← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

الصراع السكاني على أرض فلسطين هل يحسم لصالح الفلسطينيين؟ د. يوسف إبراهيم لم يكن الصراع بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني صراعاً عادياً، وإنما أخذ هذا الصراع أبعاداً خطيرة تمثلت في الصراع على الأرض، وانتزاعها من أصحابها الأصليين، والسيطرة عليها بكافة الوسائل والطرق. ومع بدايات ظهور هذا الصراع في أوائل سنوات القرن العشرين استطاع اليهود الوصول إلى فلسطين ضمن التسهيلات التي أعطيت لهم من حكومة الانتداب البريطاني التي قدمت لهم المساعدات الكثيرة والمتنوعة من أجل الحصول والسيطرة على كثير من الأراضي الفلسطينية، وتدريب اليهود على السلاح. ولم يستطع اليهود إعلان دولتهم إلا بعد أن اكتمل العدد الكافي من المهاجرين إلى فلسطين؛ ومن هنا بدأ الصراع يظهر على الأرض، وأخذ في نهايته شكل الصراع السكاني؛ حيث شجعت بريطانيا اليهود على الهجرة إلى فلسطين وإعطائهم الامتيازات والتسهيلات. والجدول التالي يكفي لإعطاء صورة التوزيع الجغرافي للفلسطينيين واليهود على أرض فلسطين التاريخية؛ حيث لم يكن لليهود وجود سوى ٨% من عدد السكان، ارتفع إلى ٣١.٥% في عام إعلان الكيان الصهيوني لدولة اليهود: ومن هنا تبلور جوهر الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي الذي جرى على أرض فلسطين منذ قيام الحركة الصهيونية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان صراعاً استهدف انتزاع الوطن الفلسطيني وإفراغه من الوجود العربي لصالح الوجود الصهيوني، وفي الجانب الآخر تحدد الهدف بالمحافظة على الوجود السكاني للشعب الفلسطيني بكافة مقومات الوجود العربي السياسية والأيديولوجية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية. ومن هنا فإن كافة أطراف الصراع بدأت بتبني الخطط والبرامج والسياسات الاقتصادية منها والاجتماعية لتحقيق الأهداف التي يسعى الكل لها؛ فالطرف الإسرائيلي يسعى إلى حسم المعركة السكانية لصالحه عن طريق تشجيع الهجرة إلى فلسطين، وعن طريق تشجيع الأُسر بزيادة عدد أفراد أُسرهم؛ وذلك بتقديم كثير من المساعدات والهبات وتقديم المنح لهذه الأُسر، والجدول التالي يوضح حجم الهجرة اليهودية لفلسطين قبل إعلان دولة الكيان الصهيوني: وفي الطرف الفلسطيني ظهرت المقاومة المسلحة لوقف زحف واستيلاء اليهود على الأراضي الفلسطينية، ونشر الوعي الاجتماعي والثقافي بين أفراد الشعب الفلسطيني، وحثهم على المقاومة والصمود في وجه الطغيان الصهيوني للسيطرة على الأراضي الفلسطينية؛ فعندما صدر وعد بلفور عام ١٩١٧م وُضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني من عام ١٩١٨م حتى عام ١٩٤٨م، حيث تم تقديم التسهيلات اللازمة لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وبدأ اليهود بالتدفق بالآلاف، وارتفع عددهم من حوالي عشرة آلاف شخص في منتصف القرن التاسع عشر إلى ما يقرب من ٦٢,٥ ألف شخص عند بداية الانتداب البريطاني، وإلى ما يقرب من ستمائة وخمسين ألف شخص عند نهاية الانتداب المذكور عام ١٩٤٨م؛ وبذلك ارتفعت نسبة اليهود إلى مجموع عدد السكان في فلسطين من ٨,٣% عام ١٩١٩م إلى ٣١,٥% في ١٥/٥/١٩٤٨م. وقد كان أول تقدير لعدد سكان فلسطين في القرن العشرين في فترة الحكم العثماني؛ حيث أعلن في عام ١٩١٤م ـ وهي السنة التي نشبت فيها الحرب العالمية الأولى ـ أن عدد سكان فلسطين هو ٦٨٩,٢٧٥ نسمة منهم ٨% من اليهود. وبعد خضوع فلسطين للانتداب البريطاني أصبح عدد سكان فلسطين حسب التقدير الرسمي ٦٧٣,٠٠٠ منهم ٥٢١,٠٠٠ من المسلمين و٦٧,٠٠٠ من اليهود و٧٨,٠٠٠ من المسيحيين و٧٠٠٠ من المذاهب الأخرى (١) . وقد نجم عن نكبة فلسطين وإعلان قيام دولة اليهود تشريد القسم الأكبر من السكان الأصليين العرب؛ حيث تركوا منازلهم رغبة في النجاة بأرواحهم؛ نتيجة الوحشية التي اتبعها العدو الصهيوني في احتلاله للقرى الفلسطينية، وقد نجم عن هذه النكبة تقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق جغرافية: ـ أراضي عام ١٩٤٨م: وهي الأراضي التي احتلها اليهود بعد حرب عام ١٩٤٨م؛ حيث أقاموا دولتهم على هذه الأراضي، وقد شغلت ٧٦,٧% من مساحة فلسطين. ـ الضفة الغربية: وتشغل ٢٢% من مساحة فلسطين. ـ قطاع غزة: ويشغل ١.٣% من مساحة فلسطين. ولم يكتف العدو الصهيوني بأن تبقى رقعة دولتهم على أراضي ١٩٤٨م، وإنما قاموا بالعدوان على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة في عام ١٩٦٧م، وقاموا باحتلالها؛ وبذلك أصبحت فلسطين جميعها تحت السيطرة اليهودية، وعلى أثر هذا العدوان الجديد نزح العديد من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وانخفض عدد السكان في الضفة الغربية إلى ٥٨١,٧٠٠ نسمة، كما انخفض عدد السكان في قطاع غزة إلى ٩٣٧,٦ ألف نسمة، بينما كان عددهم قبل عام ١٩٦٧م مباشرة في حدود مليون وأربعين ألف نسمة (٢) . وتشير جميع الدلائل والمؤشرات إلى أن العدو الصهيوني يسعى جاهداً في مضايقة الشعب الفلسطيني، وإجباره على الرحيل من أراضيه؛ وذلك رغبة منه وطمعاً في أرض بلا سكان، وذلك لتحقيق ما يصبون إليه، واستمراراً لنظرية الصراع السكاني على أرض فلسطين، ويتضح ذلك من خلال الممارسات اليومية لهم من سحب هويات أبناء الشعب الفلسطيني، والاستيلاء على أراضيهم، وطردهم منها، واقتلاع الأشجار المثمرة، وإقامة المستوطنات على تلك الأراضي المصادرة، وكان آخر هذه الممارسات بناء جدار الفصل الذي التهم آلاف الدونمات، وشَرّد آلاف الفلسطينيين من قراهم. - التركيز على القدس: تنفذ الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة منذ احتلال القدس عام ١٩٦٧م سياسة هدفها تدعيم سيادة «إسرائيل» على القدس من خلال إيجاد أغلبية حاسمة لليهود في المدينة. كان الهدف المعلن لـ «إسرائيل» هو الحفاظ على ما تسميه بـ «التوازن السكاني» في القدس، والذي يعني بطبيعة الحال الحفاظ على أغلبية يهودية دائمة في القدس، ولكي يتحقق هذا الهدف تعمل «إسرائيل» على مدار سنوات طوال على زيادة أعداد اليهود في القدس الشرقية من ناحية، ودفع الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية إلى مغادرة المدينة من ناحية أخرى، ومن الوسائل التي تتبعها «إسرائيل» لتحقيق ذلك: ـ التمييز المنظم والموجه ضد السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية فيما يتعلق بمصادرة أراضيهم؛ بزعم التخطيط والبناء على أسس قانونية منظمة، وفي المقابل نجد عمليات بناء واسعة النطاق واستثمارات ضخمة بهدف إنشاء أحياء سكنية لليهود في القدس الشرقية، لعل آخرها مستوطنتا: رأس العامود، وجبل أبو غنيم. ويترتب على هذه السياسة وجود نقص حاد يصل إلى آلاف الشقق بين السكان الفلسطينيين. ونتيجة لعدم وجود بديل آخر يضطر المواطنون الفلسطينيون إلى مغادرة المدينة والبحث عن حلول أخرى للسكن خارج حدود مدينة القدس (٣) . ـ تخصيص الحد الأدنى من الاستثمارات في مجال البنى التحتية والخدمات؛ فقد صرح رئيس البلدية «أيهود أولمرت» في هذا الشأن بقوله: «المشكلة الأساسية التي تعاني منها القدس هي الهوة السحيقة بين البنى التحتية في شرق القدس من ناحية وغربها من ناحية أخرى؛ فحالة البنى التحتية في معظم أحياء القدس الشرقية سيئة، وقد بذلت حكومات «إسرائيل» في الثلاثين عاماً الأخيرة جهوداً محدودة وغير كافية في هذا المجال» . ـ رفض تلبية طلبات جمع شمل الأُسر التي قدمتها نساء فلسطينيات يسكنَّ في القدس من أجل أزواجهن الذين لم يقيموا معهن في القدس منذ عام ١٩٩٤م، ويترتب على هذا أنه لكي تقيم هذه النسوة مع أزواجهن يضطر عدد كبير منهن إلى مغادرة المدينة. وما زالت رغبة «إسرائيل» في فرض سيطرتها الواسعة على القدس وتثبيت سيادتها على كل أجزاء المدينة ـ قائمة ومتأججة أكثر مما كانت عليه في ظل اقتراب التفاوض من المرحلة النهائية من المفاوضات التي سيناقش خلالها «موضوع القدس» . فعلى سبيل المثال لا الحصر بعد نشر التقرير السنوي لمعهد القدس (ماخون يروشالايم) لعام ١٩٩٧م صرح رئيس بلدية المدينة (أيهود أولمرت) بأن «هذا التقرير يحوي أشياء لا أحبها، مثل الزيادة الطبيعية لدى السكان غير اليهود في المدينة» (١) . - إجراءات وزارة الداخلية «الإسرائيلية» ضد الفلسطينيين في القدس لطردهم منها: تعمل وزارة الداخلية في القدس الشرقية منذ شهر ديسمبر من عام ١٩٩٥م على تطبيق السياسة العامة لـ «إسرائيل» التي تستهدف الحد من أعداد الفلسطينيين الذين يقيمون في المدينة، وتتخذ الوزارة خطوات عدة في إطار تنفيذ هذه السياسة، ومن هذه الخطوات: ـ سلب حق المواطنة من سكان القدس الذين أقاموا سنوات عدة خارج حدود المدينة، ونتج عن هذا أن وزارة الداخلية طلبت من آلاف الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية مغادرة منازلهم. ـ يتم إلغاء حق المواطنة دون أن تتاح للفلسطيني الذي سلب منه هذا الحق إمكانية أن يطعن في القرار، وحتى إذا منح هذا الحق فهو حق شكلي فقط. ـ تطلب الوزارة بشكل متكرر من الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية أن يقدموا أمام موظفيها ما يثبت أنهم ما زالوا يقيمون في المدينة، ولكن الحصول على الإثبات المطلوب مسألة صعبة جداً؛ فالأشخاص الذين أقاموا في القدس الشرقية طوال حياتهم يصعب عليهم إثبات ذلك؛ فالمستندات تطلب من المواطن حتى إذا كان قد قدّمها منذ فترة وجيزة إلى الوزارة، ولكن ضمن طلب آخر. ـ رفض تسجيل الطفل الذي ولد لأبوين أحدهما من الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية في سجل المواليد، وكذلك رفض إصدار رقم قومي له، حتى لو كانت وزارة الداخلية قد اعترفت من قبل أن هذه الأسرة تقيم في القدس. ـ الامتناع التام عن قبول الطلبات الخاصة بجمع شمل الأسر، ويترتب على ذلك أن السكان الفلسطينيين في المدينة غير قادرين على الزيادة إلا في مجال الزيادة الطبيعية. والطريقة الوحيدة الآن التي يمكن من خلالها قبول طلب جمع شمل الأُسر هي إقامة دعاوى قضائية أمام «محكمة العدل العليا» الإسرائيلية. ومن أبرز الإجراءات التعسفية التي تطبقها وزارة الداخلية «الإسرائيلية» ضد السكان الفلسطينيين في القدس لدفعهم إلى تركها الإجراءات التالية (٢) : أولاً: إلغاء حق المواطنة: تنفذ وزارة الداخلية (الإسرائيلية) منذ شهر ديسمبر من عام ١٩٩٥م سياسة جديدة تقضي بأن أي فلسطيني من سكان القدس الشرقية لا ينجح في أن يثبت أمام وزارة الداخلية أنه يقيم في القدس في الوقت الحالي، وكان يسكن بها في السابق بشكل متواصل يمكن أن يفقد وللأبد حقه في أن يعيش في المدينة التي ولد فيها؛ فيصبح مضطراً تبعاً لذلك إلى ترك بيته، كما لا يعود في مقدوره الإقامة في القدس التي تخضع للسيطرة «الإسرائيلية» دون موافقات وتأشيرات خاصة، كما لا تتاح له إمكانية العمل في الأراضي الفلسطينية التي تخضع للمحتل «الإسرائيلي» ، بما في ذلك القدس، وتسلب منه كل حقوقه الاجتماعية التي يضمنها له سداده للضرائب المستحقة عليه، مثل: الانتفاع بخدمات التأمين الصحي، وغير ذلك. ويمكن القول إن إلغاء حق المواطنة بالنسبة للفلسطينيين من أبناء القدس يأتي نتيجة لتغيير في سياسات الحكومات «الإسرائيلية» في ضوء تطور مباحثات سلام الوضع النهائي مع الفلسطينيين. فقد بات واضحاً الآن أن سكان المدينة الذين ينتقلون للإقامة في المناطق الفلسطينية سيتم التعامل معهم كما لو أنهم انتقلوا للإقامة في دولة أخرى خارج «إسرائيل» ، ويمكن أن يلغى إلحاقهم في المواطنة خلافاً لما كان يحدث في الماضي؛ حيث لم يكن لذلك أي تداعيات على هذا الحق. وقد كان عدد السنوات السبع يبدأ من جديد بعد كل زيارة للقدس وتجديد تصريح الخروج، ولكن في ظل السياسات الجديدة فإن تجديد التصريح لا يقطع العد، ولا يحافظ على حق المواطنة (٣) . ثانياً: حق الطعن: أعلنت وزارة الداخلية «الإسرائيلية» في شهر يونيو من عام ١٩٧٧م أنه يحق لأي مواطن أن يطعن في قرار إلغاء حق المواطنة، وأن يقدم لوزارة الداخلية بيانات تناقض النتيجة التي توصلت إليها، وتزعم وزارة الداخلية بشكل دائم ومتواصل أن حق الطعن مكفول للفلسطينيين أبناء القدس الشرقية الذين أُلغي حقهم في المواطنة. والحقيقة هي أن هذا القول يفتقد الأساس الموضوعي؛ فحتى منتصف عام ١٩٩٧م اعتاد موظفو وزارة الداخلية إرسال خطابات للفلسطينيين أبناء القدس الشرقية الذين سلب منهم حق المواطنة، يبلغونهم فيها أنه ينبغي عليهم مغادرة البلاد خلال خمسة عشر يوماً مع أفراد عائلاتهم. وقد رفضت وزارة الداخلية صراحة أن توفر لهؤلاء الفلسطينيين أي إمكان لنقض القرار، زاعمة أن «حق المواطنة» قد «ألغي من تلقاء نفسه» ؛ من هنا ليس للموظف الذي أبلغهم بذلك أي دور للتدخل في الأمر. ثالثاً: إثبات «مركز الحياة» : تقضي المادة الحادية عشرة (ج) من قانون الدخول إلى إسرائيل بأن «صلاحية تصريح الإقامة الدائمة يلغى إذا ترك صاحب التصريح إسرائيل، وأقام خارجها» . وجاء في المادة الحادية عشرة (أ) أن المرء يبدو في نظر القانون أنه «أقام في دولة خارج إسرائيل إذا مكث خارج إسرائيل فترة تصل إلى سبع سنوات على الأقل، أو إذا حصل على تصريح بالإقامة الدائمة أو الجنسية في دولة أخرى» . تطلب وزارة الداخلية من الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية المتقدمين إليها لتقديم أي طلب من أي نوع أن يثبتوا أن «مركز الحياة» لم يتغير، وأنهم ما زالوا يقطنون في المدينة. وتحقيق الأدلة التي تطلبها وزارة الداخلية مسألة صعبة جداً؛ فحتى الأشخاص الذين يقيمون طوال حياتهم في القدس سيصعب عليهم الحصول عليها. ومن ضمن ما تطلبه وزارة الداخلية موافقات جهة العمل، وإيصالات سداد الضريبة العقارية، وإيصالات سداد استهلاك الكهرباء والمياه والهاتف منذ يوم الزواج، وعقد إيجار السكن وغير ذلك، وفي الحالة التي يسكن فيها الشخص في منزل والديه، وليس لديه عقد إيجار يصبح المطلوب منه أن يقدم شهادة خطية موقعة من محام تفيد بأنه يقيم هناك (١) . في ضوء هذا الواقع المرير من الصراع السكاني والصراع على الأرض انعكس عنه وجود تيارين متعاكسين من الهجرة؛ فالشعب الفلسطيني يُجبر على الهجرة من أراضيه في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ في حين نشهد هجرة يهودية من كافة أرجاء العالم إلى فلسطين، إلا أن هذه الصورة بدأت في السنوات الخمس الأخيرة تأخذ شكلاً أعنف من أشكال الصراع؛ حيث زاد اليهود من عمليات السيطرة على الأراضي في الضفة الغربية، وبدؤوا بتوسيع مستوطناتهم في الوقت الذي بدأ فيه الشعب الفلسطيني تعود له عافيته في الاستقرار والأمن، وبدأت جموع الشعب الفلسطيني بالعودة من خارج فلسطين إلى داخلها، وبدأت أعداد من العائدين والمستثمرين والقوات الفلسطينية بالعودة إلى فلسطين (الضفة الغربية + قطاع غزة) . وللوقوف على صورة المتغيرات السكانية ومدى أثر الهجرة عليها نرى أن المجموع الكلي لعدد السكان في فلسطين عام ١٩٨٦م (٥,٦ ملايين نسمة) منهم ٣,٥ ملايين نسمة من اليهود أي ما نسبته حوالي ٦٣ % من المجموع الكلي، والباقي من الفلسطينيين، أي ما نسبته ٣٧ % من المجموع الكلي، يقيم منهم في الضفة الغربية وقطاع غزة حوالي ٢٦ % من المجموع، بينما كانت نسبتهم ٣٢ % قبل نكسة حزيران عام ١٩٦٧م، وفي حدود ٥٣% بعد نكبة ١٩٤٨م مباشرة (٢) . ومع حلول عام ١٩٩٨م بلغ المجموع الكلي لعدد السكان في فلسطين (٨,٠٩ ملايين نسمة) منهم ٥٠,٥٠ ملايين نسمة من اليهود أي ما نسبته حوالي ٦٧,٩ % والباقي من الفلسطينيين أي ما نسبته ٣٢,١ % من المجموع الكلي، يقيم منهم في الضفة الغربية ١,٥٩٦,٤٤٢ نسمة و١,٠٠٠,١٧٥ مليون نسمة في قطاع غزة (٣) ، وخلال الأحد عشر عاماً الماضية استطاعت إسرائيل المحافظة على الميزان السكاني لصالحها على الرغم من ارتفاع نسبة النمو السكاني في الجانب الفلسطيني، ويرجع ذلك إلى موجات الهجرة في هذه السنوات، وخاصة بعد انتهاء المنظومة الاشتراكية، وتفكيك الاتحاد السوفييتي؛ وهو الأمر الذي استغله اليهود في ترحيل أعداد كبيرة منهم إلى دولة إسرائيل، إلا أن الأمور بدأت تنقلب، وخاصة بعد ظهور الهجرة العكسية بعد نشوب انتفاضة الأقصى. - هجرة عكسية ضخمة: كشفت مصادر إعلامية صهيونية عن تلقِّي شارون مؤخراً من «تسفي ليفني» وزيرة استيعاب المهاجرين معطيات تفيد بتراجع مكانة الكيان الصهيوني كهدف أول للمهاجرين اليهود؛ حيث كشفت المعطيات عن اختيار ١٨ ألفاً من يهود الاتحاد السوفييتي السابق الهجرة إلى ألمانيا خلال عام ٢٠٠٢م، بينما اختار ١٧ ألف يهودي فقط الهجرة إلى الكيان الصهيوني؛ مما يوضح تراجع مكانة الكيان كهدف أول لهجرة اليهود، وهذا مقابل تزايد نسبة الزيادة الطبيعية لفلسطينيي أراضي ٤٨م، وفلسطينيي الضفة والقطاع، بينما تقل نسبة النمو الطبيعي للسكان اليهود، وتتراجع نسبة الهجرة اليهودية التي تشكل القوة المضادة للنمو السكاني الفلسطيني المتزايد، وكل ذلك يجعل كفة الميزان السكاني تميل لصالح الفلسطينيين؛ وهو ما دفع شارون إلى عقد اجتماع سري لمناقشة انخفاض نمو اليهود، وتراجع الهجرة وإقرار مخطط لرفع تعداد الكيان الصهيوني إلى ١٥ مليون يهودي لمحاربة الزيادة السكانية للشعب الفلسطيني داخل الكيان وخارجه. وفي المقابل يحدث تزايد معدل الهجرة العكسية؛ حيث أظهرت آخر الإحصائيات الصادرة عن «مركز الإحصاء المركزي» الصهيوني في «هرتسليا» بالكيان العبري حول معدل سفر اليهود في صيف هذه السنة ـ ٢٠٠٤م ـ إلى دول أوروبية والولايات المتحدة أنه وصل إلى قرابة مليون ونصف مليون خلال شهري يوليو، وأغسطس الماضيين فقط. وقد أفادت مصادر أمنية غربية أن تردي الأوضاع الأمنية في الأراضي الفلسطينية وداخل الكيان إثر اندلاع انتفاضة الأقصى وتوالي ضربات المقاومة دفع أعداداً كبيرة من الصهاينة إلى السعي في الهجرة من الكيان إلى الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية، وأوردت صحيفة «أوبزيرفر» اللندنية أن انتفاضة الأقصى المتواصلة أدت إلى موجة هجرة من «إسرائيل» ومن مناطق السلطة الفلسطينية. من ناحية أخرى كشفت تقارير صهيونية رسمية أن بين ٧٠٠ ألف إلى مليون يهودي غادروا «إسرائيل» نهائياً بهجرة عكسية بسبب عدم إحساسهم بالأمن بعد انتفاضة الأقصى والعمليات الاستشهادية التي تقوم بها حماس، والجهاد الإسلامي، وكتائب الأقصى، في حين أعلن رسمياً أيضاً أن أعداد المهاجرين اليهود إلى الكيان الصهيوني في تناقص حاد وخطير، ويرجع ذلك إلى عزوف عدد كبير من يهود العالم عن الهجرة إلى فلسطين خوفاً من الموت، ويتوقع كبار موظفي وزارة الاستيعاب والوكالة اليهودية - وهما الجهتان المسؤولتان عن استيعاب المهاجرين - أن تتواصل وتيرة الانخفاض في عدد المهاجرين الذين يصلون إلى الدولة العبرية، وذلك بفعل تواصل مظاهر انتفاضة الأقصى. - هجرة من المستوطنات: أكدت الصحف الصهيونية أن الانتفاضة والوضع الأمني المتدهور والوضع الاقتصادي السيئ دفع بالمستوطنين في الضفة الغربية، وقطاع غزة، وغور الأردن إلى إخلاء المستوطنات والانتقال إلى داخل الكيان، بينما ذكرت وزارة الحرب الصهيونية أن عشرات النقاط الاستيطانية خالية تماماً من سكانها، وأن أفراد الجيش الصهيوني يتمركزون في هذه المناطق الخالية من السكان لحماية الممتلكات. ومن خلال هذه المعطيات فقد أثبتت الانتفاضة في عامها الثالث أن عهد الازدهار الذي وفره «اتفاق أوسلو» لنمو المشروع الاستيطاني الصهيوني وتوسعه قد بدأ يخفت بعد أن أصبح الهمُّ الأساسي للمستوطنين البحثَ عن توفير الأمن الشخصي لهم تاركين خلفهم الأيديولوجية ومقولة: «الاستيطان في كل مكان من أرض إسرائيل» . وتشير الإحصاءات «الإسرائيلية» في هذا الصدد إلى انخفاض أعداد المستوطنين إلى أكثر من ٧٥ في المائة، بالإضافة إلى تدني بيع الوحدات السكنية داخل المستوطنات إلى النصف؛ وهو الأمر الذي يدل بشكل واضح على عجز شارون وأجهزته الأمنية عن توفير الأمن للمجتمع الصهيوني ومستوطنيه. وانخفض كذلك عدد المهاجرين إلى الكيان بصورة ملحوظة في السنتين الأخيرتين؛ إذ وصل في النصف الأول من عام ٢٠٠١م إلى نحو ٢٤,٠٠٠ مستوطن، مقابل ٣٢,٠٠٠ في الفترة نفسها من العام ٢٠٠٠م، علماً بأن الرقم وصل إلى ٣٧,٠٠٠ مستوطن خلال الفترة ذاتها من عام ١٩٩٩م. والجدول التالي يوضح الميزان السكاني في التغيرات في مكونات النمو السكاني لدى الفلسطينيين واليهود: - قراءة سكانية مستقبلية: على الرغم من الممارسات الصهيونية والآثار الجغرافية والسكانية المترتبة عن ذلك، إلا أن الوجود اليهودي المنتشر على أرض فلسطين التاريخية لن يشكل أغلبية في عام ٢٠٠٦م إذا ما أخذنا بالاعتبار فلسطينيي عام الـ ٤٨م، الذين يعيشون داخل دولة إسرائيل كمواطنين، ولكنهم يتعرضون للتمييز العنصري في المعاملة والخدمات، وتبقى جذورهم تنحو نحو إخوانهم في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ حيث إن الفلسطينيين سيصبحون على تساوٍ مع اليهود، ومن المتوقع في السنوات القادمة أن يكون التفوق للفلسطينيين؛ والجدول رقم (٣) يوضح الميزان السكاني المتوقع على أرض فلسطين حتى عام ٢٠٠٦م. ملاحظة: أعداد المستوطنين لا يتم إضافتها إلى إجمالي عدد اليهود؛ لأنهم ـ بالطبع ـ محسوبون على إجمالي عدد اليهود في دولة إسرائيل عام ٢٠٠٦م ـ تقديرات الباحث على أساس ثبات الزيادة السنوية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة = ١٧٦.١٥٩ نسمة سنوياً / للفلسطينيين داخل إسرائيل = ٣٤٥٠٠ نسمة سنوياً / ولليهود = ٨٣.٥٠٠ نسمة سنوياً. الزيادة في أعداد اليهود لم تأخذ بالحسبان موجات الهجرة اليهودية الجماعية التي قد تأتي إلى فلسطين. لم يتم تقدير أعداد المستوطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ لأن ذلك مرتبط بالظروف السياسية. من خلال الجدول السابق يتضح أن الميزان السكاني سيكون في صالح الفلسطينيين في عام ٢٠٠٦م ـ بغض النظر عن مكان وجودهم سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو في داخل إسرائيل ـ فسيصل عدد الفلسطينيين على أرض فلسطين التاريخية في عام ٢٠٠٦م حوالي ٥.٤٦٧.٤٧٢ فلسطينياً، في نفس الوقت الذي سيكون فيه عدد اليهود على أرض فلسطين التاريخية ٥ ملايين يهودي، ويرجع هذا التفوق للفلسطينيين إلى الزيادة الطبيعية؛ في حين أن الزيادة السكانية عند اليهود كانت تعتمد وبشكل مباشر على المهاجرين القادمين من جميع أقطار العالم. نستنتج مما سبق أن الهجرة الفلسطينية الواسعة وبهذا الحجم الكبير كانت نتيجة التهجير القسري وممارسات العصابات الصهيونية، مقابل قدوم آلاف اليهود من جميع أقطار العالم للاستقرار في فلسطين. وعلى الرغم من ممارسات العصابات الصهيونية إلا أن الفلسطينيين على أرض فلسطين التاريخية سيكون لهم الأغلبية، خلافاً لما خططت له الحركة الصهيونية (٩%سنوياً) ؛ حيث إن سلطات العدو ماضية في تنفيذ مخطط المحافظة على الميزان السكاني لصالحها، وهو الأمر الذي يستدعي منها القيام بتنفيذ مخططها الهادف إلى ابتلاع الأرض، وتشريد الأهل من فلسطين وحصرهم في بقع وكنتونات جغرافية غير مترابطة وغير متماسكة ليسهل السيطرة عليهم؛ وهو ما يبشر وينبئ بحدوث انفجار سكاني؛ لأن عوامل النمو السكاني هي في صالح الشعب الفلسطيني (٤%سنوياً) واليهود (١.٩%سنوياً) ، وارتفاع معدلات الخصوبة الكلي (٦.١) للشعب الفلسطيني و (٢.١) لدى اليهود، ومن ثم يعمل اليهود من خلال المؤسسة السياسية والعسكرية على استباق سنوات الحسم السكاني من خلال تكثيف عمليات الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، كما هو حاصل في شبكة الاستيطان المنتشرة على طول الضفة الغربية وقطاع غزة، والجدار الفاصل الذي يلتهم أكثر من نصف مساحة الضفة الغربية، إذا ما تم تنفيذ الجدار الشرقي في أغوار الأردن؛ وهو الأمر الذي يساعد على تقطيع الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى كنتونات صغيرة منفصلة لا يوجد بينها تواصل جغرافي، مما سيعطل إنشاء وتكوين دولة فلسطينية مستقلة ذات خصائص تساعدها على النمو والتطور. (*) متخصص في شؤون الجغرافيا والديموغرافيا ـ فلسطين. (١) Luke, H. and Heith, The hand book of Palestine and Trans Hordan Macmillan London, ١٩٣٠, P.٣١. (٢) Govenment of Palestine. census fof ١٩٢٢, Jerusalem, ١٩٢٣. (٣) Government of Palestine. census fof ١٩٢٢, Jerusalem, ١٩٣٢. (٤) حسن عبد القادر صالح، جغرافية فلسطين، برنامج التربية، الجامعة المفتوحة، القدس، ١٩٩٦م، بدون دار نشر، ص ١٢٨. (٥) مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، الجزء الأول، رابطة الجامعيين بمحافظة الخليل، دار الطليعة، بيروت، ١٩٧٣م، ص ٢٣ ٢٤. (٦) موسى سمحة، التغييرات السكانية في فلسطين، دراسة في النمو السكاني والصراع الديموغرافي، الجامعة الأردنية، قسم الدراسات السكانية، ص ٣٨٤. (٧) المصدر: موسى سمحة، التغيرات السكانية في فلسطين، دراسة في النمو السكاني والصراع السكاني، في كتاب (الخصائص الديموغرافية للشعب الفلسطيني) منشورات دار النضال للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ص ٣٨٩. (١) حسن عبد القادر، جغرافية فلسطين، بدون دار نشر، ١٩٩٦م، ص ١٢٦. (٢) موسى سمحة وآخرون، الصراع الديموغرافي في فلسطين المحتلة، اللجنة الأردنية الفلسطينية المشتركة، ١٩٨٦م، ص ٨. (٣) http://www.wahdah.net/demog.html. (١) المرجع السابق. (٢، ٣) المرجع السابق. (١) المرجع السابق. (٢) موسى سمحة، مرجع سابق، ص ٩. (٣) السلطة الوطنية الفلسطينية، دائرة الإحصاء المركزية، نتائج للتعداد العام الذي أجري في نهاية عام ١٩٩٧م. (*) الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، السكان في الأراضي الفلسطينية ١٩٩٧-٢٠٢٥ رام الله، ص ٤١. = = - Statistical Abstract of Israel, Jerusalem, ١٩٩٩, No, ٥٠, Table ٢. - Foundation for Middle East Peace, Israeli Settlement, volume ١٠, No ٦

стр. 5462

التعتيم الحكومي وحرب التجويع هل يقضيان على حلم دولة المسلمين في تايلاند ؟ رضا عبد الودود حملات إبادة جماعية، وتوسيع سلطات قوات الأمن، وتعهدات بسحق مسلمي جنوب تايلاند خلال أربع سنوات من قِبَل حكومة رئيس الوزراء (تاكسين شيناواترا) الذي أصدر أوامره لحكومته يوم الخميس ١٧/٢/٢٠٠٥م بدراسة القوانين الأمنية للدول الأخرى، مشيراً إلى القوانين العنصرية في بعض الدول، والتي تسمح باحتجاز المواطنين دون محاكمة بزعم تهديدهم للأمن، على الرغم من أن الدستور التايلاندي يسمح للشرطة باحتجاز المواطنين لمدة ٤٨ ساعة قبل أن تحتاج للحصول على أمر قضائي بمدِّ الاحتجاز لمدة ١٢ يوماً، إلا أن قوات الشرطة تحبِّذ الأخذ بقوانين أكثر صرامة مثل القوانين السنغافورية؛ لكي تعطيها صلاحية واسعة وغير مقيدة في الاحتجاز لمدد طويلة بدون أمر قضائي أو محاكمة كل ذلك هو عنوان السياسة الإقصائية التي تمارسها سلطات بنكوك ضد نحو ٨ ملايين مسلم في الجنوب كل خطيئتهم أنهم يطالبون بحقوقهم التاريخية في مملكة فطاني التي حكمت تايلاند سابقاً؛ وللأسف فإن العالم يشهد بكل منظماته وشعوبه وحكوماته هذه الأمور دون أن يرفع صوتاً معارضاً أو حتى معقباً على تلك السياسة غير الإنسانية. ومنذ منتصف فبراير ٢٠٠٥م شهد ملف مسلمي الجنوب التايلاندي تصعيداً غير مسبوق؛ حيث تعهد (تاكسين شيناواترا) رئيس الحكومة التايلاندية بسحق مسلمي فطاني المطالبين بالاستقلال خلال أربع سنوات؛ وذلك أثناء أول زيارة يقوم بها إلى محافظات البلاد الجنوبية ذات الأغلبية المسلمة منذ فوز حزبه في الانتخابات بفترة ولاية ثانية. وأعلن رئيس الوزراء (تاكسين شيناوترا) أنه سوف يقطع المساعدات المالية للتنمية عن القرى التي يعتقد أنها متعاطفة مع من أسماهم بـ «المتمردين» ، وأن حكومته ستصنف الجنوب المضطرب إلى ثلاث مناطق: حمراء وصفراء وخضراء؛ ممثلة في ذلك مستويات تعاون أهلها مع سلطات الدولة في التعامل مع ما تصفه الحكومة التايلاندية بالتمرد الواقع. وأوضح أنه من بين١٨٥٠ قرية بمحافظات تايلاند الجنوبية الثلاث التي تشهد أشد عمليات عنف (ناراتيوات ويالا وباتاني) تعتبر ٣٥٨ قرية واقعة في نطاق مناطق حمراء لتعاطفها مع الناشطين، وسوف يمنع عنها أي تمويل حكومي، بينما تقع ٢٠٠ قرية في مناطق صفراء بما يعني وجود مقاومة معتدلة للدولة، أما بقية القرى فيمكن اعتبارها مناطق خضراء يلتزم ٩٠% من سكانها بالقانون ـ حسب مزاعمه ـ وسوف تتمتع هذه بمعظم مساعدات التنمية، تليها في ذلك الصفراء. وأضاف (تاكسين) أن الحكومة سوف تنشر قواتها المسلحة في المنطقة الحمراء فيما وصفه بأنه لحماية السكان الأبرياء، كما حثَّ هؤلاء على الضغط على جيرانهم لتغيير مسلكهم والتقدم بمعلومات تفيد في قمع التمرد وإنهائه. يذكر أن هذه السياسة سبق تطبيقها في تايلاند لأول مرة أثناء محاربة المد الشيوعي في السبعينيات والثمانينيات في الضغط على أهالي القرى لطرد الناشطين وقطع العلاقات معهم. كما أشار رئيس الوزراء إلى أن حكومته اعتمدت ميزانية إقليمية خاصة للتنمية في الجنوب تولي تركيزاً على إصلاح قطاع المدارس الدينية الإسلامية المنتشرة به، وسوف يتحتم على تلك المدارس من الآن فصاعداً تدريس مناهج المدارس العامة، وتخضع لإشراف وزارة التعليم. ولعل الآثار الناجمة عن تلك السياسة الإقصائية ستؤدي إلى تقسيم جنوب البلاد إلى مناطق ملونة طبقاً لوصف (تاكسين) مما سيزيد من معاناة الأهالي من التفرقة وتعميق العنف، فضلاً عن إضرارها بالمواطنين الأبرياء في المناطق المغضوب عليها بينما هم من دافعي الضرائب للدولة. - العنف يقابله عنف مضاد: وإزاء هذه التصريحات الاستفزازية صعَّد المسلحون بالجنوب التايلاندي هجماتهم أثناء زيارة رئيس الوزراء (تاكسين شيناواترا) للمنطقة بعد سلسلة من التفجيرات التي تواصلت لمدة أسبوعين قبل وصوله إليها في جولة تمتد ثلاثة أيام، وتشمل محافظات ناراتيوات ويالا وباتاني التي كانت مسرحاً لأشد أحداث العنف طوال العام الأخير الذي راح ضحيته نحو٦٠٠ من المسلمين. فقد انفجرت مساء الخميس ١٧/٢/٢٠٠٥م قنبلة قوية أمام فندق مارينا بمحافظة ناراتيوات وتسببت في مصرع أربعة أشخاص وجرح أكثر من أربعين آخرين، وكذلك في تدمير وإشعال النيران بالسيارات والدراجات البخارية الموجودة خارج المبنى. - سياسة التعتيم: وفي نفس سياق التعتيم المفروض على قضية المسلمين في الجنوب التايلاندي كان رئيس الوزراء التايلندي تاكسين قد شن هجوماً واسعاً ضد المشاركين في قمة الآسيان التي افتتحت في ٢٩/١١/٢٠٠٤م في لاوس مهدداً بالانسحاب من القمة إذا تطرقت لموضوع المواجهات العنيفة ضد إقليم (فطاني) المسلم، واعتبر تاكسين الاضطرابات الدائرة في الجنوب الذي يضم الأقاليم ذات الأغلبية المسلمة في البلاد مسألة «داخلية» ينبغي عدم بحثها في قمة آسيان. - مأساة مسلمي تايلاند: وتكشف تلك التداعيات عن مأساة مسلمي تايلاند البالغ تعدادهم من ٥ ـ ٨ مليون مسلم أي نحو ١٠% من تعداد السكان والذين يتركز أغلبهم في الجنوب المسمى (فطاني) والذين باتوا وليمة دموية صباح مساء لحكومة تايلاند، وسط صمت العالم وتجاهل المسلمين وهلع الحكومة التايلاندية من المسلمين واستغلالها المظاهرة العالمية لمكافحة الإرهاب. ودون الرجوع لتاريخ المسلمين الدامي في مملكة فطاني المسلمة من تهجير للتايلانديين إلى الجنوب وطرد أهاليه المسلمين، وتصفية العلماء، وإجبار المسلمين على ارتداء الصليب وحرق المصاحف، وإغلاق المدارس الإسلامية، شهد عام ٢٠٠٤م عدة مجازر بحق المسلمين في هذا الإقليم. وأسفرت المواجهات في جنوبي تايلاند عن سقوط نحو ٦٠٠ قتيل على الأقل منذ مطلع العام الحالي، ففي شهر يناير اندلعت اشتباكات لم تعرف أسبابها أدت إلى سقوط نحو ٦٠ قتيلاً في المناطق المسلمة الجنوبية المحاذية لماليزيا عندما شنت قوات الجيش التايلاندي حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المسلمين للاشتباه في علاقتهم بـ «إرهابيين» ، ووضعتهم قيد الاعتقال بدون محاكمة وهو ما أثار سخط المسلمين في الجنوب. وفي أبريل الماضي حصلت مجزرة في مسجد باتاني راح ضحيتها ٩٥ شخصاً، بعد أن هدمت قوات الشرطة المسجد على أشلاء المسلمين. وفي الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٠٤م كان نحو ٣٠٠٠ مسلم نظموا مظاهرة أمام أحد مراكز شرطة ولاية (ناراثيوات) ذات الأغلبية المسلمة جنوب البلاد احتجاجاً على اعتقال ٦ مسؤولين محليين بتهمة دعم ما تصفه الحكومة بـ (الجماعات المتمردة المسلحة) في جنوب البلاد، إلا أن قوات الشرطة والجيش تدخلت لقمع المتظاهرين؛ وهو ما أسفر عن مقتل ٦ أشخاص، بعدما استخدمت قوات الجيش والشرطة الذخيرة الحية والغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه. وقامت قوى الأمن بحشر ١٣٠٠ من المتظاهرين داخل شاحنات لنقلهم إلى ثكنات عسكرية في مدينة باتاني لاستجوابهم، وتم إرغام المعتقلين على التمدد على الأرض ووجوههم إلى الأسفل وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم قبل وضع بعضهم فوق بعض في الشاحنات مما أدى لمقتل ٨٤ مسلماً. ومع أن المواجهات الأخيرة هي أخطر هذه المواجهات بين الجيش التايلاندي ومسلمي الإقليم، وقبلهم ١٠٨ من المسلمين، وإصابة واعتقال آخرين، فإنها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة بسبب الجذور التاريخية للمشكلة التي تمتد إلى مملكة فطاني الإسلامية التي نشأت في القرن الثامن الهجري. - فطاني بلد إسلامية: وبالعودة لجذور الأزمة يتبين لنا أن فطاني هي المنطقة الواقعة بين ماليزيا وتايلاند، ويرجع أصل سكانها للمجموعة الملايوية ويتكلمون اللغة الملايوية ويكتبونها حتى الآن بأحرف عربية، ووصل الإسلام إلى فطاني عن طريق التجارة في القرن الخامس الهجري، وأخذ في التنامي حتى صارت المنطقة كلها إسلامية وتحت حكم المسلمين في القرن الثامن الهجري وصارت فطاني مملكة إسلامية خالصة ومستقلة. وعندما احتل البرتغاليون تايلاند أوعزوا إلى قادة تايلاند بحتمية احتلال فطاني للقضاء على سلطنة الإسلام بها ولابتلاع خيراتها فقام التايلانديون باحتلال فطاني سنة ٩١٧ هـ ولكنهم ما لبثوا أن خرجوا منها تحت ضغط المقاومة الإسلامية. ولكن الصليبية العالمية لم تكن لتهدأ ويرتاح لها بال ما دام للإسلام دولة بتلك البقاع السحرية من العالم، فدخل الإنجليز حلبة الصراع ودعموا التايلانديين البوذيين للهجوم على فطاني وقمع الثورات وتهجير المسلمين من البلد حتى أعلنت تايلاند ضم فطاني رسمياً لها سنة ١٣٢٠هـ بعد سلسلة طويلة من الثورات والمقاومة الباسلة من المسلمين، وكان هذا الضم إيذاناً بعهد جديد في الصراع بين المسلمين وأعدائهم. - وسائل محاربة المسلمين: وفي سياق دراسة تاريخ مسلمي تايلاند تعتبر تايلاند في حكم الدولة المحتلة المستعمرة لأرض فطاني التي كانت بلداً مسلماً لفترة طويلة؛ لذلك فإن أساليب تايلاند في محاربة المسلمين لا تختلف كثيراً عن أساليب الاستعمار في أفريقيا وآسيا والدول المسلمة، ومن تلك الأساليب: التهجير: حيث عملت تايلاند على إقامة معسكرات لاستقبال وتوطين المهاجرين التايلانديين وتستولي على أخصب البقاع وتمدهم بالمرافق اللازمة، وهذه الهجرة تؤدي إلى آثار خطيرة منها: إضعاف نسبة المسلمين في هذا البلد ورفع نسبة البوذيين، واتخاذ هؤلاء المهاجرين الجدد كأداة لنشر الثقافة والعادات البوذية واستخدامهم أيضاً جواسيس وعيوناً لنقل أخبار المقاومة الفطانية وعند حدوث الصدامات يستخدمونهم جنوداً ومقاتلين بالإضافة إلى تحقيق السيطرة الاقتصادية على الموارد والأراضي الزراعية، ومن ثَم إفقار الشعب الفطاني فلا يستطيع المقاومة والكفاح المسلح، ويكون جل همه تدبير موارد الرزق اليومية. التعليم: قامت تايلاند بفرض التعليم باللغة السيامية بعدما كانت تدرس باللغة الملايوية، وأحضروا مدرسين تايلانديين، وجعلوا المناهج فيها تخدم مصالحهم، وقامت بإغلاق الكتاتيب التي تعلم القرآن والقراءة والكتابة، وعلى الطلاب الذين يريدون الانتساب إلى مدارس الحكومة أن يغير أحدهم اسمه العربي أو الملايوي إلى اسم سيامي بوذي، واشترطت على هؤلاء الخريجين من المدارس الفطانية أن يجيدوا القراءة والكتابة بالتايلاندية؛ وإلا فلا قيمة لشهاداتهم أبداً، وعمدت تايلاند إلى إهمال التربية الدينية وتعيين مدرسين موالين لها يجهلون الإسلام في مناصب التعليم الإسلامي لينشأ عن ذلك كله أجيال بعيدة كل البعد عن الدين والهوية الإسلامية. إثارة الخلافات: بالعمل على بث الفرقة والخصومات بين العلماء، وإثارة الفتن بين أتباع المذاهب الفقهية، وإثارة الخلافات بين المدن والمناطق والسكان. نشر الفواحش: حيث تعتبر تايلاند رائدة سياحة الدعارة على مستوى العالم بأسره، وهي من ثَم تعمل على نشر المفاسد بين المسلمين بإقامة بيوت الدعارة المرخصة والملاهي الليلية وتعليم الرقص في المدارس. التعمية والتعتيم الإعلامي: بقطع كل أخبار مسلمي فطاني عن العالم الخارجي ومنع دخول المسلمين من خارج فطاني إليها. دور اليهود: حيث استقدمت الحكومة التايلاندية عدداً من المدرسين اليهود من فلسطين وذلك لبث كراهية العرب في النفوس ومن ثم كراهية المسلمين عامة، ثم تقوم تايلاند بنشر الدعاية المسمومة التي مفادها أن أهل فطاني يفضلون المدرسين اليهود على غيرهم في التعليم والثقافة فتُعرِض الحكومات المسلمة عن تقديم أي مساعدات لأهل فطاني. التحريف: لكتاب الله وأحاديث الرسول # أثناء ترجمتها إلى اللغة التايلاندية ليضلوا المسلمين ويصدوا من يريد الدخول في الإسلام من البوذيين. إفساد العقيدة الإسلامية: بالسماح بالدعاية للقاديانية وهي فرقة خارجة عن الإسلام بالعمل داخل فطاني لإفساد عقائد المسلمين وإيقاع الفرقة والاقتتال بينهم. صور أخرى للاضطهاد: ومن أبرز مظاهر الاضطهاد أن الحكومة البوذية التي فرضتها تايلاند، عملت بعد أن أزاحت السلطان المسلم (تنكو عبد القادر) ، على محو الطابع الإسلامي من البلاد بإرغام الشعب المسلم فيها على اتخاذ الأسماء والألبسة والتقاليد البوذية، واستعمال اللغة التايلاندية. وألغت المحاكم الشرعية، ثم سمحت بعد غضب الشعب وهياجه للقضاة المسلمين بالجلوس في المحاكم المدنية لسماع القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسلمين. وعملت الحكومة على توطين البوذيين في المناطق الإسلامية، وبنت لهم أكثر من ٧٠ مستوطنة يسكنها حوالي ١٨٠ ألف بوذي، وبنت القواعد العسكرية في فطاني، ولا سيما في القرى القريبة من (جبال بودور) مركز عمليات المجاهدين المسلمين، وقامت بتصفية العلماء والدعاة جسدياً أو تهديدهم وإهانتهم وتشريدهم مما اضطر فريقاً منهم إلى الهجرة واللجوء إلى ماليزيا. كما تقوم بإحراق الأحياء الإسلامية والقتل الجماعي؛ ففي حادث بشع قامت القوات التايلاندية بحرق (١٠٠) شاب مسلم بالبنزين، وصرح رئيس البوليس في المنطقة بأن حياة المسلم لا تساوي ٢٦ سنتاً فقط (ثمن الرصاصة) . كذلك حرمت حكومة بانكوك المسلمين من ثروات بلادهم، كما حرمتهم المراكز الهامة والوظائف الحكومية وكافة الحقوق التي يتمتع بها مواطنو تايلاند، وعرضتهم لألوان الذل والقهر والاستعباد. - تاريخ طويل من الكفاح: بدأت رحلة الكفاح الهائلة منذ أن أعلنت تايلاند ضم فطاني لها واعتبرتها مديرية تايلاندية في سنة ١٣٢٠هـ، فقام الأمير (عبد القادر) وهو آخر ملوك فطاني المسلمين بقيادة الثورة سنة ١٣٢١هـ بعد سنة واحدة فقط من الضم، وتعرض للاعتقال، واندلعت الثورة بفطاني على إثر ذلك، ولكن التايلانديين قمعوها بمنتهى الوحشية بمساعدة قوية من الإنجليز. ومع الانقلاب العسكري سنة ١٣٥١هـ الذي أطاح بالملكية في تايلاند والذي دعمه مسلمو فطاني الذين استغلوا الفرصة وقدموا عريضة بمطالبهم من الحكومة الجديدة، وتتلخص هذه المطالب بالتالي: ١ - تعيين حاكم واحد على المديريات الأربعة المسلمة عن طريق أهل البلاد، ويكون مسلماً. ٢ - أن يكون ٨٠% من موظفي حكومة فطاني ممن يدينون بالإسلام. ٣ - أن تكون اللغة الملايوية هي لغة التعليم بالمدارس واللغة الرسمية لأهل فطاني. ٤ - تطبيق الشريعة الإسلامية. ٥ - تكوين مجلس أعلى إسلامي لتسيير شؤون المسلمين. ولكن الريح جاءت بما لا يشتهي المسلمون، وتحول الحكم العسكري إلى واقع مرير للمسلمين؛ ليس لأنه تجاهل مطالبهم؛ ولكن لأنه سعى إلى مسخ هويتهم تماماً، وإذابتهم داخل الدولة؛ حيث أصدر الفريق أول (سنقرام) ـ الذي تولى السلطة في تايلاند ـ قرارات بتغيير الأسماء المسلمة إلى تايلندية، ومنع لبس الجلباب الأبيض المميز للمسلمين وغطاء الرأس للنساء، وتحريم استعمال اللغة الملايوية ذات الحروف العربية، وأغلقت أبواب المدارس والجامعات أمام الفطانيين، وكذلك المناصب الحكومية والجيش والشرطة، وأغلقت الجوامع والمساجد، وحرم التبليغ والتبشير بالدين الإسلامي. وقد توالت على الإقليم المسلم عدة ثورات ومحاولات من جانب المسلمين لإعادة المطالبة بحقوقهم، واجهتها السلطات هناك بالقمع والاعتقال لكل من قاد المطالبة بهذه الحقوق، مثل: حركة الحاج محمد سولونج ـ أحد العلماء المسلمين بفطاني ـ والذي عمل على تكثيف جهود المسلمين سنة ١٣٦٧هـ ورفع عريضة مطالب للحكومة البوذية بتايلاند يطالب فيها بنفس المطالب السالف ذكرها مع إضافة بند عدم إخراج محصولات وموارد فطاني خارجها واستهلاكها محلياً، وقام الحاج محمد برفع عريضة الدعوى في نفس السنة إلى الأمم المتحدة ولأول مرة تثار قضية فطاني في المحافل الدولية، وبسبب ذلك قبض على الحاج محمد سولونج ورفاقه وحكم عليهم بثلاث سنوات ولكنهم ما لبثوا أن اغتيلوا سراً في ١٤/١٢/١٣٧٣هـ. - المقاومة طريق الحرية: وبعد أن تلاشت فرص مسلمي فطاني في تحقيق حلم الدولة المستقلة للمسلمين هبَّ الشعب الفطاني يجاهد لاستقلال بلاده، وأسس جبهات التحرير التي انضوى في صفوفها كثير من الشباب المسلم، وأخذ يقاتل على أرض فطاني، في جبال بودور الشاهقة، وبين الغابات والأدغال المتشابكة المجاورة لماليزيا، وبدأت عمليات المقاومة عام ١٩٥٠م، ولا تزال حتى الآن تواجه أشد الظروف، وتتحدى المصاعب وحدها. ومن أهم حركات المقاومة التي تواجه عنف حكومة تايلاند وإجراءاتها القمعية ضد المسلمين: (الجبهة الوطنية لتحرير فطاني) التي تأسست عام ١٩٦٠م وهي أول جبهة أنشئت في فطاني، وتدعو إلى تنظيم المجتمع الإسلامي، ووسيلتها حرب العصابات، وكذلك (المنظمة المتحدة لتحرير فطاني) التي تأسست عام ١٩٦٨م وتتبع أساليب العنف ضد الحكومة البوذية. وتوجد أيضاً (الجبهة الوطنية لتحرير فطاني) التي تأسست عام ١٩٧٠م وتنادي بالاستقلال على أن يكون نظام الحكم ملكياً، ومعظم قادتها في الخارج. وهناك كذلك (الحركة الإسلامية الفطانية) التي تأسست عام ١٩٧٥م على يد عدد من العلماء، وقد قامت بنشاط إعلامي للتعريف بقضية فطاني. (*) صحفي مصري.

стр. 5463

الحمد لله لم يكن ما رأيت حقيقة طارق بن خليفة الخليفة في بداية الشتاء خرجت من منزلها باكراً، عندما بدأ حاجب الشمس بالشروق، و (امتطت) صهوة سيارتها (البورش) ذاهبةً ـ إن لم تخنّي ذاكرتي ـ إلى مقر عملها الواقع في شمال مدينتها، ولم يكن السير في هذه الساعة يبعث على السعادة؛ فسيارات العاملين والعاملات، وأصحاب الأعمال، ومديرات الأقسام، تأخذ حيّزاً من الطريق السريع ذي المسارات الأربعة. على أية حالة وعلى أنغام مسجّل سيارتها كانت تمضي (العنود) . غير أن ما عكّر عليها مزاجها أن إحدى عجلات البورش أعلنت الإضراب عن الدوران، والحمد لله كانت العواقب سليمة؛ فهي ملتزمة بالسرعة القانونية داخل الطريق (٨٠ كلم) . عندها ترجَّلَت من سيارتها بحركة (شبابية) ملقية من على كتفها (العباءة) كي تقوم بإصلاح الإطار؛ فالمثل يقول: اِلبس لكلّ حالةٍ لبوسها.. لكنّها فوجئت بعشرة من الشباب العاطلين عن العمل مستعدين لخدمتها ممّن (لم تُدرَج أسماؤهم تحت قائمة طالبي الوظائف من المؤسسات الأهلية) . ولك أن تستغرب هذه (الفزعة) في طريق سريع يكتظ بالسيارات في مثل هذه الساعة المبكرة صباحاً (٧.٤٥) .. ولكن بعد (فك العجلة.. والتربيط) قامت العنود (مجاملة) بشكر اثنين منهم على خدماتهما المتميزة، وأصرّت على الحصول على أرقام هاتفيهما للحاجة! ثم (شكرتهما مودّعةّ لهما) .. وركبت (البورش) ثانيةً وضغطت (دوّاسة الوقود من الغضب مما أثار غضب عجلاتها التي قامت بإصدار صوت يشبه ما يفعله المراهقون أيام قيادتهم المبكّرة) .. على العموم؛ واصلت طريقها، ثم انحرفت بعد ذلك إلى يمين المنعطف الكبير الذي ينزلها إلى مواقف مؤسستها العقارية، لتجد على بوّابة المواقف، حارسة الأمن (نورة) التي كانت ترتدي القميص السماوي والبنطال الأزرق لتأخذ مفتاح السيارة فتدخلها (المرآب) .. ثم صعدت العنود عن طريق المصعد إلى الدور السابع حيث يقبع مكتبها العقاري، واستقبلها السكرتير الخاص بالمكتب من الجنسية ... ! بابتسامته (المشهود لها بالبراءة التامة!) فدخلت إلى مكتبها الواسع الذي تجزم عند رؤيتك له بأن تجهيزه قد تم بطريقة لو علم بها أصحاب الديكور (لحسدوها عليه) .. ألقت العنود بنفسها على كرسيها الدوار وضربات قلبها ما زالت تعيش همّ مشوارها الذي استمرّ معها ما يزيد على ساعة وربع ساعة ... ومن غير شعور رجعت بذاكرتها تلقائياً إلى لحظة خروجها من المنزل ثم (تحمية السيارة) والتأكد من (مستوى الزيت في المحرك) وأنها اضطرت لتتأكد من (ضغط هواء العجلات) .. ثم تذكرت تلك اللحظة التي نزلت فيها من السيارة بعد تشغيلها لتجلب شيئاً من البيت، وعند رجوعها وجدت أنها أغلقت الباب على المفاتيح، فأخرجت (جوالها الجديد الذي اشترته قريباً) لتتصل بالعامل القادر على استخراج مفتاحها، وكيف جاء الرجل إليها وطلب مبلغ (٢٥٠ ريالاً) بجشع واستغلال للموقف، وأطلقت تنهيدة وهي على كرسيها الدوار وهي تتذكر نظراته وهو يصلح المقبض ليفتح السيارة، وكيف كادت عيناه أن تشبه عيني ذئب قد ظفر بصيد لا يقدّر بثمن، وأرسلت العنود دمعة من عينيها، وضغطت على أسنانها وهي تتذكر (النقيبة خلود التي أوقفتها وأعطتها قسيمة على صرير العجلات) . وفجأة ضربت العنود طاولة المكتب (الفاخر) بيديها بقوة، حين تذكرت زوجها وهو يأخذ لحاف النوم ليعلن لها (أنه عازم على المضي في نومه) وصوته ينبعث من تحت اللحاف وهو يقول: (يالعنود ... ودّي البنات للمدرسة.. ومرّي السوق وهاتي الخضار.. وبعد الظهر مرّي على الجوازات جدّدي الجواز؛ لأني سأسافر هذا الصيف) . ونظرت حولها في المكتب الواسع، ثم دارت بكرسيها الدوّار أكثر من مرة وهي مسترخية، مطلقة لخيالها الرجوع إلى تلك الأيام الخوالي التي كان زوجها أحمد يقوم بإيصالها، وأيام كان جارهم سعد (عند الحاجة وغياب زوجها أحمد يقوم بإيصالها مع زوجته) فصرخت وهي على كرسيها الدوّار: اتركونا.. اتركونا، وفجأة سمعت صوت زوجها وهو يقول: العنود! العنود! قومي حبيبتي.. (عسى ما شر!) ففتحت عينيها؛ فإذا هي في غرفتها الوردية.. ونظرت إلى الساعة فإذا هي الرابعة فجراً، وإذا زوجها أحمد أمام عينيها.. وهو يهدّئ من روعها: عسى ما شر، فأطلقت تنهيدة لو قُدِّر لك سماعها لبكى قلبك لها وهي تتمتم بهذه الكلمات والتي تخرج من بين شفتيها: الحمد لله، الحمد لله أن ذلك لم يكن حقيقة.. لم يكم ذلك حقيقة.. الحمد لله.

