← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

عقلية التحزب والمواقف المسبقة.. ما العلاج ؟ د. مفرح بن سليمان القوسي الاعتداد بالنفس، وإساءة الظن بالآخرين تمثل بدايات طبيعية للتقوقع على الذات، ومن ثم صنع تكتلات صغيرة داخل المجتمع الواحد، ولا شك أن هذا يخالف ما يدعو إليه ديننا الإسلامي الحنيف من الاتحاد والألفة واجتماع القلوب والتئام الصفوف، والبعد عن الاختلاف والفرقة وكل ما يمزق الجماعة أو يفرق الكلمة؛ حيث يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٥] . ويبين الله أن وشيجة الأخوة هي الرباط الحقيقي بين جماعة المسلمين، وهي العنوان المعبر عن ماهية الإيمان، حيث يقول الله ـ سبحانه ـ: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] ، ويقيم ـ سبحانه ـ سياجاً من الفضائل والآداب الأخلاقية لكي يحمي الأخوة مما يشوهها ويؤذيها؛ من السخرية واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة؛ حيث يقول الله ـ سبحانه ـ بعد الآية السابقة مباشرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢] . وقد أكدت السنة النبوية وفصلت ما جاء به القرآن الكريم من الدعوة إلى الاتحاد والائتلاف؛ والتحذير من الفرقة والاختلاف؛ فقد دعت إلى الأخوة والمحبة، وحذرت وزجرت العداوة والبغضاء، ومن ذلك على سبيل المثال قول النبي ﷺ : «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» (١) ، وقوله ﷺ : «يد الله على الجماعة» (٢) ، وقوله ﷺ : «من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهلية» (٣) ، وقوله ﷺ أيضاً: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٤) ، وقوله ﷺ كذلك: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» (٥) . ولا يزعج أي غيور على دينه ثم بلده أن يكون في الساحة الفكرية والثقافية في كل مجتمع اتجاهات أو مدارس أو جماعات متعددة لكل منها منهجه في خدمة الدين والبلد، والعمل على التمكين لهما في الأرض، وفقاً لتحديد الأهداف وترتيبها، وتحديد الوسائل ومراحلها، والثقة بالقائمين على تنفيذها، من حيث القوة والأمانة والإخلاص والكفاية. ومن السذاجة بمكان الدعوة إلى مدرسة واحدة أو اتجاه واحد يضم جميع العاملين على منهج واحد؛ فهذا تقف دونه حوائل شتى، وهو مطمع في غير محله، فلا مانع من أن تتعدد المدارس والجماعات والاتجاهات العاملة لنصرة الدين وخدمة البلد إذا كان تعدد تنوع وتخصص، لا تعدد تعارض وتناقض، على أن يتم بين الجميع قدر من التعاون والتنسيق، كي يكمل بعضهم بعضاً ويشد بعضهم أزر بعض، وأن يقفوا في القضايا المصيرية والهموم المشتركة صفاً واحداً كأنهم بنيان مرصوص. ولكن الذي يزعج ويؤلم حقاً أن يوجد بين الكُتَّاب والمفكرين من لا يقدِّر هذا الأمر حق قدره، وأن يدعو إلى التحزب واتخاذ المواقف المسبقة، ويركز دائماً على مواضع الاختلاف لا نقاط الاتفاق، وهو دائماً معتدٌّ بنفسه ومعجب برأيه، مزكٍّ لنفسه واتجاهه، متهم لغيره مسيء الظن به. والحق أن الاختلاف في ذاته ليس خطراً، وخصوصاً في مسائل الفروع (وهل يوجد أصل غير أساسي؟) وإنما الخطر في التفرق والتعادي الذي حذر منه الإسلام بمصدريه الأساسين: الكتاب والسنة؛ كما تقدم. ولعل من أسباب بروز مشكلة التحزب المذموم: التعصب لبعض المذاهب الفقهية، أو الشخصيات الدينية، أو الاتجاهات الفكرية. ولذا نحن بحاجة ماسة إلى وعي عميق بما يسمى بـ (فقه الاختلاف) الذي عرفه خير قرون هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى؛ فلم يضرهم الاختلاف العلمي شيئاً، وجهله كثير منا، فأصبحنا يعادي بعضنا بعضاً بسبب مسائل يسيرة أو بغير سبب. - ركائز فقه الإخلاص: ويقوم فقه الاختلاف على ركائز فكرية وأخلاقية عديدة لا تخفى على أهل الاختصاص من العلماء والمفكرين والباحثين، أُشير ـ بإيجاز فيما يلي ـ إلى أبرزها: ١ - الإخلاص لله وحده، والتجرد للحق، ومجاهدة النفس حتى تتحرر من اتِّباع هواها أو أهواء غيرها؛ فكثيراً ما تكون الخلافات بين الأفراد والفئات ظاهرها أنه خلاف على مسائل في العلم أو قضايا في الفكر، وباطنها حب الذات وحب الظهور أو الجاه وتحقيق المغانم واتباع الهوى الذي يعمي ويصم ويضل عن سبيل الله ـ نسأل الله العافية ـ. ٢ - الوعي بأن الاختلاف في فهم الأحكام الشرعية الفرعية ضرورة لا بد منها أوجبتها طبيعة الدين، وطبيعة اللغة، وطبيعة البشر، وطبيعة الكون والحياة. فأما طبيعة الدين فقد أراد الله ـ تعالى ـ أن يكون في أحكامه: المنصوص عليها والمسكوت عنها، وأن يكون في المنصوص عليه المحكمات والمتشابهات، والقطعيات والظنيات، والصريح والمؤول، لتعمل العقول في الاجتهاد والاستنباط فيما يقبل الاجتهاد والاستنباط، وتسلِّم فيما لا يقبل ذلك، إيماناً بالغيب، وتصديقاً بالحق، وبهذا يتحقق الابتلاء الذي بنى الله عليه خلق الإنسان: ﴿إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] ، ولو شاء الله لجعل الدين كله وجهاً واحداً وصيغة واحدة لا تحتمل خلافاً، ولا تحتاج إلى اجتهاد، من حاد عنها قيد شعرة فقد ضل، ولكنه لم يشأ ذلك، لتتفق طبيعة الدين مع طبيعة اللغة وطبيعة الناس، ويوسع الأمر على عباده. وأما طبيعة اللغة فلا شك أن مصدر الدين الذي يُرجع إليه ويُستدل به هو القرآن الكريم والسنة النبوية. والقرآن نصوص قولية لفظية، وكذا معظم السنة. وهذه النصوص يجري عليها ما يجري على كل نص لغوي عند فهمه وتفسيره؛ ذلك أنها جاءت على وفق ما تقتضيه طبيعة اللغة في المفردات والتراكيب؛ ففيها اللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى، وفيها ما يدل بالمنطوق وما يدل بالمفهوم، وفيها العام والخاص، والمطلق والمقيد، وما دلالته قاطعة وما دلالته محتملة، وما دلالته راجحة وما دلالته مرجوحة. وأما طبيعة البشر فقد خلقهم الله مختلفين؛ فكل إنسان له شخصيته المستقلة، وتفكيره المتميز، وطابعه المتفرد، يبدو ذلك في مظهره المادي كما في مخبره المعنوي؛ فكما ينفرد كل إنسان بصورة وجهه ونبرة صوته وبصمة بنانه، ينفرد كذلك بلون تفكيره وذوقه وميوله، ونظرته إلى الأشياء والأشخاص والمواقف والأعمال. ولذا فمن غير الممكن صب الناس كلهم في قالب واحد في كل شيء، وجعلهم نسخاً مكررة، ومَحْوُ كل اختلاف بينهم؛ فهذا مخالف لفطرة الله التي فطر الناس عليها. وأما طبيعة الكون الذي نعيش فيه؛ فقد خلقه الله ـ سبحانه ـ مختلف الأنواع والصور والألوان؛ كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر: ٢٧ - ٢٨] ، ولكن هذا الاختلاف الذي نبه عليه القرآن إنما هو اختلاف تنوع وتلوُّن، لا اختلاف تضارب وتناقض، ولهذا تكررت في القرآن عبارة ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ في أكثر من مناسبة، بل نجد القرآن الكريم ينفي بعبارة صريحة ما ينبئ عن التضارب أو التعارض في الكون، وذلك في قوله ـ تعالى ـ: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] . وكذلك طبيعة الحياة؛ فهي أيضاً تختلف وتتغير بحسب مؤثرات متعددة، منها الزمان والمكان. والاختلاف مع كونه ضرورة هو كذلك رحمة بالأمة وتوسعة عليها، وقد دل على ذلك بعض الأحاديث النبوية، حيث صاغ الشارع الحكيم كثيراً من الأحكام صياغة مرنة بحيث تتسع لتعدد الأفهام وتنوع الآراء والاجتهادات، وسكت عن النص على بعض الأحكام ليتيح للعقول المسلمة الاجتهاد في فهمها في ضوء المنصوص على حكمه. ولذا اجتهد الصحابة ﵃ واختلفوا في أمور جزئية كثيرة، ولم يَضِيقُوا ذرعاً بذلك، وأتاحوا لنا باختلافهم هذا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم. ٣ - اتباع المنهج الوسط الذي يتجلى فيه التوازن والاعتدال، بعيداً عن طرفي الغلو والتفريط. فهذه الأمة أمة وسط في كل شيء، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. والوسط هو مركز الدائرة الذي ترجع إليه الأطراف المتباعدة، وهو الصراط المستقيم الذي علمنا الله ـ تعالى ـ أن نسأله الهداية إليه كلما قرأنا فاتحة الكتاب في صلواتنا اليومية أو خارجها ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . ومن لوازم الوسطية اجتناب التنطع في الدين، وهو ما أنذر النبي ﷺ أصحابه بالهلاك في قوله: «هلك المتنطعون» (١) قالها ثلاثاً، والمتنطعون ـ كما يقول الإمام النووي ـ: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. ٤ - التركيز على اتباع المحكَمات، وهن أم الكتاب ومعظمه، وعدم الجري وراء المتشابهات؛ فاتباع المحكمات واتخاذها الأصل والقاعدة في التفكير والسلوك من شأن الراسخين في العلم، واتباع المتشابهات من شأن الذين في قلوبهم زيغ ودغل. ٥ - اجتناب القطع في المسائل الاجتهادية التي تحتمل وجهين أو رأيين أو أكثر، واجتناب الإنكار فيها على الآخرين، ولذا قرر علماء الإسلام: أنه لا إنكار من أحد على أحد في المسائل الاجتهادية، فالمجتهد لا ينكر على مجتهد مثله، والمقلد لا ينكر على مقلد مثله كذلك، بَلْهَ (*) أن ينكر على مجتهد. ٦ - تحديد المفاهيم التي يقع فيها النزاع، وبيان مدلولها بدقة ووضوح يرفع عنها الغموض والاشتباه؛ فكثيراً ما يحتد النزاع حول معنى أو مفهوم معين، لو حدد بدقة وشُرح بجلاء لأمكن للطرفين أن يلتقيا عند حد وسط. ومن ثم كان علماؤنا السابقون يحرصون على «تحرير موضع النزاع» في المناظرات والمسائل الخلافية، حتى لا تُنصب معركة على غير شيء، وكثيراً ما يشتد الخلاف بين فريقين، ثم يتبين في النهاية أن الخلاف كان لفظياً، وأن لا ثمرة عملية تجنى من ورائه. ٧ - التعاون (بين أصحاب المذاهب الفقهية والمدارس الفكرية) فيما اتفقوا عليه ويعذر بعضهم بعضاً فيما يسع الخلاف فيه. وهذا التسامح المنشود يقوم على جملة مبادئ منها: أ - احترام الرأي المخالف وتقدير وجهات نظر المخالفين، وإعطاء آرائهم الاجتهادية حقها من الاعتبار والاهتمام. وذلك مبني على أصل مهم، وهو: أن كل ما ليس قطعياً من الأحكام هو أمر قابل للاجتهاد؛ وإذا كان يقبل الاجتهاد؛ فهو يقبل الاختلاف، لاختلاف المنطلقات والرؤى والأفهام. ب - الاعتقاد بإمكان تعدد أوجه الصواب في المسألة الواحدة المختلف فيها، وذلك تبعاً لتغير المكان والزمان، وتبعاً لتغير الظروف والأحوال. ج - الاعتقاد بأن كثيراً من ألوان الخلاف الذي نشهده على الساحة الفكرية اليوم، ليس خلافاً على الحكم الشرعي من حيث هو، ولكنه خلاف على تكييف الواقع الذي يترتب عليه الحكم الشرعي، وهو ما يسميه الفقهاء (تحقيق المناط) . ٨ - اجتناب التكفير بلا مسوغ صحيح والحذر منه؛ فلا يخفى على كل لبيب أن أخطر أدوات التدمير لبنيان الاتحاد أو التقارب بين العاملين في حقل الدعوة إلى الله هو التكفير؛ وذلك بأن تُخرِج مسلماً من الملة ومن دائرة أهل القبلة، وتحكم عليه بالكفر والردة؛ فهذا بلا ريب يقطع ما بينك وبينه من حبال؛ فلا لقاء بين مسلم ومرتد؛ فهما خطان متوازيان لا يلتقيان. وقد حذر الإسلام أبلغ تحذير من رمي المسلم بالكفر؛ وذلك في أحاديث صحيحة مستفيضة، منها قول النبي ﷺ : «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما؛ فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه» (٢) ، وقوله ﷺ : «من دعا رجلاً بالكفر أو قال: يا عدو الله وهو ليس كذلك إلا حار عليه» (٣) ، أي رجع عليه، وقوله ﷺ كذلك: «من رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله» (٤) . وعليه فلا يجوز تكفير أهل الإسلام لذنوب ارتكبوها أو أخطاء اقترفوها. ٩ - التحرر من التعصب لآراء الأشخاص، وأقوال المذاهب، وانتحالات الطوائف، بمعنى: ألا يقيد المرء نفسه إلا بالدليل، فإن لاح له الدليل بادر بالانقياد له، وإن كان ذلك على خلاف المذهب الذي يعتنقه، أو قول الإمام الذي يتبعه، أو الطائفة أو الحزب الذي ينتمي إليه؛ فالحق أحق أن يتبع من قول زيد أو عمرو من الناس؛ والله إنما تعبَّدنا بما جاءنا في كتابه وما صح عن نبيه ﷺ . ١٠ - إحسان الظن بالمؤمنين، وخلع المنظار الأسود عند النظر إلى أعمالهم ومواقفهم؛ فلا ينبغي أن يكون سلوك المؤمن واتجاهه قائماً على تزكية نفسه واتهام غيره. يقول : ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] . إن سوء الظن من الخصال المذمومة التي حذر منها الإسلام؛ فالأصل حمل المسلم على الصلاح، وألا نظن به إلا خيراً، وأن نحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه، وإن بدا ضعفها؛ تغليباً لجانب الخير على جانب الشر. ١١ - الحوار بالحسنى، واجتناب المراء المذموم واللدد في الخصومة؛ فالإسلام ـ وإن أمر بالجدال بالتي هي أحسن ـ ذم المراء الذي يراد به الغلبة على المخالف بأي طريق، دون التزام بمنطق ولا خضوع لميزانٍ حاكم بين الطرفين؛ وهذا ما ذم الله به الممارين من أهل الشرك والكفر، بمثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٨ - ٩] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦] .

стр. 5392

العبودية لغير الله حقيقتها ـ صورها ـ أساليب دفعها عبد المجيد بن عبد الرحمن باحص عندما يكون هناك من يقيد حركة المرء بقيود الاستعباد، وعندما يضيق الحصار على الحرية يصبح للحياة آنذاك وجه آخر يعجز عن وصفه من أدرك وقائعها وعاش لحظاتها.. إنها العبودية الشنعاء (١) أي العبودية لغير الله ـ تعالى ـ التي تكبل بقيودها الإنسان لتجعله عبداً ذليلاً، فتحرمه الانطلاق الحر على وجه هذه البسيطه ليتفاعل مع مكنوناتها وينتج ما يخدم أمته ودينه. وذل الاستعباد لم يعرف طعمه إلا من ذاق مرارته، ولم يشعر بشناعته إلا من رآه بأم عينيه؛ فهو داء يشل حركة المرء الروحية، ويقعد العامل عن العمل ـ إن استمر في ذلك ـ فلن يُزال الاستعباد حتى يتخلص منه المرء. وعندما أتى ذاك القبطي إلى عمر الفاروق يشتكي الظلم أدرك عمر ﵁ أن الاستعباد لن يصلح الدولة الإسلامية ولن يرفع شأنها وأمجادها، بل إن في حصول ذلك مضرة عظيمة على جميع أفراد الدولة الاسلامية ومصالحهم؛ فما كان منه إلا أن قام باستئصال ذلك فعلياً ليرسخ مبدأ أن ليس لأحد حق الاستعباد وإن ملك ما ملك، وأطلق كلمته العظيمة مخاطباً عمرو بن العاص: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟» . علمت أن وراء الضعف مقدرة وأن للحق لا للقوة الغلبا ولأهمية الموضوع فقد وضعته في نقاط سائلاً المولى أن ينفع بها. - أولاً: لمن الحق في العبودية؟ قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، والعبودية من أعظم ما يُصرَف لله؛ إذ إنها لا تكون إلا لله وحده، فإنه ـ سبحانه ـ لم يخلق البشر والخلق أجمعين إلا لعبادته والإذعان بالعبودية له. قال ابن تيمية ﵀: «والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له كان أقرب إليه وأعز له وأعظم لقدره؛ فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله» (٢) ؛ لأن في ذلك سعادتهم في الآخرة قبل الدنيا، فيتوجه المرء بحسه وإحساسه نحو خالقه ورازقه، فيدعوه ويتوسل إليه ويلجأ ويلتجئ إليه؛ لأنه لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه، لأن العبد يحتاج إلى معبوده في كل حين. يقول ابن القيم ﵀: «فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به» (٣) . والعبودية هي روح العبد الحقيقية، فلا تُصرف إلا لله؛ لأن في صرفها لغير الله حصول مضرة وفساد «.. ومن عبد غيره وأحبه ـ وإن حصل له نوع من اللذه والمودة، والسكون إليه، والفرح، والسرور بوجوده ـ ففساده به ومضرته وعطبه أعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ، الشهي، الذي هو عذب في مبدئه عذاب في نهايته» (١) ، ولن نبلغ الكمال المنشود حتى تكمل العبودية لدينا و «أكمل الخلق أكملهم عبودية» . - ثانياً: من صور الاستعباد: للاستبعاد صور عديدة من أهمها: أولاً: الاستعباد الباطني: من الناحية القلبية: القلب أعظم ما يمتلك المرء؛ إذ إنه ملك الجوارح وسيدها المطاع وهو موجه الأوامر؛ ولذا فإن من أخطر أنواع الاستعباد أن يُستعبد قلب المرء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن أسر القلب أعظم من أسر البدن واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن؛ فإن من استُعبد بدنه واستُرق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقاً مستعبداً متيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما استعبد القلب» (٢) ؛ فمن الأمور التي يستعبد بها قلب المرء: ١ - العشق والتعلق: وهذا من أخطر الأمراض على العبد ومن أشدها عبودية؛ فهو عدو الصحة، وشلل الدعوة، وتوقف الحزم، وتبلد العقل، وطريق الشيطان؛ فالعاشق لا تجد لذكر الله محلاً بقلبه؛ إذ إنه أصبح متعلقاً بغيره، ولا تجد لبصيرة قلبه مسلكاً؛ لأن الهوى قد غلفها بظلامه، فهو يعيش ـ وإن رأيته حراً ـ أسير شهوته وقيد عشقه، فتراه عبداً ذليلاً لمعشوقه، لا يكاد يقاوم لهفة نفسه عند ذكره؛ فهو مستعبد داخلياً مُذلل خارجياً. قال ابن القيم ﵀: «المحب بمن أحب قتيل، وهو له عبد خاضع ذليل، إن دعاه لبَّاه، وإن قيل له: ما تتمنى؟ فهو غاية ما يتمناه، لا يأنس، ولا يسكن إلا سواه» (٣) . وما أشنع من منظر رأته عيناك من منظر ذاك العاشق الولهان الذي ضاع عمره القصير في تفاهة أمر كان بإمكانه التخلص منه. قال ابن تيمية ﵀: «قيل: العشق هو فساد الإدراك، والتخيل والمعرفة؛ فإن العاشق يخيل له المعشوق على خلاف ما هو به، حتى يصيبه ما يصيبه من داء العشق، ولو أدركه على الوجه الصحيح لم يبلغ إلى حد العشق وإن حصل له محبة وعلاقة» (٤) . والعشق يحصل به من الأمور ما لا يحصل في غيره، ولذا قال ابن تيمية ﵀: «عشاق الصور من أعظم الناس عذاباً، وأقلهم ثواباً؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها مستعبَداً لها اجتمعت له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد» (٥) ، وذكر ذلك ابن القيم ﵀ فقال: «عشق الصور المحرمة نوع تعبُّد لها، بل هو من أعلى أنواع التعبد ولا سيما إذا استولى على القلب وتمكن منه صار تتيُّماً، والتتيُّم التعبد، فيصير العاشق عابداً لمعشوقه» (٦) . قال ابن أبي حصينة: والعشق يجتذب النفوس إلى الردى بالطبع، واحَسَدي لمن لم يعشقِ وقال آخر: العشق مشغلة عن كل صالحة وسكرة العشق تنفي لذة الوسنِ ولو أخذنا جوانب العشق كاملة لطال المقام ولكثر الكلام (٧) . وقانا الله وإياكم شر العشق وشر كل سبيل موصل إليه. ٢ - حب الدنيا والاغترار بها: لم يدخل حب الدنيا في قلب امرئ إلا سلبه لبه، وأفقده بذله للآخرة؛ فهي دار غرور وبلاء، وفتنة وشقاء، فيبدأ المرء بالتنازلات السريعة عن مبادئه وعن تقاليده حتى يبلغ ذلك دينه والعياذ بالله، «وأعظم الخلق غروراً من اغتر بالدنيا وعاجلها فآثرها على الآخرة ورضي بها من الآخرة» (٨) ، وكما قيل في بعض المأثورات: «الدنيا مال من لا مال له، ودار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له» ، ولا يمكن لعاقل لبيب أن ينخدع بدار زوال عما قليل فانية؛ فعقله الحكيم يبصِّره بعواقب الأمور، وضميره المتيقظ يوقظه من غفلة هذه الدنيا. ويبين لنا الرب ـ جل وعلا ـ مَثَل الحياة الدنيا فيقول ـ عزوجل ـ: ﴿إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] ، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: «وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا؛ فإن لذَّاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتاً قصيراً؛ فإذا استكمل وتم اضمحل، وزال عن صاحبه، فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها» (٩) . ولأن هذه الدنيا دار غرور، ولأنها دار التنافس الدنيوي الدنيء ـ ذي النهاية المعروفة ـ فقد حذرنا منها نبينا ﷺ ، بل كانت من الأمور التي يخاف منها على أمته؛ ففي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ خرج يوماً، فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: «إني فَرَطٌ لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض ـ أو مفاتيح الأرض ـ وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها» . ورحم الله الشافعي حين قال: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إليَّ عذبها وعذابها فما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها ٣ - حب المال والجاه: حب المال وحب الجاه من الأمور التي تستعبد قلب المرء؛ فهي كالغشاوة التي تحجب الرؤية المبصرة، فتراه لاهثاً خلفها، مجتهداً في الحصول عليها. إن اللاهث خلف المال والجاه يعمى بصره، فيقطع الأرحام من أجل المال والجاه، ويهتك الأرحام من أجل المال والجاه، ويتعامل بالمعاملات الربوية من أجل المال والجاه. يقول ابن تيمية ﵀: «لا ريب أن الحرص والرغبة في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا من المال والسلطان مضر؛ كما روى الترمذي عن كعب بن مالك قال: قال رسول الله: «ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فذم النبي ﷺ الحرص على المال والشرف، وهو الرياسة والسلطان، وأخبر أن ذلك يفسد الدين مثل أو فوق إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم، وهذا دليل على أن هذا الحرص إنما ذم؛ لأنه يفسد الدين الذي هو الإيمان والعمل والصالح؛ فكان ترك هذا الحرص لصالح العمل، وهذان هما المذكوران في قوله ـ تعالى ـ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩] ، وهما اللذان ذكرهما الله فى سورة القصص، حيث افتتحها بأمر فرعون وذكر علوه في الأرض، وهو الرياسة والشرف والسلطان، ثم ذكر في آخرها قارون وما أوتيه من الأموال، وذكر عاقبة سلطان هذا وعاقبة مال هذا، ثم قال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] كحال فرعون وقارون؛ فإن جمع الأموال من غير إنفاقها في مواضعها المأمور بها، وأخذها من غير وجهها هو من نوع الفساد» (١) . وما من شك في أن حب المال عندما يطغى على قلب المرء يصبح أسيره؛ فلا يرى معروفاً ولا منكراً، فتصبح كل الأمور لديه واحدة، والأهم في نظره هو جمع المال فقط وتحصيله من أي مصدر سواء كان حلالاً أم حراماً. ويصور لنا الشاعر حال ذلك المرء الذي أنفق عمره في تحصيل المال فيقول: ومن ينفق الأيام في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقرُ وقال الآخر: ولا تحسبن الفقر فقر من الغنى ولكن فقر الدين من أعظم الفقرِ من الناحية العقلية: العقل نعمة من الله أنعمها علينا؛ فبه يميز العاقل بين الخير والشر، والمعروف والمنكر، وبه تُستبصَر الأمور وتُدرك الحقائق؛ وذلك من خلال التعقل في الأمور والتمهل فيها، ولذا لما سئل الأحنف عن العقل قال: «العقل رأس الأشياء، فيه قوامها، وبه تمامها، وهو سراج ما بطن، وملاك ما علن، وسائس الجد، وزينة كل أحد، لا تستقيم الحياة إلا به، ولا تدور الأمور إلا عليه» . ومتى استخدم هذا العقل في غير مكانه ـ الذي هو الخير ـ أصبح مجرد كتلة لا تصلح لأي عمل وحيي على الشر وعلى تحقيق رغباته وأهوائه ولا نصيب للتفكير السليم فيه، فأصبح بذلك فرداً لا همَّ له سوى عبادة ما يمليه عقله عليه، فكان كما قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] . - الأمور التي بها يُستعبد العقل: ١ - الانحراف الفكري: الفكر هو لب العقل وأساسه، وتقويمه واعتماده؛ فإن سلم صحت تلك الأفكار التي يحملها فتنتج بإذن ربها ثمارها اليانعة، وإن خبثت واستقت أفكاراً خبيثة وهدامة لم يُجنَ منها إلا العلقم، ولم يبلَ العقل بمثل بلوى الانحراف؛ فهو مسلك خطير من سلكه هلك ومن اتقاه نجا واستدرك. فالانحراف الفكري كالرمال المتحركة التي سرعان ما تلقي بصاحبها داخل جوفها، هل تراه يعيش بعدها؟ وصاحب الفكر المنحرف يتلقى أفكاره من مصادر خبيثة لتصادف هوى، فيصبح بأذيالها متمسكاً وبشأنها متعبداً؛ فهي نواة تبقى في ذهنه، وسرعان ما تنمو وتكبر مع مرور الزمن وتلقِّيه المستمر، وما ذلك إلا من الخلل الذي أحدثه في البداية وهو تلقي الأفكار من غير مصادرها الأساسية الأصلية، ثم ينعكس ذلك تماماً على عقيدته وواقعه «.. وإذا كانت حرية العقيدة والرؤية الأساسية الكلية هي قضية لها جوانبها المطلقة والكلية؛ فإن حرية الفكر هي في أساسها انعكاسات للرؤية العقيدية الكلية على واقع الحياة وقضاياها» (٢) . ولم يكن هناك شيء أخطر على الأمة من الانحراف الفكري؛ فبه تحدث المنازعات والخلافات العقدية والفكرية والشقاقات السياسية والاقتصادية ويصرفها عن النظر لواقعها وحالها، ومنه تخرج أجيال غاية علمهم التعصب لآرائهم والعداء لمن خالفهم، وتربية من خلفهم على ما تعلموه وما أتقنوه، وله تُدَس المؤامرات والدسائس والخطط والنقائص. قال ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] . ٢ - التبعية: لم يحدث استعباد العقول وانحرافها إلا عن طريق التبعية الخاطئة، ولذا عندما عطلوا عقولهم نفى ـ سبحانه ـ الاهتداء والتعقل عن هؤلاء الذين يتبعون الآخرين وإن كان أمرهم خاطئاً، فقال: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] ، فالأمر يزداد خطورة عند عدم إدراك من نتبع وأي طريق يسلك، وما كان انحراف الأكثرية في السنين الماضية إلا عندما سلكوا مسلك التبعية الخاطئة، وانتهجوا نهجه، ولنا في قصة (رفاعة الطهطاوي) و (عبد الرحمن الكواكبي) عبرة؛ وذلك حينما كانا على تبعية حمقاء؛ فـ «أزمة الطهطاوي تتلخص في أنه ابتعد إيمانياً عن فرنسا واقترب حضارياً ـ إلى حد التبعية ـ لها، واستسلم لمزلق تفصيل الفكر الإسلامي بما يناسب الفكر الأوروبي الحديث» (١) ، وأما الكواكبي «فقد أخطأ عندما تصور مجد الإسلام يعود بنظام سياسي على النمط الأوروبي، وأخطأ ثانية عندما أحسن الظن بالسياسيين الاستعماريين وبالقوى الصليبية» (٢) . ولنعلم أن التبعية التي لا أصل لها من الكتاب والسنة لا تولِّد لا حضارة ولا فكراً؛ وإن حدث ذلك فهو ناقص وسرعان ما يزول؛ إذ إن من شأن الأمور الوضعية أنها تزول وإن استمرت برهة من الزمان؛ وذلك لأنها لا توافق البشر كلهم وإن رغبها بعضهم، ولا يظن آخرون أنه عند استمرار حضارة ما أو فكر ما قد خالطه تبعية غربية أنه باق ما بقي الدهر، أو أن زواله مستحيل، كلا! بل على العكس تماماً، إن زواله قريب وانهياره سريع. - ثانياً: استعباد خارجي (بدني) : وهذا الاستعباد أهون من الاستعباد الباطني بكثير؛ إذ إن هذا ليس من اختيار العبد وغالباً على أمره، وربما كان ابتلاءً من الله لعبده المؤمن وتمحيصاً له، وفترته قد لا تستغرق وقتا طويلاً. نعم! ربما سلبت حريته البدنية، ربما سلبت كرامته، وربما سلب كل أمر ظاهري منه، ولكنه لم يُسلب قلبه، ولم يسلب عقله وتفكيره؛ فهو يعيش الحرية داخلياً، ويفقدها خارجياً «ومتى عجزت القوة المادية عن استذلال القلوب فقد ولَّدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب» (٣) . أنَا مُسْلمٌ وأقولُها مِلءَ الوَرَى وعقيدَتِي نورُ الحيَاةِ وَسُؤْدُدِي وما صبر الكثير على طريق الايمان إلا عندما أوذي وسجن وعُذِّب، وما يظن عاقل انه بإمكانه الاستمرار على هذا الطريق دون ابتلاءات وفتن. قال ـ تعالى ـ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ، «إن الايمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال؛ فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا؛ وهم لا يُتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة، فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب» (٤) ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] ، «إنها سُنَّة العقائد والدعوات: لا بد من بلاء، ولا بد من أذى في الأموال والأنفس، ولا بد من صبر ومقاومة واعتزام، إنه الطريق إلى الجنة. وقد حُفَّت الجنة بالمكاره. كما حفت النار بالشهوات» (٥) ، وعلى قدر إيمان المرء يكون ابتلاؤه، كما روى سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه؛ فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة» (٦) . فالقهر والظلم والسجن والضرب وغيرها كلها وسائل ظاهرية تتولى الاستعباد الظاهري ولا تستطيع أن تملك الداخل؛ إذ إن من شأنها التعذيب والسياط والجلد، وفرض الهيمنة والسيطرة الخارجية، وما ظن أولئك أن من كان مع الله كان الله معه. ولنا في السابقين عبرة؛ فهؤلاء الأنبياء ابتُلوا وغيرهم من الصالحين الذين حملوا همَّ هذا الدين؛ فقد سُجِن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل وعذب وما زاده ذلك إلا ثباتاً ورسوخاً، وسجن شيخ الاسلام ابن تيمية فما كان منه إلا أن قال: «ما يفعل أعدائي بي؟ أنا سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة» . وقُهِرَ أناس وظلم آخرون وهددوا فلم يردهم ذلك عن إيمانهم ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي - ثالثاً: نماذج من الاستعباد: مرت العصور السابقة بألوان من الاستعباد؛ والنماذج في هذا كثيرة، وأقتصر في هذا ـ على سبيل الاختصار ـ على نموذجين من ذلك: ١ - استعباد فرعون: لم تذق أمة من الأمم السابقة ذل العبودية والاستعباد مثل ما ذاقته أمة بني إسرائيل في عهد ذلك الطاغية فرعون؛ فقد فعل بهم الأفاعيل، وجعل منهم خدماً وعبيداً لا قيمة لهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] ، «وكل طاغوت يُخضِع العباد لشريعة من عنده، وينبذ شريعة الله، هو من المفسدين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون» (١) ، ولم يكتف ذلك الطاغية بهذا، بل بدأ يقتل الذكور فيهم ويبقي النساء للخدمة، وما كان قتله للذكور إلا لخوفه على ملكه عندما أعلمه أحد الكُهَّان أنه سيولد فتى سيفنَى ملكُه على يديه، ثم أتى موسى ﵇ فقال له: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ، ولم يكن موسى ليهاب ذلك الطاغية فأطلق قوله: ﴿يَا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤] ، فهاج ذلك الطاغية ليجمع بعد ذلك أتباعه من أجل أن لا تتهاوى مملكته أمام الحقيقة التي أعلنها له موسى ليكون في ذلك هلاكه وموته غريقاً تحت المياه. وآثار الظلم والاستعباد باقية إلى اليوم شاهدة على أفظع الصور وأبشعها في إذلال العباد وإن سميت بغير اسمها ودُعيت بـ (الحضارة الفرعونية) . ٢ - الشيوعية: كان من الأنظمة التي لها النصيب الأعظم في الاستعباد الصريح نظام الشيوعية؛ فقد كان الشيوعي يعمل ويكدح وينصَب لأجل غيره، فلا يتملك ولا أحقية له في ذلك «ولقد زعمت الشيوعية أن الذل الوحيد في الأرض هو عمل الإنسان أجيراً لإنسان آخر، وزعمت أنها هي ستخلص الناس من الظلم وتمنع الاستغلال، حين تمنع تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر. نعم! ولكن ما الفرق بين تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر، وتأجيره للدولة التي هي شخص معنوي في الكلام فقط؟ ولكنها في الواقع مجموعة من البشر يحملون من السلطان ما يجبرون به الناس على أداء العمل الذي يطلبونه منهم، وما يعاقبونهم به إذا قصروا في أدائه؟ وصدق الله العظيم: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩] . - رابعاً: كيف ندفع الاستعباد؟ ندفع الاستعباد بأمور كثيرة من أهمها: ١ - خشية الله والخوف منه: والخشية لله ـ تعالى ـ تزيد العبد اطمئنان القلب وتعلقاً بالله فلا يعبد سواه، ولا يخشى أحداً إلا اياه، فيتوجه إليه بالكلية، فلا تغره دنيا، ولا يهيبه ملك أو سلطان فقد مُلئ قلبه خشية وخوفاً من الله تعالى. وقد قرن خشيته بالفوز في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] «فالطاعة لله ورسوله تفتضي السير على النهج القويم الذي رسمه الله للبشرية من علم وحكمة، وهو بطبيعته يؤدي إلى الفوز في الدنيا والآخرة، وخشية الله وتقواه هي الحارس الذي يكفل الاستقامة على المنهج، وإغفال المغريات التي تهتف بهم على جانبيه، فلا ينحرفون ولا يلتفتون» (٢) . والخشية من المنجيات التي تنجي العبد من كل شيء.. من الدنيا وغرورها.. من الحياة وفتنها.. قال ﷺ : «ثلاثٌ منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى. وثلاثٌ مهلكات: هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه» (٣) . وبالخشية يستعين العبد على دينه.. فيحفظه من الضلال.. ويحفظه من الزيغ والانحراف. عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: «كان يقال: ما استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله» (٤) . ٢ - اتباع المنهج السليم: ومن الوسائل في دفع الاستعباد المنهج السليم الذي هو الطريق القويم الذي يضمن لذوي العقول السير الصحيح والتبصر الحكيم، وأي أمة فقدت المنهج الصحيح السليم حارت في دروب التيه العقدي والإعصار الفكري ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] ، ولكي نضمن منهجاً سليماً خالياً من الشوائب لا بد من أمرين: أ - أخذ المنهج من مصدره الأساسي الذي هو المصدر الرباني المتمثل في الكتاب والسنه. قال ﷺ : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله» (٥) . ب - التلقي السليم الذي لا تتنازعه أهواء ولا تعصبات ولا منازعات، ولا يشوبها انحرافات فكرية، ولا يخالطها معتقدات فاسدة باطلة. ولك أن تتصور حال المرء بلا منهج صحيح: كيف يكون حاله؟ إما إلى جهالة عمياء أو إلى ضلالة خرقاء. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١] ، عندما ضعف تأصيله ومنهجه الذي يعتمد عليه عَبَدَ اللهَ على شك وعلى انحراف وخلل عقدي؛ فلم يصبر على مواجهة أمواج الفتن العاتية، فانقلب على وجهه مهزوماً مخذولاً قد خسر دنياه وآخرته، وعلى المرء أن يتحرى الطريق الصحيح الذي يبقي له المنهج صحيحاً سليماً و «الطريق الوحيد الصحيح الذي يجب على كل مسلم سلوكه هو طريق أهل السنة والجماعة طريق الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، ذو العقيدة الصافية والمنهج السليم واتباع السنة والدليل» (٦) . ٣ - الأخذ بزاد الصبر: قال ـ تعالى ـ مبيناً شأن أولئك الذين صبروا وما آل إليه صبرهم: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] . والصبر أمر مطلوب؛ فقد حث الله ـ سبحانه ـ عباده المؤمنين على الصبر فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . قال ابن القيم ﵀: «والإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. قال غير واحد من السلف: الصبر نصف الإيمان. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. ولهذا جمع الله ـ سبحانه ـ بين الصبر والشكر في قوله: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] » (١) . والصبر سبب في كمال المرء. قال ابن القيم ﵀: «أكمل الخلق أصبرهم، ولم يتخلف عن أحد كماله الممكن إلا من ضعف صبره» (٢) . ولا تنال الإمامة في الدين إلا بشيئين ذكرهما ابن تيمية ﵀ فقال: «إنما تُنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين» (٣) ، ويذكر ابن القيم تشبيهاً للصبر فيقول: «النفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام للمطية؛ فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب» (٤) . ولنا في السابقين أبلغ العظات والعبر؛ فقد صبر سيد المرسلين محمد بن عبد الله ﷺ أشد الصبر وأبلغه حتى بلَّغ دين الله ، وصبر من بعده أتباعه كبلال وخباب، وصبر كذلك إمام السنة أحمد بن حنبل، ومن بعده ابن تيمية، والكثير من أئمة الدعوة صبر؛ فما أوهنه القيد ولا غيَّره السجن؛ فهو صامد كالطود. قال ﷺ : «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٥) . والمؤمن الصابر أمره في خير بإذن الله كما أخبر بذلك النبي ﷺ فقال: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» (٦) . ٤ - تحرير الفكر: ولكي يتحرر الفكر من قيود الاستعباد لا بد له من الاطلاع الواسع والقراءة المكثفة النافعة؛ فبها يرقى فكره ويعلو، فلا ينجرف فكرياً ولا ينقاد تبعياً، ويصبح ملمّاً بأمور الحياة مدركاً لفقه الواقع. إن القراءة للعقل بمثابة الغذاء للجسد، ولذا كان خطاب الله لنبيه محمد ﷺ بداية ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ، ولا يمكن لأحد أن يكون ذا فكر جيد وخيال واسع دون القراءة. ٥ - البعد عن الاعلام الهابط والهدام: الإعلام من أقوى الوسائل تأثيراً على البشر وعلى المجتمع؛ إذ إنه سلاح ذو حدين، ولا يُمنع أحد من عدم مشاهدته؛ لأنه في متناول الجميع، سواء كان مرئياً أم مقروءاً أم مسموعاً، ولذا كان من مراتب الجهاد جهاد الكلمة أو جهاد القلم، ولكن ما إن يتحول هذا الإعلام إلى وسيلة لإذلال العباد واستعبادهم حتى يصبح ذا خطورة عالية، فيهوِّل لهم الأمور حتى تصبح كالموبقات لديهم ﴿وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] ، فتجدهم لا يجرؤون على الكلام فيه أو الخوض في تفاصيله، فأصبح الجميع مستعبَداً لما يقوله الإعلام فيلعب بعقولهم كيف شاء؛ فتارة يُلهب عواطفهم ضد أمر ما، وتارة يحذرهم من أمر فيه خير، وقلما تجده يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، ولو أنهم رجعوا إلى عقولهم وبصيرتهم لوجدوا أن الحق خلاف ذلك، ولو أنهم تجنبوا ذلك الإعلام السيئ أو أخذوا الإعلام من مصدره الصحيح لما حدثت التغيرات الداخلية لديهم، ولما تقاعسوا وتراجعوا، ولأبصروا الحقيقة الحقة، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ٨٣] . ٦ - الدعاء: الدعاء خير سلاح يتسلح به المؤمن، وبه يدفع البلاء والاستعباد؛ فهو عدته وعتاده، ولا يرد القضاء إلا الدعاء كما قال ﷺ : «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» (٧) . وحث ـ سبحانه ـ عباده على دعائه، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ، «هذا من لطفه بعباده ونعمته العظيمة؛ حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه دعاء العبادة ودعاء المسألة» (٨) ، و «من أعظم ما يجلبه الدعاء إلى الداعي أنه سبب في تحقيق التوحيد الذي به نجاة العبد وفلاحه؛ لأن الداعي الذي صرف دعاءه وسؤاله لله دون غيره وأخلص له فيه، فقد حقق جانباً من جوانب التوحيد وهو أن الدعاء عبادة لله وحده لا تصرف إلا له» (٩) . والدعاء يحتاج من المرء إلى عزيمة وعزم. قال ﷺ : «إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء، ولا يقولن أحدكم: إن شئت فأعطني؛ فإن الله لا مستكره له» (١٠) ، ولا عجز للمرء مثل عجزه عن الدعاء؛ فقد قال ﷺ : «إن أبخل الناس من بخل بالسلام، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء» (١١) . ويبين ابن القيم أهمية الدعاء وسبب تأخره، وأظنه جمع أهم الأسباب في تأخر إجابة الدعاء في كتابه (الجواب الكافي) . - ختاماً: عندما ابتعدت الدولة الإسلامية في عصر صدر الإسلام عن مظاهر الظلم والاستبداد والاستعباد ارتفع شأنها وبلغت رقعتها أقصى الأرض، وبلغ مجدها ذروته، فأصبحت رايتها خفاقة، وخيلها سباقة، وحق فيها قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] ، وما أن يظهر الاستبداد والظلم والقهر بأرض حتى يحل بها فساد وانتشار فتن وزوال نِعَم لا يرفعه إلا رجعة صادقة إلى الله ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] . والله يحفظنا هو مولانا وعليه التكلان.

стр. 5393

فقه التعامل مع الناس صالح بن فريح البهلال إن الله ـ جل في علاه ـ خلق الإنسان، مدنياً بالطبع، يُوْثِر الاجتماع على العزلة، فتراه يمر في أطوار حياته بين أبوين وإخوان، وأقاربَ وجيران، ومعارفَ وخِلان، وزوجٍ وولدان، وقد حتَّم عليه الشارع حضور بعض العبادات جماعةً؛ وكل هذا يلزم بها أن يتقن فقه التعامل مع الناس؛ حتى يسلمَ من نزَق الطبع، وطيش الحِلم؛ لأنه ـ غالباً ـ لا يسلم من أن يَجْهلَ، أو يُجْهَلَ عليه. وإن مُنْعِم النظر في أحوال بعض الناس في هذا الزمان لَيجد أنهم يعانون من انشقاق العصا بينهم، ويلقوْن في ذلك نصَباً ناصباً؛ وذلك جرَّاءَ أمور مَهينة، انتهز الشيطان فيها فُرصة، واهتبل فيها غِرة، فصعَّد فيها وصوَّب، فانجلت عن شقاق، وسوء أخلاق. وإليك أمثلةً ليست من نسج الخيال، وإنما هي من واقع الحال. فهذا قد شاكس أباه على منعه حقاً له؛ لا يساوي معشار كد والده عليه. وهذا قد قطَّع أخاه؛ لأجل اختلاف في قسمة ميراث. وهذا قد فارق زوجه؛ إثر سوء تفاهم بينهما يَرِد مثله في الحياة الزوجية كثيراً. وهذا قد ترك حلقته التي يتعلم فيها القرآن؛ لأن أستاذه فيها قسا عليه ـ مرة ـ. وهذا قد سخط على فلان ـ من جماعة مسجدهم ـ لأنه ـ بزعمه ـ قد ابتلاهم بفتح أجهزة التكييف في المسجد. وهذا قد هجر جاره؛ لأن ولد جاره خاصم ابنه مرة. وهذا قد قطع صلة قريبه؛ لأنه تذرَّع به في شفاعة، فلم يشفع، ولم يرفع. وهذا شكاكٌ مرتاب تكاد مرارته تنفطر من الغيظ، على فلان وفلان، لا لشيء؛ وإنما لأنه كلَّف نفسه ما لم تُكلَّف، فاشتغل بتفسير المقاصد، فهو ثائرٌ على فلان؛ لأنه قال كلمة في مجلس، يظن أنه لا يقصد غيره بها، وهو ساخطٌ على فلان؛ لأنه ـ بزعمه ـ متكبر، وافقه مرة فلم ينظر إليه إلا بطرْف فاتر، وهو منقبض عن فلان؛ لأنه فيما يظهر له ـ يتلظى صدره علىه من الحسد. وتلك امرأة، تزوي ما بين عينيها ـ دوماً ـ على امرأة ابنها؛ لأنها لم تقم بحقها ـ زعمت ـ. وأخرى صرمت حبال الوصل مع شقيقتها؛ وذلك لأجل خصومة أولادهما المتكررة. إلى غير تلك الأحوال التي تنقبض لها الصدور، وتشمئز منها النفوس، وتُحدِث فيها لوعة مؤلمة، ومسّاً موجعاً. وهذا بعض الإشارات في فقه التعامل مع الناس، علَّها أن تنظم شملاً قد تمزق، وتجمع شتاتاً قد تفرق. فإلى المقصود، والله المستعان، وعليه التكلان؛ فما أحرانا بضرورة مراجعة نفوسنا وحسن الظن بإخواننا والتزام ما يلي: ١ ـ توطين النفس على معاملة الناس بمحاسن الأخلاق، وجميل الخِلال، وهذا من مسلَّمات الدين، ولأجله بُعث سيد المرسلين ﷺ ؛ إذ يقول: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق» (١) ، والآيات والأحاديث التي تحث على التحلي بمكارم الأخلاق، وتنهى عن سفسافها وافرة معلومة. وهي من أعظم ما يجلب الودَّ، ويُحِلُّ الوفاق، وينفي الفُرقة، ويزيل الشقاق. وإنك لترى الرجلَ الذي يذكر بِغلَظ الطباع، وفظاظة الأخلاق، ما إن تتطلقْ في وجهه، وتَهَشَّ له بكلام لين، إلا وتجد أثر ذلك فيه. والكلام في الخُلُق الحسن، وأثره على صاحبه، وعلى الناس، يطول جداً، والخلاصة فيه: أنه لا يخيب صاحب أخلاق حسان أبداً، ولا يعنو كمداً؛ لأنه لا يحمل حسداً، ولا يؤذي أحداً. وما الإشارات الآتية إلا وتتفيأ ظلال هذه الإشارة، وتمتد إليها بسبب متين، وتأوي فيها إلى ركن شديد؛ فهي خلاصتها، وعصارتها. ٢ ـ معاملة الناس حسب طبائعهم التي أعطاهم الله إياها؛ فإن الله ـ سبحانه ـ كما قسم الأرزاق قسم الأخلاق؛ فمن الناس من هو حُرُّ الخلال، أَرْيَحِيُّ الطباع، يترقرق في وجهه ماء البِشْر. ومنهم من هو فظ الأخلاق، صعب المراس، كأنما قُدَّ من صخر. ومنهم من هو مبتغٍ بين ذلك سبيلاً، وقد أبان الرسول ﷺ ذلك، فقال: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود، وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزْن، وبين ذلك» أخرجه أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) . وقد تمثل بعض الشعراء بهذا المعنى، فقال: الناس كالأرض، ومنها هُمُ فمن خشن الطبع، ومن ليِّنِ فجنْدلٌ تدْمى به أرجلٌ وإثْمِدٌ يوضع في الأعينِ وبهذا يعلم أن معاملة الناس، ينبغي ألا تكون على وتيرة واحدة، بل يعامَل كلٌ منهم حسب طبعه، كما ـ تعالى ـ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] . قال العلامة الشنقيطي: « ... العفو معروف في كلام العرب، تقول لك: «خذ العفو مني» أي؛ خذ ما تسهَّل لك من أخلاق الناس، ووجدت منهم طِيباً بلا كلفة فخذ، وما جاءك من غير ذلك فاصفح عنه وتجاوزه ... » (٤) . وقال العلاَّمة السعدي: «الذي ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو، أي ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم» (٥) . وقد حفظت لنا عائشة ﵂ موقفاً من المواقف النبوية التي تدل على حِذْقه ﷺ في التعامل مع الناس، تقول عائشة: «إن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلَّق النبي ﷺ في وجهه، وانبسط إليه. فلما انطلق الرجل، قالت عائشة: يا رسول الله! حين رأيتَ الرجلَ قلتَ له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة! متى عهدتِّني فحَّاشاً؟ إن شرَّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس اتقاءَ فحشِه» أخرجه البخاري (٦) ومسلم (٧) . قال القرطبي: «في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك، من الجور في الحكم، والدعاء إلى البدعة، مع جواز مداراتهم؛ اتقاء شرهم ما لم يؤدِّ ذلك إلى المداهنة في دين الله ـ تعالى ـ» (٨) . كما يرى المسْوَر بن مَخْرَمة ﵁ موقفاً في ذلك، فيقول: «قَدِمَتْ على النبي ﷺ أقبيةٌ من ديباج، مزررة بالذهب، فقسمها في أناس من أصحابه، وعزل منها واحداً لمخْرَمة، فلما جاء مَخْرَمة، قال الرسول ﷺ : «خبأت هذا لك» أخرجه البخاري (٩) من طريق أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن المسور. وقال أيوب بثوبه، وكان في خلقه شيء، قال الحافظ ابن حجر: «والمعنى أشار أيوب بثوبه ليُري الحاضرين كيفية ما فعل النبي ﷺ عند كلامه مع مَخْرَمة، ولفظ القول يطلق ويراد به الفعل؛ وإنما قيل في مخرمة ما قيل؛ لِمَا كان في خُلُقه من الشدة، فكان لذلك في لسانه بذاءة» (١٠) . وبهذا يعلم أن سبب كثير من الشقاق، وسوء الوفاق، بين ابن وأبيه، أو زوج وامرأته، أو إمام وبعض جماعة مسجده، أو نحو ذلك؛ إنما هو بسبب الجهل بالطبائع ونوع الأنفس. ٣ ـ معاملة الناس حسب منازلهم التي أنزلهم الله إياها؛ فالناس فيهم العالم والجاهل، والملك والسُّوقَة، والسائد والمسود، والغني والفقير، والكبير والصغير، والعاقل والمجنون، وغيرهم، فيعامل كلٌ حسب منزلته لا وكس ولا شطط. قال السعدي: «فلا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال، وتنشرح له صدورهم» (١١) . وفيما يروى عن النبي ﷺ قولُه: «أنزِلوا الناس منازلهم» أخرجه أبو داود (١) ، وهو وإن كان حديثاً ضعيفاً، إلا أن في السنة شواهد كثيرةً تدل على معناه، ومنها: ـ قوله ﷺ : «يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سناً ... » أخرجه مسلم (٢) . ـ وقوله ﷺ : «أراني في المنام أتسوَّك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواكَ الأصغرَ، فقيل لي: كبِّر، فدفعته إلى الأكبر منهما» أخرجه مسلم (٣) . ـ وقوله ﷺ : إن من إجلال الله ـ تعالى ـ إكرامَ ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» إخرجه أبو داود (٤) . ـ وقوله ﷺ : «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا» أخرجه أبو داود (٥) والترمذي (٦) . ـ بل انظر إلى مَلَكَة الحكمة التي أوتيها الرسول ﷺ حين دخل مكة فاتحاً، فجاء أبو سفيان فأسلم، فأراد الرسول ﷺ تثبيت إسلامه، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» (٧) فأبو سفيان من سادات قريش، ومثله يحب الفخر، فأشبع الرسول ﷺ مشاعره بهذه الجملة. وهكذا فعل الرسول ﷺ مع أولئك الرجال السادة في أقوامهم، الذين كانوا حدثاء عهد بكفر؛ فكان يعطيهم ما لا يعطي غيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «كان النبي ﷺ يتألف قوماً، ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين، وتطهير من ذنوبهم ... » (٨) . وقد قال النبي ﷺ في كتابه الذي أرسله إلى هرقل: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ، عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم..» أخرجه البخاري (٩) ومسلم (١٠) . فتأمل قوله ﷺ : «عظيم الروم» . إلى غير لك من الأحاديث الوافرة في هذا الجانب، التي تحتِّم أن يُعطَى كلُّ ذي منزلةٍ حقَّه اللائق بحاله؛ فللأمير حق، وللعالم حق، وللوجيه حق، وللوالد حق، وللولد حق، وللزوج حق، وللزوجة حق، وللكبير حق، وللصغير حق، وللتلميذ حق، ولإمام المسجد حق، ولناقص العقل حق، وكلّ له حق بحسبه، وليس المجالُ مجالَ بسط لهذه الحقوق؛ ولكن القصد هو الإشارة بأن إنزال الناس منازلهم سبب متين؛ لتقوية آصرة الألفة والمودة، ونبذ الشقاق وسوء الأخلاق. ٤ ـ معاملة الناس حسب ظواهرهم، فلا يُشتغل بتفسير المقاصد؛ فمن الناس من تجده شكاكاً في الناس، مرتاباً في تعاملهم معه، تتجاذبه فيهم الظنون، وتتوارد عليه الرِّيب؛ فلسان حاله: فلان قد رابني أمره، ولست على يقين من فلان، وإني لفي مرية من فلان. إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدَّق ما يعتادُه من توهُّمِ وعادى محبيه بقول عُداته وأصبح في ليل من الشك مظلم فلا يزال هذا المسكين يعاني في هذا الأمر صعَداً، ويقاسي منه نَصَباً، حتى يخلد إلى الانزواء، فيتفرق شمله، وينتثر نظمه. وإن في هذا الفعل مُجافاةً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] . وقوله ﷺ : «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث» أخرجه البخاري (١١) ومسلم (١٢) . وقد ورد في السنة ما يدل على أن النبي ﷺ كان يتعامل مع الناس حسب ظواهرهم، دون إيغال في النيات، أو تحسس في المقاصد، فمن ذلك: ما رواه أسامة بن زيد ﵁ قال: «بعثنا رسول الله ﷺ فصبَّحنا الحُرُقات من جهينةَ، فأدركت رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟» قال: قلت: يا رسول الله! إنما قال خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟! فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» أخرجه البخاري (١٣) ومسلم (١٤) . وما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ في قصة الرجل الذي قال للرسول ﷺ : اتق الله ـ لمَّا قسم الرسول ﷺ تلك الذُّهَيْبة التي بعث بها علي بن أبي طالب ﵁ من اليمن على المؤلفة قلوبهم ـ فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : «إني لم أُومَر أن أنقِّب عن قلوب الناس، ولا أشقَّ بطونهم» أخرجه البخاري (١٥) ومسلم (١٦) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن المنافقين الذي قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] هم في الظاهر مؤمنون يصلُّون مع الناس ويصومون ويحجون ويغزون، والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم، كما كان المنافقون على عهد رسول الله ﷺ ولم يحكم النبي ﷺ في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في مناكحتهم، ولا موارثتهم، ولا نحو ذلك، بل لما مات عبد الله بن أبي سلول ـ وهو من أشهر الناس بالنفاق ـ ورثه ابنه عبد الله، وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين» (١) . وقد أخرج البخاري (٢) عن الخليفة المحدَّث، عمر بن الخطاب ﵁ قوله: «إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم؛ فمن أظهر لنا خيراً أمنَّاه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنْه ولم نصدقْه، وإن قال إن سريرته حسنة» . فكل هذه الأدلة تبين بجلاء أنه يتحتم على المسلم أن يعامل أخاه بما يظهر منه، ويكل سريرته إلى الله؛ وبذلك تقوى صِلاته، وتطمئن نفسه، وتنجلي عنه مزعجات التفكير، ودوامات القلق. ٥ ـ استحضار أن الخطأ من طبيعة الإنسان، وأنه لم يسلم منه إلا من عصمه الله من أنبيائه ورسله، وقد قرر النبي ﷺ ذلك بقوله: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» أخرجه الترمذي (٣) ، وابن ماجه (٤) . ومن لك بالمهذب بالندب الذي لا يجد العيب إليه مختطى فمن الخطأ أن يتصور امرؤٌ مثاليةً في شخص، سواء كان امرأة سينكحها، أو عالماً سيتتلمذ عليه، أو رجلاً سيخالطه ويعاشره، أو غير ذلك، ثم يحاسبه بناء على ذلك، وربما انتبذ عنه مكاناً قصياً؛ بل عليه أن يعامله معاملةً واقعيةً، نابعةً عن معرفة بطبيعة البشر التي يعتريها الجهل والخطأ والنسيان. وانظر إلى فعل حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وهو من البدريين الذين قال الله فيهم: «اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم!» حيث أرسل إلى كفار قريش كتاباً يخبرهم فيه بعزم الرسول ﷺ وأصحابه في التوجه لفتحها، فأنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] الآية (٥) . قال الحافظ ابن حجر: «وفي هذا الحديث من الفوائد، أن المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن يُقْطَع له بالجنة لا يُعصَم من الوقوع في الذنب؛ لأن حاطباً دخل فيمن أوجب الله لهم الجنة، ووقع منه ما وقع» (٦) . وتأمل في جواب الإمام أحمد ﵀ لما قال له راويته مهنَّا: كان غُنْدَر (٧) يغلظ؟ قال: «أليس هو من الناس؟!» (٨) . وأمعِن النظر في قول شيخ الإسلام ابن تيمية هذا: يقول ﵀: «وليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفوراً لهم، بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقاً، بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة» (٩) . ٦ ـ التغافل؛ فبناء على ما هو مقررٌ من لزوم الخطأ لبني الإنسان، فإنه يحسن بالنابه الفطن أن يتغافل عن الأخطاء التي لا يترتب عليها مفسدة. وقد أخرج البخاري (١٠) ومسلم (١١) عن عائشة ﵂ قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ ، فقالوا: السامُ عليك، ففهمتها، فقلت: عليكم السامُ واللعنة، فقال الرسول ﷺ : «مهلاً يا عائشة! فإن الله يحب الرفق في الأمر كله» فقلت: يا رسول الله! أوَ لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : «قد قلتُ: وعليكم» . قال العلاَّمة ابن مفلح: «استُنبط منه استحباب تغافل أهل الفضل عن سَفَه المبطلين، إذا لم يترتب عليه مفسدة» (١٢) . فإذا كان هذه التغافل في مثل هؤلاء الكفار، فإنه يتأكد على المسلم أن يتغافل عما يجري من أخيه المسلم من الأخطاء المعتادة؛ فالكمال عزيز، ولن تجد زوجةً، أو ولداً، أو أخاً، أو معلماً، أو صديقاً، أو إماماً لمسجد، أو نحوه إلا وفيه ما يصفو وما يتكدر، فلا ترجُ خالصاً نفعه؛ فانهل من صفو صاحبك، وتعامَ عن كدره، كأنك ما سمعتَ ولا دريتَ. ولقد أجاد أبو تمام حين قال: ليس الغبيُّ بسيد في قومه لكنَّ سيدَ قومه المتغابي قال الإمام الشافعي: «الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل» (١٣) . وقال عثمان بن زائدة: «قلت للإمام أحمد: العافية عشرة أجزاء تسعة منها في التغافل، فقال: العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل» (١٤) . فأَجْمِلْ بالأب في بيته، والمعلم في فصله، والمدير في دائرته، وإمام المسجد مع جماعته، وكل مسؤول مع من تحت يده، أَجْمِلْ بهؤلاء كلهم أن يتحلوا بالإغماض عن الهفوات التي لا تمس ديناً، ولا تورث شراً، وإنما هو حقوقٌ شخصية. ويتأكد التغافل عن الخطأ في حق من اشتدت مودته، وطالت صحبته، كما قال أبو فراس الحمداني: لم أواخذْك بالجفاء لأني واثق منك بالوداد الصريحِ وجميل العدو غير جميل وقبيح الصديق غير قبيحِ ٧ ـ قبول أعذار الناس؛ فبما أن الإنسان لا يزال في حيِّز البشرية، يَرِدُ عليه الخطأ في تعامله مع الناس؛ فإن كفارة ذلك الذنب هو اعتذار ممن أخطأ معه. ويتأكد في حق من اعتذر منه أن يقبل عذره، ويكل سريرته إلى الله، تأسياً بالنبي ﷺ ؛ فإنه لما جاءه المخلَّفون عام تبوك، وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، قَبِلَ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وهو مع ذلك لا يصدِّق أحداً منهم؛ بدليل أنه لما جاءه كعب بن مالك، وأخبره بحقيقة أمره، قال: «أما هذا فقد صدق» كما عند البخاري (١) ومسلم (٢) . قال الإمام ابن القيم: «من أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته؛ فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته، حقاً كانت أو باطلاً، وتكل سريرته إلى الله ... » . ثم قال: «وعلامة الكرم والتواضع أنك إذا رأيتَ الخلل في عذره لا توقفْه عليه ولا تحاجَّه، وقل: يمكن أن يكون الأمر كما تقول، ولو قضي شيء لكان، والمقدور لا مدفع له، ونحو ذلك» (٣) . قال الإمام الشافعي: اقبلْ معاذير من يأتيك معتذراً إن برَّ عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره وقد أجلَّك من يعصيك مستترا وقال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: إن أبا موسى هارون بن عبد الله قد جاء إلى رجل شتمه لعله يعتذر إليه، فلم يخرج إليه، وشق الباب في وجهه، فعجب، وقال: سبحان الله! أما إنه قد بغى عليه، سيُنصر عليه، ثم قال: رجل نقل قدمه ويجيء إليه يعتذر لا يخرج؟! (٤) . ومما يقوِّي المسلمَ في قبول عذر أخيه إذا اعتذر إليه، استشعارُه أنه ربما احتاج لمثل هذا الموقف الذي وقفه أخوه أمامه؛ فهل يسرُّه حينَها أن يُرَدَّ خاسئاً وهو حسير؟ فكما تدين تدان. فما أجمل ذلك الأب الذي لما أتاه ابنه يلقي معاذيره، قبل عذره، وبرأه من الملام. وأكرم بذاك الزوج الذي إذا اعتذرت إليه زوجه من التقصير، نفض عنها غبار اللوم، ووجد لها في ذلك عذراً بيناً. ولله در ذاك الصديق الذي لما أتاه صاحبه معتذراً إليه من هفوة فرطت، أو سقطة بدت ـ هوَّن عليه، وقال: لا درَك عليك في ذلك ولا لَحق. بل إنه ينبغي لمن أوتي شهامة في طباعه، وسخاوة في أخلاقه، أن يعذر أخاه إذا سمع عنه سوءاً، وهذا قد دعا إليه ربنا في كتابه، فقال: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النور: ١٢] . قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: «لا تظنَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً» (٥) . وقال أبو قلابة: «إذا بلغك عن أخيك شيءٌ تكرهه فالتمس له العذر جَهدك، فإن لم تجد له عذراً، فقل في نفسك: لعل لأخيك عذراً لا أعلمه» (٦) . ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] . ٨ ـ الإعراض عن الجاهلين؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقال: ﴿وَإذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال: ﴿وَإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . فمن الناس من تجد في طبعه نزَقاً، وفي لسانه رهقاً، يغمز فيه ويلمز دون جريرة في الملموز، وإنما هو طيش الحلم، وسفه العقل. وإن شفاء مثل هذا الداء يسيرٌ على من يسره الله عليه، بأن يكون من أوذي رحب الصدر، وقور النفس، رصيناً، رزيناً، لا يستخفه سفه، ولا يستثيره غضب، طوداً لا تقلقله العواصف. وما أجمل ما فعل الخليفة الراشد، عمر بن الخطاب ﵁ لما دخل عليه عيينة بن حصن، فقال: «هِي! يا ابن الخطاب! فوَ الله ما تعطينا الجزْل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر ﵁ حتى هَمَّ أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين! إن الله ـ تعالى ـ قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقَّافاً عند كتاب الله ـ تعالى ـ» أخرجه البخاري (٧) . ٩ ـ العفو عن أخطاء الناس، ومقابلتها بالإحسان؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] . قال العلاَّمة السعدي: «أي؛ فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصاً من له حق كبير عليك، كالأقارب والأصحاب ونحوهم، إساءة بالقول أو الفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فصِلْهُ، وإن ظلمك فاعفُ عنه، وعامله بالقول اللين، وإن هجرك وترك خطابك، فطيِّب له الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة» (١) . وقال العلاَّمة الشنقيطي: «فإن ذلك الإحسان وذلك الحلم والصفح يقضي على إساءته ويذهبها حتى يضطر إلى أن يصير في آخر الأمر من أصدق الأصدقاء» (٢) . ثم قال بعد تلك الآية: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] . قال السعدي: «أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة إلا الذين صبروا نفوسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله؛ فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته، وعدم العفو عنه؛ فكيف بالإحسان» (٣) . نعم! فإن هذه لخلة شديدة على النفس، لا يسْطيعها إلا رجلٌ موفقٌ، قد تَسَنَّمَ ذِرْوَةَ المجد، وأمَّ معالي الأمور، فكرمت خليقته، ونبُلت نفسه، وجزُلت مروءته؛ فهمَّته قصيَّة المرمى، رفيعة المناط، قد تخطى هذه الأقذاء، وجاوز هاتيك الحفر، فلم تلن قناته لغامز. وإن المتأمل لحال الرسول ﷺ ليجد هذا الخُلُق الكريم قد أخذ فيه ﷺ بحظ وافر، وإليك شيئاً من ذلك: تقول عائشة ﵂: «ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تُنتهك حرمة الله، فينتقم بها لله» أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) . ويقول أنس ﵁: «كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه رداءٌ نجرانيٌ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذةً شديدةً، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء، من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، فضحك، ثم أمر له بعطاء» أخرجه البخاري (٦) ومسلم (٧) . وفي رواية عند مسلم: «ثم جبذه إليه جبذةً، رجع نبيُّ الله ِ- ﷺ في نحر الأعرابي» . وفي رواية أخرى عند مسلم: «فجاذبه، حتى انشق البُرْدُ، وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ » . سبحان الله! ما أعظم أخلاق هذا الرسول ﷺ التي تملأ الصدور عظمة وإجلالاً، كيف قابل نزَقَ هذا الأعرابي وطيشَه، بهذه الأريحية، وهذا الندى؟! إنها رفعةٌ لا تُسامى، وعظمةٌ لا تُغالب. وعلى هذا النهج النبوي سار شرفاء الناس وعظماؤهم، وسأذكر مثالاً واحداً فقط ـ والأمثلة كثيرة ـ على ذلك. فهذا إمام أهل السنة، أحمد بن حنبل، الذي استبطن دخائل العلم، وخاض عُبابه، قد لاقى في فتنة القول بخلق القرآن الألاقي، من سَجْنٍ وأغلالٍ، وجَلْدٍ يصل إلى أن يفقد الإمام وعيه، وحَبْسٍ في بيته يُمنع فيه من الخروج للصلاة، ومع ذلك كان يقول: «كل من ذكرني ففي حِل إلا مبتدعاً، وقد جعلت أبا إسحاق ـ يعني: المعتصم ـ في حِل، ورأيت الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ... ﴾ [النور: ٢٢] أمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح» ثم قال الإمام أحمد: «وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟» (٨) . الله أكبر، إنه التوفيق الإلهي، وإذا أراد الله بعبد خيراً غرس فيه طباع الخير، فيبذلها بلا كلفة أسلس من الماء. وفي الختام أقول: ينبغي على المسلم أن يحسِّن أخلاقه مع الناس، مراعياً طبائعهم ومنازلهم التي أعطاهم الله ـ سبحانه ـ غير مشتغل ببواطنهم، وما انطوت عليه صدورهم؛ فإن أصابه خطأ منهم، فليعلم أن الإنسان محل الخطأ والنسيان، فليتغافلْ، وإلا فليعذرْ، وإلا فليصفحْ ويتسامحْ، ويفوضْ أمره إلى الله، فبذلك يعيش سالماً، والقول فيه جميل. وربما كان تطبيق بعض هذه الأخلاق عسراً شديداً على النفس، يحتاج إلى مجاهدة ومعالجة بالِغين، ولكنَّ الحِلْمَ بالتحلُّم، والنفسُ راغبة إذا رغَّبتها، وقد قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، وقال الرسول ﷺ : «ومن يتصبر يصبره الله ... » (٩) . وليسألْ كلٌ منا ربه من فضله، وليستوهبْهُ من جوده؛ فإنه ـ وحده ـ هو المانُّ المتفضل. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. اللهم صلِّ على نبينا محمدٍٍ وعلى آله وصحبه وسلِّم.

стр. 5394

يا درة الأمجاد فلاح الغريب بَغْدادُ تنطقُ بالهوَى عيْنَاكِ وكجَمْرِ أشواقِي بَدَتْ شَفَتاكِ وقفتْ على الأطلالِ ساعةَ رهْبةٍ تلك السّحائِبُ فاسْتَهلَّ نَدَاكِ بغدادُ يحملُنِي الهَوَى ويُذيْبُنِي شوقٌ لرؤيةِ ثغْركِ الضّحاكِ ويزيدُني مَرُّ النَّسيمِ من الجَوَى وتعيدُنِي الذّكرَى إلى ذكْرَاكِ وتفيدني الأيامُ درْسَ عزيمةٍ لمّا تسير إلى العُلا قدَمَاكِ تتأوّه الأغصانُ من ألمِ النّوَى ويتوهُ بالألحَانِ رَجْعُ صداكِ أبكي ويرتعشُ اليراعُ وترتَمِي منِّي الحروفُ على سَنَا نجْوَاكِ بالله يا دارَ السّلامِ ترفّقِي إنّي لأشكُو منْ لظَى شَكْوَاكِ ورُبَى الحجازِ عليلةٌ ممّا جَرَى والشامُ يسلبُها الهَوَى مَرْآكِ وَرِمَالُ نجْدٍ أغرقتهَا أدمعٌ فيَّاضَةُ الأحزانِ حينَ تَرَاكِ وشواهقُ السَّرَواتِ تُعْلِي صرْخةً لا تخضَعِي يا دُرَّةَ الأفْلاكِ تتقاذفُ الأيامُ غابرَ مجدِنَا ومراتعَ الذّكرى وبَوْحَ ثَرَاكِ أيامَ كنتِ على الدِّيارِ أميرةً تتضوَّعُ الأزهارُ نفحَ شذاكِ أيّامَ يرسِلُها الرّشيدُ بعزَّةٍ أينَ المكارم والهدى لَوْلاكِ يا دارُ يأسرني الحنينُ لروضةٍ تروي الظِّمآءَ وتنتمِي لرُبَاكِ وأرى الصّبابةَ والمحبّةَ والنَّدَى حَسْبُ العُلا والجُودِ أنْ عَرَفَاكِ كمْ عَاشقٍ أفنى صَبَابةَ عُمْرِهِ يرجو الوِصَالَ فأكرمتْهُ يَدَاكِ والنورُ يحسبُ أنَّهُ من دُرّةٍ حسناءَ يرمُقُها الهَوَى فيرَاكِ والسيفُ يلمعُ في مقابضِ فتيةٍ صانُوا حَرِيمَكِ واحتَمَوْا بحِمَاكِ فاستبسلتْ تلكَ الأسُودُ ببَذْلِها وأبَيْتِ يا بَغْدادُ أنْ ننسَاكِ لا زالَ للمجدِ الأثيلِ بقيّةٌ قد شادها في الخافقينِ فِدَاكِ يا درّةَ الأمجادِ هل من سَائلٍ عن فجْرٍ مَجْدٍ باسِمٍ يغشاكِ؟ بغدادُ ماذا قد يرومُ بِكِ العِدَا والسيفُ والقرآنُ قد حَرَسَاكِ؟ وعنِ الكرامةِ والشهادةِ والهُدَى والصِّيدُ قد لبَّتْ كَرِيمَ نِدَاكِ وعنِ الجيوشِ الفاتحاتِ وأهلِها وعنِ الفصَاحةِ تعتلي بِعُلاكِ بغدادُ يا رمْزَ الثّباتِ تمسّكي فالنّصر يا بغداد قد حيّاكِ ولربَّمَا تَحيَا مَآثرُ أمَّتِي وتعيدُها للمكْرُمَاتِ خُطَاكِ

стр. 5395

حول الانسحاب اليهودي من غزة: الشيخ الدكتور نزار ريان القيادي في حماس للبيان: لا بد من مواصلة العمل حتى يندحر العدو استطاعت المقاومة أن تدحر المغتصب عن بلادنا في غزة، لكن احتفالنا وفرحتنا لا يعني السكوت عند هذا الحد؛ فلا بد من مواصلة العمل حتى يندحر العدو عن الضفة والقدس وحيفا ويافا وأراضي ٤٨، ولن تقر عيوننا في حركة حماس ولن يهدأ بالنا حتى يخرج كل يهودي ويعود كل مستعمر وكل غريب إلى البلاد التي جاء منها. وإذا كان بعضٌ يستبعد هذا في الواقع السياسي المنهزم فإننا لا نستبعده وأمامنا قوله ـ تعالى ـ: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] ؛ فحصونهم التي شيدوها يدمرونها بأيديهم الآن، وغداً ستدمر جميع المدن اليهودية ويعود الشعب الفلسطيني إلى دياره وأهل فلسطين إلى بلادهم. وأضاف د. نزار في تصريحه للبيان أنه اتُّفِقَ على تكوين لجنة فلسطينية من مختلف الفصائل لوضع آليات تضمن عدم التفريط في الأرض المحررة؛ فأصحاب الأملاك الخاصة لا بد لهم من إقامة الدعاوى حتى يتم رد هذه الأملاك الخاصة لهم التي كانت قد اغتُصبت بشكل خاص من المستوطنات فيما مضى، والملك العام يبقى لخدمة المصلحة الوطنية؛ فإننا نحتاج إلى موانئ ومدن جديدة تستوعب أهالي المخيمات الذين يعيشون في أزقة ضيقة جداً؛ إذ لا بد من توسعة هذه المخيمات وإسكان الناس وإخراجهم من ضائقتهم كي يعيشوا؛ فهناك اسر شابة لا تجد لها مكاناً تحت الشمس في قطاع غزة. وحول العلاقة مع السلطة بعد الانسحاب، قال: أؤكد أننا ننظر إلى إخواننا في السلطة وفتح على أنهم مسلمون لا نكفِّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يرَ حِله؛ فنحن لا نكفّرهم، ولا نستحل دماءهم، ولا نحل التهجم عليهم بسلاح أو أي وسيلة أخرى؛ لكننا في الوقت نفسه لا نجيز لأحد أن يتهجم علينا بالسلاح؛ وعليه إذا اعتدى علينا رددناه ما أمكن؛ فنحن مجاهدون ودمرت بيوتنا، واستُشهد أولادنا وأصيبوا واسروا، ونحن الآن لا نريد أن يتغوَّل علينا أهلنا في السلطة بما يملكون من سلاح هو في حقيقته سلاح مدعوم من القوات الإسرائيلية، ولذلك نقوم بواجباتنا؛ أما المسؤولون عن هذا فهم معروفون لدينا. أما بالنسبة للمفاوضة على سلاح حماس مع السلطة، فإن السلطة لم تفاوضنا على سلاحنا قط، ولم تتكلم فيه كلمة واحدة، وكان هناك حديث للسلطة سابقاً عن دور المرابطين وما ضرورتهم. كنا نقول: ما بقي الاحتلال بقي الرباط؛ فغزة محتلة، والضفة محتلة، وأراضي ٤٨ محتلة، وسيبقى رباطنا مهما كلفنا ذلك. أما سلاحنا فلم يحدثنا فيه أحد، ولن نأذن لأحد أن يكلمنا فيه، وإذا تكلم أحد فسننهي الجلسة ونقوم؛ فالحدود المكشوفة علمتنا أن إسرائيل لا تحترم حدوداً، ولا تحترم شيئاًَ، وأنها في لحظة واحدة يمكن أن تعود إلينا وتدخل غزة؛ فما الذي يردها؟ الذي يردها المجاهدون والمرابطون؛ أما قوات الأمن الفلسطينية فقد رأيناها مرات ومرات متعددة قبل ذلك تفر، بل يبلِّغها اليهود أنهم سيدخلون منطقةٍ ما فيفرون منها، فلا يقف للدفاع عنها إلا الشباب المجاهدون. وفيما يخص التكتلات الاستيطانية في الضفة فإن استطاعت إسرائيل أن تبقي مغتصباتها وقواتها في الضفة الغربية فلتفعل؛ فهم لم يخرجوا من غزة من لا شيء، بل خرجوا بالمقاومة، والمقاومة مستمرة في غزة والضفة، وقد تتغير آلياتها في غزة لكنها في الضفة ستحافظ على أي آلية تملكها، ونسال الله أن يلهمنا رشدنا في الضفة ويعيننا على تصنيع الأسلحة كالصواريخ ـ مثلاً ـ التي طردت اليهود من غزة والعمليات الاستشهادية وغيرها. سيخرج عدونا من الضفة الغربية كما يخرج من غزة الآن، لكن النَّفَس الطويل والنَّفَس القصير هو القضية. ويختم د. نزار تصريحه بنظر حركة حماس إلى مستقبل غزة بعد الانسحاب، فيقول: مستقبل القطاع مرتهن باتصاله بالعالم، فإن اتصل القطاع بالعالم فمستقبله خير، وإن بقي سجناً كبيراً يحبس أكثر من مليون ونصف داخل الأسلاك الشائكة فلن يكون هنالك خير. نحن لا نزعم أننا حررنا قطاع غزة؛ فما لم يُحَرَّر جوُّنا وبحرُنا ومعابرنا فلن يكون هناك حرية، إن حُررت فالحمد لله، وإلاَّ فهي مزارع شبعا الجديدة التي تعني استمرار المقاومة بكل وسائلها في قطاع غزة.. فستستمر المقاومة، وسنقاتلهم ما بقي أي نوع من أنواع السيادة الاحتلالية اليهودية على قطاع غزة.

