← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

الشعراء والعيد شمس الدين حسين درمش جعل الإسلام يومي الفطر والأضحى عيدين للمسلمين يمتازان عن سائر أيام السنة بمظاهر احتفالية قائمة على معاني الدين الخاصة بحمد الله وشكره على توفيقه ـ سبحانه ـ العبدَ بالقيام بواجب فريضة الصيام في الفطر، وفريضة الحج في الأضحى. ولصلاة العيدين، وما يحصل من تجمُّع عام فيهما، وما يصحب ذلك من تواصل اجتماعي وصِلات قربى أثرٌ عميق في النفوس لا يوجد في الأمم الأخرى مثيل له. ومن أبرز مظاهر العيدين احتفالات الفرح، وإظهار الزينة، وتبادل التهاني، وتظهر تلك المظاهر على الصغار بشكل أكبر، حتى إن الكبار يرون العيد في أفراح الصغار وسعادتهم. والشعراء بطبيعتهم أكثر رهافة في الأحاسيس، وأعمق رصداً للمشاعر، وأكثر قدرة على تصوير ذلك كله بسعة تخيلاتهم. فكيف يستقبلون العيد؟ وكيف ينظرون إلى أحوال الناس فيه؟ يقول الشاعر حسين عرب (١) في قصيدة له بعنوان «فرحة العيد» : أقبل العيد مستفيض الجلال مستنير الشروق والآصال أصبحت من صباحه الناس في بشـ ـر وأمستْ من ليله في اختيال التهاني على الشفاه تراجيـ ـع تغنّت بفرحة الإقبال والأماني بين الجوانح خفق دائب بالرجاء والابتهال فهو يصور جمال العيد جلالاً، وأماني القلوب ممتزجة بالابتهالات إلى الله سبحانه. ويقوم بعد ذلك بجولة في تاريخ الإسلام المجيد، ثم يعود فيخاطب العيد وكأنه شخص يستمع إلى قصيدة الممتلئ بمعاني العزة والإباء، وأمنيات الأمان والسلام فيقول: أيها العيد قد رجوناك عيداً يغمر النفس بالرضى والجمال نجتني بعده من العسر يسراً ومن البؤس بالنعيم الموالي سنة الله في الوجود كما شاء تعالى مبدِّل الأحوال وعسى أن تتحقق الأماني وتتبدل الأحوال بمشيئة الله تعالى. ونجد لدى الشاعر محمد إبراهيم جدع (٢) عدة قصائد عن العيد، مثل: «تهاني العيد» و «أنشودة العيد» و «بسمة العيد» . فبعد أن يعبِّر في قصيدة «تهاني العيد» عن المعاني العميقة للعيد في الإسلام، ويرسم مظاهر السعادة والفرح، وتصافح الأحباب بالأيدي والقلوب، وشدو الصبية ومرحهم، وفوز الصائمين بالأجر العظيم؛ يقول: ما العيد لبس الثوب بين نضارة تختال فيه بزهوة وجماح أو رفع أعناق الرجال ومشيها في بزَّة تزهو مع الأطماح لكن عوناً للضعيف ومنحة وسداد رأي في هوى وصلاح العيد أن تعطي الجميل وترتضي سبل السلام وسيلة الأفلاح فيقدم لنا ما يمكن تسميته فلسفة العيد، وأن مظاهر الزينة والزهو لا تعبر عن حقيقة العيد؛ لأن العيد الحقيقي في الإسلام هو العطاء الجميل، وارتضاء سبل الإسلام وسيلةً للفلاح، وبذل للفقراء والضعفاء، وتقديم النصح الصادق والرأي السديد. ويرى الشاعر عبد الرحمن بن عبد الكريم العبيد (١) العيدَ من زاوية أخرى، فهو يفتتح قصيدته «العيد» بجملة نثرية يمهد بها لمعاني قصيدته قائلاً: «ما أجمل أيام العيد لولا القلوب التي تتأوّه، والدموع التي تتهامى، فيستحيل إلى مأساة» . وتأتي قصيدته لتعبِّر عن هذا التناظر المتضاد والتي ترسم الدموع على الوجوه المبتسمة صباح العيد فيقول: أطلَّ العيد في ثوب جميل يطوف على الروابي والسهول وجاء الحب يغمر كل قلب يبدِّد قسوة الهجر الطويل فأسفر في صباح العيد وجهٌ ووجهٌ فيه آذنَ بالأُفول وكم قلب تأوَّه في صباح وكم دمع تهامى في أصيل وكم بالعيد من بيت سعيد تذكر فاستحال إلى عويل لوحات متضادة ومناظر مختلطة، وملهاة ومأساة في مسرح واحد!! ويُتبع الشاعر لوحاته الخيالية تلك بلوحات من الواقع في أفغانستان وفلسطين، وما أكثرها من لوحات متكسرة في أرض الإسلام! ويستقبل الشاعر عبد الرحمن العشماوي (٢) عيداً من لون آخر ممتزج بالأحزان؛ لأن أعياد المسلمين ما عادت تأتي إلا وهم يعانون مزيداً من الجراح الدامية؛ فما عادت الأعياد ـ كما يصورها حسين عرب ومحمد إبراهيم جدع وعبد الرحمن العبيد ـ تُقبل بوجه متهلل وثوب زاهٍ لتجد الناس في الأحزان. بل العيد نفسه صار حزيناً كئيباً لما فيه المسلمون من مآسٍ فظيعة. ولذلك يختار لقصيدته عنوان «عندما يحزن العيد» ، ويقول فيها: أقبلت يا عيدُ والأحزان أحزان وفي ضمير القوافي ثار بركان أقبلت يا عيدُ والرَّمضاء تلفحني وقد شكت من غبار الدًّرب أجفانُ ويتابع الشاعر العشماوي قصيدته بهذه الصورة القاتمة، ويتوجه إلى العيد بخطابه الدامي الحزين، وكأنه يعاتبه بقوله ـ الذي يكرره في أبيات متعاقبة ـ «أقبلت يا عيد» أو كأنه يعتذر إليه حيث أقبل وحال المسلمين غير الحال التي يستقبلون فيها العيد، ولكن شاعرنا يجد نفسه مضطراً لأن يجامل الناس صباح العيد مبتسماً باشّاً مصطنعاً سروراً غير موجود في داخله، والناس من حوله إذ يعلمون من قوافيه الحزينة ما يعلمون، يتهامسون غمزاً ولمزاً قائلين: هذا الذي تصدر الآهات عن دمه شعراً رصيناً له وزن وألحان فيضطر أن يبين لهم أن تلك البشاشة منه صباح العيد تجثو على أحزان وأشجان، ولو أنهم علموا بعض ذلك: لأغمضوا أعيناً مبهورة وبكوا حالي وقد نالني بؤس وحرمان ثم يعود إلى مخاطبة العيد مرة أخرى واصفاً حاله مع أحزان أمته: أقبلت يا عيد والأحزان نائمة على فراشي وطرف الشوق سهران وهي صورة شعرية مؤثرة ومعبرة عن مدى تغلغل الحزن في حياة الشاعر إحساساً منه بحال أمته حتى إنه لا يفارقه في يقظة ولا منام. أما الشاعر وليد الأعظمي (٣) فإنه ينكر أن يكون العيد عيداً وهذه حال المسلمين؛ لأن تجذر المأساة يلفت لديه غايتها، ويبادر نفسه قاطعاً عليها طريق أي شعور بالفرح بقدوم العيد؛ لأنه ليس عيداً، فيقول: العيد أقبل يا (وليد) فلا تكن فرحاً به أبداً فما هو عيد!! ولكن؛ ما العيد في نظر وليد الأعظمي؟ ما العيد إلا أن نعود لديننا حتى يعود نعيمنا المفقود ما العيد إلا أن يُرى قرآننا بين الأنام لِوَاؤُهُ معقود ما العيد إلا أن نكوّن أمة فيها محمد لا سواه عميد ما العيد إلا أن نعدّ نفوسنا للحرب حيث بها هناك نجودُ ما العيد إلا أن تكون قلوبنا نحو العدو كأنها جلمود وبأسلوب التكرار يؤكد الشاعر معانيه، وبأسلوب القصر يصر على مفهومه للعيد أنه استعادة أمجاد الأمة الضائعة في زمن «تداعي الأكلة على القصعة» ينتهبونها، لذلك يأتي خطابه بوتيرة متشددة وكأنه ينظر إلى قوله ـ تعالى ـ في وصف المؤمنين في القرآن الكريم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] . وعندما يطول الانتظار، وتتكاثف الظلمات يبحث الإنسان عن بصيص ضوء يشعل به الأمل في نفسه، ويخفف عنها شعور الإرهاق حتى لا تيأس فتنقطع، لذلك فإن الشاعر فيصل محمد الحجي (١) لنفسه محطة راحة شعورية يستمد منها دفعة للسير قدماً في الطريق الطويل؛ فالأعياد لا تأتيه بالمسرات، فيتخذ من مناسبة خاصة ملأت نفسه بهجة ومسرة عيداً، هكذا بدا لي الشاعر فيصل الحجي في قصيدته «ما العيد؟» فالعنوان الذي وضعه بصيغة سؤال يفتح لنا كوّة مبصرة إلى أعماق الشاعر ومعاناته مع الأعياد في واقع المسلمين. يقول في قصيدته: يا دامع الطرف محزوناً ومسروراً إلامَ تبقى كليل الطرف محسورا ألا ترى العيد قد وافاك مبتسماً وقد أزاح عن العينين دَيجورا (٢) أتعرف العيد أم أُنسيت بهجته لما توالى نزيف الدمع مهدورا وبعد هذه المقدمة يجيب على سؤاله في العنوان فيقول: فقلت: ما العيد إلا أن أرى (أَنَسي) وأن يباح لنا ما كان محظورا العيد في أن أراه اليوم مبتهجاً وأن أشاهد أستاذاً ودكتورا و (أنس) الابن الأكبر للشاعر وقد طال انقطاعه في دراسته سنوات وبات اللقاء أمنية عزيزة في قلب الوالد، فلما تحقق ذلك كان شعور الفرح طاغياً باكياً، وكان ذلك وحده يساوي العيد.. وأي عيد!! لكن الشاعر يتابع فيضفي على العيد أبعاداً أخرى؛ إذ كل ما يرضي الرحمن من عمل يُوفَّق فيه المرء فهو (عيد) ، وتمتُّع الإنسان بالصحة والعافية عيد، وفرح الصغار عيد، واجتماع شمل الأحباب عيد. العيد في أن يكون السعي مزدهراً وأن يكون لدى الرحمن مبرورا العيد في أن يكون العيش في دعة والجسم في صحة والحال مستورا العيد في أن أرى (غفران) ضاحكة والبشر يطفح من ألحاظها نورا العيد في أن أرى حبل الوداد هنا بين الفؤادين موصولاً وموفورا العيد في أن يكون الشمل مجتمعاً وأن أكون بعطف الجمع مغمورا فنراه في الشطر الثاني من البيت الأخير يدفع نفسه دفعاً للإحساس بفرحة عيده الخاص (وأن أكون بعطف الجمع مغموراً) ، وبذلك يرسم لنا الشاعر صورة أخرى للعيد، فيأتي بالعيد الذي يريد حين عزّ أن يأتي العيد للمسلمين كما يريدون، فيضيء الدرب بأنوار كثيرة مبثوثة في الحياة اليومية هنا وهناك لتستمر الحياة، ويسود الرضا، ويطرد الضياء جيوش اليأس والظلام.

стр. 5497

من أجل كلمة الله عبد الله سليمان القفاري يمثِّل القرآن الكريم في حياتنا جميعاً نبراس هدى وطريق دلالة إلى الخيرية العالمية التي جاء بها محمد -صلى الله على محمد- من بين جبال مكة الشامخة. والمسلمون على مرِّ التاريخ مجّدوا القرآن وعظّموه في نفوسهم، وجعلوه تاجاً فوق هاماتهم ونوراً لصدورهم، وشفاء لأسقامهم. هذه الرؤية تشكلت في تاريخ المسلمين نموذجاً راقياً في تنمية الذات وصناعة المجتمعات، فأضحت أمة الإسلام خير أمة أُخرجت للناس، وبسطت بالمصاحف التي حوتها الصدور قوانين الشريعة الإسلامية عبر تاريخ خلفائها ومماليكها. ولا تزال الخيرية في أمة القرآن الكريم في حياتنا المعاصرة وإلى قيام الساعة؛ حيث حُفظ القرآن الكريم من التغيير والتبديل خلافاً لغيره من الكتب السابقة، قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . ولقد رفض المسلمون في أقطار الأرض تلك الحملة المسعورة التي هاجمت القرآن الكريم وحاولت تدنيس قداسته بصور شتى وحالات تتعدى العدّ والذّكر؛ فكيف نقرأ هذه الحملة الشرسة؟ وما واجبنا تجاه كل هذه الأحداث التي تنتهك حرماتنا، وتدنِّس مقدساتنا، وتهاجم بلادنا بلاد الحرمين التي هي أعز البلاد لدى كافة المسلمين، وتنتقص تعاليم شريعتنا باسم التقدم والمدنية؟ إنني من خلال هذه المقدمة لا أجد عملاً واجباً على المسلمين اليوم مثل وجوب الوقوف أمام هذه الدعوات، والسير بخطى ثابتة لدحضها وتفنيد شبهها، بعيداً عن السير بخطى العاطفة أو القرارات الوقتية الآنية، ولهذا وذاك فإنه ليسرني أن أقدم عبر هذه المجلة العالمية بعضاً من المقترحات التي أحسب أنها خطوات مهمة للوقوف في وجه هذا التيار الجامح، وهي بعض واجبي نحو كتاب ربي : i السعي لإقامة مؤسسة عالمية باسم القرآن الكريم، وتكون تحت مظلّة منظمة الدول الإسلامية، ويكون مقرها مكة المكرمة، ولها فروع في أشهر عواصم الدول الغربية؛ لتقوم بالتعريف بالقرآن الكريم، ودفع الشبه حوله، وبث المكارم والأخلاق والأنظمة التي جاء بها القرآن لحماية البشرية، وتكون بعدد من لغات العالم. i إقامة مؤتمرات سنوية عن القرآن الكريم بعدة لغات، وتكون في عدة عواصم في العالم، ويُهيّأ لها حملة إعلامية قوية عبر شركات عالمية، وتُتحرّى الأوقات المناسبة لمثل هذا العمل العظيم؛ كشهر رمضان مثلاً أو إجازة الصيف. i تشجيع «مجمع الملك فهد ﵀» الذي اعتنى عناية كبيرة بالمصحف، حيث يوجد أكثر من ستمائة عين تقوم برصد المصحف قبل أن يصل إلى أيدي القراء، إضافة إلى كثافة الإنتاج الذي يصل إلى مئات الملايين التي وصلت إلى المسلمين في كل مكان في العالم، ولهذا ينبغي دعمه لطباعة وتوزيع مليارات النسخ في العالم من المصحف وترجمة معانيه، وإرسالها عبر شركات البريد وبعدة لغات، ووضع عناوين لاستقبال ردود أفعال المراسلين من دول العالم والتواصل معهم. i إقامة رابطة عالمية عبر مؤسسة «رابطة العالم الإسلامي» للعاملين في حقل القرآن الكريم من مؤسسات وجمعيات وباحثين ومواقع إنترنت، ويكون لهم لقاء سنوي للتعاون والتواصل في خدمة كتاب الله . i طباعة رسائل (كتيبات) توضح معاني القرآن الكريم، وتشرح توجيهاته ودروسه، ويختار منها ما يخص العامة من الناس، وتكون بحجم الجيب، وتوزع أيضاً بعدة لغات، وعلى مستوى العالم الإسلامي والغربي، وتكون منهجاً يدرس في المدارس العامة. i دعم المؤسسات والجمعيات والحلقات التي تهتم بالقرآن الكريم في جميع دول العالم. i الاهتمام ببرامج التفسير وحلقاته ومؤسساته إلى جانب علوم القرآن الأخرى، وحثّ الباحثين على العناية بذلك، وإلقاء المحاضرات والندوات في هذا الجانب، وتوعية الشارع العام للأمة. i إقامة الدراسات الأكاديمية عبر الجامعات الإسلامية وغيرها للعناية بالقرآن الكريم، وإبراز أوجه البيان والإعجاز العلمي والتربوي والسلوكي والنظامي التي جاء بها القرآن الكريم في ضوء العالم الجديد والتحديات المعاصرة. i تكثيف المسابقات الدولية على غرار مسابقة الملك عبد العزيز ﵀ في مكة المكرمة، ودعم هذه المسابقات ونشرها في بلاد العالم. i الإكثار من الدورات المكثفة ودعمها، والاهتمام بتطويرها وتشجيعها، وتفعيل رابطتها للتواصل والتكاتف والتطوير. i الاهتمام بجانب القوانين الإسلامية، والتأكيد في كل المحافل الدولية أن القرآن شريعة الدول الإسلامية ومنطلق حياتها، وبث الصور المشرقة التي جاء بها الإسلام والمتوافقة مع أهم مكتشفات العصر الحضارية، سواء كانت في مجال الحياة العامة أو الخاصة للأمة، والتأكيد على السلام العالمي الذي جاء به القرآن ليكفله للأبيض والأسود والفقير والغني في ظلّ العبودية الكاملة لله رب العالمين لا شريك له. وإليك أخي القارئ الكريم هذه الوقفة لترى كيف أننا بحاجة إلى العمل الجاد في هذا المجال مع معجزة الأرض والسماء كتاب الله المقدس ﷻ : ينقل أحد الدعاة (*) كلام أحد القساوسة وهو يسرد قصة إسلامه فيقول: تخرجت من الفاتيكان معقل التنصير في العالم، وبدأت أتنقل من بلد إلى بلد لتنصير المسلمين، وكانت أكثر زياراتنا لمصر، فإنها مصدر من مصادر قوة المسلمين، ثم جلست يوماً مع مجموعة من القساوسة والمنصرين، فقلت لهم: لقد طفنا أكثر بلاد الأرض ولم يبق إلا جزيرة محمد (-صلى الله على محمد-) لم تصل إليها دعوة المسيح ـ بزعمهم ـ ولا بد من اقتحامها؛ فهي معقل الإسلام العنيد. فخططت ودبّرت للوصول والحصول على طريقة أدخل بها تلك البلاد ـ يعني بلادنا المباركة ـ فنجحتُ في ذلك، فلما وصلت بدأت أبحث عمن يعطيني نسخة مترجمة للقرآن لأكتشف أسرار الإسلام وأتعرف على أخطاء القرآن فتكون هي طريقي لتنصير المسلمين ومحادثتهم. سألت هذا وطلبت من ذاك ولكنهم تأخروا عليّ ـ مما يدل أحبتي على تقصيرنا في دعوة الآخرين ـ. يتابع قائلاً: حتى حصلت على النسخة فأخذتها، وأغلقت الأبواب وجلست ولا أحد يراني إلا الله. بدأت أقرأ وفي نيتي تتبّع واستخراج الأخطاء؛ فإذا بسورة الفاتحة تحيّرني وتأخذني إلى عالم آخر، ثم أول مقطع من سورة البقرة يتحداني ويخبرني أن هذا الكتاب خالٍ من الأخطاء، مما زاد في حرصي على القراءة والتدبر، وبدأتْ أقفا ل الكفر تنحلّ وتنفتح، وبدأ ظلام الشرك ينجلي، وبدأت أمطار الهداية بالنزول، وبدأ القرآن يجاوبني عن كل الأسئلة والاستفسارات، وبدأت أقول لنفسي: من هذا الذي يتحداني؟ ومن هذا الذي عنده كل هذه القدرة وكل هذه الصلاحيات حتى يتكلم في ملكوت الأرض والسماوات؟ فجاءني الجواب من أعماق قلبي: إنه الله ﷻ ، إنه الله الذي قال بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ١ - ٣] ، وقال أيضاً: ﴿الچـر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ . [إبراهيم: ١ - ٣] . سألته: كم استغرق إسلامك؟ فقال: فقط عدة أيام. فقلت: يا الله! ما أقوى الحق! كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] ، ثم يتابع ـ المنصِّر السابق ـ فيقول: كلما خطر على بالي سؤال ولبَّس عليَّ الشيطان وجدت الجواب في القرآن. ويقول أيضاً: وجدت أجوبة كثيرة في قوله ـ تعالى ـ في أول سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] . وانطلق الذي كان قسيساً يوماً من الأيام داعياً إلى الله وباذلاً كل قواه للدعوة إلى الإسلام ونصرة القرآن، فاسمع إلى إنجازاته في سنوات: أسلم على يديه عشرات الآلاف من الأمريكان والنصارى في كل مكان. ويقول: ولا زلنا نمدهم بعشرات الآلاف من المصاحف والكتيبات، ولا زلت أستلم عشرات الرسائل يومياً والاستفسارات. وأخيراً: فإن العمل الجاد نحتاجه كثيراً في معالجة مثل هذه القضية التي أرّقت كل مسلم في أصقاع المعمورة، فسدد الله الجهود ونفع بالأسباب المبذولة وجعلها تحت عنايته وتوفيقه.

стр. 5498

٢٢٠ - ذو الحجة - ١٤٢٦ ه ـ (السنة: ٢٠)

стр. 5499

٢٢١ - ذو الحجة - ١٤٢٥ هـ (السنة: ٢٠)

стр. 5500

نحن أولى بحقوق المرأة التحرير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ... وبعد: فالمطالبة بحقوق المرأة من الشعارات المستهلكة التي تتشدق بها جميع الاتجاهات العلمانية في بلادنا العربية والإسلامية، وقد ارتفع ضجيجهم بهذا الشعار في السنوات الأخيرة خصوصاً، مع موجة التغريب والعلمنة الجديدة التي اجتاحت العالم الإسلامي. ونستطيع أن نوجز معالم الخطاب النسوي التغريبي البائس في ما يلي: أولاً: اختزال قضايا المرأة وحقوقها في تغريبها وتحلّلها الأخلاقي؛ فقضية السفور، ونزع الحجاب، والاختلاط، وقوامة الرجل، والتخلص من المحرم.. ونحوها، هي الحقوق التي يعنونها ويدورون حولها ويعملون جاهدين لتقريرها بكل السبل المتاحة. ثانياً: تسطيح قضايا المرأة في موضوعات جانبية، ومماحكات شكلية مصطنعة، وتضخيمها بصورة كبيرة، تشعر المجتمع بأنه مجتمع متخلِّف أو سينهار إذا لم تتحقق مطالبهم تلك، وذلك مثل دعوتهم في المجتمع الخليجي لقيادة المرأة للسيارة أو لمشاركتها في العملية الانتخابية، ونحوهما من القضايا الباردة. ثالثاً: مجاراة المجتمعات الغربية في كل صغير ووضيع، والدعوة المحمومة لتغيير الأنظمة والقوانين الاجتماعية والأسرية المحلية لتتوافق مع مقررات هيئة الأمم المتحدة، والمنظمات النسوية العالمية التي أجمع علماء الإسلام على خطورتها ومخالفتها لمسلَّماتنا الشرعية. رابعاً: التحلل من القيم، والتمرد على المبادئ والأخلاق؛ فالقيم ـ بزعمهم ـ ما هي إلا قيود مصطنعة تحدّ من الحريات، وتكبت الطاقات المبدعة كما قال قائلهم، بل يرى آخر ممن يصفون أنفسهم بالمثقفين الخليجيين أن من ذنوبنا: (القبول بصبغ الحياة الاجتماعية كلها بصبغة الأيديولوجيا الإسلامية، والإصرار على إقحام الدين في شؤون الدنيا لإعاقة الحداثة) . وأصبح الأدب بفنونه المختلفة منبراً لتلك الأقلام الملوثة، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة في منطقة الخليج مجموعة من القصص والروايات بأقلام رجالية ونسائية على حد سواء تقرأ المرأةَ قراءةً جنسية خالصة؛ فلا ترى فيها عقلاً ولا روحاً ولا خلقاً؛ فما المرأة ـ عندهم ـ إلا مجرد ألعوبة رخيصة يتسلى بها الرجال أو تتسلى بهم..! (١) . وتطفح صحافتنا العربية ووسائل إعلامنا المختلفة بهذه الرُّؤى التغريبية الآسنة، وتستنفر الإمكانات المادية والبشرية للترويج لها وتلميعها بكل الوسائل. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] . أما القضايا والحقوق الكبرى التي تتطلع لها المرأة فهي غائبة تماماً أو مُغيَّبة، وإلا بماذا نفسِّر تغافلهم عن حقوق المرأة في العيش الكريم الذي ينتشلها من مستنقع القهر، ويرفع رأسها عزيزة بعيدة عن مواطن المهانة والمذلّة..؟! أوَ ليس غريباً أن يتشنج بعض المستغربين ويلهثوا في دعوتهم للتعليم المختلط، في الوقت الذي تُحرم فيه كثير من النسوة من حق التعليم ابتداء فضلاً عن التعليم العالي..؟! أوَ ليس غريباً أن تُخاطَب المرأة بالتفاهات الإعلامية الوضيعة، ويُحشى عقلها وقلبها بالكلمات الغنائية الساقطة، وبالمسلسلات السينمائية والتلفزيونية الهابطة، ويُراد لها أن تدور اهتماماتهما النسائية في دور الأزياء وموائد الطبخ، في الوقت الذي تعاني منه مجتمعاتنا من تخلف حضاري وفكري يضرب بأطنابه في أعماق أمتنا..؟! أوَ ليس غريباً أن تخصص موازنات مالية كبيرة لمكافحة الختان في السودان ومصر وغيرهما من الدول الإسلامية، في الوقت الذي تفتقد كثير من النساء حقوق العلاج والدواء من أبسط الأمراض، فضلاً عن الأمراض الوبائية التي تفتك بالنساء والأطفال خصوصاً..؟! أوََ ليس غريباً أن تجتهد بعض المنظمات النسوية الغربية والعالمية في الترويج لوسائل منع الحمل في الوقت الذي تتغافل فيه عن دراسة أسباب انتشار الأمراض الجنسية الفتاكة التي عبثت بالنساء والمراهقات منهن خصوصاً..؟! والأغرب من ذلك أن تقرّ هيئة الأمم المتحدة ـ في مؤتمراتها ومواثيقها الدولية ـ الزنا والإجهاض، بل والشذوذ الجنسي، وتعدّ ذلك من الحريات التي يجب المطالبة بها والدفاع عنها، في الوقت الذي يحاربون فيه الزواج المبكر..! أوَ ليس غريباً أن تُدفع المرأة العراقية دفعاً للمشاركة السياسية، وتصبح هذه هي القضية الرئيسة أو الوحيدة للمرأة في العراق، في الوقت الذي يُستهان بعرضها، وتنتهك حرمتها، وترمى كسيرةً مهينةً بعد أن قُتل زوجها، ويُتِّم أطفالها، وهُدم منزلها..؟! ثم أين الدعاة والمصلحون وأهل الغيرة من أبناء الأمة رجالاً ونساءً للحديث عن تلك المشكلات والتنبيه على مخاطرها؟ لماذا تكون المطالبة بحقوق المرأة حكراً على أهل الأهواء والمفسدين..؟! لماذا لا نتصدر نحن المطالبة بالحقوق المشروعة للمرأة ونرفع بها رأساً، ونقدم البديل الذي يُشرِّف المرأة ولا يهينها، ويحفظها ولا يبتذلها؟ الحق الذي لا شك فيه: أن المرأة في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية شرقاً وغرباً تعاني من انتهاك صارخ لكثير من حقوقها، وورثت بعض بيئاتنا ممارسات جاهلية منحرفة تئدُ قيمة المرأة، وتعتدي على حرماتها؛ ولهذا انتشر الشغار وعضل المرأة، وانتشر الظلم بصوره المختلفة في كثير من الأُسر، وظهر الاعتداء على المرأة بالضرب، وأسرف بعضهم في الاستيلاء على مالها، والتسلط على حقوقها المادية والمعنوية.. هذا فضلاً عن سلسلة طويلة من الممارسات الاجتماعية والثقافية غير المحمودة التي لا يرتضيها العقلاء، فضلاً عن أصحاب الدين والغيرة..! أوَ ليس الدعاة هم أوْلى الناس بالانتصار للمرأة والمطالبة بتلك الحقوق المسلوبة بعيداً عن مزايدات العلمانيين وألاعيبهم الإعلامية..؟! ألم ينتشر الطلاق والعنوسة ونحوهما من الأدواء الأسرية التي انعكست سلباً على نفسية المرأة، وأحدثت شرخاً غائراً ظهر أثره في اختلال الاستقرار الاجتماعي لكثير من المجتمعات..؟! ألا يستطيع الدعاة ـ رجالاً ونساءً ـ أن يتصدروا لمثل هذه الحقوق، ويقدموا فيها رؤى علمية وعملية تحفظ للمرأة اطمئنانها الأسري والاجتماعي..؟! أوَ لسنا نرى الأُمّية بصُوَرها المختلفة تمتد برواقها القاسي لتطغى على عقول كثير من نساء العالم العربي والإسلامي حتى وصلت إلى معدلات قياسية بلغت أكثر من (٧٠%) من النساء في بعض البلدان..؟! أوَ ليس الدعاة ـ رجالاً ونساءً ـ أوْلى الناس بالدعوة إلى تعليم المرأة، وتثقيفها، وبنائها علمياً وفكرياً..؟! ونحسب أن حقوق المرأة وقضاياها الجديرة بالمعالجة والمطالبة كثيرة وكثيرة جداً، وربما قصّر بعض الدعاة والعلماء في الذبِّ عنها والدعوة إلى تصحيحها ردحاً طويلاً من الزمن، فوجد الرويبضات وأهل الفساد ـ ممَّن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ـ وجدوا ضالّتهم في التصدُّر لقضاياها والتحدث الماكر المملِّ على لسانها. وقد آن الأوان أن يستدرك العلماء والدعاة ـ رجالاً ونساءً ـ ما يمكن استدراكه، ويعيدوا لحقوق المرأة شرفها الأخلاقي، وموضوعيتها الإنسانية. ما أجمل الحياء والستر الذي تتدثر به المرأة المسلمة! لكن أيصح أن يكون ذلك الحياء مانعاً لها من التصدّر للدعوة والتربية، والذبِّ عن عقيدتها وهويتها..؟! أيسرُّها أن تتصدر النساء المسترجلات المتغربات لتشويه قيمنا وثقافتنا، وهي تتفرج ولا تملك سوى التوجع والحوقلة..؟! نحن أحوج ما نكون ـ خاصة في هذه المرحلة من تاريخنا ـ إلى القيادات النسوية الفاعلة التي تدافع المبطلين والمبطلات، وتتصدى لأراجيفهم وتضليلهم، وتقدم الأنموذج الأمثل للمرأة العفيفة المعطاء..! إنَّ إدراكنا لخطورة الهجمة التغريبية التي تواجه المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية يجب أن لا يكون مجرد انفعالات غاضبة محدودة الأثر عقيمة النفع، بل ينبغي أن يتحول تفاعلنا إلى رؤى فكرية ناضجة، وبرامج عملية مثمرة؛ فنحن أوْلى من غيرنا بتبنِّي هذا الشعار، فـ: «خيركم خيركم لأهله» .

стр. 5501

٢٢١ - المحرم - ١٤٢٧ ه ـ (السنة: ٢١)

стр. 5502

وجاء عام جديد آمال رغم الآلام التحرير الحمد لله مصرف الأيام والدهور ومقلب الليل والنهار، والصلاة والسلام على البشير النذير محمد بن عبد الله الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الجديد من كل شيء محبَّب إلى القلوب ومبهِج للنفوس، تشتاق إليه وتأنس به، وذلك بعكس القديم الذي غالباً ما تعافه النفوس، وتبتعد عنه. وقد أقبل علينا عامنا الجديد بزهوته وجماله الذي يذكرنا بمناسبة من أهم وأعظم المناسبات التي مرت بها الأمة الإسلامية؛ إن العام الهجري لم يكتسب قيمته إلا من خلال الحدث الفذ الذي ارتبط به، ألا وهو هجر الديار والأوطان والأهل والخلان، قُربة إلى الله ـ تعالى ـ وتقديم حبه وحب دينه ورسوله على حب الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارات والمساكن، ﴿قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] ، لقد كانت هجرة الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة عملاً إيجابياً وإعداداً للمواجهة التي لا بد منها بين الحق وأهله وبين الباطل وأحزابه، ولم تكن عملاً انسحابياً يُؤْثِر الفرار على المواجهة؛ إبقاءً على المهج وضناً بالأرواح أن تزهق في سبيل الله، والأموال أن تنفق في نصرة دينه وإعلاء كلمته. كانت الهجرة الميمونة حداً فاصلاً واضحاً بين مرحلتين متمايزتين من مراحل الدعوة الإسلامية: مرحلة كف الأيدي والصبر على الأذى رغبة في هداية الناس وجمع أكبر عدد من الأنصار لرسالة الإسلام، ثم مرحلة الدفاع عن النفس ورد العدوان والمعاملة بالمثل، والدعوة إلى الله بالجهاد في سبيله تعالى. وكان في هذا تعليمٌ وتدريبٌ للأمة على أهمية مراعاة الواقع وظروفه على أرض الحدث، بعيداً عن الأفكار النظرية التي لا تمتلك رصيداً من الواقع أو التجربة يؤهلها لقيادة المواجهة مع الجاهلية التي تتعدد صورها وتتباين ألوانها على مدى التاريخ. ظل رسول الله ﷺ طيلة ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى الله ـ تعالى ـ في مكة المكرمة: يصبر على الأذى من قومه، ويحتمل منهم الصد والإعراض، لم يصبه من جراء ذلك كلل أو ملل، ولم يدفعه ذلك إلى سياسة حرق المراحل، أو القفز إلى نهاية الطريق من غير المرور على محطاته المتتابعة. وقد كان في هذا دليل على أهمية حنكة القائد وخبرته، وعدم يأسه وقنوطه من تحقق المطلوب، رغم الظلام الدامس الذي يغلف الأجواء. وكان في هذا أيضاً دعوة إلى الأمل المشرق بانبلاج الصبح بعد عتمة الليل، والثقة في وعد الله ـ تعالى ـ بالنصر والتمكين وإن طال الزمن، وهذا يدفع المؤمن ويشحذ همته ويحمله على العمل الدائب، كما أن فيه ما يُشعِر بأنَّ تأخر النصر قد يكون لحكمة تربية النفوس وتثبيت دعائم الإيمان وليس فقط نتيجة للتقصير وعدم بذل الجهد المطلوب؛ فإن الله ـ تعالى ـ ينصر عباده الذين صَدَقوه ولا يخذلهم ولا يسلمهم لأعدائهم، وأنهم لو تعرضوا لأمور طارئة تخرج عن قدراتهم؛ فإن الله ـ تعالى ـ يجعل لهم منها مخرجاً، فإذا أُتي المسلمون فلن يؤتَوْا إلا من قِبَل أنفسهم؛ والتاريخ كله شاهد على ذلك، فالله صادق في وعده ولا يخلف الميعاد كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ، وقال ـ تعالى ـ مقرراً قاعدة عامة تنطبق على كل أحد في كل وقت وفي كل مكان: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] فكل من كان متقياً لله فإن الله قد وعده بالمخرج من الضيق الذي هو فيه، وهذا ما يجعل الصف المجاهد في سبيل الله يحذر المعصية أشد الحذر؛ فمعصية الله أشد على الجيش المجاهد في سبيله من أسلحة عدوه وإن كانت أسلحة قوية متطورة. إن الهجرة لم تكن حدثاً اضطرارياً لجأ إليه المسلمون تخلصاً من ظرف طارئ، بل كانت حدثاً قد خُطِّط له ودُبِّر بعناية تامة كاملة، سواء في أرض الحدث نفسه مكة المكرمة أم في الأرض المستقبِلة له المدينة النبوية؛ فلم يهاجر الرسول ﷺ إلى المدينة إلا بعد أن استقر الإيمان في نفوس طائفة ليست بالقليلة من عظماء أهل المدينة النبوية وقادتهم، وقد كانوا بايعوه من قبلُ على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم، وإذا كان التخطيط والتدبير قد ظهرت دلائله في أرض المهجر؛ فإن الدلائل كانت أشد ظهوراً في أرض الحدث نفسه مما ينفي أن تكون الهجرة قد حدثت اضطراراً من غير روية أو تدبير. كانت هجرة الرسول ﷺ مفعمة بالعظات والعبر؛ فقد كان رسول الله ﷺ يدعو في مكة إلى طاعة ربه حتى ضيَّق أهلها عليه واتفقوا على قتله ليتخلصوا منه، بعد أن أخفقت كل محاولاتهم من الإغراء أو التخويف والإيذاء، في إثنائه عن تبليغ الرسالة التي ائتمنه الله عليها. ورغم أن الرسول ﷺ كان يدعو إلى ربه ولا يدعو إلى نفسه، ورغم أن الله ـ تعالى ـ قد أخبره بما مكر به الذين كفروا وأَذِنَ له في الهجرة، لكن الرسول ﷺ لم يهاجر إلا بعد أن أعد العدة وأحكم الخطة لذلك أيما إحكام، فذهب إلى أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ ليُعْلِمه بأمر الهجرة في ساعة لم يكن يذهب إليه في مثلها حتى لا يفطن له أحد، وقال له: «أَخْرِجْ مَنْ عندَك» حتى يحافظ على سرية الأمر، ثم استأجر رجلاً خِرِّيتاً أي ماهراً بالطرق ليكون دليله في الهجرة، وذهب في أول أمره في طريق اليمن جنوباً ولم يذهب مباشرة في طريق المدينة شمالاً، حتى يموِّه على المشركين ويغطي عنهم وجهته، واختبأ في غار ثور ثلاثة أيام حتى يهدأ الرَّصد ولم يواصل الرحلة، وكان يرسل من يأتيه بأخبار أهل مكة حتى يعرف خطتهم ليتصرف وهو على علم بما يدبرون، ولم يقل: إن الله معي - وهو معه حقاً - فلا عليَّ أن آخذ بالأسباب؛ مما يبين أن العاملين لنصرة هذا الدين ينبغي عليهم الأخذ بالأسباب المعينة لهم، وإلا كانوا مقصرين، ومن كان مقصراً فلا يلومن إلا نفسه، وقد بين الله ـ تعالى ـ أن رحمته قريب من المحسنين، فقال ـ عز من قائل ـ: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] فمن كان مقصراً فيما وجب عليه لم يكن من المحسنين. وعندما أراد رسول الله ﷺ أن يتجهز لهذا السَّفَر البعيد عرض عليه أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن يعطيه دابة من عنده كان قد أعدها لمثل هذا اليوم، فأبى الرسول ﷺ أخذها إلا بالثمن. تقول عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ: «لقَلَّ يومٌ كان يأتي على النبي ﷺ إلا يأتي فيه بيتَ أبي بكر أحَدَ طرفي النهار؛ فلما أُذن له في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهراً، فخُبِّر به أبو بكر، فقال: ما جاءنا النبي ﷺ في هذه الساعة إلا لأمر حدث؛ فلما دخل عليه قال لأبي بكر: أَخْرِجْ مَنْ عندَك! قال: يا رسول الله! إنما هما ابنتاي ـ يعني: عائشة وأسماء ـ قال: أشعرت أنه قد أُذن لي في الخروج؟ قال: الصحبةَ يا رسول الله! قال: الصحبة! قال يا رسول الله: إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج فخذ إحداهما، قال: قد أخذتها بالثمن» (١) ، وفي هذا ما يرشد إلى أن الداعي إلى الله يتحمل النفقات المادية التي تحتاج إليها دعوته ولا يحمِّل الآخرين حتى وإن بذلوها بطيب نفس، ما دام قادراً على ذلك حتى يتحصل له الأجر الكامل. والعاملون لدين الله ـ تعالى ـ يأتيهم من فضل الله وكراماته لهم وقت الشدة ما يخرجهم به من الورطات التي لا يملكون لها دفعاً، لكن بعد أن يكونوا قد أخذوا بالأسباب المتاحة لهم حتى لا يكونوا مقصرين، وقد حدث هذا في قصة الهجرة؛ فمع كل هذه الاحتياطات التي أخذ بها الرسول ﷺ إلا أن المشركين قد تمكنوا في نهاية الأمر من خلال حملة الاستنفار غير المسبوقة في البحث والتحري إلى أن يصلوا إلى مكان الغار الذي يختبئ فيه الرسول ﷺ وصاحبه، ولو نظر أحدهم إلى أسفل قدميه لرآهما، وهنا يصرف الله ـ تعالى ـ أبصار المشركين عن الرسول ﷺ وصاحبه، ويسجل القرآن هذا المشهد الفريد ورسول الله ﷺ يسرِّي عن أبي بكر ما أهمه، فيقول الله ـ تعالى ـ: ﴿إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] ، وبعدما عجزت قريش وأحست بعدم قدرتها على الوصول إلى رسول الله ﷺ وصاحبه جعلت لمن يدل عليهما أو يقبض عليهما جائزة كبيرة، فأخذ الناس يبحثون في كل واد وناحية، إلى أن تمكن أحد فرسان قريش من معرفة طريق الرسول ﷺ ، لكن الله ـ تعالى ـ منعه منه قبل أن يلحق به، ويَعِدُه الرسول ﷺ إن رد الرَّصَد عنهم بجائزة فوق جائزة المشركين، يَعِده وهو في هذه الحالة بسِواري كسرى ملك الفرس الذي كان يمثل ملك إحدى القوتين العظميين في ذلك الزمان. وهذا درس تربوي عظيم من دروس الهجرة، فلا يكفي للمجاهد في سبيل الله سلامة المعتقد وحسن النية، والرغبة في نصر دين الإسلام، بل لا بد من الأخذ بالأسباب التي خلقها الله تعالى؛ فما خلقها الله وجعلها موصلة لمسبباتها إلا لكي يعمل بها الناس ويستفيدوا منها، وفي هذا درس آخر وهو بيان حقيقة التوكل؛ فإن رسول الله ﷺ كان سيد المتوكلين. فالتوكل لا يعني إهمال الأسباب أو تركها، بل يأخذ المسلم بكل الأسباب الممكنة ويتوكل على الله؛ لأن الأسباب قد لا تنتج مسبباتها، فيحتاج المسلم إلى التوكل على الله في كل حين. لقد كانت هجرة الرسول ﷺ في سبيل الله فتحاً عظيماً ونصراً كبيراً، على شح النفس التي تميل دائماً للارتباط بالأرض وعدم مغادرتها والتشبث بها، فكانت الهجرة إعلاء لقيم الدين على قيم التعلق بالأرض؛ فإن ذلك قد يوقع المسلم فيما يعرِّضه لسخط الله تعالى؛ فقد تمسك قوم من المسلمين الأوائل بالأوطان حتى منعتهم من الهجرة في سبيل الله، وقد اضطرتهم قيادات المشركين للخروج في الجيش المشرك ليكثِّروا أعداد المشركين في أعين المسلمين من غير أن يباشروا القتال حقيقة؛ فهم بذلك أقل ممن يعمل في الخطوط الخلفية أو الشؤون الإدارية بكثير، بل لا نسبة بينهم؛ ومع ذلك أنزل الله ـ تعالى ـ فيهم قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] . وقد ضمن الله ﵎ لمن خرج من بيته مهاجراً إلى الله بدينه أن يوسع عليه، وأن أجره لا يضيع حتى لو حال الموت بينه وبين الهجرة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] كما كانت أيضاً نصراً على الأعداء؛ حيث تمكن الرسول ﷺ بهذه الهجرة الموفقة أن يكسر الطوق الذي صنعه المشركون حول الدعوة، فتمكن من مقابلة الوفود من غير مضايقات ودعوتهم إلى الله ـ تعالى ـ وهذا مصداق قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] ، وتمكنت الدعوة في مدة قصيرة أن تحقق من الفتوحات والانتصارات والاستجابة والانتشار ما لم يتحقق لها في مدة طويلة، حتى عمَّ الإسلام جزيرة العرب في ما لا يزيد عن عشر سنوات. لقد ربَّى رسول الله ﷺ جيل المهاجرين الأُوَل على العطاء غير المحدود؛ فلما أُذِن لهم بالهجرة لم يتخلف عن ذلك أحد ممن آثر الله ورسوله والدار الآخرة، فلم يتعلق أحد منهم بأهل أو أموال أو ديار، وقد سجل القرآن الكريم هذا المشهد العظيم، فقال ـ تعالى ـ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] ، والهجرة في سبيل الله شريعة مُحْكَمَة غير منسوخة، بل هي قائمة ما دام هناك من المسلمين من يُحارَب في دينه، فيخرج المسلم إلى حيث يمكنه أن يعبد الله. قال رسول الله ﷺ : «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (١) وقال ﷺ : «لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو» (٢) وقال الرسول ﷺ : «ستكون هجرة بعد هجرة؛ فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ... » (٣) . وقد بلغ من مكانة الهجرة وموقعها في الدين أن الله ـ تعالى ـ قد قطع ولاية التناصر بين المؤمنين وبين من آمن ولم يهاجر، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] . إن حدث الهجرة يمثل مَعْلَماً بارزاً من معالم صناعة الأمة التي تستعلي بإيمانها على كل الروابط التي من شأنها أن تكبل انطلاقة الأمة الكبرى نحو السمو والكمال، ولا أحسب أن محاولة إعادة بناء الأمة لتحقق في عالم الواقع ما أنيط بها من المهام الجسام، يمكن أن تتم إلا عبر بناء الجيل المؤمن المتخلق بأخلاق المهاجر إلى الله ورسوله؛ فهل حان الوقت لبروز هذا الجيل القرآني وتبوُّؤ مكان الصدارة؟ هذا أمل يداعبنا ونراه قام بإذن الله رغم الآلام؛ والله غالب على أمره.

