع يدرك خطورة هذا الموضوع، وحيويته إلا أننا - أهمية العلاقات: لا أظن أن أحداً من الناس يجادل في أهمية العلاقات الجيدة، ودورها الفعال في جميع مجالات الحياة على مستوى الشعوب والأفراد؛ ولذلك فالحديث عن أهمية العلاقات يعد من نافلة القول، إلا أنني أودّ أن أُذكّر القارئ الكريم ببعض الجوانب المهمة التي تبرز من خلالها أهمية العلاقات، وخاصة في مجالات الدعوة المختلفة، ومن أبرز هذه الجوانب ما يلي: أولاً: الحماية والنصرة؛ حيث تُشكّل العلاقات الجيدة حماية للداعية تمكّنه من نشر دعوته الإصلاحية، وتبليغ رسالته، ولو بشكل محدود. ولعلك أخي القارئ تلمح شيئاً من هذا المعنى المهم من خلال تأملك في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] . قال العلاَّمة السعدي ﵀ في معنى الآية: أي: ليس لك قَدْر في صدورنا ولا احترام في أنفسنا، وإنما احترمنا قبيلتك بتركنا إياك (١) ، ومما يزيد هذا الجانب وضوحاً ذلك الدور الفعال الذي لعبته علاقة النسب بين النبي ﷺ وبين عمه أبي طالب؛ حيث أحاطته ﷺ بنوع من الطمأنينة والأمن استطاع من خلاله أن ينشر دعوته المباركة، وأن يبذر نواة الخير في مكة وما حولها، ولست بحاجة إلى أن أدلل على جودة تلك العلاقة؛ لأن السيرة قد شهدت بذلك لأبي طالب من خلال مواقفه الجيدة في التصدي لمحاولات صناديد قريش الآثمة التي كانت تستهدف النبي ﷺ ، ودعوته المباركة، بل وسُطِّرت له تلك الأبيات التي تدل على شدة محبته لرسول الله ﷺ ، وقوة دفاعه عنه، والتي منها قوله: واللهِ لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أُوُسَّدَ في التراب دفينا فاصدعْ بأمرك ما عليك غضاضةٌ وابشر وقِرَّ بذاك منك عيونا (١) فتأمل أخي القارئ! كيف تحوط العلاقات أصحابها ببعض الحماية التي تكون نافعة جداً، وبالذات في ظل الخلافات الشديدة التي قد تكون عائقاً كبيراً في طريق نشر الخير! وهنا أمر مهم جداً يحسن التنبيه إليه: وهو أن تلك العلاقة حظيت بنوع من التفاعل بين الطرفين. فالنبي ﷺ يحرص على برّ عمه أبي طالب، ويتودد إليه بما لا يتعارض مع أمر الله، ويعرض عليه الدعوة إلى الخير، حتى في اللحظات الأخيرة من حياته، وكذا عمه أبو طالب يقابل ذلك المعروف بالحماية والعطف والحب والشفقة كما تقدم. ثانياً: زيادة الإنتاج الدعوي؛ وذلك من خلال استثمار الأموال والطاقات والأوقات التي لا تُمنح لأحد في الغالب إلا بحسب العلاقات أو المصالح المشتركة، ومن هنا تبرز أهمية العلاقات، ويتحتم على الدعاة إلى الله السعي في بنائها، واستثمارها في مجالات الدعوة المختلفة، ولست بحاجة إلى الإسهاب في هذا الجانب؛ لأن جهد الواحد ليس كجهد الاثنين، وجهد الأفراد ليس كجهد المؤسسات؛ ولأن ما يُنجز من الأعمال الدعوية في ساعة ليس كما ينجز من الأعمال في ساعتين؛ ولأن ما يبذل من المال للدعوة من شخص واحد ليس كما يبذل من المال من شخصين، وهكذا يدرك الجميع أهمية العلاقات، وأنها بلا شك من أعظم روافد العمل الدعوي، وبالذات في هذا الزمن الذي تحتل فيه العلاقات مكانة مرموقة على مستوى الشعوب والأفراد؛ فهل يحرص الدعاة المصلحون على بناء العلاقات، واستثمارها في الدعوة إلى الله، أم يبقون نكرات في مجتمعاتهم، وأحيائهم، يتعللون بالخوف من بريق الشهرة، ويشعرون أن بروزهم ينافي كمال الإخلاص، وقد يفقدهم بعض المصالح الراجحة: كحفظ الأوقات، وطلب العلم، ونحو ذلك؟ مع أن هذا الكلام وإن كان حقاً إلا أن التوازن أمر مطلوب في أمور الحياة، وسر عظيم من أسرار النجاح. - كيف نبني العلاقات؟ إن اللبنة الأم في بناء العلاقات هي الحب الصادق الذي هو في الحقيقة قاعدة صلبة تقوم عليها أروقة العلاقات، ومن أجل ذلك حث الإسلام على مد الجسور الموصلة إلى تلك القاعدة العظيمة، ليسود الوئام والوفاق، ويتم التعايش السليم الذي يليق بالإنسان في هذه الحياة، ومن هذه الجسور ما يلي: ١ ـ التعارف: وهو أول مرحلة من مراحل بناء الحب؛ حيث يجدر بالحريص على بناء العلاقات أن يتعرف على من حوله، وأن يمد معهم جسوراً من العلاقة الجيدة التي تقود بإذن الله ـ تعالى ـ إلى احتواء أحبابه، واصطفائهم متعبداً بذلك الله تعالى، مستجيباً لندائه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] . يقول العلامة السعدي ﵀ في معنى الآية: أي يخبر الله ـ تعالى ـ أنه خلق آدم من أصل واحد وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله ـ تعالى ـ بث منهما رجالاً كثيراً ونساء، وفرّقهم، وجعلهم شعوباً وقبائل صغاراً وكباراً؛ وذلك لأجل أن يتعارفوا؛ فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوباً وقبائل؛ لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها؛ مما يتوقف على التعارف ولحوق الأنساب (٢) ، وبهذا تتضح أهمية التعارف البنّاء المثمر الذي يترتب عليه النفع في الدنيا والآخرة، ويجب أن يتسابق في مضماره الدعاة، جاعلين رسولهم إلى من يودون التعرف عليهم البسمة الصادقة، والاتصال الحار، ونحو ذلك من مفاتيح القلوب. ٢ ـ الهدية: وهي السحر الحلال الذي يفتح الباب المصمت، ويسل سخيمة القلب، ويذهب وَحَر الصدر، ويزرع الحُب الجمّ، وما أجمل قول الشاعر: إن الهدية حلوة كالسحر تجتلب القلوبا تدني البغيض من الهوى حتى تصيّره قريبا وتعيد مضطغن العدا وة بعد نفرته حبيبا (٣) وأجمل من ذلك وأعظم قول الرسول ﷺ في رواية أبي هريرة ﵁: «تهادوا تحابوا» (١) ومما يزيد من أهمية الهدية أن أولي النُّهى يدركون الأثر العظيم الذي تحدثه الهدية، كما بيّن القرآن الكريم في قصة ملكة سبأ، كما قال ـ تعالى ـ على لسانها: ﴿وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] ، قال قتادة: رحمها الله، ورضي عنها ما كان أعقلها في إسلامها، وفي شركها؛ علمت أن الهدية تقع موقعاً من الناس (٢) . إن هذا الأثر العظيم للهدية لا يزال في حيز التنظير في واقع كثير من الدعاة، ولما يخرج بعد إلى حيز الممارسة، والتطبيق بشكل مثمر؛ فليحرص الدعاة على هذا المنهل العذب، والمورد الزلال الذي يتسلل إلى القلوب، فيعمرها بالحب بإذن الله. ٣ ـ الحقوق الشرعية المتبادلة: وهي منظومة من الحقوق الواجبة للمسلم على المسلم، أو المندوبة بينهم، سردها ﷺ في رواية أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلّمْ عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعُدْهُ، وإذا مات فاتبعه» (٣) . إن هذه الحقوق العظيمة، والآداب الرائعة التي تبدأ بالسلام من أول لقاء في هذه الحياة، وتنتهي بالوداع الذي لا لقاء بعده إلا في الآخرة لهي في الحقيقة جسور عظيمة، تزرع المحبة في القلوب، وتبني أروع العلاقات الأخوية المستمرة بإذن الله. ومن هنا فإن الدعاة هم أحوج الناس إلى إحياء هذه الآداب الرائعة، والتفاعل معها، وإخراجها من حيز المقابلة الميتة، والبسمة الباهتة، والنمطية المملة (الروتين) إلى حيز الأخوة الصادقة، والتواصل الحي الذي يدفعه الصدق، والإخلاص والحرص على نفع الآخرين وهدايتهم. يقول الدكتور النغميشي: «إن حسن التجاوب، وحرارة الاتصال بين طرفين، والتفاعل بينهما يعتمد اعتماداً كبيراً على مفهوم التبادل في العلاقات؛ فعلى قدر ما يبذل كل طرف من جهده، وماله ومشاعره نحو الطرف الآخر تقوم العلاقة، وتتصاعد إلى أعلى» (٤) . ٤ ـ الخدمة وقضاء الحوائج: إذا كانت الجسور التي سبق الحديث عنها تشكّل أهمية لا بأس بها في بناء العلاقات المثمرة فإن خدمة الناس، وقضاء حوائجهم هو الجسر الأعظم الذي يلتقي مع تلك الجسور، ويشكل معها قوة هائلة في بناء العلاقات، وسر ذلك يعود إلى طبيعة النفس البشرية التي فُطرت على محبة من يحسن إليها ويقوم بشؤونها ومصالحها، ومن ثم فهي تنظر إليه نظر الإجلال والتعظيم والحب، وهذه النظرة الفطرية هي في الحقيقة ناتجة من ضعف الإنسان، وحاجته المستمرة التي لا تنتهي في هذه الحياة إلا بوفاته؛ ولذلك فليس غريباً أن يهتم الناس بمصالحهم الدنيوية، وتأمين الحياة الكريمة التي لا تصلح حياتهم إلا بها، ولا شك أن الإسلام يراعي هذه النظرة الفطرية ويهتم بها، ويوجه الإنسان إلى الاهتمام بهذا الجانب المهم من خلال المنهج القويم الذي سلكه رسول الله ﷺ ؛ حيث كان يدعو ربه بصلاح دنياه، كما في دعائه الثابت في صحيح مسلم: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي» (٥) . ومن تأمل سيرته ﷺ رأى فيها سمة المبادرة إلى الاهتمام بشؤون الناس، وتلمّس حاجاتهم، كما قالت خديجة ﵂ في وصفه ﷺ : «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (٦) . وهكذا نجده ﷺ من خلال سيرته العطرة يشفع لمغيث عند زوجته بريرة من أجل أن يعود إليها؛ فتقول: يا رسول الله! أتأمرني بذلك؟ فيقول: «لا، إنما أنا شافع» (٧) ، وها هو ﷺ يحث أصحابه ﵃ على البذل والصدقة، عندما رأى قوماً من مضر مجتابي النمار، وقد بدت معالم البؤس والفاقة على وجوههم (٨) ، ومن تتبع مواقفه ﷺ في هذا الجانب المهم رأى عجباً، وأدرك سر الحب العظيم لشخصه الكريم ﷺ من أصحابه ﵃ أجمعين. وعلى هذا المنهج القويم تربى السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ﵃؛ فقد ذكر ابن قتيبة الدينوري ﵀ جملة من أخبارهم في هذا الجانب؛ فهذا ابن عباس ﵁ يبحر في عالم المروءات والقيم عندما يقول: «ثلاثة لا أكافئهم ... » ثم ذكرهم، وقال: «أما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله ؛ قيل: ومن هو؟ قال: رجل نزل به أمر، فبات ليلته يفكر بمن ينزله، ثم رآني أهلاً لحاجته، فأنزلها بي» (١) . وقيل لابن المنكدر: أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، فقيل: أي الدنيا أحب إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان (٢) ، وقال: الحسن ﵁: لأن أقضي حاجة لأخ أحبُّ إليَّ من أن أعتكف سنة (٣) . وهكذا يبرز الاهتمام بهذا الجانب المهم في حياة أولئك الأفذاذ جيلاً بعد جيل، حتى ظهر أثر ذلك في أدبهم العربي الرفيع، وأصبح المدح بخدمة الناس، ومواساتهم من أغراض الشعر البارزة، ولا أدل على ذلك من قول الشاعر: بدا حين أثرى بإخوانه ففكك عنهم شباة العدم وذكره الحزم غب الأمور فبادر قبل انتقال النعم - أهمية نفع الناس: إن خدمة الناس، والسعي في قضاء حوائجهم جسر من المعروف محفوف بالمتاعب والتضحيات، ولكنه يوصل بإذن الله ـ تعالى ـ إلى أرقى العلاقات المثمرة المؤدية إلى السيادة؛ حيث لا شك أن خادم القوم سيدهم، وما أحسن قول الشاعر: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ ومن هنا فإن على الدعاة اليوم أن يتسابقوا إلى نفع الناس، ودفع المكروه عنهم، وخاصة في هذا الزمن الذي كثر فيه الكلام، وقلّ فيه العمل، وظهر فيه الشح والأثرة، وتعانق فيه الفقر والجهل؛ فما أحوج الناس إلى الكلمة الحانية والمواساة الكريمة، والخدمة الجيدة، والنفع المتعدي، وبالذات في هذا العصر الذي ملَّ فيه الناس من جعجعة بلا طحين وعلقت آمالاً كبيرة على الدعاة والمصلحين. وهذان بيتان من الشعر، هما في الحقيقة حكمة عظيمة، خرجت من أفواه الأولين لتقول لنا جميعاً: وليس فتى الفتيان من راح واغتدى لشرب صبوح أو لشرب غبوقِ ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى لضر عدو أو لنفع صديقِ - ثمار العلاقات الاجتماعية: في ختام هذه المقالة يحسن التنبيه إلى بعض القضايا المهمة التي تساهم بمجموعها في إخراج ملخّص للثمرة المرجوة من هذه الدراسة: القضية الأولى: يجب أن ندرك أهمية بناء العلاقات الاجتماعية. يقول الدكتور إبراهيم القعيد: (إن العلاقات الإنسانية في بيئة العمل هي المادة اللزجة التي تحرك آلة العمل والإنجاز، وكلما كانت هذه المادة عالية اللزوجة أدت إلى تحقيق نتائج باهرة، وأوصلت الإنسان إلى قمم من الأداء والرضى الوظيفي والراحة النفسية، والعكس صحيح تماماً) (٤) . وهذا الكلام النفيس ليس حكراً على الأعمال الوظيفية فقط، بل ينبغي أن يوظف في مجالات الدعوة المختلفة، ومنها الأعمال الوظيفية ولا شك. القضية الثانية: يجب أن نستثمر هذه العلاقات المختلفة في مجالات الدعوة المتعددة؛ حيث يمكننا أن نوظف علاقاتنا وعلاقات الآخرين أيضاً، وذلك من خلال توجيه الأموال والأوقات، والطاقات والأفكار، وغير ذلك، حتى إننا لنطمع من خلال العلاقات في حنجرة المغني أن تصدح بالأذان، وتتغنى بالقرآن، وفي قافية الشاعر أن تجسد معاناة المسلمين، وتصور مآسي المنكوبين، وتواسي جراحاتهم، كما نطمح بريشة الفنان أن ترسم لوحة من التفاؤل تبشّر بالنصر، وتفتح باب الأمل، وفي قلم الصحفي أن يسطر الحق في الزوايا والأعمدة التي طالما سُطِّر فيها الباطل، وفي سلطة رجل الأمن أن يأخذ بها على يد السفيه، ولست أبالغ إذا قلت: إننا نطمع من خلال العلاقات أن يتحول الضعف إلى قوة، والبغض إلى حب، والتشاؤم إلى تفاؤل، والهزيمة إلى نصر، والتفرق إلى وحدة، وهكذا ينبغي أن تستثمر العلاقات دون أن تقف بها عند حد معين، ما لم تصل إلى مداهنة مزرية، أو شفاعة محرمة، ونحو ذلك. القضية الثالثة: يجب أن ندرك أننا قد ننجح في بناء العلاقات، ولكن لا ننجح في استثمارها بالشكل المطلوب، وهذا يعني هدر طاقات، وزيادة أعباء، واستهلاك أموال وأوقات دون مقابل يذكر؛ مما يجعل العلاقات تعمل بالحدّ السالب فقط، وهو الأمر الذي يؤدي إلى الفتور والضعف، ومن أجل ذلك ينبغي أن نعي جيداً أن سر النجاح في العلاقات يكمن في مدى استثمارها، والمحافظة على عطائها بالقوة نفسها؛ لأن من المسلّمات البدهية أن الوصول إلى القمة مهم، والبقاء هناك أهم، ومعرفة أسباب البقاء في القمة هو سر النجاح بإذن الله تعالى.

стр. 5267

مكاتب توعية الجاليات بين الواقع والمأمول تحقيق: عز الدين فرحات - شارك في التحقيق: - الشيخ الدكتور عبد الرحمن الهويسين مدير إدارة توعية الجاليات بوزارة الشؤون الإسلامية بالسعودية. - الشيخ نوح بن ناصر القرين المشرف العام على المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالبطحاء بالرياض. - الشيخ خالد بن علي أبا لخيل مدير المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات في الربوة بالرياض. - الشيخ عبد الرحمن بن سعد آل فريان المشرف العام على المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بحي سلطانة بالرياض. - عدد من المسلمين الجدد والمستفيدين من مكاتب توعية الجاليات بعد أن أنهى الإمام خطبته أعلن عن وجود مجموعة من الأشخاص سيشهرون إسلامهم بعد صلاة الجمعة، وما أن انتهت الصلاة حتى قام خمسة رجال من جنسيات مختلفة، واصطفوا أمام المصلين ونطقوا بالشهادتين بعد أن لقنهم إياها إمام المسجد، فارتفع صوت التكبير والتهليل، وحين تعرفنا عليهم كان معهم مرافق من مكتب توعية الجاليات بالبطحاء، فكان لا بد من زيارة المكتب للتعرف على بعض المسلمين الجدد وعلى الأنشطة المبذولة للتعريف بالإسلام وتوعية الجاليات. مكاتب توعية الجاليات هي مراكز دعوية متخصصة في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وتعليم المسلمين من غير المسلمين أصول الإسلام وقواعده العامة. - المستفيدون من مكاتب التوعية: في مكتب توعية الجاليات بالبطحاء التقينا عدداً من المسلمين الجدد المستفيدين من أنشطته وكان من بينهم: ـ سلطان بلاسكس (رولي بلاسكس قبل إسلامه) ٣٥ سنة مقيم بالمملكة منذ ستة عشر عاماً، أسلم منذ فترة قريبة. يقول: بدأت التعرف على الإسلام عن طريق قراءة الكتب الإسلامية باللغة الفلبينية في مكتب الدعوة بالمستشفى العسكري ومكتب البطحاء. وبعد إسلامه دعا زوجته وأخته إلى الإسلام فأسلمتا، ويضيف سلطان أنه أدى فريضة الحج والعمرة هذا العام عن طريق مكتب الدعوة بالبطحاء. ـ محمد اسماعيل (صمويل باليسوك) قبل إسلامه ٤٢ سنة، فلبيني يعمل فني تبريد بالقصيم منذ عشر سنوات. يقول: كنت أتردد على مكتب توعية الجاليات ببريدة فيقدمون لي الكتب والأشرطة التي تشرح الإسلام وتعرفني به حتى منَّ الله عليَّ وشرح صدري للإسلام بعد عام من بداية ترددي على المكتب. ويضيف: حين انتقلت إلى الرياض بدأت أتردد على مكتب توعية الجاليات بالبطحاء أحضر دروس تعليم القرآن الكريم والحديث الشريف، وبمساعدة العاملين بالمكتب بدأت أدعو أصدقائي من الفلبينيين إلى الإسلام. - وفي زيارة إلى مكتب توعية الجاليات بسلطانة كان هناك ثلاثة رجال يعلنون دخولهم في الإسلام؛ التقينا بهم وبالشخص الذي دعاهم إلى الإسلام. «كان اسمي جورج، سريلانكي الجنسية، أعمل في مركز الدفاع المدني في طريق ديراب بالرياض، كنت نصرانياً متمسكاً بالنصرانية، وقد عرفت كل الديانات وقرأت عنها؛ فلم تنفعني حتى تعرفت على الإسلام، فأعلنت إسلامي منذ شهور قليلة» . بهذه الكلمات بدأ حديثه، ثم قال: اسمي الآن (محمد) وأشعر بالعزة باسمي، وقد وجدت في الإسلام ما فقدته حين كنت غارقاً في الكفر. سألناه: كيف دعوتَ هؤلاء الرجال؟ فأجاب: بمساعدة مكتب توعية الجاليات بدأت أقدم لهم كتباً وأشرطة كاسيت بلغاتهم لتعريفهم بالإسلام حتى منَّ الله عليهم وحضروا الليلة لكي يعلنوا إسلامهم. كما التقينا في مكتب سلطانة كذلك بـ (آمنة ٤٠ سنة) و (مريم ٥٢ سنة) . تقول (ننداواتي) أو (آمنة) بعد إسلامها: إنها كانت بوذية مدة عشرين سنة، ثم نصرانية لمدة عشرين سنة أخرى، وكانت متمسكة بنصرانيتها حتى مَنَّ الله عليها بالإسلام. وأما (بيواتي) أو (مريم) فقد كانت نصرانية حياتها كاملة. تقول آمنة: إنها حين جاءت للعمل في المملكة؛ وجدت معاملة حسنة من صاحبة المنزل الذي تعمل به؛ حيث كانت تعاملها كأنها أخت لها، بل كانت تقدم لها بعض الخدمات الخاصة مما جعلها تحبها وتحب الإسلام من خلالها. فاتصلنا بالسيدة أم خالد التي كانت سبباً في إسلام هاتين المرأتين، وذلك بعد التنسيق مع زوجها. أم خالد السليمان ربة منزل، وأم لخمسة أبناء، ليست من حملة الشهادات العليا؛ بل إنها ـ كما تقول ـ لم تكمل الشهادة المتوسطة، تقول أم خالد: ليست عندي معلومات كثيرة عن الإسلام، ولكن الذي أعلمه جيداً أن هذه النفس يجب عليَّ إنقاذها من النار، وإخراجها من الكفر إلى الإيمان. كنت أستعين بالله أولاً، ثم ببعض الإصدارات من مكتب توعية الجاليات من شرائط كاسيت وكتب، كذلك كنت أصطحبهما إلى مكاتب التوعية لحضور دروس للمشايخ والعلماء الذين يتحدثون بلغاتهن. وتضيف أم خالد: قبل إسلامهما كنت أجلس معهما كل فترة لتعريفهما ببعض مبادئ الإسلام، فأدعو الله أن تستمر هذه الجلسات، وكذلك الحرص على زيارتهما لمكاتب توعية الجاليات لحضور الدروس والمحاضرات بلغتيهما. ـ بعد لقائنا مع هذه النماذج كان لا بد لنا من التعرف على أنشطة مكاتب توعية الجاليات من خلال القائمين عليها. - متوسط عدد من يعلنون إسلامهم في كل مكتب يتراوح بين (١ ـ ٤) أشخاص يومياً: في مكتب توعية الجاليات بالبطحاء التقينا بالشيخ (نوح بن ناصر القرين) المشرف العام على المكتب الذي أخبرنا أن معدل الذين يسلمون في المكتب يتراوح بين ١٣٠ ـ ١٤٠شخصاً شهرياً، وقد أسلم في شهر المحرم ١٤٢٦ هـ (١٣١) شخصاً أي بمعدل (٤) أشخاص في اليوم، وأحياناً يزيدون وخاصةً يومي الخميس والجمعة؛ لأنه إجازة العاملين، فتصبح الدعوة بين العاملين أكثر إيجابية، ويكون معدل من يسلم يومي الخميس والجمعة من (٢٠ إلى ٣٠) شخصاً، وقد أسلم بعض الأطباء والطبيبات والعاملين في السلك الدبلوماسي، وقد أعلن سفير إيطاليا السابق إسلامه العام الماضي في مكتب البطحاء. وتعد نسبة من يعلنون إسلامهم في مكتب البطحاء مرتفعاً نسبياً إذا قارناه بمكاتب أخرى؛ نظراً لطبيعة منطقة البطحاء التجارية حيث يتردد عليها يومياً ما يقارب ٥٠ ألف شخص، وقد تختلف هذه النسبة في المكاتب الأخرى حسب ظروف كل مكتب ودائرة نشاطه؛ ففي مكتب توعية الجاليات بسلطانة نرى متوسط من يعلنون إسلامهم سنوياً ما يقارب ٣٥٠ شخصاً أي بمعدل شخص واحد يومياً كما ذكر (الشيخ عبد الرحمن آل فريان) المشرف العام على المكتب، وقريب من هذه النسبة نسبة من يعلنون إسلامهم في مكتب الربوة. يقول (الشيخ خالد بن علي أبا الخيل) مدير مكتب توعية الجاليات بالربوة: إن عدد المسلمين الجدد ارتفع من ٨٠ شخصاً سنوياً في بداية نشأة المكتب إلى أن وصل العدد إلى ٤٤٧ مسلماً جديداً في العام الماضي، وهذا المعدل يعد مرتفعاً بالنظر إلى قلة العمالة نسبياً في منطقة المكتب، ويحرص المكتب على أن يقدم هدية لكل مسلم جديد مما يترك أثراً كبيراً في نفسه. - وسائل المكاتب في دعوة الجاليات: وعن الوسائل التي تستخدمها المكاتب في دعوة غير المسلمين يقول الشيخ القرين: إن وسائل الدعوة كثيرة ومتعددة، ومن أكثرها شيوعاً الكتيبات والمطويات والدروس والمحاضرات والندوات التعريفية بالإسلام، واللقاءات الفردية الخاصة الموجهة لشخص بعينه وليست عامة فهي أكثر إيجابية واستقبالاً؛ لأن المدعو يشعر أنك تؤثره وحده بالحديث، فيجمع أحاسيسه ووجدانه معك؛ أما في المحاضرات العامة؛ فمن الممكن أن ينشغل المدعو بالحديث أو بالجوال أو بمن حوله، كذلك من أهم الوسائل في الدعوة مخيمات تفطير الصائمين وخاصة العمال غير العرب، كذلك إقامة المسابقات الدعوية على أشرطة وكتيبات موجهة لغير المسلمين بلغاتهم. ويضيف الشيخ (آل فريان) إلى ما سبق وسائل أخرى منها استخدام الوسائل الحديثة للدعوة، مثل: الإنترنت، والبريد الإلكتروني، والدعوة عبر المراسلة عن طريق الجولات الدعوية، والمشاركة في المعارض الدعوية، والإسهام في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية. - تجديد وابتكارات في الوسائل الدعوية: أما مكتب الربوة فقد خطا خطوات واسعة في استخدام الوسائل الحديثة كما يقول الشيخ خالد أبا الخيل: إن من المشاريع الرئيسة في المكتب: (مشروع دار الإسلام) وقد اتخذ هذا القسم شعاراً له هو: (الإسلام بين يدي الملايين) حيث يهدف القسم إلى تبليغ رسالة الإسلام الصحيحة لملايين الناس؛ وذلك بنشر المواد الدعوية بجميع اللغات الحية في العالم عبر الإنترنت سالكين لتحقيق ذلك منهجاً علمياً منظماً يبدأ بحصر وجمع الإنتاج العلمي الشرعي، وقد أسسنا لهذا الغرض مركز المعلومات الدعوي؛ حيث جمع في المركز: (٦٥٢٦) مادة علمية مما كوَّن لدينا قاعدة بيانات ضخمة للمواد العلمية الشرعية المتناثرة في المراكز الدعوية في العالم. ثم يقوم قسم إعداد واختيار المادة العلمية بالعمل على تدقيق ومراجعة تلك المواد واختيار المناسب منها للنشر، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة النشر عبر الإنترنت حيث أنشأ المكتب عدداً من المواقع على الإنترنت بلغات متعددة منها اللغات: (العربية، والإنجليزية، والأندنوسية، والتركية، والفرنسية، والصينية، والروسية) وقد أنشأ المكتب مركزاً لتحميل المواد الدعوية باللغات الأخرى، حيث يحوي مواد بأربعين لغة تقريباَ. علماً أن المشروع يهدف إلى تكوين موقع على الإنترنت لكل لغة حية في أنحاء العالم، وذلك متى ما توفرت الإمكانات اللازمة لذلك. كما أنشأ المكتب مركز التعليم عن بعد www.islamhouse.tv والذي يتكون من قاعة مخصصة لبث الدروس والمحاضرات حية على الهواء بالصوت والصورة عبر الإنترنت وبذلك تصل تلك الدروس والمحاضرات الشرعية إلى جميع المراكز الدعوية التي تفتقر إلى الإمكانيات وكذلك الأفراد في جميع أقطار العالم. ـ ويضيف الشيخ أبا الخيل أن المكتب يهدف إلى التجديد والتطوير المستمر لأعماله، ومن الأفكار الدعوية الحديثة التي نفذها المكتب إنشاء مركز التغليف الدعوي؛ وذلك لإنتاج هدايا مغلفة بشكل أنيق تحتوي على كتيب وشريط وبطاقة دعوية لتكون وسيلة دعوية توزع في المناسبات المختلفة، كما أنشأ المكتب حديثاً أستديو صوتياً متكاملاً لإنتاج المواد الصوتية من دروس أو محاضرات بلغات مختلفة. - هل تنتهي مهمة المكاتب بعد إعلان الشخص إسلامه؟ ـ يقول الشيخ القرين: نحن نبذل في متابعة من يسلم منهم ما تيسر لنا من جهد، ولكن هناك أمور تكون خارجة عن إرادتنا وعن المكاتب التعاونية مثل طبيعة العمل لمن أسلموا؛ حيث يحول بيننا وبين المتابعة؛ فحينما يعلن شخصٌ إسلامه يقوم الإخوان في المكتب بتهنئته بالإسلام، ويؤدون به الفريضة، ويعلمونه، ثم يخاطب كفيله بإسلامه، ويُطلب منه التواصل معه في تعليمه وأن يمنحه إجازة يومين كل شهر هجري للخروج مع المكتب في رحلة تعليمية ترفيهية لتعليمهم الأمور الأساسية في إحدى الاستراحات أو المزارع القريبة من الرياض، كما نحثهم على حضور دورات تعليمية قصيرة، ونزف بشرى بأن فصولاً سيتم افتتاحها تابعة للمكتب لتعليم الإسلام بلغاتهم. ويضيف الشيخ آل فريان ـ مكتب سلطانة ـ: بعد أن يعلن الشخص إسلامه نحرص على أن يستمر التواصل معه بعدة وسائل منها: الزيارة بصفة دورية، ربطهم بالمكتب عن طريق الدروس والمحاضرات، إقامة الرحلات الدعوية والترفيهية بصفة شهرية، تزويدهم بالجديد من الكتب والمطويات والأشرطة، طرح المسابقات الشهرية، الاتصال بهم من وقت لآخر لتفقدهم ومساعدتهم وقضاء حوائجهم إن أمكن، تشجيعهم على طلب العلم ليتفقهوا في دينهم ويرفعوا مستواهم العلمي ليعبدوا الله ـ تعالى ـ على علم وبصيرة، ويتمكنوا من دعوة غيرهم إلى الإسلام، تنظيم رحلات الحج والعمرة لهم، ومساعدتهم في دعوة أهليهم وأقاربهم إلى الإسلام عن طريق المراسلة. ـ ويؤكد الشيخ أبا الخيل أن المهمة الأكبر للمكاتب تبدأ من تلك اللحظة التي ينطق فيها بالشهادتين؛ فهو يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين حتى يتعلم أمور دينه الجديد بلغته، ومن هنا ظهرت فكرة الدورات الشرعية بلغات الجاليات المختلفة منذ عام ١٤١٥ هـ؛ وذلك بعد افتتاح المكتب بسنة واحدة، وكان التدريس باللغة الإنجليزية فقط ثم أضيفت لها لغات أخرى مثل (البنغالية ـ العربية ـ الأردية ـ الفلبينية ـ التاميلية ـ الأندونيسية ـ التركية) . ويعتمد نظام التعليم في القسم على طريقة الدراسة المنهجية المقسمة إلى عدة مستويات بحيث يكون هناك فصلان دراسيان في كل سنة، ينتقل الطالب من مستوى إلى الذي يليه بعد اجتياز الاختبارات الخاصة بذلك المستوى حتى يصل إلى المستوى الخامس الذي يقدم فيه بحثاَ علمياً شرعياً للتخرج، كما يقدم القسم حوافز تشجيعية للطلاب منها: مواصلات مجانية، مناهج مجانية، وجبة عشاء، جوائز، رحلة حج مجانية لمن لم يسبق له الحج، وقد أثمرت هذه الجهود ازدياد عدد الدارسين من ٤٠ دارساً في الدورة الأولى إلى ٨٠٧ دارسين في الدورة الثالثة والعشرين. - إذا كانت هذه الجهود موجهة لغير المسلمين بهدف دعوتهم إلى الإسلام وتعريفهم به؛ فهل توجد جهود موجهة إلى المسلمين؟ يقول الشيخ نوح: إذا كان التركيز على غير المسلمين بهدف دعوتهم إلى الإسلام، ثم على المسلمين الجدد بهدف تعريفهم بمبادئ الإسلام وأركانه؛ فإن ذلك لا يمنع من الاهتمام بالمسلمين، واللقاءات مفتوحة للجميع، والدروس والمحاضرات مستمرة للجاليات بجدول أسبوعي منظم حسب اللغة؛ فلدينا يوم السبت للجاليات البنجالية، والأحد للجاليات الهندية المتحدثة باللغة التاميلية، والثلاثاء للجاليات الماليبارية، والأربعاء للجاليات الأردية، والخميس للجاليات المتحدثة باللغة الإنجليزية، والجمعة للجاليات المتحدثة باللغة الأندونيسية والفلبينية. ويضيف الشيخ آل فريان قائلاً: إن نشاط المكاتب موجه للمسلمين وغير المسلمين، للعرب وغيرهم؛ وذلك بتزويد المسلمين بالكتب والأشرطة النافعة التي تعالج بعض ما هم فيه من مخالفات وأخطاء عقدية وسلوكية. ويقول الشيخ خالد أبا الخيل: إذا كان اهتمامنا أكثر بغير المسلمين إلا أننا لا نهمل غيرهم من المسلمين، ونحن لدينا برامج يستفيد منها الأفراد الذين لا تتيسر لهم زيارة المكتب؛ فنحن نذهب إليهم في أماكن تجمعاتهم؛ فقد أعد المكتب سيارة دعوية تكون بمثابة مكتب دعوة متنقل يقوده فريق عمل مكون من دعاة وإداري المكتب، يلقون الكلمات والمحاضرات ويوزعون الكتب والأشرطة والمطويات بلغات متعددة في أماكن تجمعات الناس كالمساجد والمجمعات السكنية ونحوها، وتتحرك هذه السيارة إلى أماكن احتفالات الأعياد والمنتزهات والأسواق حيث يتجمع الناس. - لا يزال دور المرأة ضعيفاً في عمل مكاتب الدعوة: هذه الجهود موجهة للجميع رجالاً ونساء، ولكن القائمين عليها جلهم من الرجال، وما زال دور المرأة محدوداً في هذا النشاط. يقول الشيخ آل فريان: للمرأة دور كبير في مجال العمل الدعوي؛ إذ إنه ليس حكراً على الرجال، بل يوجد تعاون كبير من قِبَل النساء في الدعوة إلى الله وخصوصاً ما يختص بالجاليات؛ فكم من شخص دخل الإسلام عن طريق دعوة النساء لمن تحت أيديهن أو ممن يقابلن في أماكن وجود النساء من خادمات وممرضات؛ كما أن لدى المكتب قناعة لا بأس بها في افتتاح قسم للدعوة النسائية. أما في مكتب البطحاء فيقر الشيخ نوح القرين بوجود قصور في هذا الجانب، وإن وجدت خطوات نحو الاستفادة من النساء ولكنها ما زالت في بدايتها؛ فقد تم الاتفاق مع بعض الدور النسائية لتحفيظ القرآن الكريم على تخصيص يوم للجاليات المسلمة لتعليم شيء من أمور الدين في العقيدة والقرآن والفقه مما يعينهن على طاعة الله وأداء العبادات. - صعوبات ومعوقات فكيف التغلب عليها؟ ما من عمل إلا وتواجهه بعض المعوقات والصعوبات التي قد تعوق تحقيق أهدافه أو تعطلها. من هذه المعوقات والصعوبات ـ كما يقول الشيخ القرين ـ قلة المترجمين وقلة الدعاة المتحدثين بلغات مختلفة؛ فعدد من يصل للبطحاء أكثر من (٥٠ ألف شخص) وخاصة يومي الخميس والجمعة، وهذا العدد الضخم لا يكفيهم داعيةٌ ولا اثنان ولا مائة، ونحن نسعى إلى توفير أعداد أكثر لدعوة هؤلاء وتوجيههم من خلال الدروس والكلمات في المساجد المرتبطة بالمكتب. كذلك من العقبات التي تواجه المكاتب: قلة الموارد المالية لتنفيذ مهامها التوجيهية والإرشادية بوجه عام ولأهل المنطقة بوجه خاص. ويضيف القرين: في متابعة المسلم الجديد نواجه عقبات شديدة؛ فبعضهم لا تمكنهم أعمالهم من حضور الدروس المقامة، ولا تهيئ لهم أعمالهم الأسباب للارتباط بالمكاتب مثل المطاعم؛ فساعات العمل فيها من (١٥ ـ ١٦) ساعة؛ فالمسلم الجديد لا يجد الوقت للحضور للمكتب لسماع الدروس، وما يجده من وقت يخلد فيه للراحة أو قضاء بعض شؤونه الخاصة، وكذلك السائقون الذين يعملون في المنازل لا تتهيأ لهم الفرصة للحضور. - مكتب توعية الجاليات بفرع الوزارة بالرياض: توجهنا إلى فرع وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بمنطقة الرياض؛ حيث التقينا بالدكتور (عبد الرحمن بن سليمان الهويسين) مدير إدارة توعية الجاليات، وسألناه عن بداية نشأة هذه المكاتب، وكم بلغ عددها حتى الآن، فقال: كانت البداية عام ١٤٠٦هـ حين شعر الكثير من طلبة العلم وبعض من مَنَّ الله عليهم بنعمة المال بواجبهم نحو إبلاغ رسالة الإسلام للوافدين، وكذلك تعليم المسلمين منهم معتقد الإسلام الصحيح الذي كان عليه محمد ﷺ وأصحابه الكرام، فكانت البداية وكان قصب السبق في هذه المبادرة لمدينة بريدة بمنطقة القصيم؛ حيث افتتح بها أول مكتب تعاوني لتوعية الجاليات عام ١٤٠٦هـ، وأدى المكتب دوراً بارزاً، وعمل أعمالاً طيبة شدت الكثير من أهل الخير للرغبة في منافستهم على الخير والحذو حذوهم للمشاركة في الأجر الذي وعد به ربنا جل وعلا، ووعد به رسوله الكريم ﷺ ، فكانت مدينة الرياض ثاني المحطات لهذه المكاتب؛ حيث افتتح مكتب البطحاء عام ١٤٠٩هـ بموافقة من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀. وتتابعت الجهود والرغبات في افتتاح مثل هده المكاتب، وكانت تحظى بموافقة سماحته ﵀، وانتشرت في العديد من المحافظات والمراكز في مختلف مناطق المملكة حتى بلغ عدد المكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد داخل مدينة الرياض الآن ثمانية عشر مكتباً تعاونياً، وأما في داخل المملكة فقد تجاوزت مائة وخمسين مكتباً. وعن أهم ثمار هذه المكاتب قال: لقد نفع الله ـ تعالى ـ بالوسائل المتاحة لتحقيق الأهداف التي تصبو إلى تحقيقها، وأثمرت الجهود المبذولة في هذا السبيل، وظهر جناها وتحقق كثير من أهدافها، ويظهر ذلك جلياً عند النظر إلى أعمال وإنجازات الإدارة والمكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد منذ عام ١٤٢٠هـ حتى نهاية العام ١٤٢٥هـ والتي من أهمها إصدار (١٤٦٨١) وثيقة إسلام من الإدارة لمن أسلموا لدى الإدارة والمكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد بالرياض. - وعن الجهود المبذولة مع المسلم الجديد قال الهويسين: مما لا شك فيه أن متابعة حديثي الإسلام ورعايتهم ليس بالأمر اليسير، بل إنه يعتبر المحطة الأكثر صعوبة، وقد وُضعت خطط لمتابعة المسلم الجديد والوقوف بجانبه من أجل ضمان استمراره على إسلامه والسمو به، وجعله في وضع مساوِ لبقية المسلمين من ناحية معلوماته وثقافته. ولا شك أن لكل واحد من المسلمين أو بالأحرى لكل مجموعة من الطرق والوسائل ما يختلف عن المجموعة الأخرى، ولكن بشكل عام فإن متابعة المسلم الجديد ورعايته والعناية به تتفق في بعض الأطر وبعض الوسائل والطرق، ويمكن عرضها بشكل إجمالي فيما يلي: يتم بادئ ذي بدء أخذ عنوان المسلم الجديد وإثبات عنوانه في الأوراق الرسمية التي تصدر له بموجبها وثيقة تثبت إسلامه. وهذا العنوان هو الذي سيكون همزة الوصل بين المكتب والمسلم الجديد، كما أن من يُحضِر المسلم الجديد سواء كان كفيله أو غيره يطلب منه تسجيل رقم هاتفه وعنوانه ليمكن الاتصال به والسؤال المستمر عن الأخ المسلم او الأخت المسلمة وما حصل له من تغير أو تبدل في نمط حياته؛ وبناء على هذا؛ فإن كل مسلم يُفتح له ملف خاص تُحفظ به أوراقه، ويُبدأ في تسجيل كل ملحوظة عنه، كما يُطلب من المسلم الجديد حضور دورات ودروس تُعَدُّ خصيصاً للمسلم الجديد يجري تعليمه فيها ما لا بد للمسلم معرفته كأركان الإيمان والإسلام، وفقه العبادات كالوضوء والطهارة والصلاة، ونمط المعاملات مثل حسن الخلق والأمانة والصدق. وتستمر الحال في متابعته؛ حيث تعقد في نهاية الأسبوع رحلات ترفيهية لمن تسمح لهم ظروفهم بذلك، فيذهب بهم إلى إحدى الاستراحات أو المزارع القريبة من أجل العمل على التطبيق العملي لما تعلمه نظرياً. أما من كانت ظروفهم لا تسمح لهم بالخروج فيقام لهم يوم الجمعة لقاء مفتوح داخل مبنى المكتب يتم فيه تطبيق الكثير من الأمور عملياً أمام المسلم الجديد، ويُهدَفُ من ذلك إلى وضع المسلم الجديد في بيئة جديدة يندمج خلالها مع زملاء آخرين من المسلمين لتنمية الأخوة الإسلامية في نفسه وجعله يعيش الحياة كما يجب، فيظهر في هذه الملتقيات روح الأخوة وحسن التعامل حتى كأن جميع الحضور أفراد أسرة واحدة، وتبرز روح التعاون والإيثار بين الجميع. فكم يسعد المسلم الجديد وهو يرى أخاه من بلد آخر غير بلده جالساًَ بجانبه على مائدة الطعام، وكم يفرح وهو يرى من هو أكبر منه سناً وربما علماً وهو يخدمه ويقوم على شؤونه. كما أن من الوسائل رحلة العمرة التي تتم في معظم الأحيان بمعدل أربع رحلات عمرة خلال العام لكل مكتب. هذه بشكل مجمل الأمور التي تعملها إدارة الجاليات والمكاتب التعاونية من أجل الارتباط بالمسلم الجديد ورعاية أموره ومتابعة وضعه، ولا أنسى هنا الزيارات الخاصة التي تتم للمسلمين الجدد الذين قد لا تسمح لهم ظروفهم بالاتصال الدائم بالمكتب؛ حيث يقوم الدعاة والمترجمون العاملون في المكتب بزيارة هذا المسلم الجديد والوقوف عن كثب على ما استجد لديه وما حصل له بعد إسلامه. ومن الوسائل المتخذة مع المسلم الجديد الذي قد يغادر المملكة أنه يعطى له عناوين بعض المراكز الإسلامية العاملة في بلده التي عرف عنها الحرص على العمل الإسلامي، وعرف عنها سلامة المنهج والفكر وصحة المعتقد، فيعطى لهذا المسلم الجديد عنوان المركز وتتم مراسلة هذا المركز وتزويده بعنوان المسلم الجديد؛ وبهذا يكون قد تم الربط بينهما حتى يكملوا المسيرة التي بدأت هنا. - التعامل مع المسلمة الجديدة: - هذه أمور لها طابع العموم، لكن هناك حالات ربما تحمل طابع الخصوص؛ حيث يكون لها وضع خاص، ويتطلب الأمر اتخاذ إجراءات خاصة، ومن ذلك كون المسلم الجديد امرأة؛ فكيف تتصرفون معها وتتابعونها؟ نعم يصعب اتخاذ الخطوات السابقة كاملة مع المرأة، لكن توجد وسائل وطرق أخرى للاتصال بالمسلمة الجديدة؛ ومن ذلك الاتصال بالكفيل بين حين وآخر وسؤاله عن مكفولته وتزويده بما يستجد من الكتب والأشرطة وربطها مع مترجم المكتب عن طريق الهاتف للإجابة عن الأسئلة والشبهات التي ربما تكون تكونت عندها، أو أمور لم تستطع فهمها، فيُفهمها المترجم ما يجب عليها عمله ويطمئن على حسن استمرارها في حياتها الجديدة. كما يوجد كذلك بعض المسلمين الجدد سواء كانوا من الرجال أو النساء الذين تعرضوا لمشكلات أو مصاعب من زملاء لهم هنا أو أقارب لهم هناك؛ فالمكاتب ـ ولله الحمد ـ لها دور كبير في حل الكثير من المشكلات وتذليل العقبات. وحين سألناه: لماذا لا يتم تفعيل دور المرأة في دعوة أختها وتعليمها، أجاب بقوله: هناك جهود دعوية للمرأة، لكنها قليلة في الوقت الحاضر وتقتصر على تعاون زوجات بعض المترجمين ممن لديهن علم شرعي، وكذلك التعاون مع الدور الخاصة بالنساء كدار الذكر وحلقات تحفيظ القرآن الخاصة بالنساء. لكن لا تزال الأعمال من وجهة نظري قليلة، ونطمح أن تزداد في قابل الأيام حتى يتحقق ما نصبو إليه من تعليم المرأة وتخصيص من يعلمها أمورها الدينية والدنيوية الخاصة. - أخيراً: ما أجمل أن تكون مسلماً، وأجمل منه أن تكون على معرفة بإسلامك، وأجمل من هذا وذاك أن تكون عاملاً بما تعلم من أمور الدين، وأجمل من هذا كله أن تدعو غيرك إلى