стр. 5396

الحوار الإسلامي بين الدواعي والمعوقات (١ ـ ٢) إعداد: محمد بن شاكر الشريف ـ خباب بن مروان الحمد في عالمنا المعاصر ولأسباب كثيرة تهتم العديد من الدوائر بالحديث عن الحاجة إلى الحوار الإسلامي النصراني؛ أملاً في التقريب بين الرسالتين، تمهيداً لتوحيد الأتباع في دين واحد يجمع بين الإسلام والنصرانية، وتُجنَّد لذلك هيئات ومؤسسات، وتُنفَق في سبيل ذلك الكثير من الأموال، لإعداد البحوث والدراسات بحثاً عما يدعونه من القواسم المشتركة تحت مسمى الإيمان بوجود إله خالق في مواجهة من ينكرون وجود الله؛ وذلك من خلال فعاليات كثيرة من المؤتمرات والندوات والبيانات المشتركة. ورغم ما يبذل من جهود ضخمة لإنجاح هذه المؤتمرات والندوات إلا أنها خائبة وخاسرة؛ لأنه لا يمكن حدوث تقارب حقيقي إلا إذا دخل الكفار في دين الله تعالى، وأما الخطوات التي يخطوها كِلا الطرفين للالتقاء في منتصف الطريق كما يزعمون؛ فإنها تبعد المسلم عن دينه حتى يكاد يخرج منه ولا تدخل الكافر في دين الإسلام. والذي ينبغي أن تتجه إليه الهمة والجهد الحقيقي هو التقريب والتوفيق بين العاملين لدعوة الإسلام؛ لأن المسلمين في حاجة حقيقية لمثل هذا الجهد في واقعنا المعاصر، نظراً لما تتعرض له أمتنا الإسلامية من هجمة صليبية شرسة، ثم هو جهد يُبذل وينتج عنه ثمرة حقيقية؛ لأن عوامل نجاحها موجودة في الإسلام نفسه الذي يعمل له الدعاة. من هنا توجهت مجلة البيان إلى البحث في الحوار الإسلامي الإسلامي بين أطراف إسلامية تعمل لهذا الدين، تجمعها أطر عامة وكليات ثابتة، وإن حدث نوع من الاختلاف فيما دون ذلك، بغية إحداث تجانس أو تقارب فكري ومنهجي بين الجميع، ينتج عنه عمل يصب في صالح دعوة الإسلام. وقد تراءى لنا العديد من المحاور والأسئلة التي تخدم هذا الحوار، والتي تدور حول جدوى البحث عن التقارب في ظل النصوص التي يفيد ظاهرها قدرية الاختلاف، وأهمية التقارب الفكري والمنهجي ومدى مساهمته في إحداث التجانس والتعاون والتكامل بين الحركات الإسلامية، وما القواسم المشتركة التي يعمل من خلالها التقارب الفكري، وما خطة العمل الناجحة التي يسير عليها التقارب بين الحركات الإسلامية، والضوابط التي ينبغي مراعاتها في ذلك، كما تطرقت المحاور إلى المعوقات سواء منها الداخلية النابعة من ذاتنا وبيئة العمل، أو الخارجية القادمة إلينا التي تقف في سبيل الحوار والتقارب، فجمعنا العديد من هذه الأسئلة وتوجهنا بها إلى جمهرة من العلماء والدعاة في مختلف الأقطار الإسلامية فكان هذا التحقيق. شارك في هذا التحقيق من أهل العلم والدعاة (بحسب الترتيب الهجائي) : - الشيخ أحمد فريد من مصر. - الشيخ تيسير عمران من فلسطين. - الشيخ حامد البيتاوي من فلسطين. - الشيخ حسن يوسف من فلسطين. - الأستاذ جمال سلطان من مصر. - الدكتور خالد الخالدي من فلسطين. - الأستاذ خالد حسن من الجزائر. - الشيخ رفاعي سرورر من مصر. - الدكتور سفر الحوالي من السعودية. - الشيخ سليمان أبو نارو من السودان. - الدكتور صلاح الخالدي من الأردن. - الشيخ عبد الله الغنيمان من السعودية. - الدكتور عبد الله وكيل الشيخ من السعودية. - الدكتور عبد الرزاق مقري من الجزائر. - الدكتور عثمان جمعة ضميرية من سوريا. - الدكتور عمر الأشقر من الأردن. - الدكتور كسال عبد السلام من الجزائر. - الشيخ كمال الخطيب من فلسطين. - الشيخ محمد حسان من مصر. - الدكتور محمد العبدة من سوريا. - الدكتور منير محمد الغضبان من سوريا. - الدكتور هَمَّام سعيد من الأردن. - جدوى البحث عن التقارب: البيان: هناك من ظواهر النصوص ما يدل على قدرية الاختلاف؛ فهل البحث عن التقارب يعد نوعاً من الجري وراء ما لا يمكن إدراكه أو الحصول عليه، أم أن هذه النصوص تفسيرات بحيث تلتئم مع النصوص التي تحض على الاعتصام بحبل الله جميعاً وعدم التفرق في الدين؟ بمعنى آخر: نريد ضبط العلاقة بين النص القدري والنص التشريعي. - المشاركون: يقرر الشيخ الدكتور سفر الحوالي أن دفع القدر بالقدر من عقيدة أهل السنة والجماعة، والذي أخبرنا بالافتراق أمرنا بدفعه بالاجتماع وأرشد إلى أسبابه ووسائله. والفكرة نفسها يقررها الدكتور محمد العبدة فيقول: يجب أن توضح التفرقة بين القدر الكوني والقدر الشرعي؛ فإذا كان التفرق واقعاً فعلاً كما جاء في الأحاديث فإننا مأمورون شرعاً بالابتعاد عن التفرق ومأمورون بالتعاون على الخير، كما قال عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: «نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله» . والفكرة نفسها أيضاً يدندن حولها الشيخ كمال الخطيب فيذكر أن علينا أن ندفع قدر الاختلاف بقدر الوحدة والتجمع والالتقاء والتقارب تماماً مثلما ندفع قدر الداء بقدر الدواء. ويقول الدكتور هَمَّام سعيد: إذا كان الخلاف سنة من سنن الله ـ تعالى ـ في خلقه؛ فإن الاتفاق والاتحاد والعمل على إزالة الخلاف وأسبابه فريضة لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . ويتطرق الشيخ أحمد فريد إلى قضية مهمة وهي أن القدر الكائن لا يُحتَجُّ به على ترك المشروع المطلوب؛ فالواجب على ذلك السعي وراء التعاون وجمع الكلمة على الحق، ولا يجوز ترك ما جاء به الأمر احتجاجاً بالقدر وتسليماً بالأمر الواقع. وبنحوٍ مما تقدم يقرر الأستاذ خالد حسن أن التدافع سنة الله ـ تعالى ـ في الكون وعلينا أن ندفع قدر الاختلاف بقدر التقارب، ولا تعارض بين الأمر الكوني والأمر الشرعي؛ لأن الله ـ تعالى ـ لم يتعبدنا بما لا نطيق. ويرى الدكتور عثمان جمعة ضميرية أن الخلاف إذا كان في جوانب تدخل تحت الإرادة وإذا كان فيما لا ينبغي أن يكون فيه خلاف واختلاف؛ فإن هذا ينبغي الدعوة إلى إزالته ورفع أسبابه ليعود الأمر إلى الاتفاق. وكذلك يرى الدكتور عبد الرزاق مقري أن الاختلاف ظاهرة بشرية، أي أنها حتمية لا فكاك منها، لكن التفرق مع ذلك مذموم، وهذا يعني العمل على دفعه. ويرى الدكتور صلاح الخالدي أن الخلاف قدري؛ فلم يخلق الله الناس على نموذج واحد وإنما خلقهم متفاوتين، وكل إنسان نموذج خاص في عقله وفكره، وأن هذا الاختلاف إنما هو لضرورة تحقيق الخلافة في الأرض ـ وليس للتنازع والشقاق ـ فلا تعمر الأرض إلا بالتدافع والتزاحم بين هذه النماذج، لكن هذا التنوع والتدافع لا بد أن ينتج عنه الاختلاف بين الناس؛ فالاختلاف قدري لا بد أن يقع، وهذه سُنَّةُ الله التي لا تتخلف، ومع تأكيده على قدرية الاختلاف لكنه أيضاً يؤكد على أن القرآن دعا المسلمين في آيات كثيرة إلى الاتفاق والتعاون، ونهاهم عن التنازع والتفرق؛ فالله الذي جعل الاختلاف قدرياً بين المسلمين ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] ، هو نفسه الذي أمرهم بالاعتصام بحبله ودعاهم إلى التعاون، والتنسيق ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . ويذهب الشيخ تيسير عمران إلى أنه لا يصح التذرع بقدرية الاختلاف؛ لأن التذرع بالقدر شأنُ مَنْ لا يريد العمل، ويذكر أن النصوص تدعو إلى الوحدة وتنهى عن الفرقة والاختلاف، وأن المسلمين مكلفون دفع الاختلاف والفرقة والأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى ذلك. ويرى الشيخ سليمان أبو نارو أن السعي والبحث عن التقارب والاجتماع فريضة شرعية قد نص عليها الكتاب والسنة، وتواترت في إجماع الأمة، وقد توعد الله أهل التفرق بما توعد به أهل الكبائر؛ فلا وجه أن تكون الدعوة إلى التقارب دعوة إلى ما يستحيل وقوعه؛ فنحن مأمورون بأن ندفع قدره الكوني بقدره الشرعي جهد الطاقة والوسع، وقد بيَّن أهل العلم أن النصوص الواردة في كل من الإرادة الكونية والإرادة الشرعية مجتمعة ومتسقة، وأن الإرادة الكونية لا تعني سوى المشيئة المطلقة القائمة على العلم السابق وهي واقعة لا محالة، كما أن الإرادة الشرعية تعني ما يحبه الله ـ تعالى ـ ويرضاه من الإيمان والعمل الصالح، وبيان ما يبغضه وينهى عنه من الكفر والعصيان. ويذهب الشيخ عبد الله الغنيمان إلى أن الله ـ تعالى ـ خلق بني آدم متفاوتين في الأفكار والأفهام والاتجاهات والميول؛ وكل ذلك من دواعي الاختلاف. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] ، فهو يقرر بذلك قدرية الاختلاف، لكنه يبين أن أهل السعادة هم أهل الائتلاف فهم غير مختلفين. وأما أهل الشقاوة فهم أهل الفرقة والاختلاف، ثم يقرر أن الخلاف على ذلك قسمان: اختلاف على الرسل وما جاؤوا به؛ فهو المهلك لأهله، واختلاف من أجل تفاوت العلم والفهم، وهذا لا حرج فيه إذا لم يُتخذ سبيلاً للبغي والعدوان ولم يُجعل مسوغاً للفرقة والمعاداة، وبهذا يثبت أن التقارب والتآلف أمر ممكن وقريب، بل هو مأمور به وواجب، ولا يمكن أن نُؤمَر ونُكَلَّف بالممتنع، ولكن الوصول إليه يحتاج إلى جهد وعمل باستطاعة المسلم إدراكه وتحصيله. ويذكر الدكتور منير محمد الغضبان أن قدرية الاختلاف ليست بالنسبة للمؤمنين وإنما هي بالنسبة للبشر بشكل عام ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] ، والاختلاف بين المؤمنين في الخط والمنهج هو خلل في التربية وليس قدراً مفروضاً عليهم، والأصل أن يفيء المؤمنون عامة والدعاة خاصة إلى كلمة سواء. وإلى نحوٍ من ذلك يذهب الأستاذ جمال سلطان حيث يذكر أن الخلاف ليس قدرياً وإنما هو اجتهاد بشري تحكمه خبرات الواقع وزوايا النظر إلى الأحداث وأولويات التصور عند كل طرف؛ فهذه التي تسبب الخلاف بين تيارات العمل الإسلامي. ويرى الدكتور عمر الأشقر أن الخلاف الذي يذكره القرآن أنواع: النوع الأول: خلاف في أصل الدين كالخلاف مع اليهود والنصارى والوثنيين والملحدين والبهائيين وأضرابهم. والنوع الثاني: الخلاف القائم بين الفرق الإسلامية كالخوارج والمعتزلة والشيعة الذين أصَّلوا أصولاً تجمعوا عليها خالفوا بها أهل السنة والجماعة. والنوع الثالث: الاختلاف في الأحكام وهو الخلاف المذهبي، والخلاف القائم اليوم بين الحركات الإسلامية ليس واحداً من هذه الثلاثة، بل هو اختلاف رأي واختلاف منهج، ويمكن أن يكون من نوع الخلاف المقبول، ومن الممكن لهذا النوع أن يتراجع أو يزول لو تواصلت قيادات العمل الإسلامي فيما بينها وجلسوا للحوار متآخين متحابين. وأما الشيخ رفاعي سرورر فيرى أن الاختلاف ظاهرة فكرية، ولكن له حقيقة قدرية وهي أن الاختلاف عذاب، وأن العذاب يُرفع بموجبات الرحمة، فتصبح موجبات الرحمة سبباً لمعالجة الاختلاف. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] ومن موجبات الرحمة الدعاء وذكر الله وقراءة القرآن ومدارسة العلم؛ فهذا كله من أسباب رفع البلاء، وهذه ليست مسألة رقائق ولكنها حقيقة منهجية صحيحة مهمة جداً. - أهمية التقارب الفكري والمنهجي ودور الحوار في تفعيل ذلك: البيان: يتبين مما تفضل به الإخوة المشاركون أن الاختلاف بين الحركات الإسلامية ليس مسوِّغاً للتفرق والتشرذم؛ لأننا مأمورون باتباع الشرع الذي أمر بالجماعة ونهى عن التفرق، وهذا يعني إمكانية الاتفاق والالتقاء على كلمة سواء، وهو ما يجعلنا نبحث في توحُّد أو اتحاد هذه الحركات، لكن قد يكون اجتماع الحركات كلها في جماعة واحدة هدفاً بعيد المنال في ظل ظروف الدعوة المعاصرة لأسباب كثيرة منها الداخلي ومنها الخارجي، لكن هذا لا يعني التقاعس عن محاولة الوصول إلى ذلك، ولا ينفي أيضاً أهمية السعي لإحداث التقارب الفكري والمنهجي الذي يعد أحد أهم السبل التي تعين على الوحدة أو الاتحاد؛ فما رؤيتكم حول ذلك؟ - المشاركون: يقرر الدكتور عمر الأشقر أن الحوار مهم جداً لتحقيق التقارب والتجانس بين تلك الحركات، ويضع لتحقيق ذلك قيداً مهماً بقوله: إذا أحسنوا العرض والحوار والاستدلال والبيان؛ فبذلك تُصْقَل الملكات وتُوضَّح المشكلات ونتقدم خطوة إلى الأمام. ويؤكد الدكتور منير محمد الغضبان أننا لا نطمح إلى وحدة بين الحركات الإسلامية، لكن يجب أن نطمح إلى اتحاد بينها، وطريقه هو البحث عن التقارب من خلال الحوار ثم التنسيق ثم الاتحاد؛ فالاتحاد يتميز عن الوحدة بأن فيه محافظة على الكيان الخارجي لأي تنظيم إسلامي، مع تنازله عن بعض خصوصياته للمصلحة الإسلامية العليا. ويؤكد أن هذا لن يتم دون الحوار بين هذه الحركات. ويذكر الدكتور عثمان جمعة ضميرية أن الاتفاق الكامل والتقارب الفكري ووحدة الأمة والعاملين في الدعوة كل هذا مما تحسن الدعوة إليه وبذل الجهد في سبيله؛ فالنية لا بد أن تتجه أولاً إلى تلك الوحدة وذلك الاتفاق، لكن الوحدة أو الاتحاد لا تعني أن يكون الجميع نسخة واحدة، وإنما يكفي اتفاقهم على قاسم مشترك أعظم يلتقون عليه فيكونون أمة واحدة في الغاية والهدف وفي الفكر والشعور، وفي السمات المميزة لهم؛ وذلك يمكن الوصول إليه بتوحيد منهج التلقي حتى يعصمهم من التفرق والشتات بما ينشئ من تصورات ثابتة وبما يضع لهم من موازين وقيم لا تتأثر بزمان معين أو مكان محدد. ويبين الدكتور وكيل الشيخ أن الحوار مهم؛ لأن الإنسان مهما بلغ من العلم فهو في حاجة إلى أن يستنير برأي غيره، ويعدد فوائد الحوار بأنه مهم في اكتشاف الحق كما أنه مهم في اكتشاف فهم المخالف بما يعين على توجيهه أو تصحيحه، وهو مهم لإزالة أو تقليل كثير من صور البغي والعدوان بين المتخالفين، وهو مهم لرسم سياسة التعاون بين الهيئات والمؤسسات الإسلامية؛ إذ به تتضح المناهج والقدرات ومجالات العمل فيتم التنسيق المثمر، ثم هو في النهاية صورة من صور النصيحة التي يجب أن يبذلها المسلمون لبعضهم. أما الدكتور همام سعيد فيوضح القضايا المهمة التي من شأنها أن تسهم بشكل فعال في إنجاح الحوار وهي الاعتراف بأن الخلاف سنة من سنن الله في خلقه، والاعتراف بأن العمل على الاتفاق فريضة من فرائض الدين لتحقيق مفهوم الأمة الواحدة، والرجوع إلى الأصول وعدم الجدل في الفروع، والانطلاق من نقاط الاتفاق لا نقاط الاختلاف، والانطلاق من المقاصد لا من الوسائل. ويلخص الشيخ كمال الخطيب أهمية الحوار بقوله: من أجل اختصار المسافة بين صواب المصيب وخطأ المخطئ فليس من سبيل إلى ذلك إلا الحوار وتقليص نقاط التباين، مع تصحيح القصد بابتغاء وجه الله تعالى. ويرى الأستاذ جمال سلطان أن الحوار مطلب شرعي وهو المنوط به فهم كل من المتحاورين منطلقات الآخرين ومسوغات مواقفهم، وعندما يغيب الحوار تتحول الأمور إلى الهواجس والظنون والشكوك والتصدعات وهذا هو الخطر؛ فالحوار يزيل هذه الهواجس والظنون، لكن في المقابل لا ينبغي أن يتصور أحد أن الحوار لا بد أن يتمخض عن وحدة في الصف الإسلامي، أو عن اتفاق كامل شامل بينهم؛ فالمطلوب من الحوار أن يتمخض عنه الالتقاء في مناهج العمل، وإن لم يتمخض عنه ذلك، فلن يخلو الحوار من الخير. ويذكر الشيخ أحمد فريد أن الواجب على أهل العلم النصح للأمة والسعي إلى الاجتماع ونبذ الفرقة؛ لأن الاجتماع سبيل النصر بينما الفرقة سبيل الفشل وذهاب القوة ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] ؛ ففي التقارب روح المودة وعود المخالف إلى الحق، ولا شك أن الحوار والنصح من أسباب الوصول إلى ذلك. ويقدم الدكتور كسال عبد السلام نظرته للحوار من أنه السبيل لتوسيع المدارك، فيذكر أن مجال التقارب يكون أكبر كلَّما احتلت السعة في الفكر ثم في المنهج في مختلف التنظيمات مساحة أكبر وحيزاً أوسع يفضي إلى زوال العقبات والفواصل، وليس ثمَّة مجال إلى توسيع المدارك غير الحوار الفكري الصحيح، وقالبه السليم الموصول بخلق السعة في القلوب والنفوس حتى تصل المعاني إلى المدارك لتُفْحص، فيتقبل الطرفان منها ما يُقَوِّي ويرفضان ما يُضْعِف، دون شعور بنقص ولا عُقَد، وتحرراً من الالتزام بمنطق الغالب والمغلوب. ويشير إلى قضية مهمة وهي أن الرغبة في الوحدة أو التقارب لا ينبغي أن تكون باباً ينفذ منه من يريد الإخلال بالانسجام السلوكي في المجتمع الإسلامي ليكون الجري وراء الوحدة المظهرية هو أهم ما يُحرَص عليه، بينما يترك المضمون الذي هو الأساس في صلابة البناء العام. وينظر الأستاذ خالد حسن إلى أهمية الحوار وضرورته من خلال أمرين: الأول: اشتراك الجميع في توجه الأمر إليهم بطلب الحق والصواب والعمل به؛ وهذا لا يتم على النحو المأمول إلا بالحوار. والثاني: أنه ليس بمقدور المتصدر للرأي وصناعة القرار ـ مهما علا قدره ـ أن يوفَّق للصواب منفرداً في كل حين وآن، وهذا ينطبق على المجموعة أو الجماعة أو التنظيم كما ينطبق على الفرد؛ لأن الجماعات والتنظيمات يغلب عليها التطابق والتماثل فيصير حوارها حواراً داخلياً لا مشاركة فيه للغير، وهو ما يدل على أهمية الحوار وضرورته في إشراك الغير في الرأي والنظر طلباً للحق ووصولاً إلى الصواب. ويرى الدكتور عبد الرزاق مقري أن التقارب الفكري والمنهجي هو سبيل الوحدة والتعاون بين الحركات الإسلامية، وان هذا التقارب يمكن أن يأتي من خلال الحوار الدائم، ويقترح لتحقيق ذلك أن يتم الاتفاق على منهج عام في تحليل الأحداث، وترتيب العلاقات بينهم والعلاقات مع غيرهم، وما الذي يجب تقديمه وما الذي يجب تأخيره؟ وما المفاسد التي يجب أن تُدْرَأ أولاً؟ وما المصالح التي تُمنح الأولوية في السعي لتحقيقها؟ وما المساحات التي يجب التقارب فيها؟ وما القضايا التي لا بأس أن يختلفوا فيها؟ وهو مع ذلك يؤكد أن الاتفاق الكامل غير ممكن؛ فالاختلاف الفكري موجود داخل الجماعات، والحركة الواحدة، كما أن الاندماج أمر بعيد المنال، ويذكر أنه سعى في بداية الثمانينيات لعدة سنوات مع عدد من الدعاة الأفاضل بهدف تحقيق الاتفاق الكامل والاندماج لكنه أدرك بالتجربة أن الهدف غير واقعي ولا بد من الاهتمام بالقواسم المشتركة. وأما الشيخ سليمان أبو نارو فمع أنه مقر بأن السعي والبحث عن التقارب والاجتماع فريضة شرعية، إلا أنه يريد أن يكون الهدف الأعلى والغاية القصوى الاجتماع والتوحيد وليس التقارب، ويعلل لذلك بقوله: لأن جهد الإنسان قد لا يبلغ غايته؛ فإذا جعلنا الغاية التقارب فأخشى أن تكون النتيجة البقاء على التفرقة، وإن العجز في الطموح يحكي شيئاً من الضعف في الهمة والعزيمة في الأمر، إن الأمثل في أمرنا هذا الوحدة والاجتماع وليس التقارب، ولكن ضرورات الواقع المؤلم هي التي فرضت علينا الحديث عن التقارب. ويرى الدكتور محمد العبدة أن الحديث عن الوحدة والاتحاد وإن كان مطلوباً لكنه في الظروف الحالية التي تمر بها الحركة الإسلامية كلام مثالي؛ والأوْلى من ذلك إذا أردنا أن نكون واقعيين أن يكون الكلام عن الحوار والتشاور والتقارب، ويضع القواعد التي يراها للإفادة من الحوار ومساعي التقارب؛ فمن ذلك: العودة إلى تفعيل دور العلماء في قيادة الأمة، وتفعيل دور المؤسسات الثقافية والعلمية؛ وإشاعة الحديث عن المصلحة العامة مصلحة الإسلام والمسلمين، وتطهير القلوب من الحزبية والحسد وحب الرئاسة. وقريب من ذلك ما يذكره الشيخ تيسير عمران وهو أن محاولة جمع الحركات الإسلامية في بوتقة فكرية واحدة ومنهج عمل واحد طمع في غير مطمع، لكن المأمول أن تجتمع هذه الحركات في إطار من التنسيق والتكامل والحوار؛ فإذا قام الحوار في جو من الاحترام المتبادل والنقاش العلمي والبحث عن الحق دون اتباع الهوى أو تعصب للرأي فإنه سيثمر بإذن الله تعالى. وعلى الدرب نفسه يقول الشيخ محمد حسان: القول بدمج وتوحيد هذه الجماعات أو الحركات على منهج واحد طمع في غير مطمع وأمل تحول دونه حوائل وموانع شتى، وهنا لا بد من الحوار كخطوة عملية على طريق التقارب. وينظر الدكتور صلاح الخالدي إلى الموضوع من زاوية أخرى فيذكر قول الله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] ويقول: تدعو الآية أهل الكتاب إلى الالتقاء بالمسلمين والحوار معهم والانطلاق في ذلك من أسس ثلاثة: عبادة الله وحده، والإيمان به إلهاً وربّاً، وعدم الشرك به وعدم اتخاذ غيره إلهاً وربّاً؛ فإن أعرضوا عن ذلك ثبت المسلمون على الحق. ويعطف على ذلك بقوله: إذا كانت الآية تفتح باب الحوار بين المسلمين والكافرين فإن الالتقاء والحوار بين المسلمين أوْلى، وإمكانية نجاحه أكبر، وكل ما حول الجماعات الإسلامية يوجب عليهم ذلك اللقاء والحوار. وينظر الشيخ حسن يوسف إلى أهمية التقارب بين الحركات من زاوية تحديات الواقع التي تجابه المسلمين؛ فهو يذكر أن العاملين في دائرة العمل الإسلامي كلهم مستهدَفون بقيادة أمريكا في حربها للإسلام تحت مسمى الحرب على الإرهاب، وليس أمام العاملين إلا أن يتكاتف الجميع كي يقفوا أمام هذه الهجمة الشرسة التي تسعى لسحق العمل الإسلامي، وإلا بقوا أشتاتاً متفرقين حيث يسهل ضربهم، وفي ذلك خسارة كبيرة للمشروع الإسلامي. - القواسم المشتركة: البيان: يكاد أن يكون هناك إجماع على أهمية التقارب الفكري والمنهجي بين الحركات الإسلامية وعلى ضرورة إدارة الحوار بينها من أجل تعميق هذا التقارب وإزالة ما يعطله أو يعوقه، ولا شك أن من عوامل نجاح مثل تلك الحوارات أن تكون هناك قواسم مشتركة بين المتحاورين تصلح منطلقا للحوارات، منها ينطلقون وإليها يفيئون؛ فهل توجد مثل هذه القواسم التي تجمع بين الحركات الإسلامية؟ - المشاركون: ينظر الشيخ حسن يوسف إلى أن القواسم المشتركة هي القضايا التي تتفق فيها الحركات الإسلامية، ولذلك يقرر أن القواسم المشتركة التي يمكن أن تأتلف حولها الحركات الإسلامية بحيث تكون طريقاً للحوار البنّاء الذي يساهم في عملية التقارب المنهجي والفكري وهذه القواسم كثيرة جداً؛ في حين أن أوجه الخلاف ضيقة جداً، ومن القواسم الكبرى المشتركة أن ربنا وإلهنا واحد، ورسولنا واحد وكتابنا واحد وهمنا واحد وعدونا واحد ومشروعنا مشروع واحد. وعلى المنهج نفسه يقول الدكتور صلاح الخالدي: إنَّنا نعتقد جازمين أنَّ صور ومظاهر الاتفاق بين العاملين للإسلام كثيرة، وأنَّ القواسم المشتركة بينهم عديدة، وأنَّ مظاهر الاختلاف قليلة، ويعدد القواسم المشتركة بين الحركات الإسلامية فيذكر منها القرآن والسنة وهما أساس منهج الدعوة والعمل والحركة، والاقتداء بالرسول ﷺ وأصحابه ـ رضي الله تعالى عنهم ـ في الدعوة والحركة والعمل والجهاد، وأن المرجع عند الاختلاف هو القرآن والسنة، وأن الرجال تُعرف بالحق ووزن أفكارهم وأقوالهم بميزان الحق، وأن الهدف مشترك والعدو مشترك. وعن تلك القواسم يقول الدكتور عمر الأشقر: الإسلام يجمعهم، وأصوله توحدهم، قبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، يعتمدون على الكتاب والسنة فيما يأخذون ويدعون، ثم يبين أنه لا ينبغي التوقف عند ذلك، بل ينبغي أن يتقدموا خطوة إلى الأمام لتعميق أصول التلقي عند أهل السنة والجماعة وأصول الفقه للكتاب والسنة والأصول التي يقوم عليها العمل، وأصول التآخي بين المسلمين، والأصول الضابطة في التعامل بين الحركات. ويعدد الدكتور عبد الله وكيل الشيخ أهم القواسم المشتركة التي يمكن أن يتحقق بها التقارب، فيذكر منها الاتفاق على أصول الدين الكلية في مجالات الدين المتعددة، والاتفاق على الأدلة المتفق عليها بين أهل الاستنباط والفقه، والاتفاق على التحاكم إلى أدلة الشرع حين الخلاف واعتبارها هي الفيصل في حل النزاع، واعتبار لغة العرب هي الأصل في فهم نصوص الشرع وعدم الخروج على مدلولاتها لفهم الأدلة، ومن ثمَّ الحذر من الوقوع في التأويلات التي لا تقرها لغة الشريعة، ومراعاة مصلحة الأمة والاجتهاد في تحقيقها والاعتزاز بدين الإسلام، والإيمان بأنَّه المنهج الصالح المصلح للحياة وقصر الاستمداد عليه، مع الاطلاع على ما عند الناس من تجارب في شؤون الحياة مما يفيد في تطبيق النصوص الشرعية وتوسيع دائرة الأخذ بها. ولا يخرج الدكتور همام سعيد في نظرته للقواسم عما تقدم؛ حيث يقرر أن القواسم المشتركة بين الإسلاميين أكثر من نقاط الاختلاف ومن هذه القواسم التي يشترك فيها الجميع أن الله ـ تعالى ـ ربنا، وأن محمداً ﷺ رسوله إلى العالمين، وأن الإسلام حق، وأن الدعوة إلى الله واجبة، وأن صلاحية الإسلام للعالم أجمع وللزمان كله، وأن الحكم بما أنزل الله ـ تعالى ـ فريضة محكمة من فرائض الدين، وأن الإمامة الكبرى فريضة من فرائض الدين، وأن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وأن الكفر والشرك فتنة عظمى لا خلاص منها إلا بقوة المسلمين وجهاد أعدائهم. ولا يخرج أيضاً الدكتور خالد الخالدي في تعداده للقواسم عما تقدم؛ غير أنه يؤكد على قاسم مشترك وهو كون الحركات الإسلامية تواجه عدواً مشتركاً من الأنظمة العلمانية والقومية الفاسدة تستهدفهم جميعاً، وأن سجونهم لا تفرق بين أتباع هذه الحركات على تعدد انتماءاتهم، وكذلك العدو الخارجي هو قاسم مشترك حيث الصليبيون والشيوعيون واليهود يستهدفون الجميع؛ ومن ثم ينبغي أن يكون هذا باعثاً على الوحدة. ويؤكد على مسألة مهمة وهي أن الجماعات المطلوب تقاربها هي الجماعات ذات التقارب الكبير في العقيدة والمقتنعة بأن تطبيق الإسلام في شؤون الحياة كافة يؤدي إلى حل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فهؤلاء هم المقصودون بموضوع التقارب وليس الجماعات الأخرى الخارجة. أما الأستاذ خالد حسن فإنه ينظر إلى القواسم المشتركة نظرة أخرى؛ حيث يراها القضايا التي ينبغي أن تعتني بها الحركات الإسلامية وتوليها اهتمامها، فيقول: القاسم المشترك الأبرز هو المستقبل وكذا التحديات المشتركة والعمل على إقرار الحريات المشروعة وتحقيق الاستقلال الثاني استقلال الإرادة والقرار وقضايا التنمية، ومواجهة الاجتياح الإمبريالي الظالم، والاستفادة من الغارة على المجتمع الإسلامي. وعلى المنهج نفسه يرى الدكتور عبد الرزاق مقري أن من أهم القواسم الاتفاق العام على أولويات العمل الإسلامي والصبر على الاختلاف، والاهتمام بوحدة الأمة الإسلامية، والابتعاد عن الفتن التي أصبحت تتغذى منها التيارات المعادية للمشروع الإسلامي وثوابت وقيم المسلمين، والتعاون والعمل المشترك من أجل قضية فلسطين، وكذلك المشاريع والمؤسسات الإعلامية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية التي تسع الناس جميعاً. ومن المنطلق نفسه يرى الدكتور عبد السلام كسال أن أهم القواسم التي يجب التزامها: أنه ينبغي اعتبار أن الوعاء الذي تصب فيه الجهود واحد انطلاقاً من وحدة الهدف، وأن نجاح الغير نجاح للجميع؛ لأن فيه تحقيقاً للكفاية وإزالة للحرج لما لم يؤدَّ بعدُ بفعل القصور، كما أن إخفاقه زيادة في العبء. كما ينبغي التجرد من الأنانية؛ لأن الفرد مهما عظمت قدرته إلا أنها تبقى محدودة، وكذلك الابتعاد عن حب الزعامة؛ لأنها تعمي البصيرة عن إمكانات الآخرين ويكون من أسوأ نتائجها دفن طاقات لو أُخرجت من تحت التراب لأثمرت بذرتها نتاجاً كبيراً، إضافة إلى خفض الجناح ومعالجة مواطن الضعف في الآخر بدلاً من إقصائه. وينظر الدكتور عثمان جمعة ضميرية إلى القواسم المشتركة أنها تشمل القضايا المتفق عليها أصلاً بين الحركات والتي من أهمها المنهجية التي توحد أمة التوحيد وهي العقيدة وأصولها وما يتصل بها، والاتفاق على المصادر التي نستقي منها، كما أنها تشمل القضايا التي ينبغي أن يتفق عليها العاملون والتي من أهمها النظر إلى طبيعة عمل الدعاة وتوزيع مهامهم ومسؤولياتهم والجهد الذي يقومون به؛ فإن الساحة تتسع لجميع العاملين، وما يعجز عنه بعضنا قد لا يُعْجِز الآخرين؛ وعندئذ تنصبُّ الجهود كلها لتحقيق هدف منشود وغاية واحدة. وينحو الأستاذ جمال سلطان هذا المنحى، فيذكر أن القاسم الأعظم تحقيق المرجعية الشرعية؛ بحيث يكون الحكم بكتاب الله ـ تعالى ـ وسنة نبيه المصطفى ﷺ ، ومن القواسم أيضاً إعادة روح النهضة والسبق والاستعلاء العلمي في مجالات العلوم والشؤون التي تخلف فيها العالم الإسلامي، وأيضاً إعادة العدل والحرية والحق والكرامة، كذلك تحقيق استقلالية العالم الإسلامي دولاً وشعوباً في المواقف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجوانب الثقافية والعلمية. ويكاد ينفرد الشيخ رفاعي سرور بعدم قناعته بفكرة البحث عن قواسم مشتركة؛ حيث يقول: هذه فكرة غير صحيحة بالمرة؛ لأن المسألة ليست توافيق وتباديل، ويقدم رؤيته بأنه من خلال تصور الحركة الإسلامية أحدد العلاقة بين الاتجاهات الفكرية، يعني ممكن أن أكون أنا مثلاً اتجاه كذا، وأتعامل معك كاتجاه كذا، تعاملاً صحيحاً محققاً النتائج المطلوبة، وذلك يوصلنا للغاية، من خلال إطار سياسي. - خطة العمل من أجل التقارب: البيان: تبين مما تقدم أنه يوجد تصوران عن القواسم المشتركة: أحدهما: أنها القضايا التي تتفق عليها معظم الحركات سواء في التصور النظري أو في التصرف العملي. والثاني: أنها القضايا المهمة التي ينبغي أن يحدث بشأنها اتفاق بين الحركات. فالأولى تمثل الواقع الكائن؛ بينما الثانية تمثل الواقع المأمول، وأياً ما كان الأمر؛ فإنه لا يوجد مسوِّغ شرعي لأحد في التباعد والتجافي وعدم الائتلاف مع إخوانه الباقين، ورغم العواطف المشحونة بأمل النجاح، فإن العواطف وحدها لا تغني عن وجود خطة واضحة يُسار عليها لتحقيق المراد؛ إذ التقارب والحوار عمل، والعمل لكي ينجح ويحقق المراد منه لا بد له من خطة واضحة قابلة للتحقيق، وفق الإمكانات المتاحة؛ فما الخطة أو المنهج المناسب للسير عليه؟ - المشاركون: يقول الشيخ محمد حسان: هذا سؤال عملي في غاية الأهمية، والمنهج له ثلاثة جوانب لا تتجزأ ولا ينفصل منها جانب عن الآخر: جانب إيماني، وجانب علمي، وجانب عملي. ففي الجانب الإيماني تكون الخطوة العملية الأولى تصحيح العقيدة والمنهج حتى لا ننحرف عن الإسلام وسيلةً ونحن نتجه إليه غايةً. وفي الجانب العلمي ينبغي التأصيل العلمي لقضية الخلاف وذلك بمراعاة عدة أصول: الأصل الأول: معرفة أنواع الخلاف، والأصل الثاني: معرفة أسباب الخلاف، والأصل الثالث: تحقيق أدب الخلاف. وأما الجانب العملي فيكون من خلال عدة أمور: منها التقاء القادة والموجهين والعلماء المسؤولين في الحركات للتدارس والنقاش، التعاون في بعض الأنشطة التربوية والدعوية، تكوين مجلس للشورى لفض النزاعات والخصومات والتقريب بين الإخوة المتنازعين، منع كل جماعة لأبنائها من تناول مسائل الخلاف إلا لمن كان أهلاً لذلك حتى لا تتسع هوة التفرق والتنازع. أما الأستاذ جمال سلطان فيرى أنه لا يوجد شيء نهائي في الأمر، ولكن يوجد تأملات واجتهادات من واقع الخبرة ومن واقع ما تم من خلافات وجدل بين فصائل العمل الإسلامي، ولكن هناك مفاتيح للحوار وأهمها إحسان الظن بين المسلمين. ويذكر الدكتور صلاح الخالدي بعض القواعد التي تعين على التقارب فيذكر منها: وجوب شعور قادة الحركات الإسلامية بأهمية الحوار والتقارب وضرورته، جعله خطة استراتيجية للحركات الإسلامية تلتقي عليه كل فصائلها وأساليبها وأدبياتها وليس هبَّة عاجلة أو حماسة فاترة، تداعي مفكري الحركات الإسلامية إليه وتفكيرهم في استمراره وإنجاحه وتربية أفراد الحركات عليه، استمرار الحديث عن التقارب والتعاون والحوار في مختلف وسائل الإعلام لدى الحركات وعقد المنتديات وإعداد الأبحاث حوله، الوقوف أمام دعوات تعميق الفرقة بين الحركات الإسلامية والرد على أصحابها وتحذير الاتباع من الاستجابة لهم. ويتحدث الدكتور منير محمد الغضبان عن منهج السعي للتقارب بين العاملين للإسلام والدعاة إليه في عدة نقاط: الأولى: القناعة بأنه لا يجوز شرعاً تفرق العاملين للإسلام، وإن كان هذا لا ينفي مراعاة خصوصية العمل لاختلاف البيئة والقطر الذي تعمل فيه الحركة الإسلامية، بل إن التوازن في تفهُّم خصوصية إقليمية كل عمل إسلامي وتفهُّم وجوب العمل على التنسيق هو أهم عناصر منهج حوار التقارب، النقطة الثانية: عدم احتكار العمل والحق والهدى عند فريق واحد بحيث ينظر إلى ما سواه على أنه ضلال أو انحراف. والنقطة الثالثة: فصل المبادئ عن الأشخاص. ويعلق الدكتور عثمان جمعة ضميرية على طلب الخطة بقوله: نعم هذا حق لا مرية فيه؛ فإن التخطيط للأمر في غاية الأهمية، ثم يضيف: إن هذه الخطة لا يستقل برسمها فرد واحد أو مجموعة أفراد عاديين، بل ينبغي أن تتجه لها جهود العلماء والدعاة والمفكرون؛ وذلك كي تكون الخطة ناجحة قويمة. وعلى المنهج نفسه يقول الشيخ أحمد فريد: تحديد خطة كاملة وشاملة للوصول لهذا الهدف يحتاج إلى حوار ومشاورة، ثم يذكر بعض المفاتيح في هذا الأمر فيشير إلى ضرورة الإخلاص ونبذ العصبية المقيتة، وعدم تغليب المصالح الشخصية، كما يشير إلى أن ولاء هذه الحركات ينبغي أن يكون لإمام واحد متبَع على كل حال وهو الرسول الأعظم محمد بن عبد الله ﷺ وجماعة واحدة هي جماعة الصحابة رضي الله تعالى عنهم. كما يشير أيضاً إلى عدم الغلو في مشايخ الدعوة كما يفعل متعصبة المقلدة الذين يقدمون كلام علمائهم على النصوص الشرعية، ثم يذكر بعض الخطوات العملية في ذلك، ومنها: حث الدعاة على التواصل والتناصح في المناسبات، عمل ندوات يشترك فيها أكثر من داعية من عدة حركات على أن يكون موضوعها من الموضوعات التي لا تختلف فيها هذه الحركات؛ وذلك بقصد الإيناس وكسر الحواجز، عمل دورات مكثفة للتقارب وتوحيد الفكر، عمل مؤتمر سنوي يدعى إليه وجهاء من الجماعات، عمل لجنة للتقارب بين أهل السنة وأهل السنة؛ فهذا أوْلى من البحث عن التقارب في خارج هذه الدائرة، إصدار نشرات أو مجلات متخصصة لهذا الغرض يكتب فيها كتاب من سائر الجماعات بقصد ترسيخ التقارب، الاتفاق على ميثاق العمل الدعوي الذي يشمل أدب الخلاف والإنصاف في التعامل مع الأفراد والجماعات. وأما الأستاذ خالد حسن فيرى أن مشاريعنا لا يمكنها أن تحقق أثرها المرجو ما لم نرسخ مفهوم القيادة الجماعية والذي يعني أن القيادة مؤسسة وتخصصات وتقاسم أدوار عن طريق المنهجية في الأداء القيادي الجماعي والذي يظهره دليل القيادة العملي؛ وعلى ذلك فإن الخطوة الأولى في خطة العمل هي فك الحصار عن العقل الذي فرضه الافتتان بالمشيخة ووصاية التنظيم، والخطة أو المخرج إنما يصطنع بعد ذلك اصطناعاً وينضج بالمعاناة وإعمال العقل وإخصاب الرأي والمشاركة في الصواب، أما الانتظار حتى تصل إلينا الخطط الجاهزة المفصلة التي تأتي من القائد الفذ أو القائد الملهم أو رجل الملحمة فإن هذا قد ولى عهده وانقضى. ويشير الدكتور عمر الأشقر إلى نقطة مهمة وهي أن مجال عمل الجماعات غير متداخل؛ فكثير من الأعمال غير متضاربة أو متعارضة وإنما هي متنوعة، لكن الجهد الأكبر في الحوار ينبغي أن يُبذل من أجل بلورة الأهداف المشتركة التي ينبغي التعاون فيها، ويقول: حبذا لو تشكل مجلس إسلامي أعلى تجتمع فيه قيادة الجماعات الإسلامية للتحاور والتشاور والتقارب فيما بينها، لتجاوز سوء الفهم القائم هنا وهناك، وللتخلص من الخلاف المفتعل والمتوهم، ولبلورة الأصول الجامعة للعمل الإسلامي، ولتخفيف غلواء المتشددين في النزاع؛ فإن لم نستطع بلوغ القمة في التوحد فلا أقل من أن نكون أقرب إلى القمة بخطوة. ويرى الدكتور خالد الخالدي أن الخطة يمكن أن تتكون من: تشكيل لجنة أو هيئة مختصة مقتنعة بأهمية التقارب بهدف العمل على تحقيقه بين الإسلاميين، تتكون من العلماء والعاملين والدعاة الجادين الذين يحظون باحترام الجميع، ويراعى في هؤلاء الأعضاء أن تتنوع انتماءاتهم حسب تنوع الحركات الإسلامية، تنظيم مؤتمر سنوي يدعى إليه مندوب أو أكثر عن كل حركة، كما ينبغي لهذه اللجنة أن تبتعد عن تلقي الدعم من جهات رسمية وأن تكون نفقاتها من المتبرعين الذين يحرصون على التقارب، وأن تقوم بإقناع الإسلاميين بضرورة التقارب من خلال طرق متعددة كالمؤتمرات واستكتاب كُتَّاب معروفين في مجال التقريب بين الحركات ونشر مقالاتهم وكتاباتهم. وأما الدكتور همام سعيد فيرى أن الخطة ينبغي أن تكون من مرحلتين: الأولى: الحوار والاتفاق بين الحركات ذات الأصل الواحد لحسم الجدل بينها والاتفاق على قواسم تصلح لحوار الآخرين، والثانية: الحوار بين الأطراف التي تحسن الظن ببعضها حتى يؤدي الحوار إلى نتائج سليمة. وأما الأطراف التي تسيء الظن ببعضها فهذه تحتاج أولاً إلى التعارف عن قرب في بعض المشاريع العلمية أو الاجتماعية لإزالة الشكوك وتحسين المناخ. ويقدم الدكتور كسال عبد السلام رؤيته بقوله: الهدف إذا لم يوجد له من يفكر فيه ثم يسعى له لن يجد له إلى النور طريقاً، وينبغي على الدعاة أن يعوا هذه الحقيقة ويسعوا إلى تحقيقها؛ وذلك باتباع جملة من الوسائل، ثم يذكر من هذه الوسائل: المبادرة، معرفة طبيعة الأطراف حتى يكون البناء بدل الهدم والجمع بدل التشتيت، التحرك باتجاه الأطراف المختلفة بطرح الفكرة والاستماع بغية الإثراء، جمع الأطراف المختلفة حول طاولة للحوار الثنائي أو المتعدد الأطراف، الانتهاء إلى جمع الأطراف جميعاً في ندوة تؤسس للعمل المشترك توضع له أسس وأهداف ومراحل ووسائل. ويضع الدكتور عبد الرزاق مقري شروطاً على الخطة بأن تأخذ بعين الاعتبار دراسة معطيات البيئة الداخلية من حيث القوة أو الضعف سواء بالنسبة للأمة أو الحركات الإسلامية، وكذلك معطيات البيئة الخارجية وما يميزها من تهديدات، على أن تتضمن هذه الرؤية أهدافاً كبرى يسعى الجميع لتحقيقها، والتي يمكن تحديدها في ستة أمور: الفكرة الإسلامية من حيث خدمتها بالتعليم والدراسات والبحوث، القيادات والرموز من حيث الإعداد والتأهيل، التنظيم من حيث الابتعاد عن الارتجال والفوضى والاهتمام بالعمل المنظم مع ضرورة تطوير الأنماط التنظيمية القديمة، الجمهور من حيث الارتباط به وحل مشاكله وتربيته بواسطة العلم المنهجي، المؤسسات الحكومية من حيث إنهاء القطيعة الموجودة بين الحركات الإسلامية والمؤسسات الحكومية التي هي ملك الشعوب وليس الأنظمة. - ضوابط التقارب والتعاون: البيان: جرى الحديث عن خطة أو منهج العمل الذي ينبغي اتباعه في سبيل إحداث التقارب بين الحركات الإسلامية المتعددة، لكن مع ذلك وبرغم النوايا الحسنة قد تبقى بعض القضايا العالقة التي لا تجتمع عليها الكلمة، وهذا يتطلب أن نحدد سقفاً لتلك القضايا حتى نتفادى أمرين خطيرين: أولاً: تمييع القضايا جرياً وراء البحث عن التقارب، ثانياً: التضييق على إمكانية التقارب بزعم الثبات على المواقف، وهذا يقودنا إلى الحديث عن الضوابط التي ينبغي مراعاتها أثناء العمل على التقارب بين الحركات الإسلامية؛ فما موقفكم من ذلك؟ - المشاركون: يقول الأستاذ خالد حسن: هذه المسألة لا يمكن حسمها نظرياً، وإنما تنضج وتتحدد نسبياً من خلال التواصل والاحتكاك والتفاعل. ويقول الدكتور كسال عبد السلام: ما يجمع من أمور الدين أكثر بكثير مما يمكن أن يُختلف فيه، ومن هذا الباب يمكن تحديد سقف هذه القضايا فيما يلي: بالنسبة للأهداف يمكن إجمالها في هدفين كبيرين: الارتقاء بالمجتمع إلى المستوى المنشود، وإيجاد البدائل الريادية من الرجال والبرامج، وبالنسبة للمبادئ يمكن جمعها في مسألتين: اعتماد الثابت من الدين، وفتح مجال الاجتهاد في خصوصية البيئات والظروف بما لا يستلزم قراءة موحدة للقضايا الاجتهادية. وبالنسبة للوسائل: فبالإضافة للوسائل المشروعة كلها جعل التعاون بين التنظيمات والحركات من أهم الوسائل لترتيب البيت الإسلامي، واعتماد القدرات الفكرية والبشرية والمادية لتحقيق الهدف المنشود، وبالنسبة للاستثناءات: مراعاة الخصوصيات الموضوعية لكل طرف حفاظاً على تصفية الأجواء ولبناء إطار من الثقة يقوي هذه الرابطة. أما الدكتور عبد الرزاق مقري فيرى أن أهم ضابط هو الأخوة وحسن الظن، وأمن الدعوة الإسلامية وسلامة واستقرار الأمة الإسلامية، والثبات على ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق المقاصد والقواعد الشرعية. ويشير الشيخ أحمد فريد إلى أهمية العامل الوجداني في تجاوز القضايا العالقة، فيرى أنه بعد بذل الجهد في نشر معاني الأخوة والألفة وحرص كل جماعة على التقارب مع الأخرى ومحبة الخير لها فقد تزول هذه الاختلافات أو يظهر سبيل لحلها خاصة مع الإخلاص والدعاء والرجاء. ويرى الشيخ كمال الخطيب أن السقف الذي يحدد التقارب والتعاون هو عدم الاختلاف في العقائد والأحكام والشرائع. أما الاختلاف في وسائل العمل والتركيز على جانب دون جانب آخر فلا ينبغي أن يحول دون إمكانية العمل المشترك والتقارب والتعاون. ويركز الشيخ سليمان أبو نارو على أن السقف الذي لا يضر بعده تفاوت في وجهات النظر هو الاجتماع على منهج الحق منهج أهل السنة والجماعة والذي لا سبيل إلى تجاوزه، وحينها لا يضر الخلاف في شيء من التفاصيل خاصة مع إعمال حسن الظن، ودوام التناصح، وانتهاج أحسن القول، مع الابتعاد عن أساليب الوصاية والحرص على تبعية بعضهم للآخر. ويذكر الدكتور همام سعيد أهم ضوابط التقارب والتعاون: التسليم بأننا لا يمكن أن نتفق على جميع نقاط الاختلاف، تكثيف برامج العمل في الجوانب المتفق عليها، طلب الهدى من الله تعالى، الالتزام بالآداب الشرعية في اجتناب الغيبة والظن والتجسس. ويربط الدكتور سفر الحوالي السقف بالقضية التي يجري فيها التباحث فيقول: إن الثوابت والقطعيات تظل بدون تنازل، ويظل هدف الاجتماع هو الذي يحدد الأولوية؛ فإذا كان الاجتماع لمقاومة العدو فالمراعَى هنا هو إحداث النكاية وتقديم ما يقوِّي الشوكة ويحقق النصر، ونجتنب ما قد يشق الصف ويثير التنازع المفضي إلى الفشل وذهاب الريح كما ذكر الله تعالى. أما إذا كان الاجتماع لغرض الإصلاح الاجتماعي مثلاً فيكون الاهتمام بثوابت الفضيلة والقيم، وتجنب ما قد يفضي إلى الفساد والرذيلة. ويعدد الدكتور منير محمد الغضبان ضوابط التقارب فيذكر منها: التنازل عن الاعتداد بالذات وفهم الآخر وحسن الظن به والانطلاق من القاعدة الفقهية العظيمة التي تقول: موقفي صواب يحتمل الخطأ، وموقف أخي خطأ يحتمل الصواب، وكذلك قاعدة: نعمل فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه؛ وذلك في داخل الصف الإسلامي، واعتبار العاملين للإسلام جميعاً مدرسة تكاملية لا تنابذية. وينظر الأستاذ جمال سلطان إلى السقف الذي لا ينبغي تجاوزه على أنه الثوابت الشرعية والتي سماها الأولون: المعلوم من الدين بالضرورة، ويستدرك على ذلك بقوله: لكن لا ينبغي أن نوسع هذه الدائرة؛ لأنها تمثل خطراً، وتوسيعها ضد مصلحتنا ولن يكون مفيداً؛ فالمعلوم من الدين بالضرورة والثوابت العقدية هي ثوابت العمل الإسلامي؛ أما ما بعد ذلك من اجتهادات فكرية وعقلية ومنهجية فما دام أنها لم تصطدم بقواعد شرعية واضحة فلا بأس في ذلك. - منهج السلف الصالح ودوره في الحوار والتقارب الفكري والمنهجي: البيان: سلفنا الصالح لهم مكانة عالية مرموقة وهم قمة سامقة في فهم الدين والعمل به، وما يمر بمجتمعات المسلمين اليوم من حيث الاختلاف والتنازع، قد مر بسلفنا الصالح شيء منه، إلا أنهم حرصوا على الوحدة والجماعة وحققوا ذلك، مما يجعل منهجهم في ذلك حرياً بالاتباع؛ فما رأيكم في ذلك؟ - المشاركون: يقول الدكتور عثمان جمعة ضميرية: منهج السلف علماء الأمة ـ رحمهم الله تعالى ـ تطبيق عملي لفهم صحيح سليم؛ فهم رغم ما قد يقع بينهم من خلاف في مسائل الفقه أو أمور الفروع ولأسباب كثيرة متعددة رغم هذا فإنهم كانوا يلتقون ويتحاورون ويتناقشون ويرد أحدهم على الآخر رأيه، دون عداوة أو بغضاء أو تشهير أو تهمة. وبنحوٍ مما تقدم ينظر الشيخ أحمد فريد. وينظر الأستاذ خالد حسن إلى أهمية الممارسة السلفية التي تخلى عنها من جاء بعدهم، فيقول: يمكن القول إن أكثر المتحمسين للإصلاح وتحديات النهضة لم يلتفت إلى أهمية وحيوية المفهوم الجماعي للصواب الذي كان حاضراً بقوة في الممارسة التراثية (السلفية) في أوساط العلماء والنظار، إنه لا مناص من إحياء هذه الطريقة وإشاعة المفهوم الجماعي للصواب. ويرى الدكتور عبد السلام كسال أن المنهج الفكري السليم في الإسلام يقوم على قواعد ثابتة أساسها الفهم الصحيح للقرآن الكريم والسنة المطهرة بحيث يتوافق مع ما كان عليه الصحابة الكرام دون ابتداع بالزيادة أو النقصان، ولكن بلا جمود يحول دون الاجتهاد في استيعاب الجديد من مسائل العصر، ويؤكد أن هذا المنهج برصيده الثري الحكم الفصل في حل كل خلاف وفي دفع كل عملية للتقريب. ويقول الدكتور عبد الرزاق مقري: سلفنا الصالح هم قدوتنا من حيث المعايير الأخلاقية والتربوية والمقاصد الشرعية، وأصول فهم الشريعة الإسلامية، وتجربتهم منهج نسير عليه، غير أن هذا المنهج نفسه هو الذي رسم لنا سبل التجديد والاجتهاد لنعيش زماناً غير الزمان الذي عاش فيه سلفنا، يثْبُت فيه الثابت ويتغير المتغير. ويشير الدكتور سفر الحوالي إلى مسألة مهمة قد تخفى على كثيرين وهي أن مذهب السلف ليس مذهباً فقهياً معيناً ولا التزاماً شكلياً، بل هو منهاج الاتِّباع المطلق لرسول الله ﷺ ، والحرص على أن تكون الأمة على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وقد ظهرت في القرون المفضلة نماذج تدل على رحابة هذا المنهج؛ فقد كان منهم الفقيه والمفسر والمحدث واللغوي وأئمة التعبد والسلوك والجهاد، وهذا المنهج أعظم خصائصه قيامه على الحقائق لا على الدعاوى والأسماء. ويركز الشيخ كمال الخطيب على أن آخر هذه الأمة لن يصلحها إلا ما أصلح أولها، ومن هنا فإن أي حوار أو تقارب يتم عبر إدارة الظهر أو العقوق لسلفنا الصالح ومنهجهم الفقهي مصيره إلى الإخفاق، لذلك لا يمكن الحوار مع هذه الاتجاهات التي يظهر عقوقها لمنهج السلف بقصد التقارب الفكري معها، بل إنه يجب رفض هذا من أساسه؛ لأنه ليس فقط عقوقاً لمنهج السلف وإنما هدم أسس وتقويض أركان ذلك المنهج، هذا في الوقت الذي لا يمكن قبول حصر المنهج السلفي على اتساعه من اتجاهات أخرى في قالب واحد ولون واحد وآلية تفكير واحدة. ويرى الدكتور همام سعيد كما يرى إخوانه من أهل العلم أن منهج السلف هو حجر الأساس لأي تقارب، ولكنه يضيف أنه يلزم الوقوف على منهج السلف في مختلف المسائل، وأن يسعنا ما وسع السلف من الاختلاف. ويقول الشيخ سليمان أبو نارو: مكانة سلفنا الصالح في فهم الدين والعمل به والدعوة إليه ليست علية فحسب، بل لا سبيل لفهم الإسلام إلاَّ عن طريقهم؛ إذ هم القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية من المعصوم ﷺ وهم الفرقة الناجية المستمسكة بما كان عليه النبي ﷺ مما يجعل منهجهم هو الأبصر والأقوى حجة.

стр. 5397

هكذا يديرون أوقاتهم ! إبراهيم بن سليمان الحيدري غنيُّ الناس وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم لا يملكون في يومهم سوى أربع وعشرين ساعة فقط، الوقت مورد محدود، ومع محدوديته فلا يمكن تخزينه أو ترحيله. الوقت والموج لا ينتظران أحداً. محدودية الوقت جعلت الناس يتعاملون معه بطرق مختلفة، راجين أن يجدوا وسيلة فعّالة لإدارته، مكوِّنين بذلك ما يمكن اعتباره شخصيات مختلفة، من هذه الشخصيات: الشخصية المنظَّمة: وهي التي ترى أن الفوضى هي السبب الرئيس لضياع الوقت، لذا فهي تحاول أن تنظم ما حولها من الأشياء والأعمال والأشخاص، معتقدة أن العيش في بيئة منظمة كفيلٌ بتوفير مزيد من الوقت. الشخصية المحصَّنة: وهذا النوع يرى أن الناس والاختلاط بهم سبب مؤثر في إهدار الوقت، ولذلك يلجأ إلى الانعزال الكلي أو الجزئي عن الناس، والتقليل من الاختلاط بهم، ليتوافر لديهم مزيد من الوقت وقدرة أكبر في التحكم فيه. الشخصية التقنية: تعتمد هذه الشخصية على ما توفره الأدوات التقنية الحديثة ـ كالحواسيب الكفّية والمفكرات الآلية ـ من سرعة في الأداء وسعة في التخزين، مما يختصر لدى هذه الفئة الوقت والجهد، ويمنحهم كما يظنون مزيداً من الوقت. مع الإيجابيات المتنوعة للآليات التي تستخدمها الشخصيات السابقة إلا أنها لا تخلو من سلبيات؛ فالشخصية المنظمة قد تغرق في التنظيم ليتحول لديها إلى هدف بدلاً من أن يكون وسيلة، بينما ستتفاجأ الشخصية المحصنة بأن لديها وقتاً كثيراً وعلاقات اجتماعية قليلة أو نادرة، وهو الوضع الذي لا يستطيع الكثير الاستمرار فيه، كما أن الشخصية التقنية سوف تكتشف أن الآلات لن يتعدى دورها سوى التنظيم والترتيب، وليس إدارة الوقت، كما أن مصدر أساليب الشخصيات السابقة كلها خارج نطاق الذات، وهذا ما فطنت إليه الشخصية التالية: الشخصية المخطِّطة: هذه الشخصية تؤمن بأن الواجب أن ندير ذواتنا بدلاً من أن ندير الوقت، لأن الوقت ـ ببساطة ـ منظم جداً، فما لم تكن ساعتنا متعطلة فإن الوقت يسير بطريقة منظمة ودقيقة. إدارة الوقت لدى هذه الشخصية هي إدارة الذات، ولذا فهي تنطلق في تعاملها الإيجابي مع الوقت؛ من خلال فلسفة داخلية، تتمثَّل في تحديد الأهداف الشخصية بوضوح، وترتيب الأولويات بدقَّة، وتنظيم برامجها السنوية والشهرية واليومية وفقاً للوقت المتاح لديها، وهي مع ذلك لا تُغفل أهميةَ التنظيم والتقنية كعوامل مساندة في تعظيم الوقت. يقول ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «السَّنَة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل. وإنما الحصاد يوم المعاد، فعند الحصاد يتبين حلو الثمار من مرِّها» .

стр. 5398

معايير العقلاء أ. د. جعفر شيخ إدريس كما أن هنالك خصائص بدنية تميز الناس باعتبارهم بشراً رغم اختلاف أزمانهم وأماكنهم وبيئاتهم، فهنالك أيضاً خصائص روحية تميزهم باعتبارهم بشراً رغم كل تلك الاختلافات الزمانية والمكانية والبيئية. فالناس ليسوا إذن كما تصورهم بعض النظريات الغربية سجناء في خلايا ثقافية هي التي تحتم عليهم كيف يفكرون وماذا يختارون. كلاَّ؛ بل إن ثقافات الناس المختلفة التي تشمل بالمعنى الحديث عقائدهم وتصوراتهم وقيمهم أشبه ما تكون بالمدن الحديثة. فكل مدينة لها خصائصها وطابعها، لكنها مرتبطة بالمدن الأخرى بشوارع معبدة وهواتف وغير ذلك من وسائل المواصلات والاتصالات. لو أن الناس كانوا كما تُصَوِّرهم أمثال هذه النظريات لما استطاعوا أن يتفاهموا ولا أن يغيروا من عقائدهم أو تصوراتهم التي أورثتهم إياها ثقافاتهم. إن هذا ما كان ليمكن لولا وجود تلك الخصائص الروحية المشتركة والتي من أهمها ما يمكن تسميته بـ (المعايير العقلانية) التي يقر بها كل الناس باعتبارها معايير صحيحة وإن لم يلتزموا باستعمالها أو قبول نتائجها في كل وقت. بعض الناس ينظر إلى خلافات الناس فيصيبه اليأس والقنوط: هذا مؤمن وذاك ملحد. هذا مسلم وذاك نصراني أو يهودي أو بوذي. هذا سني وذاك شيعي. هذا من جماعة كذا وحزب كذا وذاك من جماعة أخرى وحزب آخر. لو أن هذا اليائس البائس تذكر أن له عقلاً وأن له معايير يقيس بها ما يقبل وما يرفض لما أصابه هذا اليأس. نذكر فيما يلي على وجه الاختصار شيئاً من هذه المعايير، ونبين أنها كلها مما افترض القرآن في الناس معرفته، ولذلك حاكمهم إليه. وهذا من أقوى الأدلة على أن هذا الدين هو بلا شك دين الفطرة التي تخاطب الناس باعتبارهم بشراً لا باعتبارهم أصحاب ثقافة محدودة بزمان أو مكان معين. من هذه المعايير المشتركة بين جميع العقلاء من البشر: ١ - القوانين المنطقية: أعني القوانين التي ننتقل بها من المقدمات إلى نتائجها اللازمة عنها، والتي نعرف بها أن كل كلام يخالفها لا بد أن يكون كلاماً باطلاً. من هذه القوانين، بل أهمها وجوهرها ما يسمى بـ (قانون الاتساق) أو (عدم التناقض) . فكل الناس، بل حتى الأطفال يدركون أن الكلام المتناقض كلام باطل. فحتى الطفل يدرك أن قولك له: «لقد جئتك اليوم بهدية جميلة، لكنني لم آتك اليوم بهدية» كلام لا معنى له. وكل إنسان حتى الأطفال يدركون أن قولك اشتريت سيارة غداً أو سأشتري سيارة بالأمس، كلام متناقض لا معنى له. لكن ما كل الكلام المتناقض يكون بهذه البساطة والوضوح، بل قد يكون غامضاً يحتاج إلى نظر وتدقيق. من ذلك مثلاً أن المعتزلة كانوا يقولون إن الإنسان خالق أفعاله. لكن هذا معناه أن بعض الأشياء لا يخلقها الله تعالى، وهذا يعني أن الله ليس بخالق لكل شيء وهذا معناه تكذيب القرآن الذي يقرر ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] ، وتكذيب القرآن كفر. فهل نقول لكل من قال ذلك القول إنك كافر؟ كلاَّ؛ فقد كان من إنصاف أهل السنة قولهم إنَّ لازم القول ليس بقول، أي إن القول الذي يلزم منطقاً وعقلاً عن كلام تقوله لا ينسب إليك قوله؛ لأنك قد تكون جاهلاً بلزومه عن قولك. لكن بيان هذا اللزوم من أحسن الوسائل التي يبين بها بطلان الكلام. من أمثلة ذلك في كتاب الله أن اليهود عندما أرادوا أن ينكروا رسالة النبي ﷺ جعلوا إنكارهم هذا تحت قاعدة عامة هي قولهم: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] لكن الذي يلزم عن هذه القاعدة العامة أن الله ـ تعالى ـ لم ينزل التوراة على موسى. لكن اليهود يؤمنون بأن التوراة كلام الله؛ ولذلك سألهم القرآن الكريم سؤالاً استنكارياً، فقال ـ تعالى ـ: ﴿مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] ؟ لعل أعظم موضع استعمل فيه القرآن الكريم هذا المعيار هو في قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . فهذه الآية لا تقول فقط إن القرآن الكريم لا تناقُض فيه، بل تجعل عدم هذا التناقض دليلاً على كونه من عند الله تعالى؛ لأنه لا يمكن لمخلوق أن يكتب كتاباً في حجم القرآن الكريم وتعدد موضوعاته وخطورتها والمدة الطويلة التي نزل فيها، ثم لا يكون في ما قال تناقض. ولكي تعرف مصداق ذلك انظر في أي كلام كتبه بشر على مدى بعض الأعوام فستجده هو نفسه يعترف لك بأن ما قاله في سنة كذا أو شهر كذا ينقض ما قاله بعد ذلك في سنة كذا وشهر كذا. وانظر أيضاً إلى النظريات البشرية كالديمقراطية والرأسمالية والاشتراكية وغيرها تجد فيها من التناقض ما الله به عليم. وقد كان وجود مثل هذا التناقض السبب المهم والأساس في إنكار بعض النصارى ـ النصارى المسمون بالليبراليين ـ أن يكون ما يسمونه بالكتاب المقدس هو كله من عند الله تعالى. وكان أيضاً سبباً في إنكار الكثيرين منهم لهذا الدين. ولأن هذا المعيار مما فطر الله ـ تعالى ـ عليه البشر قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن علم المنطق اليوناني إنه علم لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه البليد. ولو أن الشيخ قال: لا يحتاج إليه العاقل لكان أحسن؛ لأن الإنسان مهما كانت درجته في البلادة لا بد أن يكون له إلمام بهذا المعيار، ولا بد له من استعماله في حياته اليومية. ولذلك فإنني كنت أعجب من قول بعض الغربيين: إن المنطق شيء خاص بثقافتهم، وأن أمماً أخرى لا تعرفه. بل إن أحد المستشرقين المشاهير تلقَّف هذا القول الظاهر بطلانه فزعم أنه يصدق على العرب، فقال متحدثاً باسمهم. والذي ينتج عن هذا أننا إذا اكتشفنا شيئاً من التناقض في القرآن؛ فإن هذا يكون دليلاً على غناه وتجاوزه المثمر للفكر التجريدي المجدب. يمكن الاحتفاظ بعبارتين متناقضتين؛ لأن كل واحدة منهما تكشف جانباً من الحقيقة تهمله الأخرى؛ وعليه فإن العبارتين وإن لم يمكن الجمع بينهما منطقياً تعطياننا معاً صورة أكمل للحقيقة (١) . أقول بل إن العرب شأنهم في ذلك شأن سائر البشر لا بد لهم من إدراك بطلان الكلام المتناقض، وفي كلامهم من الشهود على ذلك ما لا يحصى. وعليه فكما أن هذه المعايير ليست من خصائص الأوروبيين فهي كذلك ليست من خصائص العرب. يدلك على ذلك أن كل أمة من الناس لا بد لها من لغة يتفاهم بها أفرادها، ولا بد أن يكون في هذه اللغة نفي وإثبات، ولا بد للمتكلمين بها من أن يعرفوا أن الشيء لا يمكن أن يثبت وينفى في وقت واحد؛ وهذا هو قانون الاتساق. وهذا يدلك على خطأ الذين قالوا بتعدد الحق من الأصوليين إذا عنوا به أن يكون الأمر الواحد مُثْبَتاً ومنفياً، أو حلالاً وحراماً أو جائزاً وممنوعاً. ما أروع ما قال الإمام الشاطبي: الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك لا يصلح فيها غير ذلك؛ والدليل عليه أمور ... (٢) . لكن ما زال بعض الناس يستدلون على وجود مثل هذا التعدد المتناقض بقصة اختلاف الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ في فهمهم لقول النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلِّيَنَّ العصر إلا في بني قريظة» . فيزعمون أن الرسول ﷺ أقر الفريقين رغم تناقض موقفيهم. وحاشاه ﷺ أن يفعل. إنه ﷺ إنما أقر كل فريق على ما فعل، وهذا يتضمن عدم إقراره له على ما أنكر. فالذين صلوا قبل بلوغ بني قريظة كانوا يرون أن تأخيرها خطأ. والذين أخروها كانوا يرون أن تأجيلها خطأ. فالرسول ﷺ بيَّن لهم أن كِلا الأمرين جائز وهما أمران لا تناقض بينهما؛ فكما أنه لا تناقض بين أن تقول لإنسان إن الصلاة في أول الوقت جائزة وفي آخره جائزة، فكذلك لا تناقض في أن تكون الصلاة قبل بلوغ بني قريظة جائزة وبعد بلوغها جائزة. وللحديث بقية.

стр. 5399

دول أم كتل ؟ د. عبد الكريم بكار نحن نعيش في عصر جديد بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ما في هذا شك ولا ريب. ونحن مطالبون باكتشاف ملامح هذا العصر، وما يفرضه من متطلبات وتداعيات. وحين نتمكن من ذلك فإن الخطوة التالية تتمثل في إعادة برمجة وهندسة أحلامنا ورغباتنا وطموحاتنا بما تسمح به الظروف الجديدة، وإلا فإن تحقيق ما نصبو إليه يصبح بعيد المنال، ويصبح العمل من أجله نوعاً من هدر الوقت والجهد. تقوم العولمة بعملية خلع وتفكيك واسعة النطاق، إنها تخلع الفرد من أسرته، والأسرة من مجتمعها، والمجتمع من أمته. وخلال هذا الخلع يحدث نوع من التهميش لكثير من القوى الجامعة والضابطة والمسيطرة؛ وذلك من أجل تكوين كتل ضخمة تكون لها السيطرة والنفوذ على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية. العولمة تهمِّش فعلاً مجالات الحركة أمام الدول والحكومات من أجل تسهيل حركة الشركات العملاقة ذات الجنسيات المتعددة أو العابرة للقارات. ولهذا فإن من الممكن القول إننا نشهد اليوم إعادة تركيب العالم على الصعيد السياسي بطرق غير مباشرة. نحن نحلم منذ زمن بعيد بأن يكون للمسلمين في العالم دولة واحدة، تجعل منهم قوة ضاربة، وتحمي بلدانهم من التآكل الداخلي والغزو الخارجي. وهذا الحلم ينبغي أن يظل موجوداً، لكن تحقيقه اليوم أو في مدى الثلاثين سنة القادمة يبدو بعيداً للغاية.. إننا نحب أن يكون لنا شيء هو أعظم بكثير من (الإمبراطورية) لكن في زمان يقاوم بناء الإمبراطوريات. وكلنا يشاهد الصعوبات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية وهي تحاول توسيع نفوذها بما يشبه محاولة تشكيل إمبراطورية جديدة. ومن هنا فإن هناك من يقول: في المستقبل غير البعيد لن يكون هناك دول كبرى تفرض هيمنتها وتبسط سلطانها؛ ولكن سيكون هناك كتل ومجموعات عملاقة تفرض شروطها على الدول العظمى. والسبب في هذا أن الأموال والأعمال التي كانت تتركز في الدول العظمى، وتكوِّن من ثَم عناصر القوة فيها، باتت تتحرك في الأرض، وبات المستفيدون منها ينتمون إلى دول شتى. ويقدم جنوب شرق آسيا مثالاً على ذلك؛ حيث إن كثيراً من الشركات العملاقة باتت تهيئ فرص عمل كثيرة جداً لأبناء تلك المنطقة، وترتقي بقدراتهم الفنية، كما أنها تنقل اليوم الكثير من الخبرات التقنية خارج حدود أوطانها، مما يحرم الدول المسيطرة في العالم الكثير من امتيازاتها، ولكن تأثير هذا لا يظهر إلا بعد مدة. ليس للعولمة قيادة مركزية وإن كان هناك من يحاول إخضاعها لرغباته ومصالحه، ولكن كل المشاركين في العولمة يتحركون على قواعد السوق وفي إطار التوجهات الليبرالية والرأسمالية، ومن هنا فإن العولمة تصنع وسائل انتشارها، وتستخدم وسائل موجودة، لكنها لا تستطيع في معظم الأحيان منع الضعفاء والمهمشين من استخدام تلك الوسائل لأهداف مضادة لأهداف العولمة ومصالحها؛ وهذا هو شأن الأفكار وشأن الوسائل، إنه المطاوعة للاستخدامات المختلفة. انطلاقاً من كل ما تقدم فإن لمّ شعث أمة الإسلام في هذه الحقبة من التاريخ ينبغي أن يقوم على تكوين كيانات ذات طبيعة اختصاصية وعلى كتل ممتدة، يسهم فيها على قدر الوسعة والطاقة كل من يستطيع المساهمة على مستوى الحكومات والهيئات والمؤسسات والأفراد. ويمكن أن ترتكز البدايات على مواقع الإنترنت. نحن لا نريد تشكيل قوة ضاربة، ولكن نريد أن نقوي جسم الأمة ومعالجة المشكلات التي يعاني منها الكثير من أبنائها؛ وحين تتاح الفرصة لاجتماع الأجزاء القوية، فإنه يكون لوحدة الأمة معنى ودلالة وآثار ... أما اجتماع المرضى والضعفاء والمفلسين، فإنه لا يولد في العادة إلا المزيد من التوتر والمزيد من الشعور باليأس والإحباط. وهذه بعض الأمثلة لما يمكن أن يتم: ١ - موقع عملاق علىِ الإنترنت ترعاه جهة أو هيئة يخصص لجمع معلومات عن العالم الإسلامي: سكانه واقتصاده وأحوال مجتمعاته والتقاليد والعادات السائدة في كل بلد؛ إلى جانب توفير معلومات عن التعليم في كل بلد وكذلك الصناعة والزراعة ... إن كثيراً من تباعد المسلمين عن بعضهم يعود إلى عدم توفر معلومات كافية عن العالم الإسلامي. والصعب دائماً هو البداية، وبعد ذلك تذلل العقبات، ويكثر العاملون والمتطوعون؛ ولا سيما أن لدينا أعداداً كبيرة من الشباب المتحمس والراغب في عمل شيء لكنه عملياً لا يقدم أي شيء. ٢ - تكتل اقتصادي أو نادٍ لرجال الأعمال المسلمين يتبادلون فيه الخبرات، ويُجرون من خلاله الدراسات، ويعقدون الصفقات، وينشرون المعلومات عن الاستثمارات والفرص المتاحة في البلدان الإسلامية، ويقومون بإنجاز المشروعات الكبيرة التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة. ٣ - إيجاد اتحاد عالمي يعمل على تحسين صورة الإسلام في العالم، ودفع الافتراءات الموجهة ضده. ٤ - إقامة أكبر عدد ممكن من الروابط بين الشرائح الاجتماعية وبين المهن والقطاعات المختلفة، مثل اتحاد الشباب المسلم، واتحاد الأسرة المسلمة، واتحاد المعلمين المسلمين، ومثل ذلك للأطباء والمهندسين والمفكرين والناشرين وغيرهم. لا شك أن الطريق إلى تحقيق هذا ليس معبّداً، لكنه ليس مغلقاً، وحين نفكر بواقعية، ونعقد العزم على أن لا نضيع الممكن في طلب المستحيل؛ فإننا سنندفع بكل قوة في هذا الاتجاه. المهم أن نبدأ. ومن الله ـ تعالى ـ الحَوْل والطَّوْل.

