← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

٢١٤ - جمادى الآخرة - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5322

ستبقى موريتانيا مع علمائها يوماً بعد يوم يزداد الوضع الداخلي في موريتانيا تردياً واضطراباً؛ فالعلماء والدعاة والمصلحون في المعتقلات في ظروف إنسانية قاسية، والعلاَّمة الحافظ (محمد الحسن الددو) لم يشفع له علمه أو مرضه؛ بل استمر سجنه وإيذاؤه، ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] . الشارع الموريتاني يزداد احتقاناً وتوتراً بسبب الممارسات القمعية والأساليب الديكتاتورية التي يمارسها النظام الموريتاني. الفقر والمرض يضربان بجذورهما في أنحاء البلاد طولاً وعرضاً، والتخلف العلمي والحضاري أنهك الشعب وجعل نسبة كبيرة منهم يعيش خارج نطاق التاريخ الحديث؛ فالنظام السياسي جعل أولوياته وبرامجه التنموية لا تتجاوز حماية رموز النظام ورفاهيتهم.. اعتمد النظام على الدعم الأمريكي واليهودي، واستقوى بهم غير عابئ بحقوق الشعب ومقدراته ومستقبله، ولم يبال بآلامه وأحزانه، بل راح يجري لاهثاً في صحراء التطبيع مع العدو اليهودي، ويستسلم للإملاءات الأمريكية بلا قيد ولا شرط، ويسعى لتغريب الشعب ومسخ هويته. فإلى أين تسير موريتانيا المسلمة..؟ وماذا بعد هذا التخبط والتردي..؟ هل سيخلِّد النظام الديكتاتوري؟ وهل سيفقد الموريتانيون هويتهم الدينية والثقافية؟ إنَّ سنة الله ـ تعالى ـ في الظالمين ماضية، وستبقى موريتانيا عزيزة بدينها، محبة لعلمائها، تحتضن العلم والفقه، وتخرّج الحفاظ والعباد ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .

стр. 5323

التسامح الديني طريق التحريف القادم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فالتسامح في لغة العرب التي نزل بها القرآن تعني السهولة المنافية للصعوبة، واليسر المنافي للضيق والشدة، وكذلك كان دين الإسلام دوماً. «قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة» (١) ، قال ابن حجر: والسمحة السهلة أي أنها مبنية على السهولة لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] » (٢) ، وقد دل على هذه السهولة واليسر في دين الإسلام نصوص كثيرة وهو أمر يجده المسلم في كل ما شرع الله ﵎؛ فقد أخبر الله ـ تعالى ـ عن رسوله ﷺ بقوله: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، وآيات كثيرة في هذا المعنى. وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بنحو ما جاء في القرآن، فقال رسول الله ﷺ : «إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه؛ فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (٣) . وعندما أراد نفر من أصحاب رسول الله ﷺ أن ينقطعوا عن الدنيا رغبة في مزيد الخير عن طريق التشدد في العبادة؛ حيث قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ! إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٤) ، فبين رسول الله ﷺ أن كثرة الخشية لله ـ تعالى ـ والمزيد من تقواه لا تكون بالامتناع عما أحل الله وأباحه للناس، ولا تكون بالتضييق على النفس وتحميلها ما لا تطيق؛ فإن الله ـ تعالى ـ قد خلق الدنيا على هذا الوضع، ولا يمكن أن تسير الحياة مع الانقطاع عنها. وتوجيه الرسول ﷺ لأصحابه هؤلاء والأمة من بعدهم نابع من معرفته بما حل بالأمم التي سبقتنا والتي سارت في هذا الدرب ولم تستطع القيام أو الوفاء به؛ وذلك أنها لم تخلق له، وقد كان رسول الله ﷺ يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيُشَدَّد عليكم؛ فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم؛ فتلك بقاياهم في الصوامع والديار ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] » (١) ؛ فهذا وما أشبهه دال على تسامح الإسلام ويسره وسهولته، وهل هناك سهولة ويسر وتسامح أفضل أو أكثر من ذلك؟ لكن التسامح أو السماحة التي يوصف بها الإسلام لا تنافي التمسك بالدين والعض عليه بالنواجذ، بل تقتضيه وتدعو إليه، وقد جاءا مجتمعين في حديث واحد؛ فعندما أراد رجل من أصحاب رسول ﷺ أن يتخلى من الدنيا، ويعتزل الناس ليتفرغ للعبادة، قال له النبي ﷺ : «إني لم أُبعَث باليهودية ولا النصرانية، ولكني بُعِثت بالحنيفية السمحة؛ والذي نفسي بيده! لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولَمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة» (٢) ؛ فبين له الرسول ﷺ أنه بُعث بالحنيفية السمحة، ودعاه مع ذلك إلى عدم الاعتزال والجهاد في سبيل الله. والمسلمون اليوم مدعوون بإلحاح شديد للتسامح الديني وإظهار ذلك في أقوالهم وتصرفاتهم، لكن ما التسامح الديني المطلوب؟ هل هو اتباع الهدي القاصد في الدين وعدم الغلو فيه كما مر بنا في الأدلة السابقة؟ أم هو مجموعة من الألفاظ العربية التي رُصَّت جنباً إلى جنب ثم مُلِئت بمضمون لا وجود له في النصوص الشرعية، أو في أقوال أهل العلم الذين يعتمد على فتواهم قديماً أو حديثاً، والمطلوب شيء وراء ذلك؟ لا يُعيينا البحث كثيراً أن نكتشف أن هذا اللفظ إنما استخدم لتمرير المعاني الباطلة التي يريدها أهل التحريف في الوقت الذي لا يلقى اللفظ فيها اعتراضاً، ومن ثم تسويقه في (حراج) الأفكار العصرية، أو لكي يُنعت من يبين الأهداف الحقيقية لتلك الدعوات أنه غالٍ أو متطرف أو داعم للإرهاب أو نحو ذلك من التهم الجاهزة. والمشكلة التي نعاني منها ليست في خطط أعدائنا وتوجهاتهم؛ فذلك أمر متوقع منهم؛ إذ لا نتوقع منهم أن يكونوا دعاة إلى ديننا وإلى الحفاظ عليه، وإنما المشكلة في وجود صفٍ من داخلنا يعمل بمثابة البوق الذي لا دور له سوى ترديد كلام من يتحدث فيه ولكن بدرجة أعلى، والمطلوب بكل وضوح هو التخلي عن الدين كلية أو تغييره وتحريفه ـ وهو مطلب قديم طلبه المشركون من رسول الله ﷺ ، فقالوا له: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] ! وإذا لم يكن ذلك كله ممكناً في الوقت الراهن فيكون التخلي في المرحلة الأولى عما يتعارض منه مع خطط الطامعين في الاستيلاء على بلاد المسلمين ونشر النصرانية فيها، إلى أن يحين من وجهة نظرهم إمكان تحقيق ما تبقى من آمالهم. إن مما يُطلب اليوم من المسلمين حتى يكونوا متسامحين من وجهة نظر أمريكا وحلفائها وأتباعهم: إلغاء المدارس الدينية التي تقوم مناهجها على تدريس الإسلام؛ والحجة في ذلك لديهم جاهزة؛ لأن الإسلام ـ فيما يزعمون ـ دين يدعو إلى الإرهاب ولا يمكن القضاء على الإرهاب ونشر التسامح إلا بمنع تدريس الدين الإسلامي. وقد ذكرت جريدة الوطن القطرية أنه في دراسة أمريكية مطولة حول الجماعات الإسلامية جاءت التوصية الرئيسة تدعو إلى ضرورة إلغاء التعليم الديني في المنطقة العربية باعتباره (الوعاء) الذي يتخرج منه الإرهابيون (٣) . لكن ماذا فعلوا هم بمدارسهم الدينية؟ في أقل من خمسين عاماً تضاعفت المدارس الدينية في أمريكا أكثر من مائة وثمانين مرة، كما تضاعف عدد الطلاب بها أكثر من مائتي مرة، أما المدارس الدينية عند اليهود فيصل عدد الدارسين بها في المرحلة الابتدائية إلى أكثر من ثلاثين بالمائة من أعداد الطلاب. لقد كان من تداعيات تلك الضغوط الشديدة والتخويف من جانب، والمسارعة في إرضاء الأعداء وانتهاز الفرص لإظهار التبعية والقدرة على تنفيذ ما يطلب من جانب آخر، أن بادرت بعض الدول فعلاً إلى الاستجابة لذلك، فقامت اليمن بإغلاق المعاهد الدينية بها، كما أصدر مجلس المحافظين بمصر توصية بوقف بناء معاهد دينية جديدة وتحويل ما لم يتم منها إلى مدارس لمحو الأمية، حتى وصل الأمر إلى الجزائر، فقامت بإلغاء تدريس المناهج الشرعية في المدارس الثانوية العامة (أي المدارس غير الدينية) فيتخرج الطالب منها من غير أية حصيلة معرفية تتعلق بالدين، وقد طالب الكثيرون من أتباع هذا الاتجاه بأن لا يكون تعليم أو تدريس الدين من مهام وزارات التربية والتعليم؛ فالوزارات التي تعتني بالتربية لديهم ليس عليها عندهم أن تقوم بتربية الأجيال على الدين، وهذا بخلاف الدول التي فرَّغت كتب الدين من مضمونها وحولتها إلى بعض العظات والتوصيات التي تحض على التسامح والسلام مع الظالم والمعتدي حتى من غير ظهور الحق أو رجوعه لأصحابه. أليس ذلك كله يدخل تحت غمار حملة لتغيير الدين ومفاهيمه وتحريفه في عقول الناشئة باسم التسامح الديني؟ وهذا كله أو بعضه غدا معروفاً في جميع الأوساط. لكن هل هذه الدول التي تطالبنا بالتوقف عن دراسة ديننا وعن تعليمه لأبنائنا وبناتنا، وإلغاء المدارس المعدة لتدريسه، هل كان لديهم تسامح وهم يطالبوننا بذلك؟ وهل يحق لأحد لا يوجد عنده أقل ما يوصف بأنه تسامح أن يقف موقف المعلم لغيره في أمر لا يحسنه بل يعمل ليل نهار على نقيضه؟ فالذي يجبرك أو يقهرك على التخلي عن دينك وعقيدتك، أو ثقافتك أو المسلَّمات لديك بزعم التسامح هل هو في ذلك متسامح؟ إن من أكبر التناقضات التي نراها في عالم اليوم أن تكون الدعوة إلى التسامح بلا تسامح، بل بالقوة أو الإجبار والإكراه؛ وهل هذا هو المثال الوحيد؟ بالقطع لا؛ فالأمثلة كثيرة ولا يسع المجال لتعدادها. خذ مثلاً دعواهم بقبول الآخر وهو ـ في كلامهم ومحاوراتهم ـ ليس المختلف معك في فروع الدين أو أصوله، بل المختلف معك أصلاً في الدين نفسه بحيث ينتمي إلى دين آخر؛ فماذا يعني قبوله؟ المطلوب قبول ثقافته ودينه وفكره بحيث يكون له الحق في أن ينشر كفره بين المسلمين ويدعوهم إلى دينه، ولا يُمنَع أحد من الاستجابة إليه، فلا يُمنَع أحد من التحول من دين الإسلام إلى ديانة الكفر. وليس المراد بقبوله قبول إقامته بين المسلمين؛ إذ ذلك موجود في ديار المسلمين منذ جاء الإسلام، ولولا ذلك لم نجد في ديار المسلمين كافراً؛ فقبول الآخر لديهم يعني في جزء منه إلغاء حكم الردة؛ لأن هذا الحكم ـ عندهم ـ ضد الحرية وضد حقوق الإنسان، أي علينا أن نلغي جزءاً من أحكام شريعتنا؛ فإذا لم نفعل ذلك فلسنا متسامحين، وينبغي الضغط علينا من أجل التسامح وعدم التعصب. أما إذا اهتدت نصرانية إلى الإسلام والتزمت به وقام كبير النصارى ومن خلفه أتباعه يُبرقون ويرعدون ويريدون عودتها مرة أخرى إلى الكفر، فلا نسمع شيئاً عن حرية الشخص في اختيار الدين الذي يريد، ولا نسمع شيئاً عن التسامح الديني، ولا يُتهم أحد من أتباع الكنيسة بأية تهمة من تلك التهم التي تخترق آذاننا صباح مساء وكأن هذه الألفاظ بكامل تصريفاتها محجوزة للمسلمين؛ فهل عندما أجبر النصارى زوجة كاهن في مصر على العودة إلى النصرانية بعدما أسلمت، وقاموا بحبسها في الدير وقطعوا اتصالاتها عن العالم الخارجي بحيث لا يعلم أحد وضعها، هل كان عندهم تسامح ديني؟ وأين الدعوات التي تنطلق من الأبواق الناعقة كنعيق البوم والغربان التي لا تكل عن دعوتنا للتسامح الديني؟ إن ما يجري في عالمنا كثير وكثير، وليس له إلا تفسير واحد ألا وهو أنهم يريدون تغيير الدين وتحريفه بأي وسيلة، سواء كان ذلك بدعوى التسامح أو بالإكراه. لقد جاء الأمريكان بزعمهم إلى العراق للقضاء على صدام حسين لمصلحة العراقيين، ولإراحة العالم من شره، وحتى يصبح العالم أكثر أمناً، ودعونا نقبل كل هذه المسوغات الكاذبة؛ فما لهم يرفضون ويصرون على رفض أن يكتب في الدستور العراقي أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع؟ فما علاقة تلك القضايا (حتى وإن صدقوا فيها) بذلك الرفض الذي لا تفسير له إلا كراهة الإسلام والسعي في إطفاء نوره؟ إنه لم يعد اليوم خافياً على أحد تلك الكثرة الكاثرة من الأقوال التي تفوه بها قادة وسياسيون وإعلاميون ومفكرون أمريكيون وغربيون كلها تظهر العداء للمسلمين ولدينهم، وتنتقص من رسولهم الكريم، الذي هو أفضل مَنْ خلقه الله ـ تعالى ـ من البشر ـ صلى عليه وآله وسلم ـ فهل كان في هذا تسامح ديني؟ بل هذا كتاب الله ـ تعالى ـ القرآن الكريم فما بالهم دنسوه؟ فهل كان في هذا تسامح؟ بل هل كان في هذا حتى مجرد مجاملة؟ هل كان لدى فرنسا تسامح عندما منعت المسلمات من التقيد بحكم الشرع في ارتداء الحجاب؟ بل هل كان لدى الغرب تسامح وهو يفرض علينا ثقافته ونهجه في الحياة باسم الديمقراطية حتى تأتي جيوشهم عابرة للقارات فتقتل وتحرق وتسرق وتسجن وتهتك الأعراض باسم نشر الديمقراطية؟ إن الديمقراطية ليست ديناً من عند الله، وليست رسالة جاء بها نبي من أنبياء الله تعالى، وهم مع ذلك لا يتسامحون في نشرها وفرضها على العالم. أما الدين الحق الذي جاء به رسول الله ﷺ ؛ فهذا ينبغي عندهم التساهل فيه، أي التفريط في أحكامه لصالح ما يخالفه من الفكر الغربي الفاسد أو الكنسي الضال وإلا فلسنا متسامحين، بل متعصبين منغلقين ومتخلفين؛ ماذا يعني هذا؟ إنهم يريدون تغيير ديننا؛ لذلك فهم يسلكون إلى ذلك كل سبيل ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ، وترى الكثيرين ممن يسارع فيهم لينال الجائزة الكبرى ولينال القرب والصداقة، وهو ما بيًَّنه القرآن منذ نزوله؛ حيث يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] ، لكن كيدهم بإذن الله ـ تعالى ـ حابط، وسعيهم في ضلال، ومسلكهم خائب، وآخرتهم خزي ووبال. وإذا كان هذا هو ما قدره الله ـ تعالى ـ على من حادَّ الله ورسوله وتطاول على شرعه؛ فإن هذا لا يعني أن يظل المسلمون جالسين على أرائكهم يأكلون ويشربون حتى يأتي نصر الله؛ لأن الله ـ تعالى ـ قدر المقادير وجعل لها أسباباً تتحقق بها، والله ـ تعالى ـ قد وعد بالنصر؛ لكنَّ نصره إنما هو لمن ينصر دين الله تعالى، لا من يخذله ويعين عليه أو يتقاعس عنه. قال ـ تعالى ـ: ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ؛ فمن ينصر دين الله ـ تعالى ـ فإن الله ينصره، ومن يخذل دين الله ـ تعالى ـ فإن الله يخذله: ﴿وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] .

стр. 5324

الوصل بين الفقه والحديث الضرورة والإجراء د. قطب الريسوني (*) إن التنافر بين بعض أهل الفقه وأهل الحديث من الفجوات العلمية المعروفة في تاريخ الدراسات الشرعية (١) ، وقد أسهم في تعميقها ـ عبر تراخي العصور ـ ما يسمى اليوم بـ (الاختصاص) ، على ما كان عليه المتقدمون من مزية المشاركة في العلوم، والتضلّع من المعارف، فضلاً عمّا ابتلي به بعض أهل العلم من المفاضلة بين العلوم، والانتصار لفن على حساب آخر دون مراعاة الفروق، وتمييز الفضائل. ١ ـ ضرورة الوصل: وقد نادى علماؤنا المتقدّمون بضرورة ملء الفجوة بين الحديث والفقه لعدم استغناء الشرع عن العلمين معاً؛ فالأول: يصحّح الدليل، والثاني: يسدّد الفهم، وتكاملهما يفضي إلى صياغة حكم شرعي صحيح السند صحيح المعنى. وإليك البيان: إن الإحاطة بالفقه متوناً وأدلّة لا تستقيم إلا بمعرفة الأحاديث النبوية الصحيحة، التي هي متن الأحكام الشرعية وموضوعها، ولا سيما أن السنّة استقلّت بالتشريع؛ فأصبح الكتاب أحوج إليها من احتياجها هي إليه، كما قال الأوزاعي، وهذا النوع يعرف بـ (السنة المؤسسة) ، وقد أنكرها بعضٌ خلافاً للجمهور، فأبطل كل سُنَّة ثابتة زائدة على نص القرآن. ومع استقلال السنة بالتشريع يصبح الجهل بها جهلاً بالفقه نفسه؛ لأن موضوعه الحكم الشرعي؛ ومن مظان الحكم الشرعي السنة المؤسِّسة أو المستقلّة، فتأمل! ثم إن الحظ الأوفر من مادة الفقه مورده السنة؛ لأنها المصدر التشريعي الثري الذي رسم للكون والإنسان والحياة منهجاً تفصيلياً، يلبّي مطالب المادة، وأشواق الروح على حد سواء؛ وكتب الفقه ناطقة بهذا؛ فلو جردناها مما جاء فيها من أحاديث ومرويات، وما تفرّع عليها من استنباطات واجتهادات لتعطّل الفقه بتعطيل رافده الثري (١) . وليس المطلوب من الفقيه التبحّر في علوم الإسناد، وتراجم الرجال على عادة أهل الصنعة الحديثية، وإنما يكفيه تحرّي الأخبار، وتمييز صحيحها من سقيمها، حتى إذا استشهد بحديث في تقرير أحكام الحلال والحرام كان على معرفة بدرجته الموجبة لقبوله أو ردّه، والمرجع في هذا الشأن كُتُبُ صيارفة الحديث، ونقاده المعتبرين. ومن ثم فإن رواج الضعيف والموضوع في كتب الفقه راجع إلى إقلال أصحابها من بضاعة الحديث، وجهلهم بمراتب الأدلة، ولشيخ المصطلح (ابن الصلاح) كلمة يستضاء بها في هذا الصدد؛ حيث يقول: «إن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبّه ذكور الرجال وفحولهم، ويُعنى به محققو الرجال وكَمَلتهم، ولا يكرهه من الناس إلا رذالتهم وسفلتهم، وهو من أكثر العلوم تولُّجاً في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلّين به من العلماء» (٢) . كذلك لا يستغني المحدث عن الفقه وأصوله لتقويم أداة فهمه، وشحذ مَلَكَة استنباطه، وإلا ظلّ المتن مغلقاً على فوائده وأسراره، وانقلب علم الحديث إلى وسيلة لدراسة شكليات الدليل، وقوالب النص مقطوعاً عن غايته المثلى، وهي استثمار فقه هذا النص، أو ذلكم الدليل في تقرير الصحيح من أحكام الحلال والحرام. يقول الحاكم في (معرفة علوم الحديث) : (النوع العشرون من هذا العلم: معرفة فقه الحديث؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة) (٣) . فحال المحدّث الذي يجهل الفقه كحال من يملك أصدافاً، ولا يقدر على استخراج مكنوناتها وجواهرها، وما فائدة امتلاك الأصداف إذا لم تستعمل جواهرها في زينة أو تجميل؟ وما فائدة تصحيح الأحاديث إذا لم نَحُلَّ أعمالنا بفقهها، ونغني درايتنا بفوائدها؟ ولنذكر هنا طرفاً من أقوال العلماء في ضرورة الجمع بين الحديث والفقه، والرواية والدراية، عسى أن يستضيء بها كل طالب غيور على دينه، متهمّمٍ بكمال علمه: ١ ـ قال الإمام مالك في وصيته لابنَيْ أخته أبي بكر وإسماعيل: (أراكما تحبّان هذا الشأن ـ يعني الحديث ـ قالا: نعم! قال: إن أحببتما أن تنتفعا وينفع الله بكما، فأقلاّ منه وتفقّها) (٤) . ٢ ـ وجاء في (ترتيب المدارك) للقاضي عياض: (قال ابن وهب: لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت، فقيل له: كيف ذلك؟ قال: أكثرت من الحديث فحيّرني؛ فكنت أعرض ذلك على مالك والليث فيقولان لي: خذ هذا، ودع هذا!) (٥) . ٣ ـ قال محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة: (لا يستقيم العلم بالحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث) (٦) ، وقوله حكاه عنه السرخسي في أصوله. ٤ ـ قال الإمام الخطابي في (معالم السنن) : (رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين، وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر؛ كل واحدة منهما لا تتميّز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه في البغية والإرادة؛ لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب) (٧) . ولا شك أن رواج الأحاديث الضعيفة والموضوعة في مدوّنات الفقه شاهد حيّ على فجوة الجفاء، والتنافر بين الفقه والحديث، ومحرّض قوي على إبداع صيغة الوصل المفقود بين الفنّين. ويحسن بنا هنا خروجاً من ضبابية التجريد والتنظير: أن نجلب أمثلة من الواهي والسقيم، مما عليه عمل فقهائنا في كتبهم، وهي قليل من كثير، وصُبابة من غدير: ـ استدل الحنفية في (باب نواقض الوضوء) بقصة الأعمى التي رواها الطبراني في (المعجم الكبير) عن أبي موسى قال: «بينما النبي ﷺ يصلّي بالناس إذ دخل رجل فتردّى في حفرة كانت في المسجد، وكان في بصره ضرر، فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة، فأمر النبي ﷺ من ضحك أن يعيدوا الوضوء والصلاة» ، والحديث ضعيف، آفته محمد بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم، اختُلف في أمره ما بين موثق له كالدارقطني وأبي حاتم، ومجرّح كأبي داود الذي قال: (لم يكن بمحكم العقل) (١) . ورواه البيهقي عن أبي رفيع بن مهران الرياحي مرسلاً، ومراسيل أبي العالية لا يعتدّ بها، قال سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبي العالية؛ فإنهما لا يباليان عمن أخذا) (٢) ، وقال الشافعي: (حديث أبي العالية الرياحي رياح) (٣) . ـ استدل المالكية على مشروعية سلت الذَّكَر ونتره بحديث: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات» ، رواه ابن ماجه برقم (٣٢٦) ، وهو ضعيف، آفته عيسى بن يزداد، قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال أبو حاتم: لا يصح حديثه، وليس لأبيه صحبة (٤) . ـ استدل الشافعية على تعيّن التراب للتيمّم بما رواه الشافعي في (الأم) ، والبيهقي في (سننه) عن أبي الجهيم قال: «مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلّمت عليه فلم يردّ، حتى قام إلى جدار فحتّه..» ، وهو ضعيف من وجهين: الأول: السند، وفيه علّتان: الأولى: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى شيخ الشافعي، وأبو الحويرث شيخ إبراهيم، جرحا بجرح شديد تُطرح به روايتهما. والثانية: الانقطاع؛ لأن الأعرج لم يسمع من ابن الصمة، كما بيّنه البيهقي في سننه عقب رواية الحديث. الثاني: المتن، وفيه نكارة ظاهرة لم تَخْفَ على دهاقنة الحديث وصيارفته، ومنهم البيهقي؛ لأن الحديث ورد من طريق الثقاث الأثبات بغير هذا السياق المنكر والزيادة المردودة؛ مما يؤكد أن زيادة: (حتّ الجدار بالعصا) تفرّد بها إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي، وهو ضعيف هالك لا يعتدّ بمثله في الشواهد والمتابعات؛ فكيف إذا خالفت روايته الثقات الضابطين؟ (٥) . ـ استدلّ الحنابلة على جواز قراءة القرآن على الميت بحديث: (اقرؤوا يس على موتاكم» ، رواه أبو داود، وابن ماجة، والحاكم، وأحمد، وغيرهم من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أبيه عن معقل بن يسار ... والحديث ضعيف، آفته مجهولان: أبو عثمان، وأبوه. قال الذهبي: (أبو عثمان: يقال اسمه سعد، عن أبيه عن معقل بن يسار، بحديث: «اقرؤوا يس على موتاكم» لا يعرف أبوه ولا هو، ولا روى عنه سوى سليمان التيمي) (٦) ، وقال ابن حجر: (وأعلّه ابن القطان بالاضطراب، وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل أبو بكر ابن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصحّ في الباب حديث) (٧) . ٢ ـ آليات الوصل: استبانت إذن ضرورة الوصل بين الحديث والفقه، وأن أحدهما لا يستغني عن الآخر في درك بغيته، وتحصيل ثمرته؛ فالأول ـ كما قال الخطابي ـ: بمنزلة الأساس الذي لا يقوم بدون بناء، والثاني: بمنزلة العمارة التي يخرب بدونها الأساس. ولا شك أن الوصل بينهما لتجديد الخطاب الفقهي، والنهوض به يستقيم من خلال المسالك الآتية: أـ التدليل عوض التجريد: التجريد منهج في كتابة الفقه، يقوم على ذكر الفروع عارية عن أدلتها ومآخذها، وغالباً ما يُتوسل بهذا المنهج في صياغة المتون الفقهية المختصرة التي يُقتصر فيها على الإشارة إلى مشهور المذهب، والراجح فيه دون تدليل أو تعليل، ومنها (مختصر القدوري وبداية المبتدي) للمرغيناني عند الحنفية، والوجيز للغزالي، ومتن الغاية، والتقريب لأبي شجاع الأصفهاني عند الشافعية، والرسالة لابن أبي زيد، ومختصر خليل عند المالكية، ومختصر الخرقي والمقنع للموفق بن قدامة عند الحنابلة. وإذا كان المنهج التجريدي مستساغاً عند أصحابه، معضّداً ـ في وقته ـ بمقتضيات مذهبية وتعليمية فإن من آثار الصحوة الإسلامية اليوم حثّ طلاب العلم على طلب الفقه بدليله، وقبول الحكم بتعليله؛ مما يستلزم ربط المتون المجرّدة بأدلتها التفصيلية، حتى يتميّز منها الصحيح المتعبَّد به، والسقيم المردود عند أهل النقد والخبرة. ونجد شبيهاً لهذه الدعوة أو تأصيلاً لها في كلام ابن القيم عن ضرورة تعزيز الفتوى بالدليل، ونسوقه هنا ـ على طوله ـ لأهميته، يقول: (عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أوْلى بالعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل؛ فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله، وإجماع المسلمين، وأقوال الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ والقياس الصحيح عيباً؟ وهل ذكر قول الله ورسوله إلا طراز (*) الفتوى؟ وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به؛ فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أن يخالفه، وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم. وقد كان رسول الله ﷺ يُسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال، ويشبّهها بنظائرها، هذا وقوله وحده حجّة؛ فما الظنّ بمن ليس قوله بحجة ولا يجب الأخذ به؟ وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ له قبول قوله، وهيهات أن يسوغ حجّة، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها، فيقول: قال الله كذا، وقال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، فيشفي السائل، ويبلغ القائل، وهذا كثير جدّاً في فتاويهم لمن تأملها، ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم، ثم يستدلّ عليه، وعلمه يأبى أن يتكلم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل. ثم طال الأمد، وبَعُدَ العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلاً ولا مأخذاً، ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمّه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى ما حالهم في الفتاوى، والله المستعان) (١) . وهذا قول متين في الدفاع عن المنهج الاستدلالي في الفقه، ويمكن تفكيكه إلى أربعة عناصر أساسية: أـ الاستدلال بالكتاب والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح هو روح الفقه وجماله، وطراز الفتاوى وحليتها. ب ـ من ثمرات الاستدلال: إضفاء الشرعية على كلام الفقيه أو المفتي، وإقامة الحجّة على طالب الفقه، أو المستفتي، وإبراء العهدة من الإفتاء، أو الدعوة بغير علم. ج ـ بيان جذور المنهج الاستدلالي في السنة، وفقه الصحابة والتابعين والأئمة. د ـ شيوع المنهج التجريدي في زمن انقراض العلم، وتقلّص ظله، وفتور الهمم وتقاعسها، وقد بلغ من تجذّر هذا المنهج، واستئثاره بالحظوة الفقهية حدّاً أصبح معه الاستدلال مسلكاً مذموماً ومنهجاً مستنكراً. وفي كلام ابن القيم من الصدق والدقة في وصف الواقع وبيان الحال شيء كبير؛ إذ يبدو أن الاستدلال أصبح إصراً على الفقه، وأغلالاً في أعناق الفقهاء، فجرّدوا كتبهم من كل دليل أو مأخذ، واقتصروا على ذكر قول فلان ورأي علان، ممن لا يقام لهم وزن في مقابل كلام الله ورسوله، وبين أيدينا من كتب الفقه، والنوازل، والوثائق ما يشهد لهذا المنزع التجريدي المصادم لمناهج المحققين من العلماء. ونجتزئ هنا للتمثيل بكتاب (المختار للفتوى) للفقيه الحنفي عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود الموصلي (ت ٦٨٣هـ) ؛ فهو متن مجرّد عن الأدلة، ومع ذلك وضعه صاحبه ليكون مرجعاً في الفتوى، فيأخذ الناس منه ويدعون دون أن يعرفوا دليلاً لقول أو مأخذاً لحكم؛ إلا أن صاحب المتن قال، وأصحابه من الحنفية قالوا، لكن الخطب هان حين استدرك المصنف على متنه بشرح مستوفٍ بسط في الأدلة وأكثر التعليل، وسماه: (الاختيار لتعليل المختار) (٢) . ولعل فقه المالكية أحوج من غيره إلى خدمة الفروع ببيان أدلتها ومسالك تعليلها؛ إذ لا يُعرف لمتقدمي المالكية تأليف في هذا الشأن، بخلاف قرنائهم من أصحاب المذاهب الأخرى. أما المعاصرون ـ من المالكيين وغير المالكيين ـ فلهم جهود محمودة سدّت بعض الثلم/ النقص في مجال التأليف الفقهي الاستدلالي، نذكر من بينها: أـ كتاب (مسالك الدلالة في شرح متن الرسالة) للشيخ أحمد بن الصديق الغماري (٣) ، وهو شرح على رسالة ابن زيد القيرواني، عُني فيه ببيان أدلة الفروع من السنن والآثار، وهو مطبوع متداول. ب ـ (إتحاف ذوي الهمم العليّة بشرح العشماوية) للشيخ عبد العزيز بن الصديق الغماري (١) ، وهو شرح مقتضب لمقدمة عبد الباري العشماوي في الفقه المالكي، عني فيه بذكر أدلة الفروع دون إشارة إلى أقوال الفقهاء، أو تعرّض لخلافهم. ج ـ (مواهب الجليل من أدلة خليل) للشيخ أحمد بن أحمد المختار الجكني الشنقيطي (٢) ، وهو شرح لـ (مختصر خليل) مشفوع ببيان أدلة المسائل من الكتاب والسنة والآثار، وقد أعوزه الاستدلال على كل الفروع بالمنقولات؛ فلجأ إلى النظر، وروايات المذهب المالكي نفسه. د ـ الفقه المالكي وأدلته للشيخ الحبيب بن طاهر (٣) ، عني بفقه العبادات عند المالكية، مستدلاً على الفروع بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، مع الاستضاءة بفهوم أئمة المالكية وتعليلاتهم. وفي مقدمة المؤلف ما يشعر برغبته في إنجاز قسمي المعاملات والأحوال الشخصية، يسر الله ذلك وأعانه عليه. على هذا المَهْيَع (٤) ينبعي السير في التأليف الفقهي بعيداً عن قصور التجريد، وعموم الإطلاق، وقد دعا إلى تأصيله ثلة من عملاء العصر، نذكر من بينهم: الشيخ محمد بن الصديق الغماري في (مسالك الدلالة) ، والشيخ عبد الله بن الصديق الغماري في تقديم كتاب (إتحاف ذوي الهمم العلية بشرح العشماوية) لأخيه عبد العزيز، والدكتور بدوي عبد الصمد طاهر في كتابه القيم (منهج كتابة الفقه المالكي بين التجريد والتدليل) (٥) . هذا، وقد نشطت في غير المذهب المالكي حركة الاستدلال الفقهي؛ إذ ألفت كتب في الفقه الحنفي والشافعي والحنبلي مبنية على الدليل ابتداءً كـ (الأم) للشافعي، و (تحفة الفقهاء) لعلاء الدين السمرقندي الحنفي (ت ٥٣٩ هـ) ، و (الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل) لابن قدامة، وصنفت كتب أخرى مجرّدة عن أدلتها، فاستدرك عليها مؤلفوها وغير مؤلفيها بشروح تُعنى ببسط أدلة المسائل من الكتاب والسنة والآثار، ومنها: (العزيز في شرح الوجيز) لأبي القاسم الرافعي الشافعي، و (البناية في شرح الهداية) للعيني في فقه الحنفية، و (الشرح الكبير على متن المقنع) لابن قدامة الحنبلي. ومع هذا فما زالت متون المذاهب بحاجة إلى خدمة في المجال الاستدلالي تقوّي منزعها، وتجلّي منحاها، وتميّز سمينها من غثّها، حتى يُعبَد الله بالدليل، ويظهر لكل مذهب فضله في العمل بالسنن، والأخذ بالآثار. ٢ ـ التخريج الحديثي: لا شك أن التخريج الحديثي من مرتكزات المنهج الاستدلالي في الفقه؛ ذلك أن الوصل بين الفروع وأدلتها ليس مقصوداً لذاته، وأن غايته بيان مراتب هذه الأدلة، حتى يتميز صحيحها من سقيمها، ويُعتمد الراجح من أقوال المذهب، ويُطرح الضعيف أو الشاذ. وقد عُني الحفاظ بتخريج كتب مذاهبهم قصد تجديد الفقه من داخله، وسلخه عن تراكمات فروعية ليس لها في الشرع ورود ولا صدر؛ لانبنائها على الضعيف والموضوع، أو عملها بمجرّد الرأي، ومحض النظر. ومن الكتب المعروفة في هذا المضمار: أـ نصب الراية لأحاديث الهداية (٦) للحافظ الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ) ، وهو تخريج لكتاب (الهداية) في الفقه الحنفي للمرغيناني. ب ـ (التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الوجيز الكبير) (٧) للحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) ، وهو تخريج لشرح الرافعي على الوجيز في فقه الشافعية للغزالي. ج ـ التحقيق في أحاديث التعليق (٨) لابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) ، وهو تخريج لأحاديث كتاب أبي يعلى الفراء (ت ٤٥٨ هـ) في الخلاف العالي. ولا أعرف كتاباً مطبوعاً متداولاً في تخريج أحاديث المذهب الحنبلي ـ على وجه الخصوص ـ إلا (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل) (٩) للشيخ ناصر الدين الألباني، وهو تخريج لكتاب (منار السبيل في شرح الدليل) لإبراهيم بن ضويان الحنبلي (ت ١٣٥٣هـ) . د ـ لا أعرف لمتقدمي المالكية، أو متأخريهم كتاباً مخطوطاً، أو مطبوعاً في تخريج أحاديث فقه المذهب، ولعل المعاصرين استشعروا هذا النقص في فقه المالكية، فتداركوه بتخريج بعض الكتب، وفي طليعتها: (المدونة لسحنون) خرّج أحاديثها الدكتور الطاهر محمد الدرديري (١٠) . وما زالت الحاجة ماسّة كذلك إلى تعقّب أدلة المذاهب بالنقد والتمحيص والتخريج، وفي ذلك خدمة جليلة للسنة أولاً، بالتمييز بين صحيحها وسقيمها، وللمذاهب الفقهية ثانياً، ببيان متعلّق فروعها، ومأخذ أقوالها. بيد أن التصدّر لتخريج أحاديث فقه المذاهب يحتاج إلى ضابطين: علمي، وخلقي. أما الأول: فمرجعه إلى الكفاية العلمية التي تتحقق بحفظ المخرِّج، وعلمه بالاصطلاح وعلل الحديث، وأحوال الرواة، مع جَلَد على البحث، وصبر على الاستقراء. وأما الثاني: فيرجع إلى ديانة المخرِّج وتقواه؛ ذلك أن من المحدثين طائفة زُيّن لها الضلال على الهدى؛ فتلاعبت بالتصحيح والتضعيف نصرة للمذهب أو البدعة، وهؤلاء لا تُعتمد تخريجاتهم إلا فيما تبيّن فيه إنصافهم، وتجرّدهم عن الهوى، ونعوذ بالله من قلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، وعلم لا ينتفع به. ٣ ـ بين نقد المتن ونقد السند: قسّم الشيخ طاهر الجزائري (أهل الحديث) إلى ثلاث طوائف: أـ طائفة تقصر نظرها على الإسناد؛ فإذا كان خِلْواً مما يقدح في اتصاله وثقة رواته: حُكم بصحته دون النظر إلى متنه، مع أن القاعدة عند أهل الصنعة: صحة الإسناد لا يلزم منها صحة المتن. ب ـ طائفة قصرت نظرها على المتن؛ فإن وافق ذوقها ومنحاها العقلي حكمت بصحته، وإن كان في الإسناد علة قادحة توجب الرد، مع أن كثيراً من الأحاديث الضعيفة والموضوعة صحيحة من جهة معناها ومبناها، ومع ذلك لا يصحّ رفعها إلى النبي ﷺ ؛ لأنها ليست من كلامه، وإنما من كلام حكيم، أو واعظ مرغِّب مرهِّب، أو فقيه مدفوع إلى نصرة مذهبه. ج ـ طائفة وَفَّقت في نقدها الحديثي بين المتن والسند، فوفّت كل جانب حقّه من البحث والنظر، فلا تتعجّل بتوهيم الراوي لشبهة عرضت في المتن، ولا تنزّهه في الوقت ذاته عن الخطأ والنسيان والغفلة، كما أنها وُفّقت في الحكم على الحديث بالوضع وإن كان إسناده قائماً، وذلك في مواضع مخصوصة (١) . والمطلوب اليوم أن يُوفّى المتن حقّه من قِبَل أهل الصنعة، فيردّ منه كل شاذ ومنكر ومعلول، بل يحكم عليه بالوضع إذا ظهرت أماراته، وإن كان إسناده صحيحاً، وهذا عين الاعتدال والإنصاف الذي أخذت به الطائفة الثالثة؛ بيد أن الراكب لهذا المسلك الوعر يحتاج إلى زاد من المعرفة بالسنن والآثار، ومعايشة غير قصيرة للهدي النبوي في قوله وفعله، وتقريره وتركه. يقول ابن القيم: (إنما يعرف ذلك من تضلّع في معرفة السنن الصحيحة، وخُلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها مَلَكة واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة الرسول ﷺ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه أو يكرهه، ويشرعه للأمة؛ بحيث كأنه مخالط له ﵊ بين أصحابه الكرام؛ فمثل هذا يعرف من أحواله وهديه، وكلامه وأقواله وأفعاله، وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز بما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبوع من تابعه؛ فإن الحريص على أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أو ينسب إليه، وما لا يصح، ليس كمن لا يكون كذلك) (٢) . ومن ثم فإن الإغراق في جزئيات الإسناد، وتفاصيل الرواية، ودقائق أحوال الرجال يلزم منه إغفال التوسّع في بحث المتن، وهذا من شأنه أن يوسّع الهوّة بين الحديث والفقه؛ لأن مبنى الفقه على المتن، والمتن إذا لم يُمحّص بغربال النقد استخلصت منه أحكام قد تضيّق واسعاً، أو توسّع ضيقاً، أو تستدرك على الشرع ما ليس منه. ٣ ـ ثمار التواصل: إن للوصل بين الحديث والفقه ثماراً تجتنى، وعوائد تعمُّ، نعدّ منها، ولا نعدّدها: أـ فقه مُصفّى: إن الوصل بين الحديث والفقه يقتضي تنقية كتب الفقه مما شابها، من أخبار واهية، وآثار سقيمة، ومن ثم انهيار ما بني عليها من أحكام وتفريعات تنحو منحى المخالفة، أو البدعة، أو تضييق دائرة العفو من غير حجة وبرهان منير. ب ـ فقه استدلالي: من عوائد هذا الوصل بيان مآخذ الأحكام، وأدلة الفروع، وتصنيفها إلى مقبول يُعمل به، ومردود يُطرح، ولا يُلتفت إليه؛ مما يُمكِّن للفقه الصحيح معنى وشكلاً، وظاهراً ومقصداً، ويظهر تفاوت الفقهاء في الفضل بمعيار الأخذ بالسنن، أو تركها. ج ـ فقه موحِّد: يلزم من هذا الوصل ظهور الدليل الصحيح، وانبناء الفقه عليه، والتفاف الناس حوله بالعمل به، والاعتماد عليه، ومن هنا يصبح فقه الدليل مثابة أهل العلم، وملاذ الناس، ولا بأس أن ينقدح الخلاف حول فروع تتوارد عليها الأنظار، وتتزاحم الاجتهادات؛ فإن ذلك من حيويّة الفقه، ورحمته في آن واحد.

стр. 5325

هذه هي الصوفية د. لطف الله خوجه (*) مما لا يُختلف فيه: أن الفكر الصوفي حادث في الإسلام. فقد مر عهد النبي ﷺ ، وجيل الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين، وتابعيهم ﵏، دون أن يكون لهذا الفكر أثر واضح، حتى حدث وظهر في نهاية القرن الثاني، والصوفية يقرون بهذا، لكن من جهة اللفظ دون المعنى. يقول النواوي: «فأما كلمة التصوف؛ فقد أجمع الكاتبون في هذا المقام على: أنها من الكلمات الاصطلاحية التي طرأت في أواخر القرن الثاني للهجرة» (١) . فالصوفية يقرون بأن مصطلح (الصوفية) حادث، لكنهم يقولون: الأحوال الصوفية موجودة منذ عهد النبي ﷺ ، تمثلت في أهل الصُّفَّة. ولأجله ذهب بعضهم إلى أن أصل التصوف مشتق من (الصُّفّة) ، وهو مكان كان يأوي إليه الفقراء في مسجد النبي ﷺ . ومن ترجم منهم لأئمة التصوف: جعل أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً رضوان الله عليهم أوائل الصوفية، ونسب إليهم كلمات في المقامات والأحوال. والوصف المشترك بين جميع من نُسبوا إلى التصوف من أئمة القرون الثلاثة الأولى هو: الزهد، والمجاهدة. الزهد في متاع الحياة الدنيا، ومجاهدة النفس لتهذيبها، ونفي عيوبها. ونتيجة هذا: تمثل التصوف في الزهد والمجاهدة؛ فكل زاهدٍ مجاهدٍ متصوفٌ، ومن له حال في الزهد والمجاهدة فهو: صوفي. هكذا قال بعضهم. لكنهم لم يتفقوا على رأي واحد في أصل كلمة (صوفية) واشتقاقها؛ فما قرره بعضهم نقضه آخرون، وقد رجعوا بالكلمة إلى أصول ستة أو سبعة، هي: ١ - الصُّفّة: وبهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي: «التصوف مأخوذ من أهل الصُّفَّة» (٢) . وقال الكلاباذي: «وقال قوم: إنما سموا: صوفية. لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ » (٣) . وقال السهروردي: «وقيل: سُموا صوفية؛ نسبةً إلى الصفَّة.. وهذا وإن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللغوي، ولكنه صحيح من حيث المعنى؛ لأن الصوفية يشاكلهم حال أولئك، لكونهم مجتمعين متآلفين، متصاحبين لله، وفي الله، كأصحاب الصفَّة» (٤) . ٢ - الصفاء: قال الكلاباذي: «قالت طائفة: إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها، ونقاء آثارها. وقال بشر بن الحارث: الصوفي من صفا قلبه لله» (٥) . وقال السهروردي: «قيل: كان الاسم في الأصل صفوي، فاستثقل ذلك فجعل صوفياً» (١) . وذكر نيكولسون: أن جمهور الصوفية ذهبوا إلى أن الصوفي مشتق من الصفاء، وأنه أحد خاصة الله، الذين طهر الله قلوبهم من كدورات الدنيا (٢) . ٣ - الصف الأول: قال الكلاباذي: «وقال قوم: إنما سموا صوفية؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه» (٣) . وقال السهروردي كقول الكلاباذي: «سموا صوفية؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله بارتفاع هممهم، وإقبالهم على الله ـ تعالى ـ بقلوبهم، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه» (٤) . ٤ - الصوف: يقول الطوسي: «نُسبوا إلى ظاهر اللبس، ولم ينسبوا إلى نوع من أنواع العلوم والأحوال التي هم بها مترسمون؛ لأن لبس الصوف كان دأب الأنبياء ﵈، والصديقين، وشعار المساكين المتنسكين» (٥) . ويقول السهروردي: «ذهب قوم إلى أنهم سموا صوفية نسبة لهم إلى ظاهر اللبسة؛ لأنهم اختاروا لبس الصوف لكونه أرفق، ولكونه كان لباس الأنبياء ﵈. فكان اختيارهم للبس الصوف لتركهم زينة الدنيا، وقناعتهم بسد الجوعة، وسترة العورة، واستغراقهم في أمر الآخرة، فلم يتفرغوا لملاذ النفوس وراحتها، لشدة شغلهم بخدمة مولاهم، وانصراف همهم إلى أمر الآخرة، وهذا الاختيار يلائم ويناسب من حيث الاشتقاق؛ لأنه يقال: تصوَّف؛ إذا لبس الصوف، كما يقال: تقمَّص؛ إذا لبس القميص» (٦) . ٥ - صوفة: ذكر ابن طاهر المقدسي القيسراني بسنده إلى الحافظ أبي محمد عبد الغني بن سعيد المقدسي قال: «سألت وليد بن القاسم: إلى أي شيء نسب الصوفي؟ فقال: كان قوم في الجاهلية يقال لهم صوفة، انقطعوا إلى الله ، وقطنوا الكعبة؛ فمن تشبه بهم فهم الصوفية. قال عبد الغني: هؤلاء المعروفون بصوفة، هم ولد الغوث بن مر» (٧) . قال ابن الجوزي: «كانت النسبة في زمن رسول الله ﷺ إلى الإيمان والإسلام، فيقال: مؤمن مسلم. ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد، فتخلوا عن الدنيا، وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها، وأخلاقاً تخلقوا بها، ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله عند بيته الحرام، رجل يقال له: صوفة. واسمه الغوث بن مر، فانتسبوا إليه، لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله ، فسُموا بالصوفية» (٨) . ثم ذكر أثر عبد الغني المقدسي الآنف الذكر، ثم قال: «وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال: كانت الإجازة بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أدّ بن طابخة، ثم كانت في ولده، وكان يقال لهم: صوفة. وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجز صوفة. قال الزبير: قال أبو عبيدة: وصوفة وصوفان. يقال: لكل من ولي من البيت شيئاً من غير أهله، أو قام بشيء من أمر المناسك، يقال لهم: صوفة وصوفان. قال الزبير: حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: إنما سمي الغوث بن مر صوفة؛ لأنه ما كان يعيش لأمه ولد، فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنَّه ربيط الكعبة، ففعلت، فقيل له: صوفة، ولولده من بعده» (٩) . ٦ - صوفانة: قال ابن الجوزي: «وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة، وهي بقلة رعناء قصيرة، فنُسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء، وهذا أيضاً غلط؛ لأنه لو نُسبوا إليها لقيل: صوفاني. وقال: آخرون: هو منسوب إلى صوفة القفا. وهي الشعيرات النابتة في مؤخره، كأن الصوفي عطف به إلى الحق، وصرفه عن الخلق» (١٠) . ٧ - النسبة إلى جميع ما سبق: الصف الأول، والصُّفَّة، والصوف، والصفاء: نحا إلى هذا الرأي الكلاباذي؛ حيث صحح نسبة الصوفية إلى جميع ما ذكر باعتبار المعنى، وإن كان يقر باستحالة ذلك لغة، قال: - «وأما من نسبهم إلى الصُّفَّة والصوف؛ فإنه عبر عن ظاهر أحوالهم؛ وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا. - ومن نسبهم إلى الصفة والصف الأول؛ فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم. - فقد اجتمعت هذه الأوصاف كلها، ومعاني هذه الأسماء كلها في أسامي القوم وألقابهم، وصححت هذه العبارات، وقربت هذه المآخذ. وإن كانت هذه الألفاظ متغيرة في الظاهر؛ فإن المعاني متفقة: - لأنها إن أخذت من الصفاء والصفوة كانت: صفوية. - وإن أضيفت إلى الصف والصُّفَّة، كانت: صَفية، وصُفِّية. - ويجوز أن يكون تقديم الواو على الفاء في لفظ الصوفية (١) ، وزيادتها في لفظ: الصَفية. والصُفِّية إنما كانت من تداول الألسن. - وإن جعل مأخذه من الصوف، استقام اللفظ، وصحت العبارة من حيث اللغة. - وجميع المعاني كلها من التخلي عن الدنيا، وعزوف النفس عنها، وترك الأوطان ولزوم الأسفار» (٢) . وصنيع الكلاباذي ليس بغريب على النهج الصوفي؛ فقد رأيناه في كلام السهروردي حينما قال: «قيل: كان الاسم في الأصل صفوي، فاستثقل ذلك فجعل صوفياً» (٣) . والملاحظ في كلامه افتراض أن أصل الكلمة هي: - صَفيّة: من الصف. - وصُفِّيّة: من الصُّفَّة. - وصفوية: من الصفاء. وإنما انقلبت إلى (صوفية) بسبب تداول الألسن، حيث زيدت الواو في: صَفيّة، وصُفِّيّة. وتبادل الواو والفاء المواقع في: صفوية. وهذا قول يحتاج إلى دليل، ولم يستند إلى شيء، ولم أره لغيره. - نقد الصوفية لهذه التعريفات: أكثر هذه الأقوال رواجاً: النسبة إلى الصفاء؛ فقد ذكر (نيكلسون) : أن مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى الصُّفَّة اثنا عشر تعريفاً ينسبها إلى الصفاء؛ وذلك بالنظر في تعريفات الأئمة الصوفية، في المدة بين عام ٢٠٠ إلى ٤٤٠ هـ، وقد نقلها في كتابه، ثم قال: «يتبين من النظر في التعريفات أن الزمن الذي وضعت فيه يكاد يقرب من قرنين ونصف؛ لأن أولها هو تعريف معروف الكرخي المتوفى سنة ٢٠٠هـ، وآخرها تعريف أبي سعيد بن أبي الخير المتوفى سنة ٤٤٠هـ، ويتبين أيضاً أنها تعريفات من أنواع مختلفة: - إذ منها الثيوسوفي المتصل بأحوال الصوفية. - ومنها المتصل بوحدة الوجود. - كما أن منها الأخلاقي اللغوي، وهو ما أشبه بالحكم. وليس في عصرنا الحاضر من ينكر اشتقاق كلمة الصوفي من الصوف، ولكن الناظر في التعريفات التي ذكرناها سيظهر له في وضوح أن الصوفية أنفسهم لم يأخذوا بهذا الرأي؛ فإنا نجد في مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى لبس الصوف، اثني عشر تعريفاً، يشير إلى اشتقاق كلمة الصوفي من الصفاء» (٤) . فهذا ما اشتهر في تعريفات من تقدم من الأئمة المتصوفة: النسبة إلى الصفاء. فهو التعريف الشائع المشهور. أما مَنْ بعدَهم فقد صاروا إلى ترجيح النسبة إلى الصوف، على الرغم من أن أئمة الصوفية لم يأبهوا لهذا الرأي، كما ذكر (نيكلسون) آنفاً، وكما يذكر (القشيري) و (الهجويري) . ثم تأتي في المرتبة بعدهما النسبة إلى الصُّفَّة وإلى الصف الأول؛ فقد قال بها جمع من المتقدمين، لكن يبدو أن القائلين بالنسبة إلى الصفة أكثر. وأما النسبة إلى الصوفة، فهي تأتي على معنيين: - الأول: نسبة إلى رجل يدعى: صوفة. وهو الغوث بن مر بن أدّ. - الثاني: نسبة إلى صوفة القفا، وهي: شعيرات مهملة في قفا الرأس. فهذه النسبة، والنسبة إلى الصوفانة: بقلة تنبت في الصحراء قد ذكرت، لكن ليس على ألسنة المتصوفة، وليس لها اعتبار ثقل يوازي الأقوال الأربعة الأولى، وإن كانت الأربعة فيما بينها متفاوتة، على ما سبق تفصيله. ويلاحظ أن جميع النسب السابقة لا تصح لغة، باعتراف أئمة التصوف، وإن كان ثبوتها أو بطلانها لغة لا تشترط فيها شهادتهم، بل يرجع إلى اللغة، غير أن إقرارهم مفيد في كل حال. يقول القشيري: «هذه التسمية غلبت على هذه الطائفة، فيقال: رجل صوفي. وللجماعة: صوفية. ومن يتوصل إلى ذلك، يقال له: متصوف. وللجماعة: المتصوفة. وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية: قياس ولا اشتقاق. والأظهر فيه: أنه كاللقب. - فأما قول من قال: إنه من الصوف؛ ولهذا يقال: تصوَّف؛ إذا لبس الصوف. كما يقال: تقمَّص؛ إذا لبس القميص. فذلك وجه، لكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف. - ومن قال: إنهم منسوبون إلى صُفَّة مسجد رسول الله ﷺ ، فالنسبة إلى الصُّفَّة لا تجيء على نحو الصوفي (٥) . - ومن قال إنه مشتق من الصفاء، فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة. - وقول من قال: إنه مشتق من الصف؛ فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم؛ فالمعنى صحيح، ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف. ثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ، واستحقاق اشتقاق» (١) . يلخص القشيري رأيه في كلمات: «وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية: قياس ولا اشتقاق. والأظهر فيه: أنه كاللقب» . لقد رفض هذه النسب جميعاً لغةً واشتقاقاً، ولم يأبه للنسبة إلى الصفة والصفاء من حيث المعنى، إلا الصف؛ فصحح المعنى، ورد الاشتقاق. وأما الصوف؛ فقد صحح الاشتقاق منه لغة، لكنه حكم ببطلان النسبة إليه، وعلل ذلك بأن القوم لم يختصوا بلبس الصوف. فالنسب كلها باطلة لغةً إذن، يستثنى منها: - النسبة إلى الصوف. - والنسبة إلى صوفة. فهاتان النسبتان صحيحتان لغةً، لكن الثانية منها غير مشهورة، فأئمة التصوف كالطوسي، والكلاباذي، والقشيري، والسهروردي وغيرهم، لم يذكروها ألبتة؛ فهي مطّرحة عندهم إذن، ويشكل عليها: أن لقب (صوفية) لم يعرف ولم يشتهر إلا في القرن الثاني، بينما هؤلاء الزهاد والعباد ظهروا في زمن مبكر من القرن الأول في عهد الصحابة رضوان الله عليهم؛ فلو كان هذا اللقب مستمداً من هذا الاسم (صوفة) فلِمَ لم يطلق عليهم في ذلك الوقت؟ ولِمَ تأخر حتى منتصف القرن الثاني إلى نهايته؟ فالاسم (صوفة) موجود منذ الجاهلية، والمنقطعون الزهاد العباد موجودون، ومع ذلك لم يطلق عليهم اسم (صوفية) حتى حل القرن الثاني، ومر نصفه، ثم بدأ هذا الاسم بالظهور، كما ثبت بالبحث التاريخي؛ فهذا مما يضعف هذه النسبة. - فلم تبق نسبة صحيحة منها، من حيث اللغة، سوى النسبة إلى الصوف. فهذه مقبولة لغة. أما من حيث المعنى فقد رُدّت كذلك بأقوال أقطاب التصوف كالقشيري والهجويري، وإن كانت مقبولة عند غيرهما كالطوسي والسهروردي. والنتيجة التي نخرج بها من هذا العرض: أن الصوفية لم يتفقوا على نسبة معينة؛ فإذا اطَّرحنا ما ثبت بطلانه لغة، وهو الواجب؛ لأنه لا وجه لإثبات نسبة خاطئة لغة إلا سفسطة، بقيت النسبة الصحيحة لغةً: (الصوف) . وهذه أيضاً لم تسلم من النقد والرد، وكان علة ذلك، كما ذكر القشيري أن القوم لم يختصوا ولم يشتهروا به. قال: «القوم لم يختصوا بلبس الصوف» (٢) (*) . وشهادة القشيري خطيرة، فيها نقض لقول من ادعى أن الصوفية اشتهروا بلباس الصوف، شهد بها إمام عارف من أئمة الصوفية المتقدمين، العارفين بأحوال بدايات التصوف؛ حيث عاش في القرنين الرابع والخامس (٣٧٧ ـ ٤٦٥) ، فهو من الجيل الثالث أو الرابع، والتصوف إنما نشأ في هذه الأجيال الممتدة ما بين القرن الثالث إلى الخامس، وكل ما لم يكن في هذه المدة فليس من التصوف قطعاً؛ لأن أهلها هم أئمة المذهب، وواضعوا أسسه، لا يختلف على هذا أحد. ومما يعطي الشهادة قيمة أكبر، أنَّا لم نسمع بإمام صوفي انبرى للرد عليه وإبطال زعمه هذا، فسكوتهم دليل موافقتهم له، ويبعد أن يكونوا غير مطلعين على كتابه، بل يستحيل، فكتابه (الرسالة) من أشهر كتب التصوف، فمن الذي لا يعرفه من الصوفية؟ بل سايره على هذا الرأي، ووافقه: إمام آخر معاصر له هو الهجويري، حيث قال: «واشتقاق هذا الاسم لا يصلح على مقتضى اللغة، من أي معنى؛ لأن هذا الاسم أعظم من أن يكون له جنس يشتق منه، وهم يشتقون الشيء من شيء مجانس له، وكل ما هو كائن ضد الصفاء، ولا يشتق الشيء من ضده، وهذا المعنى أظهر من الشمس عند أهله، ولا يحتاج إلى العبارة» (٣) . - القول الراجح في نسبة الصوفية: بقيت نسبة أخيرة لم يذكرها أحد من المتصوفة؛ فقد رجع بعض الباحثين والمؤرخين المختصين بعلوم الديانات القديمة: الهندية والفلسفية من غير المتصوفة، بالكلمة إلى أصل يوناني، هو كلمة: (سوفيا) ، ومعناها: الحكمة. وأول من عرَّف بهذا الرأي: البيروني في كتابه: «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» وتبعه عليه جمع، خصوصاً الباحثين المعاصرين، وفيما يلي أقوال الذين يقررون أجنبية المصطلح والفكرة عن البيئة الإسلامية: ١ - يقول أبو الريحان البيروني مبيناً أصول التصوف في الفكر الفلسفي الهندي: «ومنهم من كان يرى الوجود الحقيقي للعلة الأولى فقط، لاستغنائها بذاتها فيه، وحاجة غيرها إليها، وأن ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره فوجوده كالخيال غير حق، والحق هو الواحد الأول فقط. - وهذا رأي (السوفية) وهم الحكماء، فإن (سوف) باليونانية الحكمة، وبها سمي الفيلسوف (بيلاسوفا) ، أي محب الحكمة. - ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم، سُموا باسمهم، ولم يعرف اللقب بعضهم فنسبهم للتوكل إلى (الصُّفَّة) ، وأنهم أصحابها في عصر النبي ﷺ ، ثم صُحّف بعد ذلك، فصُيّر من صوف التيوس» (١) . ٢ - وبهذا قال كل من: المستشرق الألماني (فون هامر) ، و (محمد لطفي جمعة) ، و (عبد العزيز إسلامبولي) وذهبوا إلى ما ذكره البيروني آنفاً (٢) . ٣ - المستشرق نيكلسون في كتابه: (الصوفية في الإسلام) قال: «وكلمة Mystic التي انحدرت من الديانة الإغريقية إلى الآداب الأوروبية، يقابلها في العربية والفارسية والتركية، لغات الإسلام الثلاث الرئيسة، كلمة (صوفي) ، واللفظان على كل حال ليسا مترادفين تماماً؛ لأن للفظة الصوفي مدلول ديني خاص، وقد قيدها بالصوفية الذين يدينون بالدين الإسلامي، والكلمة العربية وإن اكتسبت على مدى الأيام مدلول الكلمة الإغريقية الواسع: شفاه مقفلة بالأسرار القدسية، وعيون مغمضة على النشوة الحالمة؛ إلا أن مدلولها كان متواضعاً يوم جرت على الألسنة لأول مرة، حوالي نهاية القرن الثاني الهجري» (٣) . - الشاهد من كلامه: أن الكلمة اكتسبت مدلول الكلمة الإغريقية على مدى الأيام؛ فهذا الرأي يرجع بمضمون الفكرة إلى جهة إغريقية، وهذا هو المهم. ٤ - إبراهيم هلال قال: «على أن الأصل في تسمية هذا المذهب بالتصوف، وأصحابه بالصوفية، يوقفنا على أن التصوف في أصله إنما هو استيراد أجنبي، ليس للإسلام فيه شيء، لا في نشأته، ولا في طريقته المتزيدة، ولا في غايته أو غاياته المتعددة» (٤) . ٥ - الدكتور محمد جميل غازي، الذي قال: «الصوفية كما نعلم اسم يوناني قديم مأخوذ من الحكمة (صوفيا) وليس كما يقولون إنه مأخوذ من الصوف» (٥) . ٦ - المقبلي قال: «فالتصوف ليس من مسمى الدين؛ لأن الدين كَمُلَ قبله، أعني دين الإسلام، ولا هو من النعمة؛ لأنها تمت قبله، وليس التصوف داخلاً في مسمى الإسلام؛ لأن الإسلام تم قبله، وهم معترفون بالغيرية؛ فحينئذ هو بدعة ضلالة» (٦) . ولهذا الرأي أدلة ترجحه على النسب السابقة، وبخاصة النسبة إلى الصوف؛ فمن ذلك: أولاً: التشابه ما بين كلمتي (صوفية) و (سوفية) في اللفظ والرسم، وجواز التبديل بين حرفي السين والصاد. ثانياً: اتحاد مدلول الكلمتين: (سوفية) ، (صوفية) ؛ فمدلولهما: الحكمة. يبين هذا: - أن الصوفي عند الصوفية هو الحكيم، وهو صاحب الحكمة. لذا يكثر دورانهم على هذا المعنى، ويجعلونه وصفاً لازماً للصوفي؛ فمن لم يكن حكيماً فليس له حظٌّ من اللقب، هكذا يقرر ابن عربي ـ وغيره ـ فيقول: «ومن شروط المنعوت بالتصوف: أن يكون حكيماً ذا حكمة؛ وإن لم يكن فلا حظَّ له من هذا اللقب» (٧) . - وكلمة (سوف) باليونانية تعني الحكمة كذلك، والفيلسوف هو محب الحكمة، وفق ما ذكر البيروني آنفاً. فإذا كانت (الحكمة) هي (التصوف) ، و (الحكيم) هو (الصوفي) .. و (الحكمة) هي (سوف) ، و (الحكماء) هم (السوفية) ، فأي اتفاق بعد هذا؟ يقول نيكلسون: «بعض الباحثين من الأوروبيين يردها إلى الكلمة الإغريقية: سوفوس، بمعنى ثيوصوفي» (٨) . وكلمة «ثيوصوفي» معناها: الحكمة الإلهية. (ثيو = إله) ، (صوفي = الحكمة) (٩) . ويقول عبد الواحد يحيى، وهو فرنسي معاصر، أسلم وتصوف: «وأما أصل الكلمة؛ فقد اختلف فيه اختلافاً كبيراً، ووضعت فروض متعددة، وليس بعضها أوْلى من بعض، وكلها غير مقبولة، إنها في الحقيقة تسمية رمزية. وإذا أردنا تفسيرها، ينبغي لنا أن نرجع إلى القيمة العددية لحروفها، وإنه لمن الرائع أن نلاحظ: أن القيمة العددية لحروف (صوفي) تمثل القيمة العددية لحروف (الحكيم الإلهي) . فيكون الصوفي الحقيقي إذن هو: الرجل الذي وصل إلى الحكمة، إنه (العارف بالله) ؛ إذ إن الله لا يُعرف إلا به» (١٠) . وتأتي قيمة هذا النص، من كونه في نظر الدكتور عبد الحليم محمود: صوفياً متحققاً بالتصوف، من العارفين بالله (١١) ، وهذه شهادة من صوفي كبير، لا خلاف في إمامته، وعليه فهذا الفرنسي المسلم المتصوف، إنما يعبر عن التصوف بعمق وإدراك لحقائقه إذن. ثالثاً: مضمون التصوف يوافق مضمون الفلسفة (سوفية) ، فكلاهما يرميان إلى التشبه بالإله، وهذا يتبين من تعريف (التصوف) و (الفلسفة) : - قال الجرجاني: «الفلسفة التشبه بالإله بحسب الطاقة البشرية، لتحصيل السعادة الأبدية، كما أمر الصادق ﷺ في قوله: «تخلَّقوا بأخلاق الله» (١) ؛ أي تشبهوا به في الإحاطة بالمعلومات، والتجرد من الجسميات» (٢) . - وابن عربي يقول: فاعلم أن التصوف تشبيه بخالقنا لأنه خلق فانظر ترى عجبا (٣) رابعاً: كان عند قدماء اليونان: مذهب روحي يعتنقه النساك والزهاد، ينأون بجانبهم عن الدنيا، ويلجؤون إلى أنواع المجاهدات والرياضات الروحية، يتقربون بأرواحهم إلى خالقهم، لتلقِّي الحكمة والمعارف القدسية، كان يطلق عليهم لقب: (تيو صوفية) ، ومعناه: الحكماء الإلهيون. وإذا تأملنا هذا المذهب، وما يدعو إليه الصوفية، وجدناهما سواء، كما أنهما سواء في اللقب (٤) . خامساً: من هذا القبيل طائفة من الهنود القدامى، كانوا يُعرفون باسم: (جيمنو صوفيا) ومعناه: الحكيم العاري. كانوا يقضون حياتهم في السياحة، متأملين الله تعالى. وهذا أيضاً مذهب يعتنقه صوفية الإسلام: السياحة، والتأمل (٥) . إذن هي فكرة قديمة، تجتمع كلها في لقب الحكمة (= صوفية، أو سوفية) . ولهذا الرأي إشارة محتملة في كلام القشيري والهجويري، اللذين قررا أنها كلمة جامدة غير مشتقة، وربما سبب جمودها كونها أعجمية.. نعم! يوجد في العربية ألفاظ جامدة، والكلمات المعرّبة كذلك جامدة، وليس هذا بحثنا، إنما تحرير كلام هؤلاء الذين نفوا اشتقاقها؛ فإنه يحتمل الإشارة إلى أجنبيتها؛ فلنُعِد النظر فيما قاله القشيري والهجويري في هذا المقام: - قال القشيري: «وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب.. القوم لم يختصوا بلبس الصوف» (٦) . - وقال الهجويري: «واشتقاق هذا الاسم لا يصلح على مقتضى اللغة، من أي معنى» (٧) . - وإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكره المستشرق نيكلسون بقوله: «ولكن الناظر في التعريفات التي ذكرناها، سيظهر له في وضوح أن الصوفية أنفسهم لم يأخذوا بهذا الرأي؛ فإنا نجد في مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى لبس الصوف، اثني عشر تعريفاً، يشير إلى اشتقاق كلمة الصوفي من الصفاء» (٨) . إذن النتيجة المهمة هنا: - أن القوم لم يختصوا بلبس الصوف. - ولا يشهد لاسم (صوفية) من حيث العربية، قياس ولا اشتقاق. - والصوفية لم يأخذوا بهذا الرأي. فالقشيري استظهر أنه لقب، ومنع هو والهجويري أن يكون له أصل لغوي. كل هذه إشارات إلى أعجمية الكلمة، وإن لم يصرحا بذلك، وإن حاولا التفلت من هذه النتيجة بأشياء، من قبيل تعظيم الاسم أن يكون له جنس يشتق منه، كما فعل الهجويري، غير أن هذا التسليم بمنع اشتقاق الكلمة لغةً، مع استظهار القشيري أنها لقب، يرجِّح أن الكلمة أعجمية، يدل على هذا: أن أحداً من أهل اللغة لم يقل في هذه الكلمة إنها جامدة، كما قيل في لفظ الجلالة «الله» . بل الذي قالوه إنها كلمة مولدة. يقول أحمد المقرئ: - «تصوَّف الرجل، وهو صوفي، من قوم صوفية، كلمة مولدة» (٩) . وكأنهما عرفا بذلك، وهذا محتمل، لكن لم يكن من السهولة التصريح بأن أصل الكلمة يونانية فلسفية، تدل على مذهب قديم، له قواعد وأصول معروفة تتشابه مع أصول الصوفية في الإسلام؛ فمثل هذا لا يمكن أن يفصح به إمام صوفي، وإلا كان عوناً على نقض مذهبه. فالكلمة إذن ليست عربية، بل هي يونانية، أصلها: (سوفية) ، ولما دخلت إلى العربية، بدخول فلسفتها ومضمونها، غُيّر حرف السين فأشبع فصُيّر صاداً، إما عمداً أو اتفاقاً، لقرب المخارج، فدخلت الكلمة في العربية لفظاً ومعنى، ساعد عليه جواز قلب السين صاد في اللغة العربية (١٠) . واستفادوا من هذا التحوير: التعمية والتضليل عن أصل الفكرة؛ فهم (صوفية) في الظاهر، نسبة إلى اللباس، وفي الباطن (سوفية) نسبة إلى الفلسفة اليونانية الهندية. يقول الدكتور عمر فروخ: «كانوا، في حال اجتماعهم مع غيرهم، يحافظون على ظاهر الدين الإسلامي، وعلى فرائضه، أما في خلواتهم، وفيما بينهم، فكان لهم أشياء يستحي العاقل من ذكرها» (١١) .