стр. 5503

الوحي الإلهي العقل الوضعي عبد الله بن نافع الدعجاني لطالما كان الوحي السماوي المنزَّه المورد الزلال، والنبع الصافي لسلف هذه الأمة وأجيالها؛ فمنه يصدرون وإليه يَرِدون، وبسببه كان ذلك الجيل الأول من الأمة خالص القلب والتصور والشعور من كل ما يفسد نظره في مسائل دينه ودلائله، ولذلك كان معلمهم الأول ﷺ حريصاً كل الحرص على صفاء ذلك النبع من كل شائبة تعكر صفوه، ومن كل قذىً يفسد رونقه؛ فقد غضب ﷺ حينما رأى مع عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة فيها شيء من التوراة وقال ـ معاتباً له ـ: «أمتهوّكون فيها يا لكنه في أعقاب هذا الزمان اختلطت الينابيع العكرة بذلك النبع الصافي، وامتزجت به رواسب الحضارات الوثنية وزبالة الثقافات الإلحادية، ولكن ما زال ذلك النبع الصافي ينفي الخبث عنه ويزيل القذى منه بقوته الذاتية، وكان أخطر آثار ذلك الامتزاج والاختلاط على الحضارة الإسلامية، هو الارتداد عن منهج التلقي كما كان عليه سلف هذه الأمة، والعبث بمصادر المعرفة الإسلامية التي تمثل العين النضاخة الثرَّة التي تمد ذلك النبع الصافي والمَعِين القُراح. - أصول المعرفة الإسلامية: ولما كانت أصول الديانة قسمين: الأول: مسائل يجب الإيمان بها اعتقاداً وقولاً وعملاً، والثاني: دلائل تلك المسائل، كانت «المعرفة الإسلامية» المحضن الفكري لتأصيل تلك الدلائل؛ إذ تتمحور مواضيعها حول تأصيل المنهج الاستدلالي الشرعي وبيان مصادره المعرفية وحدود كل مصدر ومجالاته (٢) . وتعد المعرفة أو «نظرية المعرفة» ـ كما يطلق عليها في الأوساط الفلسفية ـ قضية كبرى محورية في كل اتجاه ومذهب ونِِحلة؛ إذ بسببها يمكن أن نحفر في جذور كل مذهب فكري، لاستخراج مبادئه المنطقية ومنطلقاته الفلسفية، ليسهل ـ بعد ذلك ـ تصوره والحكم عليه؛ فهي من المعارف بمنزلة الأم، ومن العلوم بمنزلة الجذر. وقد تميزت «المعرفة الإسلامية» من بين نظائرها باعتمادها على أُمَّات الأصول المعرفية، وانتهاجها أقوى الطرق اليقينية وهي ثلاثة: الأول: الوحي الإلهي: وهو عمود «المعرفة الإسلامية» وذروة سنامها؛ فمن الله تبتدئ العلوم والمعارف وإليه تنتهي. قال ـ تعالى ـ: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ ـ ٥] . الثاني: الحواس: وأعظمها السمع والبصر، وهي طريق يقيني لنقل المعرفة والعلم. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] . الثالث: العقل: وهو غريزة فطرية خلقها الله في الإنسان تنطوي على مبادئ ضرورية الصدق، أعظمها مبدأً عدم التناقض ومبدأ السببية، فهو قوة من قوى الإدراك يقوم بوظيفتي التصور والتصديق، لكن يشترط لإدراكه معاضدة الحواس له. قال ـ تعالى ـ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . فبهذه المصادر الثلاثة تتكامل المعرفة اليقينية في النظر الشرعي؛ فمعرفة «عالم الشهادة» تدرك بطريقي الحواس والعقل، ومعرفة «عالم الغيب» تدرك بطريق الوحي إن كان غيباً محضاًً كالجنة والنار، وتدرك بطريق العقل والوحي إن كان غيباً متعقلاً كوجود الله. وقد جمع القرآن بين طرق المعرفة الثلاثة كما جمع بين مجالات المعرفة ـ الغيب والشهادة ـ في آية واحدة، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩] . لكن في هذا السياق لا بد أن أنبه القارئ الكريم إلى قضيتين هما غاية في الأهمية: القضية الأولى: أن «الوحي» الإلهي، وإن كان حقيقة غيبية، لا يمكن إدراك ذاتها بالطرق الحسية، إلا أنه يمكن إثباته بالطرق العقلية وذلك من ثلاثة أوجه: الأول: دلالة أحوال النبي ﷺ وصفاته على ثبوت نبوته؛ وأعظم صفاته الدالة على نبوته: صدقه ﵊ فإذا ثبت صدق النبي من طريق التجربة لزم أن يكون صادقاً في ادعائه الوحي؛ إذ يستحيل استحالة تجريبية أن يكون المرء صادقاً في كل أحواله عظائمها وصغائرها ثم يكذب في أمر جلل كادعاء الوحي؛ وهذا الدليل العقلي هو ما خاطب به رسول الله ﷺ قومه لما نزل قوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ؛ فقد خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه! فقالوا: مَنْ هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: «أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ» ؟! قالوا: ما جربنا عليك كذباً. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب عظيم» (١) . الثاني: دلالة المعجزات على النبوة؛ إذ إن هناك تلازماً ضرورياً بين وقوع المعجزة لنبي وبين كونها دالة على صدقه في ادعائه الوحي؛ فإذا ادعى النبي نزول الوحي عليه، ثم حصلت له معجزة خارقة للسنن الكونية ليست في مقدور البشر دل ذلك على تأييد الله له في ادعائه النبوة، لا وجه لغير هذه الدلالة؛ إذ يستحيل استحالة شرعية وتجريبية أن يكون كاذباً في ادعائه النبوة مع تأييد الله له. الثالث: تضمن الوحي لأدلة ثبوته وهي أدلة كثيرة أعظمها عجز المكذبين به أن يأتوا بمثله لَمَّا تحداهم القرآن بذلك، وما زال التحدي قائماً. قال ـ تعالى ـ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] . فإعجاز القرآن للبشر دليل على صدق النبي فيما ادعاه من النبوة التي ليست في مقدور البشر. ومن تلك الأدلة آيات الإعجاز العلمي في جميع المجالات مثل الطب والفلك والجويولوجيا؛ وهذا مجال خصب واسع بهر المخالفين للوحي الإلهي (٢) . القضية الثانية: أن طرق المعرفة في الإسلام ومصادرها متسقة مؤتلفة لا متنافرة متضادة؛ فالدليل القائم على الطريقة العقلية قسم من منظومة الأدلة الشرعية وليس قسيماً لها، وهو ملازم للدليل النقلي القائم على الوحي؛ بهذا التقرير يمكن إدراك العلاقة المنسجمة بين العقل والوحي، لكن العلاقة بينهما تسوء إذا حاولنا أن نفصم عرى الوثائق بينهما، وهذا ما أراد فعله الفكر القلق المضطرب قديماً وحديثاً. يقول ابن تيمية: (الأدلة العقلية والسمعية متلازمة، كل منهما مستلزم صحة الآخر؛ فالأدلة العقلية تستلزم صدق الرسل فيما أخبروا به، والأدلة السمعية فيها بيان الأداة العقلية التي بها يُعرَف اللهُ وتوحيدُه وصفاتُه، وصدقُ أنبيائه، ولكن من الناس من ظن أن السمعيات ليس فيها عقلي، والعقليات لا تتضمن السمعي، ثم افترقوا: فمنهم من رجح السمعيات وطعن في العقليات، ومنهم من عكس، وكِلا الطائفتين مقصر في المعرفة بحقائق الأدلة السمعية والعقلية) (١) . وبسبب عدم فهم العلاقة المنسجمة بين العقل والوحي افتُعل الصراع بينهما حتى أصبحت قضية العلاقة بينهما من أكبر إشكاليات الفكر والمنهج، وهذا الصراع ـ الذي لا مبرر له ـ بدأ منذ فجر نزول الوحي؛ فقد كانت المعركة الفكرية على أشدها بين الثقافة الجاهلية والوحي الإلهي، وأهم مواطن الصراع بينهما هو قضية «البعث» ؛ فقد حاول الجاهليون مصادمة الوحي بالطرق العقلية حتى قال قائلهم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ولذلك أوْلى الوحي عنايته بإثبات قضية البعث بأنواع كثيرة من الأدلة العقلية. ولم تلبث أن عادت إشكالية العلاقة بين العقل والوحي إلى الظهور مرة ثانية؛ وذلك في الصراع الفكري الذي دار بين الفلاسفة والمتكلمين، وكانت إحدى صور ذلك الصراع ما كان بين الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة» وابن رشد في كتابه «تهافت التهافت» ، ثم ظهر الصراع الفكري مرة أخرى ـ في تلكم القضية ـ بين المتكلمين والسلفيين وكان ابن تيمية أبرز أبطال هذه المعركة الفكرية ممثلاً في كتابه العظيم «درء تعارض العقل والنقل» ، نقض فيه قانون المتكلمين الشهير في علاقة العقل بالنقل، ثم ظهر الصراع الفكري المحتدم بصورته الجديدة في الساحة الفكرية العربية والإسلامية المعاصرة، بعد انتشار الفكر العلماني وتبني رواده العرب أطروحات تيار التنوير الغربي القائلة بكفاية العقل واستقلال مرجعيته، واستبعاد الوحي من دائرة المعرفة، وكان «العقل الوضعي» خصماً للوحي الإلهي المنزَّه في هذه الجولة من جولات الصراع الفكري بين الوحي وخصومه. - العقل الوضعي وجذوره الفلسفية: العقل الوضعي هو ذلك المنهج الاستدلالي المعرفي الذي يستبعد المعرفة الغيبية والقيمية من دائرة اهتمامه، ويتحدد تبعاً لاحتياجات الواقع الحسي ووفقاً لمظاهره، وقد اعتمد رواد العلمانية العربية على «العقل الوضعي» في نقد التراث ورفض الوحي وإقصائه من المعرفة، واتخذوه قاعدة للانطلاق في مشروعهم الحضاري القائم على مفاهيم الحداثة الغربية، وهذا يدعونا لبيان الرابطة الفكرية بين مشروعهم الحضاري والمفاهيم الغربية؛ وذلك بالكشف عن جذور «العقل الوضعي» في الفلسفة الغربية؛ فقد كان المذهب الحسي في الفلسفة الغربية الحديثة الأساس الفلسفي والمستند المنطقي «للعقل الوضعي» ، وهو مذهب ظالم للمعرفة البشرية؛ إذ حبسها في الظواهر الحسية فقط، وسنشير إلى أبرز رواد المذهب الحسي ممن كان لهم الأثر في تكوين المنظومة الفكرية «للعقل الوضعي» . ١ ـ «ديفيد هيوم» ـ ١٧٧٦م: وهو أبرز من قعَّد للمذهب الحسي ونظَّر له، كما كان له الأثر الكبير في تشكيل البناء الفلسفي لاتجاهات وفروع الفلسفة التجريبية الحسية، ويُعَدُّ من أكبر ملاحدة العصر الحديث، وله كلمة شهيرة في ختام كتابه «بحث في العقل» يقرر فيها رفضه للوحي والغيوب؛ إذ يقول: (إذا تناولت أيدينا كتاباً ـ كائناً ما كان في (اللاهوت) أو في الميتافيزيقا الأسكولائية (الغيبيات) مثلاً فلنسأل: هل يحتوي هذا الكتاب على أي دليل مجرد يدور حول الكمية والعدد؟ لا، هل يحتوي على أي دليل تجريبي يدور حول الحقائق الواقعة القائمة في الوجود؟ لا؛ إذن فاقذف به في النار؛ لأنه يستحيل أن يكون مشتملاً على شيء غير سفسطة ووهم) (٢) . ٢ ـ «أوجست كونت» (١٧٩٨م ـ ١٨٥٧م) : وهو مؤسس المذهب الوضعي والمؤسس الحديث لعلم الاجتماع، وقد اشتهر بقانونه المسمى «قانون الأطوار الثلاثة» وهو قانون بُني على الإلحاد، وأُسِّس على جحد الخالق؛ إذ يرى أن تطور التفكير الإنساني مرَّ بثلاثة أطوار تاريخية وهي: الأول: الطور اللاهوتي وهو بداية التفكير الإنساني، وفيه يفسر الإنسان كل الظواهر الطبيعية بردِّها إلى أسباب وقوى خرافية كالإله ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ أو العفاريت والأشباح. الثاني: الطور الميتافيزيقي أي الغيبي، وفيه يفسر الإنسان كل الظواهر الطبيعية بردها إلى قوى ظاهرة ـ كالجبل أو الشمس ـ يظنها قادرة على إحداث الظواهر الطبيعية. الثالث: الطور الوضعي وهو الطور العلمي المعاصر الذي ارتقى فيه الإنسان بفكره واستطاع أن يفسر الظواهر الطبيعة بردها إلى أسباب موضوعية خالية من تخيلات اللاهوتيين وتوقعات الميتافيزيقيين (٣) . لكن اعتماد رواد العلمانية العربية على «العقل الوضعي» في الدعوة إلى مشروعهم التنويري واستخدامهم قوالب التفكير الغربية لنقد التصورات والقيم الإسلامية المبنية على «الوحي الإلهي» قد أخفق لأسباب منها: ١ ـ أن مشروعهم التنويري أعمى لا يعي الطبيعة المرحلية التاريخية للفكر الغربي، ولا الخصائص الفكرية للمجتمع الإسلامي، وذلك من وجهين: الوجة الأول: إغفالهم لدور الفكر الديني المؤمن بقضية «الوحي» في قيادة التيار التنويري الغربي؛ إذ كانت حركية الإصلاح الديني بقيادة «لوثر» في القرن الخامس عشر الميلادي على رأس هذا الفكر في قيادة مشروعهم التنويري، لكن التيار التنويري الإلحادي في العصر الحديث والمعاصر قَلَبَ المِجَنَّ على قادة التيار التنويري المتدينين، وأنكروا دور التفكير الديني في بعث مشروعهم؛ وتلك مرحلة تاريخية للفكر الغربي لا يمكن تجاوزها أو تغافلها؛ إلا أن أصحاب التيار التنويري المعاصر انتهازيون تتأصل في نفوسهم معاني الجحود والنكران للخلق وللخالق. الوجة الثاني: محاولة غرسهم لمفاهيم التيار التنويري الغربي في غير أرضه؛ فإذا كان الوضع الديني والاجتماعي في الغرب لا يعارض هذا التيار؛ فإن الدين الإسلامي ومجتمعه يناقض هذا التيار مناقضة عقلية ونفسية؛ فرواد العلمانية العربية وقعوا في خطأ منهجي لا يغفر ذلك بتبنيهم أحكاماً عقلية مكتسبة من تجربة تاريخية لثقافة مغايرة، مع مكابرتهم على الدور الذي قام به «الوحي الإلهي» في تشكيل العقل العربي الإسلامي؛ فحقيقة مشروعهم التنويري أنه لقيط لا نسب له ولا صهر في الحضارة الإسلامية، فهو مُنْبَتٌّ من جذوره منفك عن فلكه. ٢ ـ أن مشروعهم التنويري عدو لدود لا صديق حميم للحضارة الإسلامية؛ إذ يسعى إلى استلاب أعز ما يملكه أبناء الإسلام وهو القيم الأخلاقية والروحية؛ فكيف يتوافق العدو مع عدوه؟ أم كيف يتعايش اللص الأهوج مع صاحب الدار الحذر؟ ولما كان الإسلام أبيَّ الزمام، بَعِيدَ المرام، كان الإخفاق الذريع حليفاً لمشروعهم التنويري الذي رضي أن يكون خصماً للإسلام؛ والأدلة على إخفاقه جلية كثرة؛ منها أمران: الأمر الأول: لجوؤهم إلى بناء مشروعهم التنويري عبر نقد التراث نقداً ذاتياً ـ باعتباره البعد التاريخي المعرفي للثقافة الإسلامية ـ ولذلك كثرت جهودهم في ذلك، بدأها الماركسي «حسين مروَّة» في كتابه (النزعات المادية في الإسلام) ، ثم تابعه «طيب تيزيني» في موسوعته التي بدأها بكتابه (من التراث إلى الثورة) ، ثم جاء على إثرهم «حسن حنفي» في موسوعته الخماسية (من العقيدة إلى الثورة) التي قدم لها في كتابه (التراث والتجديد) ، ثم توج محمد عابد الجابري هذه الأعمال النقدية في ثلاثيته الموسومة بـ (نقد العقل العربي) التي استهلها بكتابه (تكوين العقل العربي) ، وإن نسينا فلا ننسى ما قام به زكي نجيب محمود في كتابيه (تجديد الفكر العربي) و (المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري) ، وما قام به صادق جلال العظم في كتابه (نقد الفكر الديني) ، وما فعله «إسماعيل مظهر» في كتابه (تاريخ الفكر العربي) والذي أظهر فيه التزامه بوضعية «أوجست كونت» . الأمر الثاني: تراجع بعض دعاة التنوير في العالم العربي عن مواقفهم المتطرفة إلى انكسار حدة دعوتهم وانخفاض نبرة أصواتهم، كان على رأس هؤلاء زكي نجيب محمود رائد «الوضعية المنطقية» في العالم العربي وسلاَّمة موسى رائد العلمانية العربية. فزكي نجيب محمود على سبيل المثال بعد أن كان يدعو إلى إحراق التراث ـ كما نادى به من قبل الفيلسوف «ديفيد هيوم» ـ تراجع عن موقفه الغالي المتطرف شيئاً يسيراً إلى الدعوة باحتفاظ التراث على سبيل التسلي به وإشباع شهوة الحنين إلى الماضي؛ إذ يقول: «تسألني: وماذا نحن صانعون بآدابنا وفنوننا ومعارفنا التقليدية كلها، والتي تحتكر عندنا اسم «الثقافة» ؟ فأجيبك بأنها مادة للتسلية في ساعات الفراغ، ولم اعد أقول ـ كما قلت مراراً مقلداً هيوم وجارياً مجراه ـ لم أعد أقول إنها خليقة بأن يقذف بها في النار، وحسبي هذا القدر من الاعتدال ابتغاء الوصل بين جديد وقديم» (١) ، وسبب تراجعه هو مصادمته ومنازعته لضرورات ومسلَّمات وخصائص الحضارة الإسلامية. - موقف «العقل الوضعي العربي» من الوحي ومعارفه: وفي هذه العجالة أحاول أن أبين ـ بإيجاز ـ الموقف المعرفي للعقل الوضعي العربي من الوحي ومعارفه؛ فأهم هذه المواقف للوضعيين العرب الذين أشير لهم سابقاً ما يلي: أولاً: إنكاره للوحي باعتباره حقيقة غيبية لا يمكن التحقق منها بطريق الحواس؛ فبناءً على أصلهم الفلسفي القاضي بأن كل حقيقة موجودة لا بد أن تكون مدركة بالحواس أنكروا إمكان الوحي أصلاً، وهذا ما قرره أحد دعاة العلمانية في الوطن العربي (٢) ، وهو باطل من وجهين: الأول: زعمه أن المعرفة البشرية محصورة في المدركات الحسية وهي دعوى مجردة من البراهين. الثاني: أن الوحي وإن كان غيباً في ذاته إلا أنه يمكن إثباته بالطرق العقلية، وقد أشرنا إليها في أول المقال. ثانياً: تفسيرهم للإيمان بالوحي تفسير وجداني شعوري خالٍ من معنى العقل والتعقل. يقول رائد الوضعية المنطقية في الوطن العربي زكي نجيب محمود: «صاحب الرسالة الدينية لا يقول للناس: إنني أقدم لكم فكرة رأيتها ببصيرتي، بل يقول لهم: إنني أقدم رسالة أُوحِيَ بها إليَّ من عند ربي لأبلغها؛ وها هنا لا يكون مدار التسليم بالرسالة برهاناً عقلياً على صدق الفكرة ونتائجها المستدلة منها، بل يكون مدار التسليم هو تصديق صاحب الرسالة فيما يرويه وحياً من ربه؛ أي أن مدار التسليم هو الإيمان» (١) . ولا ريب أن هذا الفهم للإيمان قائم على فكرة الانفصام المفتعل بين الوحي والعقل، وإلاَّ؛ فإن تصور إمكان تحقق الإيمان بالوحي من دون برهان عقلي وهمٌ لا حقيقة له، وهذا المعنى الميت للإيمان والذي قام على عزل الشعور عن العقل هو الرائج اليوم في أفهام كثير من الغرب والمستغربين، ويعود سبب انتشار هذا المعنى الباهت للإيمان إلى ما قام به الفيلسوف «كانت» من تقريره ـ في فلسفته النقدية ـ أن أساس الإيمان بالدين وطريق إثباته هو الأخلاق لا العقل. ثالثاً: ادعاؤه استقلالية العقل عن الوحي وافتقار الوحي إلى العقل، وفي ذلك يقول حسن حنفي ـ وهو صاحب فكر اعتباطي وخطاب متمرد ـ: «الحجج النقلية كلها ظنية حتى ولو تضافرت وأجمعت على شيء أنه حق، لم يثبت أنه كذلك إلا بالعقل ... » (٢) . رابعاً: ادعاؤه المرجعية الحاكمة على التراث المؤسس على الوحي. يقول حسن حنفي: «مهمة التراث والتجديد التحرر من السلطة بكل أنواعها: سلطة الماضي، وسلطة الموروث؛ فلا سلطان إلا العقل، ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه ... » (٣) . خامساً: تقريره بأن «الواقع الحسي» هو أساس المرجعية العقلية وأصل المعارف المؤسسة على الوحي، ومحمد عابد الجابري في دعوته إلى إعادة تأسيس العقل العربي انطلاقاً من الواقع الحسي والاجتماعي الغربي، يقول: «العلم لا يؤمن بمصدر آخر للعقل وقواعده غير الواقع، ومن دون شك فإن قواعد العقل إنما تجد مصدرها الأول في الحياة الاجتماعية التي تشكل أول أنواع الواقع الحي ... » (٤) ؛ فمرجعية الواقع الحسي للعقل الوضعي هو ما يميزه من غيره من العقول، ولذلك فإن العقل ـ عنده ـ أداة مجرد من مبادئه الفطرية، ولذلك وصفه (الجابري) بوصف غارق في الوضعية وهو أنه «لعب حسب قواعد» (٥) . سادساً: رفضه للمنهج الاستدلالي الشرعي بدعوى عدم تجرده من الأيديولوجية ولهذا يرى الجابري أنه من غير الممكن التحرر من الأيديولوجيات في الدراسات الإنسانية، خصوصاً فيما يتعلق بالدراسات التراثية (٦) ، ولكن هذه الدعوى لا رصيد لها من البراهين العلمية؛ وذلك من وجهين: الأول: أنه بالنظر إلى علاقة الثقافة بالأيديولوجية يصعب ـ إن لم نقل يستحيل ـ انفكاك المعرفة العلمية عن دوافعها الأيديولوجية؛ ذلك لارتباط العلم بالخصائص الثقافية التي تشكله والتراث التاريخي الذي صنعه، وليس في ذلك ما يوجب رد مسائل المعرفة العلمية بذلك الزعم. الثاني: أن المناط في رفض وقبول المسائل العلمية أياً كان نوعها هو الضوابط والقواعد العقلية المنهجية إضافة إلى الضوابط الخاصة لكل علم، ولا علاقة للأيديولوجيات بهذه الضوابط إلا إذا كانت الأيديولوجية على حساب الحقيقة العلمية وضوابطها؛ عندها يمكن تمرير الطعن في مثل هذه المسائل العلمية؛ فالطعن في التراث بمثل هذه المزاعم محاولة يائسة لإخراجه من منظومة المعرفة بكاملها، ولكن هيهات أن يؤثر هذا الطعن في مناهج تراثية قامت على الحقائق العقلية والقواطع الشرعية، وما لنا قولٌ في وصف هذه المحاولة إلا كما قالت العرب قديماً: «عُثَيْثَةٌ تقرمُ جِلداً أملَسَ» . وفي الختام أدعو علماء الأمة ومثقفيها إلى استشعار خطورة «العقل الوضعي» على دين الأمة الإسلامية وهويتها وثقافتها، لا سيما إذا علمنا بتبني كثير من المؤسسات العلمية والثقافية لأطروحاته، بل تأخذنا الدهشة إذا علمنا أن هناك دولاً وحكومات في الوطن العربي تروِّج لهذا الفكر المتمرد على دينه وثقافته وحضارته، كما أدعو علماء الأمة ومثقفيها إلى إقامة المشاريع العلمية النقدية لنقض هذا الفكر وكشف عُواره وإبداء سوآته؛ حفظاً لعقيدة الأمة وثقافتها وهويتها من أيدي العابثين بها.

стр. 5504

رؤية شرعية في (عيد الحب) ! جماز بن عبد الرحمن الجمّاز - أصل عيد الحب: ذكرت الموسوعة الكاثوليكية، أن القسيس (فالنتاين) ، كان يعيش في أواخر القرن الثالث الميلادي، تحت حكم الإمبراطور الروماني (كلاوديس الثاني) . وقد قام الإمبراطور بسجن القسيس؛ لأنه خالف بعض أوامره، وفي السجن تعرّف على ابنةٍ لأحد حراس السجن، ووقع في غرامها وعشقها، حتى إنها تنصَّرتْ، ومعها ستة وأربعون من أقاربها، كلهم تنصّروا، وكانت تزوره ومعها وردة حمراء لإهدائها له. فلما رأى منه الإمبراطور ما رأى، أمر بإعدامه؛ فعلم بذلك القسيس، فأراد أن يكون آخر عهده بعشيقته؛ حيث أرسل إليها بطاقة، مكتوباً عليها: «من المخلص فالنتاين» ثم أُعدِم في الرابع عشر من فبراير سنة ٢٧٠م. وذكرت الموسوعة أيضاً: أنه في إحدى القرى الأوروبية، يجتمع شباب القرية في منتصف فبراير من كل عام، ويكتبون أسماء بنات القرية في أوراق، ويجعلونها في صندوق، ثم يسحب كل شاب من هذا الصندوق ورقة، والتي يخرج اسمها على ورقته، تكون عشيقته طوال السنة، ويُرسل لها على الفور بطاقة مكتوباً عليها: «باسم الآلهة الأم، أرسل لك هذ البطاقة» ، ثم تجدّد الطريقة بنهاية منتصف فبراير في العام المقبل، وهكذا. وبعد مدة من الزمن، قام القساوسة بتغيير العبارة إلى «باسم القسيس فالنتاين» (١) . والظاهر من حادثة شباب القرية، أنهم فعلوا ذلك، تخليداً لذكرى القسيس فالنتاين، وعشيقته، وحباً للفاحشة والخنا. وكذلك يفعلون. - واقعنا وعيد الحب: سرت تلك الحادثة إلى أرجاء واسعة، وتناقلها جيل بعد جيل حتى تمكنتْ من مجتمعات المسلمين والمسلمات؛ فمنهم من احتفل بها عامداً للإفساد، ومنهم من احتفل بها تقليداً، حتى طار بها الناس كل مطار، وانتشرت بطاقات تهنئة بهذه المناسبة، فيها صورة لطفل بجناحين فوق مجسم لقلب، وُجِّه إليها سهمٌ، وهذا رمز «آلهة الحب عند الرومانيين» ووُضع في الصفحة الرئيسية لأحد مواقع عيد الحب، على الشبكة الإلكترونية، مجسم لقلب يخترقه صليب. وللأسف، فإننا نرى بعضاً من المسلمين والمسلمات في بعض أنحاء العالم، يحتفلون بعيد الحب، في الرابع عشر من فبراير كل عام (ويوافق هذه الأيام الخامس من محرم عام ١٤٢٧هـ) . ومن مظاهر هذا الاحتفال، أن نرى أزياء حمراء، من لباس أو أحذية أو حقائب أو زهور أو هدايا، فضلاً عن تبادل البطاقات الخاصة بالاحتفال، مكتوب عليها عبارات فيها اعتزاز بالعيد، وتهنئة بالحب، ورغبة في العشق، وما من شأنه أن يبرز معاني الحب والبهجة والسرور، والمشاركة الوجدانية في الاحتفال، وبعضهم يبعث بهدية من لباس أو أكل أو شرب أو نُصُب تذكاري، ليشاركهم فرحة العيد. ولهذا يحلو لبعض الناس أن يُسميه بـ «عيد العُشاق» . - ومن المظاهر السافرة للاحتفال بعيد الحب ما يلي: ١ ـ الاستعداد المبكر للمحلات التجارية، كالفنادق والمطاعم والمتاجر، بالترحيب بعيد الحب، بشعار اللون الأحمر، كالمداخل والأبواب والإنارة والورود والمفارش والأطباق. ٢ ـ استخدام اللون الأحمر في مراسم الاحتفال، رمزاً للحب وإحياء لذكرى الوردة الحمراء التي أهدتها عشيقة القديس فالنتاين له، من شال ومناديل وأكسية وحقائب وجوارب وأحذية. ٣ ـ انتشار البالونات والألعاب والدمى الحمراء، مكتوب عليها [Lov You] . ٤ ـ قيام بعض أصحاب المنازل بتعليق الورود الحمراء على مواضع في واجهة المنزل كالأبواب والنوافذ والأسوار. ٥ ـ اتفاق بعض الطالبات مع بعض صديقاتها بربط شريطة حمراء اللون في معصم اليد اليسرى، وإرسال بطاقات مكتوب عليها «كن فالنتينياً» . ٦ ـ نقش القلوب على اليدين وكتابة الحرف الأول من الاسم للعشيقين. ٧ ـ إقامة الحفلات الراقصة، والسهرات المختلطة، فرحاً بتلك المناسبة. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن عيد الحب يحتل المرتبة الثانية في الاحتفالات بعد عيد الكريسمس (١) . - الآثار والأضرار المترتبة على المشاركة في عيد الحب: تتجلى الآثار والأضرار الناشئة عن المشاركة في هذه المناسبة بأمور؛ منها: ١ ـ أنَّ الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك، بل إنها من أخصّ ما تتميز به. قال ـ تعالى ـ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] . فمن وافق الكفار في جميع عيدهم؛ فإنَّ ذلك ينتهي به إلى الكفر بشروطه، ومن وافقهم في بعض فروع العيد، فقد وافقهم في بعض شُعَب الكفر. ٢ ـ أن ما يفعله الكفار في أعيادهم واحتفالاتهم، منه ما هو كفر، ومنه ما هو محرم، ومنه ما هو مباح، والتمييز بين هذا وهذا، قد يخفى على الكثير، وهذا مؤداه أن يتساهل عامة المسلمين بأمور كفرية صريحة، أو ما دونها من الموبقات. ٣ ـ أن مشاركة الكفار في أعيادهم واحتفالاتهم والتشبه بهم في ذلك، يُؤدي بالمسلمين المُتشبهين بهم والمشاركين لهم إلى اكتساب أخلاقهم المذمومة، حتى يشاركوهم في اعتقاداتهم وانحرافاتهم؛ إذْ إنَّ المشاركة في الظاهر تقتضي المشاركة في الباطن ولو بعد حين. ٤ ـ أن مشاركة الكفار ومشابهتهم في مناسباتهم، تُورث نوعاً من مودتهم ومحبتهم وموالاتهم، وقد تقرّر أن محبة الكفار وموالاتهم تنافي الإيمان، كما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام. ٥ ـ أن الاحتفاء بأعياد الكفار، تُوجب سرور الكفار بما هم عليه من الباطل، وذلك إذا رأوا المسلمين تابعين لهم في طريقتهم، وهذا ظاهر في قوة قلوبهم وانشراح صدورهم، وطمعهم في المسلمين ونهب خيراتهم واستذلالهم، وقد فعلوا. ٦ ـ أن مشاركة الكفار فرحتهم، ولو بشيء قليل مثل تقديم الهدية أو الحلوى أو نحوها، يقود لفعل الكثير في المستقبل وفي شتى مناحي الحياة مع الكفار حتى يصير عادة لهم، ويتتابع عليه الناس، حتى يرتفع الكفر وأهله، وتُعظَّم مناسباتهم بغير نكير؛ فالأمر جدّ خطير. ٧ ـ تعطيل أعياد المسلمين؛ فالنفس تأخذ حظها من اللعب واللهو في تلك الأعياد المحرَّمة؛ فإذا ما جاء العيد الحقيقي للمسلمين، فترت النفوس عن الرغبة في عيد الله، وزال ما كان عنده له من المحبة والتعظيم. ٨ ـ أن رسالة الكفار في إفساد المسلمين، ولَبْس الحق بالباطل، والدعوة إلى الكفر والضلال والإباحية والإلحاح وتغريب المسلمين عن دينهم، تجد لها مرتعاً واسعاً، وباباً مفتوحاً من خلال تلك الاحتفالات الكفرية، فيحتالون على المسلمين ويدخلونها تحت مسميات رياضية أو ثقافية أو اجتماعية أو سياسية، ويتقبلها الناس بدون نكير. ٩ ـ أن أصل عيد الحب عقيدة وثنية عن الرومان، يُعبَّر عنها بالحب الإلهي للوثن الذي عبدوه من دون الله تعالى؛ وعليه فمن يحتفل به فهو يحتفل بمناسبة تُعَظَّم فيها الأوثان التي تُعبَد من دون الله تعالى، وهذا أصل ضلال الطوائف الكافرة (١) . ١٠ ـ أن من مقاصد عيد الحب، إشاعة المحبة بين الناس كلهم، مؤمنهم وكافرهم، وهذا يخالف دين الإسلام، بل يصادم أصلاً من أصول أهل السنة والجماعة، وهو الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين (٢) . - حكم الاحتفال بعيد الحب: الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على أن الاحتفال بغير الأعياد الإسلامية: الفطر والأضحى، بدعة محدثة في الدين، مثل: عيد رأس السنة الميلادية، وعيد الكريسمس، وعيد اليوبيل، وعيد الاستقلال، ونحوها. وهكذا الاحتفالات، كالاحتفال بذكرى المولد النبوي، والإسراء والمعراج، والعام الهجري الجديد، كلها احتفالات وأعياد محرّمة. والاحتفال بعيد القديس فالنتاين [Valentine,s DAY] أو ما يسميه بعض المسلمين «عيد الحب» ، احتفال بِدْعي محرم قطعاً، وعادة سيئة، وبدعة منكرة ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن الاحتفال به من البدع والإحداث في دين الله ، بل هو ضلال. وفي حديث العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: « ... وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٣) . وخرجه الآجري، وزاد: «وكل ضلالة في النار» وهو صحيح (٤) . والأعياد توقيفية من جملة العبادات، لا يجوز إحداث شيء منها إلا بدليل. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» أخرجه البخاري وغيره (٥) . وإن اعتقد من يحتفل به أنه عادة، فهو قد اعتبر ما ليس بعيد عيداً، وهذا من التقدم بين يدي الله ورسوله ﷺ ؛ حيث أثبت عيداً في الإسلام، لم يجعله الله ورسوله ﷺ عيداً. ولا شك أن الاحتفال به، تشبّه، بأعداء الله؛ فإن هذه العادة ليست من عادات المسلمين أصلاً، بل هي عادة من عادات النصارى. عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبّه بقومٍ فهو منهم» . أخرجه أبو داوود وغيره وهو صحيح (٦) . قال ابن كثير: «فيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد والوعيد، على التشبه بالكفار في أقوالهم، وأفعالهم، ولباسهم، وأعيادهم، وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تُشرع لنا، ولم نُقرَّر عليها» ا. هـ (٧) . وفيه دلالة صريحة على وجوب الحذر من مشابهة أعداء الله في أعيادهم وغيرها. والاحتفال بعيد الحب إذكاء لروح الحب المحرم والعشق والغرام المشين، وتعاون على نشر الرذيلة والفساد، وإحياء لذكرى شخصية كافرة نصرانية. والله ـ جل وعلا ـ يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] ويقول ﵎: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] والمعنى: يحبون أن تفشو الفاحشة وتنتشر (٨) . والاحتفال بعيد الحب، كالاحتفال بغيره من أعياد الكفار، يربأ المسلم بنفسه أن يشهدها، والله ـ جل وعلا ـ وصف عباده المؤمنين بأنهم لا يشهدون أعياد الكفار. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] والزور في قول غير واحد من التابعين وغيرهم: «أعياد المشركين» ذكره القرطبي (٩) ، والبغوي (١٠) ، وابن كثير (١١) ، وابن تيمية (١٢) ، وغيرهم. وأما الإجماع على تحريم حضور أعياد الكفار أو تهنئتهم بها، فقد نقله غير واحد. قال ابن تيمية عن أعياد الكفار: «فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها؛ فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؟ أوَليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها، مظهراً لها؟» . (١) وقال ابن القيم: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به، فحرام بالاتفاق؛ مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه؛ فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام، ونحوه ... » ا. هـ (٢) . - وبناء على ما تقدم: فإنَّ عيد الحب من جنس ما ذكر من الأعياد المبتدعة، بل هو بذاته عيد وثني نصراني، فلا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفعله أو أن يقره أو أن يُهنّئ به، بل الواجب تركه واجتنابه، استجابة لله ولرسوله وبعداً عن أسباب سخط الله وعقوبته. قال ابن القيم عن التهنئة بأعياد الكفار: «وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فَعَل؛ فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه» (٣) . كما يحرم على المسلم الإعانة على هذا العيد أو غيره من الأعياد المحرمة، بأي شيء من أكل أو شرب أو بيع أو شراء أو صناعة أو هدية أو مراسلة أو إعلان أو غير ذلك؛ لأنَّ ذلك كله من الإثم والمجاوزة لحدود الله تعالى، والتعاون على الإثم والعدوان ومعصية الله والرسول (٤) . قال ابن تيمية عن أعياد الكفار: «لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختصّ بأعيادهم، لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك. ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار الزينة. وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام» ا. هـ (٥) . - كلمة أخيرة: واجب الجميع التعاون على وأد هذه الظاهرة في مهدها؛ فالآباء والأمهات يضطلعون بمسؤولية عظيمة في تحذير أولادهم من المشاركة في هذا الاحتفال، ومنعهم من شراء بعض الألبسة أو الأحذية أو الورود ذات اللون الأحمر، إذا أراد لبسها والتزين بها، ابتهاجاً بالمناسبة، أو مسايرة للأصدقاء أو مجاملة لهم، أو مغايرة لهم. وكذلك الأولاد، متى رأوا من والديهم شيئاً من ذلك، أشعروهم بحرمة هذا الاحتفال، وطلبوا منهم عدم المشاركة أو الإعانة. وهكذا أصحاب المراكز التجارية، يضطلعون بمسؤولية كبيرة؛ فواجبهم عدم إصدار بطاقات خاصة أو شعارات تلائم المناسبة، أو استيراد وبيع ما هو من خصوصيات ذلك الاحتفال من حذاء أو قبعة أو نُصُب تذكاري أو ورود أو حلوى أو هدايا، ونحو ذلك. والمعلمون والمعلمات، ليس لهم أن يسكتوا عن التحذير عن هذا الاحتفال متى استطاعوا ذلك؛ فعليهم بيان أصله وسببه، وأنه عقيدة وثنية نصرانية، وأنه وسيلة لنشر الفاحشة بين الشباب والفتيات، وتشجيع للإباحية، ويُراد منه نشر الضلال بالعقائد الفاسدة، وتمكُّن الفساد في صفوف المسلمين. وهكذا الخطباء والكتاب والمسؤولون في أجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، يتعين عليهم بيان حرمة مثل هذه الأعياد والاحتفالات وأنها إحداث في دين الله ، وتشبه بأعداء الله ﵎ لا يجوز حضورها ولا تشجيع أهلها ولا تهنئتهم بها، ونحو ذلك مما فيه إعانة على هذا المنكر أو إقرار عليه. وهكذا العلماء وطلاب العلم في كل عَصْرٍ ومِصْرٍ، يجب

стр. 5505

الطريق إلى العزة إبراهيم بن صالح الدحيم تشتد الهزيمة ويعظم الخطب حين تُهزم الأمة من داخلها، حين تهتز ثقة الأمة بدينها وعقيدتها ومقدراتها (إن الأزمة الحقيقية لأمتنا الإسلامية هي انعدام الوعي بذواتنا، أزمة فقدان الثقة بقدراتنا على الفعل، وأسوأ ما يمكن أن يصيب أمة هو فقدان الثقة بنفسها وبإمكانياتها وبقدرتها على الفعل والمشاركة الإيجابية في صنع الأحداث وتجاوز المحن والأزمات. وقد تساءل «غوستاف لوبون» في كتابه «حضارة الهند» : كيف استطاع البريطانيون ببضعة آلاف من الجنود أن يستعمروا الهند ذات الملايين العديدة؟! وأجاب: عند تشريح جمجمة الهندي لا نراها مختلفة عن جمجمة الإنجليزي، ولكن الفرق هو الإرادة: الثبات والعزم في قوم، والضعف والاستكانة في آخرين) (١) . إن أمة تُشعِر نفسها بالضعف فهي ضعيفة، وستظل ضعيفة ما دام هذا الشعور لا يفارقها. لقد بُلي كثير من المسلمين اليوم بالهزيمة النفسية، التي كان من ثمارها الحنظلية العيش مع المجتمعات الأخرى بنفسية المغلوب لا بنفسية الغالب، فحملها ذلك أن انقادت وراء هذه المجتمعات وسلمت لها خطامها وأقرت لها بالتبعية والولاء. من يهنْ يسهل الهوانُ عليه ما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ لقد نكبت الأمة وذلت، وزلت، وضلت، يوم وجهت وجهها نحو الغرب الكافر، فأصبحت تقتات من فتاته، وتتمسح بأعتابه، وتسير في ركابه. زيَّن لها ذلك أصحاب الفكر المغلوب، والعقل القلوب، الذين ما فتئوا يصيحون بالأمة أن تسلم قيادها للغرب، وأن تأخذ كل ما عنده من عادات وثقافات (خيرها وشرِّها، حلوها ومرِّها، ما يُحمد منها وما يُعاب) (٢) ، زد عليه ذاك الجهد الكُبَّار من الكفار في تغريب المجتمعات الإسلامية، ومسخ هويتها وعزلها عن منبع عزِّها ومكمن فخرها، حتى خرج جيل بعيد كل البعد عن روح الإسلام، بعيد في ثقافته، وشخصيته، وسلوكه، ونمط حياته. وإن الذي ينظر في أحوال المسلمين اليوم يرى عجباً من نتاج التغريب المستمر، يرى ذلك الجهل الظاهر لمهمات الدين في الشعوب المسلمة، بينا تجد جموعاً منها لا تجهل ملابسات (وفاة الكلب سولي أو الكلبة لولي!!) (٣) لقد كان من نتاج هذا التغريب أيضاً: الجهل بالتاريخ الإسلامي وأمجاده وأبطاله، وكان من نتاجه أيضاً: السعي المحموم خلف (الموضات) والتقليعات الغربية، حتى أصبح ما يُفصَّل هناك في الصباح يُلبس هنا في المساء، وتسربت إلى البلاد الإسلامية عادات ليست منها بباب. ذكرت بعض الإحصائيات أن عدد الكلاب في إحدى الدول العربية أكثر من مليون كلب (٤) !! إنها ليست كلاب حرث أو حراسة أو صيد، إنها كلاب مدللة أحدثها التقليد: «حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه» (١) . إن الأمة التي تعيش على فُتات الغير، وتقتات من موائده، لا يمكن أن تصنع نصراً، أو تبني مِصْراً، بل ستظل أمة ضعيفة هزيلة تابعة لا متبوعة. ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان: عير الحي، والوتدُ هذا على الخسف مربوط برمّته وذا يُشَجُّ فلا يرثي له أحدُ لما ذلت أمتنا غابت العزيمة من خطابها، ولم يعد في قاموسها غير الرخصة! نسيت ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١] وبقيت تردد «يسِّروا ولا تعسروا» ، قرأت ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] وتركت ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] والشرع يُعرف من مجموع أدلته. لقد أصبحت قراءتنا للنصوص قراءة تناسب ضغط الواقع! لا مقاصد الشريعة. وحين نريد لأمتنا أن ترقى، ولمكانتها أن تبقى، فلا بد من بعث روح العزة والقوة فيها، وأن يربّى أفرادها على ذلك، ولعل مما يبعث على العزة أمور أذكر منها ما يلي: ١ ـ تحقيق التوحيد وتنقية الاعتقاد: لقد جعل الله العزة ملازمة للإيمان: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ، فمتى استقر الإيمان ورسخ، فالعزة معه مستقرة راسخة؛ حتى في أحرج اللحظات. دخل الإيمان قلوب السحرة فصرخوا في وجه فرعون باستعلاء: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٢ - ٧٣] ألا ما أروع الخطاب يوم يخرج بلغة الإيمان! إنه (الإيمان الذي جعل من بلال الحبشي قوة يتحدى «سيده» أمية بن خلف ويحارب أبا جهل بن هشام.. الإيمان الذي جعل القلة تنتصر على الكثرة، والأميين يغلبون المتحضرين، ودفع العرب البداة، ويقينهم في قلوبهم، ومصاحفهم في يد، وسيوفهم في أخرى، ومساكنهم على ظهور خيولهم يقولون لملوك فارس وأباطرة الروم: نحن قوم بعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده) (٢) . وحين انحرف الناس في فهم التوحيد وضلّوا في الاعتقاد، وأطفؤوا بتخليط الشرك نور الوحدانية، كان عاقبة أمرهم خسراً، واستبدلوا برفيع منازلهم أودية وقفاراً، فبارك عدوهم ما هم فيه، وأغمد سيفه مطمئناً لجانبهم، بل ربما أصاب بسهامهم ما لم يصبه هو بسهمه. ماذا جرَّت الصوفية ـ مثلاً ـ على بلاد المسلمين لما ضلت في الاعتقاد، وصنعت لأتباعها إيماناً مشوهاً مشوشاً لا يصنع العز في النفوس، بل يرسِّخ فيها الذل والهوان كما يصف صنيعهم محمد الغزالي ﵀ بقوله: (تمارين على الذل) ، ومما قاله أيضاً: (إن الدجالين من رجال الطرق الصوفية كانوا يربون أتباعهم على التواضع بشتى الطرق المهينة؛ فإذا رأوا أنفة من مسلك أحدهم، أو دلائل عزة وترفع، جعلوا عليه مهمة حمل أحذية الجماعة، والمحافظة عليها، حتى تنكسر نفسه، وينخفض رأسه، وبذلك يكون مرشحاً لعبادة الله كما يحب! ولم يَدْرِ المغفلون أنهم يرشحونه أيضاً ليكون عبداً للناس جميعاً، وأن مثل هذا الكائن الممسوخ هو أمل المستعمرين الذين يقيمون وجودهم على إذلال الأمم وقتل الشعور بالكرامة في نفوس بنيها) (٣) . وصدق (توينبي) وهو كذوب حيث يقول: «لقد ظللنا نُخرج المسلم التركي حتى يتخلى عن إسلامه ويقلدنا؛ فلما فعل ذلك احتقرناه؛ لأنه لم يعد عنده ما يعطيه» اهـ. أما حين يرجع المؤمن إلى دينه ويتمسك بثوابته فإنه سيجد في كتاب ربه ما يغنيه، وفي سنة نبيه ﷺ ما يرويه، وفي عقيدته ما يكفيه، ولن يكون بحاجة إلى مخلفات الحضارة الغربية. ورحم الله محمد إقبال حين قال: إن بريق المدنية الغربية لم يُغْشِ بصري؛ لأني اكتحلت بإثمد المدينة النبوية. ٢ ـ تحقيق تقوى الله ـ تعالى ـ بلزوم الطاعة واجتناب المعصية: قال ابن القيم وهو يعدد آثار الذنوب والمعاصي: (إن المعصية تورث الذل ولا بد؛ فإن العز كل العز في طاعة الله. قال ـ تعالى ـ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] أي فليطلبها بطاعة الله؛ فإنه لا يجدها إلا في طاعته. وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزّني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك) (٤) ، ويعلِّق ابن القيم على قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] فيقول: (والمعنى: قد أفلح من كبّرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها، وقد خسر من أخفاها وحقّرها وصغّرها بمعصية الله. فما صغّر النفوس مثل معصية الله، وما كبّرها وشرّفها ورفعها مثل طاعة الله) (٥) . وعن جبير بن نفير قال: (لما فُتحت قبرص فُرِّق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، ورأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء! ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: ويحك! ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره، بينما هم أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى) (٦) . إن المعصية ذل وعار وسواد في الوجه، وظلمة في القلب، وبغضة في قلوب الخلق. قال ﷺ : «إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» (١) ، وفي بعض الآثار الإلهية يقول الله ﵎: «أنا العزيز؛ فمن أراد العز فليطع العزيز» . وكان عامة دعاء إبراهيم بن أدهم: اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة. ألا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم وليس على عبد تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم ٣ ـ التعالي على مطامع الدنيا وشهواتها ولذائذها: إن النفس حين ترتفع عن المطامع الدنيوية، والشهوات الدنية، فإنها يوماً ما لن تكون أسيرة لها أو ذليلة لوطأتها، بل سترتفع إلى مكان أرقى وجوٍّ أنقى. إني جواد عصي لا يطوعه بوح العناقيد أو عطر الهنيهات أتيت أركض والصحراء تتبعني وأحرُف الرمل تجري بين خطواتي أتيت أنتعل الآفاق.. أمنحها جرحي وأبحث فيها عن بداياتي إن المسلم حين يتعامل مع الدنيا على حذر، ويأخذها على أنها متاع زائل وبُلْغة مسافر؛ فإنه لن يقع عبداً لها، ولن يبيع عزته ومكانته فداءً لها، بل سيتخلى عن دنياه أسهل ما يكون حين تتعارض مع مبادئه وقيمه وثوابته، وحين يساوم على شيء من دينه. وقع عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ أسيراً في يد الروم، فلجؤوا معه إلى الإغراء فلم يستجب، عرض عليه ملك الروم إن هو ترك دينه أن يعطيه نصف ملكه، فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ملك العرب ما رجعت عن دين محمد ﷺ طرفة عين، وفي بعض الروايات: ثم جعلوا له في بيتٍ معه الخمرَ ولحم الخنزير ثلاثاً لا يأكل، فاطلعوا عليه، فقالوا للملك: قد انثنى عنقه، فإن أخرجته وإلا مات، فأخرجه، وقال: ما منعك أن تأكل وتشرب؟ فقال: أما إن الضرورة قد أحلتها لي، ولكن كرهت أن أشمِّتك بالإسلام (٢) . أيُّ ثبات هذا الثبات؟! وأيُّ عزة تلك التي امتلأت بها نفس ابن حذافة؟! إنها النفوس حين تتعالى عن مطامع الدنيا، وترتفع عن شهواتها. ٤ ـ النظر إلى الكافر نظرة احتقار مشوبة برحمة: هكذا ينبغي أن يكون نظرنا للكافر، لا أن ننظر له نظرة اعتزاز وإكبار، حتى ولو بلغ من الحضارة كل مبلغ، فقد صغَّر الله شأنهم، وحقَّر أمرهم، فلا يصح أن نرفع منهم، قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه» (٣) ، وإن ذل المعصية لا يفارق جباههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه، كما يقول الحسن البصري ﵀: (إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إلا أن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه) (٤) . إن الذي يعلم حقيقة ما عليه الغرب الكافر اليوم، يرى أنه ليس حقيقاً بالإكبار، بل يرى أنه مجتمع متساقط متهالك، ليس لديه من مقومات البقاء شيء. يقول الرئيس الأمريكي السابق (جون كنيدي) : إن الشباب الأمريكي مائع منحل، غارق في الشهوات، وإنه من بين سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين ـ كل ذلك بسبب انهماكهم في الشهوات ـ. وتقول الإحصائيات: إنه في لندن وخلال (٢٤) ساعة يحدث ٣٣٢ اعتداء، و٣١٤ حادث سطو منزلي، و ٥٣٠ حادث مرور، وتتم سرقة ١١٦ سيارة و ٢٧٣ حادث سرقه و ٣٤ اعتداءً جنسياً، وعلى هذا يكون معدل الجرائم في اليوم الواحد في لندن ١٥٩٩ جريمة!! ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] . كيف نرجو من السجين معيناً وهو في القيد ينشد الإفراجا سبل الغرب كلها جحر ضبٍّ وسبيل الإسلام كانت فجاجا ٥ ـ التعلق بالآخرة وطلب ثوابها: إن الذي يتعلق بالآخرة تهون الدنيا في عينه، وتهون عليه نفسه فيقدمها رخيصة لله. تقول ابنة السعدي وهي تلومني أما لك عن دار الهوان رحيل فان عناء المستقيم على الأذى بحيث يذل الأكرمون طويل وعندك محبوك السراة مُطَهَّم وفي الكف مطرور الشباة صقيل نادى رسول الله ﷺ في أصحابه: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» ففعلت هذه الكلمات في نفوس أهل الآخرة فعلها، فقام عمير بن الحُمَام «وقال: يا رسول الله! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم! قال: بَخٍ بَخٍ! فأخرج تمراتٍ من قَرنِهِ فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتل» (٥) . لقد رأى أن هذه التمرات ـ والتي كان يتقوّى بها على الجهاد ـ قد تعيقه وتؤخر وصوله إلى الجنة فألقى بها وهو يقول: «إنها لحياة طويلة إن أنا بقيت حتى آكل هذه التمرات» . وهذا جابر بن عبد الله ﵄ لما سمع رجلاً يقول للنبي ﷺ يوم أحد: «أرأيت إن قتلت؛ فأين أنا؟ قال: «في الجنة» . ألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل» (١) . ٦ ـ التربية على الاعتزاز بالدين وغرس ذلك في النفوس: لا بد من التربية على الاعتزاز بالدين وغرس ذلك في نفوس الأطفال من صغرهم، وأن يحدَّثوا بأمجادهم وتاريخ أسلافهم، قُلْ له: أنت ابن الإسلام، أنت حفيد أبي بكر، ووارث عمر، وصاحب عثمان، وخليفة علي، حدِّثْه عن نور الدين وصلاحه، أعدْ عليه ذكرى بدر، وأخبار القادسية واليرموك وأحداث حطين ونهاوند وبلاط الشهداء. من أنت؟ فانتفضت حروفي وانتشت في كبرياء وتطامنت حولي الرؤوس وهب يعليني الإباء حتى علوت على السُّهى وشربت من ماء السماء وتساءلت حولي النجوم فضج فيَّ الانتماء من أنت؟ أي رسالة جعلتك ملتهب الدماء الشمس تشرق في يديك البيض ما هذا السناء؟ والناس في درب الدجى هلكى وأنت مع الضياء من أنت؟ أسئلة تراودني الصباحَ مع المساء تعبت من الأسفار أرجلهم فناموا في العراء ومضوا يعبُّون السراب ويرشفون الكبرياء لا تسأليني من أنا؟ «أنا واحد من هؤلاء» جسدي (بأرضي) ها هنا لكن روحي في السماء ٠ عوِّدْ من تقوم على تربيته أن لا يستجدي الناس شيئاً، وأن يستغني بما عنده عما في أيدي الناس، وقد قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره. ٠ عوِّدْه ردَّ الضيم وعدم قبول الذل؛ فإن ذلك ليس من سجية المؤمن ولا من خلقه، بل هو عزيز أبيٌّ. يقول ابن القيم ﵀: (إذا أردت أن تعرف الديك من الدجاجة وقت خروجه من البيضة فعلِّقه بمنقاره فإن تحرك فديك، وإلا فدجاجة) (٢) . ٠ عوِّده أن يرفع رأسه دائماً إلى السماء، وأن لا يطأطئ إلى الأرض. روى العسكري: (أن رجلاً مرّ على عمر ﵁ «وقد تخشع وتذلل وبالغ في الخضوع، فقال عمر: ألستَ مسلماً؟ قال: بلى! قال: فارفع رأسك، وامدد عنقك؛ فإن الإسلام عزيز منيع» (٣) ورأت الشفاء بنت عبد الله بعض الفتيان يمشون متماوتين فقالت: مَنْ هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء النسّاك. فقالت: لقد كان عمر إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذ ضرب أوجع؛ وكان هو الناسك حقاً (٤) . (إن اعتزاز المسلم بنفسه ودينه وربه هو كبرياء إيمانه، وكبرياء الإيمان غير كبرياء الطغيان، إنها أنفة المؤمن أن يصغر لسلطان، أو يتَّضع في مكان، أو يكون ذَنَباً لإنسان. هي كبرياء فيها من التمرد بقدر ما فيها من الاستكانة، وفيها من التعالي بقدر ما فيها من التطامن (٥) فيها الترفع على مغريات الأرض ومزاعم الناس وأباطيل الحياة، وفيها من الانخفاض إلى خدمة المسلمين والتبسط معهم، واحترام الحق الذي يجمعه بهم، فيها إتيان البيوت من أبوابها، وطِلاب العظمة من أصدق سبلها ... والعز والإباء والكرامة من أبرز الخلال التي نادى الإسلام بها، وغرسها في أنحاء المجتمع وتعهد نماءها بما شرع من عقائد وسنَّ من تعاليم. وإليها يشير عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: أحِبُّ الرجل إذا سِيمَ خطةَ خسفٍ أن يقول بملء فيه: لا. .. «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: لا تعطه مالك! قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله! قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد! قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار» (٦) ، نعم! فمن عزة المؤمن أن لا يكون مستباحاً لكل طامع، أو غرضاً لكل هاجم. بل عليه أنت يستميت دون نفسه وعرضه، وماله وأهله، وإن أريقت في ذلك دماء؛ فإن هذا رخيص لصيانة الشرف الرفيع ... أمَّا تهيُّب الموت وتحمّل العار طلباً للبقاء في الدنيا على أية صورة فذلك حمق؛ فإن الفرار لا يطيل أجَلاً، والإقدام لا ينقص عمراً. كيف؟ ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] إن القضاء يصيب العزيز وله أجره، ويصيب الذليل وعليه وزره؛ فكن عزيزاً ما دام لن يفلت من محتوم القضاء إنسان) (٧) . وإذا لم يكن من الموت بدٌّ فمن العار أن تموت جبانا اللهم أعزنا بالإسلام قائمين وقاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء

стр. 5506

المسلمون ومرحلة الغربة د. الحسين آيت سعيد بعض المسلمين لَمَّا يسمعون أحاديث الغربة، يتبادر إلى أذهانهم أن هذا الدين قد انحسر بالكلية عن مواقعه، وأنه ضعُف واستكان، ولم يعد له مفعول قوي، وأن عودته للظهور البارز وسرعة الانتشار، بات أمراً بعيد المنال، وهذا الفهم ليس بصحيح ولا سليم، تكذبه النصوص الواردة في الغربة، وفي أـ الغربة مرحلة، وليست سُنة لا تزول: القراءةُ الصحيحة لأحاديث الغربة، هي فهمها على أنها مبشرات لعودة هذا الدين لمسرح الحياة كما كان، ومقدماتٌ لانتشاره ودخوله كل بيت من مدَر أو وبَر، ولا ينبغي أن نُؤيِّس المسلمين ونشل حركتهم، ونُفقدهم الأمل في دينهم بما يُفهم أولَ وهلة من بعض هذه النصوص؛ فهذه النصوص إذا ضمت لأشباهها، وفُهمت في سياقها، فإنها تفيد أن غربة الدين ما هي إلا مرحلة عارضة، تمر منها الأمة، ولا تستقر فيها ولا تدوم عليها، ثم تعود إلى المرحلة الطبيعية التي هي انتشار هذا الدين بين العالمين، وبلوغُه ما بلغ الليل والنهار؛ ففي حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» (١) . فهذا الحديث من أعظم الأحاديث الدالة على أن الله تكفل باستمرار هذا الدين، وأنه يبعث له في كل زمان حماة يحمونه ويلتزمون به، ويدافعون عنه إلى يوم القيامة، وهذه الطائفة ما انقطعت ولن تنقطع بضمان الله لاستمرارها، وذاك يشجع المسلم أن يكون من جنود هذا الدين، ويدفعُه أن ينخرط في سلك هذه الطائفة المنصورة، حتى تتحقق له بشارة الثبات على الحق والدفاع عنه، والانتظام في جماعة أهله، فيضاعف المسلم جَهده ليكون على الحق، ويكون ممن يظاهر الحق ويناصره. وفي حديث تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر» (١) . وكان تميم الداري يقول: قد عرفتُ ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخيرُ والشرفُ والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذلُّ والصَّغار والجزية. ففي هذا الحديث بشارة صريحة أن هذا الدين سيعم الكرة الأرضية، وأنه لا يبقى بيت إلا دخله، أبى ذلك من أباه أو قَبِله من قبله، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن غربة الدين وغربة أهله لا تستمر، وأنها ليست قانوناً حتمياً؛ كما يفيد الحديث أن العزة ستعود للمؤمنين، وأن الذلة ستلحق الكافرين، ولو عَلوا وطغوا وتجبروا بما أتوا من قوة وجبروت، لكن يبقى أن يتحرك المسلمون وأن يعملوا جميعاً لتحقيق هذا الوعد والتعجيل به، فالله ـ تعالى ـ قد تكفَّل لدينه بالظهور، ويبقى تنفيد الوعد بأيدي المسلمين حتى لا يفهم أحد من هذه البشارات التواكل، والاسترخاء، وعدم العمل، وترك التبليغ، والركون إلى الدَّعة، بحجة أن الله سينصر دينه لا محالة؛ فهذا الفهم ليس بسليم، فالله ـ تعالى ـ سينصر هذا الدين بنا، وإن تخلينا فسينصره بغيرنا. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] فما أحوجنا إلى رجال يحققون وعد الله، ويستنزلون نصر الله، ويكونون رحماء بإخوانهم المؤمنين، ويوم تتحقق فينا هذه الأوصاف، فإننا سنخرج من دائرة الغربة إلى دائرة الكثرة والشمولية. وفي حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: «إن الله زوى ـ ضم وجمع ـ لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زُوي لي منها» (٢) فهذا الحديث علم من أعلام النبوة، وإخبار صادق بأن ملك هذه الأمة سيبلغ المشرق والمغرب، وأن الخلافة على منهاج النبوة ستعود، وفيه تحفيز للعاملين للإسلام وتثبيت لهم، وشحذ لعزائمهم إلى العمل البنَّاء الذي تسود فيه الرحمة والمحبة، كما فيه إيقاظ الغافلين، وتحميس المتواكلين، وبعث الأمل في نفوس اليائسين، وقطع الطريق على المتربصين. وفي إطار هذه البشارات الثلاث التي تدل عليها هذه الأحاديث، يمكن أن تُفهم أحاديث الغربة، التي يستعملها أعداء هذا الدين سلاحاً للتأييس، وتثبيط الهمم؛ فعن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ؛ فطوبى للغرباء. قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» (٣) . وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال ذات يوم ـ ونحن عنده ـ: «طوبى للغرباء! فقيل: مَنِ الغرباء يا رسول الله؟ قال: أناس صالحون في أناسِ سوءٍ كثيرٍ، من يَعصيهم أكثر ممن يطيعهم» (٤) . فهذان الحديثان، فيهما وصف أهل الغربة بأنهم قلة، وأنهم صالحون مصلحون، وأنهم بين كثرة فاسدة، لذلك يعملون للإصلاح، ويحاولون إزالة الفساد؛ وهذا يدل على غيرتهم وتمام قيامهم بواجبهم، فليسوا يائسين مستسلمين، ولا قابعين في بيوتهم، يتأوهون على ما صار إليه الحال من غربة الدين، مسَلِّمين بالأمر الواقع، بل هم على العكس، متحركون، فاعلون، إيجابيون، مواصلون، متشبثون بالدين، منافحون عنه، موسعون لدائرته، متحدُّون لكل العراقيل الموضوعة في طريقهم. قال ابن تيمية ـ شارحاً لهذا الحديث ـ: وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام، جزِع، وكلَّ، وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر، والتوكل، والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ... وهذا الحديث يفيد المسلم أنه لا يغتر بقلة من يعرف حقيقة الإسلام، ولا يضيق صدره بذلك، ولا يكون في شك من دين الإسلام كما كان الأمر حين بدأ، وقد تكون الغربة في بعض شرائعه، وقد يكون في بعض الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريباً (٥) ، وقال ابن القيم: «فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس جداً، سُمّوا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع، فيهم غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى المخالفين، أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً، فلا غربة عليهم ... وغربتهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم» (١) . وهذا هو الفهم السليم لأحاديث الغربة، لا ما جنح إليه من لم يفقه عن الله ورسوله مرادهما. ب ـ ما الواجب على العلماء في زمن الغربة أن يفعلوه؟ الواجب على العلماء مما ألزمهم الله به وفرضه عليهم، هو وظيفة الدعوة إلى الله تعالى، والأمرِ بالمعروف بالمعروف، والنهي عن المنكر بلا منكر. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] . فهذه الآية تقرر فضيلة الدعوة والدعاة، وأنه لا أحد أفضل عملاً، وأكثر أثراً، وأنفع خلقاً من الدعاة إلى الله، العاملين بالصالحات، المصلحين بالآيات البينات، وهل من فضيلة فوق فضيلة تربية الخلق، ودلهم على الله، وإيصالهم به، وحثهم على ملازمة هديه، وتبصيرهم بطريقه ومنهجه؟ فقد قال ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حمر النعم» (٢) فهذه الفضيلة قد يستقلها من لا يزن الأمور بميزان الشرع، ولا يعقلها بهديه، ويعدُّها مبالغة وترغيباً، لكن لو أمعن النظر لعلم أن كل مهدي ومتعلمِ خيرٍ على يد رجل، فإنه يكتب له أجره في كل ما عمله من خير، دون أن ينقص ذلك من أجره شيئاً، وإذا هُدي أو تَعلَّم على يد ذلك المهدي الأول أحدٌ آخر، فإن أجره يكتب للهادي الأول والثاني، دون أن ينقص ذلك من أجر العامل شيئاً، وهكذا ما استمرت عملية الهداية تتعاقب في الأجيال. ولهذا فأجور هذه الأمة المحمدية وحسناتها تكتب للنبي ﷺ ؛ لأنه الهادي الأول لها، ولا ينقص ذلك من أجر العاملين شيئاً، وهذا يستفاد من قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده، كُتِب له مثل أجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعُمل بها بعدَه، كُتِب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء» (٣) ويزداد الأجر، وتعظم المثوبة في زمن الغربة، الذي يقلُّ فيه النصير، ويندُر فيه المواخي، ويكثر فيه المخالف، ويَنزُر فيه الموافق، ويشتد فيه الابتلاء، وتعظم المحنة، مما يستدعي مضاعفة جهد الداعية، على واجهات عديدة، كلها مشرعة الأبواب، تنتظر من يلجها ليعالج بالإسلام مشاكلها، ويزيلَ بالوحي عقباتها، ويمهد بذلك السبيلَ للمستضعفين، المغلوبين، لينعموا بنعمة الإسلام، ويتفيؤوا ظلاله، ويستنشقوا عبيره، ويشعروا بنسيمه يدب في أوصالهم، ويتواصلوا بروح جديدة تحيي منهم ما اندثر ـ أو أوشك أن يندثر ـ من معالم الفطرة؛ فطرةِ هذا الدين التي قال الله فيها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] . وهذه الفطرة، هي التي ينبغي للدعاة أن يسعوا لإزاحة ما ران عليها من ركام الذنوب، وأوزار الآثام حتى غلَّفتها، ومنعت الحق أن يصل إليها، فلا بد أن تعود إلى حالتها الأولى نقية صافية، ثم تُملأَ بما ينفع من العلم والعمل الصالح، ولا بد من التخلية أولاً ثم التربية ثانياً، وبهما معاً تصل النفوس إلى كمالها المنشود. وهذه العملية ليست بسهلة وميسورة ينجح فيها كل من ينسب نفسه للدعوة، ويحشر أنفه في صف الدعاة، وإنما ينجح فيها من آنس من نفسه الرشد، واتصف بأوصاف: هي شرائط لهذا الأمر، لا ينفذ ولا يتم إلا بها، وهي كالتالي: العلم: فالداعية في حاجة إلى أن يكون على دراية تامة بما يدعو إليه وبأصناف المدعوين، حتى تنجح دعوته وتؤتي أكلها، وما يدعو إليه الداعية هو الإسلام، فلا بد أن يصل إلى مستوى البصيرة والرسوخ فيه، قال ـ تعالى ـ مبيناً هذا الشرط: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] . فما لم يصل الداعية إلى مستوى البصيرة فيما يدعو إليه، فإنه ـ بلا ريب ـ سيخفق في دعوته. والبصيرةُ تعني أن يكون متقناً لأصول هذا الدين وفروعه، وما يُتوصل به إلى ذلك من وسائل، وأن يكون مجتهداً نسبياً في ذلك، قادراً على إلحاق المتجددات بمناطاتها التي ترتبط بها، ولا يكفي الداعيةَ أن يتعلم مقداراً ضئيلاً من أحكام هذا الدين، ويعتقد أنه به ينقذ الحيارى والهلكى؛ فالداعية المؤثِّر المقتدر، هو من يتصرف في العلوم المطلوبة، ويقدر على ذلك، لشدة ممارسته لها، وطول عكوفه عليها، حتى أصبحت مَلَكة وسجية له، يستطيع بها أن يوجد لكل نازلة حكمها الشرعي الملائم. وأما من اقتصر على الضروريات التي لا بد من معرفتها، أو أتقن جوانب دون أخرى، فحسبُه أن يقتصر في دعوته على ما يعلمه ولا يتعداه؛ فإن فعل فهو من جملة الدعاة، لكن ليس بالمعنى الذي تقرره الآية، ولا يمكن أبداً أن تستقيم الدعوة ولا أن تنجح، في غياب دعاة وصلوا إلى مرتبة البصيرة في الدين وأحكامه وواقعِه الذي ينزَّل عليه ويعالَج به؛ فهذه الدرجة، ينبغي للأمة أن تهيئ لها جماعات يصلون لهذا المستوى، وإلا ضاع الدين وضاعت الأمة بضياعه، وكما تنفق الدولُ ميزانيات لتكوين أطر علمية مقتدرة في الاقتصاد، والصناعة، والسياسة، وتعتمد آراءهم وتخطيطاتهم؛ فكذلك يجب عليها أن تنفق بالمقدار نفسه أو أكثر منه على تكوين دعاة بصراء بهذا الدين، قادرين على التجديد فيه، والاجتهاد في مضامينه، وفق القواعد والأصول المقررة المسلَّمة؛ وبذلك يكون التجديد في الخطاب والوسائل، مواكباً للتجديد في الأحكام والاجتهاد في النوازل، حتى يحور بذلك إلى الإسلام من بحث عن حلول لمشاكله في غيره، فيستعيد ثقته بدينه، ويعوَّل عليه في حل طوارئه. وأكبرُ مشكلة تعترض الدعوة، ويلمسها كل مخلص، هو قلة المؤطِّرين الإسلاميين المقتدرين على هضم الثقافة الإسلامية وهضم الواقع الذي تنزل عليه تلك الثقافة. وما دمنا لم نقتل الماضي بحثاً، ولم نستوعب الحاضر فقهاً، فإننا سنبقى نجتر ما كان، دون أن نفقه معناه لنأخذ منه ما يلائم أوضاعنا. والحركةُ الإسلامية ـ مع امتدادها وانتشارها ـ لا بد لها أن تستشعر بإحساس بالغ ضرورةَ التمكن من العلوم الشرعية، وأخذ أصحابها زمام الدعوة ومِقْوَدَها. ولغياب العلماء القادرين عن بعض المواقع، اضطربت بعضُ مفاهيم الدعوة، وتخلخلت فتاوى المتولين لها، واعوجَّ علاجهم لواقع الأمة وأزماتها، وإذا كان الغرب الصليبي الحاقد أدرك إدراكاً كاملاً خطورة الأطر المتخصصة والمدرَّبة بشكل كاف وممتاز ـ فهيأ لهم لذلك مدارس متخصصة وخاصةً بهم، ووضع تحت تصرفهم ما يحتاجون إليه من ماديات ومعنويات ومشجعات ـ فإنه لم يفعل ذلك سدى، ولا تبناه بغير دراسة، ولكنه أدرك جيداً أن التأثيرالسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والتحولات التي تشهدها المجتمعات، لا تكون إلا برجال أقوياء، تعرَّفوا على سنن الله في خلقه، وبنوا على تلك السنن ما تؤدي إليه من نتائج، فقَلبوا بذلك الدنيا رأساً على عقب، وتحكموا فيها وفي بشرها وخيراتها من المحيط إلى المحيط، فالمأمول في الدول الإسلامية هو التغيير الجذري، ولن يكون ذلك إلا بالإسلام، والإسلام لا بد له من رجال أوفياء، ولن يكونوا إلا العلماء بهذه الشريعة، وبسنن الله في الكون والأنفس والآفاق، وهم الذين تثق فيهم الأمة، وتسلِّم لهم زمام أمرها؛ لأنهم في مستوى الأحداث التي تجري في العالم. فعالميةُ الرسالة المحمدية تستوجب أن يعم نورُها جميع القارات، حتى يخرج الصالحون المصلحون من دائرة الغربة إلى دائرة الكثرة والسعة، وذلك يحتاج إلى العلم بالله، وبشرع الله، وبسنن الله في دينه وخلقه وشرعه وكونه، والبيوتُ تؤتى من أبوابها. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] الحكمة (١) : والشرع عند تطبيقه وتنزيله على الوقائع وعلى الناس، لا بد أن تصاحبه الحكمة. ونعني بالحكمة السدادَ في القول والتطبيقِ معاً، والصوابَ فيهما؛ والحكمةُ يدور معناها على هذا، وهي هبة من الله يمنحها من يشاء من عباده من جهة، ومن جهة أخرى تُصقَل بالمعاناة والتجربة والخبرة. قال ـ تعالى ـ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] ، وهو ما يسمى إتقان العمل. والمراد بالحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، والإتقانُ يستدعي تبصُّراً وعلماً، فيتوقف مفهوم الحكمة على العلم، فالحكمة تمنع صاحبها من الجهل، والحكم يمنع من الظلم. والحَكَمة تمنع الفرس أن يجمح بصاحبه، والإحكام هو الفصل والتمييز، والفرق، والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه، ولهذا دخل فيه معنى المنع، كما دخل في الحد بالمنع، جزءُ معناه لا جميع معناه (٢) . وهذا المعنى للحكمة، يستمد من الوحي وبه يكون وينمو؛ لأن الوحي كله حكمة، وهو حكمة الله للأولين والآخرين. قال ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] فوظيفةُ النبوة التعليم والتربية، ولا فلاح إلا بهما، وأي أمة لم تصل مناهجها التعليمية إلى مستوى التزكية، فهي أمة ميتة، ميؤوس منها، والحكمة يتجلى عنصُرها جيداً ويصبح ضرورياً عند التطبيق والتنزيل؛ فكم من قيلٍ هو حق في ذاته، لكنه لما أسيء فهمه عند التطبيق، ووضع غير مواضعه، اشمأز الناس منه ونفَروا، وابتعدوا عنه وتفرقوا، وهو حق يحمل في طياته جميع عناصرالحقيقة، ولهذا المعنى يشير قوله ـ تعالى ـ: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] ؛ فالمَواطن التي تتطَلب فيها الأناة، لا ينبغي فيها العجلة، ومواطن الرفق واللين لا تجوز فيها الخشونة، ومَواطن القوة لا يجوز إظهار الضعف فيها؛ فكل مدعو يعامَل بأسلوب يناسبه، وهذا هو غاية الحكمة التي أمر الله بها في الدعوة. ولما سوَّى بعض الناس بين المقامات كلها، وخلطوا هذه بتلك، كانت النتائج سيئة أحياناً، ومسيئة للإسلام أحايين، ومدمِّرة تارات أخرى، فانقلبت النتيجة إلى ضدها، وانعكس القصد، وضاعت الجهود، وانحصرت الدعوة في متاهات لا يعلم مداها إلا الله ؛ فكم من حق أسيء استخدامُه، فأصبح في نظر الناس غُولاً يُتقى ويحارَب؛ فمن المسؤول عن هذه الوضعية المزرية؟ إنه من يتصدى للدعوة، وهو خالٍ من علم الدعوة، ومن انتصب لنشرها، وهو لا يملك من أساليبها وحكمتها شيئاً، ولا يعلم عنهما قطميراً ولا نقيراً؛ ولا ريب أن من كان هكذا، فهو آثم شرعاً، متحمل وزر من تنكروا للحق وجحدوه؛ لأنه هو الذي قدمه لهم في صورة الباطل، فنفروا منه، وكل من كان كذلك، فهو مشمول بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ، وقوله ﷺ من حديث أبي هريرة: «ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (١) . فهذه الأدلة مفيدة أن المتسبِّب في الشيء، يؤخذ بمسبَّبه، ويُسأل عنه، وإن كانت نيته صالحة مع الجهل؛ لأن النية الصالحة لا تشفع للجاهل، ولا ترفع عنه حكم ما تسبب فيه، وإنما تخفف عنه الحكم أحياناً، ولكنها لا تدفعه بالكلية. وهذه الحقيقة لا يعيها كثير من الدعاة إلى الإسلام بدون علم ولا حكمة، وإنما يدفعهم الحماسُ الزائد للدعوة، بحجة أن العلماء المكوَّنين ليسوا بموجودين الآن، وإذا وُجدوا لا يتحركون ولا يعملون، فيجب أن نعمل نحن، وننشر ما نعلم، وغاب عن أصحاب هذه المقالة أن المشروط يفقد بفقدان شرطه، فما داموا يعترفون بأنهم ليسوا من أهل العلم؛ فالواجب عليهم أن يتركوا الدعوة لأهل العلم إذا وجدوا، ويحمِّلوهم مسؤوليتهم أمام الله ، وإذا لم يوجَدوا فعليهم أن يسعوا في إيجادهم وتكوينهم من منطلق فقه: توقُّف المشروط على وجود شرطه. ثم هم ليسوا كلهم صادقين في أنهم يدعون لما يعلمون فحسب، فجلُّهم يتجاوز ما علمه إلى ما لا يعلمه؛ فكم من واحد نعرفه يدغدغ العواطف في بداية اتصاله بالدعوة بأنه واقف عند ما علمه، ثم لا يلبث أن يتصدر ويُستفتَى، فيستنكف أن يقول: لا أعلم، فيفتي ويقضي فيما أحجم أهل بدر أن يقضوا فيه، وينصب نفسه مصدراً في كل علم، فيَضل بذلك ويُضل، ويدخل في عداد من قال فيهم المعصوم ﷺ من حديث عمرو بن العاص: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٢) . والجدير بالذكر أن غربة الدين، يكون هذا السبب أحدَ أسبابها؛ لأنه يتضمن أن يتكلم في علوم الوحي من لا يحسنها، فيقدمها بذلك في حلة باهتة، لا تجلب رغبة، ولا تثير حماساً، ولا تشحذ عزيمة، ولا تنبه الغافلين، ولا تؤُزُّ المعادين ولا تزعجهم، فينشأ عن ذلك الإعراض الكلي، الذي تنشأ عنه غربةُ الإسلام وأهله المتمسكين به، ويسبب لهم وحشة بين أقوامهم. صحيح أن الإسلام ليس حكراًً على أحد، وليس بمحرم على من لم يتخصص في علومه أن يتكلم فيه؛ لأنه رسالة الله للعالمين من الجن والإنس، ولكن ما ليس بصحيح، هو أن يتكلم الإنسان فيما لا يعلمه من دقائق هذا الدين وعلومه؛ والكلام فيه لا بد أن يكون بعلم؛ فمن تكلم في حدود ما يعلمه، وأحال على غيره فيما لا يعلمه، فلا أحد يلومه؛ فلو كان بعض الناس قد التزم بهذا المبدأ لأراح واستراح، ولم يكن سبباً في ضلال أحد؛ ولا في تحريف فهم أحد؛ فهذا القياس لا اعتراض على أحد أن يتكلم وأن يناقش فيه؛ لأن ضروريات هذا الدين لازمة لكل أحد، مفروض عليه علمها والسؤال عنها، فهي مِلك مشاع لجميع البشر؛ ولهذا لا يفترض أن يوجد في ديار المسلمين من يجهل ضرورياته، ولكن يفترض أن عامة الناس ليسوا في مستوى التنظير والاجتهاد والاستنباط؛ فإذا تكلم هؤلاء في هذه الدقائق، فقد ضلوا وأضلوا، والإسلام لا يرغب في ضلالهم ولا إضلالهم؛ فكما لا يوجد عندنا في الواقع طبيب يتكلم في غوامض الطب دون أن يتخصص في ذلك حتى عُرِف تأهلُه فيه، واشتهر فيه علمُه ومعرفته، فكذلك علوم الدين الدقيقة، لا بد أن يكون من يتكلم فيها عالماً بها، متخصصاً فيها؛ فكما ينكر الناس تلقائياً على الأول ويتنكرون له ولا يتطببون عنده؛ فكذلك ينبغي أن يفعلوه مع هذا الثاني، بأن لا يثقوا في علمه، ولا يعتمدوا فتواه، ولا يُكْبِروا أمره، لكن الذي وقع، هو أن الناس منسجمون مع فطرهم وواقعهم في الأول دون الثاني؛ فلن تجد أحداً يأتي غير الطبيب الحقيقي إلا نادراً، ولكن تجد الناس بالآلاف يستفتون من لم يتأهل للفتوى، ويعتبرون العالم من عَطِلَ عن حلية العلم؛ فنشأ عن ذلك ما نلاحظه من رقة التدين، وقلة الحماس لعلوم الدين. الحِلْم: ومع العلم والحكمة، فلا بد من الحلم؛ فموقع الحلم من الدعوة، موقع العضد من الكتف. والحِلْم يعني ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب (٣) ، وهو صفة كمال، وليس بصفة نقص، ولذا سمى الله ـ تعالى ـ نفسه حليماً، فقال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] . وحِلمُه ـ تعالى ـ أنه يعفو عن عباده ويصفح عنهم، ويتجاوز عن عصيانهم، ولا يعاجلهم بالعقوبة، وجعَل لكل شيء نهاية وقدراً ينتهي إليه. والداعيةُ في حاجة لخلُق الحلم والأناة؛ فبالحلم يقبل من الجاهل، ويعذر المخطئ، ويتحمل الإساءة، وهذا يجعل الخلق مقبلين عليه، راغبين في دعوته، لما يرونه في سلوكه من الأناة، وكظم الغيظ، والصبر على الأذى؛ فالحلم للدعوة، كالإدام للطعام؛ فكما لا يستساغ الطعام إلا بتأديمه، فكذلك الدعوة لا تستساغ إلا بحِلم، ولا ينبغي أن يغفل الداعية أن الحلم لا ينبغي أن يزداد عن حده، ولا أن ينقص عنه؛ لأنه خصلة حميدة بين رذيلتين: رذيلةِ الغضب بسرعة والانفعالِ الاندفاعي الذي يستجيب للنزغات بلا تبصر ولا روية، ورذيلةِ الذلة والبلادة والرضا بالظلم وهضم الحقوق. والحِلمُ هو العفو عمن يستحق مع المقدرة، والصبر مع من يعترف به، وليس عجزاً ولا غفلة، ولا غباء كما يعتقد بعض، والأناةُ واجهة من واجهات الحلم، وهو تدبرُ الأمور، والنظرُ في مآلاتها وعواقبها، ثم التحركُ لعلاجها وفق ما تتطلبه عواقبها، من حسم، أو إغضاء. ولو كان الحلم إنساناً يمشي على قدميه، ما كان إلا محبوباً عند الناس كلهم، مرغوباً في مجالسته ومعاشرته؛ فلو لم يكن في الحلم إلا عواقبُه الحميدة، لكان محل إجماع على احتياج الناس إليه؛ فما بالك إذا كانت نتائجه وخصاله عديدة. وأحق من يحتاج إلى الحِلم، الداعية في دعوته، فلا شك أنه يواجه المشكلات وتواجهه، ويصادف التحديات وتعترضه، فلا أمل في أن يتغلب عليها في جل أحواله إلا بالحلم والأناة؛ ولهذا قال النبي ﷺ لأشجّ عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة» (١) . وكثيرٌ من المواقع التي يمارَس فيها التشنج، والغلظة، وعدمُ الأناة، وقلةُ الصبر، تراجعت فيها الدعوة، وهانت فيها كلمة الحق؛ لأن النفوس التي تحملها لم تَتربَّ على هذا الخلق الرفيع، وقد لا تعرف إلا التشدد مسلكاً، والتيئيس شعاراً، والتعنت أسلوباً، والإعجابَ برأيها منهجاً متبعاً، لذلك ترى مثل هذه النفوس الهزائمَ انتصاراً، والانتكاسات تقدماً، فانقلبت حقيقة الدعوة إلى سوق من البغضاء، والفرقة، والجدال حول أمور ما وُضعت مواضعهاالحقة لتظهر نصاعتها وأحقيتها، مع العلم أن الرفق، من أعظم الأعمدة التي بنى عليها النبي ﷺ دعوته، ووصل به إلى الانتصارات الباهرة في فتح مغاليق النفوس، قبل الانتصار على أعداء هذا الدين. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . فانظر إلى تقرير القرآن أن خُلُق اللِّين والحِلم، هبة ورحمة من الله لعباده، وأن خلق الفظاظة والغلظة، ينفِّر الناس، ويبعدهم عن الداعية، ويفرقهم من حوله. فما أحوجنا أن نحذو حذو المواقف النبوية في تطبيقات هذا الخُلُق الفريد. عن أنس بن مالك قال: «كنت أمشي مع النبي ﷺ ، وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء (٢) . الله أكبر؛ إنه كمال النفس في كمال خُلُق يتحمل الأذى، ويتجاوز عن المسيء، ولا يقابله بمثل فعله؛ فهذه الأخلاق الرفيعة، هي التي أثرت في الأعراب ذوي الطبائع الشرسة، والأخلاق الشكسة، فأذعنوا للحقيقة وأسلموا وجوههم لله وحده. فما أحوج الدعاة في زمن الغربة، التي كثر فيها الأذى والقذى، أن يستلهموا مواقف دعوتهم من سيرة سيد العرب والعجم، ولهذا فالقوة لا تقاس بقوة الجسم، وإنما تقاس بقوة النفس على التحمل، وكظم الغيظ، وعدم مقابلة السيئة بمثلها، وشاهد هذا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٣) . ولما طلب رجل من النبي ﷺ أن يوصيه بأعلى خصلة حسنة يتصف بها المرء، قال له: «لا تغضب» (٤) لأن الغضب خلُقٌ مدمر للمروءة، مفسد للعمل، مبعد للناس عن صاحبه، موصِد لأبواب التواصل الذي هو أحوج ما يحتاج إليه في زمن الغربة لإزالة الغربة، وإن لم يكن في الغضب من السوء إلا تغيُّرُ الملامح، وانتفاخ الأوداج، لكان يليق بعاقل عادي أن يتركه، فما بالك إذا كان داعية متصدراً لهداية الناس وإرشادهم. جعلنا الله ـ تعالى ـ ممن تخلَّق وتحمَّل، وعمل لدينه وأمته وما توانى، والحمد لله رب العالمين.

стр. 5507

خبط عشواء .. أم تقدير حكيم؟ أ. د. جعفر شيخ إدريس في العشرين من ديسمبر من السنة الماضية أصدر قاضٍ أمريكي بولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة حكما بأن تدريس النظرية المسماة التصميم الذكي (١) في المدارس الحكومية (وهي نظرية معارضة لنظرية التطور) أمر مخالف للدستور. وكان السبب الذي علل به حكمه هو أن النظرية نظرية دينية لا علمية؛ لأنها تشير إلى الخالق. ماذا تقول هذه النظرية؟ وعلامَ يدل هذا الحكم؟ ثم ما العلاقة بين الداروينية والمعتقدات الدينية؟ هذا ما سنعرض له بإيجاز في هذا المقال. أما النظرية فإن أكثر من اشتهر بها من علماء الأحياء في الأيام الأخيرة، ودافع عنها دفاعاً علمياً أقر به خصومه، هو Michael Behe الأستاذ في علم الأحياء الكيماوية في كتاب له صدر في عام ٩٦ بعنوان (صندوق دارْوِن الأسود: التحدي الأحيائي الكيماوي للتطور) (٢) . قال المؤلف في كتابه هذا إن الأحياء الدقيقة مثل الخلية كانت بالنسبة لدارْوِن أمراً مجهولاً ـ صندوقاً أسود لا تعرف محتوياته، وأن نظريته لا تفسر أشياء مهمة مثل الخلية التي هي أساس الكائنات الحية. وكانت حجته الجوهرية أن تركيب هذه الكائنات يدل على أنها لا يمكن أن تكون قد تطورت، وأنها صممت منذ البداية لتؤدي وظيفتها، وأنه لا بد أن يكون قد صممها مصمم حكيم (٣) . وذكر في كتابه بأن دارْوِن نفسه كان قد قال إنه إذا أمكن أن يقام دليل على وجود كائن حي مركب ما كان من الممكن أن يتكون من تغيرات كثيرة طفيفة متتالية، فإن نظريتي ستنهار انهياراً كاملاً (٤) . ما طبيعة هذا الكائن الأحيائي الذي تنطبق عليه هذه الصفات؟ يقول المؤلف بإيجاز: إنه النظام المكون من أجزاء متفاعلة متوائمة يسهم كل منها في الوظيفة الأساسية للنظام، بحيث إنه لو أزيل واحد منها توقف النظام عن العمل. إذا وجد نظام أحيائي بهذه المثابة فإنه سيمثل تحدياً عظيماً للداروينية؛ لأن الاختيار الطبيعي إنما يعمل على كائنات فاعلة، ومثل هذا الكائن لا يفعل، لا يؤدي وظيفته إلا إذا اكتمل تركيب أجزائه كلها. وأعطى في مقدمة كتابه فكرة مبسطة لمفهوم التركيب المعقد الذي ليست له أجزاء بسيطة. ضرب المؤلف مثلاً لنوع هذا التركيب بشَرَك اصطياد الفئران. هذا الشَّرَك مركب من خمسة أجزاء لا يعد أي منها شركاً في مرحلة بدائية؛ فالقاعدة الخشبية مثلاً لا تؤدي وحدها أي وظيفة من وظائف الشرك، وكذلك الحال بالنسبة للزنبرك وسائر الأجزاء. إن هذه الأجزاء لا تكون شَرَكاً إلا بتركيبها هذا التركيب المعين الذي قصد منه أن يجعل منها شركاً. أما الكائنات التي يمكن أن تتطور والتي اعتمد عليها دارون في نظريته؛ فإن كل مكون من مكوناتها يمثل طوراً من أطوار تطورها، ويؤدي شيئاً من وظيفتها وإن كان بدائياً. ومهمة النظرية الداروينية هي أن تفسر لنا الطريقة التي ينتقل بها هذا الكائن من طور إلى طور بما أسماه الانتخاب أو الاصطفاء الطبيعي. فالكائنات التي يمكن أن تصلح لتفسيرها نظرية دارون هي كائنات من هذا النوع الذي يمكن أن يتطور. أما الذي لا تنطبق عليه هذه الصفة، والذي لا تكون أجزاؤه مرحلة من مراحل نموه كالشَّرَك، فإن النظرية لا يمكن أن تفسره، بل إن تركيبه ليدل على أنه جاء نتيجة تقدير لموجد حكيم. لم يكتف المؤلف بهذا بل أضاف إلى أن مما يثبت قوله بأن نظرية دارون لا تستطيع تفسير مثل هذه الكائنات الجزيئية أن أحداً لم يستطع حتى الآن أن يفسرها بها. فمن بين آلاف البحوث التي كتبت في موضوع الكيمياء الحيوية، لم تكتب إلا ثلاثة بحوث في هذا الموضوع، ولم ينجح واحد منها في تطبيق الداروينية عليها. يبدو من هذا الكلام أن صاحب نظرية التصميم الذكي قد زعم أنه يعتمد في دعواه على حقائق حسية، واستنتاج عقلاني. فعلى الذين يخالفونه أن يبينوا زيف ما قال بحجج مماثلة. وقد حاول بعضهم أن يفعل هذا. وقد استمع القاضي إلى شهود من أمثال هؤلاء انتقدوا النظرية على أساس علمي. لكن القاضي لم يعتمد في حكمه على مثل هذه الشهادة، بل اعتمد على أيدلجية مادية إلحادية شاعت في عصرنا حتى صارت جزءاً من مفهوم العلم. فحوى هذه الأيدلجية هو أن الكون الطبيعي كون مكتفٍ بنفسه؛ فالتفسير العلمي لما يحدث فيه يجب أن يكون بأسباب من داخله، وأن كل إشارة إلى سبب فوق الطبيعة، كتعليل الحوادث بقدرة الله ـ تعالى ـ تعليل غير علمي. وقد عبر أحد الشهود، وهو أستاذ مختص بفلسفة العلوم عن هذا الرأي؛ إذ قرر أنه بما أن القضية الأساس لنظرية التصميم هي أن معالم العالم الطبيعي أحدثها كائن متعال غير مادي وغير طبيعي؛ فإن نظرية التصميم هي قضية دينية بغض النظر عن كونها سميت بهذا أو لم تسمَّ (١) . أنا لم أستغرب حجة القاضي هذه؛ لأن هذا هو المفهوم الشائع للعلم، وهو مفهوم فلسفي واعتقادي غالط لا علاقة له بالعلوم، كما كان بعضنا قد قال ذلك منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وبنوا عليه الدعوة إلى ما سمي آنذاك بأسلمة العلوم. ولم يكن القصد من الدعوة إلى الأسلمة أن نغير الحقائق العلمية كما ظن بعض من اعترضوا على الفكرة؛ لأن ديننا يقوم على الحق، فلا يحتاج إلى تغيير حقيقة مهما كان نوعها. هو أن توضع الحقائق كلها الطبيعية والاجتماعية والنفسية في إطار إيماني بدلاً من الإطار المادي الإلحادي الذي توضع فيه الآن، والذي يؤدي إلى جعل الدين بالضرورة أمراً مخالفاً للعلم الطبيعي. - الدارونية ووجود الخالق: لو أن كل الوقائع التي اعتمد عليها دارون في نظريته كانت صحيحة، ولو أن كل العلاقات السببية الطبيعية التي فسر بها تطور الكائنات الحية كانت أيضاً صحيحة، لم يكن في هذا كله ما يدل على عدم وجود الخالق، أو الاستغناء عنه. فالقول بالإلحاد ـ هو كما قلت ـ اعتقاد لا علاقة له بالعلم، ويمكن لذلك أن يضاف إلى كل نظرية علمية. فكلما اكتشف العلماء سبباً طبيعياً لظاهرة من الظواهر الكونية عزوا سببها إلى ذلك السبب الطبيعي، وزعموا أنه يغني عن القول بوجود خالق، هذا اعتقاد قديم وليس من العلم الحديث في شيء. فالذين روى الله لنا قولهم: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] كانوا يعتقدون مثل هذا الاعتقاد، والذين فسروا التاريخ بقولهم: ﴿قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف: ٩٥] كانوا أيضاً منكرين لوجود الخالق معتقدين أنه ليس وراء حوادث الكون مدبر وأنها تقع خبط عشواء. أما المؤمنون فإنهم لا ينكرون فاعلية الأسباب الطبيعية، أو المقدرات البشرية. هل رأيت مؤمناً ينكر أن الطعام يغذي، والماء يروي، والدواء يشفي؟ لكنهم مع اعتقادهم بفاعلية الأسباب إلا أنهم مؤمنون بأن لها خالقاً هو الذي جعلها أسباباً، وأنه لا تنافي بين فاعلية الله وفاعلية الأسباب الطبيعية أو فاعلية الإرادة البشرية؛ لأن الله ـ تعالى ـ هو الذي خلق الأسباب وجعلها أسباباً، ولأنه ـ سبحانه ـ من عادته أن يفعل بالأسباب كما كان علماؤنا يقولون. نعود إلى نظرية دارون فنقول: ١ ـ إنها تبدأ بالتسليم بحقائق لا تفسرها، لكنها تعتمد عليها. فهي تبدأ بأن هنالك كائنات حية، وأن هذه الكائنات تتكاثر بالتناسل، وأن المولود يرث بعض خصائص الآباء، وأنه لا يوجد كائنان حيان متماثلات تماثلاً كاملاً في صفاتهما. وإذا كانت لا تفسر وجود هذه الحقائق فأنى لها أن تنفي أن لها خالقاً؟ ٢ ـ تفترض النظرية أن للكائنات الحية كلها أصلاً واحداً تكاثرت عنه. ٣ ـ مهمة النظرية هي أن تفسر هذا التكاثر، أي أن تبحث عن الأسباب الطبيعية التي تجعله ممكناً وبهذه المثابة التي نشاهدها. ٤ ـ تقرر النظرية حقيقة مشهودة هي أن الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها الكائنات الحية في وجودها محدودة، ولذلك لا يمكن أن تتكاثر تكاثراً لا يحده شيء، بل لا بد أن ينقرض بعضها ويبقى بعضها. ٥ ـ تقول النظرية إن «الميكانزم» الذي يجعل هذا ممكناً هو ما أسماه دارون بالانتخاب الطبيعي. أي أن الطبيعة تنتخب بعض الكائنات للبقاء، وتحكم على بعضها بالفناء. لكن عبارة الانتخاب الطبيعي ليست عبارة علمية؛ إذ إنها تعني أن هنالك شيئاً اسمه الطبيعة هو الذي ينتخب، والانتخاب فعل إرادي؛ ولذلك قال دارون إن غيره أسمى هذه العملية بالبقاء للأصلح، ولم يعترض عليه. ٦ ـ فحوى الفكرة التي سميت خطأ بالانتخاب الطبيعي هي أن هنالك علاقة بين الكائنات الحية والبيئة التي تعيش فيها. والمقصود بالبيئة كل سبب خارجي يؤثر في حياتها؛ فهي تشمل وجود حيوانات أخرى، كما تشمل المناطق الجغرافية والأحوال المناخية، وغير ذلك. وبما أن الكائنات الحية حتى التي تنتمي إلى مجموعة واحدة كالكلاب مثلاً أو الأرانب، لها صفات مختلفة، فإن ما كانت صفاته مُعِينةً له على العيش في البيئة المعينة التي وجد فيها، كانت فرصته في البقاء أحسن من فرصة من كانت بعض صفاته غير مناسبة مع بيئته. فالحوانات والنباتات تختلف في ألوانها مثلاً؛ فقد يكون لونٌ ما كالبياض مثلاً مناسباً مع بيئة معينة وغير مناسب مع بيئة أخرى، أعني من حيث فرص البقاء أو الفناء. ضرب أحدهم مثلاً بأنه إذا كانت هنالك أرانب برية في الاسكيمو وكان بعضها أبيض اللون وبعضها بنياً، وكان هنالك مصطادون للأرانب، فإنه سيكون من السهل عليهم رؤية الأرانب البنية، وعليه فإن عددها سيقل وربما انقرض إذا استمر الصيد. إن إنساناً مؤمناً قد يوافق دارون على كل هذا، ويرى فيه تفسيراً طبيعياً لظاهرة بقاء بعض الحيوانات وانقراض بعضها، بل ولتطورها، ولا يرى فيه ما يتناقض مع إيمانه بالخالق، بل يقول: إنه كما أن الله ـ تعالى ـ جعل النار وسيلة للإحراق، والماء وسيلة للإنبات، فقد جعل هذه أسباباً لتطور الحيوانات. ٧ ـ حتى القول بأن للحيوان كله أصلاً واحداً نما عنه وتكاثر، ليس فيه ـ سواء كان حقاً أو باطلاً ـ ما يتناقض مع وجود الخالق وفاعليته. ٨ ـ إن فكرة التطور التي رأى فيها بعض أهل الأديان غير الإسلامية ما يتناقض مع تصورهم للخلق، لا تتناقض مع التصور الإسلامي له. وذلك لأن الخلق عندنا ليس أمراً يحدث مرة واحدة كما صورته تلك المعتقدات. إن الخلق في التصور الإسلامي أمر مستمر، فما من حادث يحدث في الكون إلا بمشيئة الله ـ تعالى ـ وقدرته. فالله ـ تعالى ـ خالق كل شيء. فكل مرحلة من مراحل تطور الجنين في بطن أمه مثلاً هي من خلق الله تعالى. ٩ ـ الذي يتناقض مع الإسلام في الداروينية هو القول بأن البشر تطوروا عن حيوانات قبلهم. إن الله ـ تعالى ـ قادر على أن يفعل هذا، لكنه أخبرنا بأنه كرم الإنسان فخلقه خلقاً خاصاً، ولم يجعله متطوراً عن حيوان قبله. وقد اعترف بعض من يسمون بالداروينيين الجدد بأن هنالك خطاً فاصلاً بين الإنسان وما سبقه من حيوان، وأن هنالك خصائص إنسانية لا يمكن ردها إلى أصول حيوانية سابقة للإنسان. لكن القول بخصوصية الإنسان لا يعني أنه مختلف في كل شيء عن سائر الحيوان، ولا يعني اتفاقه معها في بعض الخصائص أنه تطور عنها. بل إن الذي خلقه هو خالق الحيوانات قبله، وهو الذي جعل بينها وبينه شبهاً. ألا ترى أن صانع السيارات ـ ولله المثل الأعلى ـ يمكن أن يصنع سيارة تمتاز عما سبقها من سيارات، لكنها تشابهها في بعض صفاتها؟ دلالة التصميم على وجود الخالق: الأدلة على أن للكون خالقاً كثيرة؛ لكن من أشهرها ما يسمى بالدليل الكوني ودليل العناية. أما الدليل الكوني ففحواه أن الشيء الحادث لا يمكن أن يخلق نفسه ولا أن يأتي من العدم، بل لا بد أن يكون له صانع من غير نفسه، وأن هذا الصانع لا بد أن يكون غير حادث. المنكرون لوجود الخالق لا يستطيعون أن يفسروا وجود الكائنات الحادثة إلا بأن يقعوا في أحد الخيارين المستحيلين: إما أن يقولوا إن الشيء خلق نفسه، أو يقولوا إنه جاء من العدم. أما دليل العناية الذي اعتمد عليه صاحب كتاب (الصندوق الأسود) فدليل قديم ومعروف، فحواه أن في الكون تصميماً يدل على أنه لا يمكن أن يكون خبط عشواء وإنما هو تقدير خالق حكيم. هذا التصميم أمر يدركه كل متفكر في الكون وليس قاصراً على الأمثلة التي استدل بها صاحب الكتاب. إن هنالك شمساً، وهنالك بحراً، وهنالك سحاباً، وهنالك أرضاً، وهنالك بشراً، وهنالك حيوانات يقول لك الدليل الكوني إنه لا بد أن يكون لها خالق أزلي، ويقول لك دليل العناية إن هذه المخلوقات منسقة بحيث تؤدي إلى غايات لا يمكن أن تكون قد جاءت بالمصادفة. فالشمس تسطع على البحر فيرتفع منه بخار يتحول إلى ماء تسوقه رياح ينزل على أرض خصيبة تنبت نباتاً يأكله بشر وتأكله حيوانات يكون بعضها غذاء لبعض. المنكرون لوجود الخالق من أمثال بعض الدارونيين يعترفون بهذا لكنهم يصرون على انه جاء مصادفة ولم يأت عن تدبير. ويغلو بعضهم في هذا إلى درجة سخيفة. من ذلك أن عالم دين نصراني اسمه (بالي) كان قد كتب كتاباً نقد فيه فكرة المصادفة وقال: إن وجود هذا التصميم في الكون بالمصادفة كساعة يصنعها صانع أعمى. فكتب رجل من أكبر دعاة الإلحاد الدارويني في أيامنا كتاباً أسماه (صانع الساعات الأعمى) يدافع فيه عن فكرة المصادفة ويزعم فيه أنه وإن كان الكون مصمماً كالساعة فإن تصميمه جاء بالمصادفة فهو كساعة صنعها صانع أعمى! كتاب الله ـ تعالى ـ مليء بتوجيه الأنظار إلى هذا التصميم الذي يشهد لصانعه بالحكمة والإرادة بل والرحمة بعباده. في مثل هذا التذكير لا يلفت القرآن الكريم الأنظار إلى عجيب صنعه في المخلوق الواحد، وإنما يدعو إلى النظر في العلاقة بين عدة مخلوقات، وكيف أنها علاقة تؤدي إلى نتائج معينة هي في مصلحة الإنسان. من ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا

стр. 5508

البيان الادبي ـ ولادة الصبح بدر محمد عيد الحسين سُكونٌ ووجومٌ يلفان أفق الكون بمائه ويابسه، وشبحُ الظلام يقترب من الأشياء، ويلامسها، ويتغلغل فيها، ويزداد سواداً فتتحدُ طبقاته، وتتماسك خيوطه ليسدل ستارة سميكة على الكون، إنه ملعب الليل حيث يصول ويجول، إنها النشوة والذروة. ومن بين ذلك الركام طفق الجنين الصغير ـ على قلة عزمه وضعف حاله ـ يتململ في رحم الكون ليطرد ما غشيه ببطء شديد. أجنحة الفارس بدأت تضعف، وخيوط الظلام ها هي تنجابُ عن جبهة الوليد المنيرة، وها هي امتدادات العتم بدأت بالانكماش. في خضم هذ المخاض المتداخل يتجرأُ ضياء الصبح فينسلُّ من غِمد الليل، وتصيح الديكة معلنة بدء الولادة، وتخرق المآذن جدران الصمت، فيستأنس الجنين ويتشجعُ ويصرخ ويتنفس تنفساً ينشر الضياء والعبير إلى أعالي الرُُّبا، وإلى دروب الحقول وأعشاش الطيور. إنها ولادة الصبح المنير ... إنها ساعة من السَّحَر والتأمل ما أروعها! ساعة عذراء يكَلِّلُها الطُّهر، ويلفها الصفاء، ويزينها النقاء. ساعةٌ هي أشبه ما تكون بلقاء الأحبة؛ حيث يغازل الصبح فيها أزهار الياسمين فتتفتحُ، وأكوام القش فتلين، وسنابل القمح المثقلة بحباتها، وأوراق الأغصان فتطربُ وتتمايل. إنه جمال رباني صاغه الخالق ، جمالٌ تتحرك لأجله الشمس من مكانها فتشرقُ، وتُثار الطيور من وكناتها فتنطلق، وينسابُ الظلُّ من رقاده فيمتدُّ. إطلالة يتحول فيها الشذا إلى ندى، والرياح إلى صَبا، والبراعم إلى زهور، والهواء إلى عطر تعجز أن تأتي بمثله مصانع الغرب وأشجار بخور الشرق. ذلك العطر خضَّبتهُ تراتيل الأذان، وهمسات الإيمان، وتدفُّق مياه الغدران. عطر يعرفه المشَّاؤون في الظلمات، والفلاحون في الربوات. هذا الصباح هو اليسر والفرج، هو الرحمة والرضا. فمهما طال ليلك يا أيها المهموم! فلا بد من أن يأتي الصباح الندي ببشائر الخير. ومهما تأخر شفاؤك يا أيها المريض فاعلم أن كف الرحمة تحمله إليك فلا تتعجل ـ يا أخي ـ مجيءَ الفرج وقدوم البشائر؛ لأن الله عادل ورحيم. وثق أنه ﷻ لن يحرمك من ساعة فرح تغسل شحوب الحزن، وركام الألم، وتحوِّل الدموع الساخنة التي ألهبت صفحات خديك إلى قطرات غيث تُنبتُ الكلأ في رياض نفسك، ليتحول خريف قلبك إلى ربيع ينشر الفرح والجمال على امتداد خريطة روحك الزكية. واعلم يا من أدار ظهره للأمل! أن مع العسر يسرين، واعلم أن أعذب المياه تلك التي تنبجس من أصلب الحجارة. ورحم الله الشاعر الذي قال: ما بين غمضةِ عين وانتباهتها يُغيِّرُ الله من حالٍ إلى حالِ والآخر الذي قال: فلا الغيمُ يبقى طوال الفصول ولا البدر دوماً ينير الفضاء فبالصبر كنت أداوي الجروح وبالأمل العذب أخفي البكاء (١) فالصبر دَأْب الحكماء، وديدن الأنبياء. والأناةُ مركبُ العقلاء، وسبيل الحُصَفاء (٢) وعدم الشكوى لغير الله منهجُ الأتقياء، والتسليم لله خير سلوان، وراحةٌ للأبدان. إن مع

стр. 5509

التمتع بالموجود د. عبد الكريم بكار كثير من الناس لا يعرفون كيف يكون التصرف الأمثل تجاه طموحاتهم ومرغوباتهم؛ فهي مصدر إرباك حقيقي لوعيهم، بل مصدر لشعورهم بالشقاء والحرمان. ومصدر هذه الوضعية هو أن كل أحوالنا وأوضاعنا وكل ما نتطلع إليه، ونرجوه يحتمل الرؤية المتعددة والاعتبارات المتباينة؛ حيث إن في إمكان كثير ممن نغبطهم على ما هم فيه من نعمة أن يشعروا بالحاجة إلى أشياء كثيرة، كما أن كثيراً منهم يضبط غيره، ويحسده على ما يظن أنه محروم من مثله. ومن هنا جاء التوجيه لنا أن نمارس نوعاً من إدارة الإدراك والسعي إلى القيام بمقارنة تجلب لنا الرضا والطمأنينة على نحو ما نجده في قوله ﷺ : «إذا نظر أحدكم إلى مَنْ فُضِّل عليه في المال والخَلْق؛ فلينظر إلى من هو أسفل منه» (١) . إذا نظرنا إلى من هم فوقنا في أمور الدنيا، فلن نحصد سوى الحسرة، وسنزدري نعمة الله علينا من خلال الشعور بالنقص، ويا حبذا أن ننظر إلى من هم فوقنا في التقوى وشدة الإقبال على الله ـ تعالى ـ وعمل الخير ونفع الخلق؛ إذن لشكَّل ذلك حافزاً لنا على الصلاح والتقدم على الصعيد الشخصي. إن القرآن الكريم يعدِّد الكثير من آلاء الله ونعمه على الخلق حتى يتمتعوا بها، ويحمدوه عليها، وهو يعلمنا في غير موضع أننا سنظل عاجزين عن إحصاء نعمه؛ وذلك حتى نستمتع في حمده وشكره والثناء عليه؛ نحن عاجزون عن إحصاء نعم الله ـ تعالى ـ علينا. لأننا لم نكتشف حتى اليوم تفاصيل لطفه بنا وتدبيره لنا، كما أننا غير مؤهَّلين لمعرفة أنواع النقم والرزايا التي يدفعها عنا دون أن نشعر، أو نجهد. وفي هذا تحفيز للوعي الإسلامي على اكتشاف الخيرات الناجزة التي ننعم بها عوضاً عن قطع العمر في التشوق إلى ما لا نملك. شيء مؤسف أن تنقضي أعمار كثيرين منا في الأمنيات والحسرات؛ وقد صدق من قال: بعضنا يقضي الشطر الأول من عمره في اشتهاء النصف الثاني والتطلع إليه وانتظاره بفارغ الصبر؛ فإذا بلغه قضاه في الحسرة على النصف الأول؛ وهذا واضح فيما نحفظه من أدبيات رثاء الشباب والبكاء على سالف الأيام. إن خداعنا سهل ميسور، وأشعر أننا كثيراً ما نكون ضحايا الأوهام البراقة، وكثيراً ما تكون الإفاقة في وقت متأخر، وهذا بسبب ضعف فهمنا لطبائع الأشياء وسنن الله ـ تعالى ـ في الخلق. إن الأشياء التي نتطلع إليها تتمتع بقدرة فائقة على جذبنا إليها، وكلما كانت تلك الأشياء بعيدة المنال كان إغراؤها أعظم، وكلما اقتربنا منها تراجع لمعانها، وحين نظفر بها فإن قدرتها على إمتاعنا تصبح ضئيلة، وسرعان ما يقفز بنا الخيال إلى ما يمكن أن يأتي بعدها، لنبدأ رحلة جديدة من التشهِّي وخداع النفس؛ وأعتقد أنه لو كان لدينا مئة شخص يعرفون بعضهم على نحو جيد، وطلبنا منهم أن يتحدثوا عما يضمرونه في أنفسهم من مشاعر تجاه بعضهم بعضاً ـ أعتقد أننا سنرى العجب العجاب، وسنكتشف أن كثيراً منهم يغبط غيره على ما هو زاهد فيه، ويغبطه غيره على ما يشعر نحوه بالسأم والملل!! وهكذا تبدو الحياة وكأنها فارغة من أي معنى، وخالية من أي معيار محايد لمعرفة ما يجلب لنا الهناء، وما يجلب لنا الشقاء! تعالوا كي نتعلم من الأطفال كيف يصنعون الأفراح والمسرات أياماً طوالاً من خلال اللعب بالقليل جداً من الألعاب. وتعالوا لنقنع أنفسنا بأننا سعداء ومحفوفون بآلاء الله ونعمائه وبركاته، ولنحاول ألا نجعل السعادة هدفاً نطارده كي نمسك به، كما يفعل الذي يحاول القبض على ظله! دخل أحدهم السجن من غير جرم اقترفه، وكان مثقفاً، فوجد من انضم إليهم من المساجين غارقين في الأحزان: أحزان على فراق الأهل والأولاد، وأحزان على الأعمال التي توقفت بعدهم، وأحزان على الحرية والمتع المسلوبة ... وكان ذلك الرجل حكيماً وخبيراً في تحويل الوعي وتوجيه الخيال؛ فما كان منه إلا أن اقترح عليهم فكرة لتخفيف الضغوط التي يواجهونها، وتلك الفكرة هي الاجتماع في آخر النهار من أجل الاحتفال بانتهائه وشطبه من مدة الحكم الصادر في أولئك السجناء. وكان ذلك، واستطاعوا من خلال الحفل اليومي الضئيل جداً في إمكاناته أن يضحكوا من قلوبهم وملء أفواههم، وحين أُخرِجوا من السجن أضفى ذلك الحفل المتكرر على ذكريات الأيام الصعبة مسحة من الشوق والحنين. إن كثيراً من الناس يشعرون بالسخط والضيق بسبب ما يعتقدون أنهم فاقدون له من متاع الدنيا وزينتها، وكان عليهم أن يستعيضوا عن ذلك بفتح أبواب جديدة للهناء، لا يتطلب الدخول منها المال والجاه والمنصب، وإنما يتطلب القناعة والرضا بما قسم الله إلى جانب الإكثار من التعبد والثناء على الرحمن الرحيم، بالإضافة إلى إثراء حياتنا بالتواصل الأخوي ومعاني النبل والوفاء وبذل المعروف ... إن جعل سعادتنا مرتبطة على نحو جوهري بالحصول على المزيد من المال، يشكِّل تركة في الاتجاه الخاطئ؛ لأن المطلوب من المال سيظل باستمرار أكثر من المعروض؛ ومن ثَم فإن مشاعر الحرمان ستظل مسيطرة على أعداد هائلة منا على نحو ما نلمسه اليوم حيث اتجهنا. إن الرسالة التي أحببت اليوم إيصالها، تهدف إلى الدفع في اتجاه البحث عن ضروب من السعادة المجانية الناجزة عوضاً عن

стр. 5510

الاولاد والشرير أيمن دراوشة كان الأولاد عادل وباسم وطارق غارقين في اللعب والمرح حول بيتهم القديم، هذا البيت الذي يقف صامداً بأقواسه الشامخة، وقبته المنتفخة. كانوا يحلمون بالثلج الذي غطّى بياضه الناصع كل شيء، ويحلمون أيضاً برؤية قوس قزح ممتداً في السماء، يتراكضون تارةً، ويلعبون لعبة الشرطي واللص تارةً أخرى. وبينما هم منهمكون في اللعب والمرح، اقترب منهم الرجل الشرير المعروف بعداوته لأهل القرية، والذي يرغم المزارعين على بيع أراضيهم. قال الرجل الشرير للأولاد وهو ينظر إليهم بعينيه البغيضتين: (لقد حذرتكم من اللعب حول هذا البيت القديم ولم تسمعوا كلامي) . ردّ عادل ـ وهو أكبر الأولاد ـ: (ولكنه بيتنا، ولن نتخلّى عنه أبداً) . قال الشرير بخبث: (أعلم هذا، ولكني أخاف عليكم من ثعبانٍ كبيرٍ مخيف، وقد رأيته بأم عيني، وهو يسكن داخل تلك الشجرة الملتفة حول المنزل) . تبادل الأولاد النظرات كأنهم تفطَّنوا إلى كذبته التي يقصد منها تخويفهم وإبعادهم عن هذا البيت؛ كي يستولي عليه كما استولى على غيره من بيوت أهل القرية بالمكر والدهاء. واستمرّ الشرير على بثّ الرعب في قلوب الأولاد بقوله: (لهذا الثعبان سبعة قرون، ولسانه يبلغ سبعة أمتار، وبإمكانه ابتلاع إنسان) ولم يكمل الشرير كذبته حتى انطلق الأولاد حول البيت يتسابقون كأنهم خيولٌ تصهل، واتّجهوا نحو الشجرة التي يزعم الشرير وجود الثعبان في داخلها. قال طارق وهو أصغرهم: (إني أسمع فحيحه) ، وقال باسم: (سأقطع لسانه) . وبينما هم مشغولون بهذا الأمر رآهم الشيخ عبد الصمد؛ حيث كان في طريقه إلى أداء صلاة المغرب، هذا الشيخ الذي جاوز الثمانين عاماً، وما يزال يحتفظ بحيويته ونشاطه، وما زال محطّ تقدير واعتزاز من طرف الصغار والكبار في القرية. اقترب الشيخ عبد الصمد من الأولاد بينما الشرير فرّ هارباً عندما رأى الشيخ عبد الصمد يصدح بالأذان. نادى الشيخ الأولاد وقال لهم: (ماذا تفعلون يا أحبّائي) ؟ قال طارق: (لقد أخبرنا الرجل الشرير أن ثعباناً كبيراً يسكن داخل هذه الشجرة، وله سبعة قرون، ولسانه يبلغ سبعة أمتار) . اقترب الشيخ من طارق، وطبع قبلةً على جبينه، وقال: (الكذب عند الأشرار والأعداء سجية، يكذبون على الصغار لينالوا مرادهم، ابتعدوا يا أولادي من هنا!) . قال طارق: (ولكني أسمع فحيحه) . ردّ الشيخ عبد الصمد مبتسماً: (إن ما تسمعه يا بني! هو الصوت الناجم عن تخلل الهواء بين فروع هذه الشجرة الملتفة دون فائدة مرجوة منها، ولو ذهبت إلى شجرة الزيتون المباركة وأصغيت إلى صوت أغصانها فإنك لن تسمع صوت هذا الفحيح) . قال عادل: (ولماذا لا تصدر الأصوات منها) ؟! قال الشيخ: (لأن أغصان شجرة الزيتون متناسقة؛ ولذلك حاول الشرير خداعكم بتلك الشجرة ذات الأغصان الملتفة، وشجرة الزيتون يا أولادي! من أقدم الأشجار المعروفة في الدنيا. قال طارق: (لقد أقسم الله ـ تعالى ـ بها في سورة التين) . ردّ الشيخ باعتزاز: (أحسنتَ يا صغيري! وعليكم أن لا تستمعوا بعد الآن لادعاءات ذلك الشرير الكاذب، هل تعدوني بذلك) ؟ قال الأولاد بصوتٍ واحد: (نعدك يا شيخنا المبجّل أن نحافظ على بيتنا من الأشرار) . قال الشيخ عبد الصمد: (إذاً عليكم أن تغرسوا أشجار