стр. 5464

مرصد الأحداث أحمد فهمي أقوال غير عابرة - «هذا المزيج من الصخب والهتافات وأصوات أبواق السيارات يذكرني بوقت استقلالنا عن فرنسا عام ١٩٥٦م» مواطن تونسي يصف خروج آلاف التوانسة ليلة الأحد ٦ رمضان احتفالاً بوصول تونس إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم، وهو نفس اليوم الذي قتل فيه عشرات آلاف الباكستانيين إثر هزة أرضية» . [العربية نت، ٧/١٠/٢٠٠٥] - «كان من المستحيل تقريباً بالنسبة إلى عائلة سُنِّية كعائلتي تسبح في بحر من الشيعة مواصلة العيش في البصرة» أبو مشعل أحد العراقيين السنة اللاجئين. [وكالات١١/١٠/٢٠٠٥م] - «بوش سيُذكر في التاريخ على أنه أكثر الرؤساء الأمريكيين انعداماً للمسؤولية المالية في تاريخ أمريكا» فريد زكريا رئيس تحرير الطبعة الدولية من مجلة نيوزويك الأمريكية. [مجلة النيوزويك العدد (٢٧٦) ] - «يبدو أن مصر تريد أن تجرب حكم الإخوان المسلمين» الروائي المصري نجيب محفوظ محذراً من تنامي شعبية الحركة في مصر. [الشرق الأوسط، ٥/١٠/٢٠٠٥م] - «أنا غازي كنعان حاكم لبنان سنوات طويلة، إذا سألتموني عن الفساد والرشوات نعم! قد شاركت فيها» اللواء غازي كنعان وزير الداخلية السوري المنتحر متحدثاً أمام لجنة التحقيق في اغتيال الحريري، وهو الحديث الذي نشرته محطة تلفزيون نيو تي في اللبنانية، ونفاه الوزير قبل موته. - «يقدر أن ما بين ٢٣و ٥٨% من المسؤولين الدينيين الكاثوليك لديهم توجهات جنسية مثلية» القس الأمريكي دونالد بي كوزنر في كتاب له بعنوان (الوجه المتغير للكهنوتية) . [النيوزويك العدد (٢٧٦) ] - «سوريا لا تتعامل بسياسة الاغتيالات مع أعدائها؛ فكيف بأصدقائها» وزير الإعلام السوري مهدي دخل الله في تعليقه على اتهام النظام السوري باغتيال وزير الداخلية غازي كنعان. [الشرق الأوسط، ١٣/١٠/٢٠٠٥م] - «يمكنك إجهاض كل جنين أسود في هذه البلاد، وهو ما سيؤدي إلى خفض معدل الجريمة» وزير التعليم الأمريكي السابق ويليام جي بينيت متحدثا في برنامجه الإذاعي. [النيوزويك العدد (٢٧٨) ]

стр. 5465

أمريكا الرومانية ومقدمات الانهيار د. باسم خفاجي تقدم هذه المقالة مراجعة للعلاقة بين انهيار المدن بسبب الكوارث الطبيعية، وبين تهاوي الإمبراطوريات عندما تفقد عوامل البقاء الأخلاقية، وينهار البناء الاجتماعي الذي يحفظ تماسك المدن وعلاقة الأغنياء مع الفقراء، والأقوياء مع الضعفاء، وهو ما تظهره الكوارث الطبيعية بشكل سريع ومفاجئ. تقدم الدراسة رؤية عن تداعيات إعصاري «كاترينا» و «ريتا» على الجنوب الأمريكي وخصوصاً مدينة «نيو أورلينز» بصفتها نموذجاً صارخاً لعدم المساواة في المجتمع الأمريكي من ناحية، وانتشار الفساد والجريمة من ناحية أخرى، وأخيراً المفارقة المرتبطة بتركيز المنشآت النفطية في المنطقة التي تعرضت للإعصارين وارتباط ذلك باهتمام أمريكا الخارجي للسيطرة على النفط، والعجز الداخلي عن تأمين المصافي في مواجهة الأعاصير. تبحث الدراسة أيضاً كيف ستؤثر هذه الكارثة الطبيعية على مستقبل المشروع الأمريكي في قيادة العالم. - انهيار المدن وتهاوي الإمبراطوريات: لكي تعرف حقيقة ما حدث في مدينة «نيو أورلينز» بسبب إعصار «كاترينا» فقد يكون من المهم العودة بالتاريخ طويلاً إلى بدايات التاريخ الميلادي عندما دمر بركان ثائر مدينة رومانية وهي «بومبيي» .. الفارق بين الحدثين أن الدمار الذي حدث هناك قد اختفى عن الأعين لقرون طويلة؛ أما دمار «كاترينا» وما تبعه من إعصار «ريتا» أيضاً فهو مشاهَد للعالم على الهواء مباشرة على شاشات الفضائيات وفي مواقع الإنترنت، ويا له من دمار! «بومبيي» مدينة رومانية قديمة دمرها بركان ثائر منذ ما يقارب ألفي عام، و «نيو أورلينز» مدينة أمريكية تعرضت للتدمير بسبب كارثة طبيعية أخرى وهي إعصار «كاترينا» .. وبين المدينتين الكثير من أوجه الشبه، وبين الواقع الأمريكي المعاصر وماضي الإمبراطورية الرومانية التي جمعت بين عناصر القوة وبين مسببات الانهيار أوجه تشابه كثيرة أيضاً. أما عن أهمية المقارنة بين المدينتين فسببها أن كلتيهما تمثلان اجتماع عناصر القوة والانهيار معاً لكل من الإمبراطورية الرومانية في القديم والأمريكية في هذا الزمان. وكذلك فقد اشتهرت المدينتان بأنواع مشتركة من أشكال الفساد والرذيلة التي تهدد البنى الاجتماعية للحضارات وتُؤْذِن بزوالها. «بومبيي» مدينة إيطالية حفظتها الحمم البركانية كاملة بواقعها وفسادها وعهرها تحت الرماد لقرون طويلة ليعرف العالم بعد اكتشافها كيف كانت الأمبراطورية الرومانية تعيش. أما «نيو أورلينز» فستدخل التاريخ كمدينة دمرت بسبب الظلم الأمريكي الذي تجاوز الاعتداءات على شعوب العالم ليجمع معه إهمال وتجاهل معاناة أبناء أمريكا أنفسهم، وسيحتفظ التاريخ أيضاً بتوثيق ذلك من خلال عدسات الكاميرات وما دُوِّن عن هذه الكارثة في الصحف والمجلات والمواقع الإليكترونية. ستدخل «نيو أورلينز» تاريخ العالم كشاهد على العار الذي يلحق الإمبراطوريات عندما تبدأ في مسيرة الانزواء إلى الأزقة الخلفية في مقابر التاريخ. إن كلمة «كاترينا» ترجع إلى أصول لغوية يونانية تعني «النقاء أو الطهارة» فهل نحن نشهد عقاب الخالق وتطهيره لتلك البقعة من بقع الفساد؟ ستجيب الأيام عن ذلك السؤال فيما يتعلق بمدينة «نيو أورلينز» وبالولايات المتحدة الأمريكية نفسها، ولكن تبقى «بومبيي» وزوال الإمبراطورية الرومانية بعد زوال تلك المدينة واندثارها شاهدة على شدة ذلك العقاب وقسوته.. وحقاً ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . - بين «بومبيي» الرومانية و «نيو أورلينز» الأمريكية: في دقائق معدودة من يوم ٢٤/٨/٧٩م دمر بركان ضخم مدينة «بومبيي» Pompeii الرومانية. انطلقت الغازات السامة من فوهة البركان لتقتل السكان في الوقت نفسه الذي اندفعت فيه الحمم البركانية لتوقف الحياة في المدينة، وتجمِّد كل ما كان يحدث بها من فعاليات الحياة اليومية ليبقى شاهداً تاريخياً على حياة تلك المدينة (١) . كانت «بومبيي» مدينة تزهو بالأغنياء والترف والمجون والرفاهية من ناحية، ويكثر فيها الفقر والعبودية من ناحية أخرى. كانت تلك المدينة تمثل الإمبراطورية الرومانية بكل تناقضاتها وقوتها وموبقاتها قبل أن تزول تلك الحضارة وتنزوي في عالم النسيان. حفظت الحمم البركانية المدينة بحالها لحظة انفجار البركان لتصبح بعد اكتشافها مرة أخرى في القرن السادس عشر شاهداً على نمط الحياة في ذلك الوقت، وكيف اجتمع للرومان عناصر القوة ومظاهر الانحطاط والانهيار في مجتمع واحد وفي مدينة واحدة. كانت منازل تلك المدينة مزينة بصور إباحية تعبر عن أنواع من الفساد والمجون شديدة الانحطاط. وكانت تلك الصور تمثل إحدى صور الحياة في المدينة وفي الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت. ولم تكن هذه الصور والرسومات الفاضحة في الملاهي أو محلات بيع الرذيلة فقط، بل إنها كانت أيضاً مرسومة على حوائط بعض منازل العامة. ولشدة فساد هذه الصور والرسومات وكثرتها فقد رفض معظم حكام تلك المنطقة طوال القرون الماضية وحتى أعوام قليلة مضت أن توضع هذه الصور والرسوم في متاحف عامة، ولم يسمح بذلك إلا في فترات محدودة للغاية طوال تلك القرون (٢) . حفظت الحمم البركانية صور الحياة الداعرة والممارسات الشاذة لسكان تلك المدينة كما هي بكل بشاعتها وقذارتها لتصبح مزاراً سياحياً ضخماً يفد إليه ملايين البشر في كل عام للتعرف على نمط الحياة في تلك الإمبراطورية التي زالت. وفي يوم ٢٩/٨/٢٠٠٥م، أي بعد ما يزيد عن ألف وتسعمائة عام من ذلك التاريخ البعيد، قام إعصار بتدمير مدينة أمريكية تسمى «نيو أورلينز» . كانت المدينة أيضاً تجمع بين معالم الحضارة الأمريكية اليوم وبين علامات الانحطاط. لم تجمِّد المياه الجارفة الواقع الأمريكي في تلك اللحظات، ولكن عدسات الكاميرات قامت بنفس الدور الذي قامت به الحمم البركانية منذ ما يقارب ألفي عام. قامت العدسات التلفزيونية في حالة «نيو أورلينز» بتوثيق حي ومباشر ودائم للتدهور الأخلاقي للفرد الأمريكي من ناحية، ولتقاعس الدولة الإمبراطورية من ناحية أخرى عن حماية أبنائها والانشغال عن ذلك بمعارك خارجية من أجل المزيد من السيطرة. لقد ضرب إعصار «كاترينا» منطقة تبلغ مساحتها نحو ٢٣٥ ألف كم٢ أي ما يوازي مساحة رومانيا ونصف مساحة فرنسا. وامتدت الأضرار بطول ما بين ٤٠ إلى ٥٠ كم على شواطىء ولاية ميسيسبي، في حين غمرت المياه ٨٠% من مدينة «نيو أورلينز» . واعتبر الخبراء هذا الإعصار أسوأ الكوارث الطبيعية التي عرفتها الولايات المتحدة منذ نشأتها قبل ٢٣٠ عاماً، وقد قدر الخبراء حجم الدمار الذي حدث بـ ١٠٠ مليار دولار. وأعقب ذلك الإعصار، إعصار آخر هو إعصار «ريتا» الذي هاجم المصافي ومعامل التكرير بولاية تكساس إضافة إلى لويزيانا. وبين «نيو أورلينز» و «بومبيي» أوجه شبه كثيرة ومفارقات عجيبة. «بومبيي» كانت ميناء تجارياً هاماً في شمال إيطاليا على ضفاف نهر «السامو» ، وكذلك كانت «نيو أورلينز» ميناء تجارياً هاماً على ضفاف نهر «الميسيسبي» وسواحل خليج المكسيك. قُتل الفقراء في «بومبيي» ، بينما فر الأغنياء مبكراً؛ لأنهم عرفوا من جفاف الآبار أن البركان سينفجر، وكانوا أيضاً يملكون وسائل الانتقال التي مكنتهم من مغادرة «بومبيي» إلى القصور والمنتجعات المحيطة بتلك التلال الإيطالية بعيداً عن مسار الحمم البركانية، وتركوا خلفهم الفقراء والعبيد ليكونوا فريسة للبركان (٣) . وفي «نيو أورلينز» نجح الأغنياء أيضاً في مغادرة المدينة بهدوء على متن السيارات الرياضية والفارهة التي تحمل ما خف وزنه وغلا ثمنه، وتركوا خلفهم الآلاف من الفقراء.. من السود.. من عبيد الأمس كما يقولون. أظهرت لنا الصور ورسومات الحوائط في منازل «بومبيي» درجة الانحطاط الأخلاقي التي بلغها أهل هذه المدينة. وفي المقابل - ومع انتقالة تاريخية وزمنية تقارب ١٩ قرناً ـ تظهر لنا شاشات الفضائيات صورة أخرى من صور الانحطاط الأخلاقي لإمبراطورية أخرى وهي الإمبراطورية الأمريكية عندما تناقلت تلك الشاشات مشاهد السرقات والاعتداء على المنازل والمتاجر من قِبَل رجال الشرطة إضافة إلى جموع من المواطنين. - ثلاثية نيو أورلينز: الفساد - الجريمة - النفط: في سنة ١٧١٩م، بعد عام من تأسيس «جون بابتيست لو موين» مدينة «نيو أورلينز» لتكون عاصمة مستعمرة لويزيانا الفرنسية الناشئة، أباد إعصار مجموعة الأكواخ المصنوعة من سعف النخيل التي كانت تتكون منها المدينة ... وبعد ذلك بعامين، جاء إعصار آخر ليبيدها مرة أخرى. من مفارقات هذه المدينة أن أول مؤسسة تجارية أقيمت فيها كانت عبارة عن متجر للنبيذ (١) . لقد اشتهرت مدينة «نيو أورلينز» عبر تاريخها بثلاثة أمور ميزتها عن كثير من المدن الأخرى. وهذه الأمور تشكل ما يمكن أن يسمى «ثلاثية نيو أورلينز» وهي: الفساد، والجريمة، والنفط. ولا تكاد توجد في أمريكا أية مدينة أخرى تجمع هذه الثلاثية معاً بدرجة الوضوح التي تظهر في «نيو أورلينز» . ولعل هذه الثلاثية تقدم تفسيراً مقبولاً لمن يعتقدون أن ما حدث بسبب إعصار «كاترينا» هو عقاب إلهي. لقد عُرفت المدينة بانتشار الفساد الأخلاقي فيها، وتميزت عن كثير من المدن الأمريكية الأخرى بالدعوة إليه من خلال المهرجانات العامة والاحتفالات المستمرة. كما أن معدلات الجريمة والقتل في المدينة هي الأعلى في الولايات المتحدة وبين كثير من مدن العالم. وأخيراً عرفت المدينة أنها أحد أهم مراكز الصناعات النفطية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما تحارب أمريكا العالم اليوم من أجل السيطرة على منابعه والتحكم في مخزونه الاستراتيجي من خلال خطط أمريكا الخاصة بالشرق الأوسط ومأساة احتلال العراق. إن مدينة «نيو أورلينز» هي مدينة هامة للحياة الأمريكية؛ فأكثر من ٢٠% من تجارة أمريكا تمر عبر موانئ هذه المدينة، و٢٥% من المنتجات البترولية الأمريكية تتدفق عبر خطوط الأنانيب التي تمر خلالها، ومحطات التنقية والتصفية وتصنيع المنتجات البترولية التي تنتشر حول المدينة. ويبلغ سكان منطقة «نيو أورلينز» نحو ١.٤ مليون شخص، بينما يسكن المدينة نفسها حوالي نصف مليون نسمة، وتبلغ نسبة السود من بينهم ٦٧% من إجمالي عدد السكان، ويعيش ٣٠% منهم تحت خط الفقر. ١ - الفساد: «نيو أورلينز» هي إحدى مدن اللهو والمجون الأمريكي، وتعرف بكازينوهات القمار المنتشرة في المراكب التي تبحر في نهر الميسيسبي الذي يخترق المدينة إلى شارع «بوربون» الذي اشتهر بمحلات بيع الهوى والرذيلة. ومن المفارقات الملفتة للنظر أن إعصار «كاترينا» قد دمر المدينة قبل يومين فقط من احتفال سنوي ومهرجان عام للشواذ في أمريكا يسمى «الانحلال الجنوبي» Southern Decadence، وهو مهرجان بدأ منذ عام ١٩٩٧م تدعو فيه المدينة الشواذ من مختلف أنحاء الولايات المتحدة لتمضية عدد من الأيام للاحتفال وممارسة الأفعال الفاحشة في شوارع المدينة وطرقاتها طوال أيام المهرجان. وقد كان الموعد المقرر لمهرجان هذا العام هو من ٣١ أغسطس إلى ٥ سبتمبر (أي بعد يومين فقط من الإعصار) ، وكان من المتوقع أن يحضره ١٢٥.٠٠٠ ألف شاذ من كافة أنحاء أمريكا وخارجها (٢) . كما اشتهرت «نيو أورلينز» باحتفال ومهرجان صاخب آخر منذ عام ١٨٣٧م، تنتهك فيه الكثير من القواعد الأخلاقية كل عام يسمى ماردي جرا (Mardi Gras) وهي كلمة فرنسية تعني الثلاثاء المتخم أو السمين. كان هذا المهرجان يقام في المدينة في نهاية شهر فبراير من كل عام. وأصبح مما يميز هذا الاحتفال الماجن انتشار الخمور وممارسة الرذائل علناً بين الرجال والنساء. واشتهر هذا المهرجان بشيء خاص به، وهو عادة قبيحة انتشرت في الأعوام الأخيرة، حيث تقوم النساء بكشف الجزء الأعلى من أجسادهن من أجل أن يراه المارة ويلتقطون له الصور. وللأسف فالأمر ليس منتشراً بين الساقطات أو الداعرات فقط من النساء، ولكن الأمر تخطى ذلك في الأعوام الأخيرة ليشمل الكثير من زوار المدينة أيضاً، وأصبحت هذه الظاهرة سمة مميزة للمهرجان وللمدينة أيضاً، وأصبح هناك مصطلح خاص باللغة الإنجليزية بتلك الظاهرة أيضاً، وهو «فلاشنج» Flashing. ٢ - الجريمة: عُرفت مدينة «نيو أورلينز» بأنها إحدى عواصم الجريمة في الولايات المتحدة. فالفساد المالي كان منتشراً بين قيادات المدينة، ومعدلات القتل فيها تزيد عن عشرة أضعاف متوسط معدلات القتل في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي العام الماضي كان عدد القتلى في «نيو أورلينز» يساوي نصف عدد القتلى في مدينة نيويورك رغم أن نيويورك يقطنها ٨ ملايين شخص مقارنة بمدينة «نيو أورلينز» التي يبلغ عدد سكانها (بدون الضواحي) نصف مليون فقط. وقد تعود سكان المدينة على إطلاق الرصاص وممارسة القتل في مدينتهم لدرجة أن عدداً من الباحثين قاموا بإطلاق أكثر من ٧٠٠ طلقة نارية فارغة في أحد أحياء المدينة، ولم يهتم أي من سكانها بإبلاغ الشرطة أن هناك طلقات نارية في الحي، وكأن الأمر معتاد عليه (١) . كما أن المدينة عُرفت بالمخدرات وجرائم الاغتصاب والسرقات، وطائفة أخرى من الجرائم التي ارتبطت بالفقر والفساد الأخلاقي معاً. وفي آخر إحصاء أجرته الولاية عن سوء حال المدارس وجد أن ٥٥ مدرسة من أسوأ ٨٧ مدرسة على مستوى الولاية هي مدارس في مدينة «نيو أورلينز» . وفي دراسة أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي عن معدل الجرائم في المدينة، وجد أن المدينة تتجاوز معدلات معظم الجرائم في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي عام واحد وهو العام الماضي (٢٠٠٤م) كان بالمدينة أكثر من ٢٧٤ حادثة قتل، و ٢١٣ اغتصاباً، ٢٠٧١ سرقة بالإكراه، ٢٠٣٨ هجوماً مسلحاً، و٦٨٧٢ حادثة سرقة سيارة، وأكثر من ١٢٧٢٦ حادثة سرقة (٢) ، وتعد كل هذه الأرقام أعلى بكثير من المعدلات الأمريكية للمدن الشبيهة بهذه المدينة. والغريب أن كارثة «كاترينا» لم تخفف من حدة النزوع إلى الجريمة في المدينة؛ فعندما لجأ سكان المدينة إلى الملعب الرياضي Superdome هروباً من الفيضان الذي اجتاح المدينة، وتمهيداً للخروج منها، حدثت ٦ جرائم قتل في ذلك المكان، وأكثر من ١٢ حالة اغتصاب تم الإبلاغ عنها لسلطات الأمن خلال تلك الأيام القليلة. وذكرت إحدى الناجيات وهي (إفريكا برومفيلد) أن: «هناك عمليات اغتصاب تتم هنا. النساء لا يمكنهن الذهاب الى المرحاض بدون الرجال. إنهم يغتصبونهن ويقطعون رقابهن وهم يقولون لنا إن الحافلات قادمة ولكنها لا تغادر أبداً» . ٣ - النفط: لقد أدى الإعصار إلى إقفال ٧١١ منصة أو بئراً نفطية في خليج المكسيك. وبعد خمسة أيام على مرور الإعصار على منطقة جنوب الولايات المتحدة توقف إنتاج ٨٨.٥٣% من النفط الخام في منطقة خليج المكسيك، وهو ما يمثل ربع الإنتاج العام للبلاد. وقد تتجاوز قيمة الأضرار المئة مليار دولار حسب تقديرات شركة «ريسك مناجمنت سولوشنز» المتخصصة. أما وقف العمل فيعني خسارة ما يزيد عن ١٠٠ مليون دولار يومياً من الأرباح. «فإنتاج النفط في خليج المكسيك يشكل نحو ٣٠%، وإنتاج الغاز الطبيعي يقارب ٢٠% من إجمالي إنتاج الولايات المتحدة. ونحو ٦٠% من واردات أمريكا النفطية تصل إلى موانئ خليج المكسيك. وما يقارب نصف مصافي النفط الأمريكية موجود هناك. وقد ضرب إعصار كاترينا هذا النظام الضخم بقوة، وبينما اقترب إعصار كاترينا، جرى إخلاء المئات من منصات الإنتاج في المنطقة، بحيث أغلقت ٩٥% من إنتاجه النفطي و٨٨% من إنتاجه من الغاز الطبيعي. والمصافي التي تمثل ثُمْنَ إجمالي عدد المصافي في الولايات المتحدة إما أنها توقفت، وإما أنها خفضت من تشغيلها» (٣) . إن أمريكا التي تسعى للسيطرة على منابع النفط العالمية، وتدفع بأبنائها وشعوب العالم الأخرى إلى حروب دموية من أجل الحصول على المزيد من النفط، لا تستطيع أن توقف إعصاراً ربانياً يهدد البنية التحتية النفطية في الدولة بأكملها، ويجبر الولايات المتحدة على البدء في استهلاك المخزون الاستراتيجي من النفط الأمريكي، وهو ما لم يحدث طوال أكثر من ثلاثين عاماً. ولذلك ليس من الغريب أن يتبع إعصار «كاترينا» إعصار آخر وهو «ريتا» ليهاجم معقلاً آخر من معاقل المصافي البترولية ليوقفه أيضاً في جنوب تكساس في كل من مدينة جالفستون وكذلك مدينة هيوستن، ولله ـ تعالى ـ في هذا الكون تدبير عجيب. والرسم المرفق يوضح درجة التطابق بين مسار إعصار «ريتا» وبين مواقع مصافي البترول ومعامل التكرير الأمريكية في تلك المنطقة التي أصابها الإعصار. إن هذه الثلاثية ـ التي تميز مدينة «نيو أورلينز» ، والتي تجمع بين انتشار الفساد الشخصي والجرائم المنظمة العامة في المدينة، وبين وجود النفط الذي ترتكب بسببه أمريكا الكثير من الجرائم في العالم ـ قد تقدم تفسيراً مقبولاً لمن يعتقدون أن ما حدث بسبب إعصار «كاترينا» هو عقاب إلهي. ولهذا حديث آخر في هذه الدراسة، ولكن المفارقة ملفتة للنظر بلا شك. أما المفارقة الأخرى فهي المقارنة الحضارية بين تصرفات الشعب الأمريكي عندما أصابته كارثة الإعصار مع شعوب آسيا التي أصيبت بكارثة التسونامي، وأعقبها مؤخراً الزلزال الكبير الذي أصاب الهند وباكستان في أكتوبر من عام ٢٠٠٥م. - الفوارق الحضارية بين أمريكا وآسيا: ما حدث بسبب إعصار «كاترينا» كان غريباً في نظر الكثير من أبناء العالم. كان الجميع يشارك في نهب «نيو أورلينز» بينما العاصفة تقتل المئات من سكان المدينة، والرئيس الأمريكي يرفض أن يقطع إجازته السنوية.. ويعزف الموسيقى في وقت سقوط الكارثة على سماء «نيو أورلينز» وهو يستلم هدية عبارة عن جيتار موسيقي يقوم بالعزف عليه في مرح وتكلف ظاهرين بينما يموت أبناء «نيو أورلينز» في اللحظات نفسها بتأثير الإعصار والفقر معاً. لا يستطيع الإنسان أن يتجاهل الفوارق الحضارية التي أظهرتها المقارنة مع كارثة التسونامي التي عصفت بأكثر من ١١ دولة من دول جنوب آسيا، وتسببت في كارثة تفوق مرات عديدة حجم كارثة «كاترينا» و «ريتا» ، وحتى ما حدث مؤخراً في زلزال باكستان. لقد ظهرت الشعوب الآسيوية بشكل أكثر حضارة وتماسكاً رغم الفقر الشديد وانعدام الإمكانات التقنية أو الطبية التي كان من شأنها التخفيف من حدة الكارثة. لقد تسبب تسونامي في مقتل مئات الآلاف من البشر، ولكنه ساهم أيضاً في تحقيق الترابط والتعاطف بين الناجين. أما في أمريكا فقد تسببت الكارثة في مقتل المئات، ولكنها أثارت النزعات الفردية بين الناجين، وظهر وجه قبيح من الأنانية والفردانية والنفعية التي تسعى لاستغلال كل شيء حتى المآسي والكوارث من أجل المنفعة الفردية. وفي مقارنة حضارية تعكس قلق المفكرين الأمريكيين من الوجه القبيح الذي أظهرته تلك الكارثة، يذكر الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف تعليقاً بالغ القسوة فيقول: «إن عمليات السلب والنهب كانت واحدة من الأشياء المثيرة للإحباط وخيبة الأمل. وقد سبق لي تغطية زلزال «كوبي» باليابان عام ١٩٩٥م، والذي قتل حوالي ٥٥٠٠ شخص. حاولت خلال تلك التغطية البحث عن أي مؤشر يدل على ارتكاب سلوك إجرامي وفي نهاية الأمر عثرت على شخص من سكان المنطقة شاهد ثلاثة أشخاص يسرقون الطعام. سألته ما إذا كان يشعر بالحرج إزاء ممارسة أشخاص يابانيين لمثل هذا السلوك، فأجابني إن الذين سرقوا لم يكونوا يابانيين وإنما أجانب» (١) . إن المقارنة مع دول العالم الفقير كانت في غير صالح الدولة الأكثر قوة في العالم. فرغم أن سيريلانكا مثلاً كانت في حالة حرب بين الجيش الموالي للدولة، وبين «نمور التاميل» الانفصاليين، فإن الطرفين اتفقا فور حدوث كارثة التسونامي على إيقاف القتال حتى يتم إنقاذ الفقراء والضعفاء. وحدث الشيء نفسه بين الهند وباكستان مؤخراً من جراء الزلزال الذي أصاب منطقة كشمير. وعند مقارنة التصرفات على مستوى القيادات المدنية بتلك المدن التي أصابها التسونامي مع تصرفات قادة أمريكا يظهر أن ردة فعل هؤلاء القادة الآسيويين كانت أفضل بمراحل من رد فعل قيادات مدينة «نيو أورلينز» . فقد اقتحم «ماورادي نور الدين» وهو عمدة مدينة «باندا أخيه» الإندونيسية أحد محلات البقالة عقب كارثة التسونامي لا ليسرق أو ينهب كما حدث في لويزيانا، وإنما ليوفر الطعام لسكان المدينة من الناجين من الكارثة. أما في «نيو أورلينز» فقد نقلت وكالات الأنباء صور ضباط الشرطة وهم يشتركون في نهب المتاجر والمحلات، وانتشر في المدينة اغتصاب النساء والأطفال والقتل على مرأى من قوات الشرطة، بل إن محلات الأسلحة قد سرقت، واستخدمت الأسلحة التي كانت بها لإطلاق النيران على طائرات الإنقاذ القادمة لإيقاف النهب والسرقة التي كانت الشغل الشاغل لبعض من نجا من الموت في المدينة (٢) . كان ما حدث في «نيو أورلينز» إدانة دامغة للثقافة النفعية الأمريكية وللغلو في الاهتمام بالفرد على حساب المجتمع. إن ما يحدث في أمريكا من تبعات كارثة «كاترينا» و «ريتا» وما قد يتبعهما من أعاصير وكوارث طبيعية أخرى يكشف عن أمراض اجتماعية خطيرة في المجتمع الأمريكي، ويشير بما لا يدع مجالاً للشك أن الحضارة الإنسانية توشك أن تغادر الغرب في انتقالها وعودتها إلى مهدها في الشرق من جديد. وقد عبر عن ذلك أحد المفكريين الأمريكيين عندما قال: «لقد اجتاز القائمون بأعمال السلب والنهب ذلك الخط الدقيق - وإن كان أساسياً - في الفصل بين المتحضرين والهمجيين» (١) . - وجه قبيح للحضارة: أظهرت كارثة «كاترينا» أيضاً درجة الانقسام العرقي بين الشمال والجنوب، وبين الأبيض والأسود، وبين الفقير والغني في الولايات المتحدة الأمريكية. ويصف المفكر الأمريكي المعروف (بول كينيدي) ما حدث أنه كارثة أخلاقية فيقول: «لقد كان إعصار كاترينا كارثة وطنية، ولكن ما حدث في الواقع هو أنه ضرب الأميركيين بشكل غير متساوٍ، وحسب وضعهم في السلَّم الاجتماعي للأسف. إن المحافظين يحبون دائماً أن يكرروا مقولة «إن المد المرتفع يرفع جميع القوارب» ، ولكن المد المرتفع الذي غمر «نيو أورلينز» لم يفعل ذلك، بل إنه أغرق في الحقيقة العديد من القوارب الأكثر هشاشة» (٢) . إن العنصرية التي أظهرتها الأحداث الأخيرة في «نيو أورلينز» لم تظهر فجأة نتيجة الإعصار، ولكنها جزء لا يمكن تجاهله بعد الآن من التركيبة النفسية للمجتمع الأمريكي. وكما يذكر الكاتب الأمريكي (فيليب كينيكوت) ، فإن «هناك قضايا كامنة قام إعصار «كاترينا» بإطلاقها ليس إلا. لا أعتقد أن غالبية الأمريكيين يستطيعون تشخيص هذه الأعراض.. نعم! نحن نتحدث عن التعددية الثقافية، ولكن العنصرية الكامنة فينا منتشرة بصورة واسعة» (٣) . وحتى التغطية الإعلامية لما حدث من جراء الإعصار لم تكن عادلة، وفرقت بين الأبيض والأسود بشكل مقزز أظهر حقيقة العنصرية التي ما زالت مستشرية في المجتمع الأمريكي. وكان من أهم الأحداث التي أظهرت العنصرية في التغطية الإعلامية صورتان نشرتهما وكالات الأنباء العالمية بعد الإعصار مباشرة. في كلا الصورتين يظهر شخص يحمل معه بعض الطعام وهو يسير في الماء محاولاً النجاة من الغرق. الفارق أنه في الصورة الأولى كان الشخص أسود، أما في الصورة الثانية فقد كان الشخص أبيض البشرة. وما لفت أنظار المراقبين الإعلاميين أن التعليق على الصورة الأولى (عن الشخص الأسود) ـ وقد صدر عن وكالة الأسوشيتد برس الأمريكية ـ كان يقول: «شخص يحاول السير في المياه إلى مستوى الصدر بعد أن سرق طعاماً من أحد المحلات..» . أما التعليق على الصورة الثانية (عن الشخص الأبيض) وقد صدر عن المكتب الأمريكي لوكالة الأنباء الفرنسية فكان يقول: «شخصان يحاولان السير في المياه إلى مستوى الصدر بعد أن وجدا خبزاً ومشروباً من أحد المحلات» . فرغم أن الصورتين تعكسان نفس الموقف، والتعليق متشابه في معظم الكلمات، إلا أن الأسود اتهم بسرقة الطعام، بينما وصف الأبيض أنه قد وجد طعاماً. لقد أثارت الصورتان ضجة إعلامية كبيرة اضطرت وسائل الإعلام عقبها إلى الاعتذار عنها، وحذف الصور من المواقع الإليكترونية التي عرضت فيها، ولكن ذلك لن يحذف المشاعر التي تسببت في هذه العنصرية، أو المشاعر التي أوذيت بسببها. - تقاعس الدولة.. ومؤشرات الهبوط: تساءل عدد من المفكرين الأمريكيين والأوروبيين عن معنى ما حدث في «نيو أورلينز» وعلاقته باستمرار واستقرار الدولة الأمريكية. ويتساءل أحدهم قائلاً: «هل حقاً أن الولايات المتحدة بدأت تأخذ منحنى الهبوط؟ وإذا لم يكن باستطاعتها أن تحمي نفسها فأنَّى لها أن تتطلع إلى قيادة الآخرين؟ كتبت صحيفة لوموند اليومية الفرنسية تقول: إنه على الرغم من الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية التي سارعت أميركا بنشرها في الخارج إلا أن القوة العظمى وقفت عاجزة عن التعامل مع كارثة داخلية بهذه الصورة. وراحت الصحيفة تستطرد متسائلة: هل يعقل أن تنفق الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات على حرب العراق في الوقت الذي تعجز فيه عن توفير الحماية لمواطنيها في الداخل؟» (٤) . لقد عجزت الإدارة الأمريكية عن سرعة التعامل مع كارثة الجثث التي انتفخت وطفت على وجه الماء في شوارع «نيو أورلينز» وشاهد العالم عبر شاشات الفضائيات بعض الجثث والفئران تقضمها، وبقي أكثر من عشرين ألفاً في الأستاد الرياضي Superdome أربعة أيام بين أكوام القذارة والرائحة النتنة دون أن تصلهم حافلات لنقلهم وإيوائهم. لقد انفعل من جراء كل ذلك رئيس بلدية «نيو أورلينز» فقال معلقاً على ولع الحكومة الفيدرالية بالتغطية الإعلامية وليس بإنقاذ المدينة: «بدل الغذاء يطعمون الشعب سطوراً من الخداع الإعلامي.. عار أمريكا أن الخبر أصبح يفوق الغذاء أهمية، وأن التسابق على الصورة يسبق التسابق على تزويد المرضى بالدواء، وتنظيم البث أسهل من ترتيب أمر الإيواء. إن هذا المشهد ليفيض حتى على الفيضان» . - هل «كاترينا» لعنة أو عقاب إلهي؟ اهتم الكثير من المتدينين في العالم سواء من المسلمين أو من غيرهم بالإشارة إلى أن ما حدث لمدينة «نيو أورلينز» قد يكون عقاباً إلهياً بسبب فساد المدينة وانتشار الرذائل فيها من ناحية، أو عقاباً لأمريكا على عدوانها على شعوب العالم من ناحية أخرى. وأفردت لذلك الصفحات في الجرائد والمجلات والمواقع الإليكترونية. ولم يقتصر الأمر على المسلمين فقط كما يحاول أنصار التيارات العلمانية في العالم العربي تصوير الأمر، وكأنه شيء انفرد به أبناء الإسلام، وإنما انتشرت مثل هذه الكتابات والتحليلات بين التيارات المحافظة والمتدينة في أوروبا وأمريكا وحتى في الكيان الصهيوني الذي اعتبر ما حدث في «نيو أورلينز» عقاباً إلهياً على سماح أمريكا بإجلاء المستوطنين اليهود من غزة. فقد ذكر الكاهن «أوفيدا يوسف» الزعيم الروحي لحزب «شاس» اليهودي في خطابه الأسبوعي عقب إعصار «كاترينا» أن (جورج بوش) كان وراء إجلاء ١٥.٠٠٠ من المستوطنين [في غزة] ، وأن العقاب الإلهي جاء بإجلاء ١٥٠.٠٠٠ من الشعب الأمريكي (في إشارة إلى (نيو أورلينز) . كما ذكر الكاهن أن العقاب قد حل بتلك المدينة أيضاً أو تحديداً بسبب تحلل المعايير الأخلاقية فيها (١) . أما «مايكل ماركافاجي» وهو رئيس منظمة «توبي يا أمريكا» Repent America، فقد ذكر أنه «رغم الحزن الشديد لفقدان الأرواح [في كارثة «كاترينا] ، فإن الإله قد دمر مدينة فاسدة.. إن «نيو أورلينز» مدينة قد فتحت ذراعيها للاحتفال الشعبي بالمعصية. وقد يخرج من أنقاض هذا الدمار مدينة جديدة طاهرة.. ولا بد أن نصلي ونعاون ضحايا هذه الكارثة، ولكن لا ينبغي أن ننسى أن سكان مدينة (نيو أورلينز) كانوا متسامحين ومرحبين بشيوع الرذائل في مدينتهم لمدة طويلة» (٢) . وأما المسلمون فهم يعلمون أن كل ما يحدث في الكون إنما يحدث بتدبير الخالق ـ جل وعلا ـ الذي يقول في كتابه الكريم: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ، وأن كل قطرة ماء أو سحابة أو ريح أو ما أشبه ذلك فإنها كلها تحدث بسبب ظواهر طبيعية يمكن معرفتها علمياً، ولكنها في النهاية تخضع لأوامر الخالق جل وعلا، فتصيب من يشاء ـ سبحانه ـ بالعقاب، وتمطر الخير لمن يشاء. لذلك فلا عجب أن يكون المطر خيراً لقوم، وعقاباً لآخرين. لا يملك أحد أن يقطع بحكمة الله فيما أصاب تلك المدينة فهذا أمر الله، وهو أعلم بحكمته، ونحن لا نستطيع أن نجزم أن هذا عقاب الله؛ فنحن لا نحيط بقدرته ولا بقوته ، ولكننا جازمون أن كل ما يجري في هذا الكون خاضع لله القدير الحكيم، وهو الذي أخبرنا عن عقابه لمن يستكبرون في الأرض، ويظلمون الخلق: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] . وكما أننا لا نستطيع أن نجزم أن ما حدث كان عقاباً إلهياً، فنحن بالمقابل لا نستطيع ان نجزم أنه لم يكن كذلك. ما المانع أن يعاقب الله ـ تعالى ـ أقواماً بالريح أو ما دونها إن أراد ذلك لسبب يعلمه هو ؟ كيف نجرؤ على القطع بمعرفتنا بحكمة الله سواء عند توقيع العقاب، أو عند ابتلاء الشعوب؟ إن من المهم أيضاً ألا يقع العقلاء فيما يحاول أنصار أمريكا ودعاة التحرر من الأديان أن يجبروا الشعوب على قبوله أو يخيفوها من الجهر بما يخالفه، ألا وهو إنكار أن ما يحدث من أحداث الكون يمكن أن يكون عقاباً أو مكافأة إلهية. يسعى هؤلاء إلى الهجوم الشديد على كل من يطرح فكرة أن أمريكا أو غيرها من الدول أو الشعوب يمكن ان تعاقَب عقاباً إلهياً بالمطر أو الريح أو البراكين أو ما أشبه ذلك. ولسان حال هؤلاء هو موقف الإنكار نفسه الذي ذكره الله ـ تعالى ـ عن قوم عاد عندما شاهدوا السحب تتجمع في السماء فلم يصدقوا أنها يمكن أن تكون عقاباً لهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] . لقد كانت الريح عبارة عن عذاب أليم لهم ولغيرهم من الأمم التي خلت؛ فلماذا نستكثر على الله ـ تعالى ـ أن يعاقب شعباً ما أو دولة ما بنوع العقاب نفسه لعلهم يرجعون؟ أم أن النفوس قد انشغلت بالانبهار بأمريكا أو الخوف منها حتى أصبحت لا تقدر على تخيل أن يعاقبها الله تعالى؟ لقد جاءت الآيات التالية من السورة لتشرح أن الفهم والسمع والأبصار قد لا تعين أصحابها إذا أصروا على الاستكبار والمعاندة. فيقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] . - حقيقة الكارثة: «لَكَمْ هو مفجعٌ أن نرى أميركا وقد أصبحت لا حول لها ولا قوة؛ فهي لم تعد كما كانت عليه في السابق ولا تستطيع حتى أن تنقذ أبناء شعبها؛ بينما هي تحاول من ناحية أخرى أن تقود زمام العالم؟» (١) كانت هذه هي عبارات «بولين سيكام» أحد المسؤولين في الحكومة الفلبينية في لقائه مع صحيفة «نيويورك تايمز» . إنها تلخص حقيقة الكارثة التي أسفر عنها إعصار «كاترينا» . لقد سقطت هيبة الحكم الأمريكي بسبب هذا الإعصار. كما أن الأحداث أظهرت الخلل الكبير والكارثي الذي يمر به المجتمع الأمريكي. ويعبر عن ذلك أحد الكتاب الأمريكيين قائلاً: «هناك جميع أنواع المساومات التي يتباحث حولها الأغنياء أو ذوو النفوذ في أي مجتمع مع الفقراء.. من خلال الخبز أو السيرك أو الصدقة، أو الوعد بأن الجميع سينجون. الصفقة هي: لا تسببوا لنا أية مشاكل وسنعتني بكم. ولكن الإمبراطوريات تنهار عندما يصبح العرض خاوياً، وكأنه يقول: لن نعتني بكم، أو: لا نستطيع أن نعتني بكم.. أو: نحن لم نعد بحاجة لكم ولم نعد نخشاكم. وقد بلغنا هذه النقطة هنا» (٢) . فقد أصبح اليوم هناك أميركتان داخل الولايات المتحدة: بلد العالم الأول الذي يرفل في ثوب الرفاهية، وتلك التي تنتمي إلى العالم الثالث حيث المعاناة من شظف العيش والأوضاع المزرية التي تتوارى عن أعين وأقلام الصحفيين. وتبقى الحقيقة أن غض الطرف عن الواقع لا يعني مطلقاً أنه غير موجود وإهمال المشكلة ليس مرادفاً لحلها (٣) . - معنى انهيار المدن: إن ما حدث لمدينة «نيو أورلينز» ليس مجرد إعصار أصاب مدينة، ولكنه إعصار أظهر للعالم أجمع مشكلات حضارة. قد لا تستطيع «نيو أورلينز» أن تعود أبداً إلى سابق عهدها رغم المليارات التي ستنفق على محاولة القيام بذلك؛ فمشكلة المدينة هي أن سكانها قد فقدوا الرغبة في العودة إليها، كما أن خبراء بناء المدن يقولون إن العامل الأهم في قدرة المدينة على أن تعيد إحياء نفسها ليس مدى الدمار الذي حاق بها، ولكنه الاتجاهات السائدة فيها من قبل الدمار. لقد أتت النار على معظم مدينة شيكاغو عام ١٨٧١م ودمر الزلزال والحرائق مدينة سان فرانسيسكو عام ١٩٠٦م، ولكن المدينتين كانتا في صعود دائم قبل الكوارث التي ألمت بهما. ولذلك ففي الوقت الذي كان الحطام فيهما لا يزال يحترق، كان المقاولون يحصلون على القروض ليعيدوا البناء. المدن ليست أبدية؛ فهي كائنات تتطلب توازناً مناسباً من العناصر المكونة لها كما يقول الكاتب الأمريكي (جوناثان آلتر) . والتاريخ مليء بركام المدن البائدة، وإن كانت «بومبيي» الرومانية هي من بين المدن الكبرى التي زالت بفعل كارثة طبيعية، فإن أغلب هذه المدن قد فنيت؛ لأن الحضارات التي كانت تقطنها فقدت بوصلتها الأخلاقية - فقدت روحها - ومعها تلاشت قدرتها على أن تبدع وتجدد وتعيد البناء. يقول المؤرخ (لويس ممفورد) في رائعته «المدينة عبر التاريخ» The City in History إنه عندما تتراكم عوامل الفناء العفوية فإن مدينة الموتى تكون قريبة، وإن لم يسقط أي حجر (٤) . لقد لخصت الكاتبة الأمريكية (روزا بروكس) حقيقة المشكلة التي تواجه المثقفين في أمريكا عندما قالت: «إن ما حدث بسبب إعصار كاترينا هو كارثة حقيقية على مدينة «نيو أورلينز» ، ولكن الأمر الأشد خطورة ووضوحاً هي ما تقوله هذه الكارثة عن واقع ومستقبل الولايات المتحدة الأمريكية» . واختتمت الكاتبة مقالها بعقد مقارنة أخرى بين أمريكا اليوم وبين الإمبراطورية الرومانية بالأمس.. فقالت: «كان نيرون يعزف الكمان بينما كانت روما تحترق.. ربما لم يكن الرئيس بوش، الذي ليس له ذكر كبير في الأعمال الكلاسيكية يفكر في هذا عندما وقف أمام الكاميرات يوم كانت العاصفة «كاترينا» تدمر مدينة «نيو أورلينز» وهو يعزف على جيتار قُدِّم له من المطرب الأمريكي (مارك ويللز) . وبينما كان بوش يستمتع بعطلته ويعزف على جيتاره الجديد، كانت مدينة كبيرة تدمرها المياه وليس الحرائق. إن عزف نيرون الشهير على الكمان ما زال - بعد ألفي عام من موته - حكاية لها رمزيتها ودلالتها عن القيادة اللامبالية والمتمحورة حول الذات في أوقات الأزمات. وسلوك بوش الغريب في اللعب على الجيتار في وجه دمار «نيو أورلينز» قد يحكم عليه بمصير مماثل» (٥) .

стр. 5466

السيرة النبوية مشروعاً حضارياً أ. د. عماد الدين خليل إلى عهد ليس ببعيد (ربما يكون منتصف القرن الماضي) كانت البحوث والدراسات والمصنفات المعنية بسيرة رسول الله ﷺ وعصر الرسالة تنحو ـ في معظمها ـ منحى تقليدياً يرمي بثقله في اتجاه المعارك والغزوات والشمائل، وقد يعالج المفردات الدعوية والتشريعية والسلوكية منفصلة عن سياقها العضوي العام، لكنه لم يكد يلتفت إلى البعد الحضاري لهذا العصر الذي أقام دولة كبرى، ونسج تشريعاً خصباً، وهيأ الشروط لقيام حضارة متميزة. ثم إن معظم الباحثين سحبوا رؤيتهم التجزيئية في تعاملهم مع العصر إلى صيغ التعامل مع «المصادر» التي استقوا منها مادتهم التاريخية، فلم يحاولوا إلا في القليل النادر، أن يكسروا الفواصل بين أنماط تلك المصادر، وأن يستدعوا كل تلك الأنماط من أجل وضع أيديهم على الصورة الأكثر مقاربة لسيرة رسول الله ﷺ وعصر الرسالة: القرآن الكريم وتفاسيره، الحديث النبوي الشريف، كتب الأدب ودواوين الشعر، كتب الفقه، كتب الجغرافيا والرحلات، فضلاً عن كتب التاريخ في أنماطها كافة: السيرة، التاريخ العام، التاريخ المحلي، تواريخ المدن، التراجم، الأنساب والطبقات. وقد التزموا الخط الزمني لوقائع السيرة، فكانوا يتحدثون عن وقائع كل سنة مجتزَأة عن وحدتها الموضوعية، اسوة بما كان الأجداد يفعلونه فيما يسمى بالحوليات. وكان هذا يمارس تقطيعاً للوقائع الأساسية، واختراقاً لنسيجها بوقائع أخرى تتحرك في سياق مغاير، كأن يتم الحديث في السنة أو الحولية الواحدة عن الصراع ضد الوثنية، واليهود، والبيزنطيين، والمنافقين، جنباً إلى جنب مع المعطيات التشريعية أو الدعوية أو التعبدية أو السلوكية ... إلخ. كما أن الرؤية النقدية كادت أن تغيب عن تلك الأعمال، فكان أصحابها يسلِّمون بالغث والسمين، ما يمكن قبوله وما لا يمكن.. وهو الأمر الذي أضاف إلى وقائع السيرة الأساسية أجساماً غريبة، وقادها إلى نوع من التضخم على حساب بنيتها الأصيلة المتفق عليها. ولحسن الحظ بدأ النصف الثاني من القرن الفائت يشهد تطوراً ملحوظاً في دراسات السيرة، على مستوى المنهج والموضوع، وراحت هذه الدراسات تزداد ـ بمرور الوقت ـ نضجاً وإحكاماً بسبب من الوعي المتزايد بمطالب منهج البحث من جهة، والرغبة العلمية الصادقة في الرد على المحاولات الجانحة في التعامل مع السيرة، سواء جاءت من الخارج على يد المستشرقين بأجنحتهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم كافة، أو من الداخل على ايدي المغالين أو العلمانيين أو المنساقين وراء الميول والأهواء والتحزبات، أو المتأثرين بالمعطيات الاستشراقية في توجهاتها كافة. ثم جاء تنامي النشاط العلمي، وتزايد رسائل الدراسات العليا في المعاهد والجامعات، لا لتعزز القيم المنهجية الأصيلة في التعامل مع وقائع السيرة فحسب، وإنما ـ أيضاً ـ لكي تنفذ دراسات معمقة في هذه الواقعة أو تلك، وفق معايير نقدية صارمة، وقدرة على الإمساك بالدقائق والتفاصيل والجزئيات، تعين الباحث على الإيغال في شرايين الواقعة من أجل الوصول، أو محاولة الوصول إلى بنيتها الأساسية كما تشكلت فعلاً، لا كما أراد لها الرواة والأخباريون والمؤرخون أن تكون. وفي موازاة هذا، أخذت تظهر دراسات تخصصية في السيرة باتجاه آخر ... لا تقف عند هذه الواقعة أو تلك في نسيجها العام، وإنما تتعامل معها ككل، ولكن من منطلق منهجي محدد يسعى لأن يتابع معطيات السيرة عبر هذا التوجه أو ذاك من مجراها العام. وهكذا ظهر كتاب «فقه السيرة» للغزالي لكي يقدم رؤية «دعوية» للسيرة، وكتاب البوطي (١) بالعنوان نفسه لكي يقدم رؤية فقهية، والأستاذ سيد قطب ومنير الغضبان لكي يقدما رؤية حركية، وباحثون آخرون قدموا رؤية تربوية أو أخلاقية أو سلوكية أو سياسية.. هذا إلى قيام الدكتور أكرم العمري وعدد من طلبة الدراسات العليا بتنفيذ منهج المحدثين في التعامل مع مرويات السيرة (٢) . وفي موازاة هذا كله استمرت مكتبة السيرة تشهد دراسات شمولية تتناول السيرة في حلقاتها كافة، ولكن وفق منهج أكثر دقة وانضباطاً وإحكاماً، يسعى لأن يضم جناحيه على أبعاد السيرة كافة دعوية وحركية وفقهية وسلوكية وسياسية وعسكرية ... محاولاً ألا يمرر إلا المرويات الأكثر قبولاً على مستوى الرواية والدراية، أو الإسناد والمتن. ولكن رغم هذا العطاء السخي، ظلت هنالك حلقة لم تنل حظها من البحث والدرس والاستقصاء والتحليل، بالمقارنة مع الحلقات الأخرى، تلك هي الحلقة الحضارية، أو بعبارة أكثر دقة: محاولة متابعة البعد الحضاري للسيرة، وتقديم تصور متكامل عن معطياته الأساسية. ورغم أن العقدين الأخيرين شهداً عدداً من المحاولات في هذا الاتجاه لا تتجاوز ـ ربما ـ أصابع اليد الواحدة، فإن الحاجة لا تزال تتطلب المزيد من المحاولات، من أجل إعطاء هذا الجانب من السيرة حقه، والإلمام بجوانبه كافة. لقد بشَّر عصر الرسالة بمشروع حضاري، وتمكن من تنفيذ العديد من حلقاته، ووضع شبكة من الشروط التأسيسية التي مكنت الأمة الناشئة من بناء حضارتها المتميزة بعد عقود معدودة من الزمن. ولعل المدوَّنات الأولى لأخباريّي ومؤرخي السيرة (كمغازي الواقدي، وسيرة ابن إسحق، وطبقات ابن سعد، وأنساب البلاذري، وتاريخ الطبري ... إلخ) ، بإعطائها مساحة واسعة للمغازي (وأحياناً للرجال أو الشمائل) ضيقت الخناق على البعد العمراني أو الحضاري لعصر الرسالة الذي تمكن بعد كفاح مرير من إقامة دولة الإسلام، ووضع التأسيسات الأولى لحضارته المتميزة. عشرات السنين ومئاتها، ونحن نتحدث عن هذا العصر من الداخل، وبرؤية تجزيئية تتمركز عند الغزوات، والشمائل، والمفردات الفقهية، ولقد آن الأوان لاعتماد «رؤية الطائر» إذا صح التعبير، لاستشراف الملامح الأساسية للعصر، والإنجازات الكبرى لرسول الله ﷺ وصحابته الكرام ﵃. ولا بد، من أجل التحقق برؤية كهذه، من استدعاء المؤرخ والمفسر والمحدث والفقيه والجغرافي وفيلسوف التاريخ والأديب لتوسيع نطاق الفضاء المعرفي عن العصر.. هاهنا حيث يصير النصّ القرآني والحديث النبوي الصحيح والممارسة التاريخية لعصر الرسالة التي يقدمها المؤرخ والفقيه، والملامح البيئية التي يقدمها الجغرافي، والخبرة الذاتية والموضوعية التي يقدمها الشاعر أو الأديب.. فضلاً عن الدلالات المحددة للكلمات والتعابير التي يحددها اللغوي.. المصادر الأساسية التي يكمل بعضها الآخر من أجل تحديد ملامح المشروع الحضاري الذي وعدت به ومهدت له، ووضعت شروطه التأسيسية، ونفذت بعض حلقاته، «سيرة» رسول الله ﷺ . إننا ونحن نتحدث عن «السيرة» وشروطها المنهجية، يجب ألا ننسى ـ لحظة واحدة ـ أن القرآن الكريم هو الوثيقة «التاريخية» الأكثر أهمية في دراسة العصر ومحاولة الإلمام بنبضه الأساسي وملامحه المتفردة، وأنه ـ أي القرآن الكريم ـ ينطوي على شبكة خصبة من المعطيات التاريخية التي تحمل مصداقيتها المطلقة، والتي تشكل ـ من ثَم ـ نقاط الارتكاز في بنية السيرة حيث يجيء المحدث والفقيه والمؤرخ واللغوي والجغرافي والأديب فيقيم بنيانه عليها. وبنظرة سريعة إلى «أسباب النزول» في التفاسير القرآنية والمصادر الخاصة بالموضوع، يتبين للمرء الالتحام الحميم بين التنزيل والتاريخ: أن المعطى القرآني يرهص، ويصف، ويعقب، وينذر، ويعد، وهو في خطواته الخمس هذه يمارس تغطية تاريخية للعديد من وقائع السيرة المتشكلة في الزمن والمكان.. أي في التاريخ. ولقد تحدث الأستاذ سيد قطب طويلاً عن هذه المسالة وهو يكتب مقدماته الخصبة في (الظلال) ، عبر تفسيره للسور التي قدمت مادة سخية عن العديد من الغزوات والوقائع والمعطيات التشريعية، على مدى عصر الرسالة من بدئه حتى منتهاه ... كما تحدث عن طريقة عمل القرآن الكريم في إحداث التغيير، وهو في بدء التحليل ونهايته، تغيير تاريخي ينطوي بالضرورة على بعده الحضاري أو العمراني، بالمفهوم الشامل للكلمة. لقد كانت حياة الرسول ﷺ الكادحة وجهده الموصول حتى آخر لحظة، شهادة حية على قدرة هذا الرجل ـ النبي ـ على الإنجاز والتغيير، بكل ما تنطوي عليه الكلمتان من بُعد حضاري، ولقد جاءت شهادة الباحث الأمريكي المعاصر «مايكل هارت» في «المائة الأوائل» تأكيداً لهذا المعنى (٣) . لقد حاول الباحث المذكور أن يستقصي ويدرس بمعياري الإنجاز والتغيير، أعظم مائة شخصية في تاريخ البشرية ... ثم مضى لكي ينفذ خطوة تالية، باختيار أعظم رجل من بين هذه الشخصيات المائة، وبالمعيارين ذاتهما، فإذا باختياره يقع على محمد ﷺ فيعتبره أعظم شخصية في التاريخ؛ وذلك في قدرته على تنفيذ إنجاز كبير ومتغيرات انقلابية تنطوي على الديني والدنيوي معاً. وعندما جاءت السنة التاسعة للهجرة، ونزلت آيات (أو إعلان) براءة في صدر سورة التوبة، لتصفية الوجود الوثني في جزيرة العرب، كان رسول الله ﷺ قد حقق، وصحابته الكرام ﵃ على مستوى الفعل التاريخي، المنجزات التالية التي ينطوي كل منها على بُعد حضاري مؤكد: أولاً: التوحيد في مواجهة الشرك والتعدد. ثانياً: الوحدة في مواجهة التجزؤ. ثالثاً: الدولة في مواجهة القبيلة. رابعاً: التشريع في مواجهة العرف. خامساً: المؤسسة في مواجهة التقاليد. سادساً: الأمة في مواجهة العشيرة. سابعاً: الإصلاح والإعمار في مواجهة التخريب والإفساد. ثامناً: المنهج في مواجهة الفوضى والخرافة والظن والهوى. تاسعاً: المعرفة في مواجهة الجهل والأمية. عاشراً: الإنسان المسلم الجديد الملتزم بمنظومة القيم الخلقية والسلوكية المتجذرة في العقيدة، في مواجهة «الجاهليّ» المتمرس على الفوضى والتسيب وتجاوز الضوابط وكراهية النظام. وكانت آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله ﷺ وتعاليمه قد أرست جملة من القيم المنهجية وآليات العمل التي مهدت للمتغيرات العشرة آنفة الذكر، ودعمتها، ووضعت ـ إلى جانبها ـ شبكة من الشروط هيأت المناخ الملائم للفعل الحضاري، ومن بين تلك القيم والآليات: ١ - المعرفة هي حجر الزاوية. ٢ - النزوع إلى الأمام. ٣ - التحذير من هدر الطاقة. ٤ - مبدأ الاستخلاف. ٥ - مبدأ التسخير. ٦ - التحفيز على العمل والإبداع. ٧ - مجابهة التخريب والإفساد. ٨ - التوازن بين الأضداد والثنائيات، وتوحدها. ٩ - التناغم والوفاق مع الطبيعة والعالم والكون. ١٠ - تحرير الإنسان والجماعات والشعوب على المستويات كافة (١) . لقد جاء الإسلام لكي يتحرك وفق دوائر ثلاث تبدأ بالإنسان وتمر بالدولة، وتنتهي إلى الحضارة التي سيقدر لها أن تنداح لكي تغطي مساحات واسعة من العالم القديم. ولقد اجتاز الإسلام في مكة دائرة الإنسان، ثم ما لبثت العوائق السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية أن صدته عن المضي في الطريق صوب الدائرة الثانية حيث الدولة؛ لأنه ـ بلا دولة ـ ستظل دائرة الإنسان ـ التي هي أشبه بنواة لا يحميها جدار ـ مفتوحة على الخارج المضاد بكل أثقاله وضغوطه وإمكاناته المادية والأدبية، ولن يكون بمقدور الإنسان الفرد أو الجماعة المؤمنة التي لا تحميها دولة، أن يمارسا مهمتهما حتى النهاية، لا سيما إذا كانت قيمهما وأخلاقيّاتهما ورؤيتهما للكون والحياة والإنسان والمصير تمثل رفضاً حاسماً للوجود الجاهلي، ولا بد إذن من إيجاد الأرضية الصالحة التي يتاح فيها للمسلم والجماعة الإسلامية أن ينسجا مشروعهما قبل أن تسحقهما الظروف الخارجية، وتنحرف بهما عن الطريق، وليست هذه الدائرة سوى الدولة التي كان على المسلمين أن يقيموها وإلا ضاعوا. لقد تأكد للرسول ﷺ بعد كفاح طويل استمر أكثر من عقد أن القيادة الوثنية المكية لا يمكن بحال أن تهادن الدين الجديد الذي جاء يمثل رفضاً حاسماً لكل قيم الوثنية وأهدافها وتقاليدها ومصالحها، وأنها ستظل تدفع حتى النهاية الأخطار التي يمثلها الإسلام بوجه هذه المصالح والتقاليد والأهداف. وهكذا جاءت «الهجرة» لكي تنقل المسلمين إلى الدائرة الثانية وتمكنهم من إقامة دولتهم، والبدء بنسج مشروعهم الحضاري المتميز. إن اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة هو نهاية حركة حاسمة من أجل إقامة الدولة التي ستتولّى قيادة حركة الإسلام في العالم، لكنه في الوقت نفسه بدء حركة حاسمة أخرى من أجل تعزيز الدولة وإقامة الحضارة، تماماً كما كانت بعثة الرسول ﷺ في البدء حركة صوب تكوين الإنسان المؤمن صانع الدول والحضارات. لقد كان هدف الجهد النبوي في عصر الرسالة هو التأسيس لحضارة إيمانية تستمد منهجها ومفرداتها من هدي الله سبحانه، وتقوم على لقاء الوحي بالوجود، لمجابهة حضارات الكفر والضلال، وإزاحتها، والتحقق بالبديل الحضاري الملائم للإنسان ووظيفته التعبدية والعمرانية.. البديل المتوازن في مواجهة حضارات الميل والانحراف: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] .