стр. 5326

الجولة القادمة محمد بن شاكر الشريف تغيرات سريعة متلاحقة تحدث في سنوات قلائل، وربما في أشهر، كانت لا تحدث فيما مضى إلا في عشرات السنين، وهذه سمة من سمات العصر الذي نحياه؛ وقد أدى إلى ذلك عاملان: ١ ـ أولهما وأخطرهما على العالم: تفرد دولة ظالمة باغية بامتلاك وسيلة القوة التي لا تُجارى؛ فانهار بذلك التوازن الذي كان يحكم تصرفات الأنداد والنظراء. ٢ ـ الثاني: النقلة، أو القفزة بل الطفرة التقنية التي باعدت كثيراً بين الدول المتقدمة تقنياً والدول المتخلفة في ذلك المضمار، فَقبْل التطور الهائل في التقنية الحديثة لم يكن مرور الزمن يكاد يُحدث تغييراً يذكر في موازين القوى، وأما اليوم فإن السنة الزمنية ربما باعدت تقنياً بين فئة الدول المتقدمة وبين فئة الدول المتخلفة ما يعادل خمسين سنة زمنية أو يزيد. وفي ظل هذين العاملين وقع العالم العربي والإسلامي ـ وهو ينتمي في جملته إلى العالم المتخلف ـ تحت تأثير أو في دائرة جذب المعسكر الصليبي المتفوق تقنياً واقتصادياً، وهو يتعرض اليوم إلى محنة شديدة تكونت من تشابك ثلاث زوايا: الأولى: كره الصليبيين لدين الإسلام والمسلمين، ورغبتهم في القضاء عليه والثأر منه؛ إذ إن كثيراً من دوله كانت قبل مجيء الإسلام ممالك نصرانية، ثم استطاع الإسلام بنقائه أن يجذبهم إليه، وينقلهم إلى صفه حتى فقدت أصلها القديم، وصارت دولاً إسلامية. ويدل على ذلك الكره كثرة كاثرة من أقوال الصليبيين، لا فرق في ذلك بين الساسة أو المفكرين والمثقفين أو العسكريين أو حتى العامة الدهماء، وهذا الموقف ليس نتيجة لما يروجه بعضهم بما يعرف بـ «أحداث الحادي عشر من سبتمبر» ؛ فإن موقف الصليبيين من الإسلام موقف قديم ضارب بأطنابه في أعماق التاريخ لبداية ظهور الإسلام، ثم امتد عبر ما يعرف بالحروب الصليبية في القرون الوسطى مدة قرنين من الزمان، ثم إلى يومنا هذا، ولهم في ذلك كلمات مشهورة مدونة في وثائقهم التي لم تعد اليوم شيئاً مستوراً. وفي العصر الحديث توالت الحملات الصليبية على الدول الإسلامية والعربية منها خاصة لاحتلالها؛ فقد احتلت فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر مصر حتى اضطرتها الحرب مع إنجلترا للجلاء عنها، ثم أعيد احتلال مصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر من قِبَل إنجلترا، ثم توالى احتلال الدول الصليبية للدول العربية، فاحتلت إنجلترا العراق والسودان وفلسطين واليمن الجنوبي، واحتلت فرنسا سوريا ولبنان والجزائر والمغرب وتونس، واحتلت إيطاليا ليبيا، كما احتلت هولندا أندونيسيا، وغير ذلك من الدول التي وقعت تحت الاحتلال الصليبي. لقد قامت تلك الدول بسرقة خيرات البلاد في الوقت الذي حاولوا فيه بكل ما وسعتهم الطاقة القضاء على الإسلام، والعمل على تحريفه؛ فما الذي حملهم على ذلك؟ هل كانوا حملة رسالة يودون إبلاغها غير كراهيتهم للمسلمين والرغبة في القضاء على دينهم؟ الثانية: تمتع كثير من الدول العربية والإسلامية بثروات ضخمة متعددة، وخاصة النفط، إضافة إلى الأراضي الزراعية الخصبة، والتي تلهب حماس الطامعين في نهب خيرات البلاد. الثالثة: عدم كفاءة كثير من قيادات البلاد العربية والإسلامية لقيادة تلك الفترة الحرجة من حياة الأمة، وبعدهم عن الالتزام والتقيد بالإسلام وشريعته، مما أوقعهم في ضعف شديد وتخاذل كبير أمام القوى الصليبية الباغية. فباجتماع تلك الزوايا الثلاث في ظل العاملين السابقين تصبح الصورة واضحة جداً؛ بحيث لا تخطئها العين المبصرة، وإن لم تكن كاملة الإبصار، وهو أن هناك جولة قادمة تهجم فيها الدول الصليبية (التحالف الصليبي بقيادة أميركا وبريطانيا) على الدول العربية والإسلامية؛ وذلك لتحقيق عدة أهداف: أولاً: لالتهامها والقضاء على إسلامها سعياً للتمكين للصليب ونشر الصليبية، وضمان أمن واستقرار اليهود، وتحقيق أحلامهم في تكوين دولتهم من النيل إلى الفرات. وثانياً: لسرقة خيراتها وثرواتها. وثالثاً: لتحويل أهلها خدماً وعبيداً عند الصليبيين؛ فالهجمة قادمة قادمة لا شك في ذلك، والدلائل كلها تشير إلى ذلك إلا أن يشاء ربي الذي يدبر الأمر في السموات والأرض شيئاً غير ذلك، وقد قال كبير التحالف الصليبي: «سنشنها حرباً صليبية» ، كما قالوا: إن الحرب على الإرهاب (وهو الاسم الذي يحلو للصليبيين أن يسموا به المتمسكين بالإسلام، الرافضين لهيمنة الدول الصليبية على بلادهم) ستطاول ستين دولة، وقد تستمر لأكثر من عشر سنوات، والستون دولة المرادة هي الدول العربية والإسلامية؛ فإن عددها ثمانٍ وخمسون دولة. إن القوم لفرط ثقتهم في قوتهم وآلتهم العسكرية في مقابل الضعف الشديد للطرف المقابل، جعلهم يتحدثون عن خطط الحرب التي يعتزمون شنها قبل ذلك بكثير، ويقومون بعمل التجهيزات والتحضيرات الميدانية في وضح النهار، ولم يعد ذلك سراً تحرص تلك الدول على إخفائه وعدم إفشائه؛ وذلك أنها ترى أنه لا مفر لهذه الدول من بطشها، وأنه مهما أخذت من استعدادات واحتياطات فلن تكون بقادرة على التصدي لقواتها التي يمكنها أن تطلق نيرانها على أهدافها من مسافات تبعد مئات الكيلو مترات، وهي بعد لم تدخل أرض العدو، أو تقع في مرمى نيرانه، ومهما حاولت أن أصف أو أصور قوة العدو فقد تكون قوتهم أكثر بكثير مما أقول، وليس في هذا الكلام أي قدر من المبالغة أو التهويل (١) ، ولن تكون الدول الإسلامية ـ في نظر الصليبيين ـ بمأمن من بطش الكفار وانتقامهم، إلا بالاستسلام التام والخضوع الكامل لسيطرة التحالف الصليبي، وهذا الإعلان المسبق عن الحرب وخطتها لا يترتب عليه ضرر يلحق بأمن تلك القوة الطاغية، من أي رد فعل قد يقوم به المستهدفون بتلك الحرب، لكن يكون له عندهم في الوقت نفسه نتائج إيجابية كثيرة يحرصون عليها؛ فمن ذلك: إلقاء الرعب والفزع في قلوب الناس جميعاً حكاماً ومحكومين، وقد بدأ يُتَداوَل في وسائل الإعلام الحديث عمّا يسمى بـ (ضربة الصدمة والفزع) ، ومن ذلك: حمل الدول على الاستسلام بمجرد هذا التهديد، والتخويف من غير احتياج إلى خوض معركة حقيقية قد تكلفهم الكثير، وعندنا مثال واقعي من ذلك وهو استسلام نظام عربي، والقيام بتحطيم أسلحته بيده وتسليم أسرارها للعدو الذي كان يظهر العداوة له عدة عقود، وإن كنت أرجح أنه لو وجدت دولة تظهر الاستسلام، فإن هذا لن يمنع من دخولها في مظاهرة مسلحة إمعاناً في الإذلال والقهر ولو بعد حين، ومن ذلك: حمل كثير من ضعاف النفوس على المسارعة فيهم ليضمنوا لأنفسهم الأمان، فيكونوا لهم أعواناً وجواسيس، حتى إذا ما رفضت قيادة الدولة الاستسلام، أو أظهرت بعض الإباء والامتناع، كانت هذه الصفوف تعمل على سقوط الدولة، وانهيارها وعدم قدرتها على الصمود، وهناك من المحللين من يفسر الانهيار السريع غير المتوقع، وسقوط بغداد في غزو التحالف الصليبي للعراق بذلك. لقد أعلن أعداؤنا بوضوح شديد لا لبس فيه، وبصفاقة شديدة لا أثر للمجاملة فيها، أنهم عازمون على تغيير ديننا، أو تغيير مفهومنا للدين، وأنهم سوف يسلكون لتحقيق ذلك كل سبيل بما في ذلك الإكراه بالقوة المسلحة، ولم يعد يهمهم اليوم أن يقدموا مسوغات حقيقية لعدوانهم غير رفع شعار محاربة الإرهاب، أو الحرب الاستباقية التي بمقتضاها يضربون من شاؤوا وقتما شاؤوا، وبدؤوا يطالبوننا بتغيير مناهجنا الدراسية، وحذف كل ما لا يتوافق مع تصوراتهم، أو يكون حجر عثرة في سبيل طموحاتهم في السيطرة على العالم التي لم يعودوا يخفونها عن أحد، كما بدؤوا يطالبوننا بإغلاق مدارسنا ومعاهدنا الشرعية بدعوى أن تلك المعاهد والمدارس تخرج إرهابيين، لأنها تدرس الدين الإسلامي الذي يعد ديناً إرهابياً في نظر الصليبيين، وصارت مؤسساتنا الخيرية غير مرغوب فيها، وليس لها من ذنب عندهم سوى أنها تقف في وجه التنصير في بلاد المسلمين، وتعين الناس على شدة الحياة وقسوتها، وقد بدأت بعض الأنظمة في الاستجابة لذلك، وقامت بإغلاق الآلاف من تلك المعاهد، وإني لأظن لو أن الدول العربية، أو بعضها طالبت أمريكا بتوقيع معاهدة عدم اعتداء بين الجانبين فلن تستجيب لذلك؛ لأن مثل هذه المعاهدة تعيق المخطط التوسعي الذي يسعى إلى تكوين إمبراطورية عالمية، وهم قد بدؤوا جولتهم بأفغانستان، ثم العراق، ثم ... ، ثم ... فما نحن فاعلون؟ من حقي ومن حق كل مسلم أن يفكر لمصلحة أمته، وفيما يدفع عنها البلاء والشدة، ويسعى في ذلك بجهده ما استطاع، بل هذا مما يجب على كل امرئ حسب مكانته وإمكاناته، وهذه نفثات صدر مكلوم، وهو يرى ما يدبر لأمته، والكثيرون لاهون عابثون؛ فهو كالرائد الذي يحذر قومه مما قد يفجؤهم و «الرائد ـ كما قالوا ـ لا يكذب أهله» ، والمشوار العظيم إنما يبدأ بخطوات يسيرة، وأول ما نبدأ به مشوارنا: ١ ـ أن نوقن يقيناً تاماً، وأن نجزم جزماً أكيداً، أن أعداءنا عازمون على غزو بلادنا لاحتلالها، أو لجعلها في حكم المحتلة؛ حيث يولُّون علينا بعد غزونا مَنْ تكون قلوبهم معهم ممن يتكلم بألسنتنا، وإنما ينفذ من ذلك ما تسمح الأحوال بتنفيذه وفق الخطط المعدة، وكل شيء عندهم له وقته المناسب، وإنما يبدؤون بما يكون من البلاد أسهل عليهم وأنسب: إما لعزلته عن العام العربي بمشاكله مع جيرانه وتخويفه لهم، فيفرط العرب فيه كما حصل مع العراق، وإما لضعفه خاصة من الناحية العسكرية، وإما للاستفادة والاستعانة بثرواته على تمويل الحرب، وإما لأن سقوطه يضعف غيره ويسهل استسلامه؛ فإذا تساقطت الدول دولة بعد دولة، أمكن أن يتساقط الباقي بدون قتال، ومن هذا التصور فإني أرى أن آخر دولتين يمكن غزوهما في هذا المسلسل الذي يرسمه الشيطان، هما السعودية لمكانتها الدينية في نفوس المسلمين جميعاً، لاشتمالها على مكة (التي فيها بيت الله الحرام) والمدينة (التي فيها قبر الرسول ﷺ ) أقدس البقاع عند المسلمين، وأن المسلمين لا يمكنهم التهاون، أو التفريط في تلك البقاع؛ لأن ذلك يقرب من التفريط في الإسلام نفسه، وأنه لذلك لا يمكن أن يفكر التحالف الصليبي في غزوها إلا بعد الإضعاف والإنهاك الشديد للأمة الإسلامية، أو أن الخطة قد تعتمد على تقسيمها إلى جزأين: جزء يشمل مكة والمدينة وهذا يترك للمسلمين يحكمونه حتى لا يثيروا حفيظتهم، وجزء يشتمل على الأماكن الغنية بالنفط، وهذا يتم احتلاله المباشر من قِبَلهم، أو احتلاله بالواسطة أي بواسطة أوليائهم، وأتباعهم الذين ينتشرون في كل بلادنا العربية والإسلامية ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ، والثانية مصر لكثافتها العددية، ولتدرب أكثر شبابها على استخدام الأسلحة المتنوعة، لقضائهم فترة إلزامية من عمرهم في الجيش، ولذلك يُعمل الآن على تحديد النسل كإجراء مؤقت، كما يتم السماح للمحترفين العسكريين بالتقاعد المبكر نظير مكافآت مالية كبيرة، وليس ببعيد عن هذه الخطة ما يجري من تطويق مصر من ناحية إضعاف السودان، وافتعال المشاكل بين مصر وبين دول حوض النيل حول تقاسم مياه النيل، لكنهما مدرجتان على الخطة إذا لم يسقطا من تلقاء نفسيهما، بعد الإنهاك الشديد الذي تتعرض له الأمة العربية والإسلامية، وخاصة بعد تدخل الأمم المتحدة في خصوصيات الدول العربية، وفيما يعد من قبيل السيادة القومية، وفرضها عليهم لأمور لم تستطع أن تفرضها، أو تفرض جزءاً منها على من يحتلون بلاد العرب والمسلمين. وهناك سيناريوهات كثيرة عند الأشرار لتحقيق ذلك، وقد بدأت دعوات كثيرة عند الأمريكيين تظهر بين كل فترة وأخرى تدعو إلى احتلال منابع النفط في السعودية، وإلى تقسيم مصر وتمكين النصارى فيها، وقد تناقلت كثير من المواقع الإخبارية مفاهيم وتصريحات أمريكية بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط تدور حول «أن العراق الهدف التكتيكي، والسعودية الهدف الاستراتيجي، ومصر الجائزة الكبرى» . إن الأمر جد لا هزل فيه، وإن من أكبر الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها الركون والانخداع ببعض الكلام الذي قد يردده الأعداء أو العملاء، بأنه لا خوف من الحرب؛ لأن أمريكا لا تشن الحرب على أصدقائها، أو أنها لا تشن الحرب إلا بمسوغات مقبولة، أو أنها لا تخالف الشرعية الدولية التي تمنع الاعتداء على الآخرين، ونحو ذلك الكلام الأجوف الذي لا مصداقية له؛ فإن مما هو معروف إلى درجة تبلغ اليقين أن هذه الدولة، أو تلك التي تملك من القوة ما تتمكن به من تحقيق ما تريد، إذا لم يكن لها دين صحيح يقودها؛ فإنها تتصرف بمقتضى الهوى، ولا يوقفها عن ذلك إلا القوة المضادة التي تجبرها إجباراً على مراعاة الآخرين. أما ما يدعى من حقوق الإنسان، والسلام العالمي، ونشر الحرية فذلك مجرد كلام لا رصيد له من الواقع، والشرعية الدولية التي يزعمونها ليست إلا وسيلة لإمضاء إرادة الدول القوية على الدول الضعيفة، في شكل يحفظ ماء وجه الحكام الضعاف عند شعوبهم، وهذه جملة لا يحتاج المرء فيها إلى إقامة الدليل؛ إذ يكفي النظر إلى أحوال العالم اليوم ليظهر الدليل على ذلك بلا خفاء. لقد تبين للعالم أجمع أن كل المسوغات التي زعموها لشن الحرب على العراق كانت كذباً في كذب، ولست أشك أن أمريكا كانت على يقين كامل، وهي تشن الحرب على العراق، وتستنفر دول العالم في حملتها الظالمة بأن العراق لا يمتلك شيئاً من هذه الأسلحة المدعاة، ولو كانت أمريكا تشك مجرد شك أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل صالحة للعمل، لم تقدم على دخول الحرب بهذه الصورة التي لم يظهر فيها على الجنود أو المعدات أي أثر للاحتياطات التي ينبغي اتخاذها في مثل تلك الحالات، تحسباً لاستخدام تلك الأسلحة؛ فلما حدث الغزو، وانتهى كل شيء، وبدا لهم أنهم حققوا أو قاربوا ما أرادوا، لم يهمهم أن يعلنوا على العالم أنهم لم يعثروا على أسلحة الدمار الشامل التي كانت مسوغاً للغزو، وأنهم قد لا يعثرون عليها مستقبلاً، حتى اعترف المسؤولون فيهم بعد ذلك بكل برود أن ملف أسلحة الدمار الشامل في العراق قد جرى التلاعب فيه من قِبَل المخابرات عن قصد وعمد، ولنا أن نتساءل: هل جرى التلاعب فعلاً من المخابرات، أم أنه قد طلب ذلك منهم؟ والشيء الغريب أنهم بعد فضيحتهم في ذلك يقولون: لكننا وإن لم نجد الأسلحة، فإن العراق كان في نيته أن ينتج هذه الأسلحة، وهو منطق معوج وهو نفس منطق الذئب مع الحمل المعروف في التراث الشعبي. وبغض النظر عن الحديث بأنه لا حق لهم في منع أحد من امتلاك أسلحة هم أنفسهم يملكونها، بل هم أول من استخدمها فقتلوا بها مئات الآلاف من المدنيين اليابانيين من الرجال والنساء والأطفال غير أضعاف ذلك العدد من المصابين، مع تخريب الأرض والتربة في تلك الأماكن لأكثر من خمسين سنة؛ حيث جرى ضرب مدينتي نجازاكي وهيروشيما اليابانيتين في الحرب العالمية الثانية، وذلك في لحظات من دون أية دواعٍ عسكرية تدعو لذلك؛ حيث إن هاتين المدينتين لم تكونا من المدن العسكرية، وإنما فُعل ذلك فقط من أجل إلقاء الرعب والفزع في قلوب الشعب، والقيادة، وفرض شروط الاستسلام؛ فلأجل تحقيق ذلك جرى ضرب اليابان بكل قسوة، دون التحلي بأي قدر من المسؤولية الأخلاقية في ذلك؛ فمن يستطيع الآن بعد التيقن من كذب هذه المسوغات، واعترافهم أنفسهم بذلك أن يعوض الشعب العراقي عما حدث له نتيجة كذب المخابرات أو خطئها؟ وأين الشرعية الدولية التي يزعمونها؟ وماذا قدمت لشعب العراق المسكين سوى إسباغ الشرعية على الاحتلال؟ لكني لا أنظر إلى ما تم في ذلك على أنه خطأ مخابراتي؛ فإن النظر إليه على هذا النحو هو نوع من البلاهة، بل هو أمر مقصود رُتب له بعناية على مدى سنوات متطاولة. ٢ ـ إن من أكبر الأخطاء الفادحة أن نروِّج في وسائل إعلامنا، أو أن نقبل أن يروج أحد بيننا أن أمريكا بلد الحرية والعدل والمحافظة على حقوق الإنسان وكرامته؛ فإن هذا مما يسهل عليها غزونا فكرياً واحتلالنا عسكرياً. ألم يقتل في الحرب الأمريكية على العراق أكثر من مائة ألف نفس؟ فأي شيء يسوّغ لأمريكا قتل هذه النفوس، أو التسبب في قتلها؟ إن العراقيين لم يهاجموا أمريكا ولم يبدؤوها بقتال، بل الأمريكان وحلفاؤهم هم الذين جاؤوا من وراء البحار، ومن على بعد آلاف الكيلو مترات، فنزلوا أرضهم، وقتلوا رجالهم ونساءهم وأطفالهم، وسجنوا شبابهم، وعذبوهم بطرق وأساليب يندى لها الجبين خزياً وعاراً وشناراً، وتدل على همجية قلَّ أن يعرف التاريخ لها نظيراً. وهل كانت أمريكا تعرف معاني الحرية والعدل وحقوق الإنسان وكرامته، وهي تقدم الدعم غير المحدود لعصابات اليهود التي قامت بالاستيلاء على فلسطين بعد أن مكنتهم بريطانيا من ذلك؟ هل عرف التاريخ مثل هذه المأساة؟ قوم يأتون من بلاد بعيدة متفرقة فينزلون أرضاً فيقتلون أهلها ويشردون من بقي منهم، ويستولون على أراضيهم وممتلكاتهم، ثم يجدون من يدافع عنهم ويؤيدهم ويناصرهم، بل يعدون أهل الأرض وأصحابها الذين يدافعون عن أرضهم، وأموالهم من الساعين في الأرض بالفساد، الذين يجب سحقهم والقضاء عليهم؟ لكننا ما لنا نذهب بعيداً، أليست أمريكا نفسها قامت على المبدأ نفسه؟ ألم يستولِ أجداد الأمريكان على الأرض من أهلها الأصليين الهنود الحمر؟ ألم يقوموا بعملية إبادة منظمة لهم؟ أليس من الكذب والتضليل الذي يقوم به بعض من هم من بني جلدتنا أن يقال: إن أمريكا تعرف معاني الحرية والعدل وحقوق الإنسان، وأنها في تصرفاتها تعمل على تحقيق ما تعرف من تلك المعاني؟ ٣ ـ خذوا حذركم! لقد أمرنا الله ـ تعالى ـ بذلك، وإن أوْلى ما يستدعى فيه الأخذ بالحذر هي الأوضاع التي نحن فيها؛ ففي ظل تفرد دولة بالقوة الباطشة وأحلامها غير المحدودة في التوسع والتمدد، وبسط سلطانها، ونفوذها، وفرض ثقافتها ودينها على العالم، ومحاربة ما يخالف ذلك من ثقافات وعقائد، ما يجعلنا موقنين أن المعركة بين جند الرحمن وبين عبيد الشيطان قادمة لا مفر منها؛ إذ هما نقيضان لا يلتقيان، ونحن نخوضها في هذا الظرف بصفتها معركة مفروضة علينا، ولسنا نحن الذين فرضناها، ونحن ندخلها حين ندخلها في هذا الوقت كارهين مرغمين، ومثلنا في ذلك مثل القائل: إذا لم تكن غير الأسنة مركباً فما حيلة المضطر إلا ركوبها وليس سوى ذلك إلا الذل والهوان، وتسليم أمرنا للصليبيين: يقتلون من شاؤوا، ويستعبدون من شاؤوا، ويشردون من شاؤوا، ولن يقبل الصليبيون من المسلمين أقلّ من ذلك، وتاريخهم معنا معروف في القديم وفي الحديث؛ فرغم عقيرتهم التي ترتفع صباح مساء مطالبة الدول العربية بالإصلاح، فإنهم لا يقبلون الإصلاح الحقيقي؛ لأن الإصلاح الحقيقي إنما ينحصر في اتباع شرع الله ـ تعالى ـ وعدم الخروج عليه كما قال نبي الله شعيب ﵇: ﴿إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] فسوف يمانع الصليبيون في أية خطة حقيقية للإصلاح، وسوف يسعون في تخريبها؛ لأنها تهدد مصالحهم، وتقضي على أطماعهم، وهم يسعون لإقرار خطط الفساد تحت اسم خطط الإصلاح تزويراً وكذباً؛ لأن الإصلاح الذي يسعون إليه هو الإصلاح من وجهة نظرهم، وهو الذي يحقق مصالحهم، حتى وإن أضر بمصالح البلاد والعباد. إن النظر إلى المشروعات الصليبية على أنها خطط للإفساد ليس نابعاً فقط من الرؤية الدينية، بل هي إفساد حتى من المنظور القومي أو الوطني؛ فالقومي أو الوطني الحقيقي الذي يحرص على مصالح قومه ووطنه ويسعى في سبيلها حتى ولو لم يكن إسلامياً، سوف يرى بكل وضوح أن الإصلاح الأمريكي ضد القوم والوطن؛ لأنه في النهاية إذابة للقوم والوطن في مسلاخ الأمركة؛ فالجري أمام الصليبيين وقبول ما يأتون به، والاستسلام لهم ليس طريقاً لأمن شرهم، بل هو طريق الهلاك والدمار؛ وإنْ وعد الشيطان ومنّى بغير ذلك؛ فلا ينبغي أن نفعل معهم كما فعل بعض المسلمين من قبلُ مع التتار؛ حيث كان التتري يخرج على جماعة من المسلمين، وليس معه ما يقتلهم به، فيقول لهم: مكانكم حتى آتي بالسيف فأقتلكم! فما يستطيع أحد أن يغادر مكانه، ويظلون واقفين في مكانهم لا يبرحونه إلى أن يأتي التتري بالسيف فيذبحهم به ذبح الشياه؛ وهذا ما لا يرضاه مسلم لنفسه، ولا لأمته التي شرفها الله ـ تعالى ـ وجعلها خير أمة أخرجت للناس، تلك الأمة الحاملة للرسالة الخاتمة، والتي كانت تحرص على الموت في سبيل الله، كما يحرص أعداؤنا على الحياة، بل علينا أن نقف وقفة الأسد عندما يُهاجَم عرينه، ولسان حالنا قول الشاعر: ولست بمبتاع الحياة بسبة ولا مرتق من خشية الموت سلما تأخرت استبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما فلا مناص لنا أن نوقن بحتمية المواجهة وبقرب ساعة النزال، فنستعد لذلك ونتجهز ونأخذ الأهبة ونعد العدة المستطاعة، امتثالاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وإني والله لموقن من نصر الله للمسلمين ومن هزيمة الكافرين، رغم ما عندهم من القوة وفراغ أيدينا من كثير من أدواتها ووسائلها؛ فإن القوم علاوة على كفرهم قد طغوا وبغوا وأكثروا في الأرض الفساد، وأتوا بكل أسباب الخذلان لهم من الله، فاستحقوا بذلك أن يكتب الله عليهم الهزيمة والخزي. ولم يبق لتحقيق ذلك في عالم الواقع إلا أن يحقق المسلمون شروط النصر، حتى يحقق الله لهم ما وعدهم به؛ فإن الله لا يخلف وعده، وإن سنته لا تتبدل. - شروط النصر: ومن شروط النصر: أن ننصر الله. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] ونصر الله هو نصر دينه وكتابه وسنة نبيه، فأعظم مخزون استراتيجي عند الأمة هو دينها الذي أعزها الله به، وهو أعظم سلاح تمسكت به، وبتحقيقها له وتمسكها بأحكامه حققت النصر في المعارك الصعبة، وإننا لو فتشنا حياة العرب كلها على مدى تاريخهم القديم والحديث، لم نكد نجد لهم من نقطة مضيئة إلا يوم أن آمنوا بالله ورسوله، وعضّوا على ذلك بالنواجذ، ولولا الإسلام لما راح العرب ولا جاؤوا، ولذلك لا يمكننا الحديث عن النصر الكامل، أو النصر المستقر ـ لا مجرد نصر زائف أو نصر خاطف مؤقت ـ إلا مع الالتزام بالإسلام، والتمسك به، والرجوع إليه. ونحن بحاجة إلى جهود مخلصة مع عزمات الرجال الأشداء لنحقق نصر الله، حتى ينصرنا الله ـ تعالى ـ كما وعد من ينصره بنصرٍ من عنده، ولا مجال هنا للتفاصيل، ويكفي كل دولة من دول المسلمين أن تستعين بمجموعة من العلماء البارزين المخلصين ـ وهم كُثر بحمد الله ـ تعالى ـ وهم قادرون بإذن الله ـ تعالى ـ على وضع الخطط الجيدة، والسريعة، والقابلة للتنفيذ في عالم الواقع، للعودة بالأمة إلى دينها في جميع المجالات: السياسية، والاقتصادية، والقضائية، والتربوية، والجهادية، والإعلامية. وينبغي على الدولة المسلمة أن تعتمد هذا الاتجاه؛ فتذلل أمام العلماء الصعوبات التي تعترضهم، وتمدهم بما يحتاجون إليه من رجال أو مال أو دعم؛ أي يكون هذا المشروع مشروع دولة لا مشروع فئة من الناس صغرت أو كبرت؛ فإن الخطر الداهم هو خطر بحجم الأمة كلها. وينبغي أن يكون التحدي المقابل بالحجم نفسه. ومن شروط النصر: الاتحاد؛ فالاختلاف والتنازع سبب للهزيمة والجبن والضعف، وإفساد الخطط وضياع الأهداف. والوقت الآن ليس وقت حروب داخلية، أو نزاعات بين أقلية وأكثرية، أو بين حكومة ومعارضة، أو بين عدة اتجاهات سياسية، والوقت يمر بأسرع مما نتصور، والإعداد الجيد يتطلب وقتاً مكافئاً، وخاصة في مثل الأوضاع التي نعيشها في ظل البعد عن الفهم والالتزام الحقيقي بالدين؛ فالحرب القادمة تستهدف الجميع، ولا تعتد بهذه التفاريق والاختلافات التي بين المسلمين، أو بين الحكام والمحكومين؛ فالجميع أعداء بالنسبة للصليبيين، وما يظهرونه من اعتداد ببعض الفرق، أو الجماعات، أو الحكومات فإنما على اعتبار أنها مرحلة تكتيكية تخدم مخططهم الكبير؛ فهي إذا ناصرت بعضاً وأظهرت لهم المعاونة والتأييد فإنما ذلك لتحقيق أهداف خاصة بهم، كأن تناصر فريقاً وتمده بالعون ليقضي على الفريق الآخر، وفي ذلك إضعاف للجميع، أو تناصر المجاهدين للقضاء على عدو مشترك كما حدث في الحرب الأفغانية الأولى؛ فقد ناصرهم الصليبيون (وإن كان ذلك حدث بطريق غير مباشر عبر الأبواب الخلفية) من أجل القضاء على الشيوعيين؛ فلما تم لهم ذلك قلبوا للمجاهدين ظهر المجن، والدروس في التاريخ كثيرة، والواقع ماثل مشاهد للعيان، ومن لا يعتبر فإنه يجني ثمار ذلك علقماً وحنظلاً، يجنيه على نفسه وعلى قبيله، فلا مسوغ للاختلاف بين المخلصين الذين يرجون رحمة الله، ويحرصون على مصالح دار الإسلام؛ فالعدو يستهدف الجميع، ونصر دين الله هو عمل الجميع، وقد قال ـ تعالى ـ محذراً من التنازع والاختلاف: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] ويعظم التنازع، ويكثر الاختلاف عندما يكون الأعداء على مشارف البلاد، وهذا أمر لا بد أن يدركه الجميع، وليس المطلوب أن يدركه فريق بينما بقية الفرقاء يغطون في نوم عميق: لا يهمهم ولا يعنيهم غير تحقيق مصلحة حزبهم أو جماعتهم، بمنظارهم الضيق، تلك المصلحة الحزبية أو الفئوية التي لا يمكن أن تستوعب مصلحة الأمة كلها. ومن شروط النصر: إعداد المستطاع من القوة، وقد تعددت وسائل القوة، واختلفت صورتها من جيل إلى جيل، والمطلوب أن يعد المسلمون ما استطاعوا من القوة المناسبة لعصرهم، كما جاء الأمر بذلك في كتاب الله فقال ـ عز من قائل ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . إن من فوائد إعداد العدة أنها تقوم بوسيلة الدفاع من حيث لا يدري المسلمون؛ فاستعداد المسلمين وتحصنهم بالآلات والوسائل القتالية المناسبة لعصرهم، تلقي في قلوب الأعداء الذين لا نعلمهم أو لا نعلم بعداوتهم الرعب والخوف، فلا يجرؤون على العدوان علينا، ولذلك جاء قوله ـ تعالى ـ بعد الحديث عن إعداد القوة فقال: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فأَمْر الله ـ تعالى ـ بإعداد ما يستطاع من القوة، يعني أن المسلمين مكلفون بذلك، وأن التهاون أو التفريط فيه يعرضهم لعقاب الله تعالى، بل عليهم أن يبذلوا جهدهم ما استطاعوا وأن يستفرغوا وسعهم، ثم بعد ذلك يقال: «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» أي لا يكلفها ما تعجز عنه، أو ما لا يمكنها فعله إلا بمشقة شديدة، تخرج عن حد الوسع والطاقة، وغير ذلك فإنما هو التهاون والتخاذل. وفي واقعنا المعاصر يمكننا أن نحدد أربع مجالات من مجالات إعداد القوة: أولاً: المجال التربوي: فإن المجتمعات تقاس قوتها اليوم بما لديها من نظم تربوية وتعليمية قادرة على إعداد الأجيال وتهيئتها، وفق عقيدة المجتمع وثقافته. وعلينا نحن في هذا المجال أن نعتني بالتربية في الجانب الشرعي التي تحفظ علينا ديننا، كما نعتني بالتعليم في الجانب التقني الذي يمكننا من مواكبة العصر وعدم التخلف عنه، من غير أن ينفي أحدهما الآخر؛ إذ لا تعارض بين الأمرين؛ فإن تعلم المعارف الدنيوية التي تحتاج إليها المجتمعات من فروض الكفايات، كما بيّن ذلك أهل العلم، ونصوا عليه في مصنفاتهم، والإنسان ينبغي له أن يتخصص في جانب بعد أن يكون قد حصل الأمور الأساس في بقية الجوانب، كما أن ما عرف بـ «سياسة تجفيف المنابع» أي منابع التدين في المجتمعات الإسلامية والتي اعتمدتها بعض المؤسسات الحاكمة، لا تكون إلا معولاً من معاول الهدم في يد الأعداء، كي يهدموا بنياننا، ويقوِّضوا صروحنا، ويستولوا على ديارنا وثرواتنا. إنّ فهم الدين الفهم الصحيح، والعمل به، والدعوة إليه على بصيرة، وإزالة كل ما يعارضه ويخالفه: هو صِمَام الأمان للمجتمعات في داخلها وخارجها. إن الدين هو الذي يُنشئ مجاهدين أقوياء شجعاناً ومقاومين، لهم بأس شديد أمام عدو الإسلام والمسلمين، وإن العناية بالتعليم في الجانب التقني تجعل أبناءنا يحوزون خبرات ومعارف العصر، حتى يمكن لنا أن نقيم مصانعنا بأيدينا، وننتج ما نحتاج إليه، فلا نكون عالة على غيرنا، حتى نستورد منهم أتفه الأشياء في بعض الأحيان، بحجة رخص ثمنها وجودة صناعتها، ومتى يمكن لنا أن نتقدم في هذا المجال إذا ظللنا نعتمد سياسة الاستيراد، إنّ من أهم ما ينبغي أن نحرص عليه في مجال التقنية أن تكون بلادنا قادرة على إنتاج سلاحها الذي تحمي به نفسها ورعاياها، فتحمي بذلك البلاد والعباد من بأس الكافرين وظلمهم، وليس من المعقول أو المقبول أن تنتج كثير من الدول على اختلاف مللها النصرانية، واليهودية، والبوذية، وعباد البقر والوثن، كثيراً من أسلحتها التي تحتاج إليها لتحقيق أهدافها ولحماية أراضيها، بينما يقف المسلمون وحدهم يتسولون السلاح. ثانياً: المجال التثقيفي: وهذا دور وسائل الإعلام الملتزمة بعقيدة بلدها وثقافة أمتها؛ حيث تقوم بتثقيف العباد وتبصيرهم؛ ببيان الحقائق، وكشف مخططات الأعداء وأساليبهم، ومن يجاريهم ويسير في دربهم وعلى مناهجهم، حتى تتكون لدى عامة المسلمين ثقافة المناعة والامتناع أمام الغزو الفكري، لا أن تكون تلك الوسائل هي رأس الحربة، والجسر الذي تعبر عليه كل الفلسفات الباطلة، والأخلاق الهادمة؛ فالإعلام لا بد أن يعد نفسه هو رأس الحربة والجسر الذي يعبر عليه المسلمون لفهم واقعهم على الوجه الصحيح، وفهم أعدائهم وخططهم وطرقهم، وأن يحصنهم ضد كثير من أفكارهم التي تتناثر عبر الفضائيات وشبكات الإنترنت تناثر الهوام؛ لأن تنويم الشعوب، وإشعارها بالطمأنينة الكاذبة، وعدم إطلاعها على حقيقة تربص الأعداء بها، لا يصب إلا في مصلحة العدو، بل يعد ذلك نوعاً من مشاركة العدو في استهدافهم لبلادنا. ولو أردنا أن نحدد للإعلام أهدافاً يجول من خلالها، وهو يقوم بدوره الإعلامي لقلنا: إن على الإعلام أن يعمل على بيان الحقائق وتوضيحها، وخاصة المتعلقة بعلاقة الغرب بالإسلام والمسلمين، وتوحيد قوى الأمة كافة، وإزالة ما بينها من فرقة واختلاف، أو شحناء، وإشاعة التراحم بين الناس، وحثهم على التعاون والتكامل، وشحذ الهمم نحو البذل والعطاء، والجهاد في سبيل الله؛ فمن خلال العمل على تحقيق هذه الأهداف يقوم الإعلام برسالته الإعلامية. ثالثاً: المجال الاقتصادي: صار الاقتصاد اليوم من أهم عناصر القوة، لذلك كانت تقوية الاقتصاد في بلاد المسلمين تقوية للأمة في معركتها المفروضة عليها من أعدائها، وأول خطوة في تقوية الاقتصاد هو اجتناب الربا اجتناباً كاملاً تاماً؛ لأن أصحاب الربا مخذولون غير منصورين؛ إذ الربا والخذلان قرينان، وقد آذنهم الله بالحرب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] ... الآيات؛ فمتى يُنصر من يحاربه الله ورسوله؟ وقد بيّن الله ـ تعالى ـ أن الربا لا فائدة فيه، وأن عاقبته إلى قُلٍّ وإن كثر؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] . ومن ذلك أيضاً نشر ثقافة الاستهلاك الرشيدة التي تهدف إلى الحصول على الاحتياجات من غير إسراف، أو توسع في الكماليات، وزيادة الإنتاج، وتجويده وتنويعه، حتى يغطي أكثر احتياجات السوق المحلية؛ مما يحفظ قوة العملة، وقدرتها في الأسواق المالية، والاستغناء عن الاستيراد في كثير من الأمور إلا ما لا بد منه، والعمل على أن يكون لدينا فائض من إنتاجنا، نصدره لضمان قوة اقتصادنا؛ وهذه بلا شك أمور لا تتم بالأماني والرغبات، بل هي في حاجة إلى تخطيط جيد من عدة نواحٍ، وليس في هذا مشكلة؛ إذ المخططون الأكفاء موجودون، والمطلوب الآن الاستعانة بهم، وعدم تهميشهم، والعمل بما يشيرون به في هذا المجال، وقد جربت أمتنا كثيراً من الخطط الاقتصادية، سواء ما ينتمي إلى الفكر الغربي الرأسمالي، أو الفكر الشرقي الشيوعي أو الاشتراكي، ولم تجن من وراء ذلك تقدماً أو تحسناً، بل الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءاً بمرور الأيام؛ فهذه الديون على الدول قد زادت زيادات غير معقولة، حتى إنها لو وزعت على أفراد بعض الدول ذات التعداد الكبير لكانت كل نفس فيها (حتى الأطفال الرضع) مدينة بعدة آلاف من الدولارات، ولم يبق للدول إن أرادت الخير إلا أن تبحث عن الخطط التي تنطلق من الفهم الإسلامي للاقتصاد، وهم مدعوون إلى ذلك من منطلق الدين أولاً: لأن هذا هو الفرض عليهم، ومدعوون إليه ثانياً: من قِبَل الدنيا؛ لأنه هو الكفيل بتحقيق الحياة السعيدة بعيداً عن الحياة التعيسة البئيسة. رابعاً: المجال العسكري: وهو أشهر مظاهر القوة وأصرحها، وعليه يقع عبء كبير، لكنه إذا لم تسانده المجالات المتقدمة؛ فإن فعاليته تكون ضعيفة، والناس تنقسم في هذا المجال إلى عسكريين ومدنيين، لكن هذا التقسيم إنما ينظر إليه عند جهاد الطلب، أما عند الدفاع عن الحرمات والحريم، والعيال والديار؛ فإن الجميع من عسكريين ومدنيين يطالبون بذلك، ولا أثر لذلك التفريق على توجه الطلب للجميع. واستعداداً للجولة القادمة التي يفرضها علينا أعداؤنا في تلك الظروف، وحالات الضعف التي تمر بها الأمة، فإنه ينبغي علينا أن نقوم بتدريب الجيوش تدريبياً حسناً، وأن نمدها بالأسلحة الحديثة المتقدمة المتطورة، مع إجراء المناورات المتعددة واختبار القدرات، وربط ذلك كله بالجانب العقدي في المحافظة على الدين، وحماية دار الإسلام، وشحن العسكر شحناً إيمانياً عن طريق جهاز التوجيه الديني المعاون للجيوش. وإذا كانت الجيوش بما لديها من أسلحة قديمة وغير متطورة، لا تستطيع بعد بذلها لما يمكن بذله من النفوس أن تحقق التفوق والتغلب على أسلحة الأعداء؛ فإن هناك من أنواع الخطط العسكرية (التكتيك) التي يمكن اتباعها، والتي يمكن أن توقع بالعدو خسائر جسيمة لا يستطيع تحملها مع طول أمد المعركة، وهذه الخطط تعتمد على حرمان العدو من القدرة على استعمال السلاح الأكثر تطوراً، والذي لا يملكه أحد غيره سوى حلفائهم؛ فإذا أمكن تحييد هذه الأسلحة بالطرق المعروفة في الفنون العسكرية، صارت المعركة بيننا وبين أعدائنا تعتمد في أغلب جوانبها على السلاح التقليدي الذي يمكننا صناعته، أو الحصول عليه بطرق كثيرة من خلال المنافذ المتعددة. وهنا يظهر تأثير الجندي القوي المؤمن بقضيته وحقه، بل واجبه في الدفاع عن دينه وأمته ووطنه، ومع الإعداد الإيماني لجنودنا، إضافة إلى الإعداد العسكري الجيد، فإن النصر في صفنا بإذن الله، ولن نخسر المعركة أبداً من قِبَل نقص السلاح والعتاد، وإنما تأتي الخسارة من قِبَل ضعف العزيمة والوهن الذي يصيب النفوس، برغبتها في الحياة، وتغليب العيش الذليل على عز الجهاد والاستشهاد، وقد أثبتت الخبرة المكتسبة من عدة حروب، من آخرها الحرب الدائرة في العراق الآن بين المحتل الصليبي وبين أهل البلد المقاومين؛ أن الأسلحة التقليدية قادرة ـ بإذن الله ـ على فعل الأعاجيب، وإيقاع الخسائر البالغة بأصحاب القوة العظمى، وهذا يستلزم من دول المسلمين، وهي تخشى على نفسها من عدوان العدو الغادر الذي لا يقيم وزناً لأي شيء إلا ما وافق مصلحته الذاتية، أن تقوم بتدريب فئة قوية من الشعب (تتراوح أعمارها غالباً بين العشرين والأربعين) على مختلف الأسلحة إلى حد الإتقان، مع تكديس الكثير من هذه الأسلحة وذخيرتها في مخازن عدة متفرقة في أماكن مختلفة على طول البلاد وعرضها، بالإضافة إلى تمكين الشعوب من الحصول على ذلك السلاح عند قرب اقتحام الأعداء لحدود البلاد، مع تنظيم تلك المجموعات الشعبية، وترتيبها وتعويدها العمل الجماعي المنضبط، مع ما يتبع ذلك من تأمين وسائل اتصال جيدة بين تلك المجموعات، وغير ذلك مما يُحتاج إليه في ذلك، وهو ما يعرفه العسكريون بصورة أكمل وأشمل، وينبغي أن نجهز ذلك من الآن قبل أن يدهمنا العدو، فلا نملك التجهيز والإعداد إلا والعدو فوق رؤوسنا؛ فإن الأمر أعجل مما نتصور بكثير، وليس يمنع أعداؤنا من هذه الخطوة إلا عدم قدرتهم العسكرية على إشعال أكثر من حرب في أماكن متعددة، وخاصة بعد الصمود غير المتوقع من المقاومين العراقيين، ولو أن العراقيين سلَّموا من أول أمرهم، ولم يقاوموا بل استقبلوا ذلك بالتسليم والتاييد لتغير التاريخ والجغرافيا في منطقة الشرق الأوسط بأكملها. إن المستقرئ للأحداث يدرك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ليست هي المحرك الوحيد لما تلاها من أحداث، وإن حاول الصليبيون أن يروجوا ذلك، ولكنها كانت الظرف الأفضل الذي يمكن من خلاله عمل ما جرى التخطيط له منذ زمن. إن أمريكا بعد انهيار توازن الرعب بانهيار الاتحاد السوفييتي اشرأب عنقها نحو السيطرة الفعلية على العالم، وإن هذا قد جرى التخطيط له منذ فترة رئاسة (ريجان) ، بل قبل ذلك، ولكننا نحن الذين لم نتفطن لذلك ولم ننتبه له، وكان ينبغي علينا أن نحسب لهذه الأيام حسابها، وأن نعد لها العدة، فإن الذي يبدأ بالضربة الأولى هو الذي يملك زمام الأمر لفترة تطول أو تقصر بحسب قوته، واستعداده، وبحسب قوة الخصم، واستعداده لاستيعاب الضربة الأولى، ولا شك أن الذي يكون في وضع الدفاع يفقد جزءاً من قوته مع الضربة الأولى، وتتوقف استعادته لتوازنه على قدرته وتدريبه على مثل تلك المواقف، وكيفية مواجهتها ووضع الخطط المناسبة لها، ونحن وإنْ كنا لن نضرب الضربة الأولى لعدم استطاعتنا لذلك، بل سنظل ننتظر الضربة التي تقع علينا؛ فما زال في الوقت فسحة ولو قصيرة للمخلصين للتخطيط لتلقي الضربة الأولى، وكيفية العمل على إفسادها، ومن ثم العمل على إيقاف تلك الهجمة التي لو قدر لها أن تنجح فلن تبقي ولن تذر، وسيتحول المسلمون الطاهرون عندها إلى رعاة خنازير عند عباد الصليب. وبعدُ فنحن هنا لسنا دعاة حرب، بل في حالة دفاع عن الدين والنفس والمال والعرض، وكلها من الضروريات، ولسنا في حالة هجوم؛ فنحن لا نخطط للذهاب إلى بلادهم وديارهم ومهاجمتهم، وإنما ندعو أمتنا للتخطيط من أجل الحفاظ على ديننا وديارنا وأهلينا وثرواتنا، وليس في هذا عدوان على أحد، وإنما هو محاولة لرد العدوان، ومحاولة لزجر من تسول له نفسه أن يقترب من حياضنا؛ حتى يعلم أننا لسنا لقمة سائغة يسهل ابتلاعها وهضمها، بل يدرك أننا لقمة مُرَّة يصعب ابتلاعها، وأنه لن يشعر بالسعادة أبداً إذا حاول ابتلاعها، بل سيجدها أشواكاً ضخمة في حلقه مثل الكلاليب تسد حلقه، حتى تقضي عليه، ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤ - ٥] . وإني أرى أن تقوم الآن في كل دولة مسلمة هيئة هدفها العام إعداد الدولة للمواجهة والجولة القادمة، وهي هيئة حكومية أو مدعومة من الحكومة تتعاون فيها وزارات الدفاع، والدعوة، أو الأوقاف، والتعليم مع مجموعة من الكفاءات الشعبية، ومن أول ما ينبغي القيام به من هذه الهيئة أن تطلع الشعوب على ما يراد بهم؛ فإن عدونا لم يعد اليوم يخشى من التصريح بما يريد فعله في ديار المسلمين، فألفاظهم صريحة محددة، ومباشرة ليس فيها تورية؛ فلا بد من إطلاع أمتنا على ذلك، حتى تكون لديهم البصيرة بما يراد بهم، وماذا يريد هؤلاء منهم، وحتى لا ينخدعوا ببعض ما قد تبثه وسائل الإعلام التابعة، أو الموالية لهم، ولست أتمنى أن يأتي اليوم الذي يقف فيه الإنسان، كما وقف الشاعر العربي قديماً بعدما نصح قومه بالاستعداد للعدو فأهملوا نصحه، حتى فجأهم العدو ضحى على حين غرة، فحصل لهم ما حصل من الهزيمة والخسران؛ فوقف الشاعر وقال: أمرتُهُمُ أمري بمُنعَرَج اللِّوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ أسأل الله ـ تعالى ـ أن يوفقنا وأمتنا، وأن يحفظ علينا ديننا وأمننا، وأن يرد كيد عدونا في نحره.

стр. 5327

الدورات المكثفة لحفظ القرآن الكريم نظرة تقويمية د. إبراهيم بن صالح الحميضي إن حفظ القرآن الكريم من أجلّ القربات، وأفضل الطاعات، وأهم المهمات. وحَمَلَةُ القرآن هم أرفع الناس قدراً، وأشرفهم علماً، وأقومهم طريقاً. وقد حث رسول الله ﷺ أمته على حفظ القرآن الكريم، ومدارسته وتعلمه وتعليمه، وبيّن فضل أهله وحملته، والأحاديث في هذا الباب معلومة مشهورة. وقد اعتنى المسلمون بكتاب ربهم عناية فائقة، تميزوا بها على من سبقهم من الأمم؛ حيث تنافسوا في قراءته وحفظه، وتسابقوا إلى دراسته، والعمل به. وقد ظل هذا الكتاب الكريم على مرّ القرون منذ نزوله إلى يومنا هذا محفوظاً في الصدور، كما هو مكتوب في المصاحف، يأخذه اللاحق عن السابق؛ فالحمد لله على منته وفضله. وفي هذا العصر وجدت أساليب جديدة لتعليم القرآن الكريم وتحفيظه، نفع الله بها، وكان لها أثر كبير في خدمة هذا الكتاب العزيز وتسهيل تعلمه. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة طريقة جديدة لحفظ القرآن الكريم، وهي حفظه عن طريق الدورات المكثفة في شهر، أو شهر ونصف، أو شهرين؛ حيث فتحت أبوابها لمن يريد حفظ القرآن الكريم في هذه المدة الوجيزة، ولا سيما في الإجازة الصيفية، وكان من أهم الدواعي لظهور الدورات المكثفة لحفظ القرآن الكريم ما يحصل في بعض حِلَق ومراكز التحفيظ من إطالة لمدة الحفظ، وعدم عناية بالنابهين والجادين من الطلاب والطالبات. ونحن نشكر الإخوة القائمين على هذه الدورات على جهدهم وحرصهم الكبير على دعوة الناس إلى حفظ كتاب الله تعالى، وتيسير السبل الموصلة إلى ذلك، ونسأل الله ـ تعالى ـ أن يثيبهم على ذلك، ويسدد خطاهم. وقد كان لهذه الدورات ثمرات طيبة من أهمها: ١ ـ إظهار يسر حفظ القرآن الكريم لمن أقبل عليه بعزيمة وصدق. ٢ ـ فتح المجال لمن أراد حفظ القرآن الكريم من أصحاب الأعمال، والمهن، والارتباطات الدائمة، والذين لا يتيسر لهم ملازمة الشيوخ طيلة العام. ٣ ـ بعث الهمم، وإيجاد الفرصة لمن تقدمت به السن، وظن أن وقت الحفظ قد فات، وزمن التحصيل ولَّى. ولكن وجود هذه الميزات لا يلزم منه بقاء هذه الدورات على وضعها الحالي دون تهذيب، ومراجعة وتقويم. قد يبهرنا النجاح اليسير الذي نحققه في عمل ما عن الخلل الكبير الذي يتخلل ذلك النجاح. وقد تصرفنا كلماتُ الإطراء التي نسمعها من بعض الفضلاء عن مراجعة أنفسنا، وتقويم أعمالنا. إننا نؤيد ونشجع كل جهد مخلص، وأسلوب جديد يساعد في تعليم القرآن، وحفظه ودراسته، ولكن بشرط أن يكون مبنياً على دراسة وافية، ورؤية واضحة، وليس على ردود أفعال، أو عواطف جياشة، ونظرات قصيرة. إنني ومن خلال متابعتي لبعض هذه الدورات في مناطق مختلفة، ولقائي بالقائمين عليها وطلابها، وقراءة بعض خريجيها عليَّ، وسماع رأي بعض المتخصصين بتعليم القرآن فيها، أرى أنها بحاجة ماسة لإعادة النظر فيها، وتقويمها تقويماً شاملاً، وقياس مخرجاتها، ومعرفة مدى ملاءمتها لما يبذل فيها من أموال وجهود. هذا وقد ظهر لي عدد من الملحوظات والمآخذ العلمية والتربوية على هذه الدورات ومخرجاتها، وقبل بيان هذه الملحوظات أُنبه إلى أمرين هامين: الأول: أن كثيراً من طلاب هذه الدورات لا يصدق عليهم أنهم حفظوا القرآن في شهر أو شهرين؛ فإن عدداً غير قليل منهم قد أتموا حفظ القرآن، أو أكثره، أو نصفه قبل دخولها؛ حيث أمضوا في حِلَق التحفيظ بضع سنوات، تعلموا فيها، وتربوا وتدربوا على الحفظ، حتى إذا ما نضجوا وقَرُبَ زمن الحصاد، التحقوا بهذه الدورات، وتخرجوا فيها، وكانوا هم النماذج المقدَّمة لها، ولا شك أن في هذا إيهاماً للطلاب الجدد، وأولياء أمورهم، والداعمين لهذه الدورات، كما أن فيه هضماً لجهود مدرسي ومشرفي حِلَقهم الأصلية الذين تعبوا في تربيتهم وتذليلهم للحفظ، وترغيبهم فيه، وهذا الصنف قد لا تنطبق عليهم الملحوظات التي سأذكرها. الثاني: أني لا أنكر أنه يوجد من يستطيع حفظ القرآن في شهرين أو نحو ذلك، ويكون قادراً على مراجعته وضبطه، وقد ذُكر أن العلاَّمة الشيخ عبد الرحمن بن محمد الدوسري [ت: ١٣٩٩هـ] قد حفظ القرآن في شهرين، وذلك حينما اشتكى عينيه، وخشي ذهاب بصره، ورأيت من الطلاب من عنده القدرة الفائقة على الحفظ والاستذكار في مدة وجيزة، ولكن هذا أمر نادر. والملاحظ أن هذه الدورات مفتوحة للجميع رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، بل إن التسجيل في بعضها يتم عن طريق شبكة المعلومات (الإنترنت) ، وهي وإن كانت تضع شروطاً للقبول؛ فإنها غير كافية، ثم إن هذه الشروط كثيراً ما يُتساهل فيها لسبب من الأسباب، لا سيما مع كثرة هذه الدورات، والاهتمام بِالكَمّ. أهم الملحوظات: ١ ـ عدم إتقان الحفظ: فإن من المعلوم شرعاً وتجربةً أن القرآن سريع التفلّت، ولا سيما الحفظ الجديد؛ فهو يحتاج إلى تكرار كثير، ووقت طويل حتى يثبت، وهذا لا يمكن أن يكون في شهر أو شهرين، مع أن الطالب في هذه الدورات مشغول بالحفظ الجديد الذي يستغرق جلّ وقته، ولا سيما بعد زيادة المحفوظ، وأنا أعلم أن هناك برامج للمراجعة في هذه الدورات، ولكنها غير كافية، ثم إنه يصعب على الطلاب تطبيقها والوفاء بها؛ ولذلك وجدنا كثيراً من طلاب وطالبات هذه الدورات احتاجوا إلى حفظ بعض الأجزاء من جديد مرةً أخرى، وبذلوا من الجهد والوقت في مراجعة بعضها ما يقارب الجهد والوقت الذي يبذل في المحفوظ الجديد، ومنهم من ضعف وعجز؛ فتبخر حفظه. والخلاصة أنهم لم يصلوا إلى مرحلة الضبط التام إلا بعد سنتين، أو أكثر من بداية حفظهم. ٢ ـ عدم إتقان التلاوة: يقع للطلاب أثناء الحفظ بعضُ اللحون على تفاوت بينهم في ذلك، ويقوم المدرس بتصحيح هذه اللحون، ولكنْ مع كثرة المحفوظ، وتتابعه يصعب على الطالب التخلص منها تماماً، لا سيما إذا حفظ على غلط، وقد رأيت بعض طلاب هذه الدورات يقعون في لحون جلية غير قليلة. ٣ ـ أن الحفظ في هذه الدورات مكثّف جداً، ويحتاج إلى مجهود ذهني وبدني كبير، حتى إن بعض الطلاب لا يستطيع المواصلة، وما أن تنتهي الدورة حتى يتنفس الطالب بطلاقة؛ ولذلك يحتاج إلى فترة استجمام طويلة، ويعتريه فتور كبير ونُفْرَةٌ عن المراجعة، وهذه الفترة قد تكون كفيلةً بضياع المحفوظ، أو بعضه. ٤ ـ الحفظ المكثف يُفقِد الطالب عدداً من الأمور المهمة: كمعرفة أوائل وأواخر الأجزاء والأحزاب، وترتيب السور، ومواضع السجود والوقوف، والتمييز بين الآيات المتشابهة، ونحو ذلك. ٥ ـ لم تكن هذه الطريقة معروفة عند السلف مع حرصهم على الخير، وقوة حافظتهم، وعلو همتهم، وحسن إسلامهم، وقد ذكر الإمام ابن الجزري أنهم كانوا يُقرئون ثلاثاً ثلاثاً، وخمساً خمساً، وعشراً عشراً، لا يزيدون على ذلك، وهذا في حالة التلقين أو الحفظ الجديد، أمّا في مقام العرض، والتصحيح فلا حرج في الزيادة إلى ما شاء (١) . وعن أبي نُضرة: قال كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة، وخمس آيات بالعشي، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات، خمس آيات (٢) . ونحوه عن أبي العالية (٣) . وعن إسماعيل: قال: كان أبو عبد الرحمن يعلمنا خمساً خمساً (٤) . وعن علي بن بكار الزاهد قال: «قال بعض أهل العلم: من تعلم خمساً خمساً لم ينسه» (٥) . وعن إسحاق بن عيسى قال: سمعت مالكاً يوم عاب العَجَلة في الأمور قال: «قرأ عبد الله بن عمر البقرة في ثماني سنين» (٦) . فعلى من أراد الحفظ والإتقان، والفهم والتحصيل أن يراعي سنّة التدرج، وأن يترفّق بنفسه، ويقتصر على ما يمكنه إدراكه واستيعابه؛ فإنه بذلك يحصِّل علوماً كثيرة جداً، مع راحة نفسه، وعدم إملاله (٧) . وأنا لست مع من يقول: احفظ في كل يوم آية، وداوم على ذلك، بل ينبغي للطالب أن يستغل وقت الشباب والفراغ، ويجد ويجتهد، ولكنْ لا يرهق نفسه، ويشتت ذهنه، ويتحمل فوق طاقته. قال الخطيب البغدادي: وينبغي أن يجعل لنفسه مقداراً كلما بلغه وقف وقفته أياماً لا يزيد تعلُّماً؛ فإن ذلك بمنزلة البُنيان؛ ألا ترى أن من أراد أن يستجيد البناء بنى أذرعاً، ثم ترك حتى يستقر، ثم يبني فوقه، ولو بنى البناءَ كله في يوم واحد، لم يكن بالذي يُستجادُ، وربما انهدم بسرعة؛ فكذلك المتعلم ينبغي أن يجعل لنفسه حداً كلما انتهى إليه وقف عنده، حتى يستقرَّ ما في قلبه؛ فإذا اشتهى التعلُّم بنشاط عاد إليه، وإن اشتهاه بغير نشاط لم يعرِضْ له (١) . وقال ابن الجوزي: وينبغي أن يريح نفسه من الحفظ في الأسبوع يوماً أو يومين ليكون كذلك كالبناء الذي يُراح ليستقر (٢) . وقد ذكر العلماء أن من حكمة نزول القرآن منجَّماً تيسير حفظه (٣) . ٦ ـ قد يُصاب الطالب بالغرور حينما يحفظ في هذه المدة الوجيزة، ويتعالى على أقرانه، وربما تصدّر، وبدأ بحفظ متون أخرى، وهو لم يضبط ما حفظ؛ فيكشف فيما بعد أنه كالمُنْبَتِّ، لم يتقن القرآن، ولم يتمكن من العلوم الأخرى. والعلم الشرعي لا يُنال إلا بالصبر والدأب، وطول الزمان. نَعَمْ! الجد، واستغلال الوقت، وانتهاز الفرص، والتنافس في التحصيل مطلوب ومحمود، ولكن لا ينبغي أن يتحول العلم إلى وجبات سريعة يأخذه العجلان في فترات قصيرة متقطعة. ٧ ـ من المعلوم شرعاً ونظراً أنه لا يكفي حفظ ألفاظ القرآن، بل لا بد من تدبر آياته وفهم معانيه والعمل بما فيه، والتخلق بأخلاقه، والتحلي بآدابه، ولا شك أن بقاء الطالب مع الأستاذ سنتين أو ثلاثاً له أثر كبير على دينه وأخلاقه، ولا سيما أن أكثر الطلاب يحفظون القرآن في مرحلة المراهقة، وهي مرحلة حساسة كما هو معلوم. ٨ ـ قد تكون هذه الدورات سبباً في تسرب الطلاب من بعض حِلَق التحفيظ طمعاً في سرعة الحفظ، وهذا له أثر سلبي عليهم وعلى بقية زملائهم. ٩ ـ أكثر هذه الدورات تحتاج إلى تكاليف باهظة تنفق على الإسكان والإعاشة، والجوائز، ورواتب المدرسين، والعاملين فيها، وهذه المصروفات لا تتناسب مع المُخْرَجَات إطلاقاً، ولو صُرفت في مشاريع قرآنية أخرى دائمة لكان أوْلى بلا شك، فإن تكلفة بعض هذه الدورات تكفي لتشغيل دار نسائية، أو مدرسة تحفيظ للبنين لعدة سنوات. وبعد: فقد يقول قائل: إن هذه الملحوظات أو بعضها موجودة عند الحفاظ في غير هذه الدورات، وهذا صحيح، ولكنْ هناك فروق كثيرة بين الحالين، وذلك من وجوه: مقترحات للتطوير: ١ ـ أن وجوه هذه الملحوظات في غير الدورات المكثفة ليس راجعاً إلى كثافة الحفظ أو قِصَر المدة، ولكن إلى أسباب أخرى يمكن معالجتها بسهولة. ٢ ـ أن حِلَق التحفيظ مفتوحة للجميع يدخلها القوي والضعيف، الراغب وغير الراغب، ولها أهداف علمية وتربوية متعددة، أحدها: حفظ القرآن، ولو لم يحصل منها إلا ارتباط الطالب بالمسجد والجلساء الصالحين لكفى؛ بخلاف هذه الدورات المكثفة؛ فإنه لا يدخلها في الغالب إلا الجاد الحريص على الحفظ، وهذا يمكن أن يسلم من هذه الملحوظات إذا وضع له برنامج زمني مناسب. ٣ ـ يمكن تشخيص هذه الأدواء، ومعالجتها في برامج الحفظ الطويلة، أما في الدورات المكثفة؛ فإن هذه المزالق قد لا تتبين إلا بعد انتهاء الدورة، وإن أمكن معرفتها أثناء الدورة لم يمكن معالجتها لقصر المدة. وفي الختام أقول: إن إيراد هذه الملحوظات على الدورات المكثفة لحفظ القرآن في وضعها الحالي لا يعني بحال: الدعوة إلى إلغائها، وقعود القائمين عليها، كلا! بل إني أدعو وأؤكد على بقائها وانتشارها، ولكن بعد أن تُراجع وتقوَّم، وتنظم وتطوَّر وفق دراسة وافية ومتأنية. ومن البرامج المقترحة التي أرى أنها جديرة بالاهتمام، والتطبيق، وهي موجودة ـ ولله الحمد ـ في دورات أخرى ما يلي: ١ ـ حفظ أجزاء محدودة من القرآن، ولا أريد أن أحدد القدر المناسب للحفظ في كل دورة؛ لأمرين: أـ أن هذا يحتاج إلى دراسة وافية كما أسلفت. ب ـ أن هذا القدر يختلف باختلاف مدة الدورة، ومستوى الطلاب، ومكان الدورة، وغير ذلك من المؤثرات. ٢ ـ إقامة دورات الضبط والإتقان، يتخللها بعض البرامج العلمية والتربوية، وفي رأيي أننا بأمسِّ الحاجة إلى هذا النوع من الدورات؛ لأننا لا نشكو من قلة الحفَّاظ في كثير من البلاد ـ ولله الحمد ـ ولكننا نشكو من قلة الحفاظ الضابطين المجوِّدين، المتخلِّقين بأخلاق القرآن. ٣ ـ إقامة دورات في التجويد، وحسن الأداء، والتفسير، وعلوم القرآن، وهذه أيضاً مهمة؛ لأنه يوجد كثير من الحفاظ لا يحسنون الأداء، ولا يعرفون تفسير قصار السور، ومن المعلوم أن تدبر القرآن موقوف على فهم معناه. هذا ما أحببت تعليقه حول هذا الموضوع؛ فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان. وأرجو أن تتسع صدور إخوتي القائمين على الدورات لهذه الملحوظات؛ فوالله ما دعاني إلى تقييدها إلا النصح لكتاب الله، وأهله، بعد طول تأمل. وأسأل الله ـ تعالى ـ الهداية والسداد، وحسن القصد وصلاح العمل، كما أسأله ـ سبحانه ـ أن ينفعنا ويرفعنا بالقرآن الحكيم، وأن يجعله لنا شفيعاً يوم القيامة، إنه سميع قريب.

