أعلام الإسلام
ابن جرير الطبري إمام المفسرين
محمد محمد توفيق
هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، ولد سنة
٢٢٤ هـ، في بلدة آمل عاصمة طبرستان ببلاد فارس.
عاش عصراً من أزهى عصور الإسلام تقدماً وإنتاجاً على جميع المستويات
الفكرية، فقد كان عصر جمع وتبويب وتصنيف ونقد، ووضع قواعد عامة للعلوم،
واستقراء للجزئيات.
صفاته:
عفيف النفس، لا يقبل الهدية إلا إذا كان يقدر على المكافأة عليها، فيه زهد
وورع وتقوى، رفض المناصب التي عرضت عليه. كان يتمتع بعقلية واعية نيرة، وحافظة لاقطة، وقلب نابض بالإيمان، وعقيدة متينة، ونفسية مطمئنة، وجرأة
في الحق. حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وأمَّ الناس وهو ابن ثماني سنين،
وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين.
برع في الفقه والحديث والقراءات والنحو والحساب وغيرها، ووهب العلم
عمره. وماله، شهد له الجميع بسعة العلم ودقة التفكير.
كان شافعي المذهب، ثم انفرد بمذهب مستقل لم يكتب له الدوام، وذلك
لذهاب مدوناته، وتفرق أصحابه وأتباعه.
رحلاته:
رحل إلى كل من الري، والبصرة، وواسط، والكوفة، وبغداد، وبيروت،
ومصر، طلباً للعلم وبدلاً له، إلى أن مات ببغداد عام ٣١٠ هـ.
من شيوخه:
في الحديث: محمد بن حميد الرازي، وهناد بن السري، وإسماعيل بن
موسى.
وفي التاريخ: محمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن أحمد بن حماد
الدولابي، ومحمد بن موسى الحرشي، وعماد بن موسى القزاز، ومحمد بن الأعلى
الصنعاني، وبشر بن معاذ، ومحمد بن بشار بن بندار.
وفي الفقه: الحسن بن محمد الزعفراني، وأبو سعيد الإصطخري، والربيع
بن سليمان الجيزي تلميذ الشافعي.
وفي اللغة: أحمد بن يحيى ثعلب..
وغيرهم كثير من مختلف المذاهب، ومن مختلف الأقطار.
تلاميذه:
تتلمذ عليه الكثير من أشهرهم: أبو بكر بن كامل بن خلف، وعبد العزيز بن
محمد الطبري، وأبو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الطبري.
كتبه:
- جامع البيان عن تأويل القرآن (جامع البيان في تفسير القرآن) ، وقد اعتمد
في تفسيره هذا على المأثور الذي صح عن رسول الله ﷺ أو
الصحابة ﵃، أو التابعين، وكان يهتم بالأسانيد وتقييم الرجال، ويبتعد
عن التفسير بالرأي، ويعرض أوجه القراءات، ويبتعد عن التعمق الفارغ
والتفريعات الهامشية والتكهنات غير المفيدة، ويستشهد على المعنى اللغوي بأحاديث
المصطفى ﷺ وكلام العرب وأشعارهم، ويعتني بالإعراب فهو
يوضح المعنى.
- تاريخ الأمم والملوك.
- كتاب آداب النفس الجيدة والأخلاق النفيسة.
- اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام.
- صريح السنة (يوضح فيه مذهبه وعقيدته) ..
- الفصل بين القراءات.
- آداب القضاة.
- فضائل أبي بكر وعمر ﵄.
وغيرها كثير، ومما يدل على ذكائه وحفظه أنه قال:
لما دخلت مصر لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقيني وامتحنني في العلم الذي
يتحقق به، فجاءني يوماً رجل، فسألنى عن شيء من العروض، ولم أكن نشطت
له قبل ذلك، فقلت له: علّي قول أن لا أتكلم في شيء من العروض، فإذا كان في
غد فصر إلي، وطلبت من صديق لي كتاب (العروض) للخليل بن أحمد، فجاء
به، فنظرت فيه ليلتي، فأمسيت غير عروضي وأصبحت عروضياً.
رحم الله أبا جعفر وأسكنه فسيح جناته ...
стр. 562
مصطلحات إسلامية
الصبر
إعداد: عادل التل
المعنى اللغوي:
الصبر: هو حبس النفس، ويقال: صبرت نفسي على ذلك الأمر أي حبستها.
قال عنترة عن نفسه:
فصبرت عارفةً لذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تَطَلَّعُ
والمصبورة: المحبوسة على الموت.
والصبير: الكفيل، وإنما سمي بذلك لأنه يصبر على الغرم، جاء في لسان
العرب: صبر يصبر صبراً، فهو صابر وصبار وصبير وصبور، والأنثى صبور
أيضاً.
قال الجوهري: الصبر حبس النفس عند الجزع.
والصبر الجراءة، ومنه قول الله تعالى: [فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ] والصبر: الإكراه أيضاً.
وصبير القوم: زعيمهم المقدم في أمورهم.
والصبور: هو القادر على الصبر.
والتصبر: تكلف الصبر.
المعنى الاصطلاحي:
الصبر لفظ عام وربما خولف بين أسمائه باختلاف مواقعه.
- فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبراً لا غير، ويضاده الجزع.
- وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن.
-وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده الضجر.
- وإن كان في إمساك الكلام سمي كتماناً ويضاده الذل.
- وإن كان في إمساك عن الطعام سمي صياماً.
وهكذا نستطيع أن نصف كل ما يحتاج إلى الثبات على شيء أو الإمساك
عن شيء صبراً.
والصبر والحلم قرينان، لأن الحلم ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب
وضده الحماقة.
قال رسول الله- ﷺ : «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد
الذي يملك نفسه عند الغضب» .
من أحكام المصطلح:
الصبر أساس الابتلاء في حياة الفرد والجماعة. يقول تعالى: [ولَنَبْلُوَنَّكُم
بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ والأَنفُسِ والثَّمَرَاتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ] [البقرة: ١٥٥] .
عندما يقف المسلم داعياً إلى الله تعالى، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويصدع بالحق الذي آمن به؛ فيتعرض للأذى والعذاب، وتنزل به المحن
والخطوب، فلا بد من الصبر والثبات أو الانحراف والفساد.
يقول تعالى: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ، ولَقَدْ
فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ] [العنكبوت: ٢-٣] .
يقول أحد الدعاة: الصبر زاد الطريق في هذه الدعوة، إنه طريق طويل شاق، حافل بالعقبات والأشواك، مفروش بالدماء والأشلاء، بالإيذاء والابتلاء.
الصبر على أشياء كثيرة:
- الصبر على شهوات النفس ورغائبها وأطماعها وضعفها.
- والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصرفهم
وانحراف طباعهم وغرورهم.
- والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وتصعير
الغرور والخيلاء.
- والصبر على قلة الناصر، وطول الطريق، ووساوس الشيطان في ساعات
الكرب والضيق.
- والصبر على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار، واستقبال الرخاء
في تواضع وشكر.
والصبر على هذا كله - ومثله - مما يصادف السالك في هذا الطريق ...
لا تصوره الكلمات..
إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق وتذوقها انفعالات وتجارب
ومرارات. [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ] [آل عمران: ٢٠٠]
стр. 563
شذرات وقطوف
إعداد: نجوى محمد الدمياطي
العظمة الحقيقية
حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو
أرحب منهم نفساً، أو أذكى منهم عقلاً.. لا نكون قد صنعنا شيئاً كبيراً.. لقد
اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة! .
إن العظمة الحقيقية: أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف
على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم
ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع!
إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية، أو أن نتملق
هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقاً.. إن التوفيق
بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد؛ هو العظمة
الحقيقية.
سيد قطب - أفراح الروح
أهل العبودية
.. لم ينسبوا إلى اسم ... فلم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء
التي صارت أعلاماً لأهل الطريق..
وأيضاً، فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه فيعرفون به دون غيره
من الأعمال فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة، وأما العبودية المطلقة:
فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها، فإنه مجيب لداعيها على اختلاف
أنواعها، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم، فلا يتقيد برسم ولا
إشارة، ولا اسم بزي، ولا طريق وضعي اصطلاحي ... بل إن سئل عن شيخه؟
قال: الرسول، وعن طريقه؟ قال: الاتباع، وعن خرقته؟ قال: لباس التقوى،
وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السنة، وعن مقصوده ومطلوبه؟ قال: [يُرِيدُونَ وجْهَهُ] وعن رباطه؟ قال: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا
بِالْغُدُوِّ والآصَالِ، رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وإقَامِ الصَلاةِ وإيتَاءِ
الزَّكَاةِ] وعن نسبه؟ قال:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
ابن القيم - مدارج السالكين " بتصرف "
أنشودة رمزية
لقد حانت الساعة التي ينساب فيها شعاع الفجر الشاحب بين نجوم الشرق.
ستحمل إشعاعات الصباح الجديد، ظل جهدك المبارك، في السهل الذي تبذر
فيه.
وسيحمل النسيم الذي يمر الآن البذور التي تنثرها يداك.. بعيداً عن ظلك.
ستتابع شمس الحق سيرها دون تراجع، وستعلن قريباً انتصار الفكرة وانهيار
الأصنام، كما حدث يوم تحطم " هبل " في الكعبة.
مالك بن نبي - شروط النهضة " بتصرف "
стр. 564
بحوث
الإمساك عمّا شجر بين الصحابة
محمد الوهيبي
قال ﷺ : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم
فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا» [١] . وهكذا كان من منهج أهل السنة الإمساك
عن ذكر هفوات الصحابة وتتبع زلاتهم وعدم الخوض فيما شجر بينهم. قال أبو
نعيم ﵀: فالامساك عن ذكر، أصحاب رسول الله- ﷺ
وذكر زللهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من
أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذين مدحهم الله بقوله: [والَّذِينَ
جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ] .
ويقول أيضاً في تعليقه على الحديث المشار إليه: (لم يأمرهم بالإمساك عن
ذكر محاسنهم وفضائلهم، إنما أمروا بالإمساك عن ذكر أفعالهم وما يفرط منهم في
ثورة الغضب وعارض الموجدة) [٢] . إذاً الإمساك المشار إليه في الحديث الشريف إمساك بخصوص يقصد به (عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلات ونشر ذلك بين العامة، أو التعرض لهم بالتنقص لفئة، والانتصار لأخرى) [٣] . وذلك مما لم نؤمر به، إنما أمرنا بالاستغفار لهم ومحبتهم ونشر محاسنهم وفضائلهم. (لكن إذا ظهر مبتدع، يقدح فيهم بالباطل فلا بد من الذب عنهم وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل) [٤] .
وهذا مما نحتاجه في زماننا، حيث ابتليت الأمة المسلمة بجامعاتها ومدارسها
بمناهج - يزعم أصحابها الموضوعية والعلمية - يخوضون فيما شجر بين الصحابة
بالباطل دون التأدب بالآداب التي علمنا إياها ورسوله -صلى الله عليه
وسلم- كذلك ابتليت بالفرق الضالة التي نشرت ذلك فى بعض البلاد، بل إن
العدوى-وللأسف- وصلت بعض الإسلاميين حتى إن بعضهم يجمع الغث والسمين
من الروايات حول الفتنة التي بين الصحابة ثم يبني أحكامه دون الاسترشاد بأقوال
الأئمة الأعلام وتحقيقاتهم، من أجل ذلك أردت أن أشير إلى بعض الأسس ...
والتوجيهات التي ينبغي أن يعرفها الباحث إذا اقتضت الحاجة أن يبحث وينظر إلى
الروايات فيما شجر بينهم.
١ -إن الكلام عما شجر بين الصحابة ليس هو الأصل، بل الأصل العقدي
عند أهل السنة هو الكف والإمساك عما شجر بين الصحابة، وهذا مبسوط في عامة
كتب أهل السنة في العقيدة كالسنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، والسنة لابن أبي
عاصم، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني، والإبانة لابن بطة، والطحاوية
وغيرها. ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة وذلك
بتعارض ذلك بما في ذهنه عن الصحابة وفضلهم ومنزلتهم وعدالتهم وعدم إدراك
مثله (لصغر سنه أو حداثة عهده بالدين..) لحقيقه ما حصل بين الصحابة
واختلاف اجتهادهم في ذلك فيقع في الفتنة (بانتقاصه الصحابة) من حيث لا يعلم..
وذلك مبني على قاعدة تربوية تعليمية مقررة عند السلف وهي ألا يعرض على
الناس من مسائل العلم إلا ما تبلغه عقولهم، قال الإمام البخاري ﵀: باب
من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا، وقال علي ﵁:
حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ . قال الحافظ في الفتح
تعليقاً على ذلك: وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبني أن يذكر عند العامة ومثله
قول ابن مسعود: (ما أنت محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)
رواه مسلم.
وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها
الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب..
إلى أن قال: (وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم) [٥] .
٢ - وإذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم فلا بد من التحقق والتثبت في
الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة، قال : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا
إن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ]
هذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفساق لكي لا
يحكموا بموجبها على الناس فيندموا، فوجوب التثبت والتحقق فيما ينقل عن
الصحابة وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى، خصوصاً ونحن نعلم أن مثل هذه
الروايات دخلها الكذب والتحريف، إما من جهة أصل الرواية، أو تحريف بالزيادة
والنقص يخرج الرواية مخرج الذم والطعن، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة
هو من هذا الباب، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن
يحيى، ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وأمثالهما [٦] ، من أجل ذلك لا
يجوز أن يدفع النقل المتواتر في محاسن الصحابة وفضائلهم بنقول بعضها منقطع
وبعضها محرف وبعضها لا يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن قد
تيقنا ما ثبت في فضلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها فكيف إذا علم
بطلانها [٧] .
٣ -أما إذا صحت الرواية في ميزان الجرح والتعديل وكان ظاهرها القدح
فيلتمس لهم أحسن المخارج والمعاذير، قال ابن أبي زيد: (..والإمساك عما شجر ...
بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب) [٨] . وقال ابن دقيق العيد: (وما نقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفوا فيه، فمنه ما
هو باطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحاً أولناه تأويلاً حسناً لأن الثناء
عليهم من الله سابق، وما ذكر من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك
والموهوم لا يبطل المحقق والمعلوم) [٩] ، هذا بالنسبة لعموم ما روي في قدحهم.
٤ - أما ما روي على الخصوص فيما شجر بينهم، وثبت في ميزان النقد
العلمي فهم فيه مجتهدون، وذلك أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف
اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:
أ- قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغ فوجب
عليهم نصرته، وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه
صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.
ب -وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق مع الطرف الآخر،
فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.
ج - وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضايا وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح
أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا
يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك [١٠] .
إذاً هذا القتال هم متأولون فيه، لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب نفسها
بسببها وذلك لا يخرجهم من العدالة بل هم في حكم المجتهدين في مسائل الفقه فلا
يلزم نقص أحد منهم إنما هو بين أجر وأجرين. ومن المهم أن نعلم أن القتال الذي
حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل
وصفين لم يقاتلوا على نصب إمام غير علي ولا كان معاوية يقول إنه الإمام دون
علي ولا قال ذلك طلحة والزبير ... وإنما كان القتال فتنة عند كثير من العلماء-
بسبب اجتهادهم في كيفية القصاص من قاتلي عثمان ﵃، وهو من
باب قتال أهل العدل والبغي وهو القتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام لا على
قاعدة دينية - أي ليس بسبب خلل في أصول الدين -[١١] . ويقول عمر بن شبه: (إن أحد اًلم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا علياً في الخلافة ولا دعوا لأحد
ليولوه الخلافة، وإنما أنكروا على علي منعه من قتال قتلة عثمان وترك الاقتصاص
منهم) [١٢] .
ومما يؤكد ذلك هذه الرواية التي ذكرها ابن كثير: (جاء أبو مسلم الخولاني
وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني
لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً،
وأنا ابن عمته، والطالب بدمه، فائتوه فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان، وأسلم له، فائتوا علياً، فكلموه. فلم يدفعهم إليه [١٣] ) وفي رواية: (فعند ذلك صمم أهل
الشام على القتال مع معاوية) [١٤] .
وأيضاً جمهور الصحابة، وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة، قال عبد الله
ابن الإمام أحمد: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا أيوب السختياني عن
محمد بن سيرين قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله- ﷺ
عشرة آلاف فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين. قال ابن تيمية: (وهذا
الإسناد أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في
منطقه، ومراسيله من أصح المراسيل) [١٥] . فأين الباحثون المنصفون ليدرسوا
مثل هذه النصوص الصحيحة؟ وتكون منطلقاً لهم، لا أن يلطخوا أذهانهم
بتشويشات الإخباريين ثم يؤولون النصوص الصحيحة حسب ما عندهم من البضاعة
المزجاة.
٥- ومما ينبغي أن يعلمه المسلم حول الفتن التي وقعت بين الصحابة-مع
اجتهادهم فيها وتأولهم - حزنهم الشديد وندمهم لما جرى، بل لم يخطر ببالهم أن
الأمر سيصل إلى ما وصل إليه، وتأثر بعضهم التأثر البالغ حين يبلغه مقتل أخيه،
بل إن البعض أيضاً لم يتصور أن الأمر سيصل إلى القتال، وإليك بعضاً من هذه
النصوص المؤثرة:
أ-فهذه أم المؤمنين عائشة تقول -كما يروي عنها الزهري -: (إنما أريد أن
يحجز بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولو علمت ذلك لم
أقف ذلك الموقف أبداً [١٦] ، وكانت إذا قرأت: [وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] تبكي حتى يبتل خمارها) [١٧] .
ب -أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيقول الشعبي: (لما قتل طلحة
ورآه علي مقتولاً، جعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: عزيز علي أبا محمد أن
أراك مجدلاً تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عجري وبجري (همومي
وأحزاني) وبكى عليه هو وأصحابه، وقال: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين
سنة) [١٨] ، ويقول ﵁: (يا حسن يا حسن، ما ظن أبوك أن الأمر
يبلغ إلى هذا، ود أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة) [١٩] . وكان يقول ليالي
صفين: (لله در مقام عبد الله بن عمر وسعد بن مالك (وهم ممن اعتزل الفتنة) إن
كان بدًا إن أجره لعظيم، وإن كان إثماً إن خطره ليسير) [٢٠] . فهذا قول أمير
المؤمنين رغم قول أهل السنة إن علياً ومن معه أقرب إلى الحق [٢١] .
ج -ويقول الزبير بن العوام ﵁ وهو ممن شارك في القتال بجانب
أم المؤمنين عائشة ﵂: (إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها،
فقال مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها؟ قال: ويحك! إنا نبصَّر ولا نبصِر، ما
كان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر، فإني لا أدري أمقبل أنا
فيه أم مدبر؟) [٢٢] .
وهذا معاوية ﵁، لما جاءه نعي علي بن أبي طالب، جلس وهو
يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يبكي، فقالت امرأته، أنت بالأمس تقاتله،
واليوم تبكيه؟ فقال: ويحك، إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله
وسوابقه وخيره، وفي رواية (ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه
والعلم) [٢٣] .
وبعد كل هذه النقولات كيف يلامون بأمور كانت مشتبهة عليهم؟ فاجتهدوا
فأصاب بعضهم، وأخطأ الآخرون وجميعهم بين أجر وأجرين، ثم بعد ذلك ندموا
على ما حصل وجرى، وتابوا من ذلك، وما حصل بينهم من جنس المصائب التي
يكفر الله بها ذنوبهم، ويرفع بها درجاتهم ومنازلهم قال -صلى الله عليه
وسلم-: «لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يسير في الأرض ليس عليه خطيئة»
[٢٤] ، وعلى أقل الأحوال لو كان ما حصل من بعضهم في ذلك ذنباً محققاً، فإن
الله يكفره بأسباب كثيرة من أعظمها الحسنات الماحية-من سوابقهم
ومناقبهم وجهادهم -، والمصائب المكفرة، والاستغفار، والتوبة التي بها يبدل الله
السيئات حسنات، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
٦ - وأخيراً نقول إن أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن كل واحد من
الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة،
ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، ثم إذا كان
قد صدر من أحدهم ذنب، فيكون إما قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر
له بسابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف
الأمور التي هم فيها مجتهدون إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور. ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغفور في
جنب فضائل القوم، ومحاسنهم من إيمان وجهاد وهجرة ونصرة وعلم نافع وعمل
صالح [٢٥] .
يقول الذهبي ﵀: ( ... فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع
بينهم وجهاد محّاء وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم
العصمة) [٢٦] .
إذاً اعتقادنا بعدالة الصحابة لا يستلزم العصمة، فالعدالة استقامة السيرة
والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى
والمروءة جميعاً، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه.. (ثم لا خلاف في أنه لا يشترط
العصمة من جميع المعاصي ... ) [٢٧] .
ومع ذلك يجب الكف عن ذكر معايبهم ومساويهم مطلقاً - كما مر سابقاً -،
وإن دعت الضرورة إلى ذكر زلة أو خطأ لصحابي، فلا بد أن يقترن بذلك ذكر
منزلة هذا الصحابي وتوبته وجهاده وسابقته..، إن وجد شيء من ذلك، فمثلاً من
الظلم أن نذكر زلة حاطب بن أبي بلتعة ﵁، دون أن نذكر توبته
وسابقته وأنه من أهل بدر، ومن الظلم أيضاً أن نذكر ماعزاً وزلته ولا نذكر توبته
التي لو تابها صاحب مكس لقبل منه، [٢٨] وهكذا فالمرء لا يعاب بزلة يسيرة
حصلت منه في فترة من فترات حياته، وتاب منها، فالعبرة بكمال النهاية لا بنقص
البداية إن كانت له حسنات ومناقب، ولو لم يزكه أحد، فكيف إذا كثرت فيه
التزكيات، وكيف إذا زكاه خالقه، الخبير بما في نفسه؟ .
стр. 565
كتاب في مقال
المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية
تأليف: عبد الله أحمد الشبانة
عرض: أحمد أبو عامر
من أعظم ما أصيب به المسلمون اليوم هو ما سيطر عليهم من روح الانهزام
أمام أعداء الإسلام، وضعف الهمة من بعث روح المقاومة والمغالبة، والعجز عن
مجرد التفكير في ذلك، حتى بلغت أمتنا في ذلك مبلغاً من الانحطاط والتقهقر
والتخلف لا نريد عليه ... ونحن اليوم في أشد الحاجة إلى تعرية هذا المرض
الخبيث الذي يقلب الموازين ويعكس المفاهيم حتى أصبحنا نظن العدو صديقاً،
والأبيض أسود، والغاش ناصحاً، والناصح غاشاً، وهذا ما حدا بالمؤلف إلى علاج
هذه الظاهرة المرضية في واقعنا، وقبل أن يحدد معنى الهزيمة النفسية تطرق إلى
مدخل لبيان أهمية معرفة هذه الظاهرة كبداية لعلاجها ثم عن مظاهر الهزيمة النفسية
في ثلاثة أبواب:
أولاً: في مجال الفكر، وتطرق فيه للفكر التربوي ثم الفكر الإعلامي.
ثانياً: في مجال النظم، وتطرق فيه للنظامين الاقتصادي والسياسي.
ثالثاً: في مجال السلوك، وتطرق فيه للسلوك الفردي والسلوك الاجتماعي.
ثم بين خطر هذه الظاهرة في محيط الفرد، ثم في محيط الأسرة ثم في محيط
الجماعة والأمة. ثم تطرق المؤلف إلى أسباب هذه الظاهرة وعوامل تكوينها،
وأرجعها إلى أسباب وعوامل ذاتية، ثم أسباب وعوامل خارجية. ثم تطرق المؤلف
إلى طريق علاج هذه الظاهرة ووسائل القضاء عليها.
ومما يجدر ذكره أن المؤلف استعرض الجهود العلمية والفكرية والتي سبقته
لعلاج وبحث هذه الظاهرة في النفس والمجتمع، ومن سبق إلى البحث فيها أمثال
(شكيب أرسلان) في كتابه (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم) وكذلك أبو الحسن
الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) ومالك بن نبي في (شروط
النهضة) وأبو الأعلى المودودي في كتابه (واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم)
ود. ناصر العقل في كتابه (التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإسلامية) وهو لم يطبع بعد طبعته الأولى، وهذه فرصة للدعوة لإعادة طبع الكتاب لأهمتيه في هذا
الباب ... وغيرها من الأبحاث الهامة في هذا الباب.
وقد وضح طرق علاج هذه الظاهرة ووسائل القضاء عليها في بابين:
١ - طريق التربية والتعليم.
٢ - طريق التوجيه والإرشاد (الإعلام) .
وفي خاتمة الكتاب جمع المؤلف خلاصة ما تضمنه البحث من أبواب وفصول، وأكد أنه كبير الأمل وعظيم الثقة في أن نجاحاً كبيراً سيتحقق من جراء الأثر
الإيجابي للعلاج، وأن شفاء الأمة من هذا المرض سيتم بإذن الله من هذا الداء
الخطير، وستمضي بحول الله تعيد سيرة سلفها الصالح، وأمجادها الغابرة، ونبه
إلى أن واجب كل مسلم واع مدرك للخطر منتبه لما يراد بالأمة وما تساق إليه بل ما
سيقت له منذ أزمان أن يعمل بكل ما أوتي من قوة وبكل وسيلة ممكنة لتبصير الأمة
بالأخطار التي هددتها وتهدد كل فرد من أفرادها..
وأن واجب المسئولين في كل دولة واجب مضاعف، وخاصة مسئولو ذينك
المجالين المهمين: (التربية والإعلام) ثم نبه إلى نوع من الانهزامية لم يتطرق له
لعدم دخوله في منهج البحث وهو ما تتعرض له الأمة في مجال الأدب ومناهج النقد
عن طريق ما يسمى بالحداثة والتي انكشفت كل أوراق أدعيائها بما ظهر من
دراسات علمية وموضوعية حول ذلك.
والكتاب دراسة يلمس فيها القارئ حسن القصد وحسن البحث ولن يعدم كل
قارئ للكتاب من أصول ومعلومات علمية قيمة تزيد ثقافته وتناقش كثيرًا من
الشبهات المطروحة في الساحة بمنهج علمي جدير بالتقدير والاحترام.
стр. 566
تربية
التربية: الواقع والبديل
عدنان محمد عبد الرزاق
التربية أم التعليم:
حرصت معظم دول العالم في السنوات الأخيرة على تسمية المؤسسات
والوزارات المهتمة بشئون التعليم بالتربية بدلاً من التعليم، وبعضهم قرن التربية
بالتعليم حرصاً منهم على أهمية التربية، وعلى أن التعليم جزء من التربية،
والتربية أعم وأشمل.
وهذه حقيقة أدركها سلفنا الصالح إذ كانوا يسمون معلم الأولاد: المؤدب
والمربي. وهنا يحضرني قول ابن المبارك ﵀: (تعلمنا الأدب ثلاثين عاماً
وتعلمنا العلم عشرين) .
وليست هذه التسميات الحديثة إلا نتيجة أبحاث وتجارب طويلة قامت هنا
وهناك وتناولها الأبناء عن الآباء.. وهي ليست حكراً على أحد بل تنتقل من بلد
لآخر بل هنالك مؤسسات متخصصة بنقل تجارب الآخرين وخبراتهم مثل منظمة
(اليونيسكو) إذ لها نشاط واسع في هذا المجال، والمربون المتخصصون يستطيعون
تمييز الخبيث من الطيب..
ولا يمكن فصل التربية عن التعليم، فالتربية إذ تسعى لبناء الإنسان السوي
المحب للفضيلة ذي الشخصية المتوازنة المتحلي بمكارم الأخلاق فهي حريصة أن
يكون هذا الإنسان متعلماً مثقفاً بالعلوم المختلفة، فهو هدف من أهدافها.. فالتربية
تواكب التعليم، وأكثر ما تكون وضوحاً في سنين الدراسة المتقدمة، الابتدائي
والإعدادي.. وتقل في سني الدراسة المتأخرة، حيث تكون شخصية المتعلم قد
تبلورت، وهذا لا يعني انعدامها ...
ولا بد حتى تتضح صورة التربية ممزوجة بالتعليم من ذكر بعض الأمثلة من
المنهج والمربي والطالب.
فمن حيث المنهج نورد بعض الأمثلة التي تهدف إلى التعليم البحت وأخرى
إلى التربية والتعليم معاً، ففي الحساب مثلاً، لنأخذ هذا المثال:
مع سعيد ٥٠ ريالاً صرف منها ١٠ ريالات، كم بقي عنده؟ يمكن صياغة
المثال نفسه حتى يحقق غاية تربوية وتعليمية فيصبح كالتالي: مع سعيد ٥٠ ريالاً،
أعطى فقيراً قابله ١٠ ريالات، كم بقي عنده؟
وفي العلوم أيضاً انظر إلى هذه المعلومة الموجودة في الكتب:
حبت الطبيعة الزرافة عنقاً طويلاً لتستطيع أكل أوراق الأشجار. ويمكن
صياغة هذه المعلومة؛ بل يجب أن تصاغ كالتالي:
خلق الله للزرافة عنقاً طويلاً لتستطيع أكل أوراق الشجر.. على افتراض أن
المعلومة صحيحة، فهنا تربية مع تعليم.
وهكذا في مختلف المواد تستغل النصوص وتتضافر المعلومات لتحقق أهداف
سلوكية ووجدانية بالإضافة إلى الأهداف التعليمية حتى يحمل الطالب الأدب
والفضيلة والعلم.
هذا في المناهج؛ أما في مجال المربي والطالب فما أكثر المواقف اليومية
التي تمر والتي تحمل مئات الفرص لكي يتربى الطالب من خلالها ولا بد هنا من
ذكر بعض الأمثلة:
لنتصور أن طالباً أخطأ في الإجابة الصحيحة يمكن أن يقال له ما يلي:
- خطأ اجلس.
- أنت بواد ونحن بواد.
- غير فاهم أبداً، مع بعض عبارات التوبيخ أحياناً ...
ويمكن أن يقال له: جزاك الله خيراً لقد اقتربت من الإجابة، ويسأل من
يساعد أخاه أو يكمل له الإجابة؟ .
فالعبارات الأولى ليست من التربية بل العكس تعين على إحباط الطالب.
والإجابة الأخيرة من المربي أنقذت الموقف ولم يشعر الطالب بأي شيء غير عادي..
مثال آخر: دخل المدرس الفصل ووجد الطلاب قد أمسكوا بطالب سارق
وجدوا عنده قلم زميله، وتعالت الأصوات: سارق، سارق! فما كان من المدرس
إلا أن صاح معهم سارق! كيف تسرق؟ والله لأفعلن وأفعلن.. وانهال عليه ضرباً
وتوبيخاً.
وتصرف آخر بديل: أسكت المعلم الطلاب وقال: لا، سعيد لا يسرق،
كيف يسرق ويعرف أن السرقة حرام؟ ! لا بد أنه أخطأ وظن أن القلم قلمه،
ووضعه في الحقيبة، أليس ذلك يا سعيد؟
سعيد: بلى يا أستاذ... تلافى الفضيحة ثم بينه وبين سعيد يعالج الأمر إذا
اقتضى ذلك بالطرق المعروفة.
فالسرقة والكذب والاعتداء والحيل كل ذلك يحصل مع الأطفال في المراحل
الأولى، ولكن يجب أن يعالج بحكمة لأن موقفاً واحداً ارتجالياً مع طالب قد يحطم
شخصيته ويجعله غير سوي طيلة حياته، وإنني لا أنسى ذلك المدرس الذى كاد
يحطم طالباً صغيراً لأنه بال بولاً لا إرادياً في الفصل، وأصبحنا شباباً كباراً حين
نمر بذلك الطالب فيطرق خجلاً وحرجاً منا لأننا نعرف القصة، وحين حصل مثل
ذلك مع مدرس آخر وأصر الطلاب على أن الطالب بال في الفصل على ملابسه،
وقف المدرس إلى جانب الطالب بحكمته وصرف انتباههم بلباقة عن التفكير في هذا
الموضوع حتى سرعان ما نسوه وانتهى الأمر.
إن الطفل يحتاج إلى يد حانية تمسح على رأسه.. وتأخذ بيده إلى شاطئ
التوازن النفسي بعيداً عن الخلل والشروخ.. وهذا ما دعا بعض الدول الغنية إلى
تعيين (أخصائي اجتماعي) في كل مدرسة يعالج مثل هذه الأمور.. ولكن التجربة لم
تنجح لسببين:
الأول: سوء اختيار هؤلاء الأخصائيين.
والثاني: المعلم أولى بحل هذه الأمور ومعالجة هذه المواقف وذلك لعدم
التوسع في نشر مثل تلك الأسرار والمشاكل.
وخلاصة القول لا بد من التربية أولاً، والتعليم معها ثانياً وخاصة في
المراحل الأولى، إذ تعتبر المدرسة امتداداً للبيت فيجب أن تتضافر جهود المربين
على ذلك، ليحمل العلم المتزنون الصالحون المؤدبون المحبون للفضيلة لكي يؤتي
هذا العلم ثماره، ويحمله أهله..
على يد من يتربى الأبناء؟
أول ما يتبادر إلى الذهن أن الأبناء يتربون على أيدي معلمي وزارة التربية
والمؤسسات التابعة لها.. نعم هذه حقيقة، ولكن هل هؤلاء فقط؟ أم هنالك مصادر
أخرى تؤثر في العملية التربوية؟ إذاً ما هي هذه المصادر والمؤسسات المعنية
بالتربية بشكل مباشر أو غير مباشر، وبنسب مختلفة؟ والتى لا بد لكل مشتغل
بأمور التربية أن يضعها في حسابه؟ :
١ - البيت: وهو أولها وأهمها وأطولها مدة وامتداداً وهو الأساس.
٢ - والمدرسة.
٣ - البيئة والمجتمع: كالمساجد، والمكتبات، والمحاضرات، والأندية
والجمعيات، ووسائل الإعلام باختلافها وبتنوع أساليبها.. والخدمة العسكرية في
بعض الدول لها دور كبير في صقل شخصية الأفراد.
وكذلك سياسة الدولة العامة، هل هي قائمة على احترام مواطنيها، وحرصها
على أن يكونوا عاملين منتجين تهيئ لهم العيش الكريم أم عكس ذلك تحرص
على قهرهم وإذلالهم وإبقائهم مستهلكين ضعفاء؟ كل هذه المؤسسات التي ذكرنا
والتى فاتنا ذكرها تترك بصماتها جلية واضحة على شخصية ذلك البرعم، وكل
واحدة منها تحتاج إلى كتب لتتناولها بالشرح والتفصيل والتأثير وما لها وما عليها.
التربية من خلال المدرسة:
حينما تذكر المدرسة نعني بذلك المؤسسة الرسمية المعنية بالتربية والتي تكون
غالباً تحت إشراف الحكومات، وقد اتفق المربون على أن عناصر العملية التربوية
ثلاثة:
١ - المنهج أو الكتاب.