стр. 5400

قصيدة (بانت سعاد) .. الإشكالية والحل بدر بن علي المطوع لقد احتلت المقدمة الغزلية مكاناً متميزاً في هيكل القصيدة العربية، فجرى الشاعر العربي على أن يستهل قصيدته بمدخل غزلي يفضي به إلى غرضه الأصلي من القصيدة. غير أن القصيدة الغزلية أخذت بالنزوع والاستقلالية في مرحلة مبكرة جداً عن أغراض الشعر الأخرى، فأُفْرِدت الدواوين لقصائد الغزل. وليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل تحول الشعر الغزلي من التعبير عن ألم الصبابة، وما يعتلج في النفس من تباريح الهوى، إلى التعبير عن مقدمات الجماع، وذكر القبلة والإفحاش في الوصف. وعلى الرغم من أن المقدمة الغزلية التي صدَّر بها كعب قصيدته تعد وثيقة من وثائق الأدب الإسلامي، إلا أنها ـ مع الأسف الشديد ـ استخدمت في الاتجاه المعاكس لذلك، فاتخذ بعض النقاد مما جاء فيها أدلة اتكأ عليها لإباحة الغزل على إطلاقه. وفي المقابل ذهب بعض آخر إلى رفض هذه المقدمة تحرُّجاً من القول بسماع الرسول ﷺ لها، بسبب ما جاء فيها من غزل تناول فيه الشاعر أوصاف معشوقته الحسية والمعنوية. وقبل الخوض في الحديث عن الإشكالات التي دعت النقاد إلى الانقسام حولها أود أن أشير بداية إلى بعض النقاط: - أولاً: توثيق القصيدة من حيث السند: حظيت لامية كعب بن زهير ﵁ بشهرة وذيوع قل أن تنافسها عليه قصيدة أخرى؛ فقد سارت بها الركبان، وتوارثتها السنون، نظراً لشرف الموقف الذي قيلت فيه، وجلالة الممدوح، وسمو المناسبة، ولهذا فقد أصبحت هذه القصيدة ميداناً للبحث والدراسة قديماً وحديثاً. ومن أهم ما أعلى شأن هذه القصيدة إلى هذا الحد، إنشادها بين يدي الرسول ﷺ ، وإصغاؤه إليها، وإعجابه بها؛ فهي بذلك تعد جزءاً من السنة النبوية الشريفة، ومصدراً من مصادر التشريع والاحتجاح. ولأنها كذلك، وجب أن يكون توثيق مقدمة القصيدة مقصوراً على كتب الحديث والسيرة النبوية، وعدم الالتفات إلى غيرها؛ لأن النتيجة التي سننتهي إليها ستكون مبنية على ما سمعه الرسول ﷺ ، ولا شك في أن ما سمعه الرسول ﷺ وأقره يُعد من السنة النبوية التي يحتج بها، لذا سيكون النظر والتعامل مع هذا الخبر والقصيدة على أنها وثيقة شرعية يجب توثيقها عن طريق أهل العلم بالحديث والأسانيد. والمقدمة الغزلية المراد توثيقها للوقوف على ما سمعه الرسول ﷺ ، وما لم يسمعه، جاءت في شرح السكري على ديوان كعب بن زهير ﵁ على النحو التالي: بانَتْ سُعادُ فقَلْبِي اليومَ مَتْبُولُ مُتَيَّمٌ إثْرَها لَم يُجْزَ مَكْبولُ وما سعادُ غَدَاةَ البَيْنِ إذ رَحَلُوا إلا أَغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحولُ تَجْلو عَوَارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتَسَمَتْ كأنَّهُ مُنْهَلٌ بالرَّاحِ مَعلُولُ شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءِ مَحْنِيَةٍ صافٍ بأَبْطَحَ أَضْحى وَهْوَ مَشمُولُ تَّجْلو الرِّيَاحُ القَذَى عَنهُ وأَفْرَطَهُ مِن صَوْبِ سارِيَةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ يَا وَيْحَهَا خُلَّةً لو أَنَّهَا صَدَقَتْ مَا وعَدتْ أَو لَوَ انَّ النُّصْحَ مَقبولُ لكنَّهَا خُلَّةٌ قَد سِيطَ مِن دَمِهَا فَجْعٌ وَوَلْعٌ وإخلافٌ وتَبديلُ فما تدومُ على حالٍ تكونُ بِها كَما تَلَوَّنُ في أثوابِها الغولُ وما تَمَسَّكُ بالوَصْلِ الذي زَعَمَتْ إلا كَما تُمْسِكُ الماءَ الغَرابيلُ كانَت مَواعيدُ عُرْقوبٍ لها مَثَلاً وما مَواعيدُها إلا الأَباطيلُ أرجو وآمُلُ أنْ يَعْجَلْنَ في أَبَدٍ ومَا لَهُنَّ طَوالَ الدَّهْرِ تَعْجِيلُ فلا يَغُرَّنْكَ ما مَنَّتْ وَما وَعَدَتْ إنَّ الأَمانِيَّ والأحلامَ تَضليلُ أمْسَتْ سُعادُ بأرضٍ لا يُبَلِّغُها إلا العِتاقُ النَّجِيباتُ المَرَاسيلُ وبهذا يتضح أن عدة الأبيات الغزلية المثبتة في شرح الديوان هي: (ثلاثة عشر بيتاً) . فهل سمع الرسول ﷺ هذه المقدمة الغزلية كاملة دون زيادة أو نقصان؟ أم سمع بعضها؟ وهل هناك أبيات غزلية أخرى في هذه المقدمة لم تثبت في هذه النسخة التي بين أيدينا؟ وهل سمعها الرسول ﷺ ؟ كل هذه الأسئلة تبحث عن إجابة واضحة دقيقة موثقة. ومن خلال الرجوع إلى كتب الحديث اتضح أن عدداً من أهل العلم قد نقل خبر إسلام وتوبة كعب بن زهير ﵁ وإنشاده قصيدته اللامية بين يدي الرسول ﷺ ، مصدّرة بهذه المقدمة الغزلية بأسانيد مختلفة؛ فقد رواها بإسناد موصول كل من: إبراهيم بن ديزيل في جزئه، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى، ودلائل النبوة، وأبي بكر الإشبيلي في فهرسة ما رواه عن شيوخه. كما رويت بأكثر من طريق موقوفة على موسى بن عقبة، أو علي بن جدعان، أو محمد بن إسحاق. ويعد إسناد ابن ديزيل الموصول أعلى تلك الأسانيد، وإن كان فيه الحجاج بن ذي الرقيبة، وأبوه، وجده؛ فقد حسنه علي بن المديني، كما صححه الحاكم، وأشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر. فقال علي بن المديني: «لم أسمع قط في خبر كعب بن زهير حديثاً قط أتم ولا أحسن من هذا، ولا أبالي ألا أسمع من خبره غير هذا» (١) . وقال الحاكم: «هذا حديث له أسانيد قد جمعها إبراهيم بن المنذر الحزامي؛ فأما حديث محمد بن فليح عن موسى بن عقبة، وحديث الحجاج بن ذي الرقيبة فإنهما صحيحان» (٢) . وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر بعض طرق القصيدة: «ووقعت لنا بعلوّ في جزء إبراهيم بن ديزيل الكبير» (٣) . وفيما تقدم دليل على صحة الخبر، وثبوت سماع الرسول ﷺ للقصيدة. - ثانياً: عدد أبيات المقدمة الغزلية، واختلاف ألفاظها وترتيبها: فقد اختلفت المصادر في عدد أبيات المقدمة الغزلية، التي تراوحت بين (اثني عشر إلى أربعة عشر بيتاً) ، وسأورد عدد أبيات المقدمة الغزلية عند من أثبت القصيدة كاملة، وبالله التوفيق. فقد جاءت المقدمة الغزلية في رواية الديوان (ثلاثة عشر بيتاً) ، وهكذا عدها الحاكم في المستدرك، والذهبي في مغازيه. أما ابن ديزيل فقد عدها (اثني عشر بيتاً) في جزئه الكبير. وأوردها ابن إسحاق في السيرة النبوية (أربعة عشر بيتاً) ، ومثله ابن هشام في سيرته، وابن كثير في سيرته، والعامري في بهجة المحافل. وبالإضافة إلى اختلاف عدد الأبيات في المقدمة الغزلية، نجد أن هناك اختلافاً في ألفاظ وترتيب بعض الأبيات أيضاً. فأما اختلاف الترتيب، واختلاف بعض الألفاظ، فهذا لا يضر، وهو موجود في الأحاديث الصحيحة، ولم يُطعَن في شيء منها لذلك ما دام أن الألفاظ ليست متضادة بل مترادفة. أما اختلاف عدد الأبيات، فهذا راجع لاختلاف الطرق التي رويت منها القصيدة؛ فالرواة يختلفون في الحفظ والإتقان؛ فالأبيات التي تثبت في جميع الطرق، ثابتة لا محالة، أما الأبيات القليلة التي انفرد بها بعض الرواة، ولم يأت بها غيره فينظر فيها إلى حاله، فإن كان ثقة متقناً قُبلت منه، وعُدَّت من قبيل زيادة الثقة، وإن لم يكن كذلك فهي شاذة لا يحتج بها. ومن الأبيات المنسوبة لكعب بن زهير ﵁ في مقدمته الغزلية: هَيْفَاءُ مُقْبلةً، عَجْزَاءُ مُدْبِرةً لا يُشْتَكَى قِصَرٌ منها ولا طولُ فقد انفرد بروايته محمد بن إسحاق، حين قال: «حدثني عاصم، عن عمرو بن قتادة» ثم ساق الخبر والقصيدة. وواضح ما في هذا السند من انقطاع بيِّن؛ لأن الزمن قد شط بين عصر النبوة وعاصم. كما أن هذا البيت لم يرد عند غير ابن إسحاق بأي سند من الأسانيد التي سبق إثباتها في كتب الحديث، وإنما ساقه أهل العلم بالسيرة، كابن هشام، وابن كثير، والعامري، نقلاً عن رواية ابن إسحاق. أضف إلى ذلك أن ابن إسحاق الذي انفرد برواية هذا البيت قد تعرض بسبب هذه الأشعار التي حشدها في سيرته إلى نقد شديد واتهامات جارحة، وممن وجه إليه هذا النقد ابن سلاَّم؛ حيث قال: «وكان ممن أفسد الشعر وهجَّنه، وحمل كل غثاء منه محمد بن إسحاق ... وكان أكثر علمه بالمغازي والسير وغير ذلك ـ فقَبِلَ الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أُتينا به فأحمله. ولم يكن ذلك له عذراً، فكتب في السِّيَر أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط، وأشعار النساء فضلاً عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعاراً كثيرة، وليس بشعر، أفلا يرجع إلى نفسه، فيقول: مَنْ حَمَلَ هذا الشعر؟ ومن أداه منذ آلاف من السنين» (١) . وتبعه ابن النديم فقال: «كان يُعمَل له الأشعار، ويُؤتى بها ويُسأل أن يدخلها في كتابه في السيرة فيفعل، فضمَّن كتابه من الأشعار ما صار به فضيحة عند رواة الشعر» (٢) . كما طعن فيه الذهبي بسبب إيراده هذه الأشعار المكذوبة أيضاً، فقال بعد أن ساق قول ابن سلام الآنف الذكر: «لا ريب أن في السيرة شعراً كثيراً من هذا الضرب» (٣) . وقريب من هذا قول ياقوت في معجمه: «محمد بن إسحاق كانت تُعمَل له الأشعار فيضعها في كتب المغازي، فصار بها فضيحة عند رواة الأخبار والأشعار» (٤) . وبما أن حال ابن إسحاق في الشعر مطعون فيه إلى هذا الحد، فلا يصح إذاً قبول هذا البيت منه، خصوصاً أنه انفرد بروايته، ولم يُرْوَ عن غيره ممن ساق القصيدة بسندها. ومما يستأنس به في سبيل رد هذا البيت، ما روي عن رسول الله ﷺ ، من أنه قد نفى (هيتاً) المخنث عن المدينة إلى الحِمَى لَمَّا سمعه يصف (بادية بنة غيلان) بقوله: «إنها تُقْبِل بأربع وتُدْبِر بثمان» (٥) . وما نسب إلى كعب في هذا البيت لا يخرج في معناه عما قاله (هيت) المخنث في هذه العبارة الثابتة في صحيح البخاري. فهل يصح القول بأن الرسول ﷺ يجيز الفحش إذا كان منظوماً، ويرفضه منثوراً؟! حاشاه ﵊. وبناءً على ما سبق، لا يصح القبول بأن هذا البيت قد أُنشد بحضرة النبي ﷺ ، فأقر عليه صاحبه، ولم ينكر عليه. ثالثاً: موقف النقاد (الإشكالية والحل) : عند النظر في آراء النقاد المتعلقة بهذه المقدمة الغزلية نجد أننا أمام فريقين: الفريق الأول: احتفل بهذه المقدمة وما جاء فيها، وحاول تحميلها ما لا تحتمل من التأويلات، ليبيح شعر الغزل على إطلاقه. أما الفريق الآخر: فذهب إلى رفضها، منكراً ومستبعداً سماع الرسول ﷺ لها، لما فيها من أوصاف حسية، ومخالفات شرعية. ويبدو لي أن أسباب الاختلاف حول قبول ورفض هذه المقدمة، تعود إلى ما فيها من إشكاليات ثلاث: ١ - فالإشكالية الأولى تكمن في البيت المنسوب لكعب بن زهير ﵁ الآنف الذكر، وقد اتضح بطلانه وسقوط الاستشهاد به، وبذلك زالت الإشكالية الأولى. ٢ - وتتجسد الإشكالية الثانية في التصوير الحسي للمرأة في قصيدة كعب؛ غير أنه عند تأمُّل المعاني التي اشتملت عليها أبيات المقدمة الغزلية نجد أنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أبيات ذات أوصاف ومعان معنوية، وهي السمة الغالبة على أبيات المقدمة الغزلية، وتتجسد هذه الأوصاف في: البيت الأول: حيث ذكر الشاعر شدة حبه لسعاد، وأثر فراقها على قلبه. الأبيات من السادس إلى الثاني عشر: حيث ركز فيها الشاعر حديثه على خُلُق محبوبته، وما اتصفت به من خيانة للعهود، وعدم وفاء بالوعود، وتلوُّن ودِّها، وكثرة مواعيدها الباطلة، وإخلافها لذلك أبد الدهر. البيت الثالث عشر: حيث تناول فيه الشاعر حقيقة بُعد محبوبته عنه، ليتخلص في هذا البيت من المقدمة الغزلية إلى وصف الناقة. أما القسم الآخر من المعاني التي اشتملت عليها المقدمة الغزلية، فهي معان ذات أوصاف حسية، وهي أقل من سابقتها بمراحل، وتتمثل هذه الأوصاف في: البيت الثاني: حيث شبه صوت معشوقته وعينيها المكحولتين بصوت ظبي أغن ذي طرف فاتر. الأبيات من الثالث إلى الخامس: حيث وصف أسنانها وجمال ابتسامتها، ثم شبه رضابها وطعم ريقها بخمرة ممزوجة بماء بارد صاف. ومن هذا التقسيم يتضح طغيان الأبيات ذات الأوصاف المعنوية على الأبيات ذات الأوصاف الحسية؛ فقد استغرقت الأوصاف المعنوية تسعة أبيات من أصل ثلاثة عشر بيتاً هي مجموع أبيات المقدمة الغزلية، بينما جاءت الأوصاف الحسية في أربعة أبيات فقط. وبناء على هذا، أستغرب من تعميم بعض النقاد، حين يحاكم هذه المقدمة الغزلية على أساس أنها في مستوى واحد من حيث الأوصاف الحسية الواردة فيها، فيحكم (بحسية) هذه المقدمة الغزلية، دون تفريق بين ما جاء فيها من أوصاف معنوية، وأخرى حسية. وعلى كل، اتضح من خلال ما سبق عرضه أن طابع العفة هو الغالب على أبيات المقدمة الغزلية، كما أن ما جاء فيها من أوصاف حسية لا تعدو كونها أوصافاً تقليدية أكل عليها الدهر وشرب، وملها الشعراء والقراء من كثرة تكرارها؛ فهي لا تستثير فيهم نزوة، ولا تحرك فيهم شهوة. ولذا، قَبِلَ رسول الله ﷺ ما جاء في هذه الأبيات الغزلية، وبهذا تزول الإشكالية الثانية. ٣ - أما الإشكالية الثالثة فتظهر فيما جاء في هذه القصيدة من وصف للخمرة ومدح لها على مسمع من رسول الله ﷺ . وتفسير ذلك هو: أن كعباً قد يكون قال ذلك على الظن ومن باب الاستعارة والتشبيه؛ ليدلل ويبالغ في وصف جمال وحلاوة معشوقته، وكل عاشق يظن ويتوقع أن ريق محبوبته طيب المذاق، خصوصاً أن الخمرة كانت من الأشربة المحببة إلى نفوسهم ولم يُقطَع بتحريمها إلا متأخراً، وقد روعي ذلك في طريقة تحريمها؛ حيث حرمت بالتدريج وكان ذلك على ثلاث مراحل، حيث قال ـ تعالى ـ بداية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] . وفي المرحلة الثانية نزل قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] . ثم نزل النهي عنها قطعياً في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] . ولا يخفى أن هذه الآية الأخيرة وردت في سورة المائدة، وهي آخر سورة أنزلت، مع سورة الفتح، ويدل هذا على شغف العرب بها وصعوبة انفكاكهم عن شربها ومحبتها، ومن هنا لم يكن مستغرباً ذكر كعب ﵁ لها، خصوصاً أن ذكره لها ليس فيه مدح للخمرة بقدر ما فيه مدح لريق معشوقته الخيالية، وأن طعم رضابها يفعل بالهائم بحبها فعل الخمرة بشاربها. ولذا كان تشبيهه ريق محبوبته بالخمرة لا حرج فيه. ونظير ذلك قول رسول الله ﷺ : «إن من البيان لسحراً» (١) . فقد شبه رسول الله ﷺ البيان بالسحر، حيث يستميل الإنسانُ الذَّرِبُ البليغُ الفصيحُ اللسان بحلاوة كلامه، وروعة أسلوبه، وخلابة معانيه المستمعَ إليه، فيفعل ذلك بالنفوس فعل سحر الساحر الذي يستميل القلوب إليه بشعوذته وسحره. فرسول الله ﷺ ـ قطعاً ـ في حديثه هذا لا يبيح السحر ولا يحله، كما أن كعباً ﵁ في قصيدته لا يستبيح الخمرة ولا يدعو إليها. وختاماً: فإن ما يمكن القطع به هو أن هذه المقدمة الغزلية عفيفة لا فحش فيها، أما ما جاء فيها من أوصاف حسية؛ فهي قليلة جداً، كما أنها لا جدة فيها ولا ابتكار، بل إنها لا تعدو أن تكون تكراراً لمعان أُنهكَت في سُنَّة التشبيه ومطالع الغزل. والدليل على عفة هذه المقدمة الغزلية، سماع الرسول ﷺ لها دون تنبيه على شيء محظور فيها؛ فلو كان فيها ما يجافي الخلق الكريم، والذوق السليم لأبانه ﵊، ولو حصل ذلك لنُقِلَ إلينا، كما هو شأن سائر الأحكام. هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

стр. 5401

الانسحاب الإ سرائيلي من قطاع غزة الأسباب والأهداف والأسئلة التالية ياسر الزعاترة في سياق قراءة خطة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة التي نكتب هذه السطور قبل يومين من الشروع في تنفيذ أولى خطواتها، يمكن القول إن ثمة وجهات نظر مختلفة للمعالجة؛ أولاها ـ وربما أهمها ـ: وجهة النظر الإسرائيلية التي يمثلها شارون، صاحب الفكرة. وثانيها: وجهة نظر السلطة الفلسطينية، وإلى جانبها العربية، المصرية على وجه التحديد، فضلاً عن المواقف الدولية، الأمريكية على نحو خاص، إضافة إلى وجهة نظر قوى المقاومة، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس. بعد ذلك تأتي أسئلة المستقبل بالنسبة لقطاع غزة، ومن ورائه ما تبقى من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م، أي مستقبل ما يُعرف بعملية التسوية، بل ربما مستقبل الصراع برمته. - خلفيات خطة الانسحاب: لا بد بداية من العودة إلى عام ١٩٩٩م يوم كان شارون يحضّر لمشروع عودته إلى السلطة والإطاحة بحزب العمل الذي لم يفلح في مسيرة التسوية؛ وذلك لعجزه عن فرض الحل المطلوب على الفلسطينيين في قمة كامب ديفيد، في تموز عام ٢٠٠٠م، وهو الأمر الذي مهد الأجواء لاندلاع انتفاضة الأقصى بعد ذلك بثلاثة شهور، وتحديداً في ٢٨/٩/٢٠٠٠م. في تلك الأثناء دخل شارون على خط المزايدة المحمومة على (باراك) وحزب العمل، معلناً أنه الوحيد القادر على جلب السلام والأمن للشعب الإسرائيلي. خلال شهور، كان شارون قد نجح في الوصول إلى رأس هرم السلطة مؤكداً على مشروعه الرامي إلى القضاء على انتفاضة الأقصى في غضون (١٠٠) يوم لا أكثر، لكن الرياح لم تأتِ كما تشتهي سفنه؛ إذ تواصلت الانتفاضة على نحو جعلها مرحلة استثنائية في تاريخ النضال الفلسطيني. وبينما نسي الشارع الإسرائيلي قصة الأيام المئة تحت وطأة الخوف من التهديد الوجودي، وليواصل الاحتماء «بالقاتل الأزعر» حسب وصف أحد الكتاب الإسرائيليين، كان شارون يواصل حربه الشرسة على الفلسطينيين، على حين كان الإسرائيليون يصفقون له والخوف يملأ قلوبهم من الموت الذي يتربص بهم في المقاهي والباصات. تصاعدت الانتفاضة خلال مطلع عام ٢٠٠٢م، وصولاً إلى معركة مخيم جنين، حين بدأ شارون عملية «السور الواقي» التي أعاد من خلالها احتلال معظم مناطق الضفة الغربية، وبدأ يطارد المقاومة بشكل استثنائي داخل المدن والقرى والبلدات الفلسطينية. كان هدف عملية «السور الواقي» هو القضاء على الانتفاضة تحت ذريعة أن مناطق السلطة قد تحولت «ملاذاً آمناً» للمقاومة، لكن ذلك لم يحقق النجاح المطلوب؛ فعلى رغم الضربات الكبيرة والصعبة التي تعرضت لها قوى المقاومة، إلا أنها ظلت قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي وتعويض الخسائر على نحو يتفاوت بين حين وآخر. في هذه الأثناء كانت تحضيرات الحرب على العراق قد بدأت، وقبلها بالطبع هجمات الحادي عشر من أيلول التي اعتقد شارون أنها تشكل فرصة سانحة للقضاء على المقاومة بوصفها إرهاباً لا بد من استئصاله. الذي لا شك فيه هو أن شارون قد عوّل كثيراً على احتلال العراق؛ إذ شكل ذلك في وعيه ووعي الشارع الإسرائيلي والنخب اليهودية في العالم أجمع فرصة حقيقية للخلاص من «التهديد الوجودي» وإعادة تشكيل خريطة المنطقة، وإخضاع العرب والفلسطينيين لشروط التسوية الشارونية. لم يحدث ذلك بالطبع؛ إذ جاءت المقاومة العراقية لتشطب حلم شارون الجديد، ولتبدأ موجة تراجع في بريقه الشعبي بسبب استمرار المقاومة. - قطاع غزة، عقدة الاحتلال: طوال عقود كان قطاع غزة مصدر إزعاج للاحتلال، وإلى جانب ما عرضه الإسرائيليون على المصريين مراراً من أجل التخلص منه، فقد تمنى (إسحق رابين) شخصياً أن يصحو من نومه ذات صباح ليجد قطاع غزة برمته قد غرق في البحر. لعل ذلك هو ما يفسر كيف أن اتفاق (أوسلو) قد سمي في البداية: (غزة/ أريحا أولاً) ، وهو ما يفسر عبء القطاع من حيث المبدأ، بينما كان العبء قد زاد عقب بدء (حماس) ومعها (الجهاد) حرب عصابات ضد قوات الاحتلال مطلع العام ١٩٩٠م. يشار هنا إلى أن اتفاق أوسلو قد نجح في تحقيق الهدف المطلوب، حيث تمكن رجال السلطة خلال زمن قياسي من القضاء على المقاومة في القطاع، بينما لم يكن أمام رجال المقاومة بعد ذلك سوى الرحيل إلى الضفة، وهو ما سرّع في وضع سياج أمني يحول بينهم وبين ذلك. وقد فعل الاحتلال ما فعل بعدما تبين أن رجال حماس في غزة قد نقلوا أعمالهم وخبراتهم إلى الضفة الغربية؛ حيث بدأ جهاز (حماس) العسكري (كتائب القسام) بتنفيذ أعمال كبيرة هناك ظهرت بعد عام ١٩٩٤م من خلال مجموعات الشهيد يحيى عياش. منذ أن أحيط القطاع بالجدار الإلكتروني باتت المقاومة هناك تعيش حالة خاصة؛ فبينما هي تملك إمكانات كبيرة، فإن قدرتها على ضرب الاحتلال بطريقة أقوى ـ كما كان الحال في الضفة ـ كانت محدودة نظراً لعدم وجود قوات إسرائيلية، على حين أن المستوطنات محاطة بإجراءات أمنية رهيبة. لكن الإبداع الفلسطيني المقاوم ظل قادراً على تحقيق ما يشبه المعجزات والوصول إلى طرائق تجعل الوجود الإسرائيلي في القطاع مكلفاً إلى حد كبير، لا سيما حين يقاس بالعدد المحدود من المستوطنين الذين يلتهمون ٤٠% من أرضه التي لا تتعدى ٣٦٢ كيلو متراً مربعاً تشكل حوالي ٦% من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م، وما يقرب من ١,٥% من مجموع الأرض التاريخية لفلسطين، بينما يعيش فيه ما يقرب من مليون إنسان ونصف المليون. - لماذا لم يُعِد شارون احتلال غزة؟ كان السؤال الكبير الذي طرح على الدوام هو: لماذا لم يفعل شارون بغزة ما فعله بالضفة الغربية من حيث الاجتياح الكامل وضرب مراكز المقاومة ورموزها؟ يجب أن نشير ابتداء إلى أن قطاع غزة لم يسلم من عمليات التوغل والإنزال والاغتيالات؛ فقد ناله منها الكثير، لكن ذلك لم يصل حدود ما جرى في الضفة الغربية من حيث الاجتياح الشامل. وقد حدث ذلك لسببين: الأول: أمني وعسكري، والثاني: سياسي ينطوي على أبعاد أمنية وسياسية أيضاً. من الناحية الأمنية والعسكرية لم يكن بوسع شارون أن يدخل قطاع غزة ويحتله احتلالاً كاملاً لأيام أو أسابيع كما حصل مع المدن الأخرى في الضفة من دون أن ينطوي ذلك على خسائر كبيرة، على حين كان سيناريو مخيم جنين حاضراً على الدوام؛ وذلك نظراً لكثرة المقاتلين في قطاع غزة من جهة، ولطبيعة الاكتظاظ السكاني الرهيب الذي قد يحيل الاجتياح إلى مجزرة كبيرة، سيكون لها ثمنها السياسي الباهظ. أما الاحتلال الكامل وبلا حساب فسيكون إيذاناً بانتهاء السلطة التي بقيت سليمة هناك، وعندما تنتهي السلطة فسيدفع الاحتلال أثماناً باهظة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، خلافاً لوضع (الاحتلال الديلوكس) الذي عاشه شارون خلال أكثر من عامين وتحديداً منذ نيسان/ أبريل عام ٢٠٠٢م. نهاية السلطة هي «الكابوس» كما وصفها أحد الكتاب الإسرائيليين؛ إذ سيعني ثمناً اقتصادياً باهظاً بتحمل المسؤولية عن حياة الناس، وسياسياً ثمناً كبيراً بعودة الاحتلال إلى وجهه القبيح، وأمنياً بكسر ميزان القوى المختل مع المقاومة بإمكانية عودتها إلى حرب الشوارع كما كان الحال قبل أوسلو. - إخفاق شارون الأمني والسياسي: في ضوء ذلك كله برز الإخفاق الأمني الذريع لشارون بالعجز عن إخماد جذوة المقاومة. أما السياسي فتمثل في العجز عن فرض رؤيته للحل الانتقالي بعيد المدى الذي وعد بتحقيقه إلى جانب وقف الانتفاضة، وهو الحل القائم على دولة فلسطينية هزيلة على قطاع غزة و ٤٢% من الضفة الغربية من دون القدس أو السيادة أو عودة اللاجئين. هنا بدأ الشارع الإسرائيلي يعلن ضجره من شارون، وكذلك حال النخبة السياسية والعسكرية، وبرزت قصة (موشيه يعلون) وتحذيراته من كارثة سياسية على الدولة العبرية، ومثلها تحذيرات رؤساء الشاباك الأربعة السابقين، وإضرابات الطيارين وعناصر الوحدات الخاصة، والوضع الاقتصادي المتدهور، والمعلومات المخيفة حول الهجرة القادمة والمعاكسة، إلى غير ذلك من المؤشرات السلبية التي دفعت النخبة السياسية والعسكرية إلى مواجهة شارون بعدد من الفضائح، والتي ما كان لها أن تتفجر لولا ذلك، بل إن وثيقة جنيف الشهيرة ما كان لها أن تظهر بذلك الدعم اليهودي والدولي الكبير لولا ضعف شارون وهزاله السياسي، وبتعبير أدق: نهاية مشروعه الأمني والسياسي. هنا كان على شارون أن يُخرِج كل ما لديه من سحر كي ينقذ نفسه من مصير بائس، فكان الجدار الأمني واحداً من محاولاته المستميتة للتخلص من الهواجس الأمنية، ثم كان الإعلان عن خطة الفصل أحادي الجانب في وقت لاحق عام ٢٠٠٣م، وهي الخطة التي أجمع المحللون الإسرائيليون في حينه على وصفها بالهزيمة أمام الإرهاب. وقد كان لافتاً أن يعلق على المشروع في اليوم التالي (في صحيفة معاريف) رجلان من اليمين (بنتسي ليبرمان) رئيس مجلس يشع للمستوطنين، و (يوسي بيلين) «الحمامة» اليساري المعروف؛ حيث أجمعا على أن شارون قد قدم بمشروعه هدية للإرهاب وأثبت هزيمته أمامه. كان ذلك صحيحاً مئة بالمئة، ولن نتأكد من ذلك إلا عندما نتذكر أن مشروع شارون للفصل أحادي الجانب ثم إخلاء مستوطنات قطاع غزة، هو عينه مشروع الحل الانتقالي بعيد المدى الذي كان على الفلسطينيين أن يدفعوا مقابله استئصال الإرهاب وعقوداً ومواثيق لا حصر لها، لكنه عاد ليمنحهم إياه بلا ثمن، أقله في البداية وقبل بروز التطورات التالية. بالمقابل كان المنطق الذي سوّق به شارون الخطة هو أنها مادة الفورمالين التي تجمد من خلالها العملية السياسية، بحسب تعبير مدير مكتبه (دوف فايسغلاس) ، فضلاً عن كونها محطة باتجاه تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية والقدس. - تطورات المشهد العراقي والفلسطيني الداخلي: خلال عام ٢٠٠٤م كان المشهد الفلسطيني والعربي يبدو مختلفاً إلى حد كبير؛ فقد استنفر الأمريكان والصهاينة في العالم أجمع من أجل إخراج الوضع الصهيوني من مأزقه، وقد بدأت الولايات المتحدة في الضغط على الوضع العربي، وهو الأمر الذي دفعه إلى تراجعات واضحة، حيث كان المشهد العراقي مرتبكاً إلى حد كبير، وخرجت مقولات الإصلاح التي أرعبت النظام العربي الرسمي وعززت من تراجعاته أمام الضغوط الأمريكية. في هذه الأثناء بدأ شارون هجمته الأكثر شراسة على الشعب الفلسطيني، لا سيما بعد أن تحول قطاع غزة إلى عنوان المقاومة الأروع والأشرس في ظل تراجع المد المقاوم في الضفة الغربية، فكان أن اغتال الصهاينة مؤسس حركة حماس ورمز الانتفاضة (الشيخ أحمد ياسين) ، ثم أتبعوه بالشهيد البطل (الدكتور عبد العزيز الرنتيسي) ، ولم يمض وقت طويل حتى تخلصوا بالسم من الرئيس الفلسطيني (ياسر عرفات) ، وهي الجريمة التي لم يجرؤ النظام العربي ولا حتى الورثة في حركة فتح ومنظمة التحرير على الاعتراف بها، فضلاً عن مواجهتها. - محمود عباس والمرحلة الجديدة: مباشرة وبعد مقتل ياسر عرفات جاء (محمود عباس) إلى السلطة بدعم أمريكي مصري إسرائيلي، وليبدأ مرحلة جديدة كان يعلن الإيمان بها على الدوام، أي التفاوض من دون سلاح، وهو ما كان بالفعل؛ حيث جرى ترتيب وضعه بانتخابات رئاسية سريعة منحته بعض الشرعية، في الوقت الذي كان النظام العربي الرسمي في الحالة ذاتها من التراجع. هنا تحول مشروع الانسحاب من قطاع غزة من مشروع أحادي الجانب إلى مشروع يتم بالتعاون مع السلطة بعد قمة شرم الشيخ مع شارون مطلع عام ٢٠٠٥م، على حين لم يكن بوسع قوى المقاومة أن ترفض مشروع التهدئة الذي جاء تابعاً لذلك، ليس بسبب عجزها عن مواصلة المقاومة؛ لأن وضعها كان قوياً قبل ذلك، بل بسبب تراجع فتح ووقوفها مع التهدئة، وبسبب الموقف المصري، وإلى حدٍ ما تراجع الموقف السوري تحت وطأة الضغوط الأمريكية. تواصلت العملية بين شد وجذب وردود فلسطينية على الانتهاكات الإسرائيلية على التهدئة، لا سيما بعد أن تواطأ الأمريكان مع السلطة في تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية خوفاً من فوز حماس، وصولاً إلى سعي من طرف السلطة إلى فرض الهيبة ولو بالقوة، وهو الأمر الذي أفضى إلى صدامات محدودة بين حماس والسلطة كانت مفتعلة كما تبين للمراقبين. - أسئلة الانسحاب وتفاصيله: الآن يبدأ الانسحاب من قطاع غزة، مع محاولة قادة السلطة الإمساك بكامل الملف بعيداً عن الآخرين، وهو ما لا يرضي حركة حماس التي تتعرض لضغوط من جمهورها للتدخل خشية تلاعب قادة السلطة الفاسدين بكل شيء، وفي حين اتهمت الحركة بمحاولة الاستيلاء على السلطة بالقوة من قِبَل قادة حركة فتح؛ فإن موقف الحركة ما زال متردداً إزاء المرحلة؛ فهي تريد المشاركة في ترتيبات ما بعد الانسحاب لكي لا يستقر القطاف في جيوب الفاسدين على حساب من ضحوا وقدموا الغالي والنفيس، لكن الموقف العام لا يبدو مسانداً بحال؛ فالمصريون لن يقبلوا بحركة (أصولية) في خاصرتهم الفلسطينية، والأمريكان لن يقبلوا ولا الإسرائيليون، بينما لا تريد هي التعامل مع المحتلين أيضاً. ولا تسأل بعد ذلك عن موقف حركة فتح التي تملك الاستعداد للاقتتال الأهلي من دون حدود دفاعاً عن مكتسباتها، في حين لا تملك حماس أي استعداد لإراقة دماء الفلسطينيين على مذبح الانسحاب من ٦% فقط من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م. من هنا يمكن القول إن أوراق اللعبة ستبقى رهن يد الإسرائيليين وبعض رموز السلطة المتعاونين معها، بل إن هناك من يقول إن تنسيق العملية يتم بين (محمد دحلان) ، رجل الأمريكان وبين الإسرائيليين بعيداً عن محمود عباس نفسه. وفي العموم فإن مشاكل كثيرة لا بد ستندلع على خلفية التفاصيل الكثيرة المتعلقة بالانسحاب، ومن بينها أو على رأسها مسألة توزيع الأراضي التي كانت عليها المستوطنات، لكن فتح ستبقى سيدة الموقف كما يبدو، وإلا فهو الاقتتال الداخلي الذي لا تريده حماس، حتى لو كانت قادرة عليه؛ إذ ماذا تفعل بهذه المساحة من الأرض التي يسيطر عليها المحتلون من البر والبحر والجو؟ في هذا السياق ينبغي التذكير بقضية مهمة تتعلق بالسيادة على القطاع، وهي القضية التي لم تُحسم بعد في الدوائر الإسرائيلية؛ إذ ما زالت مسألة المعبر البري مع مصر، ومسألتا الميناء والمطار قيد التداول؛ فعلى حين يصر الفلسطينيون على سيادة كاملة، تبدو الدوائر الإسرائيلية مترددة حيال أمر كهذا، وإن قررت بناء سياجين أمنيين جديدين حول القطاع. وفي العموم فإن الدور المصري سيبقى حاضراً هنا، سواء كان ذلك بغياب الإسرائيليين أم بحضورهم، أم بحضور دولي في المعبر. ما من شك أن هناك في الأروقة الإسرائيلية والأمريكية من يشجع على منح السيادة للقطاع من أجل إعطاء الانطباع بوجود دولة فلسطينية تتشكل على الأرض، وإن على مساحة محدودة ومحاصرة، ولا سيما وأن واشنطن ما تزال في حاجة ماسة إلى استمرار التهدئة في الملف الفلسطيني من أجل التفرغ للملف العراقي. - أسئلة ما بعد الانسحاب من غزة: لعل الأسئلة الأكثر أهمية هي تلك التي تطرح عما بعد الانسحاب من قطاع غزة وليس قبله، بل إن كثيراً منها قد طرح قبل ذلك، أعني تلك المتعلقة بالممارسات الإسرائيلية على الأرض التي تؤشر على أهداف الانسحاب والموقف من عملية التسوية برمتها. في هذا السياق كان الإسرائيليون يستغلون التهدئة من أجل فرض وقائع كبيرة على الأرض تتعلق بالجدار الذي تُسرق الأراضي من أجل استكماله، وتتعلق بالتوسع الاستيطاني في الضفة والغور والقدس، وهي ممارسات لم تفعل السلطة حيالها أي شيء يذكر. من المؤكد أن الانسحاب من غزة سيعيد طرح الأسئلة التالية بشكل أكثر وضوحاً، وعلى رأسها مستقبل التسوية فيما يتعلق بالضفة الغربية. وهنا تحديداً تنهض حقائق الجدار الأمني الإسرائيلي التي يراد لها أن تكون حدود الدولة المؤقتة. ومعلوم أن الجدار المذكور ما زال يقسم الضفة الغربية إلى كانتونات أو يحولها إلى جزر معزولة؛ بينما يسرق أهم أراضيها، وأهم أحواض المياه، من خلال الكتل الاستيطانية الثلاث الكبيرة، والتي يصر الإسرائيليون جميعاً على أن بقاءها غير قابل للمساومة. وفي حين يحاول محمود عباس الحديث عن ضرورة القفز مباشرة نحو التسوية النهائية، على أمل الخروج من مأزق الدولة المؤقتة؛ فإن المعضلة التي تواجهه هي أن الدولة المؤقتة ذاتها هي المرحلة الثانية من خريطة الطريق التي يطالب هو بتطبيقها، بينما يصر شارون على تجاهلها، أو تمييع الموقف بالحديث عن موقف فلسطيني محسوم من مسألة الإرهاب والبنية التحتية لمنظماته. وفي العموم فإن العام القادم هو عام الانتخابات الإسرائيلية، وفيه لن يقدم شارون للفلسطينيين أي تنازل يذكر، وهو الذي لقي ما لقي من عنت بسبب قرار الانسحاب من القطاع وتفكيك مستوطناته. هكذا يبدو الموقف الفلسطيني أمام حقائق الجدار والمستوطنات، وحقيقة الدولة المؤقتة التي هي الترجمة الحرفية لمشروع شارون للحل الانتقالي بعيد المدى. لكن قفزة أو تغيراً جوهرياً في لغة التفاوض أو الصراع لن يحدث من دون حدوث تطورات عربية وإقليمية ودولية مهمة، ذلك أن المسار القائم لم يُفرَض إلا بسبب السطوة الأمريكية على الوضع العربي والدولي تبعاً لاحتلال العراق. وإذا ما تواصل الإخفاق الأمريكي هناك، وصولاً إلى نهاية لمشروع الشرق الأوسط الكبير؛ فإن من غير الممكن عندها الاستمرار في لعبة الدولة المؤقتة، وهنا إما أن يمنح شارون للفلسطينيين دولة حقيقية في الضفة والقطاع، أو يعود الصراع إلى دائرة المقاومة المسلحة من جديد. وفي حين يرى شارون أن ما عرضه باراك على الفلسطينيين في كامب ديفيد عام ٢٠٠٠م كان كارثياً؛ فإن من العبث على المراقب أن يتوقع منه العودة إلى تلك الصيغة التي لن يقبلها الفلسطينيون أيضاً. خلاصة القول هي أن مشروع شارون للحل الانتقالي بعيد المدى، أو مشروع الدولة المؤقتة التي تبقى مشكلتها مع الدولة العبرية مشكلة نزاع حدودي لا أكثر بينما تبدأ رحلة التطبيع الجديدة مع المحيط العربي، هذا المشروع الذي بدأ في غزة وينبغي أن يتوج بسيطرة إسرائيلية على المنطقة في غضون سنوات قليلة، لا يمكن أن يمر من دون إذلال الأمة ونجاح مشروع الشرق الأوسط الكبير، أما وأنه مشروع في طور الإحباط كما تقول المعطيات الموضوعية في العراق؛ فإن العودة إلى لغة المقاومة تبدو استحقاقاً طبيعياً، سواء كان ذلك بعد شهور أم أعوام. لكن ذلك لا يغير حقيقة أن تحرير غزة بالكامل قد تم بالفعل بسيف المقاومة، لا بالتفاوض والاستجداء، وهي القناعة التي لا يحب المهزومون الاعتراف بها، لسبب بسيط هو أنها نوع من الإدانة للخط الذي سلكوه وما زالوا يسلكونه رغم أن سواهم قد سبق أن جربه دون جدوى

стр. 5402

الاستراتيجية الإسرائيلية وحقوق الإنسان الفلسطيني لواء. أ. ح. د. زكريا حسين لقد أجمع المحللون والمتابعون للمأساة الفلسطينية أن الممارسات اليومية للجنود الصهاينة إنما تعود إلى بداية نشأة جيشهم منذ قيام الدولة عام ١٩٤٨م، بل قبل ذلك، وهو ما عكسته المذابح التي ارتكبها بحق الفلسطينيين، مثل: «دير ياسين، وكفر قاسم» عام ١٩٤٨م، «وصبرا وشاتيلا» عام ١٩٨٢م، و «قانا» عام ١٩٩٦م، والتي تعد جرائم حرب تكشف الطبيعة الدموية للقوم وعساكرهم، وافتقارهم للمعايير الأخلاقية والقانونية. ويمثل قتل الطفلة الفلسطينية «إيمان الهمص» ذات الثلاثة عشر عاماً ـ دون مسوغ ـ مدى التزام الجيش الإسرائيلي بأخلاقيات الجندية، والمعايير الدولية في التعامل مع المدنيين الفلسطينين والأجانب، وخاصة أن عملية قتل الطفلة الفلسطينية التي وصفها أحد الجنود الصهاينة بأنها تمّت «بوحشية ولا مبالاة» تمثل حلقة من سلسلة الجرائم التي اعتاد ذلك الجيش ارتكابها بحق المدنيين في صراعه غير المتوازن مع الفلسطينيين، والتي أصبحت تمثل عملية منهجية بفضل غياب المحاسبة العسكرية، وتجاهل المعايير أو غيابها؛ حيث أكدت الإحصائيات المعلنة أنه مع نهاية العام الماضي ومطلع عام ٢٠٠٥م قتل الجنود الصهاينة خمسة أطفال فلسطينيين بالأسلوب ذاته، منهم الطفلة «رغد عدنان» ذات الأعوام العشرة التي أطلق عليها الجنود الإسرائيليون النار داخل مدرستها في سبتمبر ٢٠٠٤م، والطفلة «رانيا إياد عرام» التي لم تتجاوز الثماني سنوات والتي قتلت وهي في طريقها لمدرستها في ٢٩/١٠/٢٠٠٤م. وإلى جانب ذلك نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية صوراً لجنود يمثلون بجثث فلسطينيين وممارسة أنماط مختلفة من التعذيب والتنكيل بحق المدنيين بصفة عامة والمعتقلين الفلسطينيين بصفة خاصة. من هنا كان من الأهمية بمكان عرض هذه الاستراتيجية الشاملة لجيش العدو بشقيها الاستراتيجية التفاوضية، والاستراتيجية العسكرية، وانعكاساتها على حقوق الإنسان الفلسطيني من خلال محاولة الإجابة عن ثلاثة تساؤلات رئيسة: أولها: هل الدولة العبرية جادة حقاً في مسيرتها السلمية مع العرب بعد مواجهات دامية بين الحرب والسلام استمرت أكثر من نصف قرن؟ ثانيها: ماذا عن حقوق الإنسان الفلسطيني التي ينتهكها الصهاينة تحت دعاوى الدفاع الشرعي عن النفس، واستخدامها المفرط للقوة العسكرية؟ ثالثها: إذا كانت انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني هي النتيجة لحق القوم في الدفاع عن النفس؛ فماذا عن حق الإنسان الفلسطيني المطلوب إيقاف انتفاضته؟ وفي مجال الإجابة عن التساؤلات المطروحة ستتركز الدراسة على ثلاثة موضوعات رئيسة: أولها: عرض الاستراتيجية الشاملة للصهاينة بشقيها: استراتيجية التفاوض، والاستراتيجية العسكرية. ثانيها: كيف تم تفعيل الاستراتيجية الشاملة الإسرائيلية، بدءاً بتوقيع اتفاق «أوسلو» للسلام في إطار استراتيجية التفاوض والمبادئ الصهيونية التي حكمتها ثم عرض لنقطة التحول الرئيسية في «كامب ديفيد الثانية» ، واشتعال انتفاضة الأقصى في ٢٨/٩/٢٠٠٠م، وبدء تفعيل استراتيجيتهم العسكرية. ثالثها: ما انتهى إليه تفعيل استراتيجيتهم العسكرية في إهدار حقوق الإنسان الفلسطيني. وعن الموضوع الأول: الاستراتيجية الشاملة للقوم، بشقيها: استراتيجية التفاوض، والاستراتيجية العسكرية؛ فقد تم صياغة استراتيجية التفاوض في إطار مبادئ وخطوط حمراء تحكم كل طوائف الشعب الصهيوني منذ عام ١٩٨٢م، وقد توافقت مواقفهم على المبادئ الآتية: - لا عودة إلى حدود ما قبل الخامس من يونيو ١٩٦٧م. - إن نهر الأردن يمثل حدودهم الشرقية (الأمنية والسياسية) . - يجب أن يكون الكيان الفلسطيني منزوع السلاح، ولا يُنشِئ جيشاً، ولا تدخلة قوات أجنبية، ويكون جيشهم هو الجيش الوحيد الذي يتاح له ذلك، وأن يتولى مهام الدفاع، وأن يسيطروا على المجال الجوي الفلسطيني. - أن يكون الكيان الفلسطيني ناقص السيادة، محدود السلطات، وبوجه خاص يُمنع عليه عقد اتفاقات عسكرية، ويظل مرتبطاً بالدولة الصهيونية (مع الاختلاف بشأن طبيعة هذه الروابط) . - أن تبقى معظم المستوطنات المغتصبة (مع الاختلاف حول ضمها لهم، أو إبقاء بعضها تحت السلطة الفلسطينية) . - أن تظل القدس الموحدة والموسعة عاصمة لدولتهم، وخاضعة لسيادتها المنفردة. - أن توضع ضمانات كافية لسيطرة الصهاينة على مصادر المياه في الأراضي الفلسطينية. - رفض مبدأ عودة (اللاجئين) الفلسطينيين إلى إسرائيل، وتنظيم عودة (النازحين) إلى الكيان الفلسطيني، حتى لا تشكل كثرتهم، وتوطينهم خطراً على أمن الدولة الصهيونية. كما تم صياغة استراتيجية عسكرية بنيت على فك الارتباط، والتداخل بين المستوطنين اليهود والشعب الفلسطيني، وإعادة تكثيف المستوطنات والمستوطنين في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، وإعداد ترتيب مخطط تدريب مشترك بين المستوطنين والقوات المسلحة للعدو بما يسمح بتحقيق أكبر قدر من النجاح في تنفيذ العمليات المسلحة في أقل وقت ممكن، وبأكبر قدر من الخسائر في الشعب الفلسطيني، وقد تزامن مع هذه الصياغة توقيع العديد من الاتفاقيات الأمنية مع الجانب الفلسطيني؛ بما يضمن عودة قيادات السلطة الفلسطينية، وكوادرها السياسية والعسكرية لتكون هدفاً سهلاً للتصفية والقتل والاغتيال في إطار الاستراتيجية العسكرية الصهيونية المخططة. وعلى الجانب الآخر وفي مجال تقييمنا الموضوعي للاستراتيجية الفلسطينية نقول: لقد قامت السلطة الفلسطينية بالتحول عن المقاومة والكفاح المسلح، وبدأت مسيرتها للسلام ووقعت على إطار السلام المزعوم في ١٣/٩/١٩٩٣م، حيث وافق الجانب الفلسطيني على مفهوم ورؤية القوم للسلام والاعتراف بالدولة المغتصبة، ووافق على قيام كيان فلسطيني في الضفة الغربية وغزة ـ بما يمثل ٢٢% من مساحة إسرائيل متنازلاً بذلك عن حقة الذي قررته له عصبة الأمم في القرار رقم ١٨١ الصادر في عام ١٩٤٨م بإقامة دولة فلسطينية على ٤٨% من فلسطين. هذا؛ ورغم تنازلات السلطة الفلسطينية المتعددة التي قُدمت للعدو إلا أنها وافقت على تأجيل التفاوض بشأن القضايا الجوهرية الخاصة بمدينة القدس، واللاجئين، والمستوطنات، والحدود، والتعاون مع دول الجوار، وغيرها؛ لتبدأ بعد ثلاث سنوات في مرحلة لاحقة للمفاوضات للاتفاق على ما أطلق عليه «المكانة الدائمة» . كما نص الاتفاق على استمرار المستوطنين والمستوطنات الصهيونية في قطاع غزة والضفة الغربية دون فرض أي قيود على بناء هذه المستوطنات، أو زيادة حجم مستوطنيها، أو تعديل أوضاعها، مع الموافقة على استمرار الدولة العبرية في تحقيقها للأمن الداخلي والخارجي، والنظام العام داخل المستوطنات، من خلال نشر أفراد حرس مدنيين داخلها للحفاظ على الأمن والقانون؛ مما يعني الموافقة على استمرار الحضور الأمني الداخلي إلى جانب القبول باستدعاء القوات المسلحة للتدخل في أي وقت لتوفير الحماية للمستوطنين والمستوطنات عند تعرضهم لأي تهديد، أو حدوث اضطرابات قد تتهددهم. هذا إضافة إلى حق القوات المسلحة الصهيونية وقوات الشرطة، والمدنيين الصهاينة للاستخدام الحُرّ للطرق في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ بما فيها المناطق والمدن والقرى التي تنتقل إدارتها للسلطة الفلسطينية، كما أكد إحكام السيطرة الأمنية على مناطق السلطة الفلسطينية، وهيأ الظروف المناسبة لقيام حكومة «باراك» ، وبعدها حكومة «شارون» بتنفيذ كل مخططاتها بالقدر الذي انتهى إليه الوضع السائد في الضفة الغربية وقطاع غزة حالياً. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد لغياب الرؤية الاستراتيجية للسلطة الفلسطينية، بل وقّعت اتفاق «واي ريفر» في ٢٣/١٠/١٩٩٨م لينتزع من الجانب الفلسطيني تنازلاً جديداً؛ حيث اتفق الجانبان على اتخاذ كافة التدابير الضرورية؛ بغية منع أعمال الإرهاب والجريمة والعمليات الفدائية ضد الطرف الآخر، مع إعداد خطة أمن فلسطينية تطّلع عليها الولايات المتحدة، مع المكافحة المنهجية والفعالة للمنظمات الإرهابية وبنيتها الأساسية، واستئناف التعاون الأمني الفلسطيني معهم، وتشكيل لجنة فلسطينية ـ أمريكية لمراجعة الخطوات الفلسطينية المتخذة ضد الجماعات المتشددة، وتشمل الخطة قيام السلطة الفلسطينية باعتقال أشخاص معينين يشتبة في قيامهم بأعمال عنف والتحقيق معهم، ومحاكمتهم، وتعمل السلطة الفلسطينية على مساعدة الولايات المتحدة على تجريم حيازة الأسلحة، ومصادرة الأسلحة غير المرخصة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، كما وافقت السلطة الفلسطينية على قيام لجنة أمريكية ـ فلسطينية ـ صهيونية رفيعة المستوى بتقديم التنسيق الأمني ومكافحة المتشددين. وعلى ضوء ما التزمت به السلطة الفلسطينية مع الجانب الصهيوني، وما وقّعت عليه من التزامات عجزت تماماً عن تحقيقها؛ حيث كان واضحاً أن منظمة حماس وتنظيم الجهاد الإسلامي هما التنظيمان المعنيان بأعمال الإرهاب، والجريمة، والأعمال الفدائية، والتي كان مطلوباً من السلطة الفلسطينية طبقاً لما أقرته ووقّعت عليه من اتفاقيات أن تتعاون أمنياً مع الدولة العبرية في القضاء عليهما، بل كان التزامها الأشد خطورة: هو القبول بقيام لجنة أمريكية ـ فلسطينية ـ صهيونية بالتخطيط ومكافحة الأجنحة العسكرية لكل من منظمتي حماس والجهاد؛ مما استحال على السلطة الفلسطينية تنفيذ ذلك الالتزام لأنه ينهي كل المقاومة الفلسطينية، وكفاحها المسلح، وثوراتها وانتفاضتها عبر نصف قرن من الزمان مقابل عدم الحصول على أي ضمانات، أو التطرق لحل أي من القضايا الجوهرية الخاصة بالصراع الفلسطيني ـ الصهيوني، وهو الأمر الذي هيأ للدولة العبرية وحكوماتها المتعاقبة انتهاءً بحكومة شارون اعتبار السلطة الفلسطينية، ورئيسها المنتخب ياسر عرفات لا يملكون الإرادة السياسية لإبرام اتفاقيات سلام مع الصهاينة من منطلق عجزهم عن تنفيذ ما التزموا به من اتفاقيات. وعلى ضوء هذه الحقيقة التي رسختها الحكومات الصهيونية كانت خطة «خارطة الطريق» التي بدأت بإلزام السلطة الفلسطينية بتنفيذ ما التزمت به من تعهدات تحت مسمى «تدمير البنية الأساسية للإرهاب الفلسطيني» باعتباره شرطاً رئيساً مع تغيير القيادات الفلسطينية؛ لإمكان القبول الصهيوني الأمريكي ببدء مسيرة سلام جديدة. - تساؤل هام: وأنتقل إلى التساؤل الهام والأخير عن كيفية إهدار حقوق الإنسان الفلسطيني، والمدى الذي وصل إليه ذلك تحت سمع وبصر ومتابعة المجتمع الدولي كله؟! - إن نقطة التحول الرئيسة كانت في حكومة (باراك) رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق عن حزب العمل، وإدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وعقد لقاء قمة بين الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الصهيوني لعقد اتفاق نهائي شامل بين طرفي الصراع في ١١/٧/٢٠٠٠م في منتجع كامب ديفيد. - ومن متابعة ما تم في هذه القمة يتضح أن «أيهود باراك» قد جاء إليها، وهو يحمل نوايا إحباطها؛ حيث طرحت هذه القمة «خطة أمريكية» كاملة لحل كل قضايا الصراع الرئيسة، وقد عمدت أجهزة الإعلام الأمريكية والصهيونية إلى المبالغة في حجم التنازلات التي قبلها الجانب الصهيوني في هذه الخطة والتي منها على سبيل المثال: - الإعلان عن الموافقة على قيام دولة فلسطينية على مساحة ٩٥% من الضفة الغربية، وقطاع غزة، خلافاً لواقع ما طرح في الخطة الأمريكية. - الترويج الإعلامي المكثف عن تفكيك مستوطنات خارج مناطق التركيز الاستيطاني. - القبول بعودة عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين على مدى عدة أعوام. وكان المطلوب من الجانب الفلسطيني إقرار ثلاثة تنازلات هامة: - القبول بتسوية القضية الفلسطينية، وإنهاء الصراع الفلسطيني مع المحتلين الصهاينة. - التنازل عن القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية. - التنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين. ومع رفض السلطة الفلسطينية لتنازلات اندلعت انتفاضة الأقصى، وظهرت حقيقة النوايا الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية، وإهدار حقوق الإنسان الفلسطيني؛ فقد تنوعت ممارسات قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، من مذابح جماعية إلى توسيع سياسة الاغتيالات، والقتل خارج القانون، وحصار القرى والمدن، وتجويع أهلها، وتدمير منازلهم، واتباع سياسة الأراضي المحروقة، وغيرها من الممارسات التي وصفها العديد من المنظمات الحقوقية بأنها انتهاك حقوق الإنسان التي ترقى لمستوى جرائم الحرب، وطبقاً لتقدير منظمة حقوق الإنسان الصهيونية الصادر في ٢٧/١١/٢٠٠٤م؛ فقد قام جيش العدو بتدمير أكثر من ٤١٠٠ منزل فلسطيني منذ انطلاق انتفاضة الأقصى في سبتمبر ٢٠٠٠م، منها ٦٢٨ منزلاً كان يعيش فيها ٣٩٨٣ فلسطينياً تم هدمها كإجراء عقابي لأهالي المقاومين؛ بينما قدرت (منظمة العفو الدولية) في تقريرها في ٢٠/١١/٢٠٠٤م: أن عدد القتلى من الأطفال الفلسطينيين على أيدي الجيش الإسرائيلي خلال نفس الفترة وصل لأكثر من ٥٥٠ طفلاً. وطبقاً لبيانات مركز المعلومات الوطني الفلسطيني خلال الفترة من ٢٩/٩ وحتى ٣١/١٠/٢٠٠٠م وصل إجمالي الشهداء الفلسطينيين إلى ٣٨٠٠ شخص، إلى جانب ٨٢ آخرين لم يتم تسجيلهم، منهم ٦٩٩ من الأطفال أعمارهم أقل من ١٨ سنة، و ٢٤٩ من الإناث، في حين بلغ عدد الشهداء نتيجة الاغتيالات ٣٠٣ أشخاص، وبلغ عدد الشهداء من المرضى جراء الإعاقة على الحواجز الإسرائيلية ١٢١ شخصاً ما بين طفل وسيدة وشيخ مسن، ووصل إجمالي المرضى إلى ٤٣٥٦٩ شخصاً؛ بينما بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال ٧٢٠٠ رجل منهم ١٢٨ سيدة. هذا وقد وصل عدد المنازل التي تضررت من عمليات القصف والتدمير إلى ٦٩١٢٠ منزلاً منها ٧١٤٩ منزلاً دمرت تدميراً كاملاً. كما بلغت مساحة الأرض التي تم تجريفها ٧١٩١٤ دونماً. بينما بلغ إجمالي مساحة الأراضي التي تم مصادرتها لمصالح بناء الجدار العازل منذ مارس ٢٠٠٣م إلى نحو ٢١١٦٢٤ دونماً. وقد تعرضت هذه الممارسات لانتقادات دولية واسعة؛ فقد انتقدت «منظمة العفو الدولية» في بيان لها في مطلع أكتوبر ٢٠٠٤م عمليات إطلاق النار المستمر من جانب قوات الاحتلال ووصفتها بالتهور؛ مؤكدة أنها تمثل انتهاكاًً لاتفاقية جنيف الرابعة، كما وصفتها «مفوضية حقوق الإنسان» التابعة للأمم المتحدة في مايو ٢٠٠٤م بأنها انتهاك لحقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي. تلك هي الصورة التي تعكس تصرفات الجيش الصهيوني والتي تكشف عن غياب واضح لأي قواعد قانونية، أو أخلاقية في التعامل مع المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط تجاهل بل تأييد الولايات المتحدة التي تعتبر تلك الممارسات الإجرامية دفاعاً عن النفس. صراع حدود أم صراع وجود؟ وعلى ضوء هذه الحقائق فإنه يمكن القول: إن الشعب الفلسطيني تحت سيطرة قوة الاحتلال قد انتُهكت العديد من حقوقه الشرعية، ونذكر منها: حق التسلح ـ حق الدفاع عن النفس ـ حق العلاج ـ حق حرية الحركة ـ حق الاعتراض والمقاومة ـ حق الإعلام بالواقع ـ حق العمل ـ حق الملكية الفردية والجماعية ـ حق التقاضي والمطالبة بعدالة القصاص ـ حق الثأر ـ حق البقاء والمحافظة على الذات ـ حق الحرية للفرد والوطن والإرادة الوطنية. باختصار: الحق في الحياة الكريمة، في إطار من العدل والحرية والمساواة وهي أبرز حقوق الإنسان في أي مكان. من هنا تتضح، وتتأكد الإجابة عن التساؤل الدائم: هل نحن بصدد صراع حدود أم صراع وجود؟ إنه بالقطع صراع على حق الوجود ذاته. ومن هذا المنطلق فقد كان لزاماً أن تستكمل الدراسة والبحث بعرضٍ لما عكسته انتفاضة الأقصي المباركة على القوة المسلحة، والمستوطنات، والمجتمع والاقتصاد الصهيوني تصديقاً لقول الباري : ﴿إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] . - أثر الانتفاضة الفلسطينية على العدو: - عند قيام الانتفاضة الفلسطينية كانت نسبة القتلى من الصهاينة ١ إلى ٥٠ من الفلسطينيين، ومع استمرار الانتفاضة ارتفع عدد القتلى من المستوطنين من ٣ قتلى شهرياً إلى ١٧ قتيلاً، ووصل إجمالي القتلى إلى حوالي ٥٠٠ قتيل، وأكثر من ٣٥٠٠ جريح، وقد تم وصف ذلك بأن: «هذه المسافة بين الخوف والذعر، والجمهور الصهيوني يعيش بين هذا وذاك» . - ٧٨% من الصهاينة لم يعودوا يسهرون في أماكن عامة؛ خشية الإصابة في عمليات استشهادية. - قالت صحيفة (معاريف) في ٢/٤/٢٠٠٤م: «إن قوة الجيش تتآكل بمنهجية، بعد أن غرقت في مستنقع الانتفاضة، إلى درجة أن المطلوب هو جندي في كل دكان، وفي كل موقف سيارات، وفي كل محطة حافلات، وسبعة معهم في كل مفترق طرق» . - أكد (أكيس فيشمان) في مقال في صحيفة (يديعوت أحرنوت) : «أن سياسة الأمن لديهم تحتضر، وأن الوضع الأمني الذي يعيشونه يعتبر إفلاساً أمنياً» . - برز الانهيار المعنوي لقوات العدو، من خلال البيان الذي أعلنه الرافضون للخدمة العسكرية، وعددهم يتكاثر بالمئات حتى بلغوا الآلاف، وقد أعلنوا رفضهم في الخدمة في الضفة الغربية باعتبارها أرضاً محتلة، والقتال فيها غير شرعي. - تزايد وتيرة الانتقاد للاستخدام المفرط للقوة والتي تعني «أن الوحشية في الانتقام والعنف المفرط هما دليلان واضحان على بلوغ مرحلة اليأس التي تسبق عادةً مرحلة الاستسلام، أو الموت للكائنات الحية» . في استطلاع للرأي أجراه المجلس الصهيوني بيّن أن غالبية الشعب يفكرون أكثر من أي وقت مضى في المغادرة، وأن نسبة ٥٠% من اليهود العلمانيين فكّروا بالهجرة، كما أن نسبة عالية أخرى تشتري شققاً في الخارج تحسباً لليوم الأسود، وفي استطلاع أمريكي مماثل عبّر ١٨% عن رأيهم بأن دولتهم ستختفي من الوجود، وقال ٢٣%منهم إنها لو استمرت في البقاء فلن تكون دولة يهودية. - ألحقت الانتفاضة خسائر باقتصادهم قدرت في يوليو ٢٠٠٢م أي خلال سنتين فقط من الانتفاضة بـ ١١ مليار دولار، أي ٥٠ مليار شيكل. - نقص الاستثمار الخارجي في الداخل بنسبة ٩٨%، وارتفع في المقابل عدد المستثمرين اليهود في الخارج بنسبة ٩٣%. - بلغت خسائر قطاع السياحة عام ٢٠٠١م فقط مبلغ ٢.٢ مليار دولار أمريكي. - جاء في تقرير صندوق النقد الدولي أن العجز الحكومي في الموازنة عام ٢٠٠٣م وصل إلى ٢.٦٦ مليار شيكل. - أعلن رئيس اتحاد المصانع الإسرائيلية عن إغلاق ٦٠ مصنعاً في عام ٢٠٠٢م، إضافة إلى إغلاق ١٥٠ مصنعاً للتقنية المتقدمة، وشهد عام ٢٠٠٣م إغلاق ٩٠ مصنعاً للأثاث، و١٥٠ مصنعاً للتقنية. كشفت صحيفة (هآرتس) عن خطط طوارئ لمواجهة عجز الموازنة تمثل في: - تسريح ١٠% من موظفي الدولة ـ تخفيض المرتبات بنسبة ١٠% ـ تقليص عدد الوزارات من ٢٣ إلى ١٩ فقط ـ تقليص موظفي الإدارة المحلية ٤٠%. - تفشت في المجتمع اليهودي ظاهرة الانتحار، وارتفاع مستوى الجريمة، واتساع الخلاف بين الفئة العلمانية والدينية. تلك بعض ملامح ما فعلته انتفاضة الأقصى المباركة في المجتمع الصهيوني، في مواجهة كل عوامل القهر، والإذلال والحصار، والتجويع الذي تمارسه قوة الاحتلال الإسرائيلي؛ فهل يمكن أن يتعايش الشعبان الفلسطيني والصهيوني بعد هذا الكم المتراكم من عوامل الكراهية والحقد، والتي ترسخت في أذهان وعقول أطفال، ونساء، وشباب، وشيوخ الشعب الفلسطيني؟ إن الحقيقة التي أكدتها الاستراتيجية الصهيونية عبر أكثر من نصف قرن من الزمان تشير إلى أنه لا سبيل للأمة العربية بوجه عام، وللشعب الفلسطيني بوجه خاص سوى الإعداد والتحضير والتخطيط الاستراتيجي للمواجهة الشاملة؛ للحد من المخططات الصهيونية الأمريكية التي لا تستهدف سلاماً بقدر ما تستهدف استسلاماً وخضوعاً للرؤية الصهيونية المنسقة استراتيجياً مع الولايات المتحدة الأمريكية، لاقتلاع الجذور العربية، وفرض الهيمنة للمحتل ليس فقط على مقدرات الشعب الفلسطيني، وطموحاته وحقه في إقامة دولته المستقلة، بل على الشعب العربي كله، التي أظهرت النوايا الحقيقية المدمرة له، من خلال الإعلان الأمريكي الصهيوني عن مبادرة (الشرق الأوسط الكبير) .

стр. 5403

الحكيم وفن الممكن د. يوسف بن صالح الصغير لقد مثَّلت مطالب عبد العزيز الحكيم أثناء التجمعات الشيعية الحاشدة بمناسبة مرور سنتين على اغتيال محمد باقر الحكيم بإقامة إقليم شيعي في جنوب ووسط العراق على غرار الإقليم الكردي، وتأييد موفق الربيعي مستشار الأمن القومي العراقي ـ مثَّلت بروز الوصفة الأمريكية الرابعة للتحكم في العراق حيث؛ تحولت هذه المطالب إلى محور أساسي في نقاشات الدستور الجديد الذي تم طرحه على الرغم من اعتراضات السنة المشاركين في لجان الصياغة. لقد طبقت أمريكا في العراق مبدأ (فن الممكن) والانتقال من وسيلة لأخرى؛ فقد حاولت حكم العراق عن طريق اعتبار الأمم المتحدة أمريكا وبريطانيا محتلين مما يمكنهما من النهب القانوني لثروات العراق، وتم تعيين حاكم أمريكي، ومع تطور المقاومة أضيف مجلس حكم عراقي لمعاونة الاحتلال، ومع تزايد العمليات تم تحويل هذا المجلس إلى حكومة مؤقتة، ثم أجريت انتخابات ليتم تشكيل حكومة موالية للاحتلال؛ مع ملاحظة ان الشخصيات المشاركة في الهياكل السابقة لم تتغير كثيراً. لقد تصورت أمريكا أن حكومة يديرها زعماء الميليشيات الشيعية والكردية مع شخصيات سنية تم تعيينها قادرة على تقديم دعم حقيقي لإدارة الاحتلال، ولكن هذا الخيار أحبط؛ لأن السنة كان خيارهم هو المقاطعة أو المقاومة. لقد تزامن في وقت واحد تلميحات الإدارة الأمريكية بالانسحاب عندما يصبح العراقيون الموالون لها قادرين على الإمساك بزمام الأمور بتصريحات متكررة من وزير خارجية الحكومة ثم من رئيس الوزراء بأن الانسحاب يجب أن يكون بالتنسيق مع الحكومة العراقية وكأنهم يقولون: لا تتركونا إننا عاجزون عن الوقوف بدونكم. إن مسألة الانسحاب هي مجرد مسألة وقت مع تزايد الخسائر الأمريكية، وقد يحدث ما يجبر أمريكا على انسحاب متعجل تكون فيه الحكومة الحالية لقمة سائغة للمقاومة. إن الطرح الحالي يتلخص في أن العراق يُقَسَّم بصورة يمكن فيها لمن تعاون مع الاحتلال أن يكون أكثر قدرة على الثبات؛ حيث يتم تقسيم العراق إلى أقاليم حكم ذاتي، ويتوقع ان تكون على النحو التالي: ١ - إقليم كردي في الشمال. ٢ - إقليم شيعي أو أكثر في الجنوب والوسط. ٣ - يمكن للسنة أن يبقوا على محافظاتهم ويرتبطوا بالمركز أو يكوِّنوا إقليماً أو أكثر. ويلاحظ هنا أن الشيعة والأكراد يسيطرون على مواطن الثروة في العراق، وإذا طبقت الخطة فإن محافظات الشيعة والأكراد تتولى إدارة شؤونها وحماية نفسها، ويتم حصر السنة في محافظات مهمشة فقيرة ويدخل فيها العراق في دوامة صراع لا نهائي من أجل البقاء، وسيتم نهب خيرات العراق من أجل الحصول على أدوات الموت. إنه مشهد قائم في أفريقيا ومجرب: خذ منهم البترول والأحجار الكريمة وأعطهم البندقية. إنها فكرة شيطانية ولكن إخفاق مسعاها محقق؛ لأن جو المقاومة السنية لن يتيح لهذه الخطط أن تجد طريقها للتطبيق، إنها خطة جميلة على الورق مثل ما سبقها، وهي لن تنجح؛ لأنها لم تضع تصوراً لتطبيقها في ظل الظروف الحالية. ولمن عاصر حرب فيتنام وشاهد كيف تعلق العملاء بالطائرات الأمريكية المغادرة لسطح مبنى السفارة الأمريكيه بـ (سايجون) ، أقول: هل هو بعيد ذلك اليوم الذي يتكرر فيه المشهد ولكن في المنطقة الخضراء؟

стр. 5404

قف واستدر ولا تخف ! يوسف العمايرة «بوبي» ، «دودو» ، «روبي» هي أسماء ليست بعربية، وليست لأشخاص حقيقيين، بل هي (أكرمكم الله) لكلاب ذكية تابعة لما يمكن تسميته (وحدة الكلاب) في الجيش الصهيوني التي دخلت مجال الخدمة الفعلية بشكل واضح خلال انتفاضة الأقصى. الحواجز العسكرية الصهيونية التي تقطِّع أوصال مدننا وقرانا ومخيماتنا، وعددها بالمئات في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع التهدئة أزيل منها حواجز ثابتة كانت موضوعة على المداخل الرئيسة لتجمعاتنا السكانية، واستُبدلت بحواجز متحركة يمكنها في أية لحظة أن توضع بجوار متجرك، أو أمام مؤسستك، أو بالقرب من شرفة بيتك، ولن تتفاجأ للحظة إذا سمعت يداً غريبة تطرق بابك أو نافذتك بخفة ورشاقة، ليلاً أو نهاراً، فافتح.. فلا وقت للاستعلام عن هوية الطارق. ضيفك لا بد من استقباله، راضياً أم مرغماً، وقد تعلمنا منذ الصغر أن نكرم ضيوفنا ولو كانوا أغراباً أو كلاباً؛ فإكرام الضيف من شيمنا الأصيلة. ومن الضروري أن تتحلى بالصبر والصبر الجميل وأنت ترى كلباً يدخل بيتك رغماً عنك ولا تستطيع أن تزجره أو تنهره. لا بد أن تستعين بالله ـ تعالى ـ إذا رأيت من ضيفك ما يضرّك؛ فهو في هذه الحالة ليس زائراً كريماً، ولا ضيفاً وقوراً، بل هو عدو يملؤه الحقد والغلّ، لن يطرح عليك السلام ولو بلغة سيئة، ولن يمد يده ليصافحك؛ فليس لديه متسع من الوقت، ربما يكون لطيفاً معك لدرجة أنه لن ينقضَّ عليك مع أول إطلالة لك من خلف الباب، فيومئ برأسه ويده أن استَدِرْ أو تنحَّ جانباً وافتح له صدر البيت، فهو لا يريد أكثر من البحث عن الأنفاس الموجودة، وعدّها روحاً روحاً، وتجميعها في ركن واحد أو طردها خارجاً، ثم يأتي بسيده المدجج، وقد أمّن له الدرب ليعيث الاثنان في بيتك أو مكتبك خراباً وإفساداً.. ولا حول لك ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ... هذه قصتنا مع كلابهم، بل هي رواية تتعدد معها فصول المعاناة يوماً إثر يوم، ولا أمل بأن تنتهي إلا أن يشاء الله. النظرية الاحتلالية الصهيونية، تقدس منظومة الآلة العسكرية بكافة أشكالها، ابتداء من الجندي المدجج، إلى السلاح المحدَّث، مروراً بالقذائف الذكية، وليس انتهاء بكل آلات التدمير المنتشرة في البر والبحر والسماء. كيف لا؟! وكل مظاهر هذه المنظومة التي يُنفَق عليها أكثر من عشرة مليارات دولار سنوياً، تشكل الدرع الواقي للأمن «القومي» للقوم، والأمن الشخصي لكل من يحمل جنسيتهم أو «الهمَّ اليهودي» عبر العالم. خلال انتفاضة الأقصى قام الجيش الصهيوني بتفعيل دور الكلاب كقوة احتلالية ضاربة، لمواجهة عناصر المقاومة الفلسطينية، ثم للتنكيل بالمواطن الفلسطيني لما في ذلك من محاولة للإذلال النفسي والمعنوي. ولعل هناك أسباباً تدفع جيشهم إلى إقحام هذه الحيوانات في الخدمة العسكرية، ولا ندري تحت أي مسمى أُدرجت: هل في إطار القوى البشرية في الجيش، سلاح المدفعية أو المشاة، أم الأذرع الأمنية الاستخبارية، أم الإمداد اللوجستي..؟ المهم أنها أدرجت وصنفت كقوة عسكرية فاعلة، وأهم المقاصد من ورائها، تخفيف حالة الإحباط وتقليل الإصابة بين الجنود والضباط الذين لا يقل الإنفاق عليهم لتأهيلهم في الخدمة العسكرية ذاك الإنفاق على الكلاب التي يحتاج تدريبها وتأهيلها قدرات بشرية ومادية فائقة؛ غير أنها وعند سقوطها في المعارك ليس لها من يبكيها، ولا وجود لمجموعات رأي عام تناضل من أجلها. على معظم الحواجز العسكرية التي يتجاوزها الفلسطينيون في تحركاتهم داخل أراضيهم المحتلة، تنتشر الكلاب، ويتناقل الناس الأحاديث والنوادر عن هذه الآفة المنغصة «النجسة» ، حيث يتسلى الضباط والجنود في إطلاق العنان لها لتمارس هوايات التفتيش والإذلال في أمتعة الناس ومركباتهم؛ فإذا كنت طالباً جامعياً، أو باحثاً، أو سياسياً واقتربت من حاجز عسكري؛ فكن رابط الجأش، استرخِ على مقعدك بانتظار الوصول إلى نقطة التفتيش، ولا بأس بأن تطلق العنان لخيالك عبر النافذة، فكّر ملياً بالمستقبل، والتفوق، وواجبات يومك، وجداول أعمالك ومحاضر اجتماعاتك، ومتابعة القرارات الصادرة، وآليات بناء ذاتك، ومدى حاجة أسرتك ووطنك لك ... ولا ضير إن عاد بك الخيال إلى واقعك، لتحاوره بصوت منخفض عن التهدئة مع الاحتلال، ولماذا هذا التأخير عن جامعتك أو عملك؟ ولماذا يستمر الإذلال على الحواجز؟ ... وما أن تبدأ تراقب تلك العجوز أو ذاك الشيخ بعكازتيهما وهما يتسلقان الجبل لاجتياز نقطة التفتيش تفادياً لأوامر الاستدارة ورفع الثياب ـ خوفاً مما وراءها ـ والتدقيق في الهويات، حتى تكون مركبتك قد اقتربت وحان الدور للتفتيش.. اصمد وراقب فقط؛ فالتفتيش سيجري كما جرى في السابق، ولكن ليس على أيدي الجنود هذه المرة، سيكون بوساطة الكلاب قطعاً للنمطية المملة، ومن باب تغيير الوجوه على المواطن الفلسطيني؛ فحالة التهدئة تتطلب تغيير الوجوه والأدوار، ومن يدري؛ فلربما يكون «بوبي» أو «دودو» أو «روبي» أقل قسوة من أولئك البشر الذين فاقت همجيتهم طغيان الحيوان في غابته. لكن المشكلة هنا، أن كلابهم تربية أيديهم، ونتاج إبداعاتهم الخارقة في مجال الإذلال. سيبادرك الكلب بإيماءة، تلحظ منها أنه يأمرك بالترجل من مقعدك، وربما يكرر بأخرى، تأمرك بأن تستدير وترفع ثيابك وتكشف عن بطنك.. فمن يدري؟!! لعلك تتوشح حزاماً طبياً لعمودك الفقري، وحينها لا بد من تفتيشه، هكذا يأمرك كلبهم و «القانون» «قانون» . لا تضجر إذا تسلل «بوبي» إلى حقائبك وأجرى عملية تفتيش دقيقة لأمتعتك؛ فهو يعمل لمصلحتك، ويحرس أمنك الشخصي من نفسك التي يمكن أن تسوِّل لك في لحظة من اللحظات فعل شيء يضرك لا تشكّ بـ «دودو» وامنحه ثقتك المطلقة على كل ما يقوم به؛ فهو ذو يدٍ أمينة، ليست كتلك اليد الطويلة التي كانت تتسلل إلى جيوب محفظة نقودك بحثاً عن أسلحة، فتخرج وقد اختلست الدينار قبل «الشيكل» أو ملاحظة ما هو محظور، أو ما يسيء لدراستك وبرامجك ومحاضر اجتماعاتك.. لا تغضب! «روبي» قصدها شريف، وما في قلبها على لسانها وبين أنيابها، إنها أليفة ولو رأيت عيونها تكتحل باحمرار كلون الدم.. وإن تأخرتَ ساعات على نقطة التفتيش، أو تعطلت بعض أمتعتك؛ فكن ذا روح مرحة، وتمتع بمنظره وهو يمارس هواياته ويفرغ طاقاته الفذة بروح مفعمة بالحيوية والنشاط، وكأنه ينتظر بعد كل إنجاز إشارة تقدير أو رتبة عسكرية لائقة. إنها كلاب طموحة، وليس من حقك أن تنغص عليها واجباتها، فأعباؤها ثقيلة. بإمكانك أن تعوض نفسك عن أية خسارة لحقت بك بسببها، لكن مهامها غير قابلة للتأخير أو التعويض. لا تخف إن علا نباحها، أو كشفت عن أنيابها، أو حفرت بأرجلها الأرض؛ فهي لا تستطيع أكثر من إجراء بعض عمليات «التخميش» في الوجه و «التجريف» في الأطراف كما حدث مع بعض الفتية في زنازين (باسْتيلاتهم) احمَدِ الله أنها لم تمتشق السلاح بعد، وإلا كانت كارثة تذكرنا بالمجازر التي قاموا بها وكشفت تقاريرهم أن منفذيها «مجانين» .. والعذر هذه المرة ألطف وأكثر دبلوماسية؛ فالقتل سيكون ناتجاً عن رصاصة «كلب طائش» ، ليس بمقدور أحد أن يوجه له اتهاماً بالقتل أو الإرهاب، لكونه يتفيأ ظلال منظمات عالمية للرفق بالحيوان. في عصر أحد الأيام من عام ١٩٩٧م، وعلى مرأى من الأسرى الفلسطينيين في معتقل (مجدو العسكري) المطل على سهل مرج بني عامر شمال فلسطين، ضل أحد القطط طريقه، فاخترق الأسلاك الشائكة ليقع في قبضة أحد كلاب حراسة السجن الضخمة، فالتقطه الأخير بقبلة واحدة مميتة، مزقّته إرباً، ثم حفر له في الأرض ودفنه، وجلس على قبره يهز ذيله هانئاً بجولة مشهودة. إنها رواية الفلسطيني اليومية مع الاحتلال بكل أشكاله، جيشه وجنوده وطائراته ومدافعه وبوارجه وجداره الفاصل، ثم ها هي كلابه تدخل المعمعان، وهي على مقدرة كبيرة من الحرفية في العمل، والمهنية في أداء الواجب وتنفيذ الأوامر، تتسابق في تفانيها خدمةً لسيدها المحتل مع ثلة بشرية اعتلت رقاب العباد من المحيط إلى الخليج، وأفنت أجيالاً متتابعة من الأحرار والشرفاء، كي تبقى تستظل رضا العم «سام» في محفله، والقوم في بيوتهم الملونة «أبيضها وأحمرها» والوطن والمواطن في حقبة الحُكمين يتلذذ الألم، ويتجرع الأسى، ويتدثر المعاناة.

