← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

٢١٥ - رجب - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5357

لِنَعْتَدِ العملَ في أجواءِ التحامل ! جُبِلَتْ مجتمعاتنا الإسلامية على احترام من يدعوها إلى ربها، ويبصِّرها بأمر دينها، حتى صار المتطاول بباطل على أحد منهم منبوذاً مردوداً عليه من عامة أفراد المجتمع؛ فكيف بخاصته؟ وفي زماننا هذا ـ الذي كثر فيه حزب الشيطان، وعظم تواصي أبناء هذا الحزب على إزهاق الحق وتشويه حَمَلَته ـ تنامت ظاهرة تجريح علماء الإسلام والتحامل الجريء على أطروحات دعاته بصورة قد يوصلها في المنظور القريب إلى حد المشكلة إن لم تتنامَ إلى مرحلة الأزمة. ومن كثرة الطَّرْق وشدته عبر وسائل الإعلام وتقنيات الاتصال المتعددة صار يمارس ذلك النقد المتحامل فئات من أبناء المجتمع ـ الذين لا يشك في صدق تدينهم بل وحتى في صحة الباعث لديهم ـ تضخيماً منهم لأخطاء واقعة في صفوف الدعاة من جهة، ولتأثرهم بشبهات حزب الشيطان وأصواتهم العالية من جهة ثانية. والمهم ليس ما يفعله أعداء الإسلام وطلائعهم من أبناء جلدتنا؛ إذ إن طبيعة الصراع وغياب البعد الأخلاقي لدى عامتهم تجعل ذلك هو المتوقع منهم، بل المهم هو: مدى قدرتنا على تجاوز ذلك التجريح والنقد المتحامل والتفريق بينه وبين النقد الموضوعي، ومدى قدرتنا على إدارة ذواتنا، والتركيز على التوجه نحو أهدافنا بعزيمة وإصرار دائبين دون الشعور بإحباطٍ أو انشغال بردّات فعلٍ تُفرح (الآخر) وتجعله يستعر في حملته. إن طبيعة المرحلة التي نمر بها تحتم على أهل العلم والدعوة التواصي بالصبر، والتنازل عن كثير من حقوق النفس في ذات الله والتدرب على امتلاك مهارات الحوار، وتحمُّل النقد الجائر والتجريح المتعمد بصورة تحول دون تحقيق مآرب (الآخر) ، وتمكن في الوقت ذاته من تفهُّمه وتقبُّل ما لديه من حق؛ إذ إن الحكمة ضالة المؤمن وحيثما وجدها أخذها؛ فهو أحق بها. ولنا في إعراض الرسول الخاتم ﷺ عن سفاهات قومه وسبابهم المقذع، واشتغاله بتبليغ ما أنزل إليه من ربه عظيم الأسوة. وهذا بكل تأكيد لا يتنافى مع الحاجة إلى الاحتساب على بعض رموز تلك الحملة المغرضة من قِبَل بعض الغيورين القادرين على ذلك، لكن بشرط أن يتم ذلك بصورة لا إغراق فيها ولا تضخيم. اللهم ألهمنا رشدنا، واحفظ علينا ديننا، ووفقنا إلى ما يرضيك عنا، إنك الرحمن الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 5358

رحيل القادة د. عادل بن محمد السليم رئيس مجلس إدارة مجلة البيان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين.. وبعد: فإن للموت هيبة عظيمة في نفوس المؤمنين، وهو سُنَّة من سنن الله ـ تعالى ـ في خلقه جميعاً، تدل أبلغ الدلالة على عظمة الله الحي الذي لا يموت، . قال الله ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] ، وقال ـ تعالى ـ في محكم التنزيل: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلاَّ بِإذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وكلنا سائر في هذا الطريق عاجلاً أم آجلاً، كبيرنا وصغيرنا، أميرنا ومأمورنا، رجالنا ونساؤنا، وكما قال الشاعر: للموت فينا سهام جدُّ صائبةٍ من فاته اليوم سهم لم يفته غدا وقال الآخر: كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمولُ وموت عظماء الأرض ـ خصوصاً ـ يملأ القلب وجلاً ومهابة وخشية فإن «للموت فزع» ، لما ثبت في صحيح مسلم (١) ، فسبحان من بيده مقاليد الأمور! وسبحان من بيده ملكوت السماوات والأرض! ولقد كان رحيل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود ﵀ حدثاً كبيراً، ومؤثراً جداً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، لما للفقيد وللمملكة العربية السعودية من منزلة كبيرة في قلوب المسلمين، وإنَّ لله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى. تحدث الكثيرون عن مآثر الملك الفقيد، وخصصت الجرائد اليومية والإذاعات والقنوات الفضائية حيزاً كبيراً لاستعراضها والتذكير بها، وحسبي هنا أن أذكِّر بإنجازين اثنين على رأس تلك الإنجازات: الأول: العناية بطباعة المصحف الشريف؛ وذلك بإنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة. ويعد هذا المشروع نقلة نوعية رائدة في ضبط طباعة المصحف وحفظه ونشره، حيث استقطب المشروع مجموعة من كبار القرَّاء وعلماء القراءات، ليصبح أكبر صرح لطباعة القرآن الكريم في العالم، وكان من ثمراته طباعة أكثر من (٢٠٠.٠٠٠.٠٠٠) نسخة انتشرت في مختلف آفاق العالم. كما اعتنى المشروع بالترجمات التفسيرية للقرآن الكريم التي بلغت أكثر من (٣٠) ترجمة لمعاني القرآن الكريم، وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمجمع حوالي (عشرة ملايين) نسخة سنوياً، منها مليون نسخة لترجمة تفاسير القرآن الكريم. الثاني: خدمة الحجيج والعناية بعمارة الحرمين الشريفين ورعايتهما، وتسهيل السبيل أمام العُمَّار والحجاج من جميع أنحاء العالم. ويعد مشروع توسعة الحرمين الشريفين من أهم المشاريع التي أُنجزت؛ حيث بلغت المساحة الإجمالية لمسطحات التوسعة في المسجد الحرام (٧٦.٠٠٠م٢) لتصبح المساحة الإجمالية للمسجد الحرام كاملاً (٣٢٨.٠٠٠ م٢) مع العناية الفائقة بتسهيل الحركة والانتقال داخل أروقة المسجد وخارجه. أما المسجد النبوي الشريف فقد بلغت المساحة الإجمالية لتوسعته (٨٢.٠٠٠ م٢) وسوف يتم الاستفادة من سطح التوسعة بمساحة قدرها (٦٧.٠٠٠م٢) . هذا بالإضافة إلى توسعة المنطقة المحيطة بالمسجد النبوي الشريف، وتجهيزها بكافة المرافق والتسهيلات التي يحتاجها المسلمون. أما مسجد قباء فحظي بأكبر توسعة حيث كانت مساحته (١٣٥٢م٢) وأصبحت بعد التوسعة (٧٤٦٥م٢) بزيادة قدرها ٥٥٠% تقريباً. إنَّ خدمة الحجيج وتعظيم بيوت الله وإعادة مجدها ووظيفتها في الأمة من أعظم الواجبات وأجل الحرمات التي يجب أن تتضافر حولها الجهود، وتوفر لها الإمكانات المادية والتقنية والبشرية. إنَّ لهذا البلد المبارك (المملكة العربية السعودية) خصوصية تميزه عن سائر البلدان؛ فهو يحتضن أشرف بقعتين على وجه البسيطة: مكة المكرمة، والمدينة المنورة؛ فهما أرض النبوة، وفيهما تعلقت أفئدة المسلمين بمختلف أعراقهم وألوانهم في شرق الأرض ومغربها، وقدر هذه الجزيرة أن تكون إسلامية؛ ليس ذلك فحسب، بل أن تكون حامية لحمى الإسلام، رافعة لراية التوحيد، وقد بذرت البذور الأولى لهذه النبتة الشامخة منذ التأسيس الأول والتلاحم الأمثل الذي أصَّله الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب ـ رحمهما الله تعالى ـ حيث تعاهدا على تطبيق الشريعة الإسلامية، وسياسة الناس بكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، تحقيقاً لقول الله : ﴿إنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] . ومنذ ذلك الحين انطلقت الدعوة السلفية التجديدية المباركة من هذه البلاد إلى أرجاء المعمورة. وفي العصر الحديث ساهمت المملكة العربية السعودية في دعم مسيرة الدعوة عبر بناء المساجد والمراكز الإسلامية، ونصرة قضايا المسلمين في فلسطين والبوسنة والهرسك وغيرها. واختيار الملك فهد بن عبد العزيز ﵀ للقب خادم الحرمين الشريفين تأكيد لهذه الخصوصية، وترسيخ للتلاحم الوثيق الذي يجب أن يكون بين الدين والدولة في هذا البلد. كما أن اختيار الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ رعاه الله ـ لهذا اللقب أيضاً استمرار لهذا التأكيد وإلجام لمن يدفعون بهذا البلد العزيز بعيداً عن هوية الأمة وثوابتها العقدية، ويريدون إلباسها لباس الشرق تارة، ولباس الغرب تارة أخرى. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥١ - ١٥٢] . وعندما تولى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ رعاه الله ـ مُلك المملكة العربية السعودية أكد ذلك في كلمته الأولى للشعب عندما قال: «أعاهد الله ثم أعاهدكم أن أتخذ القرآن دستوراً والإسلام منهجاً» وهذا ما نحسبه ـ بإذن الله ـ الطريق الأقوم لتعزيز التعاون الوثيق بين مختلف فئات الشعب ولحماية راية الأمة، وعقيدتها، وتنميتها علمياً وحضارياً، لتكون شامة شامخة بين الأمم، خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي تكاثرت فيها الفتن، واستهدفت الأمة بأعز ما تملك، وأجلب عليها أهل الأهواء بخيلهم ورجلهم، والله نسأل أن يحفظ لبلدنا تماسكه وأمنه ورخاءه، وأن يعز دينه وينصر أولياءه. وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 5359

الحكم على المسلم محمد بن عبد الله السحيم خلق الله الإنسان ظلوماًَ جهولاً، ونوّر بصيرة من شاء بالعلم والعدل، وقضى عليهم بسنته أن يخالط بعضهم بعضاً؛ تسخيراً لهم، وابتلى بعضهم ببعض، ليمتحن صبرهم ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] ؛ فأضحى ميزان القسط الضابط لعلاقتهم مطلباً ملحّاً؛ ليسلم المرء من ظلمه وجهله. هذا، وإن من أبرز معالم ذلكم الميزان مَعْلَم الحكم على الآخر، فرداً كان أو جماعة؛ إذ به يُعْطِي المرء ما عليه من الحق، ولا يُمنع مما يستحق. وفي هذا المقال سأتناول ما يخص الحكم على المسلم فرداً أو جماعة، سالكاً درب الاختصار، ومتطفلاً على موائد أهل العلم الأخيار، سائلاً ربي المعونة والادِّكار. وقد انتظم عقد المقال في ثلاث مسائل وخاتمة، بيانها التالي: - المسألة الأولى: خطورة الحكم على الآخرين: تكمن خلف الحكم على الآخر مخاطر عدة، تجعل المرء يستأني في الإقدام عليه، ويتوخى الحذر منه، وذلك لمخالفته الأصول العظيمة المراعاة في الشريعة، وخاصة في أحكام الثلب. فمن هذه الأصول: ١ - أن الأصل في دم وعرض المسلم العصمة إلا ما استثناه الدليل؛ كما قال ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله» (١) . ٢ - أن الأصل في المسلم السلامة، ولا محيد عن هذا الأصل إلا بدليل. ٣ - أن الأصل عدم صدور الأفعال والأقوال ـ مناط الحكم ـ من الأشخاص إلا إن ثبت بالدليل خلافه. ولا بد في مخالفة هذه الأصول من معارض راجح يسوغ الكلام في المحكوم عليه. ومما يزيد في خطورة الأمر أنه متعلق بحق آدمي، وحقه مبني على المشاحَّة، ولا يسقط إلا بالاستيفاء أو المسامحة، إضافة إلى ورود نصوص زاجرة محذرة من إيذاء المسلم ورميه بما هو بريء منه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] «ولهذا كان سب آحاد المؤمنين موجباً للتعزير، بحسب حالته وعلو مرتبته؛ فتعزير من سب الصحابة أبلغ، وتعزير من سب العلماء وأهل الدين أعظم من غيرهم» (٢) ، وقال ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٣) . وقال ﷺ : «لا يرمي رجل رجلاً بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك» (٤) ، وقال: «إن أربَى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه» (٥) . قال ابن دقيق العيد: «أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف عليها المحدثون والحكام» (٦) . ويزداد الأمر خطورة بمآلاته ـ خاصة إن صدر من مُتَّبَع ـ فكم من آصرة قُطعت، ومشاريع عطلت، ودماء سفكت، وخيرات ذهبت، وصفوف تخلخلت، وقيادات هُمشت، ورويبضة سودت، وفتن أوقظت، وأعداء سلطت! إلى غيرها من المصائب الناجمة عن هذه الأحكام العوراء. فإذا كان الأمر مُكتنَفاً بهذه المخاطر؛ وجب على المرء ألا يُقْدِمَ عليه إلا بمسوِّغ شرعي مضبوط بشروط الحكم وهو ما سنتناوله في المسألة الثانية. - المسألة الثانية: شروط الحكم على المسلم: لا بد من معرفة شروط الحكم ليقام على أساس صحيح؛ فإن اختل منها شرط اختل الحكم. والشروط خمسة، بيانها ما يلي: ١ - التجرُّد والإخلاص: وهو من أبرز أسباب التوفيق، بل هو أساسه، وسبيل تحصيل الثواب؛ فلو أصاب الحكم بلا نية فلا ثواب له (١) ؛ وعليه فليكن القصد موافقة الحق من إصابته ابتغاء مرضاة الله؛ وطلب ثوابه؛ لا نفوذ فيه لهوى أو سمعة أو رياء. فإن قلت: ما السبيل للتجرد؟ وما منهجية تطبيقه؟ فالجواب ـ كما قال ابن القيم ـ: «فإذا أردت الاطلاع على كُنه المعني: هل هو حق أو باطل؛ فجرده من لباس العبارة، وجرد قلبك عن النفرة والميل، ثم أعطِ النظر حقه ناظراً بعين الإنصاف ... » (٢) . هكذا يكون التجرد، ويسلم الأساس الأول؛ فإذا تحقق أتى الشرط الثاني. ٢ - وجود المسوّغ: فإن انعدم المسوغ ـ وهو الأصل إلا إذا عورض براجح ـ كان خوضاً فيما لا يعني. قال رسول الله ﷺ : «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٣) ، وإن كان الكلام بالقدح؛ صار ولوغاً في الحرام ووقوعاً في الآثام؛ فإن استوى وجود المسوغ وعدمه، فالأصل انتفاء الحاجة؛ والسلامة لا يعدلها شيء. وضابط الحاجة: أن تتعلق العناية بهذا الأمر بحكم الشارع، لا بالهوى وطلب النفس (٤) . قال الحسن: «من علامة إعراض الله - تعالى - عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه» (٥) ، وقال سهل التستري: «من تكلم فيما لا يعنيه؛ حُرِم الصدق» (٦) ، وقال معروف: «كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله، ؛ ولا أدل على هذا الخذلان من ضياع أوقات وقدرات وفرص ومكاسب من ابتلي بالكلام في الناس بلا حاجة (٧) . والله المستعان. ٣ - العلم: وله شقان (٨) : أ - العلم بالواقع: والمراد به: العلم بصدور مناط الأحكام، وهي الأفعال والأقوال، ممن يحكم عليه؛ إذ الميزان هي الأفعال والأقوال. ويقوم هذا العلم على أسس لا بد من سلامتها لسلامة النتيجة، وهي ما يلي: (١) التأني والتثبت: والعمدة في ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] ، قال الحسن: «المؤمن وقَّاف حتى يتبين» ؛ فلا تَحِدْ عن هذا الأصل، خاصة في هذا الزمن الذي تعددت فيه قنوات المعلومة، وكثرت فيها الشائعات، وعم الفسق كثيرها، وطمَّت جهالةُ الحال أكثر نقالها؛ فوجب التثبت، حتى تدل الدلائل والقرائن على صدقها، وإلا ردت (٩) ، فإن ثبتت المعلومة بقي معرفة بساط حالها. (٢) معرفة بساط الحال: وهي معرفة ظروف وملابسات الفعل والقول: ممن صدر؟ ولماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ فلربما أفاد القول أو الفعل بملابساته معنى غير المعنى المجرد عن معرفة الحال. ومن الأمثلة على ذلك كلام الأقران في بعضهم، والتفريق بين حال الإلزام والمناظرة وبين التقرير، والإكراه والاختيار، والعلم والجهل، وهكذا حال تغير الأعراف؛ إلى غير ذلك من العوامل المؤثرة المعتبرة. (٣) الحمل على أحسن المحامل: قال سعيد بن المسيب: «كتب إليّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله ﷺ : «أن ضع أخاك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً» (١٠) . هذا هو منهج الشرع الذي أرشد الله إليه بقوله: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] ، وقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، كل هذا ليعيش المسلمون في وئام ونقاء؛ إذ أغلب الأمور ظنون، والشيطان متربص، والنفوس مجبولة على الضعف. ب - العلم بحكم الشرع المطابق للواقعة: فلا بد لكل نازلة من حكم في ساح الشرع متوافر الشروط، سالم من الموانع؛ كالتفسيق، والتبديع، والتكفير، والكفارات، والتوبة، والقضاء، والاستيفاء؛ فإن لاح الحكم للناظر، وإلا فلا يحل له أن يحكم، بل يسأل أهل العلم بعد ذكر الواقعة وافية دون وكس أو شطط. ٤ - العدل: وهو ميزان القسط الذي أمر الله ـ سبحانه ـ به. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ، وللعدل في الحكم على المسلم علائم يجب ألا تُغفَل، منها: ١ - الموازنة بيد الإيجابيات والسلبيات: كما هو ميزان العدل؛ إذ من الظلم المقيت نسف جهود أشخاص وجماعات بأخطاء ما وزنت بإزائها، ولم يرجح بينها، كما قال محمد بن سيرين: «ظلمٌ لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما رأيت وتكتم خيره» (١) ؛ فالعبرة بالكثرة، ولا يعني هذا إقرار الخطأ؛ فالخطأ يصوّب وإن عُذِرَ فاعله، كما صوّب النبي ﷺ خطأ الأعرابي الذي بال في المسجد، مع أنه قد عذره ولم يعاقبه، بل أنكر على من همّ بمعاقبته (٢) . ٢ - ترك المبالغة في الثناء والثلب: بل يُعطَى الحكم حجمه بلا تهويل أو تهوين؛ إذ ربما راج حكم خطل ببريق عبارة، وتحسين إشارة. ٣ - جمع النصوص والأحوال: كما هو المنهج المعتمد في أحكام الشرع؛ فرب إطلاق قد قُيّد، أو إجمال قد بُيّن، أو تعميم قد خصص، أو مفهوم قد رده منطوق، أو اعتراه نسخ. وهذا المَعْلَم من أبرز دلائل إنصاف الحاكم. ٤ - خطأ الفرد لا ينسب للجماعة: فمن الظلم اطِّراح جهود جماعة وتسفيه رؤاها بخطأ بعض أفرادها؛ إذ الأصل أن الفرد في تصرفه لا يمثل إلا نفسه ما لم يدل الدليل على غيره، «ولأجل هذا لا يصلح أن ننتقد جماعة لخطأ وقع فيه بعض من ينتمي إليها، حتى ولو كان هذا الخطأ صدر عن رئيسها؛ إذ ليست كل أقواله وأفعاله تنسب إلى الجماعة وتتحمل تبعتها، وإن من يعيب جماعة من الجماعات الإسلامية لخطأ بعض أفرادها، فمثله كمثل من يعيب الإسلام جهلاً وظلماً؛ ألسنا نقول للناس: لا تنظروا إلى الأفراد، ولكن انظروا إلى الإسلام بصفته وحياً في القرآن والسُّنة، وعندها ستجدونه شرعاً فريداً» (٣) . هذه خلاصة الشروط، وهي ترجع إلى أصل العلم والعدل. قال شيخ الإسلام: «والكلام في الناس لا بد أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، كحال أهل البدع» (٤) . - المسألة الثالثة: أمور ينبغي مراعاتها في الحكم: إن استكمل المناظر شروط الحكم، ولاحت له علاماته، بقي عليه أن يجيل نظره في أمور لا غنى عنها لسلامة حكمه، وهي كما يلي: ١ - اعتبار المآل: فالأحكام لها متعلقات ومآلات، «والنظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً» (٥) ، ودور ذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة» (٦) . ٢ - الاستشارة: وهي من الفقه العظيم، ذات الأثر الخيري الجسيم، ولذلك أمر الله نبيه بها، فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . قال الأحنف: «اضربوا الرأي بعضه ببعض يتولد منه الصواب» (٧) ، وكان يقال: «بإحالة الفكرة يبتدر الرأي المصيب» (٨) ، وقال عمرو بن العاص ﵁: «ما نزلت بي قط عظيمة فأبرمتها حتى أشاور عشرة من قريش مرتين؛ فإن أصبت كان لي الحظ دونهم، وإن أخطأت لم أرجع على نفسي بلائمة» (٩) ، وحسبك بأعراض المسلمين عظيمة؛ وتزداد التبعة إن عظم المتعلق. ٣ - احذر أن تصاب بوهم (الحق معي) : لأن الحكم ظني غالياً؛ فالمعلومات يشوبها ما يشوبها، وهكذا النية والنظر؛ فاجعل للرأي الآخر مكاناً عندك، كما قال الأحنف: «اضربوا الرأي بعضه ببعض يتولد منه الصواب، وتجنبوا منه شدة الحزم، واتهموا عقولكم؛ فإن فيها نتائج الخطأ، وذم العاقبة» (١٠) . ٤ - عفة اللسان: فـ «من لوازم الورع: أن يكون الناقد عفيف اللسان، يكسو ألفاظه بأحسن الأدب، ويختار أدلها على المقصود بألطف عبارة، ويربأ بنفسه عن الفظاظة والغلظة، ووضيع الكلام؛ فما كان رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً ولا بالبذيء» (١١) . قال المزني: «سمعني الشافعي يوماً وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: يا إبراهيم! اكسُ ألفاظك! أحْسِنْها! لا تقل: كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء» (١٢) . هذا؛ وإن لعفة اللسان أثراً في قبول الحق، والرجوع إليه، وإصلاح الزلل، فقديماً قيل: «قبل أن تُغضب أحداً فليسمع منك!» ، وخاصة أن المقصود حاصل بالكلام العف. هذا منهج الشرع، وهو الأصل إلا لمعارض راجح، وإن شك فيه؛ فالأصل عدمه، واليقين لا يزول بالشك. وبعد أيها الحبيب: فالموضع كما رأيت مزلة قدم؛ أنت محفوف فيه بين الغيبة، وحقوق الآدميين، والنفس الظلومة الجهولة، والتجرد عزيز، والعاقبة وخيمة؛ فحذارِ حذارِ أن تريق حسناتك بفلتات لسانك؛ فإن الطالب شحيح، والشهود الأعضاء، والحَكَم العليم الخبير. رزقنا الله ـ سبحانه ـ الفقه في دينه، وثبتنا عليه، والله أعلم.

стр. 5360

تناقل الصور الإباحية.. خطر ماحق ومعصية جارية إبراهيم بن محمد الحقيل من نعمة الله ﵎ على عباده في هذا العصر ما سخر لهم من التقنيات النافعة، وخاصة في مجالات الاتصال؛ إذ صار الواحد من الناس يحمل في جيبه أجهزة في حجم الكف يختزن الواحد منها ما لا يحصى من المحفوظات، ويلتقط صوراً كثيرة ثابتة ومتحركة، وفيه من النفع ما يعز على الحصر؛ ولكن إذا أسيء استخدامها فإن أضراها بليغة، وعواقبها وخيمة؛ إذ بها تكشف العورات، ويهتك ستر العفيفات، وتشاع الفواحش والمنكرات، وبواسطتها ينشر أهل الفساد فسادهم، ويحققون أهدافهم وأغراضهم، ويصلون إلى أهل البيوت في بيوتهم. وكم من امرأة عفيفة طُعنت في عفافها من صديقة أو زميلة نشرت صورتها على ملأ من الناس؟ وكم من أسرة مجتمعة فرقتها صورة أشيعت هنا وهناك؟ حمى الله نساءنا ونساء المسلمين من كل خزي وفضيحة. إن فئاماً من شباب المسلمين قد ركبوا سُنَّة من كان قبلهم من الكفرة والمنافقين والمُجَّان الفاسقين؛ وذلك بالاستهانة بالمشاهد الخليعة، والصور القبيحة، ولم يكتف أكثرهم بحفظها والنظر إليها مع ما في ذلك من إسخاط الرب ﷻ وقتل الغيرة والمروءة، بل راح كثير منهم يشيعونها في المسلمين، ويتناقلونها مع أصحابهم وأقرانهم، ويهدونها إلى من يعرفون ومن لا يعرفون؛ ولا يدركون مغبة ما يفعلون. - الداعي لكتابة هذا الموضوع: منذ أن ظهرت الجوالات المصوِّرة صوراً ثابتة ومتحركة وخدمة (البلوتوث) ونحن نسمع الفضائح تلو الفضائح، وطالب أناس كثيرون بمنعها، وعارضهم آخرون، وأضحى كثير من النساء يتحرجن من الذهاب إلي المجمَّعات النسائية كحفلات الأعراس وغيرها خوفاً من التقاط صورهن، ومن ثم خراب بيوتهن، وهدم أسرهن. ثم تطور هذا الموضوع بتخزين مواد إباحية (صوراً وأفلاماً جنسية غربية أو فضائح لممثلات ومغنيات عربيات) وصار الشباب يتناقلونها بشكل دائم، وإذا التقى أحدهم بزميله أو قريبه لا همَّ له إلا أن يطلعه على ما عنده من جديد في جواله ليأخذه منه، ثم يهديه إلى آخرين في سلسلة لا تنتهي من نشر الفاحشة في المجتمع. علمت بعد ذلك أن مواقع جنسية عربية صارت متخصصة في هذا الإثم المبين، وتهوِّن وقعه على مرتاديها بحيل شيطانية لتصطاد أكبر عدد من الشباب المسلم ولا سيما المراهقين، وزاد من سوء هذه المواقع الخبيثة أنها أتاحت فرصة الاتصال بين مرتاديها؛ ليتبادلوا ما شاؤوا من صور وأفلام جنسية عن طريق البريد الإلكتروني، ثم فتحت صفحات معلنة مجانية للقصص والمغامرات الجنسية المكتوبة على غرار المجلات الجنسية في البلاد المنحلة، وصار كثير من الشباب يرتادها ليقرؤوا ما فيها من إثارة، وبعضهم يكتب قصته الجنسية مع زميلته أو قريبته أو بنت الجيران، إلى جانب قصص أخرى تكتب على ألسن فتيات يحكين مغامراتهن في عالم الجنس المحرم؛ والله أعلم بحقيقة من يكتبونها. وكثير من القصص الموجودة في هذه المواقع لا تخلو من مغامرات جنسية مع المحارم كالأخت والخالة والعمة، بل والبنت والأم، وقصص أخرى تحكي ممارسات جماعية للجنس بين المحارم في البيت الواحد، مما لا تتقبله الخنازير من الحيوان فضلاً عمن كُرِّموا بالعقل، وشُرِّفوا بالعبودية لله رب العالمين. وهذه (الموضة) من القصص الجنسية المكتوبة بدأت تغزو الهواتف المحمولة الجوالة، ويتداولها الشباب مكتوبة، وخطورتها إن لم تكن أعظم من الصور والأفلام، فهي لا تقل عنها بحال؛ ذلك أن القارئ لها يتخيل أبطال القصة كما يشتهي، ويكيفهم في ذهنه على ما يريد؛ مما يجعلها أكثر إثارة ودفعاً إلى الحرام، وطامَّتها العظمى وبليتها الكبرى: أنها تلفت قارئها إلى محارمه وتهوِّن وقع النظر إليهن بشهوة، ومن أدمنها فلا يؤمَن على محارمه، كيف وقد يكون من محارمه النساء من يطلع على مثل هذه القصص في غيبة الرقابة الأسرية، فيجمع الشيطان بين الشرين في بيت واحد، ويكون خوف أهل البيت من مأمنه، وهتك ستره وحرمته من قِبَل حراسه. نسأل الله العصمة والسلامة لبيوتنا وبيوت المسلمين، وأن يستر على نسائنا ونسائهم، وأن يصلح أولادنا وأولادهم، آمين، آمين، آمين. - دعوة إلى كل مسلم غيور على حرمات الله تعالى: لما سبق عرضه ولتفاقُم هذا الأمر المخزي بين الناس وخاصة من يعيشون عنفوان الشباب وقوته، وسني المراهقة وتقلباتها من فتيان وفتيات؛ رأيت أن هذا الأمر يجب أن يتداعى له الغيورون على حرمات الله ـ تعالى ـ ومحارم إخوانهم المسلمين؛ تذكيراً بمخاطره، وبياناً لأضراره، ومشاركة في علاجه؛ لئلا يجتاح البيوت كلها؛ وحينها لا يأمن المسلم الشر ولو تحصن ببيته، وأغلق عليه بابه؛ فهذه الشرور لا تلج من الأبواب، ولا تعيقها الحدود والأسوار، ولا مفزع منها إلا إلى الله ـ تعالى ـ سؤالاً ودعاء بأن يحفظنا والمسلمين أجمعين، مع زرع الحصانة الإيمانية في قلوب أبنائنا وبناتنا وأولادالمسلمين، بالكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، وزجرهم بقوارع الكتاب والسنة، مع ترغيب من تلوَّث بشيء من هذه القاذورات، وتذكيره بالتوبة التي تجبُّ ما كان قبلها. وإنني أدعو كل صاحب قلم ولسان، ومنبر وبيان، من العلماء والدعاة والخطباء والكتاب في الصحف والمجلات، والمدرسين والمدرسات، أن يقوموا بحملة إصلاح لقلوب أبناء المسلمين وبناتهم، ومكافحة هذه الظاهرة الخبيثة؛ نصرة لدين الله تعالى، ومعذرة إليه، ودفعاً لعقوبته، وإغاظة لأهل الفساد والنفاق. كما أدعو المسؤولين وصناع القرار أن يفكروا في الوسيلة تلو الوسيلة؛ لتقليل هذا الشر المستطير، وحماية الشباب من الضياع والانحلال؛ فبضياعهم ضياع البلاد والعباد؛ وهم يعرفون أن تدمير الشباب وإغراقهم في الشهوات هدف استراتيجي لكل أمة تعادي الأخرى؛ وشباب الإسلام مستهدَف من القوى المستكبرة عن شرع الله ـ تعالى ـ كفاراً كانوا أم منافقين، والله المستعان في كل الأحوال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. - أضرار تناقل الصور الإباحية: لن أتطرق هنا للأضرار التي تنتج عن حيازة هذه الصور والأفلام على من يحوزها ويشاهدها وخاصة من أدمن عليها، وهي أضرار عظيمة: دينية، وأخلاقية، وصحية، ونفسية، وتعود بأضرار أخرى على كل مجتمع تنتشر فيه، ويكفي فيها قول النبي ﷺ : «فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام» (١) . بيد أن مقالتي هذه تتناول أضرار تناقل هذه الصور والأفلام والقصص الجنسية؛ إذ يحصل شاب عليها من زميله أو قريبه، أو تحصل عليها فتاة من زميلتها أو قريبتها، أو يحصلان عليها من المواقع الإباحية في الشبكة العالمية (الإنترنت) ، أو من جهاز جوال مماثل (البلوتوث) في سوق أو حفلة أو مقهى، أو أثناء الانتظار في مستشفى أو مطار أو عند إشارة مرور أو غير ذلك، فيقوم الشاب أو الفتاة بتخزين هذه المواد الجديدة في الجهاز، ومن ثم يقوم بإهدائها إلى الأصدقاء والصديقات، عن طريق نقلها على أجهزتهم؛ وأكثر من يفعلون ذلك من الشباب والفتيات ـ إن لم يكن كلهم ـ يرون أنهم عصوا الله بحيازة هذه المواد المحرمة، ولا يرون أن في ذلك كبير خطر لو أعطوها للغير، وأكثرهم مقتنع بأن حيازتها أعظم جرماً من إهدائها لغيرهم، بل قد يرى بعضهم أن لا إثم عليه في دفعها لغيره؛ لأنه هو من يطلبها وستصله عن طريقه أو طريق غيره؛ وهذا المفهوم الخاطئ عند من يتداولون هذه المواد المحرمة كان سبباً في انتشارها انتشار النار في الهشيم، وصاروا يدفعونها إلى من يعرفون ومن لا يعرفون، وربما تبرع بعضهم بإنزالها في الإنترنت وأعلن عنها في كثير من المواقع؛ ليتلقفها عنه بشر لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى. إنني أفهم أن تدفع الغريزة الجنسية وحب الاستطلاع، بعض الفتيان والفتيات إلى حيازة هذه المشاهد الإباحية وحفظها، والاستمتاع بها، ولست أقلل من مخاطر ذلك الدينية والنفسية والأخلاقية على من يشاهدها؛ بل هي إثم وذنب، ودرك سحيق من المعصية قد ينزل بصاحبه إلى كبائر الذنوب، ويدفعه إلى الوقوع في الموبقات التي توبق صاحبها؛ لكن الجرم الأعظم، والإثم الأكبر: أن يتولى من حازها وحفظها في جهازه توزيعها يمنة ويسرة، دون دافع لذلك سوى الاستهانة بهذا الإثم المبين، وعدم إدراكه لمفاسد ذلك. - المفاسد المترتبة على تناقل الصور الإباحية: والمفاسد المترتبة على هذا العمل القبيح عديدة، أهمها ثلاث مفاسد كبرى تكفي إحداها لرد من فعل ذلك عن غيه، وإعادته إلى رشده، ولأن كثيراً ممن يقارف هذا المنكر لا يدرك عواقبه، ولا يعي مخاطره عليه هو قِبَل الناس والمجتمع، وعلى من أهدى إليه هذه المواد المحرمة؛ فإنني سأذكر المفاسد الثلاث لتناقل هذه الصور أو الأفلام أو القصص الجنسية، مع ذكر الأدلة التي تبين حجم هذا الضرر: المفسدة الأولى: أن من أرسل الصور أو الأفلام أو القصص الجنسية إلى غيره فإنه يبوء بإثم صاحبه مع إثمه من غير أن ينقص من إثم من أُرسلت إليه شيء، ومن أدلة ذلك: ١ - قول الله : ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] . وهذه المواد الإباحية من أعظم الضلال، ومن أرسلها إلى غيره فهو يضله، ويدعوه لمشاهدة المحرم، ويعينه عليه؛ بل يدفعه إليه دفعاً، وقد ينتج عن ذلك: وقوعه في الزنى أو عمل قوم لوط أو الاغتصاب أو الوقوع على ذات محرم، نسأل الله السلامة والعصمة. ولا يمكن لأحد من الناس أن يقول إنها ليست من الضلال، وأن دفعها للغير ليس إضلالاً له؛ حتى لو كان عند المرسلة إليه مواد غيرها؛ فما يرسل إليه يزيده إضلالاً إلى ضلاله، ومعصية إلى معصيته، لا يختلف في ذلك مسلمان، ولا يجادل فيه مجادل. بل إن كثيراً من الدول الكافرة التي تستبيح المحرمات، وتقر الزنى والشذوذ ونكاح المحارم؛ لا تسمح بتداول هذه المواد الجنسية إلا وفق ضوبط يضعونها، وأنظمة يشرعونها. وإذا تقرر أنها من الضلال؛ فالذي ينشرها فهو ناشر للضلال، وإذا أهداها الشاب لزميله فهو يضله، وكذلك الفتاة إذا أرسلتها لصديقتها فهي تضلها، وكلاهما يحمل أوزار من أُرسلت إليهم عن طريقهما؛ كما هو نص الآية. قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: «أي: يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم» (١) . ٢ - قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] . قال مجاهد ـ رحمه الله تعالى ـ: «يحملون ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئاً» (٢) . ٣ - قول الله : ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] ، قال ابن مسعود ﵁ في معناها: «ما قدَّمتْ من سُنَّة صالحة يعمل بها من بعده فله أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، وما أخرت من سُنة سيئة يعمل بها بعده؛ فإن عليه مثل وزر من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً» (٣) . ٤ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» (٤) . ٥ - حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سن سنة خير فاتُّبِع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة شر فاتبع عليها كان عليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئاً» (٥) . قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: «من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه» (٦) . فدلت هذه الآيات والأحاديث على أن من هدى غيره إلى ضلالة فهو يحمل وزره مع وزره؛ ومن أهدى غيره صورة أو أفلاماً أو قصة جنسية فهو كذلك؛ وبحسب أعداد من أعطاهم هذه المواد المحرمة، وهم أعطوها غيرهم ما أعطاهم يحمل من أوزار، بحيث تصير أعدادهم بعد مدة أعداداً كبيرة جداً، تزيد ولا تنقص بسبب التطور الهائل في وسائل الاتصال وتبادل المواد بالهواتف الجوالة أو الإنترنت. والعاقل تكفيه ذنوبه؛ فكيف يرضى بحمل أوزار الآخرين، وبأعداد مهولة تزيد بتقدم الأيام؟ وقد يأخذ الفيلم من الشاب أو من الفتاة من يقع بسببه في الزنى، أو على ذات محرم، أو يفعل فاحشة قوم لوط، وما أغواه إلا صاحبه في حال ضعف وغفلة، وغلبة شهوة، وتسلط الشيطان الرجيم وجنده. ولو لم يكن في تبادل هذه المواد المحرمة إلا هذه المفسدة لكانت كافية في امتناع كل من عنده ذرة من إيمان وعقل عن إعطائها لغيره مهما كان قريباً إليه، عزيزاً عليه. ولو نقلت هذه الحقيقة المرعبة إلى الشباب والفتيات لكف كثير منهم عن غيه، وخافوا تكاثر الذنوب بتداول هذه الصور. المفسدة الثانية: أن في إعطاء هذه المواد المحرمة للغير مجاهرة بالذنب، وخروجاً من المعافاة التي يُحرَم منها المجاهرون. إن من نعمة الله ـ تعالى ـ على العاصي أن يستره ربه، فلا يفتضح أمره أمام الناس، ولا سيما من يشتد حياؤه منهم كوالديه وأقاربه وأساتذته. والفتاة أو الشاب الذي يقتني صوراً محرمة عاصٍ لله والله ـ تعالى ـ قد ستره في معصيته تلك؛ فإذا أطلع غيره على ما يحمل من صور محرمة فقد هتك ستر الله ـ تعالى ـ عليه، وجاهر بعصيانه، وبقدر توزيعه لتلك المواد المحرمة تكون مجاهرته حتى تبلغ الآفاق. والمجاهر بعصيانه حري أن لا يعافى في الدنيا من العقوبة أو من الإقلاع عن ذنبه. فليعلم من يتناقلون الصور المحرمة أنهم حريون بالخروج من ستر الله ـ تعالى ـ إلى المجاهرة بعصيانه، ويُخشى عليهم الحرمان من المعافاة في الدنيا والآخرة؛ مما ينذر بسوء الخاتمة، وشؤم العاقبة، نسأل الله العافية. ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه» (١) . قال ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ: «المجاهرون الذين يجاهرون بالفواحش ويتحدثون بما قد فعلوه منها سراً، والناس في عافية من جهة أنهم مستورون وهؤلاء مفتضَحون» (٢) . وقال ابن الأثير: هم الذين جاهروا بمعاصيهم وأظهروها وكشفوا ما ستر الله تعالى (٣) . وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ: «والمجاهر في هذا الحديث يحتمل أن يكون من (جاهر بكذا) بمعنى جهر به، والنكتة في التعبير بـ (فاعَلَ) : إرادة المبالغة، ويحتمل أن يكون على ظاهر المفاعلة، والمراد: الذين يجاهر بعضهم بعضاً بالتحدث بالمعاصي، وبقية الحديث تؤكد الاحتمال الأول. وقال أيضاً: «الذي يجاهر بالمعصية يكون من جملة المُجَّان، والمجانة مذمومة شرعاً وعرفاً، فيكون الذي يظهر المعصية قد ارتكب محذورين: إظهار المعصية، وتلبُّسه بفعل المُجَّان (٤) . فمن أعطى غيره هذه المواد الفاسدة فهو حري أن يحرم المعافاة في الدنيا والآخرة؛ لأنه مجاهر بذنبه، دال عليه غيره: ١ - أما في الدنيا فهو مستحق للعقوبة بالتعزير، وقد يعاقبه الله ـ تعالى ـ في نفسه أو عرضه، وقد يعاقب بانطماس قلبه، وعدم رجاء توبته، وأسره بالمعصية. نسأل الله العافية من ذلك كله. قال ابن القيم وهو يعدد أضرار المعاصي: «ومنها أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه، وهو عند أرباب الفسوق غاية التفكه وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدِّث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان! عملتُ كذا وكذا، وهذا الضرب من الناس لا يعافون، وتسد عليهم طريق التوبة، وتغلق عنهم أبوابها في الغالب» (٥) . وقال ابن بطال ـ رحمه الله تعالى ـ: «في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله ﷺ وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف؛ لأن المعاصي تذل أهلها من إقامة الحد عليه إن كان فيه حد، ومن التعزير إن لم يوجب حداً» (٦) . قلت: لا يحصل العاصي على المعافاة الواردة في الحديث إلا بحصوله على الستر، ولا يتأتى له الستر إلا إذا ستر هو على نفسه، فلم يُطْلِع غيره على معصيته، ومن أخبر غيره أنه يملك صوراً أو أفلاماً أو قصصاً جنسية لم يكن ساتراً على نفسه، بل هو فاضح لها؛ فكيف بمن زاد على ذلك بإطلاعهم عليها، أو إعطائهم إياها؟ قال الحافظ ابن حجر: «ستر الله ـ تعالى ـ مستلزم لستر المؤمن على نفسه؛ فمن قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربه فلم يستره، ومن قصد التستر بها؛ حياء من ربه ومن الناس منَّ الله عليه بستره إياه» (٧) . ٢ - وأما في الآخرة فهو حري بالمؤاخذة على عصيانه، بعيد عن عفو الله تعالى؛ ودليل ذلك ما رواه ابن عمر ﵄ حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب! حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (٨) . قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «المستخفي بما يرتكبه أقل إثماً من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثماً من المخبر المحدث للناس به؛ فهذا بعيد من عافية الله ـ تعالى ـ وعفوه» (١) . قال ابن بطال ـ رحمه الله تعالى ـ: «وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه؛ فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك» (٢) . فإذا انضم إلى ما سبق أنه يعطي غيره هذه المواد المحرمة، ويدعوه إلى الاستمتاع بها؛ فإن إثمه أشد؛ لأنه صار داعية إلى الإثم مع مقارفته للمعصية، ومجاهرته بها. نسأل الله أن يعافينا وإخواننا المسلمين. قال المناوي ـ رحمه الله تعالى ـ: «وذلك خيانة منه على ستر الله الذي أسدله عليه، وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه أو أشهده؛ فهما جنايتان انضمتا إلى جنايته فتغلظت به؛ فإن انضاف إلى ذلك: الترغيب للغير فيه، والحمل عليه؛ صارت جناية رابعة، وتفاحش الأمر؛ فيكشف ستر الله عنه فيؤاخذ به في الدنيا بإقامة الحد؛ وهذا لأن من صفات الله ـ تعالى ـ ونعمه: إظهار الجميل، وستر القبيح؛ فالإظهار كفران لهذه النعمة وتهاون بستر الله» (٣) . مسألة مهمة: لو أخبر بمعصيته أحداً من أهل العلم والصلاح لا مجاهرةً بها؛ لكنه يريد أن يشير عليه بما يكون سبباً في الإقلاع عنها، والتوبة منها، أو الدعاء له؛ فهل هذا الفعل يُعَدُّ مجاهرة أم لا؟ الجواب: يسأل من يسأل لا على أنه صاحب المعصية؛ فإن كان الجواب لا يتأتى إلا بأن يصرح بذلك صرح به، ولا يأثم به؛ لأنه مسترشد لا مجاهر؛ ودليل ذلك حديث الذي جامع أهله في نهار رمضان، فأخبر النبي ﷺ فلم ينكر عليه إخباره له، ولا عده مجاهراً بذنبه، وبين له ما يجب عليه. وقد بوَّب الإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ على ذلك فقال: (باب من أصاب ذنباً دون الحد، فأخبر الإمام فلا عقوبة عليه بعد التوبة إذا جاء مستفتياً) قال عطاء: «لم يعاقبه النبي ﷺ . وقال ابن جريج: ولم يعاقب الذي جامع في رمضان» (٤) . قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ: «واستُدل بهذا على أن من ارتكب معصية لا حد فيها وجاء مستفتياً أنه لا يعزَّر؛ لأن النبي ﷺ لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية؛ وتوجيهه: أن مجيئه مستفتياً يقتضي الندم والتوبة؛ والتعزير إنما جُعِل للاستصلاح، ولا استصلاح مع الصلاح، وأيضاً فلو عوقب المستفتي لكان سبباً لترك الاستفتاء وهي مفسدة، فاقتضى ذلك أن لا يعاقب؛ هكذا قرره الشيخ تقي الدين» (٥) . ونقل المناوي عن النووي ـ رحمهما الله تعالى ـ قوله: «يُكره لمن ابتُلي بمعصية أن يخبر غيره بها، بل يُقلِع ويندم ويعزم أن لا يعود؛ فإن أخبر بها شيخه أو نحوه ممن يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً منها، أو ما يسلم به من الوقوع في مثلها، أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها، أو يدعو له، أو نحو ذلك فهو حسن، وإنما يكره لانتفاء المصلحة. ثم نقل عن الغزالي قوله: الكشف المذموم إذا وقع على وجه المجاهرة والاستهزاء لا على السؤال والاستفتاء، بدليل خبر من واقع امرأته في رمضان، فجاء فأخبر المصطفى ﷺ فلم ينكر عليه» (٦) . المفسدة الثالثة: إن في تناقل الصور أو الأفلام أو القصص الجنسية إشاعة للفاحشة في الذين آمنوا؛ وقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] . قال البغوي ـ رحمه الله تعالى ـ: «يحبون أن تشيع الفاحشة: يعني: يظهر ويذيع الزنى» (٧) . وقال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها؛ فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها؟» (٨) . وقال الرازي ـ رحمه الله تعالى ـ: «لا شك أن ظاهر قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يفيد العموم، وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة (٩) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: «ولهذا نهى الله ـ تعالى ـ عن إشاعة الفاحشة، وكذلك أمر بستر الفواحش ... فما دام الذنب مستوراً فعقوبته على صاحبه خاصة، وإذا ظهر ولم ينكر كان ضرره عاماً؛ فكيف إذا كان في ظهوره تحريك لغيره إليه؟!» (١٠) . وقال أيضاً: «كل عمل يتضمن محبةَ أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا داخلٌ في هذا، بل يكون عذابه أشد؛ فإن الله قد توعد بالعذاب على مجرد محبة أن تشيع الفاحشة بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وهذه المحبة قد لا يقترن بها قول ولا فعل؛ فكيف إذا اقترن بها قول أو فعل؟! بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله من فعل الفاحشة، والقذف بها، وإشاعتها في الذين آمنوا، ومن رضي عمل قوم حشر معهم كما حشرت امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط؛ فإن ذلك لا يقع من المرأة لكنها لما رضيت فعلهم عمها العذاب معهم، فمن هذا الباب قيل: من أعان على الفاحشة وإشاعتها مثل القوَّاد الذي يقود النساء والصبيان إلى الفاحشة لأجل ما يحصل له من رياسة أو سحت يأكله، وكذلك أهل الصناعات التي تنفق بذلك مثل: المغنين وشَرَبة الخمر وضُمَّان الجهات السلطانية وغيرها؛ فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة ليتمكنوا من دفع من ينكرها من المؤمنين» (١) . وقال الشيخ ابن سعدي ـ رحمه الله تعالى ـ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ «أي: الأمور الشنيعة المستقبحة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع للقلب والبدن؛ وذلك لغشه لإخوانه المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجراءته على أعراضهم؛ فإذا كان هذا الوعيد لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب؛ فكيف بما هو أعظم من ذلك من إظهاره ونقله؟!» (٢) . فليتق الله ـ تعالى ـ في نفسه كل من تلطخ بهذا الإثم المبين، وليبادر بتوبة نصوح قبل أن يدهمه الموت وهو على هذه الحال السيئة. ومن ابتلي بهذه القاذورات حتى صار أسيراً لها فلا أقل من أن يستتر بستر الله تعالى، ولا يكون عوناً للشيطان الرجيم على شباب المسلمين وفتياتهم، وليقصر هذا الإثم على نفسه ولا يعدِّيه إلى غيره؛ فمن فعل ذلك رُجيت له التوبة، وهو حري أن يُعتق من أسر تلك الخطيئة المردية، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، فمن ألمَّ فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله» (٣) . - التكفير عما سلف: كثير من الفتيات والشباب قد يعزمون على التوبة من هذا الإثم العظيم، لكن يبقى في صدورهم حرج مما فعلوا في السابق من توزيع لهذه المواد المحرمة، ونشر للفاحشة على أوسع نطاق، وقد يكون ذلك سبباً في صدودهم عن التوبة، واليأس من عفو الله ـ تعالى ـ ورحمته؛ وهذه وسوسة من الشيطان ليرد بها المقبل على التوبة عن توبته، ومكافحة هذه الوسوسة بما يلي: ١ - ليعلم أن الله تواب رحيم يفرح بتوبة عبده إذا تاب، ويمحو ذنوبه مهما كانت، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ٢ - أنه إذا صدق في توبته بدَّل الله ـ تعالى ـ سيئاته إلى حسنات، وهذا فضل من الله على عباده، وهو من أكثر الحوافز التي تحفز المذنب إلى المبادرة بالتوبة، وقد قال أبو ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاًِ منها: رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا منه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا؟ وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم! لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب! قد عملت أشياء لا أراها ها هنا! فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه» (٤) . ٣ - أن يجعل من ندمه على ما وزَّع من صور أو أفلام أو قصص جنسية قبل توبته سبباً لنشاطه في مكافحتها بكل الوسائل الممكنة، ومراسلة كل من أرسلها إليهم يرجوهم أن يزيلوا ما وصلهم منها عن طريقه، مع نصيحتهم بالإقلاع عن اقتنائها أو توزيعها، ويجتهد في هذاالسبيل؛ ليكفر عن ماضيه، فلعل الله ـ تعالى ـ يعافي على يديه كثيراً ممن ابتُلوا بهذا الداء الخبيث. وعلى كل أب وأم أن يتعاهدوا أولادهم ذكوراً وإناثاً بالنصيحة والتوجيه بالرفق واللين، والكلمة الطيبة، مع بيان مخاطر سوء استخدام التقنيات المعاصرة، وإقناعهم بذلك؛ ليكون الواحد منهم رقيباً على نفسه، مراقباً لله ـ تعالى ـ في سره وعلنه، عسى الله أن يصلح أولادنا وأولاد المسلمين، وأن يكفيهم شرور أنفسهم وشرور شياطين الإنس والجن، إنه سميع مجيب. ولا سبيل لحفظ المسلمين من هذا البلاء الماحق إلا بتحصين أبنائهم وبناتهم بالدين القويم، وملء قلوبهم بمحبة الله ـ تعالى ـ ومحبة رسوله ﷺ ومحبة ما يحبه الله ورسوله ﷺ ، وبُغض ما يبغضه الله ورسوله، مع تقليل وسائل الشر والفساد قدر الإمكان، وتحصين البيوت منها، وإيجاد البدائل النافعة، وإشغال الفتيات والشباب بما يعود عليهم بالنفع عاجلاً وآجلاً.

стр. 5361

شهر رجب بين المشروع والمبتدع د. نايف بن أحمد الحمد في هذه الأيام يكثر السؤال عن شهر رجب (فضله وصيامه..) ولعلِّي في هذه العجالة أذكر بعض الأحكام المتعلقة بهذا الشهر مستعيناً بالله تعالى. - رجب أحد الأشهر الحُرم: قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] ، والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة ومحرم، ورجب. عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض: السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان» (١) . وقد سُميت هذه الأشهر حُرماً لأمرين: ١ - لتحريم القتال فيها إلا أن يبدأ العدو. لذا يُسمى رجب الأصم؛ لأنه لا يُنادى فيه: يا قوماه! أو لأنه لا يُسمع فيه صوت السلاح. ٢ - ولأن تحريم انتهاك المحارم فيها أشد من غيرها. وسُمي رجبٌ رجباً؛ لأنه كان يُرجَّب أي يُعظَّم (٢) . - دعاء دخول رجب: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول إذا دخل رجب: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلِّغنا رمضان» (٣) . - ذبح العتيرة (الذبيحة) في رجب (الرجبية) : استحب بعض العلماء ذبح عتيرة في شهر رجب مستدلين بحديث مخنف بن سليم ﵁ قال: «كنا وقوفاً مع النبي ﷺ بعرفات فسمعته يقول: يا أيها الناس! على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة. هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمونها الرجبية» (٤) . والجمهور على أنها منسوخة لما رواه أبو هريرة ﵁ من أن النبي ﷺ قال: «لا فَرَعَ ولا عَتِيرَة» (٥) . - العمرة في رجب: يخص بعض المسلمين شهر رجب بعمرة ظناً منهم أن لها فضلاً وأجراً؛ والصحيح أن رجباً كغيره من الأشهر لا يُخَصُّ ولا يُقصد بأداء العمرة فيه، والفضل إنما يكون في أداء العمرة في رمضان أو أشهر الحج للتمتع، ولم يثبت أن النبي ﷺ اعتمر في رجب، وقد أنكرت ذلك أم المؤمنين عائشة ﵂ (٦) . - بدع شهر رجب: من العبادات التي أحدثها الناس في شهر رجب ما يلي: أولاً: صلاة الرغائب: وقد جعلوها اثنتي عشرة ركعة بعد المغرب في أول جمعة بست تسليمات يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة القدر ثلاثاً، والإخلاص ثنتي عشرة مرة، وبعد الانتهاء من الصلاة يصلي على النبي ﷺ سبعين مرة ويدعو بما شاء. وهي بلا شك بدعة منكرة وحديثها موضوع بلا ريب وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١) . وقال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: «واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب؛ قاتل الله واضعها ومخترعها؛ فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة. وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها ودلائل قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن تحصر» ا. هـ (٢) . وقال الخطابي ـ رحمه الله تعالى ـ: «حديث صلاة الرغائب جمع من الكذب والزور غير قليل» ا. هـ (٣) . وقال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ: «فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء ... وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة؛ فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها» ا. هـ (٤) . ثانياً: صلاة النصف من رجب: ويعتمد الآخذون بها على الأحاديث الموضوعة (٥) . ثالثاً: صلاة ليلة المعراج: وهي صلاة تصلى ليلة السابع والعشرين من رجب وتسمى: صلاة ليلة المعراج وهي من الصلوات المبتدعة التي لا أصل لها صحيحاً لا من كتاب ولا سنة (٦) . ودعوى أن المعراج كان في رجب لا يعضده دليل. قال أبو شامة ـ رحمه الله تعالى ـ: «ذكر بعض القُصَّاص أن الإسراء كان في رجب؛ وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب» ا. هـ (٧) . وقال أبو إسحاق إبراهيم الحربي ـ رحمه الله تعالى ـ: «أُسري برسول الله ﷺ ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الأول» ا. هـ (٨) . ومن يصليها يحتج بما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «في رجب ليلة كُتب للعامل فيها حسنات مائة سنة، وذلك لثلاث بقين من رجب..» (٩) . أقول: أمارات الوضع ظاهرة على هذا الحديث؛ فقد أجمع العلماء على أن أفضل ليلة في السنة ليلة القدر وهذا الخبر يخالف ذلك. ومن بدع تلك الليلة: الاجتماع وزيادة الوقيد والطعام. قال الشيخ علي القاري: «لا شك أنها بدعة سيئة وفعلة منكرة لما فيها من إسراف الأموال والتشبه بعَبَدَة النار في إظهار الأحوال» ا. هـ (١٠) . - صيام رجب: رجب كغيره من الأشهر لم يرد في الترغيب في صيامه حديث صحيح، بل يُشرع أن يصام منه الإثنين والخميس والأيام البيض لمن عادتُه الصيام كغيره من الأشهر؛ أما إفراده بذلك فلا. أما ما يذكره الوعاظ والقصاصون في الترغيب في صيام شهر رجب كحديث «إن في رجب نهراً يقال له رجب ماؤه أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل من صام يوماً من رجب شرب منه» وهو حديث موضوع (١١) . وحديث: «رجب شهر عظيم يضاعف الله فيه الحسنات؛ فمن صام يوماً من رجب فكأنما صام سنة، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه سبعة أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام فتح له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام منه عشر أيام لم يسأل الله إلا أعطاه، ومن صام منه خمسة عشر يوماً نادى منادٍ في السماء: قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل؛ ومن زاد زاده الله» (١٢) . وأختم بما ذكره الحافظان ابن القيم وابن حجر ـ رحمهما الله تعالى ـ تلخيصاً لما ذكرناه: قال ابن القيم: «كل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه فهو كذب مفترى» ا. هـ (١٣) . وقال الحافظ ابن حجر: «لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا صيام شيء منه معيَّن ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة» ا. هـ (١٤) . أسأل الله ـ تعالى ـ بمنه وكرمه أن يوفقنا لاتباع السنة واجتناب البدعة؛ إنه جواد كريم، والله ـ تعالى ـ أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5362

دعوة إلى تأصيل المصطلحات السياسية (٢ ـ ٢) محمد بن شاكر الشريف نُشِرَت الحلقة الأولى من هذا المقال في العدد (٢١٣) حيث تحدث الكاتب عن الحل الغربي لقضية التباين في المجتمع الذي انبثقت عنه فكرة المعارضة، ثم تحدث عن الحل الإسلامي وآلياته التي انطلق منها الحديث عن الحسبة، وذكر أن الحسبة مصطلح شرعي مستخدم في تراثنا الشرعي تعضده الأدلة من الوحيين وعمل الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وأنه خالٍ من خطل المصطلحات الوافدة مثل المعارضة التي همها البحث عن المغانم والمناصب، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة عرض ما تبقى من المقال. -^ - - نماذج من الحسبة: أول من باشر الحسبة السياسية رسول الله ﷺ ؛ فقد احتسب على عامله ابن اللتبية جامع الصدقة؛ فعن أبي حميد الساعدي قال: «استعمل رسول الله ﷺ رجلاً على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية؛ فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدية؛ فقال رسول الله ﷺ : فهلاَّ جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً! ثم خطبنا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعدُ: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاَّني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي؛ أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته! والله! لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة؛ فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يده حتى رُئي بياضُ إبطه يقول: اللهم هل بلغتُ بصر عيني وسمع أذني؟» (١) ؛ فقد حاسبه رسول الله ﷺ . لكن الأمر لم يكن في حاجة إلى وضع نظام في المحاسبة، واكتفى الرسول ﷺ بأن قال له ما قال، ثم خرج إلى الناس فوعظهم؛ لأن ذلك كان يكفي في تحقيق المطلوب في ذلك الزمان. فلما كان عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ حوَّل ذلك إلى نظام، للحاجة إليه، فكان ـ رضي الله تعالى عنه ـ عندما يريد أن يستعمل عاملاً، ويوليه ولاية كان يحصي عليه ماليته، ثم إذا انتهى من ولايته يحصي عليه ماليته، ويوازن بين الماليتين، فإذا وجد أن هناك زيادة غير معقولة شاطره هذه الزيادة، فترك له النصف، وجعل النصف الباقي في بيت المال. وقد أقر الرسول ﷺ محاسبة خالد بن الوليد سيف الله المسلول ﵁ من قِبَل جنوده الذين هم تحت إمرته، عندما امتنعوا عن تنفيذ أمره، عندما أخطأ في اجتهاده وقتل الذين قالوا: (صبأنا) ولم يحسنوا أن يقولوا: (أسلمنا) ، وقال: «اللهم! إني أبرأ إليك مما صنع خالد» مرتين (٢) . وهذا أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ يقر مبدأ الحسبة السياسة عقب توليه الخلافة مباشرة؛ إذ خطب الناس وقال لهم: «راعوني! فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوِّموني» (٣) ، مما يبين أن الحسبة ليست قاصرة على الرعية دون الولاة؛ لأن الكل في ميزان الشرع عبدٌ لله، والحاكم والمحكوم كلاهما مطالَب بعبادة الله وحده وطاعته واتباع ما شرعه، وما طلبه أبو بكر ﵁ وأرضاه ـ من الصحابة لا يتأتى منهم إلا بعد المتابعة والمراقبة التي بها يتمكنون من معرفة الإحسان والاستقامة أو الإساءة والزيغ، وهذا عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ يقول: «إني والله! ما أُرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم ولكن أرسلهم إليكم ليعلِّموكم دينكم وسنتكم؛ فمن فُعِلَ به شيء سوى ذلك فليرفعه إليَّ؛ فوالذي نفسي بيدي إذًا لأقصنِّه منه، فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين! أوَ رأيت أن كان رجل من المسلمين على رعية فأدَّب بعض رعيته أئنك لمقتصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده إذاً لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه: ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمِّروهم (١) فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفِّروهم، ولا تنزلوهم الغياض (٢) فتضيعوهم» (٣) ، فعمر ﵁ يحض رعيته على عدم السكوت على ظلم الولاة، ويوجه الولاة بعدم منع المسلمين حقوقهم والعمل على راحتهم والحفاظ عليهم، بل إن الحسبة لا تمتنع حتى في اللحظات الصعبة كلحظات الحرب ونحو ذلك؛ فقد حفظت لنا الوقائع ما كان من أمر عمر عندما أراد أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ قتال مانعي الزكاة فاعترض عمر، وقال: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ فمن فعل ذلك فقد عصم مني ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله» ؟ فبين له أبو بكر وجه الصواب في موقفه حتى ظهر الأمر لعمر، وتبين له صواب موقف الصدِّيق وسداد رأيه، ولم يرفع أبو بكر ﵁ في وجه عمر ﵁ تلك المقولة الزائفة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. والقصد أن حالة الحرب لم تمنع من الحِسْبة؛ فالمحكوم بَذَلَها، والحاكم قَبِلها؛ لأن الحسبة ليست كالمعارضة لتحقيق مكاسب ذاتية، وإنما هي ضمانة الحفاظ على الأمة وعلى الشريعة، وقد كان الحفاظ على الشريعة وتقديم كتاب الله هو أوْلى ما يحرص عليه المؤمنون؛ وقال: «إني مخاصم» (٤) ، وقد كانوا يتواصون فيما بينهم بذلك. فعن الحسن: «أن زياداً استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على جيش فلقيه عمران بن حصين في دار الإمارة فيما بين الناس، فقال له: أتدري في ما جئتك؟ أما تذكر أن رسول الله ﷺ لما بلغه الذي قال له أميره: قم فقع في النار، فقام الرجل ليقع فيها فأدركه فأمسكه، فقال النبي ﷺ : لو وقع فيها لدخل النار، لا طاعة في معصية الله، قال الحكم: بلى! قال عمران: إنما أردت أن أذكِّرك هذا الحديث» (٥) . ولم يكن الولاة يمنعون الرعية من الاحتساب، ولا يستخدمون سلطانهم أو قوتهم في تعطيلهم أو عرقلتهم عن القيام بذلك؛ فهذا عمر ﵁ وقد رأى رأياً في الأرض المغنومة وخالفه في ذلك الفاتحون واحتجوا عليه بما يرونه حجة لهم، فلم يلزمهم ولم يقهرهم، وإنما أخذ يحاججهم بما يرى صوابه ومصلحته؛ فعن نافع مولى ابن عمر يقول: أصاب الناسُ فتحاً بالشام فيهم بلال وأظنه ذكر معاذ بن جبل ﵄، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب ﵁: إن هذا الفيء الذي أصبنا، لك خمسه ولنا ما بقي، ليس لأحد منه شيء كما صنع النبي ﷺ بخيبر. فكتب عمر ﵁: إنه ليس على ما قلتم، ولكني أقفها للمسلمين، فراجعوه الكتاب وراجعهم: يأبون ويأبى، فلما أبَوْا قام عمر ﵁ فدعا عليهم فقال: اللهم اكفني بلالاً وأصحاب بلال، ... ، قال الشيخ ﵀: قوله ﵁: أنه ليس على ما قلتم؛ ليس يريد به إنكار ما احتجوا به من قسمة خيبر؛ فقد رويناه عن عمر عن النبي ﷺ ، ويشبه أن يريد به ليست المصلحة فيما قلتم، وإنما المصلحة في أن أقفها للمسلمين، وجعل يأبى قسمتها لما كان يرجو من تطييبهم ذلك، وجعلوا يأبون لما كان لهم من الحق؛ فلما أبَوْا لم يُبرم عليهم الحكم بإخراجها من أيديهم ووقفها، ولكن دعا عليهم؛ حيث خالفوه فيما رأى من المصلحة، وهم لو وافقوه وافقه أفناء الناس وأتباعهم، والحديث مرسل والله أعلم» (٦) ، والشاهد أن عمر ـ وهو الإمام ـ لم يقهرهم على رأيه الاجتهادي، بل ظل يراجعهم ويراجعونه، ويأبى عليهم ويأبون عليه، وكان أقصى ما عمله معهم أن لجأ إلى الله بقوله: «اللهم اكفني بلالاً وأصحاب بلال» . لقد كانت الحسبة في حس وشعور المسلمين حتى في عوامهم الذين قد يتصور عدم تنبههم لمثل ذلك، ولكن الإسلام قد ربَّاهم على ذلك، فصاروا يتصرفون في هذا الأمر وكأنه أمر جِبِلِّي؛ فقد ورد في أخبار عمر ﵁ عن أسلم مولى عمر قال: «خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى (حَرَّة واقم) حتى إذا كنا بصرار إذا نار، فقال: يا أسلم! إني لأرى ها هنا ركباً قصَّر بهم الليل والبرد، انطلق بنا! فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا بامرأة معها صبيان صغار وقِدْر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء! وكره أن يقول: يا أصحاب النار، فقالت: وعليك السلام، فقال: أدنو؟ فقالت: ادْنُ بخير أو دَعْ! فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصَّر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: فأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ما أُسكِتُهم به حتى يناموا؛ واللهُ بيننا وبين عمر. فقال: أَيْ رحمك الله، وما يُدري عمرَ بكم؟ قالت: يتولى عمر أمرنا، ثم يغفل عنا، قال: فأقبل عليَّ؛ فقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عِدْلاً من دقيق، وكُبَّة من شحم، فقال: احمله عليَّ! فقلت: أنا أحمله عنك، قال: أنت تحمل عني وزري يوم القيامة؟ لا أُمَّ لك. فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئاً، فجعل يقول لها: ذُرِّي عليَّ وأنا أحرِّك لك، وجعل ينفخ تحت القدر، ثم أنزلها، فقال: أَبغيني شيئاً! فأتته بصحفة فأفرغها فيها، ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم، فلم يزل حتى شبعوا وترك عندها فضل ذلك وقام وقمت معه، فجعلَتْ تقول: جزاكَ الله خيراً؛ كنتَ أوْلى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، فيقول: قولي خيراً إذا جئت أمير المؤمنين، وحدثيني هناك إن شاء الله، ثم تنحى ناحية عنها، ثم استقبلها فربض مربضاً، فقلنا له: إن لنا شأناً غير هذا؟ ولا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ثم ناموا وهدؤوا، فقال يا أسلم! إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت» (١) ، فالمرأة تقول: واللهُ بيننا وبين عمر، وتقول أيضاً: يتولى عمر أمرنا ثم يغفل عنا؟ ثم تقول له وهي لا تعرفه ـ بعدما أتاها بالمعونة: ـ جزاك الله خيراً، كنتَ أوْلى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، والمقصود أن هذه المرأة الفقيرة كانت تفهم ما يجب على ولي الأمر فعله، وهي تقرر أن الأوْلى بذلك المنصب مَنْ يقوم على شؤون رعيته ويعتني بهم ولا يغفل عنهم. إنه لم يخلُ عصر من عصور المسلمين من القيام بالحسبة في ذلك الجانب؛ ومرادنا التمثيل لا الحصر، والقيام بتنظيم هذا الأمر يساعد على تثبيته في أذهان الناس، ويكون أدعى لاستمرار العمل به. بين الحِسْبة السياسية والمعارضة السياسية مفارقات وموافقات: عندما نقارن بين ما لدينا من الحسبة السياسية وبين المعارضة السياسية الوافدة إلينا والتي يراد لها الذيوع والانتشار والغلبة على مصطلحاتنا السياسية الشرعية، يتبين الفرق الكبير بين الأمرين؛ بحيث لا يمكن لمن عقل وابتعدت نفسه عن الأهواء المردية إلا أن يحرص على الحِسْبة السياسية ويتمسك بها ويدعو إليها، وإن كان هناك بعض الموافقات بين الحِسْبة والمعارضة وخاصة في الألفاظ العامة، لكن الاختلافات تظهر بقوة عند التفاصيل؛ فقد يقال في المعارضة كما يقال في الحسبة بضرورة اتباع العدل؛ لكن مفهوم العدل في شرعنا غير مفهوم العدل في الفكر السياسي الغربي وهكذا، ومن هنا يمكننا أن نقرر أن الخلاف بين الحسبة السياسية وبين المعارضة السياسية خلاف كبير وعميق، وهو أعمق بأكثر مما يتخيله كثير من الناس؛ إذ إن ما بينهما من الخلاف في الأصول والدوافع والغايات يربو بكثير جداً على ما بينهما من الموافقات في الفرعيات؛ فالموافقات في أغلب أمرها ما هي إلا موافقات ظاهرية. الحرية الحقيقية: الحرية تعني الخروج من أسر القيود، والانعتاق من ذل العبودية، والحر يقابله العبد، لكن متى يكون الإنسان حراً حقيقياً وليس عبداً؟ إذا كان الإنسان لا تكبله نفسه، ولا تكبله أعراف المجتمع، ولا تكبله السلطة القائمة، أي خرج من أسر عبودية النفس والمجتمع والحكومة؛ فهو قد استوفى مظاهر الحرية، لكن متى يحدث ذلك؟ إن ذلك لا يحدث في الحقيقة إلا إذا كان الإنسان ملتزماً بالشريعة متقيداً بها مقاوماً كل ما يشوش على ذلك الالتزام، وإلا فإن الإنسان واقع لا محالة في نوع أو أكثر من أنواع العبودية؛ بحيث تنتفي حريته الحقيقية؛ إذ الإنسان منذ أن يولد تشده القيود المادية بوصفه مخلوقاً لا يملك الخروج عن نظام الكون، فهو مجبر على ذلك؛ فإن الجاذبية مثلاً تشده ولا يملك الانفكاك منها، وهكذا. ثم تبدأ القيود المعنوية في الورود عليه، فإذا لم يكن عليه قيد غير قيد الشريعة، كان الإنسان بذلك حراً حقاً؛ لأنه لا يقيده إلا خالقه. أما إذا ابتعد عن الشريعة فإنه يدخل في نطاق قيود أخرى متشاكسة في أكثر الأحيان، ويفقد الإنسان بذلك حريته الحقيقية وإن بدا له في الظاهر أنه حر في أن يعتقد ما يشاء، وأن يقول ما يشاء، وأن يفعل ما يريد. فالحسبة التي تعيد الإنسان إلى مجال قيد الشريعة فقط، وتخرجه من مجال القيود الباطلة، فتقيمه على الجادة وتبعده عن بُنَيَّات الطريق، هي مظهر أصيل من مظاهر تحرر المسلم وتحلله من القيود الباطلة التي تعيق حركته. إن الانفلات من كل ضابط والخروج من كل قيد والذي يعد أقصى مدى للحرية عند كثير من الناس هو في حقيقته أقصى مدى للعبودية؛ حيث يصير الإنسان عبداً لنفسه وشهواته وللشيطان، وهذه هي الحرية التي يوفرها الفكر السياسي الغربي الذي تنطلق منه المعارضة السياسية، وفي هذا الفكر فإن الإنسان له أن يضر نفسه وأن ينتحر ليتخلص من حياته؛ إذ لا ضرر من ذلك على أحد، وهو القيد الوحيد على الحرية في ذلك الفكر. بينما المسلم لا يجوز له إيقاع الضرر على نفسه حتى ولو لم يكن في ذلك ضرر على الآخرين؛ فللإنسان في هذا الفكر التعامل بالربا، وشرب الخمور، وتكوين العلاقات الجنسية مع غير الزوجات، ونحو ذلك، مما لا ضرر فيه على غير من يزاوله. والمعارضة يمكنها انطلاقاً من دعوى الحرية الشخصية أن تتبنى الدعوة إلى الزواج المثلي، أو حق إباحة الإجهاض، وغير ذلك من الأمور؛ وقد حدث إقرار ذلك في المؤتمرات الدولية التابعة للأمم المتحدة على أن هذا من الحرية التي هي حق لكل إنسان ولا يمكن تقييدها. والحسبة تمنع الضرر سواء كان يوقعه الإنسان على نفسه أو على غيره لعموم الأدلة المانعة من ذلك، وللقاعدة الشرعية الثابتة بقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٢) . ومنع الإنسان من أن يضر نفسه لا يعد في فقه الحسبة تدخلاً في الحرية الشخصية؛ لأن الإنسان لم يخلق نفسه، ومن ثَمَّ فإن الذي خلقها هو الذي يملكها، وهو الذي يشرِّع لها. بين الإعلان والتغيير: الحسبة السياسية تقوم على إحداث التغيير المطلوب وفق المقررات الشرعية انطلاقاً من النصوص المتكاثرة الداعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] ، وكقوله ﷺ : «من رأى منكم منكراً فلغيره..» الحديث (٣) وكقوله ﷺ : «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» (١) . فالمطلوب منع الباطل من الوقوع، وكفه عن التمادي في باطله أثناء فعله، وتغييره بعد وجوده؛ فالدعوة للتغيير وليس للإعلان فقط، وهذا يعني أن النظام السياسي الإسلامي لا يقف من المنكرات موقفاً سلبياً، بل موقفه إيجابي؛ فهو داعٍ إلى التغيير وآمر به، وهو أكثر من مجرد السماح بذلك، ولا بد أن تكون فيه من الآليات ما تمكن من ذلك، وعند امتناع الحكومة عن الاستجابة على أساس أنها لا ترى ما تراه الحسبة؛ فإنه بالإمكان اللجوء إلى المحكمة للفصل في ذلك، والذي يكون حكمها ملزماً للأطراف جميعاً. والحسبة ينبغي أن تكون قوية، وهي تأخذ قوتها من كونها مؤسسة على أمر الشرع كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، لكن لا تدفعها قوتها في مقابل السلطة إلى أن تكون بديلاً عنها، أو أن تحاول الاستيلاء على السلطة؛ لأن طلب الحكم والسعي في الوصول إليه ممنوع بمقتضى النصوص الشرعية التي تحظر على المسلمين طلب الولاية، وإذا وصلت الأمور بالحكومة إلى أن تخرج عن الحد الذي ينبغي فيه عدم منازعتها؛ فإن الحسبة السياسية ليست هي البديل، وكذلك الأمر إذا دعت الحسبة إلى حجب الثقة أو إلى السعي في تغيير السلطة؛ لأنه عندما تخرج السلطة الحاكمة عن حدود الشرعية وتصبح بمقتضى الأحكام الشرعية لا حق لها في تولي الأمر، ويصير تغييرها مطلباً شرعياً؛ فإن البديل ليس هو أهل الاحتساب، وإنما البديل من تنطبق عليه الصفات ويحقق الشروط فيمن يتولى الأمر، ولا تتم توليته إلا بالطرق الشرعية المعلومة في كيفية اختيار الولاة، وليس من ذلك بالطبع استخدام القوة وشهر السلاح، كما أسلفت، ولعل هذا يكون أحد أسباب التعاون والتفاهم بين الحكومة والحسبة؛ إذ ليس واحد منهما ينافس الآخر، بل كل منهما يعمل من أجل مصلحة الأمة. وأما المعارضة السياسية فليس فيها سوى الإعلان أن ذلك الأمر الفلاني باطل، وتنظيم مظاهرة من أجل ذلك، أو الإضراب كنوع من الاعتراض على ما يرونه من الأمور باطلاً، لكنهم لا يملكون التغيير؛ لأن التغيير بيد الأغلبية، وكل ما تملكه المعارضة تنبيه الأغلبية على ذلك، أو إشعار العامة على أمل أن يكون ذلك رصيداً لهم في الانتخابات القادمة. وفي الجانب المقابل فإن المعارضة قد يدفعها شعورها بالقوة المتزايدة في مقابل السلطة فتقوم بتنظيم المظاهرات والإضرابات التي تعجل أو تعمل على إسقاط الحكومة القائمة لتحل محلها، وهذا يجعل العلاقة بينهما علاقة تضاد وشكوك وارتياب، مما يترتب عليه سعي كل منهما في تعطيل الآخر وتعويقه لإخراجه من حلبة المنافسة حتى ينفرد هو بالتحكم في القرارات والاستقلال بها. السعي للسلطة: الحسبة في عملها تسعى لإقامة المجتمع على الجادة، والجادة لا يراد بها هنا الحالة الدينية فقط؛ إذ إن من المعلوم أن الإنسان ليس روحاً فقط، وإنما هو روح وجسد، والجسد له متطلباته سواء في حالة انفراده أو اجتماعه؛ ولذلك فإن المجتمع في حاجة إلى أن يقام على الجادة في أمور كثيرة كالتعليم والصحة والسياسة والاقتصاد، وفي كل ذلك جاءت تشريعات أو أحكام: إما منصوص عليها، وإما يُجتهد فيها من خلال النصوص الموجودة، وإما أحكام تُستنبط من القواعد الأصولية أو القواعد الفقهية، والحسبة تعمل على التزام المجتمع بذلك: فتبصره بذلك عن طريق العلم، وتعينه عن طريق تيسير سبيل الالتزام، وتكف عنه العوائق والعوارض التي تعمل في الاتجاه المعاكس؛ كل ذلك ابتغاء وجه الله ـ تعالى ـ ورضوانه؛ فالهمة أصلاً متوجهة إلى الإصلاح: سواء إصلاح المجتمع، أو إصلاح الحكومة، والإعانة على ذلك. وأما المعارضة فإن جهدها كله منصبٌّ على الوصول إلى الحكم، وما تظهره من آراء أو أقوال أو تصورات أو اعتراضات، وما تقدمه من رؤى في الإصلاح؛ فإن الهدف من ذلك أن يكون معيناً ومساعداً في الوصول إلى الحكم؛ فالهمة متوجهة إليه أصلاً، وليس تغيير الحكومة إذا فسدت أو خرجت عن حد الصلاح، أو لم تعد قادرة على ضبط الأمور، أو تأخرت أحوال الأمة في زمنها تأخراً بيناً يعد عيباً أو شيئاً يمنعه الإسلام. لكن الذي يأباه الإسلام ويمنعه أن يتخذ الخلاف في الرأي في مسائل كلها من قبيل الاجتهاد ذريعة لتغيير حكومة مستقرة قائمة بما وجب عليها، محققة للغرض الذي نُصبت من أجله، غير مقصرة فيما هو مطلوب منها، وليست ظالمة لرعيتها بمنعها من حقوقهم الشرعية. القدرة على التأثير: الحسبة لا تعتمد في عملها على قوتها العددية، وإنما ينبثق عملها من الاحتكام إلى محددات وأمور متفق عليها بين الجميع، وتملك الإلزام بالحق عن طريق اللجوء إلى المحكمة؛ بينما المعارضة تعتمد في عملها وقدرتها على التأثير في القرارات لا على صواب منطقها ولا جودة رأيها وفائدته للأمة، وإنما تعتمد على الكثرة العددية؛ فإذا استطاعت أن يكون لها الغلبة العددية فحينئذ تملك القدرة على التأثير وتحقيق ما تريد، حتى ولو لم يكن رأيها صواباً؛ إذ الصواب هو موافقة الأكثر عليه، فالصواب ليس شيئاً زائداً عن ذلك. أما إذا لم تستطع أن تستقطب حول مشروعها الأغلبية الكافية فإنها لا تستطيع التأثير، ولو كان ما تذهب إليه هو الصواب نفسه؛ لأنها فقدت شرط الصواب الذي يُعَوَّل عليه وهو الحصول على الأغلبية، ويصبح تأثيرها في ذلك لا يتعدى كونه ظاهرة صوتية إلا أن تتعدى حدود المشروعية في النظام الذي يحدد عملها، فتخرج إلى الشارع وتخاطب العامة وتستثيرهم لاتخاذ مواقف ضاغطة على الحكومة عن طريق التظاهر والإضرابات وتعطيل الأعمال وغير ذلك. لكن هذا يعد خروجاً على النظام الذي ينظم المعارضة، فالمعارضة يمكنها إلقاء خطبة عصماء، أو كتابة مقالة أو كتاب مدعوم بالحجج والبراهين والأدلة والوثائق وكل ما يحتاج إليه في إثبات صواب الرأي، ثم بعد ذلك كله فإن الذي يحسم القضية هو الكثرة العددية؛ حيث يتم عد الأصوات الموافقة والمخالفة ثم تكون الغلبة في النهاية أو الفيصل بين الحق والباطل لأصحاب العدد الأكبر، بل قد تملك الأغلبية سن تشريع أو نظام أو قانون تمنع به المعارضة أو تعرقل بعض أنشطتها، وتحبط مشروعات القرارات التي تتقدم بها المعارضة. وفي حالات الاستقامة النفسية والإخلاص والتجرد من الأغراض الذاتية قد تكون الكثرة العددية دالة على رجحان الرأي الذي هي في صفه، لكن في أوقات أخرى مثل حالات فساد الذمم، واعوجاج النفوس، وحالات الضعف الفكري، وسيطرة الدعاية والإعلام والإعلان على العقول والأفكار، لا يأتي من وراء ذلك إلا الأقدر على الدعاية والإعلان والأكثر كذباً وخداعاً بغض النظر عن الصواب والخطأ. وإذا علمنا أن النظام الذي يعتمد المعارضة لا يشترط فيمن يزاولون السياسة (مرشحين وناخبين ـ معارضة وحكومة) شروط تحول ببن الكذب والخداع مثل التقوى والعمل الصالح وأداء الفرائض واجتناب الكبائر؛ فإن هذه الأساليب الممقوتة تروج بينهم بكثرة شديدة، ولو قال قائل: بل ينبغي اشتراط قدر من التقوى والعمل الصالح يمنع الكذب والخداع، وقدر من الغنى يمنع من الخيانة ويدعو إلى الأمانة، وقدر من العلم يمنع من الانجراف وراء الآلة الإعلامية، قيل: ليست هذه هي المعارضة، وينبغي أن يبحث لها عن اسم آخر؛ إذ المعارضة عندهم إحدى نتائج فكرة كلية تقول: إن الشعب هو صاحب الكلمة العليا في شأن سياسة المجتمع وتنظيمه، والشعب هو كل مواطن بالغ عاقل بغضِّ النظر عن دينه أو علمه ومنزلته وجاهه، فيستوي الجميع في هذه السيادة التي تكفل لهم الحرية المطلقة، ولو طلبنا اشتراط قدر من التقوى لهاجمنا أصحاب ذلك الفكر وعدُّوا ذلك انتقاصاً من تلك الحرية. والقدرة على التأثير من المعارضة شكلية إلى حد كبير جداً؛ إذ إن الرأسماليين أصحاب رؤوس الأموال هم الفئة المسيطرة في الحقيقة على المجتمع، وهم مُلاَّك وسائل الإعلام التي يقومون بتوجيهها لصناعة الرأي العام من أجل مصالحهم ومصالح طبقتهم، وقد أصبح وجود وسيلة إعلامية ليس لها من هَمٍّ سوى تقديم المعلومة الصائبة، بغض النظر عمن تخدمه تلك المعلومة، أمراً عسيراً، بل نادراً؛ لأن هذه الوسائل إنما تعمل في خدمة ملاكها الذين يهمهم توجيه المجتمع إلى حيث مصلحتهم، ثم إن التكلفة المالية الضخمة لممارسة العمل السياسي من حيث الدعاية والإعلان لا يقدر عليها إلا كبار الأثرياء، وهذا ما يحول بين فئة كبيرة من الناس من المشاركة في العمل السياسي، أو تجعلهم رهينة في أيدي أحزابهم التي تنفق على حملاتهم السياسية؛ فقد تصل تكلفة بعض الحملات الانتخابية للرئاسة عشرات الملايين، وفي بعض البلدان تصل تكاليف الحملات الانتخابية إلى عدة مئات من ملايين الدولارات؛ فمن الذي يقدر على ذلك؟ وهذا كله يمنع في النهاية من أن تكون هناك معارضة حقيقية نابعة من رؤية الفرد الخاصة إذا كانت تخالف رؤية الحزب، فعندما توجد مثل هذه الرؤية الخاصة فإن الأفراد لا يملكون البوح بها وإظهارها، إلا إذا كانوا قد قرروا ترك الحزب، وهذه هي الحرية التي يتشدقون بها، وإذا ما خرج من الحزب فإنه يفقد مكانته السياسية لعدم قدرته على الإنفاق في غالب الأحيان، وهو في هذه الحالة بين أمرين: إما أن يتقاعد سياسياً، وإما أن يتحول إلى حزب آخر سوف يمارس معه الدور نفسه بعد قليل. وإذا كان الوصول إلى المقاعد النيابية لا يستطاع إلا بالإنفاق؛ فهذا يعني أن المعارضة لا تتاح حقيقةً إلا للأغنياء الذين لديهم الأموال الكافية التي تمكنهم من المحافظة على آرائهم. لقد أثبت ذلك النظام إخفاقه الشديد في بلدين يُنظَر إليهما على أنهما من البلاد التي تتمتع بالحرية الكاملة والمعارضة القوية؛ فقد شنت أمريكا وحليفتها بريطانيا الحرب على العراق بدعوى امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل التي تهدد السلام العالمي، ولا بد من القضاء على ذلك كشرط أساس حتى ينعم العالم بالسلام والأمان، وظل النظامان يرددان تلك الأكذوبة فترات طويلة، ثم ظهر بعدما شنوا الحرب وقتلوا أكثر من مائة ألف عراقي أن ذلك كله كان كذباً في كذب، وقد اضطر نظاما الحكم في البلدين إلى الاعتراف بكذب المعلومات التي استندوا إليها في شن الحرب، وأنه قد جرى تزويدهم عمداً بمعلومات غير صحيحة من قِبَل أجهزة مخابراتهم؛ فماذا فعلت المعارضة بعد ذلك؟ لم تتمكن المعارضة من فعل شيء؛ لأن الأمور يحكمها في النهاية عدد الأصوات، وقد نجح رئيسا البلدين في الفوز في الانتخابات التي أجريت بعد ذلك مع تلك المصائب. التعددية وأثرها على الواقع: التفاوت والفروق الفردية بين الناس أمر مدرَك لا يمكن جحده وله ما يسوِّغه؛ إذ لا يمكن صب الناس في قالب واحد وخاصة في الأمور الاجتهادية سواء كانت مما يتعلق بالدين أو بالدنيا، وعلى ذلك فإن الشريعة تعترف باختلاف المشارب والقدرات وما ينتج عن ذلك من تعدد في الرؤى، ومن ثم فهي لا تنظر إلى هذا التعدد أو تقف منه موقف المستريب أو تعمل على القضاء عليه بكل سبيل، ما دام أنه داخل الحدود المعتبرة، كما أن هذا التعدد لا يكون مصدر ضعف بل يكون مصدر رحمة وتوسعة كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. ثم إن هذا التعدد محكوم في النهاية بإطار يقلل من التعدد الواهي الذي يضعف الأمة، ويمنع من التعدد الانفلاتي القائم على الحرية المطلقة (١) وفق الفكر السياسي الغربي؛ حيث تتعدد قوى المعارضة وتأخذ اتجاهات شتى في ظل عدم وجود إطار يحصر هذه القوى، مما يضعف هذه القوى جميعاً؛ فلا يصير لها من أثر على واقع الحياة السياسية؛ فإذا أرادت التأثير فإنها تعمد إلى أن تكون كتلة واحدة (أو ما يسمى بالتكتل) حتى تستعين بعدد هذه الكتلة للوقوف أمام الحكومة فتعرقل قراراتها أو مشروعاتها أو تحبطها، وهنا يتحول الواقع السياسي إلى مشهد البحث عن تضخيم المكاسب والمغانم، وتقليل الخسائر والمغارم، فلم يعد المشهد مشهد الحفاظ على مصلحة الأمة، ويكون المشهد في ذلك أقرب إلى مشهد المعارك والحروب لا مشهد التعاون والتعاضد، وتظهر اتهامات بالفساد المتبادل بين الطرفين سواء بالحق أو بالباطل في إطار حملة كسب تأييد الرأي العام أو الشعبي إلى صفه. ثم إن المعارضة في تكتلها تضطر إلى التنازل عن شيء من خطتها في سبيل جمع الكلمة والالتقاء حول قاسم مشترك يُتفق عليه لمواجهة الحكومة؛ فقد تحولت فكرة مواجهة الحكومة إلى أصل يلتقي عليه الجميع، وهذا مما يبين كيف أن الأسماء تؤثر على الأفعال والتصرفات؛ فكون أن اسمها معارضة يجعلها تعمل وتتصرف على خلاف الحكومة حتى لا تفقد مسوِّغ وجودها أو تميزها عن الحكومة، حتى وإن كان ذلك في أمور ليست جوهرية. ثم إن المعارضة إذا قبلت بمبدأ التنازل عن بعض تصوراتها أو خططها من أجل التوحد في مواجهة الحكومة؛ أفلا يكون من الأجدى لها التنازل عن بعض تلك التصورات أمام الحكومة للوصول إلى قاسم مشترك فيه مصلحة الأمة؟ لكن إذا كان الهدف هو الوصول إلى السلطة فإن هذا الحل يصبح غير مناسب، وإذا قيل: لا، بل لأن الخلاف كبير ولا يمكن الوصول بشأنه إلى حل وسط، وأن ذلك التصرف يمثل خيانة لطموحات الشعوب وآمالها؛ فهذا يعني أن هذا النظام لا يصلح إلا عند وجود التباين الشديد والتنافر العظيم بين مكوناته وأجزائه. الحجة والمرجعية: الحسبة تنطلق من نظام سياسي يعتمد الشريعة حجة ومرجعاً يُرجَع إليه، ومن ثَم فما وافق الشريعة فهو حق وصواب، وما خالفها فهو خطأ وباطل، بغض النظر عن أعداد القائلين في كل حالة. ويمكن الاعتراض على القرارات والتشريعات ولو كانت متعلقة بالأمور الدنيوية إذا كان فيها ما يخالف الشريعة، أو كان يترتب عليها عَنَتٌ ومشقة على الرعية بغير مسوِّغ، حتى لو أقرت ذلك السلطة الحاكمة، ويمكن الاعتراض على ذلك في حالة عدم استجابة الحكومة أمام المحكمة، ويصير حكم المحكمة ملزماً للأطراف كلها؛ فالإلزام إنما يكون بالشريعة؛ وفي هذا محافظة كبيرة على مكانة أفراد الأمة والاعتراف بكرامتهم. وأما المعارضة فإن الحجة فيها راجعة للأغلبية فلا يمكن وصف رأي أو تَصوُّر بالبطلان ـ حتى لو كان خطأ تماماً ـ إذا حاز على الأغلبية ووافقت عليه الأكثرية؛ إذ لا معنى للصواب عندهم إلا أن يكون ذلك مُوافَقاً عليه من الأغلبية، وحينئذ يمتنع الاعتراض عليه أمام المحاكم، ويصبح نافذ العمل بمجرد إقراره، وتكون في النهاية الأغلبية هي المتحكمة في مصائر الأمة، حتى لو كانت أغلبية صورية أو كانت أغلبية جاهلة أو فاسدة. الاستمرارية في العمل: الحسبة وجودها ونشاطها غير مرتبط أو متوقف على الاعتراض على تصرفات الحكومة، بل هي تعمل مع الحكومة في الاتجاه نفسه، وتشارك عن طريق العمل الإيجابي مع الحكومة في تحقيق أهداف المجتمع؛ ولذلك فإن الحسبة تظل مزدهرة في حالة استقامة الراعي وفي حالة اعوجاجه، ولذلك قال أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ فيما نقلناه عنه سابقاً: «راعوني؛ فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني!» (١) ؛ فالحسبة تعمل وتنشط في كِلا الحالين مما يعني استمرارية عملها في المجتمع في كل أحيانه؛ فعن أبي قلابة: «أن رجلاً من حمص يقال له كريب بن سيف ـ أو سيف بن كريب ـ جاء إلى عثمان، فقال: ما جاء بك؟ أبإذن جئتَ أم عاصٍ؟ قال: بل نصيحة أمير المؤمنين، قال: وما نصيحتك؟ قال: لا تكل المؤمن إلى إيمانه حتى تعطيه من المال ما يصلحه ـ أو قال ما يعيِّشه ـ ولا تكل ذا الأمانة إلى أمانته حتى تطالعه في عملك، ولا ترسل السقيم إلى البريء ليبريه؛ فإن الله يبرئ السقيم، وقد يُسقِم السقيمُ البريء، قال: ما أردت إلا الخير. قال: فردهم، وهم زيد بن صوحان وأصحابه» (٢) ؛ فقد جاء المسلم من حمص في سوريا إلى المدينة النبوية يحتسب عند أمير المؤمنين في إسداء النصيحة. أما المعارضة فإنها قائمة على أساس التربُّص بتصرفات الحكومة ومخالفتها، وهي بمقتضى قيامها تعد نفسها البديل للحكومة؛ فهي لم تقم إلا لمعارضة الحكومة لا لمعاونتها، وأقصى ما يمكن أن تشارك به هو تقديم وجهة نظر فيما يراد عمله أو إقراره من قِبَل الحكومة بهدف إظهار تفردها وتميزها على الحكومة وأحقيتها في أن تحل محلها؛ وهذا يعني أنه عند استقامة الحكومة أو عند وجود خلافات غير جوهرية فإن استمرارية المعارضة وفعاليتها تصل إلى أدنى درجاتها، وحتى تحافظ المعارضة على استمراريتها وفعاليتها وعدم غيابها عن حس المواطن العادي، فإنها إما أن تفتعل الاختلاف مع الحكومة افتعالاً، وإما أن تضخم الخلاف الموجود. الحسبة ضمان وأمان: قد ترفض السلطة في كثير من بلاد المسلين أي نوع من أنواع المتابعة والمراقبة لسياستها تصوراً منها أن ذلك يقدح في هيبتها أو أحقيتها بالولاية، ومن ثم ترفض الاقتراحات المقدمة والمشاركة في حل المعضلات أو المشكلات، وهذا فضلاً عن مخالفته للأحكام الشرعية فإن فيه محاذير أخرى نذكر منها: حرمان الأمة والمجتمع من كفاءات العديد من خيرة أبنائه الذين ينأَوْن بأنفسهم عن الدخول في هذه المواقف الحرجة، كما يحرم الأمة من مشاركتهم لها وقت الأزمات، وفي المواقف الحرجة التي تحتاج إلى جهدهم وفكرهم، فتقف وحيدة من غير معاونة في وقت هي أحوج ما تكون فيه إليهم. وبينما هناك فريق ينأى بنفسه فإن هناك الفريق المقابل الذي قد يلجأ إلى خيارات يترتب عليها نشوء أفكار مشوهة أو غير صحيحة، ومواقف غير رشيدة لا تجني الأمة من ورائها إلا الشوك، وقد ينقلب الأمر عند فئة ثالثة إلى المداهنة والنفاق وإظهار الرضا والموافقة على كل تصرفات الحكومة. وخطورة هذا المسلك على مجموع الأمة معروف لا ينكر، فلا يُظهر الحق ولا يُخمد الباطل إلا ما وافقت عليه السلطة، وهو ما يعني في النهاية اختزال الأمة كلها في الحكومة، بينما الأصل أن الحكومة إنما وجدت لمصلحة الأمة، كما يترتب على منع الحسبة إضعاف التفاعل بين الدولة والأمة، حتى يتصرف كثير من الناس بنفسية الأجير لا بنفسية صاحب الدار، ويترتب على ذلك تعرض الأمة للغزو الفكري والقبول بأشكال الفكر السياسي الغربي الوافد بأشكاله ومشكلاته. وفي ظل التقدم التقني الهائل في وسائل الاتصالات صارت المعلومات والأخبار بمنزلة الكلأ المباح يَرِدُه كل من احتاج إليه، وأصبح التحكم في ذلك صعباً للغاية، ولم يعد بوسع الدول أن ترد عادية هذا الأمر إلا بحكم الشعوب بشريعة الله التي تضمن التَّواؤُم بين الجميع والعمل الجاد العام لصالح الجميع.