٢ - والطالب.
٣ - والمربي.
المناهج:
قبل الحديث عن المناهج لا بد من الكلام عن أهداف التربية إذ أن المناهج
تخدم تلك الأهداف..
تعتبر أهداف التربية في كل بلد عنواناً لسياسة ذلك البلد لبناء مجتمع يحقق له
طموحاته وتطلعاته، فمن البديهي أن تختلف أهداف التربية من بلد لآخر.. فأهداف
التربية في اليابان مثلاً تهدف إلى إقامة قاعدة صناعية عريضة تختلف عن أهداف
التربية في إسرائيل إذ تهدف لبناء قاعدة عسكرية عريضة، والقاسم المشترك بين
الأمم من أهداف التربية هو إعداد المواطن (الصالح) ..
وهنا ومن خلال الأهداف تكمن خطورة الأمر إذ توجه كافة الوسائل والأنشطة
لخدمة ذلك الهدف وقلما تجد بين الأهداف هدفاً يدعو لترسيخ العقيدة الصحيحة أو
إعداد الإنسان المسلم الحق ... وإذا وجد مثل ذلك قرن بشيء آخر أفسده كأن يكون
الهدف: إعداد الإنسان المؤمن بالله والوطن..
وهذه الأهداف العامة تتشعب إلى أهداف خاصة ثم توضع في قوالب مختلفة
لتشكل فيما بعد مع المواد العلمية المناهج المقررة للتدريس.
إذاً تصاغ المناهج وفقاً للأهداف من قبل متخصصين بالمواد العلمية وعلماء
نفس وتربية، ومدرسين ذوي خبرة طويلة ... ثم تفرغ في كتب، وتجرب وتعدل
بين الحين والآخر لتشكل دليلاً للمعلم والطالب وخطاً عريضاً يسترشد به وفق ما
رسم له. والحديث عن المناهج وما سببته من غسل دماغ الناس وتزوير التاريخ
يطول جداً، ولكن أقول: إن أغلب المناهج التي بين أيدينا مترجمة ومنقولة عن
غيرنا بسلبياتها دون الإيجابيات وبعض النظريات أو الفرضيات قد تركها أصحابها
ونحن ما زلنا متعلقين بها.
الطالب:
وهو محور العملية التربوية فالجميع يعمل لأجله.. والجهود والتجارب كلها
من أجل أن تحقق له المزيد من المكاسب.. فيجب أن تكون المدرسة بالنسبة له
حياة وليست إعداداً للحياة، يتعلم من خلالها وهو يلعب ويلهو، وهي امتداد طبيعي
للبيت، وتغيرت كثير من المفاهيم فلم يعد الطفل صفحة بيضاء تكتب فيها ما تريد
بل هو جملة من الانفعالات والإحساسات تحتاج إلى توجيه وتصعيد.. ويجب أيضاً
أن يكون الطالب إيجابياً يتعلم بنفسه، والمعلم سلبياً يراقب ويوجه، وخرج الطلاب
في دول الغرب من سجون الصفوف إلى المخابر والمزارع والمعامل للتعلم
وأصبحت العملية تعلُّمية وليست تعليمية كذلك الثواب والعقاب والواجبات كل ذلك
خضع لتجارب كثيرة وأبحاث كلها تهدف إلى إعداد هذا المتعلم ليكون شخصية
متوازنة صالحة.
أما في كثير من الدول العربية فلا يزال الطالب بين جدران الفصول يتلقى
الخطب والمحاضرات النظرية وأسيراً يعد الساعات حتى يسمع جرس الانصراف
في حين زميله في الدول الأخرى تراه يبحث في المختبر والمعمل ويخترع ويشجع..
المربي:
وهو في العملية التربوية الأهم على الإطلاق والمنهج بعده في الأهمية وهو
الرأس إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله.. إذ يستطيع المربي
الفاضل أن يغطي سلبيات المناهج ويستطيع المربي الفاشل أن يغطي إيجابيات
المناهج أيضاً..
والأهم من ذلك والأصعب أن الطالب لا يتربى على يد المربي من خلال
الدروس فقط بل يأخذ عنه أضعاف ذلك من خلال النشاطات والإعجاب الشخصي
والمحاكاة حتى في اللباس والمشي والكلام، يأخذ في هذا المجال وقد يتأثر به ويأخذ
عنه أكثر مما يأخذ عن الأب.
فأين هذه الشخصية المتزنة الطيبة القدوة إلى الخير الآمرة بالمعروف الناهية
عن المنكر الذي يضع مخافة الله نصب عينيه حاملاً هذه الأمانة محباً لها، عارفاً
بصعوباتها.. كيف يختار؟ .
يخضع اختيار المدرسين إلى اعتبارات تتوافق مع سياسة البلد لتضمن تحقيق
الأهداف التي رسمتها وتطبيق المناهج التي أعدتها لذا تختلف الدول في ذلك.
وتتفق في شيء واحد وهو حصوله على المؤهل الذي يؤهله للعمل، وإذا لم تسع
الدولة لتأمين المدرس الكفؤ فهي تهدم بيتها بيدها مهما طال الزمن أو قصر.
أما المؤهل فينقسم إلى قسمين:
الأول علمي: فيجب أن يكون المدرس ملماً إلماماً جيداً بالمادة التي سيدرسها.
الثاني تربوي: وهو حصوله على مؤهل تربوي يدرس من خلاله:
١ - طرق تدريس المواد: أي كيف يوصل هذه المواد للطالب وفن ذلك.
٢ - تربية وعلم نفس: وهي معرفة المراحل النفسية والانفعالية التي يمر من
خلالها الطالب ليسهل عليه التعامل معه بدقة ويأخذ بيده.
فلا يعتبر مربياً من لم يحصل على المؤهل التربوي الثاني ولو كان في مادته
في أعلى الدرجات ... ومع أهمية هذا الأمر فقد غاب عن أذهان كثير من الناس
وممن نحسبهم على خير. وقد فطن له وتنبه له كثير من الدول التي قطعت شوطاً
كبيراً في هذا المضمار؛ ففي فرنسا مثلاً يختار خيرة المربين للمرحلة الابتدائية،
وتكون رواتبهم أعلى الرواتب، ويحترمون من الجميع، ولم لا؟ ، لأن الأساس
هنا والبناء هنا، وبناء الإنسان أهم بكثير من بناء البنيان.. والرابح هو المجتمع
في حين سمي (دار المعلمين) في إحدى الدول العربية (مأوى العجزة) وكنا نسمعها
من مدرسينا إذ ينصحوننا بأن لا نعمل في التربية والتعليم أبداً لما لاقوه، حتى قالوا: اشتغل أي عمل ولا تشتغل معلماً، وإذا أراد شخص أن ينتقص من الآخر يقول
له (معلم أولاد) .
وليست هذه هي المصيبة فحسب بل هذه نصف المصيبة والنصف الآخر أن
المعلمين أنفسهم صدقوا هذا وعرفوه، وإذا أردت المزيد يكفي الاطلاع على
مجلاتهم التي تصدر عنهم وعن النقابات لتراها مليئة بالنكات والرسوم الكاريكاتورية
التي تحمل هموم المعلمين ومشاكلهم وخاصة الاجتماعية والمادية، حتى يخيل إليك
أنهم متسولون.
فالمعلم يعرف نفسه ويعرف قدره في المجتمع لذا تراه متخفياً لا يظهر أنه معلم
فلقد أمضينا ثلاث سنوات ونصف مع زميل لنا وأخفى عنا أنه معلم وحين عرفنا
فيما بعد قال: حتى إذا تكلمت يسمع لي.
ومعلم آخر يدعي أنه بائع أمام أناس اجتمع بهم وحين سئل عن السبب قال:
تريدون أن يضحكوا مني؟ ! ..
فبأي نفسية يربي هؤلاء وبأي عطاء يعطون وأي قدوة يكونون؟ ! إن ذلك
الواقع الأليم شائع ليس في الدول التي تسمي فقيرة فحسب؛ بل في الدول الغنية
أيضاً قلما تجد شباباً يتقدمون إلى هذه المهنة إلا من ضاقت عليهم المهن الأخرى
وينتظر أي فرصة ليتفلت منها.
هذه الهموم ينقلها المربون إلى الأبناء والأبناء إلى من بعدهم، وهكذا يتراكم
الجهل والخطأ ويتنكر المجتمع الجاهل للمعلم، والمعلم للمجتمع والطالب.
هل يمكن من خلال هذا الواقع إعادة ترتيب الأوراق وأن تقوم عملية تربوية
متكاملة تجمع بين آخر ما وصل إليه العالم من تجارب في هذا المضمار وبين تعاليم
ديننا الحنيف؟ ..
الجواب: نعم: بإذن الله.. فإذا صيغت الأهداف صياغة جديدة لبناء مجتمع إسلامي قائم على الفضيلة منتج آخذ بالأسباب والسنن الكونية مواكب لركب العلم الحديث غدت المناهج تخدم هذه الأهداف، واختير المدرس الكفؤ الذي يتقي الله ليحمل هذه الأمانة، وتعاونت مكانة المؤسسات المعنية بالتربية من بيت ومدرسة وإعلام ومساجد وجمعيات... تعاونت جميعاً على هدف واحد أظن أن ذلك يحقق التربية التي نصبوا إليها، وهذا لا يتحقق إلا من خلال الأجهزة العليا المسئولة عن السياسة العامة.
стр. 567
طب وتغذية
د. عبد السلام معروف
تحت عنوان: (الماشية البريطانية خطر على الصحة) كتبت صحيفة (الديلي
تلغراف) البريطانية مقالاً تحدثت فيه عن أمراض الماشية، نوجزه فيما يلي:
أعلنت لجنة السوق الأوربية المشتركة أن الماشية البريطانية خطر على
الصحة، وفرضت حظراً على استيراد الماشية التي ولدت قبل شهر (يوليو)
١٩٨٨، وهذه الخطة سوف تكلف المزارعين من الخسائر (٧) ملايين جنيه،
وسوف تهدد تجارة الماشية الحية التي تبلغ (٤٧) مليون جنيه في السنة، وقد فشلت
جهود الحكومة البريطانية في تهدئة خوف المستوردين من (مرض الجنون البقري)
المعروف علمياً بالتهاب المخ البقري.
إن إحصائيات وزارة الزراعة تفيد أن المرض قد أصاب (٩٤٣٦) من
المواشي، وهناك خوف من انتشار المرض إلى الإنسان، وإن لجنة الأطباء
البيطريين التابعة للسوق الأوربية المشتركة أعلنت أنه لا جدال في أن لحم البقر
البريطاني غير صالح للاستهلاك، وقد أعلنت الحكومة الألمانية أن بريطانيا هي
الدولة الوحيدة في أوربا التي يوجد بها (مرض الجنون البقري) بسبب الوسائل غير
الصحية التي تتبع في تحضير غذاء الماشية. اهـ
ديلي تلغراف ٢٤/١/١٩٩٠
تعليق:
الحقيقة أن سبب هذا المرض المنتشر هو طريقة التغذية التي تعتمد على غذاء
حيواني يحتوي على أحشاء الأغنام الميتة، ولذلك منع هذا الغذاء ابتداء من يوليو
١٩٨٨.
إن هؤلاء الغربيين لم يكتفوا بأن أفسدوا فطرتهم فأرادوا إفساد فطرة الحيوان
أيضاً، فالنباتات هي الغذاء الطبيعي لمثل هذه الحيوانات، ولكن جشعهم المادي
الذي لا حدود له والذي لا تقف أمامه أي نظرة إنسانية جعلهم يستخدمون أي وسيلة
رخيصة لتسمين الحيوانات، وقد حرم الإسلام أكل لحوم الحيوانات المفترسة لحكم
كثيرة، جاء في صحيح سنن الترمذي عن جابر قال: (حرم رسول الله-صلى الله
عليه وسلم- - يعني يوم خيبر - الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من
السباع، وذي مخلب من الطير) [١] .
فهل يريد هؤلاء تحويل الأبقار إلى آكلة لحوم؟ ! وقد حدث في بريطانية
حادثة تشبه هذه الحادثة، وهي أزمة البيض التي أدت إلى استقالة وزيرة الصحة،
وإتلاف الملايين من البيض بسبب وجود جرثومة (السارمانيللا) وقد اتضح أن
السبب في ذلك هو إطعام الدجاج غذاء ذا مصدر حيواني مستخلص من الدجاج
الميت ولكنهم لا يعتبرون ولا يذكرون.
стр. 568
البيان الأدبي
النهاية
شعر:مروان كجك
مِنْ كُلِّ حَدْبٍ أقبِلوا ... مِنْ كلِّ صَوْبٍ عجِّلوا
فَلَقَدْ دَنا العهدُ الذي ... قالَ النبيُّ سيحصُلُ
فالأرضُ نرقُب جمعَكم ... والغرقدُ المستعجِلُ
والبَحرُ والسهلُ الفَسِ ... يحُ وصَعْقَةٌ لا تُمْهِلُ
لَنْ تُفلتوا مِن قَبضةِ ... الأبطالِ لا لَن تَرحلوا
فَقبورُكم في أرضِنا ... وهُنا الأماني تُقْتَلُ
لم يحمِكم غدرٌ وَلَمْ ... يَشفعْ لكم ما يُبذَلُ
فَلأنتم أخزى مَقا ... ماً في البَرِيِّةِ يُنزَلُ
وَلأنتُم أشقى رها ... ناً يا يهودُ واضحَلُ
ولأنتم نَتّنُ الزما ... نْ وخُبْثُهُ المتَرذَلُ
مَهْما عَلَوْتُمْ يا أفا ... عي فَالسقوطُ مُؤَمَّلُ
سُدْتُم غَداةَ تناثرت ... منّا الرُّؤى والمِشعَلُ
سُدْتُم غَداةَ تفيرت ... أردانُنا والموئِلُ
وعَلوتُمُ ظلماً وعدوا ... ناً فَسَادَ الأرْذَلُ
عُملاؤكم لَن يقطفوا ... ثَمَراً ولن يُستَمهَلوا
خانوا الأَمانةَ مِثَلكم ... لم يأنفُوا أو يَخْجَلوا
باعوا البلادَ وأرسلوا ... أَثمانَها لبُنُوكِكُم فتأمَّلوا
لم يتركوا اليتيمةٍ ... إرثاً ولا مَا يُحملُ
قالوا: الأمانة أن نبي ... عَ ونشتري لا نُسألُ
فَلَقَدْ صَعِدْنَا للكرا ... سي والرؤوسُ نُجَنْدَلُ
ولقد سكرنا والأما ... سي بالأضاحي حُفَّلُ
لا لَن نثوبَ لرُشدْنا ... حتى تُقَطَّعَ أرجُلُ
لا لن نثوبَ لرُشدْنا ... حتى يسبخً الأسفَلُ
إنّا عَلى العهدِ القدي ... م نَصونُهُ وَنُقَبِّلُ
إنَا يهودٌ مثلُهُمْ ... لكنّنا نَتَجَمَّلُ
يا جامع الشملِ الشتي ... ت رمالُنا تَتَملمَلُ
عطشى، نَقَلَّبُ، تلتوي ... حيناً وحيناً نرحلُ
تقتانُ من لبَأ البشا ... رةِ، همُّها المستقَبلُ
فلْيرفعوا راياتِهم ... فوقَ الرُّبا ولْيُقْبلُوا
وليَجْمَعُوا أشتاتَهم ... من كلْ صِنْفٍ يَنْسِلُ
فهُنا عَلى بطحائنا ... طِفْلٌ يشدُّ ويحمِلُ
لم تُلهِهِ قيثارةُ الغو ... غاءِ أو مَنْ يَجْهَلُ
ميثاقُ وفي قلبه ... واللحنُ أصدق أجملُ
باعَ الطفولةَ بالرجو ... لةِ، لم يَرُعْهُ المَقْتَلُ
وهنا على بطحائِنا ... وعْدٌ صَدوقٌ صَينقَلُ
لابدُ آتٍ يومُهُ ... والحقُّ لا يتبدَّلُ
فالله يُمهِلُ مَنْ بغى ... لَكِنَّه لا يُهْمِلُ
هذا يقينٌ صَادقٌ ... إني لأقسمُ، مُقبِلُ
فَلينسجُوا أكفانهم ... وليَحْمِلُوا ما يُحْمَلُ
وليُقْبلوُا بفروعْهم ... وأصولِهم وليَدْخُلوا
فالمسجد الأقصى انتضى ... السيفَ الذي لا يُجْهَلُ
ونوازعُ الإسلامِ في ... كلّ القلوبِ نَغَلْغَلُ
فَلْتُسْرِعوا بمجيئكم ... حانَ القِطافُ فعجّلوا
ولَقد دَنا العهد الذي ... قَال النبي سيحصلُ
القاهرة
٢٩-١-١٩٩٠
стр. 569
ثغرة الأدب بين دعاة الإسلام وخصومه
يحيى محمد رسام
لا شك أن الصحوة الإسلامية وقفت في وجه خصومها، وتصدت لكل
الجبهات، فأعادت للإسلام صفاءه وبهاءه، كما أعادت للمسلمين اعتزازهم بدينهم،
ولكنها ولأسباب كثيرة نسيت أو تجاهلت ثغرة لم تقدرها حق قدرها وظنت أنها
سهلة هينة، مع أنها عسيرة وخطيرة تلك هي ثغرة الأدب من شعر وقصة ورواية.. ونقد ...
خطورة هذه الثغرة:
يمكن إدراك خطورة هذه الثغرة إذا ألقينا نظرة على ما يقوم به الأعداء من
ناحيتها حيث استغلوها أيما استغلال، وتسللوا من خلالها إلى عقول كثير من أبناء
الإسلام وأذواقهم، ويكفي أن تجول ببصرك في وسائل الإعلام التي تزخر بالأسماء
(اللامعة) لمن يسمونهم الأدباء والمبدعين والنقاد، بل يكفي لإدراك هذا أن تتأمل
وبقليل من العمق الواقع الثقافي والإعلامي في البلاد الإسلامية، فما من بلد إسلامي
إلا وتصدر فيه عدد من المجلات والصحف، من الفصلية إلى اليومية التي
تخصص كثيراً من صفحاتها لنشر إنتاج أولئك (المبدعين! !) على أنه الغذاء
للعقول والأفكار، ومن الإشادة بهؤلاء تصنع الطاقات وتشهر مع الأيام ويخدعون
بها الناس.
وبعملية استقرائية بسيطة لعدد من تلك الصحف والمجلات في بلد عربي
صغير المساحة قليل السكان متوسط المستوى الثقافي، ندرك مدى العناية التي
يوليها أولئك لهذه الثغرة.
الأدب وسيلة فاعلة ومؤثرة:
إن الفئات الرافضة للإسلام يتوسلون لنشر أفكارهم المسمومة وإقناع الجماهير
بمعتقداتهم بهذا الجانب من النشاط الفكري الإنساني وبما تعلموه من تجاربهم،
وبتوجيه من أسيادهم اهتدوا إلى هذا الأسلوب، وهو أن يتدثروا برداء الأدب،
وعن طريقه وتحت مظلته يستطيعون وبكل سهولة ودون معارضة أن يطرحوا
أفكارهم وآراءهم، ولا شك أن الأدب وسيلة نافذة وسريعة، وقوية التأثير في
النفوس، وهم لذلك لا يألون جهداً في تجنيد كل طاقاتهم في هذا السبيل،
ويستخدمون الشعر والقصة والمسرحية وإن كان الذين يطلعون على هذا الإنتاج في
هذه المرحلة فئة محددة، ولكن في المرحلة الثانية يأتي دور الناقد كشارح وموضح
أو مروج لهذه النصوص الأدبية.
وقراء هذه المرحلة يزدادون نسبياً نتيجة الإغراء الذي يقوم به الناقد والذي
يخترع - في الغالب - للعمل الأدبي من الخصائص والميزات ما لم يخطر في بال
صاحبه أصلاً. وهناك مرحلة ثالثة حيث يقوم الناقد بالإشارة أو ترشيح النص
الأدبي لأداء دور أخطر وأعمق أثراً، فإن كان النص قصيدة شعرية رشحها لتكون
في منهج الأدب والبلاغة، وإن كان النص مسرحية رشحها للتمثيل على خشبة
المسرح، وإن كان رواية رشحها لتكون فيلماً سينمائياً لأنها في نظره تعالج أمراضاً
اجتماعية وفيها أبعاد سياسية! ! ويفعلون ذلك لعلمهم أن غالبية الجماهير لا زالت
خارجة عن نطاق التأثر في المرحلتين السابقتين.
الإشارة بالرموز:
ثم انظر إلى الإصرار على إشارتهم برموزهم في كل حين، وبمناسبة ودون
مناسبة في الوقت الذي يتجاهلون فيه عن عمد كثيراً من الرواد الأصلاء، ونضرب
مثالاً واحداً لهذه الظاهرة بما يلقاه أمثال طه حسين من احتفاء وتكريم وإشادة به
ويهمل أمثال أحمد حسن الزيات والرافعي والمازني وسيد قطب ومحمود محمد شاكر
وغيرهم [١] .
أخطر ميادين الصراع:
وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن موقف الإسلاميين من الأدب، نحب أن نؤكد
على أن هذا الميدان من ميادين الثقافة أحد أخطر ميادين الصراع بين الإسلام
خصومه [٢] وأن معركتنا مع أدباء الحداثة وبقية المستغربين هي معركة سياسية
عقائدية، وهم من خلال الأدب والثقافة يوجهون أخطر طعناتهم لأعز ما تملك الأمة: عقيدتها وشريعتها.. فالعصر الأموي عندهم لا يزيد عن كونه عصر الأخطل
وجرير والفرزدق وصراع القيسيين واليمانيين، وأما العصور العباسية فهي عصور
ليالي الرشيد وأبي نواس والعباس بن الأحنف، والجواري والمغنيات، وهم في
نفس الوقت لا ينسون الإشادة بالحركات الباطنية وحركة الزنج والقرامطة وكل
الشخصيات المنحرفة كميمون القداح وعلي بن الفضل ومنصور اليمن.. ويتفاخر
بعضهم بالانتساب إليهم فهذا يكتب (بسيف علي بن الفضل) والآخر يفخر بتوقيع
مقدمات كتبه (حفيد بن الفضل) ، ويخرج أحد الشعراء في بلد صغير وفقير ثمانية
دواوين شعرية متتالية، كلها تحريض للمرأة على الخروج على أوامر الإسلام،
وسخرية بالعلماء الذين يهاجمونه، بل ينتقص من أحكام الأسرة في الإسلام، ثم
يقدم أديب مشهور أحد دواوينه [٣] ويدعو الشباب لقراءة دواوينه، فالشاعر في
نظره عالج بشجاعة أخطر القضايا الاجتماعية.
دعاة الإسلام والإهمال المخل:
إذا كان شأن الأدب كما ذكرنا فما هي المساحة التي يحتلها في برامج وخطط
أنصار الفكر الإسلامي من الشباب، إن الجواب على ذلك ميسور ولا يحتاج لكبير
عناء، فما علينا إلا أن نتصفح أدبيات الصحف والمجلات الإسلامية لندرك مدى
الفقر الذي تعانيه في هذا الجانب، فليس هناك مجلة واحدة على طول العالم
الإسلامي وعرضه مخصصة لهذا الجانب، وتكتفي المجلات الإسلامية بتخصيص
صفحات محدودة لباب الأدب، وإذا كان ذلك أمراً مؤلماً للنفس، ويدعو للأسى،
فإن الأكثر إيلاماً هو عدم اهتمام المشرفين على أبواب الأدب بالمشاركات الأدبية
التي يرسلها القراء وعدم تشجيعهم الناشئة. فأنى بعد ذلك للأدباء الإسلاميين أن
يبدعوا وأنى للمواهب الشابة أن تنمو وتتطور؟ وهل ننتظر أن تنشر لهم مجلات
العلمانيين الذين يخصصون المجلات الكبيرة لنشر المقالات الطويلة والبحوث
المعمقة والقصائد الحديثة، وهكذا يظهر جليًّا مدى الخلل الذي أصاب هذا الجانب
ومدى الإغفال الذي لقيه عند المسلمين.
من أين جاء الخلل؟ :
هل جاء الخلل من جهة سوء الفهم لدى البعض لموقف الإسلام من الشعر
أساساً؟ والجواب أن هذا احتمال وارد؛ بل وقوي وله ما يفسره، فرغم ما كتب
عن صلة الأدب بالإسلام إلا أن غيوماً من دعايات وشبهات أعداء الإسلام حول هذه
القضية تركت آثارها في النفوس، ويمكن ملاحظة أعراض ذلك القصور، من
خلال ملاحظة أن كثيراً من النابهين من أصحاب التخصصات العلمية في الأصل،
لم يتجهوا إلى الدراسات الأدبية عندما أرادوا خدمة الإسلام بالدراسات غير العلمية،
وكثيراً من الدعاة الذين كان لهم مساهمات أدبية جيدة في بداية حياتهم انصرفوا عن
الأدب والشعر، وكأن ذلك يزري بهم، فإذا كان ذلك هو حال من يفترض فيهم أنهم
الموجهون لسير الدعوة فكيف غيرهم؟ وهنا لا بد أن نسأل ما مدى صحة وسلامة
هذا الموقف؟ لنرى أولاً ما هو موقف الكتاب والسنة في الشعر والأدب بشكل عام.
موقف القرآن والسنة من الشعر والأدب:
قال تعالى عن الشعراء:
[والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ، وأَنَّهُمْ يَقُولُونَ
مَا لا يَفْعَلُونَ، إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وانتَصَرُوا مِنْ
بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ]
وإذاً فهذا هو القرآن الكريم، قد هاجم بعنف الشعراء المناوئين للدعوة
الإسلامية وشنع عليهم، وفي الوقت نفسه أشاد بالشعراء المؤمنين، وأشار إلى
أوصافهم وأنهم يعملون الصالحات ويذكرون الله كثيراً وينتصرون بعد ما ظلموا،
وأنهم لا بد أن يقوموا بواجب الجهاد بالكلمة.
وأما موقف الرسول ﷺ فقد كان يحرض ويشجع من يرى
فيهم ملكة الشعر لمواجهة الشعراء المحاربين للدعوة الإسلامية والأحاديث كثيرة في
حض وتشجيع حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وغيرهم، الذين
كانت ألسنتهم سيوفاً حادة في وجوه الكافرين ويدعو الرسول ﷺ
لبعضهم بأن يؤيده روح القدس إذا هو هجا الكفار.
وإذا كان ذلك هو موقف القرآن والسنة وموقف الصحابة من الشعر والشعراء، فقد يقال: فماذا عن بقية عناصر الأدب كالقصص والأمثال؟ واتباع الأساليب
البلاغية والبيانية؟ فنقول: أما استخدام القرآن للقصة كأسلوب مؤثر وفعال في
تبليغ الدعوة وغرس المفاهيم وتحليل مواقف أعداء الدعوة الظاهرة وصلتها بدخائلهم
فذلك واضح لا يحتاج لبيان، بل إن أسلوب بعض القصص القرآني فيه كل عناصر
القصة من عناصر التشويق وتصوير الشخوص واستخدام الحوار وحل العقدة في
النهاية وانتصار الخير دائماً مثل قصة (يوسف) ﵇. وكذلك استخدام
القرآن للأمثال وهو من ألوان الأدب.
وقد أُمر الرسول ﷺ بأن يعظ الكافرين ويقول لهم في
أنفسهم قولاً بليغاً. والدعاة في كل عصر مأمورون بما أمر به الرسول الكريم عليه
الصلاة والسلام، ولا شك أن تأثير من له صلة بالأدب لأعمق وأبلغ في نفوس
الجماهير ممن لا حظ له في ذلك، بل إننا نرى أن الجفاف في أسلوب بعض الدعاة
من أسباب إعراض بعض الناس عنهم، يقول الأستاذ محمد قطب:
(إن الأدب لا بد أن يكون في خدمة الدعوة، فإن أعداءنا يستخدمونه ضد
الإسلام وأخلاقياته، وإن الآداب من أقوى الوسائل التي إن استخدمناها نكون قد
أدينا واجباً مهما) .
يعتبر الأستاذ أبو الحسن الندوي أن الأدب من أقوى العوامل في (الإفساد) أو
(الإصلاح) ولذلك لا يجوز أن نفصل بين الأدب والأخلاق.
стр. 570
قصة قصيرة
العقوق
خولة درويش
يا لفرحة (أم نديم) وهي ترى عروس ابنها الجميلة (سها) تزف له، إنها
فرحة طالما انتظرتها لتجبر قلبها الكسير، ولتأسو جراح نفسها المكلومة، ويا
لسرورها وهنائها! ها هو ابنها تكتمل رجولته إذ يعمر بيت والده (المرحوم خالد)
فتسعد بذلك كما سعدت يوم تخرج من كلية الهندسة وعين في إحدى الشركات
الكبرى، فتركت مهنة الخياطة التي ما كانت لتعمل بها لولا الحاجة، كانت تمضي
سحابة يومها في استقبال زبائنها من الراغبات في الأناقة، وتسهر جل ليلها خلف
ماكينة الخياطة لتؤمن لعيالها الحياة الهانئة الكريمة بعيداً عن الحاجة، تتطلع إلى
أملها الكبير (نديم) ليحمل عنها أعباء أضحت تنوء بحملها، وهي على أبواب
شيخوخة مبكرة جلبها كدح النهار وهمِّ الليالي لإعالة أيتام، وتأمين الحياة الكريمة
لهم بعيداً عن العوز والفاقة.
لكن صاحباتها ممن يعرفن (سها) المعرفة الحقة كان يحدوهن تفاؤل حذر إلى
تحفظ في الفرح والسرور، وما منعهن الإقدام على نصيحتها إلا الخوف من أن
يتهمن بالغيرة ذلك أن جمال (سها) البارع قد ملك على (أم نديم) قلبها بل وعقلها
أيضاً، ولم تدر أن هذا الجمال لم يورث (سها) إلا غطرسة وكبراً بل وتسلطاً في
الرأي يلمسه كل من يعاشرها..
ومنذ أن اقترنت بـ (الأستاذ نديم) أضافت إلى سلطانها وجبروتها عش
الزوجية الجديد. فأضحت رغباتها أوامر عند أفراد الأسرة جميعاً وأصبح زوجها لا
يتوانى عن تنفيذ ما تحب أياً كان ذلك... وإن حدث التواني أو التأجيل.. فلا اعتذار
يقبل، بل ينطلق السخط من فمها فيحول المنزل إلى جحيم لا يطاق.
وكان الجميع يطلب لنفسه السلامة برضاها، وعمل ما يروق لها، فهل
ترضى؟ ! لا زلت أذكر يوم كانت (سها) تشكو حب ابنتها (سلوى) لجدتها وعماتها
وبرها لهم وتعلقها بهم.
وعندما قلت لها سائلة ومقربة بين وجهات النظر:
- وماذا في برها بجدتها وقربها من عماتها؟ ! أوليس ذلك مما يفرح الأم؟
إن من يبر جدته ويحسن إلى عمته قادر أن يكون أكثر إحساناً إلى أمه ... ولكن
هيهات أن تقتنع (سها) أو ترضى بهذه الأقوال..
لقد حجب هواها الجامح جمال الحقيقة، فما وجدت منه إلا النفور، لقد امتقع
وجهها وهي تقول:
- لا ليس كل الناس سواء، هؤلاء كالثعابين التي تقذف بالسم، إنهم أعداء
بثياب الأهل والأقارب.
ويجمح بها الانفعال فتتابع الكلمات تتدفق من فمها:
- يكفي المرارة التي جرعوني إياها عن طريق ابنهم ووساوسهم له، أيريدون
أن يذيقوني الويل من أولادي أيضاً؟ !
وأرادت أن تختصر الحديث فهبت واقفة وهي تتوعد بأمر لا ترعوي عن
إظهاره.
- والله لن أدع لهم مكاناً في بيتي... فإما أنا أو هم، وليعمل ابنهم ما يشاء،
فمنزل أهلي يسعني ...
ويأتي الزوج.. ويحتدم النقاش، ويخونه بيانه ومنطقه، ولم تسعفه أية حجة
حتى قول الرسول ﷺ : (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) .
لامس حسها الغليظ فما وجد منها غير التبلد واللامبالاة والإصرار على موقفها
المشين. فما كان من الزوج الذي اعتاد الانصياع لزوجته المتسلطة إلا أن رضخ
لرغبتها، ورأى أن والدته برحابة صدرها، أكثر تقديراً للأمور من زوجته.
فقرر مفاتحة الأم الرءوم، وقال لها بصوت كسير حزين:
- عزيز علي أن أقول لك يا خير أم، أنني ابنك البار بك، والذي يفديك
بالغالي والرخيص ... ويسود صمت ثقيل، فالموقف الجلل يمنع الكلمات المتعثرة
من أن تظهر، فتغوص في أعماق حنجرته.
ونظرات الأم الحائرة ترمقه في دهشة وتساؤل.
ثم يكمل وقد غلبت عليه الأثرة قائلاً:
- إن (سها) قد أتعبتني، وتجد أن لا حق لأحد في زوجها وبيتها، فماذا أعمل؟! وبين دهشة الأم وحسرتها، سالت دمعة أسيفة من عينيها، وفي بساطة تعسة
قالت بتسليم حزين:
- اعمل ما تريد، أما أنا وأخواتك فنفوض أمرنا إلى الله..
ثم خرجت وبناتها من البيت ... وفي نفسها تعتلج المشاعر الأليمة، والضيق
المكتوم و (سها) تشيعها بابتسامة تحكي قسوتها وفظاعتها، وتخلو من كل معاني
الإنسانية.
.. وعاشت الأم حياة بائسة قد لا تصل إلى حد الكفاف ... وهي التي لا تفتأ
تسمع عن حفلات ابنها وولائمه، ونفسها تتوق إلى لقمة طعام من كده وسعيه، فلا
تلقى إلا صدقات بعض المحسنين الذي يرجون ثواب الله في إعطاء الصدقة
للمتعففين من ذوي الحاجات، أمثالها!
فما أشق ذلك على النفس التي ما اعتادت الاستخذاء، لكنه السن والحاجة! !
وأما (سها) فهل وجدت السعادة التي كانت تنشدها؟ !
أم هل أصبحت التطلعات المبتذلة هي مقياس السعادة؟ !
ها هو البيت قد فرغ لها، ففرحت وفرح أهلها، إذ خلا المنزل فما ينغصهم
أحد، كما سول لهم عقلهم القاصر، وما دروا أن البر وصلة الرحم توسع الرزق
وتسعد العيش! !
ويتحامل (نديم) على نفسه ويرحب بهم فيزيد ذلك من غبطتهم.. ثم لا يلبث
أن ينقلب الترحيب إلى تجهم وكدر، ويبلغ الأمر حدة عندما أعلن موقفه بوضوح،
وقد شعر أنه الذليل في بيته، الجريح في رجولته، وأصر على عودة أهله (والدته
وأخواته) الذين لا معيل لهم غيره، ليشاركوه النعم التي أنعم الله بها عليه.