стр. 5511

الشيخ الداعية: يوسف بن عبد الله الصيني في حوار مع البيان: الصين أكبر سوق مفتوح للدعوة الإسلامية ولكن! حاوره في الرياض: خباب بن مروان الحمد يؤلمك أن تجد بلاداً شاسعة الأرجاء، يوجد فيها أكثر من عشرين مليون مسلم، قلَّما تجد فيها رعاية من الدعاة والمصلحين، مع أنَّ أهلها يوصفون بأنَّهم قوم فارغو القلب، وأصحاب خلقٍ رفيع، وتستطيع أن تقنعهم بحجَّتك، وبيانك المؤثّر، وتنظمهم في سلك المسلمين متى وُفقت لذلك، تلك هي بلاد الصين ومقر مليار نسمة يدبُّون على أرضها غادين رائحين. والشيخ يوسف بن عبد الله الصيني، داعية أحسبه ممَّن نذر نفسه للدعوة الإسلامية لأهل الصين؛ فهو يمتلك زمام اللغة الصينية، ويجيد الحديث باللغة العربية، وقد ولد من عائلة مسلمة، وكان أجداده القدماء من أصول عربية، سافروا إلى الصين قبل (٨٠٠) سنة للدعوة إلى الله، ثم أقاموا فيها واستقروا بأرضها، وعاشوا هناك فأصبحوا صينيين، وقد درس الشيخ يوسف في المعهد الإسلامي مدَّة ثلاث سنوات، ثمَّ تخرج فيه، وأكمل دراسته في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ثمَّ رجع للصين وأقام فيها مدَّة سنتين كان له فيها عدَّة جهود دعوية في شرق الصين، وقد واصل مشواره العلمي حيث درس في جامعة الملك سعود مناهج طرق التدريس وإعداد المعلمين، وتخرج فيها هذا العام (١٤٢٦هـ) . وفي لقاء ماتع جمعني به في الرياض قبل سفره إلى الصين للاستقرار فيها، كان هذا الحوار حيث يحدثنا عن الدعوة في الصين: همومها، وشجونها، والتطلعات المستقبلية لها، عله يكون محفزاً للمهتمين بشؤون الإسلام في شرق آسيا، بأن يواصلوا مسيرتهم الدعوية، فينطلقوا في آفاقٍ أرحب بنشر الإسلام والدعوة إليه، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه. ^: أهلاً بك يا شيخ يوسف في هذا اللقاء، والذي نرجو أن تحدث القرَّاء من خلاله حول هموم العمل الدعوي في الصين، ولعلِّي أبدأ معكم في التعرف على أوضاع المسلمين في الصين من ناحية دينية واقتصادية واجتماعية؟ | بسم الله الرحمن الرحيم. أنا مسرور بكم جداً، لاهتمامكم في مجلة البيان بشؤون المسلمين، وابتداءً فإني أقول: إنَّ الصين بلاد كبيرة؛ فهي بمثابة قارة، والمسلمون في الصين منتشرون في كل مكان منها، وهم كذلك يجتمعون في أحياء أو مناطق معينة تخصُّهم، وهذه ميزة للمسلمين في الصين؛ فهم منتشرون ومع انتشارهم فهم مجتمعون، وأكثر وجود المسلمين في شمال غرب الصين، وهي منطقة تتكون من خمس مقاطعات هي: قانسو ـ تشينغهاي ـ شينجيانغ ـ شانسي ـ نينغشيا. والظروف الاقتصادية في هذه المقاطعات متخلفة اقتصادياً وعلمياً وصحياً. وأمَّا مناطق جنوب الصين فإنَّ المسلمين قليلون فيها جداً، مع أنَّها أوَّل محطة وصل إليها المسلمون في الصين عن طريق التجار؛ حيث كان هناك طريقان إليها: الطريق البرِّي، والطريق البحري، فجاء تجار العرب من البر. وأول مسجد في الصين، هو مسجد نعرفه بأنَّه (منار) واسمه (تذكر النبي) وهو موجود في مدينة (غونتو) بشرق الصين، وهو أقدم المساجد في الصين؛ مبني منذ أكثر من ١٤٠٠ سنة، ويقال إنَّ من بناه هو سعد بن أبي وقاص وأبناؤه، حيث ذهب مع سبعين صحابياً وسافر إلى هناك ولم يرجع، وبعض العلماء يخالف هذه الرواية، وبعضهم قال إنَّ سعد بن أبي وقاص لم يسافر للصين، وهناك مقبرة باسم سعد بن أبي وقاص موجودة بمدينة (غونتو) . وأمَّا في بكين عاصمة الصين فيوجد بها ستون مسجداً، ويوجد بها مثقفون مسلمون ومفكرون وبعض المسؤولين في الحكومة من المسلمين. وأمَّا شرق الصين فيوجد فيها بعض المسلمين إلا أنَّهم قليلون، ويوجد فيها مساجد قليلة، ولأن شرق الصين مركز (الكنفوشيوسية) وتعتبر مقرّاً ثقافياً واقتصادياً قويّاً؛ فإنَّ بعض أبناء المسلمين يتعلمون هناك حتى يحصلوا على منصب حكومي. وأمَّا الناحية الدينية في شرق الصين أو شمال الصين فإنَّها ضعيفة، وبعض الشباب يعرف أنه من عائلة مسلمة، ولا يعرف شيئاً غير ذلك، بالإضافة إلى أنَّه لا يأكل لحم الخنزير، وأمَّا أركان الإسلام والإيمان فلا يعرف منها شيئاً، فهو مسلوب الهوية، ولكن مع هذا فعنده عاطفة قوية للدفاع عن الإسلام، وإذا قال لهم أحدٌ: إنَّ الإسلام غير جيد، فإنهم يغضبون ويدافعون عن الإسلام، ولكن حين تسألهم ما الإسلام؟ فإنهم لا يعرفون شيئاً؛ لأنهم حينما درسوا بالابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، والجامعة، تسلَّل إلى أذهانهم فكر الشيوعيَّة وفاقد الشيء لا يعطيه، وقد أعددنا خطة دعوية لذلك والله نسأل للجميع السداد والتوفيق. ^: كم عدد المسلمين بالصين؟ وهل يوجد تداخل بين الحكومة الصينية وبين المسلمين من ناحية سياسية؟ | لا أعلم إحصائية معتبرة عن عدد المسلمين في الصين، ولكن في الثمانينيات قالت الحكومة إن عدد المسلمين في الصين (٢٠) مليوناً، والآن يقول كثير من المهتمين، إنَّ عدد المسلمين (٣٠) مليوناً وبعضهم يقول (٥٠) مليون مسلم، والذي أظنه أن عدد المسلمين في الصين لا يتجاوزون (٣٠) مليوناً. وبالنسبة للتداخل بين المسلمين والحكومة الصينية من الناحية السياسية فإن الحكومة توكل لبعض المسلمين بعض الأعمال، كمجلس الشورى السياسي، فيوجد من يكون إمام مسجد وهو عضو في مجلس الشورى السياسي الصيني، وهذا الرجل يشارك في إبداء اقتراحات، كغيره من المندوبين النصارى وغيرهم، ويقدمون آراء واقتراحات ويشاركون بذلك في ذلك المجلس. ^: ذكرت آنفاً أنَّك حين تعلمت دين الإسلام، دعاك ذلك لأن تتحرك بالدعوة إلى الله في أرض الصين؛ فما هي خطَّة العمل الدعوية المأمولة إن شاء اللَّه؟ | الحقيقة أنَّ الصين بلاد كبيرة، ويوجد بها عدد من إخواني الدعاة، ولكني بدأت أولاً بالمسلمين وقراهم، حيث أقصد مساجدهم بالدعوة في المنطقة التي أنا منها وهي شرق الصين، وفي هذه المنطقة يوجد ٨٠ مسجداً، ووجدت الدعوة مناسبة لأنَّ المسلمين متفرقون، وعلمهم بدين الإسلام قليل، وكنت أجلس لطلاب المرحلة الثانوية والجامعية في العطلة الصيفية، وأعلمهم علوم الدين الأساسية. وشرق الصين مركز ثقافي للـ (كنفوشيوسية) وأهل الشرق متأثرون جداً بها، ولذلك فإنَّ نسبة المسلمين فيها قليلة، وإيمان المسلمين ضعيف؛ ولهذا نحن نعلمهم ما هو ديننا؟ وماذا يجب علينا؟ وكيف يكون المسلمون مؤمنين بالله حقّاً؟ ونعطيهم المعلومات الأساس، ثم بدأنا نؤسس جمعية إسلامية في إحدى مدن شرق الصين، وأخذنا رخصة من الحكومة بذلك، والعمل جارٍ بدأب والحمد لله. ^: ما الحدود المسموح بها للدعاة في الدعوة إلى الله، وما هي الخطوط الحمراء التي يقف عندها الدعاة وتضايقهم عندها الحكومة الصينية؟ | الحكومة تمنح رخصة لكل مسجد من قِبَل إدارة الأديان في الصين؛ فالمسجد مكان للدعوة إلى الله قانونياً، فداخل المسجد مسموح بالدعوة، وأمَّا خارج المسجد فالحكومة لا تريد ذلك، وقد يمكن الدعوة خارج المسجد للرجل النشيط، ولكن حتماً سيجد الدعاة المضايقة من الحكومة إن هم فعلوا ذلك، ولا شك أنَّ هذه قيود تحدُّ من حركتنا، وتجعل مكاننا محصوراً في بقع محدودة. ^: بماذا تنصح الدعاة المسلمين عموماً لإفادة أهل الصين؟ وما الأسلوب الأمثل لدعوة أهل الصين إلى الإسلام؟ | بداية أنا أريد من الدعاة أن يفهموا ثقافة الصين وعاداتهم بشكل أفضل، فبعض الدعاة الذين يأتون من خارج الصين، قد لا يعرفون شيئاً من ثقافة الصين؛ فالصينيون عندهم ثقافة خاصة، ولديهم اهتمام بالعقل والمنطق؛ فأسلوب الإقناع أحسن وأفضل وسيلة لهدايتهم، ولهذا فإن إسلام الصينيين قد يكون أعسر من إسلام المناطق التي في شرق وجنوب آسيا؛ فشرق آسيا هي الصين والكوريَّتان واليابان، وشرق جنوب آسيا هي الفلبين وماليزيا وأندونيسيا، فالصينيون بخلاف الفلبينيين لا يسلمون بسرعة، وإذا دعوتهم للإسلام فإنهم يردون عليك، ولهذا فهم يحتاجون للنقاش والإقناع، ولكن من كانت عنده حجة وبيِّنة، وردٌّ قوي واضح على الشبهات المثارة، فإنَّ الصيني غير المسلم ينهزم أمامه، ومن خلال تجربتي رأيت أنَّ الصيني يناقش أولاً ثم يستسلم. ونحن لا نحتاج للتعريف بدين الإسلام بأمور فرعية كما يفعله بعضهم؛ فهذه المسائل لا تهمنا كثيراً، مثل: لماذا تزوج رسول الله # أكثر من أربع نساء ومات عن تسع من زوجاته؟ فمثل هذه الأسئلة (وقس عليها) لا يحتاجها أهل الصين؛ والذي أرى أنَّ الصينيين بحاجة إليه هو الذي نركِّز عليه، وهو شرح فضائل الإسلام، والمسائل الأساسية في دين الإسلام كأركان الإسلام والإيمان والإحسان؛ فنحن إذا بدأنا بالأصول دخلنا في الشيء المهم، وهو الذي يحتاجه الناس في الصين، وأنا أقول إنَّ الصينيين قلوبهم فارغة، وإذا شرح الداعية بالشكل الواضح فسيقبلون منه دين الإسلام، بشرط أن يكون الأسلوب في الشرح مقنعاً. ومن أنسب ما وجدته جيداً في دعوة الصينيين، أن يستحثَّهم الداعية على التفكير؛ فالصينيون أكثر الناس علمانية، فلا يؤمن جميع الشعب بالإله، ويقولون كما تلقوا عن الشيوعيين: لا إله والحياة مادة، ولا يصدقون أنَّ الخالق موجود، ولهذا دعهم يفكرون، واطرح عليهم الأسئلة التي تستحثّهم للتأمل: هل يوجد خالق؟ هل الناس يحتاجون إلى الإيمان بالله؟ وأيضاً أعطهم بعض القصص والثقافة العامة من بيئتهم، وبعض الأدلة والبراهين، حتى يعترفوا بأننا نعيش ونحتاج في حياتنا للإيمان بالله. ولا بأس من عقد نماذج في المقارنة بين الأديان، مثل النصرانية والبوذية والأديان الأخرى، والمقارنة بين الإنجيل والقرآن، والمقارنة بين الفكر الغربي والدين الإسلامي، حتى يعرفوا أن دين الإسلام دين الحق، ومن ثمَّ نخبرهم ما هو الإسلام على حقيقته. ^: ما الأشياء العملية، والمفيدة لدعوة الصينيين، والتي ترى أنَّها تنقصهم؟ | أنا أودُّ من الإخوة المهتمين بالدعوة إلى الله، أن يفيدوا الصينيين عن طريق ترجمة الكتب الإسلامية، والداعية لو سافر للصين ويمتلك اللغة الصينية القوية فإنَّه كم سيخاطب: مائة، ألف؟ ويبقى مليار، ومع أهمية الدعوة المباشرة إلاَّ أنَّني أرى أن يُنتدَب أناس منَّ الله عليهم بمعرفة اللغة الصينية، ويقوموا بترجمة الكتب باللغة الصينية بالألفاظ القوية المقنعة، وأنا أركز بأنَّ صاحب اللغة القوية هو الذي يترجم، فأنا قرأت بعض الكتب المترجمة باللغة الصينية، فوجدتها مليئة بالأخطاء اللغوية، مع ألفاظ ضعيفة؛ فكيف تريد من الصينيين أن يفهوا دين الإسلام على حقيقته، والكتب المترجمة لهم ضعيفة الأسلوب؟ ومن الطرق الهامة للصينيين دعوياً، إنشاء موقع على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) ونشر الكتب الهامة الموضحة لدين الإسلام؛ فهم شعب قارئ، ويستخدم (الإنترنت) وإذا وجد هناك موقعاً إسلامياً، باللغة الصينية، فسيستفيدون جداً منه، ويقتنعون بهذا الدين الحق بإذن الله، وأنا أرى أن هاتين الطريقتين، من أهم الطرق المفيدة لدعوتهم لدين الإسلام، ونستطيع أن ندخل الإسلام بسرعة إلى قلوبهم، والغربيون يعرفون هذا، فأرى الاهتمام بهذين الأسلوبين لدعوة بلد المليار نسمة لدين الإسلام؛ فالصين بنظري تعتبر أكبر سوق مفتوحة للدعوة، وجُلّ أديانهم وثنية لا تصمد أمام العرض العلمي والموضوعي. ^: ما جهود النصارى في الدعوة بالصين؟ | عندهم جهود قوية جداً، وهم لا يشددون في دينهم، ويستخدمون الإعلام لنشر أفكارهم وفق خطة نشطة جداً، وعندهم دعاة متميزون يعرفون الفكر والثقافة وحاجات الناس، وأكثر من يتقبل دعوة النصارى النساء؛ لأن النساء عموماً أسرع تقبلاً من غيرهن، ثم إذا دخلت المرأة في النصرانية؛ فإنها تخبر صديقاتها وعوائلها، وبهذا الطريق يتنصر بعض الصينيين. ومن ضمن الأشياء التي عند النصارى، قوة مساعداتهم للمنصِّرين برؤوس الأموال، لتكوين مشروعات تخدم دينهم، وأعطي مثالاً على ذلك: فمدينتنا إحدى مدن شرق الصين، ولم يكن يوجد بها قبل عشر سنوات إلا كنيسة واحدة، وكانت هذه الكنيسة جديدة، وقبل ثلاث سنوات حين مررت بهذه الكنيسة دخلتها وسألت: كم عدد النصارى؟ فقالوا: ليس عندنا إحصاء ولكن هم تقريباً من ألفين إلى خمسة آلاف، وبعد سنة دخلت هذه الكنيسة مرَّة أخرى، وقلت كم عددكم؟ فقالوا: من (٢٠) إلى (٢٥) ألفاً، وفي السنة الماضية وهي السنة الخامسة، سألت رئيس الأديان في تلك المدينة والتي هي في شرق الصين: كم عدد النصارى؟ فقال: لا نعرف العدد ولكن كل النصارى يجتمعون يوم الأحد في عدَّة كنائس أو بيوت، ويمارسون فيها طقوسهم الدينية، ثمَّ قال رئيس الأديان: ونحن لا نسمح لهم بالاجتماع إلا إذا أعطيناهم رخصة، وقد أعطينا عام (٢٠٠٤م) وهي السنة الماضية (١٦٠) رخصة في هذه المدينة الصغيرة فقط! وأنا أقدِّر أنَّ كل كنيسة يوجد بها من (٣٠٠) إلى (٥٠٠) ولك أن تعلم أنَّ في هذه المدينة التي حدَّثتك عنها يوجد (٢٣) مسجداً فقط. ^: ولكن فضيلة الشيخ يوسف: ما جهود دعاة المسلمين إزاء جهود النصارى؟ | بالنسبة لي فلم أقم بالصين باستقرار تام؛ لأنني درست خارجها، وإن كانت هناك مشاركات دعوية وإنشاء جمعية إسلامية في شرق الصين، ولكن بالنسبة للدعاة بالصين فهم في الحقيقة فئة قليلة، وفي شمال غرب الصين يوجد أئمة مساجد، أما الدعاة المتفرغون فلا تكاد تجد أحداً منهم إلاًَّ نادراً. نعم! توجد معاهد إسلامية في شمال غرب الصين، ولكن مع الأسف لا توجد خطة وخطوات دعوية مميَّزة، وكذلك فإنَّ في الشمال الغربي ثقافة المسلمين ولغتهم الصينية ضعيفة، ولا يمكن أن يؤثروا على الشرق؛ لأنَّهم يعدُّون متخلفين من ناحية تعليمية وثقافية، فلا توجد لغة أو علم قوي في تلك المنطقة حتى يؤثروا في المناطق الأخرى من الصين مع كثرتهم في تلك المنطقة أكثر من غيرهم، ولا ريب أنَّه إذا كان المرء ضعيفاً في اللغة ويريد أن يؤثر في منطقة شرق الصين فلا يستطيع التأثير، وأيضاً فإنَّ الطلاب في الشمال الغربي يدخلون ويدرسون في المساجد والمعاهد الإسلامية، ولكن كثيراً منهم لم يدخل مدرسة ابتدائية وثانوية حكومية، لذلك عندهم لغة التواصل الفكري ضعيفة. ^: هل توجد بشارات وأمور مفرحة في الصين يُستطاع من خلالها إفادة أهل الصين بالدعوة والتعليم؟ | بعد أحداث سبتمبر صار كل شيء في العالم يتعلق بالإسلام، وصار الصينيون يريدون أن يقرؤوا في كتب الإسلام ويتعلموا بشكل أكبر وإيجابية أفضل، فصار الصينيون يعرفون الإسلام، وصدقني أن هناك بعض المناطق في الصين مثل مناطق الجنوب ما سمعوا باسم الإسلام أو المسلمين إطلاقاً، ولهذا حين ذهبنا مع تجار العرب إلى بعض مناطق الصين، وقلنا لهم نحن مسلمون تساءلوا مستنكرين: ما الإسلام؟ فهم لم يسمعوا بالإسلام ألبتة!! ^: هل يدرس الطلاب المسلمون في الجامعات الصينية، وما النشاطات الإسلامية الموجودة في هذه الجامعات؟ | نعم! يوجد كثير من الشباب المسلمين الذين يدرسون في الجامعات، وفي الحقيقة إذا كان الداعية رجلاً عملياً، فإنه يجتمع بالشباب المسلمين في الجامعة بطريقة مناسبة مثل السياحة في بعض المناطق القريبة منها، أو المخيمات الصيفية ثم يعلمهم الدين، ولا شك أنه يوجد دعاة بين الشباب الجامعيين ولكنَّهم قلَّة، والحقيقة أن هذا مشروع مهم جداً ويحتاج للمساعدة علمياً ومادياً برأس مال قوي، وأنا آسى على بعض الشباب الصينيين المسلمين الذين يدرسون خارج الصين في دول عربية، ويتعلمون الإسلام على حقيقته وحين يرجع بعضهم للصين يتكاسلون عن الدعوة إلى الله في المنطقة التي هم منها، وهذا كسل لا ينبغي، بل ينبغي أن يكونوا جادين في الدعوة إلى الله في بلادهم. ^: ذكرت أن كثيراً من الطلاب المسلمين يدرسون في الجامعات الصينية، ولكن ألا ترى أنَّ هؤلاء الطلاب غُيِّبوا عن دينهم، وصارت ثقافاتهم صينية؟ | يوجد كثير من الطلاب يدرسون بالجامعات، ويتأثرون بالتأكيد بالثقافة والقيم الصينية، بل يكادون لا يعرفون شيئاً من الإسلام؛ لأن كل شيء بالثقافة الصينية، وهذا في شرق وشمال الصين، وأما في الشمال الغربي للصين، فهم يدرسون مواد الدين، ولكنهم قليلون، إضافة إلى الضعف الذي لديهم من ناحية لغوية. ولكن في السنوات الأخيرة وخصوصاً بعد أحداث سبتمبر، شعر الشباب الذين يدرسون بالجامعة وخاصة من أبناء المسلمين بحبِّهم لدينهم، وبدؤوا يقرؤون كتب الإسلام الدينية، ويريدون أن يعرفوا ما هو ديننا؟ ومن الممكن أنَّ ٢٠% من طلاب الجامعة منتسبون للإسلام بالهوية، لكنهم بدؤوا يصلون ويصومون ويطبقون الإسلام، فكان لهذه الأحداث آثارها الإيجابية الكبيرة ـ ولله الحمد ـ لأنهم قبل ذلك كانوا لا يهتمون بدين الإسلام، وحين طالعوا كتب الإسلام أعجبهم وصاروا أشد تمسكاً به، والمشكلة عندنا في الحقيقة قلة الكتب الدينية التي تشرح الإسلام بلغة قوية، ولها أسلوب جذاب ومؤثر. ^: هل توجد جهود دعوية مع الطالبات في الدعوة إلى الإسلام؟ | ذكرت لك أنَّ بعض الجمعيات الإسلامية مثلاً في شرق الصين يلقون على الطالبات شيئاً من دروس الدين، فتوجد جهود ولكنَّها يسيرة، وبعض الطالبات يتحجبن بعد أن يتأصل الإسلام في قلوبهن، وبعضهن قد لا يبقين محجبات، والحقيقة أننا نأتي للنساء المسلمات وندعوهن ولو كنَّ متبرجات، ولو شدَّدنا في الأمر فإنهن لن يأتين لحضور دروس الدين، ودورنا تعزيز الإيمان في قلوب النساء ليتحجبن بعد تأثُّرهن بقيم ومبادئ هذا الدين. ^: لا شك أنَّك في جولاتك بالصين وجدت انحرافات عند كثير من المنتسبين للإسلام؛ فهل حقّاً توجد عادات وتقاليد وانحرافات عند بعض المسلمين؟ | أكثر الانحرافات هو التأثر بـ (الكنفوشيوسية) ، والتأثر بالعادات الصينية، وكذلك التأثر بالانحرافات الصوفية لطول البقاء وقلة الدعوة لبعض المسلمين، كما يوجد في شمال غرب الصين، ويوجد في الشمال الغربي من الصين الطواف بالقبور والشرك بالله، والاستغاثة بغير الله؛ نسأل الله العافية. وعلى كلٍ فإنَّ الانحرافات تختلف باختلاف المناطق التي في الصين، ولكن من أبرز الانحرافات التي رأيتها منتشرة في الصين، تلك الانحرافات المتعلقة بالجنائز، وهي متأثرة بالثقافة الصينية؛ فإذا مات الميت يأتي أولاده ويلبسون اللباس الأبيض عند الجنازة، وحين يفارقون الجنازة يجلسون من سبع أيام إلى أربعين يوماً وهم لابسون لتلك الملابس، وكذلك ينتشر عندنا، حين يموت الميت أن يأتي بعض أقاربه أو أصحابه، ويُنَوِّر على القبر بالمصباح مدَّة سبع ليال، وهذه بدع متواترة نرجو أن تزول بالدعوة المستمرة إن شاء الله. ^: أنت شاركت في الدعوة إلى الإسلام في الصين، ولا بد أن تقع للداعية إشكاليات تواجهه على هذا الطريق؛ فهلاَّ أبرزت أهمَّها؟ | المشكلات الموجودة أن كثيراً من المتبرعين يريد أن يبني مساجد ولا يريد أن يعين على ترجمة الكتب، ولا المساعدة في إنشاء مواقع بـ (الإنترنت) لشرح دين الإسلام الصحيح باللغة الصينية، وكذلك إعانة شباب المسلمين بالجامعات ودعمهم برأس مال يعينهم ليقوموا بالدعوة وتنشيط برامجهم الدعوية؛ ولهذا أقول: بعض الناس يبني مساجد جيدة ومكلفة، ولكن الداخلين فيها والمعلمين قلة؛ وكذلك نعاني من قلَّة دعم أهل الخير والإحسان للمراكز والجمعيات الإسلامية ممَّا يؤثِّر سلباً على أنشطتها، وأرجو من الدعاة خارج الصين أن يعوا مسائل الخلاف الموجودة بين المذاهب، وأهمية التعريف بأدب الحوار ونصح المسلمين الصينيين وخاصة الكبار منهم، فقد أتى بعض الدعاة المخلصين وحين رأى الصينيين يتمشون مع المذهب الحنفي حيث لا يرون رفع اليدين إلا مرة واحدة بخلاف بعض المذاهب التي ترى رفع اليدين في الصلاة أربع مرات، فهذا قد أنكر على بعض المسلمين الصينيين بشدة على ذلك الفعل، وقال إنَّ صلاتكم باطلة لأنكم لم تتبعوا السنَّة! وحين أنكر عليهم لم يجد منهم آذاناً صاغية، وكان الكبار منهم يقولون: نحن نصلي لله مدة خمسين سنة؛ فهل كل تلك الصلوات باطلة؟ ولا شك أن هذا الأسلوب في الدعوة خاطئ، ما دام فعل هؤلاء المصلين مأثوراً عن مذاهب معتبرة، ولذلك ينبغي عدم التعرض لمثل هذا جمعاً للصف بين المسلمين. وإنني أنادي وأقول إن كثيراً من الدعوات الباطلة كالرافضة مثلاً كونت بدعم من إيران إذاعة خاصة بالصينيين، وهي تدعوهم باسم الإسلام لدينهم الباطل؛ فأين رؤوس الأموال الإسلامية لتكوين إذاعة خاصة بالصينيين المسلمين السنة؟ فهل تعمل الجهات الدعوية في العالم الإسلامي على فتح إذاعة للمسلمين وتشجيع مواقع (الإنترنت) للدعوة للإسلام في عصر هذه أسلحته الفاعلة في الدعوة إلى الله؟ ^: برؤيتك المستقبلية؛ هل تظن أن الإسلام سينتشر بالصين بعد عشرسنوات؟ | هناك نكتة واقعية حيث كان بعض الشباب يفاخر ويقول إن الإسلام سينتشر على يد المسلمين الصينيين؛ لأن هناك عالم أمريكي (صاموئيل هنتنغتون) يقول: في القرن الحادي والعشرين ستكون الحرب بين الأمم المتحضرة، وإذا كانت تلك الحضارتان الإسلام و (الكنفوشيوسية) اجتمعتا معاً فَسَتُسْقِطْ تلك الحضارتان (الحضارة الغربية) فكان بعض الشباب الصينيين يحللون ذلك ويقولون: الذي يُسقِط الحضارة الغربية هم المسلمون الصينيون ـ إن شاء الله ـ حيث إنهم هم الذين يعرفون الإسلام ويعرفون (الكنفوشيوسية) . فكان بعض الشبان الصينيين يقولون: الإسلام سينتشر عندنا، ونحن الذين سنُسقط الحضارة الغربية، وهذا الكلام كان في الثمانينيات الميلادية من القرن الفائت. ولكن هذا الأمر علمه عند الله، وأنا متفائلٌ بالمستقبل، إلا أنَّه بصراحة: الدعوة للإسلام في الصين ضعيفة، وتحتاج إلى جهود كبيرة، ونحن ـ إن شاء الله ـ سنبذل الكثير من الجهود للدعوة إلى الإسلام في الصين، وننصر دين الله فيها، ونتفاءل بعدها بمشيئة الله، وحين يعرف الناس الإسلام فإنَّهم سيدخلون في دين الله أفواجاً.

стр. 5512

وللحزن مدى محمد بن عبد الله عبد الباري أيُ شمسٍ آذنتنا بالمغيبِ أيُ جرحٍ والحنايا مثقلات أيُ حزنٍ أطلق الآلام فينا هذه الدنيا التي ما فتئت نحنُ فيها للمنايا هدفٌ عمر الإنسان كالشمس التي كيف مات الشيخ؟ وارتد الصدى إنه للعلم نبعّ ليس يفنى إنه الطهرُ تسامى ورعاً إنه الزهدُ تناءى ورعاً حين جاء النعي غصت بالشجى ما يقول الشعرُ يا شيخ الهدى هذه ذكراكمُ يا (ابن قعود) سرتمُ للمجدِ في أكرمِ وفد آهِ! يا شيخُ وفي قلبي نمت كيف أبكيت وروحي أُترعت كيف أبكيك وقد كنت لنا كنت للمحتاج عوناً ويداً لم يزل يبكيك فينا منبرٌ فلكم ألقيت منه خطباً كنت تذكي جذوة الإخلاص فينا كنت للقلب طبيباً يا لقلب كنت بالدمع تربي أمة في دروب العلم أزجيت الخطى وزرعت الخيرَ في عمر الصبا وسكبت العمر علماً وتقى في حنايا الليل أشعلت الهدى هذه الظلماءُ كم زينتها غبت يا شيخُ وللحزن مدى حسبنا أنك حي في قلوب وانعمن بالخلد واهنأ بالمنى وتوارت خلف أسوار الغيوبِ والمآقي جدن بالدمع السكيبِ ورمانا بين أنياب الخطوبِ تبتلينا كل يومٍ في حبيبِ وشراكُ الموتِ في كلِ الدروبِ سافرت بين شروقٍ وغروبِ في فضاءٍ من رؤى الحزن مهيبِ لا ولا يعرفُ معنى للنضوبِ كغمامٍ مرّ في الأفق الرحيبِ عن ملذاتِ وعن عيشٍ كذوبِ أحرفُ الشعر وهمّت بالهروبِ وحروفي أُلْبستْ ثوبَ الشحوبِ؟ عنبر فينا وطيبٌ أيُ طيبِ وركبتم للعلا أسمى ركوبِ نبتةُ الأشواق والحبِ العجيبِ؟ بالأسى والقلبُ مخنوقُ الوجيبِ؟ كالزلال العذب في عصر جديبِ تبذلُ الخير وسلوى للغريبِ هزه التذكارُ شوقاً للخطيبِ سكنتْ أصداؤها عمقَ القلوبِ وتسوق الوعظَ في وقعِ رهيبِ لم يزل يهفو إلى كفٍ الطبيبِ سافرت في درب غي وذنوبِ شامخ الهمة محمود الدؤوبِ فحصدت الفضل في وقت المشيبِ وجهاداً للجحودِ المستريبِ قبساً يهزأ بالليل الكئيبِ بدعاء ورجاءٍ ونحيبِ أبحرت فيه تباريحُ الأديبِ شفّها الشوقُ إلى لقيا الحبيبِ في جوار الله علاَّمِ الغيوبِ

стр. 5513

الأستاذ/ عبد الغفار عزيز ـ القيادي في الجماعة الإسلامية في الباكستان ـ في حديث لمجلة البيان: حول الاعتداءات الأمريكية الأخيرة على باكستان متابعة: خباب بن مروان الحمد في الساعة الثالثة قبل فجر يوم السبت (١٤ ذي الحجة/١٤ يناير) حلَّق عدد من الطائرات الأمريكية على قرية (دما دوما) في منطقة (باجور) القبلية الباكستانية، ووسط الأزيز الرهيب أطلقت عشرات القنابل الضوئية الَّتي حوَّلت ليل القرية إلى نهار، ثم كوَّنت دائرة ضوئية كبيرة على ثلاثة بيوت بعينها، وأطلقت عليها القنابل والصواريخ التي صيَّرت البيوت الفقيرة إلى أطلال، وحولت ساكنيها الأحياء من الشيوخ والأطفال والنساء إلى كومة من الأشلاء. إنَّ تحليق الطائرات الأمريكية في المنطقة ليس بأمر جديد خاصة أنَّه منذ ثلاث أيام بلياليها كانت الحركة الجوية مكثفة حتَّى أرعبت سكان المنطقة وجعلتهم يتوقعون حدوث محظورٍ ما. لكن لم يطرأ على بالهم أبداً أن أسراً فقيرة والتي ليس لديها أي انتماء سياسي أو تنظيمي سوف تذهب ضحية أخطر غارة أمريكية في باكستان، منذ بدء الحرب الأمريكية ضد ما يصفونه بالإرهاب. تشير عقارب الساعة التي بقيت متوقفة وشبه معلقة على إحدى جدران البيت المهدم إلى ساعة الهجوم والدمار وهي الساعة الثالثة وعشرون دقيقة صباحاً، وما أن وقعت الانفجارات وارتفعت أعمدة النار والدخان، حتَّى هُرِعَ أهالي المنطقة إلى مكان الهجوم وامتلأت المنطقة بالآلاف من أفراد القبائل المختلفة قبل أذان الفجر، وأصيب الناس بالذهول، ولا أحد يستطيع تفسير ما حدث، ثم طفقوا يُخرِجون الجثث من تحت الأنقاض ويحاولون إنقاذ الجرحى؛ حيث صار عدد القتلى ثمانية عشر، والجرحى بالعشرات. وقد واصل سكان المنطقة عملية إغاثة المصابين والجرحى ودفن الموتى، وإذا بهم يفاجَؤون بأنهم أصبحوا مركز أهم الأخبار الدولية، وأن القنوات العالمية أوقفت برامجها ونشراتها لتعلن الخبر العاجل، ومفاده أن «كبار الإرهابيين» قد لقوا حتفهم في (باجور) وأنَّ الرجل الثاني وربما الأول في تنظيم القاعدة من ضمن ضحايا الهجمة الأمريكية! وهنا ثارت ثورة القبائل وبدؤوا يحتشدون في موقع الحادث، وخلال بضع ساعات بلغت الحشود الغاضبة حوالي خمسين ألف شخص كلهم يهتفون: «الموت لأمريكا» و «الموت لبوش ولحليفه برويز» وكلهم ينادون بالثأر لدماء الأبرياء مهما كان الثمن، وهنا خاطبهم زعماء القبائل وعضو البرلمان من تلك المنطقة واسمه هارون الرشيد ـ وقد سبق لي أنني دخلت معه السجن لمدة أربعين يوماً في جريمة المشاركة في مظاهرة سلمية تضامناً مع الكشميريين واحتجاجاً على زيارة رئيس الوزراء الهندي السابق فاجبائي ـ وقال لهم: إننا لن ننسى على مرّ التاريخ هذه الجريمة النكراء، ولكن علينا أن نسلك الطريق الصحيح للاحتجاج، وألاّ ندع نيران الغضب تشتعل لنحرق أنفسنا دون أن نصيب المجرم القاتل بشيء، وطالب مخاطباً حليف بوش الرئيس برويز مشرف بأنك تتحمل مسؤولية هذه الجريمة؛ لأنها نتيجة حتمية لتحالفك مع بوش؛ فأنت أيضاً مسؤول وبنفس الدرجةعن قتل هؤلاء الأبرياء. وأضاف مخاطباً الجماهير: سوف نرفع هذه القضية في البرلمان، وسوف يقف كل أفراد الشعب الباكستاني الغيورين معنا وضد المعتدين. ولقد كان خطابه محاولة منه لئلا يتحول الغضب الشعبي القبلي إلى نار ودمار عشوائي، ولئلاَّ تتطور الأمور إلى فوضى عارمة لا يمكن لأحد السيطرة عليها، ولن يتضرر من ذلك إلا باكستان. وهذا ما أكد عليه القاضي حسين أحمد أمير الجماعة الإسلامية ورئيس مجلس العمل الموحد (تحالف الأحزاب الدينية) عندما عقد مؤتمراً صحفياً عاجلاً في مقر الجماعة في لاهور ودعا إلى احتجاجات شعبية في جميع أنحاء الدولة قائلاً: إن باكستان قد فقدت حريتها واستقلاليتها وسيادتها الوطنية، وقد صارت الأجواء الباكستانية وأراضيها مرتعاً للقوات الأمريكية، وأصبح رعاياها دون أي أمن أو أمان؛ إذ سلمهم رئيس جيشهم ورئيس الدولة إلى قوى الاعتداء وباعهم وباع السيادة الوطنية بثمن بخس، فلا بدَّ من الوقوف والتحرك حتى نتخلَّص من هذه الحكومة. وكانت الاستجابة الشعبية لهذا النداء أقوى وأكبر من كل النداءات السابقة ضد برويز مشرف وسياساته؛ حيث خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين في كل العواصم الإقليمية ومراكز المحافظات، وأعلنوا رفضهم لهذا الهجوم الأمريكي ولسياسات برويز مشرف الداعمة للإدارة والجيش الأمريكي. إنَّ هذه الغارة الأمريكية ليست الأولى ولكنها أخطر العمليات والهجمات الأمريكية في الأراضي الباكستانية؛ إذ تبعد منطقة باجور عن الحدود الأفغانية أربعين كيلو متراً وليست مجاورة وملاصقة لها، وهذا يعني أن أمريكا لا تتورع عن ضرب أي من الأهداف في باكستان مهما كانت مواقعها ومهما كانت حجج الهجوم واهية وباطلة. وبمعنى آخر لو أصرت أمريكا على أن عناصر إرهابية ـ كما تزعم ـ قد دخلت المواقع العسكرية الباكستانية ولا بد من شن الغارة عليها فلا يردعها من ذلك رادع، وإنَّ الأنكى من كل ذلك أن من يؤمل منهم أنهم سوف يقفون للجناة والمعتدين بالمرصاد أصبحوا يبررون لهم جرائمهم ويشجعونهم على مزيد من الاعتداءات؛ فهذا برويز مشرف يوجه إلى المناطق القبلية نصائحه بألاَّ يؤووا العناصر الإرهابية وأن يخرجوهم من مناطقهم، ثم يظهر على شاشات التلفاز ويخاطب الشعب خطاباً مباشراً لمدة ساعة وخمس وعشرين دقيقة دون أن ينطق بكلمة عن الاعتداء الأمريكي أو الغارة على باجور ويشغل الشعب بقضايا خلافية حول توزيع مياه الأقاليم وبناء السدود. وهذا رئيس الوزراء شوكت عزيز ـ أحد كبار موظفي ستي بنك الأمريكي إلى وقت قريب ـ يصرح عشيَّة الغارة الأمريكية بعد لقائه مع جون كيري مرشح الرئاسة الأمريكية أمام بوش: «إننا نستمر في تعاوننا مع أمريكا ضد الإرهاب والإرهابيين» ثم قال في تصريح آخر قبل أن يغادر في أول زيارة له لواشنطن كرئيس لوزراء باكستان وليس كأحد موظفي ستي بنك: إن علاقاتنا مع أمريكا لن تتعثر بأمور بسيطة، ولن أصغي إلى النداءات التي تطالبني بإلغاء زيارة واشنطن لسبب أو لآخر. وهذا وزير الإعلام يعقد أقصر مؤتمر صحفي له منذ توليه الحقيبة الوزارية، ويكتفي بقراءة نص بيان أُعطِي له يعرب فيه عن حزنه لما حدث ويتوقع ألاَّ تتكرر حادثة باجور دون أن يشرح كيفية منع أو سبب امتناع الأمريكان من معاودة الكرّة. ثم عندما رأت الحكومة المظاهرات والانتقادات الشعبية الكبيرة وحتى من داخل الحزب الحاكم قررت استدعاء السفير الأمريكي إلى وزارة الخارجية، واحتجت على ما حدث، وبشرت الشعب الباكستاني بأن باكستان لن تسمح بتكرار ما حدث، أي لن نعمل سوى التعلق بحبال الهواء. في اليوم التالي من هذا التأكيد الرسمي والاحتجاجات الشعبية صرَّحت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بأن هجمات أمريكا ضد الإرهابيين سوف تستمر ورفضت أن تعلق أو تعتذر عن الغارة الأمريكية ومقتل ثمانية عشر مدنياً، وقبلها صرَّح عضو مجلس الشيوخ الأمريكي من حزب بوش جون ميكنن «بأننا لا نستطيع أن نضمن لباكستان عدم تكرار حادث مماثل» كما انتقد عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الحكومة الباكستانية بأنها لم تقم بالواجب وأنها مسؤولة عن وجود «العناصر الإرهابية» في المناطق القبلية وأن الهجوم الأمريكي كان صائباً وفي وقته. إنَّ هذه التصريحات والردود توضح خطورة وضخامة ما حدث وتشرح المخاطر الجمة التي لحقت بأمن باكستان وسلامتها، فبعد أن كانت القوات الأمريكية ترتكب بعض المخالفات الحدودية أصبحت توسع دائرة التوغل وبعد أن كانت تؤكد لباكستان سيادتها الوطنية أصبحت الآن تصر على فعل كل ما يحلو لها دون مراعاة لأية حدود أو قوانين دولية أو وخزة ضمير. ويتساءل الشعب الباكستاني بأعلى صوته قائلاً للجنرال برويز مشرف: هل هذا ما كنت تعدنا به وتقول إنك تحالفت مع أمريكا لتحافظ على سلامة باكستان؟ الحقيقة المرة أن برويز مشرف زرع الشوك ولن يحصد العنب، ولكن السؤال الأكبر هو: ما مصير الشعب وما مصير باكستان؟ هل تتجه باكستان فعلاً نحو أصعب مراحلها كما أشار إليه عديد من كبار المحللين العسكريين والجنرالات المتقاعدين الذين اعتبروا الغارة الأمريكية مجرد جس النبض وأن أمريكا قد ترتكب خطيئتها الكبرى تجاه المنشآت النووية أو العسكرية. وسواء أكانت هذه المخاوف في محلها أم لا، لكنها أكدت على عدة حقائق: أولاً: أن هذه الغارة قد أسقطت ورقة التوت عن النوايا الأمريكية تجاه باكستان، ورأى الجميع بمن فيهم برويز مشرف أن صداقة أمريكا مجرد وهم ليس إلا، وأن على باكستان أن تحسب حساب الغد القادم. ثانياً: أكَّد هذا العدوان وبقوة على ضحالة الكفاءات الاستخباراتيَّة والعسكرية الأمريكية وعلى غبائها أيضاً؛ إذ استمرت طائرات القوة الكبرى «تنقب في الأجواء» الباكستانية في باجور وضواحيها لمدة ثلاثة أيام بلياليها مستخدمة الطائرات التجسسية والطائرات بلا طيار والأقمار الصناعية وكذلك «العيون الغالية الرخيصة» ثم قامت بعملية فضحتها أمام الرأي العام الداخلي وأسقطت حلفاءها حتى في عيونهم أنفسهم. ثالثاً: كما أكدت الغارة أن الولايات المتحدة الأمريكية مستمرة وسوف تستمر على زرع مزيد من الكره والغضب في قلوب المسلمين في العالم، وأن سياساتها المعلنة لكسب عقول وقلوب الشعوب لن تحقق سوى هدر الملايين من الدولارات وإسقاط كل الأقنعة الخادعة عن وجهها الحقيقي وكذلك عن وجوه عملائها واحداً تلو آخر. وصدق المولى إذ يقول: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] .

стр. 5514

ضحايا بريئة للحرب العالمية على الارهاب عرض: الهيثم زعفان يعد هذا الكتاب امتداداً لكتاب «القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب» الذي تحدث عن المرحلة الأولى للحملة الأمريكية الإعلامية ضد العمل الخيري الإسلامي؛ حيث يأتي كتاب (ضحايا بريئة) ليكمل الصورة بتناول مرحلة تاريخية جديدة لهذه الحملة اتسمت بالمستجدات في الإجراءات الإدارية والعالية. ينطلق المؤلف من حيث انتهى كتابه الأول من عدم وجود تعريف للإرهاب حتى الآن ليثبت في كتابه الجديد من خلال آراء الساسة الغربيين أنه إذا كانت الحرب الباردة تعتبر حرباً ثالثة واضحة الأهداف والمعالم؛ فإن الحرب العالمية الرابعة (حرب الإرهاب) ليست كذلك؛ لأنها حرب هلامية لم تتحدد فيها حقيقة العدو، لكنها حرب خلفت أشلاء بريئة من الفقراء والأغنياء على حد سواء؛ فالقاسم المشترك بينهم هو الانتماء الديني والعمل الإنساني. يطرح الكاتب اصطلاح «ضحايا بريئة» قاصداً به المؤسسات والجمعيات الخيرية الإسلامية الإغاثية والتعليمية ببرامجها وأنشطتها وأموالها وبعض العاملين فيها لتكون الضحايا الأكثر تضرراً بعد ذلك هي تلك الشعوب والأقليات الجائعة والمتعطشة للإغاثة من ملايين البشر التي تصارع الموت وتعاني من المرض، وتتجرع كل آثار الحروب والتشرد والاضطهاد، وليصبح العالم المتحضر أكثر سوءاً من قبل. يوضح الكاتب أن ذلك بدأ بشكل مبكر من خلال طرح الافتراءات والشكوك والشبهات تجاه المؤسسات الخيرية الإسلامية داخل وخارج أمريكا؛ وذلك قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بسنوات، وإن كانت مسوغات قوة عولمة الحملة الأمريكية جاءت بعد الأحداث؛ حيث الاتهامات ودعاوى التجميد والمصادرة والإغلاق تحت مسمى «الدعم المالي للإرهاب» والتي يعدها غطاء للاستراتيجية الجديدة التي تعتبر الإسلام ومؤسساته من فصيلة «المنافسين الجدد» متفقاً في ذلك مع رؤية «توفلر» عن منظومة المنافسين الجدد؛ وذلك لأن عنصري المنافسة والاستقلالية عن الحكومات متحققان بشكل كبير في المنظمات والجمعيات الخيرية الإسلامية، ولأنها ـ حسب هذه الرؤية الجديدة ـ تعتبر خارج نطاق السيطرة كما تصنفها أمريكا، ومن ثم فهي بأجندتها الأخلاقية الإسلامية واستقلاليتها المالية والفكرية تشكل عنصراً قوياً في ميدان المنافسة والندِّية للمتعصبين من الغرب أفراداً ومؤسسات ودولاً. ويخشى الكاتب من امتداد التعسف الظالم إلى أن تصنف بعض وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة ومواقع مستقلة في شبكات الإنترنت ـ بل بعض المراكز العلمية والمناهج الفكرية حتى المؤسسات والمنظمات الدولية المستقلة ـ ضمن قائمة (المنافسين الجدد) خوفاً من انتقال القوة أو السلطة لها؛ لأنها تتعارض مع سياسة المرحلة التاريخية الجديدة؛ ويدل على ذلك بعدة شواهد منها: الحرب على الإرهاب أسفرت عن موجة من التغييرات ضمن الدول؛ حيث بدأت الواحدة تلو الأخرى في فرض إجراءات تشديدية جاءت على حساب الحريات المحدودة. ودليل آخر على ذلك تمثَّل في طلب الولايات المتحدة الأمريكية إلغاء مناهج التعليم الديني في الوطن العربي باعتباره الوعاء الذي يتخرج منه الإرهابيون بحسب دراسة للخارجية الأمريكية. ويبرز الكتاب حرفية اختيار اتهام المنظمات بصلتها بالإرهاب؛ حيث من الصعب تخيل قضية يمكنها تقويض الثقة في العمل الخيري أكثر من الشك في صلتها بتمويل الإرهاب؛ وعلى ذلك قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على دول العالم لإلزام بنوكها بتجميد الأرصدة المشتبه في دعمها للإرهاب دون سند قانوني أو يقين تام بانتماء هذه الأرصدة إلى جماعات إرهابية، وإنما الأمر مجرد اشتباه. وإزاء هذه القرارات أصبحت دول العالم أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن تحترم قوانينها الداخلية ونظامها القضائي ولا تجمد الأرصدة إلا بالرجوع إلى القواعد المتبعة في هذا المجال واحترام سرية العملاء، وإما أن تسارع إلى إرضاء أمريكا وتضع نظامها البنكي وسرية الحسابات بل نظامها القضائي وقوانينها الداخلية في متناول الأيدي الأمريكية وتحت تصرفها. ويرى الكاتب بعد تحليلاته أن الدول التي سلكت المسلك الثاني هي الغالبية العظمى من دول العالم التي سارعت بمراجعة قوائم الأشخاص والمؤسسات التي أعلنت عنها الولايات المتحدة الأمريكية، وتجميد الأموال التي تخص الأفراد والمؤسسات الواردة فيها دون أن تبذل أي جهد لمراجعة واقع هذه المؤسسات أو الأفراد للتحقق من مصداقية انتمائها أو مساعدتها للإرهاب «غير المعرَّف» من عدمه، ودون أن تدرس خطورة اتباعها لهذا المسلك على مناخ الاستثمار فيها، وعلى علاقة بنوكها مع العملاء بعد إهدار أهم الأعراف والقوانين المصرفية وهو سرية حسابات العملاء؛ مما حقق للإدارة الأمريكية مراقبة كاملة للحركات المالية؛ إضافة إلى تحقيق الإفلاس المالي للمؤسسات الخيرية الإسلامية والانصراف عن مواقع العمل الإنساني والانشغال بالدفاع عن النفس. ٣ الوهابية والكونجرس: حشدت الإدارة الأمريكية عدداً من كبار موظفيها ومن الخبراء من خارج الإدارة للشهادة أمام لجان الكونجرس لإقناعها بخطر (الوهابية) على مصالح وأمن الولايات المتحدة؛ بزعم أن الوهابية تهيئ بيئة صالحة لنمو ثقافة الإرهاب؛ إذ تتميز ـ حسب هذا الزعم ـ عن الاتجاهات الإسلامية الأخرى بعداوة غير المسلمين وكراهيتهم، ولإقناع الكونجرس بخطر الجمعيات الخيرية الإسلامية بشكل عام والسعودية منها بشكل خاص بزعم أنها تعمل على نشر الفكر الوهابي في العالم الإسلامي؛ حيث إنه بين عامي ١٩٧٥ و ١٩٨٧ أنفق السعوديون حوالي ٤٨ مليار دولار وهو ما يعادل ٤ مليارات سنوياً في إطار المساعدات الخيرية والتنموية في الخارج والمستمرة إلى الآن؛ هذه الأموال ـ بحسب التقارير ـ هي عبارة عن مساعدات سعودية حكومية؛ وفي الغالب لا تتضمن التبرعات الخاصة ويتساءل الأمريكان: ما الذي يستطيع السعوديون شراءه بهذه التبرعات الإسلامية غير المسبوقة؟ وخاصة أن المذهب الوهابي أصبح لاعباً رئيساً في المؤسسة الإسلامية العالمية من خلال شبكة متقنة من المنظمات الأممية والخيرية، ومن ثَم ينبغي تقزيم هذا الخطر. ويقف الكاتب عدة وقفات مع تقرير الحالة الدينية في العالم لاستيضاح معالم تلك الإشكالية القائمة على استعمال الأسلوب الخطابي والشحن العاطفي للمتلقي. - يحلل الكاتب من خلال أسلوب دراسة الحالة ثلاثاً من الدول الأشد تضرراً من الحملة الدولية على العمل الخيري الإسلامي وهي: فلسطين، وأفغانستان، والعراق. ففي الحالة الفلسطينية ـ على سبيل المثال ـ يرى أن المراقب بشكل دقيق للحملة الأمريكية على مؤسسات العمل الخيري الإسلامي يلحظ من خلال النتائج أن الشعب الفلسطيني أصبح ضحية بريئة للحرب على الإرهاب مع ما نالته تلك الحملة من كل أو معظم مؤسسات الإغاثة الإسلامية داخل الأراضي الفلسطينية والمؤسسات الداعمة لها من خارج فلسطين، سواء في أمريكا أو أوروبا أو العالم العربي، وهذه الحملات المنظمة تعطي انطباعاً للمتابع بأنها قد تكون داخلة ضمن سياسة (الحرب الاستباقية) . - ومن النقاط الحيوية والتي سيسلمها القارئ في أكثر من موضع في هذا الكتاب هي «عملية الإحلال» من خلال تفريغ المجتمع من المنظمات الإسلامية وإحلالها بالمنظمات التنصيرية، فيكشف الكاتب عن محاولات التنصير في العراق، مع إشارات بليغة لما يحدث على الساحة المصيرية هناك عبَّر عنها المتحدث باسم الكنيسة المعمدانية الجنوبية والتي تعتبر أكبر كنيسة بروتستانتية أمريكية ساندت الغزو على العراق بكل قوة، بعيداً عن تقديم العون المادي للشعب العراقي؛ فإن القضية الأساس هي الوصول إلى الحرية الحقيقية مع يسوع المسيح. وترفع تلك المنظمات العاملة في العراق شعار «إنقاذ المسلمين من دينهم المزيف» . كذلك استثمار الأزمات في العمليات التنصيرية والتي أطلق الكاتب عليها تعبير «الراقصون في الأزمات» فيشير إلى الإرساليات التنصيرية في أفريقيا والتي رفعت شعاراً يقول: «تخلوا عن دين الإسلام، وسوف نقوم نحن بتحريركم من الجوع والفقر والخوف والمرض» فضلاً عن استثمار كارثة تسوماني وأزمة دارفور التي ينقل الكاتب عن والي جنوب دارفور قوله: «إن الخطر الحقيقي ليس في التدخل الخارجي بالسلاح، ولكن في تغييب شبه كامل للمنظمات الإسلامية، والخطر الأكثر هو في تنصير مواطني دارفور الذين عُرِفوا بحبهم للقرآن» ؛ وذلك من خلال ٣٠ منظمة تنصيرية أوروبية وأمريكية تعمل في دارفور. وفي محاولة لتفسير تلازم التنصير مع الحرب العالمية على الإرهاب يذهب الكاتب إلى بوش الابن ليجده استحدث في البيت الأبيض ولأول مرة في تاريخ أمريكا مكتباً يُعنى بالشؤون الدينية اسمه: (مكتب البيت الأبيض للأديان والمبادرات الاجتماعية) وبناء على طرح وزارة الخارجية الأمريكية؛ فإن الرئيس الأمريكي جورج بوش مهتم شخصياً ـ وبصورة لم يسبق لها مثيل من رئيس أمريكي ـ بدعم المؤسسات الخيرية الكنسية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، والتي يسميها بوش الابن باسم «جيوش الرحمة» حيث يرى الرئيس الأمريكي أن هذه المؤسسات والجمعيات أهم بكثير من المؤسسات الخيرية العامة وجمعيات الضمان الاجتماعي؛ وعلى ذلك فقد طلب بوش الابن من وزارة العدل اتخاذ إجراءات كفيلة بصرف ٣.٧ مليار دولار من الأموال الفيدرالية لمساعدة الأنشطة الخيرية التي تقوم بها جمعيات دينية نصرانية، ودافع عن ذلك بقوله: «إن هذا البلد يجب ألا يخشى تأثير الإيمان على مستقبله، ينبغي أن نجد مجالاً للإيمان لنجعل من أمريكا مكاناً أفضل» . ومن هنا تم اختياره أكثر شخصية مسيحية مؤثرة لعام ٢٠٠٥. وهنا يلتقط الكاتب خيط ظاهرة التمييز السلبي بين المنظمات الإسلامية حيث الإمكانيات المالية المحدودة وغيرها من المنظمات غير الإسلامية المصحوبة بالأموال الضخمة؛ فبحسب الجارديان أنه بينما تقابَل المنظمات الخيرية النصرانية والعلمانية بالثناء لإرسالها الأموال إلى أفغانستان، تُعامَل المنظمات الإسلامية كمشتبه بها في تمويل الإرهاب. ويلاحظ الكاتب أن تلك الدعاوى والمزاعم على المنظمات الخيرية الإسلامية أو الدول والمؤسسات المالية أو حتى الأفراد غالباً ما تقوم بسبب طمع بعض شركات المحاماة الأمريكية التي تجوب العالم لاصطياد وتوظيف بعض الأخبار، ولا سيما في مجالات دعاوى التعويضات المالية المتوقعة عن أضرار الحادي عشر من سبتمبر؛ منتهزةً التوجهات السياسية الجديدة لأمريكا. فأبرز الذين تصدروا المرافعات في قضية تعويضات (لوكربي) هو من أوائل المحامين الذين قاموا بجولات عالمية لشراء بعض الأخبار عن المؤسسات الخيرية الإسلامية في أنحاء العالم وتوظيفها للقيام بعمل دعاوى تعويضات نيابة عن أهالي ضحايا الحادي عشر من سبتمبر. والجانب الآخر في ضعف الدعاوى والمزاعم أنها تعتمد في معظمها على ما ينشر في وسائل الإعلام دون وجود أدلة دامغة؛ في الوقت الذي تقوم فيه بعض المنظمات الغربية غير الإسلامية بدعم الإرهاب المحلي والعالمي وبصفة خاصة دعم الميليشيات العسكرية داخل الأراضي الأمريكية وخارجها؛ مثلما حدث من مجلس الكنائس العالمي من دعم للمتمردين في جنوب السودان؛ وكذلك دعم الحركة الانفصالية في إقليم بيافرا النيجيري ذي الأغلبية المسلمة، إضافة إلى الدعم الأمريكي والبريطاني للمنظمات الإرهابية الهندوسية التي تقوم بذبح المسلمين وحرق ممتلكاتهم حسب خطط المنظمات الهندوسية؛ وعلى هذا المنوال يورد الكاتب العديد من صور دعم المنظمات الغربية للإرهاب. يصل الكاتب في نهاية كتابه إلى أن الصعوبات في وجود أدلة بوقائع محددة تدين المؤسسات الخيرية الإسلامية في حركتها المالية؛ وبهذا الشمول والعمومية في الاتهام الدعائي؛ كل ذلك أصبح شاهداً لها على انضباطها الإداري والمالي في بلادها؛ حيث إن الجمعيات والمؤسسات الخيرية الإسلامية - خاصة في العالم العربي- تخضع لإشراف داخلي حكومي قوي ومبالغة في الرقابة الحكومية ولا سيما في الجوانب المالية؛ حيث الارتباط الوثيق بوزارات حكومية، وإعداد ميزانيات وموازنات سنوية معتمدة من محاسبين قانونيين؛ وقد يتعدى في بعض الدول العربية إلى تحكم في أموالها ومجالس إداراتها، وقد كان كل ذلك الانضباط المالي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر مما يؤكد صعوبة أن يكون التصرف من قِبَل هذه المؤسسات متجاوزاً أو خارجاً عن نظامها. يتميز هذا الكتاب «ضحايا بريئة» بأنه استند في استدلالاته وتحليلاته واستنتاجاته على الحقائق والآراء والشهادات الموثقة والصادرة من الساسة والمفكرين والمراقبين الغربيين.

