← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

وصية إدارية إبراهيم بن سليمان الحيدري أيها الإداريون! اعلموا أن الله قد ابتلى الدعاة بقلة مواردهم المالية، وها هو العالم اليوم يكبِّل الصدقات، ويحاصر الزكوات، بل إن العليم الحكيم اختبر الدعاة بندرة مواردهم البشرية؛ فما يجدون في الإبل المائة إلا راحلة واحدة تتخطفها المسؤوليات وتنهشها المشاغل؛ فما بال أقوام ومنظمات خيرية ـ والحال كذلك ـ غفلت عن هذا الواقع الذي تنطق به الأرض التي تقلهم والسماء التي تظلهم، جمعوا في منظماتهم من الأهداف ما تباين، ومن الأعمال ما تناثر حتى عجزوا عن إدارتها فضلاً عن تحقيق أهدافها، ترى لمنظماتهم في المجال الطبي يداً، وفي الاجتماعي قدماً، وفي الدعوة ساقاً. ساقتهم حاجات الناس المتنوعة والثغرات المتجددة إلى تعدد الأهداف وتنويع الأعمال زاعمين أنهم يقطفون من كل بستان زهرة، وما علموا أن الأزهار سرعان ما تذبل وتموت، وتظل الأشجار تنمو ببطء لتثمر على الدوام. أيها الدعاة إلى الله تعالى! وصية الإداريين من قبلي ولعلها ستبقى من بعدي هي التركيز على مجال واحد من مجالات العمل؛ فالتركيز ما كان في شيء إلا أنضجه، وما غاب عن شيء إلا شتته. ففي التركيز على مجال واحد خير كثير ونفع عظيم، ومن خلاله تتحقق الأهداف وتُنال الغايات، يتوحد الهمُّ وتتحفز الرواحل، تُبنى الخبرات وتنمو القيادات، توظف الأموال وتستثمر الموارد. إن التركيز مطلب في المنظمات الإدارية باختلاف أنواعها وأعمارها وهو في المنظمات الخيرية مطلب ملحٌّ لحداثة نشأتها المؤسسية ولقلة مواردها المالية والبشرية. والعمل الخيري حقل واسع وميدان فسيح، والأوْلى لمن احتوى قلوبَهم حبُّ الخير وسقوه باحتساب الأجر أن يتوِّجوا ذلك بالتركيز في العمل؛ فهو أحد أوجه الإتقان التي حثنا عليها المصطفى ﷺ بقوله: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» . اللهم ألهمنا التركيز في أعمالنا، وقنا شر التشتت.

стр. 5427

معايير العقلاء أ. د. جعفر شيخ إدريس شهادة الحس: ١ ـ كل الناس في معظم أحوالهم يؤمنون بشهادة الحس، يؤمنون بأن ما رأوه بأعينهم أو سمعوه بآذانهم، أو أحسوه بجلودهم أو شموه بأنوفهم أو ذاقوه بألسنتهم هو كما شهدت به هذه الحواس. لكنهم قد ينكرون هذا في بعض الأحيان؛ لأنهم ـ لسبب من الأسباب ـ لا يريدون الاعتراف بالحقيقة التي شهدت بها. هذا الإنكار مسلك مخالف للعقل؛ ولذلك فإن القرآن الكريم يذم أصحابه في مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] . لكن قلة من المفكرين من المسلمين وغير المسلمين يصرحون بأقوال فيها تشكيك في شهادة الحس. فهدا أبو حامد الغزالي ﵀ يقول في أول كتابه (المنقد من الضلال) : فأقبلت بجد بليغ أتأمل المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها، فانتهى بي طول التشكك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضاً، وأخذت تتسع للشك فيها، وتقول: من أين الثقة بالمحسوسات، وأقواها حاسة البصر؟ وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفاً غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم ـ بالتجربة والمشاهدة ـ بعد ساعة تعرف أنه متحرك وأنه لم يتحرك دفعة (واحدة) بغتة، بل على التدريج ذرة ذرة، حتى لم يكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيراً في مقدار دينار ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار. وهذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته. فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضاً» . على كلام أبي حامد هذا استدراكات: أولاً: أنه لو كانت الثقة بالمحسوسات باطلة بطلاناً مطلقاً لكان ينبغي أن ما قال له بصره إنه ظِلٌ ليس بِظل، وما قال إنه كوكب ليس بكوكب. ثانياً: كيف اكتشف أن الظل ليس ساكناً كما قال له بصره؟ يقول: «بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة» وهل تكون تجربة ومشاهدة إلا بالحس؟ ألا يعني هذا أن الحس هو الذي صحح ظنه بأن الظل لا يتحرك؟ ثالثاً: إن شهادة الحس داخلة في الدليل على أن الكوكب أكبر مما ظن؛ وذلك أن الناس يعرفون بالتجربة الحسية أنه كلما كان الشيء أبعد بدا أصغر. ثم وجدوا أن هنالك نسبة بين مسافة البعد وحجم الشيء المرئي. رابعاً: قد تقول: لكن هذا إنما عرف بالعقل. ونقول: أجل! وهل تعمل الحواس إلا بمعونة العقل؟ وهل يعمل العقل إلا بمعونة الحواس؟ ٢ ـ إن شهادة الحواس بالنسبة للمسلم أمر يقتضيه دينه كما يقتضيه عقله؛ وذلك أن في الإسلام أصولاً لا يكتمل الإيمان ولا العمل بها إلا بالاعتراف بشهادة الحواس. القرآن الكريم كتاب لا يمكن الاطلاع عليه إلا بالنظر أو بالسماع، وهما أمران حسيان. وما يقال عن القرآن الكريم يقال عن سائر العلوم. الصلاة والصيام والحج كلها تعتمد في معرفة مواقيتها على شهادة الحس. هذه مجرد أمثلة. وهذا يدلك على أنه لا يجوز لمسلم أن ينكر من الحقائق العلمية ما شهد الحس يصدقه. أقول الحقائق كالقول بأن شكل الأرض كروي ولا أقول النظريات كنظرية دارْوِن. ٣ ـ لكن ينبغي الاعتراف بأن حواسنا لا تعطينا علماً محيطاً بما نشاهد، إنما تعطينا جانباً منه. وهذا الذي تعطيناه وإن كان جزئياً إلا أنه حق وهو كافٍ لنا في معاملاتنا الدينية والدنيوية. مثال دلك أننا نعرف الآن بسبب الآلات التي تزيد من قوة حواسنا أن ما يبدو لنا صلباً من الأجسام ليس هو بالصلابة التي نراها، وإنما هو مكون من ذرات بينها فراغات. وقل مثل دلك عما نراه سائلاً. ونحن حين نرى الشمس قد غربت أو أشرقت تكون قد فعلت دلك قبل ثماني دقائق من رؤيتنا لها تشرق أو تغرب. بل يقولون إن كثيراً مما نراه من نجوم السماء يكون قد انفجر وتبدد مند آلاف السنين. ولكن بما أننا لا نرى الشيء إلا حين ينعكس الضوء منه على أعيننا وبما أن هذه الأجرام تبعد عنا ملايين الملايين من الأميال؛ فإن ضوءها لا يصلنا إلا بعد آلاف من السنين تكون هي في أثنائها قد ماتت؛ فما نراه منها إنما هو تاريخها لا حاضرها. لكننا في معلاملاتنا اليومية وفي ديننا إنما نتعامل مع الأشياء بحسب ما تبدو لنا؛ فأوقات الصلاة والصيام والحج لا تعتمد على الحقائق الفلكية التي يتحدث عنها علماء الفلك وإنما تعتمد على ما يظهر لنا منها. ذكر لي بعض الشباب في أحد المؤتمرات ببريطانيا ذات مرة أن رجلاً زعم أن في الإسلام ما يخالف الحقائق العلمية وضرب لذلك مثلاً بافتراضنا أن الشمس تتحرك والأرض ثابتة؛ لأننا نقول مثلاً: إن وقت الظهر يحين عندما تصير الشمس في كبد السماء. قلت له: ألستَ تجد في جرائدكم اليومية مواقيت طلوع الشمس وغروبها؟ فلو أن الناس التزموا بالحقائق الفلكية وحدها لما جاز لهم الحديث عن شروق وغروب؟ لأنه إذا كانت الشمس ثابتة بالنسبة للأرض؟ فكيف يقال إنها شرقت أو غربت؟ لكنني ذكَّرته بأن العلماء أنفسهم يسمون هذا بالحركة الظاهرية للشمس، وهي الحركة التي نعتمدها في حياتنا اليومية. ٤ ـ مما يتصل بهذا ـ أعني بعدم رؤيتنا للحقائق المحسوسة كما هي في حقيقتها أن الله قد يفعل ذلك رحمة بنا. من ذلك قوله ـ سبحانه ـ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإذْ يُرِيكُمُوهُمْ إذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٣ - ٤٤] . وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] . ٥ ـ يتعلل بعضهم في عدم إيمانه يوجود الخالق ـ سبحانه ـ أنه لا يؤمن إلا بما يرى ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] . ويدعي بعضهم في عصرنا بأن هذا أمر يقتضيه المنهح العلمي. وكذبوا؛ فإنهم لو كانوا صادقين في عدم تصديقهم بما لا تراه أعينهم للزمهم أن لا يؤمنوا بحوادث التاريخ، وللزمهم أن لا يصدقوا بوجود شيء في الأماكن التي تبعد عنهم بُعداً لا ترى ما فيها أعينهم. بل للزمهم أن يذهبوا مذهب بعض الفلاسفة الذين كانوا يقولون إنهم إنما يؤمنون بما يرون ما داموا يرونه، ويقولون: من يدرينا أنه ما زال موجوداً حين نغمض عنه اعيننا أو نلفت عنه أنظارنا؟ وظن بعضهم أن الحواس لا تدرك إلا ما كان ذا طبيعة مادية (كما نقول بلغتنا الحديثة) ولذلك أنكروا إمكانية رؤية الخالق ـ سبحانه ـ لأن الله ليس كمثله شيء؛ فكيف تراه الأعين التي لا ترى إلا ما كان من نوع تلك المخلوقات؟ هؤلاء أخطؤوا عدة أخطاء: فأولاً: إن كون المخلوقات تُرى (بضم التاء) لا ينهض دليلاً على أن ما كان من طبيعة غير طبيعتها لا يُرى. فرقٌ بين أن تقول: إن المخلوقات التي هي من النوع الفلاني تُرى، وبين أن تقول إنها هي وحدها التي تُرى. ثانياً: نحن نعلم الآن أن هنالك موجودات لا تراها حواسنا المجردة لكنها تُرى بوساطة الآلات التي تساعد تلك الحواس. فنحن نرى بالتلسكوب من الأشياء البعيدة ما لا يمكن للعين المجردة أن تراه، ونرى بالميكروسكوب من الأشياء الدقيقة ما لا يمكن لها أن تراه. ولو أننا حكمنا على الأشياء بمنطق هؤلاء لقلنا إنها لا يمكن أن تُرى إطلاقاً؛ لأن الذي يُرى إنما هو الذي يمكن للعين المجردة أن تراه. ثالثاً: نعم! إننا لا نرى ربنا ـ سبحانه ـ في هذه الحياة الدنيا؛ ولذلك عندما دعا نبي الله موسى ﵇ ربه قائلاً: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال له الله ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] . لكن الله ـ تعالى ـ: قال عن المؤمنين في الدار الآخرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فدل ذلك على أن العلة في عدم رؤيتنا لخالقنا في هذه الحياة هو طبيعة أعيننا لا ذات خالقنا سبحانه. فذاته ـ سبحانه ـ لا تتغير وإنما الذي تغير هو طبيعة حواسنا. فكما أن عدم رؤيتنا للكائنات البعيدة والدقيقة لم يكن سببه طبيعة تلك الكائنات وإنما كان سببه طبيعة أعيننا، فلما ساعدتها الآلات على الرؤية رأت ما لم تكن ترى، فكذلك فإنه عندما تتغير طبيعة الناس في الجنة فيكونون مخلوقات تأكل ولا تخرج منها فضلات، وتتحرك ولا تتعب ولا تنام، فكذلك تتغير طبيعة حواسهم فترى ما لم تكن تستطيع رؤيته في دنياها. ٧ ـ يقول بعض الفلاسفة المعاصرين كلاماً كان أئمة أهل السنَّة يقولونه قبلهم منذ سنين: يقولون إن ما لا تمكن مشاهدته بحال من الأحوال فليس بموجود. ولذلك فإن أهل السنة الذين كانوا يقولون ذلك كانوا يقولون للجهمية ومن ذهب مذهبهم في صفات الله ـ تعالى ـ: إنكم تعبدون عَدَماً. وقد كان هذا التصور العدمي لصفات الخالق ـ سبحانه ـ من أكبر الأسباب التي تعلق بها بعض الملحدين في الغرب. كانوا يقولون لزملائهم المؤمنين: عن أي شيء تتحدثون؟ شيء لا يمكن أن تراه الأعين ولا أن تسمعه الآذان ولا يُحَس ولا يُشَم ولا يُذاق؟ وقد ذكر الإمام أحمد في أول كتابه في الرد على الزنادقة والجهمية كلاماً نفيساً في تفسير السبب الذي أدى بالجهمية إلى هذا التصور التعطيلي لصفات الخالق. قال ﵁: فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله ـ تعالى ـ فلقي أناساً من المشركين يقال لهم السُمنية فعرفوا الجهم، فقالوا له: نكلمك؛ فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك؛ فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له: ألستَ تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم: نعم! فقالوا له: فهل رأيتَ إلهك؟ قال: لا. قالوا: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فشممتَ له رائحة؟ قال: لا. قالوا: فوجدتَ له حساً؟ قال: لا. قالوا: فوجدت له مجسا؟ قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم فلم يدرِ من يعبد أربعين يوماً، ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى...... فقال للسُمني: ألست تزعم أن فيك روحاً؟ قال: نعم! فقال: هل رأيت روحك؟ قال: لا. قال: فسمعت كلامه؟ قال: لا. قال فوجدتَ له حساً أو مجساً؟ قال: لا. قال: فكذلك الله لا يُرى له وجه ولا يُسمع له صوت ولا يُشَمُّ له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان...... فإذا سألهم الناس عن قول الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان، ولم يتكلم ولا يتكلم، ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يوصف ولا يعرف بصفة، ولا يفعل ولا له غاية ولا له منتهى، ولا يدرَك بعقل، وهو وجه كله، وهو علم كله، وهو سمع كله، وهو بصر كله، وهو نور كله، وهو قدرة كله، ولا يكون فيه شيئان، ولا يوصف بوصفين مختلفين، وليس له أعلى ولا أسفل، ولا نواحي ولا جوانب، ولا يمين ولا شمال، ولا هو خفيف ولا ثقيل، ولا له لون، ولا له جسم، وليس هو بمعمول ولا معقول، وكلما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه. قال أحمد: وقلنا: هو شيء؟ فقالوا: هو شيء لا كالأشياء. فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء. معايير تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن أحد المعايير المشتركة بين جمع العقلاء من البشر بادئاً بالقوانين المنطقية. ويكمل في هذه الحلقة بقية الموضوع تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن أحد المعايير المشتركة بين جمع العقلاء من البشر بادئاً بالقوانين المنطقية. ويكمل في هذه الحلقة بقية الموضوع

стр. 5428

قبس تربوي د. عبد الكريم بكار يمكن القول: إن التربية السياسية تعد بين الأمور التي لا تلقى إلا القليل من الاهتمام في البيوت وفي المدارس وفي وسائل الإعلام. وربما كان هذا امتداداً لرؤية أسلافنا للدولة؛ حيث كان السائد أن الدولة المسلمة عبارة عن كيان يجسد المبادئ الإسلامية بشكل آلي وبدهي، أو أنها على أقل تقدير عبارة عن أداة تنفيذية بيد المبادئ والأخلاق الإسلامية، ومن ثم فإن تحسُّن التدين في المجتمع سيعني بصورة تلقائية تحسُّن أداء الدولة، وتحسُّن التعامل معها إلى جانب تحسُّن تعاملها مع الناس. وقد تبين من خلال تجربتنا التاريخية أن هذه النظرة مفرطة في التبسيط والتفاؤل؛ حيث ظهر لنا ولغيرنا من أبناء الأمم الأخرى أن الدولة كيان مستقل، له طبيعته وخصائصه، وهو يتمفصل مع المجتمع في معظم الأحيان، ويلتقي معه في أحيان أخرى. ومن وجه آخر فإن شيئاً آخر في هذا السياق يحتاج أيضاً إلى تقييد، وهو الرؤية التقليدية للإنسان والتي كانت تقوم على افتراض أن الإنسان يولد سيداً حراً كريماً عقلانياً في ممارساته ومواقفه. إن هذه المعاني الجليلة تُغرس في نفوس الناس وعقولهم من خلال التربية ومن خلال استهداف السياسات الإدارية والقانونية لتكوين المواطن الصالح المدرك لمسؤولياته وحقوقه. لا يكمن جوهر التربية السياسية في حث الناس على ألاَّ يسكتوا على الظلم، وألاَّ يعبروا عن نزعاتهم الفردية بطريقة غير مسؤولة أو حثهم على اتباع القوانين والنظم السارية ... إنما يكمن في تعميق بعض المفاهيم الأساسية عبر ممارسة رجال الدولة، وعبر البيئة التربوية التي توفرها البيوت والمدارس. ولعل من أهم تلك المفاهيم الآتي: ١ ـ التمسك بالحق القطعي الواضح والمنافحة عنه وحمايته والتضحية من أجله، والاستمرار في محاصرة الشر والباطل الصريح بالطرق المشروعة وفي إطار الآداب الإسلامية السامية. ٢ ـ التسامح تجاه الأمور الخلافية، واحترام التعددية في الرأي، ما دام التباين في وجهات النظر في إطار المدلول العام للثوابت والقطعيات. ٣ ـ تعزيز روح الحوار والتفاوض والمجادلة بالتي هي أحسن، واعتماد النقاش في بث الوعي أساساً في تغيير الموقف والأوضاع والاتجاهات بعيداً عن القسر والتخويف والإكراه. ٤ ـ حين يختلف أهل العلم في مسألة من المسائل؛ فإن للحاكم المسلم أن يختار القول الذي يرى فيه ما يحقق المصلحة العامة في مرحلة من المراحل، واختياره يقطع النزاع على المستوى العملي التنفيذي. أما على المستوى العلمي؛ فإن لكل عالم ولكل فرد الاحتفاظ بما أوصله إليه اجتهاده. ٥ ـ لا تستطيع الدولة أن تعمل وفق آراء كل الناس، وإلاَّ فإنها لا تكون مركزاً للتسويات وتنظيم الأولويات وتوازن المصالح. ٦ ـ لا يمكن للدولة أن تلبي حاجات كل الناس مهما استهدفت ذلك وعملت من أجله؛ وذلك لأن إمكانات الدولة ـ مهما كانت قدراتها عظيمة ـ تظل في نهاية الأمر محدودة، وطموحات الناس غير محدودة. وقد تعوَّد الناس على مدار التاريخ أن يعملوا باستمرار على تحويل المرفهات والثانويات إلى حاجات أساسية عبر الإغراق في التنعم. لكن الذي يجب على الدولة النهوض له، ومن حق المواطنين المطالبة به هو العدل والإنصاف والنزاهة وتحقيق أكبر قدر من تكافؤ الفرص بين الناس. ٧ ـ لا تستطيع أية دولة أن تقطع الجدل حول بعض تصرفات رجالها وحول بعض سلوكهم الشخصي. ومن واجب الناس في هذه الحالة التثبت والتبين، وعدم المسارعة إلى تصديق كل ما يشاع. وعلى القضاء أن يمارس دوره في الحفاظ على المصلحة العامة والبت فيما هو موضع نزاع. ٨ ـ يجب على الفرد الامتثال للتنظيمات والقوانين التي تسعى إلى تحقيق الخير العام، ما دامت في إطار المباح والمشروع. ٩ ـ حفظُ المال العام وصيانةُ المرافق العامة، وتكثيرُ الأطر التي تقدم خدمة عامة للناس مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ وحضاريةٌ في ذمة الدولة والمجتمع. ١٠ ـ للدولة حقوق على المواطن، وللمواطن حقوق على الدولة، حقوق الدولة واجبات على المواطن، وحقوق المواطن واجبات على الدولة. ويجب على كل طرف أن يؤدي ما عليه إذا أراد أن ينال ما يعده حقاً له. ١١ ـ في إطار الدولة الواحدة لا يصح لأي شخص أن يتصرف على هواه فيما يعدّ شأناً اجتماعياً عاماً، وينبغي أن تضاف الحقوق المشروعة للأقلية، كما ينبغي عليها أن تنزل على حكم الأكثرية. وعن طريق الحجة والبرهان والنقاش الحر، يمكن لكل جهة أن تقنع الجهات الأخرى بوجهة نظرها. ١٢ ـ التشاور واستمزاج الآراء واكتشاف المواقف والتوجهات، والعمل على الاستفادة منها ومراعاتها، هو العمل الذي يبدأ، ولا ينتهي؛ لأنه يشكل حجر الزاوية في الممارسة السياسية. إن التربية على هذه المبادئ والمفاهيم ـ ومبادئ أخرى على شاكلتها ـ سوف يخفف من حدة ثنائية الدولة/ المواطن، ويوسع أرضية التبادل، ويساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح المشتركة، كما يساعد على نهوض المجتمع المسلم واستقراره؛ لكن التربية حتى تؤتي ثمارها تحتاج إلى صبر ومثابرة، وتحتاج قبل ذلك إلى البذل والتضحية.

стр. 5429

رمضان في ديوان الشعر العربي أمين سليمان الستيتي ما كان رمضان ليختلف عن غيره من شهور العام لولا فريضة الصوم التي أعطته هذه الخصوصية. ولعل قول اللغويين: إنه يرمض الصائم حين يحر جوفه، فيه من الصحة الكثير. وقد شغلت أمور الدعوة، وحروب الردة الصحابة منذ زمن الرسول ﷺ وحتى نهاية عصر أبي بكر الصديق ﵁، فلم يكن للشعر مكانه القديم، ولم يصفوا العادات المتعلقة بصومه، أو قيامه، سوى ما كان من أداء الفريضة، وقيام الليل، وغيرها وفي سيرة عمر بن الخطاب ﵁ أنه جمع الناس للتراويح على إمام واحد، في رمضان الثاني من حكمه، ورأى الناس في ذلك خيراً عميماً، واستمعوا إلى ترتيل واحد شنف آذانهم، وعكفوا على تلاوته آناء الليل، مع التسبيح، وغيره من الأقوال والأعمال الصالحة، ليل نهار، وبرز دور الشعر في تخليد مثل هذه الصورة؛ إذ قال الشاعر: جاء الصيام فجاء الخير أجمعه ترتيل ذكر وتحميد وتسبيحُ فالنفس تدأب في قول وفي عمل صوم النهار وبالليل التراويحُ وكأن هذا السياق الفطري، البعيد عن التكلف يبين بوضوح انتماء هذا القول إلى عصره، بعيداً عن كل الصور البيانية، أو المحسنات اللفظية، المعبر عن صدق المشاعر، وتأثير العبادة في نفوس المؤمنين. لكن الشعراء عبر العصور رسموا صوراً وضّاءة لرمضان، وللمسلمين فيه، وزينوا صوره بكل ما استطاعوا من الصور والمحسنات، وتخيروا الألفاظ الموحية المعبرة؛ فهذا شاعر يقول: أَدِم الصيام مع القيام تعبُّداً فكلاهما عملان مقبولانِ يا حبذا عينان في غسق الدجى من خشية الرحمن باكيتانِ فإذا طوينا شراعنا على عتبات العصر الحاضر، رأينا أدباءنا يرسمون لرمضان صوراً كثيرة، منها الإيماني المتعلق بأهداب العبادة، ومنها السلبي المتعلق بسدول غيرها، ومنها بين ذلك بعدد ألوان الطيف، أو يزيد. وللجوع أثر في رائحة فم الصائم، والتي جعلها الله - سبحانه - أطيب من رائحة المسك، كما روى ذلك رسولنا ﷺ ، وقد صاغ الشاعر محمد حسن فقي هذا المعنى بألفاظ قريبة التناول، سلسة تنساب رقراقة بقوله: وعلى فمي طعم أحس بأنه من طعم تلك الجنة الخضراءِ لا طعم دنيانا فليس بوسعها تقديم هذا الطعم للخلفاءِ ما ذقت قط ولا شعرت بمثله ألا أكون به من السعداءِ وفي القصيدة ذاتها يصف الشاعر استبشار المسلمين برمضان الكريم، وأيامه الجليلة، ووحي الله من السماء، بكلمات منقادة له انقياد العاشقين، حيث يرسمها على ألحانه، ويعزفها بألوانه فيقول: قالوا بأنك قادم فتهللت بالبشر أوجهنا وبالخيلاءِ لِمَ لا نتيه مع الهيام ونزدهي بجلال أيام ووحي سماءِ وللشفافية في العصر الحديث بريق يشد الناظرين، ويصوغه الشاعر محمود حسن إسماعيل، فيرسم لنا لوحة رمضانية النفحات، بألوان أطياف التقى، ويجند قدراته البلاغية ليصل بها إلى قمة الإبداع الشعري فيقول: أضيفٌ أنت حلَّ على الأنامِ وأقسم أن يُحَيّا بالصيامِ قطعت الدهر أنواراً وفيّاً يعود مزاره في كل عامِ نسخت شعائر الضيفان لمّا قنعت من الضيافة بالمقامِ بأن الجود حرمان وزهد أعزُّ من الشَّراب أو الطعامِ ومن الشعراء السعوديين أحمد سالم باعطب، الذي يصور الأنفس المؤمنة مسرعة في ساحات الدموع الراجية غفران الله - سبحانه - بعد أن رأت كف الحسنات الرمضانية، وتجلي الله العلي العظيم على عباده بالجزاء الحسن الذي وعدهم، بلغة يتضح فيها الأثر الروحي، وكلمات تحمل دفء التقوى فيقول: رمضان بالحسنات كفك تزخرُ والكون في لألاء حسنك مبحرُ أقبلت رُحمى فالسماء مشاعل والأرض فجرٌ من جبينك مسفرُ هتفت لمقدمك النفوس وأسرعت من حوبها بدموعها تستغفرُ ولوحة نادرة يرسمها عبد الله بن سليّم الرشيد، وعلى صفحات ثقافة الجزيرة، تنطق بالوعي الديني المتزايد عند المسلمين في هذا الزمن الذي يبشر بالخير رغم كل المآسي، وعي يدفع الناس للبحث عن الفوز بالآخرة، والتخلص من الذنوب صغيرها وكبيرها، فيقول على هذا اللحن الراقص، رقصة الرجال في الفرح وغير الفرح: مرَّ شعبان فلم تَحفَل به روحُه الملقاةُ بين الهمَّلِ عجباً من أغبر ذي شعثٍ مرَّ بالنهر فلم يغتسلِ ومن الشعراء الذين وقفوا مع التراويح: محمود عارف، وجعل لوحتها ماء يسبح فيه المؤمنون ليزدادوا إيماناً، ويرمز إلى بركة أيامه التي تعادل العمر كله؛ ففيه ليلة خير من ألف شهر، فيقول: فيه التراويح المضيئة مسبحٌ للقلب للإيمان يعمر مرفقا ساعاته عمر الزمان، مليئة بالذكر حيث العمر عاد محلقا ويغوص بعض الشعراء إلى أعماق المسلمين يستجلون أثر قدوم رمضان على مجتمعاتهم، ويصورون البشائر، والرحمة التي تحل عليهم، وبهم، ومنهم، تصويراً حركياً يدفع إلى رؤية المنظر الحي، بألفاظ لا يكاد يظهر للصنعة فيها يد قريبة ولا بعيدة، بل السجية سيدة الموقف، والموهبة الشاعرة، التي تظهر في قول حسين عرب: بشرى العوالم أنت يا رمضانُ هتفت بك الأرجاء والأكوانُ لك في السماء كواكب وضّاءة ولك النفوس المؤمنات مكانُ يا مشعلاً قبس الحقيقة بعد أن أعيت عن استقصائها الأذهانُ هذه لمحة من شعرائنا عبر الزمن، ليست شاملة، ولكنها مضيئة، تدفع المرء إلى قياس مشاعره، وحبه لهذا الشهر الذي جعله الله ﷻ ظرفاً لفريضة الصوم، والتي اختصها لنفسه، وهو الذي يجازي المرء عنها؛ فهل تنشرح الصدور المؤمنة لاستقباله؟ وهل يستبشر المؤمنون في هذا الزمن بقدومه، ويرجون الله فيه النصر للمجاهدين في سبيله في كل مكان، رجاء الموقنين بالإجابة، وأن يزيل الهم والحزن عن صدور الأمة، ويكشف الغمة، ويأخذ بأيدينا إلى حيث أرادنا: خير أمة أخرجت للناس؟ أسأل الله ... آمين ... آمين ... آمين! المراجع - قرة العين في رمضان والعيدين، د. علي الجندي. - رمضان بين الأطباء والشعراء، د. حسان شمسي باشا. - رمضان في إبداعات الأدباء، محمد عمر.

стр. 5430

إعصار كاترينا آية للمتجبرين ممدوح إسماعيل كثيراً ما تهفو قلوب المؤمنين وتتشوق إلى آية من الله في ظل غيابات التيه المادي والظلم الذي يطغى على حال الناس في كل مكان؛ ودائماً ما تحتاج البشرية إلى التذكرة بقدرة الله القوي الجبار؛ فالتقدم العمراني والصناعي والتقني المتنوع، وابتكار أقوى الأسلحة القادرة على الفتك بالآخرين ولو على بُعد آلاف الأميال كلها قدرات وأسباب أفقدت الكثير من البشر والدول الإيمان بقدرة الله وقوته، وأنها قوة تفوق قوة الأرض ومن عليها، بل هي القوة القادرة وحدها، وأن ما على الأرض من قوة لا تكون إلا بإذن الله. ولكن الله ﵎ عندما يبتلي المؤمنين في وقت من الزمان، ويعطي القوة لدولةٍ ما كافرة تستضعف المؤمنين يزداد طغيانها، وعندما ينتفخون غروراً وكِبْراً في الأرض يرسل الله الآيات للتذكرة والإعلان أن القوة لله جميعاً الواحد الأحد. وقد قص القرآن الكريم الكثير من القصص في هذا الشأن، وأيضاً بعض الكتب السماوية رغم ما ورد فيها من بعض التحريف عبر السنين والأيام، إلا أن سنن الله في الكون لا تتغير ولا تتبدل، وما زالت كتب التاريخ والآثار تحدث البشرية عما حدث للأمم الغابرة من آيات الله بعد علوها وطغيانها في الأرض. ومنذ شهور اهتزت البشرية لِمَا حدث في جنوب آسيا من مآسٍ نتيجة (إعصار تسونامي) الذي شرد وقتل الآلاف ودمر بلداناً في شكل غير مسبوق. ولكن البشرية التعسة ببُعدها عن الإيمان بالله سرعان ما تناست تلك الآية وعادت إلى حياتها ولهوها وطغيانها، وفجأة وفي أواخر شهر أغسطس ٢٠٠٥م وفي عز ارتفاع الطغيان والكِبْر الأمريكي منتشياً بسيطرته على العالم؛ فأفريقيا المسكينة تتسول الرضا الأمريكي، وآسيا المثقلة بالمشكلات تتودد وتتقرب له بكل ما تستطيع درءاً لشره، حتى أوروبا القوية ضعفت أمام جبروته، والعالم كله حيران يدبِّر الخطط والأفكار كل لحظة كي يفلت من قبضة ذلك الطغيان، وكل ذلك يزيد الانتفاخ والكبر والغرور عند القوم؛ فهم يفعلون ما يشاؤون في العالم، ويستولون على مصالح وحقوق الشعوب من أجل مصلحتهم فقط، ويقولون: هذه سياسة. وقد استبدت هذه القوة الغاشمة واستكبرت، ومن مظاهر ذلك: أولاً: حربها للدين الإسلامي وقولها بأنها حرب صليبية (وإن أظهروا التراجع عن ذلك) فحاربوا تعليم الدين الإسلامي في بلاد المسلمين، وتدخلوا في مناهجهم التعليمية وأفسدوها، وحاربوا تطبيق الشريعة في أي بلد من بلدان المسلمين، وروَّجوا للعلمانية، وعملوا على فرضها في بلداننا تحت زعم الإصلاح السياسي، ودنسوا المصحف الشريف، وحاربوا الجمعيات الخيرية التي تقدم المساعدات الإنسانية للمحتاجين. ثانياً: حاربوا الله بالربا، فسيطروا على أموال العالم واقتصاده عن طريق بنوكهم الربوية، وأخضعوا حركة المال والتجارة في العالم كله لسيطرتهم الربوية، فأفقروا كثيراً من بلاد المسلمين، وجعلوها ذليلة تخضع لأوامرهم وطلباتهم. ثالثاً: استحلوا دماء المسلمين في فلسطين، وأعانوا اليهود على قتل الفلسطينيين بكل سلاح متطور، وتدنيس المقدسات واستباحة الحرمات، واحتلوا أفغانستان والعراق ظلماً وعدواناً واستحلوا دماء المسلمين فيهما، ولم يفرقوا بين شيخ أو طفل أو امرأة، ودمروا البلاد واحتلوها، وتواطؤوا مع غيرهم على استباحة دماء المسلمين في الشيشان وكشمير وغيرهما من بلاد المسلمين، وفي العراق كان وما زال لجيش الاحتلال الأمريكي فظائع في حق المسلمين؛ ففي مدينة الفلوجة استباحوا كل شيء فلم تسلم المساجد من جبروتهم، بل قتلوا المسلمين الآمنين فيها من الشيوخ، ويوم الإثنين ٢٩/٨/٢٠٠٥ وفي أثناء هجوم القوات الأمريكية على مدينة القائم يُعلَن في القنوات الفضائية عن مقتل خمسة وأربعين من المدنيين العراقيين ومنهم نساء وأطفال، بل دُمِّر المركز الطبي بالمدينة، ثم يأتي بعده خبر يعلن عن إعصار يسمى (كاترينا) يجتاح الشواطئ الأمريكية. ثم تتوالى الأخبار عن الإعصار المدمر لمدينة (نيو أورليانز) وتحجب كل الأخبار، ويبقى فقط خبر (إعصار كاترينا) الذي اجتاح البلد ودمرها، وشرد وقتل الآلاف، ولم يوقفه لا الصواريخ العابرة للقارات ولا القنابل الذرية والهيدروجينية ولا قواعد الدفاع الجوية وبها أحدث أنواع الرادارات في العالم، ولا قوات المارينز مشاة البحرية الأكثر خبرة قتالية في العالم، ولم تحرك وكالة ناسا الفضائية ساكناً أمام الإعصار الرهيب وهي التي تتفاخر بإرسال الرحلات من رواد الفضاء إلى خارج نطاق الأرض، وهي الوكالة الجبارة التي تراقب كل سكان الأرض: كل هؤلاء وغيرهم من القوى العسكرية والتقنية الجبارة لم يستطيعوا وقف ذلك الإعصار المدمر. وقد تمخض عن هذا الإعصار المدمر نتائج هي آيات للعالمين منها: ١ - أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي حماية الأمن العالمي بقواتها وتملك أقوى جيش في العالم تعلن عن انتشار السرقات والسلب والنهب وفقدان الأمن تماماً، والشرطة في المدينة المنكوبة لا تقاوم بل تترك الميدان لِلُّصوص بحجة البحث عن ذويهم، وعمدة المدينة يعلن عن أعمال النهب من المدمنين للمخدرات. ويلاحظ من مشاهد المدينة أن تلك السرقات والنهب لم تحدث في بلاد المسلمين التي دمرها إعصار تسونامي. ومن آيات الله أن الأمريكان دبروا مثل هذه السرقات والسلب والنهب عند احتلالهم للعراق وسقوط بغداد وأظهروها للعالم كله على أن أهل العراق لصوص، واليوم أهل ولايات أمريكية كلهم لصوص. سبحان الله! ولكن بدون تدبير من أحد إلا إرادة الله أن يفضحهم ويفضح حضارتهم المادية. ٢ - معظم أهل المدن المنكوبة من السود حيث إن ٦٧% من سكانها من أصل إفريقي، ويتهم عمدة المدينة الإدارة الأمريكية الفيدرالية بالتأخر عن المساعدة العسكرية والاقتصادية لينفضح شكل من أشكال العنصرية الواضحة في المجتمع الأمريكي تهدد بانقسامه. وتاريخ الأنجلو ساكسون العنصري معروف بفظائعه مع السود وهم الذين يحكمون الولايات المتحدة الأمريكية الآن، وقد تجمع النواب السود في الكونجرس الأمريكي يعلنون غضبهم واحتجاجهم على تلك العنصرية. ٣ - مراكز الأبحاث مثل شركة (ريسك ما نجمنت سوليوشتز) المتخصصة في إدارة الكوارث تعلن أن الخسائر تصل إلى أكثر من مائة مليار دولار. والعجيب أن مجلس الشيوخ الأمريكي يقرر صرف إعانة تبلغ عشرة مليارات ونصف فقط للمتضررين، ثم يُتبعها بخمسين ملياراً. ٤ - بالنسبة لخسائر البترول الذي قيل إنه من أسباب الحرب الأمريكية على المسلمين؛ فقد انخفض معدل التشغيل في ١٢ مصفاة تكرير أمريكية، وانخفض معدل تكرير البترول بنسبة ١٧% وأصيبت أربع منصات بترول في خليج المكسيك بأضرار بالغة غير الانفجارات في مصانع الكيماويات في المدينة. ٥ - يقدر عدد القتلى بعشرة آلاف والعدد قابل للزيادة؛ حيث إن معرفة عدد القتلى يحتاج إلى شهرين كما ذكرت التقارير في الولايات المتضررة؛ ذلك غير المشردين الذين لا حصر لهم، منهم حوالي ٣٠٠ ألف طفل مشرد، ولم يفعل هذا بالمدينة جيش دولة معادية ولا تنظيم القاعدة ولا الإرهاب الذي تدعي الإدارة الأمريكية محاربته ولا أي إنسان مطلقاً، ولا غضب الطبيعة كما يقول بعض الجهلة والحمقى. ٦ - تعلن الولايات المتحدة الأمريكية عن فتح باب التبرعات بكافة أشكالها من جميع الدول والمنظمات في العالم وهي الدولة الغنية؛ ولكن سبحان المعز المذل! وكأنه تفسير للآية: ﴿ذُقْ إنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] . ومن المحزن أن تسارع أكثر من ثمانين دولة ومنظمة إلى التبرع في الوقت الذي يتضرر فية ثلاثة ملايين مسلم في النيجر من المجاعة والأمراض المهلكة ولا يجدون غير مساعدات الأمم المتحدة التي تاتيهم على استحياء ليُفضَح ويسقط زيف قشرة الإنسانية التي تغطي شكل المساعدات للأمريكان الأغنياء (أصحاب الفيزا كارت) وبوالص التأمين؛ بينما أهل النيجر لا يجدون كسرة الخبز والدواء لأطفالهم. ٧ - الرأي العام في أمريكا ينقلب على حكومته ويتهمها بالتأخر المتعمد عن تخفيف الأضرار وعلى رأسهم كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق؛ ورفعاً للحرج أقالت الإدارة الأمريكية رئيس وكالة الكوارث دون غيره لتحمله المسؤولية وحده. وقد انتشر بين الأمريكان أن ما حدث هو بسبب حرب العراق وانشغالها بها وتوجيه كل الجهد لها، وانتشر هذا الرأي في كثير من البلاد الغربية وعند كثير من المحللين في الصحافة والإعلام العالمي. ٨ ـ وأخيراً يبقى أن يتوقف كل مؤمن ومسلم مع تلك الآية العظيمة من الله في ظل الضعف الشديد للمسلمين والطغيان الشديد للأمريكان: يرسل الملك الواحد العدل آياته إنه هو الله رب السموات والأرض ومن فيهن، خالق الطبيعة وربها، ومصرف أمرها، خالق الماء والهواء وبأمره لهما دمرا كل شيء بأمر ربهم، إنها سنة الله في الحياة لكل أمة متكبرة في الأرض، وراجعوا التاريخ البشري وماذا فعل الله بالأمم التي طغت في الأرض؛ إنها قدرة الله القادر على كل شيء، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وإنها أيضاً إجابة لدعوات المظلومين في الأرض التي قال الله لها: «وعزتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعد حين» ، وتسلية وبرهان للمؤمنين ليزدادوا إيماناً وتثبيتاً لقلوبهم، ودفعهم إلى العمل الصالح لبناء الأمة الإسلامية القوية لإصلاح الأرض ودحر الطغيان مهما كانت العقبات. وأخيراً: إن (إعصار كاترينا) ربما يسبب مشكلات داخلية للإدارة الأمريكية لا تنتهي سريعاً ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] .

стр. 5431

لماذا يرفض أهل السنة مسودة الدستور ؟ عبد الله الرشيد مشروع مسودة الدستور وُلِد ميتاً على الرغم من محاولات إنعاشه من قِبَل الاحتلال، وأذناب الاحتلال، وبعض الممثلين في السلطة الانتقالية. ومع أن هذا المشروع (سيُمَرر) من قِبَل الائتلاف والأكراد، وسيقر من الجمعية العمومية المكونة منهما كما هو معروف، إلا أنه سيصطدم بإرادة الأمة، وسيعمل شرفاء العراق من مختلف المكونات والطوائف ـ بإذن الله ـ على إحباطه ولو كره الكارهون. نصت المادة (٦١) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية على الأمور التالية: ١ - على الجمعية الوطنية كتابة مسودة الدستور الدائم في موعد أقصاه الخامس عشر من آب ٢٠٠٥م. ٢ - عرض مسودة الدستور الدائم على الشعب العراقي للموافقة عليه باستفتاء عام. ٣ - يكون الاستفتاء العام ناجحاً ومسودة الدستور مصادقاً عليها عند موافقة أكثرية الناخبين في العراق، وإذا لم يرفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات أو أكثر. فالكلمة الفصل هي ـ إن شاء الله ـ لهذا الشعب الجريح من خلال عملية الاستفتاء العام التي ستجري في ١٥/١٠ من هذا العام، والتي سيقول فيها الواعون من أبناء العراق كلمتهم. وأهل السنة كغيرهم من أبناء الشعب العراقي عندهم من الثوابت العقدية والوطنية ما يؤهلهم لقبول أو رفض أي عقد اجتماعي أو سياسي يخصهم أو يشتركون بموجبه مع المكونات الأخرى في عراقهم الذي يحرصون على سيادته ووحدته ومصالحه. فمصلحة الدين الذي هو سياج كيانهم، وسر حياتهم والمصلحة الوطنية العليا المتسقة مع أحكام الإسلام فوق أي اعتبار فئوي أو طائفي أو حزبي ضيق. ولا يحق لأي جهة أو حزب أن يدعي تمثيل الشعب العراقي أو التحدث عن حقوقه بالنيابة عنه. من هنا؛ ولأسبابٍ سنذكرها يعلن أهل السنة مع غيرهم رفض هذا الدستور وعدم القول بشرعيته للمسوغات التالية: ١ - إن هذا الدستور كُتب من قِبَل الجمعية العمومية الوطنية التي انبثقت عن الانتخابات السابقة والتي لم يشارك فيها أبناء السنة لاعتبارات مقبولة ومنطقية، ومن ثم فهو كُتب بمعزلٍ عنهم، وفي ظل غيابهم أو تغييبهم. وحتى الوجود السني الهزيل في لجنة صياغة الدستور وما تلاه في جلساتِ الحوار بعد إعداد المسودة لم يكن بالقدر الكافي، وقد مُرِّرَت المسودة بمعزلٍ عنه وبإرادة الائتلاف والأكراد. ٢ - إن الطرف الآخر ـ المتحمس لإقرار هذا الدستور الناقص ـ لا يكترث بالآخرين والمخالفين، وهو ماضٍ فيما يراه صواباً بعيداً عن التعقل والموضوعية السياسية، والمصلحة الوطنية العليا، وإن بدا لوسائل الإعلام أنه طرف مفاوض ومرن ويقدم التنازلات. أي تنازلات هذه التي يتخلى عنها المشاركون في الائتلاف أو الحزبين الكرديين؟ لقد فرضوا قائمة عريضة من البنود غير القانونية، ثم أخذوا يَمُنُّون على الطرف المغيَّب بالتنازل التدريجي عن بعضٍ دون بعضٍ آخر. هذه لعبة سياسية ماكرة وليس تنازلاً من أجل إنجاح العملية السياسية كما يحلو لوسائل الإعلام أن تصوره. ٣ - إن هذا (الدستور) مليء بالتناقضات والنواقص والأخطاء القانونية، والبنود الخطيرة التي يُراد تمريرها على الشعب لإقرارها، وفيها «مقتل العراق» . ولا أدري كيف سمح من ينسب نفسه للإسلام ويسمي نفسه بالإسلامي كيف سمح لنفسه ـ وهو في أعلى هرم السلطة ـ أن يقبل بمثل هذا الدستور القاصر، والممهد لتفتيت العراق وتمزيقه عرقياً وطائفياً؟ لا نريد أن نقول إنه «لعبة أمريكية» مفروضة بإرادة احتلالية وبمباركة من بعض أبناء الوطن لتمزيق البلاد وإضعافها، وإثارة الصراعات والتصدعات الداخلية التي ستعمل على تقويض البناء الوطني وفيها لا نجد شيئاً في بلاد الرافدين يُبكى عليه. ولعل أبرز مكامن الخلل ومواضع الإشكال في «مسودة الدستور» المنشور نصها في موقع جريدة الصباح بتاريخ ٢٥/٨/٢٠٠٥م ـ وهو في تغيير مستمر على ما يبدو ولكن من سيئ إلى أسوأ كما يرى المراقبون. أقول: أبرز هذه الأخطاء ما يلي: أ - ديباجة الدستور: وقد وُصِفَت بأنها بيان سياسي لحزب مضطهد، لا مقدمة لدستور سيحكم البلاد لقرون طويلة. ومما يؤخذ ويؤشر على الديباجة: - أنها وصفت النظام السابق بالطائفية و «القمع الطائفي» وهذه لغة طائفية، والنظام السابق لم يكن طائفياً في ممارساته القمعية؛ بدليل أنها شملت أهل السنة وبوحشية منقطعة النظير، كما شملت غيرهم من الأكراد والشيعة والتركمان وغيرهم. - أنها أشارت إلى أن الإرهابيين وحلفاءهم أخذوا أهل المنطقة الغربية رهينة ومنعوهم من المشاركة في الانتخابات السابقة؛ وهذا خلاف الواقع، وهو مستل من الخطاب الإعلامي الحكومي المُسيس؛ فعدم المشاركة في الانتخابات السابقة هو خيار معظم أهل السنة بكل تياراتهم وحركاتهم إلا القليل منهم. وهو قرار هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي العراقي وقوى المعارضة الشرعية، والعبارة السابقة تصفهم بحلفاء الإرهاب؛ فهل يجوز مثل هذا في دستور ينبغي أن يتوافق عليه كل العراقيين ولضمان جميع حقوقهم؟ - جاء فيها: «إن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعباً وأرضاً وسيادةً» . ولفظ «اتحاده» غير لفظ «وحدته» وهما في القاموس السياسي معنيان متغايران، ومفهومان متقابلان. ونحن نصرُّ على حذف مفردة «اتحاده» وإبدالها بـ «وحدته» . ب - صُلب الدستور: - المادة (٢) من المبادئ الأساسية: أولاً: الإسلام دين الدولة الرسمي وهو مصدر أساسي للتشريع. أ. هـ. وهذه صياغة زائفة عن الحق والعياذ بالله؛ فالإسلام المصدر الأساسي للتشريع بـ «أل التعريف» لأنه يعطي مفهوماً مغايراً فيما إذا جُرد من «أل التعريف» . وقد كان كتب في «المسودة التي قبلها» : المصدر الأساسي ثم غُيِّرت الصياغة مجاملة لغير المؤمنين بالإسلام، ومن قِبَل أحزاب تدعي أنها إسلامية وأنها ناضلت في سبيل الله، فهل هذه هي ثمرة نضالهم الطويل؟! - المبادئ الأساسية: المادة (٢) : أولاً: فقرة (أ) لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام. فقرة (ب) لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية. فقرة (ج) لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور. أ. هـ. وهي عبارات ينقض بعضها بعضاً ولا يفهمها الفقيه أو السياسي إلا إذا كان واقفاً على رأسه. فثوابت ألإسلام شيء والديمقراطية شيء آخر. وهو ما فهمه أحد بطارقة النصارى ـ في لقاء تلفازي ـ ولم يفهمه المشرعون من الأكاديميين وأصحاب العمائم. فإذا أراد أنصار الديمقراطية سن قانون يسمح ببيع وشراء الخمور؛ فحينئذٍ يُعترَض عليهم بالفقرة (أ) فيقال لهم: لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام بنص الدستور. وإذا أراد الإسلاميون سن قانون يفرض الحجاب في الجامعات والمعاهد والمدارس مثلاً، عارضه الديمقراطيون والعلمانيون بالفقرة (ب) و (ج) وبنص الدستور أيضاً؛ بأن هذا من تقييد الحريات ويتعارض مع الديمقراطية. وهكذا دواليك. وقد أشار بعض المراقبين للملف العراقي ولكتابة مسودة الدستور أن الفقرة (ب) و (ج) أضيفتا بمقابلة إصرار الإسلاميين على منع سن أي قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام، وأن أمريكا أوعزت إلى بعض أذنابها بذلك. - المادة (٣) من المبادئ الأساسية: العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب وهو جزء من العالم الإسلامي والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية. أ. هـ. وهذه مكيدة ظاهرة، ولعبة مكشوفة!! لماذا يراد للعراق أن يفصل من امتداده العربي؟ وهذا البند «تكريس قانوني واضح» لمبدأ الانفصال الكردي عن عموم العراق، أو هو تمهيد لذلك. وهما أمران أحلاهما مر. للعلمانيين وغير المسلمين أن يعترضوا على عبارة: «وهو جزء من العالم الإسلامي» لهم أن يقولوا: «والشعب المسلم فيه جزء من العالم الإسلامي» إذ ما كل الشعب مسلم. وهذا البند الركيك والهزيل يذوِّب الهوية والامتداد الحضاري والتاريخي، ولو تعرض كردستان العراق لا سمح الله لاعتداء عسكري فإن الدول العربية غير ملزمة بالدفاع عنه، لأنه ليس جزءاً من الأمة العربية. الأكراد لا ينظرون إلى أبعد من أنفسهم، ويريدون تحقيق مكاسب قومية عاجلة تمهد لهم سبيل الانفصال والاستقلال التام وفي ذلك تحقيق لما يحلمون به، وهم مخطئون في تقديرهم المصلحي، ومصالح الدول الكبرى قد تحول دون تحقق ذلك، إضافة إلى ممانعة دول الإقليم كسوريا وتركيا وإيران وتخوفهم من هذا المشروع المشبوه. - المبادئ الأساسية: المادة (٥) : السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات. أ. هـ. هذه صياغة وضعية لا إسلامية، لأن مصدر السلطات والتشريع هو (الإسلام) وليس (الشعب) ، والعبارة تمر على كثير من أهل النظر من غير أن يلتفتوا إلى تعارضها مع دستورية القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بوصفهما مصدرين أساسيين للتشريع في أي مجتمع مسلم يدرك حقيقة الإسلام. - المبادئ الأساسية: المادة (٧) : أولاً: يحظر على كل كيان أو نهج أن يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له.. إلخ أ. هـ. هذه المادة غير أصولية وغير قانونية، وهي من املاءات الواقع السياسي المرير الذي يمر به العراق، ولا يمثل حالة ثابتة أو دائمة أو أصيلة. والذي يهمنا هنا: هو خطر النهج التكفيري أو التحريض على التكفير أو التمهيد أو التمجيد أو الترويج أو التبرير له. وهي مادة غريبة جداًً؛ إذ قد يكون (التكفير) حكماً إسلامياً قائماً على نصوص قطعية من الكتاب السنة فكيف يمنع بالدستور؟ ثم إن المذاهب من سنة وشيعة فضلاً عن الأديان الأخرى يوجد فيها تكفير كما في تراثها؛ فهل نلغي التراث بجرة قلم خطها رجل يشكو من «عقدة التكفير» ؟ ثم ما الذي أقحم «قضية التكفير» في الدستور، وهل لهذا نظير في كل دساتير العالم.. وما الذي ألجأ المشرعين إليه؟ كثير من أعضاء الجمعية العمومية يتبنى «منهج التكفير» للمخالفين له في المذهب أو الرؤى الأساسية، وليس فيهم من لا يكفر النصارى أو (اليزيدية: عباد الشيطان. وبناء على دستورهم ينبغي عليهم أن يتخلوا عن «نهج التكفير» وفي ذلك الضلال المبين. - المبادئ ألأساسية: المادة (٧) : ثانياً: تلتزم الدولة محاربة الإرهاب بجميع أشكاله.. إلخ. أ. هـ. وهنا وقفات مهمة: ينبغي: أولاً: تحييد معنى الإرهاب وصوره وأشكاله شرعاً وقانوناً، وأن لا يقتصر على العبارات الإنشائية العامة والمصطلحات غير المعرَّفة. وإذا كان القضاء في الغرب متخبط في تعريف الإرهاب وتحديده؛ فما بالك بالمشرع العراقي وهو مأسور بقيود الاحتلال وإملاءات الانحياز المذهبي أو العرقي أو الطائفي؟ هل مقاومة المحتل من الإرهاب الذي ستلتزم الدولة محاربته نيابة عن قوات الاحتلال؟ هل ضرب الاقتصاد الأمريكي ومنشآته ومراكزه وقواعده ومن يمكِّن له من الشركات والمؤسسات من الإرهاب؟ مما يلزم تحديد المصطلحات بشكل دقيق. - المبادئ الأساسية: المادة (٩) : فقرة (هـ) : تحترم الحكومة العراقية وتنفذ التزامات العراق الدولية الخاصة بمنع انتشار وتطوير وإنتاج واستخدام الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، ويُمنع ما يتصل بتطويرها وتصنيعها وإنتاجها واستخدامها مع معدات ومواد وتقنية وأنظمة للاتصال. ا. هـ. هذه الفقرة كأنها فقرة من لوائح «مجلس الأمن» كتبت ووضعت هنا لتكون دستوراً للعراقيين ولقرون مؤبدة كما يتصورون. طرحنا واقعي.. فيجب الإشارة إلى إلزام العدو الصهيوني ودويلة إسرائيل المسخ بهذا القرار لكي يشمل كل دول المنطقة. أم أنه حرام على العراقيين وبنص الدستور وحلال على اليهود؟ لماذا يُضاف هذا البند إلى الدستور؟ لقد منعوا وبشكل مؤبد حق العراق في شراء أو إنتاج أو تطوير الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية وكل ما يتعلق بها. وهذا بلا ريب من الأهداف الاستراتيجية لأمريكا في احتلالها للعراق؛ فهل سنبقى أسرى لأوامر من لا يرقبون فينا إلاًّ ولا ذمة؟ - المبادئ الأساسية: المادة (١٠) : العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة تأكيد وصيانة حرمتها. ا. هـ. لم تُذكر المساجد والجوامع، والبند عبارة عن اجتهاد مذهبي شيعي لا داعي لإقحامه في أصل الدستور! وعلى الدولة تأكيد وصيانة حرمة المساجد (بيوت الله) التي يُذكر فيها اسمه ـ تعالى ـ قبل القبور والمشاهد والمقامات والعتبات. - المبادئ الأساسية: المادة (١١) : بغداد عاصمة جمهورية العراق. ا. هـ. كانت هناك (محاولات مشبوهة) لتغيير العاصمة كما في المسودة السابقة «ويجوز اتخاذ عاصمة أخرى بقانون» ثم ألغي بعد المناقشات على ما يبدو فالحمدُ لله. - المبادئ الأساسية: المادة (١٣) : أولاً: يعد هذا الدستور القانون الأسمى والأعلى في العراق. ا. هـ. عبارة فيها (مضاهاة للقرآن الكريم) يجب أن تحذف وتشطب، ولا أدري كيف رضي بها من ينعتون أنفسهم بـ: (الإسلاميين) ؟! إن القانون الأسمى والأعلى في العراق هو القرآن لا الدستور المتناقض الذي ينطبق عليه قول الحق ـ جل وعلا ـ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . - الباب الثاني (الحقوق والحريات) : الفصل الأول: الحقوق: أولاً: الحقوق المدنية والسياسية: المادة (١٤) : العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي. ا. هـ. نسأل رئيس لجنة صياغة الدستور الدكتور همام وهو حوزوي معمم: ما هو حكم المرتد في نظركم وبحسب دستوركم؟ المسلم الذي يتحول إلى الكفر والإلحاد: ما حكمه؟ بحسب هذه المادة. لا شيء عليه! وهذا يتعارض مع ثوابت الإسلام وأحكام القرآن. ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ؟! - المادة (٤٠) : أولاً: أتباع كل دين أو مذهب أحرار في: أ- ممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر الحسينية. ا. هـ. لماذا هذا التنصيص والتخصيص؟! من يسمى بالسلفي له أن يقول: «والشعائر السلفية الثابتة في الإسلام» كإعفاء اللحى وتقصير الثوب. فإن قيل: الشعائر الحسينية مستهدفة. قيل لهم: كذلك تلك الشعائر، وعلى الدستور أن يكفل الكل، أو يعدل. يبدو أن كتبة الدستور مأسورون بعقدة النظام السابق. [يريدون أن يراعوا أحقية الشيعة فقط أم أنها إشارة دستورية يراد منها شرعية تلك الشعائر] ؟ - الحريات: المادة (٤٣) : ثانياً: وتمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الإنسان. ا. هـ. ينبغي أن يضاف إليها: والتشريع الإسلامي. - الباب الثالث: الفصل الأول: السلطة التشريعية: المادة (٤٩) صيغة اليمين الدستورية لأعضاء مجلس النواب. لم يتضمن القسم «الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً» وهو أمر مريب. ويبدو أن هناك (طبخة) لتفتيت العراق (*) ! تنبيه: لم يتضمن (نقد مسودة الدستور) الباب الثالث (السلطات الاتحادية) وكل ما يتفرع عن الفيدرالية؛ لأنها مرفوضة من قِبَل أهل السنة وبعض من يتفق معهم من مكونات الشعب العراقي جملة وتفصيلاً. وموقف أهل السنة من الفيدرالية بيَّنه الدكتور حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في حديثه لقناة المجد الفضائية مساء ٢٨/٨/٢٠٠٥م. ويتلخص بالآتي: ١ - إن مشروع الفيدرالية قنطرة لتقسيم العراق. ٢ - إن لم يكن التقسيم؛ فتفتيت وحدة العراق وإضعافه. ٣ - إن فيدرالية الأكراد قائمة على أساس عرقي وهو أمر مرفوض! [مع الاعتراف بخصوصية الوضع في شمال العراق] . ٤ - إن الفيدرالية التي يطالب بها بعض الشيعة من الأحزاب السياسية قائمة على أساس طائفي وهو أمر مرفوض. ٥ -إن غالبية الشعب العراقي يرفض الفيدرالية بهذا الشكل. ٦ - المفهوم من التجارب الاتحادية أن ثمة دويلات أو كيانات متفرقة تتحد فيدرالياً في دولة اتحادية، وهؤلاء يريدون من العراق وهو دولة واحدة عبر تاريخه أن يفتتوه إلى أقاليم وفيدراليات ضعيفة! [يجزئونه عرقياً وطائفياً، ثم يوحدونه فيدرالياً] !! إذن: المشكلة هي الطائفية. وقد أشار إلى ذلك (عادل العامري) رئيس منتدى العراق الإعلامي في حديثه لإحدى الفضائيات بقوله: «المشكلة في لجنة صياغة الدستور؛ إنها بنيت على أساس المحاصصة (العرقية والطائفية) . وهذا هو مكمن (الخطر) » . وإضافة إلى ما ذكرناه عن الدستور من الأخطاء القانونية والثغرات والنواقص الواضحة؛ فقد أشار بعضهم إلى الخطوط العريضة الآتية: أ - لم تشر مسودة الدستور إلى طبيعة النظام الاقتصادي المستقبلي للعراق. ب - لم تشر إلى الموارد والثروات: هل ملك للشعب، أم الدولة؟ ج - مع التسليم بالفيدرالية: ما هي الضمانات الدستورية للحكومة الاتحادية لتوفير استحقاقاتها من الثروة القومية؟ [بحسب الشائعات التي تطلقها وسائل الإعلام ستقوى الأقاليم ويضعف المركز] !! د - لم تشر إلى قوات الاحتلال وواقع الاحتلال وقواعد الاحتلال مطلقاً. خلاصة موقف أهل السنة في العراق من مسودة الدستور الحالية. في الخامس عشر من ديسمبر (تشرين الأول) سيزحف كل شرفاء العراق إلى صناديق التصويت وسيُجمِعون على كتابة (لا) في الموضع المحدد لها في ورقة التصويت، ويبقى قانون إدارة الدولة على رفض مسودة الدستور وعدم إقرارها إذا رفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات أو أكثر. إن الاستفتاء سيتضمن سؤالاً واحداً هو: هل توافق على مسودة الدستور، أم ترفضه ولا توافق عليه؟ والاستفتاء هنا يتضمن الإجابة بنعم أو لا بالنسبة لجميع الأحكام الواردة في الدستور، إذ ليس للناخب أن يوافق على بعض أحكام الدستور ويرفض بعضه، وإنما عليه الموافقة على جميع أحكام الدستور أو رفضها بأجمعها؛ فليس له التفريد أو التفريق أو اختيار الجزء ورفض الجزء، والموافقة هنا يشترط فيها الموافقة الأغلبية البسيطة وهي موافقة (٥٠%+١) من الناخبين، فلو فرضنا أن عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في الاستفتاء ١٤ مليون ناخب، وكان عدد من قال (نعم) أكثر من سبعة ملايين فإن الدستور يعتبر مصادقاً عليه من قِبَل الشعب لأن هذا العدد يزيد على نصف الناخبين؛ مع ملاحظة أن الموافقة تتم على جميع الدستور وليس على بعض أحكامه؛ لأن الإجابة تكون (نعم) للكل أو (لا) للكل. وبعد موافقة أكثر من نصف الناخبين في جميع العراق فإن (المادة ٦١/ج) من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية تشترط عدم رفض الدستور من (ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات أو أكثر) فلو فرضنا أن عدد الناخبين في المحافظة (أ) تسعمائة ألف ناخب فإن عدم موافقة ثلثي الناخبين يشترط أن يقول ستمائة ألف ناخب (لا) في صناديق الاقتراع، ولا يقبل أقل من هذا العدد حتى ولو كان جميع من أدلى بصوته في صناديق الاقتراع. فلو فرضنا أن عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم ٥٩٩ ألف ناخب وجميعهم قالوا (لا) فلا أثر يترتب على قولهم هذا وإن كان يمثل نسبة ١٠٠% من عدد المصوتين، ولكن لا يحقق ثلثي الناخبين؛ لأن القانون أخذ بالاعتبار عدد الناخبين (electors) وليس عدد المصوِّتين (voters) . والأمر نفسه يقال على عدد الناخبين في المحافظة (ب) التي يبلغ عدد الناخبين فيها ٦٠٠ ألف ناخب؛ فإن الأمر يتطلب ٤٠٠ ألف صوت (لا) باعتبارهم الثلثين، والأمر نفسه للمحافظة (ج) الذي يبلغ عدد الناخبين فيها ٤٥٠ ألف صوت فإنه يشترط وجود ٣٠٠ ألف (لا) في صناديق الاقتراع. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن حق ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات يكون لمرة واحدة فقط وفق الفقرة (ج) من المادة (٦١) من قانون إدارة الدولة العراقية؛ لأنه في حالة عدم موافقة أغلبية الشعب أو عدم موافقة ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات فإن الاستفتاء سيتم وفق أحكام الفقرة (٥) من المادة نفسها وهذه الفقرة لم تمنح ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات هذا الحق مرة ثانية، ولأن هذا الحق استثناء من القاعدة العامة والاستثناء لا يجوز التوسع في تفسيره أو القياس عليه، كما أن هذا الحق (النقض) الممنوح لثلاث محافظات يخالف المبدأ الديمقراطي ـ بحسب ما يراه واضعوه ـ والذي يجعل قول الأغلبية له السيادة (أي أغلبية محافظات العراق الأخرى) . ما يترتب على عدم الموافقة على الدستور؟ في حالة عدم موافقة أغلبية الناخبين العراقيين (أي أكثر من نصف من أدلى بصوته) أو في حالة رفض الدستور من ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات فأكثر (وهذا ما نعول عليه) فإن الجمعية الوطنية الحالية يتم حلها وتتم الدعوة لإجراء انتخابات لجمعية وطنية جديدة، وبعد إكمال الكتابة يتم طرح مسودة الدستور للاستفتاء العام على أن يتم إجراء انتخابات الجمعية الجديدة قبل نهاية هذه السنة وفي جميع الأحوال لا بد أن يتم إكمال الكتابة والاستفتاء والموافقة على الدستور وإجراء انتخابات جديدة وفقاً لأحكام الدستور الدائم الذي حصلت الموافقة عليه، وليس وفقاً لقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الذي يعتبر منتهياً بدخول الدستور الجديد حيز التطبيق، ويتم تشكيل حكومة جديدة وفق الدستور الدائم الجديد. وبعد: فأهل السنة ليسوا وحدهم في خيارهم المصيري الوطني هذا؛ فهناك قوى وحركات ومكونات تقف الموقف ذاته الرافض للدستور لما ترى فيه من الغبن والتهميش فضلاً عن البنود المشبوهة، وما المظاهرات ومظاهر الاعتراض التي شهدها الشارع العراقي مؤخراً من التركمان والتيار الصدري العريض والنخب المثقفة ووجوه العشائر وبعض الطوائف والأديان إلا دليل صارخ على الوعي السياسي والوطني لهذا الشعب العظيم. وإن محاولات (التمرير) لمشاريع الاحتلال والوصفات الأمريكية الجاهزة لا يمكن أن تنطلي عليه أو أن تمر عليه بسذاجة مفرطة؛ فالأوراق مكشوفة، ودعاة السلام والوطنية من أهل السنة مع مؤيديهم لمنصورون بإذن الله. وما ذاك على الله ببعيد. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] .