стр. 5363

النصر بين أيدينا د. عبد الله بن عبد العزيز اليحيى الأمة الإسلامية كانت ـ ولا زالت ـ مرشحة لتكون قوة فاعلة ومؤثرة مع بداية القرن الخامس عشر الهجري ـ الحادي والعشرين الميلادي ـ صرح بذلك أفذاذ من الباحثين في الشرق والغرب، خاصة قبل سقوط الشيوعية وأثناءه، ولا يزال الترشيح يحتل مساحات كبيرة في الكثير من الدراسات الاستشرافية رغم الواقع المرير للمسلمين في الداخل، ومن الخارج، إلا أن النظرة التفاؤلية تتمركز ـ أولاً ـ حول الإسلام وخصائصه، متخذة عدة أسباب، يمكن إجمال أهمها بالنقاط الثلاث التالية: ١ - الجانب العقدي في الإسلام: حيث إنه دين الله ومحور التوحيد، وآخر الرسالات السماوية، وهو للعالم أجمع، إضافة إلى ما فيه من معالم تحفظ أسس الفطرة الإنسانية، وتنظم كل الغرائز البشرية، وتلتقي مع العلم وترتب الحياتين ـ الأولى والآخرة ـ للفرد والمجتمع والأمة، وتترافق مع كل خطوات المسلم، في عباداته وعمله ونومه وضحكه، وحديثه ومشاعره ونياته، محققة للإنسان مطالبه بميزان تعادلي، لا يطغى موضوع على آخر، سواء أكان ذلك المسلم في الصحراء داخل خيمته وأمام إبله، أم في جزء صغير من ناطحة سحاب في طوكيو بين يديه (ريموت) يدير به منزله، أو ينظر من خلاله إلى العالم من الزاوية التي يريدها، فالمسلم ـ فقط ـ هو الذي يعرف مكانه الحقيقي في هذا الكون، ورسالته، وأهدافه، ووسائله، ومن أين جاء؟ وماذا يريد؟ وإلى أين يتجه؟ ٢ - الجانب الأخلاقي: المرتبط بالعقيدة والعبادة، المنطلق من علاقة المسلم بربه ونبيه وكتابه، لتمتد إلى أحواله مع نفسه ووالديه وأولاده وأقاربه وجيرانه، فتصل إلى غير المسلمين، وتشمل الأبيض والأسود، والحيوانات والنباتات والجمادات، على شكل بناء هندسي متناسب، ودوائر جميلة دفعت من لم يسلم من العقلاء ـ في كثير من زوايا الأرض ـ إلى الإعجاب بالإسلام وتقديم شهادات التقدير له. إن المسلم الملتزم يقدم في كل لحظة صوراً هنا وهناك عن الروح السامية في دينه، مع إمكانات هائلة على التكيف مع الشعوب الأخرى، ومرونة رائعة أخاذة لا تصل إلى الثوابت، وتتفاعل مع ثقافات الآخرين، وتقتطف المفيد منها، ثم لا تسيء لما بقي منها بعد ذلك. أخلاق إسلامية لم تُسبق فيما مضى، ولن تُلحق في هذا العصر رغم وجود منظمات حقوق الإنسان المتعددة والمتنوعة، والتي لم تصل إلى حقوق الجنين، وتسمية المولود، ومعنى مسح رأس اليتيم، ومراعاة المسنين ورعايتهم، وأهمية ربط الأخلاق بالعبادة، أو كون المكافأة «الجنة» . ٣ - الجانب التعبدي في الإسلام: وإن كانت محاوره الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج؛ فقد تجاوزها لتشمل أعماقاً وزوايا في الحياة والإنسان، فيصبح المسلم الملتزم وقد تشابكت معالم التوحيد مع قضايا الوجود ـ بعد تفعيل العبادة ـ في عقله وقلبه، لتثمر الإنسان المتماسك أمام أتراح الدنيا وأفراحها، الباذل في الرخاء والشدة، المطمئن في الليل والنهار، الساعي في مناكب الأرض من أجل نفسه والآخرين، الشاكر المستغفر الصابر العامل. هذه الجوانب الثلاثة كونت مضادات حيوية قوية مستمرة، ضد أي هجمة، وصاغت للأمة الإسلامية خصائص تظهر واضحة جلية أمام المحن، ومنها: أ - أن الأمة الإسلامية ـ في مجملها ـ لم تهزم أو تساوم أو تتنازل عن هويتها الدينية عبر التاريخ، وأثناء المحن، بل يكبر إيمانها بإسلامها وتمسكها به حينما يتكالب عليها الأعداء؛ فالهوية تشكل الذات بالنسبة للفرد، والمجتمعات، والشعوب، والأمم، وتمثل الثقافات، للحضارات، والمدنيات، وأي اعتداء عليها فإنما هو إساءة لحقوق الإنسان. أما إلغاؤها ـ وهو الأخطر ـ فسيؤدي إلى الفصل بينه وبين مقومات وجوده المعنوية المتمثلة بالدين والتقاليد واللغة حتى تصل إلى السلوك والأكل والملابس؛ ولذا نلمس تجذر المسلم الحقيقي في إسلامه، وثقته به، وممارسته له، والدعوة إليه والدفاع عنه، وتقديم دينه على نفسه وماله وأحب الناس إليه. والمسلمون ـ في بداية مسيرتهم ـ انتصروا على القوى الكبرى (الروم والفرس) رغم التباين الكبير في العدد والعدة بينهم وبين تلك القوى، ولم يقعوا في أحابيل الفلسفة اليونانية رغم ترجمتهم لها، ولم يتحطموا أمام التيار، وتجاوزوا الحروب الصليبية، ولم يؤثر فيهم كيد تحالف الصهيونية اليهودية مع الصهيونية المسيحية في هذا العصر، ولن يحققا أول أهدافهما وهو ضم العالم الإسلامي إلى هوامش منظومة ما يسمى بـ (الحضارة الغربية) وفرض النمط الغربي عليه بوسائل جديدة ومتنوعة، وهذا ما يلمسه المتابع من ممانعة ومقاومة في ميادين مختلفة، وقضايا متنوعة، ومن انكشاف زيف القوى الكبرى، وسقوط شعاراتها، وظهور شرائح منها تحذر من الهزيمة أو تعلنها. ب ـ أنها أمة تتجدد في كل عصر، مع احتفاظها بثوابتها، بل إنها تغذي صحوتها من نبع عقيدتها السمحاء، وكأنها ولدت في هذا المكان لهذا العصر، ولذا نجد هنا وهناك ـ رغم الجور ـ الوعيَ بالذات على مستوى العلماء والمفكرين، وتديناً فعالاً على مستوى الأمة، وتمدداً طليعياً للإسلام في أنحاء العالم، وخاصة في أوروبا وأمريكا وكأنها تمثل القوة الناعمة المنتصرة على خشونة خصومها، دون أن يدعم هذ التمدد ضغوط سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، وأصبح المراقب ـ هناك ـ يتساءل: ما هذه القوة الخفية؟ والقدرة على الحركة؟ والممانعة من الوقوع في المغريات الغربية، والتمرد على الضعف المادي؟ ج ـ أنها لا تنظر إلى خصومها على اختلاف درجاتهم ومشاربهم بمقاييس مادية فقط، ولا تتساءل كم لديهم من طائرات، ودبابات، وبواخر؟ إن الجوانب المعنوية وما يغذيها من إيمان، والرؤيا الواضحة للكون وما بعده، والتوجه إلى الله رغم العوائق، هو مربط الفرس، ثم يأتي بعد ذلك ـ وأثناءه ـ استفراغ الجهد، وحمل همّ العمل، والأخذ بالأسباب. أما النصر فأمره إلى الله الحكيم العليم جل وعلا. هذه الخصائص الثلاث تفاعلت لتشكل خنادق وحصوناً تحمي هوية المسلم وتستعصي على الاختراق، أو الذوبان، أو التجزئة، في مجمل الأمة الإسلامية، مهما كانت قوة الهجوم، أو حجم التكاليف، أو عدد مساراته الخفية والمعلنة. والشيء اللافت للنظر أن ما تم بذله من أجل تحطيم أو تهميش هوية المسلمين أثمر ثلاث ثمار يانعة، لم تكن في الحسبان ولا تقدر بثمن، وهي: ١ ـ عودة المسلم إلى إسلامه، ودخول مسلمين جدد، وتقارب بين المسلمين، وإعادة ترتيب الأفكار الكلية والجزئية، ثم المؤسسات الإسلامية ـ إن شاء الله ـ بعد ذلك. ٢ ـ سقوط ورقة التوت الصغيرة والأخيرة عن سوءة دعاة الحرية، وذوبان ملامح التلميع والادعاء بأنهم حماة الحقوق، ودعاة الديمقراطية، وأهل التقدم والرقي والأخلاق، ومنطلق العلم والعقل والحق. ٣ ـ وقوف الأمة الإسلامية في خط الدفاع الأول عن أمم وشعوب متعددة يفترس (القطب الواحد) بعضها، ويسعى إلى الوصول إلى بعضها الثاني، هذه الوقفة المتميزة أنعشت آمال الضعفاء، وشتتت الخطط، وأعاقت العجلة، وأدخلت الكثير من علامات الاستفهام والتعجب في قلب العولمة، وظهرت معالم عالمية الإسلام أمام عولمة الغرب. ولا شك أن المسلمين يملكون إمكانيات كبيرة ومتنوعة، والمسلم لديه طاقات كثيرة، ولم يبق إلا أن يستشعر كل فرد من

стр. 5364

مبشرات في زمن الأزمات أم عبد الرحمن الزيد للفتن حِكمٌ ولو لم نعرف منها إلا واحدة لكفانا، وهي الابتلاء والامتحان. قال ـ جل وعلا ـ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: «اقتضت حكمته الباهرة أن يبتلي عباده ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب من أنواع الابتلاء والامتحان» ا. هـ (١) . ١ - فأول هذه المبشرات: حصول الأجر ووضع الوزر: وذلك إذا قُرن بالصبر والاحتساب. يقول أبو طالب المكي: اعلم أن الصبر سبب لدخول الجنة والنجاة من النار؛ لأنه جاء في الخبر: «حُفَّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (٢) . بل إن العبادة في وقت الفتن وعند غفلة الناس لها أجر مضاعف؛ فعن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العبادة في الهَرْج كهجرة إليَّ» (٣) . يقول النووي ﵀: «المراد بالهَرْج هنا الفتنة، واختلاط أمور الناس. وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد» ا. هـ (٤) . ٢ - وعد الله الصادق والخبر الجازم باستخلاف المؤمنين العاملين الصالحات، وتمكينهم الأرض، وإقامة العبودية لله وحده لا شريك له: قال ـ جل وعلا ـ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] . يقول ابن كثير ﵀: هذا وعد من الله ـ تعالى ـ لرسوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ «من الناس ﴿أَمْنًا﴾ وحكماً فيهم، وقد فعله ﵎ وله الحمد والمنة؛ فإنه ﷺ لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين واليمن وسائر الجزيرة العربية بكاملها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر والإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة. قال الربيع بن أنس عن أبي العالية: كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سراً وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة، فقدِموها، فأمرهم الله بالقتال؛ فكانوا بها خائفين يُمسون في السلاح ويُصبحون بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلاً من الصحابة قال: يا رسول الله! أبد الدّهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ : «لن تغبروا إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيه حديدة، فأنزل الله هذه الآية» ا. هـ (١) . ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: «فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية وهي لم تشهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها والتمكين من إقامة الدين الإسلامي والأمن التام؛ بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً ولا يخافون أحداً إلا الله، فقام صدر هذه الأمة من الإيمان والعمل الصالح بما يفوق على غيرهم؛ فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام؛ فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة. ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة مهما قالوا بالإيمان والعمل الصالح؛ فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط الله عليهم الكفار والمنافقين ويديلهم في بعض الأحيان بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح» (٢) . وقال أحد السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس. ٣ - أن الله أقسم بعزته على نُصرة المظلوم: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول: وعزتي لأنصرنَّكِ ولو بعد حين» (٣) . ويقول ـ جل وعلا ـ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] . يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: «ولا يظن الذين كفروا بربهم ونابذوا دينه وحاربوا رسوله أنَّ تَرْكَنا إياهم في هذه الدنيا وعدم استئصالنا لهم وإملاءنا لهم خير لأنفسهم ومحبة منَّا؛ كلاَّ! ليس الأمر كما يزعمون، وإنما ذلك لشرٍ يريده الله بهم وزيادة في عذاب وعقوبة إلى عذابهم، ولهذا قال: ﴿إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ؛ فالله - تعالى - يملي للظالم حتى يزداد طغيانه ويترادف كفرانه، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. فليحذر الظالمون من الإمهال ولا يظنوا أن يفوتوا الكبير المتعال» ا. هـ (٤) . وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] » (٥) . وهذا رسول الله ﷺ يعلم أن مع الكرب فرجاً، ومع الشدة يسراً، ويثبت أمام أقوال الظالمين؛ فمنهم من يقول: ألم يجد الله غيرك رسولاً يرسله؟ ويقول آخر: لو رأيتك متلعقاً بأستارالكعبة ما صدقتك. فيصبر ويحتسب حتى يظهر الله دينه، وينصره على الظالمين. ٤ - تكفل الله بحفظ الدين وإظهاره على سائر الأديان: يقول ـ جلت قدرته ـ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] . يقول ابن كثير ﵀: الهدى هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح، والعلم النافع، ودين الحق هو الأعمال الصالحة الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ : أي على سائر الأديان؛ كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أمتي ما زوي لي منها» (٦) . وروى الإمام أحمد عن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله هذا الدين يُعزُّ عزيزاً ويذلُّ ذليلاً، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر» ، فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي: لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافراً منهم الذل والصغار والجزية» ا. هـ (٧) . ٥ - المحاسبة الدقيقة للنفس المؤمنة (٨) : والوقوف على المنح الربانية والعطايا الرحمانية من هذه الفتن: ذلك أنه يكون من جملة أسباب هذه الفتنة ذنب أو تقصير أو غشيان معصية أو إخلال في العقيدة والثقة بالله؛ والتوبة ومراجعة النفس وسيلة لدراسة الحاضر واستهشراف المستقبل؛ فالمتأمل في غزوة أحد وفي ذنبٍ واحدٍ وهو نزول الرماة؛ وذلك بعد أن ظنوا أن المعركة انتهت؛ فماذا حصل؟ لقد وقع فيهم سبعون شهيداً، ومُثِّلَ بهم أقبح تمثيل. لقد شُج رأس النبي الكريم ﷺ وكسرت رباعيته وهشموا البيضة على رأسه، وهي الخوذة التي يضعها الفارس على رأسه. قال ـ جل وعلا ـ: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] . يقول ابن كثير ﵀: أي بسبب رسول الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا مكانكم فعصيتم. ويعني بذلك الرماة» (١) . ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: «حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون؛ فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية؛ فإياكم وسوء الظن بالله؛ فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم» (٢) . ويقول أبو ذر ﵁: ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه. ومن صور محاسبة النفس تقوية عقيدة الولاء والبراء وإثباتها في النفس؛ وذلك باستمرار المقاطعة الجادة للمنتجات اليهودية والنصرانية. يقول الدكتور محمد بن عبد الله الشباني: في مقال (واجبنا زمن الانهزام) : «وبهذه المقاطعة يتحقق أمران: الأول: تشجيع منتجات البلاد الإسلامية وتقوية اقتصادياتها. الثاني: محاربة العدو اقتصادياً بالامتناع عن شراء السلع المنتجة في تلك البلاد، ومحاربة كل تاجر مسلم يستورد السلع الاستهلاكية من بلاد أعداء المسلمين، وعلى كل فرد رفع شعار (قاطعوا الأعداء) بالامتناع عن شراء أي سلعة منتجة وموردة من بلاد النصارى وبالأخص الدول التي تتولى قيادة دول النصارى (٣) . ٦ - وبالجملة فإن للفتن خيرات وفي المحن عطايا ومبشرات ومنافع ومسرات نذكر منها إجمالاً: ١ - دفاع الله عن الذين آمنوا: يقول ـ جل وعلا ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] . يقول ابن كثير ﵀: يخبر - تعالى - إنه يدفع عن الذين توكلوا عليه، وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم كما قال ـ تعالى ـ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] (٤) . ويقول الشيخ السعدي ﵀: «هذا إخبار ووعد وبشارة من الله للذين آمنوا أن الله يدفع عنهم كل مكروه، ويدفع عنهم بسبب إيمانهم كل شر من شرور الكفار وشرور وسوسة الشيطان وشرور أنفسهم وسيئات أعمالهم، ويحمل عنهم عند نزول المكاره ما لا يتحملون، فيخفف عنهم غاية التخفيف كل بحسب إيمانه له من هذه المدافعة والفضيلة بحسب إيمانه، فمستقلٌّ ومستكثر» (٥) . ٢ - صلابة الإيمان وقوته وقت المحن والأزمات: يقول ابن القيم ﵀: «ليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبادات صورةً ويتجنب المحظورات فحسب؛ إنما المؤمن هو الكامل الإيمان لا يختلج في قلبه اعتراض، ولا يساكن نفسه فيما يجري وسوسة؛ وكلما اشتد البلاء عليه زاد إيمانه وقوي تسليمه» . ٣ - إبراز الشخص بصورة أقوى لمقابلة الأزمات والشدائد: يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي: «ومثل الابتلاء كقشر البيضة سجن لما فيها تحفظ ما بداخلها حتى يتشكل ويخرج بعد ذلك خلقاً آخر؛ وكذلك المبتلى يكون ابتلاؤه سجناً له، ويتشكل وهو فيه حتى يخرج من الابتلاء وهو خلق آخر» . ٤ - ما ذكره الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله في مقال: (القضية البوسنية دروس وعبر) : أولاً: رجوع الناس في تلك البلاد إلى الإسلام؛ حيث برز منهم من يفهمه فهماً صحيحاً بعد أن كان إسلاماًِ صورياً بالهوية فقط وما نتج عن ذلك من التمايز عن الكفار بعد أن كانوا في حالة من الانصهار والذوبان معهم دون علم بحقيقة الإسلام، وحقيقة الكفر. ثانياً: أظهرت هذه الأحداث طرفاً من خيرية هذه الأمة، وأن الشعوب رغم ما دهاها في دينها فلا تزال فيها بقية من خير وحب للإسلام؛ وذلك فيما ظهر من التعاطف الشديد من المسلمين بعامة مع إخوانهم المنكوبين؛ حيث برزت أمثلة رائعة في البذل والتضحية والدعوة والجهاد من دعاة وخطباء ومجاهدين وأثرياء (٦) . - آخر المطاف: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمانٌ الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (٧) . يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: وهذا الحديث يقتضي خبراً وإرشاداً: أما الخبر فإنه ﷺ أخبر أنه في آخر الزمان يقلُّ الخير وأسبابه، ويكثر الشر وأسبابه، وأنه عند ذلك يكون المتمسك بالدين من الناس أقل القليل؛ وهذا القليل في حالة شدة ومشقة عظيمة كحالة القابض على الجمر؛ من قوة المعارضين وكثرة الفتن المضلة. أما الإرشاد فإنه إرشاد أمته أن يوطنوا أنفسهم على هذه الحالة، وأن يعرفوا أنه لا بد منها، وأن من اقتحم هذه العقبات وصبر على دينه وإيمانه مع المعارضات فله عند الله أعلى الدرجات، وسيعينه مولاه على ما يحبه ويرضاه؛ فإن المعونة على قدر المؤونة. ولكن مع ذلك فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، ولا ييأس من روح الله، ولا يكون نظره مقصوراً على الأسباب الظاهرة، بل يكون ملتفتاً في قلبه كل وقت إلى مسبب الأسباب الكريم الوهاب، ويكون الفرج بين عينيه ووعده الذي لا يخلفه بأنه سيجعل له بعد عسر يسراً، وأن الفرج مع الكرب، وأن تفريج الكربات مع شدة الكربات (٨) .

стр. 5365

ماتت غدير عبد الحميد سالم الجهني «غدير مخيمر، طفلة فلسطينية اخترقت صدرَها رصاصةٌ وهي على كرسي الدراسة .. بقيت يوماً في المستشفى ثم.. ثم.. ماتت غدير.. ماتت غدير» ماتت غديرْ ماتت غديرْ وتناثرتْ أشلاؤها وترددت أصداؤها: أين النصيرْ؟ وترنَّحت من ذلك الكرسي فاهتزَّ الحضورْ كانت غديرُ حمامةً بيضاءَ تختصر العصورْ كانت غدير رسالةً للحب كالنبع الغزيرْ كانت هنالك روْضةً للدرس.. تحلم بالحياهْ كانت تود لو أنها أنشودةٌ لتسير.. في الوطن الكبيرْ وتقول: إني هاهنا.. لا زلت أحلم بالحياةِ وبالسرورْ لا زلت أحلم باللقا.. لا زلت أحلم بالكثيرْ وأن تطوِّق فرحتي.. الأمل الكسيرْ وأعود للعش الصغيرِ ... وللحصيرْ ألقى أبي تحت الشُجيرة واقفاً ليقول لي: أهلاً وسهلاً يا غديرْ ماذا أخذتِ اليوم من درسٍ فإنَّ العلم نورْ أماه! جئتُ إليكما ولقد حملتُ لكم معاً درسي الأخيرْ هذي رصاصة فاجرٍ قد جاورتْ حُزني ومزقت الستورْ أماه! لا تخشَيْ فقد غَطَّتْ دمائي ذلك الجسد الأسيرْ أماه! هذا الدرس ليس لكم فقط يا مسلمون! أنا هنا.. هل تعلمون بقصتي؟ يا ويحكم.. حتى متى تستنكرون وتشجبون.. تنددون؟ فليهنأِ المتآمرون! فليهنأِ المتآمرون!

стр. 5366

دموع على أسوار قبرص د. حمدي شعيب «لما فُتِحَت قبرص، فُرِّقَ بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيتُ أبا الدرداء جالساً وحده يبكي. فقلت: يا أبا الدرداء ما يُبكيك في يومٍ أعزَ اللهُ فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جُبَيْر! ما أهونَ الخلق على اللهِ إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمةٌ قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمرَ اللهِ فصاروا إلى ما ترى» (١) . حادثة غريبة رواها عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن والده ﵄، وهو يستغرب موقف أبي الدرداء ﵁ الباكي الوحيد، ويستغرب تفاعل مشاعره المناقضة لمعظم مشاعر من حضروا فتح قبرص. وهو الموقف الذي يذكرنا بموقف مؤمن آل فرعون، عندما وقف وحده، لينصح قومه المعرضين عن رسالة موسى ﵇ إليهم، لعلهم يفيقون ولا يغترون وينخدعون بحاضر ينذر بمستقبلٍ مغاير: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩] . ثم كانت فراسته التي تدل على عمق دراسته للتاريخ البشري؛ إذا تأملنا تحذيره: ﴿يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر: ٣٠] . وهو نفس شعور وتخوُّف خبير الفتن حذيفة ﵁ عندما خالف غيره؛ ووقف وحده، ولم يسأل عن الخير؛ بل سأل ﷺ عن أسباب الشر والفتن مخافة تداول الأيام، فتدركه وتهدد أمته. عن أَبي إِدْرِيس الْخَوْلَانِي أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَال: َ نَعَمْ! قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ! وَفِيهِ دَخَنٌ. قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ. قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ! دُعَاةٌ إلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا! فَقَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا. قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإمَامَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» (٢) . ولا تستغرب رهبة حذيفة ـ رضوان الله عليه ـ وقلقه من خطر تداول الأيام! إذا تدبرت ذلك التحذير من خطر المداولة؛ والذي جاء في سياق خطاب معلمه ﷺ ، وهو يحاور مندوب قريش؛ عتبة بن ربيعة، أثناء الجلسة التفاوضية، فأنذرهم: ﴿فَإنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] . وهي كذلك؛ رؤية الرجل المؤمن في حواره مع صاحبه الكافر؛ وتدبر أهم وأبرز مفردات خطابه الديني الهادئ الراقي: ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ إن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٩ - ٤٢] . ولقد ارتكزت أهم نقطتين في هذا الخطاب الديني الرائد على قاعدة فقه الرجل المؤمن لسننه ـ سبحانه ـ الإلهية: فالنقطة الأولى: تبين فقهه لسنة الله في بطر النعمة وتغييرها، أو قانون النعم وتغييرها، أو الرؤية الإسلامية للتعامل مع النعم: لقد «أرشد الرجل المؤمن صاحبه الكافر، وهو يحاوره إلى التصرف اللائق الصحيح، الذي يشكر فيه ربه، ويعمل على دوام نعمة الله عليه. وطالبه بأن يلجأ إلى الله، وأن يعلِّق الأمر على مشيئته، ويجعله مرهوناً بقدرته، وأن يستمد قوته من قوة الله سبحانه» (١) . وهي رؤية خطاب التيار الإسلامي نفسها، في كل عصر؛ الذي يعبر عن رؤية أمة، اكتسبت خيريتها من الخروج إلى الناس، كل الناس، لتقودهم إلى خَيْرَي الدنيا والآخرة،؛ أمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، منطلقة من قاعدتها الإيمانية، ولتكون شهيدة عليهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . النقطة الثانية: تبين فقهه للسنن الإلهية في الذنوب؛ والظلم، والطغاة، والابتلاء؛ وهي القوانين الربانية التي من ثمار فقهها ومعرفتها؛ الرؤية العميقة لقراءة مصير الأمم والجماعات والمؤسسات والأفراد. وتدبر كيف ختم الرجل المؤمن حواره الهادئ، محذراً صاحبه من الخطر القادم من قِبَلِهِ سبحانه؛ ذلك الخطر الذي يأتي دوماً نتيجة لمقدمات معروفة، وحصاد لأسباب معلومة: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤٠ - ٤١] . هكذا ختم حواره، بنبره تحذير وإنذار، معلناً في ثقة: إن الله المعز المذل، قادر على أن يوكلك إلى سبب عزتك وبطرك وغرورك، ولن ينفعك عندما يرسل ما لم تحسب له حساباً؛ إن الله قادر على أن يهلك جنتيك ويدمرهما. فتوقع يا صاحبي صاعقة مدمرة، تدمر جنتيك، وتزيل ما فيهما، فتصبح كل واحدة منهما تراباً أملس أجرد. أو توقع أن يذهب النهر الذي بين الجنتين، وأن يغور في باطن الأرض بأمره سبحانه، ولن تستطيع أن تعيده! وهي نظرة مستقبلية استشرافية، لا يدَّعي فيها الرجل المؤمن علمه بالغيب، ولكنها مبنية على قراءة تاريخية ماضوية، واستقراءٍ لحاضر تشهد مسبباته بالمصير المستقبلي المتوقع. فلمسنا كم كانت دراية ووعي الرجل المؤمن، بكل شهود التاريخ البشري، وبكل سنن الله الإلهية في الأنفس أي في عالم الأحياء؛ وهي السنن الإلهية الاجتماعية، وفي الآفاق أي في عالم المادة؛ وهي السنن الإلهية الكونية. وتوقع لصاحبه الكافر مصيراً، يفسره ويدركه كل من فقه السنن الإلهية المختلفة؛ والتي تعين على قراءة المستقبل من خلال استقراء الحاضر. - فراسة يصنعها فقه حضاري: ولو تدبرنا المواقف الراقية لهؤلاء الرواد العظام؛ لوجدنا الكثير من الملامح التربوية الطيبة: ١ - قليلٌ هم أولئك الذين يفكرون عكس التيار؛ فيقرؤون المستقبل المغاير للحاضر، فيكون تفاعلهم مع الأحداث مختلفاً عن غيرهم. ٢ - قليلٌ هم كذلك الذين يفقهون سننه سبحانه الإلهية؛ لأن هذا الفقه يهبه الله لمن يستجيب لندائه ـ سبحانه ـ: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [غافر: ٢١] . أي يقرؤون التاريخ فيتدبرون عوامل سقوط ونهوض الحضارات والأمم والمؤسسات بل الأفراد. وعندما نقول إنهم فقهوا السنن الإلهية، فإننا نقصد أنهم عرفوا القوانين الربانية، والقواعد الإلهية الثابتة، وهي التي تؤدي إلى نتائج معينة، لوجود أسباب بشرية وزمانية ومكانية معينة، انطبقت عليها هذه القوانين الإلهية فكان الجزاء أو النتيجة من جنس السبب أو العمل. وهذه السنن الإلهية تتميز بسمات ثلاث هي: العموم، والثبات، والاطراد أي التكرار إن وجدت الظروف البشرية والمكانية والزمانية. ونذكر أن السنن الإلهية هي: أولاً: سنن إلهية كونية تنظم عالم المادة في الآفاق. ثانياً: سنن إلهية اجتماعية تنظم عالم الأحياء أو الأنفس خاصة البشر. والقسم الثاني هو الذي يهمنا؛ وهو ما يعرف بالفقه الحضاري. وهو الفقه الذي يستمد مادته من قراءة التاريخ، ومن التدبر في القصص القرآني. فكل حدث تاريخي أو بشري فردي أم جماعي، إنما له أسباب أوجدته. وهذه الأسباب أوجدت خللاً. وهذا الخلل أوجب العقاب الإلهي، أو الجزاء. وهذا العقاب أو الجزاء تحكمه قوانين؛ تُعرف بالسنن الإلهية الاجتماعية. والمعادلة أو القانون أو سلسلة تتابع هذه السنة الإلهية هي كما يلي: (أسباب تعود إلى العبد، خلل تربوي، عقاب إلهي على هيئة جزاء من جنس العمل) . ٣ - ومن هذه السنن الإلهية الاجتماعية التي فقهها هؤلاء الرواد (سنة الله في الأسباب والمسببات؛ أو قانون السببية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] . ومنها سنة الله في الفتنة، أو قانون الابتلاء: ﴿إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧] . ومنها سنة الله في الظلم والظالمين، أو قانون الظلم: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [يونس: ١٣] . ومنها سنة الله في الطغيان والطغاة، أو قانون الطغاة: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١١ - ١٤] . ومنها سنة الله في بطر النعمة وتغييرها؛ أو قانون النعم وتغييرها: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] . ومنها سنة الله في الذنوب والسيئات؛ أو قانون الذنوب والسيئات: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٢] . ومنها سنة الله في الاستدراج؛ أو قانون الاستدراج: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥] (١) . ومنها أيضاً: سنة المدافعة أو قانون التدافع الحضاري: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] . وهو القانون الإلهي أو السنة الإلهية التي تفرز الأصوب والأبقى والأصلح في كل شيء؛ سواء كانت أفكاراً أو آراء أو أفراداً أو أمماً، فإذا توقفت تلك العملية التدافعية الحضارية المختلفة الصور لكان الفساد؛ وهذا من فضله ـ سبحانه ـ من أجل ديمومة واستمرارية العملية الاستخلافية الإعمارية في الأرض. ومنها سنة المداولة أو قانون التداول الحضاري: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . وكذلك سنة أو قانون الاستبدال: ﴿وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . ٤ - الفراسة الإيمانية إنما تستمد من واقع الخبرة، والدراسة العميقة للفقه الحضاري. وهؤلاء الرواد كانت لهم خبرة ودراية بعوامل السقوط والنهوض والتداول؛ فلم يغرهم الحاضر، وقرؤوا الأسباب الحاضرة المؤدية للمستقبل المغاير؛ فأنذروا قومهم لعلهم يحذرون أو يرجعون. وتدبر هذا البكاء المر والعجيب لأبي الدرداء ﵁! وتذكر خوف ورهبة حذيفة رضوان الله عليه! وتذكر، أيضاً، عرضه ﷺ ، لصفحات معينة من ملفات عاد وثمود التاريخية! وتأمل أيضاً فقرة الختام في حوار الرجل المؤمن، وهو يرسم صورة دقيقة لمصير الرجل الكافر، والتي صدَّقتها حوادث القصة بعدها، ولهذا تعتبر أخطر ركائز الخطاب الديني، في كل عصر، بل وتُعتبر حجر الزاوية. تلك الركيزة التي تفسر لنا أن من بعض أسرار وأسباب وصف المؤمن بالفراسة، وأنه يرى بنور الله سبحانه؛ ذلك لأنه يفقه سننه ـ سبحانه ـ الإلهية؛ ومن خلال هذا الفقه فإنه يستطيع أن يمتلك الرؤية المستقبلية الاستشرافية؛ وذلك باستقراء حوادث الماضي، ومن خلال فقه الواقع والأسباب الحاضرة. ٥ - المؤمن، والمؤمن وحده؛ يحتكر (ظاهرة الأنس الكوني) ؛ وهي سمة التناسق والتوافق والتعاون والأنس مع الوجود. ويستشعر جنديته، وجندية جميع الخلائق، بل الوجود كله للخالق سبحانه. ويشعر المؤمن أنه والوجود، والوجود كله عبارة عن ستار لقدر الله؛ يتم بهم على الأرض قدر الله وحركة السنن الإلهية، وأنه كأحد الخلائق التي يجري بهم الخالق سبحانه سننه وأقداره، وبحركتهم تتم العملية التغييرية. وتدبر كيف أن الرجل المؤمن، قد أخبر صاحبه أن السماء وكذلك الأرض، ستشاركان في عملية التغيير والهدم لملكه! وتأمل كلماته ﷺ ، وهو يستقرئ المستقبل والمصير؛ عندما يتم قدر الله بقوم عاد ثمود المارقين عن لحن الوجود المؤمن، على يد الصواعق؛ وكأنها جند رباني تنفذِّ سننه سبحانه. أما غيرُ المؤمن؛ فإنه يتعامى عن هذه الرؤية؛ لأنه ينتسب إلى تيارٍ، قد وصفه ـ سبحانه ـ بعدم الفقه؛ أي بعدم فقه سننه ـ سبحانه ـ في الكون والحياة: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] . - شهداء على عصرهم وأممهم: ولو حاولنا ربط مواقف هؤلاء الرواد؛ لوجدنا سمات عامة تجمع خطابهم، سواء من الجانب التربوي أو الإداري؛ فمنها: ١ - الفراسة الإيمانية أو (الرؤية المستقبلية) . ٢ - الرؤية البصيرة المميزة للأشخاص والأشياء والأحداث (مهارة التحليل) . ٣ - القدرة على الحوار، وقوة الحجة والمنطق أو (مهارة التفاوض والاتصال) . ٤ - الثبات على المبدأ، أو (الشجاعة الأدبية) . ٥ - الدراية بالواقع وأخباره، أو (مهارة إدارة المعلومات) . ٦ - المبادرة، أو (الإيجابية) . ٧ - حب الخير، أو (نظرية اربح وربِّح، أي التوازن في العلاقات والإنجاز) . ٨ - الدراية بالتاريخ وأحداثه، أو (الفقه الحضاري) . ٩ - الرجولة، وتحمل تبعات الموقف، أو (القيادية) . وهذه السمات كلها تندرج تحت معنى شامل لها؛ وهي صفة الرائد الذي لا يكذب أهله. ونقصد بهذه السمات؛ أنها ركائز شخصية الشهيد؛ الذي يتحمل تبعات مقام الشهادة على الواقع وأحداثه وأشخاصه وأشيائه، كما تحدث عنها القرآن الكريم. ولقد صدق كل منهم في شهادته، وصدَّقه الحق سبحانه. لذا يمكننا اعتبار كل منهم شاهداً على عصره. وتأمل كيف ذكرت صفة (الشهيد) ، و (مقام الشهادة) في السياق القرآني؛ في موقف يوم القيامة عندما يبعث الحق ـ سبحانه ـ من كل أمة شهيداً عليها، وهو رسول كل أمة: ﴿فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . فإن المؤمن أيضاً من هذه الأمة القوّامة الراشدة، يستشعر أنه مُكرَّم من قِبَل الحق ـ سبحانه ـ بوضعه في المكانة الرائدة؛ بجعله من الشهداء على الناس: ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] . فالرسول ﷺ يشهد على هذه الأمة، ويحدد نهجها واتجاهها، ويقرر صوابها وخطأها، وهي تشهد على الناس بمثل هذا، فهي القوّامة على البشرية بعد نبيها؛ وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها، وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة. ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها العريق المتصل الوشائج، المختار من الله. ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي وطبقته في حياتها الواقعية؛ حتى إذا انحرفت عنه، وتخلت عن تكاليفه، ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل القافلة. وما تزال. ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له الله) (١) . ولهذا فإن حملة التيار الديني، يجب أن يستشعروا دورهم القيادي الريادي، وتبعاته الشاقة؛ لأنهم يمثلون الأمة التي جعلها الله من الشهداء على الناس؛ وذلك بشرط الالتزام بالمنهج والجهاد في سبيله. - المدمرات ... المغيّرات ... الساحقات ... الماحقات: وسنختزل قضية فقه السنن الإلهية، أو قضية الفقه الحضاري، من خلال المنظور التربوي، إلى قضية هذه الدراسة المتواضعة؛ وهي فقه سنة الله في الذنوب والسيئات، أو قانون الذنوب والسيئات: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٢] . حتى نتبين آثار الذنوب والسيئات على الفرد والمؤسسات والجماعات والأمم. وقد تكون المحصلة النهائية واحدة، وهي التغيير والتدمير سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وسنخلص إلى حقيقة ثابتة؛ هي: أن الذنوب مغيِّرات للنعم والخيرات، مدمرات للفرد والمجتمعات، ساحقات للحضارات، وماحقات للبركات، سوس الحضارات. أما على المستوى الجماعي، أي على مستوى الجماعات والمؤسسات والأمم؛ فإن الذنوب ما هي إلا قوارض أو سوس ينخر في عظام الحضارات، حتى يسقطها. ويؤيد ذلك الكثير من الشواهد القرآنية والنبوية والتاريخية والواقعية. والشواهد القرآنية؛ تعلمنا الخطوات المنهجية لدراسة الفقه الحضاري: ١ - وتبدأ الخطوة الأولى: فيأمرنا ـ سبحانه ـ بقراءة التاريخ البشري، والتدبر العميق في ناموسية التغيير الحضاري: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] . ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] . ٢ - ويقرر ـ سبحانه ـ أن الذنوب والمعاصي هي سبب عملية التغيير الحضاري: « ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١] ، يقول - تعالى -: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا﴾ هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد ﴿فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي من الأمم المكذبة بالأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ما حل بهم من العذاب والنكال مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة ﴿وَآثَارًا فِي الأَرْضِ﴾ أي أثروا في الأرض من البنايات والمعالم والديارات ما لا يقدر هؤلاء عليه كما قال : ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] أي مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أخذهم الله بذنوبهم وهي كفرهم برسلهم ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ أي وما دفع عنهم عذاب الله أحد ولا رده، عنهم راد ولا وقاهم واق، ثم ذكر علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها» (١) . ٣ - ويخبرنا ـ سبحانه ـ أن الكوارث والزلازل، إنما تأتي نتيجة لِمَا اقترفته أيدي البشر، لعلهم يدركون هذه السنة الإلهية الاجتماعية؛ وهي سنة الله في الذنوب والسيئات؛ أو قانون الذنوب والسيئات، فيرجعون ويتوبون: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] . ٤ - ثم يبين الحق ـ سبحانه ـ كيف تتم عملية التغيير والتبديل الحضاري، وكيف تعمل ناموسية التاريخ في الأمم؟! وتدبر كيف تحدث عملية التسوس الحضاري، وكيف تهلك الذنوب أصحابها؟! وتأمل أيضاً؛ كيف تعمل السنن الإلهية الثابتة العامة والمتكررة؟! ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] . ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ ، أي من الأموال والأولاد والأعمار والجاه العريض والسعة والجنود؛ ولهذا قال: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ أي شيئاً بعد شيء ﴿وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ أي كثَّرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض أي استدراجاً وإملاءً لهم ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها ﴿وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي فذهب الأولون كأمسٍ الذاهب وجعلناهم أحاديث ﴿وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي جيلاً آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم فأُهلكوا كإهلاكهم؛ فاحذروا أيها المخاطَبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم؛ فما أنتم بأعز على الله منهم» (٢) . وهكذا تسير سلسلة التغيير: قانون الابتلاء، نعم ربانية، بطر إنساني، قانون السببية، قانون النعم، قانون الاستدراج، قانون الذنوب والسيئات + قانون الظلم + قانون الطغاة + قانون الاستبدال + قانون التداول الحضاري، قانون التدافع الحضاري. - الأَكَلَة: أما على المستوى الفردي؛ فإن الذنوب تسبب خللاً في توازن التركيبة الثلاثية للإنسان التي هي: البدن، والعقل، والروح. وتبدأ الذنوب عملها في الجانب الروحي، فتؤدي إلى حدوث تصدعات روحية وشروخ نفسية. وهذه التصدعات والشروخ قسمان: القسم الأول: التصدعات الظاهرة: وهي الآثار المعلومة، وهي كثيرة؛ فمنها: ١ - الذنوب سبب المصائب: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] . ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] . ٢ - الذنوب تضعف مقاومة الشيطان: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] . ٣ - المحقرات ... المهلكات! وصغار الذنوب لها آثارها التراكمية المهلكة: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلاً وكمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالبعرة، حتى جمعوا سواداً وأججوا النار، وأنضجوا ما قذفوا فيها» (٣) . وتكون النتيجة سقوطاً في حبائل (سلسلة الذنوب) وحلقاتها المتتابعة التي تبدأ بذنب، يتبعه ذنب، ثم يتبعه آخر، حتى يؤدي إلى تغطية القلب بالران، والذي ينتج حجاباً مهلكاً، والعياذ بالله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٤ - ١٥] . ٤ - ثمانية العجز ... ورباعية الابتلاءات: «فالذنب إما أن يميت القلب، أو يمرضه مرضاً مخوفاً، أو يضعف قوته ولا بد، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي ﷺ ؛ وهي: «الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال» . وكل أثنين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان؛ فإن المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقعه أحدث الهم. وإن كان من أمر ماض قد وقع أحدث الحزن. والعجز والكسل قرينان؛ فإن تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح، إن كان لعدم قدرته فهو العجز، وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل. والجبن والبخل قرينان؛ فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل. وضلع الدين وقهر الرجال قرينان؛ فإن استعلاء ـ أي استيلاء ـ الغير عليه إن كان بحق فهو من ضلع الدين، وإن كان بباطل فهو قهر الرجال. والمقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة: «لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» . ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله، وتحوَّل عافيته إلى نقمته، وتجلب جمع سخطه» (١) . ٥ - ناسفات الجبال: وهناك من الذنوب ما لها القدرة على نسف جبال من الحسنات؛ وهي التي تتم بعيداً عن أعين الناس. عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: َ لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا. قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ! قَالَ: أَمَا إنَّهُمْ إخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (٢) . وما تجرؤوا على هذا إلا أنهم ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] . و «هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها؛ لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ . تهديد لهم ووعيد) (٣) . القسم الثاني: التصدعات الباطنة: وهي الآثار النفسية الخفية، والروحية الباطنة. حيث تعمل الذنوب عملها في تركيبة الإنسان الثلاثية دون استشعار العبد لها، خاصة الجانب الروحي؛ فتؤدي إلى حدوث تآكلات روحية، وكأنها قوارض أو آكلة. وينتج عن ذلك ظاهرة اعتلالية تربوية وروحية؛ تسمى (ظاهرة التآكل الروحي) . ١ - فما معنى ظاهرة التآكل الروحي؟ وهي ظاهرة تنشأ من خلل في التوازن التربوي بين طاقات العبد الثلاثة، وهي: طاقة العقل، وطاقة البدن، وطاقة الروح. حيث يقل حظ الجانب الروحي في أعمال العبد، مثل التفريط في بعض الفرائض، وغيرها من أعمال اليوم والليلة من السنن، مثل الذكر والدعاء والاستغفار، وتلاوة القرآن. وينشأ نوع من الخلل أو الانفصام المركب: أولاً: داخلياً يستشعر العبد قسوةً وجفاء مع نفسه. ثانياً: خارجياً يستشعر العبد قسوةً وجفاءً مع الوجود كله. والنتيجة هي الشعور بأن النفس والوجود يتنكران له؛ فما هي بالنفس، وما هو بالوجود الذي يعرفهما. وبمعنى آخر؛ هي الظاهرة التي تبحث في حالة صدأ القلب، أو حالة الجفاء الروحي، التي يستشعرها العبد المؤمن، عندما يقصر في طاعته سبحانه؛ فلا يستشعر للعبادة حلاوة، ولا للطاعة لذة، ويقاسي ألم البعد عنه ، ويتحول هذا إلى شعور بوحدة قاسية، ومسافات شاسعة، وحواجز نفسية تفصل بينه وبين الخلائق، خاصة الصالحين. ويسير في الأرض ـ والعياذ بالله ـ كالحيران الذي تتقاذفه عوامل الجذب في كل اتجاه، ويصبح كحلبة يلتقي عليها المتصارعون؛ أو يكون نقطة التقاء للصراع عليه بين استهواء وإغواء شياطين الإنس والجن، وبين رفقة الخير من الدعاة المصلحين: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] . ويمتد هذا الشعور بغياب لذة الطاعة وألم البعد عنه ـ سبحانه ـ إلى حالة من غياب الرغبة في الحياة عموماً، وضياع اللذة في المعيشة في الدنيا، ثم فوق ذلك؛ استشعار خيبة الأمل في النجاة في الآخرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] . وهو تحذير إلهي، لكل من «خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه؛ فإن له معيشة ضنكاً؛ أي ضنك في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله؛ وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى؛ فهو في قلق وحيرة وشك؛ فلا يزال في ريبة يتردد؛ فهذا من ضنك المعيشة. عن أبي سعيد في قوله ﴿مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه. وقال عكرمة: عَمِيَ عليه كل شيء إلا جهنم، ويحتمل أن يكون المراد أنه يُبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة» (٤) . وهذا الشعور ما هو إلا نتيجة لعقاب الله للعاصي والمسرف المقصر في طاعته سبحانه. ٢ - هل ظاهرة التآكل الروحي سنة إلهية؟ وعندما نقول إنها سنة إلهية، فإننا نقصد أن هذه الظاهرة هي محصلة لفعل قوانين ربانية، وقواعد إلهية ثابتة، أو هي نتيجة لوجود أسباب بشرية وزمانية ومكانية انطبقت عليها القوانين الإلهية فكان الجزاء في صورة تلك الظاهرة. إذن هذا الجفاء الروحي نتيجة لخلل ترتب على وجود أسباب بشرية من فعل العبد. وعندما نقول إن ظاهرة التآكل الروحي سنة إلهية اجتماعية؛ فإننا نقصد أنها من القوانين الربانية والقواعد الإلهية المنظمة لعالم الأحياء، أو الأنفس، وخاصةً البشر. أي أن لها أسباباً أوجدتها. وهذه الأسباب أوجدت خللاً. وهذا الخلل أوجب العقاب الإلهي؛ أو الجزاء. وهذا العقاب تحكمه قوانين؛ تعرف بالسنن الإلهية الاجتماعية. والأسباب أو الظروف البشرية هنا هي التقصير بكل درجاته. والنتيجة المترتبة هي حالة القسوة القلبية والانفصال عن المنظومة الكونية العابدة. والمعادلة أو القانون أو سلسلة تتابع هذه السنة الإلهية؛ هي كما يلي: (أسباب تعود إلى العبد، خلل تربوي، عقاب إلهي على هيئة جزاء من جنس العمل) . وبمعنى أبسط: هذه الظاهرة، أو هذا الشعور ما هو إلا نتيجة لعقاب الله للعاصي والمسرف المقصر في طاعته سبحانه. أي إذا قصر العبد في طاعته ـ سبحانه ـ فإنه يترتب على ذلك خلل داخل العبد مع نفسه، وخارجه؛ أي مع المجتمع ومع الوجود العابد لربه، وهنا تأتي السنة الإلهية في هيئة عقاب من نفس نوع الأسباب التي عملها العبد؛ أي يزيده بعداً وجفاءً مع نفسه ومع الوجود من حوله. وتدبر هذا الحوار بين العبد وربه؛ فلقد تساءل العبد ما جرمه وما سبب هذا العقاب، وكانت الإجابة منه حيث يبين الحق سبحانه هذا القانون القرآني العام، أو السنة الإلهية الاجتماعية التي تنطبق على كل من أسرف في الذنوب، وقصر في الطاعة. «ولهذا يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] ؛ أي في الدنيا. ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٦] ؛ أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها؛ كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١] ؛ فإن الجزاء من جنس العمل» (١) . ثم يبين الحق ـ سبحانه ـ هذا القانون القرآني العام، أو السنة الإلهية الاجتماعية؛ والتي تنطبق على كل من أسرف في غيه وكذب بآياته سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧] . «يقول ـ تعالى ـ: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة. لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] ، ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ؛ أي أشد ألماً من عذاب الدنيا وأدوم عليهم؛ فهم مخلدون فيه، ولهذا قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» (٢) . وللمزيد من تحليل هذه الظاهرة؛ من حيث الأعراض العامة والخاصة، وكذلك سبل العلاج؛ والتي منها العام ومنها الخاص؛ فتراجع (ظاهرة التآكل الروحي) عند المسلمين عامة، وعند الدعاة خاصة (٣) . - حذارِ ... من المثيرات ... والقوادح! وأخيراً؛ إذا كانت السنن الإلهية ما هي إلا سلسلة أو متوالية من التفاعلات يحكمها قانون رباني ثابت وعام ومتكرر إن وجدت ظروفه البشرية والمكانية والزمانية، وكأنها معادلة كيمائية تحتاج إلى ظروف معينة وعامل مساعد؛ يحركها أو يقدح شرارة التفاعل. فعلى العبد دوماً أن يخشى أي عامل إثارة يقدح زناد معادلات القوانين الربانية؛ فتعمل عملها فيه كفرد وفي مؤسسته التي ينتمي إليها، ثم في أمته. وهذه تسمى أيضاً مثيرات السنن الإلهية. وتسمى أيضاً قوادح السنن الإلهية. وإذا كانت الدموع المرة التي سكبها أبو الدرداء ﵁ عند أسوار قبرص في يوم من أيام الله؛ وذلك لخشيته من خطر الذنوب على الفرد والأمم؛ كان برؤيته هذه ينبه إلى أخطر قادح أو مثير من مثيرات السنن؛ ألا وهي الذنوب. فإن أفتك ما يتعرض له العبد والأمم أيضاً؛ من مثيرات للسنن الإلهية بعد الذنوب؛ هي سهام الليل التي يرسلها المظلومون. لذا ينبغي للعبد ألا يعرض نفسه لهذه الأنات المكبوتة: ألا أقولُ لشخصٍ قد تَقَوَّى على ضعفي ولم يخشَ رقيبَهْ خبأتُ له سهاماً في الليالي وأرجو أن تكونَ له مصيبَهْ