стр. 5467

المناهج التوفيقية وإخوان الصفا الجدد عبد الله بن نافع الدعجاني ما زالت الأمة الإسلامية تعاني تراجعاً حضارياً ونكوصاً فكرياً بَالغَيْن، مما تسبب في انحسار مد حضارتها، وضعف سياستها، وتمزق جماعاتها وتربُّص أعدائها بها. ومن أعظم أسباب هذا التراجع وذلك النكوص قيامُ المتعالمين الجهلة والمتطببين المتهورين بزرع أنسجة قذرة في فكر الأمة وثقافتها، أنسجة أجنبية عن جسد الأمة ونافرة عن روحها. ومن عجائب أمر هؤلاء المتطببين والمتعالمين الأدعياء إصرارهم ـ مع طول عمر الأمة ـ على حقنها في غالب مراحل حياتها بتلك الأنسجة الفاسدة، مما زاد في نموها وترعرعها حتى كادت أن تغدو خلايا وأوراماً سرطانية، تعبث بحياة الأمة الفكرية وثقافتها، ولكن الله لطيف بعباده. إن تلك الأنسجة الفاسدة ما هي إلا تلك المناهج الفكرية المنكرة القديمة والمعاصرة، التي تسعى جاهدة ـ عبثاً ـ في التوفيق بين دين الأمة وهويتها وخصوصيتها وبين ما يناقض دينها ويصادم هويتها وينتهك خصوصيتها؛ إذ لما تعذر على أولئك مطلبهم وعز عليهم مرامهم بالنيل من الإسلام ـ لأنه بعيد المرام أبيُّ الزمام منيع الجانب صعب المراس ـ انثنوا لعطفهم ولوَّوا رؤوسهم إلى حيلة التوفيق اليائسة؛ لكن هيهات هيهات، فلكأنهم يريدون بذلك أن يوفقوا بين الظلام وبدر الدجى، أو يجمعوا بين الخنفساء وقطر الندى، أو يلفقوا بين الخنزير وشمس الضحى، وصدق المثل القائل «ما يجمع بين الأروى والنعام؟» . فقد أخفقت تلك المناهج الدخيلة ـ وبحمد الله ـ في مغزاها، وخابت في مرادها، لأنها سألت مستحيلاً فحُرمت، وطلبت ممتنعاً فمُنعت، إذ بمحاولتها الجمع بين المتناقضين والضم بين الضدين صادمت العقول البشرية وصادرت المبادئ الضرورية الأولية؛ وإلا فكيف يلتقي السكون والحركة؟ أم كيف يستوي النور والظلمة؟ أم كيف يتجانس الإسلام بالكفر؟ يقول الأستاذ (صاحب الظلال) ﵀ عن منهج الإسلام ومنهج الكفر: «.. لا يمكن التعايش بين منهجين للحياة بينهما هذا الاختلاف الجذري العميق البعيد المدى الشامل لكل جزئية من جزئيات الاعتقاد والتصور والخلق والسلوك، والتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ـ والإنساني ـ وهو الاختلاف الذي لابد أن ينشأ من اختلاف الاعتقاد والتصور» (١) . ولا غرو فإن الله ـ تعالى ـ فضح أسلاف دعاة هذه المناهج المشبوهة وهتك سترهم بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] . وحسبك أن تكون هذه التوفيقية المتلونة منهج الكافرين حقاً؛ لأنها مناهج لا تُعْرفُ مواردها، ولا تبين مصادرها ولا يهتدى لمسالكها، ولا يتخلص من مهالكها؛ فطريقها مظلم وبابها مبهم ودليلها أبكم، ليس في نتائجها ما يستحسن إلا كما قال العرب قديماً: (كُسيرٌ وعُويرٌ وكل غير خير) ؛ إذ لا تنتج إلا التناقض والاضطراب والحيرة والارتباك، وهذه ـ لعمر الله ـ ثمرات الكفر بالله والإشراك. - الجذور التاريخية للمناهج التوفيقية: ومما يؤسف له أن لهذه المناهج الدخيلة جذوراً غليظة، غاص في جوف الحضارة جذمُها، واشتد في ثرى الثقافة عرقُها، وقد تمثلت تلك الجذور في دعوات ومناهج تنادي بالتوفيق بين الشريعة الغراء والمناهج الفلسفية النكراء؛ وذلك في خلال مراحل عمر الأمة منذ أن عُرِّبت الفلسفة اليونانية. وأبرز المحاولات التوفيقية التي تمثل الجذور التاريخية للمناهج التوفيقية المعاصرة مشروعان: الأول: ما قام به «الكندي» و «الفارابي» و «ابن سينا» غير أن أخطر من دعا لهذا المنهج وقعّد له ونظّر هو «ابن رشد» ، فقد أفرد لهذا المشروع كتاباً وسمه بـ «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» ، وقد انتهى فيه إلى نتائج ماحقة للحقيقة الشرعية، ومن أبرزها: ١ ـ تفسير الحقائق الدينية بالآراء الفلسفية. ٢ ـ التأول الباطن للحقائق الدينية بما يتفق مع الآراء الفلسفية. وقد بنى منهجه التوفيقي على نظرية الطبقات؛ إذ قسم الناس تجاه الأدلة الشرعية إلى خاصة وهم أهل البرهان أي الفلاسفة، وعامة وهم ما عدا الفلاسفة ولكل أن يأخذ من الأدلة الشرعية بما يناسب حاله؛ فالفلاسفة لهم الباطن، والعامة لهم الظاهر، ولكن آراءهم ـ وإن تناقضت في الظاهر ـ فهي متوافقة في الباطن!! (١) . وقد تصدى لهذه المشاريع المغرضة علماء الشريعة وحفاظها ومن أبرزهم شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد كشف عوارها وأبدى تناقضها في مواضع من كتبه أبرزها كتابه الموسوم بـ «السبعينية» (٢) . الثاني: ما قام به لفيف من الزنادقة الباطنية فيما يسمى بـ «رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا» حاولوا فيها وضع رؤية جديدة ملفقة من تصور الشريعة السماوية المطهرة ومن رؤية الفلسفات الوضعية والدينية المحرفة، قاصدين بذلك مزاحمة الشريعة الإسلامية النقية واستبدالها بها. وقد انطوت تلك الرؤية الفلسفية الجديدة على تناقضات شرعية ومصادمات لضرورات الشرع والواقع؛ وذلك من خلال المنهج التوفيقي؛ ولا أدل على ذلك من قولهم في رسائلهم: «الرجل الكامل يكون فارسي النسب، عربي الدين، عراقي الأدب، عبراني المخبر، مسيحي النهج، شامي النسك، يوناني العلم، هندي البصيرة، صوفي السيرة، ملكي الأخلاق» (٣) . وقد كشف العلماء زيف تلك الرسائل وأظهروا عوارها. ومن تلك الكلمات المأثورة في نقدها قول الذهبي: «هي داء عضال وجرب مُرْدٍ، وسُم قاتل» (٤) ، وما أجمل ما نقله أبو حيان التوحيدي عن شيخه أبي سليمان المنطقي السجستاني؛ إذ قال ناقداً لأصحاب هذه الرسائل المشؤومة: «تعبوا وما أغنوا، ونصَبوا وما أجدوا، وحاموا وما وردوا، وغنوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ومشطوا ففلفلوا ... حصلوا على لوثات قبيحة، ولطخات فاضحة، وألقاب موحشة، وعواقب مخزية، وأوزار مثقلة» (٥) . - إخوان الصفا الجدد: وما زالت تلك المناهج المشبوهة تتابع وتتجدد حتى أصبحت لنا محنة ثقافية ننتظر زوالها، وغمّة فكرية منهجية نتأهب لكشفها؛ فقد ابتلي حاضر العالم الإسلامي بـ (إخوان الصفا) الجدد، وبمناهجهم ومشاريعهم التوفيقية المعاصرة، التي جاءت لتشيد ما أسسه «ابن رشد» ولتثمر ما غرسه «إخوان الصفا» ، يقود دفة هذه المشاريع والمناهج التوفيقية تيار عريض وُسِمَ في أوساط الثقافة العربية بـ «العصرانيين» وهم وإن نطقوا بنغمة أسلافهم ووافقوهم في أصل منهاجهم إلا أنهم كانوا طرائق قدداً؛ فمنهم المسلمون القاسطون، ومنهم العلمانيون الحداثيون، ومنهم أهل الأهواء العقليون، ومنهم دون ذلك، لكنهم متفقون على مبدأ واحد يمثل محور مشاريعهم التوفيقية وهو محاولة التوفيق بين الدين الإسلامي والفكر الغربي. ومن أبرز مشاريعهم التوفيقية الخطرة على ثقافة الأمة وفكرها وهويتها ثلاثة مشاريع: الأول: محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية والمبادئ العلمانية: ومع إيماننا بأن الشريعة الإسلامية والعلمانية نقيضان من حيث المبدأ والتصورات، ومن جهة الجوهر والمظهر، إلا أن «إخوان الصفا الجدد» ـ لما ثقلت عليهم وطأة الشريعة ـ أرادوا أن يركبوا كل صعب وذلول لمحاولة عسف مبادئ الإسلام لتوافق دينهم الجديد «العلمانية» فصادموا بذلك المبادئ العقلية وصادروا الضرورات الشرعية. وما أكثر ضجيجهم ومزاعمهم حول تقرير هذا المشروع؛ إذ قد تنوع إصدارهم الثقافي في نصرتهم لهذا المشروع ما بين عمل فني درامي، وعقد مؤتمرات وندوات، إلى تأليف كتاب تأصيلي. ومع تنوع الصور التي يعرضونها في سبل تعزيز هذا المشروع ما بين التصريح والتلميح إلا أنه تجمعهم حقيقة واحدة وهي تصورهم الكهنوتي للدين الإسلامي. ومن أول وأخطر ما كتب في هذا الصدد كتاب «الإسلام وأصول الحكم» (٦) لعلي عبد الرازق؛ وذلك في عام ١٩٢٥م؛ فقد انطلق لعرض مشروعه التوفيقي من النظرة الكنسية للحكم والولاية؛ وفي ذلك يقول: «ولقد كان عيسى بن مريم ﵇ رسول الدعوة المسيحية وزعيم المسيحيين، وكان مع هذا يدعو إلى الإذعان لقيصر ويؤمن بسلطانه، وهو الذي أرسل بين أتباعه تلك الكلمة البالغة: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (١) ، ثم حاول المؤلف أن يقيس مفهوم الإسلام للحكم والحكومة على مفهوم الكنيسة؛ فيقول: «لم يبق أمامك ـ بعد الذي سبق ـ إلا مذهب واحد؛ ذلك أن محمداً ﷺ ما كان إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك ولا حكومة، وأنه ﷺ لم يقم بتأسيس مملكة بالمعنى الذي يفهم «سياسة» من هذه الكلمة ومرادفاتها» (٢) . ويرى أن ما جرى زمن الرسول ﷺ من مظاهر الحكم، إنما هو من قبيل «الزعامة النبوية» على عهده. وهذا الوصف أعني به «الزعامة النبوية» وصف مستحدث مبتدَع لا سيما إذا تضمن سُمّاً ناقعاً ومعنى منكراً كما يريده «إخوان الصفا الجدد» ، ولذلك يقول علي عبد الرازق في تفسيره لهذا الوصف: «تلك زعامة كانت لمحمد بن عبد الله، فهي ليست لشخصه ولا نسبه؛ ولكن لأنه رسول الله ... فإذا ما لحق ﵇ بالملأ الأعلى لم يكن لأحد أن يقوم من بعده ذلك المقام الديني» (٣) يريد بذلك أن تكون الأحكام الشرعية خاصة بزمن الرسول ﷺ ومتعلقة بوصفه نبياً؛ وإذ قد مات النبي ﷺ فالأحكام الشرعية غير ملزمة من بعده، وهو بهذا التقرير يخدم هدفه الرئيس ألا وهو فصل الدين عن الدولة. وقد استلزم في سبيل تحقيق هذا الهدف لوازم باطلة، وصادم ضرورات شرعية، وناقض مبادئ عقلية أولية، وليس هذا مقام الكشف عنها. غير أن (الدكتور محمد البهي) تعرض له ناقداً ومحللاً ومعلقاً في كتابه «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» . الثاني: محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية والماركسية اليسارية: ومن تلك المشاريع التوفيقية المعاصرة محاولة إنتاج نظام اجتماعي واقتصادي جديد يسمونه بـ «اليسار الإسلامي» وذلك بالتوفيق بين الإسلام والماركسية، يراد من هذا المولود المشوه المعاق أن يتبنى قضايا الثورة والاشتراكية والعدل الاجتماعي وغيرها من القضايا. و «إخوان الصفا الجدد» دعاة هذا المشروع ـ لما انفض الناس عن دعوتهم الاشتراكية ونفر المسلمون من مبادئهم اليسارية ـ لجؤوا إلى حيلة التوفيق أسوة بأسلافهم من الفلاسفة والزنادقة، فألبسوا الاشتراكية الحمراء ثوباً شفافاً من الإسلام، وفصَّلوا على اليسارية النكراء قميصاً ممزقاً من الشريعة الغراء. وقد حمل راية هذا المشروع لفيف من العصرانيين أمثال (فتحي عثمان) و (سيف الإسلام محمد) و (محمد عابد الجابري) غير أن من تولى كبره في النهوض بهذا هو (حسن حنفي) إذ قد أصدر في سبيل هذا المشروع مجلة وسمها بـ «مجلة اليسار الإسلامي» . وهم في مشروعهم هذا يحاولون الجمع بين التيارات المتناقضة في عباءة اليسار الإسلامي؛ وفي ذلك يقول حسن حنفي: «ولا يرى اليسار الإسلامي أي حرج في أن يعتبر نفسه إسلامياً أو عربياً أو عالمياً أو قومياً دينياً أم علمانياً ... كل ذلك من أجل تجاوز التناقضات ووحدة الأهداف وتكامل الأبعاد بعيداً عن الصراعات» (٤) . وقارن ـ أخي القارئ ـ بين ما قرره حسن حنفي هنا وبين ما نقل سابقاً عن أسلافه «إخوان الصفا» في قولهم: «الرجل الكامل يكون فارسي النسب، عربي الدين، عراقي الأدب، عبراني المخبر، مسيحي النهج ... » فإنك حتماً ستجد رحماً فكرياً ووشاجاً ثقافياً بين (إخوان الصفاء القدماء) و (إخوان الصفاء الجدد) ، لا سيما إذا أدركت مدى اهتمام (إخوان الصفا الجدد) برسائل أسلافهم (إخوان الصفا القدماء) ، إذ كان على رأس المهتمين بتراث زندقتهم زعيم إخوان الصفا الجدد طه حسين. غير أن «إخوان الصفا الجدد» بلغوا من الجرأة والطيش مبلغاً عظيماً حينما يجاهرون بإلحادهم وزندقتهم؛ من ذلك دعوة (حسن حنفي) إلى تجديد اللغة والمصطلحات، إذ يرى أن اللغة التقليدية في التراث الإسلامي قاصرة عن الدقة والوضوح مما يوجب استبدال المصطلحات الماركسية الحية بها، ويجعل على رأس عيوب اللغة التقليدية التي لا بد من محاربتها أنها لغة إلهية تدور ألفاظها حول الله ... بل يرى أن لفظ «الله» لا يعبر عن معنى معين، بل هو «صرخة وجودية» فلفظ «الله» عند الجائع تعني الرغيف، وعند المستعبد تعني الحرية، وعند المظلوم تعني العدل؛ أي أن هذا اللفظ في معظم حالاته «صرخة المضطهدين» ثم يصرح قائلاً: «لا يمكن إيصال أي معنى بلفظ «الله» لأن الله حوى كثرة من المعاني لدرجة أنه يدل على معانٍ متعارضة» (٥) . سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد ناقش هذا المشروع التوفيقي بعض الكتاب الإسلاميين منهم (الأستاذ محسن الميلي) في كتابه (ظاهرة اليسار الإسلامي) بيَّن فيه جذور هذا المشروع ودوافعه وأهدافه وخصائصه. الثالث: محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية عقيدة ومنهجاً والديمقراطية الغربية فلسفة: ومن أعظم الفتن انتشاراً، وأشدها هيجاناً مفاهيم وفلسفة الديمقراطية الغربية؛ فما من ناحية إلا أثير فيها نقعها وما من صقع إلا استفتح فيها بابها حتى نفشت في المجتمعات سوامها، وفشت في العقول سمامها. ولما كاد أن يخطف بريق بهرجها عيون المفتونين بها وأوشكت خضرة زخرفها أن تسلب عقول المشدوهين لها أرادوا التوفيق بينها وبين دين أمتهم وثقافتها وفكرها؛ لكن كيف يكون توفيقاً؛ وعقيدة الإسلام وشريعته تناقض الديمقراطية الغربية في المبادئ والتصورات؟ ذلك لأن الديمقراطية نظام يحمل بُعداً عَقَدياً ونظرة «أيديولوجية فكروية» حول الكون والحياة والإنسان تخالف المفاهيم الإسلامية حول تلك القضايا مخالفة جذرية، فـ «الديمقراطية» نظام بني على مفهوم فلسفي أيديولوجي فكروي لا كما يظنه بعض دعاتها الإسلاميين من أنها نظام إجرائي تطبيقي مجرد على فلسفته وفكره؛ وهذا فهم ساذج سطحي للنظام الديمقراطي، وهذا الفهم القاصر للديمقراطية هو ما يفسر تبني بعض الجماعات الإسلامية وبعض رموز الدعوة التوفيق بين الشريعة المطهرة والديمقراطية الغربية وهذا مما يؤسف له (١) . ومن أعظم البراهين على مخالفة الديمقراطية الغربية الشريعةَ الإسلامية مخالفة جذرية هو نظرة كل منهما إلى مرجعية الأحكام الدنيوية والدينية؛ فالإسلام يجعل المرجعية في ذلك إلى الوحيين: الكتاب والسنة وما يتفرع عنهما. والديمقراطية تجعل المرجعية في ذلك إلى الشعب، ولا أدل على ذلك من اشتقاق كلمة «الديمقراطية» ، إذ هي مشتقة من كلمتين يونانيتين (Demos) تعني الشعب، و (Kratos) تعني «سلطة» وهاتان الكلمتان تعني «سلطة الشعب» (٢) . بمعنى آخر: أن المعبود في الإسلام هو الله، والمعبود في الديمقراطية هو الشعب، وإن المبدأ العقدي للإسلام هو التوحيد، والمبدأ العقدي للديمقراطية هو العلمانية. بل يمكن الزعم بأن حقيقة الفلسفة الديمقراطية تشبه إلى حد كبير حقيقة فلسفة (إخوان الصفا) ، ووجه الشبه في ذلك محاولة التوفيق بين التيارات الفكرية المتصارعة والمذاهب العقدية المتناقضة؛ وفي ذلك يقول (كرن شيلدز) أحد منظِّري الديمقراطية: «فالديمقراطي ممكن أن يكون بروتستانتياً، أو يهودياً، أو ملحداً، أو مؤمناً. ففيما يتعلق بالدين يمكن القول إن الديمقراطية مذهب محايد يتمثل في مجموعة من المعتقدات العلمانية الصرفية؛ فالمفهومات الديمقراطية لا ترتبط بالبواعث الدينية أو المضادة للدين» (٣) . هذه لمحة وإلمامة حول وصف بعض المشاريع التوفيقية لـ (إخوان الصفا الجدد) علَّها تسهم في كشف غطائها، وإبداء سوآتها؛ لكن هذه اللمحة التي يحتويها هذا المقال لن تؤدي واجب النقد كاملاً؛ إذ مازال استنساخ المنهج التوفيقي جارياً بصور متعددة وبأغراض مختلفة وما فتئت آثارها في فكر الأمة ومناهج استدلالها قائمة. وإليك ـ أخي القارئ ـ بعض آثارها الملموسة في حياتنا الدينية والثقافية والفكرية: ١ ـ تعكير صفو التوحيد وتدنيس صفائه عبر محاولة التوفيق بين الدين الإسلامي الحنيف والأديان المنسوخة المحرفة التي تطفح بمظاهر الشرك بالله؛ وتلك ـ لعمر الله ـ الفاقرة الصاقرة والجائحة الذابحة، وقد تولى كبر هذه الدعوة من (إخوان الصفا الجدد) جمال الدين الفارسي المعروف بالأفغاني. ٢ ـ تشويه صورة الإسلام المشرقة في أحكامه، ومن مظاهر هذا التشويه تجريد الإسلام من أحكام التكفير، وتفسير التكفير الوارد في أحكامه تفسيراً باطنياً؛ وذلك بمحاولة التوفيق بين الحقائق الشرعية والمظاهر الكفرية. ٣ ـ تهييج الصراع الفكري وإثارة الاحتقان السياسي الطاحن في المجتمع الواحد؛ وذلك عن طريق محاولة التوفيق بين الحقائق الشرعية الخالصة والقرارات السياسية المستبدة الجائرة. ينتج عن تلك المحاولة تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله الله. وفي بيان هذا الأثر يعلق ابن تيمية على حديث أورده بلفظ: «يأتي على الناس زمان تُسْتَحَلُّ فيه خمسة أشياء: يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها، والسحت بالهدية، والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع» (٤) . ٤ ـ الهروب من ثقافة الأمة والتنكر لها، وذلك عن طريق محاولة التوفيق بين الحقائق الدينية والحقائق التاريخية للأمة، وبين ثقافة المستعمر والغازي، وأوضح مثال على ذلك تغيير المناهج الدراسية بما يتوافق مع ثقافة المستعمر. ٥ ـ إضعاف الإيمان بالغيوب الشرعية في نفوس المسلمين؛ وذلك عن طريق محاولة التوفيق بين الغيوب الشرعية ومعطيات المدنية الغربية. ٦ ـ قلب المفاهيم الشرعية والتلاعب بمصطلحاتها، ومن أوضح الأمثلة على ذلك تفسير الخيانة بالأمانة، والأمانة بالخيانة؛ وذلك عن طريق محاولة التوفيق بين الحقائق الشرعية والضرورات النفسية والعرفية، وبين الإدارة السياسية للمحتل الغاشم وأذنابه؛ وذلك مثل هذا المنهج التوفيقي؛ إذ يقول ﷺ : «سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات، يصدَّق فيها الكاذب، ويكذَّب فيها الصادق، ويؤمَّن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» (٥) .

стр. 5468

لماذا أخفق مشروع النهضة التغريبي ؟ د. محمد مورو بعد عشرات السنين من اندلاع حركة التحرر الوطني في العالمين العربي والإسلامي ودول العالم الثالث عموماً، وبعد سلسلة من التجارب والمحاولات لتحقيق وبناء النهضة، اكتشف الجميع قادة ومفكرين أن مشروع النهضة التغريبي ـ أي الذي استند إلى وسائل وأساليب وأفكار مستمدة من الشرق أو الغرب ـ قد وصل إلى طريق مسدود، وأنه لم يحقق أياً من أهدافه المرجوة. وكان من الطبيعي أن يطرح السؤال نفسه، وهو: لماذا أخفق مشروع النهضة التغريبي ووصل إلى هذا المستوى من الانهيار وعدم الجدوى؟ وفي رأينا أن هذا المشروع النهضوي ـ الذي استند إلى أفكار الحضارة الغربية وأساليبها، والذي تجاهل خاصية الذات الحضارية لبلادنا ـ كان من الطبيعي والمؤكد أن يصل إلى طريق مسدود؛ لأنه افتقد المقومات البديهية لأية نهضة؛ ولأنه تجاهل العديد من الحقائق العلمية حول عملية النهضة. - إخفاق منهج النهضة: إذا افترضنا حسن النية في هؤلاء الذين قادوا محاولات النهضة في بلادنا وفي تاريخنا المعاصر فإننا نجدهم قد وقعوا في خطأ علمي فادح؛ حينما تعاملوا مع منهجية التغيير بمعزل عن السياق الحضاري لها؛ لأنه في الواقع لا منهج هناك مجرّداً من مقولاته ونماذجه؛ لأنه تشكل في أحشاء النماذج التي عالجها، واكتسى باللحم من خلال الموضوعات التي ولدها. والمنهج يقوم ويتشكل عبر عملية معقدة من خلال نمط مجتمعي محدد، مما يحدد له مبادئه ومقولاته ونماذجه؛ فالمنهج الأوروبي في النهضة تكوَّن عبر تاريخ النمط الحضاري الأوروبي، ومن ثَمَّ فإن هؤلاء الذين أخذوا منهج التغيير الأوروبي ـ حتى لو رفضوا نظرياً المقولات الفلسفية الحضارية الأوروبية ـ إنما هم في الحقيقة يخدعون أنفسهم؛ لأن هذا المنهج خرج من خلال منظومة حضارية شاملة منهجاً ونماذج ومقولات، ومن ثَمَّ فإن هذا المنهج اكتسى وأخذ هذا الطابع الحضاري المميز له. ولكل حضارة شخصيتها المتميزة، ويكاد يكون من المستحيل زرع حضارة في بيئة حضارة أخرى؛ لأن النتيجة ستكون مسخاً أو ربما أسوأ من المسخ، وحتى هؤلاء الداعون إلى ما يسمى بالتطعيم الحضاري يتناسون حقيقة علمية معروفة؛ وهي أن التطعيم في علم النبات ـ مثلاً ـ لا ينجح إلا بين النباتات المتقاربة عائلياً، وبديهي أن التطعيم والتلقيح بين الحضارة الإسلامية ـ القائمة على التوحيد والعدل والحرية ورجاء الآخرة ـ والحضارة الغربية ـ القائمة على الوثنية والمنفعة غير الخلقية والقهر والنهب ـ أمر غير ممكن عملياً وموضوعياً. إن الذين حاولوا بناء نهضة على أسس منهجية غربية لم يدركوا حقيقة موضوعية هامة؛ وهي أنهم لا يطبقون هذا المنهج في الفراغ، بل إن شعوباً عاشت تجربة حية من الإسلام لفترة طويلة جداً. إننا أمام حضارة إسلامية عريقة متميزة وثرية، حضارة تمتلك أصلاً نظرياً إلهياً، وتمتلك ثروة من التطبيقات الاجتماعية الهائلة، من خلال ما حدث طوال التاريخ الإسلامي من علاقات وحالات سياسية واقتصادية واجتماعية ارتبطت بالنص الإسلامي أو حادت عنه. وواجهت هذه الحضارة مشكلات في كافة الميادين، وترتب على تلك المشكلات فقه وثقافة وإجابات نظرية وتطبيقية في مختلف الفروع والمجالات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، فضلاً عن ميادين العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية. وهكذا، فإن القفز على هذا الواقع بكل أوجه الصحة والخطأ، والإنجاز، والقصور فيه سبَّب فجوة هائلة في الوعي والسلوك على حدٍّ سواء، وأهدر كل الأساسات فوق التربة أو تحتها، بحيث كان علينا أن نسير منذ البداية وفقاً للمنهج الأوروبي، ناهيك عن أننا نسير في الطريق الخطأ، وهو الأمر الذي يستلزم مئات السنين زمنياً، هذا إذا أمكن إخلاء الواقع من الوجدان والتراث الإسلامي، وهو مستحيل قطعاً. إن علم الاجتماع قد أكد على حقيقة بديهية لم يراعها دعاة النهضة التغريبية، وهي أن المنهج العلمي في أساسه أنماط اجتماعية معينة ينبغي أن يتم بمنهج هذه الأنماط ذاتها، وليس بمنهج مغاير، وإلا فإن الأخطاء ستكون بالجملة، أي أنه لا يمكن استقرار عملية النهضة والتنمية في مجتمعاتنا بمنهج مستمد من نمط الحضارة الأوروبية مثلاً، وعليه فإن شرط النهضة هنا هو أن تقرأ الواقع قراءة صحيحة؛ وشرط الصحة هنا أن تكون القراءة من خلال منهج نابع من هذا النمط الحضاري الذي نحن بصدده، وليس من خارجه. - غياب البعد الثقافي: محاولات النهضة الحديثة في بلادنا تواكبت مع عملية التحرر الوطني من الاستعمار، ولا شك أن الصراع مع الاستعمار صراع سياسي واقتصادي وعسكري، فلا شك أن الغرب الاستعماري قد استعمل ضدنا أقسى الوسائل العسكرية وأبشعها لتحقيق عملية القهر والنهب، وكذلك لم يتورع عن استعمال كل الوسائل السياسية والاقتصادية في تحقيق أهدافه، ولذلك كان من الطبيعي أن تشنّ حركات التحرر الوطني الحرب ضد الاستعمار عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. ولكن البعد الثقافي لتلك المواجهة كان غائباً، وكان هذا هو السبب بالتحديد في إخفاق مشروع النهضة بعد رحيل الاستعمار، بل الوصول إلى طريق مسدود أهدر كل المكاسب التي تحققت في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية للمواجهة، بل أقسى من ذلك وأمرّ أننا أصبحنا مهددين بعودة الاستعمار بجيوشه وأساطيله كالسابق وبآليات أكثر تعقيداً وأكثر كفاءة. إن البعد الثقافي للمواجهة كان يعني ضرورة تصفية الرواسب الثقافية الاستعمارية حكومياً وشعبياً؛ لأن هذا البعد الثقافي مرتبط بتحطيم أو بناء المكونات العقيدية والفكرية والحضارية، والأنماط المعيشية والإنتاجية، وأشكال العلاقات الجماعية والفردية؛ وتحطيمها يعني هدم القلعة من الداخل ومسخ الشخصية وجعلها في حالة عدم القدرة على الصمود والمواجهة، فضلاً عن تحقيق مشروع النهضة، أما بناؤها بصورة صحيحة فيعني التماسك الفردي والجماعي، والقدرة على المواجهة، والقدرة على تحقيق الذات الحضارية ومن ثَم تحقيق مشروع النهضة. - والتغريب أدَّى إلى الاستبداد: ما حدث بسبب التغريب يمكن أن نشبهه بنوع من الانفصال الشبكي بين الشعوب والنخب الحاكمة، فأصبحت الشعوب بمعزل حقيقي عن عملية النهضة، ولم تستطع النخبة السياسية أو الفكرية بحكم محدوديتها أن تنجز عملية النهضة. إن الشعوب كانت وما زالت تحمل الوجدان الإسلامي، كانت وما زالت معبأة بالتراث ومفعمة بالعقيدة، ولا يمكن القضاء على هذا الوجدان أو طريقة التفكير بسهولة؛ ولذا فإن فرض مشروع نهضوي غير قائم على وجدان الجماهير وعقيدتها وحسِّها الثقافي وتراثها التاريخي يجعل تلك الجماهير لا تفهم هذا المشروع ولا تتحمَّس له، أو ترفضه وتعاديه، أو يحدث لها نوع من ازدواج الشخصية أو انفصامها، وبذلك يعود إلى سلسلة من الأخطاء والخطايا تجعل مشروع النهضة في مهب الريح. وإذا كانت النخبة المغتربة جادة في محاولة تحقيق نهضة على أساس تغريبي فإن رفض الجماهير لهذا المشروع النهضوي التغريبي أو عدم حماسها له يجعل تلك النخبة تحاول أن تجبر الجماهير على الانخراط والحماس في هذا المشروع. وبما أن التركيبة الثقافية والوجدانية للجماهير لا تستجيب للتحريض الإعلامي النخبوي بهذا الصدد؛ فإن النخبة الحاكمة تجد نفسها لاجئة في النهاية إلى قمع الجماهير والاستبداد بها وإجبارها ـ قهراً ـ على الانخراط في هذا المشروع؛ وبالطبع تبدأ المسألة من هذه الزاوية وتنتهي إلى أن يصبح الاستبداد والقهر سِمَةً أساسية للحكم التغريبي؛ بحيث يصبح للاستبداد لبنته الخاصة والذاتية حتى يصرف النظر عن مشروع النهضة التغريبي، أي أن التغريب يخلق الاستبداد خلقاً. - في مسألة الحصول على التقنية: من الأشياء التي يتشدق بها دعاة مشروع النهضة التغريبي، أنهم يستهدفون الحصول على العلوم الطبيعية أو التقنية من خلال مشروعهم التغريبي المرتبط بالمنهج التغريبي في النهضة، والمنفتح على الحضارة الأوروبية التي أنجزت تقدماً علمياً باهراً. وينبغي هنا أن نضع الكثير من النقاط فوق الكثير من الحروف في هذه القضية الخطيرة. ينبغي أن نعرف أن العلوم الطبيعية تنقسم إلى قسمين: قسم خاص بالحقائق العلمية والمكتشفات العلمية، وقسم خاص بتوجيه هذه العلوم في اتجاه معين، أي لإنتاج سلعة ضرورية أو كمالية مثلاً، للقضاء على مرض أو لنشر مرض، أي لإنتاج أدوات تسعد الإنسان وتساهم في راحته، أو لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، لإصلاح البيئة والمحافظة عليها أو لتخريبها وتلويثها. أي أن هناك شِقاً علمياً وشِقاً قيمياً. والشق العلمي تراثٌ إنساني يجب الاستفادة منه وليس تراثاً أوروبياً، ولكن الشق القيمي للمسألة ـ أي توجيه العلوم في اتجاه معين ـ تراثٌ حضاري أي خاص بتوجه وقيم كل حضارة. والحضارة الإسلامية مثلاً عندما كانت متقدمة علمياً كانت توجه هذه العلوم لإسعاد الإنسان وتلبية حاجات كل البشر، بل كانت تسعى سعياً لنشر العلوم ولا تحجبها عن الآخرين؛ لأن حبس العلم جريمة في الشريعة الإسلامية الغراء. أما الحضارة الغربية فإنها عندما تقدمت علمياً استخدمت منجزات العلم في تحقيق أكبر قدر ممكن من النهب وقهر الشعوب الأخرى وظلمها، بل إنها أيضاً حجبت هذا العلم عن الشعوب الأخرى، بل أصدرت القوانين التي تجرم محاولة حصول الآخرين على تلك العلوم، مثل: قضية الدكتور المهندس عبد القادر حلمي مثلاً، بل وتغتال العلماء في البلاد الأخرى حتى لا تحدث نهضة علمية فيها، كاغتيال الدكتور يحيى المشد مثلاً. إذاً فالعلم كحقائق ومعرفة تراثٌ إنساني ساهمت فيه كل الحضارات والمجتمعات، بل إن النهضة العلمية الأوروبية الحديثة استفادت من العلوم والمعارف الإسلامية في تحقيق تقدمها المعاصر، ومن ثَمَّ فإن الحصول على العلوم واكتسابها ليس قاصراً على المشروع النهضوي التغريبي، بل العكس هو الصحيح؛ فالحصول على العلم هدف أي مشروع نهضوي إسلامي، أما الشق القيمي في العلوم، أي الشق المرتبط بكيفية استخدام هذه العلوم، فهذا أمر مرفوض. والعجب هنا، أن مشروع النهضة التغريبي لم ينجح حتى في الحصول على هذه العلوم لسبب بسيط هو أن الحضارة الغربية ترفض إعطاء العلوم للآخرين عن طيب خاطر، وما دام المشروع النهضوي التغريبي مشروعاً غير تصادمي مع الحضارة الغربية أي أنه متعاون ومهادن لها؛ فهو لن يحصل على هذه العلوم، بل الصحيح أن المشروع الإسلامي للنهضة هو القادر على الحصول عليها؛ لأنه سينتزعها انتزاعاً، ثم يستطيع أن يهضمها حضارياً، أي أن بإمكانه أن يوجهها التوجيه المتفق مع قيمه الحضارية وللمصلحة الإنسانية.

стр. 5469

الحقيقة الكاملة لأعداد سكان العراق سنة وشيعة قراءة في كتاب فضيلة الشيخ الدكتور طه الدليمي عرض: أبو أويس البغدادي الحقيقة (أول كتاب مخطوط عن تعداد السنة والشيعة في العراق) . يتحدث الشيعة ـ ويكثرون من الحديث ـ عن كونهم يمثلون الأكثرية من سكان أهل العراق، وأن أهل السنة والجماعة لا يشكلون فيه إلا أقلية قليلة هي ربما أقل من بعض الأقليات الأخرى الموجودة فيه. وقد ازداد حديثهم هذا كثرة في الفترات الأخيرة خصوصاً بعد الاحتلال؛ تسمع هذا في الإذاعات والفضائيات، وتقرؤه في الكتب والنشرات، وتجده على ألسنة الناس، حتى من بعض أهل السنة أنفسهم؛ وهذا جهل منهم بلا شك. في الوقت نفسه تجد أهل السنة يُعرِضون عن هذا ولا يذكرونه أبداً حذراً من دعوى الإثارة الطائفية رغم أن الطرف الآخر لا يحذر مما يحذرون، ويكثر من ذكر ما لا يذكرون. لقد آن لنا أن نسأل: هل صحيح ما يقوله الشيعة من أنهم الأغلبية، وأن أهل السنة هم أقلية؟ أم أنه مجرد إشاعة تلقتها الألسن ورددتها الأفواه فرسخت في الأذهان لطول التلقي وكثرة الترديد لا؛ لأنه يقوم على مستند من العلم أو أساس من الواقع؟ وآن لنا أن نجيب عن هذا السؤال لأجل أن يعلم الناس الحقيقة من الزيف في الداخل والخارج. - حقائق لا بد من تقديمها: وقبل مناقشة الموضوع نقاشاً علمياً إحصائياً أود تقديم الحقائق التالية: ١- الحق يقوم على الصدق والعلم، ويعتمد البرهان والدليل، والباطل يقوم على التزوير والخداع، ويعتمد الدعاية والتضليل وخلط الأوراق والتلاعب بالألفاظ. والله يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] . ٢ - يمتاز العقل الجمعي للمجتمع البشري ـ أو قل: عقل المجتمع كمجموع ـ بقابليته للتأثر بما يكثر وروده عليه، والتصديق بما يكرر طرقه على سمعه من معلومات مهما كانت خاطئة أو بعيدة عن الواقع؛ فكل ما يكثر إشاعاته ونشره على أسماع المجتمع تجده ـ بعد مدة ـ يرسخ، ويمسي كحقيقة مسلَّمة في أذهان الكثيرين من أفراده. هكذا انتشرت العقائد الباطلة والأفكار الفاسدة، والنظريات الهدامة، بل الخرافات والأساطير في جميع المجتمعات. ولكل مجتمع عقائده وأفكاره وخرافاته وأساطيره التي رسخت فيه كحقائق مسلَّمة نتيجة الإشاعة والطرْق المستمر، وما اليهودية والنصرانية والبوذية والمجوسية والشيوعية إلا أمثلة على ما أقول. ومن هذا الباب وجود ما يسمى بـ (الخطأ الشائع) فكثير من المعلومات والاعتقادات والتصورات إن هي إلا أخطاء شائعة لو دُرست علمياً ومُحصت على ضوء الدلائل والبراهين لظهر زيفها وبان خطؤها، ولذلك قيل: (كل مكرر مقرر) . ولأهل الباطل مقولة مشهورة (*) تعتمد على هذه الخاصية التي يمتاز بها العقل الجمعي هي: «اكذب.. اكذب حتى يصدقك الناس» . ٣ - إن التفرقة الاجتماعية والتجزئة السياسية ليست حلاً لأي طائفة أو فئة من فئات المجتمع، مهما كان حجمها كثيراً أم قليلاً، أكثر أم أقل؛ فليس الحل بأن تستحوذ الفئة الكبيرة أو الأكبر على مقدرات البلد، وتظلم الفئات الأخرى وتهضم حقوقها، ولا بأن يقسم البلد أو تتناحر فئاته على أساس اختلاف هذه الفئات. إن جميع بلدان العالم تتشكل مجتمعاتها من فئات مختلفة في انتماءاتها القومية والدينية والمذهبية والفكرية، ولقد ضمت دولة الإسلام تحت جناحها عشرات الأقوام والمذاهب. إن الحل في وجود قانون متوازن يسري في أوصال المجتمع فيحفظ للكل حقوقهم. وتأسيساً على ما سبق أقول: ليس دافعنا فيما نكتب أن نثبت أننا الأكثرية لتكون لنا الحصة الأكبر؛ فإن كل مسلم واع ووطني صادق لا تقف مطامحه دون الحصة الكاملة يتشارك فيها مع الجميع على قدم المساواة والعدالة؛ حصة يكون الجزء فيه كأنه هو الكل، والكل ممثلاً للجزء. إن صاحب الدار لا يرضى بحصة أو حجرة له فيها مع اللصوص؛ لكن بأن تكون هذه الحجرة لزوجته وتلك لأخيه وثالثة لولده إذا كان هذا التوزيع ضمن الدار الواحدة. إن الذي يريد التقسيم تحت أي ذريعة سارق لئيم، وإن الذي يريد أن يفوز بالحصة الأكبر على حساب الآخرين ظالم معتد أثيم، وفي تراثنا قصة مشهورة ملخصها أن امرأتين جاءتا إلى نبي الله سليمان ﵇ تختصمان في ولد ذكر كل واحدة منها تدعي أنه ولدها دون الأخرى، وحين نادى ﵇ بالسكين ليقسمه بينهما ولولت إحداهما وقالت: إنه لصاحبتي، بينما ظلت الأخرى ساكتة، فعرف سليمان ﵇ أن الولد لتلك التي لم ترض بالقسمة فحكم به لها. إننا نرفض التجزئة ونرفض الظلم على أي أساس كان وأي نسبة كانت. ٤ - ديننا دين الجماعة والمحبة والصلة وحسن الجوار. ونحن ـ أهل السنة والجماعة ـ السنة عندنا معناها الحق والدين كله، والجماعة هي الوحدة والتآلف المقابل للفرقة والتناحر؛ فانتماؤنا للإسلام حسب معادلة لها طرفان: أحدهما السنة، والآخر الجماعة. وسلوكنا قائم على المحافظة على التوازن بين طرفي هذه المعادلة بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر ولا يكون على حسابه. فنحن نؤمن بالحق ونصرح به، وفي الوقت نفسه نمد يد التعاون والأخوة والجماعة إلى الآخرين. ودولة الإسلام كانت تضم أدياناً متعددة عاش أصحابها جنباً إلى جنب مع المسلمين، وحين طاردت الصليبية فلول اليهود في الأندلس بعد انهيار دولة الإسلام لم يجد اليهود ملاذاً لهم إلا أرض المسلمين ودولتهم فهاجروا إليها. والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] وقوله ـ تعالى ـ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ #! ٨! #) إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] . وحين دخل رسول الله # في المدينة وجدها مختلفة الأديان والأعراق، لكن حين أقام دولته على أساس عقدي لم ينس الوحدة الوطنية. العراق بلد فيه نصارى وفيه مسلمون وفيه يهود كذلك، وهؤلاء أديانهم مختلفة، ولكن هذا الاختلاف في الدين لا يمنع التقاءهم على مصلحة بلدهم؛ فهم ـ وإن اختلفوا دينياً ـ يجب أن يتحدوا وطنياً. وفي العراق كذلك طائفتان كبيرتان هما أهل السنة والجماعة والشيعة، واختلاف هاتين الطائفتين دينياً (*) لا يمنع التقاءهما سياسياً ووطنياً، بل هذا واجب شرعي ومطلب وطني، عليهم أن يتعاونوا فيما بينهم من أجل تحقيقه وترسيخه، وعليهم أن يشيعوا بين جماهيرهم وعوامهم أن الاختلافات الدينية أو الطائفية لا ينبغي أن تكون عقبة في سبيل الوحدة الوطنية. - لغة الأرقام: بعد هذه المقدمة الضرورية نأتي لنستنطق الإحصائيات والأرقام ونرى ماذا تقول؟ وبِمَ تحكم؟ ١ - عدد المحافظات السنية وعدد المحافظات الشيعية: هذا إذا اعتبرنا العاصمة بغداد متساوية العدد بين أهل السنة والشيعة ولم نقل بأن أهل السنة متفوقون عددياً وهو الذي أرجحه. ٢ - فرق العدد والكثافة بين المحافظات السنية والشيعية: تبين لنا من الجدول السابق أن المحافظات الشيعية تزيد على المحافظات السنية بفارق عدد هو واحد (١) فالمحافظات الشيعية عددها (٩) بينما المحافظات السنية عددها (٨) . لكن هذا الفرق العددي البسيط يتلاشى أثره تماماً إذا نظرنا إلى فرق الكثافة السكانية بين الطرفين؛ فإن غالب المحافظات الشيعية ذات كثافة سكانية متدنية مقارنة بالمحافظات السنية التي هي في غالبها مناطق أو محافظات ذات كثافة سكانية عالية، بل إن فرق الكثافة هذا يعكس المعادلة ويجعلها بالمقلوب. هذه الحقيقة وحدها تكفي معرفتها في التحقق من أن الأغلبية السكانية في العراق هي لأهل السنة والجماعة وليست للشيعة كما هو شائع، وهذا يتبين من معرفة عدد سكان كل محافظة حسب آخر إحصائية رسمية وهي التي جرت عام ١٩٩٦م. وهذه هي الإحصائية مع التجاوز عن الكسور العددية وتقريبها إلى أوْلى عدد معتبر: أي أن مجموع سكان المحافظات السنية يزيد إجمالاً على مجموع سكان المحافظات الشيعية بأكثر من سبعمائة ألف. لكن هذا العدد يكبر ويتضاعف إذا حسبنا عدد أهل السنة في المحافظات الشيعية وعدد الشيعة في المحافظات السنية ثم أضفنا الناتج كلاً إلى طائفته، فإن وجود أهل السنة في المحافظات الشيعية يزيد إلى حد الضعف تقريباً عن وجود الشيعة في المحافظات السنية، وسيأتي بيان ذلك بالأرقام. أقضية في محافظات سنية تساوي محافظة شيعية: ويبقى فرق الكثافة فعّالاً في إعطائنا حقائق أخرى مهمة. مثلاً: ثلاث محافظات شيعية هي كربلاء (٧٤٠.٠٠٠) وميسان (٥٩٠.٠٠٠) والمثنى (٤١٤.٠٠٠) لا تساوي مجتمعة محافظة سنية هي نينوى (١.٩٠٠.٠٠٠) فإن الأخيرة تساويها وهي مجتمعة وتزيد عليها بمائة وستة وخمسين ألفاً (١٥٦.٠٠٠) . بل إن ما يقارب نصف المحافظات الجنوبية (الشيعية) كواسط وميسان والمثنى والقادسية هي عبارة ـ من حيث عدد السكان ـ عن أقضية في بعض المحافظات الغربية أو الشمالية (السنية) ؛ فمحافظة المثنى أو ميسان أقل في سكانها في قضاء الفلوجة في محافظة الأنبار، أو سامراء في محافظة صلاح الدين. - غالبية المحافظات السنية عالية الكثافة عكس المحافظات الشيعية: حقيقة أخرى تظهر لنا من النظر في فروق الكثافة وهي أن عدد المحافظات السنية ذات الكثافة السكانية العالية ـ أي التي بلغت مليوناً فأكثر ـ هو ضعف عدد المحافظات الشيعية العالية الكثافة. إن عدد المحافظات الشيعية العالية الكثافة هو ثلاث من تسع (٣ / ٩) أي بنسبة واحد إلى ثلاثة (١/٣) أي أن ثلثي المحافظات الشيعية قليلة الكثافة. بينما عدد المحافظات السنية العالية الكثافة هو بنسبة خمس إلى ثمان (٥/٨) . وإذ نظرنا إلى أن محافظة نينوى تقارب في عددها المليونين، ومحافظة صلاح الدين تقارب المليون فيمكن القول بأن العدد هو ست إلى ثمان (٦/ ٨) أي أن ثلاثة أرباع المحافظات السنية هي محافظات ذات كثافة سكانية عالية (٣/٤) . كما يلاحظ بوضوح أن المحافظات السنية العالية الكثافة مقارنة بمثيلاتها من المحافظات الشيعية هي ست إلى ثلاث (٦ /٣) أي ضعفها. وهذا الجدول يبين ما تقدم بالأرقام: أ - المحافظات عالية الكثافة: ب - المحافظات قليلة الكثافة: - عدد السنة في المحافظات الشيعية أكثر من الشيعة في المحافظات السنية: يتركز أهل السنة في المحافظات الشيعية عالية الكثافة، ويقلون في قليلة الكثافة؛ إذ يشكل أهل السنة نسبة تقارب الثلث (١/٣) في اثنتين من المحافظات الشيعية الثلاث العالية الكثافة وهما البصرة وبابل. ففي الأولى يشكلون نسبة لا تقل عن ٣٥% وتصل نسبتهم إلى ٣٠% من عدد السكان في الثانية. بينما لا يتركز وجود الشيعة في أي محافظة في المحافظات السنية سواء منها العالية الكثافة أو الواطئة سوى ديالى بنسبة ٣٥% من عدد سكانها. ومن ملاحظة الأعداد في الجدول الأخير من هذه الدراسة نجد أن عدد أهل السنة في المحافظات الشيعية حوالي (١.١٣٥.٠٠٠) بينما عدد الشيعة في المحافظات السنية حوالي (٦٨٥.٠٠٠) فقط. - النسب التقريبية لكل طائفة في كل محافظة: وصفت هذه النسبة بـ (النسب التقريبية) لعدم وجود إحصائية رسمية تتعلق بكل طائفة في كل محافظة. وإنما اعتمدت هذه النسب طبقاً للمعرفة الشخصية المبنية على المعايشة الاجتماعية والخبرة الواقعية والسؤال والبحث والتثبت من خلال الآخرين بحيث أستطيع القول بأن هذه النسب أقرب إلى الحقيقة. وهذا يعني أن الرقم المثبت قد يزيد قليلاً أو يقل عما هو عليه. أ - المحافظات السنية: ب - المحافظات الشيعية: العاصمة بغداد: هذا كله إذا اعتبرنا العاصمة (بغداد) متساوية النسبة بين الطائفتين. على أن الذي أرجحه أن أهل السنة في بغداد لا يزالون يشكلون أغلبية السكان، وأن نسبتهم قد تصل إلى ٦٠%. - عدد أهل السنة والشيعة طبقاً إلى نسبتهم المتوقعة في كل محافظة: أما إذا اعتبرنا نسبة أهل السنة في بغداد ٦٠% فتكون النتيجة كالآتي: - عدد أهل السنة = ١١.٦١٣.٢٤٠ - عدد الشيعة = ٩.١١٨.٧٦٠ فإذا قمنا بحذف ٧٠٠.٠٠٠ من هذه الأعداد ووزعنا هذا الرقم بحيث نحذف ٤٠٠.٠٠٠ من أهل السنة و ٣٠٠.٠٠٠ من الشيعة: ذلك أن مجموع أهل السنة مع الشيعة عام ١٩٩٦ هو عشرون مليوناً (٢٠.٠٠٠.٠٠٠) ، وأن العدد المحذوف (٧٠٠.٠٠٠) يمثل الأقليات الأخرى ـ فتكون النتيجة كالآتي: العدد الإجمالي لأهل السنة يتراوح بين ١٠.٧٥٠.٠٠٠ و ٠٠٠،٢٠٠،١١. والعدد الإجمالي للشيعة يتراوح بين ٠٠٠،٨٠٠،٨ و ٠٠٠،٢٥٠،٩. أي معدل عدد أهل السنة هو ٠٠٠،٠٠٠،١١. ومعدل عدد الشيعة هو ٠٠٠،٠٠٠،٩. أي أن عدد أهل السنة يزيد على عدد الشيعة في العراق بمقدار مليونين (٢.٠٠٠.٠٠٠) . وهذا يعني أن: نسبة أهل السنة في العراق بين ٥٢% و ٥٤%. ونسبة الشيعة في العراق بين ٤٢% و ٤٥%. ونسبة الأقليات في العراق بين ٣% و ٤%. والنتيجة النهائية التقريبية هي أن: نسبة أهل السنة في العراق = ٥٣%. نسبة الشيعة في العراق = ٤٣%. نسبة الأقليات = ٤%. المجموع =١٠٠%. - دور الإعلام الشيعي في إشاعة هذا الخطأ الشائع: إذن ما يقال من أن الشيعة هم أكثرية سكان العراق ما هو إلا خطأ شائع رسخه الإعلام الشيعي الذي ما فتئ منذ عشرات السنين يردد هذه المقولة التي أخذت تنتشر وتشيع شيئاً فشيئاً، والذي شجع على انتشارها وإشاعتها خلو الساحة من المعارض لها مما أدى إلى رسوخها حتى في أوساط أهل السنة والجماعة أنفسهم في داخل العراق نفسه فضلاً عن الآخرين خارجه من الذين لا قناة لمعلوماتهم سوى الإعلام الذي اقتصر من هذه الناحية على الشيعة فقط؛ بينما أهل السنة يُعرضون عنها إعراضاً تاماً؛ فلا يذكرون شيئاً عنها قليلاً ولا كثيراً، لا تصريحاً ولا تلميحاً، لا في كتاب ولا مجلة ولا جريدة، ولا في خطبة ولا محاضرة ولا مقابلة تلفزيونية؛ إنما كان شأنهم الصمت المطبق؛ يحملهم على ذلك رغبتهم في أن يربؤوا بأنفسهم عن كل ما يثير الطائفية أو يشير إليها أو يشعر الآخرين بأن في العراق طائفتين، حتى ولو كان من باب الرد بالمثل، أو من باب إحقاق الحق ووضع الأمور في مواضعها كما هو ديدنهم دوماً؛ حتى إن من كان منهم يعارض هذه الحال ـ وهم قلة ـ ويتطرق إلى ذكر الحقائق كما هي، وينتقد هذا الصمت الذي لا نجني من ورائه سوى الخسارة، وينذر بسوء العاقبة إذا ظلت الحال على ما هي عليه كانت تقوم في وجهه زوبعة من المعارضة والتشهير والتجريح من قِبَل أهل السنة أنفسهم قبل غيرهم. والذي يعرف ما كان يدور في قضاء المحمودية، وكيف كان يجابه بل يحارب يدرك تماماً ما أقول. حتى إذا وقعت الواقعة وظهر على السطح ما كان خفياً أو صغيراً لا تراه أكثر العيون عند ذاك بدأت الأمور تنحو منحى آخر، وصارت الألسن تنشط شيئاً فشيئاً من عقالها. والحمد لله على كل حال؛ فإن العاقل ـ كما قيل ـ يبدأ من حيث انتهى العقلاء، وعسى أن تكون البداية قد واتت قبل فوات الأوان. كان هذا الإعلام كثيراً ما يظلم الحقيقة ـ تضخيماً وتحجيماً ـ إلى درجة الإسفاف؛ ولنتأمل معاً هذه الأمثلة: في إيران تدعي الحكومة في وسائل إعلامها أن نسبة أهل السنة ٣% فقط؛ بينما الحقيقة أن نسبة أهل السنة والجماعة في إيران قد تصل إلى ٣٠% وقد تتجاوزها. ناهيك عن الظلم والإجحاف الذي تلحقه الدولة الإيرانية بهذه الطائفة الكبيرة. وما أن تعبر الحدود إلى العراق حتى تجد الظلم المسف نفسه؛ إذ يدعي بعض من الشيعة أن نسبتهم تناهز الـ ٨٥% من مجموع الشعب العراقي، وهذا يعني أن مجموع نسبة أهل السنة من العرب والكرد والأقليات الأخرى لا يساوي ١٢%؛ فإذا علمنا أن نسبة الأكراد لا تقل عن ٢٠% وأضفنا إليها ٤% هي نسبة الأقليات غير المسلمة فإن نسبة السنة العرب لا يصبح لها وجود تماماً إلا في موقع وهمي يمكن العثور عليه عن طريق الرقم ١٢% تحت الصفر. ومع كل هذا فإن هذه دعوى أن نسبة الشيعة ٨٥% تقال وتكتب وتنشر بكل صفاقة؛ مع الصمت المطبق من علماء أهل السنة ترفعاً ـ من جانب واحد ـ عن إثارة الحساسيات الطائفية؛ فكيف لا يصدق الناس في الداخل والخارج ما يدعي الشيعة؛ بحيث يكون المتواضع منهم من يقول بأن نسبة الشيعة ٦٠% أو ٦٥%؟ ومن هذه الدعاوى الضعيفة التي تنشر بلا معارض وتسري بلا عقبات: قولهم بأن نسبة الشيعة في محافظة الأنبار ٢٥% مع أنها لا تكاد تحتسب. وقولهم بأن قضاء سامراء في محافظة صلاح الدين أغلبيته شيعية مع أنه منطقة سنية صافية سوى بعض الزوار الذين يقصدون مرقد الحسن العسكري وعلي الهادي، وسرعان ما يرجعون من حيث أتوا. وقولهم بعدم وجود نسبة تذكر لأهل السنة في البصرة؛ مع أنهم في الحقيقة يشكلون نسبة لا تقل عن ٣٥%. وقولهم إن عدد سكان مدينة الثورة في بغداد ـ وفيها غالبية شيعية ـ يساوي مليونين ونصف المليون؛ ورغم صفاقة هذا القول الواضح من حيث إنه يعني أول ما يعني أن أهل الثورة وحدهم يساوون أكثر من نصف سكان مدينة بغداد؛ وهذا واضح البطلان ـ لكنه شائع إلى حد التصديق. أما الحقيقة فإننا نجدها في إحصائية وزارة التجارة لحساب الحصص التموينية لعام ٢٠٠٢م إذ يتبين من خلالها أن عددهم حوالي (٩٠٠.٠٠٠) علماً أن هذا العدد لا يمكن التلاعب به بالناقص؛ لأنه متعلق بحساب الحصة التموينية الخاصة بكل فرد مع احتمال تزويره بالزيادة، ولا سيما أن أهل الثورة معروفون بإتقانهم لعمليات التزوير، وسوق (مريدي) شاهد حي على ذلك. فإذا رجعنا بالعدد إلى عام ١٩٩٦م - وهي الإحصائية التي اعتمدناها في حسابنا في هذا البحث - وأخذنا بالاعتبار وجود نسبة لا بأس بها من أهل السنة في مدينة الثورة، مع احتمال تزوير الرقم بالزيادة وهو احتمال وارد جداً - فإن هذا الرقم (٩٠٠.٠٠٠) سيقل كثيراً. ومن الأقوال التي يشيعونها بلا تردد أن نسبة الشيعة في المملكة العربية السعودية ٢٥% وهكذا. - عدد زوار كربلاء مقارنة بعدد حجاج مكة المكرمة: الواقع أن التشيع مذهب يقوم على الإشاعة والإعلام. وقد تزعج هذه المقولة الكثيرين رغم أني لا أريد إزعاجهم، ولكن ماذا أفعل إذا كانت هي الحقيقة؟ ولهذا قيل: إن الحقيقة مرة. وإلى هؤلاء الذين قد ينزعجون أسوق هذا المثل الواقعي الصارخ، فليقرؤوه ثم بعد ذلك سيدرك من يبغي الحق ويطلب الحقيقة من هو الأوْلى بالانزعاج. في زيارة (الغدير) أو (أربعينية الحسين) يعطي الشيعة أرقاماً مذهلة عن عدد الزوار تصل أحياناً إلى اثني عشر مليوناً (١٢.٠٠٠.٠٠٠) مع أن الشيعة كلهم في العراق لا يصل عددهم إلى عشرة ملايين، والمقل منهم يتواضع لينزل بالعدد إلى أربعة أو خمسة ملايين. وإذا جئنا لنقرأ الحقائق بمنطق العقل والواقع، وأجرينا مقارنة بسيطة بين مدينة مكة المكرمة وبين مدينة كربلاء فإننا نجد أن مكة المكرمة على سعتها وامتدادها وكثرة مبانيها وعماراتها، والأرض الفسيحة التي تمتد في الصحراء المترامية الأطراف حولها، وتطور خدماتها المذهلة، وكونها مدينة عالمية، وهي بمثابة قلب العالم الإسلامي ومهوى أفئدة المؤمنين جميعاً في العالم كله تكاد تختنق بأعداد الحجاج وتحدث ـ نتيجة زحامهم ـ مشاكل كثيرة كل عام وبعضهم يكاد أن يسحق أو يختنق، ولا يمر موسم دون احتمال هذه الحوادث التي قد تصل إلى فقدان الأرواح، ومع هذا كله فإن عدد الحجاج كل عام لا يزيد على مليونين (٢.٠٠٠.٠٠٠) إلا قليلاً وقد يقل عن ذلك أحياناً؛ فكيف يصدِّق عاقل أن كربلاء تلك المدينة الصغيرة ذات الأزقة الضيقة، والفنادق الصغيرة القليلة، والبنايات المتواضعة، والخدمات البسيطة يستوعب مركزها أربعة ملايين أو أكثر أو أقل؟ علماً أن زوارها طيلة السنين الماضية يقتصر عادة على أهل العراق وعلى الشيعة منهم فقط؛ بينما يقصد الحجاج مكة المكرمة من كل فج وصوب من أكثر من خمسين دولة إسلامية، وعشرات بل مئات الدول الأخرى سنة وشيعة، وهؤلاء جميعاً لا يتجاوز عددهم المليونين إلا قليلاً. والمزعج في هذا كله أن بعض الشيعة يتجرأ ليفتخر قائلاً: (إن زوار كربلاء هذا العام اكثر من حجاج بيت الله الحرام) علماً أننا بتنا نسمع مثل هذا جهاراً نهاراً في كل عام. - المنتسبون إلى البيت العلوي: خذ مثلاً آخر: كثرة المنتسبين إلى البيت العلوي أو من يسمون أنفسهم ويلقبونها بـ (السادة) كم يبلغون عدداً في العراق وإيران فقط؟ إنهم لا يقلون عن خمسة ملايين؛ والآن نسأل كم عدد رجال العرب أيام سيدنا علي ﵁؟ لا شك أنهم لا يقلون في كل الأحوال عن مائة ألف (١٠٠.٠٠٠) فإذا كانت ذرية واحدة من هؤلاء المائة الألف الذي هو علي ﵁ قد بلغت خمسة ملايين فكم ينبغي أن تبلغ ذرية هؤلاء جميعاً؟ والجواب يتبين علمياً من ضرب خمسة ملايين بمائة ألف. أتدري كم هو الناتج؟ إنه يعادل عدد سكان العالم اليوم مائة مرة، وعدد سكان الصين الشعبية أربعمائة مرة. وإذا لم تصدق فتأكد بنفسك من صحة هذه العملية الحسابية: ١٠٠.٠٠٠ * ٥.٠٠٠.٠٠٠ = ٥٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ هل تعلم أن عدد العرب في العالم كله اليوم لا يزيد على ربع مليار؟ وقس على ذلك! إذاً لا تنزعج وتلُمْ إن قلت لك: إنك تعيش عالماً من الأوهام، أو عالماً هو عبارة عن خدعة كبيرة رسختها في ذهنك وسائل الإشاعة والإذاعة والإعلام، وأنك في أوهامك لا تختلف عن الصيني والياباني مثلاً وهو يعيش أوهام عقيدته البوذية. - أخيراً: نصيحتي إلى إخواننا من الشيعة أن يعوِّدوا أنفسهم تقبُّل الأشياء كما هي، وأن يوطنوها على التعامل مع الحقائق والوقائع كما هي في الواقع، وأن يدركوا الفرق الشاسع بين أن تعيش أمانيك، وحقك في أن تتخيلها كما وكيف تشاء، وبين أن تفرض هذه الأماني والخيالات على الآخرين؛ فإن هذا ليس من حقك، وإن كثيراً مما يزعج هو من حق الآخرين، وإن علينا أن نتقبله ونتعايش معه؛ فإن العالم مليء بالمزعجات والمنغصات.