стр. 5268

أُحد والأحزاب ... وما أشبه الليلة بالبارحة ! ع بد العزيز بن عبد الله الحسيني - أحد دروس وعبر: في منتصف شوال من السنة الثالثة للهجرة وقعت معركة أحد، وهي درس عملي للصحابة الكرام، وعبرة لمن بعدهم إلى قيام الساعة، يتعلم منها المسلمون أسباب النصر والهزيمة، وثمار التوكل على الله والثقة به، والآثار السلبية للتطلع إلى الدنيا والرغبة في أعراضها وشهواتها. - وصف مختصر للمعركة: شارك في هذه المعركة من الكفار (٣٠٠٠) مقاتل من قريش، ومن تطوع معها من كنانة وأهل تهامة، وكان بصحبتهم (٧٠٠) دارع، و (٣٠٠٠) بعير، و (٢٠٠) فرس، جنبوها حتى يصلوا إلى أحد لتكون بكامل قواها. أما المسلمون فكان عددهم (٧٠٠) مجاهد، و (١٠٠) دارع، و (فرَسان) فقط (١) . وحينما تقدم الجيش الإسلامي إلى ميدان أحد وضع الرسول ﷺ خطة محكمة؛ حيث نظم صفوف جيشه جاعلاً ظهورهم إلى جبل أحد ووجوههم إلى المدينة، وانتقى خمسين من الرماة تحت إمرة عبد الله بن جبير، ووضعهم فوق تل صغير مُقابل للجبل، لحماية المسلمين من التفاف الخيالة المشركين، وشدد عليه بلزوم أماكنهم قائلاً لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا مكانكم» (٢) ؛ وبذلك سيطر المسلمون على المرتفعات، وتركوا الوادي لجيش مكة ليواجه جبل أحد وظهره إلى المدينة. وعند التحام الجيش اشتد القتال، وتراجع المشركون، وقام الرماة بدور بطولي تمثل في حماية مؤخرة المسلمين، بينما كان الجيش الإسلامي مسيطراً على الموقف بقوة، حتى خارت عزائم المشركين وأخذت صفوفهم تتبدد، وأخذوا بالانسحاب والفرار، وتبعهم المسلمون يضعون فيهم السلاح، ويسلبون منهم الغنائم، وتبعثر (ثلاثة آلاف مقاتل) من المشركين أمام (سبعمائة) من المسلمين، وكادت المعركة تنتهي على ذلك، ولكن.. حصل من أغلبية الرماة غلطة كبيرة قلبت الوضع تماماً، وأدت إلى إلحاق خسائر فادحة بالمسلمين؛ إذ إن أولئك الرماة لما لحظوا بشائر النصر، وأن المسلمين بدؤوا يجنون غنائم العدو، غلبت عليهم أثارة من حب الدنيا؛ فقال بعضهم لبعض: الغنيمةَ الغنيمةَ، ظهر أصحابكم، فماذا تنتظرون؟ أما قائدهم عبد الله بن جبير؛ فقد ذكَّرهم أوامر رسول الله ﷺ ، وقال: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ ولكن الأغلبية لم تلق لهذا التذكير بالاً، وقالت: «والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة» (١) ، ثم غادر أربعون رجلاً من هؤلاء الرماة مواقعهم من الجبل والتحقوا بالجيش ليشاركوا في جمع الغنائم. وهكذا خلت ظهور المسلمين، ولم يبق فيها إلا ابن جبير وتسعة من أصحابه (٢) ؛ التزموا مواقعم مصممين على البقاء حتى يؤذَن لهم أو يُبادوا. ولما لحظ خالد بن الوليد هذا الخطأ الاستراتيجي استدار من الخلف بسرعة، حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي، فلم يلبث أن قتل عبد الله بن جبير وأصحابه، ثم انقض على المسلمين من الخلف، وصاح فرسانه صيحة، عرف المشركون المنهزمون بالتغير الجديد؛ فانقلبوا على المسلمين، وأسرعت امرأة منهم فرفعت اللواء المطروح على التراب، فالتفّ حوله المشركون، ونادى بعضهم بعضاً، حتى اجتمعوا على المسلمين، وأحيط المسلمون من الأمام والخلف، فتفاجؤوا وطار صواب طائفة منهم، وعمّ الارتباك معسكرهم، وألقوا ما في أيديهم من الغنائم، وصاروا يقتتلون على غير شعار، بل وانقلب بعضهم يقتل بعضاً في ظل تلك الفوضى العارمة. وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحاً يصيح أن محمداً قد قُتل، فطارت بقية صوابهم، وانهارت روحهم المعنوية، وتوقف من توقف منهم عن القتال، وفر من فر إلى المدينة.. إلى أن قام المسلمون بالاعتصام بالجبل، ونجوا من خطر الإبادة الجماعية. وانسحب جيش المشركين من أرض المعركة عائداً إلى مكة، محافظاً على مكتسباته، منبهراً بما تحقق من نصر غير متوقع. - وقفات مع المعركة: وبعد نهاية هذه المعركة أنزل الله ـ تعالى ـ (ستين آية) من سورة آل عمران، كلها تُلقي الضوء على جميع المراحل المهمة في هذه المعركة، والدروس والعبر المستوحاة منها، وتبتدئ بذكر أول مرحلة من مراحل المعركة: ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] ، وتنتهي بتعليق الله الجامع على هذه المعركة بقول ـ سبحانه ـ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ؛ ولأنه من الصعوبة بمكان حصر جميع الغايات والدروس والحكم من تلك الآيات؛ فإني سأتوقف عند الدروس والفوائد التي لها علاقة بالموضوع من خلال هذه الوقفات، وهي: - سبب الهزيمة: في هذه المعركة حدد الله ـ تعالى ـ أسباب الهزيمة، ولم يدعها لاجتهاد مجتهد، حتى لا يأتي من يقول إن أسباب الهزيمة إنما هو في التفاوت الكبير، والفارق العظيم بين (عدد وعدة) الجيشين، حيث إن عدد المشركين ثلاثة آلاف مقاتل، وكان بصحبتهم سبعمائة دارع، وثلاثة آلاف بعير، ومئتا فرس. بينما كان عدد المسلمين سبعمائة مجاهد، ومائة دارع، وفرسين فقط. ولئلا يأتي من يقول مثل ذلك؛ فقد بين الله ـ تعالى ـ سبب هذه الهزيمة، ولم يُشر من قريب أو بعيد أن التفاوت في العدد والعدة هو سببها، وإنما بيّن صراحة أن سبب الهزيمة الخارجية؛ إنما هو سبب داخلي، مجيباً بذلك على تساؤل بعض الصحابة، حينما قالوا: ﴿أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] ؛ فقال ـ سبحانه ـ: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ، وفي هذا إشارة إلى مخالفة الرماة لأوامر الرسول ﷺ حينما نزلوا من الجبل، وكانوا سبباً في الهزيمة، وفصّل ـ سبحانه ـ ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] . وعلّق ابن حجر ﵀ على تلك المعركة بقوله: «قال العلماء: وكان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد، والحكم الربانية أشياء عظيمة منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقعهم الذي أمرهم الرسول ﷺ أن لا يبرحوا منه» (٣) . فالمد والجزر الذي ينتاب الأمة على امتداد تاريخها؛ إنما هو في مدى قربها أو بعدها عن الله تعالى؛ فمتى كانت الأمة قوية في دينها مطيعة لربها مستمسكة بسنة نبيها عزّت وسادت، ومتى اختل شيء من ذلك ضعفت واستكانت. - علاج آثار الهزيمة: كانت تلك المعركة درساً قاسياً، ذاق المسلمون ألمه ومرارته؛ فقد أصيبوا في أرواحهم وأبدانهم؛ فعمهم الغمّ والحزن والقرح، وقُتل (سبعون) من خيارهم، وجُرح معظمهم، وفوق هذا كله كُسرت رباعية الرسول ﷺ ، وشُج وجهه، وأصيبت ركبتاه الشريفتان، وقتل عمه، فأصيب المسلمون من جرّاء ذلك بصدمة عنيفة مؤثرة؛ فعالج الله ـ تعالى ـ آثار هذه الهزيمة بآيات ملؤها المواساة والتخفيف من المصاب ليخرجهم مما هم فيه من الهوان والحزن والقرح، وليفتح لهم باب الأمل في مستقبل أيامهم، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧ - ١٤٢] . في هذه الآيات يخاطب الله ـ تعالى ـ المسلمين ـ مخففاً عنهم وقع هذه المصيبة ـ أن انتصار المشركين في هذه المعركة ليس هو السنّة الثابتة، إنما هو حدث عابر، وراءه حكمة خاصة، ثم يتجه في خطابه إلى المسلمين بالتقوية والتثبيت قائلاً لهم: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ، عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون لله وحده، وهم يسجدون لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه، ومنهجكم أعلى؛ فأنتم الأوصياء على هذه البشرية كلها، هداية لهذه البشرية كلها، وهم شاردون عن النهج، ضالون عن الطريق. ومكانكم في الأرض أعلى؛ فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها، وهم إلى الفناء والنسيان صائرون؛ فإن كنتم مؤمنين حقاً فأنتم الأعلون، وإن كنتم مؤمنين حقاً فلا تهنوا ولاتحزنوا؛ فإنما هي سنة الله أن تصابوا وتصيبوا، على أن تكون لكم العقبى بعد الجهاد والابتلاء والتمحيص، ثم يدعوهم إلى الصبر؛ فإن يكن أصابهم جراح وآلام فقد أصاب المشركين مثلها في المعركة ذاتها، وإنما هناك حكمة وراء ما وقع: حكمة تمييز الصفوف، وتميحص القلوب، واتخاذ الشهداء الذين يموتون دون عقيدتهم، ثم يصحح بسؤال استنكاري تصورات المسلمين عن سنة الله في الدعوات، وفي النصر والهزيمة، وفي العمل والجزاء. ويبين لهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وزاده الصبر على مشاق الطريق، وليس زاده التمني والأماني الطائرة التي لا تثبت على المعاناة والتمحيص (١) . ثم تمضي الآيات تخفف وقع مصابهم وتُعزيهم في شهدائهم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] . إلى نهاية الآيات التي تتحدث عن المعركة. واليوم، كم نحن بحاجة إلى استلهام مثل تلك الدروس والعبر من هذه المعركة المجيدة، (والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ، لنجعل من تلك الأخطاء التي حدثت دروساً وتجارب تمدنا بالزاد المعين على مواصلة الطريق، ولتكون نبراساً ومنهجاً يضيء طريقنا في ظل الأحداث التي نعيشها، لتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة حول أسباب النصر والهزيمة، ولرفع الروح الانهزامية التي حلت بالأمة، وإعادة الثقة الغائبة إليها. - وفي غزوة الأحزاب دروس وعبر: استمراراً للكيد للإسلام والمسلمين، حشدت قوى الكفر أكبر قوة ممكنة، فتحالف اليهود مع قريش وأحابيشهم، وبني كنانة ومن تبعهم من أهل تهامة، وقبائل غطفان ومن تبعهم من أهل نجد؛ للقضاء على الإسلام في مهده. وحينما علم الرسول ﷺ بتلك التحالفات شرع في اتخاذ التدابير الفورية اللازمة، فدعا إلى اجتماع عاجل حضره كبار قادة جيشه من المهاجرين والأنصار، وبحث هذا الموقف الخطير الناجم عن مساعي اليهود الحثيثة لجمع وحشد القبائل العربية للقضاء على الإسلام والمسلمين في المدينة، فتقرر أن يتحصن المسلمون في المدينة للدفاع عنها، لا سيما أن الجيش الذي جاء لغزوهم لا يقل عن (١٠.٠٠٠) آلاف مقاتل، بينما لا يزيد جيش المسلمين ـ في أكبر تقدير ـ عن (٣٠٠٠) مقاتل (٢) ، بينهم كثير من المنافقين الذين لا يُؤمَن جانبهم، وقد أشار سلمان الفارسي إلى حفر خندق يحيط بالمدينة من الشمال لمنع دخول تلك الجيوش إلى داخل المدينة؛ بينما كانت (حِرار) (١) المدينة تحميها في بقية الجهات الأخرى. فاستحسن الرسول ﷺ تلك الفكرة، وشرع المسلمون بتنفيذها. وحينما وصل خبر تحزّب الأحزاب، واجتماع القبائل العربية لحرب المسلمين في المدينة؛ أصيب المسلمون بشيء من الرعب والهلع والخوف والفزع، أضف إلى ذلك أن ذلك العام بالنسبة للمسلمين كان عام مجاعة، لا يجد فيه معظم المسلمين القوت الضروري الذي يسدون به جوعهم، وزاد مصابهم وهلعهم ما توارد إليهم من غدر يهود بني قريظة من داخل المدينة، وخشيتهم ضربهم من الخلف أثناء انشغالهم بمواجهة ذلك الجيش العرمرم، وكانت ذراريهم ونساؤهم على مقربة من أولئك الغادرين في غير منعة وحفظ، وقد صور الله ـ تعالى ـ ذلك الموقف الرهيب الذي عاشه المسلمون بقوله: ﴿إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١] ، ولا تعجب فهم بشر، وللبشر طاقة، وليس مطلوباًَ منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري. وفي ظل تلك الظروف العصيبة الشديدة كان المسلمون يسابقون الزمن لإتمام حفر الخندق، ولما عرضت لهم صخرة كبيرة لم تُفد معها معاولهم، اشتكوا ذلك للرسول ﷺ ، فهبط إلى الصخرة فأخذ المعول، وقال: «بسم الله فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر! أُعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء من مكاني هذا. ثم قال بسم الله، وضرب أخرى فكسرت ثلث الحجر، فقال: الله أكبر! أُعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا. ثم قال: بسم الله؛ وضرب أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا» (٢) . - الأمل والثقة بالله تعالى: وما نود أن نقف عنده في هذه الغزوة ـ التي تكاد تنطبق على واقعنا اليوم من تحزب الأحزاب الكافرة على الإسلام والمسلمين ـ هو شدة الثقة بالله ـ تعالى؛ فتأمل! بالرغم من كل تلك الظروف العصيبة الشديدة التي أحاطت بالمسلمين من حصار جماعي من مختلف قبائل العرب واليهود، وبجيش يبلغ عشرة آلاف مقاتل، ومن جوع وخوف وهلع وشدة برد..، لم ييأس المسلمون، ولم يفقدوا ثقتهم بالله تعالى، بل إن الرسول ﷺ كان في ظل تلك الظروف يعدهم بفتح الشام، وفارس، واليمن، وهي الدول العظمى في ذلك الوقت. وتأمل موقف المنافقين إزاء تلك الوعود، وتزعزع قلوبهم حينما رأوا كثرة جيوش الأحزاب: ﴿وَإذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] . ثم تأمل موقف المؤمنين لما رأوا الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلاَّ إيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] . واليوم.. في ظل تحزب قوى الكفر على الأمة الإسلامية، وتضييقها على المسلمين في كل مكان، وتنكيلها بدعاتهم، واغتصابها أراضيهم، واستنزافها ثرواتهم..؛ كم نحن بحاجة إلى مراجعة حساباتنا، وتقوية صلتنا بديننا، وأن ما يحصل للمسلمين من الهوان وتسليط الأعداء إنما هو لحكم عديدة، وأسباب كثيرة.. كما أننا بحاجة ماسّة إلى النظر إلى المستقبل، والثقة بالله تعالى، ووعده للأمة بالعز والتمكين إن هي استمسكت بالإسلام، وما يدعو إليه من وجوب إعداد العدة، وأن الأمة إن كبت مرة فقد كبت قبل ذلك مرات، وكانت تعود في كل مرة كأقوى ما تكون، وأن ما تمر به أمتنا اليوم من الضربات المتتابعة والصفعات الموجعة ما هي إلا إرهاصات مبشرة لنهضة الأمة، وصحوتها من غفلتها، وعودتها مرة أخرى إلى دينها، ومصدر عزها ومجدها؛ فإن الظلام كلما احلولك وادلهمّ فإن وراء الأفق نوراً، وفي حضن الكون شمس ساطعة، وكلما اشتد غلس الليل اقترب ميلاد النهار. ومهما كان واقع الأمة مؤلماً يفرض على كثير من المسلمين أقسى الظنون، إلا أنها في طريق التغيير الإيجابي تسير، وهي الآن أفضل بكثير من سنوات مضت، فلا ينبغي استبطاء النصر، واستعجال الظفر. ولنتأمل كيف أن الشام، وفارس، واليمن التي وعد الرسول ﷺ بفتحها، لم يظفر بها المسلمون إلا بعد وفاته ﷺ بسنين؛ وفي ذلك من يتدبر السيرة النبوية، ويقف عند أحداثها، وينزلها إلى أرض واقعنا يجد فيها الكثير من الدروس والحكم، التي هي علاج شافٍ لكثير من أمراضنا، وتصفية لكل خلل أو زلل في مناهجنا، وسأقف عند حدثين مهمين منها، لنستلهم منهما الدروس والعبر حول الأسباب الموجبة لضعف الأمة وهزيمتها، وأثر رفع الروح المعنوية والثقة بالله ـ تعالى ـ في الخروج بالأمة من الهزيمة إذا وقعت وحلت بها. من يتدبر السيرة النبوية، ويقف عند أحداثها، وينزلها إلى أرض واقعنا يجد فيها الكثير من الدروس والحكم، التي هي علاج شافٍ لكثير من أمراضنا، وتصفية لكل خلل أو زلل في مناهجنا، وسأقف عند حدثين مهمين منها، لنستلهم منهما الدروس والعبر حول الأسباب الموجبة لضعف الأمة وهزيمتها، وأثر رفع الروح المعنوية والثقة بالله ـ تعالى ـ في الخروج بالأمة من الهزيمة إذا وقعت وحلت بها.

стр. 5269

دورات حفظ السنة بالمسجد الحرام مشروع للتجديد سامي بن سعود الرشود مرت الأمة في القرون المتأخرة صور من الجمود الفقهي والتقليد المذهبي، ولم تزل بعض صورة قائمة في هذا الزمان على أشكال وهيئات عديدة وقد بقيت السنَّة النبوية حبيسة الكتب والحواشي؛ حيث تتصدر المتون ومختصرات المذاهب قوائم دروس طلبة العلم، ومحفوظاتهم، وبقي حفظ السنَّة مما تقصر النفوس عنه ولا تجسر على الإقدام عليه. فقد كان النص النبوي بعيداً، ولا يُسأل عنه بعد معرفة قول الإمام أو الشيخ. وكان حفظ متون الفقهاء نصاً وضبطاً، وحفظ فروق النسخ وإفناء بعض الأعمار بها، في مقابل معرفة النص النبوي بالمعنى - إن عرف - مع التشنيع على حفظه وضبط لفظه. وكان السائد هو اتباع الشيخ فلان والداعية الدكتور فلان أو المسؤول الفلاني للجماعة في طريقته ومنهجه، بل حتى في أفكاره وتنظيراته دون بحث عن مستندها ومردها من الدليل. وساد الانشغالُ بعلوم الآلة كالنحو وأصول الفقه - مثلاً - انشغالاً يلهي عن مقصود دراستها، والتبحرُ بها، بل ومعرفة شواذ الأقوال فيها؛ بل ربما الانشغال في بعض الفنون التي غدت عند المسلمين بالية كعلم المنطق والفلسفة. كل ما سبق هو بعض أنماط ذلك الجمود. وفي الطرف المقابل تجد أدعياء العقل والعصرنة ممن غلا في نبذ الجمود وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، وسعى في نبذ السنة كلياً أو جزئياً تحت مسمى العقلانية والتنوير والعصرانية! كان من صور هذا الجمود بُعْدُ طلاب العلم - بل جملة من العلماء في العالم الإسلامي وحَمَلَة الشهادات العليا - عن الاهتمام بالسنَّة، حفظاً وتحقيقاً واستدلالاً، وتقديم خلافات المذاهب وشواذ الأقوال على نصوص الوحيين، وعدم الاكتراث بالنص. لقد كانت وصية النبي ﷺ آخر عمره بكتاب الله وسنته ﷺ هي منهاجاً لمن أراد النهج، وسبيلاً لمن أراد السلوك، ومنارة لمن أراد الهداية. «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض (١) » . وهذا الجمود لم ولن يبقى طيلة الزمان. ففي العقود الأخيرة بدأت تظهر على الساحة العلمية اهتمامات بالسنة النبوية، دراسة وتحقيقاً وتخريجاً واستدلالاً وحفظاً. وكانت جهود عدد كبير من علماء أهل السنة ومن أبرزهم الشيخان الراحلان: عبد العزيز بن باز، ومحمد ناصر الدين الألباني ـ رحمهما الله ـ جهوداً غيرت وجهة كثير من طلاب العلم، وأعادت هيكلة هذه المنهجية. كان الاهتمام بالدليل ومعرفة صحته من ضعفه، وتكاتف الجهود لتنقيح السنة والعودة إلى أُمَّات الكتب الأولى، هذا كله كان مؤشراً واضحاً لحجم هذه العودة المباركة. وقد نحت كليات وأقسام السنة بالجامعات الإسلامية هذا النحو في رسائلها الجامعية، في تحقيق كتب السنة وتنقيحها. بل الرسائل الشرعية في التفسير والفقه كان مرد أحكامها للدليل، وكانت أحاديثها تُخَرَّج من كتب السنة المطبوعة والمخطوطة. وبقي حفظ السنة في هذه السنين للمشتغلين به سائراً في فلك المختصرات، مثل: (المنتقى) للمجد ابن تيمية، و (بلوغ المرام) لابن حجر و (عمدة الأحكام) للمقدسي و (الأربعون النووية) للنووي، بل وحتى كتاب التوحيد للشيخ محمد ابن عبد الوهاب. وفي العقدين الأخيرين ظهر مشروع حفظ السنة النبوية من معدنها الأول (كتب الأصول: البخاري ومسلم والسنن الأربع ومسند أحمد ونحوها) سواء بأسانيدها أم مستبعداً منها الإسناد والمكرر مما يكون عائقاً للطالب عن الحفظ. وكان حفظ هذا ضرباً من الخيال لا يفكر أحد فيه! وكانت الجهود في حفظه في البداية فردية، حيث تعود إلى مشاريع لبعض العلماء هنا وهناك، ونوادر من العلماء الذين أفنوا أعمارهم في هذا. وهي الآن في هذين العقدين توجه علمي وليس اجتهاداً فردياً. وحين يحقق المشروع نجاحه على أرض الواقع تتحفز النفوس إليه، وتجسر الهمم عليه. وفي بلد الله الحرام ـ بعد تجارب عديدة في كثير من البلاد ـ ظهر هذا المشروع عياناً يراه من دخل المسجد الحرام العاكف فيه والبادي؛ حين برز نموذج حفظ السنة على هيئة مشروع علمي متكامل، واضح المنهج، نير المعالم. وكانت هذه الدورات تحت إشراف رئاسة شؤون الحرمين الشريفين، وبدعم من جملة من أهل اليسار في البلاد. وقامت على نمط هذه الدورة مثيلات كثيرة تقام في فصل الصيف في بلاد ومدن عدة؛ حيث أقيمت بالمدينة النبوية والرياض ومدن القصيم والمنطقة الشرقية وجدة واليمن والسودان وغيرها من بلاد الله المباركة؛ جزى الله القائمين عليها خير الجزاء. ولتقف معي أيها القارئ الكريم على نموذج من هذه المعالم: - دورة حفظ السنة بمكة المكرمة: قام مشروع حفظ السنة بمكة صيف سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وألف؛ حيث أقيمت تجربة قبل ذلك لعدد من الطلاب في العام الذي قبله، وختمت بنجاح. وفي تلك السنة ١٤٢٢هـ بدأت أول دورة لحفظ السنة، وهيئ للطالب كتابه ومسكنه وطعامه وشرابه، وبقي متفرغاً سبعين يوماً لهذا المشروع. وكانت مسيرة الدورة تبدأ بتسجيل الطالب عن طريق موقع الدورة على الشبكة العنكبوتية: (الوحيان) www.Alwahyain.net. وتحدد للطلاب مواعيد مقابلتهم واختبارهم في حفظ القرآن أولاً، ثم أهلية الطالب للدخول في الدورة من جهة سنه وسلوكه ومستواه العلمي وتقديره الدراسي، وتزكيات المشايخ له. وعند القبول يبَلَّغ الطالب بموعد بداية الدورة، ويطلب منه أن يكون بمكة قبل موعد بداية الدورة بيوم. يتوزع الطلاب على حِلَق متعددة، كل حلقة فيها عدد من المسمِّعين والمحفِّظين. وكل حلقة من هذه الحِلَق هي أشبه بالدورة الصغيرة، ولهذه الحلقة مشرف ونائبه وبضعة مسمِّعين، وقريب من عشرة طلاب. ومع بداية الأسبوع يبدأ الطالب بحفظ وِرْدِهِ اليومي عشرين صفحة ليتمها مائة وعشرين يوم الخميس. وتُجري إدارة الدورة بحضور المشرف العام على المشروع الشيخ يحيى بن عبد العزيز اليحيى اختباراً أسبوعياً يوم الجمعة لهؤلاء الطلاب تكرم المثابر، وتستبعد المتهاون، كما ترفع أسماءهم على لائحة في الفندق الذي يسكنه الطلاب وأمام كل اسم تقدير الطالب ونتيجة اختباره. ثم يعود الطلاب مع مطلع الأسبوع التالي ليكملوا المشوار. ويستمر الاتصال بجملة من هؤلاء الطلاب في مدنهم وقراهم ليبقوا على صلة بالعلم، ويعانوا على المراجعة. وللطالب بعد إشراقة الشمس وقبل غروبها طيلة مدة الدورة استراحة محارب، يجلس مع مشرف حلقته، وهو يشرب شيئاً من السواخن تعيد له نشاطه، وتجري أحاديث تربوية وعلمية، تجدد العزيمة، وتعيد الهمة. كما تشجع الدورة الطلاب على صيام يومي الإثنين والخميس في جانب من الطرح التربوي والتعاون على البر والتقوى. ويتراوح عدد المرتبطين بالدورة من طلاب ومشرفين ومساعدين بما فيها عوائل بعضهم بين المائة إلى المائة والخمسين إلى المائتين، هم نخبة مختارة، وصفوة منتقاة. ويعد هذا المشروع رائداً في مجال نشر السنة، حيث تُهَيَّأ نفوس الطلاب، ويُفَرَّغون من أي انشغال؛ فالسكن مهيأ، والطعام والشراب معد في أوقاته، والصحبة ترفع عزيمته وعزمه. وبالتجربة فإن انصراف الطالب عن الشواغل، واعتياد ذهنه على الحفظ جعل بعضهم ينهي ورده اليومي عشرين وجهاً من قبل أن تشرق الشمس! إن في نفوس الشباب من الطاقات الفائقات، والعزائم اللزائم، والمقدرات المهدرات أمراً عجباً. - مذاكرة المحدثين في دورة الصحيحين: لم نعش يوماً بين أكناف المحدِّثين ولا زاحمنا أكتافهم، ولم يسبق لنا سماع مذاكرتهم، ولم نقف معهم خلف سواري المسجد أو عند بابه نتذاكر الحديث حتى يطلع الفجر. وكم يتمنى المسلم أن لو عاش بينهم وشنَّف مسمعه بحديثهم. وفي رحاب هذه الدورة المباركة كانت في نهاية كل أسبوع مذاكرة مع الشيخ يحيى بن عبد العزيز اليحيى، يتدارس فيها الطلاب الأحاديثَ، ويتذاكرونها سوياً. كانت المذاكرة في صالة فسيحة يجلس فيها عدد من طلاب الدورة فيسأل الشيخ: هات أحاديث ابن مسعود في كتاب الإيمان، وهات أحاديث ابن عمر في كتاب الطهارة، وهكذا. وربما سألهم الشيخ: حديث: (ثلاث للمهاجر) من رواه؟ وحديث: (لكل نبي دعوة) من رواه؟ واذكر الحديث الذي يليه والحديث الذي قبله. وهكذا. ويبقى الطالب في هذه المذاكرة ساعة أو ساعتين. ومن حضر المذاكرة واستمع للطلاب أحس كأنه يعيش بين ابن معين، وأحمد بن حنبل، والقطان، والبخاري. وإنما حياة العلم مدارسته. - من حفظ سريعاً وراجع سريعاً: ضبط سريعاً: تتوارد على ألسنة كثيرين عبارة: (ما حُفِظَ سريعاً نُسِيَ سريعاً) ، في حين أن بعض الدراسات تؤكد أن عامل الضبط في الحفظ هو قوة التركيز والمراجعة أول الحفظ. وهذا ما شاهده القريب والبعيد من الدورة؛ فإن كثيراً من طلاب الدورة كان قد أتم أكثر من ثلاثة آلاف حديث، وقد قدر أن يراجعها في قريب من أسبوع. وبعضهم في فصل دراسي أو سنة. كل هذا مؤشر على أن هناك نوعاً ما؛ تغافل عن قدرات الحفظ لدى شباب الأمة، وكم على ظهر الأرض من نوادر وجواهر. ولم تكن الدورة تخلو من مشاريع المراجعة سواء ما كان منها في داخل الدورة أم في خارجها، ويسعى القائمون على أن يبقى طلاب الدورة على اتصال بأحد المشرفين ليكمل مراجعته في بلده. - نماذج ونوادر: لم تخلُ هذه الدورة في مسيرة السنوات الأربع الماضية من نوادر يعجب الواحد منا لشأنهم، ويحقر نفسه عند عزمهم. وكان رأس هذه النوادر أستاذي الكريم الشيخ يحيى اليحيى؛ فقد اختبرني وحضرت معه اختبارات طلاب آخرين، فكان يعد أحاديث الصحيحين كأنما يعد أبناءه، الأول فالأول. وكانت في هذه الاختبارات نماذج فريدة، منها: أحد الطلاب في الخامسة عشرة من عمره كان يأتي برؤوس الأحاديث في كتاب الأدب أو كتاب الطهارة أو نحو ذلك من آخر حديث لأول حديث وكأنه يعد من العشرة للواحد. وآخر كان قد أتم في يوم قريباً من سبعين صفحة. وطالب قد حفظ مختصر الصحيحين في خمسة وثلاثين يوماً، ثم اختبره الشيخ بمائة سؤال فلم يخرم من إجابتها شيئاً. ولم أرد الإطالة بذكر هؤلاء؛ وإلا فما أسعد النفس بذكر أخبارهم. - وأخيراً: فإنه لم يزل في أبناء هذه الأمة نفر ليس بالقليل تُعقد عليهم الآمال، ويُرجى عليهم الظفر بإذن الله. وفي هذه الدورات نخب من الواجب على الأمة أن لا تستهين بهم، وأن توليهم اهتماماً ورعاية، وأن تعي أن النوادر من أبنائها ينبغي أن لا يشغلوا في الدنيا بتحصيل لقمة العيش، أو الركض لأجل البقاء في أي بلد كان ذلك الشاب ولأي عرق انتسب. وهذه المشاريع في حفظ السنة وما يتبعها ويلتحق بها من دورات في التفسير والعقيدة ونحوها من الفنون هي قريب من الجامعات المصغرة والتي إن أُوليت اهتماماً وتكاتفت الجهود فيها، وصحت النيات في إقامتها، وصدقت النفوس مع الله فيها؛ فإن الله ـ تعالى ـ ولي حفظها ورعايتها، وإخراج ثمراتها وإثمارها، والله من وراء القصد.

стр. 5270

وكذلك جعلناكم أمة وسطاً د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي من خصائص دين الإسلام التوسط، والاعتدال، والقصد، والتيسير؛ فهو وسط بين طرفين، وعدل بين عِوَجين. والمسلمون وسط بين أهل الملل. وقد جاء لفظ (الوسَط) في لغة العرب على معانٍ، منها: أولاً: العدالة: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح ﵇ يوم القيامة، فيقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم! فيدعى قومُه، فيقال لهم: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، أو ما أتانا من أحد. قال: فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. قال فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، قال: الوسط: العدل. قال: فيُدعون، فيشهدون له بالبلاغ. قال: ثم أشهد عليكم» (١) . ثانياً: الخيرية: قال ابن كثير في تفسير الآية: «إنما حوَّلناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم، لنجعلكم خيار الأمم؛ لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. والوسط ها هنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً، وداراً: أي خيرها. وكان رسول الله ﷺ وسطاً في قومه: أي أشرفهم نسباً، ومنه: الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها. ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] » (٢) . ثالثاً: التوسط: قال ابن جرير ﵀: «وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل وسَط الدار ... وأرى أن الله ـ تعالى ـ ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط، لتوسطهم في الدين؛ فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقِيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به. ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك؛ إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها» (١) . والحق أن هذه الأمة قد جمعت هذه الأوصاف الثلاثة كلها؛ فهي أعدل الأمم شهادةً، وخير أمة أخرجت للناس، وهي متوسطة بين أهل الإفراط وأهل التفريط من الأمم. ومن عجبٍ، أيضاً، أن موقعها الجغرافي، الذي انطلقت منه، وإليه تأرِز، وسَطٌ بين قارات الدنيا، وملتقى طرقها. وكما أن هذه الأمة الإسلامية وسط بين الأمم، فإن أهل السنة والجماعة، المتمسكين بالإسلام المحض، الخالص عن الشَّوْب، هم الوسَط في فِرَق الأمة. - التوسط في الاعتقاد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: «هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم؛ فهم وسط في: ١ - باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة. ٢ - وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية، والقدرية وغيرهم. ٣ - وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم. ٤ - وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية. ٥ - وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة، والخوارج) (٢) . ولنضرب مثلاً للون من الغلو في الاعتقاد، والشطط في التفكير، بهذه القصة المعبرة: عن أبي سعيد قال: بينما النبي ﷺ يَقْسِم، جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله! فقال: ويحك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قال عمر بن الخطاب: ائذن لي فأضربَ عنقه! قال: دعه؛ فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة. يُنظر في قُذَذِه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى رِصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر في نَضِيِّه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم. آيتهم رجل إحدى يديه، أو قال ثدييه، مثل ثدْي المرأة، أو قال مثل البضعة، تدردر، يخرجون على حين فُرقة من الناس. قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي ﷺ ، وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ . قال فنزلت فيه: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] » (٣) . وعن ابن عباس قال: لما اعتزلت الحرورية، وكانوا على حدتهم، قلت لعلي: يا أمير المؤمنين! أبرِدْ عن الصلاة، لعلِّي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: إني أتخوفهم عليك. قلت: كلاَّ، إن شاء الله. فلبست أحسن ما قدرت عليه من هذه اليمانية، ثم دخلت عليهم، وهم قائلون في نحر الظهيرة، فدخلتُ على قوم لم أرَ قوماً أشد اجتهاداً منهم؛ أيديهم كأنها ثَفِنُ الإبل، ووجوهم معلمة من آثار السجود. فدخلت، فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس، لا تحدثوه. قال بعضهم: لنحدثنَّه. قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله ﷺ ، وختنه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله ﷺ معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثاً. قلت: ما هن؟ قالوا: أولهن: أنه حكَّم الرجال في دين الله، وقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] قلت: وماذا؟ قالوا: قاتلَ، ولم يَسْبِ، ولم يَغْنَمْ! لئن كانوا كفاراً لقد حلت أموالهم، وإن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم. قال: قلت: وماذا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين. قال: قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيكم ﷺ ما لا تنكرون، أترجعون؟ قالوا: نعم! قال: قلت: أما قولكم إنه حكَّم الرجال في دين الله؛ فإنه ـ تعالى ـ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] إلى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] ، وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] ، أنشدكم اللهَ! أفحكم الرجال في دمائهم وأنفسهم، وصلاح ذات البين، أحق، أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: اللهم في حقن دمائهم، وصلاح ذات بينهم. قال: أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم! وأما قولكم: إنه قتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، أتسبون أمَّكم، أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام؛ إن الله ﵎ يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، وأنتم تترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم. أخرجتُ من هذه؟ قالوا: اللهم نعم! وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين؛ فإن رسول الله ﷺ دعا قريشاً، يوم الحديبية، على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً، فقال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ ، فقالوا: واللهِ لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله. فرسول الله ﷺ كان أفضل من علي. أخرجتُ من هذه؟ قالوا: اللهم نعم! فرجع منهم عشرون ألفاً، وبقي منهم أربعة آلاف، فقُتلوا» (١) . وفي هذه القصة من العبر والفوائد: ١ - فضل العلماء الربانيين الراسخين، وعظيم أثرهم على الأمة. ٢ - تجنب الغلاة للحوار، والبحث عن الحق: (لا تحدثوه) . ٣ - وجود أفراد مغرر بهم، يبحثون عن الحقيقة: (لنحدثنه) . ٤ - استناد المبتدعة إلى استدلالات نصية وعقلية، يشبِّهون بها. ٥ - فائدة الحوار المؤسس على العلم والحكمة. ٦ - إصرار بعض أهل البدع على باطلهم، بعد تبين الرشد من الغي. - التوسط في العبادة: قال ـ تعالى ـ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ . فلما أُخبروا، كأنهم تقالُّوها. فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ! قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له. لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢) . أولاً: النصوص الدالة على متانة الدين، والنهي عن مشادته: أخرج البخاري والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الدين يُسر، ولن يغالب الدين أحد إلا غلبه. سددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» . وأخرج الطيالسي وأحمد والبيهقي عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم هدياً قاصداً؛ فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه» . وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذا الدين متين؛ فأوغلوا فيه برفق» . وأخرج البزار عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق؛ فإن المنبَتَّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى» . وأخرج البيهقي عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تُكَرِّهوا عبادة الله إلى عباده؛ فإن المنبَتَّ لا يقطع سفراً ولا يستبقي ظهراً» . وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا الدين متين فأوغل به برفق، ولا تبغِّض إلى نفسك عبادة ربك؛ فإن المنبتَّ لا سفراً قطع، ولا ظهراً أبقى. فاعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبداً، واحذر حذراً تخشى أن تموت غداً» . وأخرج الطبراني والبيهقي عن سهل بن حنيف عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لا تشددوا على أنفسكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم. وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات» . ثانياً: النصوص الدالة على يسر الدين وسماحته: أخرج أحمد عن الأعرج أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن خير دينكم أيسره. إن خير دينكم أيسره» . وأخرج ابن سعد وأحمد وأبو يعلى والطبراني وابن مردويه عن عروة التميمي قال: سأل الناسُ رسول الله ﷺ : هل علينا حرج في كذا؟ فقال: «أيها الناس! إن دين الله يسر» ثلاثاً. وأخرج البزار عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وسكِّنوا ولا تنفِّروا» . وأخرج أحمد عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «الإسلام ذلول لا يركب إلا ذلولاً» . وأخرج البيهقي من طريق معبد الجهني عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «العلم أفضل من العمل، وخير الأعمال أوسطها، ودين الله بين القاسي والغالي، والحسنة بين الشيئين لا ينالها إلا بالله، وشر السير الحقحقة» . وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال: «سئل النبي ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة» . وأخرج أحمد عن عائشة، قالت: «وضع رسول الله ﷺ ذقني على منكبيه لأنظر إلى زَفْن الحبشة، حتى كنت التي مللت فانصرفت عنهم. قالت: وقال يومئذ: لتعلم يهود أن في ديننا فسحة. إني أرسلت بحنيفية سمحة» . ثالثاً: النصوص الدالة على فضل الأخذ بالرخص: أخرج البيهقي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» . وأخرج البزار والطبراني وابن حبان عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» . وأخرج أحمد والبزار وابن خزيمة وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما لا يحب أن تؤتى معصيته» . وأخرج الطبراني عن عبد الله بن يزيد بن أديم قال: حدثني أبو الدرداء وواثلة بن الأسقع وأبو أمامة وأنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يحب أن تُقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه» . وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: «لا تُعِبْ على من صام في السفر، ولا على من أفطر. خذ بأيسرهما عليك» . فالنفس الإنسانية كالمطية يركبها المسافر؛ فإن شق عليها، وحمَّلها ما لا تطيق حُسرت، وانقطعت، وإن ترفَّق بها، وسايسها، بلَّغته المنزل؛ فقد أخرج أبو عبيد والبيهقي عن تميم الداري قال: «خذ من دينك لنفسك، ومن نفسك لدينك، حتى يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها» . - التوسط في السلوك: كما يكون التوسط في الاعتقاد والعبادة، يظهر أيضاً في السلوك، وسائر التصرفات. ومن أمثلة ذلك: ١ - المشية: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] ، قال ابن كثير: «أي امش مقتصداً؛ مشياً ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلاً وسطاً بينَ بينَ» . ٢ - الصوت: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] . قال ابن كثير: «أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه. ولهذا قال: ﴿إنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير؛ أي غاية من رفَع صوته أنه يشبَّه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى» (١) . ويلتحق بذلك تجنب التقعر، والتشدق، والتفاصح، في الكلام؛ فعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليَّ، وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون» قالوا: يا رسول الله! قد علمنا: الثرثارون، والمتشدقون؛ فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون» (٢) . قال النووي ﵀: «الثرثار: هو كثير الكلام تكلفاً، والمتشدق: المتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيهِ تفاصحاً، وتعظيماً لكلامه، والمتفيهق: أصله من الفهق، وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه، ويغرب به، تكبراً وارتفاعاً وإظهاراً للفضيلة على غيره» (٣) . ٣ - المعاملة: قال ـ تعالى ـ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . فمن الناس من يكون فظاً، غليظاً، فيه عسر وجفاء. ومنهم من يكون مبتذلاً، لا كرامة له ولا حشمةَ، سُوَقَةً، ينال منه الكبير والصغير. والذي ينبغي للمؤمن أن يكون هيناً ليناً دون ابتذال، مهيباً كريماً دون فظاظة. ٤ - العشرة والمخالطة: عن أبي جحيفة ﵁ قال: آخى رسول الله ﷺ بين سلمان وبين أبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذِّلة، فقال: ما شأنكِ متبذلة؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. قال: فلما جاء أبو الدرداء قرَّب إليه طعاماً، فقال: كُلْ، فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. قال: فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم، فقال له سلمان: نم! فنام، ثم ذهب يقوم، فقال له: نم! فنام. فلما كان عند الصبح قال له سلمان: قم الآن! فقاما، فصليا، فقال: إن لنفسك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه. فأتيا النبي ﷺ ، فذكرا ذلك، فقال له: صدق سلمان» (١) . عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٢) . هذا، وإن من الناس من يكون انعزالياً، انطوائياً، لا يألف، ولا يؤلَف، ومنهم من يكون سخَّاباً بالأسواق، يهدر وقته جيئةً، وذهاباً، يغشى المجالس والمجامع، ولا يجعل لنفسه خلوة، ولا لأهله نصيباً. والوسط أن يخالط بقَدَر، ويخلوَ بقَدَر؛ فلا يستوحش من الناس، ولا يستغرق معهم. - التوسط في الإنفاق: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] . قال الحافظ ابن كثير ﵀: «أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم؛ فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليتهم؛ فيقصرون في حقهم؛ فلا يكفونهم، بل عُدُلاً خياراً، وخير الأمور أوسطها؛ لا هذا، ولا هذا. ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] . وقال الإمام أحمد، وساق بسنده، عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «من فقه الرجل قصده في معيشته» ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد أيضاً، وساق بسنده، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عال من اقتصد» لم يخرجوه. وقال الحافظ أبو بكر البزار، وساق بسنده، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أحسن القصد في الغنى، وما أحسن القصد في الفقر» (٣) . هذا، وإن من الناس من لا يرعى هذا النظام؛ فيتشبع بما ليس عنده، ويتصنع الغنى، ومجاراة الناس، بتحميل نفسه الديون الثقال، وإشغال ذمته بالأقساط المرهقة، ولا يمد رجليه على قدر فراشه، كما في المثل الحكيم. كما أن من الناس من يحرم نفسه وأهله فضل الله عليه، فيكدس الأموال والأرصدة في المصارف، ويعيش عيشة البؤساء، ويموت ميتة التعساء. والعاقل اللبيب، والحازم الأريب، هو الذي ينفق ما يلائم حاله، ويأكل، ويشرب، ويلبس، ويركب، ما يليق به، دون أن يكون لأحد عليه منَّة، أو يلحقه في معيشته ضيق أو مذلة. - التوسط في التقويم والحكم على الآخرين: قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] . وقال: ﴿وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] ، وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ، فدلت هذه النصوص على وجوب تحري العدل، وتوخي الإنصاف في الأمور كلها، ومن ذلك الحكم على الناس، وتقويمهم، وعدم غمط أهل الفضل فضلهم والبعد عن التجني والعدوان، والاندفاع مع العاطفة الهوجاء، حتى مع المخالف. - التوسط في العواطف والمشاعر: ومن جوانب التوسط المهمة، أن يكون المرء معتدلاً في مشاعره، وعواطفه، وانفعالاته، فلا يسرف إذا أحب، ولا يسرف إذا أبغض، ولا يفجر إذا خاصم؛ بل يحكم مشاعره بحكم الشريعة، ويضبطها بضابط العقل. عن علي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: «أحبِبْ حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما» (٤) . هذا؛ وإن من الناس من يفنى في محبوبه؛ فربما قاده إلى العشق والانجذاب، ومن يحترق بجحيم بغضه، فيحمله على الحسد والمضارَّة والعدوان، أو يُنضج الغيظ قلبه، فيمنعه فضيلة العفو. فلا بد للمؤمن الوسَط أن يضبط مشاعره فلا تنفلت، ويقيِّد انفعالاته فلا توبقه بسوء عمله. والموفق من استهدى بالله، واستعان به، وسأله السلامة، ولزوم السنة، والقصد في القول والعمل.

стр. 5271

إدارة المحتسبين إبراهيم بن سليمان الحيدري المنظمات الدعوية والخيرية عامرة بالمحتسبين الذين يبذلون وقتهم وجهدهم رغبة في الأجر من الله وتحقيقاً لأهداف المنظمة التي يعملون فيها. إلا أن التعامل مع المحتسبين لا يخلو من مشكلات. بعض هذه المشكلات ناتج عن ضعف مفهوم وأداء الاحتساب لدى بعض المحتسبين، إلا أن بعضها الآخر ناتج عن عدم كفاءة إدارتهم من قِبَل الجهات التي يعملون فيها. - لندرك أنهم قلة: إن أول خطوة نحو إدارة فاعلة للمحتسبين هي أن ندرك انهم عملة نادرة؛ فالقليل من الناس من يحمل دوافع تقوده للاحتساب، والأقل من هؤلاء من لديه القدرة على تحمل مسؤولية الأعمال التي سيقوم بها، والأقل من يستطيع أن يحتسب فيما يجيده من مهارات، وأخيراً فقليل من الناس من يستطيع أن ينفكّ من أعماله الخاصة وشواغله المتنوعة ليجد الوقت الكافي للاحتساب المنظم. - بحر.. لا شاطئ له: تلعب الدوافع دوراً كبيراً في عملية الاحتساب وبالإضافة إلى دافع تحصيل الأجر فإن هناك دوافع نبيلة أخرى تقود المحتسب للعمل بلا مقابل مالي، وهي متنوعة ومتجددة في الذات البشرية ما بين دوافع شخصية كالرغبة في تطوير الذات أو الشعور بالرضا ووظيفة كتقليل نسبة الجهل لدى بعض التربويين أو الحد من ظاهرة التدخين عند بعض الأطباء. ينبغي على المتعاملين مع المحتسبين أن يدركوا تنوع الدوافع النبيلة لدى المحتسبين وأن يبذلوا جهدهم للتعرف عليها فهي خطوة مهمة لاستثمار طاقات المحتسبين وقدراتهم في المكان المناسب وبالطريقة المناسبة. - التدريب مفتاح النجاح: لا يكفي أن نتعرف على نوعية الدوافع التي تقود المحتسب للعمل لكي يقوم بالدور المطلوب كما تريده المنظمة، بل لا بد أن تحدد المنظمة الفجوة بين إمكانات المحتسب ومتطلبات الدور المطلوب منه لتقدير نوعية وكمية البرامج التعليمية والتدريبية التي يحتاجها المحتسب. إن تدريب وتأهيل المحتسب يسهم وبشكل فاعل في أن يعمل المحتسب بطريقة ومستوى يتوافق مع توقعات المنظمة التي يحتسب فيها ويسهم بفاعلية في تحقيق أهدافها بالإضافة إلى أن التدريب يضيف للمحتسب شعوراً بالإنجاز والإتقان الذي يولد الرضا عن الذات. - التحفيز سلم الاستمرار: من أبرز مشكلات المحتسبين هو انقطاعهم وعدم استمرارهم أو بقاؤهم ضعفاء فاقدين للحماس. إن التحفيز هو الوصفة المناسبة ليقدم المحتسبون أفضل ما لديهم وهم راضون بما يفعلون. إلا أن التحفيز التقليدي الذي ينحصر في خطابات شكر وجمل ثناء لم يعد يجدي في هذا المجال؛ فإننا بحاجة أن ننظر إلى تحفيز المحتسبين من زوايا جديدة: - اكتشفه مبكراً بما يحمله من دوافع وأهداف ومشاعر وأفكار، لتختار له المكان الملائم والمهام المناسبة. - أشعل دوافعه باستمرار، واجعلها حاضرة أمامه قريبة إلى المهام الموكلة إليه؛ فالزمن كفيل بأن يطفئ جذوة الدوافع في قلبه. - أرِهِ نتائج أعماله وأثره على المجموعة أو القضية التي يعمل من أجلها. - اجعل منظمتك أفضل مكان يحقق فيها أهدافه وينفذ فيها طموحاته الخيرية. - اجعله ينمو معك؛ فأغلب الناس يتوقون إلى تطوير ذواتهم وتنمية مهاراتهم وسوف يعتبر المحتسب أن البرامج التطويرية التي تقيمها من أجله أفضل هدية تقدمها له. - نقيّم أو لا نقيّم؟ يرى بعضهم أن في تقييم المحتسبين خدشاً لكرامتهم ومعاملة لا تليق لما يحملونه من دوافع نبيلة. بينما يرى آخرون أن الأخطاء التي تقع من المحتسبين لا تطاق ولا يمكن السكوت عنها.. فهل نقيِّم المحتسبين أم لا؟ بل نقيِّم. فعلى العكس، إن الدوافع النبيلة التي يحملها المحتسب بين جنباته تجعله أكثر الناس تقبلاً للتقييم الذي يهدف إلى التطوير وتسريع الوصول إلى أهدافه وإشباع دوافعه؛ مع ملاحظة أهمية التوجه إلى تقييم الأعمال أكثر من تقييم الاشخاص. - من يدير المحتسبين: إن مهمة التعامل مع المحتسبين ليست شاقة بقدر ما هي متشعبة؛ ولذا فلا يليق أن تكتفي المنظمات التي تتعامل مع المحتسبين بأن تجعل إدارتهم جزءاً من مهام قيادات المنظمة أو إدارتها العليا والذين تزدحم أوقاتهم بكثير من الأعمال والمشاغل، وعلى المنظمة ـ على الأقل ـ إذا ما تعاملت مع أكثر من عشرة متطوعين أن توكل مهمة إدارتهم والاعتناء بشؤونهم إلى شخص متفرغ ومناسب. إن المحتسبين عملة نادرة قادتهم دوافع قوية ونبيلة للخروج من دوائرهم الضيقة إلى عالم الإحسان الفسيح، ونجاحنا هو أن نستثمرهم ليحققوا دوافعهم وأهداف منظماتنا.