стр. 5367

الأساس الصلب تكوينه.. أهميته.. دوره سالم بن أحمد البطاطي إن أي دعوة جادة تنشأ لأول مرة في مجتمع من المجتمعات تكون غريبة عليه، وغير مألوفة لديه؛ ولذلك تواجه في أول أمرها الاستغراب والتوجس والشك؛ بل تواجه في معظم الأحيان: الرد، والرفض، والاستنكار. وكلما بعدت الشقة وعظم الفرق بين الحال التي يعيشها هذا المجتمع؛ عقيدة وسلوكاً وتشريعاً، وبين الصورة التي جاءت بها هذه الدعوة الجديدة؛ كان ذلك أدعى إلى عظم المواجهة، وضراوة الحرب، وشدة النفور. ولو تصورنا الحال التي كانت تعيشها الجاهلية العربية الأولى التي بعث فيها النبي ﷺ ، ومدى تغلغل الفساد، والهوى، والانحراف العقدي والتشريعي، والسلوكي فيها، وتعارف الناس على الأوضاع والمعتقدات الوثنية، وبناء حياتهم وتصرفاتهم كافة ـ حضراً وسفراٌ، فعلاً وتركاً ـ على هذه المعتقدات والتصورات. ثم تصورنا الدعوة التي يحملها المصطفى ﷺ من لدن ربه وما فيها من الكمال، والجمال، والنقاء، والتطهر، والتوحيد، ورد الأمور كلها لله ورفض كل الآلهة المدعاة، وتسفيه أحلام عابديها على مدار الزمان، وإعادتها إلى أوضاعها الطبيعية: أحجاراً أو أشجاراً أو تماثيل؛ لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، ونبذ المعتقدات الضالة المتعلقة بالملائكة، أو بالجن، والمتأصلة في عقلية الرجل العربي، وتغيير الشعائر، والمناسك، والتشريعات، والعادات الاجتماعية، والقبلية، والدينية التي تسيطر على هذه البيئة. لو تصورنا هذه إلى جنب تلك في كل مجالات الحياة، والاعتقادات التي جاء الإسلام لتغييرها، وإعادتها إلى أصولها الصحيحة؛ لأدركنا طبيعة المعركة التي كان لا بد أن تثور وتدور بين هذا الوضع الثابت المستقر الموروث، وبين هذه الدعوة الجديدة الناشئة. وهذا الأمر وحده ـ وهو الفرق الشاسع بين صورة الجاهلية المهلهلة المظلمة المضطربة، وبين الحقيقة الناصعة القوية التي جاء بها الإسلام ـ كافٍ في تعليل الغربة الأولى التي واجهها، وعاناها النبي ﵊ في مطلع الدعوة، واستمرت آثارها فترة ليست بالقصيرة من عمر الدعوة الأولى. لقد انتفض التجمع الجاهلي ليدفع عن نفسه الخطر الذي يتهدد وجوده بكل ما يدفع به الكائن العضوي خطر الموت عن نفسه؛ وهذا هو الشأن الطبيعي الذي لا مفر منه كلما قامت دعوة إلى إلهية الله للعالمين؛ في مجتمع جاهلي يقوم على أساس من إلهية العباد للعباد؛ وكلما تمثلت الدعوة الجديدة في تجمع حركي جديد يتبع في تحركه قيادة جديدة، ويواجه التجمع الجاهلي القديم مواجهة النقيض للنقيض. - كيف يكون الأساس صلباً؟ لا بد أن نعلم أن الابتلاء سنَّة ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣] ، والتمحيص قبل القضاء على الأعداء سُنة ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] ، وفي فترة الابتلاء والتمحيص تتم جوانب كثيرة من التربية المطلوبة لحَمَلَة الأمانة الذين يواجهون الجاهلية في أول جولة، والذين يحتاجون إلى صفات وأحوال غير التي تحتاج إليها الأفواج الداخلة فيما بعد، بمقدار ما تختلف إقامة الأعمدة الراسية في الأرض، التي تحمل البناء كله، عن إقامة الأحجار في أماكنها بين هذه العمدان. إن هذه الأعمدة تحتاج إلى صناعة خاصة، ومكونات خاصة، ومقومات خاصة، وزمن معين لاستكمال تلك المقومات؛ فإن لم تستوفِ كل مقومات صناعتها، فإنها تعرض البناء كله فيما بعد للتشقق أو الانهيار. لقد تعرض كل فرد في التجمع الإسلامي الجديد للأذى والفتنة بكل صنوفها، إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان، ويومئذ لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والانضمام إلى التجمع الإسلامي الوليد، والولاء لقيادته الجديدة، إلا كل من نذر نفسه لله، وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب والموت في أبشع الصور في بعض الأحيان. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار بن ياسر وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس؛ فما منهم إنسان إلا وقد وأتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد» (١) . وقال عبد الله بن عمر: «.. كان الإسلام قليلاً، فكان الرجل يُفتن في دينه، إما قتلوه، وإما عذبوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة» (٢) . وكان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنَّبه وأخزاه، وأوعده بأبلغ الخسارة الفادحة في المال والجاه، وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به (٣) . وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحته (٤) . ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشاً، فتخشف جلده تخشف الحية (٥) . وكان أبو فكيهة ـ واسمه أفلح ـ مولى لبني عبد الدار، فكانوا يشدون برجله الحبل، ثم يجرونه على الأرض (٦) . وكان خباب بن الأَرَتْ مولى لأم أغار بنت سباع الخزاعية، فكان المشركون يذيقونه أنواعاً من التنكيل، يأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذباً، ويلوون عنقه تلوية عنيفة، وأضجعوه مرات عديدة على فحام ملتهبة، ثم وضعوا عليه حجراً؛ حتى لا يستطيع أن يقوم (٧) . وكان المشركون يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر، ثم يلقونه في حر الرمضاء، ويلبسون بعضاً آخر درعاً من الحديد ثم يلقونه على صخرة ملتهبة (٨) . وقائمة المضطهدين والمغتربين في الله طويلة ومؤلمة جداً؛ فما من أحد علموا بإسلامه إلا تصدوا له وآذوه. لقد كان الله يعلم أن هذا هو المنهج القويم لتربية الجماعة الأولى وتكوين القاعدة الصلبة لهذه العقيدة، وأنه بدون هذه المحنة الطويلة لا تصلب الأعواد ولا تثبت للضغوط؛ وأن هذه الدرجة من الصلابة والخلوص والتجرد والإصرار والمضي في سبيل الله على الأذى والعذاب والقتل والتنكيل والتشريد والتجويع، وقلة العدد، وانعدم النصير الأرضي.. إن هذه الدرجة هي وحدها التي تصلح للأساس الأصيل الثابت عند نقطة الانطلاق الأولى. ولقد كان ﷺ في هذه الأحداث وفي هذه الظروف الصعبة يربيهم على ما يلي: ١ - التأسي بالسابقين من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم في تحمل الأذى في سبيل الله. ٢ - التطلع للمستقبل الذي ينصر الله فيه الإسلام في هذه الحياة الدنيا، ويذل فيه أهل الشرك والعصيان. عن خباب ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال: «لقد كان مَنْ قبلَكم ليمشَّط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتِمَنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله» زاد بيان: «والذئب على غنمه» (٩) . ٣ - التعلق بما أعده الله في الجنة للمؤمنين الصابرين من النعيم، وعدم الاغترار بما في أيدي المشركين من زهرة الحياة الدنيا. عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبي عمار وأم عمار وعمار: «اصبروا آل ياسر! فإن موعدكم الجنة» (١٠) . وعن جابر ﵁: أن النبي ﷺ مر بعمار بن ياسر وبأهله يعذبون في الله فقال: «أبشروا آل ياسر! موعدكم الجنة» (١) . ٤ - ضبط النفس والتحلي بالصبر، وعدم مقارعة القوة بالقوة والعدوان بالعدوان، حرصاً على حياتهم ونظراً لمستقبل الدعوة، وإمساكاً بزمام الدعوة الوليدة أن يئدها الشر وهي لا تزال غضة طرية ولعل المشركين كانوا يحرصون على مواجهة حاسمة مع الدعوة تنهي أمرها، لكن الحكمة الإسلامية فوتت عليهم الفرصة. أتى عبد الرحمن بن عوف وأصحابه إلى النبي ﷺ بمكة فقالوا: يا نبي الله! كنا في عزة ونحن مشركون؛ فلما آمنا صرنا أذلة! قال: إني أُمرت بالعفو؛ فلا تقاتلوا القوم ـ فلما حوَّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِىلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] (٢) . ٥- توثيق الصلة بالله، والتقرب إليه بالعبادة. ولقد نزلت هذه الآيات في المرحلة المكية؛ حيث قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل: ١ - ٦] ، وهي تأمر النبي ﷺ أن يخصص شطراً من الليل للصلاة، وقد خيّره الله ـ تعالى ـ أن يقوم للصلاة نصف الليل أو يزيد عليه أو ينقص منه، فقام النبي ﷺ وأصحابه معه قريباً من عام حتى ورمت أقدامهم، فنزل التخفيف عنهم بعد أن علم الله منهم اجتهادهم في طلب رضاه، وتشميرهم لتنفيذ أمره ومبتغاه، فرحمهم ربهم فخفف عنهم فقال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] . ولا شك في أن امتحانهم في هجر الفُرُش ومقاومة النوم ومألوفات النفس لتربيتهم على المجاهدة، وتحريرهم من الخضوع لأهواء النفس، تمهيداً لحمل زمام القيادة والتوجيه في عالمهم؛ إذ لا بد من إعداد روحي عال لهم. وكان ﷺ يربي الصحابة على هذه المبادئ وغيرها تأكيداً عبر المواقف والأحداث اليومية كما مر معنا مع آل ياسر وخباب. وتأسيساً عبر اللقاء التربوي في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا. لقد كان الذين استجابوا لرسول الله ﷺ في مكة خلال ثلاثة عشر عاماً قلة محدودة لا تبلغ المائتين من الناس، ولكنهم كانوا هم نواة ذلك الجيل الفريد الذي تفرد في التاريخ البشري كله. كانوا قلة، نعم! ولكنهم كانوا ـ بلغة البناء ـ هم الأعمدة الراسية التي يقوم عليها البناء كله، فتحمله وتمكِّن له في الأرض. وكما يعمد البنّاء حين يشرع في إقامة بنائه إلى دك الأساس دكّاً متيناً بادئ ذي بدء، ثم إقامة الأعمدة التي تحمل البناء، قبل أن يضع الطوب والأحجار.. فكذلك فعل قدر الله بهذه الدعوة على يدي رسول الله ﷺ ، فقيض له تلك الفئة القليلة حوله ﷺ تتلقى كل رعايته، وكل توجيهه وكل تربيته، وتتلقى منه الشحنة كاملة، فتكون كما شاء الله لها أن تكون، عُمُداً راسية في كل اتجاه. بذلك تكونت للإسلام قاعدة صلبة من أصلب العناصر عوداً في المجتمع العربي؛ فأما العناصر التي لم تحتمل هذه الضغوط فقد فتنت عن دينها وارتدت إلى الجاهلية مرة أخرى؛ وكان هذا النوع قليلاً؛ فقد كان الأمر كله معروفاً مكشوفاً من قبل؛ فلم يكن يقدم ابتداء على الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، وقطع الطريق الشائك الخطر المرهوب إلا العناصر المختارة الممتازة الفريدة التكوين. وهكذا اختار الله السابقين من المهاجرين من تلك العناصر الفريدة النادرة، ليكونوا هم القاعدة الصلبة والأعمدة الراسية لهذا الدين في مكة؛ ثم ليكونوا هم القاعدة الصلبة والأعمدة الراسية لهذا الدين بعد ذلك في المدينة؛ مع السابقين من الأنصار الذين وإن كانوا لم يصطلوها في أول الأمر كما اصطلاها المهاجرون، إلا أن بيعتهم لرسول الله ﷺ بيعة العقبة قد دلت على أن عنصرهم ذو طبيعة أصيلة مكافئة لطبيعة هذا الدين. - أهمية الأساس الصلب: إن هذه الصفوة (المتمثلة في الأساس الصلب) هي التي تستطيع بحكم متانة تأسيسها أن تصمد لكيد الجاهلية التي تحاول بكل جهدها أن تقضي على الدعوة الجديدة قبل أن تمد لها جذوراً في التربة؛ لأنها تعلم جيداً أنها إن لم تبذل كل طاقتها في ذلك فسيفلت الأمر من يدها، ولا تستطيع أن تسيطر عليه؛ لذلك يكون البطش في أقصى عنفوانه في جولته الأولى، ولا يصمد له إلا تلك الصفوة المختارة من المؤمنين الذين يتلقون الشحنة الكاملة من قائدهم الذي يتعهدهم بتربيته ورعايته. ثم إن نجاح هذه الصفوة في الصمود للكيد هو الذي يشكل في الحقيقة نقطة التحول في خط سير الدعوة؛ لأنه يعطف القلوب نحو أولئك المؤمنين الذين يتلقون هذا القدر الهائل من البطش والتعذيب دون أن يتحولوا عن الحق الذي يؤمنون به، فيكون صمودهم شهادة لهذا الحق، تجتذب نفوساً جديدة تؤمن به وتجاهد في سبيله، فتتسع القاعدة وهي على القدر ذاته من المتانة وقوة التأسيس. ثم إن هذه الصفوة تشكل جنوداً فائقين لقائد الدعوة، ولكنهم في الوقت ذاته يربَّوْن ليكونوا قادة، وليكونوا خَلَفاً للقائد من بعده. انظر إلى صحابة رسول الله ﷺ ! لقد كانوا جنوداً فائقين للدعوة ولقائدهم ﷺ على الصورة التي يعرفها التاريخ، ولكن رسول الله ﷺ رباهم في الوقت ذاته بحيث يكون كل واحد منهم ركناً في الموقع الذي يكون فيه، فقاموا بالمهام التي وكلها إليهم على المستوى الفائق الذي يعرفه التاريخ، وكانوا هم القدوة للناس في تربيتهم على هذا الدين، كما كان رسول الله ﷺ قدوتهم هم في هذه التربية الفريدة، ثم كانوا هم حَمَلَة الأمانة من بعده، والقادة الذين قادوا الأمة من بعده في الخلافة الراشدة التي يعرفها التاريخ. - دور الأساس الصلب: لقد كان للأساس الصلب دور بارز في نصرة الدين وتثبيته والدفاع عنه وحمايته؛ هذا الدور هو الدور المنتظر لهذه الصفوة المختارة أن تكون عوناً في نصرة الدين وتثبيته وحمايته والدفاع عنه تتبنى ذلك وتعتقده، عقيدة في القلب لا تساوم عليه، تقدم من أجله الغالي والنفيس وهذا الذي حصل. ولعلنا نعرض مثالين لهذا الدور البارز في فترتين مختلفتين: ١ - بعد غزوة بدر. ٢ - بعد فتح مكة. وقبل أن نشرع في توضيح دور الأساس الصلب في هاتين الفترتين حري بنا معرفة حال المجتمع خلالهما. - المجتمع المدني بعد غزوة بدر: لم يظل المجتمع المدني بهذا الخلوص والنقاء. لقد ظهر الإسلام وفشا في المدينة؛ واضطر أفراد كثيرون ومعظمهم من ذوي المكانة في قومهم أن يجاروا قومهم احتفاظاً بمكانتهم فيهم؛ حتى إذا كانت وقعة بدر قال كبير هؤلاء عبد الله بن أُبَيّ بن سلول: «هذا أمر قد توجه» وأظهر الإسلام نفاقاً. ولا بد أن كثيرين قد جرفتهم الموجة فدخلوا في الإسلام تقليداً ـ ولو لم يكونوا منافقين ـ ولكنهم لم يكونوا بعدُ قد فقهوا في الإسلام ولا انطبعوا بطابعه؛ مما أنشأ تخلخلاً في بناء المجتمع المدني ناشئاً عن اختلاف مستوياته الإيمانية. إذاً المجتمع المدني بعد بدر كان مجتمعاً مدخولاً بعناصر جديدة تحتاج إلى تصفية وصهر وتربية. آثار عدم تمكن الإيمان والتربية من القلوب (بعد بدر) : هذه بعض آثار عدم تمكن الإيمان والتربية من قلوب العناصر المختلفة الجديدة الداخلة في جسم المجتمع الوليد. لقد كانت تظهر بين الحين والحين ـ وبخاصة في فترات الشدة ـ أعراض من الضعف، والنفاق والتردد، والشح بالنفس والمال، والتهيب من مواجهة المخاطر؛ وبصفة خاصة أعراض من عدم الوضوح العقيدي الذي يحسم في العلاقة بين المسلم وقرابته من أهل الجاهلية. وهناك نصوص قرآنية تكشف لنا عن طبيعة هذه الأعراض التي كان المنهج القرآني يتعرض لها بالعلاج بشتى أساليبه الربانية الفريدة نذكر منها على سبيل المثال: ١- قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًَا * وَإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧١ - ٧٣] . ٢ - قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ * هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦ - ٣٨] . ٣ - قال ـ تعالى ـ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ * لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١١ - ١٣] . ٤ - قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١] . وحسبنا هذه النماذج من شتى السور، للدلالة على أن ما كان يظهر في المجتمع المسلم من أعراض نتيجة طبيعية وحتمية لدخول عناصر جديدة فيه بصفة مستمرة، لا يتم صهرها وتنسيقها مع القاعدة الصلبة الخالصة إلا بعد فترة وجهد وتربية مستمرة. إلا أن قوام المجتمع المسلم في المدينة كان سليماً في جملته بسبب اعتماده أساساً على تلك القاعدة الصلبة الخالصة من السابقين من المهاجرين والأنصار؛ وما تحدثه من تماسك وصلابة في قوامه في وجه جميع الأعراض والظواهر والخلخلة أحياناً، والتعرض للمخاطر التي تكشف عن هذه العناصر التي لم يتم بعدُ صهرها ونضجها وتماسكها وتناسقها. وبهذا يظهر دور الأساس الصلب في تلك الأثناء وهو القيام بعملية الصهر للعناصر المختلفة الداخلة في جسم المجتمع الوليد والارتقاء بهم عبر معايشتهم ومحاكاتهم؛ وبالفعل كانت هذه العناصر تنصهر شيئاً فشيئاً وتنساق مع القاعدة والأساس الصلب؛ ويقل عدد الناشزين من ضعاف القلوب ومن المنافقين؛ ومن المترددين كذلك والمتهيبين وممن لم يتم في نفوسهم الوضوح العقيدي الذي يقيمون على أساسه كل علاقاتهم مع الآخرين؛ حتى إذا كان قبيل فتح مكة كان المجتمع الإسلامي أقرب ما يكون إلى التناسق التام مع قاعدته الصلبة الخالصة؛ وأقرب ما يكون بجملته إلى النموذج الذي يهدف إليه المنهج التربوي الرباني الفريد، فتقاربت المستويات الإيمانية وتناسقت، وتوارى من ذلك المجتمع؛ الكثير من أعراض الخلخلة في الصف، والكثير من ظواهر الضعف والتردد والشح بالنفس والمال، وعدم الوضوح العقدي، والنفاق بحيث يمكن اعتبار المجتمع المدني بجملته هو القاعدة الإسلامية. - حال المجتمع المدني بعد فتح مكة: إن فتح مكة في العام الثامن الهجري، وما أعقبه من استسلام هوازن وثقيف في الطائف ـ وهما آخر قوتين كبيرتين بعد قريش في الجزيرة ـ قد عاد فصب في المجتمع المسلم أفواجاً جديدة كثيرة دخلت في الدين مستسلمة على درجات متفاوتة من المستويات الإيمانية؛ وفيهم كارهون للإسلام منافقون؛ وفيهم المنساقون إلى الإسلام الظاهر القاهر، وفيهم المؤلفة قلوبهم، دون انطباع بحقائق الإسلام الجوهرية ولا امتزاج بروحه الحقيقية. غير أن هذا الاتساع الأفقي في رقعة الإسلام قد أعاد معه جميع الأعراض والظواهر التي ظهرت في المجتمع بعد انتصار بدر ـ ولكن على نطاق أوسع ـ بعدما كاد المجتمع يبرأ منها بتأثير التربية الطويلة المدى، المستمرة التأثير خلال السنوات السبع بعد بدر الكبرى؛ ولولا أن المجتمع المدني بجملته كان قد تحول إلى أن يكون هو القاعدة الصلبة الخالصة لهذه العقيدة، والأساس الركيز لهذا المجتمع؛ لكان هناك خطر كبير من هذا الاتساع الأفقي السريع في رقعة الإسلام في الجزيرة. ولكن الله الذي كان يدبر لهذا الأمر ويرعاه، كان قد أعد العصبة المؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لتكون هي القاعدة الأمينة لهذا الدين بعد التوسع النسبي الذي جاء به انتصار بدر، كما أنه ـ سبحانه ـ كان قد أعد المجتمع المدني بجملته ليكون هو القاعدة الأمينة بعد التوسع الشديد السريع الذي جاء به فتح مكة. والله أعلم حيث يجعل رسالته. - آثار عدم تمكن الإيمان والتربية من القلوب (بعد الفتح) : كما ذكرنا سابقاً أن الاتساع الأفقي في رقعة الإسلام قد أعاد معه جميع الأعراض والظواهر التي ظهرت في المجتمع بعد انتصار بدر، ولكن على نطاق أوسع؛ وهذه بعض آثار عدم تمكن الإيمان والتربية من قلوب العناصر المختلفة الجديدة الداخلة في جسم المجتمع بعد الفتح منها: ١ - يوم حنين: قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] . وكان من الأسباب الظاهرة لهذه الهزيمة في أول الأمر أن ألفين من (الطلقاء) الذين أسلموا يوم الفتح، قد خرجوا مع الآلاف العشرة من جند المدينة الذين فتحوا مكة، فكان وجود هذين الألفين ـ مع عشرة آلاف سبباً في اختلال التوازن في الصف بالإضافة إلى عامل المفاجأة من هوازن ـ ذلك أن الجيش لم يكن كله من القاعدة الصلبة الخالصة التي تمت تربيتها وتناسقها في الزمن الطويل ما بين بدر والفتح. ٢ - كذلك ما ظهر في أثناء غزوة تبوك من الأعراض والظواهر المؤذية ثمرة طبيعية لهذا الاتساع الأفقي السريع؛ ودخول تلك الأفواج الجديدة بمستوياتها الإيمانية والتنظيمية المخلخلة؛ وقد تحدثت سورة التوبة عن هذه الظواهر والأعراض. ٣ - بعد عامين اثنين من الفتح، عندما قبض رسول الله ﷺ فارتدت الجزيرة العربية كلها، ولم يثبت إلا مجتمع المدينة ـ القاعدة الصلبة الخالصة ـ هذه الظاهرة يسهل الآن تفسيرها. إن عامين اثنين بعد الفتح لم يكونا كافيين لاستقرار حقيقة الإسلام في نفوس هذه الأفواج الكثيرة التي دخلت في دين الله بعد الفتح، بمستوياتها الإيمانية المخلخلة. فلما قُبِض رسول الله ﷺ ارتجت الجزيرة المخلخلة، وثبتت القاعدة الصلبة. وبهذا يظهر جلياً دور الأساس الصلب والقاعدة الصلبة في تلك الأحداث العظيمة بثباتها على دين الله وتضحيتها وبذلها من أجله خاصة في أوقات العسرة، وحراسة الإسلام وصيانته من الهزات العنيفة بعد الفتح، ومن الهزة الكبرى بعد وفاة الرسول ﷺ وارتداد الجزيرة. - ملخص دور الأساس الصلب: ١ - هم القاعدة في مكة والمدينة (قبل بدر) . ٢ - هم الحراس الأقوياء الأشداء في فترة التخلخل التي أعقبت النصر في بدر، بالتوسع الأفقي الذي جاء بأعداد جديدة لم تنضج بعد، ولم تتناسق مع القاعدة في مستواها الإيماني والتظيمي، فقاموا بعملية الصهر للعناصر المختلفة الداخلة في جسم المجتمع الوليد والارتقاء بهم عبر معايشتهم ومحاكاتهم. ٣ - هم الذين ثبتوا وضحوا وبذلوا وحرسوا الإسلام وصانوه من الهزات العنيفة بعد الفتح، ثم من الهزة الكبرى بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وارتداد الجزيرة عن الإسلام. - خلاصة الدروس المستفادة: ١ - تدبير الله الحكيم في المحنة الطويلة التي تعرضت لها الدعوة في مكة ـ في أول الأمر ـ وحكمته في تسليط المشركين الطواغيت على الفئة المسلمة يؤذونها، ويفتنونها عن دينها، ويهدرون دماءها، ويفعلون بها الأفاعيل. لقد كان الله ـ سبحانه ـ يعلم أن هذا هو المنهج القويم لتربية الجماعة الأولى وتكوين القاعدة الصلبة لهذه العقيدة، وأنه بدون هذه المحنة الطويلة لا تصلب الأعواد ولا تثبت للضغوط؛ وأن هذه الدرجة من الصلابة والخلوص والتجرد والإصرار والمضي في سبيل الله على الأذى والعذاب والقتل والتنكيل والتشريد والتجويع، وقلة العدد، وانعدام النصير الأرضي؛ إن هذه الدرجة هي وحدها التي تصلح للقاعدة الأصيلة الثابتة عند نقطة الانطلاق الأولى. ٢ - إن طبيعة المنهج الحركي للدعوة الإسلامية المتجددة في أي زمان وفي أي مكان، يجب أن تبدأ بتوجيه الحرص كله لإقامة القاعدة الصلبة من المؤمنين الخُلَّص، الذين تصهرهم المحنة فيثبتون عليها؛ والعناية بتربيتهم تربية إيمانية عميقة تزيدهم صلابة وقوة ووعياً. ٣ - الحذر الشديد من التوسع الأفقي في الدعوة قبل الاطمئنان إلى قيام هذه القاعدة الصلبة الخالصة الواعية المستنيرة. فالتوسع الأفقي قبل قيام هذه القاعدة خطر ماحق يهدر وجود أية حركة لا تسلك طريق الدعوة الأولى من هذه الناحية، ولا تراعي طبيعة المنهج الحركي الرباني النبوي الذي سارت عليه الجماعة الأولى. على أن الله ـ سبحانه ـ هو الذي يتكفل بهذا لدعوته؛ فحيثما أراد لها حركة صحيحة عرَّض طلائعها للمحنة الطويلة، وأبطأ عليهم النصر؛ وقللهم؛ وبطأ الناس عنهم؛ حتى يعلم منهم أن قد صبروا وثبتوا، وتهيؤوا وصلحوا لأن يكونوا هم القاعدة الصلبة الخالصة الواعية الأمينة، ثم نقل خطاهم بعد ذلك بيده ـ سبحانه ـ والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ذلك هو الترتيب الرباني الذي به نجحت الدعوة وتمكنت في الأرض. ولْنتخيل الأمر تم على غير هذه الصورة، فدخل الناس في دين الله أفواجاً منذ أول لحظة أو في السنوات الأولى للدعوة، فهل كان يقوم البناء على الصورة ذاتها، وهل كان يرسخ في الأرض كما قدّر الله له الرسوخ؟! إن الله يقول للشيء كن فيكون، ولو شاء الله لفعل، ولو قدر شيئاً لكان، ولكن الله ـ جلت مشيئته ـ قد جعل سنناً في الكون وسنناً في الأرض وسنناً في حياة الناس، وجعل تلك السنن هي العاملة بمشيئته ـ سبحانه ـ في الكون والأرض والناس، وجعل من سنته في الدعوة أن يستجيب لها قوم محددون، ينالون من رعاية النبي المرسل النصيب الأوفى، فيكونون كالأعمدة الراسية التي يقوم عليها البناء. والتربية عملية شاقة بطيئة تحتاج إلى كثير من الجهد. ورسول الله ﷺ هو أعظم مرب في التاريخ، ولكنه لو واجه الألوف من أول لحظة فما كان من المستطاع أن يعطيهم كل رعايته وكل توجيهه وكل تربيته، كما أعطاها لتلك الحفنة القليلة العدد، فتحقق فيها على أكمل صورة وبأكمل قدر قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وكان إتمام الأمر على هذا النحو متمشياً مع السنن الجارية التي يجري بها قدر الله في حياة الناس. فلقد شاء الله لحكمة يعلمها ـ سبحانه ـ أن يجري أمر هذا الدين كله على السنن الجارية لا على السنة الخارقة، حتى لا يأتي جيل من أجيال المسلمين يتقاعس، ويقول: لقد نصر الأولين بالخوارق، ولم تعد الخوارق تنزل بعد ختم الرسالة وانقطاع النبوات. ٤ - دور الأساس الصلب في كل زمان ومكان ما يلي: أ - القيام بعملية الصهر للعناصر المختلفة الجديدة والارتقاء بهم عبر معايشتهم ومحاكاتهم. ب - هم الحراس الأقوياء الأشداء الذين يحرسون الإسلام ويصونونه من الهزات العنيفة، ويقفون في وجه التيار ويردونه عن مجراه الجارف ويحولونه إلى الإسلام مرة أخرى. ج - السعي الحثيث في إبقاء وتثبيت الإسلام على هذه المعمورة مهما كانت صعوبة الظروف وخطورة المواقف. - أخيراً: إن بعض الناس ينتظر من هذا الدين ـ ما دام منزلاً من عند الله أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب! دون أي اعتبار لطبيعة البشر، ولطاقاتهم الفطرية، ولواقعهم المادي. وحين لا يرون أنه يعمل بهذه الطريقة يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها، أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته، أو يصابون بالشك في الدين إطلاقاً؛ وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي: هو عدم إدراك هذا الدين وطريقته. إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية. يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في كل بيئة، ويتحقق بأن تحمله جماعة من البشر. تؤمن به إيماناً كاملاً، وتستقيم عليه ـ بقدر طاقتها ـ وتجتهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم كذلك، وتجاهد لهذه الغاية بكل ما تملك والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. - المراجع: ١ - القرآن الكريم. ٢ - السيرة النبوية الصحيحة، د. أكرم ضياء العمري، ج ١ مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط ٦، ١٤١٥هـ. ٣ - الغرباء الأولون، د. سلمان العودة. دار ابن الجوزي ط ١، ١٤٢٤هـ. ٤ - في ظلال القرآن ج ٢، سورة التوبة، دار الشروق. الطبعة الشرعية الحادية والعشرون، ١٤١٤هـ. ٥ - صحيح السيرة النبوية، إبراهيم العلي، دار النفائس، الأردن، ط ٢، ١٤١٦هـ. ٦ - الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري، دار السلام، الرياض ١٤١٤هـ. ٧ - واقعنا المعاصر، محمد قطب، ط ١، مؤسسة المدينة للصحافة، ١٤٠٧هـ. ٨ - هذا الدين، سيد قطب، دار الشروق القاهرة - ١٣٩٩هـ.

стр. 5368

أهمية الواقعية والمعاصرة في موضوعات الخطيب عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل من الميسور أن يختزل الخطيب الموضوعات الخطابية بما يمثل الجوانب الإيمانية والوعظية ونحوهما؛ حيث إنها موضوعات مطروحة مبحوثة، بل معدة للخطيب إعداداً تاماً من خلال بعض الكتب ومواقع الشبكة العنكبوتية، لكنه بهذا النمط لا يعد مبدعاً في الحقيقة، وليس مستحقاً لحيازة لقب النجومية في عالم الخطابة، إنما النجم الذي يصدق عليه هذا اللقب، هو ذلك الخطيب الثَقِف الذي يَفْتِلُ عضلات لسانه، في حلبة الصراع مؤلفاً بين الأصالة وروح المعاصرة والواقعية التي نفقدها في بعض خطباء اليوم. وهذه الروح، وإن كانت مهمة للخطيب في كل حين، إلا أنها في هذا الحين أهم، حيث تفاقمت فيه المستجدات، وكثرت فيه المغريات والمتغيرات التي تحتاج من الخطيب إلى وعي دائم، ومتابعة دائبة، وفهم شمولي صائب لكل مستجدة لها ارتباط بحياة المسلمين وواقعهم ومشاكلهم ـ وما اكثرها اليوم ـ وبهذه الصورة الواعية الواعدة، يمكن أن يعايش الخطيب هموم الناس، ويصنع من منبره سلماً يرتقي من خلاله الناس لمعالجة أوضاعهم، وتخفيف معاناتهم الممتدة في أودية العناء الشاسعة، وبحور الهموم الواسعة، وبهذا الاقتراب والملامسة لواقع الناس، يكون نتاج الخطيب مثمراً، وعطاءاته موقظة، وكلماته مؤثرة، وإذا كان الخطيب اقرب لملامسة حاجات الناس، كان أَذْكَر في ألسنتهم، وأنفع لجمهورهم «وكلما كان صادقاً في قصده، مهتماً بجمهوره وسامعيه، جاداً في طرحه، محترماً لنفسه، فسوف يحسن الاختيار، ويقدح زناد فكره بجدية نحو الابتكار وحسن الاختيار، يضاف إلى ذلك الظروف المحيطة، والأحوال المستجدة، والأغراض الباعثة التي تستدعي الحديث عن بعض الوقائع، والتعليق على بعض الأحداث، والتفسير لبعض المواقف، وتصحيح بعض المفاهيم» (١) . وقد كان هذا هو هدي النبي ﷺ كما بينه ابن القيم ﵀ حيث قال: «كان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم» (٢) . ولهذا أمثلة كثيرة من السنة النبوية، من ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «جاء رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب بهيئة بذة (١) ، فقال له رسول ﷺ : أصليتَ؟ قال: لا، قال: صل ركعتين، وحث الناس على الصدقة، فألقوا ثياباً، فأعطاه منها ثوبين، قال: فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله ﷺ يخطب، فحث الناس على الصدقة، قال: فألقى أحد ثوبيه، فقال رسول الله ﷺ : جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذة، فأمرت الناس بالصدقة فألقوا ثياباً فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن فأمرت الناس بالصدقة، فألقى أحدهما، فانتهره، وقال: خذ ثوبك» (٢) وفي هذا الحديث، يتبدى لنا بجلاء، كيف أن النبي ﷺ لامس مشاعر هذا الصحابي، وتفاعل مع حاله وهو يخطب، واستنهض همم الصحابة للقيام بواجب المواساة، وتخفيف المعاناة. ومن خلال هذا الحديث يمكن أن نستوقف خطباءنا الميامين ونستفهمهم: ما الذي ستقدمونه اليوم، ليس لفرد واحد يحضر الجمعة، وإنما لملايين المسلمين الذين يحضرون الجُمع، بصدور مليئة بالهموم، وقلوب قد نفث في روعها طول العناء، ماذا أعددتم لجيل اليوم والغد، الذين لم تكن معاناتهم من الفقر والقلة، ولا من الضعف والعيلة، فحسب، بل من شيء اكبر من ذلك، هو مسخ الهوية، وغزو العقول، وحرب الأفكار، ونقض الثوابت، وتبديل الأصول والمفاهيم؟ لكننا ـ وبحمد الله رغم هذا ـ عندما نجول بالنظر إلى واقعنا المعاصر، نفرح بطلائع الأمة من شيوخها ودعاتها وخطبائها، الذين يرتسمون الهدي النبوي، في معالجة النوازل، ومجاوزة الخطوب، والذين لهم فيه وفي صحابته ـ الذين تحملوا الحمالات من أجل هموم المسلمين، وجمع كلمتهم، واستصلاح واقعهم ـ أسوة حسنة. فهذا فاروق الأمة ﵁ لما أحس بالرحيل وقرب الأجل، وتخوف أن يختلف الناس من بعده، في أمر الخلافة، وفي شأن الكلالة، آثر أن يجعلهما حديث خطبة من أواخر خطبه، لمناسبتهما للحال، ولكثرة الاختلاف فيهما، فقال ﵁ في مستهل خطبته: «إني رأيت كأن ديكاً نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن أقواماً يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه ﷺ ؛ فإن عجل بي أمرٌ فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وإني قد علمت أن أقواماً يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام؛ فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال. ثم إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بأصبعه في صدري، فقال: يا عمر! ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن ... ، ثم ثلَّث ﵁ بعد ذلك بالتنبيه على مخالفة ذاعت في أيامه تلك، وتوارد بعض الناس عليها، فبين أن واقع هذه القضية مخالف لهدي الرسول ﷺ حيث يقول: «إنكم أيها الناس! تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم» لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهم فليمتهما طبخاً» (٣) وهذه الموضوعات الثلاث التي اختارها ﵁ لخطبته دليل جلي على اهمية مراعاة مقتضى الحال في خطب الجمعة، وأنها ليست على رتابة دائمة. وما أجمل تلك الكلمات التي سطرها يراع الشيخ (محمد أبو زهرة) ﵀، في بيان هذا الجانب المهم لدى الخطيب ـ وهو مراعاة مقتضى الحال ـ حيث قال: «مراعاة مقتضى الحال لب الخطابة وروحها؛ فلكل مقام مقال، ولكل جماعة من الناس لسان تخاطب به؛ فالجماعة الثائرة الهائجة تخاطب بعبارات هادئة، لتكون برداً وسلاماً على القلوب، والجماعة الخَنِسة الفاترة، تخاطب بعبارات مثيرة للحمية، موقظة للهمم، حافزة للعزائم، والجماعة التي شطت وركبت رأسها، تخاطب بعبارات فيها قوة العزم ونور الحق، فيها إرعادة المنذر، ويقظة المنقذ.. وفيها روح الرحمة، وحسن الإيثار، ليجتمع مع الترهيب الترغيب، ومع سيف النقمة ريحان الرحمة؛ لذلك وجب أن يكون الخطيب قادراً على إدراك الجماعة وما تقتضيه، والإتيان بالأسلوب الذي يلائمه» (٤) . وقال الشيخ محمد رشيد رضا واصفاً مراعاة الخطيب لمقتضى الحال، وواقع الزمان: «بينّا لك أن خير الخطب ما كان مصدره نَفَس الخطيب وشعوره وإحساسه، لا نفَسَ غيره ممن مضت بهم القرون، وكانوا في عالمٍ غير عالمنا، ولهم أحوال تخالف حالنا؛ فمن أراد العظة البالغة، والقولة النافذة، فليَرْمِ ببصره إلى المنكرات الشائعة، والحوادث الحاضرة، خصوصاً ما كان منها قريب العهد، لا تزال ذكراه قائمة في صدور الناس، وحديثه دائراً على ألسنتهم، أو ذائعاً في صحفهم، أو تراه مشاهداً بينهم، ثم يتخير من هذه الحوادث ما يجعله محور خطابته ومدار عظته، ثم ينظر ما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة في الموضوع الذي تخيره، ويجيد فهمها، ويفكر في الأضرار المالية والصحية والخلقية والاجتماعية التي قد تنشأ عن هذه الجريمة التي جعلها موضع عظته، ويحصي هذه الأضرار في نفسه أو بقلمه، هذا إذا أراد التنفير من رذيلة، أو الإقلاع عن جريمة ذاع بين الناس أمرها، أو طفح عليهم شرها، فإن أراد الترغيب في فضيلة، أو الحث على عمل خيري، أو مشروع حيوي، فليفكر في مزاياه تفكيراً واسعاً مراعياً الصالح العام دون المآرب الخاصة» (١) . وفي سؤال موجه للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية برئاسة سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ جاء فيه: «هل يصح أن يتدخل الخطيب أثناء الخطبة في مواضيع تواجه الحياة؟ وتَدَخُّلُ بعض الشيوخ في السياسة؟ أجابت اللجنة بما نصه: «للخطيب أن يبين في خطبة الجمعة وفي دروسه ومحاضراته ما تحتاجه الأمة من المعارف النافعة، وأن يعالج أمر الشعب، ويحل مشاكلهم قدر استطاعته، بالحكمة والموعظة الحسنة، سواء سمي ذلك سياسة أو خطبة جمعة، أو تعليماً أو إرشاداً، وما كان يترتب عليه من كلامه فتنة أو مفسدة راجحه على ما يقصد من المصلحة أو مساوية لها، ترك الحديث فيه إيثاراً للمصلحة الراجحة، أو حذراً من وقوع ما لا تحمد عقباه. وبالله التوفيق» (٢) . ولعلي ألفت النظر، هنا، إلى أن دعوة الخطيب إلى المعاصرة والواقعية في موضوعاته، ليس معناه أن يُشِيح بوجهه عن الموضوعات الأخرى، كموضوعات الرقائق والمواعظ ونحوها، إنما هي دعوة إلى المزايلة بين هذه وتلك، ودعوة أيضاً إلى الممازجة بينها وتوظيف بعضها لخدمة بعض، وربما اللوم هنا، هو لمن ليس له إلا لون واحد من الموضوعات، ولمن أعرض صفحاً عن واقع الناس، ولم ينزل بساحتهم، ولم يمتطِ صهوات رواحلهم، ولم ينبض قلبه بهمومهم، وكان بعيد التصور لأحوالهم وحياتهم. ولعل من الأمثلة القريبة التي هي في صميم موضوعنا، الخلل العقدي الذي تكشَّف في الأمة عندما مات بابا الفاتيكان، وما لحق ذلك من التشكيك في كفره، أو الثناء أو الترحم عليه، رغم أن حكم هذا الرجل ومن شابهه من رؤوس الكفر، ودعاة التثليث والتنصير، بيّن بيان الشمس في وضح النهار، ومثال ثانٍ قريب: وهو الفساد الأخلاقي المدمر الذي نتج من البرنامج الفضائحي (ستار أكاديمي) الذي يعرض الخنا والفحش، ويدعو إليه، وطبّل له الملايين من شبابنا، وغيرهما من الأمثلة الكثيرة في عالم اليوم؛ فهل يسوغ للخطيب المؤتمن على رسالة المنبر، أن يتجاهل هذه الحوادث، التي تمزق كيان العقيدةِ والأخلاقِ والعفاف؟ لا أظن ذلك يسع الخطيب الذي ائتمنه الله، والمسلمون على أغلى رسالة، وأنبل وظيفة في الحياة. ولعلي في خاتمة المطاف، اقترح على الخطيب، ليتحقق في موضوعاته، المعاصرة والواقعية، وليبلِّغ رسالته، ويصل إلى هدفه المنشود ما يلي: ١ - الاحتساب في معايشة الناس، ومعرفة واقعهم، إذ إن من عوامل نجاح الداعية والخطيب الذي ينشد إصلاح الناس، أن يكون عالماً بأحوالهم، مدركاً لمشكلاتهم. ومن الأمور المتقررة عند أهل المعرفة أنه لا يستطيع العمل على تغيير واقع الناس وانتشالهم من الضلال إلى الهدى، ومن البدعة إلى السنَّة، بصورة صحيحة مؤثرة، إلا من عاشرهم، وداخلهم، وعرف أحوالهم؛ ولذا على الداعية وطالب العلم أن يستشعر الخيرية، التي جاءت في قول النبي ﷺ : «المسلم الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٣) ، ومذهب جماهير السلف تفضيل الاختلاط بالناس، في الأحوال الطبيعية التي لا يلحق المسلم فيها ضرر في دينه، على اعتزالهم والبعاد عنهم، ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: «خالطوا الناس وزايلوهم، وصافحوهم، ودينكم لا تَكْلِمُونه» (٤) (٥) . وقال عمر ﵁: «خالطوا الناس بما يحبون، وزايلوهم بأعمالكم، وجِدُّوا مع العامة» (١) . وقال علي بن أبي طالب ﵁: «خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم؛ فإن لامرئ ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب» (٢) ، وفي هذه الآثار المذكورات عن عمر وعلي وابن مسعود ﵃ بيان للمنهج الشرعي في هذه القضية، وهو مخالطة الناس ومخالفتهم، مع مزايلتهم ومخالفتهم، وليس بين الأمرين تعارض؛ إذ الأمر كما توضحه هذه الآثار والآثار الأخرى، يراد به مخالطتهم بالأجسام، ومزايلتهم بالأعمال، مع المحافظة التامة على الدين، أن يصاب بضرر بسبب هذه المخالطة. ولأهل العلم تفصيلات مطولة في هذا الباب، ولعل من أجمعها ما نقله ابن حجر ﵀ عن بعض أهل العلم وهو أن ذلك «يختلف باختلاف الأشخاص؛ فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا اختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات؛ فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه إما عيناً، وإما كفاية، بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي من يأمن على نفسه، ولكنه يتحقق أنه لا يطاع» (٣) . ويحسن التنبيه هنا إلى أن أهل العلم لا يقصدون بذلك أن يختلط العالم والداعية بالناس اختلاطاً طاغياً على شؤونه وأموره الأخرى، بل هم مجتمعون على أن القدر الذي يطالب به من الخلطة، لا بد أن يكون معتدلاً في الجملة، ثم هو يتفاوت بعد ذلك بحسب المصلحة. ٢ - الاستنارة بما لدى الغير ـ ولا سيما أهل الاختصاص منهم، كلٌ في اختصاصه ـ في معرفة الموضوعات الحية التي تمس الحاجة لبيانها. وبالتجربةِ تبيّنَ أن الخطيب قد يستفيد في إثراء بعض الموضوعات، من المختصين، أكثر مما يستفيده من البحث والاطلاع، ويظهر هذا بجلاء فيما يخص الموضوعات الأسرية، والمشاكل الزوجية والاجتماعية، التي قد لا يخدم الخطيب في علاجها، ومعرفة أدوائها، وتلمس دوائها أكثر ممن له سبح طويل في أعماقها. ٣ - الاستفادة من الخطباء المبدعين في هذا الباب، ومن النَصَف الذي ينبغي أن يذكر فيشكر لثلة من خطباء اليوم، أنهم نزلوا بساحات الناس وعايشوهم في أفراحهم وأتراحهم، وعرفوا كثيراً من مشكلاتهم وشكاواهم، فاستطاعوا بهذا السبق أن يحوزوا على لقب النجومية في الخطابة، لما حملوه على عواتقهم من همِّ استصلاح أوضاع الأمة، ومعالجة قضاياها، وأسباب اليقظة من كبوتها، ومعرفة مشاكل المجتمع وأسبابها وأبعادها ووسائل الخروج من مضايقها. وهؤلاء كما يطالَبون بنشر إبداعهم، وبث نتاجهم المتميز، فغيرهم أيضاً يطالَب بسلوك هذا المسلك الرائد، والاستفادة ممن سبقهم، والاستنارة بآرائهم، والأخذ من تجاربهم. اقرن برأيك رأي غيرك واستشر فالحق لا يخفى على الاثنين المرء مرآة تريه وجهه ويرى قفاه بجمع مرآتين ٤ - الرجوع إلى الكتب المتخصصة في بعض قضايا الناس المعاصرة، وقد اصبحت المكتبات ـ بحمد الله ـ زاخرة بالعديد من الكتب التي عُنيت بمشاكل المجتمعات المسلمة، والمستجدات والمتغيرات التي تهدد كيانها، وقد بادرت بعض المكتبات ـ مشكورة ـ بإيجاد خدمة تزويد روادها بأسماء الكتب الجديدة، من خلال البريد الإلكتروني أو الفاكس، وهناك من مواقع الشبكة العنكبوتية، ما له عناية خاصة بالجديد، وبهذا يمكن للخطيب، الذي يحمل هموم الناس، ويسعى لصقل مواهبه، وتطوير عطائه، أن يهتبل هذه الفرص المباركة. ٥ - هناك جملة وافرة من المواقع الإسلامية، في الشبكة العنكبوتية، لها عناية خاصة بكثير من الموضوعات المعاصرة الحية، بل إنها في بعض الأحايين تقوم بدور رائد جميل، في توفير ملفات خاصة موسعة، عن كثير من هذه الموضوعات، وهي بذلك تقدم خدمة جليلة للخطباء وأهل العلم، وتفتح لهم آفاقاً للإبداع، وتحقيق النجاح.

стр. 5369

الأخلاق والنظم أ. د. جعفر شيخ إدريس أعني بالنُّظُم كل ما يتعلق بالترتيبات الظاهرية لعلاقات الناس السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها في مجتمع من المجتمعات. وأعني بالأخلاق مكارم الأخلاق من صدق وأمانة وعدل وغيرها. ما العلاقة بين هذين؟ إن التجربة تدل على أنه لا قيام لنظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو حتى أسري، إلا بقدر من هذه الفضائل. تصور لو أن معظم الناس في مجتمع من المجتمعات صاروا كذابين، وخونة ولصوصاً: التاجر يكذب، والعالم يزوِّر، والقاضي يحابي، والسياسي يسرق، ورجل الأمن يرتشي، والزوج يخون! ليس هذا فحسب، بل إن النظام نفسه مهما كان نوعه لا يتأتى إلا بقدر من هذه القيم. كيف تكون ديمقراطية مثلاً إذا كانت الانتخابات تزور؟ وكيف يكون نظام إسلامي إذا كان الحاكم يستغل الدين ليأكل أموال الناس بالباطل؟ ألم يقل الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ؟ إذا كانت مكارم الأخلاق هذه ضرورية لتلك النظم الخارجية؛ فمن أين تأتي بها، وكيف تحافظ عليها؟ غلت النظرية الماركسية فزعمت أن الأخلاق إنما هي نتيجة النُّظُم، ولذلك عزت كل ما اتصف به الناس من مساوئ الأخلاق كالسرقة والكذب والأنانية إلى النظام الرأسمالي، وكانت ترى أنه بحلول النظام الاشتراكي أو الشيوعي فإن كل هذه المساوئ ستتحول إلى حسنات، فتحل الأريحية محل الأنانية، والصدق محل الكذب، والأمانة محل الخيانة، وهكذا. لكن التجربة قد أثبتت بطلان هذه النظرية الماركسية؛ فقد بني النظام الاشتراكي في كثير من البلاد لكن الناس ظلوا كما كانوا يخونون ويكذبون ويسرقون. هذه نظرية كان يمكن أن يعرف بطلانها قبل التجربة وبمجرد النظر. إن الذين دعوا إلى الاشتراكية كانوا هم أنفسهم من نتاج المجتمع الرأسمالي؛ فما الذي جعلهم يذمون تلك المساوئ حتى قبل حلول الاشتراكية؟ وما الذي جعلهم يفكرون في نظام يقضي عليها لولا أنهم كانوا منذ البداية مؤمنين بأن القضاء عليها شيء حسن تقتضيه مكارم الأخلاق؟ لا تذهب النظريات الغربية من ديمقراطية وليبرالية ورأسمالية مذهب الماركسية، لكن الغريب فيها كلها أنها تكاد تهمل هذا الأمر إهمالاً كاملاً في تقعيدها النظري. إنها تفترض في الناس أن يكونوا أمناء، وتفرض عقوبات على أنواع من الجرائم الخلقية كالسرقة والخيانة. ما مصدر هذه الأخلاق؟ وما الذي يدعو الناس إلى الالتزام بمحاسنها، أو يغريهم باللجوء إلى مساوئها؟ ليس في هذه النظريات حتى محاولة للإجابة عن مثل هذه الأسئلة، بل ربما عدت الكلام فيها أمراً خارجاً عن نطاق النظم السياسية أو الاجتماعية. أما الإسلام فيولي هذا الأمر أهمية قصوى. فهو يخبرنا بأن أصل هذه المكارم في فطرة الإنسان. فالرسول ﷺ يخبرنا بأن «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» (١) . والفطرة هي كل ما في الإنسان من فضائل وعلى رأسها اعترافه بعبوديته لله تعالى. ويؤكد هذا قوله ﷺ في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال. ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة» (٢) ، والجذر هو الأصل. إن في وجود هذه المحاسن في كل مجتمع من المجتمعات دليلاً على صدق هذا الذي يقرره الإسلام. لكن كونها مما فطر الله الناس عليه لا يعني أن فطرتهم تُلزمهم بها؛ لأن الفطرة إنما هي بمثابة الصوت الداخلي الذي يقول للإنسان: يا عبد الله! هذا خير فاتبعه! لكن الإنسان مخير بين أن يستمع إلى هذا الصوت أو يعرض عنه، كما أنه مخير بين أن يستمع إلى صوت الهداية الخارجي أو يعرض عنه. بعد الفطرة يأتي الدين الحق الذي هو دين تلك الفطرة، فيقوى داعي هذه المكارم في قلوب المؤمنين. إن الإيمان بالله هو الأساس والمحور الذي تدور حوله كل الفضائل التي فطر الله الناس عليها، فبقوته تزداد قوتها، وبضعفه يزداد ضعفها. إن الإيمان بالله وحبه يثمر في القلب ضرورة حب كل ما يحبه الله من الفضائل. ثم يأتي الإيمان بالحياة بعد الموت ليؤكد للملتزم بالمكارم أنه إذا كان يخسر خسارة مادية مؤقتة في هذه الحياة الدنيا القصيرة لالتزامه بصدق أو أمانة؛ فإنه هو الرابح في الحياة الآخرة الدائمة. إذا كان الإيمان بالله ـ تعالى ـ وبالدار الآخرة يجعل اعتقاد الإنسان متوافقاً مع صوت فطرته الداعي إلى مكارم الأخلاق؛ فما هكذا تكون سائر المعتقدات. إن الذي ينكر وجود الخالق، ومن ثم وجود حياة بعد الموت، يجد في نفسه نزاعاً بين داعي فطرته، ومقتضيات فكرته. إذا عُرضت عليه حالةٌ تغريه بنوع من الظلم، خيانة أو سرقة أو كذباً، أو اعتداء في سبيل مكسب مادي، فلن يجد في فكرته أو معتقده ما يقول له: إن هذا خطأ فلا ترتكبه، بل سيجد فيها ما يسوِّغ له ارتكابه. سيقول لنفسه مثلاً: إذا كانت هذه الحياة هي الحياة الوحيدة التي لا حياة بعدها؛ فلماذا أضحي بهذه المكاسب؟ ما الذي أكسبه من التضحية بها؟ لكنه باعتباره إنساناً سيجد في قلبه ما يقول له: إن هذا خطأ؛ إنه أمر لا يليق؛ إنه وإنه. فإما أن يستمع إلى صوت فطرته، أو يتصرف بحسب فكرته. أما المؤمن فإنه حين يلتزم بالعدل حتى لو كان عليه فإنه يفعل ذلك تلبية لداعي فطرته الإنسانية، وتمشياً مع مقتضيات إيمانه الذي يقول له: إنك في الحقيقة تكسب حين تضحي هذه التضحية؛ لأن الله ـ تعالى ـ سيعطيك في حياتك الآخرة، وهي الحياة الدائمة أكثر مما خسرت في هذه الحياة الدنيا الفانية. إن مكارم الأخلاق أمر ضروري لكل مجتمع لكن الإلحاد يجعلها متنافية مع العقل؛ إذ يجعلها تضحية مطلقة لا مكسب من ورائها والإنسان العاقل لا يعمل عملاً لا ثمرة له، ولا يضحي تضحية مطلقة لا مكسب من ورائها. إن مثل هذا التصور يجعل الحياة الدنيوية كلها حياة متناقضة؛ فأكثر الناس نفعاً للمجتمع هم أكثر الناس خسارة. وفي هذا يقول ربنا: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] . فالحياة الدنيا تكون حياة ناقصة ومتناقضة من الناحية الخلقية، ولا تكتمل وتتسق إلا بوجود دار آخرة يثاب فيها المحسنون ويعاقب المجرمون. الإيمان بالله ـ تعالى ـ يجعل الالتزام بتلك الفضائل هي السلوك الذي يقتضيه العقل. فربنا الذي غرس محاسن الأخلاق في قلوبنا جعل الاعتقاد بالثواب عليها من مقتضياتها؛ أعني أن الثواب على عمل الخير هو مما يقتضيه الخير؛ ولذلك فإن الله ـ سبحانه ـ يجزي عليها، ويسألنا سؤالاً استنكارياً: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] . ويقول ـ تعالى ـ تعليقاً على قول عيسى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧] : ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . إذا كانت مكارم الأخلاق ضرورية لقيام النظم؛ فإن من النظم ما يساعد الناس على الالتزام بها، ومنها ما يجعل هذا الالتزام أمراً عسيراً عليهم. ولولا هذه الصلة بين ما في الباطن من قيم، وما في الظاهر من نظم، لما جعل الله دينه شاملاً لهذه النظم، بل لجعله أمراً خاصاً بأحوال القلوب كما يريد له بعض الناس أن يكون. لكن الله ـ تعالى ـ العليم بخلقه شرع للناس شرائع تتعلق بحياتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأسرية، شرائع تعينهم على الاستمساك بكل ما فطرهم عليه وشرعه لهم من فضائل إيمانية وخلقية. وقد تميزت هذه الشرائع الإسلامية النظمية باهتمام بمكارم الأخلاق لا نظير له في نظام من النظم البشرية. ففي مجال السياسة مثلاً يقول الله ـ تعالى ـ عن مهمة الحاكم: ﴿الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج: ٤١] . ويقول عن هذه الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] . فالمهمة الأولى لمن يعطيه الله قوة يسوس بها الناس هي أن يعينهم على أمر لا تقوم الحياة الفاضلة إلا به، وهو عبادة الله وما تثمره هذه العبادة من نهي عن مساوئ الأخلاق. وإذا كان المعنى الواسع للصلاة هو كل صلة بين العبد وربه، فإن المعنى الواسع للزكاة هو الإحسان إلى الناس، ولذلك كانت هذه هي المهمة الثانية لمن يعطيه الله السلطة. أما المهمة الثالثة فهي مهمة عامة يدخل فيها هاتان المهمتان وغيرهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذه أمور لم يعد مألوفاً جعلها من مهام رجال السياسة بحسب التصور الغربي اللاديني الذي صار مع الأسف هو التصور السائد في العالم بما في ذلك العالم الإسلامي. لكن عدم جعلها من مهام رجال السياسة لم يُنْجِ السياسيين من محاسبة الناس لهم بمعاييرها؛ ولذلك تجد أن أكثر ما ينتقد به الناس حكامهم هو نقد خلقي: أنهم لا يعدلون، لا يوفون بوعودهم، يكذبون، يعملون لمجدهم الشخصي، وهكذا. هذا موضوع كبير وعظيم أرجو أن نعود إليه مرة أخرى.

стр. 5370

استقالة إبراهيم بن سليمان الحيدري سعادة المدير العام: حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.. لقد عرفتُ فيكم شخصاً نبيلاً يحمل بين جنباته قلباً محباً للخير، تواقاً لخدمة الآخرين، ولقد نسجتَ بخصالك الكريمة قدوة حسنة في حسن التعامل وسمو الأخلاق. عشتُ في منظمتكم السنوات الماضية فتنفست هويتها وجرت سياساتها في عروقي، وكانت أهدافها سواد عيني؛ إلا أني ومع ذلك كله ها أنا ذا أقدم استقالتي التي لم تأتِ لتأخُّر ترقية أو فوات علاوة؛ بل لتتوقف رحلة الصراع الداخلي الذي ما عدت أطيقه. لقد سئمت أيها الفاضل الفوضى الإدارية التي عششت في المنظمة، وتداخل الصلاحيات الذي لا يُحتمل، وتلك القرارات الفردية التي تُصنع في دقائق. لقد استهلكتنا المشكلات وأرهقتنا صافرات إنذارها، وانقطعت الأنفاس عن ملاحقة مشاريع ارتجالية تقترب حيناً من الأهداف، وتبتعد في أحايين كثيرة. فوضى أوهنت العزيمة ووأدت التفكير في التطوير، وبددت كل وقت للحديث عن المستقبل بفرصه وتحدياته. سعادة المدير: إن حسن التعامل وطيب الأخلاق وحدها لا تكفي للإدارة، وإن من واجبكم وقد استرعاكم الله أمانة إدارة هذه المنظمة أن تعملوا على بنائها وفق أسس إدارية متينة تضمن لها البقاء وتفتح أمامها دروب النجاح. ختاماً أكرر تقديري لشخصكم الكريم راجياً قبول استقالتي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته موظف متميز

стр. 5371

الانضباط الذاتي د. عبد الكريم بكار تقدُّم أمة الإسلام، واحتلالها المكانة التي تليق بها بين الأمم مرتهن بحصول تقدُّم على صعيد الحياة الشخصية لشريحة واسعة من أبنائها، وبناتها. وهذا التقدم ملموس اليوم لكنه بطيء للغاية، وضيق النطاق، والسبب في هذا ربما كان كامناً في عدم امتلاكنا تقاليد ثقافية تمجد العمل الشاق، وتُعلي من شأن الإنجاز وتأجيل الرغبات. والمشكل أن كثيرين منا غرقوا في حياة، يُقضى الكثير من متطلباتها عن طريق لمس الأزرار، مما جعلهم يعتقدون بضرورة الحصول على الأشياء بطرق سهلة وعاجلة. إن هذه الفئة من الناس، تتعامل مع الشدائد والضغوط بوضعية يسودها الكثير من الكسل والفوضى واللامبالاة، ويتعاملون مع الوفرة والرخاء والجدة بالاستمتاع والإسراف والتبذير؛ وما تتم التضحية به في كلتا الحالتين هو صلابة الشخصية والانضباط الذاتي. حين نتحدث عن مسألة الانضباط الذاتي؛ فإن قسماً من الناس يعتقدون أننا نتحدث عن شيء يتصل بمعاقبة الذات أو تقييدها أو تجاهل حقوقها. وبعضهم ينظر إلى الانضباط الذاتي على أنه نوع من الحرفية أو الجمود والتكلس أو النقص في المرونة. وهذا كله غير دقيق، ولا يعبر عن جوهر هذا المصطلح. إذن ما الذي نريده منه، وما أهمية اكتساب هذا المعنى في حياتنا الشخصية؟ لعلِّي في الإجابة على هذا التساؤل أجلو الملامح الآتية: ١ - إن التدين الحق يرسم صورة زاهية وبليغة للانضباط الذاتي. إنه يجعل المسلم يقوم بالكثير من الأشياء، ويكف أيضاً عن كثير من الأمور في المنشط والمكره والرخاء، وتطبيق السُّنة في حياة المسلم يعني يقظة الوعي نحو التفاصيل، والقدرة على السيطرة على الأهواء والرغبات. لكن مشكلة كثير من الملتزمين أنهم لم يستطيعوا تعميم هذا المعنى على حركتهم اليومية؛ حيث إنهم كثيراً ما يجدون أنفسهم بعيدين عن الإنجاز العالمي وعن المثابرة على أداء العمل الشاق، وهذا أدى بالطبع إلى انخفاض إنتاجية الإنسان المسلم على نحو مخيف. إن الناتج القومي لليابان يشكّل أربعة أضعاف ناتج العالم الإسلامي برمته؛ وإذا عرفنا أن عدد المسلمين يساوي عشرة أمثال سكان اليابان ظهر لنا أن متوسط إنتاج الفرد الياباني يساوي إنتاج أربعين من المسلمين؛ أليس هذا من الأمور المحزنة؟ ٢ - يعني الانضباط الذاتي فيما يعنيه تنظيم الذات؛ حيث وضوح الأهداف واستمرار البرامج وتأجيل الرغبات. إن الشخص المنضبط يتحمل بعض الآلام، إنه يعمل وينتج ويقاوم المشتهيات؛ إذ يستسلم غيره للنزوة ويدمن الاسترخاء. وقد تبين أن حفز الذات على العمل يظل بعيد المنال ما لم يكن للإنسان أهداف مرحلية واضحة. لو تأملت في حياة كثيرين منا لوجدت أنهم يعانون من الفَوْضى الشخصية والنقص في التركيز؛ وهذان الأمران هما العدوان اللدودان للانضباط الشخصي. جرب واسأل عينة ممن حولك عما يحاولون إنجازه خلال عام، وما الخطوات التي يتبعونها في سبيل بلوغ ذلك؟ سل من حولك عن الأشياء التي يعدها أولوية في حياته خلال العام الحالي؟ ولماذا هي أولوية؟ وكيف يعبر سلوكياً عن نظرته إليها؟ إن معظم الناس لن يجدوا شيئاً يقولونه، أو أنهم سيحدثونك عن أشياء لا معنى لها. ٣ - المنضبط ذاتياً يشعر أنه يدرِّب نفسه شيئاً فشيئاً على إنجاز الأمور. وهو إلى جانب ذلك يطور خطته للإنجاز، ويتابع تنفيذ العهود التي قطعها على نفسه. إنه يعرف أن تحرير الإرادة يشكل أكبر علامات النصر على طريق طويل، وفي معركة حاسمة، ويدرك أن تحرير الإرادة يكون شيئاً مجوفاً وفارغ المضمون إذا لم يجد المرء نفسه قادراً على أداء الأعمال المهمة وإن كان يفقد الرغبة للقيام بها. وقد سألت غير واحد ممن يشتغل بالبحث العلمي عن جوهر ما يقوم به، وكان الجواب هو حب التسلي وشغل الوقت بشيء قد يكون مفيداً. وهذا الفريق من الناس ليس ضئيلاً؛ فهو يشكل شريحة واسعة بين أولئك الذين لا يؤمنون بأهمية ما يقومون به، كما لا يعرفون بالضبط الجهة التي ستستفيد من مجهوداتهم. ٤ - حين نشعر بالمسؤولية الشرعية والأخلاقية والأدبية عن أعمارنا وعن الإمكانات التي أتاحها الله ـ جل وعلا ـ لنا، فإننا سنضبط إيقاع حركتنا، وسنتعلم الاقتصاد في الجهد وفِقْه الخطوة المناسبة، وسنحاول باستمرار اكتساب العادات الجيدة. وهل السلوك الحسن سوى عدد جيد من العادات الحسنة؟ وسوف نقوم بتكرار الأعمال المثمرة والصغيرة؛ لأن ذلك يعبر عن بعض وجوه الاستقامة، كما يدل على تحلينا بفضيلة الإصرار على التقدم. مفتاح خلاص الأمة مما هي فيه شيء كامن في عقولنا ونفوسنا، حيث تدور أشرس المعارك وأنبلها، والبحث عنه في أي مكان آخر سيكون من هدر الوقت. فهل اتضحت معالم الميدان؟ وهل آن أوان التحرير؟ هذا ما أرجوه.

стр. 5372

جيل الصحوة بين الهزيمة والانطلاق (٢ - ٢) التحرير - ضيوف الندوة: - فضيلة الأستاذ الدكتور ناصر بن سليمان العمر: المشرف على موقع المسلم على الشبكة العالمية. - فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن زيد الزنيدي: الأستاذ بكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. - فضيلة الدكتور عبد الله الصبيح: الأستاذ بكلية العلوم الاجتماعية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. في العدد الماضي دارت الأسئلة والأجوبة حول: هل نحن أمام هزيمة نفسية في جيل الصحوة، وهل هي موجودة في أوساط العامة؟ وقد بين المشاركون أن الصحوة من حيث العموم لا تشهد هزيمة وإنما هناك ارتباك فكري أدى إلى بعض الظواهر التي قد تفسر عند بعضهم بالهزيمة، وتفسر عند آخرين بالارتباك الفكري. وتطرقت الندوة إلى أمور عدة منها الأطروحات العصرانية. - البيان - البيان: نعود لقضية تطويع النص على اعتبار أنها من الممارسات التي بدأت تظهر بشكل أوسع، ومن نتائجها محاولة التأقلم مع المتغيرات الحضارية والمتغيرات الثقافية والتأثر بطوفان العولمة؛ فهل أصبحت قضية تطويع النص ظاهرة؟ وهل تمثل هذه القضية مشكلة في واقع الصحوة أم أنها مجرد ممارسات فردية يمكن تجاوزها بيسر وسهولة؟ مثلاً أصبح الآن عدد من المفكرين والمثقفين يحاول أن يبحث عن اجتهادات فقهية سابقة، ويحاول أن يعيد الحياة إليها من جديد؛ ليس لأن الدليل الشرعي يقويها، وليس لأن المصلحة الشرعية تقتضيها، ولكن لأن الواقع السياسي أو الواقع الثقافي والاجتماعي ربما يتجاوب معها؛ فبدأت تظهر بعض الاجتهادات الفقهية التي قد يعدها بعضهم جزءاً من الهزيمة. - د. عبد الرحمن الزنيدي: حتى يكون في الأمور شيء من الوضوح أريد أن أبين أن حديثي هنا يتناول تيارين مختلفين: ١ - تيار تحريف النصوص. ٢ - تيار منهج التيسير أو ما يسمى الآن: منهج أصحاب التيسير؛ وهما خطان مختلفان. بالنسبة لمنهج تحريف النصوص؛ فهذا لا يوجد في دائرة الصحوة، بل هو خارج دائرة الصحوة، وهذا له مقتضى ظرفي؛ فهو ما ظهر إلا لبروز الصحوة. ومشكلة أعداء الإسلام قديماً وحديثاً هي قضية قدسية النص القرآني لديهم؛ هذه هي أعمق مشكلة لدى أعداء الإسلام قديماً وحديثاً، وقد صرحوا بهذا كما تعلمون في فرنسا؛ حيث حاول المستشرقون جهدهم عبر قرون أن يسقطوا قدسية النص، واستبشروا حينما رأوا الالتزام بالقوانين الوضعية بعد دخول الاستعمار، إلا أن المشكلة التي فاجأتهم هي عودة الصحوة الإسلامية لتجعل شعارها العودة إلى القرآن والسنة، يعني أن الأمر انعكس عليهم، وكما يقولون: انقلب السحر على الساحر، وهنا أصبحت الصحوة الإسلامية مزعجة لهم، وقامت دراسات ومراكز دراسات متخصصة في الغرب، وعقدت مؤتمرات في الغرب لدراسة واقع الصحوة وفكرها. ومن هنا برزت جهود متعددة منها الجهد المتمثل بدراسات مفكرين عرب والذي يمكن تسميته بالاستشراق العربي، وهو قيام أناس بالتعامل مع النصوص الشرعية، وهم في الأصل غير إسلاميين، وقد يكون أصلاً بعضهم غير مسلمين بالمعنى الفكري، يعني أنهم يتبنون الماركسية المخالفة للإسلام تماماً، لكنهم جاؤوا ليدرسوا النص الشرعي، وليقدموا للمسلمين صورة منه تنتهي بهم في مجملها بنظرة استشراقية، والمقصود بالنهاية هو هدم قدسية هذا النص، وقد ذكرت النماذج من خلال الأسماء مثل: (حامد نصر أبو زيد) ، وكل كتبه تتعلق بهذه القضية، ومثله (الدكتور محمد شحرور) في كتابه (القرآن والكتاب.. قراءة معاصرة) ، ومثله (محمد أركون) الذي يقرأ القرآن من خلال المنهج الألسني. البيان: لا شك أن هذا الكلام مهم جداً، لكنه استطراد في محور آخر، وكلامنا هنا عن تطويع النصوص في دائرة الصحوة، وهؤلاء ليسوا من أوساط الصحوة؟ - د. عبد الرحمن الزنيدي: هذا الذي ذكرته موجود خارج دائرة الصحوة، وكما قلت هم لا يعدون أنفسهم من الصحوة، بل يعدون أنفسهم من أعدائها، والصحوة لا تعدهم منها، ولا غيرهم أيضاً من المحايدين يعدهم من الصحوة. أما المسار الثاني فهو مسار ما يسمى (منهج التيسير) ، وهو الذي ذكر فضيلتكم أنه ظهر نتيجة تفاعلهم مع الواقع المعاصر. ربما يقول بعض الناقدين إنه نتيجة ضغط الواقع عليهم، ويمكن أن نعبر تعبيراً آخر فنقول: نتيجة تفاعلهم المباشر مع الواقع. والحقيقة أن الواقع له ضغطه بلا شك، ونتيجة لهذا حاولوا أن يبحثوا فيما يعتبرونه هم الدائرة الإسلامية التي تشمل النصوص المباشرة وقطعيتها. ثم في مجال الاجتهادات فإن هذه الاجتهادات الموجودة منها اجتهادات راجحة، واجتهادات مرجوحة. المذاهب المشهورة عندنا أربعة؛ لكن هناك اجتهادات خارج هذه المذاهب، فيقولون: لماذا لا نأخذ بها؟ عندهم عدة مناهج في قضية منهج التيسير أو بناء أحكام جديدة غير ما توافَق عليه المسلمون في عصور سابقة، وإن كانت هي موجودة ولكنها مطمورة في هذا. حقيقة أنا لا أُدخل هذا فيما يسمى بـ (الهزيمة النفسية) ، أنا أُدخله في (قضية التفاعل مع الواقع) الذي كان لهذا الواقع فيه ضغط عليه، وأن هذا وضع طبيعي. أقول: إن هذا وضع طبيعي لمن يلابس الواقع، ولا بد لمن يلابس الواقع ألا يبقى في دائرة صورة مثالية؛ فما كان نظرياً مثالياً يتغير في دائرة التطبيق؛ فالتطبيق يستلزم مرونة في التدرج ومراعاة الظروف وما تعم به البلوى ... إلخ. أنا باستطاعتي أن أجمع مجموعة من الكتب في التربية فأصوغ خطبة عن تربية الأولاد التي تخرج الملائكة، وأخطب في الناس، ويتخيلون أنني ملاك، لكن أنا إذا ذهبت إلى بيتي أجد أنني لا أستطيع أن أطبق لا نصف ولا ربع ما أتحدث به إليهم أحياناً؛ فالأمر النظري شيء، والأمر التطبيقي الواقعي شيء آخر. أمامك وضعيات، أمامك نفسيات، أمامك بشر له اهتماماته ومصالحه وأعرافه وعلاقاته. البيان: لكن ألا تلاحظ أنه حصل في هذا الاجتهاد نوع من الارتباك؛ بمعنى أن الفقهاء تفاوتوا في هذه القضية، فتوسع أقوام وانضبط أقوام آخرون؛ وبعض الذين توسعوا كانت توسعاتهم غير مرضية وغير متزنة؟ - د. عبد الرحمن الزنيدي: القضية نسبية؛ لأن كل واحد يحكم من موقعه، ويرى أن دائرته منضبطة، وما تجاوزه هو نوع من الارتباك. أما الارتباك فهو سيحدث حتماً. المسلم العالم الداعية حينما يعالج هذه القضية، ويتنزل فيها تجاوباً مع الواقع سيشعر بحرج، ليس فقط حرجاً نفسياً، بل أيضاً حرجاً فكرياً، يعني هو يشعر بأنه مسؤول أمام الله في فتواه إن أفتى بها، ومسؤول أمام الله إن نأى بنفسه عنها. - د. ناصر العمر: أما جانب تحريف النصوص فإنه بيّن، لكن ما يسمى بالتيسير أرى أنه يجب أن نفرق بين أمرين: ما ندعو إليه الناس وبين تطبيقات الناس، وقد نجد للناس مخارج أو حلولاً بعدما يقع منهم الفعل، الخطورة في أن يتابع واقع الناس المتردي، وذلك بسبب ضغط الواقع على المفتين وعلى الناس. والإشكال هو أن يتحول الاستثناء إلى منهج، أو أن تتحول الرخص في الشريعة إلى منهج، ويبدو لي أن هذا هو الذي وقع فيه بعض الفقهاء. يقابل هذا المنهج جانب متشدد فتراه يتعامل بمثالية، وكِلا هذين المنهجين خطأ. والخلاصة أن نكيِّف الواقع مع الإسلام، ولا نكيف الإسلام مع واقعهم. - د. عبد الله الصبيح: في قضية تطويع النص للواقع كما قلت بعضهم يسميه نوعاً من الاجتهاد، وقد يكون كذلك، وقد يسميه الطرف الآخر تطويعاً للنص؛ فالقضية موضع إشكال وتباين في وجهات النظر، وهذا الأمر له أسباب في واقعنا المعاصر، ومنها: ١ - انتشار الفتوى وشيوعها بسبب الفضائيات؛ فالفتوى الآن لم تعد خاصة بالمجتمع الذي تصدر له فلا يطَّلع عليها غيره؛ والأصل في الفتوى أن تكون خاصة بمن صدرت له، ولكن الفضائيات نشرتها وأصبحت الفتوى التي يفتي بها الفقيه لشخص يعيش قضية خاصة في فرنسا يسمعها الشخص في السعودية وفي اليمن وفي غيرهما من بلاد المسلمين، وهذا يجعل الشخص المستفتي ربما يعترض على مفتيه في بلده الذي يعرف ظروفه ويقدر وضعه، ويبحث عن فتوى أخرى ربما يظنها أيسر أو ربما يظنها أتقى لله . ٢ - أن بعض ما نظنه ليّاً للنصوص هو نوع من الخلاف الفقهي الذي ربما يكون أحياناً معتبراً، ومن الأمثلة على ذلك ما يحصل من خلاف حول قضية تغطية الوجه: الرأي الفقهي المعتبر في السعودية هو وجوب تغطية الوجه، وعلماء آخرون لهم رأيهم ولهم أدلتهم يرون خلاف ذلك، ومن هؤلاء (الشيخ ناصر الألباني) ، ولا يمكن أن تتهم الشيخ ناصر الألباني بأنه أراد أن يجاري الواقع، ولكن هذا نوع من الاجتهاد السائغ والخلاف المعتبر. البيان: هذا صحيح، لكن لا شك في أن بعض الفقهاء المعاصرين رجَّح هذا الرأي أو ذاك ليس من منطلق دراسة النصوص الشرعية، بل بسبب ضغط الواقع، أو الاستسلام للإلف والعادة. - د. عبد الله الصبيح: ربما؛ وهنا تأتي أهمية وعي الفقيه وتجرده للحق، ولا بد من ملاحظة ضرورة اتساع الصدر للرأي المخالف. البيان: أعود لأصل الموضوع وأقول: كيف يمكن إعادة التوازن في بناء الصحوة من جديد؟ - د. عبد الرحمن الزنيدي: الصحوة الإسلامية تيار عام، الصحوة تعم الأمة بمختلف شرائحها، ومن ثم فينبغي أن لا نضع صورة مثالية نحكم بأن عدم الوصول إليها اختلال وسقوط. وحتى أوضِّح الصورة؛ فإن غالب التيارات الأخرى في العالم الإسلامي تيارات نخب ثقافية وسياسية محدودة، ومن ثم يمكن مطالبتها بأن تكون على مستوى دعوتها، لكن الأمر غير ذلك بالنسبة لصحوة أمة تحتوي وستبقى محتوية على الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات. لا يعني ذلك أن نقف في البناء الصحوي عن ترقيته نحو الأفضل إلى مجرد النظر المعجب بها فقط، كلاَّ! إن ترشيد مسيرة الصحوة، وعلاج الأدواء العارضة لها أمر واجب؛ إذ هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة للمسلمين. ومن أهم قضايا الإصلاح المطلوبة في الصحوة الإسلامية تحقيق التوازن المعتدل بين جوانب بناءاتها بين الجانب التعبدي والجانب الاجتماعي، بين المجال التربوي، والمجال السياسي، بين الاندفاع في حماية الدين ونصرة الحق والتعقل ورعاية المصالح في اتخاذ المواقف والتصرفات ... إلخ. من أهم وسائل تحقيق هذا التوازن فقه الدين؛ فقه منهج الإسلام المبني على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، منهج الإسلام الشمولي، وعدم الاندفاع مع ردات الفعل غير محسوبة العواقب للأحداث والمفاجآت. البيان: كيف يستطيع جيل الصحوة تحصين الصف من مظاهر الهزيمة النفسية لدى عامة المسلمين والتقليل من آثار الارتباك؟ - د. عبد الرحمن الزنيدي: نعم! للارتباك وجه سلبي من حيث كونه اضطراب رؤية، وتخويفاً من الجو المحيط، وعجزاً عن اتخاذ مواقف، أو عدم ثقة في المواقف المتخذة، لكنَّ له وجهاً مشرقاً يتمثل في أنه يحمي الإنسان من الاندراج في تيار الأحداث انسياقاً معها أو مضادة لها دون وعي، وفي أنه ليس مجرد وعي، وإنما هي لحظات استبصار وتأمل يبحث عن الأرشد؛ ولهذا فالسؤال هو: كيف نتجاوز موقف الارتباك نحو مواقف إيجابية مبنية على هدي الشريعة وعقلانية النظر وحساب كل جوانب القضية؟ السبيل هنا هو ما ذكرته ـ ربما ـ قبلاً من الانطلاق من الرؤية الشرعية المتزنة لا من ردات الفعل، والفقه السديد بمقاصد الشريعة وأولويات المصالح؛ لأن غالب إشكاليات الصحوة ليست في مسائل تعبدية جاءت عموم أحكامها محسومة في الشرع، لكنها في مناهج دعوية وفي شؤون اجتماعية مدارها مقاصد الشريعة وجلب المصالح ودرء المفاسد، وأيضاً فقه الواقع بامتلاك تصورات صحيحة متماسكة لهذا الواقع ليكون الحكم عليه المنطلِقُ من هذا التصور سديداً. البيان: هل من تجارب معاصرة تُستثمر في تجاوز الأزمة؟ - د. عبد الرحمن الزنيدي: أزمة؟ أية أزمة؟ الأمة الإسلامية ممثلة بصحوتها الشاملة لمختلف شرائحها تعيش حالة تطلع وتحفز نفسي للنهوض، وتهيؤ لتقديم الجهود لتحقيق هذا النهوض الحضاري. نعم! المعوقات كثيرة وضخمة، ونواقص العلم والمعرفة حقيقة موجودة، وبطء الحركة مشهودة، لكن كل ذلك لا يبرر وصف الأمر بأزمة، بل ربما بعض هذه الأشياء تعد نعمة للصحوة، وبالذات المعوقات وجهود الأعداء؛ لأنها تشحذ العزم وتستحث لجمع الجهد، وللتوحد في العمل، وهي متطلبات ضرورية لحركة النهوض الحضاري. البيان: النظر للجانب المحزن المولد للاحباط. - د. عبد الرحمن الزنيدي: ليس هذا منهج المسلم، منهج المسلم دائماً استبشاري تفاؤلي، وقد كان رسول الله ﷺ أعظم الناس تفاؤلاً في الساعات الحرجة، وكيف تحجب النظرة السوداوية رؤية المسلم وهو الذي يوقن بحكمة الله في تدبيره، وبمعية الله لعباده المؤمنين، وبأنه ما دام محتسباً مستقيماً على خير في كل أحواله «إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» . ليس معنى هذا طبعاً أن يتجاهل المسلم ما تعيشه الأمة من تخلف، وما يعتور سيرها من عثرات ونواقص، بل يستحضرها في حسبانه، لكنه لا يقعد عندها نائحاً نادباً دون حراك وتطلع؛ إنه يُبعد هذه الحجارة عن طريقه ما دام نظره إلى أهدافه من ورائها سائراً إلى تلك الأهداف مزيلاً تلك الحجارة عن طريقه. البيان: هل هناك مؤشرات حقيقية لهذا التفاؤل؟ - د. عبد الرحمن الزنيدي: إذا تجاوزنا القاعدة الشرعية لموقف التفاؤل شعوراً بعدل الله وحكمته في أمره، وبمعيته للمؤمنين، وبحربه لمن يعادي أولياءه الصالحين؛ فإن مؤشرات السنن الاجتماعية والمعطيات الواقعية إذا قُرئت من زاوية أوسع من الأحداث الفردية بانفعالاتها السريعة اشتعالاً وانطفاء، كلها تدعم التفاؤل بظهور الإسلام ونهضة المسلمين نهضة مرتكزة على الإسلام بصفته المبدأ الأرشد في إصلاح الأحوال وحل المشكلات والشهادة على الناس. - إن تحولات الأمة إذا نُظر إليها عبر مسيرة قرن كامل أو نصف قرن أو حتى ربع قرن تؤكد التقدم نحو الأفضل في القرب من الإسلام وارتقاء مستوى الفقه فيه وبناء الحياة على مقرراته. - إن انفتاح رواد الصحوة علماءً ودعاةً ومثقفين على عصرهم بروح الإسلام دون انبهار مُعمٍ، ولا استغلاقٍ انكماشي. - إن سقوط رايات الكفر والضلال والشرود والاغتراب في العالم الإسلامي كله على المستويات الثقافية والسياسية. - إن الاستثمار الراشد لمنجزات العصر في الدعوة إلى الإسلام والبناء الحضاري. - إن التفاعل الإيجابي مع تداعيات العولمة السلبية والإيجابية. - إن اعتراف أعداء الأمة ودينها بأن صحوتها الراهنة ليست محصورة في تدين شخصي، وإنما هي انبعاث حضاري بمشروع شامل ينبغي أن تُستنفر القوى الكبرى لمواجهته. - ثم إن إحسان المواقف تجاه هذه التداعيات العولمية والاستفزازات والتضييق، وضبط النفس وتلمس بدائل ممكنة للأبواب التي تغلق تجاه الدعوة وحركة النهوض. كل ذلك يمثل مؤشرات للتفاؤل والاستبشار والآمال التي ينبغي أن تحفز على الحركة والتواصل وتقوية الذات أكثر فأكثر. إن وجود معوِّقين ومخذِّلين وأُجَراء لأعداء الأمة حتى أحياناً باسم الدعوة والغيرة على الدين، وإن وجود متطرفين يقفزون فوق سنن الله في التغيير الاجتماعي، ونحو ذلك لا يمثل عامل إحباط يُسقط تلك المؤشرات؛ خاصة ونحن نشهد أن مثل هؤلاء أصبحوا شذوذاً عن مسيرة الصحوة العامة محدودين في أعدادهم ومساحة التقبل لهم. - د. عبد الله الصبيح: يقال دائماً «الحكم على الشيء فرع عن تصوره» فالتصور الصحيح يؤدي إلى حكم صحيح، وما تحتاجه الصحوة من أجل إعادة التوازن في البناء ـ في نظري ـ هو إعادة بناء تصوراتها المعرفية بناء صحيحاً؛ وهذا يقتضي وجود تكامل معرفي يحتوي على مجموعة من المعارف: الشرعية، والفلسفية، والاجتماعية، والاقتصادية. في الماضي كان ما يدرسه الفقيه في المتن الفقهي هو ما يمارسه الناس في الواقع أو قريب منه؛ أما الآن فلم يعد المتن الفقهي الذي يدرسه الطالب يمثل مرجعية للسلوك في كثير من شؤون الناس، وأصبحت المعارف الأخرى بل تجارب الشعوب الأخرى تمثل مرجعية للسلوك أكثر من كتاب الفقه. والفقيه كي يعدِّل سلوك الناس ويحكم على الواقعات التي يراها أمامه لا بد له من معرفة بهذه العلوم والمعارف التي تؤثر في سلوك الناس. والتكامل المعرفي يكون بإعادة بناء مناهجنا الدراسية في الأقسام الشرعية والأقسام الاجتماعية على حد سواء، وإذا لم يتحقق ذلك فلا أقل من إقامة ندوات مشتركة يشترك فيها أصحاب التخصص الشرعي مع نظرائهم من أصحاب التخصصات الأخرى، وهذه الندوات سوف تثري الطرفين بلا شك، ويطلع كل فريق على ما خفي عليه مما يعلمه الطرف الآخر. البيان: كيف يستطيع جيل الصحوة تحصين الصف من مظاهر الهزيمة النفسية الموجودة عند عامة المسلمين، والتقلل من آثار الارتباك التي أشرنا إليها في أول الندوة؟ - د. ناصر العمر: لعلِّي أركز على أبرز الأسباب التي توقع في الهزيمة النفسية، فمنها: الفتور، الانقطاع عن الطريق، اختلاف القلوب، تنقّص العلماء والحكماء، الانتكاسة والعياذ بالله، الاستسلام للعدو، ذهاب ريح الأمة، كل هذه الأسباب توصل في النهاية إلى الهزيمة النفسية إذا وقعت، فتجنب هذه الأشياء بكاملها، وتصور عقبات الطريق كل ذلك ينقذ ـ بإذن الله ـ من هذا الأمر؛ ومن هنا فإن الأسباب التي تنجي، وتكون حصانة وعلاجاً ألخصها فيما يلي: أولاً: فهم القرآن: إننا لم نُعطِ القرآن حقه الواجب من الفهم والتدبر، ولا شك أن للقرآن تأثيره الإيجابي في التخلص من كثير من الأمراض والآفات الحسية والمعنوية؛ ففهم القرآن هو المنجي بإذن الله والمخلص، بل أكاد أجزم أنه مانع بإذن الله من الهزيمة، والآيات صريحة في توضيح هذا الأمر، مثلاً: ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] ، هذا نموذج للخلاص من الهزيمة النفسية. ثانياً: سيرة الرسول محمد ﷺ وسير الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ: فالذي يدرس سيرة الأنبياء يتعجب، مع ما مروا به من أحوال قاسية وظروف صعبة يلحظ أنه لم تمر بهم الهزيمة النفسية أبداً في حياتهم؛ فدراسة سيرة محمد ﷺ وسيرة الأنبياء الثابتة في القرآن والسنة هذه أيضاً تخلِّص من الهزيمة، وكلمةُ تخلِّص تتضمن المعنيين: عدم الوقوع، والنجاة إذا وقعت. ثالثاً: سِيَر المجددين والمصلحين: وهذا أيضاً مهم جداً؛ لأن المجددين والمصلحين ليسوا أنبياء، ومع ذلك نرى كيف واجهوا ذلك ونقلوا الأمم من واقع إلى واقع، ولو أنهم استسلموا للهزيمة النفسية لما أصبحوا من المجددين، وما أثروا في تاريخ الأمة. رابعاً: أيضاً من أبرز ما يحتاج أن يربى عليه الناس عدم الاعتماد المجرد على المظاهر المادية؛ فالإشكال أن أكثر ما يوجِد الهزيمة النفسية هو التعامل المباشر مع المظاهر المادية دون الرجوع إلى السنن الكونية والكتاب والسنة، فلا شك أنها تؤثر؛ فالأحداث الجارية صباح مساء مؤثرة في حياة الناس؛ إذن عدم الاعتماد عليها فقط وفهم وإدراك هذه الأحداث يساعد بإذن الله. خامساً: فهم الواقع على حقيقته دون مبالغة، والتعامل معه بفقه ووعي، كل هذا يخلص بإذن الله. وأركز هنا على ضرورة أن تكون الدعوات مبنية على أصول شرعية ثابتة وهي أصول الكتاب والسنة؛ فإذا كانت الدعوات مؤصلة فإنها لا تنهزم ولا تهتز، كالبناء الذي له أسس قوية جداً، أما إذا كانت هشة ضعيفة فهي عرضة للتبديل والتغيير، والله أعلم. البيان: ذكرتم فضيلة الشيخ! سِيَر الأنبياء والمجددين والمصلحين؛ فهل ثمة تجارب من التاريخ أو من الواقع المعاصر يمكن من خلالها أن نستثمر تلك التجارب وتعيننا في تجاوز الأزمات التي يمكن أن تحدث في المستقبل؟ - د. ناصر العمر: أبرز التجارب المعاصرة لدينا تجربة أفغانستان، ويجب أن ننظر إليها من الزاوية الإيجابية. لما دخلت روسيا بجبروتها وقوتها وغطرستها إلى أفغانستان؛ فإن الذين يتعاملون مع المادة يرضون بالهزيمة، وقد يستسلمون مباشرة وحدث هذا، لكن الذين تعاملوا بأسلوب آخر وأعلنوا الجهاد الحقيقي في حينه ماذا حدث بسبب ذلك؟ كما تعلم ما هي إلا سنوات معدودة ـ اعتقد أنها قصيرة جداً ـ في عمر الزمن حتى تداعت الأمة إلى الجهاد مع حداثة التجربة، ومع أن الأمة منقطعة لفترة طويلة عن الجهاد، وما يجري في فلسطين لم تشارك فيه الأمة من خارج فلسطين إلا قليلاً، مع ذلك انظر كيف كانت النتائج؟ أما ما حدث من سلبيات بعد ذلك فمسألة أخرى ليست مقصودة في حديثي، ولم يستثمر هذا الانتصار في أفغانستان واستغله الأعداء. وقد تحقق في قضية فلسطين انتصارات ضخمة مع أن العالم تقريباً يكاد يُجمع ـ حتى من داخل الدول العربية وغيرها ـ ضد المسلمين وضد المجاهدين، ومع ذلك فالانتصار ظاهر وبارز. بالأمس القريب كنت أنظر إلى محاولة اليهود اقتحام المسجد الأقصى، وفجأة نجد هذا الحشد الهائل بعشرات الآلاف من الفلسطينيين مع قوة الضربات، ومع شدة الأزمات، ومع الظروف المعيشية ومع التعذيب ومع التنكيل، ومع ذلك كله نلحظ القوة والسيطرة وتراجع العدو في أماكن كثيرة. يكفي أن أقول كلمة واحدة: إن الصوت الأعلى هو صوت الجهاد ضد تلك المؤامرات، بل حتى في العمل السياسي عندما أجريت الانتخابات البلدية الفلسطينية، حصلت حماس على ٧٠% تقريباً، مع أننا لا نسلِّم بنزاهة الانتخابات تماماً؛ فكيف لو كانت نزيهة؟ في المشهد العراقي مثال آخر؛ لما دخلت أمريكا للعراق ما كان أحد يتصور أن يصمد الشعب العراقي هذا الصمود، الآن أمريكا في مأزق لا يُشَك فيه. وهذا الثبات بحد ذاته انتصار عظيم، وعدم استسلام المصلحين لروح الهزيمة هي البداية القوية للنصر. قارن بين ما يحدث في العراق خلال السنتين الماضيتين وبين أيام التتار عندما استسلم الناس وهُزموا نفسياً! إن هذه الأمثلة من أعظم التجارب. أيضاً تجربة البلقان وما حدث فيه يؤكد هذه الحقيقة. إذن هذه تجارب واضحة وقوية لم يستسلم أصحابها للهزيمة النفسية أبداً؛ مع أن كل الأدلة الظاهرة المادية قد تدعو إلى مثل ذلك. وأؤكد أن من أعظمها وأبرزها لديَّ قضية فلسطين، ولا تزال وستظل بإذن الله أنموذجاً حياً حتى يتحقق الانتصار الحاسم. - د. عبد الله الصبيح: جواباً على سؤالك: «كيف يستطيع جيل الصحوة تحصين الصف من مظاهر الهزيمة النفسية الموجودة عند عامة المسلمين والتقلل من آثار الارتباك؟» أقول: قد ذكرت في مطلع حديثي عن الهزيمة النفسية أن لها صورتين: الأولى: هي هزيمة الذات أمام المبدأ. والثانية: هي هزيمة المبدأ أمام الواقع. وعلاج الصورة الأولى يكون بالتربية الإيمانية، والتربية على الزهد في الدنيا. وعلاج الصورة الثانية يكون بأمور: الأول: بالتكامل المعرفي، والجمع بين الثقافتين الشرعية والمدنية. الثاني: بتجاوز صدمة الانبهار أمام الواقع؛ فبعض الأساليب التربوية تحول بين الفرد والاتصال بالواقع ومعايشته، ويصور له بأنه شر وفساد؛ فإذا واجه الشخص الواقع فربما اكتشف أن الواقع ليس كما صُوِّر له، أو يكتشف أن أدواته عاجزة عن التعامل مع الواقع الجديد، فيشعر بالانبهار، وينهزم أمامه. ومعالجة هذا بتربية الفرد على مواجهة الواقع والتعايش معه بدلاً من العزلة عنه ثم مواجهته فجأة. إن المواجهة المستمرة المتدرجة مع الواقع تجبر الشخص على تطوير أدواته في التعامل مع واقعه والتكيف معه. الثالث: الاطلاع على التجارب الناجحة التي استطاعت مواجهة الواقع وقدمت نماذج سليمة. إن توسيع المدارك بمعرفة بدائل عديدة من تجارب الشعوب سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة لا يجعل الشخص يشعر بالإحباط في مواجهة الواقع، بل يكبر عنده الأمل في التغلب عليه لما يعلمه من بدائل ناجحة. البيان: لكن لو نظرنا إلى واقع بعض الناس فإننا نجد أنهم ينظرون إلى الجانب المحزن من هذه التفاعلات العالمية في الواقع المعاصر، وهذا ولَّد شعوراً بالإحباط عند بعض الناس. - د. ناصر العمر: هذا يفسر ما قلته لك سابقاً. لا ينبغي أن نتعامل مع الحدث اليومي مباشرة بمعزل عن السنن الكونية والمنهج القرآني وسيرة الرسول ﷺ . فالذي يدرس سيرة الرسول ﷺ يرى أنه مر بمكة في ظروف أقسى من التي نمر بها ونعيشها الآن. يقول الله : ﴿حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠] . الذي يتعامل مع الجانب المادي والحدث اليومي فقط قد يحدث عنده شيء من الانهزام، وأما من يتعامل مع القرآن والسنن الكونية، مع الأخذ بالأسباب فإنه لا يشك ـ بإذن الله ـ في تحقيق نصر الله. لكن نؤكد على حكمة الله ـ جل وعلا ـ البالغة في جعل الأسباب مؤثرة في الحياة؛ فمثلاً: الخلاف والاختلاف بين الدعاة عوامل مؤثرة تؤخر النصر، وكذلك سوء الظن بالله ـ جل وعلا ـ من أبرز الأسباب التي تؤخر النصر؛ وفي هذا الأمر يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] . ولذلك لو أن الناس تلافوا الأسباب التي هم واقعون فيها واجتهدوا في هذا الأمر؛ فإن النصر سيكون أقرب مما يتصورون. قد يقول قائل: الناس الآن لم يتلافوا هذا الأمر؛ فمعناه أن الهزيمة قد وقعت. هذا غير صحيح، بل الانتصار قائم الآن ولله الحمد، والمناطق الساخنة في العالم مثل فلسطين، العراق، الشيشان، نموذج لذلك. إذن نحن نتعامل مع نصوص الوحي ونتعامل مع الأسس والقواعد والسنن الكونية، ولا نتعامل فقط مع مجرد الحدث اليومي، مع أهمية مراعاة الحدث اليومي؛ فقد جعل الله ـ جل وعلا ـ له أساساً في الانتصار. قال ـ تعالى ـ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] ، ولكن يراعى في حدود، ولكن لا يعني الاستسلام كما قال ـ تعالى ـ: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . البيان: لكن هل هناك مؤشرات حقيقية لهذا التفاؤل. نحن نؤمن بأن النصر قادم وبأن العاقبة للمتقين، لكن هل يمكن أن يتحول هذا الفأل الحسن إلى واقع تعيشه الأمة؟ - د. ناصر العمر: نعم! يمكن، بل هذا هو الذي يجب أن يكون، وهذا دائماً أطرحه باسم التفاؤل الإيجابي، وهو أن يتحول التفاؤل الذي تطرحه الألسنة وتتلقاه الأسماع والقلوب إلى برامج عملية، مع ما أشرت إليه سابقاً بعدم الاستسلام للهزيمة مهما كانت النتائج. التفاؤل الإيجابي ليس تحقيقه مرتبطاً بتحقق النتائج المباشرة؛ إنما يتحقق بإيجاد التفاؤل الإيجابي الدافع للعطاء، وبهذه المناسبة أوضح هذا المفهوم؛ لأن بعضاً قد أخطأ في فهمه للتفاؤل. فالتفاؤل هو مقدار تحقق التزام الدعاة بالمنهج الذي أنزله الله ـ سبحانه ـ سواء التزم به الناس أو لم يلتزموا؛ فثبات الدعاة وثبات المصلحين على مناهجهم مهما كان الأمر يعتبر انتصاراً، وأعطي دليلاً يؤكد هذه الحقيقة؛ فقد بينت قبل سنوات في كتاب (حقيقة الانتصار) أن الله ـ جل وعلا ـ قال: ﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] ؛ فبعض الأنبياء كما في الحديث الصحيح لم يؤمن معه أحد، وبعضهم آمن معه رجل واحد فقط، مع أن الله ـ تعالى ـ قال: ﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] ، ليس فقط في الآخرة ويوم يقوم الأشهاد، بل في الدنيا. إذن مفهوم النصر والهزيمة في أذهان كثير من الناس خطأ، لأنه يتعامل مع الواقع المادي فقط، وهذا خطأ، والصواب أن ثبات الداعية وثبات النبي والرسول وثبات المصلح والمجدد على مبدئه ومنهجه هو الانتصار بذاته، وهو أعظم الانتصارات. أيضاً لفت نظري في سورة القصص قوله ـ تعالى ـ والخطاب لموسى وهارون ﵉: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] ، بعد ذلك جاءت قضية السحرة؛ والقول الراجح أن فرعون قتلهم ومع ذلك فإن الله قال: ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ ، والسحرة ممن اتبع موسى وهارون؛ إذن وهم قتلوا فأين الغلبة؟ الغلبة أنهم ثبتوا عندما هددهم فرعون بالقتل، وكان جوابهم له كما في سورة الشعراء، وطه: ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] ، وأيضاً في السورة الأخرى: ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] . كل الآيات تدل على أنهم ثبتوا على منهجهم إلى آخر لحظة، سواء أكان فرعون نفذ تهديده أم على القول الآخر أنه لم ينفذ، لكن الراجح أنه نفذ، وهذا الذي يدل عليه سياق الآيات، ومع ذلك ثبتوا، ولهذا يعتبر هذا انتصاراً عظيماً كما قال ـ تعالى ـ: ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] ؛ فهذه هي الغلبة في الحقيقة. على مدار التاريخ نجد أن حاكماً أو غيره يقتل مصلحاً لكن القاتل يشعر في داخله أنه هو المغلوب، ويشعر أن المقتول هو المنتصر، وأقوى دليل على ذلك قصة أصحاب الأخدود أنهم كلهم قتلوا ومع ذلك فهذا انتصار عظيم: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] . لو أننا تعاملنا مع هذه الحقائق لما كان لليأس مكان. إذن التفاؤل الإيجابي هو تفاؤل النبي ﷺ حيث كان يربي في أصحابه التفاؤل، لكنه كان يعمل، وكان يجتهد، وكان يستحثهم على العمل والإنجاز. هنا أختم بكلمة: لا أعرف فترة خلال السنوات الماضية مرت بها الصحوة من الانتشار والقوة والمكانة والتمكن كما هي اليوم، ومع ذلك لو أن كل واحد من هؤلاء الدعاة أو كل مجموعة دعوية قامت بمشروع إيجابي عملي لتغير واقع الأمر لانتصرت الأمة، لكن مع الأسف نميل للنقاش والجدال والخصومة وخدمة الأعداء من حيث لا نشعر. وأخيراً: وجدت تلازماً بين تفاؤل النبي ﷺ وبين اشتداد الأزمة؛ فإذا اشتدت الأزمة على محمد ﷺ وجدنا أنه أكثر الناس تفاؤلاً، وهذا واضح في كل سيرته، بل وجدت في القرآن تلازماً بين الشدة والفرج، والعسر واليسر. إذن فالشدة التي يجدها بعضهم طريقاً للهزيمة النفسية، أو دليلاً عليها، اعتبرها من أكبر أدلة التفاؤل؟ لأن الانتصار يأتي بعدها إذا أخذت الأمة بأسبابه، وكانت إيجابية، وكانت عملية، ولا أشك في تحقق هذا، وأقوى مثال عندي قضية فلسطين؛ فلو خُلّي بين الأمة وبين عدوها في فلسطين ما لبث اليهود إلاَّ قليلاً، هذه قناعتي، لكن مع الأسف الواقع غير ذلك. - د. عبد الله الصبيح: هناك عدد من العوامل مرتبطة بنظرة التشاؤم هذه التي تتحدث عنها منها: ١ - النظر إلى الجانب المحزن والنظر إلى الجانب الإيجابي من واقع الأمة هو نتيجة للتربية التي يتربى عليها الشخص؛ فإذا كان المنهج التربوي يتصيد الأخطاء عند الأمة والمصائب التي تمر بها، ويتربى على نظرية المؤامرة؛ فإن النتيجة هي الشعور بالإحباط أو الثورة على الأمة والتغيير بالقوة. ٢ - النظرة المثالية التي يتربى عليها بعض الناس ويريد الأمة أن تكون عليها. إن الذي يجب أن نعلمه أن الفساد والضعف حدث في الأمة متدرجاً عبر عشرات السنين، بل مئات السنين، وليس نتيجة يوم وليلة؛ إنه لم يحدث فجأة وحاشا لله أن يقع فجأة؛ وزواله لا يكون فجأة، بل لا بد من التدرج في إصلاحه. ولهذا لا بد أن يتربى الشباب على الواقعية في الإصلاح، فيُسَرَّ بالإصلاح الجزئي ويشارك فيه ويسعى لما بعده من الإصلاح ويطالب به. أما أن يرفض كل خطوة نحو الإصلاح؛ لأنها لا تحقق ما يسعى إليه من الصورة المثالية التي في ذهنه؛ فهذا سوف يفضي به إلى النظرة التشاؤمية واليأس في صلاح الأمة؛ وربما ينتج عن هذا هزيمة نفسية، وهي هزيمة المبدأ أمام الواقع الذي أشرت إليه من قبل.