стр. 5515

المقاومة والانتخابات ... دروس في التعامل مع واقع المحتلين طلعت رميح حملت الفترة الأخيرة دروساً هامة ومتعددة الاتجاهات على صعيد التعامل مع «شعارات الديموقراطية» والإصلاح السياسي من خلال الانتخابات التي تجري بضغط من الخارج، لعل أهمها ما جرى ويجري تحت الاحتلال المباشر في فلسطين والعراق؛ حيث كانت قوى المقاومة والجهاد في الأمة فى مواجهة مباشرة مع هذه الشعارات. كما قدمت هذه التجارب زوايا جديدة من المعرفة لأهداف الضغوط الغربية (الأمريكية والأوروبية والصهيونية) من أجل إنفاذ هذه الشعارات، أو هي كشفت بشكل أعمق طبيعة المستهدف من وراء الضغوط لتطبيق هذه الشعارات، حتى باتت كل الأفكار المطروحة بهذا الشأن من قِبَل القوى المحتلة والضاغطة على المجتمعات العربية والإسلامية، وكذا كل أشكال المواجهة لهذه الأفكار في الممارسة الحية، واقعاً عملياً تستخلص منه الدروس والعبر لا مجرد حالة نظرية. على صعيد قوى المقاومة والجهاد، وضمن إطار ما شهدته المجتمعات العربية من عمليات انتخابية متعددة ـ كان أبرزها ما جرى في لبنان ثم مصر ـ فقد جرت وتجري انتخابات في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام ٦٧ وفي العراق المحتل، كلاهما وُضعت حركات المقاومة والجهاد في موقع الاختيار والاختبار في كيفية التعامل مع واقع فرضه الاحتلال وصار يطبق شعاراته الخاصة بالديموقراطية، ضمن إطار وحالة وضع فيها كل من المجتمع العراقي والفلسطيني في ذلك الموقف. في الحالة العراقية: رفضت التيارات الجهادية والمقاومة الدخول في انتخابات ما سمي بالمجلس الوطني العراقي التي جرت منتصف شهر ديسمبر من العام الماضي؛ ضمن إطار العملية (اللعبة) السياسية التي حددت قوانينها وقواعدها وشروطها قوات الاحتلال وأشرفت عليها، متخذة بذلك الموقف نفسه الذي سبق أن اتخذته من قبل خلال الانتخابات التي جرت في مطلع العام نفسه لانتخابات المجلس «المؤقت» ذاته وخلال ما تبعها من استفتاء على دستور احتلال العراق. غير أن الانتخابات الأخيرة قد شهدت تغيراً هاماً طالما سعت إلى تحقيقه قوات الاحتلال خلال العمليات الانتخابية السابقة؛ إذ شاركت في هذه الانتخابات بعض التيارات السياسية التي رفع بعضها شعارات إسلامية، وبعضها الآخر أعلن أنه يمثل السنة العرب ـ متخلين عن موقفهم الرافض سابقاً للمشاركة ـ لتحدث تفاعلاً وصراعاً من داخل العملية السياسية، تحت مبررات وشعارات مثل «خطأ عدم المشاركة» في المرات السابقة و «عدم ترك الساحة» خالية للآخرين ... إلخ، فكان ذلك هو التطور الأبرز الذي أثار التساؤلات حول صحة موقف التيارات والقوى الجهادية والمقاومة التي رفضت المشاركة وأدانت من شاركوا فيها، كما وضعها ذلك في مواجهة تيارات أخرى إضافة إلى قوات الاحتلال وأعوانها. وفي الحالة الفلسطينية: كان التطور الأبرز هو أن التيارات الجهادية والمقاومة التي رفضت المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية السابقة وما تلاها من انتخابات لرئاسة السلطة الفلسطينية، عاد أهمها ليغير موقفه ـ حركة المقاومة الإسلامية «حماس» ـ من مقاطعة الانتخابات التشريعية إلى المشاركة فيها وبقوة جماهيرية واسعة. كانت حماس قصرت مشاركتها في العملية السياسية الجارية وفق أسس وقواعد اتفاق أوسلو، على المشاركة في الانتخابات البلدية باعتبارها انتخابات ترتبط بالشؤون المعيشية للمواطن الفلسطيني، وبالنظر إلى سريانها منذ ما قبل اتفاق أوسلو، إلا أنها فاجأت الكثيرين بتغيير موقفها تجاه الانتخابات التشريعية الراهنة بالمشاركة فيها وهو ما أربك الخصوم والأعداء، وأحدث حالة سياسية جديدة على الساحة الفلسطينية. وإذا كانت مشاركة حركة حماس مع عدم مشاركة حركة الجهاد، لم تثر لغطاً في الساحة الإسلامية في فلسطين، إلا أن مشاركة حماس طرحت تساؤلات حول برنامجها السياسي في الفترة المقبلة، بالنظر لقبولها المشاركة في مؤسسات سلطة جرى تأسيسها ضمن أطر وقواعد وحدود اتفاقات أوسلو التي قاومتها حركة حماس ذاتها. والأهم هنا أننا بجمع الحالتين في فلسطين والعراق إحداهما تجاه الأخرى نجد أنفسنا أمام موقفين من قوى جهادية ومقاومة في مواجهة الاحتلال: أحدهما: وافق على الدخول في اللعبة التمثيلية والسياسية قبل الجلاء الكامل للاحتلال. والآخر: رفض. وإننا أصبحنا أمام قضية عامة تتعلق بكيفية التعامل مع واقع فرضه الاحتلال، وأمام إجابتين تبدوان في الظاهر مختلفتين على سؤال عام واحد. وعلى صعيد قوى الاحتلال، فقد جرت الانتخابات في كل من العراق وفلسطين تحت ضغط من شعارات أمريكية وغربية وصهيونية حول الديموقراطية كآلية لتغيير وإصلاح المجتمعات العربية والإسلامية، ولمواجهة المقاومة الموجهة ضدها، فكانتا تطبيقاً عملىاً لتلك الشعارات. في العراق، كان شعار إحلال الديموقراطية ضمن الشعارات التي جرى على أساسها التعبئة الجماهيرية وتقديم المبررات لغزو العراق واحتلاله. لكن هذا الشعار وقت إجراء الانتخابات أصبح هو الشعار الوحيد الباقي قيد التعامل السياسي والإعلامي من قِبَل قوات الاحتلال والسلطات في الولايات المتحدة؛ إذ إن مختلف الشعارات الأخرى قد تبخرت أو هزمت بعد انكشاف كذبة الغزو لإزالة أسلحة الدمار الشامل التي انتهت بعدم العثور على تلك الأسلحة، أو الغزو لتحقيق حقوق الإنسان التي انتهت بفضيحة سجن أبو غريب، وهو ما جعل شعار إحلال الديموقراطية أمام امتحان عسير في تلك الانتخابات. وفي فلسطين كان أساس الحملة التي جرت لحصار رئيس السلطة الفلسطينية السابق عرفات وأدّت في نهاية المطاف إلى قتله، هو شعار إجراء انتخابات فلسطينية تنتج ممثلين يمكن التفاوض معهم كممثلين للشعب الفلسطيني.. إلخ. وبعد انتخابات رئاسة السلطة ونجاح محمود عباس، وبالنظر إلى نهاية المدة المحددة لدورة المجلس التشريعي، كان من المحتم على مختلف الأطراف التوجه نحو الانتخابات التشريعية (تهتم الولايات المتحدة والصهاينة بالشرعية الشكلية لمؤسسات السلطة لضمان صحة توقيعها على الاتفاقات) . غير أن عجلة إجراء الانتخابات ما إن دارت ودخلت فيها حركة حماس حتى انقلب موقف الولايات المتحدة وأوروبا والكيان الصهيوني إلى المطالبة بعدم مشاركة حماس، وهو الأمر الذي أدخل الشعارات الغربية والصهيونية في امتحان عسير، وبالقدر نفسه الذي قدم تجربة مهمة على صعيد حركة المقاومة الإسلامية حماس. كانت الانتخابات إذن حالة امتحان لشعارات الديموقراطية ولإمكانيات هذا الفعل في ظل الاحتلال، فأي الدروس قدمت مشاركة حماس؟ وأي الدروس قدمها عدم مشاركة القوى الجهادية والمقاومة في العراق؟ - الانتخابات وصياغة المجتمعات العربية: قبل البحث في نتائج الانتخابات في كل من العراق وفلسطين وتوضيح المواقف واستخلاص الدروس، يجب أن نحدد أولاً ماذا تستهدف القوى الغربية من خططها وشعاراتها لإجراء الانتخابات في المجتمعات العربية، بالنظر إلى أهمية هاتين التجربتين كحالتين نموذجيتين للفعل المباشر وللتطبيق العملي لشعارات الديموقراطية بضغط الاحتلال أو تحت الاحتلال، ومن ثم تجسدان الإطار العام لممارستها في المجتمعات الأخرى ـ حسب درجة نضج وقوة الحركات المقاومة للنفوذ والضغط الغربي والصهيوني ـ كما يجب أن نفتش في ظروف وأوضاع هذه المجتمعات الضاغطة في توقيت إجراء الانتخابات. وبمراجعة مشروع الشرق الأوسط الكبير وقبله مبادرة الشراكة من أجل الديموقراطية التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول، وكذا المحاضرات المتعددة التي ألقاها المسؤول البارز في وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد هاس، يمكن القول إن الأهداف العامة التي من أجلها تجري الضغوط الغربية بشأن الديموقراطية في مجتمعاتنا هي أهداف كبرى ومتعددة. فهناك أن تلك الخطة تستهدف إجراء عملية معقدة من أجل تحديث النخب الحاكمة في المجتمعات العربية والإسلامية من خلال إمدادها بكوادر وقيادات جديدة من النخب لتضم النخب التي جرى «تربيتها» من خلال النشاطات الممولة في داخل البلدان العربية والإسلامية من خلال مبادرة الشراكة ومجموعات ومنظمات حقوق الإنسان، ومن خلال الكوادر التي تربت في الغرب. وهناك أن هذه العمليات الانتخابية تستهدف منح النظم الحاكمة قدراً أعلى من المشروعية من خلال آليات الديموقراطية لعدم إمكانية تحقيق المشروعية لها في أعين مواطنيها من خلال الشعارات القديمة (العداء للكيان الصهيوني ـ الوحدة العربية ـ التنمية الداخلية) بحكم تعارضها مع مصالح الدول الغربية الضاغطة. وتستهدف العمليات الانتخابية هذه، تحديث هياكل النظم السياسية في المنطقة العربية والإسلامية بهدف استيعاب أكبر قدر من القوى السياسية بما فيها بعض القوى الإسلامية، وعزل القوى الإسلامية المقاومة وحصارها وجعلها خارج المشروعية من خلال آلية الانتخابات لا آلية القهر، وحشد قوى أوسع في مواجهتها. كما تستهدف هذه الآليات الديموقراطية وفق المضمون الغربي المضغوط من أجل إنفاذه إتاحة أوسع فرصة فكرية وسياسية لإحداث تغييرات حقيقية في البناء الاجتماعي والمنظومة العقدية والقيمية والمفاهيم والعادات في إطار المضمون الحضاري للفكر العولمي. وعلى صعيد الظروف التي تعيشها الحكومات الضاغطة من اجل إنفاذ الديموقراطية فإنها هي الأخرى تعيش حالة من الإجراءات الانتخابية في داخلها؛ حيث تجري انتخابات في الكيان الصهيوني بعد نحو شهرين من ظهور نتائج الانتخابات الفلسطينية، كما تجري انتخابات التجديد في الكونجرس الأمريكي قبل نهاية العام مما يجعل الانتخابات العراقية والفلسطينية ذات تأثير مهم على نظائرها في الدول العدوة لحركات المقاومة في كل من فلسطين والعراق. - الانتخابات في العراق: جاءت الانتخابات التي جرت في العراق لتحمل متغيرات جديدة رغم استمرار الأهداف القديمة نفسها من إجراء الانتخابات السابقة تحت الاحتلال. كانت أهداف الانتخابات من قبل هي تحقيق شرعية زائفة «لحكومة باسم العراق» للحصول منها على شرعية لعملية الاحتلال وللتغطية على جرائمه العسكرية والاقتصادية؛ كما استهدفت التسويق لمثل هذه الحكومة عربياً ودولياً، وكذلك استهدفت الانتخابات من قبل إحداث حالة سياسية وجماهيرية للترويج للقوى القادمة مع الاحتلال من الخارج ولتحويلها عن طرق الألاعيب السياسية والإعلامية إلى قيادة شعبية وشرعية. غير أن أهداف الانتخابات الأخيرة شهدت أهدافاً إضافية على رأسها دفع قطاعات سياسية لدخول الانتخابات باسم السنة «العرب» من أجل القيام بخطوة أكبر في عزل التيارات المقاومة بإحداث شرخ في عقول الجمهور الإسلامي المؤيد للمقاومة، وكذلك لاستخدام تلك المجموعات في التغطية على وجود الاحتلال بتقديم صيغة الصراع الداخلي على الصراع مع الاحتلال. كما هي استهدفت تقديم سند للرئيس الأمريكي جورج بوش في صراعه الداخلي، ولتقوية أوضاع الحزب الجمهوري في انتخابات الكونجرس القادمة. وفي ضوء ما صدر من نتائج لعمليات التصويت من استمرار سيطرة (التحالف الشيعي) على البرلمان والحكومة مع ممثلي الحالة الكردية العرقية ـ وكلاهما متحالف مع قوات الاحتلال ـ وما جرى خلال إجراء الانتخابات العراقية من عمليات تزوير لأصوات من شارك فيها، ومن عدم تحقيق أي من الأطراف التي شاركت من خارج حالة التعاون المباشر السابق مع مشروع قوات الاحتلال لأي نتائج مؤثرة؛ فإنه يمكن القول بأن من شارك في الانتخابات التي جرت في العراق من خارج المجموعات المتعاونة مباشرة مع الاحتلال ومشروعه، إنما جرى توظيفه لتحقيق تلك الأهداف التي أرادها المحتلون، كما يمكن القول بأن رفض التيارات المقاوِمة في العراق الدخول في اللعبة التمثيلية هو ما قلص إمكانيات استفادة قوات الاحتلال من لعبة الديموقراطية؛ حيث حافظ على فكرة المقاومة وممارستها كبديل وضاغط على كل الأطراف المشاركة، مما أحبط كل محاولة لتصوير الشعب العراقي كمؤيد للعبة التمثيلية السياسية من داخل مشروع الاحتلال، ومن ثِم أفسد على الرئيس الأمريكي محاولة الاستفادة من إجراء الانتخابات لتحسين أوضاعه الداخلية. - انتخابات فلسطين: في الانتخابات الفلسطينية كان أبرز الملامح الجديدة هو أن حركة حماس أصبحت هي عنوان شرعية إجرائها، وعنوان مشكلة إجرائها في الوقت ذاته. على صعيد القوى المشاركة فإن ثمة ١١ قائمة تشارك في الانتخابات تضم مختلف أطياف القوى السياسية الفلسطينية، إلا أن أياً منها لم يثر ما أثارته مشاركة حركة حماس. فمنذ أن بدأ الإعداد للانتخابات والحديث الداخلي في فلسطين، والخارجي في واشنطن والكيان الصهيوني وعلى صعيد الاتحاد الأوروبي لا يهتم إلا بمشاركة حماس وبرفض هذه المشاركة إلا إذا تخلت حماس عن حمل السلاح والمقاومة، حتى وصل الأمر إلى تهديد السلطة الفلسطينية بقطع المعونات المالية الأمريكية والأوروبية عنها؛ إذ جرى تمرير قرار في الكونجرس الأمريكي بقطع المعونات عن السلطة الفلسطينية، كما أعلن (خافير سولانا) وزير الخارجية الاوروبى وخلال زيارة له لغزة عن موقف مماثل. وبطبيعة الحال لم يدخر الصهاينة وسعاً في ممارسة الضغط لمنع مشاركة حماس. وعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني كان مجرد حدوث اختلاف وانشقاق حول لوائح حركة فتح إشارة لبدء الحديث حول أن هذا الانشقاق إنما ياتي لمصلحة حماس، كما كان الموقف من مشاركة فلسطينيي القدس مرتبطاً أيضاً بمشاركة حماس إذ لم توافق سلطات الاحتلال على ممارسة مرشحي حماس لدعايتهم الانتخابية في القدس أو هي لم توافق على مشاركة الفلسطينيين إلا بشرط عدم ممارسة حماس دعايتها في القدس. وإذا كانت مشاركة حماس قد فتحت مجالاً من الحوار يتعلق ببرنامجها السياسي الذي تخوض على أساسه الانتخابات بحكم أنه جاء دون تشديد على ثوابت حركة حماس، كما هو أثار فكرة أن مشاركة حماس على الدخول في الانتخابات إنما يحمل ضمنياً أنها تشارك في مؤسسات أقيمت على أساس عملية أوسلو.. إلخ. إلا أن مشاركة حماس في واقع الحال مثلت ضربة سياسية كبرى لمشروع الاحتلال، وإذا كان مفهوماً أن البرنامج الانتخابي يختلف عن البرنامج العام للحركة، وأن أوسلو قد انتهت بدماء شهداء حماس وغيرها من القوى الجهادية ـ إلا إذا كانت أوسلو تنص على حق المقاومة المسلحة ـ فإن حماس حققت من خلال مشاركتها العديد من النجاحات حتى قبل إجراء الانتخابات؛ إذ هي جسدت معادلة من أهم المعادلات السياسية؛ حيث حافظت على سلاحها ومقاومتها مع تسخير آلية التمثيلية للحصول على تمثيل الشعب الفلسطيني على أرضية المقاومة لا على أرضية أوسلو. كما نجحت في معركة إجبار كل الأطراف على إرجاء الانتخابات، أما حقيقة موقفها السياسي فهو يُقرَأ من خلال عمليات الاعتقال والقتل التي تجري ضد كوادرها، كما يقرأ من موقف الأعداء منها. كما يمكن القول إنها من الناحية العامة وضعت الجانب الأمريكي والصهيوني أمام حالة اضطراب قد تجعله يعيد كل حساباته حول الشعارات التي يطرحها في عملية اختراق المنطقة. - مأزق الانتخابات الأمريكية والصهيونية: من البديهي القول بأن ما جرى في العراق وفلسطين قد كشف زيف الادعاءات الغربية بالديموقراطية، وأبانت أنها بحر من الألاعيب والأكاذيب. غير أن الأخطر أن لنتائج هذه الانتخابات تأثيرات مهمة على نتائج الانتخابات التي ستجري في الكيان الصهيوني وفي الولايات المتحدة. فالانتخابات الفلسطينية ستحدد نتائجها على نحو كبير الحالة التصويتية داخل الكيان الصهيوني على أكثر من صعيد؛ إذ إن مشاركة المقاومة وفوزها بهذه الدرجة أو تلك في هذه الانتخابات سيؤثر على تصويت الناخب الصهيوني من زاوية زيادة إدراكه من خلال المشاهدة والمعايشة أن المقاومة الفلسطينية انتصرت على الجيش الصهيوني بالسلاح، وأنها باتت تشكل قوة سياسية جماهيرية في الأراضي الفلسطينية، وأنها باتت قاب قوسين أو أدنى من تمثيل الشعب الفلسطيني على المستوى الرسمي بهذه الدرجة أو تلك.. إلخ. الانتخابات العراقية بدورها لم تحقق لجورج بوش والحزب الجمهوري ما كان يستهدفه منها من تقليص قوة المقاومة ليذهب إلى الانتخابات معلناً أنه فاز أخيراً؛ إذ إن الانتخابات لم تنجح لا في عزل المقاومة ولا في إضعافها؛ حيث تساقُط الطائرات المروحية الأمريكية بات يتزايد معدله وكذلك عدد القتلى الأمريكيين بعد الانتخابات عما كان يعلن عنه ما قبل الانتخابات، وهو ما يجعل النتيجة عكسية لبوش والحزب الجمهوري. - التقييم العام: بدراسة كل من تجربتي العراق وفلسطين، يمكن القول بأن الأسباب التي دفعت إلى المشاركة في فلسطين أسباب مختلفة عن الأسباب التي جعلت المقاومة في العراق ترفض، وأن المقاومة في العراق أخذت الموقف ذاته الذي أخذته حركة المقاومة الإسلامية حماس عند بدء تشكيل السلطة الفلسطينية، وأن القوى الغربية الضاغطة لتحقيق أهدافها في المجتعات العربية قد وُضعت في مأزق أشد من المأزق الذي وُضعت فيه المقاومة من خلال شعارات الديموقراطية، وأن نتائج رفض المقاومة الانخراط في اللعبة التمثيلية في العراق وزيادة معدل عملياتها والتطور النوعي الذي دخل على عملياتها، وكذلك دخول حركة حماس على خط المشاركة في الانتخابات دون توقف العمل الجهادي المسلح سيؤثران على الانتخابات داخل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني أو سيدفعان الأزمة إلى داخل الدول المصدرة لشعارات الديموقراطية ذاتها.

стр. 5516

هل تحتل أمريكا سورية ؟ ممدوح إسماعيل الحقيقة أنه لم يكن تقرير ميليس وما احتواه من اتهامات لشخصيات سورية مفاجأة لي، ولا ما تبعه بعد ذلك من صدور القرار ١٦٣٦ من مجلس الأمن، الذي يفرض على سورية التعاون مع لجنة التحقيق في اغتيال الحريري، ويحمل اتهاماً لها بذلك الفعل الشنيع. ذلك ليس استبعاداً لضلوع شخصيات سورية أو لبنانية في اغتيال الحريري، ولكن المهم في الأمر أن العلاقة بين سورية والولايات المتحدة الأمريكية ـ صاحبة القرار الأول والرئيسي في مجلس الأمن ـ لم تكن أبداً في يوم من الأيام على وفاق دائم؛ فالسوريون منذ ما يزيد عن أربعين عاماً حملوا راية الفكر القومي العروبي، وعملوا على نشره بكل السبل، واتجهت علاقتهم السياسية الدولية وتحالفاتهم إلى المعسكر الشرقي، بقيادة الاتحاد السوفييتي العدو التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الغربي، ومن وقتها وهم دائماً على نقيض وخلاف سياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف الأول للعدو الصهيوني، وهذا الخلاف تقل حدّته أو ترتفع بحسب الظروف الدولية، ورغم سقوط الاتحاد السوفييتي وتغيّر خارطة المجتمع الدولي سياسياً إلا أن (الصراع العربي الصهيوني) واحتلال العدو للجولان أبقى على توتر العلاقات السورية الأمريكية، وجاء احتلال العراق وما تبعه سياسياً من خطط وسياسة أمريكية تسعى لتفتيت المنطقة العربية وما بقي فيها من أي شكل من أشكال الوحدة العربية، والأخطر هو العمل على محو إرادة المقاومة للعدوان تماماً في المنطقة العربية، مما زاد من حدّة الخلاف السياسي، نظراً لوجود بقية من قادة الفكر القومي في سورية، وحملهم لواءه منفردين بعد سقوط العراق، وإن كان الأمريكان يدَّعون بتساهل سوري مع المتسللين لدعم المقاومة العراقية.. وقد سبق للولايات المتحدة الأمريكية بالاتفاق مع فرنسا أن دفعا مجلس الأمن لإصدار القرار ١٥٥٩ الذي يتضمن إنهاء الوجود السوري من لبنان، وذلك قبل تقرير ميليس، وقبل اغتيال الحريري.... لكن بعيداً عن اغتيال الحريري وتداعياته المستغلة سياسياً إقليمياً ودولياً نجد أنه من الملاحظ أن سورية والعراق كانا يتنافسان في حمل لواء القومية العربية، وكانا يتنافسان في دعم المقاومة الفلسطينية، وإن زادت سورية في دعم حزب الله ووجود قوة في علاقاتها العربية؛ بعكس العراق الذي خلا من هذين الأمرين وإن اتحدا في شكل نظام الحكم الشمولي القائم على القوة الأمنية السلطوية ليبقى التساؤل: ما الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية تغزو وتحتل العراق ولا تفعل ولن تفعل ذلك في سورية؟ الإجابة واضحة ونجدها في الأسباب التالية: أولاً: الإدارة الأمريكية تختار دائماً الأهداف السهلة في ضرباتها العسكرية والعراق أسهل من سورية للآتي: ١ - علاقة النظام العراقي المتدنية مع دول الجوار ـ إيران والكويت وتركيا وأيضاً السعودية وسورية ـ كانت من أهم الأسباب التي ساعدت على غزو العراق بطرق متنوعة، بعكس سورية التي تحتفظ بعلاقات قوية مع كثير من دول الجوار، خاصة تحالفها الإستراتيجي مع إيران صاحبة القوة النووية. ٢ - ضعف القدرات العسكرية العراقية؛ لخوضها حروباً عديدة، مثل: الحرب الإيرانية العراقية، وغزو الكويت، وحرب الخليج، التي أضعفت وأرهقت القدرات العسكرية العراقية. ولا يفوتنا الإشارة إلى سلاح القوات الجوية العراقي الذي انهار واختفى تماماً؛ بعكس القدرات العسكرية السورية التي منذ حرب أكتوبر ١٩٧٣م وهي في حالة نمو وتجديد، ولم تتدخل إلا في لبنان وحرب تحرير الكويت، وهو تدخل ساعد على تقوية القدرات العسكرية السورية ولم يضعفه، وسلاحها الجوي ما زال له تواجد وقوة، والأخبار المتناثرة تشير إلى تطوير سورية في منظومة الصواريخ عبر التعاون مع كوريا الشمالية. ٣ - البترول ذلك الذهب الأسود المتوافر في العراق بعكس سورية تماماً. ثانياً: التركيبة السكانية؛ حيث يلاحظ في التركيبة السكانية العراقية تنوّع واختلافات قوية، ما بين طائفية وعرقية، ولا تقف عند ذلك بل تتعدى إلى نسبة تلك الطوائف والعرقيات في عدد السكان، وهي الملحوظة الهامة في هذا السياق، حيث تتفاوت نسبة تقدير كل طائفة؛ فالشيعة يعلنون أنهم الغالبية وهو خلط للأوراق، حيث إن التقديرات الصحيحة تشير إلى أن نسبتهم من ٣٥% إلى ٤٠% من السكان، وأن السُّنّة عددهم يزيد عن ٥٠%، ويشمل ذلك العرب السُّنّة والأكراد والتركمان، والخلط يأتي من حساب الأكراد والتركمان وغيرهم من السُّنّة خارج حساب السُّنّة على أساس حسابهم ضمن العرقيات فقط. على العموم هذه التركيبة السكانية باختلافاتها محمّلة بكُرْهٍ ومرارة ومعارضة شديدة تجاه نظام الحكم العراقي البعثي الديكتاتوري، مما جعل الجبهة الداخلية ممزقة ومنفصلة تماماً عن النظام، مما ساعد على إضعافه وسقوطه بالتعاون مع الشيعة والأكراد ومليشياتهما التي كان لها شبه سيطرة على شمال وجنوب العراق بعد حرب الخليج الثانية، وفي ظل الحظر الجوي الأمريكي على مناطق الشمال والجنوب. أما في سورية فالأمر مختلف، حيث على رأس نظام الحكم رئيس علوي من الطائفة العلوية التي تحتل معظم المناصب الهامة في سورية، مع أنها لا تمثل إلاَّ أقل من ١٠% من السكان، وأكثر من ٧٠% من السكان هم من السُّنّة وليس لهم ميليشيات ولا أيّ سيطرة مطلقاً. والقراءة السريعة للتركيبة السكانية السورية تقول: إنهم أجدر من العراق، ولكن استقرار الحكم في سورية ومقدرته العسكرية جعلت استهدافه يتأخر، وكان القول باستهدافه ممكناً وقت مذبحة «حماة» للسُّنّة، منذ ما يقرب من ربع قرن، بحسب مقولات الإدارة الأمريكية في مبررات التدخل العسكري، ولكن وقتها كانت الظروف الدولية متغيرة تماماً، وكان الاتحاد السوفييتي يحمي سورية، وكانت الإدارة الأمريكية مهتمة بالشيوعية في سلّم أولوياتها، ولكن الآن تغيرت الاهتمامات للإدارة الأمريكية، وأصبح السُّنّة هم على سلّم الأولويات الخططية للإدارة الأمريكية، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي أصابت الكبرياء الأمريكية في مقتل، وكان منفذوها من السُّنّة فقط، وعلى التحديد من عرب السُّنّة؛ لذلك تغيرت أجندة الإدارة الأمريكية، وتحالفت مع أعدائها وخصومها السياسيين ـ مثل إيران ـ في حربها ضد أفغانستان عبر التسهيلات الجوية، ثم العراق التي كان لا بد للساسة الأمريكيين من ضربها كهدف عربي يُرضي الغرور والكبرياء الأمريكي الجريح في الحادي عشر من سبتمبر، وكانت العراق جاهزة على مائدة الذئب الأمريكي لالتهامها، لكن لماذا تأخرت سورية في الأجندة؟ ولماذا تحاربها الإدارة الأمريكية عبر الطرق القانونية والسياسية والإعلامية والاقتصادية فقط؟ هنا مربط الفرس كما يقولون؛ والحقيقة أنني مندهش للضجيج والصخب الذي ملأ كثيراً من أدوات الإعلام من القوميين وبعض الإسلاميين حول خطة أمريكا لضرب سورية واحتلالها؛ لأن الواقع يقول عكس ذلك؛ فالولايات المتحدة الأمريكية لم تضع في أجندتها احتلال سورية، ولم تعلن عن أي نية عسكرية لذلك، حتى ولو كان في أجندتها السرية خطة عسكرية ضد سورية؛ فهي تعمل على استخدام كل الطرق البديلة والممكنة لإضعاف القرار السياسي السوري والهيمنة عليه فقط، بعد أن استعصى عليها، ثم الإدارة الأمريكية ما زالت تتجرع ويلات المقاومة العراقية السنية، التي أصابت الكثير من الخطط الأمريكية في العراق ـ بل في المنطقة ـ في مقتل؛ يزيد عن ذلك وهو أهم الأسباب، ولا أعلم لماذا يغفل عنه الكثير عمداً، وهو أهل السنة في سورية، الذين يشكلون الغالبية دون أدنى شك؛ فماذا سوف تفعل معهم وهم متأثرون بلا شك من تطورات الأحداث حولهم؟ ومع الموقف الأمريكي من غزو سورية لنا عدة وقفات: ١ - الغزو سوف يسبب إحياء النشاط الإسلامي مصدر الخطر ـ كما يدَّعون ـ للأمريكان، وبما أن الحكومة السورية تصادر الحريات للإسلاميين هناك، فإن ذلك الإحياء من الأسباب التي تجعل الإدارة الأمريكية تطرح فكرة غزو سورية واحتلالها حرصاً على استقرار الحكم حتى لا يقع في أيدي الإسلاميين من أهل السُّنّة، وقد أبصرت الإدارة الأمريكية كيف كان احتلال العراق سبباً لظهور جماعات إسلامية كثيرة في العراق، ما كانت لتظهر لولا الحرب والاحتلال وسقوط النظام الذي كان يصادر وجودها. ٢ - إن الإدارة الأمريكية تلجأ للضغط فقط لمحاولة تفكيك قوة الحكم وتسهيل عملية انتقال السلطة لأشخاص موالين لأمريكا، تحت ما يسمى المعارضة السورية. ٣ - إن الإدارة الأمريكية لجأت لإثارة الملف السوري إعلامياً وسياسياً؛ لجذب الانتباه العالمي بعيداً عن العراق وما تتكبده من خسائر مادية وبشرية، يزيد عن ذلك جذب انتباه الشارع الأمريكي، بعيداً عن النقد الذي وُجّه للإدارة الأمريكية في معالجتها لإعصار كاترينا، وما سبّبه من تدنٍ في شعبية الرئيس بوش. ٤ - المعالجة السياسة والقانونية من خلال الهيئات الدولية من قِبَل الإدارة الأمريكية للملف السوري؛ لتحسين وجهها أمام العالم والشعب الأمريكي؛ بعدما دخلت العراق دون غطاء دولي ونقد شديد من شطر كبير من الشعب الأمريكي. ٥ - وهو أهم النقاط: أن إثارة حرب ومواجهات عسكرية في دولة لها حدود مع إسرائيل له خطورته الشديدة على أمن الصهاينة المحتلين الذين تحميهم أمريكا بكل ما تستطيع. ٦ - سقوط النظام السوري يفسح المجال للشعب السوري لتحرير الجولان، ويعني أيضاً تدافع الفلسطينيين الموجودين في المخيمات في سورية ـ وهم حوالي نصف مليون ـ إلى فتح جبهة قتال مع العدو الصهيوني كان النظام السوري مغلقها تماماً. ٧ - لا يُعقَل والإدارة الأمريكية فشلت بكل الطرق في احتواء أو إبادة المقاومة العراقية أن تفتح باباً جديداً لمقاومةٍ سوريةٍ لن تجد معارضة كما يحدث في العراق. ٨ - سوف تلجأ الإدارة الأمريكية للضغط بكل طريقة خفية على الدول العربية القريبة من سورية؛ لدفعها للضغط على النظام السوري، واستخدامها كأداة لإذعان القرار السياسي السوري للأداة الأمريكية، وهو طريق مرجو منه النتائج، حيث سبق للدول العربية الصديقة لسورية أن أدخلت سورية في التسوية أو العملية السلمية كما يطلقون عليها إبان عهد الرئيس حافظ الأسد القوي. وقد وقع في يدي صحيفة الكرامة المصرية العدد ٧ تاريخ ١٥/١١/٢٠٠٥ صفحة (٩) فقد نقلت عن صحيفة «معاريف» الصهيونية شهادة من عدو فلنتأملها بدقة، وهي عدة آراء لمحللين عسكريين، منهم رئيس الاستخبارات العسكرية (أهارون زئيفي) الذي يرى أن الحفاظ على استقرار سورية هو الخيار الأفضل، حيث يربط بين ما أسماه الجهاد الإسلامي العالمي ووجود أغلبية سنية في سورية، ويرى أن النهاية الحتمية لأي تدخل عسكري أمريكي بريطاني سيكون بمثابة فتح الباب لنشاط الإسلاميين على غرار بن لادن والقاعدة، وهو الرأي الذي يؤيده (إفرايم هاليفي) الرئيس السابق للموساد، ويقول «بن كسبيت» المحلل الصهيوني لصحيفة «معاريف» : إن الاتجاه الصهيوني المحافظ ـ والمتمثل في قادة الأجهزة الأمنية وشارون رئيس الوزراء وموفاز وزير الدفاع ـ يميل إلى بقاء الوضع القائم في سورية مستقراً دون القفز إلى المجهول. ويقول «جاكي جوكي» مراسل الشؤون العربية في الصحيفة: «إن دمشق أحد الأنظمة العربية المستقرة، واستقرارها في مصلحة أمريكا وإسرائيل، ولكن من شأن حدوث انقلاب في نظام الحكم في دمشق جَلْبُ نظام حكم إسلامي» . فسورية والصهاينة المحتلون الآن في موقف عداء، ولكن عدو اليوم قد يصبح صديق الغد، ومن الأفضل أن يكون هناك طبيب عيون متقلب، من أن يكون شيخ يعرف جيداً ماذا يريد. أيضاًً في الموضوع نفسه عن مراسل موقع ديكا للمعلومات الاستخباراتية في واشنطن؛ حيث يقول: «إنه من الممكن التوصل إلى دفع الأسد إلى تحول كبير في سياسة بلاده على غرار العقيد القذافي بوساطة مصرية خليجية، فيعلن قطع أي ـ علاقة مع ما أسماه ـ بالإرهاب في العراق وتنظيم القاعدة، ووقف تعامل البنوك السورية واللبنانية مع هذه الجماعات، والتخلص من الأسلحة الكيماوية والبويولوجية، وقبل ذلك العمل على نزع سلاح حزب الله، وتفكيك قواعد المقاومة سواء الفلسطينية أو اللبنانية، ويشمل ذلك ـ أيضاً ـ العراقية» . اهـ. ويبدو أن آخر كلمة هي الأهم «تفكيك قواعد المقاومة» ، وأظن أن هذا سوف يحدث في سورية، عبر مقايضة سياسية، من ضمن ثمنها تقرير ميليس الأخير، وسورية تعرف ذلك جيداً.

стр. 5517

بشائر الهزيمة الأمريكية آيات وتحديات (٢ ـ ٢) د. عبد العزيز كامل يخطئ كثيراً من يظن أن الصراع الدائر في العراق، شأن يخص العراقيين وحدهم، أو يخص المجاهدين هناك فقط، وهذا الخطأ يعود لأمرين جوهريين: أولهما: أن المحتل الأمريكي الذي جاء إلى المنطقة لمطامع إمبراطورية بذرائع نشر الحرية والديمقراطية انطلاقاً من العراق؛ أراد تحويل هذا البلد إلى قاعدة عسكرية يمكن الوثوب منها إلى دول الجوار القريب والبعيد للهيمنة عليها بصورة أو بأخرى؛ فالخطر هنا لم يكن قاصراً على العراق، والأمر الثاني: أن المحتل الأمريكي أعلن مراراً على ألسنة ساسته بأن العراق أصبح الساحة الرئيسية لما تسميه أمريكا بالحرب (العالمية) على الإرهاب! وهو ما يعني أن تلك الحرب يمكن أن تنتقل إلى ساحات أخرى في بلدان أخرى، يقع عليها الاستهداف الخبيث بخطة إبليس المسماة بـ (الفوضى الخلاقة) التي يريد الأمريكيون تكرارها في كل بلد يريدون أن ينقلوا إليه مركز الحرب العالمية على الإسلام، المتسترة وراء الحرب على الإرهاب. المجاهدون في العراق، أو ما يصطلح على تسميتهم في الإعلام العربي بـ (الجماعات المسلحة) ، وما يصطلح في الإعلام الأمريكي والغربي على تسميتهم بالإرهابيين أو المتمردين، هؤلاء قاموا بقدر كبير من الواجب التاريخي في التصدي للهجمة الأمريكية، من الناحية العسكرية الميدانية على الوجه الذي فصلت الكلام عنه في الحلقة السابقة من هذا المقال، وهو الأمر الذي رأيت فيه ـ ولا أزال ـ معجزة تاريخية، وآية ربانية تمر بنا وأكثرنا عنها معرضون أو غافلون. إلا أن تلك الإنجازات الضخمة والنتائج الجبارة التي ألجأت قوة عظمى بحجم الولايات المتحدة إلى التسليم «العملي» بالهزيمة باتخاذ قرار الانسحاب بعد أقل من ثلاث سنوات من الغزو تتهددها تحديات، يمكن أن تفرغ الإنجاز الضخم من محتواه، وتحوِّل النتائج المبهرة من صورتها الإيجابية إلى صور أخرى سلبية، وهذا المحظور الخطير؛ يمكن أن يقع ـ ونسأل الله ألا يقع ـ إذا حدثت محاذير أساسية، يمكن اختصارها فيما يلي: ١ ـ إذا لجأ الأمريكيون إلى خيار (الأرض المحروقة) عند انسحابهم المخزي المهزوم، بإشعال حرب أهلية، طائفية وعنصرية، يمكن أن تؤدي إلى إحراق ما تبقى من العراق، إذا استجاب لها أقوام دون تقدير للظرف التاريخي الخطر، والمنعطف الحضاري الحساس. ٢ ـ إذا أصيب بعض المقاومين بداء نشوة النصر، فراحوا يسارعون إلى جمع الغنائم واقتسامها في شكل مواقف متعجلة، وقرارات منفردة من شأنها أن تمكن الأعداء من استعادة التوازن، أو تمكِّن بعض الفرقاء من اختطاف النصر، واقتطاف الثمار. ٣ ـ إذا استمرت الأنظمة في الدول العربية والإسلامية في خذلان العراقيين والسير في ركاب الأمريكيين، لينوبوا عنهم ـ بعد الانسحاب ـ في أداء مهمة أمريكا المستحيلة في العراق، وهي تقوية العملاء وحمايتهم وإضفاء الشرعية على حكومتهم. ٤ ـ إذا استمر أكثر الإسلاميين في رفع أيديهم عن التحدي الذي تواجهه الأمة في العراق عقائدياً وحضارياً ـ حيث يتربص به العلمانيون ليسلخوه عن الإسلام، والفرس ليعزلوه عن العروبة، وأمريكا والغرب واليهود ليردوه إلى عصور ما قبل الحضارة. والضرورة تقضي ـ ونحن على مشارف الاستبشار بالنصر الجديد ـ ألا يسمح الغيورون على الأمة وحرماتها في العراق وخارجه؛ أن يتحول هذا الانتصار إلى انكسار؛ فكم في التاريخ من نجاحات لم يحفظها أهلها فتحولت إلى إخفاقات؛ فما حدث في أُحُد، كُبِّرت صور عديدة منه في الشام وإفريقيا والأندلس، وكُررت في عصرنا في حرب رمضان وحرب أفغانستان. ولكن أوضاع الأمة هذه المرة لا تحتمل مثل هذه التحولات الحادة، فالخصم ضخم، والمشوار طويل، والجراح كثيرة. ü لكن الفرصة سانحة: نعم! ... فهناك متسع من الحظ لأن تغالب الأمة هذه التحديات، وتمارس خيريتها مرة أخرى فتستنقذ العالم من غول المغول الجدد، والصليبيين المعاصرين في حملاتهم المتجهة ـ كما هي العادة في التاريخ ـ نحو شرقنا العربي الإسلامي بغرض إنشاء إمبراطورية جديدة من إمبراطوريات الشر، وقد ساق الله بأقداره الحكيمة الأمور إلى تناغم عجيب بين أداء الفداء الأسطوري للمقاومين في العراق، مع الغباء الاستثنائي للتخطيط الأمريكي الذي يتخبط في ورطاته، ويتورط في تخطيطاته من مرحلة إلى مرحلة وفق إستراتيجية هلامية، اتفقت عليها النخبة الحاكمة في أمريكا. هذه الإستراتيجية، كانت تقوم ـ حتى الانتخابات الأمريكية الأخيرة ـ على أمور ثلاثة أساسية وهي: وهذه الإستراتيجية التي تبدو منطقية لدى الأمريكيين، هي في الحقيقة غير عملية؛ لأنها تستند إلى عدة افتراضات وهمية: الوهم الأول منها: هو افتراض أن الوجود الأمريكي سيظل ممكناً رغم فداحة الخسائر حتى تحقق أمريكا مصالحها وتؤكد هيبتها وتثبت عملائها، والوهم الثاني: هو توقع أن يوافق أحرار العراق على قرار أمريكا بالاستقرار في بلادهم دون أن يضاعف هبّتهم لرد الصاع صاعين في وجه الغزاة ومن يشابههم، والوهم الثالث: هو افتراض سهولة القضاء على المقاومة عسكرياً، أو تدجينها والتغرير بها سياسياً، والوهم الرابع: هو افتراض وجود القابلية للممارسة الديمقراطية في البنية الطائفية والعنصرية العراقية، التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تقدم النموذج المحتذى ـ كما يحلم الأمريكان ـ في نشر ما يسمى بقيم الحرية والتعددية وقبول الآخر؛ فالطائفية والعنصرية في العراق جبرية قهرية تاريخية، لا يحيّدها أو يحد من أثرها إلا التوازن بين الأقوياء، ولا يزيل أوضارها إلا أخوّة الدين. وعليه، فإن إستراتيجية أمريكا للانتصار في العراق هي إستراتيجية مفلسة سلفاً، لاستنادها إلى تلك الأوهام والافتراضات الخاطئة، وقد بدت أمام العالم مؤشرات إقبال الولايات المتحدة على مواجهة أسوأ النتائج المترتبة على انهيار إستراتيجيتها في العراق، وهذا وإن كان يحمل في طياته من المبشرات والتطمينات ما يحمل، وبخاصة فيما يتعلق بتسريع وتيرة الانسحاب المهزوم، إلا أنه يشير في الوقت نفسه إلى الكثير من المحاذير؛ لأن أمريكا التي ستواجه أسوأ النتائج، لا شك أنها وعملاءها سيُقْدِمون على أسوأ الحيل وأنذل التوجهات والإجراءات، للتغطية على النتائج الكارثية لهزيمتهم التاريخية في العراق. والمتوقع أن يترجم هذا إلى عدد من التحديات الجديدة التي ستتوجب مواجهتها على الصعيد العراقي الخاص، والعربي الإسلامي العام. ويمكننا أن نصنف هذه التحديات إلى مستويات عديدة، باعتبار أن تحديات ما بعد الانسحاب، لن تأتي من أمريكا وحدها، وإنما من أطراف عديدة، يمكن تفصيلها على الوجه التالي: أولاً: أمريكا وخيارات الانتقام: إن هذه التحديات الجسام، تحتاج إلى مئات العقول المفكرة، والقلوب النيرة والكفاءات القديرة كي تنتدب لمواجهة ما قد تخبئه الأيام لا على مستوى العراقيين فحسب، بل على مستوى الأمة كلها بالأقرب منها فالأقرب؛ فمن غير المقبول أن نكون شركاء في إجهاض النصر وتبخر الحلم وفقدان الفرصة، بترك هذه التحديات تمضي لغايتها. وبما أن العثور على الحلول لا يُنال بمجرد الآمال، فإن ذوي الرأي وأصحاب الفقه وأرباب التخصصات الدينية والسياسية والإستراتيجية والإعلامية في الأمة مدعوون اليوم بإلحاح إلى تقديم المستطاع من الرأي والمشورة، والتسديد والتقريب والنصيحة، إلى أصحاب القرار الإسلامي في العراق باعتبارهم نواباً عن الأمة في مواجهة الملمات التي تحيق بجزء من جسدها على أرض الرافدين، علماً بأن عاماً أو أكثر قد يمضي حتى ينتهي الاحتلال، وتبدأ مشكلات ما بعد الاحتلال. ولعل ما يتبادر إلى الذهن منها ـ فيما يتعلق بالتحديات على المستوى الأمريكي ـ ما يلي: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ثم قال بعدها: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وهم المنافقون الممالئون للكافرين. ومن الخير أن يتواكب النصح مع الردع، بإقناع الفرقاء بأن العراق الموحد قوة للجميع؛ وتمزيقه إضعاف للجميع، فدعاة التقسيم لن يقفوا عن حد ثلاث دويلات للأكراد والسنة والشيعة، بل قد يسعون إلى مزيد من التفتيت حتى يصل الأمر ـ لا قدر الله ـ إلى أن نسمع عن الإمارات العراقية «المتحدة» ، مع الولايات الأمريكية المتحدة!! ثانياً: إيران واللعب بالنيران: هيام الفرس بعبادة النار قديماً، قد ترك آثاره فيما يبدو على تكوين مَنْ لم يتطهر بالكامل من أدران تلك النيران الفارسية الجاهلية الماضية؛ فالثورة والثأر والتثوير، كلها مفردات جاهزة للإنتاج والتصدير، في ظل معتقدات التشيع الفارسي التي حولت هذه السلوكيات الدخيلة إلى قربى إلى الله، وزلفى إلى أهل بيت رسول الله #، فانضمام الطبيعة الفارسية إلى العقيدة الشيعية، جعل مذهبهم ناراً على نار بدلاً من أن يكون نوراً على نور. وقد أخرجت دوافع الثارات التاريخية القديمة أصحاب القرار في إيران عن كثير من فرضيات العقل والمنطق، فضلاً عن مقتضيات الدين والمصلحة، فراحوا يُحنون ظهورهم أمام العدو الكافر الظاهر ليمر من فوقها إلى اقتحام حرمات المسلمين ومقدراتهم في كل من أفغانستان والعراق، وسوف يكتب التاريخ بحروف سوداء تلك المواقف النكراء التي كرر بها هؤلاء سلوك أشياعهم وأجدادهم من أمثال نصير «الدين» الطوسي، ومؤيد «الدين» العلقمي الذين جعلوا من الدين ستاراً يخفي التآمر مع أعداء الدين. وإذا كنا لا نزال نذكر مواقفهم في الموالاة الصريحة لـ «الشيطان الأكبر» قبل وأثناء وبعد غزو أفغانستان والعراق، فإننا ـ وبكل مرارة ـ نتوقع الأسوأ بعد أن تمضي سحابة الاحتلال السوداء الهوجاء. وسيناريو التغلغل الشيعي على الصعيد السياسي أو العسكري، قد أسس له منذ البداية خميني العراق «الإيراني» السيستاني، فهو الذي دفع بالشيعة إلى الانخراط بقوة في العمل السياسي والعسكري في ظل الاحتلال الذي لن يقتصر في المستقبل ـ على ما يبدو ـ على جزر الإمارات العربية، بل يريد الامتداد للسيطرة على بعض العواصم العربية، بالتواطؤ مع الأمريكيين حيناً، وبالانفراد عنهم أحياناً. وعلى غرار الجهد المطلوب لمواجهة التحديات الأمريكية، تتأكد الحاجة لجهود مضاعفة لمواجهة التحديات الإيرانية، ولعل من المعالم البارزة في هذا الصدد أن يجري استحضار الحقائق التالية: ١ ـ ليس كل الشيعة من أهل القناعات الدينية؛ فهناك شرائح منهم علمانية، ولكن الديني والعلماني في إيران، مشبع بروح فارسية، تستبطن العداء للعرب، وبخاصة السنة منهم، ولذلك فلن يكون لشيعة العراق العرب مهما توهموا كبير وزن في إدارة شؤون العراق إذا ما تمكنت إيران هناك، ولهذا فإن الحاجة ماسة إلى شىء من التأليف وتقريب الآراء بين العرب السنة والعرب الشيعة في العراق، لا على خلفية عنصرية ضد الفرس؛ فذلك ليس من الإسلام، بل على خلفية المصلحة العامة التي يحتاج إليها الطرفان في مواجهة التغول الإيراني القادم. والذي نعرفه أن شيعة العراق من غير الفرس، أقل خبثاً وأدنى قرباً من السنة هناك، بفعل عوامل التعايش والتجاور والمصاهرة، وبخاصة العامة منهم؛ حيث يعتقد أنه يسهل كسبهم أو تحييدهم إذا افتضح استغلال الإيرانيين لهم. ٢ ـ لأن شيعة العراق منهم المتدينون المتشددون، ومنهم العلمانيون والليبراليون؛ فإن رهان أمريكا منذ البداية كان على الشيعة العلمانيين، وبخاصة الليبراليين الذين رأت أنها يمكنها من خلال تمكينهم أن تدعي النجاح في إحلال قيم الحرية والديمقراطية في العراق، كنموذج أول في الشرق الأوسط. ومن غير المستبعد أن تتدخل أمريكا بشكل ما، لإفساد الطبخة التي أنضجها الدينيون المتشددون في الانتخابات الأخيرة، لتعيد العلمانيين الليبراليين من أمثال العلاوي والجلبي إلى سُدَّة الحكم، وهذا ـ إن وقع ـ سيكون مقدمة صِدام مصالح آخر بين أمريكا وإيران على أرض العراق، وبوسع السنة أن يستفيدوا من هذا التناقض، وهم وحدهم الأقدر على اغتنام هذه الفرص. ٣ ـ من الممكن أن يجد شيعة العراق العرب أنفسهم في خيار يدفعهم إلى التقرب من جديد إلى أهل السنة؛ وذلك عندما يكتشفون حقيقة الطمع الإيراني والجشع الأمريكي، وهنا ... فعلى سنة العراق ـ وبخاصة العلماء والدعاة ـ أن يحسنوا استثمار هذه الفرصة إذا سنحت، من خلال إعلان المبادرات المشتركة لحقن الدماء وإيقاف الشحناء، والانتقال ـ أو بالأحرى ـ الرجوع إلى صيغة التعايش التاريخية المعروفة عن شعب العراق حتى يهدي الله من يشاء إلى صراط مستقيم. ولا شك أن هذا الخيار قد يكون فيه الخير للطرفين؛ فالسنة ليسوا في حاجة إلى تكثير الأعداء، والشيعة ليسوا في حاجة إلى مزيد من الاستعداء لقوم بدا أنهم أولو بأس شديد إذا جاسوا خلال الديار. ثالثاً: العراق: عراك ما بعد المعركة: لكن الأمر سيختلف، والمنطق سيتعقد، والحسابات سترتبك، إذا ما تغيرت معالم المواجهة في الميدان العراقي بعد الانسحاب الأمريكي، سواء بفعل الأمريكيين الراغبين في إغراق أو إحراق العراق من بعدهم، أو بفعل الفرقاء المتشاكسين الذين سيحاول كل منهم أن يؤسس لواقع جديد، يخدم الشريحة التابعة له، ولهذا فإن ألواناً جديدة من التحديات على الساحة العراقية، ربما يتوالى ظهورها على مسرح الأحداث هناك، وهو ما يستدعي إعادة النظر في بعض الاجتهادات وربما الاستراتيجيات لمواجهة هذه المتغيرات بما يحفظ ما تحقق من مكاسب على صعيد المواجهة الكبرى مع أمريكا. ومن التحديات المتوقع بروزها على المستوى العراقي ما يأتي: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] . ü المواجهة لا الهروب: عوَّدنا المجاهدون من أهل السنة في العراق، على الإقدام لا الإحجام، وعلى المجابهة لا الهروب من المواجهة، وأملنا أن تثبت الأقدام في مهمة الإقدام على مواجهة تلك التحديات قبل فوات الأوان؛ فالهروب منها أو تأجيلها لن يقلل من أهميتها، ولن ينفي خطورتها، على أنَّا لا يمكن أن نحمِّل المجاهدين، أو حتى عموم العراقيين مسؤولية المواجهة وحدهم لكل تلك التحديات؛ فالنازلة ليست خاصة بهم وحدهم، كما أسلفت في صدر المقال، وإنما هي عامة لكافة الأمة، وهي ينبغي أن توزع على الجميع ـ أعني التحديات ـ في صورة واجبات كفائية وعينية وفروض وقتية ومستقبلية، كل بحسب قدرته واستطاعته، مع تأكيد التذكير بأن المجاهدين الأبرار، قد قاموا عن الأمة، بما أزاح عن مجموعها الإثم وإزالة العار، فلا أقل من أن تقوم بقية صلحاء الأمة بقسطهم من الواجبات في مجابهة التحديات. فعلى كل ذي رأي وخبرة واختصاص، من أصحاب الأقلام أو المنابر أو القدرات العلمية أو البحثية أو المالية، في كل ميدان يحتاج إليه أن يسارعوا للقيام بواجب النصرة، والمشاركة في صنع النصر، ولن يعدم حريص الوسيلة لإيصال النصيحة وتقديم العون وتيسير المنفعة، لمن يمسكون الآن بدفة تغيير التاريخ وتصحيح المسار. ومع الاعتراف بأن التحديات المقبلة أكبر من قدرات قطاع إسلامي واحد في داخل العراق أو خارجه، لتفرعها وتنوعها، فإن ذلك لا ينبغي أن يصد عن التقريب والتسديد بحسب الاستطاعة، ولو كانت البداية ـ كما يحدث الآن ـ محاولة رصد أهم تلك التحديات، والبدء في دراستها، وتمييز الحقيقي منها والوهمي، والنظري والعملي، ثم وضع الأسس العريضة لمواجهتها، بتضافر الجهود بين المختصين والمجربين والمراقبين. وهذه بعض المعالم العامة في هذا الموضوع: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وندرة المرجعيات العلمية المشهورة في العراق تحتاج إلى معالجة لا يكفيها المدى القريب، ولكن الضرورة تقضي بألا تؤجل وظائف هذه المرجعية حتى وجودها؛ فمن خارج العراق يمكن أن تدرس كبار المسائل، وتبحث دقائق النوازل بالتواصل العلمي الذي تيسرت أسبابه في عصرنا، وإن كان هذا لا يغني عن أن تنتدب طائفة من أهل السنة العراقيين لتعويض هذا النقص، لمعادلته بما هو حادث مع الطوائف الأخرى.