стр. 5470

المرأة قضية انتخابية وفاء بنت عبد الله العمر موقع نووي هناك رغبة جارفة لاختراقه والجدل بكل ما يحيطه، وكلٌّ يرغب في سبقه الصحفي ليعرّف بنفسه. قضية ساخنة على الدوام. قضية دائماً في الفرن. والغريب أن من له شأن ومن ليس له شأن وهم كثر، يتصدى لهذه القضية، والأغرب أنهم يتحدثون فيما لا يفهمون بعيدين عن اللب، يناقشون هموم المرأة، ويتحدثون عن هويتها المفقودة، يختلفون ويعلو الصياح والنقاش، وتتصدر العناوين مقالات كتَّاب كرام، وقُرّاء كِرام، يناقشون قضايا لأغراض انتخابية كما يُقال، لذا يتم اختيار ما يرونه القضية الأبرز رغم كونها قضية فرعية ليس لسبب سوى أنها القضية التي تشهر صاحبها، وتجعل من عملية الاستفزاز في كثير من الأحيان كشافاً يسلَّط على صاحب القلم وليس صاحب القضية. وأنا امرأة وصاحبة شأن وأجدهم ليس لهم شأن، ويتناقشون في أمر ليس ذي شأن، ناقشوا قيادة المرأة للسيارة في مجالس خاصة ثم عامة ثم في مجلس الشورى، ناقشوا دخول المرأة للمطاعم دون محرم. ومنذ الأجداد وهم يناقشون ويتحدثون عن واجباتها، وتخفت الأصوات كثيراً عند الحديث عن حقوقها، هذا داخل البلاد. أما خارجها فكلهم ليس لهم شأن، تبرعوا بالحديث عن تحرير المرأة. تحريرها ممن؟ لا أعلم. لو حلّت قضيتهم الأساسية وقادت المرأة في بلادنا السيارة وسمح لها أن تجوب الأماكن العامة ودخول الأماكن المغلقة بلا ضوابط تحقيقاً للهوية كانت الضائعة فهل ستتحرر المرأة حقاً؟ وما هو تحريرها؟ هل هو مشابه لتحرير المرأة في (ميدان التحرير) على يد هدى شعراوي (١) وثلّة أرادت أن تناهض الاستعمار الإنجليزي بحرق الحجاب بعد وضعه تحت الأقدام؟ وبعدها تجاوباً لمناهضة الاستعمار قام الإنجليز أثناء وجودهم في مصر بترجمة كتاب (تحرير المرأة) لقاسم أمين إلى الإنجليزية ونشروه في الهند والمستعمرات الإسلامية. أم هو بقاء المرأة زوجة كادحة لا تأتي بيتها إلا كآلة مرهقة لتشارك الرجل في دفع أقساط السيارة، وشراء الخضار من أسواقها، وإيصال الأبناء إلى المدارس، و.... و.... و.... إثباتاً للهوية المفقودة؟ أم المطلوب أن تشارك الرجل مساواة له في أماكن العمل حتى تصبح نموذجاً لحرية المرأة، فتصبح هدفاً لهذا وأداة لذاك؛ متعرضة للتحرش في موقع تجاور فيه الرجل في عمل يناسب التحرير؟ لا أعلم: هل الرؤيا ضعيفة، أم للأمر غاية ضبابية؟ هل يرى الآخرون ما لا يراه المتصدرون لقضاياهم وليست قضايانا؟ هل ترى تلك القاضية السويدية (بريجيد أولف هامر) التي أعدت دراسة عن مشكلات المرأة العربية، أعدتها بتكليف من الأمم المتحدة، والتي أكدت فيها بتعجب أن المرأة الشرقية في قطاعات كثيرة وبارزة في البلاد العربية أكثر حرية من المرأة السويدية، وذكرت جملة رائعة: «المرأة العربية تمارس وضعاً ينتمي إلى القداسة لا إلى العبودية» . ثم تتابع هذه القاضية ما استخلصته من خلال دراستها فتقول: «أما المرأة السويدية فقد ذاقت الأمرّين لكي تنال حريتها ومساواتها بالرجل، ولم يتحقق لها ما تريد إلا بعد أن جرّدتها قوانين بلادها من صفاتها الطبيعية وحريتها الأنثوية لتجعل منها كائناً أقرب إلى رجل» (٢) . هل قيادة المرأة للسيارة ودخولها المطاعم بدون محرم؟ وقضية الحجاب: هل الإسلام سنَّه أسود أم أخضر؟ (كأنهم يجهلون أنه ستر وعبادة) و.... و.... و.... و..... هل هذا ما سيحرر المرأة؟ إنهم يختلفون ويناقشون وينظِّرون، وحتماً شاركت ثلّة من النساء، هي من وجهة نظرهم أساسية ورئيسية، وهي تمثل فئة، محدودة. ألا أُخِذ رأي من في الميدان؟ هل طرحتم بجرأة مشكلات المرأة الاجتماعية؟ هل تمت دراسة مشاكل النساء على مقعد الدراسة وفي الجامعة؟ وهل ناقشتم ماذا يحل بآلاف البنات اللاتي لم يجدن مقعداً في الجامعة؟ هل بحثتم لهن عن فرص لاستثمار طاقاتهن حتى لو كان انطلاقهن من منازلهن، وفُتحت لهن أبواب العمل وهن في بيوتهن؟ هل ناقشتم الظلم الواقع على المطلقة المحرومة من أبنائها ليس بحكم الشرع ولكن بجهل قاضٍ بعيد عن الواقع، وقانون حدوده جدران المحكمة؟ هل يحكم لها بنفقة وتُصرف لها فعلياً بحاجتها الفعلية بدل تحديدها؟ هل درستم حالات كون المرأة أحياناً معلقة قبل الطلاق عشرات السنين يعلقها بعلها ليتزوج هو وينجب أبناء وهي معلقة في منزل أهلها؟ هل نوقش تقاعد المرأة وحقوقها المادية في ديوان الخدمة المدنية وما يضمن لورثتها حياة كريمة بعد أن حسم من راتبها ما حُسم كتقاعد؟ هل فَقِهَ الرجال كيفية الحفاظ على حرية المرأة وهويتها، وأن لها حقوقاً يجب أن تصان؟ كم تلك الخطب التي صيغت بأكملها لتوضيح قول الرسول ﷺ : «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» ، «وإن النساء شقائق الرجال» ولتوضيح معنى هذه العبارة بدقة! وهل فَقِهَ الرجال الذين يتبرعون لنقاش قضايا النساء حرمةَ أموالهن وأنه ليس مشاعاً بحيث يؤخذ منها برضا أو بغصب؛ لأنها ولدت حرة ولم تُسترقّ بزواجها ووجودها في بيت زوجها، بل حريتها الحقيقية تبدأ منذ أن تصبح ملكة في أسرتها معززة مكرمة؟ كم مرة نوقشت القوامة على صفحات الصحف أو في البرامج المباشرة وفي خطب الجمعة! كم مرة وُضِّحَ معنى القوامة أنه ليس الاستعباد وأن القوامة تسقط بعدم إنفاق الزوج على الزوجة! هل حلّ تحرير المرأة بالمفهوم الغربي مشكلاتها في مجتمعها الذي منحها الهوية؟ ما زالت بعض النساء يعانين ويلجأن للمحاكم من أجل كسب حضانة الابن أو الابنة، وقد تنصفهن المحاكم الوضعية لديهن في نهاية الأمر بعد سنوات واستنزاف مادي. وما زالت المرأة تلجأ إلى ملاجئ أهلية أسستها النساء في الغرب هروباً من العنف الزوجي والضرب إلى حدِّ العاهة والتشويه. وما زالت تعاني من تحرش الرجال بها في مقر العمل وامتهان كرامتها. وما زالت تعاني من أجل لقمة العيش وتمتهن مهناً لا تليق بـ (شقائق الرجال) . أتعلمون أن المرأة في صدر الإسلام كانت تمارس حرية لا تمارسها الآن ولا تمارسها أي امرأة في أي مجتمع معاصر؟ - فقد بايعت النساء الرسول ﷺ ولم يكتفِ ببيعة الرجال له (١) . - كانت في مقام يؤخذ لها رأي، ويؤخذ من حكمتها، ولم يتنطع بعضهم في المجالس بنقصان عقلها ودينها دون فهم للبِّ الحديث وأبعاده. ألم تحلّ أم سلمة بجزالة رأيها معضلةً أرّقت الرسول ﷺ في قصة الحديبية، عندما أشارت على رسول الله ﷺ بالخروج والنحر والحلق ليقتدي به الصحابة على الفور؟ وهذا ما حصل. - هل بُتّ في قضاياها وكأنها طرفٌ غير مكلف؟ بل كان لها الشأن الأعلى والحرية المسؤولة. ألم يقل عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر: «لا تغلو في صدقات النساء!» يريد بذلك تحديد مهور النساء، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر! يعطينا الله وتحرمنا؟ أليس الله ـ سبحانه ـ يقول: ﴿وَإنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] ، فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر (٢) ؟ - ألم تكن عائشة ﵂ أم المؤمنين مرجعاً للصحابة؛ حيث كان أكابرهم ﵃ يسألونها عن الفرائض؟ فعن عطاء بن رباح قال: «كانت عائشة أفقه النساء وأعلم النساء وأحسن الناس رأياً في العامة» . لم يقل عن عائشة إنها امرأة ناقصة عقل ودين في هذا الشأن رغم أنها كانت تملك مشاعر امرأة وعواطفها بكل معانيها؛ فقد استقلت بالفتوى زمن أبي بكر وعمر وعثمان إلى أن ماتت ﵂. تلك الحريات الحقيقية وتلك الهوية، إن كان هناك من نقاش وإن كان هناك نوايا صادقة نحوها لإثبات الهوية كما يقولون فإننا نريدها هوية الصحابية التي مارست حرية حقيقية، فشاركت في البيعة، وشاركت في الجهاد، وشاركت في نشر العلم، وكان رأيها في قضيتها هو الأوْلى، لا نريد سوى تلك الحرية وتلك الهوية. فهل يكفّ أدعياء نصرة المرأة عن دعواهم المغرضة؟ وهل تفطن أخواتي النساء إلى حقيقة تلك الدعاوى والمزايدات المكشوفة حتى لا يضللن عن الحقيقة؟

стр. 5471

الأجرام السماوية وإبداع الخالق خالد رستم قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٨ ـ ٤٠] . إن الله أحسن خلق الشمس؛ وذلك لتؤدِّي وظيفتها في إمداد الحياة بالطاقة الضوئية والحرارية، ولكنه خلقها بحيث تجري إلى غايتها في مدار محدود، لا تصطدم بكوكب آخر، ولا تقترب من الأرض قُرْباً يحرق أحياءها، ولا تبعد عنها بُعْداً يحرمها الحرارة اللازمة للحياة فيها. دعا الله الناس إلى إطالة النظر في جميع ما في الكون من مخلوقات ظاهرة وخفية، والتفكير في حقائقها وغاياتها، والتأمل في النظام الدقيق الذي وُضع من أجلها؛ فكل ذلك مما يدل دلالة قاطعة على وجود خالق عظيم لها، اتصف بالقدرة الكاملة على الخلق والإبداع، فلم يشكّ في هذا عاقل. ذلك أن نظرة فاحصة في هذه الأشجار والزروع ودقّة مواعيد زرعها وحصادها وتساقط ورقها وعودتها في الوقت المقرر تدلُّ دلالة قاطعة على أن الخالق الأعظم لها إنما يعمل ذلك بحكمة ونظام عجيب ولغاية سامية. فإذا نظرنا في بناء هذا الكون العجيب رأينا في تناسق أجزائه بعضها مع بعض وتطابق ذرَّاته الدقيقة ومجموع وظائفه وغاياته التي تؤدي إلى تحقيق غاية سامية؛ دليلاً على الخالق المبدع. فالأرض ووزنها الذي يمدُّها بجاذبية مقدرة ومعينة تمكِّن الإنسان من العيش عليها بشكل منتظم، والسماء وما فيها من شموس وكواكب، والنفس البشرية والجسم الإنساني ومراحل خلقه وتركيبه؛ تثبت ـ بجلاء ـ يدَ الله المبدعة في خلق هذا الكون وتنظيمه وما فيه من سماء وأرض وإنسان وحيوان وماء ... قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] . إن معرفة الله معرفة حقيقية هي أساس الإيمان، ويتوقف عليها معرفة حقيقة أنفسنا، باعتباره الخالق لنا، ومصدر جميع القوى الموجودة فينا، لندرك مبلغ صلتنا به، ونأخذ عنه ما يُصلح أحوالنا ويحقق لنا أمانينا، وهذا هو أهم ما يعنينا؛ إذ هو الحجر الأساس الذي يقوم عليه بحثنا، والمادة الفعَّالة لما نصفه من علاج لدائنا، والسبيل الوحيد لسعادتنا وبلوغ آمالنا. إذاً فلننظر إلى هذا الكون لنرى أن كل ما فيه يسير وفق نظام محكم، وبحسب قوانين دقيقة ونسب محدودة، كلها تسعى لتحقيق هدف واحد سامٍٍ، ألا وهو استقرار الكون واستمرار الحياة فيه، والعقل ينفي مطلقاً أن يكون ذلك قد حصل بطريق المصادفة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] . فكل إنسان في أي عصر يستطيع بتأمُّله وإدراكه الفطري أن يشهد ـ على قدر حاله ـ أن كل شيء في الكون قد خُلق بحساب ومقدار، وجاء العلم الحديث بكشوفه ووسائله فأماط اللِّثام عن الحكمة البالغة والأسرار العجيبة وراء ما بين المخلوقات من مقادير وحدود وضوابط وموازنات. - النظام الكوني: إن في الفضاء الفسيح الذي لا نعرف له حدوداً ملايين الملايين من النجوم السابحة في أجوائه، وبعض هذه النجوم أكبر من الشمس بآلاف المرات وملايينها، كالشِّعرى التي هي أثقل من الشمس بعشرين مرة، ونورها ضعف نور الشمس بخمسين مرة، وسهيل أقوى من الشمس بألفين وخمسمائة مرة. ويقول الفلكيون: إن من هذه النجوم والكواكب ـ التي تزيد على عدَّة بلايين ـ نجماً لا يمكن رؤيته بالعين المجرَّدة، ولا يُرى إلا بالمجاهر والأجهزة. ولا يمكن أن تحسَّ به الأجهزة دون أن تراه. هذه كلها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم آخر ويصطدم بكوكب آخر. ومع هذا التباعد بين كل نجم وآخر فقد وُضع كل نجم في مكانه؛ بحيث يتَّسق في آثاره وتأثيراته مع سائر النجوم والكواكب، وتؤدي جميعها مهمَّتها المنوطة بها في بناء الكون وسير حركته. ولنأخذ الشمس والقمر والأرض وما بينها من علاقات مَثَلاً لهذا التقدير المحكم الدقيق، الذي كان من آثاره ظهورُ الحياة الإنسانية على الأرض واستمرارها إلى اليوم. - والشمس تجري لمستقرّ ... إن هذه الشمس هي الوحيدة بين آلاف النجوم التي تصلح لجعل الحياة على الأرض ممكنة، وإن حجمها وكثافتها ودرجة حرارتها وطبيعة أشعتها ودرجة بُعْدها عنا؛ كل ذلك لازم لقيام حياتنا على كوكبنا الذي هو الأرض. يقول العلاّمة (أ. ك موربون) : تدور الكرة الأرضية حول محورها مرة في كل (٢٤) ساعة، أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة، والآن افرض أنها تدور بمعدل مائة ميل فقط في الساعة. ولِمَ لا؟ عندئذ يكون نهارنا وليلنا أطول مما هو الآن عشر مرات؛ ففي هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارة نباتاتنا في كل نهار، وفي الليل قد يتجمَّد كل نبتٍ في الأرض. إن الشمس ـ التي هي مصدر كل حياة ـ تبلغ درجة حرارة سطحها (١٢٠٠٠) درجة فارنهايت، وكرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى الحدِّ الذي يكفي أن تمدّنا هذه النار الهائلة بالدفء الكافي، لا بأكثر منه، وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب، وكان تغيرها خلال ملايين السنين من القلّة بحيث أمكن استمرار الحياة كما عرفناها. ولو أن درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدل خمسين درجة في سنة واحدة؛ فإن كل نبتٍ يموت ويموت معه الإنسان حرقاً أو تجمُّداً. والكرة الأرضية تدور حول الشمس بمعدل (١٨) ميلاً في الثانية، ولو أن معدل دورانها كان (٦) أميال أو (٤٠) ميلاً في الثانية فإن بُعْدنا عن الشمس أو قُرْبنا منها يكون بحيث يمتنع معه نوع حياتنا. والنجوم كما نعلم تختلف في الحجم، واحدها يبلغ من الضخامة حدّاً لو كان شمسَنا لكان محور الكرة الأرضية داخلاً في سطحه لمسافة ملايين الأميال. والنجوم كذلك تختلف في طراز إشعاعها، وكثير من أشعتها يُميت كل نوع معروف من أنواع الحياة، وتتراوح كثافة هذا الإشعاع وحجمه بين ما هو أقل من إشعاع شمسنا وما هو أكثر منه عشرة آلاف مرة. ولو أن شمسنا أعطت نصف إشعاعها الحالي فقط لكنَّا تجمَّدنا، ولو أنّها زادته بمقدار النصف لأصبحنا رماداً من زمن بعيد (١) . ومن ذلك نجد أن شمسنا هي الصالحة لحياتنا من بين ملايين الشموس غير الصالحة لهذه الحياة. - منازل القمر: ويبعد القمر عنا مسافة (٢٤٠٠٠٠) ميل، ويذكِّر المدُّ الذي يحدث مرتين تذكيراً لطيفاً بوجود القمر، والمدُّ الذي يحدث بالمحيط قد يرتفع إلى ستين قدماً في بعض الأماكن، بل إن قشرة الأرض تنحني مرتين نحو الخارج مسافة عدَّة بوصات بسبب جاذبية القمر، ويبدو لنا كل شيء منتظماً، لدرجة أننا لا ندرك القوة الهائلة التي ترفع مساحة المحيط كلها عدَّة أقدام، وتنحني قشرة الأرض التي تبدو لنا صلبة للغاية. والمريخ له قمر، قمر صغير لا يبعد عنه سوى ستة آلاف من الأميال، ولو كان قمرنا يبعد عنا (٥٠٠٠٠) ميل مثلاً بدلاً من المسافة الشاسعة التي يبعد بها عنها فعلاً، فإن المدَّ كان يبلغ من القوة بحيث أن جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء كانت تُغمَر مرتين في اليوم بماء متدفق، يزيح بقوته الجبالَ نفسها، وفي هذه الحالة ربما كانت لا توجد الآن قارة قد ارتفعت من الأعماق بالسرعة اللازمة، وكانت الكرة الأرضية تتحطم من هذا الاضطراب، وكان المدُّ الذي في الهواء يُحدث أعاصير كل يوم. قال سبنسر سائلاً نفسه: ما هي القوة التي يتحتَّم بقاؤها؟ أهي القوة التي تؤثر في عضلاتنا، والتي تشعر بها حواسنا؟ كلاَّ! بل هي تلك القوة المطلقة المجهولة المستقرة وراء الصور والمشاهدات، ونحن مع عدم إمكاننا أن ندركها، فإننا نتأكد من أنها أبدية، لم تتغير ولن تتغير، وكل شيء زائل، أما هي فباقية أبد الآبدين، وهي علة العلل (١) . قال الله ـ تعالى ـ: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢ - ١٣] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١] . - الغلاف الغازي.... وأثره على الأرض: ولو تركنا الكواكب والنجوم وعلاقتها بالأرض لوجدنا العلم يقول: إن الهواء المكوَّن من الأوكسجين والنتروجين على الأخص لا يزيد على جزء من مليون من كتلة الكرة الأرضية. وكان يمكن أن تمتصَّه الأرض في فترة تكوينها، وفق النظرية السائدة الآن، وكان يمكن أن يكون بنسبة أكبر بكثير مما هو عليه. وفي كلتا الحالتين لم يكن وجود الإنسان على ظهر الأرض ممكناً. إن سُمك الهواء أو كثافته أمر مقصود ومقدر أيضاً؛ فلو كان أرقَّ وأرفع كثيراً مما هو عليه الآن، لكانت بعض الشهب ـ التي تحترق الآن يومياً بالملايين في الهواء الخارجي ـ تضرب في جميع أجزاء الكرة الأرضية، وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق، أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل ـ يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة ـ كان سيمزِّقه إرباً إرباً من مجرد حرارة مروره. إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيماوي التي يحتاج إليها الزرع، والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات، دون أن تضر بالإنسان، إلا إذا عرَّض نفسه لها مدة أطول من اللازم (٢) . وإذا نظرنا إلى الغازات التي نتنسّمها فسنجد الأوكسجين هو نسمة الحياة لكل الكائنات الحيوانية فوق الأرض، ومنها الإنسان، ولا يستطاع الحصول على هذا الغاز إلا من الهواء، وتُحدَّد نسبة الأوكسجين في الهواء عادة بـ (٢١) بالمائة، ولو زادت هذه النسبة إلى (٥٠) بالمائة مثلاً أو أكثر فماذا كان يحدث؟ (٢) يقول العلم: إن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال، لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بدَّ أن تلهب الغابة كلها، حتى لتكاد تنفجر. ومن المعلوم أن كل الكائنات الحيوانية تمتص الأوكسجين وتطلق ثاني أوكسيد الكربون، أما النباتات فهي على العكس، تستعمل ثاني أوكسيد الكربون وتلفظ الأوكسجين نهاراً، وفي الليل عكس ذلك. فهناك تبادل مشترك بين الإنسان والحيوان من جانب؛ وبين جميع النباتات والغابات من جانب آخر؛ فما نطرده نحن تنتفع به هي، وما تطلقه هي نتنسَّمه نحن، وبدونه تنتهي حياتنا بعد خمس دقائق. فلو لم تكن هذه المقايضة قائمة لما استمرت الحياة إلى اليوم. لو كانت الحياة كلها حيوانية لكانت الآن قد استنفدت كل الأوكسجين، ولو كانت نباتية لكانت نهاية الحياة؛ فإنه متى انقلب التوازن تماماً ذوى النبات أو مات الإنسان فيلحق به الآخر وشيكاً. - مظاهر التوازن والتقدير: فإذا تركنا عالم الغازات ونزلنا إلى عالم النبات والحشرات، رأينا مظاهر شتَّى لهذا التوازن والتقدير، وكذلك إذا تركنا عالم النباتات والحيوانات وذهبنا إلى الجسم الإنساني نتأمل في أعضائه وأجهزته وخلاياه، وما بينها من تضامن وتعاون ومن تناسق وتوازن لأدركنا من دقَّة التقدير وإحكام التدبير ما لا ينقضي منه العجب. وحسبنا أن نعرف من هذه الأجهزة جهازَ الغدد الصماء التي عاش الإنسان آلاف السنين قبل أن يعرف وظائفها؛ فقد بيَّن العلم أنها معامل كيماوية صغيرة في الجسم، تمدُّه بالتركيبات الكيماوية الضرورية له ضرورةً مطلقة وتؤثِّر في وجوه نشاطه، والتي يبلغ من قوتها أن جزءاً من بليون منها تُحدث آثاراً بعيدة المدى في جسم الإنسان، كما بيَّن العلم أنها مرتبة، ينظِّم كل منها غيرها ويضبطه ويوازنه، وإن إفراز كل غُدَّة يكمل إفراز الأخرى. وهذا ما أكَّده الأستاذ العلاَّمة (أ. ك. موروبن) حين قال: ومن المتفق عليه أنه إذا اختلَّ توازن الإفرازات المعقَّدة تعقيداً مدهشاً، فإنها تُحدث اختلالاً ذهنياً وجسمانياً بالغ الخطر، لو عمَّت هذه الكارثة لاندثرت المدينة، وانحطَّت البشرية إلى حالة الحيوانات، هذا إذا بقيت على قيد الحياة. تُرى كيف تحقق كل هذا التقدير؟ وكيف تمَّ كل هذا التدبير إذا لم يكن هناك خالق أعلى يقدِّر فيحسن التقدير، ويدبر فيحكم التدبير؟! إن كل ما في العالم من مخلوقات قد أُتقن صنعه إتقاناً بديعاً، وهو يسير وفق قواعد عامة ثابتة لا يمكن خرقها، ونظام عجيب لا سبيل إلى تغييره أو تبديله، بما في ذلك هذا الكوكب الأرضي الذي نعيش عليه، وما يحيط به من الكواكب السيَّارة والنجوم المضيئة في ملكوت الرحمن، جلَّت قدرة الخالق ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١ - ٦٢] .

стр. 5472

تل أبيت أم (تل حبيب) ؟ يحيى أبو زكريا تتنافس القيادات العربية الرسمية التي عجزت عن إذابة الخلافات فيما بينها، على الجهر بحبّها العذري والفاحش للدولة العبريّة التي لم تتغيّر قيد أنملة، وما زالت محافظة قلباً وقالباً على ثوابتها كما هو الحال في متغيراتها. وبدأ الرسميون الصهاينة يكشفون عن العلاقات السرية بينهم وبين مجمل العواصم العربية التي كانت تكذب على شعوبها صباحَ مساءَ، وتخفي على شعوبها حقيقة هذه العلاقات القائمة والفاعلة في كل الاتجاهات، وهنا يسجّل الكيان الصهيوني لحسابه بعض النقاط على الأنظمة العربية؛ ففي الوقت الذي يبلّغ فيه هذا الكيان شعبه اليهودي بحركته الدبلوماسية الاتجاه نحو العواصم العربية، فإنّ هذه الأخيرة تخفي عن شعوبها ليس هذه المعلومات فحسب، بل تخفي عنه كل شيء، وتعتبر أنّ الحديث عن هذا الأمر يندرج في سياق الأمن القومي. وتتصوّر بعض تلك القيادات العربية الآيلة إلى السقوط أنّ الشعوب العربيّة لا تعرف شيئاً عن هذه العلاقات السرية والودية بين الكيان الصهيوني وهذه القيادات التي رفعت من سقف ودّها لهذا الكيان. والتطوّر البسيط الذي حدث في مشهد العلاقات العربية ـ العبريّة هو أنّ المصافحات والقُبَل واللقاءات السريّة باتت تتمّ في العلن وقبالة مصوِّرات (الديجيتال) الرقمية الدقيقة والتي لا تبقي مجالاً للشكّ في أنّ هذا المسؤول العربي وذاك وهو يبتسم للمسؤول الإسرائيلي أنه يفعل ذلك من أعماق قلبه، ونخاعه وكأنّه بذلك قد حقق نصراً لسياسة بلاده على الصعيد الدولي، كيف لا؛ والرضا الأمريكي يُحاز عليه من بوابة تل أبيب التي أصبحت وبعد الإصرار العربي الرسمي على التطبيع مع الكيان الصهيوني (تل حبيب) ؟ وقد زايد بعض الرسميين العرب كالعقيد معمّر القذافي على هذه القيادات العربية بقرب قيامه بزيارة مفاجئة إلى تل أبيب معيداً إلى الأذهان ما قام به ذات يوم الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات الذي ما فتئ القذافي يلعنه، واستبدل اسم القاهرة بالمقهورة بعد تلك الزيارة المشؤومة. ويبدو أنّ القذافي مصاب بداء التطرف والمزايدة فيما يُقْدِم عليه؛ فالرجل الذي كان متعصباً لعروبته ثمّ لإفريقيته ارتدّ عن كل ذلك ليتطرّف ويغالي في إبراز حبه للكيان الصهيوني. وإذا كان الشرط الأمريكي للبقاء في السلطة والحصول على تأشيرة الحكم والتسلط هو التطبيع مع الكيان الصهيوني، فلْتُرْجَم المبادئ، ولْيُدَسْ على رقاب الناس، ولْتذهب القضية الفلسطينية إلى الجحيم! إنّ حالة العري السياسي التي باتت أهمّ ميزة تلك القيادات السياسية الرسمية، والتراجع عن كل المبادئ والقيم والمنطلقات السياسية، والارتماء في أحضان الكيان الصهيوني بلا ثمن لن تفضي إلى تماسك هذه القيادات وبقائها في السلطة كما تخطط لذلك، بل على العكس من ذلك ستتسع الفجوة بينها وبين شعوبها وهي المقدمة الأساس باتجاه السقوط. لقد مدّ العرب ـ الرسميون طبعاً ـ جسور التواصل مع الكيان الصهيوني؛ فرئيس وزراء الكيان الصهيوني (آرييل شارون) جزّار صبرا وشاتيلا بل جزار المخيمات في الأراضي المحتلة بات مرحباً به في عموم المغرب والمشرق العربيين، و (شالوم) وزير خارجيته لكثرة لقاءاته بالمسؤولين العرب من المغرب العربي ومشرقه وخليجه بات يتقن اللغة العربية، وهو يدعو كل الرسميين العرب الذين التقاهم أن يعلنوا عن ولائهم وحبهم وتشبثهم بعلاقة قوية مع الكيان الصهيوني. والعجيب أنّ الذين كانوا يخطبون بصوت جهور، ويطالبون بإنصاف الشعب الفلسطيني كانوا ينافقون، وربما يكون النفاق السياسي والغدر بالشعوب هو أبسط وأقلّ ما يمكن إلصاقه بهذه القيادات العربية. لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هو: لماذا هذه الهرولة الآن باتجاه الكيان الصهيوني والتعري المباشر أمام الشعوب؟ مبدئياً تجب الإشارة إلى أنّ الرسميين العرب الذين كانوا يزورون واشنطن كانوا يسمعون توجيهاً واضحاً من الرئيس الأمريكي جورج بوش الصغير مفاده ضرورة التنسيق والتعاون مع الكيان الصهيوني، وكانت الدول العربية المطبّعة والعريقة في التطبيع والتي أفادت ماديّاً من تطبيعها بحصولها على مساعدات إضافية من الإدارة الأمريكية كانت تلبي على الفور، وفي اليوم التالي كانت تبعث أحد كبرائها إلى (تل أبيب) أو (تل حبيب) للبرهنة على التنفيذ الفوري للرغبة الأمريكية باعتبار أنّ الرغبة الأمريكية أمر واجب التنفيذ، وخصوصاً أنّ هذه الدول العربية المطبعة ضليعة في فهم مفردات ودلالات الفقه الأمريكي فيما يجب ولا يجب أمريكياً إلى درجة أنّ بعض هذه العواصم وقبل أن تدلي واشنطن بتصريح معيّن تتنبأ بذلك وتلتزم بالأمر الأمريكي قبل صدوره. أما الدول المطبعة في السر والمناضلة في العلن، فتطلب بل تترجى من واشنطن أن لا تحرجها أمام الشعوب لأنّ الموضوع حسّاس ويتطلب بعض الكذب الإضافي على هذه الشعوب. أما الدول غير المطبعة لا في الجهر ولا في السرّ وهي قليلة ونادرة فالرسالة الوحيدة التي تتلقاها من واشنطن هي ضرورة التطبيع مع الكيان الصهيوني مقابل الاحتفاظ بالسلطة. غير أنّه ومع الهيجان الأمريكي بدأت الدول العربية تتخلى عن بعض الاعتراضات، وتلتزم قولاً وفعلاً بالرغبة الأمريكية في ضرورة إعلان عرس التطبيع مع الكيان الصهيوني. ومن باب إرضاء واشنطن والحصول على تزكيتها، ومن ثم تأشيرتها للبقاء في الحكم، زادت الدول العربية المطبِّعة من تطبيعها، ورفعت سقف التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى الحدود القصوى، وخرجت الدول المطبعة في السرّ عن صمتها وأعلنت أنّ الوصال قائم بينها وبين الكيان الصهيوني، وأعلنت ترحيبها بـ (شارون) والسفارات والممثليات التجارية العبرية في العواصم العربية. والدول المقاطعة وبعد أن تعلمت الكثير من المشهد العراقي وسقوط نظام صدام حسين أعلنت ترحيبها بالحركة الصهيونية في الجوار العربي، بل في الخارطة العربية، إذا كان ذلك سيجلب العز، وزيارة القذافي المرتقبة إلى (تل أبيب) ستكون البداية لزيارات عدة لرؤساء دول عربية طالما رددوا: لن نخذل فلسطين. لقد تسنى لي أن أقابل السيدة (حنان عشراوي) في العاصمة السويدية ستوكهولم، فقلت لها: يا أستاذة! أنت جئت إلى الغرب للبحث عن دعمٍ للقضية الفلسطينية؛ فالأوْلى أن تعيدي تذكير الرسميين العرب بالقضية الفلسطينية وأن يدرجوها في أجندتهم من جديد. لكن يبدو أنّ هذه النصيحة قد انتهى مفعولها مع بداية حجّ بعض الرؤساء العرب إلى (تل حبيب) حيث سيحصلون فيها على التزكية السياسية التي تجعل واشنطن تغضّ الطرف عن ظلمهم لشعوبهم، ووأدهم لحقوق الناس، وسرقتهم لموارد الأرض العربية ظاهرها وباطنها.

стр. 5473

٢١٩ - ذو القعدة - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5474

حقاً إن ممارساتهم منسجمة مع قيمهم علق المتحدث باسم البيت الأبيض الأمريكي (سكوت ماكليلان) على ما يثار حالياً في وسائل الإعلام من مخالفة الحكومة الأمريكية للقوانين واعتدائها على حقوق الإنسان، باعتماد التعذيب وسيلة لمعاقبة المتهمين بالإرهاب، أو انتزاع الاعترافات منهم، فقال: «ممارساتنا منسجمة مع قيمنا» ، في محاولة ساذجة منه لنفي وقائع التعذيب، على أساس أن القيم الأمريكية لا تسمح بتعذيب الإنسان. ولسنا في حاجة للتذكير بوقائع التعذيب الثابتة والمسجلة في أكثر من وسيط من وسائط المعلومات؛ لأن هذه الوقائع ما زالت بتفصيلاتها ماثلة أمام نواظر من تابعوها، وهي وقائع كثيرة ومتعددة وفي أماكن مختلفة من أنحاء العالم: في سجن أبي غريب في العراق، وفي خليج جوانتانامو في كوبا، وفي سجن باغرام في أفغانستان؛ ناهيك عن السجون السرية التي كُشِفَ عنها مؤخراً والتي لا يعلم أحد عما يدور فيها غير هؤلاء الشياطين، وهي بلا شك أسوأ حالاً من تلك التي نعرف، ولا زال يتكشف اليوم ما كان مخبوءاً بالأمس وهكذا (١) . وتحاول أمريكا في سبيل تحسين صورتها في عيون العالم أن تدعي أن ذلك لم يكن إلا مسلكاً معزولاً سلكه بعض الجنود، ولا يمثل سياسة عامة أو وجه أمريكا الحضاري، ولعل هذا ما دعا أغلبية مجلس الشيوخ إلى اقتراح صيغة قرار يدعو إلى النص صراحة على منع التعذيب في كل صوره وأشكاله، ليُعرض على مجلس النواب لإقراره، لكن الغريب في الأمر أن الإدارة الأمريكية التي تزعم أن التعذيب ليس نهجاً عاماً لها، لم تُبْدِ ارتياحاً لهذا الاقتراح، وبينت أنه في حالة موافقة مجلس النواب عليه، فإنها سوف تستخدم حق النقض (الفيتو) لمنع هذا القانون، وبذلك يتبين أن التعذيب سياسة ومنهج، وليس خطأ فرد أو مجموعة؛ إنه يمثل سياسة دولة بوجهها الحضاري الزائف، مما يشهد أن قيمهم لا تمنع من التعذيب. إن دعوة أمريكا إلى نشر الحرية وحقوق الإنسان والإصلاح ليس إلا مفردات لفظية لسياسة النفاق التي ظلت تمارسها آماداً بعيدة. حقاً إن ممارساتهم منسجمة مع قيمهم.

стр. 5475

اللهم أرنا الحق حقاً ..! بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فعندما نُكبت الأمة منذ نحو ربع قرن، بغزو الروس الشيوعيين لأرض أفغانستان المسلمة، تداعى المسلمون في أنحاء العالم الإسلامي بكل شرائحه وطوائفه لنجدة الشعب الأفغاني والوقوف معه بالمستطاع من الجهد والمال والرجال، حتى يستطيع أن يرد ذلك الاجتياح الذي كان ـ على ما ظهر ـ مقدمة لاجتياحات إمبراطورية أخرى، كان يتطلع من خلالها الروس أن يصلوا إلى نفط الشرق الأوسط، ومن ثم سَبْق الولايات المتحدة إليه. وللحقيقة فإن الولايات المتحدة الأمريكية نجحت في تسعير ذلك الحرب ضد غريمها العنيد ـ الاتحاد السوفييتي السابق ـ لا لمشروعية هذه الحرب وبسالتها ضد العدوان، بل كان ذلك استغلالاً وانتهازية لفرصة تاريخية، يمكن للولايات المتحدة أن تتمكن فيها من صد عدوها من وراء أرواح ودماء وأموال المسلمين. وقد حدث ما حدث من انكسار العدو الروسي وانتصار الجهاد الأفغاني الذي أجمع علماء الأمة وقتها على مشروعيته ووجوبه، مع اختلاف فقط في كون ذلك الوجوب وجوباً عينياً أم كفائياً. وقد عُلم من وقتها أن الحرب ضد الروس في أفغانستان، والتي نزلت فيها الولايات المتحدة بثقلها بطرق مباشرة وغير مباشرة، تمكنت أمريكا فيها من حشد حلفائها من الدول لتأييدها في قهر روسيا، وقد سَهَّل هذا كثيراً مهمة المجاهدين في ذلك الوقت؛ إذ كان كيداً من الله لأوليائه ضد أعدائه ﴿إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧] . واليوم تتبدل الأحوال، وتتغير الظروف، ويجد المسلمون أنفسهم في مواجهة أخرى مفروضة ضد الولايات المتحدة وحلفائها في عدد من بلدان العالم الإسلامي، لأطماعٍ إمبراطورية أخطر من الأطماع الروسية السابقة. وكانت أفغانستان نفسها ثم العراق، أولى محطات هذه المواجهة، مع ما يدبر الآن من وراء الجدران، لكل من سوريا، ولبنان، والسودان، وغيرها من البلدان. ولكن المشهد اليوم اعترته اختلافات ومفارقات عجيبة وغريبة عن مشهد الأمس؛ فالبلدان التي تعرضت للعدوان الذي لا شك في وجوب صده ورده، قامت فيها هبات جريئة من مجموعات مخلصة، حاولت أن تقوم بمثل ما قام به المجاهدون الأفغان أيام الحرب في أفغانستان، ولكنها وجدت نفسها في بيئة دولية مغايرة، وإقليمية متنافرة ومحلية متناقضة، مما أثمر صدوداً شبه عام عن قبول هذا الجهاد رسمياً فضلاً عن دعمه، وزاد الأمر شدة أن الإسلاميين أنفسهم بدعاتهم وعلمائهم مختلفون حول الكثير من مسائل هذا الجهاد وقضاياه لأسباب علمية أو سياسية أو حزبية أو حتى عنصرية، وما كان لهم أن يختلفوا، وهو ما أوقع مسيرة هذا الجهاد في ورطات متعددة، وبخاصة في العراق. ü ومع هذا نقول: إن الغزو الأمريكي الحاصل اليوم في العراق، أخطر بمراحل من غزو الروس لأفغانستان لاعتبارات كثيرة: - منها: هذا الانصراف الواضح عن التصدي له إقليمياً وعالمياً، رسمياً وشعبياً، بسبب أن الولايات المتحدة هي طرفه الرئيس، ولهذا لم تجرؤ الكثير من الأنظمة على الاعتراض عليه، بل إن الولايات المتحدة نفسها وجدت من الأنصار ضد المقاومة في العراق ـ عالمياً وإقليمياً ومحلياً ـ ما كاد يشعرها ويصورها على أنها هي الضحية المجني عليها، مما زادها غطرسة وجرأة في المضي في خططها التي جاءت من أجلها. - ومنها أن غزو العراق ـ ومن قبله أفغانستان ـ إنما جاء وفق خطط أسبق من التهديدات الوهمية لصدام، والتداعيات المبالغ فيها لأحداث سبتمبر، والأخطار المضخمة لما تسميه أمريكا بالإرهاب؛ إنها الخطط التي يتوالى الكشف عنها والتي تستهدف ضمان تفرد أمريكا بالسيطرة على زعامة العالم طيلة القرن القادم. - ومنها أن غزو العراق ـ ومن قبله أفغانستان ـ إنما جاء في أكثر ظروف العرب والمسلمين ضعفاً وتشتتاً، وفي أشد الأوقات تعرضاً لتداعي الأمم؛ حيث نجح الأعداء في تحويل اهتمامات الشعوب إلى الداخل، لتنكفئ كل دولة على همومها ومشكلاتها غير عابئة بالحريق المجاور لها الذي يوشك أن يطالها فيلتهمها. - ومنها: أن شرائح كبرى من الإسلاميين في العالم، وعلى عكس ما كان منطقياً وطبيعياً في زمان تداعي الأمم عليهم، قد تغيرت اهتماماتهم، وبردت حميتهم، وانصرف بعضهم إلى الهموم الصغرى، بل التحق بعضهم بالخنادق المعادية، في وقت لا تزال النيران مفتوحة على الأمة من هنا وهناك. - ومنها: أن العلمانية في العالم الإسلامي التي أضاعت الأعمار في أقوال بلا أفعال، وأفكار بلا ثمار، تنتقل الآن بأقوالها وأفعالها وأفكارها إلى الحصون المعادية للأمة، والأوكار المحادَّة للدين تاركة الشعوب تلقى مصيرها، الواحد بعد الآخر. - ومنها أن العراق أصبح ساحة لتصفية الحسابات والأخذ بالثارات القديمة والحديثة، من الإيرانيين مرة، ومن اليهود مرة، ومن بعض دول الجوار مرات، وهو ما جعل المقاومة في العراق تواجه أصنافاً من الأعداء الظاهرين والباطنين إلى جانب العدو الرئيس المتمثل في الاحتلال. ü ولهذا نؤكد: أن قلوب الغيورين في سائر الأمة تحترق، وأكبادهم تكتوي، كلما رأوا تعثراً يعرقل مسيرة هذه المقاومة، أو تشوُّهاً يشوبها، أو وهناً يدخل عليها فينفذ إلى سائر الجسد الذي يتداعى لها. ولهذا فإن هناك أموراً لا نرى مناصاً من المناصحة فيها، ودواعي قلق لا يسوغ السكوت عنها ومن أهمها: أولاً: أننا أمة دعوة؛ فعقيدتنا دعوة، وجوهر عبادتنا وشريعتنا دعوة، بل نحن في محبتنا وعداوتنا حَمَلة دعوة، بل حتى جهادنا وقتالنا دعوة، بل هو ذروة سنام الدعوة. ودعوة الجهاد وشرعته، لها هيبتها ووضاءتها وسماحتها التي عَرَفَنا بها العالم المنصف عبر التاريخ، ودخل الناس بسببها في دين الله أفواجاً، وواجبنا أن نحافظ على هذا السمت وتلك السمعة وهذه السيرة، حتى لا نضر بأصل دعوتنا. دعوة التوحيد، هي التي يحملها منا العالم في مجلسه، والداعية على منبره، والمقاتل في ميدانه، وكل مختص في مجال تخصصه؛ فهي ليست حكراً على أحد، ونصرها ونشرها ليس مسؤولية أحد دون أحد. ثانياً: إذا كان تكثير الأنصار لنصرة الدين أمراً محموداً مطلوباً، فإن تكثير الأعداء وزيادة الجبهات يعد أمراً مذموماً مرفوضاً، وإن من أولى مبادئ علم الاستراتيجية العسكرية مبدأ (لا تكثِّر أعداءك) ؛ فما بال أقوام أعداؤهم أكثر من أصدقائهم وأنصارهم، ومع ذلك يبحثون بحثاً عن مزيد من الأعداء، لا بل ينقبون عن مسارات يخسرون بها العديد من المؤيدين والمتعاطفين! نرى في هذا الشأن خطراً جسيماً على مستقبل الجهاد، لا في العراق فحسب، بل في أماكن أخرى ساخنة من العالم الإسلامي، ولقد كان من هدي النبي ﷺ أن ينازل قوماً من أعدائه ويترك ـ ولو مرحلياً ـ منازلة قوم، وكان ينشغل بأناس من المحاربين ويتشاغل عن أناس منهم، وأحياناً كان يتألف ويعالج قلوب فريق، بينما يعاجل بالحرب والضرب فريقاً آخرين، ونحو ذلك مما تعج به سيرته ﷺ وسيرة الخلفاء والأتباع السائرين على هديه؛ فما كان ﷺ ينازل الجميع ـ ولو كانوا جميعاً من المحاربين ـ في ظرف واحد، ولا كان حريصاً على فتح جميع الجبهات في كل الأوقات شفقة منه وحكمة ورحمة؛ لأنه أمين على مصلحة المسلمين، حريص عليهم، بالمؤمنين رؤوف رحيم. ولهذا ينبغي ألا ينقل المقاومون للمحتل الغاصب معركتهم خارج مكانها الصحيح كما حدث للأسف في أكثر من ساحة، حتى لا تضيع الأهداف وتفسد الثمرات. ثالثاً: الخطاب الإعلامي، من أخطر المؤثرات في توجيه مسار المعركة؛ وخطورة هذا الخطاب لا تأتي من سرعته وصدقه ومواكبته للأحداث فحسب، بل من لهجته وطبيعته ومفرداته المراعية لكل من يتوجه إليه من صديق أو عدو، من عالم أو جاهل، وعندما يكون هذا الخطاب الإعلامي قاصراً فإنه يضر بالمعركة على الأرض، ويشيع الوهن والإحباط لدى المراقبين لها، وبخاصة إذا تجاهل المشاعر، وتغافل عن الحساسيات، وضرب عرض الحائط بتعارض المصالح والمفاسد، واختلاف الطباع وتباين الانتماءات والولاءات. وإن من أشد أضرار الخطاب الإعلامي غير المتزن: الإخلال بوحدة الأمة واجتماع قلوبها على قضاياها الكبرى؛ فالجهاد إذا توجه إلى غير ساحاته، أو تجاوز غير استحقاقاته من أفراد أو منشآت أو مصالح؛ فإنه قد يثير حفيظة شعب على شعب، وينكأ جراح جماعة على جماعة، بل وقد يُحدِث الانشقاقات في الصف الواحد على الجبهة الواحدة، ومن عجيب الأمر أن هذا الخطاب أحياناً ما يتجاهل مستوى وعي الناس، فيفترض أنهم جميعاً على مستوى فهم دقائق الأحكام الفقهية والاختلافات العقدية التي ينطلق منها (هذا إن كانت صحيحة في كل الأحوال) . فالحاصل أن الغالبية العامة لا تفهم إلا الظواهر الواضحة، ولا تعي ما تخبئه العقول وتستره القلوب؛ فالقاتل عند الناس قاتل، والمقتول عندهم مقتول، وللدماء بشاعتها وللحرائق رهبتها وكل هذه البشاعة تحتاج إلى تفسير لا إلى مزيد من التسعير، ولنعترف بأن توجه آلة الإعلام عالمياً وإقليمياً ليست لصالح المسلمين، ولا هي في حيز قدرتهم على التحوير والتأويل، فلا ينبغي إعانة الأعداء على الأمة بتقديم خدمات مجانية إعلامية، تستغلها آلة شيطانية، لا ترقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة. وقد كان النبي ﷺ حريصاً على أن تكون سمعة المسلمين حسنة. والصورة لا تكون حسنة إلا إذا كان الأصل حسناً. وصورة الحدث ينبغي أن تعكس حقيقة الحدث دون حاجة للتعسف في تفسيرها أو التكلف في تأويلها، ولما أشير عليه ﷺ بقتل من يستحق القتل من أعدائه المنافقين قال: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (١) . نعم! ونحن لا نريد أن يتحدث الناس أن الجهاد في العراق أو في غيره من الساحات المشروعة قد فقد بوصلته، أو حاد عن سبيله، أو أن المجاهدين قد فقدوا الإنسانية، أو خرجوا عن الضوابط الشرعية والقيم الإسلامية. رابعاً: اختيار ميدان الشهادة مسؤولية جسيمة؛ فهو ليس مجرد قرار بدخول أعلى درجات الجنة في أسرع وقت ومن أقصر طريق.. لا؛ فالشهادة منزلة سامقة، تستهدف بذل الروح بعد إراقة الدم، بغية دخول الجنة بلا سابقة حساب ولا عذاب، وهذا أعلى درجات قدرة الإنسان على الفعل، ولكنَّ هناك أفعالاً لا بد أن تسبق هذا الفعل حتى يتوج بغايته ويصل المرء به إلى بغيته، وأعلى هذه الأفعال إخلاص النية والاجتهاد في إصابة الصواب. أما النية فظنُنا أن أكثر من يوفق إلى هذا المستوى من الرغبة في البذل؛ وراءه نية صافية صادقة، ولكن نية الصادق لا تكفيه حتى يضم إليها الفعل الصائب، المنضبط بضوابط الشريعة، ومع علمنا بأن الحرب حرب، يحدث فيها ما لم يكن وارداً أو مراداً من الأخطاء والأخطار، إلا أنَّ الأصل العام أن الجهاد ليس مجرد حرب وضرب، فليس كل القتال جهاداً، وليس كل الجهاد معصوماً، بل ليس كل من مات مقتولاً كان شهيداً مقبولاً؛ فدون كل ذلك تصحيح النوايا وتصويب الأعمال، ولهذا فإن التغرير بالنفس لدفعها لميدان الشهادة، لا ينبغي أن يتحول بهذه النفس من مقام المقاتل في سبيل الله، إلى مقام القاتل لعباد الله، ولا ينبغي أيضاً أن يتحول عن جبر كسور الأمة، إلى كسر قلبها وإدخال الحزن عليها، ولا ينبغي كذلك أن يصير فرحاً وشماتة عند الأعداء، بدلاً من كونه نكاية بهم وإضعافاً لصفهم؛ فكم سمعنا عن أعمال فرح بها الأعداء المحاربون، وشَرِقَ بها المسلمون المشفِقون. خامساً: ذلك التساهل المخيف في الدماء أمر مستهجن وبخاصة دماء المسلمين؛ لأن شأن سفك الدم بغير حق؛ مما جاءت شريعتنا وكل الشرائع قبلها باستنكاره وتجريمه، وهل هناك أعظم من قول الله ـ تعالى ـ المسطور في الكتب السابقة، والمنقول إلى الكتاب الخاتم: ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] ، ووصية الله ـ تعالى ـ في قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] . ولذلك جاء حرص الشريعة على التحرز في أمر الدماء، حتى قال الرسول ﷺ : «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن، أكبَّهم الله في النار» (١) . ولنلحظ هنا التعبير بـ (مسلم) ، أي: مسلم واحد؛ فما بالكم إن كان عشرة أو عشرين أو مائة؟ لقد بلغ شأن التحرز من الدماء المعصومة أن قال الله : ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] . أي: ولولا أنَّ بين المشركين في مكة قبل الفتح من يكتم إيمانه ويخفيه، لسلط الله المسلمين عليهم فلقتلوا المشركين وأبادوا خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين أقوام لا تعرفونهم حالة القتال، ولهذا أخر الله عقوبة المشركين حتى يخلِّص من بين أظهرهم المؤمنين (٢) . فهذا إن وطئوهم وتسببوا في قتلهم بغير علم؛ حيث لم يعلموهم؛ فكيف إذا كانوا يعلمون.. وكيف إن كانوا يتقصدون؟ إن المعرَّة أي الإثم والغم والغرم والشدة لا بد أن تلحق بالمسلمين بسبب هذا القتل. قال الشيخ ابن عاشور: «فتصيبكم منهم معرة: أي ما تكرهونه من ضر أو غرم أو سوء قالة، ومن إثم يلحق القائلين إذا لم يتثبتوا فيمن يقتلونه، ومن قالة يقولها المشركون ويشيعونها في القبائل أن محمداً ﷺ وأصحابه لم ينجُ أهل دينهم من ضرهم، ليكرِّهوا الناس في الإسلام وأهله» (٣) . و (المعرة) لا بد أن تصيب المؤمنين، عندما يرون قتيلاً لا يدري فيمَ قُتل، أو قاتلاً لا يدري فيمَ قَتَل. ولقد اشتد وعيد الكتاب الحميد على ذنب الوقوع في الدماء، حتى إنه لم يأت وعيد في القرآن بعد الشرك أعظم من الوعيد بقتل المؤمن: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] ، ومن أجل هذا الوعيد الشديد، قال النبي ﷺ : «لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دماً حراماً» (٤) . فالتحرز الشديد في أمر الدماء وتحاشي إزهاق الأرواح بغير حق، أهم وأخطر وأوجب من وضع الخطط وحشد الأنصار؛ لأنه مسألة جنة أو نارُ و «لَزوالُ الدنيا جميعاً أهونُ على الله من دم يُسفَكُ بغير حق» (٥) . وقد تبرأ النبي ﷺ من أفعال من لا يتحرز في الدماء ولا يتحاشى في شأن الأرواح بين ظهراني المسلمين فقال: «ومن خرج على أمتي يضرب بَرَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه» (٦) . سادساً: ما يقال في التسرع في الدماء، يقال في التسرع في الأحكام من تكفير أو تبديع، أو تحليل أو تحريم؛ فما تسرع متسرع في الدماء، إلا بعد التسرع في الأحكام، والأحكام في المسائل الكبرى من الشريعة والعقيدة، لها أهلها ومتخصصوها الراسخون في العلم، ولا ينبغي تجاوزهم أو الافتئات عليهم، وبخاصة ممن يستمطرون أسباب النصر ويبحثون عن أسباب التوفيق؛ فلا ينبغي الخلط بين فعل المجاهدين للدين والمجتهدين في الدين؛ فالاجتهاد شأن آخر غير الجهاد؛ فهذا ميدان وذاك ميدان، ولهذا رجاله ولذلك رجاله. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . سابعاً: ضعف التأصيل الشرعي والتسرع في تنفيذ الخطط قبل أخذ حقها وحظها الوافي من الدراسة الميدانية والتقنية والشرعية، هما من مظنة الوقوع في إراقة الدماء الحرام، وقد لوحظ في الآونة الأخيرة المبادرة إلى استهداف أماكن غير مشروعة، مثل الفنادق والمقاهي والسفارات، والمدارس والأنفاق والشواطئ ... نحو ذلك من الأماكن التي لا يُؤمَن أبداً خلوُّها من أصحاب الدماء المعصومة مع شكنا فيمن وراء بعض تلك الأعمال. وهؤلاء لا يحل قصدهم بحالٍ مسلمين أو غير مسلمين ما داموا غير محاربين، ولا يمكن الاحتجاج بأن الأعداء يتترسون بالمسلم منهم؛ فهذا ما لم يحدث أبداً في كل ما جرى تنفيذه في بلدان متفرقة من العالم، وحتى صاحب النفس المعصومة لو تترس به الأعداء؛ فإن جمهور الفقهاء على أنه لا يُقتل إلا بشروط مغلَّظة، تُراجَع في مظانِّها، ولهذا فإن المسلمين الصادقين ـ وغُرتهم من المجاهدين ـ ينبغي أن يكونوا على ذكر دائم بأن التهاون في الدماء أمر عظيم، وخطر جسيم، وما يقال عن الدماء المعصومة للمسلمين يقال عنها في غير المسلمين، وهم من قال الله فيهم: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] . فاللهم أرنا وإخواننا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل

стр. 5476

الكوارث الطبيعية وهلاك الصالحين إبراهيم الأزرق إن من رحمة الله بالخلق أنه لا يعذبهم بعذاب عام ينال المسيء والمحسن إلاّ إذا فشا فيهم الخَبَث، وابتعدوا عن منهج الله. «قال المهلب: ظهور الزلازل والآيات وعيدٌ من الله ـ تعالى ـ لأهل الأرض. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] ، والتخويف والوعيد بهذه الآيات إنما يكون عند المجاهرة والإعلان بالمعاصي، ألا ترى أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ حين زلزلت المدينة في أيامه قال: يا أهل المدينة! ما أسرع ما أحدثتم! والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم (١) . فخشي أن تصيبه العقوبة معهم» (٢) . حينها يكون الهلاك خيراً عند أهل الإيمان المغلوبين على أمرهم من الحياة وسط بيئة يُحارَب فيها الله صباح مساء، ويجاهَر فيها بمعصيته ومحادّته. وعلى هذا جرت سنَّة الله في خلقه؛ فمتى استشرى السرطان في الجسد وتمكن منه فغلب عليه وساد أعضاءه؛ بعث الله برحمته ملك الموت ليقبض المصاب على الرغم من صلاح الكبد والطحال أو غيرها من الأعضاء، فيموت المريض وله قلب ينبض، وعقل يحمد، ولو مدَّ الله في أجله لفسدا تأثُّراً بالبيئة السرطانية. وهكذا إذا استشرى الفساد في المجتمعات، وأبى مفارقتَها أهلُ الصلاح، أوشك أن يعمهم العذاب، إما عقوبة لهم على بقائهم، أو رحمة بهم قبل أن ينالهم الفساد الذي أحكم قبضته فحال بينهم وبين المفارقة. وفي حديث أنس المتفق عليه: «لا يتمنينَّ أحدكم الموت من ضر أصابه؛ فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي» (٣) ، فدلَّ هذا بمفهومه على أن الوفاة قد تكون خيراً للمسلم. قال ابن عبد البر ـ عند هذا الحديث بعد أن قرر النهي عن تمنِّي الموت لبلاء نزل ـ: «وقد يجوز تمنِّي الموت لغير البلاء النازل، مثل: أن يخاف على نفسه المرء فتنة في دينه» (٤) ، قال النووي: «فيه التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا؛ فأما إذا خاف ضرراً في دينه أو فتنة فيه فلا كراهة فيه؛ لمفهوم هذا الحديث وغيره، وقد فعل هذا الثاني خلائق من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم» (٥) . وما ضُرُّ مشتاق إلى لقاء ربه، طامع في النظر إلى وجهه، أن تعجلت له بوادر ذلك، بأمر الله إذا فسد الناس؟ ذكرت هذه المقدمة حتى لا يقال: كيف تعدون هذه الزلازل وتلك الكوارث والحوادث عقوبات من الله وقد يهلك فيها الصالحون؟ أو كيف يجوز نزول العذاب على الصالحين عندكم؟ ومع أن هذه المقدمة تشير إلى الجواب، بل إن النص النبوي فيها صريح، غير أن بسطه من الأهمية بمكان؛ لأن التشغيب بنحو هذا من قِبَل أولياء الباطل من أجل تقرير أن الزلازل والفيضانات والبراكين التي تصيب بعض الأمم الباغية لا علاقة لها ولا مدلول يشير إلى صلاح أو فساد نجمت عنه الكارثة، والحجة عندهم أن تلك الكوارث ـ بعينها ـ تصيب أهل الإسلام فيهلك من الصالحين أناس؛ مع أن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ١٤] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ، وقال لخير القرون ﵃: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] . أنهلك وفينا الصالحون؟ فإذا قيل: أيهلك القوم وفيهم الصالحون؟ أجيب أن الله قد أعذر فأنذر عباده. قال ـ عز سلطانه ـ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥] ، وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش ﵂ قالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم! إذا كثُر الخَبَث (١) . قال أبو الوليد الباجي وهو من علماء القرن الخامس (٢) : «فهذا مع الصالحين؛ فكيف مع قلّتهم أو مع عدمهم؟! نسأل الله أن يتجاوز عنا بفضله ويتغمد زللنا برحمته» (٣) ، ولا يسعنا إلاّ أن نقول: آمين! وفي صحيح البخاري بابٌ: إذا أنزل الله بقوم عذاباً (٤) . قال ابن حجر: «حذف الجواب اكتفاء بما وقع في الحديث» (٥) ، ثم ساق حديث يونس بن زيد: «إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعِثوا على نياتهم» قال ابن حجر: «والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم، قوله: «ثم بعثوا على أعمالهم» أي بُعث كل واحد منهم على حسب عمله، إن كان صالحاً فعقباه صالحة، وإلاّ فسيئة، فيكون ذلك العذاب طهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين» . ثم ذكر آثاراً عدة في هذا المعنى، وقال: «والحاصل أنه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب بل يُجازى كل أحد بعمله على حسب نيته» ، ثم ذكر قول ابن أبي جمرة في سبب إهلاك الصالحين فقال: «إنما يقع بسبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقاً، لا يرسل الله عليهم العذاب، بل يدفع بهم العذاب، ويؤيده قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ، ويدل على تعميم العذاب لمن لم يَنْهَ عن المنكر وإن لم يتعاطاه قولُه ـ تعالى ـ: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ، ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار، ومن الظلمة؛ لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يُعِنْهم ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان أو رضي فهو منهم، ويؤيده أمره ﷺ بالإسراع في الخروج من ديار ثمود. وأما بعثهم على أعمالهم فحكم عدل؛ لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها في الآخرة، وأما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيراً لما قدموه من عمل سيئ، فكان العذاب المرسل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم؛ فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يُبعث كل منهم فيجازى بعمله. وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي، فكيف بمن داهن، فكيف بمن رضي، فكيف بمن عاون؟ نسأل الله السلامة. قلت: فأتى كلامه أن أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة، وإلى ذلك جنح القرطبي في التذكرة» (٦) اهـ. ثم مال ابن حجر إلى أنه ليس من شرط إهلاكهم سكوتهم عن الإنكار فقال: «وما قدمناه قريباً أشبه بظاهر الحديث وإلى نحوه مال القاضي ابن العربي» . ولعل هذا القول قريب من قول ابن قتيبة ﵀ في تأويل مختلف الحديث: (فأما عقاب الله ـ تعالى ـ إذا هو أتى فيعم وينال المسيء والمحسن، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] ، يريد أنها تعم فتصيب الظالم وغيره. وقال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ١٤] ، وقالت أم سلمة (٧) : يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال: «نعم! إذا كثُر الخَبَث» ، وقد تبين لهم أن الله ـ تعالى ـ أغرق أمة نوح ﵇ كلها ـ وفيهم الأطفال والبهائم ـ بذنوب البالغين، وأهلك قوم عاد بالريح العقيم، وثمود بالصاعقة، وقوم لوط بالحجارة، ومسخ أصحاب السبت قردة وخنازير، وعذّب بعذابهم الأطفال. قال أنس بن مالك ﵁: إن الضب في جحره ليموت هزلاً بذنب ابن آدم، وقد دعا رسول الله ﷺ على مضر فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف» (١) ، فتتابعت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين، حتى أكلوا القد والعظام.. فنال ذلك الجدب رسول الله ﷺ وأصحابه ... ) إلخ. ثم عقَّب ﵀ بكلمة تَسَطَّر بماء الذهب، رأى صوابها كل من له عينان، فقال: «وقد رأينا بعيوننا ما أغنى عن الأخبار؛ فكم من بلد فيه الصالحون والأبرار، والأطفال والصغار، أصابته الرجفة، فهلك به البر والفاجر، والمسيء والمحسن، والطفل والكبير؛ كقومس ومهرجان وقذق والري ومدن كثيرة من مدن الشام واليمن، وهذا شيء يعرفه كل من عرف الله من أهل الديانات وإن اختلفوا» (٢) ، وما حل مؤخراً بأجزاء من أرض الباكستان عنا ببعيد. مناقشة الخلاف في إهلاك المصلحين وأممهم: لعل ما اختاره ابن أبي جمرة من عدم وقوع العذاب على المصلحين بل دفع الله بهم العذاب عن العاصين أقرب للصواب، وتشهد له أدلة كثيرة، منها: ١ - تقييد الإهلاك العام في النصوص التي احتج بها المخالف بالسكوت عن الإنكار في أحاديث أخر، كما في حديث الترمذي الذي صححه هو وغيره، عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: أيها الناس؛ إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» (٣) ، وكما في حديث السفينة (٤) وغيرهما. ٢ - قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] ، وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وما في معناهما. ٣ - عموم الأدلة في حفظ الله مَنْ حفظه، كحديث ابن عباس: «يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ... الحديث» (٥) . قال ابن رجب: «وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله ... النوع الثاني من الحفظ ـ وهو أشرف النوعين ـ: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه ثم موته فيتوفاه على الإيمان» (٦) . ٤ - النصوص الواردة في حفظ الله للقرى وأهلها الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، كقول الله ـ تعالى ـ: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٦ - ١١٧] . ٥ - نصوص الوعد بالسلامة والنجاة للأنبياء والمؤمنين إذا نزل العذاب، كما في قول الله ـ تعالى ـ: ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُوا إنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٢ - ١٠٣] . ٦ ـ إخبار الله عن إنجائه الذين ينهون عن المنكر ويدعون إلى المعروف في مواطن عدة، إذا نزل العذاب، كشأن كثير من أنبياء الله ورسله وأتباعهم من المؤمنين. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] ، ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦] ، ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤] ، وكما في خبر نوح، ولوط، وغيرهم من رسل الله، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٧ - ٩] ، وقال الله ـ عزوجل ـ عن أصحاب السبت: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥] ، ولهذا قال حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵁: «لم يُعذب أهل قرية حتى يخرج النبي ﷺ ، ويخرج المؤمنون، ويلحقوا بحيث أُمروا» (١) . فهذه وغيرها أدلة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لمنع العذاب العام، فإذا قيل: فما بال القرى ترتجف فيهلك فيها الصالح والطالح؟ أجيب بأن الصالح لا يلزم أن يكون مصلحاً، وإن كان صالحاً؛ فإنَّ تركه الأمر والنهي قد يكون معصية لا ترفع عنه وصف مطلق الصلاح، وخاصة مع تأوله وتركه الهجرة، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: «كان يقال: إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عُمِلَ المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم» (٢) . قال أبو الوليد الباجي: «يريد قول الله : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وقول عمر بن عبد العزيز ﵁: «ولكن إذا عُملَ المنكر جهاراً» يقتضي أن للمجاهرة بالمنكر من العقوبة مزية ما ليس للاستتار به، وذلك أنهم كلهم عاصون من بين عامل للمنكر وتارك للنهي عنه والتغيير على فاعله، إلا أن يكون المنكر له مستضعفاً لا يقدر على شيء فينكره بقلبه، فإن أصابه ما أصابهم كان له بذلك كفارة وحشر على نيته» (٣) . وقال ابن العربي في قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] : «وتحقيق القول في ذلك أن الله قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، فقد أخبرنا ربنا أن كل نفس بما كسبت رهينة، وأنه لا يؤاخذ أحداً بذنب أحد، وإنما تتعلق كل عقوبة بصاحب الذنب، بَيْدَ أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عنه فكلهم عاصٍ؛ هذا بفعله، وهذا برضاه به. وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل؛ فانتظم الذنب بالعقوبة، ولم يتعد موضعه، وهذا نفيس لمن تأمله» (٤) . كما أنه ربما قام بعضهم بالأمر والنهي ولكن قام بهم مانع يحول دون تحقق وصف الصلاح أو الإصلاح فيهم، وإن خفي هذا على البشر فليس بخاف على الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وقد يكون السبب المانع من العذاب قائماً متحققاً؛ كأن يكون الأمر بالمعروف لا يكل عنه المصلحون، والنهي عن المنكر لا يمل منه الطيبون، ومع ذلك ينزل الله العذاب، فيكون هذا من قبيل تخلُّف النتيجة مع تحقق السبب بقدر الله وأمره لاقتضاء الحكمة له في ذلك الموطن، كتخلف الولد على الرغم من حصول سببه وهو الزواج، ونحو ذلك مما هو مخالف للأصل، فيقدر بقدره. والأصل هو أن الإصلاح من أسباب نجاة الداعين، وتقليل خبث المخبثين، وتأخير العقوبة عن عامة الناس أجمعين. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يُسْتَجب لصاحبه فقد يكون سبباً لإكرام الله له بالنجاة عند حلول العذاب. ويمكن تقسيم تعلق النجاة بالأمر والنهي إلى أقسام: - فإن قام المصلحون بالمعروف، ورفعوا المنكر بأمرهم ونهيهم، سلموا وسلم الناس جميعاً. - وإن تركوا الأمر والنهي هلكوا وهلك الناس، ومثال صورة هذين الفريقين هو المذكور في حديث السفينة؛ حديث النعمان ابن بشير في الصحيح والذي قال فيه النبي ﷺ : «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا! فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» (٥) . - فإن أمروا ونهوا وبذلوا ما في وسعهم فلم يُستجب لهم، ففارقوا قومهم وفاصلوهم، كما فعل كثير من أنبياء الله قبل حلول العذاب بأقوامهم، حينها تكون المفاصلة نجاة لهم، كما كانت نجاة لأنبياء الله ورسله، وعندها يكون البقاء محرماً لوجوب الهجرة، وهذا المعنى يمكن انتزاعه من حديث السفينة؛ فقد ضربت صورة للمسألة وبُيّن المآل لاحتمالين، وسكت عن تبيين المآل إذا ما حاول الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر الأخذ بأيدي الواقعين في محارم الله فلم ينتهوا وأصروا على الخرق بالوقوع في المحارم، فهنا يتعين على الآمرين والناهين المفارقة لينجو بأنفسهم قبل أن يدركهم الغرق، وقد استدل غير واحد من أهل العلم على وجوب المفارقة إن استشرى الفساد بالآثار المؤذِنة بحلول العذاب العام. قال الزرقاني: «وفي الاستذكار هذا يقتضي أنه لا ينبغي المقام بأرض يظهر فيها المنكر ظهوراً لا يطاق، والمقام بموضع يظهر فيه الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأغلب» (٦) . أما إن لم يأنِ أوان المفاصلة فيظل الإنكار والقيام بأمر الله صارفاً للعذاب، قال الله ـ عزوجل ـ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ، ولذا قال ابن عباس ﵄: «لم يعذب أهل قرية حتى يخرج النبي ﷺ ، ويخرج المؤمنون، ويلحقوا بحيث أمروا» (١) . - وقد يأمر أهل الخير بالمعروف وينهون عن المنكر فلا يستجاب لهم، ويستشري الفساد فلا يمايزون قومهم، وقد يكون هذا بعذر كعدم القدرة على المفارقة مع سعيهم لها، أو بغير عذر غير استمرارهم في الأمر والنهي طمعاً في أن يغير الله حالهم، فيدأبون على ذلك حتى ينزل العذاب؛ فهؤلاء قد يكرمهم الله بالنجاة وبالأخص إن سعوا في التمايز وبذلوا أسبابه، كما أكرم الله ـ سبحانه ـ موسى وقومه بالمعجزة الباهرة يوم فرق البحر فأنجاهم، ثم أغرق عدوهم ودمّر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون. وقد يأخذهم الله مع الهالكين وبالأخص إن لم يعمدوا إلى مفاصلة قومهم، ولم يسعوا في مفارقتهم، رحمة بهم وتداركاً لهم قبل أن تصلهم يد الباطل المفسدة، ثم يبعثهم على نياتهم. ولعل من لطف الله بعباده المخلصين أنه يقدر لهم في مثل هذه الأحوال ما هو خير لهم فيكتب النجاة لمن كانت الحياة خيراً له، ويقبض إليه من كان قبضه خيراً له. وبهذا يظهر وجه احتجاج نبي الله الحليم إبراهيم ﵇ على الملائكة بقوله: ﴿قَالَ إنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ [العنكبوت:٣٢] ، أثناء مجادلته عن قوم لوط طمعاً في تأخير العذاب عنهم، فجاءه الجواب: ﴿نحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] . فكان اعتراضه صحيحاً، ومراده منه تأخير العذاب عن القوم لعلهم يرجعون، كما قال الله ـ تعالى ـ في الآية الأخرى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: ٧٤ - ٧٥] ، فاعتراضه بلوط كان من أجل قومه؛ ولهذا قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ، فجاءه الرد أن ما اعترض به لن يناله السوء هو وأهله المؤمنون به، فلم تبق حجة تمنع حلول العذاب بالمفسدين. وفي هذا إقرار لصحة الاعتراض الأول القاضي بمنع إهلاك الأنبياء بعذاب يعمهم وأقوامهم، وكذلك في أمر المؤمنين من أتباعهم، وقد أورد أهل التفسير ما يدل على هذا أثناء حكايتهم لمجادلة إبراهيم، ويشهد له ما سبق عن ابن عباس ﵄. شبهة عصرية: إن الزلازل ونحوها آيات كونية يجريها الله لحِكَم عظيمة وأسباب كثيرة، إلاّ أن بعض الماديين الذين أعرضوا عن آيات الله السمعية، تمادوا فأعرضوا عن الآيات الكونية؛ فإذا رأى أحدهم كسوفاً أو خسوفاً جلّى أسنانه الصفراء بابتسامة مثلها فرحاً بما عنده من العلم، وبصدق ما تنبأت به أرصاده، ولأنه علم أسبابه. وهكذا حال بعضهم مع غير الشمس والقمر من الآيات الكونية كالزلازل؛ فأسبابها عندهم معروفة، كما أن التنبؤ بها ورصدها لم يعد أمراً شاقاً في ظل العلم الحديث. وقد تجرأ بعضهم فعزا الحوادث الكونية إلى أسبابها التي علمها، ثم استطال فقال: إن فكرة الخالق لم تعد ضرورية. يعني لأجل تفسير الحوادث. وربما كان هذا المنطق حجة على من ينكر قانون الأسباب، أما أهل الإسلام الذين يعلمون أن الله ـ تعالى ـ قد أجرى هذا الكون على نواميس، وجعل النتائج متعلقة بأسبابها، فلا ينبغي أن يرد عليهم هذا، فإذا قال المسلم: إن الله هو الرزاق، فلا يعني ذلك نفيه أسباب الرزق المختلفة. وكذلك إذا قالوا: الزلازل أو البراكين أو الخسوف أو الكسوف آيات يخوِّف الله بها عباده، أو أنها من خلقه، فلا يلزم من ذلك ألا يكون له سبب أو قانون تجري عليه. أما من قصر نظره على السبب ـ فمتى وجد أسباباً أو قوانين مطردة تمسّك بها، ورفض أن ينسب الفعل إلى ما عداها، وغفل عن مسببها ـ فهؤلاء في الحقيقة لا يختلفون عن بعض الحمقى الذين وجدوا طفلاً تائهاً في البرية يتحدث بغير لسانهم فلم يفهموا منه شيئاً، فقال بعضهم: هذا خَلْقُ الله؟ ثم بحذق بعضهم أو بفضل مترجم عابر تمكنوا من معرفة أبيه فاستنتجوا من ذلك أنه ليس له خالق. وهؤلاء كذلك فجميعهم عزا الأمر الحادث إلى سبب عرف طريقة عمله، وغفل عن أنه يفتقر هو بدوره إلى سبب آخر ينتهي في سلسلة تنتهي عند مسببها الذي أجراها لحكمة ومراد. وإذا تأملت هذا المذهب وجدت أن له أصولاً قديمة قدم البشرية، فجلُّ الأمم التي أخذها الله بذنوبها جاء أخذها بعد أن بعث الله إليهم رسله فأنذروهم بالآيات السمعية، ثم بعث عليهم الآيات المرئية في أثر السمعية، فلما لم يرتدعوا دمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها. ولعظم غفلة هؤلاء لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه مقتصرين على قولهم بالأسباب. ولم يُذكر في القرآن أن الله أنجى قوماً بعد أن رأوا الآية الكونية المرئية إلاّ قوم يونس. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨] . فما أعقلهم من قوم آبوا جميعاً ورجعوا إلى ربهم مذعنين عندما رأوا الآية؛ بينما قال غيرهم: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤] !. قد يتعجب المرء: ما بال أولئك المكذبين؟ أليست لهم عقول؟ أوَ لا يرون الآيات؟ فما بالهم لا يتعظون ولا يرجعون؟! أيُعقل أن يرى فرعون تسع آيات ثم يصر مستكبراً؟ ألا يَعقِل؟ والجواب: بلى كانت لهم عقول، وكانت لهم حضارة، وكانت لهم علوم، ولكنهم اغتروا بها، فاقتصر نظرهم على الأسباب القريبة ولم يتعدّاها إلى مسبباتها وحقائقها وما وراءها. وتأمل معي قول العزيز الحكيم: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨١ - ٨٥] . نعم! قد سمعوا بالآيات التي نزلت بالأمم كما سمعنا بها، ورأوها كما شهدناها، وعلموا أن الهالكين أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض كما علمنا، وفوق ذلك كله قد جاءتهم الرسل بالبينات كما جاءتنا، ولكن ... ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣] ، فكانت النتيجة الطبيعية: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣] ، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] . لقد كانوا يرون الآيات، ولكن ما عندهم من العلم قد قادهم إلى بطر الحق، فإذا رأوا عارضاً في أفق من آفاق السماء، قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤] . ومن أُهلكوا بالريح قالوا عنهم: غضبت عليهم الطبيعة؛ وفق علومهم إثر تقلبات جوية سببتها تخلخلات في الضغوطات الجوية بفعل تغيرات في السخونة والبرودة. وهكذا تنتهي الآية فلا ينظر عاقل في مسبب الأمر وموقته ومدبره، . بل من أصبح على فراشه ميتاً حتف أنفه بغير علة فموته موت طبيعي، ومن أُهلك بالريح العقيم مات موتاً طبيعياً أيضاً. كان أحدهم يرى الخسوف فيقول: من الطبيعي: انعكاس ظل الأرض على القمر؛ وينسى الذي أوجد هذه الطبيعة بعد أن كوكب الكواكب وأجراها على ناموس مطَّرد فلا يتساءل: من أوجده؟ وما باله اضطرب هنا؟ ولماذا؟ وإذا أُهلك قوم بالطوفان، ورأوا الآية فرحوا بما عندهم من العلم، وقالوا: هزة أرضية ناجمة عن تخلخل للصفائح في قعر المحيط أدى إلى ارتفاع مد البحر، وتنتهي القضية دون نظر إلى من أوجد تلك الصحائف وأرساها وجعل بها صدوعاً في ذلك المكان، ودون اعتناء بأمرِ مَنْ أمر تلك الصحائف أن تضطرب الساعة فاضطربت، وأمرها أن تسكن بعدها فسكنت؛ فتلك سنة الله التي خلت في عباده تجري اليوم في هؤلاء. فإذا تساءلت عن كل تلك العوارض وقلت: من المسبب لتلك الأسباب؟ وما هي الحكمة وراء تسبيبها؟ يخرس متفلسفة كل عصر، وينطق العجاج؛ من عاصرَ الجاهلية الأولى ثم منّ الله عليه بالإسلام: الحمد لله الذي استَقَلَّتْ بإذنه السماءُ واطمأنتْ بإذنه الأرض فما تَعَنَّتْ وَحَّى لها القرارَ فاستقرتْ وشَدَّها بالراسيات الثُبَّتْ رَبُّ العبادِ والبلادِ القُنَّتْ لقد رأى فرعون طوفان النهر أو البحر أحد تسع آيات ذكرت في القرآن فلم يعتبرها آية، بل ثورة كونية! وفرصة سانحة لكي يطارد أتباع الأنبياء، ويرى اليوم بعض الناس الزلازل المودية بالآلاف والفيضانات والأعاصير، فلا يعدها آيات بل هو غدر الطبيعة القاسي. ثم يصر على عزو الحوادث إلى أسباب تفتقر إلى أخرى لا تنتهي إلاّ عند مسببها الغافل عنه، المصر على إنكاره بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ولا برهان تجريبي أو عقلي واحد، فليس معه حجة في إنكاره غير الجهل، مع أنه يرى الحوادث تترى. وقد تقرر في ميزان العقول أن كل ما هو جائز الحدوث من نحو هذه العوارض الأرضية وأسبابها التي يذكرونها، من الممكن أن تكون، ومن الممكن ألا تكون؛ فكونها جائزة قضى باستواء طرفي الوجود والعدم فيها، فلا يترجح أحد الطرفين فيكون موجوداً أو يكون معدوماً إلاّ بمرجح خارجي ليس بجائز، بل هو واجب تختلف صفاته ونعوته عما يدركه البشر من الموجودات الجائزة فلا تجري فيه مقايسهم. إن المسلم لا ينكر الأسباب والنواميس التي أجراها الله في الكون، ولكنه ينكر على بعض القائلين بها اقتصارهم عليها، ونسيانهم لمسببها وجهلهم بحكمته منها؛ فإن الله قد أجرى الدنيا على قانون الأسباب، فلا يقتضي القول بها إنكار الخالق، ولا يقتضي إثبات الخالق إنكاراً لها. إن من فرح بما علمه من أسباب كونية وأصر على قصر تفسير الظواهر الأرضية بها فسينتهي به المطاف إلى الحيرة أو الاتِّكاء على سبب هشٍّ لن يجد له مسبباً إلاّ إن أقرّ بالخالق الرازق المدبر، واعترف بعلمه وقدرته ومشيئته، وعلم أنه لا يحيط به علماً. وعندها حري به أن يلهج بدعاء الأنبياء: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، ﴿وَذَا النُّونِ إذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . أسأل الله أن يرفع الضر والبأس عن المسلمين، وأن يتداركهم برحمته فهو أهل التقوى وأهل المغفرة، وصلى الله وسلم على نبينما محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5477

حقيقة الشورى بين الاتباع والادعاء محمد بن شاكر الشريف تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن الشورى في الأمم السابقة، كما تحدث عن الشورى في القرآن، وذكر أهل الشورى وبيّن صفاتهم، كما تحدث عن مجالات الشورى وفوائدها، خاصة في الأمر الذي يعني جماعة المسلمين، وابتدأ الحديث عن حكم الشورى، وذكر أنها أنواع ثلاثة: شورى واجبة ونتيجتها ملزمة، وشورى واجبة ونتيجتها غير ملزمة، وشورى مستحبة ونتيجتها غير ملزمة، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة تفصيل ذلك: الأولى: شورى واجبة ونتيجتها ملزمة، ومن ذلك: ١ ـ اختيار الحاكم: إن الحاكم لا يجوز له تولي الأمر استبداداً، أو بالقوة والغلبة والقهر، بل يجب أن تكون هناك شورى بين المسلمين في ذلك، وإذا تشاور المسلمون فأجمعوا على اختيار شخص للولاية فإن نتيجة اختيارهم ملزمة، وكذلك إذا اختارته غالبيتهم أو أكثرهم، والشورى التي تحدث في ذلك هي في حقيقتها بين أهل العقد والحل، وبقية المسلمين تبع لهم في الاختيار، ويدخل ذلك تحت قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ، فإن هذا الأمر مما يصدق عليه أنه أمرهم، فهو لا يخص فرداً أو طائفةً، بل يخصهم جميعاً، ومن ثم ينبغي أن يكون هذا الأمر شورى بينهم كما بينت الآية ذلك، وقد دل عليه قول وتصرف الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب ﵁ وهو من الخلفاء الذين أُمرنا باتباع سنتهم في قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١) ، فقد عدَّ عمر ﵁ تفرّد فرد أو طائفة من المسلمين بعقد البيعة من غير مشورة، غصباً لأمور المسلمين، وقال بعدما بلغه قول من يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، قال: «إني ـ إن شاء الله ـ لقائم العشية في الناس، فمحذّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم» (٢) ، وقال أيضاً ﵁ في أول خطبة له بالمدينة، بعدما رجع من الحج في السنة التي قتل فيها: «من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه؛ تغرة أن يُقتلا» (٣) ، وقد قال عمر ﵁ ذلك بمحضر من الصحابة من أهل الفقه وأشراف الناس، ولم يعارضه في ذلك أحد مما يدل على إجماع الحاضرين على وجوب الشورى في نصب الوالي. وقد أجمع أهل العلم على أن نصب الخليفة فرض كفاية على الأمة، فكيف يفرض عليها القيام بشيء في الوقت الذي لا يؤخذ رأيها فيه، أو لا يعتدّ به بعد أخذه، هذا كلام متدافع متناقض، فدل ذلك كله على أن الشورى في هذا الأمر واجبة، كما أن الالتزام بما انتهت إليه واجب أيضاً. ٢ - أمور ليست داخلة في صلاحية الحاكم، أو ليست داخلة في عقد البيعة: يجب على المسلمين طاعة أولي الأمر الشرعيين؛ فإن مضمون البيعة أن يقوم الولاة بتنفيذ الشريعة بمعناها الشامل لا المحدود في مقابل السمع والطاعة من المسلمين، لكن ليست كل الأمور في ذلك على وِزان واحد؛ فهناك أمور ليس من صلاحية الحاكم الأمر بها أو النهي عنها، أو أنها ليست داخلة في عقد البيعة الذي يجب الوفاء به، فهذه يجب على الحاكم مشاورة أهلها، ولا يجوز له أن يتجاوز ما انتهت إليه شوراهم، وقد حدثت لذلك أمثلة في عهد النبي ﷺ ، فمن ذلك: في غزوة بدر الكبرى لما أراد الرسول ﷺ ملاقاة المشركين ـ بعد نجاة قافلة مشركي مكة ـ استشار من معه في القتال، فوافقه على ذلك المهاجرون، لكن الرسول ﷺ لم يكتف بذلك وقال: «أشيروا عليَّ أيها الناس!» وهو يريد بذلك الأنصار؛ وذلك أن البيعة التي أخذها عليهم في مكة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج المدينة، وإنما كانت قاصرة على أن يمنعوه وهو في ديارهم مما يمنعون منه أنفسهم، ولم يُفرَض الجهاد في ذلك الوقت فرضاً عاماً، فكان خروج الأنصار إلى القتال في غزوة بدر خارجاً عن حد البيعة، كما لم يكن هناك إلزام من الشرع بذلك؛ لذلك أصرَّ الرسول ﷺ على معرفة رأي الأنصار وموافقتهم على القتال، فقال له سعد بن معاذ ﵁ لما فطن أن رسول ﷺ يقصدهم بذلك: «لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم! وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم؛ فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت..» إلى أن قال: «والله! لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك» فسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد ونشَّطه ذلك، ثم قال: «سيروا وأبشروا؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» (١) ، أخرجه مسلم بلفظ: «عن أنس أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدراً ... » الحديث (٢) ، فلم يُقْدِم الرسول ﷺ على إشراكهم في القتال حتى استشارهم، وعلم موافقتهم بذلك، ولم يعتدَّ بقول المهاجرين؛ لأن المقصود بالشورى هنا الأنصار للعلة التي ذكرناها، وقد أجاب عنهم سعد ابن معاذ ـ رضي الله تعالى عنه ـ وكان سيدَ الأوس؛ فهو يمثل أهل العقد والحل بالنسبة لهم، ولذلك قال: «وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم» .، وفي رواية مسلم أن المتكلم سعد بن عبادة ﵁ وكان سيد الخزرج، وهو أيضاً يمثل أهل العقد والحل بالنسبة لهم، ومن المحتمل أن يكون الاثنان قد تكلما بذلك فهما سيدا الأنصار، وأيّاً كان الأمر فإن أحداً من الأنصار لم يعترض على ذلك، ولذلك عمل الرسول ﷺ على قولهما. وفي غزوة حنين، عندما قسّم رسول الله ﷺ على المسلمين غنائمهم التي أفاءها الله عليهم؛ جاء وفد هوازن مسلماً تائباً وسألوه أن يمنّ عليهم بما غنمه المسلمون منهم من السبايا والأموال، ولما كانت قسمة الغنيمة قد وقعت ووصلت أصحابها بمقتضى القسمة الشرعية، ووضع أصحابها يدهم عليها، وصارت ملكاً لهم بذلك؛ لم يكن لرسول الله ﷺ أن يأخذ منهم ما استحقوه بحكم الشرع، ويخرجه من ملكهم إلا بموافقتهم؛ لذلك عرض رسول الله ﷺ ذلك عليهم وندبهم إليه، وبيَّن لهم أن من طابت نفسه بردِّ ذلك عليهم فليردّه، ومن لم تطب نفسه فإن الرسول ﷺ يعوِّضه عن ذلك من أول ما يفيء الله على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ مخاطباً المسلمين بعدما أثنى على الله بما هو أهله: «أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أردَّ إليهم سبيهم؛ فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظِّه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيَّبنا ذلك لرسول الله ﷺ لهم، فقال رسول الله ﷺ : إنَّا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا» (٣) ، فهنا أيضاً شاور رسول الله ﷺ أصحاب الشأن وعمل على رأيهم؛ لأنهم هم أملك بذلك، ولم يقبل الإجابة الجماعية، لأنها قد لا تمثل رأي الجميع، ولأن من وافق قد يكون وافق حياءً من غير إرادة حقيقية، لذلك طلب الرسول ﷺ من العرفاء أن يرفعوا حقيقة الأمر. وفي غزوة الأحزاب أراد الرسول ﷺ أن يفرق صف المشركين، بأن يستميل بعضهم ويعطيهم عطاء حتى يرجعوا، ولما كان العطاء الذي يريد هو جزء من تمر المدينة، وكان هذا التمر مملوكاً لأصحابه، ولم يكن هو من ممتلكات بيت المال، فإنه لم يفعل ذلك قبل أن يستشير أصحاب المال، فاستشار في ذلك السَّعدين سيدي الأنصار: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، يقول الذهبي: «إن النبي ﷺ بعث إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك، فلما أن أراد رسول الله ﷺ أن يفعل بعث إلى السَّعدين فاستشارهما، فقالا: يا رسول الله: أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا منه، أم شيئاً تصنعه لنا، قال: بل شيء أصنعه لكم، والله! ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله! قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك، ولا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرىً أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال: فأنت وذاك، فأخذ سعد الصحيفة فمحاها ثم قال: ليجهدوا علينا» (١) ، فالشورى هنا واجبة ونتيجتها ملزمة. الثانية: شورى واجبة ونتيجتها غير ملزمة: المسلم مطالب بأن يُقًْدم على ما يقدم عليه على علم وبصيرة، ولا يجوز له الإقدام على جهل، ويعظم ذلك بأمرين أحدهما: أن يكون صاحب الإقدام كبيراً معظماً يتبعه على ما أقدم عليه الكثيرون، والثاني: أن يكون الأمر المقدَم عليه أمراً ذا شأن، وهذان متحققان بأوضح صورة في حالة الأمير أو الوالي؛ إذ ما يقدم عليه ترتبط به مصالح الأمة، ويتبعه على ذلك الناس جميعهم، فإذا كان هو يجهل ولا يدري ما التصرف الصواب إزاء هذا الأمر، لم يحل له أن يقدم على جهل، بل يجب عليه والحالة هذه أن يستشير في هذا الأمر من يثق بعلمه، ودينه وأمانته التي تحجزه عن أن يشير بهواه أو بالباطل، ويدخل في ذلك مسائل الاجتهاد، وكذلك مسائل الدنيا، وقد يكون المستشار في ذلك فرداً واحداً، أو عدة أفراد كل على حدة، أو مجموعة من الناس سواء سموا مجلس الشورى أو لم يسموا، وإذا استشارهم وتبين له من الكلام معهم ومن المداولات والمراجعات وجه الصواب الذي ينبغي العمل عليه، فلا يجب عليه والحالة هذه أن يلتزم بما انتهت إليه الشورى، سواء اتفقوا على رأي واحد أو اختلفوا فيما بينهم، ما دام ولي الأمر عدلاً، وجاء باختيار حقيقي من المسلمين، بل يجب عليه أن يعمل بما ظهر له صوابه، وليس في يد أحد نص شرعي يبين أن الإنسان يترك ما تبين صوابه من القول أو العمل، من أجل أن كثيرين من نظرائه أو ممن هم أكثر منه علماً قد خالفوه في رأيه. قال ابن أبي العز الحنفي صاحب (شرح الطحاوية) : «وقد دلَّت نصوص الكتاب والسنَّة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة؛ يُطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه» (٢) . وقال ابن عاشور: «وقوله: ﴿فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، العزم: هو تصميم الرأي على الفعل، وحذف متعلق عزمت؛ لأنه دل عليه التفريع عن قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، فالتقدير: فإذا عزمت على الأمر، وقد ظهر من التفريع أن المراد: فإذا عزمت بعد الشورى، أي تبين لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه، فعزمت على تنفيذه، سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى، أو كان رأياً آخر للرسول [ظهر] سداده، فقد يخرج من آراء أهل الشورى رأي، وفي المثل: ما بين الرأي والرأي رأيٌ» (٣) . فإن «الشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف وينظر أقربها قولاً إلى الكتاب إن أمكنه؛ فإذا أرشده الله ـ تعالى ـ إلى ما شاء منه، عزم عليه، وأنفذه متوكلاً عليه؛ إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب، وبهذا أمر الله ـ تعالى ـ نبيه ﷺ في هذه الآية يعني قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٤) ، وقال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: «لا غنى لولي الأمر عن المشاورة؛ فإن الله ـ تعالى ـ أمر بها نبيه ﷺ فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وقد رُوي عن أبي هريرة ﵁ قال: «لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ » ، وقد قيل: إن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به مَنْ بعده ليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي: من أمر الحروب والأمور الجزئية، وغير ذلك، فغيره ﷺ أوْلى بالمشورة. وقد أثنى الله على المؤمنين بذلك في قوله: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٤٠] ، وإذا استشارهم فإن بيَّن له بعضهم ما يجب اتِّباعه من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو إجماع المسلمين، فعليه اتِّباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيماً في الدين والدنيا. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (٥) . وقد تبين من قصة ملكة سبأ أن رأيها وحدها كان هو الصواب، ولو أخذت بما عرَّض به الملأ من قومها وهو الحرب لكان فيه الهلاك لهم جميعاً، وهو ما يبين أن الإنسان الفرد ربما أدرك من الصواب ما لم يدركه الكثيرون من أهل النظر والاستشارة. لكن ها هنا حالة، وهي ما إذا لم يتمكن الحاكم من معرفة الأصوب من الأقوال والآراء والخطط، فيما عرض عليه في الحادثة موضوع الشورى، بحيث لم يكن عنده ما يُرَجَّح به قول على آخر، فقد اختلف أهل العلم في ذلك، والأرجح والله ـ تعالى ـ أعلم أن يلتزم قول الغالبية أو الأكثرية في هذه الحالة، فتكون هذه المسألة من مسائل الحالة الأولى «شورى واجبة ونتيجتها ملزمة» ، أما إذا اختلفوا على عدة آراء، ولم يكن هناك ما يمكن أن يقال عنه أغلبية أو أكثرية، فله أن يتبع في ذلك من كان عنده أرضى علماً وديناً سواء كان فرداً أو مجموعة. قال ابن تيمية بصدد هذه الحالة: «وإن كان أمراً قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ عمل به، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] ، وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى ـكل منهما أن يتحرَّى ما يقوله ويفعله، طاعة لله ورسوله واتِّباع كتاب الله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ـما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت، أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده، أو غير ذلك فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال، وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره) (١) . الثالثة: شورى مستحبة ونتيجتها غير ملزمة: وهو كل ما يراد اتخاذ قرارٍ فيه، مما يحتمل عدة أوجه، وهو داخل في صلاحيات ولي الأمر، ووجه الصواب واضح فيه، فإنه يجوز لولي الأمر المشاورة فيه، بل تستحب - إذا لم يكن من الأمور التي لا تحتمل التأخير - تشوّفاً لمزيد من العلم والاطلاع حول الموضوع؛ وحذراً من الوقوع في الخطأ غير المقصود، تمشّياً مع قول القائل: «رَأْيُنا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب» ، و «من جاءنا بأحسن مما قدرنا عليه أخذنا به» ، ويدخل في ذلك تسيير ولي الأمر لأمور الدولة، وإصداره للتعليمات التي تنظِّم العمل، وعمل اللوائح والنُّظُم التي يضبط بها أمره، واختياره لمعاونيه، وتوليته للولاة على الأقاليم أو غيرها، وتحديد صلاحياتهم ومحاسبتهم وعزلهم إذا اقتضى الأمر، ونحو ذلك من الأمور التي تدخل في صلاحياته؛ فإنه يعمل ذلك انطلاقاً من صلاحياته، ولا تجب عليه الاستشارة في ذلك، وإن كانت السنة النبوية تبين أن الاستشارة في هذه الأمور وما جرى مجراها فيها خير كبير، ولن يعدم المستشير أن يستفيد خيراً إذا أحسن اختيار من يستشيره. قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: «واعلم أنه يُستحبّ لمن همّ بأمر أن يُشاور فيه مَن يَثقُ بدينه، وخبرته وحذقه، ونصيحته ووَرَعه وشفقته، ويُستحبّ أن يُشاور جماعة بالصفة المذكورة، ويستكثر منهم ويعرّفهم مقصودَه من ذلك الأمر، ويُبيِّن لهم ما فيه من مصلحة ومفسدة إن علم شيئاً من ذلك، ويتأكّدُ الأمرُ بالمشاورة في حقّ ولاة الأمور العامة: كالسلطان والقاضي ونحوهما» (٢) . وعندما يستشير الحاكم فهو الذي يحدد كيف يشاور: أيكون ذلك فردياً؛ بمعنى أن يستشير كل فرد على حدة، أم جماعياً، بمعنى أن يجمعهم معاً ويعرض عليهم ما يريد، أم يستخدم هذا حيناً، وذاك حيناً آخر، وهذا في مسائل، وذاك في مسائل أخرى، وهل لذلك عدد ثابت، أو يستشير فرداً في حالة وأفراداً في حالات أخرى؟ وهل يلزم لذلك تكوين مجلس يُعرف بمجلس الشورى أو لا؟ وهل لهذا المجلس اجتماعات دورية أو أنه ينعقد عند الاستدعاء؟ وإذا كانت له اجتماعات دورية؛ فكم مرة يجتمع في السنة مثلاً، وأين، ومتى؟ والطريقة التي يتم تبادل الرأي فيها بين المجتمعين، وإلى أي مدى يؤثر غياب بعض أهل الشورى في قرارهم؟ وهل لذلك نصاب محدد؟ ونحو ذلك من الأمور؛ وذلك أن التكييف الفقهي لوضع أهل شورى الحاكم، أنها جماعة مساندة أو معاونة للحاكم، وليست جماعة رقابة أو حسبة، فكما يختار الحاكم الوزراء والولاة ونحوهم، فإنه يختار أيضاً مستشاريه، انطلاقاً من مسؤوليته، ولا يمكن أن يكون الحاكم محاسباً أمام الأمة ومسؤولاً عنها، في الوقت الذي يمنع من تسيير الأمور بطريقته التي يراها، فيما هو داخل في صلاحياته، ويبقى بعد ذلك للأمة حق الاحتساب عليه في ذلك إذا أساء التصرف أو لم يحسن التدبير. وتحرم المشاورة فيما تبيَّن فيه حكم الشرع: بإيجاب، أو تحريم، أو إباحة، فلا يمكن المشاورة فيه؛ لقضاء الله ورسوله في ذلك، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، ولا تكون الشورى فيه إلا في فهم المقصود منه، أو في كيفية التنفيذ، إذا كان هناك أكثر من طريقة لتنفيذه. والشورى تعمل ضمن نظام متكامل، ومن ثم فإنه من غير المقبول أن يأخذ بعض الناس هذه الجزئية من النظام السياسي الإسلامي ثم يتركون باقيه؛ لأن النظام السياسي في الإسلام كالجسد يشد بعضه بعضاً؛ فإذا غاب بعضه اختل توازنه، فالنظام السياسي وهو يبين هذه الأحكام المتعلقة بالشورى، فإنه قبل ذلك اشترط شروطاً معينة فيمن يصلح أن يكون ولياً لأمر المسلمين، من العلم والعدالة والشجاعة، والخبرة بسياسة الدنيا، على ما هو مذكور في كتب الأحكام السلطانية، كما بَيَّن الطريقة التي يمكن أن يتولى بها هذا الأمر، والتي هي في لُبِّها أن يكون ذلك بشورى المسلمين الحقيقية، ثم بعد ذلك جعل للمسلمين الحق في محاسبة الولاة عند مخالفتهم لأحكام الشريعة، أو عند عدم قدرتهم على تحقيق المقاصد الدينية والدنيوية من نصبهم، أو عند تجاوزهم للصلاحيات المشروعة لهم، بل أوجب عليهم ذلك. في تلك العصور المفضلة اتخذت الشورى عديداً من الصور، ولم يُلتزم فيها بصورة واحدة أو طريقة معينة، ولكنها مع ذلك اتفقت في تحقيق الغرض من الشورى، فكانت شورى حقيقية وليست شورى شكلية؛ فمن هذه الصور: ـ في غزوة بدر عندما أرد ﷺ النزول في مكان ما، أشار عليه أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر ـ على ما تروي كتب السيرة ـ بالنزول في مكان آخر لمناسبته لظروف المعركة، فقبل منه رسول الله ﷺ ذلك لمَّا تبين له جودة الرأي، ولم يحتج إلى مشاورة غيره في ذلك. ـ وفي غزوة بدر أيضاً عندما استشار الأنصار في القتال، وقام سيدهم سعد ﵁ موافقاً ومؤيداً، اكتفى الرسول ﷺ بقوله، ولم يستشر بقية الأفراد؛ إذ لم يعترض أحد منهم على ما قاله سعد. ـ وفي أسرى بدر استشار الرسول ﷺ أبا بكر وعمر، فقال لهما: ما ترون في هؤلاء الأسارى (١) ؟ وتضيف بعض الروايات إليهم علياً لكنها لم تذكر له رأياً، وبعضها تضيف عبد الله بن رواحة وتذكر رأيه، ولم يستشر غيرهم صراحة، وأخذ رسول الله ﷺ بقول أبي بكر ﵁، ولم يأخذ بقول عمر، وقد يكون ظهر لرسول الله ﷺ ميل الناس لما رآه أبو بكر، لكن ليس على ذلك دليل صريح. ـ وفي غزوة أحد استشار الرسول ﷺ أصحابه، وكان يرى هو البقاء في المدينة والتحصن فيها، وكان يرى مثل رأيه الأكابر من المهاجرين والأنصار، وكذلك عبد الله بن أبيّ بن سلول، وكان على رأي عبد الله بن أبيّ ثلث الجيش، وكان - كما يقول ابن سعد -: «فتيان أحداث لم يشهدوا بدراً فطلبوا من رسول الله ﷺ الخروج إلى عدوهم ورغبوا في الشهادة» (٢) ، ولما ألحوا عليه في الخروج وافقهم على ذلك، ولم يكونوا هم الأكثرية كما يلهج بذلك كثير من المعاصرين؛ فإن جيش المسلمين في غزوة أحد حسب ما تذكر المصادر كان حوالي الألف، وقد انخزل عبد الله بن أبيّ بن سلول ـ رأس المنافقين ـ بثلثهم حينما توجهوا للقتال، على أساس أن الرسول ﷺ لم يأخذ برأيه وأخذ برأي الفتيان، وهو ما يبين موافقة المنخذلين على رأيه في عدم الخروج، وقد كان الذين ألحّوا على الرسول ﷺ في الخروج هم الذين لم يشهدوا بدراً، وقد كانت عدة أهل بدر فوق الثلاثمائة بقليل؛ فإذا طرحنا عدة أهل بدر وكذلك المنخذلين مع عبد الله بن أبيّ بن سلول من عدةّ أهل أحد، فكيف يكون الباقون وهم الراغبون في الخروج هم الأكثرية؟ على أنَّا نقول: إنه لم يكن في رأي المشيرين بالخروج خطل أو خلل، كما يحاول أن يروِّج ذلك القائلون بوجوب الأخذ برأي أغلبية أهل الشورى ولو كان الرأي خطأ، أو أدّى إلى هزيمة كما حصل في أحد، ويقولون: تهزم الأشخاص ولا تهزم المبادئ، والثابت يقيناً أن الهزيمة في أُحُد لم تكن بسبب الخروج، ولم تكن الإشارة بالخروج خطأ، وإنما الخطأ كان في مخالفة الرماة لأمر رسول الله ﷺ حينما تركوا أماكنهم للاشتراك في الغنيمة، فقد هزم المسلمون المشركين في أول النهار، وظلوا يجمعون الغنائم، مما أغرى الكثير من الرماة بالنزول عن أماكنهم للمشاركة في الغنيمة، وقد بين الله ـ تعالى ـ ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ، قال ابن جرير ـ رحمه الله تعالى ـ: «يعني بقوله ـ تعالى ذكره ـ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيها المؤمنون من أصحاب محمد ﷺ بأُحد وعده الذي وعدهم على لسان رسوله محمد ﷺ ، والوعد الذي كان وعدهم على لسانه بأُحد قوله للرماة: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنَّا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وكان وعدهم رسول الله ﷺ النصر يومئذ، إن انتهوا إلى أمره» (٣) ، ويقول ابن كثير: «وقد كان النصر لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة» (٤) ، فأراهم الله ـ تعالى ـ ما يحبون وهو النصر، ومكَّنهم من الكفار فأخذوا يحسونهم بإذنه، والحسّ: القتل، أي يقتلونهم بحكمه وقضائه لهم بذلك، وتسليطه لهم عليهم، ففي هذه الغزوة استشار الرسول ﷺ وكان له رأي وافقه عليه أكثر أصحابه، وأخذ برأي مخالف لرأيه، وهو يعلم أن النصر متحقق في كلا الحالين إذا امتثلوا أمره، وقد كان النصر للمسلمين، إلى أن عصوه فبدل الله حالهم، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] . ـ وفي غزوة الخندق أشار سلمان الفارسي ﵁ على رسول الله ﷺ بحفر الخندق، وهي الخبرة التي اكتسبها سلمان من الفرس، فأخذ بقوله ولم يستشر غيره في ذلك، وأمر الرسول ﷺ بحفر الخندق وحفر معهم، قال ابن حجر: «وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي منهم أبو معشر، قال: قال سلمان للنبي ﷺ : إنَّا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر النبي ﷺ بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيباً للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه» (٥) . وقد روي أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر ﵄: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما» (٦) ، وفي هذا دليل على أن استشارة بعض الناس من أهل العلم والفضل والإيمان تغني عن استشارة غيرهم، وأن قولهم مقدم على قول غيرهم عند الاختلاف، وفيه من الدليل أيضاً على أن الناس لا يستوون في أمر الشورى، وأن هناك من الأفراد من يوزن قولهم ورأيهم بقول العشرات أو بالمئات من الناس، والأمثلة من استشارة الرسول ﷺ كثيرة، وغرضنا التمثيل وليس الاستيعاب. ولو انتقلنا إلى عصر الخلافة الراشدة لوجدنا أبا بكر ﵁ يقول في وصيته لعمرو بن العاص ﵁ عندما أرسله أميراً على جيش من جيوش المسلمين: «وشاور أهل الرأي والتجربة ولا تستبد برأيك دونهم؛ فإن في ذلك احتقاراً للناس ومعصية لهم» (٧) ، فأمره بالشورى ونهاه عن الاستبداد بالرأي وذكر له الحكمة من ذلك، وبيّن له مَنْ مِن الناس يشاور، وهي شورى قاصرة على أهل الرأي والتجربة وليست شورى عامة. وكتب عمر إلى شريح القاضي: «أن اقضِ بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ ، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله ﷺ فاقضِ بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح» (١) ، فأمره بالاستشارة عند الاجتهاد، وحدَّد له مَن الذين يشاورهم، وهم أهل العلم والصلاح؛ فهم الذين يرجع إليهم في القضاء، وقال عمر أيضاً: «واستشر في أمرك الذين يخشون الله» (٢) ، ففيه ـ أيضاً ـ بيان صفة من يستشار، «وكتب عمر بن الخطاب إلى النعمان بن مقرن ﵄: أن استعن في حربك بطليحة وعمرو بن معد يكرب، واستشرهما في الحرب، ولا تولهما من الأمر شيئاً، فإن كل صانع أعلم بصناعته. أخرجه أبو عمرو وأبو موسى» (٣) ، فأمره باستشارة أهل الخبرة والتجربة، فـ «القاضي والإمام والحاكم لا ينفذ قضاء ولا يفصله إلا عن مشورة من بحضرته، ويصل إليه ويقدر عليه من علماء موضعه، وهذا مشهور من مذهب عمر ﵁. ذكر سيف بن عمر عن عبد الله بن المستورد عن محمد بن سيرين قال: عهد عمر إلى القضاة أن لا يصرموا القضاء إلا عن مشورة وعن ملأ وتشاور، فإنه لم يبلغ من علم عالم أن يجتزئ به، حتى يجمع بين علمه وعلم غيره، وتمثَّل: خليليَّ ليس الرأي في صدر واحد أَثِيرَا عليَّ اليوم ما تريان ولم يكن في عدم تنظيم الشورى في ذلك الوقت أو عدم سلوك طريق محدد في إجرائها نقص أو قصور، فقد كان أهل الرأي والخبرة يحيطون برسول الله ﷺ وكان من السهل جداً استشارة من يريد استشارته، فلم تكن البيئة التي تجري فيها الشورى آنذاك تحوج إلى التنظيم، وكان في هذا دليل على أن المطلوب القيام بالشورى حقيقة بغضِّ النظر عن الرسوم والأشكال. وعدم تنظيم الشورى في شكل موحد أو طريقة محددة هو في الواقع من طبيعة هذا الأمر؛ فإن هذا من باب الوسائل، والوسائل تتغير بتغير المكان والزمان والبيئة تبعاً لعوامل متعددة، فكان من الحكمة - التي تتميز بها التشريعات الإسلامية - تقرير الأحكام الشرعية مع عدم إلزام المسلمين على مدى الزمن بوسيلة تنفيذ ترتبط ملاءمتها ببيئتها التي تعمل فيها؛ فقد أمر الله ـ تعالى ـ مثلاً بالسعي إلى صلاة الجمعة فقال ـ تعالى ـ: ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ، ولم يلزمنا بطريقة واحدة في السعي؛ فمنا اليوم من يسعى على رجليه، ومنا من يسعى على دابة، ومنا من يركب السيارة، وهكذا؛ فالوسيلة هنا غير مرادة، وإنما المراد السعي إلى صلاة الجمعة، فبأي طريق أو وسيلة سعى الإنسان جاز، وحيث تكون الوسيلة مرادة فإن النصوص الشرعية تدل عليها؛ كالأذان مثلاً فهو وسيلة للإعلام بدخول وقت الصلاة، لكنه لما كان مراداً لما اشتمل عليه من تقرير عقيدة التوحيد، والحث على الصلاة، وبيان أنها هي الفلاح نفسه؛ فقد أمرت به النصوص الشرعية. ومن هنا يتبين أن الشريعة إذا أمرت بشيء ولم تحدد طريقاً أو وسيلة معينة لأدائه، كان هذا حكماً بإباحة كل الطرق والوسائل التي تؤدي إلى تحقيقه، وليس عليها قيد سوى: أن لا تخالف هذه الطرق الأحكام أو المقاصد الشرعية الحقيقية، وأن تكون مؤدية حقاً إلى تحقيق الحكم الشرعي، وأن لا يترتب على الطريق المحدد مفسدة تزيد على المصلحة المتحققة، وأن لا تكون ثابتة ثبوت الأحكام الشرعية بل يمكن تغييرها إذا فقدت مسوغ اتخاذها، أو إذا تبين وجود طرق أفضل منها لتحقيق المقصود. ليس هناك في الشرع ما يمنع من تنظيم الشورى، ولذلك سابقة في الصدر الأول؛ فعندما طُعِنَ عمر ﵁ حصر الخلافة في ستة أشخاص، وهم الذين توفي رسول الله ﷺ عنهم وهو راض، وأمرهم بالتشاور فيما بينهم لاختيار واحد منهم، ثم أدخل معهم في الاختيار عبد الله بن عمر ليكون مرجحاً عند انقسام الآراء أقساما متساوية، وأمرهم أن لا يزيد وقت تشاورهم في ذلك عن ثلاثة أيام، وجعل صهيباً على الصلاة في تلك الأيام، وأمر بانعزالهم عن الناس أثناء التفاوض حتى لا يشوش عليهم أحد، وأقام عليهم حراسة من خمسين رجلاً حتى يمنعوا الناس من الدخول عليهم إلى آخر ما ورد في هذا التنظيم العبقري، فلِوَلي الأمر على ذلك أن يقوم بتنظيم الشورى الخاصة به في مجلس شورى أو نحو ذلك، فيختار له من يثق فيهم ممن تتوفر فيهم صفات أهل الشورى، ويحدد عددهم، ويضع لهم التعليمات والضوابط التي تضبط العمل، ويستعين المجلس بمجموعات متخصصة في الأمور الفنية نظراً لتشعب التخصصات، واستحالة أن تحيط مجموعة صغيرة بجميع التخصصات، وأن تكون هناك متابعة ومراقبة شرعية من المجلس نفسه للتأكد من عدم مخالفة الاقتراحات للقواعد أو الأحكام الشرعية، ثم تُعرض الاقتراحات المختارة على ولي الأمر فيتدارسها معهم أو مع وزرائه ومعاونيه، ويعمل بما يرى أنه الأفضل من الاقتراحات المتقدمة، ويبقى بعد هذا كله حق الاحتساب من المتابعة والمراقبة لأهل الحل والعقد، سواء في اختيار أهل الشورى، أو في اختيار الاقتراحات للعمل

стр. 5478

دعوية الحوار والتعاون مع الآخر د. عدنان علي رضا النحوي لقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة لدى عدد من الدعاة والكُتَّاب المسلمين عن أهمية الحوار مع «الآخر» وعن ضرورة الاعتراف «بالآخر» وعن ضرورة البرِّ والقسط إليه، إلى درجة يكاد يرفع، من خلال ذلك، بعض الكتّاب المسلمين «الآخر» فوق المسلم، ويحرصون عليه وعلى حقوقه ولا يلتفتون إلى المسلم وحقوقه، وعُقِدت مؤتمرات وندوات عن ذلك. وبعضهم يبني ذلك على قوله ـ تعالى ـ: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] . فيأخذون بعض هذه الآية ويتركون بعضها الآخر الذي هو الأساس. إنهم يقولون: يجب أن نتعامل مع هؤلاء وهؤلاء بالحكمة ونخاطبهم بالتي هي أحسن. وفي سبيل هذا الهدف يمكن أن نتنازل ونتعاون ونتقارب. وبذلك يلغون القاعدة التي قامت عليها الإشارة إلى الحكمة وما تلاها، ألا وهي: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ... ﴾ ! تَركوا الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، وأقاموا مكانها علاقات اجتماعية واقتصادية ومصالح مادية، وأخذوا من الآية الكريمة ما يظنّون أنه يسوّغ ما هم فيه من علاقات تطورت حتى أصبح فيها المسلمون يمتدحون مبادئ هؤلاء وفلسفاتهم ونظمهم وأدبهم وفكرهم. انقلبت الآية وأصبحنا نحن الذين نُدْعَى ولسنا الذين يدعون، على الأقل من الناحية العمليّة التطبيقية والنتائج الملموسة. كيف يأمرنا الله أن ندعو هؤلاء من أهل الكتاب وغيرهم؟ وكيف تكون العلاقة معهم؟ فلنستمع إلى آيات الله البيّنات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً * إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٧ - ٤٨] . إنَّ أوّل ما نفهمه من هذه الآية الكريمة هو أنَّ الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، إلى الإسلام، دعوة واضحة جادّة صريحة، دعوة إلى التخلّي عن الشرك. إنَّ المواربة في هذا الأمر أو المداهنة أو المساومة ليست أسلوباً يدعو له الإسلام أو يرضى به الله. إنَّ الله يريد أن تكون دعوته واضحة جليّة، وأن نُبلّغها كما أُنزلت على محمد ﷺ . فليست الدعوة إذن إلى التقارب مع «الآخر» فأيّ تقارب بين التوحيد والشرك؟ إنَّ قوة أهل الكتاب اليوم وسلطانهم الممتدّ يضغط على بعض المسلمين وعلى فكرهم، فتختلط الأمور تحت تأثير هذا الضغط. لا بدَّ من أن نؤكِّد أنَّ أساس العلاقات هو الدعوة إلى الإسلام، وأن تكون الدعوة واضحة جليّة لا تدع لأحد عذراً يدّعي معه أنه لم يستوعب الدعوة، ويجب أن تكون الدعوة عامة على جميع المستويات، كما أنزلت من عند الله. ولنستمع إلى آيات بيّنات أخرى توضّح ذلك: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ وَإنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإن تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠ - ٦٣] . وهذا أسلوب آخر من أساليب الدعوة إلى الإسلام يحمل خصائص الأسلوب السابق نفسها: الوضوح والجلاء، النهي عن المراء والمماراة؛ فإذا لم ينفع الجدل بإقناعهم بالحقّ من عند الله، فليجتمعوا ليدعوا أنَّ لعنة الله على الكاذبين. وأسلوب آخر: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] . أسلوب ثالث، ولكنه مثل سائر الأساليب، واضح جليّ حاسم. فإن لم يستجيبوا فيعلن المسلم إسلامه واضحاً جليّاً ويقول: «اشهدوا بأنا مسلمون» . لقد عرضت هذه الآية الكريمة أُسس الخلاف وأخطر قضاياه، وحددت الموقف الإيماني الحاسم منها كلّها. هذه هي الحكمة والموعظة الحسنة التي يريدها الله والتي أشارت إليها الآية من سورة النحل: قول الحقّ والصدق، الوضوح والجلاء، عرض أخطر القضايا. فلم يكن القرآن يبحث عن العوامل المشتركة الأساسية في دعوة الآخرين من المشركين ومن أهل الكتاب وغيرهم كما يدّعي بعض المسلمين اليوم؛ إنَّما كان يعرض الحق ويدعو إليه. فأنَّى يكون بين التوحيد والشرك عوامل مشتركة؟ وإذا كانت هنالك عوامل مشتركة هم يؤمنون بها ونحن نؤمن بها؛ فلماذا ندعوهم إليها؟ فما ذكرته الآية الكريمة من سورة آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ..﴾ ، لا تعرض عوامل مشتركة، وإنما تعرض جوهر الخلاف والقضايا غير المشتركة لتذكّرهم بها؛ لأنَّها كانت هي أساس دينهم الذي حرّفوه، حتى أصبحوا بسبب التحريف مشركين. وإذا كانت كلمة «سواء» عاملاً مشتركاً فلماذا ندعوهم إليها؟ إنَّ الله أمرنا أن ندعو أهل الكتاب إلى الحقِّ الذي فارقوه، وأمرنا أن نُجادلهم بالتي هي أحسن، دون أن نُغيّر حقيقة الدعوة وأهميتها وقضاياها تحت ادعاء «بالتي هي أحسن» : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] . نعم! بالتي هي أحسن. إنها الأسلوب الذي يقنعهم بالحقِّ دون أيّ تنازل عنه. وهذا الحق هو الذي أُنزل إلينا فآمنَّا به وحفظه الله لنا، وهو الذي أُنزل إليهم كذلك فحرّفوه وبدَّلوه فأشركوا. ثم تكون النتيجة هي الحسم والفصل: «ونحن له مسلمون» . لا بدّ أن يكون أسلوب الجدال يجمع قوة الحجّة، وصدق النيّة، وسلامة المنهج. إنَّ الذي يعرضه القرآن الكريم من أجل التعامل مع «الآخر» وغيرهم في الأرض هو منهج متكامل متماسك، وليس قطعاً منثورة هنا وهناك. فلا بدّ حين نتحدّث عن هذا الموضوع أن نشير إلى هذا المنهج وإلى تكامله وإلى أسسه التي يقوم عليها، حتى تكون الصورة التي نعرضها أقرب للتقوى. وحين لا نلتزم النهج أو لا نشير إليه وإلى أُسسه، ونكتفي بأخذ آية واحدة من هذا المنهج، فإنَّ الصورة ستختلف عندئذ كثيراً، والمصطلحات التي نستخدمها لا تنصف الدلالة المرجوة وقد تفارقها. ويقول بعض الدعاة إنَّ الإسلام يدعو إلى التضامن مع «الآخر» ، لدرء المفاسد وجلب المصالح والمنافع للناس، كرفع الظلم ورعاية حقوق الإنسان وتعزيز الحريّة والعدالة وسائر المبادئ الإنسانية، ويستشهد على ذلك بحديث رسول الله ﷺ : «لقد حضرت في دار ابن جدعان حلفاً ما أُحبُّ أنَّ لي به حمر النعم، ولو أُدعى إليه في الإسلام لأجبت» [سيرة ابن هشام] . حين يقال ذلك فإنه لم يُبيّن مَنْ هو «الآخر» أولاً، وما هي المفاسد وما هي المصالح، وما هي حقوق الإنسان وما هي الحريّة والعدالة والمبادئ الإنسانية، وما هو مقياس ذلك كله وميزانه؟ ومن الذي يحدّد المقاييس والموازين؟ إنّ حلف الفضول الذي كان في الجاهلية كان تعاهداً بين قبائل قريش: «على أن لا يَدَعوا بمكّة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا أقاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى تردّ إليه مظلمته» . لقد كان أولاً حلفاً على قضيّة محدّدة بين قبائل قريش، لهم على الظلم ميزان يحتكمون إليه في جاهليتهم. وبعض هذا الميزان خير وبعضه غير ذلك. فإن قال رسول الله ﷺ حديثه المذكور أعلاه فلا يعني أنه أقرَّ ميزان الجاهليّة لتحديد الظلم ولرفعه. ولذلك قال ﷺ في حديثه المذكور «لو أُدعى به في الإسلام لأجبت» . وهذا يعني أنه «في الإسلام» لن يكون إلا ميزان واحد هو ميزان الإسلام، وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه التعاون في نظر الإسلام؛ حيث يكون ميزان واحد يميّز الباطل من الحقِّ. ففي حديث رسول الله ﷺ إقرارٌ لمبدأ التعاون على رفع الظلم، وتحديد للميزان الذي يحدّد الظلم. وكان «الآخر» آنذاك محدّداً معلوماً. أما اليوم، فحين ندعو إلى التضامن مع «الآخر» فمن هو «الآخر» ؟ أليس هو الذي أجرى دماء المسلمين في فلسطين وفي العراق وأفغانستان وسائر بلاد المسلمين؟ أليس هو القوة المسيطرة التي تحكم في الأرض بموازينها المضطربة وشعاراتها المزخرفة ومكاييلها المتعددة؟ فيحقُّ لنا أن نتساءل: إذاً لماذا هذا الحرص على «الآخر» ، و «الآخر» ليس بحاجة إلى حرصنا عليه، ولا هو حريص علينا؟ ولماذا تُثار هذه القضية و «الآخر» يدير المجازر في ديارنا غير عابئ بأحد؟ وباستعراض تاريخنا وخاصة في العصر الحديث الذي نعيشه لا أجد أنَّ «الآخر» وجد عدالة وحياة أفضل مما وجدها بين المسلمين. لقد عاش النصارى في معظم أقطار العالم الإسلامي حياة مطمئنّة كريمة إلا في فترات قليلة من تاريخنا الإسلامي. فالنصارى واليهود لم يُظْلموا في المجتمعات الإسلامية، ولكن يعاقبون بمقدار ما يُكْشَف من تعاونهم مع أعداء الأمة حين يتلقّون منهم التوجيه، ويعملون حسب المخطط الذي يرسمونه لهم. فمن قائل: يجب أن نُقْسِط مع الآخر، ومن قائل: يجب أن نعترف به. ونتساءل: ولِمَ لَمْ يكن الأمر على عكس ذلك بأن يقسط «الآخر» معنا ويعدل معنا؟ فهو الظالم المعتدي المنكِر لحقوقنا. ومن قائل: يجب أن ننفتح عليه. وهل هناك انفتاح أكثر مما نحن فيه؟ فُتِحَتْ له القلوب والديار؟ إنَّ الآخر بجميع صوره وأشكاله لم يجد في تاريخه أرحم ولا أعدل من الإسلام. نحن المسلمين اليوم نجابه أخطاراً تحيق بنا من كلّ ناحية. وإنَّ أبسط أنواع التفكير يجب أن تدفعنا جميعاً لندرس نهجاً عمليّاً يعين الأمة على الخروج مما يُكاد لها ويُمْكرُ بها. إننا بحاجة إلى أن نضبط فكرنا ونهجنا بقواعد الإيمان وحقائق الإسلام ونور الكتاب والسنّة، وفيه كلُّ ما يعين ويُنير الدرب والطريق. يجب أن لا يدفعنا الإحباط والهوان إلى أن نتلمس النجاة عند «الآخر» . إنَّ سبيل النجاة بيّنه الله لنا وفصَّله، ليبتدئ من ذاتنا حين نتجه إلى الله ونغيِّر ما بأنفسنا، ولننطلق على صراط مستقيم. إنَّ الإسلام، والإسلام وحده، مصطلحاً ومعنىً ونهجاً، هو الذي يُعلّمنا كيف نحترم أنفسنا وكيف نقسط مع أهل الأرض كلّها، وكيف نتعامل مع شعوب الأرض نحمل رسالة الله، نبلّغهم إياها ونتعهّدهم عليها، بها نُخاصِم وبها نرضى وبها نتعاون. مهما شعرنا بعجزنا وضعفنا وهواننا، فإنَّ لحظة الرجوع الصادق إلى الله تحيي في نفوسنا الأمل، وتبعث فينا القوة والعزيمة، وترسم لنا الدرب والأهداف والوسائل والأساليب، في صورة عبادة لله، ووفاء بالأمانة التي حملها الإنسان والتي