стр. 5328

العبيد لا يصنعون حضارة محمد محمد بدري ماذا يفعل الإنسان عندما يجد أن القيم قد فقدت قيمتها، وكيف يتصرف وهو يرى حضارته تتحشرج في صدرها الأنفاس الأخيرة، ويهاجمها السوس ينخر أصل جذورها، والجراد يلتهم الخضرة من فروعها وأوراقها، فلا تملك الطيور المبدعة إلا أن تهجر الأعشاش التي بنتها، وتأوي ـ يائسة أو مترفعة ـ إلى حزنها وصمتها؟ ماذا يفعل هذا الإنسان، وهو يشعر بالاضطراب والخلل في كل شيء، ويفزعه خلو الساحة لعقارب الخسة والغدر، وكلاب السلب والنهب، وقرود الوصولية والانتهازية؟ أيبقى أمامه إلا أن يصرخ ويحذّر وينذر، أو يسقط في الهاوية التي تتعطل فيها إرادة الحياة، وتشلّ القدرة على الاختيار، والمبادرة والفعل الحر؟ - القابلية للاستعباد: لا شك أن الطغيان مأساة في حياتنا، ولا شك أيضاً أننا لم نستطع بعد أن «نقبض» على أسباب هذه المأساة عبر تسليط أضواء البحث العلمي الجاد على كل أبعادها؛ فعلى الرغم من الكم الهائل من الكتابات والتحليلات والتفسيرات التي خرجت إلى النور حول هذه المأساة لم تزل ظلال الطغيان وأصداؤه المعتمة تتردد في صرخات الشكوى والأنين التي تنبعث بين الحين والحين. «ومع أن مفهوم الطغيان يرتبط بمفاهيم أخرى عديدة: كالاستبداد، والتسلط، والحكم الفردي المطلق ... ويثمر ثماره المسمومة في ألوان التعصب والتطرف، وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، التي نشقى بغصصها، ونتوجس خيفة من أخطارها؛ فإن المشكلة تظل قائمة، وهي أن الطغيان لم يأخذ حقه من اهتمام الدارسين والباحثين في العلوم الإنسانية بوجه خاص، على الرغم من أنه هو رأس المشكلات والأزمات، وأوْلاها بالدرس، والتحليل والنقد والعلاج....» (١) . لم يحدث هذا الذي يحدث، وكيف يحدث؟.. يا إلهي.. إنه نوع من الانتحار نُستدرَج إليه بأيدينا!! كيف يسقط البشر في أصفاد العبودية، وكيف يخضعون لجبروت فرد مثلهم، يأكل مما يأكلون منه؛ ويشرب مما يشربون؟ «لست أبتغي شيئاً إلا أن أفهم كيف أمكن لهذا العدد من الناس أن يحتملوا طاغية واحداً لا يملك من السلطان إلا ما أعطوه، ولا من القدرة على ذلك إلا بقدر احتمالهم الأذى منه. إنه لأمر جلل حقاً، وأدعى إلى الألم منه إلى العجب أن ترى الملايين يخدمون في بؤس، وقد غُلّت أيديهم دون أن ترغمهم على ذلك قوة أكبر، بل هم فيما يبدو قد سحروا؟» (٢) . إن القرآن يعيب على المستضعفين تذللهم للمستكبرين، وخضوعهم لهم في غير ما أمر الله: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا * وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٧ - ١٠٠] . وصوّر القرآن في عدة آيات النقاش الذي يدور في النار بين المستضعفين والمستكبرين.. الضعفاء يعتذرون بأن الكبراء أغروهم.. والكبراء يتنصلون، ووضّح القرآن أن هذا الاعتذار لا يعفي المستضعفين من المسؤولية، وأنه لا يخفف عنهم العذاب. ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالإنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣] . ﴿وَإذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُلٌّ فِيهَا إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧ - ٤٨] . وغيرها من الآيات كثير، تصور مسؤولية المستضعفين، ومغبة تسليمهم، وخضوعهم المطلق للمستكبرين. وتدعو بكلماتها وحوارها كل مؤمن أن يتحدى العقبات التي تعترض طريقه في السعي والتحرك، وأن يعد لكل عدو سلاحاً، فأما الجبن فيواجهه بالتوكل، وأمّا الخوف فيستعين عليه بالثقة بالله، وأمّا مغريات الدنيا فيستعد لها بقوة الإرادة، وأمّا لوم اللائمين ومدح المادحين، أو الأغلال الاجتماعية الأخرى فيتسلح ضدها باليقين؛ فلا يخاف في الله لومة لائم، كما لا يثنيه مدح المادحين عن الاعتراف بعيوبه ونقائصه. إن الأغلال التي وضعت على الجاهليين في مكة هي التي أركستهم إلى العبودية الذليلة؛ فلما جاءت رسالة الإسلام وضعت عنهم هذه القيود. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . واليوم تشكّل الأفكار الخاطئة، والمفاهيم المنحرفة قيوداً وأغلالاً تمنع المسلم من التحرّك لتغيير واقعه، واقع العبودية الذليلة، ولن يضع عنه الأغلال التي صارت عليه إلا تصحيح تلك الأفكار، ومنها: ـ اعتقاد أن «لا إله إلا الله» كلمة تطلق في الهواء، وأنه ليس لها مقتضيات!! ـ حصر العبادة في الشعائر.. بينما هي غاية الوجود الإنساني كله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . ـ الخضوع لأي سلطة مهما كانت الشريعة الذي تقوم عليها، بزعم أنها أولو الأمر (١) . إنه لا يؤدي بالناس إلى «كارثة الاستعباد» إلا عدم وضوح حقيقة الألوهية، وحقيقة الإنسان، وحقيقة الحياة، وحقيقة الكون. وما حياة المستعبدين في حقيقتها إلا قصة جهل، وإهمال، وسوء استخدام، وخيانة لأفكار الإسلام الصحيحة. وهذه الخيانة التي هي جذور إخفاق الأمة من جميع النواحي الأخلاقية والسياسية. لقد كان ضعف تأثير الإسلام في الحياة العملية للمسلمين مصحوباً دائماً بانحطاطهم، وانحطاط مؤسساتهم السياسية والاجتماعية. إننا إذا استمسكنا بإسلامنا استمساكاً حقيقياً لا يمكن استعبادنا، أو إيقاعنا في الجهالة، أو تجهيلنا، أو تمزيق وحدتنا. «إن ظاهرة التخلي عن الإسلام، أو هجره تتجلى بوضوح في محاولات قمع الفكر الإسلامي، واستبعاده من الحياة النشطة المتوثبة، كما تبدو في تحجيم الإسلام إلى حالة من السلبية والتسطيح. ويمكن ملاحظة هذا بأكبر قدر من الوضوح في طريقة تناولنا اليوم للقرآن. إن الإخلاص للقرآن لم يتوقف، ولكنه فقد خصوصيته الفاعلة. لقد استبقى الناس في أفئدتهم من القرآن ما أشيع حوله من تصوف ولا عقلانية؛ بينما فقد القرآن سلطانه كشريعة ومنهج حياة، واكتسب قداسته (كشيء) . وفي دراسة القرآن وتفسيره استسلمت الحكمة للمماحكات اللفظية، واستسلم الجوهر للشكل، واستسلمت عظمة الفكر للمهارة والحفظ. أما ما يحث عليه القرآن من: جهاد، واستقامة، وتضحية بالنفس والمال، كل ذلك قد ذاب وتلاشى في ضباب الصوت الجميل لتلاوة القرآن، وحفظه عن ظهر قلب. هذه الحالة الشاذة قد أصبحت الآن مقبولة كنموذج سائد بين الشعوب المسلمة؛ لأنها تتناسب مع أعداد متزايدة من المسلمين لا يستطيعون الانفصام عن القرآن، ولكنهم من ناحية أخرى لا يملكون القوة، أو الإرادة على تنظيم حياتهم وفق منهج القرآن. ولعل التفسير النفسي لهذه المبالغة التي يخلعها الناس على التلاوة المنغمة للقرآن يكمن في هذه الحقيقة؛ فالقرآن يُتلى، ثم يفسر ويُتلى، ثم يدرس ويُتلى مرة أخرى، وهكذا تتكرر الآية ألف مرة ومرة، حتى لا نطبقها في حياتنا مرة واحدة. إن واقع المسلم بكل تناقضاته، وكل ما فيه من فصام بين الكلمة والفعل، وانحرافه عن الواجب، وشيوع الفساد والظلم والجبن، وافتقاره إلى المثل العليا وإلى الشجاعة، وانتشار الشعارات الإسلامية المثيرة، والتشدد المتنطع في أداء التكاليف الدينية، والاعتقاد بدون إيمان حقيقي فعّال ـ كل هذا ليس إلا انعكاساً خارجياً للتناقض الأساس الذي أحطنا به القرآن، والذي يتمثل في الحماس المشتعل للقرآن من ناحية، والإهمال الكامل لمبادئه في الممارسة العملية من ناحية أخرى. إن هذا التناقض في التعامل مع كتاب الله: هو السبب الأول والأكبر أهمية في الطغيان، وقبول الاستعباد. - الحريّة المفقودة: في الجاهلية الأولى، وفي كل جاهلية «كانت القدرة على الظلم قرينة العزة والجاه في عرف السيد والمسود!! وما كان الشاعر النجاشي إلا قادحاً مبالغاً في القدح حين استضعف مهجوه؛ لأن: قبيلته لا يغدرون بذمة، ولا يظلمون الناس حبة خردل. وكان حجر بن الحارث يستعبد بني أسد بالعصا؛ فيتوسل إليه شاعرهم عبيد بن الأبرص، فيقول: أنت المملك فيهمُ وهم العبيد إلى القيامهْ ذلّوا لسوطك مثلما ذل الأشيقر ذو الخزامه وكان عمرو بن هند يعوّد الناس أن يخاطبهم من وراء ستار..! أمّا النعمان بن المنذر فقد بلغ به العسف أن يتخذ لنفسه يوماً للرضى يغدق فيه النعم على كل قادم إليه خبط عشواء، ويوماً للغضب يقتل فيه كل طالع عليه من الصباح إلى المساء!» (١) . أمّا في الإسلام فقد «تضافرت مصادر التربية الإسلامية على إدانة الظلم، وتنفير المسلم منه في جميع مظاهره وأشكاله. فالقرآن يشيد بالذين يرفضون الظلم، ويتناصرون لمقاومته، ويستنهض هممهم لمنازلته: ﴿وَالَّذِينَ إذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٣٩ - ٤٢] . والرسول ﷺ يجعل خنوع الأمة، وعدم تناصرها لمقاومة الظلم من العلامات الدالة على موتها، وانتهاء مسوغات وجودها: «إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت ظالم، فقد تُوُدِّعَ منها» أخرجه أحمد (٢) . ومن هنا كان من السلوكيات الهامة التي يجب أن نرشد إليها أبناءنا: نصرة العدل في مواجهة الظلم، ونصرة دعاة الحق في مواجهة المتسلطين من دعاة الباطل. يقول محمد إقبال في كتابه «أسرار خودي» في افتتاح الكتاب: «رأيت البارحة شيخاً يدور حول المدينة، وقد حمل مشعلاً، كأنه يبحث عن شيء، قلت له: يا سيدي! تبحث عن ماذا؟ قال: مللت معاشرة السباع والدواب، وضقت بها ذرعاً، وخرجت أبحث عن «إنسان» في هذا العالم، لقد ضاق صدري من هؤلاء الكسالى والأقزام الذين أجدهم حولي، فخرجت أبحث عن عملاق من الرجال، وبطل من الأبطال، يملأ عيني برجولته وشخصيته، وبروح نفسي. قلت له: لقد غرتك نفسك يا هذا! فخرجت تقتنص العنقاء. بالله عليك لا تتعب نفسك، وارجع أدراجك؛ فقد أجهدت نفسي، وأنضيت ركابي، ونقبت في البلاد، فلم أرَ لهذا الكائن عيناً ولا أثراً. قال الشيخ: إليك عني، أيها الرجل! فأحب شيء إلى نفسي، أعزه وجوداً وأبعده منالاً» . أين هذا الإنسان الصالح الذي لا يرى تقدمه في استعباد العباد، وقهر النفوس؟ أين هذا الإنسان الذي يسعى بكل إخلاص من أجل الإنسان كل الإنسان، في الأرض كل الأرض، ويردد ما قاله ربعي بن عامر: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» ؟ (٣) . ويعلم أن «الناس عبيد لله وحده، ولا يكونون عبيداً لله وحده إلا أن ترتفع راية: «لا إله إلا الله» ، لا إله إلا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته،: لا حاكمية إلا لله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد؛ لأن السلطان كله لله، ولأن «الجنسية» التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله (٤) . «عن أبي عثمان الهمدي قال: لما جاء المغيرة إلى القنطرة، فعبرها إلى أهل فارس، فأجلسوه، واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيّروا شيئاً من شارتهم تقوية لتهاونهم، فأقبل المغيرة بن شعبة والقوم في زيهم، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة (والغلوة مسافة رمية سهم، وتقدر بثلاثمائة، أو أربعمائة خطوة) لا يصل إلى صاحبهم، حتى يمشي عليها غلوة، وأقبل المغيرة، وله أربع ضفائر يمشي حتى يجلس على سريره ووسادته، فوثبوا عليه فترتروه وأنزلوه ومغثوه.. فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أسفه منكم. إنا معشر العرب سواءٌ لا يستعبد بعضُنا بعضاً ... فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض..» . كذلك وقف ربعي بن عامر مع رستم هذا وحاشيته قبل وقعة القادسية ... قد نسمع بعضاً الآن يؤكد قائلاً: إني لا أفتقد الحرية. وأنا أؤكد معه ذلك؛ فالإنسان لا يفتقد أبداً شيئاً لم يحصل عليه، ولا يشعر بالأسى إلا من ذاق السعادة؛ وذكرى الفرح المنقضي تأتي فقط مع الألم. إن موضوع الحريّة من الموضوعات التي هُجرت في البحث والبيان؛ ولذلك يصعب على الإنسان التوجه إلى بحثها وفهمها، وحتى إذا بحثها، فربما يعجز عن تفهيمها للآخر الذي يسمع منه هذا الأمر، وكأنه يسمع إلى مجنون يهذي. أمّا نحن فنؤكد أن النفس البشرية لن تسعد أبداً، ولن يطيب لها عَيش وهي مستعبدة من أحد غير خالقها، حتى ولو ملكت ما في الأرض جميعاً فستظل هكذا حائرة، تائهة، طريدة، تصرخ من الألم، وتضحك كالمجنون، وتجري كالمطارد، وتعربد كالسِكير؛ تبحث عن لا شيء، وتجري وراء أخيلة، وتقذف بأثمن ما تملك، وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من تفاهات، ثم تسأل ـ إن أفاقت من نومها العميق ـ: كيف حدث لها هذا؟ وما هذه اللعنة التي أصابتها؟ فتدرك أنها فقدت حريتها، ومن ثم فقدت قيمة حياتها. - الهروب إلى الحريّة: عندما ينغلق أحد الطرق الموصلة للهدف، تنفتح طرق أخرى.. وأولو الألباب هم الذين يجدون عندها ما يمكن عمله؛ فماذا يمكننا عمله، حتى نخرج مما نحن فيه من استبداد؟ إن الخطوة الأولى في الطريق إلى الحريّة هي: الوعي بـ «كيف» يعمل الاستبداد؟ إن المستبد لا يعمل منفرداً بل تتعاون معه عصابة قليلة العدد تتقاسم معه الأرباح والجريمة. والخروج من استبداده في جملتين اثنتين: «الشعور بالحاجة إلى التحرر، وتصور البديل لحياة الاستعباد» ذلك أن الأمة التي لا تشعر بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية؛ كما أنه لا يقوم مهندس عاقل بهدم البيوت القديمة، ليترك أصحابها تحت المطر والريح، بل هو يهيئ البيوت الجديدة، فإذا انتقل السكان إليها لم يرجعوا إلى القديم قط. لقد حاول الكواكبي قبل قرن أن يضع ثلاث معادلات للخلاص من الاستبداد: «أن الأمة التي لا تشعر بالحرية لا تستحقها، وأن التغيير يتم بالتدريج واللين، وأنه ليس المهم استبدال الحاكم، وإنما تقويض الاستبداد، تقويض الطغيان، كل الطغيان، وليس زحزحة تاج الطاغية إلى طاغية آخر..» (١) . إن الناس حينما تبتلعهم مشاغلهم اليومية، ويغرقون في مستنقعاتها الآسنة، لا يشعرون بأدنى حاجة للحريّة، فضلاً عن أن يبدوا أدنى رغبة في التضحيّة لأجلها. ـ وقصة أصحاب الأخدود مع الغلام المؤمن خير شاهد ... لقد كان القوم أهل كفر.. يعبدون غير الله.. ملكاً جباراً.. زادهم غرقاً وانقياداً لعالم المادة. وفي مثل هذه الظروف العصيبة، وهذا الظلام الدامس يأبى الله العزيز الحكيم إلاّ أن تبقى قلّة من الناس يرفضون الانسياق، ويتواصون بالحق الذي بين أيديهم. وكان من عناية الله بالفتى أن عثر على أحدهم، وعنه تعلّم الدين الحق، وتجنّد لحمل أعباء الإيمان به؛ في زاوية متطرّفة؛ بعيداً عن أعين الناس. والناس لا يزالون في غيّهم يعمهون، حتى جُمعوا في صعيد واحد بأمر الملك ليشهدوا قتل الغلام. كان مقيّداً والملك يرميه سهماً تلو سهم دون أن يصيبه. فقدَ الملك توازنه، وبدا وكأن الناس لا يقوون على تصديق أن إلههم عاجز عن قتل غلام. وفي قمّة انفعال الملك واضطرابه أدرك الغلام أن الفرصة حانت لجعل المكر يحيق بأهله، فنادى في الملك على مسامع الجميع: إنك لن تقتلني إلاّ باسم ربّي. ولم يتأخّر رأس الكفر، وأطلق سهمه، وقتل الغلام؛ فاستفاق الناس على حقيقة كبيرة هزتهم من أعماقهم.. «هنالك رب أقوى من الملك» هذا يعني أنه أوْلى بالعبادة والخضوع له، وأنهم ليسوا مرغمين على بذل الخنوع والذل الذي يقتات عليه ملكهم منذ أن استخف عقولهم، ومرّغ كرامتهم في التراب. لماذا كان هذا هو رد فعلهم؟ لأنهم لم يتلقّوا الحقيقة في مجالس باردة، ولم يتلقوا الحقيقة من كلمات وحروف جافة ميتة لا حركة معها، بل تلقوها حيّة تنتفض مختلطة بدماء أصحابها. كان أمام الغلام عشرات الخيارات الأخرى الأقل تكلفة، لكنه اختار أشدّها وقعًا في النفوس، اختار ما تهابه النفوس غالباً ولا تقوى على بذله. فما أذكى الغلام، وما أتعسنا! إن أكثرنا ـ آباء ومربين ـ يقلّب وجهه في السماء، ويعمل فكره في الكون باحثاً عن السبب الذي يجعل تربيتنا لا تصيب هدفها، وكلماتنا لا تأتي بتأثيرها التربوي المطلوب. ونحن إذا أردنا الحقيقة، لا تنقصنا الكلمات، وإنما تنقصنا «روح» الكلمات. إننا نمنح أبناءنا ما عندنا من خبرة ووعي في صورة ذهنية باردة، فلا يشعرون بها نديّة رطبة بعرق جهودنا. بينما الواجب أن نجعل هؤلاء الأبناء يدركون أننا بذلنا جهداً كبيراً، وسهرنا الليالي الطوال، حتى ننتزع لهم نسخة من أعماق ما نحمله ونؤمن به. إن الأفكار التي لم تقطف إلا شوك العبودية، لا ينتظر منها أبداً أن تعطينا رحيق التحرر. إن هذه الأفكار الميّتة ليس لها مكان أليق بها إلا مقابر الفكر.. فهذا هو أكرم مكان لجثث الموتى. إننا في أمسّ الحاجة لأفكار تبث روح الأمل في أبنائنا، وتبعث فيهم القيم الحضارية، وعلى رأسها قيمة العدل والحرّية؛ تلك القيمة العظيمة التي لا يستحقها إلا من «يغزوها» ويقتحمها، ويكافح في سبيلها كل يوم. إننا لا بد أن نربأ بأبنائنا عن هذه الرذيلة التعيسة، رذيلة «العبودية» لبشر من البشر، بل عن هذا المسخ من مسوخ الرذيلة التي لا يستحق حتى اسم الجبن، ولا يوجد في اللغة كلمة تعبّر عن قبحه تعبيراً كاملاً، بل إن اللغة ربما تأبى تسميته. إن القرآن يعلمنا أسباب هذا الاستعباد، ومن الجاني فيه، ومن الضحية؟ وهو يؤكد أن ما يقع لنا إنما هو بما كسبت أيدينا، ويعلمنا الطريق إلى الخروج منه، وأن الله لا يغيّر ما بقوم، حتى يغيروا ما بأنفسهم. تفكّروا معي! هل يمكن لطفل أن يقود جملاً إلا أن يكون الغلام يحمل من الوعي ما يفقِده الجمل؟ وبالمثل لا يمكن لطاغية أن يقعد على رقبة أُمّة إلا أن تكون هذه الأُمة تملك استعداداً للعبودية «القابلية للاستعباد» . إن الإنسان باختياره وإرادته يتنازل عن حريّته، بل لو أن الظفر بحريّته كان يكلفه شيئاً لم نحثه على السعي إليها.. ولكن نوالَ الحريّة لا يتطلب من كل إنسان إلا أن يرغب فيه ويريده. إن من يستقرئ وقائع التاريخ وسجلات الماضي يتأكد لديه أن من عقدوا العزم على الخروج من عبودية الطغاة، وبذلوا الجهد في سبيل ذلك نجحوا في الوصول إلى أهدافهم. كان بلال بن رباح ﵁ عبداً حسب قانون المجتمع الذي يعيش فيه، ولكنه كان يمارس الحريّة حين كان يعلن «أحد.. أحد» ، وهو تحت التعذيب. كان يمارس الحريّة بشكل قد لا يقدره من يعيشون في عالم أغليت فيه العبودية «قانونياً» . بل إن هؤلاء محرومون من لحظة يشعرون فيها بأنهم يمارسون ما يرونه حقاً. نعم! إن حرية الإنسان مرتبطة بحياته؛ فإذا فقد الإنسان حريته فقد ذاته؛ فلماذا نُدهش حين نسمع قصص الشجاعة التي تملأ بها الحريّة قلوب المدافعين عنها؟ إن الشِّهام لا يخشون الخطر من أجل الظفر بمطلبهم. ولا يريد العبودية إلا من استعبدتهم الشهوات. والطغيان داء عضال إذا أصاب أمة حوّلها إلى قطيع من البائسين اليائسين الخائفين المتملقين. إننا نقدر على الخلاص من الطغاة إذا حاولنا ـ لا أقول العمل على ذلك ـ بل مجرد الرغبة فيه. ليس مطلوباً منا أكثر من «الامتناع» عن مساندة الطاغية، وعندها يسقط كتمثال سُحبت قاعدته، فهوى على الأرض بقوة وزنه وحدها فانكسر. إن الاستعباد شجرة خبيثة، وهي ليست للبقاء؛ لأنها ضد الحياة، وهي لا بد ساقطة في النهاية تحت ثقلها الخاص، وكلما اشتد الظلام اقترب الفجر، وكلما ظهر الكمال على الطغيان كان إيذاناً بانبلاج الصبح. فلا يفتتنكم ـ يا بني ـ «قافلة الرقيق وما فيها من عبيد تزين أوساطهم الأحزمة، أو يحلي صدورهم القصب، ولنتطلع إلى موكب الأحرار، وما فيها من رؤوس تزين هاماتها مياسم التضحية، وتحلي صدورها أوسمة الكرامة، ولنتابع خطوات الموكب الوئيدة في الدرب المفروش بالشوك، وكن على يقين من العاقبة ... فالعاقبة للصابرين ... » (١) . ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] . -.. وبعد: فلست أزعم أنني قلت كل ما ينبغي أن يقال؛ فنحن في زمان يجعل ما يسكت عنه المرء ـ في بعض الأوقات ـ أهم مما يقوله، ويشبه الخوض في بعض قضاياه الدخول إلى «جحور الأفاعي. ولكني أطمع من وراء هذا المقال أن أكون قد ألقيت حجراً يحرّك مياه وعينا التربوي، ليصبح قادراً على اكتشاف جذور العبودية الغالبة على حاضرنا، والمعوقة لمسيرة مستقبلنا. ومن ثم يتخلص المسلم من أغلاله، فيعود كالنور دائم الحركة في الصراع للخروج من العبودية إلى الحرية، لا يكلّ ولا يملّ ولا يكسل، ولا يقبل العبودية الذليلة. وهو «بداية البدايات» في طريق خروجنا من النفق المظلم الذي دخلناه، مأزق الانتحار الحضاري والانقراض المعنوي؛ وعندها نصنع الحضارة.

стр. 5329

أخت المروءات الذبيحة إلى المسلمة المستباحة في فلسطين وغيرها يحيى بشير حاج يحيى هَزَّ المشاعِرَ أنْ تموتَ، وفَجَّر الآهاتِ عِنْدِي وتَمَرَّدَتْ رُوحي على عَجْزِي، وضَاقَ عَلَيَّ قَيْدي ما في الصُّفوفِ ابْنُ الرشيدِ، وعَزَّ فِينا أَهْلُ رُشْدِ فِتَنٌ تًَقَاذَفُنا ووَيْلاتٌ تُؤَرِّقُنا وتُكْدِي مُسْتَسْلمونَ نَظُنُّها قَدَراً وبعضُ الظَّنِّ يُرْدِي ما حُسْنُ ظَنِّكَ باللئامِ مُنَجِّياً مَنْ سُوء قَصْدِ أختُ المروءاتِ الذبيحةُ نالَها حَدُّ الفِرَنْدِ (١) فَمِن الغَبَاوَةِ أن تحاوِلَ جَمْعَ أشلاءٍ وَحَدِّ * * * أَسُمَيَّةَ الزَّمَنِ العَصيبِ! وخَوْلَةَ العصرِ الأَلَدِّ عَفْواً! سُيوفُ المسلمينَ كَليلةٌ في جَوْفِ غِمْدِ والأمةُ العرباءُ غارقةٌ بِبُحْرانِ التَّرَدِّي لا، ليس تاريخي الذي يَرْضى بِنْحسِكِ يَوْمَ سَعْدِ تركوكِ للجاني اللئيم، وأنتِ في عَظْمٍ وجِلْدِ * * * ذَبَحوا الصِّغارَ، وجاء دورُكِ يا أُخَيًَّةُ فاسْتَعِدِّي فَلأَنْتِ عُنوانُ البطولةِ والمروءةِ والتحدِّي ولأنتِ كالخنساءِ يا أختاهُ في الزَّمنِ الأشَدِّ تَلِدينَ كُلَّ مجاهدٍ حُرٍّ أَخِي الهيجا (مَعَدِّي) (٢) وتُزَغردينَ إذا هوى في الساحِ يَدْفَعُ كُلَّ وَغْدِ وَيَرُدُّ عن حُرُماتِه خِزْيَ الجَبانِ المُسْتَبِدِّ قد كنتِ رمزاً للصمودِ الحقِّ يعلو والتَصدِّي

стр. 5330

القصة فن تربية النشء علي لطفي عبد الحكيم حسين بين دوامات الحياة، وأمواجها المتلاطمة ينشغل الآباء والمربون، ويوماً بعد يوم يصبحون أسرى أمام متطلبات الحياة وواجباتهم الاجتماعية، ورويداً رويداً تزيد الفجوة، وتتسع بين الآباء والأبناء. إن ظروف العصر الذي نحياه فرضت على الأبناء الكثير من الاحتكاكات، فضلاً عن الحواسيب والإنترنت، وما به من متع وفنون، وأمام هذا السيل الجارف أصبح الآباء في مأزق حقيقي: كيف يربون أطفالهم، وكيف يستحوذون على عقولهم وقلوبهم، وكيف يضمنون أن تظل تلك الفطرة داخل الطفل سليمة نقية كما خلقها الله ؟ لذلك كان لزاماً على الآباء الأم أو الأب أن يقتطع من وقته فترة يجالس أولاده، ويناقشهم، ويقص عليهم، ويجيب عن تساؤلاتهم. هل جربت يوماً أن تصادق أولادك، وأن تبني بينك وبينهم جسوراً من الثقة والتواصل، وأن تتابعهم بين الحين والآخر لتخرج منهم المتواري، وتكتشف طاقات النبوغ والعبقرية فتنميها، وأن تتلمس جوانب الضعف والسلبية فتقومها وتنقيها، وأن تتحسس مناطق التشوش داخل نفوسهم؛ فتعيد إليها توازنها واعتدالها، هل جربت؟ - ما السبيل إلى ذلك؟ تعتبر القصة جسراً للتواصل بين الآباء والأبناء، ينفذ الأب من خلالها إلى قلوب أولاده، وإلى عقولهم فيشكلها كيفما شاء. والقصة لون من ألوان أدب الطفل، بل هي الأكثر شيوعاً وتأثيراً؛ نظراً لما لها من تأثير، وما تحدثه من نتائج وأهداف تنعكس على سلوك الطفل وتصرفاته. ونظراً لأهمية القصص، وتأثيرها الفعّال في النفس البشرية نرى المولى يفرد سورة كاملة في القرآن الكريم يسميها سورة «القصص» . ليس هذا فحسب، بل في أكثر من موضع يسوق الخالق ألواناً شتى من القصص والحكايات؛ أملاً في الهداية والإصلاح. يقول المولى : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] . وفي موضع آخر يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] . وإذا كان هذا حال القصص مع القلوب الجامدة الغليظة المنكرة لعبادة الله وحده؛ فكيف يكون حال القصص مع الأطفال الأبرياء، وفطرتهم ما زالت سليمة، وقلوبهم وعقولهم ما زالت صفحة ناصعة بيضاء؟ لا شك أنها سوف تحدث أعظم الأثر، وتؤتي أجود الثمار. - القصة جسر الآباء إلى الأبناء: لا شك أن القصة من أنجح الوسائل للوصول إلى قلب الطفل، ولا يعادلها في ذلك أي رسالة إعلامية أخرى، ولا أي وسيلة من الوسائل؛ فقد يستحوذ الأب أو الأم على قلب الطفل من خلال هدية جميلة، أو مبلغ من النقود، ولكن سرعان ما يزول أثر تلك الهدية بمجرد اعتيادها، أو قدمها، أو بمجرد صرف النقود، أو.... ولكن أثر القصة يبقى في عقل الطفل ووجدانه، يحيا بين أبطالها، وينسج لنفسه خيالات واسعة بين أحداثها، وفي هذا الصدد يقول الدكتور (علي أحمد مدكور) عميد كلية التربية والعلوم الإسلامية: «إن الطفل يستمع بشغف إلى القصة الجميلة يسردها له أبوه، أو جدته، ويطرب أشد الطرب لذلك، وهذا يدل على أن الطفل يستجيب لألوان الأدب، خاصة القصة!» (١) . ولِمَ لا، ونحن نلحظ أن الأطفال يتهافتون على آبائهم وأمهاتهم ليحكوا لهم قصة أو حكاية، وقد يسرعون إلى إنجاز واجباتهم ودروسهم على أتم وجه؛ أملاً في أن يفوزوا بحكاية جميلة، أو قصة خلابة؟! - طرق ومعايير عرض القصة: القصة ليست مجرد أفكار يتم نقلها للطفل بأسلوب آلي، وإنما حكاية القصة لا بد أن تخضع لمعايير تربوية وفنية، حتى تحدث الأثر المطلوب في نفس الطفل. - أولاً: المعايير الفنية لعرض القصة: ١ ـ التهيئة وحسن الاستهلال: تخضع القصة كأي رسالة إعلامية لعدة معايير ينبغي توافرها في طرفي عملية الاتصال «المرسل والمستقبل» فينبغي على الأب أن يكون متهيئاً لحكاية القصة، مرحاً بشوشاً متفرغاً؛ لذلك لا يلقيها على مضض وكره؛ وكأنه يقوم بعمل آلي؛ حيث إن هذا الشعور يتسرب إلى نفس الطفل؛ فتفقد العملية الاتصالية الهدف المرجو منها. وما ينطبق على الآباء ينطبق على الأطفال؛ فلا بد أن يكون الطفل مهيأ لتلقي القصة لا مرغماً عليها، ولا منشغلاً بشيء غيرها، كما أنه لا بد أن يسبق حكاية القصة حسن استهلال من قبيل التسمية، وذكر الله، والصلاة على النبي ﷺ ، وبعض عبارات المديح والإطراء لموضوع القصة، حتى تنفرج أسارير الطفل، ويستمع بشغف لما يلقيه عليه والده من قصص. ٢ ـ الترتيب المنطقي للأحداث: قد يعتقد الآباء أن الطفل بعقله الصغير من الممكن أن يُستدرَج، ومن ثم يسرح بعقله، ويسرد عليه أبوه أحداثاً بعيدة عن المنطق، وغير ممكنة الوقوع، أو يلقي عليه أحداثاً غير مرتبة ترتيباً منطقياً، كما يحدث في الواقع، وهنا قد يفقد الطفل الثقة في والده، ولا يعيره أي اهتمام، وإنما ينبغي على الأب أو الأم أن يرتب أحداث القصة ترتيباً منطقياً، وألا يشطح بخياله بعيداً عن الواقع، وأن يتدرج في التصاعد الدرامي للأحداث، حتى يصل إلى الذروة في نهاية القصة. ٣ ـ تقديم أبطال القصة في صورة واضحة: ولكي تؤدي القصة دورها في نفس الطفل، ويخرج منها بالنتيجة المرجوة فإنه يجب على الأب أن يقدم أبطال القصة في صورة واضحة المعالم والتفاصيل؛ بحيث يسهل على الطفل المتابعة، وحتى لا يتوه بين طيات الأحداث. ٤ ـ وضع نهاية مناسبة للقصة: يراعى أثناء الحكاية ألا يلمّح الأب أو الأم بنهاية القصة؛ وذلك حتى لا تفتر همة الطفل في المتابعة، وحتى نترك للطفل أن يُعمل عقله وخياله، وفي نهاية القصة يلمح الأب بذكاء إلى أطفاله أن القصة أوشكت على النهاية، ويحاول أن يستنطقهم في النهاية المتوقعة. وهنا لا بد من وضع نهاية مناسبة للأحداث بدون مبالغة أو تحريف. - ثانياً: المعايير التربوية لعرض القصة: ١ ـ الاهتمام والتأهب: يلاحظ الآباء والأمهات أن الأطفال قبل حكاية القصة يكونون مشدودين ومتأهبين للاستماع أكثر من أي شيء آخر؛ ولذلك كان لزاماً على الأب أو الأم أن يكونا على المستوى نفسه من الاهتمام والتأهب أثناء حكاية القصة؛ وذلك حتى لا تحدث فجوة بين مستقبِل متأهب ومهتم، وبين مرسِل فاتر وغير مكترث، وحتى لا تفقد عملية الاتصال أهم خصائصها؛ وهي الحميمية والتفاعل والتجاوب المشترك، ولكن يجب أن يتم ذلك بغير افتعال، أو تكلف حتى لا تكون الأحداث في وادٍ، وطريقة العرض في وادٍ آخر. ٢ ـ التعبير الجسدي أثناء القص: ينبغي على الأب أو الأم أثناء حكاية القصة أن ينقلوا الأحداث بطبيعتها؛ فمثلاً عندما يحدث موقف إيجابي في القصة فعلى الأب أن يظهر علامات السرور والفرح على وجهه، وإذا حدث موقف سلبي؛ فعلى الأب أن يرسم علامات الحزن والرفض على تقاسيم وجهه، وأن ينهج المنهج نفسه في الأحداث التي تتطلب الانفعال، أو الدهشة، أو الاستنكار، ويراعي أن يتم ذلك بتلقائية شديدة بعيداً عن المبالغة والافتعال. ٣ ـ التوافق مع المستوى الاجتماعي: الطفل يتكيف مع واقعه الذي يحيا فيه، ويتمنى في أبطال القصة أن يشاركوه ظروفه وأحواله، كما يتمنى أن يشاركهم ظروفهم وأحوالهم؛ لذلك يجب على الأب أن يراعي ذلك البُعد، وألا يحكي عن أبطال في أبراج عاجية، حتى لا يترك أولاده في صراع نفسي بين واقعهم وواقع أبطال القصة؛ فقد يكون الأب متوسط الحال من الناحية المادية؛ فينبغي ألا يحكي عن أبطال يتفوقون عن هذا المستوى، حتى لا يفاجَأ بأحد أطفاله يسأله: لماذا لا نكون مثلهم يا أبي؟ هل أنت مقصر معنا؟ ٤ ـ مراعاة المرحلة العمرية للطفل: ينبغي أن يكون مضمون القصة وطريقة معالجتها مناسباً لسن الطفل؛ بحيث يفهم أبعادها، ويتجاوب مع مضمونها، وخاصة أن مرحلة الطفولة مرحلة مليئة بالصراعات، وفي هذا الصدد يقول الدكتور (السيد البهنسي) رئيس قسم الإعلام التربوي ـ جامعة عين شمس بالقاهرة: «الطفل يحتاج إلى مخاطبة خاصة بلغته الفريدة، خاصة في مرحلته العمرية التي تموج بالمتغيرات الحادة المتلاحقة، وتحتاج إلى جهد خاص لمعالجتها، حتى لا يحدث لدى الطفل أي تشويش أو خلط نفسي» (١) . ٥ ـ نهاية القصة في صالح الخير: إذا كان من الواجب أن ينتصر الحق والخير في عالم الواقع؛ فالأوْلى أن ينتصر الحق ويعلو أكثر وأكثر في عالم الخيال؛ حيث يشارك الطفل أبطال القصة، ويتمنى أن يحذو حذوهم، ويؤكد هذا المعنى الدكتور (صابر عبد المنعم) مدرس المناهج وطرق التدريس جامعة القاهرة بقوله: «إن أحداث القصة تؤثر في نفس الطفل من خلال المشاركة الوجدانية، عندما يتابع حركة الأشخاص في القصة، ويتفاعل معهم؛ حيث يضع نفسه مكان أبطال القصة على طول الخط؛ فإن كانوا في مواقف السمو والإيجابية تمنى لو كان في موقفهم، وإن كانوا في مواطن التدني والكراهية حمد الله أنه ليس منهم» (٢) . - ماذا نقصُّ لهم؟ تموج المكتبات، ووسائل الإعلام، وشبكة الإنترنت بآلاف القصص، منها ما هو في الأصل عربي، ومنها ما هو مترجم من لغات أخرى إلى العربية، وأمام هذا السيل الجارف من القصص والجبال العالية من الحكايات يقف الآباء والمربون حيارى، كيف يختارون، وأي شيء سيقصون على أبنائهم؟ بداية نقول: إن القصص والحكايات تتنوع في شكلها، ومضمونها حسب السن المستهدفة، وحسب الهدف أو المغزى منها؛ فنرى أن الحكاية تأخذ شكل القصة البسيطة من نسج خيال الأب أو الأم أو الجدة؛ لينام عليها الأطفال، وتتدرج تلك الحكاية، حتى تصل إلى القصة مكتملة البناء والأركان. - الأبناء مسؤولية في أعناق الآباء: انطلاقاً من قول الرسول ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» ؛ فإن المسؤولية على الآباء تصبح جد عظيمة، وعلى الراعي أن يتوخى الحذر، وينأى بأطفاله عن مواطن الذئاب؛ فعوامل الهدم صارت كثيرة؛ فالشارع يهدم، والصحف والمجلات تهدم، والتلفزيون يهدم، وأُخطبوط الإنترنت أكثر هدماً. وأمام هذه المعاول الهدامة لا بد أن يقيم الآباء والمربون سدوداً منيعة، وحوائط آمنة يُكتنَف بداخلها الأبناء، حتى يشقوا طريقهم على منهج الإسلام القويم. يقول المولى : ﴿إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] أمام هذه المسؤولية، وتلك الأمانة فلتنظر أيها الأب أي شيء ستُسمع أبناءك، وأي شيء ستريهم، وأي شيء ستلقيه في قلوبهم وتجعله يعلق بأفئدتهم؟ - المضمون والخطر الثقافي: عند انتقاء القصة أو الحكاية لا بد أن يطلع المربي عليها جيداً، وأن يعي مضمونها؛ فالأعمال الوافدة في معظمها تمثل ثقافات لمجتمعات تموج بالانحلال، وتنتهج ثقافات تدعو إلى العنف وازدراء الضعيف، فضلاً على أنها تدعو إلى فوضى الأخلاق؛ حيث ينعدم وازع الدين والضمير، وهذا لا ينطبق على الأعمال الوافدة فحسب، بل إن من بني جلدتنا من يشيع تلك الأعمال الهدامة، ويعرضها على أولادنا عن قصد أو بدون قصد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. إن مضمون القصة لا بد أن يكون نابعاً من إيمان راسخ بالله وبرسوله الكريم ﷺ ؛ ولا بد أن يحكم ذلك المضمون مجموعة من القيم الإسلامية التي تدعو إلى السمو، والرفعة، والتسامح، والرقي بسلوك الأفراد، وأن يتمتع أبطال القصة بالفضيلة والسلوك الحسن؛ حيث ينعكس ذلك الجو على سلوك الأفراد، وتوجهاتهم ومنهجهم في الحياة. - لدينا أحسن القصص: يخاطب المولى الرسول ﷺ بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] . لقد وصف المولى القصص القرآني، (خاصة قصة يوسف) أنها أحسن القصص، وهو كذلك حقاً من حيث جمال العرض، ودقة الحدث، وبلاغة اللفظ وصدق المضمون وسمو التوجه، وروعة الإخراج، وبهذا استحق أن يكون أحسن القصص: من هذا المنطلق فإن كل قصص نقصه على أبنائنا لا بد أن يخضع لتلك المعايير، وأن يحذو هذا الحذو، وأن ينهج المنهج نفسه؛ فقصص الأطفال لا بد أن يتسم بالموضوعية، ويتحلى بالصدق، وأن ينمي لدى الطفل القيم النبيلة والأخلاق الحسنة، وأن يسمو بوجدان الطفل وجوارحه، حتى ينشأ محباً للحق والعدل والخير، وحتى يحيا على الإحسان والتسامح. - فنون القصة: ١ ـ القصة إقرار بالعبودية وتوحيد الخالق: أعظم شيء نبثه في نفوس أولادنا توحيد الخالق، وإفراده بالألوهية، وهنا يتخير الأب القصة التي تسير على هذا النهج، أو ينسج من خياله ما يبرز هذا المعنى، ويوضحه في نفوس الأطفال. ٢ ـ القصة موعظة حسنة: من خلال القصة يستطيع الأب أن ينفذ إلى قلوب أطفاله، وأن ينثر عليهم أكاليل الوعظ، والإرشاد بأسلوب تلقائي غير مباشر، بعيداً عن الافتعال، فيأسر الأولاد، ويستحوذ على قلوبهم؛ فيلقي فيها ما يشاء من عظات حسنة، وقيم نبيلة: كالبر والإحسان، والصدق، والرحمة، والمحبة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمروءة والنبل، والكرم، وغيرها من قيم الإسلام السمحة. ٣ - القصة استنهاض للهمم: من خلال القصة يستطيع الأب بكل ذكاء أن يستعيد ذكريات الماضي، وأمجاد الإسلام؛ فيستطيع أن يقص كل يوم قصة عن بطولة من بطولات الإسلام، وموقف من موقف الصحابة والتابعين الكرام، ويستطيع الوالد من خلال اطلاعه، ومعارفه في كتب السيرة النبوية، وتراجم الصحابة أن يلخص موقفاً معيناً، ويقصه على أبنائه، حتى ينشؤوا على حب التضحية والفداء، وكيف عانى المجاهدون الأولون في سبيل رفعة الدين، وإعلاء كلمة الله. ٤ ـ القصة معلم لغوي: إن من أعظم المسؤوليات التي تُلقى على عاتق الآباء هي مسؤولية تعليم اللغة العربية، وحفظها من الاعوجاج والإسفاف، ومن خلال القصة، ومن خلال طريقة العرض يستطيع الأب أن يلقي في نفوس أولاده جمال اللفظ، وروعة التعبير، وسحر الكلمة؛ فينشأ الأولاد محبين للغة معتزين بتعلمها. ٥ ـ القصة فن الإجابة على الأسئلة المحرجة: كثيراً ما يتعرض الآباء لأسئلة محرجة من قِبَل الأبناء، وعندها نجد المربين في ارتباك، وقلق أمام أطفالهم، ولا يعلمون بما يجيبون عن أسئلتهم، إما جهلاً وإما حياءً. وفي فترة الطفولة تكثر الأسئلة، وتتوالى الاستفسارات، حتى إن خبراء التربية يسمون تلك الفترة بـ (فترة السؤال) ، ومن خلال القصة المحايدة يستطيع الأب أن يجيب عن أسئلة كثيرة مسبقاً بكل ذكاء، وبكل موضوعية بعيداً عن الحرج. إن أهداف القصص كثيرة وثمارها متنوعة تضيق المساحات عن الإلمام بها، ولكن هذا يتطلب من الآباء والمربين حسن الانتقاء، وجودة المضمون، وجمال الشكل والعرض، وإن لم يتيسر لهم ذلك؛ فبإمكانهم أن يجهدوا أنفسهم مدة يسيرة كل يوم، يطَّلعون فيها على أمهات الكتب الإسلامية، ويلخصون منها موقفاً معيناً، أو يلقون الضوء على موضوع ما، ثم يضعونه في شكل قصة، أو حكاية، ملتزمين بالمعايير الفنية والتربوية التي ذكرناها سالفاً، متوخين الحذر أشد الحذر في طريقة العرض، أو الإلقاء، ويوماً بعد يوم ستنشأ جسور الصداقة والألفة بين الآباء والأبناء، وسيُقبلون بشغف على التعلم والمعرفة، فيحيون في كنف العقيدة، وفي ذكريات الماضي، وبطولات الأبرار؛ فتقوى بذلك العزائم، وتُستنهَض الهمم، وتضاء العقول، وتصفو الأنفس، أملاً في بعث جيل جديد يعيد للإسلام أمجاده. (*) متخصص في إعلام الطفل. (١) انظر: موسوعة سفير لتربية الأبناء، ١/٢٣، دراسة بعنوان: «أدب الأطفال في التصور الإسلامي» . (١) انظر: موسوعة سفير لتربية الأبناء، ١/ ٤٥، دراسة بعنوان: «التلفزيون الحاضن» . (٢) انظر: موسوعة سفير لتربية الأبناء، ١/ ٦٦، دراسة بعنوان: «القصة في التدريس» .

стр. 5331

مدير الموظفين خادمهم ! إبراهيم بن سليمان الحيدري المدير: كلمة تحمل معاني كثيرة في أذهان الناس. ويحتل المدير مكانة اجتماعية مميزة؛ ولعل هذا ناتج من أهمية الدور الذي يؤديه في المنظومة الإدارية وأهمية الوظائف التي يتحمل مسؤوليتها كالتخطيط وبناء التنظيم، بالإضافة إلى الرقابة والتوجيه. ومع أهمية هذه الوظائف إلا أن بعض المديرين قد ينشغل بها عن وظيفة لا تقل عنها أهمية وهي ما يمكن أن نطلق عليها «خدمة الموظفين» . نعم! خدمة الموظفين؛ فالعنصر البشري في المنظمة الإدارية هو عمودها الفقري، وهو المورد الذي تفوق قيمته أهمية موارد المنظمة الإدارية الأخرى كالموارد المالية والمادية، وهو في نهاية الدائرة الإدارية من يباشر الأعمال وينفذ المهام، ولذا فإن جزءاً من وقت وجهد المدير ينبغي أن يتوجه بشكل دوري للاهتمام بالموظفين، وتذليل العقبات التي تواجههم في أداء أعمالهم وتكوين بيئة تنظيمية مناسبة تتضمن توضيح المهام والصلاحيات وقنوات الاتصال، وتكوين بيئة اجتماعية مريحة بإنشاء علاقات ومناسبات اجتماعية فيما بينه وبين الموظفين وبين الموظفين أنفسهم، وتجهيز بيئة مادية جيدة يتوفر فيها المكان اللائق والأدوات المناسبة للموظف. إنها ليست مبالغة؛ فنجاح الموظفين هو نجاح للمدير والإدارة بالدرجة الأولى في نهاية المطاف. إن شعار «مدير الموظفين خادمهم» جدير بأن يحوّل الرقابة إلى مساندة، والعقاب إلى نصح وتطوير، وهذا يستدعي أن يفتح الأبواب الخشبية المغلقة والحواجز النفسية الرفيعة التي تحيط بالمدير عادة، وأن تتحول الاجتماعات الكئيبة إلى لقاءات أخوية ودية، وأن تحوِّل الموظف من متلقٍّ للقرارات إلى مشارك في اتخاذها متحمس لتنفيذها. إن ممارسة فكرة (مدير الموظفين خادمهم) سيقلب الهرم الإداري ليكون رأسه إلى أسفل، ويكون للموظفين وزنهم وكلمتهم المسموعة؛ لكنه كذلك سيقلب بعض القناعات التي تعشش في ذهن بعض الناس والتي ترى في المدير: صلاحيات مطلقة، ورغبات محققة، وأوامر مسموعة، وخدمة تتجاوز خدمة الفنادق الفخمة من قِبَل موظفيها. مشهد: وقف المدير أمام أحد الموظفين العاملين معه وهو يمسك ورقة وقلماً وقال: «أي خدمة؟» .

стр. 5332

قصص قصيرة جداً محمد أحمد حسن فقيه - ميلاد بلا موت: كان الوقت في خطواته الأولى، والفجر يدب دبيباً بطيئاً على وجه الأفق.. أراد أن يسابق الفجر ليعلن عن مولده مع بزوغ الشمس. خطواتٌ واثقة، وتقديرٌ جيد، كان يريد أن يتم كل شيء في أسرع وقت؛ لأنه كان ينتظر موعداً برائحة المسك على ثرى الأرض المباركة المحتلة. لم يطل انتظاره حين توسط تلك الجموع ليضغط على زر النهاية، وفرحة عارمة تجتاح كيانه ليعلن عن ميلاده الذي ليس له نهاية. - عتاب الوطن: تعلقت عيناه بالوطن. اغرورقت بالدموع حتى أصبح لا يرى شيئاً، أبحر به المركب نحو الشمال، أحس بالألم وهو يرى وطنه يبتعد عنه، لم يطق صبراً، أدار جسده إلى الشمال، لكن عينيه ظلتا متجهتين إلى الجنوب قبل أن يتحطم المركب الذي يقله إلى أوروبا، ويغرق في البحر، لكن عينيه ما زالتا مسمرتين على الوطن، تذرفان دموع العتاب. - من المنفى إلى الوطن: ابتعد خطوات.. حيث ينفصل عن أرضه، ويغادر وطنه. تقدم خطوات إلى الأمام، أحس بالغربة تأكل كيانه، التفت إلى الخلف، هناك حيث يقبع الوطن الأسير، ليلتفت أمامه ويجد من يقول له: «قف مكانك! يجب أن تظل ما بين الحدود حتى إشعار آخر» استدار إلى الخلف، تقدم خطوات نحو الوطن، البنادق تتراجع، وهي مصوبة نحو رأسه، وصيحات التحذير تصم أذنيه، تقدم خطوات كبيرة نحو الوطن قبل أن تنطلق رصاصات الغدر لتمزق جسده؛ ويهوي على أرضه، يقبّلها في عناق يخضبه الدم.

стр. 5333

أضواء على بطولات معاصرة محمد حسن العجيل «عشّاق الشهادة» كتاب صدر حديثاً عن منشورات الدار الإسلامية ـ مؤلفه الأستاذ عز الدين فرحات. لقد انتهيت من قراءة هذه الصفحات الأدبية الجميلة التي جاءت مزيجاً مختاراً من القصص الرائع، المعتمد على الحقيقة والواقع. والتراجم لرجال أفذاذ قدموا أرواحهم في سبيل الله رغبة فيما عند الله. ولقد وُفّق جامع هذه القصص ـ وفقه الله ـ فيما قصد إليه، فجاءت مادته منوعة، معبرة، جامعة أساليب البيان، ملتزمة بقيم الإسلام وآدابه وأخلاقه. وقد عزمت وأنا أقرأ هذا الكتاب أن أعرِّف به ليستمتع القراء بمضمونه وأنا عازم على العودة إلى قراءته كلما وجدت فراغاً؛ لأن مثل هذه الصفحات تختصر كثيراً من تجربة عظيمة في قليلٍ من الألفاظ، وتحكي خبرة أمةٍ فتحت عيون أبنائها على النضال، ومقارعة الأعداء. كما حرص المؤلف على الإيجاز والإبداع والإقناع؛ فكل عبارة من عباراته مختارة بعناية، وكل جملة مصطفاة بذكاء، كما ظهر لنا في هذا الكتاب الجهد الذي بذله المؤلف، الذي يدل على إرادة قوية وعزيمة فتية؛ فقد صرف فيه الكثير من الوقت في البحث والتدقيق والتحقيق عن تاريخ أمتنا ولمحات من بطولاتها، فنحن نتحدث عن أعز ما تحمله هذه الأمة. فبارك الله ـ تعالى ـ في جهْده وأعانه على تسجيل هذه البطولات المعاصرة في نصرة الإسلام والمسلمين. وممّا لا بدّ منه قوله: إن أخانا المؤلف استأثر في كتابه على الشهادة في النضال الفلسطيني الذي يعدّ مثالاً يحتذى ونبراساً على طريق تحرير مقدساتنا، وهذا لا يعني بالضرورة عدم التطرق إلى الجهاد في مناطق متفرقة من بقاع أمتنا الإسلامية الجريحة، رغم توفر المادة، وكثرة المعلومات المفيدة. لقد آثر المؤلف ركوب الصعب، وكان أهلاً لذلك. بارك الله للمؤلف جهده هذا، وأسأل الله أن يوفقه لمزيد من الإصدارات الجميلة، والمفيدة والماتعة.

стр. 5334

الجرأة على الثوابت الشرعية إعداد: خباب بن مروان الحمد تنامت في هذه الأزمان المتأخرة ظاهرة الجرأة على الثوابت الشرعية، وأحكام الإسلام، والصدّ عن تعليمه، والانتهاك لحرماته، وخصوصاً من بعض متخذي القرار، ومتولي منابر الإعلام، بل جعلها بعضهم محل استفتاء بين الناس! وبما أنَّ هذه الظاهرة خطيرة للغاية، فقد كتب لنا فضيلة الشيخ الدكتور: عمر الأشقر، وكذلك فضيلة الشيخ: عبد الرحمن عبد الخالق ـ حفظهما الله تعالى ـ ليتحدَّثا لنا عن هذا المسلك المنحرف، بعبارات وجيزة. قال الشيخ عمر الأشقر: هذه الظاهرة ـ وللأسف ـ انتشرت، ولا أدلَّ على ذلك من أن بعض الحكَّام الذين تسنَّموا ظهور المسلمين في بعض الدول التي تنتسب إلى الإسلام؛ منعوا الصومَ في رمضان، بحجَّة أنَّ الصوم يعطِّل الإنتاج ويضعفه. وأجرت بعض الصحف استفتاء حول القبول بتطبيق الشريعة، واستفتاء لرأي الناس ومعرفة مدى قبولهم بأن تقيم بناتهم وأخواتهم علاقات محرَّمة مع الآخرين، والذين قاموا بهذه الأفعال وأمثالها، هم الذين عناهم الرسول ﷺ بقوله: «دعاة على أبواب جهنَّم من أجابهم إليها قذفوه فيها» فلمَّا سئل عن أوصافهم قال: «هم قوم من جلدتنا ويتكلَّمون بألسنتنا» . فالذي يحارب هذا الدَِّين، ويسعى إلى إقصائه عن مجتمع المسلمين، ويحارب الدعاة إلى الله، فإنَّه يحادُّ الله ورسوله والذين آمنوا، ويسعى في الأرض فساداً؛ والله لا يحب المفسدين. وهم وإن مدَّ الله لهم في الأجل، فإنَّه يأخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر، وحدَّثنا الله في كتابه كيف قصم الظالمين، ورأينا مصداق ذلك في بعض طغاة عصرنا، ولكنَّ الظالمين لا يعتبرون. وأوَّل ما يجب أن نفعله مع هؤلاء النصح لهم، وأن نبيِّن أنَّ الدين الذي يريدون هدمه هو سبب عزَّتهم ومجدهم؛ فقد عزَّ الجيل الأوَّل بالإسلام، وبلغوا به عنان السَّماء، وفي ذلك يقول ربُّ العزَّة: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي فيه عزَّتكم وشرفكم ورفعتكم. ونقول لهؤلاء ثانياً: إنَّكم لن تضروا اللَّه شيئاً؛ فمنار هذا الدين سيبقى عالياً، وسينصره الله ويؤيده، ويعزُّ الله به هذه الأمَّة مصداقاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] . لقد أجلب الكفَّار في عصر التنزيل على الإسلام والمسلمين بخيلهم ورجلهم ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] فكان حالهم كالذي يريد إطفاء نور الشمس في عليائها بما ينفخه من فمه باتجاهها؛ فماذا يمكن أن يفعل نفخه الضعيف الهزيل مع ذلك النور الساطع ذي القوة البالغة. ثالثاً: نقول لأعداء الإسلام ومن تولاَّهم في ديارنا: مهلاً مهلاً؛ فهذه جولة، وهناك جولات للإسلام مع أعدائه؛ فالإسلام هو قوَّة الغد الآتية، وإنَّكم لن تستطيعوا أن تنالوا من قرآننا ولا سنَّة نبينا؛ فديننا محفوظ، وستبقى طائفة من هذه الأمَّة ظاهرة منصورة إلى قيام السَّاعة، تحمي حمى الإسلام، وترفع رايته، وتمثِّله في قلوبها وأعمالها وأسرها ومجتمعاتها، ولا تهن ولا تحزن، مصداقاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] . إنَّ هذه حقائق تتكلم تدعمها نصوص تتلى، وتصدِّقها وقائع تشهد، ولا يزال الله يظهر في عالم البشر ما يدلُّ على صدق ذلك، ويذيق الضَّالين هنا وهناك من بأسه، والسنن سيف حاسم لا بدَّ أن يحدث آثاره حين يبلغ مداه. وختاماً: فإنَّ على المسلمين وخاصَّة علماءهم ومفكِّريهم أن يقبلوا التحدي، وأن يبصِّروا حكَّامهم، وينصحوهم، ويبينوا لهم ما هم عليهم من أخطاء. ينبغي عليهم أن يعلموا الأجيال دينهم؛ فالتعليم يمكن أن يقام على قارعة الطريق، وفي المضارب والخيام، كما يمكن أن يصل إلى الناس في منازلهم عبر الإذاعة والتلفاز والإنترنت. ومهمَّة أصحاب الأموال أن يقيموا المزيد من المحطَّات ذات الصبغة الإسلامية الأصيلة، والتوجُّهات الرصينة. وأمَّا ما يذكر في بعض وسائل الإعلام من استفتاء القراء بذكر آرائهم في مدى الالتزام بما حكم الله به حكماً قاطعاً في جانب المأمورات والمنهيات ففيه خطل من القول؛ والواجب على من علم حكم الله أن يلتزم به، ويطالب غيره بالالتزام به ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] و ﴿إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] . أمَّا الأمور الخلافية فيكون الاستفتاء فيها من قِبَلِ العلماء، ومع ذلك فإنَّنا لا نخشى من نتائج هذه الاستفتاءات التي تُوَجَّه للمسلمين؛ فقد أجرت صحيفة سيَّارة في مصر استفتاءً للتعرف على مدى رغبة أهل ذلك البلد المسلم في تطبيق الشريعة، فكانت النتيجة أنَّ ٨٦%من المستفتين يتمنَّون ذلك ويطلبونه، ويدخل في الرافضين النصارى والعلمانيون والمستغربون. إنني أدعو القائمين على القنوات الفضائية إلى الابتعاد عن جعل أحكام الله كأحكام البشر عرضة للأخذ والرد، وقد لا يتنبه الذين يفعلون ذلك إلى هذا الخطأ الجسيم. وقال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: إنَّ الجرأة على الدين، وانتهاك مقدَّساته، وحرماته، من الكفَّار الأصليين، أو المرتدين المعاندين، أو المنافقين المتستِّرين، لا يحصل دائماً إلاَّ في حالات ضعف المسلمين أو تخاذلهم عن حراسة الدين. وهذا في تاريخ الإسلام بكل عصوره، فقد كان كفَّار العرب عامة، وكفار قريش خاصة، جريئين على انتهاك حرمات المسلمين تعذيباً وإرهاباً، وسبّاً وشتماً لرسول الله ومن والاه؛ فقد قالوا عن الرسول (ساحر، كذَّاب، مجنون) ... ولما أصبح للمؤمنين قوَّة، أنزل الله: ﴿فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] وقال أيضاً: ﴿وَإن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] . وحُقَّ لنا أن نتأمل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ لنعلم أنَّ مطلق الطعن في الدين كلاماً أو لمزاً كان موجباً لقتالهم ... ولمَّا نزل هذا الدين وقام المسلمون به حقَّ قيام، لم نسمع أنَّ هناك من العرب من طعن في الإسلام بعد ذلك إلا بالردة التي قُبِرَت في وقتها، وهذا في الكفَّار ... أمَّا في النفاق فلم يكن يستعلن إلاَّ في حال الضعف، فلمَّا أحيط بالمسلمين في الخندق، وظنَّ المنافقون أنَّ الإسلام قد ولَّى إلى غير رجعة، وأنَّه سيستأصل ولن تقوم له قائمة بعد، قالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] وقالوا: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] الآيات. وقد تكررت هذه الصور من الكفار الأصليين، والمنافقين المتسترين في كل عصورالإسلام؛ فعندما يكون للمسلمين خلافة قوية، وحسٌّ مرهوب، وأمَّة متماسكة لم يكن هناك من الكفَّار الأصليين من يجرؤ على التطاول على الإسلام، وانتهاك شيء من حرماته، وانظر ماذا صنع خليفة كالمعتصم عندما علم أنَّ امرأة مسلمة أهينت عند الروم؟! وانظر ما صنع التتار عندما أغراهم النصر الأول على جيوش السلاجقة! لقد استباحوا كلَّ حرمات الإسلام ... وفي الوقت الذي فعلوا فيه هذا ارتد من المسلمين من ارتد، وأظهر المنافقون نفاقهم، ولهذا حين نقرأ ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو شاهد، عن طوائف من المنافقين في دمشق حيث قالوا: (إنَّ سبب بلائنا وشقائنا هو محمد بن عبد الله، الذي عادى الأمم، وجعل الأمم تعادينا، ولولا الإسلام ومحمد لعشنا آمنين ... ) ! ألا ترى أنَّ هذا هو تماماً ما يقوله المنافقون الآن وما يفعله التتار الجدد بأمة الإسلام؟ وهذه المشاهد نفسها قد كان في الحروب الصليبية مثلها؛ حيث تجرَّأ النصارى الروم (شعوب أوروبا جميعاً) على أمَّة الإسلام، وجاءت جيوشهم ليس فقط لاستنقاذ القدس كما زعموا من أيدي المسلمين، بل لهدم الكعبة، وتدنيس قبر رسول الإسلام ﷺ . وانظر الكتب التي سطَّرت في هذه الحقبة من سب رسول الإسلام بأقذع السباب، ووصفه بأنَّه أسوأ رجل عرفه تاريخ البشرية؛ وهذا نفسه عين ما ينشره النصارى اليوم في منتدياتهم على الشبكة العالمية (الإنترنت) . وانظر ما صنعه المنافقون من الفرق الباطنية في ممالأتهم للصليبيين ... فما أشبه الليلة بالبارحة، والتاريخ واحد منذ دعا رسول الله إلى الإسلام إلى يومنا هذا.. والحقيقة أنَّه حين كان للدين قوة وحراسة، ورجال أشداء كان الكفر ينقمع، والنفاق يستخفي، وعندما يظهر ضعف المسلمين وتنكشف عورتهم تنبحهم كلاب الداخل والخارج. واليوم ـ واحسرتاه على اليوم ـ ليس للمسلمين خلافة راشدة، ولا قوة رادعة، والإسلام اليوم مستباح وحرماته تنتهك مساء صباح. فهل نلوم الكفار على تدنيس المصحف، والعمل على الإذلال بالمسلمين، وتأليب العالمين في الأرض كلِّها عليهم وتخويف دعاتهم حتى من تدريس القرآن؟! وهل يلام المنافقون إذا أظهروا كفرهم بالله علانية، وقالوا إنَّ الإسلام لا يصلح لهذا الزمان، ونادوا بطيِّ بساطه، وإزالة معالمه، واستبدال شرائعه ... ؟ كيف نلومهم والفرصة أصبحت مواتية لهم، بل أصبح الجسد الإسلامي من كثرة الجراح لا يقوى على الصياح؟ أمَّا ما العمل؟! فالعلم أوَّلاً بأسباب الخلل....