стр. 5405

المسلمون في اليونان بين الواقع والمأمول شادي الأيوبي - لمحة عامة: ينقسم المسلمون في اليونان إلى فئتين أساسيتين: المسلمين الأصليين من أهل البلد، والوافدين من الخارج. ويكاد المرء يجد صعوبة كبيرة في ربط المجموعتين بعضهما ببعض؛ فبينهما آمال متفرقة وآفاق ورؤى مختلفة للمستقبل، وأهم من هذا كله، أن أيّاً من الفريقين لا يرى أهمية للتواصل والتعاون، رغم كثرة التحديات وصعوبة المرحلة. - المسلمون اليونانيون: ويسكن معظمهم في مناطق (ثراكي) شمال البلاد، وهم من أصول تركية وبلغارية، وكانت اتفاقية لوزان بعد الحرب العالمية الأولى رتبت مسألة تبادل السكان بين تركيا واليونان، وقد بقوا في موطنهم بعد رحيل الجيوش العثمانية عن أراضي اليونان إثر ثورات عديدة. ولا يوجد إحصاء رسمي يفيدنا بأعداد المسلمين اليونانيين بالتاكيد، بينما تتراوح التقديرات بين ١٥٠ و٢٠٠ ألف شخص، يتوزعون بين محافظات (كوموتيني) و (كسانثي) و (روذوبي) الشمالية. ويعمل الكثير من المسلمين اليونانيين بالزراعة، ولا سيما زراعة التبغ، ويبدو أنهم حتى فترة قريبة لم يكونوا واثقين تماماً من مستقبل وجودهم في اليونان؛ حيث كانوا يعمدون إلى شراء أراض زراعية في تركيا المجاورة كحل أخير في حال نشوب أي توتر في المنطقة. ويقول (حسن إيماموغلو) وهو محام يوناني مسلم تولى عدة عمليات شراء: إن أبناء الجالية المسلمة في اليونان لهم مساهمات كبيرة في مجال شراء العقارات المختلفة في تركيا، لكن بعد عام ١٩٩٣م الذي تم فيه الاعتراف بحقهم في التملك في اليونان، خفَّت رغبتهم في شراء العقارات التركية، وتحولوا إلى شراء عقارات يونانية. ولعل من أهم مشاكل المسلمين اليونانيين أنهم تاريخياً رُبط مصيرهم بتركيا للتدخل لصالحهم والدفاع عنهم من خلال وصفهم بالأقلية التركية وليس الإسلامية، مما أسفر عنه عزلة كبرى لهم، انعكست عليهم جهلاً وتخلفاً في كافة الميادين، وفيما يدل على قوة النفوذ التركي أن مصطلح الدولة الخفية لا يزال يستعمل إلى يومنا هذا، ويُقصد به القنصلية التركية ومناصروها في المنطقة. ويتجلى تعلق الجالية المسلمة بالقومية التركية في مسألة اللغة، حيث لا تزال اللغة التركية هي المستعملة لديهم، بينما يكاد العديد منهم لا يحسن اللغة اليونانية، وهذا الواقع بدأ يتغير شيئاً فشيئاً مع الجيل الجديد الذي دخل الجامعات اليونانية ومجالات العمل المختلفة. ويبدو أن الحكومة التركية الجديدة في سعيها إلى كسب عضوية الاتحاد الأوروبي، والتصويت اليوناني لصالح ذلك الانضمام، تميل إلى التخلص من تركات الملف الثقيل للأقلية المسلمة في اليونان، وتوصيفها بالأقلية المسلمة، وهذا ما بدا واضحاً في زيارة رئيس الوزراء التركي (رجب طيب أردوغان) الأخيرة لليونان. ففي كلمة له في إحدى القرى عبر (أردوغان) عن توجهاته الأوروبية بشكل أكبر؛ إذ قال في كلمة له في مركز البلدية حيث كان يرفرف علم اليونان وعلم الاتحاد الأوروبي: هنا يرفرف العلم الأوروبي، أما تركيا فلم تندمج بعد في الاتحاد الأوروبي، وبفضل الجهود التي نقوم بها، وبمساعدة اليونان سننجح في ذلك، وأضاف متوجهاً للمسلمين: لم أقل لكم أن ترفضوا هويتكم، لكن أن تمارسوا حقوقكم ضمن إطار القوانين اليونانية. الملفت للنظر أن (أردوغان) تجنب تماماً وصف الأقلية المسلمة في المنطقة بالأقلية التركية، وهو الوصف الذي كثيراً ما يسبب التوتر لدى الحكومة اليونانية، التي ترى بهذا الوصف ومردديه مدعاة للتدخل الخارجي في شؤونها الداخلية. وتتحكم الكثير من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في مصير المسلمين اليونانيين، وهم بشكل عام عرفوا في المدة الأخيرة انفتاحاً على المجتمع اليوناني تجلى في دخولهم إلى الجامعات والجيش، ونزوح قسم منهم إلى العاصمة أثينا للعمل والإقامة، وهذا الانفتاح لم يكن يعني بالضرورة المزيد من تمسكهم بالدين لأسباب، منها: - أنهم لم يكونوا مهيئين لهذا الانفتاح، والذي كان يقصد منه فيما يبدو أن يذوبوا في المجتمع المحيط بهم. - تَدَخُّلُ الكثير من الأطراف الداخلية والخارجية في أمورهم، وتشتتهم إلى فئات عديدة لا تتفق حول معظم الأمور. - الخلط بين العوامل الدينية والقومية والوطنية عندهم بحيث ترتبط ببعضها أو تتعارض أحياناً بشكل غير مفهوم. - ندرة الدعاة المؤثرين؛ فالأقلية المسلمة لا تعرف الكثير من الدعاة الذين يعرفون كيف يحركون الأمور بحكمة وروية، وزاد من سوء الأمور عدم وجود أوقاف تدعم مشروعاتهم الدعوية، ثم تعيين مفتين لهم من قِبَل الدولة اليونانية وهو الأمر الذي لم يقبلوا به ولا تزال المسألة إلى اليوم عالقة في المحاكم اليونانية. ورغم وجود المئات من المساجد، والقليل من المدارس للأقلية المسلمة في شمال اليونان، فلا يمكن الحديث اليوم عن صحوة أو نهضة إسلامية في مناطقهم؛ حيث لا توجد أي آثار أو علامات لتلك النهضة؛ فالشباب بعيدون بشكل عام عن الالتزام الديني، ومعظم رواد المساجد من العجائز والمسنين، ولا تبدو مظاهر إسلامية مهمة إلا ما يكون في المناسبات الدينية مثل شهر رمضان والأعياد، وهذه تكون أقرب إلى التقاليد منها إلى الدين. - الوافدون: أما المسلمون الوافدون فلا يزالون إلى اليوم تحت رحمة الأجهزة الحكومية التي لم تعط حتى الآن أي نوع من أوراق الإقامة الثابتة للمهاجرين، وهذا الأمر أثر على كل الوافدين حيث لا يشعر أحد منهم بالاستقرار في البلد، مما جعل الآمال والطموحات باستقرار المشروعات الدعوية بعيدة في الأمد المنظور. ولا يمكن إلى اليوم الحديث عن جالية مهاجرة كاملة؛ حيث ما زالت الإجراءات البيروقراطية تحول دون لَمِّ شمل الكثير من الأسر. ومن المعروف أن أثينا إلى اليوم لا يوجد بها أي مسجد رسمي، ولا يُعرف إن كان سيبنى أصلاً في ظل التنازعات السياسية والنفاق الرسمي حيال القضية، وعدم الجدية من قِبَل المتابعين المسلمين لها. ويقدر عدد المسلمين الأجانب في اليونان بأكثر من نصف مليون شخص يتحدرون من أصول ألبانية وآسيوية وعربية، ويعملون في مجالات البناء والزراعة والتجارة الحرة، إضافة إلى أعداد من الطلاب. - المفوضية الأوروبية تنتقد اليونان بسبب المهاجرين: وكان تقرير صادر عن المفوضية الأوروبية قد انتقد الحكومة اليونانية بشكل لاذع، بسبب الظروف غير الإنسانية التي يعيشها المهاجرون الأجانب في أثينا. وقال التقرير الذي نشرته جريدة «تانيا» أوسع الجرائد اليومية انتشاراً في اليونان: إن حالة المهاجرين الأجانب في اليونان بعيدة جداً عن الاندماج التام الذي تسعى إليه المفوضية. وقالت المفوضية الأوروبية: إنه لا بد من اتخاذ إجراءات صارمة ضد الموظفين الذين يتصرفون بشكل عنصري مع الأجانب، أو لا يتصرفون وفق قوانين التعامل معهم، وكذلك ضد الموظفين الذين يرفضون خدمتهم. تقرير المفوضية نصح بإضافة فقرات خاصة لقانون العقوبات الجزائي، بهدف تجريم التصرفات العنصرية، وتشكيل لجنة خاصة لمراقبة حوادث استعمال القوة المفرطة من الشرطة اليونانية، ضد الأجانب. ولاحظ التقرير أن الأجانب يلاقون الكثير من العناء والانتظار في الطوابير أمام البلديات والمستشفيات لساعات وربما لأيام لأجل تأمين الأوراق الضرورية لتجديد الإقامات الخاصة بهم. وطالبت المفوضية بتخفيض المبلغ المطلوب لتجديد الإقامة، والذي اعتبرته باهظاً جداً، كما طالبت بمنح المقيمين منهم منذ زمن طويل حق الانتخاب والترشح في الانتخابات البلدية. ويعود وجود الأسر المسلمة المهاجرة في اليونان إلى أمد غير قريب؛ حيث كانت أثينا محطة لكثير من العائلات القادمة من العالم العربي، ثم زاد هذا الوجود أثناء الحرب الأهلية اللبنانية؛ حيث هاجر عدد كبير من المسلمين إليها هرباً من شبح الحرب الدامية، وكانت العلاقات المستقرة بين اليونان ومعظم الدول العربية من عوامل طمأنة هذه الهجرة المؤقتة، وإن كانت البلد لم تعرف هذا العدد الكبير من المهاجرين إلا بعد منتصف الثمانينيات وأوائل التسعينيات، خصوصاً بعد حرب الخليج الثانية التي ساهمت في تهجير أعداد كبيرة من الأكراد وغيرهم، وشهدت هذه الفترة زيادة كبرى في الهجرة الجماعية السرية؛ حيث تعمد أسر كاملة إلى دفع مبالغ طائلة إلى المهربين الذين يتعهدون بإرشادهم إلى طريق الوصول دون أي ضمانات، وكثيراً ما كان هؤلاء يعجزون عن إعانة زبائنهم عند المناطق الحدودية الخطرة، أو عند وقوعهم في أيدي حرس الحدود الذين يعيدونهم بعد فترة قصيرة من حيث جاؤوا. كذلك فإن فترة التسعينيات شهدت توافداً كبيراً لليد العاملة من الدول العربية، ومن دول شرق آسيا، ومن الدول الأوروبية المجاورة (ألبانيا، دول شرق أوروبا) حيث دخلت اليد الأجنبية الرخيصة إلى مجالات البناء والزراعة وصيد السمك، وكانت استفادة أرباب العمل من العمال الأجانب غير محدودة؛ فقد كان هؤلاء ـ بسبب عدم شرعية وجودهم في البلد ـ يعملون مقابل أجر زهيد ولساعات طويلة، مع عدم تقديم الضمانات الاجتماعية المفروضة لهم. أمام هذه الأحوال كان لا بد أن يلجأ قسم من الأجانب إلى مختلف الوسائل لتسوية أوضاعهم القانونية، فلجأ عدد منهم إلى الزواج بمواطنات من البلد، ولم يكن هدف الجميع مجرد تسوية أوضاع فقط، بل إن بعضهم لجؤوا إلى الزواج حفاظاً على أنفسهم من الوقوع في المعاصي بسبب عدم قدرتهم على الزواج من مسلمات من بلادهم، أو لعدم قدرتهم على الرجوع إلى بلادهم أصلاً، كذلك كان عدد لا بأس به من الطلاب قد لجأ إلى نفس الأسلوب لتأمين إقامة دائمة بعد إكمال دراساتهم وانتهاء أذون الإقامة الطلابية. وعند حلول القرن الحالي كان في البلد عدد كبير من الأسر المسلمة تضم إلى المتزوجين من يونانيات أسراً لعمال استطاعوا إحضار أهلهم، إضافة إلى أسر الموظفين في الشركات التجارية العربية المختلفة. - مصاعب اليوم وهموم الغد: المصاعب والهموم تنبع كما هو معروف من اختلاف البيئة وتحديات التأقلم مع البلد مع تجنب ما في هذه القضية من سلبيات ومخاطر خصوصاً على الجيل الناشئ، وقد بدأت فعلاً بعض نتائج الاندماج غير المدروس وغير المراقب تظهر على مستوى الشباب الناشئ من الجنسين من تفلت أخلاقي وانجراف مع التيارات المشبوهة، والانسلاخ عن كل ما هو إسلامي وأخلاقي، إضافة إلى تورط بعض منهم في شبكات تهريب المخدرات والسرقة. - الانسلاخ الحضاري أكبر الأخطار وأعظمها: وتعد هذه المعضلة الكبرى وهاجس الخوف الذي يلوح للمغتربين عند أول وصولهم للبلد وبدء احتكاكهم بمشاكله وظروفه، وتبقى هاجساً مسيطراً على الأهل الذين يخشون من انجراف أبنائهم مع موجة الفساد والإباحية السائدة والتي تحاصر المجتمع في البيت والشارع والمدرسة وأماكن العمل. - ابنتي ترفض الزواج من مسلم: هذه الشكوى تتكرر من العديد من الآباء الذين أفنوا أعمارهم وأيامهم في العمل الطويل المضني دون الانتباه إلى ضرورة العناية بتربية أبنائهم وتلقينهم تعاليم دينهم وتحصينهم من الذوبان في موجة الانفلات الأخلاقي، فكانت النتيجة خسارة العمر في السعي وراء المال، وخسارة الأبناء الذين لا يرفضون فقط العودة إلى أوطانهم الأصلية، بل ينفون بقوة أية صلة تربطهم بها أصلاً. - الإسلام حصن من الانفلات حتى لدى غير المسلمين: ومن الإنصاف أن نقول إن الكثير من الزوجات غير المسلمات، يراعين إلى حد كبير رغبة أزواجهن في تنشئة الأبناء تنشئة صالحة وإبعادهم عن شرور الكحول والتدخين والمخدرات، وكثيراً ما تكون حوادث السرقة والعنف وتهريب المخدرات التي تقوم بها عصابات من الأطفال وغير الراشدين والتي تنشر في وسائل الإعلام المختلفة، دافعاً لديهن لحث أبنائهن على الالتزام بتعاليم الإسلام وأخلاقه لما يرين فيه من سمو روحي وإنساني، ولك أن تتخيل كم هو رائع ومؤثر منظر تلك الأم غير المسلمة التي توقظ أبناءها لصلاة الفجر أو تبحث في مواقيت الصلاة عن موعد الإفطار والسحور لهذا اليوم، لكن هذا بالطبع لا يلغي المشاكل الناجمة عن اختلاف العادات والتقاليد والثقافات، إضافة إلى أن قلة الوعي لدى الكثير من الآباء وانعدام معرفتهم بأمور دينهم، وعدم التزامهم بها كثيراً ما يسير بالأمور نحو السلبية والتأزم، وكذلك فإن عدداً من الأزواج الذين يلتزمون بعد زواجهم بدينهم يواجهون مشاكل في إقناع زوجاتهم بمبادئهم الجديدة، ولا يلقون الاستجابة المطلوبة إما لاستعجالهم للنتائج، أو لعدم عرضهم لمبادئهم بشكل صحيح ومناسب، فضلاً عن مخالفتهم إياها في كثير من الأحيان. - الواقع الصعب: غياب المرجعيات الواعية والتقوقع ضمن الجاليات القُطرية: إن عدم وجود مرجعية دينية عليا تجمع المسلمين تحت رايتها، وعدم وجود المرافق الأساسية لتنشئة الجيل الصاعد من مدارس ونواد ومجمعات ثقافية وروابط للشباب، تجعل الكثير من أصحاب الأسر يفكرون جدياً في ترك البلد والاستقرار في مكان آخر أو العودة إلى بلادهم الأصلية، يضاف إلى ذلك أن المسلمين في اليونان هم الأضعف بين جميع إخوانهم في أوروبا وأقلهم إنجازات في جميع الأصعدة. كذلك فإن عدم وجود مرجعية فكرية أو سياسية موثوقة في البلد جعلت آراء المسلمين وتصوراتهم حول القضايا والهيئات السياسية المختلفة من أحزاب سياسية وقرارات حكومية متشتتة إلى درجة كبيرة. أضف إلى ذلك أن طبيعة التكتلات القائمة بينهم والتي أخذت شكل الجاليات القُطرية المستقلة أسهمت في إيجاد جو من الشعور بالفرقة والتشتت نظراً إلى محدوديتها وقلة فاعليتها وسيطرة أشخاص معينين على إدارتها. - الجهل باللغة المحلية عائق مهم: ومما يؤسف له ان المسلمين الوافدين من أزهد الوافدين في تعلم اللغة المحلية وإتقانها، بحيث يعدون من اكثر الجاليات بُعداً عن الوعي بواقع البلد السياسي والثقافي، مما جعل تأثيرهم معدوماً بشكل تام، رغم أعدادهم الكبيرة. وكانت فترة التسعينيات الأولى تشهد من حين إلى آخر زيارات لعلماء ودعاة يمرون بالبلد لفترات قصيرة، أو يأتون تلبية لدعوة من أحد المصليات الموجودة، وكان لهذه الزيارات أثر طيب في تجميع الشباب لكون هؤلاء الدعاة والعلماء على قدر كبير من المعرفة الفقهية والخبرة بالواقع الأوروبي، والمؤسف أنه منذ حوالي ١٠ سنوات ندرت هذه الزيارات، مما ترك جواً من الحيرة والقلق خصوصاً بالنسبة لمسائل الاستفسارات الفقهية التي تواجه المسلم في حياته، مما جعل الكثيرين يلجؤون إلى البحث عن مصادر للفتوى من بلادهم، تكون في أحيان كثيرة مفتقدة إلى فقه الواقع الذي يعيشون فيه. - جهود جيدة لكنها غير كافية: والواقع أنه كانت تجري من حين إلى حين ولا تزال إلى اليوم محاولات لإيجاد نوع من التنظيم لجهود الشباب من خلال بعض اللجان الاجتماعية والفرق الرياضية التي كانت تقوم بنشاطات متعددة كالمباريات الرياضية وإحياء المناسبات الإسلامية، وكان لها دور في عملية التربية بالنسبة للأطفال أخذ نموذج مدارس نهاية الأسبوع، لتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم، وكانت لها نتائج مقبولة؛ لكنها بحكم كونها مبادرات فردية فهي أقرب إلى العمل المتحمس منها إلى العمل المنظم، وهي تشكو من الفوضى في الإدارة وعدم وجود منهج مناسب، إضافة على عدم قدرتها على الاستمرار والدوام في العطاء بسبب اعتمادها على متطوعين غير متفرغين ولا أهل خبرة وسابق تجربة. ويعد الإسلام من أكثر الديانات حيوية في البلد؛ حيث يستقطب الكثيرين من الشباب والمثقفين الذين يترددون على الأماكن البسيطة التي تُستأجر لأداء الشعائر والمناسبات. - مسلمون جدد: وفي المدة الأخيرة بدأت ظاهرة جديدة تظهر ولو بشكل فردي ضعيف، وهي اعتناق أفراد من المجتمع اليوناني الإسلام باجتهاد فردي وبحث شخصي، وهؤلاء معظمهم من الشباب والمثقفين الذين قضوا أعواماً طويلة في البحث والتقصي في المبادئ والديانات والأفكار. وهؤلاء من أكثر العناصر وعداً بالنسبة للعمل الدعوي في البلد لكونهم يعرفون طبيعة اليونان وخصائصها الثقافية والسياسية، لكن ينقصهم الكثير من الخبرة في مجال العمل الدعوي الإسلامي، وتتويج حماستهم وخبرتهم بالبلد بخبرة وتعقل في مجال الدعوة والعمل الإسلامي. مستقبل الإسلام في البلد رهن بنشاط أبنائه في كل مجال، لكنهم لا يزالون وللأسف بعيدين عن التأثير في سياسة البلد العامة، وحتى تلك الموجهة إليهم.

стр. 5406

قد كان ها هنا.. عراق أحمد فهمي السؤال الذي يراود الكثيرين، ويهرب أكثرهم من الإجابة عنه، هو: هل يمكن أن يعود العراق دولة موحدة يحكمها السنة كما كانت؟ الجواب الأكثر واقعية: لقد انتهت دولة العراق، وبمعنى آخر: ما نراه ماثلاً أمامنا هو كيان أو كيانات جديدة قد تتطور في المستقبل المنظور إلى دول ليس لها علاقة بالعراق القديم من قريب أو بعيد. إن الدستور الجديد الذي يتجاذبه ويتقاذفه الأكراد والشيعة فوق رؤوس العرب السنة يرسخ الفيدرالية وهي لفظة مهذبة للحكم الذاتي، الذي هو بدوره عبارة لطيفة تمهد لظهور دول جديدة. والأمر الذي يجب الإقرار به هو أن العراق القديم لا يوجد من يحفل به أو يحرص على عودته إلا العرب السنة، وهم حالياً أضعف الأطراف وأقواها في نفس الوقت؛ فهم ضعفاء من الناحية السياسية، وإن كانوا أقوياء بقدرتهم على المقاومة، ولكن للأسف فإن حسم مسألة العراق كدولة واحدة يتم في ميدان السياسة، ولا نستبعد في تطورات الأحداث أن تتزامن لحظة انتصار المقاومة ـ بانسحاب الاحتلال ـ مع لحظة انتهاء العراق الموحد؛ فقد أصبح جلياً أن واشنطن ترى في الفيدرالية طوق نجاة يمكن أن يسهل عليها إعادة الانتشار في العراق. وهذه الوضعية تدفع إلى السطح سؤالاً بالغ الأهمية: إن كانت أمريكا تؤيد الفيدرالية في العراق، فهل يعني ذلك أنها توافق على ظهور دول جديدة مستقلة؟ المفارقة الغريبة في السياسة الأمريكية أنها ترفض تماماً الحلول المطلقة والنهائية، وتعمل وفق مبدأ: إدارة الصراعات وليس حلها، وهذا ما يحدث في العراق: إدارة الصراع، والوصول بالأطراف المتصارعة إلى مرحلة تقترب من الحل النهائي، وعندها يتوقف الدعم فجأة، وتترك الأوضاع على حافة الانفجار. هذا ما فعلته أمريكا في أفغانستان، وما تفعله في العراق، وما ينتظر أن تفعله في دول عربية أخرى تترقب الأقليات فيها أن يحل عليها الدور لتنعم بالفيدرالية. والسودان يمثل نموذجاً للدولة التي يتم تفكيكها على نار هادئة عن طريق العزف على أوتار أقلياتها، ولا يُخفي الكثيرون توقعاتهم بصعوبة استمرار السودان كدولة موحدة لفترة طويلة، والأمر الخطير أن سلاح الاغتيالات الفعال بدأ يشق طريقاً في الساحة السودانية، والاغتيالات الوسيلة المفضلة لدى أجهزة المخابرات الأجنبية لقلب الأوراق السياسية في أي بلد، وتبدو أسماء ذات ثقل مرشحة لأن تتعرض لمحاولات مماثلة لما تعرض له (جارانج) ونعني طبعاً من رجالات المؤتمر الحاكم، ونصيحتنا لهم أن يتجنبوا ركوب المروحيات، على الأقل في الأيام القادمة.

стр. 5407

مستقبل الإسلام والمسلمين في الغرب ! يحيى أبو زكريا استطاع الإسلام بما يملكه من حيوية ذاتيّة أن يفرض نفسه على الخارطة الغربية، وأن يصبح سؤالاً ملحّاً على الغربيين بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية والفكريّة. وقد خططت الاستراتجية الإعلامية الصهيونية في الغرب أن يكون الإسلام العدو ذا الرقم واحد للحضارة الغربية والغربيين والديانة النصرانية، لكنّ هذا التخطيط نجح في وسائل الإعلام الغربية إلى حدّ ما؛ غير أنّه أنتج حالة فضول لدى الإنسان الغربي بضرورة التحرك فكريّاً لإجراء مراجعة فكرية وثقافية للإسلام من خلال البحث عن الكتب التي تتحدث عن الإسلام والإقبال على شراء معظم الكتب المعرفيّة التي تشرح الظاهرة الإسلامية في أبعادها العقائديّة والتشريعية والثقافيّة، إلى درجة أنّ صحيفة سويدية مشهورة سألت مطربة سويدية مشهورة أيضاً عن الكتاب المفضّل الذي تقرؤه هذه الأيّام فأجابت بأنّه (القرآن) . وللعلم فإن القرآن الكريم ترجمت معانيه مؤخراً للغة السويدية. وفي هذا السياق يشار إلى أنّ الكتب التي تتحدّث عن الإسلام باتت تحقق أعلى المبيعات في معارض الكتب في الغرب، كما أنّ دور النشر الغربية اتصلّت بالعديد من المتخصصين في الدراسات الإسلامية والحضارة الإسلامية والعربية للكتابة في مواضيع بعينها على صلة بالإسلام، كما أنّ المعاهد الجامعية الغربية باتت تحضّ الباحثين الراغبين في إنجاز أطروحات دكتوراه للكتابة عن الحركات الإسلامية أو المذاهب الإسلامية وغيرها من المواضيع ذات العلاقة بالإسلام. أمّا البرامج التلفزيونيّة التي تصوّر حياة المسلمين في أكثر من قطر إسلامي فقد أصبحت من الكثرة بحيث يندهش المشاهد للقنوات الغربية لهذا السيل الإعلامي الذي يتناول ظواهر الإسلام والمسلمين في خطّ طنجة ـ جاكرتا. ورغم جدارات برلين الاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية والاستراتيجية المتعددة التي أقامها الغرب بينه وبين الإسلام منذ طرد المسلمين من الأندلس، ومروراً بالحركات الاستعمارية، ووصولاً بالغارة الكبرى على عالمنا الإسلامي، إلاّ أنّ الإسلام استطاع أن يصل إلى جغرافيا الغرب، تماماً كما تمكن الغرب من الوصول إلى مواقعنا على متن البواخر الشراعية فالبواخر الحربية والطائرات. والمفارقة الأساسية بين قدوم الغرب إلى مواقعنا الجغرافية وذهاب الإسلام إلى مواقع الغرب الجغرافية تكمن في أنّ المعسكر الغربي قدم إلى مواقعنا بقوّة السلاح بينما ولج الإسلام الخارطة الغربية بقوته الذاتية منذ فتح الأندلس وإلى يومنا هذا. بالإضافة إلى ذلك فإنّ حركة انتقال المسلمين من الإسلام إلى النصرانية ضئيلة للغاية إذا ما قورنت بحركة الأسلمة وسط الشباب والشابات والأكاديميين الغربيين التي باتت ظاهرة في حدّ ذاتها. وهذه الحركية التي يتمتّع بها الإسلام في الغرب لم تكن وليدة تخطيط معمّق واستراتيجية دقيقة من قِبَل مسلمي الغرب الذين لجأ ثلثاهم إلى الغرب بداعي تحسين الوضع الاقتصادي أو الفرار من الوضع الاجتماعي أو السياسي القائم في واقعنا العربي والإسلامي، بل إنّ جزءاً كبيراً من جاليتنا العربية والإسلامية أساءت إلى حضارتها وحدّت من حركية الإسلام في الغرب ولو بشكل محدود، بل إن الإسلام يملك عوامل القوة الحضارية الذاتيّة. فماذا لو كان للمسلمين في الغرب تلك الاستراتيجية التي بموجبها يصلون إلى العقل الغربي عبر تفعيل حركة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الغربية، وعبر تملّك وسائل إعلام هادفة؟ فلو تحققّت هذه المعادلة أي حيوية الإسلام مضافاً إليها وعي المسلمين في الغرب لأمكن في ظرف وجيز أن يصبح الإسلام ظاهرة حضارية وفكريّة راقيّة، وقد صدَّق ذلك الأستاذ الأوروبي الذي أسلم وقال لأحد علماء الأزهر: «أدرِكوا أوروبا بإسلامكم قبل أن تتهندس أو تتبوّذ» أي تصير هندوسيّة أو بوذيّة. ومع كل ما جئنا على ذكره فقد أصبح مستقبل الإسلام في الغرب سؤالاً ملحّاً ومكرراً لعشرات الدوائر والمعاهد، وأفرز هذا السؤال مجلدات وكتباً من الأجوبة، وما زال يحرك العديد من الخلايا الدراسية في الدوائر الحسّاسة والمراكز الاستراتيجية السريّة والمعلَنة أحياناً. وتذهب بعض هذه الدراسات التي وُضِعت من قِبَل منظِّرين غربيين إلى أنّ الإسلام في الغرب أصبح حقيقة قائمة لا مناص منها ولا مفر، فلا يخلو شارع أوروبي من مسجد أو امرأة محجبة أو مدرسة إسلامية أو ملحمة كُتِبَ على بابها: نبيع اللحم المذبوح شرعياً، أو لحومنا مُذَكَّاة على الطريقة الإسلاميّة، وغير ذلك من التمظهرات الإسلاميّة. كما أنّ بعض هذه الدراسات تؤكّد أنّ ملايين المسلمين أصبحوا أوروبيين بحملهم الجنسيات الأوروبية، وأنّهم متساوون في الحقوق والواجبات مع السكّان الأوروبيين الأصليين، لهم أن يصوتوا، ولهم أن يشكّلوا أحزاباً؛ ولهم أن يفتحوا إذاعات وتلفزيونات وما إلى ذلك. والأخطر ما في هذه الدراسات الإشارة إلى أنّ التكاثر بين المسلمين الغربيين في اضطراد بينما النسمة الغربية آيلة إلى الشيخوخة، وقد أشارت دراسة حديثة إلى أنّ نسبة المتقاعدين من الغربيين بعد عشر سنوات سيكون مذهلاً، والذي سيعوّض مناصب الشغل سيكونون من المهاجرين العرب والمسلمين وبقيّة القادمين من العالم الثالث؛ ومعنى ذلك أنّ المسلمين سيدخلون في قلب المعادلة الاقتصاديّة للغرب، والغرب يعتبر أنّ أمنه الاقتصادي كأمنه السياسي. - خطط للمستقبل: يعتبر الغرب شغوفاً إلى أبعد الحدود بالدراسات المستقبلية والاستشرافيّة Futurlogie وقد أوجد لهذا الغرض مئات المراكز الاستشرافية التي ترصد حركة المستقبل؛ في الوقت الذي يخلو فيه العالم العربي والإسلامي من أي مركز من هذا القبيل، وتداركاً للموقف وإنقاذاً للمستقبل الغربي من الأسلمة الزاحفة ذاتيّاً بدأت الدوائر الغربية في وضع خطط تُعنى بالقضاء على شبح الأسلمة الذي قد يهدد مستقبل الغرب. ومن هذا الخطط فصل الجيل المسلم المولود في الغرب عن آبائه عبر بذل جهد مضاعف لجعل هذا النشء الإسلامي ذائباً في الخارطة الغربية منسجماً مع ثقافتها وعقيدتها، وقد حقق في هذا المجال بعض النجاح؛ حيث بات مألوفاً أن يصبح للشابة المسلمة عشيق غربي يعاشرها ساعة تشاء، وقد يحدث أن تجلب عشيقها هذا إلى بيت أبيها كما حدث مع عشرات العوائل المسلمة، وعندما أراد الأب المسلم أن يقوِّم سلوك ابنته، هرولت البنت إلى سمّاعة الهاتف واتصلت بالشرطة ـ والعجيب أنّ الأطفال يُلَقَّنون في المدارس من قِبَل المعلمين أنّه إذا نشبت بينكم وبين والديكم خلافات فعجّلوا بالاتصال برقم هاتف الشرطة، وهو رقم يسير ويحفظ في ثوانٍ في معظم الدول الغربية، وعندها تتدخّل الشرطة لحماية البنت من معتقدات أبيها، وقد تُمنح بيتاً لوحدها لتواصل رحلة العشق ـ نسأل الله العافية. وحدث مرّة أن نهر أب مسلم ابنه المراهق الذي استقدم فتاة أوروبية إلى بيت أبيه ليمارس الجنس معها، فاتصل الابن بالشرطة التي وصلت إلى بيت والد هذا الشاب في ظرف دقائق معدودات، ووجهت إنذاراً للأب؛ حيث قال الشرطي لوالد الطفل وبصريح العبارة: ابنك حرّ في عورته أو آلته التناسلية وليس لك عليه سلطان، وإذا نهرته مرة أخرى فمآلك السجن. ومثل هذه القوانين شجعت الأبناء المسلمين وكذا البنات على الخروج عن طوع آبائهم والعيش بمسلكية الذين يعتبرون الشرف والقيم من الأساطير المنقرضة. وهناك استراتيجية أخرى يتمّ تنفيذها في الغرب وهي التسهيل والحث أحياناً على الطلاق بين المرأة والرجل المسلميْن، باعتبار أنّ الأبناء تضمحلّ شخصيتهم وتضعف في ظل أسرة هزيلة ومشتتة، وقد يحتدم العراك بين الرجل وزوجته وعندها تحكم المؤسسات الاجتماعية بعدم أهلية هذه الأسرة لرعاية الأطفال؛ باعتبار أنّ الأطفال يحتاجون إلى دفءٍ عاطفي وحنان واستقرار نفسي؛ وهذا الحكم كفيل بتوزيع الأبناء على العوائل الغربية. وقد أصدرت بعض الدول الغربية قوانين تنص على حقّ رعاية المجتمع للأطفال الذين ينتمون إلى عوائل متدنية الدخل، وأغلب هذه العوائل عربية وإسلامية، وهذا القانون يجعل الأطفال تحت رعاية عوائل غربية تلجأ إلى تغيير أسمائهم وتعويدهم على التردد على الكنيسة أسبوعياً، وفي أحايين كثيرة لا يوافق الوالدان على ما يجري لأولادهم لكنّ حجّة المؤسسات الاجتماعية الغربية أنّ الطفل يجب أن لا ينشأ في بيئة عنيفة، والمقصود الخصام المتواصل بين الرجل وزوجته. كما أنّ المدارس الغربية باتت تركّز على تدريس (مادة الجنس) وهي مادة ضرورية؛ وأحياناً ورغم أنّ الصف يكون معظمه من المهاجرين العرب والمسلمين فإنّ المعلمة تسترسل في توصيفات من شأنها أن تفجّر الشهوات المكبوتة لدى الأطفال وخصوصاً في سنّ المراهقة، وهذا ما يجعل نسبة الفساد الخلقي بين الأطفال المراهقين مرتفعة بشكل كبير، وكثيراً ما تدعو البنت الغربية الطفل المسلم إلى أن يطبّق معها ما درسوه أو شاهدوه، وقد بدأ يشاع بين الفتيات الغربيات أنّ العربي أو المسلم وكذا الإفريقي ذو فحولة جنسية، ولذلك تسعى هذه الشقراء أو تلك لاصطياد هذه الأصناف المطلوبة وسط برودة الإنسان الغربي الذي ملّ من هذه الأمور. وقد بدأت بعض الجهات بترشيد هذا المناخ والاستفادة منه لتحقيق المراد المعروف. وفي نظر هؤلاء الاستراتيجيين فإنّ أبناء المسلمين هم الأقدر على نقل حضارة الإسلام إذا كانوا واعين إلى الأطفال الغربيين؛ لأنّهم يتقنون اللغة كأبناء البلد، ويعرفون عقلية الأولاد الغربيين، بالإضافة إلى أنّ أبناء الغربيين فارغون عقائديّاً ودينياً، ويسهل تعبئتهم وتقديم البديل الإسلامي إليهم؛ ومن هنا كان الحرص على تدميرهم وفصلهم عن هويتهم. وبالإضافة إلى ذلك فقد يصادف أن يصبح أحد أبناء المسلمين من صنّاع القرار في الغرب، ولا إشكال لدى الغربيين إذا كان صانع القرار الغربي يدعى محمداً إذا كانت مسلكيته غربية قحّة، والإشكال فيما لو كان محمد الواصل إلى دوائر القرار يقتدي بمحمّد الذي أوصل الإسلام إلى المعمورة قاطبة.

стр. 5408

أنا والقطة السوداء خالد عبد الله سالم الباز لن أستطيع النوم هذه الليلة.. الريح تزأر بالخارج، وصفيرها المزعج يختلط بنباح ممطوط لكلب ضال.. والأوراق الجافة تُحدث خشخشة حادة عندما تكسحها الريح أمامها على الأرض.. وعلى نحو مباغت تجمد هذا المشهد.. هدأت حركة الريح، وكفَّ الكلب عن نباحه، وتوقفت خشخشة الأوراق الجافة.. ظننت أنه بإمكاني أن آخذ قسطاً من النوم يعينني على القيام بنشاط لصلاة الفجر.. وكان من الممكن أن يحدث هذا لولا ذلك الصوت الخافت.. صوت خافت يشبه الأنين.. ما هذا؟ إنسان يُحتَضَر؟ هذا ما حدثتني به نفسي وأنا أُرهف السمع لأتبين حقيقة الأمر.. كانت الحركة الخفيفة للريح لا تزال تشوِّش على الصوت فيصل أذنيَّ غير واضح، ثم بدأ الصوت يتضح شيئاً فشيئاً.. هل سكنت الريح تماماً أم أن مصدر الصوت يقترب من منزلي؟.. وارتسمت صورة مرعبة في خيالي: «شخصٌ ما مطعون بخنجر والدماء تسيل على ثيابه بغزارة من موضع الطعنة.. ويقترب مترنحاً من منزلي مطلقاً أنيناً قوياً، وعيناه متسعتان في رعب، ثم يطرق الباب بيديه الملوثتين بالدماء طلباً للمساعدة و ... » . هززت رأسي بقوة لأنقض عن خيالي هذا المشهد المرعب الذي أفلح في إدخال الخوف إلى نفسي، وجعل ضربات قلبي تتزايد.. تبسمت ساخراً من نفسي ومن تصوراتها الساذجة، وعدتُ أُنصت باهتمام إلى الصوت الخافت.. الصوت الذي يشبه الأنين.. أنين إنسان يُحتضَر.. الآن أصبح الصوت واضحاً تماماً.. إنه.. صوت.. قطة.. نعم.. صوت قطة تموء في ألم وفي تتابعٍ حزين. تُرى هل هي جائعة؟ أم فقدت وليداً لها فهي تبكيه بكاء الثكلى؟ لم أسترسل كثيراً مع هذه التساؤلات وإنما نهضت لاستطلع الأمر بنفسي.. فتحت الباب الخارجي لمنزلي بهدوء.. ألقيت نظرة حذرة عن يمين ويسار. الإضاءة ضعيفة للغاية في الشارع. معظم أعمدة الإنارة مصابيحها معطلة مما نشر حولها بقعاً مظلمة.. أما المصابيح التي تعمل فضوؤها أصفر شاحب لا يكاد يبين.. فجأة تنبهت إلى الصمت التام حولي.. لقد سكنت الريح تماماً واختفى صوت القطة.. هل خافت مني فاختبأت في مكانٍ ما ولزمت الصمت؟ ضاقت عيناي وهما تجوبان الشارع شبه المظلم بحثاً عنها و.. والتقت عيناي بعينيها.. كانت عيناها كجمرتين متوهجتين تبرزان من كتلة سوداء. هل هي قطة أم مخلوق آخر؟ * * * * * أثار هذا التساؤل رجفة خفيفة في جسدي؛ فقد كنت متأثراً بقصص الجن إلى حد بعيد.. أخذت أحدق في القطة السوداء وقد ربضت على الخط الفاصل بين الظلام وبين الضوء الشاحب. وعادت القطة تموء بصوت واهن متتابع وعيناها تنظران نحوي في برود.. لماذا تموء بهذه الصورة؟ الجو بارد ولا شك في ذلك.. فهل هذا هو السبب؟ ربما.. وربما لأنها جائعة. أما إذا كانت تئن من البرد فيمكنني استضافتها في حجرتي الدافئة، إلا أنها لن تقبل ذلك؛ فهي قطة مشردة أَلِفتْ حياة الشوارع حيث الحرية والانطلاق ولن ترضى بأن تسجن نفسها في حجرتي حتى وإن كانت دافئة وبها أشهى الطعام.. ومن المؤكد أن رد فعلها سيكون عنيفاً إذا حاولت استضافتها رغماً عنها.. ستثور وتراوغ وربما تهرب بعيداً عني فلا أتمكن من مساعدتها.. أما إذا كانت جائعة، فالأمر يسير جداً سأحضر لها قطعة لحم مناسبة. وفي هذه اللحظة بدأت الريح تتحرك ثانية.. وهممت بدخول المنزل و.. وفجأة تسمرت قدماي مكانهما؛ فقد لمحت شيئاً أثار انتباهي في البقعة التي تشغلها القطة. استدرت بحذر.. ركزت بصري.. و.. وشهقت بقوة واتسعت عيناي في رعب هائل ودق قلبي بعنف.. وسرت قشعريرة باردة في جسدي كله.. وأحسست بشعر رأسي كله يقف.. كان ما أراه عجيباً.. عجيباً للغاية. كانت القطة تتضخم وتتضخم ثم تنكمش وتنكمش في تتابع مخيف.. جفَّ ريقي تماماً وارتعشت ركبتاي، وضغط الخوف على جسدي حتى شعرت بأنني لا أقوى على الوقوف.. وتجمدت تماماً في مكاني غير قادر على الحركة.. وعادت تموء بقوة وهي تتضخم ثم تنكمش في تتابع سريع.. تلاحقت أنفاسي من شدة الرعب.. وغمرني عرق بارد.. ثم.. ما هذا؟ في هذه اللحظة حانت مني التفاتة إلى مصباح أحد الأعمدة قريب من موضع القطة السوداء يتأرجح بفعل الريح ولاحظت وجود علاقة بين حركة المصباح وتضخم القطة وانكماشها و.. وفهمت الأمر كله.. يا لخيالي الجامح. نعم! كان خيالي جامحاً يصور لي أشياء لا وجود لها؛ فلم تكن القطة شبحاً مخيفاً يتضخم وينكمش وله أنياب طويلة وعينان دمويتان، كل هذا مجرد خيال غذاه الاجتهاد وقلة النوم وضبابية الرؤية.. وكل ما في الأمر أن المصباح الذي يتأرجح بفعل الريح كلما اقترب ضوؤه من القطة صنع لها ظلاً كبيراً على الحائط الذي خلفها وكلما ابتعد انكمش الظل إلى حجمه العادي، ومع شعوري بالإرهاق لعدم النوم حتى هذه الساعة المتأخرة كان من الطبيعي أن أتصور الأمر على غير حقيقته. هكذا تبينت الأمر فتنهدت في ارتياح وهززت رأسي في تعجب وسخرية من خيالي الجامح المشوَّش.. عاد تنفسي إلى معدله الطبيعي، وانتظمت ضربات قلبي وشعرت بالهدوء والراحة كمن أزاح عن صدره حملاً ثقيلاً، وقبل أن أدخل المنزل ألقيت نظرة سريعة على القطة ولكن.. ولكنها كانت قد اختفت.. اختفت تماماً. * * * * * دارت عيناي في المكان.. لا أثر لها.. تبخرت.. وقبل أن تصيبني خيبة الأمل لفقدها عاد مواء القطة الواهن المتتابع مرة ثانية.. أرهفت سمعي لأحدد مكانها.. إنها هناك.. في موضع شديد الظلمة لهذا عثرت عليها بصعوبة.. وقبل أن تختفي مرة ثانية أسرعت للداخل وأحضرت قطعة لحم وضعتها على ورقة نظيفة، ولأنني لم أتناول عشائي حتى هذا الوقت المتأخر فقد تحركت شهيتي وتحرك معها شعوري بالجوع.. ولست أدري لماذا توقفت على باب منزلي وطرحت على نفسي هذا السؤال: لماذا أصنع كل هذا من أجل قطة ضالة لا يعنيني من أمرها شيء؟! لقد خرجت من حجرتي الدافئة إلى الشارع حيث الريح الباردة.. وعرَّضت نفسي لخوف قاتل من شبح موهوم، والظلام من حولي مخيف؛ ليس هذا فحسب بل آثرتُ القطة على نفسي بقطعة اللحم لتأكل هي.. ابتسمت بامتنان حين جاءتني الإجابة من أعمق أعماقي: إنها عاطفة الرفق بالحيوان التي غرستها في نفسي تلك المحاضرة الشيقة الموسومة بـ «حقوق الحيوان في الإسلام» والتي ألقاها أحد العلماء بمسجد القرية الرئيس.. ما زلت أذكر ذلك الحديث النبوي المؤثر.. امرأة دخلت النار لأنها حبست قطة فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها حرة تأكل من خشاش الأرض، وامرأة عاهرة غفر الله لها ذنوبها وأدخلها الجنة لأنها سقت كلباً أشرف على الموت من شدة العطش. في ديننا أصبح للحيوان حقوق على الآدميين. سبحان الله! انتزعت نفسي من أفكاري هذه واتجهت مباشرة نحو القطة السوداء.. ها.. سوداء؟ قفز إلى ذهني قول مأثور يحذر من القطط السوداء بالليل؛ فهي الهيئة المثالية التي يتلبَّس بها الجن إذا أرادوا أن يظهروا للبشر. ترى هل هذه القطة إحدى الجن؟ يا إلهي ماذا أصنع؟ هل أرجع إلى منزلي؟ .. ربما تكون قطة عادية.. آه.. ماذا أفعل؟ بعد فترة من الجمود والصمت والحيرة توجهت لموضع القطة وليكن من شأنها ما يكون وأنا أتمتم بدعاء مأثور: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» اقتربت منها.. اقتربت أكثر وأكثر وهي ثابتة مكانها.. وعيناها تراقباني في برود ولا مبالاة؛ ومع حركة الريح سقط ضوء المصباح على القطة فرأيتها بوضوح.. كانت سوداء قاتمة شديدة الهزال كأنها لم تأكل منذ أسابيع.. لعل هذا هو السبب في موائها الضعيف.. أصبحت في مواجهتها تماماً.. اندهشت عندما وجدتها ساكنة مكانها لم تتحرك بل لم ترفع رأسها نحوي.. هل استسلمت لي؟ .. ظلت جامدة لم تبدِ أيّ انفعال نحو قطعة اللحم وكأنها فقدت حاسة الشم، بل لعلها فقدت حاسة البصر أيضاً فعيناها تشبهان عيني الأعمى باردتان ومثبتتان في اتجاه واحد.. دفعتها بيدي برفق لأستحثها على الحركة فانقلبت على جانبها مفتوحة الفم وقد رفعت إحدى قدميها الأماميتين قليلاً وفقدت عيناها بريق الحياة.. لقد ماتت من الجوع؟.. سبحان الله!

стр. 5409

مرصد الأحداث أحمد فهمي أقوال غير عابرة - «دمَّروا بيوتنا فتركناهم يدمِّرون بيوتهم بأيديهم» شعار رفعته المسيرة التي قام بها آلاف من أنصار حماس احتفالاً ببدء إخلاء مستوطنات قطاع غزَّة. [الوطن، ١٧/٨/٢٠٠٥م] - «يبدو أن إسرائيل تريد أن تغلق غزَّة ثم ترمي بالمفتاح بعيداً» . [صحيفة الإنديبندنت البريطانية، ١٦/٨/٢٠٠٥م] - «يمنح الأمريكيون (١٥) سنتاً يومياً للشخص في معونة تنمية رسمية.. إنهم الأخيرين تماماً بين (٢٢) بلداً مانحاً» نيكولاس كريستوف الكاتب في نيويورك تايمز. [فورين بوليسي مايو/ يونيو ٢٠٠٥م] - «معارضو مبارك يتعيَّن عليهم أن يحصلوا على موافقة أعضاء حزبه قبل أن يُسمح لهم بترشيح أنفسهم ضدَّه في الانتخابات» الصحفي البريطاني البارز روبرت فيسك. [البي بي سي، ٢٠/٨/٢٠٠٥م] - «أغلب الكاريبيين يعتنقون الإسلام؛ لأنهم يجدون فيه ضالَّتهم التي يستطيعون من خلالها أن يحسُّوا بالأمل ويجدوا معنىً لحياتهم» . [صحيفة الجارديان البريطانية، أغسطس ٢٠٠٥م] - «خلال (٢٤) سنة لم نقترب أبداً من التغلغل في المكتب السياسي السوفييتي، أو هيئة موظّفيه، وهي مهمة أسهل كثيراً من التغلغل في الخلايا الإرهابية الصغيرة» ملفين أ. غودمان، زميل رفيع. [مركز السياسة الدولية واشنطن السياسة الخارجية، العدد ١٨٣] - «أربع سنوات من المقاومة غلبت عشرَ سنوات من المفاوضات» أحد عناصر حماس في تصريح صحفي خلال احتفالات انسحاب الاحتلال من غزَّة. [وكالات، ١٦/٨/٢٠٠٥م] - «سياسة الولايات المتحدة النووية الحالية غير أخلاقية، ولا شرعية، وغير ضرورية من الناحية العسكرية، وخطرة بشكل مرعب» روبرت س. مكنمارا، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (١٩٦١م - ١٩٦٨م) . [موقع www.foreignpolicy.com] - «إننا لم نعد نناقش الفوائد من وراء غزو العراق؛ وإنما نناقش فوائد مغادرة العراق» لورنس إف كابلان رئيس التحرير في مجلة «ذا نيو ريبابليك» الأمريكية. [السياسة الخارجية، العدد ١٨٤] - «شارون شجاع وجريء، لديه القوة والتصميم والقدرة والمفهوم الأمني حول كيفية صنع السلام» الرئيس المصري حسني مبارك في حديث مع يديعوت أحرونوت. [الزمان، ٢٠/٨/٢٠٠٥م] - «هنالك ترجيح يفوق نسبة (٥٠%) بوقوع هجوم ذري على أهداف في الولايات المتحدة خلال عقد» . [وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ويليام ج. بيري يتحدث في اجتماع للأكاديمية القومية الأمريكية للعلوم، يونيو ٢٠٠٥م]

стр. 5410

الإرهاب الفكري وخطره على الأمة عبد الله بن نافع الدعجاني عانت الأمة الإسلامية طويلاً من أزمات حضارية متعددة، كانت سبباً رئيساً في تخلفها وضعفها، وهيمنة أعدائها عليها، وجوهر هذه الأزمات الحضارية الخانقة تكمن في الفكر لا في الوسائل؛ إذ إن الأمة الإسلامية تمتلك من وسائل النهضة، وأدوات الحضارة ما يؤهلها لقيادة العالم كما كانت سابقاً، وهذا التشخيص للأزمة الحضارية في العالم الإسلامي، هو ما أفصح عنه المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي؛ إذ يقول: «إن أزمة العالم الإسلامي منذ زمن طويل لم تكن أزمة في الوسائل، وإنما في الأفكار ... » (١) . ومن أعظم الأزمات الفكرية الضاربة بجذورها الغليظة في عمق الحضارة الإسلامية هي مسألة «الإرهاب الفكري» ، ذاك الناب الحاد الذي مزق فكر الأمة، والمخلب البشع الذي جرَّح وجهها الحضاري، وما تزال الحضارة الإسلامية مثخنة بالجراح من جراء آثاره الخطيرة الذي ذاقت منه الأمرَّين. إنه «الإرهاب الفكري» الذي قمع كل قول يخالف سلطته الدينية، أو ينازع قوته السياسية، كما مارسه الإرهابيون الأُوَل بقولهم: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . إنه ذلك الأسلوب نفسه الذي يمارس تسفيه وتحقير كل رأي لا يوافق هوى آبائه أولاً، أو لا يناسب ذوق أجداده؛ إذ قد قال أصحابه قديماً: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس: ٧٨] . إنه الأسلوب الذي يغتصب العقول قسراً، ويرغمها على موافقة عقله، وتأييد رأيه؛ فلقد قال أستاذه سلفاً: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] . وما تزال معركة المصلحين مع مسألة «الإرهاب الفكري» قائمة لا يهدأ سُعارها، ولا يخبو شررها؛ ذلك لأن «الإرهاب الفكري» شديد الصلف، كثير السرف، نزق طائش؛ فما من وسيلة قذرة إلا استعملها؛ فها هو ذا يجيِّش جيوشه، ويجمع جموعه من المتملقين والمتمصلحين والغوغاء والرعاع لقمع الرأي الذي لا يراه، ولقطع اللسان الذي لا يعجبه، حتى يخيل للبسطاء السذج أن الناس قد أجمعوا على قوله، وما هو صنيعة إرهابه، وثمرة مكره؛ وذلك مثل ما وقع في «فتنة القول بخلق القرآن» تحت دعوى «تنزيه الخالق» وما تفعله أمريكا الآن باسم «مكافحة الإرهاب» وما سيقع مستقبلاً تحت شعارات مبهمة مجملة لا خطام لها ولا زمام. وإذا أخفق الإرهاب الفكري في تلك الوسيلة القذرة جرّب وسيلة السجن والتهجير والإبعاد والنفي، وما له ألاَّ يفعل وهو المطاول المختال البذَّاخ الشمَّاخ؟! وهذا عين ما حصل لبعض من قاومه من أئمة المسلمين المجاهدين: كابن تيمية، وابن حزم، وابن الوزير، وأمثالهم ممن قبع في سجون «الإرهاب الفكري» ومعتقلاته. فإذا كبرت غلظته وعظمت شراسته، وضاقت به حيله جرب وسيلة للقمع بالغة الحقارة والدناءة، وسيلة القتل والتصفية الجسدية، وما له ألاَّ يفعل وهو الكريه النفس، الغليظ الطبع، القاسي القلب؟! فالقتل آخر وسائله الدنيئة وأحقرها، القتل بأي كيفية وعلى أي صفة إما رجماً كما هُدد به نوح ﵇، وإما صلباً كما هُدد به سحرة فرعون المؤمنون، وإما حرقاً كما أُريد بإبراهيم ﵇. إن العلماء الأحرار والمصلحين الأبرار هم من يتصدى لهذا الطوفان الهائج، والشيطان المارد، مستندين في ذلك إلى موقف الإسلام من الفكر الحر؛ فلقد كان أُسّه وأساسه تحرير العقول والنفوس من عبودية غير الله، وبناءً على هذا الأساس مع أتباعه بالحرية في كل قول، وفي كل فكر بنَّاء؛ فقواعده تقرر أصالة الإباحة في كل شيء، ومقاصده تؤكد على حرية الإنسان في فكره، ما لم يصادم ضرورة من ضرورات الإسلام القطعية، وهذا القيد قيد عادل؛ لأنه من لوازم العقد المبرم بين المسلم وربه، المتمثل في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ؛ فالعدالة تحتم علينا الوفاء لهذا القيد، وعدم تجاوزه ما دمنا مسلمين؛ ولذلك جاءت السنَّة المطهرة مؤيدة لتلك الحرية الفكرية بقول النبي ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» (١) . وقد استنبط العلماء من هذا الحديث قاعدة فقهية جليلة ترسخ مفهوم الحرية الفكرية بقولهم: «الاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد» (٢) . ولبشاعة «الإرهاب الفكري» في التعاليم الإسلامية نفَّر منه الإسلام، حتى مع المخالفين له جذرياً، وهذا القرآن الكريم مليء بالمناظرات العلمية مع خصومه في جو تسوده الحرية والأمن الفكري؛ إذ يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] . بل نهى الله المؤمنين عن أدنى درجات «الإرهاب الفكري» في مناظراتهم لأهل الكتاب؛ إذ يقول: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] . وهكذا سيرة المصلحين مع خصومهم، كما هي سيرة علي ﵁ مع الخوارج لما ناظرهم بنفسه، وبواسطة عبد الله بن عباس مناظرة تبعث الطمأنينة في النفوس على قاعدة «الأمن الفكري» ، وهذا مع شدة صلف الخوارج وعنادهم، وحاشا أمير المؤمنين علياً أن يستعمل في حقهم وسيلة من وسائل «الإرهاب الفكري» فلم يقاتلهم لأجل فكرهم، بل قاتلهم لأجل اعتدائهم على المسلمين. وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الموصوف بالشدة في الحق يناظر (قدامة بن مظعون) في مسألة قطعية ضرورية، مناظرة هادئة مسامحة؛ ذلك لما استباح قدامة شرب الخمر مستدلاً بقوله ـ تعالى ـ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذَا مَا اتَّقَوْا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣] . فقال له عمر: «إنك أخطأت التأويل يا قدامة! إذا اتقيتَ الله اجتنبتَ ما حرم الله!» (٣) . هكذا بكل طمأنينة وهدوء. وقد ضرب الإمام مالك ﵀ أروع الأمثلة في نبذ «الإرهاب الفكري» لما رغب أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على العمل بكتابه (الموطأ) ، عندها قال الإمام مالك: «يا أمير المؤمنين! لا تفعل! فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم ما سبق إليهم ... » (٤) . وهذا موقف من إمام دار الهجرة يمثل صورة مشرقة في التعامل الحضاري الرفيع. ويبلغ «الإرهاب الفكري» مداه حينما تحتضنه قوة التحالف المكونة من الاستبداد السياسي والديني، ذاك التحالف المشؤوم الذي أخاف السبيل، وهتك حرمة الدليل، وانتهك المحارم، وارتكَب العظائم، كل ذلك من أجل مصالحه الشخصية ومآربه الضيقة. وكما كان في الغرب ممثلاً في الكنيسة والإقطاعيين؛ فهو اليوم عندنا ممثل في بعض العلماء، والحكومات المستبدة التي لا يقيدها قانون ولا يلجمها نظام؛ ففقهاء من ذلك القبيل يمثلون القوة التشريعية لـ «الإرهاب الفكري» وحكام الاستبداد يمثلون القوة التنفيذية له، حتى أصبح «الإرهاب الفكري» إحدى الأيدي الباطشة لأخطبوط الاستبداد، ولطالما طالت تلك اليد الغاشمة المجاهدين من العلماء والمصلحين، وما بروز مصطلح «الوشاية» في ثقافتنا العربية إلا من أثر هذا التحالف المقيت، بل أصبح هذا المصطلح محفوراً في ذاكرة تاريخ سير هؤلاء العلماء والمصلحين؛ فهذا الإمام مالك ﵀ أحد ضحايا لطمات تلك اليد القاسية، وذلك لما وُشِيَ به إلى أبي جعفر المنصور أنه لا يرى صحة إيمان بيعة السلطان بالإكراه، فجُرِّدَ من ثيابه، وضُرِب بالسياط، ومُدَّتْ يده حتى انخلعت كتفه (١) . وقد يكون الجهل المركّب حليفاً لهذا التحالف الظالم، فيلتقي معه في كراهية الدليل والبرهان والحجة، ويفترق معه في درجات الشيطنة؛ فشيطان «الإرهاب الفكري» قابع في أغوار نفس الجاهل جهلاً مركباً، يهيج عندما يُذَمُّ التقليد أمامه، ويُزْعَج عندما تحاول أن ترتقي به فكرياً بأسلوب العلم الرفيع، عندها يثور ذاك الشيطان من قمقمه، كما ثار على المجاهد المصلح المظلوم محمد بن إبراهيم الوزير، فاعتزل قومه وفي ذلك يقول: أعاذل دعني أرى مهجتي أزوف الرحيل ولبس الكفن وأدفن نفسيَ قبل الممات في البيت أو كهوف القنن (٢) وما زالت مسيرة البذل والتضحية في تمزيق هذا التحالف الجائر زاخرة بمواقف الدعاة المصلحين: كموقف أبي حنيفة، وأحمد، والبخاري، وابن حزم، وابن تيمية، وابن الوزير وأمثالهم، عليهم رحمة الله (٣) . إلا أن آثار ذلك التحالف الباغي على الفكر الحضاري للأمة مؤلمة لطول زمنه الجاثم على فكر الأمة وحضارتها؛ فقد أضرم البلاد ناراً، وأسعرها بالجور إسعاراً، وأحوج أهلها إلى الجلاء والتفرق في البلاد، ولعلِّي في هذه العجالة أُعدد بعض آثار الإرهاب الفكري المدمرة على الحضارة الإسلامية، فمنها: ١ ـ ترسيخ مفاهيم الاستبداد في المجتمع المسلم، حتى تصبح ثقافة سائدة في السياسة والدين، والبيت، والشارع، والجامعة، وفي كل نواحي الحياة، وهذه أخطر آثاره المدمرة. ٢ ـ ترسيخ المفاهيم المغلوطة في نفوس البشر، وتزويق الباطل، وتصويره بصورة الحق الذي لا يقبل النقاش؛ وذلك ما حصل في «فتنة القول بخلق القرآن» . ٣ ـ زرع الالتباس في أذهان الناس بين الأحكام الشرعية والأحكام الوضعية؛ فأعلاها أن يلتبس على العوام الفرق بين الحاكم والإله، كما حصل لقوم فرعون، ولأتباع الحاكم بأمر الله العبيدي المعروف بالفاطمي، ومن صور هذا الأثر السلبي في أحكام «الإمامة العظمى» بين الحق الذي أراده الله، والباطل الذي أراده الاستبداد. ٤ ـ قمعه للإبداع الفكري، وهذا ما حصل للفكر في أعقاب زمن الحضارة الإسلامية؛ فقد مرت على الأمة قرون كان الاجتهاد فيها محرماً؛ ونودي فيها بإقفال بابه. ٥ ـ ازدهار سوق النفاق والتملق في عهد ذلك التحالف المشؤوم؛ إذ هو عدو لدود للصدق والصفاء والنقاء. كما كان هو الفلاَّح المشؤوم الذي زرع الجبن والخور والكذب في نفوس أُسرائه، ومن لطيف ما يرويه التاريخ لنا أن رجلاً دخل على المهدي (أحد خلفاء بني العباس) فوجده يلعب بالحمام، فساق في الحال حديثاً يتلمس به رضا سيده، وهو أن النبي ﷺ قال: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح» فزاد «أو جناح» كذباً ونفاقاً (٤) . فقاتل الله الاستبداد والاستعباد الذي لا تكاد تفقده عند المطامع المردية والمآكل اللئيمة والمعايش المخزية، وإني في الختام أدعو علماء الأمة ومثقفيها وقراءها وحكماءها إلى المساهمة في مشروع نهضوي فكري، عنوانه «مكافحة الإرهاب الفكري» . وذلك بالسعي إلى الإصلاح الديني، وتنقية المفاهيم الشرعية من علائق وشوائب الاستبداد؛ فالإصلاح الديني أقرب طريق للإصلاح السياسي، والإصلاح السياسي هو المؤثر إيجاباً وسلباً على النواحي الحضارية الأخرى، مثل: الاجتماعية، والاقتصادية، والعلمية، كما أنني أدعو إلى تجديد ثقافة الحوار المبني على قاعدة «الأمن الفكري» ؛ فما أجمل الإعذار والتسامح مع الفكر ما دام أنه يدور في فلك الشريعة، لا يصادم ضروراتها، ولا ينتهك قواعدها القطعية! وما أقبح «الإرهاب الفكري» حتى مع المخالفين لنا جملة وتفصيلاً!

стр. 5411

لماذا ندرس التاريخ ؟ إبراهيم بن سعد الحقيل يقول القاضي الأرجاني: إذا علم الإنسان أخبار من مضى توهَّمْتَه قد عاش من أول الدهرِ خلق الله الإنسان وجعل له عمراً لا يساوي شيئاً في مقابل الأزمان والعصور التي عاشها أسلافه منذ بدء الخليقة. هذه الأزمان الطويلة ولَّدت لدى الإنسان حنيناً إلى معرفة ما كان عليه أسلافه، وكيف كانت حياتهم، والأحداث التي أثرت على حياتهم وغيرت مجرياتها؛ لذلك تولد علم التاريخ. وهو من العلوم القديمة قِدَم الخليقة، نُقل بالرواية حتى عرف الإنسان الكتابة فدوَّنه، واهتمت به الأمم فلا تجد أمة تحيا من دون تاريخ. يقول ابن الأثير (١) : «لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية، ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية يحتقر التواريخ ويزدريها، ويُعرِض عنها ويلغيها ظناً منه أن غاية فائدتها إنما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار؛ وهذا حال من اقتصر على القشر دون اللب نظره، ومن رزقه الله طبعاً سليماً وهداه صراطاً مستقيماً علم أن فوائدها كثيرة ومنافعها الدنيوية والأخروية جمة غزيرة» . ويقول ابن خلدون (٢) : «إن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جَمُّ الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم والأنبياء في سِيَرهم، والملوك في دولهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يروم أحوال الدين والدنيا» . وقد نحا المسلمون في تاريخهم منحى شرعياً حين ربطوه بالقضاء والقدر، واعتقدوا الحكمة الإلهية في حوادثه سواء كانت خفية أو ظهرت وتبينت. أسباب دراسة التاريخ والفوائد المرجوة من ذلك: - أخذ العظة والعبرة: لقد ورد في القرآن الكريم تاريخ كثير؛ فقد قص علينا قصصاً كثيراً عن الأنبياء والمرسلين، والطغاة المتجبرين أبانت حال المرسلين ﵈ وما كابدوا من مشقة وعنت وتكذيب واستهزاء وقتل في سبيل إيصال الرسالة الإلهية إلى الخلق. وما آل إليه مصير المكذبين؛ فقد سلط الله عليهم العقوبات الدنيوية التي أهلكتهم شر مَهْلك، فصاروا مثلاً لمن بعدهم. يقول شعيب ﵇ محذراً قومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] ، ويقول ـ سبحانه ـ محذراً الكافرين: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] . كما بين ـ سبحانه ـ مصير الطغاة والمتجبرين كفرعون وهامان وقارون؛ فهذا فرعون بعد أن أدركه الغرق وحانت ساعة الاحتضار وهو في ذل وصَغار يقول ـ تعالى ـ في شأنه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] ، بعد أن كان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ . [النازعات: ٢٤] . وبين ـ سبحانه ـ ما جرى للأمم المكذبة في مواضع كثيرة من القرآن. فمن عرف مصير الطغاة والمتجبرين وما جرى للأمم السابقة المكذبة اتعظ وأخذ العبرة إذا كان ذا لب. وفي التاريخ كَمٌّ هائل من الحوادث التي حطَّتْ العالي وأنزلته من ذراه إلى الذل والمهانة؛ فهذا مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية بعد أن كان خليفة أمرُهُ مطاع يُلاحَق ويُقتل، فتسرع هرة إلى لسانه فتآكل هذا اللسان الذي كان يأمر وينهى، فأصبح في فم هرة تلوكه، ويقول عن ذلك القائد عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس الذي حُمل إليه رأسه (١) : «لو لم يُرِنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ذلك» . أما محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم والواثق مَنْ كان له الأمر والنهي فيُلقى في تنور مليء بالمسامير، فلا يستطيع أن يتحرك، وتوقَد عليه النار مرة بعد مرة حتى يَهْلك في قعر هذا التنور الذي أعده ليعذب به أعداءه ومن لا يثق فيهم ممن هم حوله وحول الخليفة (٢) . وشاه إيران (محمد رضا بهلوي) الذي اكتوى بظلمه وجبروته الملايين يصبح طريداً بين البلدان كلٌّ يرفضه ولا يود استقباله، فيموت حسرة وندامة قبل أن يموت حقاً. والأمثلة كثيرة متوافرة في كتب التاريخ. يقول ابن الأثير عن ذلك (٣) : «إن الحكام ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سِيَر أهل الجور والعدوان رأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر وقبيح الأحدوثة، وخراب البلاد وهلاك العباد وذهاب الأموال وفساد الأحوال استقبحوها وأعرضوا عنها واطَّرحوها. - عظمة الله : من قرأ التواريخ وجد أن مصرِّفها عظيم حكيم يَدَعُ الظالم؛ فإذا أخذه لم يفلته وإن طال الزمان وكاد اليأس يدخل أهل الإيمان، كما أنه ـ سبحانه ـ رتب سنناً كونية فيها حِكَم بالغة، وعبر لا تتبدل بتبدل الزمان والمكان بل تعيد نفسها. فالدولة المتجبرة الظالمة لا بد أن تسقط وتدول وإن رأى الناس بُعد ذلك؛ فكم من دولة كانت تضم بين أجنحتها بلاداً كبيرة وخلقاً عظيماً؛ فلما طغت وظلمت نفسها ورعيتها وجيرانها سقطت وتفرق حكامها وأهلها شذر مذر، فلم يبق لنا منها إلا الذكر والأحداث المسطرة في بطون الكتب، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فالفراعنة بنوا حضارة لا زالت تبهر العقل بأهراماتها؛ أين هي؟ لقد ذهبت مع من ذهب وأصبحنا نتعجب من هلاكها واندثارها بمقدار تعجبنا من براعتها وعظمتها. وما الاتحاد السوفييتي منا ببعيد لقد هوى في ساعة كان الكل يعتقد بُعدها، وتفرقت دوله التي جمعتها الشيوعية الظالمة، وسيتبعه ـ إن شاء الله ـ دولة أصبحت ترى الظلم والعدوان حقاً لها ولا تأبه بغير مصالحها، فتذيق المسلمين صنوف القتل والدمار والذل والمهانة، وقد نرى ذلك بعيداً ولكنه قريب جداً بمقياس التاريخ. - حفظ هوية الأمة: إن هذا السبب من أهم أسباب دراسة التاريخ في هذا الزمان؛ فهذا التاريخ يحفظ هوية الأمة؛ فمن ليس له تاريخ فهويته مبتورة وليس له جذور؛ فالشجرة إن كانت من غير جذور لا شك أنها ستموت وتقتلعها الرياح، ونرى أثر ذلك فيمن تدثروا بلباس العصرية والإنسانية؛ فهم أصبحوا تابعين للغرب؛ لأنهم انْبَتُّوا عن تاريخهم؛ وهذا ما يريده ويسعى إليه الأعداء؛ ففي الشام أحيا لهم الأعداءُ الفينيقيين والكنعانيين فأصبحوا يفتخرون بهم وينتمون إليهم، بل يربطون حقوقنا في أرض فلسطين السليبة بهم. وفي مصر أحيا الأعداءُ الفراعنةَ بل نقبوا عن آثارهم وأصبحوا يسمون أهل مصر بأحفاد الفراعنة، وأصبحوا يتحدثون عن حضارة مصر ذات الخمسة آلاف سنة. وفي العراق تغنوا بالآشوريين وشريعة حمورابي التي يجعلونها أول قانون مدني على ظهر البسيطة، وتحدثوا عن الحضارة البابلية وغيرها من الحضارات التي قامت في العراق. وفي جزيرة العرب بعثوا ممالك اليمن من مملكة معين إلى مملكة سبأ. وفي المغرب العربي نفخوا الروح في القومية الأمازيغية وحرصوا على أن يدوِّنوا لغتهم وأن يوجدوا لهم تاريخاً قبل الإسلام، رغم أنهم مسلمون ويعدُّون أنفسهم عرباً كما يعدهم العرب منهم نظراً للتمازج الذي حدث بينهم منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً. وجميع ما أحيوا من تواريخ البلاد الإسلامية تواريخ أقوام طغاة ظالمين كانوا يشركون بالله فأهلكهم بذنوبهم فأصبحوا في ذمة التاريخ، ولكن كما يقال في المثل: «لأمرٍ ما جدع قصير أنفه» إنهم بهذا يقطعون صلتهم بتاريخهم المرتبط بالإسلام، ويحاولون أن يصلوهم بمن عاش في هذه الأرض في العصور الغابرة من الأمم الكافرة لينسلخوا من الإسلام، بل ليرتبطوا بالكفر ممثلاً في تاريخهم الجديد المزعوم. ونجد صدى ذلك ظاهراً في المناهج الدراسية التي تولي عناية كبيرة بتاريخ الأرض لا تاريخ سكانه. ففي مصر يدرس الطلاب تاريخ الفراعنة بشكل مطول في حين يُختزل التاريخ الإسلامي بدءاً من السيرة النبوية إلى التاريخ العثماني في صفحات عديدة لا توازي ما كتب عن الفراعنة أو القومية التي أطلت برأسها في أوائل القرن الماضي. وسارعت أمريكا إلى تغيير مناهج التاريخ في العراق حتى لا يُتخذ مظهراً للعداء لأمريكا أو أن يطغى عليها التشدد الديني والراديكالية المتطرفة، كما تريد أن يغدو منهج التاريخ في المدارس العراقية مركِّزاً على الأدوار الحضارية والاجتماعية، ودور العراق منذ القدم في بناء الحضارة الإنسانية (١) . هذه الأساليب الشيطانية أنتجت في مجتمعاتنا كل منبتٍّ عن دينه وأصله وتاريخه، فأصبح يتبرأ من حضارة الإسلام ليقع منتكساً في أحضان الحضارات الكافرة من أولها حتى الحضارة الغربية، ونتاجها كل فكر مسموم يهدم أساس المجتمع المسلم ينفثونه في كتبهم ومقالاتهم. وشاهدنا تركيا التي انسلخت من تاريخها الإسلامي الزاهر ونبشت ما يسمى تاريخاً للبدو الترك قبل إسلامهم وتكوينهم لدول عظيمة أهمها وأعظمها الدولة العثمانية. لقد تعلقوا بأوروبا؛ فهم منذ ثلاثين عاماً يطرقون أبواب الاتحاد الأوروبي فلم يقبلهم ولم يعترفوا بتاريخهم الجديد، فأضاعوا ماضيهم وحاضرهم. أما دولة المسخ دولة يهود فقد انتسخت لها تاريخاً من سراديب التاريخ تدرِّسه لأبنائها يقوم على صهينة التاريخ؛ بحيث تأخذ من التاريخ الإنساني ما يناسبها وتلبسه لباساً يهودياً يقوم على ادعاء الحق في فلسطين وغيرها، ووجوب بناء الهيكل (٢) . - الحكم على الدنيا: يقول ابن الأثير (٣) : إن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها ورأى تقلُّب الدنيا بأهلها وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها، وأنها سلبت نفوسهم وذخائرهم، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم تُبقِ على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غني عشقها وذاب فيها، ولا فقير زهد فيها وأعرض عنها وأقبل على التزود للآخرة، ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص» . فانظر إلى سيرة الرسول ﷺ ؛ ففيها المثل الأعلى على احتقار الدنيا. يقول ﷺ وقد دعاه أحد أصحابه إلى بعض اللين في العيش: «ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» (٤) . وهذا طلحة بن عبيد الله ـ رضوان الله عليه ـ يُؤتى إليه بمال كثير فيفرقه وهو في مجلسه ولم يبقَ معه قليل ولا كثير منه (٥) . أما عمر بن عبد العزيز فقد ترك الدنيا وترك معها أولاده وليس لهم مال وهو الخليفة وبيده الخزائن والأمر والنهي (٦) . والإمام أحمد بن حنبل ﵀ عرف الدنيا وحقارتها وأنها لا تساوي عند الله جناج بعوضة فأعرض عنها، وكان يعيش على الخبز رغم جوائز الخليفة التي يتمنى منه أن يقبلها. وما الإمام ابن باز، والإمام الألباني ـ رحمهما الله ـ ببعيدين عنا تركا الدنيا وهما لا يملكان من حطامها شيئاً، رغم أنهما يستطيعان جمع الكثير بدون سؤال. - قراءة الأحداث: ذلك أن أحداث التاريخ تتكرر؛ فهي سنن كونية تتكرر مرات ومرات؛ فما يجري أمامك لا شك أنه قد جرى نظيره قبل ذلك. يقول البيهقي (٧) : «لا توجد حادثة لم يحدث مثلها من قبل» . ويقول ابن الأثير (٨) : «إنه لا يحدث أمر إلا تقدم هو أو نظيره» . ويقول نيو توكررش (٩) : «إن التاريخ كله تاريخ الحاضر» . وفي عالمنا المعاصر نوقن أن نهاية الحضارة الغربية قريبة قرباً تاريخياً؛ فقد دفعت حضارات وإمبراطوريات كبيرة ثمن انغماسها في الشهوات والملذات واطِّراح الأخلاق، ناهيك عن التوحيد، كالإمبراطورية الرومانية، والبيزنطية، والفرعونية، كما هوت دول؛ لأنها تعجرفت وتجبرت وتعدت على غيرها ورأت أن لا شيء فوقها كما تفعل أمريكا اليوم في العالم. يقول ـ سبحانه ـ عن قوم عاد: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ . [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠] . فصب الله عليها شآبيب العقاب فأصبحت كأمسٍ الذاهب. ولا نشك لحظة أن التاريخ يعيد نفسه في صحوة الأمة ورجوعها إلى قيادة العالم نحو التوحيد والسلام؛ فقد أفاقت قبل تسعمائة سنة على غزو صليبي هادر أكل الأخضر واليابس، فلملمت أطرافها وطردتهم شر طردة، بل نقلت المعركة إلى عقر دارهم، فقرع أبطالها أبواب فيينا في معقل النصرانية الوثنية أوروبا، وها نحن اليوم نرى إرهاصات تلك الصحوة ولعلها تؤتي ثمارها قريباً فنرى المستعمر المتسلط المتبجح يهرب كما هرب من تسعة قرون. - التخلق بالصبر والتأسي بالصابرين: وهو سبب مهم؛ فالصبر حث عليه ديننا. يقول ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ، وإمام الصابرين نبينا محمد ﷺ . يقول ابن الأثير (١) : ومنها التخلق بالصبر والتأسي، وهما من محاسن الأخلاق؛ فإن العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرَّم ولا ملك معظم ولا أحد من البشر علم أنه يصيبه ما أصابهم وينوبه ما نابهم، ولهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد. ويقول الثعلبي (٢) : ومنها قصص التهذيب والتأديب لأمته ﷺ ، ومنها قصص التأسي بهم فيما أثنى الله عليهم به. وقد كابد المرسلون المشاق من تكذيب وامتهان وازدراء، وقتل منهم في سبيل الدعوة من قُتل؛ فهم الأسوة والقدوة لنا. وفي قصة يوسف ﵇ أكبر دليل على عاقبة الصبر؛ فقد صبر وتمنى السجن ودخله مدة حتى أذن الله بخروجه منصوراً مؤيداً. قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] . والتاريخ مليء بقصص الصابرين؛ فهذا الوزير المهلبي (٣) يتمنى الموت من الفقر والإقلال وسوء الحال فيقول: ألا موت يباع فأشتريهِ فهذا العيش ما لا خير فيهِ إذا أبصرت قبراً من بعيدٍ وددت لو انني مما يليهِ ويتمنى أن يأكل لحماً وكان معه صديق له فاشترى لحماً وأطعمه إياه، وتدور الأيام ويتولى المهلبي الوزارة والأمر والنهي حتى إن مائدته مليئة بأصناف الطعام ويأكل كل لقمة بمعلقة من زجاج. - معرفة نعم الله وتقديرها: من قرأ التاريخ وهو في دَعَةٍ علم مقدار ما قاساه من قبله من الشدائد وشظف العيش وكَلَب الزمان وانعدام الأمن والأمان، فلا بد أن يعرف مقدار نِعَم الله التي لا تحصى، فيقدرها بالشكر للمنعم الوهاب. ولذلك كان الصحابة ممن أدرك الشدة والعناء مستحضرين لها دائماً؛ فقد بكى سعد بن أبي وقاص ﵁ وقد رأى ما يعيش فيه وتذكر مصعب بن عمير ﵁ لمَّا لم يجدوا له كفناً يواري جميع بدنه (٤) . فقد مرَّت على البلاد المعروفة الآن بالسعودية والخليج قرون شداد، المعيشة قاسية، والأمن معدوم. كانوا يهاجرون للعمل في البلدان المجاورة والبعيدة أعمالاً يستنكفون منها الآن، فلما دار الزمان صب الله عليهم من نعمه فأصبحت بلادهم مطلب الكثيرين، ونعموا بسعة العيش ونضارته وبالأمن والاستقرار. فيجب عليهم شكر هذه النعم؛ لأن تاريخهم القريب إذا قرؤوهُ فلا شك أنهم لا يودون التفكير فيه ناهيك عن العيش فيه؛ فبالشكر تدوم النعم: ﴿وَإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] . - التشبه بالصالحين والأعلام: يقول السخاوي (٥) عن فوائد علم التاريخ: «التشبه بذوي المروآت والأجواد والوفاء والفرسان والشجعان» . إن من أسباب هداية الإنسان التأثر بغيره ممن سبقه من أهل الصلاح والتقوى والمروءة في جميع جوانب حياتهم؛ فإذا اطَّلع على سِيَرهم وأحوالهم تاق إلى التشبه بهم ومحاكاتهم فتحول إلى إنسان آخر، وهذا يساعد المربين فيجعلون التاريخ مدرسة تربوية ينهل منها المربون في كل زمان. فكم من مسلم تأثر بسيرهم وحاول أن يسير على خطاهم، وكم تأثر مسلم بضروب الشجاعة والإقدام التي يقرؤها، فترسخ فيه روح الحماس والشجاعة، لذلك حرص الناس بجميع مذاهبهم على السِيَر والتراجم، وصنف المسلمون فيها كتباً لا حصر لها.