стр. 5432

قل هاتوا برهانكم د. يوسف بن صالح الصغير هل يمكن القول إن السياسي والتاجر يملك ضميراً من نوع خاص مرتبط بالمصالح الذاتية المجردة ولا علاقة له بالحق والعدل والرأفة؟ والجواب في نظري هو: نعم، ولا. نعم: هي التي تجعل بوش يتجاهل إعصار كاترينا عدة أيام، ثم يكرر الزيارات بصورة مبالغ فيها. ونعم: هي التي تفسر تباكي زعماء الغرب على ما وصفوه بأكبر مأساة إنسانية في دارفور، بل هدد الأمين العام للأمم المتحدة بالتدخل العسكري من أجل إغاثة المحتاجين، ثم تسكت، بل وتمتنع عن إجابة استغاثات المسؤولين في النيجر عن بوادر المجاعة حتى اضطر رئيس الوزراء أن يوجه دعوات رسمية للمؤسسات الإسلامية للوقوف على الوضع رجاء المساعدة، ولكن أين المؤسسات الإغاثية الإسلامية التي برزت على مستوى العالم الإسلامي والتي تفوقت على المؤسسات الغربية العريقة، وبرز فيها مفهوم العمل التطوعي؟ هل ملَّ القائمون عليها أم ضعف دعم عامة المسلمين لها؟ أم، أم، أم حوصرت وشوِّهت ومنعت؟ لا شك أن الغرب ينظر للمؤسسات الإغاثية الإسلامية بنفس نظرته للمؤسسات الإغاثية الغربية التي تمثل احد أعمدة المد الاستعماري، أو بصورة ألطف «النفوذ الغربي» . ومن الأمثلة الحديثة التمرد في جنوب السودان، حيث الغالبيه وثنيون، بينما الذي رفع راية التمرد من البداية حتى الآن هم ممن تربى في الكنيسة واكتسب اسماً نصرانياً أوروبياً مثل (جون) وبالمثل تيمور الشرقية في أندونيسيا ولذا فإن وجود المؤسسات، الإسلامية بالنسبة لهم علامة تنذر بتنامي نفوذ الدول التي تنتمي لها هذه المؤسسات، وعامل مهم في إضعاف أثر العمل التنصيري بين المسلمين وإحباط مشروع تنصير أندونيسيا وأفريقيا. إن أعمدة نجاح المشروع التنصيري الاستعماري يعتمد على الإمكانيات وهي متاحه لهم. وعلى وجود المأساة الإنسانية وتفاقمها، وعلى انعدام المنافس. لقد سارعت بعض القوى في أمريكا بعد أحداث ١١ سبتمبر إلى انتهاز الفرصة ومحاربة منافسيهم؛ فتحت شعار محاربة الإرهاب تم حظر حركات إسلامية إقليمية مثل حماس والجهاد، وحوكم أناس بدعوى جمع تبرعات لأيتام فلسطين، وتجاوز الأمر إلى تجميد حسابات لرجال أعمال مسلمين لمجرد أنهم ناجحون، وليتبين بعد سنتين أنه بريء؛ فقد انتهى ودُمرِّ وهو المقصود، وهذا ما حصل مع مؤسسة الحرمين؛ فقد تمت مداهمة مكاتبها في أمريكا واتُّهمت بدعم الإرهاب وارتكاب مخالفات، وقام الإعلام المأجور أو الغبي بالتشهير والتشويه حتى إنك تتصور أنه إذا غضبت أمريكا على أحد حسبت الناس كلهم غضاباً؛ ولذا لم تعد هذه المؤسسة موجودة على الرغم من انكشاف أن التهم ليس لها أساس، وبعد سنوات من المرافعات والدعاوى يعلن القاضي الأمريكي «كوفن» من المحكمة الفيدرالية بولاية «أوريجون» الأمريكية الجمعة ٩/٩/٢٠٠٥ إسقاطاً شاملاً لجميع التهم الموجهة إلى مكتب مؤسسة الحرمين الخيرية بمدينة «آشلاند» في ولاية أوريجون بالولايات المتحدة، وعدم أحقية الحكومة في رفع القضية مستقبلا بنفس التهم. إن معاناة المسلمين في النيجر واستفراد المؤسسات التنصيرية بهم تحتم أن تعيد حكومات العالم الإسلامي النظر في المؤسسات الإغاثية، وان تعيد لها اعتبارها ومنحها الدعم المادي والمعنوي وحرية العمل لاعتبارات إنسانية أولاً، ولمصالح استرتيجية ثانياً

стр. 5433

الدستور العراقي الجديد عامل توحيد أم عامل تمزيق ؟ إبراهيم العبيدي لا زالت لجنة صياغة الدستور العراقي الجديد ـ حتى كتابة هذا المقال ـ تتبادل النقاش والحوار حول الخلافات الكبيرة بين الكتل السياسية العراقية ومن ورائهم الضغط الأمريكي، وحتى كتابة هذه السطور لم يتوصل المجتمعون المختلفون إلى حل مُرضٍ لجميع الأطراف بخصوص القضايا العالقة والخلافية فيما بينهم، وهو الأمر الذي يصفه كثيرون بأنه يندرج تحت قائمة الإخفاق السياسي الذي مُنيت به الحكومة المؤقتة؛ حيث أوكلت المهمة إلى ما يسمى بلجنة صياغة الدستورالمكونة من (٧١ عضواً) جُلُّهم غير متخصصين، والتي يغلب عليها طابع التحاصص الطائفي والعرقي. هذه اللجنة ومن خلال خطواتها الركيكة في إعداد وصياغة الدستور (الذي كتبه بريمر الحاكم المدني السابق للعراق، وأقره مجلس الحكم الانتقالي) ٧٠% من الدستور منجَز، ولم يبقَ سوى ٣٠% فقط يراد مناقشته لإنهائه، كما يفتخر به بعض أعضاء لجنة صياغة الدستور. ومن الجدير بالذكر أن قانون إدارة الدولة الذي أقره الحاكم المدني الأمريكي للعراق «بول بريمر» والذي وقَّع عليه أعضاء مجلس الحكم الانتقالي «المعيَّن» آنذاك، هذا القانون هو الذي أوجد الأرضية والمرجعية القانونية لكل القضايا المختلف عليها الآن بين الكتل السياسية، بداية من الفيدرالية، ومروراً بهوية العراق، ونهاية بمصدر التشريع في البلاد، إلى آخره من أمور قد أسس لها هذا القانون المشبوه، وهو ما يقودنا إلى القول بأن الأمريكان هم الذين وضعوا هذا القانون الذي من شأنه أن يمزق العراق ويجعله دويلات صغيرة ومتناحرة تحت مسمى «الفيدرالية» ليكون عراقاً ضعيفاً لتحقيق ما يسمى بنظرية (أمن إسرائيل) ! وهو من الأهداف الرئيسة والهامة من عملية الغزو الأمريكي للعراق أصلاً، والذي يراد تحقيقه على كل حال. لذلك فإنه ليس مستغرباً أن تواجه لجنة صياغة الدستور خلافات كبيرة لا يمكن حلها إطلاقاً، وهي مستعصية بسبب غاياتها ومراميها الخطيرة لدى أصحابها من الكتل الحزبية التي جاءت من الخارج وولاءاتهم ليست للعراق إطلاقاً، وهم الذين يتعاملون مع العراق وكانه «سرقة» يجب تقسيمها بين اللصوص ومَنْ وراءهم الذين كان لهم النصيب الأوفر في التخطيط والتنفيذ لسرقة العراق وتدميره، وهو مؤشر خطير في مثل هذا الدستور على مستقبل العراق الجديد. فمثلاً لو نظرنا إلى مطالب الأكراد الرئيسية والتي لا يمكن المساومة عليها كما يقول (مسعود البرزاني) ، فسنجدها مطالب تعجيزية لا يمكن أن تقبلها أي حكومة وطنية ديمقراطية تكون في بغداد، وهي على النحو التالي: ١ ـ أن الدستور الجديد يجب أن يتضمن ما يشير إلى حق تقرير المصير للأكراد بعد مرور ثماني سنوات من العمل به وفي الحالات التالية: إذا تغير النظام الديمقراطي الفيدرالي أو إذا تعرض للعدوان أو للاضطهاد أو استقطاع أية منطقة منه تعرف وفق الحقائق الجغرافية والتاريخية بأنها جزء من كردستان العراق أو الامتناع عن إلحاقها به «في إشارة إلى مدينة كركوك الغنية بالنفط» والتي ستشكل عقبة كأداء أمام أي تسوية مع الأكراد دون أن تمنح المدينة لهم، وهو الأمر الذي سيتم ترحيله مع القضايا المرحَّلة خشية الاصطدام في الوقت الحاضر، وسيبقى الأمر كالقنبلة الموقوته يتفجر في أي لحظة. ٢ ـ أن يكون اسم الدولة جمهورية العراق الفيدرالي أو الاتحادي، وأن يكون نظام الحكم جمهورياً برلمانياً اتحادياً فيدرالياً ديمقراطياً تعددياً، ويجري تقاسم السلطة بين الحكومة الاتحادية وبين حكومات الأقاليم، وأن يكون النظام الفيدرالي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية وليس على أساس عرقي أو مذهبي. ٣ ـ أن تتكون دولة العراق من قوميتين رئيسيتين: العربية والكردية، وأن الشعب العربي جزء من الأمة العربية، والشعب الكردي جزء من الامة الكردية؛ مع إقرار الحقوق المشروعة للتركمان والكلدوآشوريين. ٤ ـ يجب أن تخضع القوات المسلحة للسيطرة المدنية، وتحديد ميزانية للقوات المسلحة بحيث لا تتجأوز ٤% من ميزانية العراق، وأن يحتفظ كل إقليم فيدرالي بقواته المسلحة، في إشارة إلى قوات (البيشمركة الكردية) التي يرفض الأكراد حلها واعتبارها ميليشيا وإنما يجب اعتبارها جيشاً قائماً في كردستان العراق. ٥ ـ أن يمثل إقليم كردستان مسؤول في وزارة الخارجية العراقية لرعاية شؤون الإقليم في وزارة الخارجية، إضافة إلى ممثلين في سفارات العراق في الخارج. ٦ ـ أن تكون الثروات الطبيعية والنفطية ملكاً للإقليم، وأن تتولى حكومة الإقليم عملية الاستخراج والإدارة والتوزيع، وتخصيص نسبة ٥% من واردات الثروة للمحافظة، ونسبة ٦٠% لحكومة الإقليم و٣٥% للحكومة الاتحادية. هذه هي مطالب الأكراد الرئيسية المعلنة والتي تمثل حقوق الأكراد وطموحاتهم كما يقولون، وهي كفيلة بان يرفض الأكراد التصويت على الدستور إذا تم تجاهلها، وكما قال في تصريحات أطلقها مؤخراً مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق مؤخراً برفض الدستور العراقي الذي تجري صياغته حالياً في حال عدم تلبيته طموحات الأكراد ومطالبهم مشيراً إلى أن الدستور إذا لم يعترف بحقوق الأكراد؛ فمن غير الممكن أن نقبل به. (إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن هناك مادة في قانون إدارة الدولة تنص على إمكانية رفض الدستور من قِبَل أي ثلاث محافظات مجتمعة بأغلبية الثلثين) وهو أمر يمكن استخدامه من قِبَل الأكراد والشيعة والسنة، وهو ما يقودنا للقول بأن هذه الخلافات قطعاً سوف تعصف بمسودة الدستور قبل أن يجف الحبر الذي يكتب به؛ ولا سيما إذا لم تتضمن هذه المسودة مطالب الجميع وهو أمر بطبيعة الحال غير ممكن بسبب طبيعة هذه الطلبات وغاياتها، التي بعضها «مشبوه وغير وطني أصلاً» . أما عن المطالب الشيعية فهي الأخرى مطالب يغلب عليها طابع الطائفية، ومن أبرزها: ١ ـ مطالبتهم بان يكون للمرجعية «الشيعية» دورها الإرشادي في البلاد. ٢ ـ وكذلك ضمان احترام العتبات المقدسة في الدستور، وواردها المالي يكون خاصاً بالمرجعية الدينية. ٣ ـ وأن تكون جمهورية العراق إسلامية (طبعاً على النمط الإيراني) . ٤ ـ وآخر هذه المطالب الطائفية ما طالب به (عبد العزيز الحكيم) مؤخراً «بوجوب قيام إقليم شيعي في الجنوب والفرات الأوسط من العراق» أسوة بإقليم كردستان وتحت غطاء الفيدرالية المقيت، وهذه الدعوة من قِبَل المذكور رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ذي الولاء الإيراني الخالص، جاءت بعد إعلان المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في تعليقه على الفيدرالية بقوله: «لا باس بها إذا كانت خيار الشعب» وهو الأمر الذي طالب به الحكيم والأمين العام لفيلق بدر الجناح العسكري للمجلس الاعلى للثورة الإسلامية المدعو: (هادي العامري) مؤخراً في جمع حاشد من الشيعة الموالين لإيران (أثناء حفل مناسبة مرور السنة الثانية على مقتل محمد باقر الحكيم الرئيس السابق للمجلس الأعلى) المذكور. أما مطالب السنة العرب أو بالأحرى «التحفظات والمآخذ» على طلبات الفرقاء السياسيين فهي على النقيض من المطالب الكردية والشيعية؛ حيث تتسم بالموضوعية والحس الوطني المجرد للعراق بعيداً عن كل تأثير حزبي، أو طائفي، أو عرقي. ومن أبرز هذه المطالب والتحفظات على مسودة صياغة الدستور الجديد ما يلي: ١ ـ التحفظ على مسالة الفيدرالية التي يراد منها بحسب قول السنة العرب (تقسيم العراق إلى «كانتونات» منفصلة للأكراد في الشمال، والشيعة في الجنوب على أساس طائفي وعرقي) ؛ بحسب ما أشار إليه عضو لجنة صياغة الدستور عن السنة العرب الدكتور صالح المطلق، ويطرحون مشروعاً بديلاً عنها هو «اللامركزية» مع إعطاء صلاحيات أوسع للمحافظ في كل محافظة بالعراق. ٢ ـ التحفظ على عدم ذكر هوية العراق العربية والإسلامية؛ حيث يراد إخراج العراق من عمقه العربي التاريخي والحضاري، وسلخه ليكون عراقاً دون هوية. ٣ ـ التحفظ على جعل القومية الفارسية إحدى القوميات العراقية «كما يطالب بذلك المجلس الأعلى (الحكيم) » وهو مطلب غريب يفتقر إلى العلمية والموضوعية؛ حيث لا توجد أي قومية فارسية في العراق في كل دساتير العراق السابقة. ٤ ـ التحفظ على الدور الإرشادي للمرجعية «الشيعية» وكذلك استقلال ما يسمى بالعتبات المقدسة بموارها المالية الكبيرة للمراجع الدينية يتصرفون بها كيف يشاؤون وضمان ذلك في الدستور، كما يطالب به الشيعة. ٥ ـ ضرورة ترحيل القضايا المهمة والكبيرة العالقة مثل (الفيدرالية، ومسألة كركوك وغيرها) إلى ما بعد الانتخابات القادمة والجمعية الوطنية الجديدة التي يتوقع أن تكون أكثر تمثيلاً للشعب العراقي. لذلك وبناءً على هذه المعطيات والمطالب والاختلافات الكبيرة بين الفرقاء السياسين العراقيين؛ فإنه يصبح من الصعب بل المستحيل الاتفاق طوعاً بين هذه الأطراف لتسوية جميع الخلافات العالقة، ولا سيما التي أشرنا إليها من بين الثماني عشرة نقطة «الخلافية» وهو الأمر الذي يرجح لنا السناريوهات التالية: - ترحيل القضايا العالقة «التي ستبقى دون التوصل إلى اتفاق» إلى ما بعد الانتخابات العامة القادمة التي ستجري في ديسمبر/ كانون الأول لاختيار حكومة وجمعية وطنية جديدة «عسى أن تكون هذه الجمعية أكثر تمثيلاً للشعب العراقي عما عليه الآن» وهذا يتطلب بالضرورة مشاركة سُنِّية فاعلة في الانتخابات المقبلة. ومن ثَم سوف تتسم قرارات هذه الجمعية بنوع من القوة بسبب هذا التمثيل الذي سيفرض نفسه على الجميع على أنه قرار الشعب. - انسحاب كردي مفاجئ من الحكومة المؤقتة، فيما إذا احتدمت الخلافات حول مطالبهم وهو ما يعني بالضرورة سقوط الحكومة الحالية المؤقتة وحلها. وهذا ما ألمح إليه قبل أيام الزعيم الكردي مسعود البرزاني في معرض حديثه في لقاء خاص مع قناة العربية. - وبما أن مقترح التمديد للجنة صياغة الدستور قد رُفِضَ من قِبَل الأمريكان على لسان الرئيس جلال الطالباني وإن مُدِد مؤخراً أمام عدم الاتفاق وخشية الإخفاق الذريع؛ فهذا يعني حل الحكومة والاستعداد لإجراء الانتخابات العامة في البلاد كما هو مقرر نهاية العام. ومن ناحية أخرى يرى محللون أن قرار عدم التمديد هذا هو مؤشر قوي على التفكير الجدي للإدارة «الأمريكية والبريطانية» بوضع جدولة للانسحاب تدريجياً من العراق، ولحفظ ما تبقى من ماء الوجه للإدارتين، والقول بأن مهمتنا قد انتهت بوضع دستور للبلاد، والهروب من المأزق السياسي والأمني الذي تعيشه هذه القوات، وتوفير خسائرهما المتزايدة بفضل ضربات المقاومة الوطنية العراقية الباسلة. - استخدام حق (الفيتو) من قِبَل العرب السُّنة إذا ما مُرِّرت القضايا التي تحفظوا عليها والتي أشرنا إليها آنفاً، عند عملية الاستفتاء على مسودة الدستور المزمع إجراؤها في اكتوبر. (وهو حق مشروع نص عليه في قانون إدارة الدولة) . ويبقى السؤال الكبير الأهم الذي ينبغي أن يطرح وهو: هل الدستور العراقي الجديد والمرتقب، سيكون عامل توحيد وأستقلال للعراق أرضاً وشعباً وثروة، تُحفظ فيه الحقوق، وتُصان فيه الحرمات، وتُحترم فيه العقائد؟ أم سيكون دستوراً لتمزيق العراق أرضاً، وشعباً وسلباً لثرواته؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة في العراق الجديد إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التدخل الأمريكي السافر في إعداد وكتابة هذا الدستور، وما يراد له أن يكون دستوراً لعراق جديد «مشرذم» أرضاً وشعباً وثروة، يحقق الأهداف الأمريكية التي تم غزو العراق من أجلها، وعلى رأس هذه الأهداف حماية أمن العدو الصهيوني. وقد يخطئ الأمريكان مرة أخرى إذا ما اعتقدوا أن الانتهاء من مسودة الدستور «المرضي عنه أمريكياً» سوف يكون البلسم الشافي لمأزق العراق الأمني والسياسي والأقتصادي والخدمي، وهو تكرار للخطاً الذي ارتكبته الإدارة في نتائج الانتخابات العراقية الأولى «الناقصة» والذي نتج عنها ولادة حكومة مشوهة، وما أعقبها من تدهور أمني وحالة عدم استقرار شامل، وهذه المرة سيكون الوضع أشد سوءاً؛ حيث سيوضع العراق كله في مرحلة جديدة من العنف والاقتتال الداخلي الذي ربما يتجاوز مداه الجغرافي. نسأل الله أن يحفظ العراق وأهله وأن يوفقهم لما فيه الخير والتوفيق.

стр. 5434

السفير زلماي زاده والرسالة الخفية في مهمته سيف العبيدي لم يكن مفاجأة استبدال (نغروبنتي) بأحد أهم أركان اليمين المتطرف في الإدارة الأمريكية والمشارك الرئيس بوضع خطط واستراتيجية الحرب على العراق واحتلاله؛ وذلك لما تعانيه الإدارة الأمريكية من تخبط في سياستها في العراق، فكان المذكور ضالة الرئيس بوش المنشودة وهو من قبيلة البشتون الأفغانية ولد في أفغانستان، وأكمل الدراسة في جامعة شيكاغو، وفي الثمانينيات من القرن الماضي عمل في الخارجية الأمريكية في فترة حكم ريغان. وقد كان له دور مهم في تلك الفترة؛ حيث قام بالمساعدة في إمداد المجاهدين الأفغان في حربهم ضد السوفييت. وهو عضو مؤسس لمشروع القرن الأمريكي الجديد، وقد عمل أعضاء هذا المشروع على اتخاذ موقف معاد وشديد تجاه العراق منذ بداية تأسيسه؛ فقد وجه أعضاء هذا المشروع عام ١٩٩٨م رسالة إلى الرئيس كلينتون طالبوه فيها بإزاحة النظام العراقي بأي شكل من الأشكال، واعتبروا أن هذا هو هدف استراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية. وصار دور (زاده) أكبر عند تولي بوش الرئاسة حيث جمع حوله مجموعة كبيرة من الساسة الأكثر تطرفاً وفاشية في الإدارة الأمريكية الحالية، وكان (زلماي) أحدهم، وازداد نجم (زلماي) سطوعاً بعد أن عُين عضواً في مجلس الأمن القومي الأمريكي ومساعداً خاصاً لبوش لشؤون الشرق الأدنى وجنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا. بعد هذا التطور الجديد في عمل (زاده) اعتبره المراقبون المسؤول الأول عن المناطق المشتعلة في العالم. ولا يفوتني أن أذكر أنه قبل الحرب على العراق عُين مبعوثاً من قِبَل الأمريكان ليتحاور مع الذين يدَّعون أنهم معارضة عراقية قبل الحرب؛ وذلك ليس غريباً إذا علمنا أنه يرتبط بعلاقة حميمة مع أحمد الجلبي الذي درس هو أيضاً في جامعة شيكاغو. وقد كان (زاده) الراعي الأول لمؤتمرات لندن وأربيل عام ٢٠٠٢، وأشرف على مؤتمر الناصرية بعد السقوط بشكل مباشر، وقبل ذلك في عام ١٩٩٢ أصبح (زاده) مساعد نائب وزير الدفاع لشؤون تخطيط سياسات الجيش الأمريكي. ولعل سبب تقلد (المذكور) لهذه المناصب الحساسة والتي آخرها منصب السفير الأمريكي لأخطر بقعة في الأرض عند الإدارة الأمريكية (العراق) ما هو إلا بسبب أفكاره اليمينية المتطرفة التي تدير دفة السياسة الأمريكية الآن. وأرى كما يرى كل المراقبين أن تعيين (وولفويتز) لرئاسة البنك الدولي و (جون بولتون) سفيراً لأمريكا لدى الأمم المتحدة و (زاده) سفيراً في العراق أن الإدارة الأمريكية عازمة على مخططات جديدة ومن ثَم مساع جديدة للسيطرة على دول أخرى هذا إذا استطاعت أن تخرج أقدامها من وحل العراق. ونعود إلى الدور الذي جاء يحمله (زاده) إلى العراق. إن لـ (زلماي خليل زاده) حقداً بل أحقاداً دفينة على العراق انتهت باحتلاله؛ فهو واضع السياسات التي أُعدت لحرب الخليج، وهو الذي طلب علناً من (بوش الأب) أن تُقَوَّى إيران وأن يُحتوى العراق؛ لأن ضعف إيران في المنطقة يعتبره الأمريكان مشكلة في سياساتهم غير المحدودة. وبالرغم من أن (زاده) يحمل الجنسية الأفغانية وهو مسلم؛ إلا أن المجموعة اليمينية المتطرفة في حزب الليكود تعتبره من أكبر الداعمين لها. وما ترشيح بوش لـ (زاده) للعمل سفيراً في العراق إلا تعبير عن أهمية العراق في السياسة الأمريكية والصهيونية، وليبعث رسالة في أن المحافظين الجدد هم من يحكم أمريكا اليوم. ومن أسباب اختيار (زاده) لهذا المنصب هو خبرته النفطية التي تؤهله لذلك؛ فقد حاول التفاوض مع شركات نفط أفغانية، ولقد اضطر أن يدافع عن طالبان علناً ليحصل على ما يريد، وعلاقته بشركات (ديك تشيني) النفطية في العراق معروفة وهو الآن يمهد كثيراً لعمل هذه الشركات التي استولت على كل العقود النفطية تقريباً. ولكون الرجل قد نفذ مهمات كتلك في بلده أفغانستان حينما كان يدعم طالبان دعماً عسكرياً ولوجستياً، وهو الذي مهد لشخص مثل (حميد كرزاي) لتولي رئاسة أفغانستان، وسيَّر العملية السياسة بما يخدم مصالح أمريكا. فهو الذي أدخل بعض قادة تحالف الشمال في العملية السياسية في أفغانستان، وبضغوط منه صدر العفو عن حركة طالبان. حتى إن تجارة الأفيون والهيروين بلغت أوجها خلال عمله سفيراً في أفغانستان؛ لأن هذه التجارة يسيطر عليها قواد تحالف الشمال. وعندما دفعت به أمريكا إلى العراق أرادت استخدامه كمحرقة للمتطرفين الشيعة في العراق مثل إبراهيم الجعفري والحكيم والجلبي وغيرهم؛ مثلما استخدم جنرالات تحالف الشمال في أفغانستان، وحتى يصبح العراقيون ناقمين على (المد الصفوي العارم المتطرف) وبحيث تصبح النظرة أن هؤلاء هم أكثر ضرراً من الأمريكان أنفسهم. أي بعبارة أخرى: القيام بحرق كل هذه الأوراق التي لعبت بها بعد أن استعملتهم سياطاً في كل من العراق وأفغانستان. وهكذا ستضطر الإدارة الأمريكية والعراقيون أنفسهم إلى استبدال هؤلاء الساسة والمجيء بآخرين أكثر اعتدالاً ليُرضوا طموحات هذا الشعب من جهة (إذا بقيت له طموحات تتعدى الحلم بالمحروقات والماء والكهرباء) ويؤمِّن البقاء الأمريكي ونهب الثروات وتفعيل المشروع الأمريكي من جهة أخرى ليس في العراق فحسب، بل في كل المنطقة. وهذه الخطة بدت معالمها واضحة وجلية على الساحة العراقية، وهذه هي أهم أسباب قدوم (زلماي) إلى العراق. أما السبب الإستراتيجي فيحتاج إلى وقفة. فالإدارة الأمريكية تعي حرج موقفها بعد أن تكشفت لرجال الكونغرس ورجال الصحافة حقائق ما يحصل في العراق، وبدأت تتسرب الى الشعب الأمريكي تخبطاتها، فإنها لمست على أبواب الفلوجة المجاهدة عنوان إخفاقها في الملحمة الأولى، وكذلك جميع مدن السنَّة في شهري آذار - نيسان/ عام ٢٠٠٤. وبعد أن تصاعدت وتيرة العمليات النوعية والكمية للمقاومة التي تخطت ١٢٠ عملية مؤثرة في اليوم الواحد في أشهر آب، تشرين الثاني ٢٠٠٤، عكفت مراكز البحوث الأمريكية ومؤسسات الفكر على صياغة استراتيجية الخروج، ونشرت هذه المراكز عشرات الدراسات العسكرية والاستخباراتية والتحليلات السياسية التي اعتمدت على آراء القادة العسكريين الميدانيين والمسؤولين السياسيين والاستخباريين، فأكدت جميع تلك الدراسات على صعوبة أو استحالة القضاء على المقاومة العراقية عسكرياً، وأن قوات الاحتلال تواجه وضعاً صعباً للغاية؛ حيث وصل بها الإخفاق إلى حد العجز عن تأمين شارع واحد في بغداد طوله ٧ أميال، سموه شارع الموت، وهو شارع المطار. ثم عجزت هذه القوة الخيالية بتسليحها وتجهيزاتها عن السيطرة على ناحية الكرابلة والمبيت فيها ليلة واحدة، أو الدخول إلى قضاء القائم وهو قضاء واحد من أقضية محافظة الأنبار؛ فما بالك بالباقي من العراق باجمعه؟ وقد حمل ذلك الرئيس (بوش) مؤخراً على الاعتراف بهذه الحقيقة في خطابه الأسبوعي عبر الإذاعة، وتأكيده على أن قواته تواجه مشكلات عسيرة، وأن المهمة في العراق ليست سهلة ولن تنجز بين عشية وضحاها، وهو نفسه الذي أعلن للعالم من على ظهر حاملة الطائرات يوم الأول من أيار ٢٠٠٢م بأن المهمة قد أُنجزت. ويعد استبدال (نغروبنتي) بـ (زاده) ومن قبله استبدال (بريمر) الذي لحق بأول طائرة تنقله إلى داره من هذا الجحيم الذي تصبه المقاومة عليه وعلى رعيته التابعين من عراقيين ومتحالفين يُعَدُّ الأمر محاولة مستميتة أو هو ضربة يأس في النزع الأخير لإنقاذ أميركا من هزيمة كبرى. ولخلفية هذا الشخص في (التفاوض والمكر) يبدو أنه الرجل الأول فيما يسمى بالمصالحة الوطنية. كما أن الإدارة الأمريكية بهذا الاستبدال ترسل رسالة خفية إلى المقاومة العراقية الباسلة بأن هناك مجالاً للمصالحة. تُرى هل فهم العراقيون اللعبة، أم أنها ستنطلي عليهم مثل أفغانستان؟ لكن الثابت، وحسب ما هو واقع أن عموم العراقيين، الذين يحمون المقاومة بدمائهم ومالهم، يعلمون علم اليقين أن المقاومة الوطنية العراقية الباسلة غير معنية بهذه المفاوضات، لسبب بسيط جداً، هو إيمانهم المطلق بالمقاومة وبمصداقية برنامجها السياسي، وبعزمها على تحرير العراق من المحتل الغاصب مهما غلت التضحيات، ولولا هذه المصداقية لما كانت المقاومة قد حققت كل هذه الانتصارات. وما لا يعلمه الأمريكان وتوابعهم، هو أن العراقيين، لا يعيرون اهتماماً للمشاريع والبرامج السياسية، بقدر ما يعيرون اهتماماً بمصداقية أصحابها.

стр. 5435

التطبيع الصهيوني الباكستاني تداعياته وأهدافه رضا عبد الودود مع توالي الردود الشعبية والحزبيّة الباكستانيّة المندّدة والمستهجنة للقاء المفاجئ الذي جمع وزير خارجيّة باكستان خورشيد قصوري، مع وزير خارجيّة الكيان الصهيونيّ سيلفان شالوم، الخميس ١/٩/٢٠٠٥م في مدينة إستانبول التركية اشتعلت الأراضي الفلسطينية بالمظاهرات الرافضة لتلك الخطوة التطبيعية، واعتبرت حركات المقاومة ويأتي اجتماع إستانبول قبيل زيارة الرئيس الباكستاني لنيويورك في سبتمبر الجاري لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعزمه على إلقاء كلمة في اجتماع للتقارب بين الأديان ينظمه المجلس اليهودي العالمي خلال زيارته تلك (١) . - مغزى وتوقيت قرار التطبيع: على الجانب الباكستاني يُعد قرار مشرِّف ببدء التطبيع مع الصهاينة آخر ما أثار غضب الشارع الباكستاني الذي أغضبه أيضاً قراره المشاركة في الحرب التي أعلنتها واشنطن على ما يسمى بـ (الإرهاب) في أعقاب هجمات ١١ سبتمبر ٢٠٠١ التي طالت دولاً إسلامية، والذي تلاه قرار إغلاق أكثر من ٢٠٠٠ معهد ومدرسة دينية تضم طلاب علم من كافة انحاء العالم، تخدم مسلمي مناطق آسيا الذين يجدون صعوبة كبيرة في الانتقال إلى الدول العربية لتلقي المناهج الإسلامية. وعلى الصعيد الاستراتيجي توافَقَ قرار التطبيع الباكستاني مع الكيان الصهيوني مع التطبيع السياسي الذي يشهده الملف الباكستاني الهندي، والذي يشمل زيارات دبلوماسية مشتركة، وتقديم تعهدات بعدم تنفيذ تجارب نووية إلا بعد إخبار الطرف الهندي، مع تقديم بعض التنازلات في القضية الكشميرية لصالح الجانب الهندي. وعلى الجانب الصهيوني مثلت خطوة التطبيع مع باكستان خلخلة كبيرة وإنجازاً صهيونياً؛ إذ تمثل باكستان ثقلاً كبيراً في العالم الإسلامي في منطقة آسيا من المحتمل أن يفتح للصهاينة أبواباً كثيرة مغلقة. وتأتي الخطوة في ضوء الترويج الإعلامي الصهيوني وتجميل صورتها الذي نجحت في تصويره للعالم باقتدار خلال انسحابها الصوري من غزة، بأنها تريد العيش في سلام. كما تمثل الخطوة التطبيعية نجاحاً دبلوماسياً للصهاينة بعد (مؤتمر هرتزيليا) الأخير الذي قرر فيه الصهاينة توسيع دائرة التطبيع الشعبي والرسمي مع الدول العربية والإسلامية بصورة موسعة، والذي أكدته تصريحات الصهاينة بأن مفاوضات تطبيعية سرية تدور منذ أمد بعيد مع عشر دول عربية، وتلا ذلك الإعلان هذا الاسبوع عن افتتاح ملحقية ثقافية صهيونية بدبي بدولة الإمارات العربية. وبذلك تنضاف باكستان إلى تركيا وموريتانيا وقطر ومصر والأردن وتونس والمغرب علاوة على عُمان وبعض دول الخليج العربي التي تجمعها والصهاينة علاقات تجارية واسعة - الذين ركبوا قطار التطبيع مع الصهاينة تحت مسميات اقتصادية أو لدفع السلام أو لتلقي المعونات الاقتصادية من واشنطن أو من تل ابيب وغيرها، أو بانتظار موافقة واشنطن على صفقات السلاح لباكستان ولتحقيق توازن للقوى في آسيا في إشارة إلى العلاقات الوطيدة التي تربط الصهاينة بالهند.. والبقية تأتي على حساب الدم الفلسطيني النازف. ولعل اخطر ما في خطوة الرئيس الباكستاني هذه هو توقيتها، أي أنها تتم قبل بضعة أيام من ذهاب شارون إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومخاطبة العالم عبر منصتها، ليظهر بصورة صانع سلام، وشخصية محترمة مقبولة من العالم الإسلامي!! - تطبيع باكستاني صهيوني في تركيا بأوامر أمريكية: بالتدقيق في تفاصيل العلاقات المتشابكة بين باكستان وواشنطن وتل أبيب، والصراع الممتد بين الهند وباكستان، تتجلى لنا عدة حقائق تدحض حجج باكستان التي تسوّق لها من وراء خطوتها التطبيعية التي تمثل استجابة مهينة للضغوط الأمريكية المتلاحقة عليها، والتي بدأت مسلسل الاستسلام بمضايقات التعليم الديني ومحاربته، والهجمات العسكرية المتلاحقة على منطقة بلوشستان، وطرد نحو ٢٠٠٠ طالب علم شرعي وافد كانوا يدرسون في معاهد باكستان الدينية والمطالبة بتغيير المناهج الإسلامية.. وفي هذا الإطار لا بد من النظر إلى المقابل الذي ترجوه باكستان من تلك الخطوة التطبيعية والذي يتمثل في مجموعة وعود بتخفيف ضغوط اللوبي الصهيوني إزاء صفقات السلاح الذي تسعى لها إسلام أباد من واشنطن ومن الدول الاوربية، وتحقيق توازن استراتيجي مع جارتها الهند. ولكن المنافع المتوقعة تصبح متهافتة إزاء حجم التعاون الاستراتيجي الأمريكي الهندي الذي لن يسمح بامتلاك باكستان بصورة كبيرة ما يهدد جارتها الهند، كما أن العلاقات الصهيونية الهندية الاستراتيجية تعلو على كل الآمال الباكستانية من الصهاينة. - العلاقات الأمريكية الهندية: بدأ التفاهم والتعاون الاستراتيجي الأمريكي مع الهند منذ عهد الرئيس الأسبق «بيل كلينتون» الذي زار الهند وأمضى بها أسبوعاً مقابل أقل من يوم واحد أمضاه في باكستان؛ ذرّاً للرماد في العيون. وترى السياسة الأمريكية أن الهند أكثر أهمية للولايات المتحدة، خصوصاً في مواجهة الصين العدو التقليدي المتعاظم للسياسة الأمريكية في آسيا، وتعتقد واشنطن أن الصين هي التي ساعدت باكستان في تطوير مشروعها النووي الذي يمثل تهديدًا لحليفتها (الدولة العبرية) ، كما ترى أن الهند هي الدولة الوحيدة القادرة على مواجهة الصين ومناوشتها بحكم القوة العسكرية والبشرية المتقاربة والتنافس التقليدي على النفوذ بين البلدين. - العلاقات الصهيونية الهندية: وفي مواجهة التعاون العسكري الصيني الباكستاني شجعت الولايات المتحدة حليفتها تلك على تطوير تعاونها العسكري مع الهند، الذي شمل صفقات صواريخ متقدمة وطائرات تجسس تعمل بدون طيارين، ووجد الصهاينة في الأزمة المستمرة بين الهند وباكستان فرصة جديدة لدعم هذا التعاون الذي تطور إلى تحالف استراتيجي؛ حيث سارعت الحكومة الصهيونية إلى إعلان دعمها الكامل للتحركات الهندية لضرب ما وصفته بقواعد الإرهاب، الذي زعمت أنها تعاني منه منذ سنوات مثل الهند؛ في مقارنة واضحة بين حركات المقاومة الفلسطينية والكشميرية واتهامها جميعاً بالعنف. وشكلت نيودلهي وتل أبيب مجموعة عمل مشتركة لمقاومة ما يسمونه الإرهاب؛ بحيث تستعين الهند بالخبرات الصهيونية في مواجهة المقاومة الكشميرية، كما استعانت الدولة الصهيونية بالمعلومات الاستخبارية والخبرة العملية والتقنية الهندية في مواجهة المقاومة الفلسطينية، وما زالت أمريكا تسعى إلى إقناع الهند بإعلان دعمها الكامل للدولة الصهيونية في مواجهة الدول العربية والإسلامية، والعدول عن الموقف الهندي التقليدي الداعم لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وهو الموقف الذي بناه حزب «المؤتمر الهندي» طوال فترة توليه السلطة، وكان بمثابة سياسة هندية ثابتة تجاه الصراع العربي الصهيوني. ويعتبر الجانب العسكري في العلاقات بين الدور الصهاينة والهند من أهم جوانب التعاون وخاصة ارتباطه مباشرة بالصراع في كشمير ومواجهة باكستان؛ ويظهر هذا التعاون من خلال أمور: ـ عُقِدَ بين الطرفين عددٌ من الاتفاقات العسكرية للتعاون وتبادل المعلومات وأساليب قمع المقاومة الفلسطينية والمقاومة الكشميرية؛ وقد قدم عدد من قادة المقاومة عام ١٩٩٨ دليلاً ملموساً حينما قتلوا أحد الجنود الصهاينة ضمن أفراد الموساد الذين يعملون إلى جانب الهنود لمساعدتهم في قمع المقاومة الكشميرية وحصول الهند على طائرات مراقبة بدون طيار من الصهاينة، إضافة للتعاون بين البلدين لإنشاء نظام «فالكون» للإنذار الجوي المبكر؛ وكانت الولايات المتحدة قد منعت الدولة العبرية من التعاون مع الصين لإمدادها بهذا النظام، وفضلت التعاون مع الهند في هذا المجال. ـ تحديث المقاتلات الهندية من نوع (ميغ ١٢) ، وتطوير الدبابات الهندية من (آرغون) والطائرات الخفيفة. علاوة على استخدام الصهاينة الأراضي الهندية لإجراء التجارب النووية عليها وخاصة في أعقاب انهيار النظام العنصري في جنوب أفريقيا الذي كانوا يتعاونون معه لإجراء هذه التجارب، وتدريب الجنود الهنود على إجراء عمليات الملاحقة لأفراد الحركات المقاومة في كشمير ومشاركتهم في التدريب الميداني على ذلك. ـ كما تقوم الدولة الصهيونية بإمداد الهند بنظام رادارات حديثة للمراقبة، وتزويدهم بصورة رئيسة بالصور الحديثة للقمر التجسسي الصهيوني (أفق-٥) ؛ وبعض الخبراء الهنود يدرسون إمكانية استئجار هذا القمر الصناعي لمراقبة الجيش الباكستاني. ـ وملاحقة الأفراد من الجماعات الإسلامية في كشمير، ومراقبة الصواريخ والصناعات الباكستانية. ـ تعهد الصهاينة الدائم بالوقوف إلى جانب الهند في حال اندلاع أي أزمة؛ وبخاصة حول كشمير ضد باكستان. ولعل أهم وأبرز العوامل المتحكمة في التوازن الاستراتيجي في شبه القارة الهندية هو عامل الدعم الأمريكي لكلٍ من الهند والصهاينة لتفعيل التعاون بينهما باستمرار؛ حيث تسعى الولايات المتحدة لإقامة محور يضم واشنطن وتل أبيب ونيودلهي لمواجهة أي تجمع بين دول الصين وإيران وباكستان مستقبلاً. كما تمثل القنبلة الباكستانية أرَقاً مستمراً لكل من واشنطن وتل أبيب ونيودلهي، فيتعاون الجميع في وضع خطط استراتيجية بمساعدة أمريكية لتدمير المفاعلات النووية الباكستانية، في حال وصول أي حزب من الأحزاب الإسلامية القوية إلى السلطة، أو أي حزب يرفض التعاون مع الولايات المتحدة. وإزاء هذا التعاون الاستراتيجي الحيوي بين البلدين ماذا تنتظر باكستان من الصهاينة من دعم؟ هل ستضحي الدولة العبرية بالهند من أجل باكستان؟ والإجابة عن هذا التساؤل: بلا شك من غير المعقول والمقبول سياسياً أن يضحوا بالهند من أجل باكستان الدولة الإسلامية التي تؤكد أجهزة المخابرات الصهيونية أنها تهديد حيوي ضد المشروع النووي الصهيوني. وفي النهاية لا بد من التأكيد على أن المحصلة النهائية المنتظرة من التطبيع الباكستاني الصهيوني ربما تجعل الرئيس مشرف يفوز بالإطراء الرسمي الأمريكي، ويسهل حصوله على بعض المساعدات المالية المحدودة، ولكنه قطعاً سيضيف متاعب داخلية جديدة له ولحكمه قد تقصر من فترة بقائه في السلطة، وبخاصة أن الأوضاع في أفغانستان بدأت تتطور في غير صالح الإدارة الأمريكية وحلفائها، وعلى رأسهم الرئيس مشرف.

стр. 5436

حقيقة الانتصار والانكسار أحمد فهمي انتصرت الولايات المتحدة في العراق؟ الجواب: نعم! س: هل انهزمت الولايات المتحدة في العراق؟ الجواب: نعم! هذه ليست أحجية، ولكنها حقيقة واقعة ومعقدة تحتاج إلى مراجعة معالم النصر والهزيمة في العالم المعاصر؛ فالحروب أو العمليات العسكرية لم تعد محصورة بنتائجها الميدانية، ولم تعد الخسائر البشرية أو الاقتصادية المباشرة هي المؤشرات الوحيدة على النصر أو الهزيمة، وقد فرضت هذه الحقيقة أوضاعاً قد تبدو متناقضة للوهلة الأولى؛ فخسائر الانتفاضة الفلسطينية على سبيل المثال تتجاوز بكثير خسائر الجانب الصهيوني، ومع ذلك فإن المحصلة النهائية للانتفاضة هي الربح لا الخسارة، والكثيرون يؤيدون ذلك، وهو ما يعني أن القاعدة صحيحة، ولكن المشكلة أننا نطبق هذه القاعدة في اتجاه واحد، أي نطبقها على الجانب أو المعركة التي نؤيدها فقط، وبعبارة أوضح فإن خسائر المواجهة في الجانب العربي والإسلامي لا تعد دلالة على انهزام أو تراجع، بينما الخسائر على الجانب الآخر مهما تضاءلت تعتبر دلالة على النصر، وهذا يثبت وجود خلل في موازين الفهم ولا شك. ونعود إلى الواقع الأمريكي المتناقض لنقدم تفسيراً أوضح، حيث نجد سؤالاً ثالثاً هو في حقيقته جواب على السؤالين السابقين، وهو: مَنْ أو ما هي الولايات المتحدة؟ الجواب: هي ليست طرفاً واحداً أو مصالح مترابطة، بل هي أطراف متنافرة ومصالح متناحرة، وبالنسبة للحرب على العراق يمكن أن نلخص الأطراف الأمريكية في ثلاثة: لوبي شركات السلاح، البيت الأبيض، الرأي العام. وكل منها له أجندته ومصالحه الخاصة التي تتعارض في جزء كبير منها مع الآخرين. وباستخدام القاعدة السابقة في حساب الربح والخسارة، نجد أن الطرف الأول - شركات السلاح - تتحقق مصالحه مع بقاء القوات الأمريكية في العراق، وقد اتُّهم وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بأنه تجاوز نصائح العسكريين بإرسال عدد لا يقل عن ٤٠٠ ألف عسكري أمريكي، والسبب معروف: لوبي السلاح لا يريد حسماً سريعاً للمعركة؛ لأن ذلك يعني خسارة سريعة لمصالحه. وبالنسبة للطرف الثاني - البيت الأبيض - فإن المعركة قد انتهت منذ إسقاط نظام صدام والعبث في التوازن الطائفي لصالح الشيعة والأكراد. ومنذ انتخاب الرئيس جورج بوش لفترة رئاسة ثانية بات واضحاً أن ملف الحرب العراقية وبالأخص تحديد مستقبل الاحتلال أصبح من ملفات الإدارة القادمة بعد ثلاث سنوات، وأن إدارة بوش قد انتقلت إلى المرحلة التالية وهي: ترتيب البيت العربي من الداخل. أما الطرف الثالث - الرأي العام - فإن الحرب العراقية بالنسبة له مبررة إلى حد كبير، ولا يعبأ الأمريكيون كثيراً بما ورد فيها من كذب أو تجاوز في المسوغات، والمشكلة في حجم الخسائر، لكن هذه أيضاً لا تمثل قضية جوهرية ولم تستحق أن يسقط من أجلها جورج بوش في الانتخابات؛ فالخسائر في المستوى المقبول، كما أن غالبية القتلى من فئات مهمشة أو مهملة في المجتمع الأمريكي، وقد أحدثت خسائر إعصار كاترينا انخفاضاً تاريخياً في شعبية بوش لم تحققه أقسى أيام الحرب العراقية. وخلاصة القول أنه من أهم العناصر في تحديد استراتيجية المواجهة: تحديد المؤشرات الحقيقية للنصر والهزيمة لدى الأعداء، والله يقول في كتابه الكريم: ﴿إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] وليس بشرط أن ينحصر الإيلام في عدد القتلى والجرحى.

стр. 5437

أضواء على تغيير النظام في موريتانيا علي عبد المتعال بعد الترحيب الذي أبداه زعماء الحركة الإسلامية الموريتانية، بالانقلاب العسكري الذي أزاح حكم الرئيسط السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، حيث قال ١٨ من قياديي الحركة الإسلامية في بيان لهم: إن «الإسلاميين الموريتانيين يرحبون بالتغيير في البلاد ويؤكدون مجدداً «ضرورة التشاور مع مجمل الأطراف جاء على إثر هذا الترحيب الاستجابة السريعة التى أبداها قادة الانقلاب بهذا الموقف والتي تمثلت في الإفراج عن المعتقلين الإسلاميين من سجون الرئيس المخلوع. ومن ثم انطلقت المسيرات تضم الآلاف من أنصار التيار الإسلامي من أمام السجن المركزي بالبلاد ابتهاجاً بإطلاق سراح المعتقلين وعلى رأسهم الداعية الإسلامي المعروف الشيخ «محمد الحسن ولد الددو» . وقالت وكالة «الأخبار» الموريتانية حينها: إن الشيخ ولد الددو خرج من السجن المركزي وسط تدافع شديد من قِبَل أنصار التيار الإسلامي الذين توافدوا ابتهاجاً بحريته. وشكر الشيخ الددو في كلمة موجزة ألقاها أمام الحشود، شكر الموريتانيين وتمنى كل التوفيق للمجلس العسكري، كما تمنى أيضاً أن يفي هذا المجلس بالوعود التي قطعها على نفسه من أجل إخراج البلاد من الوضعية التي كانت تعيشها. وفي تعليقٍ رسمي صدر عن جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر على إطلاق سراح المعتقلين من التيار الإسلامي وعلى رأسهم الشيخ محمد الحسن ولد الددو أعرب المهندس محمد خيرت الشاطر - النائب الثاني للمرشد العام للجماعة - عن ترحيبه بقرار الإفراج. وقال الشاطر: «نحن نرحب بأي خطوةٍ في اتجاه تدعيم الحريات» . بعد هذه الرسائل الإيجابية المتبادلة بين الجانبين، صار التساؤل يطرح نفسه: ما الدور الحقيقى للحركة الإسلامية في الانقلاب الذي وقع ضد حكم ولد الطايع؟ وهل من بين أعضاء المجلس العسكري ممثل لهذه الحركة؟ وهل سيكون للإسلاميين كلمة في حكم البلاد في ظل النظام الجديد؟ وهل سيتنفس التيار الإسلامي في موريتانيا بحريته كأي قوة سياسية من حقها الدعوة بحرية إلى ما تتبناه؟ أم أن السر في تلك الإجراءات الجزئية من قِبَل العسكريين، يكمن وراء رغبتهم في توصيل رسالة من شأنها أن تضفي عليهم شرعية مستمدة من الشعب هم بحاجة إليها. تشير الدلائل إلى الطابع العلماني المهيمن على الطيف الذي نال عضوية «المجلس العسكري» الحاكم في نواكشوط؛ حيث يضم مجموعة من الشخصيات ذات التوجهات المعروفة في الأوساط السياسية الموريتانية بأنها ليبرالية أو علمانية التوجه وموالية بشكل تقليدي لفرنسا بجانب شخصيات ذات توجه قبلي. وتعكس تشكيلة المجلس المؤلف من ١٧ عسكرياً غياب أي تمثيل للتيار الإسلامي أو أي حضور فعال للشخصيات ذات (التوجه القومي) أو العروبي. ويعد رئيس المجلس العقيد «علي ولد محمد فال» والعقيد «عبد الرحمن ولد بوبكر» نائبه والعقيد «محمد ولد عبد العزيز» القادة الفعليين للانقلاب الذين قاموا بدور أساسي في التخطيط له وتنفيذه. كما يضم المجلس أعضاء ذوي توجه قبلي. ورأى مراقبون أن هؤلاء الأعضاء تم إقناعهم من قادة المجلس الفعليين للانضمام إليه لأجل استمالة القبائل الكبرى في البلاد إلى المجلس ولطمأنة الأقليات الزنجية دون أن يكون لهؤلاء الأعضاء دور أساسي في الانقلاب. مصادر سياسية مطلعة في موريتانيا تعتبر العقيد (ولد محمد فال) من «رجال فرنسا» وأحد المتحمسين لنشر اللغة والثقافة الفرانكفونية على حساب اللغة العربية التي يجهلها تقريباً!. كما أنه ينتمي إلى مدرسة تدعو إلى ارتباط موريتانيا بالثقافة الفرنسية وبالفضاء الفرانكفوني بدلاً من المحيط العربي، ومعروف عنه توجهه العلماني الليبرالي. أما تكوينه الأكاديمي فهو محدود؛ حيث إنه دخل الجيش في الستينيات بعد إكمال تعليمه الثانوي ولم يحصل على أي شهادات أكاديمية عليا. وينتمي (ولد محمد فال) إلى جيل الرئيس المخلوع معاوية ولد الطايع وكان يشغل منذ وصول الأخير إلى السلطة عام ١٩٨٤ منصب المدير العام للأمن حتى يوم الانقلاب. وهو من أبناء عرب جنوب البلاد، ويتحدر من قبيلة «أولاد بو السباع» . ويقول بعض من عرفه عن قرب قبل قيادته الانقلاب إن الرجل يرى أن الأمن في موريتانيا لا يتحقق بالوسائل العسكرية، وأن نجاح بلاده في التصدي للموجة العنصرية خلال حرب ١٩٨٩م لم يتم بسبب قوتها العسكرية وإنما عبر التفاف قوى أساسية حولها في الداخل والخارج. عاش «ولد محمد فال» عشرين عاماً في الظل، وعرف عنه كرهه مظاهر السلطة، ويفضل قضاء أوقات الفراغ مع أسرته وأقاربه مستخدماً إلى حد الإفراط إتقانه لروح الدعابة. أما الرجل الثاني في تلك القيادة فهو العقيد «عبد الرحمن ولد بوبكر» الذي اشتهر في أوساط الجيش الموريتاني بأنه من «الضباط الشرفاء» حيث لا تحوم حوله شبهات الفساد أو التورط في اختلاس المال العام عكس بعض زملائه في المجلس الذين ترددت حولهم بعض الشبهات. كما تميز العقيد «ولد بو بكر» بأنه لم يكن يوماً من المقربين لولد الطايع، وظل يمارس عمله كعسكري في الميدان إلى أن كلفه ولد الطايع بعد انقلاب الثامن من يونيو ٢٠٠٣ المحبط بمنصب مساعد قائد القوات المسلحة في مسعى لإصلاح المؤسسة العسكرية واحتواء التذمر داخل الجيش، غير أنه سرعان ما اختلف مع قائد القوات المسلحة العقيد العربي ولد سيدي علي ـ المعتقل حالياً من طرف الانقلابيين ـ ووصلت الخلافات بينهما مؤخراً لحد الشجار العلني في اجتماع للضباط. ويتصف العقيد «ولد بو بكر» بالتدين دون أن يكون مصنفاً من الإسلاميين أو متعاطفاً معهم. أما العقيد «محمد ولد عبد العزيز» ، فهو ضابط شاب وينحدر من قبيلة «ولد محمد فال» نفسها وبرز اسمه إلى الواجهة بعد انقلاب يونيو ٢٠٠٣م المحبط حيث أسهم في إحباط التمرد العسكري؛ وهو ما كافأه عليه ولد الطايع بتعيينه قائداً للحرس الرئاسي وهي القوة التي كانت تتولى أمن الرئيس وحمايته. ومما يحسب للعقيد «ولد عبد العزيز» ما صرح به في مقابلة مع إذاعة «صوت أمريكا» الناطقة بالفرنسية؛ حيث قال تعليقاً على قرار إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين: إن المجلس أطلق سراح الإسلاميين؛ لأنهم «معروفون في الداخل والخارج باعتدالهم وبمواقفهم الرافضة للعنف، وأنهم معروفون في بروكسل على المستوى الأوروبي، بأنهم أناس معتدلون جداً، وبأنهم لم يتبنوا العنف أبداً» ، مضيفاً أن «اعتقال أناس معتدلين يعتبر استفزازاً للشعب الموريتاني، وإننا نعتقد أن ذلك هو أقرب طريق لدفع الناس المسالمين لليأس فيصبحوا إرهابيين» . ويعتبر بعض المراقبين أن هذا التصريح يعكس الاختلاف الواضح في الطريقة التي يدير بها المجلس العسكري العلاقة مع الإسلاميين، عن الطريقة التي كان النظام السابق يدير بها العلاقة مع الإسلاميين، الذين يعتبرون من أبرز القوى السياسية التي عارضت النظام السابق. يذكر أن العقيد «محمد ولد عبد العزيز» هو قائد الحرس الرئاسي الذي كان له دور محوري في نجاح الانقلاب. ولعل الخطوة التي قامت بها الحكومة الموريتانية مؤخراً تعكس شيئاً من الرغبة في التعامل بإيجابية مع التيار الإسلامي في البلاد؛ حيث منحت وزارة الداخلية الترخيص لحزب «الملتقى الديمقراطي» بزعامة الشيخ المختار ولد حرمة بعد أن قدم ملفه للاعتماد رسمياً. وكان النظام السابق يرفض الاعتراف بالحزب، بحجة أنه يضم قيادات في الحركة الإسلامية الموريتانية، بل كانت وزارة الداخلية ترفض حتى استقبال ممثليه وتسلم ملفه؛ لأنه كان سيترتب عنه تسليم الحركة وصلاً بذلك، ومن ثم السماح لها بممارسة نشاطها لمدة الشهرين التي تستغرقها دراسة الطلب، كما ينص عليه القانون الموريتاني. وقال رئيس مجلس الحزب الشيخ «المختار» : إن النظام السابق كان يخشى الحزب؛ لأن له قاعدة شعبية واسعة في موريتانيا لا تقتصر على الإسلاميين والزنوج بل تمتد حتى إلى المستقلين. ويضم «الملتقى الديمقراطي» مجموعات سياسية من أبرزها الإسلاميون وبعض المجموعات القومية الزنجية التي كانت تدعم المرشح «محمد خونا ولد هيداله» خلال الانتخابات الرئاسية التي جرت ٢٠٠٣م. واعتبرت مصادر مقربة من الحزب أن الخطوة «إيجابية جداً ودليل على أن النظام الجديد يسير بالفعل على طريق القطيعة مع النظام السابق» ، متمنياً أن تتبع هذه الخطوة خطوات أخرى من أهمها إطلاق سراح بقية السجناء في أقرب وقت ممكن. جدير بالذكر أن المكتب التنفيذي يضم شخصيات إسلامية ووطنية من أبرزها: - الرئيس الدكتور الشيخ ولد حرمه ولد بابانه. - نائب الرئيس الأستاذ محمد جميل ولد منصور. - الأمين العام النائب البرلماني الأستاذ جاورا كنيي. - رئيس المجلس الوطني السفير المختار ولد محمد موسى. - الأمين الوطني للسياسة الاستاذ السالك ولد سيدي محمود. - الأمين الوطني للعلاقات الخارجية السفير كون الله. - الأمين الوطني للإعلام الدكتور عبدوتى ولد عالي. - الامين الوطني للحريات وحقوق الإنسان الاستاذ كان إسماعيل. واعتبر قادة الحزب اعتراف السلطات الجديدة بهم بادرة خير وخطوة مشجعة نحو بناء دولة ديمقراطية، وفتح المجال أمام مختلف مكونات الشعب الموريتانى للمساهمة في المرحلة القادمة. وأكد الحزب خلال بيان له وزع على ضرورة الإسراع بإعلان عفو عام عن سجناء الرأي والمنفيين من مدنيين وعسكريين، وإطلاق سراح كافة المعتقلين. كما طالب بفتح قنوات التشاور مع الناشطين السياسيين البارزين لسد الطريق أمام أي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد. إلا أنه ورغم كل تلك الرسائل الإيجابية فإن هناك ما يشير إلى شيء غير قليل من الشكوك يختلج في نفوس قادة الحركة الإسلامية الموريتانية بشأن حقيقة نوايا هؤلاء العسكريين من الدور الذي ينبغي أن يقوم به الإسلاميون في نظام الحكم الجديد، ومن ذلك أن الشيخ «محمد الحسن ولد الددو» سئل عن تقييمه بشأن مجموعة القرارات التي أصدرها المجلس العسكري والإجراءات التي اتخذها، فكان جوابه: «إلى الآن البيانات والقرارات التي أصدرها المجلس العسكري، تسير في غالبها في الطريق الصحيح، ويشكل بعضها معقد آمال الشعب الموريتاني، وليست لها معارضة؛ فكل الشعب موافق عليها» . وهي كمبادئ نظرية عامة تحتاج للتطبيق، ويبقى التطبيق في المستقبل هو المحك الحقيقي؛ فإن ساروا على النهج نفسه استحقوا التشجيع والتأييد، وكانوا رموزاً للإصلاح والإنقاذ مثل ما كان فعله «سوار الذهب» في السودان و «توماني توري» في مالي، وإن كانت الأخرى ـ ونسأل الله ألا تكون ـ فلن يسلموا من معارضة غيرهم، وسنكون نحن أول المنكرين لمنكرهم مثل ما كنا. ثم سئل: ما هي الكلمة التي توجهونها للقادة الجدد؟ فقال: هي الكلمة التي وجهتها لهم يوم أمس في المسيرة (يوم خروجه من المعتقل) ؛ وهي نصيحة لهم: أن يفوا بالتزاماتهم، وأن يكونوا صادقين وافين بما عقدوه على أنفسهم، وما أبرموه من عهود أمام الله ثم أمام هذا الشعب المسلم الأبي، فبذلك سيكونون بحق رموزاً للإصلاح والتغيير الجدي، انطلاقاً من ثوابت هذه البلاد، ومرجعيتها الإسلامية الأصيلة. وهناك خطوات قام بها المجلس العسكري والحكومة التي شكلها رأى فيها المراقبون مبعث قلق كبير بشأن حقيقة الرغبة في الإصلاح؛ حيث تعهد رئيس وزراء موريتانيا الجديد، (سيدي محمد ولد بو بكر) بأن تظل بلاده حليفة للولايات المتحدة في ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب. وقال (ولد بو بكر) رئيس الوزراء المدني المعين من قِبَل المجلس العسكري في حديث لوكالة رويترز: إن العلاقات مع الولايات المتحدة مهمة للغاية، وإن الحكومة الجديدة واثقة من قوة تلك العلاقات. وأضاف أن موريتانيا تجدد بكل وضوح رغبتها في احترام إسهاماتها الدولية بما في ذلك الدور الذي تلعبه في الحرب على الإرهاب. وكانت واشنطن قالت في أعقاب الانقلاب على ولد الطايع: إنها ستتعامل مع المجلس العسكري إذا أظهر أنه سيفي بوعوده. وقال (ولد بو بكر) : إن الحكومة الجديدة لن تتدخل في القضايا القانونية الجارية حالياً، لكنه قال: إن إسلاميين آخرين سيطلق سراحهم إذا لم تثبت ضدهم أدلة. ورداً على سؤال بخصوص الدولة العبرية قال ولد بوبكر: إن سياسة موريتانيا الخارجية ستكون سياسة تتسم بالاستمرار. وأشار إلى أن زعماء الانقلاب التقوا بجميع السفراء الأجانب في نواكشوط بمن فيهم السفير (الصهيوني) . من جهة أخرى قالت مصادر صهيونية: إن مسؤولين موريتانيين جدد من بين من قادوا الانقلاب العسكري، زاروا تل أبيب سراً وطلبوا تعزيز العلاقات بين البلدين. وطمأن الوفد الموريتاني المسؤولين في (الأرض المحتلة) بأن العلاقات بين البلدين لن تتأثر بعد إقصاء ولد طايع عن الحكم، وإنما سيتم تعزيزها!! وقالت صحيفة «المنار» الفلسطينية: إنها علمت أن الحكام الجدد في نواكشوط أوفدوا مبعوثاً بشكل سري إلى الكيان الصهيوني، لطمأنة قادة تل أبيب والتأكيد على حرص الانقلابيين على تعزيز العلاقات بين موريتانيا والدولة العبرية. وذكرت مصادر مطلعة أن الموفد الموريتاني الذي وصل إلى مطار تل أبيب، طلب من المسؤولين الصهاينة بحكم علاقاتهم الجيدة مع الرئيس المخلوع ولد طايع إقناعه بالصمت والعيش في منفاه أو العودة بعد عام إلى موريتانيا للعيش كمواطن عادي.