стр. 5335

يريدون ليطفئوا نور الله أ. د. جعفر شيخ إدريس كنا إلى وقت قريب نُجهد أنفسنا لنعرف حقيقة الموقف الأمريكي من الإسلام، وكنا نستنتج من مجموع سياساتهم أنهم ليسوا ضد هذه الجماعة أو تلك، او هذه الدولة أو تلك، أو هؤلاء الإرهابيين أو أولئك، وإنما هم ضد الإسلام باعتباره الأيديولوجية التي تمثل فيما يرون الخطر الأكبر على الحضارة الغربية بعد سقوط الشيوعية. لكن أمريكا أراحتنا الآن من عناء الاستنتاج وما يؤدي إليه من اختلاف بين من يقرؤون وينظرون ويستنتجون. أراحونا من عناء الاستنتاج؛ لأنهم صرحوا الآن بما كنا نستنتج وكتبوه وإن لم ينشروه. لكن عدم نشره لم يحل دون معرفته وإذاعة سره؛ فقد نشرت أسبوعية أمريكية مرموقة (١) مقالاً تناقلته كثير من وسائل الإعلام في أمريكا وخارجها، لا لأهمية الصحيفة والكاتب فحسب، ولكن لأهمية الموضوع نفسه. نشر (كابلان) بحثه تحت عنوان: (القلوب والعقول والدولارات) ذكر فيه أنه قضى أربعة أشهر يجمع معلومات عن مشروع جديد سري للإدارة الأمريكية اسمه (البلوغ إلى العالم الإسلامي) ، وأنه التقى ببعض من اطلعوا على المشروع. هذا المشروع يعبر عن سياسة جديدة هي التصريح بأن هدف الولايات المتحدة الذي تراه محققاً لمصلحتها الوطنية هو تغيير وجه الإسلام. وافق الرئيس بوش على المشروع، ووزعت نسخ منه لكل اذرع الحكومة الأمريكية. نلخص فيما يلي بعض الوسائل التي ذكرت في الورقة لتنفيذ هذه الخطة: - رُصدت للمشروع ملايين الدولارات. - سيكون المشروع عبارة عن حملة من الحرب السياسية كتلك التي بلغت أوجَها في أيام الحرب الباردة. - جُنِّد لها مختصون في العمليات الحربية النفسية. - وعملاء سريون من السي آي إي. - وخصصت لها مراكز بحوث. - ووسائل إعلام تمولها الولايات المتحدة. - سيُعنى المشروع بنشر القيم الأمريكية، قيم الدمقراطية، والتسامح، وحرية المرأة. وبالدعاية لطريقة الحياة الغربية. - الوقيعة بين المعتدلين والمتطرفين من الجماعات الإسلامية، والتعامل مع المعتدلين لمحاربة المتطرفين. - يقوم عملاء السي آي إي، بتشويه سمعة الجماعات الإسلامية والزعماء الدينيين الذين لا يتبعون الخط. - تغيير مناهج المدارس والمعاهد الإسلامية ليُحذف منها ما يرونه سبباً للتطرف وعدم التسامح. ويقول المقال إن الأمر بلغ بهم أن يمولوا إنشاء مدارس إسلامية بهذه المواصفات. تآمرُ أعداء الله على دين الله، ومحاولتهم إطفاء نور الله ليس بالأمر الجديد. وليس بالغريب أيضاً أن يجدوا مِنْ بين مَنْ ينتسبون إلى الإسلام من يعينهم على تحقيق مآربهم أو يضعف أمام إغراءاتهم أو تهديداتهم: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] . لكننا نريد أن نعلق تعليقات يسيرة على بعض الوسائل التي ذكروها رجاء أن لا ينخدع بها بعض إخواننا المخلصين. أولاً: قضية الدمقراطية: ما الذي تستفيده أمريكا أو يستفيده الغرب من أن تسود الدمقراطية في العالم الإسلامي إذا كان المقصود بالدمقراطية كما يفهمها معظم الناس عندنا إنما هو الانتخابات وتداول السلطة، والشفافية وحكم القانون وغير ذلك من أمور لا يعترض عليها المسلمون من حيث المبدأ؟ كيف تكون الدمقراطية بهذا المعنى وسيلة لتحقيق هدفهم بتغيير وجه الإسلام؟ إنها لا تكون، لكن الذي يكون هو الدمقراطية بالمعنى الذي يريدونه هم: الديمقراطية بمعنى حكم الشعب، بمعنى ان ينتشر الاعتقاد بين المسلمين بأن الشعب هو السلطة التشريعية العليا التي يحق لها أن تُحِلَّ ما شاءت وتُحرِّم ما شاءت. والدمقراطية بمعنى النموذج الأمريكي، أي أن يفهم الناس من الدمقراطية التشبه بالولايات المتحدة في ما تتبع من مبادئ وما تصدر من قوانين، وما يرى الغرب أنه حق إنساني. ثم قضية المرأة: أيضاً نتساءل: ماذا يستفيد الغرب من حرية المرأة أو من إعطائها حقوقها؟ لا يستفيد شيئاً إلا إذا فُهمت حرية المرأة بفهمهم هم لها، حريتها في أن تلبس كيف شاءت، وأن تتزوج من شاءت من المسلمين وغير المسلمين. وأهم من ذلك أن تخرج من بيتها لتكون موظفة، وأن يعد هذا الخروج شرفاً لها بينما يعد عمل البيت وتربية الأطفال إهانة لها. كيف يخدم هذا الخروج هدفهم؟ لقد وجدوا بالتجربة أن المرأة إذا عملت قلَّ إنجابها أو انعدم؛ لدرجة أن أكبر مشكلة تهدد المجتمعات الغربية بل والصناعية بوجه عام بما في ذلك اليابان هي انخفاض عدد المواليد حتى وصفوا هذا بأنه انتحار. وهم يرون أن المسلمين ما زالوا يتوالدون، وأن نسبة الشباب بينهم أعظم بكثير من نسبتها في المجتمعات الغربية، وأن هؤلاء الشباب هم جنود الإرهاب والتطرف فلا بد من العمل على الحد من تكاثرهم. القضية الثالثة هي قضية التسامح والذي يعنون به أن يعتقد المسلم أن ما عنده من دين هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن كل ما خالفه فهو باطل، أي أن لا يؤمن بمثل قول الله ـ تعالى ـ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . ﴿فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] . بل عليه أن يؤمن بالآخر، بمعنى أن يعتقد في نسبية الحقيقة، فيقول: إذا كان من حقي أن أرى أن ديني هو الحق؛ فلماذا لا يكون من حقه هو أيضاً أن يرى أن ما هو عليه حق وليس مجرد تزيين شيطاني كما يصفه القرآن في مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] . ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] . ليس هنالك إذن حق مطلق، وعلى فرض وجوده؛ فلماذا يكون هو ما أعتقده أنا لا ما يعتقده الآخر؟ كتب أحدهم قريباً مقالاً بمناسبة المظاهرات التي خرجت في العالم الإسلامي محتجة على تدنيس المسؤولين الأمريكان للمصحف الشريف، كتب يقول: إن مثل هذه المظاهرات هي من أسباب عدم احترام الناس للمسلمين. وقال إنه لم يحدث أبداً أن اليهود أو النصارى أو البوذيين قاموا بمظاهرات عنيفة كهذه في المرات التي عُرِّضت فيها دياناتهم للإساءة. ما عَلِمَ المغفل أن هذا نفسه مما يدل على يقين المسلمين بأن كتابهم الذي بين أيديهم هو كلام الله تعالى، وأنه ليس لأهل الديانات التي ذكرها يقين مثل هذا بالنسبة لكتبهم. القضية الرابعة هي قضية الدعاية لنمط الحياة الغربية: تقوم هذه الدعاية على خديعتين: أولاهما: أن ما هم عليه ليس نمطاً أو ثقافة غربية خاصة بأناس معينين فيكون لغيرهم أن يختاروا من الأنماط والثقافات ما شاؤوا، وإنما هو قيمة إنسانية صالحة للناس أجمعين، وأن من لا يأخذ بها يكون بذلك ناقصاً من الناحية الإنسانية. والخديعة الثانية: هي أن نمط حياتهم ولا سيما ما يسمونه بـ (المديرنتي) هو وحده الصالح لعصرنا، وأن من لا يأخذ به من الأمم يكون بالضرورة متخلفاً، وأن هذا هو سبب تخلف العالم العربي بالذات. انظر كيف أن هذه الخديعة تقوم على افتراض يتناقض مع الخديعة التي قبلها؛ فبينما تقول تلك إنه ليس هناك حق مطلق، وأن لكل فرد ولكل أمة أن تعتقد ما شاءت، تقول هذه: كلاَّ؛ إن نمط الحياة الغربية هو النمط الإنساني والعصراني الذي لا يناسب البشر في عصرنا غيره. ولكن لا عجب فالباطل دائماً لجلج متناقض لا يؤثر إلا في من هو أصلاً مأفوك: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٧ - ٩] . لكننا نقول إن الحذر من مؤامرات الأعداء شيء، والوسوسة شيء آخر. علينا أن نحذر مؤامرات الأعداء، لكن علينا أيضاً أن نكون عقلاء؛ فلا نترك شيئاً نعلم أن فيه خيراً لنا دينياً أو دنيوياً لمجرد أن الأعداء يستغلونه. علينا أن لا نبالغ كما يفعل بعض الناس في الاعتقاد بأن كل ما يحيكه الأعداء وكل ما يخططون له ينفذ كما يريدون؛ فالله ـ تعالى ـ يؤكد لنا عكس ذلك: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ﴿إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] . فعلينا أن نتذكر إذن مع أخذنا بالأسباب أن سلاحنا الذي لا يُفَلُّ هو إيماننا، وأنه كلما قوي إيماننا وازداد يقيننا تحقق وعد الله بالدفاع عنا.

стр. 5336

المجتمع المتمدن د. عبد الكريم بكار مما يلفت انتباه المراقب لشؤون الثقافة لدينا ذلك الإعراض عن الاهتمام بالشأن الاجتماعي، وكل ما فيه معنى الغيرية؛ فوعي الناس غارق في الاهتمام بالشأن الشخصي. وهذا يعود إلى ضعف التربية الاجتماعية لدينا؛ حيث التركيز شبه المطلق على النجاح الشخصي؛ وكأن المثل العربي القديم: «انجُ سعدُ؛ فقد هلك سُعيد» قد بات يشكل المنهج غير المعلن للأنشطة التربوية، والتحركات اليومية، ولا بد لهذا الأمر أن يثير الأسى والأسف لدى المراقب لأوضاع أمة، يقول نبيها ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١) . قد أصبحت كلمة (الأخوة الإسلامية) و (الأخوة في الله) خالية من الجاذبية، وخالية من المضمون أيضاً. أما المطالبة بتحقيق معنى (الإيثار) في حياتنا اليومية؛ فقد صارت تثير الدهشة، وأحياناً الإشفاق. هذا كله يعني أن إرثنا الحضاري العريق في التعاطف والتراحم والتعاون آخذ في التآكل دون أن تُحدث مبادرات كبرى للحفاظ على ما تبقى منه. قد يكون لغياب الرؤية الثقافية الاستراتيجية دور أساسي في هذا، وقد يكون لضغوطات الواقع، والظروف الصعبة التي نمر بها تأثير في ذهولنا عن العديد من المسائل الكبرى التي علينا أن ننشغل بها، ومنها مسألة التلاحم الأهلي. الإحساس بالفراغ يدفع دائماً في اتجاه البحث عن الامتلاء؛ وهذا ما يحدث اليوم؛ فقد صار من المتداول اليوم مصطلح (المجتمع المدني) ، وهو يعني من حيث المبدأ نسيجاً متشابكاً من العلاقات التي تقوم بين أفراده على أساس من التفاهم والتراضي، وتبادل المصالح والمنافع، والمطالبة بالحقوق وأداء الواجبات، وتحمُّل المسؤوليات إلى جانب مراقبة الأنشطة العامة، ومحاسبة المقصرين، وملاحقة الفساد والمفسدين. وهذا المفهوم للمجتمع المدني منسوخ من المفهوم الغربي مع شيء من القصور والتشويه. وقبل أن أبدي بعض الملاحظات على مدلولات هذا المصطلح أودّ أن أوضح أن المجتمعات الإسلامية السابقة على عصور الانحطاط كانت تستمد حيويتها وخيريتها، وصيانة مصالحها من عدد من المصادر المرتكزة على الإيمان بالله ـ تعالى ـ والتشبع بالروح الإسلامي، والمنهج الرباني الأقوم، ومن جملة تلك المصادر: أن الناس كانوا على نحو عامٍّ يعيشون في تجمعات سكانية صغيرة، وكان يغلب عليهم الفقر، أو ما هو قريب منه. إن العيش في تجمعات محدودة كان يسهل عملية التواصل والتآزر إلى حدود لا تخطر اليوم بالبال. وإن الفقر هو دائماً ثقافة شعب، على حين أن الغنى ثقافة صفوة. ومن خلال ثقافة الفقر كان التواسي وكانت المصارحة والمكاشفة؛ فالكل مطَّلع على أحوال الجميع، مما يجعل إمكانية الإصلاح أسهل، ويجعل الشعور بوحدة المصير أعظم. وكان الوقف الإسلامي هو التعبير الدقيق عن إرادة الخير، والشعور بالآخرين، والتعبير الدقيق عن العمل على النَفَس الطويل. وكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى جانب نظام الحسبة يعبر بعمق عن التكافل الخُلقي، وعن مشروعية تدخل كل فرد من أفراد المجتمع في الشأن الاجتماعي العام، بما يحقق المصلحة، ويدرأ المفسدة. وهذه المعاني والإجراءات، والأُطُر هي التي كانت تمنح المجتمع الإسلامي الجاذبية، والتماسك والاطمئنان، كما كانت تساعد الناس على تحمُّل أعباء الأخطاء التي كانت ترتكب على صعيد السياسة والاقتصاد. هذا كله قد تراجع في حياتنا؛ مما جعل بعض المثقفين يبحثون عن صيغ وفعاليات جديدة لإنعاش الحياة الاجتماعية والحيلولة بينها وبين مزيد من التدهور. ومع اعتقادنا بحاجة أوضاعنا إلى الكثير من الإصلاح، وحاجتها مِنْ ثَمّ إلى كثير من الأفكار، وكثير من الناشطين، وكثير من الصيغ ... إلا أنني أودّ أن ننتبه إلى ثلاثة أشياء: ١ - إن النقطة الثابتة التي تتمحور حولها كل الأفكار والمؤسسات والأنشطة في المجتمع المدني في الغرب: هي الإنسان كما تصوره الفلسفات الغربية، وكما بلورت حقوقه وحاجاته، وواجباته الخبرة المستخلصة من التجارب هناك. وهي فلسفات لم تنشأ في غياب الدين والوحي فحسب، وإنما نشأت على خلفية العداء لهما. أما المجتمع المتمدن في الرؤية الإسلامية، فهو مجتمع يقوم على حب الله ورسوله والالتزام بأحكام الشريعة وآدابها، كما يقوم على الرحمة وليس على المنافسة، وعلى التعاون وليس على الاستئثار. ومن هنا فإن المطلوب لمجتمعاتنا ليس مطابقاً لما قد يكون مرضياً لمجتمعاتهم. ٢ - في الغرب حديث طويل عن محورية حقوق الإنسان، ومكانتها في المجتمع المدني، لكن لا نجد أي حديث عن حقوق الله تعالى، أما عندنا فإن أداء المسلم لحقوق الله شرط أساسي في الحكم على تمدنه وتحضره. وحقوق الإنسان نفسها شيء يُفهَم من المنهج الرباني الأقوم. ٣ - الناشطون في مجال العمل على إيجاد المجتمع المدني غارقون في المطالبة لغيرهم بتحقيق بعض الأشياء، وتغيير بعض القوانين، وهم بذلك يهتمون بالجانب السلبي من القضية، ولا نجد لهم تحركاً يذكر على صعيد البناء والتنمية. إن المجتمع لا يقوم من خلال توفير حرية التعبير وحرية الحركة والاجتماع فحسب، إنه يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير. إن المجتمع حتى يصبح مدنياً أو متمدناً يحتاج إلى ما لا يحصى من المؤسسات الخيرية، والتطوعية، واللاربحية. الناس يحتاجون إلى مؤسسات وأطر تربوية وتعليمية، وإغاثية ودعوية ترتقي بهم، وتؤهلهم لعيش زمانهم بكفاءة واستقامة. والمجتمعات الإسلامية في ظل الحضارة الإسلامية الزاهية كانت كذلك. والمجتمعات الغربية تقوم أيضاً على عدد ضخم جداً من المبادرات، والمساهمات الأهلية المجانية. تمدين المجتمع شيء مهم وعاجل، لكن يجب أن يقوم على أسس صحيحة، حتى يتفاعل معه الناس، ويُسهموا في (ورش) بنائه.

стр. 5337

جيل الصحوة بين الهزيمة والانطلاق (١ - ٢) - ضيوف الندوة: - فضيلة الأستاذ الدكتور ناصر بن سليمان العمر: المشرف على موقع المسلم على الشبكة العالمية. - فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن زيد الزنيدي: الأستاذ بكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. - فضيلة الدكتور عبد الله الصبيح: الأستاذ بكلية العلوم الاجتماعية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. مرت بالأمة الإسلامية في فترة من الفترات هزائم وانكسارات متعددة الجوانب، سواء أكان ذلك على المستوى العسكري أم على المستوى السياسي أم على المستوى العقدي والفكري والاجتماعي، إلى نحو ذلك من ألوان الهزيمة التي حصلت بعد سقوط الدولة العثمانية، ودخول الاستعمار إلى البلاد الإسلامية. ثم بدأ الناس يتطلعون إلى النهضة العربية، أو النهضة الإسلامية، وبرزت في تلك الفترة ـ وخاصة في البلاد العربية ـ مجموعة من التيارات الفكرية، ابتداءً بالاتجاهات الشيوعية واليسارية، ومروراً بالشعارات العروبية والقومية والوطنية وغيرها من الشعارات التي ضجت بها الساحة العربية، خصوصاً في فترة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات الميلادية من القرن الماضي. ومع قوة هذه الشعارات الثورية حصلت الهزائم والانكسارات أيضاً مرة أخرى، ووجد الناس أن تلك الشعارات، وتلك الأحزاب العروبية، والقومية لم تخرجهم من مأزق إلا أدخلتهم في مأزق أشد منه، وفي هذه الأجواء تنامت الصحوة الإسلامية، وكان لها أثر كبير جداً في إعادة العزة للناس من جديد، وإعادة الثقة بالدين، وبجذور الأمة العقدية والفكرية. وأنجزت الصحوة الإسلامية، على الرغم من المضايقات الكثيرة التي مرت بها، إنجازات متعددة الجوانب، حتى أصبحت ملء السمع والبصر. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر صار هناك حضور أقوى للصوت الإسلامي، وأخذت الهجمة الغربية طوراً جديداً في الهجوم على المسلمين، وجعلت الخصم الأساس للغرب هو الإسلام، وعلى وجه التحديد تيار الصحوة الإسلامية بمدارسه المختلفة. وفي هذه الأثناء أيضاً حصل شيء من الانهزام النسبي عند بعض الإسلاميين على المستوى العقدي والثقافي، وحصلت اجتهادات ومراجعات، قد يسميها أناس هزيمة، وقد يسميها آخرون إعادة بناء للفكر الإسلامي، وإعادة نظر في المسلّمات الإسلامية، وظهرت أطروحات متعددة ومتباينة تحاول قدر الإمكان أن تتقاطع أو تتعايش أو تتقارب مع بعض الأطروحات الغربية. وبدأ بعض الإسلاميين يقدم الفكر الإسلامي بصورة المدافع، وليس بصورة الإنسان المعتز بالدين والمعتز بالقيم، وبالثوابت الشرعية، وبدأ بعض الناس يتساءلون: هل هناك حقيقة هزيمة نفسية في جيل الصحوة أم أن هذه الأطاريح ما هي إلا بناء من جديد لطريقة التفكير ولطريقة التعايش مع الواقع الذي تمر به الأمة الإسلامية؟ وهل وصلت هذه الهزيمة إلى مستوى الظاهرة في أوساط الإسلاميين، وما ملامح هذه الهزيمة؟! وكيف نستطيع إعادة التوازن من جديد لبناء الصحوة الإسلامية؟! هذا هو مجال حديثنا في هذه الندوة المباركة: ونبدأ بالسؤال المباشر: هل نحن أمام هزيمة نفسية في جيل الصحوة..؟ - د. عبد الرحمن الزنيدي: حقيقةً أن العنوان هذا ـ الهزيمة النفسية ـ يحدث اهتزازاً لدى الإنسان، أنا سأبني حديثي عن هذه النقطة على تصوري للهزيمة النفسية، حاولت أن أوجد مسارات تتمثل بها الهزيمة النفسية إذا أخذناها بمفهومها هزيمة نفسية. الهزيمة النفسية: هي شعور بعدم القدرة على الفعل لدى من يستطيع أن يفعل، وإذا كان لا يستطيع أن يفعل فهو شعور خاطئ. الهزيمة النفسية: هي يأس من إمكانية أي عمل إيجابي. الهزيمة النفسية: هي التخلي عن الأهداف التي كان يتبناها، وربما تبني ما يقابلها. الهزيمة النفسية: هي انكفاء على الذات، وتخوف من الآخر. الهزيمة النفسية: هي حالة ذل، حالة استكانة، تجعل الإنسان لا يرفع رأسه، ولا يطيق أحياناً حتى نفسه، يعني حالة إحباط يتولد من خجل، من كسل، وأحياناً من شعور بالجرم إزاء وضع يحيط به. كما نعلم أن أبرز صورة راجت في الاتجاه الثقافي عند المسلمين في العصر الحاضر عن الهزيمة النفسية هي التي التصقت بالمدرسة التي سميت العقلانية، أو المدرسة العصرانية، ونحوها من التسميات، والتي كانت هي أول حركات التفاعل الفكري مع الغرب، والتي هي نتاج مجموعة من الناس، أبناء لأمة وعت نفسها على أمة أخرى: أمة ضعيفة متخلفة فوضوية، التقت بأمة حضارية متقدمة مدنية متطلعة استعمارياً؛ فحصل عندهم هذا الاهتزاز. اهتزار نفسي ولّد مواقف هي مظاهر الهزيمة النفسية التي كان من أبرزها انعكاس في القضية لديهم؛ فالأصل أن الإسلام (القرآن والسنة) ابتداءً هو الذي يوجه الفكر ليحكم الأشياء، فصارت القضية معكوسة؛ وصارت الرؤية الغربية والحضارة الغربية هي التي توجه فكره ليأتي بعد ذلك بالقرآن والسنة، فيحاول حلحلتها، وجعلها تتفق معها. طبعاً ما زالت الهزيمة النفسية موجودة، لكن الهزيمة التي أقصد أنها موجودة هي الهزيمة النفسية لدى بقايا فلول مَنْ يُسمَّوْن بمفكري التغريب ونحوهم، ولهم صور ربما نشير إليهم بعد ذلك كمحيط موجود الآن يلابس الصحوة، ويحاول أن يوجه مسارها بقدر الاستطاعة. هذه الهزيمة النفسية بهذه الصورة التي يمكن أن نقول: إنها تمثل حالة إحباط، أو حالة اجتلاب للآخر، أو قابلية الاستعمار، أو نحوها من التسميات. البيان: عفواً د. عبد الرحمن! إذن أنت تؤكد أن هذه الهزيمة النفسية موجودة في أوساط الصحوة الإسلامية، كما أنها موجودة في أوساط العامة. - د. عبد الرحمن الزنيدي: لا، لم آتِ بعدُ على ذلك؛ لم أُجب عن السؤال، أردت أن أنظّر للقضية لأجيب بناءً على تنظيرها. جوابي: هو أن الهزيمة النفسية بالمفهوم الذي ذكرته، وبصوره التي سردتها غير موجودة إطلاقاً في أوساط الصحوة، لا لدى القادة، ولا لدى الأفراد، هناك موقف شامل في أوساط الصحوة الإسلامية إيماناً بالإسلام بصفته منجياً عند الله ـ سبحانه ـ ومحققاً للنهوض، ويقيناً بهزيمة ما سواه، وقناعة بالأدلة، فضلاً عن الدليل الإيماني الأصل الذي يأخذ الإنسان منه دليله، دليل واقع يشهد بهذا، وهو هزيمة جميع الأطروحات التي قدمت في العالم الإسلامي كله مستبعدةً الإسلام. فهناك إيمان بأن الإسلام مشروع إصلاح، وهناك إحساس في أوساط الصحوة الإسلامية بأن المسلمين الآن رغم العوائق والعثرات يتجهون للإسلام. هناك شعور أن هذه العقبات دليل على إدراك هذه الحقائق من قِبَل الأعداء. يعني أن الأعداء الذين يضعون العقبات في وجه أوساط الصحوة يدركون أنها صحوة حضارية مستهدفة، وحركة أو اتجاه استقلالي، ومن ثم بروز حضاري، ونحو ذلك. ومثل هذه الوضعيات النفسية لا يمكن أن توجِد نفسية مهزومة. يمكن أن أقول ـ حتى لا تكون القضية مصادرة ابتداء ـ: إن هناك حالة أخرى ليست هزيمة لا اصطلاحاً ولا مضموناً، يمكن أن أسميها: حالة ارتباك فكري في الصحوة الإسلامية، وبالذات لدى بعض الرواد ـ رواد الصحوة الإسلامية ـ هذا الارتباك الفكري نتيجة حالة عامة يعيشيها هؤلاء الرواد، هناك شعور بضخامة المسؤولية في ظل الظروف التي يعيشونها، والتي لم تعد مسؤولية تربوية كما كانت في السابق، بل أصبحت مسؤولية سياسية، بل مسؤولية عالمية. هناك انفتاح على العالم في دائرة الصحوة الإسلامية، وانتقال من طور الانكفاء على الذات إلى طور المداخلة في الحياة: مداخلة المجتمع الذي يعيشون فيه، ومداخلة حتى العالم بمؤسساته، وبوضعه العالمي كله. هناك إقبال من الناس على التدين، ومن ثم إلحاح من هؤلاء على طلب برمجة حياتهم. هؤلاء الناس المتدينون المقبلون على الدين الذين يدخلون فيه أفواجاً من السهل أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، هذه أمور سهلة وواضحة لديهم، لكنهم يريدون برمجة حياتهم على الإسلام. يقول بعضهم: أنا دخلت في الدين، أنا عدت إلى الله سبحانه، أنا الآن رجل أعمال، أنا الحمد لله أصبحت أصلي، تركت الفواحش، أصبحت أعتمر ... لكن لديَّ مئات الملايين من الأموال أريد أن تجري على نمط إسلامي، ومع ذلك يكون عصرياً، لا أريد أن تردني إلى معاملات فردية كانت سائغة في السابق. الناس يطالبون هؤلاء الرواد بأن توضَع مسالك حياتية في الاقتصاد، في السياسة، في الإدارة، في الفنون، في الآداب ... في جميع شؤون الحياة، بأن توضع برامج حياتية تكون إسلامية، وتكون عصرية في الوقت نفسه. هناك ما أستطيع أن أسميه: تساؤلات من الأتباع، ونقد من الآخر تجاه الصحوة الإسلامية. الأتباع كانوا فيما سبق أتباعاً بالمعنى اللفظي؛ بمعنى مجرد: متلقين من روادهم، من مشايخهم، من علمائهم، من دعاتهم، الآن يشعرون أنهم يريدون الانفتاح، ويريدون أن يناقشوا الآخر خارج الدائرة الصحوية، يثيرون نقداً حاداً، مثلاً: محاضرة تلقى، أو كلمة تكتب في موقع، أو صحيفة من داعية، وغير ذلك تخرج لها ردود من هؤلاء، وهذا يحرج ـ الآن ـ رواد الصحوة الدعاة؛ لأنهم لم يتعوَّدوا على هذه الصفة، ومن ثم هم بحاجة إلى أن يكونوا على مستوى التأقلم مع هذه القضية. الانتقال من العاطفية إلى العقلانية: في السابق كانت حركة الدعوة ـ في فترة طويلة ـ تركز على الجانب العاطفي، خاصة حينما كانت الأمة في عموم العالم الإسلامي في حالة شرود عن الدين وفي حالة غفلة؛ فكانت الدعوة: عودوا إلى الله، عودوا إلى دينكم؛ فالخير في دينكم، منطلقات وشعارات عامة، وكانت مجدية في ذلك الوقت، لكن الناس الآن رجعوا إلى دينهم، والآن يريدون حركة منطقية عملية تجسد حياتهم عملياً في واقع الحياة، هذه الحالات ونحوها، وغيرها من أمثالها انفتحت على الصحوة الإسلامية: على روادها، ثم على أتباعهم ثانياً وبشكل متسارع، وبشكل ملحّ لا يحتمل بطئاً لتحديد المواقف، ورسم المسالك. والصحوة بدعاتها وعلمائها هي حركة ثقافية بالدرجه الأولى، والحركة الثقافية لا يتم تفاعلها بشكل سريع كما هو الشأن السياسي؛ الذي يتخذ موقفاً ثم ينتهي؛ فطبيعة الدعاة والمفكرين والمثقفين أنهم يحتاجون لموازنات لرسم المواقف، يحتاجون إلى تفكير هادئ، حتى يضعوا الأمور في أنصبتها الصحيحة، وحتى لا يزيغ الناس بالمهاوي؛ خاصة أنهم يتعاملون بدين يدينون الله به، وليس الأمر مجرد مصالح مادية لو فاتت فسوف تأتي بعد ذلك مصالح بديلة. لا شك أن الصحوة الإسلامية سعت للمواكبة؛ يعني سعت للاستجابة الإيجابية في حدود الإمكانات، لكن الذي لا ريب فيه أن الملحوظ بشأنها هو ما ذكرته، وهو أن هناك حالة ارتباك، أو إن أردت أن أخفف هذه اللفظة فأستطيع أن أقول: إن الصحوة الآن تعيش لحظة تأمل، لحظة استبصار، لحظة محاولة إعادة نظرات، تأهيل الذات بالقدر الكافي من أجل التفاعل الحيوي مع هذه التغيرات المحيطة بها. الصحوة كان لها ضجيج من داخلها، وضجيج من الآخرين بشأنها، وفي الأونة الأخيرة بدأ يخفت هذا الصوت، لكن خفوت هذا الصوت لا يعني الغياب حقيقة. أنا أعتقد أن خفوت هذا الصوت يعكس شعوراً بالثقة بالنفس، ويعكس عقلاً في التعاطي مع الحياة، ربما بأرشد وأكثر سداداً مما كان قبل ذلك، لكنه بكل حال لا يعني أيضاً التراجع في أوساط الصحوة. البيان: إذن أنت ترى يا فضيلة الدكتور أن الصحوة من حيث العموم لا تشهد هزيمة، وإنما هناك ارتباك فكري أدى إلى بعض الظواهر التي قد تفسر عند بعضهم بالهزيمة، وتفسر عند آخرين بالارتباك الفكري؛ فهل المشايخ يوافقون على هذا الطرح؟ - د. ناصر العمر: الكلام الذي ذكره الدكتور عبد الرحمن جميلٌ جداً، وأوافقه في جملة ما قال، لكن ما دمنا في التعريف؛ فالذي فهمته من التعريف أن قول: (الهزيمة في جيل الصحوة) أنه ليس عنواناً تقريرياً بل هو دراسة؛ بمعنى أن هناك شيئين مختلفين: هناك شيء اسمه الهزيمة النفسية، وشيء آخر اسمه جيل الصحوة. وهذا ما لاحظته من قول الدكتور عبد الرحمن من أن الهزيمة شيء والصحوة شيء آخر، ولا ارتباط بينهما. والحقيقة أن البيان سبقت في معالجة المشكلة قبل أن تقع؛ لأن مشكلتنا في كثير من الأحيان أن ننتظر حتى تقع المشكلة، ثم نذهب نبحث عن حلولها. والذي أراه أن الهزيمة لم تعد ظاهرة، وإن اختُلف في بعض تشخيص الحالات الفردية التي قد أشير إليها. وإضافة لما ذكر في الموضوع حتى أشخّص ماذا نريد من معنى الهزيمة؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فالهزيمة في اللغة تدور في أصلها اللغوي على معنى واحد: وهو الغمز والكسر، ومنها الهزيمة في المعركة، والهزيمة النفسية وغيرها. الهزيمة: هي انكسار إرادة النفس أمام حدث معين، أو واقع معين، أو فكر معين، أو ظاهرة معينة؛ بحيث لا تقوى على مجابهته، فهي تستسلم أو تسلم بدون تفكير في التخلص منه أو مواجهته؛ لذلك انكسار الإرادة يعني: لا قدرة ولا استطاعة. أعطي أمثلة من ألوان الانكسار في واقع الأمة. مثلاً: الانبهار بكل خُلُق دخيل خالف أخلاق الإسلام، وأعراف أهله؛ فهذا ضرب من الهزيمة. الخجل من القيام بأمر الله تجاه الأفراد والمجتمع ضرب من الهزيمة النفسية أيضاً. التبرؤ من بعض العقائد الإسلامية كعقيدة الولاء والبراء، كما يحدث من بعض المسلمين أيضاً هزيمة نفسية. محاولةُ لَيِّ الشريعة لتوافق أهواء العصر وأهل الشرق والغرب هزيمة نفسية. التبعية الغربية أو الشرقية هي أيضاً من جوانب الهزيمة النفسية. الافتتان بالحضارة الغربية جانب من جوانب الهزيمة النفسية. وإن كان في هذا الكلام نوع من التداخل، لكن يفسر نوعاً من الهزيمة النفسية؛ بهذا المنظور وبالمنظور، الذي قدمه د. عبد الرحمن فأرى أنه لا توجد في الصحوة هزيمة نفسية، وأرى أنها لا توجد بصفتها ظاهرة عامة، لكن توجد حالات فردية قد تزيد أحياناً، وتنقص أحياناً أخرى، وبعض المواقف قد يفهمها بعض المتابعين على أنها هزيمة، ويفهمها آخرون على أنها اجتهاد في استثمار فرص متاحة، وقد يوافقون عليها وقد يخالفون؛ فالدعاة وأهل العلم ومن عرفوا بسلامة المنهج وعرفوا بالخير، ولهم أثر في هذه الصحوة، وإن نشأت بعض الاجتهادات ـ بغض النظر عن الموافقة أو عدم الموافقة عليها ـ فهي ليست نابعة ـ غالباً ـ من الهزيمة، وإنما نابعة من أسباب أخرى: استثمار فرص أو غيرها. والصحوة الإسلامية الآن في هذه المرحلة لا تعاني من هزيمة نفسية، والدليل على ذلك الأجيال التي تتطلع إلى الجهاد وتمارسه، بل وقع بعضها في الغلو المنهي عنه، اعتداداً بنفسها وثقة بما عندها. لعلك تقابل شباباً يعملون أعمالاً أكبر من طاقتهم؛ فبعضها أعمال مشروعة، مثل ما نرى في فلسطين، وما نرى في العراق، وغيرهما من مواطن الجهاد. شباب يقفون أمام أعتى قوة؛ هل يوصفون بالهزيمة؟ مستحيل، ونجد آخرين في بعض بلاد المسلمين يعملون مثل أعمال التفجيرات وغيرها، وهذا غلو وخروج عن المنهج، وليس من الإصلاح، ولكن لا يمكن أن يكون هذا نابعاً من الهزيمة، بل نابعاً من الاعتداد المفرط بالذات؛ لذلك أقول: إن الهزيمة غير موجودة بصفتها ظاهرة عامة، لكن يوجد حالات فردية في كل عمل، وفي كل جيل يحدث ذلك. بقيت نقطة أشار إليها د. عبد الرحمن، وهي أن الصحوة الآن تمر بمراحل ـ مثل مرحلة العمر ـ هل تسمى مرحلة فتور؟ توجد مظاهر أوافق أنها مظاهر فتور، وقد تحدثت عنه قبل سنوات في كتاب (الفتور) . والفتور غير الهزيمة هذا أولاً. ثانياً: القادة والذين لهم السبق في نشأة الصحوة ـ كما أشار الدكتور ـ هم أناس كانوا يوجهون، أما الآن فانتقلوا من التنظير إلى العمل وإلى المشاريع؛ فهم الآن انشغلوا ببرامج عملية علمية. ولو نظرنا قبل عقدين مثلاً فسنجد أنه لم تكن القنوات الموجودة الآن، ولم تكن المواقع موجودة في المنهج العلمي والدورات وغيرها من الانشغال بالعمل الذي يوازن التنظير، بعضهم يتصور أنه نوع من الهزيمة، هذا غير صحيح، أيضاً عدم التجاوب مع الاستفزاز الذي يحدث الآن فهذا رشد وعقل وفكر. بقيت نقطة أخيرة هي أنه لا شك أن الصحوة عندها إشكالات معينة، ولا شك أن عمرها قصير بالنسبة لما تحقق لها من إيجابيات ناجحة، وهناك إشكاليات عالقة، سواء سميناه الارتباك كما تحدث د. عبد الرحمن، أو نوعاً من التأمل، أو عدم الوضوح والضبابية، أو هزيمة فردية محدودة عند بعض الأشخاص، ولا شك أن هذه مرحلة طبيعية، وهذه تفسر بعض الأحداث الموجودة، والله أعلم. - د. عبد الله الصبيح: كلمة جميلة قالها الدكتور عبد الرحمن في تعريفه الهزيمة: هي الشعور بعدم القدرة على الفعل لدى من يستطيع أن يفعل. وهذا التعريف يشرح جانباً من جوانب الهزيمة، وهناك جانب آخر يوضحه تعريف آخر أورده الدكتور عبد الرحمن وهو الهزيمة النفسية هي التخلي عن الأهداف التي كان يتبناها، وربما ما يقابلها. وهذان التعريفان يوضحان صورتين للهزيمة سوف أتطرق إليهما حينما أتحدث عن مفهوم الهزيمة. وقبل الإجابة عن السؤال: «هل نحن أمام هزيمة نفسية في جيل الصحوة؟» . أحب أن أشير إلى أن أول من تحدث عن الهزيمة النفسية فيما أعلم هو ابن خلدون ﵀ في مقدمته؛ حيث عقد فصلاً خاصاً بذلك، وسماه (تقليد المغلوب للغالب) يقول ابن خلدون: «المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب في زيه وشعاره، وعوائده، وشأنه كله» . وذكر ابن خلدون صوراً من هزيمة المسلمين النفسية في الأندلس، أو تقليد المغلوب للغالب - كما سماها - ومنها وضعهم الصلبان في البيوت ومجاراتهم للنصارى في سلوكهم ولباسهم ومأكلهم ومشربهم، ويعلل ابن خلدون ذلك بأنه لظن المغلوبين أن تقليد الغالب في عوائده يمنحهم القوة التي انتزعها منهم عدوهم. وما ذكره ابن خلدون عن تقليد المغلوب للغالب ليس قاعدة مطردة؛ فهناك من غلب واستولى عدوه على أرضه، ومع ذلك بقي معتزاً بدينه وقيمه ونفسه، ولم يقلد من غلبه؛ فالمسلمون لما هزمهم التتار، وجدنا الغالب هو الذي قلد المغلوب ودخل في دينه. وفي العصر الحاضر نرى إخواننا في فلسطين معتزين بإيمانهم محافظين على عقيدتهم، يشعرون بتميزهم عن عدوهم الغالب الجاثم على أرضهم. بعد هذه المقدمة أقول: يظهر لي أن للهزيمة النفسية صورتين: ١ - هزيمة الذات أمام المبدأ؛ حيث لا يستطيع الفرد تحمُّل تبعة المبدأ ودفع ثمنه فيتخلى عنه، إما للحصول على مكسب دنيوي، أو الخلاص من أذى يلحقه بسبب مبدئه. ٢ - هزيمة المبدأ أمام الواقع؛ حيث يكتشف الشخص أن المبادئ التي يحملها عاجزة عن إحداث تغيير أو إصلاح في الواقع، فيتخلى عنها بحثاً عن مبدأ آخر، وقد لا يكون في هذا الجانب هزيمة نفسية واضحة؛ لأن منه ما هو هزيمة، ومنه ما ليس كذلك. وينبغي ملاحظة أن مصطلح الهزيمة مصطلح فضفاض كمصطلح الصحوة الذي سأتحدث عنه؛ فهناك فتور يمكن أن تلحقه بالهزيمة، وهناك انشقاق في الصف يمكن أن تلحقه بالهزيمة، وهناك الاجتهاد في التأول، وفي تطويع المبدأ للواقع الذي يتداخل أحياناً مع الهزيمة النفسية وأحياناً مع الاجتهاد. وسواء قلنا إن الصحوة تعاني من الهزيمة النفسية أم لا تعاني منها، فلا بد من تحديد المراد بالصحوة الإسلامية. تيار الصحوة الإسلامية في نظري لم يعد محدوداً بمجتمع معين، أو أفراد محدودين، أو جماعة أو تنظيم أو حزب، بل أصبح تياراً واسعاً، ودخل تحت هذا التيار كل من رفع الإسلام شعاراً للحياة، ونحن نعلم أن ممن رفع الإسلام شعاراً للحياة من كان على سنن صحيحة، وطريقة سديدة، ومن رفعه وهو ليس كذلك، بل هناك من رفعه نتيجة انهزام في مبدأ سابق، مثل: بعض القوميين، وبعض العلمانيين الذين انهزمت أفكارهم فرفعوا الشعار الإسلامي، ولكنهم يريدون الإسلام الذي في أذهانهم، وليس الإسلام المنزل على محمد #. وهؤلاء في نظري يعيشون حالة من الهزيمة النفسية، وفيما رفعوه يحدث خللاً داخل الصف الإسلامي، والصحوة الإسلامية. إذن تيار الصحوة الإسلامية تيار واسع، ويمكن أن نقول: إن الصحوة بمجملها لا تعاني من هزيمة نفسية، لكن يمكن أن نلاحظ عند بعض قطاعاتها وعند بعض الأفراد ـ وهم ليسوا قليلين ـ هزيمة نفسية بناءً على ما ذكرته عن صور الهزيمة. وهذه ليست ظاهرة عامة شاملة، بل ظاهرة جزئية، ولا يمكن تعميمها على تيار الصحوة بكامله. ولعل مما يساعد في انتشار الهزيمة النفسية أو مما يفضي إليها ما ذكره الدكتور عبد الرحمن مما سماه بـ (الارتباك الفكري) . الصحوة الإسلامية كانت في وقت من الأوقات تعيش مرحلة العاطفة، ومخاطبة الفرد في صلاح نفسه، ثم انتقلت إلى مواجهة الواقع بتقديم حلول عملية. وبعض هذه الحلول العملية تداخلت مع بعض أطروحات المشروع العصراني الذي ظهر في أواخر القرن الثالث عشر وأول القرن الرابع عشر، وهو يقوم على تطويع النص ومقاصد الشرع للواقع. وربما كان ظهور المشروع العصراني بسبب ضعف البناء الثقافي، والإعداد العلمي عند الصحوة في المرحلة السابقة، مرحلة البناء العاطفي أو مرحلة تربية الفرد. وعودة المشروع العصراني للظهور مرة ثانية، سواء على مستوى النخب أو مستوى الأفراد والأتباع صورة من صور الهزيمة النفسية التي نتحدث عنها. - د. عبد الرحمن الزنيدي: لي تعليقات مباشرة على ما سبق، أذكرها باختصار: أولاً: ما ذكرته هنا حالة من الارتباك والتأمل البطيء لدى بعض رواد الصحوة من مفكرين أو عاملين، وهذه ألمح إليها الدكتور ناصر العمر، هذا قد يُحدث حالة من الهزيمة النفسية مستقبلاً إذا لم يستطع هؤلاء أن يطوروا صُعُداً ما يقدمونه؛ بمعنى إذا تباطؤوا عن تقديم هذه البرمجة العملية لمساوقة الحياة بصبغها بالحلال والحرام؛ بحيث يعيشها الناس حياة إسلامية؛ فإذا تباطؤوا وتلكؤوا فقد يملّون من قِبَل من لديهم انفتاح عليهم، أو قبول لهم من حكام وغيرهم. هذا من جهة، ومن جهة ثانية سيبدأ الناس يطلعون بعمومهم على الطرح الآخر الذي يمكن أن يطرحه العصرانيون، وخاصة أن العصرانيين الآن ليسوا على النمط السابق الذي يعلنون فيه قطيعتهم مع الإسلام؛ فقد صاروا الآن يقدمون رؤاهم العصرانية، ويلبسونها لباساً إسلامياً. وهنا نقطة ثانية وهي تعليق على كلمة الدكتور عبد الله في قضية ولع المغلوب بالتقليد للغالب فهو حقيقة، ولكن انهزام النفس أمام الغالب له درجات وليس درجة واحدة، هو أحياناً يكون انهزاماً مبدئياً؛ بمعنى يمسخ فيه الإنسان ويذوب حضارياً، وقد يكون الانهزام ليس مبدئياً، فلا نقول هذا انهزام، وإن كان قد تأثر في الغالب ببعض مجرياتها العملية، وانفعل ببعض معطياتها الفكرية والثقافية ... إلخ؛ فهي انهزمت عملياً، لكنها ما انهزمت حقيقة؛ لأن الهزيمة النفسية في الحقيقة هزيمة قاصمة؛ لأن النفس هي آخر شيء عند الإنسان. وحتى لا يكون الكلام فكرياً بحتاً أضرب مثالاً: الاستعمار جاء إلى العالم الإسلامي، فاستعمر الغربيون بلاد المسلمين، وكانت مكيدتهم، خاصة في الجانب الثقافي أكثر من غيره؛ والغربيون استعمروا أيضاً أمريكا اللاتينية كما هو معروف ورحل المستعمرون من البلاد الإسلامية، ورحلوا من أمريكا اللاتينية؛ فما الذي حدث؟ الذي حدث هو اختلاف واضح بين الجهتين: أمريكا اللاتينية مُسخت نهائياً؛ فلا أديانها التي كانت بقيت بها، ولا تقاليدها التي كانت بقيت لها، ولا لغاتها أيضاً التي كانت بقيت؛ وهكذا؛ فهناك هزيمة نفسية ساحقة؛ بمعنى أن الشخصية الحضارية التي كانت هناك ذابت أمام حضارة الغازي وصارت الآن تابعة لها. لكن بالنسبة للأمة الإسلامية فلا. نعم! انفعلوا وتأثروا، لكن بقيت لديهم الخميرة الداخلية، وبقي لديهم أن ما يحملون من هذا الكتاب ـ وهو القرآن ـ يمثل الأعلى، ومهما ضعف التزام الإنسان في عمله إلا أنه يشعر أن هذا هو الحق، ومن ثم أي فكرة وأي نظرية تخالفه فإنها باطلة. تلقائياً يعرف هذا الشيء، قد ينجر أحياناً نتيجة شهوة، أو مؤثرات إغرائية، قد ينجر وراء هذا الشيء الجديد، لكن يبقى في قرارة نفسه الأساس الديني؛ فالحقيقة أن الهزيمة النفسية ليست صورة واحدة، وإنما تأخذ أشكالاً مختلفة. هناك نقطة أخيرة هي ـ وقد أشار إليها الدكتور عبد الله ـ قضية أن الصحوة مفهومها واسع، صحيح أن مفهومها ليس مفهوماً مصطلحياً؛ بمعنى: أن له تعريفاً جامعاً مانعاً، لكن لا أعتقد أن من أدخلهم الدكتور عبد الله في الصحوة، أنهم من الصحوة، ومن سماهم وهم المنهزمون نفسياً أو العصرانيون ونحوهم؛ فهؤلاء ليسوا من الصحوة، ولا يعتبرون هم أنفسهم من الصحوة، حتى وإن كتبوا في الإسلاميات وإن فسروا الإسلام؛ فلا أعتقد أنهم يُعَدُّون من الصحوة؛ فلا محمد أركون، ولا شحرور، والقمني ولا سعيد عشماوي.... ولا نحوهم من الفئة التي كانت دراستهم تتجه للإسلام وتفسير القرآن، وتحاول أن تقدم صورة بديلة أو مقابلة للصورة التي تقدمها الصحوة، لكنها ليست للصحوة؛ فهؤلاء هم خارج سور الصحوة الإسلامية. - د. عبد الله الصبيح: يعتمد على هؤلاء بعض أبناء الصحوة يقرؤون لهم، ويتأثرون بفكرهم. - د. عبد الرحمن الزنيدي: القراءة نعم! أما التأثر فقضية ثانية، وهي إذا كان التأثر بفكرهم تأثراً منهجياً، تأثرهم بحيث أن لديهم قدرات على أن يستوعبوا المنهج لنقدهم، ولتقديم رؤاهم داخل دائرة الصحوة من خلال المنهجية الجديدة إذا تلبَّسوا بها بمنهجهم أصبحوا منهم، لا أعتقد أن في دائرة الصحوة من يتفاعل مع هؤلاء بهذه الصيغة التي ذكرها الدكتور عبد الله. - د. عبد الله الصبيح: ليس بالضرورة الأسماء التي ذكرتها، لكن هناك من قطاع الصحوة من تأثر ببعض الكتابات، وحصل عنده نوع من الهزيمة؛ فإذا كنت تريد أنت أن تُخرج هؤلاء من قطاع الصحوة فحينئذ أنت تنفي الهزيمة النفسية عن الصحوة بإخراج كل من انهزم منها. - د. عبد الرحمن الزنيدي: نحن من خلال حديثنا عن الصحوة والهزيمة. أنا أقول: إذا تلبَّس وأصبح هو صورة لهذا الإنسان الذي حكمت محكمة علمانية بردته؛ فكيف ندخله في الصحوة؟ هذه رؤيتي. - د. عبد الله الصبيح: ليس بالضرورة أن ندخلهم. البيان: ربما كان ذكر الأسماء هو الذي أوجد فارقاً كبيراً في الحكم، لكن ألا ترى أن هناك مجموعة ممن ينسبون للفكر الإسلامي قد تكون عندهم طروحات عصرانية تميل أحياناً إلى الغلو الذي لا يخرجهم عن دائرة الإسلام، لكنهم أيضاً تأثروا بشكل أو بآخر ببعض الأطروحات العصرانية؟ - د. عبد الرحمن الزنيدي: أما أن تكون أفكار أفراد فهذا صحيح، وأما أن تكون ظاهرة فلا أعتقد، ونحن نتحدث عن الهزيمة بصفتها ظاهرة. النقطة الأخيرة وهي أن الدكتور عبد الله ذكر مشروعاً عصرانياً يعاد طرحه، والحقيقة أنا لا اعتبر أن هناك مشروعاً عصرانياً يعاد طرحه، والعصرانيون أنفسهم يعترفون؛ فمشروعهم الآن مواجهة الصحوة، ومحاولة إفساد أعمدة هذه الصحوة، وتبديد طاقاتها، وهذا هو الجهد ذكرته. مَنْ هذه الأسماء، وما هو دورها؟ دورها هو هدم قدسية القرآن؛ لأن متعلق الصحوة الإسلامية الأكثر الآن الرجوع للكتاب والسنة، والرجوع بصفته العاصم الأساس لحركة المسلم، ولهذا هم يجدون حالة مفارقة عجيبة يعترف بعضهم مثل (هشام جعيط) في كتابه «الشخصية الإسلامية والمصير العربي» يقول: مشكلة العلمانيين العرب مع النص المقدس ـ القرآن ـ أنه واضح وحاسم، وأنه أصل لدى المسلم لا مجال للارتياب فيه، هذا يجعل الإنسان الآخر ـ يعني العلماني ـ مُحْرَجاً عندما يصادم القرآن مباشرة، وهناك سيكون منهزماً. (فؤاد زكريا) في محاضرة ألقاها وطبعت عنوانها «العلمانية ضرورة» ، قال وهو يتحدث عن العلمانيين والإسلاميين: العلمانيون ثلاثة أقسام: اشتراكيون، قوميون، ناصريون، والحقيقة أنهم يعرفون ما لا يريدون، ولكنهم لا يعرفون ما يريدون؛ يعرفون ما يريدون في تطبيق الشريعة التي كانت صيحة الصحوة قبل ١٠ سنوات أو نحوها، ويقفون هم في وجهها، ويعرفون أن هذه هي القضية التي يريدون الوقوف في وجهها، لكنهم لا يعرفون ما يريدون، ليس لديهم مشروع بديل يقدمونه، سقطت مشاريعهم، فبقيت لديهم عملية هدم وتفتيت إلا إذا كانت مشروعات هدمية ناقدة كمشروع الجابري، ونحوه الذي هو نقد للثقافة الإسلامية، ومثل منهج (أركون) الذي لا يقدم مشروعاً بقدر ما ينقد الدين، ويفتت قدسية هذا النص، ومثل ما يطرحه الآن الدكتور (طيب تيزيني) في قضية تعدد القراءات في النص المقدس، أو الاعتماد على نظرية موت المؤلف في قراءة القرآن، ونحو ذلك. - د. ناصر العمر: حول نقطة أشار إليها الدكتور عبد الله وعقب عليها الدكتور عبد الرحمن في موضوع وجود أشخاص داخل الصحوة أصبحت لديهم مواقف تتقارب مع المدرسة العصرانية. أنا أوافق أنه توجد أسماء تطرح طروحات تتوافق مع هؤلاء، وهذا نوع من الهزيمة النفسية كما اتفقنا، لكن حتى الآن لم يظهر لي من خلال الحديث أن هذه العناصر مؤثرة؛ فلم تكن أصلاً من قيادات أو رواد الصحوة، وإنما كانوا أفراداً أو شاركوا في بعض المشاريع المحدودة عملياً. وينبغي أن ننظر إلى القضية بنظرة متزنة لا ننفي الموجود، وهو كما اتفق الجميع ليست ظاهرة، والحمد لله. البيان: ليست ظاهرة، لكن هناك ممارسات سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى أوسع قد تزداد في بعض الأوساط؛ بحيث تتسع دائرته وممارساته عند آخرين ... ونخشى أن تكون ظاهرة في المستقبل. - د. ناصر العمر: إن لم تعالج؛ وهذه الندوة حلقة من حلقات التوعية، حتى لا تزلَّ قدم بعد ثبوتها. البيان: نتحدث الآن عن مظاهر هذا الارتباك الذي أشار إليه الدكتور عبد الرحمن، أو ما قد يسمى عند آخرين بأنه هزيمة على مستوى الأفراد أو على مستوى أوسع من ذلك؛ لأن هذا سوف يزيد أيضاً من توضيح تحديد المسار الذي نتحاور فيه. - د. عبد الله الصبيح: أعود إلى إشكالية مصطلح الهزيمة النفسية. في نظري أننا حينما نتحدث عن الهزيمة النفسية فنحن نتحدث عن منحنى متدرج له طرفان ووسط، والصور في الأطراف تكون واضحة تماماً لا يختلف الباحثون في تصنيفها، ولكن في الوسط سوف نجد صوراً ربما احتاروا في الحكم عليها، فربما عدها بعض الباحثين من صور الهزيمة النفسية بينما ينازعهم آخرون في ذلك. ومن تلك الصور ما ذكرته من قبل: كالفتور، والاجتهاد في تأويل النصوص، وتطويعها للواقع، أو التخلي عن بعض المبادئ استجابة لضغط الواقع. وما كان من هذه من صور الهزيمة النفسية قد يختلف الباحثون في اعتباره ظاهرة بناء على مقدار شيوعه في المجال الذي حدده الباحث. البيان: ولهذا ربما يكون تحديد الصورة هو الذي يضبط المسار؛ فربما يوجد تباين في تحديد مفهوم الهزيمة، لكن عندما ننزل هذا المفهوم على الأمثلة الواقعية تنضبط الفكرة ويظهر المقصود، وعندما نتحدث عن موضوع الصحوة لا نقصد بلداً بعينه أو فصيلاً بعينه من فصائل الصحوة الإسلامية، وإنما نتحدث بشكل عام. - د. عبد الرحمن الزنيدي: أنا أشرت إلى بعض المظاهر فيما سبق، ومنها الشعور بضخامة المسؤولية، والارتباك في الانفتاح على المجتمع، يعني مثلاً: قضية التفاعل مع المجتمع كيف تتم؟ هل من خلال المسار التربوي الذي كان منتشراً على نطاق الصحوة الإسلامية فيما سبق، أو من خلال قفزة إلى المستوى الحزبي؟ في مصر مثلاً: أراد مجموعة من الإخوان أن ينشئوا حزباً سياسياً، واعترضت عليهم الجماعة، ثم عادت الجماعة من خلال مرشدها لتقول: نحن مستعدون أن نشكل من أنفسنا حزباً إذا كانت الحكومة ستقبل. فعلاً هذا يعكس حالة ارتباك في القضية، حالة ارتباك تتضح أحياناً أمام بعض المفاجآت التي تحدث في المجتمع. يحدث مثلاً حركة مفاجئة، أو تغيير مثلاً نتيجة ضغوط داخلية، أو ضغوط خارجية فيحدث تغيير، وقد حدث هذا مثلاً في بلاد كثيرة في قضية مناهج التعليم، أو في قضايا أخرى. أمام مثل هذا لو كانت الوضعية كما كانت فيما سبق لكانت الخُطَب والتصريحات النارية، ونحو ذلك هي الإجابة مباشرة، لكن في ظل الوضعية التي ذكرتها صار هناك حالة تساؤلات. مثلاً قضية التفاعل مع الآخر، أي تفاعل الصحويين مع من هم خارج دائرة الصحوة، مع المثقفين من خارج دائرة الصحوة، من الليبراليين ونحوهم؛ وتعرفون أنه جرى أحياناً تفاعل، وأحياناً لقاءات، وأحياناً بيانات مشتركة ونحو ذلك، وهذا النمط كان جديداً على الصحوة الإسلامية؛ فالصحوة الإسلامية كانت تعيش دائرتها الخاصة، وأولئك يعيشون أيضاً دائرتهم الخاصة، وإن كانوا يزعمون الإقصاء، أي أن الصحوة الإسلامية تقصيهم، كانوا هم يُقصون أهل التدين من وسائل الإعلام، وغير ذلك؛ فكلٌ يسير وحده. بدأت قضية اللقاءات كحركة شخصية، ثم بدأ التساؤل: ما هي الأساسيات التي ينبغي أن يقوم عليها هذا اللقاء بين أناس تبنوا المشروع الإسلامي إن شئنا تضخيم الأمور، وبين أناس يتبنون مشروعاً آخر، لكن قد يلتقون في خطوط عريضة، أو مسارات تتقاطع؛ فما هي الأسس الشرعية، والأسباب المصلحية، والمحظورات المتوقعة؟ جرت تساؤلات، كُتب في بعض المجلات والمواقع الإسلامية ملفات في قضية التعاون بين الإسلامي وغير الإسلامي ونحو ذلك، هذه صورة من الصور التي تمثل ارتباكاً. مثلاً التفاعل بين الفئات داخل الصحوة الإسلامية، ونحن نعلم أن الصحوة الإسلامية أجنحة وليست جناحاً واحداً. هناك الذين يمكن أن نسميهم الجناح السلفي مثلاً، وهناك الجناح التحرري الذي له سمات معينة في دراساته منها التوسع في عملية المقاصد الشرعية. وكلٌ يسير في طريقه مستقلاً عن الآخر ونحو ذلك، ثم لما بدأت الصحوة الإسلامية تدخل في الواقع وتتحرك فيه رأت أنها بحاجة فعلاً أن ترتكز على المقاصد الشرعية، وأن تتحرك في ضوء المصالح والمفاسد، وأن ذلك الخط لم يكن على خطأ في كل مساراته التي كان يسير فيها، وأن لديه حقاً في جوانب ينبغي أن تؤخذ ويستفاد منها، لكن كيف يتم التفاعل مع هذه الفئة؟ هذه أيضاً حالة أو صورة من صور الارتباك الفكري. أيضاً من صور الارتباك المشكلة بين موقف الرائد الداعية القائد وبين الأتباع. الداعية القائد بحكم قدراته الفكرية، وبحكم نضجه، وبحكم عمره عنده القدرة أن يتحول، أن يتفاعل، أن يتغير، أن يتجدد، أن يترقى. المشكلة هي قضية الأتباع؛ فإن سار في طريقه غير عابئ بهم فقد يُحدِث لهم انتكاسات، قد يعتبرون أنه ضل، وأن تجديده هذا ضلال، وخروج عن نسق كان يسير عليه معهم ومن ثم خرج عليهم. إن أراد أن يتحرك بهم معه، فهذا صعب؛ لأن طبيعة الأتباع وطبيعة البسطاء أن حركة تحولهم بطيئة؛ فهناك حالة ارتباك في الحركة لدى هذا القائد في حركته، وفي عمله. البيان: عفواً دكتور! ولكن تبقى هذه الصور في مجال الممارسة العملية، ولم نتحدث عن الارتباك على المستوى الفكري؛ لأن الممارسة العملية أقل خطورة، فقد يخطئ الناس في وقت من الأوقات ويستدركون الخطأ، لكن الارتباك أو الهزيمة على المستوى الفكري، ربما تكون أكثر خطراً، ولها انعكاسات عميقة ومتجذرة! - د. عبد الرحمن الزنيدي: حقيقةً أنا تصوري أن هذه تتداخل فيها القضايا الفكرية مع القضايا العملية، يعني ليست هي قضية عملية بالمعنى المباشر، لكن دعني أذكر مثالاً فكرياً آخر: لدينا نحن في المملكة مثلاً: الدعوة تعتز بأنها في أصل عمقها، وخلفيتها التاريخية، سلفية إسلامية ـ أنا أعتبر أن الصحوة الإسلامية كلها سلفية منهجية على الأقل؛ لأن شعارها الرجوع للكتاب والسنة، وهذا هو شعار السلفية ـ لكن لدينا نحن الصحوة الإسلامية تعتز بأن خلفيتها التاريخية التي ورثتها عن الآباء والاجداد، خلفية سلفية ذات عمق علمي شرعي؛ إلا أن الصحوة الإسلامية لدينا استنامت أو تخدرت بفعل هذه الخلفية التي أعطتها راحة، ولو رجعنا إلى هذه الخلفية التي ركنت إليها لوجدنا أنها تتمثل في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي خرج قبل ثلاثة قرون في جزيرة العرب في بيئة نجد بالتحديد بدعوة سلفية؛ بمعنى أنها دعوة تريد أن تعود بالناس إلى الكتاب والسنة، إلى الصورة النموذجية التي كان عليها صحابة رسول الله # في مقتبل الإسلام. وكانت الوضعية الاجتماعية التي خرج منها مشكلتها الكبرى هي في توحيد العبادة، ومن ثم ركز جهده في علاج هذا الواقع؛ فهذا هو منهج التجديد الذي ركز جهده فيه، فجاء كتابه الذي يمثل دستور حركة الشيخ ـ محمد بن عبد الوهاب ـ وهو (كتاب التوحيد) ، وأثمرت هذه الحركة في التجديد، وصاغت حياة الناس صياغة جديدة؛ صياغة عقلية نفسية، وصياغة حركية عملية، وأدت دورها بأتم ما يكون، ثم صارت تتحول مع التاريخ، وبعثها الملك عبد العزيز ﵀ بعثاً قوياً جديداً، وأراد أن ينقلها حتى خارج دائرة الدولة السعودية إلى العالم الإسلامي، وتواصل مع علماء آخرين. المشكلة تأتي هنا في هذه الآونة بعد منتصف القرن الرابع عشر أن المجتمع السعودي بدأ يتغير، بدأ ينفتح على العالم من حوله، بدأت الوافدات الفكرية والتطبيقية في الحياة، بدأت دولته تتفاعل مع العالم في منظمات ودول، وأفراده بدؤوا أيضاً يتفاعلون مع أفكار الآخرين، سواء كانت أفكاراً إسلامية، أو حتى أفكار الآخرين غير الإسلامية، هنا كان المنطق الطبيعي هو أن تكون هناك حركة تجديد لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حركة تجديد تصوغ المنهجية للحياة، ابتداء بالجانب العقدي وما بعده لتصوغ حياة الناس في ظل الظرفية التشكلية الجديدة، في أفكارهم، في نمطهم الحضاري، في نمطهم المادي الذي تغير تغيراً جذرياً، في كل هذه الجوانب، وهو أن يكون حركة تجديدية تتفاعل فيها هذه الدعوة السلفية الموروثة مع هذا الواقع الجديد المتغير. للأسف لم يحدث هذا بدرجة كافية، فبقيت القضية على هذا الموروث. أعتقد أن هناك في الآونة الأخيرة بدأ تنبه إلى أنه ينبغي أن يكون هناك تجديد. السلفية تبقي الكتاب والسنة هما المصدر، والنموذج المثالي لصحابة رسول الله # هو المَعْلَم، دعوة الإمام ابن تيمية هي نموذج صياغة العقل بعد تأثير الوافدات الفكرية، دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي الرصيد الذي نرتكز عليه. لكن نتحدث عن صياغة نموذجية تعطينا منهجاً جديداً: في البناء العقدي، في الاجتهاد التشريعي، في التفاعل الحضاري، في الصيغ المطلوبة آنياً، هناك تنبه لهذا، وهناك محاولة استباق من فئات لا يعتبرها الصحويون من الصحوة، وهناك استباق من أناس من الصحوة، وربما الدكتور عبد الله كان يلمح إليهم في قضية الانهزام النفسي وهي من هذا، وإن كنت لا أعتبره هزيمة، أقصد أنهم أناس ينقدون الاتجاه السلفي من داخله، والآخرون الذين يمثلون تياراً محافظاً في دائرة السلفية بدأت بعض حركتهم ترتبك، هم يرون أنه لا بد من حركة تجديد، أن يستجيبوا لهذا النقد الذي يكون أحياناً صارخاً في أدائه وفي قوة لذعاته. أيضاً هذه مشكلة، هذه حالة ارتباك فكري حاد، وأنا اعتبره في هذا الموضوع. البيان: نعود مرة أخرى إلى مظاهر هذا الارتباك الفكري سواء على مستوى الممارسة أو على المستوى الفكري والثقافي. - د. ناصر العمر: يمكن أن نتفق على وجود هذه الأمور التي سماها الدكتور ارتباكاً، أو يمكن تسميتها مشكلات أو نوعاً من الضبابية، أو نحوها. التسمية ليست مهمة في رأيي، سأذكر بعض المشكلات على سبيل المثال لا على سبيل الحصر من أجل فتح هذا الموضوع وطرحه للنقاش. أنا أعتقد أن من المشكلات الموجودة أصلاً عدم وضوح البرنامج العملي في ذهن بعض قادة الساحة؛ حيث كان تركيزهم على جانب معين، وعدم التكافؤ ـ فيما أرى ـ بين الوعود والمكتسبات العملية أحدث مشكلات؛ عدم واقعية الناس أيضاً في مطالبهم تجاه ما ينبغي تحقيقه، الناس بطبعهم يتمنون ويتخيلون عندما يتحدث المتحدث، وقد يكون القائد في ذهنه شيء محدد، الناس يأخذون من الخيال، فلما يرون ما يحدث ما يتوقعون أنه هو الأمر، ومن هنا نشأت مشكلة. أيضاً توجد نقطة اعتبرها رئيسة وكانت جديدة على الصحوة، وهي أن الصحوة فى أول أمرها كانت كالذي يسير على الأرض السهلة، ثم بدأت العقبات التي أخبر الله بها بقوله ـ تعالى ـ: ﴿الچـم «#! ١! #) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢] ، فبدأت الفتن والابتلاءات بشتى أنواعها ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] ، ونشأ اختلاف في وجهات النظر في مواجهة التحديات، وخاصة من القوى الضاغطة؛ فحدث تراجع أو هزيمة. أيضاً هنا إشكال معين وهو الاختلاف بين النقد فقط وتقديم البرنامج؛ لا يلزم أن من ينقد الواقع أنه لا بد أن يقدم برنامجاً، قد يكون عنده قدرة على نقد الواقع، كما يقال في محيط الأدب أنه لا يلزم في ناقد الشعر أن يكون شاعراً، قد تكون قدرة الناقد على النقد أسهل، ربما كان في الماضي التركيز على النقد فقط، وهذا طبيعي، بل هو منهج وله أصل، حتى يبين للناس الواقع الذي يعيشونه ليتخلصوا من سلبياته. ثم بدأ بعضهم يطالب بالخطوة التالية، لكنها لم تكن جاهزة فكان بطء فقه الحركة من قادة الصحوة، وضعف القدرة على استثمار الفرص المتاحة. أما ما يتعلق بالجانب الفكري، فأعتقد أن عدم تحديد بعض المصطلحات والرؤى السابقة مشكلة ظاهرة. كانت تطلق رؤى لم تحرر، ثم أُخِذت على أنها مسلَّمات وهي ليست كذلك؛ فلما جاء صاحبها بعد حين لأجل أن يحررها ويبينها ترى أنه تراجع، تغير، اختلف. ومنها أيضاً الخلط بين الوسيلة والمبدأ، فكان الناس ـ أنا أتكلم عما كان سابقاً من قادة الصحوة على أنها تكون مبادئ، قد تكون وسائل ومراحل في هذا الجانب؛ فهم لا يفرقون بين الوسيلة والمبدأ، في ما كان مرحلياً أو مبدئياً، المرحلة تتغير؛ فما كان قبل ١٠ سنوات نجد أنه يختلف عما هو عليه الآن، أما المبدأ فهو الذي لا يختلف الناس عليه. وحدث إشكال في الجانب الفكري. - د. عبد الله الصبيح: إذا أردت أن أتحدث عن الارتباك الفكري فالمجال فيه واسع جداً، والارتباك الفكري ربما يكون بسبب مواجهة المواقف الجديدة التي تتطلب اجتهاداً غير معهود، وربما لم ينجح المجتهد في الوصول إلى اجتهاد سليم؛ بسبب عدم إدراك الواقع إدراكاً صحيحاً، أو بسبب البقاء على نوع من المطلقات الفكرية العامة جداً التي يصعب تنزيلها على الواقع وتحويلها إلى صيغ عملية. ومن معوقات الاجتهاد التي تساهم في إحداث الارتباك الفكري أنه قد يستقر عند بعض الناس أنماط فكرية، وصيغ عملية، وحينما يواجهون ما استجد من الحياة يظهر عجز تلك الأنماط الفكرية، والصيغ العملية التي استقروا عليها عن مواجهة الواقع، وربما ظن بعضهم أن تلك الصيغ العملية، والأنماط جزء من الدين، بينما هي اجتهاد أو رأي، أو ربما مجرد عادات لا علاقة لها بأمر الدين. ويقع الارتباك الفكري حينما يعجز العالم عن الاجتهاد بما يفي بحاجة الناس أو حينما يجتهد فيختار غير ما ألفه الناس من تلك الأنماط الفكرية، والصيغ العملية، وربما فسر بعض الأتباع هذا بأنه نوع من التراجع، أو أنه نوع من الارتباك الفكري. وبعض صور الارتباك الفكري ليست من الهزيمة النفسية في شيء، وينبغي تمييزها عنها. أما الهزيمة النفسية، فكما قلت من قبل لها عدد من المظاهر، وأوضح هذه المظاهر وفقاً للمنحنى المتدرج الذي أشرت إليه آنفاً أقصى صور المنحنى، وهي التخلي عن المبدأ والقبول بمبدأ الخصم. هذه صورة فاقعة تماماً لا يستطيع أحد ألا يدركها. البيان: لكن هل هذه الصورة موجودة في الصحوة؟ - د. عبد الله الصبيح: هذه ليست موجودة بهذه الحدية، لكن هذه أقصى صورة من صور الهزيمة النفسية وهي موجودة عند بعض أبناء الأمة. ومن مظاهر الهزيمة أيضاً: الانطواء والعزلة، وهذه أزعم أنها موجودة عند أفراد من الصحوة الإسلامية، بل إن بعض قطاعات الصحوة لما عجزت عن مواجهة الواقع آثرت الانطواء والعزلة، وتمسكت بما هي عليه من فكر، وهذه أعدها صورة من صور الهزيمة النفسية. وهناك صورة أخرى ربما يختلف فيها القول، ويثور حولها الجدل وهي تطويع النص وتأويله. أحياناً يكون ذلك ناتجاً عن اجتهاد سائغ، وأحياناً يكون عن هزيمة نفسية؛ لأن القضية التي تشغل الذهن هنا هي: ما حدود ذلك التطويع وذلك التأويل؟ أحياناً يكون التأويل السائغ للنص نوعاً من الاجتهاد المطلوب الذي يثاب عليه صاحبه، وفي أحيان أخرى لا يكون كذلك؛ لأنه يتجاوز ثابتاً من ثوابت الشريعة وقطعياً من قطعياتها، فيكون عبارة عن هزيمة وتخلٍّ عن ثابت من ثوابت الشريعة، وواضح فيه مسايرة الطرف الآخر صاحب القوة وصاحب الغلبة؛ فهذه صورة من صور الهزيمة النفسية، وهذا الذي عنيته حينما قلت: عودة المشروع العصراني إلى البروز حينما بدأت الصحوة الإسلامية تواجه الواقع، وأنا أرى أنه لا يوجد مشروع عصراني مستقل، ولكن هناك طريقة في التفكير تحاول أن تتخلى عن بعض ثوابت الشريعة، وتطوع بعض ما في الشريعة استجابة لضغط الواقع. نعم! هناك أشياء لا بد للفقيه أن يراعي فيها حاجات الناس وأوضاعهم، وليس هذا من الهزيمة النفسية أو الولاء المذموم، لكنَّ هناك صوراً فيها نوع من الطبعة العصرانية التي كانت في نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، بدأت تعود إلى البروز مرة أخرى. وهذه أرى أنها هزيمة نفسية لكن أرجو ألا تكون واسعة الانتشار. وهناك مظهر من مظاهر الهزيمة النفسية، وهو تقليد الغالب في اللباس، وفي الزي، وفي أمور سلوكية أخرى؛ هذه ظاهرة من ظواهر الهزيمة النفسية في المجتمع المسلم، ولكنها ليست ظاهرة في الصحوة الإسلامية، أو أرجو ألا تكون كذلك. هذه بعض ظواهر الهزيمة التي تبدو لي، وقد لا يخلو واحد منها من جدل وخلاف؛ لأن المصطلح فضفاض.