ولكن أنى توافق (سها) على ذلك؟ ! وهي التي ترفض حتى الكلمة الطيبة من
ابنتها لهم... إن الغيرة قد أكلت قلبها. والهواجس الخبيثة قد أفسدت عيشها، فما
تطيق أن ترى زوجها يسر لهم بحديث، أو يبادلهم الابتسام أو حتى الهموم، وتصر
على الرفض... وتضحي بأهلها عندما أعلنتها بعنجهية بعد جدل طويل:
-إن كان يروق لك بعدي عن أهلي فمن الآن فصاعداً لن أجعل أحد منهم يأتي
لبيتك، فلا أهلي ولا أهلك، هل أعجبك ذلك؟ !
فيرد وقد تخاذل أمامها كعادته:
- نعم أعجبني.
ويوصد بيت العقوق أبوابه أمام أهل كل من الزوجين، ويكتفيان بأنفسهما
وقرنائهما ...
وتمر الأيام والسنون ... ويحين موعد زفاف ابنتهم (سلوى) ويجد الأستاذ
(نديم) أن هذه فرصته كي يشعر بحقه الطبيعي في القوامة على المنزل ورئاسة
الأسرة. وأن يظهر أمام أصهاره بالمظهر اللائق كرجل يحترم نفسه.
ودون استشارة حرمه (سها) دعا أهله لحضور الفرح كما دعا أهل زوجته
أيضاً.. وهكذا.. أصبح عرس (سلوى) الفرح الذي وارى جراح أقاربها ولمَّ شعث
أهلها..
وسادت الحياة طبيعية، لولا نذر الانتكاس التي كانت تظهر بين الحين
والآخر فيعالجها نديم بصبره الدءوب وإصراره العنيد على عدم التفريط بوشائج
القربى وصلة الأرحام.
وأنا اليوم وبعد سنوات قليلة من هذا الزواج، أرى (سها) - ولأول مرة - في
انهيار مريع تبكي بمرارة وحرقة ما أسبغته على ابنتها (سلوى) من رفاه وما تلقى
منها من الجحود.
فيبلغ بها الانهيار مداه وقد أسقط في يدها فتغطي وجهها بكلتا يديها وتنشج
كالطفلة الصغيرة وهي تكوم جسدها الكليل على إحدى الأرائك، تنتحب من أعماق
فؤادها المكلوم، وكلمات لا تكاد تبين تخرج من بين شهقاتها:
- آه من سلوى! قد صار لزوجها بيت ولا يأذن لي بدخوله! !
يا لها من عاقة، عاقة لا خير فيها، جحودة منكرة للجميل! ويزداد تشنجها،
عندما يمر أمام مخيلتها، شريط جحودها هي لفضل أهلها وحقوق زوجها وأهله ...
وكأنها تقول: ألا ما أشبه الليلة بالبارحة، ومن جرع غيره كأس العلقم احتساه بما
قدمت يداه.
стр. 571
من عيون الشعر
حنين إلى الوطن
قال أبو العلاء وهو في بغداد يحن إلى موطنه في الشام:
١- أإخواننا بين الفرات وجِلَّق ... يد الله لا خبَّرتُكم بمحال
٢- أنبئكم أني على العهد سالم ... ووجهي لما يبتذل بسؤال
٣- وأني تيمَّمت العراق لغير ما ... تيممه غيلانُ عند بلال
٤- فأصبحت محسوداً بفضلي وحدَهُ ... على بعد أنصاري وقلة مالي
٥- ندمت على أرض العواصم بعدما ... غدوت بها في السوم غير مُغَال
٦- ومن دونها يومٌ من الشمس عاطلٌ ... وليل بأطراف الأسنة حال
٧- وشعث مداريها الصوارم والقنا ... وليس لها إلا الكماة فوالِ
٨- أروح فلا أخشى المنايا وأتقي ... تدنُّس عرض أو ذميم فعالِ
٩- إذا ما حبالٌ من خليلٍ تصرمت ... علقت بخلٍ غيره بحبال
١٠- ولو أنني في هالةِ البدر قاعدٌ ... لما هاب يومي رفعتي وجلالي
الشرح:
١- يد الله: قسم، أي أحلف بيد الله لا خبرتكم إلا بيقين.
٢- وجهي لما يبتذل بسؤال: لم أهن وجهي بسؤال أحد من ماله.
٣- قصدت العراق استزادة للعلم لا لمدح أحد ونيل مكافأة كما كان يفعل
غيلان بن عقبة (ذو الرمة) في قصده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري،
وكان والياً على البصرة، لمدحه ونيل نواله.
٤- هذا بيت في الفخر، أي أصبح الناس يحسدونني على فضلي مع قلة مالي
وبعدي عن أنصاري.
٥- ندمت على أرض العواصم: ندمت على مفارقة أرض العواصم وهي
المنطقة التي فيها بلدته (معرة النعمان) .
٦- يوم عاطل من الشمس: لا تظهر فيه الشمس لكثرة الغبار. وليل حال
بأطراف الأسنة: مزدان ببريق أطراف الرماح وهو هنا يشير إلى أن البلاد بين
العراق والشام في تلك الفترة كانت غير مستقرة، تشتعل فيها الحروب والفتن.
٧- الشعث: جمع أشعث وهو الذي لا يتعهد شعره بالغسل والترجيل.
والمداري: الأمشاط، لما وصفهم بأنهم شعث جعل السيوف والرماح التي تعمل في
رءوسهم في المعارك كالمداري.
٨- لا يخاف المنايا بل يخشى الفعال المذموم وما يدنس العرض، وهذا كقول
أبي الطيب:
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول
٩- تصرمت: تقطعت.
١٠- الهالة: الدائرة التي ترى حول البدر إذا حال دونه غيم، أي لو كنت في
هذا المكان المرتفع لجاءتني منيتي ولما هابتني من أجل جلالي ورفعتي.
стр. 572
شئون العالم الإسلامي ومشكلاته
زلزلة العقيدة أولاً ثم تنهدم الأسوار
أساليب حملات التنصير في أندونيسيا
إمباكت انترناشنال
(نجمبسان) قرية نائية مهملة تقع على سفح جبل ميرابي في مقاطعة سليمان
في إقليم بوغي جاكرتا، وتمثل نموذجاً للقرية الأندنوسية من حيث ارتفاع عدد
السكان وصلاحيتها كمرتع للبعثات التبشيرية.
لقد كانت مفاجأة سارة لأهل القرية عندما زارهم في أحد الأيام رجل وامرأة
من العرق الأبيض برفقة أناس من أهالي البلد. جاءوا محملين بالهدايا؛ أرز،
سكر، ملابس مستعملة للصغار والكبار، بل حتى الأدوية الطبية التي كان لها نتائج
سحرية. ما أشد جهل هؤلاء القرويين المساكين! ! حيث لا يعرفون كيف يتاجر
أصحاب الأدوية هؤلاء بأدويتهم، وكيف أصبحت الدول النامية أمكنة تصريف لما
لا تبيح قوانين الدول المتقدمة توزيعه من الأدوية.
ويتخذ الرجال مواضعهم حول هذه الخيرات بينما النساء الخجولات ينظرن
إلى الفساتين المطرزة وهي تخرج من الصناديق، ويتعجبن من أخوات لهن يلبسن
هذه الملابس الخفيفة التي لا تكاد تستر الأجساد! ويقبل من بعيد طفل عليه مظاهر
الشغب فيرتدي لباساً واسعاً، ويختال فيه فينفجر الحاضرون بالضحك على هذا
المنظر الطريف، فيتعثر الطفل بسيره ويسقط على الأرض فتهرع الأم نحوه
وتصفعه على خده، فيرتبك ويبكي، ويعتكر الجو بعض الشيء.
يدخل شيخ القبيلة، وقد كان يراقب الموقف من بعيد، ثم يطلب من الجميع
الالتزام بالنظام، ويسأل: ماذا يحدث هنا؟ فيقوم أحد البيض فيرحب به باللغة
المحلية، ويقدم له رسالة توصية من المشرف العام، وضعت في ظرف كبير.
يأخذ شيخ القبيلة الظرف ويتحسس لفائف الورق بداخله ويضعه في جيبه، فهو أمي!
لقد أنجز نصف المهمة! وقرر هؤلاء الزوار الكرماء الرحماء البقاء في
القرية البائسة لإنقاذها من مصيرها الأسود! !
أيتها السيدات! هذا مال افتتحن به دكاكين على جوانب الطرق! لستن
ملزمات بشيء! أليس بيع الأطعمة والدخان والعلكة يدعم دخل العائلة ويرفع من
مستوى الدخل القومي؟ ! وكيف تنهض أمة إذا كان نصف مواطنيها عاطلاً عن
العمل، مهدراً وقته وقوته في عمل البيت والعناية بالأطفال؟ !
وأنتم أيها الفلاحين هذه بذور من نوع جيد، وهذه أدوات زراعية حديثة،
وهذه أسمدة ومبيدات حشرية.. مجاناً.. بدون مقابل! فضاعفوا منتجاتكم الزراعية، وطوروا أساليبكم الزراعية! يا أهل القرية: إن أرضكم لا تفي بحاجاتكم
الضرورية. ولذلك فهذه أبقار وأغنام استثمروها، فهي منيحة لكم، ليس عليكم إلا
أن تعيدوا لنا ما تلده، أما ما تبقى من فوائدها فهو لكم، فاحملوا عليها، واحلبوا.
وحتى إذا أرجعتم إلينا ما تلده هذه الماشية فهي منكم وإليكم، ستكون وقفاً مشتركاً
على أهل القرية، وربما أعدناها إليكم ثانية، كل ذلك مجاناً وبدون مقابل!
لكن، حاجة من عاش لا تنقضي! وكلما اعتمد أحد على غيره بحاجاته
الضرورية فسوف يصبح رهينة في يديه خوفاً من انقطاع هذه الحاجات، ولذلك فهو
مستعد لكل شيء يطلبه ولي النعمة من أجل الإبقاء على الامتيازات التي جاءت عن
طريقه!
خدمات كثيرة لا حصر لها تقدم لأهل هذه القرى المسكينة؛ دورات مجانية
لتعليم طرق الزراعة، النجارة، الخياطة، تصليح السيارات وأجهزة الراديو، اللغة
الإنكليزية، حتى الرقص! والذين يشتركون في هذه الدورات ليسوا كلهم مسلمين،
فأصول اللعبة تقتضي إبعاد الشبهات والتغطية! لكن سواء شارك مسلمون أو غير
مسلمين (من بوذيين ووثنيين) فعلى الجميع حضور دورة في النصرانية.
الأيام تمر، والخدمات تزداد، وتتسع دائرتها، فإذا ما احتاج أحد من أهل
القرية أن يرمم بيته فما عليه إلا أن يقصد شيخ القرية الذي تحول إلى مسئول مهم
في مجال تقديم المساعدات!
أما الشباب الذين ينهون الدراسة المتوسطة أو الثانوية ولا يستطيعون مواصلة
دراستهم العليا، وهم بمسيس الحاجة إلى مهنة أو عمل، يجد الواحد منهم الفرصة
هنا مفتوحة أمامه للعمل كبائع في محل يملكه نصراني، أو كمعلم في مدارس
البعثات التبشيرية. وهؤلاء جماعة منهم قد قبلوا مراسيم (التعميد) وآخرون
يتهيئون للحاق بهم، ومن يرفض ذلك تسحب منه وظيفته.
إن الناس في المجتمعات الفقيرة غالباً ما يكونون بحاجة ملحة للمال، وقد
حلت هذه المشكلة هنا بإقامة جمعيات قروض ائتمانية. وتمنح هذه الجمعيات
قروضاً بشروط سهلة، وليس عليك أن تسأل من أين تأتي هذه الأموال؟ .
والشخص المعمد مؤهل لقروض إضافية، بل يعفى فيما بعد من التسديد! ولا تجد
من هؤلاء الزوار سوى الضحك والمزاح ولقمة العيش، ونادراً ما يتحدثون في
أمور تخص الدين أو الفكر. ومع ذلك فإن الأهالي تواقون لمعرفة حقيقة هؤلاء
الناس اللطفاء، وماذا يدفعهم لمساعدتهم؟ . فيجيب الزوار: إننا خدم عيسى اليسوع، وهذه الهدايا التي أتينا بها هي منه ﵇، وهنا يجيب أهل القرية عيسى ...
نعم نعم إننا نعرف عيسى ونحترمه ونعزه. فيسألهم الزوار، ألا تعتقدون أنكم في
تحسن أحوالكم مدينون للهدايا التي أرسلها عيسى لكم؟ ! لا يستطيع أهل القرية نفي
نصف الحقيقة هذه! ولو انبرى من يناقش الفكرة الخاطئة التي انطوى عليها هذا
الجواب فإنه يسكت من أكثر من جهة بأن يقال له: إن كل الأديان جيدة، وكل
المؤمنين سيدخلون الجنة، وقد يستثار المسلم بين الفينة والأخرى ولكنه يعود فيعتقد
أن هذا الأبيض منصف ألم يسو بين الدينين؟ !
وبالجملة فإن القاعدة الأساسية في هذا المجال هي: البحث عن الضعيف
والانتهازي، وعدم الدخول في جدل مع من يفهم دينه. وثمة أسلوب آخر مع رجل
الشارع كأن يقال له إن الإسلام دين صعب الاتباع! حيث عليك أن تستيقظ مبكراً
في الصباح لتأدية الصلاة، ثم تكرر ذلك أربع مرات أخرى في اليوم منذ سن الرشد
وحتى الموت. أما في النصرانية فلا شيء ينغص عليك نومك، ولا تعاني من ذلك
النظام الصارم الذي عليك الالتزام به خمس مرات في اليوم وعلى مدى الحياة.
وكل ما هو مطلوب منك هو المجيء إلى الكنيسة مرة في الأسبوع وذلك في
يوم الأحد، وبذلك لا حاجة إلى ترك عملك، والإسراع إلى صلاة الجمعة، فيوم
الأحد عطلة في جميع أنحاء العالم، (وهذا إثبات آخر على أن النصرانية دين حق)
كما أن المهمات التي يطلبها الرب في الإسلام صعبة للغاية، في حين أن ربنا رب
حنون.
وهكذا فإن البعثات التبشيرية لا تعتمد في عملها على الخبز وحده فالشيء الذي
لا يتحقق عن طريق الخبز يتحقق عن طريق المناهج الثقافية، والعكس صحيح.
وهناك شبكة من مدارس البعثات التبشيرية أنشئت منذ زمن بعيد، مهمتها
إعداد جميع القيادات المستقبلية للمجتمع الإسلامي، فالمدرسة التي يقوم على إدارتها
البيض في منطقة (كامبونغ) تتمتع بمنزلة رفيعة قد تفتقدها أرقى المدارس في
أوربا. وفي مدرسة (كامبونغ) على كل طالب أخذ دروس في النصرانية واجتياز
اختبارات فيها. وقد تأثر بعض الطلاب بهذه المناهج في حين تم تعميد أعداد منهم،
أما الأغلبية فقد باتت في منأى عن دينها الأصلي، وينتقى الشباب الذين تسهل
قولبتهم - ذكوراً وإناثاً على حد سواء - وذلك منذ المراحل الأولى، وإعدادهم لتسلم
مناصب قيادية مستقبلية، وتتبع المناهج التعليمية عادة بأفلام سينمائية وإن عرض
فيلم سينمائي في قرية - بغض النظر عن محتواه وأهدافه - يعتبر حدثاً عظيماً
مثيراً للفضول، فيأتي أهل القرية زرافات ووحداناً ليشهدوا الفيلم ويتشبعوا برسالته
اللطيفة! وقد تكون هناك بعض اللقطات غير اللطيفة التي قد تستثير الناس بعض
الشيء، وإذا ما حدث ذلك وأراد بعضهم أن يحتج ويمشي باحتجاجه إلى آخر
الشوط فإن شيخ القرية (الذي عرفت عقدة النقص عنده مسبقاً وهي الشره إلى المال)
مكلف بقطع الطريق على مثل هذه الحالة!
ويعقب عرض الفيلم احتفالات دينية، ومن يحتج أو يطلب من الآخرين عدم
المشاركة في هذه الاحتفالات التبشيرية فقد يتهم بالتعصب! ومن ثم يتعرض
لمضايقات من قبل الجهات الرسمية! وإحدى نتائج عروض الأفلام والاحتفالات هذه
هي ظهور الأندية، ويشجع الشباب ذكوراً وإناثاً على الاختلاط وهذه هي بعض
الحوادث تقع، والأواصر الأخلاقية والثقافية تضعف، وكثيراً ما يبلغ عن حوادث
زواج بين مسلمات ونصارى عن طريق علاقات الصداقة الناشئة في الأندية، إلا
أن أعظم إنجاز حققته هذه الحملة هو انتزاع الروح الإسلامية، وأصبح بإمكان
الغزاة التحرك في كل الاتجاهات بعد أن انهدمت الأسوار أمامهم! وأصبح إنشاء
الكنائس يفرض فرضاً على قرى منتخبة، وغالباً دون حاجة لإذن مسبق من
وزارتي الداخلية والشئون الدينية. أما في الأماكن التي يخشى وقوع معارضة
خطيرة فيها من قبل السكان فيلجأ إلى أبنية عادية أولاً ثم يعدل الغرض من
استعمالها تدريجياً وبهدوء من سكن إلى كنيسة، وأخيراً ترتفع لافتة مشيرة إلى
وجود كنيسة في المنطقة!
وهناك طريق أخرى أشد مكراً لزرع الكنائس في المناطق الإسلامية الخالصة
وذلك باستغلال خطط الحكومة الأندونيسية في نقل السكان من المناطق المزدحمة
إلى مناطق أقل ازدحاماً، فإذا كان هناك مناطق لا تستقبل إلا مسلمين بين سكانها؛
فلا مشكلة في ذلك عند النصارى، حيث يطلب منهم التسجيل كمسلمين بغرض
التسرب إلى تلك المناطق، وما إن يستقروا هناك حتى يكشفوا عن وجههم الحقيقي، ويشرعوا في بناء الكنائس.
ولا تقتصر الخدمات التي تقدمها هذه البعثات على معالجة المرضى ورعايتهم
بل تمتد إلى ما وراء ذلك بكثير. فإذا أدخل مسلم في إحدى مستشفيات البعثات؛ أو
أنه تلقى علاجاً من قبلهم فإنه يشجع ويحث على أن يكون دخوله في النصرانية هو
الطريقة المثلى للرد على هذا الجميل الذي يتلقاه منهم، وإذا كان من المتعذر إنقاذ
حياة المريض فإن البعثة تتعهد بدفع الديون المستحقة على ذويه ورعايتهم بعد وفاته، وأكثر من ذلك فإنهم قد يدفنونه على نفقتهم بشرط أن يكون الدفن حسب الطقوس
المسيحية، وهذا يحقق مقولة: (نصراني ميت خير من مسلم حي) !
وعلى الرغم من كل أساليب الترغيب المتاحة من قبل هؤلاء المبشرين؛ من
طعام وشراب، وكلمات مؤثرة وغير ذلك إلا أن ثقتهم ضعيفة بأساليبهم وإنجازاتهم، فعلى الرغم من أن الإسلام شيء سيئ (في نظرهم) إلا أنه لا يبدو أن استخدام
شعاراته ومصطلحاته أمر سيئ! حيث نرى النصارى يرددون كلمة: عيسى
اليسوع.. عيسى اليسوع.. بالطريقة نفسها التي يردد فيها المسلمون كلمة التوحيد:
لا إله إلا الله. بل إن النصارى الكاثوليك يقومون في بعض المناطق بتنظيم صلاة
جمعة وذلك لمنافسة صلاة الجمعة عند المسلمين. وفي كثير من الأماكن يرتدي
المبشرون الطاقية الأندونيسية التي يتميز بها المسلمون، ويحيون الناس بـ (السلام
عليكم) ويتجولون هنا وهناك متظاهرين بأنهم مسلمين.
وعندما يثير قادة المسلمين الأندونيسيين حججاً دينية في شكواهم للبابا حول
سلوك وتصرفات المبشرين المتبعة بين المسلمين فإنهم يقحمون أنفسهم في جدل
ديني لا ينتهي ولا ينحسم، والأجدر بهم أن يلجئوا إلى القوانين والأعراف التجارية
المعتمدة في السوق المشتركة، التي تنص على أن بيع سلعة مزيفة تحت علامة
مسروقة أو منتحلة يعتبر جريمة.
--------------------------------------------
العام ... ... مسلمون بروتستانت كاثوليك
-------------------------------------------- ... ١٩٤٥ ... ... ٩٥.٠ ... - ... ... ... -
١٩٧١ ٨٧.٥ ... ٥.١ ... ... ٢.٣
١٩٨٠ ٨٧.١ ... ٥.٨ ... ... ٠.٣
١٩٨٥ ... ٨٦.٩ ... ٦.٥ ... ... ٣.١
-------------------------------------------
تناقص نسبة المسلمين في أندونيسيا (٨%)
عن مجلة إمباكت انترناشنال ٢١/١٢/١٩٨٩.
стр. 573
أحداث أوربا الشرقية والصحوة الإسلامية
د. غازي الخطيب
إن أحداث أوربا الشرقية المتسارعة والتغييرات في المعسكر الشيوعي بشكل
عام، لهي خطوة إلى الأمام على طريق الصحوة الإسلامية وتحدٍ جديد في أفق
مستقبلها.
فهي خطوة إلى الأمام للأسباب التالية:
١ - ازدادت الحركة الإسلامية قرباً من جماهيرها. فللصحوة الإسلامية
طرفان:
الحركة الإسلامية رائدة صحوتها، والجماهير محققة أهدافها. فالحركة
الإسلامية في معزل عن الجماهير لا تستطيع أن تحقق آمالها. وكلما تعمق التفاعل
فيما بين طرفي الصحوة الإسلامية، ازدادت فعاليتها.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبحت الساحة الإسلامية مسرح تجارب
للتيارات غير الإسلامية، ولاقت الشيوعية ومشتقاتها بشكل خاص، رواجاً بين
عامة الناس، ممن جهل حقيقتها، بدعوى مناهضة الرأسمالية.
أما الحركة الإسلامية وغيرها من الأفراد والجماعات العالمة بحقائق الأمور،
فالشيوعية كانت مبدأ فاسداً منذ البداية ومفلساً منذ إنشاء دولتها في روسيا. فمن
المعلوم أن الشيوعية كان من المفروض أن تطبق في أعقاب فشل الرأسمالية،
وظروف روسيا آنئذ وحالياً هي أبعد ما تكون عن ذلك، وقد نجحت الحركة
الإسلامية في تغيير مفاهيم أفراد وقطاعات من الشعب عبر مناقشات السجون
وصفحات المجلات والكتب. أما عموم الناس، فقد استمرت خاضعة للتأثير الخادع
للدعايات الوهاجة والمغرضة للشيوعية ومشتقاتها.
وما يحصل الآن على الساحة الأوربية، أن تلك الشعوب استجابت لدواعي
فطرتها، ونبذت الشيوعية وراء ظهورها، وأعلنت إفلاس المبدأ من داخل ذاتها،
وانطبق عليها تشخيص عمرو بن العاص قبل أربعة عشر قرناً من الزمان في
تعقيب له على حديث رسول الله- ﷺ : «تقوم الساعة والروم
أكثر الناس» الوارد في صحيح مسلم، قال: «لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً
أربع: إنهم لأحلمهم عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف. وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك» وعلى الساحة الإسلامية تساوي العالم بحقيقة الشيوعية والجاهل بها في الحكم
عليها، واتحدت المواقف منها بين الحركة الإسلامية والجماهير..
٢ - وفرت الحركة الإسلامية جهوداً كانت تبذل في محاربة الاتجاهات
الشيوعية وكشف حقيقة ولاءاتها. فمن نتائج أحداث أوربا الشرقية أن عدم المبرر
لتوجيه الجهود لتوضيح حقيقة الشيوعية. فإذا كان المورد للسلعة قد أوقف إنتاجها،
فالأولى للمستهلك أن يوقف استيرادها، وإصرار المستهلك على ترويج الشيوعية
في ظل هذه الظروف، لهو استخفاف بالجماهير واستهزاء بها، وهذا الترويج لن
يدوم طويلاً لأنه مخالف لمنطق الأحداث.
كذلك انعدمت واجهة استخدمت لمحاربة الإسلام من خلفها، فالشيوعية
ومشتقاتها قد استخدمت كقناع من قبل الرأسمالية لتحجيم استجابة الجماهير للصحوة
الإسلامية. وكان على الحركة الإسلامية أن تكرس الجهود لا لنقد الشيوعية كمبدأ
فقط، وإنما لكشف حقيقة ولاء كثير من الاتجاهات أيضاً، أما الآن فقد سقط القناع
وأفلس المبدأ، ولم يبق إلا العداء السافر للصحوة الإسلامية.
٣ - نقص عدد أعداء الإسلام من حملة المبادئ الهدامة والمناهضة له، فإن
سقوط الشيوعية لم يواكبه ظهور مبدأ جديد، بل تكريس لمبدأ حالي هو الرأسمالية،
فقد انتهت الحرب الباردة والتقى الشرق الشيوعي مع الغرب الرأسمالي، وليس لهما
من ماض مشترك يحنون إليه؛ بل ماضٍ يهربون منه، وكلما جاءت أمة لعنت
سابقتها، ومستقبلها يبنى على أنقاض ماضيها.
أما الحركة الإسلامية فلها في ماضيها ما يضيء لها المستقبل، وفي عقيدتها
ما يرشدها إلى الطريق المستقيم. فهي بذلك لا تنتقل من حال إلى حال ومن نقيض
إلى نقيض، فالثبات في العقائد والتطور في المسالك لا يتناقضان، بل يكمل بعضها
بعضاً، في توازن دقيق، يضمن للأمة الإسلامية ديمومة سلامة العقيدة والفكرة.
ففشل الشيوعية إثبات منطقي لصلاحية الإسلام، دين الله للإنسان. قال تعالى:
[يَا أَيُّهَا الإنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ] [يَا أَيُّهَا الإنسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحاً
فَمُلاقِيهِ] .
٤ - نقص عدد المبادئ التي لا بد أن تخضع للتجارب لإثبات فشلها أمام
الشعوب، أما الإسلام فباق خالد ينتشر أفقياً وعمودياً.
فالأول هو انتشاره في قطاعات الشعب كلها، والثاني هو تعميق الشرع
والفكر الإسلامي في عناصر الحركة الإسلامية. ولتحقيق الأهداف المرجوة وإحداث
التغيير المطلوب، لا بد من محصلة للبعدين متوازنة متوسطة، وإلا تعثر الركب
وانحرف المسار وطال الطريق، وقد أفلحت الحركة الإسلامية في تحقيق البعد
الثاني أكثر من الأول، إذ الإقناع يحصل من طريقين: طريق قصير، هو طريق
النظر والاستدلال العقلي المبني على بصيرة إيمانية، وآخر طويل، هو طريق
التجربة المبني على المعاناة والممارسة الفعلية. وبشكل عام، يصلح الأول للأفراد
والجماعات، ويصلح الثاني للشعوب والأمم.
وقد حث القرآن على النظر والتفكر في آيات كثيرة [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ
فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَذِينَ مِن قَبْلُ] [قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله
مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ] . أما التجربة والمعاناة ففيها آيات
كثيرة أيضاً. [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ]
[ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ] [أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هُمْ
يَذَّكَّرُونَ]
فعلى الحركة الإسلامية أن تصبر على مشاق الطريق وتبني نفسها بناء سليماً
على العقيدة الصافية، وتتحلى بالصبر الجميل على الشعوب، بحيث تكون مؤهلة
لقيادة الجماهير حين تصحو من غفلتها وتردها رداً جميلاً لعقيدتها وفطرتها، وتحقق
لها السعادتين: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
وعلى الحركة الإسلامية، في أثناء تجربة الشعوب والأمم للمبدأ المتبقي،
مبدأ الرأسمالية، واجب مهم. هذا الواجب يتضمن الوعي المبني على العلم
والمعرفة بحقيقة الرأسمالية، مع إمكانية تمييز الغث من السمين، والصالح من
الطالح، والسلبي من الإيجابي، وحيث يتم ذلك كله من خلال منظور إسلامي مبني
على أصول شرعية وحركية، مستلهمة من القرآن وسنة الرسول -صلى الله عليه
وسلم- ففي الحديث: «خياركم في الجاهلية، خياركم في الإسلام، إذا فقهوا»
وفي قول لعمر: (ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية) . وفي سيرة ابن تيمية مثال يحتذى وأمل يرتجى لدعاة القرن
العشرين.
إذ فقه ابن تيمية عقائد الكفار والضالين والمنحرفين، ورد كيدهم في نحرهم. ونراه يرد على مقولاتهم بفقه فاق علم أنفسهم بعقائدهم، وبأسلوب شابه شدة وغلظة عند مخاطبة غلاتهم ورؤسائهم، وتخلله رفق وحنو عند مخاطبة عامتهم وجهالهم.
وتساوى عنده في فقه عقائد الكفار من روم وفرس، وعقائد المدسوسين ممن انتسبوا
إلى ملة أهل القبلة من الفرق الضالة. ولعل في سيرة ابن تيمية وغيره من الدعاة
السابقين له واللاحقين به، ما يدعو إلى القول: خيار دعاتنا اليوم، من فقه الإسلام
وعلم عقائد أهل الضلال.
ورواج الشيوعية في بلاد الإسلام لم يكن مثله في أوربا الشرقية، وفي ذلك
مصداق لقول رسول الله ﷺ حين وقف على قبور شهداء أحد
بعد سبع سنين: «لست أخاف عليكم بعدي أن تشركوا بالله شيئاً، ولكن أخاف
عليكم الدنيا أن تنافسوها» ويستوقفنا الشطر الثاني من الحديث، لربطه بأحداث
الساعة، فالأحداث وإن أدت إلى سير الصحوة الإسلامية خطوة إلى الأمام، فهي قد
أثارت تحدياً أمامها، وذلك بفعل الأسباب التالية:
١ -انتقال الصراع من مرحلة العداء في الخفاء إلى مرحلة العداء في العلن.
فبعد سقوط أقنعة الشيوعية والباطنية على المستوى العالمي وفشلها في وقف مد
الصحوة الإسلامية التي ظهرت لها آثار إيجابية جهادية تبلورت في أحداث
أفغانستان والأرض المحتلة، شعرت ملة الكفر أن التهديد المتجدد من أرض الإسلام
يستدعي اتحاد الشرق والغرب وإنهاء الحرب الباردة، ناهيك عن تأثير التيار
الوحدوي بين دول أوربا الغربية المتمثل في السوق الأوربية المشتركة على تغيير
طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب. فهم جميعاً إذا اكتوت مصالحهم بالإسلام،
وشتى إذا تضاربت مصالحهم فيما بينهم. فهي ثلاثة مراكز قوى بدأت بالتبلور على
المحيط العالمي، وهي وإن كانت جغرافياً وسياسياً منفصلة، فقد اتفقت جميعها على
أمرين: تحقيق الرفاهية الاقتصادية لشعوبها؛ ومعاداة الإسلام.
وعلى الحركة الإسلامية أن تدرك وتعي أبعاد التحدي الجديد. فصراع العلن
هو غير صراع الخفاء. والمجابهة القتالية هي غير المجابهة الفكرية. وصبر على
هذا هو دون صبر على ذلك، والعداء الجديد يستدعي أمرين: تكاتف وتعاون
الاتجاهات المختلفة في الحركة الإسلامية وتقديم البديل الواعي والقادر على قيادة
الأمة الإسلامية إلى بر الأمان.
٢ - تحولت طبيعة الصراع العالمي من صراع بين العقائد الضالة إلى صراع
بين دنيا وآخرة. فصراع الشرق والغرب كان المحور الذي تدور عليه العلاقات
بين دول العالم، وتوزعت ولاءاتها فيما بين طرفي هذا المحصور. شرق إلحادي
وغرب مادي، أما الآن فقد فشلت الشيوعية وطالب رئيسها بتطبيق الشيوعية بوجه
إنساني. وهل يتم ذلك دون دين؟ وهل من دين يضمن استمرارها وبقاءها غير
المسيحية؟ وهكذا، وقبل لقاء رئيسي العملاقين تم لقاء رئيس الشرق ورمز الغرب
الكنسي.
فهي دنيا يسعى إليها هؤلاء من شرق وغرب، وآخرة تعيش معهم، عند
البعض منهم، سويعات في كنائس يوم الأحد، هما عالمان منفصلان دين ودنيا،
ولكن مع تبعية الدين للدنيا، وارتباط مصلحة الثانية بالأولى، فها هو الشمال قد
اتحد بهدف تحقيق الرفاهية الدنيوية لشعوبه في ظل الدين الكنسي. عبد الدرهم
في كل أحواله وعبد الكنيسة في بعض حالاته، فالإنسان هناك يعيش في ظل
تصور فاسد وسلوك دون ضابط، وفي ظل خواء روحي ومادية قاتلة، داء معروف
ودواء مجهول، بريق يخدع الأنظار ودوامة تحجب القلوب.
فالغزو الحديث للعالم الإسلامي يستهدف إفساد السلوك عوضاً عن إفساد
التصور، إذ فشلت شيوعية ملحدة وباطنية منحرفة في إفساد التصور العقدي
الإسلامي عند الشعوب المسلمة، وتستهدف الجهود الآن مخاطبة البطون بدلاً من
مخاطبة العقول، فهي دنيا يسعى لتطويعها هؤلاء، وإلهاء شعوبها بها، عن الآخرة، ويتم ذلك التطويع في ظل أساليب حديثة، تتخطى الحدود السياسية وتتجاوز
المسافات الجغرافية المتباعدة، مجتمع عالمي مفتوح، فرده إنسان عالمي،
تكنولوجيا المعلومات والتصنيع تجعل نقل الصوت والصورة والخير آنياً وبناء
الحضارة المادية متسارعاً، وليس أمام المسلم، في ظل هذه الظروف، إلا البناء
السليم للتصور العقيدي والسلوك الإسلامي، القادر على مقاومة التيار المضاد بالعلم
والعمل، دون انعزال وتقوقع.
وإفساد السلوك ليس كإفساد التصور، بل هو أخطر منه، إذ يخضع للثاني
الجاهل بالإسلام دون العالم به، والجاهل والعالم سواء أمام تأثير الأول، إذ يقاوم
إفساد السلوك تقوى القلوب ويقاوم إفساد التصور علم العقول.
وقد حذرنا الله في آيات كثيرة من تقليد تصرفات وسلوك
الفرق غير الإسلامية، مثل قوله تعالى: [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ
أَنفُسَهُمْ] و [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَراً] و [ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ
أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ]
فها هي الحركة الإسلامية أمام التحدي الجديد، إما أن ترتفع بنفسها إلى
مستواه أو تتحطم تحت أمواجه، وهي في أسلوب عملها، إما أن تنتقل إلى مرحلة
التتحالف والتعاون أو تستمر في مرحلة التخالف والوصاية.
