← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

سيف في العراق صلاح بن مختار بن محمد كنت جالساً مع بعض أصحابي مشغولاً، وهم يتجاذبون أطراف الحديث، أسمع بعضه ويغيب عني أكثره.. حتى قال أحدهم: لقد أُعلن في الأخبار أن شخصاً عثر على سيف صلاح الدين في العراق وباعه دون علم بقيمته بخمس «دولارات» ، كان المتحف قد اشتراه «بمليون دولار» . أحقاً أيها السيف! وأنت أيها المقبض! أيدنِّس ملمسَك اليوم توافٍهُ القوم، أم قد دارت عجلة الزمان بإذن الله، حتى تكون في يد الحثالة والرعاع، بعد أن كنت يوماً تهتز في يد العظماء، أو أنت من كان يوماً يشدُّ على مقبضك البطل الفذ صلاح الدين.. الأسد الذي زأر زأرةً زلزلت أقدام قوم تعاظموا حتى خالوا أنفسهم وحوشاً كبيرة، فعادوا حشراتٍ صغيرةً وضيعةً، لا مكان لها في النور، كتب عليها أن تعيش بين الحفر، ترتقب غفلة الأسد، لتطل برأس الشر على دنيا المجد وصفحات العز التي صنعها رجالٌ أفذاذ، وأبطال عظام تشرف بهم كتب التاريخ؟ حدثني أيا سيف! عن ذلك الهمام الذي صنع مجداً، ورسم عزاً، وحقق نصراً. حدثني عن الفاتح، فاتح القدس: كم خاض بك أيها السيف حتى يصارع المحال، وينزله من عليائه ليجعله واقعاً مشرقاً يرتوي منه كل واردٍ نهر التاريخ، فيرى عزة سطرتها سيوف مشهرات، ودماء زاكيات؛ بإيمان يصرع أعتى قوى الباطل. حدثني عن هذا الرجل الذي خرج في زمنٍ طغت فيه الظلمات، وعمّت فيه الدويلات؛ فلم تكن هناك دولة تجمع شتات قوم فرقتهم دنيا زائلة، وكراسٍ فاتنة. خرج صلاح الدين ليغير ما بنفسه أولاً، فغير الله على يديه، أتى الكرامة من بابها متسلحاً بعقيدة الإيمان وبين جنبيه قلب أسد هصور، فجعل من هذا الضعف قوة، ومن تلك الفرقة صفاً واحداً، وبات يحمل همّاً يفوق ثقل الجبال على أكتافٍ شديدة لا تعبأ بجهد ما تحمل في سبيل مجدٍ منتظر، ونصرٍ مؤزَّر. حدثني أيها السيف! أي شرف نلت حين عايشت عصوراً بلغت بك عنان السماء رفعةً وارتقاءً؟ وأي حالٍ صرت فيه الآن لترى أناساً ما عرفوا منك إلا مفاخرةً بقِدَمك، وازدهاءً بتراثك؟! وما أنت أيها السيف اليوم إلا قطعة حديد لا قيمة لها، وهل خلّد اسم البتَّار إلا أن خير يدٍ على وجه الأرض هي من جعلته بتاراً؟ وهل أبقى اسم السكب في الكتب إلا أنها كانت خيلاً لأعظم فارس عرفه التاريخ محمد ﷺ ؛ فعَلامَ لوم القوم إن باعوك بلا قيمتك، أو حتى رَمَوْك؟ فما السيفُ إلا بيدٍ تحمله، ومجدٍ يصنعه. وما تفيد يا ترى مائة سيف يحملها جبان. اتخذ السيف زينةً، به يباهي، وبعراقته يفتخر؛ فإذا ما أراده في شدة: ما يُعلم: أحاملٌ الرجلُ السيفَ؛ أم أن السيف يحمله؟ إيه.. يا سيف! وا أسفاه عليك! تعود لغمدك اليوم مدنساً بنظراتٍ وأيدٍ تلمست فيك شكلاً، ورأت فيك جمالاً، بعد أن كنت يوماً لا تنام في غمدك إلا وقد سُطِّرَت بك أمجاد.. وخُلِّدت بك أسماء! إيه يا سيف! أوَ تذكر صفحة حطين؟ ستبقى مفتوحة في كتاب التاريخ ليقرأها رجالات هذا الزمان؛ أخبرهم أيها السيف! أن صلاح الدين استعاد القدس بعد أن تدنست إحدى وتسعين سنة في يد شرذمةٍ من الصليبيين اجتمعت على ضعف أمة في حين رقدة من أسودها؛ وقد عجز أبناء صلاح الدين اليوم عن تحريرها وقد مضى عليها سبع وخمسون سنة.. في براثن ثلةٍ نجسة. أخبرهم أيها السيف المُغْمَّد! بأن الصبر قد طال والدمع تجمَّد، وأن الجرح ما زال ينزف والقلب تبَلَّد. أخبرهم أن لا مأمن لذئب، ولا وفاء عند الثعلب. قل لهم يا سيف! أين وجدوك. قل لهم عسى أن توقظ همةً نائمةً وضميراً مغتالاً قل لهم بأعلى صوتك: لقد وُجِدْتُ في أنقاض بغداد؛ وما يفي الكَلِم، وما تكفي المحابر، وما تتسع الأوراق للحديث عن بغداد. أيها السيف! ألا فلتبك لو استطعت البكاء؛ وما بكاء الحديد إلا لظى ونار، ولْتبك على أبناء الأسود، ولتبك على قوم أضاعوك كما أضاعوا مجدهم، وتناسوك كما نسوا أنفسهم، ولو زأر أحدهم لبى له الدهر، وأجابت له الدنيا؛ ولكن.. ولكن خفي الزئير..

стр. 5287

بنية العقل الأمريكي دراسة في جذور وتكوين الوعي الأمريكي المعاصر عرض: حمدي عبد العزيز أدى فوز الرئيس الأمريكي المحافظ جورج بوش بولاية رئاسية جديدة إلى طرح التساؤل التالي: إلى أين تذهب السياسة الأمريكية في ظل سيطرة اتجاه اليمين المحافظ على الإدارة الأمريكية، وهو الاتجاه الديني الأكثر تشدداً على الساحة الأمريكية وصاحب النشاط الملحوظ في إقامة إمبراطورية أمريكية تهيمن على العالم؟ وهل تفسر طموحات الهيمنة على العالم مبررات الحروب التي تشنها الولايات المتحدة الآن؛ وبخاصة إذا تلاقى ذلك مع أهداف أخرى مثل إجهاض التطلعات الأوروبية بتشكيل قوة عسكرية أوروبية موحدة وتصفية الجيوب السوفييتية السابقة، والسيطرة على وإذا كانت العلاقات الاستراتيجية بين (الدولة العبرية) والولايات المتحدة في ظل سيطرة ذلك الاتجاه تحتم إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة العربية لصالح (الصهاينة) واستئصال جذور المقاومة العربية؛ فماذا تبقى في جعبة الولايات المتحدة للعالم الإسلامي؟ وما الذي يخطط له اتجاه اليمين المحافظ للعالم الإسلامي؟ وهل حقاً سيكون هذا الطغيان الأمريكي من أهم علامات انهيار القوة الأمريكية؟ الإجابات عن هذه الأسئلة وغيرها هو موضوع الكتاب الذي صدر مؤخراً عن مركز دراسات قناة النيل الثقافية، وقام بإعداده أربعة عشر أستاذاً في العلوم السياسية، ومجموعة من الباحثين السياسيين بمراكز الدراسات السياسية والثقافية العربية. ويهدف الكتاب إلى تحقيق مزيد من الفهم للعقل الجمعي الامريكي الذي يفرز ما نراه من متغيرات تؤثر في مسيرة العالم العربي عامة والإسلامي منه على وجه الخصوص، من خلال رصد كافة العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية الأمريكية، وعدم الاعتماد على عامل واحد أو مدخل واحد للتفسير ـ مثل معظم الأدبيات الإسلامية ـ على اعتبار أن هذا يؤدي إلى القراءة غير الصحيحة لمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي. - التاريخ وبنية العقل الأمريكي: ويرصد الكتاب تأثير المجريات التاريخية على واقع العقل الأمريكي من خلال المقارنة بين الفتوحات الإسلامية واكتشاف الولايات المتحدة، والتأكيد على أن القول بالتماثل بينهما يشوبه القصور الفكري؛ لأن الفتوحات الإسلامية قصدت بشراً يسكنون أرضاً، ولم تقصد أرضاً لكي يسكنها المسلمون، كما كان الحال في اكتشاف أمريكا. وأن الفاتح الإسلامي يقصد معلوماً يعرفه ويستعد له مادياً، لكن بالنسبة لاكتشاف أمريكا، فالقاصدون كانوا يتجهون إلى أرض مجهولة، ولم يكن لديهم أي معلومات عن مقصدهم وهو ما غرس في الشخصية الأمريكية التجهم والعنف المبالغ فيه لمواجهة المصير المجهول. وتميزت الشخصية الأمريكية منذ اكتشاف أمريكا بالاتجاه الدائم نحو التوسع؛ حيث أطلق علىها اسم (الفرونتير) أي الرائد المكتشف. فالرواد المكتشفون تحركوا من الساحل الشرقي لاجتياح غرب البلاد حتى انتهوا من فتح القارة، ثم تحرك أحفادهم نحو الخارج (ووفقًا لرأي الناقد الأميركي ذائع الصيت إدموند ويلسون: لم يكن التوسع الأميركي فيما وراء البحار محض مصادفة، كنا نعتقد أننا نحرر أوروبا ونناضل ضد استعمار اليابان الإقطاعية، ولكننا ظهرنا فجأة بعد الحرب (العالمية الثانية) محتلين أو مسيطرين على الأقطار الأجنبية في كل من أمريكا وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط دون ترحيب أحيانًا كما كان الفرنسيون في الجزائر أو البريطانيون في قبرص أو الروس في أوروبا الوسطى) . ولعل هذا ما يفسر خوض الولايات المتحدة ١٤٠ حرباً وتدخلاً عسكرياً خلال ١٨٠ عاماً، وهو رقم قياسي في تاريخ الأمم، وارتفاع نصيب الولايات المتحدة إلى ٣٦% من إجمالي الإنفاق العسكري في العالم والذي قدر بحوالي ٤٠٠ مليار دولار في عام ٢٠٠٣، وهذا الفكر العدواني المتأصل ـ بحسب الكتاب ـ جعل من أهم صفات المرشحين لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن يكونوا قد شاركوا في حروب وانتصروا فيها. - فلسفة المجتمع الأمريكي: ويناقش الكتاب فلسفة المجتمع الامريكي التي ترتكز على البرجماتية (النفعية) ، وهي نظرة للحياة سائدة ومتبناة في الولايات المتحدة بأسلوب أكثر انتشارًا منه في أي مكان آخر في العالم الغربي، وكان لها السيطرة الحازمة على غالبية الشعب الأمريكي لمدة طويلة قبل أن يحاول أحد وصفها بأسلوب الفكر المجرد، وكان ذلك عام ١٩٠٧م عندما وضع الفيلسوف الأميركي (ويليام جيمس) كتابه «البراجماتية» بعنوان فرعي: اسم جديد لبعض الأساليب القديمة في التفكير. ويؤكد الكتاب أن الأمريكيين لا يثقون بالنظريات، ويعلقون الأهمية على الأفكار فقط عندما تحل مشكلات محددة. وبناء علىه فالسياسي الناجح ـ عند الأمريكيين ـ هو من يقدم أفكاراً عملية أو يطبق أفكار سياسية نافعة. كما يقدس الأمريكيون النزعة الفردية؛ نظراً لأن المجتمع الجديد نشأ متحررًا من تقاليد الأرستقراطية الأوروبية التي سادت في العصور الوسطى، ووجهت موجات الهجرة الأولى اهتمامها الأساسي إلى العمل، وأصبح أساس وجودها كجسم متحد هو الضرورات التي تربط بين إنسان وآخر، والرغبة في الاستقرار وإقامة الحقوق المدنية في إطار مجتمع ينشأ من تجمع الأفراد بوصفهم عناصره الأساسية. وانعكس ذلك على المستوى السياسي في الطبيعة الفريدة للأحزاب السياسية الأميركية؛ فالحزب في الولايات المتحدة أقرب إلى المظلة الواسعة التي تضم عشرات من القوى والجماعات؛ فهو ائتلاف واسع لا تتفق كل أطرافه بالضرورة على موقف موحد إزاء القضايا العامة، ولا يوجد في الولايات المتحدة التزام بالبرنامج العام للحزب، بل إنه لا يوجد ما يلزم أي عضو من أعضائه بالالتزام بمواقفه. كما انعكس على الأمريكي نفسه الذي أصبح لا يهتم إلا بما يمثل له مصلحة، وهو يصادق ويشارك ويعادي من له مصلحة معهم دونما اعتبار لاتفاقه أو اختلافه معهم في المُثُل والقيم الأخلاقية؛ فأمريكا على استعداد دائم لحماية نظم ديكتاتورية، كما حدث في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط؛ لأن لها مصلحة معها، كما أنها على استعداد لخوض حروب تجارية مع دول تتفق معها في القيم السياسية مثل اليابان من أجل الحفاظ على مصلحتها بالرغم من ادعائها تشجيع حرية التجارة. - بنية النظام السياسي الأمريكي: إن النموذج الذي يرتضيه معظم علماء السياسة كأحسن وصف لأعمال النظام الأمريكي هو النموذج التعددي، والتعددي هنا لا يعني مجتمعًا خاليًّا من التنوع، بل يشير بالأكثر إلى نظرية المجموعات السياسية، وبناءً على النموذج التعددي تحكم مجموعات قوية التنظيم المجتمع الأمريكي (أي تسيطر علىه) وتقوم الحكومة أساسًا بعمل الوسيط أو الحكم الرياضي بين هذه المجموعات، وكثيرًا ما تشارك أيضًا بنفسها كمجموعة ذات مصلحة، وكل مجموعة منها تعمل لمصلحتها الخاصة، وتقوم الحكومة بالتنسيق وتسهيل الحلول الودية؛ بحيث تنال أقوى المجموعات ما ترغب فيه في حين تكون مستهدفة لأقل عداء ممكن. ويوضح الكتاب أن صنع القرار السياسي الأمريكي مرهون بتغلب ذوي النفوذ الاقتصادي والسياسي (اللوبي الصهيوني المكون من المجمعين العسكري والاقتصادي، واليمين المحافظ، واللوبي اليهودي) وهو ما يفسر على سبيل المثال خروج بعض القرارات السياسية الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط لصالح (الدولة الصهيونية) أكثر من أمريكا نفسها. ومن الأمثلة على تغلغل اللوبي الصهيوني وانفراده في بعض الأحيان بصناعة القرار السياسي الأمريكي ما حدث للرئيس بوش الأب عندما هدد بتأجيل موافقة الكونجرس على المساعدة الأمريكية لإسرائيل عدة أسابيع بهدف الضغط على إسحاق شامير، فكان جزاؤه الحرمان من الفوز بفترة رئاسية ثانية رغم الإنجازات التي حققها للولايات المتحدة. وأشار الكتاب إلى أن اللوبي اليهودي لا يقتصر على اليهود الأمريكيين، وإنما استطاع تجنيد بعض المنتمين لليمين االمحافظ ـ بشقيه الديني والسياسي ـ للقيام بدور مهم في نشاط اللوبي وخدمة أهدافه، وأن هذا اللوبي يعتمد على ثلاثة ركائز أساسية في عمله هي: تمويل الحملات الانتخابية، وزرع أصدقاء (الصهاينة) في مواقع صنع القرار، واستخدام السطوة الإعلامية. والمفارقة هنا أن هذا اللوبي في تمويله للحملات الانتخابية لا يعتمد كثيراً على اليهود؛ لأن عددهم لا يزيد عن ٢ % من الناخبين الأمريكيين. - مبادئ السياسة الأمريكية: وفي محاولة للقراءة المتعمقة في الأفكار المهيمنة على النخبة السياسية الأمريكية يعرض الكتاب لأهم المبادئ الأساسية التي تحكم السياسة الخارجية الأمريكية منذ إعلان الاستقلال، ويحددها في ثمانية مبادئ: أولها: الحرية ـ المسماة بالاستثنائية ـ حيث اعتقد المهاجرون أن بلدهم قدر له أن يكون مختلفاً وأفضل من البلاد الأخرى في التمتع بالحرية. وثانيها: الانعزالية ويسميها بعضهم الأحادية، وهي صفة مدح وقدح في الوقت نفسه، وقد ساعد الولايات المتحدة على اتباع هذه السياسة أنها نجحت في فترة قصيرة في تكوين قوة كافية لرد الأطماع الأوروبية. والثالث: مبدأ مونرو الداعي إلى أن تعزل الولايات المتحدة نفسها عن صراعات القارة الأوروبية ومشاكلها المزمنة، وأن تمنع القوي الأوروبية من القدوم إلىها. والرابع: التوسع؛ حيث يعتبر مواطنو الولايات المتحدة أن وضع الحواجز والقيود على التوسع بمثابة هجوم على حريتهم لا يمكن التسامح فيه. المبدأ الخامس: الإمبريالية؛ باعتبار أن الولايات المتحدة بعد عام ١٨٩٨ أصبحت قوة استعمارية، وقد ساعد على تهيئة الولايات المتحدة كدولة إمبريالية عالمية اعتقاد البروتستانت أن الرب هيأ الولايات المتحدة أن تكون قوة عالمية. المبدأ السادس: هو مبدأ ولسون وهو مبدأ المشاركة العالمية؛ بمعنى أن الأمريكيين مشاركون ـ سواء أرادوا أو لم يريدوا ـ في حياة العالم، ومصالح الأمم كلها هي مصالح الأمريكيين أيضاً؛ فهم شركاء مع الباقين. والمبدأ السابع: يتمثل في مبدأ الاحتواء، والذي دعمه وجود عدو خلال النصف الأخير من القرن العشرين وهو الاتحاد السوفييتي، ثم تم استبدال هذا العدو بالعالم الإسلامي. والمبدأ الثامن والأخير: مبدأ تحسين العالم؛ وهذا المبدأ يعني المحاولة الدائبة لتحويل الثقافات الأجنبية وإخضاعها للنموذج الأنجلو ساكسوني، وكانت هذه الفكرة غطاء لمعظم الحروب الأمريكية. - الدين الصانع الخفي للعقل الأمريكي: يذكر الكتاب أن جميع ديانات العالم تكاد تكون موجودة داخل المجتمع الأمريكي، وأن هناك ٣٠٠ ألف كنيسة بمعدل كنيسة واحدة لكل٩٠٠ أمريكي، ويبلغ عدد البروتستانت ١٨٠ مليوناً، والكاثوليك ٦٠ مليوناً، والمسلمين ٧ ملايين، واليهود ٦ ملايين. وبالرغم من الحرية الدينية التي يشهدها هذا المجتمع؛ فإن التفسير الخاطئ للمسيحية يلعب دوراً متزايداً في إفراز متطرفين أكثر تطرفاً بمراحل متعددة من أصحاب التفسير الخاطئ للإسلام؛ لدرجة أن المتطرفين المسلمين معتدلون بالقياس بالمتطرفين المسيحيين الأمريكيين؛ لأن اليمين الأمريكي ضد الأجانب وضد المرأة وضد مشروعات الرعاية الاجتماعية للفقراء، لكنه يستغل ميل العقل الأمريكي إلى التبسيط فيتلاعب به مصوراً له الحرية أنها حرية امتلاك السلاح وحرية استخدامه، وحرية السوق حريةً مطلقة ولو أدى ذلك إلى تدمير البيئة والصحة العامة. كما أن مفهوم الحرية لديهم يعني أيضاً حرية أمريكا في أن تحكم العالم، وأن هذا التفسير أوجد عفناً في بؤرة الأخلاق الأمريكية، وهو العفن الذي يمكن أن يحدث انهياراً شاملاً للمجتمع الأمريكي. وسعياً لكشف الجذور التاريخية لعلاقة اللوبي اليهودي باليمين المسيحي الأمريكي أشار الكتاب إلى أن المهاجرين الأمريكيين الجدد كانوا متأثرين باليهودية تأثراً «مركباً» لاهوتياً وتاريخياً وسياسياً وكتابياً؛ فبالبيورتيان (الطهرانيون) وهم المؤسسون الأوائل أو الآباء الأوائل للأمة الأميركية ـ الذين كوَّنوا موجات الاستيطان الأولى في العالم الجديد ـ اعتبروا القارة الجديدة «أرض كنعان» وأنهم العبرانيون الجدد، ورغم أن حركتهم تعد آخر محاولات الإصلاح الديني فإنها ما تزال حتى الآن أكثر الحركات الإصلاحية تعنتًا وتطرفًا، ومن ثَمَّ تعتبر من أكثر حركات الإصلاح بعدًا عن جوهر المسيحية وروحها المتسامحة. وهذه الجذور أفرزت صيغة تعايش بين البروتستانتية واليهودية بقيت إلى الآن وبالذات في الاتجاهات الأصولية، وهو ما يطلق عليه «عبرنة المسيحية الأمريكية» ، والتي تبدو واضحة في الثقافة السائدة إلى الدرجة التي دفعت الرئيس الامريكي (جيفرسون) إلى تقديم اقتراح إلى الكونجرس مفاده أن يمثل رمز أمريكا على شكل أبناء (الصهاينة) تقودهم في النهاية غيمة وفي الليل عمود! وهذا ما يفسر نجاح المنظمات المسيحية الصهيونية في ترويج الاعتقاد بأن دعم أمريكا لإسرائيل ليس فقط التزاماً سياسياً وإنما هو رسالة إلهية بسببها يبارك الرب أمريكا. - المجتمع الأمريكي يري العالم بعيون الإعلام: ويرى مؤلفو الكتاب أن وسائل الإعلام تقود غالبية الشعب الأمريكي ومنها يستقي ثقافتة، وأن اليهود نجحوا في قيادة هذا الشعب من خلال سيطرتهم علىها، ونجحوا بفضل ذلك في تغيير صورتهم الذهنية لدى الأمريكيين؛ حيث كانوا مثل غيرهم من المهاجرين عرضة لمجموعة من الصور النمطية ارتبطت بسمات غير طيبة لليهودي مثل: المرابي، الجشع، العدواني، غير الأمين، الأناني، والغدار. لكن الصورة اختلفت الآن فأصبح اليهودي يتمتع بسمات طيبة مثل القدرة على العمل، وجمع المال، والتصميم، والطموح. وعزز الإعلام الأمريكي هذه الصورة الإيجابية من خلال التغطية الإعلامية للصراع العربي ـ الصهيوني؛ حيث يتم تصوير اليهودي في موقف المدافع عن حرية بلاده وسلامة مواطنيه، وأن (إسرائيل) محبة للسلام. بينما كونت هذه الوسائل صورة نمطية سلبية للمسلمين في الذهنية الأمريكية؛ فمثلاً: رسوم الكاريكاتير للرسام الشهير (أوليفانت) تصور العرب ملتحين، ذوي أجسام بدينة وأنوف معقوفة، يجلسون على الأرض وأمامهم الشواء والنساء. ويذكر (قاموس ميديام وبستر) الأمريكي المعاني التالية المرادفة للفظ العربي: قاطع رقاب ـ غشاش ـ مساوم ـ متسكع ـ متشرد. ويعرف مرجع أُكسفورد للأطفال العربي بأنه: تاجر نصاب، أو عامل رث الثياب، أو فلاح يركب حماره ويترك زوجته تسير خلفه في ثيابها السوداء حاملة شيئاً فوق رأسها. - العرب والمسلمون في المجتمع الامريكي: ويذكر الكتاب أن دخول الإسلام أمريكا بدأ مع (كولومبوس) نفسه حيث استخدم خارطة كان قد رسمها (الإدريسي) ـ العالم الجغرافي المسلم، ولم يستطع (كولومبوس) استخدام تلك الخارطة إلا من خلال بحارة عرب مسلمين كانوا معه، وساعدوه في دخول تلك البلاد، وأن ما يقرب من ٣٠% من الأفارقة الأمريكيين الذين جيء بهم إلى أمريكا كانوا من المسلمين؛ إلا أن كثيراً من هؤلاء أجبروا على اعتناق المسيحية وترك الإسلام. ويضيف أن الجاليات الإسلامية والعربية في الولايات المتحدة الآن تشكل قوة اقتصادية وعلمية كبيرة؛ حيث يفوق دخل ٣٠% منهم ٧٥ ألف دولار سنوياً، و ٤٨ % منهم حاصلون على شهادات جامعية ومعظمهم من خبراء الاقتصاد وأساتذة الجامعات والأطباء ورجال الأعمال، كما يعمل ٤% منهم بالجيش الأمريكي، و ١% من الضباط مسلمون. وبالرغم من هذا فلا يزال هناك عدة صعوبات تواجه المسلمين والعرب الأمريكيين، أهمها قوة اللوبي اليهودي الذي قفز من دائرة المشاركة في صنع القرار إلى دائرة صنع وتنفيذ القرار الامريكي نفسه، كذلك ضعف المؤسسات الإسلامية وقلة خبرة المسلمين والعرب الأمريكيين بإدارة شؤون الانتخابات. ويؤكد على أنه من الخطأ اعتبار أن أحداث ١١ سبتمبر كانت السبب الرئيس للسياسة الأمريكية العدائية تجاه العالم الإسلامي؛ لأنها كانت في الحقيقة كاشفة لها؛ فاليمين المحافظ الأمريكي اعتبر أن الإسلام هو العدو منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، ومع هذا فإنه إذا كان مقدراً للإسلام النجاح في المستقبل المرئي في الغرب فسيتحقق هذا النجاح في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعود ذلك ـ بحسب الكتاب ـ إلى تميز وضع المسلمين في هذا المجتمع، وتطور أوضاعهم بشكل تراكمي كبير؛ حيث زاد عدد المؤسسات الإسلامية من ٢٥٠ مركز إسلامي ومسجد عام ١٩٨٥ ومدرسة إسلامية واحدة إلى ما يزيد على ٢٣٠٠ مؤسسة إسلامية تشتمل على مساجد ومدارس ومطابع عام ١٩٩٢، ووصل هذا الرقم خلال الشهور الأخيرة من ٢٠٠٣ إلى ٥١٦٧ مؤسسة إسلامية ومنها المركز والمسجد والمؤسسة السياسية والاقتصادية ومؤسسات حقوق الإنسان والجامعة وغيرها. بالإضافة إلى أن اسم الإسلام الذي أصبح يجري على كل لسان في أمريكا ودرجة حب الاستطلاع أدت إلى رواج الكتب الإسلامية حتى خلت المكتبات منها، وهو ما أوجد فرصة نادرة لوصول الإسلام إلى عقول الأمريكيين وقلوبهم وتمكين الوجود الإسلامي كمكوِّن أصيل في قلب التعددية الأمريكية. - أمريكا من القوة المطلقة إلى الانهيار: ويتناول الكتاب قضية انهيار الولايات المتحدة الوشيك بالتأكيد؛ على أن سيطرة «جماعة القرن الأمريكي الجديد» على الإدارة الأمريكية، واعتماد هذه الجماعة على أقصى نظريات القوة تطرفاً فيما يطلق علىه (الحرب العالمية الجديدة على الإرهاب) يعد الفصل الأول من الانهيار؛ لما يشمله ذلك من تجسيد للمقولة الفلسفية المعروفة: (إن الاعتماد على القوة فقط يفسد، والقوة المطلقة تفسد بلا حدود) وهذا ما حدث مع الإدارة الأمريكية الآن؛ فالتطرف في الاعتماد على القوة المسلحة بشكل أساسي بوصفها أداة من أدوات الدبلوماسية دفع هذه الإدارة في رد فعلها على أحداث ١١ سبتمبر إلى تبني مفاهيم (الضربات الاستباقية) والتحرك المنفرد خارج إطار الشرعية الدولية إذا تطلَّب الأمر. وقد أثرت النزعة العسكرية على الاقتصاد الأمريكي سلباً وتشويهاً؛ لأنها حرمته من عشرات البلايين من الدولارات التي كان يمكن إنفاقها في الاستثمار، وبدلاً من ذلك أنفقت على القواعد العسكرية وإنتاج الأسلحة وتصديرها. وعلى الصعيد الاجتماعي فإن هذه السياسة الرافضة لزيادة الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية أدت إلى تزايد معدلات الفقر والعنف، فيشير الكتاب إلى أن نسبة ١ إلى ٤ من الأمريكيين صدرت منهم أعمال عنف، وأن معدلات الانتحار بين الشباب الأمريكي أكثر من معدلات الانتحار في أوروبا الغربية بنحو ٢٠ ضعفاً وأكثر منها في اليابان بأربعين ضعفاً، وأن معدلات الاغتصاب في الولايات المتحدة تزيد عن مثيلاتها في اليابان وإنجلترا وأسبانيا بعشرين ضعفاً. وهذا الوضع الداخلي هو ما طرح التساؤل: هل سيحدث في الولايات المتحدة ذلك التفكك الذي يسبق الانهيار كما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق أو كما حدث في يوغسلافيا؟ وكانت الإجابة بأن ما يطلق علىه (صراع الحضارات) سيكون المؤثر الفعلى في توقيت انهيار الولايات المتحدة باعتباره الأساس الذي ستبنى علىه خطوات التفكيك؛ لأنه إذا كان عامل القوة الأمريكية الآن قي أغلبه مستمداً من وحدة وتماسك عناصر المجتمع الامريكي وانصهاره في نسيج واحد؛ فإن مفهوم الانصهار الذي ساد المجتمع الأمريكي لفترات تغير الآن، واصبح هذا المجتمع أشبه بـ (طبق السَّلَطة) (١) حيث يصير بوسع كل إنسان أن ينظر إلىه، ويرى عناصره التي يمكن فصلها؛ ومؤشرات ذلك واضحة مثل: القنبلة القومية، والكلام عن إعلان جمهورية تكساس وجمهوريتي كاليفورنيا ونيوميكسيكو، كذلك ما حدث في ولاية نيويورك عندما أوشكت على الإفلاس في مطلع التسعينيات وتدخلت الحكومة الفيدرالية لمساعدة هذه الولاية على حساب الولايات الأخرى وهو ما أثار حفيظة تلك الولايات. - خلاصة: إذا كان من المعتاد أن تتدخل القوة الأمريكية الكبرى في العالم العربي والإسلامي من أجل الحفاظ على مصلحتها القومية؛ فإن هذا التدخل الأمريكي بعد أحداث ١١ سبتمبر شهد تحولاً واضحاً في ظل سيطرة اتجاه اليمين المحافظ الأمريكي؛ حيث سعى هذا الاتجاه إلى فرض الرأسمالية والديمقراطية على دول المنطقة على اعتبار أن (الحسم العقائدي) مع ما يسمى (الإسلام السياسي) وإعادة تشكيل المنطقة ثقافياً واقتصادياً وسياسياً يمثل أهم ضمانة للأمن القومي الأمريكي. وقد حاول الكتاب رصد جذور الوعي الأمريكي ومستوي فهمه للدين والفلسفة والاجتماع والتاريخ باعتبارها صانعة الوعي الأمريكي الحاضر، ووسائل الإعلام الأمريكية باعتبارها أدوات لدراسة المنتج الفكري الذي يُقدَّم للجماهير الأمريكية من أجل الوصول إلى فهم صحيح لموقف العقل الأمريكي من العالم الإسلامي والخلفيات الثقافية والفكرية لأساليب التعامل مع المسلمين. وبالرغم من سيطرة اتجاه اليمين المحافظ؛ فإن الكتاب يؤكد أن الولايات المتحدة ليست هي الاتجاه اليميني المحافظ فقط، وإنما تموج باتجاهات سياسية وفكرية مختلفة تتدافع ثقافياً مع هذا الاتجاه. وهناك ضرورة لدراسة هذه الاتجاهات السياسية والفكرية وبناء جسور للتواصل معها من جانب القوى السياسة والشعبية العربية، وأن تقوم الجالية العربية والإسلامية باستغلال الفرص التي يتيحها النظام السياسي الأمريكي من أجل الحفاظ على مصالحها ومصالح أمتها العربية والإسلامية. غير أن تأثير العرب والمسلمين الأمريكيين داخل المجتمع الأمريكي يتوقف على مدى سلامة الكيان الفكري والثقافي لهم، وعلى المناعة الأخلاقية لهذه الأقليات؛ فكلما كانت الجماعات العربية والإسلامية متماسكة أخلاقياً وواعية برسالتها الحضارية وقادرة على العمل السياسي بوصفها جماعة واحدة، كان ذلك أقرب إلى التأثير الإيجابي المتحضر في البيئة والمحيط.

стр. 5288

البكاء على البابا الكاثوليك !! أ. د. محمد يحيى انشغلت العديد من الهيئات والشخصيات الإسلامية بإصدار بيانات النعي لبابا الفاتيكان السابق (جون بول الثاني) ، ووصل بعضها في ذلك إلى حد المبالغة الممقوتة والإسراف في إظهار مشاعر الأسى الألم، وربما يفتقر ذلك إذا عرفنا أن مبعثه تهافت تلك الهيئات الناعية على إظهار مدى تسامحها، في أعين الغرب الذي أصبح الآن يرفع عصا الاتهامات بالتطرف والتشدد على كل المسلمين ويفرض على كل من يتحدث باسم الإسلام، أو يرفع لواءه بالحق أو بالباطل، أن يدافع عن نفسه طيلة الوقت، ويتفنن في إظهار أنه غير متشدد أو متطرف، حتى ولو وصل في ذلك إلى حد السخف والمبالغة، ومما يلاحظ أن هؤلاء الناعين للبابا على الجانب الإسلامي سارعوا في طي نعيهم، وبيانات الأسف إلى نقل وتكرار ما قيل في الغرب عن هذا البابا أنه رجل السلام والمحبة، وداعية التآلف بين الشعوب، وحامل همّ الإنسانية، والمبشر بالحوار بين الأديان، ناسين أو متناسين أن البابا كان هو الداعي الأكبر للتنصير بين المسلمين، وحتى بين أبناء الطوائف المسيحية نفسها؛ حيث اشتركت بعض الكنائس الأرثوذكسية في شرق أوروبا في أن الكنيسة الكاثوليكية تسعى لتحويل أتباعها من مذهبهم إلى المذهب الكاثوليكي، كما استغل أجواء الفوضى والدمار التي تسببها الحروب والكوارث الإنسانية؛ لكي يعمل على إخراج المسلمين من دينهم وهم وسط أمواج من المحن والبلاء والفقر، بل ويعمل على استغلال ضرب الحكومات العلمانية في الدول الإسلامية للدعوة الإسلامية، ويزكي هذه النشاطات لكي ينتزع المسلمين من عقيدتهم، وليس في هذا التنصير المفروض بقوة السلاح وقوة القمع والاستعمار، واستغلال المحن وأي شيء يلمح إلى محبة الإنسانية والحوار مع الآخر وهو ما لا يدعو إلى الافتخار من جانب المسلمين. وهكذا فإن الذين دبَّجوا بيانات النعي المذكورة كشفوا عن طابع الزيف والاصطناع والمجاملة فيها عندما لم يكلفوا أنفسهم عناء محاولة وضع أي تقييم موضوعي لهذا البابا وأفكاره وأعماله، بل سارعوا إلى نقل وتكرار الدعاية عنه من تمجيد مسرف بين أبناء جلدته في الغرب، وهم محقون في تفاخرهم به، حتى إلى حد الغلو والمبالغة؛ لأنه خدم مصالحهم وأهدافهم بجانب مصالح كنيسته وديانته، لكن لا يحق للمسلمين الذين وقعت عليهم عواقب أفكار وسياسات البابا أن يصدروا أو تصدر باسمهم بيانات النعي تحمل تمجيد هذا البابا، وتصفه بأوصاف؛ بينما كانت أعماله ضد الإسلام هي على النقيض منها تماماً. خذ من تلك الأوصاف مثلاً: الحديث عن البابا بوصفة رجلاً للسلام العالمي، والمحبة بين الشعوب؛ بينما كان البابا وكنيسته الفاعل الأساس والوحيد في فصل تيمور الشرقية في أكبر بلد إسلامي في العالم وهو إندونيسيا! ومن المحزن والمضحك في الوقت نفسه وفي آن واحد أن إندونيسيا وفي إطار حملة التزلف والتودد إلى الغرب، سارعت إلى الإعلان عن رغبتها في طرح اسم أحد الكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية بإندونيسيا ليكون هو خليفة البابا، ونسي المسؤولون هناك أن هذه الكنيسة هي التي قسمت بلادهم، وشجعت على الانفصال لأحد أغنى أقاليمها، وجيشت العالم ضدها، كما نسي المسؤولون هناك إن إندونيسيا ليست بلداً نصرانياً، وأن الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية كذلك، لم تنشأ هناك إلا في ركاب الاستعمار الهولندي، ومعه النفوذ الغربي؛ فهي ليست ظاهرة أصيلة في ذلك البلد، بل وافدة تحت ظروف أقل ما يقال فيها إنها ظروف القهر، واستغلال معاناة الشعوب. هذا هو نصيب البابا الراحل وكنيسته من ناحية العمل على السلام والمحبة، وبخاصة في العالم الإسلامي وهو رصيد يضاف إلى أعماله الأخرى المشهورة في زعزعة الأنظمة والحكومات الشيوعية في أوروبا الشرقية وصولاً إلى إسقاط الكتلة الشرقية أوالسوفييتية، بما فتح الباب لضمها إلى الكتلة الغربية، ووضعها تحت السيطرة الاستعمارية الأمريكية، وأوجد معاناة إنسانية هائلة، وفتح الباب كذلك لقوى التعصب والإرهاب الصليبي لتعربد هناك، وتدمر الوجود الإسلامي في آسيا الوسطى وحتى البلقان، ويمتد نصيب وإسهام البابا في «دنيا السلام والمحبة» إلى قارة أمريكا الجنوبية والوسطى؛ حيث تمادى تيار الفكر المناصر لقضايا الشعوب في وجه النهب والسلب الاستعماري، وهو التيار الذي يعرف باسم (لاهوت التحرير) ، مما أدى إلى قيام أنظمة متسلطة قمعية عملت على ضرب الحركات الشعبية، وأفسحت المجال أمام النفوذ الأمريكي المباشر للدخول إلى تلك البلدان، وإخضاعها لصالح وغايات الولايات المتحدة. ومن المفارقة أن هذا الضرب من جانب البابا لتيار لاهوت التحرير أدى إلى تدفق البعثات التنصيرية الأمريكية إلى بلدان أمريكا الجنوبية والوسطى؛ حيث أخذت تتعدى على أتباع الكنائس الأخرى لجذبهم إلى الطائفة الكاثوليكية، وذكرت أنباء في الإعلام الغربي في معرض تحليل وفاة البابا إلى أنه في السنوات العشر الأخيرة تمكنت تلك الجماعات، والكنائس التنصيرية الأمريكية والبروتستانتية في اجتذاب حوالي أربعة وعشرين مليون كاثوليكي إلى صفوفها. أما عن الحوار النصراني الإسلامي الذي ذكرت بيانات النص في الجانب الإسلامي على أنه من مآثر البابا الراحل، وإنجازاته فهو كما أثبتت الأحداث لم يكن أكثر من مجرد تحرك دعائي هدفه وضع المسلمين موضع الدفاع والتراجع، وإلهاؤهم عن أي محاولة تصدٍّ لهذه الهجمة أو نشر عقيدتهم ودعوتهم. بل تجاوز الأمر هذا الحد حينما تحول هذا الحوار المزعوم إلى وسيلة لإدخال وفرض مفاهيم نصرانية كنسية على العقيدة الإسلامية، وتجنيد عدد من الداخلين إلى هذا الحوار من الطرف الإسلامي، ليصبحوا دعاة للصليبية في الوسط الإسلامي. وكان ملحوظاً أن هذه المجموعة بالذات من المنحازين إلى الطروحات الصليبية من أعلى الأصوات تباكياً على البابا الراحل، وتذكيراً بأمجاده المزعومة، ودعوة إلى مواصلة ذلك الحوار الذي استفادوا هم بالذات منه مادياً ومعنوياً، ومما يؤسف له أن الفترة الماضية شهدت وفاة العديد من أعلام الفقه والفكر الإسلامي، ومنهم أئمة أعلام، ولكن لم يتحرك كثير من وسائل الإعلام المحلي ولا كثير من الحكومات ولا النخب إلى مجرد ذكر أخبار وفاتهم ولا نقل نعيهم أو التذكير بأمجادهم ومآثرهم العلمية، لكن هذه الأعمال كانت تصب في صالح الإسلام، وهو ما لا يحب أحد أن يذكره ولا تصب في صالح الصليبية الغربية التي يبدو أن الجميع الآن يعمل في خدمتها إلى حد المشاركة بأعلى أصوات النواح والعويل والبكاء في مآتمها.

стр. 5289

رشفات من اللغة ... سامي محمد هشام حريز - الهمزة في أول الكلمة: إذا وقعت الهمزة أول الكلمة كانت متحركة؛ لأنّ العرب لا تبدأ بساكن ولا تقف على متحرك، وتثبت على صورة الألف ضُمت أو كُسرت أو فُتحت، وتُكتب النبرة فوق الألف، إن كانت همزة قطع في الفتح والضم، مثل: أب، أُم. وتحت الألف في الكسر، مثل: إِبل، وتكتب الألف من غير نبرة إن كانت للوصل، مثل: اسم، ابن، امرأة. وهمزة الوصل لا تقع إلا في أول الكلمة، فلا تقع في وسطها، ولا في آخرها. من كتاب: الوجيز في قواعد الكتابة والترقيم، للدكتور: توفيق أسعد حمارشة. ص ٧. جمعية عُمال المطابع: عمّان. ط ١، ١٤١٥هـ ـ ١٩٩٥م. - مسألة مهمة يخطئ فيها بعض الناس: يقول لك صاحبك: هل تريد مني شيئاً؟ أو تفضّل عندي للغداء..، فإن قلت: لا، شكراً. أو لا، بارك الله فيك ... فهذا خطأ، والصواب أن تقول: لا، وشكراً، أو لا، وبارك الله فيك. فلا بد من الفصل بين (لا) وما بعدها بحرف (الواو) ؛ لأنّ عدم الفصل بالواو يوهم ذلك الإساءة أو الدعاء على صاحبك، وأنت لا تقصد ذلك، ونفياً لهذا الوهم جيء بهذه الواو. من كتاب: البلاغة فنونها وأفنانها [علم المعاني] ، الأستاذ الدكتور: فضل حسن عباس. ص ٤٤١. دار الفرقان: عمّان: ط ٧، ١٤٢١هـ ـ ٢٠٠٠م. - أخطاء لفظية: ١ ـ قول: «سلام حار» ؛ لأنّ الحرارة وصف ينافي السلام وأثره، ولأن السلام من أسماء الله تعالى، والسلام يُثلج الصدور فهو عكس الحرارة. ٢ ـ قول: «شاءت الظروف أن يحصل كذا، أو شاءت الأقدار كذا وكذا» ؛ لأنّ الظروف جمع وهو الأزمان، والزمن لا مشيئة له، وكذلك الأقدار جمع قدر، والقدر لا مشيئة له، وإنما الذي يشاء هو الله ، نعم! لو قال الإنسان: اقتضى قدر الله كذا وكذا، فلا بأس به. ٣ ـ هناك من يستعمل الكلمة في معنى غير معناها الذي وُضع له، ومن هذا القبيل استعمال كلمة (فشل) ، فترى بعضهم يقول: فَشِلت في حياتها الزوجية، وفشل في دراسته، والفشل هو الضعف؛ قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] أي تضعفوا، والكلمة التي ينبغي أن تستعمل هي الإخفاق، فيقال: أخفق في كذا. ٤ ـ من الكلمات التي خولف فيها القياس الصرفي ما نجده شائعاً بين المثقفين، مثل: كلمة (أخصائي) ، فما أكثر أن تسمع قولهم: نحن بحاجة إلى أخصائيين في كذا، وهي جمع (اختصاصي) ، والصحيح أن يقال: اختصاصيون. ومن ذلك أيضاً: جمعهم لـ (مشكلة) على (مشاكل) ، و (مدير) على (مدراء) ، وقولهم في تثنية (عصا) : عصاتين، والصحيح أن يقال: مشكلات، ومديرون، وعصوان. كلمة: (كرس) ، فيقولون: كرّس له حياته؛ فهم يريدون أن يقولوا: قصر حياته على كذا. - الفرق بين العُقدة والربطة والدُرّزة: العُقدة: هي الوصل بين شيئين ليّنين. الربَطة: هي الوصل بين شيءٍ ليّن بجسم صلب. الدُرْزة: هي الوصل بين جسمين صلبين بشيءٍ ليّن.

стр. 5290

اجتهاد أم تزوير ؟! أحمد بن عبد الرحمن الصويان اللغط الذي أثارته إمامة المرأة وخطابتها في مدينة نيويورك أمر جدير بالتوقف عنده؛ فهو يُبرز أنماطاً مختلفة من التفكير والنظر إلى النوازل والمشكلات الحادثة. وثمة مسائل جديرة بالتأمل، ومنها: أولاً: أن بعض الفقهاء والمفتين راح يفتي في المسألة، ويقرأ الحدث قراءة فقهية مجردة معزولة عن سياقها السياسي والفكري، ولا شك أنَّ بيان حكم الله في مثل هذه النوازل أمر واجب على أهل العلم، لكن هل كان مبدأ المسألة اجتهاداً فقهياً متجرداً؟! وهل كان المنطلق مبنياً على رؤية شرعية؟! الواقع أن المنطلق ليس كذلك؛ فهم لم ينظروا إلى النصوص الشرعية في الإمامة وأحكام الخطبة، ولم يكن المعيار الذي يركنون إليه هو تحري مراد الشارع الحكيم؛ وإنما انطلقوا من مبدأ تمكين المرأة، والمساواة بين الجنسين، وأن من مقتضيات الحداثة المعاصرة ـ زعموا! ـ تصدُّر المرأة في شتى الولايات العامة كالقضاء والوزارة والرئاسة ... ويدخل في ذلك الإمامة..!! إذن القضية بإيجاز شديد ليست اجتهاداً فقهياً يستحق المدارسة، وإنما هي محاولة عبثية للتعايش والتقارب بتكلُّف ظاهر مع قِيَم الفكر الغربي، أو قل هي محاولة يائسة لخلخلة الثوابت، وإحداث بلبلة منهجية يتطاول فيها الرويبضات والسفهاء على دين الله . ثانياً: مع الأسف الشديد وجدنا بعض المنتسبين إلى الفقه والفتوى اندفع في مجاراة أولئك القوم، وراح يفتش في أقوال المتقدمين ما قد يظنه بعضهم مستنداً فقهياً. فبدل أن يتعامل هؤلاء بحزم أمام هذه الأطاريح العبثية المضللة، ويقطعوا السبيل أمام هؤلاء المفسدين، راحوا يلتمسون المعاذير ويستدرجون غيرهم لتسويغها والدفاع عنها. والهزيمة إذا سيطرت على عقل الإنسان وملكت فؤاده، أصبح ألعوبة تهوي بها الريح يميناً وشمالاً.. يوماً يمانٍ إذا لقيتَ ذا يمنٍ وإن يكن معدياً فعدنان ثالثاً: أجرت بعض القنوات الفضائية وبعض المواقع على الشبكة العالمية (الإنترنت) استفتاءات لعامة الناس تستطلع آراءهم في حكم إمامة المرأة وخطابتها. وبغضِّ النظر عن نتائج تلك الاستفتاءات؛ إلا أن هذه الظاهرة غاية في الخطورة؛ فمتى كانت أحكام الفقه الإسلامي مجالاً للتصويت؟! ومتى كانت حدود الشرع تخضع لمجرد أهواء عوام الناس وتصوراتهم؟! وهل يصح أن يكون الفقه حِمىً مستباحاً يتعالم فيه من ليس له حظ من الأثر أو النظر..؟! رابعاً: استثمر بعض العلمانيين هذا الحدث للمناداة بما يسمونه بتجديد الدين، وفتح أبواب الاجتهاد، وقراءة النصوص الشرعية قراءة حضارية مرنة متجردة عن الموروثات الفكرية، ويقولون: لماذا الإصرار على القديم والانكفاء على قوالب جامدة ما دام كل شيء من حولنا يتطور ويتغير بصورة مذهلة في كثير من الأحيان؟! ويزعمون أن فقهاءنا تعاملوا مع هذا الحدث بعقلية التحريم والرفض.. إلى نحو ذلك من الغثاء والزندقة التي لا تخفى على كل من له حظ من الدين والورع. وأكبر معضلة تواجه غلاة العلمانيين في حربهم على الإسلام وأهله، هي (النص الشرعي كتاباً وسنة) ، ولهذا تجد أن المشروع الفكري لمحمد أركون، وفؤاد زكريا، ونصر أبو زيد، وأضرابهم هو محاولة ضرب هيبة وقدسية النص الشرعي، وقراءته على أنه وثيقة تراثية تاريخية، ليسهل عليهم وعلى أتباعهم بعد ذلك تحريفه وتزييفه. إن من أهم خصائص هذا الدين الحنيف أن الله تكفَّل بحفظ كتابه العزيز، ومن مقتضيات ذلك حفظ سنة سيد المرسلين #، ومهما تطاول المتطاولون عليها بالتحريف والتبديل فإن الله سيقيِّض لها من كل خَلَفٍ عدولَه ينفون عنها تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين. وهذا يجعلنا نؤكد أن من أعظم ما يجب أن يُربى عليه أبناء الأمة: تعظيم الوحيين. قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، وتعظيم حدود الله وحرماته؛ ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] ، ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] . وأحسب أن أكثر فساد المنحرفين عن الشرع المطهر من المنتسبين إلى الدين أو من محاربيه، إنما هو من التقديم بين يدي الله ورسوله #. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عليم﴾ [الحجرات: ١]

стр. 5291

٢١٣ - جمادى الأولى - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5292

تعظيم السنن التحرير من الظواهر اللافتة للنظر التي ازداد انتشارها في أوساط الدعاة وأبناء الصحوة الإسلامية بمختلف طبقاتهم التهاون في الالتزام بالسنة النبوية، سواء أكان ذلك في الهدي الظاهر، أم في جوانب الممارسة الشخصية أو الدعوية، ونحوهما. والمحزن أن الأمر تجاوز عند بعضهم مرحلة القصور الشخصي إلى التزهيد بتطبيق السنة، والتقليل من شأنها، بل التكلف في الاستدلال والتنظير لهذا التفريط بأدلة وشُبه واهية واضحة القصور. وإذا تأملت قول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] . علمت أن التأسي بالنبي ﷺ من دلائل الإيمان، ولا يوفق له إلا من تعلق قلبه برجاء الله، وخاف من عقابه؛ ولهذا قال الحافظ ابن كثير: «هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله» . والواجب أن يربى الناس ـ فضلاً عن الدعاة ـ على تعظيم النبي ﷺ ، وتعزيره وتوقيره، ومن مقتضيات ذلك تعظيم سنته وإجلالها؛ فإذا رأيت الإنسان مقبلاً على السنة حريصاً على الاهتداء بهدي النبي ﷺ علماً وعملاً؛ فاعلم أنه على خير. وإذا رأيت الإنسان يتقاصر عن فعل السنن ويلتمس المعاذير للتخفف منها؛ فاعلم أنه على غير الجادة. نعم! لا يجوز أن تُنَزَّل السنن منزلة الفرائض، لكن لا يجوز أيضاً أن تُزدرى السنن وتهجر، وخاصة ممن هم في منزلة القدوة الذين يحتذى بهم. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .

стр. 5293

إنه منهج إذلال ! التحرير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وبعد: فإن رياح التغيير القادمة من أمريكا تهب على العالم الإسلامي هذه الأيام بشعارات براقة من الإصلاح السياسي والانفتاح الاقتصادي والحرية وإعادة الإعمار إلى تحرير المرأة وإعطائها حقوقها المسلوبة، وقد تبين واقعاً أن هذه مجرد آليات ضغط على الأنظمة والشعوب ترفع لأهداف سياسية واقتصادية مجردة، الغرض منها استكمال مخطط السيطرة على مقدرات العالم؛ حيث إن ممارسات الإدارة الأمريكية تتناقض تماماً مع كل الشعارات المرفوعة؛ فما نشاهده عملية ترويض مبرمجة تتم وفق دراسات عن المجتمع الإسلامي ونفسية الفرد المسلم. نعم إنها عملية ترويض تذكِّر بمباريات ترويض الثيران التي يجيدها رعاة البقر. وقبل أن نتكلم عن مظاهر منهج الترويض المعتمد يجب أن نؤكد على أن هذا المنهج معتمد من أعلى مستوى، وأن الذي وضع خطوطه العريضة اختير وزيراً للعدل في التشكيل الجديد. والأمر الآخر أن القوى العسكرية والأمنية في جميع دول العالم المتقدمة والمتخلفة تتصرف وفق ضوابط معينة؛ بحيث إن جميع تصرفاتها لا تخرج عن ثلاثة احتمالات: فهي إما أن تكون تنفيذاً لأوامر محددة، أو تكون في حدود توجيه عام باللين أو القسوة أو تجاوزات نابعة من تدني مستوى الأفراد الأخلاقي، أو نتيجة ضغوط العمل. ونتساءل هنا: من الذي أمر بقتل الأسرى في أفغانستان بقصفهم بالطائرات كما حصل في قلعة جانجي أو بوضعهم في حاويات مغلقة ليموتوا أثناء النقل؟! ومن الذي فتح المعتقلات في أفغانستان والعراق ويشرف عليها؟! ومن الذي جلب أكياس الرأس (السوداء) ؟! ومن الذي وفر أجهزة التعذيب الكهربائية؟! ومن الذي أدخل الكلاب إلى داخل المعتقلات، ولماذا؟ ومن الذي قرر أن يكون الاعتقال خارج الولايات المتحدة؟ ومن الذي بنى معسكر جوانتنامو؟! ومن..؟ ومن..؟! هل هي تصرفات فردية من المجندون الذين دخل كثير منهم الجيش؛ لأنهم لم يجدوا عملاً آخر..؟! لا شك أن ظروف الاعتقال وكيفيتها ووسائل التحقيق التي تعتمد على تحطيم مقاومة المعتقل وإذلاله تتم وفق منهج معتمد قائم على فهمهم لخصائص الشخصية الإسلامية، وإليك بعض الخصائص ومحاولات استغلالها: أولاً: أهمية صفة الرجولة والشرف؛ ولذا تم اعتماد تعرية المعتقلين واغتصابهم. ثانياً: الكرامة وعلاجها التعذيب الشديد مع توجيه الإهانات اللفظية. ثالثاَ: اعتقادهم أن الشرقي ينظر بدونية للمرأة، ولذا فإن قائد سجن أبو غريب امرأة، وغالبية من يمارس التعذيب والتحقيق نساء. ففي قاعدة باجرام الجوية بأفغانستان ورد في التحقيقات التي نشرتها صحيفة (نيويورك تايمز) حول وفاة بعض المعتقلين تحت التعذيب أن سجناء علقوا بالسلاسل إلى السقف، كما قامت محققة بالسير على عنق سجين، وضربت آخر بقدمها في منطقة حساسة. أما فضيحة أبو غريب فإن من ظهر في الصور وحوكم هن نساء. رابعاً وأخيراً: معرفتهم باحترام عامة المسلمين لدينهم وحرصهم في التعامل مع كتاب الله حتى إنه لا يمس إلا مع الطهارة، ولذا فإن أحد الممارسات المتكررة لإذلال المعتقلين كانت إهانة المصحف الشريف. وقد أكد حدوث ذلك معتقلون بريطانيون وكويتيون وأفغان منذ مدة، ولكن لم ينتشر ويكون له صدى إلا بعد أن نشرت (نيوزويك) الأمريكية تقريراً حول هذا الموضوع، وبعد الردود الشعبية العنيفة خاصة في افغانستان والذي خافت الإدارة الأمريكية من أن يكون له أثر سيئ على وجودها هناك، وكان رد الفعل هو الوعد بإجراء تحقيق، والطلب من المجلة سحب التقرير والتراجع عنه، وهذا ما حصل، ولكن بعد ماذا؟ وهنا سنذكر ملخصاً لتقرير نشرته صحيفة «لوس أنجيليس تايمز» الأمريكية وسنتبعه بصيغة اعتذار مجلة النيوزويك. أما صحيفة لوس أنجليس تايمز فتؤكد أن الأدلة بدأت تتواتر على حصول مثل هذه الممارسات المهينة للمصحف الشريف بشكل متكرر ولعشرات المرات. وذكرت الصحيفة أن فحص النسخ السمعية وسجلات المحاكم والوثائق الحكومية، بالإضافة إلى المقابلات التي أجريت مع معتقلين سابقين من قِبَل أجهزة الأمن والجيش الأمريكي ومقابلات أخرى أجريت مع محامي هؤلاء المعتقلين وتقارير منظمات الدفاع عن الحريات المدنية وحتى اعترافات أفراد من الجيش الأمريكي نفسه أكدت جميعها أن الممارسات غير الإنسانية، وتعمد امتهان وتدنيس المصحف الشريف قد حدثت عشرات المرات ليس فقط في معتقل جوانتانامو، وإنما كذلك في العديد من السجون ومراكز الاعتقال الأمريكية في العراق وأفغانستان. حيث أكد الأسرى أن تدنيس المصحف الشريف في هذه المعتقلات كان يتم بصورة متكررة، وبقصد استفزاز مشاعر المعتقلين المسلمين. ونقلت الصحيفة عن أحد المعتقلين المسلمين المحررين من (جوانتانامو) قوله إنه في واحدة من المرات دخل عليه جندي أمريكي معه كلب حراسة، وكان هذا الكلب يحمل بين أسنانه نسخة من المصحف الشريف، كما كان هناك حراس أمريكيون آخرون يتحدثون عن المصحف بطريقة مهينة وألفاظ شديدة البذاءة. كما أكد معتقلون مسلمون آخرون أنه كان يتم دعسه بالأرجل وإلقاؤه عبر الجدران. وأفادت الصحيفة أن معتقلاً مسلماً آخر أقسم على أن حارسه الأمريكي تبول ذات يوم على نسخته من المصحف الشريف، بينما استهزأ حارس آخر بآيات القرآن وسخر من أنها لا تنقذ الأسرى من يد الجيش الأمريكي، على حد زعمه. وتنقل الصحيفة عن معتقل مسلم سابق في جوانتانامو يدعى (محمد معزوز) قوله: «لقد مزقوا المصحف وألقوه على الأرض، ثم تبولوا عليه، وساروا فوقه، واستعملوه مثل مفرش للأرضية» . أما في سجن «أبي غريب» بالعراق فتنقل الصحيفة عن (أحمد ناجي الدليمي) الذي احتجز في «أبي غريب» لمدة عشرة أشهر: «لقد حضر إلينا ضابط أمريكي كانوا يطلقون عليه اسم (فوكس) وقد أجبرنا على الجلوس ونحن عراة، ثم أمر الكلاب أن تلعقنا، وبعدها نقعنا في ماء بارد، ثم أخرجنا لنجلس أمام مكيف هواء قوي، وكنا متحملين لكل هذا، لكنه تمادى عندما أصر على إذلالنا وإهانتنا من خلال تدنيس المصحف الشريف؛ حيث مزقه أمامنا ورماه في القمامة والماء القذر» . ويضيف الدليمي: «لقد كان الضابط (فوكس) يقوم كل يوم تقريباً بأخذ نسخة جديدة من المصحف، ويمزق غلافها، ثم بعد هذا يلقيها في القمامة» . اما آخر اعتذار لمجلة (النيوزويك) فكان على لسان (ريتشارد سميث) مدير ورئيس تحرير المجلة الذي اكد أن المجلة ستغير سياساتها المتعلقة بصياغة التقارير، وقال: «نحن آسفون بشدة.. لقد أخطأنا في تقرير مهم، ويتطلب مبدأ الشرف منا الاعتراف بخطئنا» . وتابع (سميث) : إنه إضافة إلى ذلك «فخلال الأسابيع المقبلة سنعيد النظر في طرق تحسين عمليات جمع الأخبار بشكل عام» . وأضاف: إن ما حدث كان «محبطًا» ؛ لأن المجلة «اتخذت العديد من الخطوات المناسبة في كتابة التقارير عن جوانتانامو» . وقد أوردت المجلة بعد تراجعها الرواية التالية التي تدل على مدى حرية الصحافة المزعومة وتأثير الإدارة عليها؛ حيث ادعت المجلة أن «الحراس قالوا: إن سجيناً اعترف أن نسخة من المصحف سقطت منه قرب دورة المياه» . وقالت المجلة: إن السيرجنت «جون فاناتا» الذي عمل حارساً للسجن من أكتوبر ٢٠٠٢م وحتى خريف عام ٢٠٠٣م، أفاد بأن هذا الحادث وقع في عام ٢٠٠٢م، وقد أصاب معتقلي جوانتانامو الغضب لاعتقادهم أن الحراس الأمريكيين ألقوا بالمصحف في المرحاض أو بجانبه. إلا أن المجلة قالت: إن الحراس وعقب قيامهم بالتحقيق عثروا على سجين اعترف أنه أسقط نسخة من القرآن قرب المرحاض، وأنه «طبقًا لـ «فاناتا» فقد تم اصطحاب السجين من زنزانة إلى زنزانة ليشرح للمعتقلين ما حصل لتهدئة غضب السجناء» . إنها رواية ملفقة جاءت متأخرة ولكنها تثبت أصل الوقائع. وأخيراً فإن ردود الأفعال الشعبية والحكومية التي لا تتناسب مع عظم المصيبة ومقدار الإهانة الذي يدل على صليبية الحملة مع تطعيمها بشيء من التلمودية تعيد إلى الأذهان موقف عبد المطلب مع أبرهة؛ فإن محارم الله إذا لم ينتصر لها البشر فإن الله قادر وموجود.

стр. 5294

هل التصوف سائغ محمود مقبول ؟ د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف كثيراً ما يقع الخلاف بسبب ألفاظ مشتركة، ومصطلحات مجملة تطلق على معان متعددة، ومن ذلك «التصوف» فهو لفظ مجمل، وحمّال وجوه؛ فقد يطلق على معان صحيحة: كالزهد، والورع، وصفاء السريرة، وقد يراد به أوراد بدعية وعبادات محدثة، كما يراد به الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، مما هو من مقالات أهل الزندقة والإلحاد. ولما كان أهل السنة والجماعة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فقد بيّنوا ما في هذا التصوف من إجمال يحتاج إلى تفصيل، وتحدّثوا بعلم وعدل عن مفهومه وإطلاقاته. يقول ابن تيمية: «لفظ التصوف قد أُدخل فيه أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها، وإن سميت تصوفاً؛ لأن الكتاب والسنة إذا دلّ على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تسمى باسم آخر» ، وقد أُدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله، كما يُدخِل فيه بعضهم نوعاً من الحلول والاتحاد، وآخرون نوعاً من الرهبانية المبتدعة في الإسلام. والمؤمن الكيّس يوافق كل قوم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وأطاعوا فيه الله ورسوله ولا يوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة أو عصوا فيه الله ورسوله» (١) . وقال الشاطبي: «وأما الكلام في دقائق التصوف، فليس ببدعة بإطلاق، ولا هو مما صحّ بالدليل بإطلاق، بل الأمر ينقسم. ولفظ التصوف لا بد من شرحه أولاً، حتى يقع الحكم على أمر مفهوم؛ لأنه أمر مجمل عند هؤلاء المتأخرين» . ثم ساق الشاطبي ﵀ المعاني الصحيحة والفاسدة في التصوف (٢) . وإذا أردنا أن نحدد نوعية التصوف الحاضر الآن فلا بد أن نتعرّف على واقع طرق التصوف وأحوالها وأدبيّاتها، وأن نستبين مقالات أرباب التصوف المعاصرين؛ وبذلك نحدد نوعية التصوف السائد في كثير من الأمصار. فلا يقتصر على إجابة مجملة وعائمة، لا تعالج واقعاً حاضراً، ولا تشفي عليلاً، بل ربما كانت تنصلاً عن تشخيص الواقع والحكم عليه. وهذا ما ارتكبه بعض فضلاء هذا العصر؛ حيث قرروا «الصوفية الحقة» التي كان عليها الجنيد والفضيل ـ رحمهما الله تعالى ـ ونحوهما؛ فأوقعوا بذلك التقرير لبساً وشكاً في انحراف الصوفية المعاصرة، وتهويناً لحالهم، واسترواحاً لبعض ممارساتهم في التزكية وأحوال القلوب. مع أن زنادقة الصوفية القدامى مناقضون لمسلك الفضيل والجنيد، فضلاً عن متأخريهم ومعاصريهم؛ فابن عربي الطائي قد أنكر على الجنيد تقريره التوحيد؛ فكان الجنيد ﵀ داعيةً إلى توحيد العبادة، وأما ابن عربي فناعق بوحدة الوجود» (١) . فصوفية الجنيد والفضيل في ذاكرة التاريخ وبطون الكتب، فليس لها حضور أو ظهور عند الصوفية المعاصرة. وأما التعويل على كلام شيخ الإسلام وما فيه من تقرير للتصوف الصحيح، فهذا ينطبق على العبّاد الأوائل من أمثال المذكورين ـ الجنيد والفضيل ـ ونحوهما. وأما صوفية عصره، فقد حكى حالهم من خلال واقعهم وصنيعهم، فلم يكتف بمجرد التنظير، أو التقسيم لتصوف صحيح وفاسد، بل كشف شيخ الإسلام ابن تيمية عن مخالفة أولئك الصوفية لأصول ثلاثة كبار: (التوحيد، والاتباع، والجهاد) فقد تلبّسوا بالشرك الخفي والجلي، وأحدثوا بدعاً متعددة، «وأما الجهاد في سبيل الله، فالغالب عليهم أنهم أبعد عنه من غيرهم» (٢) . ويقول ﵀: «وهؤلاء يدّعون محبة الله في الابتداء، ويعظمون أمر محبته، ويستحبون السماع بالغناء والدفوف، ويرونه قربة؛ لأن ذلك بزعمهم يحرّك محبة الله في قلوبهم، وإذا حُقق أمرهم وجدتَ محبتهم تشبه محبة المشركين لا محبة الموحدين؛ فإن محبة الموحدين بمتابعة الرسول والمجاهدة في سبيل الله. وهؤلاء لا يحققون متابعة الرسول، ولا الجهاد في سبيل الله، بل كثير منهم ـ وأكثرهم ـ يكرهون متابعة الرسول، وهم من أبعد الناس عن الجهاد في سبيل الله، بل يعاونون أعداءه، ويدّعون محبته» (٣) . إن ترك الجهاد في سبيل الله هو النتاج الطبيعي لمذهب يقول بالجبر وتعطيل الشرائع، كما أن إلغاء الجهاد عندهم هو محصلة ما يقررونه في السلوك من تربية المريدين على الاستعباد وعدم الاعتراض على الأشياخ. يقول الشيخ محمد الغزالي ﵀: «إن الدّجالين من رجال الطرق الصوفية كانوا يربون أتباعهم على التواضع بشتى الطرق المهينة، فإذا رأوا أنفة في مسلك أحدهم، أو دلائل عزة وترفع، جعلوا عليه مهمة حمل أحذية الجماعة، والمحافظة عليها، حتى تنكسر نفسه، وينخفض رأسه؛ وبذلك يكون مرشحاً لعبادة الله كما يجب. ولم يَدْر المغفلون أنهم يرشحونه أيضاً ليكون عبداً للناس جميعاً، وأن مثل هذا الكائن الممسوخ هو أمل المستعمرين الذين يقيمون وجودهم على إذلال الأمم، وقتل الشعور بالكرامة في نفوس بنيها» (٤) . وأما كون بعض الحركات الجهادية لا تخلو من تصوف كالحركة السنوسية، فهذه الحركات إنما تُحمد بقدر اتباعها لنصوص الوحيين، وجهاد تلك الحركات باعثه تحقيق التوحيد واتباع سنة نبينا محمد ﷺ ، فما كان التصوف باعثاً للجهاد. فالسنوسية ـ مثلاً ـ تؤكد على تصحيح العقيدة وفق منهج أهل السنة، وكان أتباعها يتدارسون مقدمة بن أبي زيد القيرواني، بل إن السنوسي انتقد ممارسات الصوفية في عصره.. كما هو مبسوط في موضعه» (٥) . إن الطرق الصوفية المعاصرة ـ إجمالاً ـ تترنح بين ابتداع ما لم يشرعه الله، وبين شرك ما أنزل الله به من سلطان، وهم في ذلك ما بين مستقلّ ومستكثر؛ ومن ذلك أن واحداً من المتصوفة المعاصرين والجاثمين على أكثر من قناة فضائية، يظهر للعامة والدهماء بصورة الواعظ المشفق، وربما بكى أو تباكى، وقد يدعو مخالفين إلى نقاش هادئ من خلال الكتاب والسنة. وإذا خلا مع خاصته، تحدّث بلغة «الحقيقة» و «الباطن» فقلب ظهر وظاهر المجن، واستبدل بالنقاش الهادئ إقذاعاً في سبّ مخالفيه (أهل السنة) ووصفهم بالبلادة والجهل وانطماس البصيرة، وتجلى كشفه عن فجور في الخصومة مع جهل كثيف بأحاديث المصطفى ﷺ ، فقد يحتج بأحاديث لا تثبت، وقد يردّ الأحاديث الصحيحة، مع تعويل على غرائب حكايات منكرة لا خطام لها ولا زمام. ثم مع هذا كله فهو داعية إلى الوثنية؛ فقد جوّز دعاء الأموات، وزعم أن من استغاث بعبد القادر الجيلاني فإن عبد القادر يأتي إليه بروحه، أو بروحه وجسده. ثم تراه ساخراً ومتهكماً بتوحيد العبادة واصفاً إياه بالتوحيد الإبليسي؛ فعلى دعاة الإسلام أن يحذِّروا من أفراخ عمرو بن لحي، وأن يكشفوا عن تلوّنهم وتقلّب آرائهم بين المجلات والقنوات، وبين الزاويا والخلوات، فهذا هو العدل الذي يستحقونه، فالعدل هو أن توضع الأمور في مواضعها، والنقاط على حروفها. ولعل قارئاً يقول: إن كان التصوف المعاصر ينقض أصلَيِ الإسلام: عبادة الله ـ تعالى ـ وحده لا شريك له، واتباع سنة المصطفى ﷺ ، فما سر انتشاره؟ فلا شك أن غلبة الجهل بدين الله ـ تعالى ـ من أبرز أسباب ذاك الانتشار؛ ولذا فإن أعظم أسباب وأد التصوف بذل الجهود، وتقديم البرامج في تقرير إفراد الله ـ تعالى ـ بالعبادة، وإظهار سنة سيد المرسلين ﷺ . كما أن النفوس المتفلتة من الشرع المنزّل، والمسترسلة مع أهوائها وملذاتها، تجد في التصوف بغيتها، وتلوذ بأقوام يتدينون بالغناء والرقص وصحبة المردان ويجعلون ذلك قربة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولقد حدّثني بعض المشايخ أن بعض ملوك فارس لقي شيخاً (أي المتصوفة) وقد جمع الناس على اجتماع (وأحضر فيه من الصور الجميلة والأصوات المطربة ما أحضر) ، فقال له: يا شيخ! إن كان هذا هو طريق الجنة؛ فأين طريق النار؟» (١) . وقال ابن القيم: «وحكى لي شخص آخر أن مغنياً عزم على التوبة، فقيل له: عليك بصحبة الفقراء (أي الصوفية) فإنهم يعملون على حصول الأجر، والزهد في الدنيا، فصحبهم، فصاروا يستعملونه في السماع، ولا تكاد التوبة تنتهي إليه، لتزاحمهم عليه فترك صحبتهم، وقال: أنا كنت عمري تائباً ولا أدري» (٢) . وانظر ما يسمى بـ (طبقات الأولياء) للشعراني، وما سوّده من كرامات السيد وحيش الذي كان يقارف الفواحش والقاذورات.. ومع الحمير!! وما قام به ولي آخر من خطبة الجمعة وهو عريان؛ أفليس هؤلاء أولياء الشيطان؟ وانظر ما كتبه الجبرتي عما يحصل في مولد العفيفي (ت ١١٧٢هـ) من أنواع الخنا والفجور (٣) . ويصف الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ موالد الصوفية قائلاً: «وسل الأمين تلك الموالد عن عربدة الشيطان في باحاتها، وعن الإثم المهتوك في حاناتها، وعن حمم الشهوات التي تتفجر تحت سود ليلاتها؛ فما ينقضي في مصر أسبوع إلا وتحشد الصوفية أساطير شركها، وعبّاد أوثانها عند مقبرة يسبِّحون بحمد جيفتها، ويقترفون خطايا المجوسية في حمأتها، ويحتسون آثام الخمر و «الحشيش» والأجساد التي طرحها الليل على الإثم فجوراً ومعصية» (٤) . إن التصوف الآن أفيون لمتعاطيه؛ فالتصوف غارق في مصطلحات الغناء والسكر والاصطلاح ونحو ذلك مما يحصل به غيبة العقل وزواله، وأرباب التصوف سادرون في الصعق والوجد و «العشق الإلهي» ! ومن أسباب انتشار التصوف ما يتحلى به المتصوفة من خيانة وعمالة للمستعمر، ومسارعة في الخنوع والانبطاح للأنظمة والحكومات. ومن ذلك أن (ليون روش) الفرنسي قام برحلة إلى مصر سنة ١٨٤٢م متنكراً في زي حاج مسلم، من أجل الحصول على موافقة من العلماء على نص فتوى جاء بها من الجزائر تجعل الجهاد ضد الفرنسيين من باب إلقاء النفس إلى التهلكة، ومن ثم ضرورة الرضا بحكم الفرنسيين في الجزائر، وعدم شرعية المقاومة التي يقودها الأمير عبد القادر الجزائري، وقد شارك (روش) في هذه الرحلة وصياغة مجموعة من شيوخ الصوفية (٥) . لذا لا غرابة أن يختار الغربُ التصوف سلاحاً في سبيل مواجهة المدّ السني السلفي. وإن تفريط أهل السنة وتقصيرهم من أسباب انتشار التصوف، فقد فرّط بعض أهل السنة في تقرير وتحقيق أعمال القلوب، وما يتعلق بمسائل السلوك، وتزكية النفوس، والرقائق مع جلالة هذه الموضوعات، ومسيس الحاجة إلى الاشتغال. وكذا تفريط بعض إخواننا في دعوة المتصوفة، ومناظرتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والردّ على انحرافاتهم بعلم وعدل. فنسأل الله ـ تعالى ـ أن يهدي ضال المسلمين، وأن يثبت مطيعهم وبالله التوفيق.