стр. 5272

الشيخ العلامة عبد المجيد الزنداني في حوار مع البيان: نريد أن نجتمع على طريق صحيح مضمون حاوره في صنعاء: عبد الله بن محمد العسكر يشدك ببشاته ولين جانبه وتواضعه الجم، ويأسرك بقوة حجته والتزامه المنهجي، البيان: بدايةً نرحب بكم فضيلة الشيخ بين إخوانكم في مجلة البيان في هذا اللقاء المبارك. - شكراً لكم ولهذه المجلة التي سدت ثغرة في ميدان الصحف والمجلات الإسلامية، نسأل الله لها النجاح والتوفيق. البيان: استأذنكم فضيلة الشيخ في طرح ما عندنا من أسئلة. البيان: الهجمة الغربية على أمتنا تزداد إطباقاً وشراسة؛ فما الدوافع الحقيقية لتلك الهجمة، وكيف يرى فضيلتكم السبل المثلى للمدافعة؟ - الدوافع الحقيقية: ضعف المسلمين، وأطماع الحاقدين. الطامعون يرون ثروات عظيمة: ٧٠% من البترول في العالم في بلاد المسلمين، ٦٠% من الثروات المعدنية في بلاد المسلمين، ثروات أخرى كثيرة في بلاد المسلمين. وشعوب ضعيفة وحكومات ضعيفة، وكيانات سياسية لا يقوى أي كيان فيها على أن يدافع عن نفسه إذا اعتدي عليه، ولا يقوى أي كيان فيها أن يستغني بموارده إذا ما حوصر؛ فهم مطمع، كما قال ﷺ : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها» . لو كنا أقوياء، وكان لنا كيان سياسي، وكيان عسكري قوي، لم يطمع فينا طامع؛ فضعفنا، هذا هو السبب الأكبر، أما الطامعون؛ ممن لا تحكمهم قيم، ولا مُثُل ودين، ولا يهمهم من حياتهم إلا هذه الحياة الدنيا؛ فهؤلاء من شأنه أن يبحثو عن أكبر مصلحة لهم، وأكبر متعة ولو أخذوها من غيرهم ولو اعتدوا على غيرهم. وإن من السبل المثلى للمدافعة هي أن نكون أقوياء بمعنى الكلمة: أولاً: بقوة إيماننا. ثانياً: بقوة وعينا. ثالثاً: بقوة وحدتنا. رابعاً: بقوة عدتنا. هذه أربعة أمور أساسية تجعلنا أقوياء نستحق معها نصر الله، وحتى نستحق الدفاع الإلهي. يقول ـ جل وعلا ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] . ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] البيان: كيف نفعِّل تلك القوى الأربع؟ - لكي نفوز في الدنيا والآخرة لا بد لنا من الإيمان، والعناية به، والاهتمام به، وتقويته. وأما قوة الوعي فبوجود مراكز بحوث ودراسات، ووجود وسائل إعلام؛ بحيث يتوعى كل القائمين على عملية التعليم والدعوة، والإعلام والتوجيه في البلاد، حتى تُبَصَّر الأمة بحقائق ما يدور حولها، وبالأساليب التي تنفعها للسير نحو أهدافها. أما قوة الوحدة فأنا أطلب من كل غيور على هذه الأمة أن يطالب الحكومات بالسير نحو اتحاد إسلامي على غرار الاتحاد الأوروبي، والذي يُبقي لكل دولة خصوصيتها، ولكل زعيم شعبه، ولكنه يجمعهم في اتحاد حول القضايا الأساسية التي تغنيهم جميعاً، وهذا الأمر إذا تحقق يصبح لنا كيان يتناسب مع حجم أمتنا، ومع تعاليم ديننا، ومع طبيعة عصرنا الذي نعيشه، ويجب أن يواجه الحكام بأن سياستكم هذه الانفصالية الانطوائية المحدودة الضعيفة لا تنفعكم في الدفاع عن وجودكم، ولا عن أنفسكم ولا عن شعوبكم، ماذا تملك دولة مقوماتها تعجز عن أن تدفع العدو أو تدفع حصار العدو؟ وما قيمة هذا الكيان؟ يجب أن يفهم الناس أننا أمام مصير: أن نكون أو لا نكون، وأن نحفظ أنفسنا أو أن نضيع؛ فلا بد من فكرة وحدوية إسلامية، تدفع في هذا الاتجاه، وتحقق ما يمكن عمله، مع إرضاء كل دولة بخصوصيتها، وكل زعيم بزعامته. وأما قوة العدة فهي نتيجة حتمية، عندما تكون أمة لها اتحاد قوي، فسوف يبحث هذا الاتحاد عن وسائل الدفاع عن نفسه أمام العدوان، وأن تكون الإمكانات هائلة والقدرات قوية واسعة؛ فنحن لدينا دولة إسلامية لديها السلاح الذري، وربما نسمع عن دول أخرى تملك السلاح الذري، ونحن شعوب كبيرة وجيوش كثيرة، ودول تصنع كافة أنواع الأسلحة، وهذا يحتاج إلى توجه جماعي قوي، وعندئذ سيحترمنا الناس والأعداء، والناس عموماً يحترمون القوي. فالخلاصة: الطريق الأمثل قوة في دين، وقوة في وحدة، وقوة في أسباب الدنيا. البيان: تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على تطويع الأنظمة العربية لتقوم بعملية التطبيع مع دولة الاحتلال الصهيوني؛ فما دور الشعوب المسلمة في مواجهة ذلك؟ - العمل والاستنكار والرفض بالوسائل السلمية التي بين أيديهم. البيان: هناك جهد دؤوب يمارسه الغرب، وطلائعه في بلادنا لتحريف الشريعة الإسلامية، وتغيير المفاهيم الإسلامية من خلال سبل شتى من أبرزها استهداف مؤسسات التعليم الإسلامي ومناهجه؛ فكيف ينظر فضيلتكم إلى ذلك من خلال تجربتكم الثرية في الدفاع عن جامعة الإيمان؟ - هذا الأمر منطقي، قوتنا في ديننا، وتعليم ديننا، وضمان واستمرار معناه الضمان، واستمرار القوة في كياننا. وأمريكا اليوم تريد أن تفرض هيمنتها علينا وعلى العالم، ولن يتحقق لها الهيمنة على العالم إلا بإضعاف العالم، وبإضعاف من تريد أن تخضعهم لنفوذها، لذلك كان لا بد من إضعاف مصادر القوة عند المسلمين وعند غيرهم ممن تريد أن تطوعهم لهيمنتها وسيطرتها، وهي بالنسبة لنا ـ نحن المسلمين ـ تبنت إضعافنا؛ فالاستيلاء على منابع النفط لإضعاف اقتصادنا، ونشر قواعدها العسكرية لإضعاف قوتنا العسكرية، ومحاولة تجفيف منابع العلم في الشرع، وتغيير مناهج العلم لإضعاف عقيدتنا وإيماننا وقوتنا المعنوية، وتفريق صفوفنا، والحيلولة دون اجتماعنا لمنع قوتنا السياسية، وارتباطنا السياسي مع بعضنا، وهذا منطقي؛ فمن يريد أن يفرض سيطرته على فئة من الناس يجب أن يمزقهم بسياسة (فرق تسد) ، وأن يضعفهم حتى يستسلموا له؛ مما يوجب علينا أن نأخذ بأسباب القوة، حتى نكون أقوياء أمام هؤلاء، طبعاً (فلكل مقام مقال) فيجب في خطابنا الدعوي أن نوضح لهم أنهم يعتدون على خصوصياتنا، كما قالوا إن قرآنكم غلط، وسنأتيكم بقرآن جديد، فهم ينكرون قرآننا ويجحدونه، ويصفون لنا كتاباً آخر هو ما سموه بـ (الفرقان) المزعوم، يقولون: هو كتاب الله. أيُّ استخفاف بنا أكبر من هذا؟ فهم يفرضونه علينا، ويريدون أن يروجوا بيننا مبتدعات مثل أن يؤمنا في الصلاة امرأة، وهذه مخالفة في شرعنا وديننا، بينما لا نراهم يتكلمون عن البابا، ولا يشترطون أن يكون هناك ماما لهم، لكن المسلمين ينبغي أن تكون لهم امرأة تؤم الناس، ولا يتكلمون عن القسيسين ولا عن الحاخامات، ولا ويفرضون عليهم أن يكنَّ نساء، ولكن يفرضون مثل ذلك على الأمة الإسلامية؛ فهم يسخرون من عقيدتنا، ويسخرون من شريعتنا؛ فهم يستنكرون الختان اليوم بينما الطلب عليه على قدم وساق بأنه لا بد من الختان لمن أراد الصحة، والذين لا يختتنون أكثر عرضة للأمراض الخطيرة مثل السرطان عند الرجال، لكنهم يسخرون منا. يجب أن نقول لهم: نحن أمة لها كرامتها، ولا نقبل منكم أن تسخروا من ديننا، ولا تسخروا من قيمنا، ولا من مُثُلنا، ويجب أن يعلموا أن من أول حقوق الإنسان، حقه في أن يختار دينه، من حقه أن يعلِّم دينه لأبنائه، وله حقه في أن يحترم دينه، وهم يحترمون كل شيء من دينهم، والإسلام ممتهن مستباح. إن علينا أن نصحح أخطاءنا، وأن نقوِّم اعوجاجنا، وأن نتواصى بيننا بالحق وبالصبر. البيان: لفضيلتكم تجربة رائعة في العمل الدعوي ختمتموها بتجربة إعداد علماء شريعة من خلال جامعتكم المعروفة (جامعة الإيمان) ؛ فما العقبات التي ترونها تعترض تحقيق طموحاتكم؟ - أولاً: الحرب الصليبية التي يفرضها الرئيس الأمريكي الذي قال في أول يوم من إعلانه للحرب على أفغانستان: إنها حرب صليبية، ولما انتُقد قال: إنها زلة لسان. إن زلة اللسان لا تكون في إعلان استراتيجيات. الذي يجري اليوم دليل على أنها حرب صليبية يقودها بوش والبيت الأبيض، والفريق الذي يحكم البيت الأبيض الآن هو اليمين المتطرف أو النصارى، اليمين النصراني الذي يحارب العالم الإسلامي، ويريدونها حرباً صليبية اليوم؛ لأنهم يضغطون على الحكومات بالمطالبة بتغيير مناهج التعليم، ويضغطون على الجمعيات الخيرية مطالبين هذه الجمعيات بأن لا تمد الأيدي لمن يريد أن يتعلم الدين، ويضغطون على القائمين على العمل الخيري، ويصفونهم بأوصاف ويتهمونهم بتهم، حتى يكاد من يدعو للإسلام أن يكون تحت طائلة هذه الاتهامات الشرسة، لكن الله أكبر من أمريكا، الله أكبر من طغيانهم، الله أكبر من جبروتهم، نحن على ثقة بديننا، يجب أن نتمسك به. يوم كان الرسول ﷺ هو والصحابة مستضعفين من قِبَل الكفار في مكة، وليس لهم أي قوة، ما كانوا يتنازلون عن دينهم، وكانوا يقولون لهم كما قال الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ - ٦] . يجب ألا نداهن في ديننا، ولا نتنازل عن عقيدتنا، يجب أن يفهموا أن لهم دينهم ولنا ديننا، وأنه لن نتخلى عن ديننا، ولن نتنازل عنه، مهما كانت الضغوط، وهذه أكبر العقبات. والثاني: الوعي بين المسلمين؛ فهم لا يعلمون مقدار الأخطار التي تحيط بهم، فيجب أن يعوا، ويجب أن يعلموا أنها سلسلة مترابطة وبرامج وشبكة متصلة أجزاؤها، وغاياتها في النهاية السيطرة على الأمة الإسلامية في اقتصادها، وفي أرضها، وفي كرامتها، وفي مستقبلها، وفي قيمها، ولن ينجو أحد من المسلمين من هذه الجهود ومن هذا التسلط ومن هذا الطغيان؛ فالوعي بين المسلمين يجعلهم أكثر تمسكاً بدينهم، وحرصاً على مؤسساتهم العلمية التي تعلِّم دين الله؛ لأن الدين تعاليم فإذا مُنِعَتْ تعاليمه انطفأت أنواره ولن يضيع دين الله، ولن يطفئوا دين الله بأفواههم؛ لأن الله تولى حفظه. لا بد من المساندة لمن ينشرون العلم، وينشرون التعليم، ويجتهدون في هذا الباب، ويقومون عليه، ويجب أن تؤهل الأمة أبناءها، ليحفظ الله لهذه الأمة دينها، ويرد على شبهات عدوها، وهذا أمر متعين على الأمة أن تقوم به: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] الأمة مكلفة لتجهيز جيشاً للدفاع عن أرضها، ومكلفة لتعد علماء للدفاع عن دينها والحفاظ على كرامتها؛ هذا واجب، ويوم أن يضيع من يحفظون حتى الدين وقتها تضيع الأمة في الدنيا والآخرة؛ لذلك لا بد أن يكون هناك وعي، وأن يرصدوا له الأموال، وأن ينبري له العلماء، وأن يتصدى له السياسيون، وأن تقف من ورائهم الأمة، وتقف أمام الأعداء قائلة لهم: لن نسمح لكم أن تمنعوا ديننا، ولا نسمح لكم أن تبدلوا ديننا وتأتوا بقرآن جديد وتفرضوه علينا، ولا نقبل منكم أبداً أن تدمروا هذا الدين، وتمنعوا تعليمه؛ هذا مساس بكرامتنا. كيف سيكون الحال لو قلنا لأمريكا: إن الأمة اجتمعت، وقررت أن تغيِّروا كتاباً في (التربية الوطنية) أو في التاريخ عندكم أيقبلون ذلك؟ لكنهم يريدون منا أن نغير ديننا، وأن نلغي تعاليم ربنا وخالقنا؛ وهذا مرفوض من كل مسلم. البيان: استهداف (القوى الأصولية والمتصهينة) لعلماء الإسلام ودعاته قضية معلومة، وقد كان فضيلتكم أحد من امتُحِن بذلك؛ فما هي استراتيجيتكم للتعامل مع تلك المشكلة؟ - يكون ذلك بكشفها وبيانها، ودعوة الناس لفهمها. وكشف عوارها مطلوب مع أهمية مناشدة الحكومات بأن تقوم بالدفاع عن مواطنيها، وهو هدف استراتيجي. البيان: هل هدأت هذه الموجة ضد علماء الإسلام؟ - هي لا تهدأ إلا إذا علموا أنهم يخسرون أكثر مما يكسبون إزاء ما يقومون به من أعمال ضد دعاة الإسلام وعلمائه، وسيعرفون أنهم سيخسرون إذا استنكرت الشعوب ذلك، وأعلنوا رفضهم لذلك، واستهجانهم لهذا المنهج الظالم. البيان: لعلهم ينتهجون هذا المنهج مع علماء الإسلام لمعرفتهم بتأثيرهم في الشعوب؛ أليس كذلك؟ - هم يريدون تشويه العلماء وتكبيلهم، ولكنهم لا يزيدونهم في نظري بين عامة المسلمين إلا رفعة وتعاطفاً إن شاء الله. البيان: فضيلة الشيخ! تجربتكم ثرية في مجال الإعجاز العلمي للقرآن الكريم؛ فهل هناك من منهج لتربية العقل المسلم على التعامل الإيجابي مع هذه العلوم التجريبية؟ - أقول لطلابي: هناك ٥٠٠ آية بينة الأحكام وتسمى (آيات الأحكام) استنبط منها العقل المسلم هذه المكتبة من الفقه الإسلامي، و ٩٠٠ آية متعلقة بالكون وخلق الله؛ فماذا قدمنا في هذا المجال؟ وهذا الكلام كلام الله، يجب علينا أن نعتني بهذا كيف لا؟! والله قد جعل الكون والمخلوقات أدلة على الإيمان به، فقال: ﴿إنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣] ؛ فهذه الآيات طريق للإيمان بالله ـ جل وعلا ـ فكيف لا نعتني به وهو الطريق إلى أساس الدين وإلى أساس الإيمان، وهو الإيمان بالله سبحانه؟ ثم فتح الله في عصرنا ... وجعل طريق الإيمان بالرسل أيضاً يمر عبر هذه العلوم الكونية، فقال ـ تعالى ـ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . فالإيمان بالرسول أيضاً وعد الله أن بابه سيكون عن طريق هذه. إننا سندرس العلوم التجريبية، وعندئذ سننطلق إليها ليس بدافع المصلحة كغيرنا من الأمم وما تجلبه لنا من نفع مادي، بل سننطلق إليها أولاً بحافز إيماني، وبدافع ديني يختصر لنا المجالات، ويجعلنا من المبدعين. عندما يكون الحافز هو ما ذكرناه عندها سنعرِّف العالم بإعجاز القرآن، وسيعرفون حقيقته التي يجهلونها. البيان: شيخنا الفاضل! بدأتم مشواركم الجامعي بالصيدلة، ثم عدتم إليها مرة أخرى من خلال الإعلان على اكتشاف بعض الأدوية لبعض الأمراض المزمنة كالإيدز، والسكري، وفيروس الكبد الوبائي؛ فإلى أي مدى وصلتم في هذه المسائل؟ ولماذا لم يقم فضيلتكم بعرض هذا الاكتشاف على جهات علمية معتبرة ليستفيد الناس منها عموماً؟ - لم أعد للصيدلة بتخطيط مني، ولكن الأبحاث في الإعجاز ساقتني لذلك وأعادتني مرة ثانية؛ فنحن عندما كنا نبحث في الإعجاز الطبي في الحديث النبوي، وجدنا أنفسنا أمام ثروة هائلة بما يعرف عند علماء المسلمين بـ (الطب النبوي) ، وكان لا بد من تحقيق هذه الأحاديث والنظر فيما أسفر عنه البحث العلمي في عصرنا في مجالات هذه الأحاديث؛ فبدأنا ذلك عندما كنت في هيئة الإعجاز العلمي، وشكلنا فريقاً لهذا الغرض، وبدأنا ببعض الأحاديث وببعض التجارب العلمية؛ فالحمد لله، وهذا هو المفترض والمتوقع أن نجد الإعجاز مرة ثانية في هذا المجال التطبيقي العلمي، وهو مجال في غاية الأهمية، وأظن أنه سيكون أقوى أنواع الإعجاز إقناعاً للعالم؛ لأنه يقدم الدواء المحسوس الذي يجده المتلقي بين يديه، والذي تطالب به الهيئات الطبية والعلمية والجامعات الإسلامية أن تعتني بهذا العلم، وعلينا أن نرصد له ما يحتاج من المال، ومن الباحثين ومن الدارسين، وسيقومون ـ بإذن الله ـ بتحقيق إنجازات واسعة وطيبة جداً. بحثنا في البداية في دراسة دواء من الأدوية كان يتعلق بالفيروسات؛ فوجدنا أنه في الدراسات الاستطلاعية أثَّر على فيروس الكبد (C) وهذا الفيروس الذي يعتبر مستعصياً على الطب اليوم وما زال مستعصياً على الأطباء، فقمنا بدراسة استطلاعية حول فيروس الكبد فوجدنا في الدراسة الاستطلاعية نتائج مستحسنة وطيبة، فأعلنا ذلك، ثم وجدنا أن لهذا الدواء تأثيراً في مجالات أخرى، لم نكن نبحث فيها، ثم درسنا مرض السكر في ضوء ما فهمنا من الأحاديث النبوية، فوجدنا أن الدراسات الاستطلاعية تجيب إجابات طيبة ونافعة، فقررنا الانتقال إلى الدراسة المعيارية، والمعتمدة وفق منهجية علمية محددة، وضوابط للبحث محددة؛ فبدأنا بها الآن، ويوجد لنا قرابة ١١٠ مرضى في المستشفى الأهلي الحديث نقوم الآن بإجراء الدراسة المعتادة عليهم، بعد أن أثبتت الدراسات الاستطلاعية أن عدداً من المرضى يستجيبون للدواء، وخاصة أصحاب الحبوب، فيبرؤون ـ بإذن الله ـ ويعودون لصحتهم، وإن كانت نسبتهم قليلة ويستغنون عن الحبوب والدواء؛ فهناك مجموعة أخرى تستغني عن الحبوب، لكنها تحتاج إلى الدواء، ولكن ليس كل يوم بل بعضهم كل يوم وبعضهم كل ثلاثة أيام، والفارق بين الحبوب وبين دوائنا هو أن الدواء الذي نقدمه ليس له آثار جانبية، وللحبوب آثار جانبية متعبة للمريض. وأما الذين يأخذون الأنسولين وهو النوع الثاني من السكر فقد وصلنا معهم إلى تخفيض جرعات الأنسولين من ٧٠ - ٩٠%؛ أي أنه يبقى محتاجاً للأنسولين بنسبة ١٠%، ثم يأخذ الدواء مع الأعراض المصاحبة له لمن يتناول الأدوية، والأعراض الجانبية الضارة شيء جديد جداً. طبيبة جاءتنا وعلمت أننا نُجري دراسات معيارية، فقالت: أنا عندي مرض السكر، وإنما عندها عندها ارتفاع في السكر ولكن عندها انخفاض فيه، جاءت تتناول الدواء الذي يخفف السكر، والسكر عندها يصل إلى ١٥، والخطورة تبدأ من أربعين وأصبحت تتناول ٢٠٠ وحدة في اليوم، يعني رقم كبير من الأنسولين لدرجة أن جسمها أصبح غير متجاوب مع الأنسولين، وإذا جاءتها الغيبوبة فتأتي بدون مقدمات؛ لأن الأصل بالمريض أنه إذا بدأ يدخل الغيبوبة أن يشعر بمقدمات، ولكن دخلت بدون مقدمات فتناولت الدواء فوجدت أن الدواء رفع السكر من ١٥ إلى ٤٠ وعادت لها حالة الشعور بالغيبوبة وبنقص السكر في جسمها. وهناك نتائج أخرى ـ إن شاء الله ـ نعلنها في حينها. أما موضوع الإيدز فلا زلنا في الدراسة الاستطلاعية وما دخلنا في الدراسة المعيارية، الدراسة الاستطلاعية عن أن الدواء يخفض عدد الفيروسات، مع استمرار الدواء لفترات طويلة ويبقى كل شيء مع إجراء الفحص. لكن الدراسة الاستطلاعية تحمل مؤشرات؛ فالذي وصلنا إليه من هذه المؤشرات أن الدواء الذي يتناوله المصابون بالإيدز يُنقص عدد الفيروسات مع استمرار العلاج، وفي الوقت نفسه يقضي على أعراض المرض وتنتهي، ولكننا لا نزال نبحث متى نتخلص من الفيروس هذا؟ وهل يعني إقصاء الأعراض أن يأمن المريض خطر الفيروس إذا قضي على الأعراض؟ وهل يعني أن الفيروس سيتوقف، وهل هذا التوقف دائم؟ وهل هذا التوقف سيؤمن المريض من مهاجمة هذا الفيروس؟ نحن لا زلنا نبحث في هذا المجال. البيان: بعد هذا العلم الدعوي والتجربة الثرية المتنوعة ما أبرز ما توجهونه لأبنائكم من الشباب المسلم؟ - نحن بجهودنا ودراستنا وإمكانياتنا ضعفاء بكل المقاييس، ولكننا بالله أقوى بكل المقاييس؛ فكيف سنحقق هذه القوة التي يؤتيها الله لعباده؟ وكيف نكون مؤهلين لكي يتنزل علينا ما وعد الله عباده المؤمنين في قوله ـ تعالى ـ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ؟ نريد أن يتولانا الله؛ فإذا تولانا فلن يضيع من أمرنا شيء، ولن يفسد شيء، ولن يضرنا شيء، ونريد أن يكون الله معنا كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩] . إذا حققنا المعية الإلهية فمن يكون علينا ومن يغلبنا؟ ونريد أن نحقق النصر الذي وعد الله عباده المؤمنين ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] . فإذا كان سينصرنا فمن سيهزمنا؟ قال ـ تعالى ـ: ﴿إن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] . ومن سيغلبنا؟ لا غالب. ونريد أن نحقق ما وعد الله عباده المؤمنين: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] . إذا كان الله سيدافع عنا فمن ذا سيهزم دينه؟ ونريد أن تكون من المستخلَفين في الأرض، وأن يمكّن لديننا في الأرض، والله وعد بذلك المؤمنين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] . ونريد أن نجتمع على طريق صحيح مضمون بعيد عن الرايات المتفرقة والمتشعبة والمشتتة، والله يضمن لنا ذلك؛ إذ يقول: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤] . إذن الإيمان، وتجديده وتقويته، وإحياؤه في أمتنا وفي أنفسنا شرط لا بد منه، وإذا كان كل مسلم يسلم لله حقاً فلا بد من الالتزام بهذه الآية؛ فمعنى ذلك أن الله يقول لنا: عزتكم ونصرتكم وقوتكم وأمانكم ووحدتكم وهدايتكم وكرامتكم كلها مرهونة بالإيمان؛ فلماذا لا نجتهد في تقديم الدراسات، وعقد الندوات والمؤتمرات والمحاورات حول إحياء هذا الإيمان وتقويته، ونشر هذا الإيمان لأبناء هذه الأمة؟ فذلك سر فلاحنا في الدنيا والآخرة؛ فوصيتي الأولى أن نحقق الإيمان في أنفسنا، وكل واحد محتاج لهذا الإيمان؛ فإن أفضل الأعمال كما قال ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري: قال أبو هريرة ﵁: «سئل الرسول ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله» . والله يقول: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩] . فأدعو أمة الإسلام، وفي مقدمتهم العلماء والدعاة والجماعات والجمعيات والهيئات، أن تجعل همتها في إحياء الإيمان، وتجديد الإيمان وتقوية الإيمان. المحور الأول: الاهتمام بالإيمان وهو أول محور في حياة الصحابة ﵃ بل في حياة الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ في دعوتهم. المحور الثاني: وحدة الصفوف، وإجماع كلمة العاملين في حقل الإسلام؛ لأن الإيمان لا يتحرك إلا بأمة لا التحقق إلا بالمؤمنين؛ فإذا وجد المؤمنون الصادقون الذين يتحقق في قلوبهم الإيمان وفي أقوالهم وفي أفعالهم وفي أعمالهم فيجب أن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، هكذا قال الرسول ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» . والطريق إلى ذلك هو العلم، وأول العلمِ العلمُ بكتاب الله والسنة، العلم بدين الله ، ثم العلم بمعاني ما جاء في الكتاب والسنة. ويتضمن هذا العلمُ العلمَ بواقعنا وأحوال أمتنا، والتحديات القائمة حول أمتنا ووسائل دفعها، وكل ما من شأنه أن يخدم هذه الأمة، فنخرج من الجهل إلى العلم، ومن الغوغائية ومن الأمور الارتجالية إلى الأمور المدروسة؛ فهذه بعض المعاني التي أريد أن أقولها لإخواننا للتمسك بها والعض عليها بالنواجذ. البيان: نشكر لكم فضيلة الشيخ، ونسأل الله أن يبارك لكم في عمركم، وينسأ في أجلكم، وينفع بكم الإسلام والمسلمين. ونكرر شكرنا وتقديرنا لإتاحة الفرصة لنا في هذا اللقاء، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه. جزاكم الله خيراً.

стр. 5273

وعي جديد بالشأن التربوي د. عبد الكريم بكار نلاحظ اليوم على نحو لافت ولادة وعي جديد بالشأن التربوي، والنظر إلى الجهود التربوية على أنها أشبه بالمحاولة الأساسية، والأخيرة لإنقاذ الأمة مما هي فيه، ولا يستطيع المرء إلا أن يبدي سروره حيال هذا التوجه، ولا شك في أن هذا الإدراك لأهمية التربية نابع أساساً من تحسن الوعي العام لدى الناس، وله في بعض الأحيان دوافع فرعية ذات معنى. وعلى سبيل المثال؛ فإن الحديث عن أهمية التربية، وعن الاهتمام بتنمية الشخصية وإصلاح الشأن الخاص ـ كثيراً ما يكون صدى للإحساس بخيبة الأمل من الدعوة إلى الإصلاح العام، والتنظير للمسائل الكبرى؛ حيث مضى على بدايات النهضة الجديدة ما يزيد على قرن ونصف، ولا نشعر أننا حققنا إلا جزءاً يسيراً مما كنا نطمح إليه، مما ألقى في روع الناس أن يكفوا عن الإيغال في الحديث في أمور لا يملكون أدوات التأثير في إنضاجها وتوجيهها، وهذا الشعور ليس خاطئاً إذا لم يجعل اهتمامنا بالقضايا العامة يتلاشى، مما يولّد المواقف السلبية من كل ما هو مشترك. أحياناً يشكل الاهتمام بالصغار نوعاً من الهروب؛ حيث اليأس من تحسين أوضاع الكبار. ونجد في بعض الأحيان من يصرّح بهذا. هناك ـ كما ترى ـ نشاط ثقافي ملحوظ يتمحور حول أدب الطفل وثقافته واهتماماته، وصار بعض معارض الكتب يركّز على عرض المنتجات التعليمية المخصَّصة للأطفال، باعتبار أن ناشري الكتاب قد يئسوا من فتح شهية الكبار على القراءة. وهذا شيء يؤسفني أن أقول: إنه حق وواقع. في دول كثيرة تجد المكتبات العامة خاوية على عروشها إلا من خمسة أو ستة من الفتية الذين تجمعوا حول جريدة يومية، يطالعون فيها أخبار الرياضة والرياضيين، ولو ملكوا ثمن الجريدة، ما دخلوا إلى المكتبة. هذا يعني أن مستقبل القراءة لدى الصغار قد لا يكون أفضل مما هو موجود اليوم لدى الكبار. يبدو أن أحوال الروح كثيراً ما تكون تابعة لأحوال البدن، وأن المرء حين يتقدم في السن لا يستطيع أن يحمي نفسه من كلال الروح، وتضاؤل الطموحات. إن تراجع القدرات يعني دائماً تراجعاً في الوظائف. والشعور بانكماش ما يمكن أن يقدمه الإنسان يدفع بالمرء دفعاً إلى الشعور بقلة الأهمية، وتطفله على الحياة. المشكلة ليست في أي شيء طبعي في هذا الشأن أو ذاك، وإنما المشكل في الأوهام التي ننسجها حول ذواتنا وأوضاعنا الخاصة. لا شك أن الإنسان حين يتجاوز الستين يبدأ على نحو غير شعوري بتقليل الاحتكاك بالواقع من أجل حماية ذاته من تفاعلات مزعجة، ومرهقة للجملة العصبية، وهذا يجعل فهم المتقدمين في السن للأحداث الجارية يبدي نحواً من العجز عن المواكبة، وهذا يُوجِد لدينا نوعاً من الصراع بين الأجيال؛ وكيف لا يكون ذلك والشباب يتحدثون عن الحاضر والمستقبل على حين يتحدث المسنُّون عن الماضي بأفراحه وأتراحه، ويفقد المسن فيما يفقد المرونة الذهنية؛ حيث القولبة العقلية المكتملة والبرمجة الثقافية التامة، وهذا يشكل مصدراً آخر للخلاف مع الشباب. ليس من حق الشيوخ في مجتمعاتنا أن يتوقعوا اهتماماً خاصاً بهم؛ فالأنظار متجهة إلى الشباب العاطلين عن العمل، والذين في إمكانهم أن يقدموا للحياة والأحياء شيئاً جديداً؛ ولهذا فإن على كبار السنّ أن يتعلموا كيف يساعدون أنفسهم، ولعلِّي أبدي هنا الملاحظات الآتية: ١ - يمكن القول إن لكل مرحلة من العمر مُتَعَها وعطاءاتها ومشكلاتها، وقد بعث رجل في الثمانين إلى رجل في الستين رسالة، قال فيها: «قد وجدت أن أجمل مرحلة في العمر هي ما بين الستين والثمانين، وإن لديك الآن من الحكمة والخبرة ما تستطيع من خلاله نفع نفسك وغيرك» . إن إدارة الإدراك على نحو جيد سوف تساعد الإنسان على اكتشاف نقاط القوة، ومكامن السعادة في كل فترة من فترات العمر. ٢ - من المهم للمرء قبل فوات الأوان أن يتعلم مهنة احتياطية، أو يكتسب مهارة خاصة في مجال من المجالات، يشعر أنه من خلالها يشغل نفسه حين يترك عمله الأساسي، كما يستطيع أن يحافظ من خلالها على لياقته النفسية والبدنية، كما يشعر بسببها بأن رسالته في الحياة ما زالت مستمرة. ٣ - إن كبار السن يملكون الرؤية، ومن واجبهم أن ينقلوا تلك الرؤية إلى الأجيال الأصغر سناً، وقد كان علي ﵁ يقول: «رأي الشيخ ولا رؤية الصبي» . إن من غير المفيد في كثير من الأحيان أن يطلب الشباب من الشيوخ تحليل الواقع الذي يعيشون فيه، أو إضاءة بعض نقاطه المظلمة؛ وذلك بسبب اختلاف الأدوات الفكرية بين هؤلاء وأولئك، لكنَّ هناك شيئاً مهماً للغاية يمكن للشيوخ أن يقدموه للشباب، وهو إخبارهم عن الطرق المسدودة، وحقول الممارسة الشائكة، والوسائل البالية ... إن ما يملكه الشباب من حماسة واندفاع كثيراً ما يدفعهم إلى توقع الحصول على مكاسب، وانتصارات ليس هناك أي إمكانية لتحقيقها، مما يجعلهم يركبون المركب الخشن، أو يضيعون الممكن في طلب المستحيل. إن مهمة الخبرة أن توفر الجهد والمال والوقت، وهي موجودة عند كبار السن، لا تسأل الشيخ عما يجب أن تفعله، ولكن سله عما لا ينبغي أن تفعله! ما دام كل واحد منا يرجو أن يبلِّغه الله مرحلة الشيخوخة في

стр. 5274

القسطية لا الديمقراطية أ. د. جعفر شيخ إدريس الديمقراطية هي الفتنة الجديدة التي ابتلي بها المسلمون، بل الناس عامة. وزاد من الافتتان بها أن الولايات المتحدة، ولا سيما في عهد رئيسها الحالي، جعلت نشرها من أكبر أهدافها التي تنفق في سبيلها الأموال الطائلة وتقيم الحروب الطاحنة، وجعلت الالتزام بها هو معيار تقدم الأمة واستحقاقها لصداقة الولايات المتحدة، أو هكذا ومما جعل مناقشتها مع مؤيديها والدعاة إليها والراضين بها من المسلمين أمراً صعباً أنه لم يعد لها معنى واحد عند الداعين إليها. بل صارت تشير إلى معان عدة يختار كل واحد منهم ما شاء منها، ولا يدري أن صاحبه يشير بالكلمة إلى معنى غير المعنى الذي يقصده هو. هذا الاختلاف في مفهوم الدمقراطية أمر يشكو منه كبار منظِّريها وفلاسفتها المعاصرين؛ فهذا أحدهم يقول ما ترجمته: هنالك ميل إلى وصف النظام بالديمقراطي فقط لأننا نوافق عليه. ولكننا عندما نفعل ذلك إنما نتحدث عن آرائنا لا عن النظام. ويقول: المعتقد عموماً أن «الدمقراطية» عبارة صارت تستعمل استعمالاً واسعاً جعلها كلمة غامضة، بل كلمة لا معنى لها. إن كل شكل من أشكال التنظيمات في المجال السياسي (بل وغير السياسي) أصبح يوصف بالدمقراطية أو الدمقراطي (١) . سنحاول فيما يلي مناقشة صلة الدمقراطية بالإسلام بحسب المعاني المختلفة التي يقصدها أنصارها من المسلمين؛ لأن الإنسان إنما يسأل عن المعنى الذي قصده من عبارته، حتى لو كان استعماله للعبارة خطأ. وقد أدرنا الحوار في مسائل الدمقراطية هذه بين مسلميْن يدعو أحدهما إلى نظام سياسي إسلامي خالص يسميه القِسْطِيَّة، وآخر من دعاة الدمقراطية. - يبدأ القِسْطي الحوار بقوله: دعونا نتفق أولاً على ما نعنيه بالقسطية، وما نعنيه بالدمقراطية. أما القسطية فهي كما يدل عليها لفظها الحكم بالقِسْط. والحكم بالقسط هو الحكم بما أنزل الله تعالى. وما أنزل الله يشمل الأحكام الجزئية التي تدل عليها الأدلة التفصيلية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويشمل المبادئ الأساسية التي يسميها الفقهاء بكليات الشريعة التي تقرر فيما تقرر أن كل ما حقق القسط فهو من شرع الله، فتفتح الباب واسعاً للاستفادة من كل تجربة بشرية نافعة أياً كان مصدرها. وإذا كانت القسطية هي الحكم بما أنزل الله؛ فإن الدمقراطية هي الحكم بما يراه الشعب. هذا هو معناها الذي يدل عليه لفظها، وهو المعنى المتفق عليه بين منظِّريها. حكم الشعب معناه أن الشعب صاحب السيادة العليا في المسائل التشريعية، وأنه لا سلطة فوق سلطته التشريعية، وعليه فإن كل ما حكم به فيجب أن يكون هو القانون الذي يخضع له كل مواطن من مواطني القطر الذي اختار الدمقراطية نظاماً سياسياً له. لا يمكن لإنسان يدعي الإسلام ويعرف معناه أن يؤمن بالدمقراطية بهذا المعنى؛ لأنه إيمان يتناقض تناقضاً بيناً مع أصل من أصول الإيمان التي جاء بها دينه، والتي تؤكدها كثير من آيات الكتاب وأحاديث الرسول ﷺ . من ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠] . ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا * وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١] ، ﴿إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] ، ﴿إنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] . - ماذا تعني أنت بالإسلام، وماذا تعني بالدمقراطية؟ ـ الدمقراطي: أما الإسلام فأظننا متفقون على معناه، وأما الدمقراطية؛ فأنا لا أعني بها ما ذكرت. هل تتوقع من إنسان مسلم أن يقول إن من حق الناس أن يشرعوا تشريعات لم ياذن بها الله؟ ـ ماذا تعني بها إذن؟ ـ لقد عانت الشعوب العربية كثيراً من الحكم الفردي الدكتاتوري. فالذي أريده هو أن يستبدل بهذا الحكم حكم دمقراطي يكون من حق الشعب فيه أن يختار حكامه في انتخابات حرة نزيهة، وأن يحاسبهم، وأريده ان يكون حكماً يلتزم بما يسمى بحكم القانون فلا يفرق بين الناس في المعاملة، وأن يكون حكماً يستمتع الناس فيه بحقهم في الحرية، حرية التعبير، وحرية الحركة، وحرية تكوين الأحزاب والجماعات، وأن يكون حكماً يتميز بتداول السلطة، وأن يكون حكماً شفافاً لا تحاك الأمور فيه في الظلام بل تُعرض على الناس ليقولوا فيها رأيهم. فحكم الشعب في رأيي ليس المقصود به المقابلة بين ما يراه الشعب وما يحكم به الخالق سبحانه، وإنما المقصود به حكم الشعب في مقابلة حكم الفرد. ـ الاستعمال الصحيح للكلمات هو أن يقصد بها المعنى المتفق عليه بين مستعمليها، ولا سيما المختصين منهم بالأمر. فاستعمالك لكلمة الدمقراطية بهذا المعنى المحدود هو استعمال غالط؛ لأنه إذا كانت الدمقراطية هي حكم الشعب، لزم عن ذلك منطقاً أن كل ما ليس بحكم للشعب فليس بحكم دمقراطي، سواء كان الحاكم به فرداً أو مجموعة من الأفراد، وحتى لو كان هو الخالق سبحانه. لكنني تمشياً مع المبدأ الذي ذكرته ساناقشك في الدمقراطية بحسب فهمك الغالط هذا لها، فاقول لك: إن كل هذا الذي ذكرته هو من مبادئ الحكم التي اختارها الغربيون، فصارت الدمقراطية في نظرك ليست حكم الشعب، ومنهم شعب بلدك، وإنما هي حكم الشعب الأمريكي أو الإنجليزي. لقد تداول مفكرو الشعب الأمريكي وممثلوه مثلاً الرأي في نوع الحكم الذي يرونه صالحاً لبلادهم، وتأثروا في اختيار ما اختاروه بكبار الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين، كما تأثروا بتاريخهم وقيمهم الدينية وغير الدينية، ثم اتفقوا بأغلبيتهم على وضع دستور يضمن تلك المبادئ. أما أنت فلا تريد لأمتك أن تفكر كما فكروا، بل تريد لها أن تكون أمة مقلدة تأخذ ما توصل إليه اولئك الأصلاء وتطبقه على بلدك مهما كان الاختلاف بينكم وبينهم. ـ أنا لا أقول بما قلتُ؛ لأن الغربيين قالوا به، وإنما أقول به لأن تلك المبادئ الدمقراطية التي ذكرتها مبادئ إنسانية تصلح لكل البشر في كل زمان ومكان. ـ هذا أولاً ليس بصحيح؛ فقد كان معظم المفكرين الغربيين ضدها، ولم تلقَ هذا القبول والشعبية إلا بعد الحرب العالمية الثانية؛ فهل تقول: إن الناس لم يكتشفوا شيئاً هو من لوازم بشريتهم إلا قبل من مئة عام؟ ثم إن المبادئ التي ذكرتها ليست من لوازم الدمقراطية بمعنى حكم الشعب، وليست من المتفق عليه بين كل الشعوب التي اخذت بالنظام الدمقراطي. ـ هل تتكرم بذكر أمثلة لما ترى أنه ليس من لوازم الدمقراطية؟ ـ قد تستغرب إذا قلت لك إن النظام الحزبي ليس من لوازم الدمقراطية، وأن بعض من يسميهم الأمريكان بالآباء الذين صاغوا دستورهم كانوا ضدها وكانوا يعدُّونها مما يُذْكي الخلاف بين الناس ومما يؤدي إلى الفساد. ولذلك لا تجد لها ذكراً في دستورهم. وقد يزيد استغرابك إذا قلت لك إنه حتى الانتخابات ليست من لوازم الدمقراطية. إن كل ما تتطلبه الدمقراطية هو أن يختار الناس من يحكمهم. أما أن يكون الاختيار بهذه الطريقة المعينة؛ فليس من لوازم الدمقراطية. ـ كيف يكون الاختيار إذن؟ ـ لقد كان الأثينيون يختارون المسؤولين بالاقتراع. ويرى بعض المفكرين الماركسيين اليوم أن طريقة الاقتراع أقرب إلى فكرة الدمقراطية التي تساوي بين الناس وتفترض أن كل واحد منهم من حقه أن يكون حاكماً، وهم يرون أن الانتخابات لا تحقق هذه المساواة؛ لأنها تفتح الباب لتأثير المال وتأثير الإعلام والدعايات، ويستدلون على عدم المساواة هذه بالنسبة الكبيرة للرجال في مقابل النساء، وبالنسبة الكبيرة لمن له مال، أو لمن تخرَّج في الجامعات في مقابل طبقات العمال والمزارعين والعامة. ولو كنت ممن يؤمن بالدمقراطية لاتفقت معهم. ـ ننتقل إلى موضوع آخر. ألا ترى في الدمقراطية ما يتوافق مع الإسلام؟ ـ بلى فيها الكثير مما يتوافق مع الإسلام. ـ فلماذا إذن لا نقول إن الدمقراطية التي نريدها هي هذه المبادئ الدمقراطية التي تتوافق مع ديننا؟ ـ لأنني لا أريد أن أنسب إلى الدمقراطية فضلاً ليس لها. فإذا كان ديني هو السابق إلى تلك المبادئ الحسنة؛ فلماذا أنسبها إلى الدمقراطية؟ ـ تنسبها إليها فقط؛ لأنها تتوافق معها. ـ إن في النصرانية واليهودية الكثير مما يتوافق مع الإسلام مما هو أهم من تلك المبادئ السياسية التي ذكرنها، فهل نقول إن الإسلام نصراني أو يهودي؟ ـ هل تعني ان علينا أن لا نستفيد من تجارب غيرنا، وأن نغلق الباب دون كل فكر حديث وتجربة حديثة؟ ـ أنا لم أقل هذا، بل قلت لك: إن مثل هذه الاستفادة هي من لوازم الحكم بالقسط. لكنَّ هنالك فرقاً بين أن ألتزم بديني، ثم أستفيد من تجارب الآخرين فأضع كل جزئية استفدتها في إطاري الإسلامي، وبين أن أستبدل بإطاري الإسلامي إطاراً آخر، ثم أضع فيه ما يناسبه مما هو في ديني. وهذا الأخير هو ما تدعونا إليه أنتم معاشر الداعين إلى الدمقراطية. ـ نسيت أن أسألك: ما المبادئ الدمقراطية التي ترى انها تتوافق مع الإسلام؟ ـ منها: مبدأ حق الأمة في اختيار حكامها؛ فيكفيك فيه هذه القصة التي أوردها الإمام البخاري في صحيحه والتي سنجتزئ كلمات منها لضيق المجال. قال عبد الرحمن بن عوف لابن عباس وهم في منى: «لو رأيت رجلاً أتى أميرَ المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين! هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً؟ ... ... فغضب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشيةَ في الناس فمحذرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم (١) . .. ... .... ... ... من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّة (٢) أن يُقْتَلا» (٣) . ومنها المبدأ المسمى بحكم القانون، فيكفيك فيه قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] . وقول الرسول ﷺ : «يا أيها الناس! إنما ضل مَنْ كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» (١) . ومنها مبدا الإباحة الذي يسمى الآن بالحرية؛ فإن المبدأ الإسلامي يقول: إن الأصل في الأشياء الدنيوية هو الإباحة. فالإنسان يتحرك ويتكلم، ويأكل ويشرب، ويبيع ويشتري حتى يقول له الدين: لا تفعل كذا أو كذا. وإذا كان الإسلام قد جعل الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ أعظم مهمة يقوم بها بشر، وإذا كان قد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الصفات المميزة للمسلم؛ فكيف لا يبيح له أن يعبر عن نفسه؟ لكنها حرية في إطار القِيَم والأحكام الإسلامية كما أن الحرية في البلاد الغربية الدمقراطية هي في إطار قيمهم وقوانينهم. ومنها ما صار يسمى بالشفافية. هل رأيت دليلاً عليها أصدق من أننا ما نزال نعرف كل ما دار من كلام بين المسلمين في الشؤون العامة في عهد النبي ﷺ وفي عهد خلفائه الراشدين، بل نعرف كثيراً مما دار حتى بعد تلك العهود؟ ألسنا نعرف ما دار في اجتماع المسلمين لاختيار خليفة للرسول ﷺ ؟ ألسنا نعرف ما دار بينهم في أمر قتال المرتدين؟ ألسنا نعرف كيفية اختيارهم للخليفة الراشد عثمان ﵁؟ ـ إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا تخلَّف المسلمون في عصورنا هذه في هذه الأمور؟ ولماذا عمت بلادهم إلا قليلاً الحكومات الاستبدادية؟ ـ هذه قصة طويلة لعلنا نناقشها في مناسبة أخرى. أما الآن فيكفي أن أذكِّركم بأن الدين إنما هو هداية وتوجيه، وأوامر ونواه؛ فليس فيه هو نفسه ما يجبر الناس على تطبيق ما يؤمرون به. فإذا كان هنالك من خطأ فهو في الناس وليس في دين الله. ثم إذا كان الناس لم يلتزموا بهذه المبادئ وهم يعلمون أنها من دين الله؛ فهل تظن أنهم سيلتزمون بها لأنها أتتهم من الغرب؟ إنه لا بد من عمل لإصلاح الأمة لتتقبل هذه المبادئ وتضحي في سبيلها. ـ نحن ندعو إلى الدمقراطية؛ لأن فيها من الآليات ما يحول دون هذا الانحراف؟ ـ كلاَّ، ليس فيها شيء مما تتوهم، بل إن مفكريها يعترفون بأن النظم لا تصلح إلا بصلاح الأمم. وما يقال عن الإسلام يقال أسوأ منه عن الدمقراطية؛ فليس فيها ما يجبر الناس على الالتزام بكل مقتضياتها، ولذلك فإن أسوأ دكتاتور عرفه الغرب إنما جاء بانتخابات حرة، أعني هتلر، كما أن كثيراً من الحكومات المنتخبة كانت حكومات فاسدة. بل إن أكبر القرارات والسياسات الظالمة كانت في عصرنا هذا نتيجة قرارات دمقراطية لا شك في دمقراطيتها. فاستعمار الغربيين لكثير من بلدان العالم بما فيها البلدان الإسلامية كان نتيجة قرارات دمقراطية، وغزو أفغانستان ثم العراق وقتل الآلاف المؤلفة من الأبرياء وتخريب البلاد كان نتيجة قرارات دمقراطية لا يرتاب أحد في دمقراطيتها. فإذا كان ما حدث في العالم الإسلامي إنما يعزى إلى البشر لا إلى الدين؛ فإن كثيراً مما حدث في البلاد الغربية إنما كان شيئاً يأذن به المبدأ السياسي الذي يدينون به. ـ كل هذا صحيح لا يماري فيه منصف. لكن أظنك تسلِّم معي بأنَّ هنالك شيئاً يُعزى إلى الدين نفسه. ـ ما هو؟ ـ إن الإسلام يقر مبدأ اختيار الأمة لحاكمها، ولكنه لم يلزم المسلمين بطريقة معينة لاختيار الحاكم. ـ وكذلك الامر في الدمقراطية. إنها إنما تقول إن الحكم للشعب، وهذا يقتضي أن يكون الشعب هو الذي يختار حكامه. لكن ليس فيها ما يقول إن الحكام أو النواب يجب أن يُختاروا بالطريقة الفلانية. ولذلك فإنهم يختلفون في ما ينهجون من وسائل لاختيار حكامهم. ـ لكنها كلها تقوم على مبدأ الانتخابات. ـ نعم لكن هذه هي الطريقة التي رأى الغربيون أنها مناسبة لهم في عصرهم هذا وفي ظروفهم هذه، وليست الطريقة التي تلزمهم بها الدمقراطية. والمسلمون يستطيعون أن يختاروا لأنفسهم من الوسائل ما يحقق مبدأ اختيارهم لحكامهم ذاكرين أن الحاكم في الإسلام إنما يُختار ليحكم بما أنزل الله لا برأي من انتخبوه، ملتزمين في ذلك بمبدأ الشورى كما أشار إلى ذلك الإمام ابن حجر في في كلمته التي نقلناها آنفاً. إن عدم تحديد الإسلام للطريقة التي يُختار بها الحاكم هي من محاسنه لا من نواقصه؛ لأن هذه الطرق تتأثر بالظروف والملابسات التي تتغير بتغير الزمان والمكان. ولذلك فإن الغربيين حتى مع اتفاقهم على مبدأ الانتخابات وجدوا أن للانتخابات صوراً شتى تختلف نتائج كل واحدة منها عن الأخرى، ولذلك اختلفوا في ما يتبنون منها. ولا داعي للدخول في تفاصيلها؛ فهي أمور معروفة.