ألم يأن للذين يحملون لواء الحركة الإسلامية أن تقدر التحديات التي تهب
ريحها من الشمال حق قدرها، كما قدروا هم التحدي القادم من الجنوب حق قدره؟
ألم يأن للحركة الإسلامية أن تدرك أن الصراع هو صراع بين أمم وحضارات،
وليس بين أمم وجماعات أو بين جماعات وجماعات [وقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا
يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً] ألم يأن للحركة الإسلامية أن تعتبر بأحداث الماضي في سير
الأولين والآخرين.
стр. 574
البابا يدعو الشباب التشادي ليكونوا قساوسة
-التحرير-
أمضى البابا جون بول الثاني آخر يومين من رحلته بعد أن زار خمس دول
أفريقية في تشاد حيث زار مدينتي (سارة) و (ماوندو) الواقعتين في أقصى ...
الجنوب، ذكرت ذلك صحيفة (الواشنطن بوست) الصادرة يوم ١/ فبراير ١٩٩٠م
والتي نقلت عنه كذلك دعوته الشباب التشادي للتفرغ للعمل في الكنيسة ومناشدته
إياهم أن يصبحوا قساوسة. جاء ذلك في الخطاب الذي ألقاه في اليوم الثاني لزيارته
(الخميس١/٢/٩٠م) أمام بضعة آلاف من التشاديين المسيحيين بحضور (ماتياس
نجرائيري) مطران تشاد الوحيد، ومجموعة القساوسة هناك والبالغ عددهم (١٨٩)
قسيساً يمثل التشاديون منهم أقل من عشرين بالمائة والبقية أجانب.
ومعلوم أن مسيحيي تشاد تابعون للكنيسة الكاثوليكية الرومانية وهم لا
يتجاوزون نسبة ٥% من مجموع السكان الذي يربو على الخمسة ملايين كما تصل
نسبة المسلمين فيه إلى ٦٠%، والبقية وثنيون يعيشون غالباً في الجنوب حيث
ينتشر ويعمل بينهم هؤلاء المسيحيون ومن ورائهم الفاتيكان وجمعيات التنصير
المختلفة التي فتح أمامها المجال بعد دخول البلاد تحت سيطرة المستعمرين
الفرنسيين في العقد الثاني من هذا القرن، فأفرخت بضعة أحزاب وجمعيات سياسية
كان لها أثر مباشر على تطورات الأمور في تشاد، كما تربى في مدارسها بعض
من قُدِّر له أن يحكم البلاد ولسنوات طويلة أمثال فرانسوا تومبلباي وفيلكس معلوم.
واليوم وإن لم يعودوا على رأس الحكومة إلا أنه لا زال لهم فيها نفوذ قوي
وهم يشكلون نسبة عالية من سكان أكبر مدينتين بعد العاصمة (إنجامينا) هما
(سارة) وسكانها ١٢٤. ٠٠٠ نسمة، و (ماوندو) وسكانها ٨٧. ٠٠٠ نسمة، وتعتبر الأخيرة المنتج الرئيس للقطن الذي يقع على رأس قائمة الصادرات التشادية، كما أنهم يتلقون دعماً قوياً من الفاتيكان الذي لا يألو جهداً في استغلال حاجة الناس وفقرهم إلى الغذاء والدواء والتعليم في إيجاد وتوفير بيئة مناسبة لنشر المسيحية بينهم.
إن أمام المسلمين في تشاد مراحل طويلة وصعبة لا بد من تجاوزها حتى يتم
لهم التمكين لدينهم، وتخليص بلادهم من الحروب والانقسامات الداخلية، وإخراجها
من أزمتها الاقتصادية المزمنة، ولذلك فإن الحاجة ماسة لأن يقدم المسلمون لتشاد
وشعبها المسلم دعماً قوياً في كل المجالات؛ اقتصادية وتعليمية أو غيرها، وأن
يساعدوها ويمدوها بالمال والرجال وأن يتعاونوا في ذلك دولاً وشعوباً.
стр. 575
بريد القراء
-التحرير-
الأخ الأمين عبد القادر من أرتيريا أرسل رسالة يشيد فيها بمستوى المجلة،
ويتمنى لو أننا نهتم بقضية أرتيريا وننشر حولها التحليلات التي تعطي فكرة للقراء
عن هذا الموضوع ... ونحن نشكر الأخ على رسالته وثقته بالمجلة ونود أن نشير
إلى أننا من المهتمين بقضية أرتيريا اهتمامنا بأي بلد فيه مسلمون موحدون يؤمنون
بدعوة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وقد نشرنا في العدد ٢٦ من البيان
موضوعاً طويلاً عن تطورات القضية الأرتيرية.
* * *
الأخ عبد الله غالب أحمد - تعز
أرسل يعبر عن إعجابه بموضوعات المجلة وحرصها على سلامة اللغة
العربية، ويسأل عن أقرب طريق للحصول عليها.
البيان: نشكر الأخ عبد الله على حرصك وحبك للعلم والمجلة توزع في اليمن
ويمكنك الاتصال والعنوان موجود في داخل المجلة وإذا أردت الاشتراك المباشر
فأرسل لنا قسيمة الاشتراك والمبلغ المطلوب وجزاك الله خيراً.
* * *
стр. 576
بأقلام القراء
لماذا انهزمنا ؟
ماجد عبد العزيز
روت كتب السير أن الفرنجة أعدوا جيشاً عظيماً للاستيلاء على الأندلس،
ولكن قبل أن يتحرك هذا الجيش تنكر أحد جواسيسهم في صورة تاجر، ودخل
البلاد لكي يتعرف على أحوال المسلمين، وفي أول خطوة داخل أرض الأندلس
الإسلامية التقى هذا الجاسوس المتنكر بصبي مسلم يبكي تحت ظل شجرة، قال
الجاسوس للصبي: لماذا تبكي؟ .
فقال الصبي: أبكي لأني رأيت طائرين فوق هذه الشجرة فأردت أن أصيدهما
بضربة واحدة غير أن طائراً واحداً سقط بينما طار الآخر ونجا.
فرجع الجاسوس من لحظته إلى قومه ونصحهم بالتريث والانتظار حتى تتبدل
أفكار هؤلاء الأطفال لأن قوماً هؤلاء أطفالهم لن يهزموا مهما بلغت قوة أعدائهم،
لهذا لا بد من استعمال سلاح أشد فتكاً من سلاح السيوف والرماح، ألا وهو سلاح
النساء، والغناء، والملذات، والشهوات، ويا للأسف فلقد حدث هذا فعلاً وبعد
سنوات قليلة أصبح الأندلس فردوساً مفقوداً وتحول إلى قصيدة يترنم بها المسلمون
وأغنية ونشيداً ...
وتتساءل الآن لماذا انهزم المسلمون، لماذا انهزم ألف مليون مسلم أمام شرذمة
من أحفاد القردة والخنازير؟ فخذوها مني صريحة أيها المسلمون! !
والله ما انهزمنا إلا عندما حدنا عن الصراط المستقيم، والطريق القويم، الذي
أنزله رب العالمين، والله ما تداعت علينا الأمم وتكالبت علينا الشعوب وتطاول
علينا السفهاء إلا عندما غيرنا ما بأنفسنا فغير الله حالنا، فانتكست قيمنا، وانعكست
مفاهيمنا، فأصبح إعفاء اللحى تزمتاً؛ وتقصير الثياب تطرفاً؛ وتستر النساء تخلفاً؛ والاقتداء بالنبي ﷺ وصحابته الكرام رجعية.
والله ما ذللنا إلا عندما حلت المجلات الخليعة والأغاني الماجنة محل
المصاحف، والله ما هنا إلا عندما غابت شمس خديجة وعائشة وحفصة عن سماء
دنيا نسائنا وفتياتنا، وعلت وجوه تلك الهابطات السافلات من الممثلات والفنانات،
والله ما تقهقرنا وتخلفنا إلا عندما أصبح قدوة الواحد منا مغنٍ ماجن أو لاعب فاشل،
أو ممثل جاهل، ونسينا أبا بكر وعمر وعثمان وعلي الذين رفعوا شأن هذه الأمة،
وفجروا بركان التوحيد في أرجاء المعمورة حتى رفرفت راية الإسلام على الشواطئ
وقمم الجبال ...
فعودة صادقة إلى المنبع الصافي؛ إلى كتاب الله وسنة نبيه، لينصرنا الله
ويغير حالنا من هزيمة وذلة إلى نصر وعزة مصداقاً لقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَذِينَ
آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] .
стр. 577
أهمية العقيدة والدعوة إليها
أم زياد المالكي
أرسل الله سبحانه رسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره
الكافرون وجاءوا من عند الله مبشرين ومنذرين متحدين على هدف واحد ويدعون
إلى عقيدة واحدة التي هي محور دعوة جميع الرسل من نوح ﵇ إلى
خاتمهم وأفضلهم محمد ﷺ ، الذي بعث رحمة للعالمين، ليخرج
الناس من الظلمات إلى النور، وسار على نهجهم السلف الصالح، يستلهمون سر
وحدتهم من صفاء العقيدة الخالصة التي لم تشبها شائبة، فأصبحوا بذلك سادة الدنيا
وفتح الله لهم أبواب الخير في كل مكان ورفعوا راية التوحيد في مشارق الأرض
ومغاربها، لأن الذي بدءوا به هو الأهم قبل المهم، وانطلاقهم في دعوتهم من
تحقيق كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) لأن ذلك هو الأساس الذي
أمروا أن يبدءوا به.
قال الله تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي
وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] وقال تعالى: [واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ
شَيْئاً] والعقيدة مهمة جداً لنيل المقصود في الآخرة، أساس كل عمل وتكفر الذنوب
والكبائر إذا صدرت عن إخلاص وقوة إيمان يدل لذلك ما رواه الترمذي وغيره عن
عبد الله بن عمرو بن العاص من حديث صاحب البطاقة حيث ينشر له تسعة
وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يأتي ببطاقة فيها (أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمداً عبدوه ورسوله) فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فتطيش السجلات، وتثقل البطاقة.
فالعقيدة هي رأس الأمر كله والجسد لا يستقيم بلا رأس، ولكن الأمر اليوم قد
تبدل في أهمية العقيدة والدعوة إليها، فقد يرتكز الداعي إلى أمور لا تستقيم إلا
بالعقيدة، فبعضهم يدعو إلى مكارم الأخلاق أو يدعو إلى السياسة الصحيحة ...
وبعضهم يدعو إلى صفاء النفوس وطهارتها، لكن لا أهمية لهذه الأمور إن لم يكن
الأساس قد وضع لها، وهي العقيدة الصافية الخالصة من كل شائبة فتراهم يبدءون
بالدعوة إلى بعض الفروع، ويزعمون أنها متى أقيمت فسوف يأتي الأمل تلقائياً..
إن الدعوة الصحيحة هي التي تقام على ما قامت عليه دعوة السلف الذين
جعلوا الدين وحدة متكاملة ينطلق في السياسة والأخلاق وجميع الأمور من العقيدة
الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة، وعند الهتاف بأن الدعوة لا بد أن تكون على
العقيدة لا يعني إهمال الجوانب الأخرى أنما يعني وجوب التأسيس وتكون أعمالنا
من منطلق العقيدة.
стр. 578
قديم جديد
أهمية الزراعة
وخطر الزهو والخيلاء والزينة
علي مبارك [١]
أسباب تأخر الزراعة:
كان لتأخير الزراعة أسباب كثيرة، وأقواها: تأثير الاحتقار بأهل الفلاحة،
وعدم الالتفات إليهم، وترك التبصر في أحوالهم، وارتكاب ما تضيع به ثمرات
الفلاحة، من تسخير أهلها بالعسف والقهر، والتعدي عليهم بما يقهقر حالهم، ويفسد
عليهم أعمالهم، وكالتغالي في الزينة والزهو والإكباب على اللعب واللهو، خلافاً لما
يزعمه أخساء العقول من أن ذلك من لوازم الثروة، فإن بطلانه لا يخفى على كل
ذي بصيرة.
أضرار التفاخر والزينة:
فضرر حب الزهو والفخر كضرر المحاربة، بل أضر، لأن المحاربة، وإن
كانت تضر بأرض الزراعة لا تضر بالأمة، وإن أضرت فضررها وقتي، ومما
يؤيد ذلك أنك ترى بعض الجهات وقع فيها محاربات كثيرة وهي الآن أحسن مما
كانت قبل الحرب، لأن الغالب أن الحرب إذا كانت في جهة وأتلفت منها شيئاً زاد
عمار الأخرى بقدر ما تلف من الأولى، وقد ينتبه الجميع بعد انقضائها فيتركون
الرفاهية فيعودون إلى أحسن مما كانوا. فعلمنا من ذلك أن الحروب وكذا الأمراض
الوبائية ليست السبب في تدمير الأمم أصلاً، بل السبب في حب الزهو والزينة
ليس إلا، لأنا لو فرضنا أن فرساً واحداً دخل مدينة للخيلاء به، لا لعمله، لم تشك
أنه يأخذ من ريع تلك المدينة لمؤنته ما يعدل مؤنة أربعة من نوع الإنسان، وهذا
فرس واحد، فما بالك بأفراس؟ ! أو ما بالك بغيره من الحيوانات التي لا فائدة فيها
إلا النظر لذاتها؛ أو التأمل في ألوانها وهيئاتها؟ !
ولا يقال: إن اقتناء الحيوانات - وإن كثرت مؤنتها-لاضرر فيه، لما يترتب
عليه من تسميد الأرض بروثها، فتزيد في محصولها بقدر مؤنة الدواب والحيوانات
التي بها؛ لأن ذلك إنما يقال في الدواب والحيوانات التي بالقرى وأرض الزراعة،
وأما الحيوانات التي بالمدن فلا، لأن روثها بها لا قيمة له، بل قد يصرف عليه
دراهم لإخراجه من محله، مع ما يلزم لذلك من تعطيل أشخاص من أهل الفلاحة
لخدمتها وجلب مؤنتها.
معيار الثروة:
وقد توهم بعضهم أن كثرة الأمة وقلتها تابع لما يستهلك؛ قلة وكثرة أعني أنه
كلما كثر المستهلك كثرت الأمة وكلما قل قلت، وهذا التوهم لا يسلم به إلا لو
اقتصر على ما لا بد منه، والواقع غير ذلك، فإنا نرى القليل من الأمة يصرف
أضعاف ما يصرفه الكثير منها، فإذا تأملنا ذلك وجدنا أن معيار الثروة وعدمها تابع
لكثرة المشتغلين بالزراعة وقلتهم، فكلما كثروا أخصبوا، وكلما قلوا أجدبوا، فأي
قوم لم يشتغلوا بأمر الزراعة وتوابعها؛ كانوا وبالاً على الأمة عموماً، وعلى
المشتغلين بها خصوصاً، فحينئذ يجب على ولاة الأمر التنبه لذلك، وحمل أهل
البطالة على العمل، ولا سيما الشحاذين الذين اتخذوا التكفف صنعة، فإنهم يتفننون
في الحيل ويتعللون بما تسوله لهم أنفسهم من العلل، فلا يمضي على الواحد منهم
زمن قليل إلا وتحصل على جزء من المال. فمثل هؤلاء يجب منعهم وأمرهم
بالتكسب لئلا يقتدي بهم من يميل إلى البطالة والكسل، ليستغني بهذه الصنعة
الخبيثة عن التكسب بالعمل.
واجب الدولة تجاه الزراعة:
فإذا تمهد هذا علمنا أن فن الفلاحة والزراعة هو الأصل، بل هو أساس ثروة
البلاد وعمارها، وأصل رفاهية أهلها، فيجب على كل حاكم احترام المشتغلين بها
والالتفات إليهم كل الالتفات، ومساعدتهم بأنواع المساعدات، وتطييب قلوبهم
والرأفة بهم، وإلا كان كمن هدم أساس بيته بفأسه، لأن مثل كل ملك مع رعيته
كمثل شكل هرمي، الملك كرأسه والرعية كقاعدته وأسه، ورجال الدولة ما بين
ذلك على قدر درجاتهم، فكما أن كل جزء من أجزاء هذا الشكل حامل لثقل ما فوقه
وهكذا إلى الطبقة السفلى فتكون هي التي عليها ثقل الجميع، كذلك أرباب الحكومة
السياسية على اختلاف درجاتهم كلما فسدت درجة سرى ضررها إلى من دونها
وهكذا، حتى تجتمع جميع المضار على الضعفاء وأهل الفلاحة، فلو قصر الملك
نظره على من يليه من رجال دولته، وصرف عمن دونهم نظره، فسد نظامه،
واختلت مملكته وأحكامه، فكما أنه لا بقاء للشكل إلا بقواعده، كذلك لا بقاء لملك إلا
برعيته، فإن تنبه الحاكم وأنصف من نفسه عرف كيف يصون ولايته من الخلل،
بأن يشمل بنظره جميع رعيته، لا يفرق بين الأجانب منهم وذوي قرابته، ولا بين
ضعيف منهم وقوي، وخص جميع أهل الفلاحة عندئذ بالعناية والالتفات، لأنهم
الحاملون لأثقاله، القائمون بمصالحه وأعماله، إذ لولاهم ما كان للملك قوام ولا تم
له نظام، وحيث كانت الأرض لا تفيد إلا بقدر ما تستفيد، لا فرق عندها بين عظيم
فتكرمه ولا فقير فتحرمه، بل إن قام صاحبها بما يجب لها وخدمها انتفع بها وإلا
عدمها، وهي على اختلاف أنواعها؛ لا يخلو شيء من أجزائها عن فائدة، حتى
الرمل الذي لا يصلح للزراعة لو وضع منه شيء في الأرض السبخة، أو البرك
المالحة لأصلحها، وكذلك أخراس [٢] الأرض لو نقيت مما فيها وحرثت، لكانت
أصلح من غيرها، وكذلك الأرض الحجرية يؤخذ منها أحجار للمباني العظيمة ذات
الأسوار، فما من إنسان في أي مكان وتيسرت له أسباب الراحة وانتفت عنه
الموانع إلا تيسر له منه أضعاف قوته، وتحصل على ما لا يتحصل عليه غائص
البحر لياقوته، فلو فرض أن فداناً غرس أشجاراً لا تثمر؛ وترك إلى نحو عشرين
سنة لكان فيه من الخشب والفحم ما يقوم بمال عظيم مع أنه لم يلزم له إلا قليل من
العمل والعمال، فما بالك لو غرس أشجاراً ذات ثمر، فلو فرضنا أن ذلك الفدان
بعينه كان في المدة المذكورة، يزرع حبوباً لكانت فوائده أكثر منها في الحالتين
السابقتين، فعلم من ذلك أن الناس تابعة للزراعة، كثرة وقلة، ولو كان ذلك الفدان
بعينه في ضاحية من ضواحي المدن قد هيأ له صاحبه محابس لريه، وغرس فيه
أشجاراً، وأجرى إليه أنهاراً وجعل فيه عروشاً أما كان بذلك يساوي أضعاف مثله
من أرض القرى والأرياف؟ وما ذاك إلا لكثرة عماله واحتفاف الناس به، فهذا
دليل على أنه كلما كثرت الناس بأرض زاد محصولها، وأن الإنسان لو خلي ونفسه
لجعل من الأرض الحجرية بساتين وكروماً.
( ... ) فلو أحصينا عدد قرية وفرضنا أنهم قائمون بخدمة أرضهم حق القيام
كان عددهم دائماً فى زيادة، لأن المجمع عليه عند أرباب الفلاحة أن الأرض كلما
خدمت زاد محصولها، فليس محصول المحروث مرة كمحصول المحروث مرتين،
ولا محصول الأرض التي تسقي بماء المطر كالتي تسقى بماء العيون، ولا
محصول الأرض التي سقيت كمحصول الأرض التي لم تسق، وهذا من محسنات
الزراعة.
فالفلاحة لا شك أنفع الصنائع، إذا توفرت أسبابها، وانتفت الموانع عن
أربابها، خلافاً لقوم ذموها واستقبحوها، وعدلوا إلى دماء الناس وأموالهم
فاستباحوها، مع علمهم بأن فوائد الفلاحة لا تعدلها فوائد، وإدرار أرزاقها دائماً
متزايد، وهم الأثينيون وسكان آسيا، فكانوا يزعمون أن الفلاحة والتجارة مما يوهن
القوى البدنية، ويورث الذل للذرية، فتركوا الصنائع ولم يلتفتوا لما فيها من المنافع، وعدلوا إلى نهب الأموال، وأسر ما قدروا عليه من نساء ورجال، وعم ذلك
جميع أوربا فأنتج خرابها، وأفسد العمار الذي كان بها، وكان المنقطع للفلاحة وقتئذ
الأرقاء، ومن يأوي إليهم من الغرباء، فارتحلت عنهم حينئذ الفضائل الدثرية [٣] ،
وقد كانت بقعتهم عين منبعها ومرج مرتعها، وانظر إلى الرومانيين وما كانوا فيه
من الخمول والتوحش، فلما أفاقوا من خمولهم وتفننوا في الفلاحة علت شهرتهم
وقويت شوكتهم، ثم تقادم بهم الزمن وأهملوا أمر هذا الفن واشتغلوا بالمحاربات فآل
أمرهم إلى الخراب، وضعفت دولتهم وانحطت صولتهم، وانتهى بهم الحال إلى أن
تقاسم أرضهم المتبربرون. وبالجملة فلم نر جهة أهملت فيها الزراعة إلا حل بأهلها
القحط والمجاعة.
مدار الازدهار على الأمن والاستقرار:
إلا أنه بغير العدل لا يتم صلاح، إذ لولاه ما قدر مصل على صلاته، ولا
عالم على نشر علمه، ولا تاجر على سفره، وهو صفة في الذات تقتضي المساواة، وهذه الصفة أكمل الفضائل، لشمول أثرها، وعموم نفعها، وإليها الإشارة بقوله
ﷺ : «بالعدل قامت السموات والأرض» .
وتوضيح الكلام يحتاج إلى مقدمة في هذا المقام، ذلك أن الله تعالى لما خلق
الأرض ودحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، وبث فيها من كل دابة، فكان فيما
خلق نوع الإنسان، ولعلمه أنه ليس كغيره من سائر الحيوان، أحوج بعضه إلى
بعض في ترتيب معاشه ومؤنه وتحصيل ملبسه ومسكنه، لأنه ليس كسائر
الحيوانات التي تحصل بنفسها ما تحتاج إليه من غير صنعة، بل خلقه ضعيفاً لا
يستقل وحده بأمور معاشه.
ثم مست الحاجة بينهم إلى سائس عادل، وملك عالم عامل، يضع فيهم ميزاناً
للعدل وقانوناً للسياسة توزن به حركاتهم وترجع إليه معاملاتهم، وكان مباشرة هذا
الأمر من الله تعالى بنفسه من غير واسطة على خلاف ترتيب المملكة وقانون
الحكمة، فاستخلف عليهم من الآدميين، خلائف، وضع في قلوبهم العلم والعدل
ليحكموا بهما بين الناس، حتى يصدر ترتيبهم على قانون مشروع، وتجتمع كلمتهم
على أمر متبوع، ولا تتحقق العدالة إلا بعد العلم بأوساط الأمور، المعبر عنها
بالصراط المستقيم، ولا تؤثر عدالة الشخص في غيره إلا إن أثرت في نفسه، إذ
التأثير في البعيد قبل القريب بعيد، قال تعالى: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ
أَنفُسَكُمْ] [البقرة: ٤٤] ، فمن عدل في حكمه وكف عن ظلمه نصره الحق وأطاعه
الخلق، وصفت له النعماء، وأقبلت عليه الدنيا، فهنئ بالعيش واستغنى عن الجيش، وملك القلوب وأمن الحروب، ولم يخلق الله تعالى أحلى مذاقاً من العدل، ولا أمرَّ
من الجور، لأن أُس الملكة وأركانها، وثبات أحوال الأمة وبنيانها: العدل
والإنصاف، سواء كانت الدولة إسلامية أو غير إسلامية، فهما قاعدة كل مملكة،
وأصل كل سعادة ومكرمة.
стр. 579
الصفحة الأخيرة
المطبوعات الإسلامية
عبد القادر حامد
هناك صنفان رئيسيان للمطبوعات الإسلامية: قديم وجديد.
أما القديم، فمنه ما يتعلق بالنواحي العقائدية والفقهية البحتة ككتب التفسير
والفقه والحديث والأصول، ومنه ما يتعلق بمعالجة قضايا هي بنت تلك العصور
القديمة على ضوء الإسلام، وكلا النوعين مبذول ولا تشكو المكتبة الإسلامية من
قلته.
وأما الجديد: فمنه ما يدخل في الدائرة الأولى من القديم: وهو التفسير
ومحاولات تنزيل بعض الأحكام الفقهية على الوقائع المعاصرة، ودراسات تتعلق
بالحديث وأصوله، والدفاع عن حجية الحديث في مجال الإيمان والأحكام، وهذا
أيضاً موجود ولا حَجْر عليه.
ومن الجديد ما يقابل الثاني من القديم وهو معالجة ومناقشة القضايا المعاصرة
على ضوء من الأصول الإسلامية، وهذا ما تفتقر إليه المكتبة الإسلامية، بل تفتقر
إليه الأجيال المعاصرة من المسلمين وعلى الرغم من وجود مقدار لا بأس به من
المطبوعات التي تصدت وتتصدى لهذا المجال؛ لكن العوائق التي تعترض وصولها
إلى جماهير المسلمين كثيرة، وأكثر القضايا التي يجب أن يكون للإسلام فيها فكر
واضح مقترن بحدوثها لا يصل هذا الرأي والفكر إلى من يجب أن يصل إليه إلا
بعد مرورها وبعد أن تصبح حدثاً تاريخياً أعطى نتائجه وأصبح في ذمة الماضي،
ولهذا السبب يبدو الفكر الإسلامي متأخراً عن معالجة قضايا الساعة.
لكن الذي ينبغي التنبه له هو أن هذا التأخر ليس مبعثه الفكر الإسلامي،
وإنما مبعثه أسباب خارجية ومعوقات توضع قصداً، وتبذل في سبيلها أموال طائلة، وتسخر لها عقول جبارة لتحتكر تقديم وجهة النظر التي إن سمح للإسلام للمشاركة
فيها فلا يسمح له إلا بعد أخذ العهود والمواثيق عليه أن يكون ضمن الخط المرسوم!
стр. 580
شوال - ١٤١٠هـ
مايو - ١٩٩٠م
(السنة: ٤)
стр. 581
الافتتاحية
صناعة الفكر
في هذه الأيام التي لا نزال نتلمس فيها طريق النهضة وطريق التغيير، نحن
بحاجة إلى مفكرين (فقهاء) وبالمعنى العام لكلمة (فقه) وهي: الفهم العميق للإسلام،
كما دعا رسول الله ﷺ لابن عباس «اللهم فقهه في الدين
وعلمه التأويل» .
نحن بحاجة إلى فقهاء علماء يعرفون سنن التغيير وأمراضنا الاجتماعية
وواقعنا وواقع غيرنا تمام المعرفة، وما هي الخطوات المرحلية التي يجب أن نبدأ
بها، وإذا كان الغرب ينتقل إلى الهم الاقتصادي والثورة (التقنية) فإننا في بلاد
المسلمين لازلنا بحاجة إلى التخطيط الفكري؛ فإن هذه البضاعة لا تزال عزيزة،
وإذا وجدت فإنها بضاعة غير رائجة، فلا تزال المنزلة الأولى للخطيب والواعظ،
وصاحب الحديث الجذاب والبلاغة الأدبية، ولا تزال المجلة الفكرية، والمحاضرة
الفكرية ثقيلتي الظل على السامع أو القارئ المسلم بشكل عام، وإذا حدث ودعي
مفكر لندوة أو محاضرة فهي من باب (التملح) أو لكسر الروتين السائد، إن مشكلة
(المسلم) لا تحل إلا بتحديدها تحديداً دقيقاً، والتفكير فيها، وهذا لا يؤتاه إلا (أولو
الألباب) وعندما ذكر القرآن الكريم أن عشرين من المؤمنين. يغلبون مائتين من
الذين كفروا قال: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ] .
ولذلك قال عبد الله بن مسعود يصف بعض المظاهر في آخر الزمان: «يكثر
الخطباء ويقل الفقهاء» .
عندما كان العلماء الفقهاء هم الموجهون أو هم الحكام كانت الأمور تسير سيراً
صحيحاً، وعندما انفصلت السياسة عن الفكر أصيبت بالانحراف ثم بالتدمير، وفي
دول الغرب الآن نجد أن السر في قوتها «هو تكامل الفكر والسياسة، واعتماد
رجال التخطيط والتنفيذ في دوائر السياسة والإدارة على ما يقدمه رجال الفكر
العاملون في مراكز البحوث والدراسات خلال اللقاءات الدورية التي تجمع بين
الفريقين لمناقشة وتقويم القضايا الداخلية والخارجية، ففي بلد كالولايات المتحدة
هناك حوالي تسعة الآف مركز بحوث ودراسات متخصصة في بحث شؤون السياسة
والاجتماع والاقتصاد والثقافة والتربية ... » [١] .
لا شك إنهم في الغرب يمارسون هذه الصناعة ويشجعونها، بل عندهم (بنوك)
للأفكار، فالذي يقدم فكرة جديدة، تخزن حتى تأخذ طريقها للتنفيذ، ونحن لم
نمارس هذه الصناعة - إلا في القليل -، وقد يكون من الأسباب الداعية لذلك ما
تعودنا عليه من حب للسهولة، فلا نريد أن نتعب أنفسنا بالتفكير العميق في مشكلة
من المشاكل، وكيف تحل، وإنما نكتفي بكلام عام وصحيح في نفس الوقت،
كالطبيب الذي يصف لكل مريض أقراص (الأسبرين) ، فلا هي تضره ولا هي
تنفعه النفع المطلوب، فأنت تسمع من يقول لك: حل المشكلة في (الرجوع إلى الله)
وهذا كلام صحيح، ولكن كيف يكون الرجوع إلى الله؟ كيف تحل العقد الاجتماعية
المتشابكة، كيف نظهر علماء - فقهاء، كيف نستفيد من الطاقات ونجمعها ونضعها
في موضعها الصحيح؟ ! ، هذا لا جواب عليه!
وسبب آخر قد يكون عائقاً عن وجود (أولي الألباب) وصناع الفكر الذين
يقدمون الحلول الصحيحة، ألا وهو التأثر ببعض المنهج الظاهري بين صفوف
طلبة العلم، وأقول: بعض المنهج الظاهري؛ لأن لابن حزم جولات رائعة في فهم
الإسلام، ولكن أخذ الجانب الأسهل عنده، فإن نفي الحكمة والتعليل، وبالتالي نفي
القياس يُضعف الجانب الاستنباطي الاجتهادي.
إننا مطالبون بالتفكير كما جاء في القرآن الكريم: [وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل: ٤٤] .
إننا مطالبون بالتفكير في آيات الأنفس والآفاق، في أسرار التشريع، وفي
سنن التغيير الذي يريده الله ، وفي منهج الرسول - صلى الله عليه
وسلم - في (فقه التغيير) .
وهذا التفكير يأتي بالتأمل والتعمق في فهم الأمور، يقول الشيخ الأديب محمود
محمد شاكر:
«فإن العقل هبة الله لكل حي، ولكن أساليب تفكيره كسب يكتسبه من
معالجة النظر، ومن التربية ومن التعليم، ومن الثقافة، ومن الآف التجارب التي
يحياها المرء في هذه الحياة [٢] .
وأخيراً فإننا نتمنى أن يزداد عدد الفقهاء الحكماء ليقودوا الأمة، فإنهم هم
المؤهلون لهذا، وعند فقدهم يسود الأغرار، وتسود لغة العاطفة التي لا تغني عن
الحق شيئاً» .
стр. 582
آية من كتاب الله
[إن هذا القرآن هذا يهدي للتي هي أقوم]
قال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
«ومن هدي القرآن للتي هي أقوم هديه إلى أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين، فما خيله أعداء الدين لضعاف العقول ممن ينتمي إلى الإسلام من أن التقدم لا يمكن
إلا بالانسلاخ من دين الإسلام باطل لا أساس له، والقرآن الكريم يدعو إلى التقدم
في جميع الميادين التي لها أهميه في دنيا أو دين، ولكن ذلك التقدم في حدود الدين، والتحلي بآدابه الكريمة، قال تعالى: [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] ، وقال:
[وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ (١٠) أَنِ
اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا] فقول [أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ] يدل
على الاستعداد لمكافحة العدو، وقول: [وَاعْمَلُوا صَالِحًا] يدل على أن الاستعداد
في حدود الدين الحنيف، وانظر قوله: [وأَعِدُّوا لَهُم] ، فهو أمر جازم بمسايرة
التطور في الأمور الدنيوية، وعدم الجمود على الحالات الأولى إذا طرأ تطور جديد، ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين؛ فإن النسبة بين التمسك بالدين والتقدم كالنسبة
بين الملزم ولازمه، بمعنى أنه يلزم عليه التقدم كما صرحت به الآيات المذكورة.
أضواء البيان ٣ / ٣٩٦
стр. 583
من نور النبوة
١ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله -
ﷺ : «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل
القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» .
٢ - عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن النبي ﷺ
قال: «أراني في المنام أتسوك بسواك فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر،
فناولت السواك الأصغر فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما» .
٣ - عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء
فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء
فأقدمهم سناً، ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا
بإذنه» .
стр. 584
من تاريخ التغريب
الاسماعيلية الجديدة [*]
(١)
د. عبد الله الخلف
كثيراً ما نقرأ أن العرب ممثلين بمصر سبقوا اليابانيين في محاولة الاتصال
بالغرب، والاستفادة منهم في مجالات العلوم والتقنية والإدارة، ونعلم أنه بينما نجح
المشروع الياباني في تحقيق أهدافه نجاحاً باهراً، لم يحقق المشروع العربي إلا
الإخفاق والفشل الذريع.
ولئن كان السبب الذي أدى إلى إخفاق المشروع العربي واضحاً بيناً في
أصوله وإطاره العام - وهو عدم الاعتماد على المنهج الإسلامي -، فإنه بحاجة إلى
كثير من الدراسة والبحث في جزئياته وتفاصيله. ومن أبرز المواقف التاريخية
المتصلة بهذا الموضوع، والتي يمكن الوقوف عندها والتأمل فيها لما لها من قيمة
في إضاءة جانب من هذه القضية، ذلك الاحتفال الكبير الذي أقامه الخديوي
إسماعيل عام ١٨٦٩ م بمناسبة افتتاح قناة السويس.
لقد أراد إسماعيل أن يظهر دولته أمام ضيوفه الأوربيين بمظهر الدولة
المتقدمة التي لا يقل مستواها الحضاري عما وصلت إليه بلدان أوربا، وأراد أن
يبرهن على ما زعمه من أن مصر قطعة من أوربا لها من الروابط معها أكثر مما
لها مع جيرانها.