стр. 5518

ديمقراطية الاحتلال ! د. عماد محمد ذياب الحفيّظ - المقدمة: مما لا شك فيه أن بعض الفترات التي مرّت على العراق تم فيها تنفيذ خطط تنموية كان لها انعكاساتها الإيجابية على شعب العراق، ابتداءً من الاهتمام بالأسرة والنساء الحوامل، ووصولاً للنشء الجديد منذ الولادة؛ وذلك من خلال وضع برامج تهتم بالمحافظة على الطفولة ورعايتها لإعداد أجيال صحيحة الجسم والعقل قادرة على بناء عراق يتناسب ومتطلبات النمو والتحضر خلال أوائل الربع الأخير من القرن الماضي؛ وهذا ما شهدت به المنظمات الدولية. ففي مجال رعاية الأمومة والطفولة صار الاهتمام في رفع الواقع الصحي والبيئي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي لخفض معدلات النسبة المئوية لأعداد المرضى والوفيات بين أفراد المجتمع وخاصة لدى الأطفال حديثي الولادة دون سن الخامسة، كما انتشرت الوسائل الحديثة لتنظيم الأسرة والتحصين ضد الأمراض الخطيرة والمعدية، كالسيطرة على أمراض شلل الأطفال والإسهال وأمراض الجهاز التنفسي؛ وصولاً إلى الاهتمام بقطاع الصحة المدرسية والتوعية الصحية للمجتمع، والرقابة الصحية والخدمات العلاجية لمختلف المراحل العمرية في المجتمع العراقي حتى شملت هذه الإجراءات أقصى وأصغر قرية عراقية؛ لذلك نلاحظ انخفاض معدلات الوفيات وخاصة وفيات الأطفال الذين هم دون سن الخامسة من العمر والأمهات في سن الإنجاب؛ وهذا ما لاحظناه في العراق حتى عام ١٩٨٩ - ١٩٩٠؛ حيث أوضحت المسوحات الميدانية والتقارير العلمية عن انخفاض معدل وفيات الأطفال إلى (٢٥ وفاة) لكل ألف طفل، كما أوضحت أن معدلات وفيات الأمهات عند الإنجاب هي (١١.٧) حالة لكل مئة ألف حالة إنجاب، وهذا ما أيّدته تقارير منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف في حينها. بالإضافة إلى ازدياد المستشفيات والمراكز الصحية والعيادات الحكومية في مختلف محافظات العراق، كما تم افتتاح وحدات خاصة للأطفال الخدَّج وحديثي الولادة في جميع مستشفيات الأطفال والمستشفيات العامة حتى بلغت هذه الوحدات (٥٦) وحدة طبية قبل عام ١٩٩٠. وقد توصل القطاع الصحي في العراق بالماضي إلى نسب من التغطية في مجال التحصين ضد أمراض الطفولة إلى مستويات الدول المتقدمة حسب التقارير الصحية الدولية المعلنة؛ حيث وصلت النسب المئوية في إعطاء لقاحات بي سي جي واللقاح الثلاثي إلى أكثر من (٩٧%) من أعداد الأطفال دون السنة الواحدة من العمر، فضلاً عن خفض معدلات عدد مرات الإصابة بالإسهال لدى الأطفال مرتين فقط خلال السنة، وارتفعت نسبة توعية الأمهات إلى نسبة (٨٠%) من مجموع الأمهات في العراق عام ١٩٨٩. ثم بدأت بعد ذلك تظهر حالات سلبية كانت من انعكاسات الحصار بعد أحداث عام ١٩٩٠ والذي استمرّ لأكثر من عشر سنوات ثم فترة الحرب عام ٢٠٠٣ وما تلاها حتى يومنا الحاضر، وهذا ما سنسلط عليه الضوء لتحديد هذا الواقع المرير الذي عاشه وما زال يعيشه شعب العراق وخاصة الأطفال الذين معظمهم ولدوا بعد عام ١٩٩٠ أي أنهم ليس لهم أي ذنب في كل هذه المعارك والمآسي، ومع ذلك طالتهم التأثيرات السلبية المباشرة وغير المباشرة لهذه العمليات العسكرية، فحصدت الآلاف المؤلفة من أطفال العراق سواء كانوا ما زالوا أجنة في أرحام أمهاتهم، أو أطفالاً من فئات عمرية مختلفة؛ فضلاً عن آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم أو غيرهم. - تأثير الديمقراطية على واقع الحياة في المدينة العراقية: لم تتغير الطبيعة العامة على جانبي الطرق بين محافظات العراق؛ فالصحراء تارة تُصْلينا بقيظ صيفها ورمالها وسرابها الساطع، وتارة تبدو أراضيَ قاحلة وقرى قد هجرها أهلها طوعاً أو قسراً بعد أن حكم بالإعدام على مزارعهم لأسباب عديدة لا داعي للخوض فيها الآن. إلا أن الطرق في العراق أصبحت أقل اعتدالاً واتساعاً للذهاب والإياب بين المدن، وقد ازدانت أرضياتها بالحفر والتصدّعات والكتل الكونكريتية، والتي تفصل بينها ساحات وسطية جرداء (يسميها العراقيون جزرات وسطية) وأسيجة معدنية ذات مواصفات يعتقدها بعضٌ تقارب في مواصفاتها شوارع أوروبا السريعة، وعند كل مسافة محددة تجد ساحات لوقوف الشاحنات والحافلات والسيارات الصغيرة، هذه الساحات نجد فيها مقاعد كونكريتية مظللة لاستراحة المسافرين أنيقة ومخصصة لها هواتف كانت تعمل قبل الاحتلال، إلا أنها غير موجودة الآن؛ فقد نهبت وحطمت صناديقها؛ فما عادت تنفع حتى لرمي القمامة، واختفى الجزء الأكبر من الأسيجة المعدنية لتباع أو تشترى، وتكسّرت مقاعد الساحات ومظلاتها. عند مداخل كل مدينة من مدن العراق تشاهد بقايا حدائق وساحات فيها بقع من الزرع المتهالك المصفر بسبب شحة المياه التي لم تعد متاحة للمواطنين وخاصة بعد أن فاضت مجاريها، فأصبحت تلك الساحات لرمي القمامة والأزبال بعد أن كانت حدائق غناء تذهب إليها العوائل العراقية للراحة، وليلعب فيها الأطفال، واليوم هي مرتع للفئران والحشرات والحيوانات والأطفال السائبة (عذراً فهذا هو الواقع) ! أما عن أسواق المدينة فقد غاب الكثير من معالمها وهندستها بعد أن طال اشتياقها إلى عقول المهندسين وأيادي العمال المهرة الذين كانوا يعملون على عمرانها وصيانتها وإدامتها، فأصبحت تحل بين زواياها ومداخلها المهملة البسطات أمام المحلات والدكاكين التي أنهكتها حرارة الشمس وظروف القتل والمداهمات والاعتقالات العشوائية والإجرامية، والقصف الجوي والمدفعي لتحيل المدن والبلدات والقريات قاعاً صفصفاً؛ وطبعاً وفق مقاييس طائفية وعرقية، ولتبدأ رحلة كل يوم مع انقطاع التيار الكهربائي وشحة مياه الشرب، فتختلط على القادم قطرات عرق العمل وعرق القيظ مع قطرات الدموع حيث تتكفل ظلمة الليل حجب الواقع المرير الذي تعيشه كل مدينة، أو بلدة، أو قرية عراقية، وما خفي كان أعظم. - مدن في ظل ديمقراطية المحتل: نجد بين رواد الأسواق وباعتها في المدن السيدات العراقيات قد ذبلن وهزلن، لا بفعل السنين فحسب بل لغياب معظم مقومات الحياة أو ارتفاع أسعارها، وما يلاقينه من ضنك وعذاب. أما اللون المفضل لدى معظم نساء وشابات العراق اليوم فهو اللون الأسود الذي أصبح السائد في كل مدينة، ليس بسبب استمرار حالات الوفيات بين أفراد العائلة الواحدة أو أقاربها وجيرانها وأصدقائها، بل لقتلهم بأيدي آثمة لأسباب طائفية أو عرقية، أو بسبب الجريمة المنظمة التي تقف وراءها ميليشيات تقبض الثمن وبحماية جهات من السلطة الحاكمة لحمايتها في تحقيق مآربها أو مآرب المحتل، وهذا ما ترك بصمته على رغبتهن في ارتداء ثياب ذات ألوان مختلفة نتيجة حالة العتمة النفسية التي يعشنها على مضض. ومع إشراقة صباح يوم جديد تخرج لتتجول بين شوارع وأزقة المدينة العراقية تستوقفك أوضاع الباعة القاعدين والمتجولين والزاحفين والعاجزين؛ فمنهم الصغير دون عشر السنوات، ومنهم الشيخ الذي تجاوز الستين من عمره، وعلى شاكلتهم المتسولون الأطفال أولاداً وبنات ورجالاً مسنين ومسنات، وأحياناً تجد أسرة قد افترشت الرصيف لتتسول، ومن هذه الأسر من جعل أنفاق السابلة في شوارع مراكز المدن مساكن لهم، ثم تشاهد المعوقين ولا ندري من أي معوقي حرب هم؟ ولماذا يتسوّلون؟ أو يعملون كباعة متجولين أو ماسحي زجاج سيارات عند الإشارات الضوئية يتدافعون أو باعة صحف وجرائد على الأرصفة يلهثون. وإن رغبت أن تبحث عن جريدة لتقرأها وتتابع ما كتبت صحافتهم أو قراءة بعض خطوطها العريضة فستجدها ومعظم وسائل إعلامهم تنطق بالطائفية المتطرفة أو العرقية المتعصّبة، وقد تم شراء ذمم معظم أقلام هذه الصحف من قِبَل المحتل؛ وذلك لنشر الديمقراطية التي يصوّرونها بالأمل المنشود في المستقبل غير المعهود بالواقع الممجوج، إلا أنك لن تجد سوى صحف قد تقزمت حتى لا يتجاوز عدد وحجم صفحاتها ربع حجم الجريدة الاعتيادية، وسعرها أصبح ١٥٠ ديناراً عراقياً لكنها تباع بمبلغ ٥٠٠ دينار أو تزيد؛ فالسواد شمل كل شيء وليس أسواقها فقط؛ فقد أصبحت قراءة الصحف نوعاً من الترف والإسراف المالي بعد أن كانت بالحجم والوسيلة التي يراها القارئ تناسبه، لذا يضطر بعضهم إلى أن يقرأ الجريدة لقاء أجر وزمن معلوم ليعيدها للبائع كي يقرأها مستأجر آخر بمبلغ بسيط وهكذا؛ وعليك أن لا تعترض؛ فهذا حق مشروع في الممارسات الغريبة في ظل الديمقراطية الغربية القادمة من بلاد ممارسات الغرائب والعجائب التي أحالت المدن المحرّرة الى خرائب. - العدالة والحرية في ظل محتل ديمقراطي: أصبح الأطفال والرجال والنساء والشيوخ يكتشفون ويبتكرون أعمالاً لا تخطر على بال أحد كي يعيلوا عائلاتهم أو يرفعوا مستوى مدخولاتهم بما يتناسب ومتطلبات الحياة اليومية؛ ففي النهاية هي أفضل من السرقة والانحراف، وأحفظ للشرف والكرامة، وأفضل من بيع طفله أو أحد أعضاء جسده؛ فالبطالة قد تمكن المحتل من القضاء عليها حتى أصبحت نسبتها ٦٥% اليوم، والعمل متاح لمن يؤيد الاحتلال ويروّج لمشاريعه المختلفة من فساد وفجور وانحراف وشذوذ لبسط نفوذه ومخالبه بجسد الضحية؛ حيث أصبح المجرم عادلاً، والسارق مانحاً، والخائن مخلصاً، والكافر عابداً، والكاذب صادقاً، والذي يقاوم الاحتلال سلباً أو إيجاباً جاحداً؛ وحدّث ولا حرج؛ فكل شيء مخالف للقيم فهو فكر متجدّد غير بائد. نعم! إن الكل يشكون من واقع معاشي صعب في الوقت الذي يجني فية كبار موظفي الدولة غير المسؤولين، بل المنتفعين بمليارات الدنانير العراقية دون رقيب أو حسيب، فأصبح أصحاب المهن الحرة والباعة وصغار الموظفين والمتقاعدين جميعاً يعانون، مما اضطر معظمهم إلى بيع أثاثه وأجهزته المنزلية، ومنهم من باع أبواب وشبابيك بيته، بل وباع دار سكنه كي يستطيع أن يعيل أسرته؛ فالأجور والمرتبات لا تكفي إلا جزءاً يسيراً من أيام الشهر كي يعيل عائلته، ونجد أيضاً أن الإكرامية والبقشيش أصبحت حقاً مدفوعاً للصنائعي والعامل والضابط والموظف والمسؤول؛ وإن اختلفت مستوياتهم؛ ومسؤولياتهم فهي حق مشروع لإنجاز عمل لك أو معاملة تأخر إنجازها أو عمل تتقدم لتعمل فيه؛ ففي كل يوم عليك أن تدفع؛ ابتداءً من عامل التتنظيف، ومروراً بسائق النقل العام وموظف الحكومة وغيرهم من الذين يعملون على حماية الممتلكات الشخصية والعامة؛ فالكل يطالبون بحق معلوم كالسائل والمحروم. أجل هذه حقيقة في بلد كانت تعتبر الإكرامية فيه رشوة وهي جريمة تؤدي الى السجن وإن غابت الديمقراطية، وكانت الرشوة إهانة لا يرضاها أحد مهما صغرت أو كبرت طبيعة عمله، بل وكانت تعتبر حالة من حالات التخريب الاقتصادي والاجتماعي، واليوم تغض عنها الطرفَ الجهاتُ القضائية والأمنية والشعبية المعنية؛ فالكل أصبحوا متساوين كأسنان المشط بالفساد المالي والإداري. عذراً هناك أمشاط قد تتباين أحجامها وعند ذاك لا تتساوى أسنان مشط مع أسنان مشط آخر. ما أصعب الواقع إن أردت أن تحيا حياة كريمة ودخلك الشهري لا يتجاوز ١٠٠ دولار أمريكي أو أقل وحتى لو يزيد في الوقت الذي تفرض عليك احتياجاتك الشهرية أن يكون دخلك الشهري لا يقل عن ٥٠٠ دولار أي حوالي ٧٥٠ ألف دينار عراقي أو يزيد، فالدولار الواحد لا يعني سوى ١٥٠٠ دينار وقد يقل أو يزيد يومياً. ماذا تشتري بهذا الدخل وإن كانت توجد الحصة التموينية لك ولأفراد أسرتك؟ فبكم تشتري المأكل الذي لا توفره لك الحصة التموينية؟! وما أطول قائمة المأكل وما أقصر قائمة التموين؟! وبكم تشتري لأطفالك عند ذهابهم إلى المدرسة؟! فبذلة الطفل لا تقل عن ٢٥ ألف دينار، وحذاؤه لا يقل عن ١٠ آلاف دينار، والقائمة تطول؟ أم تشتري القرطاسية للابن والبنت، فهي لا توفرها الجهات التعليمية بما فيها قلم الرصاص الذي سعره يتراوح ما بين ١٠٠ - ٢٠٠ دينار، وكراسة المدرسة سعرها يتراوح ما بين ٢٠٠ ـ ٤٠٠ دينار، وكم تستطيع أن تشتري منها خلال العام الدراسي وغيرها وغيرها وغيرها؟ أما كيف تراجع عيادة الطبيب لعلاج أحد أفراد أسرتك إن أصيب بمرض أو زوجتك الحامل؛ فأجرة الطبيب في كل مرّة تتراوح بين ٥٠٠٠ ـ ١٠٠٠٠ دينار أو تزيد؟ وكم أجرة سيارة التاكسي إن توفر البنزين ولو في السوق السوداء؟ كما أن المستشفيات الحكومية حدّث عنها ولا حرج؛ فحتى الدواء لا توفره لك دون أن تدفع الحق المعلوم ابتداء من الاستعلامات ووصولاً إلى أعلى مسؤول فيها، وإن أردت أن تعالج أسنانك فإنك ستحتاج لما يتراوح ما بين ١٠٠٠٠٠ إلى ٢٠٠٠٠٠ دينار لعلاج أبسط أنواع مشاكل الأسنان وحتى يومنا الحاضر، وإن الدواء الذي كانت الدولة توفر جزءاً منه، إلا أنها كانت توفره عادة لأصحاب الأمراض المزمنة فقط كمرض السكر ومرض القلب وضغط الدم وغير ذلك من الأمراض وبكمية لا تتناسب وحاجة العلاج؛ واليوم أصبحت عملية توفيره أزمة مزمنة، بينما باقي أنواع الدواء فهي غالباً مفقودة؛ لأنها قد تجد طريقاً تخرج به من المستشفيات الحكومية أو مخازنها إلى الصيدليات الخاصة وباعة السوق السوداء، ومنهم من يفترش الأرصفة لبيع تلك الأدوية، وقد تجد أدوية بيطرية تباع لبني البشر في ظلٍّ ديمقراطي غريب؛ حيث تجد الدواء الذي تبحث عنه وإن طال انتظاره وقصر النظر في سعره كيوم عزّ حرّه عند منتصف نهاره وارتفاع شمسه كارتفاع سعره للمواطن البسيط. - شعب في ظل الديمقراطية النموذج: هل عليك أن تحكم على نفسك وأسرتك بالإعدام كي تنقذوا أنفسكم من طول المعاناة، أم تحاول جاهداً وبمختلف السبل المشروعة أو غير المشروعة لتوفير ولو جزءاً يسيراً من احتياجاتك اليومية؟! فقد نجد مثلاً طفلة بعمر تسع سنوات تبيع الماء في الشوارع والساحات المزدحمة منذ شروق الشمس وحتى غروبها، أو طفلاً بعمر عشر سنوات يبيع السجاير عند مواقف الحافلات والساحات العامة وقد يروّج أحياناً المخدرات مع السجائر، وغير ذلك من الوسائل والأساليب التي يلجأ إليها رب الأسرة وزوجته وأطفاله كي يقاوموا الاحتلال ويصمدوا أمام قسوة الإنسان والزمان في ظروف وساعات لا يعلم بها إلا الله؛ فما أدراك ما طبيعة هذه الظروف والساعات، وكيف دفعت بعضاً لترك الوطن، وإن أردت أن تذهب للأسواق للتبضّع وشراء بعض حاجاتك أو لأسرتك فستجدها أسواقاً سوداء لآخر حجر فيها، معتمة حتى في تفاصيلها؛ هذا فضلاً عن الحشيش والمخدرات التي دخلت مع المحتل الديمقراطي أو من خلال الحدود الإيرانية أو غيرها دون رقيب إن لم يكن بحمايته. إلا أنك لن تجد كل ما تشتهيه نفسك ابتداءً من الخبز الفرنسي في حي المهندسين، والرغيف اللبناني قرب ساحة أبو جعفر المنصور، والفستق الحلبي والإيراني عند المعرض الدولي، والزيتون اليوناني والجبنة الهولندية والشكولاته اللندنية والمعلبات الأمريكية، والزبدة الدانماكية والمارتديلا الإيطالية وغيرها... وغيرها، مما لذ وطاب لمن هو قادر على الشراء دون استحياء ولا يُسأل من أين لك هذه الثروات، وكيف حصلت عليها دون سابق إنذار في ظل ديمقراطية الاحتلال؟ كما توجد في كل مدينة عراقية شريحة حديثة التكوين وهي شريحة الدلالين والدلالات والطفيليين والطفيليات والسارقين والسارقات والقاتلين والقاتلات والخاطفين والخاطفات والمتزلّفين والمتزلّفات بدأت بالظهور بشكل كبير بعد الاحتلال الأمريكي حيث بداية الانفتاح على المستورد مع زيادة دخل العراق بفعل ارتفاع عائدات النفط والتي بلغت ٢٠ مليار دولار سنوياً، إلا أن شعب العراق ظل يلهث ويتدافع في طوابير من أجل الحصول على لقمة العيش التي زاحمه عليها القاصي والداني من الأغراب والمغتربين الجاحدين الذين جاؤوا لتطبيق ديمقراطية الاحتلال، حتى كاد العراقي أن يعيش الغربة في وطنه بعد أن رفضته كل الأوطان. لقد تطورت هذه الشرائح الشاذة والمنحرفة التي فرضتها ديمقراطية المحتل في العراق؛ فالحضارة تتطوّر في كل أرجاء العالم خلال فترة ما بعد حرب عام ٢٠٠٣؛ فأصبح لهذه الشرائح حدود مفتوحة ومعالم مسموح بها خلال القرن الحادي والعشرين بسبب أحداث فترة ما بعد الحرب في عام ٢٠٠٣، وإن مجال نشاطات هذه الشرائح قد قويت شكيمتها على الأرصفة والطرقات قرب الأحياء التي يسكنها من هم الأفضل دخلاً والأكثر حباً للمحتل في المنطقة الخضراء وما جاورها. أما في الأحياء الشعبية والفقيرة كأحياء مدينة العامل والشعب والحرية والأعظمية والكرخ فلا يمكن القول سوى: أكرمْ عزيز قوم ذل؛ فالأسواق التي كانت مزدحمة وصاخبة كالسوق العربي وسوق الشورجة والسوق العباسي وسوق الثلاثاء وغيرها أصبحت أثراً بعد عين بعد أحداث عام ٢٠٠٣ في ظل الديمقراطية. - قادة المجتمع الديمقراطي الجدد: إن معظم بضائع المجتمع الديمقراطي في العراق ليست ذات علامات تجارية مسموعة أو معلومة من الملابس والمكياج والعطور والمواد الغذائية المختلفة، بل تحدّد وفق أسعار يفرضونها على المستهلك المضطر وليس له بديل، وهناك أيضاً من هم متخصصون في إنتاج وتسويق المشروبات الغازية ومساحيق الغسيل وزيوت ودهون الطبخ والسجائر والدقيق وعلب حليب الأطفال دون المواصفات المقبولة، وغير ذلك من المواد الغذائية المغشوشة في ظل حماية رقيب إن حضر فله حق معلوم من فم السائل والمحروم. بل لقد ظهرت شريحة أخرى في العراق هي شريحة مقاولي أو متعهدي تجارة الأزبال والقمامة ومسوّقي منتجات من علب الشامبو وقناني العطور والمشروبات الغازية المستوردة وجميعها فارغة بعد استخدامها، ومخلّفات المواد البلاستيكية والصفائح المعدنية وغيرها من المنتجات التي يعملون على بيعها إلى وسطاء آخرين لتسويقها بعد تعبئتها بالمواد المغشوشة لتباع كبضاعة أصلية بما في ذلك علب وقناني الدواء، ووجدت هناك من يتاجر بالمواد البلاستيكية المستهلكة وبقايا عظام الحيوان والإنسان والخبز ومخلفات المطاعم وغير ذلك من أنواع البضائع التي أصبحت لها أسواق رائجة في العراق، كل حسب استخداماته وحاجة السوق له، خاصة أن تلال الأزبال والقمامة في المدينة العراقية أصبحت معلماً معروفاً من معالم أزقتها وأحيائها بعد أن كانت أطلال آثار حضارات بلاد الرافدين من أهم معالمها، إلا أن الآثار أخذت هي الأخرى تُسرق وتهرّب إلى خارج العراق من قِبَل أشخاص محتلّين ومن يتبعهم من الغاوين لا شعور لهم بالمسؤولية، بل إن بعضهم جاء محرراً لا غازياً كما يقولون ومبشرين بمفاهيم ديمقراطية صوّروها كقدوم العروس في يوم زفافها لتجلس في الخدر العراقي، وكأن حالهم يقول ساخراً: هنيئاً للشعب العراقي في يوم زفافه بظل الديمقراطية التي تأسّست على تزوير الانتخابات ونهب الثروات وغيرها مما هو فات أو آت. - الواقع الديمقراطي الجديد: أصبح للجريمة سطوتها وهيبتها وعلى اختلاف مستويات مسؤوليها ومريديها، ابتداء من سرقة قناني غاز الطبخ ومنظماتها، ومروراً بملابس الغسيل والسيارات والأثاث المنزلية وكل ما غلا ثمنه وخف وزنه، ووصولاً إلى جرائم خطف الأطفال والنساء والرجال من أجل مبلغ من المال، وجرائم احتيال الشركات والمكاتب الوهمية، وجرائم القتل العمد والاعتداء على المحارم، وغير ذلك من الجرائم التي لم يسمع بها شعب العراق من قبل؛ فهي من إفرازات وثقافة ديمقراطية الاحتلال بعد عام ٢٠٠٣ وما جرّت بعدها من ممارسات ديمقراطية لا يعلم خفاياها إلا الله ؛ أضف إلى ذلك جرائم التزوير ابتداء من تزوير العملة المحلية والأجنبية (الصعبة) ووصولاً إلى تزوير مستندات الملكية والوثائق الرسمية والاستيلاء على أراضي المقابر لأغراض شخصية، وشراء العقارات والأراضي بحجج ما أنزل الله بها من سلطان في المدن التي يقولون عنها مقدّسة، حتى أصبح لهذه المهن أسواق مثل سوق الحرامية في مدينة (؟!) وغيره الكثير الكثير؛ فهذا زمان شهرزاد لتروي لنا قصصاً جديدة من ليالي بغداد عمن غادر أو عاد الى ما ضاع من البلاد. أجل! هكذا تغيرت المدينة العراقية التي ما عدنا نعرفها أو كأن أهلها هجروها وحل محلهم قوم آخرون ليس لهم صلة بأهلها أهل مدينة السلام كما سمّاها أبو جعفر المنصور ﵀ عذراً فقد تم تفجير نصب مؤسّس بغداد هناك مؤخراً من ِقبَل مجهولين، وما أطول قوائم الاتهام ضد هؤلاء المجهولين في ظل الديمقراطية ... ديمقراطية الاحتلال.

стр. 5519

الملفات المتتابعة د. يوسف بن صالح الصغير لقد عاش العالم في السنوات الأخيرة مرحلة دبلوماسية الملفات المتتابعة، وتتلخص في فتح ملف بلدٍ ما عن طريق تصريح مسؤول أو مقالة صحفية مقربة من دوائر صنع القرار، أو محاضرة في إحدى الدوائر الرسمية، ثم يُسَكت عنها حتى يخال المرء أن القضية انتهت، وينشغل العالم بملف جديد ومن بعده آخر. وبدون مقدمات يعود الملف الأول إلى واجهة الأحداث لفترة من الزمن، ومن ثَمَّ يوضع على الرف مرة أخرى بعد أن يصل الملف إلى نقطة جديدة تصلح أن يبدأ منها، أو إلى طريق مسدود ينبغي أن يتم التراجع عنه. إنها سياسة الخطوة خطوة مع تعدد الملفات وهو ما يمكِّن صناع السياسة في الغرب من التعامل مع ملفات شائكة كثيرة بصورة متوازية، وكل ملف يتقدم فيه العمل ينتقل إلى مرحلة جديدة. فمثلاً يبدأ الملف دعائياً، ثم دبلماسياً، وينتهي غالباً عسكرياً. وعلى هذا يُفْهَم الملف العراقي بعد حرب الكويت الذي تعدى مرحلة الحسم العسكري الفاشل إلى مرحلة الخروج المشرف، والملف الكوري الذي يعيش حالياً مرحلة سُبات، والملف السوري الذي شهد تسخيناً شديداً تُوِّج بتهديدات وإملاءات وصلت إلى حد طلب التحقيق مع رأس النظام والتلويح بتوظيف تمرد نائب الرئيس عبد الحليم خدام على النظام. ويعيش الملف السوري حالياً مرحلة التقاط أنفاس وترتيب الأوراق من جديد؛ فنائب الرئيس الأمريكي يقابل سعد الحريري وآلاف المتظاهرين ضد التدخل الأمريكي في لبنإن في محيط السفارة الأمريكية في بيروت؛ وذلك استعداداً لجولة جديدة بعد الجولة الحالية في تسخين الملف الإيرإني الذي وصل إلى مرحلة متقدمة دفع رئيس الوزراء الإيرإني إلى محاولة فتح جبهة تنفيس جديدة بالكلام عن أسطورة إبادة اليهود في أوروبا وأن الأوربيين إذا ارادوا الاعتذار الجاد لليهود فليقيموا لهم كياناً في النمسا أو ألمانيا وليس في فلسطين، وأن من استخدم الأسلحة النووية ضد الأبرياء في العراق هم الذين يستحقون العقاب. إنها محاولات متأخرة؛ فقد شاركت إيران في تسهيل مهمة الغرب في السيطرة على افغانستان والعراق على امل سيطرة الشيعة الموالين لها على العراق، وتجاوز أتباعها الحد في اضطهاد السنة تحت الراية الأمريكية، وهي الآن تواجه مأزقاً استراتيجياً حيث أصبح التورط الأمريكي في العراق والإحساس المتزايد لدى الأمريكإن بأن سياستهم السابقة بمحاربة السنة بالشيعة تخدم مصالح إيران بقدر ما تضر بمصالحهم في المحيط السني دافعاً لأمريكا للضغط على إيران من أجل تقزيمها بل وتفكيكها، ولا يستبعد أن تثور قضية تهميش السنة في إيران، وبدلاً من تقسيم العراق يتم تقسيم كلٍ من إيران والعراق، وتدخل المنطقة في مرحلة اضطراب طويلة قد يمتد لهيبها إلى كل دولة في المحيط يوجد فيها تنوع طائفي. والذي أريد إن أصل إليه أن كل دولة فُتِحَ لها ملف فهو مؤجل حتى الفراغ من بقية الملفات، وليتذكر الجميع أن كل من يعين أمريكا على إغلاق ملف فهو يقرب من أوان فتح ملفه الخاص.

стр. 5520

سجون أمريكا في أوروبا يحيى أبو زكريا تُجري العواصم الأوروبية فيما بينها مشاورات واسعة للوصول إلى صيغة موحدة لمواجهة الاختراق الأمريكي المتكرر للجغرافيا الأوروبية وقوانينها بهدف إقامة سجون أمريكية في أكثر من منطقة أوروبية. وقد أدّى كشف بعض الصحف الأوروبية وبعض البرامج التلفزيونية عن هذه الحقيقة إلى استياء أوروبي شعبي واسع واكبه استياء رسمي وخصوصاً عندما صرح بعض الرسميين في بعض العواصم الغربية أن لا علم لهم بهذه السجون الأمريكية في المواقع الأوروبية (١) . وللإشارة فإنّها ليست المرة الأولى التي يجري فيها اختراق القوانين الأوروبية من قِبَل الأجهزة الأمنية نفسها؛ فقد سبق للدانمارك أن عرضت على دول الاتحاد الأوروبي مشروع قانون لمراقبة محطة التجسس الهاتفي والإلكتروني الأمريكية الموجودة في بريطانيا، والتي تكمن وظيفتها في التجسس على ملايين المكالمات وبشكل يومي انطلاقاً من بريطانيا، ومن ثَم ترسل هذه التسجيلات الدقيقة والمعقدة إلى أمريكا لفحصها وفرزها وامتصاص ما ينفع الأجهزة الأمنية المشار إليها. وتلا ذلك قيام عناصر المخابرات الأمريكية باختطاف العديد من الأشخاص من الأراضي الأوروبية ودون علم المؤسسات الرسمية وهو الأمر الذي ولّد نقاشات برلمانية حادة في أكثر من عاصمة أوروبية حول عدم احترام الأجهزة الأمنية الأمريكية للقوانين المعمول بها في أوروبا والتي على رأسها عدم جواز اعتقال أي شخص إلاّ من خلال إذن خاص من الجهات القضائيّة المختصّة. كما أنّ الأجهزة الأمنية الأمريكية باتت تأمر الأجهزة الأمنية الغربية أن تعتقل من تراه مشبوهاً، وتطالب باستمرار بتسلم هذا وذاك من إيطاليا والسويد والدانمارك والنرويج؛ وهو الأمر الذي أحرج الأجهزة الأمنية الغربية أمام الرأي العام الأوروبي والذي أبدى انزعاجه من هذه الخروقات الأمريكية لحرمة القوانين الأوروبية. وقد بات مألوفاً في أوروبا أن تحطّ الطائرات الأمريكية في بعض المطارات الأوروبية وتنقل من تشاء أو تسجن من تشاء في سجونها الخاصة المنتشرة في بعض الدول الغربية والمتاخمة لقواعدها العسكرية المحصنة التي تعتبر دولة داخل دولة، وتتمتّع بحصانة كبيرة. ولم تكتفِ أمريكا بذلك؛ بل استغلت فقر بعض الدول الأوروبية التي كانت محسوبة على المحور الاشتراكي سابقاً وساومتها على إقامة سجون على أراضيها مقابل مساعدات مالية وتسهيلات اقتصادية. وقد أدّت هذه الخروقات إلى نفور شعبي أوروبي من هذه التصرفات تجلّى من خلال المقالات والتعليقات الصحفية اليومية ومواقع الإنترنت التابعة لبعض التيارات الأوروبية المناوئة للأمركة، وقد وصل هذا الانزعاج إلى المؤسسات البرلمانية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي التي ستبحث في هذه الخروقات الأمريكية للقوانين الأوروبية وإقامة سجون لمعتقلين يجري اعتقالهم بدون حكم محكمة أو سند قانوني، وأغلب هؤلاء المعتقلين يُخطَفون من دول أخرى ويؤتى بهم إلى تلك السجون دون أن تعرف دولهم أو أهلوهم عنهم شيئاً. وتعليقاً على هذه السجون الأمريكية التي أصبحت شبه منتشرة في بعض الدول الأوروبية يقول أعضاء في حركة الهجوم الغربية المناوئة للأمركة والعولمة الأمريكية: إنّ أمريكا تريد تعميم تجربة (سجن غوانتنامو) في الغرب؛ فهي بعد أن أقامت ذلك السجن في كوبا تريد تعميم التجربة نفسها في دول الاتحاد الأوروبي ودون علم بعض الرسميين الأوروبيين الذين سافر بعضهم إلى أمريكا وطلب من الإدارة الأمريكية بعض الاستفسارات بخصوص هذه الخروقات، كما فعل وزير العدل السويدي الذي سافر إلى أمريكا قبل فترة للاستفسار عن طائرة المخابرات الأمريكية التي حطّت في مطار (بروما) السويدي وخطفت مواطنيْن من مصر كانا قد طلبا اللجوء

стр. 5521

مرصد الأحداث أحمد فهمي مفكرة الشهر ١٦/١١/١٤٢٦هـ: مشروع قرار أمريكي بحجب المساعدات إذا شاركت حماس في الانتخابات. ١٧: ٥٠٠٠ متظاهر ضد منظمة التجارة العالمية في هونغ كونغ. ١٨: بوش يعترف أن بعض قراراته في العراق كانت كارثية. ١٨: الانتخابات العراقية: الائتلاف الشيعي ثم جبهة التوافق السنية ثم قائمة علاوي. ١٩: سنة العراق يتهمون الشيعة بتزوير الانتخابات ونتانياهو يفوز بزعامة الليكود. ٢٠: قاض بلجيكي يخلف ميليس في رئاسة لجنة اغتيال الحريري. ٢١: تشاد تتهم السودان بجرها لحرب أهلية وتطالب بتدخل دولي. ٢٢: رامسفيلد يعلن سحب ٧٥٠٠ جندي أمريكي من العراق ربيع ٢٠٠٦م. ٢٣: كشف برنامج سري لمراقبة مساجد ومنازل مسلمين في أمريكا بحثاً عن قنابل نووية. ٢٤: محكمة فلسطينية تفتح باب الترشيح خصيصاً لقائمة فتح بعد انتهاء المدة. ٢٥: طائرات إسرائيلية تقصف غزة لفرض منطقة عازلة شمال القطاع. ٢٦: افتتاح الدورة الأولى للبرلمان العربي الانتقالي. ٢٧: رجال الأعمال يسيطرون على الحكومة المصرية الجديدة. ٢٨: القاعدة في العراق تتبنى إطلاق صواريخ كاتيوشا على أهداف إسرائيلية من جنوب لبنان. ٢٩: مقتل ٢٥ لاجئ سوداني في مصر في محاولة الشرطة تفريق اعتصامهم. ١/١٢ عبد الحليم خدام يتهم الرئيس السوري بتهديد الحريري قبل مقتله. ١: بوتفليقة يعود إلى الجزائر بعد رحلة علاجية استغرقت ٣٦ يوماً في فرنسا. ٢: حزب البعث السوري يطرد عبد الحليم خدام من عضويته. ٣: لجنة التحقيق الدولية تطلب التحقيق مع بشار الأسد. ٤: مسلحون من فتح يقتحمون الحدود المصرية ويقتلون جنديين، وتسلل المئات في الاتجاهين. ٥: الشرطة الإسرائيلية تعلن امتلاكها أدلة على تلقي عائلة شارون رشاوي. ٦: حالة شارون الصحية تدخل مرحلة خطيرة. ٧: الاحتلال يسعى للتحاور مع بعض تنظيمات المقاومة العراقية لتفريقها ودفعها للعمل السياسي. ٨: خبير أمريكي: حرب العراق تكلف أمريكا ٢٠٠٠ مليار دولار. ٩: إيهود أولمرت يترأس مجلس الوزراء الإسرائيلي. ١٠: دول مجلس الأمن تشن هجوماً حادّاً على إيران لاستئناف النشاط النووي. ١١: السي آي إيه: القاعدة في العراق تراجعت نتيجة مقتل عدد كبير من أنصارها. ١٢: حماس تسقط تدمير إسرائيل من برنامجها الانتخابي وتكتفي باستعادة حدود عام ٦٧م. ١٣: طائرة أمريكية تقصف قرية باكستانية حدودية وتقتل ١٨ أكثرهم نساء وأطفال. ١٤: وليد جنبلاط يصف حزب الله الشيعي بأنه سلاح غدر والحزب يرد بأنه لو تجسد الغدر في رجل لكان جنبلاط. ١٥: رئيس محكمة صدام حسين يستقيل بعد انتقادات شيعية تتهمه بالتساهل. ١٥: ست مجموعات جهادية تعلن تأسيس مجلس شورى للمقاومة في العراق. ١٦: مدير الوكالة الذرية لا يستبعد القوة لإجبار إيران على التراجع نووياً. علامة تعجب موعد على العشاء ارتكب القيادي في القاعدة أيمن الظواهري جريمة كبرى عندما تخلف عن موعد العشاء في أحد المنازل الباكستانية على الحدود الأفغانية، فهو بذلك تسبب في أن يُقتل ١٨ باكستاني بقصف أمريكي دون فائدة تذكر، ولعله لو حضر وقُتل لكان في الأمر تسلية لأهالي القتلى. هكذا يريدنا الأمريكيون والحكومة الباكستانية أن نعتقد؛ فقد أدى فشل العملية إلى وقوع الطرفين في مأزق، وعلى الفور قامت حكومة مشرف باتخاذ موقف صارم فاستدعت السفير الأمريكي إلى الخارجية، يعني مسافة أمتار قليلة، لكي يحتسي الشاي مع وزير الخارجية بينما يبلغه استياء حكومته. وللأسف كان السياسيون الأمريكيون أكثر صراحة، ولم يندم أحد منهم لمقتل باكستانيين أو يعترف بالخطأ، فقط هم يأسفون، وتساءل السيناتور إيفان بايه قائلاً: «الحادث مؤسف.. ولكن ماذا كان ينبغي علينا فعله؟» .. حزب شارون.. موضة «كاديما» أسس شارون حزبه الجديد «كاديما» أو بمعنى أدق «فصَّله» ليناسب مقياسه السياسي، وهدفه أن يعبِّر من خلاله عن رؤيته السياسية، وضم إليه أشتاتاً من كل الأطياف الإسرائيلية، ولكن شارون الآن على فراش الموت، والحزب فقد هدف تأسيسه، رغم ذلك يريد شذاذ الآفاق الذين جمعهم شارون مواصلة المسيرة، مع كونهم كتلة غير متجانسة وغير متفاهمة: العمل اليساري - الليكود اليميني - شينوي العلماني، كما أن الناخب اليهودي عادة ما يتأثر بشخصية الزعيم أكثر منه تأثراً بالحزب أو برنامجه، وهذه الحقيقة تنسف الفخر بإسرائيل بنظامها الديمقراطي؛ ففي نهاية الأمر يبقى الأشخاص هم الأساس، ولا قيمة لما يسمى: برامج الأحزاب.. من يغسل أوروبا ٧ مرات؟ فضلات الكلاب تملأ الشوارع في المدن الأوروبية، هذه أزمة حقيقية تعاني منها الحضارة الغربية، فهناك في ألمانيا وحدها ٥.٣ ملايين كلب مسجل رسمياً تصل فضلاتهم اليومية إلى ٢٥٠٠ طن، وفي بودابست - المجر - هناك ٤٠٠ ألف كلب في المدينة تخلف نحو ١٤٦٠٠ طن من الفضلات سنوياً يعادل وزنها ما يتجاوز وزن برج إيفل في باريس وعجلة الألفية في لندن معاً. مرصد الأخبار أمريكا تدرب المقاومة العراقية كشف الأستاذ في «دراسات السلام والأمن الدولي» في جامعة أمهرست الأميركية (مايكل كلير) أن أساليب المقاومة داخل المدن العراقية هي أكثر ما يثير القلق في أوروبا وأمريكا حالياً؛ لأنها تمثل «النموذج المثالي للمعارك داخل المدن الذي لم يكن متوافراً في أفغانستان» واوضح أن «القوات المعادية للأميركيين في العراق تتدرب في الشوارع والمباني، وتستخدم عبوات ناسفة يدوية الصنع، وتلجأ إلى قناصة وانتحاريين، كل ذلك يسهل للغاية نقله إلى مدينة أوروبية، وسيكون في غاية الخطورة فيها» . ورأى محللون في (سي آي إيه) في تقرير ذكرته صحيفة نيويورك تايمز ان «العراق قد يكون بالنسبة للمتطرفين الإسلاميين ميدان تدريب اكثر فاعلية من أفغانستان؛ لأنه بمثابة مختبر أقرب إلى ظروف القتال الحقيقية في المدن» . وقال جيريمي بيني المتابع للمقاومة العراقية في مجلة «جاينز» البريطانية المتخصصة إنه في أفغانستان «كان هناك تكتيك حرب الشوارع التقليدية؛ حيث ينسحب المقاتلون إلى معاقل جبلية» . وتابع «في العراق يتم اللجوء إلى منازل آمنة ولا تلفت الانتباه، وتهريب أشياء أمام أنظار قوات الأمن وتطوير تكتيكات مثل السيارات المفخخة والسترات الناسفة والعبوات المزروعة على حافة الطرقات، كل هذا أكثر تكيُّفاً مع شروط حملة إرهابية داخل المدن» . وقال «إنهم في الوقت الحاضر يقاتلون في العراق، ويبدو أنه لم يبدأ بعد إرسالهم إلى أماكن أخرى، لكنه أمر يثير مخاوف كبيرة لدى أجهزة الأمن لأسباب واضحة» . ورأى الخبير أن «الأخطر ليس الشخص الذي قصد العراق لتفجير نفسه، بل أولئك الذين يدربونهم ويطورون التقنيات، عددهم ليس كبيراً على الأرجح ولا بد أنه لا يتعدى بضع مئات وليس بضع آلاف، لكنهم يمكن أن يكونوا على خطورة كبيرة» . وقال مايكل كلير: «كلما طالت الحرب العراقية تدربوا بشكل أفضل على هذه الأساليب وازدادوا خطورة» .. [ميدل إيست أون لاين ١٢/١/٢٠٠٦م] الصحاف في نسخته الأمريكية مجموعة لينكولن، هي مؤسسة للعلاقات العامة تتخصص في «الاتصالات الاستراتيجية» في مناطق الصراعات، ومقرها في واشنطن ويترأس هذه الشركة ضابط استخبارات سابق في سلاح البحرية الأمريكية، ومنذ عام تقريباً قرر الاحتلال الأمريكي أن يكثف الحملة في المناطق السنية، فتم منح مجموعة لينكولن ٢٠ مليون دولار لتشوه سمعة المقاومة وتدعو لمساندة الحكومة العراقية، تميهداً للانتخابات الأخيرة، وقد أنفقت المجموعة اكثر من ١٦ مليون دولار على الإعلانات في التلفزيون العراقي، كما أغدق المال على اللوحات الإعلانية في الشوارع وفي الإذاعة واعلانات شبكة الأنترنت، إضافة إلى خدمة «الرد السريع» لمجابهة مزاعم المقاومة العراقية. وقام ضباط أمريكيون بكتابة مقالات وقصص صحفية نشرت بأسماء عربية، أحدها نشر في جريدة «الصباح» في بغداد بعنوان: أطفال قتلوا على أيدي الإرهابيين، وكتبه ضابط أمريكي، وقال فيه: «هل أذعنّا واستسلمنا؟ أي رجل أكون إن تسامحت إزاء مجزرة أطفالنا؟ وأي كائن بشري أكون إن أنا تغاضيت عن ذبح الأبرياء؟ وأي صنف من المسلمين أنا إن أنا وقفت صامتاً بينما يقتل من لا أخلاق لهم أطفالنا باسم الله وباسم النبي محمد #؟ وتظهر الوثائق ان جريدة «الصباح» دفع لها اكثر من ١٥٠٠ دولار لتنشر المقال. وثمة مقال آخر اعدته مجموعة لينكولن لينشر في صحيفة «الزمان» ، وهي إحدى صحف بغداد «المستقلة» ، وأقر مصدر في جريدة «الدستور» العراقية بتلقيه مبالغ مالية من سلطات الاحتلال. وما مجموعة لينكولن سوى واحدة من حشد كبير من شركات العلاقات العامة الأمريكية التي تلقت ملايين الدولارات من البنتاجون «لتهيئة الساحة الإعلامية وتمهيد سبلها» .. من مقال كتبه ديفيد إداوردز المحلل السياسي في موقع ميديالينس.. [صحيفة الخليج ٢٨/١٢/٢٠٠٥م] جلطة في العقيدة زعم القس الأمريكي الشهير (بات روبرتسون) أن الجلطة الدماغية التي أصيب بها رئيس الوزراء الإسرائيلي (أرييل شارون) غضب إلهي على «تقسيم أرض (إسرائيل) المقدسة» . وقال (روبرتسون) في أحد برامجه المتلفزة إن «الله يغضب على الذين يقسمون أرضه؛ لأنه يعتبر هذه الارض ارضه» . وقال (روبرتسون) إنه شخصياً «حزين» لشارون وأنه يصلي من أجله مضيفاً: إن «أي رئيس وزراء إسرائيلي» يتبع سياسة شبيهة بسياسة شارون «لتهدئة خواطر الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة» سيحرك نفس الغضب الإلهي. ودان السفير الإسرائيلي لدى الامم المتحدة داني ايالون تصريحات روبرتسون التي وصفها بانها: معيبة. [موقع شام برس ٧/١/٢٠٠٦م] قل: سخافة ولا تقل: صحافة أدركت للمرة الأولى الضغوط الهائلة التي تمارس على الصحافيين الأمريكيين في الشرق الأوسط، عندما ذهبت قبل سنوات لوداع زميل من صحيفة «بوسطن جلوب» ، كان مراسلاً في المنطقة، فقال لي إنه مسرور؛ لأنه لم يعد مضطراً إلى تغيير الحقيقة لكي تناسب قراء صحيفته الأكثر صخباً. قال: «كنت أدعو حزب الليكود «الإسرائيلي» بوصف «الجناح اليميني» ، ولكن محرري صحيفتي أصبحوا يطلبون مني في الآونة الأخيرة ألا أستعمل هذه العبارة؛ فقد احتج عدد كبير من قرائنا عليها» . وليس ذلك إلا قمة جبل جليد الدلالات اللغوية، الذي ارتطم بالصحافة الأمريكية في الشرق الأوسط. فالمستوطنات اليهودية غير الشرعية، «مستعمرات» على نحو بيّن، ولا أستطيع تذكر اللحظة التي بدأنا فيها استعمال كلمة «مستوطنات» . ولكن قبل سنتين تقريباً استُبدلت كلمة «مستوطنات» بتعبير «تجمعات المنازل اليهودية المجاورة» ، بل حتى بتعبير «المواقع الأمامية» في بعض الحالات. وبالمثل، تم تخفيف تعبير الأراضي الفلسطينية «المحتلة» ليصبح الأراضي الفلسطينية «المتنازع عليها» امتثالاً لتوجيه وزير الخارجية الأمريكية يومئذ كولن باول سنة ٢٠٠١ إلى السفارات الأمريكية. ثم هنالك «الجدار» ، العائق الأسمنتي الهائل، كثيراً ما يشير إليه الصحافيون في هذه الأيام بتعبير «السياج» بدلاً من «الجدار» أو يدعونه بوصف «الحاجز الأمني» وهو ما تفضل «إسرائيل» أن يدعوه به. والأثر الدلالي لهذا التشويش الصحفي واضح؛ فإذا تم بناء مستعمرة يهودية بصورة غير شرعية على الأرض العربية، فهي ببساطة «مجموعة منازل» صديقة مجاورة جميلة، ومن ثم فإن أي فلسطيني يهاجمها لا بد أنه ينفذ عملاً إرهابياً غبياً، وبالتأكيد، ليس هنالك سبب يدعو إلى الاحتجاج على «سياج» أو «حاجز أمني» ، وهي كلمات تستحضر في الذهن صورة سياج حول حديقة، أو حاجز متحرك عند مدخل مجمع سكني خاص. وقد أصبح الصحفيون منذ زمن طويل متواطئين مع الحكومات في جعل الصراع والموت أكثر تقبلاً لدى المشاهدين، وبذلك أصبحت الصحافة مساعداً فتاكاً للحرب [بتصرف، عن روبرت فيسك مراسل الإندبندنت البريطانية في الشرق الأوسط.. المركز الفلسطيني للإعلام] . مجرد إقتراح وزارة التعذيب السنية كشف اللواء منتظر السامرائي المسؤول السابق عن القوات الخاصة بوزارة الداخلية العراقية تفصيلات جديدة حول فضائح التعذيب في السجون السرية للداخلية العراقية، وذلك في حوار مع فضائية العربية،، فقال إنه كانت هناك قوات تابعة لوزارة الداخلية العراقية مهمتها «إلقاء القبض على الأشخاص ليلاً» . وقال السامرائي الذي كان يتحدث من خارج العراق: إن وزير الداخلية (بيان جبر) كان قد أصدر أمراً بعد تسلمه الوزارة «بمنع أي حركة لأي قطعة عسكرية من أي وحدة من وحدات الداخلية إلا بعلم وزير الداخلية ... وعلى هذا الأساس لا يمكن أن تخرج قوات عسكرية بعد ساعات فرض حظر التجوال في بغداد الساعة الحادية عشر ليلاً بكافة الأسلحة والمعدات إلا إذا كانت هناك سلطة تحركهم» ، وتحدث السامرائي عن تشكيل «جهاز الأمن الخاص وهو مرتبط بشكل مباشر بوزير الداخلية الحالي ولا يسمح لأي شخص سواء وكلاء الوزارة او المستشارين بالتداول مع الأشخاص المسؤولين فيه» . وقال السامرائي: إن مقر هذا الجهاز الأمني كان ملجأ الجادرية الذي ارتبط اسمه بفضيحة أماطت اللثام عنها القوات الأمريكية قبل أكثر من شهر حيث وجد فيه أكثر من ١٧٠ معتقلاً تبين فيما بعد تعرضهم لتعذيب وسوء تغذية. وقال السامرائي: «إن عناصر من منظمة بدر الشيعية المسلحة تم تعيينها وضمها إلى مؤسسات وزارة الداخلية العراقية وأن «الأوامر الإدارية لتعيين أفراد ميليشيات بدر كانت تصدر من قِبَل وزير الداخلية» . وكشف السامرائي عن وجود «أكثر من ستة سجون معروفة في بغداد ... وكل لواء أو مقر قيادة تابع لوزارة الداخلية له سجن» . وأضاف: إنه بحكم موقعه في سلم المسؤولية في وزارة الداخلية كان بإمكانه الاتصال بجميع المعتقلين في سجون وزارة الداخلية «إلا المعتقلين في ملجأ الجادرية. وعرض السامرائي قائمة قال إنها تحوي أسماء ضباط عراقيين من ذوي الرتب الكبيرة اغتيلوا «في شهر رمضان من بينهم أحد عشر ضابطاً برتبة عميد أو عقيد تم تصفيتهم» [موقع سويس إنفو ١٥/١/٢٠٠٦م] شخصيات وراء الأحداث وليد جنبلاط: هو زعيم الطائفة الدرزية في لبنان ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي والكتلة النيابية المسماة «اللقاء الديمقراطي» ورث زعامة الطائفة والحزب بعد مقتل أبيه كمال جنبلاط عام ١٩٧٧م، واشتهر بتغيير ولائه حسب المناخ السياسي، فرغم أن أصابع الاتهام أشارت إلى نظام الأسد في اغتيال أبيه إلا أنه سافر إلى دمشق بعد الاغتيال بأربعين يوماً والتقى الرئيس حافظ الأسد، الذي أرسل قواته عام ١٩٨٣ لدعم جنبلاط ضد القوات اللبنانية التي اجتاحت مقره في جبل لبنان، وكان جنبلاط يقول: أفضل لبنان تحت هيمنة سورية، وعبر عن علاقته القوية بالأسد قائلاً: «كلنا تعلمنا من مدرسة الأسد» ولكنه انقلب على سوريا منذ عام ٢٠٠٠م وأصبح مؤيداً لسياسة واشنطن، وتصاعد العداء إلى درجة دعوته إلى تدخل دولي لتغيير النظام في دمشق، كما وصف الرئيس بشار الأسد بالرجل المريض، واتهمه بمحاولة قلب الأغلبية في مجلس النواب عن طريق الاغتيال، وهو ما عرضه لانتقاد زعيم الدروز في سورية الشيخ حسين جربوع. ويتحالف جنبلاط حالياً مع تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد الحريري، رغم مواقفه السلبية من السنة في الحرب الأهلية، كما يتحالف حالياً مع أعدائه السابقين (سمير جعجع) زعيم القوات اللبنانية بالإضافة إلى (أمين الجميل) . ويحتفظ جنبلاط في الوقت الحالي بعداء كبير مع تيار (ميشيل عون) الماروني الذي ينافسه انتخابياً في محافظة جبل لبنان، وقد وصفه (عون) بأنه مثل «سائق التاكسي لا يملك موقفا محدداً» واعتبره الرئيس السابق (سليمان فرنجية) «فتنة متجولة» ، وقد أيد جنبلاط اتفاق الطائف أولاً ثم عارضه بعد ذلك قائلا إن: «الاتفاق أكله سمك القرش ثم لفظه» في إشارة إلى دمشق. ويقف جنبلاط حالياً في مواجهة حزب الله و (نبيه بري) زعيم حركة أمل وحليفه السابق، وهو يعد ابنه (تيمور) الذي يدرس العلوم السياسية في فرنسا لخلافته. سين وجيم س: كيف يمكن الجمع بين الحملة الأمريكية الشرسة على إيران وبين التقارير التي تتحدث عن تعاون خفي بينهما في مجالات متعددة؟ ج: يقول أحد السياسيين الغربيين المخضرمين: «السياسة هي قبل كل شيء: تحديد العدو» وفي المفهوم الغربي الميكيافيللي للسياسة لا توجد جهة يمكن وصفها بأنها عدو مطلق؛ فالسياسة تدور مع المصالح؛ والمصالح تتغير وتتمحور غالباً حول المنفعة الاقتصادية قبل أي شيء آخر. ومبدأ التقاء المصالح مع الأعداء له أمثلة تطبيقية كثيرة في التاريخ السياسي الأمريكي، وفي مطلع السبعينيات اعترفت واشنطن بأنها شاركت في تطوير وتجهيز نظام الدفع الصاروخي العابر للقارات MIRV الخاص بالاتحاد السوفييتي عدوها اللدود، كما أن الشركات الأمريكية الأبرز: جنرال موتورز، وفورد دعمتا حكومة هتلر في الحرب العالمية الثانية بشتى السبل، حتى إن الأولى صنعت حوالي ٥٠% من محركات الطائرات المتقدمة للنظام النازي وهو ما دفع هتلر لمنح أحد مديريها وساماً من الدرجة الأولى، والعجيب أن الشركة حصلت على تعويض من الإدارة الأمريكية قدره ٣٣ مليون دولار جراء تدمير الطائرات الأمريكية لمصانعها في ألمانيا النازية أثناء الحرب، وكان أحد رؤساء الشركة البارزين يقول: «ما هو جيد لجنرال موتورز فهو جيد لأمريكا» . و (بريسكوت بوش) جد الرئيس الأمريكي الحالي، كان اقتصادياً بارزاً في ذلك الوقت، وكان له تعاملات مالية متعددة ومعروفة مع النازية أثناء الحرب العالمية الثانية. وأثناء الحرب العراقية الإيرانية كانت أمريكا تدعم العراق، بينما حليفتها إسرائيل كانت تهرِّب قطع الغيار للطائرات الإيرانية وتدرب طياريها سراً في ألمانيا. والخلاصة: أن السياسة الأمريكية لا تجد حرجاً في أن تصنع سلاحاً لتقتل شخصاً ما في نفس الوقت الذي تتفاوض معه على نعوش بأسعار جيدة. ومن ناحية أخرى فإن الثورة الإيرانية اشتعلت تحت المجهر الفرنسي الأمريكي، وكان في إيران وقتها أربعون ألف خبير أمريكي في مختلف المجالات لم يتدخلوا لدعم الشاه الحليف الذي احترق، وأيضاً فإن إيران كما هي سوريا، لا تريد واشنطن إسقاط النظام فيهما دون توفر البديل، إذ إنهما يلعبان دوراً مهما في التوازن وفي دعم السياسة الأمريكية بصورة غير مباشرة، وفي المفهوم الأمريكي لا تقل صناعة الأعداء أهمية عن صناعة الحلفاء، ولكل دور. ترجمات عبرية خاصة بالبيان محمد زيادة أخبار زيادة اعتناق الطلاب اليهود للإسلام: طالب كبار الحاخامات اليهود المسؤولين في الوكالة اليهودية بالتعاون الفعال فيما بينهم في المرحلة الحالية، لحل مشكلة اعتناق عدد كبير من الطلاب اليهود بالدول الأوروبية وخاصة فرنسا للإسلام. [صحيفة معاريف ٢٢/١٢/٢٠٠٥م] مواليد فلسطين في ارتفاع: لا تزال المعضلة الدموجرافية تميل بكفتها نحو الفلسطينيين، فالملاحظ أيضاً أن نصف سكان العرب المسلمين في «إسرائيل» والأراضي الفلسطينية هم أولاد قبل سن العاشرة، في حين أن ثلث أطفال «إسرائيل» ليسوا يهوداً. [من التقرير السنوي لمركز أريئيل الخاص بالدراسات السياسية والاجتماعية] المستوطنون يمارسون البلطجة: وقفت الشرطة «الإسرائيلية» عاجزة عن اتخاذ اي خطوات لمنع شبان التلال - أبناء عُتاة المستوطنين اليهود المتطرفين - من بناء ١٤ موقعاً استيطانياً جديداً في الضفة الغربية. أغر ب التعليقات صدرت عن مسؤول بالجيش «الإسرائيلي» ، قال: «لا يمكننا أن نقوم بالرد على استفزاز؛ فهذا الأمر هامشي بجانب واجباتنا الأخرى» . [عن موقع حركة السلام الآن «الإسرائيلية» ] ٦ أحزاب جديدة بالكيان الصهيوني: سجلت وحدة تسجيل الأحزاب والحركات السياسية بالكنيست ٦ أحزاب سياسية جديدة، ليصبح عدد الأحزاب والحركات السياسية في «إسرائيل» ٧٣ حزباً وحركة سياسية. [قناة الكنيست التلفزيونية ١/١/٢٠٠٦م] تصريحات عبرية: «لا أشعر بالراحة هذه المرة على حالة أبي الصحية» [عمري شارون - معاريف ١٩/١٢/٢٠٠٥م] «تلقيت من رئيس الوزراء المصادقة على حماية أمن إسرائيل، في الداخل والخارج. وهذا يعني اننا قد نقوم بعمليات على أعدائنا في الخارج كما نقوم بها مع أعدائنا في الداخل» . [رئيس الموساد «مائير دجان» ٢٨/١٢/٢٠٠٥ للإذاعة الصهيونية العامة] أخبار التنصير أبو إسلام أحمد عبد الله التنصير في المغرب [مجلة المجتمع الكويتية ١٩/١١/٢٠٠٥م] ذكرت مجلة المجتمع أنه خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية نفذت السفارة الفرنسية ومراكز وإرساليات أجنبية تنصيرية أساليب في التنصير، منها إغراء الشباب في المغرب العربي للحصول على الجنسية الفرنسية نظير التخلي عن دينه، وقالت المجتمع إن جريدة «لوموند» الفرنسية نشرت تحت عنوان «المسيحيون الجدد في المغرب العربي» شهادات لمنصرين أوروبيين يعملون من أجل تنصير الشباب في المغرب العربي، وقالت الصحيفة بوضوح: «إن التوقيت صار مناسباً للتنصير بسب وصم الإسلام بتهمة الإرهاب والعنف» ! التنصير ينشط في تشاد [دعم ـ القاهرة ـ ٢٣/١٢/٢٠٠٥] في تصريح خاص لوكالة بلدي الإخبارية المتخصصة (دعم) قال الصحفي التشادي محمد آل الحاج، إن الولايات التشادية شهدت خلال السنوات العشرين الماضية حملة تنصيرية شرسة، وقال آل الحاج إن هناك وسائل صريحة وأخرى خفية، كما أن هناك وسائل تقليدية وأخرى حديثة، واتخذت الأنشطة الصليبية نوعين مختلفين في التنصير: ١ ـ النقاش أو السفسطة والتشكيك. ٢ ـ اختطاف الصغار وإيوائهم في كنائس خاصة، أو تسفيرهم إلى بلاد أخرى غير معلومة. واستطاع آل الحاج أن يرصد ٢٥ من المؤسسات التنصيرية التي ترعى هذه الحملات، وفي أفريقيا وحدها وفي تشاد بالذات والدول المجاورة لها ما يزيد عن سبعين منظمة كنسية تنصيرية تعمل ليل نهار. عمر البشير: التمرد في دارفور هدفه تنصير أفريقيا: [دعم ـ القاهرة ٢٠/١٢/٢٠٠٥] في لقاء مع قناة «اقرأ» الفضائية، قال الرئيس السوداني عمر البشير: «إن التمرد في دارفور هدفه تنصير أفريقيا وطمس عروبة السودان» ، ويذكر أن الكنائس في السودان وأفريقيا هي في المقام الأول مقرات إدارية لتوجيه الأنشطة التنصيرية والسياسية والعسكرية في المنطقة، وأن النتائج التي حققها الجنوب هي ثمرة هذه الجهود. حملة تنصير الطفل الفلسطيني [دعم ـ القاهرة ـ ٣/١/٢٠٠٦] كشفت أوراق صادرة عن الدار العالمية للكتاب المقدس الفاتيكانية، وزعتها إحدى الإرساليات الأمريكية في مصر احتفالاً برأس السنة، عن بدء حملة تنصيرية كبيرة في كل من مصر ولبنان وفلسطين في وقت واحد، بالمشاركة بين كنيستين كاثوليكيتين أمريكية وإنجليزية، وكان النصيب الأوفر من هذه الحملة للطفل الفلسطيني الذي يعاني ظروف الاحتلال الصعبة، وتطبق الحملة خطة علمية دقيقة تستخدم الجذب والإبهار من خلال عناصر فنية تشويقية مفعمة بالمفاهيم التنصيرية، والتركيز على منهج الضخ اللاشعوري لتعديل الأفكار وتبني أفكار بديلة. ومن الأشكال الفنية: ١- العروض المرئية: أ - حدوتة من الكتاب المقدس. ب - المغامرون الصغار. كرتون. ج - فيلم كرتون (الملك المنتصر ـ يسوع) . ٢- القصص السلوكي وكتب التلوين القصصية: أ - قصص الكتاب المقدس المصورة للأطفال. ب - رسالة كرازية (دعوية) بعنوان خبزنا اليومي. ج - رسالة بعنوان: اسلكوا للمحبة. د - رحلات جماعية مشتركة للكنائس والمزارات المسيحية. هـ - يوميات خادم، ويوميات طبيب للأطفال.