стр. 5438

مرصد الأحداث أحمد فهمي قوال غير عابرة - «لن تكون غزة أولاً وأخيراً ولن نقبل ذلك، نقول لشارون الأحمق: إنك تطالب السلطة الفلسطينية بأن تقوم بعمل لم تفلح فيه أنت» إسماعيل هنية القيادي في حركة حماس. [وكالات ١٧/٩/٢٠٠٥] - «العبقرية في خطتك الأحادية للانسحاب من قطاع غزة أنها لم تترك للفلسطينيين خياراً آخر» . جورج بوش موجهاً حديثه لأرئيل شارون [صحيفة الجزيرة ١٧/٩/٢٠٠٥] - «لم تتم بأي حال من الأحوال سرقة أي سائح من السياح الذين تقطعت بهم السبل في أزمة تسونامي، الآن بمقدورنا أن نرى بسهولة أين هو الجزء المتحضر من سكان العالم» ساجيوا سينثاكا رجل سريلانكي يبلغ من العمر ٣٦ عاماً متحدثاً عن النهب والجريمة في نيو أورليانز بعد الإعصار. [نيوزويك ١٣/٩/٢٠٠٥] - «ليس هناك أي شيء «عراقي» في كردستان؛ فعلم العراق لا يرفرف هناك، وللمنطقة جيشها الخاص، ويحظر على الجيش العراقي دخول المنطقة» . [بيتر جالبريث سفير أمريكي سابق في كرواتيا ومستشار للأكراد، موقع msnbc news] - «تريد إيران رؤية عالم شيعي موحد، وهذا يعني أنها تريد السيطرة الكاملة على الشيعة في العراق، ونحن نرى في ذلك عنصر عدم استقرار» ضابط في الاستخبارات العسكرية الأمريكية طلب عدم ذكر اسمه نظراً لحساسية موقعه. [نيوزويك العدد ٢٧٤ ١٣/٩/٢٠٠٥] - «مبارك يجعلني أشعر بالأمان.. أخشى ألا يكون المرشحون الآخرون قادرين على احتواء الإخوان المسلمين وسيسمحون لمصر أن تتحول إلى دولة إسلامية» حبيبة، مواطنة مصرية قبطية. وكالات - «العالم لم يجد تفسيراً مطلقاً ونهائياً للإرهاب؛ لأن الولايات المتحدة لم تحدد تفسيراً أخيراً له؛ فهو يتبدل ويتغير وفقاً لسياستها الخارجية» . [رئيس فنزويلا هوجو شافيز يتحدث ساخراً فوق منبر الأمم المتحدة، وكالات ١٨/٩/٢٠٠٥م] ، [صحيفة الجزيرة ١٨/٩/٢٠٠٥] - «إذا قام شارون بالتشويش على الانتخابات الفلسطينية المقبلة؛ فمن حقنا أن نشوش حياة المستوطنين في أي مكان في فلسطين المحتلة» . [محمود الزهار، القيادي البارز في حركة حماس، السفير اللبنانية ١٩/٩/٢٠٠٥م] - «مَن يقول الحقيقة حول وفاة عرفات سيلحق به، هذه أقولها صراحة» . [حافظ البرغوثي رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة، برنامج ما وراء الخبر، فضائية الجزيرة، ٩/٩/٢٠٠٥م]

стр. 5439

شجرة الليمون عبد الستار فتحي عبد الحميد نهض أحمد من فراشه، كفراشةٍ استهواها الطيران ... توضأ، كبَّر رافعاً يديه لخالقه، أتم صلاته خاشعاً كما علمه أبوه، هوى إلى الطابق الأرضي، دخل حديقة المنزل ليملأ رئتيه بالنسيم الذي يعشقه. وجد أباه يغرس بعض الأشجار في جانب مقفر من الحديقة، بدا القفر روضة، ورق الأشجار الجديدة يتلألأ باسماً. قال الأب كاسراً حجاب الصمت: هذه مجموعة متنوعة من الأشجار: برتقال، يوسفي، تفاح ... وأما هذه فهي شجرة ليمون ... قال أحمد في نفسه: إنّ الأشجار الجديدة تتمايل مع النسيم كأنها تُسَر ببعض الحديث. الأب يسقي أشجاره كل أسبوع بالماء، الماء يطفئ صدى الشجر. أحمد وجد شجرة الليمون منكمشة كطفل أخطأ ويخشى العقاب.. قرر أن يقف جوارها ... يخفف من فزعها ... يتلطف بها ... أغدق بالماء عليها بكرة وعشياً ... لا بد أن تتميز عن غيرها ... إنها ضعيفة تحتاج لغذاء ... أهلَّ الربيع بموكبه.. استقبلته الدنيا ببهجة غامرة.. كعروس أقبل موعد عرسها ... أورقت الأشجار ونمت ... نورها ملأ الحديقة وفاض.. أحمد يستعجل شجرته ... يغمرها بالماء ... يرقبها نهاراً، ومن الشرفة ليلاً ... يقارن بينها وبين أخواتها ... ماذا يجري؟ أي مكيدة تعرضتِ لها يا حبيبتي؟ الأوراق اصفرت ... ذوت ... ذبُلت ... كطفل ذوى عوده رويداً رويداً بين صرخات الأهل ... تألم لحالها ... اغرورقت عيناه دامعة ... تساقطت الدموع كزخات من المطر ... توشح قلبه بالسواد عليها ... أدرك الأب حاله: يا بني! إن حبك الزائد لها قد قتلها ... إن الشجرة يا بني! كالبشر تحتاج إلى فترة تصوم فيها لتصحّ ... لعلك تدرك حكمة الصوم ... صوموا تصحوا ... بلع أحمد ريقه ... نظر دامعاً لأطلال الشجرة.

стр. 5440

وصية شهيد محمود بن عودة العمراني ضُمّي إليك ثيابي ضُمّي قُصَاصَاتِ شِعْري وخَضّبيها دُمُوعاً ولا تقولي: مصابٌ هذا عِناقٌ حميمٌ هذا زمانُ التلاقي هذا خشوع القوافي فلو رأيتِ وقوفي والموت يرقص حولي وفيهمُ من مآسي تحط فوق رؤوسٍ ولو رأيتِ دمائي تروي حكاية حبٍّ عشرون عاماً حياتي وجئت حتى أزكي مصدقاً وعد ربي ودفتري وكتابي وذكرياتِ الشَّبَابِ أحسِنْ به من خِضَابِ فليس ذا بمصابِ مَعَ الأماني العِذابِ مع الجَنَى المستطابِ أمامَ وقع الحِرابِ أمامهم بانتصابِ ومن ورائي صِحابي إسلامنا مثل ما بي كفّارةٍ.. ورِقابِ تسيل فوق الترابِِ نقيّة كالسحابِ بها بلغت نصابي دمي وأقضي حسابي لعبده في الكتابِ ولا تنوحي فإن النّواح بعض العذابِ والقوم يرموننا بالرّصاص دون صوابِ لشاهدَتْ مقلتاكِ الأحجارَ مثل الشهابِ تنحط من فوقها بالخراب تلو الخرابِ

стр. 5441

مهلاً أيها الوعاظ ! فيصل بن سعود الحليبي تصغي القلوب بكل شغف وإنصات لكل وعظٍ نديٍ شفاف، يأسر لبابها، ويشد فكرها، بل ربما لا تملك العيون دمعها حينما تأتي الكلمات صادقة العبارات، شجية النبرات. وكلما سلّم الناس أفئدتهم لهذا الواعظ، يغسلون درنها بدموع الخشية، ويرفعون عنها ران الغفلة، كانت المسؤولية عليه تجاههم أكبر؛ فإذا كان الوعظ فيه إيقاظ للقلوب بعد سباتها؛ فإننا نريدها أن تستيقظ على شمس واضحة، وجادَّة سوية، وهدف مرسوم. ولهذا جاءت هذه الوقفات السريعة؛ الوقفة الأولى: أن يذكِّر الواعظ نفسه بالإخلاص في وعظه؛ لأن عمله هذا عبادة، والعبادة لا بد فيها من الإخلاص. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] . الوقفة الثانية: أن يتحرّى الواعظ لوعظه الزمان والمكان المناسبين؛ فإنه كما قيل: لكل مقام مقال؛ فالمساجد وحِلَق الذكر والتعليم، واللقاءات الأخوية والأسرية أجدها مناسبة لشيء من التذكير والتنبيه من غفلات القلوب وانشغالها بالدنيا، حتى تتحول هذه المجالس إلى شحنات إيمانية يعود المؤمن منها بعطاء أوفر، وبقاء على علو الإيمان أكثر؛ فالنفس بطبيعتها وما يحوم حولها من دواعي الشهوات تميل إلى الفتور والدَّعَة، فتحتاج إلى مثل هذه الجرعات التي تتخلل جدول المرء الوظيفي أو الاجتماعي أو العلمي. عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيْدِيِّ ﵁ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ!! قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيراً! قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ! إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيراً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الملائكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ! سَاعَةً وَسَاعَةً ـ ثَلاثَ مَرَّاتٍ) (١) . الوقفة الثالثة: أن يحرص الواعظ على صحة لغته وبلاغة حديثه؛ بحيث لا يكون كلامه متكسر الشكل، أو مبتذلاً خالياً من جودة الكلمات ورصانة التعبير؛ فإنَّ أبلغ ما وعظ به هو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وقد جاءا بأبلغ أسلوب عرفته البشرية، ولقد أوصى الله رسوله محمداً ﷺ أن يختار من وعظه أبلغه فقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] . وتأمل وصف الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ موعظةَ النبي ﷺ بالبلاغة وما تركته من تأثير بيّن على نفوسهم حيث قَالَ: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْماً بَعْدَ صَلاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ» (٢) . وليس هذا فحسب بل سمى النبي ﷺ حٍُسن التعبير وجودة الأسلوب في الخطبة سحراً فقال ﷺ : «وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً» (٣) . وتتفاوت هذه البلاغة من جمهور لآخر؛ لأن الهدف هو إيصال الموعظة للقلوب، لا الاستمتاع بألفاظها دون التأثر بها؛ فالمبالغة في تحسين الكلام وانتقائه إذا تعدّى فهم المتحدّث إليهم، كان عيباً في الاختيار، وقد قال علي بن أبي طالب ﵁: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ! أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟» (٤) . الوقفة الرابعة: ألا يكرر الوعظ في زمانين متقاربين؛ فإن النفوس تكل من تكرار الكلام ولو كان جيداً، وهي إذا كلّت عميت، وإنما الوعظ لإحيائها، ويكفي في ذلك قول ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حيث قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» (٥) . الوقفة الخامسة: عدم إطالة الوعظ والتذكير، حتى يتسنى للسامع فهم وإدراك ما قيل منه، وحتى لا تستثقله النفوس حينما تدعى إليه مرة أخرى، وإذا كان النبي ﷺ قد نبّه إليه في خطبة الجمعة؛ فهو في غيرها أوْلى؛ فقد روى مسلم بسنده عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ، قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ! لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ! فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَاقْصُرُوا الخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً» (٦) . غير أن الواعظ إذا رأى حاجة ظاهرة في الإطالة ولم تكن له عادة يدوم عليها أو يُكثر منها فلا بأس في ذلك، ولعلك تلمح هذا في حديث عَمْرو بْن أَخْطَبَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا» (٧) . الوقفة السادسة: أن يعتني الواعظ في استشهاده بالحديث النبوي بالصحيح منه أو الحسن؛ فما أجمل أن يعلق الواعظ الناس في خطبه بما صحَّ عن النبي ﷺ من أحاديث، وإن فيها لكفاية عما يستأنس به عدد من الوعاظ من أحاديث ضعيفة، وكلما كان الواعظ واضحاً في ذكره لأحاديث النبي ﷺ بذكر حكمها من حيث الصحة بإيجاز كان أقرب في إيقاع التأثير في قلوبهم. الوقفة السابعة: أن يتحرّى الواعظ الصدق فيما ينقله من قصص وأخبار؛ فإن الواقعية والمعقولية في ذكر القصص لعامة الناس طريقان سريعان للتقبل والعمل ليس على الأمد القريب فحسب، بل حتى البعيد أيضاً، وانظر إلى وصف الله ـ تعالى ـ قصصه في القرآن بقوله: ﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢] ، متأملاً أثرها الخالد إلى يوم القيامة، وعليه فمن الخطأ أن ينظر الواعظ ما سيحصل بين يديه من التأثر بما لم يثق فيه من القصص المؤثرة، مقابل أن يهمل مصداقيته المستقبلية في وعظه. وليس هذا فحسب، بل إن الواعظ حتى لو تأكد من صدق قصته أو خبره، لكنه إن رأى أن فيها من الغرائب ما لا يصدقه عامة الناس، فالأوْلى ألا يحدِّث بها حتى لا تنعدم ثقة الناس فيه وفي علمه، ولقد كان سلف الأمة يفرون من غرائب الأخبار، ومن ذلك قول أيوب السختياني ﵀: «إِنَّمَا نَفِرُّ أَوْ نَفْرَقُ مِنْ تِلْكَ الْغَرَائِبِ» كما أورد ذلك عنه مسلم في صحيحه، بل كانوا يقرنونها بالمناكير من الأحاديث، ومن ذلك قول الترمذي ﵀: «زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَثِيرُ الْغَرَائِبِ وَالْمَنَاكِيرِ» . الوقفة الثامنة: لا يشك أحدنا أن حكايات السلف ﵏ في زهدهم وورعهم وتعاملهم مع الله ـ تعالى ـ وخلْقِه فيها من كنوز الوعظ والتذكير ما تطرب له القلوب، وتهتز له المشاعر، ولكن لما كان في المجتمع فئة تستبعد الوصول إلى حالهم، كان على الواعظ أن يذكر صفحات مضيئة من أحوال الأتقياء والعاملين المخلصين في هذا الزمان، حتى يقْرُبَ المثال، ويُتصور التطبيق. الوقفة التاسعة: أن يسلك الواعظ مسلك التفاؤل وفتح طرق التوبة وتسهيلها على الناس، مبتعداً عن أسلوب التيئيس والقنوط، وليتأمل الواعظ أسلوب القرآن في الوعظ في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ، وليتأمل أيضاً كيف فتح النبي ﷺ بوعظه آفاقاً مديدة في التوبة والرجوع مهما عظم الذنب أو تفاقم في قصة من قتل مائة نفس، فقد جاء فيها: «ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ! وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟! انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ بِهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ» (١) . فمن الخطأ أن يهوِّل الواعظ على السائل وقوعه في معصية من صغائر الذنوب بغية تحذيره منها ليدعها ويقلع عنها بوصفه أنه قد وقع في جرم عظيم وأنه بعيد كل البعد عن الهداية ودائرة الالتزام بدين الله؛ لأن هذا يبعده فعلاً عنها، ويقنطه من السير في طريقها، والثبات على أمرها. ولعل من الجميل أن يضع الواعظ هذا الحديث نصب عينيه حينما يأتيه صاحب الذنب متأملاً فيه أن يدله على طريق التوبة وقد أسرّ له ببعض ذنوبه؛ فقد «جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول الله! رجل غدر وفجر ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطفها بيمينه، لو قُسِمَتْ خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم؛ فهل له من توبة؟ فقال النبي ﷺ : أأسلمتَ؟ فقال: أمَّا أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فقال النبي ﷺ : فإن الله غافرٌ لك ما كنت كذلك، ومبدلٌ سيئاتك حسنات، فقال: يا رسول الله! وغدراتي وفجراتي؟ فقال: وغدراتك وفجراتك. فولَّى الرجل يكبِّر ويهلِّل» (٢) . الوقفة العاشرة: أن يتعلم الواعظ فنَّ الإلقاء؛ لأنه القالَب الذي يصب فيه كلماته، متوخياً في ذلك سنن النبي ﷺ وهديه في هذا الشأن، ومستفيداً من طرائق البلغاء والفصحاء من بعده، ومتزوداً ممن لهم اهتمام بهذا الفن؛ فكم تتحسّر أحياناً وأنت تسمع كلمات رائعة في سبكها، متدفقة في أسلوبها، غير أن خطيبها قد شوهها بصراخٍ لم يكن في محله، أو أماتها بهدوءٍ لم يقع موقعه. يقع ذلك كثيراً حينما يجهل الواعظ مناسبة درجة الصوت وطريقة التحكم فيه لما ينطق به من عبارات وجمل. الوقفة الحادية عشرة: أن يخلص الواعظ في نهاية وعظه بنتيجة مختصرة تبقى في ذهن المستمع وتكون له بمثابة قاعدة يسهل عليه تذكرها لنفسه وذكرها لغيره. الوقفة الثانية عشرة: أن يستفيد الواعظ من توجيه المستمعين الناصحين له؛ فإن المستمع يدرك من الخلل في مبنى كلام الواعظ ومعناه ما لا يدركه المتحدث نفسه؛ فالمستمع الناصح الأمين كالمرآة، تكشف للواعظ من المثالب ما لا يكشفه بنفسه، ولا ريب أن في المراجعة والتصحيح ارتقاء بالقدرات، وسبيل لنتاج أكثر وأينع. وأخيراً: فليتذكر الواعظ المبارك أن أول نفس ينبغي أن يعظها هي نفسه التي بين جوانحه؛ فليكن الوعظ معها أكثر، مُتْبِعاً ذلك بالعمل بما يعظ، فحريٌّ بمن صدق مع الله في وعظه وصدق مع نفسه أن يصدق مع الناس، وأن تنفتح له القلوب المغلقة، ويكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر.

стр. 5442

ثلاثيات إدارية د. شاكر بن عبد الرحمن السروي صدى لما نشرته مجلة البيان في زاوية (النجاح: إدارة) تحت عنوان (حاجتنا للإدارة) يسرُّني أن أضيف للموضوع هذه الثلاثيات الإدارية إثراءً للموضوع. أولاً: متطلبات العمل المؤسسي الناجح: ١ ـ رؤية واضحة لما نريد أن نكوِّن من (عمل إغاثي، تربوي، تصحيحي،..) ، على أن تكون هذه الرؤية (الهدف الكبير) مرتفعة المستوى وفي الوقت نفسه ممكنة التحقيق. ٢ ـ بيئة متقبلة للعمل الإداري المؤسسي (تشمل: القيادة، الجهاز التنفيذي (محتسبين أو موظفين) ، الأجهزة المساندة،....) . كما ينبغي أن يكون قبولهم لمبدأ الإدارة قبولاً حقيقياً لا مجرد القناعة النظرية دون التطبيق. ٣ ـ موارد مناسبة؛ وهنا للإدارة دور كبير للإدارة (في ظل نقص أو شحِّ الموارد) في تحديد الأولويات، وتوجيه المتاح من الموارد حسب الأولويات. ثانياً: من صفات المدير (القائد) الناجح: ١ ـ بث روح عمل الفريق الواحد (وإلا انهارت فكرة المؤسسة من أساسها) . ٢ ـ البعد عن الفردية والبيروقراطية الزائدة. ٣ ـ الإدارة بالإنتاجية؛ فقيمة المرء ما يحسنه لا ما يقوله. وفي هذا يحسن أن نتذكر أن الصرامة في مواعيد الحضور والانصراف لا تكفي وحدها لتحصل على مكاسب، كما أنها وحدها ليست مؤشراً على كفاءة الفرد وإنتاجيته. ثالثاً: من الحوافز لنجاح الأفراد: ١ ـ الشعور بالانتماء للمؤسسة التي يعملون فيها (لاحظ أن الحب ووضوح الرؤية والشفافية من الأمور المهمة لغرس وزيادة الانتماء) . ٢ ـ الحصول على التدريب والتطوير المناسبين. ٣ ـ الاستماع لرؤاهم وأفكارهم، وتبادل الحوار معهم حول آليات العمل وتبنِّي المفيد منها. رابعاً: استمرارية العمل (ومن باب أوْلى النجاح والتقدم) تحتاج إلى عوامل، منها: ١ ـ الخطط المبرمجة على المدى القريب والبعيد. ٢ ـ التقويم المستمر للعمل (القياس والتحليل) . ٣ ـ المبادرة بإصلاح الأخطاء أولاً بأول مع التطوير والتحسين. خامساً: أخطاء إدارية قاسية: ١ ـ غياب التخطيط أو ضعفه (إذا لم تخطط فأنت تخطط للإحباط) . ٢ ـ كثرة تنقُّلات الموظفين ونقلهم من عمل إلى آخر. ٣ ـ الفردية في التخطيط أو الإدارة أو التنفيذ. سادساً: ابحث عن الفردية في الحالات التالية: ١ ـ وجود الشخص نفسه في أماكن متعددة: إدارية، تخطيطية، أو تنفيذية، وفي أدوار متباينة كبيرة أو صغيرة. ٢ ـ نجاح مبدئي ثم فشل أو اندثار للعمل بعد مرور بعض الوقت؛ وما ذاك إلا لأن الأمر ارتكز على فرد ولم يصر إلى قوة وتكامل وتعاون المؤسسة. ٣ ـ كثرة تسرُّب الأفراد (خصوصاً الطاقات المتميزة) وتركهم للمؤسسة أو بعض فروعها. (تذكَّر أنه في وجود الفردية لا يخضع إلا الضعفاء) . سابعاً: لا تدفع موظفيك إلى الإحباط والذي قد يكون من أسبابه: ١ ـ التكليف بما لا يُطاق فضلاً عن المستحيل. ٢ ـ نقض ما يبرمون أو يخططون لصالح المؤسسة، أو الالتفاف عليه (خصوصاً إذا ما كُلِّفوا ابتداء بأمر ما) . ٣ ـ حجب الموارد الكافية لنجاح العمل أو على الأقل لبدء مسيرته. ثامناً: لا تنظر من خلال ثقب المفتاح (وبمعنى أوضح: اجعل نظرتك شاملة لكل ما حولك) . إن النظرة الضيقة تحرمك من عدة أشياء، منها: ١ ـ ضعف أو غياب الاستفادة من التجارب السابقة (قد تحتاج لتنجح في بعض الأحيان إلى التقليد الكامل لتجربة سابقة ناجحة) . ٢ ـ ضعف التواصل، وانعدام السعي إلى التكامل مع المؤسسات المماثلة الناجحة. ٣ ـ السعي إلى التطور والكمال، فإن مسألة النجاح نسبية، وقد ترى المؤسسة أنها ناجحة في الوقت الذي يفوتها القطار ويتجاوزها الزمن وهي لا تشعر؛ لأنها لا تنظر. تاسعاً: احرص على رأس مالك، وأهمُّه: ١ ـ الأفراد العاملون معك (فهم أغلى ما تملك) . ٢ ـ الأفكار الإبداعية والرؤى التطويرية، فاحرص على تبنِّيها وتطويرها والإفادة منها. ٣ ـ احترام الناس لك ولمؤسستك وثقتهم بك وبما تقوم به. عاشراً: أخطاء في النجاح: عندما تنجح في أمر ما فاحذر من أخطاء ما بعد النجاح، ومنها: ١ ـ عدم مكافأة نفسك أو العاملين معك على ما تحقق من نجاح. ٢ ـ تأخير المكافأة (مادية أو معنوية) عن وقتها (فقد يحرص بعضهم على أن يكافئ على النجاح، ولكن تأخير المكافأة عن وقتها يشبه إلى حدٍّ كبير عدمها) . ٣ ـ الرُّكون إلى الاسترخاء بل الكسل؛ فينقلب النجاح بهذا إلى عامل من عوامل الإخفاق على المستوى البعيد، فليس للنجاح حدٌّ ولا للمكاسب نهاية، والأمر كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] .

стр. 5443

رمضان والصفوة د. إبراهيم بن عبد الله الدويش كلما أقبل شهر رمضان أقبلت الخواطر في محاسبة النفس ومراجعتها، والرغبة والأماني في التزود الإيماني وشحن القلب وتزكية النفس وتحليتها، وبالأخص في جانب تقوية العلاقة بالله، وليس هذا بمستغرب؛ فالكل يشهد ومع التصحر الإيماني الذي أصاب ويصيب النفوس بسبب المتغيرات والمستجدات على كل الأصعدة، أصبحت النفس العاقلة تشعر بل وتتألم لجوعتها الإيمانية في وقت مجاعة يكاد يصيب الكثير إن لم يكن الجميع، لكنها لا تدري كيف تكسر حدة هذه الجوعة ولو بجرعة يسيرة رغم أن الزاد بين يديها. عجيب..! نفس تحمل الزاد بكل صنوفه، ولا تستطيع أن تسد رمقها؟ آهٍ وآهٍ من هذا الزمن وبُنياته! فإذا كان الأطباء يشكون الداء فمن سيصف الدواء؟ سبحان الله! هم يعرفون الدواء ويحملونه، بل ويصرفونه، لكن الكثير منهم لا يستطيع تناوله. لست أتحدث عن الصفوة ممن أعجزه الكسل، أو أصابه الخوف والهلع، أو أغرقه الطمع والجشع، بل عمن يسعى وينفع، ويُعطي ويرفع، ينفع الناس بكلماته، ويرفع هممهم بعظاته، فأشغلوه وأشغلته همته وحب الخير للناس، أتحدث عن الصفوة ودُلاَّل الخير، والنجوم التي يهتدي بها الناس؛ حيث لا يكاد بال أحدهم يهدأ، أو يستجم، وإن استجم الجسد فالفكر والعقل كالرحى لا يستقر. فهؤلاء فرحهم برمضان كفرح من قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» أخطأ من شدة الفرح؛ فقد وجدوا ضالتهم برمضان حيث لذة العبادة، ولحظات التدبر والترتيل للقرآن، وروحانية الصيام والقيام، وروعة الخلوة والاعتكاف، و.. و.. و، لكن هيهات فهم دُلاَّل للخير ومحركو القلوب، وماذا يفعل الواحد منهم وقلبه يعتلج ويحترق في حب الخير وتوجيه الناس، ويعلم أن رمضان فرصة؛ فهو شهر التوبة والمحاسبة، وشهر إقبال القلوب وصقلها..، لكنه أيضًا يعلم أن نفسه كغيرها من النفوس بل أشد حاجة للتوبة، والمحاسبة، والتزود بالوقود، فإن فاتت هذه المحطة فقد لا يجد غيرها بسهولة، فهو في صحراء مترامية الأطراف شديدة الغليان والذوبان. إنها دوامة يصعب على كل أحد - وإن كان من الصفوة - أن يضبط توازنه في إعصار كهذا، خاصة عندما يشتكي القلب تفرقه وشعثه، وبُعده وقسوته؛ فكلنا يروح ويغدو في أعمال وأشغال، تطول معها الأحلام والآمال. فتنبه أخي، وقف، واحذر! فالنفس تحتاج لوقفات وخلوات، لزيادة رصيد الإيمان وسكب العبرات، خاصة في زمن الفتن والشهوات، الذي ننسى فيه كثيراً حاجة النفس والذات لصفاء القلب، وبقدر ما في القلب من النور سيكون قوة إشعاعه؛ لأن تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقيقة الإيمان ولذته، ولذا قال أبو بكر المزني: «ما فاق أبو بكر ﵁ أصحاب رسول الله بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء كان في قلبه» (١) . ومن تأمل في هذه المرحلة حال الصفوة - وهم ليسوا كغيرهم - وجد ضعفاً وفتوراً وكسلاً في جوانب العبادة والسلوك، ليس إهمالاً بل انشغالاً. وأعلم أن الكثير منهم يشكو ويتألم ويتحسر لمثل هذا، لكنها الشواغل الدعوية، والدخول مع الناس وللناس، ونسيان النفس وحاجاتها؛ فإن كان؛ فلا يجب أن يكون في رمضان. إنه صراع المشاعر في نفوس الصفوة الأخيار عند إقبال رمضان، ولذا كان ﷺ يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور، ويؤثر عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ أنه كان يترك حِلَق التدريس في رمضان، ويتفرغ للعبادة وقراءة القرآن، هكذا هم الصفوة. فتعالوا يا نجوم الزمان! لانتهاز الفرص، واستثمار هذا الموسم؛ لتقوية العلاقة بالله، وتصفية القلب مما علق عليه من الرَّيْن؛ فرمضان جُنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، يعيد للقلب والجوارح صحتها التي سلبتها أيدي الشواغل والصوارف حتى وإن كانت خيراً؛ فالعاقل يعلم يقيناً أن أول ما عليه النجاة بنفسه، وأنه إن لم يأخذ فلن يعطي، وبحسب كمية الوقود يكون طول المسير، وأعلم أن الأمر صعب، وأن التسديد والمقاربة أصعب، لكني أهمس في أذنك همسة محب: إن لم تستطع أن تملأ خزان الوقود أو أن تخفف من تلك الشواغل المباركة كل رمضان، فلا أقل من استثمار عَشره الأخير، وخاصة بالاعتكاف، فلا بد من خلوة للعاقل يخلو فيها بنفسه للذكر والفكر والمحاسبة لتزكية النفس. يقول عمر ﵁: «خذوا حظكم من العزلة» (٢) . وقال مسروق: «إن المرء لَحقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها، فيذكر فيها ذنوبه، فيستغفر منها» (٣) ؛ فالخلوة بين الفينة والفينة مع النفس ضرورة جدّاً لكي يتفرغ القلب وليس لها مثيل في سُنَّة الاعتكاف، وقد اعتكف خير الصفوة نبي الله ﷺ رغم كثرة شغله، واعتكف أصحابه معه وبعده؛ فهم يعلمون أن في القلب شعثاً لا يلمُّهُ إلا الإقبال على الله، وجمع كلِّيته عليه ـ تعالى ـ بحيث يصير ذكره ـ سبحانه ـ وحبه، والإقبال عليه زادَه بل وحلاوتَه. فتنبه أخي لهذه المعاني! واستعن بالله ولا تعجز، واحذر يا دليل الخير التسويف، ومداخل إبليس! فهو حاذق في مداخله على الصفوة. والله المستعان.

стр. 5444

٢١٨ - شوال - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5445

هل نفرح بالعيد ؟ يأتي عيد الفطر، وقد أتم المسلمون صيام شهر رمضان وقيامه، فيحمدون الله أن أتم عليهم نعمه التي لا تحصى، ويفرحون لذلك. يفرح المسلمون وهم يرون من مظاهر الطاعات ما يثلج الصدور؛ فهاهي أفواج المعتمرين إلى بيت الله العتيق تترى، وأهل الدعوة إلى الله يتبارون بإعداد المناشط الدعوية، ويتفننون بالأفكار الإبداعية، كل ذلك ليصل الخير إلى جميع الناس. فحق لنا أن نفرح بالعيد؛ فمن الحِكَم التي أباح فيها الرسول ﷺ الاحتفاء بالعيد أن يعلم الناس أن في ديننا فسحة. يأتي عيد الفطر، وإخواننا في غزة يستبشرون بما تحقق لهم من دحر الصهاينة وخروجهم من تلك البقعة، ليرينا الله ما رآه النبي ﷺ وصحبه الكرام، وأثبته في محكم التنزيل: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] . قبل أربع سنوات، أزبد وأرعد الرئيس الأمريكي، وانتشى بسقوط حكومة طالبان، وظن أن العالم صار رقعة شطرنج، وهو اللاعب الوحيد فيه، فهدد دولاً كثيرة، قال إنها تزيد على ستين دولة. وها هي الأيام تمضي، وقد عجزت أمريكا أن تهضم أفغانستان، وغصت بالعراق، والطريق ما زال طويلاً طويلاً أمام أحلامه التي كان يمنِّي بها نفسه. ويرسل الله عليه جنداً من عنده، فتكون الفضيحة الكبرى، بأن الدولة العظمى تعجز عن مواجهة إعصار كاترينا بسبب حرب تخوضها على أرض دولتين ضعيفتين لا تملكان حولاً ولا قوة من الناحية المادية. ولكن هل من يملك الأرض يملك الشعوب والقلوب؟ لقد زرع بوش ليحصد لقومه الكراهية بين الأمم، وهاهم جنوده يعودون إليه محمولين في التوابيت، لتصرخ أمهاتهم ويتحرك بعض نواب الكونغرس لعلهم يستدركون سقوط القوة العظمى وحفظاً لماء الوجه لا رغبة بالعدل بين الشعوب. أليس لنا أن نفرح ونحن نرى مصداق قوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤] ؟

стр. 5446

خُرافة الإسلام السياسي ! التحرير بدأ الإسلام يؤدي دوره الدعوي ويستقطب الناس إلى الدين الحق، وقام الدعاة إلى الله بتأسيس الجمعيات والأحزاب الإسلامية في شتى ديار الإسلام، وأخذت هذه الجمعيات دورها الكبير في كثير من المجتمعات المسلمة، وتراجعت كثير من الأحزاب العلمانية إلى الوراء، وما تتم انتخابات في كثير من المجتمعات المسلمة إلا ويكون للإسلاميين بروز وانتصار. وهذا الأمر أقضّ مضاجع العلمانيين في كثير من البلدان الإسلامية، فعملوا جاهدين على تقنين منع قيام أحزاب إسلامية، بزعم أن كل شعب مسلم في البلدان العربية خاصة هم مسلمون، ومن ثَم لا داعي لقيام أحزاب إسلامية. ومرت بالأمة أحداث شتى، عمل بعض الإسلاميين أعمالاً اتخذت العنف أسلوباً، مما جعل الإرهاب سمة لهم، ومن هنا رفعوا شعار رفض الإسلام منهاج حياة للجماعات المسلمة باسم (الإسلام السياسي) المرفوض. وهذا المصطلح غير محدد الدلالة، ويمكن أن ينتمي إليه كل إسلامي على وجه الأرض، سواء أكان إسلامياً معتدلاً أم إسلامياً عنيفاً أم حتى إسلامياً دعوياً وعظياً لا علاقة له بالسياسة لا من قريب أو بعيد. وجُعل المصطلح ملتبساً ليُساء إلى الإسلام، ومن ثّم للمنتمين إلى الإسلام بأنهم كما يقولون (الإسلامويون) ؛ ليُوقَف في وجه هذا الدين ودعاته، وإيقاف مدِّه، والتخويف منه لكل دولة يوجد فيها، بدعوى أنه (إسلام سياسي) ، وفي الحقيقة أنه لا يوجد مسمى بذلك الاسم إلا للهجمة على الإسلام والإساءة إليه. والذين دعوا إلى هذا المسمى هم العلمانيون في ديار الإسلام الذين هم من أكبر أعداء هذا الدين، والعاملون بكل الأساليب المتاحة للإساءة له والتخويف منه. والعجيب أن تسييس الدين في الغرب أمر طبيعي، وهو من الحرية المتاحة لأفراد أي مجتمع، ومن الديمقراطية التامة في بلاد الغرب، فلا نعجب إذا رأينا أحزاباً دينية حاكمة في بلدان غربية. فرئيسة الحزب المسيحي (الديمقراطي) بألمانيا (إنجيلا ميركل) تُنازع (زعيمَ الاشتراكيين الديمقراطيين) لزعامة مستشارية ألمانيا، وهي بذلك تحقق ـ وبثمن باهظ ـ دفعة للحزب المسيحي الديمقراطي. هذه الزعيمة الجديدة هي ابنة قس بروتستانتي في ألمانيا الشرقية، وسبق لها أن عملت وزيرة للمرأة والشباب في أول برلمان ألماني موحد بعد توحيد الشطرين في حكومة كول عام ١٩٩١م حتى ١٩٩٤م، ثم عملت وزيرة للبيئة من عام ١٩٩٤ إلى ١٩٩٨م. لنعد إلى عالمنا العربي والإسلامي الذي يدعي الديمقراطية ويدعي الحرية، ويبحث بكل جد واجتهاد لرفض إشراك الأحزاب الإسلامية بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان. والهدف من ورائها ـ في الحقيقة ـ رفض التوجهات الإسلامية في العمل السياسي لسبب بسيط، أن هذه التيارات لها وزنها في المجتمعات، ولو أتيحت لها الفرصة الانتخابية الصحيحة لنالت رضا كل الناخبين من العامة والخاصة. ويكفي أنه حينما أجريت انتخابات الجزائر عام ١٩٩١م نال الإسلاميون تأييد غالبية الناس، وجاؤوا في المرتبة الأولى، وقد أحدث ذلك زلزلاً عظيماً في العالم، جعل دولة ديمقراطية عريقة في الديمقراطية وهي فرنسا تهدد أنه إذا نال الإسلاميون النجاح في الانتخابات فإنها ستتدخل. وقد أحدث ذلك ردة فعل غاضبة لدى الشارع السياسي الجزائري المسلم، الذي يعرف المستعمر ويعرف خطره؛ حيث استعمره لسنوات طويلة يعرفها الجميع، فلم يعد أمامهم لحفظ ماء وجوههم إلا أن يحركوا أذنابهم وتلاميذهم لإجهاض نجاح الإسلاميين باستيلائهم على الحكم، وإلغاء نتيجة الانتخابات؛ فماذا حصل؟ لقد عاشت الجزائر في حرب أهلية انعكست بالسوء على هذه البلاد مما يعرفه الجميع، وبالرغم من الأساليب الاستئصالية التي قام بها تلاميذ المستعمر، إلا أنهم لم يجدوا سوى الدمار للبلاد، واضطروا إلى طلب الصفح وتناسي ما حصل، والدعوة إلى ما سمّوه بالوئام المدني؛ فلماذا تسمح الديمقراطية الغربية في ديارها للأحزاب ذات التوجهات الدينية باعتبار ذلك حقاً للجميع، ويُرفض ذلك في بلاد الإسلام بدعاوى باطلة؟ المسألة واضحة للعيان؛ فالإسلام والإسلاميون بعبعٌ يخيف العلمانيين وهم مستعدون أن يتحالفوا مع الشيطان ضد الإسلام وأهله؛ وهم لذلك يتبارون ـ كُتّاباً ومفكرين ونقاداً ـ على العمل ضد الإسلام ودعاته ومفكريه وأحزابه، مع بذل كل ما يستطاع لخلط الأوراق؛ باعتبار كل اتجاه إسلامي ـ مهما اختلفت منطلقاته ـ هو في زعمهم ضد الحياة وضد الأمن وضد الحرية وضد الديمقراطية، ومن هنا جاء ما يسمونه (الإسلام السياسي) المرفوض. يقول الكاتب المعروف الأستاذ فهمي هويدي عن مصطلح الإسلام السياسي: الذين اخترعوا هذا المصطلح هم التيار الآخر (العلماني) المعادي للإسلام؛ فليس هناك شيء اسمه (الإسلام السياسي) . فالنموذج الإسلامي له مرجعية محددة واضحة في القرآن والسنة تختلف فيها الاجتهادات. وبالرغم من تطور خطابات كثير من الحركات الإسلامية وتطور مشروعاتها السياسية في المجتمعات التي وجدت بها فقد نالت رضا وتقدير الكثير من الناخبين، مما بوّأها مكانة متميزة سبقت بها كثير من الأحزاب العريقة في بلدانها. لكن أولئك الكتاب المشبوهين الذين يعملون بكل جهد على الإساءة للحركات الإسلامية والتخويف من طموحاتها المعقولة جعلهم حقدهم يقعون في عقدة (الإسلام فوبيا) ، لكن ذلك بالطبع لا ينطلي على المتابعين، فلا يصدِّق أحد أكاذيبهم؛ لأن الناخبين يعرفون حق المعرفة برامج تلك الاتجاهات الإسلامية، ويعرفون مدى صدقيتها، ويعرفون حق المعرفة أن الحرب الإعلامية ضد الإسلام ودعاته أصبحت مكشوفة، بل إن الشارع السياسي في كل بلد جرَّب الأحزاب الحاكمة بأمرها فوجد فيها التسلط وتزوير الانتخابات واستغلال السلطة، ولم يجد في برامج تلك الأحزاب الحاكمة إلا القليل من الإيجابيات والكثير من السلبيات. نعم! يوجد بعض الاتجاهات الإسلامية الرديكالية وذات المناهج العنيفة، لكن ذلك ليس هو الاتجاه الإسلامي كله، ثم هل أتيحت الفرصة لاتجاه إسلامي ما حكمَ أي بلاد تدعي الديمقراطية ثم أخفق؟! هذا ليس صحيحاً. ومن هنا فإننا نطالب بكل موضوعية أن يُعطى الإسلاميون الحق مثلهم مثل غيرهم من الأحزاب المرضي عنها؛ لا أن يهمّشوا وأن يرفضوا وأن يُعتقلوا في كل موسم انتخابي، وبعد أن (تطير الطيور بأرزاقها) يُفرج عنهم؛ فتلك لعبة سخيفة وأسلوب مكشوف لوأد النجاح في مثل تلك المواسم خوفاً من الإسلام ودعاته؛ فإلى متى تبقى هذه الأساليب الاستبدادية المستنكرة؟ إلى متى يوقف دون وصول الإسلام إلى سُدَّة الحكم حتى بالديمقراطيات المزعومة؟ نسأل الله أن يصلح الأحوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 5447

وقفة على أطلال نيو أورلينز حكمة الله تتجلى في أقداره إعداد: المكتب العلمي إشراف أ. د. ناصر بن سليمان العمر الحمد لله على ما قضى وقدر، والشكر له على ما امتن به وتفضل، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وصحابته ومن اتبع سبيلهم إلى يوم الدين، وبعد: فإن من جملة اعتقاد أهل السنة أن الله يقدِّر ويقضي ما شاءه وأراده، وأن مشيئته وإرادته تعلق بها محبته ورضاه في الأقضية والأقدار الشرعية، لا الكونية التي لا تستلزم الرضا والمحبة. فالله يحب طاعة الطائعين التي قدَّر وقوعها كوناً وشاءها وأحبها شرعاً، فطاعة العبد تحصل بمشيئة شرعية أحبها الله ورضيها، كما أن الله ـ سبحانه ـ يبغض معصية العاصين التي قضاها كوناً وشاء وقوعها قدراً مع أنها غير محبوبة في ذاتها ولكن اقتضت حِكَمه العظام وقوعها، فجرى بها القلم في الأزل لعلم الله التام باختيار خلقه، ولا يظلم ربك أحداً. وبناء على هذا التفصيل والتفريق من حيث الحب والبغض بين القدر الكوني والقدر الشرعي، انقسم حكم الرضا بالقدر عند المحققين من أهل العلم إلى: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحرم. فتقدير المعايب والذنوب ونحوهما مما لا يحبه الله ويرضاه، ولكن شاء وقوعه لحِكَم خارجة عنها، ينبغي أن لا يرضى بها العبد، بل عليه أن يتسخَّطها (١) . فالله قد يشاء ما لا يحبه كمشيئته وجود إبليس وجنده، وقد يحب ما قد لا يشاء كونه كإيمان الكفار وطاعات الفجار؛ فليس بين المحبة والمشيئة الكونية تلازم؛ ولكن ما شاء الله كونه كان. وإذا تقرر هذا فالرضا بالقضاء أنواع: - أما القضاء الشرعي الديني المحبوب إلى الله : فالرضا به واجب وهو أساس الإسلام كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . - وأما القضاء الكوني القدري الموافق لهوى العبد: فالرضا به لازم؛ لأنه ملائم للعبد محبَّب لديه، وليس في هذا الرضا عبودية، وإنما العبودية في مقابلته بالشكر، والاعتراف بالمنة، ووضع النعمة في موضعها. - وأما القضاء الكوني المخالف لهوى العبد فهو قسمان: ١ - قسم يقع بغير اختيار العبد كالمرض والفقر وأذى الناس؛ فالرضا بهذا مستحب، وهو من مقامات أهل الإيمان، وفي وجوبه قولان. ٢ - قسم يقع باختيار العبد مما يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه شرعاً؛ فهذا لا يجوز الرضا به ولا محبته ولا الصبر عليه، بل عكس ذلك هو الواجب. وإذا تقرر هذا فإن الحادثة المقضية، قد يكتنف الرضا بها أكثر من قسم باعتبارات أو متعلقات مختلفة. وقد يجتمع فيها السرور والحزن كلٌّ من وجه، ومثل هذا يقع كثيراً في عامة الكوارث التي تصيب القرى والمدن والبلدان، فقلَّ أن تخلو أرض من مسلم، أو من صغار وأطفال سبق في علم الله تيسُّرهم لليسرى، وقد يكون بها رجل ربما لم تبلغه الرسالة. وإن كان عامة أهلها ـ في الغالب ـ مأخوذون بذنبهم في الدنيا. والحديث هنا لا يتوجه إلى ما يتوجب تجاه مصاب هذا الصنف الأخير، ولا سيما أهل البغي والعدوان منهم، ولكنه منصبٌّ على مصاب الأصناف الأولى التي تشمل المسلم والصغير ونحوهم. فقد يبدو لبعض الجَهَلَة مُتَسَخِّطَةِ الأقدار أن أخذ الأطفال والصغار وغيرهم بجريرة الكبار ظلم صنعته يد الطبيعة الغادرة؛ ولعل سبب هذا الظن السيئ غفلتهم عن الحِكَم العظام التي لا تخلو منها مثل تلك الأقدار؛ ولغفلتهم عنها لا تتسع عقولهم لها فيتساءلون: كيف يريد الله ـ سبحانه ـ حصول أمر لا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاء وقوعه؟ وكيف تجتمع إرادة الله له مع بغضه لأذى المؤمنين والمعذورين وذلك من مقتضى رحمته وعدله؟ وجواب هذا الإشكال تنكشف به بعض الحِكَم العظيمة في تقدير بعض الأقدار والتي منها مثل إعصار (كاترينا) الأخير، الذي اجتاح (نيو أورلينز) فأهلك أمة، وأضر بآخرين. وخلاصة الجواب على هذا الإشكال أن يقال: المراد نوعان: مراد لنفسه مطلوب ومحبوب لذاته، لما فيه من الخير. ونوع آخر: مراد لغيره قد لا يكون في نفسه مقصوداً للمريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، ولكن بالنظر إلى إفضائه وإيصاله إلى مراده، فيجتمع فيه الحب والبغض، ولا يتنافيان لاختلاف ما تعلق به كل منهما، فهو بمثابة الدواء المر الذي فيه شفاء، وبمثابة بتر عضو ميت لبقاء سائر الأعضاء. ومن أمثلة ذلك تقدير الله لكون مثل هذه الفيضانات التي تتسبب في إهلاك الحرث والنسل والأنفس، مع أن الله لا يحب الفساد. فقد اقتضى عدله وحكمته وقوعه، وقد يدرك البشر بعض تلك الحِكَم، وقد يغيب عنهم أكثرها، وقد يجهلون لجهلم بالغيب والمستقبل معظمها؛ فعلوم البشر قاصرة كما قال الله ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] . ولعل من الحكم الظاهرة في تقدير أمثال تلك الظواهر الكونية أمور منها: أولاً: إظهار آية كونية مرئية يخوِّف الله بها عباده حتى يرجعوا للآيات السمعية التي جاءت بها الرسل؛ فكم من إنسان يرى آحاد الناس من حوله يُتخطفون ولا يعتبر، ويقرأ آيات القرآن فلا يدَّكِر؛ فلما رأى هذه الآية قال بلسان الحال أو المقال: ﴿لا إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وَفي شِدَّةِ الدَهرِ اِعتِبارٌ لِعاقِلٍ وَفي لَذَّةِ الدُنيا غُرورٌ لِواثِقِ وهكذا قد تكون هذه الكارثة سبباً في اتعاظ العقلاء واعتبارهم، سواء أولئك الذين عاصروها فخصهم الله بالنجاة من بين ألوف أهلكهم. أو أولئك الذين سمعوا بها ورأوا المَثُلات وهم في منأى عنها. وقد قيل: رب ضارة نافعة، ومصائب قوم عند قوم فوائد. فهذه الآية قد تكون عبرة لأولي الألباب، وأصحاب العقول فيدَّكر بها قوم، وبالمقابل يحق بها العذاب على آخرين لا يعتبرون ولا يتعظون ولا يرعوون. والسؤال الذي يطرح نفسه بين أيدينا: هل هذه المَثُلاتُ وهي روائعٌ فيها لنا عِظَةٌ وفصل خطابِ؟ ماذا نُعِدُّ لذودها عن حوضنا يكفي الدِعابُ فلات حين دعابِ! أوَ يبقى بعدها عذر للغافلين في لهو باطل أو لعب محرم؟ ﴿أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] . ثانياً: يُهلك الله بمثل هذه الأقدار أمماً من أهل مُحادَّته ومعصيته، وقد جرت سنته في الأمم الماضية بهذا، ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] ، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] ، ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١١ - ١٥] ، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦ - ٩٨] ، ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ٨ - ١٠] . فهذه الكوارث من تعجيل العقوبة بالذنب، ولا يظلم ربك أحداً. قال ـ سبحانه ـ: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠] ، وقال ﵎: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ، وقال ـ عز في علاه ـ: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٣ - ١٤] . وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] . وقال ـ عز شأنه ـ: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] . وهنا يرد سؤال يكرره بعض الجهال: إذا كان الأمر كذلك، فإن هذا الكوارث تجتاح كافة البلدان، وقد رأينا كيف أصاب «التسونامي» قريباً أمماً فيهم المسلم، وفيهم المساكين والضعفاء، فهلك فيه أضعاف من هلكوا «بكاترينا» فكيف يقال إن تلك الكوارث عقوبات مقدرة؟ ثم إن أمم الغرب في الجملة أقل تعرضاً لمثل هذه الحوادث من الأمم الشرقية التي لم تعلُ عُلُوَّ الدول الغربية؛ فلماذا لا يحل بالغرب ما حل بأولئك إن كنتم صادقين؟ وحاصل هذا الاعتراض: ألا يرى الله أمم الكفر في الغرب؟ لماذا لا تحل بها المثُلات إذا كان ما حل بهؤلاء أخذاً لهم بذنوبهم؟ والجواب على هذا الاعتراض من ثلاثة طرق لكل طريق عدة أوجه: فأما الطريق الأول: فطريق التنزُّل على فرض التسليم بأن دول الغرب الكافر لم يحلَّ بها ما حل بأهل المشرق، والطريق الآخر: دفع للدعوى بالصدر؛ فمن قال بأن أمم الغرب الكافرة لم ينزل بها من العذاب ما نزل بأمم الشرق؟ وحاصل الطريق الثالث: أنه بصرف النظر عن الأمرين؛ فربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير. وكل واحد من هذه الطرق يمكن تقريره بأوجه عدة، أقتصر هنا على ذكر واحد منها هو من أظهرها في تقديري. أما الطريق الأولى: فلعل من أوجهها أن سنَّة الله جرت بإمهال المدن والقرى إلى أجل يقدره ربها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩] ، وفي الصحيحين: «إن الله يملي للظالم؛ فإذا أخذه لم يفلته» (١) ، وأمم الغرب أمم لا تزال فتية إذا ما قيست بأمم الشرق، سواء من حيث وجودها، أو من حيث بلوغ الرسالة لها. أما من حيث وجودها؛ فإذا نظرت في تاريخ نشوء الدول الأوروبية وجدته لا يقاس بما يروى ويذكر عن نشوء الحضارات في الأمم الشرقية، ومن المشهور أن قارة أمريكا كلها كان اكتشافها عام ١٤٩٢م؛ بينما اجتاح المغول من أقصى المشرق العالم الإسلامي قبل ذلك التاريخ بنحو قرنين ونصف، ثم كان تأسيس الولايات المتحدة بعد اكتشاف القارة التي كانت نسياً منسياً بنحو ثلاثة قرون. ومما يدل على حداثة نشوء تلك البلاد عموماً أن الرسالات السماوية التي جاءت بالديانات الكبرى والتي يملأ أتباعها الآفاق كان منشؤها بعيداً عن دول الغرب، في الأرض المباركة وجزيرة العرب وما تاخمهما؛ حيث عاش أبو البشر ﵇ ابتداءً، وتتابع الأنبياء بعده، فقد ورد أن أول من بنى البيت الحرام آدم ﵇ (٢) ، ثم جدده إبراهيم ﷺ ، وقد كانت تلك الرقعة وما جاورها أرض المعجزات النبوية، ومجال الرسالات السماوية، والحضارات القديمة؛ ففيها بلد سبأ، وسدُّ مأرب، وعرش عظيمٌ، وبئرٌ معطلة، وقصر مشيد، بل سائر بلاد عاد؛ إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمودُ الذين جابوا الصخر بالوادي، وأصحابُ الرس، وأصحاب الأيكة، وأصحاب الأخدود، وقبر هود، ودعوة إبراهيم، وحجر صالح، ومدين شعيب، وأرض بابل، وبيت لحم، والخليل، والمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله بكثرة من دُفن بجواره من الأنبياء، وهذا مؤشر يدل على حداثة الغرب بشكل عام، وصِبا أمريكا بشكل خاص، ولا سيما إذا ما قيست أعمارهم بأعمار البلاد المشرقية. أما من حيث بلوغ الرسالة فقد ساد الإسلام الهند قبل اكتشاف قارة أمريكا بأسرها، بل بلغ الصين منذ قرن الإسلام الأول، ولعل هذا هو السبب في حمل بعض أهل العلم حديث ثوبان عند مسلم: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنَّ مُلك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها» (٣) ، على واقعه في القرن الخامس، فقال: «فكان كذلك؛ فقد بلغ ملكهم من أول المشرق: من بلاد الترك إلى آخر المغرب من بحر الأندلس وبلاد البربر، ولم يتسعوا في الجنوب ولا في الشمال ـ كما أخبر ﷺ سواء بسواء» ، بل قال النووي: «فيه إشارة إلى أن مُلك هذه الأمة يكون معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب؛ وهكذا وقع. وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب» (١) . «قال الخطابي: توهم بعض الناس أن (من) في (منها) للتبعيض، وليس ذلك كما توهمه، بل هي للتفصيل والتفصيل لا يناقض الجملة، ومعناه أن الأرض زويت لي جملتها مرة واحدة، فرأيت مشارقها ومغاربها، ثم هي تفتح لأمتي جزءاً فجزءاً حتى يصل ملك أمتي إلى كل أجزائها. قال القاري: ولعل وجه من قال بالتبعيض هو أن ملك هذه الأمة ما بلغ جميع الأرض» (٢) ، وهذا النمط من توسع المد الإسلامي نمط طبيعي؛ فالإسلام انبثق من أرض الجزيرة ثم شرَّق وغرَّب، فدخل بلاد فارس وتعداها شرقاً، كما دخل بلاد أفريقيا وتعداها غرباً، ولعل من أسباب تأخره عن البلاد الأوروبية الطبيعة المناخية والجغرافية وما تتضمنه من مسطحات مائية تقصي جل القارة الأوروبية شيئاً ما؛ فضلاً عن الأمريكتين وأستراليا. أما الطريق الثاني في رد اعتراض القائل بأن الذنوب في أمم الغرب الكافر أعظم وأكثر منها في دول المشرق، ومع ذلك لم يأخذهم الله بذنوبهم كما تزعمون، فبأن يقال: بل أخذهم! ولهذا الطريق أوجه كثيرة أيضاً تشهد له، وأقتصر كذلك على أظهرها، ولا أود البحث عن إحصائيات وأرقام تبين أن بعض تلك الأمم مهددة بالانقراض، لولا الهجرة، وفقاً لإحصائيات معدل نمو السكان، بل أكتفي بالتذكير بحقيقتين تاريخيتين ظاهرتين، وهما الحربان العالميتان: الأولى والثانية؛ فقد اندلعت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤م بين الدول الأوروبية لتحصد قرابة ثلاثين مليون نسمة ما بين عسكري ومدني جلهم من أوروبا، ثم نشبت الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩م واستمرت ست سنوات عجاف أهلكت ما يربو على أربعين مليون إنسان كان نصيب آسيا بما فيها الصين واليابان التي سقطت عليها قنبلتا هيروشيما ونجازاكي أقل من أربعة ملايين، والبقية أوروبيون وأمريكيون. وحتى لا يتوهم إنسان أن هذا الوجه يقضي على الوجه الأول في الرد بالبطلان وليس كذلك؛ أنبه إلى أن الأول ضَرْبٌ من التنزُّل مع المعارض في مقدمته ليستبين أن النتيجة التي بناها عليها باطلة، وهذا الوجه الثاني اعتراض على المقدمة نفسها. أما الوجه الثالث في رد هذا الاعتراض فبأن يقال: الله خلق الخلق، وهو أعلم بما عملوا، وبما كانوا عاملين، يؤاخذ من شاء فيعجل له العقوبة بعدله، ويؤخرها لآخرين وفق حكمته وعلمه، ولا يستطيع أحد من البشر أن يقول: هؤلاء أجدر بالعذاب من هؤلاء وهم به أوْلى إلاّ إذا أحصى أعمال وأقوال واعتقادات هؤلاء وهؤلاء، ثم حكم أيها عن منهج الله أبعد، وإذا لم يكن هذا في طاقة البشر فليعترف الإنسان بجهله، وليُمسك عليه لسانه، وليسلم أمر الخلق لخالقهم الذي يعلم السر وأخفى. وبعد هذا الاستطراد نعود إلى ذكر بعض الحِكَم التي تنطوي عليها مثل هذه الأحداث. فمنها وهي الثالثة: أن الله يكتب بها شهادة لأهل طاعته، ومحبته فيرفع بها درجاتهم، ويعلي بها منازلهم. روى الإمام البخاري حديث مالك في الجهاد وعقد له باباً: (الشهادة سبع سوى القتل) ثم ساقه بسنده إلى أبي هريرة: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، والمقتول في سبيل الله» (٣) ، بل روى أبو داود في سننه عن أم حرام عن النبي ﷺ أنه قال: «والغَرِق له أجر شهيدين» (٤) ، قال المناوي: قال المظهر: هذا إن ركبه لنحو طاعة كغزو وحج وطلب علم وكذا التجارة ولا طريق له غيره، وقصد طلب القوت لا زيادة ماله» (٥) ، وهذا يلمح إلى أن من مات في البحر أثناء سفر معصية فليس له ذلك الأجر المشار إليه، بخلاف من مات غريقاً في سفر مندوب، ويفهم منه كذلك استثناء صاحب السفر المباح من أجر الشهيدين، وإن لم يخرجه ذلك عن أجر الشهيد الواحد الثابت في الصحيح، على أن الجزم بإخراج من هلك في البحر في سفر مباح لا يتناوله أجر الشهيدين محل نظر؛ فالنص قد جاء مطلقاً، والتقييد بغير مقيد لا يسوغ، وقد ورد نظير هذا في من مات بالطاعون صابراً محتسباً؛ فله أجر شهيدين؛ فليكن شهيد البحر وإن مات في سفر مباح صابراً محتسباً مثله طالما أن النص ثبت في حق الجميع. والخلاصة: أن الذين هلكوا في هذا الطوفان من أهل الإيمان هم شهداء عند ربهم. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٩] ، فهنيئاً لهؤلاء أجر من جنس أجر شهداء المعترك وإن لم تجرِ عليهم أحكامهم في الدنيا (٦) . رابعاً: يُظهِرُ الله بمثل هذه الآيات عظيم قدرته وقوَّته وعزته، وتمام ملكه وسلطانه، فخُلُوُّ الوجود عن مثل هذه الظواهر تعطيل لحكمة الخالق وكمال قدرته وتصرفه وتدبيره مملكته، كما أنه تُفِيق بها فئام نسيت قدرة الله فأذعنت لمن خافت سطوتهم من البشر، فتدعوها هذه الأقدار لمراجعة توحيدها وتحقيق إخلاصها، برجوعها إلى ربها؛ فلا تشرك معه في قوَّته وقدرته وسلطانه أحداً، ويُفِيق كذلك بعض من غرتهم قوتهم فيتذكرون أن الذي خلقهم هو أشد منهم قوة؛ فأوْلى لهم أن لا يجحدوا آياته، وأن يتجنبوا أسباب سخطه وعقابه. وعندها يقرأ المتعظ المعتبر بقلب واع قول الله : ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦] . وكم من جمل اسْتَنْوَقَ، وحمار اسْتَأْتَنَ، وكم من أمة كانت نُشْبَة، فأضحت لما صال الدهر صولته عُقْبَة، فاستعيذوا بالله من الحَوْر بعد الكَوْر. خامساً: ومن حِكَم مثل هذه الأقدار ظهور بعض آثار أسماء الواحد القهار، كالمنتقم، والضار والنافع، وشديد العقاب، وسريع الحساب، وذي البطش الشديد، ولا شك أن لذلك أثراً في ازدياد الإيمان عظيم. فلِتعرُّف العبد على تلك الأسماء والصفات وما تتضمنه تأثير في نفسه يقوده إلى الخوف من ربه، كما أن لشهود النعم والأفضال التي تترى ليل نهار أثراً في نفس العبد يقوده إلى حب الرب المنعم المتفضل. وبعبادة الخوف والحب والرجاء يتحقق الإيمان في قلب العبد؛ فالخوف يمنع من مقارفة ما يُغضِب الرب، كما أن الحب يدفع لفعل ما يرضاه، ولهذا أُثِرَ عن السلف قولهم: «مَنْ عبدَ اللهَ بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومَنْ عبدَ اللهَ بالخوف وحده فهو حروري، ومَنْ عبدَ اللهَ بالحب وحده فهو زنديق، ومَنْ عبدَ اللهَ بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن» (١) ، وقد استحب السلف أن يقوِّي العبد جانب الخوف في حال الأمن والصحة حتى لا يغتر، وقالوا: إذا غلب الرجاء على القلب فسد. سادساً: ومن حِكَم هذه الأقدار حصول بعض العبادات المحبوبة كالتوبة، والاستغفار، والإنابة، والرجوع إلى الواحد الغفار؛ فكم من إنسان رأى ما حل بغيره من البشر، وعلم أنه ليس بينه وبين الله نسب، فقال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به، وفضلنا على كثير من خلقه تفضيلاً، لا إله إلاّ أنت تبت إليك سبحانك إني كنت من الظالمين. وكم من غافل أفاق يوم أن حلت به المثلات التي نزلت بالأمم السالفات. ولما رأيت الدهر تسطو خطوبه بكل جليد في الورى ومهانِ ولم أرَ مِن حِرزٍ ألوذُ بظله ولا مَن له بالحادثات يدانِ فزعت إلى من تمْلِك الدهرَ كفُه ومن ليس ذو ملك له بمدانِ وأعرضت عن ذكر الورى متبرماً إلى الرب من قاص هناك ودانِ قال ابن كثير ﵀: «قال قتادة: إن الله ـ تعالى ـ يخوِّف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذَّكَّرون ويرجعون، ذُكِرَ لنا أن الكوفة وَجَفَتْ على عهد ابن مسعود ﵁ فقال: يا أيها الناس! إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه» (٢) ، وقد روي مرفوعاً ولم يصح «قال أبو عمر: لم يأت عن النبي ﷺ من وجه صحيح أن الزلزلة كانت في عصره ولا صحت عنه فيها سُنَّة، وقد كانت أول ما كانت في الإسلام على عهد عمر فأنكرها، وقال: أحدثتم والله! لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم» (٣) ، والأمر كما قال ابن عبد البر؛ فلم تصح سنَّة بأن زلزلة شهدها النبي ﷺ ، بل قال عبيد الله بن النضر: حدثني أبي قال: كانت ظلمة على عهد أنس، قال: فأتيت أنساً، فقلت: يا أبا حمزة! هل كان يصيبكم مثل هذا على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: معاذ الله! إن كانت الريح لتشتد فنبادر إلى المسجد مخافة القيامة (٤) ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ، وهذا استدلال بطريق الأوْلى. ثم قال ابن كثير بعد أن ذكر قول قتادة الآنف: «وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب ﵁ مرات، فقال عمر: أحدثتم والله! لئن عادت لأفعلن ولأفعلن كذا» (١) ، قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يخوِّف بهما عباده؛ فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذِكْرِه ودعائه واستغفاره» (٢) . وقد أشار الإمام ابن القيم ﵀ في معرض كلام له إلى هذه الحكمة، فقال: «فتحدث فيها الزلازل العظام، فيحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية والإنابة والإقلاع عن معاصيه والتضرع إليه والندم» (٣) ثم أشار إلى شيء من الآثار الآنفة. سابعاً: ومن تلك الحكم أن يتعبد الناسُ ربَّهم، بالاستعاذة به مما يحاذرون، وكذلك بصدق دعائه ورجائه فيما يأملون، من نحو طلب نجاة حبيب، أو سلامة قريب، أو إغاثة مستغيث، أو رزق معوز لم يكن يخطر بباله سؤال الرزق يوماً. ثامناً: ومن تلك الحِكَم أن يبتلي الله آخرين فينظر كيف يعملون: هل يبذلون أموالهم ويغيثون إخوانهم المسلمين، أم يقبضون أيديهم ويكتفون بموقع المتفرج؟ فتكون تلك الأقدار سبباً في حصول عبادات بدنية ومالية يقوم بها من يهبُّ لإغاثة إخوانه، ويُحْجِم عنها آخرون، فيستحق كل منهما دعاء المَلَك: «اللهم أعطِ منفقاً خلفاً! اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً!» . تاسعاً: استفادة بعض الناس منها بفتح أبواب رزق لم تكن لتُفتح لهم، وأعظم من ذلك بلوغ أسباب خير لم تكن لتبلغهم، وكذلك امتحان آخرين في دينهم ليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، الذين إذا أصاب أحدهم خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين. وفتح هذه الكوارث لمجالات عمل دنيوي وعمل ديني ظاهر لا يخفى؛ فالمنظمات التي تُعنى بهذه الكوارث تعد ولا تحصى، وكِلا المجالين الديني والدنيوي يدخل فيهما أصحاب الحق وأصحاب الباطل، في محاولات للاستفادة من النازلة لأجل ترويج تجارتهم المادية أو المعنوية. عاشراًً: ـ وأختم به ـ ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ في حِكمَ خَلْقِ بعض من لا يحبه الله ويرضاه؛ فعدَّ منها: «أن خَلْقَ الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضاً ويكسر بعضها بعضاً هو من شأن كمال الربوبية والقدرة النافذة والحكمة التامة والملك الكامل، وإن كان شأن الربوبية كاملاً في نفسه ولو لم تخلق هذه الأسباب، لكنَّ خَلْقَها من لوازم كماله وملكه وقدرته وحكمته؛ فظهور تأثيرها وأحكامها في عالم الشهادة تحقيق لذلك الكمال وموجب من موجباته؛ فتعمير مراتب الغيب والشهادة بأحكام الصفات من آثار الكمال الإلهي المطلق بجميع وجوهه وأقسامه وغاياته. وبالجملة: فالعبودية والآيات والعجائب التي ترتبت على خلق ما لا يحبه ولا يرضاه وتقديره ومشيئته أحب إليه من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها. فإن قلتَ: فهل كان يمكن وجود تلك الحِكَم بدون هذه الأسباب؟ قلتُ: هذا سؤال باطل؛ إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب» . والخلاصة: أن الله ـ تعالى ـ منزه عن العبث، بل أقداره لحِكَم، علم منها شيئاً من علم، وجهل أكثرها الناس. ومن عقيدة أهل السنة أن الله لا يخلق شراً محضاً من جميع الوجوه والاعتبارات، بل قد يكون ذلك المخلوق شراً ومفسدة ببعض الاعتبارات، وفي خلقه مصالح وحِكَم باعتبارات أخر أرجح من اعتبارات مفاسده. بل الواقع منحصر في ذلك؛ فلا يمكن في جناب الحق ﷻ أن يريد شيئاً يكون فساداً من كل وجه بكل اعتبار لا مصلحة في خلقه بوجه ما؛ هذا من أبين المحال؛ فإنه ـ سبحانه ـ بيده الخير، والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير؛ والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة إليه سبحانه؛ فالله وإنْ خَلَقَهُ وشاءه غير أنه لا يحبه من جهة كونه شراً ولا يرضاه، وإنما يسَّره بحكمته لما علمه من طبيعته؛ فلم يمده بمادة الخير ولم يصرفه فيما ينفع فأحدث ما أحدث، ولله الحكمة البالغة في أقداره، وله الشكر على توفيقه وأفضاله.