من أجل ذلك انتهز هذه الفرصة، وسافر بنفسه إلى أوربا لتوجيه الدعوة إلى
زعمائها لحضور الحفل فاستجاب له عدد من أولئك الزعماء، منهم الامبراطورة
أوجيني زوجة امبراطور فرنسا نابليون الثالث، وامبراطور النمسا، وولي عهد
بروسيا، وشقيق ملك هولندا وزوجته، وعدد كبير من رجال السياسة والاقتصاد
وغيرهم من المدعوين الذين بلغ عددهم قريباً من ألف.
وقد بُذلت جهود كبيرة، وصرفت أموال طائلة في سبيل إظهار مصر بمظهر
يعجب هؤلاء الضيوف. ومن ذلك إقامة عدد من القصور الفخمة، وإنشاء حديقة
كبيرة في القاهرة، وتم تنفيذ طريق يصل إلى الأهرام في مدة وجيزة لكي يتمكن
الضيوف من زيارتها، كما أنشئ عدد من السكك الحديدية لتسهيل تنقل الضيوف،
وتم بناء دار الأوبرا في القاهرة، وكلف موسيقي إيطالى مشهور بوضع أوبرا لتمثل
أمامهم، كما تم إنشاء عدد من المدارس التي لم يكن الهدف الأول منها تعليمياً،
ولكن ليباهي بها إسماعيل ضيوفه، وتم استقدام خمسمائة طاهٍ وخادم من أوربا
علاوة على عدد كبير من الموجودين في مصر.
وقد أقام كثير من المدعوين - ومنهم الامبراطورة أوجيني - مدة تزيد على
الشهر، وقاموا برحلات في أنحاء مصر لمشاهدة معالمها وآثارها، وأقيمت لهم في
أثناء ذلك حفلات الغناء والرقص الباذخة، كل ذلك على نفقة مضيفهم حتى إن أحد
المدعوين قال: «لم نصرف شيئاً بالمرة خلال هذه الرحلة، لقد شاهدنا كرماً لا
مثيل له» .
أما الاحتفال الكبير فقد استمر خمسة أيام، قام موكب المدعوين خلالها بمسيرة
من بور سعيد إلى السويس في مظاهر من الأبهة والبذخ الذي لم يشهد له كثير من
الضيوف مثيلاً. حتى إن الامبراطورة قالت: «يا إلهي لم أر في حياتي أجمل من
هذا» . وكان هذا البذخ مثار سخط كثير من عقلاء البلد، ولكنه كان موضع الرضا
والترحيب من ثعالب أوربا الذين كانوا يتربصون بمصر الدوائر، ويتحينون
الفرص للانقضاض عليها. وقد ذكر أن أحد رجال الخديوي شكا من ذلك إلى أحد
الأمراء الأوربيين قائلاً: «إننا نأكل أحجار الأهرام حجراً حجراً» فرد عليه
بخبث: «لا تهتم سنقرضكم المال اللازم لتشتروا منا الإسمنت لإعادة بنائها» .
ولذا لم يكن غريباً أن تؤدي هذه التصرفات إلى إغراق مصر بالديون مما لم
تستطع إيراداتها الوفاء به، فاضطر الخديوي أخيراً إلى بيع أسهم مصر في القناة
لإنجلترا، فلم يعد لها فيها أي نصيب. واستغلت الدول الأوربية الأمر فعينت
مندوبين منها يتصرفون في إيرادات مصر ومصروفاتها بحجة حماية حقوق الدائنين
الأوربيين وتسديدها، وأخيراً وقعت مصر تحت الاحتلال الإنجليزي، بعد أن هيأ
إسماعيل بأعماله السيئة أفضل الظروف لإنجلترا لتحقيق أهدافها.
من خلال هذا العرض يتبين لنا أن هذا الرجل قد فتن بالغربيين، واستمات
في أن يطهر دولته بمظهر ينال إعجابهم. ولكن نظرته إليهم، وفهمه لسر قوتهم
كان موغلاً في السطحية والسذاجة، وكان اهتمامه منصباً على المظاهر بعيداً عن
الجوانب الجوهرية. وقد اتضح هذا من خلال الأسلوب الذي اتبعه في محاولته
اللحاق بهم ووضع مصر في مصاف دولهم، وهو أسلوب يحمل بذور الفشل الذريع، ويؤكد جهل صاحبه وقصر نظره.
ولم يكن هذا العمل الذي بدر منه في هذه المناسبة عملاً طارئاً، ولكنه يعبر
عن منهجه الإصلاحي، وموقفه الحضاري من الغرب. وهو منهج قائم على أساس
دعواه أن مصر قطعة من أوربا، وبدلاً من أن يزرع في نفوس شعبه العزة،
والإحساس بالتميز والاستعلاء بما لديهم من مبادئ سامية وتراث عريق راح يجرهم
إلى تبعية ذليلة مهينة، ويغرس في نفوسهم، حب التقليد الأعمى.
لقد غاب عن الخديوي إسماعيل أن الأمم مهما كانت درجتها من الضعف لا
يمكن أن تتخلى بسهولة عن أصالتها، وجذورها التاريخية والحضارية، وتسقط في
أحضان الآخرين فكيف إذا كانت تنتمي إلى خير أمة أخرجت للناس، وغاب عنه
أن الشخصية الحضارية للأمة لا يمكن أن تتبدل بمجرد أن يلبسها ثياب الآخرين
ويضفي عليها مظاهرهم، ولم يكن يدرك أن طريق الإصلاح والنهضة إنما يبدأ
بالإنسان قبل أي شيء آخر، وأن هذا الإنسان لن يستجيب بسهولة لمحاولات
الإصلاح ما لم نخاطب فيه نوازعه الفطرية وخصوصيته الحضارية، ونشعره
بتميزه وأصالته.
وكم كان الفرق عظيماً والبون شاسعاً بين منهج إسماعيل والمنهج الياباني الذي
قام على أساس من التميز والأصالة، ولم ينظر من أوربا إلا إلى الجانب الذي يفتقده
ويحتاج إليه من علوم وتقنية سرعان ما استوعبها واحتواها بأساليبه التعليمية
والتربوية الخاصة، حتى إن الأمريكيين واجهوا صعوبات كبيرة في فرض
نظرياتهم التربوية عليه بعد الحرب العالمية الثانية.
ولكن الأمر لم ينته بفشل الخديوي إسماعيل في مشروعه وما جره على بلده
من مصائب، فقد تابعه وسار على منهجه معظم القيادات السياسية لبلاد المسلمين
على اختلاف في درجة التقليد، وعلى تفاوت في إظهار التبعية والولاء. كما أن
الاهتمام بالمظاهر والأبهة الكاذبة والرغبة في نيل إعجاب الغرب لا يزال هاجساً
يستحوذ على تفكير كثير من تلك القيادات، ويدفعها إلى بذل الغالي والنفيس في
سبيلها، لتتمكن من إرضاء غرورها، حتى لو اضطرت إلى حرمان شعوبها من
أهم الضروريات، وإلى إغراقها بالديون والمشكلات.
ولا تزال هذه التجارب الفاشلة تؤتي ثمارها المرة، وتدفع بالشعوب المسلمة
إلى مهاوي التخلف والضعف والهوان.
стр. 585
وحدة العمل الإسلامي
تحت راية أهل السنة والجماعة
محمد محمد بدري
تواجه الحركة الإسلامية المعاصرة تحديات كثيرة، من خارجها ومن داخلها.. تواجه من خارجها مكر أعدائها وكيدهم، وتواجه من داخلها أمراض التعصب
والهوى والجهل واتباع الرؤوس الجهال، وما ينتج عنها من فرقة واختلاف!
فأما التحديات الخارجية فنستطيع أن نقول أنها فشلت سياسياً وأمنياً في إحراز
أي مكسب على حساب الحركة الإسلامية المعاصرة! !
وأما التحديات الداخلية فهي -فيما نحسب -الخطر الحقيقي الذي يعوق مسيرة
الحركة ويباعد بينها وبين أهدافها.
وبينما يختلف الإسلاميون في كثير من الأمور، إلا أنهم جميعاً متفقون على
أن الفرقة والاختلاف هي آفة الحركة الإسلامية المعاصرة، وهي الداء الذي يشل
أية فاعلية ممكنة لتلك الحركة.
ولا شك أن الوحدة والائتلاف بين العاملين للإسلام هي أمنية كل مسلم غيور،
والذي يجعل تحقيق هذه الأمنية الغالية ممكناً هو أن ندرك متطلباتها ونعرف الأسس
الصحيحة التي تكفلها.
ومساهمة في بيان هذه الأسس وتلك المتطلبات نضع بين أيدي إخواننا
العاملين للإسلام هذا المنهج للائتلاف والوحدة كخطوة على طريق الوحدة الشاملة،
ونأمل منهم تفهمه، ونقده، وترشيده بل ونطالبهم بتهذيبه والإضافة إليه بما يثري
إيجابياته ويلفظ سلبياته، ويقرب من جدوى ثماره.
أولاً: أهل السنة وطريق الوحدة:
يدعو البعض إلى الوحدة والائتلاف بين الجماعات الإسلامية، فإذا سألته ...
كيف؟ قال لك: إن هذه الجماعات أمة واحدة، والوحدة والائتلاف بينها تكون ... بانضمام هذه الجماعات إلى جماعتنا؛ لأننا نحن أصحاب الفهم الصحيح!! ، ولأننا ... نسير في الطريق الأصلح والأصوب، أو لأننا أكثر عدداً، أو غير ذلك من الأسباب؟ ! .
ولا شك أن التفكير في الوحدة بهذه الطريقة هو لون جديد من التعصب في
ثوب الدعوة إلى الوحدة، ولا شك أننا لا يمكن أن نخطو خطوة واحدة في طريق
الوحدة المنشودة بهذه الطريقة؛ لأن كل جماعة ستدعي أنها صاحبة الفهم الصحيح؟ ! فما هي الجماعة التي يجب أن يلتزمها الجميع؟
إنها الجماعة التي ألزمهم بها رسول الله ﷺ حيث قال:
«افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين
فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» ،
فقال الصحابة: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه
وأصحابي» . وفي رواية قال: «الجماعة يد الله مع الجماعة» .
فالفرقة الناجية هي الجماعة -وصفتها من كان على مثل ما كان عليه النبي -
ﷺ وأصحابه. فالرسول ﷺ حين سئل
عن الفرقة الناجية بين الوصف الذي صارت عليه ناجية، بمعنى أنه - صلى الله ...
عليه وسلم- بين الوصف الضابط للنجاة لأي جماعة بدون تخصيص لمن تقدم ومن
تأخر، وهو وصف غير قابل للانقطاع في أي زمان كما قال -صلى الله عليه
وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، ولا
من خذلهم إلى قيام الساعة» .
وهو وصف إذا تحقق في فرد أو جماعة، كان ذلك الفرد أو تلك الجماعة من
الفرقة الناجية «أهل السنة» .. فالسنة راية مكتوب عليها «ما كان عليه النبي -
ﷺ وأصحابه» وأهل السنة أهل الراية، وهم الطائفة ...
المنصورة «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» وهم الجماعة التي أمر
الرسول ﷺ بالتزامها..
وهي هي الجماعة التي ندعو فصائل الحركة الإسلامية إلى الالتزام بها،
«جماعة أهل السنة» الجماعة العامة الواسعة، وهي تضم الآن كل من لم ينحرفوا
عن طريق «أهل السنة والجماعة» إلى مناهج أهل البدع الضالين، تضم كل
هؤلاء دونما شرط أن يجمعهم اسم واحد أو حزب واحد؟ !
فنحن لا ندعو إلى جماعة جديدة أو اسم من الأسماء التي يتصارع عليها
العاملون للإسلام وإنما هي دعوة إلى الانتماء لسلف هذه الأمة من الصحابة
والتابعين الذين اجتمعوا على الحق الصريح من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله
عليه وسلم-.
دعوة إلى الانتماء لجماعة «أهل السنة» الذين ميزهم دائماً اجتماعهم على
الاتباع دون لم الابتداع فهم يمثلون الامتداد الطبيعي لما كان عليه النبي - صلى الله
عليه وسلم -، وراية «أهل السنة والجماعة» هي الراية التي ينضوي تحتها
المخلصون أفراداً وجماعات، الراغبون في العمل من أجل الإسلام مهما كانت
انتماءاتهم.. ثم نوزع فيما بيننا الأدوار، أدوار الأفراد وأدوار الجماعات لتقوم
بمهمة التغيير المنشود.
ثانيا -كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة:
لا شك أن التوحيد بين الأطراف المتنازعة لا يكون على حساب المنهج السليم، ولا يكون على حساب التفريط في سلامة الأصول، وحرصنا على الائتلاف
ووحدة الكلمة لا ينفعنا إن نحن فرطنا في وضوح كلمة التوحيد أو تساهلنا في
اهتزاز أصولها، بل لو حاولنا ذلك -والعياذ بالله - وقعنا في الشقاق والفرقة من
حيث أردنا الوحدة والائتلاف، ولذلك فنحن حين ندعو للائتلاف لا نعني الائتلاف
مع أصحاب المذاهب المعادية للإسلام من علمانية ووطنية وقومية واشتراكية ...
ورأسمالية وغيرها، ولا مع الفرق الضالة التي وصفها رسول الله - صلى الله عليه ...
وسلم -، والذين ابتعدوا وانحرفوا عن منهج أهل السنة، وهنا لابد من التفرقة بين
هؤلاء وبين المختلفين من أهل السنة الذين وإن وقع بعضهم في تأويل فاسد ولكنهم
لم يفاصلوا أهل السنة ولم يفارقوهم، فهؤلاء لا يخرجون عن مسمى أهل السنة،
فيجب علينا دائماً أن نفرق بين من يتنكبون طريق الإسلام وينحرفون عن منهج
أهل السنة وبين الذين يخطئون وهم يسيرون على هذا المنهج، فهؤلاء أحوج إلى
التصويب والرعاية والحوار منهم إلى المواجهة والاحتقار.
ثالثاً - شرعية العمل الجماعي:
لا شك أن العمل الجماعي واجب شرعي، ولا شك أن ما هو مطلوب من
الجماعات من إنجازات لا يقدر فرد أو أفراد متفرقون أن يقوموا به، ومن هنا فنحن
لا ننكر العمل الجماعي من خلال جماعات أهل السنة العاملة في الساحة الإسلامية،
ولا نريد أن يتخلى الأفراد عن جماعاتهم التي يتعاونون معها، ولكننا نريد من
الجميع أن يدركوا أن ولاءهم لجماعاتهم يكون في. إطار ولائهم للجماعة الأم..
جماعة أهل السنة والجماعة، وأن لا يقدموا المصلحة المتوهمة لجماعتهم -الصغيرة
على المصلحة الشرعية الحقيقية للجماعة الكبيرة.
فلا ترفع أسماء ورايات يدعى الناس إليها، ويترك الأصل الذي ينبغي الدعوة
إليه، ولا تكون هذه الأسماء داعية للتعصب لشخص دون رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، ولا تكون هذه الأسماء هي ما يعقد عليها الولاء والبراء، بل الموالاة
والمعاداة تكون على الإسلام، والدعوة تكون إلى جماعة أهل السنة.. وليس إلى
جماعة فلان أو طريق فلان..
فنحن في أمس الحاجة إلى دعوة مفتوحة عالمية لكل الأمة، والله قد
أنعم علينا وكفانا باسم الإسلام.. [هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ
الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ] ، نقول لكل العاملين المخلصين:
إن الأعمال الكبيرة لا يقوم بها فرد وإنما تقوم بها مجموعات متعاونة تعمل حسب
خطة تكاملية مدروسة، ولن نستطيع الوصول إلى أهدافنا عبر أفراد، بل
مجموعات منظمة تضمن استمرار العمل وتعطيه الفاعلية، فتعالوا نجتمع معاً لنكون
مجتمعاً من صفوة المجتمعات وصفوة الأفراد.
رابعاً - قلة تنقذ الموقف:
إن من القواعد العظيمة التي هي جماع الدين تأليف القلوب واجتماع الكلمة
وصلاح ذات البين، فالله تعالى يقول: [فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ] ،
وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة
والاختلاف.. وأهل هذا الأصل - كما يقول ابن تيمية - هم أصل الجماعة، ولذلك
نقول أنه من الأمور الطيبة أن توجد في الساحة الإسلامية مجموعة واعية تتبنى فكر
أهل السنة والجماعة، وتعمل على التقريب بين فصائل الحركة الإسلامية؟ ! ومن
انتدب نفسه لهذه المهمة فيجب عليه أن يتلطف في ادخال المفيد النافع على من
يحدثهم دون جدل، بل بالأدلة الموضوعية.
ولا شك أن وجود هذا الصنف من الدعاة هو المقدمة الصحيحة لتعميم مفاهيم
أهل السنة والجماعة في كل الحركة الإسلامية، وإزالة الحواجز بين العاملين
للإسلام، بحيث لا يتحرج فرد من الانتساب إلى فصيل من فصائل الحركة
الإسلامية، والتعاون مع الآخر في الخير.. فيخرج بذلك جيل من الإسلاميين
تتطابق أهدافهم في الحياة بدل أن تتنابذ، وتتكامل أفكارهم بدل أن تتصارع وتختلف؟! وتكون غايتهم خالصة لله .
ولن تكون هذه المجموعة التي نتحدث عنها حزباً أو جماعة، وإنما هي بمثابة
مدرسة تربوية تركز على تنظيف عقول أفرادها من المقولات الخاطئة المتعصبة،
وتسير قلوبهم ونفوسهم من الأغراض الشخصية، ثم مراجعة الأفكار وأساليب العمل
المطروحة على الساحة الإسلامية، وهكذا يمكن أن تبرز حركة تجديدية إصلاحية،
تتضافر فيها الجهود، ويهجر فيها الأفراد خصوماتهم.
خامساً - حوارات فعالة:
فلابد من حوارات مفتوحة مع كل الدعاة الصادقين، ولابد من تعارف فصائل
الحركة الإسلامية بعضها على بعض عن قرب والحذر من الشائعات، وكثيراً ما
يحل هذا اللقاء الكثير من الاختلافات التي يثيرها نقلة الأخبار ومثيري الإشاعات؟ !.
ولنجعل من هذه الحوارات لوناً من ألوان الشورى حول مجموعة القضايا
الأساسية في الدعوة، ولعل الله أن يخرج منها جيلاً يهتدي إلى سبيل
عودة أمة الإسلام، ويحدد مواطن الخلل ويكتشف الطريق الأصوب، ويجمع
البصيرة إلى جانب البصر، ويلتزم منهاج الطائفة القائمة على الحق الحاملة للرسالة
الخالدة «أهل السنة والجماعة» .
ولا شك أنه لإنجاح هذه الحوارات لابد لها من قواعد، فقواعد الحوار فضلاً
عن أنها آداب وأخلاق فهي جزء رئيسي ومؤثر في فعالية أي عمل يبنى على
الحوار، وما أي عمل في بدايته سوى مشروع في محتوى بعض الكلمات والأفكار.
إننا ندعو كل إخواننا إلى العمل على تكامل فصائل الحركة الإسلامية وتعاونها
في هذا الإطار الذي نحسبه صواباً، ولا ندعي له الكمال، وإنما هو محاولة وخطوة
على الطريق يعوزها التواصل المستمر.. نقصد منها إلى إزالة السدود النفسية بين
الدعاة إلى الله وتحطيم الأسوار الحزبية التي قد تحمي غير الأكفاء وتحرم العمل من
إمكانات وطاقات كبيرة، ولنسير جميعاً إلى أهدافنا تحت راية أهل السنة والجماعة.
стр. 586
من أعلام الجهاد في العصر الحديث
الشيخ عز الدين القسَّام
محمد محمد توفيق
هو محمد عز الدين بن عبد القادر القسَّام، ولد عام ١٨٧١ م في بلدة جبلة من
قضاء اللاذقية في سوريا، ونشأ في أسرة مسلمة كريمة، ودرس بالأزهر في مصر، والذي كان له دور كبير في ذلك الوقت في بث مبادئ الإسلام ونشرها في كل
أنحاء الوطن الإسلامي، وبعد انتهاء دراسته بالأزهر رجع إلى بلدته، وعين مدرساً
بالجامع الكبير، فغرس في تلاميذه معاني العزة والكرامة، باثاً فيهم روح الجهاد في
سبيل الله، ومرشداً إياهم إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وما كادت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها، حتى وضعت فلسطين
والعراق تحت الانتداب الإنجليزي، وسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسى،
وأعطى وزير خارجية بريطانيا (بلفور) وعده المشؤوم بإنشاء وطن قومي لليهود في
فلسطين وذلك في ٢ نوفمبر ١٩١٧ م.
في هذه الأثناء انضم الشيخ إلى عمر البيطار ورفاقه لمقاومة الاحتلال
الفرنسي، واستطاعت فرنسا التغلب عليهم لقلة ذخيرتهم وأسلحتهم، ولضعف
تنظيمهم، فصدر عليه حكم بالإعدام، وفاوضوه على إلغاء ذلك الحكم وتحقيق ما
يتمناه من مال ومنصب فرفض، ولما اشتدت عليه الملاحقة والطلب رحل إلى
فلسطين في ضاحية الياجور بالقرب من حيفا - والتي كانت قاعدة من قواعد التهويد
في ذلك الحين عام ١٩٢٢م - وهناك عمل مدرساً بالمدرسة الإسلامية، ثم انضم
إلى جمعية الشبان المسلمين عام ١٩٢٦ م، وانتخب رئيساً لها عام ١٩٢٨ م
وأصبح مدرساً وخطيباً في جامع الاستقلال عام ١٩٢٩م، وفي نفس السنة عين
مأذوناً شرعياً، وقام بتأسيس مدرسة ليلية لمحو الأمية.
وقد مكنته كل هذه الأعمال من الاتصال بكافة طبقات الأمة، فبدأ بتأليف
القلوب، ونشر المحبة، وإزالة الخصومات ونبذ الأحقاد، وتعميق الوازع الديني
في النفوس، والتوعية بمؤامرات الحكومة البريطانية على فلسطين، والتوعية
بمخاطر هجرة وبيع الأراضي، وعمل على تكوين قاعدة إيمانية صلبة من
المجاهدين ضد أعداء الله وأعداء رسوله ﷺ .
وكان يتصف بقوة الإيمان، وحسن السيرة والمعاشرة، وكان لبقاً وخطيباً بارعاً،
وعاقلاً يدرك ماذا يصنع ويفهمه كل الفهم، غير متسرع ولا مندفع، وكان يلوم
بعض المشايخ وطلبة العلم على أمور منها:
- محاولاتهم وسعيهم الحثيث إلى تجويف الدين وجعله هياكل نظرية مفرغة.
- إبعاد الدين عن السياسة، واقتصارهم على المواعظ النظرية فقط.
- إغراقهم في التنعم بعيشهم بينما غالبية الشعب تعاني من الفقر والحاجة.
- عدم دعوتهم إلى الجهاد وطرد الإنجليز والصهاينة.
- إنفاق الأموال في تزيين المساجد وزخرفتها بدلاً من الإعداد للجهاد.
فالتف حوله الناس وساعدوه، وزاد أيضاً عدد الجواسيس عليه، وفي عام
١٩٢٥ م أسس (المنظمة الجهادية) ، وبدأت عملها في سرية بالتحريض على
الجهاد، والتدريب عليه، وقسمت هذه المنظمة إلى خمس مجموعات هي:
المجموعة الفدائية (أو وحدة التدريب العسكري) ، ومجموعة التهيئة والأعداد،
ومجموعة التمويل، ومجموعة الوعظ والدعاية، والمجموعة السياسية.
وفي عام ١٩٣٥ رفع الشيخ راية الجهاد - وكان عمره قد تجاوز الستين -
وترك حيفا إلى جبال جنين القريبة منها. وكانت خطته أن يتوزع رجاله على قرى
المناطق الجبلية حتى يضموا إليهم أكبر عدد من المجاهدين، فإذا اكتمل العدد الذي
يريده هاجم مدينة حيفا واحتل دوائر الحكومة ومراكز الشرطة والميناء، وبعد أن
يستتب له الأمر يعلن قيام حكومته، ويقوم أعوانه في المدن الأخرى بمثل ذلك.
وبعد يومين فقط، وقبل أن يتم له ذلك، قتل أحد أعوانه فرداً من دورية
شرطة (يهودي) ، فهاجمت قوات كبيرة جميع القرى المجاورة، فاشتبك معهم أعوان
القسام، وقتل اثنان من أفراد الشرطة، فأدركوا أن الجهاد الحاسم على وشك
الاستنفار، فأرسلت نجدات إلى تلك المناطق تساندها طائرات استكشافية،
فحاصروا الشيخ ومعه مجموعة من أعوانه، ودارت معركة أبلى فيها وأتباعه بلاءً
حسنًا، وكان في مقابل كل مجاهد أربعين جندياً، وقتل ومعه الشيخان محمد الحنفي
ويوسف الزيباوي، وجرح ثلاثة وتمكن الباقون من الإفلات.
وصلى عليه وعلى رفاقه جمع غفير، وصلى عليه الناس صلاة الغائب في
كل مكان. وحمل الراية من بعده إخوانه وتلاميذه ومنهم الشيخ فرحان السعدي،
ومحمد صالح الحمد (أبو خالد) ، وعطية أحمد عوض، ويوسف سعيد أبو درة،
وعبد الله الأصبح، وحسين العليّ الزبيدي، وتوفيق إبراهيم (أبو إبراهيم الصغير) ، وأحمد عبد الرحمن جابر، وغيرهم.
ولم تمض شهور قليلة على قتله حتى كانت فلسطين كلها تغلي وتضرب من
أقصاها إلى أقصاها أطول إضراب في التاريخ، والذي لم ينته إلا حينما تدخل
الملوك العرب على أمل أن تتفهم حليفتهم بريطانيا مطالب الفلسطينيين، وكان
تدخلهم هذا مشفوعاً بتضييق الخناق على المجاهدين الذين أصبحوا في حاجة إلى
السلاح والذخيرة، والغذاء والدواء.
وها هي الأرض - اليوم - تشتعل غضباً على اليهود، وإخواننا هناك
يحتاجون إلى السلاح والذخيرة بدلاً من الحجارة والزجاجات الحارقة، ويحتاجون
إلى الغذاء والدواء بعد أن ضيق عليهم اليهود الخناق، ويحتاجون إلى الرجال
لمناصرتهم، ويحتاجون إلى الدعاة لشحذ هممهم، وبالجملة يحتاجون إلى الدعم ...
فهل نخذلهم؟ ! .
لقد كان القسام بحق علماً للجهاد في فلسطين، فرحمه الله، وأنزلنا وإياه
منازل الشهداء، ومنَّ على المسلمين بالعزة والنصر.
стр. 587
خواطر في الدعوة
فوائد المحن
محمد العبدة
اللهم إنا لا نتطلبها، ونقول سنصبر عليها أو نحن مستعدون لها، فلا يجوز
لمسلم أن يعرض نفسه للفتنة وقد لا يصبر عليها، أو يضع نفسه موضع الذل
والهوان، أو موضع المتسلط عليه من الكفار، فنصبح فتنة للذين كفروا، ولكن إذا
تعرض المسلم للمصائب والمحن بقدر من الله ولحكمة يريدها الله، فلابد أن يصبر
ويتقي الله، وبعدها يؤتي الله نصره من يشاء، وعندما يتعرض المسلمون للمحن
والرزايا فلاشك أن في ذلك فوائد كثيرة يريدها الله، كتمحيص الصفوف ومعرفة
الصابرين المجاهدين، والدخلاء الذين هم غثاء كغثاء السيل.
وللإمام عز الدين محمد بن عبد السلام ﵀ لفتات طيبة في هذا
الموضوع، ننقلها بطولها لأهميتها، قال:
(وللمصائب والمحن فوائد تختلف باختلاف رتب الناس:
أحدها: معرفة عز الربوبية وقهرها.
الثاني: معرفة ذل العبودية وكسرها، وإليه الإشارة يقول تعالى: [الَذِينَ إذَا
أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ] ، اعترفوا بأنهم ملكه وعبيده،
وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره، لا مفر لهم منه ولا محيد لهم عنه.
الثالثة: الإخلاص لله تعالى، إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه: [وإن
يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ] .
الرابعة: التضرع والدعاء: [وإذَا مَسَّ الإنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا] .
الخامسة: تمحيصها للذنوب والخطايا: «ولا يصيب المؤمن وصب ولا
نصب حتى الهم يهمه والشوكة يشاكها إلا كفر به عن سيئاته» رواه مسلم.
السادسة: ما في طيها من الفوائد الخفية: [فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً ويَجْعَلَ
اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً] ، ولما أخذ الجبار سارة من إبراهيم ﵇ كان في
طي تلك البلية أن أخدمها هاجر، فولدت إسماعيل لإبراهيم ﵉،
فكان من ذرية إسماعيل خاتم النبيين، فأعظم بذلك من خير كان في طى تلك البلية.
السابعة: إن المصائب والشدائد تمنع من الأشر والبطر والفخر والخيلاء
والتكبر والتجبر.
ولهذه الفوائد الجليلة كان أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، كالذين
أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وتغربوا عن أوطانهم، وتكاثر أعداؤهم، ولم يشبع
سيد الأولين من خبز مرتين، وأوذي بأنواع الأذية، وابتلي في آخر الأمر بمسيلمة
وطليحة والعنسي، قال ﵊: «مثل المؤمن كمثل الخامة من
الزرع تفيئها الريح تصرعها مرة وتعدلها مرة حتى تهيج» .
الثامنة: الرضا الموجب لرضوان الله تعالى، فإن المصائب تنزل بالبر
والفاجر، فمن سخطها فله السخط ومن رضيها فله الرضا) اهـ.
ونحن نسأل الله تعالى أن يمكن للمسلمين بعد المحن والرزايا وأن يستفيد
المسلمون الدروس الكبيرة من هذه المحن.
стр. 588
أخلاق
الغيرة بين الجاهلية والإسلام
محمد الناصر
كان العرب في الجاهلية يعدون المرأة ذروة شرفهم وعنوان عرضهم، ولذلك
فقد تفننوا في حمايتها والمحافظة عليها، والدفاع عنها زوجة وأماً، ابنة وأختاً،
قريبة وجارة، حتى يظل شرفهم سليماً من الدنس، ويبقى عرضهم بعيداً من أن
يمس.
ولم يكن شيء يثير القوم كالاعتداء على نسائهم أو المساس بهن، ولذلك كانوا
يتجشمون في الدفاع عنهن كل صعب، ولا يضنون بأي غال، لقد كانت الغيرة
تولد مع القوم وكأنهم أرضعوها فعلاً مع لبان الأمهات [١] .
وفي بيئة العرب التي قامت فيها الأخلاق على الإباء والاعتزاز بالشرف كان
لابد للرجال والنساء من العفة ومن التعفف؛ لأن العدوان على العرض يجر
الويلات والحروب، وكان لابد من الغيرة على العرض حتى لا يخدش.. والعفة
شرط من شروط السيادة فهي كالشجاعة والكرم.
وكان العرب أغير من غيرهم [٢] ؛ لأنهم أشد الناس حاجة إلى حفظ الأنساب، ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها، وضعت الصيانة في نسائها،
وقد وصل العرب في الغيرة أن جاوزوا الحد، حتى كانوا يئدون بناتهم مخافة لحوق
العار بهم من أجلهن.
وأول قبيلة وأدت من العرب ربيعة، وذلك أنهم أُغير عليهم، فنهبت بنت
لأمير لهم، فاستردها بعد الصلح، وخيرت رضى منها بين أبيها ومن هي عنده،
فاختارت من هي عنده، فغضب والدها وسن لقومه الوأد، ففعلوه غيرة منهم،
وشاع الوأد في العرب بعد ذلك.
ومن نخوة العرب وغيرتهم أنهم يكنون عن حرائر النساء بالبيض، وقد جاء
القرآن الكريم بذلك، فقال سبحانه: [كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ] ، وقال امرؤ القيس:
(وبيضة خدر لا يرام خباؤها) .
ويكنون عنها بالنخلة:
ألا يا نخلة في ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام
ومن نخوة العرب وغيرتهم أنه كان من عادتهم إذا وردوا المياه أن يتقدم
الرجال، والرعاء، ثم النساء إذا صدرت كل الفرق المتقدمة، حيث يغسلن أنفسهن
وثيابهن ويتطهرن آمنات ممن يزعجهن، فمن تأخر عن الماء حتى تصدر النساء
فهو الغاية في الذل.
وكان للغيرة عند القوم مظاهر كثيرة [٣] ، منها: حبهم لعفة النساء عامة،
ونسائهم خاصة، ومنها: حبهم لحيائهن وتسترهن ووفائهن ووقارهن.
وقد أشاد الشعراء بعفة النساء وتمنعهن ووفائهن، قال علقمة بن عبدة [٤] :
منعمة ما يستطاع كلامها ... على بابها من أن تزار رقيب
إذا غاب فيها البعل لم تفش سره ... وترضى إياب البعل حين يئوب
ومن أجمل ما قيل في خفر النساء وعفتهن قول الشنفري الأزدي في غزله،
وهو من الصعاليك الفتاك [٥] :
لقد أعجبتني لا سقوطاً قناعها ... إذا ما مشت ولا بذات تلفت
أميمة لا يخزي فتاها حليلها ... إذا ذكر النسوان عفت وجلت
إذا هو أمسى آب قرة عينه ... مآب السعيد لم يسل أين ظلت
وكان من مظاهر الغيرة عند العرب، ستر النساء ومنعهن من الظهور أمام
الرجال. يقول الأفوه الأودي [٦] :
نقاتل أقواماً فنسبى نساءهم ... ولم ير ذو عز لنسوتنا حجلاً
على أنهم كانوا يفخرون بغض البصر عن الجارات، ويعتبرون ذلك من
العفة والغيرة على الأعراض، كان كشف الستر بجارح النظرات، وهتك
الأعراض بخائنة الأعين، وفضح الأسرار باستراق السمع لا يترفع عنه إلا كل
عفيف، وما أجمل قول عروة ابن الورد [٧] :
وإن جارتي ألوتُ رياح ببيتها ... تغافلتُ حتى يستر البيت جانبه
وقول عنترة [٨] :
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
أين من هؤلاء بعض الشباب اليوم الذين يتسكعون في الأسواق أو يتلصصون
حول الحرمات، وبعض وسائل الإعلام تعرض المسلسلات الماجنة التي تدرب
الشباب على التحلل والعدوان
لقد كانت عند العرب أخلاق كريمة، بعث نبي الرحمة - عليه الصلاة
والسلام - ليتممها، ويقوم ما انحرف منها، ويسمو بها وبأمثالها.