стр. 5295

الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية حمزة عبد الكريم حماد من المعلوم أن هوية المصرف وشخصيته الإسلامية لا تتم إلا بتميزه عن المصارف الربوية، والواجب على المصارف الإسلامية لتحقيق هذا التميز أن تتقيد بما يحل وبما يحرم في المعاملات، لكي يتطابق الاسم مع الفعل. وللرقابة الشرعية في المصارف الدور الكبير في ضمان هذا الأمر؛ لذا جاء هذا البحث ليلقي الضوء على موضوع الرقابة الشرعية متناولاً دورها، وطبيعة عملها، وما يتعلق بها. - مفهوم الرقابة الشرعية: إن الرقابة الشرعية مفهوم مستحدث لهيكلية معينة، وهذا المفهوم بحاجة إلى تحديد معالمه، وضبط حدوده، وتقييد مفرداته؛ للوقوف على المعنى المراد منه؛ لئلا يختلط بغيره من المفاهيم المستخدمة، وأيضا لكي تتضح الصورة حول هذا المفهوم، فلا يعتريها ضباب أو غموض؛ لذا أقول: الرقابة لغة: قال ابن فارس: الراء والقاف والباء أصل واحد مُطَّرد يدل على انتصاب لمراعاة شيء (١) ، واستعمل لفظ «رقب» في اللغة العربية للدلالة على أكثر من معنى، ومن أبرز هذه المعاني: ١- الانتظار: كَتَرقّبَهُ، وارْتقبه أي انتظره، والترقُّب: هو الانتظار، وهو كذلك تنظُّر وتوقُّع الشيء، والرقيب هو المنتظِر (٢) . ٢- الحفظ والحراسة: من رقب الشيء يَرْقُبُه، وراقَبَه مُراقبةً ورِقاباً أي حرسه، والرقيب: هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، ورقيب القوم: هو الحارس الذي يشرف على مَرْقَبة ليحرسهم؛ فالرقيب إذاً هو الحارس الحافظ (٣) . ٣- الإشراف والعلو: من ارتقب المكان أي أشرف عليه وعلا، والمَرْقَبُ والمَرْقَبة: الموضع المشرف الذي يرتفع عليه الرقيب، والجمع مراقب، وهي ما ارتفع من الأرض (٤) . الرقابة اصطلاحاً: هي عبارة عن وسيلة يمكن بواسطتها التأكد من مدى تحقق الأهداف بكفاية وفاعلية في الوقت المحدد (٥) . مفهوم الرقابة الشرعية: عُرِّفت الرقابة الشرعية بأنها: التأكد من مدى مطابقة أعمال المؤسسة المالية الإسلامية لأحكام الشريعة الإسلامية حسب الفتاوى الصادرة والقرارات المعتمدة من جهة الفتوى (١) . مكونات الرقابة الشرعية: أرى أن تتكون الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية من هيئتين، هما: هيئة الفتوى والتي تُعنى أساساً بإصدار الفتاوى، وتقوم بالناحية النظرية؛ لذا فنحن بحاجة في الناحية العملية إلى هيئة التدقيق الشرعي التي تعنى أساساً بمتابعة تنفيذ فتاوى هيئة الفتوى وهي الشق الثاني من الرقابة، وسأتكلم عن كلٍ منهما على حدة. ولا تستغني إحداهما عن الأخرى لأسباب عدة منها: ١ - إن دور هيئات الفتوى في معظم المصارف الإسلامية لا يتعدى دور الإفتاء النظري إلى القيام بالرقابة الفعلية على أعمال المصارف، ولكن هل طبقت الفتوى كما صدرت من الهيئة؟ وهل يُعرَض على الهيئة كل ما يقوم به المصرف (٢) ؟! لذا فنحن بحاجة إلى هيئة التدقيق التي تقوم بمتابعة تنفيذ الفتاوى وعرض جميع أعمال المصرف على هيئة الفتوى. ٢ - مع تطور ونمو المصارف الإسلامية وتزايد أعمالها وتشعب أنشطتها المصرفية والاستثمارية، أصبح من غير اليسير على هيئات الفتوى ـ والتي غالباً ما تكون غير متفرغة ـ أن تطلع على جميع الأعمال والنشاطات وتقوم بنفسها بمتابعة مجريات التنفيذ ومدى التزام إدارة المصرف بتوجيهاتها وقراراتها (٣) . لذلك كله فإنني أرى ضرورة وجود هيئة التدقيق الشرعي. ومع وجود الهيئتين لا بد من وجود هيئة عليا تكون بمنزلة المحكمة العليا لجميع هيئات الفتاوى في البنوك الإسلامية. ومن هنا أرى أنه لا بد من وجود ثلاث هيئات للرقابة الشرعية هي: ١ - الهيئة العليا للرقابة: وهي على مستوى المصارف الإسلامية كافة. ٢ - هيئة الفتوى: وهي على مستوى كل مصرف على حدة وتقوم بالناحية النظرية وإيجاد البدائل الشرعية والحلول العملية لمشاكل المصارف الإسلامية. ٣ - هيئة التدقيق الشرعي: وهي على مستوى كل مصرف وتقوم بالناحية العملية أي التأكد من التزام إدارة المصرف بالحدود المرسومة لها من الناحية الشرعية والتزامها بتوجيهات هيئة الفتوى والفتوى الصادرة منها. - أهمية الرقابة الشرعية: إن الرقابة الشرعية ذات أهمية بالغة للمصارف الإسلامية لأكثر من سبب، من أبرزها: ١ - إن الأساس الذي قامت عليه المصارف الإسلامية المعاصرة هو تقديم البديل الشرعي للمصارف الربوية غير المشروعة، ولا يخفى على أحد أن الرقابة الشرعية ضرورة حيوية للمصارف الإسلامية؛ فهي الجهة التي تراقب وترصد سير عمل المصارف الإسلامية والتزامها وتطبيقها في معاملاتها للأحكام الشرعية. ٢ - عدم الإحاطة بقواعد المعاملات الإسلامية من قِبَل جميع العاملين في المصارف الإسلامية (٤) . ٣ - في هذا الوقت الذي تعقدت فيه الصور التجارية، وانتشرت أنواع جديدة من المعاملات التجارية كبطاقات الائتمان، والحسابات بأنواعها، والتجارة الإلكترونية التي لا يوجد لها أحكام في المصادر الفقهية القديمة، وإن وجدت الأحكام؛ فإن المصرفيين القائمين على النشاط المصرفي غير مؤهلين للكشف عنها بأنفسهم. ٤ - إن العمليات المصرفية في الاستثمار والتمويل بالذات تحتاج إلى رأي من هيئة الفتوى نظراً لتميز هذه العمليات بالتغير وعدم التكرار مع كل حالة أو عملية أو مشروع يموله المصرف، ومن ثم فالعاملون في النشاط الاستثماري يجب أن يكونوا على اتصال مستمر مع الرقابة الشرعية؛ لأنهم دائماً بحاجة إلى الفتيا في نوازل وواقعات تواجههم أثناء عملهم. ٥ - إن وجود الرقابة الشرعية في المصرف يُعطي المصرف الصبغة الشرعية، كما يُعطي وجود الرقابة ارتياحاً لدى جمهور المتعاملين مع المصرف (٥) . ٦ - ظهور كيانات مالية واستثمارية غير جادة تنص نظمها الأساسية وقوانين إنشائها على أنها تعمل وفقاً لأحكام الشريعة، دون وجود رقابة تكفل التحقق من ذلك (٦) . - مجالات عمل الرقابة الشرعية: مجالات عمل هيئة الفتوى: أ - المجالات العلمية: إن لهيئة الفتوى دوراً كبيراً في المجالات العلمية، ومن هذه المجالات: ١ - تأصيل الفقه الإسلامي في ميدان المعاملات المالية المصرفية، وإبداء الرأي الشرعي في الأنشطة الاستثمارية، وتطبيق القواعد الشرعية على أنشطة المصرف الاستثمارية وغيرها من الأنشطة المصرفية. ٢ - الرد على الأسئلة والاستفسارات الفقهية: تثور تساؤلات عديدة عن بعض أنشطة المصارف وحكمها من الناحية الشرعية من المتعاملين أو الباحثين أو الموظفين أو المشككين، وهنا يأتي دور الهيئة في بيان وتوضيح الرأي الشرعي للسائل (١) . ٣ - التوعية والتثقيف للعاملين في قطاع العمل المصرفي الإسلامي: إن المصرف الإسلامي يحتاج إلى العاملين الذين يفقهون الأحكام الشرعية، ويكونون على قدر معقول من التفقه في الدين وخصوصاً في ميدان المعاملات المصرفية الإسلامية. إن المصارف الإسلامية حديثة النشأة نسبياً، وإن العاملين الذين لديهم خبرات في العمل المصرفي الإسلامي أعدادهم قليلة، ونحن نجد أن كثيراً من موظفي المصارف الإسلامية جيء بهم من البنوك غير الإسلامية، ومن ثَمَّ فإنهم قد تعودوا على أساليب العمل المصرفي التي لا تنسجم مع الأحكام الشرعية، ومن جانب آخر فهناك عدد آخر من الموظفين لا خبرة سابقة لديهم في الشقين المصرفي والشرعي، وهذا كله يلقي عِبْئاً على كاهل هيئة الفتوى بالارتقاء بهؤلاء العاملين وتوعيتهم وتثقيفهم في: أ - أحكام المعاملات الشرعية. ب - أسس وقواعد العمل المصرفي الإسلامي. ج - أحكام المعاملات المالية المعاصرة. د -الآداب التي يجب على موظف المصرف التحلي بها. ويتم ذلك من خلال عقد الدورات وورش العمل، وتزويدهم بالكتب والنشرات (٢) . ٤ - إقامة الندوات والمؤتمرات وحلقات البحث العلمي: هناك تحديات كبيرة تواجه العمل المصرفي الإسلامي، وهناك مستجدات وهناك حاجة ملحة إلى التطوير والإبداع وتقديم الحلول والبدائل، كل هذه الأعمال تحتاج إلى النقاش والحوار وتلاقح العقول، وهذا يحتاج إلى عقد لقاءات وندوات ومؤتمرات على مستوى الدولة أو على مستوى عدة دول لتدارس المشكلات والتحديات المشتركة التي تواجه المصارف الإسلامية وطرح بدائل لحلها، واستكشاف سبل وطرق الارتقاء بالعمل المصرفي الإسلامي، ومن هذه المشكلات تعدد الفتاوى لهيئات الفتوى في المسألة الواحدة، ومن المسائل التي تحتاج إلى حكم واضح متفق عليه بطاقة الائتمان مثلاً (٣) . ومن الجدير بالذكر هنا أنه تم انعقاد مؤتمرين للهيئات الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية وكلاهما عُقِدا في البحرين (٤) . ٥ - نشر أعمال الرقابة الشرعية: إننا بحاجة ماسة إلى تنوير الرأي العام المسلم بالمسائل المصرفية والاقتصادية من وجهة النظر الشرعية، من أجل إغلاق الباب أمام الشائعات حول شرعية الأعمال المصرفية، ويمكن أن يتم هذا عن طريق نشر وإصدار الكتب والنشرات والاستفادة من صفحات الإنترنت في تبيان فتاوى وقرارات هيئة الفتوى حول الأعمال المصرفية. ومن الجدير بالذكر هنا ضرورة السعي إلى إصدار موسوعة اقتصادية إسلامية شاملة تضم كل ما تحتاج إليه المصارف الإسلامية من أحكام شرعية لتكون مرجعاً لهذه المصارف، ويصدر في كل سنة ملحقٌ لها يحتوي على أحكام ما يستجد من معاملات (٥) . ب ـ المجالات التنفيذية: تمهيد: إن عمل هيئة الفتوى في معظم المصارف الإسلامية لا يتجاوز الإفتاء النظري، وقليل من المصارف تتيح للهيئة مراجعة عملياتها الاستثمارية بالتفصيل من واقع بياناتها المالية الخاصة بالاستثمارات وبالدخل، بحيث تُمكن الهيئة من الحكم على هذه العمليات: هل تمت بصورة شرعية أم لا؟ مع إعطاء التوجيهات لتصحيح المخالفات إن وقعت. إن هذه الرؤية للهيئة في كونها تضع يدها على تفاصيل العمل وتشارك في إيجاد حلول وبدائل شرعية للمعاملات المحرمة شرعاً بعد أن تراها منفذة فعلياً في أرض الميدان، أقوى بكثير من حصر عملها في صورة سؤال وجواب. لذلك أود أن أعرض فيما يلي نموذجاً لتفعيل مجالات عمل هيئة الفتوى التنفيذية، وهذا النموذج يتكون من ثلاثة محاور: - المحور الأول: الرقابة الوقائية «قبل التنفيذ» : أمام المصارف الإسلامية مسؤولية كبيرة في تقديم نموذج إسلامي للعمل المصرفي كبديل للمعاملات المصرفية الربوية، وهذا يلقي عِبْئاً كبيراً على كاهل هيئة الفتوى في تأصيل القواعد الشرعية النظرية والتطبيقات العملية المنسجمة مع الأسس والقواعد النظرية، حيث إنها دفة المصارف الإسلامية نحو خليج الإباحة الشرعية للمعاملات المصرفية، وسأقوم في هذا المحور بعرض أبرز هذه الأعمال: ١ - مراعاة الجوانب الشرعية في عقد التأسيس واللوائح والنظام الأساسي (١) . ٢ - إشرافها على إعداد وصياغة نماذج العقود، والخدمات المصرفية، والاتفاقيات مع الآخرين، ومناقشة المشروعات ودراسات الجدوى من وجهة النظر الشرعية، ومن أمثلة هذه النماذج: أ- نماذج عقود فتح الحسابات الائتمانية، مثل: الودائع بأنواعها. ب - نماذج تقديم الخدمات المصرفية، مثل: شراء وبيع العملات، الاعتماد المستندي. ج - نماذج الصيغ الاستثمارية المختلفة، مثل: البيوع بأنواعها، المضاربة، المشاركة، الاستصناع. د - سياسات وإجراءات الحسابات الختامية، مثل: الإيرادات، المصروفات، حساب الأرباح والخسائر (٢) . ٣ - إيجاد المزيد من الصيغ الشرعية المناسبة للمصرف الإسلامي لمواكبة التطور في الأساليب والخدمات المصرفية (٣) . ٤ - المراجعة الشرعية لكل ما يُقترح من أساليب استثمار جديدة. ٥ - وضع القواعد اللازمة لضبط التعامل مع البنوك غير الإسلامية (٤) . ٦ - إعداد دليل عملي شرعي، وهو: دليل الإجراءات الذي يشمل مختلف عمليات المصرف ابتداءً من فتح الحسابات الجارية، وحسابات الاستثمار، ومروراً بعمليات التمويل في المرابحة والمضاربة وانتهاءً بأشكال الخدمات المصرفية من حوالات وفتح اعتمادات. وتكمن أهمية هذا الدليل في كونه يُسهِّل توحيد المنهج والضبط والمراقبة ويعمل كذلك على تنمية الوعي لدى العاملين بحيث يحيطون بالأسس الشرعية الحاكمة للعمل المصرفي الإسلامي، ويُعين هيئة الفتوى لمعرفة ما وراء الأعمال المصرفية من ارتباطات تعاقدية (٥) . - المحور الثاني: الرقابة العلاجية «أثناء التنفيذ» : أثناء سير المصرف في أعماله المصرفية والإستثمارية قد يقع في أخطاء شرعية، أو قد يتعرض لبعض المسائل وبعض الإشكالات التي تحتاج إلى رأي شرعي، وهنا يبرز دور الهيئة في ضبط وتصحيح خط سير المصرف وتقويم اعوجاجه، وتقديم الرأي الشرعي للمسائل والمشكلات. ويمكن أن نلخص دور الهيئة أثناء التنفيذ في مجموعة نقاط، من أبرزها (٦) : ١ - إبداء الرأي الشرعي فيما يُحال إليها من معاملات المصرف. ٢ - المراجعة الشرعية لجميع مراحل تنفيذ العملية الاستثمارية وإبداء الملاحظات ومتابعة تصحيحها أولاً بأول. ٣ - اشتراط موافقة الهيئة على إتمام المشروعات الاستثمارية قبل اتخاذ الخطوة النهائية في التنفيذ. ٤ - تقديم ما تراه الهيئة مناسباً من المشورة الشرعية إلى المصرف في أي أمر من أُمور المعاملات المصرفية. ٥ - سرعة التحقيق في الشكاوى من الناحية الشرعية أثناء التنفيذ وعمل اللازم تجاهها. ٦ - التوجيه والتقييم لأي خطأ في الفهم يؤثر على التنفيذ ويجعله منحرفاً عن أهدافه وغاياته. ٧ - الاطلاع على تقارير هيئة التدقيق الشرعي بشأن المراجعة الشرعية لعمليات المصرف وإبداء الرأي بشأنها. - المحور الثالث: الرقابة التكميلية «بعد التنفيذ» : في نهاية كل عام لا بد لهيئة الفتوى من تقييم عمل المصرف من الناحية الشرعية؛ لأن أساس قيام المصرف هو تطبيق قواعد العمل المصرفي الإسلامي، وهذا الأمر يتطلب من الهيئة المراجعة المستمرة لأعمال المصرف، وتتم هذه المراجعة من خلال وسائل عديدة منها (٧) : ١ - مراجعة ملفات العمليات الاستثمارية بعد التنفيذ. ٢ - الاطلاع على الميزانية العامة وتقرير مراقب الحسابات. ٣ - مراجعة تقارير الجهات الرقابية الخارجية كالبنك المركزي مثلاً، وفي ضوء هذه المراجعة تقدم الهيئة تقريراً دورياً تبدي فيه رأيها في المعاملات التي أجراها المصرف ومدى التزامه بالفتاوى الصادرة عن الهيئة والتوجيهات والإرشادات، وحتى تتم هذه الرقابة على الوجه الأكمل فعلى الهيئة أن تقوم بـ: ١ - وضع برامج الرقابة الشرعية والتي تشتمل على: أ - برنامج يتضمن مراقبة كافة أنشطة المصرف. ب - برنامج زمني يتضمن توقيت عملية الرقابة. ٢ - وضع نماذج تجميع البيانات والمعلومات لتسهيل عملية الرقابة. ٣ - وضع نماذج تقارير الرقابة الشرعية والتي تتضمن: أ - العمليات التي تمت مراجعتها شرعياً. ب -الملاحظات التي ظهرت أثناء عملية المراجعة. ج - ماذا تم بشأن هذه الملاحظات. د - التوصيات والإرشادات والنصائح الواجبة لمعالجة المخالفات والأخطاء. ٤ - تخطيط هيكلية عمل هيئة التدقيق الشرعي، وعقد اجتماعات دورية بين هيئة الفتوى وهيئة التدقيق لمتابعة سير العمل وتطويره إلى الأحسن. ج - أثر هيئة الفتوى في تطوير الأعمال المصرفية: إن لهيئة الفتوى الدور الكبير في تطوير الأعمال المصرفية؛ وذلك بتطبيق القواعد الشرعية على العقد بدايةً، واستثناء ما جاء مخالفاً للقواعد الشرعية ثانياً، والسعي نحو إيجاد بديل شرعي متناسق مع القواعد ثالثاً. ومن المجالات التي كان للهيئة تقعيدها وتطويرها: ١ - المشاركة: لقد تمكنت هيئات الفتوى من جعل دور المصارف الإسلامية دوراً إيجابياً في مجالات التنمية، فطورت أسلوب المشاركة الثابتة الذي يعتمد على الشركة الدائمة القائمة على مساهمة كل طرف من أطراف المشاركة بنصيب في رأس المال إلى المشاركة المنتهية بالتمليك يتنازل المصرف فيها سنوياً عن جزء من حصته إلى عميله المشارك معه بحيث تؤول ملكية المشروع كاملاً إليه في النهاية (١) . وأشير هنا إلى أن هذا النوع من المشاركة يساعد في انتشار ملكية المشاريع. ٢ - بطاقة الائتمان: لقد قامت هيئات الفتوى بتهذيب البطاقة من شروطها المحرمة لتتماشى مع أحكام الشريعة الإسلامية، ومنها: حذف شرط دفع فوائد تأخير على سداد المصرف لعملائه أصحاب الحسابات المكشوفة، واشترطت الهيئة ألا يترتب على هذه المعاملة بالبطاقات أية معاملات بالفوائد أخذاً أو إعطاءً، واشترطت كذلك أن يكون تحويل العملات بسعر الصرف المعلن يوم الدفع (٢) (٣) . ٣ - الاستصناع: لقد استطاعت هيئات الفتوى من تطوير صيغ الاستصناع الذي احتل دوراً رئيساً في استثمارات البنوك الإسلامية؛ إذ قامت المصارف بتمويل المباني السكنية والاستثمارية بنظام عقود الاستصناع، وساهمت المصارف الإسلامية في صناعات عديدة كالصناعات الزراعية القائمة على المنتجات الزراعية كالتعليب والتجفيف مثلاُ (٤) . وأشير هنا إلى أن هذا التطوير يقتضي أموراً منها: ١ - ضرورة الجهد الجماعي لهيئات الفتوى، فجهد هيئة واحدة لا يكفي، بل لا بد من عقد لقاءات بين أعضاء هيئات الفتوى للمصارف الإسلامية يجتمعون فيها ويتدارسون المشكلات التي تواجه المصارف الإسلامية وسبل الرقي في أعمالها. ٢ - ضرورة إحياء الهيئة العليا للفتوى والرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية لتراجع فتاوى الهيئات. ٣ - ضرورة اتصال الهيئات بالمجامع الفقهية لتعرض عليها ما يواجهها من مشكلات مصرفية تحتاج إلى اجتهاد جماعي. ٤ - ضرورة تعميق التأهيل المصرفي لأعضاء هيئة الفتوى، وضرورة معرفتهم بشتى أساليب الأعمال المصرفية. ٥ - تعاون أعضاء الهيئة مع الكليات والمعاهد الشرعية والإفادة من الرسائل الجامعية في مجال البنوك الإسلامية. ٦ - عقد الندوات على مستوى الهيئات في البلد الواحد لعرض ما يستجد من معاملات على مستوى البلد الواحد. ٧ - الاهتمام بأقسام البحوث الشرعية في المصارف الإسلامية لتؤدي دورها في التوجيه والمتابعة والدراسة. دعم فكرة التدريب بين المصارف الإسلامية وإجراء البحوث المشتركة المتصفة بالعموم للمصارف الإسلامية (٥) . - مجالات عمل هيئة التدقيق الشرعي: تمهيد: برزت الحاجة الملحة إلى إيجاد جهاز تابع للهيئة يجمع بين العلم الشرعي والعلم المصرفي ليكون معيناً لها على أداء مهامها ألا وهي هيئة التدقيق الشرعي. إن هيئة التدقيق الشرعي تقوم بالإجابة عن الأسئلة والاستفسارات اليومية التي ترد على مشروعية النشاطات التي يمارسها المصرف الإسلامي، وتشرف على متابعة الالتزام وتنفيذ التوصيات والفتاوى الصادرة عن هيئة الفتوى، كما تقوم بتدقيق المعاملات المختلفة التي يقوم بها المصرف وتتأكد من تطبيق الشروط والمعايير الشرعية فيها (١) . وسأستعرض فيما يلي كيفية ووجوه تدقيق الهيئة لبعض المعاملات التي يجريها المصرف: أولاً: المرابحة. وهي: نقل ما مُلك بالعقد الأول مع زيادة ربح (٢) . ومما يدل على صحة المرابحة قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، فهي تدخل ضمن العقود المباحة، ويُشترط لصحتها شروط عدة، منها: ١ - أن يكون الثمن الأصلي «الأول» معلوماً لطرفي العقد وخاصة للمشتري الثاني، وكذلك ما يحمل عليه من تكاليف أخرى. ٢ - أن يكون الربح معلوماً مقداراً أو نسبة من الثمن الأول. ٣ - أن يكون رأس المال من ذوات الأمثال، بمعنى أن يكون له مثيل كالمكيلات والموزونات والعدديات. ٤ - ألا يكون الثمن في العقد الأول مقابلاً بجنسه من أموال الربا، بمعنى لا يصح بيع النقود مرابحة، ولا يجوز بيع السلعة بمثلها. ٥ - أن يكون العقد الأول صحيحاً؛ لأن بيع المرابحة مرتبط بالعقد الأول. ٦ - أن تكون السلعة موجودة عند البائع حين إبرام عقد البيع، أي أن يكون حائزاً للبضاعة ومالكاً لها وقادراً على تسليمها إلى المشتري؛ لأن عقد بيع المرابحة يقوم على البيع الحاضر وفي مجال العمل المصرفي، فإن بيع المرابحة يتميز بحالتين: أ - الحالة الأولى: وهي الوكالة بالشراء مقابل أجر؛ فمثلاً يطلب العميل من المصرف الإسلامي شراء سلعة معينة ذات أوصاف محددة، بحيث يدفع ثمنها إلى المصرف مضافاً إليه أجر معين. ب - الحالة الثانية: يطلب العميل من المصرف الإسلامي شراء سلعة معينة محددة الأوصاف، بعد الاتفاق مع المصرف على تكلفة شرائها ثم إضافة ربح معلوم عليها. ويتضمن هذا النوع من التعامل وعداً من العميل بشراء السلعة حسب الشروط المتفق عليها، ووعداً آخر من المصرف بإتمام هذا البيع طبقاً لذات الشروط (٣) . وعلى هيئة التدقيق الشرعي في عمليات المرابحة للآمر بالشراء ما يلي: ١ - الاطلاع على عقد بيع المرابحة للآمر بالشراء بين المصرف والعميل مشتملاً على تفاصيل البضاعة ومقدار الأرباح وطريقة السداد ومدته، وفترة السماح وأي شروط أخرى، والتأكد من صحة العقد وخلوه من الربا. ٢ - الاطلاع على بيان مواصفات وثمن البضاعة المطلوبة من الآمر بالشراء (أو فاتورة عرض الأسعار) . ٣ - الاطلاع على فاتورة شراء باسم المصرف الإسلامي صادرة عن مورد البضاعة موضح فيها تفاصيل البضاعة المشتراة. ٤ - التأكد من سداد المصرف لقيمة البضاعة. ٥ - الاطلاع على محضر استلام البضاعة من المورد والتأكد من سلامتها وخلوها من العيوب، والاطلاع على محضر تسليم البضاعة إلى العميل موقعة حسب الأصول. ٦ - التأكد من سلامة الضمانات من الناحية الشرعية. ٧ - حصر الجزء المدفوع للمصرف من قِبَل الآمر بالشراء، وحصر الكمبيالات المؤجلة المعادلة لباقي القيمة البيعية المستحقة على الآمر بالشراء (التكلفة مضافاً إليها الربح المتفق عليه) . ٨ - التأكد من إجراءات التسجيل ونقل الملكية. ٩ - التحقق من التسلسل التاريخي للعمليات، والتأكد أن البيع للآمر بالشراء قد تم بعد شراء المصرف للبضاعة وحيازته لها وليس قبل ذلك (٤) . ثانياً: بيع السَّلَم. وهو بيع موصوف في الذمة ببدل يُعطَى عاجلاً (٥) . وقد جاء في مشروعيته قوله #: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (٦) . إن عقد السَّلَم من العقود الجائزة ضمن شروط معينة، منها: أ - شروط تتعلق برأس المال، كأن يكون رأس المال معلوم الجنس كالقمح مثلاً، وأن يكون معلوم المقدار بالكيل إن كان مكيلاً، وبالوزن إن كان موزوناً، وبالعدد إن كان معدوداً. ب - شروط تتعلق بالسلعة (المُسلَم فيه) ، كأن تكون في الذمة، وأن يكون الأجل معلوماً، وأن تكون ذات صفات معينة محددة تنفي عنها الجهالة، وأن يتم تحديد مكان التسليم. ومن الأحكام المترتبة على بيع السلم: ١ - انتقال الملك في العوضين. ٢ - التصرف في دين السلم قبل قبضه. ٣ - إيفاء المسلم فيه. ٤ - الإقالة في عقد السلم جائزة إذا كانت برضى المتعاقدين. ويعتبر بيع السلم أحد أوجه الاستثمار التي تقوم بها المصارف الإسلامية، ويحقق لها ربحاً جيداً؛ فضلاً عن كونه يعود بالنفع على عملاء المصرف من ناحية زيادة إنتاجهم وتوفير النواحي المالية لهم (١) . وعلى هيئة التدقيق الشرعي خلال مراجعتها لعملية بيع السلم ما يلي: ١ - التأكد من اعتماد نموذج العقد من قِبَل هيئة الفتوى. ٢ - التحري من كون المبيع - المُسْلَم فيه - معلوم الجنس والنوع والقدر والصفة؛ وذلك منعاً للجهالة المؤدية إلى النزاع. ٣ - التأكد من كون المبيع مؤجل التسليم إلى أجل معلوم. ٤ - التأكد من عدم كون المبيع نقوداً؛ لأن النقود لا تصلح أن تكون مبيعاً. ٥ - التأكد من كون المبيع مقدور التسليم عند حلول الأجل. ٦ - التأكد من معرفة مكان التسليم. ٧ - التحقق من خلو البدلين (النقود، المُسلَم فيه) من علة الربا. ٨ - التأكد من كون العقد باتّاً، أي ليس فيه خيار شرط لأي من العاقدين. ٩ - التأكد من تعجيل رأس مال السلم وتسليمه للبائع فعلاً في مجلس العقد قبل أن يفترق العاقدان. ١٠ - التأكد من بيان رأس مال السلم، وأن يكون معروف المقدار. ١١ - التحقق من سلامة الضمانات (٢) . - مجالات عمل الهيئة العليا للفتوى والرقابة الشرعية: إن وجود الهيئة العليا له أهمية كبيرة؛ إذ قد تختلف وجهات النظر الشرعية حول بعض مسائل المعاملات المصرفية من هيئة فتوى لأخرى، وحتى لا يؤدي هذا الاختلاف إلى زعزعة ثقة المتعاملين مع المصارف الإسلامية؛ فنحن بحاجة إلى الهيئة العليا لترفع إليها المسائل المختلف فيها فتقوم بدراستها ثم البت فيها. ويمكن أن يتفق على صيغة معينة لتشكيل هذه الهيئة، وقد قرر الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية تشكيل هيئة عليا للفتوى والرقابة الشرعية من خمسة عشر عضواً، عشرة منهم ينتخبون من قِبَل رؤساء هيئات الرقابة الشرعية بالمصارف الإسلامية الأعضاء بالاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية لمدة ثلاث سنوات، والخمسة الآخرون يختارون من العلماء الثقات المتصفين بسعة الأفق والملمين بمتطلبات العصر وبحقيقة شمول الفتوى في غير ما تعصب لمذهب معين (٣) . وأود أن أشير إلى ضرورة معرفتهم بفقه الواقع المصرفي، وواقع المعاملات المالية المعاصرة. ومن أبرز أعمالها (٤) : ١ - دراسة الفتاوى الصادرة من هيئات الفتوى بالمصارف الأعضاء سعياً إلى توحيد الرأي. ٢ - مراقبة نشاط المصارف الإسلامية الأعضاء بالاتحاد للتأكد من مدى التزامها بأحكام الشريعة الإسلامية، وتنبيه الجهات المعنية بما قد يظهر في هذه النشاطات من مخالفة لأحكام الشريعة. وللهيئة العليا ـ لكي تتمكن من تنفيذ هذا الأمر ـ حق الاطلاع على قوانين ولوائح البنوك الإسلامية وعلى النماذج والعقود، مع ضمان المحافظة على السرية في جميع الأحوال. ٣ - إبداء الرأي الشرعي في المسائل المصرفية والمالية التي تطلبها المصارف. ٤ - النظر فيما تعرضه عليها هيئات الفتوى من أمور تتعلق بالمعاملات المالية والمصرفية وإبداء الرأي فيها. ٥ - التصدي لبيان الأحكام الشرعية للمسائل الاقتصادية المستجدة. ٦ - تقديم تقرير سنوي إلى مجلس إدارة الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية تبين فيه مدى التزام المصارف الأعضاء بأحكام الشريعة الإسلامية في معاملاتها. وألفت النظر إلى ثلاث قضايا: الأولى: لا بد أن تكون قرارات وفتاوى الهيئة العليا ملزمة للمصارف الأعضاء في الاتحاد إذا صدرت بالإجماع، أما في حالة الاختلاف في الرأي فلكل بنك أن يأخذ بأي الرأيين ما لم تقرر الهيئة العليا أن المصلحة تقتضي الإلزام برأي معين. الثانية: ضرورة أن تكون هيئات الفتوى في المصارف الإسلامية معتمدة من الهيئة العليا. الثالثة: حري بالهيئة العليا السعي إلى إصدار موسوعة فقهية اقتصادية بطريقة وبأسلوب عصري، تشمل جميع معاملات المصارف الإسلامية وتكون دستوراً ملزماً لجميع المصارف. - العوائق التي تعترض هيئة الفتوى: إن عدم تبلور مفهوم الرقابة في أذهان إدارة المصرف سيؤدي إلى خلق مشاكل عديدة لهذه الهيئة، خاصة عند عدم وجود منهج واضح معتمد من إدارة المصرف لأعمال الهيئة، ومن المشاكل التي تعاني منها هيئة الفتوى في المصارف الإسلامية: ١ - قلة عدد الفقهاء المتخصصين في مجال المعاملات المصرفية والمسائل الاقتصادية الحديثة، مما يؤدي إلى عدم وجود تصور واضح لهذه المسائل ومن ثم صعوبة الوصول للحكم الشرعي الصحيح فيها (١) . ٢ - التطور السريع والكبير في المعاملات الاقتصادية وصعوبة متابعتها بالفتوى وبيان الحكم الشرعي. ٣ - عدم الاستجابة السريعة لقرارات الهيئة من قِبَل إدارة المصرف، وهذا الأمر سيؤدي إلى استمرار وجود المخالفات الشرعية والاعتياد عليها من قِبَل الموظفين، وسيقودنا في نهاية الأمر إلى رقابة شرعية صورية لا معنى لها (٢) (٣) . ٤ - الضغوط التي قد تمارسها إدارة المصرف على الهيئة لإباحة بعض التصرفات، وقد تعتمد الإدارة على عدم إلمام الهيئة الكامل بدقائق المعاملات المصرفية، فتقوم مثلاً بصياغة السؤال وتكييفه تكييفاً معيناً، أو حذف أجزاء منه، أو قد تكون صياغة السؤال مخالفة للواقع العملي، ثم تقدمه للهيئة لتقوم الهيئة بإباحة التصرف بناء على ما قدم لها (٤) . ٥ - ضيق اختصاصات الهيئة، فيقتصر دورها في أغلب الأحيان على صورة سؤال وجواب، ثم لا تقوم بتقويم الأخطاء وتقديم البديل الشرعي، وتصبح بذلك واجهة شرعية تكمل بقية الواجهات، لإضافة الصبغة الشرعية على المصرف، ودعاية أمام جمهور المسلمين (٥) . - حلول مقترحة: في ضوء ما عرضته لأبرز مشكلات هيئة الفتوى، فإنني أقدم مجموعة من الحلول المقترحة: ١ - السعي إلى اختيار الأكفاء من العلماء المتبحرين في أحكام الفقه وبالذات في المعاملات المالية، مع العلم الدقيق بطبيعة المعاملات المصرفية بشكل خاص. ٢ - تطعيم هيئة الفتوى بمختصين في مجال المعاملات المصرفية. ٣ - السعي إلى إيجاد مراكز علمية ومعاهد تقبل خريجي كليات الشريعة بالذات، وتقوم بتزويدهم بدورات ومواد دراسية في المعاملات المصرفية. ٤ - تمكين هيئة الفتوى من النظر في كافة تصرفات المصرف وعدم إخفاء أي تصرف من التصرفات عنها مهما كان صغيراً في ذهن بعضهم. ٥ - السعي إلى إيجاد هيئة التدقيق الشرعي في كافة المصارف الإسلامية. ٦ - إضافة الإلزامية على قرار الهيئة وتفعيل قراراتها ومتابعة ما قد أوصت بتعديله (٦) . - إشكالية تعدد الفتاوى بين هيئات الفتوى في المصارف الإسلامية: برزت لدينا إشكالية مسألة مصرفية واحدة واجتهادات وأحكام متعددة؛ فما هو السبيل إلى توحيد وجهات النظر حتى لا تكذب المصارف الإسلامية بعضها بعضاً أمام جمهور المتعاملين. أقترح وجود آلية لتخفيف الخلاف ـ قدر الإمكان ـ ولتوحيد وجهات النظر، وأبرز معالم هذه الآلية: ١ - تفعيل دور الهيئة العليا للفتوى والرقابة الشرعية لتقوم بالأعمال المنوطة بها. ٢ - إن تعذر ما سبق فعلينا أن نقوم بالسعي إلى إيجاد هيئة عامة للفتوى على مستوى الدولة تكون مؤسسة ترعاها الدولة، وتضم علماء مختصين في الفقه والاقتصاد، وتكون مرجعاً لهيئات الفتوى في المصارف الإسلامية في نفس الدولة. ٣ - إن تعذر ما سبق فعلينا أن نقوم بإنشاء لجان للفتوى في الأقطار الإسلامية من العلماء المختصين، وإسناد الرقابة العامة على هيئات الفتوى في المصارف الإسلامية لهم، ويكون القول الفصل في المسائل الفقهية لهم. ٤ - تفعيل دور المجامع الفقهية القائمة الآن، ونشر كل ما يصدر عنها من قرارات وتوصيات وبحوث، وهذا عامل مهم في تقريب وجهات نظر العلماء واجتهاداتهم. ٥ - السعي إلى عقد المزيد من المؤتمرات وحلقات البحث حول القضايا المستجدة في معاملات المصارف الإسلامية، ومناقشة العلماء بعضهم لبعض، والخروج بأقل قدر ممكن من الاختلاف. ٦ - التذكير بضرورة أن تكون الفتاوى جماعية، لما تحدثه الفتاوى الفردية من مشاكل. ٧ - من الجدير بالذكر في هذا المقام أن أحكام الشريعة الإسلامية هي الحاكمة المهيمنة على معاملات المصارف الإسلامية وليس العكس؛ فليس من عمل الهيئة أن تطوِّع وتكيِّف أحكام الشريعة لتوافق وتعطي الضوء الأخضر لما عليه العمل المصرفي طاهره وخبيثه، صحيحه وسقيمه، إنما عملها تطويع الأعمال المصرفية لتساير أحكام الشريعة الإسلامية (١) . - أخذ الأجرة على الفتوى: من القضايا التي تثور كشبهة على العاملين في هيئات الفتوى: جواز أخذ الأجرة على الفتوى (٢) . لذا سأتناول حكم أخذ العاملين في هيئات الفتوى مكافآت أو أجوراً على عملهم وإفتائهم. أقوال الفقهاء وأدلتهم في حكم أخذ الأجرة على الفتوى: لقد اتفق الفقهاء على أن الأوْلى أن يكون المفتي متبرعاً بفتواه ولا يأخذ عليها أجراً (٣) ، ولكن إن أراد أن يأخذ أجراً؛ فهل يصح له ذلك؟ لقد ذهب الفقهاء في هذه المسألة إلى أكثر من قول، وسأستعرض هذه الأقوال فيما يلي: القول الأول: ذهب الحنفية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة في قول (٦) ، إلى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الفتوى مطلقاً. واستدل أصحاب هذا القول بجملة أدلة، من أبرزها: أ - أن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا يجوز المعاوضة عليه كما لو قال له: لا أعلِّمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة؛ فهذا حرام قطعاً (٧) . ب - إن المفتي في فتياه يأمر بحق وينهى عن باطل، فلا يحل له أخذ أجرة على هذا الأمر (٨) . القول الثاني: ذهب المالكية إلى أنه إذا تعينت الفتوى على المفتي فلا يجوز له أخذ الأجرة من المستفتي، وإذا لم تتعين جاز له الأخذ. واستدل أصحاب هذا القول بأن المفتي إذا تعينت عليه الفتوى فلا يحل له أخذ الأجرة على أمر متعين عليه؛ أن الأجرة هنا اعتياض على واجب عليه (٩) . القول الثالث: ذهب بعض الحنابلة إلى أنه إذا لم يكن للمفتي كفاية فيجوز له أخذ الأجرة ممن يستفتيه وإلا فلا (١٠) . واستدل أصحاب هذا القول بأنه: إن كان المفتي باشتغاله بالفتوى وبما يتعلق بها يمنعه عن تكسبه فهذا الأمر سيفضي إلى ضرر به وبمن يعولهم ويوقعهم في حرج ومشقة؛ وهذا أمر منفي شرعاً، وإن اشتغل بتكسبه فسيحصل الضرر للمستفتي، وهذا ضرر أيضاً؛ لذا لا بد من الأجرة (١١) . الراجح مع الربط بين أخذ الأجرة على الإفتاء في الفقه وأخذ الأجرة على الإفتاء في المصارف الإسلامية: الذي أراه هو جواز أخذ الأجرة على الفتوى؛ إذ إن عمل هيئات الفتوى لا يقتصر على مجرد الفتوى، بل تقوم بأعمال أخرى كثيرة؛ فلو سلمنا جدلاً بأنه لا يحل أخذ الأجرة على الفتوى فلا تحرم على باقي الأعمال، إضافة إلى أن الإفتاء في قضايا المعاملات المالية المصرفية يحتاج إلى تفرغ وإلى جهد كبير. ولو لم نقم بذلك لما استطعنا أن نوجد من العلماء من يقوم بهذا الجهد الكبير.

стр. 5296

جواز السفر مروان كُجُك متَى أستَحِقُّ جَوازَ السفرْ وأعِرفُ أنّي كباقي البَشرْ؟ فقد ضِقْتُ ذَرْعاً بليلٍ طَوِيلٍ ومَنَّيْتُ نفسي بعيشِ «التَّتَرْ» أروحُ بطبلٍ، وأغدُو بزمرٍ وأحسَبُ أنِّي أميرُ الغَجَرْ فقد صِرتُ مثلَ الغريبِ الطريدِ يُنَاوِرُ ظِلاًّ ويخشى العَثَرْ وأحسَبُ أنِّي غداً سوفَ أُلقَى بصحراءِ تيهٍ وعَيْشٍ أمرّْ نهارِيَ ليلٌ شديدُ السوادِ وليلُ الأعاجمِ صُبْحٌ أغَرّْ وأرضِيَ سَهْلٌ لكلِّ الشعوبِ وعَنّي هواها انطوَى وانْشَمَرْ * * * * * * * ولولا الذي في السماءِ يراني ويعلمُ ما بي ويقضي الوَطرْ لألقيتُ نفسِيَ في التُّرَّهاتِ وصِرتُ زعيماً لكلِّ النَّوَرْ وبِعتُ البلادَ بِقِردٍ ودُبٍّ وقصْرٍ مُنيفٍ وكَلْبٍ وهِرّْ وصِرتُ الفصيحَ بكلِّ اللغاتِ أجيدُ الخَنا والكلامَ الذَّفَرْ فيضحكُ هذا، ويرقصُ هذا، وتهتفُ حولي جموعُ البشرْ: نجوعُ ونَعرَى لِترضَى وتُكسَى فأنتَ لدينا الفتى المُعْتَبَرْ وأنت الذي حَدَّثَتْنا الجدُودُ بأنّكَ سَيّدُنا المُنْتَظَرْ فَاغْرَقُ فِي الكِبْرِ حتى أُوارَى وأحمَدُ للزَّيْفِ حُسْنَ الأثرْ وأُفْحِشُ في القَوْلِ حتَّى يُقالَ: بَليغٌ، حَكيمٌ، بَعِيدُ النَّظَرْ فَيُدْعَى لتَحْلِيلِ قَوْلِي رِجَالٌ أَسَاطِينُ في العِلْمِ مِثْلُ الدُّرَرْ فمِنهُم فِئامٌ لِشَرْحِ الكَلامِ وَرَهْطٌ لِسَبْكٍ لَهُ مُخْتَصَرْ وجَمْعٌ يُجِيدُونَ فَرْزَ المَعَانِي: فهَذِي وَعِيدٌ، وتِلْكَ بُشَرْ وأُخْرَى تَصِحُّ شِعاراً عَرِيضاً تُهَزُّ العروشُ بِهِ والسُّرُرْ * * * * * * * وأُضحي عَمِيلاً بكلِّ المعاني لشرقٍ وغربٍ وأُسْدٍ وذَرّْ أخاصمُ عَمْراً إذا أمَرُونِي وأجعلُ زَيْداً أمينَ السَّمَرْ أقرِّبُ هذَا، وأُبْعِدُ هذا، وأُشقي كِراماً، وأُعْلِي بَقَرْ وأُطعِمُ قومي الجياعَ وُعُوداً تقيهمْ أَذاةَ العَنا والضَّجَرْ وأرسِمُ للشعبِ نهجَ الحياةِ وأُسلمُهُ للضَّنا والخَدَرْ فلا الليلُ يُدرَكُ فيه الظلامُ ولا الصبحُ ينعمُ فيهِ النَّظَرْ وأجعلُ سيفي على عاتِقَيَّ إذا شذَّ لحنٌ قَطَعْتُ الوَتَرْ وأملأُ أفْقَ البلادِ ضجيجاً: أنا البرقُ يُفزِعُكمْ والمطَرْ إليَّ إليَّ فأنتم جنودي وأنتم عبيدي؛ فأينَ المفرّْ؟ وأُومي فتحملُني كلُّ ريحٍ إلى أيِّ أرضٍ بها مُستَقرّْ فما حاجتي بعدَ هذا الشموخِ لنسرٍ حَبِيسِ جوازِ السفرْ؟!

стр. 5297

دعوة إلى تأصيل المصطلحات السياسية (١ ـ ٢) محمد بن شاكر الشريف المعارضة السياسية بما تحمله من مضمون تنافسي ـ بين جماعات سياسية منظمة لها تصورها الخاص في كيفية سياسة المجتمع وإدارته ـ للوصول إلى السلطة عبر برامج معدة سلفاً، أو التأثير فيها عند عدم القدرة على الوصول إليها، مصطلح حديث نسبياً؛ إذ لا يتجاوز ظهوره في العالم قرنين من الزمان، ويجمل بنا أن نتعرف على المعنى اللغوي لكلمة المعارضة؛ فمادة عَرَضَ التي ترجع إليها تلك الكلمة لها عدة معانٍ، والذي يتعلق بموضوعنا من ذلك مما جاء في لغة العرب أمور ثلاثة: أحدها: المقابلة بين شيئين أو عدة أشياء لتبين مدى الاتفاق أو الاختلاف بينها؛ فمن ذلك قولهم: عَارَضَ الشيءَ بالشيءِ مُعَارضةً: قابَلَه، وعارَضْتُ كتابي بكتابه أَي قابلته، وفي الحديث: إِن جبريل ﵇ كان يُعارِضُ النبي ﷺ القُرآنَ في كل سنة مرة وإنه عارضَه العامَ الذي توفي فيه مرتين (١) ، قال ابن الأَثير: أَي كان يُدارِسُه جمِيعَ ما نزل من القرآن من المُعارَضَةِ المُقابلة. الثاني: المسابقة والتنافس والمباراة، ومن ذلك قولهم: فلان يُعارضُني أَي يُباريني، وعارَضَه في السير: سار حِياله وحاذاه، وعارضه بمثل ما صنع: أي أتى إليه بمثل ما أتى، وفلان يُباري الريحَ سَخاءً، وفلان يُباري فلاناً أَي يعارضه ويفعل مثل فعله، وهما يَتَبارَيانِ إِذا صنع كل واحد مثل ما صنع صاحبه، وفي الحديث: نهى عن طعام المُتَبارِيَيْنِ أَن يؤكل (٢) ، هما المتعارضان بفعلهما ليُعَجِّزَ أَحدُهما الآخَر بصنيعه، وإِنما كرهه لما فيه من المباهاة والرياء، ومنه شعر حسان بن ثابت ﵁: يُبارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِداتٍ على أَكْتافِها الأَسَلُ الظِّماءُ المُباراة: المُجاراة والمسابقة أَي يُعارِضْنَها في الجَذْب لقوة نفوسها وقوة رؤوسها وعَلْكِ حَدائدها، ويجوز أَن يريد مُشابَهَتَها لها في اللِّين وسُرعة الانقياد. الثالث: المنع والاعتراض، ومن ذلك قولهم: كل مانِعٍ مَنَعَك من شغل وغيره من الأَمراضِ، فهو عارِضٌ، وقد عَرَضَ عارِضٌ أَي حال حائلٌ ومَنَعَ مانِعٌ ويقال: اعتَرَضَ الشيءُ دون الشيء أَي حال دونه واعْتَرَضَ فلان فلاناً أي وقع فيه وعَارَضهُ أي جانبه وعدل عنه (٣) ؛ فالمعارضة تعني الاعتراض والممانعة الناتجة عن اتضاح الرؤية من المقابلة والموازنة بين الأمور، أو الناتجة عن التنافس والتسابق، وهذه المعارضة منها ما هو ممدوح ومنها ما هو مذموم. وقد كثر استخدام لفظ معارضة في كلام أهل العلم بمعنى المخالفة والاعتراض والممانعة، فيقولون مثلاً: هذه الرواية ليست مُعارَضة بتلك، ورواية فلان مُعارَضة برواية فلان، وقد اعتُرِض على هذا الاستدلال وهذه مُعارَضة صحيحة، ولا تجوز مُعارَضة الخبر الصحيح بالأخبار الضعيفة، وهذا نص صحيح صريح سالم من المُعارَضة، ومثل هذا كثير في كلامهم؛ فليس لها استخدام عندهم يزيد عن المعنى اللغوي من غير أن يكون لذلك اللفظ دلالة اصطلاحية، حتى إن الماوردي ـ رحمه الله تعالى ـ عندما استخدم ذلك اللفظ في الأحكام السلطانية لم يخرج في استخدامه له عن حد معناه اللغوي، فقال الماوردي بعدما تحدث عن شروط الإمام: (فعلى كافة الأمة تفويض الأمور العامة إليه من غير افتيات عليه ولا مُعارَضة له ليقوم بما وكل إليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال) (٤) ، وقال عندما تكلم عن اختصاص بعض الوزراء وما يكلفهم به الخليفة: (يكون تقليد كل واحد منهما مقصوراً على ما خص به، وليس له مُعارَضة الآخر في نظره وعمله) (٥) ، فالمُعارَضة هنا تعني الاعتراض عليه فيما يقول، ومخالفته فيما يذهب إليه، والامتناع من الإقرار له أو الخضوع والطاعة، وسبب المعارضة بمعنى الاعتراض والمخالفة والامتناع راجع إلى التباين في الآراء والتصورات، وذلك يرجع من المنظور الشرعي لعدة أمور؛ فمن ذلك: عدم الإقرار لأحد من البشر غير رسول الله ﷺ بالعصمة؛ فكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك، ومنه: ليس أحد من الناس قوله ملزم بمجرده إلا رسول الله ﷺ ، ومنه: عدم انحصار القدرة على معرفة الصواب في أناس معينين أو محددين، ومنه: الاشتراك في مسؤولية إدراك الحق والعمل به والدعوة إليه، ومنه: اختلاف ملكات الناس وقدراتهم في الفهم والاستنباط، ومنه: أداء الأمانة في تبليغ الحق وعدم كتمان العلم، ومنه: عدم إمكانية الإجماع في كل رأي. كما قد يكون من أسباب المعارضة التنافس بين الناس؛ فكل ذلك وما جرى مجراه يكون داعية للاختلاف والتباين والممانعة والاعتراض والمعارضة، لكن هذا كله لم يجعل من تلك اللفظة مصطلحاً فقهياً أو سياسياً في لغة أهل العلم يخرج عن حد معناها اللغوي، والمضمون الذي يريده بعض الناس من استخدام هذه اللفظة كاصطلاح، موجود على وضع أفضل وأدق منها في ألفاظ الشريعة؛ وذلك في ألفاظ مثل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة، والشورى، ولا شك أن ذلك الاستخدام هو الأوْلى والأفضل بل الصحيح؛ إذ إن لفظ المعارضة لفظ محايد، لا يدل على ما إذا كانت المعارضة أو الاعتراض على أمر باطل أو على أمر حق؛ فكله يطلق عليه معارضة؛ فهو لا يحمل بمقتضى لفظه قيمة تحمد أو تذم، وهذا بعكس الأمر بالمعروف فإنه لا يكون إلا بأمر تعرفه الشريعة وتقره وتدعو إليه. والنهي عن المنكر لا يكون إلا عن أمر تنكره الشريعة وتحض على تركه. والنصيحة تعم الأمرين: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالمعروف ينصح بالدعوة إليه والحض على فعله، والمنكر ينصح ببيان نكارته والحض على تركه، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة المتعلقة بكليهما والشورى كل ذلك يحمل في طياته المعنى الحسن من المعارضة أو الاعتراض أو الممانعة؛ فهو يخلو من المعنى الفاسد كمعارضة الحق والخير، وليست هذه مجرد مفارقة شكلية أو مماحكة لفظية يمكن التغاضي عنها؛ إذ إن الأسماء والألفاظ لها تأثير في التعامل مع ما تدل عليه من المعاني، ولذلك جاء توجيه الرسول ﷺ لأصحابه عندما كان الأعراب يسمون العشاء العتمة لكونهم يعتِّمون بحلاب الإبل أي يؤخرونه إلى شدة الظلام، فقال لهم: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء؛ فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل» (١) ، فنهاهم عن استعمال ما تستعمله الأعراب في الدلالة على وقت العشاء، مع أن الوقت الذي يشير إليه الأعراب بهذه التسمية هو وقت صحيح للعشاء؛ وذلك لئلا تغلب السنة الجاهلية على السنة الإسلامية. وهذا يدلنا على أن علينا أن نعض بالنواجذ على ألفاظنا ومصطلحاتنا الإسلامية لا نبتغي بها بدلاً، ولا نستبدل بها شيئاً مما يُتداول اليوم في سوق الألفاظ والمصطلحات؛ الجري وراء المصطلحات الوافدة والاغترار باستخدامها سوف يوقعنا في أسرها وأسر مدلولاتها؛ بحيث لا نملك الانعتاق منها ومما يتعلق أو يرتبط بها؛ لأن اللفظ إذا كان مستورَداً فإنه يأتي ومعه معناه وشروحه وحواشيه، ولا يأتي مصطلحاً فارغاً من المضمون؛ فإذا حدث اختلاف في شيء يتعلق بذاك المصطلح فإن الاحتكام يكون لتلك المعاني والشروح والحواشي؛ لأنه لا تفسير له إلا هناك، وهذا واضح بيِّن في مسلك الآخذين بتلك المصطلحات؛ فإنهم ينزعون في الاستدلال على مخالفهم في صحة طرحهم وآرائهم بما قاله أرباب هذه المصطلحات، مما تتحول معه تلك المصطلحات في نهاية الأمر أن تكون عربية الحروف والمظهر، أعجمية المعاني والمخبر. وعلى ذلك فإن التحذير من ضرر استخدام المصطلحات الغريبة على شريعتنا وثقافتنا لا يمثل موقفاً انعزالياً أو تقوقعاً وانكفاء على الذات، وبُعداً عن التفاعل مع العالم من حولنا، وإنما يمثل موقفاً محافظاً على مقومات الأمة وخصائصها ألا تذوب في غيرها؛ فإن تلك المصطلحات محمَّلة بدلالاتها الخاصة بها التي تكونت عبر أجيال عدة، وخبرات متطاولة في بيئة غير إسلامية، وهي بالطبع بيئة مناقضة لبيئتنا؛ على أن هناك من يظن إمكانية استعمال هذه المصطلحات واستخدامها بعد تفريغها من المضمون المخالف لشريعتنا وتعبئتها بمضمون صالح يوافق شرعنا ولا يخالفه، وهذا في الحقيقة يعد غفلة عظيمة، كما يمثل في الوقت نفسه اعترافاً بسمو تلك المصطلحات وعمومها وصلاحيتها، وقبولاً بسيادة تلك المصطلحات على مصطلحاتنا، وفي المقابل يمثل اعترافاً بعجز ثقافتنا أن يكون لديها المصطلحات الخاصة بها التي تدل على المضمون الذي نريده، ثم إن هذا التصرف سينتهي ـ ولا بد ـ إلى قبول المصطلح بكل شروحه وحواشيه؛ لأن عملية التفريغ ثم التعبئة هي في الحقيقة عملية غير ممكنة بل هي وهم كبير، وحتى إذا أمكن القيام بذلك فما جدوى الإتيان بمصطلح ذي مضمون نابع من بيئة مناقضة لبيئتنا فنفرغه من مضمونه، ونملؤه بمضمون مناسب لنا؟ ألا يمثل هذا تبعية شديدة لهذا المصطلح؟ وكيف يمكن لنا أن نتحرر من الفكر الغربي ونحن نسلك هذا السلوك ونقدم مصطلحاته على مصطلحاتنا؟ لقد مثَّل استخدام تلك المصطلحات الوافدة كالديمقراطية والاشتراكية والمعارضة والليبرالية وغيرها في العقود الماضية، جناية عظيمة على الأمة في عقيدتها وشريعتها وثقافتها، ولم تفلح أية محاولة من محاولات التفريغ والتعبئة أو الطلاء بقشرة إسلامية أن تنتزع تلك المصطلحات من مضمونها، وقد كان هذا المسلك أحد العوامل المهمة التي ساهمت في إحداث قطيعة مع تراثنا الحقيقي، كما حالت دون أي عملية تجديد أو إصلاح حقيقية؛ مما ترتب عليه نشوء أجيال من المثقفين أو ممن يشار إليهم على أنهم نخبة أو صفوة المجتمع لا تعرف من دينها في الجانب السياسي أو الاقتصادي إلا ما كان مستجلباً من الفكر الغربي، وقد أحدث ذلك التصرف شقة عميقة بين تلك الأجيال وبين معرفة دينها معرفة صحيحة خاصة في تلك الجوانب، حتى أصبح من الصعوبة بمكان التغلب عليها إلا ببذل جهد مضاعف في سبيل ذلك. إن من الأمور الغريبة أن تجد من يريد إدخال مصطلح المعارضة بمعناه الغربي في جسم أو ضمن نسيج النظام السياسي الإسلامي يحتج بأن هذه اللفظة عربية، وكأنه نسي أو جهل أن هذه اللفظة العربية لا تستخدم الآن حسب استخدامها العربي المعروف، وهم يحتجون على صواب إدخال تلك المفردة في المصطلحات السياسية الإسلامية بالنصوص الشرعية التي تتحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحض على النصيحة والدعوة إلى الشورى، ولكن عندما يأخذون في الحديث عن المعارضة وتفصيلاتها، تجدهم يتحدثون عنها على نحو ما هو موجود في الفكر الغربي، فكأن هذه النصوص لم يلجأ إليها في الواقع إلا لتكون مجرد وسيلة للعبور عليها إلى قبول فكرة المعارضة، وإذا أعوزتهم الحجة التاريخية على أن يجدوا في التاريخ الإسلامي ما يدعم نظرتهم إلى مصطلح المعارضة، يمموا وجوههم شطر الفرق المذمومة التي جاء ذمها في النصوص الشرعية كالخوارج والشيعة وأضرابهم، وجعلوها سنداً تاريخياً على معرفة المسلمين بالمعارضة واستعمالهم لها، وهذا من أعجب الاستدلال؛ حيث يستدل على صواب المعارضة بسلوك من ذمتهم النصوص من أجل سلوكهم هذا، وكان حقه أن يستدل بذلك على فساد المعارضة لا على أنها ظاهرة صحية. - ظاهرة المعارضة في السلوك الإنساني: الاعتراض أو المعارضة، والاختلاف أو المخالفة؛ ظاهرة إنسانية من لوازم المجتمع الإنساني؛ فحيثما وجد الإنسان في جماعة فلا يخلو ذلك الاجتماع من تباين وجهات النظر تجاه كثير من الأمور التي ينظر إليها على أنها من المضار أو من المصالح، وما يترتب على ذلك من تعارض الإرادات في السعي لجلب ما يُظن مصلحته، أو العمل لكف ما يُنظر إليه على أنه من المضار؛ لذلك فلا يمكن أن تتحقق مصالح بني آدم عند اجتماعهم إلا من خلال نظام صالح يحقق المصالح ويدفع المضار، ولا يتأتى ذلك إلا في ظل وجود القواعد المنظمة لذلك، والتي لا تؤدي وظيفتها ودورها إلا إذا كانت ملزِمة باتباعها وعدم الخروج عليها، ومن لازم ذلك القدرة على مجازاة المخالف وإجباره على التقيد بتلك القواعد الصالحة، وهذا كله لا يتم إلا في وجود سلطة آمرة ناهية ملزِمة، قادرة على إنفاذ إرادتها على المجتمع الإنساني. ويمكننا أن نستخلص من هذا العرض المطول لتلك الظاهرة عدة حقائق إنسانية؛ فمن ذلك: أن الإنسان له إرادة خاصة به وهو لا يحب أن يُكرَه أو يُجبَر على أن يرى ما لا يرى، أو أن يختار ما لا يختار، وأن الإنسان له رغبة في تحصيل المنافع والمصالح والسعي في سبيل المحافظة عليها، كما أن له رغبة في دفع المفاسد والمضار والعمل على تقليلها إلى أقصى حد ممكن، وأنه لا يوجد اتفاق كامل في التصورات المتعلقة بالنظر إلى المصالح والمفاسد، ومن ثم عدم اتفاق الإرادات في العمل لجلب المصالح ودفع المفاسد، وهذه ولا شك إشكالية تحتاج إلى حل، وقد حاولت التجمعات الإنسانية المتعددة والمتباينة على مدى الزمن حلَّ ذلك انطلاقاً من ثقافتها وحضارتها وظروف بيئتها، وقد تنوعت تلك الحلول واختلفت باختلاف الزمان والمكان. - الحل الغربي المعاصر: يقوم الحل الغربي على قبول الواقع كما هو، والخضوع له عن طريق التقنين له، بدلاً من محاولة إصلاحه وتقويم اعوجاجه؛ فقدم في سبيل ذلك فكرة الحرية المطلقة من كل قيد: في التصورات، والاعتقادات، والإرادات، ولم يستثن من ذلك كله إلا ما كان فيه ضرر يعود على الآخرين. وانطلاقاً من فكرة الحرية المطلقة فإنه يحق لكل أحد أن يبني عالمه الخاص به، النابع من داخله هو؛ أي من تصوراته الشخصية دون أية قيود خارجية سواء كانت من الدين أو من عادات المجتمع ومواضعاته أو أي شيء آخر. ولا يلزم للاعتراف بهذه الرؤية سوى أن تكون بإرادته من غير إجبار، كما لا يلزم لإقرارها بصورة نظامية في المجتمع سوى كثرة أعداد القائلين بها حتى يكونوا أكثر من المخالفين لها، ومن لازم ذلك فإنه يحق لكل أحد أن يعترض على أي شيء في المجتمع إذا سلك الطريق النظامي المقرر في الاعتراض، ويحق له أن يظل على اعتراضه ويصر عليه بل ويدعو إليه، حتى لو كان ما يذهب إليه خطأ وضلالاً تماماً، ويخالف أعراف المجتمع ومواضعاته، ما دام أنه لا يستعمل في الدعوة إليه سوى الوسائل السلمية، ولا يتجاوز ذلك إلى الوسائل العنيفة لإكراه الآخرين عليها. ومن الممكن أن يتحول هذا الخطأ والضلال إلى حق وصواب، إذا تمكن الداعي إليه من استقطاب الأغلبية المطلوبة التي توافقه وتقبل دعوته، ومن ثم يصير رأياً وجيهاً يُعمل به ويُحتكم إليه؛ فالصواب والخطأ في التصورات والأفكار والاعتقادات لا يأتي في ذلك الحل من أمر خارج عنها، وإنما يأتي من داخلها نفسها حسب قناعات الأفراد، وترتب على ذلك أن نشأ في الفكر السياسي الغربي ما يُعرف اليوم على أنه (المعارضة) التي تعني تمايز المجتمع وانقسامه حول بعض الاختيارات أو المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتباينة، ثم تنضوي كل فئة من الناس تحت الخيار الذي يناسبها، ويسعى كل فريق بعد ذلك من أجل الوصول إلى سدة الحكم ليفرض رؤيته الخاصة في جلب المصالح ودفع المفاسد، دونما تقيد أو ارتباط برؤية الآخرين المخالفة أو تصوراتهم، على أساس أن وصولهم للحكم عن طريق اختيار الناس لهم يعني قبول منهجهم، وإلا لما اختارهم الناس (١) . فبدلاً من السعي نحو إيجاد جمهرة عظيمة من الأفكار والتصورات يلتقي حولها الناس، حل محله تقسيم الناس وتوزيعهم حول عدة محاور متناقضة؛ مع تكريس ذلك التناقض عن طريق تنظيمه ووضع القواعد التي تضبطه. وبدلاً من تقديم فكرة التعاون على البر والتقوى، وجمع الكلمة على فعل الخير، ودفع الشر في ظل توافق عام أو أغلبي على تحديد المصالح والمفاسد، قُدِّمَ بدلاً منها فكرة التنافس والتصارع للوصول إلى سدة الحكم ليفرض الفريق الفائز رؤيته لتلك الأمور. فالقضية بدأت في أولها بالحرية المطلقة من أية قيود، ثم انقلبت في نهاية الأمر بفرض رؤية الأغلبية وإرادتها على الأقلية، وبهذا ينقسم المجتمع إلى: حكومة، ومعارضة: الحكومة تقول وتفعل ما تشاء استناداً إلى ما تدعيه من التفويض الممنوح لها، والمعارضة تعارض الحكومة وتقدم رؤيتها من أجل إقناع الناس للوصول إلى الحكم، وإزاحة الحكومة وتحويلها إلى معارضة وتقوم هي بالدور نفسه الذي كانت تقوم به الحكومة. فالعلاقة القائمة بين الحكومة وبين ما يُدْعَى بالمعارضة في هذا الفكر السياسي علاقة الترصد والتنافس لا علاقة التعاون والتعاضد من أجل خير المجتمع (٢) ، والهدف من ذلك الوصول إلى كرسي الحكم وليس ابتغاء وجه الله طلباً للأجر والمثوبة منه، أو السعي للإصلاح. ولا شك أن الفكرة القائلة بأن كسب الأغلبية (٣) الموصلة للحكم تعطي الحق في فرض الآراء والتصورات وصوغها قوانين ملزمة تُفرَض بالقوة على الجميع، تدفع المتنافسين في سبيل الوصول إلى الحكم للوقوع في تجاوزات كثيرة لا يمكن قبولها تحت أي مسوِّغ؛ فهناك التزوير، وهناك الرشوة المباشرة وغير المباشرة، وهناك التلاعب بالبيانات وشراء الذمم؛ بحيث لم يقتصر ذلك على مجتمع يقال عنه مجتمع متخلف، بل أصبح ذلك سمة في المجتمعات جميعها المتقدمة والمتخلفة منها على السواء، وإن كانت النسب بلا شك تتفاوت من دولة إلى أخرى؛ وهذا الحل غير مقبول إسلامياً؛ لأنه حل في حقيقته يقوم على الانفلات الكامل في الأفكار والعقائد والتصورات بزعم الحرية، ويترتب عليه أمور أيضاً غير مقبولة إسلامياً: كتفرقة الأمة وتجزئتها وتحويلها إلى فئات متناحرة، والسعي في طلب الحكم الذي يقوم على تزكية النفس وترصُّد الآخرين والبحث عن زلاتهم. - الحل الإسلامي: وقد قام الحل الإسلامي على عدة أسس: ففي جانب عدم اتفاق التصورات وتعارض الإرادات؛ فذلك حله في الرجوع إلى الأحكام الشرعية والتقيد بها من جميع المسلمين بلا فرق بين أحد منهم، وما كان من الأمور التي لا يوجد فيها النص الملزم؛ فإن ذلك يتم عن طريق الاجتهاد القائم على ضوابط معلومة في بذل الجهد للتعرف على الحكم الذي يوافق الأحكام الشرعية، في جو من التناصح والتشاور، وأما السعي في تحصيل المنافع والمصالح؛ فذلك حله في الأحكام المتعلقة بالأمر بالمعروف، وكذلك السعي في دفع المفاسد والمضار؛ فذلك حله موجود في الأحكام المتعلقة بالنهي عن المنكر. ومن هنا فإن الحل الإسلامي راعى الواقع من غير أن يستسلم له، أو يخضع لظروفه المتقلبة، بل عمل على قيادته وإصلاحه. - آليات الحل الإسلامي: النظرة الإسلامية في سياسة الدنيا قائمة على أن الجميع عباد الله، وهم على حد سواء في هذه العبودية بلا امتيازات بينهم، وأن العباد مستخلَفون في هذه الأرض، وأن الجميع يشتركون في تحمل مسؤولية قبول الحق وأمانة تبليغه، وأمانة السعي في سبيل إقراره وتحمل الشدائد في مواجهة من يعارضه أو يقف في سبيله، والقيام بعمارة الأرض وإصلاحها وكف الفساد عنها؛ فليس هذا الهَمُّ هَمَّ مجموعة معينة من الناس، بينما يبقى المجموع الباقي وكأنهم أُجَرَاء، ليس لهم إلا الأجر في مقابل الطاعة فيما يُكلَّفون به من عمل، أو كأنهم عابرو سبيل ليس لهم من الحقوق إلا ما يتمتع به عابر السبيل، بل الكل شركاء ومتضامنون في جلب المصالح (الدينية والدنيوية) وكذلك دفع المفاسد (الدينية والدنيوية) ، ولذلك لا يجوز تهميش الرعية أو أغلبيتها بدعوى أن ذلك ليس من شأنها، بل ينبغي أن تمكَّن الرعية من كل حق أعطته الشريعة لهم؛ إذ هذا شرط الفلاح في الدنيا والنجاة في الآخرة، إذ بمثل هذه المشاركة يشعر المسلم بانتمائه الحقيقي لدار الإسلام مما يستنهض همته للسعي في خيرها، والدفاع عنها عندما يَدْهم الأعداء بلاد المسلمين، أو تدلَهِمُّ الخطوب، وإذا كنا لا نستطيع أن نغطي في هذا المقال الموجز الحديث عن الآليات المتبعة في الحل الإسلامي لتحقيق ذلك فإنه يكفينا في ذلك أن نقدم حديثاً موجزاً عن ذلك، فمن تلك الآليات: المتابعة والمراقبة: إذ الكل شريك والكل مسؤول، وهذا يستوجب أن يحرص كل أحد على المتابعة والمراقبة حتى لا يحدث خرق في اتجاه لا يشعر به أحد , فيكون فيه الهلاك، ولهذه المتابعة والمراقبة دواعي منها: أن الإيمان يزيد وينقص، والشيطان يتربص بالإنسان يلتمس منه غرة، وأن الأمة مسئولة عن المحافظة على الدين والدنيا، وأن الرؤية الصحيحة قد تغيب عن بعضهم بسبب عوامل كثيرة، وهذه المتابعة والمراقبة ليست على سبيل التخوين أو الشك، وإنما ضماناً لحسن سير الأمة وانتظامها في طريقها المستقيم من غير اعوجاج، وحتى إذا حدث اعوجاج أو بُعد عن المنهاج أمكن الرد إلى الطريق المستقيم من قريب. والفرق بين مراقبة الشك والتخوين، ومراقبة ضمان الانتظام وحسن السير: أن الأولى تعتمد على الشك والارتياب، وتغليب الظنون على اليقين والظاهر، والتماس المعايب والأخطاء، بينما الثانية تعتمد الحقائق وتغلِّب اليقين على الظنون، والسعي إلى الإصلاح، وكذلك تستند إلى الظاهر وتقبل المسوِّغات من غير تعنت أو غفلة، تحدوها في ذلك الرغبة في الحفاظ على مصلحة الأمة، والمتابعة والمراقبة قد يتلوها الإشادة والتأييد عند استقامة الأمور وسيرها في مجراها الطبيعي، كما قد يتلوها الإنكار عند خروج الأمر عن طريقه المستقيم حتى يصل التصرف إلى حد العصيان أو مقاومة الطغيان، والإنكار هنا له درجاته المتعددة بحسب درجة الخروج عن الطريق المستقيم وكيفيته، حسب ما هو مفصل في فقه إنكار المنكر. ومنها: حق التعبير عن الرأي ما لم يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً، وأن يكون انطلاقاً من المسؤولية والمشاركة وعدم انحصار الصواب في اجتهاد طائفة من المسلمين، وانطلاقاً من التكليف وعدم الوصاية على العقلاء العالمين البالغين؛ فإنه يحق للمسلم أن يعتقد ما يراه صواباً بالشروط السابقة، وأن يدعو إليه بغض النظر عن موافقة ذلك أو مخالفته للسلطة، ولا تكون مخالفته للسلطة في الرأي مدعاة لمنعه من الدعوة إلى الصواب إذا كان يستدل عليه بالأدلة الصحيحة وليس فيه مخالفة للدين، بل على السلطة أن تمكنه من ذلك، وترده للطريق المستقيم إذا خرج عن الجادة، وحق التعبير عن الرأي لا يعارض واجب الطاعة؛ فالمسلم يجب عليه طاعة ولاة أموره المسلمين في المعروف، كما أن عليه أن يعمل بالحق ويدعو إليه. ومنها: عدم الإلزام بالرأي الاجتهادي؛ إذ العقول متفاوتة والاجتهادات تابعة لعقول أصحابها، والإلزام بالرأي الاجتهادي يعد نوعاً من الإكراه، بل يجعل الرأي الاجتهادي في منزلة تضاهي منزلة النصوص الشرعية، وهو ما تأباه القواعد الشرعية. ومنها: اللجوء إلى المحكمة: وانطلاقاً أيضاً من الشراكة وأنه ليس أحد أحق من أحد في الحفاظ على مصالح الأمة بجلب الخير لها ودفع الشر عنها؛ فإنه إذا تعارضت التصورات في النظر إلى المصالح أو الحقوق أو الواجبات العامة التي لا يختص بها أحد دون الآخر، وتباينت لأجل ذلك الإرادات، لم يكن لأحد أن يقضي على الآخر أو أن يلزمه بما يراه، انطلاقاً من استناده إلى وسائل القوة التي يحوزها، بل يحتكم الطرفان إلى المحكمة التي تفصل في ذلك بناء على البينات المقدمة، واستناداً إلى الشريعة في نصوصها ومقاصدها. الحسبة أو الاحتساب: هذه الآليات المذكورة لم يكن هناك اسم يخصها من بين تشريعات الإسلام المتعددة في مختلف حياة المسلمين الدينية والدنيوية، وكانت كلها داخلة تحت المعنى العام لنظام الإسلام في الدين والحياة، لكن هل هناك ما يمنع من جمع مجموعة من الأحكام الشرعية المتعلقة بموضوع معين تحت اسم يكون معبراً عن ذلك؟ الذي تدل عليه تصرفات العلماء السابقين أنه لا يوجد ما يمنع من ذلك أو يحول بينه، وقد صنف أهل العلم كتباً كثيرة في موضوعات محددة؛ فهذا يصنف في أحكام العبادات، وذاك يصنف في أحكام الجهاد، وثالث يصنف في الغزوات والسير، وآخر يصنف في الأحكام السلطانية، وغيره يصنف في السياسة الشرعية؛ وهكذا، والقيد الوحيد الذي يمكن وضعه على ذلك أن يكون هناك توافق حقيقي بين الاسم المختار وبين الموضوعات التي يعالجها حتى لا يحدث اختلاط أو اضطراب. ونحن في ظل الأوضاع المعاصرة نحتاج إلى مصطلح نضع تحته هذه الآليات وأضرابها، حتى تكون واضحة في أذهان الناس الموافقين والمخالفين على السواء، وحتى لا تجرف المصطلحات الوافدة عقول الناس وتغلب عليهم؛ لخلو الساحة من مصطلح بديل يعبر عن الحقائق الشرعية بدون مخالطة للباطل، على النحو الذي نراه في المصطلحات الوافدة كما بينا من قبل. وينبغي علينا أن نركِّز في حديثنا أو استخدامنا على ذلك المصطلح حتى يكتسب الشيوع والقوة، وأقرب ما يكون من المصطلحات التي يمكن أن تعبر عن تلك الآليات هو لفظ (الحسبة السياسية) بمعناها العام التي تشمل الحسبة على المسلمين جميعهم الحكام والمحكومين. والداعي إلى اختيار هذا المصطلح أمور منها: أن الحسبة مصطلح شرعي مستخدم في تراثنا الشرعي، وأنه مدلول عليه بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وعمل الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وأنه خال من اشتماله على أنواع من الباطل كما في المصطلحات الوافدة، وأنه يعبر عن طبيعة القيام بهذا العمل وهو احتساب الأجر وابتغاؤه من الله العلي الكبير من غير بحث عن مغنم أو منصب دنيوي. نظام الحسبة: الحسبة نشأتها ترجع إلى النصوص الشرعية التي تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ؛ فالحسبة على هذا شاملة ليست قاصرة على باب دون باب من أبواب الشريعة، كأن تُحصَر في الاحتساب على منكرات الأسواق أو الأفراح، أو الاحتساب على الآداب الاجتماعية، أو الاحتساب على أداء الصلوات، ونحو ذلك؛ فهذا كله من الحسبة بلا شك، لكنه ليس الحسبة كلها، وإنما الحسبة تدخل في أمور الدين كلها: ما تعلق بالأفراد، وما تعلق بالمجتمع، وما تعلق بالسلطة، وما تعلق بالاعتقادات أو العبادات أو المعاملات أو السياسة أو الاقتصاد. يقول الماوردي ـ رحمه الله تعالى ـ: (الحسبة هي أمر بمعروف إذا أظهر تركه، ونهي عن منكر إذا أظهر فعله) (١) ، والكلام هنا مطلق غير مقيد، والمعروف اسم جامع لكل ما أمر به الشرع أو دعا إليه أو حض عليه أو أقره ولم يغيره، والمنكر اسم جامع لكل ما نهى عنه الشرع أو خالف الشرع وعارضه، وهذا يبين أن مجال الحسبة رحب فسيح يعمل في الاتساع الذي يشمله اسم المعروف واسم المنكر، انطلاقاً من عموم رسالة الإسلام وشموله للزمان والمكان، وليست هي محصورة في صور نمطية معينة، أو نماذج محددة. قال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: (المعروف هو الحق الذي بعث الله به رسوله، والمنكر هو ما خالف ذلك من أنواع البدع والفجور) (٢) ، ونظراً لأن (عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع؛ فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب في مكان وزمان آخر وبالعكس، وكذلك الحسبة وولاية المال، وجميع هذه الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ومناصب دينية) (٣) ، وإذا كانت أكثر الكتب المصنفة في الحسبة ونظامها قد اقتصرت على الحسبة في المعاملات من بيع وشراء، ومكاييل وموازين، وعقود ونحو ذلك، ولم تتوسع فيما يتعلق بالاحتساب في الجانب السياسي؛ فإن ذلك لا يعني عدم وجود الحسبة السياسية من ناحية الواقع؛ فإن النصوص الدالة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشمل بعمومها الاحتساب في جانب المعاملات، كما تشمل الاحتساب في جانب السياسة. ثم إن الحسبة السياسية قد وجدت ممارستها في الصدر الأول، وإذا لم يكن قد تم تنظيمها؛ فهذا شأن كثير من الأمور لم يحدث تنظيمها عن طريق النصوص الشرعية، وإنما تُرِك ذلك للاجتهاد الشرعي الصحيح القائم على النصوص، والذي يراعي في ضوء التقيد بذلك خصوصية البيئة من حيث: الإمكانات والاحتياجات؛ فإن المجتمعات متغيرة من حيث الصغر والكبر، ومن حيث الضيق والاتساع، كما أن معارفها ووسائلها الدنيوية قد تزيد وقد تنقص، وكذلك حالاتها الإيمانية قد تقوى وقد تضعف، وحاجة المجتمع الصغير غير حاجة المجتمع الكبير، وحاجة المجتمع الذي تزيد فيه المعدلات الإيمانية غير حاجة المجتمع الذي ضعف إيمانه، ويكون النص على وسيلة واحدة أو عدة وسائل في ذلك الزمان المبكر بمثابة النص على الاقتصار عليها وعدم تجاوزها، مع أن أصل تطبيقها إنما كان لمناسبة موافقتها لظروف بيئتها واحتياجاتها، وليس لخصوصيتها، ومن هنا فلا ينبغي الاقتصار على تلك الوسائل ثم تحرم الأمة من الانتفاع بعد ذلك بما يتوصل إليه المسلمون على مدى الزمن، مما يحقق مصالحهم الموافقة لظروفهم وبيئتهم مما يوافق الشريعة ولا يخالفها، فلأجل ذلك دلت النصوص على الأحكام التي ينبغي الالتزام بها من غير إلزام بطريقة تنفيذ هي في أصل إقرارها متأثرة بالواقع نفسه، فالموقف الشرعي من الوسائل والأساليب أن كل طريق أو وسيلة أو أسلوب يؤدي إلى تحقيق الحكم الشرعي في الواقع من غير ترتب فساد عليه، فهو طريق أو وسيلة أو أسلوب مشروع يجوز إتيانه والعمل به، ومن البدهي أن الوسيلة أو الأسلوب أو الطريق إذا كان مما يخالف في تفاصيله الشريعة فلا يعوَّل عليه ولا يعتد به شرعاً، وإن كان يحقق في الظاهر مصلحة وذلك (أن الطرق التنفيذية هي وسائل لتحقيق الغايات، والوسائل لا تراد لذاتها وإنما تراد لما يترتب عليها؛ فربما لو ألزم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها على مدى الزمن بطريق عملي واحد أو بوسيلة واحدة لتعسر عليهم ذلك، ووجدوا فيه من الحرج والمشقة الشيء الكثير، لا سيما أن الوسائل تتعدد وتتباين وقد يكون بعضها ميسراً وبعضها عسيراً، وقد يختلف العسر واليسر للوسيلة نفسها باختلاف الزمان والمكان والله ﵎ يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر) (١) ، وإذا لم يكن قد حدث تنظيم للحسبة السياسية في عهد الرسول ﷺ فلا يعني ذلك أن تنظيمها بعده بدعة في الدين، أولاً: لأن هذا التنظيم هو من قبيل وضع الأنظمة التي تكفل تحقيق المراد شرعاً على وجه منظم حتى لا يحدث قصور فيه، وليس من قبيل التشريع، وثانياً: فإن الحسبة في جانب المعاملات أيضاً لم تكن منظمة في عهد الرسول ﷺ ، ثم نظمت بعده عند الحاجة إلى التنظيم، ولم يقل أحد من أئمة الفقه في دين الله أن ذلك بدعة، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ قاعدة مهمة في ذلك حيث يقول: (والترك الراتب: سنة كما أن الفعل الراتب: سنة، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض أو فوات شرط أو وجود مانع، وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في المصحف، وجمع الناس في التراويح على إمام واحد، وتعلم العربية، وأسماء النقلة للعلم، وغير ذلك مما يُحتاج إليه في الدين؛ بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه ﷺ لفوات شرطه أو وجود مانع) (٢) ، فإذا تُرك شيء لعدم المقتضي لفعله، فإن فعله بعد قيام المقتضي له لا يعد بدعة، وكذلك الحكم إذا كان الترك لوجود مانع ثم زال المانع أو كان الترك لفوات شرط ثم تحقق الشرط، ومع ذلك فإنا نقول: قد حدث نوع من التنظيم في جانب الحسبة السياسية وإن لم يكن شاملاً، وهو ما عُرف في الأحكام السلطانية بـ (ولاية المظالم) فقد كان من مهامها: النظر في تعدي الولاة على الرعية، فيتصفح والي المظالم عن أحوال الرعاة فيقوي المنصف منهم ويعينه، ويكف من يظلم منهم عن ظلمه، ويعزل من لا يصلح معه إلا العزل ويستبدل به غيره (٣) . فالأحكام السياسية المتعلقة بشروط الولاة وطرق توليتهم وحقوقهم وواجباتهم وموجبات عزلهم وغير ذلك. كل هذه الأحكام موجودة مسطورة في كتب أهل العلم، لكنه لم تقم مؤسسات لها نظام محدد في كيفية وجودها، وعملها للقيام بمثل تلك الأمور وكيفية الاحتساب عليها، وقد كان لهذا ما يسوغه في الصدر الأول من حيث قوة الإيمان من جانب، ومن حيث صعوبة الاتصالات من جانب آخر. لكننا في عصرنا مع توسع الأمور وتطورها وتعقدها في حاجة لمثل هذا النظام الذي يحدد الطرق والوسائل؛ بحيث يصير معلوماً: ماذا يجب؟ وكيف يمكن أن نفعله، والطريقة العملية المناسبة؟ وكيف يمكن أن نحتسب؟ وذلك لتحقيق أمرين: أولاً: حتى لا يشعر بعض المسلمين بنوع من العجز أمام النظم الأخرى التي يخطف بريقها الزائف أنظار كثير من بني جلدتنا، رغم أنها أنظمة باطلة أُسست على غير شرع منزَّل، بل أُسست على مخالفة الشرع المنزَّل. وثانياً: حتى لا يتمكن أحد من الالتفاف حول هذه الأحكام المسطورة في كتب أهل العلم ويتجاوزها، ومن الأمور التي تحتاج إلى تنظيم في واقعنا الذي نعيشه: ما يسمى ـ في وقتنا المعاصر ـ بالسلطة التنفيذية، وتنظيم حق إبداء الآراء والأفكار والدعوة إليها، وتنظيم واجب التصدي للانحراف والخروج عن المنهج الشرعي، وتنظيم الشورى والنصيحة، وتنظيم واجب طاعة الولاة ونصرتهم، وغير ذلك من الأمور التي نحتاج إلى إخراجها من كونها مجرد مدونات فقهية إلى أنظمة عملية تتم وفق الأحكام الشرعية المتعلقة بها.