стр. 5275

سندات الاستثمار ما هيتها وحكمها د. وليد بن محمد الشباني «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] » (١) هذا توجيه من نبينا محمد ﷺ ، للمؤمنين بأن يتقوا الله فيما يأكلون وما ينفقون؛ فالله ﵎ طيب مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها، ولا يقبل من الصدقات إلا ما كان حلالاً، ولا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلها كالرياء والعُجْب وغيرها. فالطيب يوصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات؛ فكل هذه الأمور تنقسم إلى طيب وخبيث؛ ولذلك يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] ، وكذلك المؤمن كله طيب: قلبه ولسانه وجسده بما يسكن في قلبه من الإيمان، وبما يظهر على لسانه من الذكر وعلى جوارحه من الأعمال الصالحات. وطيب الأعمال للمؤمن لا تكون إلا ممن طيب مطعمه، ولا يكون ذلك إلا من كسب حلال؛ فبذلك يزكو عمله. وبالمقابل فإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله. ولذلك أشار الله ﵎ لهذه الحقيقة في محكم التنزيل ولم يفرق بين الرسل والمؤمنين؛ فقد أمر المرسلين بأكل الطيبات وربطها بالعمل الصالح، فلا يُهدى المرء للإكثار من الأعمال الصالحات والمداومة عليها إلا بتحري الحلال في الكسب. وبالمثل أمر الله المؤمنين بأكل الطيبات ومن أنها لازم العبودية. وقد دلل النبي ﷺ على ذلك بذكره الرجل «يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا ربُّ! يا ربُّ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنَّى يستجاب له؟» (٢) فهذا الرجل قد اجتمعت فيه أسباب كثيرة لإجابة الدعاء وقبوله، منها إطالة السفر، وظهور الفاقة، ومد اليدين إلى السماء والإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، ومع ذلك لم يستجب له ربنا القائل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] بسبب التساهل في المطاعم والمشارب واللباس وعدم تحري الحلال فيها. قال أبو عبد الله الباجي الزاهد ـ رحمه الله تعالى ـ: «خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة الله ، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال؛ فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل» . وقد أخبر نبينا ﷺ أن فتنة هذه الأمة بالمال (٣) ، وقد ظهر كثير من وسائل استثمار المال وتنميته مما هو داخل إما في الربا المحرم أو البيوع الفاسدة مما يجب على علماء الأمة والناصحين لها التحذير منها والأخذ على يد المروجين لها والداعين إليها. ولعل من أظهرها شراً وأصرحها حرمة ما فعلته بعض شركات المساهمة في بلادنا وبعض البنوك التجارية من إصدارها للسندات بحجة زيادة السيولة لديها وتمويل مشاريعها الرأسمالية. ولعله من المناسب أن نتطرق إلى توضيح ماهية السندات المراد الاستثمار فيها، وما حُكمها، وما هو أثرها، وما هي البدائل المتوفرة عنها؟ فالسندات كما عرفها الخياط في كتابه «الأسهم والسندات» هي صكوك قابلة للتداول، تُصدرها الشركات أو المؤسسات، وتمثل قرضاً طويل الأجل يعقد عادة عن طريق الاكتتاب العام. فالسند هو الوثيقة المضمونة التي تمثل قرضاً طويل الأجل تصدره الشركة، وتكفل لحامله فائدة معينة دورية (عادة) ثم تعيد الشركة المصدرة لسند رأس مال المُقرِض في نهاية تاريخ الاستحقاق. والسندات كالأسهم من حيث خصائصها العامة؛ فهي متساوية القيمة، ولها قيمة اسمية، وقابلة للتداول، ولا تقبل التجزئة في مواجهة الشركة أو المؤسسة (١) ، ولكن السند يختلف عن السهم في أنه يمثل دَيْناً على الشركة، ويعطي مالكه حقاً في فائدة معينة سواء ربحت الشركة أم خسرت، وليس لحامل السند الحق في التصويت في الجمعية العمومية أو الادارة أو الرقابة، وعند تصفية الشركة يكون لمالك السند الأولوية في الحصول على قيمة السند، وتنقطع صلة مالك السند بالشركة حال وفاء الشركة لقيمته. وللسندات أنواع متعددة لعل من أشهرها السند العادي ذا الاستحقاق الثابت الصادر بسعر الإصدار، وهو السند الذي يصدر بالقيمة المسجلة على صك السند، وهي نفس القيمة التي يتم وفاؤها في تاريخ نهاية الاستحقاق مع حصول مالك السند على مقدار من العائد معين ودوري خلال عمر السند؛ إضافة إلى القيمة المسجلة على صك السند عند استحقاقه. وقد يكون هذا السند مضموناً بضمانات معينة كرهن رسمي على عقارات وأصول الشركة. كذلك من أنواع السندات ما يتم إصداره بحسم إصدار، وهو السند الذي يكون مسجلاً على ظهره قيمة معينة تستحق الوفاء في تاريخ الاستحقاق؛ بحيث إن النقدية المستلمة من شاري السند تكون أقل من القيمة الاسمية الظاهرة على صك السند. كذلك هناك سندات قابلة للاستدعاء وهي السندات التي تحوي شرطاً يخوّل مصدِّرَها الحقَّ في استدعاء السندات التي تحوي هذا الشرط لإطفائها (أي إنهاء الالتزام) بسعر محدد في خلال فترة محددة. كذلك هناك سندات قابلة للتحويل، وهي السندات التي تعطي لصاحبها الحق، ضمن مدة معينة، تحويل سنداته إلى أسهم أو أي نوع آخر من أنواع الأوراق التجارية. وتجدر الإشارة إلى أن جميع تلك الأنواع بدون استثناء تعطي لمالكها الحق في مقدار معين من المال بالإضافة إلى أصل قيمة السند. هذا المقدار من المال قد يكون مقداراً ثابتاً دورياً كنسبة من القيمة الاسمية للسند، أو قد يكون مقداراً متغيراً مربوطاً بسعر الفائدة السائد في السوق، فيكون مقدار الحق الزائد عن أصل الدين دورياً متغيراً كنسبة من سعر السوق السائد، كما قد يكون هذا الحق مبلغاً مقطوعاً قد تم خصمه من القيمة الاسمية لأصل السند؛ بحيث تم استلام مبلغ القرض بقيمة أقل من القيمة الاسمية للقرض؛ مع الالتزام بتسديد القيمة الاسمية للسند في تاريخ الاستحقاق. فالسندات جميعها تسدد للمقرض مبلغاً زائداً عن أصل الدين: إما في شكل دفعات دورية، أو بشكل مبلغ مقطوع. ولقد افتى جمع من العلماء المعاصرين بعدم جواز التعامل بالسندات ومن هؤلاء الشيخ محمود شلتوت، والدكتور محمد يوسف موسى، والدكتور محمد عثمان شبير، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور عبد العزيز الخياط، والدكتور علي السالوس، وغيرهم كثير. واستدلوا على حكمهم بأدلة كثيرة لعل من أوضحها قولهم إن السند قرض على الشركة أو المؤسسة التي أصدرته لأجل بفائدة مشروطة ومعينة؛ فهو من ربا النسيئة؛ فكل قرض جر نفعاً فهو ربا. وهذا القرض من خلال آلية السندات هو صورة من صور ودائع البنوك التي تحسب له فوائد؛ حيث يتم استثماره بعد تملكه مع ضمان رد المثل وزيادة. وهذا هو القرض الربوي الذي كان شائعاً في الجاهلية وحرمه علماء المسلمين في القديم والحديث بالكتاب والسنة. فهذه السندات قد اجتمع فيها عناصر ربا النسيئة الثلاث وهي: الديْن، والأجل، وزيادة مشروطة في الديْن مقابل الأجل (٢) . وقد صدر من المجمع الفقهي حول السندات قرار رقم (٦٢/١١/٦) ، وهذا نصه (٣) : إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ - ٢٣ شعبان ١٤١٠هـ، الموافق ١٤ - ٢٠ آذار / مارس ١٩٩٠م بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات والنتائج المقدمة في ندوة (الأسواق المالية) المنعقدة في الرباط ٢٠ - ٢٤ ربيع الثاني ١٤١٠هـ / ٢٠- ٢٤ /١٠/ ١٩٨٩م بالتعاون بين المجمع والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، وباستضافة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية. وبعد الاطلاع على أن السند شهادة يلتزم المصدِّر بموجبها أن يدفع لحاملها القيمة الاسمية عند الاستحقاق، مع فائدة متفق عليها منسوبة إلى القيمة الاسمية للسند، أو ترتيب نفع مشروط سواء أكان جوائز بالقرعة أم مبلغاً مقطوعاً أم خصماً قرر ما يلي: ١ ـ أن السندات التي تمثل التزاماً بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعاً من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول؛ لأنها قروض ربوية سواء أكانت الجهة المصدِّرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكاً استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحاً أو ريعاً أو عمولة أو عائداً. ٢ ـ تحرم أيضاً السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضاً يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية، ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها خصماً لهذه السندات. ٣ ـ كما تحرم أيضاً السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضاً اشتُرط فيها نفعٌ أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين، أو لبعضهم لا على التعيين، فضلاً عن شبهة القمار. ٤ ـ من البدائل للسندات المحرمة - إصداراً أو شراء أو تداولاً - السندات أو الصكوك القائمة على أساس المضاربة لمشروع أو نشاط استثماري معين؛ بحيث لا يكون لمالكها فائدة أو نفع مقطوع، وإنما تكون لهم نسبة من ربح هذا المشروع بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك، ولا ينالون هذا الربح إلا اذا تحقق فعلاً. ويمكن الاستفادة في هذه الصيغة التي تم اعتمادها بالقرار (٥) للدورة الرابعة لهذا المجمع بشأن سندات المقارضة. ولعل من المناسب ذكر بعض آثار وأضرار التعامل بالسندات كما قرر ذلك المختصون. فمن أقبح أضرار إصدار السندات وتداولها بيعاً وشراءً المجاهرة بالمعصية وعدم الاستتار بها. فمن يسعى في إصدارها والإعلان عنها في وسائل الإعلام المختلفة، ومن يسعى في تداولها والاستثمار فيها، هو مجاهر بالمعصية معلن لها داعم لاستمرارها، وقد قال النبي ﷺ : «كل أمتي معافى إلا المجاهرون» (١) ؛ فمن خلال طرح السندات في الأسواق المالية للمسلمين، يتم المجاهرة بكبيرة من كبائر الذنوب، وتجد من المسلمين من يسعى لتأصيلها والدفاع عنها، وهذا ما لا يجب أن يكون. فمُصدِر السندات والساعي في نشرها وبائعها ومبتاعها كلهم داخلون في لعنة الله وسخطه، وكفى بقول جار بن عبد الله ﵁ شاهداً لذلك حيث يقول: «لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال هم سواء» (٢) . فالواجب على أبناء المسلمين مجاهدة هذه الكبيرة والدعوة لمقاطعة استثمارات تلك الشركات مُصدِرَة السندات وفضح عُوارهم، والسعي لنشر البدائل المباحة لأدواتهم المالية. كذلك فإن في إصدار السندات والتعامل بها بيعاً وشراءً إضعافاً لمعنى الألوهية في قلوب العامة. فكما هو معلوم أن الحكم لله، وأن شريعته هي الحاكمة في واقع المسلمين. وما كلمة: «لا إله الا الله» والإقرار بها إلا العمل على وفق أمرالله بحسب الوسع والطاقة. فمن أصدر السندات أو من تداولها بيعاً وشراءً، وهو عالم بحقيقتها، إنما هو متبع لهواه، محاربٌ لله وحُكمِه. يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] . كذلك فإن التضخم من أخطر الظواهر الناتجة عن ممارسة الإقراض بفائدة ربوية؛ فالتضخم هو الارتفاع العام والمستمر في أسعار السلع والخدمات بسبب أن السوق لا تلبي جميع طلبات المستهلكين. ففي فترات التضخم تقل قوة النقود الشرائية وتزيد أسعار السلع والخدمات، حيث لا تستطيع كمية معينة من النقود أن تشتري ما كانت قادرة على شرائه في الماضي. كذلك في فترات التضخم عوائد الاستثمار الناتجة عن المشاريع الإنتاجية تكون أقل مقارنة بمثيلاتها في الماضي، فالتضخم يأكل تلك العوائد ويقلل حقيقتها. فارتفاع أسعار الفائدة بشكل عام يقلل من حجم الاسثمار مما يخفض الناتج القومي والعمالة، بينما انخفاض سعر الفائدة يؤدي إلى زيادة الاستثمارات ومن ثم الناتج القومي والعمالة. ولذلك يقول البروفيسور جوتفر هابرلر G. Haberler ـ أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفرد الأمريكية - في كتابه (الانتعاش والكساد) : «إن السياسة النقدية يجب أن تتجه دوماً إلى تخفيض سعر الفائدة، وإن المجتمع النامي بصورة مثالية سيصل إلى حالة تصبح فيها الفائدة صفراً» . وكما هو معلوم فإن هناك علاقة ارتباط وتأثير متبادل بين سعر الفائدة الذي تتحكم به السلطات النقدية وسعر الفائدة الذي يتعامل به الممولون في القطاع الخاص. فالسياسات الاقتصادية السليمة في نُظُم الاقتصاد الحر يجب أن تسعى لإلغاء الفائدة على القروض واستبدالها ببدائل أخرى تدعم الاقتصاد وتقويه، وتسعى إلى تحفيز الاستثمار فيه. ولذلك يعد من أسباب التضخم التعامل بالمعاملات الربوية والتي منها السندات. فالسندات يصدرها صاحب المشروع للحصول على التمويل اللازم لعملياته الإنتاجية، ويلتزم بالوفاء بأصل الدين مع الفوائد الربوية المصاحبة. فإصدار السندات يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج؛ ومن ثَمَّ تنعكس بشكل زيادة في أسعار السلع والخدمات؛ حيث إن ارتفاع سعر الفائدة (الذي يمثل العائد على رأس المال المستخدم في العملية الإنتاجية في الاقتصاد الغربي يتم تمريره إلى المستهلك وتحميله إياها من خلال زيادة أسعار السلع والخدمات زيادة لا تُقابلها زيادة حقيقية في معدل الإنتاج مما يؤدي بدوره إلى الزيادة في المستوى العام للأسعار السائدة) (١) (التضخم) . كذلك فإن ارتفاع التكاليف بسبب الفوائد الربوية يؤدي إلى عدم تشجيع أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار، بل الاكتفاء بالعوائد غير الإنتاجية مما يساهم في ركود الحركة التصنيعية والبنائية في المجتمع. وإن من العجيب أن ترى بعض أبناء المسلمين وقد ولاَّهم الله أموال المسلمين وائتمنهم الناس على إدارتها من خلال الشركات العاملة في بلاد الإسلام والتي يراد من إنشائها بناء الأوطان بناءً يُرضي الله ورسوله ﷺ ، تراهم قد دعوا الناس للاكتتاب في ما فيه محاربةٌ لله ولرسوله ﷺ ، فتراهم يدعون الناس للاكتتاب في السندات التي هي ربا الجاهلية التي قال الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] . ثم يأتي أناس من المسلمين يَدعُون أبناء المسلمين للدخول في حرب مع الله ورسوله ﷺ . فكيف يُتَصور أن يكتب الله لتلك الشركات التي تحارب الله ورسوله بإصدارها للسندات الربوية النجاح والفلاح مع وعيد الله بالحرب، هذه الحرب التي هي من الله للمؤمنين عند عدم تقواهم لله وتركهم الربا. وكيف يُتَصور أن يحصل المكتتبون في تلك السندات والمتعاملون بها بيعاً وشراءً على البركة في الرزق والصحة في البدن والسلامة في المعاش وهم مُحَارَبُون من الله ورسوله ﷺ . كذلك فإن البركات والطيبات من الرزق تتناقص وتنقطع عند التعامل بالربا من خلال بيع وشراء السندات وما شابهها من وسائل الربا وأدواته؛ فالله ـ تعالى ـ يقول ـ ومن أصدق من الله قيلاً ومن أصدق من الله حديثاً ـ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] . والحمد لله الذي أكمل الدين، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس؛ فلا تجد باباً للحرام إلا وقد فتح الله بدله أبواب الحلال. فالبدائل الشرعية للسندات قد تكلم فيها الكثير من علماء المسلمين المعاصرين، ومن هؤلاء الدكتور محمد عثمان شبير، والدكتور عبد اللطيف عبد الله الوابل، والدكتور محمد علي القري بن عيد، وغيرهم كثير. ومن هذه البدائل الشرعية ما قرره مجمع الفقه الاسلامي في دورةِ مؤتمره الرابع بجدة من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ الموافق ٦ - ١١/٢/١٩٨٨م بشأن سندات المقارضة وهي أداة استثمارية تقوم على تجزئة رأس المال القراض (المضاربة) بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة على أساس وحدات متساوية القيمة ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصاً شائعة في رأس مال المضاربة، وما يتحول إليه بنسبة ملكية كل منهم فيه. وقد أجاز المجمع الفقهي تلك الصيغة عند توافر عناصر معينة حددها في فتواه، وليس المجال مجال تفصيل وشرح لها، ومن أراد المزيد عليه الرجوع للفتوى المذكورة. كذلك من البدائل المطروحة ما ذكره الدكتور محمد علي القري بن عيد في بحثه المنشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي في العدد الحادي عشر، الجزء الأول؛ حيث طرح ما أسماه صكوك المشاركة «التي تقوم فكرتها الأساسية على إصدار الشركة عند حاجتها إلى المال لصكوك لا تختلف في طبيعتها عن الأسهم بما فيها التداول في أسواق المال، ويتمتع حملتها بكل حقوق المساهم، ويأخذ من الأرباح نصيباً لا يختلف عن أنصباء من يملك من حَمَلَة الأسهم مثل حصته من الشركة، ما عدا أن حامل الصك يتنازل عن حقه في التصويت في الجمعية العمومية وتلتزم الشركة بإعادة شراء هذه الصكوك بعد فترة محددة» (٢) . ومن الأدوات المالية البديلة للسندات الربوية شهادات التأجير وشهادات الاستثمار الإسلامية التي استحدثها البنك الإسلامي للتنمية مع البنوك الإسلامية القائمة. أخيراً: أقول لكل من ولاَّه الله أمراً من أمور المسلمين أن يتقي الله في عمله، وأن ينصح لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن يسعي بكل ما يستطيع للعمل وفق ما فيه مرضاة لله تعالى، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] . والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 5276

من للأقصى ؟! د. محمد إياد العكاري أَننعي الحالَ نستفُّ التُّرابا ونلقى الخطبَ بالصَّبرِ احتسابا؟ أننأى والدَّواهي سافراتٌ وبُحَّ الطُّهرُ في الأقصى خِطابا؟ أنلهو والمنايا شاخصاتٌ ولا مرأى سوى الجُلَّى مُصابا؟ أنغفو والشَّراذم في نفيرٍ بساح القدس والمسرى انتهابا؟ ونَنْشُدُ للسَّلام لنا دروباً ونتبعُ في الحياة سدىً سَرابا؟ كفانا خِدعةً وكفى جُنُوحاً وواقعنا على النَّطعِ استتابا! ونقعُ الذُّل بات شراب قومي وزَقُّومُ السَّلام لهم رِغابا وباتَ الحالُ مذموماً بئيساً تخلَّينا وجافينا الكتابا فأين الهديُ؟ أين مضى وولَّى؟ وأين سناه لا يلقى جوابا؟ أغُمَّ الفكرُ والأبصارُ عُميٌ؟ كأنَّ العقل قد فقدَ الصَّوابا وأُمَّتُنا بلا ربَّانَ تمضي رؤوسُ القوم في الجُلَّى غيابا ولا أصداءَ في النَّكباتِ حِسّاً ولا استنفارَ حينَ الخطبُ قابا فلا نلقى سوى الغربان سُوداً نعيقُ البُومِ قد ملأَ الرِّحابا وأرضُ الطُّهر للقطعانِ مرعى وأقصانا غدا لهمُ احتطابا تنادوْا واستعدوا دونَ خوفٍ.. وشاعَ القتلُ والحالُ اغتصابا وكُبِّلَ بالعهودِ وفودُ قومي ولستَ ترى عَتاداً أو حِرابا وهرولَ جمعُهم والحال يُرثى مضوا يرجونَ في الغربِ الثَّوابا فمن للجامعِ المحزونِ نلقى؟! ومن للمسجدِ الأقصى طِلابا؟! ومن للقدسِ تفديها نحورٌ؟ ونبضُ الرُّوحِ نجعلهُ قِِرابا فعوداً للعقيدةِ شمسُ عزٍّ تُنيرُ الدَّربَ تُنجِدُهُ إِهابا فنيلُ الحقِّ بالعزماتِ بذلاً وليس السِّلمُ يا قومي استلابا ولا استسلامَ فالأقصى عزيزٌ ولا تفريطَ مهما القِسطُ غابا سيمضي للنَّفيرِ كرامُ قومي لنلقاهم بها أُسْداً غِضابا ونشهدُ نصرة القصى خميساً فجندُ الحقِّ كالشَّمس التهابا

стр. 5277

الأقصى وغزة .. والانتفاضة الثالثة د. عبد العزيز كامل بدا متناقضاً ومربكاً، مشهد الاختلاف والتباعد بين موقف رمز الهمجية الدموية شارون، ومواقف أفراخه من المستوطنين المتدينين في الآونة الأخيرة؛ فبينما يصر شارون على المضي في مشروعه للانسحاب من غزة وتفكيك المستوطنات فيها، يواصل المستوطنون المتشددون معارضتهم لهذا الانسحاب وذلك التفكيك، مزايدين على زعيم الإجرام في إجرامه، إلى الحد الذي دفعهم إلى التهديد باقتحام المسجد الأقصى لمنع هذا الانسحاب، فما هي القصة؟ وما الذي تخفيه هذه المواقف المتعارضة؟ وإلى أي حدٍ يمكن أن تنتهي المنافسة بين الفريقين فيما يسمونه: - شارون وما وراء الانسحاب: من المعروف أن غزة مثلت كابوساً مؤرقاً للحكومات الإسرائيلية، منذ الاستيلاء عليها من الإدارة المصرية بعد حرب النكسة عام ١٩٦٧م، فقد ظلت عبئاً على المحتل الذي لم يتمكن لشدة كثافتها السكانية من تأمين وجود يهودي كبير فيها مقارنة بالضفة الغربية، مع اضطرار إدارة الاحتلال لتولي أعباء الخدمات السكانية والأمنية في البلدة، وقد زاد انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى منها عام ١٩٨٧م اليهود غيظاً على غيظ، حتى إن الهالك إسحاق رابين، اشتهر عنه أنه قال: «أريد أن أستيقظ يوماً فأرى غزة وقد غرقت في البحر» ! وقد ترجم هذا الغيظ بالتعامل الفظ مع «أطفال الحجارة» الذين انطلقت بهم تلك الانتفاضة، فأمر باتباع سياسة «تكسير العظام» مع من يقبض عليه منهم، ولكن استعصاء غزة انتقل بعد رابين إلى النتن بنيامين الذي تلقى نصحاً مباشراً من أبرز زعماء اليهود في أمريكا (الذين تسموا فيما بعد بالمحافظين الجدد) بأن يطبق خطة (الانفصال التام) بين الأراضي (الإسرائيلية) والأراضي الفلسطينية، ولم يجد باراك بعد نتنياهو حلاً للمشكلة، حتى جاء شارون، فأعلن في المؤتمر الصهيوني في ١٨/١٢/٢٠٠٣م أن لديه خطة للانسحاب الأحادي من غزة، من دون تنسيق مع الفلسطينيين، على أن يكون هذا الانسحاب مع نهاية عام ٢٠٠٥م، بحيث تبدأ حكومته في تفكيك ٢١ مستعمرة في غزة على أربع مراحل، مع تعويض المغتصبين من المستوطنين بمبلغ ٣٠٠ ألف دولار لكل أسرة، في حالة تنازلها (طواعية) عن سكنها الممنوح لها في الأرض المغتصبة، أما إذا لم تتنازل (طواعية) فستكون التعويضات أقل!! وقد جاء إعلان شارون عن خطته بعد أن أرغمت الانتفاضة الثانية أنفه، حتى أيس من إجبارها على التسليم بالهزيمة بالرغم من سياسات الإجرام والتنكيل المتعدد الوسائل ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وهو ما عايشه العالم ورآه على الهواء مباشرة طوال الأعوام الثلاثة الماضية. لكن شارون المتترس بالدبابات والطائرات والمصفحات، لم يوهن عزم الشرفاء العزل في الانتفاضة الثانية، حيث كبدوا الإسرائيليين من القتلى خسائر لم يكونوا يتوقعونها على المستوى البشري والاقتصادي والأمني، وقد كانت حيلة شارون لمواجهة ذلك أن اجتاح الضفة الغربية اجتياحاً شاملاً، إلا أنه لم يستطع أن يفعل ذلك مع غزة، وخاصة أن الحرب الأمريكية على العراق، تطلبت ضغطاً أمريكياً عليه بألاَّ يزيد من اشتعال المنطقة بحرب أخرى تربك الخطط الأمريكية. لم يعد أمام شارون إلا أن يلتف على الهزيمة ويحاول تحويلها إلى نصر، مثلما فعل أثناء حرب رمضان/أكتوبر ١٩٧٣ فيما عُرف بـ (ثغرة الدفرسوار) عندما التف بقواته حول الجيش المصري الذي دخل سيناء، فغيَّر مجرى الحرب وادعى الإسرائليون النصر. أما (الثغرة) التي يريد الآن أن يُخرج بها صورته من إطار الهزيمة؛ فهي أن ينسحب من غزة تاركاً بذلك كتلة من المشكلات في وجه السلطة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية وبعض الأنظمة العربية، وبخاصة مصر والأردن ـ على ما سيأتي ـ إضافة إلى تحويل هذا الانسحاب إلى مفتاح لحل العديد من المشكلات التي تواجهها حكومته داخلياً وخارجياً، وقبل استعراض تفاصيل ذلك؛ من المهم أن نشير هنا إلى أن انسحاب شارون المزمع من غزة، لا يعني أنه ومن يمثله من اليهود قد تنازلوا عن (حق) دولة اليهود في تلك المنطقة من «أرض إسرائيل» المزعومة، لا ... ؛ فاليهود مجمعون على أن كل أرض فلسطين، بل كل ما حولها من النيل إلى الفرات، هو حق ديني وتاريخي لهم، يمكن أن ينزلوا فيه عند حد الانسحاب (التكتيكي) أو (المؤقت) ، دون أن يتنازلوا عن أحقية ملكتيها، ويستوي في هذا غزة، أو الضفة الغربية التي يسمونها (يهودا والسامرة) أو سيناء التي غادروها مغادرة العازم على الغدر بها والعودة إليها في ظل الإصرار على نزع السلاح منها وعزلها عن التطور والعمران. - حصاد مر ... وحصار مراد: يريد شارون بخطته الخبيثة أن يوجد حلاً لعدد من المشكلات التي تواجه حكومته، ليُحل في مقابل هذا الحل عدداً من العقد والمشكلات الأخرى للطرف العربي، ممثلاً في الشعب الفلسطيني وسلطته ومقاومته، ثم الأطراف العربية الأخرى التي لا تزال على علاقة بإطار الأزمة. ومن خلال مراقبة تطور الأحداث وطبيعة السفاح في التعامل معها، يمكن رصد المشكلات التي تدبر للطرف العربي والفلسطيني من خلال خطة الانسحاب فيما يلي: - تقليص آمال الفلسطينيين في دولة، إلى المستوى الأدنى الذي يجعلها محصورة في غزة بدلاً من شمولها لجميع الأراضي التي احتلت عام ١٩٦٧م وفي مقدمتها القدس، وحرمان هذه الدولة ـ إن أقيمت ـ من معظم أراضي الضفة الغربية التي يسير شارون في مخطط آخر خاص بها، وهو ابتلاع المزيد منها بتوسيع المستوطنات. هذا مع العلم بأن اليهود يسيطرون على ٤٢% من أراضي غزة بموجب اتفاقية أوسلو وقد خصصوها للمستوطنات وللقواعد العسكرية والمناطق العازلة. - إغراق هذه المدينة المأهولة بالمزيد من دوامات الأزمات السكانية المدنية، بعد تخلي السلطات الإسرائيلية عن إدارتها، لتترك قطاعات الكهرباء والماء والتموين لإدارة السلطة الفلسطينية التي تتحكم الحكومة الإسرائيلية في التحويلات والمعونات المالية المرصودة لها عربياً ودولياً، ولتكون هذه الأزمات والمشكلات بمثابة حصار جديد يشكل عوامل ضغط إضافية على سكان غزة الذين يزيد عددهم عن مليون نسمة على مساحة ٣٦٠ كم٢، بواقع ٥٦٧٥ شخصاً للكيلو المربع الواحد، بينما يعيش سبعة آلاف مستوطن في الـ ٤٠% الباقية المسلوبة من غزة، والغرض من هذا التضيق دفع سكانها للهجرة بحسب مخطط (الترانسفير) أو التهجير، خاصة بعد تشديد الحصار باستكمال الجدار العازل. - استخدام الضغوط المعيشية على سكان غزة لإشغالهم عن المقاومة من جهة؛ وتحويل طاقاتهم إلى ساحة الصراع الداخلي مع السلطة نفسها من جهة أخرى بفعل تزايد الأعباء المعيشية التي أوصلت نسبة البطالة إلى ٧٠% وقد تزيد الضغوط الأمنية من هذه المعاناة، وبخاصة عندما تتسلم السلطة مهمة حماية (إسرائيل) من الأنشطة الجهادية الفدائية كشرط لبقائها وبقاء رموزها. - إضاعة المزيد من الوقت في الترتيبات الأمنية وإجراءات الانفصال، لإشغال الفلسطينيين والعرب بالانهماك في تفاصيلها، ليتفرغ شارون وحكومتة لإيجاد المزيد من الحقائق الجديدة على الأرض كالاستمرار في استكمال الجدار، والمضي في عزل القدس الشرقية، وبذل المزيد من تهيئة الظروف للسيطرة على أرض المسجد الأقصى، وابتلاع مساحات أخرى من الأراضي الفلسطينية وإقطاعها لقطعان للمستوطنين. - صرف الهمم عن التحدث في موضوع عودة اللاجئين من خلال حشر الوجود الفلسطيني في غزة، لتكون (دولة غزة) ـ في حال قيامها ـ أقرب إلى السجن منها إلى الحضن الذي يغري الملايين من اللاجئين بالعودة إليها من الأقطار المجاورة، فغزة باكتظاظها ومشكلاتها لا تحتمل أن يضاف إليها أربعة ملايين لاجئ من الخارج أو نصفهم أو ربعهم، حتى لو تفاهمت أي حكومة إسرائيلية مع السلطة الفلسطينية على ذلك. - إيقاع الأطراف العربية «المعنية» بما تبقى من القضية الفلسطينية في شراك الخداع بالتسوية مرة أخرى ليقوموا بدورهم بخداع الشعوب، ريثما تتحول هذه التسوية إلى تصفية لا تبقي من القضية ما يمكن أن يجري التفاوض حوله (كما قال إسحاق شامير من قبل) ، وقد ظهرت أمارات ذلك في مسارعة الكثير من الأنظمة العربية إلى (إعادة الاعتبار) إلى شارون بالمصافحات والاتصالات وبدعوته إلى العديد من المؤتمرات والمنتديات، فيما يشبه الاحتفاء بإنهاء الانتفاضة على يديه. - إفقاد مصر ما تبقى من رصيد قيادي لها في القضايا العربية، بعد تحويل دورها إلى مجرد منسق أمني مشارك في مقاومة المقاومة، لحماية (إسرائيل) ؛ حيث تتجه الأمور ـ برغبة من شارون ـ نحو إسناد دور بارز للإدارة المصرية في العمليات الأمنية في غزة، على الأقل عن طريق تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية التي ستتولى مطاردة الإسلاميين هناك. وهنا تصبح مصر ـ كما قال أحد المعلقين الإسرائيليين في صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية ـ: (الشريك الجديد الجاد لشارون) ! - إحداث فتنة بين مكونات الشعب الأردني، الذي يمثل الفلسطينيون نسبة عالية فيه؛ وذلك عندما توكل إلى الحكومة الأردنية مهمة الاشتراك في الحفاظ على الحالة الأمنية في الضفة الغربية لصالح إسرائيل، أسوة بما ستقوم به مصر في غزة، وهذا ما سوف يثير حفيظة الفلسطينيين في الأردن كلما ازداد الدور الأمني الأردني فعالية، وهو الأمر الذي قد يتطور إلى تحويل ما كان يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع فلسطيني عربي يتصارع فيه الفلسطينيون مع الأردنيين والمصريين داخل فلسطين. أما المشكلات التي يريد شارون أن يدفعها عن نفسه وعن حكومته، والمكاسب التي يريد جلبها للإسرائيليين من هذا الانسحاب فهي: ـ التخلص من الكُلفة الباهظة للاستمرار في احتلال غزة؛ حيث إن تلك التكلفة في ظل الكثافة السكانية الفلسطينية هي أكبر بكثير من مكسب الإسرائيليين من بقاء بعض المستوطنات هناك، ولعل من أسباب إصرار شارون على أن يكون الانسحاب من طرف واحد هو أن يربك السلطة الفلسطينية بتكاليف الإدارة ومشاكلها جملة واحدة، دون أن يطالبه (شريك السلام) ببعض استحقاقات هذا السلام. ـ توظيف شارون للانسحاب لإرضاء مؤىديه وإسكات معارضيه؛ حيث إن اليسار الإسرائيلي المعارض له يطالبه بالحد من الاستيطان، بينما يطالبه اليمين بالمزيد من المستوطنات فيما يسمونه (أرض إسرائيل) . ولإرضائهما معاً يتجه إلى تفكيك مستوطنات غزة بيد ليبني بدلاً منها مستوطنات في الضفة الغربية باليد الأخرى، وسيسعى بذلك لإغراق الضفة بالمستوطنات لتكريس استيلاء اليهود عليها كما فعلوا في القدس الشرقية. ـ سيعطي إخلاء غزة من المستوطنين ـ بحسب خطة شارون ـ فرصة للإسرائيليين لكي يحكموا الحصار الأمني عليها، ويزيدوا من أعمال المراقبة والتضييق ضد أهلها دون خوف من الرد باستهداف المستوطنين؛ فالأخبار تتسرب عن خطط للمراقبة الأمنية الإلكترونية من خلال المناظير وطائرات التجسس والرادارات التي تتيح لدولة اليهود إمكان السيطرة الأمنية من الجو، لتترك للسلطات الأمنية الفلسطينية والمصرية والأردنية السيطرة على الأرض. وللأسباب السابقة وغيرها مما يمكن أن تظهره الأحداث؛ فإن غالبية الشعب اليهودي تؤيد خطة الانسحاب من غزة، حيث أظهرت الاستطلاعات أن ما لا يقل عن ٦٠% من ذلك الشعب يريدون الانسحاب، وقد صادق الكنيست الإسرائيلي على خطة شارون بالانسحاب بعد تعثر طويل في ٢٦/١٠/٢٠٠٤. ويبقى المهووسون المستوطنون وحدهم مصرِّين على مناهضة هذا الانسحاب، حيث لا يكتفون بمعارضتهم النظرية فقط، بل أعلنوا مراراً عزمهم على إحباطه عملياً، بإحداث أعمال استفزازية ضد الفلسطينيين، تجبرهم على ردود أفعال يضطر شارون معها إلى أن يلغي الانسحاب ويتفرغ للمواجهة. ومن هنا جاءت حكاية التهديد باقتحام المسجد الأقصى لإحباط خطة الانسحاب، حيث أحدث المستوطنون صخباً وجلبة إعلامية في العاشر من إبريل الماضي، وقاموا بمسيرة ضمت ما بين ٣٠ ألفاً إلى ٤٠ ألف مستوطن في ٢٨/٤/٢٠٠٥م، كان مقرراً أن يتوجه قسم منها إلى المسجد الأقصى، وأن ينضم إليها مئة ألف مستوطن؛ وقد جددوا التوعد بالاقتحام في التاسع من مايو ٢٠٠٥م، فهل هذا كله من أجل إلغاء الانسحاب من غزة، وهل هذا هو البُعد الوحيد لهذه العاصفة المتعمدة من التصعيد على ساحة الصراع الديني؟! بالطبع لا؛ فالأمر أبعد من ذلك وأخطر. - استراتيجية خلط الأوراق: إذا كانت لشارون خططه التكتيكية والاستراتيجية انطلاقاً من أهدافه السياسية والعسكرية؛ فإن للمستوطنين أيضاً خططهم التكتيكية والاستراتيجية خدمة لأهدافهم الدينية التي لم يعودوا يصبرون على التأخر في الوصول إليها كما يصبر السياسيون الرسميون. وقد أصبح في حكم الحقيقة أن اليهود على اختلاف توجهاتهم، لا يختلفون حول ضرورة انتزاع أرض المسجد الأقصى والقيام بهدمه ليبنوا مكانه معبدهم المفقود منذ ألفي عام (الهيكل الثالث) ، ولكن الاختلاف بينهم فقط في التوقيت والكيفية والخطوات؛ فبينما يتأنى السياسيون، ويراوغ الدبلوماسيون، ويحتاط العسكريون والأمنيون، فإن المستوطنين والأصوليين المتطرفين في الأحزاب والجماعات الدينية اليهودية، لا يأبهون بشيء من ذلك، بل يريدون القفز فوق الظروف، بحرق ما تبقى من المراحل للوصول إلى استكمال المعالم الدينية لـ (دولة الهيكل الثالث) كما كان يسميها داود بن جوريون أول رئيس وزراء لدولة اليهود. بين عجلة المتطرفين وطول نفس السياسيين والعسكريين، يزداد الخطر على مصير المسجد الأقصى، ويتضاعف هذا الخطر بتصاعد الصرعات النصرانية الإنجيلية في الغرب، وعلى الأخص في الولايات المتحدة الأمريكية ـ مطالبة بالفراغ من إنجاز هذا المشروع للتعجيل بعصر الخلاص والعودة الثانية للمسيح؛ فمع الأيام تتزايد أصوات المنادين بإعادة بناء الهيكل، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ورفع سعار الصراع في الشرق الأوسط، تحت شعار الحرب على الإرهاب، وفي تلك الأجواء؛ انتهز المتطرفون اليهود فرصة إعلان شارون عن عزمه على الانسحاب من غزة، لكي يرفعوا سقف المطالب المركزية لديهم، وأهمها أمران: أحدهما: الحفاظ على (أرض إسرائيل) والثاني: استعادة أرض (جبل الهيكل) ، حيث يرتبط الأمران معاً في أدبياتهم المستمدة من معتقداتهم التوراتية الحرفية المحرفة، وقد جاءتهم هذه الفرصة لخلط أوراق القضيتين ليخدم كل منهما الآخر؛ ففي (٢١/١٢/٢٠٠٤م) قامت التنظيمات والمجموعات المتعاونة لبناء الهيكل الثالث، بعقد اجتماع موسع للاحتجاج على خطة الانسحاب من غزة، تحدث فيه عدد من الحاخامات وزعماء الحركات الدينية، فتحدث الحاخام (يسرائيل أرئيل) فندد بخطة الانسحاب، وشبهها بالانسحاب من سيناء، واستغرب أن يوضع الانسحاب من الأراضي «اليهودية» مكان السعي لتحرير جبل الهيكل، وقال: «كيف يمكن أن يرتاح ضميرنا مع تقادم السنين ونحن لم نقدم شيئاً لبناء بيت الرب ... ؟ إن الرب يطلب منا أن نبدأ بالعمل، فلنبدأ بالعمل» . وفي المؤتمر تحدث أيضاً الحاخام (يسرائيل روزان) من حزب المفدال الديني، ورئيس معهد (تسومت) فعزا التوجه للانسحاب من غزة إلى ضعف إيمان الشعب الإسرائيلي، وربط هذا الضعف بتدني الهمة في العمل من أجل الهيكل. وقال: «إنه لكي يوقف مسعى شارون في الانسحاب من غزة، لا بد من تقوية الإيمان بخطوة من أجل الهيكل» . واقترح أن يبدأ ذلك بالتجمع داخل المسجد الأقصى في موعد محدد، واعتبر أن الهيكل بمثابة القلب، والشعب الإسرائىلي في أرضه بمثابة الجسد، فإذا اشتكى القلب اشتكى سائر الجسد. وتحدث حاخام ثالث، وهو (ديفيدو فيتش) وهو مرشد جماعة (شبيبة التل) فقال: «لا ينبغي أن نكتفي بالدعاء ونردد: متى يبنى الهيكل؟! بل تجب المبادرة إلى عمل شيء ما» . وقد أطلقت الجماعة التي يتزعمها هذا الحاخام وصف «سلاح يوم الدين» على الوسيلة التي سيجري بها التخلص من المسجد الأقصى، واعتبرت أن مهمتها هي العثور على هذا السلاح، باستعمال الاجتهاد البشري مع التدبير الإلهي، واعتبر (إيتمارين جير) من حركة (كاخ) المتطرفة، أن «سلاح يوم الدين» يمكن أن يكون رجلاً من أمثال (جولد شتاين) الذي اقتحم المسجد الإبراهيمي وقتل ٢٩ مصلياً داخله وهم سجود في صلاة الفجر في شهر رمضان عام ١٤١٤هـ. ويبالغ المتدينون المتطرفون في الربط بين خَوَر عزيمة الحكومة الإسرائيلية ـ كما يرون ـ وبين التقاعس عن ملكية أرض الهيكل؛ فقد كتب الصحفي الإسرائيلي (نداف شرجي) مقالاً في صحيفة هآرتس الإسرائيلية في (٢١/١٢/٢٠٠٤م) نقل فيه عن الحاخام الأكبر في دولة اليهود (إلياهو مردخاي) قوله: «إن ملكية أرض وأحجار الهيكل تهب لأصحابها القوة والقدرة» وعزا قوة الفلسطينيين في الوقوف بوجه الإسرائليين إلى أنهم لا يزالون يسيطرون على هذه البقعة، وطالب بالانتقال إلى وضع عكسي. وشبهت جريدة (نكوداه) الناطقة باسم المستوطنين حيازة أرض إسرائيل من دون ملكية (جبل الهيكل) بأنها نوع من «الحب الأفلاطوني» ! أما جماعة (ريفافا) التي تولت النفخ في زوبعة (١٠/٤/٢٠٠٥) فاسمها يدل على شعار معناه (عشرة آلاف على جبل الهيكل) وهم يرون أن الوسيلة المثلى هي الاقتحام! وهناك مجموعة جديدة من المجموعات الساعية إلى هدم المسجد الأقصى تطلق على نفسها اسم (دردعيم) ، وهؤلاء يعتقدون أن التعجيل بخروج المسيح اليهودي مطلوب اليوم قبل الغد، عن طريق التعجيل ببناء الهيكل. وجهود هذه الجماعات والتنظيمات الجديدة الساعية إلى بناء الهيكل، تضاف إلى جهود الجماعات التي سبقتها والتي بلغت نحو ٢٥ جماعة مختصة بموضوع الهدم، ونحو مئة مختصة بموضوع البناء ـ كما قال الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في أراضي ٤٨، والمسجون حالياً في سجون الاحتلال. وهذه الجماعات تلتقي جميعاًً عند ذلك الهدف الذي يعدون العام ٢٠٠٥م عاماً حاسماً في الوصول إليه. كما قال نائب رئيس الحركة الإسلامية كمال الخطيب في حوار مع موقع (إسلام أون لاين) . - تظاهرة ١٠ إبريل ... فرار أم اختبار؟ كانت تلك التظاهرة (الفاشلة) في ١٠/٤/٢٠٠٥م بلا شك خطوة على طريق التصعيد في هذا الاتجاه، فهي وبرغم فشلها، لفتت الأنظار إلى عدد من الحقائق أبرزها: ١ ـ أن فرضية أن تكون التظاهرة لاقتحام المسجد الأقصى هي مجرد اختبار لمدى ردات فعل الفلسطينيين والعرب والمسلمين؛ هي فرضية صحيحة، خاصة مع ما صاحبها من تهويل أمني رسمي إسرائيلي، صوَّر الأمر على أنه خطر ماحق عاجل، يتوقف فقط على اختيار أحد سيناريوهات تفجير المسجد الأقصى: إما بصاروخ من الجو، أو بطائرة يقودها انتحاري، أو بطائرة بدون طيار، أو بتفجير المسجد على الأرض عن طريق زرع أحزمة ناسفة حول أعمدته، أو باقتحام الآلاف من المتشددين للمسجد وإشعال النيران فيه من الداخل. ٢ ـ أن ذلك الاختبار أسفر عن نتائج إيجابية جداً ومشرفة جداً على المستوى الفلسطيني، وعن نتائج سلبية جداً، بل مخزية جداً على المستوى العربي والإسلامي؛ حيث إن العواصم العربية والإسلامية ربما انشغلت بمراسم توديع بابا النصارى أو تأبين بعض الفنانين أكثر من انشغالها بالخطر الجاد الذي كان محدقاً بالمسجد الأقصى، إلا أن الهبة الجسورة المسؤولة للشعب الفلسطيني واستجابته لقياداته الإسلامية، عادلت هذه الصورة، وردت الأمل في الأرواح، حيث حشد الفلسطينيون من كل المناطق؛ وحتى من داخل مناطق الـ ٤٨ ـ أعداداً تفوق ما كان اليهود يهددون به ثلاث مرات، حيث رابط داخل المسجد وحوله ما لا يقل عن ثلاثين ألفاً لمواجهة ما هدد به اليهود من حشد عشرة آلاف مغتصب مستوطن، وقد كان مجرد تجمع الفلسطينيين على هذا النحو استجابة للتحدي؛ كافية لإلقاء الرعب في قلوب العشرة آلاف من جرذان الاستيطان الذين لم يجرؤ منهم على الخروج من الجحور إلا بضع عشرات فقط مذعورين مرعوبين. ٣ ـ بالرغم من الاعتقاد السائد بأن سبب انفضاض اليهود هذه المرة هو الرعب من تلك الانتفاضة الإيمانية التلقائية المحدودة، إلا أن ذلك لا ينفي اليقين بأن هؤلاء المعتدين المتربصين، سيترقبون فرصاً أخرى، بعد أن كشفت لهم تلك الحادثة نقاط القوة ونقاط الضعف على الجانب الآخر، الفلسطيني والعربي والإسلامي، وتبين أن مكمن المواجهة الحقيقية الآن ضدهم في الصراع على ساحة المسجد الأقصى، كاد أن ينحصر في الداخل الفلسطيني الذي وقف مستعيناً بالله وحده، فلا بد أن اليهود سيركزون مستقبلاً على شل فعالية الداخل، مطمئنين إلى خمود الخارج. ٤ ـ أظهر الحدث أن الجماعات المعنية بهدم الأقصى وبناء الهيكل في تزايد، وأن ما يسمى بـ (النواة الصلبة) لليمين الصهيوني المتطرف، والتي تضم ٥٠٠ من قيادات العناصر المتطرفة، أصبحوا يمثلون دماء جديدة في هذا التيار، تضاف إلى الجماعات والمنظمات الجديدة الأخرى التي طفت على السطح مثل جماعة (ريفافا) و (شبيبة التل) و (دردعيم) وغيرها، هذا بالإضافة إلى الشخصيات والتجمعات والمنظمات القديمة الداعمة لها من داخل (إسرائيل) وخارجها. ٥ ـ بما أن الانسحاب من غزة لم يتم بعد، فالخطر لا يزال ماثلاً، خاصة بعد أن أعلن المتطرفون أنهم سيعيدون الكرة مرة أخرى في التاسع من مايو ٢٠٠٥م ومع أن الارتياح قد ساد بعد إحباط تظاهرة ١١/٤/٢٠٠٥م، فإن تعدد سيناريوهات الاعتداء التي أعلن عنها جهاز الشاباك الإسرائيلي مؤخراً وتنوع أساليبها؛ يعطي انطباعاً بأن تنفيذ إحداها ممكن جداً، إذا أُمنت العواقب وعُرفت أبعاد ردود الأفعال. ٦ ـ كان إظهار الحكومة الإسرائيلية بمظهر الحريص على أمن المسجد الأقصى من خطر المتطرفين اليهود جزءاً من اللعبة؛ إذ إن تلك الحكومة الإجرامية وكل الحكومات المتعاقبة قبلها، هي التي تسلح المستوطنين، وهي التي تعرف أسماءهم وتحتفظ بملفات جماعاتهم، وتملك القدرة على اعتقالهم وحبسهم لو أرادت، ولكن يمنعها من ذلك فقط أنها شريكة لهم وهم شركاء لها في التآمر المزمن ضد المسجد الأقصى، فمنذ أن أُطلق على الكيان اليهودي (دولة الهيكل) ، ومنذ أن وضع هذا الهيكل رمزاً على العلم الإسرائيلي (نجمة داود) (١) ومنذ أن سمحت الحكومات المتعاقبة بنشاط هذه التنظيمات في الداخل وتنسيق جهودها مع الخارج، فقد ظهر أن تلك الحكومات تتخذ منها جميعاً أداة وقفازاً للتنفيذ، لتظهر به أمام العالم أنها لم تكن تملك حيلة أمام التطرف «والجنون» الذي خرج عن السيطرة. ٧ ـ تزامُن زيارة شارون لبوش في واشنطن مع موعد التظاهرة ومناسبة الاقتحام، هو توقيت مريب، وأقل ما فيه من أبعاد، أن شارون أراد أن يستدر عواطف التيار الإنجيلي الصهيوني النصراني في الولايات المتحدة تجاه خطط اليهود في الاستيلاء على أرض المسجد الأقصى باللين والشدة مرة واحدة أو على مراحل، وقد كان هذا أحد الأسباب التي من أجلها أطلق المستوطنون حملتهم بهدف معلن وهو: «إحياء قضية الهيكل الثالث ولفت الأنظار إليها على أوسع نطاق» وإذا علمنا أن ملكية أرض المسجد الأقصى كانت هي السبب في إخفاق مفاوضات كامب ديفيد عام ٢٠٠٠م، عندما أصر بيل كلينتون وإيهود باراك على أن يتنازل الفلسطينيون عنها مقابل توقيع اتفاق نهائي (١) ؛ إذا علمنا ذلك أيقنا أن قضية المسجد ليست هامشية على ساحة السياسة الرسمية الدولية الأمريكية والإسرائيلية. ٨ ـ هناك تحول خطير في مطالب قادة المتطرفين اليهود، قلَّ من انتبه إليه، وهو أنهم أضافوا مطلباً جديداً ربما يطغى على المطالبة بإلغاء الانسحاب من غزة في المرحلة القادمة وهو: أن توافق الحكومة الإسرائيلية على تخصيص جزء من ساحات المسجد الأقصى لبناء كنيس يهودي (مؤقت) ، وهو مطلب في غاية الخبث؛ إذ يتوقع أن يجعلوا من هذا الجزء ـ في حالة موافقة الحكومة عليه ـ منطلقاً للتوسع، كما هي عادة اليهود في التوسع والاستيطان السرطاني، لالتهام أرض المسجد قطعة قطعة (بهدوء) إذا أيسوا من الاستيلاء عليه جملة واحدة بطريقة صاخبة، وقد ظهرت مقدمات تواطؤ رسمي حكومي مع تلك المطالب، حين صرح (موشي كتساف) رئيس دولة الكيان الصهيوني، بأنه «لا مفر من إيجاد وضع يسمح لليهود بالصلاة في (جبل الهيكل) » ، وهي دعوة صريحة لتقسيم المسجد، قد تتحول إلى قضية (تقسيم) جديدة بعد قضية تقسيم فلسطين. والملاحظ أن الموقف الإسرائيلي الرسمي يمهد الأجواء لمثل هذا الإجراء؛ فقد أعلنت الحكومة الإسرائليية في ٧ يوليو ٢٠٠٤ عن السماح للإسرائيليين (قانوناً) بدخول المسجد والصلاة فيه بعد حظر استمر منذ الاحتلال. - وأخيراً ... أظهرت الأحداث الأخيرة أن شريحة كبيرة من الأمة تعاني خللاً في التعامل مع قضايا المقدسات، حيث تبارى الكثيرون في تسويغات فلسفية لظاهرة السلبية في ذلك التعامل، حيث كثر الكلام عن منطق: (للبيت رب يحميه) .. وأطروحة: (لن يمسوه بسوء؛ لأنه لم يرد خبر بذلك) ...... ونظرية (الخطر مضخم والقضية وهمية) ...... وفرضية (إذا أراد الله له أن يهدم فسيهدم ولن نحول دون ذلك ... ) إلى آخر تلك الحجج الجوفاء التي لا يرضى قائلها أن يُصرف بمثلها عن حق من حقوقه الدنيوية التافهة. ويزيد من خطورة انتشار مثل تلك التسويغات التسويفية، استمرار وتكرار «الاختبارات» اليهودية لردات فعل المسلمين في العالم، حيث قد يكون ذلك عاملاً من عوامل التقصد إلى تبريد المشاعر، وتجفيف الأحاسيس، وتسكين العواطف تجاه هذا المسجد وقضيته الاعتقادية، حتى يسود شعور بالملل من الحديث عن (الخطر) الذي يواجهه، وهنا في الحقيقة مكمن الخطر، عندما لا نعود نشعر بالخطر. - هل تقوم انتفاضة ثالثة؟ بإقرار ما يعرف بـ (التهدئة) بين فصائل المقاومة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية بوساطة من السلطة الفلسطينية والحكومة المصرية؛ تكون الانتفاضة الثانية قد أسدلت الستار على حقبة صاخبة أساسية من تاريخ الجهاد الفلسطيني، بعد أن أحرزت تلك الانتفاضة العديد من الانتصارات، كما انحسرت عن كثير من الخسائر. ولكن الانتفاضة على كل حال كان لا بد منها في تلك المرحلة من عمر القضية؛ لأن البديل كان هو التصفية الكاملة باسم التسوية الشاملة، ولست هنا بصدد حسابات الربح والخسارة في هذه المرحلة الجسورة من مراحل انطلاق الطائفة المنصورة في بيت المقدس وما حوله، ولكني بصدد الحديث عن مراحل أخرى قادمة، سواء استمرت التهدئة لفترة على ما هي عليه الآن، أو كان للانتفاضة الثانية بقية من استمرار، أو توقفت لتنطلق من جديد انتفاضة جديدة. إن الحديث عن انتفاضة ثالثة ـ في كل الأحوال ـ ليس رجماً بالغيب أو حدساً بالظن، بل هي أمر لا فرار منه، لسبب بسيط هو: أن كل بواعث تجدد الصدام على أرض النبوات لا تزال قائمة، بل هي في تزايد ووضوح. صحيح أن جراحات الفلسطينيين غائرة، وخسائرهم مؤلمة، ومصابنا ومصابهم كبير في شبابهم ورجالهم ونسائهم وأطفالهم، إلا أن الذين اغتصبوا الأرض لا يزالون متشبثين بها ويتطلعون إلى الأكثر، والذين يهددون المقدسات ويفسدون فيها؛ لا يزالون يخططون للأخطر، وهو ما يجعل أوار نار الحرب مستمراً؛ وكأن الأرحام تدفع بأجيال تربيها سُنَّة التدافع لأخذ أماكنها في ساحات الصدام الكبير، الذي بدأ منذ سنين وسيمتد إلى اقتراب يوم الدين، عندما ينطق الشجر والحجر: (يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله) (١) . الحديث إذن عن انتفاضة فلسطينية ثالثة وربما رابعة وخامسة وسادسة، ليس حديث خرافة تنفضُّ عنه المجالس وتنتهي عنده الأحلام، بل هو واقع متوقع، لا ينبغي التعامل معه على أنه احتمال أو خيال، حتى تفاجئنا الأحداث بما لم نكن نتوقع. أقول هذا لأن الذين جعلهم الله في رباط إلى يوم الدين على أرض فلسطين، لا ينبغي أن يُتركوا وحدهم هذه المرة؛ فالمسؤولية عن استرجاع بين المقدس ليست مسؤوليتهم وحدهم، وحماية المقدسات المهددة ليست قاصرة على شعبهم، وخاصة أن الرباط الوثيق بين المدن المقدسة الثلاث: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، وبين مساجدها الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى في قول الله ـ تعالى ـ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] . هذا الرباط الذي أشار إليه بعض المفسرين (٢) يربط المسؤولية بعنق كل مسلم، يُشرع له أن يشد الرحال إليها جميعاً، في حال السلم للعبادة، وفي حال الحرب للجهاد وطلب الشهادة، إذا ما تهددها خطر أو اقترب منها عدو. إن الذين سيفرِّطون اليوم في حماية الأقصى.. سيفرطون غداً في حماية مكة المكرمة والمدينة النبوية الشريفة، التي أدخل اليهود أطرافها ضمن خارطتهم المستقبلية قبل أن تقوم لليهود قائمة (٣) . لقد أحدثت الانتفاضة الأولى تحولاً لصالح الإسلاميين على البُعد الفلسطيني الداخلي، وأوجدت الانتفاضة الثانية بعداً إقليمياً عربياً متعاطفاً وداعماً على الصعيد الشعبي، أما الانتفاضة الثالثة فالمنتظر أن تحيي البُعد الثالث المكمل للقضية في عالميتها وأهميتها، وهو البُعد الإسلامي العالمي؛ فليس من المعقول أن يتمكن اليهود من تحويل قضية ما يسمى بـ (جبل الهيكل) إلى قضية دولية سياسية وقانونية على مستوى اليهود والنصارى في العالم؛ ولا يستطيع المسلمون إلى الآن أن يعطوا المقدسات الإسلامية بُعدها الجدير بها إسلامياً ودولياً؛ بحيث تقف الأمة المليارية بحجمها وثقلها خلف حُماة المقدسات الذائدين عنها. وإذا كانت الأحداث الأخيرة قد أثبتت أن أهل فلسطين هم خط الدفاع الأول على خط النار ضد أشد الناس عداوة للذين آمنوا، فإن الإنصاف يقتضي أن يُعترف لهم بذلك أولاً، وأن يُعانوا على ذلك ثانياً، وألا يُكتفى ـ ثالثاً ـ بتركهم لمكفوفي الأيادي أو مكبلي الإرادات، بدعوى أنهم على خط الدفاع الأول، كما أن منطق الإنصاف نفسه يجعلنا نتساءل: متى كانت الأمم المستهدفة تكتفي بخط دفاعها الأول دون أن يكون وراءه خط ثالث ورابع ... وعاشر؟! إن الضرورة تفرض الآن، إطلاق جبهة شعبية عالمية لحماية الأقصى، تكون مهمتها: ـ أن توازن في اتجاه مضاد، ما تقوم به مجموعة الجمعيات والتنظيمات والهيئات والشخصيات اليهودية والنصرانية الساعية لبناء الهيكل، مسنودة بالحكومات المتعاقبة في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. ـ ويكون من مهامها أن تعوِّض الخلل المخجل، في طريقة تعاطي الحكومات الرسمية مع قضايا المقدسات الإسلامية، بحيث يكون للشعوب (صاحبة الكلمة الآن) كلمتها وحركتها في حمل الأمانة وردها إلى أهلها. ـ ويكون من مهامها، أن تُعذر إلى الله ببذل المستطاع لردع المعتدي قبل اعتدائه، ورد عدوانه إذا اعتدى. لن أخوض الآن في التفاصيل المتصورة لعمل تلك الجبهة المقترحة؛ فهي أكبر من أن يحددها شخص بمفرده أو مجموعة بعينها، بل أكتفي بما يفترض أن يكون حداً أدنى في وصفها وكيفية عملها، وهو أنها ينبغي أن تكون جامعة بين الأبعاد الثلاثة: الفلسطيني، والعربي، والإسلامي؛ ومبتعدة عن التقيد بالحزبيات والرسميات، إلا بما يعود عليها بالارتفاع والاندفاع نحو تحقيق الغرض منها. وإذا كانت حفنة ممن كُتبت عليهم الذلة والمسكنة قادرة على التهديد كل يوم بإخراج بضعة آلاف متظاهر لاقتحام المسجد الأقصى، فإنه من العار ألا تستطيع أمة المليار إلى الآن إيجاد آلية لإخراج عشرات الآلاف بل الملايين لرد المعتدين في أعقابهم مظاهرة بمظاهرات، وتهديداً بتهديدات، ومخططاً بمخططات وترتيبات وتحركات، ليعرف اليهود ومن وراءهم أن الدم بالدم، والهدم بالهدم، وأن المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه، وأن الأمة التي لا تستطيع أن تؤم المسجد الأقصى اليوم، قادرة على أن تؤمنه وهي قريبة منه أو قصية عنه حتى يفصل الله بينها وبين عدوها بالحق وهو خير الفاصلين.