стр. 5522

مقالات معربة تقرير أوروبي سري يشن هجوماً على الدولة الصهيونية ترجمة: براق عدنان البياتي الناشر: صحيفة «The New Zealand Herald» النيوزيلندية. خلُص تقرير بالغ الحساسية للاتحاد الأوروبي إلى أن: «على الحكومات الأوروبية أن تنظر في وسيلة التدخل المباشر، كمحاولة لكبح الإجراءات المنسّقة التي تقوم بها الدولة العبرية لتوسيع سيطرتها وزيادة حجم سكانها في الجزء الذي يُعدّ تاريخياً - وقانونياً - عربياً؛ القطاع الشرقي للقدس. ويُحذّر التقرير السرّي ـ الذي أعدّه كبار الدبلوماسيين الذين يمثلون حكومات الاتحاد الأوروبي الخمس والعشرين في مدينة القدس ـ من أن فرص الحلّ القاضي بإقامة دولتين آخذة بالتلاشي، بسبب «السياسة الصهيونية المُتعمدة لإكمال ضمّ القدس الشرقية» ، والذي يُعدّ خرقاً للقانون الدولي. وقد صوّت وزراء الخارجية الأوروبيون هذا الأسبوع ضدّ نشر التقرير، الذي يُحذّر أيضاً من أن التوسّع السريع للمستوطنات اليهودية داخل وحول القدس الشرقية ـ الذي يصاحبه استخدام الجدار الفاصل لعزل القدس الشرقية عن الضفة الغربية ـ «يُخاطر باحتمال دفع فلسطينيي القدس الشرقية ـ الهادئين نسبياً ـ إلى التطرّف» . ويوفّر التقرير تصوراً ـ يُعدّ الأكثر تفصيلاً والأقسى نقداً ممّا هو معروف حتى الآن، من قِبَل هيئة دولية غربية ـ عن سياسة إسرائيل في القدس الشرقية، التي ترسف في أغلال الاحتلال منذ تمّ الاستيلاء عليها في حرب الأيام الستة عام ١٩٦٧م. ويشير التقرير إلى «أن القدس، كما هو الحال، واحدة من أصعب المسائل» في طريق الوصول إلى اتفاق سلام نهائي بين الدولة الصهيونية والفلسطينيين. ويضيف أنه نتيجة لتلك الإجراءات فإن «فُرص الحلّ القاضي بإقامة دولتين تكون وفقها القدس عاصمةً لفلسطين، آخذة بالانحسار» . ومن بين التوصيات التي جاءت في التقرير ـ الذي أُعدّ في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، خلال فترة رئاسة بريطانيا للاتحاد الأوروبي التي ستنتهي الشهر القادم ـ حثّ الاتحاد الأوروبي للنظر في سلسلة من الخطوات، تتضمن الدعم المباشر لمشاريع تساعد الفلسطينيين على الخوض في معارك قانونية ضدّ عمليات هدم المنازل، التي تُنوّه إلى أنها تضاعفت ثلاث مرّات خلال عام ٢٠٠٤م، وضدّ الرفض الدائم لمنح رخص البناء لجميع الفلسطينيين، خلا أقليّة صغيرة منهم. كما يقترح التقرير عقد لقاءات مع القيادة الفلسطينية في القدس الشرقية، على افتراض أن ذلك سيدلّ على أنه - خلافاً لهدف الحكومة الإسرائيلية الذي يفضي إلى أن القدس هي «عاصمتها غير المقسّمة» - يرى القدس الشرقية عاصمة المستقبل لدولة فلسطينية. هذا؛ وقد تمّ الترويج بشكل واسع النطاق (لدى الصهاينة) لخبر أن اجتماع وزراء الخارجية للاتحاد الأوروبي قد انتهى إلى قرار ضدّ نشر التقرير في صيغته الحالية، على اعتبار أنه سيعرّض علاقة الاتحاد بالدولة اليهودية للخطر، وخصوصاً أن (الدولة العبرية) قد منحت ـ وللمرة الأولى ـ تأييدها لأن يقوم الاتحاد الأوروبي بدور أمني ريادي في المنطقة، من خلال مراقبة معبر رفح (نقطة العبور من غزّة إلى مصر) . معلوم أن الاتحاد الأوروبي قد مُثِّل على مستوى عال في الحفل الرسمي عند افتتاح المعبر من قِبَل الرئيس الفلسطيني محمود عباس. ويبيّن التقرير المذكور ذو الإحدى عشرة صفحة ـ الذي سُرّب إلى [صحيفة الإندبندنت «The Independent» اللندنية]ـ أن مشروع «E١» للقيام بتوسعة ضخمة لـ «Ma'ale Adumim» المستوطنة الإسرائيلية الأكبر في الضفة الغربية، لربطها بالقدس «يهدّد بإكمال تطويق المدينة بالمستوطنات اليهودية، مُقسّمة بذلك الضفة الغربية إلى منطقتين جغرافيتين منفصلتين» . ويقول التقرير إنه في الوقت الذي يحتل فيه سكان المستوطنة الـ ٣٠٠٠٠ الحاليون نسبة ١٥% فقط من المنطقة المخطّط لها في الوقت الحاضر، إلاّ أن الخطّة الإجمالية تضع في تصوّرها مساحة تبلغ ٥٣ ميلاً مربعاً - أكبر من مساحة تل أبيب - ممتدة عبر الضفة الغربية ما بين القدس وأريحا. والمخططات ستقسّم الضفة الغربية ضمنياً وعزلها عن القدس الشرقية، كما جاء في التقرير الذي يُنوّه ـ أيضاً ـ بأن: «الإمكانيات الاقتصادية للضفة الغربية (التي يبلغ المعدل السنوي للناتج المحلّي الإجمالي «GDP» فيها حوالي ١٠٠٠ دولار للشخص الواحد) تعتمد بشكل كبير على إمكانية الوصول إلى القدس الشرقية (التي يبلغ معدل الـ «GDP» السنوي فيها حوالي ٣٥٠٠ دولار للشخص الواحد) » . ثم يضيف: «ومن منظور اقتصادي فإن إمكانيات وديمومة دولة فلسطينية تعتمد إلى حدّ كبير على المحافظة على التواصل العضوي بين كلٍّ من القدس الشرقية ورام الله وبيت لحم» . ثمّ يُعقّب التقرير أنه عندما يتمّ إكمال الجدار الفاصل فإن (الدولة العبرية) «ستسيطر على جميع المنافذ، من وإلى القدس الشرقية، عازلة بذلك مدنها الفلسطينية المتناثرة الفضاء: بيت لحم، ورام الله، وبقية الضفة الغربية وما بعدها، وسيكون لذلك عواقب اقتصادية واجتماعية وإنسانية وخيمة على الفلسطينيين. وبتعنّت سلطة الاحتلال في تطبيق سياسات تخصّ الإقامة وبطاقة الهوية الشخصية، ستصبح (الدولة العبرية) قادرة على إتمام عزل القدس الشرقية، المركز السياسي للتجارة والبنية التحتية للحياة الفلسطينية» . ثم يضيف: «إن نشاطات (الدولة العبرية) في القدس تُعدّ انتهاكاً لالتزاماتها فيما يخصّ (خارطة الطريق) وللقانون الدولي. لقد قمنا، نحن وآخرون في المجتمع الدولي، بالتعبير عن قلقنا وبوضوح في مناسبات عديدة تفاوتت درجة تأثيراتها. والفلسطينيون، دون استثناء، قلقون جداً بشأن القدس الشرقية؛ حيث إنهم يخشون من أنه سيُتغاضى عمّا تفعله (الدولة العبرية) تحت ستار انسحابها من غزة» . ويذكر التقرير أن مستوطنات يهودية صغيرة داخل المناطق الفلسطينية يتم إقامتها أحياناً من قِبَل مستوطنين «مُستغلّين صعوبة المعاناة المالية للفلسطينيين أو ببساطة: قيامهم باحتلال الأملاك بالقوة» . وبجانب اقتراحها أن نداءً رسمياً من قِبَل الاتحاد الأوروبي والرباعي الدولي ـ الذي تقوده أمريكا ـ إلى (الدولة العبرية) ـ للتوقف عن الإضرار بمفاوضات الهيئة النهائية، من خلال تصرفاتها في القدس الشرقية ـ سيكون «مناسباً من حيث التوقيت» ، فإن هناك اقتراحاً آخر للاتحاد الأوروبي بأن ينظر في «استثناء القدس الشرقية من نشاطات تعاون معيّنة ممّا يشترك بصدده الاتحاد الأوروبي مع (الدولة العبرية) » . ومع أن التقرير لا يقولها صراحة؛ فإن ذلك قد يعني بواقع الحال إيقاف التمويل الأوروبي لمشاريع الطرق والسكك الحديدية، التي تخدم عملية الاستحواذ على الأراضي الفلسطينية. ويشير التقرير إلى أن الغرض من إبعاد حَمَلة بطاقة الهوية الشخصية ـ التابعة للضفة الغربية ـ عن القدس الشرقية، وحَمَلة بطاقة الهوية الشخصية ـ التابعة للقدس الشرقية ـ عن الضفة الغربية «من المؤكّد تقريباً أنه من أجل تخفيض حجم سكان القدس الفلسطينيين، بينما يتم تفعيل الجهود لرفع عدد اليهود الصهاينة الذين يعيشون في المدينة، شرقاً وغرباً» .

стр. 5523

الثقافة الإنسانية بين رؤيتين د. عبد السلام رياح نحصر الرؤيتين المذكورتين في العنوان فيما يتحكم بثقافة تريد الخير للناس، وتمهد أسبابه وسبله من أجل الوصول إليه، وهو ما نسميه «ثقافة الرحمة» ، وفي ما يسلك سبلاً أخرى مخالفة، غير مكترث من لدن أصحابه بشيء مما يحقق نفعاً للإنسانية، محكومين في ذلك كله بعزة تأخذهم بأنهم أعلم الناس، وأفقه الناس، وأجدر الناس بألاَّ يعزب عنهم شيء من قضايا الحياة، ولكي يتبين لنا ما نريد بكلامنا هذا؛ فإننا نحبذ أن نحدد المفاهيم الأساسية التي يدور عليها هذا المقال، حتى يسير عملنا على صراط مستقيم ويُدفَع اللَّبسُ والغَبَش عما نقول، وليكن ذلك في الآتي: - تحديد المفاهيم: أ - مفهوم الثقافة: ترجع دلالة الثقافة في اللغة إلى الحَذَق، والفهم، وسرعة التعلم، والظفر، والأخذ، والتسوية. قال ابن منظور: «ثَقِف الشيءَ ثَقْفاً وثِقَافاً وثُقُوفَة، حذِقه، ورجل ثَقْف وثَقِف وثَقُف، حاذق فهِم، ويقال ثقِف الشيءَ، وهو سُرعة التَّعلم، وثِقف الرجلَ ظَفر بِه، وثقِفنا الرجلَ بموضع فلان؛ أي أخذنَاه، وتَثقِيف الرِّمَاح تَسويِتُها» (١) . وقال صاحب القاموس المحيط: ثَقُف ككَرُم وفَرِح، ثَقْفاً وثَقَفاً وثَقَافَة، صار حَاذِقاً خفِيفاً فَطِناً، وثَقِفَه كسمِعه صَادَفَه، أو أخَذَه، أو ظَفَر به، أو أدرَكَه، وثَقَّفَه تَثقِيفاً: سَوَّاه، وثَاقَفَه فَثَقَفَه كنَصَره، غَالَبَه فغَلَبَه في الحِذقِ» (٢) . وقال الراغب الأصفهاني: «الثَّقْفُ: الحِذقُ في إدرَاك الشيء وفعله، ومنه استُعِير المُثَاقَفَة، ويُقال: ثَقِفتُ كذا إذا أدرَكتَه ببصَرِك لحِذقٍ في النَّظر، ثم يُتَجوَّز به فيُستَعمَل في الإدرَاك وإن لم تَكُن معه ثَقافَة» (٣) . أما في الاصطلاح فقد تعددت مفاهيم الثقافة تبعاً لموقع رؤية كل مدرسة اهتمت بها وبما يُعد من مكوناتها، إلا أننا نريد بها في مقالنا هذا: طبيعة الرؤية التي تتحكم في المرء فيأتي ما يأتي في حياته، ويذر ما يذر، منطلقاً من ملامح عقلية تميز سيرورة حياته. ب - مفهوم الرحمة: وأما «الرحمة» فترجع في اللغة إلى الرقة، والعطف، والمغفرة. قال ابن منظور: «الرحمة: الرقة والتعطف، والرحمة المغفرة، وترحم عليه دعا له بالرحمة» (٤) . وقال صاحب القاموس: «الرحمة ـ ويُحرَّك ـ الرقة، والمغفرة، والتعطف» (٥) . وفي الصحاح: «تراحم القوم: رحم بعضهم بعضاً» (١) . والرحمة في الاصطلاح تنصرف إلى تشكيل رؤية خاصة تجاه الإنسان والكون والحياة؛ فهي «حالة وجدانية تعرض غالباً لمن به رقة القلب، وتكون مبدأ للانعطاف النفساني الذي هو مبدأ الإحسان» (٢) ، الذي يكون بالمعنوي كما يكون بالمادي. ج - مفهوم الاستكبار: وأما «الاستكبار» فيرجع في اللغة إلى الاستعظام، والتعاظم، «واستكبر الشيء: رآه كبيراً وعظُم عنده، وأَكبَرتُ الشيءَ: أي استعَظَمتُه، واستِكبَارُ الكفَّار ألاَّ يقولوا لا إله إلا الله، والتكَبر والاستكبار، التَّعظُّم، وقد تكبر، واستكبر، وتكابر، وقيل: تكبر، من الكبر» (٣) . وأما الاستكبار في الاصطلاح فهو أن يرى المرء نفسه أكبر من غيره، طالباً «ذلك بالتشبع وهو التزيين بأكثر مما عنده» (٤) . - ثقافة الرحمة: ونعتزم الوقوف على المواصفات التي تتميز بها ثقافة الرحمة في الآتي: أ - إخلاص العبودية لله تعالى: إن من الخصائص التي تتميز بها ثقافة الرحمة إخلاصَها العبودية لله تعالى، وهي معتبرة من المحددات الأساسية التي تبين طبيعة القِبلة التي يُولِّي المرءُ وجهه شطرها، كما تتحدد من خلالها طبيعة الرؤية التي يصدر عنها؛ ذلك لأن الرؤية تمثل الضابط الذي بالانطلاق منه تتحدد الأشياء وتتحدد العلاقة التي تربط المرء بها. وإخلاص العبودية لله ـ تعالى ـ أمر موجه إليه شرعاً وعقلاً؛ فقد قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥] ، وهو أمر مباشر من الله ـ تعالى ـ لرسوله الكريم ﷺ ، وهو الذي لنا فيه أسوة حسنة. ويقول في الأمر نفسه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، وهو ملمح من الملامح الأساسية التي يتبين من خلالها أن الإنسان قبل أن ينصرف إلى الاعتقاد في عقيدة أخرى غير الإسلام، يكون مفطوراً على الإيمان بدين الله تعالى، والإيمان به؛ لأنه رب الكون الذي ينبغي أن يتوجه إليه كل الناس بالعبادة، وهو الأمر الذي يؤكده حديث رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (٥) . ومن الدلائل العقلية التي تجعل الانصراف إلى الله بإخلاص الدين والإيمان، كون غيره لا يملك للمرء ضراً ولا نفعاً، والدلائل الواقعية أكبر من أن تحصى في هذا الباب. ومن المفارقات الغريبة، بهذا الخصوص أن نجد كثيراً ممن منَّ الله ـ تعالى ـ عليه بعلم ومعرفة وثقافة واسعة يُنكِر التوجه إلى الله ـ سبحانه ـ بالعبادة، ونجد غيره ممن اعتُبر أُمِّيّاً يعرف طريقه التي ينبغي أن يسير عليها الأمر كله، فنقول إنه أوعى من سابقه، وأقوى بصيرة من كثير ممن يعدون مثقفين، إلا أنهم لم يستفيدوا من ثقافتهم شيئاً ولم يضيئوا بها طريقاً، ويرحم الله الأعرابي الذي كان يتردد على «صَنَمِهِ» صباح مساء، وذات مرة جاءه على عادته، فوجد ثَعلَباً يَبُول عليه، فقال قولاً مشهوراً ينبغي أن يتَّخذ موقعَه في الأذهان: (الطويل) . أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَان بًِرَأسِه؟! لَقد ذَلَّ مَن بَالَتْ عَليه الثَّعَالِبُ ولم يهدأ له بال إلا بعد أن حط رحاله عند رسول الله ﷺ ليعلن إسلامه (٦) . ب - التسامح الإيجابي: ومن الخصائص التي تتميز بها ثقافة الرحمة خاصية التسامح التي ربطت ها هنا بوصف أراه ضرورياً، حتى لا يسود الأذهانَ لَبْس بخصوصه،؛ ذلك لأن «التسامح» صرنا نسمعه في كل حدب وصوب، وينادي به من لا يمارسه، مستهدفاً به أن يتحقق لدى غيره، فيصيبه، كما يصيب أيديولوجيته، نفع عميم، وحينما يتعلق الأمر به باعتباره مُمَارِساً ينطلق منه الفعل، فآنذاك يتخذ التسامح مفهوماً آخر يَِزْوَرُّ به عما كان مُتَبَنّى من قبل. لقد وُصِف «التسامح» بوصف «الإيجابي» حتى يتحدد من خلاله موقع الرؤية الذي نريد الانطلاق منه؛ ذلك لأن المفهوم يعود إلى أصول سابقة عليه، تتمثل في المحبة والإخاء والرغبة في سيادة الخير بين الناس، وليس المراد هو التعامل المتبني «للانتهازية» و «النفعية» اللتين تؤسسان لرؤية تسود لدى من اتخذ مكاناً قصياً من رؤيتنا هاته، وهو ما نجد الإشارة المنكِرة على أصحابه في القرآن الكريم في قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] . ومن تجليات التسامح الإيجابي حب الخير للناس أجمعين، والتجاوز عن هفواتهم التي تبين أنهم إنما هم مُغرَّرٌ بهم، مع رجاء العودة وفتح الصدر في رضىً وسَعَة. قال ـ تعالى ـ على لسان إبراهيم ﵇: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ، وهو قول لا ترى من خلاله الرغبة في إلحاق الضرر بالآخرين، رغم أن منهم من ألحق الأذى بإبراهيم ﵇ ومنهم من جاوز أذاه كل حد مطاق، فبلغ به الحقد والصلف حد إلقائه في النار. ج - معرفة قَدْرِ ابن آدم: ومن الخصائص التي تتميز بها ثقافة الرحمة أيضاً الدعوة إلى معرفة المرء قدر نفسه «ورحم الله من عرف قدره» ، فقبل أن يتطاول، وقبل أن ينصرف ببصره إلى مواطن العظمة لديه، ينبغي له أن يصرف اهتمامه إلى الانتباه إلى مواطن الضعف فيه، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] . لقد وضع القرآن الكريم سبَّابة الإنسان على مثل هاته المواطن التي تبين بما لا يدع مجالاً للشك أن أمره جملة ليس موضوعاً فيه الحبل على الغارب؛ فذكَّره بسيرورة حياته بقوله ـ تعالى ـ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] . ونبهه إلى أصول الضعف لديه وإلى بداياته الأولى قبل أن يكون شيئاً، لافتاً بصره إلى أن العلم الذي يباهي به كثير من الناس، إنما هو مكتسب، مما يدل على كونه طارئاً غير عائد إلى المنطلقات الأصول، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] ، بل أكثر من ذلك نبَّهه إلى كونه جملة وتفصيلاً لم يكن شيئاً يذكر، فقال ـ عز من قائل ـ: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] . إن ثقافة الرحمة تعرف هذا جيداً وتنبه عليه بغية العض عليه بالنواجذ حتى لا يصاب المرء بغرور قد يأتي على الأخضر واليابس، ونسأل الله العافية. د - شكر النعمة: ولما كان حال المرء على هاته الشاكلة، وكانت حقيقته على هاته الصورة، كان أوْلى أن يذكر نِعَمَ الله التي تحيط به من كل حدب وصوب، يراها كلما استدار، ويجد أثرها أنى حل وارتحل، وآنذاك يكون متوجباً عليه أن يقابل عطاء الله بالشكر، وأن يديمه به؛ ذلك لأنه قد ورد في الحديث النبوي الشريف قول رسول الله ﷺ : «من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر» (١) . ولكي يتحقق داعي الشكر ينبغي أن يتحدد الموقع الذي يستقر فيه المرء في حياته، ولن يتحقق ذلك على الوجه الصحيح إلا باستحضار صورة من يستقر في موقع أدنى من موقعه، ولذلك تجد رسول الله ﷺ يقول: «انظروا إلى مَنْ أسفل منكم، ولا تنظروا إلى مَنْ هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله» (٢) . وهو ما ينسجم مع قول بعضهم: «صحبت الأغنياء فلم أرَ أحداً أكبر همّاً مني: أرى دابة خيراً من دابتي، وثوباً خيراً من ثوبي، وصحبت الفقراء فاسترحت» (٣) . إن هاته الرؤية هي ما يتحكم بأفعال المسلم وأقواله وإحساساته، فيستحضر أن كل ما يملكه أو ما هو طوع يمينه إنما هو في حقيقته مسخَّر له من لدن الله تعالى، وحينئذ يسوده إحساس نابع عن اعتقاد أن الأمرَ جملةً عائدٌ إلى إنعام الله عليه، ولذلك فإن الصواب عقلاً وخلقاً يفرض أن يعود إلى المنعم عليه بشكر ما أمده به. - ثقافة الاستكبار: إن هاته الثقافة ليس شرطاً أن نجدها محددة في اسم معين يحيل على جهة من الجهات، وإنما الشرط هو أن نعثر على الملامح التي سنذكرها، فيما بعد، في رؤية حياة انعكست على قول أو ممارسة أو إحساس، وهو ما يجعل الباب مفتوحاً على مصراعيه من أجل إدراج ثقافات مختلفة ـ يجمعها قاسم/ قواسم مشتركة ـ يكون لها كِفْلٌ مما نقول. إن ملامح هاته الثقافة ـ على كثرتها وتشعُّبها ـ نراها داخلة بوجه من الأوجه في الآتي: أ - التعاظم: إن كل فرد تراه يعاني من خصلة التعاظم هاته يحق لك أن تصنفه في ثقافة الاستكبار التي تستصغر من كان على رؤية أخرى؛ فكأنها تمثل الرؤية الفاصلة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وكل ما عداها هُرَاءٌ وتُرَّهَات، ويرحم الله من سمَّى أصحابها أصحاب «المرايا المحدبة» ؛ ذلك لأنهم ينبهرون بذواتهم أيَّما انبهار، وينتقصون من أقدار غيرهم ممن لم يكن على ما هم عليه؛ فكأنهم حين يرون ما يخصهم يستخدمون «مرايا محدبة» ، وهي المرايا التي من خصائصها عكس الصورة بشكل أكبر من حقيقتها، وإن أرادوا رؤية غيرهم استخدموا «مرايا مقعرة» ، وهي التي من خصائصها تصغير الأجسام التي تنعكس عليها (٤) . إن هذا الأمر في واقعه ليس جديداً، وإنما هو قول كانت قد نطقت به أمم أخرى في سالف الدهور؛ فقد قال الملأ من قوم نوح ﵇ لنبيِّهم: ﴿مَا نَرَاكَ إلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] . وهو قول يظهر منه الانشداد إلى سحر المظاهر؛ ذلك لأن المظاهر، تبعاً لما استقر في هاته الرؤية، تعد المقياس الأول، بل الوحيد، الذي تقاس به الأشياء من أجل تحديد قيمتها. وقال قومُ نبيِّ الله شعيب ﵇: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] . فطبيعة رؤية هؤلاء كانت تفرض عليهم الاحتكام إلى المظاهر من زاويتين: أولاهما: ما تعلق بضعف المخاطَب، وهي تقتضي استصغاره والتهوين من قدره، ومن ثم عدم الالتفات لما يقول. وثانيتهما تتمثل في استحضار ما يمكن أن ينتج عن إلحاق الأذى المادي بالمقصود بالخطاب/ الرجم. إنها رؤية تحتكم لقانون المظاهر من قوة وضعف، وحاشية ومحيط، ولا شيء غيرها. ومن جهة أخرى نجد من كانت رؤيته على هاته الشاكلة يقتفي أثر قارون الذي آتاه الله مالاً فظن أنه إنما أوتيه بذكائه وفطنته. قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: ٧٨] ، وهي رؤية ليست مقتصرة على هذا أو ذاك، وإنما هي سارية بين الناس، يتبناها أو يمارسها، كل من فقد شرط التوازن، وانزاح إلى ما يقتضيه تطرف الفجور. قال ـ سبحانه ـ: ﴿فَإذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩] . ب - عبادة الذات والشهوة: إن المتتبع لما تراه ثقافة الاستكبار يجده يشتمل على ما يمكن تسميته «عبادة الذات والشهوة» ؛ ذلك لأن من كانت رؤيته كذلك ارتمى في أحضان ما تطالبه به ذاته ـ سواء كانت فردية أم جماعية ـ فعمل على تلبية مطالبها ولو كان تحقيقها على حساب غيرها، وحينما تصير حقيقة الارتباط بالذات والشهوة على تلك الشاكلة تصيران إلهين معبودين من دون الله. قال ـ تعالى ـ: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٣] . وقال : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] . إن عبادة الذات والشهوة لا تبقي الرؤية في حدود هاته الشريحة وإنما تبلغ بها مبالغ لا تقتصر عواقبها عليها، فتصل تأثيراتها إلى من ظن أنه لا يمثلها، وآنذاك يبدو للاستكبار، كما يظهر لمن يسحر الاستكبار عينيه، أنه الأقوى، وأن ما يأتيه وما يذره هو عين الصواب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ج - الاستهتار بالآخر: تشدني بهذا الخصوص عبارة لعبد العزيز حمودة في كتابه: «المرايا المقعرة» ، حين وصف تجلياً من تجليات ثقافة الاستكبار محدداً في «الحداثة» ، وهي قوله: «كأنَّ الحداثيين العرب، في الوقت الذي وقفوا فيه طويلاً أمام «المرايا المحدبة» فصدقوا وَهْمَ ضخامة إسهاماتهم، قد وضعوا التراث الفكري والنقدي العربي أمام «مرايا مقعرة» قامت بتصغير إنجازات العقل العربي والتقليل من شأنها» (١) ، ورغم أن هذا الشاهد المعتمد هنا ينصرف إلى أمر خاص يتحدد في «الحداثة» أولاً، باعتبارها تجلياً من تجليات ثقافة الاستكبار، التي قلنا من قبل إنها لا تتحدد في ثقافة خاصة، وإنما تمثل محضناً كبيراً لثقافات قد تكون مختلفة في لافتاتها ومظاهرها الخارجية، إلا أنها تتوحد في ماهياتها ورؤاها. كما ينصرف إلى رؤية الحداثة الخاصة بالفكر والنقد العربيين، رغم كل ذلك فإنه من الممكن أن نجد ما يخدم ما نريد باعتماد توسيع الفكرة لتشمل غير العناصر المذكورة؛ ذلك لأن رؤية الحداثة ها هنا إنما هي رؤية رمز لها كان على شاكلتها واتخذ اسماً غير اسمها، كما أن الحديث عن الفكر والنقد العربيين إنما هو مثال يجد الحكمُ من خلاله منطلَقاً ليعمَّم على كل ما لم يكن منسجماً مع رؤية ثقافة الاستكبار. إن الاستهتار بالآخر استصغار لقدره وانتقاص من قيمته، وهذا الأمر لا يبقينا في هذا المستوى من الرؤية فقط، وإنما يتمدد ليشمل كل الحالات التي يتجلى من خلالها، كأن ينصرف بنا إلى فرض ما ليس مرغوباً فيه ديناً وعقيدة وعادات على الناس؛ فأن تسلك بك قنوات الإعلام مسلكاً تريد من خلاله تدمير ثقافتك، وتدمير رؤيتك، وأن تبث عليك في وقت من أوقات اجتماع أفراد الأسرة؛ ظهراً أو عشاء، مشاهد لن تخدم المجتمع بأي حال من الأحوال، ولن يكون لها مردود غير الإجهاز على ما تبقى من عناصر الأخلاق، تكون الرؤية الثقافية تسلك مسلك الاستهتار بما عندك، مستصغرة لما تمسك به المجتمع منذ أمد بعيد، تعكس ممارستها أن ما تأتي به إنما هو القول الفصل، والرؤية التي ينبغي الالتزام بها، وكل ما عداها هراء وهباء، فتكون متخذة موقع رؤية من قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] ، وهو رأس ثقافة الاستكبار. هكذا تكون قد تبينت لنا الملامح التي تتميز بها ثقافتان هيكليتان يمكن أن تدرج فيهما الثقافات المختلفة وأن تنضوي تحتهما؛ قرباً وبعداً، ضعفاً وقوة، فتتعدد الأشكال وتختلف التجليات والمظاهر، ولكن تبقى المحتويات والمضامين عائدة إلى هذين الإطارين اللذين ننوي تعميق النقاش بخصوصهما مستقبلاً بحول الله تعالى. وحتى هذا الحد الذي وصلنا إليه في مقالنا هذا نرجو أن نكون قد وُفِّقنا فيما طرحناه، وأصبنا الهدف فيما ذهبنا إليه، والله الموفق للصواب.

стр. 5524

من يسمع شكواها ؟ د. إبراهيم بن صالح الحميضي لقيتها على غير ميعاد، فقلت: يرحمك الله، إنَّا إلى خبرك بالأشواق؛ فبالله عليك حدثينا عن نفسك، وكيف حالك الآن؟ فقالت: لقد كبرت سني، ووهن عظمي، ولولا أنك سألتني بالله ما حدثتك. لقد أعلى الإسلام شأني، وعظّم مكاني، ورفع عنواني، وجعل المحافظة على وصالي آيةً على الصلاح والاستقامة، وبراءة من الضلالة والغواية. وقد عرف سلفُ هذه الأمة مكاني، وصانوا جنابي، ولم ينقطعوا عن وصالي، بل قدموه على شهواتهم وحاجاتهم؛ فلم يصرفهم عن القيام بحقي صارف، ولم يشغلهم عن ملازمتي الأصحابُ والمعارف. ثم إنه خلف من بعدهم خلوف خفَّ عندهم ميزاني، وهان في نفوسهم مكاني. فقلت: يرحمك الله! حدثينا عن سلف هذه الأمة وأحوالهم معك؛ فلعل هِممَنا تتحرك لسماعها، وعزائمنا تتقوى لعظاتها. قالت: لقد أحسن صحبتي أناس كثيرون، وتعاقب على وصلي رجال مَرْضِيُّون، لا يملون مجاورتي، ولا يفترون عن ملازمتي، وإنْ أنسَ فلن أنسى الإمام سليمانَ بن مهران الأعمش الذي ظل سبعين عاماً لم يفارق سوادُه سوادي، لقد أرغم الشيطانَ، فلم يقدر عليه سبعين عاماً. فقلت: الله أكبر، ما أطولَ صبرهم على الطاعة، وأعظم جلدهم في العبادة! ومَنْ غيرُ الأعمش؟ قالت: وأبو محمد، قلت: ومن أبو محمد؟ قالت: ثكلتك أمك! أما تعرف إمامَ أهل المدينة (سعيد بن المسيب) الذي لم ينقطع عن ملازمتي أربعين عاماً؟ رحمك الله يا سعيد! فحينما وقعت الحرَّةُ، ولزم الناسُ بيوتهم، أبيتَ الانقطاع عني، ولولا شهادة عمرو بن عثمان بن عفان، ومروان بن الحكم عند مسلم بن عقبة بأنك مجنون لقتلك! رحمة الله عليك، وحينما أشار عليك بعض أصحابك بالخروج إلى البادية أبيتَ من أجل ألا تنقطع عني؛ ولم يزل ﵀ قائماً بحقي رغم ما أصابه من الفتن، حتى لحق بربه، فحزنت لفقده حزناً كبيراً، وكان مما زاد في حزني وضاعف في مصيبتي أنه في السنة نفسها ـ سنة الفقهاء ـ فقدتُ عابد الكوفة الإمام (إبراهيم بن يزيد التيمي) الذي لم يزل ملازماً لي، حتى قيَّده الحجاج بن يوسف بالحديد، فقتل فيها أو مات، لقد قال هذا الإمام كلمة ما أُحب أن لي بها الدنيا. قلت: وماذا قال؟ قالت: ويحك ألم تسمع قوله: إذا رأيتَ الرجل يتهاون بها ـ يعنيني ـ فاغسل يديك منه؟ قلت: قدَّس الله روحه، أرأيت لو أدرك زماننا هذا كم من الناس يبقى لم يغسل يديه منه؟! قلت: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل! قلت: فلو حصل أن تخلف أحد منهم عن وصلك كيف يصنع؟ قالت: لم يكونوا يفعلون ذلك إلا لمرض مفسد، أو سفر مبعد، أو عذر مقعد، ومع ذلك يبادر أحدهم إلى التوبة ويندم، ويستكثر من الطاعات ويغنم؛ فهذا قاضي بغداد العلاَّمة (محمد ابن سَمَاعَة) مكثتُ أربعين سنة لم ينقطع عن مصاحبتي إلا يوم ماتت أمه؛ فكرر زيارتي خمساً وعشرين مرةً، عوضاً عمَّا فاته. قلت: لا تعرضن بذكرنا معْ ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعدِ ثم قلت لها: حدثينا عن أهل زماننا هذا! قالت: لقد طلبتني عسيراً، وأقحمتني كبيراً؛ فعن أي شيء من شأنهم تستخبر؟ قلت: عن أحوالهم معك؟ قالت: لقد جفاني أكثر أهل زمانكم هذا، ولم يعبؤوا بحالي، ويعرفوا مكاني، ويحزنني أن ترى الرجل يُحسَبُ من أهل العلم والديانة، ومع ذلك تصرفه عني الصوارف، وتلفته اللوافت، وأشنع من ذلك أن ترى الرجل قد بلغ الستين ـ وقد أعذر الله إلى أمرئ حتى بلَّغه ستين سنة ـ ثم تراه يبيعني بدرهمين أو ثلاثة، يُقبِل على دنياه حتى إذا أردتُ الرحيل أقبل يسعى كالصبيان ثم لا يلقاني؛ فإلى الله أشكو غربتي، وهواني على الناس. ثم حوَّلت وجهها وجعلت تبكي، وإذا هي (تكبيرة الإحرام) .

стр. 5525

مشروعهم للنهضة والتغيير أحمد بن عبد الرحمن الصويان يخطئ من يظن أن التيارات العلمانية في العالم العربي بمختلف اتجاهاتها الفكرية، وولاءاتها الداخلية والخارجية، تحمل والعجيب أنهم حينما يتهمون الإسلاميين بغياب المشروع، وبالتقليد والماضوية.. ونحوها من الاتهامات المستهلَكة، يوهمون أنفسهم وأتباعهم وقراءهم بأنهم مجددون إبداعيون، يتميزون بالتحرر الفكري والانطلاق الثقافي والتجديد المعرفي ـ هكذا زعموا ـ مع أن الواقع يحكي شيئاً آخر. تأمل إبداعهم السياسي، فسوف تجد أنه لا يتجاوز الدعوة إلى الديموقراطية الغربية، ولا يجدون حلاً للإصلاح السياسي ولمواجهة الدكتاتوريات القمعية إلا الاندفاع المهين تحت أعتاب أسيادهم البيض، والاستقواء بهم، حتى إن بعضهم رفع شعار (الليبرالية هي الحل) في برنامجه الانتخابي قبل أسابيع قلائل. وإذا كان الولاء للاستعمار سبّة سياسية في وقت مضى من الأوقات؛ فهو الآن عند هؤلاء المبدعين مطلب من مطالب النهضة والتغيير، وزينة يتدثرون بها لا تثير الخجل، بل تدعو إلى التفاخر والتعالي. وتأمل كذلك رؤيتهم وبرامجهم الاقتصادية، وسوف تجد أن النظام الرأسمالي الغربي بكل طغيانه ونفعيته هو خيارهم الوحيد، ويزعمون أنه لا يمكن أن يقوم نظام اقتصادي ناجح إلا بالربا، ولا يمكن الاندماج الاقتصادي في المنظومة التجارية الدولية إلا باستخدام الفلسفة الرأسمالية. أما تحررهم الفكري الذي يتشدقون به في كل محفل من محافلهم فهو يعني: التيه في مدارس الفكر الغربي، واجترار المناهج والفلسفات المادية، مع قطيعة معرفية شاملة مع تراث الأمة وعقيدتها، ويتبع ذلك الدعوة إلى تفكيك مصادر التلقي عند الأمة، والجرأة على نقد المقدسات والمسلَّمات الشرعية، والاحتفاء بالفجور والزندقة والانحلال الفكري. وأما التحرر الاجتماعي الذي يُبشرون به فغايته الكبرى عندهم: الانعتاق التام من قيود الشريعة، واستيراد كافة النظم والقوانين الغربية، وفرضها على الناس قسراً. وما المانع عندهم من أن تتحول مجتمعاتنا إلى مستنقعات آسنة تملؤها الرذيلة، ويعمرها الزنا والشذوذ الجنسي إذا كان ذلك من متطلبات الثقافة الأممية المشتركة التي ترعاها الأمم المتحدة؟! وحتى في مجال الأدب والنقد نرى تميزهم في الدوران في فلك مدارس الحداثة الغربية، وما بعد الحداثة، وتختلف إمكاناتهم في مدى قدرتهم على الفهم والاستنساخ فحسب، فصبغوا الأدب بلون فكري ملوَّث مذبذب لا يُخفي سقوطه، بل غيبوبته في مستنقع التيه الغربي (١) . إن مشروع التغيير ـ ولا أقول الإصلاح ـ العلماني بكل أبعاده الثقافية، ورهاناته السياسية البائسة، يعتمد على مبدأين رئيسين: الأول: نقض المشروع الإسلامي بكل مقوماته الفكرية والاجتماعية والسياسية. الثاني: محاكاة المشروع الغربي بكل تناقضاته وتقلباته الفكرية، حذو القذة بالقذة (٢) . ومهما حاول صنّاع التغريب تلميع مشروعهم المستورد، والحديث بلغة متعالية تزدري كل ما حولها؛ فإن الأكاذيب الهشة المؤسسة له تفضحه، ويكتشفها عامة الناس في لحن القول..! قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] . وهاهنا يأتي حقاً دور الإسلاميين: فنحن نملك رؤية للإصلاح والنهضة مستقلة، تستمد أصالتها من جذورنا العقدية العلمية، ومن امتدادنا التاريخي والحضاري. لكن ربما لم يُحسِن بعضنا عرضها للناس بطريقة صحيحة؛ ولهذا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا هو في القدرة على تقديم تلك الرؤية بشمولية ناضجة تستوعب المتغيرات الإقليمية والدولية، وتعالج المستجدات بواقعية مدركة لطبيعة المرحلة. يؤلمني أننا ندرك ذلك، لكننا أحياناً قد نستسلم للهجمة العلمانية، ونحاول التوفيق التعسفي بين رؤيتنا الإسلامية، ومناهج الفكر الغربي، بحجة الواقعية تارة والمرحلية تارة أخرى، ونضطر للتنازل أو التجاوب مع بعض جوانب التغيير العلماني، ونردد مصطلحاتهم وشعاراتهم، وتكون جزءاً من برنامجنا في التغيير، دون أن نستوعب أبعادها الحضارية والسياسية. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ . [الكهف: ٢٨]

стр. 5526

٢٢٢ - صفر - ١٤٢٧ ه ـ (السنة: ٢١)

стр. 5527

﴿إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ التحرير دارت بنا الدنيا، تفطَّرت نفوسنا، وتزلزلت الأرض من تحت أقدامنا. الغضب يملأ قلوب المسلمين في المشرق والمغرب، كبارهم وصغارهم، رجالهم ونساءهم، صالحيهم وفساقهم.. أوَ يتجرؤون على مقام النبوة؟! أوَ يستهزئون بسيد ولد آدم..؟! يا لله.. أتدرون بمن تسخرون..؟! ويحكم أتدرون من هو محمد ﷺ ..؟! ألَمٌ شديد هزَّ كيان الأمة وصدَّع أركانها، وجعلها تنتفض، تستنفر خفافاً وثقالاً، تغضب.. ترفع صوتها بكل حميَّة: (إلا محمد رسول الله ﷺ ) ..! والذي زاد من هول الواقعة ذلك الصلف والتعالي والمكابرة، أخذتهم العزة بالإثم، فأبوْا أن يتراجعوا، بل تسارعوا للتناصر.. ﴿وَإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] . وزادها فجيعةً أنَّ مِن بني جلدتنا سمَّاعين لهم، فراح بعض الصحفيين في بعض البلاد العربية والإسلامية يعيد نشر تلك الصور الآثمة لحجج تافهة باردة، ونظر بعض أهل الأهواء ومن يسمون أنفسهم بالليبراليين نظرة لا مبالاة للحدث واثَّاقلوا عن نصرة نبيهم، بل اجتهدوا في التهوين منه، وتفيهقوا علينا بالدعوة السمجة إلى الصفح والتسامح..!! لكن الرد على هؤلاء جميعاً من أرض الحرمين، من مصر والسودان، من الجزائر والمغرب، من أندونيسيا والباكستان، من نيجيريا والسنغال.. من كل أرض ينادَى فيها بنداء التوحيد.. جاء الرد بعفوية مذهلة وبفطرة صادقة بعيدة عن الشعارات السياسية أو المزايدات الإعلامية، قال الناس بصوت واحد: ﴿إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] . هذه المشاعر تدل على فطرة صالحة، وأرض خصبة تستحث الدعاة لتأسيس محبة صادقة، واتِّباع مخلص لسيِّد الأولين والآخرين، إنها فرصة لنتجاوز خطابات الإدانة والشجب لندعو إلى التعظيم والاتِّباع والاستسلام لأمره ونهيه. إنها فرصة تاريخية لنقول للمسلمين: هذا هو نبيكم محمد ﷺ عليكم بتعزيره وتوقيره والاهتداء بهديه والذب عن دينه. إنها فرصة تاريخية لنقول فيها للعالم أجمع بعد أن بدأ الناس يتساءلون من هو محمد: إن رسالة محمد ﷺ لكم جميعاً، جاءت لتخلصكم من رهق الضلالات والأهواء البشرية.. جاءت تدعوكم بدعاية الإسلام أسلموا تسلموا: ﴿وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . حدث آخر له دلالته وأبعاده في المنطقة: إنه الفوز الكاسح لحركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات الفلسطينية. انتصار مذهل قلب المعادلة السياسية، وأربك صناع القرار في الدولة العبرية وحلفائها. وها نحن في ^ نقدم عدداً خاصاً يحتوي على ملفين فقط، ونعتذر لقرائنا الكرام عن تأجيل بقية المواد والزوايا التي ينتظرونها على أمل أن نعود إليها ـ بإذن الله ـ في العدد القادم.

стр. 5528

يا أدعياء التسامح والديمقراطية من يكره من التحرير الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن العداء القائم ضد الإسلام والمسلمين وخاصة في كثير من الدول الغربية هو نتيجة طبيعية للصورة النمطية التي رسمها كثير من الكتاب والباحثين والمستشرقين والمنصّرين والتي تقوم على رسم المسلمين على أنهم عنصريون وأغبياء ومتخلفون وقتلة، وأنهم لا يستحقون الحياة، ومن ثم تتم الإساءة لدينهم ونبيهم ﵊، وهذا ما يسوّدون به كتاباتهم منذ قرون. ولم يكن ذلك وليد ما حصل مؤخراً مما أثارته صحيفة دانماركية بنشرها عدداً من الكاريكاتيرات وما أحدثته تلك الهجمة من ردود أفعال كبرى من المسلمين نصرة لنبيهم ﵊، ورفضاً لكل ما يسيء له؛ فإن ديمقراطيتهم المزعومة التي ينشرونها ويطالبون بتطبيقها وتتولى كثير من دولهم المقاتَلة على إقرارها مما هو معروف للجميع، وسنوضح كذبها وعدوانيتها وكراهيتها للإسلام ووصم ثقافته بأنها تقوم على الكراهية كما يزعمون!! ونحن نتساءل بكل صراحة: هل من الديمقراطية والحرية الإساءة للآخرين والسخرية من أديانهم؟ وهل من الديمقراطية والحرية إهانة أنبياء الله المرسلين؟ أو حتى الإساءة والإهانة ولو لإنسان واحد بدون وجه حق؟ ثم أين ما يزعمون من حقوق في حرية الدين؟ وأين ما يدَّعونه من دعاوى حقوق الإنسان؟ وأين احترامهم لما في دساتيرهم من احترام للقيم الدينية والإنسانية؟ ولماذا يقتصر الاحترام لأمور بعينها تخصهم؟ حتى إنهم يجرِّمون من يتجرأ على مجرد ذكرها والتشكيك فيها كما في «مسألة الهولوكست» إلى حد أنه يمكن أن يعاقب ويسجن كل من ناقشها ولو ببحث علمي بحت كما حصل في حق «جارودي» حيما ألف كتابه الشهير «الدولة الصهيونية والأساطير المؤسسية» حيث شُهِّر به وعوقب وهو في أرذل العمر. وأخيراً وليس آخراً نشرت وكالات الأنباء العالمية إدانة محكمة نمساوية في ٢١/٢/٢٠٠٦ المؤرخَ البريطاني (ديفيد ارفنج) لإنكاره (الهولوكست) وحكمت عليه بالسجن ٣ سنوات وكان معتقلاً منذ نوفمبر ٢٠٠٥، والويل لمن يجرؤ على الكلام بالنيل من الصهاينة حتى ولو كان ذلك بالحقائق!! بينما الإساءة للإسلام والمسلمين قائمة في وسائل إعلامهم المرئية والمكتوبة والمسموعة؛ حيث تؤثر تأثيراً سلبياً وسيئاً في حق دين سماوي، ومن ثم التنفير من أن الإسلام مع أنه هو الدين الذي احترم الأديان الأخرى ولا يصح إسلام مسلم ما لم يؤمن بالإله ـ جل وعلا ـ وملائكته وكتبه ورسله، ولا يفرق بين أحد منهم، وأشاد بالأنبياء كلهم وساق قصصهم، وصحح كثيراً من الأخطاء التي نُسبت لهم مما يدفع كل قارئ منصف لأن يُعجَب بهذا الدين ويعلن إسلامه؛ ولذلك يعلن كثير من الغربيين إسلامهم ولسان كل واحد منهم: (لقد كسبت محمداً ( ﷺ ) ولم أخسر المسيح) وهذا ما جعل متطرفيهم يعلنون العداء والعنصرية البغيضة ومحاربة ديننا الحنيف بدون وجه حق؛ خوفاً من أن ينتشر هذا الدين بينهم لما يتميز به من قيم أخلاقية ومبادئ إنسانية، وكما قيل: الإنسان عدو ما جهل. هذه مواقفهم غير الموضوعية؛ فمن يكره من؟ إن المتابع المنصف يلمس عداء القوم للإسلام والمسلمين في صور شتى معروفة كثيراً ما يسيئون بها لديننا، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: ١ ـ الإساءة والإهانة لنبي الإسلام من خلال تلك الرسوم الكاريكاتورية المهينة، وهو ما أحدث ردود فعل كبرى لدى المسلمين في شتى ديار الإسلام، وحينما طالب المسلمون الدانماركيون بالاعتذار عن تلك الخطيئة رفضت الصحيفة في شخص رئيس تحريرها الاعتذار، وحينما رُفِعَ الأمر للقضاء رفض القضاء عندهم الشكوى بدعوى أن ذلك حرية رأي لا يملكون حيالها رداً، وزاد طغيانهم وعنصريتهم وحقدهم يوم قامت المقاطعة الشعبية لمنتجات المستهزئين بنا والتي لم يتوقعوها، وأحدثت في أيام محدودات أضراراً كبرى على اقتصادهم مما جعل رئيس وزرائهم بعد عدة أشهر يطالب بتهدئة الأمور؛ فهو تارة يعتذر، وتارة يصرّ على عدم الاعتذار؛ فمن يكره من؟ ٢ ـ إعادة العديد من الصحف والمجلات الأوروبية في فرنسا وإيطاليا والسويد والنرويج لتلك الرسومات المهينة نفسها مع ما فيها من إساءة وإهانة للمسلمين؛ فمن يكره من؟ ٣ ـ ارتكب حزب عصبة الشمال الإيطالي حماقة جديدة وخرجت صحيفة (لابدانيا) برسوم كاريكاتورية جديدة مسيئة للرسول ﷺ ، وطالب رئيس تحرير الصحيفة المذكورة في افتتاحيتها باتباع خطى الحكومة الدانماركية في رفض الاعتذار للمسلمين قائلاً: (أيها الرسامون اتحدوا من أجل معركتنا في مواجهتهم حتى لا يضعونا تحت أقدامهم ... ) ، مع دعوته لبابا الفاتيكان الحالي لشن حرب صليبية ضد المسلمين وأنه سيحشد الشباب الكاثوليك ضد ما أسماه بالتغلغل الإسلامي، واتصل بالسفارة الدانماركية مؤيداً موقفهم من عدم الاعتذار للمسلمين، وهذا ما نشرته كثير من الصحف العربية (١) ؛ فمن يكره من؟ ٤ ـ اليمين المتطرف في دولة السويد رفع سقف الإساءة لرسولنا محمد ﷺ بإعلانه في صحيفة حاقدة عن مسابقة كاريكاتورية جديدة لرسم النبي ﷺ في مارس المقبل، وقالت الصحيفة على لسان رئيس تحريرها: إن حرية التعبير تتجاوز المنع بشأن محمد؛ لافتاً إلى ضرورة دعم الصحيفة الدانماركية، وداعياً للتقدم برسوماتهم!! هكذا وبكل وقاحة! فمن يكره من؟ ٥ ـ أن القوانين الوطنية في كل الدول الغربية تحترم حقوق الإنسان ومنها حقه في التدين؛ ومن ثم تجريم الإساءة لمعتقدات المتدينين؛ فأين القوم من هذا التجييش الحاقد؟ وهذا العمل يجرمونه هم، وهو ما يسمونه بـ (التجديف) وهو ممنوع نظاماً لديهم؛ فكيف يتناسى أولئك العنصريون هذه الأمور بدعوى أنها حقوقهم في الحرية المزعومة؟ فمن يكره من؟ ٦ ـ معاناة المسلمين المهاجرين في جُل دول الغرب؛ فما زالوا يعانون الأَمَرَّين من المضايقات والسخرية وخاصة بحجاب الفتيات اللاتي يُمنعن من ارتدائه بدعوى أنه رمز ديني، بينما لباس المتدينات النصرانيات أقرب ما يكون للحجاب الإسلامي ولا يُمنع، فلماذا؟ لا شك أن ذلك يذكِّرهم بالإسلام؛ والتزام أهله به يسوؤهم، وخاصة أن قبولهم المهاجرين المسلمين كان متوقعاً منه في مخططاتهم دمجهم في مجتمعاتهم الغربية وإذابتهم فيها تماماً، لكنهم فوجئوا بالتزام الأجيال الجديدة بإسلامه واعتزازهم به، ورفضهم الذوبان في المجتمعات الغربية، وما لمسه الغرب من انتشار الإسلام بين الغربيين أنفسهم حتى صار الإسلام الديانة الثانية في أوروبا، وتناقصت أعداد الغربيين حتى صرخ أحد رموزهم محذراً من تلاشي قومه في كتابه «موت الغرب» (١) . هذه فلسفتهم ورؤيتهم التي تقوم على الخوف من الإسلام مع أنه دين يحترم دينهم وله أخلاقياته المحترمة وقيمه الإنسانية الرفيعة، ومع ذلك يكرهونه ويحذرون منه؛ فمن يكره من؟ لقد أصبحت كراهية الإسلام ظاهرة مَرَضية يعانون منها كثيراً حتى سموها «الإسلام فوبيا» وقد ضرب على وتره العنصريون وذوو الاتجاهات اليمينية المتطرفة. وللحق والحقيقة؛ فإن هناك أفراداً واتجاهات موضوعية في الغرب ترفض ذلك النهج العدواني وتحذر منه، ومن ذلك المستعرب (الألماني) الشهير (فريتس شيبات) في كتابه القيم «الإسلام شريكاً» ، الذي تحدث فيه عن المفاهيم والأفكار الخاطئة التي يُروَّج لها في الغرب ضد الإسلام؛ داعياً قومه إلى تصحيحها، وأمرهم بتعديل مواقفهم الخاطئة من الاتجاهات الإسلامية، ومحاولة فهمها بشكل موضوعي بعيداً عن التعصب والنظرات الشوفينية (٢) . ونحن نعتقد أن الشرق والغرب لم يكونوا برؤية الشاعر الإنجليزي (كبلنج) حينما قال: «الشرق شرق، والغرب غرب؛ ولن يلتقيا» بل سيلتقيان وإن اختلفت الأديان بعدما أصبح العالم قرية كونية، وذلك بإشاعة العلم والمعرفة والدعوة، وبتفعيل وسائل الاتصال، وبعد إزالة الشبهات المغرضة وكشف الاتجاهات العنصرية وفضحها؛ وخاصة بعدما صدر عام ٢٠٠٤م من قرارات أممية تجرِّم التطرف العنصري وتدين الربط بينه وبين الإسلام أو ربط الإسلام بالإرهاب، وكذلك رفض الممارسات والتمييز العنصري؛ وهذا يزيل العوائق التي يستشهد بها أعداء الإسلام في محاولاتهم البائسة في الإساءة للإسلام بهدف وضع العراقيل ضد انتشاره بينهم. ونعتقد جازمين أنه لو فُتح المجال لدعاة الإسلام وبشتى الأساليب الإعلامية المختلفة لأمكن للغربيين أن يدخلوا في دين الله أفواجاً، وخصوصاً بعدما لمسناه مؤخراً من إدانة صريحة لتلك الموجة العارمة ضد الإسلام ونبيه من بعض رجال الدين النصارى وعلى رأسهم بابا الكاثوليك، ورؤساء بعض الكنائس الغربية في بريطانيا، وغيرهم. ولقد تناولنا في هذا العدد ملفاً علمياً موضوعياً عن كشف منطلقات الإساءة للنبي الكريم ﷺ ، نصرةً له ﵇ وكشفاً للاتجاهات المعادية لديننا الحنيف، آملين أن يجد فيه القارئ ما يشفي ويكفي، كما تطرقنا في ملف آخر عن انتصار حركة حماس الإسلامية في الانتخابات النيابية الأخيرة في فلسطين، وفيه يتضح مدى كراهية كثير من الغربيين للإسلام من زاويتين: ١ ـ الحقد الدفين المتمثل في الإعلان منذ وقت مبكر وقبل ظهور نتائج الانتخابات الفلسطينية من عدم تعاون الغرب مع حماس إن فازت، بل إنهم سيقطعون الإعانات الإنسانية عن الشعب الفلسطيني إن رشَّحَ حماس. ٢ ـ سكوت الغرب حيال استفزاز الصهاينة للشعب الفلسطيني بالقتل والغارات العدوانية بعد فوز حماس، ولا نكاد نسمع أي اعتراض غربي على هذه الهجمات الهمجية، ولسان حالهم يقول للصهاينة: اعملوا ما تريدون، ولعل المقصود هو إفشال مشروع حماس في الإعداد القائم للحكومة المنتظرة، مع معاناتها من رفض التعاون معها حتى من رفاق السلاح والمقاومة؛ فهل يليق أن يكونوا مع العدو ضد (حماس) ؟ سبحان الله العظيم! ويبقى السؤال قائماً ومشروعاً: من يكره من؟ وهل ثقافة الكراهية المنسوبة زوراً للمسلمين صحيحة أم لا؟ أم هي ثقافة الآخر المعادي لنا ولديننا ولنبينا ﷺ ، والمخالفة لكل القيم والنظم الإنسانية؟ ندع الإجابة للقارئ الكريم؛ فقد اتضح لذي عينين أين تكمن ثقافة الكراهية وعند من. ومما يبشر بالخير أن تلك الموجة العدوانية ضد الرسول ﷺ في الدانمارك جعلت الكثير من عامة الناس يبحثون عن حقيقة الإسلام، ومن هو هذا النبي الذي هوجم وسُخِرَ منه فثار له أتباعه والمؤمنون الذين يدافعون عنه؟ ونؤكد على أن الاحتجاج يجب أن يكون بعيداً عن العنف والتدمير؛ إذ لا مبرر له، بل إنه يضر أكثر مما ينفع. لقد جعلت هذه الهجمة الظالمة على النبي ﷺ كثيراً من هؤلاء بعد الاطلاع على سيرته ﷺ وتعاليم دينه يعلنون إسلامهم؛ فلله الحمد من قبلُ ومن بعدُ.