стр. 5373

مصر الجائزة (٢) د. عبد العزيز كامل رياح التغيير مشاريع بلا مشروعية.. ومشروعية بلا مشاريع لأول مرة بعد انتهاء العهد الاشتراكي في مصر، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية راغبة في إجراء تغيير حقيقي في ذلك البلد، وهو ما يدخل ضمن التوجه نحو التغيير الجذري في المنطقة كلها. والتغيير الذي ترمي إليه الولايات المتحدة قد لا يكون عاجلاً، ولكنها تريده شاملاً ومفتوحاً على النواحي السياسية والثقافية والإعلامية والتعليمية. وقد وقع الاختيار على مصر ـ كما تشير التطورات والتصريحات ـ لتكون محوراً لبناء نظام عربي جديد، يتواءم مع النظام العالمي الجديد، القائم على هيمنة أمريكية على المستوى الدولي، وهيمنة إسرائيلية على المستوى الإقليمي. وهذا التغيير، لن يكون كله بالضرورة في ظل المرحلة الراهنة، بل إن المؤشرات تشير إلى توجه نحو إنشاء أو تقوية جهات أو منظمات أو أحزاب علمانية أو ليبرالية جديدة تقبل التعامل المباشر مع الأوامر العليا والتوجهات الخاصة للولايات المتحدة، دونما تحرج أو استحياء. وهناك العديد من منتديات وفعاليات العمل السياسي، تعرض نفسها للقيام بهذا الدور، وقد تشجعها أكثر تلك الإشارات التي بعثت بها الولايات المتحدة عن طريق وزيرة خارجيتها كوندليزا رايس، حيث طلبت من لجنة بالكونجرس الأمريكي أن تدرس تحويل المعونة الأمريكية السنوية التي تتسلمها الحكومة المصرية منذ إبرام معاهدة السلام مع (إسرائيل) والبالغة ملياري دولار، إلى منظمات المجتمع المدني والفعاليات السياسية المتطلعة إلى التغيير، وهو ما سيدفع ـ إن حدث ـ تلك الأحزاب والمنظمات المدنية إلى التنافس فيما بينها لاسترضاء أمريكا لأجل الحصول على حصتها من هذه (المعونة) . إلا أن التغيير المرجو عن طريق تبني قوى جديدة، قد يستغرق وقتاً؛ ولهذا فإن الخيارات الأمريكية تظل محدودة في الوقت الحاضر، وهو ما يفسر التضارب بين إشاراتها بتبني هذه الجهة أو تلك، في المرحلة الحالية. وأياً كانت الرهانات الراهنة للموقف الأمريكي؛ فإن الولايات المتحدة تريد أن تضمن استمرار وتطوير مصالحها التي ظلت تجنيها منذ التحول المصري إلى المعسكر الغربي بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م، وإبرام معاهدة السلام مع الدولة اليهودية. وهذه المصالح تتلخص في: ١ - الحفاظ على نظام علماني خالص، قوي أمنياً، وضعيف اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، بما يضمن بقاء مصر بعيدة عن احتمال التحول إلى طليعة نهضة إسلامية أو عربية من أي نوع: اقتصادي أو سياسي أو عسكري أو حتى اجتماعي. ٢ - استمرار الأوضاع الضامنة لأمن (إسرائيل) ، بحيث لا تصل أي قوة إلى السلطة تنقض ما فرضته الولايات المتحدة من (سلام) ثنائي راهنت أمريكا ـ ولا تزال ـ على تحويله إلى استسلام عام يحول دون الوقوف أمام مشاريع الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية. ٣ - الإبقاء على الدولة المصرية، شريكاً فعالاً في حرب أمريكا العالمية على ما تسميه بالإرهاب، وهي الحرب التي يُنتظر من النظام القادم في مصر ـ أياً كان ـ أن يقوم بدور بارز فيها على المستوى الإقليمي لفترة ربما تطول، لشمول هذه الحرب، وكونها تستهدف تغييراً عميقاً في بنية الشعوب العربية، لا يقوى على التعاون الفعال فيه إلا بلد مؤثر كمصر. ٤ - استمرار الاستفادة من إمكانات مصر الاستراتيجية، جغرافياً وعسكرياً لخدمة مشروعات الهيمنة العالمية لأمريكا، والإقليمية لـ (إسرائيل) . ٥ - ضمان الإبقاء على حالة العجز والوهن العربي والإسلامي الراهن، الناتج عن عزل دول الريادة ـ ومنها مصر ـ بعضها عن بعض، وإشغالها بهموم داخلية وقضايا هامشية تأخذها بعيداً عن أي تحرك فاعل تجاه أي تطورات جادة تطرأ في المنطقة في المستقبل المنظور: (السودان ـ سوريا ـ لبنان ـ ليبيا ـ دول الخليج ـ اليمن) . ولكن أكثر الناس في مصر ـ فيما يبدو ـ تستغرقهم تفاصيل اللحظة، وربما غاصوا في فرعيات وجزئيات تلهيهم عما وراء التحرش الأمريكي الذي تحركه نوازع الهيمنة الإمبراطورية التي تضع مصر في قلب حركة التغيير ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهو المشروع الذي لن يقوم إلا على ذلك التحالف غير المقدس، بين العلمانيين وأعداء المسلمين. - العلمانية في المشهد المصري الراهن: ألقت مأساة غزو العراق أول حجر في البِِركة السياسية الراكدة في مصر، مثلما ألقتها في بِرك عربية عديدة أخرى، حيث حركت تلك المأساة الضمائر وأيقظت المشاعر ليتساءل الناس: ما الذي أوصلنا إلى هذا الدرك الوضيع..؟ وما السبب في تتابع الهزائم في ظل أنظمة جاءت لأجل التحرر والاستقلال؟ وهل هذه الأنظمة مستقلة حقاً؟.. وهل كانت مشاركتها في صنع هذا الهوان مشاركة اضطرار أم اختيار؟! وهل كانت كلها في غفلة نائمة ... أم أن بعضها كانت في يقظتها خائنة؟ وهل استفادت واعتبرت.. أم أنها تمادت واغترت؟! هل هناك متسع للتدارك والإصلاح والتغيير ... أم كل ذلك لا يُنتظر إلا على يد الغير؟! وقد أضافت ضغوط المشكلات في الداخل ـ في مصر وغيرها ـ جرعات من الشعور بالضيم تجاه التحديات من الخارج، فأصبحت كل التساؤلات تؤول إلى التنادي بالتغيير والتطلع للإصلاح. وصادف هذا تنادياً وتطلعاً أمريكياً إلى «الإصلاح» والتغيير، ولكن وفق برامج معادية في أجندة مغايرة، عرف الجميع الآن معالمها الرامية إلى تغيير القيم وتوطين الوهن. ولكن طرفاً ثالثاً وجد في شعار الإصلاح والتغيير مناسبة سانحة للقيام بدور ما، وهذا الطرف هو قوى العلمانية المهمشة، التي لم تجد طريقها بعد إلى القوة والسلطة، وهى قوىً؛ بعضها هرمة تجاوزها الزمن، وبعضها فتية تراهن على تقلبات الزمن. وبين هذه وتلك، لا يكاد المرء يرى اهتماماً بما وراء شعارات الإصلاح والتغيير الأمريكي ـ مما سبق ذكره ـ ولا يكاد يسمع حديثاً عن الهوية المستهدفة لهذه الأمة باسم ذلك الإصلاح والتغيير وهي الهوية الإسلامية. في مصر الآن ٢١ حزباً رسمياً، ونحو ١٥ حركة سياسية غير رسمية، كلها تنادي بالتغيير والإصلاح، والغالب عليها كلها، أنها ذات منطلقات علمانية، ليبرالية أو يسارية أو ناصرية أو قومية أو شيوعية، وكلها ـ باستثناء حزب العمل والإخوان المسلمين ـ يعملون للوصول إلى السلطة القادمة أو المشاركة فيها لصنع المتغيرات، بنَفَس علماني، وفكر لا ديني، مع أن هذا التيار العلماني يعلم علم اليقين، أنه مجرد «تيار» يسير عكس طوفان بشري لا يزال مخلصاً لدينه، متشبثاً بشريعته، راغباً في حمايتها والحياة تحت مظلتها، غير رهَّاب من إرهاب الحرب الأمريكية، ولا هيَّاب من مواجهة خطتها التغييرية الشريرة التي تستهدف فرائض الشريعة وثوابت العقيدة وأمهات القيم والأخلاق، إضافة إلى استهداف كل ثمين وغالٍ قي الثروات والمقدرات. إننا أمام منظومات فكرية علمانية جديدة، لا ندري ماذا ستفعل في المرحلة المقبلة، إلا أننا نعلم أن أمثالها درج على امتداد عقود متطاولة مضت ـ في مصر وغيرها ـ على احتكار السلطة، والاستئثار بالثروة، والانتداب لتحديات ليست لها ولا أهلها، مع إصرار فظيع على (نفي الآخر) إذا كان إسلامياً، وعدم القبول بـ (التعددية) مع أي توجهات دينية، وهي منظومة طالما مارست (الإرهاب) بكل معانيه الجسدية والنفسية والفكرية، مع كل الاتجاهات الإسلامية، التي لم تحظ يوماً بكامل (حقوق المواطنة) أو أقل فرص (حرية التعبير) أو أدنى حدود التمتع بما تكفله ـ حتى الدساتير العلمانية ـ من حرية تكوين الأحزاب وإنشاء الجمعيات والمنتديات والصحف والمجلات. ونحن أمام حراك حقيقي في مصر، ولكنه قد يكون حراكاً نحو مزيد من الخصومة بين الدين والسياسة، ومن ثم بين السياسة ومصالح الأمة، إذا استمر هذا الحراك على صورته الحالية، شبه الخالية من المشروعات التغييرية الإسلامية التي تعكس القدر الحقيقي لثقل مصر الإسلامي. إن الليبراليين والعلمانيين ـ في مصر وغيرها ـ أصبحوا من حيث يدرون أو لا يدرون، واقفين في خندق واحد مع الموقف الأمريكي المعادي للأمة، والذي ينطلق من رؤى هنتنجتون وفوكوياما، وبرنارد لويس التي تعد الإسلام هو «الأيديولوجية» الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه المنظومة الفكرية الغربية في صيغتها وصبغتها الإمبريالية الأمريكية. وهؤلاء الليبراليون والعلمانيون الذين ينحازون اليوم إلى المنظومة الفكرية الغربية في تجلياتها الأمريكية، لن يجدوا تجسيداً لهذا الانحياز إلا بالوقوف في وجه التوجهات الإسلامية نحو العودة إلى الهوية؛ ذلك أن مناطحة الإسلام اليوم ـ كما كانت بالأمس ـ تسير على محورين: أحدهما: محاولة الإخضاع السياسي والأمني، وهي ما أسمته أمريكا الآن (حرب الإرهاب) . والثاني: هو محاولة الاختراق الفكري والقيمي، عبر ما أسمته أمريكا أيضاً (حرب الأفكار) . لا شك أن هناك طوائف وطوابير لن تتردد في الوقوف خلف برامج الحرب الأمريكية، بشقيها، دون أدنى تحرج أو حياء (كما حدث في أفغانستان والعراق) ، وهنا سيحتاج الأمر إلى رفع شعارات خادعة، تتغنى بالإصلاح وتمني بالتغيير. - العلمانيون و «الإصلاح» : إجماع المختلفين: بالرغم من أن الغرب يصنف مصر ضمن النظم العلمانية، وبالرغم من أن الممارسات القولية والعملية منذ إلغاء المحاكم الشرعية عام ١٩٥٤م لا تنفي ذلك؛ فإن هناك جيلاً من العلمانيين غاضب على ما يعتبره مسلكاً مهادناً للدين؛ فهم يريدونها علمانية متطرفة تعلن الحرب على الدين ولا تتسامح مع نشاط المتدينين، كعلمانية أتاتورك أو عبد الناصر. ومن العجيب أن الأطياف العلمانية في مصر، تختلف فيما بينها حول أمور جوهرية كثيرة، إلا أنها تكاد تتفق على استبعاد الإسلام من أي برنامج إصلاحي. وفي الأجواء المحمومة المنادية بالتغيير في الآونة الأخيرة، انبرى الشيوعيون اليساريون الذين يحظون دون الإسلاميين بحزب رسمي معترف به للآن في مصر الإسلام؛ للمناداة بـ (الإصلاح) وأصدروا في ذلك مبادرة تتضمن ستة بنود: ثلاثة منها تتعلق بقضايا: (تجديد الخطاب الديني) و (حقوق النساء) و (التجديد الثقافي) والباقي عن الإصلاح السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية. وحديثهم عنها ـ لمن تأمل ـ هو مجرد صدى شيوعي مهزوم، لدعوات الإصلاح الأمريكي المزعوم. وما يهمنا هنا من هذه المبادرة، هو البنود الثلاثة الأولى، حيث يتساءل المرء: ما عسى أن يكون «الإصلاح» الشيوعي في قضايا مثل: تجديد الخطاب الديني، وحقوق المرأة، والتجديد الثقافي؟! وهم الذين أجرموا في حق الأمة ـ في مصر وغيرها ـ بشأن تلك القضايا على وجه الخصوص؛ إنهم ـ وفيما يتعلق بتجديد الخطاب الديني ـ ينادون بـ «تجديد المضمون الديني» نفسه لكي يصبح ـ كما تنص مبادرتهم ـ قادراً على تنشيط الاجتهاد الإنساني في تفسير وتأويل النصوص. وينادي اليساريون أيضاً بـ «حرية العقيدة» التي تعني عندهم: «رفض أي تمييز على أساس الدين» وتعني: «التمسك بالطابع المدني للنظام والحكومة المدنية و (التشريع المدني) وهو ما يعني صراحة: استبعاد الدين عن النظام والحكومة والتشريع؛ فهذا هو المقصود بتعبير (المدني) في الخطاب اللاديني، وكأن هذه المعاني غائبة حتى يطالبوا باستدعائها. أما بالنسبة لما وصفوه بـ (حقوق النساء) فإن اليساريين ـ باسم الإصلاح ـ ينادون بتنقية قوانين العقوبات والإجراءات الجنائية (الوضعية) وكذلك تشريعات الأحوال الشخصية مما أسموه بـ «قيم الثقافة الرجعية المعادية للنساء» ! وينعى اليساريون الطامحون إلى حكم مصر أو المشاركة في حكمها من جديد، على من وصفوهم بـ «الظلاميين المتسترين بالدين» أنهم ينظرون إلى المرأة على أنها عورة، في مقابل نظرة «الانفتاحيين» من غير الشيوعيين، الذين ينظرون إليها على أنها سلعة. وفي الحالتين ـ كما تقول المبادرة ـ يجري قهر المرأة معنوياً وجسدياً وقانونياً. وتخلص المبادرة إلى ضرورة مساندة الحركة النسائية المصرية، من أجل: «تعديل فلسفة التشريع» وإصدار قانون جديد يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث وفي المناصب العامة، بما فيها بالطبع، الولاية العامة! أما في المجال الثقافي، فهم ينادون ـ في لمز واضح بالصحوة الإسلامية ـ بتضييق الفجوة بين النخبة المبشرة بالعقلانية والمنهج النقدي، وبين القاعدة الشعبية، ويطالبون بالحد من «ثقافة التخلف» التي روجت لها «مطبوعات الرصيف الرخيصة» وكذلك: «ثقافة التعصب والكراهية التي شقت لنفسها مجرى عميقاً في نسيج المجتمع» . وطالب اليساريون بوضع خطة شاملة لمقاومة ما أسموه «ثقافة التخلف» ونقد ومواجهة «كل ما هو قائم على تخلف ورجعية، بفضح آلياته، وخاصة في وسائل الاتصال الجماهيري» ونادوا برفع «كل الخطوط الحمراء» عن حرية الثقافة والإبداع الأدبي والفني والعلمي. والسؤال هنا: هل هذه مبادرة إصلاحية، أم جولة «إعادة» ثأرية مع الصحوة الإسلامية؟ وما الفارق بين هذه البرامج والشعارات الشيوعية، وبين ما تطرحه برامج «الإصلاح» الأمريكية..؟! لم ينسَ الشيوعيون واليساريون الذين تجاوزهم التاريخ وقزَّمتهم الجغرافيا، أن يُضمِّنوا خطتهم للإصلاح أطروحات وشعارات «ثورية» ، تحاول تذكير الناس بأنهم شيء مختلف عن «عملاء أمريكا» ، مثل: دعم المقاومة.. تفعيل المقاطعة.. تطوير الجامعة العربية.. النهوض بالتنمية.. بعث (الوحدة) العربية.. إلخ، وهي كلها شنشنة نعرفها من أخزم، الذي ملك فأضاع.. وحكم فظلم.. وحارب فانهزم. لا تزال لهؤلاء منابرهم (الرسمية) ولا يزالون ـ دون سائر الإسلاميين ـ مسموحاً لهم، بأن يمارسوا السياسة على أعلى مستوياتها، من خلال حزب وصحيفة ودعم حكومي. هذا عن العلمانية اليسارية. أما العلمانية الليبرالية (١) ، التي تحاول احتكار شعار (الإصلاح) ؛ فإن الليبراليين يعبِّرون عن هذا عن طريق نشاطهم الحزبي أو الفردي، وهناك خلافات بينهم؛ فمنهم من يعتقد أنه سيكون له الدور الرئيس في قيادة الدفة من خلال «الليبرالية الجديدة» التي تتبناها أمريكا الآن في العالم الإسلامي، وهناك من يعتقد ـ كحزب الوفد الليبرالي القديم ـ أنه صاحب أكبر تجربة علمانية حكمت مصر حكماً ليبرالياً في العهد الملكي. وهناك تيارات علمانية أخرى مثل مركز ابن خلدون للدراسات، الذي يترأسه الدكتور سعد الدين إبراهيم. ولهذا المركز دور مشبوه تقف وراءه دون مواربة الولايات المتحدة الأمريكية؛ فهو يقوم بتكليف منها بتنظيم ملتقيات تهدف إلى إرساء ما أسموه (الإسلام التنويري) يشارك فيها مفكرون متهمون في دينهم، ويطلقون على أنفسهم وصف (الإسلاميين التنويريين) من أمثال سيد القمني، وجمال البنا، ومحمد شحرور، ومحمد عبد الكريم، وغيرهم؛ حيث تتركز طروحاتهم حول العديد من أفكار الزندقة الواضحة، كاللمز في الرسالة، والتشكيك في الوحي، والطعن في الصحابة، وتجهيل علماء الأمة، وتشوبه التاريخ، ويطالب هؤلاء بوضع أطر جديدة لما يوصف بـ (تجديد الفكر الديني) و (مراجعة التراث الإسلامي) ، ليكون ذلك فتحاً لباب «الاجتهاد حسب المتغيرات» . وتمخضت لقاءاتهم عن دعوات جريئة لـ «تغيير الإسلام» من الداخل، تطبيقاً لما جاء في تقرير (دولارات وعقول وقلوب) ، فصدرت عنهم دعوات مباشرة لإيقاف الجهاد وإلغاء الحجاب وحد الردة بدعوى (مناقضتها للشريعة) . ومن المشروعات الفكرية لسعد الدين إبراهيم إيجاد تيار إسلامي يقتصر على القرآن فقط دون السنة، وهو ما دعا إليه تقرير معهد (راند عن الإسلام المدني الديمقراطي) . وقد أعلن سعد الدين إبراهيم نيته ترشيح نفسه لمنصب رئاسة الجمهورية في نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠٠٤م، ولكنه تراجع بعد الشروط التعجيزية التي فرضها تعديل المادة ٧٦ من الدستور، والتي فُرغت من مضمونها لضمان عدم إيجاد فرص لأحد من خارج الحزب الوطني للمنافسة في منصب الرئاسة. ولا شك أن (نموذج) سعد الدين إبراهيم، أحد الخيارات الأمريكية في المرحلة المقبلة، وهو وإن تقلصت فرصته شخصياً في الرئاسة؛ فإن المجال مفتوح أمامه لتفريخ المزيد من الكوادر العلمانية القادرة على التأثير مستقبلاً من خلال ما يلقاه من دعم مادي ومعنوي لمركز الأبحاث التابع له. وما يقال عن سعد الدين إبراهيم، يقال قريباً منه ـ من حيث النموذج ـ عن نوال السعداوي، التي أعلنت منذ مدة أنها سترشح نفسها للرئاسة، إلا أن أحلامها تبخرت، وبقي من ذاكرة هذه الأحلام أن الدستور المصري لا يمانع من أن يكون منصب الرئاسة لامرأة، لا تملك من مؤهلات الولاية الشرعية أي شرط! وبالمناسبة فإن هذا الدستور لا يضع قيوداً على أن يتولى الرئاسة أشخاص معارضين صراحة وعلناً لشريعة الإسلام، من أمثال رؤساء الأحزاب اليسارية والشيوعية، الذين لا يمنعهم من التقدم لمنصب الرئاسة إلا قلة المؤيدين! وقد برز في الآونة الأخيرة من بين الليبراليين اسم الكاتب الصحفي (أيمن نور) الذي استطاع بعد حصوله على الموافقة القضائية أن يؤسس (حزب الغد) منشقاً بذلك عن حزب الوفد العلماني الليبرالي القديم، وقد انفصل أيمن نور عن الوفد بعد وفاة زعيمه فؤاد سراج الدين، واختلافه مع الزعامة الجديدة للحزب، وقد انحاز إليه فريق من شباب حزب الوفد، وتصاعد نجمه بعد أن أعلن عزمه على الترشيح لرئاسة الجمهورية، ولم يجد الحزب الحاكم وسيلة للحد من لمعانه إلا باتهامه رسمياً بتزوير مئات التوكيلات لتأسيس حزبه، وبالرغم من أن هذه التهمة تقدح في (الشرف) الديمقراطي؛ فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعاطفت معه بشكل رسمي؛ حيث تكررت تصريحات الخارجية الأمريكية بضرورة الإفراج عنه، وقابلته كونداليزا رايس خلال زيارتها للقاهرة، وكذلك تعاطف معه الاتحاد الأوروبي وعدَّه رمزاً من رموز الإصلاح في مصر؛ هذا مع أن كلاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي صمتا صمت القبور عن اعتقال رموز إسلامية لمجرد الإعلان عن تنظيم مظاهرات سلمية، بل خرست كذلك عن مجرد التنديد باعتقال المئات بل الآلاف في بعض تلك المظاهرات التي سقط فيها قتلى. قد يكون أيمن نور شخصاً عادياً لا يحمل مؤهلات الزعامة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر، ولكن متى كان الزعماء في بلاد العرب والمسلمين يحملون تلك المؤهلات في كل الحالات؟ لقد طرح أيمن نور شعاراً مضاداً لشعار الإسلاميين في مصر: (الإسلام هو الحل) .. فأطلق شعاراً مخالفاً هو (الليبرلية هي الحل) ! والوصف الرسمي لحزبه هو (حزب الغد الليبرالي) . ومن غريب اهتمامات أيمن نور أنه درس تفاصيل العمل الإسلامي، من خلال رسالته في الماجستير عن نشاط الجماعات الإسلامية في مصر، من عام ١٩٨٠ إلى ١٩٩٠م، وهو ما يجعله خصماً عليماً للإسلاميين، إذا ظل على عصبيته الليبرالية، وهو لا يخفي اختلافه الجذري معهم؛ فقد قال في لقاء مع صحيفة نيوزويك الأمريكية: «ليس بيننا وبين الإسلاميين شيء مشترك، ولن نشكل تحالفاً معهم» وقال: «إن الإسلاميين لن يصعدوا أبداً إلى السلطة في مصر، حتى لو كانت هناك ديمقراطية» ! وقد حرص على إدخال السرور على الأمريكيين بإسماعهم ما يحبون فقال: «إذا أصبحت رئيساً للبلاد، فسوف يتوقف المصريون عن الحديث عن المسائل التي لا تمت لمصر بصلة» وقال: «لقد أهدرنا ٧٥% من وقتنا نتحدث عن العراق وفلسطين» ! أياً كان المستقبل السياسي لأبرز المنافسين في الرئاسة حتى اليوم ـ أيمن نور ـ فإن احتفاء الأمريكيين والأوروبيين به؛ يعطي إشارات لا ينبغي إغفالها عن المستقبل الذي تريده أمريكا لمصر، ومن ثم للعالم العربي كله. - التغيير.. نعم.. ولكن! إضافة إلى الواحد وعشرين حزباً رسمياً؛ يتتابع في الآونة الأخيرة الإعلان عن حركات عديدة تنادي بالتغيير، والقاسم المشترك بينها، أنها تريد تغيير الوجوه والسياسات التي (اكتفى) الناس منها في مصر، بعد نحو ربع قرن من الرتابة التي لا تلائم أبداً التسارع المذهل للتطورات في العالم على كل صعيد. ولعل اتفاق غالبية الناس على هذا الاكتفاء، هو الذي أعطى للحركة المصرية من أجل التغيير المشهورة بـ (كفاية) ذلك القبول وتلك الشهرة داخلياً وخارجياً، فقد اختصرت في كلمة واحدة معانيَ تُملأ بها الصفحات وتطول البيانات، ولكن تلك الحركة مع ذلك لا تملك برنامجاً للتغيير، ولا تنوي أن تتحول إلى حزب، ولكنها مجرد ائتلاف من عدد من الأفراد المختلفين في التوجهات، على مطلب عدم التجديد أو التوريث. وقد اختارت الحركة (جورج إسحاق) أمين المدارس الكاثوليكية في مصر، منسقاً لها، وهي تضم في قيادتها أفراداً من اتجاهات شتى (ماركسيين ـ قوميين ـ ناصريين ـ نصارى ـ مستقلين ـ إخوان مسلمين ـ منشقين عن الإخوان المسلمين) ، وهو ما يدل على عدم وجود انسجام فكري بينهم، ومن ثم فلا برنامج لهم إلا مجرد الرغبة في التغيير. في النهاية لن تكون حركة كفاية ـ رغم صوتها العالي ـ إلا مجرد صرخة أُطلقت في وادي الصمت، أو حجر أُلقي في بِركة الركود، ولهذا تتابعت بعدها الحركات المطالبة بالتغيير وتداول السلطة واستقلال القضاء وتعديل الحياة الحزبية وإلغاء القوانين الاستثنائية، فأُعلن عن حركة: (صحفيون من أجل التغيير) و (أطباء من أجل التغيير) و (المنظمات المدنية من أجل التغيير) و (شباب من أجل التغيير) و (مهنيون من أجل التغيير) و (فنانون من أجل التغيير) ، و (الحملة الشعبية من أجل التغيير) . ثم نشأت تحالفات بين بعض الأحزاب والحركات، منها: (التحالف الوطني من أجل الإصلاح) وهو تحالف دعا إليه الإخوان المسلمون، وهدفه ممارسة الضغط السلمي للاستجابة لمطالب الإصلاح، وقد رفضت أغلب الأحزاب الرسمية الاشتراك في هذا التحالف إلا بتمثيل شخصي من بعض أعضائها، دون الانضمام بصفة حزبية رسمية، وأصبح مفهوماً أن التباعد العلماني يهدف إلى إضعاف هذا التحالف الذي جاء بمبادرة من طرف إسلامي، وهو ما يؤشر إلى استنكاف غالبية العلمانيين عن مجرد التعاون في المتفق عليه مع الإسلاميين، وهو ما يثير الشك في جدوى الدعوى التي دعا إليها الكاتب المشهور (فهمي هويدي) إلى ضرورة إنشاء (حلف فضول) بين الإسلاميين والعلمانيين! ومن التحالفات التي أُعلن عنها مؤخراً أيضاً: (التجمع الوطني للتحول الديمقراطي) وأبرز رموز هذا التجمع رئيس الوزراء المصري الأسبق (عزيز صدقي) الذي شغل هذا المنصب في عهد عبد الناصر، ومن رموزه أيضاً وزير الإسكان الأسبق (حسب الله الكفراوي) وأستاذ القانون (يحيى الجمل) ، ويهدف هذا التجمع إلى فتح الباب أمام التحول الديمقراطي في مصر، وهي دعوة تجيء متزامنة ومتناسبة مع الدعوات التي أُطلقت من الولايات المتحدة بضرورة قيادة مصر للتحول الديمقراطي في المنطقة العربية. لكن أهم ما ينوي هذا التجمع فعله، هو تشكيل لجنة للاتصال بمختلف القيادات والقوى السياسية المصرية لعقد مؤتمر وطني عام تكون مهمته صياغة دستور جديد للبلاد. الغالب إذن على هوية تلك التجمعات ومطالبها، هو الطابع المدني الدنيوي الجاف، وهو طابع قد تكون فرضته طبيعة المطالب في هذه المرحلة، وغالبية الإسلاميين يقرون بهذه المطالب، ولكن المحذور هنا أمران: الأول: التغافل عن الهوية الفكرية لغالبية الرموز الداعية للتغيير. الثاني: عدم التساؤل عن نوعية هذا التغيير؛ فلم يقل أحد أن التغيير مطلوب لذاته، أو أن الإصلاح يحدث لمجرد وصفه بأنه إصلاح ... فالسؤال ينبغي أن يُطرح عن كل مفردة من مفردات ذلك التغيير، فإذا كان ثمة مطلب بتغيير الدستور مثلاً، فالسؤال هو: تغيير: إلى ماذا..؟ وعلى أية أسس، وبأية مرجعية وعلى يد مَنْ؟! فإذا كان الدستور القائم فاسداً؛ فقد يكون الدستور القادم ـ الذي تريده أمريكا ـ أفسد وأسوأ (مثلما يحدث في العراق وما حدث في أفغانستان) ! وأيضاً: إذا كانت هناك مطالبة بتغيير الوجوه والبرامج في هرم السلطة؛ فما هي الوجوه الجديدة وما هي برامجها في التغيير؟ فقد يبشر البديل (الجديد) بمستقبل غير سعيد. أيضاً (مثلما يحدث في العراق وما حدث في أفغانستان) !.. وهكذا يمكن أن يقال في العديد من المطالب الجوهرية في التغيير والإصلاح مثل (إصلاح الاقتصاد) و (إصلاح التعليم) و (الإصلاح الاجتماعي) فهل سيكون إصلاحاً بالفعل، أم أنه مزيد من الإفساد على طريقة الذين قالوا: ﴿إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] في حين أن حقيقتهم كما قال الله: ﴿أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] ؟. ومن الناحية الواقعية؛ فإن بعض البدائل المطروحة في ظل علمانية أو ليبرالية أو شيوعية أصحابها، هي بالفعل أسوأ، وهي بالفعل أفسد. لكن: هل يعني هذا السكوت عن المطالبة بالإصلاح الحقيقي الآن ... ؟ بالطبع لا.. وبالقطع لا.. وإنما المطلوب هو أن يقترن باقتراحات التغيير؛ للبرامج أو على الأقل الضوابط المصاحبة لها، والتي ينبغي ألا تخرج عن ثوابت الدين الذي تدين به الغالبية الساحقة من الأمة، وإلا فإن كل حديث عن حكم الأغلبية واحترام رأي الأكثرية سيكون مجرد وهم أو هراء. وهنا تبرز أهمية الموقف العام للإسلاميين مما يحدث في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ مصر، وهنا تتأكد أهمية بلورة طرح إسلامي واضح، إن لم يكن في برامج وبدائل التغيير والإصلاح. فعلى الأقل في مراقبة ضوابطها والأسس التي تُبنى عليها. - لسنا تياراً.. بل نحن أمة: لا يُعقل أبداً، ولا يليق مطلقاً، أن يظل المعبرون عن الأغلبية الصامتة من الأمة صامتين أيضاً، وأعني بذلك النخب الإسلامية من أهل العلم والدعوة، ورموز الفكر والثقافة والاختصاص من حملة المنهج الإسلامي؛ فهؤلاء هم في الحقيقة طليعة الأمة بحسب تصوراتنا الإسلامية، هم ولاة الأمر إذا مرج الأمر.. وهم أصحاب الفكر إذا شذ أو تضارب أو عُدم الفكر، وهم أهل المشروعية إذا فقدت المشروعية، ولذلك فهم الأوْلى بأن تكون لهم مشاريعهم التي تسندها مشروعيتهم، وهم الأوْلى بالعمل والنشاط والتحرك من كل أصحاب الاتجاهات المنحرفة في العمل والنشاط والتحرك. فإذا كان للشيوعيين واليساريين والقوميين والليبراليين ولسائر العلمانيين مبادراتهم أو برامجهم للإصلاح من منطلقات علمانية، وإذا كان للحزب الحاكم نفسه (استجابة للضغط الأمريكي) رؤيته أيضاً للإصلاح؛ فأين الصوت الإسلامي العام المعبر عن سائر الأمة في هذه الملمة..؟! وأين مشاريعه في التآلف والتحالف، وفي تقديم البرامج وتقويم المناهج؟ قد يُقال إن الإخوان المسلمين يتحركون.. والجواب أن الإخوان المسلمين، ليسوا كل المسلمين، مع الاعتراف لهم بفضل السبق في التحرك من بين الإسلاميين، وحفظ الحق لهم في التحدث وفق برامجهم ورؤاهم التكتيكية أو الاستراتيجية. إن الإخوان المسلمين ـ مع ثقلهم في الشارع الإسلامي ـ ليسوا إلا فصيلاً من فصائل العمل الإسلامي، يمثلون طيفاً في شعاعه أو عرقاً في دماغه، ولهم ـ ما داموا على هذا ـ كامل الولاء ... وتام الانتماء للجسد الإسلامي العام. أما بقية الإسلاميين والمتدينين من فصائل أهل السنة في مصر ـ والإخوان معهم ـ فليسوا مجرد تيار، بل هم الأمة، والخارجون عن نهجهم العام من بقية الشعب ما هم إلا «تيارات» .. «تيار شيوعي» .. «تيار ليبرالي» .. «تيار ناصري» «تيار ساداتي» .. «تيار وطني» و.. «تيار قبطي» (١) «تيار قومي» . إن عامة المسلمين وفي طليعتهم الإسلاميون العاملون هم جمهور الأمة في مصر، وهم الأوْلى بالرعاية والنظر في مطالب التغيير لو صدق الديمقراطيون؛ لأن هذا التغيير سينصب حولهم وسيقع عليهم وعلى أجيالهم؛ فمن غير المعقول ولا المقبول أن يفرض العلمانيون أو أحد تياراتهم عليهم واقعاً تغييرياً جديداً تحت ضغط التحرش الأمريكي، سواء كان هذا الواقع في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإعلامي أو التعليمي أو الاجتماعي، ومن هنا تظهر دقة المرحلة، وخطورة المواقف العملية المتعلقة بها. وبالنظر إلى أن الأمر جد ليس بالهزل، فلنا في ذلك الشأن عدد من الوقفات، أهمها: أولاًِ: الموقف الأمريكي واضح ومحسوم في تجديد دماء العلمانية والليبرالية في مصر في السنوات والعقود المقبلة، لحساب أمريكا ومشاريعها في المنطقة؛ حيث لن ترضى أبداً بقبول «آليات» الديمقراطية دون «قيمها» التي هي نفسها «قيم» الحضارة الغربية ونمطها في الحياة، وإن استمرار الإعلاء من شأن هذه (القيم) في تجاهل مؤسف لمبادئ الشريعة المناقضة لها، يُعد ـ بقصد أو بدون قصد ـ مشاركة في إنجاح المشروع الأمريكي الهادف إلى محو الشخصية الإسلامية و (تغيير) الدين الإسلامي. والإسلاميون أوْلى الناس في هذه المرحلة باستقلال الشخصية ووضوح الهوية ومواجهة الهجمة الجديدة عليها. ثانياً: لسنا ملزمين بأن نعد الديمقراطية ـ كأحد تجليات العلمانية ـ ركناً سابعاً في الإيمان، أو سادساً في الإسلام، وشدة انبطاح العلمانيين أمام هجمة الأمريكيين! لا تسوِّغ تحويل الديمقراطية عندنا إلى ما يشبه الفريضة الدينية؛ فبعض «قيم» هذه الديمقراطية المفروضة قسراً، مرفوضة عندنا قطعاً، بل مجمع على رفضها وتحريمها مثل «حاكمية الشعب» دون حاكمية الشريعة، وقبول الآخر «الكافر» بإطلاق إلى حد إيصاله إلى منصب الولاية العامة (٢) والمناداة بـ (التشريع المدني) المنافي للشرع الديني، حتى في الأحوال الشخصية، إلى غير ذلك من المخالفات. ثالثاً: آليات الديمقراطية من الانتخابات والبرلمانات؛ برغم وجود بدائل عنها في الإسلام؛ فإن ما لا يتعارض منها مع شريعتنا، لا ينبغي أن يُخلط بينه وبين تلك «القيم» الديمقراطية المرفوضة، ولا ينبغي أن يطأطئ الإسلاميون الرأس إجلالاً لها ولا لآلياتها، وبخاصة أن أكثر مفرداتها تعاديهم فـ «التعددية» تقصيهم وحدهم، و «حكم الأغلبية» يتجاهلهم، و «الحريات» محبوسة عنهم، و «حقوق الإنسان» تبحث عن كل إنسان غيرهم، و «قبول الآخر» يتجهمهم، و «المجتمع المدني» لا يتعامل بالعسكرية الصارمة إلا معهم. رابعاً: ليست هناك علمانية أصيلة وأخرى عميلة، فالعلمانية كلها نقيضة للإسلام، وإضفاء المشروعية على أي علمانية، هو ـ بقصد أو بغير قصد ـ إضفاء للمشروعية على الخطة التغييرية الأمريكية؛ لأن العلمانية في ثوبها الجديد (الليبرالية) هي الأداة الأمريكية المفضلة للتغيير في الشرق الأوسط الكبير، وإضفاء الشرعية على العلمانية المعارضة أيضاً، لا يقل خطأ أو خطراً عن إضفاء الشرعية على العلمانية المتسلطة، أو العلمانية الأمريكية المستوردة. خامساً: لا يعني عدم إضفاء الشرعية على العلمانية كمناهج وبرامج، الوقوف ضد بعض رموزها وتياراتها ـ غير المعادية ـ في قضايا الحقوق والحريات وغير ذلك من القضايا الإنسانية العامة، بل التعاون في ذلك ـ إن أمكن ـ على شاكلة (حلف الفضول) جائز على ألا يمنع هذا التعاونُ على البر من التناهي عن الإثم. سادساً: تشكيل ملامح المرحلة القادمة، تدخل فيه عوامل كثيرة، من أهمها الضغوطات الخارجية، وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك الضغوطات الداخلية من فصائل التيارات العلمانية. وإذا كان التغيير واقعاً على الأغلب، وكان التأثير الأكبر فيه للضغط الأكبر، فلماذا يكون التغيير بضغط خارجي أمريكي أو داخلي علماني فقط؟! ولماذا يضغط هؤلاء من أجل مصالحهم وبرامجهم وفلسفاتهم، ولا يوجد من أصحاب الشأن وملاَّك الوطن من أهل الإسلام الضغط المماثل أو الأشد ضمن آليات سلمية وأساليب حضارية؟ سابعاً: الأمريكيون أزالوا جدار الصمت، والعلمانيون كسروا حاجز الخوف، من أجل مشاريع لا مشروعية لأصحابها، فلا أقل من أن يتجاوز الإسلاميون حواجز «عدم المشروعية» لضبط دفة التغيير، حتى لا تجور أمواجه على ما تبقى من آثار للشريعة في حياة الناس، وحتى لا تنحسر تلك الأمواج عن واقع مغاير، على صعيد دعوة الإسلام بوجه عام. ثامناً: التوجه الإسلامي السني الذي تمثله جميع فصائل أهل السنة والجماعة في مصر وغيرها هو مركز استهداف الصائل الأمريكي، الذي يعلم أنهم هم الوحيدون الذين سيبقون صامدين في وجه الهجمة التغييرية الجائحة، ولهذا فإنه يشجع ويصنِّع البدائل، لتقَدَّم للأمة على أنها الدين الصحيح والمنهج المختار، سواء كان شطحاً صوفياً، أو تسطيحاً عصرانياً أو انتهازية شيعية، وخطط الأمريكيين المعلنة في ذلك لا ينبغي تجاهلها في مراقبة التغيير على المسار الديني. تاسعاً: المراهنات تتفاوت بين البدء بالإصلاح السياسي أو البدء بالإصلاح الاقتصادي أو الاجتماعي، وفي مفهومنا الإسلامي، لا إصلاح على الحقيقة إلا بمنهج الصلاح المتمثل في الشريعة، وهنا تكمن المفارقة المفرِّقة بين موقف العلمانيين المناهضين للشريعة، وبين الإسلاميين المنادين بجعلها المرجعية الوحيدة في التشريع، وإذا ظل صوت الشريعة وأهلها غائباً في أي تغيير قادم، فقد تُتجاوز الشريعة بالمرة حتى في اعتبارها «مصدراً أساسياً (من) مصادر التشريع» كما ينص الدستور الحالي، لا بل قد تُرسِي (قيم) الديمقراطية أسساً وقواعد جديدة، تجرِّم الدعوة لها والتحاكم إليها والتحالف لأجلها، باعتبارها المنهج الوحيد الباقي على الأرض، القادر على صياغة حياة أكثر احتراماً للإنسان ولقيمة الإنسان في مصر أو في غير مصر. عاشراً: بما أن الإسلاميين هم أصحاب الشرعية الحقيقية التي فُتحت بها مصر، وظلت وستظل ـ بإذن الله ـ وطناً إسلامياً؛ فإن أضعف الإيمان، وأقل واجب الآن (وأعظمه في الوقت نفسه) أن ينافح أصحاب تلك المشروعية عن أصل مشروعيتهم، وهي شريعة الإسلام الخالدة، والحد الأدنى في نصرتها وحماية جنابها من هجمة التغيير الأمريكية العلمانية؛ هو أن يقال للأمريكان وأوليائهم، بلسان القادة والنخبة: ها هنا أمة لا ترضى بمحادَّة الشريعة في أي تغيير دستوري أو قضائي أو سياسي أو اقتصادي أو إعلامي أو تعليمي؛ فإن كنتم أيها المشمرون لسلطة جديدة غير قادرين على

стр. 5374

نجاد أو السهم الأخير د. يوسف بن صالح الصغير مثلت الانتخابات الإيرانية الأخيرة منعطفاً هاماً في تاريخ الثورة الإيرانية؛ حيث تولى رئاسة الوزارة لأول مرة أحد أبناء ثورة الخميني المخلصين وممن يوصفون بالسائرين على نهج الإمام ومن قادة الحرس الثوري. لقد كان منهج (الخميني) في إدارة البلد قائماً على استغلال طبقة من السياسيين الموالين للثورة والمحسوبين على التيار الوطني مثل (مهدي بازركان) و (أبو الحسن بني صدر) و (صادق قطب زاده) الذين انتهى بهم المطاف إلى الإبعاد أو النفي أو الإعدام. لم يكن الخميني يوماً رئيساً للجمهورية ولا رئيساً للوزراء، إنه المرشد الأعلى للثورة، كان الثابت وغيره المتغير. لقد استبدل بالطبقة الحاكمة أخرى هي أقرب لروح الثورة وهي طبقة المحافظين المعتدلين مثل (رفسنجاني) ومن بعدهم طبقة الإصلاحيين ويمثلهم رئيس الجمهورية الحالي (خاتمي) والسؤال المهم هو: لماذا انتظر السائرون على نهج الخميني ربع قرن لتتسلم السلطة التنفيذية بصورة مباشرة؟ على الرغم من أن (الخميني) يمثل رمز الثورة؛ فإن الذين تولوا تصفية نظام الشاه هم (مجاهدو خلق) و (التيارات الوطنية) ، وكان الشارع متحمساً لمبادئ الثورة؛ ولذا قامت الإدارة على أكتاف من يمكن التضحية بهم بسهولة في حالة الإخفاق. ومع ابتعاد الشارع عن التحمس للثورة التي تحولت إلى مجرد دولة لا تملك مشروع التوسع ونشر المذهب بصورة علنية؛ فإن ضبط الأمور يحتاج إلى أناس أقرب للثورة خاصة مع بروز إمكانية التمدد في العراق وما حوله؛ ولكن بدلاً من كونه تحت شعار: (الموت لأمريكا) و (محاربة الشيطان الأكبر) فإن الشعار الجديد هو (محاربة الإرهاب القادم من بلاد العرب) و (تثبيت الأمن في العراق) و (دعم حكومة الجعفري الشيعية) والاستعداد لمرحلة الانسحاب الأمريكي من العراق وكل هذا تحت مظلة (التنسيق التام) مع الاحتلال. إن المرحلة الحالية من التنسيق الدقيق مع الغرب في إدارة الصراع في المنطقة يحتم وجود شخصية أصيلة قادرة على تنفيذ أهداف الثورة الحقيقية بعيدة المدى، وهو السيطرة المذهبية على العراق والخليج حتى ولو استظلت بأعلام التحالف الصليبي. لا شك في ارتباط أقطاب الحكومة العراقية بإيران، ولا شك أن (فيلق بدر) و (ميليشيا حزب الدعوة) صنيعتان لإيران؛ والأهم الآن أن إيران ستقوم بتدريب وتسليح الجيش العراقي الجديد.. إنه مجرد القيام بمهمة كان يجب أن تقوم بها أمريكا. إن إيران تستعد من جديد لتلعب دور الشرطي في المنطقة نيابة عن الغرب، وبدلاً من مواجهة المد الشيوعي أيام الشاه؛ فإن الهدف الجديد هو مواجهة المد السني في أفغانستان والمنطقة العربية. إننا نشهد حالياً مغامرة شيعية قائمة على تحقيق المصالح بالتحالف مع الغرب؛ وهذا التحالف لا يمثله علمانيو الشيعة المرتبطون بالمخابرات الغربية مثل (الجلبي) ، و (إياد علاوي) ولكن يمثله مراجعهم ورساليوهم؛ إنها مغامرة؛ لأن العدو المشترك هم السُّنَّة، والإخفاق يعني الكثير، ولنتساءل عن الشيعة بعد هزيمة التتار!

стр. 5375

الرسائل الأمريكية نظرات في التسريبات الإعلامية وهل هي سبق صحفي أم لتحقيق أهداف مرسومة؟ د. باسم خفاجي تهدف هذه المقالة إلى تفسير تكرر ظاهرة تسريب الأخبار الإعلامية التي تظهر وكأنها فضائح تدين تصرفات الإدارة الأمريكية وتعاملاتها مع العالم العربي والإسلامي. فهل من الممكن أن يكون الكثير من هذه التسريبات الإعلامية مقصودة لتحقيق أثرٍ مَّا يساهم في خدمة المشروع الأمريكي للسيطرة على المنطقة، وليس مجرد سباقات صحفية للنيل من الإدارة الأمريكية من قِبَل من يعارضونها؟ يقدم المقال مجموعة من التساؤلات حول هذا الموضوع، ومتابعة لحقيقة المستفيدين من تسريب هذه الأخبار على مدى الأعوام الماضية. يخلص المقال إلى أنه قد لا تتوفر أدلة دامغة لإدانة الإدارة الأمريكية بتعمد تسريب الأخبار طوال الأعوام الماضية، ولكن هناك ما يكفي من القرائن لإثارة الشكوك حول تكرار هذه الظاهرة خاصة فيما يتعلق بالعالم العربي والإسلامي. - الفضائح الإعلامية: انتشرت ظاهرة التسريبات الإعلامية المتعلقة بتعامل الإدارة الأمريكية مع العالم العربي والإسلامي بشكل ملحوظ منذ أحداث سبتمبر الشهيرة. موقف الإدارة الأمريكية من هذه الظاهرة متكرر أيضاً ويجمع بين النفي والإثبات في الأمر. وعدم البحث عن سبب التسريب أو من قام به. لم يحدث في معظم هذه الحالات أن عرف العالم حقاً من الذي سرب الخبر أو لماذا فعل ذلك؟ ولنا أن نتساءل: هل ما يحدث لأمريكا هي فضائح إعلامية يتم الكشف عنها واحدة تلو الأخرى نتيجة لجهود من يعارضون أمريكا، أم أننا أمام حيلة من حيل الإعلام والسياسة الأمريكية التي لا تعترف بأخلاق أو قيم عدا القيم النفعية وكل ما يبرر أو يدعم مشروعات الهيمنة؟ لقد شهدت الأعوام الماضية مجموعة من الأخبار التي تسربت للعالم رغم رغبة الإدارة الأمريكية فيما بدا للجميع. فانتشر خبر إنشاء مكتب نشر الأكاذيب بالبنتاجون، وسارعت أمريكا إلى نفي الخبر، وبعدها تسربت الأخبار عن انتهاكات حقوق المسلمين في القارة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر. ظهرت بعد ذلك صور التعامل مع المعتقلين المتهمين بمحاربة أمريكا، والذين تم ترحيلهم إلى معتقل جوانتنامو، وتلا ذلك أخبار فضائح سجن أبو غريب من قتل وإهانة للسجناء، واغتصاب الرجال والنساء، وسجن الأطفال. تسربت كذلك إلى الإعلام الصور المقززة عن تصرفات الجنود الأمريكيين عندما يقتحمون المنازل في العراق وأفغانستان على أهلها العزل والأبرياء، وكيف يتم العبث بكل الممتلكات وإهانة الرجال والنساء وترويع الأطفال. أظهر الإعلام أيضاً كيف يُعتقل المسلمون في أمريكا في ساعات الفجر، وكيف يتم سحبهم على مرأى من وسائل الإعلام وهم بملابس لا تليق، ويظهر بعد ذلك أنهم أبرياء. حصلت وكالات الأنباء أيضاً بطريقة ما على صور جنود الاحتلال وهم يطلقون الرصاص على الجرحى في العراق، وتبعتها أو سبقتها أخبار الاستهزاء بالقرآن في معتقل جوانتنامو، وسبق كل ذلك فضائح تعذيب المعتقلين على يد مخابرات الدول التي تتعامل معها الإدارة الأمريكية في حربها ضد الإرهاب. - أحداث ومصادفات: تسربت كل هذه الأخبار الى الإعلام في تسلسل عجيب يتناسب مع ظروف تلك الأوقات. كانت الإدارة الأمريكية تسعى ظاهراً في كل مرة إلى تكذيب الخبر، ثم عدم نفيه قطعياً، ثم الحديث عن محاسبة المقصرين، والانتقال من ذلك إلى التعامل مع التسريب التالي للأخبار، وكأن الأمر بمجمله يتم رغم إرادة أو تدبير الإدارة الأمريكية. قد لا يكون الأمر إلا مجموعة من الأحداث التي لا يربط بينها سوى كراهية وبغض بعض الإعلاميين لما تقوم به أمريكا من انتهاكات للقيم والأخلاق التي تدعو إليها الحضارة الغربية، والتي يعتنقها ويدافع عنها الكثير من الصحفيين الغربيين، وهذا هو التفسير الإيجابي لتكرر حدوث هذه التسريبات إلى الإعلام. ولكن هناك أكثر من سؤال يتبادر إلى الذهن ويلقي بالشك على هذا التفسير الإيجابي لما يحدث ويتكرر في الأعوام الماضية. - أسئلة وشكوك: أول هذه الأسئلة هو: لماذا لم تتحرك الإدارة الأمريكية لمنع مثل هذه التسريبات أو الكشف عمن قاموا بها ووضع القيود التي تمنع من تكرارها على افتراض أنها تؤذي جهود الإدارة الأمريكية في تحسين علاقاتها مع العالم الإسلامي؟ والسؤال الثاني هو: لماذا تتكرر هذه التسريبات في أوقات تتناسب تماماً مع الرغبات الأمريكية في تركيع المقاومة أو تهديد الحكام أو إرهاب الشعوب العربية والإسلامية من مقاومة المشروع الأمريكي، ومن المستفيد حقاً من هذه الأخبار التي تتسرب إلى الصحف ووسائل الإعلام، ولماذا لا يعاقب أحد على هذه التسريبات، وهل من تفسير آخر لحدوثها؟ وأخيراً: لماذا تحدث التسريبات دائماً في دول حليفة لأمريكا ومشاركة معها في الحملة على الإرهاب، وليست الدول المعادية لأمريكا والرافضة لمشروعات الاحتلال؟ أليس من الملفت للنظر أن التسريب في معظم الأحيان لا يحدث في الدول المعادية لأمريكا، وإنما في الدول الصديقة لها كبريطانيا وإيطاليا أو في أمريكا نفسها، وأن عدداً من هذه التسريبات تمت من خلال المؤسسة العسكرية نفسها. إن الرؤية التي تقدم في هذا المقال هي أن الولايات المتحدة هي المستفيد الأكبر من نشر هذه الأخبار حتى لو تسببت في بعض الآثار السلبية على المدى القصير. لا يوجد ما يمنع من أن تكون الإدارة الأمريكية هي المحرك الرئيس في هذه التسريبات. لا يخفى على كاتب هذا المقال أن من السهولة بمكان أن توصم هذه الفكرة بأنها من نتاج من يعانون من «ذهنية المؤامرة» في كل شيء؛ وليس الكاتب منهم. لكن من المهم إدراك مدى عدم عقلانية تكرار المصادفات التي تصب في خدمة جهة ما دون أن يكون لها طرف في صنعها أو على الأقل غض الطرف عن حدوثها وتكرارها. - تعمد التسريب: إن تعمد تسريب أخبار مقززة وتنافس بعض وسائل الإعلام الأمريكية المعروفة بولائها للإدارة الأمريكية في نشر هذه الفضائح مقصود لذاته؛ وأدلته كثيرة، ويعارضها بعض العقلاء في الصحف والمجلات الأمريكية، ولكن الإدارة لا تلقي لهم بالاً. لقد كتب المحلل السياسي الأمريكي (رودجر باربر) في مقال صدر مؤخراً قائلاً: «إن سلسلة التفاصيل التي ظهرت والمتعلقة بقتل سجينين أفغانيين في قاعدة باغرام الجوية مفزعة للغاية، وتثير في النفس القشعريرة؛ حيث عذب هذان السجينان على ايدي الجنود الاميركيين حتى الموت. وملف التحقيقات لما جرى في باغرام الذي حصلت عليه «نيويورك تايمز» يظهر ان عمليات الإساءة للسجناء شيء روتيني تمارس فيه تصرفات في غاية الوحشية من تقييد أيدي السجناء، وتعليقهم في سقف زنازينهم، وحرمانهم من النوم، وركلهم وضربهم وإذلالهم جنسياً، وتهديدهم بالكلاب البوليسية؛ وهي أمور للأسف قد سبق استخدامها بالكامل في السجون الأمريكية» . وهذه الأمور جميعها تتنافى مع الحرية والالتزام بالقانون واحترام حقوق وآدمية الإنسان التي تدعو لها الحضارة الغربية؛ فلماذا تجتهد الإدارة الأمريكية في نشر هذه التسريبات والسماح بها دون بحث أو معاقبة لمن يسربون هذه الأخبار؟ يمكن أن تكون هذه الأفكار من نتائج نظريات المؤامرة، ويمكن أن تكون أمريكا بريئة من كل ما نسب إليها في هذا المقال من تخطيط وسوء نية، ولكنها في كل الأحوال مستفيدة من كل هذه التسريبات، ولعلها لذلك لا تمانع في حدوثها، بل تسارع في نشرها عبر وسائل إعلامها التي تتحكم في ٨٥% من إعلام العالم. إن أمريكا ترسل رسائل ضمنية لهذه الأمة العربية والإسلامية من خلال تلك الأخبار التي تظهر وكأنها قد سربت رغم إرادة أمريكا، ومن ثم لا تمانع الشعوب من نقلها وتداولها بسرعة كبيرة وبعاطفة حقيقية، وهو ما أرادته أمريكا في المقام الأول لينشر الفزع من الحماقة الأمريكية، وهو ما يصب في خدمة إضعاف كل جهود مقاومة الهيمنة. - الرسائل الأمريكية: إن الولايات المتحدة في حاجة إلى قتل روح أي شكل من أشكال المعارضة أو المقاومة في الأمة العربية والإسلامية حتى يتمكن مشروع الهيمنة من المضي قدماً في هذه المنطقة من العالم. ولا نعني هنا المعارضة المسلحة، وإنما كل أشكال المعارضة أو التأجيل أو المقاومة للخطط الأمريكية للشرق الأوسط. الأمر ليس مرتبطاً فقط بمن يحملون السلاح، ولكنه يمتد للجميع من حكام ومن محكومين.. من أنصار الإسلام ومن دعاة القومية.. من الشعوب إلى القادة.. ممن يعادون ويبغضون أمريكا؛ والأهم من ذلك من يؤمنون بأهمية وجدوى التعاون معها. الجميع مستهدف برسائل إعلامية سياسية أمريكية مركزة ومعلبة ومطلوب تمريرها من خلال المفكرين والقادة وعموم الشعوب إلى أجيال المستقبل. تعتقد أمريكا أن أي مقاومة أو تعطيل لمشروعاتها هي جريمة يجب أن يعاقب من يفكر فيها، ولا بد أن يشاهد الجميع ماذا يمكن ان يحدث لهم من جراء التصدي لأمريكا، وكأنها تقول: «إياكِ أعني واسمعي يا جارة!» . إن تسريب الأخبار عن التعذيب والإهانات والقتل العمد للجرحى، وانتهاك حقوق الشعوب ومقدساتها.. كل ذلك قد يكون مقصوداً لتكوين ثقافة الخوف من مواجهة أمريكا، وهو ما يخدم المشروع الأمريكي على المدى الطويل. سيتسبب ذلك أيضاً في فضائح إعلامية يظن القائمون على مثل هذا النوع من التخطيط الإعلامي أنها لا ترقى إلى درجة تهديد الفوائد الكثيرة التي تجنى من تسريب هذه الفضائح إلى العامة. إن أمريكا ترسل عدداً من الرسائل الضمنية إلى الشعوب وقادتها ومفكريها وعامتها من خلال ما يظهر وكأنه حدث رغماً عنها. وفيما يلي عرض لهذه الرسائل الموجهة للأمة من خلال استقراء ما تم تسريبه إلى وسائل الإعلام: - رسالة إلى القادة: إن تعمد تصوير الرئيس العراقي السابق في صور مهينة لا تليق بالرؤساء وتتنافى حتى مع حقوق المساجين التي حددتها القوانين الدولية هي رسالة لكل قائد يفكر في تحدي الإدارة الأمريكية. الرسالة تحمل معانيَ كثيرة من بينها أن صداقة أمريكا لفترةٍ ما لا تعني ضمان استمرار هذه الصداقة، وأن ما يمكن أن يحدث لطاغية عندما تستهدفه الإدارة الأمريكية بسهامها الإعلامية يمكن أن يتحول إلى لعنة تلاحق هذا القائد وأسرته وكل من يمت إليه بصلة أو نسب أو قرابة، وهي أمور هامة في الحياة العربية وفي تقاليد القبائل والأسر. كما أن الرسالة الإعلامية تقدم صورة مقززة لما يمكن أن يقوم به الإعلام الغربي الذي لا يراعي أي أصول حرفية أو قواعد أخلاقية. لقد تنبهت لذلك بعض وسائل الإعلام الأمريكية التي تحاول الالتزام بالمصداقية الصحفية. فقد لاحظت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» أنه يمكن النظر إلى الصور ونشرها على أنها صفعة إهانة للمسلمين العرب السنة. وأضافت أن كثيراً من أهل السنة يشعرون بأن ثمة تحيزاً تجاههم وإجحافاً بحقوقهم، وأنهم يتعرضون للإهانة من قِبَل الاحتلال ... وأضافت «التايمز» : «كما يمكن أن تثير الصور مشاعر السخط في أوساط المسلمين خارج العراق؛ إذ يشعرون أن الولايات المتحدة لا تأبه بأحاسيسهم ولا تقيم وزناً لمعتقداتهم وثقافتهم، ولا تعبأ بالحساسية الشديدة التي تنفخ هذه الصور في نارها. فقد عرف عن المسلمين عموماً أنهم يتجنبون الظهور في الأماكن العامة من دون أن يكونوا بكامل هندامهم وأفضل ملابسهم» (١) . ليس (صدَّام) هو المقصود بتسريب صوره إلى الإعلام؛ فهو ورقة قد احترقت منذ زمن، ولكن الرسالة موجهة إلى من يفكر في مقاومة المشروع الأمريكي من قادة ومسؤولين. الرسالة بسيطة ومؤثرة وحقيرة أيضاً.. إنها تخاطب مشاعر كل من هؤلاء القادة قائلة: هل معارضة أو تحدي أمريكا تساوي أن تتناول وسائل الإعلام العالمية صورتك أنت بدلاً من صور الرئيس السابق للعراق؟ - رسائل إلى المقاتلين: عندما بدأت الحرب الأمريكية على أفغانستان كان من المهم للإدارة الأمريكية أن تقنع المسلمين بعدم جدوى أو فائدة التدخل فيما يحدث في أفغانستان؛ لذلك حرصت أمريكا على أن يتم تسريب أخبار عن كيفية تعامل أمريكا مع الأسرى الذين يتم اعتقالهم في معارك أفغانستان، أو ترحيلهم إلى معتقل جوانتنامو في كوبا. كانت الصور التي نشرت في تلك الفترة تقدم حقيقة ما يحدث هناك بشكل مرعب ومخيف لكل من يشاهده. لم يتساءل العالم: كيف تم تسريب هذه الصور من أحد أشد المواقع العسكرية سرية في العالم أجمع؟ وتناقل العالم أجمع صور المعتقلين وهم يُنقلون داخل أقفاص حديدية كالحيوانات المفترسة، ووضعت صحيفة «ذي ميل أون صنداي» البريطانية على غلاف عددها الأسبوعي صور المعتقلين مع تعليق ضخم يقول: «إنهم لا يسمعون شيئاً، ولا يرون شيئاً، ولا يشعرون بشيء.. أيديهم وأرجلهم ترسف في القيود. إنهم يركعون مذعورين.. أبهذه الطريقة يدافع بوش وبلير عن حضارتنا؟» . تناقل العالم هذه الصور التي كانت رسالتها الضمنية تحذير كل من يفكر في القتال مما سيحدث له في حال الاعتقال، ولعل الإدارة الأمريكية كانت تعتقد أن ذلك سيخيف ويوقف التيارات الجهادية من تقديم الدعم للطالبان. إن الوسائل المستخدمة في الاستهزاء بالمعتقلين كانت تتجاوز ما يتطلبه التحقيق إلى الاستهزاء بالقيم والأعراف والأخلاق الإسلامية والعربية، وهي رسالة إلى أبناء هذه الشعوب التي تعرف بالكرامة والإباء أن الوقوع تحت طائلة الجندي الأمريكي سيعني العديد من الإهانات التي تأباها النفس العربية. ولذلك جرى تسريب بعض الأخبار والأحداث التي لا علاقة لها بالضرورة بتعذيب المعتقلين لانتزاع الاعترافات منهم، وإنما كان الهدف هو الإهانة لذات الإهانة، وتعريف العالم بأنها تحدث وستكرر. لقد رصدت الكاتبة الأمريكية (ميري بارتون) بعض هذه الوسائل المقززة في مقال لها صدر مؤخراً بعنوان: (من المسؤول عن إثارة مشاعر المسلمين؟) ، تقول فيه: «إن هذه القصة أخذت أبعاداً كبيرة نظراً للتقارير المتداولة عن أساليب التحقيقات التي تتبعها القوات الأميركية مع المعتقلين.. قام المحققون باستخدام الكلاب بشكل واسع؛ نظراً لأنهم يعرفون أن المسلمين لديهم حساسية من النجاسة المرتبطة بالكلاب.. إن رامسفيلد نفسه أقر هذا الأسلوب [تعرية المعتقلين] حيث وقع على مذكرة في نوفمبر عام ٢٠٠٢م تقضي باستخدام هذا الأسلوب مع الأسرى إلى جانب قلع شعر اللحية لما يمثله ذلك من إيذاء للملتزمين دينياً ومطلقي اللحى ... وأكد الرقيب (إريك سار) الذي كان يعمل مترجماً في معتقل غوانتانامو والذي قال لوكالة الأسوشيتد برس إنه سيقدم وصفاً تفصيلياً لحادثة قيام واحدة من المحققات برشّ أحد المعتقلين بسائل أحمر اللون قالت عنه إنه دم حيض، ثم قالت للمعتقل: انعم بدم الحيض الليلة في زنزانتك؛ حيث إنه ليس هناك ماء لتطهير نفسك من هذا الدم» (١) . لم تكتف الإدارة الأمريكية بذلك، ولكنها سربت أيضاً للإعلام أن المعتقلين يُنقلون إلى الدول التي تُعرف بممارسة التعذيب الوحشي في معتقلاتها من أجل الحصول على الاعترافات. والغريب أن الدول التي ذُكرت بالاسم لم تسارع إلى النفي، ولم تبذل الإدارة الأمريكية أي جهد لتصحيح الصورة السلبية التي نجمت عن ذلك، وإنما شغلت العالم بالحديث عما إذا كان المعتقلون يمكن أن يعاملوا كأسرى أم كمجرمي حرب. وتكرر في وسائل الإعلام تسريب الأنباء عن الممارسات المخالفة للقوانين الدولية في تعذيب المعتقلين في الدول المتحالفة مع الإدارة الأمريكية في الحرب ضد الإرهاب، ولم تبذل أية جهود للتعرف عمن قاموا بتسريب هذه الأخبار. - رسالة إلى المقاومين: إن تسريب صور وأخبار اغتصاب النساء والعبث بكرامة الرجال، وسجن الأطفال واضطهاد كل من يعترض على الاحتلال هي رسالة لشعوب المنطقة أن تحذر من مغبة المقاومة، وأن تعارض أي رغبات حكومية أو شعبية في تحدي أمريكا أو معارضتها. المطلوب أن يفكر كل مواطن في بلادنا في كيفية تجنب ما يمكن أن يحدث له ولأسرته وأمته في حال مواجهة أمريكا. هذه الحيلة الإعلامية والنفسية ليست جديدة أو مستحدثة في الفكر النفعي الأمريكي. ففي نص محاضرة ألقاها في عام ١٧١٣م (وليام لنش) ، وهو أحد ملاك العبيد على أسماع «ملاك عبيد» آخرين، يشرح فيها نظرية ترويض (الإنسان - العبد) أوصى ملقي المحاضرة بقتل الرجال من العبيد علناً أمام أسرهم وخاصة أمام النساء والأطفال، ثم الاعتماد بعد ذلك على نساء العبيد لتربية أجيال من العبيد الخاضعين المروضين ـ بحكم تجربتهم لنتيجة المقاومة وما ستمليه المرأة الضعيفة على الأجيال الناشئة التي شهدت فيها قوة إجرام الرجل الأبيض وجبروته وفتكه بالرجل الذي هو مصدر القوة والحماية لها. هذه هي الرسالة الإعلامية التي توجه لأمتنا بشكل غير مباشر من خلال التسريب المتعمد للمعاملة الوحشية للأسرى والمعتقلين وكل من يقاوم المشروع الأمريكي للهيمنة على المنطقة. - إلى مسلمي أمريكا: وعلى نفس المنوال يجري التعامل مع المسلمين في أمريكا. فما يجري حالياً هو محاولة ضمنية ليكون كل منهم عيناً للإدارة الأمريكية على الجالية لكي يأمن على نفسه من الإهانات والاعتقالات التي تصور إعلامياً وتصبح مادة دسمة لوسائل الإعلام الأمريكية عن طريق تسريب الأكاذيب للإعلام. لقد شعرت أمريكا أن الوجود الإسلامي في القارة قد ساهم بشكل غير مباشر في حدوث ما تعتبره أمريكا كارثة أمنية في سبتمبر ٢٠٠١م. وقد اختارت أمريكا أن تواجه هذا الوجود الإسلامي في أمريكا، وأن تقلم أظفاره بشكل لا يسبب أي إزعاج أمني في المستقبل حتى لو كان ذلك على حساب الحقوق المدنية للجالية. لذلك جرى اعتقال نماذج من كل فئات المجتمع المسلم في أمريكا والتنكيل بهم بشكل مقزز ومعلن أيضاً لتصل الرسالة واضحة دون أي لبس للجالية المسلمة في أمريكا. ومن يتابع مسلسل الاعتقالات يجد أن الإدارة قد اختارت نماذج لجعلها عبرة لغيرها، وجمع ذلك بين اعتقال الدعاة إلى رؤساء الجمعيات الخيرية إلى الكتاب والمفكرين وحتى من يجيدون استخدام التقنيات الإليكترونية أو من يساهمون في خدمة العمل الدعوي بأي شكل من الأشكال. فقد شهدت الأعوام الثلاثة الأخيرة اعتقال العديد من الشخصيات الإسلامية في القارة الأمريكية كالدكتور سامي العريان الذي اتهم بالتعاون مع حركة الجهاد الإسلامي، والدكتور رافل ظافر الذي اعتقل بتهمة مساعدة الشعب العراقي خلال فترة المقاطعة، وكذلك الدكتور علي التميمي الذي يواجه أحكام تصل إلى السجن مدى الحياة بدعوى التحريض على مساعدة الطالبان. وفي كل الحالات السابقة لا توجد أدلة اتهام حقيقية، وإنما تقوم الإدارة الأمريكية بإعادة تفسير أحداث معينة بشكل يتناسب مع المزاج النفسي الأمريكي في الآونة الأخيرة، ويُستخدَم ذلك مبرراً للاعتقال والمحاكمة وتشويه تاريخ هذه الشخصيات واتهامها بما لم يحدث. وكان من نتيجة ذلك أن ابتعد الكثير من أبناء الجالية عن العمل الخيرى وعن المشاركة في أنشطة وفعاليات المساجد وجمعيات المسلمين في تلك القارة. - رسالة إلى عموم الأمة: أما الرسالة الأمريكية الأخيرة فهي موجهة إلى عموم الأمة بمفكريها وبسطائها أيضاً.. إلى كل من يرى عدم جواز الإساءة إلى المصاحف أو إهانة القرآن.. إليهم جميعاً كانت الرسالة الأمريكية الإعلامية هي أن يعلموا أن معارضة أمريكا قد تسببت في ذلك، وأدت إلى أن الجنود الحمقى ـ هكذا يراد تصويرهم ـ لن يردعهم شيء عن الاستهزاء بالقرآن ما دام هناك من المسلمين من يخطط لإزعاج أمريكا. ولذلك فحتى عندما نفت مجلة «نيوزويك» الأخبار التي تسربت عن طريقها في أن القرآن قد أهين في جوانتانامو، وقَبِلَ العالم بذلك.. خرجت المباحث الفيدرالية الأمريكية لتؤكد أن تحقيقاتها تثبت أن القرآن قد تمت إهانته. هل يعقل أن يكون ذلك من المصادفات أيضاً؟ لقد وصفت وزيرة الخارجية (كوندوليزا رايس) المقال الذي صدر في «نيوزويك» بأنه «مخيف» ، مشيرة إلى أنه «سبَّب مشاكل كثيرة» . وقالت إن المقال «خلق مشكلة خطيرة» لواشنطن في العالم الإسلامي؛ ومع ذلك فلم يتحدث أي مسؤول أمريكي عن تسريب الخبر، وإنما جرى التأكيد على تبعاته، وتضخيمها. ويركز على هذه النقطة الكاتب الأمريكي (جون مارتن) قائلاً: «إن السبب الرئيسي للغضب هو إخفاق الولايات المتحدة بإجراء تحقيق مناسب بعد سنوات من نشر تقارير تؤكد حدوث الإساءات، والولايات المتحدة ممثلة بإدارة بوش لم تكلف نفسها الرد على الاتهامات التي تقال حول قيام المحققين بتدنيس القرآن الكريم في غوانتانامو وأماكن أخرى، كما أنها لم تتحمل أي مسؤولية عن هذه الاتهامات، وبدل ذلك دعا المتحدث باسم البيت الأبيض (سكوت ماكليلان) مجلة «نيوزويك» للمساعدة في إصلاح الأضرار التي تسببت بها» (١) . - جرائم مع سبق الإصرار والترصد: إن قتل الجرحى جريمة.. وترويع الأبرياء جريمة.. واغتصاب النساء والرجال من قِبَل الجنود جريمة.. ونشر صور طاغية بملابسه الداخلية جريمة حتى في قوانينهم أيضاً حتى وهو طاغية.. ولكنها جميعاً جرائم مقصودة مع سبق الإصرار والترصد، ولم تُرتكب عبثاً. المطلوب هو أن تتعلم الأمة بجميع فئاتها وطبقاتها وتنوعاتها فنون الركوع للحلم أو الكابوس الأمريكي، وأن تتوقف كل صور وأشكال المعارضة أو المقاومة، وإلا فسيتكرر ما تم تسريبه من أخبار وصور لتمس القادة والشعوب والمقاومين وغيرهم أيضاً. لقد تحدث (ميكيافيللي) في كتابه (الأمير) عن التعامل مع المقاومة فقال: «نلاحظ أن الرجال إما أن يُستمالوا أو تتم إبادتهم، كما أنهم يثأرون لأنفسهم في الأمور الصغيرة لكنهم لا يستطيعون ذلك في الأمور الكبيرة؛ فإذا ما أضير الرجل مضرة كبرى فلا يجب علينا أن نخشى انتقامه» (١) . ما تسعى إليه أمريكا اليوم هو ان نستشعر جميعاً أن المضرة من المقاومة أو أي شكل من أشكال المعارضة ستكون مضرة كبرى. وفي سياق نصائح (ميكافيللي) ـ رائد الفكر النفعي السياسي ـ للأمير عن كيفية الحفاظ على هيبته في مواجهة المقاومة كتب قائلاً: «أنا أعتقد أن ذلك سببه القدرة على استعراض القسوة بطريقة مناسبة. فحُسن ارتكاب الجريمة القاسية ـ إذا كان بإمكاننا استخدام كلمة «حُسن» عند الحديث عن النوايا الشريرة ـ يمكِّن من جني الثمار فيما بعد» . وفي نص المحاضرة التي ألقاها (وليام لينش) عن ترويض العبيد في أمريكا تظهر السياسة الأمريكية في التعامل مع المخالف عندما يقول ناصحاً المستمعين في كيفية كبح جماح المقاومة: «استخدم الخوف وعدم الثقة والحسد لأغراض السيطرة.. أؤكد لك أن زرع الشك وفقدان الثقة هو أقوى من الصدق، وأن الحقد أقوى من التملق والإعجاب.. وإن العبد الأسود بعد أن يتشرب هذه المشاعر فسيحملها ويغذيها تغذية ذاتية وسيولدها لنفسه لمئات من السنين» (٢) . - أثر مواجهة الحقيقة داخل أمريكا: قد لا يكون من الممكن أن يتم إثبات تورط أمريكا في تسريب الأخبار بأدلة دامغة لا تقبل الشك؛ لأن الحياة السياسية لا تبنى على حقائق قاطعة. ولذلك فلا بديل عن الاكتفاء بالقرائن التي تربط بين العمل وبين نتائجه والمستفيد منه، وتوقيت التسريب وارتباطه بالمصالح الأمريكية في نفس التوقيت. وإن جاز أن ينظر إلى هذه الفكرة على أنها حقيقية، فلا بد أن لها آثاراً على من يرتبط بها. قد يظن بعض القراء أن تأثير هذه الحيل الأمريكية سينحصر فقط في العالم العربي والإسلامي، وأنها قد تأتي بنتائجها سلباً أو إيجاباً في هذا الجزء من العالم وحده دون ان يكون لها تأثير على المجتمع الأمريكي نفسه. ولكن الواقع خلاف ذلك. إن الشعب الأمريكي بمجمله لا يزال يعتقد أن أمريكا يمكن أن تكون «إمبراطورية خيِّرة» وأنها حقاً تعتنق الكثير من المبادئ والقيم الأخلاقية التي تسعى إليها الإنسانية من حرية ورفاهية. ولكن تسريب أخبار القسوة الأمريكية والوحشية في التعامل مع المخالف ـ والتي قد يكون المقصود منها هو تركيع هذا المخالف ـ قد تأتي بنتائج عكسية في المجتمع الأمريكي نفسه الذي يواجه اليوم تناقضاً حاداً بين ما كان يظن أنه يعتقده وبين ما يمارسه فعلاً. وكما عبر عن ذلك الكاتب الغربي (هورهي أنايا) في مقال صدر له مؤخراً عن الإمبراطورية الأمريكية، فقال: «الشعب الأمريكي سيجد نفسه مضطراً لمواجهة حقيقة أن حكومته لن تحقق النصر في هذه الحرب، وبأنهم هم من سيدفعون فاتورة حرب خاسرة. على الرغم من كل ذلك؛ فإن واشنطن لن تتراجع في سياستها؛ فرجال الحرب المدنيون الأميركيون بثوا أفكارهم بأن أمريكا هي القوة الوحيدة المسيطرة على العالم، والتي لا تقهر» . إن عدم التراجع من الإدارة الأمريكية سيتسبب في إرباك المجتمع الأمريكي داخلياً وفكرياً. إن الشخصية الأمريكية شخصية تميل إلى التبسيط في كل الأمور، وما يحدث خلال الأعوام الماضية ـ في حال تبسيطه ـ يسبب خللاً كبيراً في هذه النفسية الأمريكية؛ لأنه يمثل تناقضاً صارخاً بين القيم التي عرفت أمريكا بالمناداة بها من أجل مستقبل أفضل لأمريكا وللعالم، والممارسات التي نتجت بسبب الرغبة في سيادة العالم وتحقيق ذلك الحلم الأمريكي. وهذا التناقض سيسبب إرباكاً حقيقياً للفكر الأمريكي، وسيتسبب في هزة للمسلَّمات التي قام عليها المشروع الحضاري الاستعماري لهذه الدولة، وهو ما سيؤدي بالتأكيد مستقبلاً إلى تآكل الرصيد الأخلاقي للحضارة، وهو ـ كما علَّمنا التاريخ ـ المقدمة الحتمية للانكفاء الداخلي وانهيار أحلام السيطرة على الآخر. - الرد على الرسائل: إننا نحيا في عالم لا تتوافق فيه المصادفات بهذا الشكل إلا لمن يقبلون أن يوصفوا بالمغفَّلين، وليست هذه الأمة منهم، ولذلك فإن الرسائل الأمريكية قد وصلت واضحة ومؤثرة، ولم تغفل الأمة عن فحواها حتى وإن لم تتمكن حتى الآن من صياغة الرد المناسب لهذه الرسائل. سيؤكد المستقبل لهذه الإدارة الأمريكية أنها قد أخطأت خطأ جسيماً في تقدير رد فعل هذه الأمة، وهو ما عبر عنه الكاتب الأمريكي (توماس فريدمان) مؤخراً عندما قال: «إنني أعتقد جازماً ان القصص التي تخرج من غوانتانامو لها نفس التأثير السامّ علينا نحن الأمريكيين؛ فقد اثارت العواطف المعادية للولايات المتحدة حول العالم أجمع، ولها فعل المغناطيس في جذب أولئك المستعدين لقتل انفسهم من أجل قتلنا.. ومن الأفضل أن يكون هناك القليل ممن يطوفون العالم ويسعون لإلحاق الضرر بنا بدل أن يكون وراءنا جيل كامل من الكارهين لنا ولكل ما نمثله» . (*) مدير المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب، وباحث متخصص في شؤون علاقة الغرب وأمريكا بالعالم الإسلامي.