стр. 5338

مصر «الجائزة» تحرش أمريكي.. تحرك علماني.. وتحرق إسلامي د. عبد العزيز كامل منذ أن مَنَّ الله ـ تعالى ـ على مصر وأهلها بالإسلام، بدخول الفاتحين المسلمين إليها في عهد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ في العام الثامن عشر للهجرة، وهي تحظى بدور بارز في صنع التاريخ الإسلامي، وبخاصة إذا كانت الشام عضداً لها، أو كانت هي عضداً للشام، ولا عجب في ذلك؛ فقد سرت كلمات الوحي في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﷺ بالثناء على تلك البلاد وساكنيها الذين اختار الله منهم ـ على مر العصور ـ أتباعاً وأجناداً للعشرات من الأنبياء، وعلى رأسهم الأربعة العظام من أولي العزم من الرسل إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ـ عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه. فالشام جاء الثناء عليها في مواضع عديدة من كتاب الله بوصف: الأرض المباركة والأرض المقدسة. ومصر ذُكرت باسمها الصريح في خمس مواضع من القرآن، وذكرت بالكناية عنها في ما يقرب من ثلاثين موضعاً (١) ، وخصت منها أرض سيناء بوصف القداسة مرتين (٢) ، فقد شهدت الشطر الأهم والأعظم من حياة موسى ﵇ حيث تنزلت عليه فيها التوراة، وتكاثرت معجزاته حتى جاءت وفاته فدفن فيها ﵇ على قدر رمية حجر من الأرض المقدسة بالشام. وكانت سيناء أيضاً معبراً لعيسى ﵇، إلى داخل مصر؛ حيث عاش فيها مدة قبل عودته إلى الشام. ووطئ تراب مصر من الأنبياء غير موسى وعيسى ﵉ إبراهيم ويعقوب والأسباط ويوسف وهارون ـ عليهم صلوات الله وسلامه. وسوف تكون سيناء ملاذاً في آخر الزمان للمؤمنين مع عيسى ﵇ عندما ينزل؛ حيث يوحي الله تعالى إليه أن يحرز عباده في طور سيناء للنجاة من شرور القوم المفسدين (يأجوج ومأجوج) . ومنذ بداية التاريخ الإسلامي، وأعداء هذه الأمة يدركون أن تقويض قوة المسلمين في مصر والشام، ينعكس ضعفاً على بقية الجسد الإسلامي، وقد تجلى ذلك في حملات الصليبيين التي تناوبت على بلاد الشام ومصر، ثم حملات التتار التي اجتاحت بلاد الشام، ثم انكسرت على صخرة التلاحم بين جند الشام ومصر. وفي العصور المتأخرة، لم تُغفِل مشاريع السيطرة على الشرق الإسلامي خطر مصر والشام على مستقبل التطلعات الإمبراطورية، فتناوب نصارى فرنسا (الكاثوليك) ونصارى إنجلترا (البروتستانت) التآمر على تلك البلاد، لأجل الانطلاق منها إلى مشاريع استقطاب إمبراطوري عالمي، فرنسي أو بريطاني، ليتحول هذا التآمر بعد أفول نجم الإمبراطوريتين؛ إلى تنافس بين القطبين الوريثين (روسيا وأمريكا) على المنطقة نفسها، بغية الانطلاق منها إلى مشاريع إمبراطورية جديدة، حتى انتهى الأمر إلى مشروع إمبراطوري أمريكي واحد لا يجد من ينافسه أو يوقفه. والأمر يحتاج ـ قبل الوصول إلى المرحلة الأمريكية الراهنة ـ إلى تعريج سريع على المرحلتين السابقتين، لندرك أن استهداف مصر والشام كان جزءاً لا يتجزأ من أي حسابات إمبراطورية في الشرق الإسلامي؛ هكذا كان الشأن مع المشروع الفرنسي، وهكذا كان مع المشروع الإمبراطوري الإنجليزي، ثم مؤخراً مع المشروع الإمبراطوري الأمريكي الجديد. (إمبراطورية القرن الحادي والعشرين) كما يسمونها. ولكني سأركز الحديث على الجانب المتعلق بمصر من هذا الاستهداف، نظراً لتعلق ذلك بموضوع هذا المقال، حول التطورات الراهنة في مصر. - مصر في المشروع الإمبراطوري الفرنسي: بعدما استرد الأيوبيون بقيادة صلاح الدين الأيوبي ممالك المسلمين من براثن الصليبيين إبَّان حملاتهم على الشام، عاد هؤلاء الصليبيون لإعادة الكرَّة مرة أخرى، فجهزوا حملتين صليبيتين لغزو مصر، التي أصبحت قاعدة للحكم الأيوبي المظفر، وقد تولت فرنسا قيادة هاتين الحملتين، حيث عُرفت إحداهما بالحملة الصليبية الخامسة بقيادة (جان دي برس) وعُرفت الأخرى بالحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع. لكن الحملتين هزمتا هزيمة مرة، المرة الأولى عام (٦١٨هـ ـ ١٢٢١م) والثانية عام (٦٤٨هـ ـ ١٢٥٠م) . وتطهرت مصر من أدرانهما وشرهما. غير أن الفرنسيين (الفرنجة) ظلت أعينهم مسمَّرة صوب مصر للعودة إليها في حملة صليبية جديدة، ضمن مشروع إمبراطوري خاص بفرنسا، ظل يراود قادتها، ولا يردهم عنه إلا شدة بأس العثمانيين الأتراك، الذين قيضم الله لحماية العالم الإسلامي من الاجتياح الصليبي أزمنة متطاولة. وبضعف هؤلاء العثمانيين، قوي رجاء الفرنسيين في البروز على المسرح العالمي كقوة دولية ضاربة، فبدؤوا يجهزون لشن حملة على العالم الإسلامي، تنطلق من مصر، لتعبر إلى الشام، وتنازل التطلع البريطاني الطامح إلى الغرض نفسه، وصدر القرار من فرنسا بإسناد قيادة ما سُمي بـ (جيش الشرق) إلى الجنرال (نابليون بونابرت) في ١٢ /٤/ ١٧٩٨م، في حملة ترمي إلى اجتياح مصر، وسلبها من يد المماليك وخلع الغطاء العثماني عنها، وأيضاً بقصد محو هويتها الإسلامية على المدى البعيد وفرنستها (مثلما حاولوا في الجزائر) ، ولهذا لم تكن الحملة عسكرية فقط، بل كانت حملة تغيير شامل ركز على الجانب الثقافي والحضاري، وهو ما يشبه الآن محاولات التغيير الأمريكي في بلدان العالم الإسلامي باسم (الإصلاح) . لكن الأعداء اللدودين للفرنسيين ـ وهم الإنجليز ـ تيقظوا للأمر، وبدؤوا التحرك لاستباق الفرنسيين إلى مصر، واستطاع (نيلسون) قائد الأسطول الإنجليزي الوصول إلى ميناء الإسكندرية قبل وصول الفرنسيين بثلاثة أيام، وحاول من خلال وفد أرسله أن يتفاهم مع حاكم الإسكندرية (محمد كُريِّم) للتعاون في مواجهة الفرنسيين القادمين لاحتلال مصر، ولكن الرجل لم يصدق الإنجليز ولم يحسن الظن بهم، ورفض التعاون معهم، وتمكن الفرنسيون في النهاية من غزو مصر، ولم يكن ميزان القوى متكافئاً مع المماليك حكامها باسم العثمانيين، فسقطت في حبائل الاحتلال الفرنسي، لينفذ الفرنسيون عملياً ما اقتنعوا به نظرياً من ضرورة إخضاع هذه البلاد أولاً، للانتقال منها إلى ما جاورها، وبخاصة بلاد الشام. وهو ما كان؛ لولا أن الله ـ تعالى ـ تدارك المصريين والشوام، بأن سلط على الفرنسيين ـ إلى جانب بأس المجاهدين ـ بؤس الطاعون، الذي انتشر في جند الطاغوت الفرنسي (نابليون) ، إضافة إلى تقاطع مصالح البريطانيين مع العثمانيين في ضرورة خلع الأنياب الفرنسية من الكيان الإسلامي في مصر والشام. - مصر في المشروع الإمبراطوري البريطاني: باستمرار الإمبراطورية العثمانية في الضعف والتلاشي، كانت بريطانيا تعد نفسها للتمدد محلها بوراثه أملاكها، وسبْق فرنسا إلى مواطن نفوذ الأتراك، وبخاصة في الكتلة العربية الجامعة لجزيرة العرب وما حولها، إلا أن نجاح الفرنسيين الفعلي في السبق إلى مصر والشام، أعطى الإنجليز دوافع أخرى إضافية، حولت الاهتمام البريطاني بالاستيلاء على مصر والشام إلى مسألة حياة أو موت، وهو ما تُرجم إلى تغير في سياسة بريطانيا برمتها، حيث بدأت تركز وجودها في أطراف الجزيرة العربية من عدن إلى الكويت، وأمعنت في فرض وجود استراتيجي واقتصادي مناوئ لفرنسا حتى لا تتمدد شرقاً إلى حيث التاج الإمبراطوري البريطاني في الهند، ولم تكتف بذلك؛ بل عملت على مطاردة الوجود الفرنسي في مصر بالتعاون (التكتيكي) مع الأتراك العثمانيين، إلى أن تم الهدف الاستراتيجي بجلاء الفرنسيين عن مصر عام ١٨٠١م، بعد احتلال دام ثلاث سنوات، وقد ظل الإنجليز يتحرشون بها لاحتلالها بعد الفرنسيين، وهذا ما حدث بعد خروج فرنسا بست سنوات؛ إذ سيرت إنجلترا حملة عسكرية بقيادة الجنرال (فريزر) إلى مصر، إلا أنها انتهت إلى هزيمة منكرة أوقعتها المقاومة المصرية بالإنجليز في ذلك الوقت في مدينة رشيد، ولم يستطع الإنجليز أن ينقذوا قواتهم بمدد أكبر، نظراً لتزايد الخطر الفرنسي داخل أوروبا نفسها، حيث كانت جيوش نابليون تسقط المدائن الواحدة تلو الأخرى، وهو ما كان يحتاج إلى احتفاظ بريطانيا بأكبر عدد ممكن من قواتها في أوروبا للتصدي لهذا الخطر. لكن بريطانيا لم تتخل عن فكرة احتلال مصر ضمن برنامجها الإمبراطوري، وبخاصة عندما ظهرت طموحات (محمد علي) ، في إنشاء قوة عربية في الشرق الأوسط مركزها مصر، فبدأ الإنجليز في التعاون مع العثمانيين الذين تمرد عليهم محمد علي، لتحطيم مشروعه الطموح، وبالفعل نجح الإنجليز في تقليص أحلامه وإخراجه من الشام، وكفه عن الجزيرة العربية، ليظل محصوراً في مصر تحت رقابة إنجليزية صارمة، عليه وعلى أبنائه من بعده، حتى صاروا ألعوبة في يد الإنجليز، انتهى المطاف بها إلى استدعاء إنجلترا لاحتلال مصر بدعوى حفظ الأمن وإطفاء الثورة التي قام بها أحمد عرابي سنة ١٨٨٢م، وعملت إنجلترا بعد احتلال مصر على تأمين مصالحها تحت قوة السلاح، واستطاعت أن ترتب أوضاعها في الشام، فاحتلت الأردن وفلسطين، لتخرج بعد ذلك بعسكرها من كل تلك الأراضي، وتحتفظ بفلسطين فقط لتسلمها لعسكر اليهود، ليقوموا ـ نيابة عنها ـ بكل ما تريد في حقبة ما بعد الانسحاب. وقد كان الإنجليز مدركين منذ البداية أهمية إضعاف الدور العربي والإسلامي في كلٍ من مصر والشام، لإنجاح واستمرار مشروعهم الإمبراطوري في الشرق الإسلامي؛ فقد كتب ذئب الإمبريالية الإنجليزية الحديثة، ورئيس وزراء بريطانيا في تلك الحقبة (اللورد بالمرستون) رسالة إلى السفير الإنجليزي في إيطاليا، بتاريخ ١٢/٣/١٨٣٣م، يقول فيها: «إن هدف محمد علي الحقيقي كان إقامة مملكة عربية تضم جميع البلاد التي تتكلم العربية، وهذا كان سيؤدي إلى تفكيك قوة تركيا ليحل هو محلها، ونحن لا نرى سبباً يبرر إحلال مُلك عربي محل مُلك تركي، يقطع الطريق أمام امبراطورية إنجلترا في الشرق» (١) . لكن الله الذي كف بأس الإمبراطورية الفرنسية عن المسلمين، فك عُرى الإمبراطورية الإنجليزية بعدها، وها نحن الآن أمام مشروع إمبراطوري صليبي جديد، يروم إحياء روما القيصرية، في صياغة صهيونية تجمع بين النصرانية واليهودية. وتتكرر القصة باستهداف مصر والشام معاً لتكون الهيمنة عليهما إحدى الركائز المفصلية في مشروع الإمبراطورية الأمريكية الجديد. ولكني أيضاً سأركز على ما يتعلق بالملف المصري في هذا الصدد لطبيعة موضوع المقال. - مصر في المشروع الإمبراطوري الأمريكي: بعدما ورثت الولايات المتحدة الأمريكية من أوروبا توجهاتها الإمبراطورية الاستعمارية، بعد الحرب العالمية الثانية، ظلت أمريكا قلقة من أوروبا الغربية (العجوز) ، ومتخوفة من أن تسلك هذه سبلاً خاصة ومنفردة لهيمنة جديدة، ترتكز على الثورة الصناعية والمالية لكل من ألمانيا وفرنسا، ولهذا حاولت جاهدة أن تستعمل الثورات والتغييرات في أوروبا الشرقية (الجديدة) كحصان طروادة لخدمة مصالحها في أوروبا القديمة، ولتجهض جهودها في البروز كقوة مستقلة في العالم، وهكذا سارت أمريكا في تحدي روسيا أيضاً، حتى سقط الاتحاد السوفييتي وتفكك ليبدأ الأمريكيون بعد ذلك في رسم مسار استراتيجي جديد يقوم على شن حروب وقائية على هواهم، لإزالة أي تهديد محتمل أو حتى مختلق يمكن أن يعرقل انتظام سير التمدد الأمريكي في العالم. والحقيقة أن هذه التهديدات المحتملة أو المختلقة، تركزت في النهاية على العالم الإسلامي، بعد أن سارعت أمريكا (البروتستانتية) إلى لملمة الخلاف مع أوروبا الغربية (الكاثوليكية) وتسوية الأوضاع مع روسيا وأوروبا الشرقية (الأرثوذكسية) وتسكين الأحوال حتى من الصين (الشيوعية) . وأصبحت للدول العربية والإسلامية وحدها أوضاعاً خاصة في نظر الأمريكيين؛ إذ أضحت في نظرهم تمثل أخطر المعوقات للمشروع الإمبراطوري الأمريكي، مع كونها تمثل في الوقت نفسه أهم المنطلقات لهذا المشروع. وقد أوجدت أمريكا معايير جديدة للتدخل في شؤون العالم الإسلامي لإحداث خلخلة في أركانه، تمنع من جهة قدرته على مقاومة الهيمنة، وتسهل من جهة أخرى اختراقه باللين تارة وبالعنف تارة، فالتدخلات العسكرية والعودة الفجة لأساليب الاستعمار القديم، أعادتها أمريكا جذعة في أفغانستان والعراق، والتدخل بذرائع إنسانية؛ ابتكرته ونفذته في الصومال والبوسنة وكوسوفا، أما التدخل بالضغوط السياسية والدبلوماسية؛ فهو المتبع الآن مع كل من إيران ولبنان وسوريا والسودان ... وأخيراً.. مصر، مع عدم استبعاد الأساليب والمعايير الأخرى معها من عسكرية أو إنسانية، والهدف من كل ذلك في مصر وغيرها، إحداث نظام إقليمي جديد يضمن استمرار سير مشروع الهيمنة الأمريكية العالمية إلى جانب مشروع الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية. والأمر لا يجري ـ بحسب ظن بعض الناس ـ كمجرد تطورات وتداعيات (بريئة) للأحداث، وإنما يسير وفق برامج وخطط، رسمت معالمها الاستراتيجية خلال العقد المنصرم؛ فمنذ أكثر من عشر سنوات، وُضعت الخطوط العريضة لمشروعي الهيمنة الأمريكي والإسرائيلي، في مؤسسة (هريتاج) التي تعد أهم مراكز البحوث الفعالة والمتخصصة في الفكر والتخطيط السياسي في الولايات المتحدة، وهي ذات توجه يميني متشدد، ومعروفة بارتباطها الوثيق بتيار المحافظين اليهود الجدد في الحزب الجمهوري الحاكم في أمريكا؛ حيث وضعت استراتيجية للتغيير في الشرق الأوسط، بانتظار ما يسمى في علم الاستراتيجية بـ (لحظة الاقتناص) والتي تعني الاستمرار في تهيئة الظروف للخطط ـ ولو لعقود ـ حتى يجيء وقت تنفيذها. ومعروف أن هناك (لحظات اقتناص) كثيرة، جرى استغلال بعضها وتجري تهيئة الظروف لبعضها الآخر، فكما كانت لأفغانستان لحظتها وللعراق لحظتها؛ فالظروف تتهيأ الآن للحظة الاقتناص في كل من سوريا ولبنان، والصومال والسودان، ومصر وغيرها. لكن لحظات القنص هذه لا يدري النسر الأمريكي، أنها تقرب لحظة قنصه هو، والتي ستأتي لا محالة ـ بإذن الله ـ حيث تهيئ أمريكا بنفسها الظروف من أجل تقريبها. إن التهيئة الأمريكية الجاري تحقيقها في البلدان المستهدفة، يدور معظمها حول شعار (الإصلاح) وإحلال «القيم» الديمقراطية، إما بإغراء العملاء للتحرك تحت هذا الشعار، وإما بالتدخل المباشر تحت زعم صعوبة التغيير السلمي. وفي الحالة المصرية، وبالرغم من رغبة الجميع في التغيير واسترجاع الحقوق، فإن الأمريكيين يلعبون على هذا الوتر، بعد فترة طويلة وثقيلة من (التهيئة) لما يجري الآن، كانوا يتعمدون خلالها ترك الأمور على ما هي، حتى سنحت الفرصة، وأطلق جورج بوش دعوته إلي التحول الديمقراطي في مصر. فقد كرر جورج بوش أكثر من مرة تمنياته، أو بالأحرى تعليماته، بأن تتولى مصر قيادة المنطقة إلى «قيم» الديمقراطية الأمريكية كما قادتها إلى «روح» السلام الأمريكي؛ فقد قال في خطاب حالة الاتحاد: في ٣/٢/٢٠٠٥م «الأمة المصرية، بادرت بنهج السلام، وكانت منارة على طريقه في الشرق الأوسط، وهي تستطيع الآن أن تأخذ زمام المبادرة نحو الديمقراطية، تنهج نهجها وتدل عليها وتكون رائدتها في الشرق الأوسط» وأضاف قائلاً: «إن الولايات المتحدة، ستقف مع حلفاء الحرية لدعم التحركات نحو الديمقراطية في الشرق الأوسط، لإنهاء الاستبداد في عالمنا» . فهو إذن يخاطب الشعب المصري مباشرة، أو «حلفاء الحرية» فيه، بأن يأخذوا المبادرة إلى التغيير نحو الديمقراطية، لا كآليات تتعلق بالانتخابات والتعددية ونحو ذلك فحسب؛ ولكن كقيم ومنهج يؤصل للعلمانية ويوصل لإقصاء الدين بشكل نهائي، وكأن أمريكا لم تقنع بمظاهر العلمنة التي تضرب بأطنابها في مصر منذ الاحتلال الفرنسي ثم الإنجليزي، حتى تسعى الآن إلى إعادة صياغة المجتمع المصري في قالب أكثر علمانية وأكثر جفافاً في القيم وجفاءً للدين، لتقود بذلك بقية دول المنطقة إلى تبعية أمريكية كما سبق أن قادتها إلى الشعارات الثورية والقومية باسم النضال الاشتراكي العربي، ثم قادتها إلى السلام مع العدو الغاصب المحارب تحت شعارات المحبة وحسن الجوار بين الشعوب. ولكن «تأهيل» مصر للقيام بهذا الدور يحتاج إلى ترويضها حكومة وشعباً، لتتقبل أوهام بوش وتخضع لأحلامه الإمبراطورية، بالترغيب حيناً والترهيب أحياناً ... بوعود الديمقراطية مرة، وبالتلويح بالحرب مرات، في إيقاع تتناغم فيه حماقات قطيع شارون، مع تحرشات عصابة بوش من الإنجيليين والمحافظين اليهود الجدد. وقد تكاثرت في الآونة الأخيرة رسائل التحرش بمصر من الطرف الصهيوني ـ أمريكياً كان أو إسرائيلياً: | فقد أوردت صحيفة (يو إس إيه توداي) الأمريكية في عددها الصادر في (٤/١/٢٠٠٥م) معلومات تحذيرية من أن مصر تمتلك برنامجاً نووياً سرياً، وأنها أجرت تجارب قد تؤدي إلى إنتاج أسلحة نووية. | ونقلت محطة (CNN) في ٤/٤/٢٠٠٥م عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تقريراً تتهم فيه مصر بأنها زودت الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، بأسلحة كيماوية أثناء حربه ضد إيران في حقبة الثمانينيات، وأكد التقرير المذكور أن الحكومة المصرية دعمت الجيش العراقي بخبراء عسكريين طوال تلك الحرب، وأنها أمدت ذلك الجيش بالغازات السامة» . والسؤال هنا هو: لماذا يثار هذا الاتهام الذي مر عليه أكثر من عقدين من الزمان في هذا التوقيت بالذات؟! وهل كانت أمريكا غافلة عن ذلك التعاون ـ إن صح ـ أم أنها كانت وراء ذلك؟ | وانتقدت صحيفة نيوزويك الأمريكية الصادرة في (١٦/٦/٢٠٠٤م) الإدارة الأمريكية لبدئها بغزو العراق للتركيز عليه في مشروع التغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط، مع أنه كان الأجدر بتلك الإدارة ـ بحسب الصحيفة ـ أن تكثف الجهود تجاه مصر، إذا ما أرادت تغييراً حقيقياً في المنطقة يوصل إلى صياغة عملية لمشروع الشرق الأوسط الكبير؛ لأنها ـ أي مصر ـ ستظل عقبة في تحقيقه إذا استمرت على وضعها الراهن الرافض للإصلاح بأجندة أمريكية. | في مناظرة كبرى نظمها اتحاد الطلبة في جامعة أكسفورد البريطانية قبل مدة، أدلى (جيمس وولسي) الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي. آي. إيه) بتصريح قال فيه: «حان الوقت لاستبدال جميع الأنظمة المستبدة، وإصلاح الأخطاء التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة» وأضاف: «ما أن ننتهي من الصداميين، حتى ننتقل إلى المباركيين» وقال: «إن الولايات المتحدة عازمة على تكرار تجربة التغيير في أوروبا الشرقية في دول الشرق الأوسط» . | وفي معرض حديثها عن الطريقة التي ستتبعها أمريكا لفرض التغيير في المنطقة، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية (كوندليزا رايس) : «سنعتمد طريق (الفوضى البناءة) لتغيير الأوضاع» وقد رددت ذلك في مناسبات متعددة، معبرة عن قناعات جورج بوش بأن ذلك هو النهج الذي ينبغي اتباعه في تسخين بعض الساحات على الترتيب، وهو ما حدث في أوروبا الشرقية في أوائل التسعينيات، ويحدث الآن في بلدان آسيا الوسطى. | وكان (كولن باول) وزير الخارجية الأمريكي السابق، قد تحدث صراحة عن أنه آن الأوان لتغيير نظم الحكم في منطقة الشرق الأوسط، وذلك ضمن خطابه عن سياسة الاصلاح الأمريكي المقررة لهذه المنطقة أمام صندوق دعم الديمقراطية. إن هذا التصريحات ـ وغيرها كثير ـ هي رسائل موجهة للحكومة المصرية وغيرها، وهي لا تعني فقط جذب المعنيين للارتماء في الأحضان الأمريكية بلا تحفظ، بل تهدف إلى إبطال مفعول صمام الأمان في القنابل الأمريكية الموقوتة المزروعة هنا وهناك، بحيث يظل الخوف من مصير شاوشسكو أو سلوبودان ميلوسوفيتش أو صدام حسين أو الملا عمر، هو الهاجس الأكبر عند كل من يفكر في أن يقول (لا) للطغيان الأمريكي. ورسائل التحرش والابتزاز هذه، لا تقتصر على الجانب الأمريكي، بل تعضدها وتساندها رسائل أكثر فجاحة من الجانب الإسرائيلي؛ فعندما نشرت صحيفة (يو إس إيه تودي) الأمريكية في عددها الصادر في (٤/١/٢٠٠٥م) تحذيرها المذكور سابقاً من أن مصر تمتلك برنامجاً نووياً، سارعت صحيفة (ها آرتس) الإسرائيلية في اليوم التالي مباشرة إلى إضافة «معلومات» جديدة، لصب الزيت على النار قبل أن تخبو، فذكرت في (٥/١/٢٠٠٥م) أن مصر أنتجت بالفعل بضعة كيلو جرامات من عنصر اليورانيوم المستخدم في صناعة الإسلحة النووية! ولم تمض أسابيع على نشر تلك «الأدلة» التآمرية، حتى اتهم (مائير دوغان) رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) كلاً من مصر والسعودية وسورية بامتلاك برامج نووية، وقال: «إن في حوزة إسرائيل معلومات استخباراتية حول امتلاك تلك الدول برامج نووية» ، وقال «إن هناك مؤشرات على أن سورية تطور خططها في المجال النووي أسوة بمصر، وكذلك فإن السعودية ـ كما ادعى ـ أجرت اتفاقات مع دول أخرى للحصول على التكنولوجيا النووية» ! وقد صدرت تلك التصريحات منه أمام جلسة عقدتها لجنة الأمن الخارجي بالكنيست الإسرائيلي. وفي حملة مشابهة، نقلت صحيفة (جيروزاليم بوست) الإسرائيلية في (٤/١/٢٠٠٥م) عن مصادر عسكرية إسرائيلية زعمها أن إحدى تلك الدول الثلاث، قد حققت بالفعل قفزة نوعية في المجال النووي، ونقلت الصحيفة نفسها عن رئيس الموساد السابق ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي الحالي (إفرايم هاليفي) إعرابه عن القلق من أن تكون إحدى تلك الدول قد حصلت بالفعل على مكونات نووية، وقال: «ربما كان الأنسب صرف النظر الآن عن إيران، للتركيز على الخطر الظاهر للعيان في أماكن أخرى» . أما أكثر رسائل التحرش والابتزاز وقاحة، والتي استقيت منها عنوان هذا المقال؛ فهي العبارة التي صدرت واشتهرت في لقاء دعا إليه (ريتشارد بيرل) أحد أبرز رموز المحافظين اليهود الجدد، وأقوى صقور البنتاجون وهي: «العراق هدف تكتيكي، والسعودية هدف استراتيجي، ومصر هي الجائزة» ! ولا أريد أن أقف طويلاً أمام هذا الترتيب الغامض في وضوحه، أو الواضح في غموضه؛ لأن المخزون المكنون من العداء على ألسنة هؤلاء قد طفح خارج كيلهم، وما تخفي صدورهم أكبر. لكن مغزى كلمة «الجائزة» يشير إلى مدلولات خطيرة، ويشي بمعان كبيرة، ليس أقلها أن عملية عزل مصر وفصلها عن محيطها، كان ولا يزال هو الأسلوب المتبع لإبطال مفعول الدور الذي كان ينبغي أن تقوم به، حتى تضعف في محيطها، ويضعف محيطها بها، وتكون في النهاية كالفريسة التي استفردت بها الذئاب، بعد أن أقصتها عن أخواتها، لتلقى مصيرها دون مدافع أو منقذ. لا يعني ذلك بالضرورة أن تخاض حرب مباشرة ضد مصر في مرحلة قريبة، ولكن بالتأكيد فإن حروب التجويع والإفقار المادي والروحي، ومعارك التهييج والإلهاء وتسييد التفهاء، ستدور رحاها بمكر كُبَّار؛ لأن الصيد سمين، والهدف ثمين، والخصم كبير؛ يستحق التأني والتريث لإيقاعه في شباك إمبراطورية الدجل القادم، ولهذا يجري استثمار أوضاعها الراهنة الواهنة، لتثبيت هذا الوهن بعد طلائه بألوان الخديعة الفاقعة. - الأوضاع الراهنة ... والفرص السانحة: يبدو أن المعادلات الدولية والإقليمية بالحسابات الأمريكية، كانت تستدعى إطالة الحالة التي غلبت على الأوضاع في مصر بعد إخراجها من دائرة ما كان يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي، بتوقيع اتفاق سلام «نهائي» مع دولة اليهود؛ فقد استغرق العهد الأخير في حكم مصر نحو ربع قرن (يقارب مجموع عهدي عبد الناصر والسادات) ، تقلبت فيه البلاد في أزمات عديدة كان معظمها داخلي، وقد تضافرت عدة مؤثرات طيلة تلك المدة، لتوصل البلاد إلى حالة الانسداد الحالية، التي يجري استغلالها بدقة واستثمارها بذكاء من قِبَل القوى المتربصة في الداخل والخارج كي تحتل مكانها في الخريطة المستقبلية لمصر. وأحوال البلاد المتردية تعطي مسوغاً للجميع كي ينادي بالتغيير، ليس بالضرورة تغيير النظام، ولكن تغيير النظام الذي يسير عليه. فعلى الصعيد الاقتصادي ذي التأثير المباشر على الناس، تتضارب التقارير الحكومية وغير الحكومية في تقدير الحالة الحالية، فبينما تتسم التقديرات الحكومية بمضامين مطمئنة دائماً تحت شعار (لا داعي للقلق) ؛ فإن التقديرات والتقريرات غير الحكومية تصل بالصورة إلى حد الأزمة المعضلة والمأزق الخانق؛ فهي تتحدث عن نسبة بطالة بلغت ما بين ٢٠ إلى ٣٠% من مجموع القوى العاملة، بينما تقصرها التقديرات الحكومية على نحو ٨% فقط، وهو ما يتنافى مع ما تؤكده مصادر غير حكومية من وجود أكثر من ٣.٥ ملايين عاطل عن العمل من خريجي الجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة، بحيث لا يستطيع إلا نحو ١٠% من مجموع الخريجين أن يجدوا وظيفة، وهؤلاء الذين يفترض أن يكونوا عدة للنهوض وسواعد للبناء؛ أصبحوا يمثلون وقوداً محتملاً في أي محاولات تسخين متعمد؛ فمثل هذه الشريحة المهمة التي تعتمد علىها مشروعات التنمية؛ هي التي تجري عليها رهانات أطراف الأزمة الحالية على اختلاف مشاربهم. إن ضمور معدلات التنمية قد انعكس بشكل واضح على الموازنة العامة في البلاد؛ حيث أصبحت تعاني من عجز كبير تشير التقديرات الإحصائية إلى أنه قد بلغ في العام الحالي (٢٠٠٤/٢٠٠٥) مبلغ ٥٢.٣٥٦ مليار جنيه وبلغ عجز الميزان التجاري ٣.٨ مليارات دولار، بما يساوي ٤٠ مليار جنيه، وبلغت الديون الخارجية ١.٢٧ مليار دولار، أي ٢.١٢٤ مليار جنيه وهو ما يمثل ٨.٢٧% من الناتج المحلي، بينما بلغ الدين العام الداخلي ١.٧٤ مليار دولار، أي ٦.٣٤٤ مليار جنيه، وهو ما يعادل ٣.٧٧% من الناتج المحلي. كل هذا في ظل حزب يحرص على الظهور بمظهر الصلاحية النادرة، التي جعلته يقتنع بأهليته لاحتكار إدارة البلاد بأغلبية برلمانية مطلقة مصنوعة، تتوالى عليه طوال الدورات البرلمانية التي مرت على البلاد خلال ربع قرن؛ فقد بلغ ذروة الشعبية (التسعينية) في أواسط التسعينيات، حيث سيطر الحزب الحاكم على ٩٥% من مقاعد مجلسي الشعب والشورى، بعد أن كان قد (فاز) بنسبة ٨٠% من تلك المقاعد في أول انتخابات بعد عهد السادات عام ١٩٨٤م، ثم حظي بنسبة ٧٧% من المقاعد عام ١٩٨٧، لتزداد النسبة بعد ذلك إلى ٨٠% في آخر انتخابات برلمانية عام ٢٠٠٠م. وهذه الهيمنة الحزبية البرلمانية؛ تسبقها وتقود إليها هيمنة حزبية بلدية، فسيطرة الحزب الوطني على مقاعد البلديات في المدن والقرى تصل إلى ٩٧%. وعندما يتحكم حزب الحكومة في هذه النسبة المخيفة من المقاعد في المدن والقرى، فلا شك أن ذلك سيمكنه من تصنيع ما يكفي من الأصوات والأدوات التي تسهل له حشد وحصد الأصوات التي تتكون بها «الأغلبية» بطريقة تلقائية، وهو ما جعل بقية الأحزاب الرسمية التسعة عشر مقطوعة الأمل عن الوصول أو المشاركة في إدارة البلاد، مما ورثها بلادة وفتوراً، وحولها إلى قوى هامشية غير فاعلة طيلة السنوات الماضية، حتى أصبحت أكثر تلك الأحزاب لا تعدو أن تكون نوعاً من (الديكور) الدكتقراطي. وما يقال عن الأوضاع الاقتصادية؛ يقال أسوأ منه عن الأوضاع الاجتماعية والأمنية، وكل ما يتعلق بالحريات والحقوق العامة، وهو ما لا يتسع المجال لذكره هنا. وقد فاقم الأمر، أن هذه الوضعية الشاذة، باتت مرشحة للاستمرار والدوام، بسبب حراسة (قانون الطوارئ) لها؛ فهذا القانون يحول بين القوى السياسية في البلاد ـ باستثناء الحزب الحاكم ـ وبين التحول إلى قوى منافسة يمكن أن تصلح أو تقوِّم. قانون الطوارئ ينفذ في مصر ـ كأصل وليس استثناء ـ منذ عام ١٩١٤م؛ فقد فرضه الاستعمار الإنجليزي في أعقاب اندلاع الحرب العالمية الأولى؛ حيث أعلنه الجنرال ماكسويل، ثم جرى تعميمه ـ بعد مصر ـ في معظم أنحاء العالم العربي، لظروف لا تخص العرب، ولكن تخص الإنجليز لحماية قواتهم في تلك الحرب العالمية الأولى، ولم يرفع العمل به إلا بعد نهايتها، ثم أعاد الإنجليز العمل به بعد نشوب الحرب العالمية الثانية حتى انتهائها عام ١٩٤٥م، ولم تطل المدة حتى فُرض مرة أخرى عام ١٩٤٨م بسبب ظروف الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام ١٩٤٨م، ثم ألغي بعدها بعامين في ظل حكومة الوفد في العهد الملكي، إلا أنه أعيد العمل به بعد قيام انقلاب عبد الناصر، ليتحول هذا القانون في عهد الثورة إلى ما يشبه الدستور في ظل ما يسمى بـ (الشرعية الثورية) التي كان يريد صاحبها ألا يُسأَل عما يفعل، صحيح أنه قد تواردت على مصر أحداث كبيرة، جعلت الحديث عن إلغاء حالة الطوارئ مجرد أمانٍ، إلا أن تلك الأحداث لم تكن متواصلة، ومع ذلك ظل هذا القانون مفروضاً على سائر البلاد بعد حرب ١٩٦٧م، وظل مفروضاً بقية عهد عبد الناصر، وبداية عهد السادات، الذي قام «بثورة» أخرى في ١٠/٥/١٩٧٠م أسماها: ثورة التصحيح، وقد ألغى بعدها ذلك القانون، وبعد اغتياله في ٦/١٠/١٩٨٠م أعيد العمل بقانون الطوارئ ليظل معمولاً به طيلة ربع القرن الماضي، مع أن تلك المدة الطويلة لم تنطبق عليها حالة من الحالات التي تستدعي فرض قانون الطوارئ ـ بحسب الدستور ـ وهي: (حالة الحرب ـ حالة التهديد بالحرب ـ حالة الكوارث الطبيعية) . إنما كان السبب الوحيد لفرضه هو الإبقاء على ما أُطلق عليه (المواجهة الشاملة) ضد بعض الإسلاميين. والمواجهة الشاملة هذه لم تقتصر على أعمال العنف، وإنما ظلت مسلطة على سائر أشكال العمل الإسلامي، فكان هذا القانون اللعين شبه المقصور على الإسلاميين؛ يتجدد العمل به لثلاث سنوات كلما انتهت مدته بذرائع جديدة، ومن العجيب أن آخر تمديد له كانت حجته: استعداد التحالف الغربي لغزو العراق! ولكن، ماذا يعني تطبيق قانون الطوارئ؟ إنه وفقاً لهذا القانون، تتكدس الصلاحيات في يد السلطة التنفيذية؛ حيث تتصرف بمعزل عن السلطة القضائية في كافة ما تراه، من فرض للقيود على حرية الأفراد والكيانات في حقوقهم القانونية، فتحت ذلك القانون؛ تقيد الحرية في الاجتماع والانتقال والإقامة، وتوسع صلاحيات الضبط والإيقاف والاعتقال والتفتيش للأماكن والأشخاص بمجرد الشبهة، كما يهدد هذا القانون الالتزامات المنصوص عليها في المعاهدات الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، مثل الحريات الشخصية وحرية التنقل والتعبير والاجتماع. وفي ظله ـ لا أدام الله ظله ـ تعطي صلاحيات واسعة للحاكم العسكري أو نائبه، لمراقبة الرسائل والصحف والمطبوعات والاتصالات، وكافة وسائل التعبير والإعلام؛ حيث تخضع لإمكانية الضبط أو المصادرة أو الإيقاف، وبما أن الحكم تحت الطوارئ يأخذ الصبغة العسكرية؛ فإن القضاء نفسه يحيَّد عندما تشكل المحاكم العسكرية التي جرى إخضاع أكثر قضايا الإسلاميين لها، وهكذا تسير الأحوال في مصر وكأنها ـ بل إنها ـ «حالة حرب» مستمرة. ومن المضحكات المبكيات، أن العدو الحقيقي لمصر والمصريين والعرب وسائر المسلمين، وهم اليهود الإسرائيليون؛ يُتغاضى عن خطرهم الجسيم على المستوى المحلي والإقليمي ليفرض (التطبيع) معهم ويقدم (السلام) إليهم، بينما تظل حالة «حرب الطوارئ» مفروضة على سائر المصريين، وبخاصة الإسلاميين، ومن الأعجب والأنكى أن دول العالم (الحر) تسكت على كل ذلك بدعوى دعم الاستقرار. - مفترق الطرق: اكتشفت أمريكا أن التغاضي عن الاستبداد والفساد بدعوى الاستقرار في العالمين العربي والإسلامي، ولَّد الأحقاد وورث الضغائن ضد الغرب ومن يحمي مصالحه، وهو ما ترجم في العقود الأخيرة إلى ثورات عنف مسلح هنا وهناك، ظلت تتوسع رقعتها وعملياتها حتى طالت أمريكا نفسها في الداخل، وهنا ... هنا فقط، شعر الأمريكان أنه آن الأوان لإيقاف الاستبداد المدعوم لأجل الاستقرار المزعوم؛ وذلك انطلاقاً من مصالحها أيضاً، وليس مصالح الشعوب. فذهبت تدعو إلى (الإصلاح) وإلى (الديمقراطية) وإلى (إعادة حقوق الإنسان) وهي كلها دعوات تنسجم مع خوف الأمريكيين من تزايد التوجهات العنيفة من جهة، وتتلاءم من جهة أخرى مع ما قررت أمريكا المضي فيه، وهو استكمال مشروعها الإمبراطوري العالمي، انطلاقاً من شرقنا الأوسط (الكبير) . وقد اتضح أنها تهدف من خلال الدعوة إلى إحلال الديمقراطية لإحراج الأنظمة بتهييج الشعوب عليها إذا لم تستجب أكثر للمزيد من التنازلات الخادمة للمشروع الإمبراطوري، وتهدف أيضاً إلى استبعاد من يستعصي على تقديم هذه التنازلات تحت دعوى التجديد والإصلاح، ليأتي آخرون أكثر استعداداً للولاء والاستخذاء، وتهدف أخيراً إلى تحسين صورتها القبيحة التي أظهرتها التصرفات الهمجية ضد العرب والمسلمين في السنوات الأخيرة، ليبدو الأمريكان في نظر المغفلين أنهم هم قوى (الكاوبوي) المنقذ ... والمقاتلون الرحماء من أجل حقوق الضعفاء. وإزاء هذه الخلفية الأمريكية للأحداث الجارية، تتطور الأمور في مصر، ليتبلور المشهد الراهن في صورة مواجهة حتمية، لا أراها بين الإدارتين الأمريكية والمصرية، بقدر ما أراها بين الإرادتين العلمانية والإسلامية في مصر؛ فالعلمانية القديمة الشائهة، تتطلع إلى وراثتها علمانية فتية جَلدة، تريد أن تفتك بما تبقى من عُرى الإسلام في مصر، ليجد الإسلاميون أنفسهم ـ مهما كان شكل التغيير القادم ـ أمام علمانية جديدة وعنيدة، مسنودة بعداء الأمريكان وأطماعهم وأحقادهم كجزء من حربهم ضد العالم الإسلامي. والمستقبل المصري المقدم على التغيير لا محالة؛ تتنازعه هاتان الإرادتان اللتان اصطرعتا طيلة قرنٍ ماض، احتمى العلمانيون فيه على اختلاف راياتهم ـ بالقوى الخارجية لفرض رؤاهم وسلطتهم وسطوتهم، لتدور رحى أطول معركة بين أهل الإيمان وأتباع الشيطان في العصر الحديث، انتهت بنجاح أهل النفاق في إيقاع الافتراق بين السلطان والقرآن. وها هي المعركة ذاتها، بنفس أطرافها ... ونفس شعاراتها ... ونفس قضاياها؛ توشك أن تشب في جولة جديدة بين العلمانيين المتوثبين للسطو على السلطة في ثوب جديد لإجهاض مكتسبات الصحوة تحت حماية أمريكا؛ وبين الإسلاميين الذين يناضلون لأجل حماية تلك المكتسبات، التي أوجدت ـ في أقل نتائجها ـ تعاطفاً جارفاً بين جموع الشعب مع الإسلام وقضاياه وقيمه ونظامه في الحياة. فلمن تكون (الجائزة) مصر، ومن هو الذي سيفوز بالسهم الأهم في توجيه مسير تها وفرض إرادتها؟ إن الأمر يحتاج إلى مزيد إيضاح، عن هوية التحرك العلماني في مصر وطبيعة التحرق الإسلامي في مواجهته، ومواجهة من يقف خلفه هذه المرة ... وهذا ما سأحاول معالجته في عدد قادم بإذن الله.

стр. 5339

الانسحاب السوري من لبنان يحل المشكلة أم يعقدها ؟ د. محمد مورو بعد أن تم إنجاز الانسحاب السوري من لبنان، يثور السؤال البديهي: هل أدى هذا الانسحاب السوري من لبنان إلى حل المشكلة، أم أنه أدى إلى تعقيدها؟ وبكلمات أخرى: هل كان الوجود السوري في لبنان هو سبب مشاكل لبنان؟ أم أن تلك المشاكل هي جزء لا يتجزأ من التركيبة اللبنانية، أو أن تلك التركيبة اللبنانية تسمح بأن يدفع لبنان الثمن المباشر لكل تغير في المعادلة الإقليمية، ومن ثم فإن من الضروري هنا لإدراك نتائج هذا الانسحاب السوري من لبنان إدراك أبعاد المعادلات الإقليمية والدولية في المنطقة والعالم وأثر ذلك على لبنان، ثم لا بد أن ندرك أن الموضوع السوري واللبناني ليس موضوعاً مصمتاً بمعنى أن ما تستهدفه أمريكا من سوريا تستخدم فيه لبنان وأطرافاً لبنانية عديدة، والعكس صحيح أيضاً؛ فإن سوريا تستخدم الورقة اللبنانية في معادلاتها الإسرائيلية والأمريكية. وعلى كل حال فإن المسألة شديدة التعقيد والتداخل، وتحتاج إلى قدر من التركيب والتفكيك لفهم مداخلها ومخارجها. بداية فإن الأزمة اللبنانية سابقة على الوجود السوري في لبنان ـ وهي أزمة بنيوية حقيقية بسبب نظام المحاصصة الطائفية ـ التي ربما لا يكون هناك بديل عنها حتى الآن. وبسبب ما يمكن أن نسميه الجمود السياسي اللبناني الذي يجعل كل طائفة مرؤوسة لعائلات معينة، تتوارث النفوذ والثروة والسلطة، ويصعب اختراقها جداً، وهؤلاء الزعماء التقليديون شاركوا في كل شيء، في الخطأ والصواب؛ شاركوا في جعل لبنان مجرد شركة اقتصادية وليست دولة، شاركوا في بناء ميليشيات، شاركوا حتى في النساء والسرقات والرشوة والمحسوبية، التي عادة ما يهاجمونها، شاركوا في الإعداد للحرب الأهلية التي استمرت ١٥ عاماً دون أن يفهم ماذا يريد كل طرف من الداخلين فيها من أهداف من تلك الحرب، ثم شاركوا في اتفاق الطائف بعد ذلك. الاستثناءات على هذه المسألة كان ظهور حزب الله من خارج الأطر التقليدية، وهو أمر كان له آثار كبيرة، ولكن هذا الحزب خرج من رحم فكرة المقاومة، التي كانت هي وجدان الناس، ولكنه أيضاً استفاد من اندلاع الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩م، ومن ثم الصعود الشيعي في المنطقة والدعم الإيراني المؤكد، واستطاع أن يتمدد في فراغ غياب الطوائف الأخرى عن خندق المقاومة، ومن ثَم استطاع أن يكسر حاجز العائلات التقليدية، ولكن في المقابل كان نتيجة لمعادلات إقليمية تظهر نتائجها في لبنان سريعاً، وكذلك تيار الرئيس الراحل رفيق الحريري الذي جاء من حرم القدرات المالية والعلاقات الإقليمية، وأدى دوراً اقتصادياً هاماً كانت لبنان تحتاج إليه، ولكن في نفس الوقت فإن صعود تيار الحريري كقيادة للسنة كان نتيجة غياب القيادات التقليدية للسنة بسبب غياب الدور المصري الداعم لها. ومن المهم هنا أن نؤكد على حقيقة إيماننا بوحدة سوريا ولبنان، بل وحدة العرب والمسلمين كفريضة شرعية، ومن ثم فإن الوجود السوري في لبنان في حد ذاته لم يكن هو المشكلة في الإطار السابق، وفي إطار العلاقات الخاصة جداً بين سوريا ولبنان ولأسباب استراتيجية كثيرة. وفي كل الأحوال فإن النفوذ السوري في لبنان لم يكن بسبب وجود القوات العسكرية السورية في لبنان، ولم ينتهِ بعد خروجها. وفي الإطار السابق ينبغي هنا أن ندرك أن الممارسات السورية في لبنان إبان فترة الوجود العسكري دخلت في مجموعة هائلة من الأخطاء وكان لها أيضاً مميزات؛ فقد عسكرت القرار اللبناني على عكس العادة، وكانت القرارات اللبنانية تتخذ في دمشق، وكانت القبضة السورية على لبنان أكبر من أن يتحملها الشعب اللبناني ذو الطبيعة الخاصة، وهي بالضرورة ساهمت في رفع شأن الشيعة، وقلصت من نفوذ السنة، وقزمت الدروز، وقامت بحماية المسيحيين، ودفعت بقيادات معينة منهم على حساب قيادات أخرى. ولكن الخطأ الفادح الذي وقعت فيه الإدارة السورية في لبنان كان التجديد (لإميل لحود) في رئاسة الجمهورية لمدة سنتين بلا أي ضرورة موضوعية؛ فقد كان يمكن لها استبداله بشخص آخر ماروني أيضاً، موال لسوريا، وهم كثيرون؛ وهكذا وضعت الإدارة السورية في لبنان نفسها في مأزق، وأعطت الذريعة لأعداء سوريا في لبنان بالتحرك تحت غطاء طلب الاستقلال والسيادة، وكان لهم بعض الحق في الحديث عن تجاوزات سورية، وغياب الإدارة اللبنانية، وهو ما استفادت منه القوى المتربصة بسوريا إقليمياً ودولياً، خاصة أن ذلك جاء في أعقاب ظهور معادلات هامة في المنطقة، منها الاحتلال الأمريكي للعراق، وظهور ما يسمى بمشروع الإمبراطوية الأمريكية الصهيونية وسيطرة اليمين الأمريكي المحافظ على البيت الأبيض الأمريكي. وبديهي أن جزءاً من المخطط الأمريكي الصهيوني في المنطقة يستهدف سوريا ولبنان، ويستهدف في إطار ذلك القضاء على المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين، وكأن الإدارة الأمريكية ترى أن سوريا تدعم المقاومة العراقية أو تسهل عمليات اجتياز الحدود من قِبَل المجاهدين الذين يأتون إلى العراق من الدول العربية والإسلامية، وأن سوريا تستضيف قيادات حماس والجهاد الفلسطيني، وتدعم حزب الله. وهكذا فإن استهداف سوريا أصبح ضرورة حتمية، وما دام غزو سوريا غير ممكن في تلك اللحظة، فإن استخدام الداخل اللبناني للضغط على سوريا هو المتاح، وكذلك فإن الحسابات الإسرائيلية ترى أن الحكومة السورية لا تزال تطلب ثمناً باهظاً للدخول في عملية السلام، وما دام هذا الثمن غير متاح وغير ممكن فإن الحكومة السورية سوف تعرقل مساعي السلام في المنطقة عموماً، وهكذا قامت إسرائيل بضرب دمشق بالطيران في إشارة معينة، وحركت الإدارة الأمريكية دعاوى ضد سوريا مثل دعم الإرهاب، والحصول على أسلحة دمار شامل، واحتلال لبنان.. إلخ، وحصلت على قرارات من الكونجرس الأمريكي بعنوان (معاقبة سوريا) ثم من مجلس الأمن. في تلك الأجواء تحركت قوى لبنانية لدفع الولايات المتحدة إلى الضغط على سوريا للانسحاب من لبنان، وتحركت الولايات المتحدة وإسرائيل لدفع قطاعات من الشعب اللبناني وتحديداً القطاع الانعزالي من الموارنة «قرنة شهوان» ثم لحق به (وليد جنبلاط) وتحفظ الرئيس الراحل (رفيق الحريري) ، إلا أن اغتياله ـ أياً كان الفاعل ـ جاء هدية ضخمة لأعداء سوريا، فدخل تيار الحريري «تيار المستقبل» في تحالف مع (قرنة شهوان) و (وليد جنبلاط) ، وأصبح صوت المطالبة بالخروج السوري مسموعاً داخل الأوساط اللبنانية عموماً، ووجدت الحكومة السورية أنها لا تستطيع أن تواجه ردة الفعل الدولية واللبنانية خاصة بعد صدور قرار ١٥٥٩، فكان القرار الصحيح بالانسحاب من لبنان، وكانت النتائج المباشرة لهذا الانسحاب هو ضعف حلفاء سوريا في لبنان وخاصة الرئيس كرامي، والرئيس لحود، وحركة أمل. ولكن حزب الله كان له وضع خاص، فشرعية المقاومة أعطته القدرة على الصمود وامتلاكه السلاح أيضاً، والرئيس لحود مسارع بالانخراط والاقتراب من الكنيسة المارونية؛ مما جعل المطران (نصر الله صفير) يدافع عنه. وبديهي أن السوريين لم يظلوا مكتوفي الأيدي فقد دفعوا الرئيس لحود، أو قام هو من تلقاء نفسه بالاتصال بالعماد ميشيل عون ـ الذي كان يتمتع بتواجد قوي داخل الوسط الماروني نظراً لتاريخه في معارضة الوجود السوري. وسواء كانت هناك صفقة بإسقاط التهم عن العماد عون من قِبَل الدولة اللبنانية ومن ثم عودته إلى لبنان في مقابل اقتراب الأخير من لحود وسوريا، أو كان ذلك نوعاً من التكتيك الخاص بالرئيس لحود أو سوريا بدون علم الجنرال عون، فإن الحاصل أن الرجل أحدث نوعاً من القلق داخل التركيبة المارونية، وقد اعتقد زعماء الموارنة في «قرنة شهوان» أن من الممكن تجاهل الرجل، ولكن الانتخابات أثبتت الحضور القوي له في الوسط الماروني، رغم أنف قرنة شهوان، ورغم أنف الكنيسة المارونية، وهو أمر خطير؛ لأن الرجل يطرح ضرورة محاسبة الفاسدين على فسادهم في الحكومات اللبنانية المختلفة؛ وضرورة إنهاء الإقطاع السياسي «العائلات التي تتوارث الزعامة» ووصل الأمر إلى حد تحالف الرجل مع «التيار الوطني الحر» في الانتخابات البرلمانية في الجبل، والشمال مع حلفاء سوريا التقليديين، وحقق اختراقات مهمة أفسدت الحسابات التقليدية. وهكذا فإن الخروج السوري من لبنان لم يحل المشكلة، بل ربما يزيدها تقييداً؛ فالموارنة انقسموا على أنفسهم، وحزب الله اكتسح المناطق الشيعية، وكان من الممكن أن ينهي وجود حركة أمل ونبيه بري، ولكن لأسباب معينة فضل إعادة جزء من الكتلة الشيعية، وكذلك فإن الانسحاب السوري أراح حزب الله من إمكانية أن يتم تفاهم سوري أمريكي على حسابه، أو مسألة نزع سلاحه فهو أمر غير ممكن إلا بحرب أهلية لا يقدر عليها أحد، والأمريكيون أنفسهم في حالة هزيمة في العراق، وهناك ١٠٠ نائب أمريكي في الكونجرس منهم عدد كبير من الجمهوريين وقَّعوا مع نصف مليون مواطن أمريكي على طلب عمل جدول زمني للانسحاب من العراق، ومن ثم فليس وارداً القيام بمغامرة جديدة في لبنان أو سوريا أو إيران. ولعلنا هنا يجب أن نشير إلى أن الفضل في عدم غزو سوريا وإيران وعدم التدخل في لبنان أمريكياً بهدف ذبح حزب الله هو للمقاومة العراقية بامتياز، ومن الممكن أن نقول على سبيل المجاز إن على (حسن نصر الله) أن يقبِّل يد أبي مصعب الزرقاوي! ولعل هذه النقطة نفسها كانت إحدى أخطاء حزب الله؛ فلو أن حزب الله انحاز إلى المقاومة العراقية بدلاً من الموقف الوسطي الذي اتخذه، ولو نبذ حزب الله أمثال الجعفري والحكيم ولو إعلامياً، لكان موقف السنة في لبنان مختلفاً. وعلى كل حال فإن المسألة العراقية بعد تورط قطاع كبير من شيعة العراق في موالاة أمريكا مشكلة لحزب الله؛ لأن عدم اعتراضه على ذلك ـ بالدم والكلام ـ يسقط مصداقية هذا الحزب أولاً، ويحاصره إعلامياً ونفسياً ثانياً. الانسحاب السوري إذن أضعف حركة أمل، وحزب الكتائب «كريم بقرادوني» ورفع أسهم القوات اللبنانية «سمير جعجع» والعماد ميشيل عون، والتيار الوطني الحر، وخلط المسائل والتحالفات فلم تعد موالاة ومعارضة، بل نجد حزب الله متحالفاًَ مع أمل، وتيار الحريري متحالفاً مع وليد جنبلاط، ومتحالفاً حتى مع القوات اللبنانية «سمير جعجع» ونجد التيار الوطني الحر ـ ميشيل عون ـ متحالف مع أقوى مؤيدي سوريا «أرسلان في الجبل» و «سليمان فرنجية وكرامي في طرابلس» . المسألة المارونية تحديداً هي ما تستحق التأمل أكثر من غيرها، وعلينا أن ندرك أولاً أن القوات السورية دخلت لبنان بناء على قرار من جامعة الدول العربية بموافقة وربما بتحريض أمريكي؛ لأنه لولا دخول القوات السورية إلى لبنان لكانت القوى الإسلامية والفلسطينية والدروز «التحالف الوطني التقدمي» قد أنهت الوجود الماروني تماماً، بل كان الحديث يتم عن تولية (كمال جنبلاط) رئيساً للبنان، أي إخراج الموارنة من لعبة السلطة، ولو تأخرت القوات السورية ثلاثة أيام على حد قول (كمال جنبلاط) لكان تم تحقيق انتصار كامل على القوات الانعزالية. وهكذا فإن القوات السورية كانت بمثابة سور حماية بطريقة أو بأخرى للقوى المارونية، وبخروج سوريا فإن الموارنة لم يعد أمامهم إلا الصدام مع حزب الله لنزع سلاحه تنفيذاً للقرار ١٥٥٩، وهذا ما كان يطالب به فرقاء «قرنة شهوان» وهذا يستحيل عملياً؛ لأن حزب الله لن يسلم سلاحه أو طلبه الحماية الدولية والتدخل الأمريكي، وهذا غير متاح حالياً نظراً للمتاعب الأمريكية في العراق، أو الرضا بدور هامشي وهو غير ممكن بعد كل ما قالوه وفعلوه. وهكذا فإن الحل جاء من خطة أقنع بها الرئيس اللبناني أوساط الكنيسة المارونية، بحيث يكون هناك طرف ماروني متحالف مع أعداء سوريا في لبنان «العماد عون» ، وتقليص نفوذ القوى الانعزالية الداعية إلى شد الحبل إلى آخره «القوات اللبنانية» ، وهذا ما اسفرت عنه الانتخابات التي وضعت العماد ميشال عون كأحد أهم الزعامات المارونية. بقي أن نقول: إن السنة لا يزالون يبحثون عن زعامة حقيقية وفاعلة وقادرة على تنظيم صفوفهم باتجاه دعم المقاومة العراقية، ومواجهة إسرائيل في نفس الوقت، ولأنها سُنَّة فإنها سوف تجد عمقاً استراتيجياً واسعاً في المنطقة، ومن ثم يمكنها أن تستعيد نفوذها الحقيقي في لبنان الذي استطاع حزب الله تحت غطاء المقاومة والدعم الإيراني والسوري غير المحدود أن يستحوذ على جانب هام منه.

стр. 5340

صحوة ضمير د. يوسف الصغير (*) بعد حوالي أربع سنوات من قرار الكونغرس الأمريكي بما يشبه الإجماع والذي خول بموجبه الرئيس جورج بوش صلاحيات شن الحملة العسكرية، ودون غطاء شرعي، للإطاحة بنظام صدام حسين بدأت حرب العراق تدخل إلى دائرة اهتمامات الرأي العام الأمريكي حيث أوضح استطلاع أجرته قناة CBS ونيويورك تايمز أن ٦٠% من الأمريكيين يعتقدون أن الأمور تسير نحو الأسوأ بالنسبة للولايات المتحدة في العراق، بينما قالت شريحة أخرى بلغت نسبتها ٥١% إن الولايات المتحدة ما كان لها التورط في العراق. وهنا بدأ النواب الديمقراطيون حملة مناهضة لحرب العراق وانتهاك القانون في جوانتانامو، بل وزايد بعض الجمهوريين بطلب جدول زمني للانسحاب؛ ففي جلسة دامت أربع ساعات بمجلس الشيوخ الأمريكي، شجب عدد من النواب الديمقراطيين الممارسات التي تجري في معتقل جوانتانامو، وقال النواب إن احتجاز المعتقلين لسنوات بدون محاكمات أو السماح لهم بمقابلة محامين عنهم أمر سلبي جداً. وقال السيناتور الديمقراطي (باتريك لياهي) : لقد سبب هذا الوضع إحراجاً دولياً لدولتنا ولقيمنا، وسيبقى تهديداً لأمننا. وقال السيناتور (إدوارد كندي) : انتهاكات حقوق الإنسان في جوانتانامو جلبت العار على الدولة، وقللت من فرص الانتصار في الحرب على «الإرهاب» ، وفي كثير من أنحاء العالم ينظرون إلينا على أننا الدولة التي تسجن الناس بدون محاكمة وتعذبهم. وقد انضم للحملة الرئيسان السابقان (كارتر) و (كلينتون) . واتهم عضو الكونغرس (جون كونيرز) إدارة بوش بالخداع مبرراً ذلك بالقول: «نعلم الآن أنهم قد أخبرونا بشيء في أمريكا بينما كانوا يخططون للحرب في لندن» . في محاولة للتنصل من التأييد الأعمى للحرب. ومن الغريب ان النائب الجمهوري (ولتر جونز) صرح بأنه بصدد تقديم اقتراح للكونغرس يدعو فيه إلى وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية من العراق وبرر عضو الكونغرس موقفه بالقول: «بعد ١٧٠٠ قتيل و ١٢ ألف جريح وإنفاق ٢٠٠ مليار دولار، نعتقد أن الوقت قد حان لمثل هذه المناظرة ومناقشة قرار الانسحاب» . نعم إن ١٧٠٠ قتيل و ١٢ ألف جريح أمريكي و ٢٠٠ مليار دولار كافية لتغيير الموقف، ولا ننسى أنها صحوة ضمير سياسي ترتبط بمصالح النائب ومستقبله السياسي اعتماداً على الرأي العام الذي دخل العراق إلى دائرة اهتمامه عن طريق التوابيت وطوابير المعاقين ومليارات الدولارات الإضافية لتمويل حربي العراق وأفغانستان؛ إنها حسابات ربح وخسارة لم يدخل ضمنها تدمير مدن العراق الواحدة بعد الأخرى، ولم يحركهم تدنيس مقدسات المسلمين، ولم تضم إلى قائمة القتلى مئة ألف عراقي ومثلهم من الأفغان. إنها صحوة ضمير لا يمت بصلة لضمير الإنسان؛ إنه ببساطة: ضمير أمريكا؛ والسلام.

стр. 5341

«البنتاجون فيلم» وسياسة المشاهد السريعة أحمد فهمي وقف (جون ريندون) مستشار العلاقات العامة أمام طلبة الأكاديمية الجوية الأمريكية، يحدثهم عن حرب الخليج الثانية: «هل توقف أحدكم لحظة ليتساءل: كيف حصل سكان الكويت بعد التحرير مباشرة على مئات الأعلام الأمريكية الصغيرة التي لوَّحوا بها لجنودنا؟ حسناً! الجواب: تلك كانت إحدى وظائفي» . يمتلك (ريندون) شركة كبرى للعلاقات العامة ويرتبط مع البنتاغون بعقود طويلة الأجل يتولى من خلالها أعمالاً متعلقة بحرب العراق وغيرها، وهناك أيضاً شركات أخرى يعتمد عليها البنتاغون مثل (ويبر ساندويك) حول العالم و (هيل آند نولتون) هذه الشركات مهمتها الرئيسة المساعدة في إخراج المشاهد السياسية اللازمة لخداع الرأي العام أو لخنق دولة انتهى تاريخ الصلاحية لنظامها السياسي. وقد أصبحت «المَشاهدِ السريعة» سياسة معتمدة بصورة رسمية منذ إعلان استراتيجية الضربات الاستباقية، فتم تأسيس مكتب الاتصالات العالمية في البيت الأبيض، وخُصصت له ميزانية ٢٠٠ مليون دولار كي يروج للحرب ضد العراق. قبل ذلك كان لا بد من انتظار حدث خطير في حجم احتلال العراق للكويت قبل الشروع في الحرب، لكن الوضع تطور كثيراً في الحرب الأخيرة، وأصبح بالإمكان إنتاج مشهد مسوغ لبدء الحرب لكن في استوديوهات البنتاغون. وسياسة «المشاهد السريعة» لها خلطة سرية تتضمن: مدخلاً مناسباً (الديمقراطية، أسلحة الدمار) ـ معلومات استخباراتية (علاقة مع القاعدة، تطوير أسلحة إلخ) ـ معارضة (الجلبي، أقباط المهجر إلخ) ـ قراراً من مجلس الأمن ـ تكراراً. ويتم مزج هذه المكونات حتى تُحدِث التحريض المطلوب ضد الجهة المقصودة بنجاح، والرئيس بوش لا ينكر هذه السياسة بل يقول: «إن إحدى مهماتي هي أن أكون محرضاً، وأنا جادٌّ في ذلك.. أنا أحرض الناس حتى أنتزع القرارات منهم بقوة» . وسياسة «المشاهد السريعة» لها جانبان مهمان: أولهما: أن المشاهد السياسية المركبة تكون سريعة التأثير والزوال أيضاً؛ بمعنى أنه لا يترتب عليها أية عاقبة أو مساءلة بعد اكتشاف الكذب أو تضخيم الأحداث، وتلك مزية عظيمة تفسح المجال لمزيد من الخداع. وقبل غزو العراق صرح الرئيس بوش بأن تقريراً لوكالة الطاقة الذرية يؤكد أن العراق سيمتلك سلاحاً نووياً في ستة أشهر، وتساءل قائلاً: «أنا لا أدري ما هو الدليل الإضافي الذي نحتاجه؟ بعد ذلك تبين أن لا وجود لمثل هذا التقرير المزعوم، ولا وجود لأي برنامج نووي؛ فهل اعترض الأمريكيون واتهموا رئيسهم بالكذب؟ تقول (هيلين توماس) كبيرة مراسلي البيت الأبيض: «إن إعادة انتخاب بوش هي أكبر استفتاء بالموافقة على حرب العراق» . نحن إذن أمام رؤساء يكذبون ومواطنون لا يأبهون، وهذه وضعية تنبئ عن الأخلاقيات التي ستحكم الصراع في الفترة القادمة، وهذا ما أكده وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بقوله: «أحيانا تكون الحقيقة ثمينة جداً إلى درجة أن يصبح من الضروري أن تكون مصحوبة بحراسة من الأكاذيب» . ثانيهما: أن غالبية الدول العربية تقع ضمن نطاق الأهداف المحتملة لهذه السياسة؛ فهناك (أجندة) جاهزة لكل دولة تحتوي على المكونات الضرورية لإخراج مشهد مؤثر، لا توجد ضرورة أبداً لانتظار سلوك استفزازي أو عدواني من دولة ما لشن الحملة ضدها، يكفي أن يدركها الدور فتدور الآلة الإعلامية الجبارة، ويخرج المشهد السياسي للرأي العام لترتفع الرايات البيضاء في أسابيع قليلة.