الغيرة في ضوء تعاليم الشرع الحنيف:
لقد حمد الإسلام الغيرة، وشجع المسلمين عليها، ذلك أنها إذا تمكنت في
النفوس كان المجتمع كالطود الشامخ حمية ودفاعاً عن الأعراض، والمؤمن الحق
غيور بلا شطط يغار على محارم الله أن تنتهك، وفي الحديث الشريف أن سعد بن
عبادة - رضى الله عنه -قال كلاماً بين يدي رسول الله- ﷺ دل
على غيرته الشديدة، فقال الرسول ﷺ : «أتعجبون من غيرة
سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني» [٩] .
هذه هي الغيرة، غيرة الإسلام على المحارم والأعراض، المنبثقة من غيرة
رب العباد، والمتمثلة في خاتم المرسلين، وهي ليست بخافية على أحد من الناس،
قال تعالى: [إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ] [الأعراف: ٣٣] .
ويقول ﷺ : «لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم
الفواحش، ما ظهر منها وما بطن» [١٠] .
ومن أجل أن يكون المجتمع المسلم نظيفاً، أمر الإسلام بعدد من الأوامر
والنواهي، ليحفظ هذا المجتمع طاهراً نقياً، وتصبح مظاهر الغيرة فيه جلية ومن
علامات هذا النقاء.
ولذلك فرض الله على المسلمات ستر مفاتنهن، وعدم إبداء زينتهن، يقول
تعالى: [ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ]
إلى قوله تعالى: [ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ]
[النور: ٣١] ، [وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى]
[الأحزاب: ٣٣] .
وحرم الإسلام كذلك الدخول على النساء لغير محارمهن، كما حرم الخلوة بهن. قال ﷺ : «إياكم والدخول على النساء» . فقال رجل من
الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت» [١١] والحمو
أخو الزوج وما أشبهه من أقاربه.
وقاك ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله، امرأتي خرجت حاجَّةً، واكتتبتُ في غزوة كذا وكذا، قال:» ارجع فحج مع امرأتك « [١٢] .
تطهير وتحصين لهذا المجتمع الفاضل، فلا خلوة ولا ريبة، وحتى الجهاد
يؤمر الرجل بتأجيله من أجل أن يحج مع امرأته، فلا تسافر وحدها، هذه روح
الشرع الحنيف والمتأولون كل يوم قد يطلعون علينا بجديد.
ومن لوازم هذه الغيرة: الحياء. قال ﷺ :» الحياء من
الإيمان، والإيمان في الجنة « [١٣] .
ومن ذلك أيضاً: غض البصر: قال تعالى: [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ
أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ... وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا]
[النور: ٣٠-٣١] .
يقول سيد قطب ﵀ في تفسير هذه الآية:» إن الإسلام يهدف إلى
إقامة مجتمع نظيف لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا تستثار فيه دفعات
اللحم والدم في كل حين.. والنظرة الخائنة والحركة المثيرة والزينة المتبرجة
والجسم العاري.... كلها لا تصنع شيئاً إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون!
وإحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف هي الحيلولة دون هذه الاستثارة،
وإبقاء الدافع النظري العميق بين الجنسين سليماً « [١٤] .
الغيرة في حضارة القرن العشرين:
عرفنا مما تقدم أن الغيرة خلق عربي أصيل، ارتفع به الإسلام آفاقاً عالية
سامية، وقمماً شامخة، في ظل مجتمع وارف الظلال.
ثم بدأت الأخلاق تتغير عند الكثيرين، مع ضعف الوازع الديني، وهجمة
الغرب الشرسة، حتى بدت المظاهر المنحرفة عجيبة في العلاقات الاجتماعية
والأخلاقية.
ابتعد كثيرون عن الواقع النظيف، وحتى غيرة أهل الجاهلية، انحدرت
وتلاشت في كثير من الأوساط، إذ أصبح الاختلاط (بين ما يسمى بالأسر التقدمية)
شائعاً، حيث الأحاديث المشتركة والموائد المختلطة.
كتب أنيس منصور في إحدى مقالاته في أخبار اليوم: إنه زار إحدى
الجامعات الألمانية ورأى هناك الأولاد والبنات أزواجاً أزواجاً مستلقين على
الحشائش في فناء الجامعة.. قال: فقلت في نفسى: متى أرى ذلك المنظر في
جامعة أسيوط لكي تراه عيون أهل الصعيد وتتعود عليه! ! [١٥] .
أهل الصعيد لماذا؟ لأنه ما يزال لديهم بعض أخلاق المسلمين وحيائهم.
وفي المطارات ما يراه المسافر من مظاهر شائنة، لا تحرك غيرة ولا رجولة، لقد حاولت بعض الأقلام الهابطة أن تنتزع عن الفتاة المسلمة كل خلق أو تقليد،
حتى الحياء الذي كانت تتميز به الفتاة المسلمة الشرقية.
قال سيد قطب ﵀ في هذا الشأن [١٦] :» وحين تكون القيم
(الإنسانية) لأخلاق (الإنسانية) كما هي في ميزان الله هي السائدة في مجتمع، فإن
هذا المجتمع يكون متحضراً متقدماً ... أو بالاصطلاح الإسلامي ربانياً مسلماً..
والقيم والأخلاق الإنسانية ليست مسألة غامضة ولا مائعة، وليست كذلك قيماً
وأخلاقاً متغيرة «.
» إن المجتمعات التي تسود بها القيم والأخلاق الحيوانية، لا يمكن أن تكون
مجتمعات متحضرة مهما تبلغ من التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي! «.
» وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفهوم الأخلاقي بحيث تتخلى
عن كل ما له علاقة بالتميز الإنساني عن الحيوان. ففي هذه المجتمعات لا تعتبر
العلاقات الجنسية غير الشرعية ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة رذيلة أخلاقية،
إن المفهوم الأخلاقي ينحصر في المعاملات الشخصية والاقتصادية والسياسية
أحياناً. في حدود مصلحة الدولة «.
مثل هذه المجتمعات مجتمعات مختلفة من وجهة النظر الإنسانية، وهي كذلك
غير إسلامية؛ لأن خط الإسلام هو خط تحرير الإنسان من شهواته..» .
وأخيراً أخي القارئ: فإن معايير الأخلاق قد اهتزت في عصرنا الحاضر،
ولابد من أن نوليها الاهتمام الكافي الذي يوجبه علينا دينناً.
وإن التطبيق الواقعي لهذه الأخلاق، في حياة المسلمين اليوم بات واجباً
إسلامياً، ومنهجاً تربوياً دعوياً، طالما أهمل في قطاعات كبيرة من مجتمعات
المسلمين والناس عموماً في هذا القرن.
إلا أن الأمل كبير في الأجيال المؤمنة، لتقوم الانحراف، وتزرع الفضيلة،
وتكون قدوة حسنة، وواقعاً حياً لما كان عليه سلف هذه الأمة.
стр. 589
أدب الاختلاف
موقف أهل السنة من مسائل الاجتهاد
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
في ظلال الصحوة المباركة التي تعيشها الأمة الإسلامية في أقطار المعمورة
انتعشت الحركة العلمية، وأقبل كثير من الشباب -ولله الحمد والمنة - على طلب
العلوم الشرعية المختلفة - وهذا بلا شك مؤشر من مؤشرات الخير - ولكن أصيب
بعض طلاب العلم بآفتين خطيرتين:
الآفة الأولى: تسرع بعض طلاب العلم بالفتوى وهم لا يحملون من أدواتها إلا
القليل. وقد قال الإمام ابن القيم: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم
بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات
والعلامات، حتى يحيط به علماً.
والثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو
على لسان رسوله في هذا الواقع.
ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم
أجرين أو أجراً، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله
ورسوله» [١] .
والآفة الثانية: أن بعض طلاب العلم إذا بذل وسعه وقاده اجتهاده إلى تبني
رأي في مسألة من المسائل، يرى بأن ما توصل إليه هو عين الحق الذي لا حق
غيره، وكل ما خالف قوله ليس مرجوحاً فحسب، بل هو باطل..!
ويقوده هذا إلى أنه يريد أن يلزم الآخرين بالنتيجة التي توصل إليها، ويوالي
في ذلك ويعادي، فمن وافقه كان المحبوب المقرب، ومن خالفه كان المقلد الجاهل! وقد يؤدي هذا - في بعض الأحيان - إلى التنازع والتقاطع وتفرق الكلمة.
وسوف أبين منهج أهل السنة والسلف الصالح في هذا الباب، وعملي فيه هو
الجمع والترتيب، ولكن قبل الدخول في لب الموضوع وعند بيان موقف هؤلاء
العلماء تجاه بعضهم في مسائل الاجتهاد لابد من الإشارة إلى ملحوظتين:
١ - إن علماء الأمة ما كانوا يختلفون تشهياً، بل كان اختلافهم مبنياً على
اجتهاد.
٢ - أن العلماء هم أقرب الناس إلى الله وأكثرهم خشية له، قال تعالى: [إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] [فاطر: ٢٨] ، وقد ظهرت آثار هذه الخشية
في فتاويهم وتورعهم عنها، قال سفيان: «أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا
في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بداً من أن يفتوا» .
أولاً: ذم الفرقة والاختلاف:
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم
مُّسْلِمُونَ (١٠٢) واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٢-
١٠٣] ، وقال تعالى: [إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ ومَا اخْتَلَفَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ
إلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ] [آل عمران: ١٩] .
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إن
الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم [٢] .
وقال النبي ﷺ :» تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا « [٣] .
وقال رسول الله ﷺ :» ألا أخبركم بأفضل من درجة
الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «صلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن: تحلق
الدين!» [٤] .
ثانياً: منهج الصحابة في مسائل الاجتهاد:
اختلف الصحابة ﵃ في مسائل كثيرة، مع أنهم: (أبر
الأمة قلوباً، وأقلهم تكلفاً، وأصحهم مقصوداً، وأكملهم نظرة، وأتمهم إدراكاً
وأصفاهم أذهاناً، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد
الرسول [٥] ، ولم يؤد هذا الاختلاف في يوم من الأيام إلى التباغض أو التقاطع، بل كان يعذر بعضهم بعضاً مع بقاء الألفة والمحبة) .
أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن يزيد قال: «صلى بنا عثمان بن عفان
﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود - رضي الله
عنه -، فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى
ركعتين، وصليت مع أبي بكر - رضى الله عنه - بمنى ركعتين، وصليت مع
عمر بن الخطاب ﵁ بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات
ركعتان متقبلتان [٦] ، وزاد أبو داود:» قال الأعمش: فحدثنى معاوية بن قرة
عن أشياخ: أن عبد الله صلى أربعاً. قال: الخلاف شر « [٧] ، وفي رواية
للبيهقي:» إني أكره الخلاف « [٨] .
قال ابن تيمية:» وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها، على أن إقرار
كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم، كمسائل في العبادات، والمناكح،
والمواريث، والعطاء، والسياسة، وغير ذلك. وحكم عمر أول عام في الفريضة
الحمارية بعدم التشريك، وفي العام الثاني التشريك في واقعة مثل الأولى، ولما
سئل عن ذلك؟ قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي. وهم الأئمة الذين
ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة، ودل الكتاب والسنة على
وجوب متابعتهم. وتنازعوا في مسائل عملية اعتقادية، ك: سماع الميت صوت
الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد ﷺ ربه قبل
الموت، مع بقاء الجماعة والألفة ... « [٩] ..
وقال أيضاً:» ... وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا
تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً]
[النساء: ٥٩] ، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما
اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين،
نعم من خالف الكتاب المستبين، والسنة المستفيضة، أو ما أجمع عليه سلف الأمة
خلافاً لا يعذر فيه، فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع ... وأما الاختلاف في
الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم
يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة ... « [١٠] .
ثالثاً: منهج السلف الصالح في مسائل الاجتهاد:
اختلف السلف الصالح ﵃ في مسائل كثيرة جداً، ولم يكن
ينكر بعضهم على بعض في مسائل الاجتهاد، بل كانت قلوبهم الكريمة السورة تتسع
لمثل هذه الأمور، وإليك بيان منهجهم:
قال يحيى بن سعيد الأنصاري - وهو من أجلاء التابعين:» ما برح أولو
الفتوى يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله،
ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه « [١١] .
وقال سفيان الثوري أيضا:» ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً من إخواني
أن يأخذ به [١٢] .
وقال يونس الصدفي: «ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون
إخواناً وإن لم نتفق في مسألة» [١٣] .
قال الذهبي تعليقاً على كلام الإمام الشافعي: «هذا يدل على كمال عقل هذا
الإمام، وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون» .
وقال أحمد بن حنبل: «من أفتى الناس ليس ينبغي أن يحمل الناس على
مذهبه ويشدد عليهم» [١٤] .
ومن لطيف ما أثر عن الإمام أحمد بن حنبل في هذا الباب قوله: «لم يعبر
الجسر إلى خراسان مثل إسحاق بن راهويه، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن
الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً» [١٥] .
وقال ابن قدامة المقدسي: «لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار على المجتهدات» [١٦] .
قال ابن تيمية: «مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر
عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه» [١٧] .
وقال أيضاً: « ... فأما أن هذه المسألة - يعني: الاختلاف في ذبائح أهل
الكتاب - أو نحوها من مسائل الاجتهاد يجوز لمن تمسك فيها بأحد القولين أن ينكر
على الآخر بغير حجة، فهذا خلاف إجماع المسلمين ... فقد تنازع المسلمون في
جبن المجوس والمشركين، وليس لمن رجح أحد القولين أن ينكر على صاحب
القول الآخر إلا بحجة شرعية.
وكذلك تنازعوا في متروك التسمية، وفي ذبائح أهل الكتاب إذا سموا عليها
غير الله، وفي شحم الثرب والكليتين، وذبحهم لذوات الظفر، كالإبل والبط ونحو
ذلك مما حرمه الله عليهم، وتنازعوا في ذبح الكتابي للضحايا، ونحو ذلك من
مسائل.
وقد قال بكل قول طائفة من أهل العلم المشهورين، فمن صار إلى قول مقلداً
لقائله لم يكن له أن ينكر على من صار إلى القول الآخر مقلداً لقائله. لكن إن كان
مع أحدهما حجة شرعية وجب الانقياد للحجج الشرعية إذا ظهرت» [١٨] .
وقال شمس الدين الذهبي: « ... ثم إن الكبير من أئمة العلم إذ كثر صوابه
وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه: يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته
وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك» [١٩] .
وقال ابن قيم الجوزية: «.. ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن
الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله
بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز
أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين» [٢٠] .
رابعاً - عدم الإنكار لا يؤدي إلى ترك البيان وإظهار الحجة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « ... إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر
باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية،
فمن تبين له صحة أحد القولين: تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار
عليه» [٢١] .
وقال أيضا: «ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة،
وإيضاح المحجة، لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد، فإن هذا فعل أهل
الجهل والأهواء» [٢٢] .
خامساً - الاجتهاد السائغ لا يؤدي إلى التفرق والبغي:
قال ابن تيمية: «.. ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع
البغي لا لمجرد الاجتهاد، كما قال تعالى: [ومَا اخْتَلَفَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إلاَّ مِن
بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ] [آل عمران: ١٩] . وقال: [إنَّ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ
وكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] [الأنعام: ١٥٩] ، وقال: [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ
تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ] [آل عمران: ١٠٥] .
فلا تكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ، بل مع نوع بغي» [٢٣] .
وقال أيضاً: «قاعدة: في صفات العبادات التي حصل فيها تنازع بين الأمة
في الرواية والرأي، مثل: الأذان، والجهر بالبسملة، والقنوت في الفجر،
والتسليم في الصلاة، ورفع الأيدي فيها، ووضع الأكف فوق الأكف، ومثل التمتع
والإفراد والقران في الحج، ونحو ذلك، فإن التنازع في هذه العبادات الظاهرة
والشعائر أوجب أنواعاً من الفساد الذي يكرهه الله ورسوله وعباده المؤمنون:
أحدها: جهل كثير من الناس أو اكثرهم بالأمر المشروع المسنون الذي يحبه
الله ورسوله، والذي سنه رسول الله ﷺ لأمته والذي أمرهم
باتباعه.
الثاني: ظلم كثير من الأمة أو اكثرهم بعضهم لبعض وبغيهم عليهم، تارة
بنهيهم عما لم ينه الله عنه، وبغضهم على من لم يبغضهم الله عليه، وتارة بترك ما
أوجب الله من حقوقهم وصلتهم -لعدم موافقتهم له على الوجه الذي يؤثرونه، حتى
يقدمون في الموالاة والمحبة وإعطاء الأموال والولايات من يكون مؤخراً عند الله
ورسوله، ويتركون من يكون مقدماً عند الله ورسوله لذلك.
الثالث: اتباع الظن وما تهوى الأنفس حتى يصير كثير منهم مديناً باتباع
الأهواء في هذه الأمور المشروعة، وحتى يصير في كثير من المتفقهة والمتعبدة من
الأهواء من جنس ما في أهل الأهواء الخارجين عن أهل السنة والجماعة،
كالخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم.
وقد قال تعالى في كتابه: [ولا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَذِينَ
يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ] [ص: ٢٦] .
وقال في كتابه: [ولا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيراً
وضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ] [المائدة: ٧٧] .
الرابع: التفرق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف، حتى يصير
بعضهم يبغض بعضاً ويعاديه، ويحب بعضاً ويواليه على غير ذات الله، وحتى
يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن واللمز والهمز، وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي
والسلاح، وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة، حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض،
وهذا كله من أعظم الأمور التي حرمها الله ورسوله، والاجتماع والائتلاف من
أعظم الأمور التي أوجبها الله ورسوله.
وهذا الأصل العظيم وهو: الاعتصام بحبل الله جميعاً وأن لا يتفرق، هو من
أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت به وصية النبي ﷺ في
مواطن عامة وخاصة.. وباب الفساد الذي وقع في هذه الأمة، بل وفي غيرها،
هو: التفرق والاختلاف، فإنه وقع بين أمرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها
وغيرهم من ذلك ما الله به عليم، وإن كان بعض ذلك مغفوراً لصاحبه لاجتهاده
الذي يغفر فيه خطؤه، أو لحسناته الماحية، أو توبته، أو لغير ذلك. لكن يعلم أن
رعايته من أعظم أصول الإسلام، ولهذا كان امتياز أهل النجاة عن أهل العذاب من
هذه الأمة بالسنة والجماعة، ويذكرون في كثير من السنن والآثار في ذلك ما يطول
ذكره، وكان الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذي يجب تقديم العمل به هو
الإجماع، فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة ... » [٢٤] .
سادساً: وقال في أن الاختلاف في المستحبات لا يؤدي إلى التفرق بل ينبغي
تركها تأليفاً للقلوب:
«.. وإذا كان النزاع إنما هو في الاستحباب علم الاجتماع على جواز ذلك
وإجرائه، ويكون ذلك بمنزلة القراءات في القرآن؛ فإن جميعها جائز، وإن كان
من الناس من يختار بعض القراءات على بعض، وبهذا يزول الفساد المتقدم، فإنه
إذا علم أن ذلك جميعه مجزئ في العبادة لم يكن النزاع في الاختيار ضاراً، بل قد
يكون النوعان سواء، وإن رجح بعض الناس بعضها، ولو كان أحدها أفضل لم
يجز أن يظلم من يختار المفضول ولا يذم ولا يعاب بإجماع المسلمين، بل المجتهد
المخطئ لا يجوز ذمه بإجماع المسلمين. ولا يجوز التفرق بذلك بين الأمة، ولا أن
يعطى المستحب فوق حقه، فإنه قد يكون من أتى بغير ذلك المستحب من أمور
أخرى واجبة ومستحبة أفضل بكثير، ولا يجوز أن تجعل المستحبات بمنزلة
الواجبات يمتنع الرجل من تركها ويرى أنه قد خرج من دينه أو عصى الله ورسوله، بل قد يكون ترك المستحبات لمعارض راجح أفضل من فعلها، بل الواجبات كذلك. ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظم في الدين من بعض هذه المستحبات، فلو
تركها المرء لائتلاف القلوب كان ذلك حسناً، وذلك أفضل إذا كان مصلحة ائتلاف
القلوب دون مصلحة ذلك المستحب، وقد أخرجا في الصحيحين: عن عائشة أن
النبي ﷺ قال لها:» لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية
لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها باباً يدخل الناس منه وباباً
يخرجون منه « [٢٥] . وقد احتج بهذا الحديث البخاري وغيره على أن الإمام قد
يترك بعض الأمور المختارة لأجل تأليف القلوب ودفعاً لنفرتها، ولهذا نص الإمام
أحمد على أنه يجهر بالبسملة عند المعارض الراجح، فقال: يجهر بها إذا كان
بالمدينة، قال القاضي: لأن أهلها إذ ذاك كانوا يجهرون فيجهر بها للتأليف وليعلمهم
أنه يقرأ بها، وأن قراءتها سنة، كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة
الجنازة.
فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته، وبهذا يزول الشك والطعن، فإن الاتفاق إذا
حصل على جواز الجميع وإجزائه علم أنه داخل في المشروع، فالتناوع في
الرجحان لا يضر، كالتنازع في رجحان بعض القراءات وبعض العبادات وبعض
العلماء ونحو ذلك، بل قد أمر النبي ﷺ كلاً من القراء أن
يقرأ كما يعلم، ونهاهم عن الاختلاف في ذلك، فمن خالف في ذلك كان ممن ذمه
الله ورسوله، فأما أهل الجماعة فلا يختلفون في ذلك [٢٦] .
سابعاً - المسائل التي يسوغ فيها الإنكار والمسائل التي لا يسوغ فيها الإنكار:
تنقسم المسائل التي اختلف فيها إلى قسمين:
القسم الأول: ما يسوغ فيها الإنكار، بل يجب في بعض المسائل، وذلك إذا
خالف القول نصاً - من كتاب أو سنة - قطعي الدلالة، أو إجماعاً صحيحاً، كمن
يقول بتحليل الربا، أو شرب الخمر، أو ينحرف عن منهج أهل السنة والجماعة
في باب العقائد المجمع عليها.
والقسم الثاني: المسائل التي لا يسوغ فيها الإنكار، كمسائل الاجتهاد التي لا
تتوفر فيها نصوص قطعية الدلالة، أو لا يوجد فيها نصوص بالكلية، وليس فيها
إجماع صحيح، ومن أمثلة ذلك:
١ - اختلاف العلماء في الذهب الملبوس هل تجب فيه الزكاة أم لا؟
٢ - عدد ركعات صلاة التراويح.
٣ - النزول إلى السجود هل يكون على اليدين أم على الركبتين؟
وغير ذلك من الأمثلة التي اختلف فيها السلف الصالح فما وسعهم يسعنا.
قال الإمام ابن القيم:» وقولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس
بصحيح. فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى، أو العمل.
أما الأول: فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعاً شائعاً وجب إنكاره اتفاقاً،
وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله.
وأما العمل: فإن كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب
درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها؟ !
والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة
وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء.
وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على
من عمل بها مجتهداً أو مقلداً.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل
الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم،
والصواب: ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به
وجوباً ظاهراً، مثل: حديث صحيح لا معارض له من جنسه، فيسوغ فيها - إذا
عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به - الاجتهاد لتعارض الأدلة، أو لخفاء
الأدلة فيها « [٢٧] ..
الخاتمة:
في هذا العصر الذي تكالبت فيه قوى الشر من الشرق والغرب على المسلمين
يحتاج أهل السنة والجماعة إلى رص الصفوف وتكاتف الأيدي وتآلف القلوب ...
وإلى نبذ جميع أسباب الفرقة الوهمية التي ليس لها حظ من الأثر أو النظر، ونبذ
الأهواء والتعالي على حظوظ النفوس.. ينبغي أن تتسع صدورنا لمسائل الاجتهاد،
وأن لا تستهلكنا الاختلافات اليسيرة، وأن نترفع عن القيل والقال والجدل العقيم
الذي يقسي القلوب ويورث ضغائن القلوب، وقد قال المصطفى - صلى الله عليه
وسلم -:» ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل « [٢٨] ، وإن أمانة
حمل هذا الدين وتبليغه للناس أمانة عظيمة، سوف نسأل عنها بين يدي جبار
السموات والأرض، [يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ ولا بَنُونَ (٨٨) إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ] [الشعراء: ٨٩] .
стр. 590
البيان الأدبي
ثغرة الأدب بين دعاة الإسلام وخصومه
يحيى محمد رسام
ذكر الكاتب في الحلقة السابقة أهمية الأدب وخطورته، ومقدار ما يناله من
اهتمام العلمانيين، وبالمقابل ما يلقاه من إهمال الإسلاميين، وفي هذه الحلقة يذكر
المقترحات والملاحظات:
مقترحات للعلاج:
بعد أن تبين لنا خطورة هذه الثغرة واتساع مساحة ذلك الخلل، فإننا نطرح
بعض المقترحات التي نرى أنها ضرورية وإيجابية:
أولاً: على العاملين في الدعوة الإسلامية تشجيع الطاقات الشابة ممن يؤنس
فيهم ميل إلى الأدب، ودعوتهم إلى التخصص في الدراسات الأدبية والإعلامية،
ليؤدوا من خلالها واجبهم الدعوي.
ثانياً: دعوة الأدباء الإسلاميين للعمل على تشجيع المواهب الناشئة
واحتضانها، وتنمية الجانب الأدبي لديها ودفعها لمزيد من الصقل والتطوير، عن
طريق الإشادة مرة، والنقد الأدبي مرة أخرى.
ثالثاً: العمل على إيجاد مجلة أدبية أو أكثر تختص بالأدب وفنونه ونشر
الدراسات الأدبية والنقدية، وعن طريقها يتم التواصل بين الأدباء، كما يتم
التعارف والتعاون.
رابعاً: السعي لإقامة ندوات أدبية وإحياء أمسيات شعرية، يدعى لها الأدباء
والشعراء والنقاد، وتعالج فيها قضايا الأدب الإسلامي.
خامساً: إفساح المجال لركن الأدب والثقافة والنقد الأدبي في الصحف
والمجلات الإسلامية، ودعوة كل قادر للمشاركة بالكتابة، وأن يتولى تحرير تلك
الأبواب في الصحف والمجلات أصحاب نفوس مليئة بالأمل وسعة الأفق.
ملاحظات لابد منها:
١- يلاحظ على بعض أدبائنا - وخاصة الشعراء وكتاب القصة - أنهم
يحصرون قراءاتهم في جوانب معينة من الثقافة، مع أنه من الأهمية بمكان أن
يكون الأديب المسلم على اطلاع واسع بإنتاج الشعراء والأدباء من كل مكان،
وخاصة مشاهير الأدباء العالميين، ممن ترجمت بعض آثارهم إلى العربية، وأما
من لديه القدرة على متابعة إنتاج أولئك في لغاتهم الأصلية، فذلك أدعى - بلا شك
- إلى أن يرفد الأديب المسلم ثقافته ويوسع آفاقه [١] ، والأدباء المسلمين من غير
العرب هم أولى الناس بأن يطلع على إنتاجهم.
٢- إن بعض الأدباء المسلمين لا يتعرضون بالقدر الكافي للقضايا الحيوية
التي تعيشها الأمة، أو بتعبير آخر: تنقصهم الجرأة في معالجة بعض الأحداث
المعاصرة أو التطرق إلى معاناة الجماهير اليومية، فمثلاً قضية الحرية لا تعطى
حجمها المطلوب، كما يطرحها أعداء الإسلام، وإن كان طرحهم لها مشوهاً
ناقصاً [٢] .
الأدباء الإسلاميون وممارسة النقد:
على الكبار من الأدباء أن يلتفتوا إلى عامل مهم من عوامل نشر الأدب
وتوسيع قاعدة قرائه، وهو أن يمارسوا (النقد الأدبي) على أوسع نطاق، فيتناولون
إنتاج الأدباء الآخرين بالدرس والنقد الصادق والمحايد، وجوانب التميز أو الضعف، وبيان ما تحتويه تلك الأعمال من مضامين وأفكار، ولعل القصور في هذه القضية
أوضح من عين الشمس - كما يقال -، ولعل من ملامحها تلك الشكوى المرة التي
يتحدث عنها بعض الأدباء الإسلاميين، وفحواها أن العلمانيين حاصروهم إعلامياً
خلال العقود الماضية ولا يزالون، ونذكرهم أن الأديب والشاعر إذا لم يجد من
يعرف الجمهور بأدبه فلن يجد من يقرأ له، وبالتالي يموت إبداعه، ذلك أن مهمة
الناقد هو أنه يمثل جسراً بين المبدع والقارئ، وإذا كان كبار أدبائنا يجأرون
بالشكوى من تجاهل النقاد لهم، فلماذا يمارسون نفس الدور مع إخوانهم الشباب،
فلا يشيدون بمن يتمتع بمواهب أدبية، ولا يدعون لقراءة إنتاجهم، وما من إنسان
إلا وترتاح نفسه لكلمة تشجيع أو استحسان، وهذا شيء فطري، بشرط أن لا
يخرج هذا التشجيع إلى دائرة الملق والإطراء الكاذب.. ونحن لا نريد الإشادة
بالمحاسن فقط، بل نريد من يتعقب جوانب النقص والقصور، والمهم أن لا يكون
هناك إهمال.
وإنها لمسؤولية تتحملونها، وما ندعوكم إليه هو جزء من حق إخوان لكم،
وإذا أردتم أن تستفيد الأجيال من إنتاجكم فعليكم ممارسة النقد الأدبي، وغربلة إنتاج
الأدباء، سواء الرافضين للإسلام أو الناشئين من الشباب المسلم؛ وإن ما ينشر من
سموم مقلدي الغرب أو الشرق لهو بأشد الحاجة إلى نقد أدبي قوي مستوحى من
ينابيعنا الصافية.
стр. 591
البيان الأدبي
درب الأخوة (شعر)
أبو معاذ الخالدي
أشجان قلبي في صماخك تخفق ...
شعراً على سنن الهدى يتألق ...
أسعى لأفرغ في القصيد مشاعراً ...
فياضة.. فيصد عني المنطق ...
يا إخوتي درب الأخوة روضة ...
غناء ... فيها كل غصن مورق ...
يتفيأ الأحباب تحت ظلالها ...
نزلاً ... به الأنداء جذلى تعبق ...
حبي لكم - يا إخوتي -لما يعد ...
سراً ... وكيف؟ وكل عين تنطق! ...
بمحبة الله العلي ... أحبكم ...
حباً على جنبات قلبي يشرق ...
ولكل فرد في الفؤاد مكانه ...
ما ضاق عنه القلب ... وهو الضيق! ...
***
نفسى الخؤون تجرني نحو الثرى ...
والطين ... والروح الأبي يحلق ...
وأظل بينهما كنسر طائر ...
حيناً.. وحيناً في الحضيض يصفق ...
رباه عبدك مذنب قعدت به ...
آثامه ... فهو الأسير الموثق ...
إن لم تداركه بسابغ رحمة ...
فخساره بين الأنام محقق ...
أستغفرُ الله العظيم جرائراً ...
فيها كتاب بالحقيقة ينطق ...
***
في بطن أمك -يا نسي -تتابعت ...
آلاؤه، فهو الكريم المغدق ...
وبظهر آدم موثق أعطيته ...
ألا تضل ... فهل يخان الموثق؟ ...
وأتيت دنياك - التي علِّقتها ...
نضواً، حقير الشأن، حياً ترزق ...
لو هبت النسمات أزعج مسها ...
بشراً ... يكاد لمسها يتمزق! ...
فإذا استويت نسيت سابغ فضله! ...
وهو الذي يولي الجميل ... ويرزق ...
***
يا إخوة الدرب الظليل تحية ...
للراحلين ... وكم جديد يخلق!
стр. 592
البيان الأدبي
صور من الحياة
د.عمر عبد الله
ما إن أخذت مكاني من الطائرة، حتى رأيت ذات الرجل ... كان أكثر
المسافرين حديثاً وانشراحاً ... ولم يترك فرصة لتقديم المساعدة لأحد إلا بادر..،
وعلى الرغم من جسده النحيل وقامته الصغيرة، فإنه بدا أكثر أهل الحافلة الجوية
نشاطاً!
أقبل نحوي وقال: يبدو أنك صديقي في الرحلة..، ومرافقي في المقعد. -
أجبت: يبدو ذلك.
استقر على الكرسي المجاور.. وتنهد ثم قال:
- كم من الوقت ويحل وقت المغرب؟
- ربع ساعة.
- اللهم يسر ولا تعسر.. لقد كان الجو لطيفاً اليوم.. حمداً لك يا واهب النعم. أخذ في ترتيل دعاء السفر ... ثم التفت إلي قائلاً:
- أتعرف أنني تعلمت هذا الدعاء من مذيع الطائرة ... جزى الله خيراً من
بادر لنشره وإذاعته.
-- يبدو أنك تسافر كثيراً؟ .
- نعم.. كل أسبوعين.. كل نصف شهر أسافر إلى الرياض لأخذ
«الكيماوي» .
- الكيماوي؟ !
- علاج.. لقد ابتليت بمرض خطير ... انظر ... ثم وقف يريني ندباً من
أثر الجراحات التي بدت متعددة.. استأصلوه من البطن لكنه انتشر في بقية الجسم
بعد عامين من العملية.. قضاء.. وقدر..!
-الحمد لله على كل حال.
وأخذت أسترسل معه في الحوار، فعرفت أنه فراش في دائرة حكومية وأنه
أب لسبعة أطفال أكبرهم في التاسعة، وبقية ذريته من الإناث، ثم تابع:
- تعرف يا أخي.. إن نعم المولى كثيرة..، ووالله إنني بخير.. أشعر أنني
بنعمة مادمت أدب على الأرض، وعقلي معي ولساني يلهج بالثناء لصاحب المجد
والملكوت.
سألته وقد كانت هيأته تدل على ضعف الحال:
- هل تملك داراً لك ولأولادك؟
- يا «مطوع» السعيد هو الذي يملك داراً هناك في الفردوس.. أما هنا
فالديار عارضة!
كان يصر على مناداتي بلقب (يا مطوع) وحينما أعلن دخول وقت الإفطار
أصر على أن لا ألمس أكل الطائرة قائلاً:
- أكل خواجات يا مطوع ... لا يصلح لنا، هاك التمر الحقيقي.. دع عنك
«المعلب» ! .
- كلاهما خير.
- نعم ولكن حلفت عليك إلا أن تأكل.
- شكرته وأكلت من قصعته ... فإذا به يفاجئني وقد أخرج قرطاسا مليئاً
«بالسمبوسة» وأقراص «الفلافل» .
- سم الله وكل يا مطوع.
- جزاك الله خيراً.
- أبداً يكفي اثنين، دائماً أحضر فطور جاري في المقعد.. أتعرف أجر
المفطر.. لا شك أنك تعرف يا مطوع..
- دعوت له وأخذت تحت إلحاحه آكل وأتحدث معه عن أسرته ومصاعبه
المادية فبدا إيمانه عميقاً، وتوكله مطلقاً مع ما يواجهه من نوائب.