стр. 5479

جذوة العز عبد الله عيسى السلامة بَعْضُ نَفْسِ البَصير في أَحداقِهْ والكَثيرُ المُثيرُ في أَعماقِهْ ما بَصيرٌ مَنْ ضُمِّنتْ مُقْلتاهُ كُلَّ ما في الضَّمير مِن أَشْواقِهْ رُبَّ أَعمى العَينَينِ أَبصَرُ قلباً مِن بَصيرٍ يَهيمُ في آفاقِهْ * * * * * ظالِمٌ ذلكَ الذي يَسْحَقُ الشَّعبَ ويَجْني ما شاءَ من أَرزاقِهْ ويَدُ الظالِمِ الذي يُمْكِنُ الظالمَ مِن قَهْرهِ وشَدِّ وَثاقِهْ وجَبانٌ يُكَفّنُ السَّيفَ رُعْباً حينَ تُمْسي حَياتُه في امتِشاقِهْ وفَقيهٌ يُزَيِّن الذُلَّ بالفِقْهِ فتَعْساً للخائِرِ المتَفاقِهْ نَسِيَ العِزَّ، إنّ للعِزّ فِقْهاً ضَجَّ سمُّ الطغاة من تِرياقِهْ إنّ للعِزّ جَذوةً تُحْرِق الشَّمسَ إذا نالَ حَرُّها مِن رواقِهْ * * * * * أيُّ حقٍّ أَحقَّهُ اللّغْوُ لَمّا نامَ حدُّ الحُسامِ عَنْ إحقاقِهْ كَمْ رأَيْنا مِنْ نابهٍ عَبْقَريٍّ سَخِرَ المجرمون مِن أوراقِهْ وأَحالوهُ دُمْيةً تَتَنَزّى وأَكُفُّ الجلاّدِ حَولَ خِناقِهْ * * * * * نَحنُ ظُلاّمُنا، ونحنُ المظاليمُ وكُلٌّ مُوَكّلٌ برِفاقِهْ رُبَّ شاكٍ من سَطْوة الظُّلم يشكو كُلُّ ما في الحياةِ من أخلاقِهْ يُشْهِدُ اللهَ أَنّهُ الصادِقُ البَرُّ وسُمُّ الثُّعبانِ في أشْداقِهْ رُبَّ صَدْرٍٍ يَضُمُّ بِذْرةَ فرعونَ ويَحْوي زُجاجةً من مَذاقِهْ إنْ تعامَتْ عَنه العُيونُ رَماها بالعَمى، ثم ساقَها في سِياقِهْ فهو يَشْكو لَذْعَ الحَميمِ، فإنْ سادَ فَويْلٌ للأرضِ مِن غَسّاقِهْ مَيِّتٌ كُلُّ مَنْ يَموتُ، ويَخْزى دون مَوتٍ مُنافقٌ في نِفاقِهْ فإذا صَفَّقَ المنافِقُ للظالِمِ ذُلاً أو صارَ مِنْ أَبْواقِهْ صار نَعْلاً أو يُشْبهُ النَّعلَ في رِجلَيهِ يُلْقيهِ عِندَ انْخِراقِهْ ليسَ للظُّلمِ مِنْ مُعينٍ عَلَيه غيرُ سيفٍ يُفْنيهِ عنْدَ انْبِثاقِهْ

стр. 5480

من خصائص الخطاب الدعوي لخطيب الجمعة د. أحمد العمراني ١ - موقع خطبة الجمعة ومكانة الخطيب في الأمة: تعد خطبة الجمعة واحدة من وسائل الدعوة إلى الله التي وضع أسسها رسول الله ﷺ ، شرعت مرة كل أسبوع لتذكير الناس بأمور دينهم وحسن توجيههم وتوعيتهم وتثقيفهم. وعلى هذا فالخطيب داعية إلى الله، ومهمة كل داع إلى الله النيابة عمن بعثهم الله لعباده؛ إذ الدعوة في أصلها رسالة الرسل والأنبياء، وبعد غيابهم ورثها عنهم العلماء لقول رسول الله ﷺ : «الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ - وَرَّثُوا الْعِلْمَ - مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١) . والعالِم هو ناقل علم رسول الله ﷺ في أمته، بتوضيح الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة؛ وهو قائم في الأمة مقام الأنبياء، وسراج الأمة وضياؤها بلا مراء، يبين لهم الأحكام ويفرق لهم الحلال من الحرام، ويخرجهم من الآثام ويوضح لهم شرائع الإسلام. وهو كالعين العذبة نفعها دائم، وكالغيث حيث وقع نفع، وكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل زمانه وعصره، وكالسراج من مر به اقتبس. وكل من يعتلي منبر الخطابة فهو يعتلي منبر رسول الله ﷺ ، وخصوصاً في جانبه الدعوي التوجيهي، لهذا وجب على الخطيب أن يسد ثغرة خطيرة، ويتخصص في جانب مهم من أمور الدين يمنع به ما قد يؤذي المسلمين. وربنا يقول: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . ويقول ﷺ : «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (٢) . إضافة إلى كل ما ذكر فمخاطبة الناس زيادة على ما تستلزمه من شروط ينبغي توفرها في الخطيب، تتطلب موهبة خاصة يهبها الله ـ سبحانه ـ لمن اعتلى منبر رسول الله ﷺ ؛ فهناك من يُفتح له في هذا المنبر وهو بذلك يستحق اعتلاءه، وهناك من لا يُفتح له فيه فيجب بالضرورة أن لا يعتليه. فقد روي عن الإمام مالك ﵁ أنه قال مجيباً العمري العابد لما كتب له يحضه على الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم؛ حيث قال له: «إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق فرُبَّ رجل فُتِِح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصيام؛ ونشرُ العلم وتعليمه من أفضل البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كِلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قُسم له والسلام» (٣) . فالحديث في أمور الدين ليس من السهولة بمكان كما قد يفهم الكثيرون، لهذا يجب أن يتولاها أهلها المستحقون لها، وقد حذر النبي الكريم ﷺ من عكس هذا فقال: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله» (١) . كما يجب أن يكون خطاب الخطيب للناس خطاباً يسير وفق الأصل النبوي، خطاباً مبنياً على حسن البيان، والاختصار والإفهام؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي وَائِلٍ قال: «خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ؛ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ! لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ! فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ طُولَ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاَةَ وَأقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وإن مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً» (٢) . كما أن الخطاب يجب أن يكون هادياً ومحبباً الناس بالإسلام، وهو ما أشار إليه الإمام علي ﵁ في قوله: «إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يرخِّص لهم في معاصي الله، ولم يؤمِّنهم من عذاب الله، ولم يَدَع القرآن رغبة إلى غيره» (٣) . فرواد الجمعة هم كل المجتمع، فيهم الأمي والمثقف، والجاهل والعالم، والصغير والكبير، والرجل والمرأة، والمتحزب وغيره، ويمكن تصنيفهم إلى أربع فئات - من حيث فهمهم وما يلزمهم - اجتهد في وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي ﵀ حيث قال: «الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فارشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه» (٤) . وكلهم يحضرون بقصد الاستفادة من توجيه الخطيب، والتعلم من العلم النافع الذي يخدم مسيرة كل واحد منهم في حياته؛ فمنهم من يأتي للاستفادة، ومنهم من يحتاج إلى من يوقظه من غفلاته وسهواته، ومنهم من يرغب في الإرشاد، ومنهم من يستحق التنبيه والتحذير. ٢ - خصائص الخطاب الدعوي لخطيب الجمعة: إن المتفحص في نصوص شريعتنا، يستخلص خصائص مهمة للخطاب الديني الذي يجب على خطيب الجمعة الالتزام بها، والحرص على تنفيذها للإسهام في توجيه مسار الأمة نحو الخير والوسطية التي جاء بها ديننا الحنيف - باعتبار أن الخطيب هو واحد من دعاة الأمة الذين يوجهون للناس خطابهم الأسبوعي دون مناقشة أو استفسار، وينصتون إليه بكل شغف وشوق، ويعطونه آذانهم دون كلل أو لغو، ويحرصون على الاستفادة من خطابه لحسن معاشهم ومعادهم - وخصوصاً أن نص الحديث يحيط بهم بقوله ﷺ : «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» (٥) . لهذا على الخطيب أن يراعي في خطابه جملة من الخصائص تتمثل في الآتي: ١ - أن يكون خطابه شرعياً ربانياً؛ حيث يحرص في خطابه على دعوة الناس إلى توحيد الله وعبادته وحده وعدم الإشراك به؛ فالأصل في بعثة الأنبياء والرسل الدعوة إلى عبادة الله وحده، وتصحيح عقيدة الناس التي انحرفت؛ وخير مثال على ذلك قول النبي ﷺ لما بعث مُعَاذاً ـ رضى الله عنه ـ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: «إنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ. . .» (٦) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْماً لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: مَا الإيمَانُ؟ قَالَ: الإيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ. قَالَ: مَا الإسْلاَمُ؟ قَالَ: الإسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شيئاً. .» (٧) . فالله ـ سبحانه ـ أخبر بأن المغفرة تشمل كل الخطايا والذنوب باستثناء الشرك فقال: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] . كما حذر النبي ﷺ منه بقوله فيما رواه عن ربه: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٨) . لهذا يبقى خطاب الدعوة العقدي أصل الخطاب الذي ينبغي أن لا يغيب، ولا بأس بتكراره، وتجديد الحديث فيه بطرق ووسائل تبليغية تواكب مستجدات الشرك ومستحدثاته، كما تبدع في وسائل الخطاب الذي يحاربه، وبلغة سهلة ميسرة تصل إلى القلوب قبل الأسماع. ٢ - أن يكون الخطيب هادياً لا جابياً: أي يحرص في خطابه على هدي الناس إلى البر، مع تجنب الجباية أو طلبها بخطابه؛ فالهادي ضد الجابي، والله في عون كل من رغب في هداية الناس إلى الخير ويوفقه ويجازيه خير الجزاء، ويكفي في بيان أجر ذلك حديث النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ومن خلاله لكل الأمة: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» (٩) . فأحب العباد إلى الله الذين يحببون الله إلى الناس، وهو ما بينه النبي ﷺ في حديثه: «إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى الناس» (١٠) . والخطيب إن تمثل الحكمة في خطابه كان من أفضل المحببين الله لعباده؛ وهذا بالتركيز على أن الهداية بيد الله، وأن مهمة الخطيب لا تتجاوز التذكير؛ لأن من هو أسمى من كل خطيب قد وُجه إليه هذا الخطاب في قوله ـ تعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . ٣ - أن يكون خطابه اجتهادياً: أي ليس توقيفياً؛ فالمطلوب من الخطيب الاجتهاد في خطابه، والإعداد الجيد لمواضيعه، والإبداع المستمر لما يقدمه للناس، مع تجاوز المكرر من الخطاب حتى لا يمل الناس فيملوه. فالخطبة موعظة، والموعظة كلها توفيقية؛ فليس هناك نمط واحد لا يتغير في الأسلوب الذي يمكن مخاطبة الناس به، بل لا بد من التجديد والابتكار دون الخروج عن الأصول والثوابت؛ فألوان الخطاب كلها وسائل يستعان بها لحسن التبليغ، لكن الوسيلة في شرعنا غير مبررة بالغاية، بل لا بد من إخضاعهما معاً لشرع الله. ٤ - أن يكون خطابه متدرجاً: وهذا أمر بدأ به أمر الدين وخُتم؛ فكل ما حُرِّم على الأمة حرم تدريجياً وعلى مراحل، وما أمر الخمر والربا والإرث وغير ذلك في تنزيلات القرآن بخافٍ على المسلم. فعلى الخطيب إن قصد بخطابه توجيه النصح أو الرغبة في تغيير ما يستحق التغيير أن يعرف كيف يعالج الأمر، وأن يستلهم منهجه ذلك من منهج رسول الإنسانية والرحمة المهداة للعالمين، ويكفي لبيان ذلك حديث المصطفى ﷺ لعائشة ﵂ إذ كان يرغب في تغيير معالم الكعبة، بل هدمها وتجديدها؛ حيث قال لها: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية (أو قال بكفر) لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحِجْر» . وفي رواية: «لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً، وزدت فيها ستة أذرع من الحِجْر؛ فإن قريشاً اقتصرتها حين بنت الكعبة» (١) . إنه التدرج والتأني، ومراعاة أحوال الناس وقوة إيمانهم أو ضعفه لحسن تقبُّل الأمر الصعب الذي قد لا يوافق رغبتهم وهواهم، أو قد لا يحسنون فهمه. ٥ - أن يكون خطابه متفاعلاً مع الواقع: أي يكون خطاباً يعترف بالواقع ومشكلاته، ويعرف كيف يُخرج الناس من مشاكل الحياة وصعوباتها، ويقدم لهم الحلول المناسبة التي تهدئ النفوس وتطمئن القلوب، وهذا يقتضي من الخطيب حسن التفقه في الدين وحسن التعرف على الواقع، وحسن التفقه في كيفية تنزيل النص الشرعي على الواقع. كما يقتضي من الخطيب أن لا يتقوقع أو يدعو إلى القوقعة في مواضيعه التوجيهية فيما لا يعود بالنفع على المسلمين، بل لا بد أن يعيش واقع الناس ويوجههم للمشاركة الايجابية في المجتمع، وعلى مخالطة الناس بالتي هي أحسن، ويعلِّمهم أن الأصل والأفضل هو المخالطة وليس الانعزال، لقول الرسول ﷺ : «الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٢) . ٦ - أن يكون خطابه جامعاً لا مفرقاً: فالخطيب للجميع ومعلم لهم، مثل شجرة الزيتون «لا شرقية ولا غربية» ينير ضوؤه طريق كل الناس، بمختلف ألوانهم وأشكالهم، يحترم الجميع ويسعى لهداية وتعليم الجميع دون تحيز أو ميل، يجمع ويوحد، يصلح ولا يفسد، مفتاح للخير، مغلاق للشر كما قال النبي ﷺ : «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للشر؛ فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه» (٣) . ويبني عمله وخطابه هذا على قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥] . وهذا يقتضي استخدام الكلمة المسؤولة استخداماً أميناً، مع جمال التعبير والعرض، والتذرع بأخلاق أهل الإيمان، التي تنفِّر من الحقد والوقيعة وسوء الظن، كما تنفر من الجهر بالسوء، لتصل إلى الحوار المنصف، والخطاب الصحيح السليم، مع تجنب التعيين والوصف والتشنيع؛ لأنه لم يثبت عن سيد الخطباء أن عيّن يوماً في خطابه أو خطبه أحداً باسمه، بل كان خطابه دائماً عاماً، لا يعدو أن يقول فيه: «ما بال أقوام» أو «ما بال أحدكم» . وهلمَّ جراً. ومن أمثلة ذلك: ـ ما أخرجه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَسْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ ـ قَالَ عَمْرٌو وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ - فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي أُهْدِي لِي. قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي؟ أَفَلاَ قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لاَ ... ؟» (٤) . - وعَنْ مَسْرُوقٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئاً فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَطَبَ، فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ، قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَيْءِ أَصْنَعُهُ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» (٥) . - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعَ أَمَامَهُ؛ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعُ فِى وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا ... » (٦) . هذه بعض خصائص خطاب الجمعة، ما أحوجنا إلى فقهها واستيعابها، فهل من سبيل لتطبيق ذلك على الوجه الأحسن؟ من خصائص الخطاب الدعوي لخطيب الجمعة ملتقى الخطباء يقول الله ـ تعالى ـ في محكم التنزيل: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . تعيش الأمة الاسلامية اليوم زمناً اختلطت فيه المفاهيم والتبست، وكثرت فيه التوجيهات عبر وسائل الإعلام المختلفة سواء منها المكتوبة أم المرئية أم المسموعة. ومما وقع فيه الخلط الشديد، وأصبح محط جدال ونقاش خطاب خطيب الجمعة: كيف يجب أن يكون؟ وما هي خصائصه؟ ولعل أول ما يجب أن يوضح في هذا

стр. 5481

عوِّدوا أبناءكم على التخطيط إبراهيم بن سليمان الحيدري إن من أفضل الهبات التي نمنحها لأبنائنا تلك الأخلاق التي تعينهم على العيش في حياة إسلامية هانئة ومثمرة يحققون فيها ذواتهم ويخدمون فيها مبادئهم، وأحد هذه الأخلاق هو التخطيط. نعم! فالتخطيط ليس حكراً على المنظمات الإدارية، وليس مقتصراً على الكبار. والتخطيط على المستوى الشخصي بمفهومه البسيط هو أن يرسم الواحد منا أهدافاً طموحة تناسب إمكانياته، ويعمل على تحقيقها؛ وهو بذلك يحتوي على كثير من الفوائد التي سيجنيها الأبناء، لو أنَّا عوَّدناهم على التخطيط منذ الصغر مثل: التعرف على الذات، الاعتماد على النفس، العيش في حياة محفزة، إضفاء روح من الجدية على سلوك الأبناء، استثمار الوقت، التفكير، وغير ذلك. وحتى لا نستغرق في الحديث عن أهمية التخطيط إليك مع التحية هذا المقترح البسيط لتعويد الأبناء على التخطيط (١) : i مرحلة المهام: وفيها يُعَوَّد الأبناء على تحديد وكتابة مهام أسبوعية أو شهرية غير (روتينية) ومن المهم أن تكون هذه المهام محددة وواضحة بالنسبة لهم، ومن أمثلة ذلك: - حفظ آية الكرسي. - تصليح ساعتي اليدوية. i مرحلة الأهداف: بعد أن يتمرس الأبناء على تحديد وإنجاز مهام محددة وواضحة تأتي مرحلة أكثر تفصيلاً وهي مرحلة رسم الأهداف. والهدف في هذا السياق هو مجموعة من المهام المتناسقة التي تحقق في جملتها شيئاً واحداً، مثل: هدف: دعوة الأصدقاء للعشاء في المنزل هذا الشهر. المهام التي يتضمنها الهدف السابق: تجهيز المكان، تحديد نوع العشاء، الاتصال بالأصدقاء، إلخ. ومن المقترح ألا تكون الأهداف طويلة المدى حتى لا يمل الأبناء وتضعف عزيمتهم. i مرحلة التخطيط: وهي مرحلة أشمل وأبعد مدى من المرحلة السابقة، وفيها يضع الأبناء لأنفسهم غاية أو مجموعة من الغايات (الغاية هدف بعيد المدى) يتطلب مجموعة من الوسائل لتحقيقه، وهذه الوسائل تتضمن مجموعة من المهام. غاية: إتقان فن الحديث والتأثير على الآخرين. ويمكن أن تحقق هذه الغاية من خلال عدة وسائل مثل: الوسيلة الأولى: الدورات التدريبية. الوسيلة الثانية: القراءة، ويمكن ترجمة هذه الوسيلة على شكل عدة مهام مثل: - قراءة كتابين عن أساليب الحديث والإلقاء. - قراءة مقالة عن طرق الإقناع. وينبغي في كل المراحل السابقة أن يلفت انتباه الأبناء إلى الإمكانيات باختلاف أنواعها كالوقت المتوفر والتكاليف المالية والقدرات الذاتية. i فاصلة.. تذكَّر أخي الكريم كم هي السنوات التي قضاها الكثير منا بلا أهداف أو تخطيط واضح لحياتهم مع أهمية ذلك لكل

стр. 5482

حول الهجمة الأمريكية والضغوط الخارجية على سورية المأزق ... والمخرج د. علي صدر الدين البيانوني تأتي الهجمة الأمريكية الشرسة، إبَّان صدور تقرير: (ميليتس) متَّهماً بعض الأشخاص من الجانب السوري، وقد طلب مجلس الأمن أن تتعاون سورية في كلِّ ما يُطلب منها، وإن لم تستجب فسيكون مصيرها معروفاً؛ حيث ستتم محاكمتها، والأبواب مشرعة مع كلِّ الاحتمالات الخطيرة. وفي هذه العجالة تقدم المجلة تصريحاً لأحد الفعاليات السياسية المعروفة، وهو الدكتور: علي صدر الدين البيانوني، المراقب العام للإخوان المسلمين لم تزل أمتنا في أقطارها المختلفة تعيش في دائرة الاستهداف العالميّ منذ أكثر من قرن، ولم تزل هذه الأمة تحاول الدفاع عن نفسها بما أوتيت من قوة مادية أو معنوية، وبما يتهيأ لها من أسباب الدفع في معادلات القوى العالمية في مراحلها المختلفة. ولا يشك أحدٌ اليوم، أن سورية هي في بؤرة الاستهداف العالميّ الذي يسعى بذرائع مختلفة، للنيل من وجودها وثوابتها وهويتها.. وبغضّ النظر عن جدّية الذرائع المطروحة للتدخّل في شؤون سورية؛ فإننا ندرك أيضاً أن لمواجهة الخطر مقتضَيات واستحقاقات، وأن من يستشعر جدية الخطر، يتحتّم عليه أن يتخذ من الأسباب ما يتمكّن معها من مواجهته. وأول هذه الأسباب الالتفاتُ إلى الجبهة الداخلية، وتعزيز اللُّحمة، لبناء الصف المرصوص، القادر على تحمّل أعباء المواجهة. أما الضغوط الخارجية على سورية، فلا شك أن بعضها يتصل بالمخطّطات الأمريكية الهادفة إلى إعادة رسم خريطة المنطقة بما يتفق مع مصالح القوى المتنفذة في العالم، وبما يخدم أمن الكيان الصهيوني. وليس غريباً أن تحاول هذه القوى توظيف كلّ المعطيات والمتغيرات الإقليمية والدولية لخدمة أهدافها العدوانية، وأن تستخدم في سبيل ذلك كلّ الحجج والذرائع.. إلاّ أنّ عَجْزَ النظام السوريّ عن إدراكِ المتغيّراتِ ومُقتَضَياتها واستحقاقاتها، واستهتارَه بالنداءاتِ الوطنية، وبمصلحةِ الوطن العليا، وإصرارَه على سياساتِ الاستبداد والانفراد بقرار الوطن وثرواته، وتسلّطَه على مقدّراتِ الشعبِ اللبنانيّ الشقيق.. أوصلَ سورية إلى فوهةِ البركانِ الذي تعيشُ عليه اليوم. ثم جاء اغتيال الرئيس الحريري في ظلّ الهيمنة السورية الأمنية على لبنان، والانسحاب السريع للجيش السوري، والطريقة التي تعامل فيها النظام السوري مع لجنة التحقيق الدولية.. لتضيف بُعداً جديداً إلى المأزق السوري، خصوصاً بعد تقرير لجنة التحقيق الدولية، وقرار مجلس الأمن رقم (١٦٣٦) الذي يطالب سورية بالتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية، وتسليم المشتبه بهم في جريمة الاغتيال. وهنا أرى أنه لا بدّ من التعاون مع لحنة التحقيقِ الدولية، إسقاطاً للذرائع، وسعياً للكشف عن الحقيقةِ في هذه الجريمة، ولو أنّ بعض القوى الدولية ستحاولُ توظيف نتيجة التحقيق أو تسييسه. لقد وضعت سياسات النظام الحاكم الشعب السوري في مأزق تاريخي خطير نشأت عنه الكثير من حالات القهر والكبت والتسلّط والفوضى والفساد.. لا سيّما بعد أن أدارَتْ الفئةُ الحاكمةُ ظهرَها لجميع المبادرات الوطنية، والتي توافق على إحداها معظم القوى السياسية والوطنية، ولم تُقِمْ هذه الفئة وزناً لأيّ تطلّعٍ شعبيّ للمشاركة في بناء الوطن والدفاع عنه. وسواء كان النظام السوري متورطاً في قتل الحريري أو لم يكن، فإن جميع القوى الوطنية السورية تُجمع على رفض التدخل الأجنبيّ في الشأن الداخلي، وتقف صفاً واحداً للدفاعِ عن الوطن وحمايته ضدّ أيّ عدوان ومساومة، كما ترفض توقيع أيّ عقوبةٍ سياسيةٍ أو اقتصاديةٍ على سوريةَ (الدولةِ والمجتمع) ، وتطالب المجتمع الدوليّ، والأشقّاء في الدول العربية، أن يميّزوا بين الفئةِ الحاكمةِ وسياساتها من جهة، وبين الدولةِ والمجتمعِ السوريّ من جهةٍ أخرى، وأن يبحثوا عن آلياتٍ خاصة، تطالُ الجُناةَ أو المشبوهين ليجنّبوا الشعب السوريّ الذي عانى طويلاً من الاستبداد، معاناةً أخرى يدفعُها ضريبةَ ما فعلَ الجُناة؛ فليس في الشعب السوريّ من يُدافعُ عن قاتلٍ أو مشبوه. وخلاصة القول: ليس أمام النظام السوري للخروج من المأزق الذي أوصل البلاد إليه، إلاّ المصالحة مع شعبه، لتحصين الجبهة الداخلية في مواجهة الأخطار والتحدّيات، والتعاون الجادّ مع لجنة التحقيق الدولية. وبغضّ النظر عن الإدانة أو البراءة في هذه الجريمة، لا بدّ من الفصل بين سورية (الدولة والمجتمع) من جهة، وبين بعض المسؤولين المشتبه بعلاقتهم بالجريمة؛ إذ لا يجوز أن يتماهى أيّ فردٍ بالدولة والمجتمع، أو يتترّس بهما، أو يعتبرَ نفسَه رمزاً للوطنية والسيادة، مهما كان شأنه أو موقعه؛ فمصلحة الدولة والمجتمع مقدَّمةٌ دائماً على مصلحة الفرد كائناً من كان، ولا يجوز أن

стр. 5483

معايير العقلاء النفع والضرر أ. د. جعفر شيخ إدريس أذكِر القارئ الفاضل بأننا نتحدث في هذه السلسلة عن المعايير التي يقرُّ بها ويزن بها الأمور عقلاء الناس، أو كل إنسان في الحال التي يكون فيها عاقلاً. وهي معايير فطر الله الناس عليها؛ فهم عالمون بها قبل ورود الشرع، والشرع يأتي مقراً بها ومؤكداً لها ومستعملاً لها في دعوته الناس إلى الحق، وفي الحِجَاج معهم. واستعمال هذه المعايير في مجادلة الناس مهم؛ لأن الناس وإن كانوا يعترفون بها، بل ويلتزمون بها في كثير من شؤون حياتهم، إلا أنهم كثيراً ما يتناقضون فيأبون الالتزام بلوازمها لأسباب غير عقلانية. معيار النفع والضرر هو أحد هذه المعايير، وهو معيار يقر به الناس ويستعملونه في حياتهم اليومية: في الأمور المادية، والمسائل الفكرية. فالناس يختارون من الأشياء والأفعال والتصرفات ما يرون فيه نفعاً لهم، ويفضلون ما كان أكثر نفعاً على ما كان أقل منفعة، ويجتنبون ما يضرهم، ويرتكبون أخف الضررين حين لا تكون لهم خِيَرة. يستعملون معيار النفع والضرر هذا في ما يختارون من مطاعم ومشارب وملابس ومراكب وأدوية وآلات وغيرها. إن من أكبر الأدلة على التزام الناس بهذا المعيار أنك لا تجد أحداً يدعو إلى فكرة أو إلى آلة فيقول للناس إنها ضارة بهم، أو أنه لا نفع فيها لهم. لكن كون الشيء نافعاً أو ضاراً أمر يحتاج إلى علم. ولذلك فإن الإنسان مع التزامه بمعيار النفع والضرر قد يخطئ فيختار بسبب جهله ما هو ضار أو أكثر ضرراً، ويترك ما هو نافع أو أكثر نفعاً. وكثيراً ما يفعل هذا بسبب الدعاية التي يدعوه بها الكذابون والغشاشون من التجار والمشعوذين والسياسيين. يأتي الدين الحق ليقر هذا المعيار الذي فطر الله الناس عليه، وليستعمله في دعوتهم إلى قبول الحق الذي يهديهم إليه. فإذا كانت دعامة الدين الأولى هي الإيمان بالله، فإنه يذكِّرهم بأن الله ـ تعالى ـ هو الذي خلقهم وهو الذي يرزقهم، وهو الذي خلق لهم من الأشياء ما فيه منفعة لهم كالحديد والفلك والأنعام، وهو الذي يميتهم ويحييهم، وهو المتصف بصفات الكمال من علمٍ بكل شيء، ومقدرة على كل شيء ورحمة وسعت كل شيء. ولذلك كان من الخير لهم أن يعبدوه فيخضعوا له ويطيعوا أمره فيما أمرهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] . ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ * خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ١ - ٥] . ولذلك كان من عدم العقل أن تعبدوا ما لا يملك لكم نفعاً ولا ضراً، ولا يصرف عنكم سوءاً، ولا يمنع عنكم شراً: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلايَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧] . والإنسان العاقل يُؤْثِرُ النفع الآجل الأكثر على النفع الحاضر الأقل. هكذا يفعل الإنسان حين يدخر، وهكذا يفعل التاجر حين يكف عن البيع العاجل إذا توقع ربحاً آجلاً أكثر. والقرآن الكريم يستعمل هذه الحجة في مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢٥] . وإذا كان الله ـ تعالى ـ هو القادر على ان يعطيكم ما تعلمون أن فيه منفعة لكم، وهو القادر على أن يقيكم مما تعلمون أن فيه ضرراً بكم؛ فإنه هو أيضاً الذي يدلكم على ما لا تعلمون من أنواع المنافع والمضار. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] . وإذا كان في بعض الأشياء نفع وضرر فإنه أعلم منكم بمقدار نفعها وضررها، وأعدل منكم في الحكم لها أو عليها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] . \ الجمال: وهل الجمال معيار؟ أجل! والله إنه لمعيار من أهم المعايير المتفق عليها بين العقلاء. كيف أقول هذا والناس دائماً يرددون القول بأن الجمال من الأمور التي تختلف فيها الأذواق؟ أقول: لكنهم لا يختلفون في تفضيل ما يرونه جميلاً على ما يرونه قبيحاً، ولا يختلفون في جمال كثير من الأشياء وقبح أضدادها. والجمال المتفق عليه بينهم بشمل جمال المناظر، وجمال الأصوات، وجمال الأقوال، وجمال الروائح. هل رأيت من بشر يبتهجون لمنظر أكوام الزبالة ويكتئبون حين يشاهدون باقات الزهور؟ وهل رأيت من بشر يَطرَبون لنهيق الحمير ويشمئزون حين يسمعون تغريد البلابل والطيور؟ وهل رأيت من بشر يصغون لثرثرة الجهلاء ويصدون عن شعر الشعراء ونثر الأدباء؟ وهل رأيت من بشر يستمتعون بالروائح المنبعثة من مداخن المصانع ويتأذون من عبير العطور؟ بين الناس إذن اتفاق على ما هو جميل وما هو قبيح وإن اختلفوا في بعض التفاصيل. وفي القرآن الكريم ما يدلك على هذا الاتفاق. ألم يقل الله عن بقرة بني إسرائيل إنها تسر الناظرين، فعمم الناظرين ولم يخصهم بناظري بني إسرائيل. وألم يقل ـ سبحانه ـ في معرض المن على عباده بما خلق لهم من بعض الحيوانات: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥ - ٨] . فجمع ـ سبحانه ـ في هذه الآيات بين نعمة المنفعة من دفء وأكل وحمل وركوب وبين نعمة الجمال ونعمة الزينة. وقال ـ تعالى ـ عن الحدائق: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] . ففي هذه الآية الكريم ذكر نعمة البهجة فقط، ولم يذكر نعمة المنفعة. فالجمال كما تدلك هذه الآيات ليس قاصراً على جمال المناظر.. فكما توصف النساء بالجمال فكذلك توصف به مكارم الأخلاق. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ، ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ ، [الأحزاب: ٢٨] " ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] . وكما يوصفن بالحسن؛ فبه أيضاً توصف الأعمال. فالأعمال منها ما هو حسنات يحبها الله، ومنها ما هو سيئات لا يحبها. وكل ما يحدث للناس من أنواع النعم فهو حسنات، وكل ما يصيبهم من أنواع النقم فهو سيئات. وأعظم الحسن وأجله وأعلاه هو حسن الأسماء والصفات الإلهية. ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] . ومن أوصافه الحسنى هذه كونه جميلاً ومحباً للجمال.

стр. 5484

القوة اللينة د. عبد الكريم بكار يحاول علماء الاجتماع تقسيم العصور وإطلاق تسميات محددة عليها من أجل توفير منهجية علمية ورؤية (أيديولوجية) لفهم حركة التاريخ وبلورة مسلَّمات ومقولات توجه النشاط البشري بما ينسجم مع متطلبات كل عصر. لقد كان العصر الزراعي طويلاً جداً؛ حيث امتد آلاف السنين، وانتهى في منتصف القرن الثامن عشر؛ حيث حلَّ العصر الصناعي. إن دور الزراعة لم ينته ولكن تراجع؛ حيث صار مصدر الثراء والقوة والنفوذ (المصنَع) وليس الحقل والمزرعة. إن قطاع الزراعة لا يسهم في الناتج القومي للدول المتقدمة إلا في حدود (٥%) . الآن نحن نعيش في عصر المعلومات، حيث تحوَّل ثقل التحديث والتقدم من المصنع إلى جهاز (الكمبيوتر) . إن هذا العصر قد تسلَّم القيادة من الماكينة وسلَّمها للنظم الإلكترونية التي تتحكم بالماكينة والمصنع في كل مجالات الحياة. في العصر الصناعي كان صاحب المال هو صاحب السيطرة وصاحب النفوذ الأكبر، أما اليوم فإن صاحب السيطرة هو صاحب العلم والذكاء ومن يمتلك أدوات التقنية، إنه هو الذي يبدع اليوم المفاهيم الجديدة في اللغة والاقتصاد والفكر والسياسة والاجتماع. وكما جاء عصر الصناعة وانتهى دون أن ندخله؛ فإنه من الممكن ـ مع أشد الأسف ـ أن ينتهي عصر المعلومات ويبدأ عصر آخر دون أن يكون لنا فيه دور أو مكان. ومن هنا؛ فإن من المهم أن نبادر بأقصى سرعة ممكنة من أجل ترجمة قوانا المالية والاقتصادية إلى قوى معرفية حديثة، وهذا يتطلب الكثير من القرارات والكثير من القيم والأفكار والاتجاهات. ولعل مما يساعد في هذا الأمورُ التالية: ١- نحن في حاجة إلى (رياض أطفال) من نوعية جديدة، رياض أطفال تأخذ على عاتقها تأسيس عقلية الطفل على نحوٍٍ يدفعه في اتجاه حب العلم واحترامه والصبر على تحصيله والتضحية من أجله. وتشتد الحاجة إلى رياض أطفال ممتازة كلما كانت الأسر أقل استعداداً أو أقل أهلية للقيام بتربية أطفالهم تربيةً جيدة. يجب أن يتعلم الطفل في مرحلة الروضة أن العلم أهم من الذكاء، وأن الأشياء التي نتعب في الحصول عليها تكون ذات قيمة أكبر من الأشياء التي نحصل عليها بطريقة سهلة، وأعتقد أن على الدول أن تهتم بإيجاد رياض للأطفال منذ سن الرابعة، وإذا لم يتيسّر هذا في كل البلاد فليكن في المدن الكبرى على الأقل. ٢- من المهم أن تدرك الأسر لدينا أن توفير تعليم جيد لأبنائها يُعدّ من المهمات الأساسية في هذا الزمان، وقد صار من المهم توفير جزء يسير من الدخل منذ بداية الحياة الزوجية من أجل إنفاقه على تعليم الأولاد في المستقبل. لقد انتهى زمان الأشياء العادية وجاء زمان الأشياء المتفوقة والمتقَنة. والتعليم الجيد مكلف، وعلينا الاستعداد له. ٣- لا بد لأهل المال وأهل المبادرات الخيرة أن يكون لهم دورٌ مؤثر في هذا، وقد قام أهل الخير في بعض الدول بتأسيس صناديق للقرض الحسن، يتم من خلالها ابتعاث الطلاب للدراسة وتحصيل العلم، والإنفاق أيضاً على طلاب الدراسات العليا. ويمكن للدولة أن تسنّ بعض القوانين التي تلزم المؤسسات المالية الكبرى توفيرَ قروض حسنة للنابهين والمتفوقين من خريجي الثانويات والجامعات ممن لا يستطيع أهلوهم الإنفاق عليهم. ٤- يشكو العالم الإسلامي من ندرة الجامعات الممتازة؛ حيث ليس لدينا أي جامعة إسلامية أو في دولة إسلامية مصنفة ضمن أفضل مئة جامعة على مستوى العالم، وإن البحث العلمي في معظم جامعاتنا هامشي وعقيم. إننا نرسل أبناءنا إلى الغرب كي يتعلموا، فننفق عليهم هناك الأموال الطائلة، ونعرّضهم لمخاطر الفتنة الثقافية السلوكية، وكثير منهم لا يعودون إلينا؛ وقد آن الأوان لقيام مؤسسات عملاقة تتبنّى إقامة جامعات ومراكز بحوث ممتازة، وفي مجتمعاتنا اليوم شريحة واسعة قادرة على دفع تكاليف ذلك مهما علت، ومن ثم فإنه ليس للتأخر في القيام بهذا العمل أي مسوِّغ. ٥- لا بد أن يتكامل مع كل ما ذكرناه إيجاد مشروع وطني للقراءة في كل قطر إسلامي، وهذا المشروع تطلق شرارتَه الأولى الحكوماتُ، ثم ينخرط فيه الكثير من الجهات والفئات وطالبي المعرفة. إن إعراض أكثر من (٩٠%) من فتيان الأمة وشبابها عن قراءة الجيد والاحتفال بالكتاب النافع يشكل خطورة ثقافية واجتماعية أكبر من الخطورة التي يشكلها التدخين أو إدمان المخدرات أو الطلاق؛ لأن الجهل في عصر يقوم التقدم فيه على العلم والبحث والاكتشاف يضع الأمة في مربع الوهن، ويدفع بها بعيداً عن حلبة المنافسة العالمية. إن الازدهار ومدافعة الأعداء وحل المشكلات الآسنة اليوم تحتاج إلى ثلاثة أمور أساسية: العلم، ثم العلم، ثم العلم. وحضارة الإسلام قامت أساساً على العلم والإيمان، وهذا ما

стр. 5485

الشيخ الدكتور محمد بشار الفيضي في حوار مع البيان حاوره في العراق: سيف العبيدي سيدي العزيز الشيخ الدكتور محمد بشار الفيضي! مجلة البيان تشكركم لإتاحة الفرصة لقرائها في هذا اللقاء. تتسارع الأحداث السياسية في العراق لدرجة كبيرة يتعذر معها فهم ما يدور في حقيقة الواقع السياسي ... فما بين الأزمات التي تمر بها الحكومة في العراق وما بين التحركات الإقليمية والعربية، وما بين دور المحتل في كل هذه المعطيات ... ^: الدستور قد تم تمريره بالقفز فوق السنَّة؛ فما موقفكم منه، وما هي النقاط التي تعترضون عليها؟ | الأصل في مشروع الاحتلال أن يمرر، وإذا لم يمرر فهذا مثير للاستغراب؛ لأن الدستور بشكله الحالي يبدو محققاً لكل الأحلام المريضة التي تداوي أعداء هذه الأمة؛ فهو يؤسس لإضعاف البلاد وتبديد ثرواتها، وإبقاء المنطقة هشة ضعيفة. أما ملاحظاتنا على الدستور فهي جمة، وقد نشرناها كاملة في صحيفة (البصائر) الناطقة باسم الهيئة. ومنها موضوع الفيدرالية المبتدَعة على نحو مغاير لما عليه حال الفيدراليات في العالم، ومنها تغييب الهوية العربية للبلاد، وإضعاف موقف الإسلام من خلال تقييد مصدريته للدستور بشروط في ذلك، وغيرها من الاعتراضات كثير. ^: هل انتم نادمون على عدم المشاركة في الانتخابات القادمة والتي كان نتاجها هذا الدستور؟ | لا، أبداً، بل إن الواقع يكشف يوماً بعد يوم أن موقف الهيئة (المقاطعة) هو الجدير بالتبني؛ والدليل الدستور نفسه؛ فقد كان ثمرة غير ناضجة لعملية مشوهة، وسيدرك الناس بعد ان يقر الدستور بـ (نعم!) أنهم ضحية التضليل الأمريكي، وأن ما زعموه بالعملية السياسية لا يعدو ان يكون فخاً سياسياً للإيقاع بالقوى الوطنية وتوريطها بمشروع الاحتلال. ^: كيف تنظرون إلى مستقبل العراق في ظل الدستور، وما هي الوسائل التي تمتلكونها لمواجهة المشاكل القادمة وخصوصاً شبح الحرب الأهلية؟ | لا مستقبل زاهراً للعراق في ظل الدستور ... هذا دستور الاحتلال وليس دستور الشعب العراقي. وقد فُرِض على الشعب العراقي في ظل الاحتلال، لكنه سيزول بزوال الاحتلال. أما الحرب الأهلية فلن تحصل بإذن الله، وثقتنا بأبناء العراق عالية. ^: لماذا لا تعملون على إقامة إقليم سني وتستفيدون من الفيدرالية التي أقرها الدستور العراقي الجديد؟ | لأننا لا نريد ان نكون أداة لتحقيق المشروع الأمريكي في المنطقة. الفيدرالية كما ذكرت تعني تقسيم العراق طائفياً ... وهذا هدف أمريكي استراتيجي؛ فكيف تريدنا يا سيدي العزيز أن نساهم في تحقيقه؟ ^: متى ستشاركون في العملية السياسية؟ | سنشارك في يوم يخرج المحتل أو على الأقل حين يضع جدولاً زمنياً مكفولاً دولياً وتجري عملية انتخابية حرة ونزيهة وبإشراف الأمم المتحدة، ويطمئن العراقي إلى سلامة النتائج التي ستتمخض عنها العملية السياسية. ^: من الأمور التي يأخذها الآخرون على أهل السنَّة عدم وجود مرجعية موحدة لهم. فلِمَ لا تعملون على توحيد مرجعية أهل السنة؟ | أهل السنة درجوا على التمسك بالكتاب والسنة مرجعيةً لهم؛ أما علماء الأمة فهم للاستشارة والاستدلال على الأحكام.. ومن هنا لم يكن للسنة مرجعية كالتي عند الشيعة مثلاً. وهيئة علماء المسلمين حين تأسست تدرك ذلك. لذا حرصت على أن يكون أعضاؤها من كل المكونات لتكون مرجعية علم واستشارة للمسلمين جميعاً، وهي لم تفرض نفسها على أحد، ولم تَدَّعِ الإجماع عليها، لكنها على مستوى الواقع الأكثر تمثيلاً للجميع. ^: كيف تنظرون إلى مستقبل المقاومة في ظل هذه التطورات، وهل ما زالت هي اللاعب الأساسي في الساحة العراقية؟ | مستقبل المقاومة بخير، وما زالت اللاعب الأساسي في الساحة العراقية، وبيدها الكلمة الأخيرة والفصل. ونعتقد أنها في نماء وتطور، والمراقب لسير العمليات العسكرية في العراق يدرك ذلك بوضوح. ^: كلمة أخيرة فضيلة الشيخ الفيضي! | يجب ألا نتعجل في الحصول على مكاسب لأهل السنة ونفرِّط بمصلحة المسلمين جميعاً؛ هذه معركة فاصلة، وعلينا أن نتحلى بالصبر، وأن نقدم لها كل ما نملك من غالٍ ونفيس، ويقيننا بالله أننا منتصرون.

стр. 5486

الروائي السعودي د. عبد الله العريني في حوار مع البيان: حاوره: محمد شلاّل الحناحنة جاء لقاؤنا بالروائي السعودي الدكتور عبد الله بن صالح العريني بعد أمسية له بندوة الوفاء الخميسية الأسبوعية بالرياض، وكانت بعنوان: (خُصوصية الرواية الإسلامية) ، والتي أثارت مشاركات كثيرة متنوّعة، لا سيما أنه أصدر ثلاث روايات إسلامية، آخرها كان في هذا العام، وهي: «مثل كُلّ الأشياء ^: أنت تكتب القصة والرواية والنقد، لكنّك عُرفت روائيّاً! ترى ماذا تمثّل لك الرواية؟ وأين تضعها اليوم في سلّم الإبداع الفنّي؟ وأين تمضي الرواية العربية برأيك؟ وفيما يخص قيمة ما قدمته في سلّم الإبداع الفني فذلك متروك لصوت النقد الموضوعي المحايد. وإذا عرفنا أن فيروس الثللية ينتشر وسط منابرنا الصحفية عرفنا أن الأضواء لن تركز إلا على ما يدخل ضمن اهتمامها مهما كان ضعيفاً فنياً، وفيما عدا ذلك فليس داخلاً ضمن اهتمام تلك الثلليات مهما كان رائعاً بديعاً، وفي النهاية لا يصح إلاّ الصحيح. وإن مشكلة الرواية العربية بدأت منذ البداية التاريخية لها، حين ظهرت النماذج الأولى لها على يد «نجيب محفوظ» الذي لم تكن له رغبة ـ فيما يبدو ـ للتفاعل الإيجابي مع القضايا الإسلامية على المستوى الاجتماعي، وظلت شخصيته شخصية (إميل زولا) النسخة العربية التي لا تتعاطف مع الخير بمفهومه الشرعي الصحيح، ثم أصبح «نجيب محفوظ» أنموذجاً مكرراً، وكانت تلك هي المشكلة التي ما زلنا نجني ثمرها المرّ حتى الآن. ^: كيف تنظر إلى الالتزام الأدبيّ؟ وهل تجده يضيّق حريّة الأديب أو الروائي ويوقعه بالخطابِية والمباشرة بعيداً عن جماليّة الفنّ الروائيّ؟ دائرة المباح في الأدب واسعة تشمل فنون الأدب كلها وألوانه المختلفة، وتتسع لتشمل موضوعات كثيرة، ليس هذا فقط، بل تفتح الآفاق إلى مجالات أدبية أوسع، ويصبح الحلال والحرام مثل ضلعي الزاوية، يحددان رأس الزاوية ومنطلقها ونوعها من جهة، لكنهما يتيحان المجال بلا حدود من جهة أخرى. لقد جاء الدين الإسلامي لرفع الحرج عن المسلم أياً كان، وفي أي موقع، سواء كان أديباً أو غير ذلك؛ وذلك ليستثمر كل إمكاناته في الإبداع بشرط واحد مقدور عليه، وهو ألاَّ يتعدى حدود الدين؛ لأن تعدي حدود الدين وتحطيم المقدس ليس إبداعاً كما يشيع الآن، ولكنه خطأ كبير وظلم للأديب نفسه قبل أن يكون ظلماً للأدب والحياة. لقد جاء الإسلام ففجّر الإبداع لدى الصحابة الكرام، حتى قال الشعر من لم يُعرف منه ذلك، وحتى أصبح الأديب ـ ممثلاً في حسَّان ﵁ يلقى تأييد روح القدس ودعمه. إن شواهد رفع الالتزام لمستوى الإبداع تشكلت في صورة تاريخية عبر آلاف الأدباء المسلمين خلال خمسة عشر قرناً وحتى الآن، وهي دليل يجب أن يؤخذ بالاعتبار، وإشكالية التعامل مع الفنون الحديثة ـ كالرواية والمسرحية ـ هي إشكالية مؤقتة فقط، سرعان ما يتضح ـ إن شاء الله ـ أن التزام الأديب المسلم لمْ يَعُقْهُ عن الإبداع بهذين الفنّين الأدبيين يزينان ويرفعان درجة الإبداع فيهما كما فُعل مع أخٍ لهما من قبل وهو الشعر. ^: يقول بعض النقّاد: (إنَّ الرواية التي تخلو من المرأة وعلاقاتها بالرجل رواية باهتة لن تعبّر عن واقع الحياة وحقيقتها!) ؛ ما ردّك على هذا القول؟ ^: لعلّي أنطلق من إجابتك للسؤال السابق لأسألك: ماذا حققت الرواية الإسلامية؟ وهل وصلت إلى العالميّة كما نطمح أنْ يكون الأدب الإسلامي عالمياً؟ الرواية الإسلامية جعلتنا نراجع أمثال تلك الروايات، فنكتشف بُعدها عن المعيار الفني المحض إلى سلوكيات شائنة تسقط على الشخصيات، ويُقدَّم لنا المجتمع من خلالها، وهي بذلك تنقل تلك السلوكيات إلى القراء بالطبع. الإنجاز الآخر للرواية الإسلامية أنها قدمت النموذج القوي على إمكان ترويض الفن الروائي ليحمل المضمون الطيِّب، ولتقول للمبدعين: إن الإبداع لا يقتصر على دائرة المحرّم، بل إن في موضوعات الخير بديلاً أفضل، مع التذكير أن موضوعات الشر إذا عُرضت بأسلوب لا يُغري بها ولا يحرِّض على الرذيلة فهي داخلة ضمن إطار الرواية الإسلامية واسع المدى. أما أن تحقق الرواية الإسلامية مكانة عالمية فهذا هو المتوقع، لأنها تعكس اهتماماً عالمياً يتفق مع الفطرة التي يذهب بعض الناس عنها مؤقتاً؛ كما في سلوكيات الغرب، ولكنهم لا بد أن يعودوا إليها. وحينما التقى «نجيب محفوظ» بمراسلي وكالات الأنباء والصحفيين بعد فوزه بجائزة «نوبل» كان من أهم الأسئلة التي وُجهت إليه: ما يختص بالرواية الإسلامية؟ ومن رائدها؟ وما دورها؟ وأذكر أنه أشار إلى «نجيب الكيلاني» بوصفه رائد الرواية الإسلامية. ^: روايتك الأخيرة: «مثل كُلّ الأشياء الرائعة» إلى أيّ مدى تحمل الهمّ الإسلاميّ في ظلّ ما تعيشه الأمّة من استلاب سياسي وفكري وثقافي؟ وما رأيك بمن يقول: أنّها تحلّق في فضاء غير فضاء همومنا وواقعنا؟ ^: لنتحدث عن المشهد الثقافي السعودي؛ ماذا ترى فيه أمام ما يسمّى عولمة الثقافة؟ ^: دعنا نتعرّف على جديدك القادم ـ بإذن الله ـ.