стр. 5376

المرأة العراقية المسلمة في جحيم الاحتلال عماد عبد العزيز إن أمر تكريم الإسلام للمرأة، واحترامه لها ولمكانتها لا يحتاج إلى برهان؛ فهذه نصوص الوحيين: الكتاب، والسنة؛ تزخر بالحث على الاهتمام بها سواء كانت أماً أو أختاً أو بنتاً أو زوجة؛ حيث شُرِعَ لها من الحقوق، وأوجب عليها وعلى المجتمع من الواجبات ما يجعلها تعيش عزيزة مكرمة وبما يتناسب مع بنائها الجسمي والنفسي الذي فطرها الله عليه. ولقد كانت المرأة المسلمة هدفاً لمخططات أعداء الإسلام؛ وذلك تحت شعارات عدة رفعها الأعداء أو من يسير في ركابهم ويدعو بدعوتهم ممن يُحسَبون على المسلمين؛ والإسلام وأهله منهم براء، ولعل أشهر تلك الشعارات شعار (تحرير المرأة) هذا الشعار الذي يُراد منه تحرير المرأة من الطهر والفضيلة التي أرادها رب العزة لها. لقد أدرك الأعداء أن المرأة إذا فسدت أخلاقها كانت سلاحاً فتاكاً ينخر في كيان المجتمع من الداخل، فيميع الأمة ويجعلها تتخلى عن قيمها ومبادئها، ويغرقها في الشهوات ومن ثَم يسهل السيطرة عليها. كما أدرك الأعداء أن العكس صحيح؛ فالمرأة المتمسكة بدينها وقيمها وعفتها تمثل سداً منيعاً أمام مخططاتهم مانعاً لهم من تحقيق أهدافهم. - طرق الأعداء في استهداف المرأة: أصبحت المرأة العراقية هدفاً مركزياً من أهداف الاحتلال في العراق؛ فقد استهدفوها بجميع الوسائل وبمختلف الطرق؛ فهي مستهدفة فكرياً واقتصادياً واجتماعياً وشخصياً؛ وسأفصل في بيان معاناة المرأة العراقية في كل ذلك مع بيان ما يُخطط لها ويراد بها من كيد الأعداء: على الصعيد الفكري: تشير الوثائق الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية منذ بداية الاحتلال إلى المشاريع والبرامج المعدة لمحو شخصية المرأة العراقية، وتغيير منظومة قيمها الإسلامية من أجل تطبيعها وتطويعها لتقبل الفكر الغربي ومنظومة القيم اللا أخلاقية التي تعيش فيها المرأة الغربية وتعاني منها أشد المعاناة، ومن ثَم تتقبل فكرة الشرق الأوسط الجديد الذي يعد المشروع الاستراتيجي للإدارة الأمريكية والمحافظين الجدد الذين يسيطرون عليها، وأرادوا من احتلال العراق أن يكون بداية تحقيق مشروعهم. جاء في بيان حقائق صادر عن وزارة الخارجية في شباط/فبراير ٢٠٠٥م وتحت عنوان: (الولايات المتحدة الأمريكية ملتزمة بدعم المرأة العراقية في المجالات المختلفة) أنه تم تدريب عدد من النساء العراقيات في برنامج مدته أربعة أشهر كجزء من مبادرة الشراكة الأمريكية ـ الشرق أوسطية. وأشار التقرير إلى المبالغ المصروفة والمخصصة لمشاريع ومبادرات الدعم للمرأة في العراق والتي تدل على ضخامة المخططات المعدة للمرأة العراقية؛ فقد خُصص مبلغ نصف مليار دولار من المبالغ المخصصة من الحكومة الأمريكية لإعادة إعمار العراق في العامين السابقين لمشاريع تساعد المرأة العراقية بشكل خاص في عمليتي التنظيم الديمقراطي والمناداة بالأفكار الغربية ومناصرتها وحشد التأييد لها. كما أن هناك مبالغ تصرف من منظمات غير حكومية من أجل تحقيق الأهداف نفسها منها (مبادرة ديمقراطية المرأة) ، كما أسست وزارة الخارجية العراقية الشبكة النسائية الأمريكية ـ العراقية. وفي أوائل عام ٢٠٠٥م هيأت (الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية) الدعم لمنظمة غير حكومية في جنوب العراق تضم أربعمائة عضوة لإقامة ندوات حول مشاركة المرأة في الانتخابات وتقديم لمحة عن العمليات الديمقراطية في الخارج، وتهدف إلى زيادة مشاركة المرأة في النشاطات السياسية والاقتصادية والثقافية وفق المنظور الغربي. كل هذه الأموال والجهود تبلورت بشكل جمعيات ومنظمات ونقابات مهنية ومراكز تدريبية تقوم بتنفيذ المخطط الأمريكي؛ فهناك (منظمة حرية المرأة) التي تعتبر أحكام الشريعة انتهاكاً لحقوق المرأة، وتدعو جهاراً لتغيير قانون الأحوال الشخصية ذي الصبغة الإسلامية؛ لأنَّ فيه ظلماً للمرأة وانتهاكاً لحقوقها ـ كما تزعم ـ وذلك؛ لأنه يقر مبدأ تعدد الزوجات، ولكون الطلاق بيد الرجل، وكونه يطبق نظام الإرث الإسلامي، بل تطالب المنظمة بأن لا يكون للشريعة الغراء دور في صياغة الدستور الجديد. وهناك (منظمة آفاق العراق الجديد) التي تلتئم أسبوعياً في (مركز بغداد المجتمعي) ؛ حيث تقدم لسلطة الائتلاف معلومات عن فرص العمالة والتدريب للنساء. كما تم افتتاح العديد من المراكز في بغداد والمحافظات؛ ففي بغداد هناك (مركز النخلة الخضراء،) و (مركز المنصور للفرص النسائية) ، و (مؤسسة مركز الحوراء) ، و (مركز الديوانية لحقوق النساء في الديوانية) ، و (مركز فاطمة الزهراء لحقوق النساء في الحلة) ، و (مركز ختوزين في أربيل للعمل الاجتماعي) ؛ كل هذه المراكز والعديد غيرها تمول من قِبَل الاحتلال الأمريكي. وتسهم هذه المراكز والمؤسسات في نشر الفكر العلماني والإلحادي بين نساء العراق بحجة الديمقراطية والحرية والمساواة مع الرجل، وتدعو إلى الاختلاط بين الجنسين وعدم تجريم الزنا؛ كما تدعو إلى خلع الحجاب وتصمه بالتخلف. كما تشن هذه الجمعيات حملة إعلامية تتهم فيها الإسلاميين بالاعتداء على غير المحجبات وملاحقتهن وإلحاق الضرر بهن، وهي تستغل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيش فيها شعب العراق لاجتذاب المرأة العراقية إليها. وقد فرض الاحتلال على أتباعه ممن كان في مجلس الحكم فيما يسمى قانون إدارة الدولة المؤقت أن لا يقل تمثيل النساء في الجمعية الوطنية المنتخبة عن ٢٥% من المقاعد؛ وذلك لإعطاء الحقوق الكاملة للمرأة. وهناك وزارة تسمى (وزارة شؤون المرأة) وذلك مما يثير السخرية؛ فكأن المرأة شيء مستقل عن المجتمع. وفي الوقت نفسه يؤكد ما سبق إن قلناه إن هناك مخططاً كبيراً يعد للمرأة العراقية يريدون من خلاله تغريب المجتمع العراقي ونشر الفساد فيه. - المعاناة الاقتصادية للمرأة العراقية: يعاني الاقتصاد العراقي من تردٍ كبير في مستوى أدائه؛ فالبطالة ضاربة أطنابها في المجتمع؛ إذ بلغت الحضيض، ومستوى المعيشة للأفراد في أدنى مستواه. فباب التعيين مغلق، ونسبة البطالة ٧٠% إلا في مجال الأجهزة الأمنية والشرطة والجيش؛ مما ولد معاناة كبيرة لدى الأسرة العراقية التي بات الكثير منها لا يستطيع توفير القوت اليومي. وهذه المعاناة الجديدة جاءت بعد معاناة متراكمة من جراء الحصار الذي استمر أكثر من عقد من الزمن. وقد أدى ذلك إلى حدوث تفكك في بناء الأسرة؛ حيث اضطرت الأسر إلى عدم إرسال أبنائهم إلى المدارس ودفعهم بهم إلى العمل في مهن الشوارع التي تكون بيئة صالحة للانحراف. وجل هذه المعاناة وقعت على المرأة العراقية خصوصاً؛ أن المجتمع العراقي مجتمع نسوي؛ إذ تشكل النساء فيه نسبة ٥٢% فوجد الكثير من النساء أنفسهن دون معيل، بل هناك من وجدنَ حسب تعداد ١٩٩٧م أنفسهنَّ مسؤولات عن إعالة عائلة كبيرة، فدفع ذلك بعضهن إلى العمل في مهن لا تناسبهن، فانخرط قسم منهن في الشرطة والأجهزة الأمنية، وقسم منهن انحرف أخلاقياً بحجة الظرف الصعب مما أدى إلى تعرض العديد من النساء لأنواع متعددة من العنف، وظاهرة التجارة بالبشر انتشرت في المجتمع العراقي. كما أدى الوضع الاقتصادي المتردي إلى عزوف العديد من الرجال عن الزواج مما أدى إلى ارتفاع نسبة العنوسة بين النساء العراقيات. وكل هذه المعاناة للمرأة العراقية تسير وفق مخطط معد لذلك. - أصالة المرأة العراقية: ولكن في المقابل هناك العديد من الصور المشرقة التي تؤكد أصالة المرأة العراقية واعتزازها بقيم دينها وأمتها. لقد سطرت المرأة العراقية من المواقف ما يجعلها مصدر عز وفخر. لقد سدت غيبة زوجها وابنها وأخيها المجاهد، فقامت بالأسرة ولم تجعلها تحس بغياب المعيل الذي يثخن بالعدو ويستشهد وهو يوصي إخوته بزوجته وبناته. وعندما يذهب الناس للتعزية ويعرضون المساعدة تقف المرأة المسلمة وقفتها فترفض المساعدة وتقدمها لإخوته ليستمروا في الدرب، وتقنع هي وعيالها بالعيش الكفاف، وتصبر وتُصابر وتنتظر نصر الله لعباده وهو قريب بإذن الله. ومن هذه النماذج الأخت (أم أحمد) من أهالي الدورة في بغداد؛ فقد كانت هذه الأخت نصرانية تعرفت على أبي أحمد في الجامعة وهداها الله على يده، فأسلمت وتزوجا، ولما دعا داعي الجهاد كان أبو أحمد ممن لبى النداء وأكرمه الله بالشهادة، فعانت الأخت من أسرة زوجها ومن أهلها، فأهل زوجها أهملوها وأهلها يدعونها إلى الرجوع إلى دينهم ويقدمون لها المغريات على ذلك، ولكنها بقيت صابرة محتسبة تعيل سبعة أطفال أكبرهم يبلغ العاشرة تعاني من شظف العيش، ولكنها بقيت على دينها وعهدها للعقيدة التي استشهد من أجلها أبو أحمد. وقد أنشأت المرأة العراقية العديد من المنظمات والجمعيات النسوية الإسلامية التي أخذت على عاتقها تحصين المرأة العراقية ثقافياً واقتصادياً؛ حيث وفرت هذه الجمعيات النسوية فرص عمل للعديد من النساء؛ كما مدت يد العون والمساعدة لهن كالرابطة الإسلامية لنساء العراق، ورابطة المرأة المسلمة، ومنتدى المرأة المسلمة وجمعية الأخت المسلمة، والفرع النسوي في هيئة علماء المسلمين. ولقد انتشرت المحلات المختصة بملابس المرأة المسلمة والحجاب مما يدل على بداية صحوة جديدة تعيشها المرأة المسلمة في العراق؛ وكما قيل فإن المحنة أحياناً تتحول إلى منحة. - الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة العراقية من قِبَل قوات الاحتلال كثيرة: تقول الأخت فارعة رفاعي: «لا أعتقد أن هناك امرأة في العالم تتعرض للانتهاكات كما تتعرض له المرأة العراقية من إهانات وضغط نفسي. إن المرأة العراقية تؤخذ من منزلها حالها حال الرجل مقيدة اليدين من الخلف، وتُحمل على سيارة (الهمر) وتؤخذ إلى المعتقل بملابس البيت، ولا يسمح لها بوضع الحجاب على رأسها» . هذا وصف لبعض ما يجري للمرأة العراقية وما خفي كان أعظم. إن الطريقة التي تداهم بها البيوت من قِبَل قوات الاحتلال أقل ما يقال فيها أنها طريقة وحشية تترك آثاراً نفسية صعبة على الأسرة؛ فضلاً عن الآثار المادية. إنَّ استخدام القنابل والمدرعات في فتح الأبواب، واستخدام القنابل الصوتية لإثارة الفزع لدى أهل الدار، وحشر النساء والأطفال في غرفة، وإهانة الرجال أمامهم بوضع الأحذية فوق رؤوسهم والاعتداء بالشتم؛ كل هذه الأمور المروعة اعتادتها المرأة العراقية. بل لم تكن المرأة العراقية فقط مشاهدة لذلك؛ فقد حصلت على نصيبها من هذه الانتهاكات؛ فيعتدى عليها بالضرب إذا حاولت الدفاع عن زوجها ومقتنياتها الذهبية مما يبحث عنه المحتلون لسرقته مع الأموال الموجودة في البيت؛ وبكسر أثاث بيتها أمام عينها، ويتركون البيت مقلوباً رأساً على عقب. بل لقد أصبحت المرأة وسيلة من وسائل الضغط على الرجال، فيأخذها المحتل رهينة لإجبار الرجال على تسليم أنفسهم؛ وهذا من الحوادث المتكررة بكثرة. فسجون الاحتلال تغص بمئات النساء المسلمات التي لا يُعلَم عددهن بالضبط؛ فقوات الاحتلال لا تقدم إحصاءً بالمعتقلين فضلاً عن المُعتقَلات، والمنظمات الدولية مغيَّبة وإن سمح لبعضها بزيارة بعض السجون فهي لا تطلع إلا على النماذج التي تعطي صورة حسنة عن قوات الاحتلال. إن المرأة العراقية تعاني من قسوة السجون الأمريكية فهي تتعرض للتعذيب والضرب والإهانة وشتى أنواع العذاب منها ما يصل إلى الاغتصاب والقتل. ولا يصل إلى وسائل الإعلام من هذه التفاصيل إلا القليل؛ فمن يخرجن من السجون لا يستطعن الحديث عن كل ما يجري لهن بسبب الوضع الاجتماعي العراقي الذي تغلب عليه العادات العشائرية. ولكن ما وصل من ذلك تشيب له الرؤوس؛ فكثيراً ما كان النساء يبقين فترة طويلة دون طعام، كما أنهن يحرمن من الذهاب إلى المرافق الصحية إلا في أوقات يحددها السجن، وعندما تذهب إلى المرافق تمنع من وضع ستار يسترها، كما أنه لا تتوفر شروط الرعاية الصحية للسجينات. إنَّ تعرية الرجال وإدخالهم إلى سجون النساء وإبقاءهم مدة من الزمن داخل هذه السجون من الأمور التي تكررت بكثرة، وكانوا يركزون على العلماء والشيوخ وكبار السن في ذلك. وكذلك ممارسة الجنس أمام السجناء سواء المجندات مع السجناء أو الجنود مع المعتقلات أو الكفرة فيما بينهم. هم يريدون إرسال رسالة للشعب المسلم بأننا نحاربكم بأعز ما تعتزون به وهو شرفكم، ولكن هيهات! لقد تحولت هذه السجون بفضل الله إلى دورات روحية يخرج منها العراقيون أكثر إصراراً وعزيمة على مواصلة الدرب، فكم من أخ وأخت أُخِذَ بطريق الخطأ فخرج من السجن مجاهداً يطلب الشهادة في سبيل الله، والنساء يخرجن عازماتٍ على مواصلة الدرب ولسان حالهن يقول للكفرة: ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] . لقد ساهمت المرأة العراقية بقوة في مقاومة المحتل بوسائل فريدة ومؤثرة كانت محل الإعجاب والتقدير ثبتها الله وربط على قلبها لمواجهة ما تعانيه من ضر. هذه بعض من صور معاناة المرأة العراقية. قد تكون محنتها عظيمة، ولكنها جزء من معاناة الشعب المسلم في هذا البلد. إنَّ ما يتعرض له العراقيون وخصوصاً أهل السنة فيه لم يتعرض له شعب على مر التأريخ، ولكن الله معه وناصره لا محالة ما دامت بشائر العودة إلى الدين تنتشر بقوة بين نساء المسلمين ورجالهم؛ هذه العودة هي التي تبعث على التفاؤل بنصر الله رغم المحن ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] .

стр. 5377

جارانج والرقص على أشلاء الإسلاميين أحمد فهمي عندما يستبدل الإسلاميون بوصلتهم العقائدية بأخرى سياسية، فإن الاتجاهات والمواقف تتبدل على الفور، ليصبح الصديق عدواً والعدو صديقاً، وهذا الأمر لا يتضح في مكان كما يتضح في السودان. في نهاية التسعينيات وعندما بدأت الإشاعات والأقاويل تتسرب عن الخلاف بين الرئيس السوداني عمر البشير والزعيم الإسلامي حسن الترابي، كان الطرفان يحرصان على الظهور معاً أمام وسائل الإعلام للتأكيد على عمق الروابط الأخوية، وفي لقطات طريفة كانا يرقصان سوياً بالعصي على الطريقة السودانية، وهو ما اعتبره وقتها بعض المراقبين ذوي النظرات القاتمة مؤشراً على معارك «تحطيب» أو كسر عظام قادمة. كان العدو الأول لجناحي الإنقاذ المنفصلين هو الحركة الشعبية التي يتزعمها جون جارانج، وكانت الحرب لا تزال مستعرة، لكن في سنوات قليلة تلاشت العداوة وتبدلت البوصلة، وأصبح جون جارانج نائباً للرئيس، والترابي غائباً في السجن، ومن المفارقات التزامن المعبر بين خروج الترابي من سجنه قبل شهر وخروج النائب الثاني علي عثمان طه من منزله في الخرطوم تاركاً إياه مؤقتاً على سبيل الضيافة للنائب الثاني جون جارانج. وعلى الجانب الآخر لم يتوانَ الدكتور الترابي بعد خروجه عن شن هجمة شرسة على المؤتمر الوطني الحاكم رافضاً حصوله على نسبة ٥٢% من الحقائب الوزارية، بينما أقر في نفس الوقت أحقية حزب جارانج بنسبة ٣٠%، وقال صراحة: «لا أنتقد تمثيل الجنوب فهم يستحقون؛ لأنهم حُرِموا لفترة طويلة» أما رفاقه الإسلاميون فلا يستحقون. وما بين عشية وضحاها أصبح جارانج محور التحالفات والأحداث في الخرطوم، وبمجرد أدائه لليمين الدستورية اشتعلت حرب الفتاوى والمصالح بين مختلف الأطراف، ما بين مؤيد للانضمام إلى حزب جارانج باعتباره ممثلاً للسودانيين كافة، وما بين محرِّم للانتماء إلى حزب علماني انفصالي يقوده النصارى. وفي داخل المؤتمر الوطني لم يكن اتفاق السلام عامل استقرار، بل كان محفزاً للاستقطاب وإعادة ترتيب المواقف؛ فالبقاء على نهج الإنقاذ القديم كان يعني التقوقع سياسياً ودفع الأعضاء المترقبين كي يتحولوا إلى المؤتمر الشعبي للشماليين أو الحركة الشعبية للجنوبيين، كما أن الانفتاح على كافة الأطياف لن يرضي كافة الأطراف، وحتى الآن ليس واضحاً من سيتحول إلى عالم الظلال، ومن سيحظى بجزء من الكعكة التي انتفخت لاستيعاب ٦٤ وزيراً، نصفهم على الأقل بلا وزارة. يبقى أن المَعْلَم الأكثر وضوحاً هو المهمة المقدسة لجون جارانج وهي: إزالة الأطلال السياسية الإسلامية في السودان، والمهلة المتاحة: ست سنوات حتى انتهاء الفترة الانتقالية التي يستطيع بعدها أن يؤسس مطمئناً دولته في الجنوب، بعد أن يكون قد نقل اتجاهات البوصلة الأربع إلى الشمال المسلم.

стр. 5378

المسلمون في استراليا سامي الدبيخي - أمير بتلر تبعد دولة أستراليا عن أرض الحرمين ١٥٠٠٠ كم، وفيها جالية إسلامية تقارب ٣٠٠٠٠٠ مسلم من أصل عشرين مليون نسمة؛ وبما أن القليل من يعرف عن شأن الإسلام في أستراليا؛ لذلك فإن الكاتبين أخذا المبادرة لكتابة تقرير موجه بالدرجة الأولى للعلماء والدعاة والجمعيات الإسلامية من أجل توضيح الصورة عن وضع الإسلام والمسلمين في أستراليا. وهذا التقرير يلقي الضوء على تاريخ الإسلام في أستراليا، والوضع السكاني والاقتصادي للمسلمين، والجمعيات والمدارس الخاصة بالمسلمين. وفي نهاية التقرير أعطى الكاتبان عناصر لتقييم الوضع للجالية الإسلامية في أستراليا. وللخروج بصورة أشمل عن الإسلام والمسلمين هناك، ينصح الكاتبان بالاطلاع على الحوار المنشور لهما في مجلة البيان العدد (٢٠١) جمادى الأول ١٤٢٥هـ. ١ - تاريخ الإسلام في أستراليا: عاصر دخول الإسلام إلى القارة الأسترالية وصول المستعمرات الغربية؛ حيث اعتمد الإنجليز على الأفغان المسلمين في نقل البضائع والتموين وتشييد الطرق، وقد وصل عددهم في عام ١٩٣١م إلى ما يقارب ٣٩٣ رجلاً قدموا للعمل بغير عوائلهم التي فضّلوا بقاءها في أفغانستان بسبب عدم سماح النظام الأسترالي في ذلك الوقت بقدوم نساء الأفغان. وبما أن الإنجليز لم يمنحوا الأفغان الجنسية رغم مساهمتهم بتطوير البلاد، وقد وجد الأفغان البلد غير مناسبة للحفاظ على هويتهم الإسلامية؛ ولهذا فإن معظمهم عاد إلى أفغانستان، والقليل منهم مكث في أستراليا وتزوج من سكان البلد الأصليين والإنجليز، وقد خلّف الأفغان المسلمون خلفهم بعض العادات والتقاليد والمباني التي ما زالت إلى الوقت الحاضر ملموسة في الجالية الإسلامية. إن نشر الإسلام في القارة الأسترالية في عام ١٨٦٦م كان أهم وأعظم مساهمة قام بها الأفغان، وما زال الصدق والأمانة وحسن المعاملة والالتزام بتعاليم الدين الإسلامي متعلقة بأذهان الأستراليين حول أولئك الرجال، إلى درجة أن عدم شربهم للخمر قد أدهش الغربيين. ورغم احترام المسلمين للأنظمة إلا أن وضعهم كان صعباً وضعيفاً؛ لأن الغرب يراهم متخلفين بسبب تمسكهم بالإسلام، ولكن التأريخ يوضح أن الأفغان ليسوا أول من وصل إلى أستراليا؛ حيث إن التجار المسلمين كان لهم علاقات مع سكان شمال أستراليا الأصليين في القرن السابع عشر الميلادي. ولكن تأثير الأفغان حالياً هو القائم والمشهود له. ومساهمة المسلمين بشكل عام في التجارة والصناعة والزراعة ظاهر في جميع الولايات الأسترالية ومعترف به. واليوم فإن عدد المسلمين في أستراليا يقارب ٣٠٠٠٠٠ مسلم تقريباً، يقطن ٨٠% منهم في مدينتي سدني وملبورن. ٢ - المسلمون في أستراليا: إحصائيات سكانية: حسب آخر الإحصائيات الرسمية السابقة في عام ٢٠٠١ فإن هناك ما يقارب ٣٠٠٠٠٠ مسلم من ٢٠ مليون نسمة في أستراليا؛ ولذلك تعتبر الجالية الإسلامية قليلة، ويمكن ملاحظة ذلك في الجدول (١) ؛ حيث وجد بموجب الإحصاء الرسمي الأخير أن ٣٦% فقط من المسلمين هم من مواليد أستراليا، وأما الأغلبية فهم من مواليد خارج أستراليا؛ وهذا يوضح أن المسلمين الأستراليين في الحقيقة هم من مهاجري الجيل الأول. جدول (١) دول الولادة للمسلمين الأستراليين م دولة الولادة النسبة ١ استراليا ٣٦% ٢ لبنان ١٠% ٣ تركيا ٨% ٤ أفغانستان ٣.٥% ٥ البوسنة ٣.٥% ٦ باكستان ٣.٢% ٧ إندونيسيا ٢.٩% ٨ العراق ٢.٨% ٩ بنجلاديش ٢.٧% ١٠ إيران ٢.٣% ١١ فيجي ٢.٠٠% ومما يجدر الإشارة إليه أنه ليس من الضروري أن أغلب ٣٦% من مواليد أستراليا المسلمين هم من أصول غربية، بل الإحصائيات توضح أن ٣٠% من هذه الشريحة من أصل لبناني، و١٨% من أصل تركي. والجدول (٢) يوضح أصول الجالية المسلمة الأسترالية حسب أصولهم. جدول (٢) مناطق الولادة لمسلمي استراليا المنطقة النسبة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ٢٨% آسيا ١٦% أوروبا ٩% أفريقيا ٤% سواحيليون (استثناء استراليا) ٣% وعلى الرغم من أن العديد من المسلمين من الجالية التركية إلا أن أغلب اللبنانيين في أستراليا في الواقع نصارى، وأكثر الأتراك مسلمون؛ إلا أن فيهم ديانات أخرى متعددة مثل العلويين (النصيريين) والنصارى. والجدول (٣) يوضح نسبة المسلمين حسب اغلب العرقيات المسلمة والموجودة في أستراليا. وتجدر الإشارة إلى أنه في أغلب الحالات مثل الأندونيسيين النصارى والباكستانيين النصارى طلبوا الهجرة إلى أستراليا تحت ادعاء الهروب من الظلم الإسلامي في دولهم. جدول (٢) مناطق الولادة لمسلمي استراليا موطن الولادة عدد المولودين خارج استراليا عدد المسلمين نسبة المسلمين لبنان ٣٤٩٧١ ٣٢١٢٩ ٤١% تركيا ٨٢١٢٩ ٤٧٩٢٣ ٧٩% أفغانستان ٢٩٦١١ ٩٢٣٩ ٨٨% البوسنة ٨٤٨٢٣ ٨٩٢٩ ٤٢% باكستان ٨٧٥١١ ٢٣٨٩ ٧٨% إندونيسيا ١٥٨٤٧ ٠٨٧٨ ١٧% العراق ٨٣٢٢٤ ٧٤٩٧ ٣١% بنجلاديش ٠٧٧٩ ٥٩٦٧ ٨٤% إيران ٧٨٩١٨ ٣٥٣٦ ٣٤% فيجي ٢٦١٤٤ ٧٧٢٥ ١٣% وأما من الجانب السكاني فيشكل الذكور من المسلمين الأستراليين نسبة ٥٣%، بينما الإناث ٤٧% وهذه النسبة متباينة مع النسبة السائدة لجميع السكان في أستراليا؛ حيث يشكل الذكور ٤٩% والإناث ٥١% مقارنة مع غير المسلمين في أستراليا. وشريحة المسلمين أغلبها من جيل الشباب، وتقل نسبياً شريحة من هم في سن العمل (٢٥ - ٦٤ عاماً) . وبناء على ذلك فليس من المستغرب أن ٢٥.٢% تقريباً من المسلمين لم يسبق لهم الزواج، و ٦٧.٨% متزوجون، و ٢.٤% منفصلون من أزواجهم، و ٢.٤% مطلقون، ٢.٢% أرامل. ومن المناسب الإشارة إلى أن ٤.٦% فقط من المسلمين مطلقون أو منفصلون وهذه النسبة أقل بشكل كبير من المعدل الوطني الأسترالي. وأما المسلمات الأستراليات اللاتي تتجاوز أعمارهن ١٥ عاماً، فإن ٢٦.٧% منهن ليس لديهن أطفال، و ١٣.١% لديهن طفل، و٢٠.٩% لديهن طفلان، و ١٥.٨% لديهن ثلاثة أطفال، و ٩.٦% لديهن أربعة أطفال و ١٣.٩% لديهن خمسة أطفال أو أكثر. - التعليم والعمل: هناك ظاهرة متعارف عليها في أستراليا وهي أن المسلمين كجالية أقل بكثير من الناحية التعليمية والمشاركة في سوق العمل؛ وذلك مقارنة ببقية الشعب الأسترالي، ومع الأسف فإن الإحصائيات الرسمية الأخيرة (٢٠٠١م) أكدت هذه الظاهرة. ٦٩.٦% من المسلمين الذكور الذين تتجاوز أعمارهم ١٥ عاماً موظفون، وكذلك ٣٨.٦% من النساء المتزوجات موظفات، و٣٦.١٥ % من النساء غير المتزوجات موظفات، و ٢٦.٨% من المسلمين الذكور الذين تتجاوز أعمارهم ١٥ عاماً يصفون أنفسهم غير موظفين، بينما ٣١.٦% من النساء المتزوجات، و ٣٣.٥% من غير المتزوجات يصفن أنفسهن غير موظفات. ويصور شكل (١) المستوى التعليمي لمسلمي أستراليا؛ حيث إن ٤% فقط من المسلمين حاصلون على شهادة جامعية، و ١.٦% على دبلوم، و ٦% على شهادة تجارة و ١٠.٧% على أنواع أخرى من الشهادات، و ٧٦.٧% ليس لديهم أي مؤهلات علمية. وحالياً فإن كل شخص من بين أربعة مسلمين عاطل عن العمل؛ مما يخلق قلقاً للجالية الإسلامية التي تعتمد على المساعدة الحكومية. ويتضح من ذلك أن الجالية الإسلامية في أستراليا تخطو إلى أن تعتبر فئة عاملة؛ حيث إن ٤٧.٧% يمكن وصفهم بأنهم فئة عاملة، و ٨.٥% يعملون في المجال المهني العالي. يوضح شكل (٢) أن أغلبية المسلمين يعيشون على الساحل الشرقي لقارة أستراليا وخاصة في ولايتي (نيوساوث ولز) و (فكتوريا) . يوضح شكل (٣) أن جميع المسلمين الذين تتجاوز أعمارهم ١٥ عاماً منهم ١٤.٦% دخلهم السنوي ٩٠٠٠ دولار أسترالي فأقل، و ٣٩.٥% دخلهم السنوي بين ٩٠٠١ - ١٥٠٠٠ دولار أسترالي، و٣١.٧% دخلهم السنوي بين ١٥٠٠١ - ٢٢٠٠٠ دولار أسترالي، و ١٠.٢% دخلهم السنوي بين ٢٢٠٠١ - ٣٢٠٠٠ دولار أسترالي، و ٢.٣% دخلهم السنوي بين ٣٢٠٠١ - ٤٠٠٠٠، و١.٧% دخلهم السنوي أعلى من ٤٠٠٠٠ دولار أسترالي. وهذا يوضح أن معدل الدخل السنوي ٢٥٠٠٠ دولار أسترالي سنوياً، وهو معدل منخفض جداً. ٣ - المساجد والجمعيات الإسلامية في أستراليا: لمحة تاريخية: في الخمسينيات الميلادية من القرن الماضي أُسست أول الجمعيات الإسلامية في كل من ولاية فكتوريا، وعاصمتها مدينة ملبورن، ونيوساوث ويلز، وعاصمتها سدني. وقد بدأت الجمعية الإسلامية في فكتوريا نشاطها في عام ١٩٥٧م، وكان لها ممثلون من العرب والأتراك واليوغسلافيين والهنود، ولكن الأتراك كانوا من أول المنسحبين، وأسسوا جمعية خاصة بهم، وأنشؤوا في منطقة كوبرق في عام ١٩٧١م مسجد الفتح. وأصبحت الجمعية الإسلامية في فكتوريا جمعية إسلامية أغلب ممثليها من الجالية اللبنانية. وفي الجانب الآخر فإن الجمعية الإسلامية في ولاية نيوساوث ولز لم تتحول بنفس الأسلوب، ولكن الجالية اللبنانية غادرت الجمعية في عام ١٩٦١م وأنشأت جمعية مستقلة سمتها: (الجمعية اللبنانية الإسلامية) ومقرها مدينة سدني. وأما المهاجرون المسلمون من العرقيات المختلفة، وحتى أثناء ازدياد ظاهرة الجمعيات الإسلامية العرقية على السطح؛ فقد حاولوا بناء درجة من الوحدة بين الجالية الإسلامية متجاهلين بذلك قضية العرقية؛ ونظراً للجهود التي بذلت من بعض القيادات الإسلامية أمثال الشيخ فهمي الإمام، وعبد الخالق قاصي، وإبراهيم ديلل وغيرهم، فقد أُسس الاتحاد الأسترالي للجمعيات الإسلامية (أفس) في عام ١٩٤٦م، وبالرغم من أن الانقسام والنقاش كانا مشتركين كما هو في أي مجتمع يعتمد على العمل التطوعي فقد نما الاتحاد بقوة. وفي عام ١٩٧٤م حدثت نقطة التحول عندما قدم وفد من المملكة العربية السعودية مكوناً من الدكتور عبد الله الزايد، والدكتور علي كتاني المستشار لدى الملك فيصل؛ وذلك من أجل تقصي حاجات الجالية الإسلامية في أستراليا. وقد دعم الوفد منهجاً جديداً لجمعية إسلامية تعالج قضية الانقسام العرقي، ومشكلة توحيد جميع الولايات تحت مظلة واحدة ومشكلة القلق بين القيادات الإسلامية. وكانت اول التحديات تدور حول: إذا كانت المنظمة الوطنية المقترحة سيسيطر عليها ٩٠% من المسلمين في مدينتي سدني وملبورن؛ فلماذا الجمعيات الإسلامية في الولايات الأسترالية الصغيرة تكلف نفسها الانضمام من الأساس؟ وهذه كانت المشكلة نفسها التي واجهت الاتحاد الأسترالي للجمعيات الإسلامية. وتغلب الوفد على هذه المشكلة بتبني فكرة مجلس النواب الممثل من كل ولاية؛ حيث يكون التمثيل في المجلس بالمقاعد من كل ولاية، وليس اعتماداً على حجم المسلمين في كل ولاية. ورُحِّب بتوصيات الوفد من الاتجاه السائد في المجتمع المسلم، لكنها ما زالت بانتظار التطبيق بالكامل، وتتمثل التوصيات في الآتي: أولاً: التخلص التدريجي من الجمعيات الإسلامية المبنية على أسس عنصرية أو طائفية أو اللغة المشتركة. ثانياً: الشروع في تأسيس جمعيات إسلامية بناءً على أسس جغرافية في كل ولاية أسترالية. ثالثاً: تأسيس مجلس إسلامي لكل ولاية. رابعاً: تشكيل ائتلاف بين المجالس الإسلامية للولايات الأسترالية في اتحاد إسلامي على المستوى الوطني. والتوصيتان الأخيرتان هما اللتان أخذتا الشكل العملي في حيز الواقع، بينما ما زال التفاخر العرقي يفرق ويقسم الجالية الإسلامية على الرغم من أنه حالياً يعاصر الجيل الثاني والثالث من المسلمين مواليد أستراليا. وبناء على ذلك أسس الاتحاد الأسترالي للمجالس الإسلامية (أفيك) في عام ١٩٧٦م؛ نتيجة لوفد السعودية في عام ١٩٧٤م؛ وذلك من أجل مساعدة الجالية الإسلامية لتأسيسها على أسس مالية صحيحة، وتبرع الوفد بمبلغ مليون ومئتي ألف دولار أسترالي لصندوق (أفيك) من أجل توزيعه على الجمعيات والمراكز الإسلامية في أرجاء أستراليا؛ لتأسيس المساجد والمراكز الإسلامية. كما أوصى الوفد أن يعترف بـ (أفيك) كممثلة للمسلمين في أستراليا، وتصبح الهيئة العليا في أستراليا جهة للتصديق على الذبح حسب الشريعة الإسلامية، وكان القصد من وراء هذه التوصية جعل الجالية الإسلامية في أستراليا معتمدة على نفسها وأقل اعتماداً على الدعم الخارجي. وجاء القرار الملكي السعودي السامي في عام ١٩٧٦م الذي حدد شهادات اللحم الحلال الصادرة من (أفيك) فقط؛ للموافقة على استيراد اللحم من أستراليا إلى السعودية، وقد عملت بالمثل دول إسلامية أخرى كالإمارات العربية المتحدة في عام ١٩٨٠م، والكويت في عام ١٩٨٢م. وأصبح لشهادة اللحم الحلال فائدة، وفي نفس الوقت مشكلة لـ (أفيك) .. وقد كانت فائدة من حيث أن القيمة المحصلة من المذابح للحصول على الشهادة تستخدم كمصدر للجمعيات والمجالس الإسلامية لإنشاء المساجد، ولكن مع الأسف فإن تشييد معظم المساجد يتعارض مباشرة مع توصيات الوفد السعودي من حيث أن كل مجموعة عرقية ترغب في إنشاء المسجد الخاص بها، حتى وصل الأمر إلى أن المجموعات الفرعية من أصل الجماعات العرقية ترغب بأماكن خاصة بها للصلاة. إن إعطاء (أفيك) الحق في إصدار شهادة اللحم الحلال قوبل بمعارضة كبرى من مجموعات قامت بتأسيس شهادات للحم الحلال مثل (شركة صادق للحم الحلال في بيرث) و (رابطة المسلمين في برزبن) و (الجمعية الإسلامية لمسجد ادليد) . وفي عام ١٩٨٢م تدخلت الجهات الحكومية الأسترالية المعنية باللحم والذبح وعارضت النظام المعمول به في (أفيك) بناءً على أنها تفرض رسوماً عالية على المسالخ، ولعدم قدرة النظام على الاستمرار؛ لعدم وجود الموظفين المتفرغين للعمل، وكان هناك نقد للنظام والذي يعتقد أنه أنشئ للاستغلال. والحقيقة أن الاستغلال كان كبيراً جداً؛ حيث أشارت إحدى التقارير الرسمية إلى أن النظام الحالي لا يمكن له السماح بالاستمرار، وكذلك فإن الشهادات والتواقيع زُوِّرت من أجل تجنب الرسوم المفروضة من (أفيك) ، وحتى المعينون للذبح من قِبَل (أفيك) قاموا بتوقيع شهادات مزورة، وقد أشارت إحدى الشركات إلى أن عدم التمكين من الحصول على شهادة اللحم الحلال في الوقت المحدد للشحن الجوي ساعد على مثل هذه الظاهرة؛ إلى درجة أن وزير الصناعات الأولية في مجلس الحكومة الأسترالية أفاد بأنه سمع في عام ١٩٨١م أن لحم الكناغر وجد في كراتين لحم الغنم في المملكة العربية السعودية؛ ولذلك تدخلت الحكومة الأسترالية في الموضوع من أجل حماية الصادرات الأسترالية. دور (أفيك) حالياً ليس له علاقة قوية في حياة المسلمين، إلا أنه ينحصر في إدارة بعض المدارس وغالبها في ولاية (نيو ساوث ولز) والتي عاصمتها سدني، والحقيقة أن انعدام علاقة (أفيك) بحياة المسلمين راجع إلى أن معظم المسلمين في أستراليا لا يعرفونها أو لا يعرفون دورها ورسالتها على الإطلاق. المساجد: هناك ١٠٠ مسجد تقريباً في أستراليا، تنظم أغلبها بصفة رسمية أو غير رسمية على المحاور العنصرية. فعلى سبيل المثال: الجالية التركية لديها مساجد يترأسها أتراك ويؤمها أئمة معينون من قِبَل الحكومة التركية، وهناك القليل من المساجد يترأسها بعض متعددي الأعراق. وتؤيد الحكومة الأسترالية المساجد المتوافقة مع أنظمتها في دعم تعدد الجماعات الطائفية؛ ولذلك يقدَّم لها الدعم المالي للقيام بالأنشطة وتقديم الخدمات للجالية الإسلامية، وبالإضافة إلى كون المساجد دوراً للعبادة؛ فإن معظمها تنظم دراسة أيام إجازة نهاية الأسبوع (السبت، والأحد) حيث يدرس فيها القرآن واللغة العربية للأطفال. والعديد من المساجد تم تشييدها اعتماداً على الدعم المقدم من الجمعيات الخيرية وبعض الدول الأسلامية. ومما يجدر الإشارة إليه أن أحد أوجه النقص في سياسات الدعم الخيري للمساجد والجمعيات الإسلامية في أستراليا لم تكن مربوطة بمنهج الجمعيات والناس القائمين عليها. المدارس الإسلامية: هناك نظامان للتعليم الإسلامي في أستراليا: الأول: غير رسمي ويأخذ شكل المدارس الواقعة في المساجد والمراكز الإسلامية والتي تدرس القرآن والعلوم الإسلامية خلال إجازة الأسبوع. والنظام الثاني: عن طريق المدارس الإسلامية الرسمية المدعومة من قِبَل الحكومة الأسترالية، والتي تدرس في هذه المدارس العلوم الإسلامية بالإضافة إلى المنهج الأسترالي. وأكبر المدارس (مدرسة الملك خالد الإسلامية) في مدينة ملبورن و (مدرسة الملك فهد الإسلامية) في مدينة سدني، وتحوي كل منهما على ما يقارب ألف طالب وطالبة. وعلى الرغم من أن معظم المدارس الإسلامية أسست على دعم مقدم من الخارج، إلا أنها تعتمد حالياً في التموين على الرسوم الدراسية، والدعم المقدم من الحكومة للمدارس الخاصة، ومعظم المدارس التركية الإسلامية تصرف عليها الحكومة التركية، وينعكس ذلك على نوعية الدراسات الإسلامية المقدمة. ويوجد هناك عشر مدارس إسلامية في ولاية نيوساوث ولز وعاصمتها سدني، وسبع مدارس إسلامية في فكتوريا وعاصمتها ملبورن، وثلاث مدارس إسلامية في غرب أستراليا وعاصمتها بيرث، ومدرسة إسلامية في كوينزلاند وعاصمتها برزبن، ومدرسة إسلامية في جنوب أستراليا وعاصمتها أدليد. وعلى الرغم من أن هناك العديد من المدارس الإسلامية في أستراليا، إلا أن هناك حاجة ملحة لمدرسة إسلامية مبنية على منهج أهل السنة والجماعة. وأقرب مدرسة لهذا المنهج حالياً هي مدرسة (دار العلوم) في ملبورن والقائم عليها جماعة التبليغ. ومعظم المدارس الإسلامية تتبنى المنهج الإسلامي في التدريس، ولكن عليها بعض المآخذ مثل عدم عزل الطلاب عن الطالبات حتى في المراحل المتقدمة، وتقديم بعض دروس العزف والغناء والرقص للطلبة. ويعود ذلك بسبب قناعات القائمين على التعليم فيها. المنظمات الإعلامية الإسلامية: إن كلاً من مدينتي سدني وملبورن تتمتعان بمحطات راديو تبث على نطاق محدود من مواقع محدودة، ومدينة سدني هي الوحيدة التي تتمتع بمحطة راديو إسلامية تبث على مدى ٢٤ ساعة؛ ومع الأسف فإن التصريح لهذه المحطة هو لطائفة الأحباش، وتستخدم المحطة لبث عقيدة تلك الطائفة ونقد منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب. ومن ثَم فإن هذه المحطة مصدر قلق للمسلمين، ولكن أغلب المسلمين ـ ولله الحمد ـ على علم بطائفة الأحباش، وبأنهم ضد المنهج الإسلامي الصحيح؛ لذلك فإن القليل منهم يأخذ ما يقال في الراديو على وجه الجدية. وللأسف فإن هذه المحطة تعتبر فرصة ضائعة على المسلمين. وأما الصحف في أستراليا فلا يوجد هناك صحيفة إسلامية، بينما يوجد مجلتان: الأولى: (سلام) ويصدرها «اتحاد رابطة الطلبة والشباب المسلمين في أستراليا» . الثانية: (نداء الإسلام) وتصدرها «حركة الشباب الإسلامي» . وهناك أيضا اللجنة الأسترالية للشؤون العامة للمسلمين (أمباك) ومقرها مدينة ملبورن، وهي من الجمعيات التي تمثل الإسلام في وسائل الإعلام، وتنشر الدعوة من خلال استعمال المنافذ المتوفرة للقارئ الأسترالي، وطرق الإقناع التي يستسيغها. وقد قامت الجمعية بنشر ١٠٠ مقال تقريباً في وسائل الإعلام حول العالم، وقد تم تشييد اللجنة اعتماداً على اعتقادات أهل السنة والجماعة. وأبرز الجمعيات الدعوية: أولاً: المركز الإسلامي للمعلومات والخدمات في أستراليا (إيسنا) : Islamic Information & Services Network of Australasia (IISNA) إن هذا المركز يعتبر أكبر جمعية إسلامية تدعو إلى الفهم الصحيح للإسلام حسب منهج أهل السنة والجماعة، ويتمركز في مدينة ملبورن الأسترالية، ويعقد المركز سنوياً العديد من المؤتمرات، ويستضيف العديد من العلماء وأغلبهم من الجامعات الإسلامية السعودية. علماً أنه ليس للمركز علاقة بمنظمة إسنا العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية. وتنتج (إيسنا) أشرطتها الدعوية من خلال أستديو خاص بالإنتاج والتوزيع الإعلامي، وهي تحاول تغطية حاجة الدعوة في أستراليا وخارجها. ويتم دعم الجمعية بشكل رئيس عن طريق الجالية الإسلامية اعتماداً على برنامج (دولار في اليوم من أجل الدعوة) وقد حصلت على مساعدات من مؤسسات إسلامية في السعودية؛ لتفعيل أنشطتها وبرامجها الدعوية. وتركز جمعية (إيسنا) على المسلمين غير الناطقين بالعربية وغير المسلمين، وتعمل على الدعوة خارج مدينة ملبورن؛ حيث تقوم بعقد المحاضرات في كل من سدني وبيرث وادليد، وبالإضافة إلى ذلك يقوم دعاة هذا المركز بزيارة إلى دولة نيوزلندا وفيجي للدعوة، ويقدر عدد الحضور لهذه المحاضرات ما يقارب ١٠٠٠ شخص مما يجعلها من أقوى الجهات الدعوية في أستراليا، ولله الحمد. ونتيجة لجهود هذا المركز في الدعوة فإن في كل شهر تقريباً يعلن شخص أو شخصان إسلامهم. ثانياً: الجمعية الإسلامية في فكتوريا (آي إس في) : Islamic Society of Victoria (ISV) وتتخذ هذه الجمعية مسجد عمر بن الخطاب في منطقة برستون شمال مدينة ملبورن مقراً لها، وترتبط أنشطة المسجد بمركز (إيسنا) الإسلامي. وتعتبر (آي إس في) مركز الدعوة الرئيس لمدينة ملبورن والذي يستهدف المسلمين العرب. ويتمتع المسجد بموقع متوسط في المناطق التي يسكنها المسلمون في المدينة، ويغلب عليه المنهج السلفي ـ بحمد الله ـ ويتمتع بشعبية طيبة من الجالية الإسلامية على اختلاف عروقها. وقد عقد في هذه الجمعية العديد من المؤتمرات والمحاضرات بالتعاون مع وزارة الشؤون الإسلامية، والجامعات الإسلامية. ويغلب على المجلس والمسجد الإدارة اللبنانية ذات العقيدة السليمة والحماس المنضبط في نشر الدعوة. ثالثاً: مركز رابطة الشباب الإسلامي (جي آي واي سي) : Global Islamic Youth Centre (GIYC) يوجد هذا المركز في مدينة سدني، وهو موجه لخدمة وتغطية الأحياء الواقعة في الجهة الشرقية لمدينة سدني؛ حيث تتمركز الجالية اللبنانية. وقد تبنى إنشاء المركز الشيخ (فايز نشار) خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وهذا المركز يقتصر على دعوة محاضرين من داخل أستراليا، وقد قام المركز بتسخير بعض أجزائه لصالة ألعاب، ومركز حاسب آلي؛ لجذب الشباب للأنشطة باعتبار أنهم المستهدف الرئيس. رابعاً: جمعية اتحاد المسلمين (أمة) : United Muslim Association (UMA) هذه الجمعية أنشأها الشيخ شادي سليمان، وهو إمام تلقى تعليمه في سوريا. والجمعية صغيرة الحجم ومركزها منطقة لوكمبي في مدينة سدني، ولها تعاون مع جمعية المسلمين اللبنانيين. وهي تقدم أنشطة موجهة إلى الشباب. وقد نجحت الجمعية في جذب الشريحة غير المتعلمة من الشباب أصحاب المشاكل والقضايا الأخلاقية، ويضم المركز مكتبة ومركزاً رياضياً ومطعماً؛ لإبقاء الشباب داخل المركز معظم الوقت. خامساً: اتحاد رابطة الطلبة والشباب المسلمين في أستراليا (فامسي) : Federation of Australian Muslim Students and Youth (FAMSY) بدأ تاريخ فامسي في عام ١٩٤٦م مع تأسيس جمعية الطلبة المسلمين في ولاية كوينزلاند الأسترالية ومقرها جامعة كوينزلاند، وخلال مؤتمر أفيس في عام ١٩٦٦م اقترحت جمعية الطلبة المسلمين في كوينزلاند أن تقوم كل جامعة أسترالية بتأسيس جمعية طلابية إسلامية، ومع الوقت تم تأسيس جمعيات طلبة إسلامية في كل من جامعة أدليد، وأرمديل، وملبورن، ونيوكسل، وتازمينيا. وقامت جمعيات الطلبة الست مجتمعة في عام ١٩٦٨م بتأسيس اتحاد للجمعيات الطلابية الإسلامية وأطلق عليها في عام ١٩٩٣م (اتحاد الجامعات الأسترالية) وفتحت عضويتها للطلاب غير المسلمين، وأطلق عليها اسم فامسي. وتصدر فامسي مجلة شهرية تدعى (سلام) ، وتعقد محاضرة سنوية كجزء من مؤتمرها الوطني، وعمل الاتحاد في السابق مشاريع متنوعة مع الندوة العالمية للشباب الإسلامي. سادساً: جمعية الدعوة لغرب أستراليا: Dawah Association of Western Australia تقوم جمعية الدعوة لغرب أستراليا بنفس الدور الذي يؤديه المركز الإسلامي للمعلومات والخدمات في أستراليا (إيسنا) من حيث إنها تركز على دعوة غير المسلمين وتصحيح الفهم الخاطئ لدى الغرب عن الإسلام. وتعتبر الجمعية ناجحة ولها ظهور ونشاط في مدينة بيرث الأسترالية، وقد قامت الجمعية بتنظيم العديد من المحاضرات بالتعاون مع مركز (إيسنا) ، واستضافت محاضرين من خارج أستراليا. سابعاً: جمعية التطوير الإسلامي في أستراليا (أدكا) : Islamic Development Committee of Australia (IDCA) شُكلت أدكا على طريقة ومنهج المركز الإسلامي للمعلومات والخدمات في أستراليا (إيسنا) والتي مقرها مدينة ملبورن، وتقع أدكا في مدينة سدني أكبر المدن الأسترالية، ولكن نشاطها مقتصر ومحدود على نطاق معين وقد نجحت في تغطيته، وتطمح الجمعية حالياً إلى التوسع، وتتركز أنشطتها الرئيسة على الحلقات والدروس الأسبوعية الموجهة إلى الشباب المسلم ممن يتحدث اللغة الإنجليزية. ثامناً: الجمعيات الإسلامية النسائية: يوجد هناك العديد من الجمعيات النسائية على مستوى أستراليا أشهرها جمعية النساء المسلمات في أستراليا، والجمعية الوطنية للمسلمات في أستراليا. بالإضافة إلى ذلك يوجد العديد من الجمعيات النسائية الموجهة للمسلمات في كل مدينة. ففي مدينة سدني ثلاث جمعيات نسائية إحداها سلفية المنهج وتدعى (جمعية الرفاهة النسائية الإسلامية «أيوا» ) . وفي ملبورن أيضاً جمعيتان نسائيتان. تاسعاً: الجمعيات الصوفية: هناك مع الأسف العديد من الجمعيات الصوفية في أستراليا، تتمركز في مدينة سدني وملبورن. وباعتقادنا أن المراكز الإسلامية تحد من نشاطها في تلك المدينتين. وتعمل الجمعيات ذات العقيدة السليمة على إظهار عقائدهم الباطلة لدى الشباب. عاشراً: طائفة الأحباش: قال رئيس طائفة الأحباش والتي تدعى (الجمعية الإسلامية للمشاريع الخيرية) في مقابلة مع التلفزيون الأسترالي في سدني: «إن طائفة الوهابية والطائفة الأخرى المسماة الجماعة الإسلامية يشكلون خطراً على الحكومات الغربية والتي هي على علم وإحاطة بذلك الخطر، ولكون هاتين الطائفتين موجودتان في أستراليا فنحن في خطر بالغ، وعلينا العمل والاستعداد لذلك الخطر» . وتكمن خطورة طائفة الاحباش في امتلاكهم لمحطة راديو تبث على مدار الأربع والعشرين ساعة، ويعتبرها بعض غير المسلمين المحطة الإسلامية، ولكن العامة من المسلمين يعتبرونها طائفة منشقة ومنحرفة المبدأ وخاصة بين اللبنانيين؛ لأن الطائفة منشؤها لبنان. - نواحي القوة، والضعف، والفرص والتهديدات في وضع الإسلام والمسلمين في أستراليا: أولاً: نواحي القوة: ١ - أن الجالية الإسلامية في أستراليا في مرحلة تجديد وخاصة بين الشباب. ٢ - بالرغم من أن هناك جالية إسلامية صغيرة في أستراليا؛ إلا أن المنشآت والخدمات تعتبر جيدة؛ فهناك العديد من المدارس الإسلامية على سبيل المثال. ٣ - أن الحكومة الأسترالية تدعم الإسلام والمسلمين مقارنة ببقية الدول الغربية؛ وذلك بناءً على سياستها العامة في دعم وتأييد الطوائف والعقائد المختلفة في أستراليا. ثانياً: جوانب الضعف: ١ - ضعف المستوى التعليمي للمسلمين الذي أوقعهم في العديد من المشاكل، بل جعلهم في مناصب أقل من الديانات الأخرى. ٢- انتشار البطالة بين المسلمين، بالإضافة إلى أن المرتبات التي يتقاضونها اقل من مرتبات الطوائف الأخرى؛ لضعف تعليمهم. وهذا بدوره يؤثر على المسلمين في دعم أنفسهم وتحقيق رغباتهم من حيث الدعوة إلى الله. ٣ - الضعف الرئيس الذي يكمن في عدم وجود العلماء المتمكنين الذين لهم المرجعية؛ بالرغم من أن العديد هم من خريجي الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة؛ إلا أن اثنين منهم فقط يتحدثان اللغة بطلاقة؛ للتواصل مع الشباب والمجتمع. ٤ - أن هناك العديد من المدارس الإسلامية المعتمدة على نفسها، ولكن القليل منها على المنهج الصحيح؛ حيث دروس الغناء وعدم عزل الجنسين ينتشر في هذه المدارس. ٥ - أن الجالية الإسلامية مبنية على مبدأ العرقية، وهذا بدوره خلق صعوبة للمسلمين الجدد والمسلمين أنفسهم للتعايش ضمن فهم مشترك، ولكن هذه المشكلة تضمحل مع الجيل الجديد. ثالثاً: الفرص المتاحة: ١ - هناك طلب عالٍ على المدارس الإسلامية، خصوصاً المدارس التي هي أكثر انضباطاً. والشاهد على ذلك أن مدرسة دار العلوم في ملبورن عليها طلب عالٍ، وعندها قائمة انتظار مرتفعة؛ وهذا بدوره يؤيد الحاجة إلى المدارس الإسلامية ذات الطابع الشرعي. ٢ - أن هناك جيلاً جديداً من شباب المسلمين في الجامعات الأسترالية، والمأمول أن يتلقى هذا الجيل التربية الإسلامية الصحيحة والعلوم الإسلامية أثناء دراستهم بالجامعة، وسيعملون بعد تخرجهم في وظائف ذات تأثير وقوة في المجتمع الأسترالي مع احتفاظهم بشخصيتهم الإسلامية. ٣ - حادثة ١١ سبتمبر أعطت المسلمين الفرصة للمساهمة في الإعلام الأسترالي؛ وذلك إما للدفاع أو التعليق على الأحداث من منظور المسلمين. وهذه في حقيقة الأمر فرصة عظيمة أعطت المسلمين مجالاً للتواصل مع رجال الإعلام والصحافة والتي لم تكن متوفرة في السابق. ٤ - زيادة اهتمام الغرب بالإسلام بعد أحداث ١١ سبتمبر، وهذا بدوره يعطي الجالية الإسلامية في أستراليا القدرة على تقديم الصورة الإسلامية الصحيحة عن الإسلام. رابعا: التهديدات: ١ - عدم وجود شخصية قيادية للمسلمين في أستراليا تتميز بالعلم الشرعي ولها المرجعية لعامة المسلمين. ٢ - أن هناك تحيزاً وتخوفاً من الحكومة الأسترالية ضد من ينتمون لمنهج السلف خصوصاً بعد أحداث ١١ سبتمبر، وهذا التحيز أيده وشجعه العرقيات والطوائف الإسلامية الأخرى في أستراليا ممن سخر الإعلام للتهجم وانتقاد المنهج السلفي المسمى هناك بالوهابي. ٣ - الاتحاد الأسترالي للجمعيات الإسلامية والجمعيات المكونة له في الولايات الأسترالية لا يرغبون في التعاون أو العمل مع أي مجموعة من المجموعات التي تتصف بالسلفية. ٤ - انتشار الصوفية خصوصاً بين الشباب. ٥ - هجرة العديد من العراقيين والأفغان بعد الحرب يشكل تهديداً كبيراً على الجالية الإسلامية في أستراليا؛ لأن أغلب المهاجرين من الشيعة، وزادوا أعداد مساجد الشيعة، وحالياً يعملون في الدعوة للنمهج الشيعي وأكثرهم تأثيراً هم العراقيون بسبب قوة مستواهم التعليمي وتأثيرهم بالدعوة.

стр. 5379

قناة البحرين البديلة لقناة السويس تحريك للمياة الراكدة أم تجديد للعلاقات المتوترة رضا عبد الودود يأتي إعلان الكيان الصهيوني يوم ٦/٣/٢٠٠٥م عن اتفاقه مع الأردن على بدء فعاليات التعاون المشترك بين البلدين والولايات المتحدة على إقامة تعاون مشترك بينهم من أجل حفر «قناة البحرين» التي تصل بين البحر الأحمر والبحر الميت كخطوة أولى نحو إنشاء الجزء الثاني من القناة التي ستسير غرباً لتصل للبحر المتوسط عند منطقة حيفا. وقد اجتمع النائب الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي (شمعون بيريز) في تل أبيب يوم ٦/٣/٢٠٠٥م مع وزير الخارجية الأردني (هاني الملقي) ، حيث تم الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالي السياحة والمياه وغيرها، ومن ضمن ما اتفق عليه، بحسب الإذاعة العبرية، حفر قناة بين البحر الأحمر والبحر الميت «لمنع وقوع كارثة بيئية في هذه المنطقة» . وقال (بيريز) إن الأردن يمكنه أن يكون نموذجاً ناجحاً يحتذي به الفلسطينيون في مجالات الأمن والاقتصاد والتربية والتعليم. وفي الحقيقة فإن مؤسسات البحث والدراسة الصهيونية تعكف بعيداً عن أي صخب إعلامي لبدء تنفيذ مقررات المؤتمر الدولي لإدارة الطلب على المياه الذي عقد في الأردن في يونيو/ حزيران ٢٠٠٤م والتي ناقشت بشكل صريح فكرة توصيل مياه البحر الاحمر بمياه البحر الميت كمرحلة أولى من مشروع قناة تربط بين البحر المتوسط بالبحر الاحمر تطمح لتنفيذها الأوساط الصهيونية. وكانت البداية العلنية لتلك الفكرة خلال مؤتمر قمة الأرض للتنمية المستدامة، انعقد آنذاك في (جوهانسبرغ) بجنوب أفريقيا؛ حيث تقدم وزير المياه الأردني بمشروع أردني إسرائيلي لربط البحر الميت بالأحمر إنقاذاً للأول من الجفاف. - تاريخ فكرة قناة البحرين: وفكرة ربط البحرين: الأحمر والمتوسط؛ تعود إلى عام ١٨٥٠م حينما بدأت إنجلترا بوضع الخطط للوصول إلى قناة تربط البحر المتوسط بالأحمر بواسطة البحر الميت انطلاقاً من خليج العقبة، إلا أن سهولة إنشاء قناة السويس أفقدت المشروع أهميته. ولكن الحركة الصهيونية لم تُسقط هذا المشروع من اهتمامها؛ حيث أكد (تيودر هرتزل) مؤسس الحركة الصهيونية أهمية هذه الفكرة، وطورها فيما بعد المهندس السويسري (ماكس يوركارت) الذي تهوَّد وأخذ اسم (أبراهام بن أبراهام) ووضع بدايات الخطة إلى أن وضع المهندس (كوتون) الخطط العملية لهذا المشروع في الفترة من ١٩٥٠ - ١٩٩٥م، وبناء على هذه الاقتراحات قررت الحكومة الصهيونية في ٢٤/٨/١٩٨٠م ربط البحرين: الأحمر والميت، ووضع (مناحم بيجن) حجر الأساس لهذا المشروع في ٢٨/٥/١٩٨١م، إلا أن حزب العمل جمد المشروع؛ لأنه يحتاج إلى مبلغ ٨٠٠ مليون دولار ونحو «٨ - ١٠ سنوات» منها ثلاث سنوات للتخطيط. ويرجع مخطط شق قناة تربط البحر الأحمر عند خليج العقبة والبحر الميت إلى أواسط القرن الناسع عشر عام ١٨٤٠م عندما سعى الاستعمار البريطاني لتسهيل الاتصال مع الهند، ومع قيام الكيان الصهيوني في فلسطين تلقفتها الصهيونية العالمية بقيادة مؤسس الدولة العبرية (تيودور هرتزل) الذي تحمس لها وعرضها في كتابه (أرض الميعاد) الصادر عام ١٩٠٢م، ثم بقيت الفكرة راكدة إلى أن جاء قرار تأميم قناة السويس ١٩٥٦م؛ حيث بدأ الحديث يدور في الأوساط الاستعمارية والصهيونية المتضررة من قرار التأميم حول إمكانية شق قناة صهيونية تربط البحر المتوسط بخليج العقبة، وتكون بمثابة قناة بديلة للقناة المصرية؛ إلا أن إخفاق العدوان الثلاثي على مصر أجَّل تنفيذ الفكرة إلى حين. ثم جرت لاحقاً محاولة تنفيذها إبان رئاسة (مناحم بيغن) وتحديداً عام ١٩٨١م، إلا أن العمل بها قد توقف عام ١٩٨٥م لأسباب غامضة. ويمكن القول إن مشروع قناة البحرين الذي يخطط له الصهاينة يأتي في إطار استراتيجية طويلة المدي لتأمين الكيان واحتياجاته من المياه والطاقة؛ حيث نجح الصهاينة عام ١٩٦٤م في تحويل مياه نهر الأردن إلى النقب التي كانت تشكل ثلثي مساحة الكيان الصهيوني بهدف الإسراع في تهويدها عن طريق توجيه مجرى الهجرة والاستيطان إليها. كما استطاع الصهاينة السيطرة على عدة من مصادر المياه العربية باحتلال الجولان والسيطرة على جزء من البحر الميت والوصول إلى مياه نهر الأردن في ١٩٦٧م. وعقب حرب ١٩٧٣م ونجاح العرب في استخدام سلاح النفط في المعركة مع الصهاينة، ظهرت الحاجة الصهيونية الملحة لتنويع مصادر الطاقة وتخفيف عبء الاعتماد على البترول، واستقر الرأي على تنفيذ مشروع نقل مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت مستغلة انخفاض مستوى البحر الميت عن سطح البحر ٤٠٠م لتوليد الطاقة الكهربائية بالإضافة إلى إقامة مشروعات لتحلية المياه. - «سيناريوهات» ومسارات القناة: وتطرح الدراسات الصهيونية عدة «سيناريوهات» لحفر هذه القناة: الأول: قناة تمر من إيلات «قرية أم الرشراش المصرية» متجهة ناحية الشمال مستغلة وادي عربة ومخترقة صحراء النقب وصولاً إلى وادي غزة على البحر المتوسط بطول ٢٨٠ كم. والثاني: قناة تقع إلى شمال من الأولى متصلة بالبحر المتوسط عند ميناء أشدود بطول ٣٠٠ كم. والثالث: قناة تسير في خط مستقيم من إيلات بامتداد وادي عربة شمال البحر الميت ومنكسرة ناحية الغرب لتتصل بالميناء الفلسطيني حيفا بطول ٣٩٠ كم. وقد أشار شيمون بيريز في كتابه: (الشرق الأوسط الجديد) إلى نفس السيناريوهات ولكن بصورة أخرى وهي توصيل البحر المتوسط بالبحر الميت عن طريق قناة، ثم توصيل البحر الميت بخليج العقبة، وبهذا يصبح البحر الميت شبيهاً بالبحيرات المرة المتصلة بقناة السويس. - تعريب فكرة القناة: بيد أنه تم مؤخراً تعريب هذه الفكرة بالكامل بعد تنقيح وتعديل بواسطة الأردن، على اعتبار أنها وسيلة للخلاص من مشاكل عديدة متفاقمة بالبلاد. غير أن تكلفتها المادية الباهظة (٤ مليارات دولار) اضطرت الأردن لتدويلها وتسويقها عالمياً. ومن هنا؛ ورغبة في الحصول على دعم العالم لها، تم إلباسها أكثر من زي بأكثر من لون: في البداية ارتدت الفكرة زياً أخضر وعرضت كقضية علمية بيئية في مؤتمر الأرض (جوهانسبرج، سبتمبر ٢٠٠٢م) ، ثم تم لاحقاً صبغها باللون الإنساني ونوقشت في مؤتمر المياه (كيوتو، مارس ٢٠٠٣م) على أساس أن حل مشكلة العوز المائي في المنطقة يعد مطلباً إنسانياً ملحاً، ثم اصطبغت بعد ذلك بالصبغة الاقتصادية، وطرحت في المنتدى الاقتصادي العالمي (عمان، يوليو ٢٠٠٣م) على أنها فرصة جيدة لبدء شراكة اقتصادية بين أطراف النزاع في المنطقة، وأخيراً بالصبغة السياسية عندما نوقشت في المؤتمر الدولي لإدارة الطلب على المياه (عمان، يونيو ٢٠٠٤م) باعتبارها مشكلة سياسية مائية. وحقيقةً يحار المرء بسبب هذا وبسبب تعدد الأسماء الحركية للمشروع في تصنيفه أيضاً: هل هو مثلاً (مشروع بيئي) يهدف للحفاظ على المنظومة البيئية الفريدة للبحر الميت كما يدل شعار (إنقاذ البحر الميت) ؟ أم هو (مشروع اقتصادي) بحت لا يرجى منه سوى تطوير المنطقة وتخليصها من بعض المشاكل المتفاقمة فيها وهو ما قد يعنيه مصطلح (مشروع قناة البحرين) ؟ أم هو (نموذج للتطبيع والمواءمة) مع إسرائيل كما يفيد مسمى (قناة السلام) ؟ أم هو (ترانسفير) جديد تنعقد عليه آمال الدولة العبرية في استقطاب وتوطين ملايين إضافية من يهود العالم المشتتين في الأرض؟ أم هو كل ذلك؟ والواقع أن كثرة الشعارات وتنوع الأقاويل والتصريحات المقترنة بهذا المشروع، إضافة إلى إفراط الجانب الأردني في الدعاية له قد أثار لدى بعض الناس حساسية وريبة، كما أنه ذكَّر كثيرين بحالة الهرولة نحو إسرائيل التي أصابت عدداً من الدول العربية إبان العقد الماضي. - إسرائيل قتلت البحر الميت: والبحر الميت عبارة عن بحيرة فاصلة للوادي المتصدع الأردني الذي يقع على حد نهر الأردن المتدفق من الشمال لوادي «عربة» جنوباً، ويتكون من حوضين: الحوض الشمالي الذي يبلغ عمقه ٣٢٠م، والحوض الجنوبي الضحل، ويفصل بين الحوضين (شبه جزيرة ليسان) و (مضايق الموت) التي بها تل من الطمي يبلغ ارتفاعه ٤٠٠م، ويصل تركيز الأملاح في البحر الميت نحو ٣٢%. ويعاني البحر الميت تناقصاً حاداً في منسوب المياه به بنسبة ٨٠ سم سنوياً، ويعد السبب الرئيس لهذا التناقص الشديد هو تقلص كمية المياه الواردة للبحر؛ فمنذ منتصف القرن العشرين والمياه المتدفقة للبحر من نهر الأردن التي كانت تبلغ حوالي ٩٧٢ مليون م٣ تتقلص كميتها لتصل إلى ما يقارب ١٢٥ مليون م٣ عام ١٩٨٥م، ولعل هذا التناقص في المياه الواردة للبحر الميت سببه الأساسي هو ممارسات الاحتلال الصهيوني الذي يقوم باستمرار بتجفيف منابع الأودية والأنهار التي تغذي البحر الميت؛ حيث أقام ما يزيد على ١٨ مشروعاً لتحويل مياه نهر الأردن المغذي الأساسي والرئيسي له، وتحويل الأودية الجارية التي تتجمع فيها مياه الأمطار وتجري باتجاه البحر الميت إلى المناطق المحتلة وخاصة للمستوطنات، وقد وصلت نسبة المياه المحجوزة والمحولة عن البحر الميت حوالي ٩٠% من مصادره، كما قامت سلطات الاحتلال بحفر ما يزيد على ١٠٠ بئر غائرة لسحب المياه الجوفية من المناطق القريبة التي تغذي البحر الميت، علاوة على المصانع المقامة عليه والتي تنتج المواد المعدنية ومستحضرات التجميل التي تدر سنوياً ٧.٤ ملايين دولار، إضافة إلى استيلاء الكيان الصهيوني على أكثر من حصته من مياه نهر اليرموك الذي يصب مع رافده في البحر الميت، نظراً لحاجته المستمرة للمياه بسبب مستعمراته في النقب والساحل الفلسطيني المحتل. - رؤى وحجج صهيونية: وعبر كتاب (المياه والسلام - وجهة نظر إسرائيلية) للمهندس الصهيوني (إليشع كالي) الصادر في ١٩٩١م عن مخطط المشروع وتضمن نقل المياه عبر فتحة في البحر الأحمر (أخدود) إلى الجنوب من العقبة إلى بركة على ارتفاع ٢٢٥٠م وسعة ٥.١ ملايين متر مكعب، وتتدفق المياه من البركة في قناة مفتوحة (القناة العليا) على امتداد ١٦٠ كم وطاقة ٥٠ م٣ في الثانية، وعلى بعد ٨٠ كم تتجاوز القناة أعلى نقطة في عربة على ارتفاع ١٠٠م، وذلك عبر مسافة قصيرة ضمن حدود الكيان الصهيوني. وعلى بعد ١٥٠ كم تقام بركة لتنظيم تدفق المياه سعتها ٣ ملايين م٣ وعلى ارتفاع ٢٠٨٠م، وتحتها محطة طاقة (المحطة الأردنية) بقوة إنتاج ٤٠٠ ميجاوات مع بركة أخرى بالسعة ذاتها، وتنقل المحطة المياه إلى القناة (السفلى) عبر ناقل، وفي هذه القناة تتدفق المياه مسافة نحو ٦٠ كم من ارتفاع ١٠٠م إلى ارتفاع ١١٢٠م، ومن حدود الأردن إلى حدود الكيان الصهيوني، وتمر في مقطع واحد عبر نفق طوله ٤ كم حتى منطقة معاليه عربة سدوم، وتقام هنا المحطة الثانية الصهيونية التي يبلغ إنتاجها ٤٠٠ ميجاوات. وتقام فوق المحطة بركة تخزين سعتها ٣ ملايين م٣، وعلى ارتفاع ١١٢٠م وتحتها القناة النهائية؛ حيث يكون ارتفاع المياه فيها مثل ارتفاع مستوى المياه في البحر الميت. ويقطع مسار القناة نحو ١٧٠ كم في الأراضي الأردنية، وتمتلك السلطة الفلسطينية نحو ٢٥% من مساحة سطح البحر الميت (الجزء الشمالي الغربي) والصهاينة نحو ٢٥% (الجزء الجنوبي الغربي) وللأردن ٥٠% (كامل النصف الشرقي) . ويتضح من المشروع أن هدفه ليس إحياء البحر الميت ومنع اندثاره (بسبب الممارسات الصهيونية التي صنعت الأزمة في الأساس) بل أيضاً إحياء المناطق التي تحيط به ثقافياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً، وتوفير المياه للمناطق المحرومة منها، في محاولة لابتزاز الأردن وإغراء السلطة الفلسطينية؛ حيث إن من المخطط له إنشاء محطات لتحلية المياه بكميات تصل إلى ٨٥٠ مليون م٣ سنوياً يمكن أن يستفيد منها الفلسطينيون بنحو الثلث، والأردنيون، بالإضافة إلى الصهاينة أصحاب الحظ الأوفر. وإزاء هذا الوضع يؤكد (عبد الغفار شكر) نائب رئيس (معهد البحوث العربية بجامعة الدول العربية) أن الكيان الصهيوني يهدف بمشروع إحياء البحر الميت كمرحلة أولى إلى استكمال مشروع ربط قناة البحر الأحمر ـ البحر الميت ـ البحر المتوسط لتكون قناة بديلة تضرب قناة السويس، وتستأثر بالنقل البحري في منطقة ملتقى قارات العالم. بل إن الأخطر من ذلك تطبيع العلاقات الصهيونية مع دول المنطقة التي قد يشارك بعضها في دعم المشروع انطلاقاً من حسابات اقتصادية بحتة دون النظر إلى أبعاد ذلك التعاون على الأمن القومي العربي، في ظل تركيز الاستراتيجيات الأمريكية على تغيير معالم خريطة التحالفات الإقليمية في المنطقة بما يخدم أهدافها الاستراتيجية. ويرى خبراء الجغرافيا السياسية أن محاولات الكيان الصهيوني للإسراع بتنفيذ المشروع عبر كافة المؤتمرات الدولية في (دافوس) وفي قمة الأرض، وقمة التنمية المستدامة) يرجع بالأساس إلى أن احتياجات الكيان الصهيوني من المياه تبلغ ٢٦٠٠ مليون م٣ عام ٢٠٠٥م؛ أي أن العجز الصهيوني في المياه العذبة سيصل نحو ٨٠٠ مليون م٣ في ذلك العام مع احتمال نضوب المياه الجوفية التي تشكل ما يزيد على نصف رصيدها المائي، علاوة على تعرض تلك الآبار للتملح قبل نضوبها. ويحلل الخبراء العسكريون تلك القناة بأن الكيان الصهيوني يرى أن إقامة أي حاجز أو مسطح مائي بينه وبين الدول العربية يعتبر حداً أمنياً استراتيجياً وعسكرياً يمنع تقدم الجيوش العربية والعمليات العسكرية ضد الكيان الصهيوني. وعندما ينجح الصهاينة في إتمام المشروع فإنهم سيملكون صِمَام أمان في إسالة المياه كيف يشاؤون، وبالمنسوب الذي يريدونه مما يشكل حداً أمنياً من جهة الأردن. - فوائد للصهاينة وأضرار بيئية للعرب: وتشير الدراسات إلى أن هذا المشروع الذي طُرح للتنفيذ هذه الأيام يمكن أن يؤدي إلى توليد طاقة بقدرة تصل إلى ٦٠٠ ميجا وات قابلة للزيادة إلى ٨٠٠ ميجا وات، علاوة على توفير المياه لمحطات الطاقة النووية التي تمكن إسرائيل من تشغيل مفاعل نووي ذي طاقة تقدر بـ «٩٩٠» ميجا وات، وإنتاج ما يعادل ملياري طن من وقود الزيت الحجري؛ كما يؤدي حفر القناة إلى تنشيط الاستثمار السياحي وتأمين المياه العذبة لفترة طويلة قادمة وذلك بتحلية مياه البحر. وقدر لهذا المشروع أن يضيف لخزينة العدو دخلاً سنوياً يقدر بـ ٩٠٠ إلى ١٢٥٠ مليون دولار. ومن الناحية الجيوستراتيجية يؤدي حفر هذه القناة إلى تطوير منطقة النقب لاستقدام المزيد من المستوطنين وجذب يهود العالم للهجرة إلى فلسطين. ويعتبر هذا المشروع من أهم الأخطار الاستراتيجية التي تواجه الأمة العربية في صراعها مع العدو؛ حيث يلحق هذا المشروع الكثير من الضرر بالأراضي العربية في فلسطين والأردن بعد غمرها بالمياه؛ حيث يتم غمر «٣٣٠» هكتاراً من الأراضي جنوب البحر الميت ونحو ١٠٠ كم٢ في المنطقة الشمالية الشرقية من البحر الميت، بل ويعد طرح هذا المشروع في هذا الوقت بالذات رسالة للشعب الفلسطيني مفادها أن قضية تبادل أرض «جالوتسا» الواقعة في صحراء النقب مقابل بناء مستوطنات في الضفة الغربية قد انتهى إلى غير رجعة، بل سيفضي إلى إنهاء الأمل لدى السلطة الفلسطينية باستعادة أراضيها التي تم احتلالها عام ١٩٦٧م بواسطة المفاوضات. ورغم بعض الحوافز الاقتصادية التي تروج لها (الميديا) الصهيونية من حل أزمة الأردن وفلسطين المائية والاقتصادية ينطوي المشروع أيضاً على مخاطر عديدة على البحرين: الميت، والأحمر؛ وفي هذا الإطار قد يكون من المفيد الاستماع لبعض أصوات المعارضة المتزنة؛ فالأمر يبدو من وجهة نظرهم عامراً أيضاً بالمضار والمحاذير، ومن أبرزها: - سوف تتغير طبيعة البحر الميت كلية من حيث خواص مياهه الفيزيائية وتركيبها الكيميائي ومكوناتها البيولوجية، وهو ما سيترتب عليه فقد البحر الميت لهويته البيئية المميزة. - سوف يؤدي تخفيف ملوحة البحر الميت كذلك إلى تداخل المياه العذبة الجوفية مع المياه المالحة لا سيما في المناطق المتاخمة للبحر الميت، وكذلك في زيادة معدلات البخر في المنطقة وهو ما سيترتب عليه حدوث أضرار وتداعيات اجتماعية وبيئية غير مأمونة العواقب. - قد تتسبب الضغوط الهائلة الناتجة من زيادة كميات المياه الواردة للبحر الميت في وقوع زلازل قوية بالمنطقة، أو في تنشيطها على أقل تقدير، كما قد يتسبب ارتفاع مستوى المياه بالبحر في غمر مساحة عريضة من الأراضي الزراعية بالمنطقة وهو ما سيعرضها للتدهور وفقدان غطائها النباتي. - كذلك هناك مخاوف من تضرر بيئة البحر الأحمر هي الأخرى من عملية نقل المياه؛ حيث من المحتمل أن يتعرض الميزان المائي بينه وبين المحيط الهندي للاختلال، كما قد يهيئ هذا الوضع الفرصة لبعض كائنات البحر الميت لأن تستوطن البحر الأحمر وهو ما قد يسبب ضرراً لعدد من العوائل الثرية والمميزة للأحمر. - قناة السويس والنقل الدولي: وينتقد (الدكتور جمال زهران) رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة قناة السويس الصمت المصري خاصة والعربي عامة إزاء مشروع قناة البحرين التي يسعى الصهاينة لأن تكون بديلة عن قناة السويس للضغط على مصر وتهميش دورها الإقليمي؛ حيث يخطط الصهاينة إلى عدم إفساح الباب لمصر للتفرد بإدارة ممر مائي دولي مهم كقناة السويس. وأكد زهران أن مشروع القناة مشروع قديم جددته وبقوة الحرب الأنجلو أمريكية على العراق؛ لأن قناة السويس مثَّلت ورقة ضغط قوية لمصر، وطالبت منظمات المجتمع المدني والقوى السياسية مصر بإغلاقها. ويرى (زهران) أن القناة الجديدة التي ستبدأ مرحلتها الأولى من البحر الأحمر إلى البحر الميت وتمتد لاحقاً إلى البحر المتوسط سوف تضعف من قناة السويس وتقلل من إيراداتها التي تبلغ ملياري دولار سنوياً. وسوف تدشن تلك القناة شراكة مستقبلية تجمع الأمريكان والصهاينة وفلسطين والأردن ومن خلالها يتم عزل سوريا ولبنان. ولعل ما يدور في العقلية الصهيونية يتجاوز إيجاد بديل لقناة السويس إلى السيطرة التامة على البحر الأحمر، بعد أن طورت حكومة شارون ميناء إيلات على رأس خليج العقبة والذي مثَّل قاعدة تحرك صهيونية في اتجاه الغرب إلى السويس ومنطقة الحقول النفطية وإلى الشرق عبر ميناء العقبة الأردني الذي ينفتح على الشرق وشمال الخليج العربي وجنوب خليج العقبة الذي يحمل ٢٥% من واردات الكيان الصهيوني البترولية و ٩% من خاماته المستوردة، ولهذا اتجهت الإدارة الصهيونية لطرح فكرة تدويل باب المندب ومجموعة الجزر العربية التي تتحكم في المضيق ـ وهو الأمر الذي تنفذه واشنطن تماماً مع اليمن وجيبوني حالياً ـ وأخيراً اتجهت لتعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية الواقعة على البحر الأحمر والقريبة منه مثل إثيوبيا وكينيا مما أتاح لها إقامة قواعد عسكرية ونقاط مراقبة في عصب ومصوع وجزر دهلك وحالب وفاطمة، وركزت على إريتريا التي تملك شواطئ يبلغ طولها ٢٠٠٠ كم على البحر الأحمر. بما يهدد الأمن القومي العربي خاصة للدول التي يمثل البحر الأحمر منفذها الرئيسي للعالم الخارجي في السودان واليمن ودول الجنوب ومصر، في ظل تأرجح ميزان القوى العسكرية والبحرية لصالح الكيان الصهيوني وفي ظل تعطل القدرات العسكرية لمعظم دول الخليج العربي بسبب دخولها في تحالفات عسكرية مع واشنطن. ويختلف الخبير الاستراتيجي (اللواء طلعت مسلم) مع من سبقه في خطورة هذه القناة على مستقبل قناة السويس، فيرى أنها لا تؤثر على قناة السويس إلا تأثيراً محدوداً؛ لأن المسافة التي ستقطعها باخرة في قناة السويس تقل بكثير عن المسافة التي تقطعها في قناة البحرين الصهيونية؛ علاوة على أن مرور البواخر في قناة البحرين يعرضها لخطورة أكبر؛ لأنها تمر في منطقة توتر تضم الأردن وفلسطين والكيان الصهيوني، وهو الأمر الذي يختفي في حالة قناة السويس.