стр. 5448

الأحداث المعاصرة في ضوء السنن الربانية عبد العزيز بن ناصر الجليل قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] . ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر: ٤٣] . والآيات من كتاب الله في ذكر مثل هذه السنن الربانية كثيرة جداً؛ وبخاصة عند التقديم والتعقيب على قصص الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مع أقوامهم، وإنه لمن الواجب على دعاة الحق والمجاهدين حقاً في سبيل الله ـ تعالى ـ أن يقفوا طويلاً مع كتاب الله وما تضمن من الهدى والنور، ومن ذلك ما تضمنه من السنن الربانية المستوحاة من دعوة الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وذلك لأن في معرفتها والسير على هداها أخذاً بأسباب النصر والتمكين والفلاح، ونجاة مما وقع فيه الغير من تخبط وشقاء. وفي الغفلة عنها تفريط في الأخذ بأسباب النجاة وإعراض عن هدي الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ في الدعوة إلى الله الذين هم أعرف الناس بالله ـ سبحانه ـ وبأسمائه وصفاته، ومن ثَم فهم أعرف بسننه ـ سبحانه ـ وأيامه، وهم ألزم الناس لها وللسير على ضوئها، وما ضل من ضل إلا بسبب الإعراض عن كتاب الله وما فيه من الهدي والنور. يقول الدكتور محمد السلمي ـ حفظه الله ـ: «التاريخ بما يحتوي من الحوادث المتشابهة والمواقف المتماثلة يساعد على كشف هذه السنن التي هي غاية في الدقة والعدل والثبات، وفي إدراكنا للسنن الربانية فوائد عظيمة حتى لو لم نقدر على تفادي حدوثها والنجاة منها؛ حيث يعطينا هذا الإدراك والمعرفة صلابةً في الموقف، بخلاف من يجهل مصدر الأحداث؛ فإن الذي يعلم تكون لديه بصيرة وطمأنينة، أما الذي يجهل فليس لديه إلا الحيرة والخوف والقلق» (١) . وليس المقصود هنا التفصيل في موضوع السنن الربانية؛ فهذا له مقام آخر، وإنما المقصود هو الاستضاءة بهذه السنن في الوصول إلى الموقف الحق الذي نحسب أنه يرضي الله وذلك في الأحداث الساخنة التي تدور رحاها في العراق وفلسطين وأفغانستان، والشيشان وما صاحبها من فتن ومواقف، وسأقتصر على ذكر ثلاث من هذه السنن التي رأيت أن لها مساساً بهذه الأحداث المعاصرة: ü السُّنة الأولى: سنة المدافعة والصراع بين الحق والباطل: يقول الله : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] . ويقول ﵎: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] . وعن عياض بن حمار المُجاشِعي؛ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلِّمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً فقلت: رب إذن يثلغوا رأسي فيدَعوه خبزةً؛ قال: استخرجْهم كما استخرجوك، واغزُهم نغرك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك» (١) . ففي هاتين الآيتين والحديث القدسي أبلغ دليل على أنه منذ أن اجتالت الشياطين بني آدم عن دينهم، وظهر الشرك والكفر، وظهر تحريم الحلال وتحليل الحرام ـ منذ ذلك والصراع حتمي بين الحق وأهله من جهة والباطل وأهله من جهة أخرى؛ هذه سُنَّة إلهية لا تتخلف؛ ووقائع التاريخ القديم والحديث تشهد على ذلك، وهذه المدافعة وهذا الصراع بين الحق والباطل إن هو إلا مقتضى رحمة الله وفضله، وهو لصالح البشرية وإنقاذها من فساد المبطلين؛ ولذلك ختم الله آية المدافعة في سورة البقرة بقوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] ؛ حيث لم يجعل الباطل وأهله ينفردون بالناس، بل قيَّض الله له الحق وأهله يدمغونه حتى يزهق؛ فالله ـ تعالى ـ يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] . إن الذين يطمعون في الإصلاح ودرء الفساد عن الأمة بدون هذه السُّنَّة ـ أعني سنة المدافعة مع الباطل وأهل الفساد ـ إنهم يتنكبون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله الذي ارتضاه واختاره لهم، وإن الذين يؤْثرون السلامة والخوف من عناء المدافعة مع الفساد وأهله، إنهم بهذا التصرف لا يسلمون من العناء والمشقة، بل إنهم يقعون في مشقة أعظم وعناء أكبر يقاسونه في دينهم، وأنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم، وهذه هي ضريبة القعود عن مدافعة الباطل، وإيثار الحياة الدنيا. والمدافعة بين الحق والباطل تأخذ صوراً متعددة: فبيان الحق وإزالة الشُّبَه ورفع اللبس عن الحق وأهله مدافعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدافعة، وبيان سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين مدافعة، والصبر والثبات على ابتلاء الأعداء من الكفرة والظلمة مدافعة، ويأتي الجهاد والقتال في سبيل الله على رأس وذروة هذا المدافعات لكف شر الكفار وفسادهم عن ديار المسلمين ودينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: «والجهاد: منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة والبيان والرأي والتدبير والصناعة فيجب بغاية ما يمكنه» (٢) . واليوم لم يعد خافياً على كل مسلم ما تتعرض له بلدان المسلمين قاطبة من غزو سافر وحرب شرسة على مختلف الأصعدة؛ وذلك من قِبَل أعدائها الكفرة، وأذنابهم المنافقين. فعلى الصعيد العسكري ترزح بعض بلدان المسلمين تحت الاحتلال العسكري لجيوش الكفرة المعتدين التي غزت أهل هذه البلدان في عقر دارهم كما هي الحال في أفغانستان والشيشان والعراق وفلسطين وكشمير، وعلى صعيد الحرب على الدين والأخلاق والإعلام والتعليم والاقتصاد لا يكاد يسلم بلد من بلدان المسلمين من ذلك مما يوجب نصرتهم ما أمكن ذلك قال الله ـ تعالى ـ: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] . هذا فيما يتعلق بقتال الدفع عن المسلمين الذين احتل الكفار ديارهم وغزوهم في عقر دارهم، أما البلدان التي غزاها الكفار في عقر دارها عقدياً واجتماعياً وإعلامياً واقتصادياً وثقافياً، وتعاون معهم إخوانهم المنافقون في تنفيذ مخططاتهم فهذا النوع من الغزو لم يسلم منه بلد من بلدان المسلمين، وقد تسارع الغزاة في تنفيذ مخططهم الإفسادي في السنوات الأخيرة بشكل لافت وخطير؛ فما هو الواجب على المسلمين في هذه البلدان لمدافعة هذا الغزو الخطير؟ فقد تقرر فيما سبق من الكلام إن الجهاد يتعين على المسلمين إذا غزاهم الكفار في عقر دارهم، ويصبح واجباً على كل مسلم قادر أن يشارك في دفع الصائل عن بلده بكل ممكن، فإن كان الغزو عسكرياً وبالسلاح وجب رده بالقوة الممكنة والسلاح، وإذا كان الغزو بسلاح الكلمة والكتاب والمجلة والوسائل الإعلامية الخبيثة بأنواعها المقروءة والمسموعة والمشاهدة منها أقول: إذا كان الغزو من الكفار للمسلمين في عقر دارهم بهذه الوسائل والمعاول الخطيرة والتي يباشر الكفار بعضها وينيبون إخوانهم من المنافقين في بعضها؛ فإن الجهاد بالبيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمدافعة والتحصين يصبح واجباً عينياً على كل قادر من المسلمين كل بحسبه، وإن التقاعس أو التشاغل أو التخذيل لهذا الضرب من الجهاد يُخشى أن يكون من جنس التولي يوم الزحف، وتقديماً للدنيا الفانية على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله تعالى، ولا يبعد أن يكون من المعنيين بقوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] . هذا وإن كانت هذه الآيات في جهاد الكفار في ساحات القتال؛ فما الذي يمنع من أن تشمل أيضاً القاعدين عن جهاد الكفار والمنافقين بالبيان والمدافعة لأفكارهم الخبيثة وأخلاقهم السافلة، والوقوف أمام وسائلهم ومخططاتهم المختلفة وتحصين الأمة وتحذيرها منها؟ فلقد قال الله آمراً نبيه محمداً ﷺ في سورة مكية بمجاهدة الكفار بالقرآن قبل فرض الجهاد عليهم بالقتال؛ وذلك في سورة الفرقان؛ حيث يقول الله : ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: «والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة والرأي والتدبير والصناعة؛ فيجب بغاية ما يمكن» . ولا يعذر أحد من المسلمين في النفرة لهذا الجهاد كل بحسب علمه وقدرته. يقول ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «ولله ـ سبحانه ـ على كل أحد عبودية بحسب مرتبته، سوى العبودية العامة التي سوَّى بين عباده فيها: فعلى العالم من عبودية نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره. وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه من هو عليه به، والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير. وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما. ومَنْ له خبرة بما بعث الله به رسوله ﷺ ، وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين، هم أقل الناس ديناً والله المستعان، وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تُنتهك، وحدوده تضاع، ودينه يترك، وسنة رسول الله ﷺ يرغب عنها، وهو بارد القلب ساكت اللسان، شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟ وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم، فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المُتحزِّن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتذبَّل (*) وجدّ واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه. وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بُلُوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب؛ فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل» (١) . ü السُّنة الثانية: سُنة الابتلاء والتمحيص: قال الله : ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . وقال : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . يقول الإمام ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ عن الآية الأخيرة: «أي لا بد أن يعقد سبباً من المحنة يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر» (٢) . ويقول صاحب الظلال ـ رحمه الله تعالى ـ: «ويقطع النص القرآني بأنه ليس من شأن الله ـ سبحانه ـ وليس من مقتضى ألوهيته، وليس من فعل سنته، أن يدع الصف المسلم مختلطاً غير مميز، يتوارى المنافقون فيه وراء دعوى الإيمان، ومظهر الإسلام، بينما قلوبهم خاوية من بشاشة الإيمان، ومن روح الإسلام؛ فقد أخرج الله الأمة المسلمة لتؤدي دوراً كونياً كبيراً، ولتحمل منهجاً إلهياً عظيماً، ولتنشئ في الأرض واقعاً فريداً، ونظاماً جديداً، وهذا الدور الكبير يقتضي التجرد والصفاء والتميز والتماسك، ويقتضي ألا يكون في الصف خلل، ولا في بنائه دَخَل، وبتعبير مختصر يقتضي أن تكون طبيعة هذه الأمة من العظمة بحيث تسامي عظمة الدور الذي قدره الله لها في هذه الأرض، وتسامي المكانة التي أعدها الله لها في الآخرة. وكل هذا يقتضى أن يصهر الصف ليخرج منه الخبث، وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة، وأن تسلط عليه الأضواء لتتكشف الدخائل والضمائر، ومن ثم كان شأن الله ـ سبحانه ـ أن يميز الخبيث من الطيب ولم يكن شأنه أن يذر المؤمنين على ما كانوا عليه قبل هذه الرجة العظيمة» (٣) . وبالنظر إلى ما يدور من الأحداث الخطيرة والمتسارعة في بلدان المسلمين اليوم ـ وذلك في الصراع بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر والنفاق سواء ما كان منه صراعاً عسكرياً جهادياً باليد والسنان كما هو الحال في بلاد العراق وفلسطين وما صاحب ذلك من التداعيات، أو ما كان منه صراعاً عقدياً وأخلاقياً كما هو الحاصل في عامة بلدان المسلمين ـ أقول: بالنظر لهذا الصراع في ضوء سنة الابتلاء والتمحيص نرى أن هذه السنَّة الربانية الثانية تعمل الآن عملها بإذن ربها لتؤتي أكلها الذي أراده الله منها؛ ألا وهو تمحيص المؤمنين وتمييز الصفوف حتى تتنقى من المنافقين وأصحاب القلوب المريضة؛ وحتى يتعرف المؤمنون على ما في أنفسهم من الثغرات والعوائق التي تحول بينهم وبين التمكين لهم في الأرض فيتخلصوا منها ويغيروا ما بأنفسهم؛ فإذا ما تميزت الصفوف وتساقط المتساقطون في أبواب الابتلاء وخرج المؤمنون الصادقون منها كالذهب الأحمر الذي تخلص من شوائبه بالحرق في النار حينها تهب رياح النصر على عباد الله المصطفين الذين يستحقون أن يمحق الله من أجلهم الكافرين ويمكِّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وقبل هذا التمحيص والتمييز؛ فإن سنة محق الكافرين وانتصار المسلمين التي وعدها الله عباده المؤمنين لن تتحقق. هكذا أراد الله وحكم في سننه التي لا تتبدل: أنَّ محق الكافرين لا بد أن يسبقه تمحيص المؤمنين، ولذلك لما سئل الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: «أيها أفضل للرجل: أن يُمَكَّن أو يُبتلَى؟ كان من دقيق استنباطه وفهمه لكتاب الله أن قال: «لا يُمَكَّن حتى يُبتلَى» ، ولعله فَهِم ذلك من قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] . وللدلالة والتأكيد على أن مجتمعات المسلمين تعيش اليوم حالة شديدة من الابتلاء والتمحيص والفتنة في هذه النوازل أذكر بعض المواقف التي أفرزتها هذه السُّنَّة ـ أعني سُنَّة الابتلاء والتمحيص ـ في خِضَمِّ هذه الفتن المتلاطمة، ولم يكن لهذه المواقف أن تُعرف ويُعرف أهلها قبل حصول هذه الفتن، وقد ظهرت هذه المواقف مع أننا في أول السُّنَّة وبداية الابتلاء؛ فكيف يكون الحال في آخر الأمر؟ نعوذ بالله أن نرجع على أعقابنا أو أن نفتن. وفي ذكر هذه المواقف نصيحة وتحذير لنفسي ولإخواني المسلمين من الوقوع فيها، أو المبادرة بالخروج منها لمن وقع فيها. الموقف الأول: موقف المنافقين والمرجفين: لم يعد خافياً على أحد ما تطرحه وسائل الإعلام المختلفة وبكل وقاحة ودون حياء ولا خوف من الله أو من الناس؛ وذلك في ما يتعلق بثوابت الدين أو ما يتعلق بالمرأة والتحريض على خروجها ومخالطتها للرجال والزج بها في أعمال مخالفة لحكم الله وحكم رسوله ﷺ ، والسعي الحثيث لمحاكاة المرأة الغربية في هديها وأخلاقها. وليس المقصود هنا تتبع ما يفعله المنافقون والمرجفون في هذه السنوات الأخيرة والمحن العصيبة التي تمر بالمسلمين، وإنما المقصود الدلالة على أن سنة الله في الابتلاء والتمحيص تكشف وتفضح المنافقين وتبرزهم في مجتمعات المسلمين كما فضح الله إخوانهم وسلفهم في عزوة الأحزاب وغزوة أحد وغزة تبوك التي أنزل الله فيها سورة كاملة هي سورة التوبة التي من أسمائها (الفاضحة) ؛ لأنها فضحت المنافقين وميزتهم. وهذه من الحِكَم العظيمة، والفوائد الجليلة لسُنَّة الابتلاء؛ إذ لو بقي المنافقون في الصف المسلم دون معرفة لهم؛ فإنهم يشكلون خطراً وتضليلاً للأمة، أمّا إذا عُرفوا وفُضحوا وتميزوا فإن الناس يحذرونهم، وينبذونهم ويجاهدونهم بالحجة والبيان، أو بالسيف والسنان إن ظهر انحيازهم للكفار ومناصرتهم لهم، وبذلك يتخلص المسلمون من سبب كبير من أسباب الهزيمة والفشل، ويتهيؤون لنصر الله وتأييده. الموقف الثاني: موقف اليائسين والمحبَطين والخائفين: لما كشف أعداء هذا الدين من الكافرين وبطانتهم من المنافقين عن عدائهم الصريح وحربهم المعلنة على الإسلام وأهله، وعندما تعرض كثير من المسلمين ومؤسساتهم الدعوية والخيرية للمضايقة والأذى شعر بعض المسلمين حينئذ بشيء من اليأس والإحباط والخوف؛ وبخاصة لما قام شياطين الإنس والجن يبثون وساوسهم وشبههم في تضخيم قوة الأعداء وأنها لا تقهر؛ عند ذلك سيطر على بعض النفوس اليأس من ظهور هذا الدين والتمكين لأهله؛ فكان منهم فئة ظهر ضعف يقينها ومرض قلوبها في هذه الابتلاءات، فشكَّت في ظهور هذا الدين، واهتز يقينها بوعد الله ـ تعالى ـ بنصرة دينه، وهؤلاء على خطر يهدد إيمانهم ويُخشى أن يقعوا في فتنة المنافقين الظانين بالله ظن السوء. وفئة أخرى لم يساورها الشك في دين الله ـ تعالى ـ بنصرة أوليائه، وإنما أصابها اليأس من ذلك في هذا الزمان؛ حيث رأت أن المسلمين اليوم غير قادرين على المواجهة لعدم تكافئهم مع عدوهم؛ وعليه فلا داعي للمقاومة التي لا تفيد شيئاً، وإنما هي بمثابة المحرقة التي تحرق المسلمين وبخاصة المجاهدين منهم، والحل عند هؤلاء: الاستسلام للواقع وانتظار معجزة ربانية من الله كانتظار المهدي أو المسيح عيسى ابن مريم ﵊ ولا يخفى ما في هذا التصور من الانحراف والشطط، وكم هو مفرح للكفرة والمنافقين مثل هذا التفكير ومثل هذه المواقف المستخذية التي تبث اليأس في نفوس المسلمين وتعيقهم عن بذل الجهد في الدعوة والجهاد والأخذ بالأسباب الشرعية والمادية للنصر على الأعداء. وإن مواقف الخوف واليأس والإحباط ما كانت لتُعرف لولا سُنَّة الابتلاء والتمحيص؛ وظهور هذه السنة وعملها اليوم في حياة المسلمين هي التي أفرزت وأظهرت مثل هذه المواقف، وفي ظهورها فائدة لأصحابها لعلَّهم أن يراجعوا أنفسهم ويُقلِعوا عن هذه المواقف بعد أن اكتشفوا هذا المرض الكامن في نفوسهم بفعل هذه السُّنَّة، كما أن فيه فائدة أيضاً لغيرهم ليحذروا من هذه المواقف ويحذروا ممن ينادي بها. قال الله ـ تعالى ـ في تحذير عباده المؤمنين من الوهن واليأس والإحباط: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] . وقال في وصف عباده الصابرين والموقنين بنصره: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] . وقال في وصف أصحاب محمد ﷺ لما تحزبت عليهم الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلاَّ إيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] . الموقف الثالث: موقف المسايرين للواقع أهل الحلول الوسط: وهم الذين نظروا إلى شدة ما يصيب المسلمين في هذه الأزمنة من الأذى والتضييق والابتلاءات المتنوعة، فرأوا أن الثبات والصمود على ثوابت هذا الدين والصبر على أحكامه الشرعية ومصادمة الواقع مما يصعب في مثل هذه الظروف؛ لأن أعداء هذا الدين لا يرضون بذلك، بل يوجهون حربهم إلى هؤلاء الثابتين الذين يطلقون عليهم تارة: الأصولية، وتارة: المتشددين، وتارة: الإرهابيين؛ والخطير في الأمر في هذه المواقف أنها تغطَّى بشَبَه شرعية، ويحاول أصحابها أن يؤصلوا مواقفهم هذه بأدلة يزعمون أنها قواعد شرعية مع أنها غير منضبطة بضوابط الشرع، ولا ملتزمة بمقاصده؛ كاستدلالهم مثلاً بالضرورة وأحكامها، وقواعد التيسير ورفع الحرج، وبالمصالح المرسلة وغيرها مما هي صحيحة في أصلها لكنها فاسدة في تطبيقها (١) . وعلامة أصحاب هذا الموقف أنهم يصفون أنفسهم أو يصفهم غيرهم بالاعتدال أو الوسطية. وهذه المواقف ما كانت لتُعرف لولا سُنَّة الابتلاء التي تمحص وتميز الصفوف ويكشف الله بها كوامن النفوس التي يعلمها الله مسبقاً، لكنه ـ سبحانه ـ يظهرها للناس بفعل سنة الابتلاء والتمحيص، وصدق الله العظيم: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . وقد أخبر النبي ﷺ أن المتمسك بدينه في آخر الزمان يعد غريباً بين الناس، ووصفه بأنه كالقابض على الجمر؛ وهذا الوصف لا يقدر عليه إلا أولو العزم من المؤمنين الصابرين؛ قال ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ غريباً؛ فطوبى للغرباء. قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون ما أفسد الناس» (٢) . وقال ﷺ : «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» . ولا يخفى على من يراقب اليوم كثيراً من الفتاوى والحوارات التي تقوم بها بعض الصحف والمجلات والقنوات الفضائية ما تحمل من هذه المواقف المتميعة التي يحاول أصحابها أن يتشبثوا في الاقتناع بها بأدنى شبهة أو أدنى قول شاذ يخالفه الدليل الصحيح من الكتاب والسنة، وهذه المواقف والفتاوى لم تقتصر على الأحكام فحسب، بل تعدتها إلى أصول العقيدة وأركانها، وبخاصة ما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر وحدودها، أو بمسائل الولاء والبراء، أو ما يتعلق بالجهاد وأحكامه. والمقصود أن سُنَّة الابتلاء والتمحيص التي نعيشها هذه الأيام قد أفرزت مثل هذه المواقف ولله الحكمة في ذلك؛ لأن في ظهورها خيراً لأهلها لعلهم يحاسبون أنفسهم فيتخلصون منها؛ كما أن فيها خيراً أيضاً لغيرهم حتى يحذروها ويحذِّروا منها. الموقف الرابع: موقف المتعجلين المغيِّرين بالقوة: وهذا الموقف يقابل الموقف السابق؛ فبينما ينحو الموقف السابق إلى التنازل عن بعض الثوابت والتعلق ببعض الشبهات والشذوذات، يذهب أصحاب هذا الموقف إلى الطرف المقابل؛ حيث لم يصبروا على ما يرون من شدائد ومحن وابتلاءات توجه للمسلمين في دينهم وأعراضهم وعقولهم، ورأوا أن الموقف إزاء مثل هذه الابتلاءات هو المواجهة المسلحة دون أن ينظروا إلى ما يترتب عليها من مفاسد كبيرة، ودون أن ينظروا إلى واقعية المصالح التي يسعى لتحقيقها، فنشأ من جراء ذلك أضرار عظيمة عليهم وعلى الدعوة وأهلها في المحيط الذي تدور فيه هذه المواجهات. وهنا أود التنبيه إلى أنه ليس المعنى في هذه المواقف تلك الحركات الجهادية التي تدافع عن المسلمين وديارهم في أفغانستان والعراق والشيشان وفلسطين وكشمير وغيرها ممن يقوم بجهاد الدفع عن ديار المسلمين المحتلة، وإنما المعني هنا أولئك الذين يرون المواجهة المسلحة في بعض بلدان المسلمين قبل وضوح راية الكفر في تلك البلدان للناس، ودون وضوح راية أهل الإيمان في مقابل ذلك، مما ينشأ عنه اللبس والتلبيس على الناس، فتختلط الأوراق ويجد هؤلاء المجاهدون المستعجلون أنفسهم وجهاً لوجهٍ مع إخوانهم المسلمين، فحينئذ تقع الفتنة بين المسلمين، ويقتل بعضهم بعضاً، كما هو حاصل في الجزائر وما قد حصل في بعض البلدان العربية أما تلك الحركات الجهادية التي أعلنت جهادها على الكفار في العراق وأفغانستان لمواجهة التحالف الصليبي أو في كشمير لمواجهة الهندوس والوثنيين، أو في الشيشان لمواجهة الملاحدة الشيوعيين، أو في فلسطين لمواجهة اليهود الغاشمين فإنها حركات مشروعة لوضوح الراية الكفرية، وزوال اللبس عن المسلمين في تلك الأماكن، كما أنه جهاد للدفاع عن الدين والعرض والمكان حتى لا ترتفع فيه راية الكفار. ü السُّنة الثالثة: سُنة الإملاء والاستدراج للكفار والمنافقين: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣] . وهذه السُّنَّة الإلهية تعمل عملها في هذه الأوقات؛ وذلك في معسكر أهل الكفر والنفاق؛ وبخاصة أولئك الذين بلغ بهم الكِبْر والغطرسة والظلم والجبروت مبلغاً عظيماً، ونراهم يزدادون يوماً بعد يوم في الظلم والبطش والكبرياء ومع ذلك نراهم ممكنين ولهم الغلبة الظاهرة كما هو الحاصل الآن من دولة الكفر والطغيان أمريكا؛ حيث ظلمت وطغت وقالت بلسان حالها ومقالها: «من أشد منا قوة» . وقد يحيك في قلوب بعض المسلمين شيء وهم يرون هؤلاء الكفرة يبغون ويظلمون ومع ذلك هم متروكون لم يأخذهم الله بعذاب من عنده، لكن المسلم الذي يفقه سنة الله ويتأملها ويرى آثارها وعملها في الأمم السابقة لا يحيك في نفسه شيء من هذا؛ لأنه يرى في ضوء هذه السنة أن الكفرة اليوم وعلى رأسهم أمريكا وحلفاؤها هم الآن يعيشون سُنَّة الإملاء والاستدراج التي تقودهم إلى مزيد من الظلم والطغيان والغرور، وهذا بدوره يقودهم إلى نهايتهم الحتمية وهي الهلاك والقصم في الأجل الذي قد ضربه الله لهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩] . والله لا يستجيب لعجلة المستعجلين، بل له الحكمة البالغة والسنَّة الماضية التي إذا آتت أكلها أتى الكفرة ما وعدهم الله ـ تعالى ـ لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. يقول صاحب الظلال ـ رحمه الله تعالى ـ في هذه الآية السابقة الذكر من سورة آل عمران: «وفي هذه الآية يصل السياق إلى العقدة التي تحيك في بعض الصدور، والشبهة التي تجول في بعض القلوب، والعتاب الذي تجيش به بعض الأرواح، وهي ترى أعداء الله وأعداء الحق، متروكين لا يأخذهم العذاب، ممتعين في ظاهر الأمر، بالقوة والسلطة والمال والجاه! مما يوقع الفتنة في قلوبهم وفي قلوب الناس من حولهم؛ ومما يجعل ضعاف الإيمان يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يحسبون أن الله ـ حاشاه ـ يرضى عن الباطل والشر والجحود والطغيان، فيملي له ويرخي له العنان، أو يحسبون أن الله ـ سبحانه ـ لا يتدخل في المعركة بين الحق والباطل، فيدع للباطل أن يحطم الحق، ولا يتدخل لنصرته، أو يحسبون أن هذا الباطل حق، وإلا فلِمَ تركه الله ينمو ويكبر ويغلب؟ أو يحسبون أن من شأن الباطل أن يغلب على الحق في هذه الأرض، وأن ليس من شأن الحق أن ينتصر، ثم يدع المبطلين الظلمة الطغاة المفسدين يلجُّون في عتوهم ويسارعون في كفرهم، ويلجُّون في طغيانهم، ويظنون أن الأمر قد استقام لهم، وأن ليس هنالك من قوة تقوى على الوقوف في وجههم! وهذا كله وَهْمٌ باطل، وظنٌّ بالله غير الحق، والأمر ليس كذلك، وها هو ذا الله يحذر الذين كفروا أن يظنوا هذا الظن. إنه إذا كان الله لا يأخذهم بكفرهم الذي يسارعون فيه، وإذا كان يعطيهم حظاً في الدنيا يستمتعون به ويلهون فيه؛ إذا كان الله يأخذهم بهذا الابتلاء فإنما هي الفتنة، وإنما هو الكيد المتين، وإنما هو الاستدراج البعيد: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] . ولو كانوا يستحقون أن يخرجهم الله من غمرة النعمة، بالابتلاء الموقظ لابتلاهم، ولكنه لا يريد بهم خيراً وقد اشتروا الكفر بالإيمان، وسارعوا في الكفر واجتهدوا فيه، فلم يعودوا يستحقون أن يوقظهم الله من هذه الغمرة ـ غمرة النعمة والسلطان ـ بالابتلاء ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ . والإهانة هي المقابل لما هم فيه من مقام ومكانة ونعماء. وهكذا يتكشف أن الابتلاء من الله نعمة لا تصيب إلا من يريد له الله به الخير؛ فإذا أصابت أولياءه فإنما تصيبهم لخير يريده الله لهم ـ ولو وقع الابتلاء مترتباً على تصرفات هؤلاء الأولياء ـ فهناك الحكمة المغيَّبة والتدبير اللطيف، وفضل الله على أوليائه المؤمنين» . ومن حكمة الله في سُنَّة الإملاء للكافرين أن يمكنهم في هذا الإملاء ليزدادوا إثماً وطغياناً يندفعون به بعجلة متسارعة إلى نهايتهم التي فيها قصمهم ومحقهم، وقد بدت بوادر المحق في الأمريكان الكفرة وحلفائهم فيما يتعلق بحقوق الإنسان التي يتشدقون بها وغير ذلك من عوامل المحق والقصم، ولكن الله بمكره لهم قد أغفلهم عن سوءاتهم وعما يترتب على حماقاتهم وطغيانهم ليحق عليهم سنته ـ سبحانه ـ في القوم الكافرين، كما أن من حكمته ـ سبحانه ـ في إملاء الكافرين وظلمهم وتسلطهم على المسلمين تحقيق للسنَّة التي سبق الحديث عنها ألا وهي سُنَّة الابتلاء والتمحيص للمؤمنين. ففي الإملاء للكفار وتركهم يتسلطون على المسلمين في مدة من الزمن ابتلاء وتمحيص للمؤمنين، حتى إذا آتت سنَّة الابتلاء أُكُلَها وتميز الصف المؤمن الذي خرج من الابتلاء نظيفاً ممحصاً عندئذ تكون سُنة الإملاء هي الأخرى قد أشرفت على نهايتها فيحق القول على الكافرين ويمحقهم الله كرامة للمؤمنين الممحصين الذين يمكن الله لهم في الأرض ويخلفون في الأرض بعد محق الكافرين. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] . فذكر الله ـ سبحانه ـ التمحيص قبل المحق ولو محق الله الكفار قبل تهيؤ المؤمنين الممحصين فمن يخلف الكفار بعد محقهم؟ إن الله حكيم عليم وما كان ـ سبحانه ـ ليحابي أحداً في سننه ولله الحكمة في وضع السُّنَّتين: سنة الابتلاء، وسنة الإملاء في آيتين متتاليتين في سورة آل عمران. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] . ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . ولعل من الحكمة ـ والله أعلم ـ أن يُعلمنا الله أن هاتين السنتين متلازمتان ومتزامنتان، وأن إحداهما تهيئ للأخرى. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه وليك، ويذل فيه عدوك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك سميع الدعاء.

стр. 5449

التفكير التفاعلي عند الإمام ابن تيمية وأثره في نجاح دعوته لمحات حول معالم منهجية التأصيل في كتاباته د. جمال أحمد بادي يبدو للباحث المحقق والدارس المدقق لتراث الإمام ابن تيمية الفكري تميزه بالواقعية، وأنه خلاصة تفاعل واحتكاك بين الإمام ومجتمعه الذي عاش فيه. إنه تفاعل مع ظروف وأحداث ذلك الواقع بين تأثير وأخذ ورد يضبطه منهج رصين، وقواعد محددة وأصول محكمة، وأهداف واضحة وغايات حميدة، ومقاصد شرعية تدور حول جلب المنافع ودفع المفاسد؛ والذي هو خلاصة تفاعل مع الوحي المنزل من جهة بتحكيمه والرد إليه واعتباره مقياس الرد والقبول والميزان الذي توزن به الأفكار والآراء والاعتقادات والأشخاص والمواقف، وهذا مما جعل تراثه الفكري موسوعياً يمتاز بالشمول والسعة، ومما جعله يصطبغ بسمات المصدر من الوسطية والإنصاف والعدل وغير ذلك. وهذا التفاعل تفاعل إيجابي؛ بخلاف التفاعل السلبي الناتج عن ردود الأفعال والذي عادة ما يكون فيه التفاعل ـ إن صح تسميته بذلك لغةً ـ من طرف واحد، والذي قد يكون لأهداف ذاتية من حب الظهور والرياسة والانتقام وغير ذلك، أو لأغراض حزبية طائفية ضيقة. وقد صاغ الإمام تراثه الفكري عن طريق التأصيل والذي يعني التقعيد للمسائل العلمية بطريقة يسهل استيعابها وإعمالها في الواقع، وقياس غيرها من الحالات المماثلة عليها. وقد هيمنت هذه الصفة ـ أي التأصيل ـ على كتاباته ومؤلفاته للدرجة التي يمكن عدها معها صفة لازمة لكتاباته العلمية وخصيصة تميز تراثه الفكري. ولعل هذا الأمر هو الذي دعا علاَّمة العصر (الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي) أن يجمع أبرز تلك الأصول والقواعد والضوابط التي وردت في أشهر مؤلفات الإمام ابن تيمية ﵀ في كتاب واحد أسماه: (طريق الوصول إلى العلم المأمول من القواعد والضوابط والأصول) والتي فاقت الألف في عددها. ولعل الأمر نفسه هو الذي حدا بأحد محققي (١) كتبه الموسوم: (شرح كتاب الحج من كتاب العمدة) بوضع قائمة بالأصول الواردة فيه آخر الكتاب والتي ناهزت الثمانين. والتأصيل منهج نبوي،؛ حيث نلحظ ذكره ﷺ لأصل أو قاعدة في معظم أحاديثه، ومن أمثلة ذلك قوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات» ، «الحلال بيِّن والحرام بيِّن وما بينهما أمور مشتبهات» ، «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» ، «خالفوا اليهود والنصارى» ، «لا ضرر ولا ضرار» . وقد عد ابن تيمية الأصول شرطاً في حصول الفهم والوصول إلى الحق، وبفقدها يُحرَم صاحبها من ذلك الوصول إلى العلم المأمول، فقال: من حُرِمَ الأصول حُرِمَ الوصول. ومما يراعى في التأصيل: اعتبار القواعد اللغوية، واعتبار القواعد الشرعية واعتبار مقاصدها المرعية، واعتبار القواعد العلمية في «التفسير» ، وفي مصطلح الحديث، وفي أصول الفقه، واعتبار قواعد الترجيح بين الأدلة والدلالات، وقواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد وغير ذلك من الاعتبارات العلمية. وإن كانت هذه الاعتبارات لا تنافي المراجعة والتقويم والتنقيح والنقد والتعديل، بل والإضافة والإنشاء والمقايسة والتجديد. وهذا ما جعل الإمام ابن تيمية يأخذ صفة «المحقق المدقق» ، و «المستوعب الناقد» ولم يكن مجرد حافظ ناقل أو مجرد دارس مسالم. وهذا هو التفاعل الذي آثرت وصف فكر ابن تيمية به في هذا المقال. ولعل لظروف وقت الإمام وزمانه أثراً في حصول مثل ذلك التفاعل؛ حيث وُجِد التعصب المذهبي الفقهي، والتحزب الطائفي، والفرقة بين المسلمين علماء وأمراء وأفراداً وجماعات، فكانت الموالاة والمعاداة على الطائفة أو الشيخ أو الطريقة أو المذهب مما أطمع الأعداء في الأمة الإسلامية، فتكالبوا عليها كما حصل من التتار. ولعل لانتشار الجهل بين المسلمين في وقته وما ترتب عليه من تقليد مذموم، ووقوع في المحظورات، والحيرة في المسائل العلمية لعل لها نصيباً أيضاً. كما كان لما تميز به ابن تيمية من صفات شخصية دور أيضاً، نحو: الذكاء والفطنة، والجد والمثابرة في طلب العلم، وسعة الأفق، والتحرر من كل صيغ الأَسْر الفكرية، وطلب الحق وتحريه، وعلو الهمة وسمو الطموح. يضاف إلى ذلك تربيته في جو علمي، ونشأته في أسرة عريقة معروفة بحب العلم مشجعة عليه، وترحاله بين كثير من أصقاع العالم الإسلامي في طلبه العلم على أيدي علماء أجلاء. كما كان لتقواه وقوة إيمانه وصلته بالله ـ تعالى ـ أثر أيضاً، حيث كان يداوم على ذكر الله واللجوء إليه ودعائه عند اشتباه المسائل واختلاف الآراء. كما كان لتعدد الوسائل التي استعملها في بث العلم وإقامة الحجة من تدريس ومحاورة ومناظرة ومطارحة وتأليف وردٍّ دور كذلك توّجه بتدوين أفكاره ومحصل آرائه، وما دار بينه وبين مخالفيه وخصومه في كراريس ومدونات كتب الله ـ تعالى ـ لها البقاء لتستفيد منها الأمة في عصور لاحقة كعصرنا المشابه لعصره. ويمكن تقسيم محاور ذلك التفكير التفاعلي بالنظر إلى منهجه في التأصيل إلى الأقسام التالية: القسم الأول: التأصيل ابتداء: وهو هنا آثر لا ذاكر، وناقل متبع لا منشئ مبتدع إذا تعلق الأمر بما أجمع عليه من سلفه من الصدر الأول وسائر العلماء المجتهدين. وهو هنا يلتزم الإنصاف وعدم التعصب لقوله ومن يذكر القول عنهم، من جهتين: الجهة الأولى: عدم الجزم ولا القطع بضلال كل من خالف تلك الأصول، ولا التجرؤ بالقول بهلاكه؛ فضلاً عن القول بتفسيقه أو تبديعه؛ إذ قد يكون ذلك المخالف معذوراً عند الله نحو ما قاله في آخر «الواسطية» . الثانية: اعترافه بخطأ بعض المنتسبين إلى السنة والحديث في بعض المسائل العلمية والمنهجية التي جانبوا فيها الصواب، وبيانه لذلك. ومن مسائل التأصيل ابتداء في غير ما سبق كمنهج علمي التزمه ابن تيمية وسار عليه ما يلي: التأصيل والتقعيد لكل مسألة يبحثها ليتم قياس ما شابهها من المسائل عليها، وحتى يكون بثه للعلم بصورة عملية تمكن القارئ لكتبه استيعاب المسائل لا مجرد التلقين والحفظ ثم الوقوف عند ذلك وعدم المقدرة على تطبيقه وإنزاله خارج دائرته كما هو الحال في تدريس العلم اليوم في كثير من الجامعات والمؤسسات التعليمية. القسم الثاني: التأصيل رداً: بأن يؤصل ويقعِّد للمسائل وفي ذهنه ومقصوده الرد على فرقة ما أو على أخطائها وشبهاتها، ولكن دون ذكر لتلك الطائفة ودون ذكر وبيان أنه يرد عليها. وهو منهج بعض أئمة السنة في مؤلفاتهم كالإمام البخاري في بعض أبواب كتاب التوحيد من صحيحه، والإمام مالك في بعض أبواب موطئه المتعلقة بمسائل بالتوحيد. هذه القواعد ما كانت لتقال لولا أن الحاجة دعت إليها بسبب إنكار أهل البدع لجزئيةٍ ما في العقيدة أو نحوها، أو لبيان مشكل وغير ذلك. وقد يستدل في هذا الموضوع بأقوال بعض أئمة مخالفيه الذين وافقت أقوالُهم ما بيَّنه من الحق في المسألة، مع تنبيهه أحياناً على أن ذلك المخالف لم يحالفه الحظ في المسائل الأخرى، كقوله في أول «الحموية» : «يقول فلان ـ وإن كنا لا نقول بكل ما يقول ـ» . وهو بفعله وصنيعه ذلك يحقق أهدافاً منها: الأول قوة حجة القول الذي ينتصر له؛ إذ قال به بعض أئمة من يقول بخلافه في المسألة، والثانية الإنصاف في حق المخالف وإظهار ما قال به من الحق، والثالثة قبول الحق من كل من جاء به وإن كان مخالفاً، بل وإن كان عدواً شانئاً. وهي على وجوه: منها: أن تكون «بالإضافة» إلى قاعدة أو أصل متأسس نحو: - (بائن من خلقه) أضيفت إلى قول أهل السنة (مستو على عرشه) . - (غير مخلوق) أضيفت إلى قول أهل السنة (القرآن كلام الله تعالى) . وقد تكون ببيان الحق في المسائل «المتشابهة» والتي يثيرها أهل البدع بعد انتشارها وذيوعها لا سيما في المصنفات، والتباس الحق فيها على الناس لدقتها وغموضها، وإن خالف بذلك «موقف» ولا نقول «منهج» من سبقه من أئمة السنة. ومن أمثلة هذا النوع من البيان مسألة «التفريق بين اللفظ والملفوظ» في (القرآن الكريم) والتي تفرعت عن البدعة بقول خلق القرآن. وهو هنا تميّز عن موقف الإمام أحمد ومن وقف موقفه في المسألة؛ وذلك لاختلاف الحالين؛ ففي عهد الإمام أحمد لم تكن المسألة قد انتشرت بعدُ، وخشي الأئمة أن يفضي القول بها مع دقتها وغموضها إلى القول بخلق القرآن. أما في عهد الإمام ابن تيمية ﵀ فنجد أن المسألة قد انتشرت وذاعت والتبس أمرها على بعض المسلمين، فلزم بيان وجه الحق فيها وإن كان ما قال به قد لقي الإمام مسلم (*) بسببه ما لقي لاختلاف الظروف والأحوال. وقد تكون بمحاولة فهم بعض مدلولات النصوص العقدية الواردة في بعض الأحاديث الثابتة في ضوء الحقائق العلمية التي وصل إليها العلم في زمانه، كما في شرحه لحديث النزول، وكما في «الرسالة العرشية» . وقد تكون بالقول بإمكان اجتماع النقيضين في حل المعضلات العقدية ـ وهو الواقع والحق ـ كما في مسألة مرتكب الكبيرة ـ والتي حيرت أغلب الفرق الإسلامية؛ حيث قال بإمكان اجتماع الإيمان والكفر، والسنة والبدعة، والطاعة والمعصية في الرجل الواحد، ولا يعني الحكم عليه بما طرأ عليه خلاف الأصل، ثم بين أن الحكم لما غلب من الأمرين. بل ذهب إلى أبعد من هذا بقوله بإمكانية صدور البدعة ومخالفة الصواب من «الصدِّيق» الذي تأتي مرتبته في الفضل بعد مرتبة الأنبياء. ومن ذلك الأصول التي قعَّدها في شأن الأعذار التي قد تكون سبباً في رفع أو دفع العقوبة عمن صدرت منه مخالفة للشرع في أمور الاعتقاد، وأخرى في حق من صدرت منه مخالفة للشرع بارتكاب المعصية. وهذه الأصول المذكورة أعلاه هي ضمن سلسلة الأصول والضوابط المعيارية التي قعَّدها في الحكم على المخالف، معتبراً المعيار الذي استعمله المعتزلة وتابعهم عليه غيرهم فيما بعد بتقسيم الدين إلى أصول أو أمور علمية يكفر مخالفها، وفروع أو أمور عملية لا يكفر مخالفها مردوداً. ويشبه المعيار السابق من قسم الدين إلى أمور جلية يكفر مخالفها، وخفية لا يكفر مخالفها؛ باعتبار أن الجلاء والخفاء من الأمور النسبية زماناً ومكاناً. وكذا الأمر بالنسبة لمعيار الخوارج في الحكم على المخالف باعتبار المخالفة لما هم عليه مقياساً في الحكم على الآخرين بأنه مردود ولا يستقيم. الثالث: الرد تأصيلاً: وهو بأن يقصد بإظهار انحراف طائفة ما ليحذر منها، وينص على شبهاتها التي يتناولها بالدحض والنقد. وهو عندما يقوم بذلك يستنبط القواعد ويؤصل الأصول المنهجية لضبط المسائل وإقامة الحجة وبيان المحجة. وهو منهج لبعض الأئمة أيضاً، ومعظم كتب الردود على الفرق والطوائف الضالة والمبتدعة يمكن عده ضمن هذا النوع. ومن أمثلة هذا النوع: الأصلان والمثلان في الرسالة التدمرية. ومنها القواعد المذكورة في شأن أنواع التأويل الممنوع منها والجائز في كتاب (درء التعارض) (١) . والإمام ابن تيمية في تطبيقاته لجزئيات وأفراد هذا النوع من التأصيل عادة ما يلجأ إلى أساليب الحوار والمناظرة والمحاجَّة مع مخالفيه بعد تبين ما عندهم وفهم ملابسات الموضوع قيد المناقشة والحوار، والإلمام بالقواعد والأصول التي بنوا عليها آراءهم، بل يصل الأمر إلى استيعاب مذهب المخالف أفضل من أئمته حتى يلتبس شأنه على أتباعه فيظنونه من أئمة مذهبهم لولا أنه يبين لهم بعد الحديث معهم ليطمئنوا إلى أنه يناقشهم عن بينة وفهم لا لمجرد الادعاء أو المخالفة، ثم يبين لهم خطأ مذهبهم. كما ذكر ذلك في «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» . وأخيراً فإن الحاجة ملحة في التأكيد على هذا المنهج التأصيلي لأسباب منها: أنها تمكِّننا من استيعاب كتابات الإمام ابن تيمية وفكره الموسوعي، والإفادة منها في دراستنا المعاصرة، كما أن استيعابها يقودنا إلى الاقتداء بها وتطبيقها في كتاباتنا وبحوثنا العلمية مما يكون له أثر إيجابي في أن تؤتي ثمراتها المرجوة بإذن الله.