стр. 5487

على العهد صالح البوريني أول لقاء جمعه بها كان في رحلة مدرسية، وكان يومئذ في الثالثة عشرة من عمره، دعاه صاحبه إلى نزهة على الدراجة الهوائية، وحينما ابتعدا عن رفاقهما قدمها له زاهية بثوبها ناصع البياض، يتوهج طرفها، وتجر وراءها خيوطاً من الدخان يبددها نسيم الربيع؛ تلك هي السيجارة الأولى، ولكنه الآن ـ وبعد أربعين سنة من الشقاء في صحبتها، وبعد رحلة مع مرض القلب وتركيب شبكة في أحد شرايينه، وبعد أن خلّفت بصماتها الصفراء على أسنانه وأصابع يديه ... ـ يقول بكل مرارة: ـ إن السيجارة أكبر همٍّ يؤرّقني، ولقد حذّرني الأطباء من شرها، ورغم ذلك فما زلت أعاقرها. سألته: كم سيجارة تدخن في اليوم؟ ـ حوالي ثلاثين سيجارة، علبة ونصف العلبة تقريباً، هذا بعد أن كنت أستهلك أكثر من (٦٠) سيجارة يومياً. وعلى الإشارة الضوئية تراخت يده عن مقود (سيارته) ونظر إليَّ بوجه حفرت عليه رحلة المعاناة أخاديد خريف العمر وأقسم لي أنه مريض ومرهق ومحبط، وأنه لولا الحاجة الماسة لما بقي في مهنته التي سماها (مهنة المتاعب) . سألته: ألا تستطيع الامتناع عن التدخين؟ ـ لا أستطيع أبداً، حاولت كثيراً وأخفقت. ـ لماذا أخفقت؟! ـ لأنني بصراحة أشعر بالعجز وضياع الإرادة. ـ ما أطول مدة تخليت فيها عن التدخين؟ ـ ثلاثة أشهر. ـ هل تدخن في نهار رمضان؟ ـ معاذ الله! ـ إذن! أنت تستطيع ترك التدخين؛ لأن من يستطيع الامتناع عن التدخين طوال نهار رمضان يمكنه أن يمتنع عن السيجارة في الليل، ومن تركه ثلاثة أشهر يمكن أن يتركه طوال العمر. ـ يا ليت! يا ليت! ـ هل تشعر أن التدخين ذنب؟ ـ ذنوب كثيرة لا ذنب واحد.. الأول: أنه قاتل للصحة، والثاني: أنه مضيعةٌ للمال، والثالث: أنه إيذاء للناس، والرابع: أنه محرقة للثياب، وكم وكم. ـ لو تجسدت لك السيجارة رجلاً يقف أمامك فما كنت تفعل به؟ ـ أخنقه. ـ لماذا؟ ـ لأنه عدوي اللدود. حملت علبة السجائر الموضوعة على الفرش الأمامي للسيارة وسألته: ـ فماذا تفعل بهذه العلبة إذن؟ وبعينيه اللتين تقدحان شرراً وتفيضان حنقاً وغيظاً أخذ العلبة وضغطها بين أصابعه حتى جعلها فتاتاً، وقال: ـ هذا عدوي اللدود، هذا عدوي اللدود، ولن أعود إليه أبداً أبداً. ـ تعاهدني على ذلك؟ ـ نعم هذا عهد. تصافحنا ودونت اسمه ورقم هاتفه. وحين اتصلت به بعد ثلاثة أيام قال:

стр. 5488

قطوف من اللغة يوسف محمد غريب i الترادف في اللغة العربية: هناك مقولة شهيرة تؤكد أن اللغة العربية غنية بمترادفاتها، والحق أن فيها ألفاظاً تتقارب معانيها ولكن لا تتحد تماماً في دلالتها. والترادف لغةً: هو «الردف» وهو ما تبع الشيء، وكل شيء تبع شيئاً فهو ردفه. والترادف: التتابع، ومن ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] . ونشير هنا إلى بعض الكلمات التي يشيع استخدامها على أنها مترادفات: i الجسم والجسد: الجسم يطلق على: ما يكون فيه روح وحركة، أما الجسد فيستعمل لما ليس فيه روح أو حياة؛ وذلك استناداً لقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] . i الصَّبُّ والسَّكب: السَّكب: هو الصَّب المتتابع، وقد ورد هذا اللفظ في موضع واحد في القرآن الكريم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣٠ - ٣١] . أما الصَّبُّ ففيه القوة والعنف، مثل قوله - تعالى -: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ، وكما في قوله: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] . وعليه؛ فاستعمال لفظ «الصب» في العذاب يوحي بظلال أخرى غير التي نحسُّها في لفظ «السكب» ؛ إذ نلاحظ القوة والعنف مع الصب، والهدوء والسلامة مع السكب. i الاستماع والإنصات والإصغاء: الاستماع: هو إدراك المسموع، أما الإنصات: فهو السكوت بغية الاستماع لشيء ما، وعلى ذلك فقد جمع الله بينهما في قوله: ﴿وَإذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ؛ حيث إن الواجب على المسلم الاستماع للقرآن دون حديث أو حركة وذلك هو الإنصات. أما الإصغاء فمعناه لغةً: «الميل» ، وذكر لسان العرب أن «أصغيْتَ إليه» أي ملْتَ برأسك نحوه، والإصغاء إذن يكون للسمع وغيره؛ فإذا مال الإنسان بسمعه قلنا: أصغى سمعه، وإذا مال بقلبه قلنا: أصغى قلبه، ومن ذلك في القرآن: ﴿إن تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، وكما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلِتَصْغَى إلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣] . i الغيث والمطر: في القرآن الكريم نجد أن الماء النازل من السماء يُذكر باسمه، والغيث والغوث هو العون والمساعدة كما في قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] ، كما أن مادة «غيث» تأتي بمعنى: الماء المغيث الذي يسقي الناس والزرع؛ كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] ، أما المطر فقد ورد ذكره في القرآن الكريم سواء جاء اسماً أو فعلاً في خمسة عشر موضعاً؛ منها. أربعة عشر في العذاب والعقاب صراحة، منها: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠] . i الزواج والنكاح: كلمة «الزواج» والفعل «زوّج» لا يستعملان إلا بعد تمام العقد والدخول واستقرار الحياة الزوجية، لذا نلاحظ استعمال الفعل «زوّج» بصيغة الماضي الذي يدل على وقوع الحدث، كما في قوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ، وكما في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] . أما «النكاح» فإنه يعني الرغبة في الزواج، أو إرادة وقوعه، أي قبل أن يتحقق الزواج فهو نكاح، لذلك نجد أن الأفعال التي تؤدي هذا المعنى في القرآن الكريم جميعها دالة على المستقبل؛ كما في قوله: ﴿قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] ، وكما في قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ

стр. 5489

طمس آثار الاحتلال ضورة د. يوسف إبراهيم i المشروع الصهيوني وطمس هوية الغير: أراد المحتل الصهيوني طمس التراث الحضاري والتاريخي والجغرافي الفلسطيني من خلال العمل على تغيير أسماء الأماكن الجغرافية الفلسطينية. وانطلاقاً من حرصنا على إظهار العمق الحضاري والتاريخي الفلسطيني كان لا بد لنا أن نبحث عن أصول المسميات التي أقيمت عليها هذه (المغتصبات) (١) ؛ حتى نقوم بمسح آثار العدوان والاغتصاب، ولكي نقوم برسم معالم خريطة جديدة لمسميات الواقع الجغرافي الفلسطيني في غزة ذات العمق والجذور التاريخية، ومن الممكن أن نتعاون لإصدار خريطة جديدة للواقع الجغرافي الفلسطيني في قطاع غزة. لقد قام المشروع الصهيوني في فلسطين على ادِّعاء «يهودية البلاد وعودة اليهود إلى وطنهم» ، وعلى أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ومن ثم نشطت الممارسات الصهيونية لطمس الصورة الفلسطينية للمواقع والمسميات الفلسطينية وإظهار يهودية المكان، فكانت عملية تهويد أسماء ومعالم فلسطين من الأسس التي بني عليها المشروع الصهيوني، وذلك محاولة منهم لطمس الحقيقة وإخفاء جرمهم بالتعدي على أراضي الغير، وإخفاء عملية الإحلال التي اتبعها قيادات الفكر الصهيوني، فكانت الممارسات الصهيونية لفرض أسماء توراتية أو أسماء لشخصيات قيادية من العمل الصهيوني على معالم أرض فلسطين سواء كانت الطبيعية منها أو الدينية أو السياسية، وتركزت محاولاتهم لطمس معالم الأرض؛ لأنها هي مرتكز إثبات الذات وإنكار الغير، وهذا ما حصل من مسميات المغتصبات التي كانت قائمة على أرض قطاع غزة قبل ١٢/٩/٢٠٠٥م، فأسماء المغتصبات الصهيونية نُسبت إلى أسماء توراتية، أو لقيادات صهيونية مارست الإرهاب بحق الشعب الفلسطيني، أو نسبة لمواقع جغرافية لها أثر في التاريخ الصهيوني، ومنها: i مسميات المغتصبات والبدائل الوطنية: لم تكن هذه المسميات التي أطلقها العدو على مغتصباته إلا ذات دلالات مرتبطة بالأرض والاقتصاد والجني والثمار؛ حتى يرسخ ارتباطه بالأرض. وإن هذه المغتصبات أقيمت في أماكن ذات جذور فلسطينية يجب أن تعود إلى أصل مسمياتها، حيث أقيمت معظم هذه المغتصبات على طول الساحل الفلسطيني الذي يرتكز على التلال الرملية الصفراء والتي تكونت في الزمن الجيولوجي الأول قبل ملايين السنين. وإن إقامة (المغتصبات) على طول الساحل وعلى التلال الفلسطينية إنما كان يهدف تحقيق عدد من الأهداف، والتي أولها النواحي الأمنية؛ على اعتبار أن هذه التلال مناطق مرتفعة تطل على منطقة المواصي على طول خط الساحل، بالإضافة إلى أن هذه المنطقة تعتبر جيولوجيا منطقة خزان جوفي تقف فيها حدود المياه الحلوة مع المالحة من مياه البحر، كما أن هذه المنطقة تطل على الساحل الفلسطيني وعلى الحدود الفلسطينية المصرية، وهو الأمر الذي يضمن سيطرة على البحر والحدود في آن واحد، ومنطقة المواصي في (خان يونس) تنقسم إلى ثلاث مناطق: الأولى: ويطلق عليها اسم مواصي البلد، وتقع غرب مدينة خان يونس، الثانية: ويطلق عليها اسم مواصي السطر (السطر الغربي) ، وتقع شمال مواصي البلد، والثالثة: ويطلق عليها اسم مواصي القرارة، وهي شمال مواصي السطر وجنوبي مواصي دير البلح. يفصل تلك المواصي ثلاث تلال، هي: تل قطيفة مواصي القرارة، تل ريدان مواصي السطر، وتل الجنان مواصي خان يونس البلد، وكلها تقع ضمن مواصي منطقة (خان يونس) . ومن ثم يجب علينا أن نعيد أسماء هذه المغتصبات إلى أصلها ذات الجذور الفلسطينية التي أقيمت على هذه التلال (١) المنتشرة على طول الساحل الجنوبي لفلسطين، وهي كما يلي: ١ - تل الخرائب: يقع في أقصى جنوب الساحل الفلسطيني عند رفح عند خط عرض (٢٠ ٣١) وخط طول (١٣ ٣٤) ، وعنده تبدأ الحدود (الفلسطينية - المصرية) . ٢ - تل ردان: يقع في أقصى جنوب الشاطئ الفلسطيني، إلى الجنوب الغربي من دير البلح. ٣ - تل العجول: ويقع على بعد (٧) كلم الى الجنوب الغربي من (غزة) ، وكانت تقوم عليه البلدة الكنعانية (بيت إجليم) ، ويرجح أن موقع غزة (ما قبل التاريخ) كان عليه. ٤ - تل القطيفة: ويقع على شاطئ البحر المتوسط في أقصى جنوب السواحل الفلسطينية إلى الجنوب الغربي من دير البلح عند خط عرض (٢٤ ٣١) وخط طول (١٨ ٣٤) . وانطلاقاً من حرصنا من الناحية الجغرافية على إظهار التراث الفلسطيني وحضارته الممتدة في عمق التاريخ سوف يقوم الباحث بتقدير مواقع التلال السابقة ووضع المستوطنات في أماكنها على هذه التلال كما هو في الجدول التالي: وقد تعمّدت السلطات الصهيونية طمس الأسماء الحقيقية للأراضي التي أقيمت عليها المستوطنات في قطاع غزة، وخلال مراجعة الهيئة العامة للاستعلامات (٢) لسلطة الأراضي في غزة ومن خلال مراجعتها لسجلات «الطابو» فقد وجدت أن غالبية تلك المستعمرات ـ البالغ عددها (٢١) ـ هي حكومية، من ضمنها (٣) مستعمرات هي في الأساس تعود إلى عائلات فلسطينية في جزء منها، وفي الجزء الآخر للحكومة الفلسطينية. وذكرت سجلات سلطة الأراضي أن (٥) مستعمرات كانت واقعة في شمال القطاع هي أراض حكومية خالصة، بينما تقع مستعمرة بيت حانون «إيرز» على أراضي بيت لاهيا، وموقعها غفر التين وبقية غياضة، والعصافير. أما مستعمرة نسيانيت فإنها تقع على أراضي بيت لاهيا، وموقعها في منطقة غفر التين وبقية غياضة، والعصافير، أما بالنسبة لمستعمرة إيلي سيناي؛ فقد كانت قائمة على أراضي بيت لاهيا، وبالتحديد في موقع اللهاونة، كما تقع مستعمرة دوغيت في بيت لاهيا، وموقعها في العمية الشرقية. وإن الجدول التالي ـ الذي أصدرته هيئة الاستعلامات ـ يوضح البيانات الأساسية حول المستوطنات الإسرائيلية التي تم إخلاؤها في قطاع غزة وأسماؤها الأصلية حسب سجلات سلطة الأراضي الفلسطينية: أما مستعمرة نيتساريم فتتكون من (٦) قطع، وتقع أراضيها بين غزة الدرج وأراضي أبو مدين. وأما مستعمرة كفار داروم الواقعة وسط قطاع غزة، فتتكون من ٣ قطع، وتقع كلها في أراضي دير البلح، كما أن مستعمرة تل قطيف تقع أراضيها في دير البلح وتحديداً في موقع البركة الغربية، وهي أراض حكومية. i مسميات الأراضي التي كانت تقام عليها المستوطنات: من خلال مراجعة القائمة التي نشرتها هيئة الاستعلامات الفلسطينية يتضح أن جميع مواقع المستوطنات أقيمت على أراض تنسب إلى عائلات كـ (اللهاونة، الملالحة، الزعاربة، الأغوات، الدراغمة، اللحام، النجار، الجبور، أبو شلوف، أبو مدين) ، أو أن المواقع نسبت إلى طيور وحيوانات؛ وذلك تجسيداً لهذه الأماكن على أنها كانت أحراشاً ومحميات طبيعية تعيش فيها العصافير والطيور والحيوانات (العصافير، الخنازير، الطير، العجول) ، أو أن أسماء المواقع التي أقيمت عليها المستوطنات كانت تعود لأسماء شجر وثمار، مثل: (التين، العوسج) أو تعود لأسماء تلال مثل: (تل الرمل، تل الجنان) . وفي النهاية ندعو المسؤولين وصنّاع القرار إلى اعتماد الأسماء الأصلية التي كانت تُعرف بها الأراضي التي أقيمت عليها ما يعرف سابقاً بالمغتصبات الصهيونية، وندعو أيضاً الإعلاميين والصحافة إلى عدم تكرار أسماء المغتصبات وتسليط الأضواء على

стр. 5490

انتفاضة فرنسا ! د. يوسف بن صالح الصغير لم يكن اضطهاد الفتيات الصغيرات ومنعهنّ من دخول المدارس لمجرد التزامهنّ بوضع غطاء أو منديل على الرأس سوى رأس الجبل في عملية تهميش وإلغاء لعدة ملايين من المسلمين القاطنين في فرنسا. إنهم يتحدثون كثيراً عن عملية إدماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي، ولكن ما يجري هو عملية عزل اجتماعي لتجمّعهم في الضواحي الفقيرة المهملة، وذلك نتيجة للحصار الاقتصادي؛ حيث سُدّت أمامهم سبل العمل الشريف، وانتشرت البطالة بين الشباب؛ بحيث أصبحت وسائل الكسب غير المشروع هي الخيار الأسهل، وأدّى ذلك إلى تساهل القوى الأمنية في عملية امتهان حقوقهم والتعدي عليهم، حتى إنها قامت بإلقاء قنابل مسيلة للدموع داخل مسجد «كاربنترا» جنوب فرنسا. لقد كانت الحملة الفرنسية ضد الحجاب في المدارس أولاً، ومن ثم المكاتب الحكومية ثانياً محاولةً لتجريد المسلمين من أن يكون لهم أي مظهر إيجابي. فالحجاب يمثل الالتزام الديني مع انضباط أخلاقي يثبت أن الفتاة يمكن أن تكون سعيدة وطاهرة في الوقت نفسه، وأن الإسلام منهج للحياة الهانئة. إن الفتاة الملتزمة طاقة دعوية هائلة دون جهد منها؛ فإن مجرد وجودها في القاعة الدراسية يمثل أكبر خطر على النظام العلماني في فرنسا. لقد وقفت فرنسا مشدوهة لتلاحق أحداث الشغب، التي تمثلت في قيام مجموعات من الشباب المهمش بحملة من التدمير والحرق في مختلف أنحاء فرنسا، والتي أثبتت أن عليها أن تدفع ثمن سياسة الإقصاء والإلغاء. وإن ما تمارسه السلطات الفرنسية حالياً ـ من اعتماد الحل الأمني؛ من فرضٍ لحظر التجول وإعلان حالة الطوارئ والتلويح بترحيل من تسميهم بالمشاغبين ـ ليس حلاً، وقيام الاتحاد الأوروبي بعرض مساعدات مالية لتأهيل المناطق المهمشة هو من باب تذكير فرنسا أن هذا هو طريق الحل. إن هذه الأحداث تذكرنا أن لنا هناك إخوة يعيشون حالة رفض لواقعهم المادي والثقافي المفروض عليهم، وهي أكبر

стр. 5491

الاحتلال يريدها حرباً أهلية د. عماد محمد ذياب الحفيظ أما التفجيرات التي يقوم بها الآخرون ـ ومنهم جهات مدعومة من الاحتلال أو جرى تجنيدها بحجّة محاربة الإرهاب المفتعل المصطنع أو بدعوى الانتقام والثأر ـ فإن جميع هذه الأحداث طابعها تطرف طائفي وعرقي وبمباركة من المحتل، ويشارك بها العديد من المجموعات السياسية المؤيدة للاحتلال؛ فبعضها من الجهات المشاركة في السلطة فاقدة السيادة في السابق من أجل الكسب غير المشروع، أو الحكومة منقوصة السيادة في الوقت الحاضر، وبغضِّ النظر عن حقيقة الانتخابات أو تزويرها؛ فالمهم أن يعتبرها الاحتلال مقبولة من وجهة نظر ساسته، وكذلك الميليشيات التي تتبع الأحزاب والحركات والمجموعات المتطرّفة طائفياً وعرقياً وغير المتجانسة في شيء سوى سرقة ما يمكن سرقته من الحق العام والخاص للشعب العراقي وقوته وحضارته التي نهب معظمها وهرّب لخارج العراق. وما يؤكد التطرّف الطائفي أن معظم قوى الأمن الداخلي والاستخباراتي والجيش تكاد تكون مقتصرة على أحزاب متطرفة طائفياً مؤيدة للاحتلال؛ من طائفة الشيعة أولاً، ثم من أحزاب مؤيدة للاحتلال من بعض الأحزاب المتعصّبة للقومية الكردية العلمانية ثانياً، وغيرها من بعض المجموعات والأحزاب العلمانية والماركسية أو الإسلامية في الظاهر، ومن بعض الأقليات القومية والدينية غير الإسلامية الأخرى. أما باقي أبناء الشعب العراقي من غير المؤيدين للاحتلال ـ الذين يشكلون نسبة كبيرة جداً من الشعب العراقي ـ فهم مغيّبون ومحرومون من كل شيء، بما في ذلك فرص العمل وغيرها من الامتيازات التي تمنح للآخرين مكافأة لولائهم للمحتل، وهذا سوف لن يخدم الشعب العراقي على المدى القريب والبعيد. في حين أن المحتل ما زال يقدم الكثير من الفُتات لبعضٍ، ومنهم أحفاد المغول والصفويين المتطرّفين، والعلمانيون والماركسيون والشعوبيون وغيرهم الذين ليس لهم شاغل غير السلب والنهب والاغتصاب والقتل، والتي يقدم لهم المحتل الدعم والمكاسب وبمختلف الوسائل لبث الفتنة الطائفية والعرقية أكثر فأكثر في كل يوم ومناسبة أو غير مناسبة بين أبناء الشعب الواحد، ومن هذه الوسائل إساءة استغلال الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، حيث يروّج هذا الإعلام في كل مناسبة أو غير مناسبة لما يريده أولئك، ويمكن توضيح هذا الاستغلال من خلال منح التصاريح والإجازات لأعداد كبيرة من محطات التلفزيون والإذاعة والصحف اليومية ذات السمة الطائفية والعرقية والتحريضية، التي تم تأسيس معظمها منذ سقوط بغداد في ٩/٤/٢٠٠٣م وحتى وقتنا الحاضر وذلك لفرض سطوته وسلطته. ولما وجد المحتل أن الرافضين للاحتلال في ازدياد أخذ يزيد من وسائل الإعلام المأجورة هذه في سبيل خدمة أغراضه حتى أصبح متوسط وسائل الإعلام الموجّهة للتطرف والتعصّب يفوق التصوّر (شكل ١، ٢، ٣) ، وكل هذا من أجل صب نار الطائفية فوق حطب الشعب الذي وصل إلى مرحلة ما عاد يحتملها، لدرجة أن الكثير من شرائح الشعب العراقي أصبحت تنشد أي طريق من أجل الوصول إلى أي مخرج لهذه الأزمات وإن كان يؤدي إلى حرب أهلية من أجل تحقيق الأهداف التي رسمها لهم الاحتلال وجهات أخرى خارجية في سبيل تحقيق مصالحها. لذلك نجد هناك الأعداد الكبيرة من المحطات التلفزيونية الفضائية والمحلية وغيرها من وسائل الإعلام المغرضة التي تعكس حجم الفتنة المراد بثّها بين أبناء الشعب الواحد، والتي ظاهرها طائفي وهي في الحقيقة لدعم الموالين للاحتلال من خلال هذه الوسائل والمحطات، والتي يتحكم بها المحتل بواسطة مكتب إعلامي مقرّه في المنطقة الخضراء في بغداد تشرف عليه أجهزة استخباراتية تابعة للاحتلال، مما يؤكد الممارسة المريضة التي يمارسها الاحتلال والكثير من الأحزاب الفاقدة للقواعد الشعبية من الذين يؤيّدونه ظلماً. وحقيقة الأمر يمكن اعتبارها من أهم الأسباب التي تثير الفتنة الطائفية والعرقية، والتي يشجع عليها المحتل لإشباع رغباته الانتقامية والطامعة وتكريس الاحتلال. كل ذلك يتم بتحريض من قِبَل المحتل والصهاينة وغيرهم المتحالفين معه والدوائر الاستخباراتية الغربية المختصّة التي تخطط لذلك. وعلى أصحاب العقول من القيادات ورجال الدين والشخصيات وزعماء العشائر العراقية وغيرهم التنبّه لذلك، والعمل على مواجهته لكي يساعدوا العراقيين في محنتهم، ولا يعطوا فرصة للطامعين والفاقدين للانتماء العراقي لنهب ثروات وخيرات العراق، وعلى كافة العراقيين من الشيعة وأهل السنة عرباً وكرداً وتركمان وأقليات أخرى قومية أو دينية أن يعملوا جميعاً من أجل خدمة الشعب العراقي، كل الشعب دون تفرقة أو تعصّب طائفي وعرقي، كي يتمكن هذا الشعب الأصيل من الوصول إلى شاطئ الأمان، وينتهي من هذا البلاء والشر المستشري في جسد البلاد ـ إن شاء الله تعالى ـ. وبذلك فإنه سوف لن يبقى لطرف طامع أو حاقد دور في التسلط على رقاب الشعب العراقي، بل سيتسامى الجميع فوق هذه الأطماع والتفاهات من أجل الشعب كل الشعب وليس لفئة طائفية معينة أو عرقية محدّدة دون أخرى. وإن كان هناك من يقول غير هذا القول فهو للتجارة بالشعب والوطن من أجل مكاسب ذاتية وطروحات طائفية وعرقية جوفاء يسعون من خلالها للحفاظ على تلك المكاسب غير المشروعة والتي تمكنوا من تحقيقها بأساليب وطرائق تؤكد عدم انتمائهم للشعب العراقي، وإنما جاؤوا دخلاء بطرائق لا يرضى بها الله ورسوله وكل مؤمن شريف، وإن الشعب العراقي سيعرف كيف يتخلص منهم في مزبلة التاريخ أو يعيدهم إلى جادّة الصواب. أما من قتل آلاف الأبرياء أو أرهبهم أو هجّرهم من مواطني شعب العراق ـ في البصرة وذي قار والأنبار والموصل وكركوك وبغداد والحلة والكوت والنجف وبغداد وغيرها ـ فإن هؤلاء قد قدّموا الدعم للاحتلال بمختلف أشكاله من المتطرّفين أحفاد المغول والصفويين وغيرهم من الحاقدين والطامعين؛ في الوقت الذي يدّعون أنهم يعملون ذلك خدمة للوطن، بينما نجدهم قد قتلوا آلاف العراقيين أو شاركوا المحتل في قتل عشرات الآلاف من العراقيين الأبرياء بما فيهم النساء والأطفال والشيوخ، وكذلك تشريد مئات الآلاف من العوائل العراقية منذ سقوط بغداد عام ٢٠٠٣م وعلى مدى سنتين فقط في النجف ومدينة الصدر والفلوجة والرمادي والموصل وسامراء والكاظمية وتلعفر وغيرها؛ حيث نلاحظ أن جميع هذه الأعمال تُنفّذ قبيل انتخابات الجمعية الوطنية والتي ستتكرّر أيضاً قبيل الانتخابات اللاحقة وغيرها، والهدف من كل ذلك تمرير المؤامرات والاحتيال والتزوير في نتائج الانتخابات والتصويت من أجل تكريس الاحتلال. فضلاً عن اعتقال عشرات الآلاف من شباب وشابات العراق في سجون معلومة ومجهولة داخل وخارج العراق، والذين يتعرّضون يومياً إلى أسوأ أنواع التعذيب والمهانة، والذي يؤدي في أحيان كثيرة إلى قتلهم بعد توقيفهم ليتم قتلهم بأبشع الوسائل وأكثرها وحشية دون محاكمة أو جرم اقترفوه. وأنواع هذا التعذيب متعددة كاستعمال المثاقب الكهربائية التي تستخدم لثقب الرؤوس والصدور أو «نار لحم» الألواح المعدنية وغيرها، وهذا ما أقرته اللجنة المختصة الأمريكية على الرغم من أنها غير مستقلة، حيث لم تشر سوى إلى بعض الحالات دون إحصائها وإدانتها أو إحالة المجرمين المنفذين لهذه الجرائم إلى المحاكم المختصة أو محاكم مجرمي الحرب الدولية. إن الذين تم اعتقالهم كان على أساس معلومات كاذبة أو ملفقة ومفبركة تقدم لقوات الاحتلال والقوى الداعمة له من القوى المحلية والخارجية. وإن الكثير من المعتقلين مفقودون لا تعلم عوائلهم أي معلومات عنهم، في الوقت الذي نجد فيه هؤلاء المتطرفين الطائفيين والمتعصبين العرقيين من أوائل الذين يقاتلون في سبيل الملذات والشهوات المادية والمعنوية والمصالح الشخصية والطائفية والعرقية، وإن الصور المسجلة في وسائل الإعلام المختلفة خير دليل على هذه الجرائم، وما لم ينشر أعظم، ولم أجد سلطة في أكثر دول العالم تخلّفاً تفرح عند تدمير مدن العراق والتنكيل بأبنائها من قِبَل محتلٍّ ما ـ في الوقت الذي شعر فيه شعب المحتل بالأسف نتيجة أفعال بعض جنوده وضباطه ـ وأنها ترقص عندما يقتل المحتل أبناء شعبها نساء وأطفالاً وشيوخاً؛ كما شاهدت ذلك يحصل لدى بعض الطائفيين والعرقيين المتطرفين وهم يهنِّئون بعضهم بعضاً ويتندّرون حينما يشاهدون على شاشات التلفزيون صور القتلى والمنكّل بهم في سجون المحتل وخارجها من أبناء شعب العراق؛ الذين هم عرب من أهل السنّة في الأنبار وغيرها، أو من الشيعة في النجف ومدينة الصدر والكاظمية، أو من أهل المدائن وتلعفر وهم مزيج من أهل السنة والشيعة عرباً وأكراداً وتركمان وغيرهم. أما ما نشرته الصحف الغربية والأمريكية عن عدد القتلى من العراقيين فحقيقة الأمر قد تجاوزت أعدادهم اليوم أكثر من (١٠٠) ألف عراقي قتيل من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، ليس لسببٍ سوى أنهم رافضون الاحتلال منذ عام ٢٠٠٣م وحتى الوقت الحاضر، على الرغم من معاناتهم خلال النظام السابق؛ إلا أن النظام الحالي هو كسابقه إن لم يكن أسوأ. والغريب في الأمر أننا نجد بعض وسائل الإعلام المروّجة لاستمرار الاحتلال تحاول أن تقلل من أعداد القتلى، فتقدّرهم مثلاً بـ ٢٥ ألف قتيل فقط، ولعلهم يستهينون بهذا الرقم أو يجدونه ما زال قليلاً، ولعل بعضهم ينادي فيقول: ألا تقتلون المزيد من أجل الاحتلال؟! بل إن هذه الأفعال المشينة للإنسانية جمعاء وجدتها متطابقة مع ما فعله المغول في العراق خلال القرن الثالث عشر الميلادي، والصفويون من بعدهم في القرن السابع عشر الميلادي، والذين قتلوا ونكلوا وشرّدوا العرب والأكراد والتركمان وغيرهم؛ ليس لشيء سوى أسباب طائفية متشددة وعرقية متعصبة شوفينية، كما فعل ويفعل الإسرائيليون من قتل وترهيب وتنكيل بالفلسطينين، من خلال جيش الاحتلال المغتصب أو المستوطنين المتطرفين، وذلك منذ منتصف القرن العشرين الميلادي الماضي وحتى يومنا الحاضر؛ فما أشبه ذلك بهذا! أولئك الذين يعودون للأصول ذاتها الحاقدة على العرب والمسلمين والإنسانية؛ فهؤلاء الطامعون والحاقدون ما زالوا يحلمون ببقائهم في المنطقة ليعيثوا في الأرض فساداً من أجل تحقيق الشهوات الذاتية ما زال العراقيون يعانون منذ سقوط بغداد عام ٢٠٠٣م من التطرّف الطائفي والعرقي الذي يستخدم ضد جميع أبناء الشعب العراقي من عرب أهل السنة وعرب الشيعة والأكراد والتركمان والأقليات الأخرى غير المسلمة الرافضين للاحتلال، بما في ذلك عمليات القتل والاختطاف ليلاً (من قِبَل الميليشيات الطائفية التي جعلوها بإطار وزارتي الداخلية والدفاع، التي تعتبر نفسها مخوّلة من قِبَل السلطة منقوصة السيادة إن كان لها سيادة حقيقية في ظل الاحتلال) .

стр. 5492

هل تمهد الجامعة العربية لشرعنة الاحتلال رضا عبد الودود حملت زيارة السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية للعراق، ثم المؤتمر الذي عقد في القاهرة للوفاق الوطني، الكثيرَ من علامات الاستفهام، وكذا الاتهامات، وكذا النتائج الإستراتيجية وإن كانت ضعيفة على المستوى القريب. وكانت الزيارة قد جاءت بناءً على طلب من وزراء الخارجية العرب في واشنطن خلال اجتماعات قمة الأمم المتحدة، ثم صيغت أهدافها وبرامجها في قمة المبادرة العربية بجدة مؤخراً، بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء العراقي على الدستور. ورغم كافة الرؤى ووجهات النظر العديدة ومواقف القوى العراقية منها وتأثيرها على مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد بالقاهرة تمهيداً لمؤتمر عام تصالحي بالعراق، يفترض أن يتناول مسائل وحدة العراق وسيادته على أراضيه ونجاح العملية السياسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتسريع إنهاء الوجود الأجنبي؛ رغم ذلك كله لا بد من التأكيد على عدة حقائق قبل الولوج في تناول هذا التحرك بالتحليل: ـ إن زيارة عمرو موسى أتت في وقت يمر فيه العراق بمرحلة دقيقة، إزاء الشكوك حول نتائج الاستفتاء على الدستور الجديد، والأمل من خلاله في إرساء الخطوط العريضة للعملية السياسية المرتقبة في العراق. كما أتت الزيارة بعد بدء المحاكمة التاريخية للرئيس المخلوع صدام حسين، وما رافقها من أصداء واسعة في الشارع العراقي. ومن ثم فهناك واقع جديد يتشكل بالعراق توافقاً مع تلك الزيارة التي قد تعيد العرب السنة للعراق مجدداً بعد عامين من التهميش. - جاءت الزيارة بعد إعلان أطراف عربية وإقليمية عن مخاوفها من الأوضاع في العراق؛ فمثلاً حذرت دول خليجية من أن إيران الشيعية كسبت نفوذاً كبيراً في العراق مما قد يشيع الاضطراب في المنطقة. وحذرت دول أخرى من مخاطر تقسيم العراق بين السنة والأكراد والشيعة. كما انتقدت الجامعة العربية الدستور العراقي المقترح؛ لأنه لا يؤكد بشكل كافٍ على الهوية العربية للعراق. وكان عمرو موسى قد انتقد ما وصفه بأنه غياب سياسة واضحة للمصالحة بين الطوائف والأعراق المختلفة في العراق محذراً من اندلاع حرب أهلية، ووصف الحال في العراق بأنه يسير في نفق مظلم، وهي التعليقات التي أثارت حفيظة كثير من المسؤولين العراقيين. نجاحات نسبية على طريق المصالحة المنقوصة وبالانتقال لفعاليات الزيارة ـ التي كشفت عن عدم تحقيق نجاح ملموس لمهمة الجامعة العربية في إيجاد تفاهمات بين الأطراف المختلفة لإنجاح مؤتمر المصالحة الوطنية ـ نرى أن المهمة كانت شاقة وليست بالسهلة، فالحكومة العراقية اشترطت عدم مشاركة رجال المقاومة ـ الذين تصفهم بالإرهابيين أو أنهم مسؤولون بعثيون سابقون ـ في مؤتمر المصالحة، وأكدوا على ذلك خلال المؤتمر، معتبرة أن الجلوس مع هذه الأطراف يعد جريمة سياسية. من ناحية أخرى أعلنت هيئة علماء المسلمين ـ إحدى أبرز الهيئات السنية ـ أنها على استعداد للمشاركة في مؤتمر للحوار الوطني شرط أن يجري داخل العراق، وأن يتم الاعتراف «بالمقاومة الوطنية» ، وإدراج بند تحديد موعد زمني للانسحاب من العراق، وهو ما يتعارض مع شروط الحكومة السابقة، ورغم ذلك فإن كل التحركات التي قام بها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أكدت أن مبادرته - ووفقاً لمعظم الذين التقى بهم وحسب تصريحاته الإعلامية - تسير في الاتجاه المرسوم لها. أما النجاح الآخر فهو تغيير وجهة نظر الحكومة العراقية تجاه المبادرة، والتي أعلنت قبل زيارة موسى العراق عن رفضها للمبادرة. لكن رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري أكد خلال لقائه بموسى على دعم الحكومة لدور الجامعة العربية. كما تعتبر زيارة موسى إلى إقليم كردستان العراق - وهي الأولى من نوعها - جزءاً من نجاح مهمته، حيث ألقى خلالها كلمة في برلمان الإقليم تعد الأولى لرئيس الجامعة العربية بهذا المكان. وقد وصف عمرو موسى وجوده بكردستان العراق بأنه نقطة تحول تاريخية في العلاقات بين العرب والأكراد، قائلاً: «الذي يعنينا هو العراق الجديد ونحن موقنون بأن العراق القديم انتهى» . ولكن هذا النجاح في نظر الجامعة العربية يكون مغلوطاً بمتابعة تصريحات وخيارات الأكراد الذين لم يعجبهم تصريح موسى بأنهم جزء من العراق الذي هو جزء بالأساس من الأمة العربية، وتغليبهم خيار الانفصال عن الوحدة مع العراق. دعم الاحتلال الأمريكي في مأزقه: لكن ورغم الجهود التي يقوم بها موسى، يبقى الطريق العراقي الوعر مليئاً بالأشواك وخاصة بعد إعلان عدد من الفصائل المسلحة تبرُّؤها من زيارة موسى العراق، وتشكيكها بأن الزيارة إنما تأتي لمصلحة أمريكية بل وبطلب أمريكي، كما ذهب إلى ذلك البيان الذي أورده تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، هذا بالإضافة إلى تشكيك العديد من السياسيين بقدرة عمرو موسى على لمِّ الشمل العراقي. ولعل النظر بعين الموازنة بين مكاسب عمرو موسى التي حققها من الزيارة، وما تمثله للجانب الأمريكي المحتل للعراق يذهب فريق من المحللين لمنحى آخر، في ظل عدم تقديم قوات الاحتلال الأمريكية موعداً محدداً للانسحاب من العراق، ومن ثم تعد تحركات عمرو موسى في ظل الاحتلال المرة الأولى في التاريخ السياسي للمنطقة العربية التي يتاح فيها للجامعة العربية أن تقوم بدور في بلد تحت الاحتلال الأميركي، أو لواشنطن كلمة في تقرير مصيره، ذلك أن السياسة الأمريكية اختارت على الأقل في العقود الثلاثة الأخيرة إقصاء الجامعة العربية من السياسة في المنطقة، إلا إذا كان لها دور تحدده واشنطن مسبقاً، وما حدث في فلسطين والسودان، دليل يؤكد ذلك الادعاء، كما يدل على ذلك التحمس الأمريكي لهذا التحرك، إلى الحد الذي دفع السفير الأمريكي في العراق إلى القيام بزيارة أكثر من عاصمة عربية قبل أسابيع لترتيب الأمر، كما دفع القيادة الأميركية إلى التعهد بتأمين رحلة عمرو موسى طول الوقت، وليس ذلك من أجل عيون الجامعة العربية أو تقديراً لها، وهي التي رأت فيها طرفاً مناوئاً يجسد أحد أشكال الوحدة العربية وأحد أحلام الانتماء القومي العربي، وهو الأمر الذي يقف حائلاً دون انخراط الكيان الصهيوني في خريطة المنطقة، التي تفضل لها واشنطن وصفَ الشرق الأوسط الذي يحتضن إسرائيل وليس العالم العربي الذي يلفظها. لا تفسير لذلك الحماس الأميركي سوى أنه دال على عمق المأزق الذي تواجهه واشنطن في العراق، والذي أدَّى إلى تدهور شعبية الرئيس بوش، حتى أن مؤيدي البقاء في العراق أصبحوا لا يتجاوزون (٣٠%) ، وهو ما أدَّى إلى تزايد الحملة الشعبية الداعية إلى الانسحاب من هناك، وهي الحملة التي وصل صداها إلى صفوف ممثلي الحزب الجمهوري في الكونجرس. ولأجل الخروج من الورطة، فإن أمريكا أصبحت مستعدة لأن تفعل أي شيء يستر موقفها أو يخفف من وطأة الظروف الضاغطة عليها في العراق، وهي التي استقوت من البداية وأعلنت على لسان وزير دفاعها رونالد رامسفيلد أنها ماضية وحدها إلى الحرب في العراق، وليست بحاجة إلى مساعدة أو عون من أحد، ثم تراجعت خطوة وأقامت «التحالف» الذي قادته وتولى إسقاط النظام، وتراجعت خطوة أخرى حين رحبت بمشاركة دول إسلامية في الحفاظ على الاستقرار في البلاد، لكن الفكرة لم تنجح، وآخر ما لجأت إليه بعدما ازداد المأزق وتعمقت الورطة هو دعوة الجامعة العربية للمساهمة في تهدئة الوضع، بعدما تخلت الجامعة عن أحد ثوابتها، وقبلت الاعتراف بنظام أقامته سلطة الاحتلال. وفي هذا الإطار يبقى التساؤل حقاً للقارئ وهو: هل تستطيع الجامعة العربية الآن أن تطلب رحيل القوات الأميركية قبل أن تقوم بدور في العراق، يمكن أن يترجم إلى إرسال قوة سلام عربية تتولى تأمين البلاد؟ الأمر شبه مستحيل، حيث يبدو أن تحركات الجامعة العربية ينظر إليها على المدى الإستراتيجي البعيد بأنها خطوة عربية في ظل الاحتلال تسعى لتأمينه عبر التوصل لتهدئة مصالحة وطنية، حيث يبدو لنا من خلال قراءة جدول الجامعة العربية وفعالياتها أنها متوافقة تماماً مع ما تذهب إليه مراكز البحوث الإستراتيجية الأمريكية حول الدور العربي في العراق والمتمثل بالاضطلاع بعدد من المهام هي: وجود دائم للأمة العربية في بغداد، من خلال التمثيل الدبلوماسي لمختلف الدول الذي اقترح له أن يتم في المنطقة الخضراء تحت الحماية الأمريكية، مع الأخذ في الاعتبار أن ذلك الوجود على الأرض سيوفر فرصة للحوار المستمر مع العراقيين حول مختلف الشؤون، مثل: حل مشكلة ديون العراق المستحقة للدول المجاورة، بما يساعد على توفير الموارد لإعمار البلاد، وتوفير المساعدات اللازمة لإعانة العراق على النهوض بصناعة النفط، وإقناع أهل السنّة بإمكانية النهوض بالمحافظات التي يعيشون فيها إذا توقفت عمليات المقاومة، وإزالة أسباب التوتر والحساسية بين السنّة والشيعة، وإقناع السوريين والإيرانيين بضرورة مساهمتهم في استقرار العراق وإبعاد شبح الحرب الأهلية عنه، وتنبيه الجميع إلى أن انخراط أعداد كبيرة من الشباب في عمليات المقاومة يمكن أن يشكل تهديداً ليس للعراق فحسب، لكن لدول المنطقة كلها، والعمل مع الحكومة العراقية لإقناع إيران بخطورة العواقب الوخيمة التي تترتب على تقسيم العراق أو دفعه إلى مربع التطرف، والتعامل مع الملف الكردي ومع تركيا بقدر من التفهم الذي ينطلق من احترام الخصوصية، حتى لا تتفاقم المشكلة وتتحول المسألة الكردية إلى سبب إضافي للتوتر في المنطقة، وتشجيع الدول العربية على احتذاء النموذج الأردني والخليجي في تقديم العون للعراقيين في مجالات تدريب الشرطة وتوفير الاحتياجات اللازمة لهم لإنجاح مهماتهم على هذا الصعيد، ومن شأن ذلك التشجيع أن يساعد على انخراط السنّة والأكراد في جهود الأمن بالبلاد، وبمعنى أكثر وضوحاً: توفير الأجواء المناسبة لاستمرار الاحتلال وتحويله إلى احتلال ناعم هادئ لا يعكر صفوه أحد. ولعل عدم تعرُّض عمرو موسى لملف الاحتلال وممارساته البشعة بحق الشعب العراقي وعدم وضوح مطالب محددة بتحديد مواعيد يتفق عليها للانسحاب من العراق، يكرِّس الأزمة السياسية بالعراق وإن بقيت النتائج المحققة مجرد إشادة بالتجاوب الإعلامي من الفصائل العراقية مع مبادرته بغض النظر عما يجري في الواقع من منافسات ومواجهات للمحافظة على المنجزات التي تحققت على أرض الواقع للفصائل العراقية المختلفة. أي مستقبل ينتظر العراق؟ ولعل النقطة الأبرز بل الأخطر في تحركات عمرو موسى وتصريحاته تبنِّيه لمشروع الفيدرالية، ونصوص الدستور العراقي، عندما قال إنه يقبل بعراق فيدرالي أو موحد وفق الدستور الجديد. وهذه الإشارة تعكس تحولاً واضحاً في موقف الأمين العام والجامعة العربية بالمقارنة مع مواقف سابقة للجولة، كانت تدين التقسيم بوضوح وتؤكد على حتمية النص على عروبة العراق. ورغم أنه من السابق لأوانه إصدار أحكام مسبقة على جهود ما زالت في بواكيرها، إلا أنه من الجائز القول إن فرص نجاح تحركات الجامعة العربية ستكون محدودة للغاية، وقد تُوجِد من المشاكل أكثر مما ستُوجِد من الحلول للخروج من الأزمة الحالية ... فالمصالحة ـ أي مصالحة ـ حتى تنجح لا بد من توافر أسباب النجاح، وأن تستند على ثوابت أساسية يمكن أن تشكل أرضية للتوافق، وأساساً متيناً للبناء المستقبلي من حيث التمهيد لخطوات لاحقة. ومن ثم فإن المصالحة لا يمكن أن تتم في ظل الاحتلال، وبين طرفين أحدهما يقاوم بشراسة ويواجه حرب إبادة وتطهير عرقي بسبب هذه المقاومة، وطرف آخر يستظل بهذا الاحتلال ويستقوي به ويطالب باستمراره، لذا فإن جهود الجامعة العربية ربما تكون بداية حوار، ولكنه حوار من المشكوك فيه أن يؤدي إلى مصالحة، بل ربما إلى المزيد من الخلافات، وكأن العراق وقواه السياسية بحاجة إلى خلافات جديدة. لذلك وفي إطار تقييم جهود الجامعة والتدخل العربي في العراق نرى وجوب أن يكون هذا التحرك في اتجاه إنهاء الاحتلال، وإلغاء سياسات الإقصاء، والنزعات الثأرية والانتقامية. إلا أن الأمر في مجمله

стр. 5493

قراءة الكف أو: دراسات المستقبل الأمريكية أحمد فهمي يف سيصبح العالم عام ٢٠٢٠م؟ هذا سؤال يشغل بال الكثيرين في العالم الغربي، ومن أجله تُؤلف الكتب وتُكتب الدراسات وتُعقد المؤتمرات، ولكن في عالمنا العربي لا يبدو أن هذا السؤال يسبب أي نوع من القلق؛ فالزمان ممتد أمام العرب وهم يكادون ألاَّ يعرفوا ما حدث في أمسهم ويلاحقوا ما يحدث في يومهم؛ فأيَُ مجال للغد وسط هذا الزحام؟ فضلا عن أن يكون هذا الغد بعيداً ١٥ عاماً. وهذا السؤال: كيف سيصبح العالم عام ٢٠٢٠م؟ هو بالتحديد عنوان كتاب صدر مؤخراً من تأليف عدد كبير من الباحثين والمختصين في علم المستقبليات في الولايات المتحدة، وتبنى المجلس القومي للاستخبارات هذا الكتاب ورشحه للمخابرات المركزية والبيت الأبيض [لشرق الأوسط، ٢/١١/٢٠٠٥م] وقدم الكتاب أربع سيناريوهات للعالم بعد ١٥ عشر عاماً، أحدها يتوقع تأسيس خلافة إسلامية تمتد من إسبانيا إلى إندونيسيا، ولا أدري من أين جاء جهابذة الكتاب بهذا السيناريو، هذا التوقع أثار إعجاب جورج بوش وأعلنه على الملأ على سبيل التحذير والتهديد. ويعيد الكتاب في واقع الأمر بسيناريوهاته الباقية طرح إشكالية الدراسات المستقبلية الأمريكية، والتي تمارس نوعاً من التنبؤ يبدو في ظاهره معتمداً على المنهج العلمي الرصين، ولكنه في حقيقته لا يتجاوز قواعد قراءة الكف؛ فالكتاب يطرح بالإضافة إلى الخلافة سيناريو آخر مكفهر الرُّؤى بالإرهاب ـ الإسلامي بالطبع ـ أما الثالث والرابع فيتضمنان نهاية سعيدة على النمط الغربي، في أحدهما تسود العولمة، وفي الآخر تسود الأمركة. إن الدراسات المستقبلية الأمريكية لا تهدف في أحيان كثيرة إلى تقديم ملامح للمستقبل، بل تستخدم في واقع الأمر كوسيلة للتأثير في الواقع عن طريق فرض تصورات أو مسارات حتمية للمستقبل في الأذهان، ويعتمد ذلك على القول بأن أي فكرة جديدة منتظمة يتم طرحها من قِبَل جهة مؤثرة في واقع مضطرب ومشرذم كالواقع الإسلامي فإنها تكون قادرة على إعادة تنظيم الرؤى والتصورات والأفكار الأخرى في سياق يتلاءم معها، وتصبح مسألة الرفض أو القبول عديمة التأثير في هذا المجال. وجانب كبير من الدراسات أو نتائج الدراسات المستقبلية التي تُنشر من قِبَل مراكز بحثية تنتمي إلى الولايات المتحدة يكون هدفها الترويج لتصورات محددة؛ فهي في الأصل مخطّطات وليست دراسات مستقبلية، والأمر المثير للشفقة والحنق أن أغلب الباحثين العرب يقومون بإعادة إنتاج هذه التصورات وتقديمها في قالب عربي يساهم في ترسيخ الرؤية الأمريكية للمستقبل في عالمنا. إن مقاطعة الكوكاكولا الأمريكية قد تبدو أمراً جيداً، ولكن مقاطعة الأفكار الأمريكية التي تتسرب من ثقوب تناثرت في العقل العربي أكثر أهمية ولا شك؛ إنها حرب أفكار كما أكد وزير الدفاع الأمريكي

стр. 5494

رحلات التعذيب ترجمة: براق عدنان البياتي الكاتب: نيل ماكاي الناشر: صحيفة «The Sunday Herald» الأسكُتلندية. التاريخ: ١٦ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٠٥م. الأشخاص [موضوع المقالة] قد يكونون ممن يتجولون في شوارع السويد، إيطاليا، ألبانيا، أندونيسيا، أو باكستان. يجري اختطافهم في وضح النهار، فتغطّى رؤوسهم، ويتمّ بعدها تخديرهم وتقييدهم بالسلاسل، ثمّ ينقلون إلى طائرة تعمل ضمن دائرة عمليات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية C.I.A)) وعندما يستيقظون يجدون أنفسهم في دول مثل المغرب ومصر وأوزبكستان - حيث يُعدّ التعذيب ديدنًا للممارسات داخل غرف التحقيق هناك. هنالك تقوم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بتسليم الأشخاص المأسورين للشرطة السريّة المحليّة، فيختفي المُحتجَزون من على البسيطة؛ وإن حالفهم الحظ فإنهم سيظهرون بعد بضع سنين داخل قفص بمعتقل خليج غوانتنامو، منكسرين جرّاء عمليات الضرب، والاغتصاب، والصعق بالصدمات الكهربائية ... أما إن لم يكونوا من المحظوظين، فإنهم لن يُرَوْا مرة ثانية. ويستهدف برنامج أمريكا «للتسفير غير الشرعي» بعض الإسلاميين المشتبه بأنهم من الإرهابيين؛ حيث يتم أسرهم وتسليمهم إلى دول صديقة لأمريكا، ممّن يتوق لهم جدًا استخدام التعذيب لانتزاع المعلومات التي تريدها الولايات المتحدة لحربها على الإرهاب. ويُعدّ هذا البرنامج سيئ الصيت ممقوتًا من قِبَل جمعيات حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم، غير أن بريطانيا هي من المؤيدين المتحمّسين له؛ حيث إنه ومنذ أحداث ١١ أيلول/ سبتمبر ٢٠٠١م قام أسطول الـ «C.I.A» المتين والمكوّن من ٣٣ طائرة - الذي يُستخدم لنقل بضاعته البشرية ممّن يُزعم أنهم أسرى إرهابيون حول العالم - بالتوقّف في مطارات بريطانيا لما لا يقلّ عن ٢١٠ مرّات للتزوّد بالوقود ولأغراض الدعم اللوجستي الأخرى. وقد تم خلالها استخدام ما يقرب من ٢٠ مطاراً بريطانياً، احتلّ موقع الصدارة فيها مطارا: «بريستوِك» و «جلاسكو» حيث استقبل مطار «بريستوِك» ٧٥ من رحلات التسفير غير الشرعي المذكورة، في حين استقبل مطار «جلاسكو» ٧٤ رحلة منها. وتشمل قائمة المطارات المستخدمة كلاً من «لوتِن» ، «هيثرو» ، «جاتوِك» في لندن، و «بيلفاست» في إيرلندا الشمالية. يُذكر أن غيرنا من الدول لا يتعاون بهذا الصدد؛ فإيطاليا مثلاً قامت بإصدار أوامر بالقبض على ١٩ عميلاً للـ «C.I.A» كانوا قاموا بخطف رجل دين مسلم في مدينة ميلان ونقله إلى مصر. كما أن السويد مستاءة من أعمال خطف جرت في أراضيها. وتقوم الأمم المتحدة بالتحقيق في مسألة أن التسفير غير الشرعي هذا - وغيره من وسائل الحرب على الإرهاب - يُعدّ خرقًا للتشريعات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. ويقول الرئيس (جورج بوش) إن عمليات «التسفير غير الشرعي» هذه تُعدّ قانونية تمامًا، على الرغم من أن وزارة خارجيته تقول إن أوزبكستان، ومصر، والمغرب هي من الدول التي تنتهك حقوق الإنسان وتستخدم التعذيب، بشكل