стр. 5380

جعفر أيمن درواشة رحت أنفض الغبار عن وجهي وأنفي ناظراً إلى آخر السهل الممتد من أواخر البلاد السعيدة إلى أقاصي الجهة الشرقية حيث جبال المجوس تصفعنا بالنار حتى غدت سهولنا أفران نار ... وأنهارنا دخاناً وبركاناً ... فلا ريح تهب على ديارنا إلا ريح صرصر تنخر العظام. كانت الأرض قد تشققت من شدة العطش؛ فمنذ زمن بعيد لم تصل إليها قطرة ماء؛ فقد شققها الظمأ حتى غدت كأنها أفواه وحوش. أثناء حملقتي بالأرض المغبرة، لفح وجهي لفح ريح السموم، وطرق مسامعي صوت جعفر يسعل ... يسعل مرة أخرى ... فأجري إليه. «جعفر» طفل ... ما زال يغترف البراءة من مهده جارياً نحو لحده ... يسعل الصغير مرة تلو مرة.. أسرعت نحو جرة الماء لعلي أجد فيها قطرات من الماء أو حتى قطرة واحدة، لم أتفاجأ بجفافها ... وأحسست أن كفي قد دخلت في جوف فرن مشتعل. ويشتد السعال. جعفر يمد يده حزيناً، ويحاول أن يتشبث بالحياة ... ويسعل مرة أخرى، وينظر في كوب الماء الفارغ حتى من قطرة واحدة. شعرت أن «جعفر» يقفز ... يصرخ ... ثم يسكت ... «جعفر» مات من أجل قطرة ماء ... يا أيتها الأرض التي تحاصرها المياه من أقصاها إلى أقصاها! مات طفلك الصغير شوقاً إلى جرعة من مياهك التي استباحها الأعداء ... ويدفعني الخوف إلى الهروب من منزل الموت إلى شوارع القحط، باحثاً عن دموع وأصيح لاعقاً الغبار. مات «جعفر» .. فلا يجيبني سوى صدى الصوت: مات جعفر.. مات جعفر. من يسمعني في هذا الوطن المثقوب؟ جعفر مات، هو ذا رجل في الشارع يجري كالمجنون مثلي ... ولكنني لما سمعت أنينه الشاكي أخفيت حزني وخبأت عبارتي وتابعته بعيني إلى آخر المنحنى. هل أتوقف عند الحي الشعبي؟ أم أركض نحو الحي غير الشعبي أبلغ سكانه دمعتي؟ ... فلعلي أجد فيه عيوناً تحمل الهمّ ... والدمع ... فما زالت عيون أطفاله ونسائه غضّة عذبة نديّة. شوارعهم تخلو من الهاربين ... قلت: لعلهم يعتصمون في حجراتهم احتجاجاً على مصرع «جعفر» ولعل النساء لجأن إلى مخادعهن يبكين ذلك الطفل المسكين؛ هل أطرق أبوابهم؟ افتحوا ... مات «جعفر» يشكو الظمأ.. ألم تعلموا بعد؟ ضاع صوتي في آفاق الكون. أطرق باباً آخر.. أسمع البكاء والأنين ... لعلهم يبكون جعفر.. فهل أذاعت وسائل الإعلام هذا النبأ؟ ومن أعلمهم بالنبأ؟ نسيت أن أقفل عينَيِ الشهيد، فظلّ يحملق بالفراغ. وفي شوارع الحي.. حيث ينام جعفر وعيناه مفتوحتان على فضاء الحي الشعبي.. سارت الدماء حتى وصلت الشارع الذي خلا من ساكنيه، وصرتَ لا تسمع في ذلك الحي صوت غناء أو عزف ... ولا قرعاً لكؤوس.. وظل القحط يأكل الشوارع والشجر.. وظلّت عيناً جعفر تمزّقان الفضاء، طالبتين قطرة دمع تعوّض قطرة الماء التي مات دونها. أين حدب إخواني وأهل حيي في الحرص على إغاثة الملهوف والتصدق على الفقراء والمساكين ألم يقل الرسول الكريم ﷺ وهو يحذر من الروح المادية التي لا تهتم بإخوانها المحتاجين بأنه لا يلوم الجائع بين المسلمين إذا لم يجد ما يغيثه أن يخرج شاهراً سيفه. حقاً إننا لم نعرف حقوق الفقراء والمساكين، أو على الأصح: إن كثيراً منا من لا يعرف حقهم.

стр. 5381

مرصد الأحداث أحمد فهمي أقوال غير عابرة - «إذا ما صوّب الأمريكيون صواريخهم وذخائرهم الموجهة نحو أراضي الصين.. فإني أعتقد أن علينا الرد بأسلحة نووية» اللواء زو شينغو، عميد جامعة الصين للدفاع القومي. [سي. إن. إن، ١٧/٧/٢٠٠٥م] - «إن من قام بهذا العمل، فقد قام به باسم الإسلام» توني بلير رئيس الوزراء البريطاني في أول تصريح له بعد تفجيرات لندن. [االعربية نت، ١٢/٧/٢٠٠٥م] - «في بغداد يرى الكثيرون أن السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة هو ملازمة المنزل» باتريك كوكبرن مراسل صحيفة الإندبندنت البريطانية في العراق. [البي. بي. سي، ١٦/٧/٢٠٠٥م] - «ليس هناك من نظام مراقبة مهما كان مشدداً يمكنُ أن يتصدى لأشخاص مستعدين لتفجير آخرين» رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. [البي. بي. سي، ٩/٧/٢٠٠٥م] - «الوكالة لم تعد ملتزمة باستشارة الحكومات العربية حول منظمات المجتمع المدني التي تقوم بتمويلها» أندرو ناتسيوز مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية يتحدث عن السياسة الجديدة لوكالته بتمويل المنظمات الأهلية العربية بغرض تغيير الحكومات. [رويترز، ٢٣/٧/٢٠٠٥م] - «بيرلسكوني هو كالإيدز، إذا كنت تعرفه فتجنبه» القاضي الإيطالي أنتونيو دي بياترو ينتقد أداء رئيس وزراء بلاده سيلفيو بيرلسكوني. [السفير، ٢٣/٧/٢٠٠٥م] - «على العراق دفع الدية الشرعية المقدرة بـ ٤٢٥٠ جراماً ذهباً أي ما يعادل نحو نصف مليون جنيه لأسرة الشريف باعتبارها ولي الدم، ولمصر المطالبة بحق آخر» علماء من الأزهر في مصر يعبرون عن موقفهم من اغتيال السفير المصري في بغداد إيهاب الشريف. [الزمان، ١٨/٧/٢٠٠٥م] - «ما حدث الخميس في العاصمة البريطانية يؤكد اسوأ الفرضيات حول طبيعة معركة ما زالت في بداياتها» صحيفة البايس الإسبانية تعلق في افتتاحيتها على تفجيرات لندن الأولى والثانية. [الوطن الكويتية، ٢٣/٧/٢٠٠٥م] - «اللاجئون لا يستطيعون العودة كلهم لإسرائيل، وعلينا إيجاد الحلول لمشكلتهم» محمود عباس أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية يتحدث لصحيفة معاريف العبرية. [الرأي العام الكويتية، ٢٣/٧/٢٠٠٥م]

стр. 5382

نقد مفهوم العلمانية الجزئية والشاملة عند الدكتور عبد الوهاب المسيري محمد إبراهيم مبروك يرتبط كاتب هذه السطور بعلاقة صداقة حميمة مع الدكتور عبد الوهاب المسيري، ويدين له بالفضل في الكثير من المواقف، ويرى أن الناس سيحتاجون إلى قدر من السنين ليدركوا مدى الأهمية البالغة لأعماله العلمية والفكرية، ومدى ما أنعم الله عليهم بوجود هذا المفكر بينهم، بما يحمله من طاقة فكرية، لها قدرة كبيرة على تقويض الكثير من الأسس الفلسفية للحضارة الغربية الراهنة، وليعيد قدراً من التوازن بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي، بعد غياب طويل انقطع فيه الفكر الإسلامي عن مواصلة السجال والصراع مع ذلك الفكر، الذي كانت له الغلبة والصولة، والمبادرة على امتداد قرون طويلة. أقول هذا بداية حتى لا يحمل أحد النقد الموجه لفكر الرجل في هذه الدراسة على أي محمل شخصي، أو ينسبه إلى الجهل بقيمة الرجل وأعماله في خدمة الإسلام والمسلمين؛ خصوصاً أن أغلب الخطوط العامة لهذه الدراسة قد تم ذكرها في محاضرة في صالون الدكتور المسيري نفسه، ولم يُبْدِ الدكتور نفسه استياءه مما جاء فيها من نقد. وإن كان قد قام بالنقد للنقد الذي تم. أثار الدكتور المسيري جدلاً حول موسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية) ما زال قائماً. وبين أيدينا كتابه الآخر (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة) ؛ فقد أثار أزمة فعلية بين أوساط الإسلاميين، وأزعم أنه قد قوبل من أغلبهم بالرفض، وقبل أن أقوم بالنقد الفعلي للمقولات التي جاءت، فيه أُحب أن أُوجِّه الانتباه إلى الظروف العالمية التي صدر الكتاب فيها، وخطورة قضية تحديد الموقف من العلمانية، والتي تمثل من وجهة نظرنا الحد الحاسم بين: إما (معنا) أو (ضدنا) ، والتي باتت سيفاً مسلطاً على رقاب الجميع. - معضلة تعريف العلمانية: لا أريد الخوض في كثير من الإشكاليات المتعلقة بتعريف العلمانية، والتي تقدم الحديث عنها في مقالي السابق بالبيان، ولكني أنبه فقط إلى أن لفظ العلمانية ذاته هو لفظ قديم قِدم الحضارة الغربية ذاتها. وعلى الرغم من ارتباط تعريف العلمانية بالرؤى الأيديولوجية، والسياسية المرادة منه، إلا أن الْتِماس ذلك لدى الفلاسفة الغربيين الذين تحتجب رؤاهم الحقيقية للأمور تحت سُتُر كثيفة من المحظورات الأيديولوجية والأغراض السياسية، والمصالح الخاصة. وأهم تلك السمات التي يمكن التماسها عن العلمانية لدى الفلاسفة والمفكرين الغربيين هي ارتباطها بالاعتماد على العقل والاستقلال التام عن المقدس (الوحي) ، والحرية الكاملة في التفكير، وهي سمات تنطبق على الكثير من فلاسفة الإغريق، ومن ثم كان ذلك الربط الذي يشير إليه الفلاسفة والمفكرون الغربيون بين العلمانية وبين أسلافهم فلاسفة الإغريق. وسأتحدث هنا عن التيار الأصيل في الفلسفة الإغريقية؛ أي تيار الفلاسفة الذين نشؤوا في كنف قاعدة شعبية تدين بالاعتقاد (الوثني) في آلهة الأولمب، وهو الأمر الذي كان له تأثيره الكبير على موقف هؤلاء الفلاسفة المعادي من تلك الآلهة، وهو تيار الفلاسفة الأيونيين، والإيليين، وأرسطو، وأبيقور، بعكس تيار ضئيل كان له تأثره الخاص بالصوفية الهندية، والذي يتمثل بشكل أساس في الفيثاغوريين. أما بالنسبة لفلاسفة العصر الحديث فهل يمثل الانطلاق من (الكوجيتو الديكارتي) : «أنا أفكر إذن أنا موجود» لإدراك الحقائق انطلاقاً من أي فرضية دينية؟ أما (أسبينوزا) فقد كان يرى «أن الكتب المقدسة ليست مصادر للحقيقة النظرية، وما الأديان الكبرى إلا أدوات للتنظيم الاجتماعي، وللأخلاقية العملية أولاً وقبل كل شيء» (١) . ولم يعترف (هوبز ١٥٨٨م - ١٦٧٩م) بأي مضمون نظري متميز للحقيقة الدينية التي نزل بها الوحي؛ وجوهر الدين ـ على المستوى الشخصي ـ لا يقوم على إدراك أية حقائق، بل على خوف الفرد من القوة المجهولة والمتوعدة التي ينطوي عليها الكون، ولم يعوّل (لوك ١٦٣٢ - ١٧٠٤) على شيء غير الخبرة الحسية مصدراً للمعرفة، وكان برهانه الأساسي على الإله هو حجة المراهن، والذي يكاد يكون هو نفسه غير مقتنع به: (أي رهان كون احتمال صدق الألوهية أكثر فائدة من احتمال عدم صدقها) . و (هيوم ١٧١١ - ١٧٧٦م) التجريبي المتشكك في كل شيء، حتى تجريبيته؛ فقد حدد الدين الحق بأنه فلسفته الخاصة عن الدين، والتي ترجع ضرورة الاعتقاد في الله إلى الميل الذاتي في طبيعتها، وليس إلى أي دليل آخر ودون أن يؤدي ذلك إلى أية عقائد دينية. وإنك لتعجب أن تجد عقلاً كـ (جان جاك روسو) يقيم اعتقاده في الله على الشعور الأخلاقي والعاطفة الباطنية، ومع ذلك فقد كان يخالف تماماً (الميتا فيزيقا) المسيحية، بل كان يفتقر إلى علم كبير بها. وربما كان هذا أحد أهم أسباب ضمّه إلى فلاسفة التنوير على الرغم من تناقضه الأساسي معهم في التعويل على العوامل الذاتية في التفكير. أما (كانت) صاحب المنهج الترانسفدتالي في المعرفة (والذي يتعلق ببنية العقل نفسها والمعرفة القبلية) ففي بحثه عن (الدين داخل حدود العقل وحده ١٧٩٣م) لم يعترف بوحي متميز عالٍٍ على الطبيعة، ولم يرَ في العقائد المسيحية أكثر من رموز مؤثرة، أو أساطير وجودية تعمل على تشجيع الفاعل الأخلاقي على التمسك بإخلاصه للمثل الأخلاقية العليا. فهل أكون قد خالفت الواقع إذا قلت إن الذي يجمع بين هؤلاء جميعاً هو الاقتصار على العقل الإنساني وخبراته في إدراك العالم وتصريف شؤون الحياة سواء كانوا عقليين مثاليين، أو ماديين تجريبيين؟ وذلك هو تحديد تعريفي للعلمانية. - المسيري وتعريف العلمانية: في حديث عن إشكالية تعريف العلمانية يذهب الدكتور المسيري إلى أن «الواقع الإنساني يتكون من بنيتين (أو مستويين) : البنية الظاهرة، والبنية الكامنة. وعادة ما تكون البنية الظاهرة تبدياً للكامنة. وأفضل أن أراهما دائرتين متداخلتين: الأولى صغيرة (ونشير إليها بالجزئية) ، والأخرى كبيرة (ونشير إليها بالكلية الشاملة) ، وهي تحيط بالأولى وتشملها، وهي بمنزلة الإطار الذي ينتظمها. ويمكن القول: إن الأولى إن هي إلا مجرد إجراءات، وأفعال تشكل تجلياً للثانية، ولا يمكن فهمها حق الفهم إلا بالرجوع إلى الدائرة الأشمل؛ لأن هذه الدائرة الأكبر هي البنية الكامنة، والمرجعية النهائية» (٢) . ورغم أن هناك اضطراباً في التصور بين الداخل والخارج، وصنع البنية الكامنة، والدائرة الشاملة في موقعي تناقض، ولكني سأتجاوز ذلك لأربط بقوة على قول (المسيري) على فرض أننا مشينا معه في تصوراته ومحاولته تقسيم العلمانية إلى علمانيتين أن الأولى ما هي إلا مجرد إجراءات وأفعال تشكل تجلياً للثانية. إذن على فرض ذلك فكِلا العلمانيتين من حيث الجوهر شيء واحد، ولكن إحداهما تتخذ شكلاً إجرائياً يختفي وراءه المحتوى المعرفي، والمرجعية النهائية الذي تمثله الأخرى. يكمل المسيري كلامه فيقول: «في حالة العلمانية يشكّل الفصل بين الدين من جهة، وبين الدولة وسلوك الناس في بعض مجالات الحياة العامة من جهة أخرى الدائرة الصغيرة الجزئية الإجرائية، وهي دائرة لا يمكن فهم ما يجري فيها إن نظرنا إليها (معزولة عما حولها) [أليست داخل الدائرة الشاملة، فلماذا سننظر إليها معزولة إذن؟] (٣) ؛ إذ يلزم دائماً أن نعود إلى الدائرة الشاملة الأكبر التي تشمل الأمور النهائية» (٤) . والسؤال هنا: لماذا نعود إلى الدائرة الأكبر إذا كانت الدائرة الأصغر داخلها؟ الحقيقة أن المسيري قد بدأ العزل بالفعل ليصل إلى حل التقسيم الذي يحاول به أن يرضي جميع الأطراف، كما سنُظهر فيما بعد بإذن الله، ومن ثم فإن النتيجة المباشرة التي سيلحقها بهذا الكلام هي قوله: «ويوجد في تصورنا علمانيتان لا علمانية واحدة: الأولى جزئية، ونعني بها العلمانية باعتبارها فصل الدين عن الدولة، والثانية شاملة، ولا نعني فصل الدين عن الدولة وحسب، وإنما فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية لا عن الدولة وحسب، وإنما عن الطبيعة وعن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص؛ بحيث تنزع القداسة عن العالم، ويتحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى» (١) . ألم تكن العلمانية الأولى هي مجرد إجراءات وأفعال تشكّل تجلياً للثانية؟ فلماذا تم الفصل إذن؟ وكيف صرنا الآن بعد بضعة سطور في مواجهة علمانيتين سيتم قبول الأولى، ورفض الثانية إسلامياً؟ وقبل أن أناقش هذا التكتيك السياسي سأنتقل إلى تعريف أكثر مباشرة في موضع آخر من الكتاب يقول عنه المسيري: إنه تكتيك بحثي مقبول؛ بسبب ارتفاع مقدرته التفسيرية (وسوف أتوقف كثيراً عند مقدرته التفسيرية هذه) . يعرّف المسيري ما ادّعاه علمانيتين هكذا: العلمانية الجزئية: رؤية جزئية للواقع (برجماتية - إجرائية) لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية (المعرفية) ، ومن ثم لا تتسم بالشمول. وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة وربما الاقتصاد، وهو ما يعبر عنه بعبارة «فصل الدين عن الدولة» . ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت بشأن المجالات الأخرى من الحياة؛ كما أنها لا تنكر بالضرورة وجود مطلقات وكليات أخلاقية وإنسانية، وربما دينية، أو وجود ما ورائيات وميتافيزيقيات؛ ولذا لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية. العلمانية الشاملة: رؤية شاملة للعالم ذات بُعد معرفي (كلي ونهائي) تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات الغيبية (الميتافيزيقية) بكل مجالات الحياة، وهي رؤية عقلانية مادية تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحدية المادية التي ترى أن مركز الكون كامن فيه غير مفارق، أو متجاوز له (فالعلمانية الشاملة وحدة وجود مادية) ، وإن العالم بأسره مكون أساساً من مادة واحدة، ولا قداسة لها، ولا تحوى أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها ولا هدف، ولا تكترث بالخصوصيات، أو التفرد، أو المطلقات، أو الثوابت. هذه المادة ـ بحسب هذه الرؤية - تشكّل كلاً من الإنسان والطبيعة؛ فهي رؤية واحدية طبيعية مادية» (٢) . واضح أن الفصل هنا قد صار تاماً، وأن هذا التعريف يخالف تماماً التعريفَ الأوَّلي الذي تقدم به المسيري في بداية الكتاب للعلمانيتين، وهذا غير السقوط في الكثير من المشكلات الفلسفية التي سوف أتناولها في حينها، لكنها الآن تعود إلى مناقشة مفهوم المسيري للعلمانية من البداية. فبعد أن عمل المسيري على الفصل بين العلمانيتين، واعتبر الجزئية هي فصل الدين عن الدولة حاول من خلال هذا الحل أن يدفع عن نفسه تهمة الإقرار بهذا الصدام الحتمي بين الإسلام والعلمانية، ومن ثَم بدأ يوغل في كلام لا يعني أي شيء سوى إسقاط الواقع الحضاري للنصرانية في الغرب على الرؤية الإسلامية للعالم، ويخلط بين هذا وذاك ليوهم بصحة القضية التي هو بصددها؛ حيث يقول: «المؤسسة الدينية لا يمكن أن تتوحد مع المؤسسة السياسية في أي تركيب سياسي وحضاري مركب، تماماً مثلما لا يمكن أن تتحد مؤسسة الشرطة الخاصة بالأمن الداخلي مع مؤسسة الجيش الموكول إليها الأمن الخارجي، كما لا يمكن أن تتوحد المؤسسة التعليمية والمؤسسة الدينية في العصور الوسطى النصرانية حيث كانت هناك سلطة دينية (الكنيسة) ، وأخرى زمنية (النظام الإقطاعي) ، بل داخل الكنيسة نفسها كان هناك من ينشغل بأمور الدين وحسب، ومن ينشغل بأمور الدنيا، وحينما قال الرسول ﷺ : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» فقد كان في واقع الأمر يقرر مثل هذا التمايز المؤسسي؛ «ففي القطاع الزراعي بإمكان المرء أن يؤبر النخل، وحسب ما يمليه عليه عقله، وتقديره للملابسات، متحرراً في بعض جوانبه من المطلقات الأخلاقية والدينية» (٣) . - المناقشة: أذكّر القارئ بأنه من البدء قد ربطنا بقوة على ذهاب المسيري إلى أن كِلا العلمانيتين من حيث الجوهر شيء واحد، وأن إحداهما تتخذ شكلاً إجرائياً يختفي وراءه المحتوى المعرفي الذي تمثله الأخرى، ثم بدأت تنازلات الرجل شيئاً فشيئاً، حتى تم الفصل بين العلمانيتين تماماً بعد أن جعل منهما رؤيتين، رأى أن إحداهما يمكن لها التعايش مع الدين، وإذا كانت العلمانية ـ بحسب التعريفات الغربية، أو رؤية فلاسفة الغرب لها بشكل أدق ـ ترتبط باستقلال العقل في الإدراك وتنحية المقدّس؛ فإن تعريف المسيري للعلمانية الشاملة هو الأقرب للتعريف الحقيقي للعلمانية بوجه عام؛ حيث لا يغدو تعريف العلمانية الجزئية هذا ـ والتي قال عنها المسيري في البدء: ليست سوى إجراءات، وتجليات للعلمانية الشاملة ـ سوى تكتيك يتدرع به المسيري من تهمة الصدام، وأقول: هو الأقرب؛ لأن هذا التعريف للعلمانية الشاملة، سواء في شكله الأول أو الأخير، هو أقرب إلى رصد نتاج الرؤية العلمانية، أو نتاج إعمال المنهج العلماني. وقاعدة أن المقدرة التفسيرية للتعريف هي التي تحقق مصداقيته هي التي تلقى قبولاً شديداً عند المسيري؛ حيث يعتمد عليها منهجياً في معظم أعماله تقريباً، وهي بوجه عام أكثر القواعد قبولاً في المنهج العلمي للتحليل. والآن لنا أن نحاكم المسيري إما على ارتباط العلمانية، واستقلال العقل في الإدراك والتصور، وتنحية المقدمة كما هو مسلَّم به عند فلاسفة الغرب، أو على هذا التعريف الذي نصنعه (وقد ذكرنا حيثياته في مقال البيان المشار إليه) ، والذي نصنعه على محل قاعدة المقدرة التفسيرية للتعريف؛ حيث نرى أن العلمانية: «هي الاقتصار على العقل الإنساني وخبراته في إدراك حقائق العالم، وتصريف شؤون الحياة» . ومن هنا فإن كل ما يقال عن انقسام العلمانية إلى علمانيتين (إحداهما إجرائية، والأخرى معرفية) لا يستقيم؛ لأن المسألة تتعلق أساساً بالمضمون الإدراكي، الذي يقف في الخلف، وليس هناك شيء يسمى إجراءات، أو سلوكيات، أو قيم ومواقف تتعلق في الهواء، ولا تعكس مضموناً فلسفياً ما، (حتى ولو كان هذا المضمون يعني اللامضمون، فلا بد من وجود رباط فلسفي بين هذا وذاك) . ولكن لو أخذنا بمعيار المقدرة التفسيرية للتعريف الذي يأخذ به المسيري تماماً (١) ، وطبقناه على قولنا: «إن العلمانية هي الاقتصار على العقل، وخبراته في إدراك حقائق الوجود، وتصريف شؤون الحياة» لفهمنا من هذا التعريف أن العلمانية لا تنظر للأمور إلا من خلال العقل وخبراته كحقيقة مقدسة، ومن ثم لا تسلِّم بشيء مما يقول، والنتيجة الحتمية لكل ذلك ألا تسمح له بالتدخل في أي شأن من شؤون الحياة لا الدولة ولا المفاهيم ولا القيم، ولكن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى تحويل العالم إلى مادة استعمالية من وجهة نظر العلمانية، بل قد يؤدي إلى تصور ديني أيضاً قائم على العقل، ولكن تركيز المسيري على نتائج الرؤية العلمانية، وليس حقيقتها جعله يختزل موقفها على النتائج الأكثر انتشاراً في هذا الجانب المتعلق بالرؤية إلى العالم، وهو تحوُّل ما عن تحويل العلمانية في التعريف اللاحق إلى رؤيتين: إحداهما جزئية، والأخرى شاملة؛ فهو بمثابة إمعان في المغالطة، والمراوغة تحت ادعاء أنه تكتيك بحثي مقبول؛ بسبب ارتفاع مقدرته التفسيرية. وسنرى أن ليس له أية مقدرة تفسيرية، بل يتسبب في المزيد من الإرباك ليس للموقف الإسلامي فقط، ولكن في الرؤية الفلسفية بوجه عام. فليس هناك رؤية لا تعكس مضموناً فلسفياً ما، حتى العبث فإنه يعكس (اللامعرفة) و (اللاجدوى) ، وعندما أتحدث عن فصل الدين عن الدولة؛ فهذه ليست رؤية وإنما هي موقف ينعكس عن رؤية فلسفية وراءه تعني إقصاء التدنس عن التدخل في العالم الدنيوي؛ فضلاً عن أنه ليس هناك (رؤيةٌ ما) يمكن تسميتها (رؤية جزئية) ؛ لأن الرؤية تعني تصوراً فلسفياً ما يحتم تداعي نتائجه في مختلف مناحي القضايا المتعلقة بالعالم. ولكن مكمن المشكلة الأساسية في تعريفات المسيري للعلمانية: هو السقوط فيما نعاه على بعض التعريفات الأخرى من مشكلات؛ وأقصد بذلك تعويل هذه التعريفات على نتائج الرؤية العلمانية، وليس العمل على سبر حقيقة ماهيته؛ فعندما يذكر المسيري تعريفه الأول للعلمانية الشاملة (التي هي الأقرب للمقصود بالعلمانية بوجه عام) يذكر أنها لا تعني فصل الدين عن الدولة فحسب، وإنما عن الطبيعة، وعن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص؛ بحيث تنزع القداسة عن العالم، ويتحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى، وكل هذا نتاجات لإعمال الرؤية العلمانية، وليس تحديداً لها؛ لأن السؤال المطروح هو: لماذا تفصل العلمانية الدين (بمعنى الوحي) عن الدولة والقيم الإنسانية والأخلاقية، بل وعن الدين الفعلي الذي يجب اتباعه؟ إنه يذكر النتيجة، وليس السبب العام إلى مادة استعمالية، وسنزيد هذا الأمر شروحاً فيما بعد. أما في التعريف اللاحق للعلمانية الشاملة فيذكر فيه: أن العلمانية رؤية عقلانية مادية تدور في إطار المرجعية الكامنة، والواحدية المادية ... إلخ، كما ذكرنا من قبل. ويلاحظ في هذا أنه يتعلق بالنتاج الراهن للرؤية العلمانية، وليس بحقيقة الرؤية ذاتها؛ فحقاً إن العلمانية السائدة الآن هي علمانية مادية شاملة للإنسان والطبيعة، ولكن هذا لا يعني حتمية المطابقة بين العلمانية والرؤية المادية للعالم؛ فقد تأتي مرحلة لاحقة يؤدي إعمال الرؤية العلمانية إلى رؤية عقلانية مثالية للعالم، كما أنه لا يمكن تعميم ذلك على المراحل المختلفة للفكر العلماني الغربي، حتى في العصر الحديث، فلا يمكن أن يقال مثلاً: إن أياً من (ديكارت أو كانت) كان فيلسوفاً مادياً، بل كان عقلانياً مثالياً، وهو مما لا شك فيه أنه كان علماني التفكير. - هفوة المسيري شديدة الوضوح: أما هفوة المسيري شديدة الوضوح فهي في المقولة التي عمل على إيهام القارئ أنه يرتضيها (وإن كان هو لا يرتضيها حتماً إذا تمت مراجعة كلامه مراجعة حرفية، خصوصاً لو تم هذا في ظل ما يدلي به من أقوال في الندوات) . وهي المقولة التي مفادها أن لا تعارُض بين الإسلام والعلمانية الجزئية؛ لأنه حتى لو كانت العلمانية الجزئية هي فصل الدين عن الدولة فهي تعني العمل على الانتقاص من شمولية الدين، بل وتهدف إلى تبعيضه، وهو الأمر الذي يتناقض مع قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] . وقوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] . ولعل ذلك هو ما دعا الدكتور محمد البهي (وهو المفكر الإسلامي النابغ الذي جمع بين دراسته الأزهرية للدين ودراسته الألمانية للفلسفة) إلى أن يعنوِن كتابه عن العلمانية بالتالي: (العلمانية وتطبيقها في الإسلام: إيمان ببعض الكتاب وكفر بالبعض الآخر) . ويبلغ السيل الزُّبى عندما يطبق المسيري ذلك على قول الرسول ﷺ : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» ؛ حيث يقول وهو يورد في إطار إقراره للفضل النسبي بين الدولة والدين: «ففي القطاع الزراعي بإمكان المرء أن يؤبِّر النخل أولاً، حسب مقدار معرفته للملابسات، متحرراً في بعض جوانبه من المنطلقات الأخلاقية» . وما بين القوسين للمسيري ليس به شيء إذا أُخذ حرفياً، لكن المشكلة في الإيهام أن ذلك يعني إمكانية الفصل بين الدين والدولة في الإسلام اعتماداً على هذا الحديث؛ لأن الحديث بكل وضوح يتناول الجوانب العلمية التطبيقية من الحياة، وهي أمور عامة مجردة وموقف الإسلام (وليس كل الأديان) من هذه الأمور شهير جداً، ومفاده عدم التدخل والاعتماد على الخبرة، ولكن لا ينطبق ذلك على أي جانب من الجوانب السلوكية للحياة التي تنظمها الدولة، وهذا ما يوهم به كلام المسيري. - إلى أي من الإسلاميين استند المسيري؟ أستطيع القول إن العذر العام الذي يظلل مواقف الدكتور المسيري أن الرجل حديث الانتقال في نقده للحضارة الغربية من المنظور اليساري إلى المنظور الإسلامي، أو بشكل أكثر دقة إلى منظور فلسفي يبدو عاماً ولكنه يستبطن رؤية إسلامية، ومن ثَم فإن تراكمه المعرفي يتشكل أساساً من التراكم المعرفي الغربي نفسه؛ ولهذا فإن منظوره الإسلامي لا يقوم إلا على بعض القواعد العامة وربما غير المحددة، ويفتقد التراكم المعرفي الإسلامي لدرجة محزنة؛ خصوصاً إذا تعلق الأمر بموقعه المتقدم المفترض في مواجهة الحضارة الغربية مما ينعكس على مواقفه في الكثير من الحالات بغياب الرؤية الإسلامية المحددة، أو ضبابيتها في مواجهاته الفكرية مع هذه الحضارة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى الكثير من المشكلات حتى مع إقرارنا باشتراك المنظور الإسلامي والاشتراكي في بعض المواقف الناقدة للحضارة الغربية. ولكل ما سبق كان من الطبيعي أن يحاول الدكتور المسيري الاستناد إلى بعض المفكرين الإسلاميين في تحديد موقف المنظور الإسلامي من العلمانية، ولأنه من الطبيعي أيضاً أن يتحدد استناده هذا بعاملين هما: محدودية تراكمه المعرفي الإسلامي وعزوفه الشخصي عن احتداد المواجهة في مواقفه السياسية؛ فقد وقع اختياره على تيار الوسط التوفيقي بين الإسلام والعلمانية، وهو ما اعتيد أن يطلق عليه في القنوات الإعلامية المرضي عنها بـ (التيار الوسطي) والذي يُعد الكاتب (فهمي هويدي) أحد أبرز رواده؛ ولذلك فقد كان هو الشخص الوحيد من المحسوبين على الإسلاميين الذي استند إليه المسيري في تعريفه للعلمانية. و (الأستاذ فهمي هويدي) هو صاحب المقولة الشهيرة: «العلمانيون المعتدلون هم أقرب إلى الإسلاميين المعتدلين من الإسلاميين غير المعتدلين» ا. هـ. والنتيجة التي ينتهي إليها الاثنان معا (هويدي والمسيري) هي كما يقول هويدي: «أن كل تيار سياسي يحترم عقيدة الأمة ويلتزم بنصوص الدستور المعبرة عن ذلك يصبح من حقه أن يكتسب الشرعية، وأن يكون شريكاً في الحياة السياسية للمجتمع الإسلامي ينسحب ذلك على مختلف فصائل العلمانيين المعتدلين سواء كانوا ليبراليين أو قوميين أو ناصريين أو ماركسيين» (١) . ويعلق المسيري على ذلك بقوله: «وإن الحوار بين فصائل الأمة المختلفة ممكن في إطار التعريفات الجزئية، أما التعريفات المادية الشاملة فإنها تُسقط كل المرجعيات ولا تخلّف لنا سوى الصراع في الداخل والتبعية لقوى العولمة في الخارج. ولعل الذين قرؤوا مقال (الأستاذ فهمي هويدي) لاحظوا أن مطالبة الإسلاميين بتأكيدهم قبول التعددية التي تشمل التيار العلماني كانت موقفاً التقى عليه رأي آخرين من أهل الفقه والنظر في مقدمتهم الدكاترة: (يوسف القرضاوي) و (أحمد العسال) و (محمد سليم العوا) . ومما يجدر ذكره أن (فهمي هويدي) ليس وحيداً في موقفه هذا، بل يمكن القول بأن هذا الرأي هو الرأي الممثل للتيار الإسلامي الأساسي» (٢) . أعتقد أن القارئ النابه لا يستطيع أن يعرف ـ بعد هذا الذي سردته الآن ـ أين ذهب المسيري المفكر الفلسفي العميق؟ هل استغرقه الجهد في إيجاد مخرج للعلمانيين بهدف إيجاد مخرج لنفسه من الصدام مع النخبة الفكرية المسيطرة حتى ذاب تماماً في تيار السياسة؟ ولا بد أن ننظم الآن نقاط البحث حتى لا نذوب نحن أيضاً مع تيار السياسة هذا. ولذلك فإن ما يهمنا هنا هو ليس قبول التعايش أو عدم التعايش مع هذه العلمانية المعتدلة التي تتطابق إلى حد ما ـ لاحظ إصرار المسيري على استخدام مثل هذه الألفاظ (إلى حد ما) حتى يحتفظ لنفسه دائماً بالقدرة على الإفلات من المحاسبة الفكرية الدقيقة ـ مع العلمانية الجزئية. ولكن المهم بالنسبة لنا: هل هذه العلمانية الجزئية أو المعتدلة تتناقض مع الإسلام أو لا تتناقض؟ والنقطة الثانية هي: هل هذه العلمانية الجزئية تخرج في شيء عن العلمانية الشاملة، أم أن المسألة لا تخرج عن كونها مجرد ادعاء سياسي يتم التستر به على الموقف الحقيقي من الدين أمام المجتمع الإسلامي؟ في الإجابة عن النقطة الأولى: ما هي المرجعية لنا في ذلك: هل هو الانتماء للوطن أو الانطلاق من المشروع الوطني العام أو الموقف من الاستعمار؟ إن مثل هذه الأمور قد تصح معايير للتعاون في القضايا العامة؛ وهذا أمر سياسي، ولكن ليس معايير لتحديد العلاقة بين العلمانية الجزئية والإسلام والتي لا يصح فيها إلا معيار واحد هو المرجعية الإسلامية التي تقرر أن الإسلام دين شمولي لا يقبل التجزئة، ولا يقبل الاستعاضة عنه كمرجعية في أي أمر من أمور الحياة سواء كانت السياسة أو غير السياسة. فإذا كانت هذه العلمانية الجزئية أو المعتدلة لا تقر الإسلام على ذلك، وتصر على تنحيته باعتباره مرجعية في مجال السياسة أو في أي مجال آخر؛ فهي تتناقض تماماً مع الإسلام. أما الحديث عن إمكانية التعاون مع هؤلاء العلمانيين أو عدم التعاون معهم فهذا حديث آخر، ولكنه حديث من الخارج. واستخدام ما قد يصح من مرجعية له كالموقف من الاستعمار أو الانتماء للوطن في تحديد العلاقة بين العلمانية المعتدلة والإسلام هو خلطُ ما هو سياسي بما هو عقائدي. ومن ثم يجب فهم موافقة أهل الفكر والنظر الذين ذكرهم (الأستاذ هويدي) في هذا السياق؛ أي إمكانية التعاون مع العلمانيين المعتدلين على هذه الأسس المذكورة دون أن يعني ذلك موافقة أهل الفقه منهم (وهم الذين يهموننا في هذا الموضوع) على أن هذه العلمانية المعتدلة (أو الجزئية) لا تتناقض مع الإسلام. أما خلط هذه الأمور جميعاً لكي نصل إلى نتيجة مفادها عدم الاصطدام بالصفوة الفكرية فهو تضحية بالفكر على مذبح السياسة. ومن ثم فإن تولي مثل هذه الرؤية لا يؤدي إلا إلى المزيد من الارتباك في الواقع الفكري، وينعكس سلباً على وضوح المواقف لدى الإسلاميين. - المسيري والعلمانيون العرب: يقول المسيري: «تتأرجح التعريفات العربية لمفهوم العلمانية بين العلمانية الجزئية بوصفها إجراء جزئياً لا علاقة له بالأمور النهائية مقابل العلمانية الشاملة بوصفها رؤية شاملة للكون» (١) . والذي يعنيه هذا الكلام هو عدم استطاعة تقسيم المسيري ـ الذي استمد مصداقيته من قدرته على التفسير ـ استيعاب هذه التعريفات أو تفسيرها. المسيري ماذا أدى به منهجه في التعامل مع العلمانيين العرب؟ يقدم حسين أحمد أمين (وما أدراك ما حسين أحمد أمين؟) فيقول عنه إنه يعرّف العلمانية بأنها «محاولة في سبيل الاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة» (٢) ، ويعلق على ذلك قائلاً: «فكأن المرجعية النهائية هنا ليست علمانية، وإنما مستمدة من نسق معرفي وأخلاقي آخر، وكأن العلمانية تنحصر في الدائرة الصغيرة الجزئية» (٣) ، ثم يقول في موضع آخر: «فكأن حسين أمين يرى أنه لا توجد ضرورة حتمية للصراع بين العلمانية والدين، وأن كل ما حدث هو صراع نتيجة ظروف تاريخية طارئة، وهناك بعض المفكرين الإسلاميين ـ ممن يؤمنون بالتعددية والتدافع وضرورة الاجتهاد ومن ثم استحالة احتكار الحقيقة ـ يتفقون في بعض النقاط الأساسية مع حسين أحمد أمين» (٤) . لم يذكر المسيري من هم هؤلاء المفكرون الإسلاميون الذين يتحدث عنهم، ولكن ذكر بعض الأوصاف التي تستخدم عادة كـ (كليشهات) سياسية دون أن يكون لها معنى محدد (ممن يؤمنون بالتعددية والتدافع وضرورة الاجتهاد) . المهم أنه بهذا الكلام الهلامي أعطى (حسين أحمد أمين) جواز مرور في عدم التصادم مع الإسلام. وحسين أحمد أمين هذا (بعيداً عن علاقته الخاصة بالدوائر الغربية) له مؤلفات شهيرة في الهجوم على الشريعة الإسلامية كبيرها وصغيرها (راجع كتابنا: تزييف الإسلام وأكذوبة المفكر الإسلامي المستنير) ولكن من الطبيعي أن يجد له مكاناً إسلامياً في رؤية المسيري الفضفاضة والمرتبكة في العلاقة بين الإسلام والعلمانية. أما الأمثلة الأخرى التي يتخدها المسيري للمفكرين فأشد غرابة؛ لأن نموذج (حسين أحمد أمين) نموذج معروف بالعلمانية الملتوية التي تحاول أن تتخذ ستاراً إسلامياً. لكن ما بالكم بـ (الدكتور فؤاد زكريا) ذلك المفكر المادي المعروف الذي قد تمثل صراحته الفكرية أهم مميزات فكره؟ فيذكر المسيري أن (الدكتور فؤاد زكريا) يصف العلمانية بأنها «الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة» (٥) ، ويوضح (فؤاد زكريا) موقفه بقوله: «إن ما تريده العلمانية إن هو إلا إبعاد الدين عن ميدان التنظيم السياسي للمجتمع، والإبقاء على هذا الميدان بشرياً بحتاً تتصارع فيه جماعات لا يمكن لواحدة منها أن تزعم أنها هي الناطقة بلسان السماء. فأساس المفاضلة بين المواقف المختلفة يجب أن يكون العقل والمنطق والمقدرة على الإتيان بالحلول الواقعية الناجحة» (١) . ويذكر المسيري لـ (الدكتور زكريا) أيضاً قوله: «إن العلماني المتحمس يرفض توجيه التنظيم السياسي للمجتمع توجيهاً يرتكز على سلطة الدين، ولكنه في الوقت ذاته يتزوج بوثيقة شرعية إسلامية» (٢) . ثم يتساءل المسيري ـ بفيض من البراءة المصطنعة ـ هذا السؤال العجيب: «هل يمكن الحديث عن (فؤاد زكريا) بعد هذا باعتباره علمانياً شاملاً؟» (٣) . ولا أدري: هل ينتظر المسيري أن يرفض (الدكتور فؤاد زكريا) الزواج بوثيقة شرعية إسلامية وهو يعيش بين أكناف مجتمع مسلم له ضغوطه الخاصة حتى يقبل الحديث عنه باعتباره علمانياً شمولياً؟ ثم ما الذي يهمنا هنا في هذا المثال البين (مثال الدكتور فؤاد زكريا) في رفضه لتطبيق الشريعة الإسلامية في كونه علمانياً جزئياً أو شاملاً في تحديد موقفه من الإسلام؟ ولكن الدكتور المسيري بتلك الحيلة العجيبة (ادعاء أن العلمانية الجزئية يمكنها التوافق مع الإسلام، ثم ادعاء أن الدكتور فؤاد زكريا علماني جزئي) أوجد له مخرجاً من تناقضه الفكري مع الإسلام. وهناك مثال آخر يورده المسيري عن صاحب ما يسمى بـ (العلمانية المنفتحة) الذي يقول: «كل ما أطلبه من أجل إدخال العلمنة الصحيحة في المجمتمعات العربية والإسلامية هو إلغاء برامج التعليم السائدة، وإلغاء الطريقة اللا تاريخية والعقائدية التبشيرية لتعليم الدين في المدارس العامة، وإحلال تاريخ الأديان والأنثرابولوجيا الدينية محله» (٤) . ويبدو أن هذه الخطوة الأخيرة أدت إلى ارتباك المسيري أو ادعائه الارتباك في تحديد موقف أركون من الدين، إذ يقول: «يبدو أن محمد أركون قد نسي الهدف الأساسي من برنامجه الإصلاحي، وهو إتاحة إمكانية وجود روحانية جديدة؛ إذ إنه بدلاً من ذلك يحدد الهدف من برنامجه بأنه «دراسة بنية العقل الديني وطريقة اشتغاله ووظائفه. ولا تهم مضامين العقائد والمذاهب بحد ذاتها» (٥) . وكأن المسيري قد صدق بالفعل أن علمانية أركون تسمح بإمكانية وجود روحانية جديدة كما يدعي. - يا لبراءة المسيري! ولهذه البراءة العجيبة وضع الرجلَ في خانة المترددين بين العلمانية الجزئية والشاملة. والمسألة ببساطة هي أن أركون ما فعل سوى ما اعتاد فعله العلمانيون العرب وهو التهويم باقتصار الرؤية العلمانية على المسائل السياسية والواقعية فقط دون التدخل في العقائد، ولكن عندما يتعلق الأمر بالخطوات العملية فلا مناص من القفز إلى قلب هذه العقائد والإطاحة بها تماماً. لكن المسيري لا يقول إنه يفهم هذا ومن ثم يزعم أنه أصيب بالارتباك من موقف الرجل. إن المسيري بعد أن ناقش التعريفات السابقة والكثير غيرها للعلمانيين العرب يعلق على ذلك فيقول: «معظم التعريفات أهملت قضية المرجعية النهائية للمصطلح (والمفهوم) [وهل تحتاج العلمانية إلى مرجعية نهائية غير نفسها؟] ومن ثم لم يتم التمييز بين الدائرتين: الصغيرة الجزئية والكبيرة الشاملة» (٦) . وإهمال تعريفات العلمانيين العرب للتمييز بين الدائرتين ليس عيباً فيها، وإنما العيب في فكر المسيري الذي توهم وجود مثل هاتين الدائرتين، ثم جعل من هذا الوهم محكّاً للحكم على هذه التعريفات. بل إن اعتراف المسيري نفسه بإهمال هذه التعريفات لذلك التمييز يظهر مدى ما بذله من تكلّف في الاستخراج المصطنع لوجود مثل هاتين الدائرتين في تلك التعريفات. إن قلة قليلة من العلمانيين العرب (وهذا أمر طبيعي تماماً نظراً للتشبث المجتمعي بالإسلام رغم كل العداءات) هي التي من الممكن أن تتبنى صرامة موقف العلمانية الحقيقي الإقصائي من الدين، ولكن الغالب الأعم منهم يبحث دائماً عن شكل ما من أشكال الاحتيال الفكري الذي لا يضعه في هذا التعارض الصريح مع الدين. ويكاد يتمثل الجانب الأكبر من تاريخ الفكر العلماني في العالم العربي في تلك الجهود المبذولة في اتخاذ مثل تلك الأشكال المختلفة من الاحتيال الفكري. ولكن (الدكتور عبد الوهاب المسيري) يعطي بهذا الاختلاف المصطنع لما يسمى بالعلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة تسويغاً اجتماعياً (يحاول أن يضفي عليه مسحة من الإسلامية) لكل هذا الغالب الأعم. ولأن أصعب شيء على نفس هؤلاء العلمانيين هو التأكيد على تلك الحدود الفاصلة بين الإسلام والعلمانية؛ فإن ذلك يبرز خطورة تيار الوسطية بين الإسلام والعلمانية (والذي أعطاه المسيري بكتابه هذا زخماً كبيراً) والذي يدفع للانتشار والهيمنة على الأجهزة الإعلامية من جهات عديدة، وتتمثل غاية ذلك التيار الأساسية التي تبذل من أجلها كل جهوده في محو تلك الحدود الفاصلة بين الإسلام والعلمانية. - ما يؤخذ وما لا يؤخذ: عندما نتجاوز الصفحات والفصول التي يبرز فيها المسيري السياسي المناور (وهي الصفحات التي تتحدث تحديداً عن علاقة العلمانية بالإسلام) وننتقل إلى الصفحات والفصول التي يتحدث فيها المسيري الحقيقي (المسيري الفيلسوف أو بقول أدق سسيولوجي الفلسفة أي عالم اجتماع الفلسفة) سنجد كتابات باهرة في تفكيك ونقد العلمانية والحضارة الغربية بوجه عام؛ وهذا هو الشيء الحقيقي الذي يجب أن يستفاد من المسيري برغم ما قد يسببه من إرباك شديد فيما يكتبه عن العلاقة بين الإسلام والعلمانية، ومن أمثال ذلك المستفاد ما كتبه حول (التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع ـ التمركز حول الأنثى ـ العقل الأداتي ـ علمنة الفكر ـ علمنة الرؤية ـ الإمبريالية وعلمنة العالم) . وكتب أيضاً كلاماً جيداً عن المتتالية العلمانية (وهي منظور المسيري الخاص للعلمانية الذي يوجه كل فكره) . وبالرغم من خلافنا مع المسيري حول تلك المتتالية إلا أنها تمثل تناقضاً فلسفياً مع ما كتبه عن علاقة العلمانية بالإسلام وتقسيمها إلى علمانية جزئية وعلمانية شاملة، ولكن الأمر يحتاج إلى الكثير من الشروح، وسنعمل هنا على تركيزه في حدود نقدنا الأساسي للمسيري حول تقسيمه للعلمانية. يتحدث المسيري عن العلماني كمتتالية كما يلي: «يمكننا تخيل متصل من المدلولات في أقصى أطرافه وهو ما نسميه (العلمانية الجزئية) وفي الطرف الآخر ما نسميه (العلمانية الشاملة) » (١) . ثم يقول في موضع آخر: «والفرق بين ما نسميه (العلمانية الجزئية) وما نسميه (العلمانية الشاملة) هو في واقع الأمر الفرق بين مراحل تاريخية لنموذج واحد؛ فالعلمانية ليست مجرد تعريف ثابت، وإنما ظاهرة لها تاريخ، وتظهر من خلال حلقات متتابعة. ولذا فبدلاً من أن نتحدث عن نموذج العلمانية (ومصطلح «نموذج» ينطوي على قدر كبير من الثبات) يجدر بنا أن نتحدث عن متتالية نماذجية تتحقق عبر الزمان وفي المكان (٢) . وما نراه أن العلمانية ليست متتالية مادياً، وإنما هي رؤية تؤدي إلى آلية إنتاج فكري تؤدي في بعض مساراتها مرحلياً إلى متتالية مادية قد تنعكس إلى وجهة مضادة؛ بينما تؤدي المسارات الأخرى إلى أشكال مختلفة من الإنتاج الفكري يكون من التعسف دمجها قسراً في تلك المتتالية المادية. فقد يمثل المسار الفكري (ديكارت ـ أسبينوزا ـ هوبز ـ لوك ـ هيوم) متتالية مادية ولكننا نجد ربوبية فولتير (أياً كان تفسير المسيري لها) فاصلة تمضي باتجاه معاكس ليعود تتبع المتتالية مرة أخرى ولكن بشكل أقل حدة مع (دولباك - ديدرو - دولمبير) لكنها تأخذ اتجاهاً معاكساً مع الإيمان الوجداني لـ (جان جاك روسو) والإيمان الأخلاقي لـ (كانت) على الرغم من عقلانية الرجليين العلمانية. لكن المسيري يميل إلى الترشيد في رصد النتاج الفكري العلماني، والترشيد في رصد الظواهر الفلسفية كلها في مسارات وقوانين محدودة (متأثراً في ذلك ـ بحسب رأينا ـ بماركسيته السابقة) وهو الأمر الذي يدفعه لجمع نتاج المسار المادي العلماني كله فيما يسميه (بالوحدانية المادية) والتي يطابق بينها إلى حد كبير وبين الوحدانية الروحية الصوفية وهي إجراءات تؤدي إلى زيادة التعقيد في تحليل الرؤى الفلسفية وليس إلى تبسيطها بحسب رأينا. ولكن دع كل ذلك جانباً، ولنعد إلى قضية المسيري الرئيسية (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة) فهل كون العلمانية ما هي إلا متتالية لا تختلف في مراحلها الزمنية إلا من حيثُ كمِّ المنتَج الفكري المادي الذي تنتجه. أقول: ألا يعني ذلك أن العلمانية كينونة معرفية واحدة، وأن الخلاف من حيث الكم في محتواه المادي لا يغير شيئاً من حيث نهجها المعرفي، ومن ثم يغدو تقسيمها إلى جزئية وشاملة من حيث كمها المادي تقسيماً تعسفياً لا معنى له؟ وهل يعني هذا أن المسيري عندما عرَّف العلمانية كمتتالية معرفية تناقض مع تقسيمها الأول إلى جزئية وشاملة، أم أن الأمر لا يعدو كون المسيري يدرك قبل الجميع حقيقة هذا التناقض ومع ذلك يصر على احتياله السياسي بتمسكه بهذا التقسيم؟ وأخيراً أذكِّر مرة أخرى بما قلناه في البداية ـ وهذا أهم ما في الموضوع ـ أنه أياً كان الأمر، وعلى فرض كون العلمانية جزئية أو شاملة، فهي في كل الحالات تتناقض مع الإسلام؛ لأن الإسلام منظومة شاملة لا تقبل التجزئة بأي شكل من الأشكال.

стр. 5383

يوم من أيام الله (موهاج) التي لم ينسها الغرب في ظلال العثمانية ... درع الإسلام المفقود. د. عبد الحميد الدخاخني إذا ذُكرت الدولة العثمانية (دولة الخلافة الأخيرة) عند كثير من المثقفين وأنصاف المثقفين بادروك بالقول بأن الدولة العثمانية هي سبب المصائب والتخلف الذي نحن فيه غارقون، كما أنها السبب الأول في تدهور قوتنا وابتعادنا عن روح العصر وتحدياته، ولم يعطوا لأنفسهم فرصة للتثبت مما دسه وروجه أساطين ودهاقنة الشر وأعداء وحدة الأمة وتقارب المسلمين. وللحق فإن تاريخ العثمانيين ليس هو تاريخ الملائكة المنزلين ولا تاريخ الخلفاء الراشدين المهديين، ولكنه تاريخ إسلامي مشرف ينبغي لكل أجيالنا أن تعرفه وتتمثله؛ فتاريخنا الحالي مرهون بالماضي؛ فلننطلق ليوم من أيام الله؛ حيث كانت الدولة العثمانية درع الإسلام وسيفه الذي سلَّه الله للفتح وردع المعتدين؛ حيث كان الإسلام حياً في النفوس، وعلى أساس الإسلام تبنى الدولة في كل شؤونها؛ فلننطلق لعصر السلطان (سليمان القانوني) الذي لا يعرف شبابنا عنه معشار ما يعرفونه عن نابليون وأمثاله. تولى السلطان (سليمان) عرش الخلافة العثمانية في عام ١٥٢٠م، بعد أن ورث أباه السلطان (سليم الأول) فاتح مصر والشام، والذي كان يسعى لإنشاء دولة إسلامية واحدة تمتد من أواسط آسيا إلى غرب أوروبا، ولكنه لم يتمكن من تحقيق ما أراد. وفي السنة الأولى من حكم السلطان سليمان ١٥٢١م فتح جزيرة رودس التي كانت شجا في حلوق المسلمين، وكان بها أشد الصليبيين حنقاً على الإسلام وإيذاءً لأهله في البر والبحر. كانت رودس تحت حكم (فرسان القديس يوحنا) الذين عُرفوا في كتب التاريخ الإسلامي باسم فرسان المعبد (الداوية) ، وكان الهجوم العثماني كما هي العادة قوياً وخاطفاً؛ حتى إن الغرب لم يشعر إلا وقد فتح المسلمون رودس، وكانت بحق قلعة الصليبيين في شرق البحر المتوسط تهدد شواطئ الإسلام وسفنه التجارية [ظلت طرابلس ليبيا تحت حكم الفرسان الصليبيين هؤلاء مدة سبعين سنة حتى طردهم منها العثمانيون] . وفي السنة الثانية ١٥٢٢م قام السلطان الخليفة (سليمان القانوني) بفتح بلغراد أحد أهم مدن المجر آنذاك وهي من قلاع أوروبا الوسطى القوية، وتشتهر بحصانتها ومتانة أسوارها، وقد صدت أسوارها المنيعة الهجوم العثماني المتعدد عليها منذ عهد السلطان (محمد الفاتح) ، ولكن الله قد ادخر هذا الفضل للسلطان سليمان القانوني الذي كانت أوروبا كلها تطلق عليه اسم سليمان المُعظَّم أو الفخم (Suliman the magnificent) ، ولا ينبغي أن ننسى دلالة هذا الاسم في وقت كان الغرب كله يدور حول الكنيسة ووصفها للمسلمين بالكفرة الذين يعبدون محمداً ﷺ ، ويملأ الغيظ والحقد قلوبهم عند ذكر اسم مسلم. في السنة السادسة من حكم السلطان سليمان ١٥٢٦م، كان الغرب الأوروبي يتشكل ككتلة عجيبة، كان أقوى ملك في أوروبا هو شارل الخامس (شارل كوان) وهو حفيد فرديناند وإيزابيلا اللذين قاما بطرد المسلمين من الأندلس، وقالت أم الملك المسلم الغرناطي الأخير أبي عبد الله الصغير الذي بكى حين رحلت به السفينة عن بلاده؛ قالت له أمه: أجل! ابكِ مثل النساء مُلكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال. ولكن الله لا يتخلى عن هذه الأمة، ولن يجعلها عاقراً من رجال صادقين؛ فلننظر بعدها بقليل ماذا حدث. كان الملك الأسباني شارل الخامس يحكم كل أسبانيا وبعض البلدان في الأراضي الواطئة (من هولندا وبلجيكا وجوارهما) ونصف إيطاليا الحالية، ويحكم أخوه باسمه كل النمسا وألمانيا، وكانت أخواته متزوجات من ملوك: فرنسا، المجر، بولندا، وليتوانيا (وكانت دولة قوية متسعة) والسويد، وهكذا تهيأت أوروبا لتكون مسرحاً قوياً لحرب الإسلام وشوكة تهديد واستعمار لكل الشمال الإفريقي وأغلب بلاد العالم المعروف آنذاك؛ حيث كانت حركة الكشوف الجغرافية الصليبية التي أرادت خنق الإسلام في بلاده قد آتت ثمارها البغيضة القاسية، ولكن هكذا دبَّر الله قوانين الكون على أن يكون لكل مجتهد نصيب؛ فليجتهد المسلمون حتى لا يكونوا هم المفعول به دائماً، والله قد أراد المسلم فعّالاً إيجابياً لا كمّاً مهمَلاً. رأى السلطان سليمان وإدارته أن أخطر حلقة في هذا العقد الجهنمي الذي يتكون في أوروبا هي دولة المجر التي تجاور الدولة العثمانية وتصل حتى حدود البوسنة حالياً؛ حيث كان ملك المجر (لايوش الثاني) بلا وريث؛ فإذا مات أو قُتل فسرعان ما تؤول مملكة المجر الضخمة لهذا الحلف الأوروبي المتناسق. وكان القرار أنه لا بد من فتح المجر وضمها أو أغلبها للخلافة العثمانية أو تولية من يحفظها من الانضمام للغرب الأوروبي ويتبع الدولة العثمانية حتى لا تكون مصيبة على المسلمين. في ذلك الوقت كانت الحملات العثمانية لا تستطيع أن تخوض المعارك في أوروبا إلا في أشهُر الصيف وخاصة يونيو ويوليو وأغسطس، ولكن السلطان سليمان خرج بجيشه البالغ تعداده مائة ألف جندي في شهر إبريل من عاصمة ملكه (إستانبول) وخرج معه مئات من السفن العثمانية النهرية الرفيعة تسير في الدانوب وتوصل المؤن للجيش المجاهد، وكان من تجهيزات الجيش العثماني المجاهد ثلاثمائة مدفع؛ ففي ذلك الوقت كان المسلمون هم من يمتلكون أحدث الأسلحة، نعم! كنا نحن الذين نمتلك التقنية المتفوقة والتكتيكات الحربية الرائدة، وبينما لم يكن الأوروبيون الصليبيون يستعملون المدافع في الحروب كانت الدولة العثمانية تستعمل هذا السلاح بحذق ومهارة شديدين كما سنرى. وصل السلطان إلى نهر الدانوب (الطونة بالعثمانية) وكان أحد مشكلات الحملات العثمانية في أوروبا لسعته وتياراته وصعوبة عبوره. أمرالسلطان ببناء جسر حجري لعبور الجيش، فتم بناؤه في أربعة عشر يوماً، فعبر الجيش المجاهد عليه في أربعة أيام، ولما تم العبور بسلام، أصدر السلطان أمراً عجيباً؛ إذ أمر بهدم الجسر بنار المدفعية. أتعرف ما معنى هذا؟ إنه يعلن لكل الجنود أننا لن نعود منهزمين ومتعجلين: إما النصر، فلا مشكلة في إعادة بنائه، وإما الشهادة فما عند الله خيرٌ وأبقى! بعد عبور النهر صعد السلطان إلى بلغراد التي كان قد فتحها منذ أعوام قليلة، واستقبل تهنئات وتبريكات عيد الفطر في بلغراد، ثم واصل صعوده في أوروبا الوسطى حتى سهل (موهاج) المجري، ويقع جنوب شرق العاصمة بوادبست بحوالي مائة وثمانين كيلو متراً، وكان الجيش المجري من أفضل جيوش أوروبا الصليبية في ذلك الوقت، وتعداده مائتا ألف فارس ومقاتل، منهم أربعون ألفاً من أفضل القوات الألمانية المختارة، وفوق كل ذلك كان هناك الحماس الغربي الصليبي المتقد. كثير من المسلمين اليوم يظن أن الحملات الصليبية هي الحملات التسع المشهورة على البلاد العربية فقط، ولا يعلمون أن الدولة العثمانية صدت منذ القرن الرابع عشر الميلادي ما يزيد على خمس وعشرين حملة صليبية دموية. رحم الله العثمانيين؛ فقد كانوا درعاً للإسلام! كان الجيش المجري يدافع عن دولة عريقة وسلالة حاكمة قديمة؛ فالعرش المجري كان عمره ثمانياً وثلاثين وستمائة سنة كاملة؛ فهي إمبراطورية راسخة، وكان الفرسان المجريون مشهورين بشجاعتهم وبسالتهم وشدة بأسهم. تدارس القادة العثمانيون الأكفاء مع السلطان الخطة التي ينبغي عليهم سلوكها، وقد أخبرت فرق الاستطلاع أن السهل محاط بمستنقعات واسعة من بقايا أمطار الصيف؛ ففي أوروبا الوسطى تمطر السماء صيفاً أيضاً. أراد العثمانيون أن يستفيدوا من هذه المستنقعات، فرسموا خطتهم بحيث يستدرجون الفرسان المجريين إلى مدى المدافع مع الحفاظ على كتل الجيش المجري بدون انتشار حتى تستطيع المدافع إصابتهم بأعنف الضربات وأكثرها مفاجأة. وكانت الخطة أن ينقسم الجيش العثماني كالعادة إلى ميمنة وميسرة وقلب؛ ففي القلب يقف السلطان مع أفضل الجنود وأشجعهم وهم الإنكشارية (الجند الجديد) والذين كانوا رعب أوروبا لما يقرب من ثلاثة قرون، ويكون وقوف السلطان براياته وعلاماته أمام المدافع حتى إذا اندفعت القوات المجرية إلى ساحة الوغى وتوجهوا لقلب الجيش الإسلامي واقتربوا، عندئذ تتراجع صفوف الإنكشارية والسلطان إلى ما خلف المدافع، ثم تطلق المدافع بأقصى طاقتها، حتى إذا تشتتت الصفوف المجرية اندفع جناح الجيش الإسلامي ودفع ما تبقى من القوات المجرية إلى المستنقعات. كانت التوقيتات في التواريخ العثمانية بأوقات الصلاة. دخل السلطان عند صلاة الصبح كذا، وبعد صلاة العصر فعل كذا وكذا. لبس السلطان درعه في صلاة الصبح، ثم دخل إلى صفوف الصاعقة وهي القوات المسلمة القادمة من إمارات القرم والبحر الأسود الذي ظل بحيرة إسلامية حتى نهايات القرن الثامن عشر الميلادي ـ وكانت هذه القوات ـ الخيالة ـ تقوم بمرافقة الحملات العثمانية النظامية في أوروبا وروسيا، فيقومون بالغزو والجهاد متساندين يدعم بعضهم بعضاً [هذا في أيام التخلف والرجعية (زعموا) ... إلخ]ـ وكان الدور الأساسي لفيالق الصاعقة هو حماية طرق اقتراب وسير الجيش العثماني وكذلك الاستطلاع وجلب الغنائم والأسرى وضرب عمق العدو. كان السلطان الخليفة على رأس جيشه المجاهد في الميدان، كذلك كان الملك المجري على رأس جيشه الصليبي في الميدان ذاته ساعات.. ويتقرر مصير الأمتين والملكين.. هل سواء من كان في سبيل الله ومن كان في سبيل الطاغوت؟ بات المسلمون يقرؤون القرآن ويذكرون الله ويهللون ويكبرون (كانت أناشيد الجيش مليئة بالدعاء والتكبير حقيقة) ويذكِّرهم الدعاة والعلماء بفضل الجهاد وما أعد الله للشهداء.. وبات المجريون يدقون النواقيس ويحرضهم القساوسة والرهبان للدفاع عن الصليب وأوروبا ضد المسلمين الفاتحين. دخل السلطان في فيالق الصاعقة بعد صلاة الصبح وذكَّرهم بالله وأن جهادهم هذا موقعة فاصلة في تاريخ الإسلام، وقال لهم: كأن رسول الله ﷺ ينظر إليكم الآن ... بكى الجنود وبكى معهم سلطانهم ... رحم الله السلاطين والجيوش الذين يبكون من خوف الله! ثم دخل السلطان في صفوف السباهية (وهم الفرسان النظاميون العثمانيون) ففعل هكذا ... فبكوا أيضاً تأثراً. وكأن الله رضي عنهم وقَبِل تضرعهم وبكاءهم؛ فلننظر ما حدث بعدها: انتظمت صفوف المسلمين، وقاموا بتنفيذ الخطة كما هي بحذافيرها، وأمر السلطان بعدم البدء بالحرب. عند العصر لم يطق الفرسان المجريون صبراً، فاندفعت فرق الفرسان في هجومها المخيف لاجتياح المسلمين. ولما اقتربت فرق الفرسان المجرية تراجع المسلمون بمقتضى الخطة المتفق عليها خلف المدافع، وانطلقت المدافع تهدر وتقصف هذه الفرق المهاجمة، وانطلقت ثانية، وثالثة. تمزقت فرق الفرسان المجرية التي دوخت أوروبا كلها بفروسيتها وشجاعتها أمام المدافع العثمانية، ولكن الحرب لم تنته. أعطى السلطان الأمر بهجوم الميمنة والميسرة والقلب على فلول الجيش المجري حتى لا تهرب البقية؛ كان قائد الميمنة والميسرة هما ابني عمة السلطان نفسه. بعد أقل من ساعتين كانت معركة موهاج قد انتهت وحُسمت. كان عدد الأسرى المجريين خمسة وعشرين ألفاً، بينما كان خمسة وسبعون ومائة ألف ـ وهم بقية الجيش المجري ـ يخوضون المستنقعات، وبلغ من شدة قوة الضربة العثمانية أن الملك المجري نفسه (لايوش/ لويس الثاني) لم يتم إنقاذه من الغرق. كانت النتيجة النهائية مرعبة لكل أوروبا؛ فالجيش العثماني قد أنهى الجيش المجري وهو من أفضل الجيوش الأوروبيةأنهى معركة مائتي ألف فارس ومقاتل في ساعتين فقط بخسائر لا تذكر: جرحى العثمانيين ألفا جريح، ومائة وخمسون شهيداً (نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله) نعم! ليس هناك خطأ في العبارة: مائة وخمسون فقط. صلى السلطان المغرب في أرض المعركة وصلى معه الجيش، وبعد الصلاة تقدم القادة الكبار وهم تسعة عشر قائداً وقبلوا يد السلطان (في ذلك الوقت العظيم لم تكن هناك رسوم من المبالغات والضلالات التي حدثت بعد ذلك مثل تقبيل حاشية الثوب أو تقبيل الأقدام وتقبيل الأرض وغير هذا من الترهات التي حدثت في أزمنة متأخرة؛ وكأن هذه الخزعبلات والتعظيمات الباطلة تنادي بخراب الدول، أو أن هذه الضلالات لا تحدث إلا مع قلة العمل والإعداد والقيام بأمر الله) . فتح السلطان سليمان بعد المعركة مباشرة عاصمة المجر (بودا) وضم إليها (بست) وكان بينهما نهر، واستقبل السلطان تهنئات وتبريكات عيد الأضحى في عاصمة المجر، وهكذا كان العيد عيدين، وبدأ الحكم الإسلامي لمدينة (بودابست) لمائة وستين عاماً من ١٥٢٦م حتى ١٦٨٦م. ظل السلطان سليمان القانوني ﵀ بعد هذه الموقعة يبعث الرسل بالرسائل المهينة للأرشيدوق حاكم النمسا وألمانيا طالباً منه أن يخبره فقط أين هو حتى يأتي إليه سليمان وجنوده، بل وحاصر فيينا عاصمة النمسا في ١٥٢٩م حتى يجبره على القتال، ولكن الأرشيدوق الشجاع أبى إلا أن يهرب ويترك عاصمته، وهل بعد سليمان وموهاج روح؟ هذه المعركة يقول عنها المؤرخون العسكريون إنها مثال لحروب الإبادة الكلاسيكية في مطلع العصور الحديثة، ولا تزال تدرس في الكليات العسكرية الغربية. هل تعرف أخي المسلم! ما يقول أبو المؤرخين البريطانيين في هذا القرن (أرنولد توينبي) عن هذه المعركة الفاصلة؟ إنه يقول عنها: إن الضربة الديناميكية التي وجهها السلطان سليمان القانوني في موهاكس (موهاج) قد أجبرت ما تبقى من مملكة المجر على الالتحام مع ما تبقى من مملكة النمسا طيلة أربعة قرون حتى انهارت الدولة العثمانية» ا. هـ[مختصر دراسة التاريخ/ توينبي ـ سومرفيلد] . هل نُدرِّس هذا التاريخ المجيد لأطفالنا وشبابنا، أم نملأ عقولهم ونفوسهم بخزعبلات مكذوبة عن الباشا التركي الهزلي الذي يتجبر على المستضعفين والمساكين من العرب؟ صورة كاذبة حقيرة لم ترسم إلا في خيال مريض أو من قِبَل الجيش الخفي الذي يدأب آناء الليل والنهار لحفر الأخاديد بين الشعوب المسلمة وتعميق الكراهية بين أمة الإسلام وخاصة الشباب؛ حتى لا يحلم أحد بجمع الأمة مرة أخرى؛ فقد كان أثر اجتماع الأمة ما حدث في (موهاج) التي لن ينساها الغرب أبداً. إن كان أعداؤنا قد نجحوا في تثبيت باطلهم؛ أفليس لنا من فتية صادقين ينافحون عن تاريخنا المجني عليه؟! اللهم أنر قلوبنا وعقولنا، واجعل ولاءنا لله ولرسوله وللمؤمنين. آمين.