стр. 5450

الهزيمة النفسية.. وفقه المرحلة عبد العزيز عبد الله الحسيني الهزيمة النفسية سقوط حضاري لا يضاهيه نوع آخر من الهزائم العسكرية التقليدية، وخطورتها تكمن في كونها استعماراً للعقول والقلوب، قبل أن تكون استعماراً لخيرات الأرض ومقدراتها. وعلى شدة وقع الاستعمار العسكري إلا أنه وسيلة قوية لإيقاظ الأمة من غفلتها، وتقوية لُحمتها، وتحرُّك غيرتها، وإحياء حميّتها الدينية، وفي النهاية طال هذا الاستعمار أم قصر فإن مصيره الرحيل. أما الاستعمار النفسي فيتغلغل في نفوس معظم أبناء الأمة دون أن يدركوا أثره وخطره؛ بل دون أن يشعروا بإصابتهم به! ولأثر هذا الغزو النفسي فقد فطنت بعض الدول إلى أهميته حتى غدا عنصراً مهماً في الحملات الفكرية والإعلامية الموجهة للدول المغزوّة أثناء الصراعات الحضارية، كي يدب فيها الوهن ويدوم اليأس. - من أسبابها: لعل من أهم أسباب هذه الهزيمة النفسية التي أصابت الأمة في مقتل وأدى إلى ضعفها ووهنها، بُعد كثير من المسلمين عن دينهم وجهلهم بحقيقته، ومرارة الواقع الذي يعيشونه، وخذلان المسلمين بعضهم بعضاً، وعدم اتحادهم أمام قوة أعدائهم، وعدم إدراكهم لأسباب المد والجزر في تاريخ أمتهم، وعدم إلمامهم بعوامل النصر والهزيمة، وتأثرهم بوسائل الإعلام الموجهة إليهم التي يحرص الغرب من خلالها على إبراز أنشطته العسكرية وقدراته الحربية واستعراض أسلحته وتقنيته المتطورة، وإشهار اكتشافاته العلمية وغزوه حتى للفضاء الخارجي، ونحو ذلك من الأمور التي تُعزز مكانته وتوهن غيره وتوحي له بالعجز واليأس، بالإضافة إلى ما يرونه من هيمنة أعدائهم على معظم المنظمات والبنوك والهيئات الرسمية واستغلالها لإخضاع الدول الإسلامية وإخضاع بعضها بالعقوبات والمقاطعات الاقتصادية، وأحياناً بالقوة والتدخل العسكري إذا لزم الأمر. مثل هذه الأمور مجتمعة ولّدت هزائم نفسية متتابعة، كان الغرب يهدف إليها ويغذيها بشتى وسائله الإعلامية والسياسية والاقتصادية، ليستمر التخدير، ويدوم الخنوع. وتجاوز الأمر قنطرته وأثَّر رجع ذلك الصدى في بعض أبناء جلدتنا ـ الانهزاميين ـ الذين أكدوا هذه الهزيمة وعززوها؛ بكتاباتهم وتحليلاتهم الانهزامية في الصحف والمجلات والفضائيات بثنائهم المبالغ فيه على الغرب وحضارته وقيمه وقوته وديمقراطيته، وأنه إنما سيطر على هذه الأمة بسبب ضعفها وتخلفها في الجوانب العلمية والسياسية والاقتصادية والتقنية فحسب. ومع مصداقية بعض تلك التحليلات ظاهرياً؛ لكونها أعراضاً للمرض الحقيقي الذي تعانيه أمتنا؛ إلا أن أولئك الكتاب والمحللين جعلوها أمراضاً مستقلة ينبغي أن يتجه إليها العلاج مباشرة، وذهلوا ذهولاً أعمى عن (السبب الأساس) في نشوء تلك الأعراض، وحادوا عن استلهام تعاليم القرآن، وتوجيهات السنَّة، واستقراء التاريخ، ومعرفة السنن الجارية، والنواميس الشرعية، حول أسباب ضعف الأمة الإسلامية والمخرج منها، ولم يتطرقوا إلى ذلك من قريب أو بعيد، لعدم إدراكهم لأبجديات تلك المسائل، ولجهلهم بفقه الهزيمة التي حلّت بالأمة، ولخوضهم في أمور لا يملكون أدواتها، ولتصدرهم لقضايا لا علاقة لتخصصاتهم فيما يتحدثون عنه أو يكتبون فيه، وللهوى والحقد الذي يُكنّه بعض أولئك لهذا الدين. وللأسف فإن ذلك الطرح المادي المتكرر، قد أثر على قطاع عريض من شباب المسلمين، وكان سبباً في صرفهم عن عودتهم لهذا الدين، وإصابة غيرهم باليأس والقنوط، وأصبح بعضهم الآخر (يُسقط) تقصيره وأخطاءه على غيره، ويخرج نفسه من مغبّة مسؤولية ضعف أمته وهوانها، فعطلوا طاقاتهم وقدراتهم، بل وجميع أسلحتهم المعنوية الأخرى؛ فهم برأيهم ـ وكما فهموه من أولئك المحللين الانهزاميين ـ لا يملكون شيئاً لمواجهة تلك القوة القاهرة؛ حتى أصبح كثير منهم يعتقد أن هذا الواقع السيئ أمر لا مفر عنه وشر لا بد منه، فأصيبوا بهزيمة نفسية محبطة، وأصبحوا لا يؤمنون ولا يعتمدون ولا يطمئنون ولا يثقون، إلا بالقوة المادية فحسب، وغدوا ينظرون إلى الغرب بنفسية الغالب والمغلوب، وجنت الأمة آثار تلك الهزيمة النفسية المحبطة، وهو ما تعيشه اليوم بكل مآسي الواقع ومرارته. - من آثار الهزيمة النفسية: لا يحتاج المرء إلى كبير تأمل ليدرك إلى أي مدى أثرت هذه الهزيمة النفسية في واقع أمته؛ فهي لا تعاني من شيء كمعاناتها من آثار هذه الهزيمة التي دمرت معنوياتها، وحطمت دوافعها، وأحبطت تطلعاتها، وأصابتها بالضعف والهوان، وألقت بنفسها في أحضان عدوها، ومكّنته من كيانها، ودانت له بالتبعية، والولاء التام، وانقادت له مستسلمة دون أي مقاومة تذكر، حيث تشعر بمرارة العجز والقهر واليأس إلى درجة أنه قد زال لدى معظم المسلمين أية بارقة أمل في نهضة حضارية جديدة أو مستقبل مشرق واعد، فتحقق لعدوها ما أراد من السيطرة على معظم أفرادها نفسياً، ومن ثم ثقافياً وسياسياً واقتصادياً بل وسلوكياً. وإنه ليصعب على المسلم أن يُشخّص الآثار المترتبة للهزيمة النفسية على أمته دون أن يصاب بحشرجة يصعب معها مواصلة حديثه، ومن يُتابع وسائل الإعلام والاتصال المختلفة، يجد أن الأمة الإسلامية بلغت ـ بسبب عجزها ويأسها ـ حداً لا مزيد عليه من الذل والهوان، حتى إنه لا يكاد يوجد عضو من أعضائها، إلا وفيه جرح ينزف، ودم يثعب، وشعب يُهان، وحرمات تنتهك، وأراضٍ تغتصب. ووصلت أوضاع أمتنا إلى منتهى (الانحطاط والتخلف) (١) ، وأصبحنا نعيش على هامش العالم وفي ذيل القائمة، وتداعت علينا الأمم الكافرة كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وتسلطوا علينا من كل جانب، وأصبحنا نعيش عصر (الغثائية) التي أخبر عنها المصطفى ﷺ بقوله: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها. قالوا: أوَ من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل» (٢) . نعم! مليار ومئتا مليون مسلم، ولكن لا وزن لأكثرهم ولا قيمة، معظم دُولهم ضعيفة تعاني الفساد وتشكو الفقر، وأكثر شعوبهم مسكينة تعاني الجهل وتشكو القهر. وجنت الأمة آثار الهزيمة النفسية التي تعايشت معها سنين طويلة، ولم تستطع معظم دولها الخروج منها حتى الآن؛ بل ولم تبذل ما يوحي بمجرد المحاولة، فقعدت واستسلمت وتخلفت وذلت، فاستُبيحت (٣) . - فقه الضعف والقوة: القوة المادية ـ في كل زمان ومكان ـ هي إحدى دعائم الأمم والدول، ولا ينبغي التهوين من شأنها أو التشكيك في أثرها؛ فهي سبب من الأسباب، والأخذ بالأسباب واجب شرعي، وطلب النصر من دون بذل الغاية القصوى في الإعداد ـ حسب سنن الله ـ عبث بالأسباب، وتعطيله تعطيل لحكمته سبحانه؛ فالله ـ تعالى ـ جعل للطير والبهائم عُدة وأسلحة تدفع عنها الشرور كالمخلب والظفر والناب، وخلق للآدمي عقلاً يقوده إلى حمل الأسلحة ويهديه إلى التحصن بالأبنية والدروع، ومن عطّل نعمة الله في ترك السبب فقد عطّل حكمته (٤) . فلا أحد يقلل من أثر القوة المادية وشدة الحاجة إليها؛ إلا أن المبالغة في الحديث عنها، وإشعار شباب الأمة أن ما هم فيه من الذل والهوان، إنما هو بسبب ضعف قوتهم المادية، وأن طريق النهوض والخروج من الهوان الذي حلّ بأمتهم إنما يكمن ـ فقط ـ في الحصول على تلك القوة ومجارات الغرب في تقدمه العلمي والتقني حتى يصبح لنا قوة تضاهي قوته، ونحو ذلك من المفاهيم الخاطئة التي ولّدت الكثير من السلبيات المتعددة. فبالإضافة إلى كون ذلك المفهوم خطأ محضاً يخالفه التاريخ والواقع، وكونه انحرافاً كبيراً في التصور الصحيح لمفهوم القوة والموازنة بينها وبين القوة الروحية ـ كما سيأتي ـ فهو أيضاً صرف لشباب الأمة عن واقع أمتهم من حيث بُعد كثير من المسلمين عن دينهم وعدم إشعارهم بأثر ذلك في ضعف أمتهم وهوانها، كما أن التركيز على القوة المادية وجعلها المخرج الوحيد لأزمة الأمة وهوانها فحسب؛ تعطيل للقوة الروحية التي تمتلكها الأمة، وتغييب لها في نفوس أبنائها بالرغم من أهميتها وأثرها الكبير في تغيير نفوسهم وإحياء روحهم وإعادة الثقة إليهم، كما أن التركيز على القوة المادية فحسب استمرار لهزيمتهم النفسية وزيادةٌ ليأسهم وقنوطهم من إمكانية نهضة أمتهم مرة أخرى؛ إذ إن الأمة الإسلامية الآن لا تملك ذلك التفوق المادي الذي تضاهي به ما تملكه الدول الغربية؛ فهم قد سبقونا في هذا المضمار سبقاً واسعاً، وليس من المنتظر ولو بعد عدة قرون أن نجاريهم في هذا الجانب فضلاً عن التفوق عليهم ـ إلا أن يشاء الله تعالى ـ. ومع أهمية القوة المادية وضرورة العناية بها، إلا أن أمتنا تمتلك من مقومات القوة والنهضة ما هو أهم من القوة المادية البحتة، تمتلك القوة الإيمانية، وكانت السبب الأول في نهضتها وعزها في ذلك الوقت، وهو ما نؤمِّل أن يكون سبباً في نهضتنا وعزتنا مرة أخرى. ولا أقصد من هذا التقليل من شأن القوة المادية، أو أن نيأس ونقنط من إمكانية امتلاكها، أو أن نُسلّم ونستسلم لأعدائنا لعدم مجاراتهم في قوتهم المادية، بل لا بد من السعي الجاد للإعداد والاهتمام بالنواحي العلمية والتقنية والعسكرية والحربية، وأن نبذل فيها غاية جهدنا ووسعنا، ولكن لا بوصفها (الإكسير) الذي سيعيد لنا العزة والهيبة المفقودة، وإنما بوصفها (مطلباً) لعمارة الأرض واستخلافها، و (ضرورة) ذاتية لوجودنا وتقدمنا، و (حاجة) ملحة للذبّ عن ديننا ومواجهة عدونا (١) . والله ـ تعالى ـ أمرنا بذلك وأوجب علينا العناية بالنواحي المادية، وعمارة الأرض، وإعداد القوة، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، فالله أمرنا بالإعداد ولكن حسب الاستطاعة، والمقصود بذلك كما يقول ابن كثير ﵀: «أي مهما أمكنكم» (٢) ، والإعداد حسب الاستطاعة ـ مع الإيمان ـ من أسباب النصر لا من أسباب الهزيمة. وحينما ذكر الله ـ سبحانه ـ القوة فقد أطلقها دون قيد، وفي ذلك أيضاً دلالة صريحة على أن القوة نسبية، فلا يُشترط التكافؤ فيها، فضلاً عن أن يكون لدينا قوة أعظم مما لدى العدو. ولذا يجب عدم الاستسلام للعدو وإيقاف المقاومة (جهاد الدفع) ، إذا احتل بلداً من بلاد المسلمين، بحجة عدم كفاية الإعداد، ليقوم العدو بعد ذلك بابتلاع ديار المسلمين بلداً بعد آخر، فلا بد من الدفع حسب الاستطاعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أما قتال الدفع عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً؛ فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يُدفع بحسب الإمكان» (٣) . وإذا رأى علماءُ أهلِ بلدِ النازلةِِ عدمَ قدرتهم على الجهاد، فليس شرطاً أن يكون ذلك عبر أساليب قتالية، وإنما عبر وسائل كثيرة: علمية، أو اجتماعية، أو دعوية، أو إغاثية، أو إعلامية وهو الأهم ـ والأهم جداً ـ في هذا العصر، ونحو ذلك مما يحتاجه أهل كل بلد؛ فهم الأدرى بحسابات المصالح والمفاسد، والضرورات الشرعية التي تُقدر بقدرها. ومثل تلك الحسابات والضرورات التي لها علاقة بمصير أمة ما، ينبغي ألا ينبري لها آحاد العلماء وأفرادهم، فلا أحد يؤمَن عليه النقص أو الزلل، وإنما الذي يُقدّر الجهاد من عدمه، علماءُ أهل بلد النازلة الراسخون في العلم، أهل الدين الصحيح، ولا يكفي هذا، بل لا بد أن يكونوا من الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ: «الواجب أن يُعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين؛ فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا» (٤) . ومشكلة كثير من المسلمين اليوم في نظرتهم للقوة المادية، أنهم ما بين مُشرّق ومُغرّب: - فبعضهم يهوّن من القوة المادية ويقلل من أثرها والعمل على امتلاكها، لدرجة أن بعضهم يرى قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ويتناسى ما بعدها: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فغفلوا عن الغرض من إعداد القوة، وهو إرهاب العدو. - وبعضهم الآخر، ضخّم قضية القوة المادية وبالغ في أثرها، وعلّق ثقته بها واعتماده عليها، حتى جعل بعضهم من القوة المادية إلهاً يؤتي الملك من يشاء وينزعه عمن يشاء. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحوُ الأسباب أن تكون أسباباً نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قَدْح في الشرع» (٥) . والتوازن في النظر إلى القوة المادية أمر مطلوب؛ فهي سبب وإن كانت من أهم الأسباب إلا أنه ينبغي عدم الاعتماد عليها، وانظر وتأمل آثار التعلق والاعتماد على السبب: ما نتائجه وعواقبه؟ لقد كان صحابة رسول الله ﷺ في كل غزوة يشاركون فيها أقل عدداً وعُدّة من عدوهم، وكان اعتمادهم بالنصر على الله ـ تعالى ـ وحده، فكان النصر حليفهم والفوز رديفهم، عدا معركة واحدة هي معركة (حنين) شاركوا فيها وكانوا أكثر عدداًَ، فاعتمدوا ـ في البداية ـ على ذلك، حتى قال قائلهم: «لن نُهزَم اليوم من قلة» ، فوكلهم الله ـ تعالى ـ إلى السبب الذي اعتمدوا عليه، فلم يُغن عنهم شيئاًَ ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] . فنحن أمة رسالة، نستمد قوتنا وعزتنا من ديننا أولاً، وإذا كان الله ـ تعالى ـ قد أمرنا بإعداد القوة المادية، فقد أمرنا قبل ذلك بإعداد القوة الإيمانية، فلا ينبغي الاعتماد عليها فحسب؛ وما قيمة الإيمان حينئذٍ إذا كان مطلوباً منا ـ كما يزعم بعض الانهزاميين ـ أن نعد قوة كقوة العدو، وألا نقاتله حتى نماثله في القوة، فالمسألة توازن لا إفراط ولا تفريط، وإذا كان الإعداد المادي (مهمّاً) وهو كذلك؛ فإن الإعداد الروحي والزاد الإيماني (أهمُّ) وأوْلى. فمن المسلّم به أن المقدمات إذا صحّت، أعقبها نتائج مثمرة بإذن الله. والشواهد تدل على أن حركة التاريخ لا تخضع للعوامل المادية فحسب؛ وإلا فما كان لموسى أن يصارع فرعون، ولا للضعفاء أن يقاوموا المستبدين من المستعمرين، ولا لمحمد ﷺ ومن آمن معه أن يقاتلوا قريشاً والقبائل العربية وفارس والروم. ولولا الخيانات لما سقط (العراق) حتى وإن تفوَّق الأعداء في العدد والعدة، وبالرغم من تلك القوة القاهرة؛ فإن المقاومة العراقية ما زالت صامدة ثابتة، ولو تمكنت من امتلاك (بعض) أنواع الأسلحة التي يمتلكها العدو لما بقي أولئك الأعداء يوماً واحداً في بلدهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . ومن يستقرئ التاريخ يجد فيه ما يبدد التشاؤم ويرفع اليأس ويزرع الثقة ويُذكي الأمل؛ فليس شرطاً أن الأمم المؤمنة بالله لا تتفوق ولا تنتصر على أعدائها إلا إذا كانت مكافئة لهم أو أقوى عدداً وعدة منهم. بنو إسرائيل، كانوا يعيشون في مصر، وكانت بالنسبة لهم بيئة قاتمة خانقة، قد أطبقت عليهم كل الإطباق، وسدت في وجوههم المنافذ والأبواب؛ فهم يعيشون في حاضر شقي، ومستقبل مظلم، وقلة عدد وعدة، وفقر وذلة، وفي ظل هذه الظروف يولد موسى ﵇ وولادته وحياته كلها تحدٍٍّ لفلسفة الأسباب، ومنطق الأشياء: أراد فرعون ألا يولد فوُلد، وأراد ألا يعيش فعاش. يعيش في صندوق خشبي مسدود، وفي ماء النيل الفائض، وينشأ عند عدو قاهر، وسُخرة ظالمة، لا قوة تدافع ولا دولة تحمي؛ فيجد الضيافة الكريمة، ويزوجونه إحدى بناتهم، ويرجع بأهله فيلفُّه الليل المظلم والطريق الموحش، وتتمخض زوجه فيطلب لها ناراً تصطلي بها، فيجد نوراً يسعد به بنو إسرائيل، ويهتدي به العالم، يطلب النجدة والمدد لامرأة واحدة، فيجد النجدة والمدد للإنسانية كلها، ويكرم بالنبوة والرسالة، ويدخل على فرعون في أُبهته وسلطانه، وفي ملئه وأعوانه. وهكذا يهلك فرعون وقومه (الأغنياء الأقوياء) ويملك بنو إسرائيل (الضعفاء الفقراء) : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] . والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي (القوة) التي قهر بها موسى (أعظم قوة) في عصره ومصره؟! وما سر انتصار بني إسرائيل على أعدائهم؟! وما (سلاحهم) الذي واجهوا به العدو القاهر الكاسر (١) ؟ وماذا لو كان موسى ﵇ يفكر تفكير كثير من المسلمين اليوم، ويستعرض الإمكانات والقوة التي يملكها هو وقومه، ويوازنها بما يملكه فرعون وجنده، بنظرة مادية محضة، هل كان سيواجه فرعون ويدخل معه في حرب لا هوادة فيها؟! ومثال آخر: أرجو أيضاً أن يكون في ذكره ما يبدد اليأس ويزرع الأمل والثقة: فالأمة العربية كانت أمة موغلة في التخلف والضعف والهوان والانحطاط في معظم الميادين والمجالات، السياسية والعقدية والاجتماعية والسلوكية والحربية. ومن كان هذا شأنهم فإنهم لا يفكرون ولا يحلمون حتى في المنام بالهجوم على الدول المجاورة فضلاً على الانتصار عليها، حتى إن فارس والروم (الدول العظمى في ذلك الوقت) لم تفكرا مجرد تفكير في فتح الجزيرة والاستيلاء عليها، وذلك لقلة خيراتها ومواردها، وهوان أهلها عليهم. ولكن الله ـ تعالى ـ امتن على تلك الأمة بأن بعث فيهم خاتم أنبيائه ورسله محمداً ﷺ ، فجاء إليهم وعندهم من الفساد والهوان والبعد عن الفطرة ما ذُكر، وفي ظل سنوات معدودة، تغيرت حالهم، وانقلبت أمورهم، فخرجوا من جزيرتهم كالسيل الجارف يفتحون ويقهرون، بثياب مرقعة، وسيوف بالية، على خيل بعضها عارية؛ فما لبثوا أن ملكوا الدنيا، وانقلب رعاة الشاة والإبل إلى ساسة لأرقى الأمم. هذه القوة القاهرة بعد ذلك الضعف المخزي، وهذا الانقلاب الهائل في جميع الميادين والمجالات، اعتبره المؤرخون الغربيون لغزاً من ألغاز التاريخ، بل رأوا أن هذا الحدث هو أغرب ما وقع في التاريخ الإنساني كله. لماذا سموه لغزاً؟ لأنهم قالوا: إن العادة جرت أن الغلبة والانتصار للدول بسبب أمرين: إما كثرة عدد أو قوة عتاد، والأمة العربية في ذلك الوقت لم تكن تملك لا كثرة عدد ولا قوة عتاد. أما مسألة العدد: فكلنا نعلم أنه ليس هناك معركة شارك فيها المسلمون إلا وهم أقل عدداً وعدة: بدر ـ أحد ـ الأحزاب ـ المريسيع ـ مؤتة ... إلخ، عدا معركة واحدة، كان المسلمون فيها أكثر عدداً وعدة وهي معركة حُنين، وقد سبق أن ذكرنا ما حصل فيها من اعتمادهم على كثرتهم فلن تغن عنهم شيئاً. كل ذلك ليُشعرهم ـ ومن بعدهم إلى قيام الساعة ـ أن المسلمين لا ينبغي أن يتعلقوا بأي سبب من الأسباب المادية، لا بكثرتهم، ولا بقوتهم، وإنما بإسلامهم وإيمانهم وتوكلهم على ربهم وثقتهم به أولاً. أما مسألة قوة العتاد: فالمسلمون لم يكونوا متقدمين في ذلك الوقت بأي نوع من أنواع السلاح، والجيش لم يكن منظماً، إنما هم مجموعة من المتطوعين يجهزون أنفسهم بأنفسهم حتى إن بعضهم كان يسمع منادي الجهاد فيخرج وما معه شيء، لا رمح ولا سيف ولا مركب ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] (١) . ومع ذلك اكتسحوا العالم المعروف كله. فما هي القوة التي قهر بها الرسول ﷺ من وقف في طريق دعوته؟ وما سر انتصار المسلمين في معظم الغزوات التي شاركوا فيها وأخضعوا أعظم قوتين في عهدهم (فارس والروم) تحت حكمهم وسيادتهم؟ وما سلاحهم الذي واجهوا به جميع أعدائهم الذين كانوا يفوقونهم عدداً وعدة؟ والجواب: ليس لغزاً ولا يحتاج لكثير تأمل؛ فنحن معشر المسلمين نعرف أن الإيمان هو السبب الذي عز به المسلمون وسادوا. وتصوروا ماذا لو كان الرسول ﷺ ومن بعده من صحابته الكرام يفكرون تفكير كثير من المسلمين اليوم ويوازنون ما يملكونه بما يملكه أعداؤهم من القوة المادية فحسب؟ وما كان مصير الإنسانية لو قال المسلمون في ذلك الوقت: لا حول لنا ولا قوة في مقارعة تلك القبائل والدول، ولا ينبغي أن نقاتلهم حتى نملك مثل ما يملكون من كثرة العدد وقوة العتاد؟ لو قالوا مثل ذلك، فهل كانوا سيُخضعون العالم في ذلك الوقت تحت نفوذهم وسلطانهم؟ ولأجل ذلك كله، فإن سبب ضعف أمتنا، وذلها، وهوانها، وتسلط أعدائها عليها، ليس لأنها متخلفة علمياً وتقنياً وحربياً وعسكرياً ـ وإن كان لذلك أثر ولا شك ـ إلا أن السبب ـ الرئيس ـ لضعفها وتخلفها هو بعدها عن دينها، وما تخلفها في النواحي العلمية وغيره من المجالات إلا أعراض للبعد عن الدين، وهو المرض الحقيقي الذي تعانيه أمتنا، وكان السبب الأول في ضعفها وهوانها، وهو عقوبة من العقوبات الإلهية لبعد الأمة عن دينها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وحيث ظهر الكفار، فإنما ذاك لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم، ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم نصرهم الله، وإذا كان في المسلمين ضعف وكان عدوهم مستظهراً عليهم، كان ذلك لتفريطهم في أداء الواجبات باطناً وظاهراً، وإما لعدوانهم بتعدي الحدود باطناً وظاهراً» (٢) . ولذا فإنه لا مخرج من الحالة المتردية والأوضاع المأساوية التي تعيشها أمتنا، إلا بالرجوع إلى هذا الدين القويم. الهزيمة النفسية داء عضال لم يتسلط على إنسان إلا أودى به، ولا على أمة إلا ساقها إلى الفناء. وأمتنا اليوم لا تعاني من شيء كمعاناتها من آثار هذه الهزيمة التي دمرت معنوياتها، وحطّمت دوافعها، وأحبطت تطلعاتها، وأصابتها بالضعف والهوان؛ حيث ألقت بنفسها في أحضان عدوها، ومكّنته من كيانها، ودانت له بالتبعية والولاء التام، وانقادت له مستسلمة دون أي مقاومة تذكر، حيث تشعر بمرارة العجز والقهر واليأس، إلى درجة أنه قد زال لدى معظم المسلمين أية بارقة أمل في نهضة حضارية جديدة، أو مستقبل مشرق واعد، فتحقق للعدو ما أراد من السيطرة على كثير من أفراد هذه الأمة نفسياً ومن ثَم ثقافياً وسياسياً واقتصادياً وسلوكياً. - حتى لا نيأس: في عصور مضت دانت القوة والغلبة للأمة الإسلامية واستمرت قروناً طويلة، وحينما بدأ المسلمون بالتخلي عن دينهم بدأ الضعف يدب في أوصالهم حتى دانت القوة والغلبة لغيرهم. وحينما استكملت أمريكا أسباب النصر من القوة وإقامة العدل وأداء الحقوق وعدم الظلم لرعاياها؛ دانت لهم القوة حسب سنن الله الجارية في التمكين والاستخلاف. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة» (٣) . واليوم بدأت تتعالى الأصوات وترتفع من عقلاء أمريكا قبل غيرهم، محذرين من السقوط والزوال، بعد أن فقدت أمريكا تلك الخاصية، وأصبح الظلم والإرهاب والاستبداد وانتهاك حقوق الآخرين والجور والغطرسة، سمة من أهم سماتها. وستسقط حتماً كل دولة تجعل من الظلم والاستبداد والقهر والإرهاب منهجاً لها ومبدأً من مبادئها، فالكون يسير حسب نواميس شرعية ووفق سنن جارية، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] . وليس المهم متى سيحدث ذلك؛ إنما المهم أنه سيحدث إن عاجلاً أو آجلاً، والذي أهلك عاداً الأولى وثمود فما أبقى، قادر على أن يهلك مَنْ دونهم، وأن يسلط عليهم جنداً من جنده ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] ، وأمتنا متى استكملت أسباب النصر والتمكين فإنها حتماً ستعود قوية عزيزة، في هذا الجيل أو الذي بعده، والنصر والتمكين ليس شرطاً أن يراه الداعية بعينه؛ فالرسول ﷺ وعد بفتح فارس والشام واليمن، ولكن ذلك لم يتحقق إلا بعد وفاته ﷺ بسنين. فدعوة الله لا بد أن تعلو، ودين الله لا بد أن ينتصر ويسود، ولا نقول هذا جُزافاً؛ وإنما هو عقيدة نستقيها من كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ . - المد والجزر في تاريخ المسلمين: أقول هذا بعد أن بلغ اليأس والقنوط والإحباط ـ من عودة هذه الأمة إلى مجدها ـ منتهاه عند قطاع عريض من المسلمين، ونسوا أن ما تمر به الأمة من ضعف، إنما هو مرحلة سبق أن مر بها ما هو أشد ضراوة وأعنف شراسة؛ فقد تعرضت من قبل وعلى امتداد تاريخها الطويل لمحاولات عديدة للقضاء عليها واستئصال شأفتها وإبعادها عن دينها ومصدر عزها، ولكنها في كل مرة كانت تقوم من جديد، بعزيمة أقوى وشكيمة أشد، ومن يستقرئ تاريخ أمتنا، يجد أنه كان بين مد وجزر؛ فمتى كانت الأمة قوية بدينها وحققت أسباب النصر عزّت وسادت، ومتى ضعف تمسكها به ذلّت واستكانت، وإليك مصداق ذلك: - قبل وفاة الرسول ﷺ ، كانت الأمة في عز وسؤدد، وقوة ومنعة، وحينما توفي ﷺ ، مرت الأمة بأزمة عصيبة، ومرحلة خطيرة؛ حيث عَظُمَ الخطب، واشتد الكرب، وظهر مدّعو النبوة، وامتنع قوم عن أداء الزكاة، وارتد من ارتد من العرب، حتى إنه لم يبق للجمعة مقام في بلد سوى في مكة والمدينة، وأصبح حال المسلمين كما يقول عروة ﵁: «كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيهم، وقلة عددهم، وكثرة عدوهم» حتى وُجد من المسلمين من بلغ به اليأس أن قال لأبي بكر ﵁: «إن هؤلاء جُل المسلمين والعرب على ما ترى قد انقصت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين» (١) . في ظل تلك الأوضاع، واليأس قد بلغ منتهاه، من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة مرة أخرى؟! ولكن أبا بكر ﵁ لم يعتره اليأس، ولم يتملكه القنوط، وإنما واجه هذه الأحداث، وهذه البلبلة، وهذه النكبات، بإيمان راسخ، وعزيمة ثابتة، وتفاؤل عظيم، حتى ثبت وحارب مدعي النبوة والمرتدين، وأعاد للمسلمين قوتهم، وللخلافة هيبتها، ولليائسين تفاؤلهم. وفي القرن الرابع الهجري من كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة، حينما قام القرامطة في عام ٤١٧هـ باستباحة مكة يوم التروية! «حيث نهبوا أموال الحجاج، وقتلوا في رحابها وشعابها وفي المسجد الحرام بل وفي جوف الكعبة خلقاً كثيراً، وجلس أميرهم أبو طاهر ـ لعنه الله ـ على باب الكعبة، والرجال تُصرع من حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام وفي الشهر الحرام وفي يوم التروية الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول: أنا الله وبالله أنا، أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا، ثم أمر بأن يُقلع الحجر الأسود، وقال: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل؟! ثم قلع الحجر الأسود وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم (اثنتين وعشرين) سنة» (٢) . وتأمل أي ذلة ومهانة كانت تعصف بالمسلمين في ذلك الوقت: الحجر الأسود يُقلع من مكانه الطاهر، ويُحمل إلى بلد القرامطة ويمضي عندهم اثنين وعشرين عاماً قبل أن يعيدوه بأنفسهم، والأمة الإسلامية كلها لا تستطيع أن تجتمع لاسترداد حجرها الأسود! وبعد هذه الحادثة المأساوية، التي لم تتكرر في تاريخ الإسلام والمسلمين، قل لي بربك: هل من مجال للمقارنة بين ما مر على المسلمين في ذلك العصر من الضعف والذل والمهانة، وما نمر به في هذا الوقت من أزمات؟ ومع ذلك فقد عاد المسلمون مرة أخرى، ونهضوا من كبوتهم وصحوا من غفوتهم، وعادوا كأقوى ما يكونون. - وفي أواخر القرن الخامس الهجري، من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة لما تدفقت الجيوش الصليبية من أوروبا بأسرها على الخلافة الإسلامية، في تسع حملات صليبية شرسة، فقتلوا وطمسوا معالم الحضارة، واستعملوا جميع مظاهر الاضطهاد والعنف، واستولوا على كثير من البلاد الإسلامية، وأُغلق المسجد الأقصى ولم تُقم فيه جمعة ولا جماعة، ووضعت الصلبان فوقه ما يقارب (قرناً) من الزمان، حتى ظن كثير من المسلمين في ذلك الوقت، ألاَّ أمل في انتصار المسلمين على الصليبيين، وألاَّ رجاء في رد أرض فلسطين مع المسجد الأقصى إلى حوزة المسلمين، ولا سيما بعد أن فتكوا في الأنفس، وذبحوا من المسلمين في يوم واحد أكثر من (سبعين ألفاً) . في ظل هذه الظروف، من كان يظن أن هذه البلاد ستتحرر في يوم ما، على يد البطل (صلاح الدين الأيوبي) في معركة حطين الحاسمة، ويصبح للمسلمين من العزة والقوة والسيادة ما شرّف التاريخ الإنساني. ومرة أخرى.. لم ييأس المسلمون ولم يقنطوا من رحمة الله؛ فقد عادوا ونهضوا من كبوتهم، واستردوا المسجد الأقصى بعد أن رفع النصارى الصلبان فوقه ومنعوا المسلمين من الصلاة فيه أو مجرد دخوله قرابة (قرن) من الزمان. بينما يصاب اليوم كثير من المسلمين باليأس والقنوط وفقد الأمل بالكلية من مجرد التفكير في إمكانية استرداد المسجد الأقصى مرة أخرى رغم أنه لم يمض على احتلاله سوى سنوات معدودة. وإذا كان المسلمون في ذلك الوقت ـ وحالهم كانت أشد مرارة من حالنا ـ قد نهضوا بعد تلك الكبوة؛ فالأمة اليوم قادرة بعون الله تعالى، ثم بالجهود المنتظرة من أهل الصلاح والإصلاح، أن تعود من جديد؛ وإرهاصاتُ ذلك تبدو في الأفق واضحة جلية بعون الله تعالى. - وفي القرن السابع الهجري، من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة، لما خرّب المغول العالم الإسلامي، ونهبوا الأموال، وداسوا القِيَم، وفتكوا بالأنفس والأعراض فتكاً ذريعاً، حتى قيل إن جبالاً وأهرامات عالية أقامها هولاكو من جماجم المسلمين؛ حيث كانوا في غاية الهمجية والوحشية، فكانوا يقتلون كل من يقابلهم دون تفرقة، فقتلوا العلماء والمشايخ والكهول والنساء والولدان، وأحرقوا المساجد ودور الكتب، وحطموا كثيراً من معالم الحضارة الإسلامية. وقد ذكر ابن كثير ﵀ عدد قتلى المسلمين إثر ذلك الغزو فقال: «وقد اختلف الناس في كمية من قُتِل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل ثمانمائة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس» (١) . وبلغ من شدة الحدث، أن المؤرخ ابن الأثير ﵀ قال: «لقد بقيت عدة سنين مُعْرِضاً عن ذكر الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أُقدّم إليه رجلاً وأُؤخر أخرى؛ فمن الذي يسهَل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً» (٢) . من كان يظن أن بلاد الإسلام ـ بعد هذا ـ ستقوم لها قائمة، أو أنها ستتحرر في يوم من الأيام على يد البطل المقدام (قطز) في معركة عين جالوت الحاسمة، ويعود المسلمون إلى سابق عهدهم (٣) . ومرة أخرى.. هل من مجال للمقارنة بين ما حصل للمسلمين في ذلك الوقت من القتل والإيذاء والتنكيل، بتلك الصورة وتلك الوحشية وتلك الشراسة وذلك العدد الكبير من القتلى، وبين ما يحصل للمسلمين في هذا الوقت! ومع ذلك كله فقد نهضوا من كبوتهم وصححوا خطأهم وعادوا إلى ربهم، فبنوا حضارتهم وواصلوا مسيرة فتوحاتهم بكل قوة وثبات. ومن عجائب التاريخ وفرائده، أنه مع هزيمة الأمة في ذلك الوقت عسكرياً، إلا أنها لم تُهزم نفسياً؛ فقد ظل كثير من المسلمين معتزين بدينهم مستمسكين به، لدرجة أنهم أثَّروا بالغالب ولم يؤثر بهم، على خلاف العادة؛ إذ جرت أن المغلوب مجبول على التأثر بالغالب، إلا أن الذي حصل هو عكس ما جرت عليه تلك العادة، فدخل الغالب بدين المغلوب، وهذا من غرائب التاريخ الإنساني. وفي هذا دلالة على أن الأمة وإن هُزمت عسكرياً إلا أن كثيراً منهم لم ينهزموا نفسياً، ولم يفقدوا الأمل، ولم يصابوا باليأس والإحباط كما أصيب به كثير من المسلمين اليوم. فقد صحا أبناء ذلك الجيل من غفلتهم واستيقظوا من غفوتهم، وعادوا إلى دينهم فعاد لهم العز والتمكين مرة أخرى، بعد معركة عين جالوت المشهورة. - وفي القرن الرابع عشر الهجري المنصرم، من كان يظن أن الإسلام سيعود من جديد، وقد أُصيب المسلمون بعدة طعنات لو وُجهت لغيره من الأديان لذاب واندرس؛ ففي ذلك القرن: سقطت دولة الخلافة الإسلامية على يد الهالك أتاتورك، وأصبح يُنادَى بالعصبية والقومية، واستُعمرت الدول الإسلامية وقُسمت بين دول الغرب، وعمت البلوى والافتنان بالحضارة الغربية حتى أصبح المثقفون ينادون بضرورة اللحاق بركب تلك الحضارة والانضواء تحت لوائها بخيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يُحمد منها وما يُعاب. أما العقائد فقد أصبحت الطرق الصوفية هي السائدة حتى عم الظلام والجهل والبدع والخرافات لا أقول بعض أوطان المسلمين، بل معظمها، وعاد الدين غريباً كما بدأ، وغابت معظم معالمه التشريعية حتى كاد يندرس في معظم البلدان الإسلامية، وبلغ اليأس منتهاه في إمكانية عودة الإسلام من جديد لدى البقية الباقية من المستمسكين به، بل ظن كثير منهم أن الإسلام لن تقوم له قائمة مرة أخرى. ولكن الله ـ تعالى ـ بعث هذه الأمة من جديد، وبدأ الناس يعودون إلى دين الله أفواجاً، وبدأت الأمة تنهض بعد الغفلة، نرى ذلك ونلمس مظاهره في جوانب كثيرة ومجالات عديدة بحمد الله تعالى. - من بشائر النصر: إن مما يسر الخاطر ويفرح القلب ويُقوي الأمل في إمكانية عودة هذه الأمة إلى سابق عزها ومجدها، ما نراه من الآثار الملموسة للصحوة التي بدأت تؤتي أُكلها ونتنفس ثمرها ونستنشق عبيرها. هذه الصحوة نتاج طبيعي لإخفاقات متكررة وهزائم متتابعة عاشتها الأمة، ولذا فقد ولدت وترعرعت وهي متعطشة لعز الإسلام وتمكينه، بعد أن جُربت جميع الشعارات الرنانة ولم تفرز إلا النكسات المتعددة، وتكالب الأعداء عليها من كل جانب. وقد كانت هزيمة أو نكسة يونيو ١٩٦٧م، بداية تحول كبير في عقول كثير من شباب الأمة الإسلامية؛ حيث تركت تلك الهزيمة آثاراً موجعة في نفوس ما لبثت أن تجلت على شكل صحوة عارمة بين طلبة الجامعات، ثم امتدت وبسرعة لتعبر عن نفسها في مظاهر كثيرة ومجالات عديدة بين جميع المسلمين في شتى أنحاء العالم. وما تزال إيجابيات هذه الصحوة قائمة ملموسة، تنمو وتزداد مع تقادم الأيام والسنين؛ فقد فرضت نفسها على الأحداث العالمية برمتها، وأصبحت همّاً عالمياً، تُفرِح الأصدقاء وتؤرق الأعداء، وتُقام من أجلها المؤتمرات، وتُعقد بسببها اللقاءات، ما بين محب يسعى لإصلاحها وتقويمها، وكاره يخطط لوأدها وإجهاضها؛ فهي أكبر مشروع حضاري نهضوي في العالم المعاصر، وإن كانت ثمراتها ظاهرة ملموسة، إلا أنها حتماً ستؤتي أُكلها وسيتم جني ثمرها بصورة أكبر في القادم من الأجيال اللاحقة بإذن الله تعالى. ولعل من أهم مظاهر ثمراتها ما نراه من العودة الجماعية لهذا الدين، حيث عمّت بفضل الله ـ تعالى ـ الصحوة ربوع العالم الإسلامي كله، بل تجاوزت إلى ربوع المعمورة، حتى أصبحت الكنائس تُشترى وتُحوّل إلى مساجد للعبادة. وأصبحنا نرى ونسمع عن مكتسبات ومستجدات ما كان أحد يظنها قبل بضع سنوات، من انتشار الوسائل الدعوية التربوية المختلفة من فضائيات وصحف ومجلات إسلامية، أصبحت تتكاثر وتتوالد بكثرة العائدين إلى الله. وهذه الأمة ما تزال حُبلى بالمبشرات، وهي قادرة بعون الله ـ تعالى ـ على النهوض والعودة من جديد إلى سابق عزها ومجدها، ولعل مما يُبشر بذلك: - تتابع سقوط الشعارات والحركات والنقابات والأحزاب غير الإسلامية، وثقة الناس في المقابل بالأحزاب والمنظمات والحكومات الإسلامية. - ظهور أطفال الحجارة في فلسطين والعراق والفلبين وكشمير، والشيشان، وأفغانستان وغيرها في وسائل الإعلام المختلفة وهم يحملون المصحف في يد والبندقية في اليد الأخرى. - صمود المقاومة العراقية واستمرار ثباتها، بل وتجدد قوتها شهراً بعد آخر وسنة بعد أخرى، ولولا الخيانات وخذلان الأصحاب لما سقطت العراق ـ ابتداء ـ بهذه السهولة حتى وإن تفوقت أمريكا في العدد والعدة، ولو تمكنت المقاومة من امتلاك (بعض) أنواع الأسلحة التي تمتلكها أمريكا لما بقي أولئك الأعداء يوماً واحداً في بلدهم. - ولعل من أهم المبشرات التي تدل دلالة واضحة على صحوة هذه الأمة، تنامي العمل الإسلامي في معظم دول العالم وقيامه بدور بارز في نشر رسالته، وهو الأمر الذي جعل حكومات العالم تقف أمامه بقوة للحد منه ومحاولة تجفيف منابعه بدعوى محاربة الإرهاب. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨ - ٩] . والبشائر بحمد الله كثيرة، ولا يمكن الإحاطة بها أو حصر مظاهرها، وإنما هي أمثلة ونماذج تحيي الأمل وتدفع اليأس؛ فالأمة معطاء، والفأل مطلوب، والخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة، والثقة بالله ـ تعالى ـ هي مقدمة النصر، والقوة المعنوية في كل أمة هي التي تدفع شبابها ورجالها إلى تحقيق المزيد من الانتصارات الخالدة في كل زمان ومكان. وما تمر به أمتنا اليوم من الضربات المتتابعة والصفعات الموجعة، ما هي إلا إرهاصات مبشرة لنهضة الأمة وصحوتها من غفلتها، وعودتها مرة أخرى إلى دينها ومصدر عزها ومجدها. فإن الظلام كلما احلولك وادلهمّ فإن وراء الأفق نوراً، وفي حضن الكون شمس ساطعة، وكلما اشتد غلس الليل اقترب ميلاد النهار، وشدة ظلمة الليل دليل على قرب انبلاج الفجر.

стр. 5451

الطفل والعيد د. عدنان علي رضا النحوي يقولون قد أقبل العيد! ما العيد؟! كيف يجيء؟! فهلاَّ انتحى (١) أبي! فهل العيد يأتي لِكَيْ يسُرَّ القلوب وكي يشرحا؟! أبي كيف أفرَحُ في عيدنا أليس هو العيد أن نفرحا؟ فأين الملاعبُ؟ أين الفضاء وما طاب للنفس أو رُوِّحا نروح ونغدو على ساحِها أليسَ من الحق أن نمرحا وأرجُوحة العيد؟! والملتقى سمعنا بذكر له فامّحى وأين البساتين؟! أين الرياض وزهرٌ هُنالك قد فوَّحا أبي! أين إطلالة العيد في الأُفقِ؟! ما شكله حينما يظهرُ؟! أيأتي علينا ومِنْ حَولِنا دمُ دافقٌ أو أسى أكبرُ فلا الدار دارٌ وقد هُدمتْ ولا خيمةٌ يا أبي تَسْتُرُ ومن حولنا غاصب مجرم يصول ويفتك أو يغدرُ تُساندُه عُصبة المجرمين فيمضي بطغيانه يفجُرُ فلم يبق إلا بقايا دموعٍ وشكوى تئن ولا َتجْهَرُ وصمت من الأهل أقسى علينا فلا هو يُسْعفُ أو ينصرُ أبي أصبح العيد ذكرى لنا يكاد يغيب فلا يُرقَبُ وكنا نفيء لتلك الظلالِ لزيتونة ساحها أرحبُ إلى شجر البُرتقالِ فيحنو علينا! ولَيْمُونةٍ تحْدبُ إلى أمة عزُّها زاهر ظلال الهدى والتقى الطيِّبُ هُنالِكَ تلقى الطفولةُ أعيا دُها! تَنْشُرُ العطر أو تسكبُ أبي سأظلُ على ثغرةٍ ليُقْبِلَ عيدٌ لنا يُطربُ يضمُّ الشتاتَ ويُعلي البناء على أمة مجْدُها أغلبُ