стр. 5412

رؤية حول: العدمية وما بعد الحداثة مبارك عامر بقنة منذ أن انفلت العالم الغربي من عقال الدين وخاصة بعد ما سمي بعصر التنوير، أصبح يرتاد بعقله في كل شيء: المعقول وغير المعقول، فصار ينتج أفكاراً وفلسفات متناقضة متعارضة؛ فلا يكاد يرفع من قيمة فلسفة حتى يبادر بنقدها بعد قليل ويدعو إلى هدمها، إضافة إلى تعدد الرؤى الفلسفية وتناقضها بالنسبة للشيء الواحد؛ فليس عندهم شيء ثابت، ولا تكاد تعثر على رأي متفق عليه في النظر إلى هذه الفلسفات، حتى من جهة التعريف بها، وفي هذه الأجواء تُكتب هذه المقالة. العدمية لقب ينطبق على فلسفات متطرفة متنوعة تشكل النهاية المنطقية لمعظم الفلسفات الإنسانية الغربية الحديثة. وهي ـ كما يعرفونها ـ حالة نفسية وجودية يمارسها الشخص، تقوم على رفض كل شيء من (اللاهوت إلى الفكر العلماني) ، أو بعبارة أخرى: هي الاعتقاد بلا شيء؛ فالإيمان والقيم الإيجابية تنعدم وتتلاشى في العدمية؛ فلا يوجد فرق بين الوجود الإلهي وعدمه، ولا يوجد هناك مطلق أو أي أرضية موضوعية للحقيقة وخصوصاً الأخلاق الحقيقية الفاضلة؛ فكل شيء مباح ولا اعتبار للأخلاق مطلقاً. والأمر الآخر التي ترفضه العدمية هو الإيمان بالغاية النهائية؛ إذ لا يوجد لديهم دليل يثبت أن الكون ذو هدف ويعمل لغاية؛ فالعدم نهاية الوجود. والدين عند العدميين يعتبر خطراً أساسياً على الفرد والمجتمع؛ لأنه يعطل العقل، ويلوِّث الفِطَر السليمة، ويفسد التحليل النقدي. فالدين يقول: اعمل ما أقول لك؛ لأني قلت ذلك فقط. فالأشياء التي لا يمكن إثباتها تحتاج إلى الدين. - شيطان العولمة ماذا يقول؟ وقد لخص ـ شيطانهم ـ «نيتشه» العدمية فيما يدعيه بـ «موت الإله» و «سقوط القيم العليا» . فكل القيم والأخلاق الحديثة برمتها خاطئة وغير قابلة للتطبيق والتقدير. والإنسان هو الذي يجعل هناك اختلافاً بين الخير والشر، والحق والباطل؛ فالعدمية جبرية صرفة؛ فهي تنفي قدرة الإنسان وإرادته، وتجعله كالقشة تحركها الرياح كيف تشاء؛ ولهذا فنحن لسنا مسؤولين عما نفعل. فكل شيء نعمله أو نفكر فيه أو نشعر به هو فقط نتيجة لأسباب مسبقة ـ ولا يهم هل هذه الأسباب المسبقة هي أعمالي وأفكاري ومشاعري الماضية ـ وهذه الأسباب المسبقة ستؤثر على الأسباب التالية. ولو أننا تتبعنا أثر السلسلة أكثر فأكثر فإننا سوف نصل إلى هذه الأسباب التي هي خارجة عنا تماماً كالبيئة والوراثة؛ فنحن لا نملك حرية الإرادة؛ فليس هناك معنى للخير والشر؛ لسببين: أولاً: لأننا لسنا مسؤولين عن أعمالنا؛ ولذلك فأنا لا أمدح ولا أذم على الخير والشر. ثانياً: لأننا لسنا مسؤولين عن أفكارنا، فليس لدينا أي ثقة، أن عقلنا سيقودنا إلى الحقيقة لمعرفة الخير والشر. وهنا تظهر محاولة العدميين في إسقاط وإلغاء إرادة الإنسان وقدرته على توجيه ذاته والسيطرة على أفكاره وسلوكه كي يكون مسوغاً في أن يفعل الإنسان ما شاء دون رقيب من ضمير، أو سيطرة من سلطة عليا تحول بينه وبين شهواته. وهذه العدمية المقيتة التي تنافي الإدراك والحس؛ جعلت العدمي يشعر بعدم الرضا والارتياح، ولذلك هو يبحث عن الأسباب التي تجعله يعتقد بعدم وجود الإله. فالذنوب التي نقترفها تشكل مشكلة مع حالة علمنا بوجود الإله؛ لذلك يتجه العدمي إلى أن يجعل نفسه في حالة جهل؛ فيتجه للشك في وجود الإله. فالعدمية شكِّية أساساً في كل شيء: في الإله، والعالم، والحياة. وللعدمية في الغالب تصنيفان: الأول: عدمية هامدة (العدمية الاجتماعية) وهي في الغالب ما يُصطلح عليه بالوجودية. والعدمي الهامد عادة ما يُلازَم بأمزجة يأس، وحالات تدميرية عشوائية، وهي تنكر ـ في شكلها الوجودي المتطرف ـ الحياة نفسها بسبب مظهرها اللامعنى. والانتحار عند نيتشه هو «عمل العدمية» . فالعدمية الهامدة هي قبول عالم دون معنى باستسلام يائس. الثاني: عدمية نشطة (العدمية السياسية) وهي محاولة للقضاء على كل القيم بما في ذلك القيم المتصلة بالعالم الحق. فالعدمية النشطة تبحث في تدمير التصنيفات الموروثة المتبقية للقيم. وهي شكل العدمية الراديكالية. و (نيتشه) يمثل العدمية النشطة في هجومه على كل الأديان والأخلاق والقيم، وكذلك الإله والغيب والحقائق والعواطف والإنسانية، والتمييز بين الحق والشر والحق والباطل. والعدمية النشطة تؤدي إلى العدمية الكاملة والتي تتحقق عندما لا يكون هناك أي قيمة تذكر. فالعدمية الكاملة هي التدمير الكلي لجميع القيم. وإذا تحققت العدمية الكلية فإنه بالإمكان التخلي عن العدمية وإيجاد تصنيفات جديدة للقيم والتقدير. فعندهم غياب كل الموروثات والقيم الدينية يتيح الفرصة لعصر جديد بقيم جديدة، قيم بارزة تطبق على هذا العالم تستند على تأسيس متين لقدراتنا الإبداعية، والتي تشكل عصراً جديداً للتقدم الإنساني بعد انتصار العدمية. ووفقاً لـ (نيتشه) فالحداثة تتميز من قبل مجيء العدمية الراديكالية؛ فالتاريخ بعد قرنين سيكون تاريخاً للعدمية النشطة المتطرفة. والنقطة الحرجة لتفسير الحداثة عند (نيتشه) هي إمكانية انتصار العدمية أي (إعادة تقييم كل القيم) . - العلاقة بين العدمية وما بعد الحداثة: إن المُنظِّر الأساسي للعدمية في العصر الحديث هو (نيتشه) وهو أيضاً واحد من المتقدمين الأساسيين لنظرية (ما بعد الحداثة) في التراث الفلسفي الغربي. وهذا يعني أن تفكير (نيتشه) يضم عناصر كبيرة مما يسمى (ما بعد الحداثة) . وتوصيف نظرية العدمية وربطها بـ (ما بعد الحداثة) أمر في غاية الصعوبة، وخصوصاً أن (نيتشه) إنسان غامض ونظريته ـ كباقي النظريات ـ مفتوحة لكثير من التفسيرات والملاحظات. إلا أنه بالإمكان قراءة نظرية (نيتشه) بطريقة حديثة. وقد قام بتفسيرها وربطها بالحداثة الفيلسوف الإيطالي (فاتيمو) حيث يتصور أن الأشكال العامة لما بعد الحداثة هي في تحولات العدمية؛ فالعدمية تؤكد وتثبت ولا تنكر عن طريق ما بعد الحداثة، فيصح إطلاق القول لما بعد الحداثة بالعدمية. كتب (نيتشه) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: «العدمية هي علة عصر الحداثة، وخصوصاً، الحداثة الأرومية، فتأثيرها يطال المجتمع الغربي وثقافته بشكل عام بالإضافة إلى الفرد بشكل خاص» . وشخَّص (نيتشه) العدمية بالنبوءة؛ فهو يقول: «ما أرويه هو تاريخ القرنين القادمين؛ فأنا أصف ما سيأتي» وما يأتي قريباً هو: مجيء العدمية. فعند (نيتشه) أن جذور العدمية تنبثق من الماضي وتمتد في المستقبل. ويكشف الفيلسوف الإيطالي (فاتيمو) استقرائياً العلاقة بين العدمية وما بعد الحداثة ليبين وثاقة الصلة بين نظرية عدمية (نيتشه) مع حالة (ما بعد الحداثة) . فما بعد الحداثة ـ وهو أسلوب من التفكير ـ يُتهم في الغالب بأنه عدمي، وينظر إلى مجتمع عدمي. وبتحليل أعمق للعلاقة بين العدمية وما بعد الحداثة والتي ـ نادراً ـ ما يهدف مشروع ما بعد الحداثة إلى تحرير الإنسانية من خلال تطبيق العقل في الممارسة الاجتماعية. فـ (ما بعد الحداثة) تعني تكاثر وتزايد العلم والتقنيات خلال التصنيع، وإدارة كثير من مظاهر الحياة الاجتماعية، وتطبيق المشاريع السياسية والاقتصادية والسوق الرأسمالية. فـ (ما بعد الحداثة) تتميز بانشطار وتمزق المجتمع إلى مجتمعات متعددة، وأشكال جديدة غير قابلة للقياس. فهذه التشطرات لا يستطيع شخص وصف الواقع الاجتماعي فيها برمته. وبالرغم من الاختلافات بين النظريات المتنوعة لما بعد الحداثة، إلا أن (فاتيمو) يعتقد أنه يوجد اتفاق عام لمعنى فكرة ما بعد الحداثة. ولو كان لهذه الفكرة معنى فإنه يجب أن توصف بمصطلح (نهاية التاريخ) . وفقاً لوجهة نظر (فاتيمو) ، توصف الحداثة عن طريق فكرة التقدم، والفكرة تستند إلى خط أُحادي النظرة للتاريخ؛ إذ لا نملك سوى نظرة أحادية للتاريخ. وهذه النظرة بُنيت كخط متسق مع المجتمع الذي يتقدم مع مضي الزمن. ففي ميزان الحداثة: الحديث أو الجديد هو بذاته قيمة. وستأتي الحداثة للنهاية عندما لا تنظر للتاريخ بنظرة أحادية، ومن ثَمَّ ينتج ما بعد الحداثة. لذا فإن الموضوع العام (نهاية التاريخ) تعني نهاية الخط الأحادي للتاريخ. - ماذا تعني دعوى (نهاية التاريخ) ؟ نهاية التاريخ «تعني نهاية الخط الأحادي للتاريخ» : لماذا ينتهي التاريخ؟ يذكر «فاتيمو» ثلاثة أسباب لذلك: الأول: نظرية أُحادي النظرة للتاريخ، وهي نظرية أيديولوجية تاريخية متحيزة بانتقائية تخدم أغراضاً سياسية لمجموعة من الناس على حساب الآخرين. وفلاسفة التاريخ والمؤرخون يقولون إن النظرة التاريخية الأحادية والتي تؤدي للتقدم الحديث هي فقط تمثل تاريخ الرجل الأوروبي. هناك تواريخ متعددة تظهر رؤى متعددة. وتأكيد تاريخ واحد مسيطر أو ملخص لهذه التواريخ يعني سحق وإبادة للآخرين بطريقة جائرة. مثال ذلك: الرؤية الغربية للتاريخ «تطور العقل» ، استُعملت لتبرير استعمار الشعوب الأقل عقلانية. فالأيديولوجية لهذا التاريخ أيدت الاستبداد والعبودية والإبادة الجماعية للسلالات الأقل درجة، وهي تمثل (نظرية داروين) المادية الملحدة. الثاني: تفكيك أُحادي النظرة للتاريخ؛ وهذا أدى إلى نهاية الإمبريالية الأوروبية. فالشعوب المُستبدة تمردت وأكدت وجودها مما جعل الآخرين يدركون أن هناك تواريخ بديلة، وأن التقدم الأيديولوجي يتسم بدرجة عالية من الظلم. الثالث: وسائل الاتصال الضخمة في ظل وسائل الإعلام الهائلة؛ فإن الثقافة الأقل تُتاح لها الفرصة أن تعبر عن رأيها، ومن ثَم ازدياد التعددية في المجتمع؛ فالإعلام جعلنا مدركين لحقيقة التاريخ أحادي النظرة. فتقنية المعلومات والإعلام جعلت الناس يزداد لديهم الإدراك بأن هناك تواريخ متعددة، وليس تاريخاً واحداً. باختصار: فإن (ما بعد الحداثة) عند (فاتيمو) وُصف عن طريق (نهاية التاريخ) في مجتمعات الاتصال الهائل المؤسس لعصر الانشطار والتعددية والتنوعية. ومما يقبل الجدل أن العدمية الحديثة تتبع الحداثة في العموم في توظيف تفسير التاريخ الأحادي؛ فهي تذكر أنموذجاً واحداً وهو الرجل الأوروبي، والتي تقول إنه قدر الإنسانية جمعاء. بينما الحقيقة أن العدمية تعود فقط إلى الغرب كإشارة. لذلك فالعدمية الحديثة هي نقدية التاريخ، والتقدم هو تفكير تطرفي فيها. فالعدمية كفلسفة تاريخية لا يمكن أن تطبق؛ ولا يمكن وصف نصرها استجابة ملائمة لطبيعتها؛ فمنذ فكرة انتصارها ـ على الأقل في حس الحداثيين ـ فإنها أُدمجت بطريقة معقدة في فكرة التقدم. فعندما ننجز شيئاً ما، فإننا نحقق تقدماً، ومن ثَم نجد أنفسنا في مرحلة جديدة من التاريخ. فالحداثة ذاتها عُرفت بمصطلحات الغلبة والتفوق على القديم. بينما انتصار (نيتشه) للعدمية هو التعايش مع العدمية الكاملة، وليس هناك شيء آخر بعد انتصار العدمية؛ فلا نستطيع وضع قيم جديدة يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون أكثر مصداقية من التي أزلناها بدون إيمان بأن هذه القيم لديها الأخطاء نفسها كما لدى القيم التي أزلناها. لذلك لا يمكن للعدمية الكاملة أن تنتصر، وما يمكن أن تنتصر فيه العدمية يمكن أن يتشكل في انتصار الرغبة بدلاً من انتصار العدمية نفسها.

стр. 5413

وارتحل الفارس أحمد ديدات ومضات من حياته.. وشيء من عوامل نجاحه فيصل بن علي البعداني أُعلن في الساعة السابعة من صبيحة يوم الإثنين ٣/٧/١٤٢٦هـ في مدينة (ديربان) في جنوب أفريقيا عن وفاة شيخ المناظرين، العلاَّمة المجاهد، والداعية الكبير: (أحمد بن حسين ديدات) ، عن عمر يناهز ٨٧ عاماً. ولأن الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ كان إماماً يُقتدى به في مجاله؛ فإن من الأهمية بمكان التعريف به، وتلمُّس أبرز عوامل نجاحه، غفر الله ـ تعالى ـ له، ورفع مقامه في الفردوس الأعلى. - ومضات من حياة الشيخ (١) : ولد الشيخ سنة ١٩١٨م في بلدة (تادكيشنار) بولاية (سوارات) الهندية. ونظراً لقلة ذات يد عائلته، وعدم توفر فرصة دراسية مناسبة أمامه في الهند هاجر عام ١٩٢٧م، وعمره تسع سنوات إلى جنوب أفريقيا ليلتحق بوالده الذي يعمل خياطاً هناك، وقد كانت تلك السفرة آخر عهده بوالدته؛ لأنها ما لبثت أن توفيت بعد هجرته بشهور قليلة. التحق بالمدرسة فور وصوله واستمر متفوقاً بها حتى نهاية الصف الثاني الإعدادي؛ ونتيجة للظروف المادية الصعبة التي شكلت حجر عثرة أمام مواصلته تعليمه، توقف عن مواصلة دراسته النظامية، وله من العمر إذ ذاك ست عشرة سنة. ومن أجل توفير لقمة عيش شريفة تنقَّل في أعمال ووظائف مختلفة، فكان في عام ١٩٣٦م بائعاً في حانوت لبيع المواد الغذائية، ثم عمل سائقاً في مصنع أثاث، ثم شغل وظيفة (كاتب) في المصنع نفسه، وتدرج في المناصب حتى أصبح مديراً للمصنع بعد ذلك. وفي أواخر الأربعينيات من القرن الميلادي الفائت التحق الشيخ ﵀ بدورات تدريبية للمبتدئين في صيانة الراديو وأُسس الهندسة الكهربائية ومواضيع فنية أخرى، ولما تمكن من توفير قدر مناسب من المال رحل إلى باكستان عام ١٩٤٩م، ومكث هناك منكبّاً على إنشاء معمل للنسيج، لكن الشيخ لم يستطع المواصلة في باكستان؛ إذ اضطر إلى العودة مرة أخرى إلى جنوب أفريقيا بعد ثلاث سنوات للحيلولة دون فقدانه جنسيتها؛ إذ إنه ليس من مواليد جنوب أفريقيا، فعرض عليه فور وصوله استلام منصب مدير مصنع الأثاث الذي كان يعمل فيه سابقاً. تزوج الشيخ أثناء سفره إلى باكستان ورزقه الله ـ تعالى ـ من الأولاد ابنين: إبراهيم ويوسف اللذين ما زالا على قيد الحياة، وبنتاً اسمها رقية توفيت منذ عدة سنوات. - رحلته مع العلم والعمل: يروي الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ سبب توجهه إلى الاهتمام بدراسة الكتاب المقدس للنصارى بعهديه القديم والجديد والرد على ترهاتهم فيهما وأباطيلهم حول الإسلام، فيذكر أنه كانت توجد كلية تنصيرية تابعة لإرسالية تدعى: (آدمز مشين) أمام الحانوت الذي كان يعمل فيه لبيع المواد الغذائية، وكانت تقوم بتدريس طلبتها وتدريبهم على الطعن في الإسلام وتشكيك المسلمين في عقائدهم، وكان الطلاب المتدربون يمرون على العاملين في الحانوت، ويلقون عليهم أسئلة يهاجمون بها الإسلام. يقول الشيخ: «كانوا يأتون إلينا ليقولوا: هل تعلمون شيئاً عن عدد زوجات محمد؟ ألا تدرون أنه نسخ القرآن وأخذه من كتب اليهود والنصارى؟ هل تعلمون أنه ليس نبياً؟ هل تعلمون أنه نشر الإسلام بحد السيف وأكره الناس على ذلك؟» ، ويستمر الشيخ قائلاً: «لم أكن أعلم شيئاً عما يقولونه، كل ما كنت أعلمه أنني مسلم.. اسمي أحمد.. أصلي كما رأيت أبي يصلي.. وأصوم كما كان يفعل، ولا آكل لحم الخنزير أو أشرب الخمور، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» . حرك هذا الهجوم على ثوابت الإسلام الغيرةَ في نفس الشيخ على دينه، وزرع فيه باعثاً داخلياً قوياً للدفاع عنه، وأثناء بحثه عن سبيل للخروج مما هو وزملاؤه فيه يسَّر الله ـ تعالى ـ له نسخة من كتاب: إظهار الحق لـ: (رحمة الله الهندي) باللغة الإنجليزية، فقرأه ووجد في المعلومات والمناظرات التي يحتويها بغيته؛ مما كان له أكبر الأثر في حياته، حتى قال: «شعرت بعد قراءتي هذا الكتاب أنني أستطيع الآن أن أدافع عن نفسي وعن الإسلام، وبدأت أتصدى للمسيحيين بالمعلومات التي تعلمتها من الكتاب، وأزورهم في بيوتهم كل يوم أحد وأناقشهم، وكنت أقابلهم بعد خروجهم من الكلية لأحاورهم، ومن خلال تلك المناقشة تعلمت كيف أجادل وأناقش» . وقد عكف في غضون ذلك كله على حفظ القرآن الكريم، ودراسة الإسلام ومبادئ الشريعة، وأوْلى عناية خاصة بدراسة سيرة الرسول العظيم ﷺ . واستمر الشيخ في تحسين أدائه في الإلقاء والحوار، وأخذ يتعلم ذلك ممن هو أفضل منه في هذا الباب، ثم حضر دروساً في كيفية استثمار تناقضات الكتاب المقدس في الدعوة إلى الإسلام، وعقب ذلك انتقل من التعلُّم إلى التعليم، واستمر على هذه الحال لمدة ثلاث سنين، قرأ خلالها العديد من نسخ الأناجيل المتنوعة، وانهمك في المقارنة بينها واكتشاف التحريفات والأباطيل التي تحتويها تلك النسخ، كما قرأ جملة من الكتب التي عُنيت بالرد على شبهات المستشرقين حول القرآن الكريم ونبينا محمد ﷺ ، إلى أن اعتقد عقبها بأن من واجبه نقل معارفه وتجربته في دعوة النصارى إلى الآخرين، فأصدر في بداية الخمسينيات كتيبه الأول: «ماذا يقول الكتاب المقدس عن محمد ﷺ ؟» ، ثم نشر بعد ذلك أحد أبرز كتيباته: «هل الكتاب المقدس كلام الله؟» . وفي عام ١٩٥٦م اتفق مع رفيق دربه: (غلام حسن فنكا) ـ الذي كان شريكه في رحلة البحث والدراسة والقراءة المتعمقة في مقارنات الأديان ـ على تأسيس «مكتب الدعوة» في شقة متواضعة بمدينة ديربان، ومن ذلك المكتب جاب هو ورفيقه البلاد طولاً وعرضاً؛ حيث قام الشيخ بالعديد من المناظرات المبهرة والمفحمة، والتي هزت مفاهيم ومعتقدات راسخة لدى كثير من النصارى، وأحدثت اضطرابًا في الوسط الكنسي، ومن ثم في مجتمع جنوب أفريقيا كله. وعقب ذلك تعرف الشيخ على (صالح محمد) أحد كبار رجال الأعمال المسلمين في مدينة كيب تاون ـ ذات الموقع السياسي والاقتصادي الهام، والتي تتميز بكثافة سكانية إسلامية عالية وغير منظمة، في مقابل أغلبية نصرانية قوية ومنظمة جداً ـ فدعاه لزيارة المدينة، ورتب له أكثر من مناظرة مع القساوسة في المدينة، ولكثرة عددهم ورغبتهم في مناظرة الشيخ فقد أصبحت إقامته في كيب تاون شبه دائمة، وتمكن ديدات من خلال تلك المناظرات أن يحظى بمكانة مرموقة بين سكان المدينة. وفي عام ١٩٧٧م كان موعد الشيخ الأول مع العالمية؛ إذ خرج إلى لندن للمناظرة في قاعة «ألبرت هول» الكبرى، وزار عقب ذلك العديد من دول العالم للغرض نفسه، واستمرت مكانته تسمو ونجاحاته تذيع، وبخاصة بعد مناظراته التي عقدها مع كبار رجال الدين النصراني أمثال: كلارك ـ جيمي سواجارت ـ أنيس شروش ـ ستانلي سجوبرج والتي أحرجت المنصرين أيما إحراج، وأظهرت عمق تمكن الشيخ في هذا الفن وسعة علمه في هذا الباب، حتى إنه من شدة حرج المنصِّرين اتهم بعضهم المنصر العربي الأصل (أنيس شروش) بأنه متواطئ مع الشيخ لهزيمة النصرانية. أسس الشيخ معهد السلام لتخريج الدعاة، والمركز العالمي للدعوة الإسلامية بمدينة (ديربان) بجنوب إفريقيا، كما ألف ما يزيد عن عشرين كتاباً، من أبرزها: الاختيار بين الإسلام والمسيحية، وهو مجلد متعدد الأجزاء، القرآن معجزة المعجزات، المسيح في الإسلام، العرب وإسرائيل صراع أم وفاق، مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء، وقد طبع منها ملايين النسخ لتوزع بالمجان حول العالم بخلاف المناظرات التي طبع بعضها، إضافة إلى نسخ آلاف المحاضرات التي ألقاها؛ ولهذه المجهودات الضخمة مُنح الشيخ أحمد ديدات جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام ١٩٨٦م. اتُّهم الشيخ من قِبَل بعض المنصرين بالقاديانية، وهو ما يتعارض مع الجهود العلمية والدعوية التي قام بها، وهو أيضاً الأمر الذي نفاه الشيخ مراراً مؤكداً التزامه بمنهج أهل السنة والجماعة. واستمر الشيخ صادعاً بالحق داعياً إلى الخير دون كلل أو ملل حتى أصيب في عام ١٩٩٦م، بشلل تام في كافة جسده عدا رأسه بعد رجوعه من رحلة دعوية شهيرة إلى أستراليا، عولج عقبها لفترة طويلة في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، ثم انتقل إلى بلاده جنوب أفريقيا بعد أن استقرت حالته نوعاً ما، ومنذ ذلك الوقت بقي صابراً محتسباً طريح الفراش، يرد على الرسائل البريدية والإلكترونية وأسئلة الهاتف التي ترد إليه عبر ولده يوسف من خلال لغة إشارة خاصة به. ومع مرض الشيخ إلا أن تطلعاته الدعوية كانت تكبر، فانظر إلى قوله: «لئن سمحت لي الموارد فسأملأ العالم بالكتيبات الإسلامية، وخاصة كتب معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية» ، وإلى توصيته لأعضاء مجلس أمناء المركز العالمي للدعوة الإسلامية في زيارتهم الأخيرة له بضرورة العمل على طباعة ترجمة معاني القرآن الكريم ونشرها في العالم، والتي قال فيها: «ابذلوا قصارى جهودكم في نشر كلمة الله إلى البشرية.. إنها المهمة التي لازمتها في حياتي» . واستمر الشيح بتلك الروح على تلك الحالة المرضية حتى وافاه أجله. وقد حاول أكثر من منصِّر تنصير الشيخ وهو على فراش المرض، ولعل من أشهر من حاول ذلك القس كلارك عام ١٩٩٧م. وفي أثناء زيارة بعض القساوسة له أثناء مرضه كان بعضهم يشير إلى أن سبب ما أصابه مهاجمته لكتابهم المقدس، وعقب وفاته اتصل أحد المنصِّرين قائلاً: «إن غضب ربه عيسى هو السبب في موته، وهو من قتله انتقاماً منه» . رحم الله ـ تعالى ـ الشيخ وأسكنه فسيح جناته، وبارك في عقبه وتلامذته، وأخلف الأمة من يقوم بدوره. - عوامل نجاح الشيخ: من تابع حياة الشيخ، وتأمل في مسيرته، يرى أنه ـ رحمه الله تعالى ـ وُفِّق في امتلاك صفات وعوامل عدة مكنته من تحقيق هذا النجاح المثير، ولعل من أبرز ذلك: ١ - الغيرة على الدين، وتعظيم ثوابته: ومن نظر في سيرة الشيخ اتضح له مدى امتلاكه لهذا الباعث المحرك على الفعل. يقول ـ رحمه الله تعالى ـ مصوراً الحالة النفسية التي كان يعيشها من جراء هجوم طلبة كلية (آدمز مشين) التنصيرية على أصول الإسلام ما نصه: «وقد أحال هذا الهجوم على الإسلام حياتنا إلى بؤس وعذاب وشقاء، وأحدثت عندنا حيرة وقلقاً بسبب عدم معرفتنا شيئاً نرد به عليهم، وكنت أرغب في ترك المحل والهرب إلى مكان آخر، ولكن ذلك كان مستحيلاً لصعوبة وجود مكان آخر» يلجأ إليه. ٢ - الإصرار وقوة العزيمة: ولعل هذه الصفة من أبرز ما يميز الشيخ؛ إذ على الرغم من أنه ترك الدراسة النظامية وهو في سن السادسة عشرة، إلا أن ذلك لم يحُل بينه وبين استمرار بناء النفس ومداومة القراءة والتعلُّم الذاتي؛ حتى إنه صار آية في فنه، يشهد له بذلك القاصي والداني قبل شهادة نتاجه العلمي المقروء والمرئي والمسموع، مما جعل بعض الجامعات تراه أهلاً لدرجة الأستاذية في تخصصه وتقوم بمنحه إياها، هذا في الجانب العلمي. أما في الجانب العملي فالأمر أكثر وضوحاً؛ إذ إنه ما إن قرأ كتاب «إظهار الحق» حتى بادر إلى تخصيص يوم إجازته لزيارة طلبة كلية (آدمز مشين) وأساتذتها في منازلهم ويقارع أباطيلهم بالبراهين والحجج الداحضة، ومع ازدياد عود الشيخ صلابةً نجد نشاطه يتجاوز مدينته، فيخرج إلى جوهانسبرج وكيب تاون، وفي عام ١٩٥٩م نراه يترك وظيفته ليتفرغ للعمل الدعوي كلياً، واستمر في الذهاب والإياب في أرجاء البلاد دون أن تعرف نفسه الملل، ليبدأ عقب ذلك الخروج إلى بقية البلدان؛ حتى إنه حاضر أو ناظر في نيويورك وشيكاغو ولندن وكوبنهاجن وسيدني، وغيرها من كبريات مدن العالم. ٣ - الشجاعة الأدبية: وهب الله ـ تعالى ـ الشيخ إقداماً ورباطة جأش وقبولاً للتحدي بصورة جعلته لا يهاب الصعاب، ولا يرهب مكر الآخرين وكيدهم على صغر سنه وفقره وقلة حيلته، في مقابل قوة المنصرين وكثرتهم وكون السلطة بأيديهم، وهو وإياهم في بلد عنصري لا يرى لغير الجنس الأوروبي كرامة ولا قيمة، واستمرت شجاعته الأدبية معه إلى أن توفاه الله تعالى إذ استمر في مناظرة أرباب التنصير من كافة المذاهب في بلدانهم واحداً تلو الآخر، دون أن يدخل إلى قلبه خوف أو وجل. ٤ - الحلم والتواضع: إن من أهم ما تمتع به الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ صفتي الحِلْم والتواضع؛ فحلمه مكنه من الهدوء بصورة ملفتة أمام خصومه، ومن القدرة على تجاوز الإهانات التي لاقى كثيراً منها أثناء الحوار والمناظرة، وتواضعه الجم وبساطته الظاهرة وبعده عن مظاهر الترف والتكلف ـ رغم مكانته المرموقة وشهرته الواسعة ـ مما أكسبه القلوب وساعده على تقريب الناس منه وجذبهم إليه. ٥ - الرفقة المعينة: كان إلى جانب الشيخ رفقة جردت نفسها للوقوف معه لنصرة الحق، وأسهمت بفاعلية في تشجيعه وإعانته وفتح الآفاق والفرص أمامه، والحق يقال إن الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ رغم عصاميته الظاهرة ما كان ليبلغ ما بلغ لو لم يوفقه الله ـ تعالى ـ بصحبة مقتنعة بشخصيته، مؤمنة برسالته، ملازمة له في حله وترحاله، تمهد له دروب النجاح وتثبته أثناء مضيه فيها. ٦ - وضوح الهدف: إذ منذ أن بدأ الشيخ ﵀ نشاطه الدعوي، وهدفه بيِّن متمثَّل في الدفاع عن الإسلام، ورد شبهات النصارى حول القرآن المجيد والنبي الكريم ﷺ ، وذلك من خلال بيان عقائد الإسلام كما هي، ونشر ترجمة معاني القرآن كما هي، والانطلاق من قاعدة: «خير وسيلة للدفاع الهجوم» ، ولذا فقد عمل على دراسة كتاب النصارى المقدس بعهديه، وإظهار ما فيه من تناقض مع مسلَّمات العقل، وما بين نسخه من اختلافات ضخمة ناتجة عن تبديل وتحريف بشري متكرر ومتعمد. وقد استمر الشيخ ﵀ منذ أكثر من سبعين عاماً مرتباً لأولوياته، مركِّزاً على هدفه هذا الجلي، متجهاً نحو تحقيقه بكل ما يملك من جهد وإمكانات، لم يحد عن ذلك إلى أن توفاه الله تعالى. ٧ - التخصص الدعوي: لم يتجاوز الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ المجال الذي نذر نفسه له، من مقارعة أباطيل النصارى ودحض شبهاتهم حول الإسلام، وقد مكنه استمرار التركيز على هذا الجانب من تحقيق مزيد من العمق والإبداع فيه، حتى إنه ـ رحمه الله تعالى ـ بلغ من إتقانه له حداً لا يجارى. فماذا يا ترى ستكون النتائج لو أن كل فرقة من الدعاة تخصصت في مجال دعوي محدد؟ ٨ - خدمة جانب حيوي وبِكر: لعل من أهم العوامل التي ساهمت بفاعلية في نجاح الشيخ وبروزه توفيق الله ـ تعالى ـ له بالتركيز على جانب حيوي مهم، حاجة الأمة إليه ماسة، وبخاصة في زمن غربة الإسلام، وضعف إمكانات الداعين إليه في مقابل قوة إمكانات التنصير وهيمنة إرسالياته على كثير من المؤسسات التعليمية والصحية والإعلامية في أصقاع الأرض، ولذا فقد كان للمشاركات المتميزة التي أسهم بها الشيخ حضورها الفاعل في الصراع العقدي الدائر بين الإسلام والكنيسة اليوم. وزاد من فرص الشيخ في النجاح أن هذا المجال ما يزال على المستوى الدعوي الإسلامي شبه بكر، الجهد فيه محدود وقليل، ولذا فقد كان تقديم أي إسهام متميز من الشيخ ملحوظاً ومؤثراً في الساحة الدعوية بصورة بينة جداً. ٩ - تنمية المهارات والقدرات الذاتية: عمل الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ على صقل مواهبه، وتنمية قدراته منذ أن بدأ في سلوك هذا الطريق، فمع أن الشيخ توقف عن الدراسة النظامية في سن مبكرة جداً إلا أنه استمر في تنمية لغته الإنجليزية، ومعلوماته من خلال القراءة والبحث، وبعد أن اطمأن إلى جودة معلوماته أخذ في تحسين مهارة الإلقاء لديه، فحضر دروساً في ذلك عند متميز في هذا الجانب (لا يكاد السامع يمل حديثه) ، ثم انضم إلى دروس تُمكِّن مَنْ يحضرها من استثمار تناقضات (الكتاب المقدس) في الدعوة إلى الله تعالى. وما فتئ الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ يوماً بعد آخر يحسِّن من قدراته على الإلقاء والمناظرة من خلال ممارسته العلمية المتكررة حتى بلغ فيها المبلغ الذي يعرفه الجميع. ١٠ - التركيز على الإنجاز: من تأمل في حياة الفقيد ـ رحمه الله تعالى ـ تجلى له بُعدُهُ عن التنظير الواهي، وتركيزه على تنفيذ الوسائل المحققة لهدفه الدعوي الذي ارتضاه لنفسه؛ فهو يناقش ويناظر ويحاضر وما زال يتعلم، وهو يقيم الدورس ويعقد الدورات ويصنف الرسائل وينتقل من مدينة إلى أخرى ليدعو الآخرين ويعلمهم ما تعلم، وهو يتفق مع رفيق دربه غلام حسن على تأسيس مكتب للدعوة لمقارعة الباطل وإقامة الحجة على المعاندين، وهو يترك وظيفته ليتفرغ لدعوته، وهو يدخل في شراكة دعوية مع بعض أغنياء المسلمين بغرض استثمار وجاهتهم وقدراتهم المالية في خدمة الدعوة إلى الله تعالى، وهو ينشئ المؤسسة تلو الأخرى لخدمة دعوته وتحقيق رسالته، وهو ينتقل من بلد إلى آخر ليثبِّت المسلمين ويقيم الحجة على خصومهم، وهو يعقد اللقاءات المتكررة مع المنصرين لمناقشتهم في أمور دينهم، ولفت نظرهم إلى جوانب القصور والضعف الموجودة في عقائدهم وكتبهم، وهو يوزع أكثر من: ٢٠.٠٠٠.٠٠٠ مليون نسخة من رسائله وأشرطته المسموعة والمرئية، وأكثر من ٤٠٠.٠٠٠ نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم عبر المركز العالمي للدعوة الإسلامية الذي شارك مع إخوانه في تأسيسه في ديربان، وهو يرد على ما يرده من أسئلة من الآخرين مع أنه طريح الفراش مشلول اللسان والأطراف لا يتحرك منه غير عينيه وحاجبيه لمدة تزيد على عشر سنين إلى أن وافاه الأجل المحتوم ـ جعله الله تعالى في عليين ـ مما يجعلنا نقول بصوت مرتفع: حقاً إن امتلاك المبادرة الفاعلة والتركيز على إنجاز الأهداف المختارة هو سبيل الناجحين. ويبقى توفيق الله ـ تعالى ـ وعونه وتسديده قبل ذلك وبعده هو العامل الأهم في قبول الناس لجهود الشيخ واستفادتهم منها وسمو النجاحات التي حققها. لقد كان الشيخ تجربة دعوية ناجحة، وأنموذجاً في العلم والعمل يستحق الدراسة والاحتذاء، وعسى الله ـ تعالى ـ أن يسخر العاملين في المؤسسات الدعوية لتبني أصحاب التجارب الناجحة من أمثال الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ ليزداد النجاح نجاحاً والإشراق إشراقاً، وأن يسخر من المؤسسات أو الدعاة من يعمل على تدوين تجربة الشيخ وأمثاله من المبدعين، حتى لا تموت بموتهم وتتمكن الأجيال الدعوية القادمة من توارثها. - وختاماً: فقد كانت جهود الشيخ وإسهاماته المتنوعة إضافة متميزة في التجربة الدعوية المعاصرة، يُعتَقَد بأن نجاحها الأكبر كان في بهت الذين كفروا، وفي تثبيت المسلمين الذين يعيشون في أجواء نصرانية طاغية وإشعارهم بالعزة والتفوق العقدي. والمأمول من تلاميذ الشيخ ومحبيه أن يطوروا هذه التجربة وينطلقوا من حيث انتهى الشيخ لا من حيث بدأ، فيركزوا على المعرفة المتعمقة بالشريعة الإسلامية والديانة النصرانية المحرفة على حد سواء، ويعملوا على المزج بصورة أظهر بين إرادة تثبيت المسلمين وبين الرغبة في دعوة النصارى، فيحسنوا في الأساليب ويطوروا في الوسائل بصورة ملموسة تخفف من الشعور لدى الفئات النصرانية المترددة بأن هدف المسلم من المناظرة هو إفحام خصمه فقط لا العمل على هدايته، وتبرز بصورة أكبر يسر الإسلام وسماحته، وكون ـ مولانا القدير ـ أنزله رحمة للعالمين. اللهم بجودك وفضلك تقبل الشيخ، وتجاوز عنه، وارزقه مرافقة نبيك ﷺ في جنات الخلد، يا إله الأولين والآخرين، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلِّ اللهم وسلم على إمام المرسلين وعلى الآل والأصحاب أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 5414

الحوار الأخير مع عميد الأدب الإسلامي المقارن صلاح حسن رشيد الدكتور حسين مجيب المصري عصر من التألق في الخارج.. والتجاهل التام في الداخل!! مثل شمس الشتاء في خفوتها وضعفها وهوانها على الناس.. رحل عن دنيانا إلى جوار ربه الكريم الدكتور حسين مجيب المصري (٨٨ عاماً) عميد الأدب الإسلامي المقارن في الوطن العربي وأستاذ الدراسات الشرقية بآداب جامعة عين شمس واللغات والترجمة بجامعة الأزهر، بعد حياة علمية وأكاديمية وأدبية منقطعة النظير أسس فيها لحقل الآداب الشرقية واستخرج نفائسه، وأرسى معالم مدرسة نقدية تقوم على المقارنات فيما بين الآداب العربية والفارسية والتركية والأردية من وشائج وصلات حضارية ونفسية ومعرفية. وخلال مشواره العلمي الذي قارب على السبعين عاماً أنجز الدكتور حسين مجيب المصري عطاء فكرياً ثرياً أربى على الثلاثة والثمانين كتاباً كلها من عيون ودرر الدراسات الشرقية، علاوة على ترجماته الدقيقة من اللغات الفارسية والتركية والأردية إلى الشعر العربي، ولا ننسى ترجماته الرائعة لأشعار فيلسوف الإسلام محمد إقبال، في متانتها ودقة سبكها. ومن حسنات فقيدنا الكبير مراجعاته الدقيقة لترجمات معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية والفرنسية والروسية والألمانية والإيطالية والفارسية والتركية، والتي أجازها الأزهر بمجرد انتهائه منها؛ لأنه كان موسوعي المعرفة يجيد ثماني لغات نطقاً وكتابة وتأليفاً، ويعتمد عليها في مراجع كتبه وأبحاثه. كما حظي الدكتور المصري بسلسلة من الجوائز والتكريمات، كان فيها العربي الوحيد؛ حيث نال أعلى وسام من الرئيس الباكستاني ضياء الحق عام ١٩٨٨م، ووسام الخدمة العالية من الرئيس التركي في الثمانينيات، والدكتوراه الفخرية من جامعة مرمر بتركيا، إلا أنه لم يحظ بأية جائزة مصرياً وعربياً. ويلاحظ على الدكتور المصري أنه أجاد خارج السرب الثقافي العربي، ولم يتقرب لأحد أو يطلب بنفسه شيئاً، برغم ريادته وتفوقه على كثيرين نالوا الجوائز وحصدوا الأوسمة تزلفاً وتقرباً. التقيناه وهو على فراش المرض في حواره الأخير مع القراء، واستمعنا إلى آرائه في الأدب والفكر والثقافة، وإلى أدق أسرار حياته، وكيف حفر في الصخر ـ برغم العوائق ـ لكي يدعو عبر كتاباته وأبحاثه إلى الوحدة الثقافية الجامعة لأشتات العرب والمسلمين اليوم بعد أن استحالت سياسياً. وإلى التفاصيل: - شجرة التراث: - خلال هذه الرحلة الطويلة العاشقة لتراثنا الروحي والحضاري لا سيما في آداب الشعوب والأمم الإسلامية غير الناطقة بالعربية.. بماذا خرجتم؟ وما الفائدة التي تحصلت لديكم؟ - يخطئ من يظن أن تراثنا هو الموجود فقط في العربية، بل هو في العربية والفارسية والتركية والأردية والسواحلية وغيرها من لغات الشعوب الإسلامية التي استظلت براية الإسلام وحضارته. ومن المعروف أن الأدب الاسلامى بمثابة الشجرة التي لها فروع هي آداب الشعوب الإسلامية سالفة الذكر، والتي يجمع بينها روابط روحية وثقافية وأدبية واجتماعية، لا توجد في أية حضارة أخرى. ومن خلال التوغل والدراسة العميقة، واكتشاف أسرار ونفائس ودخائل هذه الآداب تحصَّل لي بعد تعب وجهد أن توصلت إلى أن الوحدة الثقافية المستمدة من ماضينا العريق، وريادتنا الأصيلة هي التي يجب أن ندعمها اليوم بالتواصل فيما بيننا فكرياً وأدبياً، في ظل القطيعة السياسية فيما بيننا، وتطاول الإمبريالية الغربية، والفاشية الأمريكية والصهيونية على ديارنا في أفغانستان والعراق وفلسطين. فبماذا نحتمي بعد أن تكسرت عوامل القوة السياسية العربية الإسلامية؟ لا شك أن الثقافة هي المعين الباقي، والثغر الذي نستظل بظله من وقع الضربات الأمريكية والإسرائيلية. كما يخطئ من يهاجم مصطلح الأدب الإسلامى، لأنه موجود بوجودنا كحضارة ودين، ولان هناك آداباً اتسمت بالسمة الأيديولوجية والدينية كالأدب الماركسي والأدب اليهودي، والأدب المسيحي؛ فلماذا نصادر على الإسلام هذا الحق الموجود أصلاً؟ - الإخلاص والتفوق: - كيف استطعت أن تجيد أكثر من ثماني لغات، وتطَّلع على آداب شرقية وغربية؟ ومن أين أتيت بالوقت؟ وهل من طريقة تخبرنا بها كى نحذو حذوك؟ - قد عشت في قصر جدتي، وكانت لي مربية نمساوية تتقن الفرنسية والإنجليزية والألمانية، فتعلمت هذه اللغات عن طريقها صغيراً، قبل أن التحق بالمدرسة. ولما كبرت أحسست أنني أميل إلى تعلم اللغات وفهم أسرارها، والنهل من آدابها، وهكذا استطعت أن أقرأ لكبار الأدباء قديماً وحديثاً، في العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية. ولما دخلت جامعة فؤاد الأول في الثلاثينيات من القرن العشرين درست الإيطالية على مدرس خاص بي، علاوة على الروسية، لكنني تخصصت في اللغات الشرقية، وهي الفارسية والتركية والأردية، وأتقنتها. ومن هنا صرت ـ وأنا معيد ـ أجيد ثماني لغات، وأترجم منها وإليها، وأكتب بها، بل إنني أكتب شعراً عربياً وفارسياً وتركياً وفرنسياً، ولى دواوين ستة بالعربية، وديوان فارسي ترجمته إلى العربية، وآخر تركي ترجمته أيضاً إلى الشعر العربي الموزون المقفى، ولي قصائد عديدة بالفرنسية. لكنني أنصح الأجيال الجديدة وصغار الباحثين ومحبي الآداب والفنون واللغات أن يجاهدوا من أجل التفوق والريادة، وليس بالاكتفاء بالمعرفة فقط، ولأن الآداب جميعها متصلة فيما بينها، ومتقاربة، برغم اختلاف اللغات والثقافات والعادات والتقاليد. كما كنت اقرأ بنهم شديد، وأذهب إلى المكتبات العامة، وأشتري أحدث الإصدارات من عواصم الدنيا وأتواصل مع الآخر، وهكذا كتبت في أكثر من مجال، وتخصصت في أكثر من علم. وطالما أن المرء يخلص في مهنته فلابد أن يدرك ما يريد، وأن يحقق ما يصبو إليه، وأن يقهر العوائق والسدود. - نحن أمة تخاطب نفسها! - يصفنا الآخر بالأمة المتخلفة فكرياً وحضارياَ، وينعتنا بنعوت عنصرية من قبيل: الإرهاب والعنف.. ترى كيف نرد على ذلك، ونصحح صورتنا ونصل لقلب هذا الآخر وعقله وفكره؟ - لا شك أن هذه معضلة شديدة الوطء، تحتاج إلى جهود نبهاء بل كتائب ومدارس وجامعات من العلماء والشعراء والأدباء والساسة والفنانين؛ لأن صورتنا أصبحت مهزوزة جداً، بل غائمة، وأصابها ـ نتيجة تقاعسنا وخمولنا ـ الصدأ وعوامل التعرية. وفي يقيني أننا مطالبون اليوم أكثر مما مضى بإحياء أمجادنا الأدبية والعلمية والحضارية والروحية، التي أشاد بها العالم قديماً، لكننا انغمسنا ـ حالياً ـ في أوحال التفرق والتشرذم، واكتفينا بالانطواء على الذات، والبكاء على الأطلال واللبن المسكوب، ولم نصنع شيئاً. وكيف يقف العالم، بل الرأي العام العالمي إلى جوارنا، ونحن لا ننتج ما نأكل، ولا نصنع ما نلبس؟ وكيف يستمع إلى شكوانا هذا الآخر المتعالي، ونحن لا نملك لغة رصينة للحوار معه، ولا نمتلك أدوات فاعلة للتواصل مع هذه الشعوب المتعطشة للاستماع إلينا، ولكن أين المنهج والرؤية والتصور؟ وما هي أدواتنا الصحيحة لغزو قلوب الآخر؟ وبأية لغة نتفاعل معه؟ فنحن اليوم ندعي الحوار الحضاري مع الآخر، في حين أننا نخاطب أنفسنا فقط. - حفاوة الخارج وتجاهل الداخل: - يقال إن لكم تلاميذ في أكثر من خمس وعشرين جامعة في العالم؛ فكيف ذاع صيتكم في الخارج، بينما كان التجاهل والنسيان والصمت المطبق هو مصيركم في الداخل؟ - إنني مؤمن بأن على المرء أن يعمل وينجز، وليس الاستجداء من هذا وذاك؛ ولهذا أخلصت وثابرت، وفتحت بيتي للباحثين من أقصى صعيد مصر إلى الإسكندرية، ومن جميع العواصم العربية لكي يفيدوا من مكتبتي وكتبي النادرة غير الموجودة في أية مكتبة أخرى، علاوة على توجيهاتي وإرشاداتي ونصائحي المخلصة لهم، ومساعدتي الدائمة في رسائلهم للماجستير والدكتوراه؛ لأنني لا أبخل على أحد بمعلومة. ومن هنا صار لي مريدون وتلاميذ في خمس وعشرين جامعة في مصر والأردن والكويت والسعودية والعراق والجزائر والمغرب والمجر وإنجلترا وإيرلندا والبرازيل والولايات المتحدة وأسبانيا وغيرها من دول العالم. أما حكاية عدم تقديري في وطني؛ فأنا لا أنتظر ثناء ولا مديحاً، ولا أكتب انتظاراً لجائزة من هنا أو هناك؛ لكنني أوقن أنه سيأتي يوم ويتم الحفاوة بي في مصر ودراسة مؤلفاتي، ولكن بعد رحيلي. - دودة كتب: - أسألك: ومن هو مثلك الأعلى الذي قادك إلى هذا التبحر العلمي الغزير إذن؟ - في صغري كنت متعلقاً وما زلت برمزين كبيرين، كانا القدوة لي، هما: أمير الشعراء أحمد شوقي بك، وزكي مبارك؛ فكلاهما في ميدانه كان الأول، وفارس الرهان، والحائز على قصب السبق. وهذا هو السبب في عصاميتي، واعتمادي على تثقيفي الذاتي، بعيداً عن المدرسة والجامعة؛ لأن الأديب الحق والمثقف الأصيل هو «دودة كتب» كما قال العقاد ﵀. - وهل أنت حزين لعدم صدور أي كتاب لكم عن جهة حكومية، في الوقت الذي تطبع فيه الدولة أعمال من هم أقل شأناً؟ - هذا قد يسبب لي بعض الغصة، لكنني أعتقد أن كتبي متوفرة، وأن من يريد أن يقرأني فسيهتدي إليَّ. أما حكاية النشر الحكومي فهي تخضع لمعايير أخرى أربأ بنفسي أن أتحدث عنها.

стр. 5415

أقلوا عليهم من اللوم ! أحمد بن عبد الرحمن الصويان نقائص العمل الإسلامي كثيرة، ومعايب الدعاة وقصورهم كثير كذلك، وليس من الشرع ولا من العقل أن نتعامى عن تلك النقائص والمعايب، بل يجب أن نملك الجرأة في تصحيح الواقع الدعوي، وتسديد رجاله وحَمَلَته، مع الورع والتجرد الذي يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق، والذي يضع الأخطاء في حجمها الصحيح دون تهويل أو تهوين. لكن التسديد والتصحيح مسؤولية من..؟! الذي أحسبه أنه مسؤولية الجميع سواء كانوا في الساقة أو في الحراسة؛ فالعمل الدعوي ليس من أجل أحد من البشر، بل هو قُربة يتقرب بها الدعاة إلى الله ـ تعالى ـ وحده لا شريك له، لا يرجون فيه حمداً أو شكراً من أحد كائناً من كان؛ ولهذا تراهم حريصين على رعايته وتسديده قدر طاقتهم. نعم! أعلم أنَّ كثيراً من الدعاة ـ بسبب الخلل التربوي ـ قد يضيق بالنقد صدراً، ويُصنِّف الناقدَ تصنيفاً منفِّراً، وكثيراً ما يجد الناقد المخلص صعوبة في التصحيح والترشيد، خاصة للممارسات التي ورثها الدعاة من بعضهم، وتجذرت في صفوفهم؛ لكن إذا لم نصبر على إخواننا ونقدِّر اجتهاداتهم فعلى من نصبر..؟! ولست في هذه المقالة بصدد الحديث عن وسائل التصحيح والنقد، ولكن أشير إلى أن بعض الناقدين أو بعض (المتساقطين!) على جنبات الطريق، قد يتكلف النقد ليسوِّغ عجزه وقصوره، أو إعراضه وإدباره عن إخوانه، وهذه آفة من مداخل الشيطان خفية، تجره للتشكي والتذمّر المستمرين، والمبالغة في النقد الجارح وجلد الذات، حتى يصبح ذلك ملازماً له لا يقوى على فراقه، متناسياً قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، ثم يبدأ بالتفلت من المسؤوليات والتهرب من الواجبات تدريجياً، ثم ينغمس بعد ذلك بأعماله الدنيوية الخاصة وارتباطاته الأسرية والاجتماعية التي قد تنسيه تطلعاته الدعوية السابقة. ولو أنه حين رأى قصور إخوانه حرص على الإصلاح والتصحيح بإشفاق ورحمة ونَفَس طويل، وأخذ يدفع بالتي هي أحسن؛ لنفع الله به كثيراً، لكنه أغار عليهم بالتقريع، وصال عليهم صولة المحاربين. ولو أنه حين هجر إخوانه أو تشاغل عنهم قدَّم لنفسه ولأمته بديلاً نافعاًَ يتزود به في عاجل أمره وآجله لكان الأمر هيناً؛ فأبواب الدعوة مشرَعة لكل محتسب جاد، والعبد الصالح مبارك أينما كان، وقد يُفتَحُ له في أبواب من البِر ما لا يُفتح له في أبواب أخرى. لكن ألا ترون معي أن سواداً كبيراً من أولئك الإخوة يحكي واقعُه غيرَ ذلك؟! يؤلمني ـ والله ـ أشد الألم عندما أرى أحد الصالحين ممن كان ذات يوم من روّاد الدعوة، المتحمسين للبناء والتربية، الذين يسابقون إخوانهم على مقدمة الصفوف عطاء وبذلاً وعملاً، ثم أراه بعد ذلك وقد طارت به الدنيا بهمومها واشتغل بأمور أخرى. نعم! ربما بقي على صلاحه ـ والحمد لله ـ لكن أين هي همومه الدعوية؟! وأين همته وحيوته التي عهدناها منه؟! وأين مسؤولياته التي هجرها وأعرض عنها؟! وربما يأتيك الجواب من بعضهم بالهجوم على إخوانه وتوبيخهم، وقد يكون بعض نقده صحيحاً، لكن هل الحل هو الإعراض والهجران؟! وإذا لم ُتجْدِ النصيحة؛ فهل الحل هو الانكفاء على الذات وترك العمل الدعوي بالكلية؟! جميل أن يعمل الدعاة في مناخات تربوية خالية تماماً من القصور، لكن هل هذا ممكن في الواقع؟ ولِمَ لا نسدد ونقارب قدر الإمكان، وننظر إلى الخير الغالب؟ وبالتأكيد لا أطالب هنا بترك النقد والتواصي بالحق، لكن لا أرتضي تضخيم المشكلات، ولا أرتضي لغة التقريع والتوبيخ باعتبارها اللغة الوحيدة في التعامل مع مشكلاتنا.

стр. 5416

٢١٧ - رمضان - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5417

كاترينا لن تكون الأخيرة ما أهون الخلق على الله حينما يبارزونه بالمعاصي، ولذلك توعدهم بالعذاب الأليم حينما يخالفون سننه ويجترئون على حرماته. وقد حكى القرآن الكريم صوراً من العذاب بالريح العقيم والزلازل والأعاصير، وهي بلا شك من غضب الله وليست كما يقول الجاهلون «غضب الطبيعة» وهي وعيدٌ للعباد لعلهم يعتبرون وليس، وآخرها إعصار كاترينا الذي ضرب أمريكا فتهدمت البيوت، وأحدث من الخسائر بالبلايين، ومات آلاف من الناس والدواب وأصبحوا لا يُرى إلا آثارهم، وتشرد الكثيرون، ونزل الجيش لإجلاء الناجين ولمحاولة السيطرة على الأمن المتفلت في «أورليانز» فأُجلي أول ما أُجلي البيضُ وتُرك السود والملونون كما ذكرت ذلك الأنباء، فأحدث ردود فعل عنيفة من التدمير المتعمد والسرقات مما أوقع حكومة بوش في مأزقٍ أضطرها راغمة إلى شن حملة علاقات عامة لتلافي آثار الإعصار، وطالبت دول العالم بإعانتها لأول مرةٍ في تاريخها بعد أن عاشت سنين طوالاً تختال بغطرستها وقوتها، ويأبى الله إلا أن يذيقها ما أذاقت غيرها من العذاب. ومما يؤسف له أن بعض سفهاء الكُتَّاب شنوا حملة ساخرة ضد من قال إن هذه الكارثة عقوبة إلهية. وهذا يدل على جهلٍ وسفاهة لأمرين: ١ ـ تناسيهم غطرسة أمريكا وظلمها وإذلالها لكل من خالفها. ٢ ـ ولجهلهم أن المحافظين الجدد الذين يحكمون أمريكا برؤى توراتية؛ حيث سيَّسوا الدين، وحكموا بنبوءات دينية خرافية بأنهم سادة العالم وأن الله اختارهم لقيادة هذا العالم. وهذا ما كشفه كُتَّابٌ أمريكيون منهم (نعوم تشومسكي) و (وليم بلوم) ويكفي لفضح أولئك المتظاهرين بالموضوعية المزيفة أنهم يكذبون الوحي الإلهي كما جاء في قصة عادٍ قوم هود: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤ ـ ٢٥] ، فالريح هي الريح ولن تدمر شيئاً إلا بأمر ربها، فهي سنَّةٌ جارية وقدر واقع مستمر يعاقب به الله الظالمين من كل البشر عندما يستحقون ذلك؛ فهل نعي العبرة من هذه الآية الربانية، أم على قلوبٍ أقفالها؟

стр. 5418

هيا إلى القرآن ! الحمد لله معلم القرآن، والصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى الصحب والآل، ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين، وبعد: فإن معالم البِشْر، وصور الخير في أمتنا كثيرة، وهذا لا ينفي وجود خلل بيِّن، ومظاهر ضعف جسيمة قعدت بالأمة، وجعلتها في مؤخرة التسابق الحضاري في عالمنا اليوم. وحين نتساءل عن مصدر الداء وطريق الدواء نجد ذلك جلياً في القرآن الكريم؛ إذ أنزل البَرُّ الرحيم كتابه لقوم يعقلونه هادياً للتي هي أقوم، فيه: ﴿بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] ، ﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] ، ﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] ، و ﴿بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ [الجاثية: ٢٠] ، و ﴿نُورًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] ، و ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ، و ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] ، ﴿يَهْدِي إلَى الْحَقِّ وَإلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ، و ﴿تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ [طه: ٣] ، ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] . وقد أفصح النبي ﷺ عن هذه الحقيقة وجلاَّها، حين قال: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله» (١) ، وأبان الباري عاقبة الإعراض عن ذكره وعدم الاهتداء بنوره، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧] ، حيث تكفل ـ سبحانه ـ لمن أقبل على كتابه وعمل به ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقد فقه الصحابة الكرام هذا المقام الرفيع للقرآن، فتلوه حق تلاوته، وتدبروا معانيه، وانطلقوا من توجيهاته، واتبعوا أحكامه، وتحاكموا في أمورهم كلها إليه، فسهَّل الله ـ تعالى ـ دربهم، وأنار سبيلهم، ووفقهم، وأعانهم، وأصلح بالهم، فتغيرت قلوبهم وعقولهم وأفعالهم، وصاروا سادة الدنيا وقادة الأرض، بعد أن كانوا أصحاب قلوب تائهة، ونفوس مريضة، وعقول ضيقة حائرة، لهم اهتمامات محدودة، وتتحكم فيهم الأنانية، وتشيع في أوساطهم الفرقة والبغضاء وكثير من السلوكيات المشينة، قابعين على هامش من التاريخ، لا يأبه لهم أحد، وليس لهم بين الأمم حساب أو وزن. \ الصحابة والقرآن: حين نتأمل هدي الصحابة الكرام في التعامل مع القرآن، نرى عجباً؛ فقد كان القرآن مرتكزهم ومحور حياتهم؛ فالتعظيم له كبير، والإقبال عليه شديد، والعيش معه طويل، والتأثر به والبكاء عند قراءته كثير، واتِّباعه والانطلاق منه وصناعة الحياة كلها وفق رؤيته أمر واقع، وقضية محسومة في حياة الصغير والكبير والفرد والمجتمع والدولة. يقول عبد الله بن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ مبيناً منهج الصحابة في تلقي القرآن: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» (٢) ، ويقول أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثني الذين كانوا يقرئوننا: عثمان ابن عفان وعبد الله بن مسعود وأُبَيُّ بن كعب ـ رضي الله تعالى عنهم ـ أن رسول الله كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» (٣) . وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «كان أصحاب النبي ﷺ إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله: تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم» (١) . وعن أبي صالح قال: «لما قدم أهل اليمن في زمان أبي بكر فسمعوا القرآن جعلوا يبكون، فقال أبو بكر: هكذا كنا ثم قست القلوب» (٢) . ويقول أنس ﵁: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران يُعَدُّ فينا عظيماً» ، وفي رواية: «جد فينا» (٣) أي: علت منزلته وعظمت. وسِيَر القوم زاخرة بالشواهد على أن القرآن كان ربيع قلوبهم، ونور صدورهم، وجلاء أحزانهم، وذهاب همومهم؛ فهذا النبي ﷺ «كان خلقه القرآن» (٤) وكان «يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها» (٥) ، ويقوم ﷺ ليلة بآية يرددها حتى يصبح (٦) ، ومرة يقوم الليل فيقرأ «البقرة وآل عمران والنساء في ركعة لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استجار» (٧) . وهذا أبو بكر ﵁ كان «رجلاً بَكَّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن» (٨) ، وهذا عمر ﵁ كان كثير التلاوة لكتاب الله، شديد التأثر به (٩) . وهذا عثمان ﵁ يقول: «لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي عليَّ يوم لا أنظر في المصحف» (١٠) . وهذا علي ﵁ يقول: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت» (١١) . وهذا ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ كان يتهجد من الليل، فيقرأ الآية ثم يسكت طويلاً من أجل التأويل يفكر فيها، ثم يقرأ (١٢) ، وكان يقول: «لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدَّبَّرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن أجمعَ هَذْرَمَةً» (١٣) . وهؤلاء أصحاب النبي ﷺ كان لليلهم من قراءة القرآن دوي كدوي النحل (١٤) ، وكانوا إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقي يستمعون (١٥) . وهذا أنس ﵁ يخبر أنه كان يدير الخمر قبل تحريمها على جمع من أصحاب رسول الله ﷺ حتى مالت رؤوسهم من أثرها، فينادي منادٍ: ألا إن الخمر قد حُرِّمَتْ قال: «فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سُلَيْم، ثم خرجنا إلى المسجد» (١٦) . وعن عائشة ﵂ قالت: «والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، ولا أشد تصديقاً لكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أُنزِلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وكل ذي قرابته؛ فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان» (١٧) . وهذا عمر يقول له عيينة بن حصن: يا ابن الخطاب! والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل! فغضب عمر حتى همَّ بأن يقع به، فقيل له: يا أمير المؤمنين! إن الله ـ تعالى ـ قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، وإن هذا من الجاهلين، يقول الراوي: «فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وَقَّافاً عند كتاب الله» (١٨) ، أي: يعمل بما فيه ولا يتجاوزه. فحالهم كما وصف الله: ﴿وَإذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] . إنها معرفة منشئة للعمل، وتلقٍّ للتنفيذ، وقراءة بتدبر بغرض تلمُّس التوجيه للانصياع له والعمل بما فيه. \ إنه منهج متكامل لا مجرد تلاوة: ولذا فلم يُعرف عن النبي ﷺ أنه قرأ القرآن في ليلة، بل قال ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» (١٩) ، وكان ابن مسعود ﵁ يقول: «إذا سمعتَ اللهَ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعِها سمعك؛ فإنه خير تؤمَر به أو شر تُنهى عنه» (٢٠) ، ويقول ﵁: «ينبغي لحامل القرآن أن يُعرَف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون» (١) . ووجدنا أئمة الهدى يشتد نكيرهم حين يرون غياب هذا النهج الراشد في التعامل مع القرآن. يقول ابن عمر ﵄: «لقد لبثنا برهة من دهر وأحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، تنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وآمِرَها وزاجِرَها وما ينبغي أن يوقَف عنده منها كما يتعلم أحدكم السورة، ولقد رأيت رجالاً يؤتَى أحدهم القرآن قبل الإيمان، يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يعرف حلاله ولا حرامه ولا آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدَّقَل» (٢) ، ويقول أيضاً: «كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن - منهم الصبي والأعمى - ولا يُرزَقون العمل به» (٣) . ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: «لا تنثروه نثر الدقَل، ولا تهذُّوه هذَّ الشِّعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة» (٤) ، ومرة قال: «إنَّا صَعُب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به» (٥) . ويذكر الحسن ﵁ أن أناساً قرؤوا القرآن «لا علم لهم بتأويله، وما تدبُّر آياته إلا باتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفاً، وقد والله أسقطه كله، ما يُرى له القرآن في خُلُق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَسٍ، لا والله ما هؤلاء بالقراء، ولا بالعلماء، ولا الحكماء، ولا الوَرَعة، ومتى كانت القراءة هكذا؟ لا أكثر الله في الناس مثل هؤلاء» (٦) . وقال الفُضيل: «إنما نزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس قراءته عملاً، فقيل له: كيف العمل به؟ قال: أي ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه» (٧) . وهذا ابن تيمية يوصي طالب العلم بأن يبدأ بحفظ القرآن؛ فإنه أصل علوم الدين، ثم يقول: «والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل؛ فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين» (٨) . \ القرآن منطلق النهضة: واليوم نعيش في زمن تلاطمت فيه الأفكار والمفاهيم، وكثرت فيه الشبهات، وغرق فيه كثيرون في بحور الشهوات؛ ومظاهر المرض والتخلف بادية في جسم أمتنا (أفراداً ومجتمعات) ، في جوانب رئيسة، هي شروطٌ أساس لتحقيق نهضة جادة، كجانب الهوية والانتماء، والانطلاق من الثوابت، والجدية، والشعور بالمسؤولية، والعمق في البحث وامتلاك المعرفة، وحسن الإدارة والتنفيذ، والتمسك بمنظومة القيم والأخلاق العالية التي تمتلكها الأمة ... فنحن مطالبون أكثر من أي وقت مضى بعودة صادقة إلى الكتاب العزيز، نجعل فيه القرآن في حياتنا أولاً: إيماناً وتصديقاً، حفاوة وإجلالاً، تلاوة وحفظاً، تدبراً وفهماً، خشوعاً وخضوعاً، اتباعاً وتطبيقاً، تحاكماً وتحكيماً، ذبّاً عنه ودعوة إليه.. متى ما كنا نريد أن نأتي ربنا الكريم يوم لا ينفع مال ولا بنون بقلوب سليمة، ومتى ما كنا نريد لأمتنا عزة ورفعة، ونهوضاً وتمكيناً. إن الابتعاد عن القرآن سبب الذل والهوان الذي تعاني منه أمتنا اليوم، وإن الانطلاق منه في كافة الأمور هو السبيل الوحيد النافذ أمامها للوصول لساحة العزة، وبوابتها الواسعة لنيل الرفعة والظفر بالتمكين، ولن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أمر أولها. وها نحن اليوم في شهر رمضان المبارك، الشهر الذي أنزل الله ـ تعالى ـ فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، والذي يستحب فيه مدارسة القرآن والإكثار من تلاوته؛ ولذا يجدر بنا أن نستثمره في تعميق عودة صادقة إلى القرآن، فنعلِّم أنفسنا والناس تلاوته وتدبره وفقه معانيه، وننشر في الأمة المنهج الصحيح في التعامل معه، في كل وسط، ولكل أحد، كل بحسبه وفي الموقع الذي هو فيه، إن ربي لطيف لما يشاء، وهو على كل شيء حفيظ. اللهم علِّمنا كتابك، وفقِّهنا فيه، وجنبنا هجره، وهذب به نفوسنا، وأَحْيِ به قلوبنا، وأصلح به حال أمتنا، وانفع به أولادنا وأهلينا، وارزقنا تلاوته وتدبره، واجعلنا من أهله الناشرين لعلومه، ووفقنا للاجتماع عليه والعمل به على الوجه الذي يرضيك عنا، بجودٍ منك وإحسان يا قريب يا مجيب!