стр. 5384

الدنانير والطوامير ووكالات الأنباء يحيى بشير حاج يحيى ذكر الإمام السيوطي في كتابه (تاريخ الخلفاء) بسنده عن (كتاب الأوائل) للعسكري: «كان عبد الملك بن مروان أولَ مَنْ كتب في صدور الطوامير (١) ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وذِكْر النبي ﷺ ، مع التاريخ! فكتب ملك الروم: إنكم أحدثتم في طواميركم شيئاً من ذكر نبيكم فاتركوه، وإلا أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون! فعَظُم ذلك على عبد الملك، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فشاوره، فقال خالد: حرِّم دنانيرهم، واضرب للناس سككاً فيها ذكر الله وذكر رسوله، ولا تُعفِهم مما يكرهون في الطوامير، فضرب الدنانير للناس سنة خمس وسبعين» . وبذلك حرر المسلمين من التبعية والاعتماد على الآخرين، ورد كيد ملك الروم، وأَعْلَنَ المسلمون في طواميرهم ودنانيرهم شعاراتهم التي تحمل مضامين عقيدتهم. وما أشبه اليوم بالأمس! فالمسلمون يشتكون من سيطرة وكالات الأنباء ذات الخلفية الصهيونية والصليبية؛ فهي تفرض ما تريد من خلال نقلها للأخبار بالطريقة التي تتفق مع مخطط القائمين عليها، حتى إن بعض وسائل الإعلام في صحفها أو إذاعاتها المسموعة والمقروءة تلتزم بالعبارات والأوصاف نقلاً حرفياً وكأنه لا يجوز تغييره بألفاظ وأوصاف أخرى. فمن ذلك (الملتزمون بالإسلام: أصوليون، والمجاهدون: مسلحون، والآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر: الشرطة الدينية) . وحين نتذكر ما جاء في (بروتوكولات حكماء بني صهيون) ندرك إلى أي حد بلغ التقصير بالمسلمين في هذا الشأن فقد جاء في هذه البروتوكولات: «يجب ألا يصل طرف من خبر إلى المجتمع من غير أن يحظى بموافقتنا؛ ولذلك لا بد لنا من السيطرة على وكالات الأنباء التي تتركز فيها الأخبار من كل أنحاء العالم، وحينئذ سنضمن ألا ينشر من الأخبار إلا ما نختاره نحن ونوافق عليه» . وللعلم فإن (وكالة رويتر) أسسها يهودي اسمه (جوليوس باول رويتر) قبل أكثر من مئة عام؛ كما أن وكالة (اسوشيتد برس) التي تحولت إلى تعاونية عام ١٩٠٠م وقعت تحت السيطرة الصهيونية منذ ذلك الوقت، وكذلك الحال بالنسبة لوكالة أنباء (اليونايتد برس انتر ناشيونال) التي كان أحد مؤسسيها ويدعى «وليام راندولف هيرست» متزوجاً من يهودية، وقد سانده اليهود في حملته الانتخابية كحاكم لنيويورك، وحتى وكالة أنباء (هافاس) التي أصبحت فيما بعد الوكالة الرسمية للدولة الفرنسية؛ فإن اليهود هم الذين أسسوها، وقام عدد منهم بإدارتها. أما الفضائيات ومواقع الإنترنت فحدث ولا حرج! فلماذا لا نسعى سعياً جاداً للخلاص من الحاجة إلى وكالات أنبائهم؟ وبين أيدينا الإمكانات البشرية والفنية والمالية، كما فعل أجدادنا حين حرَّموا دنانيرهم، فيسلم لنا ديننا، وتسلم لنا دنيانا، فالحاجة ماسة، والقضية ملحَّة.

стр. 5385

من علمائنا الربانيين أحمد بن عبد الرحمن الصويان عرفه منبر الجمعة خطيباً قوياً صادعاً بالحق، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، لا يخشى في الله لومة لائم. كان يعتني بخطبة الجمعة عناية فائقة، ويعد لها إعداداً حسناً، جمع بين الأصالة العلمية والرسوخ الفقهي واستحضار الأدلة والشواهد القرآنية، مع معايشة حيّة لقضايا الأمة وهمومها. أحيا للمنبر هيبته ومكانته في قلوب الناس، وكانت عبراته الندية، وصوته المتخشع، وبكاؤه المتكرر، يؤثر في المصلين تأثيراً عجيباً، فقد كان يربيهم بدموعه قبل كلماته. إنَّه العلاَّمة الفقيه الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود ـ ختم الله له بالصالحات ـ. كان مثالاً للعالم الورع المتثبت، ومن تواضعه أنه عند الفتوى كان ينسب الاجتهاد الفقهي إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ أو إلى اللجنة الدائمة للإفتاء، وخاصة في المسائل الخلافية، تورعاً وطلباً للسلامة، وأحياناً يحيل بعض المستفتين إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، أو سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، رحمهما الله. وتعجب منه عندما تراه يستشير بعض طلابه، أو يذاكرهم في بعض مسائل العلم، وكأنه من أقرانهم. عرفه الناس زاهداً عفيفاً طاهر اليدين، حرّ الجبين، منصرفاً عن الدنيا وزينتها، ولا يخوض فيما يخوض فيه الناس من الزخارف والأهواء؛ فازدادت محبتهم له، وثقتهم بفتاويه، وخاصة في النوازل التي تتطلب صدقاً وتجرداً. من محامده العجيبة أنه كان قريباً من الشباب حريصاً على مجالستهم ومناصحتهم، وعلى الرغم من كثرة التزاماته إلا أنه كان يحب زيارتهم ومجالستهم في مكتباتهم وحِلَقهم ومحاضنهم، حتى بعد أن ضعف جسمه وصعبت حركته. وعندما تجرأ بعض الناس على الوقيعة في أعراض بعض الدعاة والمصلحين، واستطار شررهم في كل ميدان، سكت الكثيرون، لكن شيخنا الجليل انتصر لإخوانه، واجتهد في الذب عن أعراضهم، مع حرص شديد على عفة اللسان والإنصاف، وتربية الشباب على البعد عن القيل والقال. ومن حكمة الله أنه ابتلاه بمرض أقعده منذ عدة سنوات فعزله عن الناس، وعزل الناس عنه، لكن ذكره الحسن لا يزال يعمر قلوب الدعاة وطلبة العلم؛ فإذا تذاكروا الورع ورقَّة القلب والقوة في الحق، تذكروا الشيخ عبد الله بن قعود واستشهدوا بسيرته. وأحسب أن مرضه من فضل الله عليه؛ فقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من يرد الله به خيراً يُصِبْ منه» (١) ، وقال: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حطّ الله سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» (٢) . وقال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا همّ ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه» (٣) . إنَّ الأمة أحوج ما تكون ـ خاصة في هذه المرحلة الحرجة ـ إلى العلماء الربانيين الذين يبصرون الحق ويستشرفون مآلات الأمور؛ فهم النور المبارك الذي يبدد الفتنة، ويضيء للناس الطريق بعيداً عن عثرات الشبهات، ومضلات الأهواء. وهم القلب الحي النابض الذي تسنَّم الذروة في ريادة الأمة وتوجيه مسيرتها. إن العناية بتراجم العلماء ليست مجرد وفاء صادق لهم، وإن كان الوفاء مطلباً نبيلاً، لكنها مع ذلك دعوة للاقتداء وتجديد الثقة، وهذا يجعلني أذكِّر بضرورة الالتفاف حول العلماء الربانيين، وتقوية الصلة بهم، والعمل الجاد على رعاية طلاب العلم وبنائهم. وأحسب أن المناخ العلمي المتكامل الذي يتحرك فيه الدعاة، ويتربى فيه المصلحون، هو المنطلق الصحيح لسلامة المسيرة. وإن مما يؤسف له كثيراً تقصيرَ بعض الحركات الإسلامية في البناء العلمي لأبنائها، وجَعْلَ ذلك في آخر الاهتمامات، بل ازدراءه في بعض الأحيان، والتهوين من شأنه. وإذا أردت أن تدرك منزلة أية حركة؛ فانظر إلى منزلة العلماء فيها؛ فما حصل الخلل والاضطراب في مواقف بعض المصلحين إلا حينما حصل الانفصام بين العلم والقيادة الدعوية. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] .

стр. 5386

٢١٦ - شعبان - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5387

الذبُّ عن الحرمات التحرير على الرغم من أنَّ معظم وسائل الإعلام العربية ـ الرسمية وغير الرسمية ـ تُدار بأيد علمانية لا تخفي انحيازها للمشروع التغريبي، إلا أنَّه من الظواهر اللافتة للنظر تكاثر المواقع الإلكترونية العلمانية على الشبكة العالمية (الإنترنت) ، حيث تنطلق الآراء والأفكار المغرقة في غلوها وانحرافها بكل حرية، وبدون ضوابط سياسية أو دينية على الإطلاق، وراح كثير من أولئك المفسدين يتقيؤون بكل رذيلة، ويرفعون أصواتهم بكل قبيح ومنكر من القول، وتمردوا تمرداً سافراً على الدين والقيم. كان بعضهم يزعم أنَّ مشكلته الأساسية مع مجموعة من الظلاميين الإسلامويين على حد قولهم! لكن أطاريحهم الفجَّة أكدت أن مشكلة كثير منهم إنما هي مع الإسلام نفسه، ومع نصوص القرآن العظيم. ولهذا ليس غريباً أن يتنادى أهل الباطل لنشر باطلهم؛ حيث رأينا حرص بعض تلك المواقع الإلكترونية على استقطاب فلول الشيوعيين وأضرابهم ممن لا يملكون إلا مؤهل الحماقة والجرأة على الولوغ في ثوابت الدين ومسلّمات الاعتقاد. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦] . لسنا قلقين من هؤلاء؛ لأن وضوحهم العقدي، وسقوط أقنعتهم الكالحة، كافٍ في إسقاطهم عند عامة المسلمين، فضلاًَ عن خاصتهم ومثقفيهم. لكن مع ذلك نحن في حاجة إلى آلية إعلامية ووسائل علمية لبيان الدين والذبِّ عن الحرمات بحكمة وبصيرة وسعة أفق وطول نَفَس، ومجادلة بالتي هي أحسن.

стр. 5388

الفوضى البناءة «والحرب على الاستبداد» التحرير بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على سياسة الحفاظ علي الاستقرار في الشرق الأوسط طوال عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ لأن المصالح الأمريكية كانت تستدعي ذلك الاستقرار، مهما كان مبنياً على حماية ممارسات دكتاتورية وزعامات مستبدة. غير أن هذه السياسة تغيرت في الآونة الأخيرة بعدما اكتشفت الولايات المتحدة أن الاستبداد يولد الأحقاد، ويورث روح الانتقام التي قد يتطاير شررها حتى إلى الداخل الأمريكي أو العمق الأوروبي، فعمدت إلى اعتماد استراتيجية جديدة تقوم على قلع الأنظمة المستبدة فيما يمكن أن يسمى (الحرب على الاستبداد) في موازاة (الحرب على الإرهاب) . فبينما تخوض أمريكا حربها العالمية على ما تسميه بالإرهاب بلا سقف زمني ولا حد مكاني، فإنها بدأت ـ بعد غزو أفغانستان ـ الحرب ضد النظم التي ترى أنها تدعم الإرهاب أو تمارسه أو حتى تسكت عنه. وقد جاء تحويل أمريكا لاستراتيجيتها من حماية الاستبداد باسم الاستقرار، إلى محاربته باسم الديمقراطية، في الإطار الذي أعلن عنه جورج بوش في ٢٤/٦/٢٠٠٢م في خطة للتحول الديمقراطي في الشرق الأوسط، وهو ما عبر عنه (كولن باول) وزير الخارجية الأمريكية السابق بـ «إعادة هيكلة الشرق الأوسط» فقد أعلن وثيقة تتضمن (استراتيجية الأمن القومي الأمريكي) أقرها البيت الأبيض في شهر سبتمبر ٢٠٠٢م، لتتضمن إعطاء الولايات المتحدة لنفسها الحق في أن تخوض حرباً في أي وقت وفي أي مكان من العالم للحفاظ على أمنها القومي، باعتبارها القطب الوحيد المسيطر على العالم، والذي ينبغي أن يستمر مسيطراً لقرن قادم على الأقل. وباعتبار أن قضية فلسطين هي القضية المحورية التي من أجلها يتفجر الكثير من أعمال العنف في الشرق الأوسط؛ فقد رأت الولايات المتحدة بعين عوراء أن هناك فقط أنظمة مستبدة تتاجر بهذه القضية، ويتسبب استبدادها في تشجيع العنف، وعميت عن الظلم الفادح الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية، ولم ترَ مَنْ يستحق الإزالة إلا ياسر عرفات؛ لأنه كان يدعم «الإرهاب» كما تسميه، وكان لزاماً البحث عن قيادة جديدة (متفاهمة) وغير مستبدة، وغاب ياسر عرفات، أو غُيِّب، لتأخذ الهيكلة الجديدة للشرق الأوسط بعده وبعد صدام حسين دفعاً جديداً. وفي الطريق إلى تلك الهيكلة، ظهر أن السياسة الأمريكية ترتكز على عدة أمور من أهمها: - أن ما عُرف بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) لم يعد هو القضية الأهم في المنطقة، بل الأهم منه إعادة صياغة الأوضاع العربية كلها، ولو استدعى ذلك الإطاحة بمزيد من النظم المستبدة التي تتسبب في انبعاث الإرهاب. - أن التغيير السياسي وحده لا يكفي، بل لا بد أن تصحبه تغييرات ثقافية واقتصادية وأمنية، تطال بنية المجتمعات العربية، بما يؤمِّن المصالح الأمريكية في إطار تشجيع سياسة الأسواق الحرة ومنظمات المجتمع المدني، ودعم مراكز الأبحاث الناشطة في التغيير على المنهج الأمريكي. - أن مصالح إسرائيل لا تقل أهمية عن مصالح الولايات المتحدة في هذا التحول الاستراتيجي؛ لأنها حجر الزاوية ورأس الرمح في السياسة الأمريكية في المنطقة، وهذا يستدعي أن تظل (إسرائيل) استثناء في الاستقرار الذي قد تحرم منه العديد من الدول المحيطة بها، وخاصة أنها قد يستعان بها في الإطاحة ببعض الأنظمة (المستبدة) . - أن الصراع العربي الإسرائيلي بالرغم من تراجع أهميته ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ يبقى محتاجاً إلى صيغة حل نهائي، تضمن عدم الإخلال بأمن الولايات المتحدة والغرب، وأن هذا الحل لا بد من حسمه، ولو جاء عن طريق فرضه على الأطراف المعنية، بغض النظر عن مدى تجاوب تلك الأطراف مع ذلك الحل اللازم والملزم. - قد يستدعي هذا الحل إقامة دولة فلسطينية، وسوف يشترط في السماح بها أن تثبت السلطة الفلسطينية الجديدة قدرتها على وقف «الإرهاب» نهائياً، وذلك بالعمل على دمج المقاومة الفلسطينية في العمل السياسي ـ لمن يستجيب منها ـ والعمل على سحق ما تبقى منها مصرّاً على المقاومة. ويجيء هذا في ظل قناعة أمريكية وأوروبية، بأن ترك قضية فلسطين بلا حل ظل يورث الاحتقان والاحتباس الذي لا يجد تفريغاً له إلا في مصالح الغرب وأمريكا، وفي هذا الإطار تأتي دعوة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلى عقد مؤتمر دولي، لا لمحاربة الإرهاب، بل للبحث عن أسبابه. وقد جاءت هذه الدعوة بعد الضربات التي تعرضت لها العاصمة البريطانية لندن أثناء انعقاد مؤتمر دول الثمانية في ٧/٧/٢٠٠٥م. وقد تعالت هذه النبرة (البحث عن أسباب الإرهاب) أيضاً بعد تفجيرات شرم الشيخ الأخيرة. لكن الولايات المتحدة مع مضيها في (الحرب على الإرهاب) تظل ماضية في مشروع (الحرب على الاستبداد) ، لقناعتها أن هذا الاستبداد سيظل عامل تفريخ للإرهاب في نظرها، ولهذا فإنها ترفع في سبيل ذلك الشعارات التي ربما تبدو متعارضة، فهي مرة تتحدث عن دعم الازدهار والاستقرار في ظل الديمقراطية والحرية، ومرة تتحدث عن ضرورة التغيير، ولو استدعى التغرير ببعض الأنظمة عن طريق ما اسمته (كوندليزا رايس) وزيرة الخارجية الأمريكية بـ (الفوضى البناءة) التي تعني أن الولايات المتحدة قد تتعمد إثارة الفتن والقلاقل في بلدٍ ما، لأجل العبور من فوق ركامها أو من تحت دخانها إلى ما تريد من أوضاع جديدة تدخل ضمن إعادة الهيكلة وإعادة رسم الخرائط وتوزيع موازين القوى. وفي أجواء التناقض بين ما ترفعه الولايات المتحدة من شعارات في التعامل مع إعادة هيكلة الشرق الأوسط، تحدثت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس بحماس شديد عن التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط؛ وذلك في حديث إلى صحيفة الواشنطن بوست في الأسبوع الأول من شهر أبريل ٢٠٠٥م، فقالت: «إن هذا التحول قد يستدعي تغيير واستبدال بعض الأنظمة الحليفة والموالية، فضلاً عن الدول غير الصديقة» . وقالت: «لا يمكن القبول بالأمر الواقع بدعوى الاستقرار» وسألتها الصحيفة عن تصورها إذا ما أسفرت تفاعلات التحول الديمقراطي عن فرض خيار حتمي بين الفوضى وبين سيطرة الجماعات الإسلامية على الأوضاع في بعض البلدان، فقالت: «إن الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي هي من نوع الفوضى الخلاَّقة، التي ستسفر في النهاية عن وضع أفضل» . وقد اشتهرت هذه العبارة (الفوضى الخلاَّقة) أو (البنَّاءة) وأصبحت مصطلحاً من مصطلحات السياسة الأمريكية، لكن هذا المصطلح جرى تفعيله في الحقيقة ـ قبل أن يستقر مؤخراً ـ في عمليات الإطاحة بالأنظمة المستبدة في أوروبا الشرقية في أوائل التسعينيات، وقد صدرت الإشارات المتعددة في الفترة الأخيرة عن ساسة ومفكرين أمريكيين، بضرورة إعادة هذا «السيناريو» في الشرق الأوسط. - اختبارات «الفوضى البنَّاءة بعد حرب العراق: كانت الأحداث التي أعقبت غزو العراق.. تطبيقاً صارخاً لاستراتيجية إحداث الفوضى؛ فقد حُلت كل مؤسسات الدولة بلا مقدمات، حتى الجيش والشرطة، لتختلط كل الأوراق، ويبدأ الأمريكيون إعادة ترتيبها من جديد وفق أجندتهم، وبحسب عملية إحلال وتبديل تستهدف إحلال العملاء الصريحين في مواقع المسؤولية، مع استبعاد كل معارض لهذا النمط البربري من التغيير. وقد استعدت الولايات المتحدة للانتقال بالفوضى إلى كل من سوريا ولبنان بعد العراق، ولكن تفاقم المقاومة العراقية في وجه الفوضى الأمريكية، جعلها تعدل عن الأسلوب الفج المفاجئ في التغيير، فاتجهت إلى التخفيف من غلوائها بعد الخسائر الجسيمة التي لحقتها في العراق، لتستمر في إحداث ألوان من الفوضى بشيء من التأني، وعلى سياسة (الخطوة خطوة) . (الفوضى البناءة) بطرق مختلفة تجري ممارستها على المسار السوري اللبناني أيضاً على يد الولايات المتحدة؛ فبعد الإصرار السوري على التجديد للرئيس اللبناني الموالي لسوريا (إميل لحود) استصدرت الولايات المتحدة قراراً من الأمم المتحدة، هو القرار ١٥٥٩ في شهر سبتمبر/ أيلول (٢٠٠٤م) يتضمن بنوداً ثلاثة أهمها: ضرورة انسحاب سوريا من لبنان، وتفكيك الميليشيات المسلحة هناك (حزب الله) وفرض الحكومة اللبنانية لسيطرتها على كل أراضي لبنان، بما يعني نزع أسلحة الفلسطينيين في المخيمات. وقد تمخض ذلك عن إحداث ارتباك وخلط أوراق على الساحة السورية اللبنانية، كانت إحدى نتائجه الخطيرة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في ١٤/٢/٢٠٠٥م، وقد أعقب تلك العملية الغامضة ـ للآن ـ فوضى شديدة، تمكنت الولايات المتحدة من استغلالها لإكراه سوريا على الانسحاب من لبنان ـ دون قيد أو شرط ـ وهو ما أربك كلاً من الطرفين السوري واللبناني، لتستغل الجهات التي تتحرك بإيعاز من الخارج هذا الانسحاب لفرض أجندات جديدة في التركيبة اللبنانية الداخلية، كان منها إثارة التناقضات الطائفية من جديد، كعامل إثارة فوضوية لا حد لها، وهو ما يجري التمهيد له بإعادة أمراء طوائف الحرب الأهلية إلى الحياة السياسية (ميشيل عون ـ سمير جعجع) وتعمل الولايات المتحدة على استفزاز ما يسمى بـ (حزب الله) لإكراهه على التنازل عن سلاحه، كشرط أساسي لإدماجه في الحياة السياسية، وإلا فسيجري التعامل معه على أنه منظمة إرهابية، يمكن توجيه الضربات المباشرة لها، وهو ما يمكن أن يفتح باباً لفوضى أخرى. والولايات المتحدة وهي تركز على إغراق لبنان وسوريا في الفوضى بوسائل متعددة على خلفية (محاربة الاستبداد) تضع عينها في الوقت نفسه على إيران، الظهير القوي لسوريا ولشيعة لبنان، مستهدفة إياها أيضاً، بلون آخر من الفوضى التي قد تنتج عن ضربات جوية، أمريكية أو إسرائيلية، للمفاعلات النووية الإيرانية، وقد يكون هذا ـ إذا حدث ـ فتحاً لباب من النزاع الداخلي في إيران تستغله أمريكا لإيصال عملائها إلى السلطة هناك، خاصة بعد مجيء الرئيس الجديد (أحمد نجاد) الذي ضاعف مخاوف أمريكا من ولادة نوع جديد من الاستبداد في إيران، وقد تستعد الولايات المتحدة لإحداث أشكال من الفوضى في أماكن أخرى بدعوى (حرب الاستبداد) . إن أحداً لا يرضى عن الاستبداد أو يدافع عنه، لكن السؤال هنا: ماذا لو جرى التعامل مع الولايات المتحدة من قِبَل غرمائها بطريقة مشابهة على أنها قوة استبدادية عالمية طاغية، وقام ضحاياها بتعمد إحداث (فوضى خلاَّقة) ضدها هنا أو هناك، عسى أن يطيح هذا بطاقم الاستبداد داخلها على المدى القريب أو البعيد؟ ألن تجعل المعاملة بالمثل في هذه الحالة العالم أسوأ من غابة الوحوش المتصارعة ... ؟! يبدو أن هذا ما تُغِذُّ أمريكا السير فيه، على غير علم أو هدىً أو كتاب منير.

стр. 5389

رؤية إسلامية لمشكلة التعددية د. بسطامي محمد سعيد خير لعل فكرة التعددية من أكثر المقولات تداولاً في عالم اليوم؛ إذ نالت شيوعاً وصيتاً في كل مجال من المجالات، من علم وفكر ودين، إلى اجتماع وثقافة وسياسة واقتصاد، وأصبحت من أكثر شعارات العصر الرنانة البراقة المستحسنة التي يلهج بها كل أحد ويتزين بها، وباتت دليلاً على الانفتاح والسماحة والتمدين. ومع هذا الشيوع والذيوع لا يماري أحد من المختصين بتعريف هذا المصطلح أنه من الصعب تحديد معنى دقيق له أكثر من المعنى اللغوي المتفق عليه، وهو أن التعدد يعني أكثر من الواحد. أما ما وراء هذا المعنى البسيط فإن المصطلح غامض غائم (١) ، ويستعمل في معان شتى حسب السياق الذي يرد فيه، حتى لقد وصل الأمر ببعض الدارسين للقول بأنه ينبغي لنا أن نسلِّم بتعددية التعددية (٢) . وقبل الاسترسال في بحث الموضوع من المهم التفريق بين أمرين أساسيين. فمما لا شك فيه أن التعددية وصف لظاهرةٍ مشاهَدةٍ محسوسة، ألا وهي التنوع والتباين والاختلاف بين البشر في ألوانهم وجنسياتهم وآرائهم ومعتقداتهم وقيمهم وثقافاتهم وأديانهم ومناهج حياتهم؛ هذه حقيقة واضحة جلية قد لا يتجادل حولها اثنان. لكن التعددية أصبحت اليوم مصطلحاً للمبادئ والمفاهيم التي تتناول أمراً آخر، ألا وهو منهج التعامل مع ظاهرة التباين والتنوع في حياة الناس. فالتعددية بوجهها الأول وصف لظاهرة طبيعية قائمة وواقعة في كل المجتمعات، والتعددية بوجهها الثاني نظرية وتصور لحقيقة حدود التباين والتنوع، وضوابط الاتفاق والافتراق وكيفية تنظيم المجتمع على أساس ذلك. وعلى هذا فإن مصطلح التعددية السائد المتداول اليوم يُقصد به تلك التصورات والمناهج الغربية المعاصرة لتفسير وتنظيم مشكلة التنوع والتباين في المجتمعات البشرية، وقد نشأت هذه المبادئ والمفاهيم الغربية للتعددية خلال تطور طويل في الغرب، وكانت مرآة لفلسفته ونظرته للحياة في ميادينها المختلفة، ويريد الغرب الآن جعلها أنموذجاً يحتذيه العالم كله، بل فرضها في كثير من الأحيان ومع أن استعلاء ثقافة على ثقافة أخرى هو في حد ذاته يناقض مبدأ التعددية التى ينادي الغرب بها؛ إلا أن ازدواج المعايير أمر لا غبار عليه عند القوم في التعامل مع غير بني جنسهم. ومقصود هذا البحث الموجز التأمل في قضية التعددية الغربية المعاصرة باعتبارها تصوراً ومنهجاً لحل مشكلات التنوع والاختلاف؛ مع محاولة تقديم رؤية إسلامية لها، ومن ثَم تقويمها وبيان المقبول منها والمرفوض، وسيقتصر البحث على أهم الميادين التي تطرح من خلالها مسألة التعددية؛ إذ الإلمام بأطرافها كلها لا سبيل إليه في هذا المختصر. - تاريخ التعددية في الغرب والإسلام: قد يكون من المناسب في البداية تقديم ملامح عن تاريخ فكرة التعددية ونشأتها في الغرب (١) مع بعض الملامح أيضاً عما يقابل الفكرة في الإسلام. ترجع أصول التعددية في الغرب إلى بعض الفلسفة اليونانية؛ حيث ظهرت الفكرة لمناهضة فلسفة وحدة الوجود ونقضها لها؛ ومضمونها أن الوجود ليس واحداً، بل متعدداً، وحيث بدأ الغرب يحاول النهوض بإحياء مخلفات التفكير اليوناني، بعثت فكرة التعددية الفلسفية من جديد في القرن السابع عشر الميلادي، وظلت حبيسة في الإطار الفلسفي دون أن تجد لها سوقاً نافقاً حتى بداية القرن العشرين، ثم تنامت من جديد على يد المفكرين الإنجليز مثل (وليام جيمس) و (برتراند رسل) اللذيْن وجدت آراؤهما قبولاً فائقاً في مناخ من اليأس السائد بين العلماء آنذاك بسبب إخفاق العلوم التجريبية في حل كثير من معضلات الكون حتى لقد أعلن أحدهم انتصاره قائلاً: «لقد تكسرت هيمنة الحقيقة المطلقة على أيدينا» . ومن الفلسفة انتقلت الفكرة إلى ميدان السياسة؛ حيث دعا العلماء في أوروبا وأمريكا ـ ومن أبرزهم هارولد لاسكي ـ إلى تحطيم سلطان الدولة المطلق. وفي الفترة التي تلت انهيار الاستعمار للبلاد الآسيوية والأفريقية ظهرت كثير من النزاعات والحروب الإقليمية والعرقية والدينية بسبب عوامل داخلية ومكائد، مما أبرز تفكيراً جديداً في العلوم الاجتماعية عن التعددية وتعايش الجنسيات والثقافات والديانات، ثم انتقل داء النزاع والصراع إلى عقر ديار الغرب وخاصة في عواصمه ومدنه الكبرى؛ إذ هاجرت وهُجِّرت أعداد كبيرة من سكان آسيا وأفريقيا واستوطنت هنالك، ووجدت بين الغربيين سحنات غريبة وثقافات وديانات غير مألوفة، فكانت التعددية محاولات لحل المعضلات التي نشأت من جراء هذه الهجرات، ولاستيعاب هذا التنوع والتباين في البرامج التعليمية والمؤسسات الاجتماعية. وخلاصة الأمر: أحسب أن التعددية بمبادئها المعاصرة الرائجة ليست إلا حلولاً أبدعها الفكر الغربي لمشكلات مختلفة أحدثها تطوره التاريخي الخاص ونظرته للحياة ومناهجها ونظمها. ويبقى السؤال: ما المقبول والملائم لظرف بلادنا من ذلك كله، وما المرفوض؟ - التعددية في الإسلام: وإذا توجه المرء بنظره إلى الإسلام فالأمر جد مختلف؛ إذ إن أصول أي فكرة ترجع إلى الوحي ونصوصه في القرآن والسنة، اللذين يخضعان في التوثيق والتفسير لمنهج علمي معين واللذين يوجهان العقل والتجربة البشرية، والتطور التاريخى في أطر محدودة. ومما لا شك فيه ان كلمة التعددية لا توجد في قاموس مصطلحات العلوم الإسلامية، ولكن لا يمكن لعاقل أن يدعي أن الإسلام ليس له تصور ولا منهج لمسألة التنوع والتباين والاختلاف، بل من يراجع القرآن والسنة وكتب الأقدمين والمعاصرين يجدها ملأى بالحديث عن كثير من المبادئ والقيم والتوجيهات الخاصة بذلك، ويقوم التاريخ الإسلامي شاهداً على تنزيل هذه المبادئ والقيم إلى واقع ملموس؛ إذ ضم العالم الإسلامي في أراضيه على امتدادها وفساحتها، كمّاً هائلاً من الجنسيات والأعراق واللغات والمذاهب والآراء والمعتقدات والأديان، وتفاعلت فيما بينها وتلاحقت وتجاورت وتجادلت، وشاركت كلها في صنع الحضارة الإسلامية في علومها وفنونها ونظمها ومؤسساتها المختلفة، وإن ظهرت فيما بينها بين الحين والآخر نزاعات وصراعات وحروب فهي استثناء لا أصل. ولكن هذا التاريخ الماضي والمجد التليد للمسلمين السالفين لا يوجد إلا في أضابير الكتب وبطون النظريات، ويحتاج إصلاح العالم الإسلامي اليوم إلى إحياء ذلك التراث وبعثه وتجديده، وتنزيله في الواقع؛ مع الاستفادة من معارف الغرب وعلومه ونظمه فيما يتفق مع مقاصد الإسلام والمصالح العامة بضوابطها المعروفة، جمعاً بين الاصالة والمعاصرة. ووفق هذا المنهاج يتجه هذا المقال في قضية التعددية المعاصرة إلى التفصيل والتخصيص، وسوف يشمل النظر مجالات: تعددية الحقيقة، والتعددية الخلقية والدينية والعرقية والسياسية. - تعددية الحقيقة والقيم (مدرسة التعددية الفلسفية) : إن النظرة الفلسفية للتعددية الغربية المعاصرة هو المدخل لفهمها، وهي العمود الفقري لاستيعاب وجوهها وتطبيقاتها المختلفة في شتى الميادين. وتزعم هذه النظرية (٢) أن الحقيقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالظرف الذي تنشأ فيه، أياً كان هذا الظرف من شخصية المرء أو نظامه المعرفي أو ثقافته أو لغته أو زمانه أو مكانه. وبما أن الظروف تتعدد وتتغير فإن الحقيقة تبعاً لذاك متعددة؛ ذلك أن الحقيقة ليست إلا تصوراً جزئياً للأشياء، يعتمد في الأساس على الزاوية التي يُنظر منها للشيء. وبما أن زوايا النظر تتفاوت؛ فالحقيقة كذلك متفاوتة ومتعددة، وعليه لا توجد حقيقة مطلقة يمكن أن يُحكَم بها على صحة أو بطلان الآراء، وأحسب كل الحقائق نسبية بحسب الظرف الذي تنسب إليه، ومن نتائج ذلك القول بتعدد قيم الخير والشر أو ما يطلق عليه بالتعددية الخُلقية. ولهذه المقولة ثلاثة عناصر أساسية: الأول: أن تعريفات الخير والشر في الحياة الإنسانية متعددة، وكل له أحقيته في القبول دون أن يكون هنالك أي قسم مشترك أو معيار لقبول تعريف دون تعريف آخر. الثاني: من الممكن إذن أن تتعارض قيم الخير والشر ولا تتفق، وليس في ذلك من بأس، بل كل حسب ما يراه صاحبه. الثالث: ليس هنالك من منهج عقلي أو نظام معرفي يمكن له أن يزيل التعارض في قيم الخير بين مختلف الثقافات؛ ولهذا فكلها خير (٣) . - التعددية بين القبول والرد: ومما لا شك فيه أن مدرسة التعددية الفلسفية تواجه نقداً عنيفاً من جهات عديدة، ولكنها أيضاً تلقى قبولاً متزايداً في كثير من الدوائر، ولا يسمح المجال هنا بذكر هذه الاعتراضات وردودها، ويكفي الإشارة إلى أن قبول فكرة تعددية الحقيقة والخُلق تعني في النهاية العدم المحض لكل من الحق والخير. ومنهج الإسلام لإثبات الحقيقة يقوم على الدليل من العقل أو النص في القرآن أو السنة، ونصوص القرآن والسنة هي أيضاً مملوءة بالأدلة العقلية لإثبات ما فيهما من حق وخير (١) كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] . واحتمال الخطأ في الاجتهاد يعني أن الحق واحد؛ وهذا رأي عامة علماء الإسلام، إلا المعتزلة؛ فقد ذهبوا إلى أن الحق يتعدد، وأن كل مجتهد مصيب للحق. قال القرطبي: «وقد اختلف الناس في المجتهدين في الفروع إذا اختلفوا، فقالت فرقة: الحق في طرف واحد عند الله، قد نصب على ذلك أدلة، حمل المجتهدين على البحث عنها، والنظر فيها؛ فمن صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الإطلاق، وله أجران: أجر في الاجتهاد وأجر في الإصابة. ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده مخطئ في أنه لم يصب العين؛ فله أجر» (٢) . والأدلة على أن الحق واحد لا يتعدد كثيرة، منها أدلة في القرآن والسنة، ومنها أدلة عقلية؛ وتفصيل المسألة مبسوط في كتب أصول الفقه (٣) . فمما استُدل به قول الله ـ تعالى ـ عن اجتهاد داوود وسليمان في القضية التي عُرضت عليهما ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] ، فأثنى عليهما بالعلم واصابة القول والعمل عموماً، وخص سليمان بإصابته الحق في القضية المعينة المعروضة. وقد ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (٤) . ومن الأدلة العقلية أن تصويب رأيين متناقضين مثل «كون الفعل محظوراً ومباحاً، أو صحيحاً وفاسداً؟ أو واجباً وغير واجب ممتنع لاستلزامه اتصاف الشيء بالنقيضين. ومما يجدر ذكره في سياق تعددية الحقيقة ما قد شاع من فهم خاطئ عند بعض المعاصرين لقاعدة تغيُّر الفتوى بتغير الزمان، واعتبار ذلك مظهراً من تغيُّر أحكام الإسلام حسب الظروف. ولقد حصل خلط كبير في فهم هذه القاعدة، ولعل ذلك تأثُّرٌ بما شاع في الغرب من أن الفكر يتغير بتغير الظرف، ولكن قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان التي أسسها الفقهاء تقتصر على الأحكام التي مصدرها مصلحة لم يعتبرها أو يُلْغِها نص، أو مصدرها عرف لم تنشئه الشريعة أصلاً، ولم تتعرض له لا بمدح ولا بذم؛ فالأحكام المبنية على هذين الأساسين هي التي تتغير إذا تغيرت المصلحة، أو تغير العرف. أما الأحكام التي تؤسسها النصوص فلا أثر لتبدل الزمان أو المكان أو تغير الأحوال والظروف؛ فما ثبت بالنص فهو ثابت أبداً في كل زمان ومكان وفي كل حال إلا أن يكون هناك نص آخر ينقله عن حكمه في زمان آخر أو مكان آخر أو حال أخرى، وبيان هذا بتفصيل مبسوط في مواضعه (٥) . - التعددية الدينية: يستعمل كثير من الناس التعددية لتعني التعايش السلمي بين الأديان تحت شعار عالم واحد للجميع (٦) . ومما يجدر ذكره هنا أن تاريخ أوروبا مثخن بالجراح من النزاعات والحروب الدينية واستضعاف المخالفين؛ ليس فقط من غير النصارى من اليهود أو المسلمين، بل بين طوائف النصرانية نفسها، ولا تزال بعض النيران مشتعلة مثل ما يحدث في إيرلندا وأرض البلقان، ولم يضعف هذا الظلم إلا بعد أن كانت الغلبة للعلمانية التي زحزحت الدين عن موقع الصدارة، وزجت به إلى الأطراف وجعلته محصوراً في المجال الخاص، وحرمت عليه المجال العام وأباحت له في مجاله الضيق حرية المعتقد والعبادة للجميع. وفي ظل العلمانية وتحت كنف حمايتها وجدت التعددية الدينية التي تسمح بالتعايش السلمي بين الأديان أو بين طوائف الديانة الواحدة. ويُقدَّم هذا النموذج (العلمانية) للعالم على أنه الأمثل لحل مشكلة التنوع الديني. ولكن نظرة فاحصة لهذا النموذج تكشف عيوبه؛ فمن ناحية لا توجد مساواة بين الأديان أو طوائف الديانة الواحدة في كثير من بلدان الغرب مع دعواها التعددية الدينية؛ إذ تعطي كثيراً من مؤسساتها وتمولها كلياً أو جزئياً دون الكنائس الأخرى أو الأديان الأخرى مثل الكنيسة الإنجليزية في إنجلترا، أو الكاثوليكية في إيطاليا، أو اللوثرية في بعض البلاد الإسكندنافية. وتتفاوت البلاد الغربية في موقفها من بعض حقوق الأقليات الدينية مثل حق التعليم الديني؛ ففي فرنسا وأمريكا مثلاً المدارس كلها من المؤسسات العامة ولا يسمح فيها بالتعليم الديني؛ بينما تسمح بعض البلدان بالتعليم الديني داخل المدارس لطائفة خاصة دون الطوائف الأخرى مثل الحال في كثير من ولايات ألمانيا. أما الاعتراض الجوهري لجعل العلمانية الحارس للتعايش السلمي بين الأديان وطوائفها، فهو الطعن في الحيادية التي تدعيها؛ ذلك أن أهم مسوِّغ يقدمه المفكرون الأحرار في الغرب لجعل العلمانية في منزلة القوامة على ضمان التعايش السلمي بين الأديان هو حيادها. ولكن هذا الحياد المزعوم للعلمانية لا يسنده دليل نظري ولا واقعي، بل هو كما يصفه أحد الكتّاب الغربيين ليس إلا أسطورة، ويمضي للقول إن العلمانية لها تصورها للحقيقة وللقيم الأخلاقية ولمناهج الحياة مثل كل تصور ومنهج آخر تقدمه الأديان، وإعطاء العلمانية سلطة الهيمنة على غيرها من المناهج هو نوع من الاستبداد على غيرها والظلم له (١) وكثيراً ما يحتدم النزاع والصراع بين العلمانية والدين في بعض السياسات وبخاصة في المسائل التى تمس الأخلاق، ولكن الدين في الغالب مسلوب الحقوق والإرادة وما عليه إلا أن يسلِّم بالأمر الواقع. والحوار الديني مظهر آخر من مظاهر التعددية الدينية التي يشيعها الغرب، وقد ابتدرته الكنائس النصرانية، ثم انضمت إليهم الأديان الأخرى، حتى أصبح حركة عالمية نشطة خلال مائة سنة من تاريخه (٢) لها مجالسها ومؤتمراتها العلمية ومراكزها الدراسية في الجامعات، ويحظى بأهتمام رسمي وشعبي. ومن ثمرات هذا الحوار كسر الحواجز بين القادة الدينيين، وإتاحة منبر اللقاءات والتشاور، وإسماع العالم رأي الدين في بعض المشكلات العالمية. ولكن كثيراً من المشاركين فيه يلاحظون أنه قليل الأثر؛ إذ لا يتعدى دائرة الأقوال والبيانات والتصريحات، ومحصور في النخبة وليس له أي امتداد في القواعد، ويتحاشى الدخول في مواجهة جادة حول الأسباب الحقيقية للكراهية والعداء المتأصل في النفوس، ويكتفي بالمجاملات والمظاهر. وأهم أوجه التعددية الدينية الغربية ذلك الذي يقوم على الرأي القائل إن جميع الأديان مرآة للحقيقة، وأنها جميعها حق. وهذه النظرة هي التي تتفق تماماً مع مبدأ تعددية الحقيقة، والذي يعد ركناً أساسياً للتعددية الفلسفية الغربية، وتعكس أيضاً النظرة السائدة وسط الحداثة الغربية من أن الدين يمكن إعادة تفسيره وتأويله وتنقيته من موروثات العصور الماضية ليتواءم مع العصر الحاضر (٣) . تجد التعددية الدينية بهذا المعنى قبولاً أوسع كل يوم، بل قد أصبحت هدفاً من أهداف الحوار والتقارب الديني. ومن الرواد لهذا الاتجاه المفكر اللاهوتي الإنجليزي (جون هيك) (٤) . ولا شك أن كثيراً من المتدينين الملتزمين يرفضون هذه الدعوة باعتبارها متناقضة، وهادمة للدين بالكلية. - موقف الإسلام من تعدد الأديان: أما نظرة الاسلام لتعدد الأديان ومنهجه في التعامل معها فيمكن تلخيصه في نقاط قليلة دون إسهاب لكثرة ما كتب فيه. فالدين في نظر الإسلام واحد في أصوله؛ إذ إن مصدره وحي من الله، ولكن الدين يعتريه عبر تاريخه تفسير وتأويل قد ينتهي به إلى التحريف والتبديل؛ وعلى هذا فمن الممكن تقسيم الدين إلى ثلاثة أقسام حسب ما شرح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) : شرع منزَّل، وشرع مؤوَّل، وشرع مبدَّل. أما الشرع المنزل فهو ما شرعه الوحي من الله، وأما الشرع المؤول فهو الاجتهاد في فهم الشرع الموحى فيما ساغ فيه الاجتهاد. أما الشرع المبدل فهو الذي دخله التحريف والتغيير ففارق أصول الشرع وخالفها وناقضها. فالتعددية في الشرع المؤول في الأمور الأجتهادية أمر سائغ، ويدخل في ذلك طوائف المسلمين ومذاهبهم وطرقهم وجماعاتهم، ويسوغ للناس الاجتهاد كما يسوغ اتباع رأي أحد المجتهدين لمن رأى أن حجته قوية، أو لمن ساغ له تقليده. وقد أشير من قبل إلى أن الحق في الأمور المتنازع فيها واحد، والمصيب من المجتهدين واحد، ومن اتبع ما ظن أنه الحق فقد أدى ما عليه. أما الشرع المبدل فيشمل كل دين غير الإسلام، وقد وصف بها ابن تيمية أعراف وتقاليد التتار المجموعة في ما يسمى بـ (الياسا) (٦) ، كما يشمل أيضاً التحريفات التي ظنها الناس إسلاماً. وإذا كانت الحقيقة الدينية لا تتعدد؛ لأن تعددها وتناقضها استحالة عقلية؛ فإن الدين الحق هو الإسلام، وما عداه من دين مبدل ليس حقاً، ولكن إذا نفى الإسلام تعدد الحقيقة الدينية؛ فإنه لا ينفي الحوار الديني الذي يكون هدفه تبليغ الرسالة وتاريخ الإسلام شاهد على ذلك. - التعددية السياسية: تسعى التعددية في معناها السياسي لتقديم الحلول لمشكلةِ مدى مشاركة فصائل المجتمع المتنوعة المتباينة في القرار السياسي والحكم. وينبغي التنويه هنا أن موضوع هذه المشاركة ليس المقصود منه الخيار بين الديمقراطية وغيرها من النظم؛ فالديمقراطية بأشكالها المختلفة وبخاصة غير المباشرة والتي تأخذ بنظام الانتخاب والتمثيل النيابي، أمر مفروغ منه ومتفق عليه في أوروبا وأمريكا، ولكن موضع النظر وراء ذلك؛ حيث إن المجتمع لا يتكون فقط من حكومة وأفراد يشاركون في السياسة من خلال الانتخاب وعضوية الأحزاب السياسية؛ بل هنالك شرائح أخرى كثيرة في المجتمع مثل الأقليات العرقية والثقافية والدينية والجمعيات العلمية والكنائس واتحادات العمال ومنظمات التجار والزراع وغير ذلك؛ فكيف يشارك هؤلاء في القرار السياسي الذي كثيراً ما يمس مصالحهم مباشرة؟ هذا هو السؤال الصعب الذي تزعم التعددية السياسية أنها الحل الأمثل له. فالديمقراطية التي هي الأساس لهذه المشاركة في نظر النقاد لا تتيح مشاركة حقيقية، بل إن فئة قليلة جداً من الناس تشارك في الانتخابات لا تصل إلا إلى نسبة ضئيلة من مجموع الناخبين، وكثير من الناس يصوتون لممثلين وليس لسياسات؛ فاذا كانت الديمقراطية نفسها التى هى أساس مشاركة المجتمع أمراً نظرىاً أكثر مما هو عملي فإن التعددية السياسية ليست إلا حلماً قليلاً ما يتحقق. ويقترح بعض المفكرين حلاً (١) لا يختلف كثيراً عن الحل الإسلامي للتعددية السياسية؛ إذ يدعو للعودة إلى التعددية السياسية التي كانت قائمة في عصور ما قبل الحداثة المعاصرة، ومن ذلك تعددية الحكم العثماني، والتعددية السياسية الإسلامية يوضحها الشرح التالي: لقد استُورِدَت الحكومة الغربية المعاصرة إلى حوزة ديار المسلمين عن طريق البطش الاستعماري أحياناً أو عن طريق التقليد الأعمى للغرب أحياناً أخرى. وهاهنا وقفة لا بد منها مع الفكر السياسي الإسلامي؛ إذ إن الفكر قد تقمص هذا الشكل للحكومة المعاصرة وألبسها ثوب الإسلام دون روية ودون تفكير في: هل هذا الشكل أمر حتمي لا بد للناس أن يلتزموا به ويأخذوا بقوالبه، أم لا؟ والسؤال الذي كان ينبغي أن يطرح في هذا المجال هو: هل ستضطلع الحكومة الإسلامية في العصر الحاضر بالدور الذي تؤديه المؤسسة الحكومية المعاصرة في الغرب، أم أن لها وظيفة مختلفة؟ وللإجابة عن هذا السؤال يحتاج المرء إلى النظر أولاً لتعريف علماء الإسلام للحكومة وتصورهم لوظيفتها، والبحث ثانية في نماذج الحكم الإسلامي في عصوره السالفة لنتبين من ناحية عملية ما دور الحاكم ودور المجتمع المسلم في التاريخ الإسلامي، ثم نخلص من ذلك إلى: هل الشكل الحالي للحكومة المعاصرة يتلاءم مع ذلك، أم يختلف؟ - وظيفة الحكومة الإسلامية: تصوُّرُ المفكرين المسلمين للحكومة الإسلامية ووظيفتها أمرٌ يحتاج إلى وقفة متأنية ونظرة فاحصة؛ فقد تكرر في كتب الأولين أن السلطان حارس، وأن مهمته تدبير مهمات الدين والدنيا، كما أشار إلى ذلك الماوردي وإمام الحرمين الجويني (٢) مثلاً. فالحكومة ممثلة في الإمام وأعوانه تقوم بدور القيادة والتوجيه والحراسة للمجتمع المسلم ليؤدي دوره بأكمل وجه. وحين ننظر في المسؤوليات التي أنيطت بعاتق الحكومة نجدها لا تتعدى من المهمات أموراً مثل الجيش والقضاء والشرطة والبريد والأموال العامة. وقد كان المجتمع المسلم يقوم بكثير من الوظائف الأخرى مثل التعليم والصحة وغيرها، وقد كانت كثير من المؤسسات غير الحكومية هي التي تشرف على هذه الخدمات وتديرها باستقلالية كبيرة. وقد عدد الدكتور مصطفى السباعي أكثر من ثلاثين نوعاً من هذه المؤسسات في كتابه: (من روائع حضارتنا) نذكر من ذلك على سبيل المثال: عمارة المساجد والمدارس والمستشفيات، وتوفير المياه بحفر الآبار وشق القنوات، وتعبيد الطرق وصيانتها، ورعاية الأيتام والطفولة والأمومة والعجزة والمكفوفين والفقراء، وإقامة مساكن الحجاج والفنادق والتكايا التي تؤوي وتطعم المسافرين والمحتاجين مجاناً، وإعانة المجاهدين بالسلاح والمؤن، والإشراف على المقابر وخدمات الدفن، وعيادات البيطرة وإيواء الحيوانات العليلة والضالة. باختصار: يمكن القول إن المجتمع كان يقوم بالدور الأكبر في المصالح العامة، وكان دور الحكومة يقتصر على نطاق صغير من هذه المصالح. وقد كانت هذه المؤسسات الطوعية تؤدي دورها رغماً عن فساد الحكومات؛ لأن ذلك الفساد لم يكن ليشمل إلا دائرة ضيقة كأن يكون فساد الحاكم في سلوكه الشخصي أو سلوك حاشيته وأعوانه، ويتمثل في أكثر الأحيان في تعديهم على أموال الدولة أو حقوق الناس الخاصة، وظل المجتمع يضطلع بمهام جسام، وتؤدي مؤسساته دورها إلى أن أصاب الانحطاط المجتمع بكليته. وحين جاء الاستعمار الى أكثر بلاد المسلمين قضى أول ما قضى على مؤسسات المجتمع الوقفية، وألحق خدماتها بما أقامه من حكومة عربية الشكل والقالب، غريبة نافرة عن المجتمع المسلم. ومن البدهي أن كثيراً من العورات قد بدأت تظهر في نموذج الحكومة الغربية المعاصرة كما ظهر ذلك في فكر التعددية الغربية، والمفكرون في الشرق بدورهم يشكون مر الشكوى من هذه النقائص. ولعله من الأوْلى التحول إلى النموذج الإسلامي الذي يجعل المجتمع حاكم نفسه. ويمكن تلخيص التعددية السياسية الإسلامية في النقاط التالية: ١ - يقوم الحكم على إعطاء الأمة حقها في اختيار الحاكم، وفي الاحتساب على الحكومة (٣) . ٢ - تعتمد الحكومة الإسلامية النموذج التاريخي الإسلامي من توزيع السلطة على أمصار الدولة وعدم احتكارها في المركز. ٣ - تفويض الحكومة لمؤسسات المجتمع الطوعية أو ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني، القيام بأكبر قدر من الخدمات من تعليم وصحة ومواصلات ومياه وغيرها، تموَّل عن طريق أوقاف خيرية. ولا تختص الحكومة إلا بالخدمات العامة الهامة من جيش وقضاء وشرطة وخزانة المال العام. ٤ - تتيح الدولة لكل فرد من أفرادها من مسلمين وغير مسلمين، بجميع طوائفهم وهيئاتهم وجمعياتهم الحق في تكوين مؤسسات طوعية وقفية تخدم مصالحهم الخاصة من ثقافية ودينية واقتصادية وفنية وغيرها. - التعددية الثقافية: ولعل ما يتصل بهذه القضية هو ذكر حق المواطنة؛ إذ إن الدول المعاصرة تقوم على مبدأ القومية، وتسود ثلاثة اتجاهات في هذا الصدد: الاتجاه الأول: ومن أمثلته ألمانيا واليابان؛ حيث لا يعترف بحق المواطنة إلا لمن ينتمي بالنسب إلى أصول البلد، فحتى الجيل الثالث من الأتراك المستوطنين في ألمانيا ـ مثلاً ـ لم ينالوا حق المواطنة. أما الاتجاه الثاني: فتمثله فرنسا التي تفصل فصلاً تاماً بين الحياة العامة والخاصة، فتعطي كل من نال المواطنة حقوقاً متساوية كأفراد وليس كمجموعات محافظةً منها على وحدة الدولة حسب زعمها، ومن ثم تتحاشى الاعتراف بأي انتماء عرقي أو طائفي في مجالات الحياة العامة، وإن كانت تسمح بتنظيم المجموعات لأنفسهم في جمعيات تحافظ على هويتهم الثقافية، ولكن لا يظهر عملياً أن ذلك يحقق التعددية، بل من الواضح أن الذوبان هو الغالب. والاتجاه الثالث: وتمثله كندا وأستراليا أكثر من غيرها؛ فهو الذي يسمح بالتعددية العرقية والثقافية، ويظهر ذلك في السياسات العامة والتشريعات والتعليم. ومع هذا فإن المساواة من الناحية النظرية لا تتحقق عملياً؛ إذ إن العنصرية أمر مستأصِل في النفوس، ولا تحل بالقوانين ولا التعليم، إن لم يكن ذلك عقيدة راسخة في النفوس. ونضال حركة الحقوق المدنية وإزالة التمييز العنصري في كل من أمريكا وجنوب أفريقيا شاهد على ذلك (١) . - ما موقف الإسلام من التعددية الثقافية؟ قد لا يكون هنالك حاجة لذكر تفاصيل المبادئ التي أعلنها الإسلام نحو مشكلة الاختلاف العرقي والثقافي، ولكن نشير إلى مجمل ذلك. من المعلوم أن القرآن قد أعلن المبدأ الجامع في ذلك حين نادى في البشرية جمعاء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، فكان بذلك إعلاناً عالمياً للمساواة بين البشر على اختلاف أعراقهم وأصولهم وألوانهم ولغاتهم، واتجه بهذا الإصلاح إلى مداخل النفس البشرية، وكان حرباً على التمييز العنصري بكل أشكاله، ولو كان احتقاراً داخل القلب، أو تغيراً في الوجه، أو همسة بالشفاه، ولم يفرق بينهم إلا على أساس ما كسبته أيديهم. وترجم ذلك إلى تشريعات عملية شهد عليها التاريخ، وقد عاشت أعراق كثيرة وثقافات ولغات جنباً إلى جنب، وإذا كان المجتمع في الدولة المسلمة هو الذي يحافظ على هوية نفسه، كما اتضح ذلك في شرح التعددية السياسية؛ فإن لكل فرد من أفراد الدولة المسلمة، من مسلمين وغير مسلمين، بجميع طوائفهم وهيئاتهم وجمعياتهم الحق في تكوين مؤسسات طوعية وقفية تخدم مصالحهم الخاصة من ثقافية ودينية واقتصادية وفنية وغيرها. أما الإقامة في الدولة الإسلامية فهو حق مكفول لكل مسلم سواء كان مولوداً في البلد أو مهاجراً إليه؛ إذ لا حدود أو قيود على دخول المسلمين إلى أي بلد تحت سلطان الإسلام ما داموا مقرين بالاعتراف بسلطات البلد وتشريعاتها، أو كانوا من المهاجرين إليه مؤقتاً أو دائماً بإذن السلطات، وتعهدوا بالإقرار بسلطات البلد وتشريعاتها (٢) . - الخاتمة: التوازن بين الوحدة والتعددية: من الأمور التي قد تغيب حين الحديث عن التعددية بأنواعها المختلفة، أن التعددية قد اكتسبت القبول. ولكن لا ينبغي أن يُنسى أن التعددية إذا تطرفت فإنها تكون شراً محضاً؛ لأنها من الممكن أن تستأصل وحدة المجتمع وتنزلق به إلى مهاوي الفرقة والانقسام والتناحر. ويسعى كل من ينادي بالتعددية إلى الموازنة بينها وبين الوحدة حتى لا يطغى جانب على جانب. وتسعى الدول التي تسم نفسها بالتحررية أن تفصل بين المجالين العام والخاص في الحياة، فتجعل الاختلاف والتعدد في دائرة الحياة الخاصة؛ أما دائرة الحياة العامة فتستأثر بها الدولة ولا تسمح فيها إلا بأقل ما يمكن من التعددية. ويكاد أن يتبنى هذا الحل أكثر دول الغرب، ومن أحسن الأمثلة على الفصل الصارم بين العام والخاص فرنسا وتركيا، ولكن المغالطة هنا هو الادعاء أن العام محايد لا ينحاز إلى فئة من فئات المجتمع، بل هو يتخذ سبيلاً وسطاً بين تيارات المجتمع المختلفة، وهذا ادعاء غير مسلَّم به، ويواجه نقداً شديداً من الناحية النظرية ومن الناحية العملية (٣) ؛ فمما لا شك فيه أن العام يقوم على تصورات وفلسفة ومناهج قد لا تتفق مع كل فئات المجتمع، بل قد توافق بعضاً وتصادم بعضاً آخر. والمحصلة النهائية أن بعض فئات المجتمع ينالها الظلم والتهميش؛ ومن أكبر الشواهد على ذلك الأقليات اليهودية في خلال القرن التاسع عشر في أوروبا، والسود والملونون في أمريكا، والأقليات المسلمة في الغرب في الوقت الحاضر. ثم إن التمييز بين حدود الخاص والعام أمر عسير؛ وكثيراً ما تختلط الأمور. ومن الواضح أن الإسلام لا ينحو هذا المنحى؛ إذ إنه لم يعرف التفريق بين الحياة العامة والحياة الخاصة، لكنه من أجل المحافظة على الوحدة جمع الناس على مبادئ مشتركة. أما المسلمون فالأمر واضح؛ إذ الخلاف له حدوده وضوابطه وأدبه. وتجمع الناسَ أصول كثيرة مجمَع عليها بين المسلمين، والجماعات التي تخالف في هذه الأصول تجمعهم حقوق مشتركة، ومن المواقف المشهورة في ذلك قول علي بن أبي طالب للخوارج: «لكم علينا أن لا نمنعكم فيئاً ما دامت أيديكم معنا، وأن لا نمنعكم مساجد الله، وأن لا نبدأكم بالقتال حتى تبدؤونا به» (٤) . ومن الممكن أيضاً أن تكون هناك ثوابت جامعة بين المسلمين وغيرهم؛ ومن شواهد التاريخ في ذلك وثيقة العهد في المدينة بين الرسول الله ﷺ والأنصار والمهاجرين واليهود الذين كانوا بالمدينة كما ذكر ابن كثير في سيرته؛ حيث قال: وقال محمد بن إسحق: «كتب رسول الله ﷺ كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم» (٥) .. وقد قال الرسول الله ﷺ عن حلف الفضول الذي كان في الجاهلية! لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم» رواه الإمام أحمد بسند صحيح. وجاء في رواية مرسلة: «لو دُعيت به في الإسلام لأجبت» . هذا ما يسر الله جمعه في هذه العجالة؛ فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمن نفسي ومن الشيطان. ونسأل الله أن يغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، ونعوذ بالله من الخذلان والضلال.

стр. 5390

مكسبات الطعم واللون والرائحة وموقف الإسلام منها أ. د. عبد الفتاح محمود إدريس في زمن غلبت فيه الماديات، واندثرث فيه القيم الروحية التي تدعو إليها الفطر السليمة والدين الصحيح، وأصبح جمع المال هو ولع الكثيرين وشغلهم الشاغل، سواء كان من حل أو من حرمة، من نفع أو من مضرة، قد يجد بعضهم من أقوات الناس وأغذيتهم الوسيلة المثلى لجمع المال، إما لأن الناس لا يستغنون عن القوت، وإما لأن هذا الغذاء يرتبط بتوقان النفس البشرية إليه، والتي قد يجذبها فيه أمور بعيدة كل البعد عن مواطن النفع، فتنجر لإشباع حاجتها منه، دون اعتبار لأمر آخر؛ ولهذا فقد تفتقت قرائح صانعي الغذاء، في جعل المواد الغذائية أكثر إغراء للنفس البشرية من ذي قبل، واتبعوا في ذلك وسائل شتى، منها خلط هذه المواد بإضافات كيميائية وغيرها، إما لإكسابها طعماً مستساغاً محبباً إلى النفس، أو نكهة طيبة تستريح إليها وتشتهيها، أو لوناً مبهراً يجذب الناظر إلى هذه المواد ويدعوه إلى التزود منها، أو نحو ذلك من إضافات قد يكون لها أثر فى زيادة استهلاك الناس لهذه الأغذية. ولهذا كان لا بد من إماطة اللثام عن هذه الإضافات في عجالة سريعة، وبيان موقف الشريعة الإسلامية منها في ضوء ما تخلفه من آثار على أجزاء الجسم البشري. - أولاً: حقيقة الإضافات الغذائية: صدر التعريف الدولي الأول للمواد المضافة عام ١٩٥٦م، بأنها: «أية مادة ليست لها قيمة غذائية تضاف بقصد إلى الغذاء، وبكميات قليلة، لتحسين مظهره أو طعمه أو قوامه أو قابليته للتخزين» . إلا أن هذا التعريف أغفل المواد التي تضاف لرفع القيمة الغذائية، كالفيتامينات والمعادن، في الوقت الذي اعتبر فيه بقايا المبيدات والمواد الكيماوية التي تتسرب إلى الأغذية عن تعبئتها، مواد مضافة. وقد صدر تعريف دولي حديث يعرِّف المواد المضافة بأنها «مادة لا تُستهلك بذاتها كغذاء، ولا تُستعمل عادة كمكون غذائي، سواء كان لها قيمة غذائية أم لا، وتضاف لتحقيق أغراض تكنولوجية، سواء أثناء التصنيع أو التحضير، أو التعبئة أو التغليف، أو النقل، ويتوقع أن تصبح هذه المواد جزءًا من الغذاء، وتؤثر على خواصه. وهذا التعريف وإن أخرج من حقيقة المواد المضافة: بقايا المبيدات أو المضادات الحيوية أو الهرمونات والسموم، التي تفرزها البكتريا الممرضة أو الفطريات، أو الكيماويات التي تتسرب إلى الغذاء عن طريق مواد التعبئة، إلا أن هذا التعريف كسابقه لا يشمل المواد التي تضاف إلى الغذاء لرفع قيمته الغذائية. - ثانياً: تصنيف الإضافات الغذائية: اقترح المعهد البريطاني لعلوم الأغذية، تصنيف هذه الإضافات إلى مجموعتين: المجموعة الأولى: المواد المضافة التي تساعد في عمليات التصنيع، وتشمل: مانعات التكتل، والإنزيمات، ومانعات الرغوة، ومانعات الالتصاق، ومساعدات الكبسلة، ومانعات الاسمرار، ومذيبات الاستخلاص، ومساعدات الترطيب، ومحسنات القوام. المجموعة الثانية: المواد المضافة التي تؤثر على خواص المنتج النهائي، وقد صنفت في أربعة أقسام: القسم الأول: المواد المضافة التي تؤثر على الصفات الفيزيوكيماوية، والفيزيائية للمنتج. القسم الثاني: المواد التي تؤثر على الصفات الحسية، وتشمل: المستحلبات، ومثخنات القوام، والمثبتات، والمواد المنظمة ومساعدات الانتفاخ والمركزات البروتينية، ومواد النكهة، والزيوت الطيارة، والبهارات، والمواد الملونة، ونحوها. القسم الثالث: المواد المساعدة على تخزين الأغذية، وتشمل: المواد الحافظة ومانعات الأكسدة، ومانعات التلون والمواد التي تساعد على الإنضاج، والمحلِّيات. القسم الرابع: المواد التي تساعد على تحسين القيمة الغذائية لما تضاف إليه من غذاء وتشمل: الفيتامينات، والمعادن، والأحماض الأمينية٠ - ثالثاً: أسباب استخدام الإضافات الغذائية: يمكن إجمال الدوافع لاستخدام الإضافات الغذائية في: رفع جودة الغذاء أو نوعيته، وتحسين القيمة الغذائية له، والمحافظة عليه من الفساد أو التلف، وزيادة تقبُّل المستهلك للغذاء، وتيسير تحضيره، وتوفيره بصورة أفضل وأسرع، وتقليل الفاقد أو التالف منه بقدر الاستطاعة، هذا بالإضافة إلى العامل الاقتصادي المتمثل في زيادة تصريف المنتج من المواد الغذائية وتحقيق زيادة في عائد تسويقه. - رابعاً: الأضرار الناجمة عن هذه الإضافات: لم يكن يهتم بهذه الإضافات الغذائية منذ نصف قرن تقريباً، إلا من يقومون بالصناعات الغذائية، إلى أن صدر عام ١٩٥٨م، مادة في شكل قاعدة قانونية، تسمى (قاعدة ديلاني) تمنع استخدام المواد المضافة في الغذاء؛ إذ ثبت أنها تسبب حدوث الأورام السرطانية لحيوانات التجارب، وعلى إثر ذلك زاد الاهتمام بهذه الإضافات الغذائية، وأثارت جدلاً حاداً بين العلماء ما بين مؤيد لإضافتها إلى الغذاء وبين معارض لذلك، إلى أن أعلن مختبر كيميائي بكندا عام ١٩٦٩م، أن مادة «السيكلاميت» التي تضاف إلى بعض أنواع المرطبات، مادة مسرطنة، وذلك بعد مضي عشرين عاماً على استخدامها في هذه الصناعة، وكان من نتيجة ذلك زيادة السُّعار المحموم بين الناس، ضد كل مادة كيميائية تضاف إلى الأغذية التي يتناولها الإنسان، ثم أعلن بعد ذلك (د. فينجولد) ، العامل في إحدى مستشفيات فرانسيسكو، عن ملاحظاته عن المواد المنكِّهة والملوِّنة الصناعية، المضافة إلى الآيس كريم، وما لحق الأطفال الذين كان يعالجهم من أضرار بسبب تناولهم له؛ ونتيجة لذلك أخضعت الإضافات الغذائية لإعادة الفحص والتقويم، وكان من نتائج ذلك أن توصل العلماء إلى أن بعضها ضار، ويشكل خطورة على صحة الإنسان، ولهذا صدرت الأوامر في العديد من الدول بمنع استخدامها، لما تشتمل عليه من أضرار شديدة، وبلغت المواد الممنوعة منها حتى عام ١٩٧٦م، خمساً وعشرين مادة، وعدد هذه المواد الممنوعة في تزايد مستمر، نظراً لما تسفر عنه البحوث العلمية من اكتشاف المزيد من أضرار هذه المواد. ومن الإضافات الغذائية التي منع استخدامها في الصناعات الغذائية، لما تسببه من أضرار شديدة: المادة الصناعية الملونة المسماة (ButterYellow) ، التي تحدث سرطان الكبد، والمادة الملونة المسماة (FD & C Yellow) ، التي تتلف القلب، وحامض الخليك أحادي الكلور، الذي يستخدم كمادة حافظة، وهي شديدة السمية، ومادة الدولسين Dulcin (P-ethoty Phengl Urea) ، التي تستخدم في تحلية بعض المنتجات الغذائية، وهي مادة محدثة لسرطان الكبد، ومادة ٨- سيتاريب بولي أوكس الإيثيلين (Poly oxy ethylene - ٨-terabe) التي تستخدم كمادة مستحلبة لمنتجات المخابز، وهي مادة محدثة لأورام وحصوات في المرارة، ومادة كومارين (Comarin) وهي مادة منكهة، وتحدث تسمماً بالكبد، والمادتان الملونتان للأغذية (FD & C orange ٨ ٢) اللتان تسببان تلف الأعضاء، وكذلك المادة الملونة (FD & C Red ١) المسببة لسرطان الكبد، ومادة (FD & C Red ٤) الملونة، المحدثة لتلف الغشاء الكظري والمادة الملونة (FD & C Red ٣٢) ، التي تسبب تلف الأعضاء، والمادة الملونة (Sudan ١) المسرطنة، والمادة الملونة (FD & C Yellow ١.٢) ، التي تحدث أضراراً معوية، والمادة المنكهة (Safrole) التي تحدث سرطان الكبد، وزيت الكالاموس (Oil of Calamus) الذي يستخدم كمادة منكهة، وهو يسبب سرطان المعدة، وحمض (NDGA) المانع للأكسدة، والذي يسبب تلف الكلية، والمادة الحافظة للمرطبات، المسماة (DEPC) Deithyl Pyrocarbonate) ، التي تتحد مع الأمونيا وتكون اليوريات، والمادة الملونة (FD & C Violet ١) ، المسببة للسرطان، إلى غير ذلك من أمثلة يضيق المقام عن ذكرها (١) . وقد ترتب على اكتشاف هذه الآثار الضارة بصحة الآدميين في هذه الإضافات أن انقسم المهتمون بها إلى فريقين، قام أحدهما بإعطاء صورة قاتمة لهذه الإضافات وحذر من استخدامها، بحسبانها ضارة ضرراً محضاً؛ فليس فيها نفع البتة لأحد، إلا لأصحاب مصانع الغذاء التي تستخدم هذه الإضافات، لتحقيق ثروات طائلة دون وازع إنساني أو أخلاقي؛ بينما اعتبر الفريق الآخر أن الهجوم على هذه الإضافات الغذائية هجوم على العلم والتكنولوجيا التي أنتجتها في المقام الأول. وسواء كان الميل إلى الفريق المؤيد أو المعارض لاستخدام هذه الإضافات، فإنه لا بد أن يؤخذ في الاعتبار، مقدار الضرر الذي يمكن أن يتحمله المستهلك لهذه الأغذية، وحاجات ورغبات المستهلكين، وخاصة الأطفال الذين تغريهم الأغذية المضاف إليها مكسبات الطعم واللون والرائحة أكثر من غيرها، والذين تؤثر فيهم هذه الإضافات أكثر من غيرهم، لضعف مناعاتهم، وقلة مقاومة أجسامهم النحيلة للأمراض، وكثرة استهلاكهم للأغذية المشتملة على هذه الإضافات، والعوامل الاقتصادية، ومدى توافر عوامل السيطرة على مقدار هذه الإضافات، وإجراء التحاليل الدائمة للمنتجات المضاف إليها ذلك، لبيان مدى صلاحيتها للاستهلاك الآدمي. ومما ينبغي مراعاته في مثل ذلك، أن إضافة مادة جديدة غير معروفة إلى النظام الغذائي، غالباً ما ينتج عنه ضرر، ومن ثم فإن إضافة مادة كيميائية إلى المواد الغذائية المصنعة، سواء كانت مادة منكهة، أو ملونة، أو حافظة، أو محسنة للقوام أو المذاق، أو نحو ذلك، يزيد من احتمال إصابة متناولها بالضرر، ولو كانت المادة المضافة قليلة؛ ولهذا اقْتُرِحَ وضع معادلة للموازنة بين المضار والمنافع، من تناول الأغذية المشتملة على هذه الإضافات، وفي ضوء ما تسفر عنه هذه المعادلة يتقرر استعمال هذه الإضافات في المواد الغذائية أو منعها. إلا أنه في جميع الأحوال ينبغي منع استخدام هذه الإضافات في الغذاء، إذا كانت لتغطية الأخطاء أو العيوب في عملية التصنيع، أو لإخفاء فساد المادة الغذائية، أو لخداع المستهلك، أو إذا كانت إضافتها تؤدي إلى فقد مقدار كبير من القيمة الغذائية للغذاء، أو كان بالإمكان الاستعاضة عنها بأساليب التصنيع الجيد، أو اقتضى الحصول على النتيجة المرجوة منها، زيادة نسبة المضاف منها إلى المواد الغذائية. - خامساً: موقف الشريعة من تناول الأغذية المشتملة على هذه الإضافات: بينت من قبل مدى الضرر الذي يصيب الإنسان، من تناول المواد الغذائية التي أضيفت إليها مكسبات الطعم واللون والرائحة، والمواد الحافظة، ومساعدات التصنيع، وغيرها من إضافات، والذي قد يصل إلى حد الإصابة بالتسمم، أو الإصابة بالسرطان، أو الفشل الكبدي أو الكلوي، أو تلف الأعضاء، والذي قد ينتهي بالمصاب إلى الوفاة. ومن ثم فإنه يحرم تناول المنتجات الغذائية التي أضيفت إليها هذه المواد التي ثبت بالتحاليل المعملية أو غيرها إضرارها بالإنسان، سواء على سبيل القطع أو الظن، وسواء كان هذا الإضرار متمثلاً في مجرد اعتلال الصحة، أو الإخلال بوظائف الجسم البشري، أو إحداث أمراض ولو في المستقبل، أو كان هذا الإضرار يصل إلى حد الإصابة بالأمراض المزمنة، أو التي لا يرجى البرء منها، أو مؤدياً إلى ذهاب منفعة عضو أو أكثر من أعضاء البدن، أو الإخلال بأدائه لهذه المنفعة، أو يؤدي إلى هلاك متناول الأغذية المشتملة على هذه الإضافة. ومما يستدل به على حرمة تناول هذه المنتجات إن ترتب عليها ذلك ما يلي: - أولاً: الكتاب الكريم: ١ - قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . ٢ - قال : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] . وجه الدلالة منهما: نهى الحق ـ سبحانه ـ في الآيتين عن قتل النفس والإلقاء بها إلى ما فيه هلاكها، والنهي يفيد التحريم عند إطلاقه، ولما كان تناول الأغذية المشتملة على إضافات، قد يؤدي إلى الهلاك ولو على المدى البعيد، فإنه يكون محرماً. ٣ - قال ـ تعالى ـ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وجه الدلالة من الآية: حرم الله كل ضار خبيث، ولما كان من شأن هذه الإضافات الإضرار بصحة من يتناول الغذاء المشتمل عليها، فإنها تكون خبيثة منهياً عنها ٠ - ثانياً: السُّنة النبوية المطهرة: روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (١) . وجه الدلالة منه: نهى رسول الله ﷺ عن كل ما يشتمل على ضرر، وإذا كان في الإضافات الغذائية السابقة إضرار ببدن الآدميين، حرم استعمالها، وحرم تناول المنتجات الغذائية التي أضيفت إليها، إن كانت تؤدي إلى الإضرار بمتناولها، سواء اقتصر الضرر على اعتلال صحة أو بلغ حد إهلاكه. - ثالثاً: القواعد الشرعية: من هذه القواعد: قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» (١) . وإذا كانت المحافظة على النفس أحد المقاصد الضرورية للشارع، فإن الحفاظ عليها يكون واجباً، ولا يتأتى الحفاظ عليها في حال الغذاء المشتمل على الإضافات الضارة، إلا بالكف عن تناوله، فيكون الكف عن تناوله واجباً؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن ثم فإن ما يتيقن أو يغلب على الظن اشتماله على إضرار بأعضاء البدن في الحال أو في المآل، أو يؤدي إلى الإصابة بأمراض مزمنة أو لا يرجى البرء منها، أو يودي بحياة متناوله، فإنه لا يباح في حال الاختيار، ولا في حال الضرورة كذلك؛ لأنه لا نفع فيه أصلاً أو هو مما يغلب ضرره على النفع الذي يرجى منه. ومن الإضافات الغذائية السابق الإشارة إليها، ما له أثر مدمر لبعض أعضاء البدن، ومنها ما يسبب السرطان، أو الفشل الكلوي، أو الكبدي، أو يؤدي إلى التسمم، أو نحو ذلك من أضرار؛ فإذا أخذ في الاعتبار أن ما يمنع في بعض البلاد من هذه الإضافات لآثاره الضارة، قد يسمح به في بلاد أخرى لم تصلها نتائج تحاليل هذه الإضافات، أو ليس لديها من الأجهزة ما يمكنها من كشف أضرارها، وفي غيبة الرقابة على المنتجات الغذائية أو ضعفها، يكون ثمة إفراط في استعمال هذه الإضافات، بغية تحقيق الربح، ومن ثم فإن الضرر منها يكون أكثر، ولهذا فإنه ينبغي منع استخدام ما ثبت ضرره من هذه الإضافات في الصناعات الغذائية، وعدم التوسع في استخدام ما لم يتم الكشف عن آثاره منها، لدرء المفسدة التي قد تنجم عنها بقدر الاستطاعة، إذا تبين مستقبلاً أن لها آثاراً ضارة بالجسم؛ إذ درء المفاسد معتبر في الشرع. وإذا كان هذا هو حكم تناول هذه الأغذية؛ فإن حكم إضافة المواد السابق ذكرها يتبع هذا الحكم؛ بحيث يحرم إضافة ما ثبت ضرره من هذه المواد، وعدم التوسع في إضافة ما لم يكتشف ضرره منها بعد؛ بغية تقليل المفسدة التي قد تنجم عنه، إذا اكتشف أن به ضرراً، يضاف إلى هذا أن من يتولى إنتاج الأغذية فيضيف عند تصنيعها هذه الإضافات التي ثبت ضررها، أو يقوم باستيراد الأغذية التي تشتمل على هذه الإضافات الضارة، يكون آثماً، لتعمده الإضرار بغيره، ويكون ضامناً ما يترتب على هذه الإضافات من أضرار، وفقاً لقواعد الضمان في الشريعة الإسلامية، إذا قامت علاقة السببية بين تناول هذه الأغذية الضارة وبين الضرر الناجم عن التناول، سواء كان اضطراباً معوياً، أو تسمماً، أو إتلاف عضو، أو ذهاب منفعته، أو إتلاف نفس، أو نحو ذلك من وجوه الضرر التي قد تصيب الآدميين. ومما يدل على حرمة قيامه بذلك ما يلي: ١ - حديث ابن عباس السابق: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» . وجه الدلالة منه: ورد في هذا الحديث نفي بمعنى النهي، يقتضي حرمة إضرار الإنسان بغيره، ومن يتولى إضافة هذه المواد الضارة بصحة الآدميين إلى أغذيتهم، أو يقوم باستيراد الأغذية المشتملة على هذه المواد الضارة، يضر بمن يتناولها منهم، فيكون واقعاً فيما نُهي عنه في الحديث. ٢ - روي عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة ـ ثلاثاً ـ قلنا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢) . وجه الدلالة منه: أفاد هذا الحديث أن عماد الدين الإسلامي هو النصيحة، ومن صنع للمسلمين أغذية، فأضاف إليها مواد ضارة بهم، أو استورد هذه الأغذية، فلم ينصح لهم، ويكون بهذا هدم دعامة من دعامات الإسلام. ٣ - روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من غش فليس منا» (٣) . وجه الدلالة منه: أفاد هذا الحديث أن من غش المسلمين فلا يكون متخلقاً بأخلاقهم، ولا يكون على طريقتهم وعادتهم، ومن يتولى إنتاج أو استيراد أغذية مشتملة على إضافات ضارة بالناس؛ فإنه يكون غاشّاً لهم ولغيرهم من الناس. وهذا وغيره دليل على حرمة ما يأتي به من ذلك، يضاف إلى هذا النصوص الشرعية الكثيرة الموجبة للضمان عند تضرُّر الغير به، والتي يكون المنتج أو المستورد للمواد الغذائية المشتملة على هذه الإضافات الضارة، بمقتضاها ضامناً ما يترتب على تناول هذه الأغذية من أضرار؛ وذلك لا ينفي تأثيمه باعتباره قد اقترف أمراً لا يحل من وجهة نظر الشرع.