стр. 5278

التصدي العالمي للغطرسة الأمريكية د. سامي محمد صالح الدلال إذا تعاطى صاحب العقل المميز الخمر أذهبت عقله وسلبته لُبّه؛ فطاشت تصرفاته وانقلبت أحواله، وأصبح خطراً ماحقاً يهدد الآخرين، فلا يزال الناس يتحاشون شره، ويحاولون لجم طيشه إن أمريكا اليوم سكرانة، ومثلها كمثل ذلك الرجل الذي ذكرناه؛ فإن كان ذلك الرجل أسكرته الخمر فما الذي أسكر أمريكا؟ لقد أسكرها فيما أرى ما يلي: ١ - قوتها العسكرية العاتية. ٢ - اقتصادها المتوسع. ٣ - هيمنتها على القرارات الدولية. ٤ - حضورها السياسي الجارف. ٥ - اعتقادها بقدرتها على أمركة العالم وعولمة مفاهيمها. ٦ - سيطرتها على المنابع الحيوية من نفط وغاز. ٧ - نجاحها في إبراز الكيان الصهيوني كقوة متمكنة في الشرق الأوسط. ٨ - خوف دول العالم من معارضتها اتقاء بطشها وتنكيلها. ٩ - ادعاؤها نشر الديمقراطية والحرية في أرجاء البسيطة. ١٠ - تقدمها العلمي وتطورها التكنولوجي. إن خمر أمريكا الذي أسكرها هو تلك البنود العشرة. نعم! إن تلك البنود، أو بعضها هي عوامل قوة فيما لو كانت في أيد عاقلة راشدة، لها منهاج رباني عادل، أما وقد اجتمعت عند من له منهج شيطاني ظالم فلا نشك في أنها قد أسكرته، وأخلَّت بتوازنه. إن بيت القصيد في المسألة هو أن أمريكا بسبب شدة سكرها لم تتمكن من تشخيص عوارها. إن مثلها كمثل (عاد) التي تجمعت تحت يديها جميع أسباب القوة، وحازت كل ضروب المنعة. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] . وكان من شأنها كما قال ـ تعالى ـ: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: ٨] . لقد أسكر هذا البروز الأممي والتفوق النوعي عاداً؛ فبدل أن تناصر به الحق وظفته في الظلم، وكذبت المرسلين؛ فتناولتها سُنَّة الله ـ تعالى ـ في إهلاك الكافرين وإلحاقهم بالغابرين. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨] . تلك سنة جارية، فماذا تنتظر أمريكا؟! - أخطار أمريكا على العالم: لقد أوجدت أمريكا أخطاراً هائلة في مجمل أرجاء الأرض، ولا يكاد ينجو من أخطارها أحد، وهذه حِسبة سريعة بأبرز ما تولد من سكرها بقوتها: ١ - الدعم الهائل والمفتوح للكيان الصهيوني على كافة الأصعدة السياسية والمالية والعسكرية وغيرها، وتأييدها المطلق لما يقوم به ذلك الكيان من قتل وتشريد، وسجن وتعذيب، وهتك للأعراض، وتدمير للممتلكات، وجرف للأراضي ومصادرة لها وقلع للأشجار، وتشديد الحصار، وبناء الجدار وتشييد للمستوطنات، ومصادرة الأموال وغير ذلك، فضلاً عن معارضتها الشديدة لعودة اللاجئين إلى أراضيهم وتأييدها لجعل القدس عاصمة الكيان اليهودي. ٢ - احتلالها لأفغانستان بعد أن شنت عليها حرباً ضروساً أطاحت بحكم الطالبان، وفعلت فيها مثل الذي فعله اليهود في الفلسطينيين. ٣ - احتلالها للعراق، ولا تزال حربها عليها قائمة ومستمرة، مستخدمة أفتك أنواع الأسلحة في دكِّ بيوت الآمنين في مختلف المدن العراقية، وخاصة الفلوجة، والموصل، وسامراء، والرمادي وغيرها. ٤ - حربها الضروس على العالم الإسلامي كدول، وعلى العمل الإسلامي كدعوة، مستخدمة كافة الوسائل المتاحة. ٥ - تأييدها لأعمال القمع ضد المسلمين في الشيشان، والفلبين، وكشمير وغيرها. ٦ - انتهاكاتها الصارخة لحقوق الإنسان، وخاصة أسرى المسلمين في جوانتانامو، وأبي غريب، وكافة السجون في العراق وأفغانستان، وغيرها. ٧ - دعمها غير المحدود لكل الحكومات التي تحارب الإسلام والدعاة والعلماء. ٨ - بسط نفوذها العسكري والسياسي على الدول المنتجة للنفط والغاز. ٩ - هيمنتها على الأمم المتحدة، واستعمالها لتحقيق أهدافها ومآربها. ١٠ - عسكرة الفضاء؛ بغية تحقيق التفوق المطلق على جميع دول العالم. ١١ - الإعداد لحروب استباقية متعددة. ١٢ - تحديد أهداف، وصناعة تحالفات؛ لإحكام الحزام العسكري حول الشرق الأوسط، وإيران، والصين، وكوريا الشمالية، وروسيا، والدول الإسلامية في شرق آسيا والقوقاز. ١٣ - الضغط المتواصل على دول الاتحاد الأوروبي للسير في فلكها، ولاستخدامها في تحقيق أهدافها. ١٤ - التدخل في خصوصيات الدول والشعوب على كافة المستويات السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والثقافية، والإعلامية والاجتماعية، وفرض الحصار على الدول التي تتمرد على الخضوع لها. ١٥ - تنفيذ المجازر الكبرى في كوريا، وفيتنام، والصومال، واليابان، وغرينادا، وكمبوديا، سوى ما ذكرناه بشأن أفغانستان والعراق، إضافة إلى الأعمال القذرة التي تمارسها وكالة المخابرات الأمريكية CIA في مختلف دول العالم. ١٦ - استخدامها القنابل الممنوعة دولياً: كالقنابل الذرية، والنيترونية، والكيمائية والعنقودية، والنابالم والقنابل ذات التدمير الهائل كالتي استخدمتها في (تورا بورا، والعراق) . ١٧ - تجفيف منابع العمل الخيري الإسلامي في جميع أنحاء العالم، ومحاربة الأعمال الإسلامية كافة تحت سيف تهمة الإرهاب. ١٨ - دعمها المادي والمعنوي للقوى العلمانية والليبرالية، سواء كانت دولاً أو أحزاباً أو مؤسسات أو مجموعات. ١٩ - فرضها «الديمقراطية» على دول العالم بالقوة؛ وذلك وفق المفهوم الأمريكي. - كيف تواجه دول العالم مخاطر أمريكا السكرانة؟ كما يتقي الناس طيش السكران وعبثه؛ كذلك فإن دول العالم أجمع في حالة توجس وترقب من تصرفات أمريكا السكرانة؛ بسبب الممارسات الخطرة التي تقوم بها في أنحاء المعمورة. فنلقي ضوءاً على مواقف دول العالم وفق النسق التالي: - أولاً: دول العالم العربي والإسلامي: رغم أن المؤثرات الأمريكية قد فرضت بصماتها على كثير من المعالم الحياتية في العالم الإسلامي على المستويات السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية وغيرها، إلا أن ذلك لم يمنع المسلمين من التنبه إلى مخاطر السكر الأمريكي على العالم الإسلامي، ويمكننا رصد ذلك التنبه من خلال: - انبعاث الحركات الجهادية في كل من فلسطين، وأفغانستان، والشيشان، وكشمير، والفلبين، والعراق، وأرتيريا. - اتساع العمل المؤسسي الإسلامي الخيري الشعبي. - إنشاء المراكز الإسلامية المنوعة الأغراض في جميع بلدان العالم، بما يربو عددها على عشرة آلاف مركز. - النزول إلى الساحة الإعلامية بقدر ما تتاح من فرص، وتتوفر من إمكانات. - الاحتفاء بحركة التأليف والنشر والتوزيع؛ وذلك في جميع مجالات العلوم الإسلامية، وألوان الثقافة المعرفية. - عقد الندوات وإقامة المؤتمرات التي تعالج القضايا الإسلامية، بكافة تشعباتها، وتنوع اختصاصاتها. - نشر الدراسات الاستراتيجية التي تسلط الضوء على خلفيات وأهداف حركة الأمركة التي تغلفت بغلاف العولمة. - إنشاء البنوك الإسلامية، وتكوين المؤسسات الاقتصادية التي تنطلق جميعاً من المفاهيم الشرعية. تلك بعض ما تواجه به الشعوب الإسلامية أخطار أمريكا السكرانة. أما حكومات العالم الإسلامي فهي وبشكل متفاوت تعتبر كلها أو أكثرها جزءاً من تلك الأخطار ذاتها، ولكل منها حظ مما في ذلك كله؛ حيث إن بعض تلك الحكومات أقامت شبكة من العلاقات مع أمريكا أدت إلى ما يلي: - الاحتلال العسكري المباشر لبعض الدول الإسلامية والعربية: (أفغانستان، العراق) . - إقامة العديد من القواعد العسكرية فيها: (باكستان، تركيا، بعض دول الخليج، وغيرها) . - السيطرة المباشرة على منابع النفط والغاز في بعض البلاد الإسلامية والعربية (أفغانستان، العراق، بحر قزوين) . - إتاحة الفرصة لأمريكا لممارسة الضغط السياسي والاقتصادي على الحكومات الإسلامية من خلال تحكمها في استثماراتها الهائلة في أمريكا، وأوروبا، وغيرها. - الدعم المادي والمعنوي للقوى العلمانية في العالم الإسلامي؛ بغية تحجيم ومحاصرة الصحوة الإسلامية، وأدواتها الإيجابية الفاعلة. - الضغط والتضييق على الدعاة والعلماء وأهل الخير والمصلحين، وكذا تأميم أو إغلاق مؤسسات الأعمال الخيرية بأنواع اختصاصاتها. - إن القراءة المتأنية والرصينة للواقع الحالي تفيد أن أخطار أمريكا السكرانة ستكون شديدة الوطأة في العقد الحالي، ولكن من خلال المنظور الاستراتيجي فإن العوامل المؤثرة في الصراع تشير إلى أن الأمة الإسلامية ستتمكن من مواجهة تلك الأخطار والتغلب عليها، وخاصة إذا اشتد توقُّد ساحات الجهاد. - ثانياً: منظومة الاتحاد الأوروبي: رغم أن معظم دول منظومة الاتحاد الأوروبي المكون من ٢٥ دولة هي ضمن حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن هذا الاتحاد يعتبر التصرفات التي تقوم بها أمريكا السكرانة تشكل أخطاراً عليه، ومن أهمها: ١ - ممارسة أشد الضغوط السياسية على حكومات دول العالم كي تسير في فلك السياسة الأمريكية؛ مما يؤدي حكماً إلى إضعاف وتحجيم النفوذ السياسي الأوروبي على تلك الدول، وخاصة الإسلامية منها، وهذا بدوره يقود إلى تقليص مساحة الحركة الأوروبية سياسياً، فضلاً عن احتمال استعمال أمريكا تلك الدول بذاتها لمحاصرة الحركة الأوروبية وشَلّ فاعليتها. وسيؤدي ذلك إلى خلل شديد في التوازنات الدولية؛ مما يجعل احتمال احتدام الصراعات العالمية قائماً. ٢ - نجاح أمريكا في وضع المملكة المتحدة (بريطانيا) تحت عباءتها وجرّها معها إلى أتون مواقع القتال والمواجهات الحامية (أفغانستان والعراق) ؛ وهو ما يشكل اختراقاً للوحدة الأوروبية التي ترى أن مصالحها ليست بالضرورة متفقة مع المصالح الأمريكية. ٣ - إن هيمنة وسيطرة أمريكا على منابع النفط في المواقع الرئيسة المنتجة له: (العراق، بحر قزوين) سيجعلها قادرة على التحكم بأسعاره العالمية بالطريقة التي تحقق إنعاشاً للاقتصاد الأمريكي؛ بغض النظر عن الأضرار التي يمكن أن يواجهها الأوروبيون؛ والناجمة عن خروج أسعار النفط عن حدود تأثيرهم، فضلاً عن سيطرتهم. ٤ - إن انفراد أمريكا بالدعم الاقتصادي والعسكري والسياسي للكيان اليهودي في فلسطين قد جعل جميع أوراق الشرق الأوسط في يدها؛ وهو ما أضعف من تأثير أوروبا في استثمار العمق الاستعماري التاريخي الصليبي الذي اضطلعت به خلال القرون الماضية. ٥ - إن مجموع القوى الإيجابية المؤثرة في إنعاش الاتحاد الأوروبي ودعمه تعتبر ضئيلة وضعيفة مقارنة مع مجموع القوى الإيجابية المؤثرة في إنعاش أمريكا. إن الحقيقة المهمة الناجمة عن ذلك: هي أن أمريكا باستعمال فارق مجموع القوى تتمكن من ممارسة الضغوط على الاتحاد الأوروبي لتحقيق مصالحها الذاتية، ولكن مع منح بعض الفُتات للمصالح الأوروبية لتسكيتها. وخير تعبير عن ذلك هي حرب كوسوفا. ٦ - قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على حشد أكبر عدد ممكن من الدول، بما فيها الأوروبية، لاستخدامها في حروبها المحققة لمصالحها، (٣٣ دولة في حرب الخليج الثانية، ٣٠ دولة في حرب احتلال أفغانستان وإسقاط الطالبان، أكثر من ٦٠ دولة في حرب احتلال العراق) . إن دول الاتحاد الأوروبي رغم أن أكثرها قد شارك في تلك الحروب، إلا أنها تتوجس شراً من عواقب هذه المساهمات والمشاركات على رعاياها أولاً، ثم على مصالحها الذاتية ثانياً. ونلاحظ أن المخاطر الستة كبيرة وواسعة الرقعة. غير أن أوروبا لم تترك نفسها فريسة للأمريكان؛ فها هي تحصن نفسها بدروع استراتيجية هامة، من أبرزها: ١ - توافر مناحي القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية لدى منظومة الاتحاد الأوروبي؛ لأن التوجه لدى قادته ينصب على تحويل أوروبا إلى قطب عالمي ليسحب بساط انفراد أمريكا بالأحادية القطبية من تحت قدميها. وقد رأى القادة الأوروبيون أن تعزيز «الحالة الاتحادية» للاتحاد الأوروبي هو من أبرز معالم هذا التوجه. ٢ - اختطت بعض الدول الأوروبية مسارات خاصة بها مستقلة كل الاستقلال عن المسار الأمريكي، بل لا تتوانى عن معارضة ذلك المسار: كالموقف الألماني، والفرنسي من الحرب على العراق. ٣ - تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز قواها العسكرية، والارتفاع بمستواها التكنولوجي في كافة المجالات لتكون على مستوى الندية مع الحالة الأمريكية. ٤ - إن ارتفاع سعر صرف اليورو إزاء الدولار قد أعطى دول الاتحاد الأوروبي قوة اقتصادية إضافية عززت مكانتها الدولية. ٥ - تواصل الدول الأوروبية مد يدها إلى كافة دول العالم؛ بغية توطيد أُصُر التعاون معها، وتطبيع علاقاتها السياسية بها (وخاصة روسيا والصين ودول العالم الإسلامي) ؛ وهو ما يشكل حالة التفاف على الضغط الأمريكي على تلك الدول. ٦ - موافقة الاتحاد الأوروبي على الشروع في مباحثات مع تركيا ابتداء من ٣/١٠/٢٠٠٥م يعطيه نوعاً ما من الاستقرار النفسي بسبب كون تركيا تشكل الخاصرة الجنوبية الشرقية لأوروبا، وهي موطن الانفتاح الإسلامي على الدول الأوروبية. ومحصلة ذلك: هو إبراز أوروبا قوية مقابل أمريكا قوية. إن تلك النقاط الستة التي ذكرتها لا تعني بالضرورة عداءً أوروبياً أمريكياً بقدر ما تعني أن التعاون الأمريكي الأوروبي ينبغي أن لا يكون تعاوناً مفروضاً في توجهاته ومفرداته من قِبَل أمريكا على أوروبا. ملاحظة أخيرة لا بد من ذكرها بهذا الخصوص: وهي أن الخلفية العقدية النصرانية للأوروبيين والأمريكيين توحد صفوفهما فيما يتعلق بالحرب على الإسلام، سواء بشكل ظاهر أو خفي. - ثالثاً: روسيا: صحيح أن أمريكا وقفت مع روسيا بشكل قوي وداعم عندما انفكت عرى الاتحاد السوفييتي، إلا أن ذلك الوقوف كان يقصد منه سد طرق ومنافذ عودة الشيوعيين إلى دفة الحكم في روسيا. وقد تطلَّب ذلك من أمريكا أن تدعم (يلتسين) بكل ما أوتيت من وسائل الدعم؛ لضمان إقرار وضع سياسي ديمقراطي رأسمالي على أنقاض الحكم الشمولي الشيوعي، ولم يكن لدى السياسيين الروس من بد سوى قبول ذلك الدعم، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي. لقد مرت روسيا بعد الانهيار الشيوعي في مرحلة اقتصادية صعبة جداً؛ مما ضعضع مواقفها داخلياً وخارجياً، وما حالة الانحطاط العسكري في مختلف أصناف القوى المسلحة، وخاصة الأسطول إلا واحدة من تلك التضعضعات المذكورة، كما أن حالة الانفلات التي حصلت في الاتحاد السوفييتي لدى انهياره قد أدت إلى تسرب كثير من الأسرار الاستراتيجية، وخاصة العسكرية إلى قوى معادية لروسيا، وقد صاحب ذلك أيضاً ما فعلته المافيا الروسية من بيع لأنواع من صنوف الأسلحة ـ بما فيها السرية ـ في السوق السوداء الدولية. كل ذلك سبب قبول روسيا قدوم وفود أمريكية للتفتيش على الأسلحة النووية الروسية؛ بما شكل حالة خلل خطيرة في التوازن النووي الروسي الأمريكي. ثم جاءت انتفاضة المسلمين الشيشان في عام ١٩٩٦م للحصول على الاستقلال من روسيا لتعزز حالة الضعف الروسي. غير أن روسيا بقيادة (بوتين) تمكنت في المرحلة الأولى من رئاسته من إعادة ترميم كثير من التصدعات التي أعقبت الانهيار السوفييتي، ما عدا قضية الشيشان التي لا تزال عصية على الحل؛ بسبب إصرار المجاهدين الشيشان على الاستقلال، ونجاحهم في التصدي للآلة العسكرية الروسية، رغم قلة عددهم وعتادهم. إن الحالة الشيشانية تمثل عملية نزف في الجسم الروسي، وهذا يحقق فائدة لأمريكا، لكنه في الوقت نفسه يعتبر مصدر قلق لها؛ لأنها تعتبره نواة توسع، وبروز إسلامي في القوقاز، وهذا ما تخشاه أمريكا كثيراً. - هل تعتبر روسيا أن أمريكا تمثل خطراً عليها؟ الجواب: نعم بكل تأكيد! وسبب ذلك تقاطع المطامع بين الدولتين فيما يتعلق بالسيطرة على مواقع النفوذ السياسية والاقتصادية في العالم. إن روسيا تتوجس الآن كثيراً من أمريكا بعد أن نجحت الأخيرة في احتلال أفغانستان، وفي إقامة قواعد عسكرية في كل من أوزبكستان، وطاجيكستان، وقيرغيزستان، وحصولها على تسهيلات عسكرية مفتوحة من باكستان، وتغلغلها العسكري في جورجيا، إضافة إلى وضع يدها على نفط بحر قزوين، ونجاحها في إيصال المعارضة إلى دفة حكم أوكرانيا؛ مما أحدث خللاً شديداً في منطقة آسيا الوسطى لصالح الأمريكان على كافة الصعد. فما الذي ستفعله روسيا لمجابهة الأخطار الأمريكية عليها؟ يمكننا بيان ذلك وفق النقاط التالية: - لا تريد روسيا في المرحلة الراهنة إبراز تقاطع المطامع، بل تريد إبراز التقاء المصالح، والتي من أهمها محاربة ما أسموه بالأصولية الإسلامية. - تسابق روسيا الزمن لتحقيق غايتين، الأولى: الحد قدر الإمكان من السيطرة الأمريكية على العالم. الثانية: إعادة البناء الداخلي على المستويين الاقتصادي والعسكري؛ بغية الوصول إلى حالة التوازن مع أمريكا مستقبلاً. وبقدر النجاح الذي تحققه في الغاية الثانية بقدر ما يمكنها تحقيق الغاية الأولى. - تبذل روسيا جهوداً مضنية كي لا تفلت جورجيا، وأوكرانيا من يدها بشكل نهائي. - تحاول روسيا تعزيز علاقاتها السياسية مع الدول التي تدور في الفلك الأمريكي، أو التي تحاول أمريكا تدويرها في فلكها، كي لا تتمكن أمريكا من الانفراد بها وتوجيهها بحسب مطامعها، دون أن تواجه بضغوط مقابلة. - تقوم روسيا بدعم الدول المعادية لأمريكا عسكرياً، وخاصة إيران، وكوريا الشمالية، كما أنها لا تبخل في دعم القدرات النووية لهما. - تواصل روسيا أبحاثها العلمية لتطوير قدراتها العسكرية الاستراتيجية. - فيما عدا الاستنزاف الشيشاني فإن روسيا تريد الابتعاد عن أية بؤرة صراع إضافية تفاقم استنزافها؛ بغية محاولة توفير أكبر ما يمكن من الناتج الاقتصادي، وخاصة البترول لمواصلة برامج التنمية؛ مما يوفر لها حالة استقرار داخلي يساعدها على الوقوف على مستوى الندِّية لأمريكا مستقبلاً. - رابعاً: الصين: لا تزال الصين تتوجس من أمريكا السكرانة شراً، ولعلها تعتقد أن ليس بينها وبين المواجهة معها إلا طي الزمن، ومن الممكن بين عشية وضحاها أن تصنفها أمريكا ضمن محور الشر، وليس ذلك عليها بعجيب؛ إذ إن سكر القوة يهيل على مركز التفكير التراب! في إطار صراع المصالح وتحت ضغط نفسية الهيمنة في مواقع اتخاذ القرار الأمريكي؛ فإن الصين تشعر بالمخاطر التالية من قِبَل الولايات المتحدة: - رغم أن الصين دولة نووية لكن ذلك لا يمنع من إمكان تعرضها لحرب ذرية تحت ظروف معينة، ورغم أن ذلك قد يبدو مستبعداً لدى المحللين السياسيين غير أنه يبقى خطراً كامناً، قابلاً للخروج إلى السطح عندما يراد له ذلك. - من الناحية الواقعية أضحت الصين حقاً محاصرة عسكرياً بعد احتلال الأمريكان لأفغانستان، ونجاحهم في إقامة القواعد الهائلة في معظم الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي، ويشكل ذلك خطراً عظيماً على القدرة الدفاعية الصينية. ولا مناص للصين من إعادة النظر في تعبئتها العسكرية وقواها القتالية؛ لتتمكن من صيانة حدودها الممتدة آلاف الكيلو مترات، وليس ذلك بمقدور عليه في الوقت الراهن. - ولا شك أن الخطر الأمريكي يجد له ثلاث بؤر رئيسة يمكن أن ينطلق منها في مشهد تفجيري هائل، هي: حصول حرب بين الصين وتايوان، أو حصول حرب بين الصين والهند، أو وقوف الصين مع كوريا الشمالية في حالة حصول حرب بينها وبين أمريكا. - في الوقت الذي تشهد العلاقات الأمريكية الصينية تحسناً في الجانب الاقتصادي، إلا أن الولايات المتحدة ترقب عن كثب التطورات الإيجابية للاقتصاد الصيني، والبدء في انفتاحه على الاقتصاد العالمي. إن القيادة الصينية الحالية تقوم الآن بإعادة بلورة المفاهيم الشيوعية لتتلائم بطريقة ما مع السيطرة الرأسمالية على العالم، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. إن الولايات المتحدة لا يروقها ذلك الانفتاح؛ ولذلك فإنها لا تيسّر السبل لامتداده، بل تضع أمامه العوائق المختلفة. وإنني لا أستبعد إذا تطور الصراع يوماً ما بين أمريكا والصين أن تفرض أمريكا حصاراً اقتصادياً على الصين. - تقوم القيادة الصينية الحالية بمد بساط العلاقات السياسية مع جميع دول العالم ودعمها وتمتينها، ويلاقي هذا التوجه الصيني ترحيباً متعاظماً في كل الدول، في الوقت الذي يلاقي امتعاضاً في أوساط الاستراتيجيين الأمريكيين؛ وذلك لأن أمريكا ترى أن التحجيم السياسي للقيادة الصينية يساعد في المستقبل على الضغط على الصين في الأوقات الصعبة، ومن ثم فإن الصين تعتبر هذا التوجه الأمريكي خطراً عليها. - تشعر الصين بالقلق من القدرة الأمريكية على اختراق الحواجز الصينية المنوعة، والوصول إلى المكامن المجتمعية الصينية التي بشيء من التنظيم والصبر والدعم المادي والمعنوي الأمريكي تستطيع أن تنشئ بؤر معارضة داخلية لنظام الحكم الشيوعي الصيني. - لقد بذلت القيادة الصينية جهوداً مضنية عبر عقود عديدة، حتى تمكنت من إدخال الشعب الصيني الملياري في القوالب الشيوعية الحديدية، إلا أن رياح العولمة الأمريكية باتت تغشى أراضي الصين الشاسعة، وشرعت ذرات غبارها في اختراق النوافذ والأبواب الشيوعية الموصدة، وبدأ الناس يستنشقون ذلك الغبار العولمي الأمريكي رغماً عن الاحتياطات الحكومية والحزبية. إن القيادة الصينية الحالية باتت لا تستطيع أن تغض الطرف عن هذا الخطر الجديد، والمتمثل في وقوع الشعب الصيني تحت مظلة الامتداد العولمي الأمريكي، وأضحت تتساءل: هل بالإمكان الصمود إزاء ذلك؟ تلك هي المخاطر الأمريكية على الصين؛ فما هي احتياطات الصين للوقوف ضدها؟ يمكننا إجمال ذلك في نقاط محددة كالتالي: ١ - التوسع في الإنتاج النووي، وهو ما تضطلع به الصين حالياً وهي تسابق الزمن. ٢ - المضي قُدُماً في تحسين وتوسيع الصناعات العسكرية وخاصة الصواريخ البالستية، والتوجه نحو بناء قوة عسكرية ضاربة ومؤثرة. ٣ - الانفتاح الاقتصادي المتضمن إتاحة الفرصة للدول الأوروبية، وحتى الولايات المتحدة، بالمشاركة في المعارض الدولية التي تقام في الصين، وكذا إعطاء الرخص لإقامة مصانع غربية على الأراضي الصينية؛ وذلك لاتاحة فرصة تشغيل الأيدي العاملة من جهة، وللاستفادة من التقنية الغربية من جهة أخرى. ٤ - توطيد العلاقات السياسية مع دول العالم كافة، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي، ودول الشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية، وتطبيعها مع روسيا، بهدف إيجاد محيط مؤيد للصين على المستوى الدولي، ولتحجيم التأجيج الأمريكي ضدها في حالة تزايد الاضطراب بينهما. - بذل الجهود الحزبية الشيوعية؛ لتجنيب المجتمع الصيني التغلغل الأمريكي في خصوصياته. - الابتعاد قدر الإمكان عن عوامل الاحتكاك مع أمريكا، وتوقي المسارات المفضية للتصعيد معها. - أخيراً؛ تبقى قضية «الإرهاب» مسألة قابلة للتداول بين أمريكا والصين، كل بحسب مصلحته. - خامساً: سائر دول العالم: إذا كانت أمريكا تشكل أخطاراً على الدول الكبرى؛ فإن مخاطرها على الدول الأخرى بالتأكيد أشد وأنكى، ويمكننا تلخيصها بالتالي: - التدخل في المسارات السياسية لتحويلها في مصب السياسة الأمريكية. - بسط الهيمنة الاقتصادية، وفي بعض الحالات استخدام السلاح الاقتصادي؛ وذلك لتوظيف ثروات الشعوب لخدمة المصالح الأمريكية. - الاحتلال العسكري (أفغانستان، العراق) ، أو الاكتفاء بالتدخل العسكري واقعاً أو تهديداً. - التهديد بالحروب الاستباقية. - إسقاط أنظمة الحكم عن طريق الانقلابات، أو تهييج الثورات الشعبية. - التصرف في الشؤون الدولية خارج إطار الأمم المتحدة؛ أي: مستقلة عن الإرادة العالمية، أو كما يسمونها الشرعية الدولية. - التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بما في ذلك الفعاليات الثقافية، والمناهج الدراسية، والأعمال الخيرية، والتشريعات القانونية، والأعراف والتقاليد المحلية. إن سُكْرَ أمريكا بقوتها قد جعلها لا تبالي في اقتحام كل الذي ذكرته دون أن تشعر بأنها ستكون في محل محاسبة في يوم من الأيام، رغم أن المظاهرات تجوب جميع أنحاء العالم احتجاجاً على سياساتها الغاشمة، وتصرفاتها الظالمة، وتدخلاتها الحاقدة. - بروز الأقطاب الدولية: رغم أن المرحلة الراهنة تشكل الفرصة الذهبية لأمريكا للانفراد بالقطبية الأحادية العالمية؛ فإن الواقع الدولي في ظل التنافس المحموم، والتوجه لإثبات الذات حفاظاً على المصالح القطرية يتجه لسحب البساط من تحت أقدام أمريكا. إن هذا الهاجس هو الذي يجعل أمريكا في سباق مع الزمن لابتزاز أكبر ما يمكن من الغنائم قبل أن تصل إلى مرحلة التوازن. إن الأقطاب العالمية المتوقعة هي نفسها التي ذكرناها سابقاً، وهي: الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين. هذا بالنسبة للعالم ككل، ولكن هناك أقطاب قارية تنفرد بها آسيا فقط، وهي: الهند، وباكستان، والصين، وإيران؛ وذلك ضمن حسابات معقدة؛ فالهند ضد باكستان والصين، وباكستان ضد الهند ومع الصين، والصين ضد الهند ومع باكستان وإيران، وإيران مع الصين، لكنها ليست ضد الهند أو باكستان. إن هذه الحسبة القطبية القارية المعقدة، جعلت كلاً من باكستان، والهند، وإيران محط أنظار الأقطاب العالمية، وهي أمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي؛ إذ إن كلاً منها يبني حساباته الخاصة للاستئثار بنتائج هذا الصراع القاري الآسيوي. في الختام لا بد من الإشارة إلى عدم إغفال تأثيرات أخرى لبعض الدول: كالتأثير الياباني على الاقتصاد العالمي، وكذا الدور الاقتصادي التنموي للنمور الآسيوية (ماليزيا، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وأندونيسيا) . - العمل الإسلامي واللوحة العالمية: كان القصد من طرح هذه الدراسة المكثفة رسم لوحة للواقع العالمي الحالي؛ بهدف توجيه أنظار الدعاة والعاملين في الحقل الإسلامي، وخاصة من هُمْ في مواقع القرار إلى خريطة الصراعات الدولية، والتواءاتها المنوّعة؛ فإن ذلك سيساعد كثيراً في وضع الخطوط العريضة للعمل الإسلامي المحلي والإقليمي والعالمي، وتأثيراته المنظورة أو المنتظرة.