- تعرف أنني لا أملك بيتاً ولكني مطمئن.. مطمئن تماماً لو نزل القضاء
قريباُ.
-كيف، هل هناك أقرباء يرعونهم؟
- يا مطوع.. كنت أحسبك ستفهم.. وراءهم من يطعم الطير في أعشاشها
ويرزق الأجنَّة في الأرحام.. لن ينساهم ربهم..، إنني أتركهم في حال أسعد من
حالي حين تركني والدي يتيماً ... دع عنك المستقبل وتأمينه.. لا يؤمن القادم إلا
رازق كل ذي كبد رطب! !
- صدقت، لكن الأسباب مطلوبة..
- علم الله أنني لم أقصر ... هاأنذا أقطع رحلتي السبعين طلباً للعلاج ...
وهاهم أهلي يطلبون مني أن أقلل من جهدي بسبب المرض.. إنني أعمل «قهوجياً» في حفلات الأعراس ... وهي مستورة ... مادام أنه رزق شريف، وكدح
لا يعيب.. فأنا بخير.
استمر الحديث حتى قطعته إطارات الطائرة وهي ترتطم بالأرض.. ولا
أدري لماذا شعرت بالارتباط بهذا الإنسان البسيط، لقد تعلمت منه معاني عظيمة
نعرفها جميعاً، لكن لا يطبقها أو يمارسها بتلك القناعة سوى من رزقوا توكل الطير
الخماص وهي تغدو، كم كان رائعاً وهو يضع مفاهيم القدر والسبب، وكم كان
مقنعاً وهو يعيش النظرية والتطبيق بلا انفصام، كم كان كريماً وهو الفقير، ومقداماً
وهو الضعيف، وشريفاً وهو المكافح، ومطمئناً في عصر القلق..
ودعته وأنا أقول كما قال أحد العلماء: «اللهم امنحني إيماناً كإيمان العجائز» وتفارقنا.. وأنا أصر أن يقبل دعوتي لإيصاله للمستشفى وهو يجيب بلهجة
حازمة:
- سائق سيارة الأجرة ينتظرني.. إني أعرفه، وأنا أعينه وهو أبو العيال
عندما أنقده الأجرة.. لا جعلك الله سبباً في قطع رزق محتاج! ! !
حقاً كم هو عظيم هذا الدين وهو يحول هذه الشخصيات إلى أمثلة للفطرة
السليمة والإيمان العميق في عصر القلق والبعد عن الله.
стр. 593
البيان الأدبي
جناية الاستغراب على الأدب العربي
خميس بن عاشور
لكل أدب من الآداب خاصية وميزة يتميز بها عن غيره، ولا تكون شخصية ...
الأدب واضحة ما لم يتحلَّ بهذه السمات الخاصة، ولا يعقل أن يتقمص أدب معين
جميع الخصائص الفنية للآداب المختلفة في جميع العصور، مثلما يريد المحسوبون
على الأدب العربي، فهو عندهم تارة أدب شرقي؟ وطوراً أدب غربي، وفي
أحسن الأحوال يجمع بين هذا أو ذاك بأسلوب مبتكر ...
إن اللغة العربية لا يسعها أن تقحم في كل الميادين الفكرية المعاصرة إلا
مكرهة، لأن الكاتب العربي المستغرب ليس بمقدوره الاستغناء عن أداته في التعبير «اللغة (، هذه اللغة التي ترتبط بمفاهيم عقدية ارتباطاً وثيقاً، وأول هذه المفاهيم تلك التي تضمنها القرآن الكريم، الكتاب الأول للعربية بلا منازع.
فبأي حق تظل الميادين التي تجد فيها العربية ذاتها مهجورة؟ ! وما ذنب هذه
اللغة إذا ما انحط أهلها وتخلفوا عن ركب التقدم؟ .
نستطيع أن نقول: إن التراث يدخل في صميم التركيب الذي يتكون منه
الأدب العربي، ومع ذلك فلا نحتاج إلى من يذكرنا بضرورة المعاصرة؛ لأنه لا
يخطر بلب العاقل أن العربي عندما ينشئ أدباً سيعمد إلى مقبرة فيلقي على سكانها
من الأموات ما جادت به سليقته وما فاضت به مخيلته.
لقد دأب المستغربون على تشويه شخصياتنا التاريخية عن طريق إحياء
أكاذيب القصاص وشعراء الشعوبية، حتى ترسخت بعض المفاهيم الهدامة التي
تخدش نزاهة وكرامة أبطالنا التاريخيين الذين قادوا الحضارة الإنسانية ... ولم يبق
للمستغربين إلا أن يدعونا صراحة لدخول جحر الضب، حتى تكتمل بذلك أمنيتهم
الغالية. وماذا أفاد» جورجي زيدان «في رواياته التاريخية التي هي انعكاسات
لعقيدته وفكره المستغرب الذي يدعم به آراء المستشرقين.
إن الإسلامية أشمل وأعم من تلك المفاهيم الضيقة التي يعتنقها من لا تعنيهم
هذه المسألة من المستغربين عامة، فالأدب العربي أدب إسلامي كذلك، وبالتالي فهو
أدب عالمي تبعاً لعالمية الإسلام، وهو بذلك لا يحتمل بعض المحاولات الذليلة
لجعله إقليمياً انعزالياً، كما يريده عبيد المدرسة الاستغرابية.
وهناك قضية أخرى وهي العالمية، فالعالمية فكرة نسبية تعتمد على مقاييس
الذوق الغربي، فالأدب العالمي بالمفهوم السائد هو الأدب الذي ترضى عنه الأذواق
والمقاييس الغربية، فالعالمية هي ذلك الطوق الذي يجعله الأديب المستغرب في
عنقه ليصل إلى هذا الهدف الكبير، وهو الحظوة بدخول جحر الضب..! ، ومما
لا ريب فيه أن متعصبي نصارى العرب من هذه الحيثية ليسوا أمناء على العربية؛
لأنهم عاجزون عن الدخول في كل الميادين التي تميز الأدب العربي منذ القديم.
وربما يتساءل البعض عما قدمه نصارى العرب الأولون سواء في الجاهلية أو في
الإسلام، والجواب هو أن مساهمة الأقدمين كانت لصالح اللغة العربية التي كانت
قوية بقوة الثقافة الإسلامية آنذاك، أما اليوم فلا يمكن أن تكون هذه المساهمة كذلك
بعدما أصبحت الغلبة للثقافة الغربية ذات العقيدة النصرانية في عمومها، ومادام
الصراع الثقافي اليوم قائماً بين الغرب القوي المسيطر وبين غيره من الثقافات -
التي منها ما ذاب في بحار التغريب، ومنها ما يذوب ومنها ما هو باق يتحدى
عوامل الإفناء كالعربية - أمام هذا الصراع فإنه ليس للأديب اليوم من خيار إلا أن
ينحاز إلى فئة من الفئتين، أما محاولة التوفيق فهي مسبقاً في كفة الغرب الراجحة.
ومن هنا كثرت القواقع والحفريات الممسوخة التي تحس ترجيع أصوات
الرياح التي تخترقها بشكل وتخرج بأشكال مختلفة..
إن الأدب الذي يسمونه تراثياً - رغم رداءة بعضه - هو في الحقيقة أدب حي؛ لأنه - وإن كان نبتة ضئيلة - يمتلك جذوراً يستقي بها مادة الحياة. وعلى العكس من ذلك فإن حياة الشجرة التي اجتثت من تربتها الأصلية إلى تربة أخرى غريبة عنها موقوفة على مدة بقاء الماء في عروقها وأوراقها، والأدب الذي ينتمي إلى المدرسة الاستغرابية هو أدب ميت، أو هو في طريقه إلى هذا المصير البئيس،
وذلك لمجرد ما تنتهي مهمته المتمثلة في التبليغ؛ لأن المثقف الواعي لا يحبذ
القراءة لصور منقولة، بل يلجأ إلى الأصل ليقرأ الأدب الغربي بلغة غربية.
فالحروف العربية المقحمة في هذا الأدب هي حروف شكلية، وتحف فنية
جميلة مجردة عن الحياة لا مناص من توظيفها مؤقتاً، حتى يصل المارد الغربي
فيجوس خلال الديار، وقد مهد لذلك وكلاء الغرب عندنا بالدعوة للعامية والإقليمية
والتأليف على منوال هذا المنهج التفكيكي. وقد يخرج هؤلاء بين الفينة والفينة،
لإحداث بعض الزوابع الفكرية والثرثرات الأدبية سرعان ما تقوم مكبرات الصوت
المستغربة بتفخيمها إلى درجة الثورات التجديدية؛ والمعارك والحروب الأدبية،
تارة بمنح الوسام الفلاني للأديب الفلاني؛ لأن عبقريته أوصلته إلى سب عشيرته
واللهو بآثارهم وآدابهم، وتارة بإيثار الكاتب الفلاني بالجائزة الفلانية؛ لأنه أحدث
بدعة في مسار الأدب والفكر العربيين، حتى أضحت هذه المكرمات دليلاً كافياً على
العمالة والردة الفكرية.
إن أفضل الجسور التي يمر عليها الغرب هم عبيد المدرسة الاستغرابية،
ولاسيما نصارى العرب الذين يمثلون نسبة لا تعكس كونهم أقلية من ناحية العدد،
ولكنهم من جانب آخر نصارى، كما هي عقيدة الغرب الدينية. فهم إذاً لا يجدون
من الحرج ما يجده العرب الآخرون عند الاحتكاك بالثقافة الغربية التي تحن إليهم
ويحنون إليها، ولا يفعل مثل ذلك العرب المنتمون إلى الإسلام إلا وفي نفوسهم عقد
كثيرة، فغياب هذه العقد عند نصارى العرب جعلهم القنطرة المفضلة للعبور
والتلاقح ثم الذوبان البارد..
إن المستغربين لا يستطيعون قراءة التراث بغير عقولهم النابتة على أصول
الغرب، ولذلك جاء أدبهم خالياً من الوجدان العربي، ميتاً موتاً معنوياً، وهذا ما
يجعلنا نجزم بأن غير العربي المسلم لا يمكن أن يكون أميناً على العربية وآدابها..
إن كثرة الإنتاج النقدي لا تعكس التطور الحقيقي للإنتاج الأدبي الإبداعي،
وخاصة بعدما أفل نجم الأسلوبيين من أمثال الرافعي والمنفلوطي ومحمد البشير
الإبراهيمي، وقد تكون العلة هي أن الإبداع في الأدب العربي لا يتحقق في معزل
عن التراث، فالإنتاج الأدبي اليوم تغلب عليه الانتماءات المختلفة التي تصب في
مجملها في بحر الثقافة الأوربية، هذه الانتماءات التي يجمع أغلبها على التنكر
للتراث والعبث به، كلما سنحت بذلك فرصة، وهذا ظناً بأن ذلك كفيل بتحقيق
الإبداع الذي يرضى عنه الغرب، ولكن النتيجة كانت تراجع الإبداع الأدبي، وتقدم
الإنتاج الفلسفي التأملي المشبع بأخلاط من العقائد والنحل، حتى وإن لبس هذا
الانتاج أشكالاً أدبية مختلفة، وكذلك فإن سيطرة المدرسة الاستغرابية اليوم على
الأدب والنقد رسخ هذا التوجه المنحرف الذي تستحسنه الثقافة الغربية؛ لأنه يضع
لها وبدون مقابل أفضل الموصلات التي تنقل مضامين هذه الثقافة إلى الشعوب
المختلفة واضحة وضوح كل لغة لدى أصحابها؛ لأن هذه الشعوب تمثل المجال
الحيوي لانتشارها الاستعماري في زيه القشيب، وعلى العكس من ذلك فإن الاتجاه
نحو الإبداع باعتماد سبله السليمة يقوي الآداب الأهلية ويحميها من الانحلال في
الآداب الغازية.
إن بعض الأساليب التي توظف الحرف العربي، إن لم تكن ترجمات رديئة ...
لقراءات مستغربة - كحال بعض» المسارات [١] الفكرية العميلة لوكالات الغرب
- فهي دون شك تثير التقزز والآلام؛ لأننا سنضطر إلى استرجاع معلوماتنا في
التحليل النفسي لكي نعثر على الحلول والتوفيقات الملائمة لما يصادفنا من عقد
لاشعورية هي نتيجة لعدم القدرة على نسيان ما في هذه اللغة نسياناً تاماً، مع
الشعور بالضآلة والقزمية أمام محتويات الفكر والثقافة الغربية الباهرة، ولا ندري
لماذا لا تثير الميادين البناءة -بالنسبة لنا- في الفكر الغربي كلف المستغربين
وشغفهم، فهم لا يستوردون إلا ما يجعلنا نتمرغ في تربة الغرب، حتى لا نرفعها
مرة أخرى، وقد يطرق بعضهم أحياناً أبواب الديار ولكنه يتخطى الأزمان، لكى
يجد نفسه مستريحة إما مع الفراعنة بناة الأهرام، وإما مع الفينقيين أو الوندال.
وفي غياب من الحركة النقدية العربية الأمينة فقد تجرأ الكثيرون على اختراق حدود
الأدب والفكر العربي، وصنع أجهزة الدعاية والإعلام الموجه من السخفاء والتافهين
عمالقة.
стр. 594
تاريخ
الطبقة الخامسة من الصحابة
في كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد
«عرض وتحليل»
د. محمد بن صامل السلمي
إن الغالبية العظمى من مصادرنا التاريخية من أمثال، مغازي ابن إسحاق،
ومغازي الواقدي وطبقات ابن سعد، وأنساب الأشراف، وفتوح البلدان، وتاريخ
الطبري، وتاريخ بغداد، وتاريخ دمشق، قد دونت على منهج الجمع والتقميش، لا
على منهج التحديث والتفتيش، على حد قول الناقد البارع يحيى بن معين: إذا
كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش [١] .
فلا يستغرب الباحث الناقد وجود مجموعات من النصوص والأخبار الدخيلة
والموضوعة في هذه المصادر وأمثالها، مما دون على هذا المنهج؛ لأنه قد قام على
اختراع ونشر وإذاعة هذه النصوص الباطلة جيش كثيف من أصحاب الأهواء
والحاقدين على دين الإسلام وأهله، وأصحاب الاتجاهات البدعية تشويهاً لتاريخنا
وتأييداً لأهوائهم ونحلهم الباطلة.
وهذه النصوص والأخبار الموضوعة هي إحدى الوسائل التي استخدمها
المستشرقون في تشويه تاريخنا الإسلامي، كما أننا نجد صداها - مع الأسف - في
بعض الكتابات التاريخية المعاصرة.
ولذا فإن الأمر يتطلب من الباحثين صرف الهمم إلى تحقيق هذه المصادر
والعناية بها، وتمييز صحيحها من سقيمها على مثال ما تم في ميدان السنة النبوية،
حتى تعرف النصوص الباطلة، ويكشف ريفها ويصحح ما بني عليها من أحكام
ونتائج، وذلك على ضوء القاعدة الذهبية التي قررها علماؤنا: «إن كنت ناقلاً
فالصحة، وإن كنت مدعياً فالبرهان والدليل» .
ومن المعلوم أن مجرد وجود الخبر في كتاب أو مصدر دون على منهج الجمع
والتقميش لا يجعله صحيحاً، ومن ثم فلا يعفى من يستدل به من المسؤولية والتبعة
ما لم يتأكد الباحث من صحته أو يقف على ما يؤيده.
وكتاب الطبقات الكبير لمحمد بن سعد البصري المتوفى سنة ٢٣٠ هـ -
والمشهور بكاتب الواقدي - يعتبر من أوسع المصادر وأقدمها في تاريخ الصحابة،
وصدر الإسلام، وفي هذه المقالة نعرض لدراسة الطبقة الخامسة من الصحابة في
هذا الكتاب [٢] وذلك في النقاط التالية:
- أهمية هذا القسم من كتاب الطبقات.
- منهجه في عرض المادة العلمية.
- دراسة تحليلية لهده الطبقة.
أهمية هذا القسم من كتاب الطبقات:
يحتوى هذا القسم على تراجم صغار الصحابة ﵃، ومعرفة
هذه الطبقة من الصحابة مهمة في علم الحديث، حتى يعرف اتصال الرواية أو
إرسالها، لأن بعض هؤلاء الصحابة ليس لهم سماع ورواية عن النبى - صلى الله
عليه وسلم -، وإنما لهم رؤية وإدراك، وبعضهم لم يسمع من النبى - صلى الله
عليه وسلم - إلا القليل، فتكون أحاديثهم التي لم يسمعوها من النبي - صلى الله
عليه وسلم - من باب مرسل الصحابي الذي لم يسمعه من الرسول - صلى الله
عليه وسلم - مباشرة، وإنما سمعه من صحابي آخر، وبعض هؤلاء ينازع في
صحبته، وابن سعد يثبتها، وهذه فائدة.
كما اشتملت هذه الطبقة على تراجم وأخبار مجموعة من الشخصيات المهمة
والمؤثرة في الحياة العلمية والفكرية، والحياة السياسية والاجتماعية، فابن عباس،
والحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير بن العوام، من الشخصيات المشهورة في
التاريخ الإسلامي، والمؤثرة في مجرى الأحداث، وقد تزعموا قيادة المجتمع في
عصرهم، وشاركوا في إدارة الدولة الإسلامية، وفي الجهاد، وفي الأحداث
الداخلية، والقضايا العامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى
جمع شمل الأمه واتحادها، كما حصل على يد الحسن بن علي. كما قاموا
بالمعارضة لما رأوه خروجاً عن القاعدة الإسلامية وترك الشورى في الولاية ...
العظمى، كما فعل الحسين بن عليّ وابن الزبير من رفضهما البيعة ليزيد، ثم خرج
الحسين إلى العراق، فكانت المأساة العظمى بقتله، واعتصم ابن الزبير بمكة
رافضاً البيعة، حتى إذا مات يزيد دعا إلى نفسه، فبويع بالخلافة في معظم الأقاليم
الإسلامية، ولكن بني أمية ومن شايعهم لم يبايعوا له، بل عقدوا بيعتهم لمروان،
ثم لابنه عبد الملك، وجرت أمور عظيمة، حتى حوصرت مكة، وضربت الكعبة
بالمنجنيق، وقتل ابن الزبير مظلوماً في حرم الله.
وهذه الأحداث وقع في عرضها من الإخباريين والمؤرخين قديماً وحديثاً خلط
وتشويه، يحتاج إلى تحقيق وتحرير، وابن سعد بما عرض من المعلومات
والأخبار المسندة يساعد على إجلاء الصورة وتبين الحقيقة، والتمكن من نقد
المرويات على ضوء أسانيدها، وقد تحقق لنا هذا من خلال المنهج العلمي الذي
سلكناه في تحقيق نصوص هذه الطبقة، وقد وجدنا أن ابن سعد ينفرد بذكر نصوص
لا توجد عند غيره، سواء في باب الأخبار والوقائع، أو في باب الآثار عن
الصحابة ﵃ من الأقوال والأفعال، وبعض هذه النصوص بأسانيد
صحيحة، وبعضها بأسانيد يستفاد منها في الشواهد والمتابعات لنصوص أخرى،
فترفع درجتها، وبعضها بأسانيد ضعيفة جداً.
كما أن في الأحاديث والآثار التي أوردها في تراجم أهل هذه الطبقة والبالغة:
خمسة عشر وسبعمائة سنداً، يستفيد منها أهل العلم في زيادة الطرق وتقويتها لما
هو مروي عند غير ابن سعد.
وفي ترجمة ابن عباس أورد نصوصاً غاية في الأهمية، توضح المنهج الذي
ينبغي أن يسلك في معاملة المخالفين، وكيفية محاجتهم، وبماذا يحاجون؟ فقد
أرسله عليّ بن أبي طالب إلى الخوارج الذين أنكروا التحكيم، وخرجوا على عليّ
﵁ فقال له عليّ: اذهب إليهم، وخاصمهم، وادعهم إلى الكتاب
والسنة، ولا تحاجهم بالقرآن؛ فإنه ذو وجوه.
وفي النص الثاني: القرآن حمال ذو وجوه، تقول، ويقولون، ولكن حاجهم
بالسنن؛ فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً، فخرج ابن عباس إليهم، فحاجهم بالسنن فلم
تبق بأيديهم حجة [٣] .
فبيان الحق وإزالة الشبهة أول ما ينبغي أن يبدأ به مع المخالف، ثم إن
المحاجة والمناظرة في المسألة موضوع الخلاف لابد أن تكون على منهج واضح
صحيح، وبحجة بينة قاطعة للنزاع، ولذا قال عليّ: القرآن ذو وجوه، تقول،
ويقولون، أي في تأويل الآيات، ولكن السنة عن النبي ﷺ
تحدد الوجه المراد من الآية، وعندئذ لا مجال للاجتهاد في تأويل المراد بالآية مع
وجود النص من النبي ﷺ .
وقد أورد نصوصاً توضح موقف بعض الصحابة، مثل: ابن عباس، وابن
عمر، من الأحداث التي جرت في وقتهم، مثل: بيعة يزيد، وخروج الحسين،
وبيعة ابن الزبير، فقد بايع ابن عمر وابن عباس ليزيد بن معاوية، ونصحا من لم
يبايع بالبيعة والدخول فيما دخل فيه عامة المسلمين، مع أنه يوجد في الأمة من هو
أفضل من يزيد وأولى بالأمر منه، ولكن لا يتوصل إلى ذلك إلا بارتكاب مفاسد
أعظم من المصالح التي تتحقق بتولية الأولى والأفضل، وقد نظرا - رحمهما الله -
إلى الأمر نظرة شمولية، فاختارا أخف الضررين جلباً لأكبر المصلحتين، وهذا هو
منهج الاعتدال الإسلامي في التعامل مع مثل هذه الأحداث، وقد التزما بهذه البيعة،
ولم يخلعا يزيداً عندما خلعه أهل المدينة، ولما دعاهما ابن الزبير إلى البيعة له بعد
موت يزيد قالا له: أنت في زمن فرقة وليس عندنا خلاف، ولكن ننظر حتى يتم
الأمر وتأتسق لك البلاد، كما أنهما لم يبايعا لعبد الملك الذي دعا إلى نفسه في الشام، ولا لمروان قبله، فتركا الأمر حتى يجتمع الناس على واحد، وهكذا ينبغي أن
يكون التعامل مع مثل هذه الأحداث، ينطلق من مبدأ شرعي ملتزم، ونظرة شمولية، توازن بين المصالح والمفاسد، بحيث تتحقق أكثر المصالح وتندفع أكبر المفاسد،
وما حمد الذين خرجوا موقفهم، وما تحقق ما أرادوا من المصالح إلا بارتكاب ما هو
أعظم من المفاسد، ولكنهم مع ذلك اجتهدوا فأخطأوا في اجتهادهم والله يثيب المجتهد
وإن أخطأ.
منهجه في عرض المادة العلمية:
لقد عرض ابن سعد مادته العلمية وفق منهج يتسم بالدقة، والأمانة،
والموضوعية، وجودة السبك والتنسيق، إلا في مواطن قليلة، قد يلاحظ فيها
التكرار، أو التعارض، وعذره في ذلك يعود إلى طبيعة الأسلوب العلمي الذي اتبعه
في تدوين المعلومات، والذي يقوم على الجمع والاستقصاء للروايات الواردة في
الموضوع الواحد، وتدوينها بالأسلوب الحديثي القائم على الإسناد لكل معلومة وإن
قل شأنها، والمستكثر للطرق وإن كانت المعلومة واحدة، وهذا الأسلوب يحقق
الموضوعية العلمية، فينقل إلى القارئ الأقوال، برواتها، وألفاظها، دون أن
يتدخل بالانتقاء والحذف، الذي يؤدي إلى سلك الموضوع في اتجاه معين وهذا لا
يجعلنا نعتقد أن دوره هو الجمع فقط، ذلك أنه مع الجمع قام بعملية التصنيف
والترتيب حيث وضع كل مادة علمية في موضعها المناسب، كما أنه مارس النقد
والترجيح [٤] بين الروايات - بعد أن وضعها أمام القارئ، وحتى لا يلزمه برأي
محدد - ولكنه لم يكثر من هذا.
- ومن معالم منهجه الالتزام بالإسناد في غالب الكتاب [٥] وأسانيده منها ...
المتصل، ومنها المرسل، ومنها المعلق، ومنها المنقطع، ومنها المبهم، مثل قوله: أُخبرت، ذُكر لي، روى قوم، قال بعض أصحابنا، قيل، روي، زعم بعض
الناس.
كما أنه يستخدم الإسناد الجمعي في الأخبار الطويلة، ثم يقطعه بأسانيد مفردة، ثم يعود لسياق الخبر الأساسي، بقوله: رجع الحديث إلى الأول.
- بعض التراجم مطولة [٦] ، ويقسم الكلام فيها إلى مباحث وموضوعات،
ويجعل لها عناوين، وبعضها مختصراً جدًا [٧] ، بل بعضها بدون ترجمة، ولعل
مرد هذا إلى عاملين:
أولهما: مدى أهمية الشخص المترجم له وأثره في الحياة العامة أو الحياة
العلمية.
وثانيهما: مدى توفر المعلومات عن الشخص المراد ترجمته، فبعض
الأشخاص تكون المعلومات عنهم كثيرة، وبعضهم ممن لا تتوفر عنه معلومات عند
المصنف على أقل تقدير.
يبدأ الترجمة بذكر الاسم، ثم يسوق النسب ويرفعه إلى القبيلة التي ينتسب
إليها، ثم يذكر أولاده، الأبناء والبنات، وأمهاتهم، ثم ينسب الأم ويرفع نسبها إلى
البطن أو القبيلة، إلا إذا لم تتوفر لديه معلومات.
ويوضح - غالباً - حال الأبناء من زواج وإنجاب، أو موت قبل الزواج، او
انقراض النسل، ويذكر
تاريخ ولادة المترجم له إذا توفرت المعلومات، ويذكر بعض شيوخه وتلاميذه، وبعض ما روى، وانتقاله من مصر إلى آخر.
ويذكر تاريخ وفاته، وسببها، ومكانها، وينهي ترجمة غير الصحابي -
غالباً- بالحكم عليه جرحاً وتعديلاً، وبيان منزلته عند المحدثين.
стр. 595
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
ماذا وراء انتصارات الجبهة الشعبية في مصوع
بلال محمد أحمد
ثلاثون عاماً مرت على الصراع الأرتيري الأثيوبي، ورحى الحرب مازالت
دائرة يتعاقب عليها الطرفان دون أن تسحق أحدهما نهائياً، وإن كان الطرف
الأثيوبي ظل يراهن على تصفية المقاومة الأرتيرية عسكرياً، بيد أن الأيام أثبتت
له ولغيره عدم جدوى هذه الفكرة، بل لمس بيده ما نجم عن هذه السياسة من مآسي
عمت أثيوبيا كلها، إذ كان من مضاعفاتها تفجر الثورات في إقليم تجراي، وأرمو،
وتفاقم الأزمات الاقتصادية وتضعضع الأمن، وفقد الاستقرار، وتردي الأوضاع
الاجتماعية، فالتشتت الأسري، ومظاهر التسول والتسكع كل ذلك من السمات
البارزة التي خلفتها المشكلة الأرتيرية على العاصمة الأثيوبية أديس أبابا حيث تجد
شعارات الحرب المعلقة على الأبنية الشاهقة والداعية إلى توجيه كل شيء إلى
ساحة القتال تظلل من تحتها أرصفة مليئة بالجوعى، والمتسولين.
ولم يأبه (منجستو) بكل معاناة شعبه وحصر دائرة تفكيره في الأرتيرية
عسكرياً إلا أن الجبهة الشعبية الأرتيرية التي أريد لها الانفراد بالساحة الأرتيرية
بددت أحلامه وحالت دون تحقيقها، وكانت جبهة «نادو» في الساحل الشمالي من
أرتيريا أبرز المواقع التي تحطم فيها كبرياء العدو الأثيوبي، تلتها انتصارات
مصوع الميناء الأرتيري الذي سقط مؤخراً على يد الجبهة الشعبية بعد مقاومة من
الجيش الأثيوبي لم تدم أكثر من ست ساعات تقريباً، حيث فوجئت القوى البحرية
الأثيوبية بزوارق تغرق سفنها القتالية ولم تمض لحظات إلا وصار الجيش الأثيوبي
بين قتيل وأسير وغريق ومحاصر في جزر دهلك [١] .
لقد بهرت هذه الانتصارات جموعاً كثيرة من الأرتيريين وهي بحق إنجاز
عسكري كبير إلا أن هذا لا يعني أن تمضي هكذا دون وقفة تأمل وتفكر، ورغم أن
العاطفة هي سيدة الموقف غالباً إلا أن النظرة الواقعية تزاحمها أحياناً، وأيا كان
مردود هذا الانتصار على القضية الأرتيرية، فإن عدة عوامل ذاتية وأخرى ...
موضوعية تجمعت لتجعل منه تاجاً يلمع على رؤوس الجبهة الشعبية الأرتيرية.
معاذ الله أن نغمط الناس حقهم وإن كانوا دعاة إلحاد وزندقة، فالتضحيات
المقدمة من قبل الجبهة الشعبية مصانة ومقدرة غير أن حجم ما منيت به من خسائر
يتضائل ويتصاغر لو قورن بأهمية الموقع واستراتيجيته، حيث لم ترق المقاومة
الأثيوبية للهجوم إلى مستوى أهمية الموقع، بل كانت ظاهرة الهروب
والاستسلام تسود الأوساط الأثيوبية المقاتلة، فهل في الأمر شيء ما؟ .
ثمة أمور تجري وراء الكواليس وهي جديرة بالاستنطاق والتقصي فعالمنا
اليوم مليء بالمتناقضات والمؤامرات التي تحيكها قوى الاستكبار العالمية لتحقق
مصالحها وأهدافها، والمرء حين يعود إلى الوراء قليلاً يجد العامل الأمريكي يحتل
موقع الصدارة من بين هذه العوامل، ثم تأتي بعد ذلك عوامل داخلية أخرى من
خلالها تبدو الجبهة الشعبية الفارس الذي لا يقهر.
فمند أن تآمر الأمريكان على القضية الأرتيرية في فترة تقرير المصير ظل
اهتمامهم بالمنطقة ينمو مع نمو الثورة الأرتيرية وتطورها، ولم يغب عن بالهم أن
يوماً ما سيحل تكون فيه مصالحهم على خطر وقد حدث بعد سقوط حليفهم
هيلاسلاسي عام ٧٤ م أن تسلل الروس إلى أثيوبيا غير أن هذا التسلل وإن كان لم
يربك الأمريكان بشكل مفجع إلا أنه لم يجعلهم يغضون الطرف عن البحث عن
حليف لهم يؤمن مصالحهم ويقيهم شر نمو حركات إسلامية جهادية في منطقة تشهد
تمدداً إسلامياً، لذا شهدت الخرطوم عاصمة السودان حضور رجال الاستخبارات
الأمريكية يشاركون في عملية تهريب الفلاشا إلى إسرائيل، وفي ذات الوقت
يراقبون عن قرب وكثب حركة التحرر الأرتيرية بفصائلها المتعددة ويجمعون حولها
دراسات وتقارير، وعبر عملية معقدة ودقيقة للغاية استطاع الأمريكان أن يتخلصوا
من أعتى تنظيم يمثل توجهاً ماركسياً خطيراً ويحمل في ذات الوقت بين أحشائه
توجهاً إسلامياً، وآخر قومياً عربياً يمكن أن يكون لهما شأن إذا ما تركا ينموان
ويتكاثران ذلكم هو تنظيم جبهة التحرير الأرتيرية المجلس الثوري الذي لفظ أنفاسه
الأخيرة عام ١٩٨١م بعد أن ألقى عتاده العسكري أمام الجيش السوداني نتيجة
تعرضه لهجوم شكلي من الجبهة الشعبية.
ومنذ ذلك الحين خلت الساحة للجبهة الشعبية وانفردت وحدها بالجيش
الأثيوبي، تطارده من مكان إلى آخر، وتفرغت لتقوية بنائها الداخلي اقتصادياً
وعسكرياً، وشرعت في إبرام تحالفات مع قوى المعارضة الأثيوبية، لاسيما تلك
التي اتخذت من الولايات المتحدة موقعها الرسمي، وتولت أجهزة الاستخبارات
الأمريكية مهمة استمالة كبار ضباط الجيش الأثيوبي وقياداته العسكرية للسير وفق
الخطة الموضوعة لإسقاط منجستو، ومن هنا كانت العمليات العسكرية التي تشنها
الجبهة الشعبية على مواقع العدو الأثيوبي لا تلقى دفعاً قوياً، بل على العكس من
ذلك كان يرتب لها مسبقاً من القيادات العسكرية الأثيوبية المتآمرة، كما حصل في
موقعة «أفعبت» التي أسر فيها خبراء روسيون، وغنمت منها معدات عسكرية
هائلة.
وأشركت الجبهة الشعبية في محاولة الانقلاب التي نظمتها الاستخبارات
الأمريكية عام ١٩٨٩ م على منجستو حيث أعلنت وقف إطلاق النار من جانبها،
وتفاعلت معها بحماس.
وسبق هذه الأنشطة العسكرية تحولات جذرية أتت على التنظيم من قواعده،
وجعلت منه يميناً متطرفاً بعد أن كان يساراً، حيث قرر في مؤتمره الأخير الذي
عقد عام ٨٧ م إدانة السياسة السوفياتية العالمية بإصرار من الأمين العام (إسياس
أفورقي) الذي وصف السوفيات بالوقوف أمام نضالات الشعوب على المستوى
العالمي وخاصة القرن الأفريقي، ولم يبد المؤتمر اعتراضاً على السياسة الأمريكية
المعادية لتحرر الشعوب الأفريقية والأسيوية، في حين أن تصريحات ما قبل هذا
المؤتمر ظلت تؤكد قدرة الجبهة الشعبية على الإفلات من قبضة الإمبريالية
الأمريكية، حيث صرح عام ١٩٨١م لجريدة الوطن الكويتية قائلاً: نحن ضد
الإمبريالية بشكل استراتيجي لا يتغير مهما كانت التغيرات التي تحدث في المنطقة
أو في أرتيريا.. نحن لن نقف إلى جانب الإمبريالية الأمريكية لمواجهة ما يسمونه
بالخطر السوفياتي في هذه المنطقة، نحن لن نكون أداة لتغيير استراتيجيات
إمبريالية في المنطقة، كما لن نكون أيضاً أداة لتنفيذ الاستراتيجية السوفياتية رغم
أننا مازلنا نعتبر الاتحاد السوفياتي في قائمة الأصدقاء.
ويلمس المرء اليوم فارقاً كبيراً بين حاضر التنظيم وماضيه، ويبدو أن الراية
الماركسية التي رفرفت على أرضية التنظيم إنما كانت تكتيكاً اقتضته طبيعة الخطة
المرسومة، فعلى صعيد قيادة التنظيم تحولت من قيادة جماعية إلى قيادة فردية،
حيث قرر المؤتمر تنصيب (أسياس أفورقي) أميناً عاماً للتنظيم، ليس بجانبه مساعد
ولا لجنة قيادية جماعية، وهمش رمضان محمد نور الذي شغل فيما مضى منصب
الأمين العام.