стр. 5452

المناخ الأسري السليم وسِماته حسين بن عجاب العوفي من حكمة الله أنه جبل الإنسان على حاجات نفسية تساعده على البقاء، وتحميه من الهلاك، ويتعدى دورها في أحيان كثيرة إلى الحماية من الانحراف والضياع. وهذه الحاجات قد تكون ظاهرة ومعلومة للجميع، مثل: الحاجة إلى الغذاء أو الحاجة إلى النوم ونحو ذلك؛ إلا أن الكثير من الحاجات النفسية المؤثرة في حياة الإنسان لا تكون معلومة إلا للمتخصص مما يعظم دوره في النفع العام وخدمة المجتمع، ويُعْظِم كذلك المسؤولية الواقعة على كاهل كل منا في تثقيف الذات ورفع مستواها في المجالات المؤثرة في مسيرتها في الحياة. ومن رحمة الله بعباده أن جعل بعض السلوكيات والعادات الإنسانية خادمة لاحتياجات كثيرة ومتعددة في وقت واحد، بل من رحمته أن جعل هذه الحاجات متداخلة ويشبع بعضها بعضاً. ومن الطباع البشرية المشبعة لاحتياجات نفسية متعددة: الأسرة؛ فهي مغذية لحاجة الأبوة والأمومة والحب والحنان والجنس بالنسبة للزوجين، والخبرة والتقدير والمسؤولية والسلطة الضابطة والانتماء والإنجاز؛ إلى آخر القائمة من الحاجات. وليس هدفنا من هذا المقال تفصيلها وبيان كيفية إشباعها، بل الهدف بيان السمات الأسرية المعينة والمحققة للدور الأسري الفعال. ولعلنا نذكر تلك السمات على شكل نقاط فيكون أوضح للمراد وأخصر للمقال، ولا يعني ترتيب السمات تسلسل الأهمية، بل كل السمات مهمة، وتوافرها متكاملة يعطينا المناخ الأسري السليم، وبحسب النقص فيها يحصل الخلل في مناخ الأسرة: - السمة الأولى: تتسم عملية التأديب والتربية في المناخ الأسري السليم بالإيجابية: وجوانب الإيجابية هنا متعددة، ومن ذلك: ١ - الحب والقبول غير المشروط: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قَبَّلَ النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄ فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحداً. فقال رسول الله ﷺ : «من لا يرحم لا يُرحم» (١) . التقبيل ما هو إلا مؤشر من مؤشرات الحب والرحمة من الوالد لولده، ودلائل هذه المحبة كثيرة ومتعددة، والأصل ظهورها من الوالد لولده ومعرفة الولد لها، والبعد عن وضع الشروط والمقاييس لمنح هذه المحبة للولد. والشرط الوحيد الذي من الممكن دخوله في هذا الأمر هو القرب والبعد عن الإسلام أو الطاعة كما في عقيدة الولاء والبراء؛ فهذا المقياس يدخل فيه جميع الخلق سواء كانوا من الأقارب أو الأباعد؛ ولذا قال الله لنوح ﵇ الأب الذي يرجو ربه أن ينقذ ابنه من الغرق: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٧] . فمن القوة في التفريق والإبعاد نفي كونه من أهله، والسبب في ذلك الفرق الاعتقادي بين الوالد وولده. أما في غير هذا الشرط فالأصل أن يُعطَى الولد مطلق المحبة، ولا نقيدها بنجاح أو إخفاق، ولا بموافقة أو مخالفة، ولا بحسن مظهر أو سوئه. يقول الدكتور عبد الكريم بكار: «يحبنا أطفالنا؛ لأننا نقدم لهم حباً غير مشروط، وهذا ما علينا أن نفعله؛ فالأولاد هدية من الله ـ تعالى ـ وعلينا أن نتقبل تلك الهدية مهما كان شأنها» (١) . ويقول الدكتور كمال دسوقي: «يحتاج الأطفال من الناحية الانفعالية أول ما يحتاجون إلى الشعور بالأمان العاطفي؛ بمعنى أنهم محبوبون كأفراد ومرغوب فيهم لذاتهم وأنهم موضع حب وإعزاز الآخرين» (٢) . وتقول الدكتورة هدى قناوي: «ولا شك أن تقبُّل الطفل غير المشروط على ما هو عليه يؤثر في فكرة الطفل عن نفسه، وتوجد علاقة وثيقة بين تقبل الذات وتقبل الآخرين، ومن ثم يمكن القول إن تقبل الطفل على ما هو عليه يعزز إيجابية مفهوم الفرد عن ذاته وتقبله لها وتكيفه مع الآخرين مما يؤثر في النهاية على سلامة صحة الطفل النفسية» ) (٣) . ولا يعني الحب غير المشروط التسليم بالأخطاء، بل السعي لعلاجها بالطرق التربوية الإيجابية مع توافر ذلك الحب. ٢ - التركيز على الإيجابيات: يقول علماء الهندسة النفسية: «ما تركز عليه تحصله» ، وهذا الأمر ينطبق على النظرة إلى الذات وكذلك النظرة إلى الآخرين، ومنهم أعضاء المجتمع الأسري. فتركيز النظرة على الجوانب الإيجابية في أعضاء الأسرة يزيل بالتدريج ـ ومن غير أن نشعر ـ الجوانب السلبية لديهم. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر» (٤) ، فلا يخلو إنسان من إيجابيات تستحق التشجيع والثناء، وهذا التركيز هو نوع من أنواع التعزيز للصفة الإيجابية مما يوسع دائرة الإيجابيات على حساب دائرة السلبيات. يقول الدكتور عمر المفدى خلال كلامه عن تكوُّن مفهوم الذات لدى الأطفال: «أما كيف تنشأ هذه الأفكار التي تشكل مفهوم الذات؟ فإنها تنشأ من خلال ردود أفعال الآخرين تجاه الشخص أو تجاه سلوكه؛ فالطفل الذي يكرر عليه الآخرون أنه جيد وحلو وذكي وغيرها من الصفات الإيجابية من المتوقع أن يتجه مفهومه عن ذاته للإيجابية؛ بينما الطفل الذي يكرر على مسامعه بأنه طفل سيِّئ أو شرير أو غبي وغيرها من الصفات السلبية؛ فمن المتوقع أن يتجه في مفهومه لذاته نحو السلبية» (٥) . ومن مشاكل النظرة السلبية أنها لا تؤثر على المتربي أو الآخر فقط، بل تؤثر على نفس المربي فتجعله يغفل أو لا يستطيع أن يرى الإيجابيات، بسبب الغشاوة التي وضعها على عينيه لعدم عدله بالتركيز؛ ويوافق هذا الأمر قول الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا ٣ - الحماية المسبقة من السلبيات: فالوقاية خير من العلاج، والعلاج في القضايا التربوية والنفسية قد لا يستطيع إزالة العلة أو المرض أو المشكلة التربوية تماماً، بل في أحيان كثيرة لا بد من بقاء نسبة ولو قليلة من آثار ومظاهر تلك المشكلة؛ وهنا تكمن الخطورة؛ ولذا أصبح البحث عن الدروع الواقية والمانعة من وجود السلبيات من أقوى طرق التربية. وعندما رأى النبي ﷺ مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة غضب، وقال: «أمُتَهَوِّكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده! لو أن موسى ﵇ كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني» (٦) ، وما كان النبي ﷺ ليفعل ذلك مع مثل عمر إلا من أجل حماية ذلك الجيل ومن بعدهم من دخول سلبيات الأمم الأخرى عليهم أو وقوعهم في الخلل في مصدر التلقي، فكانت الشدة في أول الأمر مع ما يُتصور أنه سهل ويسير للحماية مما هو أشد وأعظم. ومن جوانب الحماية المسبقة من السلبيات ما يلي: أ - تنمية الانضباط الداخلي: عن ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله يوماً، فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجفَّت الصحف» (٧) . في هذا الحديث يُعلِّم النبي ﷺ هذا الغلام الصغير قواعد أساسية في الانضباط الداخلي يحتاج إليها الكبير قبل الصغير. فمن أقوى جوانب تنمية الانضباط الداخلي لدى الإنسان تقوية مراقبة الله في قلبه، ووسائل تنمية ذلك متعددة وكثيرة، وليس هذا موضع بسطها. ومن جوانب الانضباط الداخلي معرفة المعايير الاجتماعية ومعايير الأسرة وغرس الاهتمام بها وتقديرها لدى المتربي. وسيأتي الكلام عنها في السمة الثانية. ب - اختيار البيئة الصالحة لأفراد الأسرة: أمر النبي ﷺ أصحابه بالهجرة إلى الحبشة لما اشتد بهم الأذى وفتنوا في دينهم، فكان اختياره للحبشة كبيئة جديدة للمهاجرين معللاً بأن فيها ملكاً عادلاً لا يُظلم عنده أحد، وبناءً على ذلك سيكون لديهم القدرة على أداء عباداتهم والتمسك بدينهم ومنع أي مؤثر خارجي على هذا الجانب. ولم يكتف النبي ﷺ بتلك البيئة المناسبة لوجود بعض السلبيات فيها، بل ما زال ﷺ يبحث عن بيئة أفضل من تلك البيئة، فعرض نفسه على قبائل العرب حتى تحققت له الفرصة وبايع الأنصار وهاجر إلى المدينة؛ ومن هناك تحققت الانطلاقة الكبرى للدين الجديد وبلغ الآفاق، وتربى أتباعه في بيئة إسلامية صافية وسالمة من كل سمات الجاهلية. وهذا الأسلوب ـ وهو أسلوب البحث عن البيئة الصالحة ـ من أهم أساليب التربية الاستباقية ـ إن صح التعبير ـ إذ فيها تربية جماعية، واختصار لجهد المربي وبعد عن الانشغال ببُنَيَّات الطريق. فعلى رب الأسرة لكي يحمي أسرته من السلبيات أن يختار لهم البيئة الصالحة. والمراد بالبيئة هنا الحي والمدرسة، بل ما يشاهد وما يسمع وما يقرأ، بل يتجاوز الأمر ذلك إلى اختيار أقارب الأسرة الذين يستطيع رب الأسرة قبولهم أو رفضهم وهم أخوال أبنائه؛ إذ عليه أن يختار لهم أماً من بيئة صالحة تساعد أبناءه على الاستقامة والنجاح؛ إلا أن هذا الاختيار محصور بما قبل الزواج ومجيء الأولاد؛ فإذا تم ذلك فقد انتهى الاختيار. ٤ - الاتفاق بين الأبوين على طرق التربية وتبادل الأدوار: فوسائل التربية متعددة وما يناسب أسرة قد لا يناسب أخرى، والأدوار المطلوبة من كلا الوالدين مختلفة، وعلى الوالدين تحديدها وعقد الاجتماعات الخاصة بينهما من أجل مناقشة قضايا الأسرة، وحل المشاكل التي قد تطرأ بينهما بعيداً عن نظر بقية أفراد الأسرة. ومن الأخطاء التي تقع فيها كثير من الأمهات إخفاء الجوانب السلبية لدى الأولاد عن والدهم: إما خوفاً عليهم من سطوة والدهم، أو ظناً منها إمكانية الحل دون علمه، أو مخالفته بسلبية هذا الجانب. ومما يقع فيه الآباء ويسبب هذه المشكلة لدى الأمهات الشدة والغلظة الدائمة أو اللامبالاة والانشغال عن بيته بصحبه وجلسائه أو أعماله، وتتعدى دائرة الاتفاق الأبوين ويدخل فيها الإخوة الكبار والأقارب الذين لهم احتكاك دائم بأفراد الأسرة. يقول الدكتور عبد الكريم بكار: «ولا ينبغي أن ننسى أهمية التنسيق بين باقي أفراد الأسرة؛ فالأجداد والجدات والعمات والخالات والإخوة الكبار يستطيعون إجهاض العديد من السياسات والجهود التربوية للأبوين» (١) ، ويقول الدكتور مأمون مبيض: «إنه لأمر معين ونافع أن يكون لك أقرباء جيدون يسكنون بقربك؛ حيث يقدمون لك المساعدة العملية والمعنوية، ولا شك أن هذا الدعم المعنوي والنفسي أمر مفيد جداً؛ لأنك قد تتعرض لبعض القلق وانشغال البال وأنت تعمل على تنشئة ولدك» (٢) . - السمة الثانية: تتضح فيه معايير المقبول والمرفوض: عن وهب بن كيسان قال: أُتي رسول الله ﷺ بطعام ومعه ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال: «سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك» (٣) . وعن أبي هريرة ﵁ أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ بالفارسية: «كخ كخ! أما تعرف أنَّا لا نأكل الصدقة؟» (٤) . في هذين الحديثين يبين النبي ﷺ للصغيرين معايير عليهما الالتزام بها. ووضوح هذه المعايير لدى أفراد الأسرة له دور في الاستقرار النفسي كما أن له دوراً في المشاركة العملية والإنجاز داخل الأسرة وخارجها؛ لأن الفرد قد عرف ماله وما عليه؛ فتبين له المراد، وسهلت عليه المنافسة، واستطاع تحقيق حاجة أساسية من الحاجات النفسية وهي الحاجة إلى إرضاء الآخرين وإرضاء المجتمع. يقول الدكتور حامد زهران: «ويحتاج الطفل إلى مساعدة في تعليم المعايير السلوكية نحو الأشخاص والأشياء. ويحدد كل مجتمع هذه المعايير السلوكية، وتقوم المؤسسات القائمة على عملية التنشئة الاجتماعية ـ مثل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام وغيرها ـ بتعليم هذه المعايير السلوكية للطفل مما يساعد في توافقه الاجتماعي. إن الطفل يحتاج إلى المساعدة في تعلم حقوقه، وما له وما عليه، وما يفعله وما لا يفعله، ما يصح وهو في خلوة وما يصح وهو في جماعة، ما يصح وهو في حدود الأسرة وما يصح وهو خارج نطاقها ... إلخ. ويحتاج إشباعُ هذه الحاجة من جانب الكبار إلى كثير من الخبرة والصبر والثبات والفهم» (٥) . - السمة الثالثة: له مواعيد منضبطة وقواعد واضحة: عن أبي برزة أن رسول الله ﷺ «كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها» (٦) . وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا استجنح الليل ـ أو قال: جنح الليل ـ فكفُّوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ؛ فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلُّوهم، وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك، واذكر اسم الله وأَوْكِ سقاءك، واذكر اسم الله، وخمِّر إناءك، واذكراسم الله ولو تعرض عليه شيئاً» (٧) . هذا جانب من تنظيم الإسلام للحياة الأسرية؛ وما اهتم الإسلام بهذا الجانب إلا لدوره وأثره النفسي والتربوي. يقول الدكتور عبد الكريم: «من مسؤوليات الأم إشاعة النظام في بيتها، فتجعل وقتاً محدداً لتناول وجبات الطعام، كما تجعل وقتاً لنوم الأطفال وأوقاتاً يُنهون فيها مذاكراتهم وواجباتهم؛ إن مثل هذه الترتيبات والتنظيمات ترسِّخ في حس الأبناء معنى الانضباط والاهتمام بالوقت» (٨) . ويقول الدكتور إبراهيم الحارثي: «تَعَوَّدْ وضع قوانين لك ولأسرتك، وأشرك جميع أفراد أسرتك في صياغة القوانين العائلية. اعقد جلسات أسرية لمناقشة القانون الذي تضعه لحل مشكلة ما، ركِّز دائماً على الالتزام بالقوانين الأسرية التي تضعونها جميعاً» (١) . ومن القواعد التي لا بد من وضوحها لدى أفراد الأسرة عواقب السلوك وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب؛ إذ في ذلك شعور بمسؤولية الفرد عن تصرفاته وتحمله ما يترتب عليها وتقبُّله لتلك العواقب عند وقوعها؛ إذ يشعر الكل أن ما تم هو نتيجة طبيعية ترتبت على سلوك معين؛ فلا يترتب على العقاب الشعور بالظلم والقهر والتسلط، ولا يترتب على الثواب الغيرة أو الشعور بتفضيل أحد أفراد الأسرة على حساب الآخر. ولكي تحقق هذه القواعد والضوابط أهدافها لا بد من وجود سلطة ضابطة يشعر أعضاء الأسرة بوجودها، وهذه السلطة حاجة أساسية من الحاجات النفسية في الطفولة والمراهقة، والناس فيها بين إفراط وتفريط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، والزيادة في السلطة والتشديد فيها يؤدي إلى وجود الصراع بين الكبار والصغار في الأسرة، بل ويؤدي إلى انفراط السيطرة في النهاية. والإخلال في السلطة وعدم القيام بها يؤدي إلى الضياع والفوضى داخل المجتمع الأسري، والمطلوب سلطة ضابطة تجمع بين الحزم والحنان والرحمة، وتراعي مراحل النمو وتندرج نحو الاستقلال والحرية. - السمة الرابعة: تتبادل فيه المسؤوليات والأدوار: عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته. قال: فسمعت هؤلاء من رسول الله ﷺ ، وأحسب النبي ﷺ قال: والرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته؛ فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٢) . ولو تتبعنا منهجية النبي ﷺ في تربية أصحابه لوجدنا توزيع المهام والمسؤوليات واضحاً وجلياً؛ فمنهم من تولى جانباً عملياً، ومنهم من أُعد لجانب علمي، ومنهم من تولى شأناً من شؤون النبي ﷺ وخدمته. والأدوار التي من الممكن تبادلها داخل الأسرة كثيرة ومتعددة، ومن الممكن تجزئتها أو دمجها حسب عدد أفراد الأسرة، ويأتي على رأس القائمة الوالدان وتبادلهما للدور التربوي والقيادي في الأسرة واتفاقهما على ذلك كما ذكر في السمة الأولى. وإنه لمن المحزن في هذا العصر أن تجد شباباً قد قاربوا سن الزواج ولَمَّا يستطيعوا إدارة شؤونهم وحوائجهم الخاصة، فلا توجد لديهم قدرة على بيع أو شراء، ولا إنجاز معاملة في دائرة أو جهة، بل ولا القدرة على اختيار ما يناسبهم من ملبس ونحوه. والفتيات ليس لديهن القدرة على إدارة منزل من طبخ أو غسل أو تربية أو استقبال ضيوف. يقول الدكتور مصطفى فهمي: «يؤكد كثير من علماء النفس أهمية العمل في تكامل الشخصية؛ فهو وسيلة ومن وسائل التعبير عن الذات يحاول بها الفرد أن يحقق أهدافه وأن يشبع رغباته وحاجاته، وأن يحيل قيمه ومثله حقيقة واقعة، وأن يعبر عن دوافعه وصراعه وقلقه بصورة مقبولة منه ومن المجتمع في معظم الأحيان، وهو في أثناء التفاعل مع الوسط الذي يعمل فيه ينمو وتتكامل شخصيته وتتحقق ذاته ويشعر بقيمته وإنسانيته (٣) . وذكر الدكتور عبد العزيز النغيمشي عند كلامه عن التهيئة لتحمل المسؤولية أن من ضمن المجالات التي تعين على ذلك المشاركة الأسرية، وعلل ذلك بقوله: «إذ إن الأسرة كالمجتمع الصغير لها أعضاء وأنظمة وقيادة وميزانية وبرامج وعادات، ويمكن من خلالها ممارسة كثير من الأدوار والمسؤوليات. والأسرة هي المحضن الأول للفرد الذي فيه يترعرع وينشأ؛ ووفق كيفية النشأة والتربية في الأسرة تكون استقلاليته أو تبعيته وإقدامه أو إحجامه» (٤) . إلا أن إعطاء هذه الأدوار والمسؤوليات لا بد أن يكون بتدرج وتدريب مسبق ومراقبة من المربي لئلا يؤدي ذلك إلى نتيجة عكسية. - السمة الخامسة: يشجع المشاركة الاجتماعية: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة» (٥) . وقال ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» (٦) . إن تحميل الهم العام للأمة، وغرس حب خدمة الآخرين وتقوية الشعور بالانتماء للمجتمع الذي يعيش فيه الفرد كل ذلك يساعد الفرد في اكتشاف الذات، وتحقيق الإنجاز الذي هو حاجة من الحاجات النفسية التي يحتاج الإنسان إلى إشباعها، وهي في الوقت نفسه وسيلة من وسائل بناء وتطوير الذات وتوسع دائرة العلاقات لدى الفرد. ومن المجالات المتاحة في المشاركة الاجتماعية النشاط المدرسي اللامنهجي من توعية إسلامية، ونشاط كشفي، وجماعات النشاط الطلابي المتنوعة؛ ففي هذا المجال غرس البذرة الأولى للمشاركة الاجتماعية لدى أفراد الأسرة ممن ينتمون إلى التعليم باختلاف مراحله، ومن المجالات المتاحة في المشاركة الاجتماعية المؤسسات والجمعيات الخيرية النفعية أو الدعوية أو العلمية. وعلى الوالدين إعانة أولادهم على المكان الأنسب لهم من بين تلك المجالات وفتح المجال لهم للاختيار. واندماج أفراد الأسرة في البرامج الاجتماعية المتنوعة يساعد الأسرة في صقل شخصيات أفرادها وقوة الارتباط الأسري، والبعد عن سفاسف الأمور والانشغال بالترهات الملهية مما يرفع قوة الطرح في الجلسات الأسرية، ويفتح المجال لتبني مشاريع أسرية مشتركة، بل يؤثر تأثيراً ظاهراً في الأجيال المتتابعة من الأسرة الواحدة. يقول الدكتور أمين أبو لآوي مبيناً مكانة المشاركة الاجتماعية في التربية الإسلامية: «تتجه التربية الإسلامية إلى زرع بذور التعاضد والتماسك والتضامن في نفوس الناشئين من أجل تحقيق اتجاه العمل الجماعي والشعور بالمسؤولية عن الجماعة؛ وذلك عن طريق إبراز أهمية العمل المنظم والهادف إلى رصِّ الصف وتنسيق الجهود الفردية لخدمة الأهداف العليا في المجتمع الإسلامي» (١) . - السمة السادسة: يشجع النجاح والتميز: قال رسول الله ﷺ : «نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل. فكان عبد الله بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً» (٢) . وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: «جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فينثرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» (٣) . وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للأشج، أشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (٤) . ولو تتبعنا سيرة النبي ﷺ لوجدنا فيها مواقف متعددة لاستنفار الطاقات وتشجيع المواهب. وهذا الجانب يعطي الشعور بالثقة وتقدير الآخرين للمتربي، ويقوي فاعليته وانتماءه للجهة التي منحته الفرصة لإظهار ما لديه من قدرات، ويساعد في تكرار النجاح والحرص عليه. يقول الدكتور مأمون مبيض: «من الأهمية بمكان أن يبذل الآباء بعض الجهد في تعلم أساليب التشجيع فهو من أهم الأمور التي يمكنهم استعمالها في التربية وهو من الأمور المؤثرة في الأنواع الأخرى من السلوك» (٥) . وتشجيع النجاح والتميز في الأسرة لا يكون عن طريق التمييز في الحقوق بين أعضائها أو الاهتمام ببعضهم وإهمال الآخرين، بل يكون بغرس المفاهيم الصحيحة للنجاح، وفتح المجال للإنتاج والإبداع، وتوفير الوسائل المساعدة على ذلك والتحفيز المدروس والصادق الواقعي لمظاهر النجاح لدى أفراد الأسرة. - السمة السابعة: لديه أوقات للمرح والفكاهة والاستجمام: عن عائشة ﵂ «أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال: هذه بتلك السبقة» (٦) . وعنها ﵂ قالت: «رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا التي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو» (٧) . وعن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتَيِ العشاء وهو حامل حَسناً أو حُسيناً، فتقدم رسول الله ﷺ فوضعه، ثم كبَّر للصلاة، فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها. قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك. قال: «كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعَجِّله حتى يقضي حاجته» (٨) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقاً» (٩) . إن إغناء أفراد الأسرة عن الالتفات إلى خارج الأسرة أو البحث عمن يشبع حاجة من حوائجهم أمر مهم، وعلى قائد الأسرة الاهتمام به. والمرح والفكاهة والاستجمام من الأشياء المهمة المهملة من الكثير من الآباء لعدم الاقتناع، أو لكثرة مشاغله، وقد اعتبر الكثير من التربويين اللعب والمرح وسيلة من وسائل التربية، بل أُلِّف في ذلك كتب متعددة ورسائل متخصصة. يقول خالد العودة: «للترويج دور مهم في التربية الخلقية والروحية إضافة إلى دوره في الجوانب الأخرى، والأسرة محتاجة إلى اللعب والترويح حاجة أساسية كحاجتها للطعام والشراب أحياناً» (١٠) . ووسائل الترويح في الأسرة المسلمة متعددة، ومن ذلك المداعبة والمزاح والنزهة والرحلة الأسرية، وتوفير لعب الأطفال الهادفة، والتجمعات العائلية، وزيارة المتاحف والمعارض المفيدة، وتوفير الكتب والأشرطة السمعية والمرئية وبرامج الحاسب الآلي التعليمية والترفيهية ووسائل الإعلام؛ إلى آخر القائمة من الوسائل التي بإمكان الأب توفيرها لأسرته وفق الضوابط الشرعية. يقول خالد العودة: «وإدارة الترويح المنزلي تتميز بكونها شأن أسري خاص يصعب التحكم فيه من خارجها، ولذا تزداد مسؤولية الوالدين في اختيار الأنماط والتطبيقات المناسبة» (١) . - السمة الثامنة: يتسم بالمرونة ومراعاة الظروف: الأسرة محضن تربوي يستمد مكانته من النصوص الشرعية التي هي بدورها منضبطة بقواعد من ضمنها: «لا ضرر ولا ضرار» و «المشقة تجلب التيسير» وعدم المؤاخذة عند الجهل أو النسيان أو الإكراه. ولا يخلو عضو من أعضاء الأسرة من ظروف تمر به وتمنعه من تحقيق الأهداف العامة للأسرة من مرض ومشاغل وتعكُّرِ مزاجٍ وقلة ذات اليد، ونحو ذلك. فلا يعني وجود خطط أو أهداف أو اتفاقيات محددة داخل الأسرة أن نكون صارمين في تحقيقها؛ فقد تضطر الأسرة لتأجيل بعض برامجها أو إلغائها، أو قد تضطر للتعامل بطريقة معينة مع أحد أفرادها؛ لأنه يمر بمرحلة نمو معينة، أو قد تتنازل الأسرة عن بعض مطالبها لصعوبات مالية تمر بها. ولو تتبعنا سنة النبي ﷺ في ذلك لوجدنا اليسر والسهولة والبساطة. عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: غارت أمكم. ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرَت» (٢) . قال أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة فقلت: والله! لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ قال: فخرجت حتى أمرَّ على صبيان وهم يلعبون في السوق؛ فإذا رسول الله ﷺ قابض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه هو يضحك، فقال: يا أُنَيْسُ! اذهب حيث أمرتك! قلت: نعم أنا اذهب يا رسول الله! قال أنس: واللهِ لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين ما علمت قال لشيء صنعتُ: لِمَ فعلتَ كذا وكذا، ولا لشيء تركتُ: هلاَّ فعلتَ كذا وكذا!» (٣) . ولا يعني ذلك اللين أو المداهنة في المحرمات، بل على رب الأسرة حمايتها من كل ما يخالف الشرع، والإنكار على من وقع في منكر منهم مع اعتبار الآداب الشرعية في ذلك. عن عائشة ﵂ أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ؟ فكلمه أسامة فقال رسول الله ﷺ : «أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلكَ الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٤) . ومن المرونة في الحياة الأسرية النظرة الإيجابية للمشكلات؛ فلا يخلو تجمع بشري منها. والإيجابية هنا في تقبُّل وجود المشكلة، وأنها أمر طبيعي لا يعني انتهاء العلاقة الأسرية أو فسادها. ومن الإيجابية في النظرة إلى المشكلات الأسرية السعي لعدم ترسبها في الأسرة واستغلالها كحدث تربوي. - السمة التاسعة: يسود فيه الأدب والاحترام المتبادل: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر» (٥) . يتصور الكثير من الناس أن الأدب والاحترام عندما يُطلق يراد به احترام الأصغر لمن هم أكبر منه سواء كان ذلك في العمر أو في غيره؛ مع أن الاحترام قضية تبادلية لا يمكن أن توجد من الإنسان تجاه من لا يحترمه، ولكي يكون الاحترام سمة من سمات أسرنا علينا أن نسعى لتوفير سمات المناخ الأسري السليم في أسرنا؛ إذ بتوفيرها يشعر عضو الأسرة بالانتماء إليها والحرص على مصالحها ومحبته لأعضائها، وعلينا كذلك أن نحرص على توفير أمرين مهمين لهما أثرهما في الاحترام المتبادل. أ - العدل بين أفراد الأسرة: في الحقوق والواجبات وعدم إشعار أحد منهم أن غيره مقدم عليه أو أفضل منه. يقول الدكتور عادل رشاد: «إن عطاءنا لأبنائنا يجب أن يكون متوازناً بشكل عام؛ فلا ينبغي أن يشعر الأبناء بأنك تفضل بعض أطفالك على بعضهم الآخر، وأي اختلال لهذه القاعدة كفيل ببعث الغيرة والكراهية ومن ثَم تهيئة أسباب النزاع بين الإخوة» (٦) . ويقول مجاهد ديرانية: «إن التفضيل في المحبة بين الأولاد خطأ فادح؛ أما إظهار ذلك والتصريح به فهو خطيئة، بل هو جريمة لا تغتفر ولا تعود أضرار ذلك على المفضولين فقط بأن ينشؤوا ساخطين أو معقَّدين، بل إن الضرر يكون أوسع من ذلك؛ بحيث يسود بين الإخوة أنفسهم روح الحسد والضغينة ومشاعر الكره المتبادل» (٧) . وهذا العدل لا يكون في العطاء أو العاطفة فقط، بل حتى بالتكليف والمطالبة بالمشاركة في أعمال الأسرة؛ فبعض الآباء يركز على أحد أبنائه لسرعة استجابته أو لإتقانه العمل، ويظهر ذلك في تركيز الوالدين على الابن الأول أو البنت الأولى، فتجد هذين يقومان بالكثير من أدوار الوالدين في الأسرة، وهذا الأمر يؤدي إلى سلبيات تربوية متعددة من أقلها الحقد والكره بين الإخوة؛ فالمكلف بالعمل يرى أنه قد أثقل عليه بالعمل وفتح المجال للآخرين للهو وإنجاز ما يريدون من أعمال، والآخرون يرون أن والديْهم لا يثقان بهم كما يثقان بالمكلف بالعمل. ب - فتح باب الحوار داخل الأسرة: إن تنفيذك للأمر وأنت مقتنع فيه لا شك أنه سيكون أفضل وأتقن مما لو فعلته بالإكراه وقوة السلطة. ومن المحال أن يتقبل الإنسان فكرة من الأفكار عن طريق الإكراه والسلطة التعسفية حتى لو أظهر خلاف ذلك تجنباً للضرر الذي قد يلحق به عند المخالفة، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يؤدي إلى التفكك ونشوء النجوى والثللية داخل الكيان الواحد، ولذا فمن الخير للأسرة ولكي تسود فيها الشفافية والجماعية في اتخاذ القرار أن يفتح فيها باب الحوار لنقاش المشكلات. يقول سلمان خلف الله: «للحوار قيمة حضارية وإنسانية، وعلينا أن نعمل ونأخذ به في حياتنا وممارساتنا التربوية والأسرية، ويجب أن تؤمن به كل أمة. والحوار يخلق التفاعل الدائم بين الطفل من ناحية وبين المنهج والمعلم من ناحية أخرى؛ فلا بد أن يوصل الحوار إلى كشف الحقيقة وخاصة إذا كانت غائبة؛ فهو الوسيلة المهمة في بناء شخصية الطفل كفرد وكشخصية اجتماعية، وهو يخلق أيضاً روح المنافسة بين الأطفال، فيحملهم على الدخول في ميادين المناقشة العلمية. وكذلك يثبت فيهم روح الجماعة والتعاون، ويبعد عنهم الأنانية وحب الذات المفرط، ويبث فيهم روح الألفة والمحبة، ويعودهم على النظام والتعاون، ويساعد على الابتكار واحترام الطفل لذاته» (١) . ومن صور الحوار التي أدت إلى المحبة والألفة والاقتناع، ومنعت من التمادي في الخلل ما رواه أبو أُمامة قال: «إن فتى شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا: مَهْ مَهْ! فقال: ادْنُهْ! فدنا منه قريباً قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله! جعلني فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا، والله! يا رسول الله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا، والله! جعلني فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا، والله! جعلني فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا، والله! جعلني فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرجه! فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (٢) . فلو تعسف النبي ﷺ ـ وحاشاه ذلك ـ لما حصلت هذه النتيجة الجميلة. ومشكلة الكثير من المربين مع الحوار هو عدم معرفة آدابه وأساليبه، بل إن الكثير من صور الحوار لدينا تنقلب إلى موعظة أو تحقيق أو مناظرة، ومع ذلك نظن أننا نؤدي الكم والكيف المطلوب من الحوار مع من نربي، وأن الخلل أتى من قِبَلهم وليس من قِبَلنا. يقول الدكتور عبد الكريم بكار: «لم تترسخ بعدُ تقاليد الحوار الصحيح في حياتنا الاجتماعية والأسرية، ولهذا فإن من الملاحظ أننا كثيراً ما نبدأ حديثنا مع من نربيهم من أبناء وطلاب على أنه محاورة تتجلى فيه النِّدِّية، ثم ينتهي إلى أن يكون مناظرة خشنة يملى فيه الرأي إملاءً مباشراً؛ فهل نتخذ من العثور على طريقة جديدة في التفاهم هدفاً نسعى إليه؟» (٣) . - السمة العاشرة: يشعر كل فرد فيه بالانتماء والاندماج والتحمس لتحقيق أهداف الآخرين والتعاون معهم: هذه السمة هي نتيجة لتوفر السمات السابقة ومن الغريب أن يطالب بعض المربين مَنْ تحت يده بهذا الأمر وهو قد فرط بالأمور السابقة. وجزء من هذه السمة هو حاجة نفسية أساسية لا بد من إشباعها وإلا أدى ذلك إلى العزلة والشعور بالوحشة والاغتراب. يقول الدكتور أحمد راجح: «يزداد شعور الفرد بالأمن والتقدير الاجتماعي كما يزداد اعتداده بنفسه واعتزازه بها حين ينتمي إلى جماعة قوية يتقمص شخصيتها، ويوحد نفسه بها كالأسرة القوية، أو النادي، أو النقابة، أو الشركة ذات المركز الممتاز، وتنبت هذه الحاجة في أحضان الأسرة من علاقة الطفل بأمه وأفراد أسرته، ثم تعززها أو تحبطها بعد ذلك التجارب التي يمر بها الفرد، ومتى أرضيت هذه الحاجة وشعر الفرد بالانتماء إلى جماعة معينة زاد ولاؤه لها وشعوره بأنه جزء منها يصيبه ما يصيبها على أن إرضاءها يتوقف على تقبُّل الجماعة للفرد؛ لأنه يعمل من أجلها، وعلى تقبُّل الفرد للجماعة؛ لأنها تُرضي حاجاته ومطالبه» (٤) . وتقول الدكتورة هدى قناوي: «المرء في حاجة إلى أن يشعر بأنه فرد من مجموعة تربطه بهم مصالح مشتركة تدفعه إلى أن يأخذ ويعطي، وإلى أن يلتمس منهم الحماية والمساعدة؛ كما أنه في حاجة إلى أن يشعر بأنه يستطيع أن يمد غيره بهذه الأشياء في بعض الأحيان» (٥) . وعندما يتحقق الشعور بالانتماء للأسرة لدى أعضائها سيترتب على ذلك الاندماج بين أفرادها والتعاون والسعي لتحقيق أهداف الجميع لشعورهم بأهمية وأثر ذلك على حياتهم الخاصة، وعندما يستطيع المربي تقوية الجوانب الإيمانية وغرس أهمية الجانب الأخوي وتقديم ما عند الله على ما عند الناس لدى المتربين ـ عند ذلك تزول النظرة للمصلحة المادية الدنيوية في هذا الجانب أو تعظيمها. وأخيراً: فإن الوصول لإصلاح الأمة على المستوى العام يحتاج إلى إصلاحات كثيرة على المستويات الفردية والمؤسسية، ومن المؤسسات الأولى المؤثرة في هذه الجانب كيان الأسرة، وما ذكر في هذا المقال هو جزء من الإصلاح الأسري الذي نسعى إليه، وأرجو من الله أن أكون قد وفقت للصواب فيه.

стр. 5453

الإزراء على الناس منهجية العاجزين د. صالح العبد الله الهذلول يعمد بعضٌ لتسويغ تقصيرهم في التربية أو الدعوة والإصلاح إلى رمي التهم على المجتمع، أو على بعض دوائره الرسمية أو الأهلية، أو القائمين عليها، والتقليل من شأن الفرص التي تلوح بين فينة وأخرى؛ فيسارع إليها أرباب الدعوات ويسعون جاهدين إلى استثمارها وتوظيفها لخدمة دعوتهم سواء كانت دعوتهم إلى خير وفضيلة أو إلى ضدها، فـ «كلٌّ يعمل على شاكلته» . يفعل ذلك هروباً من تبعة المساءلة الأدبية أو الضميرية؛ ليوهم نفسه ـ بل يغشها ـ أنه إنما أحجم عن الإقدام؛ لأنه لا فائدة تعود من وراء ذلك. يبدأ بتجهيز أو تصنيع التهم استعداداً لتوزيعها بدون غلاف على المصلحين والمربين وكافة العاملين بمصالح المجتمع، كلٌّ بالمقاس الذي يناسبه من التهم والشكوك وزرع الإحباط. وهذه الإضاءة لا تتناول نقد ولومَ من في قلوبهم مرض، ولا يدخل في معناها أعداء الدين والمنافقون، وإنما أعني بها أناساً سيماهم الصلاح، واختاروا التدين عنواناً لهويتهم، لكنه العجز والكسل، وربما الهوى أحياناً يلقي بظله الثقيل عليهم، ليظهروا في الغالب سلبيين في ميدان الدعوة والإصلاح، وعوناً لأعداء الدين والمجتمع في التخذيل. غفلوا عن معنى حديث رسول الله ﷺ : «إذا قال الرجل: هلك الناس؛ فهو أهلكهم» . قال أبو إسحاق ـ أحد رجال السند ـ لا أدري أهلَكَهم أو أهلَكُهُم» (١) ، فرُوي بلفظ: أهلَكَهم: أي جعلهم هالكين، لا أنهم هلكوا في الحقيقة، ورُوي بلفظ: أهلَكُهم: أي أشدهم هلاكاً. قال النووي ﵀: «اتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم، وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، وقال الخطابي: معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم، ويقول: فسد الناس وهلكوا، ونحو ذلك؛ فإذا فعل ذلك، فهو أهلكهم؛ أي أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم، والوقيعة فيهم، وربما أدَّاه ذلك إلى العُجب بنفسه، ورؤيته أنه خير منهم» (٢) . فمثلاً: ١ - الذين يرون التفجير في المجتمعات الإسلامية أسلوباً أمثل للإصلاح، إنما هو تعبير عن العجز عن طلب العلم والتربية والدعوة، والصبر على ما يلاقي في سبيلها. ٢ - ومن يختارون الفرار إلى الاستراحات «البريئة» ، وإمضاء الوقت في النقد والتجريح، والقيل والقال، إنما هو فرارٌ من الصبر على تربية الزوجة والأولاد، ومعايشة همومهم، وتعليمهم، وحمايتهم من الانزلاق في وديان الشبهات، أو مستنقعات الشهوات. ٣ - الذين يقللون من شأن العلم والتعلُّم، وأنه لا يسمن ولا يغني من جوع في عصر غلبت فيه المادة، وقيمة الإنسان تصعد وتهبط بما يملك من مال، نسوا أن العلم نور، والجهل ضلال وظلام. ٤ - إذا علم أن مسؤولاً تولى ولاية معينة، أجهد نفسه في البحث عن معايبه، وغلّب جانب التشاؤم في تعيينه، وربما ضرب أمثلة على أخطاء وقعت من ذلك المسؤول أيام صباه ليستدل بها على عدم كفاءته بعد أربعين أو خمسين سنة من التعلم والتجارب، أو استشهد بموقف حدث بينه وبين ذلك المتولي قبل سنين لم يوافقه هذا الناقد عليه، وغفل عن ملابسات يلزم استيعابها وفهمها لمن أراد إصدار حكم أو تقييم شخص. ٥ - يُفتح للناس فرصة من فرص الإصلاح، فلا تعجب ذلك العاجز؛ جرياً على عادته في التشاؤم من كل ما يطرح، ومن ذلكم مثلاً: أ - الانتخابات البلدية: نظرته إليها: أن المجالس البلدية لا تقدم ولا تؤخر؛ فمن العبث المشاركة فيها، هكذا يظن. ب - التدابير الأمنية في بعض المواقع، أو على الطرق، أو في ظرف من الظروف، ونحو ذلك، يتسخَّط منها، واصفاً إياها بالتعقيد، وتعطيل مصالح الناس. وجَهِل ما يترتب على إهمال الأمن أو ضعفه، غير مقدر ولا متفهم ما تتطلبه العملية الأمنية من إجراءات وتدابير في مثل هذا العصر المتلاطم بالفتن والمكائد والمؤامرات. إن الأوْلى إذاً بمن يسلك هذا المسلك، أو يعتمد هذا المنهج المغلِّب لإبراز السلبيات؛ تبريراً لقعوده عن الإصلاح، أن يعيد النظر في هذه المنهجية، وليتذكر أن ليس ثمة خيرٌ محضٌ، ولا شرٌّ محض، كما لا يوجد معصوم سوى الأنبياء. أوَ ليس كل إنسان فيه نوازع متعددة، وله ميول وشهواتٌ وهذه كافية أن تضعفه عن الاحتفاظ بالتوازن السليم دائماً، فكيف تجهل هذا؟! أو: لماذا تتجاهله؟! وقديماً قيل: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرءَ نبلاً أن تُعَدَّ معايبه

стр. 5454

قرارٌ.. وثلاثة رجال إبراهيم بن سليمان الحيدري يُحكى أن قراراً أراد أن يخرج في منظمة خيرية، ولكن كعادة القرارات في المنظمات الإدارية فإنه لا بد أن يمر قبل اتخاذه بمرحلة تسمى صناعة القرار. تجوَّل القرار بين ردهات المنظمة وقلَّب النظر في رجالها ليختار الشخص المناسب لصناعته صناعةً تؤهله لأن يحصل على لقب القرار الناجح الذي طالما حلم الكثيرون من أقرانه بالحصول عليه. رحَّب أحدهم بالقرار وأبدى استعداده أن يتولى هو وحده صناعة القرار واتخاذه، وألتزم أن يكتبه بالبنط العريض وينشره بين أفراد المنظمة ويلزمهم بتنفيذه. تذكر القرارُ وصية حكماء الإدارة أن القرار الفردي سرعان ما يذبل ويموت. ناداه آخر من رجالها وكأنه قرأ امتعاض القرار من طريقة الأول في التعامل معه، فأخذ يَعِدُ ويُقسِم أن يجمع رجالات المنظمة ويحاول بكل ما أوتي من قدرة أن يمرره من بينهم ويشجعهم على تنفيذه. فكر القرار في هذا العرض فأدرك أنها صناعة ناقصة، إذ إن سلطة المديرين كفيلة في كثير من الأحيان أن تجلب موافقة الموظفين على القرار وليس اقتناعهم به، فأعرض عن ذلك واستمر في جولته. تأمل القرار العددَ الهائل من القرارات الإدارية المتكدسة على رفوف المنظمة وقد أعياها الانتظار للحصول على لقب القرار الناجح، فكان ذلك حافزاً له للبحث الجاد عن الرجل المناسب لصناعته وجعله قراراً ناجحاً حتى لو تطلب هذا بعض الوقت. هناك في أحد المكاتب لمح القرار رجلاً سَمْحَ القسمات عريض البسمات، توسم القرار فيه خيراً وعرض عليه حاله وتفاصيل جولته، فهلّل الرجل ورحب وأجلس الرجلُ القرارَ على طاولة مستديرة، وأخذ الرجل والمختصون من موظفيه بالتشاور والتباحث المنطقي، يقلّبون حيثيات القرار مدركين أنهم جميعاً المعنيون بصناعته والملتزمون بتنفيذه. تعجب القرار كيف يتحدث الواحد منهم بكل أريحية وكأنه هو المدير، وقد تركز دور المدير على تنظيم الآراء وتلخيص الأفكار. طأطأ القرار رأسه خائفاً من تلك الأيادي التي ارتفعت بصورة مفاجأة فهدَّؤوا من روعه، وأخبروه أن هذه عملية تصويت يُعبر من خلالها الجميع عن رأيهم في القرار، ثم يؤخذ رأي الأكثرية ويلتزم الجميع بالتنفيذ. وقف القرار في حفل تتويجه بلقب القرار الناجح متحدثاً، فكان مما قاله: إن القرار الناجح هو القرار الجماعي.

стр. 5455

معايير العقلاء (٣) السنن الكونية أ. د. جعفر شيخ إدريس عقلاء الناس في كل زمان ومكان يؤمنون بأن الحوادث لا تحدث خبط عشواء، بل يعتقدون أولاً أن لكل حادث منها سبباً، ويعتقدون ثانياً أن الأسباب المتماثلة تؤدي إلى نتائج متماثلة سواء في عالم الطبيعة، أو عالم المجتمعات، أو عالم النفس. ويعلمون أنه لولا هذا الاطِّراد في الأسباب والمسبَّبات وجريانها على نسق واحد لما أمكن أن تكون هنالك علوم طبيعية ولا اجتماعية ولا نفسية، ولما استفاد الناس من دراستهم للتاريح، ولما استفاد بعضهم من تجارب بعض ولا اتعظوا بها، بل ولما استطاعوا أن يتعاملوا مع الطبيعة والناس من حولهم، بل ولا مع أنفسهم. كيف يمكن هذا إذا كان من الممكن للحادث أن يحدث من فراع، أو إذا كان السبب الواحد يؤدي إلى مسببات مختلفة بل متضادة بحسب الزمان والمكان؟ كيف إذا كان الماء الذي رش على النار فأخمدها بالأمس يُرَش عليها اليوم فيزيدها اشتعالاً؟ لكن الإيمان بالقاعدة لا يعصم الناس من الخطأ في تطبيقها، ولا يلزمهم بعزو المسببات إلى أسبابها الحقيقية التي يعلمونها، بل بعزونها زوراً إلى أسباب يعلمون أنها ليست أسباباً لها. فالناس يظلون مخيرين: من شاء اعترف بالحق، ومن شاء كذَّبه. لكن أولي الألباب منهم لا يكتفون بالإيمان بصدق القاعدة، بل ينظرون في دعاوى الربط بين المسبَّبات المعينة وأسبابها المدَّعاة: هل قام دليل على صدقها أم لا؟ ولولا ذلك لما كذَّب الناسُ السحرةَ والدجالين والمخرفين، ولما عرفوا الفرق بين النبي المرسل ومدعي النبوة. لكن الصدق لا يعصم من الخطأ. فقد يظن الإنسان صادقاً أن هنالك رابطاً بين نتيجة معينة وسبب معين، ويكون مخطئاً في ظنه. يحدث هذا حتى في أكثر العلوم الدنيوية انضباطاً كعلم الفيزياء أو الكيمياء، ودعك عن علم الطب وعلم النفس والاجتماع! وبما أن الإسلام إنما يخاطب العقلاء من الناس فإنه يستعمل هذه الحجة التي يسلِّمون بها، فيدعوهم تارة إلى الاعتراف بالنتائج التي عرفوها، ويذكِّرهم تارة بأن السبب الذي رأوه أدى إلى نتيجة معينة لا بد أن يؤدي إلى النتيجة نفسها في حالة أخرى، ويعرِّفهم تارة بأسباب يجهلونها، ويخطِّئ ظنهم في أسباب ظنوها أسباباً لمسببات معينة وما هي بأسبابها الحقيقية. وإليك أمثلة على ذلك وهي قليل من كثير: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر: ٤٣] . ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] . ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إلا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢] . ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح: ٢٢ - ٢٣] . الملاحظ أن السنن التي وصفها القرآن الكريم في هذه الآيات وغيرها بأنها لا تتغير ولا تتبدل إنما هي ما يمكن تسميته بالسنن الاجتماعية. أما السنن الطبيعية فلم يرد في كتاب الله وصفها بهذه الصفات؛ والسبب واضح وهو أنها يمكن أن تُخرَق، أعني أن السنن التي يعرفها الناس والتي تسمى الآن بالقوانين الطبيعية كقانون الجاذبية يمكن أن تُخرَق. فالنار لم تحرق سيدنا إبراهيم، والبحر انفلق لسيدنا موسى، والقمر انشق لسيدنا محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. لكن بما أن الخوارق أمر نادر فيمكن أن يقال إنها هي الأخرى ثابتة لا تتغير. ثم إن الخرق إنما هو خرق للسنَّة التي اعتادها الناس، وليس خرقاً لقانون السببية؛ ذلك لأن الخرق نفسه يكون بأسباب أخرى ليست معهودة للناس. وهذه أمثلة لم تُذكر فيها كلمة السنَّة، لكن ذكر فيها معناها وهو التذكير بأن الأسباب المتماثلة تؤدي إلى نتائج متماثلة: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] . ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بُمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] . وكما يذكِّرنا الله بسنَّة تكرار النتائج إذا ما تكررت الأسباب؛ فإنه يرشدنا أحياناً إلى أسباب لم نكن نعلمها. من ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] . في هذه الآية الكريمة دليل على أن هنالك علاقة سببية بين الأقوال اللسانية والأحوال القلبية. فإذا ما تشابهت القلوب تشابهت الأقوال، ولا يلزم لذلك أن يأخذ اللاحق من السابق. كما قال ـ تعالى ـ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] . أتواصَوْا به؟ كلاَّ؛ فهم لم يَلْقَ بعضهم بعضاً، ولكن سبب التشابه في الأقوال هو الطغيان الذي في القلوب. وبسبب هذا التلازم بين الأحوال القلبية والعبارات اللسانية كان من المتعذر على المنافق أن يخفي نفاقه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠] . بل إن القرآن الكريم ليدلنا على أن هذه العلاقة بين الظاهر والباطن سُنَّة عامة: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] . في هذه الآية دليل على أن هنالك تلازماً بين الإرادة والعمل. فمن ادعى أنه يريد عملاً معيناً وكان قادراً على أن يأتي به أو بشيء منه ثم لم يفعل ذلك علمنا أنه كاذب في دعواه. يذكِّرنا الإمام الشاطبي بأن هنالك علاقة لزوم بين معرفة الدين الحق واطِّراد السنن، أي أنه لو لم تكن السنن الكونية مطَّردة لما أمكن أن تعرف حقيقة الدين؛ لأنه إنما يعرف بالمعجزة التي تخرق العادة؛ فإذا لم تكن هنالك عادة مستمرة لم يكن هنالك ما يخرق. ويذكِّرنا ﵀ بأن اطراد التشريع مبني على اطراد السنن الكونية. أعني أنه لو كان خلق الناس وخلق الكون من حولهم في تغير مستمر لما أمكن أن يكون لهم تشريع ثابت لا يتغير. فثبات التشريع وعدم تغيره من زمان إلى زمان أو من مكان إلى مكان دليل على أن من شرع لهم لا تتغير فطرهم وطبائعهم التي بني عليها التشريع، وإن تغيرت بعض أحوالهم التي لا علاقة لها به (١) . بقي من هذا الكلام سؤال نختم به هذا الحديث الموجز عن السنن الكونية: ما علاقة الأسباب بالخالق ؟ افترق الناس في هذا إلى طرفين غالطين ووسط أصاب الصواب. وقف أصحاب الطرف الأول عند حدود الأسباب، واعتقدوا أنها هي التي تفعل بنفسها؛ فلا حاجة إلى افتراض خالق لها، وغفلوا عن حقيقة ماثلة أمامهم تقول: إنه لا يوجد في العالم سبب مستقل بفعل؛ فما من شيء ندعوه سبباً إلا وهو معتمد في فاعليته على أسباب أو شروط أخرى، تعتمد هي الأخرى على أسباب وشروط، فأنَّى يكون مستقلاً؟ وغلط مؤمنون فظنوا أن فاعلية الأسباب تتناقض مع خلق الله، فكأنهم ظنوا أنه إذا عُزي الفعل للسبب فلا يمكن أن يعزى إلى الخالق، ولذلك قالوا عن اطِّراد السنن التي يرونها ماثلة أمامهم بأن الله ـ تعالى ـ يخلق عندها لا بها، أي إذا رأيت الورقة أُلقيت في النار فاحترقت فلا تقل: إن النار أحرقتها، ولكن قل: إن الله أحرقها عند ملاقاتها للنار. قال أهل الحق: إن الله ـ تعالى ـ هو الذي خلق الأسباب وجعلها أسباباً؛ ففاعليتها لا تدل على الاستغناء عنه، كما أنها لا تتناقض مع خلقه لها، بل إن من عادته ـ سبحانه ـ أن يخلق بالأسباب، ولذلك استعملت باء السببية في وصف كثير من الحوادث الطبيعية: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] . ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] . وكما استُعملت في القرآن باء السببية فقد استُعملت كذلك عبارات أخرى كثيرة تدل على السببية، لكن المجال ليس مجال تفصيل لهذا الأمر. نكتفي بهذا الآن، ونستأنف الحديث بإذن الله ـ تعالى ـ في معايير أخرى من معايير العقلاء. (*) رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة. (١) انظر في تفصيل كل هذا كتابه (الموافقات) ، كتاب المقاصد، النوع الرابع، المسائل الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة. وقد عزا ﵀ أول هذين الدليلين إلى الإمام الرازي يرحمه الله، ووصفه بأنه من أنبل الأدلة.

стр. 5456

فضيلة التعاطف د. عبد الكريم بكار حين يعيش الناس في قرى صغيرة وأحياء ضيقة، فإنهم يجدون أنفسهم منخرطين في أعمال تعاطفية وتعاونية على نحو غير مقصود، وهذا ما كان يلمسه الناس على نحو واضح في الريف والمدن الصغرى. أما اليوم فقد تغير كل شيء؛ حيث اتسع العمران، وتعقدت العلاقات، ونمت مساحات الحرية الشخصية إلى حدود الأنانية والخوف من الانفتاح على الآخرين والخوف من الاتصال بالأغراب. وإذا نظرنا إلى (السلام) بوصفه رمزاً للمشاركة المعنوية والتعاطف الأولي المجاني؛ فإننا سنجد تقلص أعداد المهتمين به؛ فهناك من لا يسلِّم إلا على بعض من يعرف، وهناك من لا يرد السلام؛ لأن الرد يقلل من درجة انشغاله بما هو منشغل به، وهناك ـ مع الأسف الشديد ـ من صار يبدي نوعاً من الضيق والانزعاج ممن يسلِّم عليه بوصف السلام شيئاً يحمل معنى العدوان على الكينونة الشخصية. هذه الحالة ترمز إلى أكثر مما نعده تركاً لسنة أو تقصيراً في أداء واجب؛ إنها ترمز في الحقيقة إلى نوع من وهن الرابطة المشتركة التي تجعل من الناس في البلدة الواحدة كياناً متواصلاً متراحماً متعارفاً. وقد وصلنا إلى ما هو أشد إثارة للقلق من ذلك؛ حيث إننا نشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى أن كلمة (الأخوة الإسلامية) التي سوّدنا في ذكر فضائلها صفحات كثيرة صارت شبه فارغة من أي معنى على الصعيد العملي وشبه مهملة على الصعيد التربوي والتنظيري. ولست أريد هنا الخوض في ذكر أسباب هذه الوضعية، لكن أحب أن أشير إلى بعض ما يجب عمله على صعيد تحسينها: ١ - حين يسود الجفاء ويضعف التواصل والتعاطف بين أبناء البلد والعمل الواحد فإن الناس ينظر بعضهم إلى بعض بعيون متوحشة، ويصبح تلاقي عيونهم مصدراً للضيق والانزعاج. وحين تقع مشكلة أو يقع خلاف حول شيء في غاية السهولة، كما يصبح رأب الصدع شاقاً وعسيراً. ومن هنا فإن إحسان الواحد منا إلى غيره من الإخوان والجيران والزملاء، يستهدف أولاً تطهير نفسه وإعداد قلبه لتلقي مسرات البذل والتضحية، وهي مسرات ذات طعم فريد ومغاير تماماً لمسرات الاستحواذ وتلقي المعونة. إن المتعاطف مع غيره يحسن إلى نفسه أولاً، ويتلقى جزاء ذلك الإحسان على نحو فوري ومباشر. ولنتأمل في قول الله ـ تعالى ـ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] . وحين يعلم المسلم أن الله ـ جلّ وعلا ـ هو الذي يتلقى الصدقة ليجزي عليها أفضل الجزاء فإن مشاعره وآماله تتحرك في اتجاه الاغتباط بالإنجاز الذي حققه. وهذا المعنى هو ما يشعّه قول الله ـ تعالى ـ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأَخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] . إن الأعمال الخيرية والتطوعية وكل الأنشطة ذات الصبغة الإنسانية تشكل حجر الزاوية في إنشاء المجتمع المسلم، وجعله يقف على قدميه. أما القوانين والعقوبات فإنها تحمي ذلك المجتمع، ومن خلال إنشاء المجتمع وحمايته نحمي الخُلُق والروح، ونحمي الأجيال الجديدة من الانسلاخ من الهوية الإسلامية. ٢ - إن التعاطف فطرة فطر الله ـ تعالى ـ الناس عليها، ولهذا فإننا نشاهد طفلاً رضيعاً يصرخ ويبكي إذا رأى طفلاً آخر يبكي. إنه لا يستطيع أن يميز بين نفسه وبين العالم الذي يعيش فيه؛ لأنه يرى أي كرب يصيب أي طفل آخر على أنه كرب خاص به. إن الشفقة ومراعاة مشاعر الآخرين جزء من التراث الجيني للبشرية، لكن هذه السمات تختفي إذا لم تتم رعايتها وتغذيتها. ومن هنا نفهم الثواب العظيم الذي أعده الله ـ تعالى ـ لأولئك الذين يعطفون على العناصر الضعيفة في المجتمع، ويعملون على سد خلاَّتها. وما أعظم دلالة قوله ﵊: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج بينهما (١) . وقوله أيضاً: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» . قال راوي الحديث: «وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر» (٢) . ٣ - إن أطفالنا يحفظون العديد من الآيات والأحاديث التي تحث على عمل الخير، لكن هذا الحفظ لا يؤتي ثماره المرجوة؛ وذلك بسبب الممارسات اليومية للآباء والأمهات، والتي لا تشير إلى أنهم يهتمون بأوضاع غيرهم. كما أن انعدام الأُطر التي يبذل الأطفال من خلالها المعروف والإحسان يشكل سبباً مهماً في عدم اكتراث الأطفال بالأوضاع السيئة التي يعيش فيها كثير من المسلمين القريبين والبعيدين. إن علينا أن نفكِّر داخل الأسر في الكيفيات التي نقدم من خلالها المعونة لمن يستحقها. وعلى المدارس والجامعات أن تحدد ساعات يجب أن يقضيها الطالب في الخدمة العامة وتقديم النفع العام بوصفها شرطاً للتخرج على ما هو معمول به في بعض الدول المتقدمة. وعلى الإعلام الذي أخذ كثيراً بعقول الأطفال ونفوسهم أن ينحو منحىً جديداً في التوجيه، كي يسهم في إخراج جيل متعاطف وودود وخدوم، وإلا فإن التطورات السلبية التي تحدث الآن قد تفضي بنا إلى حالة صعبة من الجفاء والتشرذم والأنانية.

стр. 5457

الأدب الذي نريده د. محمد صالح الشنطي قد يبدو هذا العنوان مستغرباً مثيراً للتساؤل؛ لأن الأدب رؤية تتشكل في فضاء الكلمة، وتنبثق من صميم الوجدان؛ حيث تتواشج التجربة الحية في نسيج خاص مع نبض القلب ووجيب الفكر. والعمل الأدبي لا يدخل إلى مختبر التصميم ومعمل الذهن ليخضع لجملة من المواصفات والمعايير ليتم إنتاجه وفقاً لها، ثمَّة دوافع داخلية حميمة هي التي تحفز الكاتب إلى إبداع النص فيتشكل بعيداً عن التجريد، لذا يبدو الأمر أبعد ما يكون عن الوصفات الجاهزة والخرائط المعدّة. من هنا كان العنوان متجاوزاً للحدود الظاهرة على سطح الدلالات المباشرة للكلمات إلى ما هو أعمق وأبعد غوراً. ونحن حين نتحدث عن الأدب الذي نريد إنما نعني البُنية الثقافية الأساسية لمن يبتكر ويكتب ويبدع هذا الأدب، بعيداً عن المفاهيم التي تنظر إلى الإبداع الأدبي على أنه انحراف عن الفطرة وإيغال في تيه التجريب، وامتياح من سراديب اللاوعي وشطحات اللامعقول وخروج على مواضعات المنطق. إننا حينما نتكلم عن الأدب ندرك إدراكاً كاملاً أننا نتحدث عن الرؤية التي تتبلور على قاعدة فكرية ووجدانية وإنسانية ملتزمة نافذة متمكنة من اللغة التي هي مادتها الأساسية، بما تختزنه من ثراء جمالي ودلالي سَرَى في عروق كلماتها على مدى العصور والأزمان، وترسّب في قرارات تراكيبها وفي مجالها الحيوي، ففهم اللغة والإحساس بنبضها واختراق غلافها الخارجي وملامسة باطنها ومعانقة ما يختمر في داخلها من خفقات إيمانية مذخورة ومعايشة ما توحي بها عبر تاريخها الممتد وعبر النسيج المعجز لبلاغتها، كما تجلّى في القرآن الكريم، ثم في روائع الكلم وشوارد القول، كل ذلك أساس في فهم الأدب الذي نريد؛ فاللغة ليس مجرد مفردات متراكمة، بل هي روح وثقافة وحياة. إن الأديب يعمل داخل اللغة ويمخر عبابها ويغترف من بحرها المحيط الذي يغوص إلى أعماقه ولا يكتفي باللهو على شاطئه، ويتعرف على ما يدخره من وهج وثراء وأصداف مكنونة، إننا في حديثنا عن الأدب الذي نريد إنما نمضي في رحلة طويلة وعرة المسلك، هذه الرحلة التي نتطلّع فيها إلى بناء الفكر والوجدان. ولما كان الأساس هو الذي يصون البناء من الانهيار؛ فإن ضرورة الاطمئنان إلى سلامة الفطرة وسواء الطبيعة الإنسانية وصيانتها وصمودها أمام عواصف الفكر وأعاصير الثقافات الزاحفة في إرهاب العولمة وتحت لافتة التحديث والتطوير متوشِّحة بمختلف الشعارات ومتزجلة بألوان الزيف في عملية خداع ضخمة تخاتل الذوق وتصادي الوجدان أمر مهمٌّ. إننا نريد أدباً ملتزماً منبثقاً من صميم التجربة الإنسانية الحية، بازغاً من اقتناعات محفوفة بدفء العاطفة التي تختلج في دماء القلب، ولا تسترق الكلمات أو تلوي أعناق الدلالات أو تعبث بسياقات اللغة وتطرح بالمفردات في فضاءات عبثية. والالتزام المطلوب ليس التزاماً (سارترياً) مقدوداً من لحم فكر ملحد أو ضال، وإنما التزام نابض من محب إنساني يحترم الطبيعة البشرية ولا يتركها نهباً للضلالات والرؤى الغائمة، ويخذلها لتبقى في صقيع الغربة الروحية والنفسية. نريد أدباً يستفيد من منجزات الغير في مجال الجماليات، ولكن برؤى إنسانية إسلامية غير مكدّرة ولا مُهجّنة، نريده صافياً من شوائب التيه ومخرجات الانحلال، بعيداً عن الادّعاء والزيف والتمرّد الأهوج والتطرف الأعمى، والنرجسية الجوفاء. نريد أدباً تخصبه الروح، وتدفئه التقوى من غير تعاظم أو مباهاة، ننشد فيه واحة تستروح فيها النفوس راحة القلب وسكينة الجوارح، نريده مضمخاً بنزف واقعنا ساعياً إلى التئام جروحنا، وقبل ذلك كله نريد أدباً غنيّ النفس شفيف الروح.

стр. 5458

الاستفزازات الأمريكية ليست وليدة ١١ سبتمبر ممدوح إسماعيل ترددت مقولة في الإعلام العربي عبر وسائله المتعددة مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحارب بلداً عربىاً ولا مسلماً من قبلُ، وأنه ليس بين العرب والأمريكان ثأرات قديمة أو جروح قديمة من استعمار ماضٍ كما هو الحال مع البريطانيين والفرنسيين، وأن حرب واحتلال العراق ليس ضد العرب ولكن ضد الإرهاب والاستبداد وأسلحة الدمار؛ ولما انتفى الاستبداد، ولم يجدوا أسلحة دمار شامل قالوا من أجل ترسيخ الديمقراطية، وحتى هذه الدعوى لم تجد تصديقاً في الواقع. ولقد اعتمدوا فى ترويج مقولاتهم على أن صفحاتهم المدونة فى التاريخ مجهولة للمعاصرين، ولكن بفضل الله وعملاً على ربط الحاضر بالماضي وكشف زيف الطغيان الأمريكي بكل صوره تبرز تلك الصفحات، وتبدأ بأول صفحة مجهولة؛ ففي عام ١٨٠٠م ظهر فى الجانب الغربي من البحر الأبيض المتوسط سفينتان بحريتان أمريكيتان تجوبان البحر بحجة وهمية هي مكافحة القرصنة والنضال ضد القرصنة (كما يحدث الآن لا بد من وجود حجة وهمية الإرهاب ـ أسلحة الدمار الشامل) . وفي الفترة من عام ١٨٠١ - ١٨٠٥م شن الأمريكيون حرباً دون سابق إنذار ضد طرابلس الغرب (ليبيا) وحاصر الأسطول الأمريكي العاصمة طرابلس (رغم وجود اتفاقية عام ١٧٩٦م بين الأمريكان وحاكم طرابلس لاستخدام الموانئ والمياه الإقليمية للسفن الأمريكية كترانزيت مقابل ١٠ آلاف دولار سنوياً) واتصل عملاء أمريكا بشقيق حاكم طرابلس (داي طرابلس) يغرونه بالاستيلاء على الحكم بدلاً من أخيه وكان ذلك الشقيق يعيش وقتها فى القاهرة واسمه (حامد كرمنلي) ووقع اتفاقية مع أمريكا لمساعدته في الوصول إلى حكم ليبيا بدلاً من أخيه يوسف كرمنلي. ومقابل ذلك تعهد العميل (حامد كرمنلي) بتقديم العون للبحرية الأمريكية ضد التجار الأوروبيين المنافسين وأن يوفر للأمريكان وضعاً مميزاً فى البلاد، ووعد بتعيين القنصل الأمريكي في تونس (إيتون) قائداً للقوات المسلحة الليبية، وتولى (إيتون) قيادة الجيش الليبي المشكل من أعوان (حامد كرمنلي) بالأموال الأمريكية ومساعدة المخابرات الأمريكية، وهاجم مدينة (درنة) بمعاونة مدفعية الأسطول الأمريكى وفصيلة من المشاة البحرية، ورفع العلم الأمريكي فوق (درنة) ومنها تقدم إلى طرابلس، وعندئذ ذهل (يوسف كرمنلي) حاكم طرابلس من المفاجأة؛ حيث لا أسباب ولا مقدمات تدعو لهذا الهجوم الأمريكي، فوقَّع مضطراً معاهدة مع القنصل العام الأمريكي في أفريقيا الشمالية تحقق لهم مطالبهم، وكانت هذه المعركة أول معركة في تاريخ العالم العربي تشنها أمريكا على بلد عربي مسلم. ويتغنى الأمريكان حتى يومنا هذا في نشيدهم الوطني لمشاة البحرية بهذه المعركة قائلين: (من تلال مونتيزوما إلى سواحل طرابلس، في السماء، في الأرض، في البحر خضنا معارك الوطن) . وفي مقابل هذه قامت (زمرة إيسكس) وهي كتلة من رجال الأعمال الأمريكان عرفت بهذا الاسم واسم آخر (شركاء بوسطن) وكان لهم نفوذ سياسي كبير في الولايات المتحدة نتيجة الأموال الطائلة التي يجنونها من تجارة الأفيون، وكانوا يؤثرون في انتخابات مجلس الشيوخ وتعيين الوزراء والشخصيات الهامة. ونلاحظ الدافع الاقتصادي كالبترول حالياً؛ بتكريم القائد (إيتون) حيث وصفته بأنه قاهر أفريقيا، ومنحته ولاية (ماساشوستش) هدية عبارة عن ١٠ آلاف فدان من الولاية. وبينما كانت السفن الحربية الأمريكية تستعرض عضلاتها في البحر الأبيض بعد الاستيلاء على طرابلس تحركت السفن الأمريكية نحو ميناء طنجة بالمغرب وحاصرته بدون أسباب أو مقدمات أو إنذارات، وتلقى ملك المغرب رسالة إرهابية من قائد القطع البحرية الأمريكية في أكتوبر عام ١٨٠٤م جاء فيها بالحرف بالواحد: (أيرغب السلطان في السلام أم في الحرب؟) فهل بعد ذلك إرهاب؟ التاريخ يعيد نفسه: من ليس معنا فهو ضدنا؛ إرهاب لا حدود له. وعلى أثر وصول تلك الرسالة والتحذير والحصار ضعف الملك، وأذعن أمام الحصار ووقع معاهدة تضمنت شروطاً مجحفة للمغرب، والعجيب أنها مدونة مفعول معاهدة كانت موقعة بينهم عام ١٧٨٦م بشروط إضافية جديدة. وهكذا وتحت الإرهاب الأمريكي ضاعت ليبيا ثم المغرب، ولم يبقَ غير تونس التي قام القنصل الدبلوماسي الأمريكي بأعمال استفزازية مع الحكومة التونسية اضطر على أثرها داي تونس في يوليو عام ١٨٠٥م لطرد الممثل الأمريكي، وكان الأمريكان في انتظار تلك الخطوة؛ فعلى أثر ذلك بادرت المدفعية الأمريكية في أول أغسطس عام ١٨٠٥م بفتح نيرانها بقسوة على مدينة تونس العاصمة بأوامر من قائد الأسطول البحري الأمريكي (روجرز) دون سابق إنذار. وسقطت القنابل والقذائف، وتناثرت الشظايا عشوائياً فوق المنازل والبيوت البسيطة والخيام، تدمِّر وتهدم، وتفتك بهذا وتقتل ذاك دون تمييز بين رجل وامرأة، أو بين شيخ وطفل؛ إنها القرصنة قديماً والإرهاب حديثاً. واستلم داي تونس من (روجرز) تعهداً ضمنياً للتوقيع عليه مفاده أن يُعطَى فوائد وتسهيلات إضافية لأجل الربابنة والكومودورات الأمريكيين، وقال (روجرز) إن التوقيع على هذه الوثيقة في الحال ينقذ عاصمة تونس من الدمار المحقق. وبدون تردد وقع داي تونس لتنكشف وتنفضح المقولة الأمريكية حول القراصنة، ويتضح أنهم هم القراصنة. ولعل ذلك يأخذنا إلى ما كتبه المؤرخ الأمريكي سبيرس عام ١٨٩٧م أي بعد دخول تونس بحوالي ٩٠ عاماً يقول: «لم تُخْفِ أمريكا اعتداءاتها على شعوب العالم الإسلامي، ولم تستطع أن تصور للعالم أنها صديقة للعالم الإسلامي، وأنها محبة للسلام وصديقة الإسلام الدائمة وهو ما أدهش حتى شعوب أوروبا؛ فتحت القصف العشوائي لمدافع السفن الأمريكية أُمليت على حاكم تونس شروط ومعاهدة وهو ما لم يحدث له مثيل من قبل» . المؤرخ يتحدث عن زمانه فما باله لو عاش لأيامنا هذه؛ فماذا كان سيقول وماذا كان سيكتب؟ ولم تكن الجزائر بعيدة عن هذه القرصنة الأمريكية، ولكن كانت أمريكا في الفترة من عام ١٨١٢م إلى ١٨١٤م مشغولة في الحرب الأنجلو أمريكية الثانية، وفور انتهائها عرضت زمرة (إيسكس) على الحكومة الأمريكية خطة احتلال الجزائر وطالبت الحكومة بالتنفيذ عام ١٨١٥م. وعلى الفور اتجهت سفينتان حربيتان نحو الجزائر بقيادة (ديكاتور ودبنبريدج) أيضاً تحت الحجة الوهمية القرصنة والقراصنة؛ فلم تكن كلمة الإرهاب والإرهابيين موجودة. وعندما اقتربت السفن من موانئ الجزائر رفعوا على سفنهم الأعلام الإنجليزية لتضليل الجزائريين، وفي هجوم وحشي خاطف وسريع وغادر على الأسطول الجزائري صوبوا مدافعهم فدمروه، وغرقت السفن الجزائرية بمن فيها، وتوجهت سفن الأسطول الأمريكى نحو مدينة الجزائر لتمطر الأهالي المدنيين الأبرياء بالقنابل والقذائف من المدفعية الثقيلة، وأثناء ذلك القصف والدمار والتخريب أرسل قائد الأسطول الأمريكى إنذاراً للحاكم الجزائري (عمر) بتوقيع معاهدة جائرة تتضمن بنوداً لمنح التجار الأمريكيين فوائد وتسهيلات، فلم يوافق الحاكم الجزائري (عمر) على هذه المعاهدة، فعاد الأسطول الأمريكي عام ١٨١٦م بسفن حربية كبيرة مزودة بمدافع أضخم وأحدث؛ عندئذ طلب الحاكم الجزائري من الدبلوماسي الأمريكي (شيلر) أن يعطيه شهادة خطية تفيد أنه اضطر لقبول هذه الاتفاقية تحت تهديد فوهات المدافع، وفعلاً حصل على تلك الشهادة، ووقع المعاهدة مع أمريكا مجبراً تحت التهديد في ديسمبر ١٨١٦م. وأخيراً تبقى مصر التي هي دائماً حاضرة في مخططات كل المستعمرين؛ ففي عام ١٨٧٠م كان يعيش في القاهرة أكثر من ٥٠ عسكرياً أمريكياً بمن فيهم ٥ جنرالات يعملون في خدمة القوات المسلحة المصرية؛ فقد تم تعيين الجنرال الأمريكي (ستون) رئيساً لهيئة أركان حرب القوات المسلحة، والعقيد (شايا لونج) لشؤون السودان، ولقد استلم خديوي مصر عام ١٨٧٠م تحذيراً من الحكومة البريطانية والفرنسية بسبب النشاط الأمريكي في الشؤون العسكرية المصرية، وكان هذا الإنذار للتمويه على حقيقة العلاقات الخفية بين المخابرات الأمريكية والبريطانية والإيطالية؛ فقد قامت الدول الثلاث بإمداد جيش الحبشة سراً بالسلاح، وعملوا على توريط مصر بالحرب ضد الحبشة عام ١٨٧٦م لإضعاف الجيش المصري وإنزال الهزيمة به، ولقد اشترك ضباط أمريكان مع جيش الحبشة ضد القوات المصرية في تلك الحرب التي هزم فيها الجيش المصري بفضل الأسلحة والمساعدات الأمريكية والبريطانية والإيطالية، ولقد استغلت بريطانيا تلك الحرب لتهاجم الإسكندرية عام ١٨٨٢م وقصفتها قصفاً وحشياً؛ والخطير والملفت للنظر في هذه الحرب البريطانية هو اشتراك أربع قطع بحرية أمريكية بقيادة الجنرال البحري (نيكولسون) مع الأسطول الإنجليزي في مهاجمة الإسكندرية، وتسبب هذا الهجوم في قتل عشرات الألوف من المصريين، وتدمير المدينة، وبعد القصف نزلت على ساحل مدينة الإسكندرية فصيلة بحرية أمريكية مع قوات الاحتلال البريطاني، وكان يرأس هذه الفصيلة العقيد (شايا لونج) نائب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية لشؤون السودان. ما قدمناه مرور سريع على صفحات مجهولة لكثير من العرب والمسلمين، ولكنها في الوقت الحالي مهمة جداً، أن تُعرف ويعيها الجميع ليتعلموا من الماضي والتاريخ دروساً تفيدهم في فهم الواقع والتعامل معه بفطنة؛ فما أشبه الليلة بالبارحة، فأسباب الحرب لم تختلف، والحجج للحرب لم تختلف، ولكن الذي اختلف ليس الأمريكان وإنما العرب. ملحوظة: من أراد التوثيق يمكنه الرجوع إلى الموسوعة البريطانية حرب طرابلس الغرب وما يتعلق بها، وموسوعة أنكارتا الخاصة بميكروسوفت.