стр. 5279

سرطان الاستيطان.. والموت الطيء .. محمد خليل لذلك ومع احتلال هذه الأراضي، والاعتراف الدولي المجحف بالدولة «العبرية» ، والهجرة الجماعية لليهود تم إحياء السياسات المتمحورة حول العرقية في فترة الاستعمار من قِبَل الحركة الصهيونية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، وتمت إعادة تشكيل المناطق التي ركزت على التهويد الشامل والتوسعي، أو محو الملامح العربية، وهو ما تم تبنيه من قِبَل دولة الاحتلال «حديثة التكوين» ؛ بهدف ملء الفراغات الجغرافية التي أوجدها نزوح المليون فلسطيني عن أراضيهم ومنازلهم، وسعياً إلى تشجيع «المهاجرين الجدد» على استعمار الأراضي المحتلة حديثاً. وبُني برنامج (التهويد) على خرافة السيطرة التي زُرعت منذ قيام الصهيونية والمبنية على أن الأرض تخص الشعب اليهودي وحده فقط. وتطور نظام توطين عرقي على الأرض من أجل دمج المهاجرين اليهود بالأرض الجديدة بأقصى سرعة ممكنة، وأيضاً لإخفاء وتهميش وجود الشعب الفلسطيني على الأرض قبل وصول الصهاينة. ولقد أدخلت تعبيرات جديدة على اللغة العبرية؛ من أجل تمجيد وتشجيع الاستعمار في هذه المناطق، والتي عرفت فيما بعد بـ «التخوم» . وأضحت تلك «التخوم» مشاعل للمشروع الصهيوني، وقد اعتبرت مستعمرات «التخوم» أحد أعظم إنجازات أي صهيوني، وأضحت القرى الزراعية التعاونية، أو ما تسمى «الكيبوتسات» (التخوم) مثالاً يحتذى صهيونياً، وامتلأت اللغة العبرية بتصويرات دافعة مثل: «عليات كركع» الصعود للأرض أو الاستعمار، «غيئولات كركع» إعتاق الأرض، «هييشوفوت» أو «هيتنحلوت» وهي مصطلحات توراتية دافعة ومحرضة على الاستعمار اليهودي، «كيبوش هاشمما» احتلال الصحراء، و «هاجشما» حرفياً تعني الإنجاز، ولكن تشير إلى استعمار التخوم. وبناء على ذلك فقد ساعد تمجيد «التخوم» في تشكيل الهوية الإسرائيلية الوطنية والهوية اليهودية، من خلال احتلال مساحات واسعة من الأرض؛ من أجل تجسيد تلك الهوية عليها، وتُرجم تمجيد التخوم إلى برنامج توسعي من التهيئة الاجتماعية الإقليمية الصهيو - يهودية، تمثل في مناهج المدارس، والأدب، والخطب السياسية، وغيرها من المجالات، وبهذا استمر «الاستعمار» في كونه حجر الزاوية لبناء الأمة الصهيونية، حتى بعد إنشاء ما أصبح دولة يهودية ذات سيادة. إن الإدراك التاريخي والفهم السياسي الاستعماري للأرض الفلسطينية على أنها «مِلك حصري لليهود» أوجد نقاشاً وطنياً هيمنت عليه الفكرة التاريخية أحادية المسار المنبثقة عن ادعاء اليهود إجبارهم على النزوح من فلسطين قبل ٢٠٠٠م عام، ومن ثم فإن العودة إليها من حقهم. وقد أسهمت النقاشات الداخلية التي جرت في تشريع سياسات عنصرية كثيرة لدى الصهاينة فرضت على المواطنين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، بما فيها فرض الحكم العسكري، والحرمان من التطوير الاقتصادي والاجتماعي، وفرض المراقبة السياسية، والتمثيل السياسي غير العادل، وبالطبع فإن الأمر أكثر ارتباطاً بالموضوع، وهو الاستيلاء الواسع النطاق على الأرض الفلسطينية. - الاستعمار والأراضي الفلسطينية: مع إنشاء دولة الاحتلال بلغ المشروع الاستعماري الصهيو ـ يهودي أشده، في مهمة لمحو الهوية العربية من البلاد، ومن أجل السيطرة على الأراضي الفلسطينية؛ ففي الفترة ما قبل عام ١٩٤٨م كان حوالي ٧ ـ ٨% من فلسطين التاريخية مستولى عليه من اليهود، وحوالي ١٠% تحت سيطرة الاستعمار البريطاني، لكن دولة الاحتلال زادت نسبة سلبها للأراضي، حتى وصلت إلى ٩٢% من نسبة أراضي فلسطين التاريخية داخل ما يسمى «الخط الأخضر» ، وكانت حصة الأسد من الأراضي المسلوبة تتم عبر نهب أملاك اللاجئين الفلسطينيين، فضلاً عن الاستيلاء على ثلثي الأرض التي كان يمتلكها من بقي صامداً على أرضه من فلسطيني الداخل، لتصل نسبة ما تبقى مما يملكونه من أراضيهم الأصلية إلى ١٦% فقط. ومنذ إنشاء الدولة اللقيطة كان نهب الأراضي يتم من جانب اليهود من الأفراد، أو من قِبَل دولة الاحتلال بذاتها، ولقد تم ضمان بقاء هذا الأمر بإنشاء منظومة قانونية ومؤسساتية لإدارة الأرض تمرر القوانين التي تسهل عمليات النهب والسلب للأراضي والممتلكات، وبواسطة إعطاء الوكالة اليهودية، والصندوق القومي اليهودي ـ هما أكبر مؤسستين تمثلان اليهود في العالم ـ الحقَّ القانوني للصهاينة في الاستعمار، وما يسمى (تطوير الأراضي المصادرة) بالنيابة عن الدولة. وخلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تم إنشاء أكثر من ٧٠٠ مستعمرة يهودية، في إطار تشكيل البنية التحتية لتوطين وتسكين المهاجرين اليهود الذين ما زالوا يتدفقون على فلسطين المحتلة حتى اليوم، ونتيجة لذلك تغلغل المهاجرون اليهود في معظم المناطق الفلسطينية؛ مما جعل كثيراً من القرى الفلسطينية محاطة تماماً بالمستعمرات اليهودية؛ حيث كان غير اليهود يُمنعون من شراء وحدات سكنية فيها، وأصبحت الأقلية الفلسطينية محتجَزة في معازل «غيتوهات» . وفي إطار ذلك، لم يفقد المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل ممتلكاتهم الشخصية فقط، بل تم تهجيرهم وتشريدهم من أراضيهم ومناطقهم؛ حيث كانت كل أراضي فلسطين المحتلة ١٩٤٨م تقريباً حكراً على الاستعمار اليهودي. - المستعمرات وأثرها على المجتمع الإسرائيلي: إن التركيز على استعمار «التخوم» بوصفها جزءاً من مشروع الاستعمار اليهودي أوجد العديد من الصدوع داخل المجتمع الإسرائيلي؛ حيث تقدمت طبيعة هذا المشروع الاستعماري اليهودي العرقية والاجتماعية في ثلاثة مراحل رئيسة، كانت أخطرها المرحلة الثالثة التي انبثقت في العقدين الأخيرين الماضيين. وقد بدأت هذه المرحلة بإنشاء ما يقرب من ١٥٠ مشروعاً مدنياً صغيراً، عرف بالمجتمع أو المستعمرات الخاصة (يشوفيم كهيلاتييم) ، وهذه الضواحي الصغيرة الواقعة قرب مناطق مهمة على جانبي «الخط الأخضر» تم تقديمها للجمهور على أنها جهد جديد لـ «تهويد» تخوم إسرائيل العدوانية، والتي تم تشريعها عبر حجة «الأمن القومي» و «التهديد العربي» لأراضي الدولة، واحتمال قيام حركة انفصالية عربية. وفي الضفة الغربية تم تقديم حجة إضافية للاستعمار اليهودي فيها، وهي فكرة العودة إلى المناطق اليهودية التوراتية القديمة. - الديمقراطية العرقية للمستعمرات: لقد تميزت موجات الاستعمار الصهيوني المختلفة اجتماعياً ومؤسساتياً بدعم وتشجيع من الدولة «العبرية» ؛ حيث تم استنباط وتنفيذ سلسلة واسعة من الآليات، ليس فقط من أجل الحفاظ على أنماط منيعة من التمييز العنصري بين العرب واليهود، بل لإنشاء خطوط تفرقة متباعدة بين الطبقات اليهودية العرقية، وتضمنت آليات الفصل: تمييز الحكومات المحلية وحدود الدوائر التعليمية، وتطبيق خدمات حكومية منفصلة وغير متساوية، خصوصاً خدمات التعليم والإسكان، بالإضافة إلى التوزيع غير المتساوي للأرض بناء على الخلفية الطائفية. هذا الفصل والتمييز الذي بُني على أساس التوزيع السياسي والجغرافي والعرقي عبر إسرائيل قاد عدداً من المحللين والكتاب، وخاصة داخل إسرائيل إلى التساؤل حول ماهية إسرائيل باعتبارها ديمقراطية؛ مفضلين وصف هذه الحالة السياسية كـ «ديموعرقية» مشيرين إلى توزيع القوى حسب الأصل العرقي. ولقد جعل الاستعمار في الأراضي الفلسطينية المحتلة «الخط الأخضر» بلا معنى كحدود للسيادة الإسرائيلية، لكون عدد من الإسرائيليين يقطنون داخل الضفة الغربية، والقدس المحتلة، وقطاع غزة. وامتد القانون الإسرائيلي بشكل أحادي الجانب ليضم كل مستعمرة داخل فلسطين، ومن ثم فقد تحول الخط الأخضر إلى آلية جغرافية للفصل، ليس فقط للإسرائيليين عن المستعمرين اليهود بل أيضاً للفلسطينيين غير المواطنين. - العمل الدائب لتوسيع المستعمرات: كان التوسع الاستعماري المترافق مع طرد السكان الأصليين الفلسطينيين من أعمدة سياسة الحكومة الإسرائيلية الرئيسة منذ عام ١٩٤٨م، بعدما أُجبر حوالي مليون فلسطيني على مغادرة منازلهم، وقتل ١٣ ألفاً منهم، فيما بات يعرف بالنكبة؛ حيث احتلت إسرائيل ٧٨% من فلسطين التاريخية، ومسحت أكثر من ٥٠٠ قرية فلسطينية عن الخارطة، وكانت هذه السياسة مؤثرة، خاصة في السنوات الأولى. بعد حرب عام ١٩٦٧م، عندما احتلت إسرائيل الـ ٢٢% المتبقية من فلسطين، كان هناك ضغط دولي كبير عليها للانسحاب، وقد شعر الكثير من الإسرائيليين بأن استمرار الاحتلال سيكون ذا عواقب وخيمة على مستقبل إسرائيل الأمني، وعلى الرغم من ذلك قامت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، سواء من حزبي التكتل «الليكود» أو العمل باتباع سياسة الاستعمار المستمر في المنطقة. الجنرال (آرييل شارون) الذي كان آنذاك قائد المنطقة الجنوبية، وصف الاستراتيجية في قطاع غزة بمصطلحات يرتد صداها في سياسات اليوم: «أردت مستعمرة بين غزة ودير البلح، وأخرى بين دير البلح وخانيونس، وأخرى بين خانيونس ورفح، وأخرى غرب رفح، ولو أردنا في المستقبل السيطرة على هذه المنطقة فإننا نحتاج إلى تأسيس وجود يهودي فيها الآن، وإلا فلن يكون لدينا الدافع للبقاء هناك خلال الأوقات العصيبة» . وفي السنوات السبع التي تلت توقيع اتفاقية أوسلو للسلام عام ١٩٩٣م، ضاعفت الصهيونية من تعداد المستعمرين من ٢٠٠ ألف إلى ٤٠٠ ألف مستعمر في الضفة الغربية، وعندما تسلمت السلطة الفلسطينية المقامة حديثاً المدن والبلدات الفلسطينية بعد الاتفاقية، أنشؤوا طرقاً استعمارية التفافية، من أجل ربط المستعمرات بها، عازلة الأراضي التي تسلمتها السلطة بعضها عن بعض، وأصبح استخدام هذه الطرق والشوارع الحديثة، واستخدام مساحات الأراضي على جانبيها ممنوعاً على الفلسطينيين؛ فمقابل كل ١٠٠ كيلو متراً من الطرق الالتفافية، استولت دولة الاحتلال على حوالي ١٠ آلاف دونم من الأراضي الفلسطينية، مدمرة أي بيوت أو أشجار في طريقها. وطالبت خطة «خارطة الطريق» للسلام التي قُدمت من قِبَل الولايات المتحدة في مايو ٢٠٠٣م إسرائيل بإيقاف نشاطها الاستعماري، بما في ذلك ما يدعى «النمو الطبيعي» ، وطالبتها بتفكيك أكثر من ١٠٠ «بؤرة استعمارية» أنشئت منذ مارس ٢٠٠١م. وعلى أرض الواقع وافق الصهاينة حديثاً على توسيع مستعمرة في غزة، واعتبروا ذلك نتيجة «للنمو الطبيعي» المزعوم، ووافق آرييل شارون على تفكيك عدد من «البؤر غير المصرح بها» ، مدعياً أنه «تنازل مؤلم» ، ولكن حتى أغسطس ٢٠٠٣م لم يتم إزالة سوى ١٠ «بؤر استعمارية» ، وهي عبارة عن مقطورات غير مأهولة، وقد كانت عملية تفكيكها مخططة بعناية من أجل إظهار مدى «معاناة» إسرائيل للعالم من أجل السلام. وفي يوليو ٢٠٠٣م، قال شارون لحكومته: إن بناء المستعمرات يجب أن يستمر، لكن بصمت. وفي محاولة أخرى لجعل بعض التطورات غير قابلة للتغيير؛ فإن الجدار العنصري الذي تبنيه إسرائيل يتلوى الآن في عمق أراضي الضفة الغربية، ويخنقها كالأفعى، ضامّاً الكتل الاستعمارية إلى إسرائيل، وعندما يتم الانتهاء منه في أواخر العام الحالي على أقل تقدير سيضم ما نسبته ٦٠% من أراضي الضفة إلى إسرائيل. - لماذا ينتقل الإسرائيليون للمستعمرات؟ أعداد كبيرة من المتشددين الإسرائيليين ينتقلون للعيش في المستعمرات لأسباب عقائدية، زاعمين أن المنطقة جزء من «إيريتس إسرائيل» أو إسرائيل الكبرى؛ فهم يفسرون «العهد القديم» بأن الرب قد وعد أرض فلسطين لسلالة إبراهيم، وبالنسبة لمجموعات مثل: مجموعة «غوش إيمونيم» أو ما يسمى (كتلة المؤمنين) ؛ فإن استعمار الأرض هو واجب مقدس. وعلى الرغم من ذلك فإن أكثرية المستعمرين تسكن فيها لأسباب اقتصادية؛ فالحكومة تعرض سكناً رخيصاً وذا نوعية عالية، بالإضافة إلى قروض بدون فوائد ومنح، وهو ما يجتذب المهاجرين الجدد بشكل خاص؛ لأنه حسب «قانون العودة» الإسرائيلي فإن أي يهودي يحق له السكن والمواطنة في إسرائيل، وفي بعض المستعمرات فإن اللغة الوحيدة المتكلمة هي الروسية. وفي شهر أغسطس ٢٠٠٣م، أوردت صحيفة «معاريف» العبرية خبراً مفاده أن شارون قرر إحضار مزيد من المستعمرين لغور الأردن في الضفة الغربية، وسيكون السكن فيها للمتزوجين حديثاً مجانياً إذا وعدوا بأنهم سيقطنونها لمدة أربع سنوات على الأقل، بالإضافة إلى «تبرع» بقيمة ٢٧٠٠ دولار للأزواج الحديثين إذا وجدوا عملاً في المنطقة. ومثل تلك الحوافز التي ترقى لمرتبة «الرشوة» الحكومية، شجعت على النمو السريع للمستعمرات؛ فأكبر مستعمرة إسرائيلية «معاليه أدوميم» ، على سبيل المثال، يسكنها ٣٠ ألف مستعمر، وتوجد هناك خطط بلدية لإقامة ٣٥٠٠ وحدة سكنية جديدة لاستيعاب ١٥ ألف نسمة بحلول عام ٢٠٠٨م، ومن بين أكثر المستعمرين تطرفاً هؤلاء الذين يعيشون في مدينة الخليل، والبالغ عددهم ٤٥٠ مستعمراً تحت حماية ١٥٠٠ جندي، وهم يعيشون في قلب مجتمع فلسطيني محافظ يقدر بما يزيد عن ١٣٠ ألف نسمة، من بين كل مدن الضفة الغربية؛ فالخليل أكثرها تأثراً بحظر التجوال؛ حيث بلغت نسبة أيامه في المدينة أكثر من ٥٥% من الأيام بين حزيران ٢٠٠٢م ويوليو ٢٠٠٣م؛ مما أدى إلى شل الحياة الاقتصادية والحياة التعليمية للفلسطينيين. هذا فضلاً عن تجوال المستعمرين المسلحين بحرية في شوارع البلدة القديمة المهجورة؛ حيث لا يتمكن التجار الفلسطينيون من الوصول إلى متاجرهم، وحتى عندما يرفع حظر التجول فإن معظم الفلسطينيين يخشون من مغادرة منازلهم في البلدة القديمة خوفاً من بطش المستعمرين، إضافة إلى أن المستعمرين يسرقون كل ما تقع أيديهم عليه من الممتلكات الفلسطينية في الخليل، لبسط سيطرتهم بالقوة على المدينة بالتدريج، في محاولة خبيثة لطرد سكانها الفلسطينيين. - شكل المستعمرة: تتراوح المستعمرات ما بين مناطق زراعية شبه مأهولة وأحياء سكنية ضخمة، الكثير منها يبدو مشاريع سكنية سوداء مكفهرة؛ حيث تبدو كأنها بنيت على عَجَل، والعديد منها تطل كالحصون فوق التلال المشرفة على المدن الفلسطينية، معزولة عن محيطها بشبكة من الطرق المسفلتة. ووصف الصحافي الإسرائيلي (جدعون ليفي) الواقع المروع للمستعمرات بمصطلحات دقيقة للغاية: «من كل مكان تستطيع أن ترى المستعمرة فوق التل تلوح لك كقلاع ضخمة، مهددة من حولها بشكل مخيف: (غانيم وكديش) فوق جنين، و (بسغوت) فوق رام الله، و (آريئيل) فوق سلفيت، و (إيلون موريه) فوق مخيم عسكر للاجئين، و (معاليه أدوميم) فوق العيزرية، (بيتار إيليت) فوق نحالين، و (براخا) فوق بورين، كلها غريبة، مهددة، محتلة للمنازل، وتواقة للمزيد» . وتزايد مؤخراً تشابك المستعمرات بعضها ببعض بشكل واضح، مشكلة شبكة من المناطق الاستعمارية في عمق الأراضي المحتلة، وأكبرها تمتد شرقاً من القدس حول مستعمرة «آريئيل» التي تقع فوق أكبر مخزون للمياه الجوفية في الضفة الغربية، وقد وافقت الحكومة الإسرائيلية الآن على ضم هذه المستعمرة إلى دولتهم عبر بناء الجدار العنصري حولها. وها هي الأرض الفلسطينية تُسرق، والمدن والقرى تُمنع من التوسع الطبيعي الحقيقي، وسيكون من المستحيل على الفلسطينيين السفر من أحد أجزاء الضفة الغربية إلى الآخر، وهو ما تثبّته دولة الاحتلال يوماً بعد يوم. ووصف تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية عام ٢٠٠١م التناقض المذهل بين المستعمرات في قطاع غزة، والتجمعات السكانية الفلسطينية المجاورة. ويقول التقرير: إن التناقض بين التجمعات لا يمكن أن يكون أقسى من ذلك؛ فداخل المستعمرات اليهودية يعيش السكان في «شاليهات» فاخرة ذات أسقف حمراء، محاطة بأراضٍٍ مروية، وتوجد هناك مراكز مجتمعية، وبرك سباحة، وبيوت محمية، تنتج الطماطم والخس. أما العالم الفلسطيني في الخارج فهو جاف للغاية ومغبر، ذو أزقة مزدحمة بالعربات التي تجرها الحمير والأطفال والبسطات، ويبلغ عدد سكان (خانيونس) الآن حوالي ٢٠٠ ألف، ولا يوجد لديهم نظام مجارٍ، وتُجمع النفايات المنزلية والصلبة في شاحنة، يتم التخلص من حمولتها على بعد بضعة أميال. - زرع «ثقافة العنف» : لقد ذهب المستعمرون بعيداً في اعتداءاتهم على الفلسطينيين انطلاقاً من فكرهم التسلطي، وأحقيتهم المزعومة في الأرض، وشملت اعتداءاتهم تلك العديد من القرى والبلدات الفلسطينية المجاورة للمستعمرات في مسعى حقيقي للعودة إلى سياسة ترحيل الفلسطينيين؛ وذلك لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين، لتسهيل عمليات السيطرة غير الشرعية عليها؛ فإلى جانب احتلال الأراضي والأملاك بشكل رسمي والتضييق على حركة الفلسطينيين؛ سجلت مئات أو آلاف الحالات التي استخدم فيها المستعمرون العنف ضد الفلسطينيين. وفي ظل هذه الأجواء يبدو أن التنظيمات اليهودية السرية التي هدأت، وعملت في السر خلال العقد الماضي، وإنْ على نطاق ضيق بدأت تطفو على السطح من جديد، وبروح أكثر عنفاً وعنصرية، ويعتبر الكثير من المستعمرين ذلك السفاح «باروخ جولدشتاين» الذي ذبح عشرات المصلين الفلسطينيين في الحرم الإبراهيمي بالخليل «بطلاً» . - موقف القانون: تعتبر المستعمرات وفقاً للقانون الدولي الإنساني غير قانونية وتناقض ما يسمى الشرعية الدولية وفقاً لمعاهدة جنيف الرابعة التي وقعت عليها دولتهم التي أكدت أن وجود المستعمرات غير قانوني، وخصوصاً في حالة دولتهم باعتبارها قوة احتلال؛ حيث إنه لا يجوز لتلك القوة ترحيل المدنيين إلى أرض محتلة، أو حتى إحداث أي تغييرات دائمة لا تخدم السكان الواقعين تحت الاحتلال؛ فالمستعمرات من شأنها إيجاد أوضاع تنكر على الفلسطينيين حقوقهم الأساسية المنصوص عليها في قانون حقوق الإنسان. ومن بين هذه الحقوق: - الحق في المساواة: إن المستعمرين تعتبرهم دولة الاحتلال مواطنين إسرائيليين يتمتعون بكامل الحقوق المدنية، بينما الفلسطينيون الواقعون تحت الاحتلال محرومون من ممارسة أبسط حقوقهم على أرضهم. - حق تقرير المصير: إن وجود المستعمرات والطرق الالتفافية تسجن الفلسطينيين في معازل، وتحول دون أي تكامل سياسي واقتصادي واجتماعي بين أراضي الضفة الغربية والقطاع، وهو الأمر الذي يلزم لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. - حق حرية الحركة: وهو ما تقيِّده الحواجز العسكرية وحواجز الطرق المنتشرة بكثرة بحجة حماية المستعمر.

стр. 5280

الجماهير المطلوبة.. مرفوعة من الخدمة أحمد فهمي هناك حلقة مفقودة في العمل السياسي العربي تجعل ذلك العمل أشبه بالمسخ لا معنى له ولا طعم أو رائحة، إنها حلقة الجماهير. وتبدو الأزمة الجماهيرية شديدة الوضوح في دول مثل: مصر، سوريا، تونس، الجزائر، وهي دول علمانية قومية الطابع يعاني فيها الإسلاميون من ضغط وحصار، وأهم ما يلفت النظر في الأداء السياسي لأنظمة هذه الدول أنها تتحرك بلا دعم جماهيري؛ بحيث يصح القول إنها تخوض المعترك السياسي الدولي بلا غطاء شعبي، وتلك نقطة ضعف كبرى. ومنذ عهد الاستقلال «النسبي» عن الاستعمار الغربي والجماهير المسلمة في هذه الدول تتعرض لعملية تشويه وتسكين لهويتها وأفكارها ومشاعرها، حتى أصبحت جماهير مستأنَسة مسالمة لا نكاد نرى لها خطوطاً حمراء سواء في أمور الدين أو الدنيا، ودائماً ما كانت ردود أفعال الجماهير تأتي دون المتوقع، ونادراً ما تجاوزت إلى مستوى التأثير الشامل، ولا أذكر في الثلاثين عاماً الأخيرة أنه صدر من الجماهير تصرف عامٌّ مفاجئ لأجهزة قياس الرأي العام الرسمية في هذه الدول، ولا يُعد الإقبال على صناديق الانتخابات مقياساً دقيقاً أو كافياً في هذا الصدد؛ فهناك فارق كبير بين التعبير الآمن عن الرأي، وبين اتخاذ موقف جماهيري لحماية هذا الرأي. والجهة الوحيدة التي حققت نجاحاً في رفع مستوى أداء الجماهير وتفاعلها إيجابياً هي الحركات الإسلامية، لكن المؤسف أن هذه الحركات نفسها تَراجع أداؤها وتخلت عن جماهيرها، فنفض بعضهم أيديهم من هذا العناء وتحولوا إلى نخبويين إيثاراً للسلامة، وحجتهم في ذلك أنهم يتعاملون مع الرموز التي تتعامل مع الجماهير، ولكن ماذا لو أعجب ذلك الوضع الآمن أعداداً متزايدة في كل يوم؟ سيُصبح الحال أشبه بمدرسة يفوق عدد مدرسيها عدد تلامذتها. وآخرون اعتبروا الاقتراب من الجماهير هو الهدف الأوْلى بالعناية بغضّ النظر عن مطلب التغيير؛ بحيث أصبح الداعية الجماهيري هو الذي يوزع عدداً أكبر من الأشرطة، أو يحضر دروسه أو يتابعها جمهور غفير، بغضّ النظر عن المفاهيم التي يغيرها لدى جماهيره أو يجددها في حياتهم. وهناك فئة ثالثة تعاملوا مع الجماهير بطريقة نفعية تقلب المعايير؛ فبدلاً من أن تكون الحركة الإسلامية في خدمة الجماهير المسلمة، أصبحت الجماهير في خدمة الحركة، وهذه الوضعية المقلوبة ربما جاءت بنتائج كارثية مع الزمن خاصة وقد بدأت حركات قومية تتسلق من جديد أكتاف الإسلاميين وتطور خطابها ليحتوي مضموناً إسلامياً مدجَّناً يدغدغ مشاعر الجماهير الغافلة. إن أداء الإسلاميين الجماهيري في الحقبة الأخيرة بات مشوهاً إلى حد كبير، وفقدت الجماهير من يقودها ويوجهها ويدفعها لاتخاذ مواقف إيجابية لنصرة الدين، وقد أدى ذلك إلى تزايد سلبية الشعوب المسلمة، ومع تتابع الضربات أصبحت ردود الأفعال كافية فقط كي نشعر بأن المريض لا يزال على قيد الحياة، وفارق كبير بين صرخة الألم وصيحة النصر. لقد أصبحت الجماهير خارج الخدمة منذ عدة عقود؛ فهل من وسيلة لإعادة الحرارة لهذه الشعوب المظلومة؟

стр. 5281

ونطق الكرسي كما نطق الحجر ممدوح اسماعيل أنا كرسى صُنِعت خصيصاً لأجل كل قعيد أقعده المرض عن السير والحركة والنشاط، ولكن عندما جلس الشيخ أحمد ياسين عليَّ وشممت رائحته الزكية وجدت رجلاً صحيح الفكر، قويَّ الهمة، روحه عالية. أتعبني بعزيمته وحيويته، وتأملت حولي فوجدت كراسي كثيرة ثابتة لا تتحرك بأربعة أرجل، صنعوها لاصحابها لتبقى جامدة لا تتحرك بهم، وجلس عليها رجال فكرهم مريض، وهمتهم ضعيفة، ونواباهم خبيثة، ولا نشاط لهم إلا في المظالم. أدمنوا أوامر الظلم والفساد، وبخلوا بالعمل الصالح. ظنوا أنهم مخلدون فالتصقوا بالكراسي، ورفعوا أرجل كراسيهم ليتعالوا على الناس، ولصقوا الذهب على المساند ليفتخروا، وتمايلوا على كراسيهم تكبراً. أما ذاك الشيخ القعيد ﵀ فما وجدت فيه إلا تواضعاً لكل الناس، وقلباً منفتحاً محباً للخير والفلاح. كنتَ قدوة للأصحاء تعمل فيعملون بعملك، تقول فيقولون بقولك، تصلي فيصلون معك. رأيتك تعلِّم مَنْ حولك كيف تكون المقاومة، ولم يكن لك حديث إلا عن الجهاد من أجل تحرير فلسطين. أرهقتني كثيراً بسعيك للجهاد والاستشهاد، وكلما تلفَّتُّ بحثاً عن أصحاب الكراسي ذات الأربع أرجل لا العجلات أصحاء الجسد، مرضى القلوب، أجدهم يختبئون منك ويتحدثون عن حتمية الاستسلام، وأنه خيار ولا خيار سواه. ولا يفوتني أن أذكر كم كانت سعادتي وأنا بصحبتك في سجون اليهود، ولم أرَك في المحنة إلا صابراً محتسباً مؤمناً بربك، واثقاً من طريقك لم تتزحزح عنه قيد أنملة في الوقت الذي يشم أصحاب الكراسي الأخرى رائحة المحن يُهرعون إلى المؤامرات والمؤتمرات. وعندما خرجت معك من السجن إلى غزة سعدت غزة وحق لها أن تسعد، وخرج الجميع يرحبون بالبطل القعيد، وفرحت أنا؛ فما أسعدها من صحبة أن تصاحب بطلاً في زمن شحت فيه البطولة! وكم أبكيتني يا شيخ المجاهدين وانت تبكي حزناً على من فرطوا في فلسطين وفي أوسلو ومدريد، وسمعت أنفاسك ومناجاتك لربك وانت تسأله العون على مواصلة الجهاد رغم الخيانة والخائنين، ولا أنسى حكمتك في درء كل خلاف بين المجاهدين وحلمك على المخالفين من أبناء فلسطين، ويوم دنس السفاح أرض المسجد الاقصى سمعت منك زمجرة الأسد، فاهتزت عجلاتي وتخلخل الحديد في جنباتي وأنت تعلنها: لا بديل للجهاد، حيَّ على الجهاد؛ فانطلقت قوافل الاستشهاد وانتفاضة المجاهدين نحو تحرير فلسطين. ورغم المخاطر والصعوبات كنت في كل مكان بطلاً مجاهداً، قائداً تقود كتائب المجاهدين دون كلل ولا ملل، وكنت أتعجب وأفتخر بك وأنت المعذور عند الله، ومن لا عذر لهم يلهون ويخادعون مغرورين بكراسيهم ظناً منهم أنها باقية تحميهم؛ فلا هي تبقى، ولا هم يبقون. وعندما أُطلقت صواريخ الباطل تعلن استشهاد أصحابك لم أرَ منك وهناً ولا حزناً، بل وجدتك مستبشراً فرحاً بالشهداء واختيار الله لهم وصمودهم على الطريق حتى الموت، وكنت دائماً تردد: نحن طلاب شهادة. واقتربت منك صواريخ الباطل تريد النيل منك، ونجَّاك الله؛ فما عرفت منك خوفاً ولا وجلاً، بل صممت على طلب الشهادة، وأراد محبوك أن تختبئ فكشفت صدرك للموت ساعياً للشهادة، والتفتُّ إلى أصحاب الكراسي ذات الأربع أرجل الأصحاء فوجدتهم يتترسون بكل ما لديهم من سلاح وعتاد وحصون، حتى جاءت الساعة وكانت الأوجاع تشتد بجسدك الضعيف، ولكن قلبك كان أقوى من الجبال الرواسي، وروحك تهفو إلى السماء، وصلينا الفجر وخرجنا من المسجد، وأنت في طهر الملائكة تسبِّح الله القوي العزيز، واندفعت صواريخ الباطل تمزق جسدك الضعيف وأنا معك شاهداً على بطولتك ونضالك، وتهاويت أنا على الأرض بعد ما تكسرت أجزائي، إلى السماء مع الخالدين. فلعلك نلتَ ما أردت يا أعظم قائد في عصر عُبَّاد الكراسي! أما أنا فيكفيني أني كنت كرسي أحمد ياسين. لقد كنتُ كرسىاً لقائد عظيم وشيخ من شيوخ المجاهدين عاش ومات من أجل فلسطين والأقصى، وإني لفخور على كل الكراسي في العالم، فمَنْ مثلي عاش مع أحمد ياسين؟ فجُل الكراسي استعبدت جالسيها فضيعوا كل مبدأ وعقيدة وقيمة إلا أنا أتعبني صاحبي طوال حياته من أجل مبادئه وعقيدته حتى لحظة استشهاده تمزقتُ معه. وأخيراً أتساءل: هل يتعظ عُبَّاد الكراسي، أم يقولون في سرهم: نحن لسنا مثل أحمد ياسين، ولن نعمل بعمله؛ فلن تُدَمَّرَ كراسينا. ومهما قالوا أو عملوا فلن يبقى لهم ذكر إلا بشرّ ما صنعوا. أما أنت فنحسبك شهيداً يبقىك الذكر الطيب. والسلام عليك يا أحمد.

стр. 5282

بعد رحيل جان بول الثاني هل يشارك المسلمون في مستقبل الفاتيكان؟ أبو إسلام أحمد عبد الله «قفوا، نتقدمْ» ذلك هو عنوان الكتاب الأخير الذي ألفه (جان بول الثاني) ، ووزعه منذ شهور قليلة في ذكرى وكان الكتاب السابق لرأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، الذي يحمل عنوان (ادخلوا الأمل) ، قد صدر منذ عشر أعوام، وبيع منه ٢٠ مليون نسخة بحسب تصريحات دار النشر. وبين (ادخلوا الأمل) و (قفوا، نتقدم) وضع (جان بول الثاني) ، لمساته الأخيرة على المشروع ألإبليسي لاختراق جدار الشرق الإسلامي، ليس من خلال اتفاقيات وعقود مع زعماء المسلمين الدينيين أو الزمنيين، إنما من خلال سيل تصريحاته الإعلامية، التي جمعت بين السياسة بصفته رئيساً لأصغر دولة، وبين الدين بصفته رأساً لأكبر كنيسة. ولعل الحصاد الذي تَغَنَىَّ به كبار علماء الأمة الرسميين إثر موت (جان بول الثاني) منذ أسابيع قليلة، وهم يبرقون إلى فاتيكان روما برسائل تعازيهم، كان هو عين الجرائم التي ارتكبها رئيس الفاتيكان السابق في حق الأمة الإسلامية، وعلى رأسها (بالُّونتي) : «السلام» و «الحوار» ؛ إذ كان السلام الذي يحقق الأمل، لم يكن أبداً للمسلمين منه نصيب، وتشهد أحداث الصرب والبوسنة والصومال، وأخيراً جنوب السودان على سبيل المثال لا الحصر، أن الأمل الذي نادي بإدخاله، كان هو تطهير هذه المناطق من المسلمين، وإحلال عَبَدَة الصليب مكانهم، ومع كل هذه الحالات، تدفقت الجيوش الصليبية من كل حدب وصوب وفي مقدمتهما الجيوش «المريمية» الكاثوليكية تحت ستار المعونات والمساعدات، وتوزيع كتابهم المقدس باليد اليمني، وفتات المعونات الرمزية باليد اليسرى. ومن أجل إدخال الأمل أيضاً، أصدر (جان بول الثاني) عشرات التصريحات والبيانات التي طالب فيها أمريكا والغرب الصليبي بعدم الاعتداء على العراق ومن ثم احتلالها، في الوقت الذي كانت «جيوش مريم» و «فرسان الهيكل» الكاثوليكية، في طليعة المتربصين على حدود العراق للتوغل في أحشائها بعد إعلان سقوط العاصمة بغداد رسمياً، ولعل ذلك الحدث بالتحديد، هو ما ترجمه عنوان كتابه الأخير الذي سبق ذكره: (قفوا، نتقدم) . وهاهي أرض فلسطين التي احتلها اليهود عنوة وتحدياً لكل القوانين الشرعية والدولية الوضعية، لم يرد في ملفات الفاتيكان في عهد (جان بول الثاني) ، الذي تجاوز ربع قرن من الزمان ما يشير أبداً لاستنكار أو شجب ولو من باب ذر الرماد في العيون، وكان الفاتيكان من قبل أن يأتيه (جان بول الثاني) ، مؤيداً للحق الفلسطيني في تحرير أرضه، وحتمية إجلاء اليهود من أجل سلامة المقدسات. - الغفران المنقوص: وفي الوقت الذي قرر فيه مجلس الأمن تبرئة الصهيونية من صفة العنصرية، اتخذ (جان بول الثاني) قراره بتبرئة اليهود من دم المسيح، المزعوم صلبهم له وسفك دمه، ولما روَّج مساعدوه أنها تبرئة سياسية لا عقدية، لحفظ ماء وجه الفاتيكان التاريخي، طالبه اليهود ممثلين في قياداتهم الدينية والسياسية (الصهيونية) بالاعتذار مرة ثانية لتأكيد التبرئة الأولى، فلم يتردد (جان بول) في الاستجابة، وأعلن تبرئة اليهود، كتابةً وخطابةً، من زعم صلب المسيح ﵇، وأضاف إلى التبرئة اعتذاره عن التاريخ الأسود للكنيسة الفاتيكانية في حق اليهود، بينما لم يطرح عليه مساعدوه، فكرة الاعتذار عن الإجرام الصليبي البشع في الأندلس، ومثيله في فلسطين وبلاد الشام وبلاد المغرب العربي، ثم صربيا وكرواتيا والبوسنة، وبلغاريا وألبانيا، وأخيراً في الصومال وجنوب السودان. ومن الطرف الإسلامي، كانت التوصيات الخجلى لبعض المؤتمرات والمنظمات والقيادات الدينية، أضعف من أن يكون لها أي صدىً للصوت في الساحة البطرسية أمام القلعة الفاتيكانية بروما، ولم يشغل (جان بول) نفسه كثيراً بهذة القضية؛ وبالضرورة فإن لديه مسوغاته، ولعل أول قائمة هذه المبررات، هي «الانفصام» الشديد أو «الذوبان» الشديد (سواء) بين القوى السياسية الحاكمة للمسلمين، والقوى الدينية الممثلة رسمياً للإسلام في جل ديار المسلمين. - الحوار الكاذب: وكانت واحدة من المآثر التي تَغَنَّى بها بعض قادة المسلمين أكثر مما اهتم بها الإعلام الفاتيكاني، هي ذلك الوهم الكاذب الذي يحمل عنوان الحوار مع الإسلام؛ إذ أفلح مساعدو (جان بول الثاني) في استدراج عشرات المثقفين المتغربين إلى تلك الدائرة الخطيرة، وربطهم عند خطها الخارجي، على مدى أكثر من ربع قرن، ينظم لهم المؤتمرات، ويٌعد لهم البرامج، ويحدد لهم المكان، ويختار من خلالهم المشاركين، ثم يصيغ لهم التوصيات، ليعلن لهم مع الألفية الزمنية الثالثة، أن الفاتيكان يتحاور مع المسلمين وليس مع الإسلام؛ إذ قضى (جان بول الثاني) حياته إلى أن مات الشهر الماضي، رافضاً أن يعترف بالإسلام ديناً سماوياً، وكانت مكرمة واسعة من المسلمين للفاتيكان وأهله، أن هيئة من الهيئات الدينية الإسلامية المتحاورة، أو عالماً، أو داعية، أو موظفاً في مؤسسة إسلامية، لم يكلف نفسه بواجب إبلاغ الفاتيكان برسالة الإسلام (١) ، وليس مجرد الدفاع عنه. - نظرة إلى الآتي: في ضوء هذة المقدمة الدلالية الموجزة، نرى أنه من حق المسلمين أن يبادروا ولو لمرة واحدة على سبيل التقليد، باستخدام حقهم الذي أهملوه طويلاً في القفز بالعقل قليلاً نحو المستقبل القادم، على ضوء مسيرة ربع قرن قضاها (جان بول الثاني) على رأس كنيسته في روما، استطاع خلالها أن يجعل من الجسد المريض للمسيحية في الغرب، وحشاً له أذرع وأنياب تنغرس في لحم الأمة العربية والإسلامية من شرقها إلى غربها، إلى الحد الذي لا نجد فيه أدنى مبالغة، أنه لم يترك وطناً عربياً مسلماً إلا وكان له فيه أرض يسكن فيها جنوده، و (يكرزون) من خلالها بالمسيح الرب. ونتساءل: ما العناوين التي سوف تحملها الصفحات الأولى من (أجندة) اهتمامات البابا الجديد (بنديكت السادس عشر) الذي أسفرت عنه انتخابات (١٢٠) من أساقفة (كاردينالات) الكاثوليك في العالم، بعد أن حذف منهم (جان بول الثاني) (ستة كرادلة) ، وأضاف إليهم (سبعة عشر) قبل موته بأربع وعشرين ساعة، بحسب المصادر الفاتيكانية الخاصة، لأسباب غير معلومة، وغير واضحة، إلا أن تكون واحدة من صور العبث الخفي التي غالباً ما تحدث في (كواليس) الفاتيكان، عند الأحداث الكبرى لعمل توازنات سرية مشبوهة باسم الرب، والرب منها براء، إذ تؤكد المعلومات التي توافرت لجميع وكالات وأدوات الإعلام في العالم كله، أن (جان بول الثاني) قبل رحيله بأيام وليس بساعات، لم يكن يملك القدرة على فتح فمه ليتكلم، وإن فتحه فلم يكن بوسعه أن يصدر صوتاً، كما لم يكن بوسعه أن يحرك يده ليشير إلى رغبة في نفسه، ولم يسع واحد من أتباعه أن يأتي له بـ (قنينة زيت مقدسة) من ذلك الذي ينزل من أيدي الأصنام المدعوة لمريم العذراء أو ابنها يسوع الرب، والمنتشرة في عشرات الدول يتزاحم حولها الناس الذين يعتقدون جهلاً أن فيها الشفاء من كل داء. ولم يستدع واحد من كبار الأساقفة روح العذراء مريم، التي تظهر بزعمهم في سماء الأمم بين كل حين وآخر لتبارك الأعمال، وتشفي الأمراض، وتشهد لمن يراها بالصلاح، فلم يحدث شيء من هذا، ولم يسع أحد إليه، ومات أكبر رأس كنيسة في العالم مثلما يموت كل البشر، لكنه قبل أن يموت كتب وصية يطلب فيها أن يدفن (كالمسلمين) في التراب، وليس (كالمسيحيين) في تابوت، وبقي من بعده السؤال الذي سُئل مِن قبله مائة وأربعة وعشرين مرة، بعدد الذين سبقوه إلى هذا المنصب: من يخلف البابا؟ وماذا سيفعل في تركة سابقه؟ وماذا عن المستقبل؟ - أولاً: الأجندة الغربية: مات (جان بول الثاني) في مساء اليوم الثاني من إبريل الماضي، مخلفاً وراءه واحدة من أضخم التركات عبئاً، وأشدها خطراً، من كل التركات التي خلفها سابقوه لخليفته، على مدى التاريخ كله، وكأني بذلك البابا القادم، وقد ورث جبلاً ضخماً من القنابل الموقوتة المجهزة للانفجار في وجهه، على المستويين العالمي الغربي من ناحية، والعالمي العربي الإسلامي من ناحية أخرى، ولنبدأ بالتركة الغربية، ونختار منها: ١ ـ الكشف عن قاتل البابا (جان بول الأول) ، الذي خلفه (جان بول الثاني) . ٢ ـ الموقف من الماسونية العالمية. ٣ ـ العلاقات الفاتيكانية بالنظام الأمريكي والمنظومة الليبرالية للفكر والسياسة والدين. ٤ ـ إسقاط الدب الشيوعي. ٥ ـ العلاقات الفاتيكانية باللوبي الصهيوني والقوى الدينية اليهودية. ٦ ـ الموقف الأوروبي الرافض للمسيحية بإجماع الغالبية. ٧ ـ الرؤى الأخلاقية الرافضة للإجهاض والمثلية. ٨ ـ ما الضوابط التي سوف يستحدثها البابا الجديد لوقف السلوكات غير الأخلاقية في الكنائس الكاثوليكية وقد باتت ظاهرة تهدد كيان الكنيسة؟ ونتناول من هذه الملفات ما يكفي للدلالة على الحال التي عليها هذه القلعة الضخمة خلف الساحة البطرسية في روما؛ حيث تشرئب إليها أعناق، وتتاجر من خلالها أعناق أخرى، في الدين والسياسة وتجارة السلاح والرقيق الأبيض ووسائل تحديد النسل مما ليس مناسباً تناوله في هذا المقال. - من قتل جان بول الأول؟ صعب للغاية أن يغفل البابا الجديد كشف الحقيقة التي غابت أكثر من ربع القرن، حول موت البابا السابق (يوحنا بولس الأول) ـ ميتة ياسر عرفات ـ بعد شهر واحد من اعتلائه منصبه الخطير وبدون مرض خطير، وهو الموت الذي هيأ لـ (جان بول الثاني) الطريق إلى رأس الفاتيكان مُعبّداً، وتولّى منصبه، بصورة مثيرة للجدل بشكل واسع، لعل أكثر مكوناتها إثارةً هو تفرد (الكاردينال كارلو) سابقاً، (جان بول الثاني لاحقاً) من حيث كونه الأول منذ خمسة قرون الذي يعتلي سدّة الكهانة في الفاتيكان من خارج إيطاليا، وهو حدث جلل في تاريخ البابوية المعاصر. - هل يستقيم الموقف من الماسونية؟ يحمل التاريخ البابوي في الفاتيكان موقفاً واضحاً من المحافل الماسونية، وقد أصدر العديد من البيانات الرسمية والتوصيات والتوجيهات، وحذر الباباوات السابقون من انضمام أحد من رجال الدين المسيحي إلى هذه المحافل العدمية التي تسعى لهدم القيم الإنسانية والمجتمعية. فلما اعتلى (جان بول الثاني) عرش البابوية، لم يجد بأساً في لقاء كبار رجال أندية روتاري وليونز في مقره الفاتيكاني، ثم تطور الأمر بعد ذلك باستقبال أحد كبار أعضاء المحفل الماسوني البريطاني، فكانت تلك اللقاءات بمثابة موافقة ضمنية من الرئاسة البابوية بعدم الممانعة في التحاق رجال الدين الكاثوليك بهذه المحافل التي كانت عضويتها محرمة من قبل وتعتبر شبهة تلحق العار بصاحبها. ولعل تلك التوجهات المشبوهة، هي واحدة من الأمور التي كان مسكوتاً عنها طوال فترة البابوية الراحلة، ولا ندري ماذا سيكون موقف البابا الجديد منها، ونظن أنه إن خالف فسوف يموت سريعاً كما مات (يوحنا بولس الأول) ، وهو ما أشار إليه بوضوح واحد ممن كانوا مرشحين للمنصب الخالي. - العلاقات الأمريكية: يُجمع العديد من خبراء السياسة الأوروبية على علاقة سرية باتت معلومة لدى قطاع عريض من الخبراء، تجمع ما بين (يوحنا بولس) وجهاز الاستخبارات الأمريكي، جرى تفعيلها مبكراً، وبدت أول نتائجها في الزيارة التي قام بها (كارلو) في عام ١٩٧٨ لبلده الثاني بولندة، داقّاً هناك أولى مسامير الكنيسة الكاثوليكية في نعش الشيوعية، وهو ما شغل حيزاً كبيراً من كتاب «صاحب القداسة» لصحفيين إيطاليين، أثبتا فيه العلاقة المريبة التي تربط هذا الرجل بجهاز.C.I.A. إشارة إلى وجود تدخل استخباراتي لافت للبابا في الشرق الأوسط، وثّقه تقرير هام للمركز الإعلامي الفلسطيني من بيت لحم، جاء فيه: «من المثير أنّ البابا (يوحنا بولس السادس) ، يملك أحد أكبر أجهزة جمع المعلومات في الأراضي الفلسطينية، حيث تزوّد الكنائس الكاثوليكية بشكلٍ يوميّ الفاتيكان بأحداث الأراضي الفلسطينية وبشكلٍ تفصيليّ، وإن كان لا يعرف من يستفيد من هذه المعلومات وتحليلها في النهاية» . وعلى الرغم من أن التقرير لا يدّعي علمه بالجهة المستفيدة، فإنه على أفضل الأحوال حين يكون الفاتيكان مستقلاً، فإنه حينئذ يعد من الجهات الاستخبارية، وإلا عُدَّ ـ على أسوأ الفروض ـ من توابعها «الاستعمارية» . - هل يتبدل الموقف من الشيوعية؟ آخر كتب البابا «الذاكرة والهوية» الذي لاقى رواجاً كبيراً طوال فترة تدهور حالته الصحية، أماط فيه اللثام عن قناعته الشخصية بأن الشيوعي التركي (محمد على آغا) ، الذي حاول اغتياله أوائل الثمانينيات لم يتصرف من تلقاء نفسه، معبّراً عن اعتقاده بأن الكتلة الشيوعية السابقة ربما كانت وراء مؤامرة محاولة اغتياله. والخطة كانت محكمة؛ فمن بولندة ذات الثمانية والثلاثين مليون نسمة ـ هم الأكثر كثافة سكانية بين دول أوروبا الشرقية، مقر حلف وارسو، قاعدة اليهود الخلفية في أوروبا ومفرزة الزعماء الصهاينة ـ، من هناك تحرك البابا، ومن هناك أطلق عباراته النارية: «إن المسيح لا يقبل أن يكون الإنسان أداة إنتاج فقط؛ فعلى العامل ورب العمل والدولة والكنيسة نفسها أن يتذكروا أنه لا يمكن فصل المسيح عن عمل الإنسان» ، فلتعوا الدرس يا أتباع منظمة تضامن «ليخ فاونسا» الزعيم العمالي المثير للجدل، والذي أضحى بعدُ زعيماً لبلاده كلها: «أن المسيح يحارب الشيوعية، فلا تكونوا اشتراكيين» ، «نريد الله في مدارسنا، نريد الله في منازلنا، الله هو ربنا» ، وخلافاً لقول المسيح: «دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» ، قال (جان بول الثاني) : «إن على الكنيسة مشاركة الشعب في كفاحه من أجل الديموقراطية» ، فهكذا أريد للكاثوليكية أن تنطق، ليأتي بعدها الرئيس الأمريكي اليميني الجديد (رونالد ريجان) لـ «يبشر» العالم بالديمقراطية، ويعطف على كلام البابا الكاثوليكي كلام رهبان البيت الأبيض المشيخيين البروتستانت، حين بدا الحيز الفكري بينهما ضيقاً، وفي عام واحد أسقط (عيدي أمين) ، وأُحل حاكم مسيحي محله، وأسقط (بوكاسا) الحاكم الإفريقي المسيحي الذي تجرأ واعتنق الإسلام، فأسقطته قوات أكبر دولة كاثوليكية في العالم، ولعل الذاكرة الإعلامية تكون محتفظة بحادثة الكاردينال الكاثوليكي (آرنست) ، التي شاهد وقائعها العالم كله، والذي تورط في الانخراط في حكومة نيكاراجوا الشيوعية كوزير للثقافة، فلما زارها البابا في رحلته الشهيرة إلى أفريقيا، علم بذلك، فغضب غضباً شديداً، ولم يكترث بتوسلات الكاردينال (آرنست) التي أبدى فيها ولاءه للكنيسة وللبابا، لكن «الحبر الأعظم» ـ هكذا كانوا يلقبونه ـ بكل «سماحة» (!!) ، لم يجد حرجاً أن يوبخ الرجل ويعنفه ويهينه أمام عدسات التلفاز، على تورطه بالمشاركة في حكومة شيوعية. - العلاقات الصهيونية اليهودية: تكاد تتفق الأوراق الناقدة لتاريخ (جان بول الثاني) ، على منتج متميز لصناعة كاثوليكية / يهودية مشتركة، مرَّ إنتاجه بعدة مراحل إنتاجية ومحطات دينية واستخبارية فائقة الدقة، بعض هذه المحطات تغلّفه السرية القاسية، وبعضها بات اليوم مكشوفاً للباحثين. أولى هذه المحطات هي النقطة الفاصلة في حياته، عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، هارباً مع ذويه من الحدود التشيكية إلى بولندا؛ حيث كان يهودياً على ملة أبيه وفقاً لكتاب الصحفيين البريطانيين (صاحب القداسة) ـ وإن لم يعترف الفاتيكان بذلك ـ ثم بدّل دينه إلى النصرانية عندمّا عَبَر الحدود التشيكية (موطنه الأصلي) إلى بولندا مع بدايات الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩ (حين اعتبر اليهود وقتها أنفسهم مضطهدين) ، وقيل ـ دون أي توثيق ـ إنه درس اللاهوت سراً بعد ذلك، ليكون كاهناً عام ١٩٤٥، ثم قساً عام ١٩٤٦، ثم أسقفاً عام ١٩٥٨، ثم كبير أساقفة عام ١٩٦٤، ثم كاردينالاً عام ١٩٦٧ بعد ثلاث سنوات فقط. وفي محطة تحوله إلى النصرانية، ثمّة ما يمكن الوقوف عنده مليّاً إذا ما استصحبنا قديماً رحلة (بولس الرسول) (١) الذي أتى بعد رفع المسيح بسنوات محدودة من بطن اليهودية إلى قمة النصرانية الذي وضع هو أسسها وفقاً لمرجعيته الأولى، ثم كانت رحلة (عبد الله بن سبأ) من اليهودية إلى الإسلام ظاهرياً (٢) ، ثم حدثناً منذ خمسة قرون تقريباً رحلة (مارتن لوثر) من الكنيس اليهودي إلى الكنيسة المتمردة على كاثوليكية روما وتأسيسه للبروتستانتية، ثم رحلة (كارل ماركس) من موائد ومعابد اليهودية إلى إمبراطوريات الإلحاد الشيوعي ووضع نظريته «الماركسية» ، ثم حديثاً رحلة (مصطفى كمال) (١) ابن زبيدة اليهودية، حيث الأب مجهول ـ من عباءة اليهودية إلى التظاهر بالإسلام، وتبنّيه للقومية الطورانية التركية. لذلك كان حتماً أن تنعطف نحو حياة مهندس الوثيقة البابوية «بتبرئة اليهود من دم يسوع المسيح» التي صدرت عام ١٩٦٥، وهو (كارلو فوتييلا) أو (جان بول الثاني فيما بعد) ، الذي استطاع بعد اعتلائه عرش البابوية أن يدجن الكنيسة الكاثوليكية مثلما دُجِّنَت الكنيسة الإنجيلية تماماً في حضن الصهيونية، قائلاً: «لو كان المسيح ﵇ يهودياً ـ فإنه لشرف عظيم لبابا روما أن يكون يهودياً هو أيضاً» ، وزاد: «إن اليهود أعزاؤنا وأشقاؤنا المحببون، وهم بحق الشقيق الأكبر» . بدأ (جان بول الثاني) البابا السابق رحلته المشبوهة بعد أقل من ثلاث سنوات في البابوية، حتى أفاض من «كرمه» على الصهيونية معترفاً بـ «دولة الكيان الصهيوني» في عام الاجتياح والمذابح الصهيونية الوحشية لأرض لبنان ١٩٨٢م، ولم يتردد في نشر نصائحه للنصارى أن يحبوا اليهود؛ لأنهم شعب (المسيح اليهودي) ، ثم كلل ذلك بأول زيارة فاتيكانية لكنيس يهود بعد ذلك بأربع سنوات في روما، وصلاته فيه، وسط ذهول «نصارى» الكنيسة الشرقية، ثم توجيهه اللوم أخيراً قبل عامين من الألفية الثالثة لأتباعه المتسببين أو الذين صمتوا على ما يعرف بـ (الهولوكوست اليهودي) أو القتل الجماعي الذي ينسب للنازي. - ثانياً: الأجندة العربية الإسلامية: أما على الصعيد الإسلامي والعربي، فإن الرؤية المستقبلية لا تتحمل أن تبقى في دائرة علامات الاستفهام التي أخضعنا لها عناصر الأجندة الغربية؛ إذ يكون من المأمول أن ينتقل العقل العربي من دائرة الركود والسلبية إلى الدائرة المشاركة، بعدما أصبح هو نقطة الارتكاز الأول التي تتوجه إليها كل الأطروحات الغربية والشرقية، رغماً عنا أو بإرادتنا. ونرى أن قائمة الاهتمامات التي يجب أن ينتبه إليها البابا الجديد للفاتيكان لا بد أن تتفاعل معها الإرادة الإسلامية العربية، لتخرج بها إلى دائرة الضوء بإرادتها لا بإرادة غيرها، مستفيدة من حدث التغيير الذي ظل العالم العربي أسيراً أو مسروقاً لحسابه مدة تجاوزت ربع قرن، وأهم هذه الاهتمامات: ١ ـ حق المسلمين في إعلان الفاتيكان اعترافه بالإسلام، حتى لو لم يكن المسلمون في حاجة لهذا الاعتراف. ٢ ـ حق المسلمين في إعلان الفاتيكان اعتذاره للمسلمين عن الحملات الصليبية المتكررة على العالم الإسلامي، والمذابح التي ارتكبوها في حق المسلمين، حتى لو لم يكن المسلمون في حاجة لهذا الإعلان، في ضوء ما فعله الفاتيكان من اعتذار متكرر لليهود، ليس عن قتل النصارى لليهود كما فعل النصارى في المسلمين، وإنما كان الاعتذار؛ لأن النصارى تخاذلوا عن دعم اليهود في مواجهة النازية. ٣ ـ التزام الفاتيكان بوقف حملاته التنصيرية في بلاد الأمة الإسلامية، وهو المطلب الذي تنازل عنه المسلمون لسنوات طويلة، ولم تتنازل عنه الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا على مدى ربع قرن من الزمان بذل فيها (جان بول الثاني) جهوداً كبيرة للتقريب بين الكنيستين دون جدوى، ولم يسمح للأخير أن يزور روسيا ولا أن يضع الأول يده في يد الثاني حتى يوقف الفاتيكان حملاته الكثلكية بين الأرثوذكس. ٤ ـ تخلي الفاتيكان عن أفكاره العنصرية التي نزع إليها خلال ربع القرن الأخير، والتي تجلت مع سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات العشر الأخيرة باسم اليمين النصراني المتصهين. ٥ ـ تعديل مسار العلاقات الفاتيكانية مع الكيان الصهيوني، والكف عن التصريحات الإعلامية المخدرة، والتي لا توقف قتلاً ولا تدعم دفاعاً، وارتضت ظلماً بأن يتقاسم اللص أرض صاحب الحق، وإن مقابلة (جان بول الثاني) لـ (عرفات) عام ١٩٨١، بدت في الحقيقة وكأنها اتفاق مشبوه وتمهيد لاعتراف الفاتيكان بالكيان الصهيوني كدولة عام ١٩٨٦، ولم يكن التصريح الخادع الذي أعلنه الفاتيكان عام ٢٠٠٣: «الحاجة إلى بناء جسور لا بناء جدران» لم يستنكر العمل بقدر ما كرَّسه كواقع. ٦ ـ وقف مناهج الهيمنة الغربية الذي تتبناه البابوية الفاتيكانية، والذي يمكن تعريفه بالوجه الديني للعولمة. ٧ ـ لا بد من إعادة نظر الفاتيكان في الدور الواضح والمباشر لحماية غطرسة اليهود والإحجام عن مساعدتهم، أم سيستتبع الواقع الموروث محاولات تكفيرية جديدة تعطي اليهود والصهاينة مزايا في علاقتهم الجديدة مع الكرسي البابوي؟ وما تأثير هذا على مواقف الفاتيكان وعلاقاته المتشابكة مع القضايا العربية، كصاحب مصلحة أصيله تحتاج مراضاة العالم الإسلامي عموماً والعربي خصوصاً؛ إذ فيه من أتباع الكاثوليكية عدة ملايين، من المهم تبادل المصالح لتيسير شؤونها، وهي ورقة ليس من الصواب السياسي أو الديني أن يهملها العرب والمسلمون. ٨ ـ لجأ (جان بول الثاني) خلال السنوات الثلاث الأخيرة، سيراً على درب المنظومة الأمريكية التي أصبح أسيراً لها، إلى احتواء مشبوه مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كوسيلة لإثارة النعرة الطائفية لدى الشيعة من ناحية، وللضغط على أهل السنة من ناحية أخرى، بادئاً بما أسموه تدليساً: (حوار الأديان والحضارات) ، وهو ما صرح به في بيان له صدر في ٢٣/٦/٢٠٠٢ عندما قال: «من الضروري أن يتعاضد الزعماء الدينيون ـ خاصة زعماء الإسلام والمسيحية ـ لإقامة الحوار بين الأديان أكثر فأكثر» ، معرباً عن شكره للجمهورية الإسلامية الإيرانية التي فتحت أبوابها لبعض الجرعات التنصيرية المحدودة فيما أسماه (جان بول الثاني) : «حل مشاكل الأقليات الدينية» . فما رؤى البابا الجديد، وما خطط المسلمين السنة ورؤاهم تجاه هذا التحالف، إذا ما استمر، وإذا توقف الحوار تماماً بين المسلمين عموماً والكاثوليك؟ ٩ ـ من المهم أن يجيب المسلمون عن سؤال: ماذا لو كان البابا الجديد واحد من الكرادلة الرافضين للحوار مع الآخر أو الذين يودون إقامة جدار أمام الإسلام والمسلمين في أوروبا؟ هل سنشهد مداً يمينياً مسيحياً جديداً يضاف إلى الذي نعاني منه مع الولايات المتحدة؟ وهذه التساؤلات يجب ألا يهملها العقل الإسلامي، إن لم يكن لحماية الأمة من أعدائها، فليكن بسبب قوانين وقرارات ودساتير المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني الذي يعد بمثابة منهج الكنيسة الكاثوليكية الذي يتغير ويتبدل ويتطور ويتراجع ويتقدم وفقاً للسياسة لا وفقاً للدين كما يتوهم كثيرون. ١٠ ـ سقطت هيئات ومؤسسات إسلامية ومفكرون وإعلاميون في دائرة ما عرف زيفاً بالحوار بين الأديان، وأعلن الدكتور محمد عمارة مؤخراً أنه بعد رحلة طويلة في دائرته تبين له أن الحقيقة أشد مرارة وخطراً مما كان يظنه في بداية رحلته، محذراً من الاستمرار في هذا الدرب، بغير الضوابط والدوافع والحاجات والقواعد التأصيلية التي ترشد مساره، وفقاً لأهداف المسلمين وليس استدراجاً لهم؛ فهل يمكن الاستفادة من التجربة وإعادة تقييمها، وأخذ مساحة مناسبة من الزمن تعيد الاتزان للمحاور المسلم الذي أجهده اللهث خلف السراب؟ ١١ ـ لقد رفض الاتحاد الأوروبي بالأغلبية أن تكون المسيحية له عقيدة، ولا أن تكون الكتب المقدسة مرجعاً، ولا أن يكون للمؤسسة الفاتيكانية اعتباراً في تحديد آلية وشكل ووسيلة المنظومة الغربية الجديدة، وعبَّر الفاتيكان رسمياً السبت ١٩/٦/٢٠٠٤ عن خيبة أمله لإغفال ذكر الجذور المسيحية لأوروبا في الدستور الأوروبي الذي تم إقراره الجمعة في بروكسل خلال قمة الاتحاد الأوروبي، وقال بيان للمتحدث باسم الفاتيكان (جواكين نافارو فالس) : «إن الحبر الأعظم لا يمكنه سوى الإعراب عن الأسف لمعارضة عدد من الحكومات الاعتراف بشكل واضح بالجذور المسيحية لأوروبا» ، مؤكدا أن ذلك يشكل «رفضاً للبرهان التاريخي والهوية المسيحية للشعوب الأوروبية» . وكانت الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية في ألمانيا قد أعربتا أيضاً عن خيبة أملهما لعدم إشارة الدستور الأوروبي للمسيحية، وحاولت بولندا وإيطاليا حتى اللحظة الأخيرة الحصول على ذكر للمسيحية في مشروع الدستور الأوربي، إلا أن معارضة عدد كبير من الدول، بينها فرنسا، كانت قوية جداً، فغاب ذكر المسيحية بنص الدستور. الأمر الذي يفرض على المسلمين اليقظة التامة لعدم نقل هذه الروح الانهزامية تجاه الدين والقائمين عليه، وعلى المؤسسات الدينية الإسلامية ـ أن تعي تلك الرسالة وتنتبه لخطورتها على الأمة الإسلامية، ويكون من الكفر بالإسلام أن نجعل الاعتقاد بالله والقرآن والسنة والتمسك بالمسجد والالتزام بالشعائر، قابلة للتمييع أو الذوبان، أو أن تكون وجهات نظر يباح فيها اللغط. وعلى صعيد آخر؛ فإن هذه الروح التي تبنتها القوى السياسية في أوروبا، لا بد أن تجد في الإسلام والمسلمين حاجتها، وأن تصل بهداها إلى ضالتها، ويكون الأمر حينذاك فرض عين على كل مسلم ومسلمة، أن يتحمل نصيبه من هذه التبعة. ١٢ ـ لقد كشفت الوثائق خلال الأعوام العشرة الأخيرة أن إعلان الفاتيكان عن مطالبته للدول الغنية إعفاء الدول الفقيرة من ديونها، هي مخادعة شيطانية تتم عبر الوثيقة البابوية التي صدرت عام ١٩٩٤م، بعد سقوط الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة، والتبدل المحوري في تعامل الغرب مع الجنوب حيث دعت تلك الوثيقة إلى «تحرير الدول الَمدِينة التي أصبحت كالرقيق عند دائنيها» ، وطالبت بحملة حاسمة لذلك مع حلول عام ٢٠٠٠ م، وانتشرت الدعوة عن طريق أكثر من ٨٠٠ مركز ورابطة كنسية ومالية واجتماعية في أنحاء العالم، وكان من إنجازاتها جمع ملايين التوقيعات لقمة كولونيا للدول الصناعية عام ١٩٩٩م، والتي اتخذت أول قرار رسمي دولي بصدد إلغاء الديون جزئياً عن بعض الدول الشديدة الفقر، وهو ما يشير إلى أن الفاتيكان لا يوظف في هذا الإطار أمواله، فتلك متروكة للدول الصناعية ومصارفها المالية والمؤسسات المالية الدولية المرتبطة بها، وإنّما وظف الفاتيكان بياناته ونشاطاته الاجتماعية ودعواته الإنسانية، وقد كسب بذلك الطرح ربط إجراءات القوى الدولية والمالية الغربية على وجه التخصيص، تجاه الدول النامية الفقيرة، من قبيل إلغاء بعض الديون، بأنها كانت استجابة لجهود الكنيسة وبفضل نداءاتها، وقد يكون هذا بالذات مقصودًا من وراء التوقيت للخطوات الدولية الأولى في هذا الاتجاه بعام ٢٠٠٠ م، وهو ما تعتبره الكنيسة «عامًا مقدسًا» . وعندما استعرضت الكنيسة نتائج حملتها الأولى في اجتماع عُقد في ٢٥/١١/١٩٩٩ م كانت قد مهدت لذلك بسلسلة من الاجتماعات بين مندوبيها ومندوبي المصارف المالية الكبرى في العالم، بما في ذلك المصرف المالي العالمي، وتبع ذلك اجتماعات عقدت في مطلع العام الجاري، وشملت صندوق النقد الدولي، وأسفرت الاتصالات في خاتمة المطاف عن الاتفاق على «شراء الكنيسة» للديون المستحقة على بعض الدول، مثل ديون غينيا وزامبيا المستحقة لصالح إيطاليا، ولا يعني ذلك في البداية إلغاء الديون، قدر ما يعني أن الطرف الدائن أصبح الفاتيكان بدلاً من المصارف المالية. كما أن كلمة «شراء» لا تعني تسديد مبلغ ما؛ فالكنيسة لم تنفق شيئاً، والديون المعنية هي تلك التي تدخل في برامج إلغاء الديون عالميّاً، ولكن بدلاً من الإلغاء المباشر؛ فإنه يأتي عن طريق الفاتيكان، وبدلاً من «الشروط الدولية» يأتي النفوذ الكنسي، أو الشروط الكنسية، أو التسهيلات على صعيد النشاطات التنصيرية وغير التنصيرية، وهكذا تتحول دولة الفاتيكان إلى طرف من الأطراف المالية الدولية القادرة على استخدام عنصر المال على نطاق أوسع من ذي قبل في التأثير على الدول عن طريق الأغلال التي صنعتها حقبة الاحتلال والاستغلال الماضية، فضلاً عن القصور المحلي في الدول النامية نفسها، علاوة على استخدام عنصر المال في التأثير على الفئات الشعبية الأضعف عن طريق بعثات التنصير وما يوضع بين يديها من طاقات «المعونة الاجتماعية» . وهكذا أيضاً تكون الكنيسة قد دخلت المشروع المطروح دوليّاً دون رأسمال ـ طرفاً فيه ـ على افتراض تنفيذه بصورة كاملة خلال عدة أعوام قادمة ـ لا يتجاوز حدود إلغاء الديون على أفقر ٢١ دولة في العالم، أي ما يعادل ١٠ (عشرة) في المائة من الديون المتراكمة على الدول النامية، والتي وصلت مع الرسوم الربوية عليها في هذه الأثناء إلى أكثر من ألفين وثلاثمائة مليار دولار. والمفاجأة أنه لا ينبغي أن يدفع هذا الدور الجديد للفاتيكان ـ والذي يبدو حيوياً وفاعلاً ـ إلى الظنّ أن هذا هو الجانب الرئيسي للعلاقات المالية بين الكنيسة الكاثوليكية والدول النامية بما في ذلك الأفقر من سواها، إنما نسوق له مثالاً صارخاً من ساحل العاج، المعروفة بأنها أفقر الدول النامية الَمدِينة، وقد أقيمت في عاصمتها (ياموسوكرو) كنيسة كبرى، بلغت تكاليفها أكثر من ٦٠ مليون دولار، وهي حاليًا أكبر الكنائس في العالم إطلاقاً، وقد بنيت على طراز كنيسة بولس في روما، وافتتحها البابا يوحنا بولس الثاني في احتفال كنسي ضخم عام ١٩٩٠ م.. وبقيت ملاحظة بسيطة، جاء هذا الافتتاح بعد أن قدّمها رئيس ساحل العاج (فيليكس هوفييه بويني) «هدية» لدولة الفاتيكان. تلك هي بعض الملاحظات التي يجب الاعتبار بها في التعامل مع الوجه الجديد من غيابات المجهول بالنسبة للمسلمين، ولا نظن أن اختلافاً جوهرياً يمكن أن يحدث في سياسات الفاتيكان مع المسلمين، إلا بشرط واحد: أن يكون الاختلاف آتياً من عند المسلمين أنفسهم.