стр. 5342

هل يكون السودان الهدف القادم بعد العراق ؟ علي حسين باكير السودان وما أدراك ما السودان؟! السودان الذي تبلغ مساحته حوالي ٢.٥ مليونين ونصف المليون كيلو متراً مربعاً (أي أكبر دولة أفريقية مساحة، يليها الجزائر) ، وتبلغ مساحته ضعفي مساحة مصر، وما يقرب من مساحة أوروبا الغربية، ويبلغ عدد سكّان السودان حسب إحصاء عام ٩٧ م حوالي ٣٠.٣ مليون نسمة، ٨٣% من عدد السكان من المسلمين - حسب إحصاء عام ٩٢م - و ١٤% وثنيون و٣% نصارى. ويوجد في السودان حوالي ٧٥٢ قبيلة، تتوزّع على عدّة قوميات، أكبرها العرب ٤٠%، ومن ثمّ الزنوج ٣٠%. هذا السودان الذي تصعب السيطرة عليه بحكومة مركزيّة قويّة دون استخدام القوّة ـ وهو الأمر الذي سينتقده الجميع بحجّة الديكتاتوريّة ـ تتكالب عليه جميع الأمم من أمريكا، وإسرائيل، وبريطانيا، وأستراليا، وألمانيا، وفرنسا، ولم يبق أحد إلاّ وتدخّل في السودان، والعرب أصحاب القضيّة نيام في سبات عميق نوم أهل الكهف؛ مثل عادتهم عند كل حدث حتى تقع المصيبة، فيصحوا عندها على نداء: «هلمّوا إلى مساعدتنا ضد اجتياح السودان» ، كما حصل مع العراق، وفي حال إرادة أحد الغيورين على مستقبل الإسلام والعرب والسودان الدفاع عنه حينها سيهبّ الآخرون صارخين في وجهه: «لن نكون سودانيين أكثر من السودانيين» ، كما قالوا سابقاً: «لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين» ، و «لن نكون عراقيين أكثر من العراقيين» ، وعندما تسقط الدول الواحدة تلو الأخرى، وتطلب المساعدة يكون جواب الإخوة العرب: «لا نريد التدخل في الشؤون الداخلية لدولة عربية أخرى» . إنّ السودان في شكله الحالي يعدّ فريسة سهلة للولايات المتّحدة الأمريكية، وسيكون الهدف التالي بعد العراق على الأغلب إذا ما أرادت الولايات المتّحدة شنّ هجوم على إحدى الدول استكمالاً لسلسلة حروبها الوقائيّة، أو للهرب من المستنقع العراقي، ويمكن لأي مراقب ملاحظة التصعيد الحاصل تجاهه في الأمم المتّحدة، والمشاريع الأمريكية؛ لفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على السودان، وقد بدأ الترويج لاستخدام قوات حلف شمالي الأطلسي، كما نادى بذلك الأمين العام للأمم المتّحدة منذ فترة وجيزة. أمّا الأسباب التي دفعتنا إلى ترجيح السودان ليكون الهدف المقبل فهي: أولاً: أنّ الولايات المتّحدة لا تهاجم إلاّ الدول الضعيفة والمتهالكة أو المأزومة، وفي حالة السودان فقد تمّ إضعافه بما فيه الكفاية ومحاصرته وقصفه سابقاً، ويبدو الآن في وضع مأزوم مع تفاقم المشاكل الداخليّة الإنسانيّة والاجتماعيّة والسياسيّة. ثانياً: انعدام السلطة المركزيّة القويّة؛ بسبب عوامل عديدة، منها: المساحة، ومنها الجغرافيا، ومنها التعدد والتنوع المتشابك، ولكن سببها الرئيس التدخلات الخارجية، والتهديدات والضغوطات المتواصلة، والتي لم تتح لأي حكومة سودانيّة سابقة بسط سيطرتها على كامل السودان، خاصة تلك التي تريد تحكيم الشريعة الإسلامية. ثالثاً: وجود جبهة داخلية معارضة منشقّة عن السودان، منها ذو طابع طائفي، ومنها قَبَلي (أصبحت بعد الاتّفاق مع جون غارانغ معارضات) ، وجدت بداية نتيجة للممارسات التراكمية الاستعمارية الإنكليزية السابقة التي حصرت جنوب السودان، وعزلته عن باقي مكونات الشعب السوداني، والتي تشكّلت ونمت فيما بعد، بدعم أمريكي وإسرائيلي وكنسي؛ لأهداف عقائدية وجيوسياسية كبيرة؛ بحيث تمّ تجهيز هذه المعارضة بجيش ومطارات وأسلحة ومعدّات، ودعم سياسي ومالي وديني، وهو ما يجعل الوضع أقرب إلى تحالف الشمال في حالة أفغانستان، والأحزاب المسلّحة الشيعيّة والكرديّة في حالة العراق، خاصّة بعد إعلان ولادة جبهة شرق السودان على غرار حركة (غارنغ) السابقة. رابعاً: السجل «الإرهابي» للسودان بحسب المفهوم الأمريكي، وإذا ما أرادت الولايات المتّحدة ذرائع وحججاً؛ فبكل بساطة لن تدّعي أنّ للسودان برامج نووية، وأسلحة دمار شامل، ولكنّها ستستدعي الماضي لإيوائه أسامة بن لادن في مرحلة من المراحل، وستقول: إنّه أكبر داعم للإرهاب العالمي على الرغم من أنّ السودان كان قد أزيل مؤخّراً عن لائحة الإرهاب الأمريكية، لكن على الأرجح أنّها لن تعتمد على ذلك؛ فقد ملّ العالم ذريعة الإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل؛ لذلك ستكون الذريعة هي: مجازر جماعيّة، وحقوق الإنسان المهدورة، وعدم المساواة، والإبادة الجماعيّة هي الذرائع الإنسانيّة للتدخل واجتياح السودان. خامساً: استعداد الدول المجاورة للسودان لاستقبال القوّات الأجنبيّة، سواء كانت أمريكيّة أو بريطانيّة أو أستراليّة أو فرنسيّة لاجتياح السودان، كما كان الوضع مع العراق، باستثناء مصر التي ستعارض. لكن يجب علينا أن لا ننسى أنّ مصر قد ساهمت في مرحلة من المراحل في وصول السودان إلى ما هو عليه اليوم من ضعف؛ فقد ناصبت السلطات المصرية العداء للسلطات السودانيّة؛ خوفاً من تأثير الوضع الإسلامي في السودان على الإسلاميين والجبهة الاسلاميّة في مصر؛ مما أدّى إلى إضعاف السلطة السودانيّة إقليمياً، ووقوفها منفردة أمام جميع الضغوطات، والتمرّدات والتدخّلات الخارجية. سادساً: اكتشاف ثروات نفطيّة مهمّة في السنوات الخمس الأخيرة في السودان بشكل عام، وفي الجنوب بشكل خاص، مع العلم أنّ معظم الشركات المسيطرة هناك هي صينيّة، وهنديّة، وماليزيّة، ومن ثم إذا خافت أمريكا من سيطرة هذه الشركات على الثروات، والاستثمارات المستقبلية فسيكون عليها التدخل في هذه المنطقة، وقد تلجأ إلى ذلك أيضاً إذا حصل تداعٍ اقتصادي كبير لديها، فسيصبح هدفها احتلال جميع أماكن إنتاج وتصدير البترول لحرمان الأوروبيين من الإمدادات، وكي لا يستغلّوا هذه الفترة، ويتفوّقوا على الولايات المتّحدة، ولكي يبقوا مرهونين لها. سابعاً: وهو الأهم من هذا كلّه، وهو وجود خطط أمريكيّة وإسرائيليّة وكنسيّة قائمة على قواعد ومرتكزات عقائدية، وجيوسياسيّة كما ذكرنا سابقاً؛ وذلك لتفتيت وتقسيم السودان، وهذه ليست (فوبيا) مؤامرات كما يروّج بعض الناس؛ فالأمر أصبح مكشوفاً، ولا وجود للمؤامرات الآن؛ فالآن اللعب يتم على المكشوف منذ (سايكس بيكو وفلسطين) مروراً بتيمور الشرقيّة، وصولاً إلى العراق. فهناك ضغينة وحقد كبير على الإسلام، ورغبة كبيرة بإقصائه من المناطق التي يسعى للانتشار فيها؛ فلو سيطرت حكومة إسلاميّة قويّة في السودان فإنّ ذلك سيكون من شأنه التأثير على كامل القرن الأفريقي، ومنابع النيل، ومنطقة البحيرات التي تعتبر من أهم المناطق الاستراتيجية في القارة الأفريقية، فوقف زحف الإسلام في القارة الأفريقية لم يكن بالفكرة الجديدة؛ فقد قال القس (أرشيد كون شو) عام ١٩٠٩م: «إن لم يتم تغيير هذه القبائل السوداء في السنوات القليلة القادمة فإنهم سيصيرون محمديين؛ إذْ هذه المنطقة منطقة استراتيجية لأغراض التبشير» ، وهو تماماً ما تمت التوصية به في المؤتمر الإرسالي العالمي بأدنبرة عام ١٩١٠م: «إن أول ما يتطلب العمل إذا كانت إفريقيا ستُكسب لمصلحة المسيح أن نقذف بقوة تنصيرية قوية في قلب إفريقيا؛ لمنع تقدّم الإسلام» . فالأمريكيون والإسرائيليون يريدون حصار المد العربي والإسلامي كما شرحنا، وبإغلاق البوابة الجنوبيّة للعالم الإسلامي المتمثّلة بالسودان، وإعادة تنشيط الدور التنصيري الغربي الذي تلعبه المنظمات الإغاثيّة الغربية وغير الإغاثيّة، والذي يتمتع بخريطة واضحة المعالم، تمتد من جنوب السودان حتى جنوب أفريقيا. ويريدون كذلك إنهاء الأمل العربي والإسلامي في تحوّل السودان إلى سلّة غذاء العالم العربي. فالسودان في وضعه الحالي يشبه ما كان عليه العراق في مرحلة من المراحل؛ ولذلك فانّ أي هجوم عليه، سواء تحت اسم قوات أمريكية، أو قوات حفظ سلام أو قوات حلف شمال الأطلسي أو غيره سيكون كارثة حقيقية. «لقد أسمعت لو ناديت حيّاً، ولكن لا حياة لمن تنادي!» .

стр. 5343

كريموف يذبح مسلمي أوزبكستان رضا عبد الودود شهد يوم الجمعة ٤/٤/١٤٢٦هـ - ١٣/٥/٢٠٠٥م مأساة مروعة بحق الشعب الأوزبكستاني المسلم؛ حيث واجهت قوات الأمن والجيش الأوزبكستاني كعادتها المظاهرات التي خرجت في مدينة (أنديجان) والتي امتدت بعد ذلك إلى مدينة (قاراسو) المطالبة بالإصلاح السياسي ووقف الانتهاكات التي يرتكبها نظام الرئيس الأوزبكستاني (إسلام كريموف) العلماني بحق ٩٠% من الشعب هم نسبة مسلمي اوزبكستان الذين يعانون كافة اشكال الاضطهاد والعنف السياسي والتنكيل والاعتقالات، والتصدي للمتظاهرين بالرصاص الحي والمتفجرات والدبابات مما اوقع اكثر من ١٠٠٠ قتيل وجريح وسط تعتيم إعلامي مكثف حيث مُنِعت جميع وسائل الإعلام العالمية من نقل تلك الأحداث لتغطية تلك الجرائم التي تدعمها روسيا والصين وواشنطن التي تتهم بعض الجماعات الإسلامية في آسيا الوسطى بمحاولة نقل سيناريو الانقلابات السياسية من قيرغيزستان وجورجيا إلى أوزبكستان. وكان عدد من أهالي المعتقلين قد اقتحموا أحد السجون بمدينة (أنديجان) وأطلقوا سراح نحو ٤٠٠٠ من المعتقلين السياسيين ليل الخميس ١٢/٥/٢٠٠٥م، وخرجوا في مظاهرات بلغت حوالي ألف مواطن مطالبين الرئيس (كريموف) بالتنحي بعد أن ضاقت المعارضة من توالي الاعتقالات والمحاكمات، وآخرها محاكمة ٢٣ شاباً تتهمهم السلطات الأمنية الأوزبكية بأنهم إرهابيون. وساعد على تحركها في مدينة (أنديجان) التي تعد رابع أكبر مدن أوزبكستان أنها تقع على الحدود مع جمهورية قيرغيزستان (التي قلبت المعارضة نظام حكم رئيسها عسكر أكاييف في مارس الماضي) . وتمحورت مطالبهم في وساطة روسيا، وإطلاق سراح ٢٣ من الإسلاميين المسجونين من منظمة الإكرامية (نسبة إلى أكرم يولداشوف العضو السابق في «حزب التحرير الإسلامي» في مدينة أنديجان) ، دون أي ذنب، وإطلاق سراح عدد آخر من المسجونين، وفتح مجالات التجارة التي أغلقت جميع طرقها، لكن روسيا رفضت التدخل بحجة أنه نزاع داخلي، واكتفت واشنطن بإعلان القلق لإخراج المعتقلين من السجن الذي جرى اقتحامه. - أسباب وخلفيات الحوادث: وتأتي هذه الأحداث على خلفية صراع ممتد بين الرئيس «إسلام كريموف» الذي تولى الحكم عام ١٩٨٩م والمعارضة الإسلامية التي تضم حزب التحرير الإسلامي وتيارات إسلامية مختلفة، التي تقود حملة شعبية لوقف الفساد وتدهور الاقتصاد وتفشي الفقر والبطالة بين السكان، لكن النظام الحاكم يواجه هذه المعارضة بالقمع والعنف بدعوى مواجهة التطرف. وقد زاد عنف النظام تجاه الحركة الإسلامية والشعب الأوزبكي عقب أحداث ١١ سبتمبر والحملة الأمريكية ضد الإرهاب؛ حيث استغل نظام (كريموف) هذه الحرب للقيام بمزيد من القمع والاعتقالات واختطاف معارضيه وقتلهم بما فيهم علماء كبار، وغلق مساجد، خاصة بعد تحالفه مع أمريكا وفتح قواعده العسكرية لها لضرب أفغانستان، بما ضمن له صمت واشنطن عن فظائع حقوق الإنسان هناك بعدما كانت من أشد معارضيه خلال الحكم الشيوعي السوفييتي. - الحكم الشيوعي وأنهار الدم: ومنذ حصول أوزبكستان على الاستقلال عملت الحكومة الأوزبكية في بداية عهدها على إضفاء الطابع الرسمي على الإسلام لتأسيس إدارات دينية مستقلة، وتهدف هذه الخطوة إلى سحب البساط من تحت أقدام الحركات الإسلامية، لكن مع مع زوال الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١م وإعلان جمهورية أوزبكستان استقلالها لاحت في الأفق بوادر عودة الأوزبك - شأنهم في ذلك شأن الشعوب الإسلامية الأخرى ـ إلى الجذور الدينية؛ فقد ارتفعت أعداد المساجد التي تم بناؤها على نفقة الأهالي من ٨٢ مسجدًا عام ١٩٨٩م إلى ما يقارب ٧٢٠٠، ولا تكاد توجد منطقة سكنية واحدة على كل الأراضي الأوزبكية دون مكان للصلاة، وتم تشييد أكثر من مائة مدرسة ومعهد ديني خصص اكثر من نصفها للنساء، وارتفعت أعداد طلاب المعاهد الدينية أضعافاً عدة، وتدفق سيل الكتب الدينية، وجرت محاولات بناء أجهزة «شرطة شعبية دينية» لحماية المواطنين ولوحظ إقبال الناس على التعليم الديني، وانتشر الحجاب، وتوجه آلاف الطلاب إلى جامعات الدول الإسلامية لدراسة العلوم الشرعية، وأطلق الرجال لحاهم في ظاهرة استوقفت الكثير من المراقبين. في بداية الأمر امتطت القيادة الأوزبكية الموجة، واستغلت هذه الظاهرة في بناء نوع من الهوية الوطنية لتعزيز نفوذها في السلطة وكان الرئيس الأوزبكي «إسلام كريموف» يستشهد بالآيات القرآنية والنصوص الدينية في أحاديثه وخطبه، بل في أثناء اجتماع انتخابي جرى عام ١٩٩١م في إقليم (نمنغان) وعد بتحويل أوزبكستان إلى جمهورية إسلامية، وأكد أنه لن يدخر جهدًا لتحقيق ذلك، وسيعمل على أن تتمتع العقيدة الإسلامية بمركزها المرموق الذي تستحقه، وبعد انتخابه رئيساً أدى اليمين الدستورية على «المصحف» . ولكن، ما أن ترسخت أقدامه في الحكم حتى انقلب على شعبه معتبراً أن المسلمين «يشكلون تهديداً للأمن والاستقرار في بلاده» كما أطلق تحذيراته من أن الحديث عن دولة إسلامية في أوزبكستان يثير فزع الغرب، وشن حملة اعتقالات شملت العديد من علماء الدين من غير التابعين للإدارة الدينية الحكومية، وتم إغلاق المئات من المساجد بذريعة أنها بنيت «لأهداف أخرى» وجرى تحويلها إلى مخازن، كما كان الحال عليه خلال العهد الشيوعي، وقامت الإدارة الدينية بوضع يدها على ما يقرب من ٤٠٠ مسجد وتعيين تابعين لها. وصدرت الأوامر للماكينة الإعلامية الحكومية ببث الشائعات ضد علماء الدين وتشويه صورهم واتهامهم بالتعصب والإرهاب والرجعية؛ مستخدمة للنيل منهم كل مفردات القاموس الشيوعي البائد. ويشارك التلفاز الحكومي في الحملة الإعلامية المنظمة ضد ما يسميهم بـ «المتعصبين الذين ينوون قلب النظام الدستوري في الدولة» ويحذر السكان من شرور «أعداء الداخل» . كما شنت السلطات حملةً على الحجاب بحجة أنه «عربي» وان لباس الرأس للنساء في أوزبكستان يختلف عن الحجاب بالمفهوم المتعارف عليه، وتم إغلاق قسم العلوم الإسلامية في معهد الدراسات الشرقية وإلحاق منتسبيه بأقسام أخرى. وتمت مصادرة مكبرات الصوت من المساجد، كما يتم اعتقال كل من يعفي لحيته ويجبر على حلقها في دوائر الشرطة إن كان يرجو السلامة؛ وإلا فالسجن ينتظره. وهناك الكثير من المعتقلين متهمون بأنهم كانوا يترددون على المساجد خلال التسعينيات أو حتى الثمانينيات، وتصنف هذه المساجد الآن على أنها معادية للحكومة؛ لذلك فكل من يتردد عليها يعتبر عدواً يجب اعتقاله. كما تم اعتقال أكثر من ٥٠٠٠ شخص سبق ان أدوا فريضة الحج في التسعينيات ليزيد عدد المعتقلين على مائة ألف مسلم، وتم إنشاء سجن جديد مخصص «للمتطرفين الدينيين الذين لا يمكن إصلاحهم» . وهناك عدد من المعتقلين حوكموا بتهمة إعداد متفجرات؛ والحقيقة أنهم مزارعون يحتفظون بأسمدة كيماوية آزوتية، ولما كانت هذه الأسمدة تعتبر مكوناً أساساً للمتفجرات؛ فهذا يعني حسب رأي الادعاء أنها محاولات لصنع المتفجرات ولتنفيذ عمليات إرهابية. ووفق تقارير منظمات حقوق الإنسان فإن عدداً من المعتقلين يتعرضون لعمليات اغتصاب في السجون لتحطيم معنوياتهم. وشملت الحملة على «المتدينين» الفصل من العمل والمؤسسات التعليمية، كما تم عزل كل رؤساء المجالس البلدية الذين سبق ان مُنحوا تصريحات بناء المساجد وغضوا النظر عن نشاطات دينية في مناطقهم، وإقصاء عدد من أعضاء المجلس الرئاسي لترددهم المستمر على المساجد، وتم حصر الاتصالات بالمؤسسات الدينية الخارجية، والتشدد في منح تأشيرات الدخول لمواطني دول معروفة بنشاطها الخيري والدعوي، ووضعت كل نشاطاتها المصرفية تحت المراقبة الشديدة. كما قامت الحكومة باستدعاء أكثر من ثلاثة آلاف طالب كانوا يدرسون في الجامعات الإسلامية بحجة أنهم يتلقون دروساً في التطرف والأصولية والإرهاب، وأعلن الرئيس «كريموف» بنفسه أن هؤلاء الطلاب قد جرى إفسادهم وتدريبهم على استعمال الأسلحة والمتفجرات في الدول التي درسوا فيها، وأن عليهم الحضور إلى مراكز الشرطة وإعلان توبتهم وإلا فسينزل بهم وبآبائهم أشد العقوبات. واشتدت الحملة الحكومية ضد الإسلاميين خاصةً بعد التفجيرات التي شهدتها العاصمة طشقند عام ١٩٩٩م، التي اتهم «كريموف» الإسلاميين بتدبيرها. ومعروف أن أحداً لم يعلن مسؤوليته عن هذه الحوادث التي يشير المراقبون إلى أن هدفها تبرير الحملة ضد الإسلاميين، في ظل وجود صهيوني قوي في مناطق طشقند وقيرغيزستان. - الدور الأمريكي في الأحداث: قبل الولوج في تحليل الدور الامريكي في الأحداث الأخيرة في أوزبكستان لا بد من العودة لمسار العلاقات الثنائية بين البلدين والذي تطور بشكل مكثف عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي استغلها (كريموف) ليواصل عصفه بالمعارضين له مستغلاً الحرب ضد الإرهاب استغلالاً بشعاً؛ فقد وثق صلته بالإدارة الأمريكية، ووثق صلته باليمين الأمريكي المحافظ، وقدم تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة سمحت لهم بقاعدة على الحدود الأوزبكية الأفغانية، وقد اعترف (كريموف) نفسه في البرلمان الأوزبكي بالدعم الذي تقدمه له واشنطن؛ بل زاد على ذلك بالقول: «اعلموا أن ورائي أمريكا وبوش وهم لا يعبؤون بمثل هذه التصرفات؛ لأن الأمريكان لو كانوا ضد هذا لما قدموا لنا هذه المساعدات المالية السنوية، وقد لاحظت ذلك عند زيارتي لواشنطن؛ فقد ثمّن الأمريكيون جهدي وتضحياتي في الحرب على الإرهاب، وقدموا لي جائزة سخية من أجل تصفيتي وسحقي لأصحاب اللحى» ..بل إن كريموف طمأن أعضاء البرلمان بالقول: «لا تنزعجوا عندما تجدون مسؤولين أمريكان ينتقدون سجلنا في مجال حقوق الإنسان؛ لأن هدف أمريكا من وراء ذلك إظهار مراعاتها للقوانين الديمقراطية أمام العالم» . كما مثَّل سلاح الصمت الأمريكي دوراً فعالاً؛ حيث صمتت واشنطن عما يجري من انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان؛ وهو ما دعا منظمات حقوقية أمريكية لانتقاد حكومتهم التي اضطرت مؤخراً لتجميد جزء من معوناتها إلى الحكومة الأوزبكية لحفظ ماء الوجه بدعوى أن أوزبكستان لم تقم بالإصلاحات الدستورية والديمقراطية المطلوبة منها؛ فقد زعم (ريتشارد باوتشر) الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية قبل بضعة أشهر أن أوزبكستان نجحت في تحقيق بعض التقدم على صعيد انتهاكات حقوق الإنسان، إلا أنها خيبت أمل واشنطن فيما يتعلق بالإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية؛ رغم أن تقارير (منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في آسيا الوسطى) التابعة لمجموعة هلسنكي لحقوق الإنسان في موسكو تشير إلى أن عدد المعتقلين بلغ في السجون أكثر من ٥٠ ألف معتقل غير المقتولين بسبب التعذيب، مما عزز علاقات التعاون الأمني مع تل أبيب، ثم مع واشنطن، مقابل اتفاقات للتعاون في ثروات أوزبكستان الطبيعية من الذهب والفضة واليورانيوم والنحاس والزنك فضلاً عن الغاز الطبيعي والنفط والفحم وغيرها. ولهذا لم يكن غريباً أن تبلغ قيمة المساعدات الأمريكية التي قدمت لأوزبكستان خلال العام الماضي حوالي ٨٦ مليون دولار تمت المصادقة عليها من قِبَل مجلس الشيوخ الأمريكي الكونجرس، ولكن تصاعد الانتقادات الدولية لما يجري من انتهاكات ضد الحركة الإسلامية والمعارضة هناك من اعتقال وتنكيل وتعذيب دفع أمريكا لتجميد مبلغ يقدر بـ ١٨ مليون دولار بدعوى أن طشقند لا تقوم بإصلاحات سياسية واقتصادية، وجرى غض الطرف عن التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان. ولعل الموقف الأمريكي الأخير الذي بدا صامتاً، ثم تطور بإدانة وزيرة الخارجية الأمريكية (رايس) لإقدام المتظاهرين على إطلاق سراح السجناء والذي يكشف بوضوح أن هناك تحالفاً أمريكياً روسياً (لرفضها الوساطة في التفاوض بين كريموف والإسلاميين) ، لا لمساندة الرئيس الأوزبكي فقط، ولكن لمنع سيطرة المعارضة خصوصاً (الإسلامية) على السلطة وتهديدها من ثَمَّ مصالح واشنطن وموسكو في المنطقة، وقد فهم الرئيس (كريموف) هذه الرسالة، فأغلقت السلطات الحكومية جميع الطرق المؤدية إلى المدينة المتمردة (أنديجان) وأغلقت جميع الحدود المشتركة مع دول الجوار، ورفعت حالة التأهب الأمني في جميع المدن، ونشرت الآلاف من رجال الشرطة والمخابرات في جميع المدن إلى أن حاصر الجيش هؤلاء المسلحين بالدبابات والمدرعات وإطلاق النيران من كل اتجاه ليسقط مئات القتلى والجرحى؛ وذلك في رسالة واضحة ترفض أي صعود للإسلاميين في آسيا الوسطى، بالرغم من نجاح الثورة الوردية في جورجيا، والصفراء قيرغيزستان، والبرتقالية في أوكرانيا في الدول المجاورة سمحت بها روسيا وواشنطن توافقاً مع مصالحهما. - أين المسلمون؟ ولعل أخطر ما في الأحداث وقوف مسلمي العالم متفرجين على المأساة الكبيرة التي يعيشها شعب أوزبكستان المسلم تحت وطأة العصابة الشيوعية التي يتزعمها إسلام كريموف ـ اليهودي الأصل ـ الذي أعاد إلى الأذهان ما كان يفعله الديكتاتور السوفييتي (ستالين) الذي أذاق شعوب آسيا الوسطى المسلمين الأهوال مما ترتب عليه مقتل أكثر من ١٥ مليون مسلم، ودفنهم في أرض سيبيريا الشاسعة؛ فقد ورث (كريموف) كل وسائل القهر والإبادة، وأدرك أن القضاء على الحركة الإسلامية الأوزبكستانية هو السبيل الوحيد لانفراده بالحكم، وهي الوحيدة القادرة على خلافة نظامه المستبد والفاسد الذي جعل أوزبكستان تحتل مرتبة متدنية جدًا في تقارير التنمية الدولية (١٦٥ من ١٨٥ دولة) رغم ثرواتها العظيمة سواء الزراعية أو النفطية أو التكنولوجية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي السابق.

стр. 5344

أفغانستان ونفوذ تجار الحرب همدرد أبو أحمد (*) إن نظرية الرئيس الأفغاني (حامد كرزاي) في إبعاد بعض (بارونا) الحرب من مجلس الوزراء لم يدم طويلاً، وخلال أيام قليلة؛ فقد رجع اثنان منهم إلى الحكم مع سلطة أكثر ليكونا محافظين لولايتين مهمتين. وهذا ما يشير بوضوح إلى أن الحكومة الأفغانية، وخاصة التحالف العسكري تحت قيادة الولايات المتحدة، لا زالت لا تريد أو لا تستطيع إنهاء سلطة (البارونات) التعسفية. وعلى جانب آخر فإن (البارونات) حقيقة حية في الحياة في أفغانستان، ولهم حضور على الساحة الأفغانية منذ عام ١٩٧٨م؛ حيث كوّنوا ميليشيات للحرب إلى جانب حزب الشعب الأفغاني، أو مجموعات جهادية لقتال الحكومة الموالية للاتحاد السوفييتي. وفي نهاية المطاف كثير منهم انضموا إلى طالبان. وفي تلك الآونة بدأ أكثر (البارونات) ، وبخاصة المنتمين إلى التحالف الشمالي يطلبون العون من الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، وإيران والهند، والدول الأخرى ضد طالبان. وازدهر هؤلاء عندما سقطت حكومة طالبان، واحتلوا المناصب المهمة في الحكومة الانتقالية للرئيس (كرزاي) . وكان في باله تهميش (البارونات) من الساحة تدريجياً، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة؛ لأن الولايات المتحدة كانت تحتاجهم إلى جانبها لمواصلة الحرب غير المنتهية ضد القاعدة وطالبان. وبعد نجاح (كرزاي) في الانتخابات الأخيرة في أكتوبر عام ٢٠٠٤م وعد بأن لا يضم إلى مجلس وزرائه إلا الأشخاص المهنيين. وهذا الإعلان لقى ترحيباً وحفاوة داخل البلاد وخارجها، وازداد الثناء عليه بعد إقالة كل من (آغا شيرزئي، وسيد حسين أنوري) . والإعلام الغربي قد رحب بهذا الأمر كإجراء لتقليل أهمية أولئك (البارونات) ، لكنه تجاهل وجود (إسماعيل خان) محافظ هرات سابقاً، و (كريم خان براهوي) محافظ ولاية نيمروز سابقاً في مجلس الوزراء مع كونهما من غير المهنيين، وأيضاً غير مناسبين لحقائبهما الجديدة. وقد سلم (كرزاي) حقائب وزارة الطاقة إلى (إسماعيل خان) بعد إقالته من منصب محافظ هرات لتقليل قوته؛ بينما لا يناسبه المنصب الجديد لانعدام أي خبرة لديه في هذا المجال؛ بسبب قضائه معظم حياته قائداً. وعلى جانب آخر لا يناسب (براهوي) لحقيبة وزارة شؤون القبائل والثغور؛ لأنه بلوشي، وهذا المنصب دائماً كان للبشتون؛ لأنهم يمثلون الأغلبية في البلاد. والحقيقة أن إقالة (البارون) البشتوني (شيرزئي) من الوزارة لم تأت بدافع أنه لم يعد مقبولاً لدى الحكومة، بل لأنه لم يكن حاصلاً على الشهادة المطلوبة للتأهل لهذا المنصب تحت الدستور الأفغاني الجديد. الدافع نفسه كان وراء إقالة (أنوري) أحد (البارونات) من الشيعة الهزارة، ووزير الزراعة سابقاً. وتعويضاً عن الوزارة؛ فإن (شيرزئي) عاد محافظاً لولاية قندهار كما كان في الماضي، بينما استلم (أنوري) حقيبة محافظ ولاية كابول. وهذا التعيين قد انتهك قاعدة أخرى كررها (كرزاي) خلال السنوات الثلاث الماضية بأنه لن يولي هذا المنصب ابن البلد. وقد عُدّ إجراء إقالة (شيرزئي) خطوة جيدة على الدرب الصحيح؛ لأنه اشتهر بالقساوة، وتفويض المناصب المهمة إلى مؤيديه، والإذن لهم بالتورط في الفساد المالي وانتهاك حقوق الإنسان. وعلى صعيد آخر فإن (محمد يوسف بشتون) أيضاً لم يعد مناسباً لمنصب المحافط لولاية قندهار معقل طالبان؛ لأنه لم يكن رجلاً شعبياً؛ إلا أن كلاهما يغيران أمكنتهما الآن. وهذا يدل على أن الأمور لم تشهد أي تغيير في أفغانستان في ضوء الحقائق الأرضية. وقد نال (أنوري) السمعة كقائد للمجاهدين أيام الحرب ضد الروس في المناطق غربي كابول. وحظي بالقوة خلال حكومة المجاهدين المدمرة؛ حيث حارب بعضهم، وقاموا بتدمير معظم مدينة كابول. وكان (أنوري) عضواً في التحالف الذي ساعد التحالف الأمريكي للإطاحة بحكم طالبان. وقد نال منصب وزير كجائزة على ذلك؛ إلا أنه كبقية الوزراء (البارونات) لم يكن يحظى بالخبرة الإدارية والتقنية التي تحتاجها أي وزارة. ولكونه باروناً شيعياً مهماً يفقد الشهادة المطلوبة لمنصب الوزير كان من اللازم منحه مكاناً مهماً في الحكومة بعد إقالته من الوزارة. ولعل منصب محافظ كابول أنسب له في رأي حكومة (كرزاي) ؛ لأنه شيعي من الهزارة، وهم يحتلون رقعة واسعة من الأرض حول كابول العاصمة. وأكثر المحافظين في ٣٤ ولاية من أفغانستان من (بارونات) الحرب السابقين، وعدد المحافظين غير (البارونات) في تناقص من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنهم أيضاً يعتمدون على رؤساء الشرطة والأمن، والذين هم بدورهم من القادة المجاهدين السابقين أو (البارونات) . والولايات الجنوبية والشرقية والغربية والشمالية لا زالت في يد (البارونات) مثلاً (أستاذ عطا محمد) محافظ لبلخ و (جمعة خان همدرد) محافظ ولاية بغلان و (حاجي دين محمد) يتولى منصب المحافظ لقندهار، بينما يتولى المنصب نفسه في ولاية (فراه وغور وغزني، وأرزكان وهلمند) كل من (بشير بغلاني) والدكتور (إبراهيم وجان محمد خان، وشير محمد أخوند زاده) على التوالي. ومن المضحك أن ثلاثة من المحافظين في حكومة (كرزاي) وهم (جمعة خان همدرد) و (بشير بغلاني) و (منشي عبد المجيد) محافظ ولاية قندوز من القادة السابقين المنتمين إلى الحزب الإسلامي لـ (حكمت يار) ؛ في حين أن حكمت يار من المطلوبين المهمين في القائمة الأمريكية. هذا، وقد أرسل إخفاق الرئيس كرزاي، والحكومة الأمريكية في إقصاء (البارونات) من المناصب المهمة في السلطة مؤشراً خطأً إلى كل من ينمو على قوة السلاح والنار. وبدأ (البارونات) وتابعوهم يشعرون أنهم لا استغناء عنهم، ويدركون أن مساعدتهم مهمة جداً في حرب أمريكا على الإرهاب، وبخاصة في أفغانستان؛ حيث أنشأ (أسامة بن لادن) قاعدة قوته بالمساعدة من طالبان. وطبعاً هذا تعويض، وبسبب ذلك فليست أمريكا تبدي لهم السماحة فقط، بل إنها تقوِّيهم لضرب القاعدة الأفغانية وطالبان. وإن مصطلح «بارونات الحرب» ودوره في أفغانستان ما بعد طالبان قد تسبب لنقاش ساخن بين مؤيدي (كرزاي) ، وبعض مناهضيه كالجنرال (عبد الرشيد دوستم) المرشح المهزوم في الانتخابات الرئاسية. ويقول (مأمور حسن) أحد قادة الحركة الإسلامية (جنبش إسلامي) حزب دوستم الأوزبكي، والذي يتكلم دائماً عن حقوق الأقليات غير البشتون: إن مصطلح «بارون الحرب» وُضع لإدانة كل من حارب السوفييت أو القاعدة وطالبان. وقد وجّه (حسن) نقداً جارحاً إلى كرزاي؛ بسبب إعلانه العفو عن طالبان قائلاً: إن هذا الإعلان بمثابة الغدر بالشعب الأفغاني. وهذا الرأي نفسه يبديه كثير من القادة المجاهدين القدامى من غير البشتونيين. ويؤكدون أن (كرزاي) يتوسل إلى طالبان لكسب التأييد له بينهم؛ لتقليل الاعتماد على الطاجيك والأوزبيك والهزارة والتركمان، والذين ساندوه في بداية حكمه السهل الكسر. هذا، ومن ناحيتهم فإن القادة المجاهدين «بارونات الحرب» الذين كانوا مع المجموعات الإسلامية في غضون الجهاد الأفغاني قلقون من النفوذ النامي للمتغربين والملكيين والعلمانيين في حكومة (كرزاي) على حساب الإسلاميين. وهكذا سيصبح الصراع على تعريف ودور بارونات الحرب قضية مصيرية، تهدد التحالف الصعب وغير الطبيعي بين معسكر كرزاي، والتحالف الشمالي. وعلى صعيد آخر فإن مدة أكثر من ربع قرن من الحرب قد جعل (البارونات) يتأقلمون مع البيئة الأفغانية؛ فهناك كثير من الأفغان يخافونهم ويبغضونهم؛ لكن عدداً كبيراً منهم يرحبون بهم، ويرون أنهم خلَّصوهم من الاحتلال السوفييتي، وقدموا التضحيات لعظمة الإسلام وأفغانستان. ولم يكن من السهل تحديد قوتهم؛ لأن الولايات المتحدة كانت ولا زالت تحتاجهم للقضاء على العناصر المتبقية من القاعدة وطالبان. ولأجل ذلك تبنت الحكومة أسلوباً خاصاً لمعالجة (البارونات) : مثلاً تمّ عزل (إسماعيل خان) من منصب محافظ ولاية هرات، جراء تأييده لإيران، ومناهضته للحكومة المركزية. وهناك إجراءات لتقليل قوة الجنرال (دوستم) ؛ بسبب معارضته لـ (كرزاي) وعلاقاته المتينة مع روسيا، وزد إليها ماضيه القاسي ... لكن في الوقت نفسه لم يمسّ أحد (البارونات) الموالين لأمريكا. وأكثر (البارونات) سيبقون على هذا الوضع بشكل أو بآخر ما دامت القوات الأجنبية تحت القيادة الأمريكية في أفغانستان، أو يتم سحق مقاومة طالبان. والانتخابات البرلمانية القادمة ستمنح صبغة شرعية لـ (لبارونات) وميليشياتهم؛ وهذا سيعطيهم فرصة لرفع صوتهم في المؤسسات المنتخبة. ومن الممكن أن نسمع في المستقبل القريب مصطلحات جديدة مثل: الحسن (المعتدل) والسيئ (المتطرف) . وأيضاً هناك احتمال استقطاب واجتماع (البارونات) المجاهدين تحت راية التحالف الشمالي، واجتماع الساسة الموالين للغرب تحت قيادة الرئيس كرزاي.

стр. 5345

حكومة الجعفري والمسلسل الطائفي الجديد إبراهيم العبيدي وُلدت الحكومة العراقية المؤقتة الجديدة برئاسة الدكتور إبراهيم الجعفري؛ وذلك برعاية وموافقة أمريكية قبل موافقة الجمعية الوطنية العراقية، بعد تعسر دام ثلاثة أشهر وأسبوعين من التجاذبات حول الصفقات التحاصصية بين الكتل والأطراف السياسية التي أفرزتها الانتخابات العراقية الناقصة في ٣٠/١/٢٠٠٥م. إن تشكيلة الحكومة الجديدة كانت على أساس طائفي بامتياز، وتشكيلة مقصودة؛ لتمرير مسلسل طائفي دموي جديد يستهدف العراقيين، ولا سيما السنَّة العرب. وقد تعالت الأصوات المزيفة بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، تضم جميع مكونات الشعب العراقي، وبخاصة السنة العرب بعيداً عن الاستحقاقات الانتخابية؛ برغبة منهم، وليس بضغط السنة العرب. وهذا ما ذكره الرئيس العراقي الجديد «الكردي» جلال الطالباني في أول خطاب له بعد توليه للمنصب، وهو القول الذي كان يردده الدكتور الجعفري عبر التصريحات الإعلامية. ولكن سرعان ما تبدد هذا الخطاب، وتنصل الجعفري عن اتفاقاته التي أجريت مع السنة العرب في التوصل إلى مشروع سياسي، كان من أهم ما يتضمنه هذا المشروع هو ضمان: حقوق جميع مكونات الشعب العراقي، وإطلاق سراح جميع المعتقلين العراقيين، وخروج القوات الأمريكية من المدن، وتشكيل حكومة تمثل الحجم الحقيقي لجميع مكونات الشعب العراقي. وتم الإعلان عن الحكومة الجديدة بناء على الاستحقاق الانتخابي، بعيداً عن الوحدة الوطنية التي كانوا يطلقون شعاراتها، بحسب ما صرح به رئيس الجبهة الوطنية للسنة العرب (صالح المطلق) لوسائل الإعلام. إن هذا التحول السريع والمفاجئ من قِبَل الجعفري المكلف بتشكيل الحكومة، وتنصله من الاتفاق مع العرب السنة لمشاركتهم يعتبره بعض المراقبين محاولة جريئة وخطيرة، تهدف إلى تهميش السنة العرب الذين يشكلون على أقل تقدير نسبة ٣٨% من مجموع سكان العراق، بحسب ما أفرزته إحصائيات الانتخابات الأخيرة. هو الأمر الذي يعني إطلاق العنان لمسلسل العنف الطائفي البغيض خلال هذه الأشهر الانتقالية السبعة من عمر هذه الحكومة المشؤومة، وإيذاناً بقيام حرب أهلية طائفية شاملة ـ بعد أن كانت محدودة طيلة السنتين الماضيتين ـ ولعدة سنوات، وربما تمتد نارها إلى خارج العراق. وهذا ما تؤكدة مجريات المشهد العراقي اليومي على الأرض. ومن الجدير بالذكر والذي ينبغي أن يعرفه كل متابع للحالة العراقية أن مسلسل العنف الطائفي قد كانت بدايته منذ الأشهر الأولى التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق، ووصول الأحزاب الشيعية الموالية لإيران إلى سدة الحكم، والتي تحالفت مع الأمريكان، وما قامت به هذه الأحزاب ولا سيما المجلس الأعلى الشيعي وفيلق بدر المسلح التابع له من ممارسات بشعة من اغتيالات لعلماء وشخصيات سنية، واعتقال ومداهمات للمساجد والبيوت السنية، وعمليات التهجير القسري للسنة في المناطق الشيعية جنوب العراق وبخاصة مدينة البصرة وهو ما يعرفه أهل السنة العرب دون غيرهم. وما شهدته مدينة المدائن من توتر طائفي مؤخراً كان حلقة في المسلسل الطائفي البغيض الذي يمارسه المجلس الأعلى الشيعي وبرضا المرجعية في النجف المتمثلة بالسيد علي السيستاني الإيراني الأصل. ولكن هذه الممارسات بقيت طي الكتمان من قِبَل الطرفين على مستوى النخب على اعتبار أنها ممارسات فردية لا تعكس توجهاً مقصوداً؛ حتى تبلور الامر في نهاية المطاف وزال الستار مؤخراً بالتشكيلة الطائفية لحكومة الجعفري المؤقتة والتي بموجبها آلت وزارة الداخلية إلى قائمة الائتلاف الشيعي، وإلى مرشح المجلس الأعلى تحديداً ذي الولاء الإيراني المطلق ليكون (بيان جبر) «باقر صولاغ» المختلف في أصله: هل هو إيراني أم عراقي؟ وزيراً للداخلية التي تعد من أهم الوزرات الخاصة بالأمن الداخلي للعراق؛ وهو الأمر الذي يعني إطلاق يد المجلس الأعلى وبغطاء رسمي أكثر هذه المرة «أمريكي شيعي» في إتمام مسلسله الطائفي في استهداف السنة العرب أينما وُجِدوا في أرض العراق. ومن الجدير بالذكر أن المجلس الأعلى الذي يرأسه عبد العزيز الحكيم وفيلق بدر التابع له تحديداً ويضم كثيراً من عناصر الاستخبارات الإيرانية والمجلس الأعلى عموماً يعمل على تطبيق سياسات وتوجيهات الاستخبارات الإيرانية في العراق؛ وهو الأمر الذي يعد تفعيلاً أكيداً ومؤشراً خطيراً على تفاقم مسلسل العنف الطائفي بين الشيعة في السلطة بدعم أمريكي من جانب، والسنة المقاومين للاحتلال من جانب آخر. ومن العجيب أن قائمة الائتلاف الشيعية كثيراً ما كانت تبدي انتقادها الشديد لحكومة علاوي وخاصة في الملف الأمني بادعائها اختراق الأجهزة الأمنية من قِبَل البعثيين والصداميين في إشارة إلى بعض السنة الذين انخرطوا في هذه الأجهزة وهي نسبة لا تتجاوز ١٠% من نسبة الشيعة الذين تشكلت منهم معظم الأجهزة الأمنية في حكومة علاوي، والتوعد دائماً بعملية تطهير لهذه الأجهزة من المفسدين كما يدعون، وهو الأمر الذي يدعو للقلق الجاد من تولي الشيعة لوزارة الداخلية، إضافة إلى أكثر من نصف الحقائب الوزراية والمهمة في الحكومة الجديدة. ماذا عساهم يفعلون أكثر من الذي فعلته أجهزة علاوي من قتل واعتقال عشرات الآلاف، وتدمير شامل لمدينة الفلوجة وسامراء، والموصل، وبغداد ذات الأغلبية السنية ومدن المنطقة الغربية السنية؟ وكما يبدو فإن أداء أجهزة علاوي لم يَرُقْ لقائمة الائتلاف، واعتبروها كما لو أن السنة العرب كانوا ينعمون بالأمن والرخاء، والوظائف الكثيرة في حقبتها. اليوم وبعد وصول الائتلاف الشيعي إلى سدة الحكم بصورة أوسع مما كان عليه في تشكيلة حكومة علاوي ومجلس الحكم الانتقالي وبالتشكيلة الحكومية التي تم الإعلان عنها؛ فمن المتوقع أن تقوم الحكومة، ولا سيما على الصعيد الأمني بالأمور التالية: ١ - محاولة اجتياح واستباحة لجميع المناطق السنية التي تشهد عمليات مقاومة ضد الأمريكان، وقوات الاحتلال، بمساندة قوات الاحتلال على غرار ما حدث بمدينة الفلوجة وسامراء بحجة ملاحقة واستئصال الإرهابيين الذين يتزعمهم الزرقاوي كما يزعمون، ومن يسمونهم «بالوهابيين» ، وهو المصطلح الذي يطلقه الشيعة على عموم أهل السنة فقهياً وسياسياً، والمعنى يعرفه الشيعة، ولا سيما الإيرانيون منهم كالمجلس الأعلى. ٢ - البدء بحملة اعتقالات واسعة في صفوف أهل السنة، ومضاعفة عدد السجناء الحاليين الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف في السجون التي يشرف عليها العراقيون. ٣ - محاولة ضرب المرجعية السنية المتمثلة بهيئة علماء المسلمين «بحجة التحريض على المقاومة» من خلال عمليات الاغتيال والاعتقال لرموزها في معظم المناطق السنية ومحاولة كسر شوكتهم بعد أن أصبحت تشكل عائقاً كبيراً أمام مخطط الاحتلال وأعوانه. ٤ - محاولة تكثيف المد الشيعي في المناطق السنية وإنشاء مراكز تجسس «الحسينيات» في هذه المناطق التي تُتخذ بالضرورة وكراً لرصد الناشطين من أهل السنة لتصفيتهم. ٥ - وكذلك تكثيف ممارسات التهجير للأقليات السنية في المناطق الشيعية، وخاصة في مدن الجنوب العراقي تمهيداً لإقفال الجنوب على الشيعة فقط مما يساعد في أي عملية انفصال وارتباط مع الجارة إيران. ٦ - وكذلك التأثير من خلال وسائل الإعلام التي يسيطرون عليها ليصبح العراق بلداً شيعياً ابتداءً من الأذان للصلوات، ومروراً بالمراسم الحسينية، وانتهاءً بالمناهج الدراسية. كما هو عليه الوضع الحالي. ٧ - محاولة إقصاء السنة بكل انتماءاتهم الحزبية من جميع المناصب الحكومية في الدولة. هذه أهم المحاولات التي سيسعى إلى تحقيقها الشيعة من خلال الحكومة المؤقتة الجديدة ذات الأغلبية الشيعية، ومحاولة تطبيق النموذج الإيراني في معاملته مع أهل السنة من يوم أن تمكن الشيعة من الحكم «حكم الملالي» وحتى يومنا هذا؛ حيث تم استخدام الأمور المذكورة آنفاً حتى لا تكاد تسمع لأهل السنة صوتاً ولا همساً على الرغم من أنهم يشكلون نسبة ٢٥% من عدد سكان إيران. هذه هي الطائفية التي يسعى إلى تحقيقها الشيعة من خلال نفوذهم في حكومة العراق الجديد في ظل الديمقراطية الأمريكية. فيما نحسب هذه هي الصورة القاتمة التي ينتظرها العراق الجديد في ظل هذه الحكومة المؤقتة الجديدة، ومن الشواهد أن الصحف العراقية بعد الإعلان عن تشكيل الحكومة صدرت بعناوين مثيرة وصريحة وبخط عريض منها: «الميليشيات الشيعية تفكر باجتياح المدن السنية لإيقاف العمليات الإرهابية فيها» ويبدو أن لا خيار لأهل السنة إلا خيار المقاومة والتصدي لهذا الاستهداف الخطير لكونهم العقبة الكأداء أمام المخطط الاستعماري الجديد في المنطقة؛ فهل سيفيق السنَّة في العراق تحديداً والمنطقة عموماً لتنظيم صفوفهم وتوحيد كلمتهم لنصرة سنة العراق، ومساندتهم أسوة بالمساندة الإيرانية غير المحدودة للشيعة في العراق؟ أم سيبقون بمنأى عن الأحداث التي ستستهدفهم في نهاية المطاف وتحقق المقولة الشهيرة «أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض» ؟ وهل سيتمكن أهل السنة في العراق ـ أسوة بالفئات الأخرى ـ من تشكيل ميليشيات مسلحة منظمة ومنسجمة تحفظ لهم ذواتهم وحقوقهم في ظل عالم الميليشيات والقرصنة الدولية؟

стр. 5346

مسيرة تركيا إلى أوروبا بين المخاوف والآمال إسماعيل ياشا تشير استطلاعات الرأي إلى أن الأغلبية الساحقة من الشعب التركي (حوالي ٧٥%) تؤيد انضمام تركيا إلى الأسرة الأوروبية؛ لأسباب، من أهمها ـ بل وهو السبب الرئيس لهذا التأييد: الأمل بالحصول على الرفاهية، وفرص العمل والدراسة لهم ولأبنائهم. ويأتي بعد هذا السبب المشترك أسباب أخرى؛ كلٌّ له توجيهه الخاص؛ فالإسلاميون يعلِّقون آمالهم في عضوية تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؛ للتخلص من تسلط العلمانية الدكتاتورية التي عانوا ولا يزالون يعانون منها، والحصول على حرياتهم، وحقوقهم الدينية: كلبس الحجاب في المدارس. ورغم الشكوك التي تساور قلوبهم في تمسك الأوروبيين بمبادئهم في القضايا المتعلقة بحقوق المسلمين؛ بسبب ما رأوا فيهم من ازدواجية المعايير؛ إلا أن الكثيرين منهم يفضلون علمانية الدول الأوروبية على علمانية تركيا، مستدلين بأن لبس الحجاب في فرنسا محظور في المدارس الحكومية، ومسموح به في المدارس الأهلية والجامعات، بينما هو محظور في تركيا في المدارس الحكومية، والأهلية، والجامعات كلها. لا شك أن اتحاد العالم الإسلامي على غرار الاتحاد الأوروبي بمشاركة تركيا، بل وبزعامتها: هو الخيار المفضل للإسلاميين الأتراك، ولكنهم يدركون أن الظروف المحيطة بالعالم الإسلامي تجعل هذا الخيار حلماً بعيداً؛ فبأي حكومة يمكن أن تؤسس اتحاداً إسلامياً: بحكومة أردوغان، أم بحكومة القذافي، أم بحكومة العلاوي، أو بحكومة مشرف؟ وقد بدأت مسيرة تركيا إلى أوروبا في ٣١/٧/١٩٥٩م بتقديم طلبها للشراكة في المجموعة الاقتصادية الأوروبية (١) ، وبعد مفاوضات بين الجانبين استمرت ٤ سنين تم توقيع (اتفاقية أنقرة) في ١٢/٩/١٩٦٣م، فقبلت تركيا البروتوكول التجاري للمجموعة، وفي ١٤/٤/١٩٨٧م تقدمت تركيا إلى المجموعة بطلب الحصول على عضوية كاملة. وفي (قمة كوبنهاغن) التي انعقدت في ١٢ ـ ١٣/١٢/٢٠٠٢م أكَّد الاتحاد الأوروبي أنه سيتخذ قرار بدء المفاوضات مع تركيا دون تأخير، إن حققت تركيا جميع الإصلاحات المطلوبة منها إلى (قمة بروكسل) ، أي إلى ديسمبر / كانون الأول ٢٠٠٤. وكثَّفت تركيا جهودها لإجراء هذه الإصلاحات، مع تشكيل حكومة حزب العدالة والتنمية، وبذلت الحكومة بقيادة (رجب طيب أردوغان) كل ما بوسعها لتمرير القوانين المطلوبة من البرلمان التركي، وتمهيد الطريق أمام بدء المفاوضات. هكذا جاءت تركيا إلى ١٧/١٢/٢٠٠٤م؛ حيث قرر قادة الدول الأعضاء في (قمة بروكسل) بدء المفاوضات مع تركيا في٣/١٠/٢٠٠٥م. وهناك من يعتقد من الإسلاميين بأن الاتحاد الأوروبي يمارس مع تركيا سياسة المماطلة، وأنه لن يقبل عضويتها الكاملة أبداً، وفي الوقت نفسه لن يقول: إنه لا يقبلها، وسيفتح أبوابه لتركيا، ولكنه لن يسمح لها بالدخول. كما أن القوميين يشاركون الإسلاميين في هذا الاعتقاد، إضافة إلى شعور القوميين المتطرفين بأن الاتحاد الأوروبي يسعى لتفكيك وحدة تركيا بتشجيع الأكراد على الانفصال. ولكن الغريب في الأمر أن الانفصاليين من الأكراد يرون انضمام تركيا إلى الاتحاد، ومن ثم تحسن وضع الأكراد من الناحية الاقتصادية، وحصولهم على كافة حقوقهم الثقافية نهاية لحلم الانفصال؛ ولذلك هم يحاولون عرقلته. وأما الجبهة العلمانية فانشقت إلى قسمين في هذا الشأن، والأغلبية منها تؤيد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي كغاية لمسيرة التغريب، والذين جعلوا الغرب قبلتهم يؤيدون هذا الانضمام بقوة، وكأنهم لا يرون لتركيا حياة خارج الاتحاد الأوروبي، وهناك من يعارض من العلمانيين انضمام تركيا إلى الاتحاد لخوفه من تفلّت زمام الأمور من أيدي العلمانيين؛ نتيجة للإصلاحات الديمقراطية التي يجبر عليها الاتحاد، وهؤلاء يفضلون تركيا المنغلقة على تركيا المنفتحة، حتى تستمر سيادة العلمانية الديكتاتورية ونفوذها. وأما الليبراليون، ودعاة الديمقراطية فإنهم يؤيدون الانضمام لتصل تركيا في ديمقراطيتها إلى مستوى ديمقراطية الدول الأوروبية، وقطع يد العسكر عن الميدان السياسي نهائياً. وفي هذه النقطة ذاتها سؤال هام يطرح نفسه: «لماذا يسكت الجيش على انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؟» ويتشكل جواب هذا السؤال من احتمالات عديدة: أولاً: إن الجيش التركي بصفته حامي الجمهورية التي أسسها (كمال أتاتورك) يرى - كأغلبية العلمانيين - أن انضمام تركيا إلى الأسرة الأوروبية فيه تحقيق لهدف رسمه (أتاتورك) لتركيا التي حوَّل وجهها من الشرق إلى الغرب؛ ولذا لا يمكن له أن يعارض هذا الهدف، وإن كان سيفقد في نهاية المطاف سيطرته على الحياة السياسية؛ ومع ذلك فإنه يسعى إلى حماية نفوذه بشكل أو آخر، حتى بعد انضمام تركيا إلى الاتحاد، ويبحث لها عن سبل. ثانياً: إن الوضع الراهن في تركيا لا يسمح للجيش أن يعارض إرادة الشعب التركي الذي يؤيد هذا الانضمام بأغلبية ساحقة؛ حيث إن البلد لا يستطيع أن يتحمل أزمات سياسية تنعكس آثارها السلبية مباشرة على الاقتصاد الذي يحاول الخروج من الأزمة التي كانت السبب الرئيس؛ لإزالة معظم السياسيين القدامى من الساحة السياسية من قِبَل الناخبين الأتراك، ولعل الجيش يدرك تماماً أن معارضته لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، رغم تأييد واسع من الشعب التركي ستزيد في تآكل ثقة الشعب به؛ حيث تآكل جزء منها بسبب تأييده للحكومات الفاسدة. ثالثاً: كانت التدخلات العسكرية بحجة وجود الخطر على النظام العلماني، ويعتقد العلمانيون المؤيدون لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أن هذا الخطر سوف يزول نهائياً بترسيخ معايير الاتحاد وثقافته، وأن الدول الأوروبية لن تسمح لخروج نظام تركيا عن مساره العلماني، كما لم تسمح للزعيم القومي النمساوي (يورغ هايدر) (١) وهكذا لن تبقى لحماية الجيش حاجة، وهكذا يجمعون بين موقفهم الإيجابي من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وتأييدهم للجيش. رابعاً: وجود الجنرال (حلمي أوزكوك) في قيادة الجيش سهَّل الطريق أمام الحكومة التركية؛ لأنه يؤيد شخصياً هذا الانضمام، رغم وجود بعض الأصوات المعارضة في داخل الجيش، ويقال: إن السنوات التي قضاها الجنرال (أوزكوك) في بروكسل ضابطاً في مركز الناتو، واحتكاكه بالأوروبيين تركت بصماتها في آرائه. خامساً: هناك سيناريو يدور حوله الحديث على الألسنة، ويقول: إن القوى العلمانية تسكت على جهود حكومة حزب العدالة، والتنمية سكوتاً مؤقتاً في سبيل انضمام تركيا إلى الاتحاد؛ لأنها بحاجة إليها في هذه الفترة لاستقرار البلد، كما أن التقدم في طريق الحصول على موعد بدء المفاوضات لم يكن ممكناً بدون تأييد الإسلاميين، وبمجرد الاستغناء عنها - إما قبيل بدء المفاوضات وإما بعده - سينتهي هذا السكوت، وتتحرك تلك القوى لإطاحة الحكومة، ولكن لن تكون هذه بتدخل عسكري، بل ستكون بالأساليب الأخرى التي لن تزعج الاتحاد الأوروبي. وأما تحمّس حكومة حزب العدالة والتنمية لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي: فيرجع إلى اعتقاد قادة الحزب بأن واقع العالم، ومصالح البلد السياسية والاقتصادية ترجح كفة الانضمام، إضافة إلى رغبة الشارع التركي الذي صوَّت له في الانتخابات، ولا يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يتجاهل هذه الرغبة. ومع ذلك فإن تصريحات قادة الحزب ـ قبل (قمة بروكسل) ـ بأن الاتحاد الأوروبي ليس خياراً وحيداً لتركيا، وكذا تهديد (أردوغان) بترك القمة بلا تروٍّ، حينما طُلِب من تركيا الاعتراف بدولة القبارصة اليونانيين تدل على أنهم لا يلهثون وراء الأوروبيين، وأنهم ليسوا بمستعدين لتقديم جميع التنازلات لأجل الانضمام. فأما الإصلاحات التي طلبها الاتحاد الأوروبي من تركيا فهي في الأصل لصالح المواطن التركي، والمفاوضات مع الاتحاد تجري ما دامت هناك مصالح مشتركة. إن (أردوغان) وأصدقاءه مدركون تماماً حاجة الاتحاد الأوروبي إلى تركيا، حتى يلعب دوراً فعَّالاً في الصراع العالمي، وينافس أمريكا والصين، فإنه سيمتد نفوذ الاتحاد الأوروبي بعضوية تركيا إلى أعماق آسيا، مستفيداً من علاقات تركيا مع الشعوب التركية الثقافية، كما ستقوى صلته بالعالم الإسلامي، وسيكون كعضو في منظمة مؤتمر الدول الإسلامية، وبالإضافة إلى هذه المكاسب الاستراتيجية للاتحاد فإن الفجوة بين اقتصاد الاتحاد واقتصاد أمريكا سوف تفتح لصالح الاتحاد في حالة انضمام تركيا. وعلى هذا لا يهم العثمانيين الجدد انضمامُ تركيا إلى الأسرة الأوروبية، ولهذا ترك الحكم النهائي في هذا الشأن إلى الشعوب الأوروبية التي لم تنسَ غزوات جيوش الدولة العثمانية، وحصارها لفيينا، وإنما يهمهم بالدرجة الأولى: «كيف تسترجع تركيا قوتها» ؟

стр. 5347

حماس في المشهد الفلسطيني الجديد عبد الرحمن فرحانة في الساحة الفلسطينية جرت الانتخابات البلدية في مرحلتها الأولى في ٣٦ بلدية، منها ٢٦ بالضفة الغربية و ١٠ في قطاع غزة. فازت حركة حماس فيها بالضفة بنسبة تقترب من الـ (٥٠%) ، وفي القطاع بنسبة أقل من ٧٠% بقليل. في المرحلة الثانية جرت الانتخابات في ٨٤ دائرة انتخابية؛ شارك فيها ٢٥١٩ مرشحاً للتنافس على ٨٩٧ مقعداً؛ منها ٧٦ دائرة بالضفة شاركت حركة حماس بـ (٦٨) دائرة منها، و ٨ دوائر في قطاع غزة شاركت بـ (٦) منها. كانت مشاركة حماس في (٢٦) دائرة بشكل كامل؛ ومشاركة جزئية في (٤٩) دائرة؛ بينما لم تشارك في (١٠) دوائر. ورغم إجراءات الإصلاح التي قامت بها فتح داخل تنظيمها؛ مضافاً إلى ذلك محاولات التأثير على نتائج الانتخابات إلا أن النتائج جاءت لصالح حماس، ومع ذلك تحسنت نتائج فتح نسبياً عن الدورة الأولى. وبلغة الأرقام فازت حماس في (٣٨) دائرة مقابل (٥٠) دائرة لفتح مع تحفظات بشأن هذا الرقم. ولكن هذين الرقمين لا يعكسان الصورة الحقيقية للنتيجة، ففوز حماس في غزة يمثل حوالي ٨٨% من عدد الأصوات البالغة ١٣٠ ألفاً، بينما فازت فتح بنسبة تمثل حوالي ١٢% من عدد الناخبين؛ نظراً لهامشية الدوائر التي فازت فيها. وبلغ عدد الذين أدلوا بأصواتهم في الضفة والقطاع ٤٠٠ ألف و ٦٠٥ ناخبين، منهم نحو ١٣٠ ألفاً بالقطاع، و٢٧٠ ألفاً بالضفة. وتؤكد حماس أنها حصلت على ٦٠% من إجمالي هذه الأصوات. في المحصلة فازت حماس في المراكز السكانية الكبيرة مثل رفح والبريج وبيت لاهيا وقلقيلية وغيرها؛ بل تمكنت من الفوز بـ (٥) مقاعد من جملة (٧) مقاعد للنصارى في بيت لحم. وبلغ عدد الدوائر التي فازت بها حماس ويفوق عدد ناخبيها الـ (٤٠٠٠) شخص (١١) دائرة؛ بينما فازت فتح في (٧) دوائر مماثلة فقط. ونتيجة نهائية للمرحلتين فقد فازت حماس في حوالي (٤٨) دائرة يعيش في فضائها ٦٠٠ ألف نسمة، بينما فازت فتح في حوالي (٦٠) دائرة يعيش في نطاقها الجغرافي ٤٠٠ ألف نسمة فقط. وفي دراسة للباحث أحمد أبو زينة نشرها مركز الإعلام الفلسطيني؛ يشير الباحث إلى أن حماس فازت بـ (٣٠) دائرة بدون المستقلين الذين يحسبون على الحركة؛ وفازت فتح بـ (٢٧) دائرة في حالة مماثلة. وما زالت النزاعات قائمة بين حماس وفتح حول النتائج. النتائج اللافتة لحماس جعلت الباب مفتوحاً أمام عدة خيارات حول مستقبل انتخابات المجلس التشريعي؛ وحتى الدورة الثالثة والنهائية للبلدية. وفي هذا السياق فإن هناك اتجاهاً لتأجيل الانتخابات التشريعية من طرف الجانب الأمريكي والصهيوني وتجاوبت معه حكومة محمود عباس؛ وذُكر أن حركة حماس رفضت عرضاً من عباس للمشاركة في حكومة وحدة وطنية مقابل الموافقة على التأجيل إلا أنها رفضت ذلك. - أفق التسوية: على الضفة الصهيونية؛ تحدثت الخبيرة (ماري هوليس) في المعهد الملكي البريطاني في محاضرة لها عن خمسة خيارات متداولة في الكيان الصهيوني تجاه التسوية. وعددت (هوليس) وهي مؤلفة كتاب «إسرائيل والفلسطينيون: الخيارات السياسية الإسرائيلية» بالمشاركة مع الخبير (مارك هيلر) عددت الخيارات التي يستبطنها العقل الصهيوني بطبقاته المختلفة كما يلي: الأول: ضرورة مباشرة التفاوض مع الفلسطينيين بشكل فوري للتوصل إلى حل نهائي بشأن كافة القضايا العالقة، ويمثل هذا التيار المدير العام السابق للخارجية الصهيونية والمسؤول السابق عن الملف اللبناني (ديفيد كمحي) . والخيار الثاني: يطالب بإبقاء الاحتلال للأراضي وفقاً لتعاليم التوراة والتلمود، ومن رموز هذا الخيار (إسرائيل هاريل) . والثالث: يدعو إلى تسويات مرحلية وإدارة الأزمة؛ لأنه لا يؤمن بإمكانية التوصل إلى حل نهائي، ومن شخصيات هذا الخيار (عوزي أراد) رئيس مؤتمر هرتسليا. والرابع: يؤمن بضرورة التدخل الدولي والأجنبي الفاعل لمعالجة النزاع ويمثله (جويل بيترز وأوريت غال) . والخامس: ويمثله (دان شويفتان) وتعتمده الحكومة الصهونية حالياً، وهو خيار الانسحاب الأحادي وفرض الحل عبر ترسيم منفرد للحدود، وما يستتبعه من صياغة قسرية لشكل الكيان الفلسطيني الذي سيتولد مستقبلاً. وهذه الصيغة تتمسك بالجدار الفاصل باعتباره خط الترسيم السياسي المقبل؛ وتدعو إلى الانسحاب من غزة؛ وانسحابات هامشية من شمال الضفة الغربية. وفي المحصلة سيبقى الاحتلال في شمال وجنوب الضفة الغربية وكذلك وادي الأردن؛ مبقياً عدداً من الكانتونات للفلسطينيين على ٥٨% من مساحة الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام ١٩٦٧م في ظل ما يسميه حلاً مؤقتاً؛ ومن ثم سيكون هذا الشتات الكانتوني هو الكيان الفلسطيني المنتظر، وفي عمق هذا الخيار كما يقول اليميني الصهيوني القريب من شارون (كاري سوسمان) في تقريره البالغ الأهمية الذي صدر عن جامعة تل أبيب بعنوان «تقرير شرق أوسطي: أرئيل شارون والخيار الأردني» : «عمان هي القدس الجديدة» توجه يستهدف أن يتحول هذا الحل المؤقت إلى حل نهائي؛ إذ إنه مع قيام الدولة الفلسطينية المؤقتة ستتحول المسالة إلى نزاع حدودي بين دولتين لا يأخذ صفة الأهمية والاستعجال. وستصبح الدولة الفلسطينية المؤقتة هي من يمثل الفلسطينيين، وبذلك ستفقد منظمة التحرير صفتها التمثيلية تدريجياً، وتتراجع قدرتها في المطالبة بحقوق الفلسطينيين الأساسية وعلى رأسها حق العودة. إضافة على ذلك يطمح هذا الخيار إلى ربط الكيان الفلسطيني الوليد بشكل ما مع الأردن في عودة جديدة للخيار الأردني. بقيت الإشارة إلى أن هذا الخيار مرتهن بوجود شارون على رأس الحكم في الكيان الصهيوني؛ وبالتطورات المرافقة في الساحة الفلسطينية. - فتح: تعاني عملية التسوية من مأزق حقيقي؛ لاعتبارات تختص بالجانب الصهيوني، وبأخرى متعلقة بحزب السلطة فتح، الحصان الذي من المفترض أن يجر عربة التسوية؛ إذ تعاني فتح راهناً من ترهل وتفكك غير مسبوقين عكستها نتائج الانتخابات البلدية. وهي من جملة أمراض تعاني منها فتح؛ إلا أن غياب الرأس السياسية الجامعة، وترهل المؤسسات التنظيمية تشكل الخلل الكبير الذي يتهدد وحدتها وحتى وجودها مستقبلاً؛ في ظل حديث تردده وسائل الإعلام عن ملامح انقسام حقيقي في جسم الحركة بسبب حالة الاستقطاب الحادة بين رأسيها: عباس، والقدومي؛ ربما تؤدي إلى حالة انشقاق. ومع ذلك تراهن أطراف داخل الحركة على إعادة إنتاج الحركة تنظيمياً من خلال مؤتمرها السادس المزمع عقده في أغسطس المقبل؛ الذي سيوفر آلية لضخ قيادات شبابية جديدة في جسم الحركة؛ أكثر من ذلك أوصى المجلس الثوري الأخير الذي انعقد في غزة بضرورة إعادة إنتاج خطاب سياسي للحركة يقترب من (اللبرلة) والعلمنة بشكل أكثر؛ وعين (الدكتور ناصر القدوة) برئاسة اللجنة المكلفة بهذه المهمة. وتشير بعض المصادر إلى أن دولة أسكندنافية تعمل على تدريب عناصر من فتح على ممارسة العمل المدني وتقنياته؛ تمهيداً لتوقعات تشير إلى تحويل فتح إلى حزب مدني بشكل تام؛ وسط معارضات من قاعدة فتح وحتى من كوادرها العليا. - حماس: رغم المناخ الدولي والإقليمي غير الملائم إلا أن الحركة تحافظ على وجودها وإنجازاتها السياسية في الفضاء العربي؛ وتحظى بثقة الجماهير العربية والإسلامية ونخبها؛ وحتى إنها تجد مكانة مرموقة بين أفراد الطبقة السياسية في الأفق الإقليمي، تتصل بها حتى الأطراف الدولية باعتبارها قوة سياسية مؤثرة. في الساحة الفلسطينية تجاوزت حماس معايير اختبار القوة التي تمثلت في الانتخابات البلدية؛ إذ إن النسبية العالية التي حققتها الحركة مؤشر واضح على تجذر المشروع الوطني الإسلامي في فلسطين؛ مما أجبر الأطراف الدولية على الاعتراف بها كرقم سياسي صعب ينبغي التعاطي معه بشكل ما؛ رغم صبغة الإرهاب التي ألصقت بها. تجدر الإشارة إلى التحول الاستراتيجي في خطابها السياسي الذي جسده قرارها المفصلي بالمشاركة في انتخابات المجلس التشريعي، وما سيعكسه هذا التوجه على شكل النظام السياسي الفلسطيني برمته. وبطبيعة الحال لا حاجة لمناقشة الأسباب التي دفعتها لذلك، لأنها مدرَكة بدهياً من قِبَل المراقب السياسي. يبقى القول: إنه رغم قوة الحركة الميدانية والشعبية؛ إلا أنها تواجه في الوقت الراهن عدة تحديات؛ أهمها إنتاج آلية تفريخ قيادي لتعويض الرموز التي افتقدتها في انتفاضة الأقصى وبالذات من الصف الأول في غزة على وجه الخصوص، وكذلك ضرورة تكوين شبكة قيادة في الضفة الغربية؛ بسبب الخسائر في هذا المجال نظراً لقسوة الحملة عليها. ومن التحديات ضرورة توفر القدرة والخبرة السياسية اللازمة لممارسة الدور المقبل الذي يجمع بين إدارة اللعبة السياسية في إطار النظام السياسي الفلسطيني؛ وفي ذات الوقت الحفاظ على بندقية المقاومة، مضافاً إلى ذلك توفير الجهد والخطاب اللازمين لإقناع جمهورها الإسلامي الواسع بخياراتها السياسية.