стр. 5459

أوروبا ـ تركيا ـ جُحا أحمد فهمي حسب الطرفة المروية فإن جحا تعهد أن يعلِّم حمار السلطان اللغة الإنجليزية خلال ٢٠ عاماً، وكان منطقه يعتمد على استخدام نظرية الاحتمالات؛ فبعد ٢٠ عاماً سيحدث غالباً واحد من ثلاثة على الأقل: أن يموت السلطان، أو يموت الحمار، أو يموت جحا. بعض الكتابات تقول إن شخصية جحا الأسطورية ذات أصل تركي، وربما لذلك يفضل الاتحاد الأوروبي أن يتعامل مع الاشتياق التركي للانضمام إلى الاتحاد وفق المنطق الجحوي، فأعلن بدء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد، وهي مفاوضات - لمن لا يعرف - يُرجح أن تستمر مدة لا تقل عن عشرة أعوام كاملة، وهو ما يطرح ظلالاً من الشك حول ماهية القرار، هل يعد قبولاً عاجلاً أم رفضاً آجلاً؟ والقرار الأوروبي لا يقدم ضمانات حقيقية لانضمام تركيا إلى الاتحاد، ولذلك اعتبره المراقبون تعبيراً عن تأجيل أو ترحيل لقضية شائكة إلى أجيال قادمة؛ فلا تزال دول رئيسة في مقدمتها فرنسا وألمانيا ترفضان الانضمام التركي، وأي (فيتو) من هاتين الدولتين يمكن أن ينسف الحلم التركي في لحظات، كما أن ٧٠% من الفرنسيين يرفضون الأتراك، ولذلك فإن ترحيل الأزمة في قالب متفائل تمثل حلاً ذهبياً لجميع الأطراف؛ فبعد عشر سنوات أو أكثر قد يغير القادة الجدد مواقفهم، أو تغير الشعوب رأيها، وربما يريح الأتراك الجميع ويتنازلون عن حلمهم العظيم. ولكن ماذا يفترض أن يحدث في مفاوضات السنوات العشر؟ أشياء كثيرة في مقدمتها قيام الأتراك بالتهيؤ لتنفيذ ٨٠.٠٠٠ صفحة من قوانين الاتحاد الأوروبي تشمل كل مجالات الحياة، وبعبارة مبسطة: سيبدأ الأتراك مرحلة جديدة في ماراثون «خلع الهوية» الذي يمارسونه من عقود طويلة، وكأن ما قدمته العلمانية التركية منذ أتاتورك إلى الآن لإثبات النزاهة أو البلاهة غير كاف؛ فإسقاط الخلافة، وتحريم الإسلام، وتأليه العلمانية، وتحريف اللغة، ليست إنجازات كافية، وكأن قيام تركيا بدور القدوة ومصدر الإلهام للعلمانيين في بلاد المسلمين ليس مقنعاً للعالم الغربي القديم كي يرحب بالنظام التركي الذي قدم آخر إنجازاته وهو مشروع علمنة طَموح للحركات الإسلامية السياسية ممثل في حزب العدالة الحاكم. والطريف أن الأتراك أنفسهم يعلمون جيداً أن الصراع هو محور العلاقات بين العالمين الغربي المسيحي، والإسلامي. ويقرأ الأتراك حالياً بشغف رواية تركية من الخيال العلمي اسمها «العاصفة المعدنية» وتتحدث عن حرب صليبية تشنها الولايات المتحدة بزعامة (جورج بوش) في العام ٢٠٠٧م لطرد الأتراك البرابرة من الأناضول وتحويلها إلى أرض نصرانية، وقد بيع من الرواية ٣٠٠ ألف نسخة. ونعود إلى المنطق الجحوي لنجد أن دولاً أوروبية أخرى بدأت تعتبره مفيداً في التعامل مع القضايا العربية، فقد بشَّر وزير الخارجية البريطاني جاك استرو بقرب استقرار العراق، فقال: «أنا متفائل بالنسبة للعراق أعتقد أنه بين خمس إلى عشر سنوات سوف نراه وقد أصبح مستقراً» .. فهل هناك أحد يحسب؟

стр. 5460

حقيقة تقسيم العراق ولعبة الدستور محمد القيسي التقارير الرسمية وغير الرسمية التي كانت تصدر عن الأمريكان قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت جميعها تؤكد لمتتبعيها قلقهم الكبير من العبارات التي تتضمنها خطابات الإسلاميين المتشددين الرافضين للهيمنة الأمريكية والداعين للتصدي لها، والتي كان يَرِدُ فيها ذكر إقامة الدولة الإسلامية؛ ولم يكن غائباً عن بال أحد أن دولة الخلافة الإسلامية ازدهرت في العراق وانتهت فيه؛ وبغداد بالنسبة للعرب والمسلمين هي عاصمة الخلافة ومركز إشعاعها. هذه الأفكار كانت تؤرق الأمريكان وكذلك الصهاينة وتجعلهم يستشعرون خطورة الدولة الإسلامية؛ ولذا فإنهم استبقوا الأمر، واتخذوا قرارهم مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالقضاء على العراق بكيانه التاريخي المعروف تماماً؛ بحيث يجب تحويله إلى كيان آخر غير الذي كان عليه؛ لأنهم على قناعة بأن هذا البلد يشكل خطراً عليهم باعتباره يمثل الثقل الأساسي للأمة العربية والإسلامية ودولتها التي حكمت نصف الكرة الأرضية، وهو الأمر الذي لم يتسنَّ لكل الإمبراطوريات في التاريخ. وكان لا بد لهذا الهدف من محتوى اقتصادي يحقق لهم أسس الهيمنة على العالم وهو المال الذي يمنح القوة والديمومة للتفرد الأمريكي. فقبل ثلاثة أعوام من الغزو ذكر وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (هارولد براون) وهو يدلي بشهادته أمام الكونجرس أن التراجع المتنامي لأمن مصادر الطاقة يمثل أكبر تهديد لأمن الولايات المتحدة على المدى البعيد. وهذا الأمر ليس جديداً؛ فإن جميع الساسة الأمريكان يركزون على أمر النفط، وقد قالها صراحة الرئيس الأمريكي السابق (جيمي كارتر) في آخر خطاب له حينما كان رئيساً بأن أي محاولة تقوم بها قوى خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي ستعتبر تحدياً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، وتستلزم مواجهتها بكافة الوسائل بما في ذلك القوة العسكرية. وعليه فإن المسألة هي سياسية واقتصادية في آن واحد؛ حيث إن الإدارة الأمريكية تتوفر على معلومات تفصيلية عن النفط العراقي وأهميته، ولذا فإن مخططي الحرب الأمريكيين ركزوا على أهمية السيطرة على حقول النفط العراقي في الشمال بكركوك والجنوب في الرميلة بأي ثمن؛ لأنهما يضخان ثلاثة أرباع الإنتاج الحالي من النفط العراقي؛ ومثل هذا الهدف قد يتطلب تقسيم العراق بأي شكل من الأشكال. وهكذا فإن أهداف احتلال العراق لا يمكن أن تدانيها أي اهداف أخرى من ناحية الجدوى الاقتصادية والاستراتيجية. فلنتصور مدى خطورة الأمر: تدمير دولة لأهمية دورها التاريخي وخطورته في نهضة الأمتين العربية والإسلامية، وتأثير ذلك على العالم وعلى الإنسانية، وكذلك الاستحواذ على ثرواتها النفطية المهمة للاقتصاد الأمريكي وفي تعزيز الهيمنة الأمريكية على العالم وديمومتها. إن تحقيق مثل هذه الأهداف الحيوية ليس من السهولة بمكان؛ فلا بد أن تكون صفحاتها عديدة ومتنوعة، ولا بد أن يتم إنجازها حتى لو كان الثمن ذبح نصف الشعب العراقي وتدميره وتمزيقه؛ فهم عاقدون العزم عليها بعد أن أضحت السبيل الوحيد الآن لإنجاز مشروعهم المتهاوي تحت ضربات المقاومة العراقية الباسلة والرفض الشعبي الكبير للاحتلال والفضائح المتوالية التي كشفت حقيقته وأهدافه وممارساته التي أصابت أيضاً المجتمع الدولي بالصدمة والشلل، وجعلته عاجزاً عن إصلاح هذا الخطأ الكبير والجريمة التي ترتكب بحق العراق وشعبه؛ ولذا فإن الإدارة الأمريكية تعتبر مسألة الدستور وإتمام ما يسمى بالعملية السياسية المزعومة مخرجاً مهماً لها ولما تقوم به في العراق الآن أو لاحقاً؛ إذ إن المهم لديها هو أن تنهي صفة الاحتلال عن وجودها على أرض العراق ومسألة التحكم بمصيره ومقدراته وارتهان سيادته، وتُظهر للعالم أن العلاقة القائمة بينها وبين أتباعها العملاء الذين نصبتهم في العراق هي علاقة مع دولة فيها حكومة ذات صفة ذات سيادة لكونها حكومة دستورية. وبهذا تسقط كل المبررات والحجج والاتهامات التي تقيد استفرادها بالعراق؛ لأنها في هذه الحال ستكتسب صفة دولة تتعامل مع دولة دستورية صديقة طبقاً لاتفاقيات ومعاهدات ثنائية ووفقاً لمصالح الدولتين، بما لا يجعل مجالاً للشرعية التي تحكمها القوانين والمعاهدات الدولية المطالبة باتخاذ إجراءات ضدها أو ملاحقتها عن أي جرائم أو أفعال أو الاعتراض عليها أو حتى انتقادها؛ هذا من جهة. ومن جهة أخرى هو لتركيع الشعب العراقي وإخضاعه لإرادتها عبر أعوانها باسم الدستور والشرعية الوهمية القائمة على فكرة الإيغال بتمزيق وحدته وكيانه التاريخي المعروف، بالاشتراك مع عملائها الذين تعاونوا معها على الغزو والاحتلال، وأصبحوا على رأس السلطة في العراق، وكذلك بالتعاون مع أطراف انتهازية أخرى ظهرت مؤخراً داخل العراق؛ بالإضافة إلى عدد من دول الجوار في مقدمتها إيران؛ فالجميع باتوا يعملون على تمزيق هذا البلد باعتباره الحل الأمثل للمضي في السيطرة عليه وإنهائه. فدعوة عبد العزيز الحكيم الطبطبائي في ١١ آب /أغسطس في خطابه بمدينة النجف للمطالبة بإقامة إقليم فيدرالي لجنوب ووسط العراق لم تكن محض مصادفة أو وليدة رغبة متفردة للتجمع الطائفي الذي يتزعمه (١) ؛ وإنما هي في صلب الموضوع لتحقيق الأهداف المتشابكة للتحالف الأمريكي الصهيوني المتناغم مع أحلام الفرس وأطماعهم. إن تفكيك العراق وشرذمة الانتماء الوطني فيه، هو بالأساس هدف صهيوني؛ إذ إن الصهاينة كانوا أول من أطلق فكرة أن العراق دولة مصطنعة، وأن تركيبتها الأساسية التي تبلورت عام ١٩٢٠ بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية كانت تركيبة خاطئة، ولا بد من إعادة صياغته وفق تقسيمات طائفية وعرقية، وقد سخروا كل أدوات الإعلام لإشاعة هذه الفكرة. لقد كانت هناك حملة مكثفة عشية دق طبول الحرب على العراق للترويج لهذه الفكرة؛ فقد تحدث بها المؤرح الصهيوني (بيني موريس) في لقاءات للإذاعات الأمريكية قبل الحرب على العراق قائلاً: «إن العراق دولة مصطنعة رسمها الإنكليز وخلطوا فيها عشوائياً شعوباً وطوائف لا تريد في الحقيقة أن تتعايش مع بعضها» كما تحدث عنها المؤرخ اليهودي الأمريكي (برنارد لويس) معتبراً أن العراق هو دولة مصطنعة، وأن احتلاله فرصة لتصحيح هذا الخطأ الذي ارتكبه البريطانيون، أي تفكيكه إلى عدة دويلات، بحسب الطبيعة السكانية، وانتماءاتها الدينية والعرقية. إن هذا أمر طبيعي بالنسبة للصهاينة بأن يخشوا العراق؛ لأنه البلد العربي الذي طالما دعا إلى توحيد الأمة العربية والإسلامية المترامية الاطراف رغم تنوع أطيافه واحتضانه لشتى الملل والنِّحل. ونعود إلى أمر التقسيم عبر الفيدراليات؛ فلقد بدا خلال الأيام الماضية أن المضي فيه يواجه عقبات أهمها التنازع المحموم على الاستئثار بالمغانم بين الأطراف التي تسعى إلى هذا التقسيم الذي قد يُوجِد إشكالات عديدة، ورافق ذلك حالة الرفض الشعبي لها التي عبرت عنها التظاهرات التي جرت في مدن عديدة شاركت فيها مختلف الأطياف العراقية؛ فقد يجد الأمريكان في ظل الأوضاع الحالية أن إطلاق عملية تقسيم العراق على أساس صنع فيدراليات عرقية وطائفية قد يضاعف المخاطر على قوات التحالف، وربما تمثلت أمامهم تجربة البريطانيين؛ حيث اعتقدوا عند دخولهم بغداد في عام ١٩١٧ أن العراقيين غير موحَّدين، وأوغلوا في الاعتداء عليهم، ولكن البريطانيين فوجئوا بقيام انتفاضة شعبية شاملة في عام ١٩٢٠ غطت كل العراق، وشارك فيها الشعب العراقي بكل أطيافه، وكلفت المحتلين الآلاف من القتلى، وهذا قد يدفعهم لتخفيف حدة الاندفاع للتنفيذ العاجل لموضوع الفيدراليات ويصار إلى تضمينها بصيغ مصطنعة مبهمة في مشروع الدستور، ضمن لعبة خبيثة يراد بها تمرير المخطط الأصلي لإنجاز العملية السياسية الوهمية التي تخدم الأمريكان، ولجر أطراف أخرى للمشاركة فيها والاستفتاء على الدستور. أما عن موضوع رفض السيستاني لهذه الفيدرالية أو تلك أو عدم مباركته لها، فنعتقد أن هذا الشخص لا يتصرف إلا كأداة يمرر لها ما يراد أن تنطق به طبقاً لاغراض المعنيين وإيحاءاتهم ليس إلا. وللأسف فإن الأمر يبدو قد انطلى على بعضهم، كما راح آخرون يروجون له عبر إطلاق فتاوى واجتهادات متناسين الاحتلال وعدم شرعية كل إجراءاته التي لا تقرها أي شرعية أو قانون او دين، وهذا الأمر بيَّن لكل مؤمن ووطني غيور وهو ليس بحاجة إلى اجتهاد أو فتوى من أي كان مهما وضع أمام اسمه من مسميات وتخصصات؛ خصوصاً الذين راحوا يجتهدون اليوم في أمور الباطل بعد أن سكتوا عن الاجتهاد في أمور الحق والدعوة له. إن اللعبة لن تنطلي على أحد؛ إذ إن مشروع التقسيم لا زال قائماً وحاضراً بقوة ليس عبر الفيدراليات فحسب، بل عبر موضوع تقاسم الثروات؛ فهو التقسيم الحقيقي للبلاد أيضاً؛ حيث إن توزيع الثروة حسب الأقاليم أو المحافظات يلغي تماماً ملكيتها القومية للعراق الموحد الذي سيكون مجرد كيان هش يتلاعب بمصيره أمراء الطوائف وسُرَّاق الثروات والمتحكمون بها؛ لذا فالكل الآن يريد حصته الأكبر منها لإيجاد الأرضية المادية لحالة التقسيم فيما بعد. فإن بدا ظاهرياً أنهم قد يتنحون مؤقتاً عن موضوع التقسيم العاجل للعراق عبر جغرافيته التي وضعوا لها خصوصيات مصطنعة؛ فإنهم يمضون في تقيسمه عبر قاعدته المادية وثرواته القومية، وهو الأمر الذي سيحوِّل مسألة التقسيم إلى واقع حال عبر التنازع على الثروات والاقتتال من أجلها، ولا يتطلب الأمر عندها أي جهد لعملية التقسيم إذا ما أريد لها أن تقر يوماً والعياذ بالله. وعلى الشعب العراقي أن يعرف تماماً أن الأمريكان والصهاينة هم أصحاب هذا المشروع الخطير، وهم المتحكمون الحقيقيون بمصير البلاد والماسكون بمقدراتها، وهم من يشرفون على إعداد العملية السياسية الموهومة طبقاً لما يحقق أهدافهم في عراق مرهون مستقبله بمصلحة الأمريكان والصهاينة. أما هذه الدولة التي يريدون تصنيعها فهي دولة وهمية؛ فإن الظاهرين في الصورة هم أتباع ينفذون أهدافاً مشتركة للأميركان والصهاينة والإيرانيين وغيرهم لذا تراهم يتنازعون اقتسام العراق باعتبار أنه قد أصبح غنيمة بأيدي اسيادهم الذين تصرفوا على هذا الأساس منذ أول يوم دخلت فيه دباباتهم إلى بغداد. وفق هذا المنطق يتنافس الجميع ويتمادى في مشاريعه وطلباته لتحقيق أكبر قدر من الكسب في هذه الغنيمة التي يتصورون أنه قد غاب راعيها وغفل أبناؤها عنها. إن خطورة لعبة الدستور وأهدافها ومن يقف وراءها يستوجب التحرك على كل المستويات لوأدها وحث شعبنا في عدم الانجرار وراء الخديعة التي يروج لها عملاء أمريكا عبر الإغراءات وإطلاق الوعود بالرفاه والغنى تارة، وباللجوء إلى الدين باستصدار فتاوى تحث على المشاركة في التصويت على الدستور، واعتبار ذلك من واجبات المسلم، وما إلى آخره من الكلام الذي يطلقه بعضهم تارة أخرى؛ ما دام بصيغته الطائفية المشبوهة غير مأخوذ في الاعتبار حقوق أهل السنة وهم أكثر من نصف سكان العراق مهما دنس المدنسون؛ إذ إن من يريد الخير لشعبه وأمته عليه أن لا يتعلق بأهداف المشاريع التي لا جذور لها إلا في الهواء، وستنهار حتماً؛ لأن شرع الله هو الحق وهو الباقي، وما دونه زائل طال الزمن أم قصر، وسوف لن تنفع المكاسب السياسية والامتيازات أحداً منهم؛ لأن التاريخ قاسٍ في سرده للأحداث، وفي إطلاقه للصفات والنعوت على من يتخلى عن شعبه ويرتمي في أحضان أعدائه أو يستفيد على حساب آلامه. إن الخلاص له طريق واحد فقط هو التمسك بالموقف المبدئي لمقاومة الاحتلال ورفض كل مشاريعه وإجراءاته ومؤسساته التي تكرس واقعه وتؤسس لتفريق الشعب العراقي على أساس طائفي أو عرقي أو عن طريق تقاسم الثروات. ومن يتغافل فعليه أن يدرك أن العراق ذا التاريخ العريق لا يمكن تقسيمه أو تغيير كيانه بجرة قلم من قِبَل ذوي الأحلام المريضة وأسيادهم. نسأل الله أن يحفظ العراق وشعبه وأن يقيه شر المفرضين وأعوانهم.

стр. 5461

الصراع السكاني على أرض فلسطين هل يحسم لصالح الفلسطينيين؟ د. يوسف إبراهيم لم يكن الصراع بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني صراعاً عادياً، وإنما أخذ هذا الصراع أبعاداً خطيرة تمثلت في الصراع على الأرض، وانتزاعها من أصحابها الأصليين، والسيطرة عليها بكافة الوسائل والطرق. ومع بدايات ظهور هذا الصراع في أوائل سنوات القرن العشرين استطاع اليهود الوصول إلى فلسطين ضمن التسهيلات التي أعطيت لهم من حكومة الانتداب البريطاني التي قدمت لهم المساعدات الكثيرة والمتنوعة من أجل الحصول والسيطرة على كثير من الأراضي الفلسطينية، وتدريب اليهود على السلاح. ولم يستطع اليهود إعلان دولتهم إلا بعد أن اكتمل العدد الكافي من المهاجرين إلى فلسطين؛ ومن هنا بدأ الصراع يظهر على الأرض، وأخذ في نهايته شكل الصراع السكاني؛ حيث شجعت بريطانيا اليهود على الهجرة إلى فلسطين وإعطائهم الامتيازات والتسهيلات. والجدول التالي يكفي لإعطاء صورة التوزيع الجغرافي للفلسطينيين واليهود على أرض فلسطين التاريخية؛ حيث لم يكن لليهود وجود سوى ٨% من عدد السكان، ارتفع إلى ٣١.٥% في عام إعلان الكيان الصهيوني لدولة اليهود: ومن هنا تبلور جوهر الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي الذي جرى على أرض فلسطين منذ قيام الحركة الصهيونية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان صراعاً استهدف انتزاع الوطن الفلسطيني وإفراغه من الوجود العربي لصالح الوجود الصهيوني، وفي الجانب الآخر تحدد الهدف بالمحافظة على الوجود السكاني للشعب الفلسطيني بكافة مقومات الوجود العربي السياسية والأيديولوجية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية. ومن هنا فإن كافة أطراف الصراع بدأت بتبني الخطط والبرامج والسياسات الاقتصادية منها والاجتماعية لتحقيق الأهداف التي يسعى الكل لها؛ فالطرف الإسرائيلي يسعى إلى حسم المعركة السكانية لصالحه عن طريق تشجيع الهجرة إلى فلسطين، وعن طريق تشجيع الأُسر بزيادة عدد أفراد أُسرهم؛ وذلك بتقديم كثير من المساعدات والهبات وتقديم المنح لهذه الأُسر، والجدول التالي يوضح حجم الهجرة اليهودية لفلسطين قبل إعلان دولة الكيان الصهيوني: وفي الطرف الفلسطيني ظهرت المقاومة المسلحة لوقف زحف واستيلاء اليهود على الأراضي الفلسطينية، ونشر الوعي الاجتماعي والثقافي بين أفراد الشعب الفلسطيني، وحثهم على المقاومة والصمود في وجه الطغيان الصهيوني للسيطرة على الأراضي الفلسطينية؛ فعندما صدر وعد بلفور عام ١٩١٧م وُضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني من عام ١٩١٨م حتى عام ١٩٤٨م، حيث تم تقديم التسهيلات اللازمة لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وبدأ اليهود بالتدفق بالآلاف، وارتفع عددهم من حوالي عشرة آلاف شخص في منتصف القرن التاسع عشر إلى ما يقرب من ٦٢,٥ ألف شخص عند بداية الانتداب البريطاني، وإلى ما يقرب من ستمائة وخمسين ألف شخص عند نهاية الانتداب المذكور عام ١٩٤٨م؛ وبذلك ارتفعت نسبة اليهود إلى مجموع عدد السكان في فلسطين من ٨,٣% عام ١٩١٩م إلى ٣١,٥% في ١٥/٥/١٩٤٨م. وقد كان أول تقدير لعدد سكان فلسطين في القرن العشرين في فترة الحكم العثماني؛ حيث أعلن في عام ١٩١٤م ـ وهي السنة التي نشبت فيها الحرب العالمية الأولى ـ أن عدد سكان فلسطين هو ٦٨٩,٢٧٥ نسمة منهم ٨% من اليهود. وبعد خضوع فلسطين للانتداب البريطاني أصبح عدد سكان فلسطين حسب التقدير الرسمي ٦٧٣,٠٠٠ منهم ٥٢١,٠٠٠ من المسلمين و٦٧,٠٠٠ من اليهود و٧٨,٠٠٠ من المسيحيين و٧٠٠٠ من المذاهب الأخرى (١) . وقد نجم عن نكبة فلسطين وإعلان قيام دولة اليهود تشريد القسم الأكبر من السكان الأصليين العرب؛ حيث تركوا منازلهم رغبة في النجاة بأرواحهم؛ نتيجة الوحشية التي اتبعها العدو الصهيوني في احتلاله للقرى الفلسطينية، وقد نجم عن هذه النكبة تقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق جغرافية: ـ أراضي عام ١٩٤٨م: وهي الأراضي التي احتلها اليهود بعد حرب عام ١٩٤٨م؛ حيث أقاموا دولتهم على هذه الأراضي، وقد شغلت ٧٦,٧% من مساحة فلسطين. ـ الضفة الغربية: وتشغل ٢٢% من مساحة فلسطين. ـ قطاع غزة: ويشغل ١.٣% من مساحة فلسطين. ولم يكتف العدو الصهيوني بأن تبقى رقعة دولتهم على أراضي ١٩٤٨م، وإنما قاموا بالعدوان على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة في عام ١٩٦٧م، وقاموا باحتلالها؛ وبذلك أصبحت فلسطين جميعها تحت السيطرة اليهودية، وعلى أثر هذا العدوان الجديد نزح العديد من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وانخفض عدد السكان في الضفة الغربية إلى ٥٨١,٧٠٠ نسمة، كما انخفض عدد السكان في قطاع غزة إلى ٩٣٧,٦ ألف نسمة، بينما كان عددهم قبل عام ١٩٦٧م مباشرة في حدود مليون وأربعين ألف نسمة (٢) . وتشير جميع الدلائل والمؤشرات إلى أن العدو الصهيوني يسعى جاهداً في مضايقة الشعب الفلسطيني، وإجباره على الرحيل من أراضيه؛ وذلك رغبة منه وطمعاً في أرض بلا سكان، وذلك لتحقيق ما يصبون إليه، واستمراراً لنظرية الصراع السكاني على أرض فلسطين، ويتضح ذلك من خلال الممارسات اليومية لهم من سحب هويات أبناء الشعب الفلسطيني، والاستيلاء على أراضيهم، وطردهم منها، واقتلاع الأشجار المثمرة، وإقامة المستوطنات على تلك الأراضي المصادرة، وكان آخر هذه الممارسات بناء جدار الفصل الذي التهم آلاف الدونمات، وشَرّد آلاف الفلسطينيين من قراهم. - التركيز على القدس: تنفذ الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة منذ احتلال القدس عام ١٩٦٧م سياسة هدفها تدعيم سيادة «إسرائيل» على القدس من خلال إيجاد أغلبية حاسمة لليهود في المدينة. كان الهدف المعلن لـ «إسرائيل» هو الحفاظ على ما تسميه بـ «التوازن السكاني» في القدس، والذي يعني بطبيعة الحال الحفاظ على أغلبية يهودية دائمة في القدس، ولكي يتحقق هذا الهدف تعمل «إسرائيل» على مدار سنوات طوال على زيادة أعداد اليهود في القدس الشرقية من ناحية، ودفع الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية إلى مغادرة المدينة من ناحية أخرى، ومن الوسائل التي تتبعها «إسرائيل» لتحقيق ذلك: ـ التمييز المنظم والموجه ضد السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية فيما يتعلق بمصادرة أراضيهم؛ بزعم التخطيط والبناء على أسس قانونية منظمة، وفي المقابل نجد عمليات بناء واسعة النطاق واستثمارات ضخمة بهدف إنشاء أحياء سكنية لليهود في القدس الشرقية، لعل آخرها مستوطنتا: رأس العامود، وجبل أبو غنيم. ويترتب على هذه السياسة وجود نقص حاد يصل إلى آلاف الشقق بين السكان الفلسطينيين. ونتيجة لعدم وجود بديل آخر يضطر المواطنون الفلسطينيون إلى مغادرة المدينة والبحث عن حلول أخرى للسكن خارج حدود مدينة القدس (٣) . ـ تخصيص الحد الأدنى من الاستثمارات في مجال البنى التحتية والخدمات؛ فقد صرح رئيس البلدية «أيهود أولمرت» في هذا الشأن بقوله: «المشكلة الأساسية التي تعاني منها القدس هي الهوة السحيقة بين البنى التحتية في شرق القدس من ناحية وغربها من ناحية أخرى؛ فحالة البنى التحتية في معظم أحياء القدس الشرقية سيئة، وقد بذلت حكومات «إسرائيل» في الثلاثين عاماً الأخيرة جهوداً محدودة وغير كافية في هذا المجال» . ـ رفض تلبية طلبات جمع شمل الأُسر التي قدمتها نساء فلسطينيات يسكنَّ في القدس من أجل أزواجهن الذين لم يقيموا معهن في القدس منذ عام ١٩٩٤م، ويترتب على هذا أنه لكي تقيم هذه النسوة مع أزواجهن يضطر عدد كبير منهن إلى مغادرة المدينة. وما زالت رغبة «إسرائيل» في فرض سيطرتها الواسعة على القدس وتثبيت سيادتها على كل أجزاء المدينة ـ قائمة ومتأججة أكثر مما كانت عليه في ظل اقتراب التفاوض من المرحلة النهائية من المفاوضات التي سيناقش خلالها «موضوع القدس» . فعلى سبيل المثال لا الحصر بعد نشر التقرير السنوي لمعهد القدس (ماخون يروشالايم) لعام ١٩٩٧م صرح رئيس بلدية المدينة (أيهود أولمرت) بأن «هذا التقرير يحوي أشياء لا أحبها، مثل الزيادة الطبيعية لدى السكان غير اليهود في المدينة» (١) . - إجراءات وزارة الداخلية «الإسرائيلية» ضد الفلسطينيين في القدس لطردهم منها: تعمل وزارة الداخلية في القدس الشرقية منذ شهر ديسمبر من عام ١٩٩٥م على تطبيق السياسة العامة لـ «إسرائيل» التي تستهدف الحد من أعداد الفلسطينيين الذين يقيمون في المدينة، وتتخذ الوزارة خطوات عدة في إطار تنفيذ هذه السياسة، ومن هذه الخطوات: ـ سلب حق المواطنة من سكان القدس الذين أقاموا سنوات عدة خارج حدود المدينة، ونتج عن هذا أن وزارة الداخلية طلبت من آلاف الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية مغادرة منازلهم. ـ يتم إلغاء حق المواطنة دون أن تتاح للفلسطيني الذي سلب منه هذا الحق إمكانية أن يطعن في القرار، وحتى إذا منح هذا الحق فهو حق شكلي فقط. ـ تطلب الوزارة بشكل متكرر من الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية أن يقدموا أمام موظفيها ما يثبت أنهم ما زالوا يقيمون في المدينة، ولكن الحصول على الإثبات المطلوب مسألة صعبة جداً؛ فالأشخاص الذين أقاموا في القدس الشرقية طوال حياتهم يصعب عليهم إثبات ذلك؛ فالمستندات تطلب من المواطن حتى إذا كان قد قدّمها منذ فترة وجيزة إلى الوزارة، ولكن ضمن طلب آخر. ـ رفض تسجيل الطفل الذي ولد لأبوين أحدهما من الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية في سجل المواليد، وكذلك رفض إصدار رقم قومي له، حتى لو كانت وزارة الداخلية قد اعترفت من قبل أن هذه الأسرة تقيم في القدس. ـ الامتناع التام عن قبول الطلبات الخاصة بجمع شمل الأسر، ويترتب على ذلك أن السكان الفلسطينيين في المدينة غير قادرين على الزيادة إلا في مجال الزيادة الطبيعية. والطريقة الوحيدة الآن التي يمكن من خلالها قبول طلب جمع شمل الأُسر هي إقامة دعاوى قضائية أمام «محكمة العدل العليا» الإسرائيلية. ومن أبرز الإجراءات التعسفية التي تطبقها وزارة الداخلية «الإسرائيلية» ضد السكان الفلسطينيين في القدس لدفعهم إلى تركها الإجراءات التالية (٢) : أولاً: إلغاء حق المواطنة: تنفذ وزارة الداخلية (الإسرائيلية) منذ شهر ديسمبر من عام ١٩٩٥م سياسة جديدة تقضي بأن أي فلسطيني من سكان القدس الشرقية لا ينجح في أن يثبت أمام وزارة الداخلية أنه يقيم في القدس في الوقت الحالي، وكان يسكن بها في السابق بشكل متواصل يمكن أن يفقد وللأبد حقه في أن يعيش في المدينة التي ولد فيها؛ فيصبح مضطراً تبعاً لذلك إلى ترك بيته، كما لا يعود في مقدوره الإقامة في القدس التي تخضع للسيطرة «الإسرائيلية» دون موافقات وتأشيرات خاصة، كما لا تتاح له إمكانية العمل في الأراضي الفلسطينية التي تخضع للمحتل «الإسرائيلي» ، بما في ذلك القدس، وتسلب منه كل حقوقه الاجتماعية التي يضمنها له سداده للضرائب المستحقة عليه، مثل: الانتفاع بخدمات التأمين الصحي، وغير ذلك. ويمكن القول إن إلغاء حق المواطنة بالنسبة للفلسطينيين من أبناء القدس يأتي نتيجة لتغيير في سياسات الحكومات «الإسرائيلية» في ضوء تطور مباحثات سلام الوضع النهائي مع الفلسطينيين. فقد بات واضحاً الآن أن سكان المدينة الذين ينتقلون للإقامة في المناطق الفلسطينية سيتم التعامل معهم كما لو أنهم انتقلوا للإقامة في دولة أخرى خارج «إسرائيل» ، ويمكن أن يلغى إلحاقهم في المواطنة خلافاً لما كان يحدث في الماضي؛ حيث لم يكن لذلك أي تداعيات على هذا الحق. وقد كان عدد السنوات السبع يبدأ من جديد بعد كل زيارة للقدس وتجديد تصريح الخروج، ولكن في ظل السياسات الجديدة فإن تجديد التصريح لا يقطع العد، ولا يحافظ على حق المواطنة (٣) . ثانياً: حق الطعن: أعلنت وزارة الداخلية «الإسرائيلية» في شهر يونيو من عام ١٩٧٧م أنه يحق لأي مواطن أن يطعن في قرار إلغاء حق المواطنة، وأن يقدم لوزارة الداخلية بيانات تناقض النتيجة التي توصلت إليها، وتزعم وزارة الداخلية بشكل دائم ومتواصل أن حق الطعن مكفول للفلسطينيين أبناء القدس الشرقية الذين أُلغي حقهم في المواطنة. والحقيقة هي أن هذا القول يفتقد الأساس الموضوعي؛ فحتى منتصف عام ١٩٩٧م اعتاد موظفو وزارة الداخلية إرسال خطابات للفلسطينيين أبناء القدس الشرقية الذين سلب منهم حق المواطنة، يبلغونهم فيها أنه ينبغي عليهم مغادرة البلاد خلال خمسة عشر يوماً مع أفراد عائلاتهم. وقد رفضت وزارة الداخلية صراحة أن توفر لهؤلاء الفلسطينيين أي إمكان لنقض القرار، زاعمة أن «حق المواطنة» قد «ألغي من تلقاء نفسه» ؛ من هنا ليس للموظف الذي أبلغهم بذلك أي دور للتدخل في الأمر. ثالثاً: إثبات «مركز الحياة» : تقضي المادة الحادية عشرة (ج) من قانون الدخول إلى إسرائيل بأن «صلاحية تصريح الإقامة الدائمة يلغى إذا ترك صاحب التصريح إسرائيل، وأقام خارجها» . وجاء في المادة الحادية عشرة (أ) أن المرء يبدو في نظر القانون أنه «أقام في دولة خارج إسرائيل إذا مكث خارج إسرائيل فترة تصل إلى سبع سنوات على الأقل، أو إذا حصل على تصريح بالإقامة الدائمة أو الجنسية في دولة أخرى» . تطلب وزارة الداخلية من الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية المتقدمين إليها لتقديم أي طلب من أي نوع أن يثبتوا أن «مركز الحياة» لم يتغير، وأنهم ما زالوا يقطنون في المدينة. وتحقيق الأدلة التي تطلبها وزارة الداخلية مسألة صعبة جداً؛ فحتى الأشخاص الذين يقيمون طوال حياتهم في القدس سيصعب عليهم الحصول عليها. ومن ضمن ما تطلبه وزارة الداخلية موافقات جهة العمل، وإيصالات سداد الضريبة العقارية، وإيصالات سداد استهلاك الكهرباء والمياه والهاتف منذ يوم الزواج، وعقد إيجار السكن وغير ذلك، وفي الحالة التي يسكن فيها الشخص في منزل والديه، وليس لديه عقد إيجار يصبح المطلوب منه أن يقدم شهادة خطية موقعة من محام تفيد بأنه يقيم هناك (١) . في ضوء هذا الواقع المرير من الصراع السكاني والصراع على الأرض انعكس عنه وجود تيارين متعاكسين من الهجرة؛ فالشعب الفلسطيني يُجبر على الهجرة من أراضيه في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ في حين نشهد هجرة يهودية من كافة أرجاء العالم إلى فلسطين، إلا أن هذه الصورة بدأت في السنوات الخمس الأخيرة تأخذ شكلاً أعنف من أشكال الصراع؛ حيث زاد اليهود من عمليات السيطرة على الأراضي في الضفة الغربية، وبدؤوا بتوسيع مستوطناتهم في الوقت الذي بدأ فيه الشعب الفلسطيني تعود له عافيته في الاستقرار والأمن، وبدأت جموع الشعب الفلسطيني بالعودة من خارج فلسطين إلى داخلها، وبدأت أعداد من العائدين والمستثمرين والقوات الفلسطينية بالعودة إلى فلسطين (الضفة الغربية + قطاع غزة) . وللوقوف على صورة المتغيرات السكانية ومدى أثر الهجرة عليها نرى أن المجموع الكلي لعدد السكان في فلسطين عام ١٩٨٦م (٥,٦ ملايين نسمة) منهم ٣,٥ ملايين نسمة من اليهود أي ما نسبته حوالي ٦٣ % من المجموع الكلي، والباقي من الفلسطينيين، أي ما نسبته ٣٧ % من المجموع الكلي، يقيم منهم في الضفة الغربية وقطاع غزة حوالي ٢٦ % من المجموع، بينما كانت نسبتهم ٣٢ % قبل نكسة حزيران عام ١٩٦٧م، وفي حدود ٥٣% بعد نكبة ١٩٤٨م مباشرة (٢) . ومع حلول عام ١٩٩٨م بلغ المجموع الكلي لعدد السكان في فلسطين (٨,٠٩ ملايين نسمة) منهم ٥٠,٥٠ ملايين نسمة من اليهود أي ما نسبته حوالي ٦٧,٩ % والباقي من الفلسطينيين أي ما نسبته ٣٢,١ % من المجموع الكلي، يقيم منهم في الضفة الغربية ١,٥٩٦,٤٤٢ نسمة و١,٠٠٠,١٧٥ مليون نسمة في قطاع غزة (٣) ، وخلال الأحد عشر عاماً الماضية استطاعت إسرائيل المحافظة على الميزان السكاني لصالحها على الرغم من ارتفاع نسبة النمو السكاني في الجانب الفلسطيني، ويرجع ذلك إلى موجات الهجرة في هذه السنوات، وخاصة بعد انتهاء المنظومة الاشتراكية، وتفكيك الاتحاد السوفييتي؛ وهو الأمر الذي استغله اليهود في ترحيل أعداد كبيرة منهم إلى دولة إسرائيل، إلا أن الأمور بدأت تنقلب، وخاصة بعد ظهور الهجرة العكسية بعد نشوب انتفاضة الأقصى. - هجرة عكسية ضخمة: كشفت مصادر إعلامية صهيونية عن تلقِّي شارون مؤخراً من «تسفي ليفني» وزيرة استيعاب المهاجرين معطيات تفيد بتراجع مكانة الكيان الصهيوني كهدف أول للمهاجرين اليهود؛ حيث كشفت المعطيات عن اختيار ١٨ ألفاً من يهود الاتحاد السوفييتي السابق الهجرة إلى ألمانيا خلال عام ٢٠٠٢م، بينما اختار ١٧ ألف يهودي فقط الهجرة إلى الكيان الصهيوني؛ مما يوضح تراجع مكانة الكيان كهدف أول لهجرة اليهود، وهذا مقابل تزايد نسبة الزيادة الطبيعية لفلسطينيي أراضي ٤٨م، وفلسطينيي الضفة والقطاع، بينما تقل نسبة النمو الطبيعي للسكان اليهود، وتتراجع نسبة الهجرة اليهودية التي تشكل القوة المضادة للنمو السكاني الفلسطيني المتزايد، وكل ذلك يجعل كفة الميزان السكاني تميل لصالح الفلسطينيين؛ وهو ما دفع شارون إلى عقد اجتماع سري لمناقشة انخفاض نمو اليهود، وتراجع الهجرة وإقرار مخطط لرفع تعداد الكيان الصهيوني إلى ١٥ مليون يهودي لمحاربة الزيادة السكانية للشعب الفلسطيني داخل الكيان وخارجه. وفي المقابل يحدث تزايد معدل الهجرة العكسية؛ حيث أظهرت آخر الإحصائيات الصادرة عن «مركز الإحصاء المركزي» الصهيوني في «هرتسليا» بالكيان العبري حول معدل سفر اليهود في صيف هذه السنة ـ ٢٠٠٤م ـ إلى دول أوروبية والولايات المتحدة أنه وصل إلى قرابة مليون ونصف مليون خلال شهري يوليو، وأغسطس الماضيين فقط. وقد أفادت مصادر أمنية غربية أن تردي الأوضاع الأمنية في الأراضي الفلسطينية وداخل الكيان إثر اندلاع انتفاضة الأقصى وتوالي ضربات المقاومة دفع أعداداً كبيرة من الصهاينة إلى السعي في الهجرة من الكيان إلى الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية، وأوردت صحيفة «أوبزيرفر» اللندنية أن انتفاضة الأقصى المتواصلة أدت إلى موجة هجرة من «إسرائيل» ومن مناطق السلطة الفلسطينية. من ناحية أخرى كشفت تقارير صهيونية رسمية أن بين ٧٠٠ ألف إلى مليون يهودي غادروا «إسرائيل» نهائياً بهجرة عكسية بسبب عدم إحساسهم بالأمن بعد انتفاضة الأقصى والعمليات الاستشهادية التي تقوم بها حماس، والجهاد الإسلامي، وكتائب الأقصى، في حين أعلن رسمياً أيضاً أن أعداد المهاجرين اليهود إلى الكيان الصهيوني في تناقص حاد وخطير، ويرجع ذلك إلى عزوف عدد كبير من يهود العالم عن الهجرة إلى فلسطين خوفاً من الموت، ويتوقع كبار موظفي وزارة الاستيعاب والوكالة اليهودية - وهما الجهتان المسؤولتان عن استيعاب المهاجرين - أن تتواصل وتيرة الانخفاض في عدد المهاجرين الذين يصلون إلى الدولة العبرية، وذلك بفعل تواصل مظاهر انتفاضة الأقصى. - هجرة من المستوطنات: أكدت الصحف الصهيونية أن الانتفاضة والوضع الأمني المتدهور والوضع الاقتصادي السيئ دفع بالمستوطنين في الضفة الغربية، وقطاع غزة، وغور الأردن إلى إخلاء المستوطنات والانتقال إلى داخل الكيان، بينما ذكرت وزارة الحرب الصهيونية أن عشرات النقاط الاستيطانية خالية تماماً من سكانها، وأن أفراد الجيش الصهيوني يتمركزون في هذه المناطق الخالية من السكان لحماية الممتلكات. ومن خلال هذه المعطيات فقد أثبتت الانتفاضة في عامها الثالث أن عهد الازدهار الذي وفره «اتفاق أوسلو» لنمو المشروع الاستيطاني الصهيوني وتوسعه قد بدأ يخفت بعد أن أصبح الهمُّ الأساسي للمستوطنين البحثَ عن توفير الأمن الشخصي لهم تاركين خلفهم الأيديولوجية ومقولة: «الاستيطان في كل مكان من أرض إسرائيل» . وتشير الإحصاءات «الإسرائيلية» في هذا الصدد إلى انخفاض أعداد المستوطنين إلى أكثر من ٧٥ في المائة، بالإضافة إلى تدني بيع الوحدات السكنية داخل المستوطنات إلى النصف؛ وهو الأمر الذي يدل بشكل واضح على عجز شارون وأجهزته الأمنية عن توفير الأمن للمجتمع الصهيوني ومستوطنيه. وانخفض كذلك عدد المهاجرين إلى الكيان بصورة ملحوظة في السنتين الأخيرتين؛ إذ وصل في النصف الأول من عام ٢٠٠١م إلى نحو ٢٤,٠٠٠ مستوطن، مقابل ٣٢,٠٠٠ في الفترة نفسها من العام ٢٠٠٠م، علماً بأن الرقم وصل إلى ٣٧,٠٠٠ مستوطن خلال الفترة ذاتها من عام ١٩٩٩م. والجدول التالي يوضح الميزان السكاني في التغيرات في مكونات النمو السكاني لدى الفلسطينيين واليهود: - قراءة سكانية مستقبلية: على الرغم من الممارسات الصهيونية والآثار الجغرافية والسكانية المترتبة عن ذلك، إلا أن الوجود اليهودي المنتشر على أرض فلسطين التاريخية لن يشكل أغلبية في عام ٢٠٠٦م إذا ما أخذنا بالاعتبار فلسطينيي عام الـ ٤٨م، الذين يعيشون داخل دولة إسرائيل كمواطنين، ولكنهم يتعرضون للتمييز العنصري في المعاملة والخدمات، وتبقى جذورهم تنحو نحو إخوانهم في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ حيث إن الفلسطينيين سيصبحون على تساوٍ مع اليهود، ومن المتوقع في السنوات القادمة أن يكون التفوق للفلسطينيين؛ والجدول رقم (٣) يوضح الميزان السكاني المتوقع على أرض فلسطين حتى عام ٢٠٠٦م. ملاحظة: أعداد المستوطنين لا يتم إضافتها إلى إجمالي عدد اليهود؛ لأنهم ـ بالطبع ـ محسوبون على إجمالي عدد اليهود في دولة إسرائيل عام ٢٠٠٦م ـ تقديرات الباحث على أساس ثبات الزيادة السنوية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة = ١٧٦.١٥٩ نسمة سنوياً / للفلسطينيين داخل إسرائيل = ٣٤٥٠٠ نسمة سنوياً / ولليهود = ٨٣.٥٠٠ نسمة سنوياً. الزيادة في أعداد اليهود لم تأخذ بالحسبان موجات الهجرة اليهودية الجماعية التي قد تأتي إلى فلسطين. لم يتم تقدير أعداد المستوطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ لأن ذلك مرتبط بالظروف السياسية. من خلال الجدول السابق يتضح أن الميزان السكاني سيكون في صالح الفلسطينيين في عام ٢٠٠٦م ـ بغض النظر عن مكان وجودهم سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو في داخل إسرائيل ـ فسيصل عدد الفلسطينيين على أرض فلسطين التاريخية في عام ٢٠٠٦م حوالي ٥.٤٦٧.٤٧٢ فلسطينياً، في نفس الوقت الذي سيكون فيه عدد اليهود على أرض فلسطين التاريخية ٥ ملايين يهودي، ويرجع هذا التفوق للفلسطينيين إلى الزيادة الطبيعية؛ في حين أن الزيادة السكانية عند اليهود كانت تعتمد وبشكل مباشر على المهاجرين القادمين من جميع أقطار العالم. نستنتج مما سبق أن الهجرة الفلسطينية الواسعة وبهذا الحجم الكبير كانت نتيجة التهجير القسري وممارسات العصابات الصهيونية، مقابل قدوم آلاف اليهود من جميع أقطار العالم للاستقرار في فلسطين. وعلى الرغم من ممارسات العصابات الصهيونية إلا أن الفلسطينيين على أرض فلسطين التاريخية سيكون لهم الأغلبية، خلافاً لما خططت له الحركة الصهيونية (٩%سنوياً) ؛ حيث إن سلطات العدو ماضية في تنفيذ مخطط المحافظة على الميزان السكاني لصالحها، وهو الأمر الذي يستدعي منها القيام بتنفيذ مخططها الهادف إلى ابتلاع الأرض، وتشريد الأهل من فلسطين وحصرهم في بقع وكنتونات جغرافية غير مترابطة وغير متماسكة ليسهل السيطرة عليهم؛ وهو ما يبشر وينبئ بحدوث انفجار سكاني؛ لأن عوامل النمو السكاني هي في صالح الشعب الفلسطيني (٤%سنوياً) واليهود (١.٩%سنوياً) ، وارتفاع معدلات الخصوبة الكلي (٦.١) للشعب الفلسطيني و (٢.١) لدى اليهود، ومن ثم يعمل اليهود من خلال المؤسسة السياسية والعسكرية على استباق سنوات الحسم السكاني من خلال تكثيف عمليات الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، كما هو حاصل في شبكة الاستيطان المنتشرة على طول الضفة الغربية وقطاع غزة، والجدار الفاصل الذي يلتهم أكثر من نصف مساحة الضفة الغربية، إذا ما تم تنفيذ الجدار الشرقي في أغوار الأردن؛ وهو الأمر الذي يساعد على تقطيع الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى كنتونات صغيرة منفصلة لا يوجد بينها تواصل جغرافي، مما سيعطل إنشاء وتكوين دولة فلسطينية مستقلة ذات خصائص تساعدها على النمو والتطور. (*) متخصص في شؤون الجغرافيا والديموغرافيا ـ فلسطين. (١) Luke, H. and Heith, The hand book of Palestine and Trans Hordan Macmillan London, ١٩٣٠, P.٣١. (٢) Govenment of Palestine. census fof ١٩٢٢, Jerusalem, ١٩٢٣. (٣) Government of Palestine. census fof ١٩٢٢, Jerusalem, ١٩٣٢. (٤) حسن عبد القادر صالح، جغرافية فلسطين، برنامج التربية، الجامعة المفتوحة، القدس، ١٩٩٦م، بدون دار نشر، ص ١٢٨. (٥) مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، الجزء الأول، رابطة الجامعيين بمحافظة الخليل، دار الطليعة، بيروت، ١٩٧٣م، ص ٢٣ ٢٤. (٦) موسى سمحة، التغييرات السكانية في فلسطين، دراسة في النمو السكاني والصراع الديموغرافي، الجامعة الأردنية، قسم الدراسات السكانية، ص ٣٨٤. (٧) المصدر: موسى سمحة، التغيرات السكانية في فلسطين، دراسة في النمو السكاني والصراع السكاني، في كتاب (الخصائص الديموغرافية للشعب الفلسطيني) منشورات دار النضال للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ص ٣٨٩. (١) حسن عبد القادر، جغرافية فلسطين، بدون دار نشر، ١٩٩٦م، ص ١٢٦. (٢) موسى سمحة وآخرون، الصراع الديموغرافي في فلسطين المحتلة، اللجنة الأردنية الفلسطينية المشتركة، ١٩٨٦م، ص ٨. (٣) http://www.wahdah.net/demog.html. (١) المرجع السابق. (٢، ٣) المرجع السابق. (١) المرجع السابق. (٢) موسى سمحة، مرجع سابق، ص ٩. (٣) السلطة الوطنية الفلسطينية، دائرة الإحصاء المركزية، نتائج للتعداد العام الذي أجري في نهاية عام ١٩٩٧م. (*) الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، السكان في الأراضي الفلسطينية ١٩٩٧-٢٠٢٥ رام الله، ص ٤١. = = - Statistical Abstract of Israel, Jerusalem, ١٩٩٩, No, ٥٠, Table ٢. - Foundation for Middle East Peace, Israeli Settlement, volume ١٠, No ٦

стр. 5462

التعتيم الحكومي وحرب التجويع هل يقضيان على حلم دولة المسلمين في تايلاند ؟ رضا عبد الودود حملات إبادة جماعية، وتوسيع سلطات قوات الأمن، وتعهدات بسحق مسلمي جنوب تايلاند خلال أربع سنوات من قِبَل حكومة رئيس الوزراء (تاكسين شيناواترا) الذي أصدر أوامره لحكومته يوم الخميس ١٧/٢/٢٠٠٥م بدراسة القوانين الأمنية للدول الأخرى، مشيراً إلى القوانين العنصرية في بعض الدول، والتي تسمح باحتجاز المواطنين دون محاكمة بزعم تهديدهم للأمن، على الرغم من أن الدستور التايلاندي يسمح للشرطة باحتجاز المواطنين لمدة ٤٨ ساعة قبل أن تحتاج للحصول على أمر قضائي بمدِّ الاحتجاز لمدة ١٢ يوماً، إلا أن قوات الشرطة تحبِّذ الأخذ بقوانين أكثر صرامة مثل القوانين السنغافورية؛ لكي تعطيها صلاحية واسعة وغير مقيدة في الاحتجاز لمدد طويلة بدون أمر قضائي أو محاكمة كل ذلك هو عنوان السياسة الإقصائية التي تمارسها سلطات بنكوك ضد نحو ٨ ملايين مسلم في الجنوب كل خطيئتهم أنهم يطالبون بحقوقهم التاريخية في مملكة فطاني التي حكمت تايلاند سابقاً؛ وللأسف فإن العالم يشهد بكل منظماته وشعوبه وحكوماته هذه الأمور دون أن يرفع صوتاً معارضاً أو حتى معقباً على تلك السياسة غير الإنسانية. ومنذ منتصف فبراير ٢٠٠٥م شهد ملف مسلمي الجنوب التايلاندي تصعيداً غير مسبوق؛ حيث تعهد (تاكسين شيناواترا) رئيس الحكومة التايلاندية بسحق مسلمي فطاني المطالبين بالاستقلال خلال أربع سنوات؛ وذلك أثناء أول زيارة يقوم بها إلى محافظات البلاد الجنوبية ذات الأغلبية المسلمة منذ فوز حزبه في الانتخابات بفترة ولاية ثانية. وأعلن رئيس الوزراء (تاكسين شيناوترا) أنه سوف يقطع المساعدات المالية للتنمية عن القرى التي يعتقد أنها متعاطفة مع من أسماهم بـ «المتمردين» ، وأن حكومته ستصنف الجنوب المضطرب إلى ثلاث مناطق: حمراء وصفراء وخضراء؛ ممثلة في ذلك مستويات تعاون أهلها مع سلطات الدولة في التعامل مع ما تصفه الحكومة التايلاندية بالتمرد الواقع. وأوضح أنه من بين١٨٥٠ قرية بمحافظات تايلاند الجنوبية الثلاث التي تشهد أشد عمليات عنف (ناراتيوات ويالا وباتاني) تعتبر ٣٥٨ قرية واقعة في نطاق مناطق حمراء لتعاطفها مع الناشطين، وسوف يمنع عنها أي تمويل حكومي، بينما تقع ٢٠٠ قرية في مناطق صفراء بما يعني وجود مقاومة معتدلة للدولة، أما بقية القرى فيمكن اعتبارها مناطق خضراء يلتزم ٩٠% من سكانها بالقانون ـ حسب مزاعمه ـ وسوف تتمتع هذه بمعظم مساعدات التنمية، تليها في ذلك الصفراء. وأضاف (تاكسين) أن الحكومة سوف تنشر قواتها المسلحة في المنطقة الحمراء فيما وصفه بأنه لحماية السكان الأبرياء، كما حثَّ هؤلاء على الضغط على جيرانهم لتغيير مسلكهم والتقدم بمعلومات تفيد في قمع التمرد وإنهائه. يذكر أن هذه السياسة سبق تطبيقها في تايلاند لأول مرة أثناء محاربة المد الشيوعي في السبعينيات والثمانينيات في الضغط على أهالي القرى لطرد الناشطين وقطع العلاقات معهم. كما أشار رئيس الوزراء إلى أن حكومته اعتمدت ميزانية إقليمية خاصة للتنمية في الجنوب تولي تركيزاً على إصلاح قطاع المدارس الدينية الإسلامية المنتشرة به، وسوف يتحتم على تلك المدارس من الآن فصاعداً تدريس مناهج المدارس العامة، وتخضع لإشراف وزارة التعليم. ولعل الآثار الناجمة عن تلك السياسة الإقصائية ستؤدي إلى تقسيم جنوب البلاد إلى مناطق ملونة طبقاً لوصف (تاكسين) مما سيزيد من معاناة الأهالي من التفرقة وتعميق العنف، فضلاً عن إضرارها بالمواطنين الأبرياء في المناطق المغضوب عليها بينما هم من دافعي الضرائب للدولة. - العنف يقابله عنف مضاد: وإزاء هذه التصريحات الاستفزازية صعَّد المسلحون بالجنوب التايلاندي هجماتهم أثناء زيارة رئيس الوزراء (تاكسين شيناواترا) للمنطقة بعد سلسلة من التفجيرات التي تواصلت لمدة أسبوعين قبل وصوله إليها في جولة تمتد ثلاثة أيام، وتشمل محافظات ناراتيوات ويالا وباتاني التي كانت مسرحاً لأشد أحداث العنف طوال العام الأخير الذي راح ضحيته نحو٦٠٠ من المسلمين. فقد انفجرت مساء الخميس ١٧/٢/٢٠٠٥م قنبلة قوية أمام فندق مارينا بمحافظة ناراتيوات وتسببت في مصرع أربعة أشخاص وجرح أكثر من أربعين آخرين، وكذلك في تدمير وإشعال النيران بالسيارات والدراجات البخارية الموجودة خارج المبنى. - سياسة التعتيم: وفي نفس سياق التعتيم المفروض على قضية المسلمين في الجنوب التايلاندي كان رئيس الوزراء التايلندي تاكسين قد شن هجوماً واسعاً ضد المشاركين في قمة الآسيان التي افتتحت في ٢٩/١١/٢٠٠٤م في لاوس مهدداً بالانسحاب من القمة إذا تطرقت لموضوع المواجهات العنيفة ضد إقليم (فطاني) المسلم، واعتبر تاكسين الاضطرابات الدائرة في الجنوب الذي يضم الأقاليم ذات الأغلبية المسلمة في البلاد مسألة «داخلية» ينبغي عدم بحثها في قمة آسيان. - مأساة مسلمي تايلاند: وتكشف تلك التداعيات عن مأساة مسلمي تايلاند البالغ تعدادهم من ٥ ـ ٨ مليون مسلم أي نحو ١٠% من تعداد السكان والذين يتركز أغلبهم في الجنوب المسمى (فطاني) والذين باتوا وليمة دموية صباح مساء لحكومة تايلاند، وسط صمت العالم وتجاهل المسلمين وهلع الحكومة التايلاندية من المسلمين واستغلالها المظاهرة العالمية لمكافحة الإرهاب. ودون الرجوع لتاريخ المسلمين الدامي في مملكة فطاني المسلمة من تهجير للتايلانديين إلى الجنوب وطرد أهاليه المسلمين، وتصفية العلماء، وإجبار المسلمين على ارتداء الصليب وحرق المصاحف، وإغلاق المدارس الإسلامية، شهد عام ٢٠٠٤م عدة مجازر بحق المسلمين في هذا الإقليم. وأسفرت المواجهات في جنوبي تايلاند عن سقوط نحو ٦٠٠ قتيل على الأقل منذ مطلع العام الحالي، ففي شهر يناير اندلعت اشتباكات لم تعرف أسبابها أدت إلى سقوط نحو ٦٠ قتيلاً في المناطق المسلمة الجنوبية المحاذية لماليزيا عندما شنت قوات الجيش التايلاندي حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المسلمين للاشتباه في علاقتهم بـ «إرهابيين» ، ووضعتهم قيد الاعتقال بدون محاكمة وهو ما أثار سخط المسلمين في الجنوب. وفي أبريل الماضي حصلت مجزرة في مسجد باتاني راح ضحيتها ٩٥ شخصاً، بعد أن هدمت قوات الشرطة المسجد على أشلاء المسلمين. وفي الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٠٤م كان نحو ٣٠٠٠ مسلم نظموا مظاهرة أمام أحد مراكز شرطة ولاية (ناراثيوات) ذات الأغلبية المسلمة جنوب البلاد احتجاجاً على اعتقال ٦ مسؤولين محليين بتهمة دعم ما تصفه الحكومة بـ (الجماعات المتمردة المسلحة) في جنوب البلاد، إلا أن قوات الشرطة والجيش تدخلت لقمع المتظاهرين؛ وهو ما أسفر عن مقتل ٦ أشخاص، بعدما استخدمت قوات الجيش والشرطة الذخيرة الحية والغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه. وقامت قوى الأمن بحشر ١٣٠٠ من المتظاهرين داخل شاحنات لنقلهم إلى ثكنات عسكرية في مدينة باتاني لاستجوابهم، وتم إرغام المعتقلين على التمدد على الأرض ووجوههم إلى الأسفل وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم قبل وضع بعضهم فوق بعض في الشاحنات مما أدى لمقتل ٨٤ مسلماً. ومع أن المواجهات الأخيرة هي أخطر هذه المواجهات بين الجيش التايلاندي ومسلمي الإقليم، وقبلهم ١٠٨ من المسلمين، وإصابة واعتقال آخرين، فإنها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة بسبب الجذور التاريخية للمشكلة التي تمتد إلى مملكة فطاني الإسلامية التي نشأت في القرن الثامن الهجري. - فطاني بلد إسلامية: وبالعودة لجذور الأزمة يتبين لنا أن فطاني هي المنطقة الواقعة بين ماليزيا وتايلاند، ويرجع أصل سكانها للمجموعة الملايوية ويتكلمون اللغة الملايوية ويكتبونها حتى الآن بأحرف عربية، ووصل الإسلام إلى فطاني عن طريق التجارة في القرن الخامس الهجري، وأخذ في التنامي حتى صارت المنطقة كلها إسلامية وتحت حكم المسلمين في القرن الثامن الهجري وصارت فطاني مملكة إسلامية خالصة ومستقلة. وعندما احتل البرتغاليون تايلاند أوعزوا إلى قادة تايلاند بحتمية احتلال فطاني للقضاء على سلطنة الإسلام بها ولابتلاع خيراتها فقام التايلانديون باحتلال فطاني سنة ٩١٧ هـ ولكنهم ما لبثوا أن خرجوا منها تحت ضغط المقاومة الإسلامية. ولكن الصليبية العالمية لم تكن لتهدأ ويرتاح لها بال ما دام للإسلام دولة بتلك البقاع السحرية من العالم، فدخل الإنجليز حلبة الصراع ودعموا التايلانديين البوذيين للهجوم على فطاني وقمع الثورات وتهجير المسلمين من البلد حتى أعلنت تايلاند ضم فطاني رسمياً لها سنة ١٣٢٠هـ بعد سلسلة طويلة من الثورات والمقاومة الباسلة من المسلمين، وكان هذا الضم إيذاناً بعهد جديد في الصراع بين المسلمين وأعدائهم. - وسائل محاربة المسلمين: وفي سياق دراسة تاريخ مسلمي تايلاند تعتبر تايلاند في حكم الدولة المحتلة المستعمرة لأرض فطاني التي كانت بلداً مسلماً لفترة طويلة؛ لذلك فإن أساليب تايلاند في محاربة المسلمين لا تختلف كثيراً عن أساليب الاستعمار في أفريقيا وآسيا والدول المسلمة، ومن تلك الأساليب: التهجير: حيث عملت تايلاند على إقامة معسكرات لاستقبال وتوطين المهاجرين التايلانديين وتستولي على أخصب البقاع وتمدهم بالمرافق اللازمة، وهذه الهجرة تؤدي إلى آثار خطيرة منها: إضعاف نسبة المسلمين في هذا البلد ورفع نسبة البوذيين، واتخاذ هؤلاء المهاجرين الجدد كأداة لنشر الثقافة والعادات البوذية واستخدامهم أيضاً جواسيس وعيوناً لنقل أخبار المقاومة الفطانية وعند حدوث الصدامات يستخدمونهم جنوداً ومقاتلين بالإضافة إلى تحقيق السيطرة الاقتصادية على الموارد والأراضي الزراعية، ومن ثَم إفقار الشعب الفطاني فلا يستطيع المقاومة والكفاح المسلح، ويكون جل همه تدبير موارد الرزق اليومية. التعليم: قامت تايلاند بفرض التعليم باللغة السيامية بعدما كانت تدرس باللغة الملايوية، وأحضروا مدرسين تايلانديين، وجعلوا المناهج فيها تخدم مصالحهم، وقامت بإغلاق الكتاتيب التي تعلم القرآن والقراءة والكتابة، وعلى الطلاب الذين يريدون الانتساب إلى مدارس الحكومة أن يغير أحدهم اسمه العربي أو الملايوي إلى اسم سيامي بوذي، واشترطت على هؤلاء الخريجين من المدارس الفطانية أن يجيدوا القراءة والكتابة بالتايلاندية؛ وإلا فلا قيمة لشهاداتهم أبداً، وعمدت تايلاند إلى إهمال التربية الدينية وتعيين مدرسين موالين لها يجهلون الإسلام في مناصب التعليم الإسلامي لينشأ عن ذلك كله أجيال بعيدة كل البعد عن الدين والهوية الإسلامية. إثارة الخلافات: بالعمل على بث الفرقة والخصومات بين العلماء، وإثارة الفتن بين أتباع المذاهب الفقهية، وإثارة الخلافات بين المدن والمناطق والسكان. نشر الفواحش: حيث تعتبر تايلاند رائدة سياحة الدعارة على مستوى العالم بأسره، وهي من ثَم تعمل على نشر المفاسد بين المسلمين بإقامة بيوت الدعارة المرخصة والملاهي الليلية وتعليم الرقص في المدارس. التعمية والتعتيم الإعلامي: بقطع كل أخبار مسلمي فطاني عن العالم الخارجي ومنع دخول المسلمين من خارج فطاني إليها. دور اليهود: حيث استقدمت الحكومة التايلاندية عدداً من المدرسين اليهود من فلسطين وذلك لبث كراهية العرب في النفوس ومن ثم كراهية المسلمين عامة، ثم تقوم تايلاند بنشر الدعاية المسمومة التي مفادها أن أهل فطاني يفضلون المدرسين اليهود على غيرهم في التعليم والثقافة فتُعرِض الحكومات المسلمة عن تقديم أي مساعدات لأهل فطاني. التحريف: لكتاب الله وأحاديث الرسول # أثناء ترجمتها إلى اللغة التايلاندية ليضلوا المسلمين ويصدوا من يريد الدخول في الإسلام من البوذيين. إفساد العقيدة الإسلامية: بالسماح بالدعاية للقاديانية وهي فرقة خارجة عن الإسلام بالعمل داخل فطاني لإفساد عقائد المسلمين وإيقاع الفرقة والاقتتال بينهم. صور أخرى للاضطهاد: ومن أبرز مظاهر الاضطهاد أن الحكومة البوذية التي فرضتها تايلاند، عملت بعد أن أزاحت السلطان المسلم (تنكو عبد القادر) ، على محو الطابع الإسلامي من البلاد بإرغام الشعب المسلم فيها على اتخاذ الأسماء والألبسة والتقاليد البوذية، واستعمال اللغة التايلاندية. وألغت المحاكم الشرعية، ثم سمحت بعد غضب الشعب وهياجه للقضاة المسلمين بالجلوس في المحاكم المدنية لسماع القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسلمين. وعملت الحكومة على توطين البوذيين في المناطق الإسلامية، وبنت لهم أكثر من ٧٠ مستوطنة يسكنها حوالي ١٨٠ ألف بوذي، وبنت القواعد العسكرية في فطاني، ولا سيما في القرى القريبة من (جبال بودور) مركز عمليات المجاهدين المسلمين، وقامت بتصفية العلماء والدعاة جسدياً أو تهديدهم وإهانتهم وتشريدهم مما اضطر فريقاً منهم إلى الهجرة واللجوء إلى ماليزيا. كما تقوم بإحراق الأحياء الإسلامية والقتل الجماعي؛ ففي حادث بشع قامت القوات التايلاندية بحرق (١٠٠) شاب مسلم بالبنزين، وصرح رئيس البوليس في المنطقة بأن حياة المسلم لا تساوي ٢٦ سنتاً فقط (ثمن الرصاصة) . كذلك حرمت حكومة بانكوك المسلمين من ثروات بلادهم، كما حرمتهم المراكز الهامة والوظائف الحكومية وكافة الحقوق التي يتمتع بها مواطنو تايلاند، وعرضتهم لألوان الذل والقهر والاستعباد. - تاريخ طويل من الكفاح: بدأت رحلة الكفاح الهائلة منذ أن أعلنت تايلاند ضم فطاني لها واعتبرتها مديرية تايلاندية في سنة ١٣٢٠هـ، فقام الأمير (عبد القادر) وهو آخر ملوك فطاني المسلمين بقيادة الثورة سنة ١٣٢١هـ بعد سنة واحدة فقط من الضم، وتعرض للاعتقال، واندلعت الثورة بفطاني على إثر ذلك، ولكن التايلانديين قمعوها بمنتهى الوحشية بمساعدة قوية من الإنجليز. ومع الانقلاب العسكري سنة ١٣٥١هـ الذي أطاح بالملكية في تايلاند والذي دعمه مسلمو فطاني الذين استغلوا الفرصة وقدموا عريضة بمطالبهم من الحكومة الجديدة، وتتلخص هذه المطالب بالتالي: ١ - تعيين حاكم واحد على المديريات الأربعة المسلمة عن طريق أهل البلاد، ويكون مسلماً. ٢ - أن يكون ٨٠% من موظفي حكومة فطاني ممن يدينون بالإسلام. ٣ - أن تكون اللغة الملايوية هي لغة التعليم بالمدارس واللغة الرسمية لأهل فطاني. ٤ - تطبيق الشريعة الإسلامية. ٥ - تكوين مجلس أعلى إسلامي لتسيير شؤون المسلمين. ولكن الريح جاءت بما لا يشتهي المسلمون، وتحول الحكم العسكري إلى واقع مرير للمسلمين؛ ليس لأنه تجاهل مطالبهم؛ ولكن لأنه سعى إلى مسخ هويتهم تماماً، وإذابتهم داخل الدولة؛ حيث أصدر الفريق أول (سنقرام) ـ الذي تولى السلطة في تايلاند ـ قرارات بتغيير الأسماء المسلمة إلى تايلندية، ومنع لبس الجلباب الأبيض المميز للمسلمين وغطاء الرأس للنساء، وتحريم استعمال اللغة الملايوية ذات الحروف العربية، وأغلقت أبواب المدارس والجامعات أمام الفطانيين، وكذلك المناصب الحكومية والجيش والشرطة، وأغلقت الجوامع والمساجد، وحرم التبليغ والتبشير بالدين الإسلامي. وقد توالت على الإقليم المسلم عدة ثورات ومحاولات من جانب المسلمين لإعادة المطالبة بحقوقهم، واجهتها السلطات هناك بالقمع والاعتقال لكل من قاد المطالبة بهذه الحقوق، مثل: حركة الحاج محمد سولونج ـ أحد العلماء المسلمين بفطاني ـ والذي عمل على تكثيف جهود المسلمين سنة ١٣٦٧هـ ورفع عريضة مطالب للحكومة البوذية بتايلاند يطالب فيها بنفس المطالب السالف ذكرها مع إضافة بند عدم إخراج محصولات وموارد فطاني خارجها واستهلاكها محلياً، وقام الحاج محمد برفع عريضة الدعوى في نفس السنة إلى الأمم المتحدة ولأول مرة تثار قضية فطاني في المحافل الدولية، وبسبب ذلك قبض على الحاج محمد سولونج ورفاقه وحكم عليهم بثلاث سنوات ولكنهم ما لبثوا أن اغتيلوا سراً في ١٤/١٢/١٣٧٣هـ. - المقاومة طريق الحرية: وبعد أن تلاشت فرص مسلمي فطاني في تحقيق حلم الدولة المستقلة للمسلمين هبَّ الشعب الفطاني يجاهد لاستقلال بلاده، وأسس جبهات التحرير التي انضوى في صفوفها كثير من الشباب المسلم، وأخذ يقاتل على أرض فطاني، في جبال بودور الشاهقة، وبين الغابات والأدغال المتشابكة المجاورة لماليزيا، وبدأت عمليات المقاومة عام ١٩٥٠م، ولا تزال حتى الآن تواجه أشد الظروف، وتتحدى المصاعب وحدها. ومن أهم حركات المقاومة التي تواجه عنف حكومة تايلاند وإجراءاتها القمعية ضد المسلمين: (الجبهة الوطنية لتحرير فطاني) التي تأسست عام ١٩٦٠م وهي أول جبهة أنشئت في فطاني، وتدعو إلى تنظيم المجتمع الإسلامي، ووسيلتها حرب العصابات، وكذلك (المنظمة المتحدة لتحرير فطاني) التي تأسست عام ١٩٦٨م وتتبع أساليب العنف ضد الحكومة البوذية. وتوجد أيضاً (الجبهة الوطنية لتحرير فطاني) التي تأسست عام ١٩٧٠م وتنادي بالاستقلال على أن يكون نظام الحكم ملكياً، ومعظم قادتها في الخارج. وهناك كذلك (الحركة الإسلامية الفطانية) التي تأسست عام ١٩٧٥م على يد عدد من العلماء، وقد قامت بنشاط إعلامي للتعريف بقضية فطاني. (*) صحفي مصري.