стр. 5283

مرصد الأحداث أحمد فهمي أقوال غير عابرة «اليهود إخواننا المميزون، بل هم إلى حد ما إخوتنا الكبار» من أقوال البابا السابق يوحنا بولس الثاني. [الجزيرة نت، ٣/٤/٢٠٠٥م نقلاً عن صحيفة لوموند الفرنسية] - «هذه الصواريخ ستمنع الطائرات الإسرائيلية من التحليق فوق قصر الرئيس ـ بشار ـ» . الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يذكر الغرض من تمرير صفقة صواريخ قصيرة المدى مضادة للطائرات إلى سوريا، سبق أن اعترضت عليها حكومة شارون. [الرأي العام، ٢٣/٤/٢٠٠٥م] - «إنه يوم حزين جداً لعائلة بلاكووتر» غاري جاكسون رئيس بلاكووتر يو إس إيه الأمنية الأمريكية العاملة في العراق، يعلق على مشاعره تجاه مقتل سبعة مرتزقة يعملون في الشركة في يوم واحد» . [ميدل إيست أون لاين، ٢٢/٤/٢٠٠٥م] - «التهدئة هي مناورة داخل مربع المقاومة، وليست مناورة للخروج من مربع المقاومة» . خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. [السبيل، ١٩/٤/٢٠٠٥م] - «نحن نحمِّل أبناء الطائفة السنية مسؤولية هذه الأحداث، ونطالبهم بإيقاف هذه الحركة الإجرامية، حتى لا نضطر الى ردود أفعال نحن في غنى عنها» . أسعد أبو كلل محافظ النجف العراقية، وأحد القياديين في المجلس الأعلى الشيعي للثورة الإسلامية، يعلق على انفجار سيارة مفخخة أمام مسجد شيعي. [القبس، ٢٣/٤/٢٠٠٥م] - «إنه رجل فائق الذكاء، ويفهم تعقيدات النظام القضائي الأمريكي أكثر من بعض المحامين الذين مروا في هذه القاعة» القاضية الأمريكية ليوني برينكيما، تعلق على إصرار زكريا موسوي المعتقل في أمريكا على إقراره بأنه مذنب في ستة تهم، وجهت إليه تتعلق بهجمات ضد أهداف أمريكية وعقوبتها الإعدام. [القبس، ٢٤/٤/٢٠٠٥م] - «الرجل شغوف بالأكل وهو يقضي ساعات هنا» جيل هوفمان مراسل صحيفة جيروزالم بوست الإسرائيلية في الكنيست، يتحدث عن آرئيل شارون في مطعم الكنيست. [البي. بي. سي، ١٩/٤/٢٠٠٥م]

стр. 5284

الرؤوس المفخخة د. عبد الله بن حمد العويشق أطلت علينا في الآونة الأخيرة رؤوس ترتدي لباس التعقل والاستبصار و «التنوير» وتطلق صفات: التزمت والإسلاموية و «التفخيخ» على من تريد إقصاءه. ومثل تلك المصطلحات تحمل عدة معانٍ وربما قصداً ـ ليتم تفسيرها بحسب الظروف والأهواء، كما في مصطلحات «حقوق الإنسان» و «الإرهاب» و «الحرية» و «الديموقراطية» و «الاستعمار» و «إعادة الإعمار» ... إلا أن التفخيخ وهو أحد تلك المصطلحات الجديدة وبخاصة حينما يضاف للرؤوس فإنما وعندما ننظر ـ في المقابل ـ إلى تلك الرؤوس «المتعقلة» ! «المستنيرة» ! نجدها أكثر تفخيخاً، وأشد تدميراً ـ لو تحقق لها ما تريد ـ للأسباب التالية: أولاً: أن أفكارها التدميرية قد غُطيت بعدة طبقات من الأغلفة البراقة. ثانياً: أن التدمير الفكري يأخذ أبعاداً كثيرة، ويمتد تأثيره طويلاً. ثالثاً: روحها الإقصائية في تناول الرأي الآخر؛ فلا مجال للحوار أو سماع وجهة نظره. وقد برزت مظاهر التفخيخ في تلك الرؤوس في الجوانب التالية: ١ ـ أخذت تلك الرؤوس على عاتقها تبرير الغزو الأجنبي للعراق واحتلاله، مع أن الشرائع السماوية والقوانين البشرية لا تقر ذلك. وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية حاولت الحصول على تفويض دولي فلم تفلح، وشنت حرباً غير شرعية لم تقرها الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن. فبأي حق تروّج له تلك الرؤوس المفخخة، مع معرفتها بأن ذلك الغزو ـ كما هو معلوم ـ قام على أسس كاذبة، اعترف مقترفوها بذلك، واتضح للعالم أجمع عدم صحتها، ما عدا تلك العقول المفخخة التي ما زالت مظهرة تصديقها. ٢ ـ حاولت تلك الرؤوس الترويج للمقولة بأنها جاءت لمنح العراقيين «الحرية» و «الديموقراطية» ، والضغط على الدول المجاورة ـ وفي مقدمتها دول الخليج ـ لإجراء «إصلاحات» ، وإلا فإن مصيرها سيكون مثل العراق. صحيح أن التهديد بفرض الإصلاح خفت في الأشهر الأخيرة للمأزق الذي وقعت فيه أمريكا، لكن حليمة ستعود لعادتها القديمة إذا ما واتتها الفرصة. فهل تريد تلك الرؤوس المفخخة أن نصبح مثل العراق؟ يقول الأمين العام المساعد السابق للأمم المتحدة (دينس هاليدي) : «بوش الديكتاتور الأكبر للنظام العالمي لتورطه في جرائم الحرب في العراق وفلسطين وأفغانستان، إنها إرهاب دولة، وانتهاك صريح لمبثاق الأمم المتحدة، واتفاقية جنيف» ويضيف: «إن أمريكا تريد فرض هيمنتها ـ وليس الديموقراطية كما تدعي ـ لاستنزاف الموارد الطبيعية للعرب، وفي مقدمتها النفط» كما شبّه هاليدي الهيمنة الأمريكية على الوطن العربي بأنه «تسونامي أمريكي» . ٣ ـ لقد تعامت تلك الرؤوس عن الأهداف الحقيقية للغزو الأمريكي والتي تهدد مستقبل العالم العربي والإسلامي على المدى القريب والبعيد: دينياً وثقافياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وإذا كانت قوات التحالف لا تفكر في الخروج من أفغانستان قبل عشر سنوات من الآن، كما أعلن ـ منذ أيام ـ القائد الألماني لتلك القوات؛ فكم من عشرات السنين تكفي لخروج الأمريكان طوعاً من العراق؟ ٤ ـ حاولت تلك الرؤوس إلصاق التطرف بالاتجاهات الإسلامية والمناهج التعليمية، وطالبت بمحاصرتها وتجفيف منابعها، وبتعديل المقررات الدراسية. ولكنها تجاهلت أن حكومة بوش يسيطر عليها تحالف الصهاينة مع «المحافظين الجدد» ـ كما تقول ـ بل بلغ بتلك الرؤوس الحد إلى تزوير الحقيقة؛ فالترجمة الصحيحة لـ New born Christians)) النصارى الجدد، وليست «المحافظون الجدد» التي يريد أولئك أن يلبِّسوا الأمر علينا. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فعندما أعلن بوش حربه الصليبية على الإسلام، انبرت تلك الرؤوس المفخخة إلى تأويلها، بل تجاهلت تصريحاته بأنه يخوض هذه الحرب بتوجيه من الرب، واعترافه بأن اعتقاداته هي التي توجه سياساته؛ فما علاقة المعتقدات بالسياسة في دولة علمانية؟ وقد أشار (لانس دكي) ـ كاتب افتتاحية (صحيفة سياتل تايمز) ـ إلى استغلال بوش وفريقه الانتخابي بقيادة (كارل روف) للمصطلحات الدينية في الحملة الانتخابية. وفي الوقت الذي تدعو فيه تلك الرؤوس إلى تجفيف موارد المنظمات الإسلامية، نجدها تصم آذانها عن دعم حكومة بوش للمنظمات التنصيرية بمبلغ ١٧.١ مليار دولار في سنة ٢٠٠٣، كما جاء في تقرير نشر، وبرر بوش ذلك بقوله: «لأن المنظمات الدينية تقوم بعمل أحسن من غيرها» . لقد رأينا نموذجاً لهذا «العمل الحسن» في استغلال هذه المنظمات لكارثة تسونامي وسرقة أطفال المسلمين اليتامى في إقليم إتشه الأندونيسي، ووضعهم في مخيمات تنصيرية، والذي فضحته وسائل الإعلام العالمية. وفي الوقت الذي تحاول تلك الرؤوس الفخخة إبراز الولايات المتحدة على أنها دولة علمانية، بعيدة عن الانتماءات الدينية، نجد المحللين السياسيين يؤكدون بأن التقارب بين (بوش) و (رايس) ليس فقط تقارباً سياسياً، بل هو أيضاً تقارب ديني؛ فـ (رايس) قد صُبغت دينياً بيدي أبيها القس ومدير الكنيسة، أما سياسياً فقد صنعها أستاذها اليهودي المتعصب المهاجر التشيكي (جوزيف كورييل) والد (مادلين أولبرايت) وزيرة الخارجية في حكومة كلنتون. بل أشار المحللون إلى أكثر من ذلك، وهو أن العامل الأساسي في إعادة انتخاب بوش هو انطلاقه من معتقداته الدينية، على الرغم من إخفاقه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً؛ فصورة الولايات المتحدة الأمريكية قد تدهورت دولياً، وحربها على ما تسميه «الإرهاب» قد أدى إلى زيادته، كما أن العجز في الميزانية بلغ حداً غير معقول؛ فعجز الميزانية في هذه السنة يعادل عجز الميزانية لأكثر من مائتي سنة منذ الاستقلال إلى سنة ١٩٨٦. فيعزون إعادة انتخابه إلى تدينه، على الرغم من إخفاقه في هذه المجالات كلها. بل تلك الرؤوس تتجاهل ما هو أخطر من ذلك، فاعتراف منظمي حملة كيري ـ المرشح الديمقراطي للرئاسة ـ بأن سبب عدم فوزه هو إغفال العامل الديني، هو مؤشر خطير؛ لأنه سيدفع السياسيين إلى المزايدة في ركوب هذه الموجة، ليس داخل أمريكا فقط، بل ستنتشر عدواها في أوروبا وغيرها، وكما يقول أحد المحللين السياسيين الغربيين: «إن السياسي ليكذب كما يتنفس، يكذب حول معتقداته الدينية كما يكذب حول الوجبة التي تناولها البارحة» . كما ركزت تلك الرؤوس على وصف الداعين إلى مقاومة الاحتلال ومجاهدة العدو بأنهم غير واقعيين، وأنهم بزعمهم ضحايا لمفردات ومصطلحات العصور الوسطى، لكنهم صموا آذانهم عن سماع التوجيهات التي يتلقاها الجنود ورجال البحرية الأمريكيون، ليس فقط من القساوسة ـ الذين هم جزء من الجيش ـ بل أيضاً من القادة العسكريين؛ فهي مشحونة بالعبارات الدينية. وكما ذكرت صحيفة (كريستان ساينس مونيتر) الأمريكية أن الجنود المهاجمين للفلوجة يتلون دائماً (مزامير داود) وخاصة (الإصحاح ٩١) الذي يحث على القتال والبطش بالأعداء، بل لو استمعت إلى ما قاله قائد الفرقة التي هاجمت الفلوجة لاعتقدت أنك أمام أحد قادة الحملات الصليبية القديمة: «مزقوا جسد العدو وأرسلوه إلى الله، يحفظكم الرب» . هذه العبارات لا تصدر من جيش يدعي العلمانية، ولكن الرؤوس المفخخة تصم أذنيها عن سماع مثل هذه الألفاظ. ٥ ـ في مقابل تعميق النزعة الدينية في السياسة الأمريكية، تلح تلك الرؤوس المفخخة على المطالبة بالضغط على المنظمات الخيرية في الدول الإسلامية والحد من النشاطات الدعوية وتعديل المناهج الدراسية، لتبادر حكومات تلك الدول بالتنفيذ، بل لا ترضى تلك الرؤوس إلا «إذا طلب الأمريكان منا أن نسير شبراً؛ فعلينا أن نسير ذراعاً» ، كما قال بعض المحللين. ٦ ـ لقد تعامت تلك الرؤوس المفخخة عن جرائم الحرب والتعذيب التي يرتكبها الأمريكيون في أفغانستان والعراق وغوانتنامو، والتي هزت العالم وأرعبته وكشفت سوءة أمريكا، ولكنها لم تجد منفذاً إلى تلك الرؤوس المفخخة، بل انبرت للدفاع عنها وتبريرها بصورة مشينة لم يجرؤ عليها الأمريكيون أنفسهم. وكشفت المنظمات الدولية بشاعة جرائم الحرب الأمريكية، كالصليب الأحمر الذي كتب مجموعة من التقارير، وكذلك منظمة مراقبة حقوق الإنسان الدولية التي نشرت عشرة تقارير موثقة عن فداحة انتهاك الأمريكيين لحقوق الإنسان في كل من العراق وأفغانستان وغوانتنامو، ولكشف مدى مصداقية أمريكا أرفقت تقريرين لوزارة الخارجية الأمريكية تنتقد فيهما بعض الدول ـ ومن بينها دول خليجية ـ لانتهاكها حقوق الإنسان في سنتي ٢٠٠٣ و ٢٠٠٤. إن ما جاء في تقريري وزارة الخارجية من مزاعم غبر موثقة لا يوازي في بشاعته حادثة واحدة من الجرائم التي ارتكبتها أمريكا. أين تلك الرؤوس من هذه الجرائم التي رآها العالم أجمع: لماذا تطالب الضحية بالتسامح، وتتغاضى عن المجرم؟ وكيف ترجع العنف إلى مناهجنا الدراسية وحلقات تحفيظ القرآن؟ وأين درس وتربى قادة الجيش الأمريكي وجنوده الذين ارتكبوا تلك الجرائم؟ ٧ ـ صدّقت تلك الرؤوس المزاعم الأمريكية بأنها تشن هذه الحروب لمكافحة المنظمات الإرهابية، بينما تناست تلك الرؤوس أن أمريكا نفسها تمارس الإرهاب وتدعم دولاً تمارسه كالعدو الصهيوني، وبعض دول أمريكا الجنوبية، وقد بيّن د. عبد الرحمن العصيل ـ أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الملك فهد ـ بأن الولايات المتحدة الأمريكية أحد أبرز مصدري الإرهاب في العالم؛ ففيها ٣٨٠ منظمة إرهابية، تتلقى دعماً سنوياً يصل إلى مائة مليار دولار. ٨ ـ لم تُدِنْ تلك الرؤوس جرائم الإبادة الجماعية التي اقترفها الأمريكيون في مطار بغداد، وبغداد نفسها، والفلوجة، والرمادي، وبعقوبة، والنجف، والموصل ... وقصفها بالصواريخ والمدافع وطائرات بـ ٥٢ والأسلحة المحرمة، وتدمير المساجد وتدنيسها، وهدم البيوت على رؤوس أصحابها المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ، ومنع سيارات الإسعاف والإغاثة من معالجة الجرحى ونقل الموتى، كل ذلك لم يحرك ساكناً لدى تلك الرؤوس المفخخة ولم تنبس بكلمة. لقد أدت هذه الإبادة الجماعية إلى مقتل أكثر من مائة ألف مدني عراقي خلال الستة عشر شهراً الأولى من الحرب، كما جاء في تقرير علمي لأساتذة جامعتين أمريكية وعراقية. لم ترَ تلك الرؤوس هذه المذابح التي يرتكبها جيش نظامي، بينما تضخم عمليات محدودة يقوم بها أفراد ليس لهم قيادة موحدة، وعرضة للاجتهاد والاختراق. ٩ ـ بل بلغ التفخيخ في هذه الرؤوس حد وصف المقاومة العراقية بأنها هي المعتدية وأن الأمريكيين هم المعتدى عليهم؛ وعليه فإن المقاومة الفلسطينية هي المعتدية وإرهابية، وشارون هو رجل السلام، كما وصفته الإدارة الأمريكية. بل لو تعرض بلدنا للتهديد ـ كما جاء على ألسنة بعض الساسة ووسائل الإعلام الأمريكية ـ فعلينا ألاّ نقاوم حتى لا نعتدي على الغزاة. إن القوى الغازية لن تندحر إلا بالمقاومة، يقول الأمين العام المساعد السابق للأمم المتحدة دينس هاليدي: «إن المقاومة العراقية تمارس حقها المشروع لتحرير وطنها، وميثاق الأمم المتحدة ينص على حق الأفراد في الدفاع عن النفس في ظل الاحتلال» . لقد سمع الفلسطينيون من أمثال أولئك كثيراً عن عدم جدوى المقاومة، وخبروا مخاطر هذا الاستسلام، فأدركوا أن المقاومة هي السبيل إلى النصر، مهما خذّل المخذلون، وأزبد المحبطون، وحذَّر المحذرون من قوة العدو عدداً وعدة، وهاهم اليهود الآن يستعدون للهرب من قطاع غزة، راجين أن تحفظ لهم القيادة الفلسطينية الجديدة ماء الوجه وتخفي ذل الهزيمة. لا أحد يتوقع أن يحزم الأمريكان حقائبهم ويهربوا من العراق في المستقبل القريب؛ فالأطماع في العراق كبيرة، والخطط الاستعمارية عريضة، ولكن المقاومة أطول نَفَساً، وهزيمتهم في قطاع غزة تأتي بعد سبع وثلاثين سنة. ١٠ ـ الدعوة الملحة من تلك الرؤوس المفخخة إلى الاستسلام وترك المقاومة ما هو إلا حلم ووهم تمني نفسها به، كما توهم الغزاة بأن الشعب العراقي سيقابلهم بالورود، فلجأت هذه الرؤوس إلى التخذيل تارة، وإلى التخويف تارة أخرى، وإلى التلويح بمخاطر الحرب الأهلية. إن الأمريكان لن يدَّخروا وسعاً في إشعال حرب أهلية عندما تتحقق هزيمتهم. ولكن تلك الرؤوس لم ترَ ما تفعله أمريكا لزرع أسباب الفرقة في العراق؛ فهي تسعى لتقسيم أرضه عرقياً وطائفياً، وتوزيع المناصب السياسية عرقياً وطائفياً في الحكومتين الانتقالية والمؤقتة، بل الأسوأ من ذلك «السماح» بنهب كميات كبيرة من الأسلحة من مواقع تجميع الأسلحة، على الرغم من التحذيرات المتكررة التي قدمتها منظمة مراقبة حقوق الإنسان لقادة الجيش الأمريكي، وشكوى المنظمة من تجاهل هؤلاء القادة لتحذيراتها، كما جاء في عدة تقارير لها. إن هذه الأسلحة ستكون وقوداً لتلك الحرب الأهلية. إن المراهنة على نشوب حرب أهلية في العراق لن تُفلح كما جرى لمحاولة الإسرائيليين في غزة. ١١ ـ طُعْم آخر يعلقه أمامنا أولئك المتأمركون، وهو بناء العراق الحديث. ولكن من قال إن عليك أن تدمِّر بلداً كاملاً لتجعله حديثاً؟ ألم يصل مستوى إدراك تلك الرؤوس المفخخة عقل ذلك الطفل الأمريكي ـ الذي رأى قصف الجيش الأمريكي لبغداد بالطائرات والصواريخ والمدفعية في بداية الحرب ـ فسأل أباه: ماذا يصنع هؤلاء؟ فأجاب أبوه: يحررون العراقيين. فقال الطفل: أرجو ألاّ يأتوا لتحريرنا. لقد أغمضت تلك الرؤوس عيونها عن مغامرات أمريكا التحريرية الفاضحة في أمريكا اللاتينية؛ حيث نصبت مجموعة من الحكام الدكتاتوريين دعماً منها للديموقراطية وبناء الدول الحديثة، أما بناء الدولة الحديثة في العراق فيتطلب ـ بحسب النظرة الأمريكية ـ تمثيلاً نسبياً جنسياً وطائفياً وعرقياً، وهذا وضع تؤثرنا به على نفسها؛ فمجلس الشيوخ والكونجرس ليسا ممثلين نسبياً؛ فالمرأة الأمريكية ـ كاملة التحرير ـ لم يصل تمثيلها إلى عشرين بالمائة، أما التنوع الديني فلم يجد طريقه إلى هذين المجلسين، أما التمثيل العرقي فقد استأثر الأنجلو ـ ساكسون بنصيب الأسد. ١٢ ـ سقوط الأقنعة عن تلك الرؤوس المفخخة التي تحاول تبييض وجه السياسة الأمريكية، وكلما حاول كل واحد منهما تلميع الآخر زاد انكشافاً، وكأنهما في سباق محموم لبلوغ غايتهما، ولكنهما في الواقع متجهان إلى الهاوية. وإنك لتعجب حقاً من دولة توصف بأنها عظمى، وكذلك من عقول تزعم أنها مستبصرة، أن يسعى كل منهما لتدمير الآخر عنوة وهو لا يشعر، إنه زواج خاسر للطرفين. لقد أغمض كلاهما عينيه عن عدة تقارير من خبراء أمريكيين، وآخرها ما أصدرته لجنة استشارية في وزارة الدفاع الأمريكية نفسها يحذر من أخطار السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، ويبين مغبة الاستمرار فيها، إلا أن الحكومة الأمريكية سائرة في الاتجاه المعاكس وتنذر بمغامرات جديدة في مسلسل التدمير، وعلى تلك الرؤوس التبرير. ١٣ ـ تلك الرؤوس المفخخة المبشرة ببزوغ فجر الحرية والديموقراطية في المنطقة تعامت عن التعتيم ـ بل التزوير ـ الإعلامي الذي يقوم به الذين جاؤوا لتعليمنا الحرية، بل إن تلك الرؤوس نفسها كانت أداة من أدوات ذلك التعتيم والتزوير، فبلد «الحرية» و «الديموقراطية» ، حارب الصحفيين في الداخل بالإقصاء والفصل من العمل والتهديد لمجرد محاولة نشر الحقيقة أو انتقاد السياسة الأمريكية. أما في الخارج فأبعدت وسائل الإعلام عن الأحداث، وحجبت الحقيقة، وتعرض من يجرؤ على نقل أخبار لا تريدها الإدارة الأمريكية إلى التهديد والوعيد من رامسفيلد، بل القتل والتفجير كما حدث لقناتَيِ الجزيرة والعربية، وقتل المراسلين والصحفيين في فندق فلسطين وغيره. ولو تتبعنا ردة الفعل لجريمة الحرب التي ارتكبها جنود البحرية الأمريكية في مسجد الفلوجة، التي هي واحد من أبشع جرائم الحرب الأمريكية، لوجدنا أن السياسيين وبعض وسائل الإعلام الأمريكية قد وجهت اللوم والنقد الشديد لمراسل (إن بي سي) لنقله الخبر والصورة، ودعا أحد أعضاء الكونجرس إلى منع الصحفيين من مرافقة الجيش، طبعاً حتى لا تنكشف تلك الجرائم. ونتيجة للحملة التي تعرض لها سايتز ـ المراسل الذي كشف جزءاً من المستور ـ فقد كتب رسالة مفتوحة يبرر فيها صحة تصرفه. وحينما يضطر صحفي لتبرير نقله جزءاً من الحقيقة؛ فذلك دليل على مدى ما وصلت إليه الحرية في أمريكا، والتي تريد أن تعلمنا إياها. إن تلك الرؤوس لا تريد أن تصدق أن من أكبر ضحايا هذه الحرب هي الحرية والديموقراطية. إنك لتعجب من رؤوس قد أُشربت الولاء لأمريكا، وخُتم على قلوبها فلا تدرك الباطل باطلاً ولا الحق حقاً، وغُشّيت أبصارها فلا ترى إلا ما تُريها ولِيَّتُها، وصُمّت آذانها فلا تسمع صرفاً ولا عدلاً. غير أن عجبك هذا لا يدفعك لأن تتمنى سكوتها؛ فهي وسيلة من وسائل إظهار الحقيقة من جانبين: تهافت منطقها، وصلابة الموقف الذي تحاربه.

стр. 5285

السعادة الزوجية اتسم بالواقعية حين البحث عنها! عبير العقاد ما أنْ أطلّت حواء على الكون بطلعتها الأنثوية الجديدة، حتى تغير نظام الكون، وهدأتْ نفسُ أبينا آدم الذي كان يفتش عن مجهولٍ يحتاجه لتسكنَ إليه روحه ويروي به ظمأه. في ذلك اليوم، وباقتران أبوينا آدم وحواء تحت مظلة الزواج، انبثقت أول مؤسسة أسريّة في العالم أسره، ووضعت أول لبنةٍ من لبنات بناء المجتمع، تلك اللبنة التي أرسى الله إطار سعادتها الداخلي بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] . إذاً؛ فقد حدد الله الإطار المثالي الداخلي الذي يضمن سعادة المؤسسة الزوجية، ويحقق أُلفتها، ويتلاءم مع احتياجاتها، ويحميها من عواصف الدهر ونوائب الحياة بإطار مثلثي أضلاعه: السكينة، والمودة، والرحمة. فبالسكينة تسكن الأرواح وتهدأ، وتتحقق الطمأنينة المطلقة المنشودة من قِبَل البشر كافة؛ فما بالك بالزوجين اللذين ما أن تتوطد أواصر الطمأنينة بينهما حتى تتفجر في حياتهما ينابيع الثقة المرسِّخة لسعادة بيتهما واستقراره. أما المودة فهي المحبة، مغناطيس الأرواح والقلوب، والخيط الذي تحاك بواسطته الرابطة المتينة بين الزوجين التي يستحيل مع مرور الزمن حلّها إلا ما شاء الله. وبرسوخ هذه الرابطة، تستقر الأذهان وتتفرغ الأنفس لإنجاز ما خُلقت من أجله. وبالرحمة يكتمل إطار سعادة العلاقة الزوجية المثالية، فهي الرقة والتعطف والمغفرة بين زوجين تعاهدا على العيش مع بعضهما بإخلاصٍ ما شاء الله. ولا بدّ أن تطفو بعض الزلات والهفوات على سطح العلاقة الزوجية خلال حياة طويلة الأمد تجمع بَشَرَيْن خطّاءيْن بطبيعتهما. إلا أن الرحمة التي تربط بينهما تفرض على كليهما التجاوز عن الهفوات، والرفق في التعامل، والتماس الأعذار دون تصيّد الأخطاء والانتقام من أجلها. وبالرحمة يكتمل الضلع الأخير في إطار الحياة الزوجية الحميمية الذي يتوجب على كل أسرة التحصّن داخله والحفاظ على رسوخ وتدعيم كل أركانه لضمان علاقة حميمة، وديمومة سعيدة بين الأفراد. هذا هو الإطار المثالي الذي ينشده كل اثنين يقترن بعضهما ببعض لتحقيق حياة زوجية سعيدة، ملؤها الدفء والحنان والحب والاستقرار. لكنّ الأمر ليس بهذه السهولة التي نراه عليها؛ فتحقيق حياة مثالية كهذه تتطلّب منّا الكثير الكثير، شأنها بذلك شأن كلّ ماسة ننفق الكثير لاقتنائها، ونبذل الكثير أيضاً للحفاظ عليها. فليست السكينة والمودة والرحمة نتاجاً طبيعياً لاقتران أي ذكر مع أنثى في هذا العالم؛ إنما هي إرثُ تقارُب ديني واجتماعي ومادي وثقافي وعُمُريّ وأخلاقي وروحي ووجداني بين الزوجين، وهي إرث تفكير عميق من قِبَل طرفَيِ القصة بعضهما ببعض قبل الاقتران. فالزواج السليم شأنه شأن أي أمر مهم في هذه الحياة، ينبغي أن يُبنى على قاعدة سليمة وصلبة كي ينجح؛ وذلك بعد دراسة عميقة وتفكير سليم في شتى جوانب الأمر وأبعاده، وافتراض حلول لمشاكل قد تظهر نتيجة بعض التناقضات التي قد يغضّ أحد الزوجيْن النظر عنها قبل الزواج كالاختلاف المادي أو الثقافي، أو الفارق العُمري بينهما، أو التناقض الاجتماعي. فليست الرابطة الزوجية مجرد علاقة بين الزوجين فحسب، إنما هي ظاهرة اجتماعية تنشأ على أثرها مجموعة علاقات يشترك فيها المجموع العائلي، أي عائلة الزوجين والأقارب والأحساب والأنساب، بالإضافة إلى الأبناء ثمرة الزواج. وماذا بعدُ؟! ماذا بعدَ الاقتران؟ هل ستمطر السماء على الزوجين سيولاً من المودة والرحمة والطمأنينة والسعادة؛ هبةً من الله دون سابق جهد؟!! قد تمطر حبّاً في مقتبل الحياة الزوجية؛ حيث الزوجان لاهثان لما يطفئ غريزتهما الطبيعية المخلوقة معهما والتي لا سبيل لزوجين صالحيْن أن يروياها إلا بالزواج الشرعي. فلا يمكن لأحد أن ينكر أهمية الجنس في إضفاء جو من السعادة والتقارب في الحياة الزوجية، خصوصاً عندما ينعم الله على الزوجين بالشعور بالميل الجنسي بعضهما تجاه بعض. أي عندما يشعر كِلا الطرفين أنه مرغوب ومطلوب ومغرٍٍ للإقبال عليه من قِبَل الطرف الآخر. لكن لا سبيل للعلاقة الجنسية بأن تضفي جواً من السعادة الأبدية على حياة الأسرة دون توافر علاقة وجدانية حميمة بين الرجل والمرأة؛ إذ إنّها متعة جسد لا تستغرق إلا جزءاً صغيراً من الوقت؛ وأنّى لسعادة أن تكتمل بلذة الجسد دون لذة الروح؟ فلا بد إذاً من العلاقة الوجدانية أيضاً. والعلاقة الوجدانية كما يعرفها الأستاذ محمد محمود عبد الله؛ مدرس علوم القرآن بالأزهر، هي: «التوافق النفسي والروحي في المشاعر والأماني والطموحات التي تحقق الأُلفة والمحبة بين الزوجين ومشاركة كل منهما الآخر اهتماماته ومساعدته على تخطي أية عقبات يتعرض لها أو تقف مانعاً لسعادته» . وتبنى هذه العلاقة الوجدانية حجراً حجراْ خلال الزمن، وقد تُكسر أحجار مع الأيام، لكنّ قابلية الترميم تبقى مؤمّنة ما دام هناك زوجان يسعيان للحفاظ على بقاء أسرتهما، وما دام هناك زوجان ينظران إلى الحياة وإلى السعادة الزوجية نظرةً واقعية ويستوعبان الماهية الحقيقية للزواج. إذ لا مكان لسعادة في قلب زوج أو زوجة حالميْن ينظر أحدهما إلى الآخر كشخص خالٍ من العيوب، ثم لا يلبث أنْ يتفاجأ بأكوامٍ من الهفوات الصادرة عنه؛ فمن منّا بلا عيب أو خطأ؟!! إنّ الزواج أسمى من ذلك وأرقى، إنه مسؤولية وكدح وتعاون، إنه مؤسسة اجتماعية ذات أشكال متعددة من الإدارة تتطلب إدراكاً سليماً وحساً صادقاً، كما تتطلب معاملة حكيمة وتقديساً للحق والواجب والتزام حدود الله. الزواج احترام وتفاهم متبادل بين الزوجين، وساحة حوار دائم بينهما لفهم رؤى بعضهما نحو بعض، ولحلّ المشاكل بعقلانية حكيمة، ولابتلاع سفاسف الأمورالتي من شأن تراكمها أن يدمّر الحياة الزوجية لا سمح الله. إنّ الزواج نعمة شرّعه الخالق لأهداف معينة، لا لفائدة الزوجين فحسب، بل لفائدة المجتمع بأسره؛ فبه يستمر النوع الإنساني المنوط بالتزاوج، وبهذا النوع المتمثل بالنسل يستمر في الوجود مَنْ يصلح لعمارة الأرض وخلافتها وسكناها. وبالزواج يتهيأ لكل من الرجال والنساء متعة من أعظم متع الدنيا؛ متعة السكن والراحة النفسية، ومتعة الإمتاع واللذة الجسدية. ومن حِكَمِ تشريع الزواج، تسخير التعاون على بناء هذه الحياة وبناء المجتمع السليم الذي لا يتحقق إلا بتعاون الزوجين سوية. هذه هي الحكم الأساسية من الزواج، وعلى كل راغب بالإقدام عليه أن يضع ذلك في ذهنه كيلا تنهار أحلامه وخيالاته الواسعة التي بناها قبل الزواج وظنّ أنّ مفتاحها مخبأ في تلك المؤسسة الأسرية. ففي مؤسسة الزواج قد لا تجد خيالات السعادة الوهمية التي حلمتَ بها، لكنْ إن عرفتَ كيف تضبط الأمور بدقة وإحكام، وإن توكلت على الله وجعلتَه حسبك وأخلصت له النية، فلا بد وأنْ تجد أروع مما حلمتَ به؛ لأنك دخلت مؤسسة مشرّعة من قِبَل خالقٍ لا بشر، وحاشاه أن يشرِّع عبثاً. فالزواج حياة فيها إعمالٌ للفكر والعقل، واجتهاد وأخذ وعطاء، كما فيها الحنكة والحكمة والمكر والدّهاء، ويتوجب فيها الصبر والمثابرة والإلحاح، والرضا وحب الذات والآخرين، والحفاظ على الكرامة بعقلانية دون انفعال؛ وأعظم دواء لمشاكلها ذكر الله والإيمان به والتوكل عليه والطلب الدائم منه. أي باختصار: اعقِلْها وتوكَّلْ. إنه حياة شاملة تستحق الخوض، وهي مصدر تجارب تغني الإنسان وتوسع دائرة فهمه وإدراكه ونضوجه. فالاندماج بشخص ذي تجارب حياتية مختلفة عاش في بيئة وأسرة ثانية، وخضع لعوامل وراثية أخرى، وورث موروثات ثقافية واجتماعية مختلفة عن موروثات الطرف الآخر، كل هذا من شأنه أن يزيد دائرة ثقافة وفكر الطرف الآخر إن استطاع الطرفان استيعاب الاختلافات والخصوصيات المتعلقة بكل منهما وتذليلها كي تكون وسيلة لتطوير مناخهما الثقافي والفكري والاجتماعي، لا لتكون سبباً لمشكلات بينهما. وفي ظل هذه الحياة التي نتمناها أن تكون سعيدة، علينا أن نصغي لأي نصيحة بنّاءة مهما اعتقدناها صغيرة، من شأنها إعمار الأسرة وصمودها في وجه أي عوامل هدم. ومن النصائح ذات الفائدة ما قدمه أحد الباحثين؛ إذ عرض مائة نصيحة من شأن الأخذ بها تجنُّبُ الكثير من المشكلات. ومن هذه النصائح نعرض الآتي: ١ - هيئ لبيتك مناخاً عاطفياً إيجابياً. ٢ - تذكَّر أن تقديرك لشريك حياتك يعينك على متاعب الحياة. ٣ - أصغِ السمع للآخرين تحظَ باحترامهم. ٤ - أَوْفِ بالعهود. ٥ - لا تنتظر الأخبار السيئة حتى تعرِّفك بقيمة الحياة. ٦ - اجعل من المرح ملاذاً لك من الغضب. ٧ - أخبر مَنْ حولك بحبك لهم. ٨ - تحكَّم بنفسك. ٩ - احرص على الصحبة الجيدة. ١٠ - تقبل الاختلاف مع الآخرين. ١١ - لا تحطَّ من قدر نفسك. ١٢ - كُفَّ عن ترديد الشكوى والخوض فيما يثير الأعصاب. ١٣ - لا بأس من الانسحاب السلمي. ١٤ - لا تجعل أمر المال يحزنك. ١٥ - ضع حدّاً لرغباتك. ١٦ - ليكن إيقاع حياتك عقلانياً. ١٧ - تذكًّر بأن الأفعال أبلغ من الأقوال. ١٨ - واظب على الاجتماعات العائلية. ١٩ - لا تكرر الأخطاء نفسها. ٢٠ - إياك أن تقلل من شأن شريك حياتك. ٢١ - ذكِّر نفسك بأنك لن تأخذ شيئاً معك. ٢٢ - تذكر أن الأشياء الصغيرة لا تُنسى. ٢٣ - عامل أفراد أسرتك كما لو كنت تراهم لآخر مرة. وبعد: فإن كنتَ تبحث عن السعادة في حياتك الأسرية؛ ففتش عنها أولاً في قلبك؛ إذ إنها تنبع من ذاتك وروحك، لا من أُنْس الآخرين لك، ولراحة قلبك تذكَّر دائماً قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] . ومن ثَمّ ابحث عنها في وجوه وقلوب من حولك؛ فإسعادك الآخرين سعادة لك. ولا تنس حصّة الرضا والقناعة في قلْب حياتك رأساً على عقب من قمة الفقر إلى قمة الغنى «فالقناعة كنز لا يفنى» . وأخيراً وليس

стр. 5286

سيف في العراق صلاح بن مختار بن محمد كنت جالساً مع بعض أصحابي مشغولاً، وهم يتجاذبون أطراف الحديث، أسمع بعضه ويغيب عني أكثره.. حتى قال أحدهم: لقد أُعلن في الأخبار أن شخصاً عثر على سيف صلاح الدين في العراق وباعه دون علم بقيمته بخمس «دولارات» ، كان المتحف قد اشتراه «بمليون دولار» . أحقاً أيها السيف! وأنت أيها المقبض! أيدنِّس ملمسَك اليوم توافٍهُ القوم، أم قد دارت عجلة الزمان بإذن الله، حتى تكون في يد الحثالة والرعاع، بعد أن كنت يوماً تهتز في يد العظماء، أو أنت من كان يوماً يشدُّ على مقبضك البطل الفذ صلاح الدين.. الأسد الذي زأر زأرةً زلزلت أقدام قوم تعاظموا حتى خالوا أنفسهم وحوشاً كبيرة، فعادوا حشراتٍ صغيرةً وضيعةً، لا مكان لها في النور، كتب عليها أن تعيش بين الحفر، ترتقب غفلة الأسد، لتطل برأس الشر على دنيا المجد وصفحات العز التي صنعها رجالٌ أفذاذ، وأبطال عظام تشرف بهم كتب التاريخ؟ حدثني أيا سيف! عن ذلك الهمام الذي صنع مجداً، ورسم عزاً، وحقق نصراً. حدثني عن الفاتح، فاتح القدس: كم خاض بك أيها السيف حتى يصارع المحال، وينزله من عليائه ليجعله واقعاً مشرقاً يرتوي منه كل واردٍ نهر التاريخ، فيرى عزة سطرتها سيوف مشهرات، ودماء زاكيات؛ بإيمان يصرع أعتى قوى الباطل. حدثني عن هذا الرجل الذي خرج في زمنٍ طغت فيه الظلمات، وعمّت فيه الدويلات؛ فلم تكن هناك دولة تجمع شتات قوم فرقتهم دنيا زائلة، وكراسٍ فاتنة. خرج صلاح الدين ليغير ما بنفسه أولاً، فغير الله على يديه، أتى الكرامة من بابها متسلحاً بعقيدة الإيمان وبين جنبيه قلب أسد هصور، فجعل من هذا الضعف قوة، ومن تلك الفرقة صفاً واحداً، وبات يحمل همّاً يفوق ثقل الجبال على أكتافٍ شديدة لا تعبأ بجهد ما تحمل في سبيل مجدٍ منتظر، ونصرٍ مؤزَّر. حدثني أيها السيف! أي شرف نلت حين عايشت عصوراً بلغت بك عنان السماء رفعةً وارتقاءً؟ وأي حالٍ صرت فيه الآن لترى أناساً ما عرفوا منك إلا مفاخرةً بقِدَمك، وازدهاءً بتراثك؟! وما أنت أيها السيف اليوم إلا قطعة حديد لا قيمة لها، وهل خلّد اسم البتَّار إلا أن خير يدٍ على وجه الأرض هي من جعلته بتاراً؟ وهل أبقى اسم السكب في الكتب إلا أنها كانت خيلاً لأعظم فارس عرفه التاريخ محمد ﷺ ؛ فعَلامَ لوم القوم إن باعوك بلا قيمتك، أو حتى رَمَوْك؟ فما السيفُ إلا بيدٍ تحمله، ومجدٍ يصنعه. وما تفيد يا ترى مائة سيف يحملها جبان. اتخذ السيف زينةً، به يباهي، وبعراقته يفتخر؛ فإذا ما أراده في شدة: ما يُعلم: أحاملٌ الرجلُ السيفَ؛ أم أن السيف يحمله؟ إيه.. يا سيف! وا أسفاه عليك! تعود لغمدك اليوم مدنساً بنظراتٍ وأيدٍ تلمست فيك شكلاً، ورأت فيك جمالاً، بعد أن كنت يوماً لا تنام في غمدك إلا وقد سُطِّرَت بك أمجاد.. وخُلِّدت بك أسماء! إيه يا سيف! أوَ تذكر صفحة حطين؟ ستبقى مفتوحة في كتاب التاريخ ليقرأها رجالات هذا الزمان؛ أخبرهم أيها السيف! أن صلاح الدين استعاد القدس بعد أن تدنست إحدى وتسعين سنة في يد شرذمةٍ من الصليبيين اجتمعت على ضعف أمة في حين رقدة من أسودها؛ وقد عجز أبناء صلاح الدين اليوم عن تحريرها وقد مضى عليها سبع وخمسون سنة.. في براثن ثلةٍ نجسة. أخبرهم أيها السيف المُغْمَّد! بأن الصبر قد طال والدمع تجمَّد، وأن الجرح ما زال ينزف والقلب تبَلَّد. أخبرهم أن لا مأمن لذئب، ولا وفاء عند الثعلب. قل لهم يا سيف! أين وجدوك. قل لهم عسى أن توقظ همةً نائمةً وضميراً مغتالاً قل لهم بأعلى صوتك: لقد وُجِدْتُ في أنقاض بغداد؛ وما يفي الكَلِم، وما تكفي المحابر، وما تتسع الأوراق للحديث عن بغداد. أيها السيف! ألا فلتبك لو استطعت البكاء؛ وما بكاء الحديد إلا لظى ونار، ولْتبك على أبناء الأسود، ولتبك على قوم أضاعوك كما أضاعوا مجدهم، وتناسوك كما نسوا أنفسهم، ولو زأر أحدهم لبى له الدهر، وأجابت له الدنيا؛ ولكن.. ولكن خفي الزئير..