وقد سبق هذا الاجراء القيادي التخلص من عناصر ماركسية يخشى بأسها،
حيث تمت تصفية القائد العسكري إبراهيم عافه، المنافس الرئيسي لأسياس أفورقي
تحت ظروف غامضة..
عقب هذه التحولات الجذرية في المواقف الفكرية والسياسية تحركت أمريكا
بمبادرة كارتر للسلام، ومن قبل كان الاتحاد السوفياتي قد طلب من فرنسا عام
١٩٨٨ م أن تلعب دورها في إخماد فتيل الصراع المشتعل في القرن الأفريقي، إلا
أن شروع كارتر في مبادرته قطع على فرنسا طريقها.
ومن جانب اخر ضغط الروس على منجستو وأنذروه بقطع المعونات
العسكرية التي بلغ حجمها أكبر من ستة آلاف مليون دولار سنوياً إن لم يسارع في
حل مشاكله بالطرق السلمية، وأوضح الكرملين لنظام منجستو أنه لن يجدد معاهدة
التسلح مع أديس أبابا ١٩٩١م، كل ذلك أرغم منجستو ودون رغبة منه أن يجلس
مع الجبهة الشعبية في مائدة التفاوض في أتلانتا، ثم نيروبي، ولعل منجستو رأى
فيها مظلة استراحة يلتقط فيها أنفاسه ريثما يبحث عن حليف آخر، إلا أن ضربات
الثوار في تجراي جعلت منه كلباً مسعوراً ينبح دون توقف، فقد وصلت قواتهم إلى
مشارق العاصمة أديس أبابا، وأخذت الجبهة الشعبية الأرتيرية تعمل على ترتيب
قواها العسكرية للإجهاز على نظام منجستو المهترئ، وعلى حين غفلة منه شنت
غاراتها براً وبحراً على مدينة مصوع، وتم الاستيلاء عليها، وبالطبع لم يكن هذا
الهجوم مفاجئاً للاستخبارات الأمريكية التي كانت بالتأكيد على علم بترتيباته.
ويمكن أن نلمس هذا من خلال الندوة التي أقامها الأمريكان إثر سقوط مصوع، فقد نشرت جريدة الحياة تاريخ الجمعة ٩/٣/١٩٩٠ الموافق ١٢/٨/١٤١٠ أن
الأمريكان عقدوا عقب سقوط مصوع ندوة شارك فيها هيرمان كوهين مساعد
سكرتير الدولة لشؤون القارة الأفريقية، وأندريو ناتوسيوز مدير الإغاثة الأفريقية
في وزارة الخارجية الأمريكية، وبول هنز الكاتب الخبير في شؤون القرن الأفريقي، والباحث أدموند كيلر، والأستاذ الجامعي جان هاوك، ومسؤول جمعية الإغاثة
الكاثوليكية، وتوصلوا إلى نقاط أبرزها:
١ - الشعب الأرتيري ربط بأثيوبيا فدرالياً ضد رغبته وذلك قبل أن تضم
أرتيريا نهائياً عام ١٩٦٢، ومنذ هذا التاريخ فإن الشعب الأرتيري يحارب في
سبيل حقوقه الشرعية وحقه في تقرير المصير.
٢ - على الحكومة الأثيوبية أن تقول بصراحة ما إذا كانت حقاً راغبة في
تحقيق السلام؛ لأنها أولاً ماطلت في القضايا الشكلية لبدء المفاوضات الحقيقية قبل
أن تقف عقبة كأداء في وجه مشاركة الأمم المتحدة كطرف محايد ومراقب في
مجرى سير المفاوضات وعليه فإنها تتحمل ما يترتب على ذلك.
٣ - الجبهة الشعبية لتحرير أرتيريا تقاتل الجيش الأثيوبي بأسلحته التي
استولت عليها إبان المعارك وأن الأرتيريين الموجودين في المهجر يقدمون لهم دعماً
مادياً.
٤ - إن تنظيم الجبهة الشعبية بات وطنياً أكثر مما كان ماركسياً على صعيد
القيادة والقاعدة، ولم يعد لدينا أي شك في ذلك.
٥ - إن الجبهة الشعبية في تقديرنا لن تعلن استقلال أرتيريا بعد استيلائها
على مدينة مصوع؛ لأنها قبل ذلك ستعمل لخلق أرضية إيجابية على الصعيد الدولي
عموماً وعلى صعيد الدولتين العظميين خصوصاً، وفي نهاية الندوة صرح بول
هونز بقوله: لابد من إزاحة منجستو هيلي ماريام حتى يتحقق السلام بين أرتيريا
وأثيوبيا.
وقال مشاركون في الندوة أن الدعم الإسرائيلي لأثيوبيا في خضم هذه
التطورات التي يشهدها القرن الأفريقي عموماً، والصراع الأرتيري الأثيوبي
خصوصاً خطأ كبير.
وهذا الموقف الأمريكي في هذا الظرف بالذات يبعث على التساؤل، ذلك أن
ارتباط أرتيريا بأثيوبيا إنما تم بإصرار من أمريكا التي دعمت نظام هيلاسيلاسي
سياسياً وعسكرياً، تأميناً لمصالحها الاستراتيجية، وصرح وزير خارجيتها جون
فستر دالاس ١٩٥٠ قائلاً: (إن المصلحة الاستراتيجية في البحر الأحمر
وضرورات الأمن والسلام في العالم يقتضيان ضم أرتيريا إلى أثيوبيا الصديقة) ،
وكلما أرادت أمريكا تأمين مصالحها في منطقة ما ركبت ظهر السلام وعزفت على
قيثارته، فقد دعمت موقف هيلاسيلاسي تذرعاً بالأمن والسلام، وهاهي الآن تتذرع
أيضاً بالأمن والسلام وتحمل منجستو مغبة عرقلته لمساعيها، ألم تكن أمريكا هي
التي عكرت صفو الأمن والسلام في هذه المنطقة وحكمت على شعوبها بالموت
والتشرد، ويكفي أن أسياس أفورقي قال في تصريح له عام ١٩٨٧م: يجب أن لا
ننسى بأن الولايات المتحدة هي أصل البلاء الذي يعم أرتيريا منذ ثلاثة عقود أو
أكثر.
فما الذي بشرت به حتى تقلب ظهر المجن، وتسجل هذا الموقف الجديد من
القضية الأرتيرية؟ أم لم تعد أرتيريا ذات أهيمة للمصالح الأمريكية؟ أم أعطيت
عهوداً ومواثيق تضمن لها بقاء مصالحها الاستراتيجية؟ وما هي يا ترى النتائج
التي يتحملها منجستو بإعاقته لمفاوضات السلام؟ ألا يمكن أن تكون هذه العبارة-
حبلى بالجنين الأمريكي - أعني الاستقلال الكلي أو الجزئي؟ .
وهل صحيح أن الجبهة الشعبية لا تتلقى دعماً خارجياً وتكتفي بما تغنمه من
أسلحة وبما تحصل عليه من إسهامات الأرتيريين في المهجر؟ إذن من أين أتت
الزوارق البحرية؟ حتى ولو قبلنا مقولة اقتنائها من الأسواق الحرة، فكيف نصدق
خلو هذه الأسواق من إشراف المخابرات؟ أم أن هذا تمهيد وتوطئة للعون الأمريكي
المنتظر؟
ثم ما هي العوامل التي جعلت الأمريكان يؤكدون وبدون شك وتردد وطنية
تنظيم الجبهة الشعبية على مستوى القيادة والقاعدة ألأن القيادة أصبحت في قبضة
أسياسي أفورقي وزمرته بعد أن أقصي عنها قطعان الجويم من أبناء المسلمين الذين
عبدوا ماركس ولينين وظلوا عليهما عاكفين؟ وماذا وراء هذا التأكيد بالوطنية
لتنظيم الجبهة الشعبية؟ ألا ترى معي أن الأمريكان يعبدون له الطريق المؤدي إلى
أرتيريا وإعلان كيانها؟
إن الأيام مثقلة والأحداث تشير إلى أن فصول المسرحية قد اكتملت أو كادت
وفيما يأتي من أيامنا سنشهد تحركاً واسعاً على المستوى الدولي تمهيداً لإعلان
أرتيريا المستقلة على يد الجبهة الشعبية، وسيسعى الأمريكان جهد طاقتهم في إيجاد
أرضية صالحة تسير عليها قدما أسياسي أفورقي بأمن وسلام، وتذهب في ذات
الوقت بمنجستو إلى حيث لا رجعة، فكما صرح بول هونز في نهاية الندوة: (لابد من إزاحة منجستو هيلي ماريام حتى يتحقق السلام..، طبعاً السلام الذي
يخدم مصالح أمريكا ليس إلا) .
وسوف لن يغفل هذا التحرك عن تطمين إسرائيل التي طالما أبدت تخوفها من
استقلال أرتيريا وتحول البحر الأحمر إلى بحيرة عربية إسلامية، ولكن إذا ما كان
هذا ممكناً ومتوقعاً، فهل يمكن أن تترك أثيوبيا حبيسة بلا منفذ بحري أم ستطرح
حلول أخرى؟ مهما كان فإن الغرب ينظر إلى أثيوبيا نظرة إشفاق وعطف؛ لكونها
جزيرة مسيحية في محيط إسلامي، من هنا يستبعد جداً أن تسحب أرتيريا بكامل
مساحتها من الخارطة الأثيوبية دون أن يقتطع منها ميناء عصب الواقع جنوب البلاد
على المدخل الشمالي لمضيق باب المندب، ويستشف هذا من بعض المعلومات التي
تسربت إلى دوائر دبلوماسية أجنبية في أديس أبابا، حيث أفادت هذه الدوائر بأن
آخر المعلومات التي سربتها شخصيات أثيوبية مقربة من الحزب الحاكم تفيد بأن
استقلال أرتيريا إذا كان شراً لابد منه للخروج بالبلاد من متاهة أطول حرب عرفتها
القارة السوداء، وللحيلولة دون تمزق أثيوبيا إلى أشلاء قومية، وعرقية، وربما
قبلية، وتسخير كل الطاقات لبناء أثيوبيا الحديثة يفترض الشروع في إرساء أسس
سياسية جديدة تحفظ ماء وجه أثيوبيا [٢] .
صحيح أن من الفصائل الأرتيرية من لا يقبل التنازل عن شبر من أرضه،
ولكن يبدو أن المطبخ الأمريكي قد فرغ من إعداد الوجبة بجميع مشهياتها،
والضيوف المدعوين علم كل منهم مأكله ومشربه، وبهذا تكون أمريكا أسدلت
الستارة لتبدأ مرحلة جديدة تحمل على عاتقها حماية المولود الجديد من الحركات
الإسلامية الجهادية، وتزويده بكل ما يسهل له عملية قمعها وإزالتها من الوجود،
وكفى بك أن تعلم أن الجبهة الشعبية نشرت في مجلتها (ساقم) . العدد الثامن عشر
الصادر في يناير ١٩٨٩م ما يضعك على يقين مما قلتُ، حيث قالت: «إن صيغة
ما يعرف بالبديل الإسلامي هي صيغة غير مقبولة في أرتيريا ولا تتماشى مع الواقع
الأرتيري، وأصحاب هذا التوجه تنتفي عنهم صفة الوطنية» .
ولا يخفى ما تنطوي عليه عبارة (تنتفي عنهم صفة الوطنية) فإنها مشحونة بما
هو معروف وغير معروف من أساليب الإرهاب.
стр. 596
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
إنصافاً لعلماء اليمن
وتعقيباً على فهمي هويدي حول الوحدة اليمنية
يحيى محمد أبو زيد
يعيش اليمنيون هذه الأيام آمال تحقيق الوحدة بين الشعب الذي فرقته الحدود
المصطنعة والتي قامت على أساسها الدول الإقليمية الصغيرة، ولا خلاف بين
العقلاء أن الوحدة خير من التجزئة خاصة في هذا العصر الذي تتكتل فيه الدول
الكبرى، فكيف سيكون مصير الدول الصغرى؟ !
ولاخلاف كذلك أن الوحدة إذا لم تقم على أساس متين فتأجيل قيامها أفضل من
التعجل فيها، والتجارب الوحدوية السابقة خير مثال على ذلك، وليس هناك أساس
متين غير الإسلام؛ فهو هوية الأمة وثقافتها وحضارتها. وعند الحديث عن الوحدة
بين شطري اليمن طُرح مشروع دستور دولة الوحدة، وهو مشروع فيه ما لا
يتناسب مع تطلعات الأمة وأمانيها في حفظ دينها، وقد قام علماء في اليمن الشمالي، ومن قبيل النصيحة بنقد هذا المشروع، وبيان الثغرات الخطيرة فيه، وبدلاً من
تأييدهم في تحفظاتهم أو مناقشتهم مناقشة علمية قام الصحفي فهمي هويدي بالرد
على العلماء في مقالات نشرت في صحيفة الأهرام، وفي عدة صحف عربية أخرى، وقد تيسر لي أن أقرأ بإمعان ما كتبه في هذه الصحف، فوجدته قد أخطأ ووقع في
زلات، وخاصة في المقالين الثاني والثالث، وحشر نفسه في غير ما يجيد مع فقر
في خلفيات الموضوع، وخاطب العلماء بما لا يليق بهم، ولا أخفي على القارئ
أنني ظننت ابتداءً أن الرجل قد غرر به وأعطي معلومات مغلوطة وغير دقيقة عن
موقف العلماء فيما ذهبوا إليه، خاصة وأن له تجربة سابقة عندما كتب عن اليمن
متأثراً ببعض ما سمعه من ذوي التوجه العلماني الذين رافقوه عند زيارته لليمن في
العام الفائت. ولكن تبين لي أنه قد اطلع على ما كتبه العلماء في بيان ملاحظاتهم،
وعجبت أشد العجب إذ كيف يلتبس عليه الفهم في مسائل وضحها العلماء بأجلى
بيان.
مزالق هويدي:
جاءت مآخذ العلماء على مشروع دستور الوحدة في نقاط تسع، أوردها فهمي
هويدي مختصرة اختصاراً مخلاً، ومع ذلك فإن القارئ الواعي سيكفيه ما أورده من
كلامهم ليقتنع بما قالوه، خاصة أنهم أشفعوا ما قالوه بالدلائل والتفاسير العلمية من
الكتاب والسنة، بالإضافة إلى استنادهم للدستور الدائم لليمن، قال العلماء في نقدهم
لمشروع الدستور:
(نص المشروع على أن القانون يحدد الحالات التي يحرم فيها المواطن من
حريته) ، وعقبوا على ذلك: (وذلك ما يفتح الباب للعدوان على حريات الناس
بالقانون) ، بينما في دستور اليمن الشمالي الحالي ينص على كافة الحريات في حدود
الشريعة، وأن للدماء والأعراض حرمتها، ولكن مشروع الدستور لم يشر إلى ذلك
فما كان من الأستاذ فهمي هويدي إلا أن عقب بقوله:
(إنهم - أي العلماء - باسم الغيرة على الدين قدموا الإسلام وكأنه ضد
المساواة وضد الحرية، وضد المرأة) ويتابع نقده: «إنهم شغلوا أنفسهم بالعقائد
والضمائر والأخلاق وما قد يوصف بأنه حقوق الله، بينما لم تحتل حقوق الناس في
خطابهم حظاً يذكر» .
وعجيب أن يفهم هويدي من خطاب العلماء أنهم غير حريصين على حقوق
الناس مع أنهم نقدوا مشروع الدستور؛ لأنه أعطى مجلس الرئاسة الحق في إعلان
حالة الطوارئ التي في ظلها يتمكن الحكام - والكلام للعلماء - من الظلم والجور
واستعباد شعوبهم. ثم على افتراض أنهم شغلوا أنفسهم بالكلام عن (حقوق الله) أفلا
يستحقون الشكر على ذلك، أم أن حقوق الله لا مكان لها لدى الأستاذ؟ ، وكيف
غاب عنه ما تفعله الحكومات بشعوبها في ظل قانون الطوارئ.
وهل صحيح أن علماء اليمن قدموا الإسلام وكأنه ضد المرأة، وقد قالوا في
مأخذهم التاسع: إن من ثغرات مشروع الدستور أنه ألغى الأحكام الخاصة بالنساء،
وقرر المساواة بين الرجل والمرأة، «بينما كان النص في الدستور الحالي: للنساء
من الحقوق وعليهن من الواجبات ما تكفله الشريعة (، فهل في هذا الكلام ما يُشمُّ
منه بأنه ضد المرأة؟ ! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم!
وهل الأستاذ هويدي أكثر إنصافا للمرأة من خالقها ونبيها الكريم، وهل من
مصلحة المرأة أن تتساوى مع الرجل؟ ! إن واقع الأمم التي استجابت لإغراء كلمة
(المساواة) تتمنى اليوم لو أنها لم تفعل.
ادعاء آخر تنقصه الحصافة:
ثم إني أتساءل كيف يدعي الأستاذ هويدي: بأن العلماء قد قاموا بمحاكمة
وثيقة بالغة الأهمية لمشروع الدستور دون أن يكونوا مسلحين بالحد الأدنى من
المعرفة المطلوبة لمباشرة تلك المحاكمة» .
هل لدى الأستاذ هويدي مستند أو أثارة من علم تؤيد صحة ما ذهب إليه،
وهل امتحن أولئك العلماء، أم غره أن صحف ومجلات وندوات العلمانيين
وحكوماتهم تفتح له الباب على مصراعيه ليقول ما يريد، وهل كان يظن أن تلك
الصحف والمجلات تفسح له صدرها لو أنه التزم الجادة دائما؟ !
وشاهد آخر على تحامله:
قال في نهاية العبارة السابقة: «وعلماء اليمن طالبوا الدستور بما لا ينبغي
أن يكون فيه، وفهموا مصطلحاته على غير وجهها الصحيح! ! والحقيقة أنهم
حاكموا مشروع الدستور إلى الدستور الدائم، وهل يجب عليهم أن يتنازلوا عن
المبادئ الإسلامية من أجل إرضاء ذوي الأهواء! كما يريد الأستاذ هويدي الذى
ندعوا الله أن يبصره بعيوب نفسه ويجنبه مرض الغرور ومغبة اتباع الهوى.
стр. 597
الجزائر في الصحافة الغربية
لابد أن نتابع ما تكتبه الصحف الغربية المهمة عن بلادنا، ونحلل أبعاد العقلية
التي يفكر بها القائمون على هذه الصحف ... وهذه ترجمة لمقال نشرته صحيفة
التايمز في عددها الصادر في ٢٦/٢/١٩٩٠ وعنوان المقال: «ثورة الجزائر
ليست إلا جعجعة» وأهم ما ورد في هذا المقال:
أن فرنسا تفكر بالتدخل في الجزائر إذا انفجر الوضع الحالي فيها، ولقد
استفاضت الأخبار التي تؤكد عزم فرنسا على اتخاذ مثل هذا الموقف، وهذا لا
يعني أنها الآن واقفة على الحياد ولا تتدخل، الحقيقة أن لها تحركاً واسعاً ولها
أنصار داخل الجزائر.
تأزم الخلافات بين قادة جبهة التحرير، وتهديدات قادة الجيش بأنهم لن يقفوا
مكتوفي الأيدى إذا فشلت التجربة الديمقراطية، أو ازداد المد الإسلامي، وهذا أيضاً
صحيح، فخلافات قادة الجبهة لم تعد من الأسرار، والهوة واسعة بين الأطراف
المتصارعة.
أما رموز المعارضة الذين وضعهم بن جديد في الحكومة، فالمقصود رموز
المعارضة داخل جبهة التحرير، وهذا شأن الأحزاب الحاكمة في بلادنا. أما
الأحزاب الجديدة من غير جبهة التحرير فلا نعلم أنهم يشاركون في الحكومة،
وتستدرك الصحيفة نفسها فتقول: إن الحكومة والجمعية الوطنية كلها من أعضاء
حزب جبهة التحرير.
إن الوضع غير مستقر في الجزائر، والناس يشكون من انتشار الفساد وغلاء
الأسعار، وهناك جهات فعالة في جبهة التحرير ناقمة على كل ما يحدث، ولن
تتردد هذه الجهات إذا-استطاعت السيطرة على شؤون الحزب الحاكم - في نسف
الدستور الذي سمح بتعدد الأحزاب، والعودة إلى الوضع الذي كان في عهد بومدين. ولا نعتقد أن الإسلاميين في الجزائر غافلون عن ذلك.
ثورة الجزائر
«نحمد الله على أحداث عام ١٩٨٨ م، فلولاها لحدث انفجار في الجزائر،
لاسيما وأن الجزائريين يشاهدون على شاشات التلفاز صور المظاهرات الشعبية
العارمة التي تجتاح أوربا الشرقية، هذه كلمات قالها مسؤول حكومي رفيع المستوى
بلسان فرنسي متقن. إلا أن الآخرين في المدن الجزائرية الكبرى قد لا يذهبون إلى
حد التوجه إلى الله بالشكر من أجل ذلك الأسبوع الذي مر عليه الآن ما يقرب من
سبعة عشر شهراً، والذي كان حافلاً بأحداث شغب خطيرة، فتح خلالها رجال
الجيش نيران أسلحتهم على المتظاهرين الشباب فقتلوا - وفقاً للتقديرات المتحفظة -
عدة مئات. وليس من المؤكد أن يلي أحداث أكتوبر أحداث أشد خطورة منها.
ويعرف عن الحكومة الفرنسية قلقها الشديد حيال الأجواء الملتهبة في هذا البلد
الذي كانت تظن فرنسا أنه سيبقى تحت حكمها على الدوام. وتقول تقارير صحيفة
فرنسية أن باريس قد تفكر بالتدخل بشكل من الأشكال إذا ما انفجر الوضع الحالي
وتحول إلى نزاع مفتوح.
إن الانفجار السياسي سيكون احتمالاً كبير الوقوع يوم الخميس (١/٣/١٩٩٠م) ، ... وهو اليوم الذي يتوقع أن يشنّ فيه الاشتراكيون المتشددون تحدياً محسوباً
للإصلاحات الاقتصادية الأخيرة، وذلك في اجتماع اللجنة المركزية لحزب جبهة
التحرير الوطني الحاكم.
وكانت الجبهة قد تشكلت لخوض معركة التحرير الضروس التي دامت ثمانية
أعوام، ومنذ تحقيق النصر في عام ١٩٦٢م وهي تترأس دولة ذات نهج اشتراكي
ونظام حزب واحد. ويسعى أفراد النظام السابق إلى إحداث تغيير في المكتب
السياسي للحزب الذي يشكل فيه دعاة الإصلاح أغلبية، والذي كان قد تم انتخابه في
شهر كانون أول (ديسمبر) الماضي.
لقد كانت المشكلة الرئيسية لأولئك الذين خرجوا إلى الشوارع في عام ١٩٨٨م
سوء الأوضاع الاقتصادية، ومنذ ذلك الوقت لم يحصل تبدل في أي شيء، يقول
أحد رجال الأعمال الجزائريين: لو أن أحداث الشغب وما رافقها من سقوط القتلى
قد وقعت في هذه الأيام، أي في أعقاب التطورات التي اجتاحت أوربا، لما كان
بإمكان الحكومة الصمود.
ولكي يجعل المسؤولون الشعب يستوعب هذه الحقيقة؟ وهو يراقب ما يحدث
في أوربا الشرقية؟ ، فإن ما كان يطلق عليه اسم حوادث ١٩٨٨ أصبح يطلق عليه
الآن ثورة ١٩٨٨.
وخلافاً لما يحدث في دول أوربا الشرقية، فإن ثورة الجزائريين يتم توجيهها
من الجهات العليا، فقد تقدم الشاذلي بدستور جديد للبلاد، كما أن نظام الحزب
الواحد قد انتهى رمزياً مع تشكيل عشرين حزب سياسي جديد، إلا أنه لم تجر بعد
أية انتخابات عامة في البلاد. وتتألف الحكومة والجمعية الوطنية بشكل كامل من
أعضاء حزب جبهة التحرير.
ويتحدث الرئيس الشاذلي بن جديد عن الحاجة إلى الوحدة الوطنية، وقد
وضع بعض رموز المعارضة في الحكومة، إلا أن حسين آيت أحمد - الذي عاد
مؤخراً من منفاه - طالب علانية بحل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات. كما أن
القوات المسلحة والمتركزة حالياً في ثكناتها وفقاً لمطالب الدستور الجديد أعلنت على
لسان قادتها بأنها لن تقف موقف المتفرج إذا ما فشلت العملية الديمقراطية، أو ازداد
المد الإسلامي الجزائري المتطرف وأصبح يشكل خطراً.
لقد أصبحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ - منذ أن باتت هي الحزب الإسلامي
الوحيد المرخص له في المغرب العربي - أكبر مظلة يتجمع تحتها وبشكل مطرد
الأنصار الساخطون على نمط معيشتهم اليومية، ولجبهة الإنقاذ سيطرة على خطب
الجمعة في مساجد العاصمة الرئيسية، وقد ناشدت الجبهة - وهي أقوى أحزاب
المعارضة - أعضاءها ضرورة تحقيق الوحدة فيما بينهم.
إلا أن الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع في مظاهرات عارمة احتجاجاً على
ارتفاع نسبة البطالة، وغلاء الأسعار، وانتشار الفساد، مازالوا ينتظرون من يوفر
لهم العمل والسكن. وقد نجحت الجبهة في استغلال حالة الشعور بخيبة الأمل التي
أصابت هؤلاء الشباب أروع استغلال، وهو الأمر الذي باتت الدول المجاورة
للجزائر تخشى من عواقبه.
التايمز ٢٦ / ٢ / ١٩٩٠م
стр. 598
اضطرابات تركستان الصينية
أخبر قادمون إلى بكين من أورومكي - عاصمة تركستان الشرقية - عن
حدوث اضطرابات قرب مدينة كشغر في أوائل شهر نيسان (إبريل) ، وأن قوات
الأمن الصينية قامت بقمع المتظاهرين بعد أن قتلت ما لا يقل عن (٦٥) مسلماً
تركستانياً، ومنعت المراسلين الصحفيين من دخول المنطقة، ولم يصدر عن أي
مسؤول صيني أي تعليق عن الأحداث. ومن المحتمل أن تكون الأحداث قد امتدت
الى مناطق أخرى من تركستان. وكانت هذه الاضطرابات قد بدأت عندما منعت
السلطات الصينية الأهالي من بناء مسجد جديد ومدرسة دينية في المنطقة. وتعكس
الطريقة التي تعاملت بها قوات الأمن مع الأحداث حساسيتها من الخطورة التي
تنطوي عليها، لاسيما وأن المنطقة تمثل حقلاً لبرنامج التجارب النووية، ومركزاً
هاماً لمحطات التنصت الأمريكية الموجهة نحو الاتحاد السوفييتي، كما أن قربها
الجغرافي من جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة يجعلها غير مستقرة، وكان رئيس
الوزراء الصيني قد دعا في شهر شباط (فبراير) الماضي إلى الاحتراس والحذر من
تلك الحفنة من الانفصاليين، وقال: «إن علينا استئصال جميع النشاطات
الانفصالية وهي في طور تشكلها» .
ويبلغ تعداد السكان في إقليم تركستان الشرقية - الذي تعادل مساحته ضعف
مساحة فرنسا - (١٤) مليون، منهم نسبة ٦٠% من المسلمين و ٣٠% من
الصينيين الذين كانوا قد نُقلوا من أماكن مختلفة من الصين لإحداث تغيير
ديموغرافي في الإقليم، ويحتكر هؤلاء جميع المناصب العليا هناك، لاسيما الحزب
والجيش.
وكانت تركستان الشرقية قد شهدت مظاهرات احتجاج واسعة النطاق في
عامي ١٩٨١م و١٩٨٨م، قام الجيش بقمعها في آنها، ويعتبر تاريخ تركستان
الشرقية منذ احتلال الصين له أول مرة في منتصف القرن الثامن عشر حافلاً
بالثورات والاحتجاجات التي كانت تقابل دائماً من قبل الصينيين بالبطش وسفك
الدماء.
فايننشيال تايمز ١١/٤/١٩٩٠
الأيكونوميست ١٤/٤/١٩٩٠
الإندبندنت ١٥/٤/١٩٩٠
стр. 599
أخبار حول العالم
قواعد إسرائيلية في أرخبيل دهلك
ذكرت وكالة رويتر للأنباء في ١٦/٤/١٩٩٠م: أن الجبهة الشعبية لتحرير
أريتريا وجهت تحذيراً إلى الحكومة الأثيوبية من عواقب دعوة وجهتها الأخيرة إلى
إسرائيل لإنشاء قواعد لها في أرخبيل دهلك الواقع في البحر الأحمر قبالة الساحل
الأرتيري، وأشارت الجبهة إلى أن هذا التطور الجديد سيعني تورطاً إسرائيلياً
مباشراً في الحرب الدائرة في أرتيريا ضد القوات الأثيوبية، وهو يأتي في أعقاب
نجاح الأرتيريين في تحرير ميناء مصوع.
****
إيران: قتل واعتقالات بالجملة
ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية في نبأ لها من طهران: أن قوات الحرس
الثوري قامت في يوم ١٥/٤/١٩٩٠م باعتقال (٦٥) شخصاً بتهمة إطلاق شعارات
سياسية في مكان عام في ضواحي طهران الشمالية، وأوردت الصحف الإيرانية
الحدث وقالت: إن «مشاغبين» قاموا بالإخلال بالأمن العام وأطلقوا شعارات ضد
الأخلاق العامة. كما ذكرت الصحف الإيرانية أن اشتباكات أخرى وقعت في حي
فقير في جنوب العاصمة، وأن أعداداً من المواطنين غير محددة قد تم اعتقالها.
ومما يجدر ذكره أن وسائل الإعلام الإيرانية كانت قد ذكرت أن ما لا يقل عن
(٣٠) شخصاً قتلوا، وتم جرح أعداد كبيرة في مصادمات مع حراس الثورة
والجيش النظامي من جهة «وأعداء الثورة» من جهة أخرى، وذلك في منطقتي
سيستان وبلوشستان المحاذية لباكستان وأفغانستان.
الحياة ١٧/٤/١٩٩٠م
***
هروب الهندوس من الانتفاضة
في وقت تشتد فيه مجابهة المسلمين الأصوليين في وادي كشمير - بشكل ينذر
بالسوء - للقوات الهندوسية المعززة، أخذ عشرات الآلاف من الهندوس
المستوطنين هناك بترك منازلهم وقراهم والابتعاد عن مسرح الانتفاضة التي يقودها
المسلمون (الانفصاليون) ، وتضيف هجرة الهندوس هذه بعداً جديداً للصراع هناك
الذي يكتسب هذه المرة طابعاً دينياً لم يعرف من قبل، وقد غادر ما يزيد على
(١٢٠) ألف من الهندوس وهو ما يشكل نصف عددهم هناك، ويستعد النصف
الآخر للرحيل، ويترافق هذا الرحيل مع قيام منظمات جهادية بفرض الإسلام
الأصولي على مرافق الحياة اليومية هناك، وتسيطر هذه المنظمات على مجريات
الحياة اليومية في كشمير في وقت اختفى فيه التعلق التقليدي بالصوفية المتحررة.
من جهة أخرى، استمرت تهديدات الحرب من كلا الطرفين: الباكستاني
والهندي، بشأن النزاع في كشمير على الرغم من تأكيد مسؤولين في إسلام آباد
ودلهي على عدم توقع وقوع قتال على نطاق واسع.
التايمز ١٦/٤/١٩٩٠م
стр. 600
الزاوية الطيبة
رياضة المشي.. والصحة
د.خالد الموسى
إن رياضة المشي رياضة سهلة وبسيطة، يقدر عليها الصغير، والكبير
السليم، والسقيم الصحيح، والمعافى والمريض، وهي بحد ذاتها ممتعة ومسلية،
خاصة إذا اختار صاحبها وهاويها الأماكن الطبيعية المناسبة كالتمشي في الحدائق
تحت ظلال الأشجار، أو على شط البحر أو الأنهار. فتضفي جمال الطبيعة مع
التأمل في قدرة الخالق وتسبيحه وحمده على نعمه متعة شخصية.
والمشي والهرولة رياضة مفيدة لكل أعضاء الجسم إذ أثبتت الدراسات الحديثة
فائدتها في:
١ - علاج أمراض القلب الوعائية: حيت ينصح مرضى القلب بالتدرج
بالمشي والهرولة، وذلك لأنها تؤدي إلى:
أ - تقوية العضلة القلبية وزيادة النتاج القلبي الفعال.
ب - إنقاص وتخفيض نسبة الدهون الضارة والكولسترول بالجسم.
ج - زيادة نسبة الدهون الواقية من تصلب الشرايين والمفيدة للجسم.
٢ - علاج ارتفاع التوتر الشرياني: حيث أظهر الكثير من الدراسات جدوى
علاج ارتفاع الضغط الشرياني الخفيف والمتوسط الشدة بالمشي والهرولة اليومية
لمدة ساعة إلى ساعتين، حتى بدون اللجوء للأدوية في كثير من الحالات.
٣ - علاج البدانة وزيادة الوزن: حيث تعتبر مع الحمية الغذائية حجر
الزاوية في علاج البدانة، وذلك بحرق كميات لا بأس بها من الحريرات والسعرات
الواردة للجسم. ولها الدور الأول والأساسي للمحافظة على الوزن وثباته، وذلك
بالاستمرار اليومي على المشي.
٤ - علاج الآلام العضلية والمفصلية: حيث تؤدي إلى تليين وسهولة حركة
ونشاط المفاصل واتساع مدى فعاليتها إضافة لارتخاء العضلات وليونتها مع تخفيف
الشد والتشنج الذي كان بها، وأيضاً تقوية تحمل العضلات والمفاصل.
٥ - علاج عسر الهضم ومتلازمات تشنج الكولون والإمساك المزمن، حيث
تساعد على حركة الأمعاء وتخفيف الآلام الكولونية إضافة لتخفيف الغازات والشعور
بالانتفاخ والغثيان. مع تنظيم إفراغ الكولون.
٦ - تساعد في عملية التنفس الطبيعي بتقوية عضلات التنفس والعضلات
الصدرية، مما يزيد السعة الرئوية والتبادلات الغازية الدموية وبالتالي فعالية التنفس
وتحسين وظيفة الرئتين في كثير من الأمراض التنفسية المزمنة.
والمهم في فائدة هذه الرياضة البسيطة الخفيفة أن يتعود عليها الإنسان
وببرنامج شبه يومي أو أسبوعي بدون انقطاع ويمكن استغلال الوقت من خلال
المشي بمراجعة بعض الكتب الصغيرة أو قراءتها أو حفظ القرآن ومراجعته أو بذكر
الله تعالى، وبذلك يرتبط مع الله إضافة للفائدة الجسمية.