стр. 5463

الحمد لله لم يكن ما رأيت حقيقة طارق بن خليفة الخليفة في بداية الشتاء خرجت من منزلها باكراً، عندما بدأ حاجب الشمس بالشروق، و (امتطت) صهوة سيارتها (البورش) ذاهبةً ـ إن لم تخنّي ذاكرتي ـ إلى مقر عملها الواقع في شمال مدينتها، ولم يكن السير في هذه الساعة يبعث على السعادة؛ فسيارات العاملين والعاملات، وأصحاب الأعمال، ومديرات الأقسام، تأخذ حيّزاً من الطريق السريع ذي المسارات الأربعة. على أية حالة وعلى أنغام مسجّل سيارتها كانت تمضي (العنود) . غير أن ما عكّر عليها مزاجها أن إحدى عجلات البورش أعلنت الإضراب عن الدوران، والحمد لله كانت العواقب سليمة؛ فهي ملتزمة بالسرعة القانونية داخل الطريق (٨٠ كلم) . عندها ترجَّلَت من سيارتها بحركة (شبابية) ملقية من على كتفها (العباءة) كي تقوم بإصلاح الإطار؛ فالمثل يقول: اِلبس لكلّ حالةٍ لبوسها.. لكنّها فوجئت بعشرة من الشباب العاطلين عن العمل مستعدين لخدمتها ممّن (لم تُدرَج أسماؤهم تحت قائمة طالبي الوظائف من المؤسسات الأهلية) . ولك أن تستغرب هذه (الفزعة) في طريق سريع يكتظ بالسيارات في مثل هذه الساعة المبكرة صباحاً (٧.٤٥) .. ولكن بعد (فك العجلة.. والتربيط) قامت العنود (مجاملة) بشكر اثنين منهم على خدماتهما المتميزة، وأصرّت على الحصول على أرقام هاتفيهما للحاجة! ثم (شكرتهما مودّعةّ لهما) .. وركبت (البورش) ثانيةً وضغطت (دوّاسة الوقود من الغضب مما أثار غضب عجلاتها التي قامت بإصدار صوت يشبه ما يفعله المراهقون أيام قيادتهم المبكّرة) .. على العموم؛ واصلت طريقها، ثم انحرفت بعد ذلك إلى يمين المنعطف الكبير الذي ينزلها إلى مواقف مؤسستها العقارية، لتجد على بوّابة المواقف، حارسة الأمن (نورة) التي كانت ترتدي القميص السماوي والبنطال الأزرق لتأخذ مفتاح السيارة فتدخلها (المرآب) .. ثم صعدت العنود عن طريق المصعد إلى الدور السابع حيث يقبع مكتبها العقاري، واستقبلها السكرتير الخاص بالمكتب من الجنسية ... ! بابتسامته (المشهود لها بالبراءة التامة!) فدخلت إلى مكتبها الواسع الذي تجزم عند رؤيتك له بأن تجهيزه قد تم بطريقة لو علم بها أصحاب الديكور (لحسدوها عليه) .. ألقت العنود بنفسها على كرسيها الدوار وضربات قلبها ما زالت تعيش همّ مشوارها الذي استمرّ معها ما يزيد على ساعة وربع ساعة ... ومن غير شعور رجعت بذاكرتها تلقائياً إلى لحظة خروجها من المنزل ثم (تحمية السيارة) والتأكد من (مستوى الزيت في المحرك) وأنها اضطرت لتتأكد من (ضغط هواء العجلات) .. ثم تذكرت تلك اللحظة التي نزلت فيها من السيارة بعد تشغيلها لتجلب شيئاً من البيت، وعند رجوعها وجدت أنها أغلقت الباب على المفاتيح، فأخرجت (جوالها الجديد الذي اشترته قريباً) لتتصل بالعامل القادر على استخراج مفتاحها، وكيف جاء الرجل إليها وطلب مبلغ (٢٥٠ ريالاً) بجشع واستغلال للموقف، وأطلقت تنهيدة وهي على كرسيها الدوار وهي تتذكر نظراته وهو يصلح المقبض ليفتح السيارة، وكيف كادت عيناه أن تشبه عيني ذئب قد ظفر بصيد لا يقدّر بثمن، وأرسلت العنود دمعة من عينيها، وضغطت على أسنانها وهي تتذكر (النقيبة خلود التي أوقفتها وأعطتها قسيمة على صرير العجلات) . وفجأة ضربت العنود طاولة المكتب (الفاخر) بيديها بقوة، حين تذكرت زوجها وهو يأخذ لحاف النوم ليعلن لها (أنه عازم على المضي في نومه) وصوته ينبعث من تحت اللحاف وهو يقول: (يالعنود ... ودّي البنات للمدرسة.. ومرّي السوق وهاتي الخضار.. وبعد الظهر مرّي على الجوازات جدّدي الجواز؛ لأني سأسافر هذا الصيف) . ونظرت حولها في المكتب الواسع، ثم دارت بكرسيها الدوّار أكثر من مرة وهي مسترخية، مطلقة لخيالها الرجوع إلى تلك الأيام الخوالي التي كان زوجها أحمد يقوم بإيصالها، وأيام كان جارهم سعد (عند الحاجة وغياب زوجها أحمد يقوم بإيصالها مع زوجته) فصرخت وهي على كرسيها الدوّار: اتركونا.. اتركونا، وفجأة سمعت صوت زوجها وهو يقول: العنود! العنود! قومي حبيبتي.. (عسى ما شر!) ففتحت عينيها؛ فإذا هي في غرفتها الوردية.. ونظرت إلى الساعة فإذا هي الرابعة فجراً، وإذا زوجها أحمد أمام عينيها.. وهو يهدّئ من روعها: عسى ما شر، فأطلقت تنهيدة لو قُدِّر لك سماعها لبكى قلبك لها وهي تتمتم بهذه الكلمات والتي تخرج من بين شفتيها: الحمد لله، الحمد لله أن ذلك لم يكن حقيقة.. لم يكم ذلك حقيقة.. الحمد لله.

стр. 5464

مرصد الأحداث أحمد فهمي أقوال غير عابرة - «هذا المزيج من الصخب والهتافات وأصوات أبواق السيارات يذكرني بوقت استقلالنا عن فرنسا عام ١٩٥٦م» مواطن تونسي يصف خروج آلاف التوانسة ليلة الأحد ٦ رمضان احتفالاً بوصول تونس إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم، وهو نفس اليوم الذي قتل فيه عشرات آلاف الباكستانيين إثر هزة أرضية» . [العربية نت، ٧/١٠/٢٠٠٥] - «كان من المستحيل تقريباً بالنسبة إلى عائلة سُنِّية كعائلتي تسبح في بحر من الشيعة مواصلة العيش في البصرة» أبو مشعل أحد العراقيين السنة اللاجئين. [وكالات١١/١٠/٢٠٠٥م] - «بوش سيُذكر في التاريخ على أنه أكثر الرؤساء الأمريكيين انعداماً للمسؤولية المالية في تاريخ أمريكا» فريد زكريا رئيس تحرير الطبعة الدولية من مجلة نيوزويك الأمريكية. [مجلة النيوزويك العدد (٢٧٦) ] - «يبدو أن مصر تريد أن تجرب حكم الإخوان المسلمين» الروائي المصري نجيب محفوظ محذراً من تنامي شعبية الحركة في مصر. [الشرق الأوسط، ٥/١٠/٢٠٠٥م] - «أنا غازي كنعان حاكم لبنان سنوات طويلة، إذا سألتموني عن الفساد والرشوات نعم! قد شاركت فيها» اللواء غازي كنعان وزير الداخلية السوري المنتحر متحدثاً أمام لجنة التحقيق في اغتيال الحريري، وهو الحديث الذي نشرته محطة تلفزيون نيو تي في اللبنانية، ونفاه الوزير قبل موته. - «يقدر أن ما بين ٢٣و ٥٨% من المسؤولين الدينيين الكاثوليك لديهم توجهات جنسية مثلية» القس الأمريكي دونالد بي كوزنر في كتاب له بعنوان (الوجه المتغير للكهنوتية) . [النيوزويك العدد (٢٧٦) ] - «سوريا لا تتعامل بسياسة الاغتيالات مع أعدائها؛ فكيف بأصدقائها» وزير الإعلام السوري مهدي دخل الله في تعليقه على اتهام النظام السوري باغتيال وزير الداخلية غازي كنعان. [الشرق الأوسط، ١٣/١٠/٢٠٠٥م] - «يمكنك إجهاض كل جنين أسود في هذه البلاد، وهو ما سيؤدي إلى خفض معدل الجريمة» وزير التعليم الأمريكي السابق ويليام جي بينيت متحدثا في برنامجه الإذاعي. [النيوزويك العدد (٢٧٨) ]

стр. 5465

أمريكا الرومانية ومقدمات الانهيار د. باسم خفاجي تقدم هذه المقالة مراجعة للعلاقة بين انهيار المدن بسبب الكوارث الطبيعية، وبين تهاوي الإمبراطوريات عندما تفقد عوامل البقاء الأخلاقية، وينهار البناء الاجتماعي الذي يحفظ تماسك المدن وعلاقة الأغنياء مع الفقراء، والأقوياء مع الضعفاء، وهو ما تظهره الكوارث الطبيعية بشكل سريع ومفاجئ. تقدم الدراسة رؤية عن تداعيات إعصاري «كاترينا» و «ريتا» على الجنوب الأمريكي وخصوصاً مدينة «نيو أورلينز» بصفتها نموذجاً صارخاً لعدم المساواة في المجتمع الأمريكي من ناحية، وانتشار الفساد والجريمة من ناحية أخرى، وأخيراً المفارقة المرتبطة بتركيز المنشآت النفطية في المنطقة التي تعرضت للإعصارين وارتباط ذلك باهتمام أمريكا الخارجي للسيطرة على النفط، والعجز الداخلي عن تأمين المصافي في مواجهة الأعاصير. تبحث الدراسة أيضاً كيف ستؤثر هذه الكارثة الطبيعية على مستقبل المشروع الأمريكي في قيادة العالم. - انهيار المدن وتهاوي الإمبراطوريات: لكي تعرف حقيقة ما حدث في مدينة «نيو أورلينز» بسبب إعصار «كاترينا» فقد يكون من المهم العودة بالتاريخ طويلاً إلى بدايات التاريخ الميلادي عندما دمر بركان ثائر مدينة رومانية وهي «بومبيي» .. الفارق بين الحدثين أن الدمار الذي حدث هناك قد اختفى عن الأعين لقرون طويلة؛ أما دمار «كاترينا» وما تبعه من إعصار «ريتا» أيضاً فهو مشاهَد للعالم على الهواء مباشرة على شاشات الفضائيات وفي مواقع الإنترنت، ويا له من دمار! «بومبيي» مدينة رومانية قديمة دمرها بركان ثائر منذ ما يقارب ألفي عام، و «نيو أورلينز» مدينة أمريكية تعرضت للتدمير بسبب كارثة طبيعية أخرى وهي إعصار «كاترينا» .. وبين المدينتين الكثير من أوجه الشبه، وبين الواقع الأمريكي المعاصر وماضي الإمبراطورية الرومانية التي جمعت بين عناصر القوة وبين مسببات الانهيار أوجه تشابه كثيرة أيضاً. أما عن أهمية المقارنة بين المدينتين فسببها أن كلتيهما تمثلان اجتماع عناصر القوة والانهيار معاً لكل من الإمبراطورية الرومانية في القديم والأمريكية في هذا الزمان. وكذلك فقد اشتهرت المدينتان بأنواع مشتركة من أشكال الفساد والرذيلة التي تهدد البنى الاجتماعية للحضارات وتُؤْذِن بزوالها. «بومبيي» مدينة إيطالية حفظتها الحمم البركانية كاملة بواقعها وفسادها وعهرها تحت الرماد لقرون طويلة ليعرف العالم بعد اكتشافها كيف كانت الأمبراطورية الرومانية تعيش. أما «نيو أورلينز» فستدخل التاريخ كمدينة دمرت بسبب الظلم الأمريكي الذي تجاوز الاعتداءات على شعوب العالم ليجمع معه إهمال وتجاهل معاناة أبناء أمريكا أنفسهم، وسيحتفظ التاريخ أيضاً بتوثيق ذلك من خلال عدسات الكاميرات وما دُوِّن عن هذه الكارثة في الصحف والمجلات والمواقع الإليكترونية. ستدخل «نيو أورلينز» تاريخ العالم كشاهد على العار الذي يلحق الإمبراطوريات عندما تبدأ في مسيرة الانزواء إلى الأزقة الخلفية في مقابر التاريخ. إن كلمة «كاترينا» ترجع إلى أصول لغوية يونانية تعني «النقاء أو الطهارة» فهل نحن نشهد عقاب الخالق وتطهيره لتلك البقعة من بقع الفساد؟ ستجيب الأيام عن ذلك السؤال فيما يتعلق بمدينة «نيو أورلينز» وبالولايات المتحدة الأمريكية نفسها، ولكن تبقى «بومبيي» وزوال الإمبراطورية الرومانية بعد زوال تلك المدينة واندثارها شاهدة على شدة ذلك العقاب وقسوته.. وحقاً ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . - بين «بومبيي» الرومانية و «نيو أورلينز» الأمريكية: في دقائق معدودة من يوم ٢٤/٨/٧٩م دمر بركان ضخم مدينة «بومبيي» Pompeii الرومانية. انطلقت الغازات السامة من فوهة البركان لتقتل السكان في الوقت نفسه الذي اندفعت فيه الحمم البركانية لتوقف الحياة في المدينة، وتجمِّد كل ما كان يحدث بها من فعاليات الحياة اليومية ليبقى شاهداً تاريخياً على حياة تلك المدينة (١) . كانت «بومبيي» مدينة تزهو بالأغنياء والترف والمجون والرفاهية من ناحية، ويكثر فيها الفقر والعبودية من ناحية أخرى. كانت تلك المدينة تمثل الإمبراطورية الرومانية بكل تناقضاتها وقوتها وموبقاتها قبل أن تزول تلك الحضارة وتنزوي في عالم النسيان. حفظت الحمم البركانية المدينة بحالها لحظة انفجار البركان لتصبح بعد اكتشافها مرة أخرى في القرن السادس عشر شاهداً على نمط الحياة في ذلك الوقت، وكيف اجتمع للرومان عناصر القوة ومظاهر الانحطاط والانهيار في مجتمع واحد وفي مدينة واحدة. كانت منازل تلك المدينة مزينة بصور إباحية تعبر عن أنواع من الفساد والمجون شديدة الانحطاط. وكانت تلك الصور تمثل إحدى صور الحياة في المدينة وفي الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت. ولم تكن هذه الصور والرسومات الفاضحة في الملاهي أو محلات بيع الرذيلة فقط، بل إنها كانت أيضاً مرسومة على حوائط بعض منازل العامة. ولشدة فساد هذه الصور والرسومات وكثرتها فقد رفض معظم حكام تلك المنطقة طوال القرون الماضية وحتى أعوام قليلة مضت أن توضع هذه الصور والرسوم في متاحف عامة، ولم يسمح بذلك إلا في فترات محدودة للغاية طوال تلك القرون (٢) . حفظت الحمم البركانية صور الحياة الداعرة والممارسات الشاذة لسكان تلك المدينة كما هي بكل بشاعتها وقذارتها لتصبح مزاراً سياحياً ضخماً يفد إليه ملايين البشر في كل عام للتعرف على نمط الحياة في تلك الإمبراطورية التي زالت. وفي يوم ٢٩/٨/٢٠٠٥م، أي بعد ما يزيد عن ألف وتسعمائة عام من ذلك التاريخ البعيد، قام إعصار بتدمير مدينة أمريكية تسمى «نيو أورلينز» . كانت المدينة أيضاً تجمع بين معالم الحضارة الأمريكية اليوم وبين علامات الانحطاط. لم تجمِّد المياه الجارفة الواقع الأمريكي في تلك اللحظات، ولكن عدسات الكاميرات قامت بنفس الدور الذي قامت به الحمم البركانية منذ ما يقارب ألفي عام. قامت العدسات التلفزيونية في حالة «نيو أورلينز» بتوثيق حي ومباشر ودائم للتدهور الأخلاقي للفرد الأمريكي من ناحية، ولتقاعس الدولة الإمبراطورية من ناحية أخرى عن حماية أبنائها والانشغال عن ذلك بمعارك خارجية من أجل المزيد من السيطرة. لقد ضرب إعصار «كاترينا» منطقة تبلغ مساحتها نحو ٢٣٥ ألف كم٢ أي ما يوازي مساحة رومانيا ونصف مساحة فرنسا. وامتدت الأضرار بطول ما بين ٤٠ إلى ٥٠ كم على شواطىء ولاية ميسيسبي، في حين غمرت المياه ٨٠% من مدينة «نيو أورلينز» . واعتبر الخبراء هذا الإعصار أسوأ الكوارث الطبيعية التي عرفتها الولايات المتحدة منذ نشأتها قبل ٢٣٠ عاماً، وقد قدر الخبراء حجم الدمار الذي حدث بـ ١٠٠ مليار دولار. وأعقب ذلك الإعصار، إعصار آخر هو إعصار «ريتا» الذي هاجم المصافي ومعامل التكرير بولاية تكساس إضافة إلى لويزيانا. وبين «نيو أورلينز» و «بومبيي» أوجه شبه كثيرة ومفارقات عجيبة. «بومبيي» كانت ميناء تجارياً هاماً في شمال إيطاليا على ضفاف نهر «السامو» ، وكذلك كانت «نيو أورلينز» ميناء تجارياً هاماً على ضفاف نهر «الميسيسبي» وسواحل خليج المكسيك. قُتل الفقراء في «بومبيي» ، بينما فر الأغنياء مبكراً؛ لأنهم عرفوا من جفاف الآبار أن البركان سينفجر، وكانوا أيضاً يملكون وسائل الانتقال التي مكنتهم من مغادرة «بومبيي» إلى القصور والمنتجعات المحيطة بتلك التلال الإيطالية بعيداً عن مسار الحمم البركانية، وتركوا خلفهم الفقراء والعبيد ليكونوا فريسة للبركان (٣) . وفي «نيو أورلينز» نجح الأغنياء أيضاً في مغادرة المدينة بهدوء على متن السيارات الرياضية والفارهة التي تحمل ما خف وزنه وغلا ثمنه، وتركوا خلفهم الآلاف من الفقراء.. من السود.. من عبيد الأمس كما يقولون. أظهرت لنا الصور ورسومات الحوائط في منازل «بومبيي» درجة الانحطاط الأخلاقي التي بلغها أهل هذه المدينة. وفي المقابل - ومع انتقالة تاريخية وزمنية تقارب ١٩ قرناً ـ تظهر لنا شاشات الفضائيات صورة أخرى من صور الانحطاط الأخلاقي لإمبراطورية أخرى وهي الإمبراطورية الأمريكية عندما تناقلت تلك الشاشات مشاهد السرقات والاعتداء على المنازل والمتاجر من قِبَل رجال الشرطة إضافة إلى جموع من المواطنين. - ثلاثية نيو أورلينز: الفساد - الجريمة - النفط: في سنة ١٧١٩م، بعد عام من تأسيس «جون بابتيست لو موين» مدينة «نيو أورلينز» لتكون عاصمة مستعمرة لويزيانا الفرنسية الناشئة، أباد إعصار مجموعة الأكواخ المصنوعة من سعف النخيل التي كانت تتكون منها المدينة ... وبعد ذلك بعامين، جاء إعصار آخر ليبيدها مرة أخرى. من مفارقات هذه المدينة أن أول مؤسسة تجارية أقيمت فيها كانت عبارة عن متجر للنبيذ (١) . لقد اشتهرت مدينة «نيو أورلينز» عبر تاريخها بثلاثة أمور ميزتها عن كثير من المدن الأخرى. وهذه الأمور تشكل ما يمكن أن يسمى «ثلاثية نيو أورلينز» وهي: الفساد، والجريمة، والنفط. ولا تكاد توجد في أمريكا أية مدينة أخرى تجمع هذه الثلاثية معاً بدرجة الوضوح التي تظهر في «نيو أورلينز» . ولعل هذه الثلاثية تقدم تفسيراً مقبولاً لمن يعتقدون أن ما حدث بسبب إعصار «كاترينا» هو عقاب إلهي. لقد عُرفت المدينة بانتشار الفساد الأخلاقي فيها، وتميزت عن كثير من المدن الأمريكية الأخرى بالدعوة إليه من خلال المهرجانات العامة والاحتفالات المستمرة. كما أن معدلات الجريمة والقتل في المدينة هي الأعلى في الولايات المتحدة وبين كثير من مدن العالم. وأخيراً عرفت المدينة أنها أحد أهم مراكز الصناعات النفطية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما تحارب أمريكا العالم اليوم من أجل السيطرة على منابعه والتحكم في مخزونه الاستراتيجي من خلال خطط أمريكا الخاصة بالشرق الأوسط ومأساة احتلال العراق. إن مدينة «نيو أورلينز» هي مدينة هامة للحياة الأمريكية؛ فأكثر من ٢٠% من تجارة أمريكا تمر عبر موانئ هذه المدينة، و٢٥% من المنتجات البترولية الأمريكية تتدفق عبر خطوط الأنانيب التي تمر خلالها، ومحطات التنقية والتصفية وتصنيع المنتجات البترولية التي تنتشر حول المدينة. ويبلغ سكان منطقة «نيو أورلينز» نحو ١.٤ مليون شخص، بينما يسكن المدينة نفسها حوالي نصف مليون نسمة، وتبلغ نسبة السود من بينهم ٦٧% من إجمالي عدد السكان، ويعيش ٣٠% منهم تحت خط الفقر. ١ - الفساد: «نيو أورلينز» هي إحدى مدن اللهو والمجون الأمريكي، وتعرف بكازينوهات القمار المنتشرة في المراكب التي تبحر في نهر الميسيسبي الذي يخترق المدينة إلى شارع «بوربون» الذي اشتهر بمحلات بيع الهوى والرذيلة. ومن المفارقات الملفتة للنظر أن إعصار «كاترينا» قد دمر المدينة قبل يومين فقط من احتفال سنوي ومهرجان عام للشواذ في أمريكا يسمى «الانحلال الجنوبي» Southern Decadence، وهو مهرجان بدأ منذ عام ١٩٩٧م تدعو فيه المدينة الشواذ من مختلف أنحاء الولايات المتحدة لتمضية عدد من الأيام للاحتفال وممارسة الأفعال الفاحشة في شوارع المدينة وطرقاتها طوال أيام المهرجان. وقد كان الموعد المقرر لمهرجان هذا العام هو من ٣١ أغسطس إلى ٥ سبتمبر (أي بعد يومين فقط من الإعصار) ، وكان من المتوقع أن يحضره ١٢٥.٠٠٠ ألف شاذ من كافة أنحاء أمريكا وخارجها (٢) . كما اشتهرت «نيو أورلينز» باحتفال ومهرجان صاخب آخر منذ عام ١٨٣٧م، تنتهك فيه الكثير من القواعد الأخلاقية كل عام يسمى ماردي جرا (Mardi Gras) وهي كلمة فرنسية تعني الثلاثاء المتخم أو السمين. كان هذا المهرجان يقام في المدينة في نهاية شهر فبراير من كل عام. وأصبح مما يميز هذا الاحتفال الماجن انتشار الخمور وممارسة الرذائل علناً بين الرجال والنساء. واشتهر هذا المهرجان بشيء خاص به، وهو عادة قبيحة انتشرت في الأعوام الأخيرة، حيث تقوم النساء بكشف الجزء الأعلى من أجسادهن من أجل أن يراه المارة ويلتقطون له الصور. وللأسف فالأمر ليس منتشراً بين الساقطات أو الداعرات فقط من النساء، ولكن الأمر تخطى ذلك في الأعوام الأخيرة ليشمل الكثير من زوار المدينة أيضاً، وأصبحت هذه الظاهرة سمة مميزة للمهرجان وللمدينة أيضاً، وأصبح هناك مصطلح خاص باللغة الإنجليزية بتلك الظاهرة أيضاً، وهو «فلاشنج» Flashing. ٢ - الجريمة: عُرفت مدينة «نيو أورلينز» بأنها إحدى عواصم الجريمة في الولايات المتحدة. فالفساد المالي كان منتشراً بين قيادات المدينة، ومعدلات القتل فيها تزيد عن عشرة أضعاف متوسط معدلات القتل في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي العام الماضي كان عدد القتلى في «نيو أورلينز» يساوي نصف عدد القتلى في مدينة نيويورك رغم أن نيويورك يقطنها ٨ ملايين شخص مقارنة بمدينة «نيو أورلينز» التي يبلغ عدد سكانها (بدون الضواحي) نصف مليون فقط. وقد تعود سكان المدينة على إطلاق الرصاص وممارسة القتل في مدينتهم لدرجة أن عدداً من الباحثين قاموا بإطلاق أكثر من ٧٠٠ طلقة نارية فارغة في أحد أحياء المدينة، ولم يهتم أي من سكانها بإبلاغ الشرطة أن هناك طلقات نارية في الحي، وكأن الأمر معتاد عليه (١) . كما أن المدينة عُرفت بالمخدرات وجرائم الاغتصاب والسرقات، وطائفة أخرى من الجرائم التي ارتبطت بالفقر والفساد الأخلاقي معاً. وفي آخر إحصاء أجرته الولاية عن سوء حال المدارس وجد أن ٥٥ مدرسة من أسوأ ٨٧ مدرسة على مستوى الولاية هي مدارس في مدينة «نيو أورلينز» . وفي دراسة أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي عن معدل الجرائم في المدينة، وجد أن المدينة تتجاوز معدلات معظم الجرائم في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي عام واحد وهو العام الماضي (٢٠٠٤م) كان بالمدينة أكثر من ٢٧٤ حادثة قتل، و ٢١٣ اغتصاباً، ٢٠٧١ سرقة بالإكراه، ٢٠٣٨ هجوماً مسلحاً، و٦٨٧٢ حادثة سرقة سيارة، وأكثر من ١٢٧٢٦ حادثة سرقة (٢) ، وتعد كل هذه الأرقام أعلى بكثير من المعدلات الأمريكية للمدن الشبيهة بهذه المدينة. والغريب أن كارثة «كاترينا» لم تخفف من حدة النزوع إلى الجريمة في المدينة؛ فعندما لجأ سكان المدينة إلى الملعب الرياضي Superdome هروباً من الفيضان الذي اجتاح المدينة، وتمهيداً للخروج منها، حدثت ٦ جرائم قتل في ذلك المكان، وأكثر من ١٢ حالة اغتصاب تم الإبلاغ عنها لسلطات الأمن خلال تلك الأيام القليلة. وذكرت إحدى الناجيات وهي (إفريكا برومفيلد) أن: «هناك عمليات اغتصاب تتم هنا. النساء لا يمكنهن الذهاب الى المرحاض بدون الرجال. إنهم يغتصبونهن ويقطعون رقابهن وهم يقولون لنا إن الحافلات قادمة ولكنها لا تغادر أبداً» . ٣ - النفط: لقد أدى الإعصار إلى إقفال ٧١١ منصة أو بئراً نفطية في خليج المكسيك. وبعد خمسة أيام على مرور الإعصار على منطقة جنوب الولايات المتحدة توقف إنتاج ٨٨.٥٣% من النفط الخام في منطقة خليج المكسيك، وهو ما يمثل ربع الإنتاج العام للبلاد. وقد تتجاوز قيمة الأضرار المئة مليار دولار حسب تقديرات شركة «ريسك مناجمنت سولوشنز» المتخصصة. أما وقف العمل فيعني خسارة ما يزيد عن ١٠٠ مليون دولار يومياً من الأرباح. «فإنتاج النفط في خليج المكسيك يشكل نحو ٣٠%، وإنتاج الغاز الطبيعي يقارب ٢٠% من إجمالي إنتاج الولايات المتحدة. ونحو ٦٠% من واردات أمريكا النفطية تصل إلى موانئ خليج المكسيك. وما يقارب نصف مصافي النفط الأمريكية موجود هناك. وقد ضرب إعصار كاترينا هذا النظام الضخم بقوة، وبينما اقترب إعصار كاترينا، جرى إخلاء المئات من منصات الإنتاج في المنطقة، بحيث أغلقت ٩٥% من إنتاجه النفطي و٨٨% من إنتاجه من الغاز الطبيعي. والمصافي التي تمثل ثُمْنَ إجمالي عدد المصافي في الولايات المتحدة إما أنها توقفت، وإما أنها خفضت من تشغيلها» (٣) . إن أمريكا التي تسعى للسيطرة على منابع النفط العالمية، وتدفع بأبنائها وشعوب العالم الأخرى إلى حروب دموية من أجل الحصول على المزيد من النفط، لا تستطيع أن توقف إعصاراً ربانياً يهدد البنية التحتية النفطية في الدولة بأكملها، ويجبر الولايات المتحدة على البدء في استهلاك المخزون الاستراتيجي من النفط الأمريكي، وهو ما لم يحدث طوال أكثر من ثلاثين عاماً. ولذلك ليس من الغريب أن يتبع إعصار «كاترينا» إعصار آخر وهو «ريتا» ليهاجم معقلاً آخر من معاقل المصافي البترولية ليوقفه أيضاً في جنوب تكساس في كل من مدينة جالفستون وكذلك مدينة هيوستن، ولله ـ تعالى ـ في هذا الكون تدبير عجيب. والرسم المرفق يوضح درجة التطابق بين مسار إعصار «ريتا» وبين مواقع مصافي البترول ومعامل التكرير الأمريكية في تلك المنطقة التي أصابها الإعصار. إن هذه الثلاثية ـ التي تميز مدينة «نيو أورلينز» ، والتي تجمع بين انتشار الفساد الشخصي والجرائم المنظمة العامة في المدينة، وبين وجود النفط الذي ترتكب بسببه أمريكا الكثير من الجرائم في العالم ـ قد تقدم تفسيراً مقبولاً لمن يعتقدون أن ما حدث بسبب إعصار «كاترينا» هو عقاب إلهي. ولهذا حديث آخر في هذه الدراسة، ولكن المفارقة ملفتة للنظر بلا شك. أما المفارقة الأخرى فهي المقارنة الحضارية بين تصرفات الشعب الأمريكي عندما أصابته كارثة الإعصار مع شعوب آسيا التي أصيبت بكارثة التسونامي، وأعقبها مؤخراً الزلزال الكبير الذي أصاب الهند وباكستان في أكتوبر من عام ٢٠٠٥م. - الفوارق الحضارية بين أمريكا وآسيا: ما حدث بسبب إعصار «كاترينا» كان غريباً في نظر الكثير من أبناء العالم. كان الجميع يشارك في نهب «نيو أورلينز» بينما العاصفة تقتل المئات من سكان المدينة، والرئيس الأمريكي يرفض أن يقطع إجازته السنوية.. ويعزف الموسيقى في وقت سقوط الكارثة على سماء «نيو أورلينز» وهو يستلم هدية عبارة عن جيتار موسيقي يقوم بالعزف عليه في مرح وتكلف ظاهرين بينما يموت أبناء «نيو أورلينز» في اللحظات نفسها بتأثير الإعصار والفقر معاً. لا يستطيع الإنسان أن يتجاهل الفوارق الحضارية التي أظهرتها المقارنة مع كارثة التسونامي التي عصفت بأكثر من ١١ دولة من دول جنوب آسيا، وتسببت في كارثة تفوق مرات عديدة حجم كارثة «كاترينا» و «ريتا» ، وحتى ما حدث مؤخراً في زلزال باكستان. لقد ظهرت الشعوب الآسيوية بشكل أكثر حضارة وتماسكاً رغم الفقر الشديد وانعدام الإمكانات التقنية أو الطبية التي كان من شأنها التخفيف من حدة الكارثة. لقد تسبب تسونامي في مقتل مئات الآلاف من البشر، ولكنه ساهم أيضاً في تحقيق الترابط والتعاطف بين الناجين. أما في أمريكا فقد تسببت الكارثة في مقتل المئات، ولكنها أثارت النزعات الفردية بين الناجين، وظهر وجه قبيح من الأنانية والفردانية والنفعية التي تسعى لاستغلال كل شيء حتى المآسي والكوارث من أجل المنفعة الفردية. وفي مقارنة حضارية تعكس قلق المفكرين الأمريكيين من الوجه القبيح الذي أظهرته تلك الكارثة، يذكر الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف تعليقاً بالغ القسوة فيقول: «إن عمليات السلب والنهب كانت واحدة من الأشياء المثيرة للإحباط وخيبة الأمل. وقد سبق لي تغطية زلزال «كوبي» باليابان عام ١٩٩٥م، والذي قتل حوالي ٥٥٠٠ شخص. حاولت خلال تلك التغطية البحث عن أي مؤشر يدل على ارتكاب سلوك إجرامي وفي نهاية الأمر عثرت على شخص من سكان المنطقة شاهد ثلاثة أشخاص يسرقون الطعام. سألته ما إذا كان يشعر بالحرج إزاء ممارسة أشخاص يابانيين لمثل هذا السلوك، فأجابني إن الذين سرقوا لم يكونوا يابانيين وإنما أجانب» (١) . إن المقارنة مع دول العالم الفقير كانت في غير صالح الدولة الأكثر قوة في العالم. فرغم أن سيريلانكا مثلاً كانت في حالة حرب بين الجيش الموالي للدولة، وبين «نمور التاميل» الانفصاليين، فإن الطرفين اتفقا فور حدوث كارثة التسونامي على إيقاف القتال حتى يتم إنقاذ الفقراء والضعفاء. وحدث الشيء نفسه بين الهند وباكستان مؤخراً من جراء الزلزال الذي أصاب منطقة كشمير. وعند مقارنة التصرفات على مستوى القيادات المدنية بتلك المدن التي أصابها التسونامي مع تصرفات قادة أمريكا يظهر أن ردة فعل هؤلاء القادة الآسيويين كانت أفضل بمراحل من رد فعل قيادات مدينة «نيو أورلينز» . فقد اقتحم «ماورادي نور الدين» وهو عمدة مدينة «باندا أخيه» الإندونيسية أحد محلات البقالة عقب كارثة التسونامي لا ليسرق أو ينهب كما حدث في لويزيانا، وإنما ليوفر الطعام لسكان المدينة من الناجين من الكارثة. أما في «نيو أورلينز» فقد نقلت وكالات الأنباء صور ضباط الشرطة وهم يشتركون في نهب المتاجر والمحلات، وانتشر في المدينة اغتصاب النساء والأطفال والقتل على مرأى من قوات الشرطة، بل إن محلات الأسلحة قد سرقت، واستخدمت الأسلحة التي كانت بها لإطلاق النيران على طائرات الإنقاذ القادمة لإيقاف النهب والسرقة التي كانت الشغل الشاغل لبعض من نجا من الموت في المدينة (٢) . كان ما حدث في «نيو أورلينز» إدانة دامغة للثقافة النفعية الأمريكية وللغلو في الاهتمام بالفرد على حساب المجتمع. إن ما يحدث في أمريكا من تبعات كارثة «كاترينا» و «ريتا» وما قد يتبعهما من أعاصير وكوارث طبيعية أخرى يكشف عن أمراض اجتماعية خطيرة في المجتمع الأمريكي، ويشير بما لا يدع مجالاً للشك أن الحضارة الإنسانية توشك أن تغادر الغرب في انتقالها وعودتها إلى مهدها في الشرق من جديد. وقد عبر عن ذلك أحد المفكريين الأمريكيين عندما قال: «لقد اجتاز القائمون بأعمال السلب والنهب ذلك الخط الدقيق - وإن كان أساسياً - في الفصل بين المتحضرين والهمجيين» (١) . - وجه قبيح للحضارة: أظهرت كارثة «كاترينا» أيضاً درجة الانقسام العرقي بين الشمال والجنوب، وبين الأبيض والأسود، وبين الفقير والغني في الولايات المتحدة الأمريكية. ويصف المفكر الأمريكي المعروف (بول كينيدي) ما حدث أنه كارثة أخلاقية فيقول: «لقد كان إعصار كاترينا كارثة وطنية، ولكن ما حدث في الواقع هو أنه ضرب الأميركيين بشكل غير متساوٍ، وحسب وضعهم في السلَّم الاجتماعي للأسف. إن المحافظين يحبون دائماً أن يكرروا مقولة «إن المد المرتفع يرفع جميع القوارب» ، ولكن المد المرتفع الذي غمر «نيو أورلينز» لم يفعل ذلك، بل إنه أغرق في الحقيقة العديد من القوارب الأكثر هشاشة» (٢) . إن العنصرية التي أظهرتها الأحداث الأخيرة في «نيو أورلينز» لم تظهر فجأة نتيجة الإعصار، ولكنها جزء لا يمكن تجاهله بعد الآن من التركيبة النفسية للمجتمع الأمريكي. وكما يذكر الكاتب الأمريكي (فيليب كينيكوت) ، فإن «هناك قضايا كامنة قام إعصار «كاترينا» بإطلاقها ليس إلا. لا أعتقد أن غالبية الأمريكيين يستطيعون تشخيص هذه الأعراض.. نعم! نحن نتحدث عن التعددية الثقافية، ولكن العنصرية الكامنة فينا منتشرة بصورة واسعة» (٣) . وحتى التغطية الإعلامية لما حدث من جراء الإعصار لم تكن عادلة، وفرقت بين الأبيض والأسود بشكل مقزز أظهر حقيقة العنصرية التي ما زالت مستشرية في المجتمع الأمريكي. وكان من أهم الأحداث التي أظهرت العنصرية في التغطية الإعلامية صورتان نشرتهما وكالات الأنباء العالمية بعد الإعصار مباشرة. في كلا الصورتين يظهر شخص يحمل معه بعض الطعام وهو يسير في الماء محاولاً النجاة من الغرق. الفارق أنه في الصورة الأولى كان الشخص أسود، أما في الصورة الثانية فقد كان الشخص أبيض البشرة. وما لفت أنظار المراقبين الإعلاميين أن التعليق على الصورة الأولى (عن الشخص الأسود) ـ وقد صدر عن وكالة الأسوشيتد برس الأمريكية ـ كان يقول: «شخص يحاول السير في المياه إلى مستوى الصدر بعد أن سرق طعاماً من أحد المحلات..» . أما التعليق على الصورة الثانية (عن الشخص الأبيض) وقد صدر عن المكتب الأمريكي لوكالة الأنباء الفرنسية فكان يقول: «شخصان يحاولان السير في المياه إلى مستوى الصدر بعد أن وجدا خبزاً ومشروباً من أحد المحلات» . فرغم أن الصورتين تعكسان نفس الموقف، والتعليق متشابه في معظم الكلمات، إلا أن الأسود اتهم بسرقة الطعام، بينما وصف الأبيض أنه قد وجد طعاماً. لقد أثارت الصورتان ضجة إعلامية كبيرة اضطرت وسائل الإعلام عقبها إلى الاعتذار عنها، وحذف الصور من المواقع الإليكترونية التي عرضت فيها، ولكن ذلك لن يحذف المشاعر التي تسببت في هذه العنصرية، أو المشاعر التي أوذيت بسببها. - تقاعس الدولة.. ومؤشرات الهبوط: تساءل عدد من المفكرين الأمريكيين والأوروبيين عن معنى ما حدث في «نيو أورلينز» وعلاقته باستمرار واستقرار الدولة الأمريكية. ويتساءل أحدهم قائلاً: «هل حقاً أن الولايات المتحدة بدأت تأخذ منحنى الهبوط؟ وإذا لم يكن باستطاعتها أن تحمي نفسها فأنَّى لها أن تتطلع إلى قيادة الآخرين؟ كتبت صحيفة لوموند اليومية الفرنسية تقول: إنه على الرغم من الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية التي سارعت أميركا بنشرها في الخارج إلا أن القوة العظمى وقفت عاجزة عن التعامل مع كارثة داخلية بهذه الصورة. وراحت الصحيفة تستطرد متسائلة: هل يعقل أن تنفق الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات على حرب العراق في الوقت الذي تعجز فيه عن توفير الحماية لمواطنيها في الداخل؟» (٤) . لقد عجزت الإدارة الأمريكية عن سرعة التعامل مع كارثة الجثث التي انتفخت وطفت على وجه الماء في شوارع «نيو أورلينز» وشاهد العالم عبر شاشات الفضائيات بعض الجثث والفئران تقضمها، وبقي أكثر من عشرين ألفاً في الأستاد الرياضي Superdome أربعة أيام بين أكوام القذارة والرائحة النتنة دون أن تصلهم حافلات لنقلهم وإيوائهم. لقد انفعل من جراء كل ذلك رئيس بلدية «نيو أورلينز» فقال معلقاً على ولع الحكومة الفيدرالية بالتغطية الإعلامية وليس بإنقاذ المدينة: «بدل الغذاء يطعمون الشعب سطوراً من الخداع الإعلامي.. عار أمريكا أن الخبر أصبح يفوق الغذاء أهمية، وأن التسابق على الصورة يسبق التسابق على تزويد المرضى بالدواء، وتنظيم البث أسهل من ترتيب أمر الإيواء. إن هذا المشهد ليفيض حتى على الفيضان» . - هل «كاترينا» لعنة أو عقاب إلهي؟ اهتم الكثير من المتدينين في العالم سواء من المسلمين أو من غيرهم بالإشارة إلى أن ما حدث لمدينة «نيو أورلينز» قد يكون عقاباً إلهياً بسبب فساد المدينة وانتشار الرذائل فيها من ناحية، أو عقاباً لأمريكا على عدوانها على شعوب العالم من ناحية أخرى. وأفردت لذلك الصفحات في الجرائد والمجلات والمواقع الإليكترونية. ولم يقتصر الأمر على المسلمين فقط كما يحاول أنصار التيارات العلمانية في العالم العربي تصوير الأمر، وكأنه شيء انفرد به أبناء الإسلام، وإنما انتشرت مثل هذه الكتابات والتحليلات بين التيارات المحافظة والمتدينة في أوروبا وأمريكا وحتى في الكيان الصهيوني الذي اعتبر ما حدث في «نيو أورلينز» عقاباً إلهياً على سماح أمريكا بإجلاء المستوطنين اليهود من غزة. فقد ذكر الكاهن «أوفيدا يوسف» الزعيم الروحي لحزب «شاس» اليهودي في خطابه الأسبوعي عقب إعصار «كاترينا» أن (جورج بوش) كان وراء إجلاء ١٥.٠٠٠ من المستوطنين [في غزة] ، وأن العقاب الإلهي جاء بإجلاء ١٥٠.٠٠٠ من الشعب الأمريكي (في إشارة إلى (نيو أورلينز) . كما ذكر الكاهن أن العقاب قد حل بتلك المدينة أيضاً أو تحديداً بسبب تحلل المعايير الأخلاقية فيها (١) . أما «مايكل ماركافاجي» وهو رئيس منظمة «توبي يا أمريكا» Repent America، فقد ذكر أنه «رغم الحزن الشديد لفقدان الأرواح [في كارثة «كاترينا] ، فإن الإله قد دمر مدينة فاسدة.. إن «نيو أورلينز» مدينة قد فتحت ذراعيها للاحتفال الشعبي بالمعصية. وقد يخرج من أنقاض هذا الدمار مدينة جديدة طاهرة.. ولا بد أن نصلي ونعاون ضحايا هذه الكارثة، ولكن لا ينبغي أن ننسى أن سكان مدينة (نيو أورلينز) كانوا متسامحين ومرحبين بشيوع الرذائل في مدينتهم لمدة طويلة» (٢) . وأما المسلمون فهم يعلمون أن كل ما يحدث في الكون إنما يحدث بتدبير الخالق ـ جل وعلا ـ الذي يقول في كتابه الكريم: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ، وأن كل قطرة ماء أو سحابة أو ريح أو ما أشبه ذلك فإنها كلها تحدث بسبب ظواهر طبيعية يمكن معرفتها علمياً، ولكنها في النهاية تخضع لأوامر الخالق جل وعلا، فتصيب من يشاء ـ سبحانه ـ بالعقاب، وتمطر الخير لمن يشاء. لذلك فلا عجب أن يكون المطر خيراً لقوم، وعقاباً لآخرين. لا يملك أحد أن يقطع بحكمة الله فيما أصاب تلك المدينة فهذا أمر الله، وهو أعلم بحكمته، ونحن لا نستطيع أن نجزم أن هذا عقاب الله؛ فنحن لا نحيط بقدرته ولا بقوته ، ولكننا جازمون أن كل ما يجري في هذا الكون خاضع لله القدير الحكيم، وهو الذي أخبرنا عن عقابه لمن يستكبرون في الأرض، ويظلمون الخلق: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] . وكما أننا لا نستطيع أن نجزم أن ما حدث كان عقاباً إلهياً، فنحن بالمقابل لا نستطيع ان نجزم أنه لم يكن كذلك. ما المانع أن يعاقب الله ـ تعالى ـ أقواماً بالريح أو ما دونها إن أراد ذلك لسبب يعلمه هو ؟ كيف نجرؤ على القطع بمعرفتنا بحكمة الله سواء عند توقيع العقاب، أو عند ابتلاء الشعوب؟ إن من المهم أيضاً ألا يقع العقلاء فيما يحاول أنصار أمريكا ودعاة التحرر من الأديان أن يجبروا الشعوب على قبوله أو يخيفوها من الجهر بما يخالفه، ألا وهو إنكار أن ما يحدث من أحداث الكون يمكن أن يكون عقاباً أو مكافأة إلهية. يسعى هؤلاء إلى الهجوم الشديد على كل من يطرح فكرة أن أمريكا أو غيرها من الدول أو الشعوب يمكن ان تعاقَب عقاباً إلهياً بالمطر أو الريح أو البراكين أو ما أشبه ذلك. ولسان حال هؤلاء هو موقف الإنكار نفسه الذي ذكره الله ـ تعالى ـ عن قوم عاد عندما شاهدوا السحب تتجمع في السماء فلم يصدقوا أنها يمكن أن تكون عقاباً لهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] . لقد كانت الريح عبارة عن عذاب أليم لهم ولغيرهم من الأمم التي خلت؛ فلماذا نستكثر على الله ـ تعالى ـ أن يعاقب شعباً ما أو دولة ما بنوع العقاب نفسه لعلهم يرجعون؟ أم أن النفوس قد انشغلت بالانبهار بأمريكا أو الخوف منها حتى أصبحت لا تقدر على تخيل أن يعاقبها الله تعالى؟ لقد جاءت الآيات التالية من السورة لتشرح أن الفهم والسمع والأبصار قد لا تعين أصحابها إذا أصروا على الاستكبار والمعاندة. فيقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] . - حقيقة الكارثة: «لَكَمْ هو مفجعٌ أن نرى أميركا وقد أصبحت لا حول لها ولا قوة؛ فهي لم تعد كما كانت عليه في السابق ولا تستطيع حتى أن تنقذ أبناء شعبها؛ بينما هي تحاول من ناحية أخرى أن تقود زمام العالم؟» (١) كانت هذه هي عبارات «بولين سيكام» أحد المسؤولين في الحكومة الفلبينية في لقائه مع صحيفة «نيويورك تايمز» . إنها تلخص حقيقة الكارثة التي أسفر عنها إعصار «كاترينا» . لقد سقطت هيبة الحكم الأمريكي بسبب هذا الإعصار. كما أن الأحداث أظهرت الخلل الكبير والكارثي الذي يمر به المجتمع الأمريكي. ويعبر عن ذلك أحد الكتاب الأمريكيين قائلاً: «هناك جميع أنواع المساومات التي يتباحث حولها الأغنياء أو ذوو النفوذ في أي مجتمع مع الفقراء.. من خلال الخبز أو السيرك أو الصدقة، أو الوعد بأن الجميع سينجون. الصفقة هي: لا تسببوا لنا أية مشاكل وسنعتني بكم. ولكن الإمبراطوريات تنهار عندما يصبح العرض خاوياً، وكأنه يقول: لن نعتني بكم، أو: لا نستطيع أن نعتني بكم.. أو: نحن لم نعد بحاجة لكم ولم نعد نخشاكم. وقد بلغنا هذه النقطة هنا» (٢) . فقد أصبح اليوم هناك أميركتان داخل الولايات المتحدة: بلد العالم الأول الذي يرفل في ثوب الرفاهية، وتلك التي تنتمي إلى العالم الثالث حيث المعاناة من شظف العيش والأوضاع المزرية التي تتوارى عن أعين وأقلام الصحفيين. وتبقى الحقيقة أن غض الطرف عن الواقع لا يعني مطلقاً أنه غير موجود وإهمال المشكلة ليس مرادفاً لحلها (٣) . - معنى انهيار المدن: إن ما حدث لمدينة «نيو أورلينز» ليس مجرد إعصار أصاب مدينة، ولكنه إعصار أظهر للعالم أجمع مشكلات حضارة. قد لا تستطيع «نيو أورلينز» أن تعود أبداً إلى سابق عهدها رغم المليارات التي ستنفق على محاولة القيام بذلك؛ فمشكلة المدينة هي أن سكانها قد فقدوا الرغبة في العودة إليها، كما أن خبراء بناء المدن يقولون إن العامل الأهم في قدرة المدينة على أن تعيد إحياء نفسها ليس مدى الدمار الذي حاق بها، ولكنه الاتجاهات السائدة فيها من قبل الدمار. لقد أتت النار على معظم مدينة شيكاغو عام ١٨٧١م ودمر الزلزال والحرائق مدينة سان فرانسيسكو عام ١٩٠٦م، ولكن المدينتين كانتا في صعود دائم قبل الكوارث التي ألمت بهما. ولذلك ففي الوقت الذي كان الحطام فيهما لا يزال يحترق، كان المقاولون يحصلون على القروض ليعيدوا البناء. المدن ليست أبدية؛ فهي كائنات تتطلب توازناً مناسباً من العناصر المكونة لها كما يقول الكاتب الأمريكي (جوناثان آلتر) . والتاريخ مليء بركام المدن البائدة، وإن كانت «بومبيي» الرومانية هي من بين المدن الكبرى التي زالت بفعل كارثة طبيعية، فإن أغلب هذه المدن قد فنيت؛ لأن الحضارات التي كانت تقطنها فقدت بوصلتها الأخلاقية - فقدت روحها - ومعها تلاشت قدرتها على أن تبدع وتجدد وتعيد البناء. يقول المؤرخ (لويس ممفورد) في رائعته «المدينة عبر التاريخ» The City in History إنه عندما تتراكم عوامل الفناء العفوية فإن مدينة الموتى تكون قريبة، وإن لم يسقط أي حجر (٤) . لقد لخصت الكاتبة الأمريكية (روزا بروكس) حقيقة المشكلة التي تواجه المثقفين في أمريكا عندما قالت: «إن ما حدث بسبب إعصار كاترينا هو كارثة حقيقية على مدينة «نيو أورلينز» ، ولكن الأمر الأشد خطورة ووضوحاً هي ما تقوله هذه الكارثة عن واقع ومستقبل الولايات المتحدة الأمريكية» . واختتمت الكاتبة مقالها بعقد مقارنة أخرى بين أمريكا اليوم وبين الإمبراطورية الرومانية بالأمس.. فقالت: «كان نيرون يعزف الكمان بينما كانت روما تحترق.. ربما لم يكن الرئيس بوش، الذي ليس له ذكر كبير في الأعمال الكلاسيكية يفكر في هذا عندما وقف أمام الكاميرات يوم كانت العاصفة «كاترينا» تدمر مدينة «نيو أورلينز» وهو يعزف على جيتار قُدِّم له من المطرب الأمريكي (مارك ويللز) . وبينما كان بوش يستمتع بعطلته ويعزف على جيتاره الجديد، كانت مدينة كبيرة تدمرها المياه وليس الحرائق. إن عزف نيرون الشهير على الكمان ما زال - بعد ألفي عام من موته - حكاية لها رمزيتها ودلالتها عن القيادة اللامبالية والمتمحورة حول الذات في أوقات الأزمات. وسلوك بوش الغريب في اللعب على الجيتار في وجه دمار «نيو أورلينز» قد يحكم عليه بمصير مماثل» (٥) .
следующие страницы →