стр. 5419

الدلالة المحكمة لآيات الحجاب لطف الله خوجه من مميزات هذا القرن، من جهة المسائل الفقهية: ظهور الجدل والتأليف في مسألة كشف وجه المرأة. وهذا بعكس القرون السابقة؛ حيث انحصر البحث في بطون الكتب الفقهية، والحديثية، والتفاسير. لم تكن هذه المسألة جدلاً في المنتديات، ولا دعوة على المنابر، ولم تؤلف فيها مؤلفات مستقلة، كلاَّ (١) ، بل كان العالِم يعرض رأيه كان العلماء في هذه المسألة على قولين: - الأول: إيجاب التغطية على جميع النساء، بمن فيهن أزواج النبي ﷺ رضوان الله عليهن. - الثاني: استحباب التغطية على جميع النساء، حاشا أزواج النبي رضوان الله عليهن، فعليهن التغطية. وبهذا يُعلم اتفاقهم في شيء، واختلافهم في شيء: - فقد اتفقوا على وجوب التغطية في حق أزواج النبي ﷺ ، فكان هذا إجماعاً. - واختلفوا في حق عموم النساء، بين موجب ومستحب، فكان هذا خلافاً. وأهم ما يجب ملاحظته في مذهب المستحبين: أن قولهم تضمن أمرين مهمين هما: - الأول: استحبابهم التغطية؛ وذلك يعني أفضليتها على الكشف؛ فحكم الاستحباب فوق حكم المباح. ففي المباح: يستوي الفعل والترك. لكن في الاستحباب: يفضل فعل المستحب. - الثاني: اشتراطهم لجواز الكشف شرطاً هو: أمن الفتنة. والفتنة هي: حسن المرأة، وصغر سنها (أن تكون شابة) ، وكثرة الفساق. فمتى لم تُؤْمَن الفتنة فالواجب التغطية. وبهذا يُعلم أن تجويزهم الكشف مقيَّدٌ غير مطلق، مقيد بشرط أمن الفتنة، ومقيد بأفضلية التغطية، وهذا ما لم يلحظه الداعون للكشف اليوم، وهم يستندون في دعوتهم إلى هؤلاء العلماء. وقد التزم المستحبون ذلك الشرط وذلك التفضيل، فانعكس على مواقفهم: - فأما الشرط: فالتزامهم به أدى بهم لموافقة الموجبين في بعض الأحوال، فأوجبوا التغطية حال الفتنة، فنتج من ذلك: حصول الإجماع على التغطية حال الفتنة. فالموجبون أوجبوها في كل حال، والمستحبون أوجبوها حال الفتنة، فصح إجماعهم على التغطية حال الفتنة؛ لأنهم جميعاً متفقون على هذا الحكم في هذا الحال.. هذا بالأصل، وذاك بالشرط. - وأما التفضيل: فالتزامهم به منعهم من السعي في نشر مذهبهم، والدعوة إليه، وحمل النساء عليه؛ ولأجله لم يكتبوا مؤلفات مستقلة تنصر القول بالكشف ـ حسب علمي ـ. فما كان لهم استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. ترتب على ذلك أثر مهم هو: إجماع عملي تمثل في منع خروج النساء سافرات؛ فلم يكن لاختلافهم العلمي النظري أثرٌ في واقع الحال.. وهذا ما لم يلحظه الداعون للكشف اليوم، وهم يستندون في دعوتهم إلى هؤلاء العلماء. فملخص أقوالهم: - ثلاثة إجماعات: إجماع على التغطية في حق أزواج النبي ﷺ ، وإجماع على التغطية حال الفتنة، وإجماع عملي في منع خروج النساء سافرات. - وإيجاب على الجميع، بمن فيهن أزواج النبي ﷺ ، في كل حال. - واستحباب على الجميع دون أزواج النبي ﷺ ، مقيد بشرط أمن الفتنة، ومقيد بالأفضلية. هذه هي المذاهب في هذه المسألة. وهكذا مرت المسألة بينهم في تلك القرون: خلاف نظري، يمحوه اتفاق عملي. فانعكس على أحوال المسلمات، فلم تكن النساء يخرجن سافرات الوجوه، كاشفات الخدود، طيلة ثلاثة عشر قرناً، عمر الخلافة الإسلامية، حكى ذلك وأثبته جمع من العلماء، منهم: ١ - أبو حامد الغزالي، وقد عاش في القرن الخامس، في الشام والعراق (توفي ٥٠٥هـ) ، الذي قال في كتابه: (إحياء علوم الدين) : «ولم يزل الرجال على مر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات» (١) . ٢ - الإمام النووي، وقد عاش في القرن السابع؛ حيث نقل في كتابه: (روضة الطالبين) (٢) الاتفاق على ذلك، فقال في حكم النظر إلى المرأة: «والثاني: يحرم، قاله الاصطخري وأبو علي الطبري، واختاره الشيخ أبو محمد، والإمام، وبه قطع صاحب المهذب والروياني، ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات، وبأن النظر مظنة الفتنة، وهو محرك للشهوة؛ فاللائق بمحاسن الشرع، سد الباب والإعراض عن تفاصيل الأحوال، كالخلوة بالأجنبية» . ٣ - أبو حيان الأندلسي المفسر اللغوي، وقد عاش في القرن الثامن، قال في تفسيره (البحر المحيط) (٣) : «وكذا عادة بلاد الأندلس، لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة» . ٤ - ابن حجر العسقلاني، وقد عاش في القرن التاسع، قال في الفتح (٤) : «استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى: المساجد، والأسواق، والأسفار منتقبات؛ لئلا يراهن الرجال» . ٥ - ابن رسلان، الذي حكى «اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق» (٥) . وهكذا كان الحال في بدايات القرن الأخير؛ فقد ظهر التصوير قبل مائة وخمسين عاماً، تقريباً، وصوَّر المصورون أحوال كثير من البلاد الإسلامية، منذ مائة عام، وزيادة، وفيها ما يحكي واقع حال النساء في بلاد الإسلام: تركستان، الهند، وأفغانستان، وإيران، والعراق، وتركيا، والشام، والحجاز، واليمن، ومصر، والمغرب العربي؛ حيث الجميع محجبات الوجوه والأبدان حجاباً كاملاً سابغاً، حتى في المناطق الإسلامية النائية، كجزيرة زنجبار في جنوبي إفريقيا، في المحيط الهندي، وقد زرتها عام ١٤٢٠هـ، ودخلنا متحفها القديم، ورأينا صور سلاطينها من العمانيين، وصور نسائها، وكن جميعاً محجبات على الصفة الآنفة، وعندنا شاهد في هذا العصر: المرأة الأفغانية؛ فحجابها السابغ الذي يغطي جميع بدنها، حتى وجهها، قريب إلى حد كبير مما كان عليه النساء في سائر البلدان. فهذا الحال أشهر ما يستدل له؛ فالصور أدلة يقينية؛ فقد ظلت المرأة متمسكة بهذا الحجاب الكامل إلى عهد قريب، ولم يظهر السفور إلا بعد موجات الاستعمار والتغريب، حيث كان من أولويات المستعمر: - نزع حجاب المرأة. - تعطيل العمل بالشريعة. وقد اتُّخذ لتحقيق هذين الهدفين طريقان: القوة، والشبهة. والأخطر طريق الشبهة. لقد ظهر من يدعو وينادي بالسفور، من على المنابر، والصحف، والكتب، باعتبار أن كشف الوجه مسألة خلافية؛ حيث نظروا في تراث الإسلام، فتتبعوا مسائل الخلاف، وأفادوا منها في تأييد وإسناد دعواهم؛ فكانوا شَبَهاً بالمستشرقين، والفرق: أن المستشرقين بحثوا، وفتشوا للطعن في الإسلام نفسه، وهؤلاء بحثوا، وفتشوا للتشكيك في أحكام مستقرة، جرى عليها العمل، ومن ذلك: حجاب المرأة، وبخاصة كشف الوجه. فوجدوا لطائفة من العلماء أقوالاً تجيزه، ولا تحرمه، لكن بشرط أمن الفتنة. فأخذوا أقوالهم، وتركوا شروطهم. كما أخذوا قولهم بالجواز، وتركوا قولهم بالاستحباب. ونسبوا قولهم الجديد، المحدَث، في جواز كشف الوجه مطلقاً، من غير قيد بشرط، ولا قيد بأفضلية إلى هؤلاء العلماء، فلم يحفظوا أمانة الأداء، ولم يحرروا نسبة الأقوال، ثم زعموا أنه قول جماهير العلماء. وما كان لهم أن ينتسبوا لهؤلاء العلماء فيما أحدثوه من قول؛ فما هم منهم، ولا هم منهم. ثم إنهم ربطوا بين السفور والتقدم، وزعموا أن سبب انحطاط الأمة، إنما كان باحتجاب المرأة، وبعدها عن ميدان الرجال. وسمع لهم من سمع، وانساق كثير من المسلمين لهذه الأفكار، لانتفاء الحصانة، وضعف القناعة، فتمثلوها، وطبقوها، فحدث في تاريخ الإسلام حدث غير سابق، غريب كل الغربة عن أخلاق المسلمين؛ حيث خرجت المرأة المسلمة سافرة، تتشبه في لباسها بالكافرة. صارت المرأة في الصورة التي أرادها المتحررون، ومرت عقود، وشارف قرن على الأفول، لكن تلك البلدان المتحررة ما زالت من دول العالم الثالث؛ فأين التقدم الذي يجيء مع كشف الوجه، والتبرج، والاختلاط، وخروج المرأة من بيتها؟ والدعوات نفسها اليوم تعاد في مأرز الإسلام، ومأوى الإيمان، من دون اعتبار. وأخطر ما في الأمر تبني مذهب الكشف طائفةٌ من المنتسبين للتيار الإسلامي، ممن كانوا يعارضون هذا المذهب؛ ذلك أن رأيهم مسموع، وقولهم له محل من القبول، لغلبة التدين، وإذا تذكرنا أن أول السفور ونزع الحجاب في البلاد الإسلامية، كان بدؤه كشف الوجه، فهمنا لِمَ كان تبني هؤلاء لهذا القول خَطِراً؟ ولا شك أن باعث هذا التغير في موقف هؤلاء الأفاضل اشتباه في المسألة. فالقناعة تامة بأنهم محبون للخير، متبعون للدليل، لكن الخلاف فيها غرّهم، فظنوا صحة مذهب الكشف، وربما رجحوه، ومحل الخلل عدم تحرير المسألة بدقة. وهذا ما لوحظ على أصحاب هذا الاتجاه، والشبهة إن أتت من نص شرعي، فلا تُزال إلا بنص واستدلال شرعي، ومجرد الخلاف لا يسوِّغ الانتقاء؛ إذ ليس كل خلاف سائغ، بل ثمة خلاف مردود. والواضح أن النصوص المستدل بها على جواز الكشف، ليست من القوة بحيث ترجح على النصوص الموجبة للتغطية؛ ففي القرآن ثلاث آيات، هي آيات الحجاب، وهن قوله ـ تعالى ـ: - ﴿وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . ـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] . ـ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] . هذه الآيات كلها تدل دلالة محكمة على وجوب غطاء الوجه، فإذا ثبت إحكامها؛ فكل ما عداها متشابه، يُرَدُّ إليها. ومعلوم أن النصوص منها المحكم، ومنها المتشابه، فالمتشابه يُرَدُّ إلى المحكم، هذا سبيل أهل الإيمان الراسخين في العلم، كما دل عليه قوله ـ تعالى ـ: - ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] . والمتبعون المتشابه: - منهم القاصد، وهذا الذي في قلبه زيغ، يبتغي الفتنة بالتأويل، وهذا الذي حذر منه القرآن. - ومنهم الواقع فيه بالخطأ، فهذا له أجر الاجتهاد، دون أجر الإصابة. ففي مسألتنا هذه يوجد الصنفان، والمتأمل في نصوص الحجاب لا يملك إلا أن يحكم بأنها تدل على وجوب غطاء الوجه بدلالة محكمة، يصعب ويستحيل تعطيلها لأجل نصوص متشابهة، وإن كانت في نظر من قال بالجواز محكمة، لكن بيان الدلالة المحكمة لهذه الآيات، سيظهر صورة المسألة كما هي. - الدلالة المحكمة لقولة ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . هذه الآية تدل دلالة محكمة على التغطية، وهذا لا خلاف فيه عند جميع العلماء؛ حيث اجتمع قولهم على هذه الدلالة، وخلافهم إنما جاء من جهة تعلق حكمها: - فالموجبون التغطية على سائر النساء، مذهبهم في حكم الآية أنه عام. - وأما المستحبون التغطية، فإن مذهبهم في الآية أنها خاصة بأزواج النبي ﷺ رضوان الله عليهن. والمقصود هنا: بيان أن دلالة الآية محكمة في الجهتين: في دلالتها على التغطية، وفي كونها تعم جميع النساء، ليست خاصة بأزواج النبي ﷺ رضوان الله عليهن، وذلك يتبين من الأوجه التالية: - الوجه الأول: أن الأمر بالحجاب في الآية معلل، والعلة هي: تحصيل طهارة القلب. وهذه العلة موجودة في سائر النساء، ليست قاصرة على أزواج النبي ﷺ رضوان الله عليهن؛ فكل النساء في حاجة إلى طهارة القلب، لا يدعي أحد غير هذا، وهي تحصل بالاحتجاب عن الرجال. - الوجه الثاني: أن أزواج النبي ﷺ إذا كن أمرن بالاحتجاب؛ لأجل تحصيل طهارة القلب، مع اصطفائهن، وانقطاع طمع الرجال منهن؛ فسائر النساء من باب أوْلى؛ لأنهن أحوج إلى الطهارة، وليس لهن منزلة أزواج النبي ﷺ رضوان الله عليهن، ولأن للرجال فيهن مطمعاً. - الوجه الثالث: أنه تقرر في الأصول: أن خطاب الواحد يعم الجميع، إلا إذا جاء استثناء، ولا استثناء هنا؛ فالخطاب وإن جاء في حق أزواج النبي ﷺ رضوان الله عليهن، إلا أن الأصل في الحكم أنه عام؛ لأن المعنى الموجود فيهن، موجود في سائر النساء، وقد قال رسول الله ﷺ : «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة، كقولي لامرأة واحدة» (١) . - الوجه الرابع: أن مبنى التخصيص بأزواج النبي ﷺ عند القائلين به هو: الحرمة. وهذه العلة موجودة في بناته ﷺ ، فإما أن يدخلوهن في حكم الآية، وحينئذ ينتفي التخصيص، أو يمتنعوا من إدخالهن فتبطل العلة، وحينئذ لا وجه لحمل الآية على التخصيص؛ فكيفما كان فالتخصيص باطل. - الوجه الخامس: أن القول بتخصيص حكم الآية بالأزواج، يلزم منه جواز الدخول على النساء ببيوتهن، وهو باطل، ولا قائل به. فهذه الأوجه صريحة المعنى، محكمة الدلالة، وبها يظهر بطلان من خص حكم الآية أزواج النبي ﷺ رضوان الله عليهن، وقد ذهب إلى القول بعموم حكم الآية جمع من المفسرين، وهم: ابن جرير، وابن العربي، والقرطبي، وابن كثير، والجصاص، والشوكاني، والشنقيطي، وحسنين مخلوف، وغيرهم. - الدلالة المحكمة لقولة ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] . هذه الآية دلالتها محكمة على التغطية، يتبين ذلك بالأوجه التالية: - الوجه الأول: أن الجميع: أزواج النبي ﷺ ، وبناته، ونساء المؤمنين: أُمرن بأمر واحد هو: إدناء الجلباب. فعُرف من ذلك أن صفة الإدناء للجميع واحدة، ولما كان من المجمع عليه: أن صفة إدناء أزواج النبي ﷺ ـ رضوان الله عليهن ـ هو: الحجاب الكامل مع التغطية، فينتج من ذلك: أن صفة الإدناء عند البقية (بناته ﷺ ، ونساء المؤمنين) كصفته عند أزواج النبي ﷺ . - الوجه الثاني: تفسير الإدناء بكشف الوجه، يلزم منه كشف أزواج النبي ﷺ رضوان الله عليهن وجوههن، وهو باطل، ولا قائل به. - الوجه الثالث: أنه قال: ﴿يدنين عليهن﴾ ، فالفعل عُدِّي بـ «على» ، وهو يستعمل لما يكون غطاؤه من أعلى إلى أسفل، فدل بذلك على أن الإدناء يكون من على الرأس منسدلاً حتى ينزل على الوجه، وبهذا المعنى قال جمع من أهل اللغة: - كالزمخشري؛ حيث قال في تفسير هذه الآية: «يرخينها عليهن، ويغطين وجوههن، وأعطافهن، يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدني ثوبك إلى وجهك» . - وأبو حيان الأندلسي؛ حيث قال في تفسيرها: « ﴿عليهن﴾ شامل لجميع أجسادهن، أو ﴿عليهن﴾ ، على وجوههن؛ لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه» . وإلى القول بدلالة الإدناء على التغطية ذهب كل من: ابن عباس، وعبيدة السلماني، ومحمد بن سيرين، وابن علية، وابن عون. قال ابن عباس ﵄: «أمر الله نساء المؤمنين، إذا خرجن من بيوتهن في حاجة، أن يغطين وجوههن، من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة» ، وسند هذه الرواية صحيحة عند الأئمة: أحمد، والبخاري، وابن حجر. ورواها ابن جرير في تفسير الآية. كما تظاهر المفسرون على تفسير الإدناء بتغطية الوجه، متابعة لابن عباس، منهم: ابن جرير، والجصاص، والكيا الهراس، والزمخشري، والبغوي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي الكلبي، وابن تيمية، وأبو حيان، وأبو السعود، والسيوطي، والآلوسي، والشوكاني، والقاسمي، والشنقيطي، وجلال الدين المحلي؛ فكل هؤلاء وغيرهم ذهبوا إلى تفسير الإدناء في الآية بتغطية الوجه؛ وذلك أنهم اعتمدوا في تفسيرها على قول ابن عباس ﵄ الآنف. - الدلالة المحكمة لقولة ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] . هذه الآية دلالتها محكمة على التغطية، يتبين ذلك بالوجهين التاليين: - الوجه الأول: في الآية جاء الفعل «ظهر» وليس «أظهر» فالاستثناء يعود إلى ما يظهر من المرأة، من زينتها، بدون قصد، فلا يُحمَل على الوجه إذن، لأن الوجه يظهر بقصد. - الوجه الثاني: أن الزينة في لغة القرآن والعرب، تطلق على ما تزينت به المرأة، مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي واللباس؛ فتفسير الزينة بالوجه والكف خلاف القرآن وكلام العرب. وممن قال بدلالة الآية على التغطية جمع من السلف، منهم: ابن مسعود، والنخعي، والحسن، وأبو إسحاق السبيعي، وابن سيرين، وأبو الجوزاء. ثم إن هذه الآية عمدة القائلين بالكشف، حيث ورد في تفسيرها قول ابن عباس، ومن تبعه: «الوجه والكف» وتلقَّف هذا القول كثير من الناس، وحملوه على معنى جواز كشفهما للأجانب؛ وهذا فيه نظر من جهة ابن عباس نفسه؛ حيث سبق قوله في آية الجلباب، وهو صريح واضح لا يحتمل إلا معنى واحداً هو: وجوب غطاء الوجه، مع جواز إخراج العين، لأجل الرؤية. فإن أُخذ قوله هنا في الآية على معنى: جواز كشفهما للأجانب؛ فهذا تناقض، وحاشاه، ولا يلجأ إلى هذه النتيجة إلا بعد استنفاد أوجه الترجيح. لكن إذا عرفنا أن ابن عباس نفسه فسر هذه الآية بأن المرأة تكشفهما لمن دخل عليها بيتها. انتفى الإشكال، واجتمع كلامه، وتلاءم؛ حيث المعنى: أنه يجوز لها أن تظهر ذلك للمحارم، غير الزوج. وقوله كما رواه ابن جرير في التفسير: «والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم؛ فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها» ، أي من يحل له الدخول عليها وهم المحارم ولا يُظَن بابن عباس أنه يجيز دخول الأجنبي على المرأة. فهذا بالنسبة لابن عباس. أما غيره ممن فسر الآية بمثله، فإنه: - إما أن يكون قد نقل قول ابن عباس، وقصد ما قصده ابن عباس، كما وضحنا آنفاً. - وإما أنه قصد النهي لا الاستثناء، وبيان ذلك: أن قول من فسر الآية بالوجه والكف يحتمل أمرين: - يحتمل أنه قصد النهي عن إبدائهما، فيكون كلامه تفسيراً للنهي. - ويحتمل قصده الاستثناء، كما هو المشهور. والاحتمال الأول له حظ من النظر، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره، فيكون معنى الآية: ولا يبدين الوجه والكف، إلا إن ظهر منها شيء بغير قصد. فيكون هذا مقابل التفسير الآخر: ولا يبدين بدنهن وما فيه من الزينة سوى الوجه والكف. فإذا ورد الاحتمالان وصحّا، فليس أحدهما بأوْلى من الآخر، إلا بنص مرجح، والمرجح ينصر الاحتمال الأول (النهي) ؛ وذلك بما ورد في الآيتين: الحجاب، والجلباب. من دلائل محكمة واضحة على التغطية. ويؤكد هذا المعنى ما تقرر من توجيه كلام ابن عباس آنفاً، وما ثبت عنه من وجوب غطاء الوجه. وفي كل حال، فإن هذا التخريج لا يمنع من أن يكون ثمة طائفة قصدت الاستثناء، وقصدت كشف الوجه للأجانب؛ فهؤلاء هم القائلون بجواز كشف الوجه، غير أن المقصود أن ثمة توجيهاً آخر غُفْلاً عن الذكر. وبهذه الأوجه يثبت القول بوجوب التغطية، وكونها من النصوص المحكمة، والأصول الثابتة؛ فما عارضها، وكان ثابتاً، فهو متشابه، يُحمَل على المحكم، ويُفهم في ضوئه، كأن يكون قبل فرض الحجاب، أو لظرف خاص. والله أعلم.

стр. 5420

حقيقة الشورى بين الاتباع والادعاء (١) محمد بن شاكر الشريف الشورى بما تحمله من مضمون تعاوني تكاملي في العمل على الوصول إلى المصالح المجردة، أو تحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، وكذلك بدفع المفاسد الخالصة أو بدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، أو بالاختيار من بين متعدد لمناسبة ظرف أو حال أو مكان؛ تُعد من السياسة الحكيمة التي يتبعها الإنسان الراشد. وقد كانت الشورى من الأمور المشتركة التي مارستها كثير من الأمم على نحو ما؛ فهي من هذه الوجهة تعد من التراث الإنساني المشترك، وما تميزت به شريعة الإسلام في ذلك كان في الضوابط التي وضعت للقيام بعملية الشورى وتنفيذها لتُحَقِّق الغرض الذي من أجله شُرِعت على وجه صحيح، على ما سيأتي بيانه في هذا المقال إن شاء الله تعالى. وقد سجل لنا القرآن بعض النماذج التي ظهر فيها أخذ أقوام من غير المسلمين بالشورى والعمل بها. - نماذج من الشورى قبل الإسلام: ففي قصة ملكة سبأ عندما أرسل إليها سليمان نبي الله تعالى ﵇ يدعوها وقومها إلى الإسلام والدخول في دين الله ـ تعالى ـ ذكر الله ـ سبحانه ـ موقفها عند قراءة الخطاب: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] ، والملأ هم أشراف القوم وعِلْيَتُهم، فشاورتهم في أمر هذا الخطاب واستنصحتهم في ذلك، لكن الملأ هنا كان موقفهم سلبياً؛ إذ لم يزيدوا على قولهم: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣] ، فلم يقدموا لها مشورة ولم يقترحوا عليها تصرفاً، بل عرَّضوا باستعدادهم للحرب عن طريق بيان قوتهم وبأسهم، وهو أمر لم يكن خافياً على بلقيس حتى يذكروه لها، ثم فوضوا إليها التصرف وتركوا ما كان ينبغي عليهم من الإشارة بما يرون فائدته، وقالوا لها: والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين؟ وهذا أحد الفروق الهامة بين الشورى في الإسلام وبين الشورى في النظم الجاهلية؛ حيث يتنازل المستشارون عن القيام بدورهم لصالح التفويض المطلق للحاكم، بعكس الشورى في الإسلام؛ حيث يبذل المستشار جهده في الدلالة على ما يرى صوابه من الخير والصلاح، أو التحذير من الشر والفساد؛ انطلاقاً من كونه مأموناً على ذلك كما ورد في الحديث: «المستشار مؤتمَن» (١) ، فلا ينبغي له أن يدل على غير ما يرى، أو يتقاعس ويبخل بما عنده من النصيحة والإرشاد، وهذه الشورى الواردة هنا تعد طلباً للشورى في مسألة من مسائل السياسة الخارجية في تعامل الدولة مع غيرها من الدول. وكذلك فرعون الطاغية قد شاور الملأ من قومه في أمر موسى ﵇ فقد أثبت القرآن الكريم المحاورة التي جرت في ذلك بين فرعون والملأ من قومه؛ فقد قال الملأ من قوم فرعون لفرعون عن موسى ﵇: ﴿إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٥] ، عند ذلك قال فرعون للملأ: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥] ؟ أي بأي شيء تشيرون في أمر موسى؟ لكن الملاحظ هنا أن طلب المشورة إنما جاء في الوقت العصيب الشديد الذي يفقد فيه القائد قدرته على التفكير بحيث يكون لجوؤه للشورى في ذلك الموضع من قبيل الضرورة لا من قبيل المنهج المتبع، وهو ما يفرق بين الشورى من المنظور الإسلامي وبينها من منظور الطواغيت والمستبدين؛ فعندما يسقط الأمر في يد الطاغية، وعندما يفقد القدرة على التصرف فإنه عندئذ يلجأ إلى الشورى، ويؤيد ذلك ما قاله الشوكاني في تفسير الآية: «ما رأيكم فيه وما مشورتكم في مثله؟ فأظهر لهم الميل إلى ما يقولونه تألفاً لهم واستجلاباً لمودتهم؛ لأنه قد أشرف ما كان فيه من دعوى الربوبية على الزوال، وقارب ما كان يغرر به عليهم الاضمحلال، وإلا فهو أكبر تيهاً وأعظم كبراً من أن يخاطبهم مثل هذه المخاطبة المشعرة بأنه فرد من أفرادهم، وواحد منهم، مع كونه قبل هذا الوقت يدعي أنه إلههم، ويذعنون له بذلك، ويصدقونه في دعواه» (١) ، وهذه القاعدة لا ينافيها موقف الملكة بلقيس؛ فقد كان لها عقل وحكمة وكياسة، ولذلك هداها ذلك ودفعها إلى الإيمان عندما ظهرت لها دلائله؛ بعكس موقف فرعون الذي تبينت له الآيات هو وقومه كما قال الله ـ تعالى ـ عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] ، كما تشاور الملأ من قوم فرعون في قتل موسى ﵇ فيما جاء على لسان المؤمن من آل فرعون؛ حين قال لموسى: ﴿إنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] ، أي يتشاورون في قتلك. قال البيضاوي: «يتشاورون بسببك، وإنما سمي التشاور ائتماراً؛ لأن كلاًّ من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر» (٢) ، وهذه الشورى التي طلبها فرعون تعد من قبيل الشورى في مسائل السياسة الداخلية. وهناك نموذج ثالث قد تحدث عنه القرآن وهو ما كان من ملك مصر زمن يوسف ﵇ حينما رأى رؤيا أفزعته، فقال للملأ من قومه: ﴿إنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣] إلى أن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيَايَ إن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] ، فأجابوه بقولهم: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤] ، فقد استشارهم فيما رأى ليدلوه إن كان عندهم علم، لكنهم تكلموا ورجموا بغير علم، فقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ ، ثم ناقضوا أنفسهم وقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤] ، وهذا أيضاً بعكس الشورى في الإسلام؛ حيث لا يشير المستشار إلا بعلم، ولا يرجم بالظن؛ لأن المسلم منهي عن القول بغير علم. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ؛ فإن كان لديه علم أشار به، وإن لم يكن عنده في الأمر المعروض عليه علم قال: لا أعلم. وهذه الشورى التي طلبها ملك مصر لا تتعلق بجانب سياسي، بل بجانب شخصي. وهناك في التاريخ والأخبار نماذج كثيرة غير هذه ولا شك، والغرض الإشارة لا الحصر. قال ابن عاشور: «والشورى مما جبل الله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبة الصلاح وتَطَلُّب النجاح في المساعي ... وإنما يلهي الناس عنها حب الاستبداد، وكراهية سماع ما يخالف الهوى؛ وذلك من انحراف الطبائع، وليس من أصل الفطرة؛ ولذلك يُهرَع المستبد إلى الشورى عند المضائق. قال ابن عبد البر في بهجة المجالس: «الشورى محمودة عند عامة العلماء، ولا أعلم أحداً رضي الاستبداد إلا رجل مفتون، مخادع لمن يطلب عنده فائدة، أو رجل فاتك يحاول حين الغفلة، وكِلا الرجلين فاسق» (٣) . والملاحظ هنا في جميع النماذج على اختلاف مجالاتها أنها لم تكن إلا مع الملأ من القوم، وقد جاء في النهاية أن: «المَلأ أشرافُ الناس ورؤَساؤُهم ومُقَدَّموهم الذين يُرجَعُ إلى قولهم» (٤) ، فكأن هذا هو المؤهل الوحيد الذي يؤهلهم لذلك، بعكس الشورى في الإسلام فإن أصحابها لهم مؤهلات تؤهلهم لذلك غير كونهم من الملأ، سيأتي ذكرها في هذا المقال إن شاء الله تعالى. وقد كان الملأ دوماً أعداء الرسل الذين يكذبونهم ويصدون الناس عن اتباعهم كما هو موجود في قصص الأنبياء في القرآن الكريم. ويمكننا أن نلخص ما تميزت به الشورى في الأمم غير المسلمة التي سبقت رسالة محمد ﷺ خير البشرية؛ فمن ذلك: ١ - قصر الشورى على الكبراء والرؤساء. ٢ - تفويض أهل الشورى للملك أو الرئيس أو الأمير في اتخاذ القرارات وعدم المشاركة فيها؛ بحيث يكونون مجرد آلات للتنفيذ. ٣ - الإشارة بغير علم أو بجهل، رجماً بالغيب، وهو ما يعني عدم تقدير المسؤولية. ٤ - أن طلب الشورى لا يكون إلا عندما يسقط في يد القيادة، وأما في غير ذلك فالاستبداد هو القاعدة. وتختلف الشورى في الإسلام عن كل ما تقدم، على ما سيتبين ذكره إن شاء الله تعالى. - تعريف الشورى: بالبحث في معاجم اللغة يتبين أن من معاني الشورى: الاستخراج، فيقال: شار العسل أي استخرجه واجتناه من موضعه، ومن ذلك أيضاً اختبار الشيء وفحصه ومعرفة كنهه، فيقال: شار الدابة يشورها شوراً: بلاها ينظر ما عندها، وقيل: قلَّبها، وكذلك الأَمَة، والتشوير أن تشور الدابة تنظر كيف سيرتها، وكذلك من معناها الأمر بالشيء، فيقال: أشار عليه بأمر كذا: أمره به، وهي الشُورى والمَشُورة بضم الشين، وتقول: شاورته في الأمر واستشرته بمعنى، وشاوره مشاورة واستشاره طلب منه المشورة، وأشار عليه بالرأي: أومأ إليه، ونبهه أو دله عليه، وقال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: «قال أهل اللغة: الاستشارة مأخوذة من قول العرب: شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها بجَرْيٍ أو غيره، ويقال للموضع الذي تركض فيه: مشوار، وقد يكون من قولهم: شرت العسل واشترته فهو مشور ومشتار، إذا أخذته من موضعه» (١) . ومن مجموع ما تقدم يتبين أن الشورى عملية يحدث فيها استخراج الآراء المتعددة في الأمر المعروض ممن يحسنون ذلك، وتقليبها وفحصها والموازنة بينها، واختبارها لاختيار أنفعها وأصلحها، والدلالة عليها، قال البدر العيني: «وحاصل معنى شاورته عرضت عليه أمري حتى يدلني على الصواب منه» (٢) . والشورى ينظر إليها بعض أهل العلم على أنها اسم فتكون بمعنى الأمر الذي يُتشاور فيه. قال الراغب الأصفهاني: «والتشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم: شرت العسل: إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه، والشورى: الأمر الذي يتشاور فيه» (٣) ، وقال ابن عاشور: «والمشاورة مصدر شاور، والاسم الشورى والمشورة» (٤) ، لكن ابن عاشور لم يثبت على هذا القول؛ فقد قال في موضع آخر متأخر عن هذا الموضع أن الشورى مصدر: «والشورى مصدر كالبشرى والفتيا» (٥) ، بينما ينظر إليها فريق آخر من أهل العلم على أنها مصدر فتكون بمعنى التشاور في الأمر. قال القرطبي: «والشورى مصدر شاورته مثل البشرى والذكرى» (٦) والكلام نفسه كرره الشوكاني فقال: «والشورى مصدر شاورته مثل البشرى والذكرى» (٧) وقال الزمخشري: «والشورى: مصدر كالفتيا بمعنى التشاور» (٨) والكلام نفسه قاله النسفي قال: «والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور» (٩) وكذلك قال البيضاوي: «وهي مصدر كالفتيا بمعنى التشاور» (١٠) وقد علق الآلوسي على كلام الراغب السابق بقوله: «والمشهور كونه مصدراً» (١١) والأقرب في ذلك أن تكون الشورى مصدراً فتكون بمعنى عملية التشاور نفسها. وأياً ما كان الأمر فليس لهذا الخلاف كبير تأثير على بحثنا؛ غير أن هناك من المعاصرين من حاول التفريق بين الشورى وبين المشورة أو الاستشارة، فخص الشورى بما يكون في الأمور الملزمة، وجعل المشورة والاستشارة في الأمور غير الملزمة (١٢) ، وهناك من عكس القضية فجعل الشورى هي أخذ الرأي مطلقاً، خص المشورة بأنها أخذ الرأي على سبيل الإلزام (١٣) ، ومنهم من جعل الشورى فيما يتعلق بأمر الأمة، أما ما يتعلق بالأمور الفردية فيمكن أن يسمى استشارة (١٤) وكل ذلك تفريق بلا دليل أو أثارة من علم. - الشورى في القرآن الكريم: وقد وردت مادة كلمة «شور» في ثلاث آيات من كتاب الله تعالى: الأولى: الشورى في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وهي آية مكية نزلت قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة، وعلى ذلك فلا يمكن قصر هذه الآية على الجانب السياسي، وإن كانت تتضمنه بعموم اللفظ، وقد وردت في مدح الأنصار على ما ذكره طائفة من أهل التفسير. قال القرطبي: «كانت الأنصار قبل قدوم النبي ﷺ إليهم إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه، ثم عملوا عليه، فمدحهم الله ـ تعالى ـ به قاله النقاش ... وقال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله ﷺ وورود النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له، وقيل: تشاورهم فيما يعرض لهم فلا يستأثر بعضهم بخبر دون بعض» (١٥) . والآية دالة على مدح الشورى، كما هي دالة على مدح من يعملون بها، وهم المؤمنون من أي قبيل كانوا وفي أي زمان وجدوا، وجملة: وأمرهم شورى بينهم، جملة اسمية مما يعني ثبات هذا الأمر واستقراره في الممدوحين بها. قال الجصاص: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] يدل على جلالة موقع المشورة لذكره لها مع الإيمان وإقامة الصلاة، ويدل على أنَّا مأمورون بها» (١٦) . والثانية: شاور في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وهي آية مدنية جاءت بلفظ الأمر، فهي تأمر الرسول ﷺ وكل من يقوم مقامه في قيادة الأمة بمشاورة المسلمين، وذلك لما في الشورى من الخير والمصلحة؛ فعن الضحاك بن مزاحم في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، «قال: ما أمر الله نبيه ﷺ بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل» (١٧) ، «وعن الحسن في قوله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال: علمه الله ـ سبحانه ـ أنه ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده» (١) . الثالثة: تشاور في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَإنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] وهي تتحدث عن فطام الرضيع؛ فإن الله ـ تعالى ـ قد جعل للرضيع سنتين في الرضاعة كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلا أن يتفق الوالدان على الفِطام فبل الحولين عن تراض منهما وتشاور، فيما فيه مصلحة المولود لفطمه كما جاء فى قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَإنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية. - مجالات الشورى (متعلق الاستشارة) : أنزل الله ـ تعالى ـ كتابه وأرسل رسوله ليبلغ للناس شرعه، فيأمرهم بما يحبه ويرضاه، وينهاهم عما يكرهه ويبغضه، ويبين لهم ثواب من أطاع، وعقاب من عصى، فكان في ذلك بيان أن المسلم الصادق في إيمانه ليس له إزاء ما شرعه الله إلا القبول والالتزام، والسعي في تنفيذ ما شرعه الله، وهذا يعني أن الشورى لا مدخل لها فيما شرعه الله تعالى؛ إذ ليس أمام المسلم إلا قبول الشريعة، وإنما تكون الشورى في هذا الجانب في البحث عن أفضل كيفيات التنفيذ عند تعددها؛ فهي شورى في سبيل تنفيذ الشرع، وليس في سبيل معارضته أو تعطيله، كما تكون الشورى فيها للفهم الصحيح عند تعدد دلالات النص. وبالجملة فإن الشورى في هذا الجانب لا تكون إلا بمعنى التشاور والتباحث للفهم الصحيح للنصوص، والبحث عن كيفيات التنفيذ الموافقة للنصوص الشرعية والمناسبة للزمان والمكان، وبهذا يتبين أن الأمر الوارد في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وكذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قد خرجت منه النصوص الشرعية بالمعنى المتقدم، ويُحمل لفظ الأمر بعد ذلك على كل ما يتناوله، فيشمل الأمر الخاص كما يشمل الأمر العام، ويشمل الأمر الذي يخص فرداً أو مجموعة من الأفراد أو جماعة أو قبيلة أو بلدة، كما يشمل الأمر الذي يعم الأمة كلها، وذلك في الأمور المهمة أو المشكلة، وقد شاور الرسول ﷺ في ذلك كله، فشاور في الأمر الخاص كما شاور عليّاً وأسامة في حادثة الإفك، وشاور في الأمر العام كما شاور في غزوتي بدر وأحد، والأمثلة كثيرة. وعلى ذلك فمجالات الشورى هي: الحدود التي تعمل فيها الشورى؛ أي بيان الأمور التي يجب، أو يجوز، أو لا يجوز، أن تكون محلاً للشورى، ومجالها قسمان: قسم عام، وقسم خاص. فأما القسم الخاص: فهو متعلق بطالب المشورة؛ فقد يشاور في بيع، أو في شراء، أو علاج، أو سكن، أو غير ذلك من الأمور التي يحتاج إليها، وقد يشاور قريبه، أو صديقه، أو أهل الاختصاص. وأما القسم العام: فإن الشورى فيه وهي تتعلق بالأمة أو جمهورها أو طائفة كبيرة منها أَوْلى من الشورى في المسائل الخاصة التي تتعلق بأفراد، أو مصالح جزئية؛ لأن الأولى خطرها عظيم ونفعها كبير، ولذلك كانت الشورى في المسائل المتعلقة بالنظام السياسي الإسلامي ـ الذي يمثِّل السياج الواقي للإسلام ودولته ـ وكذلك المصالح العامة أَوْلى بكثير من غيرها، ولا يستغني ولي الأمر عنها في إدارته لشؤون ولايته إدارة حسنة. وقد اختلف أهل العلم في تحديد المراد بـ «الأمر» الوارد في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . قال القرطبي: «واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه ﵇ أن يشاور فيه أصحابه، فقالت طائفة: ذلك في مكائد الحروب، وعند لقاء العدو ... وقال آخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وحي» (٢) وقال الزمخشري: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] يعني في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي، لتستظهر برأيهم ولما فيه من تطييب نفوسهم والرفع من أقدارهم» (٣) . وقال ابن الجوزي: «وفي الذي أمر بمشاورتهم فيه قولان حكاهما القاضي أبو يعلى: أحدهما: أنه أمر الدنيا خاصة، والثاني: أمر الدين والدنيا وهو أصح» (٤) . وقال البيضاوي: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] : أي في أمر الحرب؛ إذ الكلام فيه، أو فيما يصح أن يشاور فيه، استظهاراً برأيهم وتطييباً لنفوسهم، وتمهيداً لسنة المشاورة في الأمة» (٥) وقال ابن كثير: «في مثل الحروب وما جرى مجراها» (٦) ، وقال أبو السعود: «وشاورهم في الأمر أي في أمر الحرب؛ إذ هو المعهود، أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورة عادة، استظهاراً بآرائهم، وتطييباً لقلوبهم، وتمهيداً لسنة المشاورة للأمة» (٧) . وقال ابن حجر: «وقد اختلف في متعلق المشاورة، فقيل: في كل شيء ليس فيه نص، وقيل: في الأمر الدنيوي فقط، وقال الداودي: إنما كان يشاورهم في أمر الحرب، مما ليس فيه حكم؛ لأن معرفة الحكم إنما تلتمس منه، قال: ومن زعم أنه كان يشاورهم في الأحكام فقد غفل غفلة عظيمة، وأما في غير الأحكام فربما رأى غيره أو سمع ما لم يسمعه أو يره، كما كان يستصحب الدليل في الطريق، وقال غيره: اللفظ وإن كان عامّاً لكن المراد به الخصوص، للاتفاق على أنه لم يكن يشاورهم في فرائض الأحكام، قلت: وفي هذا الإطلاق نظر؛ فقد أخرج الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان من حديث علي قال: لما نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] الآية قال لي النبي ﷺ : ما ترى؟ دينار، قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] الآية قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة، ففي هذا الحديث المشاورة في بعض الأحكام» (١) لكن المشاورة كانت في أمر مطلق وهو قوله: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] فالصدقة المطلوب تقديمها مطلقة غير مقيدة من الشارع، فلا تنافي المشاورة فيها أنه ﷺ لم يكن يشاور في فرائض الأحكام (٢) ، وقال الشوكاني: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، أي: الذي يرد عليك: أي أمر كان، مما يشاور في مثله، أو في أمر الحرب خاصة، كما يفيده السياق لما في ذلك من تطييب خواطرهم واستجلاب مودتهم، ولتعريف الأمة بمشروعية ذلك، حتى لا يأنف منه أحد بعدك، والمراد هنا المشاورة في غير الأمور التي يرد الشرع بها» (٣) ، وقال ابن عاشور عن الشورى: «إنما تكون في الأمر المهم المشكل من شؤون المرء في نفسه، أو شؤون القبيلة، أو شؤون الأمة، و (أل) في: الأمر [يعني في قوله: وشاورهم في الأمر] للجنس والمراد بالأمر: المهم الذي يؤتمر له ... وقيل: أريد بالأمر أمر الحرب؛ فاللام للعهد ... وقد دلت الآية على أن الشورى مأمور بها الرسول ﷺ فيما عبر عنه بـ (الأمر) وهو مهمات الأمة ومصالحها في الحرب وغيرها، وذلك في غير أمر التشريع» (٤) . ومن خلال كلام أهل العلم المتقدم يتبين أن الأمر العام المتشاور فيه هو ما كان من المصالح العامة لجماعة المسلمين مما لم يأت به وحي، وسواء في ذلك ما كان متعلقاً بأمر الدنيا أو بأمر الدين على التفصيل المتقدم. - متى تطلب الشورى؟ عندما يُشْكِل الأمر في قضية ما، أو عندما تتعدد الحلول لمشكلة ما، وعندما لا يكون المرء قادراً على اتخاذ القرار السليم في تلك الأوضاع المتقدمة، أو عندما يريد التأكد من صواب القرار الذي يريد أن يأخذه، أو يريد التوصل إلى الأيسر والأنسب من الحلول الصالحة المتعددة، أو عندما يكون الأمر ليس خاصاً بفرد، بل يعم مجموعة من الناس أو الجماعة المسلمة كلها، فإنه يلجأ والحالة هذه إلى من يعتقد أن لديه القدرة على القيام بذلك مع الأمانة والصدق فيما يشير به، ويطلب منه أن يعاونه برأيه في تلك المسائل، وقد يطلب ذلك من فرد أو مجموعة من الناس، إما على انفراد وإما على اجتماع، وقد يكرر الاستشارة في الأمر الواحد إذا لم يتضح له وجه الصواب، وقد يكتفي بإشارة أول من يشير عليه إذا تبين له صواب رأي المشير وصلاحه. - أهل الشورى: يختلف تحديد أهل الشورى باختلاف المجال الذي يراد الاستشارة فيه؛ فأمور الدين يستشار فيها العلماء، وأمور الخطط الحربية يستشار فيها قواد الجيوش، وهكذا. كما تختلف إذا كانت الاستشارة في أمور خاصة تخص فرداً أو أفراداً محصورين، أو في أمور عامة تشمل جماعة المسلمين. قال القرطبي: «قال ابن خويز منداد: «واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح (أي مصالح الناس) ، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها» (٥) وقال القرطبي: «قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك» (٦) . وقال ابن الجوزي: «إنما أُمر النبي ﷺ بمشاورة أصحابه فيما لم يأته فيه وحي، وعمهم بالذكر والمقصود أرباب الفضل والتجارب منهم» (٧) . وأما الأمور الخاصة فيشاور فيها من تعنيهم. قال ابن عاشور في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ، «وقوله ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف مستقر هو صفة لـ ﴿شُورَى﴾ ، والتشاور لا يكون إلا بين المتشاورين؛ فالوجه أن يكون هذا الظرف إيماءً إلى أن الشورى لا ينبغي أن تتجاوز من يهمهم الأمر من أهل الرأي، فلا يدخل فيها من لا يهمه الأمر» (٨) . - صفات أهل الشورى: وينبغي أن تتوافر في كل هؤلاء صفات تؤهلهم لذلك: منها العلم أو الخبرة فيما يُستشارون فيه، والأمانة وتقدير المسؤولية التي تحجز عن التقاعس عن الانتصاب لهذا الأمر، أو الإقدام بغير علم أو خبرة؛ مع العقل الراجح والشجاعة في إبداء الرأي ولو خالف به الأكثرين. قال القرطبي: «قال العلماء: وصفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالماً دَيِّناً؛ وقلما يكون ذلك إلا في عاقل» وقال: «وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً وادّاً في المستشير» (٩) . قال ابن قدامة في مشاورة القاضي: «يشاور أهل العلم والأمانة؛ لأن من ليس كذلك فلا قول له في الحادثة، ولا يُسكَن إلى قوله. قال سفيان: وليكن أهل مشورتك أهل التقوى وأهل الأمانة، ويشاور الموافقين والمخالفين ويسألهم عن حجتهم ليبين له الحق» (١٠) . وقال البخاري: «وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها؛ فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداءً بالنبي ﷺ . وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولاً أو شباناً، وكان وقَّافاً عند كتاب الله » (١) . قال ابن حجر: «قوله: وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها: أي إذا لم يكن فيها نص بحكم معين، وكانت على أصل الإباحة؛ فمراده ما احتمل الفعل والترك احتمالاً واحداً، وأما ما عُرِف وجه الحكم فيه فلا، وأما تقييده بالأمناء فهي صفة موضحة؛ لأن غير المؤتمن لا يستشار ولا يُلتفت لقوله، وأما قوله: بأسهلها فلعموم الأمر بالأخذ بالتيسير والتسهيل، والنهي عن التشديد الذي يُدخِل المشقة على المسلم. قال الشافعي: إنما يؤمر الحاكم بالمشورة لكون المشير ينبهه على ما يغفل عنه ويدله على ما لا يستحضره من الدليل، لا ليقلد المشير فيما يقوله؛ فإن الله لم يجعل هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ . وقد ورد من استشارة الأئمة بعد النبي ﷺ أخبار كثيرة منها مشاورة أبي بكر ﵁ في قتال أهل الردة، وقد أشار إليها المصنف، وأخرج البيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي به قضى بينهم، وإن علمه من سنة رسول الله ﷺ قضى به، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنَّة؛ فإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم، وإن عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك» (٢) . وخلاصة صفات المستشارين: العلم والعدالة والديانة، والعقل والبلوغ والأمانة والخبرة، وأنه لا يلزم لذلك سن معينة؛ فقد كان الشبان من العلماء من أصحاب مشورة عمر رضي الله تعالى عنه، ولم يكن يتقيد في ذلك بكونهم من الشيوخ أو كبار السن، كما لا يلزم أيضاً أن يكونوا من أشراف القوم أو أغنيائهم، وأفاد قوله: وكان وقّافاً عند كتاب الله: أي أن هذا المسلك في مشاورة أهل العلم من الشباب أو الشيوخ ومن الأغنياء أو الفقراء، ومن أشراف الناس أو عامتهم، مما دل عليه كتاب الله تعالى، وأن عمر كان يقف عند ما دل عليه ولا يتجاوزه. - الشورى في الأمر العام: الأمر العام هو الذي يشمل المسلمين جميعهم، وهو المصالح العامة التي يحتاجها المسلمون مما لم يأت في خصوصها أدلة شرعية واجبة الاتباع، والأمر العام تكون الشورى فيه لمن يعنيهم. وللشورى في هذا الموطن فوائد منها: - الشورى تلغي فكرة الاستئثار بالصواب، والقدرة على التفكير المنتج، ورهن ذلك بالحاكم وأعوانه فقط. - الشورى ترسخ فكرة اشتراك الأمة مع الحاكم في تحمل مسؤولية البحث عن الصواب، أو الأفضل، والعمل به. - الشورى توجِد تلاحماً حقيقياً بين الأمة والحكومة، بحيث يشعر الناس أنهم أصحاب دار، ليسوا ضيوفاً أو أجراء. - الشورى توجِد اطمئناناً لدى الشعوب بصواب العمل، وأنهم لا يُقادون من خلال نزعات فردية، مما يساهم بدرجة كبيرة في قناعة الناس بما يصدر من تنظيمات، أو ترتيبات، وهذا يسهم بدوره في الالتزام بها، والعمل على إنجاحها. - الشورى تمثل دافعاً من دوافع العمل والإنتاج؛ حيث يشعر الإنسان بالانتماء إلى مجتمع كبير يقدره ويعترف بمكانته. - الشورى تقود إلى المشاركة في تدبير الشأن العام وتحمل المسؤولية في ذلك، وتقضي على السلبية واللامبالاة التي تعاني منها المجتمعات. - الشورى تعمل على إنضاج الرأي العام، وتسهم بدور كبير في تكوين الرأي العام الرشيد. - حكم الشورى: والشورى مأمور بها في الجملة، إما أمر إيجاب وإما أمر استحباب، فإنَّ ترك التشاور تعريض لمصالح المسلمين للخطر والفوات. لكن ليس كل ما نريد الإقدام عليه ينبغي فيه الشورى؛ فهناك أمور معلومة معروفة ينفذها الإنسان من غير احتياج إلى مشورة، وهذا الأمر يدركه كل واحد منا في نفسه، وإنما تراد المشورة أو تطلب عند الإشكال أو في الأمور المهمة، وقد درج كثير من الكاتبين في هذا الموضوع على سَوْق حكم واحد في هذا المجال، والتدليل عليه بما يرى من الأدلة؛ فمن الناس من يذهب إلى أن الشورى واجبة ونتيجتها ملزمة وينبغي التقيد بما دلت عليه، بينما هناك من يقول: إن الشورى مستحبة وليست واجبة، ونتيجتها غير ملزمة للحاكم، بل بوسعه مخالفتها إذا لم يقتنع بها، ويسوق كل فريق منهم الحجج التي يراها تؤيد قوله، والناظر في هذه الأقوال وما استدل به الفرقاء من أدلة، يمكنه القول: إن كل فريق قد أصاب فيما قال، والخطأ إنما يكمن في تعميمه لمقولته على موضوعات الشورى كلها؛ إذ هناك من الأمور ما تكون الشورى فيها واجبة ونتيجتها ملزمة حسبما يقول الفريق الأول، بينما هناك من الأمور ما تكون الشورى فيها مستحبة ونتيجتها غير ملزمة حسبما يقول الفريق الثاني، كما أن هناك من الأمور ما تكون الشورى فيها واجبة ونتيجتها غير ملزمة، ولسنا الآن في حاجة إلى سوق أدلة الفريقين، وإيراد ما أجاب به كل فريق على أدلة الفريق الآخر، بل في حاجة إلى بيان موضوعات الشورى الملزمة والشورى غير الملزمة، حسبما ذكرنا، وفي هذا الصدد يمكننا تقسيم تلك الموضوعات إلى ثلاثة أقسام: الأول: شورى واجبة ونتيجتها ملزمة، والثاني: شورى واجبة ونتيجتها غير ملزمة، والثالث: شورى مستحبة ونتيجتها غير ملزمة. (وهذا ما

стр. 5421

أثر القرآن الكريم في ضبط نفسية الإنسان د. أحمد بن محمد العمراني يتمحور هذا الموضوع حول مفهومين أساسيين: أولهما: النفس البشرية، وثانيهما: أثر القرآن في ضبطها وانضباطها. فالإنسان مكوَّن من ثلاث لطائف: «العقل، والقلب، والنفس» حيث إن دين المرء محكوم بعقله، فلا دين لمن لا عقل له، وبعض الأفعال التي تقتضيها صورة الإنسان ـ كالغضب والرضا، والجرأة والخوف، والجود والشُّح، والسخط والقبول ـ محلُّها القلب، وبالنفس يشتهي الإنسان ما يستلذُّه من المطاعم والمشارب والمناكح. - النفس البشرية، قواها وأنواعها: حديثنا إذن يهم النفس؛ الهوية الحقيقية للإنسان، ومحتواها الحقيقي هو الذي يحدد وجهة الإنسان نحو السعادة، ويبين مصيره المستقبلي. فالنفس في الإنسان هي صورته وهواه ورغباته وشهوته، وهي أثر من آثار الروح التي تمنح النفسَ القوةَ لأداء خواصِّها بأمر الله ـ تعالى ـ كما ورد عن بعض السلف: «إذا دخلت الروحُ الجسدَ سُمِّي نفساً، وبها تحسُّ النفس وتشعر وتبصر وتسمع وتشمُّ وتتذوق» . فالنفس ترى بالعين، وتسمع بالأذن، وتحسُّ بواسطة مسام الجلد، وتتذوق بواسطة الخلايا الموجودة في اللسان. هذه الأحاسيس والإدراكات العقلية ـ بمجموعها ـ غير المادية هي ما يسمى بالنفس الإنسانية؛ فإذا أخذ الله الروح وخلي الجسد منها، انقطعت تلك الطاقة عن الأسلاك العصبية، وفقدت تلك الحواس، فماتت النفس التي عبَّر القرآن عنها في قوله ـ تعالى ـ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . فعن طريق النفس ينصرف الإنسان إلى أمانيه المادية وشهواته الدنيوية، فينحطُّ بقدر اشتغاله في تلبية ذلك، وانصرافه عما يسمو به من فضائل وطاعات، أو يعلو ويسمو بانصرافه للفضائل الإيجابية، فيرتقي بقدر إعمال نفسه في الدرجات. وهذا يعني ويبين أن للنفس مراتب، وأنها تخضع للتغيير والتبديل من حالة إلى حالة، كما حقَّق القرآن ذلك في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . فإذا نظرنا إليها في تقلُّباتها هذه وجدناها تمرُّ عبر قوى أساسية تتمثل في: قوة الشهوة، وقوة الغضب، وقوة العقل. فبالعفة تهزم الشهوة، وبالشجاعة ينهزم الغضب، وبالحكمة والحرص عليها يسمو العقل، ولجميعها يحتاج الإنسان؛ فلو كان عقلاً فقط لكان ملَكاً، لكن الله خلق الإنسان الذي يخطئ ويصيب، ولو كان غضباً فقط لكان سَبْعاً، لكنه يحتاج إلى القوة الغضبية ليدافع عن نفسه، ولو كان شهوةً فقط لكان بهيمة، لكنه يحتاج إلى الشهوة ليعيش ويتناسل. وحسب استخدام هذه القوى المذكورة تمرُّ النفس الإنسانية بمراحل تتصف فيها بصفات ثلاث، هي: - أولاً: النفس اللَّوَّامة: قال ـ تعالى ـ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ١ - ٢] . حيث أقسم سبحانه بيوم عظيم؛ لتحقيق وقوعه وبيان هوله، وإيقاظ النفوس النائمة الغافلة عنه، فتصحو وتنتبه من سُباتها. وقد ذكر الله ـ تعالى ـ النفس اللَّوَّامة إثر قسمه بيوم القيامة للعلاقة الوثيقة بين مصير النفس وقيام ذلك اليوم، حيث تقف فيه وحيدة دون نصير؛ فهي نفس تفعل الخير وتحبه وتعمل المعصية وتكرهها، نفس تعيش في داخلها صراعاً بين الخير والشر. فالإنسان في بداية أمره إذا ارتكب ذنباً أو خطيئة ابتداءً، شعر في داخله بإحساس يؤنِّبه، وتمنَّى لو لم يفعله، وإذا عاد إليه ثانية ضعُفت خاصية الشعور بالذنب والخطيئة، وانتقل صاحبها إلى مرحلة الميل إلى المعصية واستحسانها، لتنتقل نفسه من لوَّامة إلى أمَّارة بالسُّوء. - ثانياً: النفس الأمَّارة: حيث تميل النفس إلى السوء وحب العصيان، والغفلة عن الطاعة والعبادة، ويُطلق عليها: النفس الأمَّارة بالسوء؛ نفسٌ استحوذ عليها الشيطان وسيطر على سلوكها وذوقها، وقتل فيها الحياء والعفَّة. هذه النفس تعلِّل فجورها واستمرارها في المعصية بنسبة كل ما يفعله الإنسان إلى البيئة والآباء أو المجتمع، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨] . فتستكبر وتقع في الظلم لتقع في الخسران الأبدي. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الشورى: ٤٥] . وسبب ذلك حدَّده الشارع في قوله ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ [الفرقان: ٢١] . - ثالثاً: النفس المطمئنَّة: نفس راضية استسلمت لخالقها برضىً وقناعة، لا تفعل إلا ما تيقَّن لها صلاحه، نفس تحقق لها الورع والإخلاص، وسمت عن الدنيا وشهواتها، واشتغلت عنها بعمارة عالم الآخرة الباقية الخالدة المحدَّدة في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ، نفس استحقت الذكر والتمجيد في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] . - مفهوم الضبط والانضباط: الارتقاء بالنفس والنهوض بها ـ باعتبار طبيعتها التغييرية ـ يحتاج إلى ضبط وانضباط خاصَّين، يستمدَّان أصولهما من كتاب الله، الذي تحدَّث عن مراتب النفس، وبيَّنها من خلال سوره وآياته. وقبل تحديد ذلك نحتاج إلى بيان مفهوم الضبط والانضباط. فالضبط هو لزوم الشيء وحبسه، والضابط هو الذي يلازم ما يضبطه، ويصبر نفسه معه حفظاً وحزماً، والأضبط الذي يعمل بيديه جميعاً، و «ضبط» فعل يتعدَّى بنفسه، بمعنى أنّ له فاعلاً ومفعولاً، فالفاعل هو الضابط والمفعول هو المضبوط، أي الموضوع والمجال الذي يقع فيه أو به أو عليه الفعل والعملية الضبطية (١) . فإذا انصرف المعنى إلى ضبط النفس وانضباطها دلَّ على حبس النفس عن الشر وإلزامها بالخير مع الصبر عليها والحزم معها. وهو ما أطلق عليه علماء التربية بتزكية النفس في مقابل تدسيتها. وقد أقسم الخالق ـ سبحانه ـ أقساماً سبعة في مطلع سورة الشمس على أن المفلح من زكَّى نفسه والخاسر من دسَّاها، فقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١ - ١٠] . والمقصود بالتزكية هنا: طهارة النفس أو تطهيرها وتنظيفها، مخالفاً للدسِّ الذي هو كناية عن الإغراق في الوسخ والأوحال. ولا يعني ذلك أبداً التزكية مطلقاً لما تعترضها من سلبيات، مثل: الاستعلاء والتكبر والترفع الذي نهى الله ـ تعالى ـ عنه، كما في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٩] . والقرآن هو طبُّ النفوس باعتباره روح الروح ونور البصيرة، به يتحقق الضبط والانضباط، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] . والنور يضيء ويبين الأمراض، ويهدي إلى طريق الصواب، ولا يتم ذلك إلا بتحديد أمراض النفس المهلكة التي سطَّرها القرآن، من أجل تقديم الدواء الناجع لها من آياته وسُوره العِظَام. - آفتا النفس البشرية: فالنفس معرَّضة لآفتين ذكرهما القرآن ـ وبمعرفتهما يُستعان على تحقيق الضبط والانضباط لنفس الإنسان ـ هما الخطأ والنسيان، وهما مستمدَّان من آية يعلِّمنا فيها الخالق أن ندعوه ونسأله عدم المؤاخذة فيهما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ؛ حيث إن أول معصية وقعت في الكون من قتل الإنسان كانت بسبب النسيان، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه: ١١٥] . وسبب ذلك وسوسة الشيطان كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] . ووساوس الشيطان لا تنتهي، كيف وقد أقسم الشيطان بعزَّة الرحمن أن يغرِّر بالإنسان ويوقعه في جملة من المعاصي والآثام؛ حيث ذكر القرآن على لسانه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧] . وقوله: ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ [النساء: ١١٨ - ١١٩] . والهدف هو أن يقعـ الإنسان في نسيان ذكر الله، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩] . ومن الطبعي أن تقع النفس البشرية في الخطأ؛ لقوله ﷺ : «كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون» (١) . بل لو لم تخطئ لغيَّرها الله بغيرها من أجل التوبة والمغفرة، لقوله ﷺ : «لو لم تذنبوا لخلق الله خلقاً يذنبون فيغفر لهم» (٢) . والخطأ يصدر عن النفس بدلائل من القرآن، منها: قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] . وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] . وما ورد على لسان الأبوين آدم وحوَّاء ﵉: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] . وقوله على لسان ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] . وقوله على لسان موسى كليم الرحمن: ﴿قَالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] . وقوله على لسان امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣] . وقوله ـ تعالى ـ حكاية لقول الشيطان حين القضاء بين العباد: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] . - وسائل ضبط النفس وانضباطها: ضبط النفس ليس بالأمر الهيِّن؛ إذ الصراع داخليٌّ مائة بالمائة، ولكن آثاره وبوادره داخلية وخارجية، ولكن لحسن السير، وتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، لا مفرَّ من بذل مجهود مضاعف يُستطاع به ضبط أمراض النفس، ولن يتم ذلك إلا بأمور، منها: ١ - الاعتراف بعيوب النفس والتعرف عليها: ويتم ذلك باتِّباع توجيهات القرآن التي سمَّاها بالبصائر في قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ [الأنعام: ١٠٤] . فإذا أراد الله بعبده خيراً بصَّره بعيوب نفسه، ومن كملت له بصيرته لم تخفَ عليه عيوبه، وإذا عرف عيوبه أمكنه علاجها. فالإنسان يلاحظ كثيراً على غيره، ولكنه لا يجرؤ على النظر في عيوبه، أو يبحث عنها، الكل يرى القَذَى في عين أخيه، ولكنه لا يرى ما في عينيه؛ ما يحصل للإنسان هو نفسه ما يحصل للجمل الذي يرى ما على ظهر أخيه من تقوس واعوجاج، ولكنه لا يعلم أن الاعوجاج عامٌّ في بني جنسه. ولتحقيق هذا الاستبصار وجب سلوك سبيلين: أ - أن يطلب ذلك بالجدِّ والاجتهاد والإخلاص؛ ولا يتم ذلك إلا بمراقبة من يعلم السرَّ وأخفى، على مستوى القول والفعل والسلوك، مع الاستعانة بمدِّ يد الرجاء إلى الله تعالى. وحتماً بهذا الفعل ستكون النتيجة هي الاهتداء لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] . ب ـ مراقبة أحوال وأقوال وأفعال الآخرين، ليقف على السيِّئ منها فيلحظه في نفسه ليتجنَّبه، باعتبار تقارب طباع الناس، فيتفقد نفسه ويطهرها في ضوء ما يراه مذموماً في غيره. وقد قيل قديماً: «العاقل من اتّعظ بغيره» . فالإعراض عن معرفة العيوب هو ضعف ونقص وفقدان للشجاعة في مواجهة النفس، ولهذا الإعراض سبب أساسي يوقع فيه وهو: اعتقاد الإنسان أنه بلغ مرحلة من الصلاح، مع أن كل إنسان معرَّض للنقصان والخطأ، ورحم الله عمر القائل: «أحب الناس إليَّ من رفع إليَّ عيوبي» (١) . ٢ ـ مجاهدة أمراض النفس وأخطائها وصفاتها الذميمة: أخطاء النفس كثيرة، لا يستطيع عادٌّ عدَّها أو حصرها، وإن كانت الإشارة إليها والتنبيه على أهمِّها أمراً أساسياً. وقد ذكر ابن القيم ﵀ بعض أخطاء النفس فقال: «في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتوُّ عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغيُ قارون، وقحّة هامان (أي لؤم) ، وهوى بلعام (عرّاف أرسله ملك ليلعن بني إسرائيل فبارك ولم يلعن) ، وحِيَلُ أصحاب السبت، وتمرُّد الوليد، وجهل أبي جهل. وفيها من أخلاق البهائم حرص الغراب، وشَرَهُ الكلب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجعل، وعقوق الضبِّ، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وصَولة الأسد، وفسق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفَّة الفراش، ونوم الضَّبع (٢) . والحديث عن كل هذه الأخطاء بالتفصيل يحتاج إلى مِداد ليس بالقليل، ووقت ليس باليسير وجهد عسير، عسى أن يمنَّ به المولى العزيز الكريم، فنتصدَّى لها بالتفسير والتعليل، لكن ما لا يُدرك كلُّه لا يترك جلُّه، فليكن حديثي عن بعضها وأهمها في نظري انطلاقاً مما ذكر القرآن. - أهمُّ أخطاء النفس: ١ ـ الشهوة ووسيلة ضبطها: يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] . وخطورتها تكمن في كون طريقها يؤدي إلى النار حيث يقول ﷺ : «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» (٣) . - وقال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي ربِّ وعزَّتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفَّها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فنظر فيها ثم جاء فقال: أي ربِّ وعزَّتك لقد خشيت ألّا يدخلها أحد، قال: فلما خلق النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فنظر إليها ثم جاء فقال: أي ربِّ وعزَّتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفَّها بالشهوات ثم قال: يا جبريل اذهب إليها فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي ربِّ وعزَّتك لقد خشيت ألّا يبقى أحد إلا دخلها» (٤) . فالشهوة ما تشتهيه النفس وتتمنَّاه وترغب في تحقيقه مهما كان المقابل خطيراً. وقد جُبلت النفس على حب الشهوات التي لن تتجاوز ما ذكر في القرآن، ويمكن أن نُطلق على الآيات السابقة أصول الشهوات التي يتفرع عنها غيرها. - فأصل الشهوات النساء كما أكَّد على ذلك الرسول ﷺ في قوله: «ما تركت بعدي فتنة في الناس أضرَّ على الرجال من النساء» (٥) . وقد يحصل الشذوذ والانحراف فتنقلب الشهوة إلى نمط آخر، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: ٨١ ـ والنمل: ٥٥] . - ويتبعها البنون؛ لقول الرسول ﷺ : «إن الولد مبخلة مجبنة محزنة» (٦) . ـ ثم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث: لقول النبي ﷺ : «إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال» (٧) . - قال رسول الله ﷺ : «إن ممَّا أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومُضلاَّت الفتن» وفي رواية «ومُضلاَّت الهوى» (٨) . ووسيلة ضبطها «أي الشهوات» ذكرها القرآن بعد سردها كلها فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار﴾ [آل عمران: ١٥ - ١٧] . وهذا يدل على الاعتقاد الجازم بقضاء الله، وأن محل تحقيق شهوات النفس ـ دون الوقوع فيما يغضب الله ـ الَجنانُ؛ حيث يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] . وقال رسول الله ﷺ : «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يجيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ! فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ. فَقَالَ فِى الخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ! فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ! قالَ: رَبِّ! فَأَعْلاَهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» . قَالَ وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] (١) . ٢ ـ الغفلة ووسيلة ضبطها اليقظة والتذكر: واليقظة تعني ـ ضمن ما تعنيه ـ طرد الغفلة والتفريط الذي يحصل للنفس البشرية، وقد حذَّر الشارع الحكيم من الوقوع في ذلك فقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٥ - ٥٦] . والتفريط يعني: التقصير والتضييع كما في اللِّسان، فرط في الأمر أي: قصر فيه وضيعه (٢) . وهو لا يحصل إلا بالغفلة والنسيان، أو التكاسل والإهمال. ومسلمو اليوم كما غالى الكثير منهم في الكثير من أمور دينهم، ضيَّعوا الكثير من أمور دينهم، وابتعدوا عن منهج حبيبهم محمد رسول الله ﷺ . ولكل ما وقع بالتأكيد أسباب أدَّت إليه وأوقعت فيه، أسباب محتاجة إلى تجليتها وبيانها، لعلَّ الأعين تبصر، والآذان تسمع، والقلوب تعقل، فتحصل الوقفة النقدية المرجوة، بحثاً عن التصحيح. وهي كثيرة، قد نصل إلى إدراك بعضها وقد تغيب أخرى، ومنها: | الانشغال التامُّ بالدنيا. | الاقتصار على بعض مظاهر التدين. | عدم إدراك قيمة النِّعم وقدر المنعم. | التسويف. ٣ ـ الحسد ووسيلة ضبطه: مصدر الحسد نفس الإنسان؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] . وهو ثاني المعاصي التي وقعت في الكون، وتمثَّلت في قتل الإنسان لأخيه الإنسان، وسببه النفس الغضبية أو السبعية، أي: عدم كظم غيظ النفس والاستسلام لظلمها وسببه الحسد الذي هو خلق في الإنسان ويحتاج إلى محاربته في نفسه وإلا أوقعه في النيران. وقد حسد قابيل أخاه هابيل لما قُبل قربانه ولم يتقبل منه، فقتله وفي ذلك يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإثْمِي وَإثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ -.٣] . كما حسد إخوة يوسف أخاهم وسعوا إلى قتله حيث يقول ـ تعالى ـ حاكياً قولَهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩] . وليس لهذا الدَّاء من ضبط سوى: | الاستعانة بالله أولاً، ثم الصبر وتقوى الله: فمن وجد في نفسه حسداً لغيره فليستعمل معه الصبر والتقوى فيكره ذلك في نفسه. | القيام بحقوق المحسود. | عدم البغض: وفي الحديث: «ثلاثٌ لا ينجو منهن أحد: الحسد، والظن، والطِّيَرَة. وسأحدثكم بما يخرج من ذلك: إذا حسدت فلا تبغض، وإذا ظننت فلا تحقّق، وإذا تطيّرت فامض» (٣) . | العلم بأن الحسد ضرر على الحاسد في الدين والدنيا، ومنفعته للمحسود في الدين والدنيا. | الثناء على المحسود وبرّه: قال ـ تعالى ـ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] . | القناعة بعطاء الله: قال بعض الحكماء: «من رضي بقضاء الله ـ تعالى ـ لم يسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد، فيكون راضياً عن ربه ممتلئ القلب به، ويتيقن بأن الحرمان أحياناً للإنسان خير من العطاء، وأن المصيبة قد تكون له نعمة، وأن الإنسان أحياناً يحب ما هو شر له ويكره ما هو خير له» (١) . | قمع أسباب الحسد: فأما الدواء المفصَّل فهو تتبُّع أسباب الحسد من الكِبْر وغيره وعزَّة النفس وشدة الحرص على ما لا يغني، فهي مواد المرض ولا يقمع المرض إلا بقمع المادة. بالإضافة إلى هذه الآفات، ذكر القرآن مجموعة من الأمراض تسيطر على النفس وتقودها إلى العصيان والخذلان، منها: - الكِبْر، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] . - الشُّح، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] . - الاغترار بالرأي الشخصي واتباع الظن، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] . - ضوابط أساسية لضبط النفس، ومن أهمّها: ١ - الاستعانة بعبادة الله تعالى: التقرُّب إلى الله بما يحب من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وخير ما تقرَّب به المتقرِّبون إلى الله الفرائض التي فرضها الله جل وعلا، وعلى رأسها توحيد الله، ثم إن في النوافل لمجالاً واسعاً عظيماً لمن أراد أن يرتقي إلى مراتب عالية عند الله، كما قال ﷺ فيما يرويه عن ربه: «وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه» (٢) . ومن فضل الله علينا أن جاء هذا الدين بعبادات شتَّى، تملأ حياة المسلم في كل الظروف والأحوال؛ بالليل والنهار، بالقلب والبدن التي يعتبر أداؤها من أهمِّ عوامل ضبط النفس، من قيام ليل وصيام تطوع وصدقة وقراءة قرآن، وذِكْرٍ لله آناء الليل وأطراف النهار. لا شكَّ أن هذه العبادات تقوِّي الصلة بين العبد وربه، وتوثِّق عُرى الإيمان في القلب؛ فتضبط النفس وتزكو بها، وتأخذ من كل نوع من العبادات المتعددة بنصيب؛ فلا تَكِلُّ ولا تَسْأَمُ، لكن الانتباه لأمور تَرِدُ أمرٌ أساسي، ومنها: | الحذر من تحوُّل العبادة إلى عادة. | الحذر من تقديم المهمِّ على الأهمِّ، أو الأدنى على الأعلى - أي النوافل على الفرائض - كمن يقوم الليل - مثلاً - ثم ينام عن صلاة الفجر. فالمسلم كالنَّحلة تجمع الرَّحيق من كل الزهور، ثم تُخرجه عسلاً مصفّىً شهياً سائغاً للآكلين. | تقديم الواجب عند تعارضه مع المستحب. | التركيز على أعمال القلوب، وتقديمها على أعمال الجوارح؛ لقول رسول الله ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (٣) . إن استشعار المؤمن المكاره التي تحفُّ بالجنة، يتطلب منه هِمَّة عالية تتناسب مع ذلك المطلب العالي للتغلُّب عليها، مع تنقية تلك الهمم من كل شائبة تدفع لوجه غير وجه الله، وإنما تفاوت الناس بالهِمَم لا بالصور والله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. ولنستمع إلى ثابت البناني الذي يقول: تعذَّبت بالصلاة عشرين سنة، ثم تنعمت بها عشرين سنة أخرى، والله إني لأدخل في الصلاة فأحمل همَّ خروجي منها (٤) . وقد قيل للإمام أحمد: يا إمام! متى الراحة؟ فيقول وهو يدعو إلى المجاهدة: الراحة عند أول قدم تضعها في الجنة (٥) . إنها الراحة الأبدية التي يُستعذَب كل صعب في سبيل الوصول إليها. هذه هي الصلاة التي تعد رمز الضبط والانضباط، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] . وقوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢] . فالهلع والجزع والمنع نقائص وعيوب، وعلاجها يكون بالصلاة وعموم الطاعات والعبادات. فهي قيام ومثول بين يدي الله ، وحقُّها حضور القلب وخشوع الجوارح ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] . لكن كم من مصلٍّ ليس له من صلاته إلا التعب والنصب! كم من مصلٍّ يصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا النصف أو الثلث! وأن ليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها. بل إنها لتدعو للإنسان أو عليه. ثم إن الصلاة مضبوطة بأزمنة وأمكنة، فالأزمنة منها ما هو اختياري، ومنها ما هو اضطراري، والأمكنة منها ما هو فاضل كالمسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي، ومنها ما هو عادي كسائر المساجد، ومن الأمكنة ما تحرم فيه الصلاة أو تُكره كالمزبلة والمقبرة والمجزرة. والصلاة مضبوطة بالإمام والمأموم؛ فالإمام يحسن أن يمتاز بصفات، كأن يكون أقرأَ القوم وغير مكروه لديهم، والمأموم له أن ينبِّه الإمام عند السهو أو الخطأ، لكن يخشى عليه إن هو رفع رأسه قبل الإمام أن يُجعل رأسه رأس حمار، فإنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به. والصلاة مضبوطة بالإحرام والتسليم، وبالركوع والسجود، وما يتخلل ذلك من تكبير وغيره، وهي إلى ذلك مضبوطة بالنواقض والجوابر ... إلخ. إنها الصلاة التي كانت راحةً لرسول الله ﷺ ، كما أخبر الصادق المصدوق يوماً فقال لصاحبه: «أَرِحْنا بها يا بلال!» (١) ؛ عكس أبناء الأمة اليوم الذين يقولون «أرحنا منها» . وإن لم تنطق بها شفاههم، فإن أفعالهم بها ناطقة، إنها مَفْزَعُ رسول الله ﷺ ، حيث كان «كلما حَزَبَهُ أمرٌ صلّى» (٢) ، وهي قُرَّة عينه ﷺ كما قال: «حُبِّبَ إليَّ من دُنياكم الطِّيب والنساء، وجُعلت قُرَّة عيني في الصلاة» (٣) . إنها المعين الحقيقي على تقوية الإيمان؛ فإقامة الصلاة بأداء أركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها يوصل الإنسان إلى تحقيق تلك الصلة المطلوبة بين العبد وربه، وحريٌّ بمن فعل ذلك أن يعينه الله، وحريٌّ به هو أن يكون لما سواها مقيماً، كما قال عمر في رسالة لعمَّاله: «إن أهمَّ أموركم عندي الصلاة، من حفظها أو حافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيَّعها فهو لما سواها أضيع» (٤) . الفريضة المرافقة لوجود الإنسان المؤمن فوق هذه البسيطة، فريضة لا تسقط أبداً مع جميع الأعذار، سواء كان مرضاً أو خوفاً أو حرباً. إقامة الصلاة كما أرادها الله أن تقام، لا كما أرادها الناس. والعجيب في القرآن أنه عند حديثه عن فلاح المؤمنين ذكر من صفاتهم السِّت، الصلاةَ مرتين، حيث بدأ بها وختم بها، فكان البدء بالخشوع فيها والختم بالمحافظة عليها، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١٠] . إنها مضخَّة الإطفاء التي تطفئ النار المشتعلة الموقدة التي تلفح القلوب والعقول، وممحاة للذنوب، حيث يروي (٥) لنا سلمان الفارسي ﵁ أنه كان يوماً مع رسول الله ﷺ تحت شجرة فأخذ منها غصناً يابساً، فهزَّه حتى تَحَاتَّ ورقُه، ثم قال: يا سلمان! ألا تسألني لِمَ أفعل هذا؟ قلت: ولِمَ تفعله؟ قال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى الصلوات الخمس تحاتَّت خطاياه كما تحاتَّ هذا الورق، ثم تلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] . - بل إنها كالماء الذي يطفئ النار وسوادها ويغسل أثرها من بين جوانح الإنسان، لهذا قال ﷺ : «إن لله ملكاً ينادي عند كل صلاة يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها» (٦) . وهو ما شرحه ابن مسعود: «تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا تكتب عليكم حتى تستيقظوا» (٧) . هذا بعض من كل، وغيض من فيض من عظمة الصلاة ودورها في ضبط وانضباط النفس، ولكل مؤمن أن يتساءل عن عدد المصلين وعدد مساجد المسلمين، وغياب الضبط المطلوب، فسيتعرف على السبب اليقين، ولن يلوم إلا نفسه، ولن يرجو إلا رب العالمين. ومما يفيد النفس ويضبطها ويزكيها أمام باريها كثرة الذكر والاستغفار لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ١١٠] . ٢ - الاستعانة بمحاسبة النفس: قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] . إن آيات القرآن لتذكِّر الإنسان بيوم لا مردَّ له، فيه مساءلة الرحمن لبني الإنسان بكل ما سعت له وإليه من أعمال، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] . والإنسان محتاج للتذكر والتذكير بأن هذا اليوم هو يوم العدل المطلق، ليس فيه ظلم ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] . وليس فيه رخصة للرجوع والاعتذار أو المقايضة كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ [يونس: ٥٤] . بل سيجد الإنسان نفسه وبيده كتابه يقرؤه بنفسه، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٤] . ومحاسبة النفس تكون قبل العمل، كما قال الحسن البصري: «رحم الله عبداً وقف عند همِّه؛ فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغيره تأخَّر» (١) . وتكون أثناءه، باستحضار شرع الله ومراقبته في السر والعلن. وتكون بعده، باستحضار قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] . قال أحد السلف: «فإذا سأل الله الصادقين فما بالك بالكاذبين؟» . ٣ - تنمية الصفات الطيبة: وذلك حتى يكون لها الغلبة؛ ذلك مثل: صفات الحلم والكرم والتواضع والشكر، ولا يكفي في ذلك قراءة كتاب أو حفظ نصوص، لكن تحصيلها لا بدَّ له من مجاهدة وتمرُّن وتدريب؛ فمثلاً من أراد أن يكون حليماً؛ فهذا ينبغي له أن يقوِّي إيمانه ويزيد في صبره ويكظم غيظه ويملك نفسه في مواقف الغضب، قال ﷺ : «إنما الحلم بالتحلُّم» (٢) . وقد أثنى الله ـ جلَّ وعلا ـ على الكاظمين الغيظ، فقال ـ جلَّ مِنْ قائلٍ ـ: ﴿وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] . فالحديث عن المتقين هنا هو حديث عن صفة مهمة من صفاتهم، وهي كظم الغيظ، وهو أحد أهم الوسائل المعينة على ضبط النفس. قال القرطبي في معناه: «كظم الغيظ ردُّه في الجوف» (٣) . ويُقال: كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه. فكظم الغيظ هو منعه من أن يقع (٤) . ومن خلال ما ذكر نستطيع القول بأن ضبط النفس في مثل هذه الحالة، يكون بمنعها من التصرف خطأ في المواقف الطارئة والمفاجئة التي تتطلب قدراً من الشجاعة والحكمة وحسن التصرف. وقد وردت أحاديث كثيرة عن المصطفى ﷺ فيها بيان فضل كظم الغيظ ومن ثَم ضبط النفس، منها: ما رواه ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من جرعة أعظم عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله» (٥) . وبإيجاز، فضبط النفس يقتضي من المسلم أن يتجاوز مرحلة البناء التي يجب ألَّا تتوقف، باعتبار استمرارها إلى آخر رَمَقٍ من عُمْر الإنسان، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] . ليصلَ بالنفس إلى مرحلة الإعراب. فأن يصبح المرء معرَباً، هذا هو المطلوب، فهو كالكلمة، المعرب منها له في موقع الفاعل الرفع، وفي موقع المفعول به النصب، وأحياناً تجرّ إذا سبقت بحرف صغير من حروف الجر، أما المبني فقد تجاهله النحاة من قبلُ، ولم يعيروه من الاهتمام كما فعلوا مع المعرَب، لأنه ثابت لا يتغير، كما أنه لا يتفاعل مع ما حوله من جمل وكلمات تفاعل المعرب. فيجب على الإنسان أن يبادر (الفاعل) ليرفع سهمه عند الله، بحسن عمله في المجتمع بإبداعاته وإنجازاته؛ فالمؤمن كالغيث النافع أينما وقع نفع، وكل همِّه أن يسود الخير، وتنتشر المحبة، ويشارك في صناعة الحياة، همُّه أن يصبح راحلة يعين في رفع الأثقال عن أمته، وليس فقط واحداً يريد أن يحمل، وقد ورد في الحديث الصحيح: «الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» (٦) . فليحرص الإنسان على أن يكون راحلة ينفع نفسه وينفع أمته.