стр. 5298

فقه الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية ظاهرة سوء سلوك بعض الرموز د. حمدي شعيب روى الإمام أحمد في مسنده: عن الحارث ابن يزيد البَكري، قال: «خرجت أشكو العلاء ابن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ ، فمررت بالربذة ـ وهي قرية قريبة من المدينة ـ فإذا عجوزٌ من بني تميم منقطِعٌ بها الطريق ـ أي ليس معها من يحملها إلى ما تريد ـ فقالت: يا عبدَ الله! إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجةً؛ فهل أنت مُبَلّغِي إليه؟ قال: فحملتُها، فأتيتُ المدينةَ، فإذا المسجد غاصٌّ بأهله، وإذا رايةٌ سوداءُ تخفقُ، وبلالٌ مُتقَلّدٌ السيفَ بين يدي رسول الله ﷺ ، فقلتُ: ما شأنُ الناسِ؟ قالوا: يريدُ أن يبعثَ عمرو بن العاص وَجْهاً. قال: فجلستُ، قال: فدخلَ منزلَهُ أو قال رحلَهُ، فاستأذنتُ عليه، فأذنَ لي، فدخلتُ فسلّمْتُ، فقال: (هل كان بينكم وبين بني تميم شيءٌ) . قال: فقلتُ: نعم! قال: وكانت لنا الدَّبْرَةُ ـ أي الغَلَبة والنصر ـ عليهم، ومررتُ بعجوزٍ من بني تميم منقطعٍ بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالبابِ، فأذنَ لها، فدخلتْ. فقلتُ: يا رسولَ الله! إن رأيتَ أن تجعلَ بيننا وبين بني تميم حاجزاً فاجعل الدهناءَ ـ وهي صحراء معروفة في الجزيرة العربية ـ فحَمِيَتِ العجوز واستوفزتْ ـ أي غضبت وثارت لقومها ـ قالت: يا رسول الله! فإلى أين تضطَرُّ مُضَرَكَ؟ ـ أين تذهب قبيلة مضر إذا أعطيتَ الدهناء لقبيلة ربيعة؟ وهي القبيلة التي أوفدت الحارث. قال: قلتُ: إنما مثلي ما قال الأول: مِعْزاءُ حملَتْ حتفَها ـ وهي الغنمة التي حملت حملاً ثقيلاً فماتت، وهو مثل يُضرب لمن فعل فعلاً أضر به نفسه ـ حملتُ هذه، ولا أشعرُ أنها لي خَصْماً، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوَافِدِ عادٍ! قال: (هِيهْ! وما وافدُ عادٍ؟) . وهو أعلمُ بالحديث منه، ولكن يستَطْعِمُهُ ـ أي أنه ﷺ أراد أن يستمع إلى قصة وافد عاد من الحارث، مع علمه بها ـ. قلتُ: إن عاداً قحطوا ـ أي أصابهم القحط والكرب ـ فبعثوا وافداً لهم يقال له: قَيْلٌ ـ أي أحد الزعماء يستسقي ويدعو لهم بمكة ـ فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهراً يسقيه الخمرَ، وتُغَنِّيهِ جاريتان، يقال لهما: الجرادتان ـ وهما مغنيتان مشهورتان بمكة ـ فلما مضى الشهرُ خرج إلى جبال تِهَامةَ، فنادى: اللهم إنك تعلمُ أني لم أَجئ إلى مريضٍ فأُداويه، ولا إلى أسيرٍ فأُفاديه، اللهم اسقِ عاداً ما كنتَ تسقيهِ ـ أي أنه دعا بدون أدب، ولم يطلب سُقيا رحمة ـ. فمرتْ به سحاباتٌ سُودٌ، فنودِيَ منها: اخترْ، فأومأَ إلى سحابةٍ منها سوداءَ ـ أي لم يحسن استغلال الفرصة، ولم يحسن الاختيار ـ فنودِيَ منها: خذها رماداً رِمْدِداً ـ أي أدق ما يكون الرماد ـ لا تُبقي من عادٍ أحداً. قال: فما بلغني أنه بُعِثَ عليهم من الريح إلا قَدْر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هَلَكوا. قال أبو وائل: وصدقَ، قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم، قالوا: لا تكن كوافدِ عادٍ» (١) . وبتدبرنا لهذه القصة البليغة، وكيف انتهت بهذه النهاية المأساوية لمهمة الحارث بن يزيد البكري؛ مما جعلته يتذكر حادثة الغنمة الحمقاء، وكذلك قصة وافد عاد المشؤوم. وبقراءة سريعة لها نخلص إلى بعض الدروس القريبة: ١ - أهمية اختيار الوافدين. ٢ - على الوافد ألا يخرج عن طبيعة المهمة التي خرج من أجلها، فلا يدخل في تفاصيل رحلته قبل إنجاز المهمة. ٣ - نستفيد من موقف المرأة العجوز فاعلية الفرد في التغيير الاجتماعي، وكيف أن قوة الحجة والغيرة على الحقوق العامة، والترفع عن المصالح الشخصية، كيف يؤدي ذلك إلى نتائج يستفيد منها المجموع، ومن ثم الفرد. ٤ - في موقف المرأة العجوز أيضاً، وغضبها على مصالح قومها العامة، ومكاسبها التي حصلت عليها، أن الإسلام يحترم دور المرأة ورأيها، ويقدر إيجابيتها في حركة المجتمع. ٥ - في طلب الرسول ﷺ ، سماع القصة من الحارث مع علمه بها؛ يبين أهمية القصص، وكيف أن النفس الإنسانية يسرها سماعها وتكرارها، بلا ملل؛ إذا كانت بها عبر ودروس تربوية. ٦ - كيف أن انطماس بصيرة غير المؤمن، تجعل طريقة تفكيره غير سوية في كل الأمور، أي أن عدم إيمانه، نتج عنه منهجية شاذة في التفكير. وتدبر كيف أن عاداً، لا يدركون أن الله ـ سبحانه ـ أقرب لعباده، فليس هناك داع لأن يرسلوا وافداً يقطع القفار في مهمة قد تقضى في أرضهم، وكيف أنهم قد أرسلوا زعيماً لا يحسن الأدب في مهمته فيركن إلى مراتع السوء، وينسى مهمته الأصلية، ثم لا يتأدب في دعائه مع الله ، ثم في سوء اختياره للسحابة السوداء الشؤم. ٧ - كيف أن خطأ الفرد يؤدي إلى ضرر المجموع، وتدبر ما فعله الحارث، وما فعله وافد عاد. - مكامن الخلل: ولكن عندما نتدبر القصة من منظور آخر، حول قضية حيوية؛ وإشكالية مؤسسية وظاهرة دعوية لها من الأسباب والمظاهر، ثم من الآثار السلبية الخطيرة إذا لم تؤخذ بعين الاعتبار؛ لذا فإن من الأهمية بمكان أن تراعى وتدرس؛ ألا وهي (ظاهرة سوء سلوك الرموز) . لآن هذه الظاهرة قد تنشأ بسبب الخلل في الاختيار، ثم في المتابعة والحسم في المعالجة. فلو تتبعنا مكامن الخلل في نشوء هذه الظاهرة، لوجدناها كثيرة؛ فمنها، على سبيل المثال لا الحصر: الأول: عدم التدقيق في اختيار الرموز، وعدم وجود آلية في مراعاة نوعية الوافدين: أي عدم اهتمام القائمين على أي مؤسسة، بحسن اختيار الشخصيات، أو الرموز المقبولة اجتماعياً لدى الآخر. ونحن نعلم أن لكل ظرف أو مناسبة رجالها. وكذلك فإن الآخر يختلف حسب تباين المستوى والمكانة؛ سواء كان ذلك اجتماعياً، أو تعليمياً، أو ثقافياً، أو مادياً أيضاً. والرمز أو الشخص الذي يكون مقبولاً لدى رجل الشارع العادي، قد لا يكون كذلك للفئة النخبوية. لهذا فإنه من الأهمية بمكان حسن الاختيار، وأن تكون الرموز الاجتماعية التي تخاطب الآخر، تتميز بسمات لا تجعلها كوافد عاد. وتدبر كيف اختارت قريش عمرو بن العاص ليكون وافدهم إلى النجاشي ليرد المهاجرين من الحبشة؛ فما كان من هذه الجالية المسلمة المهاجرة إلا أن اختارت جعفر بن أبي طالب ليحاور ويرد على محاورات عمرو، حتى نجح في كسب القضية لصالح المهاجرين. وتدبر أيضاً نوعية الرسل الذين كان يرسلهم الحبيب ﷺ ، إلى القبائل والملوك. الثاني: عدم مراعاة العنصر الأخلاقي في سلوك الوافدين: فالسلوك دوماً أبلغ من القول. وهناك قاعدة مهمة؛ وهي أن سلوك الفرد يدل على الفكرة التي يحملها. لهذا فمن الضروري أن يكون سلوك الوافد ترجماناً صادقاً للفكرة الربانية التي يحملها. ويجب أن يُعرَف بسمات تجعله معروفاً للمحيطين ـ على اختلاف نوعياتهم وأحوالهم ـ بحسن أخلاقه، كما عُرِفَ بها يوسف ﵇ فنطق السجينان ناشدين رأيه في رؤياهما: ﴿إنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] . وتأمل هذا الجانب السلوكي في حياة هؤلاء الفتية المؤمنين؛ أصحاب الكهف، عندما نتدبر الشرط الذي اشترطوه على رسولهم الذي أرسلوه ليحضر لهم الطعام: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ [الكهف: ١٩] . أي فليتخير أحل وأطيب الطعام أو أجوده، فليأتكم بشيء منه. فتأمل هذا الورع واجتناب المحرمات، والبعد عن الشبهات، وعدم الركون إلى أن الضرورات تبيح المحظورات، ولا أن الطعام كان مجهول المصدر. وتدبر كذلك هذا الشرط الصعب لمن يبحث عن طعام في مجتمع مسلم؛ فما بالك بمجتمع غير مؤمن. وتأمل أيضاً مغزى كلمة: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ أي من دراهمهم المضروبة ونقودهم الفضية، أي من مالهم الخاص، وما توحي به في النفس من أن الداعية لا يأكل إلا من ماله الخاص المعروف مصدره، ومن كده الخاص؛ فاليد العليا دوماً خير من اليد السفلى. وهذا يعطي ملمحاً طيباً للداعية أن يترفع عن الدنايا، ويتورع عن الشبهات. فبعضهم قد يتخيل أن فقه الواقع، وعدم وجود المجتمع المسلم، قد يشفع له باستحلال مال الغير. وقد يجهل بعضهم هذه التربية السلوكية المهمة، فتنسحب المرونة الدعوية، التي يتقن فنها، إلى مرونة غريبة وخطيرة في التعامل والحذر من الشبهات، ويتجاهل (فقه المحقرات) وآثارها التراكمية المهلكة: «إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلاً، كمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالبعرة، حتى جمعوا سواداً وأججوا النار، وأنضجوا ما قذفوا فيها» (١) . وتكون النتيجة سقوطاً في حبائل (سلسلة الذنوب) وحلقاتها المتتابعة التي تبدأ بذنب، يتبعه ذنب، ثم يتبعه آخر، حتى يؤدي إلى تغطية القلب بالران الذي ينتج حجاباً مهلكاً، والعياذ بالله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٤ - ١٥] . الثالث: عدم الاهتمام بتنمية الشعور بالمسؤولية الفردية؛ خاصة عند الرموز: وهذا من شأنه أن يؤدي إلى عدم تنمية الفاعلية الفردية. فالحركة الجماعية نحو الأهداف الربانية لا تلغي التبعة الفردية؛ وذلك من باب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وتدبر هذا الألم الذي شعر به الحارث، وهو يراجع نفسه، من باب الشعور بالمسؤولية الفردية، في القصة التي أوردناها؛ عندما راجع نفسه نادماً ومعاتباً، قال: «أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد» . وتأمل مغزى تلك النصيحة التربوية: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إنَّهُمْ إن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ١٩ - ٢٠] . لقد اتفق هؤلاء الصحب المؤمنون على إرسال أحدهم ليحضر لهم الطعام، ورسموا له خطة التحرك، وأفهموه أنه لو كُشف أمره، فسيلحقهم جميعاً عاقبة ذلك الخطأ. وتدبر خطأ الحارث بن يزيد ﵁، وأخطاء وافد عاد، وآثار ذلك على قومهما. أي أن الخطأ الفردي سيلحق الضرر بالمجموع. وهو باب عظيم في التربية، يعمق مفهوم المسؤولية الفردية. فالفرد في المجتمع المسلم منوط به التغيير الحضاري لأمته، بشرط أن يكون متوافقاً مع المجموع: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . وعلى هذا يجب التركيز على فاعلية الفرد، ودوره الإيجابي ومسؤوليته في تحقيق الأهداف والغايات العظام، وفي حماية نفسه، وحماية المجموع، وأنه دوماً على ثُغرة فيجب أن لا يؤتى الإسلام من قِبَله. الرابع: ضعف الدور الرقابي: تدبر قصة الذين خُلِّفوا، وكيف كان من أسباب تخلف كعب بن مالك ﵁ عن غزوة العسرة؛ أن تسرب إلى نفسه شعور بضعف الرقابة، وأنه ليس هناك كتاب حافظ جامع يحصر أسماء الذين خرجوا، والذين لم يخرجوا، وتدبر قوله ﵁: «والمسلمون مع رسول الله كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابٌ حافظٌ ـ يريد بذلك الديوان ـ قال كعب: فقلَّ رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى به ما لم ينزل فيه وحي من الله» (٢) . الخامس: عدم وجود آلية متفق عليها للمحاسبة: ليس هناك قدسية لفرد تمنع محاسبته ونقده إذا أخطأ، مهما علت رتبته. وتدبر سلوك الرسول ﷺ ، باعتباره قائداً ومربياً، عندما وصل إلى تبوك؛ إذ لم يمنعه وجود جيش عظيم قوامه ثلاثون ألفاً من أن يتفقد الغائب، ويسأل عمن تخلف، فقال: «ما فعل كعب بن مالك؟!» (٣) . «فبَيْنَا هو على ذلك رأى رجلاً مُبْيِضاً يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة! فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع من التمر، حين لمزه المنافقون» (٤) . وهذه الطريقة النبوية الشريفة التربوية في المحاسبة والمراجعة، لم تأت من فراغ، بل من خلال منهجية ربانية أرشد إليها الحبيب ﷺ ، عندما حكى لأصحابه هذه القصة العظيمة: «نزل نبيٌّ من الأنبياء تحتَ شجرةٍ، فلدغتهُ نملةٌ، فأمرِ بجَهَازهِ فأخرجَ من تحتِها، ثم أمرَ ببيتها فأُحْرِقَ بالنارِ، فأوحى الله إليهِ: فَهَلاَّ نملةً واحدةً» (٥) . وفي رواية أخرى: «أن نملةً قرصتْ نبياً من الأنبياء، فأمرَ بقريةٍ النمل فأُحْرِقَتْ، فأوحى الله إليه: أفي أنْ قرصَتْكَ نملةٌ أهلكتَ أمةً من الأمم تسبِّحُ؟» (٦) . وهي أن أحد الأنبياء، وقد نزل تحت شجرة ليستريح في ظلها من إجهاد السفر، وكان منزله قريباً من إحدى قرى النمل، وكان طبيعياً أن ينزعج النمل، لذا فقد قامت نملة من القرية النملية، فقرصته، وهي في حالة دفاع عن النفس، وعن الأرض. ولأن النبي بشر فلقد غضب، وأمر بإخراج متاعه من تحت الشجرة، ثم قام دون إنذار بحرق القرية النملية، وكانت المحاسبة القاسية والمعاتبة الإلهية لهذا النبي الكريم. ويقص ﷺ هذه القصة ليعلِّم الصحابة رضوان الله عليهم، ويعلِّمنا من بعدهم، أن الأنبياء ما هم إلا بشر، وألا نأخذ الكل بجريرة الفرد، ثم ـ وهو بيت القصيد ـ أنه ليس هناك أحد فوق المراجعة، والملاومة والنقد. السادس: الخلل في التعامل مع الأفراد، وعدم التسوية: عندما يحدث الخلل في التعامل مع بعض الأفراد على حساب بعضهم الآخر، خاصة مع الرموز، ويقع ما حذر منه الحبيب ﷺ ، أن من أسباب هلاك السابقين هو محاباة الشريف على حساب الضعيف؛ فإن الآثار على الجانبين تكون من الخطورة بمكان. فالشريف يتمادى في خطئه، ويستشعر قوة الحصانة الدعوية التي يحملها. والآخر يستشعر ضعفه، فيصاب بحالة من التمرد المقنع، أو العقوق الدعوي، والذي نندهش لحدوثه ونتعامى عن أسبابه. وتدبر وصاياه ﷺ ، وذلك فيما رواه النعمان بن بشير ﵁ حيث قال: أعطاني أبي عطية ولم ترض أمي حتى يشهد عليها رسول الله ﷺ ، فانطلق أبي إلى رسول الله ﷺ ، وقال له: إني نحلت ابني هذا غلاماً ـ أي أعطيته عبداً ـ فقال له رسول الله ﷺ : «ألك ولد سواه؟» قال: نعم! قال رسول الله ﷺ : «أكلهم وهبت له مثل هذا؟» قال: لا. قال رسول الله ﷺ : «فلا تشهدني إذن؛ فإني لا أشهد على جَوْر. يا بشير! أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟» . قال: نعم! قال: «فاذهب فأرجعه؛ إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك من الحق عليهم أن يبروك» . ثم قال: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم» (١) . فتدبر دور القيادة الواعية: والممثَّلة في شخصه ﷺ : أ - أن يجد الأب وقتاً عند الحبيب ﷺ ليستشيره في أمور حياتية عادية؛ توضح أن يكون بيت القائد مفتوحاً لأي فرد، وأن يكون صدره رحباً ليسع الجميع بأحوالهم، ومشاكلهم، ولا يهمل أي خطأ، ولو كان بسيطاً؛ فالمسؤوليات الكبيرة لا تمنع من الاهتمام بأمور الأفراد الحياتية الخاصة. ب - في استفساره ﷺ : «ألك ولد سواه؟» ثم في سؤاله: «أكلهم وهبت له مثل هذا؟» تتبين حكمة القيادة في تقصي أسباب الخلل، وإحاطة الأمور من كل جوانبها قبل الحكم في أي قضية. ج - في رفضه ﷺ ، أن يقبل مثل هذا الظلم أو الشهادة عليه، تبرز صفتا العدل والتقوى، كميزان يحفظ الحقوق. د - في توضيحه ﷺ لعاقبة هذا الإجحاف في التسوية، يتبين بُعد نظر القائد، وعمق رؤيته المستقبلية. هـ - في أمره ﷺ : «فاذهب فأرجعه» . يتبين حزم القائد في المعالجة السريعة لأي خلل. ز - في توضيحه ﷺ لشرط عدل الأب في التسوية بين الأبناء مقابل برهم له، يتبين مدى التوازن في الحكم بين أداء الواجب قبل المطالبة بالحقوق. ز - في تلخيصه ﷺ وتقعيده للقضية في كلمات جامعة: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» . أهمية دور القيادة في وضع أسس ومبادئ أو معايير ثابتة من شأنها أن تحافظ على معالجة أي خلل مستقبلي أو ظواهر مشابهة. ولو تدبرنا نصيحته ﷺ الجامعة، في موضع آخر: «أعينوا أولادكم على البر بالإحسان إليهم وعدم التضييق عليهم والتسوية بينهم في العطية، من شاء استخرج العقوق من ولده» (٢) لتبين لنا مدى اهتمامه ﷺ بتلك القضية، والتركيز على أهمية استمرارية المربي في معالجة الظواهر الْمَرَضِيَّة، من كل جوانبها، والمتابعة الدائمة ضد عوامل الخلل والانحراف. فإن المربي هو حجر الزاوية، وعليه الدور الفعال والإيجابي في عملية استخراج العقوق الدعوي من نفوس أتباعه (فمن شاء استخرج العقوق من أتباعه) . ارتباط هذه الظاهرة بالسنن الإلهية: ونحن نربط هذه الظاهرة بالسنن الإلهية الاجتماعية، أي القواعد والقوانين الربانية التي تنظم حركة الأحياء جميعاً. فتدبر المعاتبة القاسية التي راجع بها الحارث نفسه، وقوله: (مِعْزاءُ حملَتْ حتفَها) . فهذه السنن الإلهية، قواعد جادة لا تحابي أحداً: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣] . وما لم تتم المراجعة، والمحاسبة؛ فإن ذلك من باب مصادمة نواميس الله وسننه الإلهية الغلابة. - أين المخرج؟ المخرج هو بتجنب أسباب ومكامن الخلل المذكورة آنفاً؛ ثم التوبة النصوح، والله يحب التوابين؛ وهذا في حقه سبحانه. أما في حق الخلق، فيكون بالمراجعة، والتصحيح، بشرط بيان الخطأ ومحاسبة المخطئ، مهما علت رتبته. هكذا علمنا في كتابة الكريم أن المراجعات والوقفات هي من صميم المنهج القرآني العظيم. وكما كانت المراجعة في الأمور والأحداث العامة، سواء في حالة النصر عقيب غزوة بدر؛ كما جاء في آيات (سورة الأنفال) ، أو في حالة الهزيمة أثناء وعقيب غزوة أحد؛ كما جاء في آيات (سورة آل عمران) ؛ فقد كانت أيضاً على المستوى الفردي. وتأمل المراجعة القرآنية لخير من وطئ الحصى ﷺ ، في مطلع (سورة عبس) .

стр. 5299

عندما تموت الغيرة أحمد بن علي أحمد العنسي إن موضوع الغَيْرة موضوعٌ ذو أهمية كبيرة خاصة في هذه الأيام التي كثر فيها الفساد، والتي يسعى فيها أعداء الإسلام لإفساد المرأة المسلمة بشتى الوسائل. وحقيقة فإن أعداءنا استطاعوا تحقيق شيء ليس بالقليل في جهودهم ضد المرأة المسلمة، ساعدهم على ذلك ضعف الغيرة، أو موتها عند كثير من الرجال، وعدم حماية الرجال أصحاب القوامة لأعراضهم من زوجة وبنت وأخت وأم وقريبة. والمصيبة العظمى أن موت الغيرة لم يعد صفة للذين ابتعدوا عن تعاليم الإسلام؛ فقد جرفتهم الحضارة المزعومة إلى الهاوية السحيقة، وإنما أصبحت صفة لبعض الملتزمين المحافظين على تعاليم الإسلام الظاهرة، مما يجعلك تستغرب من هؤلاء الرجال الذين يتساهلون في حراسة أعراضهم من كل غادر فاجر متربص ساع في إفساد نساء المؤمنين؛ لذلك كان لزاماً أن نكتب في هذا الموضوع وإن لم نكن أهلاً لذلك؛ لأن المفروض أن يكتب عن هذا الموضوع من هو أكثر علماً وبحثاً وتحقيقاً، لكن من باب المساهمة في نصح المسلمين كتبت عن هذا الموضوع لعله يُحيي الغيرة في قلوبهم، فيقومون بحراسة أعراضهم قبل فوات الأوان. نسأل الله أن يجعل عملنا خالصاً له وحده، وأن يعيد المسلمين إلى التمسك بتعاليم الإسلام السمحة العادلة. - تعريف الغيرة: الغيرة: بفتح الغين وسكون الياء وفتح الراء، وأصله من الأنفة والحمية، وقيل: المنع؛ لأن الرجل الغيور يمنع أهله من التعلق برجل أجنبي بنظر، أو غيره. قال عياض: هي مشتقة من تغير القلب، وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين، وقال العلاّمة بكر أبو زيد في كتابه القيّم «حراسة الفضيلة» : الغيرة هي ما ركبه الله في العبد من قوة روحية، تحمي المحارم، والشرف، والعفاف من كل مجرم وغادر. أنواع الغيرة: الغيرة نوعان هما: ١ - الغيرة المحمودة: وهي المعتدلة الشرعية التي تجعل صاحبها يحمي محارمه من الوقوع في المنكر، ومن اختلاطهن بالرجال الأجانب. ٢ - الغيرة المذمومة: وهي أن يشك الرجل في أهله، ويتجسس عليهم ويظن بهم السوء، وهم بعيدون عنه كل البعد، وكم انهارت من الأسر، وكم وقعت من نساء في الفاحشة بسبب اتهام الرجل لها بالفاحشة، فيوسوس بها الشيطان أن تعمل الفاحشة! فهي على كل حال متهمة، فتتجاوب مع ضعف إيمانها، وهذا بسبب هذه الغيرة المذمومة التي يبغضها الله ـ تعالى ـ قال رسول الله ﷺ : «إن من الغَيْرة ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله؛ فالغيرة في غير الريبة» (١) . قال بدر الدين العيني في «عمدة القاري» : قال شيخنا: لكن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص؛ فرب رجل شديد التخيل فيظن ما ليس بريبة ريبة، ورب رجل متساهل في ذلك فيحمل الريبة على محمل يحسن به ظنه. - أهمية الغيرة: الغَيْرة غريزة فطرية، وصفة ربانية، وسجية نبوية، وخلق محمود، وصفة حسنة. لقد كانت الغيرة أمراً مهماً، حتى في الجاهلية قبل الإسلام، حتى وصل بهم إلى الغلو في هذا الأمر أن كانت تدفن البنت وهي حية خوفاً من أن تعمل الفاحشة إذا كبرت، حتى قال شاعرهم يبين حماية الرجل لمحرمه: منعَّمة ما يستطاع كلامها على بابها من أن تزار رقيب ولقد أقر الإسلام هذا الخُلق وهذّبه، وضبطه بضوابط الشرع. والغيرة تكريم للمرأة، وحفظ لها من العابثين المفسدين، لا كما تظن بعض النساء الجاهلات أنه تضييق عليها، وتحكم في تصرفها. كما أنه من حقوق الزوجة على زوجها أن يغار عليها، وأن يحميها؛ وذلك دليل على صدق حبه لها. يقول أحد الرجال في بيان شدة غيرته على زوجته: أغار عليك من عيني ومني ومنك ومن زمانك والمكانِ ولو أني خبأتك في عيوني إلى يوم القيامة ما كفاني إن الأعراض غالية ثمينة عند أصحابها أهل الغيرة والعفة ـ إلا عند قوم أسافل أراذل ـ فهم يبذلون الغالي والنفيس في الحفاظ على أعراضهم، بل قد يبذلون أرواحهم؛ لقد أخبر رسول الله ﷺ أن من قُتل وهو يدافع عن أهله، وعرضه أنه شهيد قال ﷺ : «من قتل دون عرضه فهو شهيد» (١) . والغيرة صفة من صفات الله ـ تعالى ـ وهي كذلك صفة من صفات المؤمن الصادق. قال رسول الله ﷺ : «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه» (٢) . إن غيرة الرجل على نسائه دليل على قوة إيمانه وعلو همته، ومجتمع يُحفظ فيه النساء مجتمع طهر وعفاف. قال في الإحياء: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها. قال المناوي في الفيض: أشرف الناس وأعلاهم همة أشدهم غيرة. - صور من غيرة الأوائل: الله أشد غيرة ورسول الله ﷺ أشد خلق الله غيرة. قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش» (٣) . قال ﷺ : «يا أمة محمد! واللهِ ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أَمَتُه» (٤) . وقال النبي ﷺ : «أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أَغْيَرُ منه، واللهُ أَغْيَرُ مني» (٥) . وسنذكر شيئاً من غيرة رسول الله ﷺ ؛ فعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ رأى فاطمة ﵂ مقبلة فقال: من أين جئت؟ فقالت: رحمت على أهل هذا الميت ميتهم» (٦) . فرسول الله ﷺ يسأل فاطمة الطاهرة الفاضلة: أين ذهبت؟ ومن أين أتت؟ لا شكاً فيها، وإنما حفاظاًَ لها. وعن سهل بن سعد قال: «اطَّلع رجل من جحر في حجر النبي ﷺ ومع النبي ﷺ مدرى يحك به رأسه، فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (٧) . فهذا النبي ﷺ عندما شعر أن هذا الرجل يطلع من ثقب إلى بيت رسول الله ﷺ أراد أن يطعن في عين الرجل بحديدة كان يحك بها رأسه؛ حماية لعرضه، وغيرة على أهله، وما منعه إلا أنه لم يتأكد من صحة ظنه. وكما كان رسول الله ﷺ أشد الخلق غيرة، كان أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ أشد الناس غيرة، ونذكر هنا شيئاً من غيرتهم؛ فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يروي عنه أنه لما رأى الأسواق يزدحم فيها الرجال والنساء، قال غيرة على نساء المسلمين: ألا تستحيون! ألا تغارون أن يخرج نساؤكم؟ فإنه بلغني أن نساءكم يخرجن في الأسواق يزاحمن العلوج. وهم الرجال الفحول من الأعاجم. وهذه أسماء بنت أبي بكر ﵄ عندما كانت تنقل النوى لزوجها الزبير بن العوام ﵁ فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار، فأراد ﷺ أن ينيخ لها بعيره لتركب عليه، قالت: «فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت فمضى» (٨) . فأسماء تذكر غيرة زوجها الزبير، وأنه كان من أشد الناس غيرة على أهله، وهذا سعد بن عبادة سيد الخزرج كان مشهور بشدة غيرته، قال سعد ﵁: «لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: تعجبون من غيرة سعد؟ والله! لأنا أْغْيَر منه، واللهُ أغْيَر مني» (٩) . وفي رواية مسلم: «قال سعد: يا رسول الله! لو وجدت مع أهلي رجلاً لم أمسه، حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: رسول الله ﷺ نعم! قال كلا، والذي بعثك بالحق! إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك، قال رسول الله ﷺ : اسمعوا إلى ما يقول سيدكم! إنه لغيور، وإني لأغير منه، واللهُ أغير مني» (١) . وهذه امرأة مسلمة تذهب إلى سوق يهود بني قينقاع لتبيع لها شيئاً في هذا السوق، فجلست إلى صائغ يهودي، فجعل اليهود يطلبون من هذه المرأة المسلمة أن تكشف لهم وجهها، وهكذا هي عادة اليهود عهر وفجور، ونقض للعهود، فأبت هذه المرأة، ورفضت أن تكشف وجهها، فعمد الصائغ اليهودي إلى طرف ثوبها وربطها إلى ظهرها؛ فلما قامت انكشفت عورتها، فضحك اليهود عليها، فجلست وصاحت؛ فأسرع رجل من المسلمين من أهل الغيرة على حرمات المسلمين إلى الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فحاصرهم، ثم أجلاهم عن المدينة. هكذا يفعل أصحاب الغيرة لحماية أعراضهم. - أسباب موت الغيرة: ما دام أن الغيرة سجية من سجايا النفس البشرية، وغريزة من غرائزها الفطرية لذلك لا بد أن هناك أسباباً أدت إلى موت الغيرة أو ضعفها، ومن هذه الأسباب ما يلي: ١ - ضعف الإيمان: فكلما كان العبد أقوى إيماناً كان أشد حفظاً لنفسه، ولأهله من أي شيء يلوث سمعتهم، أو يقتل حياءهم ودينهم، ولا يضعف الإيمان إلا الذنوب، وإذا ضعف الإيمان هان على العبد مخالفة الدين الصحيح والفطرة السليمة. ٢ - البعد عن تعاليم الإسلام وآدابه وأخلاقه: فالإسلام جاء بمكارم الأخلاق، والتي منها الغيرة على المحارم، وإذا ابتعد العبد عن تعاليم الإسلام بدأت أخلاقه عموماً، وخلق الغيرة خصوصاً بالانهيار، حتى يصير مُنحلاً أخلاقياً والعياذ بالله. ٣ - الجهل بخطورة موت الغيرة: فعلى المسلم أن يعلم أهمية الغيرة على الأعراض، وأن ضد الغيرة الدياثة، وضد الغيور الديوث، وهو الذي يقر الفحش في أهله، ولا غيرة له عليهم، والديوث محروم من دخول الجنة؛ قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة قد حرَّم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخبث» (٢) . والخبث: الفاحشة. ٤ - الجهل بعظم المسؤولية تجاه الأهل: فإن كل رجل مسؤول يوم القيامة عن رعيته، ومن تحت رعايته من بنت، وزوجة، وغيرهما من أهل بيته من إناث أو ذكور؛ فهم أمانة في عنقه، وفي الحديث المتفق عليه قال رسول الله ﷺ : «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالرجل راعٍ في أهل بيته وهو مسؤول عنهم» (٣) ؛ فيجب عليه تربيتهم تربية إسلامية صحيحة، وأن يحميهم من الأقوال البذيئة والأفعال القبيحة، والعقائد الرديئة، والأفكار الدخيلة، والأخلاق السيئة، والسلوكيات الخاطئة، وجلساء السوء، وعليه أن يحرس عرضه متمثلاً بنساء أهل بيته، وأن يغار عليهم من أن يعبث بهن لصوص الأعراض. ٥ - قلة الحياء: فالحياء خلق إسلامي يبعث على صيانة العرض، ودفن المساوئ، والتحلي بالمكارم؛ فإن الذي لا يستحي لا يهمه ما يقال في أهله، ولا يستحي مما يفعله أهله من الرذائل، بل لو رأى زوجته جالسة مع رجل أجنبي تمازحه وتضحك معه لما تحركت فيه شعرة، وكأن الأمر لا يعنيه والمرأة ليست بقريبة له. إذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقاً وتستحي مخلوقاً فما شئت فاصنع ٦ - جلساء السوء: فللجلساء تأثير على الشخص، إن كانوا أهل صلاح كانوا سبباً في صلاحه، وإن كانوا أهل فساد كانوا سبباً في فساده؛ فإذا كان الرجل جلساؤه ممن لا غيرة له، ممن يزعم أنه واقعي عصري فإنه كلما غضب الرجل على أهله إذا ارتكبوا ما يخل بالشرف قال له جليس السوء: لا تشدد على أهلك! الناس كلهم يفعلون هذا، خلهم على حريتهم، ونحو ذلك. ٧ - الغلو في الثقة بالأهل: إلى حد التعامي عن أمور واضحة بينة تخدش الشرف والعفاف؛ بحيث يتساهل في خروج أهله ودخولهن، يذهبن إلى الأسواق متى شئن، ويرجعن متى شئن، يسافرن دون محرم، يعملن في أماكن لا تخلو من الاختلاط والخلوة، وإذا نُصح قال إنه يثق في أهله، إنهن سيحفظن أنفسهن، ولن يقعن في الرذيلة، وكأنهن معصومات من الخطأ. ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء! فهذا الرجل يرمي بمحارمه إلى أماكن تقربهن من الفاحشة والرذيلة، ويتعامى عنهن باسم الثقة، حتى يضيع عرضه وشرفه، عند ذلك يعض أصابعه ندماً بعد فوات الأوان. ويقابل الغلو في الثقة انعدام الثقة عند بعض الرجال؛ فدائماً ينظر إلى أهله بعين الريبة، يشك فيهم، بل يتهمهم بالفاحشة، عائشاً في أوهام وظنون ليس لها أصل من الصحة، إنما هي مجرد إصغاء لوساوس شياطين الإنس والجن، ونسي قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] . ٨ - ضعف شخصية الرجل في بيته وعند أهله: بل الكلمة في البيت لزوجته؛ فهي الآمرة الناهية، وبالطبع فالمرأة ضعيفة، تتجاوب مع الإغراءات والشهوات، وعندما تكون متحكمة في أمور البيت فإنها ستفسد أهل البيت، خاصة مع ضعف التزامها، فستشتري لبناتها عباءات، وملابس التبرج ظناً أن هذا من التقدم والتحضر، والرجل لا يحرك ساكناً، وإنما ينفذ أوامر زوجته المخالفة للشرع، المضيعة للعرض والعفاف؛ ولْتَبْكِ البواكي على مثل هذا الرجل! أين الأب الراعي وأين الزوج في بيت تنهى النساء وتأمرُ؟ إني لأسأل عن رجال عشيرتي أين الثبات وأين أين الجوهرُ أين القوامة يا رجال أما لكم شرف؟ أليس لكم إباء يذكرُ؟ أين العقول أما لديكم حكمة؟ أين القلوب أما تحس وتشعرَ؟ إن عدت الفتن العظام فإنما فتن النساء أشدهن وأخطرُ أخشى على الأخلاق كسراً بالغاً إن المبادئ كسرها لا يجبرُ فليعلم الرجل أن القوامة له على المرأة شرعاً، ولتعلم ذلك المرأة المسلمة المنقادة لأمر الله ـ تعالى ـ قال : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] . قال العلامة السعدي ﵀ في تفسيره: أي قوامون عليهن بإلزامهن بحقوق الله ـ تعالى ـ من المحافظة على فرائضه، وكفهن عن المفاسد، والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك، وقوامون عليهن أيضاً بالإنفاق عليهن والكسوة والمسكن. ٩ - قلة حديث العلماء في الموضوع مع أهميته وغفلة المسلمين عنه: مع أن قتل الغيرة هدف من أهداف أعداء الإسلام لتدمير المجتمعات الإسلامية؛ فهم يريدون إفساد المسلمين، وصرفهم عن دينهم وتدمير أخلاقهم بنشر الفواحش ووسائلها من التعليم والوظائف المختلطة، والبعثات العلمية للنساء إلى بلاد الكفر والتبرج والسفور إلى غير ذلك. وبالطبع فإن أهل الغيرة هم عقبة أمام مخططات الأعداء فيجب على العلماء وطلبة العلم والكتّاب أن يتكلموا ويكتبوا عن هذا الموضوع المهم العظيم مواجهة لأعداء الله ـ تعالى ـ دعاة الفاحشة والرذيلة ولتحيي في نفوس الرجال الغيرة على الأعراض وحماية المحارم. ١٠ - الإعلام الفاسد بوسائله المختلفة مقروءة ومسموعة ومرئية: ذلك أن للإعلام دوراً مهماً في تشكيل عقول متابعيه، وأفكارهم وسلوكياتهم، والإعلام الموجود هذه الأيام ينشر الفساد والمنكرات والإباحية، والسلوكيات الشاذة عن تعاليم ديننا الإسلامي عبر البرامج المنحرفة، والأغاني الهابطة، والمسلسلات الخليعة، والأفلام القبيحة، والمفاهيم السقيمة الدخيلة التي تظهر الرذيلةَ فضيلةً، والقبيح حسناً، والشر خيراً، وغير ذلك من المفاهيم التي يقوم الإعلام بقلب حقائقها. وفي عصرنا هذا عصر البث المباشر تنقل لنا القنوات الفضائية عادات وتقاليد، وسلوك أمم الكفر والفجور إلى داخل بيوت المسلمين من خلال أفلام تعرض فاحشة الزنا من البداية إلى النهاية، والأخرى تعرض فاحشة اللواط، وصور نساء عاريات ـ نعوذ بالله من سوء الحال والمنقلب، وتُظهِر هذه المنكرات على أنها هي التقدم والتحضر، فتولد عند الرجل موتاً للغيرة، فلا حرج إن قلَّدت بنته أو زوجته أو أخته أو غيرهن ممثلة، أو راقصة، أو مغنية في لبسها أو سلوكها. ١١ - التأثر بحضارة الغرب وتقدمه التقني والاقتصادي: فيظن هذا الرجل ضعيف الإيمان أنه لا بد من تقليدهم في اللباس والهيئة والسلوك، حتى نتقدم ونتحضر مثلهم؛ لذلك تراه يسمح لنسائه بالتبرج وبالسفر إلى بلاد الكفر للتعلم، أو العمل، أو السياحة بمفردهن، أو مع أفواج مختلطة بين الرجال والنساء دون أن يغار عليهن ويحميهن؛ فعنده الأمر لا حرج فيه؛ فهو ليس رجعياً متخلفاً، بل هو متحضر واقعي، زعم ذلك. - مظاهر موت الغيرة: إن من يتابع أحوال المسلمين يرى مظاهر كثيرة لموت الغيرة لدى الرجال، نذكر هنا جملة من أهم هذه المظاهر، وأكثرها انتشاراً في مجتمعاتنا الإسلامية. ١ - عندما تموت الغيرة ترى الرجل يسمح لمحارمه أن يلبسن الملابس الضيقة والقصيرة، والخفيفة التي تُظهر ما تحتها، مثل البنطلون وغير ذلك من ملابس التبرج، وإن وُجد لديه شيء من الحياء فإنه يلزمهن بلبس العباءة، لكن هل هذه العباءة حجاب؟ لا، ليست عباءة التبرج والفتنة بحجاب، وقد زينت من الأمام، وزخرفت لها الأكمام، وضيقت من الأعلى، ووسعت من الأسفل، وصنعت بألوان وأشكال مختلفة، حتى زادت من جمال المرأة، وزادت الفتنة بها، فلو لبستها امرأة قبيحة الشكل لظن الرجل أنها ملكة الجمال لتزيين العباءة لها، وهذا الرجل يظن أنه قد عمل ما عليه من إلزام أهله بالحجاب المشروع، ولا يعلم أنه بعمله هذا قد خالف الشرع، وضيع أهله. فللحجاب الشرعي شروط لا بد من توفرها في هذه العباءة، وهذه الشروط هي: أ - أن تكون ساترة لجميع البدن بما فيه الوجه، وهذا رأي كثير من العلماء لا سيما في زمن الفتن. ب - أن تكون واسعة لا تبدي تفاصيل الجسم. ج - أن تكون خالية من الزخارف والنقشات والكتابة. د - أن تكون سميكة لا تظهر ما تحتها. هـ - أن تكون من قماش لا يلصق بما تحته. ولتعلم كل امرأة مسلمة أن الله لم يلزم المرأة المسلمة بهذا الحجاب إلا وفيه خير لها في الدنيا والآخرة؛ فالحجاب له أسرار عظيمة، وفضائل محمودة، ومصالح كثيرة، منها: أ - أنه حراسة للأعراض، ودفع لأسباب الفتنة والفساد. ب - حصانة للمرأة من أن تكون إناء لكل والغ. ج - أنه علامة على عفة المرأة وحيائها واحتشامها. د - أنه حصانة للمرأة من أذى أراذل الرجال؛ فهو يكفّ الأعين الخائنة، والأطماع الفاجرة. وليعلم كل رجل مسلم أنه مسؤول عن حماية أهله من وسائل الفساد التي منها هذه العباءة العصرية: عباءة التبرج والسفور؛ فعليه أن يمنعهن من لبسها وشرائها، حتى يحمي عرضه ويصون مجتمعه. قال العلاَّمة بكر أبو زيد: «وإذا أردت أن تعرف فضل الحجاب، وستر النساء وجوههن عن الأجانب فانظر إلى حال المتحجبات ماذا يحيط بهن من الحياء والبعد عن مزاحمة الرجال في الأسواق، والتصوُّن التام عن الوقوع في الرذائل أو أن تمتد إليهن نظرات فاجر، وإلى حال أوليائهن ماذا لديهم من شرف النفس والحراسة لهذه الفضائل في المحارم، وقارن هذا بحال المبترجة السافرة عن وجهها التي تقِّلب وجهها في وجوه الرجال، وقد تساقطت منها هذه الفضائل بقدر ما لديها من سفور وتهتك، وقد ترى السافرة الفاجرة تحادث أجنبياً فاجراً، تظن من حالهما أنهما زوجان بعقد أُشْهِدَ عليه أبو هريرة ﵁ ولو رآها الديوث (زوجها) وهي على هذه الحال لما تحركت منه شعرة؛ لموات غيرته، نعوذ بالله من موت الغيرة، ومن سوء المنقلب» . ٢ - عندما تموت الغيرة يسمح الرجل لزوجته وبناته عند ذهابهم إلى بعض البلاد التي لا تلتزم بالحجاب الشرعي للعلاج أو السياحة أو غيرها بترك الحجاب والتشبه بأهل تلكم البلاد، بل قد يأمرهن بذلك والعياذ بالله، حتى لا ينظر إليه وإلى أهله بأنهم جهلة وغير مثقفين. ٣ - عندما تموت الغيرة يسمح الرجل لزوجته، أو بنته بالسفر للدراسة وغيرها دون محرم، سواء إلى بلاد إسلامية أو بلاد الكفر، بل تجده يعمل لسفرها ويأتي بالوساطات، ويدفع الأموال لتمنح زوجته أو بنته أو أخته منحة دراسية إلى إحدى الدول، ويفتخر بذلك أمام الناس أن إحدى نسائه حصلت على منحة إلى الخارج، فتذهب تقضي عدة أشهر، أو عدة سنوات بمفردها. وقد وقع بعض من ينتسب إلى الحركات الإسلامية في هذا الأمر ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ فتراه يسمح لأهله بالسفر إلى الخارج باسم الدعوة إلى الله وحضور المؤتمرات الإسلامية، ولم يعلم هذا الرجل الذي قل علمه، وماتت غيرته أن سفر المرأة بلا محرم من الرجال لا يجوز كما ثبتت بذلك الأدلة. فعن أبي سعيد أن النبي ﷺ : «نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم» (١) . وعن ابن عباس أنه سمع النبي ﷺ يخطب يقول: «لا يخلوَنَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجَّةً، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: فانطلق فَحُجَّ مع امراتك» (٢) . فهذا الرجل كانت امرأته ذاهبة إلى الحج وهو سفر طاعة، وزوجها قد استعد للجهاد، ومع ذلك أمره النبي ﷺ أن يلحق بزوجته، وشروط المحرم أن يكون مسلماً بالغاً ذكراً عاقلاً والحرمة فيه على التأبيد. ٤ - عندما تموت الغيرة يذهب الرجل بأهله إلى طبيب رجل ليكشف عليها، مع وجود الطبيبات؛ وهو ليس مضطراً، وسيكون الكشف على حسب المرض، قد تكشف وجهها، أو صدرها، أو بطنها، بل بعض الرجال يجعل الطبيب يولِّد زوجته، مع أنه لا توجد ضرورة لذلك؛ فهناك طبيبات يقمن بالعمل نفسه الذي يقوم به هذا الطبيب، لكنه موت الغيرة. ٥ - عندما تموت الغيرة يهمل الرجل أهله: من بنت، أو زوجة، أو أخت، أو غيرهن، فيختلين بالأجانب من الرجال، والأماكن التي يحصلن فيها الخلوة المحرمة كثيرة منها: أ - الخلوة في العمل؛ فكم تقع الخلوة بين الموظفين والموظفات، وهذا مشاهد؛ فبعض المكاتب لا يوجد فيها إلا موظف وموظفة، بل قد تعمل المرأة في الليل، خاصة في المستشفيات المختلطة، سواء كانت طبيبة أو ممرضة، وبحكم العمل فقد تجلس الطبيبة مع الطبيب ساهرين في غرفة واحدة، ينتظران المرضى ليس معهما أحد في الغالب، أما في أقسام الرقود؛ فهناك غرف خاصة في كل قسم بالممرضة والممرض المريض حتى يتابعا حالة المرضى في الليل، وبالطبع يجلس الرجل مع المرأة بمفردهما يتبادلان الأحاديث الودية بحكم الزمالة، وثالثهما الشيطان، والرجل الديوث في بيته يشاهد الفضائيات، أو يغطُّ في نوم عميق، ولا يرى ماذا يعمل أهله. لا أريد بكلامي هذا أن أطعن في عرض أحد، لكن هذا هو الواقع والغالب في أكثر الوظائف إلا من رحم الله؛ لأن هذا ما يريده لصوص الأعراض وأعداء الفضيلة. ب - الخلوة مع الطبيب في عيادته، بحيث يسمح الرجل لزوجته أن تذهب إلى الطبيب بمفردها تختلي به في العيادة، بل يصل الأمر في بعض الرجال أن يذهب مع أهله إلى الطبيب، وينتظره في الخارج، وزوجته مع رجل أجنبي في غرفة مغلقة، وقد نبهنا سابقاً أنه لا يجوز أن تذهب المرأة إلى طبيب إلا للضرورة. ج - الخلوة بالمدرس، وهذا حاصل في الأسر الثرية؛ حين يأتي الرجل لبنته بمدرس خاص لتعليمها بعض المواد، وقد صارت هذه البنت في المرحلة الثانوية أو الجامعية، وبالطبع لا بد من غرفة خاصة هادئة لا يوجد فيها إلا حضرة الأستاذ وتلميذته، حتى يتمكن المدرس من الشرح وتلميذته من الإصغاء، ويجب أن لا يدخل عليهما أحد، حتى ينتهي الدرس الذي يستغرق ساعة أو ساعتين أو أكثر، والله أعلم ماذا يحصل بالداخل والأب المفضل في سبات عميق، مع أن هذا العمل لا يجوز ولو كان المدرس عالماً من العلماء؛ فكيف والمدرس فاسق لا دين له، ولا خلق؟ فهذا من باب أوْلى. د - خلوة المخطوبة مع خطيبها، وهذا حاصل حتى عند من يدَّعون الغيرة، وهذا لا يجوز شرعاً؛ لأن الخاطب لا زال أجنبياً عن هذه المرأة حتى يعقد عليها، وتصبح زوجته، كما أنه لا تُؤْمَن عليها الفتنة والوقوع في الفاحشة؛ فالشيطان حريص على ذلك أعاذنا الله منه. وليعلم كل مسلم ومسلمة أن الخلوة سبب من أسباب الوقوع في فاحشة الزنا؛ لذلك سدت الشريعة هذا الطريق، وأغلقت هذا الباب؛ حفاظاً على الأعراض، وحماية للفضيلة. قال رسول الله ﷺ : «لا يخلوَنَّ أحدُكم بامرأة إلا مع ذي محرم» (١) ، وقال رسول الله ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» (٢) . ٦ - عندما تموت الغيرة ترى الرجل يتساهل في مسألة اختلاط النساء والرجال، زعماً منه أن هذه عادة أهله وقبيلته، فترى الجلساء في بيته مختلطين رجالاً ونساء، فيسمح لزوجته أو بنته أو أخته بالجلوس مع الرجال؛ فهذا أخ الزوج، وهذا ابن العم، وابن الخال، وابن الجيران، وما شابه ذلك، مع ما في الاختلاط من مفاسد كثيرة منها: تبرج النساء في هذه المجالس، فيقع النظر المحرم من الرجال للنساء والعكس، ويقع بذلك فتنة عظيمة، فيرى الرجل أن زوجة فلان أجمل من زوجته، وترى الزوجة أن فلاناً وسيم ليس كزوجها ذميماً، فيقع التقاطع وسوءالعشرة. ومنها إثارة الشهوات بالنظر المحرم، والضحك والمزاح؛ فيستساغ هذا العمل عند الرجل فتموت الغيرة، وعند المرأة فتفقد حياءها. ومن أماكن الاختلاط المدارس والجامعات المختلطة؛ فلا يجوز لرجل بقي عنده ولو شيء يسير من الغيرة والشرف أن يسمح لمحارمه بالدراسة في هذه الأماكن، بأي حجة من حجج الشيطان، ومن باب أوْلى الفصل في الأماكن المختلطة. ٧ - عندما تموت الغيرة يذهب الرجل بأهله من النساء إلى الأماكن المزدحمة، مثل: الأسواق، والحدائق، يزاحمن الرجال؛ فهذا يلتصق بها من أمامها وهذا من خلفها، وهذا عن يمينها، أو شمالها، وأشد حماقة من هذا الرجل ذلك الذي يذهب بأهله إلى الأسواق المزدحمة فتنزل المرأة من السيارة إلى تلك الأسواق تزاحم الرجال وهو منتظر لها في السيارة الساعة والساعتين وكأن أمرها لا يعنيه. ٨ - عندما تموت الغيرة يسمح الرجل لزوجته أو إحدى محارمه بالعمل خارج المنزل في أماكن مختلطة، مفقود فيها الحياء والشرف، وموجود فيها الاختلاط والنظر المحرم، والخلوة في بعض الأحيان، وهذا كله لا يهم ذلك الرجل الذي قد ماتت غيرته، إنما المهم هو كم المعاش، وليس للشرف والعفاف عنده أي أهمية؛ فالمال عنده كل شيء، فلا مانع لديه من أن تعمل زوجته أو بنته ليلاً أو نهاراً، أو حتى تسافر دون محرم من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، ويستمر سفرها عدة أيام، أو أشهر؛ وذلك شبيه الرجال وليس برجل، والأمر عنده عادي وطبيعي، ما دام وراء ذلك فائدة مادية ممتازة؛ فسحقاً لمثل هؤلاء الرجال الذين أضاعوا دينهم، وأعراضهم! ٩ - عندما تموت الغيرة ترى الرجل يسمح لنسائه بالاحتفاظ بصور الممثلين والمغنيين والرياضيين وغيرهم؛ لأنها معجبة بهم والرجل لا يعارض ذلك؛ لأنه يرى أنها حرة، تحب من تريد، وتعجب بمن تريد؛ فهذا من خصوصياتها، ولا يعلم هذا الرجل الأحمق أن الرجل الغيور لا يرضى أن يتعلق أهله بالرجال الأجانب، كيف وهؤلاء الرجال فسقة منحرفين؟ فكيف يرضى بهذا من لديه شيء من الشهامة والشرف؟ وأشد دياثة من هذا ذلك الرجل الذي يسمح لزوجته أن تحتفظ بصورة حبيبها الأول، زاعماً أنه يحترم مشاعرها، وحبها القديم؛ فأي ديوث هذا؟ والعياذ بالله. ١٠ - عندما تموت الغيرة يسمح الرجل الديوث لزوجته، أو بنته، أو قريبته بمسايرة رجل أجنبي، فيراها تأتي وتذهب مع زميلها في الجامعة، أو الوظيفة على أقدامهما، أو بالسيارة، وهو لا يحرك ساكناً، بل قد يشجعها، ويقول: اركبي مع فلان ابن الجيران؛ فمعه سيارة يوصلك على طريقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ١١ - عندما تموت الغيرة تجد رجلاً لا يدري عن أهله شيئاً، ولا يهتم بأمورهم، فهو لا يعلم من دخل بيته، ولا يعلم عن زوجته وبناته أي شيء، متى دخلن البيت، ومتى خرجن منه، ومع من يذهبن، ومع من يأتين؟ فهذا الرجل في غفلة عن أهله الذين سيُسأل عنهم يوم القيامة، مشغول بأمواله وأعماله، يوفر لهم المال، ولا يهتم بتربيتهم ولا بأخلاقهم، وقد حصل بسبب هذا الإهمال قضايا كثيرة؛ فهذا أب يتلقى خبر وفاة بنته التي ذهبت في الصباح إلى الجامعة، والتي من المفترض أن تكون في الجامعة ولكن الخبر جاء بوفاة هذه البنت مع شاب غير معروف في حادث مروري خارج المدينة، وما أكثر القصص التي تحكي أحوال آباء وأزواج غافلين عن أهلهم، لا يعلمون إلا بعد وقوع فضيحة كبيرة؛ عند ذلك يعلم هؤلاء أشباه الرجال بأنهم قصروا فيما كان يجب عليهم فعله، فيندمون حين لا ينفع الندم. ١٢ - عندما تموت الغيرة فإن الرجل يكلف زوجته، أو بنته بشراء حاجات البيت دون ضرورة؛ فهو صحيح ولديه وقت فراغ، وإن كان مشغولاً فلديه أولاد كبار يذهبون إلى الأسواق بدلاً عنه، لكنه موت الغيرة، بل يصل الأمر في بعض الرجال أن يلقي مسؤولية البيت كاملة على زوجته؛ فهي التي تذهب إلى السوق، وتشتري الطعام والشراب ولباسها ولباس الأطفال، بل وملابس زوجها، وهي من تستأجر البيت، وتتفاهم مع صاحب البيت، وتدفع الإيجار وتذهب لتسديد فاتورة الكهرباء والمياه، وأصبحت هي الرجل تختلط بالرجال، وتحتك بهم، وزوجها يسلِّم لها ما تحصَّل عليه من مال، ثم يذهب ليأكل ويشرب، وينام وكأنه بهيمة، ليس عليه أي مسؤولية؛ فأي رجل هذا، وأي رجولة لديه؟ أخيراً: هذا الموضوع ذو أهمية كبيرة؛ فقد أكون قصرت فيه، ولكني كما قلت سابقاً إن هذا المقال مجرد نصيحة، وتنبيه لأهل الغيرة، كما أرجو من الدعاة وطلبة العلم أن يتكلموا في هذا الموضوع المهم عن طريق محاضرة، أو خطبة أو مقال، حتى تعود للرجال رجولتهم، ويحموا أعراضهم وشرفهم من كل مجرم غادر يسعى لإفساد المجتمع بأسماء وهمية: كتحرير المرأة، والمطالبة بخروجها من بيتها من أجل إفسادها، وإفساد المجتمع بها ومساواتها بالرجل في أشياء تختص بالرجال، ومحاولة إشراك المرأة في جميع مجالات الأعمال سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، وغير ذلك لتفسد هي ويفسد المجتمع بها. نسأل الله السلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، ونسأله ـ سبحانه ـ أن يحفظ أعراضنا وأموالنا ودماءنا من كل كافر حاقد ومجرم عابث.