стр. 5495

الشراء بالهامش وأحمامه الشرعية خالد بن إبراهيم الدعيجي i المبحث الأول: مفهوم الشراء بالهامش: يمكن التفرقة بين أسلوبين لسداد قيمة الصفقات في الأسواق المالية، هما: الأسلوب النقدي الكامل، والأسلوب النقدي الجزئي. ويقصد بالأسلوب النقدي الكامل قيام العميل بسداد قيمة صفقاته نقداً والحصول على قيمة مبيعاته نقداً؛ وذلك على النحو المتعارف عليه في المعاملات الأخرى. أما الأسلوب النقدي الجزئي فيقصد به في حالة الشراء قيام العميل بتمويل جزء من صفقاته نقداً، والباقي يتم بأموال مقترضة. وبناء على ذلك يكون تمويل الصفقات إما كاملاً أو جزئياً، وفي كلا الحالين لا بد من ضمانات حتى يتم التمويل. والطريقة المعمول بها في الأسواق المالية هي التمويل الجزئي، ويقصد بها: سداد جزء من قيمة الصفقة نقداً، والباقي قرضاً مع ضمان الأوراق محل الصفقة (١) . وتسمى هذه الطريقة: الشراء بالهامش: ((Margin Buying فالشراء بالهامش: شراء الورقة المالية بسداد جزء من قيمتها نقداً؛ بينما يسدد الباقي بقرض، بشرط ضمان الأوراق محل الصفقة. ويُستخدم في الأسواق المالية نوعان من الهامش: النوع الأول: الهامش المبدئي: والمراد به: الحد الأدنى الذي يشترط أن يدفعه المشتري من ماله الخاص عند إرادة الشراء، وغالباً لا تزيد عن ٦٠% من قيمة الصفقة (٢) . النوع الثاني: هامش الوقاية: يحتفظ بيت السمسرة بالأسهم التي اشتراها لعميله، مسجلة باسمه، إلى أن يقوم هذا العميل بسداد قيمة القرض، وتمثل رهناً لديه يتمكن من بيعه إذا لم يقم المقترض بالوفاء، ولكن نظراً للتقلبات التي قد تتعرض لها قيمة تلك الأسهم، مما يعرض قيمة تلك الأسهم للانخفاض إلى أقل من مبلغ القرض؛ فقد جرت العادة بتحديد هامش آخر غير الهامش المبدئي، يسمى هامش الوقاية؛ بحيث إذا انخفضت القيمة السوقية لتلك الأسهم في وقت ما، وترتب على ذلك إن الهامش الفعلي قلَّ عن هذا الهامش؛ فإنه يلزم المقترض أن يدفع للسمسار ـ خلال مدة محددة ـ مبلغاً إضافياً، أو أن يبيع جزءاً من الأسهم؛ وذلك بهدف زيادة نسبة الهامش الفعلي، ليصل إلى مستوى هامش الوقاية (٣) . ويمكن تعريف هامش الوقاية بأنه: الحد الأدنى الذي يشترط أن لا تقل عنه حقوق الملكية. والقاعدة في استخراج الحد الأدنى: الفرق بين القيمة السوقية للأسهم محل الصفقة المرتهنة، وبين المبلغ الذي اقترضه المستثمر. صورة الشراء بالهامش: يمكن أن تمر عملية الشراء بالهامش عبر الخطوات الآتية: ١ - يقوم العميل بفتح حساب بالهامش لدى سمسار. ٢ - يعين العميل كمية الأسهم التي يريد شراءها ونوعها، ولنفرض أنها (١٠٠٠) سهم من شركة الأمانة وقيمة كل سهم (١٠٠ ريال) فيكون قيمة الصفقة نقداً (١٠٠,٠٠٠) ريال. ٣ - الهامش النقدي الذي يدفعه العميل هو ٥٠%، فيكون (٥٠,٠٠٠ (ريال. ٤ - ومن ثم يقترض السمسار المبلغ المتبقي من أحد البنوك، بسعر الفائدة السائد، والمبلغ المتبقي هو (٥٠,٠٠٠ (ريال، وهذا الاقتراض يلجأ إليه السمسار عندما لا تكون الأسهم المطلوبة موجودة عنده، فأما إذا كانت موجودة فإنه لا يقترض. ٥ - ومن ثم يقوم السمسار بإقراض العميل المبلغ المتبقي لإتمام صفقته وهو (٥٠,٠٠٠ (ريال، بسعر فائدة يزيد عن سعر الفائدة الذي دفعه السمسار للبنك. ٦ - يقوم السمسار بعد ذلك بشراء الأوراق المالية المطلوبة، وتسجل باسم السمسار، وتكون مرهونة لديه حتى يقوم العميل بسداد قيمة الصفقة كاملة. وحيث إن أسعار الأسهم المرهونة عرضة للتقلب؛ فإن الهامش الفعلي سيتغير من يوم لآخر، تبعاً للتغير الحاصل في القيمة السوقية لتلك الأسهم؛ ولذا فإن بيوت السمسرة تقوم ـ في نهاية كل يوم ـ بحساب نسبة الهامش الفعلي، على أساس سعر الإقفال؛ لمقارنته بالهامش المطلوب، ولا تخلو نتيجة المقارنة من واحدة من أربع حالات، بيانها على النحو الآتي (١) : الحال الأولى: ارتفاع نسبة الهامش الفعلي عن الهامش المبدئي: وهذا يحصل عندما ترتفع القيمة السوقية للأسهم المرهونة، عن السعر الذي اشتُرِيَتْ به. وفي هذه الحالة، فإن بإمكان العميل أن يفعل أحد أمرين: الأمر الأول: سحب جزء من القيمة التي سبق أن دفعها من أمواله الخاصة، على أن لا تقل نسبة الهامش الفعلي عن الهامش الابتدائي. الأمر الثاني: شراء أسهم جديدة، تمول بقرض جديد يحصل عليه العميل من السمسار. الحال الثانية: وقوع الهامش الفعلي بين الهامش المبدئي وبين هامش الوقاية: وهذا يحصل عندما تنخفض القيمة السوقية للأسهم المرهونة، لكن بقدر لا يقل معه الهامش الفعلي عن هامش الوقاية. ومن ثم لا يحق للسمسار مطالبة العميل بزيادة مساهمته وذلك بدفع أموال إضافية؛ كما لا يكون من حق العميل شراء أسهمٍ جديدة إلا عن طريق النقد، ولهذا يصنف حساب العميل في هذه الحالة من ضمن الحسابات المقيدة. الحال الثالثة: انخفاض الهامش الفعلي عن هامش الوقاية: وهذا يحصل عندما تنخفض القيمة السوقية للأسهم المرهونة انخفاضاً كبيراً. وحينئذ فإن على العميل أن يفعل واحداً من أمرين: الأمر الأول: دفع مبلغ إضافي، يودع في حسابه لدى السمسار، أو يستخدم لتسديد جزء من القرض. الأمر الثاني: بيع جزء من الأسهم، واستخدام ثمنها في سداد جزء من القرض؛ ليترتب على ذلك انخفاض مبلغ القرض، ومن ثم ارتفاع نسبة حقوق الملكية إلى القيمة السوقية للأسهم؛ لينبني على ذلك ارتفاع نسبة الهامش الفعلي إلى مستوى هامش الوقاية. الحال الرابعة: إن تثبت قيمتها. فلا ضرر على كِلا الطرفين، بينما المستفيد في هذه الحالة السمسار؛ حيث إن الأسهم محل الصفقة مرهونة لديه، وكل ما تحصل عليه هذه الأسهم من أرباح فهي له (٢) . i المبحث الثاني: الحكم الشرعي للشراء بالهامش: وفيه مطلبان: المطلب الأول: تكييف العلاقة بين العميل والسمسار والحكم الشرعي لها. وهي لا تخلو من حالين: الأولى: عقد قرض. ويشترط لصحة هذا التكييف على عقد القرض أن تكون الأسهم محل الصفقة ليست مملوكة للسمسار وقت العقد، ومن ثم يقوم السمسار بإقراض العميل القيمة المتبقية للأسهم محل الصفقة. الثانية: عقد بيع. ويشترط لصحة هذا التكييف أن تكون الأسهم محل الصفقة مملوكة للسمسار؛ ومن ثم فإن السمسار يبيع عليه الأسهم محل الصفقة، بدفع جزء من قيمتها، والباقي يكون ديناً في ذمة العميل. ولكل من التخريجين صور متعددة، ولكل واحدة من هذه الصور حكم خاص، وبيان هذه الأحكام يكون في الفرعين الآتيين. الفرع الأول: تكييف العلاقة بين العميل والسمسار على عقد القرض: ويشترط لصحة هذا التكييف على عقد القرض أن تكون الأسهم محل الصفقة ليست مملوكة للسمسار وقت العقد. ولهذا التكييف صورتان: الصورة الأولى: القرض بشرط الاقتراض: مثاله: أن العميل إذا دفع هامشاً نقدياً قدره ٦٠%، فسوف يقترض ٤٠% لإتمام الصفقة من السمسار بشرط كتابة جميع أسهم الصفقة باسمه، فتكون ملكاً له يتصرف فيها بما يشاء كما سبق بيانه. فالعميل اقترض من السمسار ٤٠% من قيمة الصفقة، والسمسار اقترض جميع الأسهم محل الصفقة من العميل. فاشتراط عقد قرض آخر من المقترض للمقرض في مقابل القرض الأول، تسمى عند فقهاء المالكية بـ «أسلفني وأُسلفَك» . وقد نص المالكية والشافعية والحنابلة على عدم جواز هذا الاشتراط، وعلى المنع منه (٣) ، ولم أجد للحنفية نصاً في هذه المسألة ويتخرج على قواعدهم القول بالمنع أيضاً (٤) . قال في المغني: (وإن شرط في القرض أن يؤجره داره، أو يبيعه شيئاً أو أن يقرضه المقترض مرة أخرى لم يَجُز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع وسلف، ولأنه شرط عقداً في عقدٍ فلم يجز) (٥) . ويدل على عدم جواز اشتراط عقد قرض آخر في القرض من المقترض في مقابل القرض الأول ما يأتي: أن هذا الاشتراط يجر منفعة للمقرِض، وقد أجمع العلماء على أن كل قرض يجر منفعة مشروطة للمقرِض فهو حرام (٦) . ووجه هذه المنفعة المشروطة في الشراء بالهامش: أن السمسار عندما أقرض العميل ٤٠% من قيمة الصفقة، كان مشترطاً عليه أن يقرضه جميع أسهم الصفقة؛ فالسمسار سوف ينتفع بـ ٦٠%، وهذه هي المنفعة المشروطة في عقد القرض الأول، بالإضافة إلى أنه في القرض الأول قد اشترط عليه أن يرده بفائدة. فيتلخص من ذلك أن السمسار انتفع من هذا العقد - القرض - منفعتين: المنفعة الأولى: الفائدة الربوية بسبب القرض الأول. المنفعة الثانية: أن يقترض جميع أسهم الصفقة من المقترض الأول، لينتفع بها. الصورة الثانية: القرض بشرط الرهن. وهي نفس الصورة السابقة لكن يشترط السمسار رهن الأسهم محل الصفقة، وفائدة الرهن أن ينتفع السمسار بما تدره هذه الأسهم من أرباح. ولا خلاف بين الفقهاء أن المرتهن متى شرط على الراهن الانتفاع بالرهن بلا عوض فيما لا يحتاج حفظه إلى مؤنة، وكان المرهون به دين قرض، فالشرط فاسد؛ لأنه قرض بمنفعة (١) . الفرع الثاني: تكييف العلاقة بين العميل والسمسار على عقد البيع: ويشترط لصحة هذا التكييف أن تكون الأسهم محل الصفقة مملوكة للسمسار، ولهذا التكييف ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يجتمع في العقد الواحد بيع وقرض. مثاله: أن يشتري العميل من السمسار الأسهم محل الصفقة، وذلك بدفع ٦٠% نقداً من قيمة الصفقة، والباقي مؤجل، ومن ثم يقوم العميل بإقراض السمسار جميع الأسهم محل الصفقة. وقد اتفق الفقهاء على عدم جواز الجمع بين القرض والبيع في عقد واحد (٢) ، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك» (٣) . وجه الدلالة منه: أن السلف في قوله ﷺ : «لا يحل سلف وبيع» بمعنى القرض، والحديث يدل على عدم جواز الجمع بين القرض والبيع في عقد واحد. الصورة الثانية: أن يجتمع في العقد بيعتان في بيعة. مثاله: أن يقوم العميل بشراء الأسهم محل الصفقة، وذلك بدفع ٦٠% من قيمتها نقداً، والباقي مؤجلاً، ومن ثم يقوم السمسار بشراء جميع الأسهم محل الصفقة بثمن مؤجل أكثر منه، فيكون السمسار مديناً للعميل بكامل قيمة الصفقة (٤) . وهذه الصورة تُخرج على «عكس مسألة العِينة» . والعِينة: بيع سلعة بثمن مؤجل، ثم شراؤها ممن اشتراها بأقل منه نقداً (٥) . وقبل أن نذكر حكم العينة، يحسُن ذكر مواطن الاتفاق في هذه المسألة، فنقول وبالله التوفيق: تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على تحريم بيع العِينة إذا كان هناك شرط مذكور في نفس العقد الأول على الدخول في العقد الثاني (٦) . وإذا باع البائع السلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بعَرَض، أو كان بيعها بعَرَض فاشتراها بنقد، أن ذلك جائز، قال الموفق: «لا نعلم فيه خلافاً» (٧) . أما إذا باع سلعة بثمن مؤجل، ثم اشتراها من مشتريها بنقد، ولم يكن ثمت شرط بين العاقدين، فقد اختلف الفقهاء فيها على قولين: القول الأول: التحريم. وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة (٨) . القول الثاني: الجواز. وهو قول الشافعية والظاهرية (٩) . والقول الراجح هو قول الجمهور، وهو اختيار ابن القيم، ﵀ (١٠) ، ويدل على ذلك: ١ - ما رواه ابن عمر ﵄ حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (١١) . وجه الدلالة منه: أن الحديث دل على أن التبايع بالعِينة سبب لإنزال البلاء والذل بينهم حتى يرجعوا إلى دينهم؛ فنزول هذه الأمور والتوعد عليها مما يدل على أنها تحرم بنص من الشارع، وجعل الفاعل لذلك بمنزلة الخارج عن الدين المرتد على عقبه، ولا يكون ذلك إلا لذنب شديد، والذنب الشديد هو البيع بالعينة (١٢) . ٢ ـ ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» (١٣) . وجه الاستدلال: أن هذا يشمل بيع العِينة؛ فإن فيها بيعتين؛ إذ يباع المبيع مرتين والعاقد واحد وهو المطابق لقوله ﷺ : «فله أوكسهما أو الربا» فإنه إذا باعه السلعة بمائتين مؤجلة ثم اشتراها منه بمائة فقد باع بيعتين في بيعة؛ فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا وإن أخذ بالناقص أخذ بالأوكس (١٤) . ٣ - ما رواه أبو إسحاق السبيعي عن امرأته أنها قالت: «إن عائشة أم المؤمنين قالت لها أم محبة أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين! إني بعت زيد بن أرقم عبداً إلى العطاء بثمانمائة درهم، فاحتاج إلى الثمن فاشتريته منه قبل محل الأجل بستمائة، فقالت عائشة: بئس ما أشريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد بطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب. فقالت: أرأيتِ إن تركتُ وأخذتُ الستمائة؟ قالت: نعم! ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (١) . (ووجه) الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنها ألحقت بزيد وعيداً لا يوقف عليه بالرأي، وهو بطلان الطاعة بما سوى الردة؛ فالظاهر أنها قالته سماعاً من رسول الله ﷺ ، ولا يلتحق الوعيد إلا بمباشرة المعصية، فدل على فساد البيع؛ لأن البيع الفاسد معصية (٢) . والثاني: أنها ﵂ سمت ذلك بيع سوء وشراء سوء، والفاسد هو الذي يوصف بذلك لا الصحيح، وسبب الفساد أن هذا البيع يؤدي إلى الربا (٣) . أما مسألة «عكس العِينة» : فصورتها: أن يبيع السلعة بنقد يقبضه، ثم يشتريها البائع من المشتري بأكثر من الثمن الأول من جنسه نسيئة. وهذه المسألة اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: التحريم مطلقاً. وهو مذهب الحنابلة (٤) . واستدلوا بأدلة مسألة العينة، ولهذا قال في الفروع عند كلامه عن العينة: «وعكس العينة مثلها» (٥) . ولهذا قال ابن القيم ﵀: فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟ قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة؛ لأن هذا يتخذ وسيلة إلى الربا؛ فهو كمسألة العينة سواء، وهي عكسها؛ وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقداً، لكن في إحدى الصورتين: البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى: المشتري هو الذي اشتغلت ذمته، فلا فرق بينهما» (٦) . القول الثاني: الجواز إذا لم تكن حيلة على الربا. وهو رواية عن أحمد ﵀ اختارها الموفق (٧) . القول الثالث: الجواز. وهو جار على أصول الشافعية؛ لأنه إذا جازت عندهم العينة فعكسها من باب أوْلى. والقول الراجح: التحريم مطلقاً، سداً لباب الربا. ومما سبق يتبين أن السمسار إذا باع العميلَ مجموعةً من الأسهم ثم رجع واشتراها منه بثمن مؤجل أكثر منه فهي تنطبق على مسألة عكس العِينة. الصورة الثالثة: أن يجتمع في العقد بيع ورهن. مثاله: أن يقوم العميل بشراء الأسهم محل الصفقة، وذلك بدفع ٦٠% من قيمتها نقداً، والباقي مؤجلاً، ومن ثم يقوم السمسار برهن جميع الأسهم محل الصفقة، إلى أن يسدد العميل المبلغ المتبقي عليه. وتكاد أن تكون هذه الصورة هي الغالبة في التعامل في الأسواق المالية إذا كانت الأسهم مملوكة للسمسار. وفائدة العميل من هذا العقد: ترقُّب الأسعار؛ فإن ارتفعت ربح، وإن نزلت خسر. وفائدة السمسار: ما تدره هذه الأسهم من أرباح أثناء تربُّص العميل وانتظاره. ولبيان حكم هذه الصورة من الشراء بالهامش لا بد من معرفة الحكم الشرعي لثلاث مسائل: الأولى: حكم حبس المبيع على ثمنه. الثانية: حكم رهن الأسهم. الثالثة: حكم انتفاع المرتهن بالرهن؛ وذلك من خلال انتفاعه بما تدره الأسهم من أرباح. المسألة الأولى: حكم حبس المبيع على ثمنه. وسبب ذكر هذه المسألة: أن السمسار حبس الأسهم - العَيْن المبيعة - حتى يقوم المستثمر بقضاء الدين الذي عليه بسبب البيع، علماً أن ثمن المبيع منه ما هو حالٌّ ومنه ما هو مؤجل، كما سبق بيانه. والفقهاء تارة يعبرون عن هذه المسألة بحبس المبيع على ثمنه، وتارة برهن المبيع على ثمنه. فهل يجوز للبائع أن يشترط على المشتري حبس العين المبيعة على ثمنها؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجوز حبس المبيع على ثمنه، وهو مذهب الشافعية (٨) . القول الثاني: جواز اشتراط حبس المبيع على ثمنه. وهو قول الجمهور من الحنفية (٩) ، والمالكية (١٠) ، والحنابلة (١١) . والقول الراجح هو قول الجمهور واستدلوا بما يلي: ١ - قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . ووجه الدلالة من الآية: أن كلمة «رهان» في الآية نكرة في سياق الشرط فتعم كل ما يمكن أن يوثق به سواء كان مبيعاً أو غير مبيع. ٢ - ولأنه يصح رهن المبيع عند غير البائع، فيصح عند البائع من باب أوْلى (١) . ٣ - ولأنه يصح رهنه على غير ثمنه، فصح رهنه على ثمنه من باب أوْلى (٢) . ٤ - ولأن الأصل في الشروط الصحة واللزوم. وعليه يجوز للسمسار أن يحبس الأسهم محل الصفقة إلى أن يسدد المستثمر جميع دينه. المسألة الثانية: حكم رهن الأسهم. أما على القول بأن السهم يأخذ حكم العروض؛ فإن رهن السهم يأخذ حكم رهن العروض، وهذا لا إشكال فيه، بل هو الأصل في الرهن. أما على قول الجمهور بأن السهم يمثل موجودات الشركة، فهذه الموجودات مشاعة أي غير مفرزة، فيأخذ حكم رهن المشاع. فيُخرّجُ رهن السهم على مسألة «رهن المشاع» . وقد اختلف العلماء في حكم رهن المشاع على قولين: القول الأول: عدم صحة رهن المشاع مطلقاً. وهذا مذهب الحنفية (٣) . القول الثاني: جواز رهن المشاع مطلقاً. وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) ، والظاهرية (٧) . والقول الراجح هو قول الجمهور. واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: ١ - قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . ووجه الدلالة من الآية: أن كلمة «رهان» في الآية نكرة في سياق الشرط فتعم كل ما يمكن أن يوثق به، فتشمل المشاع والمقسوم، وحتى على قول من يرى من الأصوليين أن النكرة في سياق الشرط لا تعم؛ فإنها حينئذٍ مطلقة، فلم تقيد بكونها مشاعة أو مقسومة، وما أطلق فلا يصح تقييده إلا بدليل (٨) . ٢ - أن موجب الرهن استحقاق البيع في الديْن، والمشاع عين يجوز بيعها فيصح رهنها كالمقسوم (٩) . المسألة الثالثة: حكم انتفاع المرتهن بالرهن. اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن بدون إذن الراهن إذا لم يكن للرهن مؤونة. قال ابن قدامة: «ما لا يحتاج إلى مؤونة، كالدار والمتاع ونحوه، فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال، لا نعلم فيه خلافاً؛ لأن الرهن ملك الراهن، فكذلك نماؤه ومنافعه، فليس لغيره أخذها بغير إذنه» (١٠) . وقال السرخسي: «لا خلاف أن المرتهن لا يملك الانتفاع بالرهن بدون إذن الراهن» (١١) . واشترط الشافعية والمالكية في المنفعة أن تكون مقيدة بمدة، وكذلك مشروطة في العقد. قال في نهاية المحتاج: «وإن نفع الشرط المرتهن وضر الراهن كشرط منفعته من غير تقييد للمرتهن بطل الشرط وكذا الرهن في الأظهر؛ لمخالفته لمقتضى العقد كالشرط المضر بالمرتهن، والثاني لا يبطل بل يلغى الشرط، ويصح لأنه تبرع فلم يؤثر فيه» (١٢) . قال في شرح الخرشي: «يجوز للمرتهن أن يشترط منفعة الرهن لنفسه مجاناً بشرطين: الأول: أن تكون مؤقتة بمدة معينة ... الثاني: أن يكون الرهن في عقد بيع لا في عقد قرض» (١٣) . وسبب اشتراط الشافعية والمالكية التأقيت لأمرين: الأول: عدم الإضرار بالمشتري. الثاني: أنهم خرَّجوا هذه المنفعة بأنها إجارة، والإجارة يشترط لها العلم بالمدة، فإذا جهلت المدة لم تصح. والذي يظهر أن المنفعة تُخرَّجُ على عقد الهبة؛ فهي هبة من المشتري للبائع، وهي من عقود التبرعات فلا يشترط لها التأقيت. وعليه فيجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن بشرطين: الأول: أن يأذن الراهن؛ لأن الرهن مُلك له، ومن ملك شيئاً ملك تمليكه. الثاني: أن لا يكون سبب الرهن قرض؛ إذ كل قرض جر نفعاً فهو ربا (١٤) . ومن ثَم فإن الصورة الثالثة من الشراء بالهامش تكون جائزة ولا بأس فيها؛ لأن الراهن قد أذن للمرتهن أن ينتفع بالرهن، ولأن سبب الرهن هو البيع وليس القرض. فإذا كانت هذه الصورة الوحيدة الجائزة من الشراء بالهامش فإنه قد يصاحبها بعض التصرفات من السمسار والعميل عندما ترتفع قيمة الأسهم محل الصفقة، أو عندما تقل عن هامش الوقاية الذي سبق بيانه في المبحث الأول، وذكرنا أن القيمة السوقية للأسهم لا تخلو من أربعة أحوال، ويهمنا منها حالتان وهما المؤثرتان في التصرفات، والحالتان هما: الحال الأولى: ارتفاع القيمة السوقية للأسهم محل الصفقة. الحال الثانية: انخفاض القيمة السوقية للأسهم محل الصفقة. وفي كل من الحالتين يخير العميل بأنواع من التصرفات، وهذه التصرفات منها ما هو حق ومنها ما هو باطل، وبيان ذلك في المطلب القادم. المطلب الثاني: أحكام التصرفات المصاحبة للشراء بالهامش أثناء ارتفاع وانخفاض القيمة السوقية للأسهم محل الصفقة. وفيه فرعان: الفرع الأول: التصرفات المصاحبة لارتفاع القيمة السوقية للأسهم محل الصفقة. ولإيضاح هذه الصورة نضرب مثالاً: لو فرض أن مستثمراً أراد شراء ألف سهم بسعر (١٠٠ ريال) للسهم الواحد، فإن عليه إيداع مبلغ (٥٠ ألف ريال) في حسابه ويقوم السمسار بإقراضه (٥٠ ألف ريال (أخرى ليتمكن من شراء كامل الأسهم المطلوبة. فلو ارتفعت القيمة السوقية فأصبحت (١٢٠ ريالاً (للسهم الواحد، فإن القيمة السوقية لجميع الصفقة ستكون (١٢٠ ألف ريال) . فيلاحظ هنا أن المستثمر ربح (٢٠ ألف ريال) . وما سبق ذكره يظهر في الشكل الآتي: وفي هذه الحالة، يخير العميل بين تصرفين: الأول: سحب جزء من القيمة المدفوعة مسبقاً. الثاني: شراء أسهم جديدة. وبيان ذلك في المقصدين الآتيين: المقصد الأول: سحب جزء من القيمة المدفوعة مسبقاً. فالمستثمر عندما ترتفع قيمة أسهمه يقوم بسحب جزء من المبلغ المرهون لدى السمسار، يتصرف فيه بما شاء، بشرط أن يكون المبلغ المتبقي بعد السحب لا يقل عن الهامش الفعلي للصفقة. فهنا مسألتان نحتاج إلى تكييفهما: الأولى: تكييف هذه الزيادة. الثانية: تكييف السحب النقدي. المسألة الأولى: تكييف الزيادة النقدية. في المثال السابق كانت قيمة الأسهم المرهونة (١٠٠ ألف ريال) ، ولكن ارتفعت قيمتها فأصبحت تساوي (١٢٠ ألف ريال) . فالزيادة الحاصلة وهي (٢٠ ألف ريال) تحتمل أحد تخريجين: التخريج الأول: أن تكون زيادة في الرهن من قِبَل الراهن. وصورة ذلك كما قال البهوتي: « (وتجوز الزيادة) فيه أي في الرهن بأن رهنه عبداً بمائة، ثم رهنه عليها ثوباً؛ لأنه زيادة استيثاق» (١) . وقد ذكر ابن المنذر إجماع الفقهاء على جواز الزيادة في الرهن. قال ﵀: «وأجمعوا على أن للراهن أن يزيد المرتهن رهناً مع رهنه أو رهوناً» (٢) . ونَقْلُ الإجماع في هذه المسألة فيه نظر؛ فقد خالف في هذه المسألة زُفَر من الحنفية (٣) ، وبعض الحنابلة وقالوا بعدم الجواز (٤) . ولكن ذهب جماهير أهل العلم من الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، والشافعية (٧) ، والحنابلة (٨) إلى جواز الزيادة في الرهن.. واستدلوا: بأن الرهن الثاني إنما هو زيادة استيثاق، فصحت الزيادة، كما لو رهنهما معاً (٩) . التخريج الثاني: أن تكون الزيادة من نماء الرهن. ونماء الرهن لا يخلو من أمرين: الأول: أن يكون متصلاً كالسِّمَن، وتعلُّم الصنعة، وكبر الشجر. الثاني: أن يكون منفصلاً كالولد، والثمرة، والصوف، ونحو ذلك. والنماء سواء كان متصلاً أم منفصلاً فهو ملك للراهن. فهذه الزيادة في قيمة الأسهم سواء قلنا إنها متصلة أم منفصلة فهي ملك للراهن. والذي يظهر للباحث أن التخريج الثاني أحسن من التخريج الأول؛ لأن الزيادة هنا تابعة للأصل غير منفكة. المسألة الثانية: تكييف السحب النقد: يحتمل في هذا السحب أن يُخرج على ثلاث مسائل: الأولى: أنه استرجاع لنماء رهنه. فما يسحبه المستثمر من نقد إنما هو نماء رهنه، ومن ثَم كأنه استرجع جزءاً من رهنه. الثانية: أنه استرجاع لجزء مما دفعه سابقاً. وهذه نص عليها من كتب في آلية ونظام الأسواق المالية؛ فقد قال الدكتور منير هندي: «أما إذا ارتفعت القيمة السوقية للأوراق المالية محل الصفقة، فحينئذ يحق للعميل إما سحب جزء من القيمة التي سبق دفعها من أمواله الخاصة، أو زيادة مشترياته من الأوراق محل الصفقة» (١٠) . وفي كِلا الحالين يكون ملكه رجع إليه، وهذا التصرف وقع بإذن من المرتهن فلا بأس بذلك. الثالثة: وقد يقال: إن هذا السحب يكيف بأنه قرض من السمسار للمستثمر، ويكون الرهن الموجود رهناً بالدينْين الأول والثاني. والذي يظهر أن هذا التكييف لا يستقيم لأمور: أولاً: أن المعروف في نظام السوق أن هذا السحب إنما هو استرجاع لما دفعه المستثمر سابقاً. ثانياً: أن هذا السحب لا يكون إلا عند زيادة القيمة الاسمية للأوراق محل الصفقة، وما ذلك إلا لأن صفقته ربحت؛ فهو يستحق أن يأخذ الربح وهذا من ربحه. ثالثاً: أن السمسار عندما رهن هذه الأسهم اشترط أن ما تدره من أرباح فهي له، فيقابل ذلك أنه إذا ارتفعت قيمتها فإن للمستثمر أن يسترجع ما دفعه مسبقاً؛ فهذه بتلك. رابعاً: أننا لو خرجنا السحب النقدي على القرض فإنه سيطرأ على المعاملة الفساد؛ لأن الانتفاع بالرهن مقابل القرض محرم ولا يجوز، وقد سبق بيان هذه المسألة، فتصحيح العقود أوْلى من إفسادها. المقصد الثاني: شراء أسهم جديدة. وهذا هو التصرف الثاني المتاح للمستثمر أثناء ارتفاع القيمة السوقية لأسهمه. وشراء الأسهم إما أن يكون نقداً بالكامل أو يكون بالهامش، وكلا الأمرين سبق الكلام عنهما. فالشراء بالهامش إن كانت الأسهم غير مملوكة للسمسار فالعقد عقد قرض، ولا بأس برهن الأسهم محل الصفقة بشرط أن لا ينتفع السمسار بالرهن؛ لأجل ألا يكون قرضاً جر نفعاً. وإن كانت الأسهم مملوكة للسمسار، فالعقد عقد بيع، وأما رهن الأسهم ففيه تفصيل: فإن كانت الصفقة الثانية مستقلة عن الأولى، فلها حكم الصفقة الأولى جملة وتفصيلاً. أما إن كانت الصفقة الثانية غير مستقلة عن الأولى، أي أن الرهن في الصفقة الأولى يكون رهناً كذلك في الصفقة الثانية، فهذه الصورة تُخرج على مسألة ذكرها الفقهاء وهي: الزيادة في دَيْن الرهن، والمراد بذلك: «أن يقول الراهن للمرتهن: زدني مالاً يكون الرهن الذي عندك رهناً به وبالدين الأول» (١) . ومثاله: أن يقترض منه (١٠٠٠) ريال، ومن ثم يرهنه ساعة وأقبضها إياه، ثم اقترض منه (١٠٠٠) ريال أخرى، وجعل الساعة رهناً بالدينيْن. وقد اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: عدم جواز الزيادة في الديْن. وهو مذهب الحنفية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) . واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: أنها عين مرهونة، فلم يجز رهنها بدين آخر؛ لأن الرهن اشتغل بالدين الأول والمشغول لا يشغل (٥) . ويناقش: أن هذا الاشتغال لا محذور فيه شرعاً، إنما هو زيادة استيثاق، والعقود مبناها على الرضى، فإذا رضيا بذلك وكان لهما فيه مصلحة فلا يمنع من ذلك. القول الثاني: جواز الزيادة في الديْن. وهو مذهب المالكية (٦) وبه قال أبو يوسف من الحنفية (٧) . واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: عموم قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، حيث جاء الأمر في الآية بالرهن، من غير أن يخص ذلك بكون الرهن غير مرهون بدين آخر. الدليل الثاني: أن الرهن في مقابلة الديْن؛ فلما جاز أن يزاد في الدين الواحد رهناً على رهن، جاز أن يزاد في الرهن الواحد ديْناً على دين (٨) . الترجيح: الذي يترجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني؛ وذلك لقوة أدلته، ولأن الأصل في العقود الصحة، ولم يَرِد دليل صريح على المنع، ولا يترتب على القول به محظور شرعي. الفرع الثاني: التصرفات المصاحبة لانخفاض القيمة السوقية للأسهم محل الصفقة. لو فرض أن مستثمراً أراد شراء ألف سهم بسعر (١٠٠ ريال) للسهم الواحد، فإن عليه إيداع مبلغ (٥٠ ألف ريال (في حسابه ويقوم السمسار بإقراضه (٥٠ ألف ريال (أخرى ليتمكن من شراء كامل الأسهم المطلوبة. وسبق في المطلب الأول أن هناك هامشين يتعامل بهما في السوق: هامشاً مبدئياً: وهو المبلغ النقدي المدفوع ويمثل نسبة ٥٠% من قيمة الصفقة. هامش وقاية - صيانة -: وهو شرط يضعه السمسار على المستثمر بأنه إذا انخفضت قيمة الأوراق محل الصفقة ٢٥% فإن له أن يتدخل لصيانة الحساب، وبيان ذلك: لو انخفضت القيمة السوقية فأصبحت (٦٥ ريالاً (للسهم الواحد، فإن القيمة السوقية لجميع الصفقة ستكون (٦٥ ألف ريال) . فيلاحظ هنا أن المستثمر خسر (٣٥ ألف ريال) . وما سبق ذكره يظهر في الشكل الآتي: وبالرغم من أن القيمة ما زالت كافية لتغطية المبلغ المقترض، إلا أن العرف في الأسواق المالية يقضي بأن يقوم السمسار في هذه الحالة بإصدار أمر صيانة على الحساب ليصبح صافي الحساب على الأقل (١٧,٠٠٠) ريال مثلاً، أي أن على المستثمر إيداع (٢٠٠٠) ريال على الأقل، وفي حالة عدم قدرته على إيداع المبلغ يقوم السمسار ببيع كامل الأسهم أو جزء منها لتصحيح الوضع. فالتصرفات المصاحبة لانخفاض القيمة السوقية لا تخلو من تصرفين: الأول: دفع مال لسداد جزء من الدين السابق. الثاني: بيع جزء من الأسهم المرهونة لاستيفاء ديْنه من ثمنها. وبيان ذلك في المقصدين الآتيين: i المقصد الأول: دفع مال لسداد جزء من الدين السابق. الديْن - كما يعرفه الأحناف -: «مال واجب في الذمة بالعقد أو الاستهلاك أو الاستقراض» (١) . وهو عند الجمهور: «ما يثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته» (٢) . وهو أعم من الأول؛ لأنه يشمل كل الالتزامات المالية، ما كان منها حقاً لله ـ تعالى ـ كالزكاة، وما كان حقاً مالياً للعباد، وسواء كان بإلزام الشارع، أم بالالتزام الإرادي من المدين، وسواء ما ثبت في نظير عين مالية أم ثبت في نظير منفعة (٣) . وعلى كِلا التعريفين ـ تعريف الأحناف وتعريف الجمهور ـ فإن الالتزام الناشئ من الشراء بالهامش داخل في مسمى الدين. وهذا الالتزام إما أن يكون بقرض أو ثمن مبيع، وكِلا الحالين الأجل فيهما غير محدد، والمتعارف عليه في السوق أن الديْن لا يجب الوفاء به إلا إذا بيعت الأسهم محل الصفقة، لكن إذا نقص سعرها نقصاناً ظاهراً فإن السمسار يعطي المستثمر فرصة البقاء في السوق ومزاولة الاستثمار أو المتاجرة بشرط أن يدفع مبلغاً معيناً - هامش صيانة - وهذا المبلغ يُكيف على أنه سداد لجزء من الديْن السابق على المستثمر للسمسار. واشتراط السمسار هذا الشرط على المستثمر لا بأس به، ويجب الوفاء به؛ لقوله ﷺ : «المسلمون على شروطهم» (٤) . لكن إذا لم ينص على الشرط، ولم يكن متعارفاً على هذا العمل، أو أن المستثمر اشترط على السمسار أن لا يسدد الدين إلا بعد بيع الأسهم؛ فهل يجوز للسمسار أن يطالب المستثمر بسداد جزء من الدين مع أن الدين لم يحل وقت سداده؟ أما إن كان الدين بسبب ثمن مبيع فلا يحق له ذلك، للحديث السابق. وأما إن كان الدين بسبب قرض فهذه المسألة تُخرجُ على مسألة ذكرها الفقهاء وهي: هل يجب الوفاء بالقرض حالاً أو يتأجل بالتأجيل؟ وإليك ما قيل في هذه المسألة: اتفق الفقهاء على جواز التأخير في وفاء القرض من غير شرط (٥) . واختلفوا في مسألتين: الأولى: هل الوفاء بالقرض يكون حالاً أو مؤجلاً؟ الثانية: لو شرط التأجيل هل يجب الوفاء بالشرط أو لا؟ وإليك بيان الخلاف في هاتين المسألتين: المسألة الأولى: هل الوفاء بالقرض يكون حالاً أو مؤجلاً؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يتأجل الوفاء بالقرض بالتأجيل، بل يكون حالاً. وهو قول الجمهور، من الحنفية (٦) ، والشافعية (٧) ، والحنابلة (٨) . فعلى هذا القول: يحق للسمسار مطالبة المستثمر بسداد جزء من الديْن ولو لم يحلَّ أجله. واستدلوا بما يلي: ١ - أن القرض عقد يمتنع فيه التفاضل؛ فمنع فيه الأجل كالصرف (٩) . ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يُسَلَّم بأن القرض يمتنع فيه التفاضل مطلقاً؛ وذلك لأمرين: أ - أن الزيادة في الوفاء من غير اشتراط جائزة؛ لما روى أبو رافع «أن النبي ﷺ استسلف من رجل بَكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكرة، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال ﷺ : «أعطه إياه؛ إن خيار الناس أحسنهم قضاء» (١٠) . ب - أن اشتراط الوفاء بالأقل جائز عند بعض العلماء، وهو وجه عند الشافعية (١١) وقول عند الحنابلة (١٢) . الوجه الثاني: أن قياس القرض على الصرف غير صحيح؛ لأنه قياس مع وجود الفارق، وذلك أن القرض عقد تبرع وإرفاق؛ وأما الصرف فعقد معاوضة. ٢ - أن القرض سبب يوجب رد البدل، فأوجبه حالاً كالإتلاف (١٣) . ويناقش من وجهين: الأول: أن القياس على الإتلاف غير صحيح؛ إذ القرض تبرع، والإتلاف جناية. الثاني: أن بعض أنواع الإتلاف لا توجب رد البدل معجلاً، بل يكون مؤجلاً، كما في دية شبه العمد والخطأ (١٤) . ٣ - القياس على العارية؛ وذلك: «أن القرض يسلك به مسلك العارية، والأجل لا يلزم في العواري» (١٥) . ويناقش: أن هذا القياس غير صحيح؛ لأن حكم الأصل وهو لزوم الأجل في العارية محل خلاف فلا يصح القياس عليه. جاء في الكافي لابن عبد البر: «ومن أعار شيئاً عارية مطلقة فليس له عند مالك أخذه من المستعير حتى ينتفع به الانتفاع المعهود بمثله في العواري في تلك المدة» (١٦) . القول الثاني: يتأجل القرض بالتأجيل. وهو مذهب المالكية (١٧) ، ووجه عند الحنابلة اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (١٨) . وعلى هذا القول لا يحق للسمسار مطالبة المستثمر بدفع جزء من الديْن قبل حلول الأجل. واستدلوا بما يلي: ١ - قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وجه الاستدلال: أن القرض دين، فيدخل في عموم الآية، والمراد من الكتابة حفظ قدر الدين وأجله، وهذا يدل على أن القرض يتأجل بالتأجيل؛ فالآية لم تفرق بين القرض وسائر المداينات. ٢ - ما ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً. قال فائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلاً. قال صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى ... » الحديث (١) . وجه الدلالة من الحديث: أن التأجيل في القرض ذكر في الحديث من باب المدح للمقرض، وهذا يدل على مشروعيته. ويناقش: أن هذا شرع من قبلنا فلا يحتج به. ويجاب: أن شرع من قبلنا ليس بحجة إذا خالفه شرعنا، أو لم يوافقه، وفي هذه المسألة لم يرد في شرعنا ما يخالفه، بل جاء شرعنا بموافقته، فيكون حجة ودليلاً على جواز تأجيل القرض. الترجيح: بعد عرض الخلاف في المسألة نجد أن الجمهور استدلوا بأقيسة مناقشة، ولم يستندوا لأدلة من الكتاب ولا السنة، بينما المالكية استندوا إلى الكتاب والسنة. فالراجح ـ والله تعالى أعلم ـ هو القول الثاني لقوة ما استدلوا به، ويعضدهم كذلك الأصل في المعاملات الإباحة، كما أن التأجيل فيه مصلحة للمقترض وهو من تمام التبرع. وعليه: إذا لم يحدد الأجل، ولم يكن هناك عرف متبع، فليس للسمسار أن يطالب المستثمر بسداد الديْن، لا سيما أن الأسهم مرهونة لديه. المسألة الثانية: الثانية: لو شُرط تأجيل الوفاء بالقرض، هل يجب الوفاء بالشرط أو لا؟ هذه المسألة مبنية على المسألة السابقة؛ فالخلاف فيها كالخلاف السابق، ولهذا اختلف الفقهاء فيها على قولين: القول الأول: لا يجوز اشتراط الأجل في القرض، وللمقرض المطالبة بقرضه في أي وقت، ويلزم المقترض الوفاء عند طلب المقرض له. وهذا قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة (٢) . واستدلوا بأدلتهم في المسألة السابقة. القول الثاني: أن اشتراط الأجل في القرض جائز، ويجب الوفاء به. وهذا مذهب المالكية (٣) . يلزم من ترجيح الباحث قول المالكية في المسألة السابقة ترجيحه لقولهم أيضاً في هذه المسألة؛ إذ لا فرق بين المسألتين، والله ـ تعالى ـ أعلم. ومما سبق فإن تحديد أجل وفاء القرض وعدمَه لا يخلو من حالين: الأولى: أن يُحدَّدَ أجلٌ للوفاء، وسواء كان هذا الأجل حدد بمدة كشهر أو شهرين، أو بوصف كنزول القيمة السوقية للأسهم نزولاً شديداً؛ ففي هذه الحالة يجب الوفاء به في وقته على كِلا القولين. الثانية: أن لا يُحدَّدَ أجلٌ للوفاء، فهنا إن كان هناك عرف متبع وجب العمل به، وإلا فيُنْظَر المقترض إلى الميسرة على القول الراجح. المقصد الثاني: بيع جزء من الأسهم المرهونة لاستيفاء دينه من ثمنها. التصرف الثاني الذي يُخيَّرُ به المستثمر عند نزول القيمة السوقية لأسهمه: بيع جزء من أسهمه المرهونة، وهذا التصرف يُخرجُ على مسألة ذكرها الفقهاء وهي: بيع الرهن لاستيفاء دين المرتهن من ثمنه. تحرير محل النزاع في هذه المسألة: اتفق الفقهاء على المسائل الآتية: ١ - إذا حل الدين لزم الراهن الإيفاء؛ لأنه دين حالٌّ فلزم إيفاؤه كالذي لا رهن به. ٢ - فإن امتنع الراهن من وفاء الدين فإن أذن للمرتهن في بيعه، وكان البيع بحضور الراهن صح البيع اتفاقاً. ٣ - وإن لم يكن بحضوره ولكن حدد له ثمناً صح البيع اتفاقاً. واختلفوا فيما إذا: أذن الراهن للمرتهن ببيع الرهن، ولم يحدد ثمناً أو كان غائباً، على قولين: القول الأول: لا يصح البيع. وهو القول الأصح عند الشافعية (٤) . القول الثاني: إذا أذن الراهن ببيع الرهن صح البيع مطلقاً. وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، والحنابلة (٧) ، وقول عند الشافعية (٨) . وهو القول الراجح، واستدلوا بما يلي: ١ - أن من جاز أن يشترط له الإمساك، جاز اشتراط البيع له، كالعدل (٩) . ٢- أن ما جاز توكيل غير المرتهن فيه، جاز توكيل المرتهن فيه، كبيع عين أخرى (١٠) . ٣ - أن الراهن مالك، له أن يوكل من شاء من الأهل ببيع ماله معلقاً ومنجزاً؛ لأن الوكالة يجوز تعليقها بالشرط؛ لكونها من الإسقاطات؛ بدليل أن المانع من التصرف حق المالك، وبالتسليط على بيعه أسقط حقه، والإسقاطات يجوز تعليقها بالشروط (١١) . وعليه: فيجوز للسمسار بيع جزء من الأسهم إذا حل أجل الدين، لاستيفاء ثمن دينه منها، ولكن يشترط في ذلك أن يبيعها

стр. 5496

الشعراء والعيد شمس الدين حسين درمش جعل الإسلام يومي الفطر والأضحى عيدين للمسلمين يمتازان عن سائر أيام السنة بمظاهر احتفالية قائمة على معاني الدين الخاصة بحمد الله وشكره على توفيقه ـ سبحانه ـ العبدَ بالقيام بواجب فريضة الصيام في الفطر، وفريضة الحج في الأضحى. ولصلاة العيدين، وما يحصل من تجمُّع عام فيهما، وما يصحب ذلك من تواصل اجتماعي وصِلات قربى أثرٌ عميق في النفوس لا يوجد في الأمم الأخرى مثيل له. ومن أبرز مظاهر العيدين احتفالات الفرح، وإظهار الزينة، وتبادل التهاني، وتظهر تلك المظاهر على الصغار بشكل أكبر، حتى إن الكبار يرون العيد في أفراح الصغار وسعادتهم. والشعراء بطبيعتهم أكثر رهافة في الأحاسيس، وأعمق رصداً للمشاعر، وأكثر قدرة على تصوير ذلك كله بسعة تخيلاتهم. فكيف يستقبلون العيد؟ وكيف ينظرون إلى أحوال الناس فيه؟ يقول الشاعر حسين عرب (١) في قصيدة له بعنوان «فرحة العيد» : أقبل العيد مستفيض الجلال مستنير الشروق والآصال أصبحت من صباحه الناس في بشـ ـر وأمستْ من ليله في اختيال التهاني على الشفاه تراجيـ ـع تغنّت بفرحة الإقبال والأماني بين الجوانح خفق دائب بالرجاء والابتهال فهو يصور جمال العيد جلالاً، وأماني القلوب ممتزجة بالابتهالات إلى الله سبحانه. ويقوم بعد ذلك بجولة في تاريخ الإسلام المجيد، ثم يعود فيخاطب العيد وكأنه شخص يستمع إلى قصيدة الممتلئ بمعاني العزة والإباء، وأمنيات الأمان والسلام فيقول: أيها العيد قد رجوناك عيداً يغمر النفس بالرضى والجمال نجتني بعده من العسر يسراً ومن البؤس بالنعيم الموالي سنة الله في الوجود كما شاء تعالى مبدِّل الأحوال وعسى أن تتحقق الأماني وتتبدل الأحوال بمشيئة الله تعالى. ونجد لدى الشاعر محمد إبراهيم جدع (٢) عدة قصائد عن العيد، مثل: «تهاني العيد» و «أنشودة العيد» و «بسمة العيد» . فبعد أن يعبِّر في قصيدة «تهاني العيد» عن المعاني العميقة للعيد في الإسلام، ويرسم مظاهر السعادة والفرح، وتصافح الأحباب بالأيدي والقلوب، وشدو الصبية ومرحهم، وفوز الصائمين بالأجر العظيم؛ يقول: ما العيد لبس الثوب بين نضارة تختال فيه بزهوة وجماح أو رفع أعناق الرجال ومشيها في بزَّة تزهو مع الأطماح لكن عوناً للضعيف ومنحة وسداد رأي في هوى وصلاح العيد أن تعطي الجميل وترتضي سبل السلام وسيلة الأفلاح فيقدم لنا ما يمكن تسميته فلسفة العيد، وأن مظاهر الزينة والزهو لا تعبر عن حقيقة العيد؛ لأن العيد الحقيقي في الإسلام هو العطاء الجميل، وارتضاء سبل الإسلام وسيلةً للفلاح، وبذل للفقراء والضعفاء، وتقديم النصح الصادق والرأي السديد. ويرى الشاعر عبد الرحمن بن عبد الكريم العبيد (١) العيدَ من زاوية أخرى، فهو يفتتح قصيدته «العيد» بجملة نثرية يمهد بها لمعاني قصيدته قائلاً: «ما أجمل أيام العيد لولا القلوب التي تتأوّه، والدموع التي تتهامى، فيستحيل إلى مأساة» . وتأتي قصيدته لتعبِّر عن هذا التناظر المتضاد والتي ترسم الدموع على الوجوه المبتسمة صباح العيد فيقول: أطلَّ العيد في ثوب جميل يطوف على الروابي والسهول وجاء الحب يغمر كل قلب يبدِّد قسوة الهجر الطويل فأسفر في صباح العيد وجهٌ ووجهٌ فيه آذنَ بالأُفول وكم قلب تأوَّه في صباح وكم دمع تهامى في أصيل وكم بالعيد من بيت سعيد تذكر فاستحال إلى عويل لوحات متضادة ومناظر مختلطة، وملهاة ومأساة في مسرح واحد!! ويُتبع الشاعر لوحاته الخيالية تلك بلوحات من الواقع في أفغانستان وفلسطين، وما أكثرها من لوحات متكسرة في أرض الإسلام! ويستقبل الشاعر عبد الرحمن العشماوي (٢) عيداً من لون آخر ممتزج بالأحزان؛ لأن أعياد المسلمين ما عادت تأتي إلا وهم يعانون مزيداً من الجراح الدامية؛ فما عادت الأعياد ـ كما يصورها حسين عرب ومحمد إبراهيم جدع وعبد الرحمن العبيد ـ تُقبل بوجه متهلل وثوب زاهٍ لتجد الناس في الأحزان. بل العيد نفسه صار حزيناً كئيباً لما فيه المسلمون من مآسٍ فظيعة. ولذلك يختار لقصيدته عنوان «عندما يحزن العيد» ، ويقول فيها: أقبلت يا عيدُ والأحزان أحزان وفي ضمير القوافي ثار بركان أقبلت يا عيدُ والرَّمضاء تلفحني وقد شكت من غبار الدًّرب أجفانُ ويتابع الشاعر العشماوي قصيدته بهذه الصورة القاتمة، ويتوجه إلى العيد بخطابه الدامي الحزين، وكأنه يعاتبه بقوله ـ الذي يكرره في أبيات متعاقبة ـ «أقبلت يا عيد» أو كأنه يعتذر إليه حيث أقبل وحال المسلمين غير الحال التي يستقبلون فيها العيد، ولكن شاعرنا يجد نفسه مضطراً لأن يجامل الناس صباح العيد مبتسماً باشّاً مصطنعاً سروراً غير موجود في داخله، والناس من حوله إذ يعلمون من قوافيه الحزينة ما يعلمون، يتهامسون غمزاً ولمزاً قائلين: هذا الذي تصدر الآهات عن دمه شعراً رصيناً له وزن وألحان فيضطر أن يبين لهم أن تلك البشاشة منه صباح العيد تجثو على أحزان وأشجان، ولو أنهم علموا بعض ذلك: لأغمضوا أعيناً مبهورة وبكوا حالي وقد نالني بؤس وحرمان ثم يعود إلى مخاطبة العيد مرة أخرى واصفاً حاله مع أحزان أمته: أقبلت يا عيد والأحزان نائمة على فراشي وطرف الشوق سهران وهي صورة شعرية مؤثرة ومعبرة عن مدى تغلغل الحزن في حياة الشاعر إحساساً منه بحال أمته حتى إنه لا يفارقه في يقظة ولا منام. أما الشاعر وليد الأعظمي (٣) فإنه ينكر أن يكون العيد عيداً وهذه حال المسلمين؛ لأن تجذر المأساة يلفت لديه غايتها، ويبادر نفسه قاطعاً عليها طريق أي شعور بالفرح بقدوم العيد؛ لأنه ليس عيداً، فيقول: العيد أقبل يا (وليد) فلا تكن فرحاً به أبداً فما هو عيد!! ولكن؛ ما العيد في نظر وليد الأعظمي؟ ما العيد إلا أن نعود لديننا حتى يعود نعيمنا المفقود ما العيد إلا أن يُرى قرآننا بين الأنام لِوَاؤُهُ معقود ما العيد إلا أن نكوّن أمة فيها محمد لا سواه عميد ما العيد إلا أن نعدّ نفوسنا للحرب حيث بها هناك نجودُ ما العيد إلا أن تكون قلوبنا نحو العدو كأنها جلمود وبأسلوب التكرار يؤكد الشاعر معانيه، وبأسلوب القصر يصر على مفهومه للعيد أنه استعادة أمجاد الأمة الضائعة في زمن «تداعي الأكلة على القصعة» ينتهبونها، لذلك يأتي خطابه بوتيرة متشددة وكأنه ينظر إلى قوله ـ تعالى ـ في وصف المؤمنين في القرآن الكريم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] . وعندما يطول الانتظار، وتتكاثف الظلمات يبحث الإنسان عن بصيص ضوء يشعل به الأمل في نفسه، ويخفف عنها شعور الإرهاق حتى لا تيأس فتنقطع، لذلك فإن الشاعر فيصل محمد الحجي (١) لنفسه محطة راحة شعورية يستمد منها دفعة للسير قدماً في الطريق الطويل؛ فالأعياد لا تأتيه بالمسرات، فيتخذ من مناسبة خاصة ملأت نفسه بهجة ومسرة عيداً، هكذا بدا لي الشاعر فيصل الحجي في قصيدته «ما العيد؟» فالعنوان الذي وضعه بصيغة سؤال يفتح لنا كوّة مبصرة إلى أعماق الشاعر ومعاناته مع الأعياد في واقع المسلمين. يقول في قصيدته: يا دامع الطرف محزوناً ومسروراً إلامَ تبقى كليل الطرف محسورا ألا ترى العيد قد وافاك مبتسماً وقد أزاح عن العينين دَيجورا (٢) أتعرف العيد أم أُنسيت بهجته لما توالى نزيف الدمع مهدورا وبعد هذه المقدمة يجيب على سؤاله في العنوان فيقول: فقلت: ما العيد إلا أن أرى (أَنَسي) وأن يباح لنا ما كان محظورا العيد في أن أراه اليوم مبتهجاً وأن أشاهد أستاذاً ودكتورا و (أنس) الابن الأكبر للشاعر وقد طال انقطاعه في دراسته سنوات وبات اللقاء أمنية عزيزة في قلب الوالد، فلما تحقق ذلك كان شعور الفرح طاغياً باكياً، وكان ذلك وحده يساوي العيد.. وأي عيد!! لكن الشاعر يتابع فيضفي على العيد أبعاداً أخرى؛ إذ كل ما يرضي الرحمن من عمل يُوفَّق فيه المرء فهو (عيد) ، وتمتُّع الإنسان بالصحة والعافية عيد، وفرح الصغار عيد، واجتماع شمل الأحباب عيد. العيد في أن يكون السعي مزدهراً وأن يكون لدى الرحمن مبرورا العيد في أن يكون العيش في دعة والجسم في صحة والحال مستورا العيد في أن أرى (غفران) ضاحكة والبشر يطفح من ألحاظها نورا العيد في أن أرى حبل الوداد هنا بين الفؤادين موصولاً وموفورا العيد في أن يكون الشمل مجتمعاً وأن أكون بعطف الجمع مغمورا فنراه في الشطر الثاني من البيت الأخير يدفع نفسه دفعاً للإحساس بفرحة عيده الخاص (وأن أكون بعطف الجمع مغموراً) ، وبذلك يرسم لنا الشاعر صورة أخرى للعيد، فيأتي بالعيد الذي يريد حين عزّ أن يأتي العيد للمسلمين كما يريدون، فيضيء الدرب بأنوار كثيرة مبثوثة في الحياة اليومية هنا وهناك لتستمر الحياة، ويسود الرضا، ويطرد الضياء جيوش اليأس والظلام.

стр. 5497

من أجل كلمة الله عبد الله سليمان القفاري يمثِّل القرآن الكريم في حياتنا جميعاً نبراس هدى وطريق دلالة إلى الخيرية العالمية التي جاء بها محمد -صلى الله على محمد- من بين جبال مكة الشامخة. والمسلمون على مرِّ التاريخ مجّدوا القرآن وعظّموه في نفوسهم، وجعلوه تاجاً فوق هاماتهم ونوراً لصدورهم، وشفاء لأسقامهم. هذه الرؤية تشكلت في تاريخ المسلمين نموذجاً راقياً في تنمية الذات وصناعة المجتمعات، فأضحت أمة الإسلام خير أمة أُخرجت للناس، وبسطت بالمصاحف التي حوتها الصدور قوانين الشريعة الإسلامية عبر تاريخ خلفائها ومماليكها. ولا تزال الخيرية في أمة القرآن الكريم في حياتنا المعاصرة وإلى قيام الساعة؛ حيث حُفظ القرآن الكريم من التغيير والتبديل خلافاً لغيره من الكتب السابقة، قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . ولقد رفض المسلمون في أقطار الأرض تلك الحملة المسعورة التي هاجمت القرآن الكريم وحاولت تدنيس قداسته بصور شتى وحالات تتعدى العدّ والذّكر؛ فكيف نقرأ هذه الحملة الشرسة؟ وما واجبنا تجاه كل هذه الأحداث التي تنتهك حرماتنا، وتدنِّس مقدساتنا، وتهاجم بلادنا بلاد الحرمين التي هي أعز البلاد لدى كافة المسلمين، وتنتقص تعاليم شريعتنا باسم التقدم والمدنية؟ إنني من خلال هذه المقدمة لا أجد عملاً واجباً على المسلمين اليوم مثل وجوب الوقوف أمام هذه الدعوات، والسير بخطى ثابتة لدحضها وتفنيد شبهها، بعيداً عن السير بخطى العاطفة أو القرارات الوقتية الآنية، ولهذا وذاك فإنه ليسرني أن أقدم عبر هذه المجلة العالمية بعضاً من المقترحات التي أحسب أنها خطوات مهمة للوقوف في وجه هذا التيار الجامح، وهي بعض واجبي نحو كتاب ربي : i السعي لإقامة مؤسسة عالمية باسم القرآن الكريم، وتكون تحت مظلّة منظمة الدول الإسلامية، ويكون مقرها مكة المكرمة، ولها فروع في أشهر عواصم الدول الغربية؛ لتقوم بالتعريف بالقرآن الكريم، ودفع الشبه حوله، وبث المكارم والأخلاق والأنظمة التي جاء بها القرآن لحماية البشرية، وتكون بعدد من لغات العالم. i إقامة مؤتمرات سنوية عن القرآن الكريم بعدة لغات، وتكون في عدة عواصم في العالم، ويُهيّأ لها حملة إعلامية قوية عبر شركات عالمية، وتُتحرّى الأوقات المناسبة لمثل هذا العمل العظيم؛ كشهر رمضان مثلاً أو إجازة الصيف. i تشجيع «مجمع الملك فهد ﵀» الذي اعتنى عناية كبيرة بالمصحف، حيث يوجد أكثر من ستمائة عين تقوم برصد المصحف قبل أن يصل إلى أيدي القراء، إضافة إلى كثافة الإنتاج الذي يصل إلى مئات الملايين التي وصلت إلى المسلمين في كل مكان في العالم، ولهذا ينبغي دعمه لطباعة وتوزيع مليارات النسخ في العالم من المصحف وترجمة معانيه، وإرسالها عبر شركات البريد وبعدة لغات، ووضع عناوين لاستقبال ردود أفعال المراسلين من دول العالم والتواصل معهم. i إقامة رابطة عالمية عبر مؤسسة «رابطة العالم الإسلامي» للعاملين في حقل القرآن الكريم من مؤسسات وجمعيات وباحثين ومواقع إنترنت، ويكون لهم لقاء سنوي للتعاون والتواصل في خدمة كتاب الله . i طباعة رسائل (كتيبات) توضح معاني القرآن الكريم، وتشرح توجيهاته ودروسه، ويختار منها ما يخص العامة من الناس، وتكون بحجم الجيب، وتوزع أيضاً بعدة لغات، وعلى مستوى العالم الإسلامي والغربي، وتكون منهجاً يدرس في المدارس العامة. i دعم المؤسسات والجمعيات والحلقات التي تهتم بالقرآن الكريم في جميع دول العالم. i الاهتمام ببرامج التفسير وحلقاته ومؤسساته إلى جانب علوم القرآن الأخرى، وحثّ الباحثين على العناية بذلك، وإلقاء المحاضرات والندوات في هذا الجانب، وتوعية الشارع العام للأمة. i إقامة الدراسات الأكاديمية عبر الجامعات الإسلامية وغيرها للعناية بالقرآن الكريم، وإبراز أوجه البيان والإعجاز العلمي والتربوي والسلوكي والنظامي التي جاء بها القرآن الكريم في ضوء العالم الجديد والتحديات المعاصرة. i تكثيف المسابقات الدولية على غرار مسابقة الملك عبد العزيز ﵀ في مكة المكرمة، ودعم هذه المسابقات ونشرها في بلاد العالم. i الإكثار من الدورات المكثفة ودعمها، والاهتمام بتطويرها وتشجيعها، وتفعيل رابطتها للتواصل والتكاتف والتطوير. i الاهتمام بجانب القوانين الإسلامية، والتأكيد في كل المحافل الدولية أن القرآن شريعة الدول الإسلامية ومنطلق حياتها، وبث الصور المشرقة التي جاء بها الإسلام والمتوافقة مع أهم مكتشفات العصر الحضارية، سواء كانت في مجال الحياة العامة أو الخاصة للأمة، والتأكيد على السلام العالمي الذي جاء به القرآن ليكفله للأبيض والأسود والفقير والغني في ظلّ العبودية الكاملة لله رب العالمين لا شريك له. وإليك أخي القارئ الكريم هذه الوقفة لترى كيف أننا بحاجة إلى العمل الجاد في هذا المجال مع معجزة الأرض والسماء كتاب الله المقدس ﷻ : ينقل أحد الدعاة (*) كلام أحد القساوسة وهو يسرد قصة إسلامه فيقول: تخرجت من الفاتيكان معقل التنصير في العالم، وبدأت أتنقل من بلد إلى بلد لتنصير المسلمين، وكانت أكثر زياراتنا لمصر، فإنها مصدر من مصادر قوة المسلمين، ثم جلست يوماً مع مجموعة من القساوسة والمنصرين، فقلت لهم: لقد طفنا أكثر بلاد الأرض ولم يبق إلا جزيرة محمد (-صلى الله على محمد-) لم تصل إليها دعوة المسيح ـ بزعمهم ـ ولا بد من اقتحامها؛ فهي معقل الإسلام العنيد. فخططت ودبّرت للوصول والحصول على طريقة أدخل بها تلك البلاد ـ يعني بلادنا المباركة ـ فنجحتُ في ذلك، فلما وصلت بدأت أبحث عمن يعطيني نسخة مترجمة للقرآن لأكتشف أسرار الإسلام وأتعرف على أخطاء القرآن فتكون هي طريقي لتنصير المسلمين ومحادثتهم. سألت هذا وطلبت من ذاك ولكنهم تأخروا عليّ ـ مما يدل أحبتي على تقصيرنا في دعوة الآخرين ـ. يتابع قائلاً: حتى حصلت على النسخة فأخذتها، وأغلقت الأبواب وجلست ولا أحد يراني إلا الله. بدأت أقرأ وفي نيتي تتبّع واستخراج الأخطاء؛ فإذا بسورة الفاتحة تحيّرني وتأخذني إلى عالم آخر، ثم أول مقطع من سورة البقرة يتحداني ويخبرني أن هذا الكتاب خالٍ من الأخطاء، مما زاد في حرصي على القراءة والتدبر، وبدأتْ أقفا ل الكفر تنحلّ وتنفتح، وبدأ ظلام الشرك ينجلي، وبدأت أمطار الهداية بالنزول، وبدأ القرآن يجاوبني عن كل الأسئلة والاستفسارات، وبدأت أقول لنفسي: من هذا الذي يتحداني؟ ومن هذا الذي عنده كل هذه القدرة وكل هذه الصلاحيات حتى يتكلم في ملكوت الأرض والسماوات؟ فجاءني الجواب من أعماق قلبي: إنه الله ﷻ ، إنه الله الذي قال بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ١ - ٣] ، وقال أيضاً: ﴿الچـر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ . [إبراهيم: ١ - ٣] . سألته: كم استغرق إسلامك؟ فقال: فقط عدة أيام. فقلت: يا الله! ما أقوى الحق! كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] ، ثم يتابع ـ المنصِّر السابق ـ فيقول: كلما خطر على بالي سؤال ولبَّس عليَّ الشيطان وجدت الجواب في القرآن. ويقول أيضاً: وجدت أجوبة كثيرة في قوله ـ تعالى ـ في أول سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] . وانطلق الذي كان قسيساً يوماً من الأيام داعياً إلى الله وباذلاً كل قواه للدعوة إلى الإسلام ونصرة القرآن، فاسمع إلى إنجازاته في سنوات: أسلم على يديه عشرات الآلاف من الأمريكان والنصارى في كل مكان. ويقول: ولا زلنا نمدهم بعشرات الآلاف من المصاحف والكتيبات، ولا زلت أستلم عشرات الرسائل يومياً والاستفسارات. وأخيراً: فإن العمل الجاد نحتاجه كثيراً في معالجة مثل هذه القضية التي أرّقت كل مسلم في أصقاع المعمورة، فسدد الله الجهود ونفع بالأسباب المبذولة وجعلها تحت عنايته وتوفيقه.

стр. 5498

٢٢٠ - ذو الحجة - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5499

٢٢١ - ذو الحجة - ١٤٢٥ هـ (السنة: ٢٠)

стр. 5500

نحن أولى بحقوق المرأة التحرير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ... وبعد: فالمطالبة بحقوق المرأة من الشعارات المستهلكة التي تتشدق بها جميع الاتجاهات العلمانية في بلادنا العربية والإسلامية، وقد ارتفع ضجيجهم بهذا الشعار في السنوات الأخيرة خصوصاً، مع موجة التغريب والعلمنة الجديدة التي اجتاحت العالم الإسلامي. ونستطيع أن نوجز معالم الخطاب النسوي التغريبي البائس في ما يلي: أولاً: اختزال قضايا المرأة وحقوقها في تغريبها وتحلّلها الأخلاقي؛ فقضية السفور، ونزع الحجاب، والاختلاط، وقوامة الرجل، والتخلص من المحرم.. ونحوها، هي الحقوق التي يعنونها ويدورون حولها ويعملون جاهدين لتقريرها بكل السبل المتاحة. ثانياً: تسطيح قضايا المرأة في موضوعات جانبية، ومماحكات شكلية مصطنعة، وتضخيمها بصورة كبيرة، تشعر المجتمع بأنه مجتمع متخلِّف أو سينهار إذا لم تتحقق مطالبهم تلك، وذلك مثل دعوتهم في المجتمع الخليجي لقيادة المرأة للسيارة أو لمشاركتها في العملية الانتخابية، ونحوهما من القضايا الباردة. ثالثاً: مجاراة المجتمعات الغربية في كل صغير ووضيع، والدعوة المحمومة لتغيير الأنظمة والقوانين الاجتماعية والأسرية المحلية لتتوافق مع مقررات هيئة الأمم المتحدة، والمنظمات النسوية العالمية التي أجمع علماء الإسلام على خطورتها ومخالفتها لمسلَّماتنا الشرعية. رابعاً: التحلل من القيم، والتمرد على المبادئ والأخلاق؛ فالقيم ـ بزعمهم ـ ما هي إلا قيود مصطنعة تحدّ من الحريات، وتكبت الطاقات المبدعة كما قال قائلهم، بل يرى آخر ممن يصفون أنفسهم بالمثقفين الخليجيين أن من ذنوبنا: (القبول بصبغ الحياة الاجتماعية كلها بصبغة الأيديولوجيا الإسلامية، والإصرار على إقحام الدين في شؤون الدنيا لإعاقة الحداثة) . وأصبح الأدب بفنونه المختلفة منبراً لتلك الأقلام الملوثة، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة في منطقة الخليج مجموعة من القصص والروايات بأقلام رجالية ونسائية على حد سواء تقرأ المرأةَ قراءةً جنسية خالصة؛ فلا ترى فيها عقلاً ولا روحاً ولا خلقاً؛ فما المرأة ـ عندهم ـ إلا مجرد ألعوبة رخيصة يتسلى بها الرجال أو تتسلى بهم..! (١) . وتطفح صحافتنا العربية ووسائل إعلامنا المختلفة بهذه الرُّؤى التغريبية الآسنة، وتستنفر الإمكانات المادية والبشرية للترويج لها وتلميعها بكل الوسائل. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] . أما القضايا والحقوق الكبرى التي تتطلع لها المرأة فهي غائبة تماماً أو مُغيَّبة، وإلا بماذا نفسِّر تغافلهم عن حقوق المرأة في العيش الكريم الذي ينتشلها من مستنقع القهر، ويرفع رأسها عزيزة بعيدة عن مواطن المهانة والمذلّة..؟! أوَ ليس غريباً أن يتشنج بعض المستغربين ويلهثوا في دعوتهم للتعليم المختلط، في الوقت الذي تُحرم فيه كثير من النسوة من حق التعليم ابتداء فضلاً عن التعليم العالي..؟! أوَ ليس غريباً أن تُخاطَب المرأة بالتفاهات الإعلامية الوضيعة، ويُحشى عقلها وقلبها بالكلمات الغنائية الساقطة، وبالمسلسلات السينمائية والتلفزيونية الهابطة، ويُراد لها أن تدور اهتماماتهما النسائية في دور الأزياء وموائد الطبخ، في الوقت الذي تعاني منه مجتمعاتنا من تخلف حضاري وفكري يضرب بأطنابه في أعماق أمتنا..؟! أوَ ليس غريباً أن تخصص موازنات مالية كبيرة لمكافحة الختان في السودان ومصر وغيرهما من الدول الإسلامية، في الوقت الذي تفتقد كثير من النساء حقوق العلاج والدواء من أبسط الأمراض، فضلاً عن الأمراض الوبائية التي تفتك بالنساء والأطفال خصوصاً..؟! أوََ ليس غريباً أن تجتهد بعض المنظمات النسوية الغربية والعالمية في الترويج لوسائل منع الحمل في الوقت الذي تتغافل فيه عن دراسة أسباب انتشار الأمراض الجنسية الفتاكة التي عبثت بالنساء والمراهقات منهن خصوصاً..؟! والأغرب من ذلك أن تقرّ هيئة الأمم المتحدة ـ في مؤتمراتها ومواثيقها الدولية ـ الزنا والإجهاض، بل والشذوذ الجنسي، وتعدّ ذلك من الحريات التي يجب المطالبة بها والدفاع عنها، في الوقت الذي يحاربون فيه الزواج المبكر..! أوَ ليس غريباً أن تُدفع المرأة العراقية دفعاً للمشاركة السياسية، وتصبح هذه هي القضية الرئيسة أو الوحيدة للمرأة في العراق، في الوقت الذي يُستهان بعرضها، وتنتهك حرمتها، وترمى كسيرةً مهينةً بعد أن قُتل زوجها، ويُتِّم أطفالها، وهُدم منزلها..؟! ثم أين الدعاة والمصلحون وأهل الغيرة من أبناء الأمة رجالاً ونساءً للحديث عن تلك المشكلات والتنبيه على مخاطرها؟ لماذا تكون المطالبة بحقوق المرأة حكراً على أهل الأهواء والمفسدين..؟! لماذا لا نتصدر نحن المطالبة بالحقوق المشروعة للمرأة ونرفع بها رأساً، ونقدم البديل الذي يُشرِّف المرأة ولا يهينها، ويحفظها ولا يبتذلها؟ الحق الذي لا شك فيه: أن المرأة في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية شرقاً وغرباً تعاني من انتهاك صارخ لكثير من حقوقها، وورثت بعض بيئاتنا ممارسات جاهلية منحرفة تئدُ قيمة المرأة، وتعتدي على حرماتها؛ ولهذا انتشر الشغار وعضل المرأة، وانتشر الظلم بصوره المختلفة في كثير من الأُسر، وظهر الاعتداء على المرأة بالضرب، وأسرف بعضهم في الاستيلاء على مالها، والتسلط على حقوقها المادية والمعنوية.. هذا فضلاً عن سلسلة طويلة من الممارسات الاجتماعية والثقافية غير المحمودة التي لا يرتضيها العقلاء، فضلاً عن أصحاب الدين والغيرة..! أوَ ليس الدعاة هم أوْلى الناس بالانتصار للمرأة والمطالبة بتلك الحقوق المسلوبة بعيداً عن مزايدات العلمانيين وألاعيبهم الإعلامية..؟! ألم ينتشر الطلاق والعنوسة ونحوهما من الأدواء الأسرية التي انعكست سلباً على نفسية المرأة، وأحدثت شرخاً غائراً ظهر أثره في اختلال الاستقرار الاجتماعي لكثير من المجتمعات..؟! ألا يستطيع الدعاة ـ رجالاً ونساءً ـ أن يتصدروا لمثل هذه الحقوق، ويقدموا فيها رؤى علمية وعملية تحفظ للمرأة اطمئنانها الأسري والاجتماعي..؟! أوَ لسنا نرى الأُمّية بصُوَرها المختلفة تمتد برواقها القاسي لتطغى على عقول كثير من نساء العالم العربي والإسلامي حتى وصلت إلى معدلات قياسية بلغت أكثر من (٧٠%) من النساء في بعض البلدان..؟! أوَ ليس الدعاة ـ رجالاً ونساءً ـ أوْلى الناس بالدعوة إلى تعليم المرأة، وتثقيفها، وبنائها علمياً وفكرياً..؟! ونحسب أن حقوق المرأة وقضاياها الجديرة بالمعالجة والمطالبة كثيرة وكثيرة جداً، وربما قصّر بعض الدعاة والعلماء في الذبِّ عنها والدعوة إلى تصحيحها ردحاً طويلاً من الزمن، فوجد الرويبضات وأهل الفساد ـ ممَّن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ـ وجدوا ضالّتهم في التصدُّر لقضاياها والتحدث الماكر المملِّ على لسانها. وقد آن الأوان أن يستدرك العلماء والدعاة ـ رجالاً ونساءً ـ ما يمكن استدراكه، ويعيدوا لحقوق المرأة شرفها الأخلاقي، وموضوعيتها الإنسانية. ما أجمل الحياء والستر الذي تتدثر به المرأة المسلمة! لكن أيصح أن يكون ذلك الحياء مانعاً لها من التصدّر للدعوة والتربية، والذبِّ عن عقيدتها وهويتها..؟! أيسرُّها أن تتصدر النساء المسترجلات المتغربات لتشويه قيمنا وثقافتنا، وهي تتفرج ولا تملك سوى التوجع والحوقلة..؟! نحن أحوج ما نكون ـ خاصة في هذه المرحلة من تاريخنا ـ إلى القيادات النسوية الفاعلة التي تدافع المبطلين والمبطلات، وتتصدى لأراجيفهم وتضليلهم، وتقدم الأنموذج الأمثل للمرأة العفيفة المعطاء..! إنَّ إدراكنا لخطورة الهجمة التغريبية التي تواجه المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية يجب أن لا يكون مجرد انفعالات غاضبة محدودة الأثر عقيمة النفع، بل ينبغي أن يتحول تفاعلنا إلى رؤى فكرية ناضجة، وبرامج عملية مثمرة؛ فنحن أوْلى من غيرنا بتبنِّي هذا الشعار، فـ: «خيركم خيركم لأهله» .
следующие страницы →