стр. 5348

المعتقلون الإداريون رهائن الملف السري في أروقة «الشاباك» يوسف العمايرة في محكمة عسكرية إسرائيلية وقف أحد المعتقلين يصغي لمداولات محكمة الاستئناف التي قدم لها اعتراضاً؛ بسبب اعتقاله إدارياً؛ فبدأت تلك المداولات، وانتهت خلال دقائق معدودة بين محامي الدفاع، والادعاء العام الذي يمثل جهاز الأمن العام الصهيوني «الشاباك» على حين كان قاضي المحكمة يراقب السجال القضائي الدائر من على منصة شهدت آلاف المحاكمات العسكرية بحق المعتقلين الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم في سجون العدو حوالي (٨.٠٠٠) أسير وأسيرة. المحامي: مُوكّلي أمضى ٣٠ شهراً حكماً على ذمة قضية؛ فما هو مبرر تحويله للاعتقال الإداري (١) ؛ علماً أنه لم يحقق معه، ولم تثبت ضده أية مخالفة قانونية؟ الادعاء العام: حُوّل للإداري بناءً على ملف سري للمتهم لا نستطيع أن نكشف عنه؛ لأنه سيعرض المصادر للخطر، وسيكشف طرق العمل. المحامي: ثم لماذا جُدد له الاعتقال الإداري لمدة ستة شهور أخرى دون مبرر؟ الادعاء العام: بناءً على ملفه السري، والذي لا يسمح لأحد بالاطلاع عليه سوى القاضي. المحامي: موكلي موجود في السجن منذ أربع سنوات؛ فما هو الخطر الذي يهدد به أمن المنطقة؟ الادعاء: لا أستطيع أن أكشف المعلومات، وهي موجودة في الملف السري. وعلى هذا، انتهت المرافعة القضائية، ليعود الأسير الإداري مكبلاً إلى سجنه، وليتلقى أوامر تمديد جديدة تبقيه رهينة الاعتقال الإداري، بمعية مئات الأسرى الفلسطينيين، رهائن هذه السياسة التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي كأداة قمعية بحق الشعب الفلسطيني رجالاً ونساءً وأطفالاً، رغم القول الفصل بمخالفة هذه السياسة الاضطهادية لنصوص أهم الاتفاقات، والمواثيق الحقوقية الدولية التي صيغت، وأقرتها دول العالم؛ من أجل تنظيم العلاقة بين بني البشر خلال النزاعات والحروب، وأهمها: ١ ـ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤرخ في ١٠/١٢/١٩٤٨م. ٢ ـ اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في١٢/٨/١٩٤٩م. ٣ ـ الميثاق الأوروبي لحماية حقوق الإنسان، والحريات الأساسية لعام ١٩٥٠م. ٤ ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية، والسياسية المؤرخ في ١٦/١٢/١٩٦٦م. ٥ ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية المؤرخ في ١٦/١٢/١٩٩٦م. ٦ ـ مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز، أو السجن المؤرخة في ٩/١٢/١٩٨٨م. ٧ ـ اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة المؤرخة في ١٠/١٢/١٩٨٤م. ٨ ـ المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان ـ فيينا عام ١٩٩٣م. إذ تدعو جميع هذه الاتفاقيات دول العالم إلى وضع حد فوري لممارسة التعذيب، واستئصال هذه الآفة إلى الأبد، مع إشارة كثير من نصوصها ضمناً، أو صراحة إلى مسألة الاعتقال الإداري. ولعل الفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي التابع للأمم المتحدة قد أقر ذلك في تقرير منظمة العفو الدولية «أمنستي» لشهر نيسان / إبريل ١٩٩٧، عندما أشار إلى أن « ... الاعتقال الإداري ليس مجرد اعتقال وقائي، بل يمثل نوعاً من العقاب؛ إذ يُعَدُّ انتهاكاً للمادتين (٩) و (١٠) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادتين (٩) و (١٤) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية» . ما يهم مناقشته هنا قضية «الملف السري» الذريعة التي يتمترس خلفها الادعاء العام الصهيوني، وجهاز الأمن العام «الشاباك» لتبرير الاعتقال الإداري، أو تجديده بشكل دوري، لتختزل إثر ذلك مأساة الاعتقال الإداري في إجراء قضائي، يمارس على المعتقلين الإداريين، ويتخذ صفة الغطاء القانوني من المحاكم العسكرية الإسرائيلية عموماً، ومحكمة العدل العليا في أحيان أخرى. ومن باب ربط الأفكار؛ فإن سياسة الاعتقال الإداري ورثها الاحتلال الإسرائيلي عن سلطات الانتداب البريطاني التي فرضت حالة الطوارئ على فلسطين في أيلول / سبتمبر ١٩٤٥، مع أن التنفيذ الفعلي لها ـ حسب بعض المصادرـ كان عام ١٩٣٦م، مع انطلاق ثورة الشعب الفلسطيني بقيادة الشيخ عز الدين القسَّام، والإضراب الكبير آنذاك؛ حيث تستند القوى الصهيونية في فرض إجراءات الاعتقال الإداري إلى المادتين (١٠٨) و (١١١) من أنظمة الدفاع لحالة الطوارئ تلك. ولشرعنة سياسة الاعتقال الإداري، وتيسيراً للقادة العسكريين: أصدرت السلطات الإسرائيلية عدة أوامر عسكرية تبيح اعتقال المواطنين الفلسطينيين لفترات متفاوتة قابلة للتجديد. ومع كثرة هذه الأوامر، وتداخل الصلاحيات للمنفذين ما بين وزير الدفاع والقادة العسكريين وقادة الألوية؛ فقد أضحت هذه الأوامر فضفاضة لدرجة تتيح للجهات العسكرية، والأمنية التلاعب بدلالاتها، والعبث بمضامينها، مما يسمح بتوسيع نطاق الحالات، والظروف التي تستدعي الاعتقال؛ ليدخل في إطار ذلك العمل النقابي السياسي، أو المجتمعي العام، أو بذرائع التفوه بـ «الكلام المحظور» ووجهات النظر. خلال سنوات الاحتلال الطويلة تعرضت هذه السياسة لانتقادات شديدة من قِبَل مؤسسات حقوقية عالمية، وإقليمية ومحلية، غير أن تلك الانتقادات لم تزد السلطات الإسرائيلية إلا إمعاناً في تنفيذ هذه السياسة، وتحدي المجتمع الحقوقي الدولي بكل ما أوتيت من عنجهية وصلف. تختلف طريقة فرض الاعتقال الإداري من أسير لآخر، وتتفاوت الأحكام كذلك، تبعاً للمزاج العسكري لقادة المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية؛ ففي حين يتم إصدار أوامر الاعتقال الإداري حال تنفيذ اعتقال الأشخاص والزجّ بهم في غياهب السجون دون استجواب لهم تصدر أوامر تحويل للاعتقال الإداري لآخرين كانوا محكومين على قضايا سابقة، أو غيرهم تم استجوابهم في مراكز التحقيق، ولم تثبت عليهم التهم المنسوبة لهم. وأمر الاعتقال الإداري يأتي بورقة تحوي نموذج أمر الاعتقال مؤشَّراً عليه: (حالة الطوارئ) ، ورقم الأمر العسكري المسند إليه وسنة صدوره، ثم ديباجة القائد العسكري المتضمنة: «ضمن صلاحياتي ... وبعد معاينتي وفحصي للمادة الأمنية السلبية الخاصة بالمسجل أدناه ـ أي المعتقل ـ وفي تقديري أن الأمر ضروري وملحّ لأسباب أمنية بحتة، ولوجود أساس لدي معقول لافتراض أن أسباباً أمنية تخص المنطقة، والجمهور تلزمنا بهذا؛ فإنني أصدر أمر اعتقال إداري بحق ... رقم هوية ... المولود سنة ... مكان الإقامة ... لكونه نشيطاً ... ويشكل خطراً على أمن المنطقة، وبهذا يتم اعتقاله إدارياً في سجن ... من يوم ... حتى يوم ... » . والأمر على هذا الحال جاهز، وما على القائد العسكري إلا تعبئة الفراغات الواردة، ليصار إلى تقرير مصير أسرى وعائلات وأطفال، على أساس تخمينات وافتراضات لم تقع ولا دلائل لوقوعها، وإلا كانت الإدانة وفرض الأحكام والغرامات. تتاح للمعتقل الإداري فرصة حق الطعن في قرار اعتقاله، لدى المحكمة العليا الإسرائيلية، أو محكمة الاستئناف (لجنة الاعتراضات العسكرية) ، بوساطة محامي الدفاع، أو من خلال التماس خطي من المعتقل نفسه؛ حيث تتألف هيئة محكمة الاستئناف من قاضي المحكمة وهو ضابط عسكري أدنى مرتبة من الضابط الذي أصدر أمر الاعتقال، إضافة إلى مندوب جهاز الأمن العام «الشاباك» و/ أو ممثل الادعاء العام الإسرائيلي من جهة، والمعتقل ومحاميه من الجهة الأخرى. والمداولات في قضية المعتقل الإداري في هذه المحكمة تتم بين هؤلاء الشخوص، دون السماح بحضور أي أطراف أخرى إعلامية حقوقية، أو حتى ذوي المعتقلين؛ وهذا ما يشكك في نزاهة هذه المحاكم ومصداقيتها، لدرجة أنها لا تعدو أكثر من إجراء إداري روتيني (نمطي) ، على صيغة شعائر، أو طقوس معتادة، الهدف منها تخفيف حالة الاحتقان لدى المعتقلين الإداريين، وإيجاد متنفس لهم يأملون من خلاله تقليص فترة الاعتقال، أو انتزاع أمر بالإفراج. أما المناقشة الحقيقية لحيثيات القضية، والنظر في الإجراءات المتخذة، فإنها تجري بصورة سرية، خلف الأبواب الموصدة بين القاضي ومندوب «الشاباك» ، دون علم المعتقل، أو محاميه بتفاصيل تلك المناقشة، ودون السماح لهما بالاطلاع على المادة (لائحة الاتهام) التي يقاضَى عليها المعتقل. والشيء الوحيد الذي يمكن معرفته بالمحصلة النهائية: هو نتيجة النقاش: إفراج، تخفيض مدة الحكم، أو رفض الاستئناف تمهيداً لتمديد جديد. والإجراءات المتبعة في مناقشة استئنافات المعتقلين على هذه الشاكلة من السرية، هي أيضاً طعن آخر في نزاهة المحاكمة، وسير إجراءات العملية القضائية، ومن ثم قانونية أوامر الاعتقال الإداري بشكل عام. حتى أواخر شهر نيسان / إبريل ٢٠٠٥، بلغ عدد الأسرى الإداريين (٦٧٠) معتقلاً، يقبع منهم (٦١٠) في معتقل النقب الصحراوي، بينما يتوزع الآخرون على سجون ومعتقلات إسرائيلية أخرى، وحسب مصادر الأسرى؛ فإن أكثر من ٩٠% منهم يتم تجديد اعتقالهم الإداري. ولعل حالة الأسير (رائد القادري) من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، والذي يتفيأ ظلال خيمته في معتقل صحراء النقب، شاهدة على هذه المأساة؛ حيث يمضي الآن شهره السادس والأربعين في الاعتقال الإداري، وخلال استئنافاته التي تقدم بها، كان يتلقى ردود القضاة والادعاء العام، وجهاز «الشاباك» بأن بنود الاتهام مادة سرية «الملف السري» لا يمكن الكشف عنها «للضرورات الأمنية» . والملف السري يعرف من خلال لونه؛ حيث يعمد جهاز «الشاباك» إلى تغليفه بإطار أحمر، دلالة على أن صاحبه من «النوع الخطير» . وبين دفتي الإطار أحمر اللون هذا يقوم «الشاباك» بتجميع مادة استخبارية عن المعتقل تتألف في غالبيتها من تقارير عملاء، وجواسيس يعملون لحساب أجهزة المخابرات الإسرائيلية المختلفة، وهذه التقارير «الغامضة» تفيد بضلوع المعتقل بنشاطات معادية ومخلة بالأمن الصهيوني العام؛ أي: «أمن المنطقة والجمهور» . أثناء مداولات محكمة الاستئناف لا يمكن مناقشة مادة الملف السري كباقي البينات الاعتيادية؛ فهي مادة نقل شفوي لا تقبلها المحكمة إلا بحضور مصادر النقل ـ العملاء ـ الذين لا يمكنهم الادعاء العام من الحضور، والإدلاء بشهادات الإدانة ضد المعتقل؛ إذ من شأن ذلك أن يعرض حياتهم للكشف والخطر، لتورطهم بعمليات تجسس. هذا، إضافة إلى أن مادة الملف السري تحوي كمّاً هائلاً من المعلومات الاستخبارية غير الدقيقة التي يكتبها العملاء، حسب تقديراتهم وتخميناتهم؛ فهدفهم إرضاء أسيادهم ضباط أجهزة المخابرات الصهيونية، ولو بتزويدهم بمعلومات خاطئة؛ فهم يريدون الحفاظ على لقمة عيش مغموسة بماء الخيانة، مهما كلف ذلك الآخرين معاناة وآلاماً. وما يتم مناقشته في المحكمة هو مادة علنية إن وجدت، ويحتدم النقاش بين محامي الدفاع، ومندوب «الشاباك» حول ماهية المادة السرية المكونة ضد المعتقل؛ وفي معظم الحالات يخفق المحامي في معرفة كُنه هذه المادة السرية، فيلجأ إلى الحديث في الأمور الخاصة بموكله: ظروف اعتقاله، ظروفه المعيشية المتردية ... إلخ. أما قاضي المحكمة فيمكنه الاطلاع على نصوص المادة السرية، ومناقشة مندوب «الشاباك» بها، ليس علناً في المحكمة، ولكن بشكل سري وخلف الأبواب، مستنداً في ذلك إلى مرجعية قانونية «جائرة» ، وردت في المادة (٨٧ / د ـ ج) من الأمر العسكري الإسرائيلي رقم (٣٧٨) المعدل، ومفاده أن القاضي ليس ملزماً بالكشف عن البينات الواردة في ملف المعتقل، إذا تبين له أن «اطلاع الشخص المعتقل، أو وكيله على البينة من شأنه المساس بأمن المنطقة، أو بسلامة الجمهور ... » . في مطلع هذا العام، تقدم الأَخَوان (نايف، وياسر الرجوب) من مدينة (دورا) جنوب الضفة الغربية باستئناف على قرار اعتقالهما إدارياً بتهمة النشاط في «منظمة حماس» ، وعندما دحض الأول ـ وهو إمام مسجد ومحاضر جامعي ـ التهمة العلنية الموجهة له، قابله الادعاء العام بوجود ملف سري تقضي المواد الواردة فيه باعتقاله حفاظاً على أمن المنطقة والجمهور. وما جرى للأخوين (الرجوب) ، وهما شقيقا اللواء (جبريل الرجوب) مستشار الرئيس الفلسطيني لشؤون الأمن القومي، جرى لغيرهم من المعتقلين الإداريين في قاعات محاكم الاستئناف. وربما يفيد الاستدلال بروايات الباحثة الحقوقية (إيما بلايفير) ، عندما أثبتت عدداً من المشاهد الحية التي جرت داخل المحاكم الصهيونية في دراستها الهامة عن الاعتقال الإداري في الضفة الغربية: الرواية ١: الادعاء العام: حُوّل المتهم للاعتقال الإداري بعد التحقيق معه؛ لأن عليه اعترافاً من أحد المعتقلين. القاضي: ذاك المتهم الذي تدعي أنه اعترف على المتهم أمامي، مَثُل أمامي في محكمة «أدورايم» ـ جنوب الخليل ـ وليس لديه أي اعتراف على هذا المتهم. الادعاء العام: يوجد على هذا المتهم ملف سري، وبناء عليه حُوّل للاعتقال الإداري. الرواية ٢: المحامي: المتهم اعتقل ومعه أربعة آخرون من منطقته نفسها، أُخضع جميعهم للتحقيق، واعترفوا بالتهم المنسوبة إليهم، لكنّ أحداً منهم لم يعترف على موكلي بشيء، ولم تثبت ضده أية إدانة، ولم يخضع للتحقيق؛ فلماذا تجددون له أمر اعتقاله الإداري؟ الادعاء العام: بناءً على الملف السري. الرواية ٣: الادعاء العام للقاضي: المتهم اعترف لدى السلطة الفلسطينية على قيامه ببيع أسلحة، وهذا موجود في الملف السري. المحامي: وكيف عرفتم بذلك؟ وهل تأكدتم من ذلك؟ الادعاء العام: لا نستطيع أن نكشف شيئاً من تساؤلاتك!! المحامي: إذاً؛ لماذا لا تقدمون له لائحة اتهام، ويمثل أمام محكمة قضاء؟ الادعاء: (لا جواب) ... وبعد كل مسرحية تراجيدية (مأساوية) على هذه الشاكلة، يقع على عاتق الأسير الإداري مسؤولية إثبات أن أمر اعتقاله قد صدر على أسس خاطئة، وليس مطلوباً من قائد المنطقة أن يبرر صدور الأمر بصورة مقنعة؛ فالمتهم في هذه الحالة مدان ثبتت براءته، أم لم تثبت. وطالما أن الاعتماد الكلي من قِبَل الجهاز القضائي الصهيوني، وجهاز الأمن العام «الشاباك» على المعلومات السرية ـ بتخميناتها وشبهاتها غير المؤكدة بأدلة قانونية دامغة ـ فإن هذا يعني وجود تهديد حقيقي، وانتهاك خطير لحرية الفرد الفلسطيني؛ مما يستدعي تصدي كافة الهيئات، والشخصيات الحقوقية، والإنسانية لهذه الممارسات اللاقانونية، وبالتأكيد غير الأخلاقية، والعمل من أجل إصباغ الإجراءات القضائية الإسرائيلية بسمات النزاهة والعدالة. وخلال مراحل معاناة أسرانا الإداريين أبناء الحركة الأسيرة المناضلة في السجون، والمعتقلات، وزنازين العزل العنصري؛ فإنهم يستصرخون العالم بين الفينة والأخرى، بمؤسساته الحقوقية، وهيئاته القانونية من أجل تحريرهم من كابوس محكوم بسقف القضاء المكبل بوثاق «الشاباك» ، وأجهزة المخابرات الصهيونية، على أرضية عالم سفلي، تغيب عنه معايير التعامل البشري أمناً وكرامة. فالنظرية الأمنية للعدو تقضي بأن يكون المواطن الفلسطيني هو الضحية، وعليه أن يبقى يدفع عمره خلف الأسوار ثمناً لغريزة القهر الكامنة في عقلية المؤسسة العسكرية، والأمنية الصهيونية. إن قضية أسرانا الإداريين، تشكّل جرحاً نازفاً في وجدان وضمير وواقع شعبنا الفلسطيني، وهي وإن كانت أحد أبرز إفرازات الصراع المتكون في هذه المنطقة منذ ما يزيد على نصف قرن؛ فهي أيضاً شكلت أحد مكوناته، وأحد معالم استمراره. والواجب يقضي بأن تكثف الجهود الجدية، وعلى كافة الأصعدة، وبالتنسيق مع المؤسسات والهيئات الحقوقية والإنسانية عالمياً، وإقليمياً، ومحلياً، وكذلك على مستوى المؤسسات الحقوقية الصهيونية؛ كي تأخذ هذه القضية نصيبها من الاهتمام، حتى لا يبقى الإنسان الفلسطيني ضحية سيف القضاء الصهيوني، وحتى لا يكون هو المخلوق الذي يجب أن تبقى جلدة رأسه مسلوخة، قاتلاً كان أم مقتولاً.

стр. 5349

مرصد الأحداث أحمد فهمي أقوال غير عابرة - «لا يوجد إنسان آخر يمكن أن ينافس الرئيس مبارك في شعبيته وحب الناس له، شعبية الرئيس مبارك لا تمتد في كل أرجاء القطر المصري وحده وإنما أيضاً في كل الدول العربية» . البابا شنودة بطريرك الأرثوذكس الأقباط. [الرأي العام، ٢٦/٥/٢٠٠٥م] - «إذا كنت لا تعرفهم في العراق؛ فكيف سوف تحدد مكانهم عندما يعودون إلى إسطنبول أو لندن؟» مسؤول أمريكي يتحدث عن آلاف المقاتلين المسلمين المتطوعين للقتال في العراق وخطرهم بعد انتهاء الحرب. [مفكرة الإسلام، ٢٩/٥/٢٠٠٥م] - الشيعة مدوا أيديهم الى السنة، والسنة بدلاً من أن يظنوا أنهم كانوا اذكياء بعدم مشاركتهم ـ في الانتخابات ـ فإنهم يسلمون بأنهم وقعوا في خطأ وكان يجب عليهم أن يشاركوا» . دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي. [الرأي العام، ١٦/٦/٢٠٠٥م] - «مصر تفعل ما بوسعها للمساهمة في الحد من انتشار شعبية حماس قبل الانتخابات العامة التي أجلت إلى يناير/كانون الثاني المقبل» سيمون تيسدال مراسل الغارديان البريطانية في القاهرة. [البي بي سي، ١٥/٦/٢٠٠٥م] - «أدرك جيداً أننا ندرب قوات الجيش العراقي الجديد، إلا أن هذا ليس هو الحل.. من الذي يدرب المتمردين؟ لا أحد، رغم ذلك يلحقون أضراراً يومية بالقوات الأمريكية والعراقية» الصحفي الأمريكي اليهودي البارز توماس فريدمان. [الشرق الأوسط، ١٧/٦/٢٠٠٥م] - «لم نحاورهم.. ولن نحاورهم» وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ترد على سؤال حول ما تردد عن حوار مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر. [السفير، ٢١/٦/٢٠٠٥م] - «أنا رئيس لجنة الرقابة الحركية في «فتح» بالانتخاب ولكن لم تُعرض عليّ أي قضية حتى الآن!» محمد داود عودة الشهير بأبي داود، من قيادات الجيل القديم في حركة فتح. [المركز الفلسطيني للإعلام] - «أُناس رسميون ومتنفذون في السلطة كانوا سبباً مباشراً في اعتقالي، وعندي وعند المحامين ما يثبت ذلك» حسام خضر النائب الفتحاوي في المجلس التشريعي الفلسطيني يتحدث من سجن هداريم «الإسرائيلي» . [موقع أمين، ٢٠/٦/٢٠٠٥م]

стр. 5350

تجربة عملية في إحياء اللغة العربية الفصحى حسين حسن أبو بكر اللغة العربية الفصحى وسام شرف على صدر أمتنا العربية، ويكفي بالعربية فخراً أن تكون آية إعجاز القرآن، وأن يكون تعليمها فداء من لا فداء له من أسرى بدر، حين أوكل رسول الله ﷺ للقادرين على التعليم من الأسرى تعليمَ أبناء الأنصار القراءة والكتابة باللغة العربية الفصحى، باعتبارها لغة الرسالة السماوية لإبلاغها للحاضر والبادي. ومع هذا نجد من يسوق التهم يكيلها عن اللغة الفصحى وعن تعلُّمها أو الحديث بها بأنها لغة صعبة، بزعم أننا في عهد اندثرت فيه هذه اللغة. ودفع هذه الاتهامات ودحضها: أن ما يشاع عن صعوبتها ليس بصحيح؛ إذ كيف يخشع العامي في صلاته، ويوجل قلبه فيبكي خشية مما في آيات الله وهو لم يفهمها؟! بل كيف يفسر ما يرد في خطبة الجمعة إذا لم يُحِطْ بها علماً؟! أم كيف يعي أخبار العالم عبر المذياع وهي بلغة فصيحة؟! حتى الصغار يتفاعلون مع ما يبث لهم من برامج (مدبلجة) ، مع أنها بلغة فصيحة؛ فأين وجه الصعوبة إذن؟! فإحياء اللغة العربية والتخاطب بها، وجعلها لغة لكثير من العلوم ليس صعباً، بل من الواجب تطبيقها وممارستها لدى أمة شعارها الإسلام، ولغتها القرآن. فالواقع اللغوي للشعوب العربية، أطفالاً وكباراً، يتسم بظاهرة لغوية تسمى «الثنائية اللغوية» التي لم تأخذ حظها بعدُ، حتى الآن، من الوصف والتحليل والعلاج. وتشير الدراسات العلمية المبنية على الملاحظة والتحليل أن الله زود الطفل بالقدرة على اكتشاف قواعد اللغة التي يتعرض لها باستمرار، ويكتشف قواعد اللغة من جملة المفردات والتراكيب التي تعرض عليه، وقد يخطئ القاعدة في البداية لقلة الأمثلة والعينات، ولكنه ما يلبث أن يراجع نفسه ويعدّل القاعدة حتى يتقن اللغة تماماً، فيكاد الطفل يصحح هذه الأخطاء من تلقاء نفسه حتى يصل إلى رتبة الإتقان. يقول العلماء: إن هذه القدرة تبدأ من خلق الإنسان، وتبلغ ذروتها في سني حياته الأولى، ثم تأخذ بالضمور والاضمحلال بعد سن السادسة، لتموت قريباً من سن البلوغ، وهذا يعني أن السن المثلى التي يكتشف فيها الإنسان قواعد اللغة التي يسمعها حوله عندما يكون طفلاً دون السادسة، وأنه بعد ذلك ـ إن لم يكن قد أتقن قواعد اللغة ـ يحتاج إلى من يلقنه ويعلمه إياها؛ إذ لا يكون قادراً على اكتشافها بنفسه، كما أنه ـ في الغالب ـ لن يستطيع أن يصل إلى درجة الإتقان التي بلغها من اكتشف قواعد اللغة في السن التي يكون مهيأ لها. والجدير بالذكر أن هذا الجهاز لا تنحصر قدرته على اكتشاف لغة واحدة، بل يمكنه أن يكتشف قواعد عدة لغات، وبدرجة من الإتقان، إذا تيسر له القدر الكافي من السماع والممارسة. فالطفل العربي، يتعرض للعامية في سني حياته الأولى، فيتعرف على مفرداتها، ويتقن تراكيبها وقواعدها، حتى إذا ذهب إلى المدرسة وجد أن لغة الكتاب والمعرفة غير اللغة التي يتقنها. ونتج عن هذه المأساة أمران: ١ ـ عزوف الطفل عن القراءة؛ فإنها تكلفه مجهوداً شاقاً، ولا يفهم كل ما يقرأ، فلا يستمتع بها، والنتيجة ألا يُقبِل على القراءة إلا مضطراً كاستذكار لامتحان أو نحوه، ويصبح هناك نوع من العداء بين (الطفل ثم الشاب) والكتاب. ٢ ـ صعوبة التحصيل المعرفي والعلمي؛ لأن الطفل غير متمكن من أداته، وهي اللغة الفصحى. - وهنا تظهر الحاجة إلى حل ما يسمونه بصعوبة اللغة: إذاً لا بد من البحث عن الحل! الحل ذو شقين: الأول: يكمن في أن يتقن أطفالنا الفصحى قبل دخول المدرسة ـ بالإضافة إلى العامية، ولكن معظم البيوت في مجتمعنا العربي اليوم لا يحسن أي من الأبوين الفصحى. وهنا نصل إلى الحل الثاني. الحل الثاني: يكون بتدريب المعلمين والمعلمات في المدارس ـ دور الحضانة ـ الروضات ـ الابتدائية على المحادثة بالفصحى؛ بحيث تكون لغة المدرسة طوال اليوم المدرسي. فعلى غرار الحل الأول بدأ الدكتور عبد الله الدنان يكلم ابنه (باسل) قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً بالفصحى، وكانت والدة باسل تكلمه بالعامية، وكان عمر ابنه آنذاك سنة واحدة، أتقن المحادثة بالعربية الفصحى ـ يرفع وينصب ويجر دون خطأ ـ كما أتقن المحادثة بالعامية وعمره ثلاث سنوات، وعندما أصبح في الصف الثاني الابتدائي كان قد قرأ ٣٥٠ كتاباً من كتب الأطفال. كرر الدكتور عبد الله الدنان التجربة نفسها مع ابنته (لونه) التي تصغر باسلاً بأربعة أعوام، فأتقنت الفصحى والعامية مثل باسل تماماً، ثم انتقل إلى التطبيق الجماعي في رياض الأطفال؛ فأنشأ روضة الأزهار العربية بدمشق، ومن ثم أخذت الفكرة بالانتشار والتطبيق في أكثر من دولة عربية، وإن كانت المملكة العربية السعوية أكثر هذه الدول، وقد تبنت الفكرة حتى الآن أكثر من ستة عشر مدرسة منتشرة في سبعة أقطار، وقد تزايد الإقبال على البرنامج في السنتين الأخيرتين بشكل كبير لأسباب من أهمها: تطبييق الفكرة بالمدارس، وتشجيع المعلمين والمعلمات على المبدأ الأساس الذي يقوم عليه البرنامج، وهو اعتماد اللغة العربية الفصحى لغة وحيدة للتواصل في المدرسة طوال اليوم المدرسي داخل الصف وخارجه. والسبب الآخر هو النتائج الملموسة لتطبيق البرنامج. ومن أهم النتائج المذهلة التي حصل عليها الطلاب والطالبات الذين طبق عليهم البرنامج: زيادة تحصيلهم العلمي بنسبة تتراوح بين ٨% إلى ١٩% ليس فقط في مواد اللغة العربية، بل في جميع المواد، وهو ما أثبتته دراسة علمية أجريت لهذا الغرض، بالإضافة إلى إتقان التحدث باللغة العربية الفصحى، حيث تنمو لدى الطفل مهارات القراءة والكتابة وزيادة القدرة على الاستيعاب، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى الثقة الكبيرة بالنفس والجرأة على النقد والاستفسار، هذا بالإضافة إلى ارتفاع مستوى التحصيل الدراسي في جميع المواد الدراسية.

стр. 5351

وقفة تدبر مع آية من كتاب الله العزيز د. حياة بنت سعيد با أخضر يقول ـ تعالى ـ في سورة النور في معرض ذكره ـ سبحانه ـ لحادثة الإفك: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] . معنى الإشاعة: الانتشار. وشاع الحديث: إذا ظهر في العامة. معنى الفاحشة: الفاحشة مأخوذة من الفحش. يقول ابن فارس ـ في كتابه المقاييس ـ: الفاء، والحاء، والشين كلمة تدل على قُبح في شيء وشناعة. وقال ابن منظور في لسان العرب: الفحش والفحشاء: القبيح من القول والفعل، وجمعهما الفواحش. والفحشاء: اسم الفاحشة، والفاحش: ذو الفحش والخنا من قول أو فعل، وكثيراً ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا. وخلاصة ما سبق: أن الفاحشة: ما ينفر عنه الطبع السليم، ويستنقضه العقل المستقيم. ولنا وقفات مع هذه الآية، نستشعر من خلالها ما يجري في مجتمعنا المسلم من ظواهر تعين على انتشار الفاحشة. - الوقفة الأولى: تفسير الآية: يقول الشيخ السعدي ﵀: الفاحشة: أي الأمور الشنيعة المستعظمة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩] أي موجع للقلب والبدن؛ وذلك لغشه لإخوانه المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجرأته على أعراضهم؛ فإذا كان هذا الوعيد لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة واستحلاء ذلك بالقلب؛ فكيف بما هو أعظم من ذلك من إظهاره ونقله، وسواء كانت الفاحشة صادرة أم غير صادرة؟ وكل هذا من رحمة الله بعباده المؤمنين، وصيانة أعراضهم كما صان دماءهم وأموالهم. وأمَرهم بما يقتضي المصافاة أن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ فلذلك علّمكم وبيّن لكم ما تجهلونه. ولنقرأ وقفة الرازي ﵀ في موسوعة التفسير الكبير؛ حيث عقب على قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فقال: فهو حسن الموقع بهذا الموضع؛ لأن محبة القلب كامنة، ونحن لا نعلمها إلا بالأمارات. أما الله ـ سبحانه ـ فهو لا يخفى عليه شيء؛ فصار هذا الذكر نهاية في الزجر؛ لأن من أحب إشاعة الفاحشة، وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله ـ تعالى ـ يعلم ذلك منه. وإن علمه ـ سبحانه ـ بذلك الذي أخفاه كعلمه بالذي أظهره، ويعلم قدر الجزاء عليه، كما تدل الآية على أن العزم على الذنب العظيم عظيم، وأن إرادة الفسق فسق؛ لأنه ـ تعالى ـ علق الوعيد بمحبة إشاعة الفاحشة، ثم ختم الرازي ﵀ تفسيره لهذه الآية بقوله: قال أبو حنيفة ﵀: المصابة بالفجور لا تُسْتَنْطَق؛ لأن استنطاقها إشاعة الفاحشة، وذلك ممنوع منه (١) . ونقرأ تعليق: صاحب الظلال ﵀ على هذه الآية؛ إذ يقول: والذين يرمون المحصنات ـ وبخاصة أولئك الذين تجرؤوا على رمي بيت النبوة الكريم، إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة، وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفواحش؛ وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها؛ وبذلك تشيع الفاحشة في النفوس لتشيع بعد ذلك في الواقع؛ من أجل هذا وصف الله ـ تعالى ـ الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة؛ وذلك جانب من منهج التربية، وإجراء من إجراءات الوقاية، يقوم على علم تام بالنفس البشرية، وتكيُّف مشاعرها واتجاهاتها، ومن ثم يعقِّب الله ـ تعالى ـ بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ، ومن ذا الذي يعلم أمر هذه النفس إلا الذي خلقها؟ ومن ذا الذي يدبر أمر هذه الإنسانية إلا الذي يبصرها ويعلم بها؟ ومن ذا الذي لا يخفى عليه شيء إلا العليم الخبير؟ - الوقفة الثانية: من خلال ما سبق نعلم أن مجرد حب إشاعة الفاحشة يؤدي بصاحبه إلى وقوع العقاب الأليم عليه في الدنيا والآخرة. ونلاحظ أن الله ـ تعالى ـ لم يقل بأن عقوبتهم بالعذاب فقط وإنما وصفه بالأليم، ولن نستطيع أن نتخيل أبداً مدى ألم هذا العقاب، ومن ثم علينا ألا نستخف به، ونراه هيناً وهو عند الله عظيم، كما أن هذا العقاب لا يتوقف على حياة واحدة في الدنيا، بل يمتد إلى الآخرة ليشهد عقابه الأليم أهل القيامة، ويظل ينتظر الأمل بشفاعة قد تنجيه من هذا العذاب؛ فأي شؤم يطال محبي إشاعة الفاحشة بين الذين آمنوا في الدنيا والآخرة، وهو يتقلب في عذاب أليم قاده إليه قلبه لمّا أحب ما أبغض الله! وهذا يقودنا للوقفة الثالثة. - الوقفة الثالثة: إذا كان ما سبق من عقاب أليم إنما خصص لمن أحب بقلبه إشاعة الفاحشة؛ فكيف بمن ساهم في نشرها بين الذين آمنوا بكل قوة وبذل مادي ومعنوي، ورصد لذلك الجوائز المغرية، والمسابقات الملفتة للنظر بفحشها ومجونها، وهيأ الأماكن المترفة، ونشر الصفحات والمجلات المتعددة، والمواقع المشبوهة، في تسابق محموم بغيض حاقد؟ فكلما ظهرت قناة تبعتها قنوات أخرى، وكلما أنشئت مجلة ماجنة نافستها مجلات على النهج نفسه، وكلما سطَّر قلم مجوناً وفحشاً تنافس معه متنافسون، وكلما ظهر صاحب فحش من الجنسين في أي مجال شيطاني؛ قام شياطين الإنس ببعث المئات من أمثالهم، وأصبح هؤلاء هم النجوم التي يهتدي بها بعض شباب المسلمين في حياتهم ليزدادوا ظلاماً وتيهاً. - الوقفة الرابعة: مما يدمي القلب، ويشعله خوفاً من نزول عذاب متتابع فوق أنواع العقوبات التي نكابدها أنّ حب إشاعة ونشر ودعم الفاحشة بين الذين آمنوا إنما يبلغ أَوْجَهُ وقوته في مواسم العبادات وذروة الأوقات التي يمنّ الله الرحيم بها علينا لنكفر عن السيئات، ونزداد في الحسنات، ونعيش في نعيم نسائم الرحمات، وهي أوقات رمضان المبارك، وعيد الفطر، والأيام العشرة الأولى من ذي الحجة، وأيام عيد الأضحى المبارك، فنجد الشياطين وقد أجلبت علينا بخيلها ورجلها لتقدم كل ما يحطم ويقتل معاني الحب، والذل والخضوع والطاعة والاستسلام لله تعالى، وتجعل من المسلم عبداً ممسوخاً لشهواته ولذَّاته، لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، ولا من العبادة إلا رسمها، ولا من الحب لله إلا نطق اللسان فقط، فينقلب المسلمون إلى أهل الإرجاء الذين يجعلون الإيمان قولاً واعتقاداً فقط؛ أما العمل فلا دخل له في ذلك، فنتحول إلى قطعان تهرف بما لا تعرف، تنساق إلى مذابحها في عقيدتها وهي ضاحكة مستبشرة. فأي حقد يصبه علينا أعداء ديننا، ونحن نراهم يتقاسمون الأدوار فيما بينهم وبأموالنا، ووقودهم شبابنا ونساؤنا، وقبل ذلك ديننا، كل منهم قد علم دوره جيداً فأتقنه وبلّغه؛ فأصبحنا أمة أحبت إشاعة الفاحشة؛ فأي عذاب ينتظر الجميع؟! - الوقفة الخامسة: هذه الآية إن كانت تهديداً ووعيداً لمن أحب إشاعة الفاحشة؛ فهناك حديث صحيح يبين لنا عقوبات نشر الفاحشة إذا شاعت؛ فعن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتُليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا الزكاة إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمُطَروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (١) . وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يُعزَف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» (٢) . هذه العقوبات المتوالية في الدنيا، وما عند الله أعظم. - الوقفة السادسة: هناك مظاهر في مجتمعنا تعين على نشر الفاحشة بين أفرادنا، وإن كان فاعلوها لم يقصدوا ذلك. وهي: بيع وشراء ولبس الحجاب المتبرج الذي يكشف أكثر مما يحجب، فنجد المسلمة، وقد لبست من الحجاب أنواعاً تغري الرجال، وتوقعهم في زنا النظر المتكرر، ومن ثم الكلام، وقد تصل الأمور إلى ما هو ما أبعد من ذلك، وهذه المسلمة تصر على إظهار مفاتنها أمام الجميع بلا حياء في كل مكان؛ لما ترتدي الملابس الفاضحة في كل مناسبتها؛ فهي تشجع غيرها على مجاراتها، وتقليدها مسلكها، وتثير في نفوس بعضهم مشاعر شاذة، ونظرات خاصة لا يرضاها الله تعالى. كذلك من هذه المظاهر المعينة على إشاعة الفاحشة جلب العمالة لبلادنا من الرجال بلا زوجاتهن، ومن النساء بلا أزواجهن لسنوات أقلها سنتان؛ مما يشجع كثير من هؤلاء النساء على اقتراف الفاحشة بالتراضي، أو مع غيرهم بوسائل الاغتصاب المعروفة، وصحفنا ودوائرنا الحكومية لا تخلو أحياناً من أخبار يندى لها الجبين المسلم الحر، وهذا أمر بدهي وفطري؛ فهذا عمر ﵁ جعل للمجاهد فترة محددة يبتعد فيها عن زوجته، حتى لا يكلفهما ما لا يطيقان من مشاق تصطدم مع حاجاتهما الضرورية الفطرية؛ فيكف بهؤلاء؟ أليسوا بشراً مثلنا؟ وأختم ما سبق بأن القرآن العظيم ما أنزله الله ـ تعالى ـ إلا لنتدبره؛ فهل تدبرناه؟ وهل سألنا الله دائماً ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا؟ نعوذ بك اللهم من جَلَد الفاجر، وعجز الثقة.. اللهم آمين.

стр. 5352

بشهادات اليهود .. الفلسطينيون لم يبيعوا أرضهم كما روجت العصابات الصهيونية صلاح حسن رشيد أوهام صارت واقعاً مغلوطاً خارجاً على الأديان والأعراف والتاريخ والجغرافيا، وخزعبلات تحولت بالمكر والخديعة، وسلاح شراء الذمم، وسياسة الاغتصاب، والتشويه والتزوير إلى واقع بئيس يحاصر العرب. ويغرس خنجره المسموم في أنف المنطقة. ويدس أفكاره الباطلة في سياسة العالم، وكائن لقيط لا أب له ولا جد يسرق أمجادنا وتراثنا. تلك هي إسرائيل الزائفة التي ليس لها تاريخ ولا جغرافيا ولا هوية في فلسطين؛ لكنها تجرأت على أصحاب الأرض فطردتهم وشردتهم، وهدمت مدنهم وقراهم، واستولت عليها بعد أن مسخت ونسخت، وبدلت كل المعالم التي تؤكد أن القدس عربية إسلامية، وأن فلسطين أرض العرب والمسلمين. كما روجت العصابات الصهيونية لروايات منتحلة مدسوسة على أهل فلسطين تزعم أنهم باعوا أراضيهم بمحض إرادتهم لليهود. وتلقَّف العالم هذه الافتراءات والأكاذيب، والأساطير والخرافات التي جعلوها من المسلّمات التي لا يجوز الاقتراب منها أو المساس بها. وهكذا قامت إسرائيل دولة الإرهاب والقهر، والنازية الجديدة، والفاشية الملعونة على أشلاء المطرودين، والمشردين، والمضطهدين من أهل فلسطين، وليس على أكاذيب وتخرصات تحكيها رواياتهم الفاسدة المجروحة المدلسة التي تزعم أن الفلسطينيين باعوا أرضهم وديارهم، وتركوها لليهود. هذا ما يقصه ويحكيه كتاب «فلسطين وأكذوبة بيع الأرض» من تأليف (عيسى القدومي) الصادر عن مركز المقدس للدراسات التوثيقية ـ ٢٠٠٤م، مؤكداً أن تلك فرية ظالمة، وأكذوبة سمجة كذبها الواقع، وشواهد التاريخ، انطلت على الساسة، والقادة والمؤرخين في الغرب الذين صدقوا هذه القصص الواهية، فساندوها، وأيدوها، وخالفوا قرارات الشرعية الدولية والأدلة التاريخية التي تنحاز للعرب، وأهل فلسطين أصحاب الأرض والماضي والتاريخ والجغرافيا، وعن حجم تلك الأكذوبة تصف روز ماري ـ الباحثة البريطانية ـ انتشارها بالقول: «لقد آذى التشهيرُ الفلسطينيين أكثر مما آذاهم الفقر، وأكثر الاتهامات إيلاماً كان بأنهم باعوا أرضهم، أو أنهم هربوا بجبن. وقد أدى الافتقار إلى تأريخ عربي صحيح لعملية الاقتلاع التي لم تُرْوَ إلا مجزأة حتى الآن ـ أدى بالجمهور العربي إلى البقاء على جهله بما حدث فعلاً» . ولهذا استطاع اليهود بهذه الأكذوبة أن يرسخوا مفاهيم غاية في الخطورة، يصعب التحول عنها لدى الكثير من الناس؛ فأصبحت أكذوبة متجددة منذ احتلال أرض فلسطين في عام ١٩٤٨م إلى يومنا هذا، والحقيقة المرة التي يندى لها الجبين هي أن تاريخ القضية الفلسطينية ـ منذ بدايتها حتى الآن ـ لم يكتب بعدُ. فما حدث في فلسطين من اقتلاع شعب من أرضه، وإحلال شتات اليهود في مساكنهم، وممتلكاتهم وأرضهم، وهم لا يزالون يحملون مفاتيح بيوتهم، وينتظرون العودة إليها، ما زال يدور حول هذا التاريخ الكثير من الأكاذيب؛ لأنه كتب بأيد منطلقُها: «إذا أردت أن تقتل عدواً فلا تطلق عليه رصاصة بل أكذوبة» . - بداية الأكذوبة: يقول الكتاب: «إن أكذوبة بيع الفلسطينيين أرضهم لليهود أكذوبة تتصاغر أمامها كل الأكاذيب التي أشاعها اليهود؛ لتبرر احتلال أرض فلسطين المباركة. فقد راجت في الأوساط العربية، واستطاعت أن ترسخ في أذهان الكثيرين تلك الأساطير المريضة التي لا أساس لها من الصحة؛ فلقد اختزل تاريخ فلسطين المعاصر، وأصبح مشوهاً في عدة فقرات وعبارات ملفقة هي: (الفلسطينيون باعوا أرضهم لليهود) ، (من باع أرضه لا يحق له الرجوع إليها) ، (الفلاحون قاموا ببيع مزارعهم، وحقولهم، وتمتعوا بأثمانها، ثم جاؤوا اليوم يدعون ويلاً وثبوراً) . والمؤسف حقاً أن كثيراً من أبناء الشعوب العربية صدَّقوا تلك الأكاذيب التي نشرها اليهود، وروج لها أعوانهم، وأهمها: «أن الشعب الفلسطيني باع أرضه لليهود؛ فلماذا يطالب بتحرير أرض قبض ثمنها؟» . لكن الجديد هذه المرة أن دحض هذه الخرافات لم يأتِ عن طريق العرب والفلسطينيين، وإنما من قِبَل اليهود أنفسهم. وعن مصدر هذه الأكذوبة، وغيرها يقول الشيخ (محمد أمين الحسيني) مفتي فلسطين: «إن المخابرات البريطانية وبالتعاون مع اليهود أنشؤوا عدة مراكز دعاية ضد الفلسطينيين، ... ملؤوها بالموظفين والعملاء والجواسيس، وكان من مهامها بث الدعاية المعروفة بدعاية الهمس واللمز والتدليس» . - أراضي فلسطين أيام العثمانيين: من المعروف والبديهي أن (السلطان العثماني عبد الحميد) تصدّى للأطماع الصهيونية في فلسطين، ومحاولات الزحف اليهودي إليها بكل ما أوتي من قوة، وإيمان، ودبلوماسية أيضاً، ورفض جميع أنواع الإغراءات المادية والمعنوية للمحافظة على المقدسات الإسلامية في فلسطين من السيطرة الصهيونية واليهودية عليها، وهو الأمر الذي أدى به في النهاية إلى فقدان عرشه وعزله ونفيه. إلا أن الضغوط البريطانية على الدولة العثمانية أفرزت قانون «تصرف الأشخاص الحكمية» لعام ١٩١٠م، الذي أعطى الشركات حق التملك والتصرف بالممتلكات غير المنقولة. وقد تمكنت المؤسسات الصهيونية من استغلال هذا القانون للتحايل غير المشروع، لتجد لنفسها فرصة اقتناص أراضٍ في فلسطين. ونجحت الضغوط البريطانية في تغيير بعض القوانين العثمانية، لتفسح المجال أمام العصابات الصهيونية التي كانت الخلافة العثمانية حريصة على عدم تمكينها من أراضي فلسطين. كما قدمت البعثة الفنية التي أرسلتها بريطانيا لمسح أراضي فلسطين خدمات خطيرة للاستيطان اليهودي في فلسطين. وأخذ المشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين بالسير بوتيرة متسارعة؛ حيث تمكن اليهود بواسطة دعم بريطاني ضخم، وعن طريق التحايل على القوانين العثمانية، وبأساليب ملتوية، وهو الأمر الذي أدى إلى اقتناص ٦٥٠.٠٠٠ دونم، وتُعَدُّ بريطانيا مسؤولة بالدرجة الأولى عن تسهيل حيازة وسرقة هذه الأراضي من قِبَل اليهود. ويؤكد هذه الحقيقة الشيخ (أمين الحسيني) ؛ حيث يقول: «إن ٦٥٠.٠٠٠ دونم استولى عليها اليهود في عهد الحكومة العثمانية خلال حقبة طويلة، من الأراضي الفلسطينية؛ بحجة إنعاش الزراعة، وإنشاء مدارس زراعية» على الرغم من أنه لم يكن لليهود أي حيازات للأراضي الزراعية في فلسطين حتى عام ١٨٦٨م، كما لم يزد عددهم حتى عام ١٨٧٧م عن ١.٣% من إجمالي عدد سكان فلسطين. وكان لبريطانيا الدور الأكبر في استعمار اليهود جزءاً من أرض فلسطين، وتشجيعهم على الهجرة غير الشرعية إليها. - الإقطاعيون ودورهم في بيع الأراضي: ويحكي الكتاب عن قصص دامية، ومخجلة لكبار الملاك الذين باعت لهم الدولة العثمانية القرى والأراضي الفلسطينية التي عجزت عن تسديد ديونها؛ بسبب الضرائب الباهظة المستمرة التي فرضت على هذه القرى. وهكذا حصل كبار الإقطاعيين على الأراضي الفلسطينية؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر تمكن الثري اللبناني «سرسق» من شراء قرية في (سهل مرج بني عامر) في فلسطين عام ١٨٦٩م، وكان هذا السهل قد آل للدولة عندما انتزعت ملكيته من قبيلة بني صخر. وحين وجد هؤلاء التجار من يدفع لهم أكثر باعوها لليهود. وهذه الأراضي بيعت من قِبَل العائلات العربية غير الفلسطينية ومنها: عائلات «القباني» و «التويني» و «الجزائري» و «سرسق» و «سلام» و «الطيان» ، وهي التي باعتها لليهود بأثمان باهظة بعد ذلك. لكن الحقيقة المؤكدة أنه لم تتسرب لليهود من أملاك وممتلكات الفلسطينيين سوى نسبة ضئيلة جداً لا تذكر. - كم باع الخونة من أرض فلسطين؟ مما أسلفنا يتأكد بالأدلة والوثائق أن مساحة الأراضي التي اشتراها اليهود من عرب فلسطين، وبعضها نتيجة قانون نزع الملكية، وتنفيذاً للأحكام التي أصدرتها المحاكم المختصة، أو لظروف اقتصادية بالغة القسوة، أو لوجود بعض العملاء هي ٢٦١.٠٠٠.٠٠٠ دونم، وهي تعني أنها نسبة ضئيلة تعادل أقل من ١% من مجموع مساحة أرض فلسطين. وفى هذا الإطار يحكي الخبير الإنجليزي (فرانس) في مذكراته مفنداً ادعاءات العصابات الصهيونية بقوله: «إن بعض الأهالي اضطروا إلى بيع أراضيهم إما لتسديد ديونهم، أو لدفع ضرائب الحكومة، أو للحصول على نقد لسد رمق عائلاتهم» . ويؤكد الإنجليزي (جون رودي) الحقيقة التالية: إن الأكثرية الساحقة من العرب لم تقم ببيع أراضيها، وحتى إن الكثيرين من أصحاب الملكيات الكبيرة مثل (آل الحسيني) ، حافظوا على أملاكهم مصونة إلى النهاية. ويشير الشيخ (أمين الحسيني) رداً على شائعة بيع أراضي الفلسطينيين بقوله: «إن أهل فلسطين منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، ولا يبعد أن يكون بينهم أفراد قصروا، أو اقترفوا الخيانة، لكن وجود أفراد قلائل من أمثال هؤلاء بين شعب كريم مجاهد كالشعب الفلسطيني لا يدمغ هذا الشعب، ولا ينتقص من كرامته، ولا يمحو صفة جهاده العظيم» . ولا شك أن هناك قلة قليلة من عرب فلسطين، سواء من بين كبار الملاك، أو غيرهم قد شاركوا ولو بقدر بالغ الضآلة في هذه الجريمة، وأعانوا عليها؛ بسبب الجهل، وعدم الوعي بحقيقة المؤامرة بصورة كلية، وبعضهم الآخر ربما بسبب عدم اللامبالاة، والتصرف غير المسؤول، وآخرون بسبب ضعف النفس والرغبة في الإثراء الحرام، وعدم الانتماء. كما كانت هناك أسباب قهرية أخرى استثمرتها أبواق الدعاية والإعلام الجهنمية الصهيونية والغربية على حد سواء، ومجمل تلك الأراضي لا تتعدى نسبتها ٥% من إجمالي مساحة أرض فلسطين. والحقيقة أن الشعب الفلسطيني فتك بأولئك القلة الذين باعوا أراضيهم، أو كانوا سماسرة للبيع، وعاقبهم على فعلتهم النكراء، كما صدرت الفتاوى بتجريم وتحريم بيع الأراضي لليهود، أو السمسرة على بيعها. ومع تلك الممارسات الفظيعة تمكن شعب فلسطين برغم قسوة الظروف، والمعاناة من الصمود في أرضه طيلة ثلاثين عاماً محتفظاً بأغلبية ٦٨% من السكان، وبمعظم الأرض ٩٣%، وتدل الإحصاءات الرسمية على أن مجموع ما عليه اليهود إلى يوم انتهاء الانتداب البريطاني في ١٥/٥/١٩٤٨م نحو مليوني دونم أي نحو ٧% من مجموع أراضي فلسطين، ويؤكد «روجيه جارودي» : أن الصهاينة أيام وعد بلفور عام ١٩١٧م كانوا لا يملكون إلا ٢.٥% من الأراضي. وعندما تم تقسيم فلسطين بين العرب واليهود، كانوا يملكون ٦,٥% منها، أما في عام ١٩٨٢م فإنهم أصبحوا يملكون ٩٣%، أما الأساليب المستخدمة لانتزاع الأرض من أصحابها، فإنها كانت أساليب الاستعمار الأشد عنفاً. ويؤكد اليهودي العالمي (هنري فورد) في كتابه «اليهودي العالمي» : أن إدارة الانتداب البريطاني كانت يهودية، ولا ريب في أن فلسطين تقدم الدليل على ما يفعله اليهود عندما يصلون إلى الحكم. ويضيف تحت عنوان «اقتناص الأراضي» أنه: «لو عرف العالم حقيقة الأساليب التي مورست لاغتصاب أراضي فلسطين من أهلها في الأيام الأولى من الغزو، والاحتلال الصهيوني، أو لو سُمح لهذا العالم بمعرفتها، لعمه السخط والاشمئزاز، ولا ريب في أن الأساليب كانت تجري بمعرفة (صموئيل) المندوب السامي اليهودي» . - شهادات وأقوال: يقول المؤرخ الإنجليزي (أرنولد توينبي) : «سلب أراضي فلسطين جرى في أكبر عملية نهب جماعية عرفها التاريخ.. ومن أشد المعالم غرابة في النزاع حول فلسطين: هو أن تنشأ الضرورة، للتدليل على حجة العرب ودعواهم» . أما الكاتب اليهودي المنصف «عميرة هاس» فيقول: وفي الوقت الحالي لا يوجد شخص يستطيع أو يرغب في ذكر حجم الأراضي التي بيعت بالغش والخداع، وما هي نسبتها للأراضي الشاغرة، وما هو عدد المتضررين ـ يقصد الفلسطينيين ـ. أما البروفيسور اليهودي (إسرائيل شاحاك) فيقول: «لم يبق من أصل ٤٥٧ قرية فلسطينية وقعت ضمن الحدود الإسرائيلية التي أعلنتها في عام ١٩٤٩م إلا تسعون قرية فقط، أما القرى الباقية وعددها ٣٥٨ فكانت قد دمرت، بما فيها منازلها، وأسوار الحدائق، وحتى المدافن وشواهد القبور؛ بحيث لم يبقَ بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة ـ حجر واحد قائماً. ويقال للزوار الذين يمرون بتلك القرى إن المنطقة كلها كانت صحراء» . أما شهادة (موشيه ديان) فهي تبرئ الفلسطينيين من تهمة بيع أراضيهم؛ حيث يعترف قائلاً: «لقد جئنا إلى هذا البلد الذي كان العرب توطنوا فيه، ونحن نبني دولة يهودية.. لقد أقيمت القرى اليهودية مكان القرى العربية. أنتم لا تعرفون حتى أسماء هذه القرى العربية وأنا لا أتكلم؛ لأن كتب الجغرافيا لم تعد موجودة. وليست كتب الجغرافيا هي وحدها التي لم تعد موجودة، بل القرى العربية نفسها أيضاً. وما من موضع بني في هذا البلد إلا وكان أصلاً لسكان عرب» . كما يؤكد تلك الحقيقة أيضاً الباحث اليهودي «بني موريس» بقوله: «نشرنا الكثير من الأكاذيب، وأنصاف الحقائق التي أقنعنا أنفسنا وأقنعنا العالم بها.. لقد حان وقت معرفة الحقيقة، كل الحقيقة.. والتاريخ هو الحكم في النهاية» . وهو المعنى نفسه الذي تؤكده المحامية اليهودية (إليغرا باشيكو) قائلة: «الوثائق المزورة وعمليات الغش أمر عادي في صفقات بيع الأراضي إلى المستوطنين اليهود» . ويقول الشيخ (محمد أمين الحسيني) نافياً تلك الأباطيل الصهيونية: «الفلسطينيون حرصوا على أراضيهم كل الحرص، وحافظوا عليها رغم الإغراءات المالية الخطيرة من قِبَل اليهود، ورغم الضغط الاقتصادي عليهم بمختلف الوسائل من قِبَل الانتداب البريطاني» .

стр. 5353

المكر الإعلامي ودوره في التضليل بين القديم والحديث أكرم عصبان الحضرمي لقد صوبت النظر في استغلال قريش حادثة قتل ابن الحضرمي، وأجلْت التأمل في مضامينها؛ فألفيتها ذات صلة قوية باستغلال المؤسسات السياسية الكبرى المناوئة للإسلام لحوادث تنسبها للمسلمين، وإذا بالأسلوبين ـ قديماً وحديثاً ـ يخرجان من مشكاة العداء السافر الذي ينتهي أمره إلى حيث ينسلخ المسلمون عن دينهم، ويعبران من بوابة الإعلام الذي رسنه بأيدي الأعداء. فيقذف من رَحِمِهِ بالتعيير للمسلمين بتلك الحادثة، ويرافقه الحديث عن المحرمات، وانتهاكها بمكر ساخر وكيد ساحر، يؤثر سحره في بعض المسلمين؛ فلا يدري كيف يتعامل معه، ويسقط بعضهم في الهوة التي أرادها الإعلام بتضليله صريعاً. ولا يُبطل هذا السحر ويذهب أثره إلا ما جاء شفاؤه في القرآن، حين فصّل القول في حادثة قتل ابن الحضرمي التي نحن بصدد الحديث عنها. - أحداث سرية عبد الله بن جحش: إن أحداث سرية عبد الله بن جحش التي استثمرتها قريش مفادها أن النبي ﷺ بعث سرية من الصحابة، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش، وأمرهم أن ينزلوا بطن نخلة ـ بين مكة والطائف ـ ليرصدوا قريشاً، ويعلموا من أخبارها؛ فبينما هم كذلك إذ مرّ بهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة في عير لقريش، فقتله واقد بن عبد الله التميمي، وأسروا اثنين، وساقوا العير إلى المدينة. ولم يدروا أن ذلك اليوم الأخير من رجب. فقالت قريش: إن محمداً وأصحابه استحلوا الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم، وأسروا الرجال، وأخذوا الأموال. هذه هي الحادثة التي أبدت فيها قريش غيرتها على انتهاك الحرمات التي تزعم أنها راعية لها، واستغلت ما ورثه العرب من حرمة القتال في الشهر الحرم، لا سيما شهر رجب، وبما بقي عندهم من دين إبراهيم الذي حادوا عنه، وهذه الحرمة تمكن لقريش ـ سادنة الحرم ـ الأمن الذي تطلبه الوفود التي تفد إلى البيت الحرام، علماً بأنهم يتلاعبون بالأشهر الحرم ـ تقديماً وتأخيراً ـ ويضيفون بذلك رجساً إلى رجسهم، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧] . إذن فقد طارت قريش فرحاً بهذه الحادثة فأشاعتها عند العرب كافة، وأذاعتها حتى ردد صداها اليهود في المدينة متفائلين، فقالوا: عمرت الحرب وحضرت، وأوقدت نارها أخذاً من قتل واقدٍ لعمرو بن الحضرمي، لقد عيّرت بذلك المسلمين ـ وهي ظالمة ـ في هذا التعيير، ولم تكن تتباكى على انتهاك المقدسات، وقتل واحد أو أسر اثنين، وإنما وراء هذا التعيير خبيئة تكمن في استمرار حربها ضد المسلمين، وإظهار العداء في أسلوب جديد عاجت عليه، ومالت إليه بعد أن أخفقت جميع أساليبها في الصدّ عن الدين، والذي انتهى بإخراجهم من مكة ليجدوا أرضاً صالحة ينطلقون من خلالها؛ فما أن سمعت بأول حادث قتل، حتى أخرجت أضغانها في هذه الصورة. - التوجيه القرآني في هذه الحادثة: وفي ظل هذه الحملة الإعلامية والتحريف الدعائي للحقائق وقف المسلمون منتظرين التشريع الإلهي بعد أن سُقط في أيدي أفراد السرية؛ فظنوا أنهم قد ارتكبوا جرماً عظيماً. فنزل القرآن بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] فسما المسلمون ـ وحري بهم أن يسموا ـ بهذا التوجيه الرباني في دحض فرية الأعداء الذين عندهم من ارتكاب المحرمات، وهي الكفر بالله، والصدّ عن سبيله ما هو أعظم جرماً من قتل ابن الحضرمي. قال ابن كثير: «أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك، وأعظمه غير تائبين ولا نازعين» (١) . وقال السعدي: «وكانوا ـ يعني المشركين ـ في تعييرهم ظالمين؛ إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما يعيرون به المسلمين» (٢) . فالقرآن إذاً أقرّ أولاً حرمة الأشهر الحرم، بل قد جعلها في آية التوبة من الدين القيِّم؛ فالقتل فيها إثم كبير آنذاك، ثم نسخ هذا الحكم، كما حكى ذلك القرطبي في تفسيره لهذه الآية بأن «الجمهور على نسخها، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح، واختلفوا في ناسخها..» . ثم قرر ثانياً أنهم ظالمون في استغلال هذا الحادثة، والتشدق بالحرمات التي لا يقيمون لها وزناً، بل يدوسونها بأقدامهم؛ لأنهم قد صدّوا عن سبيل الله، وكفروا بالله، وأخرجوا المسلمين من المسجد الحرام، وقد كانوا أحق به وآهل منهم، ثم هم مع ذلك قائمون على الشرك ماضون في العداوة. ونحن علينا في مثل هذه الأحداث أن نسلك شِعْب الهدى وناديه، ونُنزل رحلنا بناديه؛ فاشدد أخي يديك بهذه الآيات، ولا تحد عنها بعد استنارتها! وقد تنكب الهدي القرآني فريقان أقلهما ميلاً من لا يقرّ بخطأ الحدث، وهو غاشٌّ بذلك؛ إذ الواجب عليه أن يبذل النصح للمسلمين، ويلتمس العذر للغالطين، مستنيراً بقوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وأعلاهما ميلاً نقيض ما سبق ممن ينجر خلف ركب الأعداء، ويبارك إعلامهم، ويغضي الطرف عن أفعالهم، فيؤخذ على حين غفلة من أمره فيبدي الانفتاح بزعمه، ويشاهد نار الحرب في كل أرض تشعل، والأمر عنده في حادثةٍ مّا مشكل. وفي الآية لفتة كريمة في قطع دابر الجدال العريض الذي يرتفع ضجيجه حين يكون للخصم شبهة؛ فالمسلك القويم أن ينتقل به إلى ما يخفت معه صوت الباطل من ذكر فضائحه التي يقوم عليها. - حذو المؤسسات الإعلامية اليوم المكر الأول: إن المؤسسات الإعلامية الكبرى المعادية للإسلام قد سارت على درب الأولين من الكفار، ولم يدخر أصحابها جهداً في النقيصة من المسلمين إلا وسارعوا في إظهارها ابتغاء التشهير، بل قد أوغلوا في العداوة إيغالاً بعيداً حين يختلقون إفكاً، ويصيغون حديثاً مفترى، وينسبونه للمسلمين زوراً، وبعد ذلك يطالعنا إعلامهم الأصيل، أو ما تبعه من وسائل الإعلام المسيطرين على أعنتها بالحديث عن الحرمات والقوانين الدولية، وانتهاك شرعيتها الزائفة، وحدودها الزائغة، وفي الوقت نفسه ينسى ملايين المسلمين الذين غُيِّبوا في التراب؛ بسبب السياسات الرعناء، ومثل عددهم من الأرامل، وأضعاف عدتهم من اليتامى، وتنسى ملايين المشردين في مجاهل الأرض من أسرى يرسفون في القيود ظلماً. وما يسطر من الأحداث في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير وغيرها عنّا ببعيد، ولولا خشية الإطالة لخضنا في أحداثها، ولكن اشتهارها يغني عن الحديث عنها: أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاهُ فإذا تحدثت هذه المؤسسات عن انتهاك الحرمات ـ والعمل بجهد في فتنة المسلمين عن دينهم ـ فمن يسمع نوح النائحات، ومن يرفع ظلم المكروبين، ويدفع كرب المرملين، ويقف مع اليتامى والمنكوبين. قال سيد قطب: «إن الإسلام يرعى حرمات من يرعون الحرمات، ويشدد في هذا المبدأ ويصونه، ولكنه لا يسمح بأن تتخذ الحرمات متاريس لمن ينتهكون الحرمات، ويؤذون الطيبين، ويقتلون الصالحين، ويفتنون المؤمنين، ويرتكبون كل منكر، وهم في منجاة من القصاص تحت ستار الحرمات التي يجب أن تصان» (٣) . - ما ينبغي مراعاته: مما ينبغي استخلاصه هنا حين يفيض التضليل الإعلامي في خلفية حادثة معينة ألمّ بها جماعة من المسلمين، وتولت المؤسسات الإعلامية الكبرى الحديث عنها مراعاة ما يلي: أولاً: التأكد من نسبة ذلك لتلك الجماعة المشار إليها صراحة كالشمس لا تخفى على أحد؛ إذ على مثلها فليشهد المسلم، أو يدع، فإنه لا يأمل غائلة الأعداء، فيقع في معرة بغير علم، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] . ثانياً: عدم الإفاضة فيما أشكل أمره، وترك الخوض فيه؛ إذ الواجب فيه الرد إلى الكتاب والسنة، واستنباط العلماء الراسخين، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] . ثالثاً: ما تبيّن حكمه فكان واضحاً، أو خفي فاستخرج حكمه المستنبطون؛ فالمسلك ترك الكبر الذي حده بطر الحق، ولا بد من إيضاح الخطأ مشوباً بمحض النصح للغالطين، وتوليهم مصحوباً بالعذر لهم إن وُجِدَ إليه سبيل، وإلا فإنها زلة تقال ـ من القول ـ وعثرة ينبغي أن تقال ـ من الإقالة ـ. رابعاً: الغوص في حقائق هذا التضليل، وكشف هوية المؤسسات الإعلامية الدولية التي تعزف على وتر الحدث بعدة نغمات، وتستخف بالدين وأهله، ثم بيان ما هم عليه من الكفر، والصدّ عن سبيل الله، والقتل والتشريد، واستمرار حربهم حتى ينخلع المسلمون من الدين؛ فلا مسوغ لهؤلاء في حديثهم عن انتهاك المحرمات؛ فإما أن يكفوا عن ذلك، وإما إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم. قال عبد الله بن جحش شعراً: تعدون قتلاً في الحرام عظيمة صدودكم عما يقول محمدُ وأعظم منه أن يرى الرشد راشد وكفر به والله راءٍ وشاهدُ واللهَ نسأل أن يبصرنا بديننا، ويتقبل منا صالح أعمالنا، وينصرنا على أعدائنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 5354

عولمة الفئران علاء سعد حسن الفأر في ثقافتنا من الفواسق الخمس، وهو بلا شك حيوان قذر ضار، يطلق رائحة كريهة، ووجوده في مكان ما يوحي بقذارة المكان، ويثير التقزز والاشمئزاز. تراثنا الديني والثقافي كله يحملنا على شدة (القرف) من الفأر، وعندما كانت ترسو السفن الأوروبية على موانئنا، محملة بالفئران النرويجية التي تسللت إليها بكثرة؛ لتتسرب إلى عالمنا بمئات الآلاف، كانت تروج تجارة مكافحة الفئران من مصايد ميكانيكية، ومبيدات وسمّ للفئران.. إن لحظة دخول الفأر في بيت أحدنا وما يثيره من هلع واضطراب لحظة لا توصف، ويتم تجنيد أفراد الأسرة جميعاً بحثاً عن الفأر واصطياده، وربما لا ينام أهل البيت ليالي مطمئنين، حتى يتم القضاء على الفأر.. ولقد وافقت ثقافتنا وتراثنا علوم الطب الحديث من أن الفأر حيوان ضار ينقل الحشرات القذرة والأمراض الوبائية. وحيث إنني غير ضليع في اللغة الإنجليزية؛ فلقد كنت أتابع (كرتون ميكي ماوس) ، ولم أكن أعرف أن كلمة (ماوس) في الإنجليزية تعني الفأر، لكن ولا شك أن الغرب كما صدَّر إلينا الفأر النرويجي على متن سفن الشحن؛ فلقد صدر لنا (الماوس) باعتباره بطلاً كرتونياً، ونجماً ثقافياً، يعشقه الصغار والكبار على السواء.. ولقد كنت من المنبهرين بالغرب، وثقافته ونظافته، حيث كنا في شبابنا الأول ننسب إليه كل جميل كأنه جنة الله على الأرض، حتى اهتزت هذه الثقة مع درس التشريح في العام الجامعي الأول لما درسنا الصرصور الأمريكي الذي استوردناه كذلك على متن سفن البضائع، ولقد كنت أتخيل قبل هذا الدرس أننا صدرنا الصرصور إلى العالم فإذا به أمريكي المنشأ والجنسية. ولم يقتصر الأمر على الفأر (ميكي) - ولو اقتصر عليه لقلنا: إنها فلتة - لكن الغرب يصر على تصدير الفأر وثقافته إلينا؛ فبعد (الميكي ماوس) الذي طارد (بطوط) و (سمير) (١) في عقر دارهما، وسجل انتصاراً ساحقاً على (بوجي وطمطم) (٢) ؛ فإن حلقات الكرتون (توم وجيري) تعد أشهى وجبة إعلامية تقدم لنا، وفي الغالب ينتصر الفأر الأذكى، والأخف ظلاً على القط؛ ولأني أعمل في مجال الكمبيوتر؛ فلقد ظللت أتساءل طويلاً عن معنى (الماوس) ، وهو ما يعرف في العربية باسم الفأرة، وهو كما يبدو أهم مكون من مكونات الكمبيوتر الخارجية مع لوحة المفاتيح، وأخيراً عرفت أن الماوس هو الفأر نجم الفواسق الخمس في تراثنا كله. الأمر إذن متعمد، بل إنه في الحقيقة يعبر عن ثقافة القوم، وتراثهم الأصيل؛ فالفأر رمز القذارة والعفن والأمراض، ورمز الخراب؛ حيث ينتشر في الغالب الأعم في الخرابات، والمناور، والأماكن المهجورة؛ فإنه بطل قومي عند الغرب لا شك في ذلك.. ونحن لا ننكر على القوم ذلك، فمن حقهم أن يكون لهم تراثهم الحضاري الأصيل المرتبط بزعيم الثقافة الغربية (الماوس) ، من حقهم ذلك تماماً، ولقد درسنا في مبادئ علم الاجتماع أن من خصائص الثقافات أنها نسبية؛ فما تلفظه ثقافتنا قد تمجده ثقافة أخرى، ولأني أيضاً أؤمن بالعقل وأحترم العلم، وقد تكون سطوري موجهة كذلك إلى من يعتبرون الدين من مكونات الثقافة البيئية، ومن ثم لا يحتج به على ثقافات الآخرين باعتباره موروثاً بيئياً؛ فإنني أحتكم إلى العلم وحده، والعلم يؤكد أن الفئران كائنات ضارة مقززة يجب مكافحتها. فلنجعل العلم فيصلاً بين ثقافتنا وثقافتهم، ولنجعل الدين فيصلاً آخر بين تراثنا وتراثهم نحتج به للذين يؤمنون بأن الدين فوق الثقافة؛ لأنه من لدن خالق البشر، ينزل مثل الغيث من السماء. إننا إذن في ظل العولمة نعيش صراعاً مريراً بين (بطوط) وبين (ميكي ماوس) ، بين مكونات ثقافة رمزها الأعلى (الفأر) وبطلها القومي (الماوس) ، وبين حضارة أعلت من شأن القط؛ لأنه يلتهم الفأر، ويخلص الأرض من شروره وقذارته، حتى إن (الهرة) وهي القطة التصق اسمها باسم صحابي جليل من صحابة نبينا ﷺ : هو أبو هريرة الراوية المكثر من أحاديث النبي ﷺ ، ولأن ثقافة (الماوس) ترعرعت في الخرابات، والأماكن والمهجورة والقذرة؛ فمن الطبيعي أن تمتلئ بكل ما تذخر به هذه الأماكن من أوبئة اجتماعية، وثقافية، وأخلاقية؛ فالحشاشون ومدمنو المخدرات ومدخنو الماريوانا لن يجدوا أكثر من هذه الأماكن أمناً لهم، ودعاة الانحراف الخلقي، والشذوذ الجنسي، وراغبو المتع الضالة لا يأمنون على أنفسهم إلا بين مستنقعات العفن: مثل خفافيش الظلام بعيداً عن أنوار الطهر والفطرة السليمة، وتحت حماية عصابات الليل. كان من الطبيعي أن يصل إلينا الفأر، أو (الماوس) مع كل رفاق بيئته الطبيعية، فنضحت الفضائيات الأوروبية والمواقع النتنة بكل مكونات البيئة الثقافية للفأر في تبجح عجيب، ولا تنسوا أبداً أن الثقافة نسبية، وأنه لا ضير أن يتعرى الناس في الغرب، فيعيشوا كالأنعام بل أضل. فهل إذا انتكست الفطرة، وانقلبت الموازين الإنسانية جميعاً، ودفع بالدين بعيداً عن الحوار الثقافي؛ لأنه وراء التطرف والعنف، وإذا استثنينا كل ذلك من مقومات الإنسانية، فهل يقبل القوم والمقلدون لهم والمفتونون بـ (ماوسهم) وبيئته الطبيعية؛ هل يقبلون بالعلم وحده فيصلاً بيننا وبينهم؟ هل يعقلون أن العلم كما أثبت أن الفأر ينقل الطاعون، وأنه أثبت أيضاً أن الإباحية تؤدي إلى تفشي الإيدز بصورة تكاد تكون وبائية؟ إن الارتكاس الفطري، والشذوذ الخلقي، والهوس العقلي، وسيادة اللامعقول تكاد تصل بالعالم إلى مرحلة (قوم لوط) الذين تنادوا فيما بينهم: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ؛ ولأن العالم أصبح منذ زمن قرية صغيرة؛ فإننا نخشى أن يطردونا منه؛ لأننا أناس نحيا على الطهر. إن علينا أن نواجه الفأر، وثقافته وبيئته قبل أن يخرجونا من قريتنا، أو يتنزل عليها غضب الله ـ تعالى ـ فيأمر ملائكته أن تقذفها ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣ - ٣٤] .