стр. 5300

منهاجنا التعليمية.. والمنهج النبوي نقط الاختلاف الحسين بودميع المتأمل في ساحتنا التربوية يرى أنها تزخر بالأبحاث النظرية في مجال التربية والتعليم، والناظر في الإمكانات المتاحة والطرق والوسائل المعتمدة يلاحظ «تقدماً» كبيراً، مقارنة مع الإمكانات التي أتيحت للمسلمين قديماً، ومع ذلك نرى أن تعليمنا يتخبط في إخفاق ذريع على جميع المستويات، ولم يحقق شيئاً من أهدافه المنتظرة منه منذ الاستقلال؛ فلا التحصيل المعرفي حاصل، ولا التقدم العلمي مُتحقق، ولا التحلي بالقيم والأخلاق الإسلامية شامل. وعلى العكس من ذلك؛ فقد كان التعليم في العهد النبوي والعهود الإسلامية التي تلته ناجحاً ومثمراً، مع بساطة الوسائل، وضعف الإمكانات؛ مما يبعث على التساؤل: أين يفترق تعليمنا عن التعليم النبوي: في الأهداف المسطرة، أم في المحتويات المقررة، أم في القائمين عليه تشريعاً وتنفيذاً؟ أم في كل ذلك؟ في محاولة للإجابة عن هذا التساؤل جاء هذا المقال، لأقف من خلاله على ثلاثة جوانب، أرى أنه يختلف فيها تعليمنا عن التعليم النبوي وذلك على النحو التالي: - اختلاف تعليمنا عن التعليم النبوي على مستوى الأهداف. - اختلافهما على مستوى المحتوى الدراسي. - اختلافهما على مستوى القائمين عليه والمباشرين له. ١ - اختلاف تعليمنا عن التعليم النبوي على مستوى الأهداف: ذكر الله ـ تعالى ـ في كتابه أن الناس ينقسمون من حيثُ همهم الغالب عليهم إلى قسمين: - قسم همُّه الآخرةُ، والاستعداد لها، وإن سعى لامتلاك الدنيا فلاتخاذها مطية وجسراً للآخرة. - وقسم ـ وهو الأغلب ـ همُّه الدنيا وملذاتها، كل تحركاته وأعماله مسخرة للحصول عليها، فقال ـ تعالى ـ: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ، ومما لا شك فيه أن النبي ﷺ وأصحابه من الصنف الأول؛ حيث كان السؤال المطروح عندهم بحدة هو (سؤال الآخرة) : أي كيف أنجو وأفوز عند الله في الدار الآخرة؟ وذلك ما نلمسه في مواقف كثيرة من السيرة النبوية؛ منها على سبيل المثال: ١ - أن أول موقف يجهر فيه النبي ﷺ بالدعوة أعلن فيه ﷺ عن الهدف الذي يجب أن يجعله كل داخل في الإسلام بين عينيه؛ وهو إنقاذ نفسه من النار: روى أبو هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ، دعا رسول الله ﷺ فَعَمَّ وخَصَّ فقال: «يا معشر قريش! أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار؛ فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً» (١) . ٢ - عن سهل بن سعد الساعدي قال: كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهم يحفرون، ونحن ننقل التراب على أكتادنا فقال رسول الله ﷺ : «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة» (٢) . ٣ - إلحاح كثير من الصحابة في سؤال النبي ﷺ عن موجبات دخول الجنة؛ كما جاء في حديث معاذ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار؟ قال: «لقد سألتَ عن عظيم..» (٣) . وجاء في حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: «أرأيتَ إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟ قال: نعم» (٤) . ٤ - سؤال كثير من الصحابة النبيَّ ﷺ الدعاء لهم بدخول الجنة: كما ورد عن الحسن أنه قال: أتت عجوز فقالت: يا رسول الله! أدع الله أن يدخلني الجنة. فقال: «يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز!» [قال ذلك ﷺ يمازحها] قال: فولت تبكي، قال: «أخبروها أنها لا تدخُلها وهي عجوز، إن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿إنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٨] » (٥) ، وكما جاء في حديث عكاشة حينما تحدث النبي ﷺ عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب؛ فقال: ادع الله أن يجعلني منهم! وقال آخر: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم! فقال: «سبقك بها عكاشة» (٦) . هكذا يتبيّن إذاً أن هَمَّ الجيل الأول هو (همُّ الآخرة) ، والسؤال المطروح عندهم بإلحاح: هو: «كيف النجاة من النار، والفوز بالجنة؟» فجاء التعليم والتعلم إجابة عن هذا السؤال؛ وذلك أن الله ـ تعالى ـ يقول ـ وهو يخاطب آدم وذريته بعد إنزاله من الجنة ـ: ﴿فَإمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] . فجعل الأمن من عذاب الله، والفوز في الآخرة معلقاً باتباع (هدى الله) ، والهدى لا يوجد إلا في الوحي، ولا يمكن اتباع تعاليم الوحي إلا بعد فهمه، ولا سبيل لفهمه إلا بالتعليم؛ لذلك حث الإسلام على طلب العلم، وجعله من أفضل القربات، بل جعله فرضاً على كل مسلم مكلف. فتبيَّن من هذا أن الهدف من التعليم والتعلم في المنهج النبوي هو الفهم والعقل عن الله لاتباع هداه، من أجل نيل رضاه. بينما التعليم عندنا طرح كإجابة عن (سؤال الدنيا) سؤال «التقدم» : كيف الخروج من وهدة «التخلف» واللحاق بالركب «الحضاري» ؟ وذلك أن الأمة الإسلامية لما أصابها الضعف (المادي والمعنوي) لأسباب ذاتية وخارجية «تداعت عليها الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها» فنهبت ثرواتها، وأضعفت سلطتها، ومزقت وحدتها، ففشا في أبنائها الفقر، والجهل، والمرض، وما يتبع ذلك من مظاهر الضعف والتخلف؛ فلما رحل المستعمر (أو رُحّل) استفاقت الشعوب الإسلامية على هوة سحيقة، تفصل بينها وبين الأمم الأخرى، فطرح السؤال السابق نفسه بإلحاح: كيف نحرز التقدم؟ وكيف نحقق التنمية؟ فكان التعليم من أبرز الأجوبة، ومن أهم السبل لتحقيق المبتغى. وفي هذا السياق نفهم كيف رُبطَ التعليم بالتنمية، وكيف شُكّلت محتوياته تبعاً لمتطلباتها. فكان الهدف الأول من التعليم: المساهمة في تحقيق التنمية، هذا إذا تحدثنا عن الهدف العام من التعليم، وإلا فإن لكل طرف من الأطراف المتدخلة فيه هدفه الخاص به: فلكل من النظام الحاكم، والقوى الخارجية المهيمنة والهيئات الاجتماعية والأحزاب السياسية، والأسرة، والمدرس، والتلميذ ... لكل واحد من هذه الأطراف هدفه الذي يسعى لتحقيقه من التعليم. فالقوى الخارجية تتخذه معبراً لتمرير ثقافاتها إلى الشعوب، والنظام الحاكم يتخذه (معملاً) لتخريج «المواطن الصالح» ، كما يفهم هو الصلاح (١) ، والأحزاب السياسية تعده ميداناً ملائماً لترويج أفكارها وأيديولوجياتها. والمدرس همُّه في غالب الأحوال الحصول على راتبه الشهري، والأسرة تعتبره سبيلاً لضمان مستقبل ابنها (المادي) ، والطالب يعده وسيلة للظفر بمنصب شغل. وخلاصة القول أن أهداف قومنا من التعليم تتراوح بين نوعين من الأهداف: أ - أهداف سياسية: يبتغي تحقيقها الساسة، وكبار القوم. ب - أهداف مادية شخصية: وهي للمباشرين المنفذين لبرامج التعليم والمتعلمين. ٢ - اختلافهما على مستوى المحتوى التعليمي: من حيث طبيعته، والأطراف المتدخلة في تشكيله (٢) : كان المحتوى الدراسي في المنهج النبوي ـ إن صح هذا التعبير ـ يعكس توجه الأمة وهويتها، ومنسجماً يخدم بعضه بعضاً، ويصب كله في اتجاه واحد هو فهم ما جاء به النبي ﷺ من الوحيين (القرآن والسنة) ، ومعرفة كيفية تنزيله والعمل به، وتبليغه. وهكذا فقد كان النبي ﷺ يُدارس أصحابه القرآن الكريم، ويحض على الاهتمام به حفظاً وتلاوة ودراسة. - ويلقي عليهم أحاديثه، ويحث على حفظها وتبليغها. - ويُكثِر من حديثهم عن الآخرة، ويصف لهم أحوال القبر وأهوال القيامة، ونعيم الجنة وعذاب النار بما يمكن وسمُه بـ «علم الآخرة» . - ويقص عليهم من قصص التاريخ، وأخبار الماضين ما فيه عبرة لهم مستغلاً المواقف التاريخية تربية وتوجيهاً. - ويأمر بتعلم الفرائض وتعليمها. وجاء في الحديث وصف زيد بن ثابت بأنه أفرض الصحابة. - ويأمر بتعلم الأنساب لغاية نبيلة: هي معرفة الأقارب لصلتهم؛ فقد قال ﷺ : «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» (٣) . - وأمر بعض الصحابة بتعلم بعض اللغات للتواصل مع أهلها (٤) ، كما روى الحاكم بسنده عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أتحسن السريانية» ؟ فقلت: لا، قال: «فتعلَّمْها؛ فإنه يأتينا كتُبٌ» قال فتعلمتُها في سبعة عشر يوماً» (٥) . وقال ابن عبد البر: «كانت ترد على رسول الله ﷺ كتب بالسريانية، فأمر زيد بن ثابت فتعلمها في سبعة عشر يوماً» (٦) . هذا وقد كانت علوم الآلة (علوم اللغة العربية والأصول) غائبة في البرنامج التعليمي النبوي لانعدام الداعي إليها؛ إذ كان الصحابة ﵃ يفهمون نصوص الوحي سليقة دونما حاجة إلى علوم مساعدة. أما المحتوى الدراسي عندنا فيشمل خليطاً من المواد المختلفة والمتناقضة أحياناً (التربية الإسلامية ـ «التربية» الموسيقية) ، وتتلون هذه المواد بتلون واختلاف نوايا وأهداف الجهات المتدخلة في تشكيل البرامج الدارسية؛ حيث إن كل جهة تلتمس موضعاً في هذه البرامج لتمرير ثقافتها وقناعاتها عبره، ومن أمثلة ذلك: - مطالبة التيار الأمازيغي في المغرب والجزائر بإدخال «الثقافة» الأمازيغية في المناهج الدراسية الحكومية. - ضغط صندوق النقد الدولي على الحكومات لتدريس مادة (حقوق الإنسان) ، وتوسيع نطاق تدريس (اللغة الإنجليزية) . - إصرار الدول المستعمرة على أن تحتل ثقافتها حصة الأسد في المناهج الدراسية للدول المستعمرة؛ كحال فرنسا مع مستعمراتها السابقة. وهذا الاستغلال الأيديولوجي للتعليم تركه غير ذي وجهة، وساهم في تخريج أفواج من الأجيال فاقدي المبادئ، وفاقدي الهوية. ٣ - اختلاف المنهجين على مستوى المعلم والمتعلم: اختلاف مناهجنا عن المنهج النبوي على مستوى المعلم والمتعلم أوضح من أن يُبيّن؛ حيث إن شخصية المعلم عندنا غير شخصية المعلم الأول ﷺ : فالرسول ﷺ بحكم موقعه نبياً ورسولاً مؤيَّداً بالوحي ومهيأً خَلْقاً وخُلقاً للتغيير: كان في أخلاقه قرآناً يمشي، يكفي المتعلم أن يشاهد أفعاله، فيتعلم منها الإسلام كاملاً، فكيف وهو يعلمهم بأقواله إلى جانب أفعاله؟ وكان ﵊ فوق أية سلطة بشرية يمكن أن تنازعه أهدافه في التربية والتعليم. ومعارفه ﷺ التي يلقيها لمتعلميه حقائق قطعية لا تشوبها شائبة؛ بينما المعلم عندنا إنسان عادي تعتريه كثير من النقائص في خِلقته وأخلاقه، ومعارفه وإرادته، وليست له أهداف مستقلة؛ إذ هو موظف لدى الدولة خاضع لتوجهها، بينما الرسول ﷺ هو نفسه «رئيس الدولة» . هذا على مستوى المعلم. أما على مستوى المتعلم فلا وجه للمقارنة فيه بين المنهجين أيضاً: فالمتعلمون في المنهج النبوي (وهم الصحابة) أفضل الأمة بعد نبيّها اختارهم الله لصحبة نبيه، ولنقل علمه إلى الأجيال اللاحقة؛ كانوا متعلمين يستشعرون مكانة التعلم في الإسلام، كانوا ينظرون إليه على أنه دين لا يعذر أحد بتركه: إن التعلم من مستلزمات دينهم الذي تعهدوا باتباعه، والقيام بمقتضياته، فكانوا أقوياء الإرادة حريصين على طلب العلم، مُجلِّين لمعلمهم ومربيهم. في حين أن المتعلمين عندنا جلهم في منأى عن مواصفات طالب العلم؛ فلا إرادة عندهم في الطلب، ولا هَمَّ لَهُم في التحصيل، ولا ينضبطون بأخلاق المتعلم وآدابه، جل همهم: النجاح في الامتحانات، لا يرون في التعلم سوى وسيلة للظفر بمآرب مادية. والخلاصة أن نجاح التعليم في العهد النبوي والعهود الإسلامية التي تلته له أسباب، كما أن إخفاق مشاريعنا التعليمية له أسباب: - أسباب نجاح التعليم عند المسلمين الأوائل: سلك المسلمون الأوائل منهج رسول الله ﷺ وصحابته في التعليم، فآتى التعليم أُكُلَه بحق، فبنى الأفراد، وشيد الحضارة، وصنع الأمة؛ وهذا النجاح راجع ـ حسب تقديري ـ إلى أسباب منها: ١ - وضوح الأهداف وسموها، ووحدة الوجهة لدى كل الأطراف. ٢ - كون التعليم ذا هوية محددة هي خدمة الأمة في دينها ودنياها. ٣ - إخلاص المعلم وتواضعه لمتعلميه، وتعبده ربه بالتعليم. ٤ - تفاني المتعلمين في الطلب، وتبجيلهم لمعلمهم، وتعبدهم بالتعلم. ٥ - انسجام المواد التعليمية مع هوية الأمة ودين المتعلمين، بل هي من صميم عقيدتهم. ٦ - التوافق الثقافي بين الحاكم والمحكومين. ٧ - استقلال الأمة الإسلامية التام عن الأمم الكافرة. - أسباب إخفاق مشاريعنا التعليمية: أسباب إخفاق التعليم عندنا كثيرة، ومتداخلة، منها: ١ - غياب الهدف، والوجهة لدى الواضعين للبرامج التعليمية. ٢ - الاستغلال السياسي للتعليم؛ مما يؤدي إلى مفاسد كثيرة منها: - تشكيل البرامج بما يتماشى مع أيديولوجية الحاكم، والحاكم غالباً لا يتبنى قضايا الأمة، ولا يحمل همومها. - الإصرار على تجهيل الشعوب، حتى لا تثور على الحاكم، والعمل من ثم على أن يبقى التعليم صورياً فقط. - تهميش الدين الذي يُصلح الأفراد، ويُحرر العقول من أسر التبعية والاستسلام. ٣ - تدخُّل الدول المستعمرة في تشكيل البرامج التعليمية في الدول المستعمرة. ٤ - ربط التعليم بالوظيفة. ٥ - سيادة النزعة المادية: أي تغليب المطالب المادية على المطالب الفكرية والروحية؛ مما أدى إلى تراجع قيمة طالب العلم الاجتماعية، بالمقارنة مع أصحاب المال. ففي مجتمعاتنا: إذا كان الشخص ذا مال وثروة فلا ضير أن يكون أُميّاً جاهلاً. وفي المقابل لا قيمة للشخص، وإن خصل على أعلى الدرجات العلمية ما دام عاطلاً. ٧ - التباين الثقافي بين الحاكمين والمحكومين في البلدان الإسلامية، وهذا العامل لا يعود بالضرر على التعليم فقط، بل على جميع مناحي الحياة الإسلامية، بل هو ـ إن لم يجانبني الصوابُ ـ أُمّ المشاكل عند المسلمين في هذا العصر. ٨ - آفة الاختلاط بين الذكور والإناث؛ مما خلق في المدرسة ظروفاً أبعد ما تكون عن ظروف الطلب

стр. 5301

الدورات العلمية جامعات مفتوحة وعلم مشاع إعداد: خباب بن مروان الحمد ما أن تُسدل المدارس والجامعات ستارها في آخر يوم من أيَّام الاختبارات، حتى يحدو حادي العلم من جديد، وترتفع في الآفاق دعوات مخلصة ... أن هلموا يا طلاب الشريعة ورواد المعرفة؛ لتنهلوا من معينها الصافي وتنالوا الأجر الكبير فـ «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة» . تلك هي هتافات الدورات العلمية المكثفة، التي تقام ـ عادةً ـ في الإجازات الصيفية، في السعودية، ويتقاطر عليها طلبة العلم من شتّى البلدان. وفي محاولة جادة لدراسة هذه الظاهرة الصحية في العمل الدعوي، وتقديمها مثالاً من مثالات اليقظة الإسلامية، واستشعاراً منّا لأهمية هذه الدورات، كان هذا التحقيق، بغية تسليط الضوء على أنشطة هذه الدورات. وليس من شك بأن الدورات العلمية حالة نهضوية فعالة آتت أكلها، وأينعت ثمارها طيبة زكية ... ولكن تبقى في الذاكرة تساؤلات عديدة تطرح نفسها: لماذا هذه الدورات وهل هناك حاجة ماسة إليها؟ ثم أليست هي من قبيل ثقافة السرعة التي تُنسى معلومتها بسرعة؟ وهل كان في هذه الدورات استخدام للتقنية الحديثة لمواكبة العصر؟ وهل أخذت (شقائق الرجال) نصيبهن من هذه الدورات؟ وهل لهذه الدورات أثر ملموس في صقل شخصية طلاب العلم وبنائهم بناءً تربوياً؟ عبر هذه الأسئلة وفي الجعبة الكثير توجهنا لأصحاب الفضيلة العلماء وبقية المشاركين في التحقيق للإجابة عن تلك التساؤلات، وإعطاء الآراء المفيدة حيالها، وأحسب أني قدمت للقراء الكرام وجبةً علميةً مفيدةً، فلنرحل معاً في آفاق هذا الموضوع. واللهَ نسأل للجميع العلم النافع والعمل الصالح. - المشرفون على الدورات العلمية والمنظمون لدروسها: ـ الشيخ خالد السبت. ـ الشيخ خالد الزريقي. ـ الشيخ فهد الغراب. - لماذا ... وفي الصيف بخاصة؟ في سؤال طرحته على المنظمين: لماذا الدورات العلمية تقام وقت الإجازة الصيفية، مع انشغال الناس في مصالحهم الشخصية ورحلاتهم السياحية، وزيارة أقاربهم في مدنهم وقراهم؟ فأجاب الشيخ السبت قائلاً: لا شك أن الإجازة الصيفية فرصة مواتية للدورات لدى المشايخ والطلاب، مع أننا نقيم دورات خلال الفصلين الدراسيين أيضاً، وفي مشاركة للشيخ فهد الغراب، يقول: لو لم تكن في الإجازة فستكون في وقت انشغال الناس بدراستهم وأعمالهم، والإجازة من اسمها مظنة الفراغ من الأعمال. - أهداف الدورات ... في وقت الإجازة: يتحدث الشيخ خالد السبت حِيَالَ هذه القضية، حاشداً لها ست نقاط مهمة، منها: ١ ـ أن يتعلم الطالب المنتظم بالدورة ما يجب على كل مسلم أن يعلمه مما تقوم به العبادة ويصح به العمل والاعتقاد. ٢ ـ تصحيح المسار في طريقة تلقي العلم، وطلبه على منهج علمي مدروس بعيداً عن الاجتهادات والفوضى العلمية التي بُلِيَ بها كثير من المتعلمين. ٣ ـ ربط المبتدئين من طلاب العلم بالأكابر والربانيين من العلماء أهل العمل والاقتداء والتوسط والاعتدال، والاستفادة من علومهم وآدابهم وتجاربهم؛ فالعلم عند السلف: علم، وتربية. ٤ ـ تخريج كفاءات من طلاب العلم أخذوا العلم عن أهله وعكفوا على مدارسته ليقوموا بواجب الدعوة والتعليم في المناطق النائية؛ إذ هي أحوج ما تكون لذلك الغيث. ٥ ـ حفظ الفرد المسلم والمجتمع من الانحرافات الفكرية في زمن كثرت فيه الفتن والشبهات. ٦ ـ هذه الدورات تختصر على الطالب كثيراً من الجهد والوقت الذي يبذل، وتعنى بالتأصيل دون التوسع والتفصيل. - نعد للدورات من وقت مبكر: كان هذا جواب الشيخ خالد السبت حين سألته: متى يبدأ الإعداد لهذا الدورات المكثفة، وكيف يكون ذلك؟ فقال: (نحن نعد للدورات من وقت مبكر؛ فلدينا خطة كاملة على مدى سنوات ثلاث للمبتدئين، وسنوات أربع للمتقدمين، ومن الدروس ما أتممنا الاتفاق فيه مع بعض المشايخ على تقديمه منذ السنة الأولى بصورة منتظمة، ومنها ما يبتدئ الإعداد له قبل ستة أشهر) . ويضيف الشيخ فهد الغراب قائلاً: يبدأ الإعداد للدورة القادمة مع نهاية الدورة الحالية؛ وذلك بحصر الاستبانات، واستخلاص نتائجها، ومن ثم ترشح المتون للدورة القادمة من قِبَل اللجنة العلمية بالجامع، ثم تعرض على المشايخ كل حسب تخصصه، للاستئناس بآرائهم. - ما دخل الذهن بسرعة ذهب منه بسرعة: سألت المعدين لهذه الدورات حول هذا الموضوع، وقلت لهم: ألا ترون أن الدورات المكثفة تهتم بتركيز المعلومات في وقت قصير، وهل تتعارض مع قاعدة (ما دخل في الذهن بسرعة ذهب منه بسرعة) ؟ أشار الشيخ فهد الغراب، إلى أن كل منشط من المناشط العلمية والدعوية له مزايا وعيوب، ولكنه حسم ذلك بقوله: وإذا كانت الدورات تعطي المعلومة بسرعة فقد يعتبرها بعضهم ميزة في الواقع الذي نعيشه ونلمسه من فتور الهمم، وكثرة المشاغل، والله المستعان. ويركز الشيخ خالد الزريقي على قضية هامة بقوله: (إنَّ العجلة في الانتهاء من متن علمي لا يصلح إلاَّ إذا تعاهد الإنسان الرجوع إلى المتن العلمي مرات ومرات بحيث ترسخ المعلومات عند الإنسان وهذا خلاف ما عليه واقع كثير من الناس اليوم بعدم المراجعة والحفظ) . - النساء والدورات العلمية: قلت للشيخ فهد الغراب: ماذا أعددتم للنساء من الفائدة في هذه الدورات، وهل أخذت شقائق الرجال نصيبهن؟ فأجاب: النساء شقائق الرجال، وقد أُعِدَّ لهن مكان خاص، وتوزع عليهن كتب الدورة، ويحضرن ويحصلن الفوائد من المشايخ ويسألن عمَّا يُشكل عليهن. ولكن لماذا لا تنسق دورات خاصة بالنساء تشرح لهنّ المسائل العلمية التي تخصهن مع التأصيل العلمي؟ فأجاب الشيخ خالد الزريقي حيال هذا الموضوع: أقترح أن يتبنى أحد المساجد خلال الصيف دورة خاصة بالنساء يتم الترتيب لها مع طالبات العلم المتمكنات في العلم الشرعي، ونأمل أن يتيسر ذلك إن شاء الله. - الفروق الفردية بين طلاب العلم: تباينت وجهات النظر حول هذه القضية من قِبَل المشرفين على رأيين: الشيخ فهد الغراب يقول: الدورات لا تراعي ذلك، لكنها تبث جدولاً معلناً، وكل يحضر ما يناسبه من الدروس، وليس من الضروري بأن يحضر الطالب جميع الدروس. إلا أن الشيخ خالد الزريقي يرى خلاف ذلك قائلاً: نعم الدورة تراعي الفروق الفردية لدى طلبة العلم؛ فهناك درس يناسب الطالب المبتدئ، وهناك درس يناسب الطالب المتوسط؛ فتختلف طبيعة كل دورة عن الدورة الأخرى. - المتون المشروحة والمختارة للدورات: يذكر المشرفون عدة متون علمية مشروحة في الدورات التي أقيمت في مساجدهم، فيقول الشيخ خالد السبت: شُرحت خلال الدورة في مسجدنا بالدمام عدة متون كان منها: أبواب من صحيح البخاري، الأصول الثلاثة، القواعد الأربع، كشف الشبهات، الرسالة المفيدة، كتاب التوحيد، الواسطية، الحموية، الوصية الكبرى لابن تيمية، الطحاوية، الاعتصام للشاطبي، مقاصد الشريعة من كتاب الموافقات للشاطبي، متن الورقات في أصول الفقه، تفسير جزئي عم وتبارك، البيقونية في المصطلح، نخبة الفكر، قطر الندى، تحفة الأخيار في الأذكار، طرق التخريج، الآجرومية في النحو، وغير ذلك ... وتحدث الشيخ خالد الزريقي عن المتون التي شرحت في مسجد (الإمام علي بن المديني) بالرياض بقوله: من المتون التي سبق تدريسها لطلبة العلم: نواقض الإسلام، العقيدة الطحاوية، المحرر في الحديث لابن عبد الهادي، الإيمان الأوسط لابن تيمية، وغيرها من المتون والمقررات العلمية. ويشير الشيخ فهد الغراب إلى أن المتون التي شرحت في جامع (شيخ الإسلام ابن تيمية) بالرياض الذي تقام فيه هذه الدورات تقارب خمسين متناً في العقيدة والتفسير والحديث والفقه وعلوم القرآن واللغة والتاريخ والسيرة والآداب والسلوك والرقائق، وأضاف الشيخ فهد: وبقي من الدورة السابقة متنان هما: التسهيل في الفقه للبعلي، وبلوغ المرام لابن حجر العسقلاني، وذلك لطولهما، وقد قُسِّمَتْ هذه المتون على أكثر من دورة. ويضيف مبشراً للطلبة بأن هذين المتنين سيُنتهى منهما في العام القادم إن شاء الله. - الدورات العلمية.. والتقنية الحديثة: يتحدث الشيخ فهد الغراب بأنه تمت الاستفادة من التقنية الحديثة، وذلك بنقل الشروح على الهواء مباشرة عبر موقع الجامع على الشبكة العالمية، وأضاف قائلاً: ونتلقى خلاله الأسئلة الفورية، كما يتلقى الطالب الإجابة الفورية من الشيخ عبر موقعنا كذلك (WWW. taimiah.org) . ويقول مواصلاً حديثه: وقد نقلت هذه الدورة إلى سجن الملز وسجن الحاير وسجن النساء بالتعاون مع الإدارة العامة للسجون. - مناشط علمية مواكبة لهذه الدورات: ذكر الشيخ خالد السبت أن هناك برامج مصاحبة من مسابقات، ومحاضرات، ونحو ذلك يقدمها مشايخ الدورة، ويؤكد على ذلك الشيخ فهد الغراب قائلاً: كما توزع جميع المتون التي ستشرح على الطلاب مجاناً بعد إعدادها من قِبَل اللجنة العلمية بالجامع، وطباعتها بطريقة تمكن الطالب من التعليق على الكتاب نفسه، ويواصل قوله: حيث يطبع المتن في الأسطر الخمسة الأولى من كل صفحة وتترك المساحة الباقية مسطرة لتعليق الطالب عليها، كما يجري اختبار اختياري للطلاب بعد نهاية كل متن، تمنح من خلاله شهادة مصدقة من فرع وزارة الشؤون الإسلامية، ومن الشيخ الشارح للمتن. ويتفق الشيخ خالد الزريقي مع الكلام المذكور آنفاً، ويضيف أنَّ من الأنشطة المصاحبة لهذه الدورات: إقامة بعض المسابقات في حفظ المتون العلمية الخاصة بالدورة، وتلخيص بعض دروس المشايخ وإنزالها عبر شبكة المعلومات (الإنترنت) يومياً. - مظاهر إيجابية بأعين المشرفين: يعرض الشيخ خالد الزريقي شيئاً من الإيجابيات التي لمسها في هذه الدورات ويرتبها على نقاط ثلاث وهي: ١ ـ اعتكاف كثير من الشباب في المسجد للاستفادة من الدورة إحياءً لهذه السنة. ٢ ـ الرحلة في طلب العلم من قِبَل الطلاب الذين يأتون للدورة سواء من دول الخليج أو من لبنان ومصر والسودان وغيرها. ٣ ـ بعض الطلاب لم يتخلفوا عن حضور ومتابعة الدورات من الدورة الأولى حتى الدورة التاسعة. ويضيف الشيخ فهد الغراب على ذلك: ١ ـ الحرص على التلقي من العلماء وأهل الفضل. ٢ ـ السمت الحسن الظاهر على الكثير منهم. ٣ ـ الحرص على أداء السنن، والعناية بالدليل. ٤ ـ التعاون على البر والتقوى. ٥ ـ التعارف والألفة والمحبة. - هل ثمة تنسيق في الدورات بين المشرفين عليها؟ سألت الشيخ فهد الغراب عن ذلك، فكان الرد: التنسيق بين مشرفي الدورات مفقود، وهذا يسبب تفويت الكثير على طالب العلم، خصوصاً إذا توافقت دورتان في وقت واحد، وقد طالبنا بالتنسيق في ذلك كثيراً، لكن بعض الإخوة يتعذر بكبر مساحة الرياض واستيعابها للعديد من الدورات. وننتقل للشيخ خالد الزريقي حيث يعرض وجهة نظره بقوله: التنسيق لا بد منه بين مشرفي الدورات.. لكن لا يخفى على كلِّ إنسان أن المدن تختلف عن القرى من حيث المسافة، وأضاف: فمثلاً مدينة الرياض، لو أقيمت فيها أربع دورات متزامنة في وقت واحد ولكنها متباعدة في المسافة لكان في ذلك خير كبير. وفي الموضوع ذاته يتحدث الشيخ خالد الزريقي عن أهمية التنظيم في تلك الدورات، فيقول: هناك ظاهرة تقارب الدورات في وقت واحد، بل تجدها في منطقة واحدة لا تبعد عن الأخرى إلا مسافة يسيرة، وهذا أمر يحتاج إلى إعادة نظر وترتيب من قِبَل القائمين عليها. ويواصل حديثه بقوله: والذي يدفع الإخوة لإقامتها في مثل هذه الصورة الرغبة في الخير ـ نسأل الله للجميع التوفيق ـ لكن لو حصل تنظيم وترتيب لخرج هذا الخير في ثوب مناسب يلبسه جميع الناس. - بشارات من قلب الدورات: تحدث الشيخ الزريقي عن أمور مفرحة، وبشائر مُرْضِيَة، حصلت في الدورة التي يشرف عليها في مسجد علي بن المديني بمدينة الرياض، فقال: من ضمن النتائج المباركة في الدورة المقامة في مسجد (علي بن المديني) على سبيل المثال: ١ ـ خلال الدورة العلمية الخامسة وأثناء درس سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ وكان الدرس بعد صلاة المغرب ـ تأثر اثنان من الجنسية الفلبينية وكانا نصرانيين ـ وكانت خدمتهما في الإعاشة اليومية للدورة، وقد تفاجؤوا بالعدد الكبير من الحضور لدى طلبة العلم واهتمامهم بتحصيله، وكأنهما يفتشان عن شيء مفقود، فطلبا من أحد الإخوة أن يخبرهما عن الإسلام فأخبرهما بأسلوب مناسب فطلبا أن يسلما، ويواصل الشيخ الزريقي حديثه بقوله: فأبلغنا الشيخ ابن عثيمين ﵀ بوضعهما فلما انتهينا من صلاة العشاء أدخلناهم إلى المسجد فأسلما على يد الشيخ ابن عثيمين ﵀ فسمى أحدهما عبد الله، والآخر عبد الرحمن، وذلك بفضل الله وتوفيقه، ويضيف الشيخ الزريقي: ٢ ـ ومن ضمن نتائج الدورة العلمية السادسة توبة أحد المطربين وذلك باستماعه للدروس العلمية عبر شبكة (الإنترنت) ، وقد أرسل إلى فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي ـ حفظه الله ـ رسالة طويلة يطلب فيها من الشيخ الدعاء له بالثبات على طريق الخير والصلاح، وقد حضر بنفسه الدورة ليستمع إلى تأمين الحاضرين له ـ وذلك بدعاء الشيخ ـ جزاه الله خيراً. - العلماء والمشايخ المشاركون في التحقيق. ١ ـ فضيلة الشيخ: عبد العزيز الراجحي. ٢ ـ فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم الخضير. ٣ ـ فضيلة الشيخ: عبد المحسن الزامل. ٤ ـ فضيلة الشيخ الدكتور: خالد المشيقح. ٥ ـ فضيلة الشيخ الدكتور: يوسف الغفيص. ٦ ـ فضيلة الشيخ: خالد المصلح. ٧ ـ فضيلة الشيخ الدكتور: محمد العريفي. ٨ ـ فضيلة الشيخ خالد السبت. - السبب الداعي لمشاركة أهل العلم في هذه الدورات، و (أساس النهضة) : في البداية ذكر الشيخ د. عبد الكريم الخضير أنَّ السبب الداعي لهذا: نشر العلم الشرعي الذي جاءت النصوص بمدحه ومدح من اتصف به وسلك السبيل لتحصيله. ويضيف الشيخ د. خالد المشيقح ذاكراً سببين يدعوانه للمشاركة في الدورات العلمية بقوله: أولاً: تعبداً لله ـ تعالى ـ لأن العلم من أفضل القربات وأجل العبادات، وقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن العلم أفضل العبادات. ثانياً: امتثالاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ولقوله ﷺ : «بلغوا عني ولو آية» ونبَّه الشيخ خالد السبت أن من الأسباب الداعية لذلك: الرغبة في انتشار العلم في الأمة؛ لأنّ ذلك أساس في نهوضها. ومن جهته يقول الشيخ د. محمد العريفي: طلب العلم له أساليب متعددة قد كان يسلكها طلبة العلم منذ القدم، وكان طلاب الحديث يلازمون الشيخ عدة سنوات أو أشهراً، ونستطيع القول بلسان عصرنا بأنه ذهب ليحضر دورة علمية مكثفة. وأضاف الشيخ محمد العريفي: وحينما تطورت الأمور وأصبحت الأشغال تتجاذب الناس من كل ناحية، وبدا الانشغال يظهر على طلبة العلم وبعض المشايخ؛ صارت الحاجة ماسة لهذه الدورات العلمية حتى يركز الشيخ فيها دروسه، ويفرغ نفسه تفريغاً تاماً لها، وليتفرغ لها طالب العلم خلال المدة التي ستقام فيها الدورة. وقد ألمح الشيخ خالد السبت إلى أن هذه الدورات سبب مبارك لإيصال العلوم النافعة لمناطق وجهات كثيرة ليس فيها حِلَقٌ علمية ومجالس ذكر. وأكد الشيخ المصلح على أنها فرصة للالتقاء بأهل العلم الأفاضل في جهاتهم، وأضاف: وكذلك القرب من طلبة العلم والمحبين له في بلدانهم، وتلمس حاجاتهم، والجواب على إشكالاتهم. - حاجة ماسة ... وضرورة ملحة: ولكن هل هناك بالفعل حاجة ماسَّة لإقامة هذه الدورات، وتفعيلها؟ عَبْرَ هذا السؤال توجهت للشيخ عبد العزيز الراجحي، فأكَّدَ قائلاً: نعم نرى الحاجة ماسة لهذه الدورات التي تؤدي أدواراً ملموسة في ذلك، ووافقه الشيخ الخضير ونبَّه إلى الضرورة الملحة في إقامة هذه الدورات بقوله: ليتمكن الطالب وهو في بلده من تحصيل العلم وتأصيله لا سيما في البلدان التي يقلُّ فيها أهل العلم المتفرغون له. ويتطرق الشيخ عبد المحسن الزامل إلى توضيح مسألة مهمة في ذلك فيقول: هذه الدورات تحقق بعض الشيء ولكنها لا تحقق المقصود التام لطالب العلم، ويُعلِّلُ ذلك فضيلته بأن طالب العلم الذي يقتصر على هذه الدورات ولا يعتمد إلا عليها؛ في الغالب تقصر فائدته، إلا أنَّه بَيَّنَ أنَّ الحاجة لهذه الدورات: من باب تلمَّس الطريق، ولأجل أن توضع قدم طالب العلم على طريق العلم؛ فالعلم متواصل معه في جميع أيام السنة؛ فيستغل طالب العلم فرصة الفراغ في الإجازة بالحضور لهذه الدورات، وتكون معينة في التواصل مع العلماء المشاركين في هذه الدورات. أما الشيخ يوسف الغفيص فيتحدث قائلاً: هناك ثقة في كون هذه الدورات العلمية تؤدي دوراً هاماً في نشر علوم الشريعة، بل صارت الدورات العلمية صورة معبرة بوضوح عن إمكانية تفعيل الحركة العلمية في المجتمع، وبخاصة بين أبنائه الذين يرغبون في تلقي العلم كمنهج شرعي عبادي. بينما يشرح الشيخ خالد المصلح وجهة نظره حيال هذه القضية في عدة نقاط؛ حيث يقول: هذه الدورات تسهل العلم وتقربه؛ حيث إنها تركز على المتون العلمية القصيرة المختصرة غالباً، كما أنها تعرض أمهات المسائل في هذه المتون، وتركز على أصول العلوم دون حواشيه وفروعه. ويتابع حديثه: إن قصر وقت هذه الدورات يختصر للطالب ما يعانيه من تباعد أوقات الدروس وطول زمنها بحيث يستعرض متوناً عديدة في علوم شتى، وأضاف: وهذه الدورات ينشط لها عدد كبير من الشباب والمحبين للعلم من الذكور والإناث؛ ففيها توسيع لدائرة المنتفعين بالعلوم الشرعية والمشتعلين بتحصيلها، وفي هذا خير كبير ونفع عظيم، وأشار الشيخ المصلح إلى نقطة جديرة بالانتباه؛ حيث يقول: هذه الدورات تفيد كثيراً في توظيف العديد من الطاقات العلمية المعطلة؛ وذلك من خلال مشاركة كثير من أهل العلم والفضل والتخصص، والذين تقل مشاركتهم في الدروس العلمية الدائمة، وفي ذلك خير كثير لهم ولطلاب العلم في الإفادة منهم. ويضيف الشيخ السبت نقطة توضح الحاجة لهذه الدورات فيقول: قد لا يتوفر لبعض من يرغب في العلم السفر إلى العلماء وأخذ العلم منهم وهذه الدروات هيَّأت له ذلك. ومن جهته يؤكد الشيخ خالد المشيقح على نقطتين هامتين يرى أنهما من قبيل الحاجة الماسة لهذه الدروات، فيتحدث قائلاً: القضاء على الفراغ بالنافع المفيد، وتكون بديلاً لكثير ممن يحب حضور مجالس العلم والذين لا يجدون وقت فراغ لحضور مجالس العلم كالموظفين والمدرسين لتكون هذه الدورات في الإجازة الصيفية فرصة لهم لتحصيل العلم الشرعي من العلماء والمتخصصين. - الدورات العلمية ... وثقافة السرعة: قد توارث العلماء وطلاَّب العلم قاعدة منهجية تقول: (ما أُخذ من العلم جملة ذهب عن متلقيه جملة) وعليه؛ فهل تتقاطع الدروات العلمية المكثفة مع هذه القاعدة؟ وإجابة على ذلك قال الشيخ الخضير: ما أُخذ بسرعة من العلم يذهب بسرعة، وأضاف: ولكن لا مانع من أن يؤخذ العلم بهذه الطريقة على أن تتمَّ مراجعة ما دُرس في الدورات مرة بعد أخرى ليرسخ في الذهن ويثبت، داعياً إلى ألاَّ يقتصر الطالب على هذه الدورات بل لابد له من ملازمة العلماء الأجلاء طيلة العام. بيد أن الشيخ عبد العزيز الراجحي يرى أنَّ هذا ليس بصحيح؛ بل هذه الدورات فيها خير كثير يستقر في الذهن، ويسجل في الأشرطة، وتفرَّغ في الكتب. وحول هذا الأمر سألت الشيخ خالد المشيقح عن بعض العلماء مِمَّنْ شرح في عشرة أيام منظومة العمريطي في الفرائض والتي تقدر بمئتي بيت، فهل يستطاع بهذه السرعة أن يشرح الشيخ هذه المنظومة في عشرة أيام، لما يقارب (٢٠) بيتاً في كلَّ يوم، ويكون أغلب الطلاَّب قد استوعبوا المتن المشروح؟ فأجاب فضيلته قائلاً: (هذا يرجع لاستيعاب الشيخ للمتن، وإلمامه به، فقد يستطيع إتمامه واغتنام الوقت بشرحه للطلاَّب، ولكن مع اقتصار الشيخ على تحليل العبارة، وإيراد الدليل الموافق للقول الراجح، ثم يبيّن الشيخ بعض المراجع التي تفيد طلبة العلم إن أرادوا التوسع) . وأختتم الحديث عن هذه القضية بتركيز المشايخ المشاركين على أهمية استيعاب الشيخ للمتن، ومن ثم عرض مقاصد هذه المتون، وإبراز مسائلها الهامة، مع الاقتصار على القول الراجح والدليل الأظهر في المسألة؛ إذ ليس هدف الدورات استيفاء الأقوال، واستيفاء ذكر الأدلة، وقد أكَّد على ذلك الشيخ المصلح، والشيخ الزامل، ووافقهم عليه الشيخ العريفي. - الرحلات العلمية للعلماء المتقدمين ... والدورات المكثفة: لعل من بديع الحديث، محاولة الربط بين هذه الدورات المكثفة، مع رحلات العلماء السابقة في طلب العلم، وهل كان هناك مع هذه الدورات وجه تشابه وتناسق مع دروس العلماء المتقدمين؟ حول هذا الإطار ذكر المشايخ المشاركون أن العلماء كانت لديهم رحلات في طلب العلم، بل أَلَّف الخطيب البغدادي كتاباً حول ذلك وسماه (الرحلة في طلب الحديث) . ويلفت الشيخ الخضير إلى اهتمام بعض الطلاب في السابق بالشيوخ الغرباء والواردين على بلدانهم، بل كانت الرحلة في طلب العلم سنَّة معروفة عند أهل الحديث؛ فإذا ورد على البلد عالم من العلماء اجتمع عليه الطلاب من أهل البلد، وحرصوا على تحمل ما عنده من حديث قد لا يوجد عند شيوخهم في بلدهم. ويُعرِّجُ الشيخ خالد السبت ذاكراً نماذج من ذلك؛ حيث قال: (كانت للسابقين قراءات على الشيوخ سريعة: تارة للضبط، وتارة مع التعليق والشرح، وأضاف ممثلاً على ذلك بقوله: فمن الأول أن صحيح مسلم قرئ على ابن لبَّاج بجامع قرطبة في أسبوع في مجلسين من كل يوم، وصحيح البخاري قرأه الخطيب البغدادي على إسماعيل الضرير في ثلاثة مجالس، مجلسين بعد صلاة المغرب إلى صلاة الفجر، والثالث من الضحى إلى المغرب، ثم ذكر الشيخ السبت مقولة للإمام الذهبي وهي: هذا شيء لا أعلم أحداً في زماننا يستطيعه! ويتابع الشيخ السبت حديثه قائلاً: ومن النماذج في ذلك أن العراقي قرأ مسند الإمام أحمد على ابن الخَبَّاز في ثلاثين مجلساً. ثم بين فضيلته أن العلماء كانت لهم قراءة مع الشرح والتعليق، ودلَّل على ذلك بقوله: فقد قرأ محمد بن عبد الحي الكتَّاني صحيح البخاري تدريساً وقراءة مع تحقيق وتدقيق في نحو (٥٠ مجلساً) . وأضاف الشيخ المصلح في هذا الباب قوله: وهذا يبين أن إنجاز المتون في مدة قصيرة كان معروفاً في طرائق أهل العلم المتقدمين، وبين فضيلته رأيه حول هذه الدورات العلمية الصيفية وهل لها شبيه بالدروس السابقة بالطريقة نفسها فقال: (أما الدورات العلمية الصيفية فأول من أعلم أنه رتبها وجلس فيها للطلاب شيخنا محمد الصالح العثيمين ﵀ فقد بدأ بها منذ أوائل الثمانينيات الهجرية وكانت دروساً ضحوية في أيام الصيف من إغلاق المدارس النظامية إلى قريب فتحها، ويتابع حديثه حول دروس ابن عثيمين ﵀ فيقول الشيخ المصلح: (واستمر الشيخ ابن عثيمين على هذا النسق حتى وفاته ﵀ إلاّ أنه قلل المدة في آخر سنواته مراعاة لأحوال الطلاب) . - أثر الدورات في بناء طلبة العلم تربوياً: لا يشك أي متابع لهذه الدورات في ما لها من كبير الأثر في تأصيل توجهات الطلاب علمياً، غير أن هناك ما يعتبر أمراً هاماً جداً، وهو أثر هذه الدورات تربوياً على الناس عموماً وطلبة العلم خصوصاً.. وحول هذا الموضوع يحدثنا الشيخ الزامل فيقول: لا شك أن هذه الدورات لها تأثيرها التربوي على الحاضرين؛ فهي تشعر طالب العلم بالإخبات والهدوء، والخشوع؛ حيث يستشعر أنه حين يحضر هذه الدورات تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، ويذكره الله فيمن عنده، وأضاف فضيلته: وكذلك يتعلم الطالب الأدب مع مشايخه، وأخذ سمتهم الحسن، وذكَّرَنَا الشيخ الزامل بقصة الطلبة الذين كانوا يحضرون في مجالس الإمام أحمد بن حنبل ويقدَّرون بخمسة آلاف فرد وكأن على رؤوسهم الطير في أدبهم مع الإمام أحمد، وكان خمسمائة طالب يحضر لكتابة العلم والحديث، وبقية الطلبة يستفيدون من أدب الإمام أحمد وسمته. وما دام الحديث يدور حول ذلك؛ فقد قال الشيخ المشيقح: إذا تعلم الإنسان فإن علمه سيؤثر في سلوكياته وأخلاقه وعباداته؛ لأن العلم والتربية متلازمان، وينتج عن ذلك خشية الطالب لربِّه، وهذه سمة العلماء وطلبة العلم فالله ـ تعالى ـ يقول: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . ومن جانبه فقد أكَّد الشيخ الخضير بأنَّ لهذه الدورات الأثر الكبير في البناء التربوي لطالب العلم بقوله: تعدد الشيوخ في الدورات يحصل به تعدد القدوات، ولا يخفى تأثير الشيوخ في نفوس التلاميذ من ناحية الهدي والسمت. ويوصي الشيخ يوسف الغفيص أهل العلم بقوله: أفضل كثيراً أن يعنى الشيوخ في صناعة اللغة العلمية المعتدلة للطلبة، بما تحمله من انضباط علمي، واعتدال تربوي، وأضاف: فعلوم الشريعة أخص العلوم في انضباط الخطاب واعتداله وواقعيته. وتبقى نقطة هامة ركز عليها الشيخ العريفي: حيث اقترح أن يؤتى بداعية، ويكون من الدعاة المؤثرين، وممن يتعامل مع عامة الناس، ومِمَّن اشتهر بالدعوة إلى الله، وفنون التعامل مع الناس، والتأثير عليهم من جميع النواحي الأخلاقية والاجتماعية، ويقول مواصلاً حديثه: فلو ألقى على طلبة العلم شيئاً ممَّا في جعبته من فنون الدعوة، وأبرز ما لديه من الخبرة والتجارب المفيدة، فإن هذا أمر مفيد لطلبة العلم. - هل هذه الحلقات مظهر تجديد؟ من المعلوم أنَّ هذه الدورات لها أثر كبير في صقل شخصية الطالب؛ كما أن لها أثرها في إحياء العلم وتزكيته للنفوس، ولكن هل بمقدورنا أن نقول إنَّ هذه الدورات من قبيل تجديد الدين؟! يتحدث الشيخ الراجحي حول ذلك قائلاً: هذه الدورات العلمية من العلم والفقه في الدين، وهي من علامات إرادة الخير للمتلقي كما في الصحيحين: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» . ويتوافق الشيخان المشيقح والسبت في جوابهما عن ذلك حيث يقول المشيقح: لا شكَّ أنَّ هذا من قبيل تجديد الدين على وجه العموم، ويُعَقِّب الشيخ السبت فيقول: هذه الدورات مفيدة بلا شك في الجملة مع تفاوتها، ولا تخلو من نوع تجديد. ويقول الشيخ الخضير: الدورات ليست من تجديد الدين، بل هي من قبيل تجديد التعليم وَطُرُقِه. وينهي الشيخ الزامل هذا بقوله: الأظهر ـ والله أعلم ـ أن تجديد الدين مثل ما جاء في الحديث: «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» فظاهر الحديث أن يكون التجديد على رأس قرن، وقال فضيلته مستدركاً حديثه: لكن هي من تجديد الدين بأنَّها حماية له وإحياء لما اندرس منه، فلا شكَّ أنَّه من قبيل تجديد الدين، ولهذا أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر عبد الرحمن بن الحارث بكتابة الحديث، وكتب في ذلك لأبي بكر وقال: لتنشروا العلم وليظهر العلم وليُعَلَّمّ من لا يتعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً. ويتابع الشيخ الزامل حديثه فيقول: ولا شك أن ظهور العلم ونشره في هذه الحلق وما يظهر من الإعلان عنها والسماع بها من خلال ما ينشر ويسمع من أعظم ما يكون بانتشار الخير. - هذه الدورات بين الإيجابيات والسلبيات: في حديث للمشايخ وأهل العلم حول إيجابيات هذه الدورات يؤكد الشيخ الخضير أنَّ انتفاع الطلاب الواضح في البلدان التي يقل فيها من يتفرغ للتعليم من أعظم الإيجابيات لهذه الدورات، ويضيف الشيخ المشيقح على هذا فيقول: الرحلة في طلب العلم من إيجابيات هذه الدورات، حيث إن فيها إحياءً للسنة السلفية السابقة في الرحلة لطلب العلم ومَثَّل فضيلته بقوله: كثير من الصحابة رحلوا في طلب أحاديث رسول الله ﷺ . وكثير من التابعين، ومنهم أبو حاتم الذي مشى على رجليه ما بين مكة والمدينة أربع مرات كل ذلك في طلب حديث رسول الله ﷺ ، ويشاركه الشيخ السبت في حديث له حول هذا فيقول: من الإيجابيات: تتابع دروس أهل العلم، وإنهاء الكتب والمختصرات في مدة وجيزة، وأضاف فضيلته قائلاً: ومن ذلك: إتاحة الفرصة للأخذ عن أهل العلم مباشرة، وإحياء الجانب العلمي في الأمة. ويضيف الشيخ العريفي بعض الإيجابيات الكامنة في هذه الدورات حيث يقول: الإيجابيات كثيرة ومنها تحريك الشيخ لذهنه فيما يتعلق ببعض المسائل التي يستفيد منها في بحثها والتحضير لها، ويضرب فضيلته على أهمية ذلك مثلاً: بأنَّ سفيان الثوري حين دخل بغداد وجلس فيها أربعة أيام ثم خرج منها وقال: هذه بلد يموت فيها العالم؛ لبثت أربعة أيام ما سألني رجل عن حديث!! وأضاف فضيلته: إن من إيجابيات هذه الدورات النافعة للطلاب: أنها تجعلهم يُذْكون روح التنافس فيما بينهم، وأشار العريفي إلى أن من إيجابيات هذه الدورات لدى الطلاب: أنها تجعل الطلاب يجلس بعضهم لبعض ويتحدث بعضهم لبعض، ويشكو بعضهم لبعض، وأضاف: ومن خلال ذلك صار لبعض الطلاب جهود علمية في دعوتهم في بعض المناطق التي يسكنونها مع أن بعضهم لا يزال طالب علم مبتدئاً. ومن ناحية تقويمية فقد ذكر بعض المشايخ شيئاً من السلبيات في هذه الدورات، فيقول الشيخ الزامل حول هذه القضية: من السلبيات: تعارض هذه الدورات في وقت إقامتها. ويؤكد على ذلك الشيخ السبت بقوله: حيث تقام أكثر من دورة في المدينة الواحدة، وفي وقت واحد، ويضيف الشيخ الزامل على ذلك بذكره للسلبيات فيقول: بعض المتون والمقررات يكثر تكرارها وإعادتها. ويضيف الشيخ المشيقح قائلاً: من السلبيات: الطول في بعض الدورات فبعضها ستة أسابيع، ولو كانت مثلاً ثلاثة أسابيع إلى أربعة بالكثير لكان هذا أوْلى، كما أن بعض الدروس تكون مكثفة من أول اليوم إلى نهايته وفي جميع الأوقات، وهذا مرهق لطالب العلم وربما أدى إلى الملل. ويضيف الشيخ السبت في هذا المجال فيقول: ١ - ما قد يقع من التوسع في الشرح والاستطراد فيكون ذلك حائلاً دون نيل المطلوب. ٢ - ما يحصل من الارتجالية أحياناً في إقامة بعض هذه الدورات، دون تخطيط مسبق وتصور مدروس. - مقترحات لتطوير أداء الدورات: حول هذه القضية يبدأ الشيخ الخضير بقوله: من المقترحات الهامة في هذه الدورات: تنظيم الطلاب وتقسيمهم إلى مستويات ليعطى كل مستوى ما يناسبه من المتون. ويشاركه في هذا الرأي الشيخ السبت فيقول: لو وضع تصور واضح لدى من يدرس في هذه الدورات بحيث يقدم مادة للفئة المستهدفة بما يناسبها، فإذا كان ذلك الدرس في مستوى المبتدئين فلا يذكر الخلاف، ولا يتوسع فيه ... إلخ. ويؤكد فضيلته على أمور مهمة منها: - الاهتمام بالمتون المعروفة لدى العلماء وترك الإغراب في الاختيار للكتب غير المألوفة عند أهل البلد. - عدم الاهتمام بكتب العلماء المعاصرين؛ لأنها كتبت بلهجة العصر التي يفهمها الطلاب على كافة مستوياتهم من غير معلم. ومن المقترحات الهامة التي يراها الشيخ الغفيص: ضرورة صياغة خطاب علمي للطلبة يوضح مناط الفهم والاستدلال بشكل تطبيقي فهذه المعالجة في صورتها التطبيقية تساعد كثيراً من الطلبة في بناء ذهنية علمية ذات تأصيل شرعي تؤدي إلى سرعة الفهم. مع أهمية: «العناية بالحفظ لنصوص الكتاب والسنة» فالشريعة تقوم على الحفظ والفهم معاً. وهذان هما مكنونا الاجتهاد، وأضاف: وفي تقديري أن فرض صِدامٍ بين الحفظ والفهم فرض غير منطقي. ويتحدث الشيخ المشيقح في هذا الباب قائلاً: لو أنَّ هذه الدورات تعنى بمفاتيح العلم وأصوله وكيفية الاستفادة من مراجعه، لكان حسناً، وعقب فضيلته بذلك قائلاً: وإن عرض ببعض الدورات شيء من ذلك، ولكن نلحظ على كثير من الدورات القصور في ذلك. وفي حديث للشيخ السبت حول هذه القضية يطرح فضيلته عدة أمور منها: أولها: وضع خطة كاملة للدورات على سنوات محددة وتوزع فيها الدروس. ثانياً: التنسيق منذ وقت مبكر مع الشيوخ الذين يقدمون هذه الدورات بحيث تقدم مادة مناسبة. ثالثاً: أن يختار لكل علم من يحسن تدريسه، وأضاف قائلاً: ونحن بحاجة إلى توفر ناحيتين فيمن يُعَلِّم: أ - الرسوخ العلمي. ب - الأسلوب الجيد الذي يوصل به العلم إلى المتلقين. رابعاً: الإعلان في وقت مبكر عن هذه الدورة. خامساً: دراسة مستوى هذه الدورات وتقييمها وتوزيع الاستبانات على المشاركين من الشيوخ والطلاب لدراستها والاستفادة منها. سادساً: توزيع الدروس بطريقة مختصرة ملائمة قدر الإمكان؛ بحيث يكون الدرس الذي يحضره طلاب العلم وغيرهم مثل الفقه والحديث في وقت مناسب للجميع (كالمغرب مثلاً) بخلاف النحو والأصول والمصطلح؛ فإنها يمكن أن تكون بعد الفجر. وقد أكد الشيخ الزامل في اقتراح له حول هذه الموضوع إذ يقول: العناية بالمتون التي يمكن إكمالها حتى لا يتقطع المتن؛ لأن تقطيع المتن ربما يُفَوِّتُ الفائدة خاصة أنها من سَنَةِ لِسَنَةْ. ويشارك الشيخ العريفي بحديث ماتع له حول مقترحات لتطوير الأداء في هذه الدورات؛ إذ يقول: يا أخي! سأبث إليك نفثة مصدور؛ فمع الأسف لا يواكب كثير من أحبابنا وإخواننا من المشايخ التقنيات الموجودة في هذا العصر، وأضاف قائلاً: فكم رجل بالرياض يقدم دروساً علمية، وكم واحد منهم يستعمل التقنية الحديثة في التدريس؟ ومَثَّلَ على ذلك فضيلته ببرنامج (البوربوينت) الذي يعرض عبر الحاسب الآلي داعياً إلى ضرورة الاستفادة منه. ويتابع حديثه قائلاً: هذه التقنية تجذب الكثير من الطلاب؛ ففي تدريس السيرة النبوية، ومعركة بدر، لو كان الحاسب الآلي موجوداً ويكون فيه خارطة لمعركة بدر، ويشرح للطلاب من خلالها، فيكون ذلك مقرباً لفهم الطلاب وأدعى لفهم الطلاب أكثر من الشرح النظري، فليت القائمين على هذه الدورات يعتنون بتفعيلها بين المشايخ والطلاب مما يؤدي إلى خير كثير. ويختتم فضيلته مقترحاته قائلاً: إنَّ هذه الدورات يحضرها الآلاف من طلبة العلم، فبعضهم خطباء جمع، وبعضهم طلبة علم يلقون دروساً على تلامذتهم، وبعضهم دعاة إلى الله؛ فهؤلاء المنتفعون ألا يستحقون بجانب العلم الذي يأخذونه أن يتعلموا بعض الفنون في التعامل مع الناس؟ فلِمَ لا تكون هناك دورة في فن الإلقاء، والاتصال بالآخرين، ولماذا لا يُعْطَى طلبة العلم الشرعي هذه العلوم والمعارف، ولا يُنَبَّهُون إلى الطرق المناسبة في طرح هذا العلم إلى الناس، كما هو دأب نبينا محمد ﷺ في تنوع أساليب تعليمه من التعليم بالقصة والحوار والمثل وغيرها. - كيف يستفاد من هذه الدورات؟ يحدثنا الشيخ الخضير قائلاً: الطريقة المثلى للاستفادة من هذه الدورات العلمية بأن يعنى الشيخ بالتحضير الجاد المناسب لمستوى الطلاب، ويهتم الطلاب بالحفظ والتحضير لها مبكراً. واهتمام الطالب بمناقشة الشيوخ أثناء الدرس ومذاكرة الزملاء بعد الانصراف ومراجعة المصادر فيما لم يتضح للطالب بعد ذلك كله. ونبه فضيلته لمسألة هامة بقوله: ومن المؤسف أن نرى بعض الطلاب لا يهتم بالكتاب إلا أثناء الدرس، بل إن بعضهم يترك الكتاب في المسجد، ومثل هذا وإن استفاد ففائدته قليلة، وهي أيضاً عرضة للنسيان. وحول هذه القضية يوصي الشيخ الزامل طلبة العلم بقوله: أن لا يتذبذبوا بين الدورات؛ لأنها تكثر في الإجازة الصيفية، بل عليهم أن يرتبوا أوقاتهم بين الدورات، حتى لا يكونوا كالمنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، وأضاف فضيلته: وأوصي الطلاب بالمداومة والاستمرار على هذه الدورات والدروس العلمية لتكمل لهم الفوائد النافعة. - أشد ما أعجب المشايخ من الطلاب عموماً، والوافدين خصوصاً: يؤكد الشيخ الخضير أن أشد ما أعجبه في ذلك الإقبال الشديد من طلاب العلم، والحرص على التأصيل والتحصيل العلمي بالحفظ والمراجعة، ومذاكرة الأقران ومناقشة الشيوخ، وهذا أمر يبشر بخير. وحول ظاهرة الطلاب الوافدين فَيُعَلِّق على ذلك الشيخ الراجحي قائلاً: أعزو هذا إلى الصحوة الدينية الشاملة بكل مكان. ويتحدث الشيخ المشيقح بقوله: القادمون من خارج المملكة لهم تفاعل كبير في الحضور، وأوضح ذلك بمثال: حيث ذكر أنه في العام الماضي (١٤٢٥هـ) شارك في دورة علمية مكثفة أقيمت في جدة (٦٠) شخصاً من الأردن، وكذلك المشاركات خارج المملكة في (الإنترنت) كثيرة، وذكر الشيخ المشيقح أن المنظمين يقولون إن الذين يدخلون الموقع الذي تبث فيه الدورة يقربون من (٥٠٠) مستمع، ولله الحمد. ويعود بنا الشيخ المشيقح إلى الطلبة الوافدين، حيث يقول: عند نهاية الدورات يتعلق بعض الطلاب منهم ويبكون لفراقهم للمشايخ ودروسهم، وأضاف فضيلته: وهذا يدفع العلماء للتأكيد على أهمية المشاركة بهذه الدورات المباركة. - المشايخ يعارضون الانغلاق المذهبي في دروسهم: في سؤال توجهت به إلى الشيخ عبد المحسن الزامل، فقلت له: هذه الدورات عرف عنها العناية بالدليل الشرعي بغض النظر عن المذهب؛ فهل هذا دأبكم في دروسكم ولا سيما أن الانغلاق المذهبي ربما يفرق أكثر مما يجمع؟! فأجاب الشيخ عبد المحسن الزامل قائلاً: المقصود من هذه الدورات بيان القول الراجح مع دليله، ولكن ينبغي لطالب العلم أو من يبيّن ويشرح أن يذكر الخلاف المعتبر والراجح فيه مستشهداً بقول الإمام ابن كثير: عدم معرفة الخلاف نقص في العلم، ولكن قد لا يتأتى مثلاً لمن يشرح استيفاء الخلاف، وإذا أمكن أن يتعرض لشيء من الخلاف، وذكر الأدلة وبيان الراجح فهذا جيد. وقد ألمح الشيخ المشيقح إلى نقطة مهمة من خلال إجابته عن هذا الموضوع فقال: التعصب المذهبي ذهب تقريباً، ولو وجد فالناس لا يقبلونه، وأضاف مستدركاً: غير أنه يوجد ما هو أشد منه مثل: التعصب الحزبي والتعصب للأشخاص. وقال الشيخ موجهاً نصيحته لعموم طلاب العلم قائلاً: وأنصحهم أن تكون ضَالَّتُهُم ما قاله ـ تعالى ـ وقاله رسوله ﷺ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] . - مقارنة بين الدورات العلمية والتعليم النظامي في المدارس والكليَّات الشرعية: في البدء قال الشيخ الراجحي: «في كلٍّ خير، وينبغي الاستفادة من الجميع» وقد ذكر الشيخ الخضير عدة فروق فقال: الدورات يتيسر فيها التحصيل للطلاب في أسرع مدة، وتنهى المتون بمدة قصيرة مقارنة بالدروس الثابتة، والدروس الثابتة تبسط فيها المسائل، وقال متابعاً حديثه: والدراسة النظامية يلزم بها الطالب لما يترتب عليها من شهادات؛ فالدورات والدروس العلمية أقرب إلى الإخلاص، وقال معقباً: (وفي كل خير) . من جهته أضاف الشيخ المشيقح على ذلك بقوله: «الدروس الثابتة في المساجد أكثر تأصيلاً لطالب العلم؛ فطالب العلم يرتبط بالشيخ عدة سنوات» وقال مواصلاً كلامه: «ودروس المساجد الثابتة ليست كالدراسة النظامية؛ فالدراسة النظامية تجمع بعض الطلاب ممَّن له ميول علمية، ومن ليست له ميول علمية، بل مقاصد أخرى. ونعرج إلى رأي الشيخ الزامل لنستطلع وجهة نظره حول ذلك فيقول: «الدورات المكثفة والدروس العلمية بينها وبين الدراسة النظامية فرق واضح؛ لأن العلم الذي يتلقى عبر المساجد ليس كالعلم الذي يتلقى عبر الجامعات، وإن كانت الفائدة موجودة بالجامعات. وأضاف: لكن الفائدة عبر المساجد أعظم بركة وأكثر فائدة وتحصيلاً، وأكثر خيراً، ورسوخاً في العلم، وقال مستأنفاً حديثه: ثم إن الدورات العلمية يأتيها طالب العلم مختاراً طائعاً، وأما الدراسة النظامية فربما يحصل فيها ضعف وتكاسل. - من بديع الفوائد الزكية في الدورات العلمية: تناثرت آراء العلماء المشاركين في هذا التحقيق في إبراز الفوائد المَجْنيَّة من الدورات المكثفة العلمية؛ فالشيخ الزامل عرض عديداً من فوائدها بقوله: الفوائد كثيرة جداً ومنها: - حفظ الأوقات لكثير من طلاب العلم، وإعانتهم على طلب العلم، وبخاصة أن هذه الدورات تتتابع حتى نهاية الصيف. - في الغالب يمر الطالب على غالب التخصصات في فنون العلم (الحديث ـ الفقه ـ التفسير) ، وإن كان مروراً فيه شيء من الاستعجال، إلا أنَّ فيه خيراً كثيراً، وقد تداخل الشيخ الخضير مع الشيخ الزامل في ذلك مؤكداً هذه الفائدة إذ يقول: من أبرز الفوائد إنهاء المتون في أسرع وقت. ومَثَّلَ فضيلته على ذلك بقوله: فالكتاب الذي ينجز في عشر سنوات في الدروس الثابتة بمقدار درس واحد أسبوعي، ينجز في الدورات بمعدل أربع دورات في السنة، كل دورة عبر أسبوع متواصل. وعودة على استكمال الفوائد التي طرحها الشيخ الزامل يقول: - تعليم طالب العلم أن العمدة في الدورات على الدليل من الكتاب والسنة، وعدم التعصب لقول فلان وعلان؛ فالمقصود من هذه الدورات نصرة الدليل والتزام السنة. - اجتماع طلاب العلم والإخوان في المساجد، ولقاؤهم وإزالة الشحناء والخلافات؛ حيث يجتمعون اجتماعاً واحداً مؤتلفاً، فصار من فوائد هذه الدورات تأليف النفوس وجمع القلوب؛ وهذا مكسب كبير. وفي حديث للشيخ المشيقح حول إبراز الفوائد من هذه الدورات يقول فضيلته: من الفوائد كذلك: - امتثال أمر الله وأمر رسوله ﷺ في طلب العلم والتعبد لله بهذه العبادة الجليلة. - الالتقاء بجملة من المشايخ الذين أَلَمُّوا بكثير من المتون العلمية، وقد لا يتحصل للطالب أن يلم بذلك في مكان واحد. - التقاء أهل العلم بعضهم ببعض، وما يحصل في هذا اللقاء من تلاقح الأفكار والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. - تنافس مكاتب الدعوة في هذه الدورات؛ حيث يتصلون بالمشايخ ليكسبوهم في حضورهم في هذه الدورات للتدريس فيها، وأثر ذلك ملموس على الجميع ولله الحمد. - تنافس التجار والمحسنين في تعليم العلم ومن ذلك: توفير السكن للطلاب، والمراجع، ووسائل النقل، والجوائز، والإعاشة للطلاب؛ لأنَّ كثيراً من الطلاب يأتون من خارج البلد المقامة فيها الدورة، وقد يكون قليل ذات اليد، فيتكفل به هؤلاء الأخيار إلى حين رجوعه ابتغاء الأجر والمثوبة. جزاهم الله خير الجزاء. ويشاركنا الشيخ السبت في إبراز بعض الفوائد في هذه الدورات فيقول: منها: - إحياء العلم في مناطق كثيرة لم يكن لها عهد بالدروس العلمية. - شجعت هذه الدورات الكثيرين من طلبة العلم على مواصلة الطلب، لما فيه من تقريب العلم للأذهان، ونشر العلم الشرعي وإفادة المتلقين. - التخلص من التخبط في طلب العلم ببناء منهجية تأصيلية لطالب العلم. - تقييم نهائي للدورات.. لتصل إلى النجاح الشامل: أبدى جميع أصحاب الفضيلة المشاركين بالتحقيق إعجابهم الشديد بهذه الدورات، وأن لها تأثيراً واسعاً على عموم طلبة العلم في العالم الإسلامي، مع مناداة بعض المشاركين بزيادة العناية بالمرأة، ولو أُفْرِدَتْ لَهُنَّ دورات علمية تَشْرَحُ لهن ما يخصهن من أمور دينهن لكان جيداً، وفي هذا دعا الشيخ الزامل بقوله: إن أمكن إقامة دورات للنساء فهذا أمر طيب؛ لأن هذا أدعى للفائدة، وخاصة إذاعرفت النساء أن الدورة خاصة بهن؛ فإنهن يحرصن على الحضور، ويذاكرن ما يلزمهن تحضيره من الدروس. ويجدر التنبيه إلى أنَّ فضيلة الشيخ صالح الأسمري ـ وفقه الله ـ له جهودٌ طيبة في إفراد النساء بدورات علمية خاصة بهن، وقد فرغت هذه الدورات في بعض الأشرطة. ويؤكد الشيخ السبت من جهته أن هذه الدورات ـ كما يقول ـ يمكن أن تؤصل طالب العلم إذا كانت مدروسة؛ وذلك في جوانب عديدة منها: أ - تحديد الهدف من الدورة. ب - تحديد الفئة المستهدفة. ج - اختيار الكتب والفنون المناسبة التي تحقق الهدف. د - الانضباط في الشرح بذكر ما يحقق الهدف دون توسع أو استطراد، أو شرح ما لا حاجة إليه كشرح المقدمة والبسملة والحمدلة، وما إلى ذلك مما هو خارج عن موضوع الدرس. ويرى الشيخ المصلح أن من مقومات النجاح لهذه الدورات، مراعاة حسن اختيار زمانها ومكانها ومدتها، ويضيف: ومما يعين على تحقيق الاستفادة من هذه الدورات تهيئة الأجواء المناسبة للطلاب وتسهيل إقامة المغتربين منهم، وإقامة البرامج النافعة والأنشطة المساندة، وشَدَّد الشيخ المصلح على أنَّه إذا اهتمَّ المنظمون لهذه الدورات بتلك المقومات فإنها تنجح أيما نجاح. ويحسن أن نختم مشاركة المشايخ في التقويم لهذه الدورات، ما قاله الشيخ الخضير: إذا كانت هذه الدورات مرتبة، وعُدَّتها المتون العلمية المعروفة لدى أهل العلم، وأديت على الجادة في ترتيب المتون حسب طبقات المتعلمين في جميع الفنون، فلا شك أنها تربي طلاب العلم على الجد والاجتهاد، والمتابعة، وعلل ذلك بقوله: لأنَّ طالب العلم إذا أنهى كتب الطبقة الأولى سمت همته إلى كتب الطبقة الثانية، وهكذا، وأضاف الشيخ: وعلى هذا فتكون الدورات نافعة جداًَ أما إذا كانت الدورات تسير من غير ترتيب ولا تنظيم، أو كان اعتمادها على كتب غير معتمدة عند أهل العلم، فإن هذه الدورات قليلة الجدوى. - فوائد على وجه السرعة من الدورات العلمية: فقد سألت بعض الطلاب المتميزين في هذه الدورات عما استفادوه فكانت إجابتهم على النحو التالي: الأخ محمد حجازي أجابني بقوله: استفدت من الناحية الإيمانية حيث يزداد الإيمان في المشاركة في هذه الدورات، ومن الناحية العلمية حيث يجتمع العلماء في يوم واحد ومسجد واحد وننهل من شتى العلوم، وكذلك: المباحثة والمذاكرة مع بعض طلبة العلم قبل الدرس وبعده، ويضيف الأخ خالد السليمان على ذلك بقوله: استفدت اختصار الوقت في التحصيل العلمي، وفي مشاركة للأخ عبد الجليل القحطاني. يقول: مناقشة المشايخ وكثرة الأسئلة وأجوبتها تفيدنا فوائد علمية، أضف إلى ذلك حفظ بعض المتون المقررة. وفي مداخلة للأخ محمد المتعب يعرض فيها ما اكتسبه من فوائد فيقول: معرفة التعامل مع كتب السلف، ومعرفة المنهجية في طلب العلم، وكذلك الاستفادة من أخلاق وسمت العلماء المشاركين وتوجيهاتهم. ويؤكد الأخ عبد المجيد الثنيان على أن هذه الدورات أفادته باعتبارها مفاتيح مُعِينة له على طلب العلم، واستفاد معرفة المصطلحات العلمية عند الأئمة الكبار، ويختتم حديثه حول هذا بأنه استفاد نيل بركة مجالس العلم واستغفار الملائكة لطلاب العلم كما جاء في الحديث الصحيح. - عوائق لا تفارق: يؤكد الأخ إبراهيم خطاب أن من العوائق التي واجهته خلال هذه الدورات صعوبة التفرغ التام لحضورها بسبب ظروف الحياة ومشاغلها. ويوافقه على ذلك خالد السليمان، بينما لم يذكر عبد الجليل القحطاني أو الثنيان عوائق واجهتهما خلال حضور هذه الدورات. ولكن محمد المتعب يصر على أن هناك عوائق تواجه بعض طلبة العلم ومنها: كفالة طالب العلم وكفاية مؤنته من المسكن والمأكل والمشرب، وأضاف: فكم من طالب علم يسكن بقرية نائية أو محافظة صغيرة ويرغب في الذهاب للمدن التي تقام فيها الدورات فتقف في وجهه تكاليف وأعباء الوصول والإٍقامة!. - كانت دليلاً للتأصيل: في سؤال وجَّهته لطلبة العلم المشاركين: هل للدورات العلمية دور في التأصيل العلمي؟ فبالإيجاب يجيب الكل، ويشرح محمد حجازي وجهته في ذلك قائلاً: هذه الدورات تراعي التأصيل ومن ذلك: ١ ـ أنَّ الكتب المختارة تراعي التدرج العلمي. ٢ ـ أن المشايخ المشاركين فيها يركزون على حل ألفاظ المتن والتقريرات العلمية دون التوسع في ما يشتت ذهن الطالب وبخاصة المبتدئ. ٣ ـ أن الطالب يتلقى دروساً يومية، ومتتالية تساعده على ربط المتن بعضه ببعض فيخرج من هذه الدورة وقد أتقن المتن كاملاً بخلاف الدروس الأسبوعية المنتشرة في المساجد طوال السنة. ومن جهته يقول الأخ خالد السليمان: أما قضية التأصيل العلمي في الدورات؛ فالذي أراه أن ذلك يختلف بحسب المستفيدين منها. وأضاف: فإذا كان الطالب حريصاً على حضور حِلَق العلم غير مضيع لها فهذه الدورات طريق لاستمرار تفوقه. - مميزات للدورات: يتحدث المتعب عن أن هذه الدورات تميزت بعدة أمور، وذكر منها: ١ - الوصول السريع إلى المعلومة الشرعية. ٢ - أخذ العلم من كبار العلماء، والذين يعز اجتماعهم وأخذ العلم عنهم في أماكنهم. ٣ - أن الدورات تعطي طالب العلم خلاصة ما يتوصل إليه الشيخ في فَنِّه الذي يجيده. ٤ - إحياء سنة الرحلة في طلب العلم. ويزيد الأخ محمد حجازي على هذه الميزات، فيقول: ٥ - تفريغ الذهن من المشاغل خلال أيام الدورة المعدودة. ٦ - التأصيل العلمي. ٧ - تلقي العلم بالتدريج. ويشاركه الثنيان في إبداء بعض المميزات فيتحدث بقوله: ٨ - ابتداء الدروس من بعد صلاة الفجر. ٩ - نقل الدروس عبر (الإنترنت) . ١٠ - تخصيص أماكن يتسنَّى فيها حضور النساء للمشاركة في مجالس العلم، واعطائهنَّ فرصاً للأسئلة وبيان الإشكالات، التي تعرض لهن. - أشد ما أعجب الطلاب في الدورات: حول ذلك يتحدث إبراهيم خطاب فيقول: لا يوجد ما يشرح الصدر مثل مظهر الشاب في أوج شبابه وفتوته يترك ملذاته الدنيوية، ودفء سريره ليواظب على هذه الدروس والدورات العلمية؛ فأُمَّةٌ فيها شباب أمثال هؤلاء إنها أمة خير ويرتجى منها الخير بإذن الله. ويشير السليمان إلى مظهر أعجبه في هذه الدورات فيقول: تركيز الاستفادة من هذه الدورات؛ حيث يوجد في بعضها مسابقات لحفظ المتون، أو اختبارات في نهاية الدورة. أما محمد المتعب فقد أعجبته ميزة رائعة وهي: كسر الحواجز الجغرافية والقومية بين طلاب العلم، وأضاف قائلاً: فالقريب يجلس جانب البعيد، والغني بجانب الفقير، وكفى بهذه الميزة من ميزة علَّمناها ديننا الحنيف. ويختتم محمد حجازي ميزة رآها في هذه الدورات فيقول: تهيئة المسجد الذي تقام فيه الدورة لاستقبال هذه الأعداد الغفيرة. - مقترحات يتمنى الطلاب وجودها: سألت الإخوة الطلاب حول هذا الأمر، فأجاب الأخ محمد حجازي على ذلك بعدة نقاط منها: ١ - أن تحدد المستويات في كل دورة، وفي كل كتاب، كأن يعلن أن هذه الدورات للمبتدئين أو المتوسطين أو المتقدمين. ٢ - أن تصدر شهادات علمية للمواظبين على الحضور مختومة وموقعة من إدارة الدورات مع المشايخ المشاركين؛ ولكن بعد اختبار الطلاب في آخر الدورات بحيث تكون هذه الشهادة بمثابة الإجازة المعروفة عند سلفنا. ٣ - أن يستعان بالعلماء والمشايخ من خارج السعودية للمشاركة في هذه الدورات، وبخاصة في علم القراءات والتفسير والبلاغة والفقه. وأضاف محمد المتعب على ذلك بقوله: ٤ - أهمية انتقاء مجموعة من المتميزين في هذه الدورات وإقامة دروس خاصة لهم بعد الدورة، والاهتمام بهم اهتماماً خاصاً. وفي حديث لخالد السليمان حول هذه القضية يقول مقترحاً: ٥ - لا بأس بإعادة شرح المتون الأساسية المهمة التي سبق أن شرحت في الدورات العلمية، وأضاف مقترحاً: ٦ - الحرص على الشيخ الذي يؤصل طلابه في تعليمه لهم، لا الذي اشتهر بالعلم فقط. وأكد على ذلك بقوله: لأن تعليم العلم في نظري متكون من شقين: أ - أهلية المعلم في العلم. ب - أهليته في طريقة التعليم. ويقترح عبد المجيد الثنيان اقتراحاً يتمنى فيه إيجاد وسيلة نقل بين الطلاب الذين لا يستطيعون أن يمتلكوا سيارة خاصة بهم، وتهيئة السكن للطلاب الذين يأتون من خارج المنطقة لمشقة استئجار المسكن على بعضهم. - حضور الطلاب للدورات.. هل يلزم؟! يقول إبراهيم خطاب مؤكداً على ذلك: يلزم حضور هذه الدورات لأنه يتم فيه مشافهة الشيخ العالم ببعض الأسئلة المشكلة، ويرى أن من لم يستطع المشاركة فلا يحرم نفسه الخير والعلم بتحصيله عبر (الإنترنت) من البالتوك، أو مواقع الدورات، أو الأشرطة. ويشير عبد الجليل القحطاني إلى أن في حضور مجالس العلم نيل بركة العلم، ومعرفة المشايخ، والاستفادة من أخلاقهم وهو مكسب لا شك فيه. - مظاهر غير جادَّة من بعض الطلاب: حين سألت إبراهيم خطاب عن ذلك ابتدأ بقوله: إنَّ ما يُكَدِّر صفو هذه الأجواء الجميلة، ظهور السآمة والملل من بعض الطلاب، فيجرهم ذلك إلى الحديث الجانبي بعضهم مع بعض، أثناء إلقاء الدرس، وهذا وإن كان قليلاً إلا أنه أمر ينبغي تلافيه. ويضيف عبد المجيد الثنيان قائلاً: عدم اصطحاب الكتاب من بعض الطلاب أو الدفتر والقلم لتدوين الفائدة، ويتداخل خالد السليمان في هذا الموضوع فيقول: النوم أثناء الدرس من بعض الطلاب مظهر غير جاد، وكذلك عدم التنظيم والتخطيط في الحضور لبعض الدروس من الطلاب، ويواصل حديثه قائلاً: والأوْلى أن يستشير الطالب ويستفيد من غيره في الشيء الذي يناسبه حضوره من هذه الدورات. من جانبه أبرز محمد حجازي مظهرين غير جادين من قِبَل بعض الطلاب حيث ذكر: الحماس الشديد من بعضهم في أوائل الدورة ثم التراجع شيئاً فشيئاً، حتى يبقى نصف العدد، الذي ابتدأ من أوَّله، وأضاف: وكذلك من المظاهر التأخر في حضور الدروس من بعض الطلاب المحصِّلين للعلم. وينهي الحديث حول هذه القضية عبد الجليل القحطاني حيث يقول: عدم الجدية في مراجعة الدروس المشروحة، وعدم حفظ المتون مظهر غير جاد لبعض الطلبة. - مدى مناسبة الاختبارات التأهيلية قبل المشاركة في الدورات: اختلفت رؤى الطلاب حول ذلك؛ فإبراهيم خطاب يعارض ذلك بشدة، قائلاً (لا ... وألف لا) ويعلل ذلك بقوله: لأننا بحاجة إلى زيادة في العدد، والاختبارات للالتحاق ستنقصه ولاريب في ذلك، وأضاف مستدركاً على ذلك بقوله: فإن أردنا اختبارات، فلتكن اختبارات جادة في نهاية الدورة، وتكون هذه الاختبارات قوية لتهيئ شباباً مؤصلاً علمياً. ومن جهته فإن محمد حجازي يرى أهمية تلك الاختبارات قائلاً: أؤيِّد الاختبارات لتحديد المستوى الحقيقي لطالب العلم، ومن ثمَّ توجيهه الوجهة الصحيحة والمناسبة لمستواه في العلم وهذا فيما أحسب من باب (الدين النصيحة) ، ويوافقه على ذلك خالد السليمان وعبد الجليل القحطاني، ومحمد المتعب؛ حيث يقول الأخير: أؤيد وجود اختبارات مرحلية لطلبة العلم؛ لأنها تبين الجاد من الهازل. وهكذا جلسنا وإياكم في رياض هذه الدورات العلمية؛ فهل تغريكم بالالتحاق بها والاستفادة منها ... ؟ عسى ولعل. والله من وراء القصد.