стр. 5391

عقلية التحزب والمواقف المسبقة.. ما العلاج ؟ د. مفرح بن سليمان القوسي الاعتداد بالنفس، وإساءة الظن بالآخرين تمثل بدايات طبيعية للتقوقع على الذات، ومن ثم صنع تكتلات صغيرة داخل المجتمع الواحد، ولا شك أن هذا يخالف ما يدعو إليه ديننا الإسلامي الحنيف من الاتحاد والألفة واجتماع القلوب والتئام الصفوف، والبعد عن الاختلاف والفرقة وكل ما يمزق الجماعة أو يفرق الكلمة؛ حيث يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٥] . ويبين الله أن وشيجة الأخوة هي الرباط الحقيقي بين جماعة المسلمين، وهي العنوان المعبر عن ماهية الإيمان، حيث يقول الله ـ سبحانه ـ: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] ، ويقيم ـ سبحانه ـ سياجاً من الفضائل والآداب الأخلاقية لكي يحمي الأخوة مما يشوهها ويؤذيها؛ من السخرية واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة؛ حيث يقول الله ـ سبحانه ـ بعد الآية السابقة مباشرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢] . وقد أكدت السنة النبوية وفصلت ما جاء به القرآن الكريم من الدعوة إلى الاتحاد والائتلاف؛ والتحذير من الفرقة والاختلاف؛ فقد دعت إلى الأخوة والمحبة، وحذرت وزجرت العداوة والبغضاء، ومن ذلك على سبيل المثال قول النبي ﷺ : «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» (١) ، وقوله ﷺ : «يد الله على الجماعة» (٢) ، وقوله ﷺ : «من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهلية» (٣) ، وقوله ﷺ أيضاً: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٤) ، وقوله ﷺ كذلك: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» (٥) . ولا يزعج أي غيور على دينه ثم بلده أن يكون في الساحة الفكرية والثقافية في كل مجتمع اتجاهات أو مدارس أو جماعات متعددة لكل منها منهجه في خدمة الدين والبلد، والعمل على التمكين لهما في الأرض، وفقاً لتحديد الأهداف وترتيبها، وتحديد الوسائل ومراحلها، والثقة بالقائمين على تنفيذها، من حيث القوة والأمانة والإخلاص والكفاية. ومن السذاجة بمكان الدعوة إلى مدرسة واحدة أو اتجاه واحد يضم جميع العاملين على منهج واحد؛ فهذا تقف دونه حوائل شتى، وهو مطمع في غير محله، فلا مانع من أن تتعدد المدارس والجماعات والاتجاهات العاملة لنصرة الدين وخدمة البلد إذا كان تعدد تنوع وتخصص، لا تعدد تعارض وتناقض، على أن يتم بين الجميع قدر من التعاون والتنسيق، كي يكمل بعضهم بعضاً ويشد بعضهم أزر بعض، وأن يقفوا في القضايا المصيرية والهموم المشتركة صفاً واحداً كأنهم بنيان مرصوص. ولكن الذي يزعج ويؤلم حقاً أن يوجد بين الكُتَّاب والمفكرين من لا يقدِّر هذا الأمر حق قدره، وأن يدعو إلى التحزب واتخاذ المواقف المسبقة، ويركز دائماً على مواضع الاختلاف لا نقاط الاتفاق، وهو دائماً معتدٌّ بنفسه ومعجب برأيه، مزكٍّ لنفسه واتجاهه، متهم لغيره مسيء الظن به. والحق أن الاختلاف في ذاته ليس خطراً، وخصوصاً في مسائل الفروع (وهل يوجد أصل غير أساسي؟) وإنما الخطر في التفرق والتعادي الذي حذر منه الإسلام بمصدريه الأساسين: الكتاب والسنة؛ كما تقدم. ولعل من أسباب بروز مشكلة التحزب المذموم: التعصب لبعض المذاهب الفقهية، أو الشخصيات الدينية، أو الاتجاهات الفكرية. ولذا نحن بحاجة ماسة إلى وعي عميق بما يسمى بـ (فقه الاختلاف) الذي عرفه خير قرون هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى؛ فلم يضرهم الاختلاف العلمي شيئاً، وجهله كثير منا، فأصبحنا يعادي بعضنا بعضاً بسبب مسائل يسيرة أو بغير سبب. - ركائز فقه الإخلاص: ويقوم فقه الاختلاف على ركائز فكرية وأخلاقية عديدة لا تخفى على أهل الاختصاص من العلماء والمفكرين والباحثين، أُشير ـ بإيجاز فيما يلي ـ إلى أبرزها: ١ - الإخلاص لله وحده، والتجرد للحق، ومجاهدة النفس حتى تتحرر من اتِّباع هواها أو أهواء غيرها؛ فكثيراً ما تكون الخلافات بين الأفراد والفئات ظاهرها أنه خلاف على مسائل في العلم أو قضايا في الفكر، وباطنها حب الذات وحب الظهور أو الجاه وتحقيق المغانم واتباع الهوى الذي يعمي ويصم ويضل عن سبيل الله ـ نسأل الله العافية ـ. ٢ - الوعي بأن الاختلاف في فهم الأحكام الشرعية الفرعية ضرورة لا بد منها أوجبتها طبيعة الدين، وطبيعة اللغة، وطبيعة البشر، وطبيعة الكون والحياة. فأما طبيعة الدين فقد أراد الله ـ تعالى ـ أن يكون في أحكامه: المنصوص عليها والمسكوت عنها، وأن يكون في المنصوص عليه المحكمات والمتشابهات، والقطعيات والظنيات، والصريح والمؤول، لتعمل العقول في الاجتهاد والاستنباط فيما يقبل الاجتهاد والاستنباط، وتسلِّم فيما لا يقبل ذلك، إيماناً بالغيب، وتصديقاً بالحق، وبهذا يتحقق الابتلاء الذي بنى الله عليه خلق الإنسان: ﴿إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] ، ولو شاء الله لجعل الدين كله وجهاً واحداً وصيغة واحدة لا تحتمل خلافاً، ولا تحتاج إلى اجتهاد، من حاد عنها قيد شعرة فقد ضل، ولكنه لم يشأ ذلك، لتتفق طبيعة الدين مع طبيعة اللغة وطبيعة الناس، ويوسع الأمر على عباده. وأما طبيعة اللغة فلا شك أن مصدر الدين الذي يُرجع إليه ويُستدل به هو القرآن الكريم والسنة النبوية. والقرآن نصوص قولية لفظية، وكذا معظم السنة. وهذه النصوص يجري عليها ما يجري على كل نص لغوي عند فهمه وتفسيره؛ ذلك أنها جاءت على وفق ما تقتضيه طبيعة اللغة في المفردات والتراكيب؛ ففيها اللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى، وفيها ما يدل بالمنطوق وما يدل بالمفهوم، وفيها العام والخاص، والمطلق والمقيد، وما دلالته قاطعة وما دلالته محتملة، وما دلالته راجحة وما دلالته مرجوحة. وأما طبيعة البشر فقد خلقهم الله مختلفين؛ فكل إنسان له شخصيته المستقلة، وتفكيره المتميز، وطابعه المتفرد، يبدو ذلك في مظهره المادي كما في مخبره المعنوي؛ فكما ينفرد كل إنسان بصورة وجهه ونبرة صوته وبصمة بنانه، ينفرد كذلك بلون تفكيره وذوقه وميوله، ونظرته إلى الأشياء والأشخاص والمواقف والأعمال. ولذا فمن غير الممكن صب الناس كلهم في قالب واحد في كل شيء، وجعلهم نسخاً مكررة، ومَحْوُ كل اختلاف بينهم؛ فهذا مخالف لفطرة الله التي فطر الناس عليها. وأما طبيعة الكون الذي نعيش فيه؛ فقد خلقه الله ـ سبحانه ـ مختلف الأنواع والصور والألوان؛ كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر: ٢٧ - ٢٨] ، ولكن هذا الاختلاف الذي نبه عليه القرآن إنما هو اختلاف تنوع وتلوُّن، لا اختلاف تضارب وتناقض، ولهذا تكررت في القرآن عبارة ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ في أكثر من مناسبة، بل نجد القرآن الكريم ينفي بعبارة صريحة ما ينبئ عن التضارب أو التعارض في الكون، وذلك في قوله ـ تعالى ـ: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] . وكذلك طبيعة الحياة؛ فهي أيضاً تختلف وتتغير بحسب مؤثرات متعددة، منها الزمان والمكان. والاختلاف مع كونه ضرورة هو كذلك رحمة بالأمة وتوسعة عليها، وقد دل على ذلك بعض الأحاديث النبوية، حيث صاغ الشارع الحكيم كثيراً من الأحكام صياغة مرنة بحيث تتسع لتعدد الأفهام وتنوع الآراء والاجتهادات، وسكت عن النص على بعض الأحكام ليتيح للعقول المسلمة الاجتهاد في فهمها في ضوء المنصوص على حكمه. ولذا اجتهد الصحابة ﵃ واختلفوا في أمور جزئية كثيرة، ولم يَضِيقُوا ذرعاً بذلك، وأتاحوا لنا باختلافهم هذا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم. ٣ - اتباع المنهج الوسط الذي يتجلى فيه التوازن والاعتدال، بعيداً عن طرفي الغلو والتفريط. فهذه الأمة أمة وسط في كل شيء، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. والوسط هو مركز الدائرة الذي ترجع إليه الأطراف المتباعدة، وهو الصراط المستقيم الذي علمنا الله ـ تعالى ـ أن نسأله الهداية إليه كلما قرأنا فاتحة الكتاب في صلواتنا اليومية أو خارجها ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . ومن لوازم الوسطية اجتناب التنطع في الدين، وهو ما أنذر النبي ﷺ أصحابه بالهلاك في قوله: «هلك المتنطعون» (١) قالها ثلاثاً، والمتنطعون ـ كما يقول الإمام النووي ـ: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. ٤ - التركيز على اتباع المحكَمات، وهن أم الكتاب ومعظمه، وعدم الجري وراء المتشابهات؛ فاتباع المحكمات واتخاذها الأصل والقاعدة في التفكير والسلوك من شأن الراسخين في العلم، واتباع المتشابهات من شأن الذين في قلوبهم زيغ ودغل. ٥ - اجتناب القطع في المسائل الاجتهادية التي تحتمل وجهين أو رأيين أو أكثر، واجتناب الإنكار فيها على الآخرين، ولذا قرر علماء الإسلام: أنه لا إنكار من أحد على أحد في المسائل الاجتهادية، فالمجتهد لا ينكر على مجتهد مثله، والمقلد لا ينكر على مقلد مثله كذلك، بَلْهَ (*) أن ينكر على مجتهد. ٦ - تحديد المفاهيم التي يقع فيها النزاع، وبيان مدلولها بدقة ووضوح يرفع عنها الغموض والاشتباه؛ فكثيراً ما يحتد النزاع حول معنى أو مفهوم معين، لو حدد بدقة وشُرح بجلاء لأمكن للطرفين أن يلتقيا عند حد وسط. ومن ثم كان علماؤنا السابقون يحرصون على «تحرير موضع النزاع» في المناظرات والمسائل الخلافية، حتى لا تُنصب معركة على غير شيء، وكثيراً ما يشتد الخلاف بين فريقين، ثم يتبين في النهاية أن الخلاف كان لفظياً، وأن لا ثمرة عملية تجنى من ورائه. ٧ - التعاون (بين أصحاب المذاهب الفقهية والمدارس الفكرية) فيما اتفقوا عليه ويعذر بعضهم بعضاً فيما يسع الخلاف فيه. وهذا التسامح المنشود يقوم على جملة مبادئ منها: أ - احترام الرأي المخالف وتقدير وجهات نظر المخالفين، وإعطاء آرائهم الاجتهادية حقها من الاعتبار والاهتمام. وذلك مبني على أصل مهم، وهو: أن كل ما ليس قطعياً من الأحكام هو أمر قابل للاجتهاد؛ وإذا كان يقبل الاجتهاد؛ فهو يقبل الاختلاف، لاختلاف المنطلقات والرؤى والأفهام. ب - الاعتقاد بإمكان تعدد أوجه الصواب في المسألة الواحدة المختلف فيها، وذلك تبعاً لتغير المكان والزمان، وتبعاً لتغير الظروف والأحوال. ج - الاعتقاد بأن كثيراً من ألوان الخلاف الذي نشهده على الساحة الفكرية اليوم، ليس خلافاً على الحكم الشرعي من حيث هو، ولكنه خلاف على تكييف الواقع الذي يترتب عليه الحكم الشرعي، وهو ما يسميه الفقهاء (تحقيق المناط) . ٨ - اجتناب التكفير بلا مسوغ صحيح والحذر منه؛ فلا يخفى على كل لبيب أن أخطر أدوات التدمير لبنيان الاتحاد أو التقارب بين العاملين في حقل الدعوة إلى الله هو التكفير؛ وذلك بأن تُخرِج مسلماً من الملة ومن دائرة أهل القبلة، وتحكم عليه بالكفر والردة؛ فهذا بلا ريب يقطع ما بينك وبينه من حبال؛ فلا لقاء بين مسلم ومرتد؛ فهما خطان متوازيان لا يلتقيان. وقد حذر الإسلام أبلغ تحذير من رمي المسلم بالكفر؛ وذلك في أحاديث صحيحة مستفيضة، منها قول النبي ﷺ : «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما؛ فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه» (٢) ، وقوله ﷺ : «من دعا رجلاً بالكفر أو قال: يا عدو الله وهو ليس كذلك إلا حار عليه» (٣) ، أي رجع عليه، وقوله ﷺ كذلك: «من رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله» (٤) . وعليه فلا يجوز تكفير أهل الإسلام لذنوب ارتكبوها أو أخطاء اقترفوها. ٩ - التحرر من التعصب لآراء الأشخاص، وأقوال المذاهب، وانتحالات الطوائف، بمعنى: ألا يقيد المرء نفسه إلا بالدليل، فإن لاح له الدليل بادر بالانقياد له، وإن كان ذلك على خلاف المذهب الذي يعتنقه، أو قول الإمام الذي يتبعه، أو الطائفة أو الحزب الذي ينتمي إليه؛ فالحق أحق أن يتبع من قول زيد أو عمرو من الناس؛ والله إنما تعبَّدنا بما جاءنا في كتابه وما صح عن نبيه ﷺ . ١٠ - إحسان الظن بالمؤمنين، وخلع المنظار الأسود عند النظر إلى أعمالهم ومواقفهم؛ فلا ينبغي أن يكون سلوك المؤمن واتجاهه قائماً على تزكية نفسه واتهام غيره. يقول : ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] . إن سوء الظن من الخصال المذمومة التي حذر منها الإسلام؛ فالأصل حمل المسلم على الصلاح، وألا نظن به إلا خيراً، وأن نحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه، وإن بدا ضعفها؛ تغليباً لجانب الخير على جانب الشر. ١١ - الحوار بالحسنى، واجتناب المراء المذموم واللدد في الخصومة؛ فالإسلام ـ وإن أمر بالجدال بالتي هي أحسن ـ ذم المراء الذي يراد به الغلبة على المخالف بأي طريق، دون التزام بمنطق ولا خضوع لميزانٍ حاكم بين الطرفين؛ وهذا ما ذم الله به الممارين من أهل الشرك والكفر، بمثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٨ - ٩] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦] .

стр. 5392

العبودية لغير الله حقيقتها ـ صورها ـ أساليب دفعها عبد المجيد بن عبد الرحمن باحص عندما يكون هناك من يقيد حركة المرء بقيود الاستعباد، وعندما يضيق الحصار على الحرية يصبح للحياة آنذاك وجه آخر يعجز عن وصفه من أدرك وقائعها وعاش لحظاتها.. إنها العبودية الشنعاء (١) أي العبودية لغير الله ـ تعالى ـ التي تكبل بقيودها الإنسان لتجعله عبداً ذليلاً، فتحرمه الانطلاق الحر على وجه هذه البسيطه ليتفاعل مع مكنوناتها وينتج ما يخدم أمته ودينه. وذل الاستعباد لم يعرف طعمه إلا من ذاق مرارته، ولم يشعر بشناعته إلا من رآه بأم عينيه؛ فهو داء يشل حركة المرء الروحية، ويقعد العامل عن العمل ـ إن استمر في ذلك ـ فلن يُزال الاستعباد حتى يتخلص منه المرء. وعندما أتى ذاك القبطي إلى عمر الفاروق يشتكي الظلم أدرك عمر ﵁ أن الاستعباد لن يصلح الدولة الإسلامية ولن يرفع شأنها وأمجادها، بل إن في حصول ذلك مضرة عظيمة على جميع أفراد الدولة الاسلامية ومصالحهم؛ فما كان منه إلا أن قام باستئصال ذلك فعلياً ليرسخ مبدأ أن ليس لأحد حق الاستعباد وإن ملك ما ملك، وأطلق كلمته العظيمة مخاطباً عمرو بن العاص: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟» . علمت أن وراء الضعف مقدرة وأن للحق لا للقوة الغلبا ولأهمية الموضوع فقد وضعته في نقاط سائلاً المولى أن ينفع بها. - أولاً: لمن الحق في العبودية؟ قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، والعبودية من أعظم ما يُصرَف لله؛ إذ إنها لا تكون إلا لله وحده، فإنه ـ سبحانه ـ لم يخلق البشر والخلق أجمعين إلا لعبادته والإذعان بالعبودية له. قال ابن تيمية ﵀: «والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له كان أقرب إليه وأعز له وأعظم لقدره؛ فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله» (٢) ؛ لأن في ذلك سعادتهم في الآخرة قبل الدنيا، فيتوجه المرء بحسه وإحساسه نحو خالقه ورازقه، فيدعوه ويتوسل إليه ويلجأ ويلتجئ إليه؛ لأنه لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه، لأن العبد يحتاج إلى معبوده في كل حين. يقول ابن القيم ﵀: «فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به» (٣) . والعبودية هي روح العبد الحقيقية، فلا تُصرف إلا لله؛ لأن في صرفها لغير الله حصول مضرة وفساد «.. ومن عبد غيره وأحبه ـ وإن حصل له نوع من اللذه والمودة، والسكون إليه، والفرح، والسرور بوجوده ـ ففساده به ومضرته وعطبه أعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ، الشهي، الذي هو عذب في مبدئه عذاب في نهايته» (١) ، ولن نبلغ الكمال المنشود حتى تكمل العبودية لدينا و «أكمل الخلق أكملهم عبودية» . - ثانياً: من صور الاستعباد: للاستبعاد صور عديدة من أهمها: أولاً: الاستعباد الباطني: من الناحية القلبية: القلب أعظم ما يمتلك المرء؛ إذ إنه ملك الجوارح وسيدها المطاع وهو موجه الأوامر؛ ولذا فإن من أخطر أنواع الاستعباد أن يُستعبد قلب المرء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن أسر القلب أعظم من أسر البدن واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن؛ فإن من استُعبد بدنه واستُرق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقاً مستعبداً متيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما استعبد القلب» (٢) ؛ فمن الأمور التي يستعبد بها قلب المرء: ١ - العشق والتعلق: وهذا من أخطر الأمراض على العبد ومن أشدها عبودية؛ فهو عدو الصحة، وشلل الدعوة، وتوقف الحزم، وتبلد العقل، وطريق الشيطان؛ فالعاشق لا تجد لذكر الله محلاً بقلبه؛ إذ إنه أصبح متعلقاً بغيره، ولا تجد لبصيرة قلبه مسلكاً؛ لأن الهوى قد غلفها بظلامه، فهو يعيش ـ وإن رأيته حراً ـ أسير شهوته وقيد عشقه، فتراه عبداً ذليلاً لمعشوقه، لا يكاد يقاوم لهفة نفسه عند ذكره؛ فهو مستعبد داخلياً مُذلل خارجياً. قال ابن القيم ﵀: «المحب بمن أحب قتيل، وهو له عبد خاضع ذليل، إن دعاه لبَّاه، وإن قيل له: ما تتمنى؟ فهو غاية ما يتمناه، لا يأنس، ولا يسكن إلا سواه» (٣) . وما أشنع من منظر رأته عيناك من منظر ذاك العاشق الولهان الذي ضاع عمره القصير في تفاهة أمر كان بإمكانه التخلص منه. قال ابن تيمية ﵀: «قيل: العشق هو فساد الإدراك، والتخيل والمعرفة؛ فإن العاشق يخيل له المعشوق على خلاف ما هو به، حتى يصيبه ما يصيبه من داء العشق، ولو أدركه على الوجه الصحيح لم يبلغ إلى حد العشق وإن حصل له محبة وعلاقة» (٤) . والعشق يحصل به من الأمور ما لا يحصل في غيره، ولذا قال ابن تيمية ﵀: «عشاق الصور من أعظم الناس عذاباً، وأقلهم ثواباً؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها مستعبَداً لها اجتمعت له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد» (٥) ، وذكر ذلك ابن القيم ﵀ فقال: «عشق الصور المحرمة نوع تعبُّد لها، بل هو من أعلى أنواع التعبد ولا سيما إذا استولى على القلب وتمكن منه صار تتيُّماً، والتتيُّم التعبد، فيصير العاشق عابداً لمعشوقه» (٦) . قال ابن أبي حصينة: والعشق يجتذب النفوس إلى الردى بالطبع، واحَسَدي لمن لم يعشقِ وقال آخر: العشق مشغلة عن كل صالحة وسكرة العشق تنفي لذة الوسنِ ولو أخذنا جوانب العشق كاملة لطال المقام ولكثر الكلام (٧) . وقانا الله وإياكم شر العشق وشر كل سبيل موصل إليه. ٢ - حب الدنيا والاغترار بها: لم يدخل حب الدنيا في قلب امرئ إلا سلبه لبه، وأفقده بذله للآخرة؛ فهي دار غرور وبلاء، وفتنة وشقاء، فيبدأ المرء بالتنازلات السريعة عن مبادئه وعن تقاليده حتى يبلغ ذلك دينه والعياذ بالله، «وأعظم الخلق غروراً من اغتر بالدنيا وعاجلها فآثرها على الآخرة ورضي بها من الآخرة» (٨) ، وكما قيل في بعض المأثورات: «الدنيا مال من لا مال له، ودار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له» ، ولا يمكن لعاقل لبيب أن ينخدع بدار زوال عما قليل فانية؛ فعقله الحكيم يبصِّره بعواقب الأمور، وضميره المتيقظ يوقظه من غفلة هذه الدنيا. ويبين لنا الرب ـ جل وعلا ـ مَثَل الحياة الدنيا فيقول ـ عزوجل ـ: ﴿إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] ، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: «وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا؛ فإن لذَّاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتاً قصيراً؛ فإذا استكمل وتم اضمحل، وزال عن صاحبه، فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها» (٩) . ولأن هذه الدنيا دار غرور، ولأنها دار التنافس الدنيوي الدنيء ـ ذي النهاية المعروفة ـ فقد حذرنا منها نبينا ﷺ ، بل كانت من الأمور التي يخاف منها على أمته؛ ففي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ خرج يوماً، فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: «إني فَرَطٌ لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض ـ أو مفاتيح الأرض ـ وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها» . ورحم الله الشافعي حين قال: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إليَّ عذبها وعذابها فما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها ٣ - حب المال والجاه: حب المال وحب الجاه من الأمور التي تستعبد قلب المرء؛ فهي كالغشاوة التي تحجب الرؤية المبصرة، فتراه لاهثاً خلفها، مجتهداً في الحصول عليها. إن اللاهث خلف المال والجاه يعمى بصره، فيقطع الأرحام من أجل المال والجاه، ويهتك الأرحام من أجل المال والجاه، ويتعامل بالمعاملات الربوية من أجل المال والجاه. يقول ابن تيمية ﵀: «لا ريب أن الحرص والرغبة في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا من المال والسلطان مضر؛ كما روى الترمذي عن كعب بن مالك قال: قال رسول الله: «ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فذم النبي ﷺ الحرص على المال والشرف، وهو الرياسة والسلطان، وأخبر أن ذلك يفسد الدين مثل أو فوق إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم، وهذا دليل على أن هذا الحرص إنما ذم؛ لأنه يفسد الدين الذي هو الإيمان والعمل والصالح؛ فكان ترك هذا الحرص لصالح العمل، وهذان هما المذكوران في قوله ـ تعالى ـ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩] ، وهما اللذان ذكرهما الله فى سورة القصص، حيث افتتحها بأمر فرعون وذكر علوه في الأرض، وهو الرياسة والشرف والسلطان، ثم ذكر في آخرها قارون وما أوتيه من الأموال، وذكر عاقبة سلطان هذا وعاقبة مال هذا، ثم قال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] كحال فرعون وقارون؛ فإن جمع الأموال من غير إنفاقها في مواضعها المأمور بها، وأخذها من غير وجهها هو من نوع الفساد» (١) . وما من شك في أن حب المال عندما يطغى على قلب المرء يصبح أسيره؛ فلا يرى معروفاً ولا منكراً، فتصبح كل الأمور لديه واحدة، والأهم في نظره هو جمع المال فقط وتحصيله من أي مصدر سواء كان حلالاً أم حراماً. ويصور لنا الشاعر حال ذلك المرء الذي أنفق عمره في تحصيل المال فيقول: ومن ينفق الأيام في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقرُ وقال الآخر: ولا تحسبن الفقر فقر من الغنى ولكن فقر الدين من أعظم الفقرِ من الناحية العقلية: العقل نعمة من الله أنعمها علينا؛ فبه يميز العاقل بين الخير والشر، والمعروف والمنكر، وبه تُستبصَر الأمور وتُدرك الحقائق؛ وذلك من خلال التعقل في الأمور والتمهل فيها، ولذا لما سئل الأحنف عن العقل قال: «العقل رأس الأشياء، فيه قوامها، وبه تمامها، وهو سراج ما بطن، وملاك ما علن، وسائس الجد، وزينة كل أحد، لا تستقيم الحياة إلا به، ولا تدور الأمور إلا عليه» . ومتى استخدم هذا العقل في غير مكانه ـ الذي هو الخير ـ أصبح مجرد كتلة لا تصلح لأي عمل وحيي على الشر وعلى تحقيق رغباته وأهوائه ولا نصيب للتفكير السليم فيه، فأصبح بذلك فرداً لا همَّ له سوى عبادة ما يمليه عقله عليه، فكان كما قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] . - الأمور التي بها يُستعبد العقل: ١ - الانحراف الفكري: الفكر هو لب العقل وأساسه، وتقويمه واعتماده؛ فإن سلم صحت تلك الأفكار التي يحملها فتنتج بإذن ربها ثمارها اليانعة، وإن خبثت واستقت أفكاراً خبيثة وهدامة لم يُجنَ منها إلا العلقم، ولم يبلَ العقل بمثل بلوى الانحراف؛ فهو مسلك خطير من سلكه هلك ومن اتقاه نجا واستدرك. فالانحراف الفكري كالرمال المتحركة التي سرعان ما تلقي بصاحبها داخل جوفها، هل تراه يعيش بعدها؟ وصاحب الفكر المنحرف يتلقى أفكاره من مصادر خبيثة لتصادف هوى، فيصبح بأذيالها متمسكاً وبشأنها متعبداً؛ فهي نواة تبقى في ذهنه، وسرعان ما تنمو وتكبر مع مرور الزمن وتلقِّيه المستمر، وما ذلك إلا من الخلل الذي أحدثه في البداية وهو تلقي الأفكار من غير مصادرها الأساسية الأصلية، ثم ينعكس ذلك تماماً على عقيدته وواقعه «.. وإذا كانت حرية العقيدة والرؤية الأساسية الكلية هي قضية لها جوانبها المطلقة والكلية؛ فإن حرية الفكر هي في أساسها انعكاسات للرؤية العقيدية الكلية على واقع الحياة وقضاياها» (٢) . ولم يكن هناك شيء أخطر على الأمة من الانحراف الفكري؛ فبه تحدث المنازعات والخلافات العقدية والفكرية والشقاقات السياسية والاقتصادية ويصرفها عن النظر لواقعها وحالها، ومنه تخرج أجيال غاية علمهم التعصب لآرائهم والعداء لمن خالفهم، وتربية من خلفهم على ما تعلموه وما أتقنوه، وله تُدَس المؤامرات والدسائس والخطط والنقائص. قال ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] . ٢ - التبعية: لم يحدث استعباد العقول وانحرافها إلا عن طريق التبعية الخاطئة، ولذا عندما عطلوا عقولهم نفى ـ سبحانه ـ الاهتداء والتعقل عن هؤلاء الذين يتبعون الآخرين وإن كان أمرهم خاطئاً، فقال: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] ، فالأمر يزداد خطورة عند عدم إدراك من نتبع وأي طريق يسلك، وما كان انحراف الأكثرية في السنين الماضية إلا عندما سلكوا مسلك التبعية الخاطئة، وانتهجوا نهجه، ولنا في قصة (رفاعة الطهطاوي) و (عبد الرحمن الكواكبي) عبرة؛ وذلك حينما كانا على تبعية حمقاء؛ فـ «أزمة الطهطاوي تتلخص في أنه ابتعد إيمانياً عن فرنسا واقترب حضارياً ـ إلى حد التبعية ـ لها، واستسلم لمزلق تفصيل الفكر الإسلامي بما يناسب الفكر الأوروبي الحديث» (١) ، وأما الكواكبي «فقد أخطأ عندما تصور مجد الإسلام يعود بنظام سياسي على النمط الأوروبي، وأخطأ ثانية عندما أحسن الظن بالسياسيين الاستعماريين وبالقوى الصليبية» (٢) . ولنعلم أن التبعية التي لا أصل لها من الكتاب والسنة لا تولِّد لا حضارة ولا فكراً؛ وإن حدث ذلك فهو ناقص وسرعان ما يزول؛ إذ إن من شأن الأمور الوضعية أنها تزول وإن استمرت برهة من الزمان؛ وذلك لأنها لا توافق البشر كلهم وإن رغبها بعضهم، ولا يظن آخرون أنه عند استمرار حضارة ما أو فكر ما قد خالطه تبعية غربية أنه باق ما بقي الدهر، أو أن زواله مستحيل، كلا! بل على العكس تماماً، إن زواله قريب وانهياره سريع. - ثانياً: استعباد خارجي (بدني) : وهذا الاستعباد أهون من الاستعباد الباطني بكثير؛ إذ إن هذا ليس من اختيار العبد وغالباً على أمره، وربما كان ابتلاءً من الله لعبده المؤمن وتمحيصاً له، وفترته قد لا تستغرق وقتا طويلاً. نعم! ربما سلبت حريته البدنية، ربما سلبت كرامته، وربما سلب كل أمر ظاهري منه، ولكنه لم يُسلب قلبه، ولم يسلب عقله وتفكيره؛ فهو يعيش الحرية داخلياً، ويفقدها خارجياً «ومتى عجزت القوة المادية عن استذلال القلوب فقد ولَّدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب» (٣) . أنَا مُسْلمٌ وأقولُها مِلءَ الوَرَى وعقيدَتِي نورُ الحيَاةِ وَسُؤْدُدِي وما صبر الكثير على طريق الايمان إلا عندما أوذي وسجن وعُذِّب، وما يظن عاقل انه بإمكانه الاستمرار على هذا الطريق دون ابتلاءات وفتن. قال ـ تعالى ـ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ، «إن الايمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال؛ فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا؛ وهم لا يُتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة، فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب» (٤) ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] ، «إنها سُنَّة العقائد والدعوات: لا بد من بلاء، ولا بد من أذى في الأموال والأنفس، ولا بد من صبر ومقاومة واعتزام، إنه الطريق إلى الجنة. وقد حُفَّت الجنة بالمكاره. كما حفت النار بالشهوات» (٥) ، وعلى قدر إيمان المرء يكون ابتلاؤه، كما روى سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه؛ فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة» (٦) . فالقهر والظلم والسجن والضرب وغيرها كلها وسائل ظاهرية تتولى الاستعباد الظاهري ولا تستطيع أن تملك الداخل؛ إذ إن من شأنها التعذيب والسياط والجلد، وفرض الهيمنة والسيطرة الخارجية، وما ظن أولئك أن من كان مع الله كان الله معه. ولنا في السابقين عبرة؛ فهؤلاء الأنبياء ابتُلوا وغيرهم من الصالحين الذين حملوا همَّ هذا الدين؛ فقد سُجِن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل وعذب وما زاده ذلك إلا ثباتاً ورسوخاً، وسجن شيخ الاسلام ابن تيمية فما كان منه إلا أن قال: «ما يفعل أعدائي بي؟ أنا سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة» . وقُهِرَ أناس وظلم آخرون وهددوا فلم يردهم ذلك عن إيمانهم ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي - ثالثاً: نماذج من الاستعباد: مرت العصور السابقة بألوان من الاستعباد؛ والنماذج في هذا كثيرة، وأقتصر في هذا ـ على سبيل الاختصار ـ على نموذجين من ذلك: ١ - استعباد فرعون: لم تذق أمة من الأمم السابقة ذل العبودية والاستعباد مثل ما ذاقته أمة بني إسرائيل في عهد ذلك الطاغية فرعون؛ فقد فعل بهم الأفاعيل، وجعل منهم خدماً وعبيداً لا قيمة لهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] ، «وكل طاغوت يُخضِع العباد لشريعة من عنده، وينبذ شريعة الله، هو من المفسدين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون» (١) ، ولم يكتف ذلك الطاغية بهذا، بل بدأ يقتل الذكور فيهم ويبقي النساء للخدمة، وما كان قتله للذكور إلا لخوفه على ملكه عندما أعلمه أحد الكُهَّان أنه سيولد فتى سيفنَى ملكُه على يديه، ثم أتى موسى ﵇ فقال له: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ، ولم يكن موسى ليهاب ذلك الطاغية فأطلق قوله: ﴿يَا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤] ، فهاج ذلك الطاغية ليجمع بعد ذلك أتباعه من أجل أن لا تتهاوى مملكته أمام الحقيقة التي أعلنها له موسى ليكون في ذلك هلاكه وموته غريقاً تحت المياه. وآثار الظلم والاستعباد باقية إلى اليوم شاهدة على أفظع الصور وأبشعها في إذلال العباد وإن سميت بغير اسمها ودُعيت بـ (الحضارة الفرعونية) . ٢ - الشيوعية: كان من الأنظمة التي لها النصيب الأعظم في الاستعباد الصريح نظام الشيوعية؛ فقد كان الشيوعي يعمل ويكدح وينصَب لأجل غيره، فلا يتملك ولا أحقية له في ذلك «ولقد زعمت الشيوعية أن الذل الوحيد في الأرض هو عمل الإنسان أجيراً لإنسان آخر، وزعمت أنها هي ستخلص الناس من الظلم وتمنع الاستغلال، حين تمنع تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر. نعم! ولكن ما الفرق بين تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر، وتأجيره للدولة التي هي شخص معنوي في الكلام فقط؟ ولكنها في الواقع مجموعة من البشر يحملون من السلطان ما يجبرون به الناس على أداء العمل الذي يطلبونه منهم، وما يعاقبونهم به إذا قصروا في أدائه؟ وصدق الله العظيم: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩] . - رابعاً: كيف ندفع الاستعباد؟ ندفع الاستعباد بأمور كثيرة من أهمها: ١ - خشية الله والخوف منه: والخشية لله ـ تعالى ـ تزيد العبد اطمئنان القلب وتعلقاً بالله فلا يعبد سواه، ولا يخشى أحداً إلا اياه، فيتوجه إليه بالكلية، فلا تغره دنيا، ولا يهيبه ملك أو سلطان فقد مُلئ قلبه خشية وخوفاً من الله تعالى. وقد قرن خشيته بالفوز في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] «فالطاعة لله ورسوله تفتضي السير على النهج القويم الذي رسمه الله للبشرية من علم وحكمة، وهو بطبيعته يؤدي إلى الفوز في الدنيا والآخرة، وخشية الله وتقواه هي الحارس الذي يكفل الاستقامة على المنهج، وإغفال المغريات التي تهتف بهم على جانبيه، فلا ينحرفون ولا يلتفتون» (٢) . والخشية من المنجيات التي تنجي العبد من كل شيء.. من الدنيا وغرورها.. من الحياة وفتنها.. قال ﷺ : «ثلاثٌ منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى. وثلاثٌ مهلكات: هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه» (٣) . وبالخشية يستعين العبد على دينه.. فيحفظه من الضلال.. ويحفظه من الزيغ والانحراف. عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: «كان يقال: ما استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله» (٤) . ٢ - اتباع المنهج السليم: ومن الوسائل في دفع الاستعباد المنهج السليم الذي هو الطريق القويم الذي يضمن لذوي العقول السير الصحيح والتبصر الحكيم، وأي أمة فقدت المنهج الصحيح السليم حارت في دروب التيه العقدي والإعصار الفكري ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] ، ولكي نضمن منهجاً سليماً خالياً من الشوائب لا بد من أمرين: أ - أخذ المنهج من مصدره الأساسي الذي هو المصدر الرباني المتمثل في الكتاب والسنه. قال ﷺ : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله» (٥) . ب - التلقي السليم الذي لا تتنازعه أهواء ولا تعصبات ولا منازعات، ولا يشوبها انحرافات فكرية، ولا يخالطها معتقدات فاسدة باطلة. ولك أن تتصور حال المرء بلا منهج صحيح: كيف يكون حاله؟ إما إلى جهالة عمياء أو إلى ضلالة خرقاء. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١] ، عندما ضعف تأصيله ومنهجه الذي يعتمد عليه عَبَدَ اللهَ على شك وعلى انحراف وخلل عقدي؛ فلم يصبر على مواجهة أمواج الفتن العاتية، فانقلب على وجهه مهزوماً مخذولاً قد خسر دنياه وآخرته، وعلى المرء أن يتحرى الطريق الصحيح الذي يبقي له المنهج صحيحاً سليماً و «الطريق الوحيد الصحيح الذي يجب على كل مسلم سلوكه هو طريق أهل السنة والجماعة طريق الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، ذو العقيدة الصافية والمنهج السليم واتباع السنة والدليل» (٦) . ٣ - الأخذ بزاد الصبر: قال ـ تعالى ـ مبيناً شأن أولئك الذين صبروا وما آل إليه صبرهم: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] . والصبر أمر مطلوب؛ فقد حث الله ـ سبحانه ـ عباده المؤمنين على الصبر فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . قال ابن القيم ﵀: «والإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. قال غير واحد من السلف: الصبر نصف الإيمان. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. ولهذا جمع الله ـ سبحانه ـ بين الصبر والشكر في قوله: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] » (١) . والصبر سبب في كمال المرء. قال ابن القيم ﵀: «أكمل الخلق أصبرهم، ولم يتخلف عن أحد كماله الممكن إلا من ضعف صبره» (٢) . ولا تنال الإمامة في الدين إلا بشيئين ذكرهما ابن تيمية ﵀ فقال: «إنما تُنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين» (٣) ، ويذكر ابن القيم تشبيهاً للصبر فيقول: «النفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام للمطية؛ فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب» (٤) . ولنا في السابقين أبلغ العظات والعبر؛ فقد صبر سيد المرسلين محمد بن عبد الله ﷺ أشد الصبر وأبلغه حتى بلَّغ دين الله ، وصبر من بعده أتباعه كبلال وخباب، وصبر كذلك إمام السنة أحمد بن حنبل، ومن بعده ابن تيمية، والكثير من أئمة الدعوة صبر؛ فما أوهنه القيد ولا غيَّره السجن؛ فهو صامد كالطود. قال ﷺ : «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٥) . والمؤمن الصابر أمره في خير بإذن الله كما أخبر بذلك النبي ﷺ فقال: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» (٦) . ٤ - تحرير الفكر: ولكي يتحرر الفكر من قيود الاستعباد لا بد له من الاطلاع الواسع والقراءة المكثفة النافعة؛ فبها يرقى فكره ويعلو، فلا ينجرف فكرياً ولا ينقاد تبعياً، ويصبح ملمّاً بأمور الحياة مدركاً لفقه الواقع. إن القراءة للعقل بمثابة الغذاء للجسد، ولذا كان خطاب الله لنبيه محمد ﷺ بداية ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ، ولا يمكن لأحد أن يكون ذا فكر جيد وخيال واسع دون القراءة. ٥ - البعد عن الاعلام الهابط والهدام: الإعلام من أقوى الوسائل تأثيراً على البشر وعلى المجتمع؛ إذ إنه سلاح ذو حدين، ولا يُمنع أحد من عدم مشاهدته؛ لأنه في متناول الجميع، سواء كان مرئياً أم مقروءاً أم مسموعاً، ولذا كان من مراتب الجهاد جهاد الكلمة أو جهاد القلم، ولكن ما إن يتحول هذا الإعلام إلى وسيلة لإذلال العباد واستعبادهم حتى يصبح ذا خطورة عالية، فيهوِّل لهم الأمور حتى تصبح كالموبقات لديهم ﴿وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] ، فتجدهم لا يجرؤون على الكلام فيه أو الخوض في تفاصيله، فأصبح الجميع مستعبَداً لما يقوله الإعلام فيلعب بعقولهم كيف شاء؛ فتارة يُلهب عواطفهم ضد أمر ما، وتارة يحذرهم من أمر فيه خير، وقلما تجده يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، ولو أنهم رجعوا إلى عقولهم وبصيرتهم لوجدوا أن الحق خلاف ذلك، ولو أنهم تجنبوا ذلك الإعلام السيئ أو أخذوا الإعلام من مصدره الصحيح لما حدثت التغيرات الداخلية لديهم، ولما تقاعسوا وتراجعوا، ولأبصروا الحقيقة الحقة، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ٨٣] . ٦ - الدعاء: الدعاء خير سلاح يتسلح به المؤمن، وبه يدفع البلاء والاستعباد؛ فهو عدته وعتاده، ولا يرد القضاء إلا الدعاء كما قال ﷺ : «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» (٧) . وحث ـ سبحانه ـ عباده على دعائه، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ، «هذا من لطفه بعباده ونعمته العظيمة؛ حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه دعاء العبادة ودعاء المسألة» (٨) ، و «من أعظم ما يجلبه الدعاء إلى الداعي أنه سبب في تحقيق التوحيد الذي به نجاة العبد وفلاحه؛ لأن الداعي الذي صرف دعاءه وسؤاله لله دون غيره وأخلص له فيه، فقد حقق جانباً من جوانب التوحيد وهو أن الدعاء عبادة لله وحده لا تصرف إلا له» (٩) . والدعاء يحتاج من المرء إلى عزيمة وعزم. قال ﷺ : «إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء، ولا يقولن أحدكم: إن شئت فأعطني؛ فإن الله لا مستكره له» (١٠) ، ولا عجز للمرء مثل عجزه عن الدعاء؛ فقد قال ﷺ : «إن أبخل الناس من بخل بالسلام، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء» (١١) . ويبين ابن القيم أهمية الدعاء وسبب تأخره، وأظنه جمع أهم الأسباب في تأخر إجابة الدعاء في كتابه (الجواب الكافي) . - ختاماً: عندما ابتعدت الدولة الإسلامية في عصر صدر الإسلام عن مظاهر الظلم والاستبداد والاستعباد ارتفع شأنها وبلغت رقعتها أقصى الأرض، وبلغ مجدها ذروته، فأصبحت رايتها خفاقة، وخيلها سباقة، وحق فيها قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] ، وما أن يظهر الاستبداد والظلم والقهر بأرض حتى يحل بها فساد وانتشار فتن وزوال نِعَم لا يرفعه إلا رجعة صادقة إلى الله ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] . والله يحفظنا هو مولانا وعليه التكلان.

стр. 5393

فقه التعامل مع الناس صالح بن فريح البهلال إن الله ـ جل في علاه ـ خلق الإنسان، مدنياً بالطبع، يُوْثِر الاجتماع على العزلة، فتراه يمر في أطوار حياته بين أبوين وإخوان، وأقاربَ وجيران، ومعارفَ وخِلان، وزوجٍ وولدان، وقد حتَّم عليه الشارع حضور بعض العبادات جماعةً؛ وكل هذا يلزم بها أن يتقن فقه التعامل مع الناس؛ حتى يسلمَ من نزَق الطبع، وطيش الحِلم؛ لأنه ـ غالباً ـ لا يسلم من أن يَجْهلَ، أو يُجْهَلَ عليه. وإن مُنْعِم النظر في أحوال بعض الناس في هذا الزمان لَيجد أنهم يعانون من انشقاق العصا بينهم، ويلقوْن في ذلك نصَباً ناصباً؛ وذلك جرَّاءَ أمور مَهينة، انتهز الشيطان فيها فُرصة، واهتبل فيها غِرة، فصعَّد فيها وصوَّب، فانجلت عن شقاق، وسوء أخلاق. وإليك أمثلةً ليست من نسج الخيال، وإنما هي من واقع الحال. فهذا قد شاكس أباه على منعه حقاً له؛ لا يساوي معشار كد والده عليه. وهذا قد قطَّع أخاه؛ لأجل اختلاف في قسمة ميراث. وهذا قد فارق زوجه؛ إثر سوء تفاهم بينهما يَرِد مثله في الحياة الزوجية كثيراً. وهذا قد ترك حلقته التي يتعلم فيها القرآن؛ لأن أستاذه فيها قسا عليه ـ مرة ـ. وهذا قد سخط على فلان ـ من جماعة مسجدهم ـ لأنه ـ بزعمه ـ قد ابتلاهم بفتح أجهزة التكييف في المسجد. وهذا قد هجر جاره؛ لأن ولد جاره خاصم ابنه مرة. وهذا قد قطع صلة قريبه؛ لأنه تذرَّع به في شفاعة، فلم يشفع، ولم يرفع. وهذا شكاكٌ مرتاب تكاد مرارته تنفطر من الغيظ، على فلان وفلان، لا لشيء؛ وإنما لأنه كلَّف نفسه ما لم تُكلَّف، فاشتغل بتفسير المقاصد، فهو ثائرٌ على فلان؛ لأنه قال كلمة في مجلس، يظن أنه لا يقصد غيره بها، وهو ساخطٌ على فلان؛ لأنه ـ بزعمه ـ متكبر، وافقه مرة فلم ينظر إليه إلا بطرْف فاتر، وهو منقبض عن فلان؛ لأنه فيما يظهر له ـ يتلظى صدره علىه من الحسد. وتلك امرأة، تزوي ما بين عينيها ـ دوماً ـ على امرأة ابنها؛ لأنها لم تقم بحقها ـ زعمت ـ. وأخرى صرمت حبال الوصل مع شقيقتها؛ وذلك لأجل خصومة أولادهما المتكررة. إلى غير تلك الأحوال التي تنقبض لها الصدور، وتشمئز منها النفوس، وتُحدِث فيها لوعة مؤلمة، ومسّاً موجعاً. وهذا بعض الإشارات في فقه التعامل مع الناس، علَّها أن تنظم شملاً قد تمزق، وتجمع شتاتاً قد تفرق. فإلى المقصود، والله المستعان، وعليه التكلان؛ فما أحرانا بضرورة مراجعة نفوسنا وحسن الظن بإخواننا والتزام ما يلي: ١ ـ توطين النفس على معاملة الناس بمحاسن الأخلاق، وجميل الخِلال، وهذا من مسلَّمات الدين، ولأجله بُعث سيد المرسلين ﷺ ؛ إذ يقول: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق» (١) ، والآيات والأحاديث التي تحث على التحلي بمكارم الأخلاق، وتنهى عن سفسافها وافرة معلومة. وهي من أعظم ما يجلب الودَّ، ويُحِلُّ الوفاق، وينفي الفُرقة، ويزيل الشقاق. وإنك لترى الرجلَ الذي يذكر بِغلَظ الطباع، وفظاظة الأخلاق، ما إن تتطلقْ في وجهه، وتَهَشَّ له بكلام لين، إلا وتجد أثر ذلك فيه. والكلام في الخُلُق الحسن، وأثره على صاحبه، وعلى الناس، يطول جداً، والخلاصة فيه: أنه لا يخيب صاحب أخلاق حسان أبداً، ولا يعنو كمداً؛ لأنه لا يحمل حسداً، ولا يؤذي أحداً. وما الإشارات الآتية إلا وتتفيأ ظلال هذه الإشارة، وتمتد إليها بسبب متين، وتأوي فيها إلى ركن شديد؛ فهي خلاصتها، وعصارتها. ٢ ـ معاملة الناس حسب طبائعهم التي أعطاهم الله إياها؛ فإن الله ـ سبحانه ـ كما قسم الأرزاق قسم الأخلاق؛ فمن الناس من هو حُرُّ الخلال، أَرْيَحِيُّ الطباع، يترقرق في وجهه ماء البِشْر. ومنهم من هو فظ الأخلاق، صعب المراس، كأنما قُدَّ من صخر. ومنهم من هو مبتغٍ بين ذلك سبيلاً، وقد أبان الرسول ﷺ ذلك، فقال: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود، وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزْن، وبين ذلك» أخرجه أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) . وقد تمثل بعض الشعراء بهذا المعنى، فقال: الناس كالأرض، ومنها هُمُ فمن خشن الطبع، ومن ليِّنِ فجنْدلٌ تدْمى به أرجلٌ وإثْمِدٌ يوضع في الأعينِ وبهذا يعلم أن معاملة الناس، ينبغي ألا تكون على وتيرة واحدة، بل يعامَل كلٌ منهم حسب طبعه، كما ـ تعالى ـ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] . قال العلامة الشنقيطي: « ... العفو معروف في كلام العرب، تقول لك: «خذ العفو مني» أي؛ خذ ما تسهَّل لك من أخلاق الناس، ووجدت منهم طِيباً بلا كلفة فخذ، وما جاءك من غير ذلك فاصفح عنه وتجاوزه ... » (٤) . وقال العلاَّمة السعدي: «الذي ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو، أي ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم» (٥) . وقد حفظت لنا عائشة ﵂ موقفاً من المواقف النبوية التي تدل على حِذْقه ﷺ في التعامل مع الناس، تقول عائشة: «إن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلَّق النبي ﷺ في وجهه، وانبسط إليه. فلما انطلق الرجل، قالت عائشة: يا رسول الله! حين رأيتَ الرجلَ قلتَ له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة! متى عهدتِّني فحَّاشاً؟ إن شرَّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس اتقاءَ فحشِه» أخرجه البخاري (٦) ومسلم (٧) . قال القرطبي: «في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك، من الجور في الحكم، والدعاء إلى البدعة، مع جواز مداراتهم؛ اتقاء شرهم ما لم يؤدِّ ذلك إلى المداهنة في دين الله ـ تعالى ـ» (٨) . كما يرى المسْوَر بن مَخْرَمة ﵁ موقفاً في ذلك، فيقول: «قَدِمَتْ على النبي ﷺ أقبيةٌ من ديباج، مزررة بالذهب، فقسمها في أناس من أصحابه، وعزل منها واحداً لمخْرَمة، فلما جاء مَخْرَمة، قال الرسول ﷺ : «خبأت هذا لك» أخرجه البخاري (٩) من طريق أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن المسور. وقال أيوب بثوبه، وكان في خلقه شيء، قال الحافظ ابن حجر: «والمعنى أشار أيوب بثوبه ليُري الحاضرين كيفية ما فعل النبي ﷺ عند كلامه مع مَخْرَمة، ولفظ القول يطلق ويراد به الفعل؛ وإنما قيل في مخرمة ما قيل؛ لِمَا كان في خُلُقه من الشدة، فكان لذلك في لسانه بذاءة» (١٠) . وبهذا يعلم أن سبب كثير من الشقاق، وسوء الوفاق، بين ابن وأبيه، أو زوج وامرأته، أو إمام وبعض جماعة مسجده، أو نحو ذلك؛ إنما هو بسبب الجهل بالطبائع ونوع الأنفس. ٣ ـ معاملة الناس حسب منازلهم التي أنزلهم الله إياها؛ فالناس فيهم العالم والجاهل، والملك والسُّوقَة، والسائد والمسود، والغني والفقير، والكبير والصغير، والعاقل والمجنون، وغيرهم، فيعامل كلٌ حسب منزلته لا وكس ولا شطط. قال السعدي: «فلا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال، وتنشرح له صدورهم» (١١) . وفيما يروى عن النبي ﷺ قولُه: «أنزِلوا الناس منازلهم» أخرجه أبو داود (١) ، وهو وإن كان حديثاً ضعيفاً، إلا أن في السنة شواهد كثيرةً تدل على معناه، ومنها: ـ قوله ﷺ : «يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سناً ... » أخرجه مسلم (٢) . ـ وقوله ﷺ : «أراني في المنام أتسوَّك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواكَ الأصغرَ، فقيل لي: كبِّر، فدفعته إلى الأكبر منهما» أخرجه مسلم (٣) . ـ وقوله ﷺ : إن من إجلال الله ـ تعالى ـ إكرامَ ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» إخرجه أبو داود (٤) . ـ وقوله ﷺ : «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا» أخرجه أبو داود (٥) والترمذي (٦) . ـ بل انظر إلى مَلَكَة الحكمة التي أوتيها الرسول ﷺ حين دخل مكة فاتحاً، فجاء أبو سفيان فأسلم، فأراد الرسول ﷺ تثبيت إسلامه، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» (٧) فأبو سفيان من سادات قريش، ومثله يحب الفخر، فأشبع الرسول ﷺ مشاعره بهذه الجملة. وهكذا فعل الرسول ﷺ مع أولئك الرجال السادة في أقوامهم، الذين كانوا حدثاء عهد بكفر؛ فكان يعطيهم ما لا يعطي غيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «كان النبي ﷺ يتألف قوماً، ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين، وتطهير من ذنوبهم ... » (٨) . وقد قال النبي ﷺ في كتابه الذي أرسله إلى هرقل: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ، عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم..» أخرجه البخاري (٩) ومسلم (١٠) . فتأمل قوله ﷺ : «عظيم الروم» . إلى غير لك من الأحاديث الوافرة في هذا الجانب، التي تحتِّم أن يُعطَى كلُّ ذي منزلةٍ حقَّه اللائق بحاله؛ فللأمير حق، وللعالم حق، وللوجيه حق، وللوالد حق، وللولد حق، وللزوج حق، وللزوجة حق، وللكبير حق، وللصغير حق، وللتلميذ حق، ولإمام المسجد حق، ولناقص العقل حق، وكلّ له حق بحسبه، وليس المجالُ مجالَ بسط لهذه الحقوق؛ ولكن القصد هو الإشارة بأن إنزال الناس منازلهم سبب متين؛ لتقوية آصرة الألفة والمودة، ونبذ الشقاق وسوء الأخلاق. ٤ ـ معاملة الناس حسب ظواهرهم، فلا يُشتغل بتفسير المقاصد؛ فمن الناس من تجده شكاكاً في الناس، مرتاباً في تعاملهم معه، تتجاذبه فيهم الظنون، وتتوارد عليه الرِّيب؛ فلسان حاله: فلان قد رابني أمره، ولست على يقين من فلان، وإني لفي مرية من فلان. إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدَّق ما يعتادُه من توهُّمِ وعادى محبيه بقول عُداته وأصبح في ليل من الشك مظلم فلا يزال هذا المسكين يعاني في هذا الأمر صعَداً، ويقاسي منه نَصَباً، حتى يخلد إلى الانزواء، فيتفرق شمله، وينتثر نظمه. وإن في هذا الفعل مُجافاةً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] . وقوله ﷺ : «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث» أخرجه البخاري (١١) ومسلم (١٢) . وقد ورد في السنة ما يدل على أن النبي ﷺ كان يتعامل مع الناس حسب ظواهرهم، دون إيغال في النيات، أو تحسس في المقاصد، فمن ذلك: ما رواه أسامة بن زيد ﵁ قال: «بعثنا رسول الله ﷺ فصبَّحنا الحُرُقات من جهينةَ، فأدركت رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟» قال: قلت: يا رسول الله! إنما قال خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟! فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» أخرجه البخاري (١٣) ومسلم (١٤) . وما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ في قصة الرجل الذي قال للرسول ﷺ : اتق الله ـ لمَّا قسم الرسول ﷺ تلك الذُّهَيْبة التي بعث بها علي بن أبي طالب ﵁ من اليمن على المؤلفة قلوبهم ـ فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : «إني لم أُومَر أن أنقِّب عن قلوب الناس، ولا أشقَّ بطونهم» أخرجه البخاري (١٥) ومسلم (١٦) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن المنافقين الذي قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] هم في الظاهر مؤمنون يصلُّون مع الناس ويصومون ويحجون ويغزون، والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم، كما كان المنافقون على عهد رسول الله ﷺ ولم يحكم النبي ﷺ في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في مناكحتهم، ولا موارثتهم، ولا نحو ذلك، بل لما مات عبد الله بن أبي سلول ـ وهو من أشهر الناس بالنفاق ـ ورثه ابنه عبد الله، وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين» (١) . وقد أخرج البخاري (٢) عن الخليفة المحدَّث، عمر بن الخطاب ﵁ قوله: «إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم؛ فمن أظهر لنا خيراً أمنَّاه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنْه ولم نصدقْه، وإن قال إن سريرته حسنة» . فكل هذه الأدلة تبين بجلاء أنه يتحتم على المسلم أن يعامل أخاه بما يظهر منه، ويكل سريرته إلى الله؛ وبذلك تقوى صِلاته، وتطمئن نفسه، وتنجلي عنه مزعجات التفكير، ودوامات القلق. ٥ ـ استحضار أن الخطأ من طبيعة الإنسان، وأنه لم يسلم منه إلا من عصمه الله من أنبيائه ورسله، وقد قرر النبي ﷺ ذلك بقوله: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» أخرجه الترمذي (٣) ، وابن ماجه (٤) . ومن لك بالمهذب بالندب الذي لا يجد العيب إليه مختطى فمن الخطأ أن يتصور امرؤٌ مثاليةً في شخص، سواء كان امرأة سينكحها، أو عالماً سيتتلمذ عليه، أو رجلاً سيخالطه ويعاشره، أو غير ذلك، ثم يحاسبه بناء على ذلك، وربما انتبذ عنه مكاناً قصياً؛ بل عليه أن يعامله معاملةً واقعيةً، نابعةً عن معرفة بطبيعة البشر التي يعتريها الجهل والخطأ والنسيان. وانظر إلى فعل حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وهو من البدريين الذين قال الله فيهم: «اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم!» حيث أرسل إلى كفار قريش كتاباً يخبرهم فيه بعزم الرسول ﷺ وأصحابه في التوجه لفتحها، فأنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] الآية (٥) . قال الحافظ ابن حجر: «وفي هذا الحديث من الفوائد، أن المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن يُقْطَع له بالجنة لا يُعصَم من الوقوع في الذنب؛ لأن حاطباً دخل فيمن أوجب الله لهم الجنة، ووقع منه ما وقع» (٦) . وتأمل في جواب الإمام أحمد ﵀ لما قال له راويته مهنَّا: كان غُنْدَر (٧) يغلظ؟ قال: «أليس هو من الناس؟!» (٨) . وأمعِن النظر في قول شيخ الإسلام ابن تيمية هذا: يقول ﵀: «وليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفوراً لهم، بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقاً، بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة» (٩) . ٦ ـ التغافل؛ فبناء على ما هو مقررٌ من لزوم الخطأ لبني الإنسان، فإنه يحسن بالنابه الفطن أن يتغافل عن الأخطاء التي لا يترتب عليها مفسدة. وقد أخرج البخاري (١٠) ومسلم (١١) عن عائشة ﵂ قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ ، فقالوا: السامُ عليك، ففهمتها، فقلت: عليكم السامُ واللعنة، فقال الرسول ﷺ : «مهلاً يا عائشة! فإن الله يحب الرفق في الأمر كله» فقلت: يا رسول الله! أوَ لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : «قد قلتُ: وعليكم» . قال العلاَّمة ابن مفلح: «استُنبط منه استحباب تغافل أهل الفضل عن سَفَه المبطلين، إذا لم يترتب عليه مفسدة» (١٢) . فإذا كان هذه التغافل في مثل هؤلاء الكفار، فإنه يتأكد على المسلم أن يتغافل عما يجري من أخيه المسلم من الأخطاء المعتادة؛ فالكمال عزيز، ولن تجد زوجةً، أو ولداً، أو أخاً، أو معلماً، أو صديقاً، أو إماماً لمسجد، أو نحوه إلا وفيه ما يصفو وما يتكدر، فلا ترجُ خالصاً نفعه؛ فانهل من صفو صاحبك، وتعامَ عن كدره، كأنك ما سمعتَ ولا دريتَ. ولقد أجاد أبو تمام حين قال: ليس الغبيُّ بسيد في قومه لكنَّ سيدَ قومه المتغابي قال الإمام الشافعي: «الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل» (١٣) . وقال عثمان بن زائدة: «قلت للإمام أحمد: العافية عشرة أجزاء تسعة منها في التغافل، فقال: العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل» (١٤) . فأَجْمِلْ بالأب في بيته، والمعلم في فصله، والمدير في دائرته، وإمام المسجد مع جماعته، وكل مسؤول مع من تحت يده، أَجْمِلْ بهؤلاء كلهم أن يتحلوا بالإغماض عن الهفوات التي لا تمس ديناً، ولا تورث شراً، وإنما هو حقوقٌ شخصية. ويتأكد التغافل عن الخطأ في حق من اشتدت مودته، وطالت صحبته، كما قال أبو فراس الحمداني: لم أواخذْك بالجفاء لأني واثق منك بالوداد الصريحِ وجميل العدو غير جميل وقبيح الصديق غير قبيحِ ٧ ـ قبول أعذار الناس؛ فبما أن الإنسان لا يزال في حيِّز البشرية، يَرِدُ عليه الخطأ في تعامله مع الناس؛ فإن كفارة ذلك الذنب هو اعتذار ممن أخطأ معه. ويتأكد في حق من اعتذر منه أن يقبل عذره، ويكل سريرته إلى الله، تأسياً بالنبي ﷺ ؛ فإنه لما جاءه المخلَّفون عام تبوك، وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، قَبِلَ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وهو مع ذلك لا يصدِّق أحداً منهم؛ بدليل أنه لما جاءه كعب بن مالك، وأخبره بحقيقة أمره، قال: «أما هذا فقد صدق» كما عند البخاري (١) ومسلم (٢) . قال الإمام ابن القيم: «من أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته؛ فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته، حقاً كانت أو باطلاً، وتكل سريرته إلى الله ... » . ثم قال: «وعلامة الكرم والتواضع أنك إذا رأيتَ الخلل في عذره لا توقفْه عليه ولا تحاجَّه، وقل: يمكن أن يكون الأمر كما تقول، ولو قضي شيء لكان، والمقدور لا مدفع له، ونحو ذلك» (٣) . قال الإمام الشافعي: اقبلْ معاذير من يأتيك معتذراً إن برَّ عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره وقد أجلَّك من يعصيك مستترا وقال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: إن أبا موسى هارون بن عبد الله قد جاء إلى رجل شتمه لعله يعتذر إليه، فلم يخرج إليه، وشق الباب في وجهه، فعجب، وقال: سبحان الله! أما إنه قد بغى عليه، سيُنصر عليه، ثم قال: رجل نقل قدمه ويجيء إليه يعتذر لا يخرج؟! (٤) . ومما يقوِّي المسلمَ في قبول عذر أخيه إذا اعتذر إليه، استشعارُه أنه ربما احتاج لمثل هذا الموقف الذي وقفه أخوه أمامه؛ فهل يسرُّه حينَها أن يُرَدَّ خاسئاً وهو حسير؟ فكما تدين تدان. فما أجمل ذلك الأب الذي لما أتاه ابنه يلقي معاذيره، قبل عذره، وبرأه من الملام. وأكرم بذاك الزوج الذي إذا اعتذرت إليه زوجه من التقصير، نفض عنها غبار اللوم، ووجد لها في ذلك عذراً بيناً. ولله در ذاك الصديق الذي لما أتاه صاحبه معتذراً إليه من هفوة فرطت، أو سقطة بدت ـ هوَّن عليه، وقال: لا درَك عليك في ذلك ولا لَحق. بل إنه ينبغي لمن أوتي شهامة في طباعه، وسخاوة في أخلاقه، أن يعذر أخاه إذا سمع عنه سوءاً، وهذا قد دعا إليه ربنا في كتابه، فقال: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النور: ١٢] . قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: «لا تظنَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً» (٥) . وقال أبو قلابة: «إذا بلغك عن أخيك شيءٌ تكرهه فالتمس له العذر جَهدك، فإن لم تجد له عذراً، فقل في نفسك: لعل لأخيك عذراً لا أعلمه» (٦) . ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] . ٨ ـ الإعراض عن الجاهلين؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقال: ﴿وَإذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال: ﴿وَإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . فمن الناس من تجد في طبعه نزَقاً، وفي لسانه رهقاً، يغمز فيه ويلمز دون جريرة في الملموز، وإنما هو طيش الحلم، وسفه العقل. وإن شفاء مثل هذا الداء يسيرٌ على من يسره الله عليه، بأن يكون من أوذي رحب الصدر، وقور النفس، رصيناً، رزيناً، لا يستخفه سفه، ولا يستثيره غضب، طوداً لا تقلقله العواصف. وما أجمل ما فعل الخليفة الراشد، عمر بن الخطاب ﵁ لما دخل عليه عيينة بن حصن، فقال: «هِي! يا ابن الخطاب! فوَ الله ما تعطينا الجزْل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر ﵁ حتى هَمَّ أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين! إن الله ـ تعالى ـ قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقَّافاً عند كتاب الله ـ تعالى ـ» أخرجه البخاري (٧) . ٩ ـ العفو عن أخطاء الناس، ومقابلتها بالإحسان؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] . قال العلاَّمة السعدي: «أي؛ فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصاً من له حق كبير عليك، كالأقارب والأصحاب ونحوهم، إساءة بالقول أو الفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فصِلْهُ، وإن ظلمك فاعفُ عنه، وعامله بالقول اللين، وإن هجرك وترك خطابك، فطيِّب له الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة» (١) . وقال العلاَّمة الشنقيطي: «فإن ذلك الإحسان وذلك الحلم والصفح يقضي على إساءته ويذهبها حتى يضطر إلى أن يصير في آخر الأمر من أصدق الأصدقاء» (٢) . ثم قال بعد تلك الآية: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] . قال السعدي: «أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة إلا الذين صبروا نفوسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله؛ فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته، وعدم العفو عنه؛ فكيف بالإحسان» (٣) . نعم! فإن هذه لخلة شديدة على النفس، لا يسْطيعها إلا رجلٌ موفقٌ، قد تَسَنَّمَ ذِرْوَةَ المجد، وأمَّ معالي الأمور، فكرمت خليقته، ونبُلت نفسه، وجزُلت مروءته؛ فهمَّته قصيَّة المرمى، رفيعة المناط، قد تخطى هذه الأقذاء، وجاوز هاتيك الحفر، فلم تلن قناته لغامز. وإن المتأمل لحال الرسول ﷺ ليجد هذا الخُلُق الكريم قد أخذ فيه ﷺ بحظ وافر، وإليك شيئاً من ذلك: تقول عائشة ﵂: «ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تُنتهك حرمة الله، فينتقم بها لله» أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) . ويقول أنس ﵁: «كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه رداءٌ نجرانيٌ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذةً شديدةً، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء، من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، فضحك، ثم أمر له بعطاء» أخرجه البخاري (٦) ومسلم (٧) . وفي رواية عند مسلم: «ثم جبذه إليه جبذةً، رجع نبيُّ الله ِ- ﷺ في نحر الأعرابي» . وفي رواية أخرى عند مسلم: «فجاذبه، حتى انشق البُرْدُ، وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ » . سبحان الله! ما أعظم أخلاق هذا الرسول ﷺ التي تملأ الصدور عظمة وإجلالاً، كيف قابل نزَقَ هذا الأعرابي وطيشَه، بهذه الأريحية، وهذا الندى؟! إنها رفعةٌ لا تُسامى، وعظمةٌ لا تُغالب. وعلى هذا النهج النبوي سار شرفاء الناس وعظماؤهم، وسأذكر مثالاً واحداً فقط ـ والأمثلة كثيرة ـ على ذلك. فهذا إمام أهل السنة، أحمد بن حنبل، الذي استبطن دخائل العلم، وخاض عُبابه، قد لاقى في فتنة القول بخلق القرآن الألاقي، من سَجْنٍ وأغلالٍ، وجَلْدٍ يصل إلى أن يفقد الإمام وعيه، وحَبْسٍ في بيته يُمنع فيه من الخروج للصلاة، ومع ذلك كان يقول: «كل من ذكرني ففي حِل إلا مبتدعاً، وقد جعلت أبا إسحاق ـ يعني: المعتصم ـ في حِل، ورأيت الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ... ﴾ [النور: ٢٢] أمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح» ثم قال الإمام أحمد: «وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟» (٨) . الله أكبر، إنه التوفيق الإلهي، وإذا أراد الله بعبد خيراً غرس فيه طباع الخير، فيبذلها بلا كلفة أسلس من الماء. وفي الختام أقول: ينبغي على المسلم أن يحسِّن أخلاقه مع الناس، مراعياً طبائعهم ومنازلهم التي أعطاهم الله ـ سبحانه ـ غير مشتغل ببواطنهم، وما انطوت عليه صدورهم؛ فإن أصابه خطأ منهم، فليعلم أن الإنسان محل الخطأ والنسيان، فليتغافلْ، وإلا فليعذرْ، وإلا فليصفحْ ويتسامحْ، ويفوضْ أمره إلى الله، فبذلك يعيش سالماً، والقول فيه جميل. وربما كان تطبيق بعض هذه الأخلاق عسراً شديداً على النفس، يحتاج إلى مجاهدة ومعالجة بالِغين، ولكنَّ الحِلْمَ بالتحلُّم، والنفسُ راغبة إذا رغَّبتها، وقد قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، وقال الرسول ﷺ : «ومن يتصبر يصبره الله ... » (٩) . وليسألْ كلٌ منا ربه من فضله، وليستوهبْهُ من جوده؛ فإنه ـ وحده ـ هو المانُّ المتفضل. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. اللهم صلِّ على نبينا محمدٍٍ وعلى آله وصحبه وسلِّم.

стр. 5394

يا درة الأمجاد فلاح الغريب بَغْدادُ تنطقُ بالهوَى عيْنَاكِ وكجَمْرِ أشواقِي بَدَتْ شَفَتاكِ وقفتْ على الأطلالِ ساعةَ رهْبةٍ تلك السّحائِبُ فاسْتَهلَّ نَدَاكِ بغدادُ يحملُنِي الهَوَى ويُذيْبُنِي شوقٌ لرؤيةِ ثغْركِ الضّحاكِ ويزيدُني مَرُّ النَّسيمِ من الجَوَى وتعيدُنِي الذّكرَى إلى ذكْرَاكِ وتفيدني الأيامُ درْسَ عزيمةٍ لمّا تسير إلى العُلا قدَمَاكِ تتأوّه الأغصانُ من ألمِ النّوَى ويتوهُ بالألحَانِ رَجْعُ صداكِ أبكي ويرتعشُ اليراعُ وترتَمِي منِّي الحروفُ على سَنَا نجْوَاكِ بالله يا دارَ السّلامِ ترفّقِي إنّي لأشكُو منْ لظَى شَكْوَاكِ ورُبَى الحجازِ عليلةٌ ممّا جَرَى والشامُ يسلبُها الهَوَى مَرْآكِ وَرِمَالُ نجْدٍ أغرقتهَا أدمعٌ فيَّاضَةُ الأحزانِ حينَ تَرَاكِ وشواهقُ السَّرَواتِ تُعْلِي صرْخةً لا تخضَعِي يا دُرَّةَ الأفْلاكِ تتقاذفُ الأيامُ غابرَ مجدِنَا ومراتعَ الذّكرى وبَوْحَ ثَرَاكِ أيامَ كنتِ على الدِّيارِ أميرةً تتضوَّعُ الأزهارُ نفحَ شذاكِ أيّامَ يرسِلُها الرّشيدُ بعزَّةٍ أينَ المكارم والهدى لَوْلاكِ يا دارُ يأسرني الحنينُ لروضةٍ تروي الظِّمآءَ وتنتمِي لرُبَاكِ وأرى الصّبابةَ والمحبّةَ والنَّدَى حَسْبُ العُلا والجُودِ أنْ عَرَفَاكِ كمْ عَاشقٍ أفنى صَبَابةَ عُمْرِهِ يرجو الوِصَالَ فأكرمتْهُ يَدَاكِ والنورُ يحسبُ أنَّهُ من دُرّةٍ حسناءَ يرمُقُها الهَوَى فيرَاكِ والسيفُ يلمعُ في مقابضِ فتيةٍ صانُوا حَرِيمَكِ واحتَمَوْا بحِمَاكِ فاستبسلتْ تلكَ الأسُودُ ببَذْلِها وأبَيْتِ يا بَغْدادُ أنْ ننسَاكِ لا زالَ للمجدِ الأثيلِ بقيّةٌ قد شادها في الخافقينِ فِدَاكِ يا درّةَ الأمجادِ هل من سَائلٍ عن فجْرٍ مَجْدٍ باسِمٍ يغشاكِ؟ بغدادُ ماذا قد يرومُ بِكِ العِدَا والسيفُ والقرآنُ قد حَرَسَاكِ؟ وعنِ الكرامةِ والشهادةِ والهُدَى والصِّيدُ قد لبَّتْ كَرِيمَ نِدَاكِ وعنِ الجيوشِ الفاتحاتِ وأهلِها وعنِ الفصَاحةِ تعتلي بِعُلاكِ بغدادُ يا رمْزَ الثّباتِ تمسّكي فالنّصر يا بغداد قد حيّاكِ ولربَّمَا تَحيَا مَآثرُ أمَّتِي وتعيدُها للمكْرُمَاتِ خُطَاكِ

стр. 5395

حول الانسحاب اليهودي من غزة: الشيخ الدكتور نزار ريان القيادي في حماس للبيان: لا بد من مواصلة العمل حتى يندحر العدو استطاعت المقاومة أن تدحر المغتصب عن بلادنا في غزة، لكن احتفالنا وفرحتنا لا يعني السكوت عند هذا الحد؛ فلا بد من مواصلة العمل حتى يندحر العدو عن الضفة والقدس وحيفا ويافا وأراضي ٤٨، ولن تقر عيوننا في حركة حماس ولن يهدأ بالنا حتى يخرج كل يهودي ويعود كل مستعمر وكل غريب إلى البلاد التي جاء منها. وإذا كان بعضٌ يستبعد هذا في الواقع السياسي المنهزم فإننا لا نستبعده وأمامنا قوله ـ تعالى ـ: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] ؛ فحصونهم التي شيدوها يدمرونها بأيديهم الآن، وغداً ستدمر جميع المدن اليهودية ويعود الشعب الفلسطيني إلى دياره وأهل فلسطين إلى بلادهم. وأضاف د. نزار في تصريحه للبيان أنه اتُّفِقَ على تكوين لجنة فلسطينية من مختلف الفصائل لوضع آليات تضمن عدم التفريط في الأرض المحررة؛ فأصحاب الأملاك الخاصة لا بد لهم من إقامة الدعاوى حتى يتم رد هذه الأملاك الخاصة لهم التي كانت قد اغتُصبت بشكل خاص من المستوطنات فيما مضى، والملك العام يبقى لخدمة المصلحة الوطنية؛ فإننا نحتاج إلى موانئ ومدن جديدة تستوعب أهالي المخيمات الذين يعيشون في أزقة ضيقة جداً؛ إذ لا بد من توسعة هذه المخيمات وإسكان الناس وإخراجهم من ضائقتهم كي يعيشوا؛ فهناك اسر شابة لا تجد لها مكاناً تحت الشمس في قطاع غزة. وحول العلاقة مع السلطة بعد الانسحاب، قال: أؤكد أننا ننظر إلى إخواننا في السلطة وفتح على أنهم مسلمون لا نكفِّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يرَ حِله؛ فنحن لا نكفّرهم، ولا نستحل دماءهم، ولا نحل التهجم عليهم بسلاح أو أي وسيلة أخرى؛ لكننا في الوقت نفسه لا نجيز لأحد أن يتهجم علينا بالسلاح؛ وعليه إذا اعتدى علينا رددناه ما أمكن؛ فنحن مجاهدون ودمرت بيوتنا، واستُشهد أولادنا وأصيبوا واسروا، ونحن الآن لا نريد أن يتغوَّل علينا أهلنا في السلطة بما يملكون من سلاح هو في حقيقته سلاح مدعوم من القوات الإسرائيلية، ولذلك نقوم بواجباتنا؛ أما المسؤولون عن هذا فهم معروفون لدينا. أما بالنسبة للمفاوضة على سلاح حماس مع السلطة، فإن السلطة لم تفاوضنا على سلاحنا قط، ولم تتكلم فيه كلمة واحدة، وكان هناك حديث للسلطة سابقاً عن دور المرابطين وما ضرورتهم. كنا نقول: ما بقي الاحتلال بقي الرباط؛ فغزة محتلة، والضفة محتلة، وأراضي ٤٨ محتلة، وسيبقى رباطنا مهما كلفنا ذلك. أما سلاحنا فلم يحدثنا فيه أحد، ولن نأذن لأحد أن يكلمنا فيه، وإذا تكلم أحد فسننهي الجلسة ونقوم؛ فالحدود المكشوفة علمتنا أن إسرائيل لا تحترم حدوداً، ولا تحترم شيئاًَ، وأنها في لحظة واحدة يمكن أن تعود إلينا وتدخل غزة؛ فما الذي يردها؟ الذي يردها المجاهدون والمرابطون؛ أما قوات الأمن الفلسطينية فقد رأيناها مرات ومرات متعددة قبل ذلك تفر، بل يبلِّغها اليهود أنهم سيدخلون منطقةٍ ما فيفرون منها، فلا يقف للدفاع عنها إلا الشباب المجاهدون. وفيما يخص التكتلات الاستيطانية في الضفة فإن استطاعت إسرائيل أن تبقي مغتصباتها وقواتها في الضفة الغربية فلتفعل؛ فهم لم يخرجوا من غزة من لا شيء، بل خرجوا بالمقاومة، والمقاومة مستمرة في غزة والضفة، وقد تتغير آلياتها في غزة لكنها في الضفة ستحافظ على أي آلية تملكها، ونسال الله أن يلهمنا رشدنا في الضفة ويعيننا على تصنيع الأسلحة كالصواريخ ـ مثلاً ـ التي طردت اليهود من غزة والعمليات الاستشهادية وغيرها. سيخرج عدونا من الضفة الغربية كما يخرج من غزة الآن، لكن النَّفَس الطويل والنَّفَس القصير هو القضية. ويختم د. نزار تصريحه بنظر حركة حماس إلى مستقبل غزة بعد الانسحاب، فيقول: مستقبل القطاع مرتهن باتصاله بالعالم، فإن اتصل القطاع بالعالم فمستقبله خير، وإن بقي سجناً كبيراً يحبس أكثر من مليون ونصف داخل الأسلاك الشائكة فلن يكون هنالك خير. نحن لا نزعم أننا حررنا قطاع غزة؛ فما لم يُحَرَّر جوُّنا وبحرُنا ومعابرنا فلن يكون هناك حرية، إن حُررت فالحمد لله، وإلاَّ فهي مزارع شبعا الجديدة التي تعني استمرار المقاومة بكل وسائلها في قطاع غزة.. فستستمر المقاومة، وسنقاتلهم ما بقي أي نوع من أنواع السيادة الاحتلالية اليهودية على قطاع غزة.
следующие страницы →