стр. 5355

الأمة عندما يراد لها الافتراق والاجتماع معاً ماجد حمد الماجد افتراق الأمة واقع يتفطَّر له قلب كل مسلم، وحقيقة معاشة يكابد ألمها كل مصلح، واجتماع الأمة ووحدة كلمتها ماضٍ جميل لا تفتر أفواه الغيورين من ترديده والتذكير به، وحلم يتراءى لكل فرد من هذه الأمة صادق الإيمان. وبين هذه الحقيقة المؤلمة والحلم الجميل تختلف مدارك الكثيرين وتتباين مواقفهم تجاهه. فطائفة ركنت لهذا الواقع المؤلم واستسلمت له، ورأت الفرقة حقيقة لا يمكن الانعتاق منها، فبُليت باليأس وقنطت من زوالها، وأصبحت أمة الجسد الواحد ـ عندهم ـ حقيقة تاريخية عفا عليها الزمن، فسعت إلى تجسيد هذه الفرقة بالقول والعمل، تارة باسم العقلانية والواقعية، وتارة أخرى تحت شعار (مصالحنا أولاً) . فقد رأت في افتراق الأمة مجالاً رحباً للبوح بأنانيتها المفرطة دون مواربة، وانفكاكاً من أداء واجباتها نحو أمتها، فلا جراح هذه الأمة المكلومة تدمي مقلتيها، ولا العوز والفاقة ـ اللذان يجثمان على صدر الكثير من أبناء أمتها ـ يحركان مكامن نفوسها، أو ينقصان من ثرائها. فلا تعجب إذا رأيتها تصب جام غضبها على إخوانها، وتقرعهم بشديد عتابها، وتحمِّلهم تبعة كل مصيبة تحل بهم، وفي الوقت ذاته تبحث عن أسمج المعاذير وأبعدها عن العقل والدين لتدافع عن خصوم الأمة لمصالح إقليمية موهومة؛ فإن احتل العدو بعض بلاد المسلمين حمَّلت أهل تلك البلاد وزر هذا الاحتلال بأن زعمت أنهم هم من هيَّج هذا العدو لاحتلال أرضهم، وإن انتهكت أعراضهم وشردوا في مخيمات البؤس وسيموا سوء العذاب؛ انبرت لتقول إن مقاومتهم هي التي جعلت العدو يخرج عن طوره وهي لا تمثل رأي سُيَّاسه. فذبل الولاء والبراء عندها حتى لا يكاد يبين، فلا أبغض إليها من ذكره وترديده؛ فضلاً عن أن تراه في مناهجها مسطوراً؛ لأنها علمت بتبعته عليها؛ فهو يلزمها بنصرة ضعيف بائس، وينهاها عن مصافحة من يداه ملطخة بدماء إخوانها. ظنت أنها في غنى عن أمتها فقطعت وشائج الصلة التي أمر الله بها أن توصل، وأصبحت تعيش خصوصية إقليمية بغيضة، قد أهمتهم أنفسهم فحسب. وطائفة أخرى وقفت على النقيض من هذه، رأت في اجترار الماضي خير وسيلة للهرب من واقعها المأزوم، تمارس أحلام اليقظة فلا يتراءى أمام ناظريها إلا الفاروق وعدله؛ والمعتصم ونخوته؛ وأن الراكب يخرج من خراسان إلى مراكش لا يخاف إلا الله، فأسكرتها نشوة الماضي عن إدراك كُنه الحاضر، فأصبحت تعيش غيبوبة لا شعورية عن واقعها المر؛ فهي تتحدث نيابة عن الجميع باسم الجميع في جميع شؤون الأمة، لا تقر بخصوصية ولا تعترف بالافتراق الحاصل فضلاً عن أن تحسن التعامل معه. ما لا تريده من افتراق الأمة واختلاف مرجعيتها تنكره ولا تقر بوجوده، وما تحلم به تراه حقيقة تتحسسه بيديها، وتراه بكلتا مقلتيها. ولا شك أن كلتا الطائفتين قد جانبت الصواب؛ فكِلا الأمرين ذميم؛ فالأول يتعامى عن حقائق الدين، والآخر ينكر الواقع ويدفعه. والمتابع للمشهد الإسلامي يعلم أن الطائفتين السابقتين قليلة الحضور، قليلة التأثير، وأن الحق الذي عليه السواد الأعظم بينهما في وسطية حقة. وسطية لم تُنْسها مرارةُ الافتراق السعيَ للذيذِ الاجتماع، رأت في وحدة أمتها في الصدر الأول شمعة تضيء لها الطريق لتحقيق هذه الوحدة مرة أخرى، وهدفاً سامياً تسعى لجعله حقيقة تتفيأ ظلاله الشعوب المسلمة، وتسلك في سبيل ذلك كل طريق رشد يوصلها إليه؛ من نشر الأخوة الإسلامية، إلى تلمُّس حاجات إخوانها ونصرة مظلومهم وإعانة ذي الحاجة الملهوف، بل ترى أن في الأمة من جوانب الوحدة الشيء الكثير الذي يحتاج إلى من يفعله ويستثمره لتحقيق الصالح العام؛ فالأمة وإن افترقت سياسياً فلا زالت عقيدة الولاء حية في نفوس الكثير من أبنائها، يؤلمهم كل مصاب يحل ببعضهم، ويؤمنون أن هناك مصالح مشتركة تؤلف بينهم. لكنها في الوقت نفسه ترى الافتراق الواقع في الأمة حقيقة لا تنكرها كراهة له، بل تتعاطى معه بطريقة عملية تخفف من سوئه؛ لأنها تؤمن أن هناك كبير فرق بين ما تحب أن يكون وبين ما هو كائن حقيقة. ترى في الفرقة مرضاً طارئاً على جسد الأمة يجب علاجه حتى تتعافى منه، وأولى مراحل العلاج الإقرار بوجود المرض؛ فلا تكلف الأمة حال مرضها بما لا تطيق؛ فالإسلام جعل للمريض رُخَصاً لا يقبلها من الصحيح المعافى. فهي تدرك خصوصيات البلاد الإسلامية واختلاف الأولويات فيما بينها وتنوع المشكلات التي ينبغي أن يكون علاج الكثير منها بأيدي أهلها، ولكنها تعلم أن هناك ثوابت من مصالح الأمة ينبغي ألا تُمَسَّ باسم الخصوصيات الضيقة، ولا أن يُتلاعَب بها تحت شعار المصالح الخاصة. ولكن هذه الوسطية لم تسلم من الدَّخَن، من أناس يتزيون بزيها وهم كلابسي ثوبَيْ زور، يريدون غنمها، ويتبرؤون من غرمها. يعتذرون بالفرقة وأن لكل بلد خصوصيته، أو أنهم لا يرغبون في التدخل في شؤون الآخرين عندما يطالبهم إخوانهم بالنصرة وأداء واجابهم نحوهم، ولكن إن أصابتهم قارعة أو حلت بديارهم مصيبة علا هديرهم مطالباً الأمة بحقوق الأخوة، وتذكروا حين ذاك أن الافتراق صنيعة الاستعمار. يختزلون مصالح الأمة في ذواتهم؛ فهم الأمة، والأمة هم؛ فعدوهم هو عدو الأمة التي ينبغي أن تُرْخِصَ كل غال في منازلته، وصديقهم الذي يرجون نفعه هو الصديق الذي يجب على الأمة أن تتناسى عداوته وأن تمسح عن يده القذرة آثار الدم لتقبلها. فلا أحد يملك الحديث نيابة عن الأمة إلا هم؛ فإذا رأوا من أحد منافسة لهم على صعود هذا المنبر دوَّى صخبُهم: مَنْ خوَّله الحديث نيابة عن الأمة؟ وهم وحدهم من يقدِّر مصالح الأمة ويصون كيانها من الاستلاب، وغيرهم إن تحدث فهو جاهل لا يدرك تقدير هذه المصالح أو أحمق يشوه صورة الأمة عند الآخر. فلا تعجب عندما تقرأ لكاتب يُصَنَّف أنه إسلامي حين يطالب شعب الشيشان أن يقبل بالاحتلال الروسي لبلاده ويغض طرفه عن فداحة الدمار الذي حل بأرضه والإبادة التي نالت أهله؛ والتبرير الذي يقدمه الكاتب سبباً لمقترحه هذا أن عداوة الأمة ليست مع الروس وإنما مع الغرب. بل لعلك واجد من يتباكى على مصالح الأمة التي ضُيِّعت والخسارة التي نالتها؛ فإذا نقَّبت عن هذه المصالح المضاعة وجدتها مدرسة يملكها قد أُغلقت، أو صحيفة قد ضُيِّق عليها، فيطالب الأمة أن تتنازل عن حقوقها صيانة لممتلكاته. مثلهم كمثل رجل رأى أخاً له يهرب من أسد يطارده فيطالبه بالاستسلام والتضحية بنفسه كيما تسلم حظيرة أغنامه. أو كرجل رأى الناس أقبلت لتطفئ ناراً قد اشتعلت في بيت جاره وهو يسمع صراخ النساء والأطفال والحريق يلتهمهم وليس للناس طريق إليهم إلا من خلال زرعه؛ ثم هو ينهاهم عن المرور صيانة لهذا الزرع من الفساد؛ لأنه وَقْفٌ على أيتام. هذه حالهم يريدون للأمة الافتراق والاجتماع معاً حسب مصالحهم التي يغلِّفونها تارة باسم الدين، وتارة أخرى باسم العمل الإسلامي، فيتعامون عن مصائب إخوانهم، ويشقُّ عنانَ السماء صراخُهم عندما يُشاكون بشوكة.

стр. 5356

٢١٥ - رجب - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5357

لِنَعْتَدِ العملَ في أجواءِ التحامل ! جُبِلَتْ مجتمعاتنا الإسلامية على احترام من يدعوها إلى ربها، ويبصِّرها بأمر دينها، حتى صار المتطاول بباطل على أحد منهم منبوذاً مردوداً عليه من عامة أفراد المجتمع؛ فكيف بخاصته؟ وفي زماننا هذا ـ الذي كثر فيه حزب الشيطان، وعظم تواصي أبناء هذا الحزب على إزهاق الحق وتشويه حَمَلَته ـ تنامت ظاهرة تجريح علماء الإسلام والتحامل الجريء على أطروحات دعاته بصورة قد يوصلها في المنظور القريب إلى حد المشكلة إن لم تتنامَ إلى مرحلة الأزمة. ومن كثرة الطَّرْق وشدته عبر وسائل الإعلام وتقنيات الاتصال المتعددة صار يمارس ذلك النقد المتحامل فئات من أبناء المجتمع ـ الذين لا يشك في صدق تدينهم بل وحتى في صحة الباعث لديهم ـ تضخيماً منهم لأخطاء واقعة في صفوف الدعاة من جهة، ولتأثرهم بشبهات حزب الشيطان وأصواتهم العالية من جهة ثانية. والمهم ليس ما يفعله أعداء الإسلام وطلائعهم من أبناء جلدتنا؛ إذ إن طبيعة الصراع وغياب البعد الأخلاقي لدى عامتهم تجعل ذلك هو المتوقع منهم، بل المهم هو: مدى قدرتنا على تجاوز ذلك التجريح والنقد المتحامل والتفريق بينه وبين النقد الموضوعي، ومدى قدرتنا على إدارة ذواتنا، والتركيز على التوجه نحو أهدافنا بعزيمة وإصرار دائبين دون الشعور بإحباطٍ أو انشغال بردّات فعلٍ تُفرح (الآخر) وتجعله يستعر في حملته. إن طبيعة المرحلة التي نمر بها تحتم على أهل العلم والدعوة التواصي بالصبر، والتنازل عن كثير من حقوق النفس في ذات الله والتدرب على امتلاك مهارات الحوار، وتحمُّل النقد الجائر والتجريح المتعمد بصورة تحول دون تحقيق مآرب (الآخر) ، وتمكن في الوقت ذاته من تفهُّمه وتقبُّل ما لديه من حق؛ إذ إن الحكمة ضالة المؤمن وحيثما وجدها أخذها؛ فهو أحق بها. ولنا في إعراض الرسول الخاتم ﷺ عن سفاهات قومه وسبابهم المقذع، واشتغاله بتبليغ ما أنزل إليه من ربه عظيم الأسوة. وهذا بكل تأكيد لا يتنافى مع الحاجة إلى الاحتساب على بعض رموز تلك الحملة المغرضة من قِبَل بعض الغيورين القادرين على ذلك، لكن بشرط أن يتم ذلك بصورة لا إغراق فيها ولا تضخيم. اللهم ألهمنا رشدنا، واحفظ علينا ديننا، ووفقنا إلى ما يرضيك عنا، إنك الرحمن الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 5358

رحيل القادة د. عادل بن محمد السليم رئيس مجلس إدارة مجلة البيان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين.. وبعد: فإن للموت هيبة عظيمة في نفوس المؤمنين، وهو سُنَّة من سنن الله ـ تعالى ـ في خلقه جميعاً، تدل أبلغ الدلالة على عظمة الله الحي الذي لا يموت، . قال الله ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] ، وقال ـ تعالى ـ في محكم التنزيل: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلاَّ بِإذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وكلنا سائر في هذا الطريق عاجلاً أم آجلاً، كبيرنا وصغيرنا، أميرنا ومأمورنا، رجالنا ونساؤنا، وكما قال الشاعر: للموت فينا سهام جدُّ صائبةٍ من فاته اليوم سهم لم يفته غدا وقال الآخر: كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمولُ وموت عظماء الأرض ـ خصوصاً ـ يملأ القلب وجلاً ومهابة وخشية فإن «للموت فزع» ، لما ثبت في صحيح مسلم (١) ، فسبحان من بيده مقاليد الأمور! وسبحان من بيده ملكوت السماوات والأرض! ولقد كان رحيل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود ﵀ حدثاً كبيراً، ومؤثراً جداً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، لما للفقيد وللمملكة العربية السعودية من منزلة كبيرة في قلوب المسلمين، وإنَّ لله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى. تحدث الكثيرون عن مآثر الملك الفقيد، وخصصت الجرائد اليومية والإذاعات والقنوات الفضائية حيزاً كبيراً لاستعراضها والتذكير بها، وحسبي هنا أن أذكِّر بإنجازين اثنين على رأس تلك الإنجازات: الأول: العناية بطباعة المصحف الشريف؛ وذلك بإنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة. ويعد هذا المشروع نقلة نوعية رائدة في ضبط طباعة المصحف وحفظه ونشره، حيث استقطب المشروع مجموعة من كبار القرَّاء وعلماء القراءات، ليصبح أكبر صرح لطباعة القرآن الكريم في العالم، وكان من ثمراته طباعة أكثر من (٢٠٠.٠٠٠.٠٠٠) نسخة انتشرت في مختلف آفاق العالم. كما اعتنى المشروع بالترجمات التفسيرية للقرآن الكريم التي بلغت أكثر من (٣٠) ترجمة لمعاني القرآن الكريم، وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمجمع حوالي (عشرة ملايين) نسخة سنوياً، منها مليون نسخة لترجمة تفاسير القرآن الكريم. الثاني: خدمة الحجيج والعناية بعمارة الحرمين الشريفين ورعايتهما، وتسهيل السبيل أمام العُمَّار والحجاج من جميع أنحاء العالم. ويعد مشروع توسعة الحرمين الشريفين من أهم المشاريع التي أُنجزت؛ حيث بلغت المساحة الإجمالية لمسطحات التوسعة في المسجد الحرام (٧٦.٠٠٠م٢) لتصبح المساحة الإجمالية للمسجد الحرام كاملاً (٣٢٨.٠٠٠ م٢) مع العناية الفائقة بتسهيل الحركة والانتقال داخل أروقة المسجد وخارجه. أما المسجد النبوي الشريف فقد بلغت المساحة الإجمالية لتوسعته (٨٢.٠٠٠ م٢) وسوف يتم الاستفادة من سطح التوسعة بمساحة قدرها (٦٧.٠٠٠م٢) . هذا بالإضافة إلى توسعة المنطقة المحيطة بالمسجد النبوي الشريف، وتجهيزها بكافة المرافق والتسهيلات التي يحتاجها المسلمون. أما مسجد قباء فحظي بأكبر توسعة حيث كانت مساحته (١٣٥٢م٢) وأصبحت بعد التوسعة (٧٤٦٥م٢) بزيادة قدرها ٥٥٠% تقريباً. إنَّ خدمة الحجيج وتعظيم بيوت الله وإعادة مجدها ووظيفتها في الأمة من أعظم الواجبات وأجل الحرمات التي يجب أن تتضافر حولها الجهود، وتوفر لها الإمكانات المادية والتقنية والبشرية. إنَّ لهذا البلد المبارك (المملكة العربية السعودية) خصوصية تميزه عن سائر البلدان؛ فهو يحتضن أشرف بقعتين على وجه البسيطة: مكة المكرمة، والمدينة المنورة؛ فهما أرض النبوة، وفيهما تعلقت أفئدة المسلمين بمختلف أعراقهم وألوانهم في شرق الأرض ومغربها، وقدر هذه الجزيرة أن تكون إسلامية؛ ليس ذلك فحسب، بل أن تكون حامية لحمى الإسلام، رافعة لراية التوحيد، وقد بذرت البذور الأولى لهذه النبتة الشامخة منذ التأسيس الأول والتلاحم الأمثل الذي أصَّله الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب ـ رحمهما الله تعالى ـ حيث تعاهدا على تطبيق الشريعة الإسلامية، وسياسة الناس بكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، تحقيقاً لقول الله : ﴿إنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] . ومنذ ذلك الحين انطلقت الدعوة السلفية التجديدية المباركة من هذه البلاد إلى أرجاء المعمورة. وفي العصر الحديث ساهمت المملكة العربية السعودية في دعم مسيرة الدعوة عبر بناء المساجد والمراكز الإسلامية، ونصرة قضايا المسلمين في فلسطين والبوسنة والهرسك وغيرها. واختيار الملك فهد بن عبد العزيز ﵀ للقب خادم الحرمين الشريفين تأكيد لهذه الخصوصية، وترسيخ للتلاحم الوثيق الذي يجب أن يكون بين الدين والدولة في هذا البلد. كما أن اختيار الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ رعاه الله ـ لهذا اللقب أيضاً استمرار لهذا التأكيد وإلجام لمن يدفعون بهذا البلد العزيز بعيداً عن هوية الأمة وثوابتها العقدية، ويريدون إلباسها لباس الشرق تارة، ولباس الغرب تارة أخرى. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥١ - ١٥٢] . وعندما تولى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ رعاه الله ـ مُلك المملكة العربية السعودية أكد ذلك في كلمته الأولى للشعب عندما قال: «أعاهد الله ثم أعاهدكم أن أتخذ القرآن دستوراً والإسلام منهجاً» وهذا ما نحسبه ـ بإذن الله ـ الطريق الأقوم لتعزيز التعاون الوثيق بين مختلف فئات الشعب ولحماية راية الأمة، وعقيدتها، وتنميتها علمياً وحضارياً، لتكون شامة شامخة بين الأمم، خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي تكاثرت فيها الفتن، واستهدفت الأمة بأعز ما تملك، وأجلب عليها أهل الأهواء بخيلهم ورجلهم، والله نسأل أن يحفظ لبلدنا تماسكه وأمنه ورخاءه، وأن يعز دينه وينصر أولياءه. وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 5359

الحكم على المسلم محمد بن عبد الله السحيم خلق الله الإنسان ظلوماًَ جهولاً، ونوّر بصيرة من شاء بالعلم والعدل، وقضى عليهم بسنته أن يخالط بعضهم بعضاً؛ تسخيراً لهم، وابتلى بعضهم ببعض، ليمتحن صبرهم ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] ؛ فأضحى ميزان القسط الضابط لعلاقتهم مطلباً ملحّاً؛ ليسلم المرء من ظلمه وجهله. هذا، وإن من أبرز معالم ذلكم الميزان مَعْلَم الحكم على الآخر، فرداً كان أو جماعة؛ إذ به يُعْطِي المرء ما عليه من الحق، ولا يُمنع مما يستحق. وفي هذا المقال سأتناول ما يخص الحكم على المسلم فرداً أو جماعة، سالكاً درب الاختصار، ومتطفلاً على موائد أهل العلم الأخيار، سائلاً ربي المعونة والادِّكار. وقد انتظم عقد المقال في ثلاث مسائل وخاتمة، بيانها التالي: - المسألة الأولى: خطورة الحكم على الآخرين: تكمن خلف الحكم على الآخر مخاطر عدة، تجعل المرء يستأني في الإقدام عليه، ويتوخى الحذر منه، وذلك لمخالفته الأصول العظيمة المراعاة في الشريعة، وخاصة في أحكام الثلب. فمن هذه الأصول: ١ - أن الأصل في دم وعرض المسلم العصمة إلا ما استثناه الدليل؛ كما قال ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله» (١) . ٢ - أن الأصل في المسلم السلامة، ولا محيد عن هذا الأصل إلا بدليل. ٣ - أن الأصل عدم صدور الأفعال والأقوال ـ مناط الحكم ـ من الأشخاص إلا إن ثبت بالدليل خلافه. ولا بد في مخالفة هذه الأصول من معارض راجح يسوغ الكلام في المحكوم عليه. ومما يزيد في خطورة الأمر أنه متعلق بحق آدمي، وحقه مبني على المشاحَّة، ولا يسقط إلا بالاستيفاء أو المسامحة، إضافة إلى ورود نصوص زاجرة محذرة من إيذاء المسلم ورميه بما هو بريء منه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] «ولهذا كان سب آحاد المؤمنين موجباً للتعزير، بحسب حالته وعلو مرتبته؛ فتعزير من سب الصحابة أبلغ، وتعزير من سب العلماء وأهل الدين أعظم من غيرهم» (٢) ، وقال ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٣) . وقال ﷺ : «لا يرمي رجل رجلاً بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك» (٤) ، وقال: «إن أربَى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه» (٥) . قال ابن دقيق العيد: «أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف عليها المحدثون والحكام» (٦) . ويزداد الأمر خطورة بمآلاته ـ خاصة إن صدر من مُتَّبَع ـ فكم من آصرة قُطعت، ومشاريع عطلت، ودماء سفكت، وخيرات ذهبت، وصفوف تخلخلت، وقيادات هُمشت، ورويبضة سودت، وفتن أوقظت، وأعداء سلطت! إلى غيرها من المصائب الناجمة عن هذه الأحكام العوراء. فإذا كان الأمر مُكتنَفاً بهذه المخاطر؛ وجب على المرء ألا يُقْدِمَ عليه إلا بمسوِّغ شرعي مضبوط بشروط الحكم وهو ما سنتناوله في المسألة الثانية. - المسألة الثانية: شروط الحكم على المسلم: لا بد من معرفة شروط الحكم ليقام على أساس صحيح؛ فإن اختل منها شرط اختل الحكم. والشروط خمسة، بيانها ما يلي: ١ - التجرُّد والإخلاص: وهو من أبرز أسباب التوفيق، بل هو أساسه، وسبيل تحصيل الثواب؛ فلو أصاب الحكم بلا نية فلا ثواب له (١) ؛ وعليه فليكن القصد موافقة الحق من إصابته ابتغاء مرضاة الله؛ وطلب ثوابه؛ لا نفوذ فيه لهوى أو سمعة أو رياء. فإن قلت: ما السبيل للتجرد؟ وما منهجية تطبيقه؟ فالجواب ـ كما قال ابن القيم ـ: «فإذا أردت الاطلاع على كُنه المعني: هل هو حق أو باطل؛ فجرده من لباس العبارة، وجرد قلبك عن النفرة والميل، ثم أعطِ النظر حقه ناظراً بعين الإنصاف ... » (٢) . هكذا يكون التجرد، ويسلم الأساس الأول؛ فإذا تحقق أتى الشرط الثاني. ٢ - وجود المسوّغ: فإن انعدم المسوغ ـ وهو الأصل إلا إذا عورض براجح ـ كان خوضاً فيما لا يعني. قال رسول الله ﷺ : «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٣) ، وإن كان الكلام بالقدح؛ صار ولوغاً في الحرام ووقوعاً في الآثام؛ فإن استوى وجود المسوغ وعدمه، فالأصل انتفاء الحاجة؛ والسلامة لا يعدلها شيء. وضابط الحاجة: أن تتعلق العناية بهذا الأمر بحكم الشارع، لا بالهوى وطلب النفس (٤) . قال الحسن: «من علامة إعراض الله - تعالى - عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه» (٥) ، وقال سهل التستري: «من تكلم فيما لا يعنيه؛ حُرِم الصدق» (٦) ، وقال معروف: «كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله، ؛ ولا أدل على هذا الخذلان من ضياع أوقات وقدرات وفرص ومكاسب من ابتلي بالكلام في الناس بلا حاجة (٧) . والله المستعان. ٣ - العلم: وله شقان (٨) : أ - العلم بالواقع: والمراد به: العلم بصدور مناط الأحكام، وهي الأفعال والأقوال، ممن يحكم عليه؛ إذ الميزان هي الأفعال والأقوال. ويقوم هذا العلم على أسس لا بد من سلامتها لسلامة النتيجة، وهي ما يلي: (١) التأني والتثبت: والعمدة في ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] ، قال الحسن: «المؤمن وقَّاف حتى يتبين» ؛ فلا تَحِدْ عن هذا الأصل، خاصة في هذا الزمن الذي تعددت فيه قنوات المعلومة، وكثرت فيها الشائعات، وعم الفسق كثيرها، وطمَّت جهالةُ الحال أكثر نقالها؛ فوجب التثبت، حتى تدل الدلائل والقرائن على صدقها، وإلا ردت (٩) ، فإن ثبتت المعلومة بقي معرفة بساط حالها. (٢) معرفة بساط الحال: وهي معرفة ظروف وملابسات الفعل والقول: ممن صدر؟ ولماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ فلربما أفاد القول أو الفعل بملابساته معنى غير المعنى المجرد عن معرفة الحال. ومن الأمثلة على ذلك كلام الأقران في بعضهم، والتفريق بين حال الإلزام والمناظرة وبين التقرير، والإكراه والاختيار، والعلم والجهل، وهكذا حال تغير الأعراف؛ إلى غير ذلك من العوامل المؤثرة المعتبرة. (٣) الحمل على أحسن المحامل: قال سعيد بن المسيب: «كتب إليّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله ﷺ : «أن ضع أخاك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً» (١٠) . هذا هو منهج الشرع الذي أرشد الله إليه بقوله: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] ، وقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، كل هذا ليعيش المسلمون في وئام ونقاء؛ إذ أغلب الأمور ظنون، والشيطان متربص، والنفوس مجبولة على الضعف. ب - العلم بحكم الشرع المطابق للواقعة: فلا بد لكل نازلة من حكم في ساح الشرع متوافر الشروط، سالم من الموانع؛ كالتفسيق، والتبديع، والتكفير، والكفارات، والتوبة، والقضاء، والاستيفاء؛ فإن لاح الحكم للناظر، وإلا فلا يحل له أن يحكم، بل يسأل أهل العلم بعد ذكر الواقعة وافية دون وكس أو شطط. ٤ - العدل: وهو ميزان القسط الذي أمر الله ـ سبحانه ـ به. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ، وللعدل في الحكم على المسلم علائم يجب ألا تُغفَل، منها: ١ - الموازنة بيد الإيجابيات والسلبيات: كما هو ميزان العدل؛ إذ من الظلم المقيت نسف جهود أشخاص وجماعات بأخطاء ما وزنت بإزائها، ولم يرجح بينها، كما قال محمد بن سيرين: «ظلمٌ لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما رأيت وتكتم خيره» (١) ؛ فالعبرة بالكثرة، ولا يعني هذا إقرار الخطأ؛ فالخطأ يصوّب وإن عُذِرَ فاعله، كما صوّب النبي ﷺ خطأ الأعرابي الذي بال في المسجد، مع أنه قد عذره ولم يعاقبه، بل أنكر على من همّ بمعاقبته (٢) . ٢ - ترك المبالغة في الثناء والثلب: بل يُعطَى الحكم حجمه بلا تهويل أو تهوين؛ إذ ربما راج حكم خطل ببريق عبارة، وتحسين إشارة. ٣ - جمع النصوص والأحوال: كما هو المنهج المعتمد في أحكام الشرع؛ فرب إطلاق قد قُيّد، أو إجمال قد بُيّن، أو تعميم قد خصص، أو مفهوم قد رده منطوق، أو اعتراه نسخ. وهذا المَعْلَم من أبرز دلائل إنصاف الحاكم. ٤ - خطأ الفرد لا ينسب للجماعة: فمن الظلم اطِّراح جهود جماعة وتسفيه رؤاها بخطأ بعض أفرادها؛ إذ الأصل أن الفرد في تصرفه لا يمثل إلا نفسه ما لم يدل الدليل على غيره، «ولأجل هذا لا يصلح أن ننتقد جماعة لخطأ وقع فيه بعض من ينتمي إليها، حتى ولو كان هذا الخطأ صدر عن رئيسها؛ إذ ليست كل أقواله وأفعاله تنسب إلى الجماعة وتتحمل تبعتها، وإن من يعيب جماعة من الجماعات الإسلامية لخطأ بعض أفرادها، فمثله كمثل من يعيب الإسلام جهلاً وظلماً؛ ألسنا نقول للناس: لا تنظروا إلى الأفراد، ولكن انظروا إلى الإسلام بصفته وحياً في القرآن والسُّنة، وعندها ستجدونه شرعاً فريداً» (٣) . هذه خلاصة الشروط، وهي ترجع إلى أصل العلم والعدل. قال شيخ الإسلام: «والكلام في الناس لا بد أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، كحال أهل البدع» (٤) . - المسألة الثالثة: أمور ينبغي مراعاتها في الحكم: إن استكمل المناظر شروط الحكم، ولاحت له علاماته، بقي عليه أن يجيل نظره في أمور لا غنى عنها لسلامة حكمه، وهي كما يلي: ١ - اعتبار المآل: فالأحكام لها متعلقات ومآلات، «والنظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً» (٥) ، ودور ذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة» (٦) . ٢ - الاستشارة: وهي من الفقه العظيم، ذات الأثر الخيري الجسيم، ولذلك أمر الله نبيه بها، فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . قال الأحنف: «اضربوا الرأي بعضه ببعض يتولد منه الصواب» (٧) ، وكان يقال: «بإحالة الفكرة يبتدر الرأي المصيب» (٨) ، وقال عمرو بن العاص ﵁: «ما نزلت بي قط عظيمة فأبرمتها حتى أشاور عشرة من قريش مرتين؛ فإن أصبت كان لي الحظ دونهم، وإن أخطأت لم أرجع على نفسي بلائمة» (٩) ، وحسبك بأعراض المسلمين عظيمة؛ وتزداد التبعة إن عظم المتعلق. ٣ - احذر أن تصاب بوهم (الحق معي) : لأن الحكم ظني غالياً؛ فالمعلومات يشوبها ما يشوبها، وهكذا النية والنظر؛ فاجعل للرأي الآخر مكاناً عندك، كما قال الأحنف: «اضربوا الرأي بعضه ببعض يتولد منه الصواب، وتجنبوا منه شدة الحزم، واتهموا عقولكم؛ فإن فيها نتائج الخطأ، وذم العاقبة» (١٠) . ٤ - عفة اللسان: فـ «من لوازم الورع: أن يكون الناقد عفيف اللسان، يكسو ألفاظه بأحسن الأدب، ويختار أدلها على المقصود بألطف عبارة، ويربأ بنفسه عن الفظاظة والغلظة، ووضيع الكلام؛ فما كان رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً ولا بالبذيء» (١١) . قال المزني: «سمعني الشافعي يوماً وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: يا إبراهيم! اكسُ ألفاظك! أحْسِنْها! لا تقل: كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء» (١٢) . هذا؛ وإن لعفة اللسان أثراً في قبول الحق، والرجوع إليه، وإصلاح الزلل، فقديماً قيل: «قبل أن تُغضب أحداً فليسمع منك!» ، وخاصة أن المقصود حاصل بالكلام العف. هذا منهج الشرع، وهو الأصل إلا لمعارض راجح، وإن شك فيه؛ فالأصل عدمه، واليقين لا يزول بالشك. وبعد أيها الحبيب: فالموضع كما رأيت مزلة قدم؛ أنت محفوف فيه بين الغيبة، وحقوق الآدميين، والنفس الظلومة الجهولة، والتجرد عزيز، والعاقبة وخيمة؛ فحذارِ حذارِ أن تريق حسناتك بفلتات لسانك؛ فإن الطالب شحيح، والشهود الأعضاء، والحَكَم العليم الخبير. رزقنا الله ـ سبحانه ـ الفقه في دينه، وثبتنا عليه، والله أعلم.

стр. 5360

تناقل الصور الإباحية.. خطر ماحق ومعصية جارية إبراهيم بن محمد الحقيل من نعمة الله ﵎ على عباده في هذا العصر ما سخر لهم من التقنيات النافعة، وخاصة في مجالات الاتصال؛ إذ صار الواحد من الناس يحمل في جيبه أجهزة في حجم الكف يختزن الواحد منها ما لا يحصى من المحفوظات، ويلتقط صوراً كثيرة ثابتة ومتحركة، وفيه من النفع ما يعز على الحصر؛ ولكن إذا أسيء استخدامها فإن أضراها بليغة، وعواقبها وخيمة؛ إذ بها تكشف العورات، ويهتك ستر العفيفات، وتشاع الفواحش والمنكرات، وبواسطتها ينشر أهل الفساد فسادهم، ويحققون أهدافهم وأغراضهم، ويصلون إلى أهل البيوت في بيوتهم. وكم من امرأة عفيفة طُعنت في عفافها من صديقة أو زميلة نشرت صورتها على ملأ من الناس؟ وكم من أسرة مجتمعة فرقتها صورة أشيعت هنا وهناك؟ حمى الله نساءنا ونساء المسلمين من كل خزي وفضيحة. إن فئاماً من شباب المسلمين قد ركبوا سُنَّة من كان قبلهم من الكفرة والمنافقين والمُجَّان الفاسقين؛ وذلك بالاستهانة بالمشاهد الخليعة، والصور القبيحة، ولم يكتف أكثرهم بحفظها والنظر إليها مع ما في ذلك من إسخاط الرب ﷻ وقتل الغيرة والمروءة، بل راح كثير منهم يشيعونها في المسلمين، ويتناقلونها مع أصحابهم وأقرانهم، ويهدونها إلى من يعرفون ومن لا يعرفون؛ ولا يدركون مغبة ما يفعلون. - الداعي لكتابة هذا الموضوع: منذ أن ظهرت الجوالات المصوِّرة صوراً ثابتة ومتحركة وخدمة (البلوتوث) ونحن نسمع الفضائح تلو الفضائح، وطالب أناس كثيرون بمنعها، وعارضهم آخرون، وأضحى كثير من النساء يتحرجن من الذهاب إلي المجمَّعات النسائية كحفلات الأعراس وغيرها خوفاً من التقاط صورهن، ومن ثم خراب بيوتهن، وهدم أسرهن. ثم تطور هذا الموضوع بتخزين مواد إباحية (صوراً وأفلاماً جنسية غربية أو فضائح لممثلات ومغنيات عربيات) وصار الشباب يتناقلونها بشكل دائم، وإذا التقى أحدهم بزميله أو قريبه لا همَّ له إلا أن يطلعه على ما عنده من جديد في جواله ليأخذه منه، ثم يهديه إلى آخرين في سلسلة لا تنتهي من نشر الفاحشة في المجتمع. علمت بعد ذلك أن مواقع جنسية عربية صارت متخصصة في هذا الإثم المبين، وتهوِّن وقعه على مرتاديها بحيل شيطانية لتصطاد أكبر عدد من الشباب المسلم ولا سيما المراهقين، وزاد من سوء هذه المواقع الخبيثة أنها أتاحت فرصة الاتصال بين مرتاديها؛ ليتبادلوا ما شاؤوا من صور وأفلام جنسية عن طريق البريد الإلكتروني، ثم فتحت صفحات معلنة مجانية للقصص والمغامرات الجنسية المكتوبة على غرار المجلات الجنسية في البلاد المنحلة، وصار كثير من الشباب يرتادها ليقرؤوا ما فيها من إثارة، وبعضهم يكتب قصته الجنسية مع زميلته أو قريبته أو بنت الجيران، إلى جانب قصص أخرى تكتب على ألسن فتيات يحكين مغامراتهن في عالم الجنس المحرم؛ والله أعلم بحقيقة من يكتبونها. وكثير من القصص الموجودة في هذه المواقع لا تخلو من مغامرات جنسية مع المحارم كالأخت والخالة والعمة، بل والبنت والأم، وقصص أخرى تحكي ممارسات جماعية للجنس بين المحارم في البيت الواحد، مما لا تتقبله الخنازير من الحيوان فضلاً عمن كُرِّموا بالعقل، وشُرِّفوا بالعبودية لله رب العالمين. وهذه (الموضة) من القصص الجنسية المكتوبة بدأت تغزو الهواتف المحمولة الجوالة، ويتداولها الشباب مكتوبة، وخطورتها إن لم تكن أعظم من الصور والأفلام، فهي لا تقل عنها بحال؛ ذلك أن القارئ لها يتخيل أبطال القصة كما يشتهي، ويكيفهم في ذهنه على ما يريد؛ مما يجعلها أكثر إثارة ودفعاً إلى الحرام، وطامَّتها العظمى وبليتها الكبرى: أنها تلفت قارئها إلى محارمه وتهوِّن وقع النظر إليهن بشهوة، ومن أدمنها فلا يؤمَن على محارمه، كيف وقد يكون من محارمه النساء من يطلع على مثل هذه القصص في غيبة الرقابة الأسرية، فيجمع الشيطان بين الشرين في بيت واحد، ويكون خوف أهل البيت من مأمنه، وهتك ستره وحرمته من قِبَل حراسه. نسأل الله العصمة والسلامة لبيوتنا وبيوت المسلمين، وأن يستر على نسائنا ونسائهم، وأن يصلح أولادنا وأولادهم، آمين، آمين، آمين. - دعوة إلى كل مسلم غيور على حرمات الله تعالى: لما سبق عرضه ولتفاقُم هذا الأمر المخزي بين الناس وخاصة من يعيشون عنفوان الشباب وقوته، وسني المراهقة وتقلباتها من فتيان وفتيات؛ رأيت أن هذا الأمر يجب أن يتداعى له الغيورون على حرمات الله ـ تعالى ـ ومحارم إخوانهم المسلمين؛ تذكيراً بمخاطره، وبياناً لأضراره، ومشاركة في علاجه؛ لئلا يجتاح البيوت كلها؛ وحينها لا يأمن المسلم الشر ولو تحصن ببيته، وأغلق عليه بابه؛ فهذه الشرور لا تلج من الأبواب، ولا تعيقها الحدود والأسوار، ولا مفزع منها إلا إلى الله ـ تعالى ـ سؤالاً ودعاء بأن يحفظنا والمسلمين أجمعين، مع زرع الحصانة الإيمانية في قلوب أبنائنا وبناتنا وأولادالمسلمين، بالكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، وزجرهم بقوارع الكتاب والسنة، مع ترغيب من تلوَّث بشيء من هذه القاذورات، وتذكيره بالتوبة التي تجبُّ ما كان قبلها. وإنني أدعو كل صاحب قلم ولسان، ومنبر وبيان، من العلماء والدعاة والخطباء والكتاب في الصحف والمجلات، والمدرسين والمدرسات، أن يقوموا بحملة إصلاح لقلوب أبناء المسلمين وبناتهم، ومكافحة هذه الظاهرة الخبيثة؛ نصرة لدين الله تعالى، ومعذرة إليه، ودفعاً لعقوبته، وإغاظة لأهل الفساد والنفاق. كما أدعو المسؤولين وصناع القرار أن يفكروا في الوسيلة تلو الوسيلة؛ لتقليل هذا الشر المستطير، وحماية الشباب من الضياع والانحلال؛ فبضياعهم ضياع البلاد والعباد؛ وهم يعرفون أن تدمير الشباب وإغراقهم في الشهوات هدف استراتيجي لكل أمة تعادي الأخرى؛ وشباب الإسلام مستهدَف من القوى المستكبرة عن شرع الله ـ تعالى ـ كفاراً كانوا أم منافقين، والله المستعان في كل الأحوال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. - أضرار تناقل الصور الإباحية: لن أتطرق هنا للأضرار التي تنتج عن حيازة هذه الصور والأفلام على من يحوزها ويشاهدها وخاصة من أدمن عليها، وهي أضرار عظيمة: دينية، وأخلاقية، وصحية، ونفسية، وتعود بأضرار أخرى على كل مجتمع تنتشر فيه، ويكفي فيها قول النبي ﷺ : «فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام» (١) . بيد أن مقالتي هذه تتناول أضرار تناقل هذه الصور والأفلام والقصص الجنسية؛ إذ يحصل شاب عليها من زميله أو قريبه، أو تحصل عليها فتاة من زميلتها أو قريبتها، أو يحصلان عليها من المواقع الإباحية في الشبكة العالمية (الإنترنت) ، أو من جهاز جوال مماثل (البلوتوث) في سوق أو حفلة أو مقهى، أو أثناء الانتظار في مستشفى أو مطار أو عند إشارة مرور أو غير ذلك، فيقوم الشاب أو الفتاة بتخزين هذه المواد الجديدة في الجهاز، ومن ثم يقوم بإهدائها إلى الأصدقاء والصديقات، عن طريق نقلها على أجهزتهم؛ وأكثر من يفعلون ذلك من الشباب والفتيات ـ إن لم يكن كلهم ـ يرون أنهم عصوا الله بحيازة هذه المواد المحرمة، ولا يرون أن في ذلك كبير خطر لو أعطوها للغير، وأكثرهم مقتنع بأن حيازتها أعظم جرماً من إهدائها لغيرهم، بل قد يرى بعضهم أن لا إثم عليه في دفعها لغيره؛ لأنه هو من يطلبها وستصله عن طريقه أو طريق غيره؛ وهذا المفهوم الخاطئ عند من يتداولون هذه المواد المحرمة كان سبباً في انتشارها انتشار النار في الهشيم، وصاروا يدفعونها إلى من يعرفون ومن لا يعرفون، وربما تبرع بعضهم بإنزالها في الإنترنت وأعلن عنها في كثير من المواقع؛ ليتلقفها عنه بشر لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى. إنني أفهم أن تدفع الغريزة الجنسية وحب الاستطلاع، بعض الفتيان والفتيات إلى حيازة هذه المشاهد الإباحية وحفظها، والاستمتاع بها، ولست أقلل من مخاطر ذلك الدينية والنفسية والأخلاقية على من يشاهدها؛ بل هي إثم وذنب، ودرك سحيق من المعصية قد ينزل بصاحبه إلى كبائر الذنوب، ويدفعه إلى الوقوع في الموبقات التي توبق صاحبها؛ لكن الجرم الأعظم، والإثم الأكبر: أن يتولى من حازها وحفظها في جهازه توزيعها يمنة ويسرة، دون دافع لذلك سوى الاستهانة بهذا الإثم المبين، وعدم إدراكه لمفاسد ذلك. - المفاسد المترتبة على تناقل الصور الإباحية: والمفاسد المترتبة على هذا العمل القبيح عديدة، أهمها ثلاث مفاسد كبرى تكفي إحداها لرد من فعل ذلك عن غيه، وإعادته إلى رشده، ولأن كثيراً ممن يقارف هذا المنكر لا يدرك عواقبه، ولا يعي مخاطره عليه هو قِبَل الناس والمجتمع، وعلى من أهدى إليه هذه المواد المحرمة؛ فإنني سأذكر المفاسد الثلاث لتناقل هذه الصور أو الأفلام أو القصص الجنسية، مع ذكر الأدلة التي تبين حجم هذا الضرر: المفسدة الأولى: أن من أرسل الصور أو الأفلام أو القصص الجنسية إلى غيره فإنه يبوء بإثم صاحبه مع إثمه من غير أن ينقص من إثم من أُرسلت إليه شيء، ومن أدلة ذلك: ١ - قول الله : ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] . وهذه المواد الإباحية من أعظم الضلال، ومن أرسلها إلى غيره فهو يضله، ويدعوه لمشاهدة المحرم، ويعينه عليه؛ بل يدفعه إليه دفعاً، وقد ينتج عن ذلك: وقوعه في الزنى أو عمل قوم لوط أو الاغتصاب أو الوقوع على ذات محرم، نسأل الله السلامة والعصمة. ولا يمكن لأحد من الناس أن يقول إنها ليست من الضلال، وأن دفعها للغير ليس إضلالاً له؛ حتى لو كان عند المرسلة إليه مواد غيرها؛ فما يرسل إليه يزيده إضلالاً إلى ضلاله، ومعصية إلى معصيته، لا يختلف في ذلك مسلمان، ولا يجادل فيه مجادل. بل إن كثيراً من الدول الكافرة التي تستبيح المحرمات، وتقر الزنى والشذوذ ونكاح المحارم؛ لا تسمح بتداول هذه المواد الجنسية إلا وفق ضوبط يضعونها، وأنظمة يشرعونها. وإذا تقرر أنها من الضلال؛ فالذي ينشرها فهو ناشر للضلال، وإذا أهداها الشاب لزميله فهو يضله، وكذلك الفتاة إذا أرسلتها لصديقتها فهي تضلها، وكلاهما يحمل أوزار من أُرسلت إليهم عن طريقهما؛ كما هو نص الآية. قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: «أي: يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم» (١) . ٢ - قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] . قال مجاهد ـ رحمه الله تعالى ـ: «يحملون ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئاً» (٢) . ٣ - قول الله : ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] ، قال ابن مسعود ﵁ في معناها: «ما قدَّمتْ من سُنَّة صالحة يعمل بها من بعده فله أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، وما أخرت من سُنة سيئة يعمل بها بعده؛ فإن عليه مثل وزر من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً» (٣) . ٤ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» (٤) . ٥ - حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سن سنة خير فاتُّبِع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة شر فاتبع عليها كان عليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئاً» (٥) . قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: «من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه» (٦) . فدلت هذه الآيات والأحاديث على أن من هدى غيره إلى ضلالة فهو يحمل وزره مع وزره؛ ومن أهدى غيره صورة أو أفلاماً أو قصة جنسية فهو كذلك؛ وبحسب أعداد من أعطاهم هذه المواد المحرمة، وهم أعطوها غيرهم ما أعطاهم يحمل من أوزار، بحيث تصير أعدادهم بعد مدة أعداداً كبيرة جداً، تزيد ولا تنقص بسبب التطور الهائل في وسائل الاتصال وتبادل المواد بالهواتف الجوالة أو الإنترنت. والعاقل تكفيه ذنوبه؛ فكيف يرضى بحمل أوزار الآخرين، وبأعداد مهولة تزيد بتقدم الأيام؟ وقد يأخذ الفيلم من الشاب أو من الفتاة من يقع بسببه في الزنى، أو على ذات محرم، أو يفعل فاحشة قوم لوط، وما أغواه إلا صاحبه في حال ضعف وغفلة، وغلبة شهوة، وتسلط الشيطان الرجيم وجنده. ولو لم يكن في تبادل هذه المواد المحرمة إلا هذه المفسدة لكانت كافية في امتناع كل من عنده ذرة من إيمان وعقل عن إعطائها لغيره مهما كان قريباً إليه، عزيزاً عليه. ولو نقلت هذه الحقيقة المرعبة إلى الشباب والفتيات لكف كثير منهم عن غيه، وخافوا تكاثر الذنوب بتداول هذه الصور. المفسدة الثانية: أن في إعطاء هذه المواد المحرمة للغير مجاهرة بالذنب، وخروجاً من المعافاة التي يُحرَم منها المجاهرون. إن من نعمة الله ـ تعالى ـ على العاصي أن يستره ربه، فلا يفتضح أمره أمام الناس، ولا سيما من يشتد حياؤه منهم كوالديه وأقاربه وأساتذته. والفتاة أو الشاب الذي يقتني صوراً محرمة عاصٍ لله والله ـ تعالى ـ قد ستره في معصيته تلك؛ فإذا أطلع غيره على ما يحمل من صور محرمة فقد هتك ستر الله ـ تعالى ـ عليه، وجاهر بعصيانه، وبقدر توزيعه لتلك المواد المحرمة تكون مجاهرته حتى تبلغ الآفاق. والمجاهر بعصيانه حري أن لا يعافى في الدنيا من العقوبة أو من الإقلاع عن ذنبه. فليعلم من يتناقلون الصور المحرمة أنهم حريون بالخروج من ستر الله ـ تعالى ـ إلى المجاهرة بعصيانه، ويُخشى عليهم الحرمان من المعافاة في الدنيا والآخرة؛ مما ينذر بسوء الخاتمة، وشؤم العاقبة، نسأل الله العافية. ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه» (١) . قال ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ: «المجاهرون الذين يجاهرون بالفواحش ويتحدثون بما قد فعلوه منها سراً، والناس في عافية من جهة أنهم مستورون وهؤلاء مفتضَحون» (٢) . وقال ابن الأثير: هم الذين جاهروا بمعاصيهم وأظهروها وكشفوا ما ستر الله تعالى (٣) . وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ: «والمجاهر في هذا الحديث يحتمل أن يكون من (جاهر بكذا) بمعنى جهر به، والنكتة في التعبير بـ (فاعَلَ) : إرادة المبالغة، ويحتمل أن يكون على ظاهر المفاعلة، والمراد: الذين يجاهر بعضهم بعضاً بالتحدث بالمعاصي، وبقية الحديث تؤكد الاحتمال الأول. وقال أيضاً: «الذي يجاهر بالمعصية يكون من جملة المُجَّان، والمجانة مذمومة شرعاً وعرفاً، فيكون الذي يظهر المعصية قد ارتكب محذورين: إظهار المعصية، وتلبُّسه بفعل المُجَّان (٤) . فمن أعطى غيره هذه المواد الفاسدة فهو حري أن يحرم المعافاة في الدنيا والآخرة؛ لأنه مجاهر بذنبه، دال عليه غيره: ١ - أما في الدنيا فهو مستحق للعقوبة بالتعزير، وقد يعاقبه الله ـ تعالى ـ في نفسه أو عرضه، وقد يعاقب بانطماس قلبه، وعدم رجاء توبته، وأسره بالمعصية. نسأل الله العافية من ذلك كله. قال ابن القيم وهو يعدد أضرار المعاصي: «ومنها أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه، وهو عند أرباب الفسوق غاية التفكه وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدِّث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان! عملتُ كذا وكذا، وهذا الضرب من الناس لا يعافون، وتسد عليهم طريق التوبة، وتغلق عنهم أبوابها في الغالب» (٥) . وقال ابن بطال ـ رحمه الله تعالى ـ: «في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله ﷺ وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف؛ لأن المعاصي تذل أهلها من إقامة الحد عليه إن كان فيه حد، ومن التعزير إن لم يوجب حداً» (٦) . قلت: لا يحصل العاصي على المعافاة الواردة في الحديث إلا بحصوله على الستر، ولا يتأتى له الستر إلا إذا ستر هو على نفسه، فلم يُطْلِع غيره على معصيته، ومن أخبر غيره أنه يملك صوراً أو أفلاماً أو قصصاً جنسية لم يكن ساتراً على نفسه، بل هو فاضح لها؛ فكيف بمن زاد على ذلك بإطلاعهم عليها، أو إعطائهم إياها؟ قال الحافظ ابن حجر: «ستر الله ـ تعالى ـ مستلزم لستر المؤمن على نفسه؛ فمن قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربه فلم يستره، ومن قصد التستر بها؛ حياء من ربه ومن الناس منَّ الله عليه بستره إياه» (٧) . ٢ - وأما في الآخرة فهو حري بالمؤاخذة على عصيانه، بعيد عن عفو الله تعالى؛ ودليل ذلك ما رواه ابن عمر ﵄ حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب! حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (٨) . قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «المستخفي بما يرتكبه أقل إثماً من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثماً من المخبر المحدث للناس به؛ فهذا بعيد من عافية الله ـ تعالى ـ وعفوه» (١) . قال ابن بطال ـ رحمه الله تعالى ـ: «وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه؛ فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك» (٢) . فإذا انضم إلى ما سبق أنه يعطي غيره هذه المواد المحرمة، ويدعوه إلى الاستمتاع بها؛ فإن إثمه أشد؛ لأنه صار داعية إلى الإثم مع مقارفته للمعصية، ومجاهرته بها. نسأل الله أن يعافينا وإخواننا المسلمين. قال المناوي ـ رحمه الله تعالى ـ: «وذلك خيانة منه على ستر الله الذي أسدله عليه، وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه أو أشهده؛ فهما جنايتان انضمتا إلى جنايته فتغلظت به؛ فإن انضاف إلى ذلك: الترغيب للغير فيه، والحمل عليه؛ صارت جناية رابعة، وتفاحش الأمر؛ فيكشف ستر الله عنه فيؤاخذ به في الدنيا بإقامة الحد؛ وهذا لأن من صفات الله ـ تعالى ـ ونعمه: إظهار الجميل، وستر القبيح؛ فالإظهار كفران لهذه النعمة وتهاون بستر الله» (٣) . مسألة مهمة: لو أخبر بمعصيته أحداً من أهل العلم والصلاح لا مجاهرةً بها؛ لكنه يريد أن يشير عليه بما يكون سبباً في الإقلاع عنها، والتوبة منها، أو الدعاء له؛ فهل هذا الفعل يُعَدُّ مجاهرة أم لا؟ الجواب: يسأل من يسأل لا على أنه صاحب المعصية؛ فإن كان الجواب لا يتأتى إلا بأن يصرح بذلك صرح به، ولا يأثم به؛ لأنه مسترشد لا مجاهر؛ ودليل ذلك حديث الذي جامع أهله في نهار رمضان، فأخبر النبي ﷺ فلم ينكر عليه إخباره له، ولا عده مجاهراً بذنبه، وبين له ما يجب عليه. وقد بوَّب الإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ على ذلك فقال: (باب من أصاب ذنباً دون الحد، فأخبر الإمام فلا عقوبة عليه بعد التوبة إذا جاء مستفتياً) قال عطاء: «لم يعاقبه النبي ﷺ . وقال ابن جريج: ولم يعاقب الذي جامع في رمضان» (٤) . قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ: «واستُدل بهذا على أن من ارتكب معصية لا حد فيها وجاء مستفتياً أنه لا يعزَّر؛ لأن النبي ﷺ لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية؛ وتوجيهه: أن مجيئه مستفتياً يقتضي الندم والتوبة؛ والتعزير إنما جُعِل للاستصلاح، ولا استصلاح مع الصلاح، وأيضاً فلو عوقب المستفتي لكان سبباً لترك الاستفتاء وهي مفسدة، فاقتضى ذلك أن لا يعاقب؛ هكذا قرره الشيخ تقي الدين» (٥) . ونقل المناوي عن النووي ـ رحمهما الله تعالى ـ قوله: «يُكره لمن ابتُلي بمعصية أن يخبر غيره بها، بل يُقلِع ويندم ويعزم أن لا يعود؛ فإن أخبر بها شيخه أو نحوه ممن يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً منها، أو ما يسلم به من الوقوع في مثلها، أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها، أو يدعو له، أو نحو ذلك فهو حسن، وإنما يكره لانتفاء المصلحة. ثم نقل عن الغزالي قوله: الكشف المذموم إذا وقع على وجه المجاهرة والاستهزاء لا على السؤال والاستفتاء، بدليل خبر من واقع امرأته في رمضان، فجاء فأخبر المصطفى ﷺ فلم ينكر عليه» (٦) . المفسدة الثالثة: إن في تناقل الصور أو الأفلام أو القصص الجنسية إشاعة للفاحشة في الذين آمنوا؛ وقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] . قال البغوي ـ رحمه الله تعالى ـ: «يحبون أن تشيع الفاحشة: يعني: يظهر ويذيع الزنى» (٧) . وقال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها؛ فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها؟» (٨) . وقال الرازي ـ رحمه الله تعالى ـ: «لا شك أن ظاهر قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يفيد العموم، وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة (٩) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: «ولهذا نهى الله ـ تعالى ـ عن إشاعة الفاحشة، وكذلك أمر بستر الفواحش ... فما دام الذنب مستوراً فعقوبته على صاحبه خاصة، وإذا ظهر ولم ينكر كان ضرره عاماً؛ فكيف إذا كان في ظهوره تحريك لغيره إليه؟!» (١٠) . وقال أيضاً: «كل عمل يتضمن محبةَ أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا داخلٌ في هذا، بل يكون عذابه أشد؛ فإن الله قد توعد بالعذاب على مجرد محبة أن تشيع الفاحشة بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وهذه المحبة قد لا يقترن بها قول ولا فعل؛ فكيف إذا اقترن بها قول أو فعل؟! بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله من فعل الفاحشة، والقذف بها، وإشاعتها في الذين آمنوا، ومن رضي عمل قوم حشر معهم كما حشرت امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط؛ فإن ذلك لا يقع من المرأة لكنها لما رضيت فعلهم عمها العذاب معهم، فمن هذا الباب قيل: من أعان على الفاحشة وإشاعتها مثل القوَّاد الذي يقود النساء والصبيان إلى الفاحشة لأجل ما يحصل له من رياسة أو سحت يأكله، وكذلك أهل الصناعات التي تنفق بذلك مثل: المغنين وشَرَبة الخمر وضُمَّان الجهات السلطانية وغيرها؛ فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة ليتمكنوا من دفع من ينكرها من المؤمنين» (١) . وقال الشيخ ابن سعدي ـ رحمه الله تعالى ـ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ «أي: الأمور الشنيعة المستقبحة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع للقلب والبدن؛ وذلك لغشه لإخوانه المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجراءته على أعراضهم؛ فإذا كان هذا الوعيد لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب؛ فكيف بما هو أعظم من ذلك من إظهاره ونقله؟!» (٢) . فليتق الله ـ تعالى ـ في نفسه كل من تلطخ بهذا الإثم المبين، وليبادر بتوبة نصوح قبل أن يدهمه الموت وهو على هذه الحال السيئة. ومن ابتلي بهذه القاذورات حتى صار أسيراً لها فلا أقل من أن يستتر بستر الله تعالى، ولا يكون عوناً للشيطان الرجيم على شباب المسلمين وفتياتهم، وليقصر هذا الإثم على نفسه ولا يعدِّيه إلى غيره؛ فمن فعل ذلك رُجيت له التوبة، وهو حري أن يُعتق من أسر تلك الخطيئة المردية، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، فمن ألمَّ فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله» (٣) . - التكفير عما سلف: كثير من الفتيات والشباب قد يعزمون على التوبة من هذا الإثم العظيم، لكن يبقى في صدورهم حرج مما فعلوا في السابق من توزيع لهذه المواد المحرمة، ونشر للفاحشة على أوسع نطاق، وقد يكون ذلك سبباً في صدودهم عن التوبة، واليأس من عفو الله ـ تعالى ـ ورحمته؛ وهذه وسوسة من الشيطان ليرد بها المقبل على التوبة عن توبته، ومكافحة هذه الوسوسة بما يلي: ١ - ليعلم أن الله تواب رحيم يفرح بتوبة عبده إذا تاب، ويمحو ذنوبه مهما كانت، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ٢ - أنه إذا صدق في توبته بدَّل الله ـ تعالى ـ سيئاته إلى حسنات، وهذا فضل من الله على عباده، وهو من أكثر الحوافز التي تحفز المذنب إلى المبادرة بالتوبة، وقد قال أبو ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاًِ منها: رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا منه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا؟ وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم! لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب! قد عملت أشياء لا أراها ها هنا! فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه» (٤) . ٣ - أن يجعل من ندمه على ما وزَّع من صور أو أفلام أو قصص جنسية قبل توبته سبباً لنشاطه في مكافحتها بكل الوسائل الممكنة، ومراسلة كل من أرسلها إليهم يرجوهم أن يزيلوا ما وصلهم منها عن طريقه، مع نصيحتهم بالإقلاع عن اقتنائها أو توزيعها، ويجتهد في هذاالسبيل؛ ليكفر عن ماضيه، فلعل الله ـ تعالى ـ يعافي على يديه كثيراً ممن ابتُلوا بهذا الداء الخبيث. وعلى كل أب وأم أن يتعاهدوا أولادهم ذكوراً وإناثاً بالنصيحة والتوجيه بالرفق واللين، والكلمة الطيبة، مع بيان مخاطر سوء استخدام التقنيات المعاصرة، وإقناعهم بذلك؛ ليكون الواحد منهم رقيباً على نفسه، مراقباً لله ـ تعالى ـ في سره وعلنه، عسى الله أن يصلح أولادنا وأولاد المسلمين، وأن يكفيهم شرور أنفسهم وشرور شياطين الإنس والجن، إنه سميع مجيب. ولا سبيل لحفظ المسلمين من هذا البلاء الماحق إلا بتحصين أبنائهم وبناتهم بالدين القويم، وملء قلوبهم بمحبة الله ـ تعالى ـ ومحبة رسوله ﷺ ومحبة ما يحبه الله ورسوله ﷺ ، وبُغض ما يبغضه الله ورسوله، مع تقليل وسائل الشر والفساد قدر الإمكان، وتحصين البيوت منها، وإيجاد البدائل النافعة، وإشغال الفتيات والشباب بما يعود عليهم بالنفع عاجلاً وآجلاً.
следующие страницы →