стр. 5302

بَوْح ثكلى رشا بنت عبد اللطيف الكردي ناء اليراع بوطأة الحسراتِ فبكى، وفاضت بالمداد دواتي صفحات تاريخي تذوب لما بها كَمَداً، تُرى أقرأتمُ صفحاتي؟ أوَليس يضطرم الإباء بأحرفي أوَلا يُطل القهر من كلماتي؟ مثل السيول مدامعي واحرقتي! أترى ستوقظ نُوّماً دمعاتي؟ أوَما سمعتم صرختي الحرّى بكم؟ والهفتي! أألفتمُ صرخاتي؟ أنا من نشأت أبيّة شمّاء لم أرضَ الهوان، ولم تزغ خطواتي أنا أمة القرآن لا أرضى به بدلاً، ومنه قد استقيتُ صفاتي أنا من نشأت على الجهاد أنا التي أبلى بلاءَ الفاتحين أُباتي أنا من سموتُ عن الدنايا رفعةً أنا أمة الإسلام وا حسراتي!! يا من ترون أمامكم جرحي أما زلتم أُسارى الذل والشهوات؟ أوَ تطمعون بنصرتي بكلامكم؟ ما بال نصرتكم سلاح عِداتي؟ أبَنيّ يا من كنتمُ خير الورى ماذا دهاكم يا ذوي العزَمات؟ ما بال أرضي تُستباح أمامكم وتموت أن قطافها ثمراتي أُسبَى وتنهشني الذئاب ضوارياً وبخسة، كم يُغتصبن بناتي! ويموت أطفالي وأجرع غصتي ويظلّ يبكيهم ثرى عَرَصاتي ويموت شِيبٌ في حصاد غلالهم بقذائف تترى وجرّافاتِ أبكيهمُ وحدي، وأنتم هاهنا لا تدركون حقيقة المأساة تستمتعون بوقتكم وحياتكم لاهين عن جرحي وعن كبواتي أبَنِيَّ يا من قد كستكم بُردتي يا من قوام حياتكم خيراتي أوَ ليس منكم من يغار عليّ من ظلم أصاب العمق من حرماتي؟ ولقد صنعتُ أشاوساً من قبلكم كانوا لأمجادي أبرّ بُناةِ؟ أوَ لم أَسُدْ عرش الثريّا يومها أسقي الوغى دم قادتيِ وحُماتيِ أترى سأُسمعكم أساي ولوعتي؟ أترى الحسام جواب نزف شكاتي؟

стр. 5303

الصوت في الخطابة أهميته وأثره في انتباه المستمعين إبراهيم بن محمد الحقيل من دلائل تكريم الإنسان على سائر الحيوان: أن الله ـ تعالى ـ رزق الإنسان القدرة على الإبانة عمّا في نفسه باللسان أو بالإشارة أو بالكتابة. وحاجة المرء إلى القدرة على البيان لا تقلُّ أهمية عن حاجته إلى عقله؛ لأنه إن لم يستطع الإبانة عمّا في نفسه قلّت فائدة عقله أو تلاشت. ولهذا فإن الله ـ تعالى ـ ما أرسل رسولاً إلا بلغة قومه؛ ليتحقق المقصود من الرسالة وهو: إبانة الطريق الموصلة إلى الله ـ تعالى ـ وتحذيرهم من سبل الشيطان. قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] ، وقال النبي ﷺ : «لم يبعث الله نبياً إلا بلغة قومه» (١) . ولكل وسيلة من وسائل البيان أصولها وقواعدها وأسلوبها، تعارف البشر على ذلك وتواضعوا؛ إذ لا سبيل إلى التفاهم فيما بينهم إلا بذلك. والخطاب المباشر بـ (الخطابة) هو أشهر وسائل البيان والإقناع، وأكثرها استعمالاً عند بني آدم؛ ولذا اعتنوا به من قديم الزمان، وبحثه المتقدمون منهم والمتأخرون، وأدخلوه ضمن علوم الفلسفة قديماً، وأُنشئت له الأقسام في الجامعات، وخُصص له مناهج ومدرسون مختصون، وأُلّفت فيه الكثير من الكتب والرسائل العلمية كما هو مشاهد في عالم اليوم. وهذه المقدمة المختصرة تُلقي الضوء على جزء من الخطاب المباشر (الخطابة) يتعلق بصوت الخطيب الذي يلقي الخطبة؛ ذلك أن للصوت تأثيراً ملحوظاً على السامع، وهو الوسيلة الموصلة للمعاني إلى آذان المستمعين. - أهمية الصوت: صوت الخطيب مُترجِم عن مقاصده، وكاشفٌ عن أغراضه، ومصاحبته للألفاظ إذا كان الإلقاء جيداً بمثابة بيان المعاني التي أرادها الخطيب، وهو المُعَوَّل عليه في إيصال الخطبة إلى السامعين، ومِنْ ثم إلى قلوبهم. وقد سمّاه الأقدمون: نوراً؛ لأنه يحمل شعلة الضياء إلى الأذهان (٢) . وكم من الخطباء الذين يُبهرون السامعين بحسن أصواتهم وجودة إلقائهم أكثر من سحر بيانهم. ومن دلائل تأثير الصوت في النفوس: أنه قد يقرأ القرآن حافظ متقن مجوِّد؛ لكنه لا يحسن الأداء في القراءة، فلا يؤثر في مستمعيه. وقد يقرأ القرآن من ليس بمجود ولا متقن؛ فيُبكي سامعيه بجودة أدائه، وحسن صوته. والخطبة الجيدة إذا ألقاها من لا يحسن الأداء كانت كالسيف البتّار في اليد الضعيفة، والخطيب المصقع الذي يلقي خطبة رديئة كالبطل المغوار الذي يقاتل بسيف كالٍّ. فإذا اجتمعت قوة السيف، وقوة اليد التي تحملها، وقوة قلب صاحبها عملت عملها، وهكذا الخطبة إن كانت جيدة في بلاغتها ولغتها وأسلوبها، وألقاها من يحسن الإلقاء عملت عملها في قلوب السامعين. وكم من أشخاص سمعنا خطبهم، وتأثرنا بها! فلما قرأناها مكتوبة لم تكن كما سمعناها، مع أنها لم تزد حرفاً ولم تنقص حرفاً؛ مما يدل على أن للإلقاء والصوت أثراً كبيراً على السامع. - هل جمال الصوت خِلقة أم اكتساب؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من فهم المقصود منه؛ إذ إن الحكم على جمال شيء أو قبحه أمر نسبي يختلف باختلاف الأذواق، ثم في الذي يُسخَّر له الصوت، وكيفية تسخيره؛ وهذا بلا شك له أثره في الحكم على جمال الصوت أو قبحه. وكثير من الخطباء قد يحكم على صوته بأنه سيئ مع أن السوء في أدائه لا في صوته، فيقعد عن تحسين أدائه بحجة أن هذا هو ما أعطاه الله تعالى. والأصوات أنواع، ولكل صوت ما يناسبه من طرق الأداء والإلقاء؛ فما يحسن من الأداء في صوت قد يقبح في آخر؛ بدليل أننا نستمع إلى خطيبين يقلد أحدهما الآخر في طريقة الإلقاء، حتى يكاد أن يكون مثله لولا اختلاف نغمة الصوت، ومع ذلك يُقيل الناس على أحدهما، ويستهجنون الآخر؛ والسبب: أن أحدهما ناسب صوته طريقة إلقائه، بعكس الآخر. وعلى الخطيب أن يكتشف طريقة الإلقاء المناسبة لصوته ونَفَسه؛ وذلك يكون بتجربة طرق عدة، والنظر في مدى أثرها على السامعين، مع سؤال أهل الخبرة في ذلك، وسيكتشف بعد عدة محاولات طريقة الأداء التي تناسب صوته. - الهدي النبوي رفع الصوت في الخطبة: روى جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه؛ حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم مسَّاكم ... » (١) . ويفهم من هذا الحديث أمور، منها: ١ - الاعتناء بشأن الخطبة؛ فإنه ﵊ كان يهتم لها وبها، دلّ على ذلك الأحوال التي تعتريه أثناء خطبته؛ فلو لم يكن مهتماً بها لما علا صوته، واحمرَّت عيناه، واشتدَّ غضبه. قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: «يُستدَل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخِّم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويكون مطابقاً للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب وترهيب» (٢) . ٢ - لا يفهم من الحديث أنه ﷺ كان يرفع صوته دائماً، ويشتد غضبه باستمرار، وتحمرُّ عيناه في كل خطبته؛ بل كان ذلك منه في أحوال تستلزم ذلك كذكر القيامة، أو إذا خولف في أمر غضب لله ـ تعالى ـ كما جاء في بعض روايات الحديث: «كان رسول الله ﷺ إذا ذكر الساعة احمرَّت وجنتاه، واشتدَّ غضبه، وعلا صوته..» (٣) . فهذا مقيِّد للإطلاق المذكور سابقاً بذكر الساعة. وهذا ما فهمه شُرَّاح الحديث. قال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: «كونه ﷺ تحمرّ عيناه، ويعلو صوته، ويشتدُّ غضبه في حال خطبته، كان هذا منه في أحوال. وهذا مشعر بأن الواعظ حقه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلم فيه ما يطابقه؛ حتى لا يأتي بالشيء وضده ظاهر عليه. وأما اشتداد غضبه فيحتمل أن يكون عند نهيه عن أمر خولف فيه، أو يريد أن صفته صفة الغضبان» (٤) . ٣ - أن تغيّر أحوال الخطيب وانفعالاته يكون بحسب المعاني التي يلقيها على السامعين؛ كما دل عليه الحديث، وأقوال العلماء الذين شرحوه؛ حتى لا يكون إلقاؤه مخالفاً للمعاني التي يلقيها. فألفاظ الاستفهام والتعجب، والتوبيخ واللوم، والعتاب والزجر، والتفخيم والتهويل والتحزين والحيرة، والوعد والوعيد، ونحوها لها كيفيات صوتية في الإلقاء تدل على المعنى المراد. وكذلك يقال في خفض الصوت ورفعه ولينه وشدته، وتكرار الكلمة وقطعها ومد الصوت بها لها مواضعها في الخطبة؛ حتى يستثير الخطيب السامعين، ويلفت انتباههم، مما يكون عوناً على الاستفادة من الخطبة؛ إذ هو المقصود من شرعيتها. ولا شكَّ في أن الخطيب إذا لم يراعِ معاني الألفاظ في صوته فقدت معانيها، ولربما استعجمت على السامعين، وفي هذا المعنى يُذكر أن رجلاً اتُّهم بالسرقة، وليس ثمة دليل يدينه، فوعده القاضي بأن يطلق سراحه بشرط أن يقوم أمام الناس ويعترف بأنه لص! فوافق، فلما صار أمامهم قال بصيغة السؤال والاستنكار: «أنا لص؟!» كأنه يستنكر ذلك؛ فتعاطف الناس معه، ولم يحقق القاضي ما أراده» (٥) . - ما ينبغي مراعاته في الصوت: ١ - موافقته لظروف الخطبة؛ فإن الصوت يختلف باختلاف الحضور واختلاف المكان والزمان، وموضوع الخطبة. فصوت الخطيب يختلف في مناسبة الفرح عنه في مناسبة الحزن، كما يختلف في المكان الضيق عنه في المكان الرحب الغاص بالمستمعين (١) . فعلى الخطيب أن يراعي مثل هذه الظروف، ويكيِّف صوته بما يتناسب معها. ويرى بعض الباحثين أن المناسب في الخطبة أن يبدأ بها خافضاً صوته، ثم يعلو شيئاً شيئاً؛ لأن العلو بعد الانخفاض سهل، ووقعه على السامعين مقبول. أما الخفض بعد الارتفاع فلا يحسن وقعه (٢) . وعلى الخطيب أن يعرف قدراته الصوتية، فلا يتحمس حماساً يرفع صوته عالياً بحيث لا يستطيع إكمال خطبته على هذا النمط؛ لأنها طويلة، وقدرته الصوتية ضعيفة؛ فيقع في حرج بالغ، ويُفسد انجذاب السامعين إليه. ٢ - ألا يجعل صوته نمطياً؛ بحيث يكون على وتيرة واحدة؛ فإن ذلك يلقي في السامعين سآمة وملالاً، بل يغيّر النبرة الصوتية بما يتناسب مع المعاني التي تحويها الألفاظ. وقد كان كثير من الخطباء ـ خاصة كبار السن ـ يرتلون الخطبة كترتيل القرآن، أو كقراءة المتون العلمية على المشايخ، وهذا لا يتناسب مع الخطبة، وإن وجد السامعون له لذة في مسامعهم؛ لكنها ليست لذة بالمعاني والألفاظ، وإنما هي بصوت الخطيب ـ ولا سيما إن كان صوته حسناً ـ وذلك يشغلهم عن معانيها وفوائدها، ولربما أنهم لم يدركوا ما فيها من معانٍ وألفاظ رغم طربهم بها. ٣ - أن يفرِّغ فكره أثناء الإلقاء للمعاني التي يلقيها، ويحرك بها قلبه، ويتفاعل معها قدر استطاعته. وللإخلاص في إعداد الخطبة وإلقائها حظ كبير في تحرك القلب بها، ولا سيما إن كان في القلب حرقة لدين لله تعالى، ولنفع إخوانه المسلمين. والشواغل الذهنية أثناء الإلقاء تؤثر كثيراً على القلب، وتفقده الكثير من الخشوع والتدبر. فانشغال الخطيب أثناء الإلقاء مثلاً بالنحو ـ أي خوف اللحن ـ يجعله يركّز على الإعراب، وينصرف عن المعنى. وسبب ذلك في الغالب: أنه لا يراجع خطبته قبل إلقائها مراجعة تجعله يتقنها، ولا يخاف اللحن فيها. ومن كان دائم الانشغال بذلك حتى لو راجعها كثيراً فينبغي له أن يعربها ـ أي يضبطها بالشكل ـ لأن تفريغ ذهنه للمعاني أهم من انشغاله بأمور يستطيع إصلاحها قبل الإلقاء. وقد يكون الخطيب مرتجِلاً ـ يخطب بلا ورقة ـ فينشغل بما سيقوله عن تدبر ما يقول، أي: أن فكره يسبق كلامه، فيهيئ في ذهنه الجملة التي سيقولها وهو لا زال في الجملة الأولى، وهذا بلا شك يجعله لا يتدبر، وربما دخلت الجملة الثانية قبل اكتمال الأولى، فيفسد المعنى كما هو ملاحظ على كثير ممن لا يحسنون الارتجال. وبكل حال فإن الإعداد الجيد للخطبة مع الإخلاص كفيل بانفعال الخطيب في خطبته، ومن ثم انفعال المستمعين. وكلما ضعف الإعداد وقلّ الإخلاص كان الانفعال أقلّ وتأثير الخطبة أضعف. وفي هذا المعنى قال عامر بن عبد القيس ـ رحمه الله تعالى ـ: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان» (٣) ، ولما سأل معاوية ﵁ صحار بن عياش العبدي عن سر بلاغتهم قال: «شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا» (٤) ، وقال الحسن البصري ـ رحمه الله تعالى ـ لواعظ لم تؤثر فيه موعظته: «يا هذا! إن بقلبك لشراً أو بقلبي» (٥) . ٤ - عناية الخطيب بأجهزة الصوت التي توصل خطبته للسامعين؛ فهذه الأجهزة نعمة من الله ـ تعالى ـ خدمت الخطباء وأراحتهم من رفع أصواتهم رفعاً يُضِرُّ بهم. ومعنى العناية بها: أن يكون الصوت فيها موزوناً بما لا يزعج المستمع ولا يشوّش عليه. وبعض الخطباء لا يرتاح حتى يرتد إليه صوته من شدة جلبة مكبرات الصوت، وبعضهم قد تكون أجهزته لا توصل الصوت من شدة خُفوتها، والموازنة مطلوبة، وأصوات الناس تختلف، والأجهزة أيضاً تختلف، فينبغي أن يضبط صوت الجهاز بما يتناسب مع صوت الخطيب ضعفاً وقوة؛ فإن كان في صوت الخطيب ضعف رفع صوت الجهاز حتى يسمع الناس، وإن كان الخطيب جهير الصوت خفض صوت الجهاز حتى لا يحصل الإزعاج؛ فالإزعاج وضعف الصوت مانعان من الاستفادة من الخطبة. ٥ - الاعتدال في سرعة الصوت؛ فلا يتمهل تمهلاً يصيب السامعين بالملال، ولا يسرع سرعة تمنعهم التدبر وفهم المعاني. والسرعة تجهد الصوت لا سيما في الخطب الطويلة. وحدد بعضهم متوسط ذلك بما يقارب (١٢٠) كلمة في الدقيقة (٦) . وفي ظني أن هذا يختلف باختلاف الأصوات وطريقة الإلقاء، ولكل خطيب ما يناسبه. ولو أسرع في بعض الجمل ليتمهل في كلمة منها بقصد لفت الانتباه إلى أهميتها؛ فذلك أسلوب من أساليب شد الانتباه، وقد كان بعض مشاهير خطباء الإفرنج ينطق بعدة كلمات بسرعة كبيرة حتى يصل إلى الكلمة أو العبارة التي يريد تأكيدها، ثم يبطّئ صوته عندها، ويضغط عليها (٧) . ٦ - أن يجتنب الخطيب ما قد يضايقه ويضعف صوته كالضغط على الحنجرة بأزرار الثوب، وإن كان ممن يحتاج إلى ماء لتقوية صوته فلا بأس أن يشرب قبل الخطبة، أو في الجلسة بين الخطبتين، أو حتى في الخطبة إن لم يخش انقطاع الأفكار، وانصراف المستمعين عنه. وعلى كل حال فإنه ينبغي للخطيب العناية بما يكمل خطبته، ويجعلها مؤثرة في قلوب المستمعين، محصلة لمقاصدها التي شرعت من أجلها، كذلك ينبغي العناية بالصوت، والبحث عن الطريقة الإلقائية الملائمة له. وتمرينات الحلق واللسان على الأساليب الخطابية؛ مما يجب على الخطباء صرف الاهتمام له؛ فليس ذلك بأقلّ من الاهتمام بإعداد الخطبة موضوعاً ولغة، وبلاغة ومعنى؛ إذ الصوت ناقل لها، وبجمال الإلقاء تكون الخطبة جميلة، وبرداءة الإلقاء تكون الخطبة رديئة، ولو كان إعدادها جيداً.

стр. 5304

حتى لا تغرق.. في بحر من ورق ! إبراهيم بن سليمان الحيدري مجرد أن يتلمس بعضنا جيب ثوبه أو يتذكر منزله ومقر عمله يدرك أنه بحاجة إلى آلية حازمة للنجاة من أمواج الورق الهادرة، وإلا غرقنا في بحر من مادة رخيصة تتسابق المصانع لإنتاجها بأشكال مختلفة وأحجام متباينة. لقد غلف الورق حياتنا كلها؛ فهي تبدأ بورقة (شهادة الميلاد) وتنتهي أيضاً بورقة أخرى (شهادة الوفاة) وبين هاتين الورقتين أطنان من الورق تعيش معنا. جانب من أهمية الورق أنه مثّل ويمثّل ذاكرة خارجية للإنسان؛ وهذا حق لا شك فيه، إلا أن هذه الأهمية ولَّدت ما يمكن أن نسميه بالشخصية الورقية التي لا تفكر إلا على ورقة، ولا تحفظ أو تنقل المعلومات إلا على ورقة. - نقطة الانطلاق: تبدأ عملية التعامل الإيجابي مع الورق من هندرة (١) نظامنا العقلي تجاه الورق وتغيير بعض قناعاتنا المخطئة في التعامل معه، وأول خطوة في رحلة التغيير تبدأ من ذواتنا؛ فلا تكن شخصية ورقية! - اتخذ قراراً حيال كل ورقة: هذه خطوة مهمة في النجاة من الورق؛ فكثير من الفوضى الورقية في حياتنا تعود إلى تأخر أو عدم اتخاذنا لقرار مناسب حيالها. هناك ثلاثة قرارات يحبذ أن تتخذها لكل ورقة تحل في ضيافتك: ١ ـ أتلف: كثير من الأوراق التي تأتي إلينا لا نحتاج إليها أصلاً، أو تفقد أهميتها باطِّلاعنا عليها، أو تتوفر في مكان آخر قريب منا؛ ولذا فإن إتلافها بشكل سريع هو أفضل حل. ومع بساطة هذا القرار إلا أني أدعوك لتتذكر كميات الإعلانات والجرائد والمصورات التي تغص بها بيوتنا مع إدراكنا بأنها تفقد أهميتها فور الاطلاع عليها. المشكلة أننا نميل بطريقة لا إرادية لتأجيل قرار الإتلاف، خذ هذه الوصفة: إذا كنت تشك في أهمية الورقة، فتخلص منها فوراً. ٢ ـ مرِّر: كثيرة هي الأوراق التي لا تعنينا وقد تكون ذات أهمية لغيرنا، الحل: هو تمريرها إليه ليتخذ هو بدوره أحد القرارات المناسبة. ٣ ـ احفظ: فن تنظيم الأوراق لا يعني بالضرورة التخلص منها أو تمريرها، بل إن بعض أوراقك يجب أن تحتفظ بجسمها، إلا أن الحفظ المطلوب ليس تحريك الأوراق أو تجميعها في ملفات وإلا لعشنا فوضى مغلفة. يجب أن ندرك أن قرار الحفظ يختلف عن طريقة الحفظ؛ لذا فلا بد أن نفكر ملياً بطريقة فعالة لحفظ أوراقنا قبل أن نتخذ قراراً بحفظها. افعله الآن: افعله الآن: اسم لسلة أو مكان قريب منك سواء كان ذلك في المنزل أو المكتب لذلك النوع من الأوراق التي تحتاج إلى تأمل أو يتطلب القرار فيها إلى متطلبات أخرى، إلا أن المهم فيها أن لا تكون هذه السلة مقبرة للأوراق. - تعامل مع محتوى الأوراق لا مع أجسامها: ثمة فرق شاسع بين الورقة والمعلومة التي عليها، وأهمية المعلومة لا تعني بالضرورة قراراً بحفظ الورقة. والسؤال: لماذا نحتفظ بورقة بحجم A٤ من أجل بضعة كلمات مهمة فيها أو نثقل جيوبنا بقصاصات كثيرة تحمل سبعة أرقام لهاتف صديق أو زميل؟ إن استخدامك لنظام مفكرات الجيب أو المكتب، الورقية أو الآلية هو من أفضل الوسائل للتعامل مع المعلومات بلا أوراق. - عش بلا أوراق: محزنة نتيجة الدراسة التالية: يقضي موظفو المكاتب في المتوسط ٥٠% من حياتهم العملية وهم يحاولون السيطرة على الورق. محزن أن نعمل من أجل الورق بدلاً من أن يعمل من أجلنا. تعوَّد أن يكون جيبك خالياً دائماً من الأوراق والقصاصات، وحافظ على سيارتك خالية من الأوراق، ولا تسمح بأن تغطي الأوراق سطح مكتبك. - اجعلها غزوة: لكي تشعر بنقلة نوعية في حياتك مع الأوراق ابدأ برنامج تعاملك الإيجابي معها بغزوة، وتشرَّب كل ما تعنيه كلمة غزوة من معنى: الشجاعة والحزم والإرهاق، غنائمك في هذه الغزوة قد تكون كومة أوراق قررت التخلص منها، وربما نظام تصنيف موضوعي يناسبك ويناسب طبيعة أوراقك، وقبل ذلك كله قناعات ذهنية لا تقبل التنازل عنها. (ملاحظة: يعالج هذا المقال الجانب الشخصي في التعامل مع الأوراق ولا يعالج الجانب المؤسسي) .

стр. 5305

من يشكّلُ وجدان أطفالنا ووعيهم بالحياة ؟! استطلاع أدبي للبيان محمد شلال الحناحنة أطفالنا براعم غضّة تحتاج منّا الكثير من الرّعاية والسقاية، وتحتاج أنْ نحنو عليها، ونقوّم أغصانها الصغيرة، وأنْ نحوطها بوعي العقول الراشدة، والقلوب الدافئة أمام العواصف العاتية؛ فهل استطعنا من خلال أدبنا أنْ نشكّل وجدانهم ووعيهم بالحياة، أم تركنا ذلك للفضائيات الهابطة، والبرامج المغرضة التي تحاول نزعهم عن هويتهم؟! هذا السؤال وغيره كان مدار استطلاع أدبيّ للبيان من خلال حوارات مع عدد من الأدباء؛ وقد جاء لقاؤنا الأوّل مع القاص الكاتب (خليل الصماديّ) الذي نشر أكثر من مجموعة قصصيّة للأطفال، كما أنّه مهتمٌّ بتراثنا الإسلاميّ بكتاباته المتعدّدة في هذا المجال، وقد أجابنا عن تشكيل وجدان أطفالنا قائلاً: - براعمنا الغضّة: .... أطفالنا براعمنا الغضّة، وهم أوعية تتلقّى كُلّ يوم مؤثرات من البيئة المحيطة بهم، وهم بحكم سنّهم لا يميّزون بين الغثّ والسمين، وقد تكون هذه المؤثرات إيجابيّة وتربويّة، فتصقل عودهم على مكارم الأخلاق، وقد تكون سلبيّة، فتؤدي إلى الانحراف والميل عن جادة الصواب، ولا سيّما إذا اشتدّ عوده، وبلغ سنّاً لا يفيد معه الإصلاح والتهذيب، وكما قال الشاعر: إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلتْ ولا يلين إذا قوّمته الخشبُ كان الأطفال فيما سبق قبل الفضائيّات يتلقّون ثقافتهم غير المنهجية عن طريق القصص، ومجلات الأطفال التي غالباً ما يختارها الأبوان أحدهما أو كلاهما، وأغلب هذه المطبوعات تربويّة وجيّدة، وضعها عددٌ من التربويين والحريصين على تنشئة الطفل بما لا يصادم ثوابتنا، أمّا قبل انتشار المجلاّت والقصص، وفي القرون الغابرة، فقد كان الآباء يحرصون على تلقي أبنائهم الآداب النافعة؛ فالقادرون منهم كانوا يحضرون لهم المربين، والمؤدبين، ويوصونهم بجملة من الوصايا حفلت بها كتب الأدب. أمّا اليوم في عصر الفضائيات الهابطة فقد تقلّص دور المجلّة والقصّة والمربّي والمؤدّب إلى حدّ كبير، وصار الاعتماد على الفضائيات جليّاً، وانعكس ما تبثّه على أبنائنا، فأثّرت فيهم تأثيراً واضحاً، ولا سيّما المولعون منهم بالبرامج الغريبة عن ديننا ولغتنا وعاداتنا وتاريخنا، حتى كادت تنزعهم عن أصالة مجتمعهم! - متى نستثمر الأدب الأصيل؟! وإذا كان القاص خليل الصمادي يرى تراجع الأدب الأصيل أمام برامج الفضائيات الكثيرة في عصرنا؛ فإنَّ الروائي الدكتور عبد الله بن صالح العريني يدعونا إلى استثمار أدبنا في توجيه أطفالنا، وتشكيل وجدانهم، رغم إقراره أنّ أدبنا الأصيل ما زال محدوداً في تأثيره من ناحية قلّة النصوص الموجهة للأطفال، وقلّة جودتها، وحين حاورناه أجاب قائلاً: - فترة الطفولة فترة مهمّة في حياة الإنسان، وكما ذكرتم ففيها تتشكّل أكثر قيم الإنسان مدى حياته، ولا ريب أنّنا نجد ديننا القويم يستثمر هذه المرحلة، ويعمّق من خلالها واجبات الدين الإسلاميّ بالأمر بالصلاة، والتعويد على الصوم، وتصبيرهم عليه، والبعد عن الكذب، وغير ذلك. وكانت الطفولة قبل زمن الإنترنت والفضائيات، والضغط الإعلامي المكثّف لا تجد تحدّياً صارخاً كالذي تجده الآن. وحين نوازن بين دور الأدب الأصيل، ودور الفضائيات، ومثلها المجلاّت المصوّرة، والألعاب الإلكترونية نجد أنّ دور الأدب الأصيل ما زال محدوداً جدّاً في التأثير من ناحية (الكم والكيف) معاً. لكن ذلك لا يعني عدم جدوى الأدب الأصيل في تشكيل وجدان الأطفال، بل له دوره متى ما استثمر بشكل تتابعي متصل؛ بحيث لا يتيح (لغول) الفضائيات والألعاب الإلكترونية أن تستقطع مساحة كبيرة في البرنامج اليومي للطفل. - أين كان المسلمون ومعاول التهديم تعمل؟! أمّا الشاعر الدكتور (عدنان علي رضا النحوي) في لقائنا معه، وسؤالنا له عن تشكيل وجدان أطفالنا اليوم، فقد فتحتْ إجابته الكثير من الجراح والمواجع، وبدل أنّ نسأله أضحى يسألنا بمرارة وأسى: - أين كان المسلمون خلال السنين الماضية، ومعاول التهديم تعمل؟ فما نهضت الأمّة، ولا وعت حقيقة مشكلتها، حتى أصبح دورها الواقعي الاستسلام في الميدان السياسي والعسكري، والاقتصادي والعلمي، حتى في الميدان الأدبي، حققت عوامل التهديم خطوات ليست بالقليلة. إنَّ المسؤولين عن تشكيل وجدان الطفل ووعيه هما الوالدان، حسب حديث رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» ، ثم تمتدّ المسؤولية إلى كُلّ عنصر عامل في المجتمع، مؤثر في حياة الطفل، ونذكر أهمّها: المسجد، المدرسة، وسائل الإعلام، الرفقة، وتمتدّ المسؤولية في حياة الطفل إلى كُلّ مسلم مسؤول عن حماية المجتمع من تسلّل الفساد ووسائله، وكذلك حسب حديث الرسول ﷺ : «كُلّكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيّته» . ولكن المشكلة اليوم ليست فقط في تحديد المسؤول عن تشكيل وجدان الطفل ووعيه، فيه وحده، ولكن المشكلة تتضّح حين نسأل: متى بدأت، وكيف امتدّت إلى يومنا هذا؟! لقد مرّ العالم الإسلاميّ في مراحل وصلت به إلى ما نراه عليه اليوم: الفضائيات والبرامج الهابطة دخلت العالم الإسلاميّ بعد أن دخلته عوامل أخرى كثيرة من الفساد امتدّت فيه، وانتشرت ولعبت دوراً خطيراً في إفساد الأجيال، فتعاونت كلّها مع الفضائيات. وليست الفضائيات وحدها مسؤولة عن إفساد البناء والإعداد والتربية، ولكن الواقع كلّه يشهد ظروفاً صعبة تساهم في ذلك. والسؤال المهمُّ لدينا: من هو الطفل الذي نريد تشكيل وجدانه ووعيه؟! أهو طفل فلسطين أم العراق أم أفغانستان أم الأطفال المشرّدون الذين ينامون على الأرصفة يتضاغون جوعاً، أم أولئك الذين يعيشون في بيوت من الزنك في أجواء تهدّدهم بالأمراض والموت، أم الأطفال الذين يخطفون ويباعون أو يقطّعون لتباع قطعهم في جنون التجارة؟! إنّنا بحاجة إلى خطّة شاملة، ونهج متكامل ينقذ الإنسان المسلم طفلاً وفتى، رجلاً وشيخاً وامرأة..! وكخطوة مبدئية يجب أنْ ينهض من يفيق من الآباء فيلتزم هو وأسرته بأمرين أساسين، ندعو إليهما من خلال منهج أوسع، هما: جلسة العائلة، والمنهاج الفرديّ لكلّ بيت مسلم، ولكلّ مسلم. جلسة العائلة هي التي يلتقي فيها الأب مع أسرته، زوجته وأولاده في لقاء منهجيّ يحمل منهجاً محبّباً للأبناء، يتدّرج في مادته مع الأيّام، ينطلق من آيات كريمة، وأحاديث شريفة، وقصّة ممتعة، ولمحة عن الواقع، وقاعدة لغوية على قدر استيعاب الأبناء، وعلى قدر أعمارهم، على أن يكون اللقاء شائقاً، لا تطول مدّته إلا بقدر ما يأنس به الأبناء. أمّا المنهاج الفردي فهو نظام دراسة منهجيّة مخطّط لها، تشمل مواد القرآن الكريم في تلاوة يوميّة، وتدبّر وحفظ ومراجعة، وسنة، ولغة عربيّة، وأحداث واقعيّة، وعلوم مساعدة من خلال نماذج متعدّدة، تتدّرج حسب نموّ الطفل المسلم على تحمَّل المسؤولية، والتعلّم الذاتي تحت الإشراف والتوجيه والمراقبة. ويجب أنْ يتمّ تنفيذ هاتين القاعدتين في جوّ من الحنان والحبّ والاحترام، وجوّ من المتعة والرغبة والتدرّج. وبهاتين القاعدتين يتدرّب الطفل على تحمّل المسؤولية، ومعرفة واجباته التي يُسأل عنها بين يدي الله، وكذلك نضع بيد الأب وسيلة تعينه على القيام بمسوولياته، مسؤوليات القوامة التي شرعها الله . وترتبط هاتان القاعدتان بالمنهج الأوسع، والنظرية العامّة للدعوة الإسلاميّة ومنهاجها ونماذجها، ووسائلها وأساليبها، ممّا يوفّر الفرصة الكبيرة أمام الإنسان المسلم ليجابه بعزم ووعي وإيمان أجواء العلمانيّة، والعولمة الفكرية والثقافيّة، وممّا يوفّر فرصة التعاون واللقاء بين جميع القوى والمستويات في الأمة، وممّا يعالج كثيراً من أمراضنا. - الفضائيّات النظيفة: ويأتي حوارنا مع الأديب (عبد الرزّاق ديار بكرلي) ليوجهنا إلى الفضائيات النظيفة على قلّتها فيقول: لا شك بأنَّ أول من يشكّل وجدان أطفالنا هما الوالدان: «فأبواه يهوّدانه أو يمجّسانه أو ينصّرانه» ، وعليهما العبء الأكبر، والأساس في هذا الشأن، ممّا يتطلّب تنمية قدرات الوالدين للقيام بالمهمة خير قيام. أمّا الفضائيات فهي جزء من كُلّ، ذلك أنّ الحياة المعاصرة بكلّ معطياتها تسهم في بناء الوجدان وتشكيله من إعلام، وقصّة، وإذاعة، ومدرسة، وبيئة اجتماعية، وأصحاب، وما إلى ذلك ... ! ونظراً لأهميّة الفضائيات اليوم وتأثيرها الكبير والهائل على وجدان أطفالنا فإنَّ الواجب على الأبوين توجيه أبنائهم إلى الفضائيات النظيفة والأصيلة، وتجنيبهم مشاهدة الفضائيات الهابطة، مع التوعية التامة والمناسبة لعقلية الطفل بذلك كُلّه؛ حتى لا يصبح كُلّ ممنوع مرغوباً، وأن ينزلا إلى مستوى عقله وإدراكه، وإيصال الفكرة إليه، وتحبيبه بهذه، وتنفيره من تلك، وبأسلوب شفاف هادئ غير مباشر ما أمكن ذلك. - ما لا يُدْرك كله لا يترك جلّه: ولعلّ إجابة الأديب (عبد الرزاق ديار بكرلي) تثير سؤالاً لا بدّ منه: كيف ننقذ هذا النشء من الإعلام الموبوء؟! تُرى أنحمي أطفالنا ممّا يحاك لهم ولمستقبلهم بعزلهم أم بإيجاد البديل الذي يخاطب عقولهم، وأصالتهم، ويبني شخصياتهم على المنهج الإسلاميّ القويم؟! وقد جاءت مُداخلة القاص خليل الصمادي تحملُ إضاءة متميّزة، لا سيّما أنّه ممّن يكتبون للأطفال، ويدرك الأساليب المؤثّرة في نفوسهم، فيقول: الحلّ كما أرى هو إيجاد عدد من برامج الأطفال التي تشدّ أطفالنا إلى القيم، ومكارم الأخلاق عن طريق البراعة في الإنتاج والإخراج والعرض، ربّما يكون الأمر صعباً في هذا الزّخم الفضائيّ المخيف، ولكن يجب العمل والاجتهاد بتضافر جهود كُل من له علاقة بتربية الأطفال على مبدأ القاعدة الشرعية: «ما لا يدرك كُلّه لا يترك جلّه» . ولا تكفي النوّايا الحسنة والأعمال المتواضعة وحدها، بل قد تضرّ أكثر ممّا تفيد، فالطفل الذي ينتقل حول العالم من محطّة لأخرى، ويرى ما يسلب لبّه، ويذهل عقله، أصبح يقلع عن البرامج الإرشاديّة التي تحكم في طيّاتها الحكم والمواعظ، والتي يتمّ إنتاجها وإخراجها بشكل مباشر، ومتواضع دون إثارة وتشويق. ويدعونا الرّوائي الأديب الدكتور عبد الله العريني أنْ نتجاوز مرحلة التنظير، وأنْ نثق بأنفسنا وقدراتنا لصالح مستقبل الطفولة فيجيبنا: علينا أن نثق أنَّ الأمر ما زال بأيدينا، وأنَّ بالإمكان أنّ نقوم بدور لصالح الطفولة المستهدفة، ومتى ما شعرنا بأنَّ الأمر قد أفلت زمامه من أيدينا؛ فنحن حينئذٍ لن نستطيع أن نقدّم شيئاً، أمّا ما الذي نقدّمه بالضبط؛ فهو كُلّ ما نقدر عليه، وأنْ نعمل في كُلّ جوانب التربية الممكنة، وذلك بوقف تأثير التربية السلبيّة، وإعطاء البديل الذي يبني شخصياتهم على المنهج الإسلامي القويم. المهمّ أنْ نتجاوز مرحلة التنظير والحديث عن بعد إلى الاقتراب من واقع مشكلات الطفولة، والبدء بحلول مرحلية جزئية، تتطوّر شيئاً فشيئاً إلى أن تشكّل بمجموعها الحل الشامل للمشكلة. - المنهج المترابط: أمّا شاعرنا الدكتور (عدنان النحوي) فيجد أنَّ حماية أطفالنا من هذا الإعلام يكون وفق منهج إسلاميّ مترابط، ولا يقف عند حدّ عزلهم عنه، فنصغي له قائلاً: لا شك أنّه من الضروري حماية أطفالنا، وبذل الجهود لذلك وفق منهج إسلامي مترابط لا يقف عند حدّ عزلهم عن الفضائيات؛ وذلك خيرٌ لمن يفعله، ولا عند إيجاد بديل عن الفضائيات. إنّه النهج الذي يجمع الجهود كُلّها في صفٍّ واحد، يقوم فيه كُلّ فردٍ بالوفاء بالمسؤوليات الجادة الملقاة على عاتقه. إنَّ الآباء والأمهات يجب أنْ يستيقظوا ويدركوا خطورة ما نحنُ فيه، وما نحنُ مقبلون عليه، ليعرفوا مسؤولياتهم التي وضعها الله في أعناقهم، والتي سيحاسبون عليها بين يدي الله يوم القيامة، ويجب على المدرّسين والمربين أن ينهضوا كذلك، ويوفوا كلّهم بالأمانة التي خلقوا للوفاء بها، والتي سيحاسبون عليها. كُلّ مسلم مسؤول ومحاسب في ميزان الإسلام! ولكن هل يعرف المسلم اليوم حقيقة مسؤولياته وجوهر التكاليف الربانيّة التي تنهض كُلّها على قاعدة متينة هي الأركان الخمسة: الشهادتان والفرائض؟! وإذا لم يكن يعرفها فلِمَ جهلها؟ ومن كان يفترض فيه أنْ يعلّمه إياها؟! - التعاطي مع الحياة: ويتساءل الأديب (عبد الرزاق ديار بكرلي) بدهشة: هل نستطيع عزل أبنائنا عمّا يحيط بهم؟! ثمّ يجيب باستغراب: إنَّ عزل أبنائنا عمّا يحيط بهم أمرٌ عسيرٌ جدّاً في ظل حياتنا الجديدة، وفضلاً عن ذلك فإنَّ العزل أسلوبٌ غير نافع أصلاً، لأنّنا يجب أنْ نشكّل شخصيات أبنائنا بما يجعلهم قادرين على التعاطي مع الحياة بكل معطياتها خيرها وشرّها على حدّ سواء؛ بحيث يملكون القدرة على تمييز الغث من السمين، والخير من الشرّ ولكوننا مسلمين، وعرباً، وشرقيين؛ فإنّنا نبني في شخصيات أبنائنا كُلّ ما هو سليم من قيم ومبادئ وعادات وعبادات، ونزرع فيهم حبّ ربّهم، وقرآنهم، ورسولهم ﷺ ، وأوطانهم، وتاريخهم، وكذلك حبّ الخير له، ولأهله ولمجتمعه، والسعي من أجل العمل الصالح على الدوام، بحيث يكونون مسلمين على المنهج القويم بإذن الله. - ما مدى نجاح إعلامنا في أداء رسالته؟ ولكن إنْ كنّا لا نستطيع عزل أطفالنا عن الإعلام بشكل عام، فأين إعلامنا البديل؟ وما مدى تأثير وسائلنا الإعلاميّة، ونجاحها في تلبية حاجات أبنائنا؟ وما الدور الذي ينبغي أنْ تقوم به في ظلّ عولمة الفكر والثقافة؟ وتتناول إجابة القاص خليل الصماديّ جوانب كثيرة وعميقة في هذا المجال، ومنها قوله: أمّا مدى تأثير وسائلنا الإعلاميّة في النشء، فنرى أنَّ وسائل الإعلام المقروءة نجحت إلى حدّ ما في اجتذاب الأطفال، والتأثير فيهم قبل عصر الفضائيات؛ فهناك العشرات من دوريات الأطفال، والسبب أنَّ الإعلاميين الإسلاميين نجحوا في الإعلام المقروء، وما زالوا في بداية الطريق بالنسبة للإعلام المرئي والمسموع لعدّة أسباب يضيق المجال لذكرها؛ فالإعلام المرئي بحاجة لإمكانيات ماديّة باهظة يعجز عنها أصحاب النّوايا الطيّبة والتربويون الحريصون على تنشئة الأجيال. والمتتبع لهذه الأعمال الجادة خلال مسيرة البث التلفازي يجدها قليلة، وأمّا الجيّد منها فهو نادر، لا يستطيع جلّ أطفالنا مشاهدته؛ بسبب عدم عرضه على شاشات التلفاز، لمحاربة هذه الأعمال من قِبَل بعض القائمين على المحطات التلفازية، ومنها بسبب احتكار الشركات المنتجة لمثل هذه الأعمال لمدة طويلة، وبيعها على أشرطة فيديو أو أقراص مدمجة، بحجّة أن المحطات التي توافق على عرض مثل هذه الأعمال لا تدفع أسعاراً مناسبة، وهذه مشكلة بحدّ ذاتها يتفرّع عنها مشكلات أخرى تصب في النهاية إلى الإعراض عن إنتاج مثل هذه الأعمال وتطويرها، والمشكلة كما يبدو أنّها مشكلة ماديّة بالدرجة الأولى، فلو ربح القائمون على إنتاج مثل هذه البرامج لتشجعوا، وتشجّع غيرهم، ولامتلأت الفضائيات بما يفيد أطفالنا، ولكن كيف يربحون والمحطات التلفازية التي توافق على عرض الأعمال الجيّدة لا تدفع إلاّ القليل؟ في الوقت الذي تغدق فيه على البرامج الخبيثة والسطحية آلاف الدولارات!! وليت الأمر يقف على ما تبثّه المحطات التلفازية من برامج للأطفال، فالخطر ما نراه اليوم؛ إذ صار كثير من أطفالنا في هذه الأيّام، ومع الانفتاح الفضائيّ، وعدم وجود رقابة أسريّة متأثرين ببرامج فاسدة تبث للكبار؛ فهل نستيقظ على هذه الأخطار العظيمة؟! - «المجد» القناة التربويّة الراشدة: ويركّز الروائيّ الدكتور (عبد الله بن صالح العريني) على دور الأب والأمّ في توجيه الأطفال إلي الإعلام التربويّ الراشد، ولذلك فهو يرى أنَّ تأثير وسائلنا الإعلاميّة الإسلاميّة في النشء ناجحٌ بشرط أن يعي الأب والأم وأفراد الأسرة أهميتها، والدليل على ذلك أنّ قناة الأطفال التي تصوغ المادة المقدّمة صياغة إسلامية جذبت الاهتمام، وشدّت انتباه الأطفال، وجعلتهم على سبيل المثال يفضلون (قناة المجد للأطفال) على غيرها من قنوات الأطفال التي تملك إمكانات أكثر؛ وذلك لأن ربّ الأسرة فتح مجالاً للتأثير الإيجابي من خلال تهيئة فرصة التعامل مع قناة تربوية راشدة. والأطفال من قبل ومن بعد أمانة في أعناقنا، وكما نحرص على أن نقدّم لهم الغذاء الصحّي الخالي من الأمراض، فعلينا أن نقدّم لهم الثقافة الخالية من شوائب الانحراف والضلال. إنّ استراتيجية العمل في مواجهة العولمة في الفكر والثقافة تقتضي منّا فهم أبعاد هذه العولمة، ثمّ تقديم الطرح الثقافي الذي يأخذ الاتجاه المناسب في هذه المرحلة، وهو الطرح الذي يقوم على أساس تأكيد الهويّة الثقافية الإسلامية. - البنيان المرصوص: ولمْ يغادر الشاعر الدكتور (عدنان النحوي) الرؤية الإسلامية في ضرورة جمع العاملين للإسلام في الفكر والأدب والإعلام ليكونوا صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص، وقد بذلت وسائل الإعلام الإسلاميّة اليوم جهوداً طيّبة ـ كما يقول ـ ولكنّها تفقد كثيراً من ثمارها وجهودها إذا لمْ تلتقِ على نهج مُوحّد على صراط مستقيم، بيّنه الله لنا وفصّله، وأمرنا باتباعه والتزامه، ليجمع المؤمنين صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص، وأمّة مسلمةً واحدة، كما أمر الله . إنّ أوّل أمرٍ يجب أنْ يسعى إليه الإعلام الإسلامي صحافة وكتباً، ودعاةً، ونثراً وشعراً: هو دعوة الجميع إلى التخلّي عن التمزّق الذي يعيشونه، وأن يتوبوا إلى الله توبة نصوحاً، عسى الله أنْ يهدي القلوب إلى اللقاء، والعزائم إلى التلاقي. والأمر الثاني هو أنَّ على المسلمين أنْ ينهضوا ليبلغوا رسالة الله كما أنزلت على محمد ﷺ إلى الناس كافّة، ويتعهدوهم عليها في جهودٍ مترابطة: ربّ واحد، ودين واحد، ودعوة واحدة، يجب أنْ يمضي ذلك على نهجِ موحّد. وأتساءل اليوم أمام أحداث الواقع الذي صرنا لا نأمن فيه فساد أطفالنا وشبابنا، أتساءل: أين كان المسلمون خلال السنين الطويلة الماضية التي وصلت إلى ما نحنُ عليه، بالرغم من البذل الكثير: يا أمّتي! كمْ من دماء قد صَبَبْتِ ومن صريع في الديّار مجدّلِ قد جدتِ بالمال الوفير وبالدّماءِ بكلّ غصن من شبابك مخْضَلِ يا أمّتي! مهلاً! قد بذلتِ مع السنيـ ـنَ تطول! أين جنى العطاء المجزلِ يا أمّتي! لِمَ بعدَ بَذْلِكِ لِمْ نجدْ إلاّ الهزائمَ؟! هل وقفتِ لتسألي - الهمّ الإسلاميّ: ويأتي لقاؤنا الأخير في رحلتنا وحواراتنا هذه مع الأديب (عبد الرّزاق ديار بكرلي) ليحدّثنا عن ضرورة إيجاد قنوات فضائية نظيفة تحمل الهم الإسلاميّ والقيم الإسلاميّة، وهو يجد أنَّ تأثير الإعلام كبيرٌ وكبيرٌ جدّاً على أطفالنا؛ إذْ لا يخلو بيت من تلفازٍ وقنواتٍ فضائيّة تقريباً في هذا العصر، فهي تقرّب كُلّ بعيد، وتصلك بالعالم لحظة لحظة. وفي خضمّ تفشّي القنوات الفضائية الهابطة من كُلّ حدب وصوب، فضلاً عن القنوات صاحبة الفكر الهدّام والتنصير، ومختلف المذاهب والأديان، فإنَّ الواجب علينا يحتمّ إيجاد قنوات نظيفة تحملُ الهمّ الإسلاميّ، والقيم الإسلاميّة، وتوجيه أنظار أبنائنا إليها لينهلوا منها، وينصرفوا عن غيرها؛ فالكأس إذا لم تملأها بالخير ملأها غيرك بالشرّ والفساد والانحلال والضلال. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 5306

لفتات د. عبد الكريم بكار من السهل على المرء أن يتأمل في حياة الأمة وفي مسيرته الشخصية ليجد العديد من الأشياء التي تحتاج إلى مزيد من التدقيق والمراجعة؛ فالوعي النقدي لا يتعاظم لدى الإنسان إلا من خلال التفكير فيما لا يفكر فيه الناس وإلا من خلال التفكير في الأشياء الصغيرة، وما هو من قبيل المهمل. ليس من السهل على الأمة أن تكتشف على نحو محدد ويقيني أسرار التقدم العام الذي تتطلع إليه، ولا أسرار التخلف المخجل الذي تعاني منه؛ فالأمر في غاية التعقيد، ولهذا فإن لدينا الكثير من الارتباك في التصورات، والكثير من الأسئلة التي لا نجد لها سوى أجوبة هشة، أو نرد عليها بإثارة أسئلة جديدة. لكن هذا كله لا يمنع من أن نحاول على نحو دائم لفت الانتباه إلى بعض ما نظن أنه يساعد على تحسين الفهم، وإنضاج الرؤية. وأود في هذا السياق أن أشير إلى النقاط الآتية: ١ ـ نحن نشعر بالمصائب والصعوبات على نحو أوضح بكثير من شعورنا بالفرص والإمكانات المتاحة. هل هذا لأن قبضة المصيبة حين تطرق أبوابنا أقوى من قبضة الفرصة؟ أو أن حسّنا التاريخي والتربوي تم تركيبه على نحو يجعل الاهتمام بالمصيبة أقوى من الاهتمام بالفرصة؟ لا أعرف الجواب الدقيق. لكن يمكن القول: إن للتربية الاجتماعية شأناً في هذا؛ حيث تعوّد كثيرون بدافع من نبلهم وتدينهم أن يشاركوا غيرهم في حل أعباء أحزانهم، لكنهم لم يتعودوا تشجيعهم على ملامسة أفق جديد؛ بل على العكس من هذا يقومون بمراقبتهم بعيني صقر؛ ليثبتوا لهم ـ كلما سنحت الفرصة ـ أن أي محاولة للعثور على فرصة، هي شيء خطر أو مهلك، وإن من الأفضل للمرء أن يظل على ساحل الأمان؛ حيث يقف الملايين من العاطلين والمتفرجين والحائرين. إن تربيتنا الاجتماعية تجعلنا نهلّل للظافر بقطع النظر عن مشروعية وسائله، كما تجعلنا نحذّر من يحاول تحقيق أي نصر من ويلات الإخفاق بقطع النظر عن مشروعية مقاصده. إننا لا نثق بصحة قول أبي ريشة: شرف الوثبة أن تُرضي العلا غلب الواثب أم لم يغلبِ ونتيجة كل هذا كثرة المقلدين، وقلة المبدعين، ووفرة الشامتين وقلة المشجعين. ٢ ـ من الواضح أن معاناة بني آدم الجوهرية ليست في إدراك الحاجات الأساسية، ولكن في إدراك الحاجات الثانوية؛ فنحن لا نجد أي مشكلة في إدراك ما تحتاجه أجسامنا من طعام وشراب ودفء، لكن نجد الكثير من الصعوبات في إدراك ما تحتاج إليه نفوسنا من تزكية، وأرواحنا من إشراق، وعقولنا من تنوُّر وتوهج. المشكل يتعاظم حين يتحول الزمان، وتتغير الأوضاع ليصبح إشباع ما كان يظن أنه ثانوي شرطاً لتلبية ما هو أساسي. حينئذ يمكن لشعب بأكمله أن يجد نفسه مفتقراً إلى الأساسيات والكماليات معاً. وعلى سبيل المثال فإن التعليم مدى الحياة واكتساب المهارات، وصقل الخبرات صار اليوم أحد أهم المداخل لتحقيق مستوى مقبول من العيش الحرّ الكريم. والأمم التي لم تعِ هذا التحول حائرة اليوم في أمرها؛ لأن معظم استعداداتها وتجهيزاتها السابقة تقوم على أن تحقيق أي قدر من المعرفة والمهارة كافٍ لإخراج جيل قادر على كسب رزقه. وتجهيزاتنا المدرسية ومستوى استفادة أبنائنا من المختبرات والمعامل الموجودة في المدارس ـ شاهد على هذا!! الجميع اليوم يتحدثون عن البطالة بوصفها تعبيراً عن العجز عن كسب المال الذي نحتاج إليه أساساً من أجل تأمين حاجاتنا الضرورية. ونحن نسلك الكثير من المسالك المظلمة لتحقيق ذلك، لكن دون جدوى. أما البحث في جذور المشكلة؛ فما زال بعيد التناول. الإنسان التواق إلى معرفة الجديد، والمنشغل بالبحث عن الحقيقة: هو رأس مال الأمم المتقدمة اليوم. وتكوين هذا الإنسان يحتاج إلى مؤسسات تعليمية ممتازة، وأطر تدريبية وتقنية متقدمة. وهذا ما تفتقده الأمم الفقيرة والنامية في هذا الزمان. إن مشكلة إعراض السواد الأعظم من المسلمين في الأرض عن القراءة واصطحاب الكتاب أخطر من مشكلة (البطالة) التي يجأرون بالشكوى من لأوائها؛ لأن الجهل يؤدي إلى تكلس الإنسان، ويجعله غير مؤهل للتفاعل مع المعطيات العلمية الجديدة، كما يجعل إدراكه للحاجات التربوية الجديدة ضعيفاً، كما أن فهمه للمرامي الحضارية للإسلام في أدنى حالاته. ومن هنا فإن مهمة المفكرين أن يوقظوا وعي الناس بالحاجات الثانوية التي أضحت أساسية، كما أن عليهم أن يوقظوا وعيهم بالمشكلات الصغرى التي تحولت إلى مشكلات كبرى. وهذا الأمر يحتاج إلى تأسيس الأرضيات الفكرية المشتركة، وبلورة المقولات والطروحات على نحو يمكّننا من القيام بحملات تنويرية قوية ومتتابعة. ولله الأمر من قبل ومن بعد؛ للحديث صلة.