стр. 5422

معينات التعبد دعوة للتنافس في القرب والطاعات فيصل بن علي البعداني خلق الله ـ تعالى ـ الثقلين لعبادته وحده لا شريك له، وأوجب عليهم تقواه والاشتغال بطاعته، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] ، وامتحاناً منه لهم سلط عليهم من نفوسهم الأمارة بالسوء ومن شياطين الجن والإنس ما يزين لهم المخالفة ويدعوهم إليها، وحف ـ سبحانه ـ طاعته بالمكاره، ومخالفة أمره بالشهوات، ليرى ـ تعالى وتقدس ـ من يُقبل عليه بإرادة واختيار، ومن يلهو في بحار الشهوات ويسرح في أودية الملذات فينسى نفسه والغايه من خلقه. وأمام ذلك فلا بد لمريد النجاة من وسائل معينة له تثبته على الطاعة وعمل ما فيه نجاته إذا وقف للحساب بين يدي ربه، وتقوِّيه في مواجهة أعدائه، وتجاوز العقبات التي تدفعه إلى الزلل وتحول بينه وبين عمل الآخرة، وسأكتفي بإيراد شيء من أبرز ما يعين المرء على التعبد من خلال النقاط التالية: - أولاً: الاستعانة بالله: صلاح العبد في ركونه إلى الله ـ تعالى ـ واعتماده عليه وطلبه العون منه، ومضرته وهلاكه وفساد حاله في الاستعانة بما سواه إذ المُلْك ملكه، والتدبير تدبيره، ولا حول للعبد ولا قوة في شيء من أمره إلا بعونه ـ سبحانه ـ وتوفيقه؛ فاستعانة العبد بمولاه سبيله لتحقيق مراده وتحصيل مقصوده، ومن أعانه الله ـ تعالى ـ فهو السعيد الموفق، ومن خذله ـ سبحانه ـ فهو الشقي المخذول. يقول ابن تيمية: (العبد محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله على طاعته، وتثبيت قلبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (١) ، ويقول ابن رجب: (فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات والصبر على المقدورات كلها، في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه ... ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به، فصار مخذولاً) (٢) . ولمسيس حاجة العبد لعون الله ـ تعالى ـ جمع ـ سبحانه ـ بين العبادة والاستعانة في فاتحة الكتاب في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، وكأن العبد ينكسر بين يدي مولاه في كل ركعة صلاة قائلاً: لك يا مولاي نسكي وخضوعي وحدك لا شريك لك، وأنا عبد ضعيف محتاج إلى العون، وأنت إلهي عضدي ونصيري وحدك دون سواك، فجُدْ عليَّ بعونك وتسديدك! فيا من تريد التوفيق لعمل الآخرة، وتطلب تذليل الصعاب التي تحول بينك وبين الاستكثار من الخضوع لله ـ تعالى ـ والانقياد له، وترغب في نزع الشعور بالعجز من داخلك، انطرح بين يدي ربك الرحيم، واسأله معونته وتسديده، وأن لا يكلك إلى نفسك؛ فإن الدين نصفه استعانة (١) ، وإذا لم يكن عون من الله ـ تعالى ـ للفتى أتته الرزايا من وجوه الفوائد، وكان أول ما يجني عليه اجتهاده. - ثانياً: مجاهدة النفس: جُبِلت النفس البشرية على الميل إلى اللذَّات الحسية، والانجذاب إلى الجهة السفلية؛ فتنةً من الله ـ تعالى ـ واختباراً لها. يقول ابن الجوزي: (النفس مجبولة على حب الهوى ... فافتقرت لذلك إلى المجاهدة والمخالفة، ومتى لم تزجر عن الهوى، هجم عليها الفكر في طلب ما شُغفت به، فاستأنست بالآراء الفاسدة والأطماع الكاذبة والأماني العجيبة، خصوصاً إن ساعد الشباب الذي هو شعبة من الجنون، وامتد ساعد القدرة إلى نيل المطلوب) (٢) . ولخطورة هذا الأمر خاف علينا النبي الرحيم ﷺ من اتباعنا الهوى؛ فعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى» (٣) فلا بد لمريد النجاة من صرف نفسه إلى ما يريده الله ـ تعالى ـ ورسوله ﷺ ، وبذله الوسع في قهر الشهوة والهوى ومخالفة داعيهما الذي يحول بين النفس وبين أداء الطاعة على وجهها (٤) ؛ إذ (اتفق العلماء والحكماء على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات) (٥) . وأصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات وحملها على غير ما تهوى. وللنفس صفتان: انهماك في الشهوات وامتناع عن الطاعات، ومجاهدتها تقع بحسب ذلك (٦) . وأقوى مُعين (على جهاد النفس جهاد الشيطان بدفع ما يلقي إليه من الشبهة والشك، ثم تحسين ما نُهِي عنه من المحرمات، ثم ما يفضي الإكثار منه إلى الوقوع في الشبهات، وتمام المجاهدة أن يكون متيقظاً لنفسه في جميع أحواله؛ فإنه متى غفل عن ذلك استهواه شيطانه ونفسه إلى الوقوع في المنهيات، وبالله التوفيق) (٧) . والمجاهدة أمر رفيع القدر، عالي المنزلة يحتاج إلى صبر ورباطة جأش، ولذا قال ﷺ : «المجاهد من جاهد نفسه لله » (٨) . يقول ابن عبد البر: (مجاهدة النفس في صرفها عن هواها أشد محاولة وأصعب مراماً وأفضل من مجاهدة العدو) (٩) ، ويقول ابن بطال: (جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى....﴾ [النازعات: ٤٠] الآيات) (١٠) . وأخبار القوم في مداواة نفوسهم ومعالجة أدوائها أكثر من أن تروى. يقول الثوري: (ما عالجت شيئاًً أشد عليَّ من نفسي، مرة لي ومرة عليَّ) (١١) ، وقال: (ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نيتي؛ لأنها تتغلب عليَّ) (١٢) . ويقول يونس بن عبيد: (ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من الورع) (١٢) ، ويقول ابن أبي زكريا: (عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة قلَّ أن أقدر منه على ما أريد) (١٤) ، ويقول أبو يزيد: (عالجت كل شيء فما عالجت أصعب من معالجة نفسي، وما شيء أهون عليَّ منها) (١٥) ، ومرة قال: (عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاً أشد عليَّ من العلم ومتابعته) (١٦) . فالنفس عدو منازع يجب على المرء مجاهدتها، وحين يفلح المرء في ذلك فإن إتيان الطاعات يتحول إلى نعيم ولذة، وعندها لا يجد المرء في القيام بها كلفة ومشقة، كما قال ثابت البناني: (كابدت القرآن عشرين سنة، ثم تنعمت به عشرين سنة) (١٧) ، وكما قال بعض العُبَّاد: (عالجت قيام الليل سنة وتنعمت به عشرين سنة) (١٨) ، فالأُنس واللذة يحصلان من المداومة على المكابدة مدة طويلة. وليس المراد بمجاهدة النفس منعها مما يُقيمها، ومخالفتها على الإطلاق؛ فإن ذلك يُفسِد حالها فيعميها ويشتت عزمها ويؤذيها أكثر مما ينفعها، بل المراد تقوية العقل على الطبع حتى يسلم المرء ولا يهلك. يقول ابن الجوزي في بيان جميل: (أعجب الأشياء مجاهدة النفس؛ لأنها تحتاج إلى صناعة عجيبة؛ فإن أقواماً أطلقوها فيما تحب فأوقعتهم فيما كرهوا، وإن أقواماً بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها وظلموها، وأثَّر ظلمهم لها في تعبداتهم؛ فمنهم من أساء غذاءها، فأثر ذلك في ضعف بدنها عن إقامة واجبها، ومنهم من أفردها في خلوة أثمرت الوحشة من الناس، وآلت إلى ترك فرض أو فضل من عيادة مريض أو بر والدة. وإنما الحازم من تعلم منه نفسه الجد وحفظ الأصول؛ فإذا فسح لها في مباح لم تتجاسر أن تتعداه، فيكون معها كالملك إذا مازح بعض جنده؛ فإنه لا ينبسط إليه الغلام؛ فإن انبسط ذكر هيبة المملكة، فكذلك المحقق: يعطيها حظها، ويستوفي منها ما عليها) (١) . ومما يعين على مجاهدة النفس إفهامها عاقبة الانغماس في الشهوات. قال قتادة: (إن الرجل إذا كان كلما هوى شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى؛ فقد اتخذ إلهه هواه) (٢) ، وقال بعض الحكماء: (من استولت عليه النفس صار أسيراً في حب شهواتها محصوراً، في سجن هواها مقهوراً مغلولاً، زمامه في يدها، تجره حيث شاءت، فتمنع قلبه من الفوائد) (٣) ، وقال يحيى بن معاذ: (من أرضى الجوارح في اللَّذَّات فقد غرس لنفسه شجر الندامات) (٤) ، وقال بشر الحافي: (من أحب الدنيا فليتهيأ للذل) (٥) . فيا مجتهداً في تحصيل نعيم المولى! اجعل أعمال الآخرة في حياتك هي الأوْلى وجاهد نفسك وفق الشرع، وإياك أن تهمل قيادتها وتفلت لجامها فتسوقك - إن لم يَجُد المولى - إلى نار تلظى. - ثالثاً: استحضار ثواب القربات: جبل الله نفوس عباده على حب الثواب والسعي لنيله، ومهابة العقاب والحذر منه؛ ولذا فإن استحضار الثواب والعقاب من آكد دواعي لزوم الطاعة والاجتهاد في عمل الآخرة، ومن أعظم الزواجر عن اقتراف المعصية، والانغماس في بحور اللذة. والمتأمل في النصوص يرى أن الترغيب والترهيب، وذكر ما أعدَّ الله ـ تعالى ـ لأوليائه من نعيم، وما أعد لأعدائه من عذاب أليم أحد الموضوعات الرئيسة التي اشتملت عليها الآيات والأحاديث، وقد جاء عرضه فيها من خلال مسارين: أ - مطلق غير مقيد بأعمال مخصوصة، بل هو ثواب للطاعة بإطلاق، وجزاء للمعصية بإطلاق، ومن ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤] ، وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] ، وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] . ب - مقيد بأعمال مخصوصة، ومترتب على طاعات بعينها، ومعاصٍ بعينها، ومن ذلك قوله ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» (٦) ، وقوله ﷺ : «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» (٧) ، وقوله ﷺ : «من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له ماله شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوِّقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك» (٨) . وكلاهما له أثره في تزهيد النفس بمُتَع الدنيا وملذاتها، وتحفيزها على الاستكثار من الخير، وبذل الجهد في عمل الآخرة؛ فإنها متى علمت بأن الله ـ تعالى ـ مثيبُها على الطاعات بجنة فيها «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١) ، ومعاقبُها على معصيته والإعراض عن ذكره بنار وقودها الناس والحجارة، ولَّد ذلك داخلها رغبة صادقة في أن تظفر بذلك النعيم، وتنجو من ذلك الجحيم، وسعت لذلك سعياً حثيثاً؛ فالرجاء يحدو القلوب إلى الله ـ تعالى ـ ويطيب لها السير، والخوف يبعدها عن الدنيا، ويحرق مواضع الشهوات منها (٢) . وقد أمر الله ـ تعالى ـ عباده بأن يكونوا كذلك في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ، والمعنى: لا تشركوا بالله في الأرض، ولا تعصوه فيها، واعبدوه وحده خوفاً من وبيل عقابه، وطمعاً في جزيل ثوابه (٣) . يقول ابن القيم: (المصالح والخيرات واللذَّات والكمالات كلها لا تُنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبَر إليها إلا على جسر من التعب، وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يُدرَك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا همَّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلاً استراح طويلاً، وإذا تحمَّل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوة إلا بالله، وكلما كانت النفوس أشرف والهمة أعلى كان تعب البدن أوفر، وحظه من الراحة أقل) (٤) ، ومن شواهد كلامه النفيس هذا، قوله ﷺ : «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيُصبغ في النار صبغة، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قَطُّ؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيُصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا رب! ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» (٥) . فمتى رغَّب العبد نفسه بثمار التعبد، ورهَّبها من عاقبة الانغماس في الشهوات طاوعته في الإعراض عن الدنيا، بل وتلذذت بمشاق العمل الصالح والإقبال على الله تعالى، فـ: (الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود، فلا يقود إلى قرب الرحمن وروح الجنان ـ مع كونه بعيد الأرجاء، ثقيل الأعباء، محفوفاً بمكاره القلوب ومشاق الجوارح والأعضاء - إلا أَزِمَّة الرجاء، ولا يصد عن نار الجحيم والعذاب الأليم - مع كونه محفوفاً بلطائف الشهوات، وعجائب اللذات - إلا سياط التخويف وسطوات التعنيف) (٦) . فعلى العبد متى أراد إتيان طاعة أن يستحضر الثواب المترتب عليها والعقاب الذي يناله تاركها؛ ليكون ذلك معواناً له في مغالبته لنفسه وقهره لها. - رابعاً: قصر الأمل: ترقُّب الموت وتصوُّر أهواله والعلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء حياة المرء من أنفع الأمور للقلب وأعظم معينات التعبُّد؛ فهو يعلي الهمة، ويزهِّد في الدنيا، ويبعث على الجد في العمل، ويحث على اغتنام الوقت، وانتهاز الفرص. ولذا جاءت النصوص حافلة به ومنبهة عليه، ومن ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] ، وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿قُلْ إنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] ، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أكثِروا ذكر هاذم اللذات؛ فما ذكره عبد قط وهو في ضيق إلا وسعه عليه، ولا ذكره وهو في سعة إلا ضيقه عليه» (٧) . وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكِّر الآخرة» (٨) . أما الآثار فقد امتلأت بالتذكير به والحث عليه؛ فعن مطرِّف ابن عبد الله قال: (القبر منزل بين الدنيا والآخرة؛ فمن نزله بزاد ارتحل به إلى الآخرة، إنْ خيراً فخير، وإن شراً فشر) (٩) ، وقال الأوزاعي: (من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير) (١٠) ، وقال مالك بن مِغْوَل: (من قصر أمله هان عليه عيشه) (١١) ، وقال الداراني: (ينبغي للعبد المعني بنفسه أن يميت العاجلة الزائلة المتعقبة بالآفات من قلبه بذكر الموت وما وراء الموت من الأهوال والحساب ووقوفه بين يدي الجبار) (١٢) ، وقال النضر بن المنذر: (زوروا الآخرة بقلوبكم، وشاهدوا الموقف بتوهمكم، وتوسدوا القبور بقلوبكم، واعلموا أن ذلك كائن لا محالة، فاختار لنفسه ما أحب من المنافع والضرر) (١٣) . ولما كان الغالب على عامة الخلق طول الأمل ورجاء البقاء في هذه الدنيا، ونسيان أنها دار سفر وموطن امتحان، والغفلة عن الغاية العظمى من الخلق، وإهمال التوبة وعمل الآخرة، جاءت النصوص محذرة من هذا الوضع، ومنبهة إلى خطورة استمرار المرء في السير في طريق الهلكة، ومن ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] ، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل» (١) . ومن أقوال أهل العلم الواردة في هذا الباب قول أبي الحسن علي ﵁: (إن أخوف ما أتخوف عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى؛ فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق) (٢) ، وعن الحسن قال: (ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل) (٣) ، وقال الفضيل: (إن من الشقاء طول الأمل، وإن من النعيم قصر الأمل) (٤) ، وقال بعض الحكماء: (الجاهل يعتمد على الأمل، والعاقل يعتمد على العمل) (٥) ، وقال ابن القيم: (مفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل) (٦) . فطول الأمل من تزيين الشيطان وسلطانه على قلوب الغافلين (٧) ؛ فلا آفة أعظم منه، بل لولاه ما وقع إهمال أصلاً، وإنما تفتر الهمم، ويسود العجز والكسل، ويقدم العبد على المعاصي، ويبادر إلى الشهوات، ويغفل عن الإنابة لطول أمله؛ فإنَّ الاستعداد نتيجة قرب الانتظار؛ فمن له أَخَوان غائبان وينتظر قدوم أحدهما في غد، وقدوم الآخر بعد عام فإنه لا يستعد للذي يقدم بعد عام وإنما للذي يأتي غداً؛ فمن انتظر مجيء الموت بعد سنة مثلاً، اشتغل قلبه بالمدة ونسي ما وراء المدة، وذلك يمنعه من مبادرة العمل؛ لأنه يرى نفسه في متسع من الزمن، فيؤخر العمل (٨) ، ولله در القائل: (إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجَلي أقل من ذلك) (٩) . فيا ناصحاً لنفسه أَقْصِرِ الأملَ! واستعد للحساب قبل حلول الأجل؛ فإن (ما مضى من الدنيا أحلام، وما بقي منها أمانٍ، والوقت ضائع بينهما) (١٠) ؛ فإن لم تستطع ذلك فاعمل عمل قصير الأمل؛ فإن سعادتك في ذلك، ودع عنك التسويف؛ فإنه من أعوان إبليس (١١) . يقول الحسن: (إياك والتسويف؛ فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غد لك فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم) (١٢) . - خامساً: فقه نهج التقرب: غاية العبد من تعبده النجاة يوم القيامة وعلو المرتبة عند الله تعالى، وإن من أعظم السبل الموصلة لذلك فقه الكيفيات والتوجيهات التي رسمها الشارع في باب التعبد، والتي يتمكن بها العبد من مداومة العمل ومضاعفة الأجر، ولعل من أبرز ما ينبغي فقهه في هذا الجانب ما يلي: ١ ـ المسارعة إلى العمل: حثت الشريعة على المبادرة إلى الطاعات وعدم الإبطاء في أدائها. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ، وقال ﷺ : «التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة» (١٣) ، وقال ﷺ : «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (١٤) ، وعن أحمد قال: (كل شيء من الخير يبادر به) (١٥) ، وقال ابن بطال: (الخير ينبغي أن يبادَر به؛ فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمَن، والتسويف غير محمود) (١٦) . فيا باغي الرفعة لا تسرح لنفسك في الطول؛ فما أنت إلا في مزرعة، من يجني منها أكثر يعلو عند الله قدره، وترتفع في الآخرة منزلته؛ فبادر إلى العمل قبل أن يبادر بك، فإنك عندها تغتبط بالمبادرة إلى الخير، وتندم على التفريط في أعمال البر. ٢ ـ المداومة على فعل الخير: المداومة على الطاعات هدي راشد، وجَّه إليه النبي ﷺ ومارسه؛ فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: أدومه وإن قلَّ» (١) ، وعنها ﵂ أن عمله ﷺ كان دِيمة (٢) ، وأنه ﷺ كان إذا عمل عملاً أثبته (٣) . وحتى يتمكن العبد من الاستمرار في المداومة على الطاعات نجده ﷺ يأمر بالاقتصاد في العبادة، وينهى عن التعمق والتشديد على النفس فيها؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «القصدَ القصدَ تبلغوا» (٤) ، وعن أنس ﵁ قال: «دخل رسول الله ﷺ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا؟ قالوا: لزينب تصلي؛ فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: حُلُّوه! ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد» (٥) ، وعن عائشة ﵂ قالت: «دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة، فقال: مَنْ هذه؟ فقلت: امرأة لا تنام تصلي، قال: خذوا من العمل ما تطيقون؛ فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا» (٦) ، وعن عبد الله ابن عمرو ﵄ قال: «قال لي النبي ﷺ : ألم أُخْبَر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: إني أفعل ذلك، قال: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك، ونفهت نفسك، وإن لنفسك حقاً، ولأهلك حقاً، فصُم وأفطر، وقم ونم» (٧) . قال النووي: (وإنما كان القليل الدائم خيراً من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق ويثمر القليل الدائم؛ بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة) (٨) ، وليس المراد من الأمر بالقصد في العبادة منع طلب الأكمل فيها؛ فإن ذلك من الأمور المحمودة، بل المراد التدرج في مراقي الخير، والإيغال في الدين برفق، وقياد النفس خطوة خطوة حتى يصلب عودها في باب التعبد، وتعتاد الإكثار من القُرَب دون أن تكره العمل، حتى لا يكون المرء كالمنبتِّ الذي لا هو قطع أرضاً، ولا أبقى أرضاً، فلا بد من (منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس، فخرج وقت الفريضة) (٩) . وفَهْمُ طبيعة النفس من أعظم مُعينات العبد على مدوامة العمل الصالح؛ إذ لها إقبال وإدبار، وقد أوضحت ذلك النصوص والآثار؛ فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لكل عابد شِرَّة، ولكل شِرَّة فترة، فإمَّا إلى سُنَّة وإما إلى بدعة؛ فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» (١٠) ، وقال عمر ﵁: «إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً؛ فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن أدبرت فألزموها الفرائض» (١١) ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: «إن لهذه القلوب شهوة وإقبالاً، وإن لها فترة وإدباراً، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها» (١٢) . ومما يُكمِل مسألة مداومة العبد على العمل الصالح قضاؤه ما فاته منه، وقد جاءت النصوص دالة على مشروعية ذلك؛ فمنها حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل» (١٣) . وبالعموم؛ فكل الخير في اجتهاد باقتصاد مقرون بمتابعة النبي ﷺ ، وما أجمل مقولة أُبَيِّ بن كعب ﵁: «وإن اقتصاداً في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، فانظروا أن يكون عملكم - إن كان اجتهاداً أو اقتصاداً - أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء وسنتهم» (١٤) ، فاللهم مُنَّ علينا بلزوم السنة في كل أمورنا. ٣ ـ تنويع العمل: جمع القرب وتنويع الطاعات من أمتن السبل المعينة على التعبد، وأبلغ الطرق الموصلة إلى مرضاة الله ـ تعالى ـ وعلو المنزلة عنده سبحانه؛ يدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» (١٥) . وما ذلك إلا لأن في تنويع الطاعات تأسياً بالنبي ﷺ ، واستكثاراً من الخير، وتحفيزاً للنفس على العمل، ومراعاة لطبيعتها؛ لأنها قد تصاب بنوع من الرتابة والاعتياد نتيجة لزوم أنواع محددة من القُرَب، وقد يُفتَح لها في أبواب من الخير أخرى يكون القلب فيها أحضر؛ فكلما نوَّع العبد من قُرَبه، وتقلَّب بين جنباتها كلما جدد إيمانه، وتعرف على الحال التي هي أنفع لقلبه، وأتقى لربه، وتمكن من استغراق وقت أطول في عمل ما يحبه ـ سبحانه ـ ومكَّنه ذلك من استثمار قلبه ولسانه وجوارحه في طاعة مولاه، وقضاء جميع أحواله وأوقاته في مرضاة الله تعالى. ٤ ـ إدراك مراتب الأعمال: فاضَلَ الله ـ تعالى ـ بين الأعمال الصالحة، كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ، وكما قال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١) ، وكما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها، قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (٢) . وتفاضل الأعمال مرده تارة إلى جنس العبادة؛ فمثلاً جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة، وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء. وتارة إلى حال العبد فالتسبيح والذكر في حال الركوع أفضل من القراءة، والطواف للآفاقي (٣) أفضل من الصلاة، بينما الصلاة للمقيم بمكة أفضل، وما يقدر عليه العبد من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه، وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل. وتارة إلى وقت العمل؛ فالصدقة في رمضان خير منها في غيره، والقراءة والذكر والدعاء بعد صلاتي الفجر والعصر هي من الأعمال المشروعة دون الصلاة. وتارة إلى مكان العمل؛ فالصلاة في المساجد الثلاثة أفضل من الصلاة في غيرها، والمشروع للحاج بعرفة ومزدلفة وعند الصفا والمروة هو الذكر والدعاء دون الصلاة. وتارة إلى جنس العابد؛ فالجهاد للرجال أفضل من الحج، وأما النساء فجهادهن الحج (٤) . فالذي يحسن أن يختار العبد من القُرَب أعلاها منزلة وأكثرها أجراً، هذا من حيث الإطلاق. أما من حيث التقييد؛ فمن الصعب القول بأن قُرْبة معينة هي الأفضل في حق شخص معين؛ إذ الأفضل في حق كل إنسان ما كان أنفع له وأجمع لقلبه وأشرح لصدره؛ فكل قُرْبة يأتي بها العبد على الوجه الكامل، ويكون فيها أتقى لله وأخشع، فهي أفضل في حقه من غيرها، وإن كانت هناك قُرْبة أفضل منها. يقول ابن تيمية مبيناً ذلك: (من الناس من لا يصلح له الأفضل، بل يكون فعله للمفضول أنفع، كمن ينتفع بالدعاء دون الذكر، أو بالذكر دون القراءة، أو بالقراءة دون صلاة التطوع. فالعبادة التي ينتفع بها فيحضر لها قلبه، ويرغب فيها ويحبها أفضل من عبادة يفعلها مع الغفلة وعدم الرغبة) (٥) ، وفي موضع آخر يقول: (فأكثر الخَلْق يكون المستحب لهم ما ليس هو الأفضل مطلقاً؛ إذ أكثرهم لا يقدرون على الأفضل، ولا يصبرون عليه إذا قدروا عليه، وقد لا ينتفعون به، بل قد يتضررون إذا طلبوه، مثل: من لا يمكنه فهم العلم الدقيق إذا طلب ذلك فإنه قد يفسد عقله ودينه) (٦) . ولهذا فقد تكون قُرْبةٌ في وقت أفضل للعبد، وفي وقت آخر لا تكون الأفضل له، بل يكون الأفضل له قربة أخرى بحسب جمعيته لقلبه عليها، فينبغي للعبد أن يجتهد في اختيار القربة التي هي أرضى لربه، وأعظم لأجره، وأن يستهدي الله ـ تعالى ـ ويستعينه على ذلك، فإنه ما صدق عبد ربه إلا صنع له سبحانه. ٥ ـ توسيع دائرة التقرب: مهما اجتهد المرء في العبادات المحضة وأعطاها من وقته فإنها تبقى معدودة؛ إذ له قدرة محدودة لا يمكنه تجاوزها، كما أن له متطلبات جسدية، واحتياجات فطرية، وعليه واجبات اجتماعية لا بد من مجيئه بها وإعطائها جزءاً كبيراً من وقته، ولذا فقد فتح الرب الرحيم للمسابقين في الخيرات الحريصين على عالي الدرجات أموراً يمكنهم من خلالها توسيع دائرة تقربهم، ولعل من أبرزها ما يلي: أ - احتساب الأجر في المباح، والتي لا يثاب المرء عليها إلا بنية رجاء الأجر على فعلها من الله تعالى، كما دل على ذلك قوله ﷺ : «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة» (٧) ، وقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك» (٨) ، فالمباح (إذا قصد به وجه الله ـ تعالى ـ صار طاعة ويثاب عليه، وقد نبه ﷺ على هذا بقوله ﷺ : «حتى اللقمة تجعلها في فِيِ امرأتك» (١) ؛ لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها؛ فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح؛ فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا فأخبر ﷺ أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله ـ تعالى ـ حصل له الأجر بذلك؛ فغير هذه الحالة أوْلى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله تعالى؛ ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئاً أصله على الإباحة وقصد به وجه الله ـ تعالى ـ يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطاً، والاستمتاع بزوجته وجاريته ليكفَّ نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام وليقضي حقها وليحصل ولداً صالحاً، وهذا معنى قوله ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة» (٢) ، والله أعلم) (٣) . وقد وردت آثار عدة عن بعض السلف تحث على هذا الأمر؛ فعن معاذ بن جبل ﵁ حين سئل: كيف تقرأ؟ فقال: «أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي» (٤) ، أي: أنه يرجو الأجر في ترويح نفسه بالنوم؛ ليكون أنشط عند القيام بالعبادة، وعن زيد الشامي قال: (إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء، حتى في الطعام والشراب) ، وعنه قال: (انوِ في كل شيء تريد الخير، حتى خروجك إلى الكُناسة) (٥) . فيا من تريد توسيع دائرة قُرُباتك، والإكثار من أجورك أرد إرضاء الله ـ تعالى ـ بما تأتي من الأمور المباحة والأعمال المعتادة؛ فإن المرء يؤجَر عليها متى جعلها وسيلة لطاعة واجبة أو مندوبة أو تكميلاً لشيء منهما (٦) . ب - الهم بعمل الخير وإن لم يعمل؛ فإن نية الخير المجردة من الفعل يثاب المرء عليها، كما في حديث: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك؛ فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة) (٧) . فإن نوى الخير، وكانت النية مستقرة في القلب فحال بينه وبين عمله عذر أو عجز كان له أجر عامل، كما يدل على ذلك حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة،، فقال: «إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر» (٨) ، وحديث أبي كبشة الأنباري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل، قال رسول الله ﷺ : فهما في الأجر سواء،....» (٩) ، وحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً» (١٠) ، وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كُتب له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة» (١١) ؛ فالنية أبلغ من العمل، والخير كله إنما يجمعه حُسن النية، وإن لم ينصَب العبد. ت - إرادة أكثر من قُرْبة بالعمل الواحد؛ إذ يُشرَع في بعض الأعمال نية أداء أكثر من طاعة بعمل واحد؛ فالنية الصالحة تُكثِر العمل وتباركه وإن كان قليلاً، كمن يريد بمكثه في المسجد: الاعتكاف، وانتظار الصلاة، وينوي بتناول طعامه: حفظ النفس، والتقوِّي على أعمال البر، وينوي بطهارته: المكث في المسجد، والصلاة، وقراءة القرآن، والطواف، ... ونحو ذلك من الأعمال التي يثاب فيها المرء على تعدد قصده، ويكون جمع نيته فيها أفضل من كثير من الطاعات (١٢) . فيا مسارعاً في الخيرات تفقه في كيفية الظفر بالأجور، ومرِّن نفسك على تطبيقها! فإن أمامك جبالاً من الأجور بإمكانك نيلها دون مشقة أو عناء. كانت هذه بعض مُعِينات التعبُّد، والموضوع واسع، والمهديُّ من وفقه الله وأعانه. نسأل الله ـ تعالى ـ أن يلهمنا رشدنا، ويهدينا سواء السبيل بمنه وكرمه، إنه جواد تواب رحيم، وصلى الله وسلم على النبي المختار، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5423

فقه الظواهر الدعوية في ضوء الكتاب والسنة ظاهرة التآكل الروحي حمدي شعيب ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] . هكذا قصَّ القرآن الكريم تلك النتيجة التي انتهت إليها حالة هذا الثلاثي الجليل من جيل الخيرية؛ وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، ﵃؛ حيث تخلفوا عن ركب الجهاد، في غزوة العسرة ـ غزوة تبوك ـ وصدقوا مع الله ـ سبحانه ـ ثم معه ﷺ ، فلم يفعلوا كما فعل المنافقون الذين اعتذروا، ولكنهم أعلنوا على لسان كعب ﵁: «والله ما كان لي من عذر» (١) . أي ليس لهم حجة أو عذر للتخلف. كانت تلك النتيجة شعوراً غريباً لم يألفه كعب ﵁ منذ دخوله لهذا العالم وأُنْسه بهذا المنهج، وكان ألماً نفسياً ضاقت به نفسه ضيقاً شديداً حتى تنكر لها الوجود السابح الساجد لربه. وتأمل هذه اللمحات الطيبة: ١ ـ التربية النبوية القرآنية كانت سريعة وشديدة؛ ليختبر صدقهم مع الله ثم مع النفس، وحكى عنها كعب ﵁ فقال: «ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه» (٢) . ٢ ـ وكأنما يشارك في هذه المقاطعة كل الخلائق، من البشر ومن الجماد بل والوجود كله، استجابة وجندية وطاعة لأمره سبحانه. وتدبَّر مشاركة الأرض: «فاجتنبنا الناس ـ أو قال: تغيروا لنا ـ حتى تنكرت لي في نفسي الأرض؛ فما هي بالأرض التي كنت أعرف» (٣) . ٣ ـ لقد كانت المحنة من الشدة بحيث أفرزت هذا الشعور؛ شعور أن الأرض والوجود كله يشارك في المقاطعة، والشعور أنه قد غدا شاذاً عن هذه المنظومة العابدة الساجدة الذاكرة لربها: «حتى تنكرت لي في نفسي الأرض» . ٤ ـ هذا الشعور لا تحسّه إلا نفس مؤمنة عاشت طويلاً متناسقة ومتوافقة، وكانت معروفة لهذه المنظومة: «فما هي بالأرض التي كنت أعرف» . لقد كانت هنالك علاقة حب وودّ، ليس فقط مع المجتمع؛ بل مع الأرض، ومع الوجود كله، ثم انقطعت بمجرد تقصير في طاعة الله . وكم من شواذ لا يستشعرون شذوذهم! وما ذاك إلا لغياب الرابطة السابقة مع هذه المنظومة. وعندما تغيب هذه الرابطة؛ يغيب الرصيد في بنك الخير والطاعة والعبودية. وتأمل يونس بن متى ﵇ وهو يبين فضل هذا الرصيد الذي نفعه في محنته: ﴿وَذَا النُّونِ إذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . إنه الرصيد العظيم للأيام العظيمة؛ للمحن المركبة، والظلمة المركبة؛ (ظلمة حوت في بطن حوت آخر في ظلمة البحر. وأنه ذهب به الحوت في البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: ﴿لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . ٥ ـ إنه لألم عظيم أن تستشعر الرفض والشذوذ ممن حولك، خاصة في المواقف الصعبة؛ وإنها لمصيبة كبرى أن تفتقد الرصيد، عند اللحظات الفاصلة، وهل هناك أصعب من المشاعر عند مشهد النهاية. وتدبَّر مصيبة آل فرعون عند مشهد نهايتهم، ولحظات رحيلهم: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] . فلم تك لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله ـ تعالى ـ فيها فقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا يُنظَروا ولا يؤخَّروا لكفرهم وإجرامهم وعتوِّهم وعنادهم. ٦ ـ ضرورة الفهم لأي قضية، حتى لا يساء الظن، ولا تُترك في النفوس أي أقاويل. وتدبَّر كيف فسر كعب ﵁ قضيته مصححاً معنى أنهم خُلِّفُوا، وكأنها أحد جوانب محنته العظيمة؛ وهي عدم فهم قضيته؛ عدم فهم خطئه: «كنا خُلِّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه؛ فلذلك قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] ، وليس الذي ذُكر مما خُلِّفنا، تخلُّفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيّانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه) (١) . وإنه لشعور أليم أن يساء فهم موقفك؛ خاصة عند الابتلاء. والشعور الأكثر إيلاماً أن لا تُترك لك الفرصة أن تصحح موقفك. - ما معنى ظاهرة التآكل الروحي؟ هذه اللمحات الطيبة ما هي إلا بعض الإضاءات التي تركز على جانب واحد من الجوانب العديدة في قصة محنة كعب ﵁ وهو الجانب المرتبط بسنة إلهية اجتماعية، تفسر لنا ظاهرة تربوية؛ وهي (ظاهرة التآكل الروحي) . وهي ظاهرة تنشأ من خلل في التوازن التربوي بين طاقات العبد الثلاث، وهي: طاقة العقل، وطاقة البدن، وطاقة الروح؛ حيث يقل حظ الجانب الروحي في أعمال العبد، مثل: التفريط في بعض الفرائض، وغيرها من أعمال اليوم والليلة من السنن، مثل: الذكر، والدعاء، والاستغفار، وتلاوة القرآن. وينشأ نوع من الخلل أو الانفصام المركب: أولاً: داخلياً يستشعر العبد قسوةً وجفاءً مع نفسه. ثانياً: خارجياً، يستشعر العبد قسوةً وجفاءً مع الوجود كله. والنتيجة هي الشعور بأن النفس والوجود يتنكران له؛ فما هي بالنفس وما هو بالوجود الذي يعرفهما. وبمعنى آخر: هي الظاهرة التي تبحث في حالة صدأ القلب، أو حالة الجفاء الروحي التي يستشعرها العبد المؤمن، عندما يقصر في طاعة الله ـ سبحانه ـ؛ فلا يستشعر للعبادة حلاوة، ولا للطاعة لذَّة، ويقاسي ألم البعد عنه ، ويتحول هذا إلى شعور بوحدة قاسية، ومسافات شاسعة، وحواجز نفسية تفصل بينه وبين الخلائق، خاصة الصالحين. ويسير في الأرض ـ والعياذ بالله ـ كالحيران الذي تتقاذفه عوامل الجذب في كل اتجاه، ويصبح كحلبة يلتقي عليها المتصارعون، أو يكون نقطة التقاء للصراع عليه بين استهواء وإغواء شياطين الإنس والجن، وبين رفقة الخير من الدعاة المصلحين: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] . ويمتد هذا الشعور بغياب لذة الطاعة وألم البعد عنه ـ سبحانه ـ إلى حالة من غياب الرغبة في الحياة عموماً، وضياع اللذة في المعيشة في الدنيا، ثم فوق ذلك استشعار خيبة الأمل في النجاة في الآخرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] . وهو تحذير منه ـ سبحانه ـ لكل مُعرِض «أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه؛ فإن له معيشة ضنكاً؛ أي ضنك في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء؛ فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة. عن أبي سعيد في قوله (معيشة ضنكاً) قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه، وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم، ويحتمل أن يكون المراد أنه يُبعث أو يُحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة» (٢) . - خطورة الظاهرة دعوياً: فالخطورة تأتي من أن هذا التآكل يهدد الأساس الذي يُخرِج ناشئة الليل؛ وهم الربانيون ويعطّل حركة انبعاث أو عملية إيجاد هؤلاء الربانيين الذين سيحملون القول الثقيل؛ وهي الأمانة التي كان من قدر الإنسان أن يحملها؛ وهو المنهج الرباني، أو هو القرآن الكريم الذي أنزله ـ سبحانه ـ ليس إلى البشرية فقط؛ بل إلى الوجود كله، وتدبَّر مغزى هذه التوجيهات الكريمة المبكرة في عمر الدعوة والداعية: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل: ١ ـ ٦] . فكيف سيتخرج هذا الرباني المنشود دون قيام ليل، ودون ترتيل للقرآن الكريم وتدبُّر له؟! وكيف سيحمل المنهج الرباني دون المرور على محطة السَّحَر التي هي أفضل الأوقات واللحظات؛ ليتوافق السمع مع البصر مع اللسان مع الفؤاد ـ أي كل كيانه ـ لفقه الرسالة وفهم المنهج؟! وكيف يسير وحده على طريق مبارك يلزمه مشاركة الوجود معه دون التوافق مع سننه ـ سبحانه ـ الإلهية؟! وكيف سيتوافق مع هذه السنن الإلهية، ويستشعر مشاركة الوجود معه في عبادته من قيام واستغفار بالسحر وترتيل للقرآن الكريم؛ إلا في تلك اللحظات الخاصة؟! وكما ورد عنه ﷺ أن هذه اللحظات، يحتكرها فقط عباد الرحمن. - هل ظاهرة التآكل الروحي سنة إلهية؟ وعندما نقول إنها سنة إلهية فإننا نقصد أن هذه الظاهرة هي محصلة لفعل قوانين ربانية، وقواعد إلهية ثابتة، أو هي نتيجة لوجود أسباب بشرية وزمانية ومكانية انطبقت عليها القوانين الإلهية فكان الجزاء في صورة تلك الظاهرة. ونذكِّر أن السنن الإلهية؛ هي: ١ ـ سنن إلهية كونية تنظم عالم المادة في الآفاق. ٢ ـ سنن إلهية اجتماعية تنظم عالم الأحياء أو الأنفس. وهذه السنن الإلهية تتميز بسمات ثلاث هي: العموم، والثبات، والاطراد ـ أي التكرار ـ إن وجدت الظروف البشرية والمكانية والزمانية. إذن هذا الجفاء الروحي نتيجة لخلل ترتب على وجود أسباب بشرية من فعل العبد. وعندما نقول إن ظاهرة التآكل الروحي سنة إلهية اجتماعية نقصد أنها من القوانين الربانية والقواعد الإلهية المنظمة لعالم الأحياء، أو الأنفس، وخاصة البشر. أي أن لها أسباباً أوجدتها، وهذه الأسباب أوجدت خللاً، وهذا الخلل أوجب العقاب الإلهي أو الجزاء، وهذا العقاب تحكمه قوانينُ تعرف بالسنن الإلهية الاجتماعية. والأسباب أو الظروف البشرية هنا هي التقصير بكل درجاته، والنتيجة المترتبة هي حالة القسوة القلبية والانفصال عن المنظومة الكونية العابدة، والمعادلة أو القانون أو سلسلة تتابع هذه السنة الإلهية هي كالتالي: (أسباب تعود إلى العبد ـ خلل تربوي ـ عقاب إلهي على هيئة جزاء من جنس العمل) . وبمعنى أبسط: هذه الظاهرة، أو هذا الشعور ما هو إلا نتيجة لعقاب الله للعاصي والمسرف المقصر في طاعته سبحانه. أي إذا قصر العبد في طاعته ـ سبحانه ـ فإنه يترتب على ذلك خلل داخل العبد مع نفسه، وخارجه؛ أي مع المجتمع ومع الوجود العابد لربه، وهنا تأتي السنَّة الإلهية في هيئة عقاب من نفس نوع الأسباب التي عملها العبد؛ أي يزيده بُعداً وجفاء مع نفسه ومع الوجود من حوله. وتدبَّر هذا الحوار بين العبد وربه؛ فلقد تساءل العبد: ما جرمه؟ وما سبب هذا العقاب؟ وكانت الإجابة منه ؛ حيث يبين الحق ـ سبحانه ـ هذا القانون القرآني العام، أو السنة الإلهية الاجتماعية التي تنطبق على كل من أسرف في الذنوب، وقصَّر في الطاعة. «ولهذا يقول: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] ؛ أي في الدنيا. قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٦] ؛ أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١] فإن الجزاء من جنس العمل» (١) . ثم يبين الحق ـ سبحانه ـ هذا القانون القرآني العام الآخر، أو السنة الإلهية الاجتماعية الأخرى؛ والتي تنطبق على كل من أسرف في غيه وكذب بآياته سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧] . (يقول ـ تعالى ـ وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والأخرة لهم عذاب في الحياة الدنيا، «ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واقٍ» ، ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ أي أشد ألماً من عذاب الدنيا وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه، ولهذا قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ... » (٢) . - ما أعراض هذه الظاهرة؟ لهذه الظاهرة الكثير من الأعراض العامة والخاصة. أولاً: الأعراض العامة: وهي الآثار العامة الكثيرة للذنوب؛ أي العقوبات التي نغفل عنها ولا ندري ما سببها، والتي منها: «حرمان العلم والفقه في الدين، ووحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله ـ سبحانه ـ، والوحشة بينه وبين الناس، واستشعار الظلمة بالقلب، وضعف البصيرة، وحرمان الطاعة، ووهن القلب والبدن، وقصر العمر ومَحْقُ البركة، والوقوع في سلسلة الذنوب، وزيادة إرادة المعصية، وهوان العبد على الله ، واستصغار الذنوب، وذهاب الحياء، والحرمان من دعاء الرسول ﷺ والملائكة واستغفارهم للمؤمنين والمؤمنات، وعدم توقير القلب لله سبحانه، ونسيان الله ـ سبحانه ـ لعبده، وزوال النِّعم وحلول النِّقم) (٣) . ثانياً: الأعراض الخاصة: وهي التي نقصد بها الأعراض التي تؤثر على الجانب الدعوي التربوي. ويمكن تقسيمها إلى قسمين: الأول: استشعار الغربة الداخلية مع النفس؛ مثل: ١ ـ عدم الشعور بحلاوة العبادة، مثل: الفرائض، وقراءة القرآن الكريم، والذِّكر. ٢ ـ تسرُّب اليأس إلى النفس. ٣ ـ فقدان الأمل بموعوده ـ سبحانه ـ وموعود نبيه ﷺ . ٤ ـ عدم الشعور بلذَّة البذل الدعوي، وكأنه عمل روتيني وظيفي. ٥ ـ عدم الإقبال على حضور اللقاءات التربوية ومجالس العلم والذِّكر. ٦ ـ التقصير في عمل اليوم والليلة؛ من صلاة وذكر وقراءة القرآن الكريم. ٧ ـ عدم الشعور باللَّهفة للقاء أولياء الله من الدعاة والصالحين المتحابين في الله. ٨ ـ الشعور بالكآبة والحزن والاكتئاب، واستفحال هموم الدنيا والرزق. ٩ ـ الفتور العبادي. الثاني: استشعار الغربة الخارجية؛ وهذا على أنواع ومراتب: (أ) الشعور بالغربة مع المؤسسة التربوية؛ مثل: ١ ـ عدم الهمَّة في إنجاز التكاليف. ٢ ـ التقصير في الواجبات. ٣ ـ المطالبة بالحقوق. ٤ ـ كثرة النقد. ٥ ـ استشعار الجفوة بينه وبين أعضاء المؤسسة، وضعف رابطة الأخوة والمحبة. ٦ ـ الفتور الدعوي. (ب) الشعور بالغربة مع المجتمع؛ مثل: ضعف الشعور بمفهوم الخروج إلى الناس، ومقتضياته؛ مثل: ١ ـ التقصير في الواجب الدعوي، والمهمة الرئيسة للمسلم مع مجتمعه من أمر بمعروف ونهي عن منكر. ٢ ـ التقصير في فعل الخير. ٣ ـ ضعف الشعور بحب الناس والقرب منهم. ٤ ـ الفتور الانعزالي، وبغض مخالطة الناس. (ج) الشعور بالغربة مع الوجود الكبير؛ مثل: ١ ـ الشعور بعدم الأُنس بالوجود الكبير؛ مثلما حدث مع كعب ﵁. ٢ ـ عدم التفاعل مع الخلائق والاندماج في المنظومة العابدة، وغياب الشعور بلذَّة العبودية الجماعية الشاملة. وتدبَّر هذا الأُنس المؤمن، والتفاعل بين الخالق ونعمه، ومع الخلائق وامتنانهم بنِعَم خالقهم، وتأمَّل هذا الربط الطيب بين ذكر الرحمن، وبين ذكر نعمة تعليم القرآن الكريم وتفهيمه، ونِعَمة خلق الإنسان، ونعمة تعليمه النطق والبيان، وبين حركة الشمس والقمر المقدرة بإتقان وحساب دقيق، وسجود النجم؛ وهو النبات الذي ليس له ساق، فيمتد على الأرض ساجداً عابداً لربه العظيم، وكذلك سجود الشجر؛ أي النبات الذي له ساق، فيرتفع سامياً شامخاً بعبوديته، ونعمة رفع السماء بلا عمد، ووضع الموازين والمقاييس السماوية الربانية للوجود، والسنن الإلهية، ثم الأمر بالطاعة لهذه الموازين والسنن بالقسط والعدل، ثم ربط هذا كله بنعمة عظيمة مغفول عنها؛ ألا وهي نعمة تمهيد الأرض للخلائق للعيش بسلام. كل ذلك في منظومة عابدة ساجدة لا يشذُّ عنها إلا هالك، ولا يغفل عنها إلا جاحد، ولا ينكرها إلا ضالّ. ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١ - ١٠] . - ما سُبُل علاجها؟ وسُبُل العلاج منها العام ومنها الخاص. أولاً: السبل العامة: وهي طرق العلاج العامة المشروعة لأسباب التقصير في طاعته ـ سبحانه ـ، الباعثة إلى الخلل في مسيرة العبد، مما يترتب عليه جزاء من جنس العمل ألا وهو حالة الجفاء القلبي؛ أو ما يُعرف بظاهرة التآكل الروحي. ونقول إنها عامة، للحالات العامة؛ أي تفيد أي عبد قاسى من هذه الظاهرة. ومن هذه السُّبل: ١ ـ الذِّكر. ٢ ـ تلاوة القرآن الكريم. ٣ ـ الصلاة. ٤ ـ صحبة الصالحين. ٥ ـ الاستغفار. ٦ ـ الدعاء. ٧ ـ قراءة التاريخ. ٨ ـ التفكُّر في خلق السماوات والأرض. ٩ ـ زيارة القبور. ثانياً: السُّبل الخاصة: وهي السُّبل الخاصة المشروعة، للحالات الخاصة؛ والمفيدة لأسباب خاصة من التقصير في طاعته ـ سبحانه ـ. حيث يستشعر العبد أنه يمتلك قوة معينة تنطلق من أدائه لعبادة معينة. فإذا فتَّش في ذاته وتلمَّس سبباً معيناً من أسباب التقصير، وجد على الفور قوة ربانية معينة، تنطلق من طاعة معينة؛ فتعينه على معالجة هذا السبب الخاص. فيظل يعالج سبباً سبباً، حتى يبرأ من كل أسباب التقصير، فينمحي الخلل، فيجازيه الحق ـ سبحانه ـ جزاءً من جنس عمله. أي يبدأ في طاعة معينة تعالج سبباً معيناً اكتشفه في نفسه، ويجتهد فيها ويداوم عليها فترة، بينه وبين ربه الودود الكريم، فينمحي الخلل النفسي الداخلي، فيستشعر أنه بدأ المسير المبارك؛ فيجازيه الحق الحنان المنان الرحيم ـ سبحانه ـ بأن يهديه إلى طاعة أخرى وييسّرها له؛ فالطاعة عنده ـ سبحانه ـ تؤدي إلى طاعة، فيسمو روحياً، ويظل يترقى ما دام سائراً على طريقه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] . وتدبَّر هذا الحديث، وتأمَّله وكأنك تقرؤه لأول مرة: عن الحبيب ﷺ أنه قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا ـ عليهما الصلاة والسلام ـ بخمس كلمات أن يعمل بها، ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كاد أن يبطئ بها، فقال له عيسى ﵇: إن الله ـ تعالى ـ أمرك بخمس كلمات لتعمل بها؛ وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخسَف بي وأُعذَّب. فجمع يحيى الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعد على الشرف، فقال: إن الله ﵎ أمرني بخمس كلمات أن أعملهن وآمركم أن تعملوا بهن: أولُهنّ أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وإن من أشرك بالله كمثل رجلٍ اشترى عبداً من خالص ماله بذهبٍ ووَرِقٍ (*) ، فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليَّ؛ فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده؛ فأيُّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله أمركم بالصلاة؛ فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يكن يلتفت، وأمركم بالصيام؛ فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ في عصابة معه صرّة فيها مِسك، كلهم يعجب، أو يعجبه ريحه، وإن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك. وأمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك مثل رجلٍ أسره العدو، فأوثقوا يديه إلى عنقه، وقدّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم. وأمركم أن تذكروا الله ـ تعالى ـ فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ خرج العدو في أثره سراعاً؛ حتى إذا أتى على حصنٍ حصينٍ، فأحرز ـ أي حمى ـ نفسه منهم؛ كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى. قال النبي ﷺ : وأنا آمركم بخمسٍ، اللهُ أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛ فإنه من فارق الجماعة قيدَ شبر فقد خلع ربقة الإسلام ـ أي عروة من الحبل تُشدّ إليه ـ من عنقه إلا أن يراجع، ومن ادّعى دعوى الجاهلية؛ فإنه جُثى ـ بضم الجيم وكسرها ـ جهنم. فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلى وإن صام؟ قال: وإن صلى وصام ـ في المسند أضاف: وزعم أنه مسلم ـ فادعوا بدعوى الله الذي سمَّاكم المسلمين المؤمنين عباد الله» (١) . قال ابن القيم ﵀: «في هذا الحديث العظيم الشأن ـ الذي ينبغي لكل مسلم حفظه وتعقُّله ـ ما يُنجي من الشيطان، وما يحصل للعبد به الفوز والنجاة في دنياه وأخراه. فالمقصود أن الله ، قد أمدَّ العبد بالجنود والعدد والأمداد، وبيّن له ما يحرز به نفسه من عدوه، وبماذا يفتكُّ نفسه إذا أُسِرَ» (٢) . ونحن في هذا المقام سنحاول التركيز فقط على جانب الاهتمام بالدعاء والاستغفار؛ لما لهما من آثار وقوة تعين العبد في سيره المبارك، وكبابين عظيمين من أبواب التربية الروحية. القوة الدعائية: وهي من القوى المطلوبة لعلاج هذه الظاهرة؛ ونعني بها تنمية فن استمطار التوفيق الإلهي، وذلك بالدعاء الخاشع، والثقة فيما عنده ـ سبحانه ـ، وحسن الظن به ـ سبحانه ـ. وإذا كان للدعاء أهمية كباب عظيم من أبواب التربية الروحية عند الفرد المسلم، فهو في حق الداعية أوجب وأهم. وذلك لأن الداعية في طريقه يحتاج إلى ركائز ثلاث؛ هي: ١ ـ الفكرة الربانية: أي القاعدة التي توجه كل سكناته وحركته، فيكون سلوكه في الحياة ترجمة لها. فما من فرد أو جماعة أو مؤسسة أو أمم؛ إلا وتحركهم فكرة معينة دفينة أو ظاهرة. ٢ ـ العمل الدؤوب: أي سلوكه في خدمة هذه الفكرة، وهو الجهد البشري المطلوب لأي عمل ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ . فما من فرد أو مؤسسة أو أمة أو أمم؛ إلا وسلوكهم، ما هو إلا ترجمة للفكرة التي يحملونها. ٣ ـ والدعاء الخاشع: وهو طلب التوفيق الإلهي ﴿وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . فما من عمل موفق إلا ويقوم على دعامتين؛ جهد بشري، وتوفيق إلهي. وللقوة الدعائية دورها التربوي الروحي، وأسرارها الطيبة البعيدة؛ والتي منها: (أ) تدبُّر أمره ـ سبحانه ـ بالدعاء، ثم تحذيره للذين يستكبرون عن التوجه لله بأن يتوجهوا أذلاء صاغرين لجهنم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] . فهي دعوة للتمسك بسلاح الدعاء كجانب عبادي، والعبادة من أهم وسائل التربية الروحية. (ب) تدبُّر بعض ما ورد في فضل الدعاء وأسراره، وكيف أن بعض الدعوات المخلصة قد استحالت إلى قوى مادية حركت الصخرة التي عجز ثلاثة من الرجال أن يحركوها عن باب الغار! وذلك في قصة (الثلاثة والصخرة) التي رواها الحبيب ﷺ (٣) . وهذه أسرار مباركة للدعاء، لا يشعر بها إلا من مرَّ بتجربة خاصة، يستشعر فيها كيف أن الحق ـ سبحانه ـ يمنُّ على عباده المتقربين إليه، المتذللين إليه بأنواع العبادة المختلفة، فيجدونها وقد استحالت من مجرد قوى معنوية، إلى قوى مادية ربانية ذات آثار ملموسة ومعلومة، وبذلك يُفتح للعبد أبواب متعددة من أبواب التربية الروحية. «وهذه (القوة الدعائية) ـ التي كان لها الأثر المادي العظيم، كما ورد في قصة (الثلاثة والصخرة) ـ لا يدرك سرَّها إلا من عايش جوَّ هذه الآية: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ، فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء؛ ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، ويتهاوى الأسناد، وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجرداً من وسائل النصرة وأسباب الخلاص، لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده، في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان نسيه من قبل في ساعات الرخاء؛ فهو وحده دون سواه، الذي يجيب المضطر إذا دعاه، فيجيبه ويكشف عنه السوء، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق» (١) . (ج) تدبُّر ما ورد في دعاء الخليل ﵇: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] . وكيف طلب منه ـ سبحانه ـ أن يربط بين مشروعه الحضاري العظيم ـ وهو مشروع الحج ـ وبين أفئدة البشر، كعلاقة وجدانية قلبية، وعامل خفي يخاطب القلوب ويجذبها، كما جذبت فكرة هذا العمل العظيم عقول البشر. وهذا يبين الفرق بين المشروع الحضاري الذي يقوم على فكرة ربانية، والمشاريع الأخرى القائمة على أفكارٍ مغايرة. فالمشروع الحضاري الإسلامي يخاطب الفطرة البشرية، ويحىط الإنسان من كل جوانبه؛ على أساس التوازن بين الجانب العقلي والجانب البدني، والجانب الروحي، فهو يخاطب العقل بالفكر، ويخاطب الجسد بتحرِّي أكل الحلال، والاهتمام به كأمانة، ثم يخاطب الروح فترتبط القلوب والمشاعر بهذه العلاقة الوجدانية الروحية. ولقد كانت وصايا الحبيب ﷺ بالدعاء تفوق الحصر، منها: «الدعاء هو العبادة» (٢) . وكذلك كانت وصايا مصابيح أمتنا، ومنها: هذا النكير الذي أرسله الإمام الشافعي ﵀ على من يهزؤون بالدعاء: أتهزأ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما صنع الدعاءُ سهام الليل لا تخطي ولكن لها أمد، وللأمد انقضاءُ فيرسلها إذا ما شاء ربي ويمسكها إذا حُمَّ القضاءُ وحتى تؤتي هذه (القوة الدعائية) أُكلها، كان على المسلم أن يلتزم بالآداب العشر لسلاح الدعاء: (الأول: أن يترصد الأوقات الشريفة؛ كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السَّحَر. الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة؛ كحال الزحف في سبيل الله، وعند نزول الغيث، وحالة السجود. الثالث: أن يدعو مستقبلَ القبلة، ويرفع يديه. الرابع: أن يخفض الصوت بين المخافتة والجهر. الخامس: أن لا يتكلف السجع في الدعاء، والأوْلى الاهتمام بالدعوات المأثورة. السادس: أن يتضرع ويخشع رغبة ورهبة. السابع: أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه. الثامن: أن يلحَّ في الدعاء، ويكرره ثلاثاً، ولا يستبطئ الإجابة. التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله، وأن يصلى على النبي ﷺ ويختتم بها. العاشر: وهو الأدب الباطن، وهو الأصل في الإجابة، أن يسبق الدعاءَ التوبةُ وردُّ المظالم) (٣) . القوة الاستغفارية: التي يستشعرها كل من استجاب لنداء التوبة، فأكثرَ من الاستغفار، فيجد أن لديه قوى خفية لم يعهدها من قبل، ويستشعر أن هنالك فيوضات وبركات تزيده يقيناً بموعوده ـ سبحانه ـ: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢] ، وننظر في هذا الوعد، وهو يتعلق بإدرار المطر ومضاعفة القوة، وهي أمور تجري فيها سنةَّ الله وفق قوانين ثابتة في نظام هذا الوجود، من صنع الله ومشيئته بطبيعة الحال؛ فما علاقة الاستغفار بها؟ وما علاقة التوبة؟ فأما زيادة القوة فالأمر فيها قريب ميسور، بل واقع مشهود، فإن نظافة القلب والعمل الصالح في الأرض يزيدان التائبين العاملين قوةً، يزيدانهم صحة في الجسم: بالاعتدال، والاقتصار على الطيبات من الرزق، وراحة الضمير، وهدوء الأعصاب، والاطمئنان إلى الله، والثقة برحمته في كل آنٍ، ويزيدانهم صحة في المجتمع؛ بسيادة شريعة الله الصالحة التي تطلق الناس أحراراً كراماً، كما تطلقان طاقات الناس ليعملوا وينتجوا ويؤدوا تكاليف الخلافة في الأرض) (٤) . وهكذا ... ومن خلال تدبُّر القوى الخفية للعبادات والأسرار الدفينة للطاعات، يستطيع المسلم أن يتلمَّس باقي القوى العبادية الأخرى، والتي تناسب حالته الخاصة وظروفه الخاصة. ثم ... ومن خلال هذه اللمحات التربوية، في هذه المحاولة المتواضعة، نرجو أن نكون قد وفقنا بعونه ـ تعالى ـ في تحليل هذه السنة الإلهية الاجتماعية، التي تفسر (ظاهرة التآكل الروحي) عند المسلمين عامة، وعند الدعاة خاصة.

стр. 5424

حول الفساد الإعلامي في شهر رمضان إعداد: خباب بن مروان الحمد لأهميَّة هذا الشهر وما يبذله بعض الإعلاميين من جهود كبرى للتضليل والصدِّ عن ذكر الله، ناسب بيان موقف أحد الإعلاميين المتخصِّصين، والذين يجمعون بين التخصص الإعلامي والثقافة الإسلامية، فكانت إجابة الأستاذ الدكتور: محمد بن سعود البشر، التي نأمل أن تعكس الواقع، ونرجو من الله أن يهدي من ساهموا في ترويج الفساد، في شهر البر والإحسان، وأن يردَّهم إلى الحقّ ردّاً جميلاً. الدكتور: محمد بن سعود البشر ـ أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: الإعلام العربي في رمضان: فُحش المشهد وبذاءة العرض: شهر رمضان لكثير من المؤسسات الإعلامية في الوطن العربي، وبخاصة القنوات التلفزيونية، موسم للتنافس في جذب الجماهير وإشباع حاجاتهم، مثله مثل موسم جني الأرباح للمضاربين في السوق المالية. المضاربون في الأسهم يتحيَّنون أوقات الهبوط المالي للشركات، حتَّى إذا ارتفع المؤشِّر أقبلوا زرافاتٍ ووحداناً على البيع؛ فمنهم المقلُّ، ومنهم المستكثر. رمضان موسم لجني الأرباح المتمثِّل في تقديم كلِّ ما سبق إعداده والتخطيط له لجذب أكبر شريحة من الجماهير، وإذا أقبل الجمهور على الوسيلة الإعلامية، أقبل معه المُعلن، طوعاً أو كرهاً، للتعريف بسلعته، أو الترويج لها، أو ـ في أقلِّ الأحوال ـ تسجيل الحضور الاجتماعي في ذاكرة المشاهد. وتزايد الإعلان في هذه الوسيلة أو تلك يعني زيادة في إيرادات الوسيلة، وارتفاع المؤشر المالي لوضعها الاقتصادي. كلُّ ذلك عمل احترافي ومهني مشروع إذا كان ما يقدمه للناس مباحاً، في أقلِّ أحواله. هذه المقدمة تقودنا إلى التساؤل الفصل: هل كل ما يقدمه الإعلام العربي في رمضان يرقى إلى مرتبة (المباح) ؟ الإجابة تحتاج إلى دراسة شاملة موثَّقة بالحقائق والأرقام والإحصائيات، وتتطلب جهداً مضنياً، إن لم يكن مستحيلاً؛ إذ يتعذَّر دراسة كل وسائل الإعلام العربية في بحث علمي يقود إلى نتائج صحيحة ودقيقة. لكن (الملاحظة) منهج علمي يقود إلى وصف الظاهرة بطريقة تحقق درجات عليا من الصواب. فعمّا تنبئ الملاحظة؟ مجمل الاستقراء التتبعي لما يقدم لجماهير المشاهدين المسلمين، في شهر العبادة، لكثير من وسائل الإعلام العربية، ونخص بالذكر القنوات الفضائية: «صدود عن ذكر الله والصلاة» : ١ ـ موسيقى تختلط بمكبِّرات الصوت في المساجد الذي يُرفع فيها الأذان، والحديث، وصلاة الفريضة والتراويح. ٢ ـ مسلسلات يُخدَش فيها الإيمان والحياء. ٣ ـ برامج منتظمة يتلبَّس فيها (الفنِّي) بـ (الشرعي) ، يُلمز فيها أهل التقى والصلاح، ويُتطاول فيها على السنَّة، ويتقمَّص فيها أهل الفجور شخصيات من التاريخ الإسلامي، ورموز أئمة العلم في الأمَّة. ٤ ـ توظيف باطل للقضايا التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية بدعوى الإسهام في معالجتها ـ كقضية الإرهاب في هذا العام والذي سبقه ـ ففيها تشويه لحقائق الدين، وتعزيز للصورة المشوَّهة التي روَّج لها الغرب عن أهل الصلاح والالتزام في المجتمع. ٥ ـ مشاهد تلفزيونية، تزني بها العين، وتنقدح في عقول الناشئة ـ على وجه الخصوص ـ بطريقة تبالغ في فحش المشهد وبذاءة العرض. هذه بعض ملامح إعلامنا العربي في رمضان، مضامينه تنقص الإيمان، وترفع مكاييل الإثم، وموازين الخطيئة. سئل بعض الصالحين عن قوم يتعبَّدون الله في رمضان ويجتهدون، فإذا انسلخ رمضان تركوا، فقال: (بئس القوم لا يعرفون الله إلاَّ في رمضان) !! فكيف بمن يجتهد في رمضان للصدِّ عن الذكر والعبادة؟ هذا هو حال جلِّ إعلامنا في رمضان.