стр. 5287

بنية العقل الأمريكي دراسة في جذور وتكوين الوعي الأمريكي المعاصر عرض: حمدي عبد العزيز أدى فوز الرئيس الأمريكي المحافظ جورج بوش بولاية رئاسية جديدة إلى طرح التساؤل التالي: إلى أين تذهب السياسة الأمريكية في ظل سيطرة اتجاه اليمين المحافظ على الإدارة الأمريكية، وهو الاتجاه الديني الأكثر تشدداً على الساحة الأمريكية وصاحب النشاط الملحوظ في إقامة إمبراطورية أمريكية تهيمن على العالم؟ وهل تفسر طموحات الهيمنة على العالم مبررات الحروب التي تشنها الولايات المتحدة الآن؛ وبخاصة إذا تلاقى ذلك مع أهداف أخرى مثل إجهاض التطلعات الأوروبية بتشكيل قوة عسكرية أوروبية موحدة وتصفية الجيوب السوفييتية السابقة، والسيطرة على وإذا كانت العلاقات الاستراتيجية بين (الدولة العبرية) والولايات المتحدة في ظل سيطرة ذلك الاتجاه تحتم إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة العربية لصالح (الصهاينة) واستئصال جذور المقاومة العربية؛ فماذا تبقى في جعبة الولايات المتحدة للعالم الإسلامي؟ وما الذي يخطط له اتجاه اليمين المحافظ للعالم الإسلامي؟ وهل حقاً سيكون هذا الطغيان الأمريكي من أهم علامات انهيار القوة الأمريكية؟ الإجابات عن هذه الأسئلة وغيرها هو موضوع الكتاب الذي صدر مؤخراً عن مركز دراسات قناة النيل الثقافية، وقام بإعداده أربعة عشر أستاذاً في العلوم السياسية، ومجموعة من الباحثين السياسيين بمراكز الدراسات السياسية والثقافية العربية. ويهدف الكتاب إلى تحقيق مزيد من الفهم للعقل الجمعي الامريكي الذي يفرز ما نراه من متغيرات تؤثر في مسيرة العالم العربي عامة والإسلامي منه على وجه الخصوص، من خلال رصد كافة العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية الأمريكية، وعدم الاعتماد على عامل واحد أو مدخل واحد للتفسير ـ مثل معظم الأدبيات الإسلامية ـ على اعتبار أن هذا يؤدي إلى القراءة غير الصحيحة لمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي. - التاريخ وبنية العقل الأمريكي: ويرصد الكتاب تأثير المجريات التاريخية على واقع العقل الأمريكي من خلال المقارنة بين الفتوحات الإسلامية واكتشاف الولايات المتحدة، والتأكيد على أن القول بالتماثل بينهما يشوبه القصور الفكري؛ لأن الفتوحات الإسلامية قصدت بشراً يسكنون أرضاً، ولم تقصد أرضاً لكي يسكنها المسلمون، كما كان الحال في اكتشاف أمريكا. وأن الفاتح الإسلامي يقصد معلوماً يعرفه ويستعد له مادياً، لكن بالنسبة لاكتشاف أمريكا، فالقاصدون كانوا يتجهون إلى أرض مجهولة، ولم يكن لديهم أي معلومات عن مقصدهم وهو ما غرس في الشخصية الأمريكية التجهم والعنف المبالغ فيه لمواجهة المصير المجهول. وتميزت الشخصية الأمريكية منذ اكتشاف أمريكا بالاتجاه الدائم نحو التوسع؛ حيث أطلق علىها اسم (الفرونتير) أي الرائد المكتشف. فالرواد المكتشفون تحركوا من الساحل الشرقي لاجتياح غرب البلاد حتى انتهوا من فتح القارة، ثم تحرك أحفادهم نحو الخارج (ووفقًا لرأي الناقد الأميركي ذائع الصيت إدموند ويلسون: لم يكن التوسع الأميركي فيما وراء البحار محض مصادفة، كنا نعتقد أننا نحرر أوروبا ونناضل ضد استعمار اليابان الإقطاعية، ولكننا ظهرنا فجأة بعد الحرب (العالمية الثانية) محتلين أو مسيطرين على الأقطار الأجنبية في كل من أمريكا وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط دون ترحيب أحيانًا كما كان الفرنسيون في الجزائر أو البريطانيون في قبرص أو الروس في أوروبا الوسطى) . ولعل هذا ما يفسر خوض الولايات المتحدة ١٤٠ حرباً وتدخلاً عسكرياً خلال ١٨٠ عاماً، وهو رقم قياسي في تاريخ الأمم، وارتفاع نصيب الولايات المتحدة إلى ٣٦% من إجمالي الإنفاق العسكري في العالم والذي قدر بحوالي ٤٠٠ مليار دولار في عام ٢٠٠٣، وهذا الفكر العدواني المتأصل ـ بحسب الكتاب ـ جعل من أهم صفات المرشحين لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن يكونوا قد شاركوا في حروب وانتصروا فيها. - فلسفة المجتمع الأمريكي: ويناقش الكتاب فلسفة المجتمع الامريكي التي ترتكز على البرجماتية (النفعية) ، وهي نظرة للحياة سائدة ومتبناة في الولايات المتحدة بأسلوب أكثر انتشارًا منه في أي مكان آخر في العالم الغربي، وكان لها السيطرة الحازمة على غالبية الشعب الأمريكي لمدة طويلة قبل أن يحاول أحد وصفها بأسلوب الفكر المجرد، وكان ذلك عام ١٩٠٧م عندما وضع الفيلسوف الأميركي (ويليام جيمس) كتابه «البراجماتية» بعنوان فرعي: اسم جديد لبعض الأساليب القديمة في التفكير. ويؤكد الكتاب أن الأمريكيين لا يثقون بالنظريات، ويعلقون الأهمية على الأفكار فقط عندما تحل مشكلات محددة. وبناء علىه فالسياسي الناجح ـ عند الأمريكيين ـ هو من يقدم أفكاراً عملية أو يطبق أفكار سياسية نافعة. كما يقدس الأمريكيون النزعة الفردية؛ نظراً لأن المجتمع الجديد نشأ متحررًا من تقاليد الأرستقراطية الأوروبية التي سادت في العصور الوسطى، ووجهت موجات الهجرة الأولى اهتمامها الأساسي إلى العمل، وأصبح أساس وجودها كجسم متحد هو الضرورات التي تربط بين إنسان وآخر، والرغبة في الاستقرار وإقامة الحقوق المدنية في إطار مجتمع ينشأ من تجمع الأفراد بوصفهم عناصره الأساسية. وانعكس ذلك على المستوى السياسي في الطبيعة الفريدة للأحزاب السياسية الأميركية؛ فالحزب في الولايات المتحدة أقرب إلى المظلة الواسعة التي تضم عشرات من القوى والجماعات؛ فهو ائتلاف واسع لا تتفق كل أطرافه بالضرورة على موقف موحد إزاء القضايا العامة، ولا يوجد في الولايات المتحدة التزام بالبرنامج العام للحزب، بل إنه لا يوجد ما يلزم أي عضو من أعضائه بالالتزام بمواقفه. كما انعكس على الأمريكي نفسه الذي أصبح لا يهتم إلا بما يمثل له مصلحة، وهو يصادق ويشارك ويعادي من له مصلحة معهم دونما اعتبار لاتفاقه أو اختلافه معهم في المُثُل والقيم الأخلاقية؛ فأمريكا على استعداد دائم لحماية نظم ديكتاتورية، كما حدث في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط؛ لأن لها مصلحة معها، كما أنها على استعداد لخوض حروب تجارية مع دول تتفق معها في القيم السياسية مثل اليابان من أجل الحفاظ على مصلحتها بالرغم من ادعائها تشجيع حرية التجارة. - بنية النظام السياسي الأمريكي: إن النموذج الذي يرتضيه معظم علماء السياسة كأحسن وصف لأعمال النظام الأمريكي هو النموذج التعددي، والتعددي هنا لا يعني مجتمعًا خاليًّا من التنوع، بل يشير بالأكثر إلى نظرية المجموعات السياسية، وبناءً على النموذج التعددي تحكم مجموعات قوية التنظيم المجتمع الأمريكي (أي تسيطر علىه) وتقوم الحكومة أساسًا بعمل الوسيط أو الحكم الرياضي بين هذه المجموعات، وكثيرًا ما تشارك أيضًا بنفسها كمجموعة ذات مصلحة، وكل مجموعة منها تعمل لمصلحتها الخاصة، وتقوم الحكومة بالتنسيق وتسهيل الحلول الودية؛ بحيث تنال أقوى المجموعات ما ترغب فيه في حين تكون مستهدفة لأقل عداء ممكن. ويوضح الكتاب أن صنع القرار السياسي الأمريكي مرهون بتغلب ذوي النفوذ الاقتصادي والسياسي (اللوبي الصهيوني المكون من المجمعين العسكري والاقتصادي، واليمين المحافظ، واللوبي اليهودي) وهو ما يفسر على سبيل المثال خروج بعض القرارات السياسية الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط لصالح (الدولة الصهيونية) أكثر من أمريكا نفسها. ومن الأمثلة على تغلغل اللوبي الصهيوني وانفراده في بعض الأحيان بصناعة القرار السياسي الأمريكي ما حدث للرئيس بوش الأب عندما هدد بتأجيل موافقة الكونجرس على المساعدة الأمريكية لإسرائيل عدة أسابيع بهدف الضغط على إسحاق شامير، فكان جزاؤه الحرمان من الفوز بفترة رئاسية ثانية رغم الإنجازات التي حققها للولايات المتحدة. وأشار الكتاب إلى أن اللوبي اليهودي لا يقتصر على اليهود الأمريكيين، وإنما استطاع تجنيد بعض المنتمين لليمين االمحافظ ـ بشقيه الديني والسياسي ـ للقيام بدور مهم في نشاط اللوبي وخدمة أهدافه، وأن هذا اللوبي يعتمد على ثلاثة ركائز أساسية في عمله هي: تمويل الحملات الانتخابية، وزرع أصدقاء (الصهاينة) في مواقع صنع القرار، واستخدام السطوة الإعلامية. والمفارقة هنا أن هذا اللوبي في تمويله للحملات الانتخابية لا يعتمد كثيراً على اليهود؛ لأن عددهم لا يزيد عن ٢ % من الناخبين الأمريكيين. - مبادئ السياسة الأمريكية: وفي محاولة للقراءة المتعمقة في الأفكار المهيمنة على النخبة السياسية الأمريكية يعرض الكتاب لأهم المبادئ الأساسية التي تحكم السياسة الخارجية الأمريكية منذ إعلان الاستقلال، ويحددها في ثمانية مبادئ: أولها: الحرية ـ المسماة بالاستثنائية ـ حيث اعتقد المهاجرون أن بلدهم قدر له أن يكون مختلفاً وأفضل من البلاد الأخرى في التمتع بالحرية. وثانيها: الانعزالية ويسميها بعضهم الأحادية، وهي صفة مدح وقدح في الوقت نفسه، وقد ساعد الولايات المتحدة على اتباع هذه السياسة أنها نجحت في فترة قصيرة في تكوين قوة كافية لرد الأطماع الأوروبية. والثالث: مبدأ مونرو الداعي إلى أن تعزل الولايات المتحدة نفسها عن صراعات القارة الأوروبية ومشاكلها المزمنة، وأن تمنع القوي الأوروبية من القدوم إلىها. والرابع: التوسع؛ حيث يعتبر مواطنو الولايات المتحدة أن وضع الحواجز والقيود على التوسع بمثابة هجوم على حريتهم لا يمكن التسامح فيه. المبدأ الخامس: الإمبريالية؛ باعتبار أن الولايات المتحدة بعد عام ١٨٩٨ أصبحت قوة استعمارية، وقد ساعد على تهيئة الولايات المتحدة كدولة إمبريالية عالمية اعتقاد البروتستانت أن الرب هيأ الولايات المتحدة أن تكون قوة عالمية. المبدأ السادس: هو مبدأ ولسون وهو مبدأ المشاركة العالمية؛ بمعنى أن الأمريكيين مشاركون ـ سواء أرادوا أو لم يريدوا ـ في حياة العالم، ومصالح الأمم كلها هي مصالح الأمريكيين أيضاً؛ فهم شركاء مع الباقين. والمبدأ السابع: يتمثل في مبدأ الاحتواء، والذي دعمه وجود عدو خلال النصف الأخير من القرن العشرين وهو الاتحاد السوفييتي، ثم تم استبدال هذا العدو بالعالم الإسلامي. والمبدأ الثامن والأخير: مبدأ تحسين العالم؛ وهذا المبدأ يعني المحاولة الدائبة لتحويل الثقافات الأجنبية وإخضاعها للنموذج الأنجلو ساكسوني، وكانت هذه الفكرة غطاء لمعظم الحروب الأمريكية. - الدين الصانع الخفي للعقل الأمريكي: يذكر الكتاب أن جميع ديانات العالم تكاد تكون موجودة داخل المجتمع الأمريكي، وأن هناك ٣٠٠ ألف كنيسة بمعدل كنيسة واحدة لكل٩٠٠ أمريكي، ويبلغ عدد البروتستانت ١٨٠ مليوناً، والكاثوليك ٦٠ مليوناً، والمسلمين ٧ ملايين، واليهود ٦ ملايين. وبالرغم من الحرية الدينية التي يشهدها هذا المجتمع؛ فإن التفسير الخاطئ للمسيحية يلعب دوراً متزايداً في إفراز متطرفين أكثر تطرفاً بمراحل متعددة من أصحاب التفسير الخاطئ للإسلام؛ لدرجة أن المتطرفين المسلمين معتدلون بالقياس بالمتطرفين المسيحيين الأمريكيين؛ لأن اليمين الأمريكي ضد الأجانب وضد المرأة وضد مشروعات الرعاية الاجتماعية للفقراء، لكنه يستغل ميل العقل الأمريكي إلى التبسيط فيتلاعب به مصوراً له الحرية أنها حرية امتلاك السلاح وحرية استخدامه، وحرية السوق حريةً مطلقة ولو أدى ذلك إلى تدمير البيئة والصحة العامة. كما أن مفهوم الحرية لديهم يعني أيضاً حرية أمريكا في أن تحكم العالم، وأن هذا التفسير أوجد عفناً في بؤرة الأخلاق الأمريكية، وهو العفن الذي يمكن أن يحدث انهياراً شاملاً للمجتمع الأمريكي. وسعياً لكشف الجذور التاريخية لعلاقة اللوبي اليهودي باليمين المسيحي الأمريكي أشار الكتاب إلى أن المهاجرين الأمريكيين الجدد كانوا متأثرين باليهودية تأثراً «مركباً» لاهوتياً وتاريخياً وسياسياً وكتابياً؛ فبالبيورتيان (الطهرانيون) وهم المؤسسون الأوائل أو الآباء الأوائل للأمة الأميركية ـ الذين كوَّنوا موجات الاستيطان الأولى في العالم الجديد ـ اعتبروا القارة الجديدة «أرض كنعان» وأنهم العبرانيون الجدد، ورغم أن حركتهم تعد آخر محاولات الإصلاح الديني فإنها ما تزال حتى الآن أكثر الحركات الإصلاحية تعنتًا وتطرفًا، ومن ثَمَّ تعتبر من أكثر حركات الإصلاح بعدًا عن جوهر المسيحية وروحها المتسامحة. وهذه الجذور أفرزت صيغة تعايش بين البروتستانتية واليهودية بقيت إلى الآن وبالذات في الاتجاهات الأصولية، وهو ما يطلق عليه «عبرنة المسيحية الأمريكية» ، والتي تبدو واضحة في الثقافة السائدة إلى الدرجة التي دفعت الرئيس الامريكي (جيفرسون) إلى تقديم اقتراح إلى الكونجرس مفاده أن يمثل رمز أمريكا على شكل أبناء (الصهاينة) تقودهم في النهاية غيمة وفي الليل عمود! وهذا ما يفسر نجاح المنظمات المسيحية الصهيونية في ترويج الاعتقاد بأن دعم أمريكا لإسرائيل ليس فقط التزاماً سياسياً وإنما هو رسالة إلهية بسببها يبارك الرب أمريكا. - المجتمع الأمريكي يري العالم بعيون الإعلام: ويرى مؤلفو الكتاب أن وسائل الإعلام تقود غالبية الشعب الأمريكي ومنها يستقي ثقافتة، وأن اليهود نجحوا في قيادة هذا الشعب من خلال سيطرتهم علىها، ونجحوا بفضل ذلك في تغيير صورتهم الذهنية لدى الأمريكيين؛ حيث كانوا مثل غيرهم من المهاجرين عرضة لمجموعة من الصور النمطية ارتبطت بسمات غير طيبة لليهودي مثل: المرابي، الجشع، العدواني، غير الأمين، الأناني، والغدار. لكن الصورة اختلفت الآن فأصبح اليهودي يتمتع بسمات طيبة مثل القدرة على العمل، وجمع المال، والتصميم، والطموح. وعزز الإعلام الأمريكي هذه الصورة الإيجابية من خلال التغطية الإعلامية للصراع العربي ـ الصهيوني؛ حيث يتم تصوير اليهودي في موقف المدافع عن حرية بلاده وسلامة مواطنيه، وأن (إسرائيل) محبة للسلام. بينما كونت هذه الوسائل صورة نمطية سلبية للمسلمين في الذهنية الأمريكية؛ فمثلاً: رسوم الكاريكاتير للرسام الشهير (أوليفانت) تصور العرب ملتحين، ذوي أجسام بدينة وأنوف معقوفة، يجلسون على الأرض وأمامهم الشواء والنساء. ويذكر (قاموس ميديام وبستر) الأمريكي المعاني التالية المرادفة للفظ العربي: قاطع رقاب ـ غشاش ـ مساوم ـ متسكع ـ متشرد. ويعرف مرجع أُكسفورد للأطفال العربي بأنه: تاجر نصاب، أو عامل رث الثياب، أو فلاح يركب حماره ويترك زوجته تسير خلفه في ثيابها السوداء حاملة شيئاً فوق رأسها. - العرب والمسلمون في المجتمع الامريكي: ويذكر الكتاب أن دخول الإسلام أمريكا بدأ مع (كولومبوس) نفسه حيث استخدم خارطة كان قد رسمها (الإدريسي) ـ العالم الجغرافي المسلم، ولم يستطع (كولومبوس) استخدام تلك الخارطة إلا من خلال بحارة عرب مسلمين كانوا معه، وساعدوه في دخول تلك البلاد، وأن ما يقرب من ٣٠% من الأفارقة الأمريكيين الذين جيء بهم إلى أمريكا كانوا من المسلمين؛ إلا أن كثيراً من هؤلاء أجبروا على اعتناق المسيحية وترك الإسلام. ويضيف أن الجاليات الإسلامية والعربية في الولايات المتحدة الآن تشكل قوة اقتصادية وعلمية كبيرة؛ حيث يفوق دخل ٣٠% منهم ٧٥ ألف دولار سنوياً، و ٤٨ % منهم حاصلون على شهادات جامعية ومعظمهم من خبراء الاقتصاد وأساتذة الجامعات والأطباء ورجال الأعمال، كما يعمل ٤% منهم بالجيش الأمريكي، و ١% من الضباط مسلمون. وبالرغم من هذا فلا يزال هناك عدة صعوبات تواجه المسلمين والعرب الأمريكيين، أهمها قوة اللوبي اليهودي الذي قفز من دائرة المشاركة في صنع القرار إلى دائرة صنع وتنفيذ القرار الامريكي نفسه، كذلك ضعف المؤسسات الإسلامية وقلة خبرة المسلمين والعرب الأمريكيين بإدارة شؤون الانتخابات. ويؤكد على أنه من الخطأ اعتبار أن أحداث ١١ سبتمبر كانت السبب الرئيس للسياسة الأمريكية العدائية تجاه العالم الإسلامي؛ لأنها كانت في الحقيقة كاشفة لها؛ فاليمين المحافظ الأمريكي اعتبر أن الإسلام هو العدو منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، ومع هذا فإنه إذا كان مقدراً للإسلام النجاح في المستقبل المرئي في الغرب فسيتحقق هذا النجاح في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعود ذلك ـ بحسب الكتاب ـ إلى تميز وضع المسلمين في هذا المجتمع، وتطور أوضاعهم بشكل تراكمي كبير؛ حيث زاد عدد المؤسسات الإسلامية من ٢٥٠ مركز إسلامي ومسجد عام ١٩٨٥ ومدرسة إسلامية واحدة إلى ما يزيد على ٢٣٠٠ مؤسسة إسلامية تشتمل على مساجد ومدارس ومطابع عام ١٩٩٢، ووصل هذا الرقم خلال الشهور الأخيرة من ٢٠٠٣ إلى ٥١٦٧ مؤسسة إسلامية ومنها المركز والمسجد والمؤسسة السياسية والاقتصادية ومؤسسات حقوق الإنسان والجامعة وغيرها. بالإضافة إلى أن اسم الإسلام الذي أصبح يجري على كل لسان في أمريكا ودرجة حب الاستطلاع أدت إلى رواج الكتب الإسلامية حتى خلت المكتبات منها، وهو ما أوجد فرصة نادرة لوصول الإسلام إلى عقول الأمريكيين وقلوبهم وتمكين الوجود الإسلامي كمكوِّن أصيل في قلب التعددية الأمريكية. - أمريكا من القوة المطلقة إلى الانهيار: ويتناول الكتاب قضية انهيار الولايات المتحدة الوشيك بالتأكيد؛ على أن سيطرة «جماعة القرن الأمريكي الجديد» على الإدارة الأمريكية، واعتماد هذه الجماعة على أقصى نظريات القوة تطرفاً فيما يطلق علىه (الحرب العالمية الجديدة على الإرهاب) يعد الفصل الأول من الانهيار؛ لما يشمله ذلك من تجسيد للمقولة الفلسفية المعروفة: (إن الاعتماد على القوة فقط يفسد، والقوة المطلقة تفسد بلا حدود) وهذا ما حدث مع الإدارة الأمريكية الآن؛ فالتطرف في الاعتماد على القوة المسلحة بشكل أساسي بوصفها أداة من أدوات الدبلوماسية دفع هذه الإدارة في رد فعلها على أحداث ١١ سبتمبر إلى تبني مفاهيم (الضربات الاستباقية) والتحرك المنفرد خارج إطار الشرعية الدولية إذا تطلَّب الأمر. وقد أثرت النزعة العسكرية على الاقتصاد الأمريكي سلباً وتشويهاً؛ لأنها حرمته من عشرات البلايين من الدولارات التي كان يمكن إنفاقها في الاستثمار، وبدلاً من ذلك أنفقت على القواعد العسكرية وإنتاج الأسلحة وتصديرها. وعلى الصعيد الاجتماعي فإن هذه السياسة الرافضة لزيادة الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية أدت إلى تزايد معدلات الفقر والعنف، فيشير الكتاب إلى أن نسبة ١ إلى ٤ من الأمريكيين صدرت منهم أعمال عنف، وأن معدلات الانتحار بين الشباب الأمريكي أكثر من معدلات الانتحار في أوروبا الغربية بنحو ٢٠ ضعفاً وأكثر منها في اليابان بأربعين ضعفاً، وأن معدلات الاغتصاب في الولايات المتحدة تزيد عن مثيلاتها في اليابان وإنجلترا وأسبانيا بعشرين ضعفاً. وهذا الوضع الداخلي هو ما طرح التساؤل: هل سيحدث في الولايات المتحدة ذلك التفكك الذي يسبق الانهيار كما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق أو كما حدث في يوغسلافيا؟ وكانت الإجابة بأن ما يطلق علىه (صراع الحضارات) سيكون المؤثر الفعلى في توقيت انهيار الولايات المتحدة باعتباره الأساس الذي ستبنى علىه خطوات التفكيك؛ لأنه إذا كان عامل القوة الأمريكية الآن قي أغلبه مستمداً من وحدة وتماسك عناصر المجتمع الامريكي وانصهاره في نسيج واحد؛ فإن مفهوم الانصهار الذي ساد المجتمع الأمريكي لفترات تغير الآن، واصبح هذا المجتمع أشبه بـ (طبق السَّلَطة) (١) حيث يصير بوسع كل إنسان أن ينظر إلىه، ويرى عناصره التي يمكن فصلها؛ ومؤشرات ذلك واضحة مثل: القنبلة القومية، والكلام عن إعلان جمهورية تكساس وجمهوريتي كاليفورنيا ونيوميكسيكو، كذلك ما حدث في ولاية نيويورك عندما أوشكت على الإفلاس في مطلع التسعينيات وتدخلت الحكومة الفيدرالية لمساعدة هذه الولاية على حساب الولايات الأخرى وهو ما أثار حفيظة تلك الولايات. - خلاصة: إذا كان من المعتاد أن تتدخل القوة الأمريكية الكبرى في العالم العربي والإسلامي من أجل الحفاظ على مصلحتها القومية؛ فإن هذا التدخل الأمريكي بعد أحداث ١١ سبتمبر شهد تحولاً واضحاً في ظل سيطرة اتجاه اليمين المحافظ الأمريكي؛ حيث سعى هذا الاتجاه إلى فرض الرأسمالية والديمقراطية على دول المنطقة على اعتبار أن (الحسم العقائدي) مع ما يسمى (الإسلام السياسي) وإعادة تشكيل المنطقة ثقافياً واقتصادياً وسياسياً يمثل أهم ضمانة للأمن القومي الأمريكي. وقد حاول الكتاب رصد جذور الوعي الأمريكي ومستوي فهمه للدين والفلسفة والاجتماع والتاريخ باعتبارها صانعة الوعي الأمريكي الحاضر، ووسائل الإعلام الأمريكية باعتبارها أدوات لدراسة المنتج الفكري الذي يُقدَّم للجماهير الأمريكية من أجل الوصول إلى فهم صحيح لموقف العقل الأمريكي من العالم الإسلامي والخلفيات الثقافية والفكرية لأساليب التعامل مع المسلمين. وبالرغم من سيطرة اتجاه اليمين المحافظ؛ فإن الكتاب يؤكد أن الولايات المتحدة ليست هي الاتجاه اليميني المحافظ فقط، وإنما تموج باتجاهات سياسية وفكرية مختلفة تتدافع ثقافياً مع هذا الاتجاه. وهناك ضرورة لدراسة هذه الاتجاهات السياسية والفكرية وبناء جسور للتواصل معها من جانب القوى السياسة والشعبية العربية، وأن تقوم الجالية العربية والإسلامية باستغلال الفرص التي يتيحها النظام السياسي الأمريكي من أجل الحفاظ على مصالحها ومصالح أمتها العربية والإسلامية. غير أن تأثير العرب والمسلمين الأمريكيين داخل المجتمع الأمريكي يتوقف على مدى سلامة الكيان الفكري والثقافي لهم، وعلى المناعة الأخلاقية لهذه الأقليات؛ فكلما كانت الجماعات العربية والإسلامية متماسكة أخلاقياً وواعية برسالتها الحضارية وقادرة على العمل السياسي بوصفها جماعة واحدة، كان ذلك أقرب إلى التأثير الإيجابي المتحضر في البيئة والمحيط.

стр. 5288

البكاء على البابا الكاثوليك !! أ. د. محمد يحيى انشغلت العديد من الهيئات والشخصيات الإسلامية بإصدار بيانات النعي لبابا الفاتيكان السابق (جون بول الثاني) ، ووصل بعضها في ذلك إلى حد المبالغة الممقوتة والإسراف في إظهار مشاعر الأسى الألم، وربما يفتقر ذلك إذا عرفنا أن مبعثه تهافت تلك الهيئات الناعية على إظهار مدى تسامحها، في أعين الغرب الذي أصبح الآن يرفع عصا الاتهامات بالتطرف والتشدد على كل المسلمين ويفرض على كل من يتحدث باسم الإسلام، أو يرفع لواءه بالحق أو بالباطل، أن يدافع عن نفسه طيلة الوقت، ويتفنن في إظهار أنه غير متشدد أو متطرف، حتى ولو وصل في ذلك إلى حد السخف والمبالغة، ومما يلاحظ أن هؤلاء الناعين للبابا على الجانب الإسلامي سارعوا في طي نعيهم، وبيانات الأسف إلى نقل وتكرار ما قيل في الغرب عن هذا البابا أنه رجل السلام والمحبة، وداعية التآلف بين الشعوب، وحامل همّ الإنسانية، والمبشر بالحوار بين الأديان، ناسين أو متناسين أن البابا كان هو الداعي الأكبر للتنصير بين المسلمين، وحتى بين أبناء الطوائف المسيحية نفسها؛ حيث اشتركت بعض الكنائس الأرثوذكسية في شرق أوروبا في أن الكنيسة الكاثوليكية تسعى لتحويل أتباعها من مذهبهم إلى المذهب الكاثوليكي، كما استغل أجواء الفوضى والدمار التي تسببها الحروب والكوارث الإنسانية؛ لكي يعمل على إخراج المسلمين من دينهم وهم وسط أمواج من المحن والبلاء والفقر، بل ويعمل على استغلال ضرب الحكومات العلمانية في الدول الإسلامية للدعوة الإسلامية، ويزكي هذه النشاطات لكي ينتزع المسلمين من عقيدتهم، وليس في هذا التنصير المفروض بقوة السلاح وقوة القمع والاستعمار، واستغلال المحن وأي شيء يلمح إلى محبة الإنسانية والحوار مع الآخر وهو ما لا يدعو إلى الافتخار من جانب المسلمين. وهكذا فإن الذين دبَّجوا بيانات النعي المذكورة كشفوا عن طابع الزيف والاصطناع والمجاملة فيها عندما لم يكلفوا أنفسهم عناء محاولة وضع أي تقييم موضوعي لهذا البابا وأفكاره وأعماله، بل سارعوا إلى نقل وتكرار الدعاية عنه من تمجيد مسرف بين أبناء جلدته في الغرب، وهم محقون في تفاخرهم به، حتى إلى حد الغلو والمبالغة؛ لأنه خدم مصالحهم وأهدافهم بجانب مصالح كنيسته وديانته، لكن لا يحق للمسلمين الذين وقعت عليهم عواقب أفكار وسياسات البابا أن يصدروا أو تصدر باسمهم بيانات النعي تحمل تمجيد هذا البابا، وتصفه بأوصاف؛ بينما كانت أعماله ضد الإسلام هي على النقيض منها تماماً. خذ من تلك الأوصاف مثلاً: الحديث عن البابا بوصفة رجلاً للسلام العالمي، والمحبة بين الشعوب؛ بينما كان البابا وكنيسته الفاعل الأساس والوحيد في فصل تيمور الشرقية في أكبر بلد إسلامي في العالم وهو إندونيسيا! ومن المحزن والمضحك في الوقت نفسه وفي آن واحد أن إندونيسيا وفي إطار حملة التزلف والتودد إلى الغرب، سارعت إلى الإعلان عن رغبتها في طرح اسم أحد الكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية بإندونيسيا ليكون هو خليفة البابا، ونسي المسؤولون هناك أن هذه الكنيسة هي التي قسمت بلادهم، وشجعت على الانفصال لأحد أغنى أقاليمها، وجيشت العالم ضدها، كما نسي المسؤولون هناك إن إندونيسيا ليست بلداً نصرانياً، وأن الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية كذلك، لم تنشأ هناك إلا في ركاب الاستعمار الهولندي، ومعه النفوذ الغربي؛ فهي ليست ظاهرة أصيلة في ذلك البلد، بل وافدة تحت ظروف أقل ما يقال فيها إنها ظروف القهر، واستغلال معاناة الشعوب. هذا هو نصيب البابا الراحل وكنيسته من ناحية العمل على السلام والمحبة، وبخاصة في العالم الإسلامي وهو رصيد يضاف إلى أعماله الأخرى المشهورة في زعزعة الأنظمة والحكومات الشيوعية في أوروبا الشرقية وصولاً إلى إسقاط الكتلة الشرقية أوالسوفييتية، بما فتح الباب لضمها إلى الكتلة الغربية، ووضعها تحت السيطرة الاستعمارية الأمريكية، وأوجد معاناة إنسانية هائلة، وفتح الباب كذلك لقوى التعصب والإرهاب الصليبي لتعربد هناك، وتدمر الوجود الإسلامي في آسيا الوسطى وحتى البلقان، ويمتد نصيب وإسهام البابا في «دنيا السلام والمحبة» إلى قارة أمريكا الجنوبية والوسطى؛ حيث تمادى تيار الفكر المناصر لقضايا الشعوب في وجه النهب والسلب الاستعماري، وهو التيار الذي يعرف باسم (لاهوت التحرير) ، مما أدى إلى قيام أنظمة متسلطة قمعية عملت على ضرب الحركات الشعبية، وأفسحت المجال أمام النفوذ الأمريكي المباشر للدخول إلى تلك البلدان، وإخضاعها لصالح وغايات الولايات المتحدة. ومن المفارقة أن هذا الضرب من جانب البابا لتيار لاهوت التحرير أدى إلى تدفق البعثات التنصيرية الأمريكية إلى بلدان أمريكا الجنوبية والوسطى؛ حيث أخذت تتعدى على أتباع الكنائس الأخرى لجذبهم إلى الطائفة الكاثوليكية، وذكرت أنباء في الإعلام الغربي في معرض تحليل وفاة البابا إلى أنه في السنوات العشر الأخيرة تمكنت تلك الجماعات، والكنائس التنصيرية الأمريكية والبروتستانتية في اجتذاب حوالي أربعة وعشرين مليون كاثوليكي إلى صفوفها. أما عن الحوار النصراني الإسلامي الذي ذكرت بيانات النص في الجانب الإسلامي على أنه من مآثر البابا الراحل، وإنجازاته فهو كما أثبتت الأحداث لم يكن أكثر من مجرد تحرك دعائي هدفه وضع المسلمين موضع الدفاع والتراجع، وإلهاؤهم عن أي محاولة تصدٍّ لهذه الهجمة أو نشر عقيدتهم ودعوتهم. بل تجاوز الأمر هذا الحد حينما تحول هذا الحوار المزعوم إلى وسيلة لإدخال وفرض مفاهيم نصرانية كنسية على العقيدة الإسلامية، وتجنيد عدد من الداخلين إلى هذا الحوار من الطرف الإسلامي، ليصبحوا دعاة للصليبية في الوسط الإسلامي. وكان ملحوظاً أن هذه المجموعة بالذات من المنحازين إلى الطروحات الصليبية من أعلى الأصوات تباكياً على البابا الراحل، وتذكيراً بأمجاده المزعومة، ودعوة إلى مواصلة ذلك الحوار الذي استفادوا هم بالذات منه مادياً ومعنوياً، ومما يؤسف له أن الفترة الماضية شهدت وفاة العديد من أعلام الفقه والفكر الإسلامي، ومنهم أئمة أعلام، ولكن لم يتحرك كثير من وسائل الإعلام المحلي ولا كثير من الحكومات ولا النخب إلى مجرد ذكر أخبار وفاتهم ولا نقل نعيهم أو التذكير بأمجادهم ومآثرهم العلمية، لكن هذه الأعمال كانت تصب في صالح الإسلام، وهو ما لا يحب أحد أن يذكره ولا تصب في صالح الصليبية الغربية التي يبدو أن الجميع الآن يعمل في خدمتها إلى حد المشاركة بأعلى أصوات النواح والعويل والبكاء في مآتمها.

стр. 5289

رشفات من اللغة ... سامي محمد هشام حريز - الهمزة في أول الكلمة: إذا وقعت الهمزة أول الكلمة كانت متحركة؛ لأنّ العرب لا تبدأ بساكن ولا تقف على متحرك، وتثبت على صورة الألف ضُمت أو كُسرت أو فُتحت، وتُكتب النبرة فوق الألف، إن كانت همزة قطع في الفتح والضم، مثل: أب، أُم. وتحت الألف في الكسر، مثل: إِبل، وتكتب الألف من غير نبرة إن كانت للوصل، مثل: اسم، ابن، امرأة. وهمزة الوصل لا تقع إلا في أول الكلمة، فلا تقع في وسطها، ولا في آخرها. من كتاب: الوجيز في قواعد الكتابة والترقيم، للدكتور: توفيق أسعد حمارشة. ص ٧. جمعية عُمال المطابع: عمّان. ط ١، ١٤١٥هـ ـ ١٩٩٥م. - مسألة مهمة يخطئ فيها بعض الناس: يقول لك صاحبك: هل تريد مني شيئاً؟ أو تفضّل عندي للغداء..، فإن قلت: لا، شكراً. أو لا، بارك الله فيك ... فهذا خطأ، والصواب أن تقول: لا، وشكراً، أو لا، وبارك الله فيك. فلا بد من الفصل بين (لا) وما بعدها بحرف (الواو) ؛ لأنّ عدم الفصل بالواو يوهم ذلك الإساءة أو الدعاء على صاحبك، وأنت لا تقصد ذلك، ونفياً لهذا الوهم جيء بهذه الواو. من كتاب: البلاغة فنونها وأفنانها [علم المعاني] ، الأستاذ الدكتور: فضل حسن عباس. ص ٤٤١. دار الفرقان: عمّان: ط ٧، ١٤٢١هـ ـ ٢٠٠٠م. - أخطاء لفظية: ١ ـ قول: «سلام حار» ؛ لأنّ الحرارة وصف ينافي السلام وأثره، ولأن السلام من أسماء الله تعالى، والسلام يُثلج الصدور فهو عكس الحرارة. ٢ ـ قول: «شاءت الظروف أن يحصل كذا، أو شاءت الأقدار كذا وكذا» ؛ لأنّ الظروف جمع وهو الأزمان، والزمن لا مشيئة له، وكذلك الأقدار جمع قدر، والقدر لا مشيئة له، وإنما الذي يشاء هو الله ، نعم! لو قال الإنسان: اقتضى قدر الله كذا وكذا، فلا بأس به. ٣ ـ هناك من يستعمل الكلمة في معنى غير معناها الذي وُضع له، ومن هذا القبيل استعمال كلمة (فشل) ، فترى بعضهم يقول: فَشِلت في حياتها الزوجية، وفشل في دراسته، والفشل هو الضعف؛ قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] أي تضعفوا، والكلمة التي ينبغي أن تستعمل هي الإخفاق، فيقال: أخفق في كذا. ٤ ـ من الكلمات التي خولف فيها القياس الصرفي ما نجده شائعاً بين المثقفين، مثل: كلمة (أخصائي) ، فما أكثر أن تسمع قولهم: نحن بحاجة إلى أخصائيين في كذا، وهي جمع (اختصاصي) ، والصحيح أن يقال: اختصاصيون. ومن ذلك أيضاً: جمعهم لـ (مشكلة) على (مشاكل) ، و (مدير) على (مدراء) ، وقولهم في تثنية (عصا) : عصاتين، والصحيح أن يقال: مشكلات، ومديرون، وعصوان. كلمة: (كرس) ، فيقولون: كرّس له حياته؛ فهم يريدون أن يقولوا: قصر حياته على كذا. - الفرق بين العُقدة والربطة والدُرّزة: العُقدة: هي الوصل بين شيئين ليّنين. الربَطة: هي الوصل بين شيءٍ ليّن بجسم صلب. الدُرْزة: هي الوصل بين جسمين صلبين بشيءٍ ليّن.

стр. 5290

اجتهاد أم تزوير ؟! أحمد بن عبد الرحمن الصويان اللغط الذي أثارته إمامة المرأة وخطابتها في مدينة نيويورك أمر جدير بالتوقف عنده؛ فهو يُبرز أنماطاً مختلفة من التفكير والنظر إلى النوازل والمشكلات الحادثة. وثمة مسائل جديرة بالتأمل، ومنها: أولاً: أن بعض الفقهاء والمفتين راح يفتي في المسألة، ويقرأ الحدث قراءة فقهية مجردة معزولة عن سياقها السياسي والفكري، ولا شك أنَّ بيان حكم الله في مثل هذه النوازل أمر واجب على أهل العلم، لكن هل كان مبدأ المسألة اجتهاداً فقهياً متجرداً؟! وهل كان المنطلق مبنياً على رؤية شرعية؟! الواقع أن المنطلق ليس كذلك؛ فهم لم ينظروا إلى النصوص الشرعية في الإمامة وأحكام الخطبة، ولم يكن المعيار الذي يركنون إليه هو تحري مراد الشارع الحكيم؛ وإنما انطلقوا من مبدأ تمكين المرأة، والمساواة بين الجنسين، وأن من مقتضيات الحداثة المعاصرة ـ زعموا! ـ تصدُّر المرأة في شتى الولايات العامة كالقضاء والوزارة والرئاسة ... ويدخل في ذلك الإمامة..!! إذن القضية بإيجاز شديد ليست اجتهاداً فقهياً يستحق المدارسة، وإنما هي محاولة عبثية للتعايش والتقارب بتكلُّف ظاهر مع قِيَم الفكر الغربي، أو قل هي محاولة يائسة لخلخلة الثوابت، وإحداث بلبلة منهجية يتطاول فيها الرويبضات والسفهاء على دين الله . ثانياً: مع الأسف الشديد وجدنا بعض المنتسبين إلى الفقه والفتوى اندفع في مجاراة أولئك القوم، وراح يفتش في أقوال المتقدمين ما قد يظنه بعضهم مستنداً فقهياً. فبدل أن يتعامل هؤلاء بحزم أمام هذه الأطاريح العبثية المضللة، ويقطعوا السبيل أمام هؤلاء المفسدين، راحوا يلتمسون المعاذير ويستدرجون غيرهم لتسويغها والدفاع عنها. والهزيمة إذا سيطرت على عقل الإنسان وملكت فؤاده، أصبح ألعوبة تهوي بها الريح يميناً وشمالاً.. يوماً يمانٍ إذا لقيتَ ذا يمنٍ وإن يكن معدياً فعدنان ثالثاً: أجرت بعض القنوات الفضائية وبعض المواقع على الشبكة العالمية (الإنترنت) استفتاءات لعامة الناس تستطلع آراءهم في حكم إمامة المرأة وخطابتها. وبغضِّ النظر عن نتائج تلك الاستفتاءات؛ إلا أن هذه الظاهرة غاية في الخطورة؛ فمتى كانت أحكام الفقه الإسلامي مجالاً للتصويت؟! ومتى كانت حدود الشرع تخضع لمجرد أهواء عوام الناس وتصوراتهم؟! وهل يصح أن يكون الفقه حِمىً مستباحاً يتعالم فيه من ليس له حظ من الأثر أو النظر..؟! رابعاً: استثمر بعض العلمانيين هذا الحدث للمناداة بما يسمونه بتجديد الدين، وفتح أبواب الاجتهاد، وقراءة النصوص الشرعية قراءة حضارية مرنة متجردة عن الموروثات الفكرية، ويقولون: لماذا الإصرار على القديم والانكفاء على قوالب جامدة ما دام كل شيء من حولنا يتطور ويتغير بصورة مذهلة في كثير من الأحيان؟! ويزعمون أن فقهاءنا تعاملوا مع هذا الحدث بعقلية التحريم والرفض.. إلى نحو ذلك من الغثاء والزندقة التي لا تخفى على كل من له حظ من الدين والورع. وأكبر معضلة تواجه غلاة العلمانيين في حربهم على الإسلام وأهله، هي (النص الشرعي كتاباً وسنة) ، ولهذا تجد أن المشروع الفكري لمحمد أركون، وفؤاد زكريا، ونصر أبو زيد، وأضرابهم هو محاولة ضرب هيبة وقدسية النص الشرعي، وقراءته على أنه وثيقة تراثية تاريخية، ليسهل عليهم وعلى أتباعهم بعد ذلك تحريفه وتزييفه. إن من أهم خصائص هذا الدين الحنيف أن الله تكفَّل بحفظ كتابه العزيز، ومن مقتضيات ذلك حفظ سنة سيد المرسلين #، ومهما تطاول المتطاولون عليها بالتحريف والتبديل فإن الله سيقيِّض لها من كل خَلَفٍ عدولَه ينفون عنها تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين. وهذا يجعلنا نؤكد أن من أعظم ما يجب أن يُربى عليه أبناء الأمة: تعظيم الوحيين. قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، وتعظيم حدود الله وحرماته؛ ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] ، ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] . وأحسب أن أكثر فساد المنحرفين عن الشرع المطهر من المنتسبين إلى الدين أو من محاربيه، إنما هو من التقديم بين يدي الله ورسوله #. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عليم﴾ [الحجرات: ١]
следующие страницы →