стр. 5307

قراءة سياسية جديدة لمستقبل العراق أسامة بن سعيد آل دبيس أريد أن أعرض في الدراسة للمستجدات الحاصلة في العراق وفي محيطنا، وأحاول أن أتلمس الخيط لدى كل قوة فاعلة، تارة محللاً وتارة مستشكلاً. بعض الناس ينظر لما يحدث بالعراق من زاوية ويترك الأخرى، ونريد أن ننظر إليه بزاويتيه، دون تكلفٍ للوصول إلى غايةٍ قد أُحبِّذها، أو غضِّ طرفٍ نحو شيء قد لا أحبه. سأتحدث في البداية عن قوات الاحتلال وما يتعلق بها، ثم أتحدث عن تيار الشيعة وما يدور حوله من حديث، ثم عن المقاومة العراقية؛ مدى فاعليتها، وما يمكن أن تواجهه. وهذا كله يعتبر مقدمة لا بد منها للوصول إلى النتيجة التي نريد الوصولَ إليها، وهي محاولة الوصول إلى التوقع السليم للمستقبل السياسي في العراق، من خلال دراسة المستجدات والأحداث الأخيرة. - أولاً: حال قوات التحالف: انتصر المحتلون في العراق في أيام معدودة، ووصل غرورهم بعد الانتصار السريع إلى الرغبة في إعادة بناء الأمم المتحدة، ومجلسِ الأمن الدولي، وتهديدِه بملاقاة المصير نفسه لبعض دول الجوار علناً. ثم ما لبث هذا الهيجانُ أن تراجع، فوصل به الأمرُ إلى استجداء الدولِ المهدَّدةِ قَبْلُ، بالمساعدة لإيجاد حلٍ وتعاونٍ معها (١) . بل طُلبت الوساطةُ من العدو اللدود (إيران) عَلَناً، في قضية الصدريين مثلاً (٢) ، بعد أن هدده قبْلُ علناً. لا أريد أن أستعرض جوانبَ الخلل لدى المحتلين الأمريكان؛ فهي تُطرح حتى لدى كتابهم! وفي أشهر الصحف والمجلات الأمريكية، بل حتى في تقاريرَ من مراكز دراسات استراتيجية أمريكية كثيرة. وسأتجاوز هذا الأمر، مع إلماحةٍ له في سياق الحديث، وأكتفي بالإشارة إلى اعتراف بوش نفسِه بسوء تقديره لما بعد الاحتلال، وأنّ عمليات المقاومة كانت مفاجئةً له (٣) . وفي جملة تصريحات صريحة لـ (باول) استعرضها (بوب هربرت) ، متسائلاً عن وضع الحرب في العراق. يقول في بعضها: «أمامنا طريق صعب يتعين علينا اجتيازه» ، «لن أقوم بالتقليل من مقدار الخطورة التي يمثلها التمرد الذي نواجهه في العراق» ، «إن المقاومة تلقي بظلال سوداء على جهود الولايات المتحدة في العراق» (١) ، «إن الوضع يسوء في العراق مع اقتراب موعد الانتخابات» (٢) ، وآخرها إثارةً تصريحُه القائل: «إننا خسرنا الحرب في العراق!!» . وكذلك مسلسل التنازل التدريجي في الخطابات السياسية الأمريكية الخاصة بالعراق والدول المعارضة للحرب ودول الجوار. وهناك أمر مهم، وهو أن الأمريكان دخلوا العراق بِحَفْنة من الحلفاء الذين يدورون في الفلك الأمريكي، وأنهم لم يوسعوا تحالفهم للغزو، كما حصل في حرب الخليج الثانية، وقد نقدهم على هذا الإجراء عدد لا يحصى من الخبراء والساسة الأمريكان وغيرهم، إلا أن الغرورَ الذي تتمتع به الشخصية الأمريكية أبى إلا الاستفرادَ بالكعكة العراقية، خاصة إذا صدقت تلك التقارير التي تشير إلى أن العراق ربما يصبح الدولة الأولى في العالم من حيث احتياطيات البترول. وباستيلاء أمريكا على العراق؛ ومع تطوير إنتاجه من البترول ـ الذي بدأت التحذيرات على مستوى العالم من نضوبه في العقود القليلة القادمة ـ تكون أمريكا قد وضعت يدها على قرابة ستين بالمائة من البترول العالمي، إذا ضممنا إليه الخليج الذي توجد بالقرب منه القواعد العسكرية الأمريكية. وبهذا تكون أمريكا اللاعبَ الحقيقيَّ في العالم بأسره، من كل الجوانب الاقتصادية والعسكرية والسياسية، ولن يجرأ أحدٌ بعد هذا أن يرفع رأساً في وجهها (خصوصاً الدول التي لا تملك آبار نفط كافية لحاجتها كالصين وفرنسا وألمانيا واليابان) لأنه سيكون قد خاطر مخاطرة كبيرة جداً. ولكن السؤال: ما الذي جعل أمريكا تتراجع ـ نوعاً ما ـ بهذه السرعة، وجعلها تطالب حلف الناتو والأمم المتحدة للتدخل بالعراق، بعد أن تركتهما في قرار الحرب، بل حتى الدول العربية دُعيت للتدخل، ولكنه التدخلُ العسكريُّ فقط؟ هذا يؤكد وجود مقاومة قوية وفاعلة داخل العراق، بخلاف ما يحصل مثلاً في أفغانستان ـ نوعاً ما ـ نظراً لاختلاف الظروف. وقد كان لغزو العراق وما تبعه من أحداث تداعياتٌ عديدة على الساحة الدولية، يجب أن تكون في حسبان كل من يتعامل مع قضية العراق، أذكر منها: ١ - بوادر تفكك حلف الناتو وانقسام الغرب، بعد أن كانوا متحالفين كما حصل مؤخراً في أفغانستان وغيرها. وقد حاول (كيري) المرشح الخاسر أن يطرق على هذا الوتر كثيراً، وهو من أهم نقاط برنامجه السياسي المعلن، إلا أنه لم يصل للرئاسة، وبعدها أكد بوش بمناسبة فوزه بأن ولايته الثانية ستكون استمراراً لبرنامجه في ولايته الأولى. ٢ - تصدع الحلف التركي الإسرائيلي. وللأسف لم يُستغل هذا من قِبَل الدول العربية بالشكل الكافي، باستثناء سوريا، بل أصبحت تركيا تعتبر نفسها مستهدَفة من قِبَل الموساد والمخططِ الأمريكي في موضوع الأكراد والنشاط اليهودي في شمال العراق. والأخطر في الأمر بالنسبة لإسرائيل وأمريكا أن الجيش التركي الذي يقوم بمهمة حراسة العلمانية في البلاد أصبح مع الحكومة ـ التي تصنف على أن لها ميولاً إسلامية ـ في بوتقة واحدة في هذه القضية، وهذا بلا شك يصب في صالح حكومة العدالة والتنمية. ووصل الأمر إلى إشارة وزير خارجية تركيا إلى اتهام (إسرائيل) في تفجيرات أنقره وإسطنبول الأخيرة (٣) . وهناك تحليل في هذا الموضوع (موضوع العلاقات التركية الإسرائيلية) أن حكومة العدو الصهيوني لم تلجأ إلى هذا الأمر ـ وهو إشعال فتيل القومية الكردية في المنطقة ـ مع أنه يهدد بفقد حليف استراتيجي لها، إلا بعد أن رأت بوادر الاندحار في الاحتلال الأمريكي، وأن هذا التصرف أشبه ما يكون بالهبوط الاضطراري، بعد أن توصل الإسرائيليون إلى قناعةٍ بأن واشنطن لن تقف في وجه طهران، وأنها لن تكون قادرة على تحقيق الاستقرار في العراق (١) . وأصبح أمام تركيا المتخوفة من استقلال الأكراد أربعة خيارات: الأول: خيار إيجابي بالنسبة لها، وهو أن تقوم في العراق حكومة قوية موالية للغرب، لها سيطرة قوية على شمال العراق وتحافظ على وحدته، وهو مستبعد بالنظر إلى أرض الواقع: الأرض العراقية عموماً، والكردية خصوصاً. والخيارات الثلاثة الباقية كلها سلبية بالنسبة لتركيا: أحدها: أن تقوم بالعراق حكومة ضعيفة، ويعطى الأكراد حكماً ذاتياً، يؤدي لاستقلال الأكراد واستئثارهم بمناطقهم. ثانيها: أن تقوم حكومة شيعية امتداداً لنفوذ إيران منافستها بالمنطقة. ثالثها: أن تشتد المقاومة، وقد يتخللها ما يشبه الحرب الأهلية بين الأطياف العراقية، مما يجعل العراق في حالة غير مستقرة، ومن ثم يؤثر على الداخل التركي. ٣ - تشوُّه صورة الأمم المتحدة أمام العالم. وارتفعت أصوات كثيرة بإعادة تشكيلها وصياغتها، كان هذا من الفريقين ـ الداعي للحرب والمناهض لها ـ وهو السبب الحقيقي في استقالة (ريتشارد بيرل) المحافظ المتطرف رئيس المجلس الاستشاري للبنتاغون، بعد مقالة كتبها، وهاجم فيها أوروبا العجوز، ودعا إلى إعادة تشكيل مجلس الأمن وفق التحالف الذي قام بغزو العراق. ٤ - انكشاف عوار الديمقراطية الغربية، وأنها لا يسمح بتطبيقها الحقيقي إلا على الجنس الأبيض فقط. وأن الغرب لا يحركه سوى مصالحه وأطماعه الاستعمارية، ويستخدم هذه الشعارات ليحقق بها مآربه وأطماعه فقط. ٥ - إحياء الجهاد وروح المقاومة في القلب الإسلامي العربي ـ الجغرافي ـ بل وقرب اسرائيل، مما يهدد أمنها القومي والاستراتيجي. ولذا كان على الدولة العبرية أن تكون حاضرةً، وبشكل قوي في هذه القضية؛ لأن القضية قضيتها في النهاية. وينبغي العلم أنه لا يمكن أن تقبل بأي كيان يعلن العداء لأمريكا والدولة العبرية، فضلاً عن أن يكون ذا بُعدٍ إسلامي، وستقاوم ذلك بكل ما أوتيت من قوة، وستحاول إحباطه بأي أسلوب كان. فيجب على المقاومين أن يدركوا ذلك بعمق أكثر، وأن لا تكون قراراتهم متهورة، ودون خطوات متدرجة مدروسة، تُوازنُ بين الأولويات، وتترك الثانويات؛ إذا ما أرادوا النجاح لمشروعهم الذي يقاتلون من أجله. - ثانياً: واقع الشيعة: لم يعد خافياً على أحد أن الشيعة في العراق يتكونون من عدة أطياف متنافسة فيما بينها، وربما يصل الأمر أحياناً إلى الاقتتال. ويمكن إجمال تيارات الشيعة في العراق في تيارين متقابلين: ١ - التيار المتوافق مع الاحتلال: ويأمل هذا التيار في أن يحقق مكاسب من المحتل، ولهم معه مفاوضات ووعود بإعطائهم الدور الأكبر في الدولة. ويدخل هنا تيار السيستاني، وآل الحكيم ويمثلهم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وفيلق بدر، وحزب الدعوة بجناحيه السياسي والعسكري، وحزب الجلبي ـ وهو علماني ـ إلا أنه انضم إلى قائمة السيستاني وله ميليشيات محدودة، وحزب الله العراقي وله ميليشيات مسلحة أيضاً، وغيرهم (٢) . وعند الحديث عن الشيعة في العراق فلا بد من التطرق لإيران الداعم الخلفي لهم. وسأشير هنا في موضوع علاقة إيران بالاحتلال إشارات سريعة، معلقاً على بعض الوقائع: أ - لم يكن مفاجئاً أن نسمع وزير الدفاع العراقي المؤقت حازم الشعلان ـ وهو شيعي عراقي الأصل ـ أن يقول: «إن إيران العدو الأول للعراق، وإنها اخترقت جميع مفاصل البلاد ومؤسسات الدولة وبضمنها وزارته» (٣) ، ولكن الغريب أن يُشكّل أغلب الحرس الوطني من ميليشياتٍ مؤسسةٍ في إيران! مثل فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وميليشيات حزب الدعوة. وهي حركات تتبنى فكرة الثورة الإيرانية، ومدعومة بشكل مباشر منها، ويجب أن لا ننسى دعوة عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس الأعلى لإلزام بلاده بتعويض إيران بمائة مليون دولار من أضرار الحرب السابقة؛ ولكن لا عجب فهو فارسي الأصل. وأما حزب الدعوة فهو متبنٍ لفكرة تصدير الثورة؛ فرئيسه إبراهيم الجعفري ـ رئيس الوزراء حالياً ـ يعتبر الرئيس العام؛ وهو أشبه بفكرة المرشد الأعلى، وله فرع تمثيليّ له في العراق يسمى فرع تنظيم العراق يرأسه أبو عقيل الهاشمي (١) ، مما يؤكد أنه يتمثل السياسة الإيرانية (الجمهورية الإسلامية في إيران) . ب - أعلن الأمريكان عقب (زلزال بُم) تعليق العقوبات المفروضة على إيران منذ عشرين عاماً. وقال رفسنجاني ـ الرجل القوي في إيران ـ: «إن واشنطن تُصدر إشارات إيجابية منذ عدة شهور» وقال: «علينا أن ندرسها بعمق أكبر» (٢) . ج - في البيان الختامي لمؤتمر شرم الشيخ كان من بين فقراته محاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب ضد إيران والكويت، ثم غداء خرازي وباول على طاولة واحدة، والحديث عن إمكانية إعادة العلاقات، وعدم اعتراض أمريكا على مؤتمر طهران الأخير الذي كان بشأن العراق. وبالمقابل ننظر إلى سوريا وما تواجهه من ضغوط متصاعدة، على عدة جبهات. د - التحذيرات المثيرة من قِبَل الملك عبد الله (ملك الأردن) ـ في خروجٍ عن نمط الدبلوماسية العربية المعتادة ـ من هلالٍ شيعي عربي، يمتد من إيران مروراً بجنوب العراق وصولاً إلى سوريا ولبنان. هذه الأمور وغيرها الكثير يستدعي الانتباه إلى أن شيئاً ما يُحاك خلف الكواليس، وأنا هنا لا أزعم أنني توصلت إلى نتيجة نهائية بخصوص العلاقة بين إيران والاحتلال، إلا أنني أجد نفسي أمام جملة من المتناقضات، وأشعر أن المعلومات التي اطلعت عليها ما زالت لا تفي بالغرض، ولكن التاريخ سيبين كل شيء. وقد حاولت تفسير هذه القضية ـ من الناحية السياسية ـ في مقالي السابق، وهذه النقاط الأربع السابقة تؤكد قربه من الواقع. وملخص ما توصلت إليه أن إيران تتمتع بقدرات سياسية فائقة، خاصة إذا ما قورنت بالدول العربية؛ فهي تطمح في تعاملها مع القضية العراقية إلى هدفين رئيسين: عدم استقرار الاحتلال في العراق؛ والحصول على أكبر قدر ممكن من النفوذ الشيعي في العراق، مما يقوي نفوذها هي بالتبع، وهي فرصة تاريخية لا تعوض بالنسبة لهم. وقد يكون هدفُهم من هذا ـ الهدف الثاني ـ الحصولَ على ورقة ضغطٍ جديدة تهدد المحتل، أو قد يكون الطموح التوسعي، أو قد يكون الدوافع الطائفية، وقد تكون هذه كلها مجتمعة. ولكن من خلال متابعة الأحداث؛ نجد أن إيران غلَّبت جانب الهدف الثاني على الأول بشكل يثير الاشمئزاز، وغلَّبت مصالحها الطائفية، وإن كانت على حساب الأمة بشكل عام، وهذا ما يدعو الكثير إلى إثارة موضوع العَلْقَمية في هذا الوقت، مما يؤكد النظرية التي سبق أن طرحتها، وهي الاختلاف الثقافي والحضاري بين الشيعة والسنة، مع ضم الاختلاف العرقي مع الفرس، ومن ثَمَّ اختلاف المصالح والأهداف السياسية. ويأتي هنا دور المحتل في استغلال هذا الاختلاف، سواء في العراق أو لبنان أو أفغانستان. ولكن لا يعني هذا أنه لا يمكن أن تقوم علاقة بين المقاومة وإيران؛ فهي دولة محنَّكة في السياسة، وتلعب على كل اتجاه، وتستغل كل فرصة. ٢ - التيار المناهض للاحتلال: وأول من مثّله هم تيار الخالصي في بعقوبة، ولكن بعد انضمام الصدريين لهذا التيار مؤخراً، أصبح التيار المقاوم لدى الشيعة يتصاعد، ثم ما لبث أن هَدَأَ بعد معركة النجف، وهو مرشح للظهور في المستقبل مجَدَّداً. وهنا ينبغي الإشارة لأمور: أ - أن هذا يعتبر إخفاقاً سياسياً لإدارة الاحتلال؛ فهذا فصيل من الشيعة الذين طالما غازلهم الاحتلال، وحكم لهم بالأغلبية قبل الإحصاء السكاني، وأعطاهم المناصب الحساسة في الدولة، ومع هذا لم تفلح إدارة الاحتلال في استيعاب الصدر ومن معه. بل قد صرّح الصدر نفسه بأن الانتخابات ستكون على حساب السنة. ب - هذا الأمر يستدعي الانتباه للمقاومة السنية؛ فالتيار الصدري تيار عربي الأصل ليس بفارسي أعجمي كالسيستاني مثلاً، وكون المرجعية الشيعية بيد العرب داخل العراق فإن هذا الذي لا تريده أمريكا ولا إيران؛ حيث ستصبح النجف ومرجعها مهبطاً للشيعة في العالم، وسيصبح دور قُم الفارسية أضعف نتيجةً لذلك. أما سبب كون أمريكا لا تريد هذا الأمر، مع أنه سيُضعف دور إيران؛ فله تحليلات عديدة، من أبرزها: أنها لا تريد مرجعية قوية داخل العراق، قد تسبب لها بعض المشاكل، وربما أنها لا تريد ذلك؛ لأن الشيعة العرب أقرب للاتفاق مع السنة، وربما لأنها لا تريد استثارة إيران في هذه المرحلة على الأقل، وربما لغير ذلك. وقد ذكر عدد من المحللين أن هناك تنسيقاً بين المقاومة السنيّة والصدريين، إلا أننا لم نتأكد: هل أدرك السنة هذه الفرصة المواتية لهم أو لا؟ فكثيراً ما تنتصر دول وحركات ضعيفة بعد عون الله بالتحالفات؛ بل إذا نظرنا إلى سيرة المصطفى ﵊ وجدنا شواهد كثيرة من ذلك، منها مثلاً مسألة الجوار الذي كان يدخل به الرجل إلى مكة ويسير فيها دون أن يمسه أحد، إذا ما علموا أنه في جوار آل فلان مثلاً. وكذا تحالفه مع بعض العشائر، والصلح والهدنة مع أخرى، وهكذا من أنواع السياسة الشرعية. - ثالثاً: المقاومة العراقية: بعد مضي قرابة سنتين منذ غزو العراق؛ ما زلنا نسمع بمقتل جنود الاحتلال يومياً من قِبَل المقاومة، وما زالت الحرب لم ينطفئ لهيبها، وكلما زاد عدد ضحايا الاحتلال في العراق تذكَّر الأمريكان شبح فيتنام، وأخذوا يقارنون بين الحربين. ومن تلك المقارنات: أن قتلى الاحتلال في العراق خلال الأشهر العشرة الأولى من الحرب فقط، أكثر من قتلى السنوات الأربع الأولى لحرب فيتنام، مع أن الفيتناميين كان خلفهم الجيش الشعبي الصيني والاتحاد السوفييتي، وأما المقاومة في العراق فلا نصير لهم حتى الآن بين دول العالم. يقول الجنرال (لانس سميث) نائب رئيس القيادة المركزية الأمريكية: «إن المقاتلين العراقيين أصبحوا أكثر فاعلية ضد خطوط الإمداد، وإن الهجمات بالمتفجرات أدت إلى إبطاء العمليات العسكرية» وأضاف: «إنهم أصبحوا أكثر فاعلية في استخدام العبوات الناسفة المحلية الصنع» ، وذكر أنهم اضطروا لاستخدام طائرات النقل ١٣٠ C لنقل الإمدادات (١) . وأصبحت القوات المحتلة بين نارين: إما البقاء والمزيد من تصاعد المقاومة لما تسببه رؤية القوات الأجنبية من تذمر الشعب، وإما الانسحاب السريع الذي قد يؤدي إلى حرب أهلية؛ وخسارة كل ما قدمته القوات في الاحتلال (٢) . وقد كان لهذه المقاومة العديد من النتائج الإيجابية في صالح العراق والدول العربية، والساحة الدولية أيضاً. ومع كل ما يقال عن قوة المقاومة، وما تحدثه من إثخان في المحتلين؛ إلا أن الأمر ليس هيِّناً؛ فهي تواجه أعتى قوة في العالم، ويهابها كل دول العالم شرقاً وغرباً لما تمتلكه من قوة وقدرات. حتى ولو تجاوزنا هذا الأمر؛ فلن ترضى الدول الغربية بظهور دولة مستقلة في قرارها وسياستها، خصوصاً مع قربها من إسرائيل وثراء العراق بالنفط، بل إن كثيراً من دول الجوار لن ترضى بكيان قد يهددها. ولكن يمكن للمقاومة كي تنجح أن تسعى جاهدةً لإقامة علاقات ـ بأي شكل كان ـ بعضها مع بعض أولاً، ثم مع القوى الأخرى داخل العراق لمحاولة كسبهم، ثم مع دول الجوار بمحاولة طمأنتهم وأنهم لا يستهدفونها إطلاقاً، وبهذا قد تنجو من المعارضة الدولية. فالأمر يجري وفق سنن الله ـ تعالى ـ الكونية التي تجري على المؤمن والكافر، والبر والفاجر، ولا بد من السير بتوافق معها، وعدم أخذ الأمر بتبسيطها وتحليلها بالنظرة الحدّية القاصرة: هذا كافر، وهذا مرتد، وهذا عميل؛ وانتهى الموضوع. ولذا كان لزاماً على قادة المقاومة المخلصين لقضيتهم أن يجعلوا الأمر بيد أهل الخبرة والمعرفة، وأن يكونوا من أهل البلد، حتى ينفوا عن أنفسهم التهمة بأنهم مجموعة من الأجانب. - ملحوظات على تيار المقارمة: ومن خلال المتابعة للأحداث الجارية في العراق؛ فقد ذكر عدد من المحللين أموراً كثيرة تهدد هذه المقاومة بالفشل والتشرذم، ومن أبرزها: أ - ضعف الجانب السياسي لدى المقاومة من مخططين ومحاورين ومتحدثين يفهمون اللعبة السياسية وأبعادها. ب - محاولة بعضهم حصر المقاومة على تيار واحد، واستعداء الشيعة وغيرهم. ووصل الأمر حيناً إلى استعداء دول الجوار وتهديدها، بدلاً من محاولة إقناعها ـ سواء بطريق مباشر أو غير مباشر ـ بأن الأمر قد يطالها هي في النهاية، أو مهادنتها على الأقل. ج - عدم التفريق بين المتعاونين مع الاحتلال بين سائق شاحنة وحامل بندقية. وهذا الأمر من الأمور التي قد تسهم في إضعاف القاعدة الشعبية للمقاومة، وعزوفِ الناس عن تبنيها والاقتناعِ بجدواها، مما يفقدها لأهم وأقوى أسلحتها في الحقيقة. - افتراضات مستقبلية متوقعة: وبعد هذه المقدمة لا بد من نتيجة وثمرة لها، وهي بالطبع افتراضات المستقبل. من خلال الرصد السابق للأحداث، وما يتخللها من ملاحظات، يظهر على السطح عدة افتراضات محتملة، هي استكمال لما طرحته في المقال المشار إليه آنِفاً، مع التأكيد على أن هذا مبني على سياسة الاحتلال الحالية بخلاف ما لو تغيرت، وهي مرشحة للتغير. أولاً: احتمال عودة ملف الصراع العربي الإيراني من جديد: لما أفرزته حرب العراق من مستجدات مقصودة من قِبَل الاحتلال، وهو ما يفسر طرح مصر مثلاً لقضية الجواسيس الإيرانيين، واتهامهم بمحاولة تدبير اغتيالات بمصر والسعودية ـ مع أنها مستبعدة خصوصاً في ظل الظروف الراهنة - وعدم قبولها للتقارب مع إيران، مع أن هذا الملف كاد أن يقفل. ثانياً: مزيدٌ من الضغوط من قِبَل الاحتلال على دول الجوار لإنقاذ موقفه: وربما يتجاوز الضغوط الأمنية إلى الضغوط الثقافية والاجتماعية والسياسية - خاصة على سوريا ومصر وبعض دول الخليج ـ وفي هذا السياق جاء مؤتمر شرم الشيخ، ومزيدٌ من المحاولات لاستجلاب قوات تساعد على ضبط الأمن. يأتي هذا بالتزامن مع تزايد مستوى الخوف والحذر لدى الحكومات العربية من سياسة المحتل تجاه الطائفية وتفتيت العراق، والمخاوف من الجماعات المسلحة التي سيكون العراق مرتعاً رحباً لها، خاصة إذا ما استمرت الفوضى فترة أطول. ومن البديهي أن يكون العراق منطلقاً لكل أجهزة الاستخبارات التي تريد تصفية حسابات أو تحقيق أهداف معينة. ومن الواجب على الدول العربية أن تحاول إقامة خيوط علاقة مع القوى المعتدلة هناك، كهيئة علماء المسلمين مثلاً، وأن تحاول دعمها ولو بشكل غير مباشر، وهذا يزيح عنها عبء ما لو تخلت أمريكا عن العراق بأي شكل من الأشكال، وحتى لا يبقى العراق بين أيدي الاستخبارات الإيرانية والغربية في سباق محموم، وهم في خارج الساحة ينتظرون الفأسَ أو المطرقة. وكثيراً ما نسمع ـ من عملاء الاحتلال بعد عمليةٍ ما ـ معلقاً يقول: إن هذا بتدبير الدول التي لا تريد استقرار العراق. ولا ندري: هل هذا حقيقةٌ فنقول إن هذه الدول بهذه الجرأة وهذا الفهم العميق وهذا البعد الذي ينظر للمستقبل بعين المسؤولية؟ ومما لا شك فيه أنه كلما زادت المقاومة في وجه الاحتلال كلما تعلم دروساً في طريقة تعامله مع المنطقة، وقد كان لهذه المقاومة الأثر الكبير على العالم، وقد وضع رامسفيلد ـ كما يقول ـ ستين دولة في القائمة السوداء تستحق الضرب في نَظَرِه؛ فلقد كاد العالم أن يشهد (هتلر) جديداً، ولكنه هذه المرة يملك القوة التي تدمر العالم عدة مرات، ويسيطر على الأمم المتحدة؛ إلا أنه ذاب حميمه أمام ضربات المقاومة. ولا يعني هذا الكلام أن التيار المحافظ (المحافظين الجدد) قد تراجع عن برنامجه الإمبراطوري الإمبريالي، ولكن لا أستطيع التنبؤ بخططهم الجديدة، وإن كانت المؤشرات والأخبار المسرَّبة تشير إلى زيادة سيطرة المتطرفين على الأجهزة الحساسة في الدولة كالدفاع والاستخبارات. ولكن الذي أستطيع الجزم به؛ أنه لم يعد بالحماسة التي كان عليها؛ وأنه أعاد دراسة كل ما كان يفكر فيه قبل ذلك! ثالثاً: فيما يخص الشيعة وتحالفهم ـ في غالبيتهم ـ مع المحتل: فلا يتوقع أن يرجع المحتل عن هذه السياسة، وقد ورَّطَ نفسه في أتونها، وبنى كثيراً من قراراته عليها. فهو واقع بين مطرقتين من صُنْعِه: إما السير قُدماً ومعه الشيعة على حساب السنة، وإما التوقف والتراجع لمحاولة إعادة التوازن، وهذا لن يرضي الشيعة إطلاقاً وقد بسطوا نفوذهم في كل أجهزة الحكومة المؤقتة. ولكن ما مصير حركة الصدريين؟ لا شك أنهم ضُرِبوا بقسوة من جهتين: من الاحتلال ومن بقية الشيعة، ولكن ثورتهم من جديد محتملة. ومما سيشجعهم عليها نجاح المقاومة السنية، في الصمود في وجه الاحتلال حتى الآن، وربما يستفيدون من طريقة السنة ويكون دافعاً لهم. رابعاً: فيما يخص قوات الاحتلال: المتوقع ـ والله أعلم ـ هو المزيد من الأزمات التي تنتظر قوات الاحتلال؛ فهناك عدد من الدول انسحبت من التحالف كأسبانيا والفلبين وتايلاند وهندوراس وجامايكا وغيرها. وهناك عدد منها أعلنت انسحابها عقب الانتخابات كهولندا وبولندا (١) وإيطاليا والمجر وأوكرانيا. وبعضها الآخر يترنح كاليابان وكوريا مثلاً، نظراً للمعارضة الشعبية. مما يعني المزيد من الحاجة الأمريكية لإرسال الجنود، مما يرفع تكاليف الحرب ويزيد من الحرج الشعبي الذي تواجهه حكومة بوش من قِبَل المعارضة. ولكن لهم سياسة لحلِّ هذه المشكلة مؤقتاً، وهي أنه في حال حلول موعد تبديل القوات فإنها تمدد للموجود على الأرض مع استقبال الدفعة الجديدة، ومن ثَمَّ يتضاعف العدد بشكل غير مباشر، أو بتجنيد عدد أكبر من المرتزقة؛ إلا أنه تبقى مسألة زيادة النفقات. وهنا نقطة مهمة، وهي أن أمريكا ومعها عدد من الحلفاء دخلوا العراق، ولذا كان لزاماً إبقاء المعركة ضدها ومن معها تحديداً. ولكن نجد فيما ينسب لبعض جماعات المقاومة ـ التي توصم بأنها جاءت من الخارج ـ تعمل في طريقٍ عكس هذا، مما يزيد المشاكل ويفاقم المصاعب. وأرجو أن لا أكون مخطئاً في خَرْصي (*) بأن الحرب في الأيام القادمة ـ خاصة مع تصاعد أعمال المقاومة ـ قد تكون في العراق مع الغرب عموماً وليس مع أمريكا فقط، وهذه كارثة وفالجة، ولكن ليس قبل مرور عدة سنوات، وتغير الحكومة في أمريكا. والله أعلم. ويجب أن نذكر أن قوات التحالف لا تقاتل قناعةً منها سوى القوات الغربية فقط، وهم في قتالهم يستذكرون أنهم أمام عدوهم التقليدي على مر التاريخ، وهو المنافس الحضاري الوحيد لهم، ولذا فهم يقاتلون حاملين لواء العقيدة، أو الفداء لوطنهم، أو تاريخهم وحضارتهم، كل هذه عقائد تستخدم عسكرياً عندهم؛ بخلاف كوريا واليابان مثلاً، فليس هناك عداء تاريخي معهم. ونظراً لأن ساحة التأثير على أفراد الحركة الإسلامية تغيرت وبشكل كبير، ولكن قادتها ومنظروها الأوائل أقل تغيراً وتفهماً، فوسائل التأثير والوصول للناس غَدَت كثيرة جداً، وبالطبع سيكون هناك خلاف كبير نظراً لتعدد الخطابات والمناهج الطارئة والقديمة. ومما يبين هذا الكلام بشكل أوضح؛ فإن من المتوقع في حال نجاح بعض هؤلاء في ضرب المحتل، وذيوعِ إنجازاتهم، وانتشارِ صورٍ لبطولاتٍ لهم؛ أن يُسهم في الترويج لفكرهم ومنهجهم، وزيادة المتبنين له، خاصة من الشباب صغار السن؛ مع أن هذا ليس ميزاناً علمياً، فضلاً عن أن يكون شرعياً. ولذا يجب على العلماء والمثقفين وأصحاب الخبرة أن يكونوا حاضرين في هذه الأزمة بكل شجاعة، وأن يعالجوا المشاكل كما هي، لا أن يحاولوا إخفاءها أو تجاهلها؛ لأن ذلك يفاقم المشكلة ويعقدها. هذا وقد وردت آثار في مثل هذا المعنى، منها حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسَلُوا الله العافية.. الحديث» (٢) . يقول أبو العباس القرطبي: «الحرب تتراءى لأخفِّ الناس بالصورة المستحسنة، تم تتجلى عن صورة مستقبحة؛ كما قال الشاعر: الحرب أول ما تكون فتية تسعى ببزتها لكل جهولِ» (١) والذي يُخشى هو أن يصل الأمر بقوات الاحتلال إلى أن تصبح في وضع لا ترى لها مخرجاً إلا الحرب الطائفية، وقد بدت بوادر ذلك؛ إلا أن المخلصين يعرفون هذه المصيدة جيداً. وهناك فَرَضية تُطرح بقوة، وهي الاتحاد الفيدرالي لثلاث مناطق في الشمال والجنوب والوسط بشكل يشبه الانفصال ـ وجاء الإعلان الأخير من قِبَل عدد من الأحزاب الشيعية بالمطالبة بالحكم الذاتي للجنوب في هذا الإطار، وقد يقوي هذه الفرضية أن هذا الحل قد يضمن ـ في نظر بعض المحللين ـ استمرار تدفق النفط من الحقول الجنوبية والشمالية الغنية، وترك الوسط الثائر وحصره في مناطق فقيرة. إلا أنه ليس بالإمكان تطبيق هذه الفرضية بسهولة لوجود كثير من المعوقات، ومن أبرزها: وجود سنة مقاومين في الجنوب والشمال، ووجود شيعة وأكراد مقاومين أيضاً وإن كانوا قلة، ومنها معارضة دول الجوار، ومنها صعوبة تأمين أجزاء من البلد دون أمان الأخرى. ومن القضايا التي تعقّد على الأمريكان حل مشكلة العراق هو إصرار طهران على امتلاك التقنية النووية، مما يجعل بقاءها في منطقة قريبة منها أمراً مهماً بالنسبة لهم، ولو قُدِّر أن حُلت هذه القضية مع إيران سواء بطريق الضغط والتفاوض، أو بطريق ضرب المفاعلات وانتهاء القضية بسرعة ـ مع استبعاده حالياً ـ فإن افتراض انسحاب أمريكا سيقوى كثيراً، وسيعتبرون أنهم قد حققوا هدفاً مهماً بالنسبة لهم، مما يخفف خسائرهم السياسية. خامساً: مستقبل المقاومة: المتوقع تصاعدها، وسيستمر الأمر بتهميش السنة ومن معهم من المعارضين للوجود الأجنبي، مما يزيد من قناعة المقاتلين والمعارضين بأنه لا حل إلا المقاومة المسلحة. (١) انظر تصريحات جون أبو زيد، جريدة الحياة ١٩/١١/٢٠٠٤م. (٢) كما صرح بذلك وزير خارجية إيران كمال خرازي. موقع الجزيرة ـ الأربعاء ١٤/٤/٢٠٠٤م، ووصل وفد الوساطة بغداد في هذا اليوم برئاسة مدير الشؤون الخليجية بوزارة الخارجية الإيرانية حسين صادقي. (٣) موقع الجزيرة ٢٧/٨/٢٠٠٤م نقلاً عن النيويورك تايمز في حوار معه. (١) النيويورك تايمز، ونشر هذا في جريدة الاتحاد بالتنسيق معها في ٢٨/٩/٢٠٠٤ م. (٢) في لقاء معه في برنامج (هذا الأسبوع) بقناة أي بي سي في ٢٦ أيلول، نقلاً عن ميشيل منير بجريدة تشرين ١/١١/٢٠٠٤م. (٣) الوطن ٢٧/٦/٢٠٠٤م. (١) كان هذا في تقرير للكاتب الأمريكي سيمور هيرش في نيويوركر ماغازين ٢١/٤/٢٠٠٤م، وهو الكاتب الذي كشف فضيحة أبي غريب قبل شهرين من هذا التاريخ، نقل هذا التقرير سعد محيو في ملحق الوسط السياسي في جريدة الحياة ٢٨/٦/٢٠٠٤م. (٢) وقد سبق أن تحدثت عن هذا الموضوع في مقال سابق (المقاومة العراقية والمستقبل السياسي في العراق) مجلة البيان عدد ذي الحجة ١٤٢٤هـ. (٣) جريدة الشرق القطرية ٥/٨/٢٠٠٤م، وكرر ذلك قُبيل الانتخابات وبلهجة أشد في ١٥/١٢/٢٠٠٤م، وكان أعجب من ذلك رد الناطق باسم الحكومة الإيرانية؛ إذ وصف ـ بكل ثقة ـ هذه التصريحات بأنها دعائية، وقال: «إننا على ثقة من أنه سيعود عن هذه التصريحات كما حصل في الماضي، إنها نوع من الدعاية لأغراض داخلية عراقية» ! الحياة ١٦ ديسمبر، وأكد على هذا التفسير عدد من الأحزاب الشيعية العراقية مستنكرين لهجته. وفعلاً في٢٠ ديسمبر اعتذر علاوي عن هذه التصريحات، وقال: بأنها لا تمثل وجهة نظر الحكومة الانتقالية. (١) جريدة الحياة، ١٥/٦/٢٠٠٤م. (٢) موقع الجزيرة نت، ٩/١١/١٤٢٤ هـ. (١) الحياة، ١٧/١٢/٢٠٠٤م. (٢) انظر كلام (جيمس دوبينز) الموفد الأمريكي السابق للبوسنة وأفغانستان في مقال له في مجلة فورين افيرز، نقلته جريدة الحياة ١٧/١٢/٢٠٠٤م. (١) وقد استعجلت ذلك بسحب نصف قواتها تقريباً. (*) الخَرْص: تقدير بظن. (٢) متفق عليه. (١) نقله في طرح التثريب (٧/٢١٦) .

стр. 5308

قضايا الأمة بين الساخن والبارد أحمد فهمي يروي المقريزي في تاريخه أن تجار القاهرة أغلقوا أسواقهم في أحد الأيام وتجمعوا مع الأهالي احتجاجاً على زيادة الضرائب والمكوس، التي فرضها الحكم المملوكي، ولما أراد الحرس تفريقهم رفضوا وأصروا على موقفهم، فرفع الأمر إلى الوالي الذي استدعى كبار التجار المحتجين، وفاوضهم وسمع مطالبهم فوعدهم خيراً. يقول المقريزي: فتفرق الناس وبردت القضية، وطبعاً لم يتحقق أي من مطالب الجماهير. هذه القصة تشير في الحقيقة إلى ظاهرة خطيرة تصيب الشعوب الإسلامية، وهي العجز عن الاحتفاظ بالقضايا الحيوية الساخنة لأطول فترة ممكنة؛ إذ سرعان ما تنطفئ جذوة الحماس وتفقد القضية بريقها وتذوب المطالب ويتراجع الرأي العام في انتظار الحدث الساخن التالي. ويأتي في مقدمة أسباب هذه الظاهرة المرضية افتقاد الجماهير لجهة قيادية مؤثرة تمتلك القدرة على تحريك الشعوب. وإذا كان العلماء والمفكرون والدعاة يتحملون العبء الأكبر في هذا المجال فإن واقع الحال يكشف عن تراجع كبير لرموز الأمة عن أداء دورهم؛ فقد غلبت القيود والاحتياطات، وسيطرت المشروعات الفردية على الساحة، واختار الأكثرون خطاباً عاماً لا يقدم للشعوب خريطة طريق واضحة. سبب آخر يكمن في طريقة تناول وسائل الإعلام العربية لقضايا الأمة وهي طريقة غربية المنشأ تعتمد على إثارة العواطف وفق منحنيات رأسية صاعدة وقت اللزوم، أو تفريغ العواطف بطريقة آمنة، أو اختزال القضايا الكبرى في مواقف أو أحداث أو شخصيات محدودة التأثير، وهذه الأخيرة يمكن أن يكشف لنا تتبعها عن تناقضات لا محدودة في ردود الفعل الجماهيرية الإسلامية. وقد اعتادت وسائل الإعلام الغربية على تطبيق مبدأ الاختزال الرمزي هذا بكثرة؛ فالمقاومة في العراق اختُزلت في شخص الزرقاوي، وبسالة الجنود الأمريكان اختُزلت في شخص الجندية الأمريكية ميريل لينش ذات البطولات المزعومة، والرأفة الأمريكية في التعامل مع الشعب العراقي اختزلت في طفلين معاقين سلطت عليهما الأضواء. والنتيجة أن الرأي العام العربي أصبح يتفاعل مع أحداث رمزية تنقله بعيداً عن القضية الرئيسية؛ ولذلك خرجت الجموع، واحتج الساسة، وثارت الجماهير عندما قُتِل محمد الدرة. وفي المقابل مر تفجير رأس الشيخ ياسين وتدمير جسد الرنتيسي مرور الكرام. وهكذا تختزل الأحداث الجسام في حياتنا، وقد كان محمد الدرة مع والده يشتريان سيارة وكان الشيخ ياسين عائداً من مسجده وهو يبغي شراء أمة، ولكن إعلامنا الهمام أبكانا على الدرة أشهراً، وأبكانا على الشيخ ياسين ساعات معدودة. سبب آخر لبرودة القضايا الجماهيرية وهو انحصار المسارات التي يمكن أن تحرك فيها الجماهير في أنماط محدودة تتلاقى كلها عند التظاهر كشكل رئيس لتفريغ طاقة الجماهير. والتظاهر نمط غربي الأصل على الأقل في العصر الحديث وهو يتناسب مع طبيعة وثقافة المجتمعات الغربية أكثر مما يتناسب عندنا ولذلك تنتج عنه آثار نراها لديهم ولا نجدها في واقعنا، وفي كثير من الأحيان يحدث الخلط بين حشد الأتباع وحشد الجماهير؛ وأقرب مثال على ذلك حركة (كفاية) في مصر التي لا تزيد تظاهراتها عن العشرات أو مئات قليلة ولكنها ملأت الدنيا صراخاً. إن التعامل مع الجماهير المسلمة التي هي طاقة الأمة المدخرة يحتاج إلى تأصيل شرعي ورؤية واقعية متبصرة إذا أردنا أن نحقق نجاحاً في ضبط المؤشر الجماهيري على الساخن لأطول فترة ممكنة.

стр. 5309

أوزبكستان والشروط المكتملة د. يوسف بن صالح الصغير لقد اكتملت في أوزبكستان الشروط اللازمة لإطلاق يد النظام في تطبيق مبادئ العدالة المطلقة وفق المعايير الجديدة التي تسمح بل تشجع ممارسة القتل والتعذيب واستعباد الشعوب إذا وجدت الأسباب، وانتفت الموانع. إن النظام في أوزبكستان يقوم على الأشخاص أنفسهم الذين كانوا يحكمون ايام النظام الشيوعي؛ فلقد سقط الاتحاد السوفييتي وبقي الحزب الشيوعي يتحكم بصورة مطلقة وبدون مرجعية في الشؤون الداخلية مما ضاعف من مستوى القمع والفساد حتى إن عامة الناس يحنون لأيام (بريجنيف) و (جورباتشوف) فقد بلغ الإرهاب السياسي للمعارضين حداً جعل السفير البريطاني السابق (كرايج ميوري) ينتقد سياسة الحكومة الأوزبكية؛ حيث أرجع السبب في الأحداث الجارية إلى الدعم الأمريكي والبريطاني المستمر للرئيس (إسلام كريموف) ، وكان السفير قد أوقف عن العمل العام الماضي واستدعته الحكومة البريطانية للتشاور معه بسبب تصريحاته المنتقدة للإدارة الأمريكية بسبب تأييدها للنظام الاستبدادي من أجل الحفاظ على مصالحها بالمنطقة. لقد تمادى النظام في سياسة القمع حتى بلغ حد اعتقال رجال أعمال متدينين لمجرد أنهم يقدمون خدمات اجتماعية للفقراء والمعوزين في منطقة وادي فرغانه المهمل مما حدا بالناس للتظاهر في مدينة (إنديجان) ثم تطورت الأحداث الى اقتحام السجن وإطلاق حوالي ألفي سجين. نعم ألفا سجين أُطلقوا من سجن واحد، وكان الرد سريعاً؛ فقد وصل الرئيس إلى المدينة، وأشرف على تهدئة الأوضاع. ولنترك الفرصة لإحدى الفارات من المدينة لتصف ما حدث: تقول «سوفاهوان» التي فرت من المدينة بأطفالها الأربعة: «إنهم نشروا قناصين في كل مكان.. ولم يراعوا مَنِ الذي يطلقون عليه النار. رأيت المئات من الأشخاص سقطوا قتلى في الشوارع. رأيتهم يطلقون النار على الصبية والنساء والأطفال» . وأضافت: «إن القوات الحكومية كانت تطلق النار على الحشود المحتجة. إنهم كانوا يطلقون النار علينا من طائرات الهليكوبتر. الناس أصبحوا حيارى يجرون في كل مكان، يحاولون الاختباء في المباني أو خلف السيارات» . إن حصيلة الأحداث التي اندلعت في عدد من البلدات والقرى يتراوح بين ٥٠٠ قتيل وفق الحكومة إلى أكثر من ألفين وفق المعارضة؛ مع غياب مصادر مستقلة؛ لأن الحكومة قد قامت بطرد جميع المراسلين من المنطقة أثناء الأحداث. إن اللافت للنظر هو التأييد الذي يتمتع به النظام في كل من الولايات المتحدة وروسيا؛ حيث نجح في تطبيق الشروط المطلوبة التي تتلخص في: ١ - التنازل عن السيادة ورهن البلد للمصالح الأجنبية (الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل) بدءاً من القواعد العسكرية إلى السيطرة الاقتصادية والثقافية. ٢ - قمع المعارضة إذا كانت إسلامية. ولذا يحرص النظام على وصف أي معارضة أنها تتبع حزب التحرير، بل زايد وزير الخارجية الروسي الذي وصف المتظاهرين بالإرهاب وأنهم أتباع طالبان. أما (ريتشارد باوتشر) المتحدث باسم الخارجية الأمريكية فقد عبر عن قلق الولايات المتحدة بسبب الهجوم المسلح على السجن وإطلاق سراح متهمين بالتطرف. إن على النظام أن يستمر في تقديم القرابين للأسياد قبل أن تقوم مظاهرات تطبق في حقها مبادئ حقوق الإنسان بحرية الاحتجاج وإسقاط النظام الفاسد كما حصل في قرغيزستان المجاورة. إنها معادلة واضحة المعالم: (قم بما يجب عليك) أو (ارحل غير مأسوف عليك) ولا تنس (صدام) و (عرفات) !

стр. 5310

مساجد العراق ومواجهة التحديات والأخطار حسين عبد عواد مخلف الدليمي من المعلوم ضرورةً أن المسجد قد أدى رسالة عالمية في نشر الإسلام وتعاليمه؛ حيث كان أحد الركائز التي قام عليها الإسلام، ولذلك سارع النبي ﷺ إلى بنائه بعد هجرته إلى المدينة المنورة ... ومن ثَمَّ كان المسجد المدرسة والتاريخ والحضارة ومكان الإصلاح والتداوي والتدريب، وهو ملتقى التعارف والأخوة، بل هو كل شيء في حياة المسلم؛ ولذلك أدرك الأعداء هذه الرسالة المباركة، وكثرت المعسكرات والمؤسسات المعادية له، ولما يقوم به من رسالة في الإسلام. وإذا كانت هذه المعسكرات والمؤسسات لم تُعْلِن عن عدائها للمسجد صراحة؛ فإنَّ عداءها للإسلام هو في الحقيقة عداءٌ للمسجد ورسالته؛ لأننا ذكرنا أنه أحد ركائز ودعائم الإسلام. فالمسجد إذن يلعب دوراً كبيراً ومهماً: دينياً، وثقافياً، وسياسياً، واجتماعياً؛ فهو المكان الذي تأوي إليه النفوس، وتهفو إليه القلوب، وإلا لما أولاه النبي ﷺ هذه العناية والرعاية. وإذا رجعنا إلى الوراء قليلاً ـ مع بداية الاحتلال الأمريكي للعراق ـ وجدنا أنَّ إقبال الناس على المساجد كان إقبالاً منقطع النظير؛ لأنهم أدركوا أنه المأوى الحقيقي الذي تجد فيه نفوسهم الراحة والطمأنينة، على اعتبار أنه مكان العبادة والصلاة، والتي كان رسول الله ﷺ : «إذا حزبه ـ أي أحزنه ـ أمرٌ صلى» ، وكان رسول الله ﷺ يقول لبلال ﵁: «أرحنا بها ـ أي الصلاة ـ يا بلال!» . وإنَّ طبيعة أي بلد تُحتل أرضه، وتُنتهك حرماته أن تداس مساجده، وأن يُستهان بشعائره ومقدساته. ففي الوقت الذي جاءت جيوش الاحتلال الجرارة بدعوى تحرير العراق كذباً وبهتاناً، إذا بها باسم التحرير والديمقراطية تتعدى اعتداءً صارخاً على مقدسات البلد وشعائره الدينية. وليس ذلك بغريب على معسكر الشرك والإلحاد. وبالمقارنة بين ما فعله التتار ببغداد بالأمس عندما احتلوها لأول مرة، وما فعله اليهود اليوم يجد توافقاً عجيباً ينبئ عن الهمجية التي يحملها العدو الغاشم؛ فقد فعل التتار المغول ما فعلوا من تدنيسٍ لمساجد المسلمين؛ وإنْ ينسَ التاريخ شيئاً فلم ولن ينسى ما فعله التتار بمساجد بغداد وأئمتها وخطبائها وقرَّائها، وما ارتكبه السيخ والهندوس من مجازر بالمسلمين في الهند، وما فعله الشيوعيون بالمساجد؛ حيث قاموا بتحويلها إلى نوادٍ وملاهٍ ومسارح وسينمات ومدارس علمانية. واليوم ـ وفي ظل الاحتلال البغيض ـ تعاد الكرة نفسها التي أعلن من خلالها أعداء الإسلام من المشركين والملحدين حربهم ضد مساجد المسلمين في العراق؛ فقد انتهكت حرمات المساجد في عراق الحرية والديمقراطية الجديد. فهذه الفلوجة ـ التي شرد مئات الآلاف من أهلها ـ والتي شهدت معركة ضارية كتبها التاريخ في صفحاته بماءٍ من ذهب، والتي لقَّنَ أهلُها المشركين درساً لن ينسوه على مر التاريخ في المقاومة والثبات. وكان من بين ما قام به المحتل: قصف المساجد والمآذن، والتعدي على روادها وأهلها، بل تعدى الأمر إلى قتل من يلجأ إليها ويستأمن فيها؛ ولعل كثيراً من أبناء أمة المليار والربع رأت بأم عينها ذلك المشهد الفظيع الذي قام من خلاله أحد جنود الاحتلال الأمريكي بقتل أحد المواطنين الآمنين العزَّل بعدما لجأ إلى أحد المساجد على اعتبار أنه مكان مستأمن في كل الديانات السماوية. ولا تزال آثار القصف والدمار والخراب واضحة على هذه المساجد المباركة؛ وما وقعت هذه الأعمال الوحشية إلا بعد أن أدرك المحتل أن المساجد هي مصدر البطولة والفداء وقوة العقيدة والإيمان. فلا تحزني يا فلوجة الصمود ولا تتأسفي! فستبقين في القلوب وحدق العيون؛ فإنكِ بحق «مدينةُ المساجد وبلدُ الأماجد» . ومساجد بغداد هي الأخرى انتُهكت حرماتها وديست قدسيتها؛ فهذا مسجد الإمام أبي حنيفة النعمان في الأعظمية ـ وهو أكبر مساجد السنَّة في العراق ـ تعرض للقصف والدهم مرات عديدة؛ ولعل المرة الأخيرة من عمليات الدهم والتفتيش نالت القسط الأكبر من الهمجية والعدوان؛ فقد اقتُحِم المسجد من قِبَل قوات الجيش العراقي الجديد يوم جمعةٍ، وقُتل في المسجد بعض المصلين، واعتُقل العشرات منهم بأسلوب همجي مشين. وقد ازداد الأمر شراسة وازدراءً بعدما طالت أيادي الاحتلال البغيضة شخصيات إسلامية وعلمية من أئمة وخطباء المساجد من قتل أو اعتقال، وقد سمع العالم كله من خلال الفضائيات نبأ مقتل الشيخ موفق مظفر الدوري عضو هيئة علماء المسلمين بعدما اقتحمت قوات الاحتلال الأمريكي منزله في بغداد. وقد تحدثت هيئة علماء المسلمين ـ المرجعية العليا لأهل السنَّة في العراق ـ منذ فترة عن اعتقال أكثر من سبعين إماماً وخطيباً في مساجد العراق. وإذا توسعنا في حديثنا عن تلك الانتهاكات، وتحديداً في كلامنا عن المناطق التي تقع غرب العاصمة بغداد، مما يسمى بالمناطق الساخنة، وتحديداً بمركز محافظة الأنبار «مدينة الرمادي» كنموذج لمدن أخرى قام الاحتلال بالعبث بمساجدها؛ فإننا نلحظ مشاهد عجيبة وغريبة؛ فقد انتُهكت حرمات المساجد في هذه المدينة مرات عديدة، واعتُقل عدد كبير من روادها وأئمتها وخطبائها، وفي ليلة واحدةٍ دوهم ما يقرب من عشرة مساجد، وصاحب ذلك تفجير للأبواب وتكسير للزجاج، وتخريب للحاجيات والممتلكات. وفي تقرير إعلامي أعده «مركز البلاغ الإسلامي في العراق» مرفوع إلى هيئة علماء المسلمين، ذكر فيه المساجد التي أنتهكت حرماتها في مدينة الرمادي خلال مداهمة منظمة ليلة ١١/١٠/٢٠٠٤م، وهي: ١ - جامع الدولة الكبير، وهو الذي يضم مقر هيئة علماء المسلمين فرع الرمادي. ٢ - جامع عبد الله بن أم مكتوم؛ حيث كسرت الأبواب بإلقاء المتفجرات، واعتقل خادم ومؤذن المسجد المتواجد فيه. ٣ - جامع محمد عارف، وقد قامت قوات الاحتلال أثناء مداهمته باعتقال الشيخ الدكتور عبد العليم السعدي رئيس رابطة علماء الأنبار ونجله. ٤ - جامع الصديقة عائشة (الحاج دهر) ، وقد تميز انتهاك هذا المسجد زيادة على تكسير الأبواب: بالعبث بالمصاحف الشريفة ورميها على الأرض. ٥ - جامع الشيخ عبد الجليل، الواقع على الشارع العام في الرمادي. ٦ - جامع القاضي، الواقع في وسط مدينة الرمادي من جهة الشرق. ٧ - جامع بديع السماوات والأرض، الذي يقع في منطقة الملعب. ٨ - جامع عباد الرحمن، الواقع في حي الشرطة. وحجة هذه القوات المحتلة حسب ما جاء على لسان المكتب الإعلامي الخاص بها: أنَّ هذه المساجد تأوي عناصر الإرهاب، وأن الإرهابيين يلجؤون إليها عندما يشنون هجماتهم ضد قوات الاحتلال. إنَّ مواقف المستعمرين والمحتلين معروفة ومشهورة تُجاه المساجد ودور العبادة في كل بلدٍ يحتلونه؛ فهذه فرنسا يوم احتلت الجزائر قامت أول ما قامت به هو تحويل «الجامع الكبير» في الجزائر إلى «كاتدرائية» . وربط نايليون بونابرت خيوله في الجامع الأزهر، وهدم القبارصة اليونانيون سنة ١٩٦٥م مئة وتسعة وأربعين مسجداً من مساجد المسلمين في قبرص، ومنها «جامع البيرق دار» الذي حُفظت فيه شعرات النبي ﷺ . ولمّا استعمر البرتغاليون إحدى قرى الهند أحرقوا أحد مساجدها والمصلين فيه، وكان عددهم يبلغ ستة آلاف مصلٍ. ومن قبل هذا وذاك ذبح الصليبيون في المسجد الأقصى أكثر من سبعين ألفاً من المسلمين، فيهم الكثير من العلماء والزهاد. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يعمل هؤلاء على تدنيس مساجدنا ويرتكبون جرائمهم فيها؟ الجواب: أنَّ هؤلاء يعلمون يقيناً من خلال دراساتهم لحضارتنا أنَّ المسجد هو مصدر قوة المسلم، ومنه يستلهم الروح التي يدافع من خلالها عن دينه ووطنه وعرضه ومبادئه. ولذلك عمل المحتل عملاً منظماً من أجل إيقاف عجلة بعض المساجد المهمة في العراق عن أن تؤدي دورها الريادي والقيادي الموكول إليها باعتبارها إحدى ركائز دولة الإسلام، وقد ركز ذلك العمل في المناطق الساخنة؛ فصلاة الفجر تكاد أن تكون معدومة في عدد كبير من مساجد العراق، وكذلك صلاة العشاء، بحجة ما يسمى بقانون «منع التجول» ، وهو قانون فرضه المحتل وباركته حكومة العراق المعينة من قِبَل الاحتلال. وقد تعرَّض المصلون الذين يرغبون بأداء هاتين الصلاتين في المسجد لرشقات الرصاص، وجرح عدد كبير منهم، وفي مناطق مختلفة من مدن العراق. وإذا كان ديوان الوقف السني أعلى سلطة حكومية تُعنى بحماية المساجد وأئمتها وخطبائها ومنتسبيها؛ فإنه مطالبٌ ـ ولا بد ـ أن يضع حداً لتلك الانتهاكات المتكررة من قِبَل قوات الاحتلال بمساعدة جيش العراق الجديد؛ وإلا فإنَّ الديوان سيرسب في هذا الامتحان الذي يخوضه في ظل تحديات هذا الزمن الصعب الذي يعيشه الأبناء المخلصون من أهل بلاد الرافدين في هذه السنين النحسات العجاف. وإننا لنسأل الله ـ تعالى ـ أن يعجل بنصره وفرجه لأمة نبيه ﷺ ، وأن يعيد المجد والكرامة والعز والاستقلال لحاضرة الخلافة ومنبع العلوم والاجتهاد، وأن يوفق الخيِّرين في بلد الرافدين لما يحبه ويرضاه؛ إنه سميع مجيب.

стр. 5311

تنصير طالبي اللجوء السياسي في الغرب مسؤولية من ؟ يحيى أبو زكريا يتعرّض طالبو اللجوء السياسي والإنساني في العواصم الغربية إلى معاناة مركبة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية ودينية أيضاً. فمع تضييق الخناق على اللجوء وإغلاق الأبواب بشكل كامل على طالبي اللجوء وخصوصاً بعد توحيد القوانين الأوروبية فيما يتعلّق باللجوء السياسي والإنساني، أصبح المجهول هو المصير الحتمي لعشرات الآلاف من العرب والمسلمين الذين رُفضت طلبات لجوئهم، وبعد رفض طلب أي لاجئ من قِبَل دوائر الهجرة، وبعد رفض الاستئناف أيضاً يحال اسم طالب اللجوء إلى ما يعرف في السويد والنرويج والدانمارك وفنلندا وبقيّة الدول الأوروبية إلى الشرطة الخارجية التي تتوجّه إلى مكان إقامة طالب اللجوء لطرده إلى بلاده مهما كانت الاعتبارات السياسية. وحتى لو كان طالب اللجوء صادقاً في ادعائه أنّه مُلاحَق من قِبَل نظام الحكم في بلاده، وفي هذه الحالة يضطّر طالبو اللجوء الذين رفضت طلباتهم إلى مغادرة مكان إقامتهم والتوجه إلى الكنائس للإقامة فيها؛ حيث توفّر لهم هذه الكنائس المأوى داخل الكنيسة والمأكل والمشرب والمساعدة الطبيّة والماديّة، وقد تحولت عشرات بل مئات الكنائس في السويد وبقيّة دول شمال أوروبا إلى مأوى لطالبي اللجوء القادمين من العالم العربي والإسلامي والثالث. وتمارس الكنيسة نفوذها للحؤول دون دخول الشرطة إلى الحرم الكنسي وتنفيذ قرارات دوائر الهجرة بإعادة طالبي اللجوء إلى بلادهم. ولا يعرف طالبو اللجوء الذين توجهوا إلى الكنائس طلباً للحماية كم هي المدّة التي يقضونها في كنف الكنيسة وحمايتها؛ حيث قد تمتد المدّة إلى أربع سنوات أو سبع سنوات كما حدث مع عوائل مسلمة بوسنية لجأت إلى كنيسة سويدية، وأثناءها تتصل هذه الكنائس بأشهر محامي الهجرة للدفاع عن طالبي اللجوء ومساعدتهم للحصول على حقّ الإقامة الدائمة في الدول المانحة للجوء. وأثناء ذلك يعيش طالبو اللجوء السياسي مع عوائلهم وأولادهم الأجواء الكنسية بكل تفاصيلها من أداء للطقوس وقراءة مستمرة للإنجيل وتلقين مبادئ الإنجيل للأطفال والذين لا يحق لهم الذهاب إلى المدارس الرسمية بموجب قرار الطرد الصادر في حقّ أولياء أمورهم، وهنا يتولّى تدريسهم مبادئ الإنجيل وحياة المسيح قساوسة مدربون تدريباً محكماً في كيفية استغلال المأساة الإنسانية وتمرير قناعاتهم من خلالها. فكنيسة (نيكوستال) النرويجية التي تقع غرب العاصمة النرويجية (أوسلو) جرى تنصير عشرات العوائل المسلمة فيها بحجّة أنّ ذلك يساعدها على الحصول على حقّ الإقامة والانتهاء من حالة الفرار من الشرطة التي تنتظر طالبي اللجوء خارج أسوار الكنيسة لترحيلهم إلى بلادهم، وقد زار هذه الكنيسة قرابة ١٧ ألف مسلم من طالبي اللجوء في هذه السنة للحصول على دعمها. ولدى القيام بهذا التحقيق قمنا بزيارة كنيسة تقع على مشارف مدينة (أوبسالا) السويدية، وفيها عثرنا على عشرات العوائل المسلمة التي تنتظر الطرد، وتنام هذه العوائل داخل الكنيسة التي تقدم كلّ شيء لطالبي اللجوء، وعلى طالبي اللجوء الذين رفضت طلباتهم أن ينسجموا مع الحياة الكنسية وهو الأمر الذي أدّى إلى تنصّر عشرات العوائل المسلمة من إيران وكردستان وتركيا والمغرب العربي والبوسنة وإفريقيا. ويوهَم طالبو اللجوء بأنّ اعتناق المسيحية يساعدهم على البقاء في البلاد، وأنّ يسوع المسيح سيساعد طالبي اللجوء على الخلاص من مآسيهم، ومع الوضع النفسي الصعب الذي يعاني منه طالبو اللجوء الذين يتهددهم الطرد إلى بلادهم، وحالات الانتحار الكثيرة التي يُقدِم عليها طالبو اللجوء؛ فإنّ كل ذلك يجعل الطريق مهيّأة لاعتناقهم المسيحية، وخصوصاً في ظل تقصير المؤسسات الإسلامية في استيعاب طالبي اللجوء المهددين بالطرد والمساعدة على مساعدتهم أمام الجهات المختصّة، بل هناك إهمال كامل ومطلق لأوضاع هؤلاء الذين ردد بعضهم على مسمعنا بأن النصارى أرأف علينا من المسلمين الذين لا يعرفون إلاّ جمع العملة الصعبة والتبرّم من تقديم مساعدة ولو بسيطة لنا. وعن هؤلاء صرحت لنا الراهبة (مريان) التي تشرف على كنيسة سويدية تأوي طالبي اللجوء: بأنّها تفعل ذلك لأسباب إنسانية، وأنّها تدفع من جيبها ومن راتبها الكنسي لمساعدة هؤلاء الذين أُغلقت كل الأبواب في وجوههم. ويتلقى أولاد طالبي اللجوء مبادئ اللغة السويدية أو النرويجية أو الدانماركية، كل حسب الدولة التي يوجد فيها، وبالإضافة إلى اللغة الغربية يتعلّم أبناء المسلمين مبادئ الدين المسيحي وقصّة يسوع المسيح كما وردت في التراث المسيحي، وفي المناسبات الدينية المسيحية تقوم مجموعات مسيحية ناشطة مثل (جمعية كلمة الحياة المسيحية) التي تضم بين ظهرانيها مئات الآلاف من الأعضاء وشهود يهوى بزيارة هؤلاء الأطفال سواء في الكنيسة أو في أماكن إقامتهم؛ حيث يتلقى هؤلاء الأطفال هدايا باسم المسيح، وكثيراً ما يشاهد الأطفال أعمالاً مسرحية للأطفال تتحدث عن معجزات المسيح، وفي نهاية الفعاليّة يتلقى الأطفال أشرطة سمعية بصرية تتحدّث عن حياة السيد المسيح ومعجزاته، وأهمية أن يعتنق الإنسان مبادئه لتنتهي أوجاعه المادية والروحيّة. وبهذه الطريقة ضمّت هذه الجمعيات إليها مئات الأطفال العرب والمسلمين وخصوصاً أولئك الذين لا يتمتّع آباؤهم بوعي ديني وسياسي كاف يقيهم السقوط في هذه المحاولات التنصيرية. وللإشارة فإنّه لدى اندلاع أزمة داخل الأسرة المسلمة وتجدد العنف الأسري بين الزوج والزوجة تتدخّل المؤسسة الاجتماعية التي لها سلطات وصلاحيات واسعة، وتأخذ الأطفال المسلمين من هذه الأسرة بحجة الحيلولة دون نشأة الأطفال في بيئة عنيفة خالية من الأمن والأمان، ويوزّع هؤلاء الأطفال على الأسر السويدية والدانماركية والفنلندية والنرويجية ـ كل حسب الدولة التي هو فيها ـ وهنا تلجأ هذه الأسر إلى تعميد هؤلاء الأطفال وتنصيرهم خصوصاً عندما تحكم المؤسسة الاجتماعية بشكل كامل أنّ هذه الأسرة المسلمة لم تعد صالحة لتربية أبنائها، وقد حدث أن فقدت مئات الأسر المسلمة أولادها بسبب تكرر الضرب بين الزوج والزوجة. وهذا الفعل يعطي الحق للمؤسسة الاجتماعية لتأخذ الأطفال من ذويهم وتوزيعهم على الأسر الغربية نفسها. وقد اتصلنا بشاب عراقي يدعى (موفّق) وسألته عن سبب انتزاع ابنته التي تبلغ السنة منه وتسليمها لعائلة سويدية بشكل كامل ودائم، فأجاب بأنّ زوجته ادعت عليه لدى المؤسسة الاجتماعية السويدية بأنّه يضربها، وانتقاماً منها ادّعى هو أنّ زوجته تضرب ابنته، فحكمت المؤسسة الاجتماعية بعدم صلاحيتهما لتربية ابنتهما التي سُلِّمت لعائلة سويدية ومُنعا منعاً باتاً من التوجّه إلى مكان العائلة الجديدة التي ترعى ابنتهما والتي في أحيان كثيرة تكون سرية ومن محافظات نائية أخرى. ويصادف المرء مئات الأطفال المسلمين السمر في أيدي عوائل سويدية أو نرويجية وغيرها، فهذا يُدعى (باتريك) ، وذاك (شارل) بعد أن كان اسمهم (محمداً، وعمر، وخالداً) وغير ذلك؛ فحتى الاسم يتمّ تغييره لدى مصلحة النفوس. وكثيراً ما يعلن طالبو اللجوء المطرودون عن اعتصامات داخل الكنائس كما حدث مع مجموعة من الفلسطينيين الذين لاذوا بالكنيسة - Mission kyrkan، للاحتجاج على قرار دائرة الهجرة بطردهم، وفي نظرهم؛ فإنّ مثل هذا الاحتجاج يساهم في إيصال قضيتهم إلى الجهات العليا المسؤولة. وكثيراً ما يتنصّر الأب والأم داخل الكنيسة، أو تتنصّر الأم دون الأب، وهنا يقع الصدام الكبير بين ركيزتي الأسرة يدفع ثمنه الأولاد الذين رمتهم الأيام إلى أحضان كنائس تفرقهم أكثر مما تجمعهم. وعلى الرغم من الوعود المعسولة التي يحصل عليها اللائذون بالكنائس أنّهم قد يحصلون على الإقامة في أقرب الآجال إلاّ أنّ بعضاً منهم ما زال ينتظر داخل هذه الكنائس دون نتيجة تذكر، وهو الأمر الذي جعل بعضاً يقول أنّ البلاد العربية والإسلامية ورغم ما فيها من سلبيات أرحم بكثير من الضياع المطلق والتحدي الذي يستهدف المسلم في عقيدته في البلاد الغربية.