стр. 5425

الحوار الإسلامي بين الدواعي والمعوقات (٢ ـ ٢) إعداد: محمد بن شاكر الشريف ـ خباب بن مروان الحمد في العدد الماضي طاف بنا المحاورون على رؤى مختلفة أو متفقة أو متفردة أحياناً فيما يخص الحوار الإسلامي الذي لم يُعطَ من الأهمية ما يستحق بل ما يجب، وقد كانت المحاور تدور في مسائل هامة هي: جدوى البحث عن التقارب وأهمية التقارب الفكري والمنهجي ودور الحوار في تفعيل ذلك، والقواسم المشتركة، وخطة العمل من أجل التقارب، وضوابط التقارب والتعاون، ومنهج السلف الصالح ودوره في الحوار والتقارب الفكري والمنهجي. وفي هذا العدد تتمة للمحاور التي جال فيها المحاورن الأفاضل. ـ البيان ـ - معوقات التقارب والتعاون: البيان: رغم ما تبين من الحديث عن التقارب بين العاملين للإسلام أفراداً وحركات وأهميته واقتناع الكثيرين بضرورة السعي لتحقيقه وبذل الجهد في سبيل ذلك وعدم اليأس والصبر على صعوبة الطريق، إضافة إلى الحماس الذي يبديه الكثيرون لهذه المسألة؛ إلا أن الرياح لا تجري دائماً بما تشتهي السفن؛ فهناك الكثير من المعوقات التي تقف في سبيل تحقيق دعوة التقارب وهي في حاجة إلى إماطة اللثام عنها مع اقتراح آليات للتغلب عليها أو الحد من تأثيرها. - المشاركون: يرى الدكتور كسال عبد السلام أن المعوقات التي تعترض عملية التقارب تصنف إلى معوقات فكرية ونفسية وبيئية. أما المعوقات الفكرية فهي تختص بطريقة التلقي والتعلُّم من خلال المدارس أكثر من اختصاصها بالفوارق في القدرات الفكرية، تلك المدارس التي توجه إلى التعصب نحو فكر، أو قراءة تلغي غيرها، وكذلك التعلم الذاتي بغياب المعلم الذي قد ينتج عنه توجه يكون إلى الخطأ أقرب منه إلى الصواب؛ ولذلك فإن مراجعة سياسة التعليم والتلقين تظل مسألة أساسية وخطوة لا بد منها في طريق التقريب والوحدة. وأما المعوقات النفسية فإنها تعود إلى الأنانية الفردية والجماعية وحب السيادة والسلطة والزعامة والغرور، وهذه يمكن معالجتها عن طريق تبديل الأجواء النفسية والاحتكاك والتحرك والانتقال لاستيعاب الجديد والخروج من الفضاءات الاجتماعية والتعليمية الضيقة إلى فضاءات أوسع. وأما المعوقات البيئية فكالاختلافات الجغرافية والاختلافات التنظيمية، والاختلافات الذاتية كاختلاف القدرة والاستطاعة البدنية والفكرية والتي لا يمكن أن يوجد في ظلها اتفاق في مسار تختلف فيه الهموم والقضايا، وهذه يمكن معالجتها باعتماد أكبر قدر من الاستثناءات والاقتصار في مجال توحيد القراءة على الأساسي من الثوابت في أمور العقيدة والدين والحياة. ويرى الدكتور عبد الرزاق مقري أن من أهم العوائق الاختلافات الفكرية التي لا تعالج إلا بالعلم أولاً، ثم بالتجربة ثانياً، ثم بإرادة الحوار والاطلاع على تجارب الآخرين. ومن العوائق الأساسية اتباع الهوى وإرادة المحافظة على المصالح كالزعامة والمنافع المادية والمعنوية الفردية والجماعية. ومن العوائق أيضاً قلة المهارة في إنجاز المشاريع المشتركة، ويرى الأستاذ خالد حسن أن التقارب ما عاد همّاً يشغل حيزاً كبيراً في العقول ولا في الخطاب ولا في الحراك، وصار الكل يتطلع إلى الهيمنة وتوسيع الرقعة وفرض الوصاية مما شكل عائقاً في حصول التقارب. ويعدد الدكتور عمر الأشقر المعوقات فيذكر منها تعميق الخلاف وتأصيله بهدف أن تتميز جماعته ويكون فيها رئيساً أو قائداً، وطبع أتباع هذه الجماعات أنفسهم بطابع الأفضلية التي تؤول بهم إلى العصبية حتى لا يروا على الحق غيرهم، ثم الفهوم القاصرة والتصورات الخاطئة التي قرت في العقول وظن أصحابها أنها من الحق الأصيل، وتصور بعض المسلمين أن هذه الجماعات العاملة للإسلام فرق مبتدعة مثلها مثل الخوارج والشيعة. ولا يخرج الدكتور محمد العبدة فيما ذكره عما تقدم إيراده من المعوقات الداخلية. وكذلك الدكتور منير محمد الغضبان. ويوسع الدكتور عثمان جمعة ضميرية مجال العوائق؛ فلم تعد عنده هي العوائق الداخلية فقط، بل انضم إليها عوائق من خارج الحدود؛ ففي المجال الداخلي يرصد العجلة وعدم التأني والصبر، وكذلك حظوظ النفس والتأثر بالهوى والريبة والشك في الآخرين، وأما الخارجية فيرصد منها الكيد الذي يُبذل لتكريس فرقة المسلمين، وبذر بذور الفتنة وزرعها، والعمل على تمزيق وحدة الأمة ووحدة العاملين. وللتغلب على ذلك يدعو إلى بذل جهد أكبر بعد الاعتماد على الله ـ تعالى ـ وصدق النية وسلامة الطريق والوعي الكامل بما يجري. ويتخذ الشيخ أحمد فريد المنحى نفسه؛ حيث يرى أن المعوقات بعضها من داخل الصف المسلم وبعضها يأتي من خارج الصف المسلم، ويرصد في المعوقات الداخلية اعتناء بعض الحركات ببعض الشرائع في مقابل إهمال أو نسيان شرائع أخرى مما يهيج العداوة والبغضاء بينهم لاعتقاد كل حركة بتقصير الحركة الأخرى وهو مصداق لقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤] ، ويمكن معالجة هذا عن طريق إعادة الصياغة واهتمام كل الجماعات بالإسلام كله. وكذلك اغترار بعض الجماعات بعددها وقوتها، وأيضاً حب الظهور، واحتكار بعض الجماعات لاسم السلفية ونظرتهم إلى بقية الجماعات على أنهم فرق نارية. وأما المعوقات الخارجية فتربُّص العلمانيين والمنافقين بالجماعات الإسلامية والتشهير بهم وإغراء الحكومات وتهييج الأنظمة عليهم. ويبين الشيخ كمال الخطيب أن ضغوطات الأنظمة الحاكمة والجهات الرسمية تجعل عدداً من المدارس والحركات الإسلامية تفضل العمل المستقل بديلاً عن التقارب مع بقية الفصائل، بل إنها تسعى لدفع هذه التهمة عن نفسها. ثم إن هناك من الجماعات من يخشى من خطر الاحتواء من الآخرين أو التأثر بهم، فيفضل الاستقلال على التقارب والالتقاء مع الآخرين، وهذا كله من المعوقات التي تقف حجر عثرة في طريق التقارب. وللدكتور خالد الخالدي إسهام مطول في ذلك، فيذكر من المعوقات الداخلية التنافس وحب الظهور، قلة الوعي عند الكثيرين من أبناء الحركات الإسلامية، الخلافات الشخصية بين قادة الجماعات الإسلامية، تركيز بعض الجماعات على جوانب وإهمالها لجوانب أخرى، قلة الاهتمام بالجوانب السياسية المتعلقة بهموم المسلمين. وأما المعوقات الخارجية فيذكر منها خوف بعض الجماعات من اتهامها بالإرهاب أدى إلى ابتعادها عن قضايا الأمة الجوهرية، تلقي بعض الجماعات الدعم المادي من دول وحكومات يهمها إبعاد هذه الجماعات المرتبطة بها عن العمل السياسي والجهادي، قيام العدو بزرع العملاء بين الجماعات الإسلامية، ثم يعقب على ذلك بالخطوات المقترحة لمواجهة تلك العقبات، فيذكر منها: توحيد الخطاب الإعلامي الذي يستهدف أبناء الجماعات الإسلامية، التحذير المستمر من عواقب التباعد وأثر ذلك على ضعف الأمة، إبراز أسباب الهجمة على المسلمين وأن ذلك بسبب تمسكهم بعقيدتهم وإقامة حكم الله في الأرض، نشر وترويج المبادئ والمقالات والكتب والمحاضرات التي تدعو إلى التقارب وتحض عليه، توضيح مخاطر الحزبية وتربية الشباب المسلم على أن يكون ولاؤهم للإسلام قبل أن يكون للجماعة أو التنظيم، التذكير المستمر بخطورة وحرمة الغيبة، الاستشهاد بالتاريخ لبيان أن الوحدة كانت من عوامل الانتصار في المعارك الكبرى، التذكير بواقع الأمة السيئ وأنه نتاج التباعد والفرقة. ولا يخرج كلام كل من الدكتور همام سعيد والشيخ تيسير عمران فيما ذكراه عما تقدم إيراده من المعوقات الداخلية والخارجية وكيفية معالجتها. أما الأستاذ جمال سلطان فيضيف مسألة في غاية الأهمية والخطورة في المعوقات الخارجية؛ حيث يبين ما تقوم به القوى الدولية الكارهة للإسلام من محاولة صناعة فكر إسلامي أو منهج إسلامي مِستأنَس أو مدجَّن؛ بحيث ينفصل عن واقع الأمة وأصول الدين ويتماشى مع القوى الدولية التي تكيد للإسلام أهله. ويضيف الشيخ حامد البتاوي إلى المعوقات الخارجية عدم سماح كثير من الأنظمة لأبناء الحركات الإسلامية بالالتقاء وتنظيم مؤتمراتهم من أجل التقارب. - تنوع البيئات وتعدد الثقافات والخصوصيات المحلية، وأثر ذلك على دعوة التقارب: البيان: الحركة الإسلامية ليست محصورة في شارع أو حي أو مدينة أو دولة، بل تمتد على طول العالم الإسلامي وعرضه وهو ما يعني تباين البيئات واختلافها وتعدد الثقافات والخصوصيات، وهذه لها دور كبير في تربية الناس وتنشئتهم، وهو ما يلقي بظلاله وآثاره على دعوة التقارب، ويصبح من الأمور المهمة أن نعزل أو نقلل من أثر ذلك على خطة العمل للتقارب الفكري والمنهجي والحوار الإسلامي؛ فما رؤيتكم لهذه المسألة؟ - المشاركون: يقر الشيخ عبد الله الغنيمان بأثر البيئة ويقول بإمكانية تقليل أثرها بأمرين: أحدهما: عقلي؛ وذلك ببيان أن ما يسعى إليه الإنسان للتخلص من البؤس والفقر والضيق والشدة كما أن الظفر بهناء العيش وسعادة البال لا يوجد إلا في طاعة الله وطاعة رسوله. والأمر الثاني: شرعي، وهو طاعة أوامر الله ورسوله التي تدعو إلى الاعتصام بحبل الله ـ تعالى ـ وتنهى عن التفرق والاختلاف، كقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . ويرى الدكتور كسال عبد السلام أن تقليل أو عزل المؤثرات البيئية لا يتم عبر إهمال البيئة والثقافة، بل باعتبارهما؛ ولكن بترتيب القضايا وتثبيت الثابت منها. وأما ما اختصت به بيئة دون أخرى مع عدم مخالفته للثابت في شرع الله ـ تعالى ـ فلا مجال للخوض فيه، ولا مُشَاحَّة في قبوله، وأما ما لا يثبت فهو محل تصحيح، كما يمكن قبول الطرف الآخر بهيئته التي هو عليها شريطة ألا يضيِّق على الآخرين واسعاً. ويذكر الدكتور عبد الرزاق مقري أن التطور الهائل في تدفق المعلومات والاتصال أوجد فرصة كبيرة وسهولة في التواصل مما يقلل من تأثير البيئة والثقافة المحلية. ويوافق الدكتور عثمان جمعة ضميرية على أثر البيئة والثقافة المحلية؛ ولعزل تأثيرها على التقارب أو تقليله يذكر أنه لا بد من صبر ومصابرة ومتابعة وتجرد، وكذلك معرفة طبائع من نحاورهم، ولا بد أن يشعر الجميع بصدق النية وحسن التوجه؛ فإن هذا من أسباب القناعة والتعاون والاتفاق. ويرى الشيخ أحمد فريد أن تقليل تأثير البيئات والثقافات يكون بنشر الوعي والفكر السليم والاتفاق على أصول لا يتعداها الجميع في العمل بالكتاب والسنة وما أجمعت عليه الأمة، وعدم إحداث ما يخالف ما كان عليه الصحابة. ومع تفهم الدكتور محمد العبدة لأثر البيئة والثقافة لكنه ينبه إلى قضية خطيرة وهي الخوف من صبغ الإسلام بالصبغات المحلية، فيصبح لدينا إسلام مغربي وإسلام مشرقي وإسلام مصري وإسلام خليجي؛ والإسلام هو ما نزل على قلب محمد ﷺ . فينبغي على الدعاة ألا يسمحوا للتقاليد والعادات أن تؤثر على صفاء العقيدة؛ وخصوصيات بعض البلدان لا تعني أن لا نتفاهم ونتفهم ما عند الآخرين. ويوافق الشيخ تيسير عمران على أثر البيئة والثقافة الواضح على عقليات أبناء الحركة الإسلامية؛ لذلك يرى أن الحكمة تقتضي أن نحترم خصوصية كل بيئة قدر الإمكان ما لم تتعارض مع قطعيات الدين التي يتفق عليها الجميع، وينبغي في بداية الحوارات أن نُحَيِّد بعض القضايا ولو مؤقتاً إلى أن تصلب الأرضيات المشتركة. ويرى الدكتور منير محمد الغضبان أننا في قضية أثر البيئة معذورون من جهة وملومون من جهة أخرى، أما العذر فلتراكم تباعد البيئات خلال القرون، ولزوال الخلافة الإسلامية، ولاحتلال الأقطار الإسلامية وما أوجد فيها من ثقافات تغريبية، وهذا يدفعنا إلى الاعتراف بخصوصية البيئات والثقافات المحلية، لكننا ملومون اليوم بعد تحوُّل العالم إلى قرية كونية تجعل عملية الخلافات هذه مذللة من خلال الاتصالات. وينظر الأستاذ جمال سلطان إلى أن اختلاف البيئات يؤثر في أولويات العمل واختياراته؛ فبعض الأمور التي تكون ملحة في بلاد الخليج العربي قد لا تكون ملحة في تونس والجزائر وهكذا، لكنه يؤكد على قضية مهمة وهي أنه لا ينبغي أن نتعنت في البحث عن إذابة هذه الاختلافات في اعتبار الأولويات؛ لأنها فرز طبيعي لا بد من احترامه، والعمل وفق معطياته. - ألفاظ جذابة فما حقيقتها وما دورها في الحوار والتقارب؟ البيان: في الأيام القريبة المنصرمة بدأ يكثر تداول بعض الألفاظ وما زال، فكثر الحديث عن الآخر وعن الاعتراف به وتجاوز أحادية الفكرة، والتسامح الفكري والثقافي، وضرورة الانفتاح على ثقافات وأفكار وقناعات الآخرين إلى نهاية تلك المنظومة؛ فهل تمثل هذه المنظومة عاملاً من عوامل التقارب، أم أنها تعد معوقاً من معوقات التقارب لكنها صيغت بلفظ جذاب؟ والشيء نفسه يقال عن لفظ التجديد الذي تحول إلى مصطلح يستبطن العديد من المصطلحات الأخرى كالعقلانية والتعددية والنسبية ذات المعاني والمضامين غير المحددة. - المشاركون: فيما يتعلق بالآخر: يقول الدكتور عبد الرزاق مقري: لقد سلمنا في بداية هذا التحقيق بأن الاختلاف حتمية بشرية، فلنعش هذه الظاهرة في ظل تقوى الله، ونسيِّرها ضمن القواعد الشرعية التي تبدأ بالتسليم بأن المؤمنين مهما اختلفوا فهم إخوة في الله، ومهما اختلفوا فلا بد لهم أن يتعاونوا على البر والتقوى. ويرى الدكتور كسال عبد السلام أن معرفة الخصوم من خلال نوافذ غير التي كان العاملون يحصرون أنفسهم فيها جعل الكثيرين يعيدون النظر لتبني فكر متوازن لا يجعل الناس جميعاً في كفة واحدة. ويكشف الدكتور عثمان جمعة ضميرية اللثام عن هذه الدعوات ويقول: إن التباس المفاهيم والمصطلحات أو وضعها في غير موضعها من أهم عوامل الافتراق، وبعض هذه المصطلحات يمكن حملها على محمل صحيح وفيها ما هو خاطئ وغير صحيح؛ فمثلاً يصبح التسامح سبباً للتفلت من الأحكام والتنازل عن الثوابت، والتسامح الفكري والثقافي دعوة للردة أحياناً وقبول الكفر والدعوة للانفتاح طريقاً لضياع الشخصية المستقلة. وعلى كل فلم يكن الهدف فيما يبدو من تلك المصطلحات هو الدعوة إلى اللقاء والتعاون وإنما الالتفاف على بعض المفاهيم والتشويش عليها باستغلال تلك المصطلحات. ويتوجس الشيخ سليمان أبو نارو من هذه المصطلحات شراً فيقول: إن أصحاب هذه الشعارات والمصطلحات لا أعلم أنهم تجمعهم منظومة فكرية واحدة؛ فهم خليط من شتات الفكر والرأي، ولا يجمعهم إلاّ موقفهم من الإسلام على نهجه الذى جاء به محمد ﷺ ورضيه الله ديناً قيماً لهذه الأمَّة الإسلامية؛ فهم يبحثون عن كل وسيلة يفرِّغون بها هذا الدين من مضمونه، ويحرِّفون أحكامه وشرائعه بهذه الأساليب الماكرة بعد أن عجزوا عن مواجهته مباشرة؛ فهم كاسحات ألغام يمهدون الطريق لمن هو مُعَدٌّ لإتمام المهمة، ويعقب على ذلك بقوله: وبالقطع ليس لهؤلاء مدخل في تحقيق (التقارب الفكري وإثراء الحوار) إلاَّ إذا كان المقصود أنَّ الإحساس بخطر هذا الضجيج على هذه الأمة وعلى حفظ دينها، سيدفع العاملين المخلصين للإسلام إلى سرعة الاجتماع والتعاون في سبيل دفع هذه الشرور المعلنة والخفية وسد الطريق أمام كل هذه الشراذم وحيلها ذات الوجوه المتعددة، وهذا ما ينبغي حصوله إن شاء الله تعالى. وينبه الدكتور سفر الحوالي في هذا الخصوص إلى قضية مهمة بقوله: من أهم ما يجب اجتنابه في القضايا العقدية والفكرية؛ المصطلحات المحدثة أو العامة، وأحسب أن مصطلح (الآخر) منها فهو عام مجمل، وينبغي أن نحدد فنقول مثلاً: العدو الكافر أو الخارجي، ونقول أهل البدع أو أهل القبلة المخالفون، ثم نقول: أخيراً: المخالفون في الاجتهاد والرأي، وهكذا. ونحن لا نستحدث شيئاً جديداً؛ فالأمة عرفت التفرق، وعرفت الغزو الخارجي بأنواعه والأصول في التعامل مع ذلك مضبوطة، نعم! نحن نحتاج إلى مزيد من الاجتهاد والوعي وهذا يقتضي التحديد والدقة وليس التعميم. ويرى الشيخ عبد الله الغنيمان أن استعمال هذا اللفظ في وقتنا المعاصر إنما هو خدعة من أجل استخدامه بدلاً من لفظ اليهودي أو النصراني أو الكافر، ويبين أن هذه انهزامية، وأنه لا يستقيم إيمان عبد إلا بتكفير اليهود والنصارى وسائر ملل الكفر، ثم يعقب على ذلك بقوله: والمقصود أن إهدار عقيدة الولاء والبراء ومحاولة تجميع الناس على أساس ما يزعمونه من التعايش السلمي إنما هي محاولة لإخراج المسلمين عن دينهم. ويعلق الشيخ أحمد فريد على ذلك بقوله: إن كلمات الاعتراف بالآخر وحق الآخر ينبغي أن تؤخذ بجانب الاعتبار في الحوار الإسلامي الإسلامي في السعي للتقارب، ولا ننصح بقبول كل هذه المصطلحات، ولكن نميز بين ما يُقبل منها وبين ما لا يقبل. ويفرق الشيخ كمال الخطيب بين الآخر الإسلامي الذي يرفع لواء العمل للإسلام وخدمته؛ فهذا ينبغي السعي للتقارب والالتقاء معه حتى وإن وجدت اختلافات وتباينات معه في الفروع ما دامت الأصول متفقاً عليها، وبين الآخر المحارب للإسلام ودعاته وإن كان يحاول الظهور باسم الدين كالقاديانية مثلاً. وعلى المنهج نفسه يفرق الدكتور همام سعيد بين (آخر) الإسلامي؛ فلا بد من إزالة الوحشة بينهم سعياً وراء التقارب. وأما الآخر المخالف في العقيدة. فهؤلاء أنواع؛ فمنهم الحربي الذي لا لقاء بيننا وبينه، ومنهم غير المحارب الذي يبقى في دائرة الدعوة والحوار لإقناعه بهذا الدين. ويرى الدكتور محمد العبدة أن المسألة تعتمد على: مَنِ الآخر؟ هل هو في الكفار أم في المسلمين؟ فكل واحد من هؤلاء له حكم وطريقة وموقف في الحوار وغير الحوار. ويرى الشيخ تيسير عمران أن المنظومة الفكرية التي تتحدث عن الاعتراف بالآخر وحقه في الاختلاف يمكن أن تؤسس لحوار بين أصحاب الرؤى المختلفة، وتفسح المجال لإثراء موضوعات البحث، ويمكن أن تحقق شيئاً من التقارب الفكري والثقافي. ويستدرك الشيخ على هذا الإطلاق فيقول: لكنها في الوقت نفسه إن تركت دون ضوابط تجعل من ثوابت الأمة حاكماً عليها وموجباً لها؛ فإنها تقود إلى التشتت والانحراف. ويقلق الأستاذ جمال سلطان من بعض المصطلحات التي لها رموز أو التي يصعب تحديد مدلولها كمصطلح الآخر والانفتاح على الآخر والحوار مع الآخر ويتساءل: من الآخر وما صفته؟ ثم يقول: عندما أتحدث عن الاتحاد الأوروبي فهذا يختلف عن الكيان الصهيوني؛ فهذا آخر وهذا آخر، ولكن منطق الحوار ومسوغاته ومشروعيته تختلف حتماً لاعتبارات كثيرة، ويعقب على ذلك بقوله: فأنا أتعامل بحساسية وحذر مع مصطلح الآخر؛ ولكن الحوار في حد ذاته مطلب نبيل. وفيما يتعلق بالتجديد: يتحدث الأستاذ خالد حسن عن الشروط الأساسية التي ينبغي توفرها في أي حركة تجديدية إصلاحية إسلامية حقيقية، فيذكر من ذلك: أن يتحقق الإنتاج الفكري التجديدي بصفات العمل الشرعي حتى لا يحرم من التوفيق الرباني، واستعمال العلم بحيث لا يحدث انقطاع عن العمل وتُتَجاهَل قيمته الفعلية في توجيه النظر والرأي، والتوسل في النظر بمفاهيم عملية شرعية من خلال التمكن من العلم الشرعي فهماً ودراية ومنهجية في التلقي والاستدلال. ويرى الدكتور كسال عبد السلام أن مصطلح التجديد من المصطلحات الخطيرة التي يجب التنبيه إليها؛ فمعانيه هلامية ولا يمكن الوقوف على حجم أو قياس أو معنى محدد له؛ حيث تظهر التصورات البدعية التي ترغب في التجرد من كل أساس يقوم عليه أمر الإسلام رغبة في إسلامٍ غير الذي جاء به محمد ﷺ . إن أهم ما لدى المسلم عقيدته وإيمانه وهو مطالب منذ أيام الوحي بالتجديد فيه قراءة وتدبراً وهو من المسائل الثابتة، وقد كان التجديد للتقوية والتحلية؛ فكيف الأمر بما حُكْمُه حكم المتغير الذي وجب التجديد أن يكون تجديداً في ماهيته وليس في مواصفاته؟ هما في الخلاصة دعوتان صادقة وكاذبة، والواجب الالتزام بالأولى والإعراض عن الثانية. ويقدم الدكتور عبد الرزاق مقري نظرة تحليلية متعمقة في هذه الظاهرة؛ حيث يقول: التجديد ظاهرة تفرضها الحتمية النصية والسيرورة التاريخية؛ فهذه الرسالة هي آخر الرسالات ولا بد أن تجيب عن احتياجات الناس في كل فترة من فترات التاريخ، وإذا اعتبرنا أن فترة التجديد السابقة التي كانت في بدايات القرن الماضي والتي كان الهدف الأساسي منها توعية المسلمين وإخراجهم من الذهول الحضاري الذي صاحب انهيار كيانهم السياسي واستعمار أوطانهم قد استنفدت أغراضها؛ فإننا في بداية قرن جديد والله ـ تعالى ـ يرسل لهذه الأمة من يجدد لها دينها كما جاء الوعد بذلك في الحديث الشريف، وقد بدأت صحوة إسلامية في العالم بأسره، وتحقق الشعور بالانتماء، وتأكدت إرادة التغيير، وبدأت الصحوة منذ سنوات تراوح مكانها من حيث الفكر والممارسة، ولم تستطع تحويل الطموحات إلى إنجازات عملية ثابتة ومستقرة، وهذا يحتاج إلى إضافات فكرية جديدة وممارسات شرعية في مختلف المجالات، وهذا هو مجال التجديد والاجتهاد. وما نراه من تجارب مثيرة للجدل في بعض الأحيان في المغرب والجزائر ومصر والسودان واليمن وتركيا وماليزيا وأندونيسيا هي بدايات التجديد، وسيثبت منها الأصلح ويجازي الله ـ تعالى ـ الجميع. ويقول الدكتور عثمان جمعة ضميرية: الأصل أن عملية الإحياء والتجديد ترتكز على أصول شرعية ولها مفهومها وضوابطها وآثارها، وهي علامة على حيوية هذا الدين وأبنائه في العودة إلى أصوله وتنقيته مما علق به أثناء التطبيق العملي، وقد شاعت الدعوة إلى التجديد في هذه الأيام لكن بمفهوم يختلف عن أصل معناه، وعندئذ تنقلب الدعوة إلى وسيلة لتغيير الأصول والمناهج، وتصبح أداة لنبذ الأحكام أو تغييرها بحجة التجديد وما هو بتجديد؛ ولذا وجب التفريق بين هذين المنهجين، ويغدو التجديد في هذه الحالة عائقاً أمام التقارب الفكري والثقافي؛ إذ لا يلتقي المنهجان على أمور مشتركة أو ثوابت وضوابط متفق عليها بين الطرفين؛ وذلك بعكس التعامل مع مصطلح التجديد بضوابطه الشرعية؛ فإن ذلك يكون مدعاة للتعاون واللقاء. وأما الشيخ سليمان أبو نارو فيتكلم عن أصحاب منهج التجديد المعاصر: كلام من خَبَر أصحابَه واكتوى بنارهم فيقول هذا المصطلح (التجديد) بمفهومه المعاصر هو من قبيل المنظومة سالفة الذكر (الآخر) ، والحديث عن التجديد تروِّج له المدرسة العصرانية والتي تربى رجالها في كنف رجال الاستشراق وأدعياء الحداثة والمعاصرة. وسعي هذه المدرسة بين الناس على هذا النمط يزيد من صعوبة التقارب والاجتماع، ويجعل الحوار (حوار طرشان) كما يقولون؛ حيث لا ثوابت ولا أرضية مشتركة، بل إلغاء للثوابت وتحريف للمفاهيم وتشكيك في المسلَّمات، وقد كان لتساهل بعض التيارات وتعاطف بعض عناصرها مع هذا (الطابور الخامس) لاعتبارات تقديرية أعظم أسباب القوة والقبول لدى بعض الطيبين من العامة بل والخاصة، وقد تحولت أطروحات هذه المدرسة إلى الجسر الذي يتحرك فوقه اليوم الأعداء من يساريين وعلمانيين، بل وجماعات تقارب الأديان وتعايشها؛ وينبغي اعتبار هذه المدرسة في قائمة أكثر قوة الهدم في ساحتنا الإسلامية. ويبدو الأستاذ جمال سلطان حذراً من استعمال مصطلح التجديد، فيقول: يسري على مصطلح التجديد ما يسري على مصطلح الآخر؛ فهو مصطلح ليس له أصل علمي في تراثنا العربي الإسلامي (١) ، ومن ثم لم يخضع للضبط العلمي والمنهجي؛ بعكس مصطلح الاجتهاد، الذي صار له دلالة محددة وقواعد ومحددات شرعية وعلمية وموضوعية يمكن أن نتفهمها، أما مصطلح التجديد فعلى من يطلق لفظ المجدد؟ وما مواصفاته؟ وما التجديد؟ وهل هو وفق شرعية لا يخرج عنها؟ وكل هذه الأشياء تثير التساؤلات، ولذلك أنا دائماً حذر في بعض المصطلحات الجديدة؛ وأعتقد أنَّ الغموض فيها يتيح لكل سيئ نية أن يوظفها كيفما أراد دون أن يكون لها قيمة في حد ذاتها. ويقول الدكتور محمد العبدة: قضية التجديد مطروحة في كل عصر فإنه مما يحث عليه الدين، وقد بشر به الرسول ﷺ ، ولكن التجديد أو أي مشروع أو مفهوم لا يمكن أن يكون دون ضوابط وأسس صالحة. إنَّ ما يسمونه التجديد الذي شاع في هذه الأيام هو من النوع (المنفلت) من أي قيد والذي تتحكم فيه الأهواء ولكنهم يحيطونه باسم جديد هو (التجديد) ومثل هذه الأمور لا تساعد أبداً على التقارب الفكري أو الحوار البناء. ويوضح الدكتور عمر الأشقر معنى التجديد المشروع فيقول: التجديد ليس هو لأمر مفقود يحتاج على إيجاد، ولكنه أمر موجود يحتاج على إعادة تأصيل وبيان. إن التجديد يعني فقه الإسلام في ضوء الحياة الإسلامية التي كان يحياها الرسول ﷺ وأصحابه، وليس هو باكتشاف منهج جديد لم يكن في الإسلام. إن التجديد يعني العودة إلى الإسلام في صفائه ونقائه بعيداً عن التحريف والتشديد والتطرف والمغالاة وليس بدعوة جديدة ومنهج جديد نحتاج أن يكشف عنه أصحاب العقول فيبتدع كل واحد منهجاً، ونصبح أمام تلال وجبال من المناهج والتصورات فنقع في الضلال. ويبين الشيخ تيسير عمران بوضوح أن الحديث عن التجديد في الدين وأثره في التقارب الفكري لا يعني مطلقاً إعمال يد التغيير بالحذف أو الزيادة فيه، ولا يعني التنازل عن قيمه ومبادئه تحت دعوى العقلانية أو التعددية أو غيرها، وإنما يعني كما هو ثابت بالنص الصحيح: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» إنه تجديد لفكر الأمة بالاجتهاد، وإيمانها بالتربية، وفضائلها بالعمل، ومعالم شخصيتها بالعلم والمعرفة، ولا شك أنَّ لهذا التجديد؛ إذا ما تحقق، أثره البالغ في إنجاح الحوار الإسلامي الإسلامي. ويؤكد الدكتور صلاح الخالدي على أهمية الضوابط في التجديد فيقول: التجديد ليس منفتحاً مطلقاً، وإنَّما هو تجديد منضبط بضوابط، حتى لا يتحوَّل إلى تخريب وإفساد، ونحن نعيش حمَّى الدعوة إلى التجديد المطلق، وهذه الدعوة تأتينا من أعدائنا، وقد يرددها بعض المغرضين أو المخدوعين في بلاد المسلمين، ومن أهمِّ الضوابط للتجديد: أ - التجديد ليس في الأسس والقواعد والثوابت والمقاصد؛ فهذه حدَّدها الإسلام وأثبتها، ومنع التغيير فيها والتبديل، وعد تغييرها إحداثاً وتحريفاً مردوداً، ينطبق عليه حديث رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . ب - التجديد يكون في الأدوات والأساليب والوسائل، ويقوم على تحسينها وتجويدها؛ فالتجديد لا يكون في المضمون. ج - الاستعلاء على ضغوط الآخرين بتغيير الخطاب، والاحتكام إلى المرجعية العالمية الدولية، المتمثلة بمجلس الأمن أو قرارات الأمم المتحدة أو غير ذلك، وعدم الاستجابة لتلك الضغوط والدعوات المشبوهة، والتعامل معها على أساس قول الله : ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] . ويرى الشيخ عبد الله الغنيمان أن دعوة التجديد الحداثية ينبغي أن تكون من الدوافع التي توجب على أهل الحق الاتفاق ونسيان الخلافات الجانبية أو الفروعية، وتقوية أنفسهم وتحصين شبابهم من تلك الدعوات التي يراد منها تمييع الدين وجعله مسايراً للديانات المحرفة. - من يحمل هم الحوار والتقارب الإسلامي: البيان: كلما تجاوب المجتمع مع دعوة من الدعوات كان ذلك أنجح لها وأدعى إلى الاستفادة منها، وفي المجتمع قوى علمية فاعلة كثيرة مثل الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات العلمية ودور النشر ووسائل الإعلام؛ فما طبيعة الدور المرتقب من تلك القوى، وكيف تكون مساهمتها فيه، وهل يمكن أن تساعد تلك المؤسسات في الحوار المطلوب، أم أن ذلك سوف يظل قَدَر الحركات الإسلامية وحدها؟ - المشاركون: يرى الشيخ سليمان أبو نارو أنَّ بعض هذه المؤسسات لم تقم في الأصل لخدمة الإسلام وإحيائه، ولا لجمع العاملين له وتقوية صفهم، بل في غالب أمرها قامت لهدم الدين ومحاربته وتشويه صورته وتلبيس أمره، وصرف الناس عنه في عقائده وقيمه ومفاهيمه، والتشكيك في مسالمته وخاصة أنها أسست على أيدي الأعداء ووكلائهم؛ وقد قيل: (إنك لا تجني من الشوك العنب) ، لكنه يستثني ويقول: هذا في الأصل؛ فإذا كانت هناك استثناءات تخرج عن هذا التعميم، أو كان في الإمكان تأسيس مثل هذه المؤسسات على التقوى من أول يوم؛ فذلك من أعظم الواجبات اليوم، وربما يرى بعضٌ أن هناك إمكانية لخدمة الإسلام والتوفيق بين أهله من خلالها من غير أن يمس ذلك نقاء الدين وسلامة منهجه، ويبدي الشيخ وجهة نظره في ذلك بقوله: إنَّ التجارب والوقائع في جملتها لا تدل على ذلك، ولكلٍّ فيما يحاول مذهب. ويتفق الشيخ حامد البيتاوي مع الرأي المتقدم فيقول: هذه الوسائل: الجامعات ووسائل الإعلام ممكن أن تلعب دوراً، ولكن هي غير معنية بهذا وخصوصاً أنَّ رؤساء الجامعات لهم عقول كبيرة ومفكرة، ولكن قناعاتهم في غير هذا الاتجاه، وفي رأيي أنهم إذا أرادوا ذلك فإنهم يستطيعون ويكون لهم دور فاعل لامتلاكهم القدرات. وينظر الدكتور منير محمد الغضبان بواقعية لحال هذه المؤسسات، فيرى أن العمل على التقارب هو قدر الحركات الإسلامية، ويوضح ذلك بقوله: في رأيي أن المشكلة تشمل قوى المجتمع نفسها؛ فكثير منها لا يخضع لتوجيهات العاملين للإسلام ويحمل اتجاهاتهم، وقلَّما توجد الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات العلمية المستقلة، لكنها مع ذلك تمثل الطبقة المتقدمة في الأمة، وحاجتنا فيها إلى المنهج العلمي القائم على الأرقام والإحصاءات والاستبانات، ودور النشر تقذف كل يوم بالآلاف من الصفحات، وحيث إنها لا تكون قائمة على المنهجية فقد تكون عبئاً على عملية التقارب أكثر مما تكون عوناً له؛ فالجامعات والكتب والمؤسسات الموجهة تفرز فكراً أحادياً يؤصل للخلاف أكثر مما يؤصل للتقارب، وتبقى المسؤولية الكبرى في عملية التقارب في أعناق الواعين لأهميته وفي أعناق القيادات لهذه الحركات. إن الدعاة إلى الله ـ تعالى ـ حين يختلفون وينشرون خلافاتهم على الملأ إنما ينقلبون دعاة ضد الإسلام أمام الحائرين الباحثين عن الحقيقة مهما كان إخلاصهم لله تعالى، وإن اتفاقهم على ضعفهم وعجزهم خير من تفرقهم وتطرفهم؛ فالتفرق يلتقي مع الكفر تحت راية واحدة ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] . ويربط الدكتور عثمان جمعة ضميرية بين دور هذه المؤسسات وبين استقلاليتها، فيقول: عندما تتحرر هذه المؤسسات من الضغوط الخارجية والاستغلال يمكن أن يكون لها تأثير في الدعوة إلى الحوار والتعاون بما تقدمه من دراسات، وبما تجمع بين جنباتها من خبرات. ويباين الشيخ حسن يوسف الآراء المتقدمة بقوله: ما من شك في أنَّ الجامعات ومؤسسات السلام الاجتماعي أو ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني لها دور كبير؛ فهذه المؤسسات باستطاعتها أن يكون لها دور فاعل ومؤثر في تقريب وجهات النظر بين أطراف الحركات الإسلامية بعضها مع بعض وخاصة إذا سلطت الأضواء على المخاطر المحدقة بالأمة، وإذا ما سلطت على وجوب تلاحم المسلمين بعضهم مع بعض بجهود لا تبغي إلاَّ مرضاة الله، ولأنه في التوحد خير وفيه بركة، والله ـ سبحانه ـ حذرنا من التفرقة وقال: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] . ويتفق الدكتور همَّام سعيد مع الشيخ حسن يوسف فيقول عن قوى المجتمع: لها دور فاعل في التقارب بأن تفتح أبوابها للجميع والتركيز على المصالح أكثر من الوسائل، والاهتمام بالأصول أكثر من الفروع، وإشراك الجميع في عمليات الدفع والممانعة، وبناء المشروع الفكري الذي يلتقي على هذه الأصول والمصالح. وبنحو مما تقدم يقول الشيخ تيسير عمران أيضاً. ويبين الدكتور خالد الخالدي الآليات التي يمكن من خلالها أن تؤدي تلك المؤسسات دورها فيقول: ينبغي لهذه المؤسسات أن تلعب الدور الأكبر في تحقيق أهداف التقارب، ويمكن ذلك من خلال: ١ - عقد المؤتمرات التي تدعو إلى الحوار والتقارب بين المسلمين، واستدعاء الطاقات الإسلامية ونشر الأبحاث خلال هذه المؤتمرات مما يؤدي إلى خلق رأي عام تجاه قضايا التقارب، ويشجع على تكرار هذه التجارب. ٢ - دعوة أساتذة الجامعات إلى توضيح أهمية التقارب والوحدة باستمرار، حيث يقف يومياً آلاف الطلبة المسلمين المتحزبين كل إلى جماعته وكل يدعو إلى فرقته، ويمكن استغلال تجمعاتهم وبث روح الوحدة والقوة فيهم، والتشديد على مساوئ التحزب لجماعة إسلامية دون الأخرى. ٣ - منع أساتذة الجامعات من مهاجمة الجماعات الإسلامية؛ لأن هذا يباعد من التقارب ويحقق الاختلال. ٤ - نشر الكتب والأبحاث، واستكتاب الكتاب والمفكرين حول مواضيع التقارب والوحدة. ٥ - إبراز ما حل بالأمة من دمار نتيجة الاختلاف والنزاع، وأن الأوطان لن تتحرر إلا بالوحدة والتكاتف والابتعاد عن الفرقة. ٦ - تخصيص البرامج التلفزيونية والإذاعية التي تسعى إلى التقريب، ومنع نشر كل ما يبث الفرقة بين المسلمين أو الجماعات الإسلامية. ٧ - التحذير من البرامج التي تبثها بعض القنوات الفضائية العربية والتي تسعى إلى إظهار سلبيات الحركات الإسلامية التي تقف بوجه الحكومات. ويرى الأستاذ جمال سلطان أن هذه المؤسسات مختلفة في اتجاهاتها، لكن ينبغي لخيارات العمل الإسلامي أن تهتم بآليات التأثير في العصر الحديث، والاستفادة من هذه الأدوات والآليات من أجل تحقيق الإصلاح المنشود، فلا ينبغي إهمال هذه المؤسسات وخاصة المؤسسات الدينية العريقة بسبب بعض فترات الضعف التي تمر بها، بل يجب علينا أن نعمل على إصلاحها وإحياء دورها. ويخص الشيخ أحمد فريد المؤسسات الإسلامية بهذا الدور، فيقول: أرى أن من وظيفة المؤسسات الإسلامية كالجامعات الإسلامية ومراكز البحث والمؤسسات العلمية أن تهتم بقضية الحوار؛ فعندها وقت وجهد وباحثون، فتدرس ما يمكن قبوله من أفكار الجماعات وما لا يمكن قبوله، وتحدد من يمكن دعوته لمائدة الحوار ومن لا يمكن، إضافة إلى إعداد جداول للعمل على تقريب هذه الجماعات. وللأستاذ خالد حسن نظرة متعمقة حيث يدعو إلى إنشاء المؤسسات التي نحتاج إليها؛ فهذه هي التي يعوَّل عليها في تحقيق المراد، ويشرح فكرته بقوله: إن صناعة الوعي تستحق التفرغ وبناء المشروعات والمؤسسات، وهناك مستوى آخر لا يقل أهمية وهو تجميع الفاعلين والمؤثرين في الأمة أو من تجاوب منهم مع أصل الفكرة والمبادرة في إطار مناهض لتوجهات الهيمنة والسيطرة والنهب، يرصد الخطط ويرسم استراتيجية المواجهة الشاملة ويقود الطاقات الجماهيرية ويوجه القوى الحية في ظل هذا التربص بالأمة ومقدراتها؛ فهل يعقل أن أمة بطولها وعرضها ومخزونها لا تملك مؤسسة مستقلة أو منتدى حراً أو مجمعاً للدراسات والاستراتيجيات يجمع أهل الخبرة والمفكرين سواء في أمريكا أو غيرها من دول الغرب لرصد خطط الهيمنة ووضع التصورات المستقبلية؟ وأمام الفتوحات الأمريكية للقارات والتحكم في مناطق الضخ يبرز مجال أوسع وأعمق في مهمة المفكرين والمصلحين والكتاب والفاعلين والقوى الحية في الأمة، وهو رفع مستوى التحدي. ومواجهة استراتيجيات الهيمنة والسيطرة ليس ببث الوعي المجرد والأعزل فقط، ولكن أن نؤسس لوعينا ولتصوراتنا مؤسسات ومنتديات تتابع الخطط وتكشفها، وتميط اللثام عن الاستراتيجيات، وترسم خطوط المواجهة الشاملة للأمة. إن أوقاتنا الراهنة لا يكفي فيها تسجيل موقف والتوقيع على بيان إبراء للذمة وإعذاراً إلى الله ـ تعالى ـ وبعدها يرجع كل منا إلى عرينه يستأنف مسيرة الوعي المجرد. وينظر الدكتور كسَّال عبد السلام إلى أهمية التخصص وقدرة المؤسسات على القيام به فيقول: إن البناء المراد إنجازه في المجتمع يتكون من شقين: الأول: يخص الفكرة والتنظيم الذي يمثِّلها في أرض الواقع. والشق الثاني: يخص جانب الأعمال الذي لم يعد في الوقت الحاضر بتلك البساطة التي كان عليها قديماً، وباتساع هذا المجال صار الاختصاص في كل شيء ضرورة، وهذا الذي تقوم به مؤسسات المجتمع كلها، ولقد صار كل شق يستلزم تثمين الشق الآخر له. إن التزام جانب الدعوة المجرد يعني إبقاء الإسلام على هامش الحياة، ولذلك لا بد من الالتفات إلى هذه المؤسسات، وجعلها عوامل تقوية ودفع لدعوة التمكين للدين، وهو يمدها بأسباب القوة والنجاح وهي تدعمه بوسائل التمكين. ويضيف الدكتور عبد الرزاق مقري: إن قوى المجتمع لا يسيِّرها الخطاب العام الذي كان له الفضل الكبير في إنشاء الوعي والصحوة؛ فلا بد من الاهتمام بالمؤسسات المجتمعية في مختلف المجالات فهي التي تثبت ولاء الجماهير، وهي التي تطور المشروع الإسلامي، وهي التي تحمي الدعوة، وهي التي توظف الطاقات وتؤهل القيادات، وهي التي تحقق الإنجازات وتفتح سبل النجاح بإذن الله تعالى. نسأل الله أن يأخذ بيد الجميع لكل خير، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.

стр. 5426

وصية إدارية إبراهيم بن سليمان الحيدري أيها الإداريون! اعلموا أن الله قد ابتلى الدعاة بقلة مواردهم المالية، وها هو العالم اليوم يكبِّل الصدقات، ويحاصر الزكوات، بل إن العليم الحكيم اختبر الدعاة بندرة مواردهم البشرية؛ فما يجدون في الإبل المائة إلا راحلة واحدة تتخطفها المسؤوليات وتنهشها المشاغل؛ فما بال أقوام ومنظمات خيرية ـ والحال كذلك ـ غفلت عن هذا الواقع الذي تنطق به الأرض التي تقلهم والسماء التي تظلهم، جمعوا في منظماتهم من الأهداف ما تباين، ومن الأعمال ما تناثر حتى عجزوا عن إدارتها فضلاً عن تحقيق أهدافها، ترى لمنظماتهم في المجال الطبي يداً، وفي الاجتماعي قدماً، وفي الدعوة ساقاً. ساقتهم حاجات الناس المتنوعة والثغرات المتجددة إلى تعدد الأهداف وتنويع الأعمال زاعمين أنهم يقطفون من كل بستان زهرة، وما علموا أن الأزهار سرعان ما تذبل وتموت، وتظل الأشجار تنمو ببطء لتثمر على الدوام. أيها الدعاة إلى الله تعالى! وصية الإداريين من قبلي ولعلها ستبقى من بعدي هي التركيز على مجال واحد من مجالات العمل؛ فالتركيز ما كان في شيء إلا أنضجه، وما غاب عن شيء إلا شتته. ففي التركيز على مجال واحد خير كثير ونفع عظيم، ومن خلاله تتحقق الأهداف وتُنال الغايات، يتوحد الهمُّ وتتحفز الرواحل، تُبنى الخبرات وتنمو القيادات، توظف الأموال وتستثمر الموارد. إن التركيز مطلب في المنظمات الإدارية باختلاف أنواعها وأعمارها وهو في المنظمات الخيرية مطلب ملحٌّ لحداثة نشأتها المؤسسية ولقلة مواردها المالية والبشرية. والعمل الخيري حقل واسع وميدان فسيح، والأوْلى لمن احتوى قلوبَهم حبُّ الخير وسقوه باحتساب الأجر أن يتوِّجوا ذلك بالتركيز في العمل؛ فهو أحد أوجه الإتقان التي حثنا عليها المصطفى ﷺ بقوله: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» . اللهم ألهمنا التركيز في أعمالنا، وقنا شر التشتت.

стр. 5427

معايير العقلاء أ. د. جعفر شيخ إدريس شهادة الحس: ١ ـ كل الناس في معظم أحوالهم يؤمنون بشهادة الحس، يؤمنون بأن ما رأوه بأعينهم أو سمعوه بآذانهم، أو أحسوه بجلودهم أو شموه بأنوفهم أو ذاقوه بألسنتهم هو كما شهدت به هذه الحواس. لكنهم قد ينكرون هذا في بعض الأحيان؛ لأنهم ـ لسبب من الأسباب ـ لا يريدون الاعتراف بالحقيقة التي شهدت بها. هذا الإنكار مسلك مخالف للعقل؛ ولذلك فإن القرآن الكريم يذم أصحابه في مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] . لكن قلة من المفكرين من المسلمين وغير المسلمين يصرحون بأقوال فيها تشكيك في شهادة الحس. فهدا أبو حامد الغزالي ﵀ يقول في أول كتابه (المنقد من الضلال) : فأقبلت بجد بليغ أتأمل المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها، فانتهى بي طول التشكك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضاً، وأخذت تتسع للشك فيها، وتقول: من أين الثقة بالمحسوسات، وأقواها حاسة البصر؟ وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفاً غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم ـ بالتجربة والمشاهدة ـ بعد ساعة تعرف أنه متحرك وأنه لم يتحرك دفعة (واحدة) بغتة، بل على التدريج ذرة ذرة، حتى لم يكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيراً في مقدار دينار ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار. وهذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته. فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضاً» . على كلام أبي حامد هذا استدراكات: أولاً: أنه لو كانت الثقة بالمحسوسات باطلة بطلاناً مطلقاً لكان ينبغي أن ما قال له بصره إنه ظِلٌ ليس بِظل، وما قال إنه كوكب ليس بكوكب. ثانياً: كيف اكتشف أن الظل ليس ساكناً كما قال له بصره؟ يقول: «بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة» وهل تكون تجربة ومشاهدة إلا بالحس؟ ألا يعني هذا أن الحس هو الذي صحح ظنه بأن الظل لا يتحرك؟ ثالثاً: إن شهادة الحس داخلة في الدليل على أن الكوكب أكبر مما ظن؛ وذلك أن الناس يعرفون بالتجربة الحسية أنه كلما كان الشيء أبعد بدا أصغر. ثم وجدوا أن هنالك نسبة بين مسافة البعد وحجم الشيء المرئي. رابعاً: قد تقول: لكن هذا إنما عرف بالعقل. ونقول: أجل! وهل تعمل الحواس إلا بمعونة العقل؟ وهل يعمل العقل إلا بمعونة الحواس؟ ٢ ـ إن شهادة الحواس بالنسبة للمسلم أمر يقتضيه دينه كما يقتضيه عقله؛ وذلك أن في الإسلام أصولاً لا يكتمل الإيمان ولا العمل بها إلا بالاعتراف بشهادة الحواس. القرآن الكريم كتاب لا يمكن الاطلاع عليه إلا بالنظر أو بالسماع، وهما أمران حسيان. وما يقال عن القرآن الكريم يقال عن سائر العلوم. الصلاة والصيام والحج كلها تعتمد في معرفة مواقيتها على شهادة الحس. هذه مجرد أمثلة. وهذا يدلك على أنه لا يجوز لمسلم أن ينكر من الحقائق العلمية ما شهد الحس يصدقه. أقول الحقائق كالقول بأن شكل الأرض كروي ولا أقول النظريات كنظرية دارْوِن. ٣ ـ لكن ينبغي الاعتراف بأن حواسنا لا تعطينا علماً محيطاً بما نشاهد، إنما تعطينا جانباً منه. وهذا الذي تعطيناه وإن كان جزئياً إلا أنه حق وهو كافٍ لنا في معاملاتنا الدينية والدنيوية. مثال دلك أننا نعرف الآن بسبب الآلات التي تزيد من قوة حواسنا أن ما يبدو لنا صلباً من الأجسام ليس هو بالصلابة التي نراها، وإنما هو مكون من ذرات بينها فراغات. وقل مثل دلك عما نراه سائلاً. ونحن حين نرى الشمس قد غربت أو أشرقت تكون قد فعلت دلك قبل ثماني دقائق من رؤيتنا لها تشرق أو تغرب. بل يقولون إن كثيراً مما نراه من نجوم السماء يكون قد انفجر وتبدد مند آلاف السنين. ولكن بما أننا لا نرى الشيء إلا حين ينعكس الضوء منه على أعيننا وبما أن هذه الأجرام تبعد عنا ملايين الملايين من الأميال؛ فإن ضوءها لا يصلنا إلا بعد آلاف من السنين تكون هي في أثنائها قد ماتت؛ فما نراه منها إنما هو تاريخها لا حاضرها. لكننا في معلاملاتنا اليومية وفي ديننا إنما نتعامل مع الأشياء بحسب ما تبدو لنا؛ فأوقات الصلاة والصيام والحج لا تعتمد على الحقائق الفلكية التي يتحدث عنها علماء الفلك وإنما تعتمد على ما يظهر لنا منها. ذكر لي بعض الشباب في أحد المؤتمرات ببريطانيا ذات مرة أن رجلاً زعم أن في الإسلام ما يخالف الحقائق العلمية وضرب لذلك مثلاً بافتراضنا أن الشمس تتحرك والأرض ثابتة؛ لأننا نقول مثلاً: إن وقت الظهر يحين عندما تصير الشمس في كبد السماء. قلت له: ألستَ تجد في جرائدكم اليومية مواقيت طلوع الشمس وغروبها؟ فلو أن الناس التزموا بالحقائق الفلكية وحدها لما جاز لهم الحديث عن شروق وغروب؟ لأنه إذا كانت الشمس ثابتة بالنسبة للأرض؟ فكيف يقال إنها شرقت أو غربت؟ لكنني ذكَّرته بأن العلماء أنفسهم يسمون هذا بالحركة الظاهرية للشمس، وهي الحركة التي نعتمدها في حياتنا اليومية. ٤ ـ مما يتصل بهذا ـ أعني بعدم رؤيتنا للحقائق المحسوسة كما هي في حقيقتها أن الله قد يفعل ذلك رحمة بنا. من ذلك قوله ـ سبحانه ـ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإذْ يُرِيكُمُوهُمْ إذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٣ - ٤٤] . وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] . ٥ ـ يتعلل بعضهم في عدم إيمانه يوجود الخالق ـ سبحانه ـ أنه لا يؤمن إلا بما يرى ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] . ويدعي بعضهم في عصرنا بأن هذا أمر يقتضيه المنهح العلمي. وكذبوا؛ فإنهم لو كانوا صادقين في عدم تصديقهم بما لا تراه أعينهم للزمهم أن لا يؤمنوا بحوادث التاريخ، وللزمهم أن لا يصدقوا بوجود شيء في الأماكن التي تبعد عنهم بُعداً لا ترى ما فيها أعينهم. بل للزمهم أن يذهبوا مذهب بعض الفلاسفة الذين كانوا يقولون إنهم إنما يؤمنون بما يرون ما داموا يرونه، ويقولون: من يدرينا أنه ما زال موجوداً حين نغمض عنه اعيننا أو نلفت عنه أنظارنا؟ وظن بعضهم أن الحواس لا تدرك إلا ما كان ذا طبيعة مادية (كما نقول بلغتنا الحديثة) ولذلك أنكروا إمكانية رؤية الخالق ـ سبحانه ـ لأن الله ليس كمثله شيء؛ فكيف تراه الأعين التي لا ترى إلا ما كان من نوع تلك المخلوقات؟ هؤلاء أخطؤوا عدة أخطاء: فأولاً: إن كون المخلوقات تُرى (بضم التاء) لا ينهض دليلاً على أن ما كان من طبيعة غير طبيعتها لا يُرى. فرقٌ بين أن تقول: إن المخلوقات التي هي من النوع الفلاني تُرى، وبين أن تقول إنها هي وحدها التي تُرى. ثانياً: نحن نعلم الآن أن هنالك موجودات لا تراها حواسنا المجردة لكنها تُرى بوساطة الآلات التي تساعد تلك الحواس. فنحن نرى بالتلسكوب من الأشياء البعيدة ما لا يمكن للعين المجردة أن تراه، ونرى بالميكروسكوب من الأشياء الدقيقة ما لا يمكن لها أن تراه. ولو أننا حكمنا على الأشياء بمنطق هؤلاء لقلنا إنها لا يمكن أن تُرى إطلاقاً؛ لأن الذي يُرى إنما هو الذي يمكن للعين المجردة أن تراه. ثالثاً: نعم! إننا لا نرى ربنا ـ سبحانه ـ في هذه الحياة الدنيا؛ ولذلك عندما دعا نبي الله موسى ﵇ ربه قائلاً: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال له الله ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] . لكن الله ـ تعالى ـ: قال عن المؤمنين في الدار الآخرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فدل ذلك على أن العلة في عدم رؤيتنا لخالقنا في هذه الحياة هو طبيعة أعيننا لا ذات خالقنا سبحانه. فذاته ـ سبحانه ـ لا تتغير وإنما الذي تغير هو طبيعة حواسنا. فكما أن عدم رؤيتنا للكائنات البعيدة والدقيقة لم يكن سببه طبيعة تلك الكائنات وإنما كان سببه طبيعة أعيننا، فلما ساعدتها الآلات على الرؤية رأت ما لم تكن ترى، فكذلك فإنه عندما تتغير طبيعة الناس في الجنة فيكونون مخلوقات تأكل ولا تخرج منها فضلات، وتتحرك ولا تتعب ولا تنام، فكذلك تتغير طبيعة حواسهم فترى ما لم تكن تستطيع رؤيته في دنياها. ٧ ـ يقول بعض الفلاسفة المعاصرين كلاماً كان أئمة أهل السنَّة يقولونه قبلهم منذ سنين: يقولون إن ما لا تمكن مشاهدته بحال من الأحوال فليس بموجود. ولذلك فإن أهل السنة الذين كانوا يقولون ذلك كانوا يقولون للجهمية ومن ذهب مذهبهم في صفات الله ـ تعالى ـ: إنكم تعبدون عَدَماً. وقد كان هذا التصور العدمي لصفات الخالق ـ سبحانه ـ من أكبر الأسباب التي تعلق بها بعض الملحدين في الغرب. كانوا يقولون لزملائهم المؤمنين: عن أي شيء تتحدثون؟ شيء لا يمكن أن تراه الأعين ولا أن تسمعه الآذان ولا يُحَس ولا يُشَم ولا يُذاق؟ وقد ذكر الإمام أحمد في أول كتابه في الرد على الزنادقة والجهمية كلاماً نفيساً في تفسير السبب الذي أدى بالجهمية إلى هذا التصور التعطيلي لصفات الخالق. قال ﵁: فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله ـ تعالى ـ فلقي أناساً من المشركين يقال لهم السُمنية فعرفوا الجهم، فقالوا له: نكلمك؛ فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك؛ فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له: ألستَ تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم: نعم! فقالوا له: فهل رأيتَ إلهك؟ قال: لا. قالوا: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فشممتَ له رائحة؟ قال: لا. قالوا: فوجدتَ له حساً؟ قال: لا. قالوا: فوجدت له مجسا؟ قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم فلم يدرِ من يعبد أربعين يوماً، ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى...... فقال للسُمني: ألست تزعم أن فيك روحاً؟ قال: نعم! فقال: هل رأيت روحك؟ قال: لا. قال: فسمعت كلامه؟ قال: لا. قال فوجدتَ له حساً أو مجساً؟ قال: لا. قال: فكذلك الله لا يُرى له وجه ولا يُسمع له صوت ولا يُشَمُّ له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان...... فإذا سألهم الناس عن قول الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان، ولم يتكلم ولا يتكلم، ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يوصف ولا يعرف بصفة، ولا يفعل ولا له غاية ولا له منتهى، ولا يدرَك بعقل، وهو وجه كله، وهو علم كله، وهو سمع كله، وهو بصر كله، وهو نور كله، وهو قدرة كله، ولا يكون فيه شيئان، ولا يوصف بوصفين مختلفين، وليس له أعلى ولا أسفل، ولا نواحي ولا جوانب، ولا يمين ولا شمال، ولا هو خفيف ولا ثقيل، ولا له لون، ولا له جسم، وليس هو بمعمول ولا معقول، وكلما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه. قال أحمد: وقلنا: هو شيء؟ فقالوا: هو شيء لا كالأشياء. فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء. معايير تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن أحد المعايير المشتركة بين جمع العقلاء من البشر بادئاً بالقوانين المنطقية. ويكمل في هذه الحلقة بقية الموضوع تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن أحد المعايير المشتركة بين جمع العقلاء من البشر بادئاً بالقوانين المنطقية. ويكمل في هذه الحلقة بقية الموضوع

стр. 5428

قبس تربوي د. عبد الكريم بكار يمكن القول: إن التربية السياسية تعد بين الأمور التي لا تلقى إلا القليل من الاهتمام في البيوت وفي المدارس وفي وسائل الإعلام. وربما كان هذا امتداداً لرؤية أسلافنا للدولة؛ حيث كان السائد أن الدولة المسلمة عبارة عن كيان يجسد المبادئ الإسلامية بشكل آلي وبدهي، أو أنها على أقل تقدير عبارة عن أداة تنفيذية بيد المبادئ والأخلاق الإسلامية، ومن ثم فإن تحسُّن التدين في المجتمع سيعني بصورة تلقائية تحسُّن أداء الدولة، وتحسُّن التعامل معها إلى جانب تحسُّن تعاملها مع الناس. وقد تبين من خلال تجربتنا التاريخية أن هذه النظرة مفرطة في التبسيط والتفاؤل؛ حيث ظهر لنا ولغيرنا من أبناء الأمم الأخرى أن الدولة كيان مستقل، له طبيعته وخصائصه، وهو يتمفصل مع المجتمع في معظم الأحيان، ويلتقي معه في أحيان أخرى. ومن وجه آخر فإن شيئاً آخر في هذا السياق يحتاج أيضاً إلى تقييد، وهو الرؤية التقليدية للإنسان والتي كانت تقوم على افتراض أن الإنسان يولد سيداً حراً كريماً عقلانياً في ممارساته ومواقفه. إن هذه المعاني الجليلة تُغرس في نفوس الناس وعقولهم من خلال التربية ومن خلال استهداف السياسات الإدارية والقانونية لتكوين المواطن الصالح المدرك لمسؤولياته وحقوقه. لا يكمن جوهر التربية السياسية في حث الناس على ألاَّ يسكتوا على الظلم، وألاَّ يعبروا عن نزعاتهم الفردية بطريقة غير مسؤولة أو حثهم على اتباع القوانين والنظم السارية ... إنما يكمن في تعميق بعض المفاهيم الأساسية عبر ممارسة رجال الدولة، وعبر البيئة التربوية التي توفرها البيوت والمدارس. ولعل من أهم تلك المفاهيم الآتي: ١ ـ التمسك بالحق القطعي الواضح والمنافحة عنه وحمايته والتضحية من أجله، والاستمرار في محاصرة الشر والباطل الصريح بالطرق المشروعة وفي إطار الآداب الإسلامية السامية. ٢ ـ التسامح تجاه الأمور الخلافية، واحترام التعددية في الرأي، ما دام التباين في وجهات النظر في إطار المدلول العام للثوابت والقطعيات. ٣ ـ تعزيز روح الحوار والتفاوض والمجادلة بالتي هي أحسن، واعتماد النقاش في بث الوعي أساساً في تغيير الموقف والأوضاع والاتجاهات بعيداً عن القسر والتخويف والإكراه. ٤ ـ حين يختلف أهل العلم في مسألة من المسائل؛ فإن للحاكم المسلم أن يختار القول الذي يرى فيه ما يحقق المصلحة العامة في مرحلة من المراحل، واختياره يقطع النزاع على المستوى العملي التنفيذي. أما على المستوى العلمي؛ فإن لكل عالم ولكل فرد الاحتفاظ بما أوصله إليه اجتهاده. ٥ ـ لا تستطيع الدولة أن تعمل وفق آراء كل الناس، وإلاَّ فإنها لا تكون مركزاً للتسويات وتنظيم الأولويات وتوازن المصالح. ٦ ـ لا يمكن للدولة أن تلبي حاجات كل الناس مهما استهدفت ذلك وعملت من أجله؛ وذلك لأن إمكانات الدولة ـ مهما كانت قدراتها عظيمة ـ تظل في نهاية الأمر محدودة، وطموحات الناس غير محدودة. وقد تعوَّد الناس على مدار التاريخ أن يعملوا باستمرار على تحويل المرفهات والثانويات إلى حاجات أساسية عبر الإغراق في التنعم. لكن الذي يجب على الدولة النهوض له، ومن حق المواطنين المطالبة به هو العدل والإنصاف والنزاهة وتحقيق أكبر قدر من تكافؤ الفرص بين الناس. ٧ ـ لا تستطيع أية دولة أن تقطع الجدل حول بعض تصرفات رجالها وحول بعض سلوكهم الشخصي. ومن واجب الناس في هذه الحالة التثبت والتبين، وعدم المسارعة إلى تصديق كل ما يشاع. وعلى القضاء أن يمارس دوره في الحفاظ على المصلحة العامة والبت فيما هو موضع نزاع. ٨ ـ يجب على الفرد الامتثال للتنظيمات والقوانين التي تسعى إلى تحقيق الخير العام، ما دامت في إطار المباح والمشروع. ٩ ـ حفظُ المال العام وصيانةُ المرافق العامة، وتكثيرُ الأطر التي تقدم خدمة عامة للناس مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ وحضاريةٌ في ذمة الدولة والمجتمع. ١٠ ـ للدولة حقوق على المواطن، وللمواطن حقوق على الدولة، حقوق الدولة واجبات على المواطن، وحقوق المواطن واجبات على الدولة. ويجب على كل طرف أن يؤدي ما عليه إذا أراد أن ينال ما يعده حقاً له. ١١ ـ في إطار الدولة الواحدة لا يصح لأي شخص أن يتصرف على هواه فيما يعدّ شأناً اجتماعياً عاماً، وينبغي أن تضاف الحقوق المشروعة للأقلية، كما ينبغي عليها أن تنزل على حكم الأكثرية. وعن طريق الحجة والبرهان والنقاش الحر، يمكن لكل جهة أن تقنع الجهات الأخرى بوجهة نظرها. ١٢ ـ التشاور واستمزاج الآراء واكتشاف المواقف والتوجهات، والعمل على الاستفادة منها ومراعاتها، هو العمل الذي يبدأ، ولا ينتهي؛ لأنه يشكل حجر الزاوية في الممارسة السياسية. إن التربية على هذه المبادئ والمفاهيم ـ ومبادئ أخرى على شاكلتها ـ سوف يخفف من حدة ثنائية الدولة/ المواطن، ويوسع أرضية التبادل، ويساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح المشتركة، كما يساعد على نهوض المجتمع المسلم واستقراره؛ لكن التربية حتى تؤتي ثمارها تحتاج إلى صبر ومثابرة، وتحتاج قبل ذلك إلى البذل والتضحية.

стр. 5429

رمضان في ديوان الشعر العربي أمين سليمان الستيتي ما كان رمضان ليختلف عن غيره من شهور العام لولا فريضة الصوم التي أعطته هذه الخصوصية. ولعل قول اللغويين: إنه يرمض الصائم حين يحر جوفه، فيه من الصحة الكثير. وقد شغلت أمور الدعوة، وحروب الردة الصحابة منذ زمن الرسول ﷺ وحتى نهاية عصر أبي بكر الصديق ﵁، فلم يكن للشعر مكانه القديم، ولم يصفوا العادات المتعلقة بصومه، أو قيامه، سوى ما كان من أداء الفريضة، وقيام الليل، وغيرها وفي سيرة عمر بن الخطاب ﵁ أنه جمع الناس للتراويح على إمام واحد، في رمضان الثاني من حكمه، ورأى الناس في ذلك خيراً عميماً، واستمعوا إلى ترتيل واحد شنف آذانهم، وعكفوا على تلاوته آناء الليل، مع التسبيح، وغيره من الأقوال والأعمال الصالحة، ليل نهار، وبرز دور الشعر في تخليد مثل هذه الصورة؛ إذ قال الشاعر: جاء الصيام فجاء الخير أجمعه ترتيل ذكر وتحميد وتسبيحُ فالنفس تدأب في قول وفي عمل صوم النهار وبالليل التراويحُ وكأن هذا السياق الفطري، البعيد عن التكلف يبين بوضوح انتماء هذا القول إلى عصره، بعيداً عن كل الصور البيانية، أو المحسنات اللفظية، المعبر عن صدق المشاعر، وتأثير العبادة في نفوس المؤمنين. لكن الشعراء عبر العصور رسموا صوراً وضّاءة لرمضان، وللمسلمين فيه، وزينوا صوره بكل ما استطاعوا من الصور والمحسنات، وتخيروا الألفاظ الموحية المعبرة؛ فهذا شاعر يقول: أَدِم الصيام مع القيام تعبُّداً فكلاهما عملان مقبولانِ يا حبذا عينان في غسق الدجى من خشية الرحمن باكيتانِ فإذا طوينا شراعنا على عتبات العصر الحاضر، رأينا أدباءنا يرسمون لرمضان صوراً كثيرة، منها الإيماني المتعلق بأهداب العبادة، ومنها السلبي المتعلق بسدول غيرها، ومنها بين ذلك بعدد ألوان الطيف، أو يزيد. وللجوع أثر في رائحة فم الصائم، والتي جعلها الله - سبحانه - أطيب من رائحة المسك، كما روى ذلك رسولنا ﷺ ، وقد صاغ الشاعر محمد حسن فقي هذا المعنى بألفاظ قريبة التناول، سلسة تنساب رقراقة بقوله: وعلى فمي طعم أحس بأنه من طعم تلك الجنة الخضراءِ لا طعم دنيانا فليس بوسعها تقديم هذا الطعم للخلفاءِ ما ذقت قط ولا شعرت بمثله ألا أكون به من السعداءِ وفي القصيدة ذاتها يصف الشاعر استبشار المسلمين برمضان الكريم، وأيامه الجليلة، ووحي الله من السماء، بكلمات منقادة له انقياد العاشقين، حيث يرسمها على ألحانه، ويعزفها بألوانه فيقول: قالوا بأنك قادم فتهللت بالبشر أوجهنا وبالخيلاءِ لِمَ لا نتيه مع الهيام ونزدهي بجلال أيام ووحي سماءِ وللشفافية في العصر الحديث بريق يشد الناظرين، ويصوغه الشاعر محمود حسن إسماعيل، فيرسم لنا لوحة رمضانية النفحات، بألوان أطياف التقى، ويجند قدراته البلاغية ليصل بها إلى قمة الإبداع الشعري فيقول: أضيفٌ أنت حلَّ على الأنامِ وأقسم أن يُحَيّا بالصيامِ قطعت الدهر أنواراً وفيّاً يعود مزاره في كل عامِ نسخت شعائر الضيفان لمّا قنعت من الضيافة بالمقامِ بأن الجود حرمان وزهد أعزُّ من الشَّراب أو الطعامِ ومن الشعراء السعوديين أحمد سالم باعطب، الذي يصور الأنفس المؤمنة مسرعة في ساحات الدموع الراجية غفران الله - سبحانه - بعد أن رأت كف الحسنات الرمضانية، وتجلي الله العلي العظيم على عباده بالجزاء الحسن الذي وعدهم، بلغة يتضح فيها الأثر الروحي، وكلمات تحمل دفء التقوى فيقول: رمضان بالحسنات كفك تزخرُ والكون في لألاء حسنك مبحرُ أقبلت رُحمى فالسماء مشاعل والأرض فجرٌ من جبينك مسفرُ هتفت لمقدمك النفوس وأسرعت من حوبها بدموعها تستغفرُ ولوحة نادرة يرسمها عبد الله بن سليّم الرشيد، وعلى صفحات ثقافة الجزيرة، تنطق بالوعي الديني المتزايد عند المسلمين في هذا الزمن الذي يبشر بالخير رغم كل المآسي، وعي يدفع الناس للبحث عن الفوز بالآخرة، والتخلص من الذنوب صغيرها وكبيرها، فيقول على هذا اللحن الراقص، رقصة الرجال في الفرح وغير الفرح: مرَّ شعبان فلم تَحفَل به روحُه الملقاةُ بين الهمَّلِ عجباً من أغبر ذي شعثٍ مرَّ بالنهر فلم يغتسلِ ومن الشعراء الذين وقفوا مع التراويح: محمود عارف، وجعل لوحتها ماء يسبح فيه المؤمنون ليزدادوا إيماناً، ويرمز إلى بركة أيامه التي تعادل العمر كله؛ ففيه ليلة خير من ألف شهر، فيقول: فيه التراويح المضيئة مسبحٌ للقلب للإيمان يعمر مرفقا ساعاته عمر الزمان، مليئة بالذكر حيث العمر عاد محلقا ويغوص بعض الشعراء إلى أعماق المسلمين يستجلون أثر قدوم رمضان على مجتمعاتهم، ويصورون البشائر، والرحمة التي تحل عليهم، وبهم، ومنهم، تصويراً حركياً يدفع إلى رؤية المنظر الحي، بألفاظ لا يكاد يظهر للصنعة فيها يد قريبة ولا بعيدة، بل السجية سيدة الموقف، والموهبة الشاعرة، التي تظهر في قول حسين عرب: بشرى العوالم أنت يا رمضانُ هتفت بك الأرجاء والأكوانُ لك في السماء كواكب وضّاءة ولك النفوس المؤمنات مكانُ يا مشعلاً قبس الحقيقة بعد أن أعيت عن استقصائها الأذهانُ هذه لمحة من شعرائنا عبر الزمن، ليست شاملة، ولكنها مضيئة، تدفع المرء إلى قياس مشاعره، وحبه لهذا الشهر الذي جعله الله ﷻ ظرفاً لفريضة الصوم، والتي اختصها لنفسه، وهو الذي يجازي المرء عنها؛ فهل تنشرح الصدور المؤمنة لاستقباله؟ وهل يستبشر المؤمنون في هذا الزمن بقدومه، ويرجون الله فيه النصر للمجاهدين في سبيله في كل مكان، رجاء الموقنين بالإجابة، وأن يزيل الهم والحزن عن صدور الأمة، ويكشف الغمة، ويأخذ بأيدينا إلى حيث أرادنا: خير أمة أخرجت للناس؟ أسأل الله ... آمين ... آمين ... آمين! المراجع - قرة العين في رمضان والعيدين، د. علي الجندي. - رمضان بين الأطباء والشعراء، د. حسان شمسي باشا. - رمضان في إبداعات الأدباء، محمد عمر.

стр. 5430

إعصار كاترينا آية للمتجبرين ممدوح إسماعيل كثيراً ما تهفو قلوب المؤمنين وتتشوق إلى آية من الله في ظل غيابات التيه المادي والظلم الذي يطغى على حال الناس في كل مكان؛ ودائماً ما تحتاج البشرية إلى التذكرة بقدرة الله القوي الجبار؛ فالتقدم العمراني والصناعي والتقني المتنوع، وابتكار أقوى الأسلحة القادرة على الفتك بالآخرين ولو على بُعد آلاف الأميال كلها قدرات وأسباب أفقدت الكثير من البشر والدول الإيمان بقدرة الله وقوته، وأنها قوة تفوق قوة الأرض ومن عليها، بل هي القوة القادرة وحدها، وأن ما على الأرض من قوة لا تكون إلا بإذن الله. ولكن الله ﵎ عندما يبتلي المؤمنين في وقت من الزمان، ويعطي القوة لدولةٍ ما كافرة تستضعف المؤمنين يزداد طغيانها، وعندما ينتفخون غروراً وكِبْراً في الأرض يرسل الله الآيات للتذكرة والإعلان أن القوة لله جميعاً الواحد الأحد. وقد قص القرآن الكريم الكثير من القصص في هذا الشأن، وأيضاً بعض الكتب السماوية رغم ما ورد فيها من بعض التحريف عبر السنين والأيام، إلا أن سنن الله في الكون لا تتغير ولا تتبدل، وما زالت كتب التاريخ والآثار تحدث البشرية عما حدث للأمم الغابرة من آيات الله بعد علوها وطغيانها في الأرض. ومنذ شهور اهتزت البشرية لِمَا حدث في جنوب آسيا من مآسٍ نتيجة (إعصار تسونامي) الذي شرد وقتل الآلاف ودمر بلداناً في شكل غير مسبوق. ولكن البشرية التعسة ببُعدها عن الإيمان بالله سرعان ما تناست تلك الآية وعادت إلى حياتها ولهوها وطغيانها، وفجأة وفي أواخر شهر أغسطس ٢٠٠٥م وفي عز ارتفاع الطغيان والكِبْر الأمريكي منتشياً بسيطرته على العالم؛ فأفريقيا المسكينة تتسول الرضا الأمريكي، وآسيا المثقلة بالمشكلات تتودد وتتقرب له بكل ما تستطيع درءاً لشره، حتى أوروبا القوية ضعفت أمام جبروته، والعالم كله حيران يدبِّر الخطط والأفكار كل لحظة كي يفلت من قبضة ذلك الطغيان، وكل ذلك يزيد الانتفاخ والكبر والغرور عند القوم؛ فهم يفعلون ما يشاؤون في العالم، ويستولون على مصالح وحقوق الشعوب من أجل مصلحتهم فقط، ويقولون: هذه سياسة. وقد استبدت هذه القوة الغاشمة واستكبرت، ومن مظاهر ذلك: أولاً: حربها للدين الإسلامي وقولها بأنها حرب صليبية (وإن أظهروا التراجع عن ذلك) فحاربوا تعليم الدين الإسلامي في بلاد المسلمين، وتدخلوا في مناهجهم التعليمية وأفسدوها، وحاربوا تطبيق الشريعة في أي بلد من بلدان المسلمين، وروَّجوا للعلمانية، وعملوا على فرضها في بلداننا تحت زعم الإصلاح السياسي، ودنسوا المصحف الشريف، وحاربوا الجمعيات الخيرية التي تقدم المساعدات الإنسانية للمحتاجين. ثانياً: حاربوا الله بالربا، فسيطروا على أموال العالم واقتصاده عن طريق بنوكهم الربوية، وأخضعوا حركة المال والتجارة في العالم كله لسيطرتهم الربوية، فأفقروا كثيراً من بلاد المسلمين، وجعلوها ذليلة تخضع لأوامرهم وطلباتهم. ثالثاً: استحلوا دماء المسلمين في فلسطين، وأعانوا اليهود على قتل الفلسطينيين بكل سلاح متطور، وتدنيس المقدسات واستباحة الحرمات، واحتلوا أفغانستان والعراق ظلماً وعدواناً واستحلوا دماء المسلمين فيهما، ولم يفرقوا بين شيخ أو طفل أو امرأة، ودمروا البلاد واحتلوها، وتواطؤوا مع غيرهم على استباحة دماء المسلمين في الشيشان وكشمير وغيرهما من بلاد المسلمين، وفي العراق كان وما زال لجيش الاحتلال الأمريكي فظائع في حق المسلمين؛ ففي مدينة الفلوجة استباحوا كل شيء فلم تسلم المساجد من جبروتهم، بل قتلوا المسلمين الآمنين فيها من الشيوخ، ويوم الإثنين ٢٩/٨/٢٠٠٥ وفي أثناء هجوم القوات الأمريكية على مدينة القائم يُعلَن في القنوات الفضائية عن مقتل خمسة وأربعين من المدنيين العراقيين ومنهم نساء وأطفال، بل دُمِّر المركز الطبي بالمدينة، ثم يأتي بعده خبر يعلن عن إعصار يسمى (كاترينا) يجتاح الشواطئ الأمريكية. ثم تتوالى الأخبار عن الإعصار المدمر لمدينة (نيو أورليانز) وتحجب كل الأخبار، ويبقى فقط خبر (إعصار كاترينا) الذي اجتاح البلد ودمرها، وشرد وقتل الآلاف، ولم يوقفه لا الصواريخ العابرة للقارات ولا القنابل الذرية والهيدروجينية ولا قواعد الدفاع الجوية وبها أحدث أنواع الرادارات في العالم، ولا قوات المارينز مشاة البحرية الأكثر خبرة قتالية في العالم، ولم تحرك وكالة ناسا الفضائية ساكناً أمام الإعصار الرهيب وهي التي تتفاخر بإرسال الرحلات من رواد الفضاء إلى خارج نطاق الأرض، وهي الوكالة الجبارة التي تراقب كل سكان الأرض: كل هؤلاء وغيرهم من القوى العسكرية والتقنية الجبارة لم يستطيعوا وقف ذلك الإعصار المدمر. وقد تمخض عن هذا الإعصار المدمر نتائج هي آيات للعالمين منها: ١ - أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي حماية الأمن العالمي بقواتها وتملك أقوى جيش في العالم تعلن عن انتشار السرقات والسلب والنهب وفقدان الأمن تماماً، والشرطة في المدينة المنكوبة لا تقاوم بل تترك الميدان لِلُّصوص بحجة البحث عن ذويهم، وعمدة المدينة يعلن عن أعمال النهب من المدمنين للمخدرات. ويلاحظ من مشاهد المدينة أن تلك السرقات والنهب لم تحدث في بلاد المسلمين التي دمرها إعصار تسونامي. ومن آيات الله أن الأمريكان دبروا مثل هذه السرقات والسلب والنهب عند احتلالهم للعراق وسقوط بغداد وأظهروها للعالم كله على أن أهل العراق لصوص، واليوم أهل ولايات أمريكية كلهم لصوص. سبحان الله! ولكن بدون تدبير من أحد إلا إرادة الله أن يفضحهم ويفضح حضارتهم المادية. ٢ - معظم أهل المدن المنكوبة من السود حيث إن ٦٧% من سكانها من أصل إفريقي، ويتهم عمدة المدينة الإدارة الأمريكية الفيدرالية بالتأخر عن المساعدة العسكرية والاقتصادية لينفضح شكل من أشكال العنصرية الواضحة في المجتمع الأمريكي تهدد بانقسامه. وتاريخ الأنجلو ساكسون العنصري معروف بفظائعه مع السود وهم الذين يحكمون الولايات المتحدة الأمريكية الآن، وقد تجمع النواب السود في الكونجرس الأمريكي يعلنون غضبهم واحتجاجهم على تلك العنصرية. ٣ - مراكز الأبحاث مثل شركة (ريسك ما نجمنت سوليوشتز) المتخصصة في إدارة الكوارث تعلن أن الخسائر تصل إلى أكثر من مائة مليار دولار. والعجيب أن مجلس الشيوخ الأمريكي يقرر صرف إعانة تبلغ عشرة مليارات ونصف فقط للمتضررين، ثم يُتبعها بخمسين ملياراً. ٤ - بالنسبة لخسائر البترول الذي قيل إنه من أسباب الحرب الأمريكية على المسلمين؛ فقد انخفض معدل التشغيل في ١٢ مصفاة تكرير أمريكية، وانخفض معدل تكرير البترول بنسبة ١٧% وأصيبت أربع منصات بترول في خليج المكسيك بأضرار بالغة غير الانفجارات في مصانع الكيماويات في المدينة. ٥ - يقدر عدد القتلى بعشرة آلاف والعدد قابل للزيادة؛ حيث إن معرفة عدد القتلى يحتاج إلى شهرين كما ذكرت التقارير في الولايات المتضررة؛ ذلك غير المشردين الذين لا حصر لهم، منهم حوالي ٣٠٠ ألف طفل مشرد، ولم يفعل هذا بالمدينة جيش دولة معادية ولا تنظيم القاعدة ولا الإرهاب الذي تدعي الإدارة الأمريكية محاربته ولا أي إنسان مطلقاً، ولا غضب الطبيعة كما يقول بعض الجهلة والحمقى. ٦ - تعلن الولايات المتحدة الأمريكية عن فتح باب التبرعات بكافة أشكالها من جميع الدول والمنظمات في العالم وهي الدولة الغنية؛ ولكن سبحان المعز المذل! وكأنه تفسير للآية: ﴿ذُقْ إنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] . ومن المحزن أن تسارع أكثر من ثمانين دولة ومنظمة إلى التبرع في الوقت الذي يتضرر فية ثلاثة ملايين مسلم في النيجر من المجاعة والأمراض المهلكة ولا يجدون غير مساعدات الأمم المتحدة التي تاتيهم على استحياء ليُفضَح ويسقط زيف قشرة الإنسانية التي تغطي شكل المساعدات للأمريكان الأغنياء (أصحاب الفيزا كارت) وبوالص التأمين؛ بينما أهل النيجر لا يجدون كسرة الخبز والدواء لأطفالهم. ٧ - الرأي العام في أمريكا ينقلب على حكومته ويتهمها بالتأخر المتعمد عن تخفيف الأضرار وعلى رأسهم كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق؛ ورفعاً للحرج أقالت الإدارة الأمريكية رئيس وكالة الكوارث دون غيره لتحمله المسؤولية وحده. وقد انتشر بين الأمريكان أن ما حدث هو بسبب حرب العراق وانشغالها بها وتوجيه كل الجهد لها، وانتشر هذا الرأي في كثير من البلاد الغربية وعند كثير من المحللين في الصحافة والإعلام العالمي. ٨ ـ وأخيراً يبقى أن يتوقف كل مؤمن ومسلم مع تلك الآية العظيمة من الله في ظل الضعف الشديد للمسلمين والطغيان الشديد للأمريكان: يرسل الملك الواحد العدل آياته إنه هو الله رب السموات والأرض ومن فيهن، خالق الطبيعة وربها، ومصرف أمرها، خالق الماء والهواء وبأمره لهما دمرا كل شيء بأمر ربهم، إنها سنة الله في الحياة لكل أمة متكبرة في الأرض، وراجعوا التاريخ البشري وماذا فعل الله بالأمم التي طغت في الأرض؛ إنها قدرة الله القادر على كل شيء، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وإنها أيضاً إجابة لدعوات المظلومين في الأرض التي قال الله لها: «وعزتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعد حين» ، وتسلية وبرهان للمؤمنين ليزدادوا إيماناً وتثبيتاً لقلوبهم، ودفعهم إلى العمل الصالح لبناء الأمة الإسلامية القوية لإصلاح الأرض ودحر الطغيان مهما كانت العقبات. وأخيراً: إن (إعصار كاترينا) ربما يسبب مشكلات داخلية للإدارة الأمريكية لا تنتهي سريعاً ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] .
следующие страницы →