стр. 5312

اللوبي اللبناني النصراني في أمريكا والمحافظون الجدد علي حسين باكير يضم «اللوبي» اللبناني كبار المسؤولين في «الجامعة الثقافية في العالم» (جامعة المغتربين) وهم: الرئيس العالمي للجامعة (جو بعيني) امينها العام (الدكتور وليد فارس) (من المحافظين الجدد، وباحث رئيسي Senior Fellow في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات Foundation for the defuse DEFENSE of Democracies في واشنطن) ، أمينها العام السابق (سامي الخوري) . بالإضافة إلى اثنين من أركانها في مقاطعة أمريكا الشمالية هما: (المهندس طوم حرب) ، و (فادي برق) . أضف إلى هؤلاء عدداً من الأشخاص ذوي العلاقات القويّة بالمحافظين الجدد والصهاينة في البيت الأبيض وأجهزة الاستخبارات الأمريكيّة، ومن بينهم (زياد عبد النور) الذي أسّس بالتعاون مع المحافظين الجدد «اللجنة الامريكيّة للبنان حر» (USCFL) وقد جاءت هذه اللجنة استجابة لرغبات المحافظين الجدد وطموحاتهم في ما يعرف بـ «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» ، أنشأت اللجنة ـ التي تعتبر مركز استقطاب أيضا للفاعليات اللبنانيّة ذات الصلة بهذا الاتّجاه ـ عام ١٩٩٩م (نشرة استخبارات الشرق الأوسط) . يتكون فريق تحرير هذه الشهرية من: (ميكاييل روبان) و (توماس باتريك كارول) ، تحت رئاسة (غاري. سي. غامبيل) . ويعرف هؤلاء الثلاثة بعلاقاتهم الوطيدة بجهاز المخابرات الأمريكية سي آي إيه؛ إذ شغل (ميكاييل روبان) وظيفة المستشار الخاص لـ (دونالد رامسفيلد) و (بول بريمر) أثناء العام ونصف العام اللذين تليا غزو العراق. أما (توماس باتريك كارول) فهو عميل سابق للسي آي إيه. ويشغل منصب رئيس التحرير (غاري سي. غامبيل) وهو أجير في هيئة Freedom House فرع سري للسي آي إيه، وأصبحت هذه النشرة تصدر بالتعاون مع منتدى الشرق الأوسط، فقامت اللجنة الامريكيّة والمنتدى بإصدار تقرير في مايو عام ٢٠٠٠م تحت عنوان (وضع نهاية لاحتلال سورية للبنان: دور الولايات المتحدة) . في هذا التقرير يشير الكاتبان إلى أن مصلحة الولايات المتحدة تكمن في استخدام لبنان كوسيلة للضغط على سوريا من أجل إجبارها على القبول بحقيقة الاحتلال الصهيوني لهضبة الجولان، والتوقف عن دعم العمليات الفلسطينية. وهذا التقرير يمهد لدعم المعارضة اللبنانية، واتخاذ عقوبات اقتصادية ضد سوريا، بل وربما إلى حد اللجوء إلى عملية عسكرية ضدها. وبهذا الخصوص فالتقرير يشير إلى أن واشنطن يجب عليها أن لا تتأخر؛ لأن سوريا في طور تملكها لأسلحة الدمار الشامل. لكن التقرير آنذاك مر دون رد فعل أو اهتمام يذكر، لكن أحداث أيلول ووصول عدد كبير من قائمة الـ ٣١ شخصاً الأعضاء الذين وقّعوا على التقرير إلى سلطة القرار (إليوت أبرامس يعد الرقم الثاني في مجلس الأمن القومي، بولا دوبريانسكي نائب سكرتير الدولة، دوغلاس فيت نائب سكرتير الدفاع، جين كيرباتريك سفيرة الولايات المتحدة بجنيف، ريتشارد بيرل مستشار الظل في البنتاغون، وديفيد فورمزر الذي صار مستشار نائب الرئيس ديك تشيني) ذلك كله أعاد التقرير إلى الواجهة من جديد، واستخدم هذا التقرير في ١٢/٤/٢٠٠٣م بعد تعديله وجعله موغلاً بالتعصّب من قِبَل إيليوت إنجل (عضو في مجموعة العمل المختصة بالشأن اللبناني الـ MEF واللجنة الأمريكية من أجل لبنان الحر الـ USCFL، وقد اشتهر اسمه عندما خاض حملة من أجل الاعتراف بالقدس عاصمة لليهود) لإقناع الكونغرس بتمرير قانون مسؤولية سوريا، وقانون استعادة السيادة اللبنانية في عام ٢٠٠٣م، وتوصّل التقرير إلى أن الحكم السوري في لبنان يعارض بشكل مباشر مصالح وخطط أمريكا، وهاجم سياسة واشنطن تجاه سوريا القائمة على الاحتواء بدل المواجهة. تلا ذلك قيام الجنرال عون (اللبناني الذي رفض اتّفاق الطائف وأقام تحت الرعاية الفرنسية) في أيلول من العام ٢٠٠٣م بالإدلاء بشهادته أمام النواب في الكونغرس، وطلب من الولايات المتحدة التدخل العسكري من أجل استرجاع الحكم له. ثمّ تمّ التصويت على القانون في ١٥ أكتوبر. ومن يومها عمل أعضاءالـ USCFL وخاصّة أعضاء اللوبي اللبناني النصراني على تضخيم ملف ضد سوريا؛ إذ اتُّهمت سوريا بإيواء صدام حسين بعد فراره، ثم بتهمة إخفاء أسلحة الدمار الشامل العراقية التي لم يعثر عليها، وبتهمة التحريض على «الإرهاب الفلسطيني» وبتخريب العملية الديمقراطيّة في العراق ودعم الإرهابيين وتحريض حزب الله على الدولة العبرية ... إلخ. واعتمدت هذه اللجنة على الدعم السياسي الخارجي الذي تفعله أجهزة العلاقات العامة، وقد تم اختيار بعثة تضم (فريد غاردي) ، ممثلاً عن الجنرال عون، و (وليد فارس) لتلتقي في فرنسا بفاعليات مهمة عام ٢٠٠٤م بهذا الخصوص، وللتحضير للمبررات القانونيّة اللازمة لتأديب سوريا وتحرير لبنان. وبدأ اللوبي اللبناني النصراني والتحالف الأمريكي اللبناني ينشط في مراكز صنع القرار في أمريكا وفي الأمم المتّحدة ولدى جميع الفعاليات الدوليّة من أجل إعداد مشروع قرار قانوني لانسحاب سوريا من لبنان، والضغط عليها عبر تقديمه إلى مجلس الأمن. وفي هذا الإطار عبرت مصادر حكومية ودبلوماسية في بيروت آنذاك عن استغرابها لعدم احترام البعثات الدولية لدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وفي مقدمتها البعثة الأمريكية لرسالة بعثت بها الحكومة اللبنانية من قبل وطالبت فيها بعدم التعاون واستقبال أو التنسيق مع مجموعة من كبار المغتربين اللبنانيين في الولايات المتحدة الذين ينشطون سياسياً باسم اللوبي اللبناني، ويتحدثون أحياناً باسم الحكومة دون أي تكليف رسمي، وسط تشجيع واضح من واشنطن التي استقبلت بعثتها أعضاء اللوبي، وأشارت المصادر إلى أن البعثة الدبلوماسية الجزائرية وحدها التي استجابت للطلب اللبناني الرسمي، ورفضت استقبال أعضاء اللوبي. وفي هذا الإطار يذكر (وليد فارس) نفسه في مقابلة أجرتها صحيفة النهار اللبنانيّة معه عن الموضوع والجهود المبذولة لإعداد مشروع قرار ضدّ سوريا (أصبح فيما بعد القرار ١٥٥٩) ما يلي: «اتخذت قيادة الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم والتحالف الأميركي ـ اللبناني قراراً بالطلب إلى الحكومة الأميركية ثم مجلس الأمن طرح مشروع على الهيئة الدولية. وقد دارت اجتماعات مكثّفة مع عضو الإدارة الأميركية (وليد معلوف) ورئيس الجامعة (جو بعيني) ، ورئيس التحالف (جوزف جبيلي) ، ورئيس الاتحاد الماروني الأمريكي (طوم حرب) وآخرين من الزملاء حول أمرين: صياغة المشروع من ناحية، وهندسة التحرك في سبيله من ناحية أخرى. وموضوع الصياغة شمل العناصر الفكرية الاستراتيجية، أي النقاط التي سوف يرتكز عليها المشروع وأسبابه، وقد كتبت المذكرة التي تطالب بهذا القرار، باسم الجامعة الثقافية. وشمل مشروع نص قرار وضعه فريق من «اللوبي» ضم أعضاء التحالف وقيادة الجامعة، ومستشاراً ديبلوماسياً للمجموعة، تُعلن أسماءهم لاحقاً. والتسويق اعتمد أولاً على فتح الأبواب في واشنطن. وقد تولى (وليد معلوف) تدبير الاجتماعات في البيت البيض ووزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي. وقد تألف الوفد إلى هذه الاجتماعات من مسؤولين كبار في الجامعة الثقافية وهم (جو بعيني) ، (طوم حرب) ، (جون حجّار) و (وليد فارس) . وقد انضم إلى الوفد رئيس التحالف الأمريكي ـ اللبناني (جوزف جبيلي) . وقد حضر (وليد معلوف) كل الاجتماعات. توزعنا فكان نصيبي أن اشرح البند الاستراتيجي للمشروع والمصلحتين الأمريكية والدولية. بينما شرح كل عضو في الوفد نقاطاً خصصت له. وقد شكلت هذه الاجتماعات في شهر آذار ٢٠٠٤م محور التحرك الذي وفّر للإدارة الأمريكية البعد اللبناني الاغترابي للمشروع. وكان «حضور» المجتمع المدني اللبناني في تلك الاجتماعات عبر تقارير صادرة عن هيئات حقوق الإنسان في لبنان، شرحت فيه معاناة اللبنانيين، وقد ركّزت شخصياً على أهمية لبنان إذا تحرر، في الحملة العربية الإعلامية ضد الإرهاب. وقد لعب حضوري الإعلامي في الولايات المتحدة دوراً وإن كان صغيراً في إقناع من اجتمعنا بهم بأن «حرب الأفكار» هي الأهم، وإن دور لبنان بعد التحرير، سيكون مهمّاً في المنطقة. ولعل أهم ما جاء في الطلب، بالإضافة إلى مشروع النص الذي صاغه فريق من خبرائنا، أمران: الأول: العمل من ضمن القانون الدولي، مما أثبت حسن خيار المؤسسة الاغترابية اللبنانية بأن تعمل كمنظمة غير حكومية دولية. الأمر الثاني: كان مجموع النقاط الفكرية والديبلوماسية التي تمت مناقشتها مع أعضاء مجلس الأمن؛ فهم كانوا يطرحون كل الأسئلة الممكنة لكي يطمئنوا إلى أن «القضية جدية» وأن اللبنانيين في مجتمعهم المدني، سيقفون مع القرار» . وبعد صدور القرار ١٥٥٩ من قِبَل الأمم المتّحدة في ٢/٩/٢٠٠٤م أصدر التحالف الأمريكي اللبناني بياناً كشف فيه عن الخطوات التي تمّ اعتمادها والتي تكلّلت في النهاية بالنجاح في صدور القرار في الأمم المتّحدة: «في ٢/٩/٢٠٠٤م، اعتمد مجلس الأمن في الأمم المتحدة القرار ١٥٥٩ الذي أعاد بموجبه «تأكيد دعمه الكامل لسيادة لبنان وسلامته الإقليمية ووحدته واستقلاله السياسي تحت السلطة الوحيدة والحصرية لحكومة لبنان على كامل الأراضي اللبنانية» ، ودعا إلى «انسحاب كل القوات الأجنبية من لبنان، وحل كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها» . جاء هذا القرار نتيجة الجهود الحثيثة التي بذلتها المجموعات اللبنانية الأميركية في الولايات المتحدة بالتنسيق مع مجموعات لبنانية في العالم بأسره ولا سيما في أوروبا. منذ أيار/مايو ٢٠٠٠م، تحاول المنظمات الأعضاء في «التحالف الأمريكي اللبناني» دفع الأمم المتحدة إلى معالجة الوضع في جنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي وسيطرة «حزب الله» على المنطقة. وشملت الاتصالات مكتب الأمين العام ومندوبي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وسفراء من الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية. وكان الهدف الحصول على دعم المجتمع الدولي للتوصل إلى تسوية شاملة للوضع اللبناني المفجع. في أيلول/سبتمبر ٢٠٠٣م، ومع تعيين السيد (وليد معلوف) مندوباً لبعثة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، بدأ «التحالف الأميركي اللبناني» سلسلة اتصالات مع مندوبي مجلس الأمن، الدائمين والمنتخبين (غير الدائمين) ، بغية التوصل إلى قرار شامل جديد حول لبنان يتطرّق إلى المسائل الأساسية التي يواجهها الشعب اللبناني ويدعو إلى: ١ - انسحاب كل القوات السورية. ٢ - نزع سلاح كل الميليشيات، ولا سيما «حزب الله» والفلسطينيين. ٣ - دعم سيادة لبنان واستقلاله وسلامته الإقليمية. ٤ - إطلاق كل السجناء السياسيين في لبنان واللبنانيين المحتجزين في السجون السورية. أعد «التحالف الأميركي اللبناني» مسودّة القرار المقترح بمساعدة خبراء قانونيين، وقد عُرضت المسودة في سلسلة اجتماعات في مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك في شهر تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٠٣م؛ حيث نوقشت مع سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن، بدءاً بالسفير الأميركي (جون نغروبونتي) وفريقه الذي يضم السيد (وليد معلوف) . كما اجتمع «التحالف الأميركي اللبناني» مع سفير المكسيك للحصول على دعم مندوبي دول أمريكا الجنوبية، ومع سفير الجزائر بغية إشراك المندوبين العرب، وعقد جلسات مفصّلة مع سفير الاتحاد الأوروبي (جون ريتشاردسون) حول القرار البرلماني الصادر عن الاتحاد الأوروبي في كانون الثاني/ يناير ٢٠٠٣م الذي تطرّق إلى موضوع سيادة لبنان والاحتلال السوري، ووجود الميليشيات المقلق، والانتهاكات في مجال حقوق الإنسان. على إثر هذه الاجتماعات والمشاورات، قرر «التحالف الأمريكي اللبناني» مواصلة العمل على تحسين نصّ القرار، بينما يعمد في الوقت نفسه إلى: ١ - متابعة المناقشات مع مجلس الأمن، ولا سيما مع الأعضاء الأميركيين والأوروبيين للتوصل إلى صيغة مقبولة. ٢ - ممارسة ضغوط بالتعاون مع منظمات لبنانية اخرى لمتابعة «قانون محاسبة سوريا واسترجاع سيادة لبنانية» . ٣ - انتظار انتهاء ولاية سوريا كعضو منتخب في مجلس الأمن. بعد كانون الثاني/ يناير ٢٠٠٣م، ومع تبدّل الأعضاء المنتخبين في مجلس الأمن، جدّد «التحالف اللبناني الأمريكي» جهوده من خلال: ٤ - حملة رسائل بالبريد العادي والإلكتروني وبالفاكس إلى البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي تطلب من الإدارة الأمريكية أن تتبنّى رسمياً مشروع قرار حول لبنان وترفعه إلى الأمم المتحدة لإقراره. جمعت الحملة أكثر من عشرة آلاف توقيع، وهي من أكبر الجهود التي بذلها الأمريكيون اللبنانيون في هذا الصدد. ٥ - جولات من الاجتماعات والمناقشات مع مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى في وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي في آذار/ مارس ٢٠٠٤م. ٦ - زيارات عدة إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك وعقد اجتماعات مع سفراء ومندوبي الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة والاتحاد الروسي والصين والبرازيل ورومانيا. ٧ - حملة أطلقتها المنظمات اللبنانية في أوروبا باتجاه الاتحاد الأوروبي والحكومة الفرنسية، وأعقبتها اجتماعات في حزيران ٢٠٠٤م مع مسؤولين في الاتحاد الأوروبي وفرنسا، في كل من بروكسيل وباريس. ٨ - خطاب رسمي أمام قادة العالم في قمة «مجموعة الثماني» عام ٢٠٠٤م. نتيجة لهذه الجهود المكثفة، حصل «التحالف الأمريكي اللبناني» على التأكيدات المناسبة من المسؤولين الأميركيين والأوروبيين أن مشروع قرار جديد وشامل حول لبنان يستند إلى المسودة التي رفعها التحالف ويتم التنسيق بشأنه مع الحكومتين الفرنسية والأميركية على وجه الخصوص، هو في طريقه إلى الأمم المتحدة. كان الرئيس (جورج دبليو بوش) في مقدمة الداعمين الأساسيين لسيادة لبنان، وقد تطرق في شكل محدد الى الوضع اللبناني أثناء اجتماعه مع الرئيس شيراك في باريس في حزيران/ يونيو ٢٠٠٤م وكذلك مع زعماء آخرين في قمة «مجموعة الثماني» في سي آيلاند في جورجيا. في الأسبوع الأخير من آب/ أغسطس ٢٠٠٤م، وُضعت اللمسات الأخيرة على مشروع القرار، ثم وُزّع ورُفع إلى مجلس الأمن للتصويت النهائي عليه، وتم اعتماده. هذا ويعتبر «منذر سليمان» المختص بشؤون الأمن القومي الأمريكي ومن أصل لبناني أنّه لا تجوز المبالغة في تقدير قوّة «اللوبي اللبناني» فهناك وهم في اعتبار أن المجموعة اللبنانية في الولايات المتحدة هي التي حققت القانون والقرار أو ساهمت مساهمة حاسمة في الانتخابات الأميركية (في إشارة إلى القرار ١٥٥٩) ، وإذا كانوا حازوا فعلياً بعض القرارات والتصريحات؛ فلأن بعض الاتجاهات العامة في السياسة الأميركية الحالية انسجمت مع رؤيتهم لمستقبل لبنان؛ إذ إن هذه السياسة لا تدار بالعواطف أو بنفوذ بعض الأفراد أو الجماعات. من ناحية أخرى فإن الجالية اللبنانية ليست متفقة فيما بينها. وهناك من يسير في قافلة اللوبي الصهيوني، ويحتجب خلف عضلات القوى النافذة فيه، ويتوهم خطأ أنها عضلاته. في النهاية يبدو أنّ ما يسمّى بـ «اللوبي اللبناني يلعب دوراً شبيهاً بدور المؤتمر الوطني العراقي بقيادة (أحمد شلبي) في العراق؛ إذ لا يتوقف دوره على تغيير طبيعة لبنان، بل يتعدى ذلك إلى قلب النظام السوري» . لكن هل سيكون مصير هذا اللوبي هو مصير (المؤتمر الوطني العراقي) بقيادة الحلبي؟ هذا ما ستسفر عنه الأيام لا سيما بعدما ظهر أن ما يعرف بالموالين للحكومة استعرضوا قوتهم في بيروت، وجعلوا البلد على صفيح ساخن ربما سيؤدي إلى النزاعات الطائفية البغيضة التي جرَّت على لبنان الخراب والدمار.

стр. 5313

الهند وباكستان تطبيع العلاقات أم علاقات التطبيع ؟! همدرد أبو أحمد «نعم كنا نخاف الجيش الهندي في الماضي! لكنا لا نخافه الآن؛ لأن الجندي الهندي عنده (الكلاشين) وعندنا اليوم مثلها. نقاوم الجيش المحتل لبلادنا؛ فإما الاستقلال وإما الشهادة ... » . وجّه إليَّ هذه الكلمات أحد المجاهدين الكشميريين قبل نحو عشر سنين وحركة كشمير الجهادية في أوج قوتها والناس مستعدون للتضحية بكل نفيس وغال في ذلك الهدف، يزورون الأرياف والمدن يحرضون الناس على الجهاد والتضحية في سبيل الله لإنقاذ إخوتهم المضطهدين من ظلم القوات الهندية الغاشمة في كشمير المحتلة، ولم يكن أحد يعارضهم في الأراضي الباكستانية. وموقف الحكومة الباكستانية واضح بأن كشمير وريد باكستان، ولا بد من تحريرها. فالمساعدة الأخلاقية للمجاهدين من جانب باكستان أتاحت لهم الفرص لدفع عجلة الجهاد إلى الأمام بمساعدة من الشعب الباكستاني الذي تكاتف مع المجاهدين في نشاطاتهم الجهادية. طبعاً هذا الأمر أغضب الهند، فبدأت تهدد المناطق الحدودية بالقصف المتواصل لها. وأكثر المناطق تضرراً من الحركة الجهادية داخل كشمير منطقة (وادي نيلم) التابعة لمدينة (مظفر آباد) عاصمة كشمير الحرة؛ حيث استطاعت القوات الهندية توقيف المرور على الشارع الوحيد في الوادي. وتواصل هذا الوضع من ١٩٩٢م إلى أواخر عام ٢٠٠٣م؛ حيث أعلن رئيس الوزراء الباكستاني وقف إطلاق النار على الحدود، ووافقت الهند على هذا الإعلان، وانفتح الطريق لأول مرة بعد عقد كامل. وطوال هذه المدة كان سكان المنطقة يسافرون على الأقدام، ويحتاجون بعض الأحيان إلى المشي يومين أو أكثر. ولإنقاذ المواطن العادي من هذه المشكلة وإيصال المواد التموينية وتلبية حاجيات القوات الباكستانية قامت الحكومة الباكستانية بشق طريق بديل وعر فوق الجبال الشامخة. والسفر على هذا الطريق كان أصعب من المشي على الأقدام؛ لأن السائقين كانوا يقودون السيارات في الليالي الداجية دون أنوار. هذا ما لا يستطيع أحد أن يتصوره؛ لكنه حدث، والآلاف من الناس شهود عيان على هذه الأسفار الخطيرة، ومنهم كاتب هذه السطور. ومن ناحية هذا الطريق البديل أيضاً لم يمكِّن من تقليل متاعب سكان المنطقة؛ لأنه كان هدف القصف الهندي في قمته، ودوماً ما يستهدف القوات الهندية ويعرقل المرور، ودمرت بعض القرى مراراً. وأخيراً لم يعد العيش ممكناً تحت القصف المتواصل، فهاجر كثير من أهالي هذا الوادي إلى المدن ... لكن مع جميع هذه المشاكل؛ فإن الناس لم يكونوا يتكلمون عادة عن الحركة الجهادية داخل كشمير إلا بالخير، وأكثرهم يرون فيها بريق أمل ونهاية مشكلاتهم، ويؤمنون بأن التضحيات ستعود يوماً بثمرها، وأحلى أمانيهم تحرير كشمير المحتلة وضمها إلى باكستان. وطوال هذه المدة كان هناك حاجز نفسي يحول بين الشعب الكشميري والهند وهو العداء الغريزي عنده للهندوس، ويرون أنه لا يمكن تطبيع العلاقات مع الهندوس عُبَّاد البقر؛ لأنهم لم يعترفوا بدولة باكستان يوماً من الأيام، ولم يألوا جهداً للقضاء عليها. وهذا الوضع بدأ يتغير في السنوات الأخيرة بعدما قام الجنرال برويز مشرف ببذل جهوده لتطبيع العلاقات مع الهند، وبدأ مشواره من آخره. في هذه الأيام يواجه أصل فكرة إنشاء باكستان، أعني فكرة فصل الشعبين المسلم والهندوس في شبه القارة الهندية. فقد أخذ العوام يفكرون بنظرة مادية بحتة وليست روحية. ولأجل ذلك أصبح ما يراه الإنسان العادي بعينيه أغلى من الذي وراء ستار المبادئ والفكرة. وهذه الظاهرة أصبحت ملموسة لكل من له أدنى معرفة بالمجتمع الباكستاني، وهو ما يدعو الملتزمين للقلق. وإليكم بعض الدواعي لهذه الظاهرة: - تغيُّر السياسة الباكستانية: والسبب الرئيس في ذلك التغيُّر الذي طرأ على السياسة الباكستانية حيال القضايا الوطنية والدولية، والأمر الذي أضرّ بقضية كشمير هو إعلان باكستان تعطيل نشاطات المجاهدين على أراضيها، وعدم السماح لأحد باختراق خط المراقبة الذي كان خط وقف إطلاق النار بين كشمير المحتلة وكشمير الحرة في البداية. وفي هذا الإطار فقد استفادت الهند من وقف إطلاق النار الكثير والكثير؛ حيث نجحت في بناء الحاجز على طول الحدود الكشميرية بكل اطمئنان وبمرأى من القوات الباكستانية ومسمع وفي هدوء تام. وهذا الأمر كان يعد من المستحيل في الماضي القريب. ولم تقم باكستان إزاء هذه القضية حتى ولو باحتجاج رمزي. والدافع لهذا السلوك الضغوط الدولية وخاصة الأمريكية؛ لأن الولايات المتحدة كانت تريد من باكستان أن تلتزم بالصمت على حدودها الشرقية، وتقف معها جنباً إلى جنب على الحدود الغربية للقضاء على العناصر المتبقية من طالبان والقاعدة، وطمّعت باكستان في تطبيع علاقاتها مع جارتها الشرقية الهند. هذا ولم تطمئن الهند على جانبها من الإجراءات التي أخذتها باكستان إزاء المجاهدين والمنظمات الجهادية. وإلى يومنا هذا هي تطالب بأكثر وأكثر، ولن تقف عن مطالبها حتى ضرب النواة الأخيرة للمنظمات الجهادية والقضاء على كل من يبغض الاحتلال الهندي لكشمير. - دور الأفلام الهندية: ومن الناحية الثانية فإن الأفلام الهندية لعبت دوراً بارزاً في تخفيض المشاعر العدائية للهند. وهي قد داهمت البيت الباكستاني ومراكز الجيش ومعسكراته بشكل واسع، وخاصة على الحدود الكشميرية؛ لأن البث التلفزيوني الهندي هناك لا يحتاج إلا إلى تنصيب دش عاديّ. ومن المعروف أن هذه الأفلام وسيلة للدعاية ضد المجاهدين والمسلمين أكثر من كونها وسيلة للتسلية والترفيه. وهي من أي نوع كانت عادة توجه أنظار المتفرجين بطريق أو بآخر إلى ما يجري في كشمير. وتشهِّر بالمجاهدين بأسلوب خبيث، وتبديهم على الشاشة خونة يخونون وطنهم الأم. مثلاً في أحد المشاهد من فيلم غرامي تقبض الشرطة فيه على شاب ملتح، وتوجه إليه تهماً كثيرة، وفي النهاية يكيل له الضابط الشتائم قائلاً: أيها الخائن تخون أمك التي أرضعتك من ألبانها ... التي أشبعتك من خيرات بدنها؟! طبعاً مثل هذه الجُمَل المسمومة، وانتكاس رأس المتهم والاعتراف بجريمته يجعل المتفرج يفكر أن ما يجري في كشمير ليست حركة تحرير، بل هو خيانة في حق الوطن الأم، وتدمير لبنيتها الأساسية على يد شباب مضللين من قِبَل الاستخبارات الأجنبية. وفي مقابلها لا رد عليها من الجانب الباكستاني على هذا الثغر. وهذا الأمر أخطر من القصف على الحدود؛ لأنه يدمر البيوت من المدر والحجر، ويقتل بدن الإنسان؛ بينما تقتل هذه الأفلام الروح الجهادية، وتقتلع المشاعر العدائية للهند، وتغرس عواطف المواساة لها في قلوب المتفرجين. ومن المؤسف أن الحكومة الباكستانية كغيرها من الدول لم تتمكن من فرض أي نوع من الرقابة عليها. وقد بلغ الوضع إلى أن الجيل الجديد أصبح يفتخر بالفنانين الهنديين ويحتفظ بصورهم. - التفاوض على القضايا غير المهمّة: وكان موضوع التجارة والفوائد المالية وإنعاش حركة السلع الشرعية على رأس قائمة موضوعات التفاوض مع الهند في بداية العام المنصرم. والحكومة الباكستانية بنفسها قامت بالدعاية لهذه الأمور. وبدأ الإعلام الرسمي يزخرف هذه الفوائد للشعب لتهدئة مشاعرهم على لسان المحللين والمراقبين. ولا ينكر أحد بأن هذه الدعاية قد استطاعت تقليل مشاعر العداء للهند ولو لم تتمكن من إيجاد جو الحب لها في قلوب الباكستانيين. ومع مرور الزمن بدأ التاجر الباكستاني يدرك أن فتح الأسواق الباكستانية للسلع الهندية سيعود بالفوائد على الهند وبالخسائر لباكستان؛ لأن الهند يمكن لها أن تغرق السوق الباكستانية بالبضائع الرخيصة؛ بينما ليس لباكستان ما تكسب به السوق الهندية، وهذا سيجعل العملة الصعبة تنفلت من باكستان إلى الهند على رغم أنف الباكستانيين. لذا لم يتشجع الشعب على مواكبة مسير التجارة الحرة مع الهند. - مطاردة المجاهدين: وسبب آخر لهذا الوضع هو مطاردة المجاهدين من قِبَل الاستخبارات والشرطة الباكستانية التي جعلت المدن الباكستانية خالية من مكاتب المجاهدين الكشميريين، وغابت ظاهرة الشعارات الجهادية من على الجدران. وكذلك اختفت الحفلات والاجتماعات الجهادية في الخلفية. وهو ما دفع المواطن العادي إلى التفكير بأن الجهاد في كشمير كان ظاهرة لوقت محدود، ولم يكن له هدف منشود. ومن ناحية أخرى فإن هذه الاجتماعات الشعبية هي التي كانت تقوم بالدعاية للجهاد وتحريض المواطن العادي على التضحية بالنفس والنفيس. وغياب هذه الظاهرة قد أقلق الشعب، لكن الحكومة هي التي قضت عليها لتحسين صورة البلد على المستوى الدولي ولصالح الشعب حسب ادعائها. ونتيجة لذلك فقد أصيب كثير من الناس بالخيبة في هذا الصدد، وبدؤوا ينسلخون من ماضيهم ويتقربون من قبول الموقف الجديد. - تقديم التنازلات للهند: وقد أعلن الرئيس الباكستاني خلال الأشهر الماضية أنه من الممكن انسحاب باكستان من موقفها القديم وهو منح الشعب الكشميري حق تقرير مصيره تحت قرارات الأمم المتحدة بصورة استفتاء شعبي عام. وبعد ذلك تقدم باقتراح تقسيم كشمير إلى سبع مناطق. وكل هذه الأمور لم تكن إلا تنازلات من جانب باكستان لصالح الهند، وتعزيزاً للموقف الهندي على الصعيد الدولي؛ لأنها دائماً تعمل جاهدة على تحويل قضية كشمير إلى قضية حدودية بينها وبين باكستان. ومع جميع ما قامت به باكستان لم تُدخل الهند أي تعديل في موقفها؛ لأنها لا زالت متمسكة بقول إن كشمير جزء لا يتجزأ من الأراضي الهندية حسب الدستور الهندي، ولا يمكن لأي حكومة هندية التنازل عن أي بقعة من أراضيها. وبسبب الموقف الباكستاني الضعيف أصيب الشعب بالخيبة؛ لأنهم علّقوا آمالاً كبيرة على الجنرال (برويز) الذي كان في بداية حكمه يردد بملء شدقيه أنه من اللازم أن يميّز العالم بين الإرهاب والجهاد، وبين المنظمات الإرهابية والتي تناضل لأجل الحصول على الاستقلال ... لكن سرعان ما انضمّ إلى المعسكر الأمريكي في الحرب على الإرهاب، وتناسى الفرق بين المجاهدين والإرهابيين وحتى في بلده وتحت حكمه. - انهيار العملة وغلاء الأسعار: ومن الأمور التي جعلت المواطن الباكستاني العادي لا يكترث بالسياسة الوطنية والأوضاع الدولية انهيار سعر الروبية مقابل الدولار وارتفاع أسعار الحوائج الأصلية والمواد التموينية؛ لأن غلاء الحوائج أجبر الشعب على تركيز الفكرة على اكتساب لقمة العيش. فليس لديه فرصة ليتفكر فيما يجري حوله، وإنما هدفه الوحيد هو كيف يقيم صلب ظهره. ففي هذه الأوضاع لا يدري أحد يقيناً ما الإجراءات التي ستأخذها الحكومة الباكستانية إزاء القضايا الوطنية وخاصة قضية كشمير العويصة؛ لأن البرلمان ومجلس الوزراء لا يأخذان أي قرار إلا بالموافقة من جانب رئيس الدولة فالقول المسموع له فقط؛ فإن القول ما قالت حَزامِ. وقد نقلت الصحف الباكستانية عن رئيس الوزراء الجديد (شوكت عزيز) لدى استلامه حقائب منصبه أن الحكم الساري سيكون للرئيس مشرف، وسيقوم (شوكت عزيز) و (الشودري شجاعت حسين) رئيس الحزب الحاكم الرابطة المسلمة (ق) بدور المستشارين له. ولا يدري أحد إلى أين سيقود مشرف باكستان؛ لأن المعارضة قد بدأت الحملة الشعبية لإقالته عن منصب رئيس أركان الجيش وإرغامه على خلع البذلة العسكرية حسب وعده للشعب، لكنه قد تراجع عن ذلك العهدِ، وقد أعلن عن وعده الجديد للشعب بأنه سيبقى رئيس البلاد وفي البذلة العسكرية إلى عام ٢٠٠٧م. والأسباب واضحة لا تحتاج إلى تفكير، والله غالب على أمره.

стр. 5314

الصومال بين النفايات النووية وصلبان التنصير أين الاستقرار ؟ رضا عبد الودود أذاعت وكالات الأنباء العالمية أن فيضانات تسوماني التي ضربت السواحل الآسيوية قد نقلت كميات كبيرة من النفايات النووية والكيميائية المدفونة في السواحل الصومالية (رصاص ـ زرنيخ ـ ... ) والتي دفنت بواسطة الشركات الإيطالية والأمريكية والسويسرية منذ نحو عام ١٩٩١م بعدما سقطت الحكومة المركزية في الصومال بعد التدخل الامريكي في شؤون الصومال الداخلية. - نفايات نووية: وتكشف تلك المأساة التي يواجهها الصوماليون بعد إصابة العديد منهم بنزيف في المخ وبعض الأمراض الجلدية المعدية وغير المعروفة من قبل ـ تكشف عن مخاطر التفتت والتشرذم التي تهدد الصومال والعديد من الدول الأفريقية التي دخل سيناريو تقسيمها مرحلة التنفيذ مثل السودان؛ وذلك عبر التقسيم المتعمد للدول؛ بحيث تتناثر النزاعات الحدودية الدموية في أنحاء القارة، وتشتعل الثورات والاضطرابات الداخلية في كل دولة، وتحرك القوى الغربية مسارات الصراع، وتتوالى النداءات المستغيثة بقواتها لحفظ السلام، وتتبدد قوى الشعوب الأفريقية في دوائر مفرغة للصراع وذلك ما ظهر، أما ما خفي فهو أعظم وأخطر بكثير. - مكيدة التنصير: حرب التنصير مكيدة ضد الشعب الصومالي الذي تبلغ نسبة المسلمين فيه ١٠٠% والتي استعرت بعد زوال الحكومة عام ١٩٩١م حيث ساءت الأوضاع، وسال لعاب المنصرين من جديد نتيجة حالة الفوضى السائدة، ومارس شياطين التنصير حرباً قذرة لم تحتج إلى مزيد جهد باستعداء أمريكا على العمل الخيري الإسلامي الذي كان ملاذاً للمسلمين الصوماليين. وبمنع المنظمات الخيرية الإسلامية من ممارسة نشاطاتها في الصومال ازدادت حدة الحملات التنصيرية في إعلانها عن هدفها ونشرها للأناجيل ومجاهرتها بالصلبان؛ حيث فرضت المنظمات التنصيرية على الفتيات الدارسات في قرية (دار السلام) الواقعة جنوب غربي (مقديشيو) نزع النقاب مقابل دعم المدرسة مالياً. كما اخترعت المنظمات الكنسية مثل منظمة (بارنبس فاند) البريطانية أقلية نصرانية صومالية؛ وبالطبع فإنها تعاني من الاضطهاد والتضييق، وسارت لجنة الحريات الدينية التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها عن الصومال على هذا النهج مدعية وجود أقلية نصرانية في الصومال تتعرض للإساءات الدينية، بالإضافة لاعتبار اللجنة تجريم التنصير في الدستور ومحاربته من قِبَل الصوماليين اضطهاداً دينياً. وقد استغلت المنظمات التنصيرية (حرب الأوجادين) في تثبيت أقدامها وممارسة نشاطاتها في الصومال، فبدؤوا بإقامة الكنائس. ومن الغريب أن العاصمة (مقديشيو) يوجد بها أربع كنائس كبيرة على الرغم من أنه في وقت إقامتها لم يكن ثمة نصراني واحد في البلاد. وأقيمت المراكز الثقافية التنصيرية في العاصمة والمدن والقرى الكبيرة، واستطاع المنصرون في وقت سابق أن يبسطوا نفوذهم على مراكز حساسة في الدولة، كما خصصت إذاعات للصومال تبث من مناطق مختلفة وبخاصة إسبانيا. ومن أبرز المنظمات التنصيرية منظمة «مجتمع التوراة» والعاملة منذ ١٩٦٨م؛ حيث طبعت أكثر من أربعين ألف نسخة من الإنجيل (العهد الجديد) ووزع منها قرابة ثلاثة آلاف نسخة في حينها على الصوماليين في الداخل والخارج. ومنظمة «آباء كونسولاتا» التي تمارس عملها التنصيري في ثوب إغاثي عبر إدارة وحدات طبية، ودور أيتام ومدارس، ومنظمة «أخوات كونسولاتا» التي تقدم برنامجاً للإغاثة الكاثوليكية منذ ٢٠٠٢م بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية يتضمن برامج غذائية للأطفال، ويهدف هذا المشروع للوصول إلى تنصير ٣٠٠ طفل سنوياً، ويوزعون على الأهالي الأرز والذرة والسكر والحليب. أما منظمة (كاثوليك ريليف) فقد آلت على نفسها مساعدة المنظمات التنصيرية المختلفة في الصومال منذ عام ٢٠٠٢م، ومنظمة (المينونايتيون) التي يتركز نشاطهم في الصومال منذ خمسين عاماً من خلال برنامج (طريق يسوع) بين الصوماليين عبر الوسائل الإغاثية مثل توزيع البذور والأغذية على شيوخ القبائل، دفع تكاليف المراقبة الصحية غير الحكومية لوباء الكوليرا الذي تفشى في منطقة «جوبا» ودعم المدارس المحلية وإمدادها بالكتب الدراسية والمناضد والكراسي والأدوات التعليمية، وأحياناً بدفع الرواتب للمعلمين. بالإضافة إلى (البرنامج العائلي العالمي) الذي يهتم بالنساء والأطفال. ومنظمة التطوير الإغاثية الكنسية (CRDE) التي تهدف إلى الدعوة الصريحة إلى المسيحية، وتقدم الدعم الإغاثي للصوماليين عبر مشاريع إنمائية زراعية شمال غربي الصومال، ويتم فيها إيواء ما يزيد عن ٣٠٠ ألف لاجئ. - مطامع إثيوبية: وينضاف إلى ذلك نشاط الأثيوبيين لإشاعة الانحرافات غير الأخلاقية مثل: الزنا والمحرمات والدعارة وبيع الحشيش والخمر والمخدرات لإغراق المجتمع الصومالي المسلم بها. وينطلق الأثيوبيون الأرثوذكس من مركز «ديردوه» على الحدود الأثيوبية الصومالية بعون من المنظمات الغربية لممارسة نشاطاتهم التي تبدأ من زرع الشقاق بين الصوماليين، والتشكيك في عقائد الإسلام، وتنتهي بالنشر الصريح للنصرانية من أجل ضمان استمرار السيطرة على إقليم الأوجادين الصومالي المقتطع.

стр. 5315

أمسى حقيقة ... ! محمود حسين قالتْ لي صديقتي ذاتَ يوم: لا بدَّ للمرأةِ حين تبلغ الخامسةَ والثلاثين أن تتفحصَ جسَدَها. خاصةً مِنْطَقة الصدر.. قلتُ لها (بعجب) : لماذا؟ فبادرتْني قائلة: لأن المرأةَ إذا اقتربتْ من سنِّ اليأْسِ تزدادُ نسبةُ تعرُّضِها للمرضِ الخبيث، خاصةً في منْطقةِ الصدر.. وقعتْ هذهِ المعلومةُ في نفسي موقعاً.. وبدأتُ أتعاهدُ جسدي بالفحصِ عن طريقِ المشاهدةِ واللمس، وخاصةً منطقةَ الصدر، وبداخلي يقينٌ أن جسدي لم يستضفْ ذلك الخبيث..! ومع هذا، ومِنْ منطلَقِ الحرصِ الشديد.. كنت أفحصُ جسدي كلَّ أسبوع؛ حتى كانت المفاجأة. فبينما أصابعي تتلمسُ صدري إذا بأصبعِ السبابةِ تلامسُ شيئاً غريباً..! ما هذا..؟ شعرتُ بخوفٍ شديد سرعانَ ما بددَهُ يقينِي الكامنُ في أعماقي..! لا تخافي.. قد يكونُ «ثُؤلولاً» . نعمْ هوَ كذلك.. أكيدٌ هو كذلك.. لا.. «الثُؤلول» يصاحبُهُ ألمٌ في العادة، وهذا الغريبُ لم يسببْ لي أَيَّةَ آلام. فأوجسْتُ في نفسي خِيْفة، فلقدْ سمعتُ أنَّ ذلك الخبيثَ لا يعطي لصاحبِهِ فرصةً ليشْعُرَ به. ماذا أفعل..؟ سأتعهدُهُ بالفحص.. إن شاءَ الله لنْ يكونَ (الخبيث..!) إن حجمَهُ هذا اليومَ قد ازداد. اللهمَّ اصرْفهُ عني! إنه ينمو بداخلي قَسْراً. أشعرُ بالعجز..! لا بدَّ من البوح.. لا بدَّ من إخبارِ شريكِ حياتي.. سيُصْدَم.. أخشى عليه.. إني أحبه.. يا ربّ أعنّي.. وماذا سيكونُ الحالُ بالنسبةِ لأولادي..! أولادي.. آه..! قلبي يُعْتَصَر..! هل حان وقتُ الفراق..؟ هل ستغيبُ شمسي..؟ بالأمس القريبِ كنتُ أشاركُ زوجيَ التخطيطَ لمستقبلهمْ، وأمازحُه: بعد أن يتزوجوا.. ويخلو البيت.. ستكونُ أنتَ عجوزاً.. أما أنا فسأبقى كما أنا، إنْ لم أصغُرْ..!! نعمْ.. فالمرأةُ إن لم يصغر سنُّها.. فلا يتقدم..!! لن أتحملَ بكاءَهم.. اللهمَّ رْحمتك.. أسمعُ صوتاً هامساً يأتي من أعماقي: لماذا كلُّ هذهِ الهواجس..؟ لا بدَّ من الفحْص.. يجبُ أن تبلغِي زوجَك.. زوجي الحبيب.. أشعرُ بشيءٍ غريبٍ في صدري يشبهُ الكيس الدهني.. ولا بدَّ أن أذهبَ لفحصه بالمستشفى كيفَ هذا..؟ ومتى اكتشفتِه..؟ اطمئنَّ يا حبيبي..! الأمرٌ بسيطٌ إن شاءَ الله.. سأتقدمُ فوراً بإجازةٍ من عملي.. حتى أكونَ بجانبك..! الطبيب: لا بدَّ من عملِ أشعة.. انظرُ في وجهِ الطبيبِ وهو يتفحصُ الأشعةَ..! وجههُ البشوشُ.. بدأ يتغيرُ.. رويداً.. رويداً أشعرُ بأن الزمنَ يدورُ ببطءٍ شديدٍ.. كأنه يتوقفُ عن الدوران.. سألتُ الطبيبَ بصوتٍ متقطع.. أعياه القلق والخوف: هل هو وَرَم..؟ أومأ برأسِهِ.. نعمْ.. ولكنْ أرجو اللهُ أن يكون حميداً.. أشعرُ بدوارٍ في رأسي..! الأرضُ تتحركُ تحتَ قدميّ..! أينَ ضوءُ النهار..؟ لم أعدْ أرى أمامي.. أشعرُ بحرقةِ دموعي..! ارتميتُ في حضنِ زوجي.. أبكي كما لم أبكِ من قبل..! أفقتُ على صوتِ نحيبه.. أغرقْتني دموعُه..! حبيبتي لا تيأسي من رحمةِ الله.. سنذهبُ غداً للمستشفى.. الطبيب: لا بدَّ من استئصالِ الورمِ.. ثم تحليله.. ها أنا في غرفةِ العمليات.. اللهمَّ اشْفِني.. نتيجةُ التحليل..! لا بدّ من استئصالِ الثدي..! آه..! أنوثتي ... ! ضمةُ وليدي..! ولكنْ.. الحمدُ لله.. سأحتسبه عندَ الله..

стр. 5316

مرصد الأحداث أحمد فهمي أقوال غير عابرة - «إذا ما ذهبت وجنودي إلى السجن فإن آخرين سينضمون إلينا» القائد العسكري البريطاني في العراق لورد بويس يشير إلى تورط توني بلير في أي محاكمة لجرائم الحرب يمكن أن يتعرض لها» . [الجزيرة نت نقلاً عن الديلي تليجراف البريطانية، ٢/٥/٢٠٠٥م] - «الإنجيليون ليسوا مبشرين حقيقيين.. إنهم يعملون على جذب الشبان الفقراء بعروض مالية واصطحابهم في سيارات للهو والمتعة.. ثم يأخذون الصور ويرسلونها إلى ألمانيا والى الولايات المتحدة ويقولون انظروا كم مسلماً أصبحوا مسيحيين» .. بطريرك الكلدان العراقيين عمانوئيل ديلي» . [رويترز، ٢٠/٥/٢٠٠٥م] - «إن العلاقات بين الولايات المتحدة والإسلاميين في العالم العربي ستشهد انفتاحاً تدريجياً خاصة في الدول التي تبدو فيها هذه الحركات قوية على صعيد اللّعبة السياسية» . الدكتور عمر حمزاوي الخبير في مؤسسة كارنيجي الأمريكية للسلام العالمي» . [موقع سويس إنفو، ١٠/٥/٢٠٠٥م] - «الولايات المتحدة أهانت معتقلين مسلمين في جميع أنحاء العالم بالمساس بمعتقداتهم الدينية» ريد برودي مستشار منظمة هيومان رايتس ووتش يرد على تراجع مجلة النيوزويك عن مقالها حول إهانة القرآن في جوانتانامو» . [الرأي العام، ٢٠/٥/٢٠٠٥م] - «الدستور العراقي يجب ألا يستند فقط إلى القرآن حتى لو أن ٩٥ % من الشعب العراقي مسلمون» بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق عمانوئيل ديلي» . [الرأي العام، ٢٠/٥/٢٠٠٥م] - «في بعض الدوائر ترشحت قوائم لفتح وقوائم لمستقلين مقربين من حماس، لم تنجح قوائم فتح ونجحت قوائم المستقلين، ففوجئنا ان فتح تتبناهم وتعلن فوزها» الشيخ حسن يوسف القيادي البارز في حركة حماس» . [السبيل الأردنية، ٧/٥/٢٠٠٥م]

стр. 5317

خواطر على الطريق علياء بنت عبد الله منذ أن عرفا الطريق تعاهدا على السير معاً حتى النهاية، بحماسة الشباب وعزم المتوكل على الله مضيا في الطريق، لا تثنيهما عن ذلك العوائق ولا الصعوبات. مضت بهما السنون. والعهد هو العهد، لكن القِوى ما عادت هي القِوى. نظر أحدهما إلى الآخر فرآه وقد أنهكته مشقة الطريق، حدّق به، فإذا الشيب قد خط في عارضيه، التفت صاحبه إليه متسائلاً: يا صاح! أترانا نصل؟ فكانت من صاحبه هذه الكلمات: كيف تجد قلبك! جاء عمار بن ياسر فزعاً، خائفاً، وهو يقول: يا رسول الله! قد هلكت، قد كفرت، فيلتفت النبي ﷺ إليه، ويسأله: كيف تجد قلبك؟ فيجيب عمار: مطمئن بالإيمان. وتمضي بـ (عمار بن ياسر) الحياة. عن أم سلمة قالت: «لما كان رسول الله ﷺ وأصحابه يبنون المسجد جعل أصحاب النبي ﷺ يحمل كل واحد منهم لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين: لبنة عنه، ولبنة عن النبي ﷺ فمسح ظهره، وقال لابن سمية: للناس أجر، ولك أجران، وآخر زادك شربة من لبن، وتقتلك الفئة الباغية» (١) . وتختزل حياة عمار في كلمتين: تعذيب في بداية إسلامه، واستشهاد في آخره؛ وبين ذا وذا قلب مطمئن ومشاش مليء إيماناً ويقيناً. إن الطريق إلى الجنة لا يمكن أن يكون على أطباق الذهب، وفوق سرائر النوم. إن الطريق شاق طويل يبدأ من بدء نبض الإنسان، وينتهي بتوقف أنفاسه، يتقلب فيه الإنسان بتقلب أحواله وأيامه؛ فتارة يُبتلى بأقسى أنواع الضراء من جهد ومرض وتعذيب واعتقال وحروب، وتارة يبتلى بأترف أنواع السرَّاء من مال وفير ومركب هنيء ومنزل واسع، وامرأة جميلة، وإقبال واشتهار، ويبقى على المسافر ذلك التحدي الكبير أن لا تطغيه السراء، ولا تلهيه الضراء، يحمي قلبه من الذنوب والآفات كما يحمي قطعة الزجاج في يديه يخاف عليها من الخدش؛ فللخدش آثار قلّ أن تمحى. كيف تجد قلبك؟ سؤال لكل مسافر في كل خطوة من خطوات الطريق، إذا علا فوق الجبال واشرأبت إليه الأعناق والرؤوس، وإذا نزل في السهل فلا يكاد يبين رأسه من بين أكوام الصخور. صلى أحدهم عشرين سنة في الصف الأول، فلما صلى يوماً في الصف الثاني اعترته خجلة من الناس، فتعلَّم أنها لم تكن يوماً لله! إن الحرمان الحقيقي أن تمضي مسرعاً في خطواتك، قوياً قطعت الفيافي والقفاز، ثم تلتفتُ فإذا أنت قد خلَّفت قلبك عند بدايات الطريق. فاحمل قلبك دوماً معك، تنافح عن إخلاصه وحياته، ارفق به رفق الأم الحنون، واشدد عليه شد الحازم الحكيم، فخطوة دون قلب مهما عظمت، كأنها لم تكن، وتذكر دوماً أن سفرنا من نوع خاص لا يقطع بالأقدام ولكن بوجيب القلوب. تعلّم الدرس من السنابل: انظر إلى السنابل كيف لا تغلبها الريح على ضعفها، فتتمايل معها يمنة ويسرة وتأتيها من كل جانب، فلا تستطيع لها اجتثاثاً أو كسراً. لقد كان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ واضحاً حكيماً حين شبَّه المؤمن بالسنبلة، والكافر بالأرزة، فقال: «مثل المؤمن مثل السنبلة تستقيم مرة وتخر مرة، ومثل الكافر مثل الأرزة لا تزال مستقيمة حتى تخر ولا تشعر» (١) . فالعهد عهد العمر كله، والبيعة بيعة الحياة؛ فالدين لم يكن يوماً موقفاً حماسياً لا يلبث صاحبه أن ينكسر ويختفي بين الأكوام. إن المؤمن ثابت على الحق الذي معه، هين لين سهل، يعلم أن تلك صفات أهل الجنة. يجمع بين رسوخ الإيمان واستمرارية العمل، وبين اليقين ووضوح الغاية، لا يهمه عامل الزمن؛ فذلك أمر قد تكفَّل الله به، فالزمن عنده أمر نسبي ينتهي عند أناس بانتهاء حياتهم، ويبدأ عند آخرين بانتهائها، فتكون تلك المفارقات الغريبة بين موازين البشر وميزان رب البشر. يقولون مات! فإذا هو لتوه قد عاش، ويصرخ بها (حرام بن ملحان) والدم ناضح على وجهه، والرمح قد غرس في ظهره، وخرج من صدره وهو يقول: فزت وربِّ الكعبة!! يقول أحدهم للإمام أحمد وهو يُعذَّب ويُجلد: أهلك وعيالك! فينظر إليه الإمام مستغرباً ويقول: إذا كان هذا عقلك فقد استرحت. وتدمع عيون الصحابة لرؤيتهم مُصْعَباً في ثيابه المرقعة، ومصعب هو مصعب مكة! الفتى الفتيّ الغني؛ فإذا الرسول ﷺ يبتسم ويقول: «ما رأيت بمكة أحسن لمة، ولا أرق حلة، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير» ، ويترك ذلك كله حباً لله ورسوله. أتراه خسر شيئاً حين لم يجدوا ما يكفنونه به إلا الإذخر؟ أم تراه قد فاز؟ لا شك أنها الثانية. إن الحياة كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولذا كان المؤمن الحق لا يعطيها من قلبه أكثر من هذا القدر، تجد همه كله مستغرقاً في الثبات على الدين، يقض مضجعه أخبار المنتكسين والمتساقطين على جنبات الطريق، يمشي الهوينى ويتوخى الحذر، يحسب خطواته جيداً؛ فالأمر أمر دين لا أمر شخص. لا يهمه أن يكون جذعاً خشبياً يلتفت إليه الناس لطوله وبروزه وهو أجوف تأتيه الريح فتخلعه من مكانه؛ فإذا هو صفر، يكفيه أن يكون سنبلة من بين السنابل تحمل في طياتها القمح، تذود عنه، ولا تسقطه مهما عصفت بها الريح وكذلك المؤمن، لا يسقط دينه مهما ادلهمت الفتن. ولو دفن بعضنا بعضاً: يمضي أبو بكر بخطى ثقيلة إلى غرفة عائشة ﵂ فينظر إلى حبيبه وصفيه وفِدى روحه ﷺ مسجى على الحصير، فيكشف عنه الغطاء، ويقبل جبينه، ويمسح وجهه ويقول: «طبت يا رسول الله حياً وميتاً!» . أي قوة تحمَّلهَا أبو بكر وهو يرى رفيق عمره ونبيه قد فارق الحياة! يخرج من عنده ليعلنها للجميع: «من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت» فيجثو القوم على رُكَبهم من هول الحقيقة، ويمضي أبو بكر واثق الخطى لنصرة الحق الذي آمن به فيقول: «والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه» إنه الحزم البعيد عن الضعف وأنصاف الحلول، وذلك هو الحق الأبلج لا غبش الأوهام والتقديرات. إن أخوة الدين ورفقة السفر لم تكن يوماً توافق طباع أو هوى نفس، بل هي أخوة تربطها عقيدة صلبة وحبل متين، تتسامى فوق أخذ الحقوق وتصفية الحسابات ورد الاعتبارات، يمنعهم نقاء قلوبهم من إساءة الظن، وإشاعة الذنب، وتقليب صفحات الماضي. إنه حب حقيقي استمد قوته ومتانته من حب الله الذي ألّف تلك القلوب على دينه، لا على أشخاص وأشكال، إنها أخوة السفر، والسفر طويل. تتعلم فيه كيف تدفن أخاك، تهيل فوق جسده التراب، وتبتلع حزنك، ثم تسعى بكل عزم وقوة لتملأ فراغاً أحدثه غيابه. لا تتوانَ ولا تتهاون، ولا يُلهِكَ حر المصيبة عن واجب الوقت. صرخ الشيطان في أُحد: إن محمداً قد قتل، فقعد أفراد من الصحابة، فمر بهم أنس بن النضر، ورمى بالحقيقة في وجوههم: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه! نظر صاحبه إليه مبتسماً، شد على يديه بقوة. ومضيا يكملان الطريق

стр. 5318

النسبية والتغير ومذهب الشك المطلق فؤاد بن عبده أبو الغيث أساس الديمقراطية الإيمان بمبدأ نسبية الحقيقة، أو المذهب النسبي، وهو مذهب ظهر لأول مرة في القرن الخامس قبل الميلاد، ويقول بأن الصحيح والمغلوط والجيد والرديء ليس صفات مطلقة، ولكنها تبع للظروف. وينبغي عدم الخلط بين هذا المذهب في الفلسفة ونظرية النسبية الخاصة في الفيزياء التي وضعها (أينشتاين) عام ١٩٠٥م، وهي توضح ـ بشكل محدد ـ أن الجسم المادي لا يمكن أن يتجاوز سرعة الضوء، وأن رواد الفضاء في سفينتهم التي تقارب سرعتها سرعة الضوء سيكبرون بصورة أبطأ عن أهل الأرض. والمذهب النسبي يتناسب ونظرية التطور التي ترى أن كل شيء يتغير، وكل شيء يتبدل، وأن الأشياء في حالة سيلان مستمر. .. فهما رضيعا لبان، وكلتا القضيتين لا تصح على إطلاقها؛ فهناك أشياء كثيرة مُجْمَع عليها في كل الظروف، كما أن هناك حقائق مطلقة وقوانين ثابتة تحكم الكون. فللشيء في ذاته صفات مطلقة؛ فالطيب والخبيث وصف قائم بالأعيان، والظروف ليست معتبرة دائماً. و «الثوابت» في الشريعة لا تتعارض مع سلطان العقل، بل إن العقل يقرُّ بها، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الكبير «درء تعارض العقل والنقل» لا كما ادعى (مراد وهبة) بلا برهان أن: ( «الثوابت» و «الغزو الثقافي» و «المركز والهامش» و «نظرية المؤامرة» كل هذه الشعارات معوقة لسلطان العقل، ومن ثم للتنوير إذا عرّفنا التنوير بأنه لا سلطان على العقل إلا العقل نفسه) . فلا يكفي في نفي امتلاك الحقيقة المطلقة مجرد الدعوى بأنه (ليس من أحد يعبر عن الحقيقة المطلقة، ليس من أحد البتة يعطي الحقيقة المطلقة) ، كما لا يكفي في تحقيقها مجرد الدعوى؛ فلا بد من البرهان والحجة النافية لما يخالفها كما أن ولي المقتول ـ الذي يعتقد أن جزاء القاتل عمداً أن يُقتَلَ كما قَتَلَ ـ لن يتوقف عن المطالبة بالقصاص لمجرد أن القاتل لا يعتقد أنه يستحق القتل؛ لأن المقتول كان قد أغضبه!! فمشكلة اختلاف الدين لا تحلها الديمقراطية؛ لأن مبدأها يتناقض مع أصول الأديان التي يُطلَب فيها القطع، ولا يُقبَل فيها الشك أو النسبية، ولذلك تفسر شهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) : بأنه لا معبود بحق إلا الله، ولا متبوع حق إلا رسول الله.. وهذا حق ثابت مطلق؛ وإلا فما فائدة التقييد والحصر؟ ومن يعتقد أنه صاحب الحق والخير والعدل فسيسعى في إيصال ذلك إلى الآخرين، ووقاية نفسه ومن يحب ما يضاد ذلك باعتقاده؛ فلا يسمح للمخالف بالدعوة إلى مذهبه؛ مما ينتج عنه التدافع ولا بد، ولذلك لا يمكن أن يعيش بسلام من يعتقد أن السِّفاح واتخاذ الأخدان جريمة محرمة مع الشيوعي الإباحي، ومن تمكَّن حَكَم. لكن امتلاك الحقيقة المطلقة لا يلزم منه قتل المخالفين المسالمين؛ فلا يجوز في دين الإسلام الإكراه على الإقرار بالشهادتين، ولا قتل من لا يقاتل الموحدين. أما المسائل الفرعية فهي مجال تطبيق مبدأ نسبية الحقيقة، والقول بأنه لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة ـ بالنسبة لها ـ دون غيره؛ على حد قول الإمام أبي حنيفة وغيره: (قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول المخالف خطأ يحتمل الصواب) . ألسنا نجد جنساً من المسائل، وهي المسائل التي تتعلق بوجود الله ومعرفته وإثبات وحدانيته؛ لم يختلف فيه الصحابة إلا في مسألة أو مسألتين من فروع هذا الجنس، يمكن تأويلها إلى الاتفاق، بل لعلها آلت إلى الاتفاق؛ كمسألة رؤية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربَّه في الدنيا؟ ونجد جنساً آخر يقع بينهم فيه خلاف ... ؟ وذلك لأن مسائل الجنس الأول مسائل أساسية وأصول تُبنى عليها مسائل الجنس الثاني، ويُطلَب فيها القطع، وهو لا يحصل بالتقليد، فكانت جليلة جلية بأدلة قطعية، وهي بالإضافة إلى ذلك محصورة. أما مسائل الجنس الثاني فهي مسائل دقيقة وأدلتها ظنية، وأفرادها غير محصورة. والإيمان بمبدأ نسبية الحقيقة على إطلاقه نوع من التذبذب بين الحق والباطل، وإرادة اتخاذ السبيل بينهما؛ فهو نوع من النفاق، كما أنه ركيزة أساسية في مذهب وحدة الأديان الذي يتناقض مع توحيد الاتّباع للرسول. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (الإيمان الأوسط) ، وهو يتكلم عن الإيمان بالرسول: (ثم هنا نفاقان: نفاق لأهل العلم والكلام، ونفاق لأهل العمل والعبادة. فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه فأن لا يرى وجوب تصديق الرسول فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر علماً وعملاً، وأنه يجوز تصديقه وطاعته؛ لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحداً، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته: إما بطريق الفلسفة والصبوء، أو بطريق التهوُّد والتنصُّر كما هو قول الصابئة الفلاسفة في هذه المسألة وفي غيرها؛ فإنهم وإن صدقوه وأطاعوه، فإنهم لا يعتقدون وجوب ذلك على جميع أهل الأرض؛ بحيث يكون التارك لتصديقه وطاعته معذباً، بل يرون ذلك مثل التمسك بمذهب إمام أو طريقة شيخ أو طاعة ملك، وهذا دين التتار ومن دخل معهم. أما النفاق الذي هو دون هذا فأن يطلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، كما يُبتلَى بالأول كثير من المتكلمة، وبالثاني كثير من المتصوفة؛ فهم يعتقدون أنه يجب تصديقه أو تجب طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك. بل يسلكون مسلكاً آخر؛ إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجد، وإما من جهة التقليد؛ وما جاء عن الرسول إما أن يعرضوا عنه، وإما أن يردوه إلى ما سلكوه؛ فانظر نفاق هذين الصنفين مع اعترافهم باطناً وظاهراً بأن محمداً ﷺ أكمل الخلق وأفضل الخلق، وأنه رسول، وأنه أعلم الناس؛ لكن إذا لم يوجبوا متابعته، وسوغوا ترك متابعته؛ كفروا) .

стр. 5319

في ظل خيمة نافذة أحمد الحنبلي الثلوج تتساقط كأوراق شجر يابس. الريح القوية تساعد الثلوج على التساقط بطريقة عشوائية؛ وتهزّ الخيام الخفيفة التي تكاد تطير كطائر مهاجر هرب عنوة وإكراهاً من الدفء إلى الصقيع.. ولكن أوتاد الخيام تساندها بالتماسك إلى الأرض. ينبعث صوت أبي أحمد من داخل إحدى الخيام المتراصة المزروعة بين صفوف غير منتظمة على أرض طينية ازدادت تلبّداً من أمطار الشتاء وثلوجه. أبو أحمد: أين أنت مختبئ يا بنيّ؟ أحمد الصغير يرفع رأسه من تحت إحدى الأغطية الصوفية المهترئة في زاوية الخيمة الأخرى: ها أنا يا أبي هنا، أين الضوء؟ إنني لا أراك. أبو أحمد: آه يا بني! نفد الزيت من القنديل، لا تخف! إن شاء الله قريباً سيضيء الفجر، ولكن أين يوسف ومحمد وفلسطين وثائرة؟ أحمد: أبي إنهم كلهم هنا بجانبي؛ لأن هذه الزاوية لا يدخل منها هواء كثير. أم أحمد تحاول أن تتلمس شيئاً في العتمة، ولكنها لا تجد إلا وجه زوجها الحبيب.. أبا أحمد: إن الخيمة فارغة من كل شيء.. حتى الحطب الذي جمعته قبل أسبوع أنا والنّسوة من الغابة البعيدة قد نفد، وحتى العيدان والأوراق التي نحرقها لم يبقَ منها شيء، وأصبح كل شيء رماداً. أبو أحمد: هوّني عليك يا أم أحمد! في الصباح الباكر ـ إن شاء الله ـ سيكون الجوّ أهدأ فأنطلق إلى ساحة المدينة لأعمل أي شيء من أجل أن أجلب لقمة العيش، فحصتنا من الطحين، والسمن، والسكر التي توزعها (هيئة الأمم) قد نفدت. أم أحمد: لا عليك! سأقترض من أم عبد الله كوباً من الطحين والسكر؛ علّني أصنع شيئاً للأولاد. أبو أحمد يلفّ وجهه (بكوفيته) ، ويحاول أن يجرف قليلاً من الثلج من أمام الخيمة، ويضعه في وعاء من (التنك الصفيح) ؛ علّه يجده في الفجر ماء ليتوضأ به هو وزوجته. يدخل إلى الخيمة، ويلقي بجسده على فراش ملتصق بالأرض، تنبعث منه رائحة الرطوبة والبرودة، يكوّم نفسه على نفسه محاولاً أخذ بعض من النوم. انبلج ضوء خافت من تحت فتحات الخيمة، يبشر بقدوم فجر جديد. صوت أحد الشباب يرتفع بالأذان من بين خلايا الخيام. تسري الحركة المبكرة، رغم البرودة الشديدة في أرجاء المخيم، الكل يريد أن ينهض ليعمل، ليبحث عن لقمة العيش. النساء يكشفن عن سواعدهن لتحاول كل منهن أن تصنع شيئاً.. أن تجلب شيئاً لأفواه جياع وأجساد نحيلة، يصلي من يصلي، ويخرج من يخرج. أبو أحمد: تنغرس قدمه بخفّه (البلاستيكي) في أول خطوة خارج الخيمة.. المطر لا زال ينهمر بشدة.. يلفّ نفسه جيداً بمعطفه الصوفي المهترئ، الذي وُزّع عليه من أول يوم طُرد فيه من وطنه.. يحاول أن يُخرج قدمه فتنغرس الأخرى.. يقاوم، ويقاوم دون كلل، حتى يصل إلى مخرج المخيم؛ لتدوس قدماه أول طريق مرصوفة بشكل غير جيد. يتابع سيره وخفه (البلاستيكي) المليء بالطين يبدأ يزول عنه الطين مع انهمار المطر.. ولكن تبقى قدماه مبلولتين باردتين.. تمرّ حافلة المدينة، لكنه لا يستطيع إيقافها؛ لأنه لا يوجد معه (فلسٌ واحدٌ) .. ويسرح بتفكيره ليسلّي سيره.. أين أرضي التي كنت أزرعها من الصباح إلى المساء؟ أين بيت أبي الذي كان يطلّ على سهول خضراء خصبة؟ أين أهلي وأقاربي..؟ آه! نصفهم شُرّد، ونصفهم قتل بغارات صهيونية في عقر خيامهم، ويقطع تفكيره صوت حافلة أخرى؛ فيتنبه من شروده، ويتحسس جيب معطفه الفارغ، ويقول لنفسه: لا يزال الوقت مبكراً، سأسير حتى أصل بإذن الله.

стр. 5320

الصفويون الجدد في العراق والدعوة لإخراج العرب ربيع الحافظ على الرغم مما وصل إليه تدهور العلاقات بين الدول العربية خلال العقود الأربعة الماضية، وطافت شوارع العواصم العربية المظاهرات؛ فإنه لم يحصل أن ألقى نظامٌ اللومَ على شعب عربي، بل التخوين والاتهامات الجاهزة كانت دائماً من حظ الأنظمة والزعماء؛ هذا فضلاً بالطبع عن أن يتبادل شعبان عربيان الشتائم والسباب، وإذا كان لهذه الأنظمة القهرية من حسنة يذكرها التاريخ فهي عدم إقحام الشعوب في خلافاتها وتبرئتها من خيانات أنظمتها، لا بل المبالغة أحياناً في استقطابها بالمنح الدراسية والتأشيرات والإقامات نكاية بحكوماتها. إلاَّ أن ما شاهده العالم على شاشات التلفزيون من مظاهرات في مدن عراقية ذات أغلبية شيعية ترفع لافتات تصف الشعب الأردني ـ وليس حكومته ـ بأقذع الصفات، شيء غير مسبوق في علاقات الشعوب العربية، لا بل في علاقات الشعوب بشكل عام. الأزمة ابتدأت بتقرير صحفي غير موثق يحمّل مواطناً أردنياً مسؤولية العملية الانتحارية التي جرت في مدينة الحلة وأودت بحياة أكثر من مائة عراقي، ثم تبين عدم دقة التقرير. لو افترضنا ثبوت هوية الجاني، فلماذا يُرفَع شعار طرد العرب من العراق؟ وما علاقة الشعب الأردني والعرب بالأمر؟ ثم منذ متى تقوم الحكومات العربية بتجنيد انتحاريين وإرسالهم لزعزعة مشاريع أمريكا في المنطقة؟ كم تساءل الشارع العربي ومعه الشارع المسلم بحيرة وسذاجة، عن سر اختلاف هذا الشارع مع الشارع العربي في موقفه من حدث كالاحتلال الأمريكي، ومن المقاومة العراقية، ولماذا يُقتل المتطوعون العرب برصاص (ميليشيات بدر الشيعية) ، في الوقت الذي كانت تقوم فيه الأمهات العراقيات بطهي وتقديم الطعام لهؤلاء المتطوعين في مواقعهم في شوارع بغداد، وتضميد جريحهم، أو (القيام على قبور شهدائهم وتلاوة الفاتحة على أرواحهم وحتى هذه الساعة؟ هذا الشارع الذي يطالب بطرد العرب من العراق اليوم، هو الذي ألغى بالأمس القريب انتماء العراق «الحر» للأمة العربية تماشياً مع رغبة المشروع الشعوبي للفصائل الكردية، وأتباع ذوي الميول الشيعية الصفوية، وهم الذين ضاقوا ذرعاً بالحلية العباسية لعاصمة الرشيد، فراح وسط عنفوان فرحته بسقوطها يضع أسماءه المحببة بدلاً من أسماء خلفاء بني العباس التي تطلق على أحياء بغداد ودور المعرفة فيها. أما زال للصمت متسع؟ أم نقول: ما أشبه المظاهرات المطالبة بطرد العرب من العراق اليوم بالمظاهرات «والدبكات» التي تنظمها الشبيبة الصهيونية وسط نشوة النصر مع سقوط كل مدينة فلسطينية، ورفع الصوت بطرد العرب من أرض الميعاد؟ إن من الإجحاف الكبير دمغ شيعة العراق بدمغة الشعوبية من دون تمييز، ولكنه ليس من الصعب الوقوع في هذا الخطأ أمام ما تطلق عليه نخب المثقفين الشيعة العرب العراقيين بـ «التيار الصفوي» وأطقمه من «المستوطنين» الذين هم فُرس يتقنون العربية، وينتحلون أنساباً عربية، ويحملون الجنسية العراقية، لكنهم فارسيو الهوى صفويو المعتقد الأيديولوجي. هذا التيار هو الذي يدير المشهد الشيعي في العراق، ويتحكم بالحوزة وبمؤسسة الفتوى الفقهية والسياسية. الحال يقترب من الطرفة عندما نكتشف أن أعداداً من «المستوطنين» شغلوا مواقع أمنية وحزبية في النظام السابق، ولم يكتشف رفاقهم العرب حقيقة أمرهم إلا لحظة وصول الدبابات الأمريكية إلى مشارف بغداد. التيار الصفوي في العراق أقلية أيديولوجية في الوسط الشيعي، وهو في الوسط العربي العراقي أقلية ديموغرافية وأيديولوجية في آن واحد، وفي المحيط العربي الواسع قطرة، وهو بذلك مدرسة سياسية لا حظوظ لها في التمكين المحلي والإقليمي من غير مؤثر خارجي دولي يقلب الموازين. لعل بصيص الأمل السياسي الوحيد لهذا التيار خارج موطنه إيران منذ قلب المغول لموازين القوى في المنطقة ودخولهم بغداد كان في تقسيمات سايكس ـ بيكو، التي منحته واقعية عددية على الخريطة السياسية، وجعلت منه أقليات كبيرة في بعض البلدان، لذا فهو يستمد روحه من واقع التقسيم، ومن العزلة عن المحيط العربي، ومن التدفق الديموغرافي من إيران صوب العراق، ومن كل ما يحفظ ديموغرافيته المكتسبة، ولا يخوض جولاته السياسية إلا بورقة واحدة هي الأغلبية، التي ثبت بطلانها أمام أول اختبار في الانتخابات الأخيرة حين تبين أن أصواته لم تتجاوز ٤ ملايين من أصل ١٤.٥ مليوناً ممن يحق لهم التصويت، أي أقل من ٢٨% من مجموع السكان! مقابل ٨ ملايين صوت امتنعت عن التصويت هم أهل السنة، ومع ذلك سُلِّم شأن العراق العربي ذي الغالبية المسلمة السنية الساحقة إلى غيرهم. اختلاف هذا الشارع مع الشارع العربي في قضية احتلال العراق هو طفح جلدي لداء اسمه الشعوبية يعود ويظهر كلما اشتد الداء، وقد ظهر في حقبة مشاريع الوحدة والتقارب العربي، وفكرة توطين الفلسطينيين في العراق، ومنح الجنسية العراقية للعائلات الفلاحية المصرية التي أتت إلى العراق في السبعينيات وفق برنامج حكومي، وكلها مشاريع تؤول إلى ذوبان الديموغرافية المكتسبة. هذا التيار هو الذي أقنع العالم أنه أغلبية مقهورة، وجلب جيوش الروم لاحتلال العراق بهذه الحجة، وأسقطه بـ (التكتيك الطوسو ـ علقمي) ، وقد كان له دور مشابه ـ لمن يقرأ التاريخ ـ في احتلال بغداد الثاني في عام ١٩١٧م. للمشهد العراقي أكثر من عنوان صحيح: العراق العباسي المسلم العربي في مهب الريح الشعوبية ... السقوط الثالث لعاصمة الرشيد وعودة الصفويين ... البصرة والكوفة مهدا النحو العربي تتحدثان الفارسية، العراق قاعدة متقدمة للتشيع الصفوي في العالم العربي. أياً كان هذا العنوان؛ فهنيئاً للصهاينة بالعراق الجديد، والتهنئة موصولة للأنظمة العربية التي حاصرت العراق اقتصادياً ثلاثة عشر عاماً ومنعت نفاذ رغيف الخبز حتى سقط منهكاً جائعاً بيد الأمريكان.

стр. 5321

٢١٤ - جمادى الآخرة - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5322

ستبقى موريتانيا مع علمائها يوماً بعد يوم يزداد الوضع الداخلي في موريتانيا تردياً واضطراباً؛ فالعلماء والدعاة والمصلحون في المعتقلات في ظروف إنسانية قاسية، والعلاَّمة الحافظ (محمد الحسن الددو) لم يشفع له علمه أو مرضه؛ بل استمر سجنه وإيذاؤه، ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] . الشارع الموريتاني يزداد احتقاناً وتوتراً بسبب الممارسات القمعية والأساليب الديكتاتورية التي يمارسها النظام الموريتاني. الفقر والمرض يضربان بجذورهما في أنحاء البلاد طولاً وعرضاً، والتخلف العلمي والحضاري أنهك الشعب وجعل نسبة كبيرة منهم يعيش خارج نطاق التاريخ الحديث؛ فالنظام السياسي جعل أولوياته وبرامجه التنموية لا تتجاوز حماية رموز النظام ورفاهيتهم.. اعتمد النظام على الدعم الأمريكي واليهودي، واستقوى بهم غير عابئ بحقوق الشعب ومقدراته ومستقبله، ولم يبال بآلامه وأحزانه، بل راح يجري لاهثاً في صحراء التطبيع مع العدو اليهودي، ويستسلم للإملاءات الأمريكية بلا قيد ولا شرط، ويسعى لتغريب الشعب ومسخ هويته. فإلى أين تسير موريتانيا المسلمة..؟ وماذا بعد هذا التخبط والتردي..؟ هل سيخلِّد النظام الديكتاتوري؟ وهل سيفقد الموريتانيون هويتهم الدينية والثقافية؟ إنَّ سنة الله ـ تعالى ـ في الظالمين ماضية، وستبقى موريتانيا عزيزة بدينها، محبة لعلمائها، تحتضن العلم والفقه، وتخرّج الحفاظ والعباد ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .

стр. 5323

التسامح الديني طريق التحريف القادم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فالتسامح في لغة العرب التي نزل بها القرآن تعني السهولة المنافية للصعوبة، واليسر المنافي للضيق والشدة، وكذلك كان دين الإسلام دوماً. «قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة» (١) ، قال ابن حجر: والسمحة السهلة أي أنها مبنية على السهولة لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] » (٢) ، وقد دل على هذه السهولة واليسر في دين الإسلام نصوص كثيرة وهو أمر يجده المسلم في كل ما شرع الله ﵎؛ فقد أخبر الله ـ تعالى ـ عن رسوله ﷺ بقوله: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، وآيات كثيرة في هذا المعنى. وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بنحو ما جاء في القرآن، فقال رسول الله ﷺ : «إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه؛ فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (٣) . وعندما أراد نفر من أصحاب رسول الله ﷺ أن ينقطعوا عن الدنيا رغبة في مزيد الخير عن طريق التشدد في العبادة؛ حيث قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ! إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٤) ، فبين رسول الله ﷺ أن كثرة الخشية لله ـ تعالى ـ والمزيد من تقواه لا تكون بالامتناع عما أحل الله وأباحه للناس، ولا تكون بالتضييق على النفس وتحميلها ما لا تطيق؛ فإن الله ـ تعالى ـ قد خلق الدنيا على هذا الوضع، ولا يمكن أن تسير الحياة مع الانقطاع عنها. وتوجيه الرسول ﷺ لأصحابه هؤلاء والأمة من بعدهم نابع من معرفته بما حل بالأمم التي سبقتنا والتي سارت في هذا الدرب ولم تستطع القيام أو الوفاء به؛ وذلك أنها لم تخلق له، وقد كان رسول الله ﷺ يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيُشَدَّد عليكم؛ فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم؛ فتلك بقاياهم في الصوامع والديار ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] » (١) ؛ فهذا وما أشبهه دال على تسامح الإسلام ويسره وسهولته، وهل هناك سهولة ويسر وتسامح أفضل أو أكثر من ذلك؟ لكن التسامح أو السماحة التي يوصف بها الإسلام لا تنافي التمسك بالدين والعض عليه بالنواجذ، بل تقتضيه وتدعو إليه، وقد جاءا مجتمعين في حديث واحد؛ فعندما أراد رجل من أصحاب رسول ﷺ أن يتخلى من الدنيا، ويعتزل الناس ليتفرغ للعبادة، قال له النبي ﷺ : «إني لم أُبعَث باليهودية ولا النصرانية، ولكني بُعِثت بالحنيفية السمحة؛ والذي نفسي بيده! لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولَمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة» (٢) ؛ فبين له الرسول ﷺ أنه بُعث بالحنيفية السمحة، ودعاه مع ذلك إلى عدم الاعتزال والجهاد في سبيل الله. والمسلمون اليوم مدعوون بإلحاح شديد للتسامح الديني وإظهار ذلك في أقوالهم وتصرفاتهم، لكن ما التسامح الديني المطلوب؟ هل هو اتباع الهدي القاصد في الدين وعدم الغلو فيه كما مر بنا في الأدلة السابقة؟ أم هو مجموعة من الألفاظ العربية التي رُصَّت جنباً إلى جنب ثم مُلِئت بمضمون لا وجود له في النصوص الشرعية، أو في أقوال أهل العلم الذين يعتمد على فتواهم قديماً أو حديثاً، والمطلوب شيء وراء ذلك؟ لا يُعيينا البحث كثيراً أن نكتشف أن هذا اللفظ إنما استخدم لتمرير المعاني الباطلة التي يريدها أهل التحريف في الوقت الذي لا يلقى اللفظ فيها اعتراضاً، ومن ثم تسويقه في (حراج) الأفكار العصرية، أو لكي يُنعت من يبين الأهداف الحقيقية لتلك الدعوات أنه غالٍ أو متطرف أو داعم للإرهاب أو نحو ذلك من التهم الجاهزة. والمشكلة التي نعاني منها ليست في خطط أعدائنا وتوجهاتهم؛ فذلك أمر متوقع منهم؛ إذ لا نتوقع منهم أن يكونوا دعاة إلى ديننا وإلى الحفاظ عليه، وإنما المشكلة في وجود صفٍ من داخلنا يعمل بمثابة البوق الذي لا دور له سوى ترديد كلام من يتحدث فيه ولكن بدرجة أعلى، والمطلوب بكل وضوح هو التخلي عن الدين كلية أو تغييره وتحريفه ـ وهو مطلب قديم طلبه المشركون من رسول الله ﷺ ، فقالوا له: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] ! وإذا لم يكن ذلك كله ممكناً في الوقت الراهن فيكون التخلي في المرحلة الأولى عما يتعارض منه مع خطط الطامعين في الاستيلاء على بلاد المسلمين ونشر النصرانية فيها، إلى أن يحين من وجهة نظرهم إمكان تحقيق ما تبقى من آمالهم. إن مما يُطلب اليوم من المسلمين حتى يكونوا متسامحين من وجهة نظر أمريكا وحلفائها وأتباعهم: إلغاء المدارس الدينية التي تقوم مناهجها على تدريس الإسلام؛ والحجة في ذلك لديهم جاهزة؛ لأن الإسلام ـ فيما يزعمون ـ دين يدعو إلى الإرهاب ولا يمكن القضاء على الإرهاب ونشر التسامح إلا بمنع تدريس الدين الإسلامي. وقد ذكرت جريدة الوطن القطرية أنه في دراسة أمريكية مطولة حول الجماعات الإسلامية جاءت التوصية الرئيسة تدعو إلى ضرورة إلغاء التعليم الديني في المنطقة العربية باعتباره (الوعاء) الذي يتخرج منه الإرهابيون (٣) . لكن ماذا فعلوا هم بمدارسهم الدينية؟ في أقل من خمسين عاماً تضاعفت المدارس الدينية في أمريكا أكثر من مائة وثمانين مرة، كما تضاعف عدد الطلاب بها أكثر من مائتي مرة، أما المدارس الدينية عند اليهود فيصل عدد الدارسين بها في المرحلة الابتدائية إلى أكثر من ثلاثين بالمائة من أعداد الطلاب. لقد كان من تداعيات تلك الضغوط الشديدة والتخويف من جانب، والمسارعة في إرضاء الأعداء وانتهاز الفرص لإظهار التبعية والقدرة على تنفيذ ما يطلب من جانب آخر، أن بادرت بعض الدول فعلاً إلى الاستجابة لذلك، فقامت اليمن بإغلاق المعاهد الدينية بها، كما أصدر مجلس المحافظين بمصر توصية بوقف بناء معاهد دينية جديدة وتحويل ما لم يتم منها إلى مدارس لمحو الأمية، حتى وصل الأمر إلى الجزائر، فقامت بإلغاء تدريس المناهج الشرعية في المدارس الثانوية العامة (أي المدارس غير الدينية) فيتخرج الطالب منها من غير أية حصيلة معرفية تتعلق بالدين، وقد طالب الكثيرون من أتباع هذا الاتجاه بأن لا يكون تعليم أو تدريس الدين من مهام وزارات التربية والتعليم؛ فالوزارات التي تعتني بالتربية لديهم ليس عليها عندهم أن تقوم بتربية الأجيال على الدين، وهذا بخلاف الدول التي فرَّغت كتب الدين من مضمونها وحولتها إلى بعض العظات والتوصيات التي تحض على التسامح والسلام مع الظالم والمعتدي حتى من غير ظهور الحق أو رجوعه لأصحابه. أليس ذلك كله يدخل تحت غمار حملة لتغيير الدين ومفاهيمه وتحريفه في عقول الناشئة باسم التسامح الديني؟ وهذا كله أو بعضه غدا معروفاً في جميع الأوساط. لكن هل هذه الدول التي تطالبنا بالتوقف عن دراسة ديننا وعن تعليمه لأبنائنا وبناتنا، وإلغاء المدارس المعدة لتدريسه، هل كان لديهم تسامح وهم يطالبوننا بذلك؟ وهل يحق لأحد لا يوجد عنده أقل ما يوصف بأنه تسامح أن يقف موقف المعلم لغيره في أمر لا يحسنه بل يعمل ليل نهار على نقيضه؟ فالذي يجبرك أو يقهرك على التخلي عن دينك وعقيدتك، أو ثقافتك أو المسلَّمات لديك بزعم التسامح هل هو في ذلك متسامح؟ إن من أكبر التناقضات التي نراها في عالم اليوم أن تكون الدعوة إلى التسامح بلا تسامح، بل بالقوة أو الإجبار والإكراه؛ وهل هذا هو المثال الوحيد؟ بالقطع لا؛ فالأمثلة كثيرة ولا يسع المجال لتعدادها. خذ مثلاً دعواهم بقبول الآخر وهو ـ في كلامهم ومحاوراتهم ـ ليس المختلف معك في فروع الدين أو أصوله، بل المختلف معك أصلاً في الدين نفسه بحيث ينتمي إلى دين آخر؛ فماذا يعني قبوله؟ المطلوب قبول ثقافته ودينه وفكره بحيث يكون له الحق في أن ينشر كفره بين المسلمين ويدعوهم إلى دينه، ولا يُمنَع أحد من الاستجابة إليه، فلا يُمنَع أحد من التحول من دين الإسلام إلى ديانة الكفر. وليس المراد بقبوله قبول إقامته بين المسلمين؛ إذ ذلك موجود في ديار المسلمين منذ جاء الإسلام، ولولا ذلك لم نجد في ديار المسلمين كافراً؛ فقبول الآخر لديهم يعني في جزء منه إلغاء حكم الردة؛ لأن هذا الحكم ـ عندهم ـ ضد الحرية وضد حقوق الإنسان، أي علينا أن نلغي جزءاً من أحكام شريعتنا؛ فإذا لم نفعل ذلك فلسنا متسامحين، وينبغي الضغط علينا من أجل التسامح وعدم التعصب. أما إذا اهتدت نصرانية إلى الإسلام والتزمت به وقام كبير النصارى ومن خلفه أتباعه يُبرقون ويرعدون ويريدون عودتها مرة أخرى إلى الكفر، فلا نسمع شيئاً عن حرية الشخص في اختيار الدين الذي يريد، ولا نسمع شيئاً عن التسامح الديني، ولا يُتهم أحد من أتباع الكنيسة بأية تهمة من تلك التهم التي تخترق آذاننا صباح مساء وكأن هذه الألفاظ بكامل تصريفاتها محجوزة للمسلمين؛ فهل عندما أجبر النصارى زوجة كاهن في مصر على العودة إلى النصرانية بعدما أسلمت، وقاموا بحبسها في الدير وقطعوا اتصالاتها عن العالم الخارجي بحيث لا يعلم أحد وضعها، هل كان عندهم تسامح ديني؟ وأين الدعوات التي تنطلق من الأبواق الناعقة كنعيق البوم والغربان التي لا تكل عن دعوتنا للتسامح الديني؟ إن ما يجري في عالمنا كثير وكثير، وليس له إلا تفسير واحد ألا وهو أنهم يريدون تغيير الدين وتحريفه بأي وسيلة، سواء كان ذلك بدعوى التسامح أو بالإكراه. لقد جاء الأمريكان بزعمهم إلى العراق للقضاء على صدام حسين لمصلحة العراقيين، ولإراحة العالم من شره، وحتى يصبح العالم أكثر أمناً، ودعونا نقبل كل هذه المسوغات الكاذبة؛ فما لهم يرفضون ويصرون على رفض أن يكتب في الدستور العراقي أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع؟ فما علاقة تلك القضايا (حتى وإن صدقوا فيها) بذلك الرفض الذي لا تفسير له إلا كراهة الإسلام والسعي في إطفاء نوره؟ إنه لم يعد اليوم خافياً على أحد تلك الكثرة الكاثرة من الأقوال التي تفوه بها قادة وسياسيون وإعلاميون ومفكرون أمريكيون وغربيون كلها تظهر العداء للمسلمين ولدينهم، وتنتقص من رسولهم الكريم، الذي هو أفضل مَنْ خلقه الله ـ تعالى ـ من البشر ـ صلى عليه وآله وسلم ـ فهل كان في هذا تسامح ديني؟ بل هذا كتاب الله ـ تعالى ـ القرآن الكريم فما بالهم دنسوه؟ فهل كان في هذا تسامح؟ بل هل كان في هذا حتى مجرد مجاملة؟ هل كان لدى فرنسا تسامح عندما منعت المسلمات من التقيد بحكم الشرع في ارتداء الحجاب؟ بل هل كان لدى الغرب تسامح وهو يفرض علينا ثقافته ونهجه في الحياة باسم الديمقراطية حتى تأتي جيوشهم عابرة للقارات فتقتل وتحرق وتسرق وتسجن وتهتك الأعراض باسم نشر الديمقراطية؟ إن الديمقراطية ليست ديناً من عند الله، وليست رسالة جاء بها نبي من أنبياء الله تعالى، وهم مع ذلك لا يتسامحون في نشرها وفرضها على العالم. أما الدين الحق الذي جاء به رسول الله ﷺ ؛ فهذا ينبغي عندهم التساهل فيه، أي التفريط في أحكامه لصالح ما يخالفه من الفكر الغربي الفاسد أو الكنسي الضال وإلا فلسنا متسامحين، بل متعصبين منغلقين ومتخلفين؛ ماذا يعني هذا؟ إنهم يريدون تغيير ديننا؛ لذلك فهم يسلكون إلى ذلك كل سبيل ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ، وترى الكثيرين ممن يسارع فيهم لينال الجائزة الكبرى ولينال القرب والصداقة، وهو ما بيًَّنه القرآن منذ نزوله؛ حيث يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] ، لكن كيدهم بإذن الله ـ تعالى ـ حابط، وسعيهم في ضلال، ومسلكهم خائب، وآخرتهم خزي ووبال. وإذا كان هذا هو ما قدره الله ـ تعالى ـ على من حادَّ الله ورسوله وتطاول على شرعه؛ فإن هذا لا يعني أن يظل المسلمون جالسين على أرائكهم يأكلون ويشربون حتى يأتي نصر الله؛ لأن الله ـ تعالى ـ قدر المقادير وجعل لها أسباباً تتحقق بها، والله ـ تعالى ـ قد وعد بالنصر؛ لكنَّ نصره إنما هو لمن ينصر دين الله تعالى، لا من يخذله ويعين عليه أو يتقاعس عنه. قال ـ تعالى ـ: ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ؛ فمن ينصر دين الله ـ تعالى ـ فإن الله ينصره، ومن يخذل دين الله ـ تعالى ـ فإن الله يخذله: ﴿وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] .

стр. 5324

الوصل بين الفقه والحديث الضرورة والإجراء د. قطب الريسوني (*) إن التنافر بين بعض أهل الفقه وأهل الحديث من الفجوات العلمية المعروفة في تاريخ الدراسات الشرعية (١) ، وقد أسهم في تعميقها ـ عبر تراخي العصور ـ ما يسمى اليوم بـ (الاختصاص) ، على ما كان عليه المتقدمون من مزية المشاركة في العلوم، والتضلّع من المعارف، فضلاً عمّا ابتلي به بعض أهل العلم من المفاضلة بين العلوم، والانتصار لفن على حساب آخر دون مراعاة الفروق، وتمييز الفضائل. ١ ـ ضرورة الوصل: وقد نادى علماؤنا المتقدّمون بضرورة ملء الفجوة بين الحديث والفقه لعدم استغناء الشرع عن العلمين معاً؛ فالأول: يصحّح الدليل، والثاني: يسدّد الفهم، وتكاملهما يفضي إلى صياغة حكم شرعي صحيح السند صحيح المعنى. وإليك البيان: إن الإحاطة بالفقه متوناً وأدلّة لا تستقيم إلا بمعرفة الأحاديث النبوية الصحيحة، التي هي متن الأحكام الشرعية وموضوعها، ولا سيما أن السنّة استقلّت بالتشريع؛ فأصبح الكتاب أحوج إليها من احتياجها هي إليه، كما قال الأوزاعي، وهذا النوع يعرف بـ (السنة المؤسسة) ، وقد أنكرها بعضٌ خلافاً للجمهور، فأبطل كل سُنَّة ثابتة زائدة على نص القرآن. ومع استقلال السنة بالتشريع يصبح الجهل بها جهلاً بالفقه نفسه؛ لأن موضوعه الحكم الشرعي؛ ومن مظان الحكم الشرعي السنة المؤسِّسة أو المستقلّة، فتأمل! ثم إن الحظ الأوفر من مادة الفقه مورده السنة؛ لأنها المصدر التشريعي الثري الذي رسم للكون والإنسان والحياة منهجاً تفصيلياً، يلبّي مطالب المادة، وأشواق الروح على حد سواء؛ وكتب الفقه ناطقة بهذا؛ فلو جردناها مما جاء فيها من أحاديث ومرويات، وما تفرّع عليها من استنباطات واجتهادات لتعطّل الفقه بتعطيل رافده الثري (١) . وليس المطلوب من الفقيه التبحّر في علوم الإسناد، وتراجم الرجال على عادة أهل الصنعة الحديثية، وإنما يكفيه تحرّي الأخبار، وتمييز صحيحها من سقيمها، حتى إذا استشهد بحديث في تقرير أحكام الحلال والحرام كان على معرفة بدرجته الموجبة لقبوله أو ردّه، والمرجع في هذا الشأن كُتُبُ صيارفة الحديث، ونقاده المعتبرين. ومن ثم فإن رواج الضعيف والموضوع في كتب الفقه راجع إلى إقلال أصحابها من بضاعة الحديث، وجهلهم بمراتب الأدلة، ولشيخ المصطلح (ابن الصلاح) كلمة يستضاء بها في هذا الصدد؛ حيث يقول: «إن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبّه ذكور الرجال وفحولهم، ويُعنى به محققو الرجال وكَمَلتهم، ولا يكرهه من الناس إلا رذالتهم وسفلتهم، وهو من أكثر العلوم تولُّجاً في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلّين به من العلماء» (٢) . كذلك لا يستغني المحدث عن الفقه وأصوله لتقويم أداة فهمه، وشحذ مَلَكَة استنباطه، وإلا ظلّ المتن مغلقاً على فوائده وأسراره، وانقلب علم الحديث إلى وسيلة لدراسة شكليات الدليل، وقوالب النص مقطوعاً عن غايته المثلى، وهي استثمار فقه هذا النص، أو ذلكم الدليل في تقرير الصحيح من أحكام الحلال والحرام. يقول الحاكم في (معرفة علوم الحديث) : (النوع العشرون من هذا العلم: معرفة فقه الحديث؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة) (٣) . فحال المحدّث الذي يجهل الفقه كحال من يملك أصدافاً، ولا يقدر على استخراج مكنوناتها وجواهرها، وما فائدة امتلاك الأصداف إذا لم تستعمل جواهرها في زينة أو تجميل؟ وما فائدة تصحيح الأحاديث إذا لم نَحُلَّ أعمالنا بفقهها، ونغني درايتنا بفوائدها؟ ولنذكر هنا طرفاً من أقوال العلماء في ضرورة الجمع بين الحديث والفقه، والرواية والدراية، عسى أن يستضيء بها كل طالب غيور على دينه، متهمّمٍ بكمال علمه: ١ ـ قال الإمام مالك في وصيته لابنَيْ أخته أبي بكر وإسماعيل: (أراكما تحبّان هذا الشأن ـ يعني الحديث ـ قالا: نعم! قال: إن أحببتما أن تنتفعا وينفع الله بكما، فأقلاّ منه وتفقّها) (٤) . ٢ ـ وجاء في (ترتيب المدارك) للقاضي عياض: (قال ابن وهب: لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت، فقيل له: كيف ذلك؟ قال: أكثرت من الحديث فحيّرني؛ فكنت أعرض ذلك على مالك والليث فيقولان لي: خذ هذا، ودع هذا!) (٥) . ٣ ـ قال محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة: (لا يستقيم العلم بالحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث) (٦) ، وقوله حكاه عنه السرخسي في أصوله. ٤ ـ قال الإمام الخطابي في (معالم السنن) : (رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين، وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر؛ كل واحدة منهما لا تتميّز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه في البغية والإرادة؛ لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب) (٧) . ولا شك أن رواج الأحاديث الضعيفة والموضوعة في مدوّنات الفقه شاهد حيّ على فجوة الجفاء، والتنافر بين الفقه والحديث، ومحرّض قوي على إبداع صيغة الوصل المفقود بين الفنّين. ويحسن بنا هنا خروجاً من ضبابية التجريد والتنظير: أن نجلب أمثلة من الواهي والسقيم، مما عليه عمل فقهائنا في كتبهم، وهي قليل من كثير، وصُبابة من غدير: ـ استدل الحنفية في (باب نواقض الوضوء) بقصة الأعمى التي رواها الطبراني في (المعجم الكبير) عن أبي موسى قال: «بينما النبي ﷺ يصلّي بالناس إذ دخل رجل فتردّى في حفرة كانت في المسجد، وكان في بصره ضرر، فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة، فأمر النبي ﷺ من ضحك أن يعيدوا الوضوء والصلاة» ، والحديث ضعيف، آفته محمد بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم، اختُلف في أمره ما بين موثق له كالدارقطني وأبي حاتم، ومجرّح كأبي داود الذي قال: (لم يكن بمحكم العقل) (١) . ورواه البيهقي عن أبي رفيع بن مهران الرياحي مرسلاً، ومراسيل أبي العالية لا يعتدّ بها، قال سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبي العالية؛ فإنهما لا يباليان عمن أخذا) (٢) ، وقال الشافعي: (حديث أبي العالية الرياحي رياح) (٣) . ـ استدل المالكية على مشروعية سلت الذَّكَر ونتره بحديث: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات» ، رواه ابن ماجه برقم (٣٢٦) ، وهو ضعيف، آفته عيسى بن يزداد، قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال أبو حاتم: لا يصح حديثه، وليس لأبيه صحبة (٤) . ـ استدل الشافعية على تعيّن التراب للتيمّم بما رواه الشافعي في (الأم) ، والبيهقي في (سننه) عن أبي الجهيم قال: «مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلّمت عليه فلم يردّ، حتى قام إلى جدار فحتّه..» ، وهو ضعيف من وجهين: الأول: السند، وفيه علّتان: الأولى: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى شيخ الشافعي، وأبو الحويرث شيخ إبراهيم، جرحا بجرح شديد تُطرح به روايتهما. والثانية: الانقطاع؛ لأن الأعرج لم يسمع من ابن الصمة، كما بيّنه البيهقي في سننه عقب رواية الحديث. الثاني: المتن، وفيه نكارة ظاهرة لم تَخْفَ على دهاقنة الحديث وصيارفته، ومنهم البيهقي؛ لأن الحديث ورد من طريق الثقاث الأثبات بغير هذا السياق المنكر والزيادة المردودة؛ مما يؤكد أن زيادة: (حتّ الجدار بالعصا) تفرّد بها إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي، وهو ضعيف هالك لا يعتدّ بمثله في الشواهد والمتابعات؛ فكيف إذا خالفت روايته الثقات الضابطين؟ (٥) . ـ استدلّ الحنابلة على جواز قراءة القرآن على الميت بحديث: (اقرؤوا يس على موتاكم» ، رواه أبو داود، وابن ماجة، والحاكم، وأحمد، وغيرهم من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أبيه عن معقل بن يسار ... والحديث ضعيف، آفته مجهولان: أبو عثمان، وأبوه. قال الذهبي: (أبو عثمان: يقال اسمه سعد، عن أبيه عن معقل بن يسار، بحديث: «اقرؤوا يس على موتاكم» لا يعرف أبوه ولا هو، ولا روى عنه سوى سليمان التيمي) (٦) ، وقال ابن حجر: (وأعلّه ابن القطان بالاضطراب، وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل أبو بكر ابن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصحّ في الباب حديث) (٧) . ٢ ـ آليات الوصل: استبانت إذن ضرورة الوصل بين الحديث والفقه، وأن أحدهما لا يستغني عن الآخر في درك بغيته، وتحصيل ثمرته؛ فالأول ـ كما قال الخطابي ـ: بمنزلة الأساس الذي لا يقوم بدون بناء، والثاني: بمنزلة العمارة التي يخرب بدونها الأساس. ولا شك أن الوصل بينهما لتجديد الخطاب الفقهي، والنهوض به يستقيم من خلال المسالك الآتية: أـ التدليل عوض التجريد: التجريد منهج في كتابة الفقه، يقوم على ذكر الفروع عارية عن أدلتها ومآخذها، وغالباً ما يُتوسل بهذا المنهج في صياغة المتون الفقهية المختصرة التي يُقتصر فيها على الإشارة إلى مشهور المذهب، والراجح فيه دون تدليل أو تعليل، ومنها (مختصر القدوري وبداية المبتدي) للمرغيناني عند الحنفية، والوجيز للغزالي، ومتن الغاية، والتقريب لأبي شجاع الأصفهاني عند الشافعية، والرسالة لابن أبي زيد، ومختصر خليل عند المالكية، ومختصر الخرقي والمقنع للموفق بن قدامة عند الحنابلة. وإذا كان المنهج التجريدي مستساغاً عند أصحابه، معضّداً ـ في وقته ـ بمقتضيات مذهبية وتعليمية فإن من آثار الصحوة الإسلامية اليوم حثّ طلاب العلم على طلب الفقه بدليله، وقبول الحكم بتعليله؛ مما يستلزم ربط المتون المجرّدة بأدلتها التفصيلية، حتى يتميّز منها الصحيح المتعبَّد به، والسقيم المردود عند أهل النقد والخبرة. ونجد شبيهاً لهذه الدعوة أو تأصيلاً لها في كلام ابن القيم عن ضرورة تعزيز الفتوى بالدليل، ونسوقه هنا ـ على طوله ـ لأهميته، يقول: (عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أوْلى بالعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل؛ فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله، وإجماع المسلمين، وأقوال الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ والقياس الصحيح عيباً؟ وهل ذكر قول الله ورسوله إلا طراز (*) الفتوى؟ وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به؛ فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أن يخالفه، وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم. وقد كان رسول الله ﷺ يُسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال، ويشبّهها بنظائرها، هذا وقوله وحده حجّة؛ فما الظنّ بمن ليس قوله بحجة ولا يجب الأخذ به؟ وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ له قبول قوله، وهيهات أن يسوغ حجّة، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها، فيقول: قال الله كذا، وقال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، فيشفي السائل، ويبلغ القائل، وهذا كثير جدّاً في فتاويهم لمن تأملها، ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم، ثم يستدلّ عليه، وعلمه يأبى أن يتكلم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل. ثم طال الأمد، وبَعُدَ العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلاً ولا مأخذاً، ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمّه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى ما حالهم في الفتاوى، والله المستعان) (١) . وهذا قول متين في الدفاع عن المنهج الاستدلالي في الفقه، ويمكن تفكيكه إلى أربعة عناصر أساسية: أـ الاستدلال بالكتاب والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح هو روح الفقه وجماله، وطراز الفتاوى وحليتها. ب ـ من ثمرات الاستدلال: إضفاء الشرعية على كلام الفقيه أو المفتي، وإقامة الحجّة على طالب الفقه، أو المستفتي، وإبراء العهدة من الإفتاء، أو الدعوة بغير علم. ج ـ بيان جذور المنهج الاستدلالي في السنة، وفقه الصحابة والتابعين والأئمة. د ـ شيوع المنهج التجريدي في زمن انقراض العلم، وتقلّص ظله، وفتور الهمم وتقاعسها، وقد بلغ من تجذّر هذا المنهج، واستئثاره بالحظوة الفقهية حدّاً أصبح معه الاستدلال مسلكاً مذموماً ومنهجاً مستنكراً. وفي كلام ابن القيم من الصدق والدقة في وصف الواقع وبيان الحال شيء كبير؛ إذ يبدو أن الاستدلال أصبح إصراً على الفقه، وأغلالاً في أعناق الفقهاء، فجرّدوا كتبهم من كل دليل أو مأخذ، واقتصروا على ذكر قول فلان ورأي علان، ممن لا يقام لهم وزن في مقابل كلام الله ورسوله، وبين أيدينا من كتب الفقه، والنوازل، والوثائق ما يشهد لهذا المنزع التجريدي المصادم لمناهج المحققين من العلماء. ونجتزئ هنا للتمثيل بكتاب (المختار للفتوى) للفقيه الحنفي عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود الموصلي (ت ٦٨٣هـ) ؛ فهو متن مجرّد عن الأدلة، ومع ذلك وضعه صاحبه ليكون مرجعاً في الفتوى، فيأخذ الناس منه ويدعون دون أن يعرفوا دليلاً لقول أو مأخذاً لحكم؛ إلا أن صاحب المتن قال، وأصحابه من الحنفية قالوا، لكن الخطب هان حين استدرك المصنف على متنه بشرح مستوفٍ بسط في الأدلة وأكثر التعليل، وسماه: (الاختيار لتعليل المختار) (٢) . ولعل فقه المالكية أحوج من غيره إلى خدمة الفروع ببيان أدلتها ومسالك تعليلها؛ إذ لا يُعرف لمتقدمي المالكية تأليف في هذا الشأن، بخلاف قرنائهم من أصحاب المذاهب الأخرى. أما المعاصرون ـ من المالكيين وغير المالكيين ـ فلهم جهود محمودة سدّت بعض الثلم/ النقص في مجال التأليف الفقهي الاستدلالي، نذكر من بينها: أـ كتاب (مسالك الدلالة في شرح متن الرسالة) للشيخ أحمد بن الصديق الغماري (٣) ، وهو شرح على رسالة ابن زيد القيرواني، عُني فيه ببيان أدلة الفروع من السنن والآثار، وهو مطبوع متداول. ب ـ (إتحاف ذوي الهمم العليّة بشرح العشماوية) للشيخ عبد العزيز بن الصديق الغماري (١) ، وهو شرح مقتضب لمقدمة عبد الباري العشماوي في الفقه المالكي، عني فيه بذكر أدلة الفروع دون إشارة إلى أقوال الفقهاء، أو تعرّض لخلافهم. ج ـ (مواهب الجليل من أدلة خليل) للشيخ أحمد بن أحمد المختار الجكني الشنقيطي (٢) ، وهو شرح لـ (مختصر خليل) مشفوع ببيان أدلة المسائل من الكتاب والسنة والآثار، وقد أعوزه الاستدلال على كل الفروع بالمنقولات؛ فلجأ إلى النظر، وروايات المذهب المالكي نفسه. د ـ الفقه المالكي وأدلته للشيخ الحبيب بن طاهر (٣) ، عني بفقه العبادات عند المالكية، مستدلاً على الفروع بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، مع الاستضاءة بفهوم أئمة المالكية وتعليلاتهم. وفي مقدمة المؤلف ما يشعر برغبته في إنجاز قسمي المعاملات والأحوال الشخصية، يسر الله ذلك وأعانه عليه. على هذا المَهْيَع (٤) ينبعي السير في التأليف الفقهي بعيداً عن قصور التجريد، وعموم الإطلاق، وقد دعا إلى تأصيله ثلة من عملاء العصر، نذكر من بينهم: الشيخ محمد بن الصديق الغماري في (مسالك الدلالة) ، والشيخ عبد الله بن الصديق الغماري في تقديم كتاب (إتحاف ذوي الهمم العلية بشرح العشماوية) لأخيه عبد العزيز، والدكتور بدوي عبد الصمد طاهر في كتابه القيم (منهج كتابة الفقه المالكي بين التجريد والتدليل) (٥) . هذا، وقد نشطت في غير المذهب المالكي حركة الاستدلال الفقهي؛ إذ ألفت كتب في الفقه الحنفي والشافعي والحنبلي مبنية على الدليل ابتداءً كـ (الأم) للشافعي، و (تحفة الفقهاء) لعلاء الدين السمرقندي الحنفي (ت ٥٣٩ هـ) ، و (الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل) لابن قدامة، وصنفت كتب أخرى مجرّدة عن أدلتها، فاستدرك عليها مؤلفوها وغير مؤلفيها بشروح تُعنى ببسط أدلة المسائل من الكتاب والسنة والآثار، ومنها: (العزيز في شرح الوجيز) لأبي القاسم الرافعي الشافعي، و (البناية في شرح الهداية) للعيني في فقه الحنفية، و (الشرح الكبير على متن المقنع) لابن قدامة الحنبلي. ومع هذا فما زالت متون المذاهب بحاجة إلى خدمة في المجال الاستدلالي تقوّي منزعها، وتجلّي منحاها، وتميّز سمينها من غثّها، حتى يُعبَد الله بالدليل، ويظهر لكل مذهب فضله في العمل بالسنن، والأخذ بالآثار. ٢ ـ التخريج الحديثي: لا شك أن التخريج الحديثي من مرتكزات المنهج الاستدلالي في الفقه؛ ذلك أن الوصل بين الفروع وأدلتها ليس مقصوداً لذاته، وأن غايته بيان مراتب هذه الأدلة، حتى يتميز صحيحها من سقيمها، ويُعتمد الراجح من أقوال المذهب، ويُطرح الضعيف أو الشاذ. وقد عُني الحفاظ بتخريج كتب مذاهبهم قصد تجديد الفقه من داخله، وسلخه عن تراكمات فروعية ليس لها في الشرع ورود ولا صدر؛ لانبنائها على الضعيف والموضوع، أو عملها بمجرّد الرأي، ومحض النظر. ومن الكتب المعروفة في هذا المضمار: أـ نصب الراية لأحاديث الهداية (٦) للحافظ الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ) ، وهو تخريج لكتاب (الهداية) في الفقه الحنفي للمرغيناني. ب ـ (التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الوجيز الكبير) (٧) للحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) ، وهو تخريج لشرح الرافعي على الوجيز في فقه الشافعية للغزالي. ج ـ التحقيق في أحاديث التعليق (٨) لابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) ، وهو تخريج لأحاديث كتاب أبي يعلى الفراء (ت ٤٥٨ هـ) في الخلاف العالي. ولا أعرف كتاباً مطبوعاً متداولاً في تخريج أحاديث المذهب الحنبلي ـ على وجه الخصوص ـ إلا (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل) (٩) للشيخ ناصر الدين الألباني، وهو تخريج لكتاب (منار السبيل في شرح الدليل) لإبراهيم بن ضويان الحنبلي (ت ١٣٥٣هـ) . د ـ لا أعرف لمتقدمي المالكية، أو متأخريهم كتاباً مخطوطاً، أو مطبوعاً في تخريج أحاديث فقه المذهب، ولعل المعاصرين استشعروا هذا النقص في فقه المالكية، فتداركوه بتخريج بعض الكتب، وفي طليعتها: (المدونة لسحنون) خرّج أحاديثها الدكتور الطاهر محمد الدرديري (١٠) . وما زالت الحاجة ماسّة كذلك إلى تعقّب أدلة المذاهب بالنقد والتمحيص والتخريج، وفي ذلك خدمة جليلة للسنة أولاً، بالتمييز بين صحيحها وسقيمها، وللمذاهب الفقهية ثانياً، ببيان متعلّق فروعها، ومأخذ أقوالها. بيد أن التصدّر لتخريج أحاديث فقه المذاهب يحتاج إلى ضابطين: علمي، وخلقي. أما الأول: فمرجعه إلى الكفاية العلمية التي تتحقق بحفظ المخرِّج، وعلمه بالاصطلاح وعلل الحديث، وأحوال الرواة، مع جَلَد على البحث، وصبر على الاستقراء. وأما الثاني: فيرجع إلى ديانة المخرِّج وتقواه؛ ذلك أن من المحدثين طائفة زُيّن لها الضلال على الهدى؛ فتلاعبت بالتصحيح والتضعيف نصرة للمذهب أو البدعة، وهؤلاء لا تُعتمد تخريجاتهم إلا فيما تبيّن فيه إنصافهم، وتجرّدهم عن الهوى، ونعوذ بالله من قلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، وعلم لا ينتفع به. ٣ ـ بين نقد المتن ونقد السند: قسّم الشيخ طاهر الجزائري (أهل الحديث) إلى ثلاث طوائف: أـ طائفة تقصر نظرها على الإسناد؛ فإذا كان خِلْواً مما يقدح في اتصاله وثقة رواته: حُكم بصحته دون النظر إلى متنه، مع أن القاعدة عند أهل الصنعة: صحة الإسناد لا يلزم منها صحة المتن. ب ـ طائفة قصرت نظرها على المتن؛ فإن وافق ذوقها ومنحاها العقلي حكمت بصحته، وإن كان في الإسناد علة قادحة توجب الرد، مع أن كثيراً من الأحاديث الضعيفة والموضوعة صحيحة من جهة معناها ومبناها، ومع ذلك لا يصحّ رفعها إلى النبي ﷺ ؛ لأنها ليست من كلامه، وإنما من كلام حكيم، أو واعظ مرغِّب مرهِّب، أو فقيه مدفوع إلى نصرة مذهبه. ج ـ طائفة وَفَّقت في نقدها الحديثي بين المتن والسند، فوفّت كل جانب حقّه من البحث والنظر، فلا تتعجّل بتوهيم الراوي لشبهة عرضت في المتن، ولا تنزّهه في الوقت ذاته عن الخطأ والنسيان والغفلة، كما أنها وُفّقت في الحكم على الحديث بالوضع وإن كان إسناده قائماً، وذلك في مواضع مخصوصة (١) . والمطلوب اليوم أن يُوفّى المتن حقّه من قِبَل أهل الصنعة، فيردّ منه كل شاذ ومنكر ومعلول، بل يحكم عليه بالوضع إذا ظهرت أماراته، وإن كان إسناده صحيحاً، وهذا عين الاعتدال والإنصاف الذي أخذت به الطائفة الثالثة؛ بيد أن الراكب لهذا المسلك الوعر يحتاج إلى زاد من المعرفة بالسنن والآثار، ومعايشة غير قصيرة للهدي النبوي في قوله وفعله، وتقريره وتركه. يقول ابن القيم: (إنما يعرف ذلك من تضلّع في معرفة السنن الصحيحة، وخُلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها مَلَكة واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة الرسول ﷺ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه أو يكرهه، ويشرعه للأمة؛ بحيث كأنه مخالط له ﵊ بين أصحابه الكرام؛ فمثل هذا يعرف من أحواله وهديه، وكلامه وأقواله وأفعاله، وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز بما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبوع من تابعه؛ فإن الحريص على أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أو ينسب إليه، وما لا يصح، ليس كمن لا يكون كذلك) (٢) . ومن ثم فإن الإغراق في جزئيات الإسناد، وتفاصيل الرواية، ودقائق أحوال الرجال يلزم منه إغفال التوسّع في بحث المتن، وهذا من شأنه أن يوسّع الهوّة بين الحديث والفقه؛ لأن مبنى الفقه على المتن، والمتن إذا لم يُمحّص بغربال النقد استخلصت منه أحكام قد تضيّق واسعاً، أو توسّع ضيقاً، أو تستدرك على الشرع ما ليس منه. ٣ ـ ثمار التواصل: إن للوصل بين الحديث والفقه ثماراً تجتنى، وعوائد تعمُّ، نعدّ منها، ولا نعدّدها: أـ فقه مُصفّى: إن الوصل بين الحديث والفقه يقتضي تنقية كتب الفقه مما شابها، من أخبار واهية، وآثار سقيمة، ومن ثم انهيار ما بني عليها من أحكام وتفريعات تنحو منحى المخالفة، أو البدعة، أو تضييق دائرة العفو من غير حجة وبرهان منير. ب ـ فقه استدلالي: من عوائد هذا الوصل بيان مآخذ الأحكام، وأدلة الفروع، وتصنيفها إلى مقبول يُعمل به، ومردود يُطرح، ولا يُلتفت إليه؛ مما يُمكِّن للفقه الصحيح معنى وشكلاً، وظاهراً ومقصداً، ويظهر تفاوت الفقهاء في الفضل بمعيار الأخذ بالسنن، أو تركها. ج ـ فقه موحِّد: يلزم من هذا الوصل ظهور الدليل الصحيح، وانبناء الفقه عليه، والتفاف الناس حوله بالعمل به، والاعتماد عليه، ومن هنا يصبح فقه الدليل مثابة أهل العلم، وملاذ الناس، ولا بأس أن ينقدح الخلاف حول فروع تتوارد عليها الأنظار، وتتزاحم الاجتهادات؛ فإن ذلك من حيويّة الفقه، ورحمته في آن واحد.

стр. 5325

هذه هي الصوفية د. لطف الله خوجه (*) مما لا يُختلف فيه: أن الفكر الصوفي حادث في الإسلام. فقد مر عهد النبي ﷺ ، وجيل الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين، وتابعيهم ﵏، دون أن يكون لهذا الفكر أثر واضح، حتى حدث وظهر في نهاية القرن الثاني، والصوفية يقرون بهذا، لكن من جهة اللفظ دون المعنى. يقول النواوي: «فأما كلمة التصوف؛ فقد أجمع الكاتبون في هذا المقام على: أنها من الكلمات الاصطلاحية التي طرأت في أواخر القرن الثاني للهجرة» (١) . فالصوفية يقرون بأن مصطلح (الصوفية) حادث، لكنهم يقولون: الأحوال الصوفية موجودة منذ عهد النبي ﷺ ، تمثلت في أهل الصُّفَّة. ولأجله ذهب بعضهم إلى أن أصل التصوف مشتق من (الصُّفّة) ، وهو مكان كان يأوي إليه الفقراء في مسجد النبي ﷺ . ومن ترجم منهم لأئمة التصوف: جعل أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً رضوان الله عليهم أوائل الصوفية، ونسب إليهم كلمات في المقامات والأحوال. والوصف المشترك بين جميع من نُسبوا إلى التصوف من أئمة القرون الثلاثة الأولى هو: الزهد، والمجاهدة. الزهد في متاع الحياة الدنيا، ومجاهدة النفس لتهذيبها، ونفي عيوبها. ونتيجة هذا: تمثل التصوف في الزهد والمجاهدة؛ فكل زاهدٍ مجاهدٍ متصوفٌ، ومن له حال في الزهد والمجاهدة فهو: صوفي. هكذا قال بعضهم. لكنهم لم يتفقوا على رأي واحد في أصل كلمة (صوفية) واشتقاقها؛ فما قرره بعضهم نقضه آخرون، وقد رجعوا بالكلمة إلى أصول ستة أو سبعة، هي: ١ - الصُّفّة: وبهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي: «التصوف مأخوذ من أهل الصُّفَّة» (٢) . وقال الكلاباذي: «وقال قوم: إنما سموا: صوفية. لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ » (٣) . وقال السهروردي: «وقيل: سُموا صوفية؛ نسبةً إلى الصفَّة.. وهذا وإن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللغوي، ولكنه صحيح من حيث المعنى؛ لأن الصوفية يشاكلهم حال أولئك، لكونهم مجتمعين متآلفين، متصاحبين لله، وفي الله، كأصحاب الصفَّة» (٤) . ٢ - الصفاء: قال الكلاباذي: «قالت طائفة: إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها، ونقاء آثارها. وقال بشر بن الحارث: الصوفي من صفا قلبه لله» (٥) . وقال السهروردي: «قيل: كان الاسم في الأصل صفوي، فاستثقل ذلك فجعل صوفياً» (١) . وذكر نيكولسون: أن جمهور الصوفية ذهبوا إلى أن الصوفي مشتق من الصفاء، وأنه أحد خاصة الله، الذين طهر الله قلوبهم من كدورات الدنيا (٢) . ٣ - الصف الأول: قال الكلاباذي: «وقال قوم: إنما سموا صوفية؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه» (٣) . وقال السهروردي كقول الكلاباذي: «سموا صوفية؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله بارتفاع هممهم، وإقبالهم على الله ـ تعالى ـ بقلوبهم، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه» (٤) . ٤ - الصوف: يقول الطوسي: «نُسبوا إلى ظاهر اللبس، ولم ينسبوا إلى نوع من أنواع العلوم والأحوال التي هم بها مترسمون؛ لأن لبس الصوف كان دأب الأنبياء ﵈، والصديقين، وشعار المساكين المتنسكين» (٥) . ويقول السهروردي: «ذهب قوم إلى أنهم سموا صوفية نسبة لهم إلى ظاهر اللبسة؛ لأنهم اختاروا لبس الصوف لكونه أرفق، ولكونه كان لباس الأنبياء ﵈. فكان اختيارهم للبس الصوف لتركهم زينة الدنيا، وقناعتهم بسد الجوعة، وسترة العورة، واستغراقهم في أمر الآخرة، فلم يتفرغوا لملاذ النفوس وراحتها، لشدة شغلهم بخدمة مولاهم، وانصراف همهم إلى أمر الآخرة، وهذا الاختيار يلائم ويناسب من حيث الاشتقاق؛ لأنه يقال: تصوَّف؛ إذا لبس الصوف، كما يقال: تقمَّص؛ إذا لبس القميص» (٦) . ٥ - صوفة: ذكر ابن طاهر المقدسي القيسراني بسنده إلى الحافظ أبي محمد عبد الغني بن سعيد المقدسي قال: «سألت وليد بن القاسم: إلى أي شيء نسب الصوفي؟ فقال: كان قوم في الجاهلية يقال لهم صوفة، انقطعوا إلى الله ، وقطنوا الكعبة؛ فمن تشبه بهم فهم الصوفية. قال عبد الغني: هؤلاء المعروفون بصوفة، هم ولد الغوث بن مر» (٧) . قال ابن الجوزي: «كانت النسبة في زمن رسول الله ﷺ إلى الإيمان والإسلام، فيقال: مؤمن مسلم. ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد، فتخلوا عن الدنيا، وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها، وأخلاقاً تخلقوا بها، ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله عند بيته الحرام، رجل يقال له: صوفة. واسمه الغوث بن مر، فانتسبوا إليه، لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله ، فسُموا بالصوفية» (٨) . ثم ذكر أثر عبد الغني المقدسي الآنف الذكر، ثم قال: «وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال: كانت الإجازة بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أدّ بن طابخة، ثم كانت في ولده، وكان يقال لهم: صوفة. وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجز صوفة. قال الزبير: قال أبو عبيدة: وصوفة وصوفان. يقال: لكل من ولي من البيت شيئاً من غير أهله، أو قام بشيء من أمر المناسك، يقال لهم: صوفة وصوفان. قال الزبير: حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: إنما سمي الغوث بن مر صوفة؛ لأنه ما كان يعيش لأمه ولد، فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنَّه ربيط الكعبة، ففعلت، فقيل له: صوفة، ولولده من بعده» (٩) . ٦ - صوفانة: قال ابن الجوزي: «وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة، وهي بقلة رعناء قصيرة، فنُسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء، وهذا أيضاً غلط؛ لأنه لو نُسبوا إليها لقيل: صوفاني. وقال: آخرون: هو منسوب إلى صوفة القفا. وهي الشعيرات النابتة في مؤخره، كأن الصوفي عطف به إلى الحق، وصرفه عن الخلق» (١٠) . ٧ - النسبة إلى جميع ما سبق: الصف الأول، والصُّفَّة، والصوف، والصفاء: نحا إلى هذا الرأي الكلاباذي؛ حيث صحح نسبة الصوفية إلى جميع ما ذكر باعتبار المعنى، وإن كان يقر باستحالة ذلك لغة، قال: - «وأما من نسبهم إلى الصُّفَّة والصوف؛ فإنه عبر عن ظاهر أحوالهم؛ وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا. - ومن نسبهم إلى الصفة والصف الأول؛ فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم. - فقد اجتمعت هذه الأوصاف كلها، ومعاني هذه الأسماء كلها في أسامي القوم وألقابهم، وصححت هذه العبارات، وقربت هذه المآخذ. وإن كانت هذه الألفاظ متغيرة في الظاهر؛ فإن المعاني متفقة: - لأنها إن أخذت من الصفاء والصفوة كانت: صفوية. - وإن أضيفت إلى الصف والصُّفَّة، كانت: صَفية، وصُفِّية. - ويجوز أن يكون تقديم الواو على الفاء في لفظ الصوفية (١) ، وزيادتها في لفظ: الصَفية. والصُفِّية إنما كانت من تداول الألسن. - وإن جعل مأخذه من الصوف، استقام اللفظ، وصحت العبارة من حيث اللغة. - وجميع المعاني كلها من التخلي عن الدنيا، وعزوف النفس عنها، وترك الأوطان ولزوم الأسفار» (٢) . وصنيع الكلاباذي ليس بغريب على النهج الصوفي؛ فقد رأيناه في كلام السهروردي حينما قال: «قيل: كان الاسم في الأصل صفوي، فاستثقل ذلك فجعل صوفياً» (٣) . والملاحظ في كلامه افتراض أن أصل الكلمة هي: - صَفيّة: من الصف. - وصُفِّيّة: من الصُّفَّة. - وصفوية: من الصفاء. وإنما انقلبت إلى (صوفية) بسبب تداول الألسن، حيث زيدت الواو في: صَفيّة، وصُفِّيّة. وتبادل الواو والفاء المواقع في: صفوية. وهذا قول يحتاج إلى دليل، ولم يستند إلى شيء، ولم أره لغيره. - نقد الصوفية لهذه التعريفات: أكثر هذه الأقوال رواجاً: النسبة إلى الصفاء؛ فقد ذكر (نيكلسون) : أن مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى الصُّفَّة اثنا عشر تعريفاً ينسبها إلى الصفاء؛ وذلك بالنظر في تعريفات الأئمة الصوفية، في المدة بين عام ٢٠٠ إلى ٤٤٠ هـ، وقد نقلها في كتابه، ثم قال: «يتبين من النظر في التعريفات أن الزمن الذي وضعت فيه يكاد يقرب من قرنين ونصف؛ لأن أولها هو تعريف معروف الكرخي المتوفى سنة ٢٠٠هـ، وآخرها تعريف أبي سعيد بن أبي الخير المتوفى سنة ٤٤٠هـ، ويتبين أيضاً أنها تعريفات من أنواع مختلفة: - إذ منها الثيوسوفي المتصل بأحوال الصوفية. - ومنها المتصل بوحدة الوجود. - كما أن منها الأخلاقي اللغوي، وهو ما أشبه بالحكم. وليس في عصرنا الحاضر من ينكر اشتقاق كلمة الصوفي من الصوف، ولكن الناظر في التعريفات التي ذكرناها سيظهر له في وضوح أن الصوفية أنفسهم لم يأخذوا بهذا الرأي؛ فإنا نجد في مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى لبس الصوف، اثني عشر تعريفاً، يشير إلى اشتقاق كلمة الصوفي من الصفاء» (٤) . فهذا ما اشتهر في تعريفات من تقدم من الأئمة المتصوفة: النسبة إلى الصفاء. فهو التعريف الشائع المشهور. أما مَنْ بعدَهم فقد صاروا إلى ترجيح النسبة إلى الصوف، على الرغم من أن أئمة الصوفية لم يأبهوا لهذا الرأي، كما ذكر (نيكلسون) آنفاً، وكما يذكر (القشيري) و (الهجويري) . ثم تأتي في المرتبة بعدهما النسبة إلى الصُّفَّة وإلى الصف الأول؛ فقد قال بها جمع من المتقدمين، لكن يبدو أن القائلين بالنسبة إلى الصفة أكثر. وأما النسبة إلى الصوفة، فهي تأتي على معنيين: - الأول: نسبة إلى رجل يدعى: صوفة. وهو الغوث بن مر بن أدّ. - الثاني: نسبة إلى صوفة القفا، وهي: شعيرات مهملة في قفا الرأس. فهذه النسبة، والنسبة إلى الصوفانة: بقلة تنبت في الصحراء قد ذكرت، لكن ليس على ألسنة المتصوفة، وليس لها اعتبار ثقل يوازي الأقوال الأربعة الأولى، وإن كانت الأربعة فيما بينها متفاوتة، على ما سبق تفصيله. ويلاحظ أن جميع النسب السابقة لا تصح لغة، باعتراف أئمة التصوف، وإن كان ثبوتها أو بطلانها لغة لا تشترط فيها شهادتهم، بل يرجع إلى اللغة، غير أن إقرارهم مفيد في كل حال. يقول القشيري: «هذه التسمية غلبت على هذه الطائفة، فيقال: رجل صوفي. وللجماعة: صوفية. ومن يتوصل إلى ذلك، يقال له: متصوف. وللجماعة: المتصوفة. وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية: قياس ولا اشتقاق. والأظهر فيه: أنه كاللقب. - فأما قول من قال: إنه من الصوف؛ ولهذا يقال: تصوَّف؛ إذا لبس الصوف. كما يقال: تقمَّص؛ إذا لبس القميص. فذلك وجه، لكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف. - ومن قال: إنهم منسوبون إلى صُفَّة مسجد رسول الله ﷺ ، فالنسبة إلى الصُّفَّة لا تجيء على نحو الصوفي (٥) . - ومن قال إنه مشتق من الصفاء، فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة. - وقول من قال: إنه مشتق من الصف؛ فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم؛ فالمعنى صحيح، ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف. ثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ، واستحقاق اشتقاق» (١) . يلخص القشيري رأيه في كلمات: «وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية: قياس ولا اشتقاق. والأظهر فيه: أنه كاللقب» . لقد رفض هذه النسب جميعاً لغةً واشتقاقاً، ولم يأبه للنسبة إلى الصفة والصفاء من حيث المعنى، إلا الصف؛ فصحح المعنى، ورد الاشتقاق. وأما الصوف؛ فقد صحح الاشتقاق منه لغة، لكنه حكم ببطلان النسبة إليه، وعلل ذلك بأن القوم لم يختصوا بلبس الصوف. فالنسب كلها باطلة لغةً إذن، يستثنى منها: - النسبة إلى الصوف. - والنسبة إلى صوفة. فهاتان النسبتان صحيحتان لغةً، لكن الثانية منها غير مشهورة، فأئمة التصوف كالطوسي، والكلاباذي، والقشيري، والسهروردي وغيرهم، لم يذكروها ألبتة؛ فهي مطّرحة عندهم إذن، ويشكل عليها: أن لقب (صوفية) لم يعرف ولم يشتهر إلا في القرن الثاني، بينما هؤلاء الزهاد والعباد ظهروا في زمن مبكر من القرن الأول في عهد الصحابة رضوان الله عليهم؛ فلو كان هذا اللقب مستمداً من هذا الاسم (صوفة) فلِمَ لم يطلق عليهم في ذلك الوقت؟ ولِمَ تأخر حتى منتصف القرن الثاني إلى نهايته؟ فالاسم (صوفة) موجود منذ الجاهلية، والمنقطعون الزهاد العباد موجودون، ومع ذلك لم يطلق عليهم اسم (صوفية) حتى حل القرن الثاني، ومر نصفه، ثم بدأ هذا الاسم بالظهور، كما ثبت بالبحث التاريخي؛ فهذا مما يضعف هذه النسبة. - فلم تبق نسبة صحيحة منها، من حيث اللغة، سوى النسبة إلى الصوف. فهذه مقبولة لغة. أما من حيث المعنى فقد رُدّت كذلك بأقوال أقطاب التصوف كالقشيري والهجويري، وإن كانت مقبولة عند غيرهما كالطوسي والسهروردي. والنتيجة التي نخرج بها من هذا العرض: أن الصوفية لم يتفقوا على نسبة معينة؛ فإذا اطَّرحنا ما ثبت بطلانه لغة، وهو الواجب؛ لأنه لا وجه لإثبات نسبة خاطئة لغة إلا سفسطة، بقيت النسبة الصحيحة لغةً: (الصوف) . وهذه أيضاً لم تسلم من النقد والرد، وكان علة ذلك، كما ذكر القشيري أن القوم لم يختصوا ولم يشتهروا به. قال: «القوم لم يختصوا بلبس الصوف» (٢) (*) . وشهادة القشيري خطيرة، فيها نقض لقول من ادعى أن الصوفية اشتهروا بلباس الصوف، شهد بها إمام عارف من أئمة الصوفية المتقدمين، العارفين بأحوال بدايات التصوف؛ حيث عاش في القرنين الرابع والخامس (٣٧٧ ـ ٤٦٥) ، فهو من الجيل الثالث أو الرابع، والتصوف إنما نشأ في هذه الأجيال الممتدة ما بين القرن الثالث إلى الخامس، وكل ما لم يكن في هذه المدة فليس من التصوف قطعاً؛ لأن أهلها هم أئمة المذهب، وواضعوا أسسه، لا يختلف على هذا أحد. ومما يعطي الشهادة قيمة أكبر، أنَّا لم نسمع بإمام صوفي انبرى للرد عليه وإبطال زعمه هذا، فسكوتهم دليل موافقتهم له، ويبعد أن يكونوا غير مطلعين على كتابه، بل يستحيل، فكتابه (الرسالة) من أشهر كتب التصوف، فمن الذي لا يعرفه من الصوفية؟ بل سايره على هذا الرأي، ووافقه: إمام آخر معاصر له هو الهجويري، حيث قال: «واشتقاق هذا الاسم لا يصلح على مقتضى اللغة، من أي معنى؛ لأن هذا الاسم أعظم من أن يكون له جنس يشتق منه، وهم يشتقون الشيء من شيء مجانس له، وكل ما هو كائن ضد الصفاء، ولا يشتق الشيء من ضده، وهذا المعنى أظهر من الشمس عند أهله، ولا يحتاج إلى العبارة» (٣) . - القول الراجح في نسبة الصوفية: بقيت نسبة أخيرة لم يذكرها أحد من المتصوفة؛ فقد رجع بعض الباحثين والمؤرخين المختصين بعلوم الديانات القديمة: الهندية والفلسفية من غير المتصوفة، بالكلمة إلى أصل يوناني، هو كلمة: (سوفيا) ، ومعناها: الحكمة. وأول من عرَّف بهذا الرأي: البيروني في كتابه: «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» وتبعه عليه جمع، خصوصاً الباحثين المعاصرين، وفيما يلي أقوال الذين يقررون أجنبية المصطلح والفكرة عن البيئة الإسلامية: ١ - يقول أبو الريحان البيروني مبيناً أصول التصوف في الفكر الفلسفي الهندي: «ومنهم من كان يرى الوجود الحقيقي للعلة الأولى فقط، لاستغنائها بذاتها فيه، وحاجة غيرها إليها، وأن ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره فوجوده كالخيال غير حق، والحق هو الواحد الأول فقط. - وهذا رأي (السوفية) وهم الحكماء، فإن (سوف) باليونانية الحكمة، وبها سمي الفيلسوف (بيلاسوفا) ، أي محب الحكمة. - ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم، سُموا باسمهم، ولم يعرف اللقب بعضهم فنسبهم للتوكل إلى (الصُّفَّة) ، وأنهم أصحابها في عصر النبي ﷺ ، ثم صُحّف بعد ذلك، فصُيّر من صوف التيوس» (١) . ٢ - وبهذا قال كل من: المستشرق الألماني (فون هامر) ، و (محمد لطفي جمعة) ، و (عبد العزيز إسلامبولي) وذهبوا إلى ما ذكره البيروني آنفاً (٢) . ٣ - المستشرق نيكلسون في كتابه: (الصوفية في الإسلام) قال: «وكلمة Mystic التي انحدرت من الديانة الإغريقية إلى الآداب الأوروبية، يقابلها في العربية والفارسية والتركية، لغات الإسلام الثلاث الرئيسة، كلمة (صوفي) ، واللفظان على كل حال ليسا مترادفين تماماً؛ لأن للفظة الصوفي مدلول ديني خاص، وقد قيدها بالصوفية الذين يدينون بالدين الإسلامي، والكلمة العربية وإن اكتسبت على مدى الأيام مدلول الكلمة الإغريقية الواسع: شفاه مقفلة بالأسرار القدسية، وعيون مغمضة على النشوة الحالمة؛ إلا أن مدلولها كان متواضعاً يوم جرت على الألسنة لأول مرة، حوالي نهاية القرن الثاني الهجري» (٣) . - الشاهد من كلامه: أن الكلمة اكتسبت مدلول الكلمة الإغريقية على مدى الأيام؛ فهذا الرأي يرجع بمضمون الفكرة إلى جهة إغريقية، وهذا هو المهم. ٤ - إبراهيم هلال قال: «على أن الأصل في تسمية هذا المذهب بالتصوف، وأصحابه بالصوفية، يوقفنا على أن التصوف في أصله إنما هو استيراد أجنبي، ليس للإسلام فيه شيء، لا في نشأته، ولا في طريقته المتزيدة، ولا في غايته أو غاياته المتعددة» (٤) . ٥ - الدكتور محمد جميل غازي، الذي قال: «الصوفية كما نعلم اسم يوناني قديم مأخوذ من الحكمة (صوفيا) وليس كما يقولون إنه مأخوذ من الصوف» (٥) . ٦ - المقبلي قال: «فالتصوف ليس من مسمى الدين؛ لأن الدين كَمُلَ قبله، أعني دين الإسلام، ولا هو من النعمة؛ لأنها تمت قبله، وليس التصوف داخلاً في مسمى الإسلام؛ لأن الإسلام تم قبله، وهم معترفون بالغيرية؛ فحينئذ هو بدعة ضلالة» (٦) . ولهذا الرأي أدلة ترجحه على النسب السابقة، وبخاصة النسبة إلى الصوف؛ فمن ذلك: أولاً: التشابه ما بين كلمتي (صوفية) و (سوفية) في اللفظ والرسم، وجواز التبديل بين حرفي السين والصاد. ثانياً: اتحاد مدلول الكلمتين: (سوفية) ، (صوفية) ؛ فمدلولهما: الحكمة. يبين هذا: - أن الصوفي عند الصوفية هو الحكيم، وهو صاحب الحكمة. لذا يكثر دورانهم على هذا المعنى، ويجعلونه وصفاً لازماً للصوفي؛ فمن لم يكن حكيماً فليس له حظٌّ من اللقب، هكذا يقرر ابن عربي ـ وغيره ـ فيقول: «ومن شروط المنعوت بالتصوف: أن يكون حكيماً ذا حكمة؛ وإن لم يكن فلا حظَّ له من هذا اللقب» (٧) . - وكلمة (سوف) باليونانية تعني الحكمة كذلك، والفيلسوف هو محب الحكمة، وفق ما ذكر البيروني آنفاً. فإذا كانت (الحكمة) هي (التصوف) ، و (الحكيم) هو (الصوفي) .. و (الحكمة) هي (سوف) ، و (الحكماء) هم (السوفية) ، فأي اتفاق بعد هذا؟ يقول نيكلسون: «بعض الباحثين من الأوروبيين يردها إلى الكلمة الإغريقية: سوفوس، بمعنى ثيوصوفي» (٨) . وكلمة «ثيوصوفي» معناها: الحكمة الإلهية. (ثيو = إله) ، (صوفي = الحكمة) (٩) . ويقول عبد الواحد يحيى، وهو فرنسي معاصر، أسلم وتصوف: «وأما أصل الكلمة؛ فقد اختلف فيه اختلافاً كبيراً، ووضعت فروض متعددة، وليس بعضها أوْلى من بعض، وكلها غير مقبولة، إنها في الحقيقة تسمية رمزية. وإذا أردنا تفسيرها، ينبغي لنا أن نرجع إلى القيمة العددية لحروفها، وإنه لمن الرائع أن نلاحظ: أن القيمة العددية لحروف (صوفي) تمثل القيمة العددية لحروف (الحكيم الإلهي) . فيكون الصوفي الحقيقي إذن هو: الرجل الذي وصل إلى الحكمة، إنه (العارف بالله) ؛ إذ إن الله لا يُعرف إلا به» (١٠) . وتأتي قيمة هذا النص، من كونه في نظر الدكتور عبد الحليم محمود: صوفياً متحققاً بالتصوف، من العارفين بالله (١١) ، وهذه شهادة من صوفي كبير، لا خلاف في إمامته، وعليه فهذا الفرنسي المسلم المتصوف، إنما يعبر عن التصوف بعمق وإدراك لحقائقه إذن. ثالثاً: مضمون التصوف يوافق مضمون الفلسفة (سوفية) ، فكلاهما يرميان إلى التشبه بالإله، وهذا يتبين من تعريف (التصوف) و (الفلسفة) : - قال الجرجاني: «الفلسفة التشبه بالإله بحسب الطاقة البشرية، لتحصيل السعادة الأبدية، كما أمر الصادق ﷺ في قوله: «تخلَّقوا بأخلاق الله» (١) ؛ أي تشبهوا به في الإحاطة بالمعلومات، والتجرد من الجسميات» (٢) . - وابن عربي يقول: فاعلم أن التصوف تشبيه بخالقنا لأنه خلق فانظر ترى عجبا (٣) رابعاً: كان عند قدماء اليونان: مذهب روحي يعتنقه النساك والزهاد، ينأون بجانبهم عن الدنيا، ويلجؤون إلى أنواع المجاهدات والرياضات الروحية، يتقربون بأرواحهم إلى خالقهم، لتلقِّي الحكمة والمعارف القدسية، كان يطلق عليهم لقب: (تيو صوفية) ، ومعناه: الحكماء الإلهيون. وإذا تأملنا هذا المذهب، وما يدعو إليه الصوفية، وجدناهما سواء، كما أنهما سواء في اللقب (٤) . خامساً: من هذا القبيل طائفة من الهنود القدامى، كانوا يُعرفون باسم: (جيمنو صوفيا) ومعناه: الحكيم العاري. كانوا يقضون حياتهم في السياحة، متأملين الله تعالى. وهذا أيضاً مذهب يعتنقه صوفية الإسلام: السياحة، والتأمل (٥) . إذن هي فكرة قديمة، تجتمع كلها في لقب الحكمة (= صوفية، أو سوفية) . ولهذا الرأي إشارة محتملة في كلام القشيري والهجويري، اللذين قررا أنها كلمة جامدة غير مشتقة، وربما سبب جمودها كونها أعجمية.. نعم! يوجد في العربية ألفاظ جامدة، والكلمات المعرّبة كذلك جامدة، وليس هذا بحثنا، إنما تحرير كلام هؤلاء الذين نفوا اشتقاقها؛ فإنه يحتمل الإشارة إلى أجنبيتها؛ فلنُعِد النظر فيما قاله القشيري والهجويري في هذا المقام: - قال القشيري: «وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب.. القوم لم يختصوا بلبس الصوف» (٦) . - وقال الهجويري: «واشتقاق هذا الاسم لا يصلح على مقتضى اللغة، من أي معنى» (٧) . - وإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكره المستشرق نيكلسون بقوله: «ولكن الناظر في التعريفات التي ذكرناها، سيظهر له في وضوح أن الصوفية أنفسهم لم يأخذوا بهذا الرأي؛ فإنا نجد في مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى لبس الصوف، اثني عشر تعريفاً، يشير إلى اشتقاق كلمة الصوفي من الصفاء» (٨) . إذن النتيجة المهمة هنا: - أن القوم لم يختصوا بلبس الصوف. - ولا يشهد لاسم (صوفية) من حيث العربية، قياس ولا اشتقاق. - والصوفية لم يأخذوا بهذا الرأي. فالقشيري استظهر أنه لقب، ومنع هو والهجويري أن يكون له أصل لغوي. كل هذه إشارات إلى أعجمية الكلمة، وإن لم يصرحا بذلك، وإن حاولا التفلت من هذه النتيجة بأشياء، من قبيل تعظيم الاسم أن يكون له جنس يشتق منه، كما فعل الهجويري، غير أن هذا التسليم بمنع اشتقاق الكلمة لغةً، مع استظهار القشيري أنها لقب، يرجِّح أن الكلمة أعجمية، يدل على هذا: أن أحداً من أهل اللغة لم يقل في هذه الكلمة إنها جامدة، كما قيل في لفظ الجلالة «الله» . بل الذي قالوه إنها كلمة مولدة. يقول أحمد المقرئ: - «تصوَّف الرجل، وهو صوفي، من قوم صوفية، كلمة مولدة» (٩) . وكأنهما عرفا بذلك، وهذا محتمل، لكن لم يكن من السهولة التصريح بأن أصل الكلمة يونانية فلسفية، تدل على مذهب قديم، له قواعد وأصول معروفة تتشابه مع أصول الصوفية في الإسلام؛ فمثل هذا لا يمكن أن يفصح به إمام صوفي، وإلا كان عوناً على نقض مذهبه. فالكلمة إذن ليست عربية، بل هي يونانية، أصلها: (سوفية) ، ولما دخلت إلى العربية، بدخول فلسفتها ومضمونها، غُيّر حرف السين فأشبع فصُيّر صاداً، إما عمداً أو اتفاقاً، لقرب المخارج، فدخلت الكلمة في العربية لفظاً ومعنى، ساعد عليه جواز قلب السين صاد في اللغة العربية (١٠) . واستفادوا من هذا التحوير: التعمية والتضليل عن أصل الفكرة؛ فهم (صوفية) في الظاهر، نسبة إلى اللباس، وفي الباطن (سوفية) نسبة إلى الفلسفة اليونانية الهندية. يقول الدكتور عمر فروخ: «كانوا، في حال اجتماعهم مع غيرهم، يحافظون على ظاهر الدين الإسلامي، وعلى فرائضه، أما في خلواتهم، وفيما بينهم، فكان لهم أشياء يستحي العاقل من ذكرها» (١١) .
следующие страницы →