стр. 5529

بأبي أنت وأمي يا رسول الله محمد بن شاكر الشريف تدلهمّ على الناس الخطوب وتفجؤهم المصائب الكبيرة، فإذا تأملوها حق التأمل وجدوا فيها من فضل الله وإحسانه ما تعجز الألفاظ عن التعبير عنه. لقد فوجئ المسلمون بحفنة من الحاقدين النصارى الذين أعمى بصيرتهم شعاعُ الحق الظاهر من دين الإسلام، الدين الذي رضيه الله ـ تعالى ـ لعباده ولم يرض ديناً سواه، فذهب هؤلاء المنكوسون يفرغون حقدهم وضلالهم في العيب والذم لرسول الله ـ تعالى ـ الذي أرسله ربه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. لقد كانت فاجعة وأي فاجعة ومصيبة وأي مصيبة، لكن الله جعل من ذلك فرصة عظيمة للمسلمين لبيان حبهم لدينهم وشدة تمسكهم به، وبذل الغالي والنفس والنفيس للذود عن حبيبهم، ومهما كتب الكاتبون ومدح المادحون ونافح المنافحون فلن يستطيعوا أن يوفوه حقه اللائق به ﷺ ، ولكنها كلمات يكتبها المسلم المحب لرسول الله ﷺ ؛ ليعبر بها عن بعض ما بداخله، وليؤدي جزءاً مما يجب عليه نحوه، كيف لا وقد أخرجنا الله ـ تعالى ـ به من الظلمات إلى النور وهدانا به الصراط المستقيم؛ فمن أقل ما يجب علينا أن ننتهز هذه الفرصة لنعّبر عما يجيش في صدورنا تجاه هذا الرسول الأكرم الذي لم تعرف له البشرية نظيراً أو مدانياً، وما مثل الكاتبين ومثل سيرة الرسول ﷺ إلا كمثل رجل دخل بستاناً مثمراً من كل أنواع الثمار التي تحبها النفوس وتشتهيها، وذلك وقت نضجها، فلم يدر من شدة جمالها وحسنها ماذا يأخذ وماذا يدع. - كيف كان العالم قبل مجيء الرسول ﷺ ؟ كان العالم كله يعيش في ظلمات الجهل والضلالة والشرك، إلا عدداً قليلاً جداً ممن حافظ على دينه من أهل الكتاب، فلم يحرفوه أو يقبلوا تحريفه ممن قام به. يقول الرسول الحبيب ﷺ : «إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان ... » (١) ، فهذا الحديث يصور الحالة البشعة التي كان عليها العالم قبل مبعث خير البرية، حيث استوجبت من الله ـ تعالى ـ أشد البغض، وهذا لا يكون إلا مع الانغماس التام في الضلالة والبعد عن سنن الرشاد. فقد كان العرب يئدون البنات ويحرّمون أشياء مما رزقهم الله ـ تعالى ـ بغير حجة أو برهان. قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: «إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] » (٢) . وكانوا يأكلون الميتة ويشربون الدم، كما قال الله ـ تعالى ـ مبيّناً حالهم، وآمراً رسوله ﷺ أن يقول لهم: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، وفوق ذلك كله كانوا مشركين يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله، ويحرّمون على أنفسهم الاستفادة من بعض حيواناتهم، ويجعلون إنتاجها للطواغيت، كما نعى الله عليهم ذلك في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] (٣) ، ولم يكن أهل الكتاب أحسن حالاً منهم، فحرّفوا كتابهم المنزّل على رسولهم، وافتروا على الله الكذب وأشركوا بالله، وادّعى اليهود أن لله ـ تعالى ـ ولداً، كما ادّعت النصارى أن لله ـ تعالى ـ ولداً: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله تعالى. قال الله ـ تعالى ـ في وصف ذلك: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] ، ولم يكونوا يتناهون عن المنكرات التي تحدث بينهم كما قال الله عنهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ ـ ٧٩] ، وكان المجوس يعبدون النار ويستحلون نكاح المحارم فينكح الرجل منهم أخته أو ابنته. وبالجملة: فقد كان العالم في ظلام دامس وشرك وضلال، حتى جاءهم الرسول الكريم بالرسالة الشاملة الهادية إلى صراط مستقيم؛ فبأبي أنت وأمي يا رسول الله! كما يبين الحديث الغرض الذي لأجله بعثه الله ـ تعالى ـ وهو دعوة الناس إلى الله ـ تعالى ـ ومجانبة طريق الشرك والضلال، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم. قال النووي: «إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، معناه: لأمتحنك بما يظهر منك من قيامك بما أمرتك به من تبليغ الرسالة، وغير ذلك من الجهاد في الله حق جهاده، والصبر في الله ـ تعالى ـ وغير ذلك، وأبتلي بك من أرسلتك إليهم؛ فمنهم من يظهر إيمانه ويُخلص في طاعاته، ومن يتخلف ويتأبد بالعداوة والكفر، ومن ينافق» (٤) . ولم ينس الرسول ﷺ الذي كان العدل والإنصاف من شمائله أن يستثني من الشرك والضلالة طائفة من أهل الكتاب ظلت محافظة على عهد الله ـ تعالى ـ إليهم، فقال: «إلا بقايا من أهل الكتاب» ؛ فالإسلام دين يحث على العدل والإنصاف وعدم غمط الناس. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" [آل عمران: ١٩٩] ، وقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وغير ذلك من الآيات. - ماذا قدّمت دعوة الرسول ﷺ للعالمين؟ بعد أن عمَّ الشرك والجهل والضلال والظلم العالم كله، وكان في حاجة ماسة إلى من يخرجه من كل هذه الظلمات منَّ الله ـ تعالى ـ على العالمين ببعثته، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] ؛ فهو ﷺ مرسل ليخرج الناس كلهم من أنواع الظلمات كلها إلى النور التام وليس جنساً دون جنس؛ إذ دعوته ﷺ ليست قومية أو عنصرية، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩] ، فكان ﷺ بذلك رحمة للناس جميعاً، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . فدعا الناس إلى الله ربهم، لا يطلب منهم على ذلك أجراً أو مقابلاً، وتحمّل منهم في سبيل ذلك الأذى الكثير، ومنع العدوان على الناس حتى لو كانوا من الكافرين، فبلّغ عن ربه قوله: ﴿وََلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] الشنآن: هو البغض. ومنعَ الظلم بين الناس ولم يقبله حتى من أتباعه على أعدائه، وأمر بالعدل حتى مع الأعداء، فبلَّغ عن ربه ـ تعالى ـ قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] . ودعا الناس إلى الوفاء بالعهود والعقود حتى مع الأعداء، ولم يكونوا كالذين قالوا: ليس علينا لمن خالفنا في ديننا أية حقوق، يستحلون بذلك ظلم من يخالفهم ويكذبون على الله وينسبون ذلك إليه (١) ، فبلَّغ عن ربه ـ تعالى ـ قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، وقوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١] . وقد كان النهي عن الخيانة من الأحكام التي جاء بها الرسول الكريم وبلّغها للناس، حتى من يُخشى خيانته من الأعداء؛ فلا ينبغي خيانتهم؛ لأن الخيانة خلق ذميم والله لا يحب الخائنين. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] ؛ فإذا خاف الرسول ﷺ أو أتباعه من قوم عاهدوهم خيانةً بإمارة تلوح أو ترشد إلى ذلك، فلا ينبغي للمسلم أن يخون بناء على ما ظهر من إقدام العدو على الخيانة، ولكن عليه أن يبين لهم أن العهد الذي بيننا وبينكم قد ألغي. قال ابن كثير: «أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك» (٢) ؛ فإن غير ذلك من الخيانة، والله لا يحب الخائنين. وقد كان لتعليماته ﷺ أكبر التأثير على أصحابه، فالتزموا بها حتى ضربوا أروع الأمثلة في كل ذلك؛ فعن سليم بن عامر ـ رجل من حمير ـ قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَوْنٍ وهو يقول: الله أكبر ... الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا؛ فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلّها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء، فرجع معاوية» (٣) . فما أحسن أثر دعوته ﷺ على العالمين جميعاً، وما أقبح موقف الكافرين منه، الذين ناصبوه العداء وعاندوا دعوته، فبأبي أنت وأمي يا رسول الله! - احتماله ﷺ الأذى في تبليغ الدعوة: وقد ضرب رسول الله ﷺ أروع الأمثلة في التمسك بالحق والثبات عليه وعدم التضعضع أمام الباطل وسلطانه؛ فعن عقيل ابن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب ـ رضي الله تعالى عنه ـ فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مجلسنا فانهه عن أذانا، فقال لي: يا عقيل! ائت محمداً. قال: فانطلقت إليه، فجاء في الظهر من شدة الحر فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدة حر الرمضاء، فأتيناهم، فقال أبو طالب: إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مجلسهم، فانْتَهِ عن ذلك! فحلَّق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم! قال: ما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تُشعلوا منها شعلة. فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي قط فارجعوا» (٤) ، يبين لهم شدة تمسكه بالحق الذي هداه الله إليه واستحالة تركه أو ترك الدعوة إليه؛ فكما أنهم عاجزون عن أن يشعلوا شعلة من الشمس فهو لا يمكنه ترك ما أوحاه الله إليه. وإزاء هذا الإباء والثبات، عادته قريش وآذوه وصدوا الناس عنه، حتى بلغ بهم الأمر أن يتعاقدوا ويتعاهدوا على مقاطعة الرسول والمؤمنين ومن يسانده من أقربائه حتى لو كانوا على دين قريش، فقاطعوهم مقاطعة اجتماعية، لا يتزوجون منهم ولا يزوجونهم ولا يكلمونهم ولا يجالسوهم، وقاطعوهم مقاطعة اقتصادية لا يبتاعون منهم ولا يبيعون لهم، وكتبوا بذلك صحيفة وعلّقوها في سقف الكعبة، وظلت هذه المقاطعة ثلاث سنوات. وانظر تصويراً لتلك الحالة الصعبة التي كان فيها المسلمون: يقول سعد بن أبي وقاص ﵁: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ بمكة فخرجت من الليل أبول؛ فإذا أنا أسمع قعقعة شيء تحت بولي، فنظرت فإذا قطعة جلد بعير، فأخذتها فغسلتها ثم أحرقتها، فرضضتها بين حجرين ثم استففتها، فشربت عليها من الماء فقويت عليها ثلاثاً» (٥) ، «وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئاً من الطعام لعياله، فيقوم أبو لهب عدو الله، فيقول: يا معشر التجار! غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئاً، فقد علمتم ما لي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً، حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به» (١) ؛ فما ردَّه ذلك عن دعوته، وقد بلغ الإيذاء بأصحابه مبلغه حتى اضطرهم ذلك إلى مغادرة الأوطان والهجرة منها، وترك التجارات والأموال والأهلين، وانتهى الأمر به ﷺ إلى الهجرة وهو صابر محتسب صامد كالطود الأشم، تميد الجبال الشم وهو ﷺ ثابت لا ينحني، ولم يقبل رسول الله ﷺ أن يساوم على دعوته، أو يقبل بما يدعونه من الحلول الوسط، بأن يكتم بعض ما أنزل الله إليه في سبيل أن يمتنع الكافرون عن معاداته أو محاربته، أو أن يلين في الحق مقابل أن يلينوا معه في مواقفهم، بل رفض كل ذلك وظل صامداً فصلى الله تعالى عليه وسلم، وقد سجل القرآن الكريم هذا الموقف بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ، وقال لهم في قوة وصلابة في الحق كما أمره ربه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ـ ٦] ، وعرضوا عليه الأموال والنساء والملك، فيأبى كلَّ ذلك ولسان حاله يقول: واللهِ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله ـ تعالى ـ أو أهلك دونه. ولما مكّنه الله ـ تعالى ـ وأظهره لم يطغَ أو يظلم أحداً ولم يبغ العلو في الأرض، وإنما جاهد في الله حق جهاده، وبذل نفسه في سبيل ذلك، وسنَّ في ذلك سنناً هي في غاية العدل والكمال، فلا ظلم ولا اعتداء ولا إفساد، ولا رغبة في العلو في الأرض بالباطل، ولا رغبة في التوسع على حساب الشعوب، بل كان يدعوهم إلى الله ـ تعالى ـ لا إلى نفسه ولا إلى قومه، حتى كان العربي والعجمي في كنفه سواء؛ فهذا بلال الحبشي مؤذنٌ لصلاة المسلمين بين يدي رسول الله، وهذا صهيب الرومي الذي ترك ماله لقريش حتى لا يمنعوه من الهجرة إلى رسول الله ﷺ فتلقاه الرسول ﷺ وهو يقول له: ربح البيع أبا يحيى! وهذا سلمان الفارسي الذي يقول فيه الرسول ﷺ : «سلمان منا أهل البيت» ، وكان يدعو الناس فمن قَبِلَ منهم دعوة الله كان واحداً من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، من غير تفرقة بلون أو لغة أو جنس، وهذه هي وصية رسول الله ﷺ لمن خرج مجاهداً في سبيل الله تعالى؛ مما يبين بكل وضوح نبل غاية الجهاد، وأنه جهاد لإحقاق الحق وليس للعلو في الأرض أو الإفساد؛ فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً! وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال؛ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية؛ فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم!.. الحديث» (٢) فبأبي أنت وأمي يا رسول الله! - الأمانة في تبليغه ﷺ الدعوة: حيثما توجهت مع الرسول الكريم لا تجد إلا الطهر والنقاء، والثبات والقوة، والصدق والأمانة، يبلِّغ ما أوحاه الله إليه، ولا يُخفي منه شيئاً، حتى لو كان فيما أمر بتبليغه ما يدل على معاتبته على أحد التصرفات، فبلّغ قوله ـ تعالى ـ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ١ـ٤] . قال ابن كثير: «ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يوماً يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديماً، فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلحّ عليه، وودّ النبي ﷺ أن لو كفّ ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعاً ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله ـ تعالى ـ: ﴿عَبَسَ وَتَولَّى * أَن جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ١ ـ ٣] » (٣) ؛ فما انصرف عنه الرسول ﷺ وعبس رغبة عنه أو استهانة به، وإنما حمله على ذلك رغبته في إسلام أولئك العظماء؛ ليعزّ بهم المسلمون، ومع ذلك فقد بلّغها رسول الله ﷺ ولم يكتمها. وكان لرسول الله ﷺ مولى اسمه زيد بن حارثة ـ رضي الله تعالى عنه ـ تبناه الرسول قبل البعثة، وكانت عادة العرب أن زوجة الابن تحرم على الوالد، ولو لم يكن ابناً للصلب، وإنما كان ابناً بالتبنّي، وأراد الله ـ تعالى ـ أن يهدم هذا العرف الجاهلي، فلما طُلقت زينب بنت جحش زوجة زيد ـ رضي الله تعالى عنها ـ شرع الله لرسوله ﷺ زواجها ليكون هو أول من يهدم هذا العرف الجاهلي؛ لكن هذا الأمر كان صعباً على تلك البيئة؛ لتأصّل تلك العادة فيهم، فأخفى ﷺ في نفسه هذه المشروعية، فقال الله ـ تعالى ـ له في شأن زينب بنت جحش وزوجها زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ : ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فبلّغها ولم يكتمها، قال أنس: «جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك! قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله ـ تعالى ـ من فوق سبع سموات» (١) ؛ فالرسول ﷺ أمين على وحي الله ـ تعالى ـ يبلغه كما أنزله الله عليه، لا يزيد فيه ولا ينقص منه. - رحمته ﷺ بالعالمين: قال الله له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، فما أرسله ـ تعالى ـ إلا ليكون إرساله رحمة للعالمين جميعاً، فمن قَبِلَ رسالته فهو ممن ﵀ تعالى ـ ومن أعرض فعلى نفسه جنى، ولقد شملت رحمته ﷺ حتى الحيوانات؛ فعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ فقال: من فجع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها! ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن ُيعذِّب بالنار إلا ربُّ النار» (٢) فالنبي ﷺ يرقّ لحال هذا الطائر الذي فقد ولديه، ويرحمه ويأمر من أخذهما بإطلاقهما، مع أن صيد البر حلال، لكن الرحمة التي ملأت جوانح الرسول الكريم لم يقدر معها على رؤية هذا الطائر المسكين المفجوع في ولده، حتى أمر بإطلاقه. وها هو ذا ﷺ يدعو إلى رحمة كل ما فيه روح، ويحث على ذلك ببيان ما فيه من الأجر فيقول: «بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفّه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: في كل كبد رطبة أجر» (٣) وكان ﷺ يرحم الصبية الصغار ويقبّلهم؛ فعن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: مَنْ لا يَرحم لا يُرحم» (٤) ، ودعا أمته إلى رحمة الخلق جميعهم ـ من في الأرض ـ من يعقل كالإنس، ومن لا يعقل كالحيوانات، فقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله» (٥) . وقد سجلت لنا السيدة خديجة ـ رضي الله تعالى عنها ـ شمائله التي طبعه الله ـ تعالى ـ عليها حتى من قبل أن تأتيه الرسالة، فقالت له لما جاءه الوحي: «واللهِ ما يخزيك الله أبداً: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (٦) فكانت هذه خِلالُه ﷺ قبل أن يوحى إليه، فلما جاءه الوحي زادت نوراً وتلألؤاً وجلالاً، فصلى الله عليك يا من أرسلك ربك رحمة للعالمين! - الحلم والعفو والصفح من شمائله ﷺ : كان الحلم والعفو والصفح شيمة هذا الرسول الكريم، حتى إنه لم ينتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حدود الله تعالى؛ فقد كان لرجل من اليهود دَيْن على رسول الله ﷺ ، فأتاه يتاضاه منه وأغلظ له في الكلام، فردَّ عليه الرسول ﷺ بحلم وصفح على ما يتبين من هذه الرواية حتى أدّاه ذلك إلى الإسلام؛ فقد كان زيد بن سعنة من أحبار اليهود وأتى النبي ﷺ «يتقاضاه فجبذ ثوبه عن منكبه الأيمن، ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب أصحاب مطل، وإني بكم لعارف. فانتهره عمر، فقال له رسول الله ﷺ : يا عمر! أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج: أن تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي، انطلق يا عمر أوفه حقه، أما أنه قد بقي من أجله ثلاث [أي: لم يحن أجل الدَّيْن بعدُ، بل بقي منه ثلاثة أيام] فزِدْه ثلاثين صاعاً، لتزويرك عليه» (٧) ، ورواه ابن حبان وفيه: «فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة دنا من جدار فجلس إليه، فأخذت بمجامع قميصه ونظرت إليه بوجه غليظ، ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب بمُطْل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، قال: ونظرت إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره، وقال: أيْ عدوَّ الله! أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع وتفعل به ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي هذا عنقك؛ ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال: إنَّا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر! أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعاً من غيره، مكان ما رعته، قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي وزادني عشرين صاعاً من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان ما رعتك، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة، قال: الحَبْر؟ قلت: نعم! الحَبْر، قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله ﷺ ما قلت وتفعل به ما فعلت؟ فقلت: يا عمر! كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أختبرهما منه: يسبق حِلمُه جهلَه، ولا يزيده شدةُ الجهل عليه إلا حِلماً، فقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر! أني قد رضيت بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً، وأشهدك أن شطر مالي ـ فإني أكثرها مالاً ـ صدقة على أمة محمد ﷺ ، فقال عمر: أو على بعضهم؟ فإنك لا تسعهم كلهم، قلت: أو على بعضهم، فرجع عمر وزيد إلى رسول الله ﷺ فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده.. الحديث» (١) فحلم عليه، ولم يردّ عليه بمثل ما قال، بل زاده في حقه من أجل انتهار عمر له. وعن أنس بن مالك ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء» (٢) فلم يقابل جفاء الأعرابي وغلظته وقسوته عليه إلا أن التفت إليه وضحك، ثم أعطاه ما سأل؛ فما أحلمك يا رسول الله! وقد حاربته قريش أشد المحاربة، وألَّبوا عليه القبائل وآذوه وآذوا أصحابه، فلما أمكنه الله منهم وأظهره عليهم ودخل مكة فاتحاً في عام الفتح في موقف النصر والعزة والتمكين، لم يعاملهم بما يستحقونه من العقاب البليغ، بل عفا عنهم «وقال لهم حين اجتمعوا في المسجد: ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٣) . - شجاعته ﷺ : كان لرسول ﷺ في الشجاعة القِدح المعلَّى، فكان أسرع الناس إلى العدو وأقربهم إليه، ولم يفرّ ﷺ من أية معركة رغم شدتها والتحام الصفوف؛ فعن أبي إسحاق قال: «جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم ولّيتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولَّى، ولكنه انطلق أخِفَّاء من الناس وحُسَّر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب، اللهم نزِّل نصرك، قال البراء: كنا والله إذا احمرّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للَّذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ » (٤) ، وكان ﷺ إذا دهم المدينةَ خطر يكون أسرع الناس لاستجلائه، فعن أنس قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: لن تُراعوا، لن تُراعوا، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: لقد وجدته بحراً أو إنه لبحر» (٥) فلفرط شجاعته ﷺ كان أول من انطلق حتى يستجلي الأمر، حتى إن أسرع الناس من بعده لم يلحقه إلا وهو راجع، وذهب على فرس عري ليس عليه سرج والسيف في عنقه، فأي شجاعة هذه التي تجعل من صاحبها يقدم بمفرده ولا ينتظر من يعاونه أو يساعده على هذا الوضع الصعب؟! وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أخبر: «أنه غزا مع رسول الله ﷺ قِبَلَ نجد؛ فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سَمُرة فعلَّق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، ثم إذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صَلْتاً، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله؛ فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ » (١) ، في هذا الوضع الصعب حيث الرجل ممسك بالسيف، والرسول ﷺ ليس معه سلاح، لكنه ظلَّ رابط الجأش واثقاً من معية الله، ولم يظهر منه خوف أو جزع، بل ثبات ويقين. قال ابن حجر: «وفي الحديث فرط شجاعة النبي ﷺ ، وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال» (٢) . - وجوب نصرة النبي ﷺ : نصرة الرسول ﷺ من لوازم الإيمان، وقد ضمن الله ـ تعالى ـ الفلاح لمن آمن برسوله ونَصَرَه، فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، فالذين عزّروه هم الذين وقَّروه، والذين نصروه هم الذين أعانوه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم، وقد مدح الله ـ تعالى ـ المهاجرين الذين نصروا رسوله وشهد لهم بالصدق في إيمانهم فقال ـ تعالى ـ: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] ، كما شهد لمن آوى المهاجرين ونصر الرسول بأنهم هم المؤمنون حقاً فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] ، فكان البذل والعطاء في سبيل الله سواء بالهجرة أو بالنصرة دليل الإيمان الحق. وكان رسول الله ﷺ وهو في مكة قبل الهجرة يطوف على الناس يطلب النصرة حتى يتمكن من إبلاغ رسالة الله ـ تعالى ـ للعالمين؛ فعن جابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: «مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى، يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي، وله الجنة؟ ..» الحديث (٣) ، وعندما أراد الهجرة إليهم في المدينة أخذ البيعة عليهم أن ينصروه وأن يمنعوه مما يمنعون منه أهليهم، ففي الحديث المتقدم قال لهم: «وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة» (٤) . وقد أخذ الله ـ تعالى ـ الميثاق على من تقدّمنا من الأمم بنصرة الرسول الكريم؛ فما أتعس قوماً أخذ عليهم الميثاق بنصرته ﷺ ؛ فإذا هم يسخرون ويستهزئون! قال الله ـ تعالى ـ في أخذه الميثاق على من سبق من الأمم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ، فأخذ الميثاق على النبيين كلهم وأممهم تبع لهم فيه. قال ابن كثير: «قال علي ابن أبي طالب وابن عمه ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: «ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أُخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمداً وهو حي ليؤمنن به وينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه» (٥) . وقد بين الله ـ تعالى ـ أنه ناصر رسوله، وأن رسوله ليس في حاجة إلى نصرهم، والمسلم عندما ينصر الرسولَ ﷺ فإنما يسعى لخير نفسه، وإذا تقاعس فلن يضر إلا نفسه، وقد نصر الله رسوله في أحلك الظروف وأصعب الأوقات عندما هاجر من مكة إلى المدينة وقريش كلها تطارده بخيلها ورجلها تأمل العثور عليه، لكن الله أنجاه منهم مع ضعف الإمكانات وقلة الزاد والمعين، قال الله ـ تعالى ـ يبين ذلك: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] فمن تقاعس عن نصرة الرسول فلا يُزري إلا بنفسه، وهي منزلة من العز والشرف قد حرم منها. وإذا كانت هناك وسائل كثيرة لنصرة الرسول ﷺ والانتصار له ممن سخر أو استهزأ من الكفرة والملحدين، فإن من النصرة التي يقدر عليها كل مسلم، ولا يعذر في التخلف عنها: محبة الرسول ﷺ وموالاته واتباع سنته، وترك الابتداع في الدين؛ إذ لا يستقيم أن يكون المسلم ناصراً حقاً للرسول الكريم ﷺ في الوقت الذي يعصيه فيه ويخالف سنته، ويبتدع في دينه، أو يوالي أعداءه، ويناصرهم ويقف معهم في ملماتهم، وكيف تكون هناك موالاة بين المسلم وبين الكافر الذي يسخر أو يسب الرسول الكريم ﷺ وقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؟ [المجادلة: ٢٢] . - وجوب تعزيره وتوقيره ﷺ : التعزير: النصرة والحماية، والتوقير: التعظيم والإجلال، وكل ذلك يستحقه الرسول الكريم، وبذلك أمرنا رب السماوات والأرضين. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفتح: ٨ - ٩] ، ومحبة النبي ﷺ وتوقيره يرجع إلى أمرين: أمر إلى صفاته الشخصية وشمائله التي تحلّى بها، والتي لا تدع لأي منصف اطلع عليها إلا أن يحب هذا الرسول ويوقره ويعظمه، وهذه تكون من المسلمين كما تكون من المنصفين من غير المسلمين، وهناك كمٌّ كبير من أقوالهم في ذلك، وآخر: إلى أمر الله بذلك وإيجابه على المسلمين، وهذه يختص بها الذين آمنوا بالله ورسوله، حتى يفديه المؤمن بأبيه وأمه، بل يكون الرسول ﷺ أحب إليه من كل شيء، فقد قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (١) ، بل لا بد أن يكون الرسول أحب إلى المسلم من نفسه التي بين جوانحه، فيؤْثر مرضاة الرسول على ما تطمح إليه نفسه، ويقدم أمره وسنته على محبوباته ورغباته، فعن عبد الله بن هشام قال: «كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبُّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر!» (٢) ، وقد كان المسلمون من محبتهم لرسول الله ﷺ يعرِّضون أنفسهم للمهالك والردى في سبيل حفظ الرسول ونجاته، فعن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: «لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب به عليه بحجفة له، وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد القد يكسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة، فأشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي لا تشرف يصبْك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك» (٤) . وإزاء كل ما تقدم لم يكن من المسلمين لرسولهم إلا الحب والإجلال والإكبار والرغبة في فدائه بكل ما يملكون، ولم يكن أحد من أصحابه يطيق أن يسمع شيئاً مما قد يكون فيه أدنى نقص من قدره ﷺ ، فعن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: «استبَّ رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمداً على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك فأخبره، فقال النبي ﷺ : لا تخيِّروني على موسى؛ فإن الناس يُصعقون يوم القيامة فأُصعق معهم فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله» (٥) ، فلم يحتمل الصحابي الجليل أن يسمع من اليهودي تفضيل موسى ﵇ على رسول الله ﷺ (٥) ، وقد روى ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قصة تبين مدى حب الصحابة لرسول الله ﷺ فعنه «أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه فأخذ المِغْوَل فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ : ألا اشهدوا أن دمها هدر» (٦) . ولم يكن يتصور أن يقوم أحد ممن آمن به بانتقاصه أو سبّه أو السخرية منه أو الاستهزاء به، وقد أجمع علماء المسلمين على أن من سبّ الرسول ﷺ أو أحداً من أنبياء الله ورسله أنه مرتد ويجب قتله، كما أن من سبّه من أهل العهد والذمة فإن عهده ينتقض بذلك ويجب قتله، فإنَّا لم نعاهدهم على سب رسولنا أو الانتقاص منه. قال محمد بن سحنون: «أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر» (٧) وقال ابن تيمية: «وتحرير القول فيه: أن السابَّ إن كان مسلماً فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن راهويه وغيره، وإن كان ذمياً فإنه يقتل ـ أيضاً ـ في مذهب مالك وأهل المدينة، وقد نص أحمد على ذلك في مواضع متعددة. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: «كل من شتم النبي ﷺ أو تنقَّصه ـ مسلماً كان أو كافراً ـ فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب» (٨) . وبعد: فهل وفيتُ حق الرسول ﷺ ؟ لا، وألف لا، بل ولا قطرة في بحر حقه وفضله، فبأبي أنت وأمي يا رسول الله! اللهم إنَّا قد أحببنا نبيك وأصحاب نبيك، فاللهم احشرنا في زمرتهم!

стр. 5530

الجذع يحن إليه !! د. لطف الله خوجه - محبة مفترضة: من حقوق النبي ﷺ محبته، وقد ورد الأمر بها في القرآن. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] . وموضع الشاهد: ما في الآية من الوعيد، لمن كانت محبته لشيء، أكثر من محبته لله ـ تعالى ـ ورسوله ﷺ ، في كلمتين هما: أولاً: قوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ والتربص هنا للعقوبة، ولا تكون العقوبة إلا لترك واجب. ثانياً: قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فقد وصفهم بالفسق؛ وذلك لا يكون إلا بفعل كبيرة فما فوقها، من كفر وشرك، لا في صغيرة. فمن قدّم شيئاً من المحبوبات على محبة النبي ﷺ فهو فاسق، متربص ببلية تنزل عليه. وقد اقترنت محبته ﷺ بمحبة الله تعالى؛ وذلك يفيد التعظيم، كاقتران طاعته بطاعة الله تعالى. وثمة نصوص نبوية صريحة، في وجوب تقديم محبته ﵊ على كل المحبوبات الدنيوية: ٣ النص الأول: كان النبي آخذاً بيد عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: - «يا رسول الله! لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي. - فقال النبي ﷺ : لا، والذي نفسي بيده! حتى أكون أحب إليك من نفسك. - فقال له عمر: فإنه الآن والله! لأنت أحب إليَّ من نفسي. - فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر!» . [البخاري، الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي] . النفي المؤكد بالقسم يدل على وجوب تقديم محبته ﵊ على النفس. فأَمْرُه بتأخير محبة النفس، وتقديم هذه المحبة النبوية عليها ـ مع كون محبة النفس جِبِلَّة في الإنسان، يقدمها على كل شيء، ولا يُلامُ على ذلك في أصل الأمر، إلا إذا تجاوز بها إلى محظور ـ دليل وجوب، لا استحباب. إذ لا يؤمَر الإنسان بترك فِطرة فُطِرَ عليها، وليست مذمومة في أصلها، إلا إذا قادته إلى محظور. وتقديم محبة النفس على محبة النبي ﷺ ، تقود إلى فعل المحظورات، كما هو مجرّب، فلذا وجب التقديم. أمر ثانٍ: النفس هالكة لولا فضل الله ـ تعالى ـ على الناس بهذا النبي ﷺ ، فهو سبب نجاتها، فمحبته أحق بالتقديم. ٣ النص الثاني: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» [البخاري، الإيمان] . هذا نص في وجوب أن يكون ﵊ أحب إلى المرء من كل شيء دنيوي، وذلك لأمور: - كونه نفى حصول الإيمان إلا بكونه أحب شيء، والإيمان واجب، وما تعلق به فهو واجب. - ثم إن الخطاب جاء في حق الأعيان في قوله: «أحدكم» ، فكل مؤمن مخاطب بهذه المحبة. - ثم إنه أتى بصيغة التفضيل: «أحب» ، وهو صريح في تقديم محبته مطلقاً على كل شيء دنيوي. وهذه المحبة الواجبة من فرّط فيها فهو آثم مذنب، ومن قدّم عليه محبة: الآباء، أو الأبناء، أو الإخوان، أو الأزواج، أو شيء من متاع الدنيا، فهو آثم فاسق، مستحق للعقوبة، فقوله: «لا يؤمن أحدكم ... » نفي للإيمان الواجب، بمعنى أن من فعل ذلك فقد نقص إيمانه نقصاً يستحق به الإثم والعقوبة. فالشارع لا ينفي واجباً، ثبت وجوبه، إلا لترك واجب فيه. والإيمان واجب، ولا ينفي بقوله: «لا يؤمن.. .» إلا لترك واجب فيه، كالصلاة لا تنفى إلا لترك واجب فيها، كقوله: «لا صلاة لمن لا وضوء له» [أخرجه أحمد] . والإثم والعقوبة متفاوت بحسب نوع التقديم: فتارة يكون كفراً، وذلك في حالين: - الأول: إذا كان التقديم مطلقاً، فلا يتعارض شيء مع محبة النبي ﷺ إلا قدّم ذلك الشيء، وهكذا في كل شيء، فهذا يعبد هواه، ولا يعبد الله ـ تعالى ـ في شيء. - الثاني: إذا كان التقديم في بعض الأحوال، لكن في أمور كفرية، ينقض بها أصل دينه، فيقدم محبة الأمور الكفرية على محبة النبي ﷺ ، كمن نصر الكافرين على المسلمين. - وتارة يكون كبيرة، وذلك إذا قدّم محبة الكبائر على محبة النبي ﷺ ، فشرِبَ الخمر وزنى، ولم يطع النبي ﷺ في نهيه عنها، فهذا قدّم محبة هذه الكبائر. - وتارة صغيرة، وذلك إذا فعل الصغائر، فقدم حبها على حبه النبيَّ ﷺ وطاعتَه. - عبودية لا إلهية: وليس فوق محبة النبي ﷺ إلا محبة الله تعالى؛ فإن محبة الله ـ تعالى ـ هي أعلى المحبوبات وأوجبها على الإطلاق، ولا يجوز أن يساوى بينه ـ تعالى ـ وبين غيره في المحبة، حتى النبي ﷺ ، فإن محبته وإن كانت عظيمة مقدمة على المحبوبات الدنيوية، لكنها تبقى في مرتبة البشرية، لا تبلغ مرتبة الألوهية؛ فلله ـ تعالى ـ محبة تخصه تسمى: محبة التألُّه، والخلة. ويقال كذلك: المحبة الذاتية. فلا يجب محبة شيء لذاته إلا الله تعالى. ومن هنا يُفهَم خطأ من بالغ في محبة النبي ﷺ ، حتى جعله كمحبة الله تعالى، فنسب إليه خصائص الخالق سبحانه، من: - علم الغيب. - وتدبير الخلق. - ونسبة إجابة الدعوات إليه. - ودعائه والاستغاثة به من دون الله ـ تعالى ـ في قضاء الحوائج، وتفريج الكربات. - وسؤاله شيئاً لا يقدر عليه إلا الله تعالى. فإن محبة النبي ﷺ وإن اقترنت بمحبة الله ـ تعالى ـ إلا أنها كاقتران طاعته بطاعته. أما المحبة الإلهية فشيء وراء المحبة البشرية، وما أرسل النبي ﷺ إلا ليعلّق القلوب بالله تعالى، ويخلص الناس محبتهم لله ـ تعالى ـ فلا يشركون فيها معه غيره، وهذه هي العبودية، التي قال ـ تعالى ـ فيها: ـ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، أي: ليخلصوا المحبة والخضوع والطاعة لله تعالى. وقد حذر النبي ﷺ من هذا المسلك غاية التحذير، وحرص على منع كل ذريعة تفضي إلى مساواته بالله ـ تعالى ـ في المحبة، فقال ﵊: - «لا تُطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم؛ فإنما أنا عبده، فقولوا: عبدُ الله ورسوله» . ومعنى الأثر: لا تبالغوا في مدحي، وتغلوا فيّ كغلوِّ النصارى في عيسى ﵇. فإن النصارى زعموا فيه أنه إله، وأنه ابن الله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] ، فقد خشي النبي ﷺ من هذا المسلك، فنهى عن المبالغة في مدحه. وقد وقع ما نهى عنه ﷺ ؛ حيث غلا فيه أناس حتى جعلوه في مرتبة الألوهية والربوبية: - فنسبوا إليه ما لا يليق إلا بالخالق، وصنعوا به كما صنع النصارى بالمسيح، غير أنهم لم يقولوا: هو ابن الله، لكنهم نسبوا إليه: التصريف، وعلم الغيب، وإجابة الدعاء، وهذا إنزال له في مرتبة الألوهية، وإن لم يقولوا: إنه الله؛ فإن العبرة بالمعاني والحقائق. - كما أنهم ابتدعوا له عيداً، يحتفلون فيه بمولده ﷺ ، كابتداع النصارى عيد الميلاد للسيد المسيح ﵇، ولم يفعله ولم يأمر به ﵇، كما لم يفعله النبي ﷺ ولم يأمر في حق نفسه الشريفة. لقد اتبع طائفة من المسلمين سنن اليهود والنصارى حذو القُذة بالقُذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ . نعم! النبي ﷺ أعظم الخلق، وسيد ولد آدم، وخليل الله تعالى، وأعلى الناس منزلة يوم القيامة، وفي الجنة، وهو إمام الأنبياء والمرسلين، لا يبلغ مقامه نبي مرسل، ولا مَلَك مقرَّب، غير أنه تحت سقف العبودية، دون مرتبة الألوهية، وقولُه: - «إنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» . تقريرٌ لهذه الحقيقة، ولجم وإبطال لدعاوى فريقين: الأول: الغالي، الذي رفعه عن مرتبة العبودية، وذلك بقوله: «فقولوا: عبد الله» . والثاني: الجافي، الذي عامله كسائر الناس، فلم يميزه بالمرتبة العالية، وذلك بقوله: «ورسوله» . قال الله ـ تعالى ـ: - ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] . وتقديم محبته ﷺ على كل شيء له أربعة أسباب: الاثنان الأولان منها على سبيل الوجوب، والآخران على سبيل الاستحباب: الأول: أمر الله ـ تعالى ـ به، حيث تقدمت الأدلة الدالة على هذا، وهذا السبب وحده يكفي في الوجوب. الثاني: منّته ﷺ على أمته؛ إذ هداهم الله به، ودلهم على طريق السعادة والنجاة من شقاء الدنيا والآخرة. الثالث: كماله الخُلقي: كرماً، وشجاعة، وإحساناً، ومروءة، وصدقاً، وعدلاً، وأمانة، وحلماً، ورحمة، وعفواً وصفحاً. بالإضافة إلى العلم والفقه والبصيرة، وأية واحدة من هذه السجايا توجب محبة من تحلى بها؛ فكيف بمن اجتمعت فيه على أكمل وجه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . الرابع: كماله الخَلْقي: فقد كان جميلاً، منيراً كالقمر، طيب الرائحة، عرقه كالمسك، معتدل القوام، حسن الشعر، جميل العين، أبيض البشرة؛ فله أوصاف الجمال؛ فمن رآه أحبه ﷺ . - الشوق إلى النبي ﷺ . وعلامات المحبة ﷺ متعددة، هي: الإيمان به، وتوقيره، ونصرته، وطاعته. ثم إن منها كذلك: الشوق والأُنْس عند ذكره، وتمني رؤيته، والجلوس إليه، ولو كان ذلك لا يحصل إلا بإنفاق كل المال، وما عرف عن الصادقين من المؤمنين إلا مثل هذا الشعور الصادق، وهذه آثارهم: ١ ـ سأل رجل النبيَّ ﷺ فقال: «متى الساعة؟ قال: «وما أعددتَ لها؟» قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله. فقال: «أنت مع من أحببتَ» . قال أنس: فما فرحنا بشيء فَرَحَنا بقول النبي ﷺ : «أنت مع من أحببت» . - قال أنس: «فأنا أحب النبيَّ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم» [البخاري، الأدب، باب: علامة الحب في الله دون قول أنس] . ٢ ـ قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده! ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني. ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم» [أخرجه مسلم في الفضائل، باب: فضل النظر إليه ﷺ ، وتمنيه، ٤/١٨٣٦] . ٣ ـ وجاء أن امرأة قُتِلَ أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله ﷺ فقالت: - «ما فعل رسول الله؟ - قالوا: خيراً، هو بحمد الله كما تحبين. - فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل» [الروض الأُنُف للسهيلي: ٦/٢٥، الشفا: ٢/٢٢] . ٤ ـ ولما احتُضر بلال ﵁ قالت امرأته: «واحزناه! - فقال: واطرباه! غداً نلقى الأحبة.. محمداً وحزبه» . [سير أعلام النبلاء: ١/٣٥٩، الشفا: ٢/٢٣] . ٥ ـ ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنّة ﵁ من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان ـ ولم يكن قد أسلم بعدُ ـ: - «أنشدك الله! أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك يُضرَب عنقه، وأنك في أهلك؟» . - فقال: «واللهِ ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة، وإني جالس في أهلي» . - فقال أبو سفيان: «ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً» . [السيرة النبوية الصحيحة للعمري: ٢/٤٠٠، سيرة ابن هشام: ٣/١٦٠، الروض الأنف: ٦/١٦٦، الشفا: ٢/٢٣] . ٦ ـ وكان خالد بن معدان لا يأوي إلى فراشه إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله وإلى أصحابه، ويسميهم ويقول: «هم أصلي وفصلي، وإليهم يحنّ قلبي، طال شوقي إليهم، فعجِّل ربِّ قبضي إليك» ، حتى يغلبه النوم. [سير أعلام النبلاء: ٤/٥٣٩، الحلية: ٥/٢١٠، الشفا: ٢/٢١] . ٧ ـ وقد كانت الجمادات فضلاً عن المؤمنين تشتاق إلى رسول الله ﷺ وتحبه وكذا البهائم: - فقد كان ﵇ يخطب إلى جذع نخلة، فلما صُنِع له المنبر، تحوَّل إليه، فحنّ الجذع، وسمع الناس له صوتاً كصوت العشار، حتى تصدع وانشق، حتى جاء رسول الله ﷺ فوضع يده عليه فسكت، وكثر بكاء الناس لما رأوا به، فقال النبي ﷺ : «إن هذا بكى لِمَا فقد من الذكر، والذي نفسي بيده! لو لم ألتزمه، لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» ، فأمر به فدُفن تحت المنبر. - وكان الحسن البصري ﵀ إذا حدَّث بهذا بكى، وقال: «يا عباد الله! الخشبة تحنّ إلى رسول الله شوقاً إليه بمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه» . [بتصرف، وأصله مروي في صحيح البخاري، في المناقب، باب: علامات النبوة قبل الإسلام، ٣/١٣١٤، انظر: الشفا: ١/٣٠٤، صحيح الجامع: ٢٢٥٦] . ٨ ـ وقد كان الطعام يسبِّح في يده، والشجر والجبل والحجر يسلم عليه. [الشفا:١/٣٠٦، وأثر التسبيح عند البخاري، في المناقب، باب: علامات النبوة قبل الإسلام، ٣/١٣١٢، وأثر تسليم الحجر في مسلم، الفضائل، باب: فضل نسب النبي ﷺ ، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، ٤/١٧٨٢] . ٩ ـ لما قدم عمر ﵁ الشام، سأله المسلمون أن يسأل بلالاً ﵁ يؤذِّن لهم، فسأله، فأذّن يوماً، فلم يُرَ يوم كان أكثر باكياً من يومئذ، ذكراً منهم للنبي ﷺ . [سير أعلام النبلاء: ١/٣٥٧] ١٠ ـ عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: «كان رسول الله إذا ذهب ربع الليل قام، فقال: أيها الناس! اذكروا الله! اذكروا الله! جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه. - فقلت: يا رسول الله! إني أُكْثِرُ الصلاةَ عليك؛ فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت. - قلت: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير. - قلت: النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير. - قلت: الثلثين؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير. - قال: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذاً تُكْفَى همَّك، ويغفر لك ذنبك» . [أخرجه الترمذي: صفة القيامة، وأحمد: ٥/١٣٦] ؛ لأن من صلَّى على النبي ﷺ صلى الله عليه بها عشراً، ومن صلى الله عليه كفاه همه وغفر ذنبه. [انظر: جلاء الأفهام: لابن القيم ص ٤٦] . كثير من الصالحين يرون النبي ﷺ في المنام، بعضهم كان يراه في كل ليلة، فإذا ما لم يره في ليلة اتهم نفسه بالنفاق، ورؤيته في المنام ﷺ دليل على تعلق القلب به، واشتغال اللسان بالصلاة عليه، والعين بالنظر في سنته، والأذن في سماع حديثه. أما أولئك الذين: لا يصلُّون عليه حتى إذا ذُكر. ولا يسمعون لحديثه ولو تُلي. ولا ينظرون في سنته، ولو مرّ بهم كتاب حديث. فإنه لن يكون له في قلوبهم: ذكر، ولا شوق. فأنَّى لهم أن يروه في المنام، ولو لمرة؟ فهل لهم أن يتهموا أنفسهم بالنفاق!

стр. 5531

خلفيات التحول السيء للدانمارك ودول شمال أوروبا يحيى أبو زكريا كانت دول شمال أوروبا: السويد والنرويج والدانمارك وفنلندا وإيسلندا تعتبر نفسها دوماً مغايرة ومختلفة عن بقية الدول الأوروبية ذات الإرث الاستعماري والتي تزعمت إمبراطوريّات احتلت لمئات السنين أجزاء واسعة من العالم العربي والإسلامي والثالث، بل إنّ دول شمال أوروبا كانت تعتبر نفسها ذات خصوصية مناخية وثقافية واجتماعية وحضارية، وأنهّا نجحت في إقامة نظام سياسي إنساني في كل أبعاده يؤمن بالإنسان أولاً وثانياً وأخيراً. ولطالما نظّر المنظرون والإستراتيجيون في شمال أوروبا لمجتمع متعدد الثقافات ومتنوّع الأعراق والديانات. وبناءً عليه وضعت قوانين أساسية تنصّ على مبدأ حريّة التديّن وعدم جواز المساس بأي دين أو التحامل على ديانة بعينها. صحيح أنّ هذا البند ربما وضع ليحمي الديانة اليهودية ورموزها في شمال أوروبا، لكن عدم تحديد الديانة بالاسم جعل القوانين التي تصون الديانات تنسحب على الإسلام أيضاً، وخصوصاً عندما أصبح الإسلام الديانة الرسمية الثانية في السويد والنرويج وحتى في الدانمارك. وبسبب الطبيعة المناخية الباردة لمنطقة شمال أوروبا فإن سكانها الأصليين هجروها في أوقات سابقة باتجاه أمريكا وباتجاه مدن الشمس، كما أنّ انتهاء مفهوم الأسرة في هذه الجغرافيا واكتفاء الرجل والمرأة بمبدأ المعاشرة أثَّر إلى أبعد الحدود في حدوث تضاؤل فظيع في نسبة المواليد وهو الأمر الذي جعل الإستراتيجيين في هذه المنطقة يفكرون باستيراد البشر من الدول التي تعيش أزمات حروب وأزمات سياسة، فتدفق المهاجرون المسلمون على هذه البلاد، وحصلوا على حق الإقامة الدائمة بموجب اللجوء السياسي أو اللجوء الإنساني، أو من خلال مفوضية شؤون اللاجئين التي ترسل تباعاً عناصر بشريّة بالتوافق مع هذه الدول التي تستقبل سنوياً حصّة معينة ومعدودة من مفوضيّة شؤون اللاجئين. وخلال ثلاثين سنة ارتفع عدد المسلمين بشكل غير متوقّع في دول شمال أوروبا؛ حيث أصبح عددهم في السويد أزيد من نصف مليون مسلم، وفي النرويج أزيد من ٢٧٠ ألف مسلم، وفي الدانمارك أزيد من ١٥٠ ألف مسلم، وفي فلندا قرابة ٥٠ ألف مسلم، وفي إيسلندا عدة آلاف من المسلمين. وهذا الاضطراد في ارتفاع عدد المسلمين جعل الكثير من الجمعيات اليهودية الفاعلة في هذه المناطق والمنظمات الكنسية الكبيرة كجمعية (كلمة الحياة العالمية) و (شهود يَهْوَهْ) تنظر بريبة إلى هذا الوجود الإسلامي، وعمدت إلى تكثيف التنصير في المناطق الإسلامية، وراحت تستغل فقر الجاليات العربية والمسلمة لتمرر رسالتها الدينية التي تستهدف بالدرجة الأولى المسلمين حتى يغيِّروا ديانتهم. وهذا التنامي في عدد المسلمين في مناطق شمال أوروبا جعل الكثير من مراكز الدراسات المستقبلية في الغرب تشير إلى عمق الأزمة الاجتماعية والتركيبة العقائدية لهذه المجتمعات بعد عشرين سنة، كما أنّ بعض الباحثين الإسرائيليين ذكروا بكل صراحة في بحوثهم أنّ المستقبل في هذه المناطق مقلق للصهيونية الذين قد يفقدون أي دعم أوروبي فيما لو أصبح (محمد) و (خالد) من صنّاع القرار في أوروبا؛ في إشارة إلى احتمال وصول الجيل الثالث المسلم المولود في هذه البلاد إلى دوائر القرار. وقد كانت حياة المسلمين في بلاد شمال العالم طبيعية وعادية، وكانوا يتمتعون بكثير من الامتيازات والتسهيلات، غير أنّ هناك حدثين قلبا ظهر المجن عليهم في هذه البلاد، وبموجب الحدثين أصبحوا عرضة لتآمر دولي يستهدف كيانهم ووجودهم ومستقبلهم: الحدث الأول: هو تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م التي حدثت في أمريكا، وقد استطاعت الإدارة الأمريكية أن تفرض توجهاتها الأمنية على دول شمال العالم وأشركتها في سياستها الأمنية، وهو الأمر الذي جعل أحد المتابعين يقول: إنّ أمريكا تملك أكبر قاعدة سياسية ولوجستية في شمال أوروبا. والحدث الثاني: يرتبط بالاستفتاء الشهير الذي أجراه الاتحاد الأوروبي حول الدولة الشرّيرة الأولى في العالم، فأجمع الأوروبيون بمن فيهم سكان شمال العالم على أنّ الدولة العبرية هي أخطر دولة على السلام العالمي، وبعد هذا الاستطلاع طالب وفد الوكالة اليهودية العالمية الأمين العام للاتحاد الأوروبي ساعة نشر الاستطلاع (رومانو برودي) بأن يلغي هذا الاستطلاع، وحاول الوفد اليهودي إقناع (برودي) بأنّ المسلمين الإرهابيين هم الأخطر على أوروبا والعالم، وأنّ المواطنين الأوروبيين من أصول إسلامية هم الذين جعلوا الاستطلاع في منحى مضاد للدولة العبرية. ومنذ تلك اللحظة بدأت كبريات الجرائد ووسائل الإعلام المرئية المملوكة بنسبة تسعين بالمائة ليهود في شمال أوروبا في تحقير الهوية الإسلامية والثقافة الإسلامية التي كانت تعتبر، ولا زالت ثقافة كراهية وتحامل على السامية، وبات واضحاً أنّ هناك حملة متكاملة الأبعاد ومخططاً لها سلفاً ضد الإسلام والمسلمين وبشكل استفزازي؛ ففي السويد أطلق قسّ سويدي يدعى (رونارد سوغارد) تصريحاً مفاده أنّ محمداً الرسول العربي معقّد ومزواج ومحبّ للفتيات القاصرات، وتبين أنّه تلقى الضوء الأخضر من الكنيسة الإنجيلية من كاليفورنيا - كنيسة المحافظين الجدد - وتزامناً مع هذا التصريح طالبت إذاعة دانماركية محلية بطرد المسلمين كل المسلمين من الدانمارك، وتلاقياً مع ذلك خرج علينا رئيس الحزب المسيحي النرويجي بتصريح يتهم فيه محمداً الرسول العربي بتخريج إرهابيين ودفع الأطفال إلى الحروب، وأصبحت الكلمة والصورة ضدّ الهوية الإسلامية، وحتى المؤتمرات التي انعقدت في دول شمال أوروبا لم تخلُ من نَفَس كراهية المسلمين؛ ففي مؤتمر حظر الإبادة الذي انعقد في السويد زُجّ باسم المسلمين الساعين ـ حسب أحد المحاضرين ـ إلى إبادة البشريّة برمتها من خلال إقامة دولة إسلامية عالمية على أساس الخلافة الإسلامية؛ وحسب قول هذا المحاضر فإنّ المسلمين ومن خلال الإسلام الراديكالي يهدفون إلى إبادة كل الأجناس وكل الديانات، وفكرهم قائم على تدمير الآخرين وإزالتهم من الخارطة الكونية كما قال. وقد انضمّ إلى هذا المحاضر اليهودي (هنري آشر) المقيم في السويد والمتخصص في طبّ الأطفال؛ حيث أشار إلى أنّ المسلمين في السويد يعادون السامية بشكل كامل، وكثيراً ـ كما قال آشر ـ ما نصادف كراهية مطلقة لليهود وسط الأحياء الآهلة بالمهاجرين المسلمين في مختلف المحافظات السويدية. وعلى الرغم من غياب رسمي كامل للدولة العبرية التي مثّلها سفيرها في العاصمة السويدية ستوكهولم (زفي مازل) إلاّ أنّ صوتها كان مسموعاً بقوّة في مؤتمر الإبادة؛ حيث أرادت ومن خلال أدواتها أن تعيد الكرة إلى ملعب المسلمين وخصوصاً بعد الصفعة السياسية التي تلقاها السفير الإسرائيلي (زفي مازل) في ستوكهولم عقب تخريبه لعمل فني يمسّ الكيان الصهيوني في الصميم في المتحف الوطني السويدي. والملاحظ أنّ الصوت العربي والإسلامي كانا غائبين بل خافتين وخصوصاً بعد أن عمدت بعض الجهات المنظمة للمؤتمر إلى تغييب محنة الشعب الفلسطيني والعراقي والشيشاني والأفغاني إرضاءً لواشنطن وتل أبيب وموسكو. وتكررت الإساءات للإسلام بشكل لم يسبق له مثيل؛ حيث عرضت قناة تلفزيونية في شمال أوروبا برنامجاً عن الحيوانات، وكان المشرف على إطعام هذه الحيوانات ينادي أحد التماسيح باسم محمد، ويناديه: تعالَ يا محمد كُلْ بشراهة! ولا يُعرف لماذا اختار راعي حديقة الحيوانات اسم محمد لتمساحه دون سائر الأسماء. وقد أظهر استطلاع ودراسة أجرتها دائرة الاندماج أنّ السويديين أكثر انفتاحاً ولكن ليس إزاء الإسلام والمسلمين. وحسب الدراسة فإنّ السويديين يميلون إلى مواقف إيجابية أكثر نحو التعددية وتمازج الثقافات داخل مجتمعهم، ولكنهم في الوقت ذاته يبدون ريبة من الإسلام والمسلمين، هذا ما أظهرته دراسة حديثة أجرتها مصلحة الهجرة. وحسب الدراسة فإنّ ثلثي السويديين الذين شملتهم الدراسة يعتقدون أن القيم الإسلامية لا تنسجم مع قيم المجتمع السويدي. وبينما قال ٦٠% من السويديين الذين شملتهم الدراسة أن الشكوك لا تراودهم من معاشرة مسلمين، قالت نسبة مماثلة إنهم لا يفكرون في الانتقال إلى منطقة ذات أغلبية إسلامية، وأبدى ٥٠% معارضتهم لارتداء غطاء الرأس من جانب النساء المسلمات في المدارس وأماكن العمل. وقد طالب حزب الشعب السويدي folkpartiet الممثل في البرلمان السويدي أساتذة المدارس السويدية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية السويدية للتجسس على الطلبة والتلاميذ المسلمين الذين لديهم ميول إسلامية ونزعة إلى التطرف، وقد طالب حزب الشعب السويدي الداعم منذ نشأته للكيان الصهيوني والذي استضاف في المدة الأخيرة النائبة الهولندية المرتدة، وهي من أصل صومالي (هرسي) والمشهورة بسبّ رسول الإسلام محمد ﷺ في هولندا ـ طالب الأساتذة السويديين بأن يكونوا عيوناً وجواسيس على تلاميذهم وطلبتهم المسلمين الذين يميلون إلى التطرف. واقترح حزب الشعب كما تقول ممثلته (لوتا إدهولم) أيضاً أن يكون هناك تنسيق كامل بين المخابرات السويدية وأساتذة المدارس لتعقّب المتطرفين المسلمين، ومن الضرورة ـ كما قالت ممثلة حزب الشعب ـ أن يلعب الأساتذة هذا الدور. وعللت (لوتا) هذا الاقتراح بقولها: إنّ المعلومات المتوفرة تشير إلى وجود العديد من المتطرفين المسلمين في المدارس السويدية ويجب أن يتم التصدّي لهم، أو بعبارة أخرى: استئصالهم بالتعاون مع المخابرات السويدية. ويريد حزب الشعب السويدي أن تكون المدارس السويدية في كل المحافظات السويدية مؤسسات جاسوسية وعيناً على التلاميذ؛ وهو خلاف المهمّة الحضارية للمدرسة. أما نقيبة المعلمين السويديين (ميتا فيكنر) فقد استغربت هذا الاقتراح الذي يتجاهل المهمة الحضارية للمدرسة والذي يُخرِج الأساتذة عن مهامهم التعليمية النبيلة إلى التجسس على التلاميذ. وعلى الرغم من أنّ السويد لم تُبْتَلَ بالتطرف أو العنف إلاّ أنّ بعض الأحزاب السويدية تحرص على اتهام المسلمين كافة وتصويرهم على أنهم خطر على الأمن السياسي والاجتماعي كما صرح بذلك قادة حزب الشعب المتطرّف. وفور بروز هذه التصريحات والبداية الفعلية للتواصل بين المعنيين بالشأن التربوي والمخابرات السويدية، أجرت جريدة (داغينس نهيتر) الشهيرة ـ dagens nyheter ـ استطلاعاً شارك فيه قرّاء الجريدة حول تكليف الأساتذة بالتجسس على الطلبة المسلمين، فأجاب ٦٤ بالمائة ضدّ هذه الخطوة الأمنية، بينما وافق ٣٥ بالمائة على هذه الخطوة، ولم يُبْدِ ١% رأيهم في الموضوع. وتعليقاً على هذا الموضوع قال أحد التربويين السويديين (إريك نلسون) إنّ هذا الموضوع غير مقبول بتاتاً، وقال: صحيح أننا في السابق تعاونَّا مع الشرطة في قضية الشباب النازيين، لكن ذلك كان ضمن مشروع مدروس للديموقراطية. وفي أقل من سنتين عقب الحادي عشر من سبتمبر ظهرت عشرات العناوين التي تتحدث عن الإسلام وكانت في مجملها سلبية؛ فقد ظهر كتاب في السويد عن الإسلام وعن محمد ﷺ تحديداً، ثمّ تلاه كتاب آخر في الدانماراك وهو الكتاب الذي أسس للمسابقة التي أقامتها جريدة (يولاند بوستن) لرسم النبي محمد ﵊. ويقول أحد الرسامين الدانماركيين الذين شاركوا في رسم النبي محمد ﵊: إنّ فكرة رسم الرسول محمد تعود إلى الكاتب الدانمركي (كوري بلويتن) الذي كتب كتاباً عن رسول الله محمد، وقد احتاج إلى رسومات تقريبية لشخص النبي محمد، فاتصل بنقابة الصحفيين الدانماركيين معلناً عن حاجته إلى رسومات لكتابه الجديد عن النبي محمد، وإثر ذلك دخلت جريدة (يولاند بوستن) حلبة المسابقة، وكلفت أشهر الرسامين بتشخيص النبي محمد، وقد اختارت في نهاية المطاف اثني عشر رسماً، وكانت تلك الرسوم التي فجّرت الموقف في العالم الإسلامي. وفي هذا السياق يقول أحد رسامي الرسوم الاثني عشر المتعلقة بالنبي محمد: إنّي تقزّزت في بداية الأمر من دعوة رئيس تحرير (يولاند بوستن) لرسم النبي العربي، واستشرت أصدقاء لي من الشرق الأوسط الذين نبهوني إلى خطورة الموقف، لكن في النهاية وافقت حتى لا أُتهم بالجبن والتردد من قِبَل زملائي. وفي الوقت الذي تبدي فيه بعض دول شمال العالم عناداً شديداً وترفض تقديم اعتذار رسمي للمسلمين بحجة أنّ حرية التعبير مقدسة في الغرب؛ فإنّها في واقع الأمر بدأت تشعر بحجم الأضرار التي ألحقتها المقاطعة باقتصادها، وقد اتصلت المخابرات الدانماركية ببعض القيِّمين على العمل الإسلامي في الدانمارك لحملهم على مساعدة الدانمارك في تجاوز هذه المرحلة الصعبة، كما أنّ الاقتصاديين الدانماركيين الذين لديهم مصالح واسعة في العالم الإسلامي عابوا كثيراً على حكومة (راسموسين) تأخرها في الاعتذار للمسلمين على غرار ما فعلته الحكومة النرويجية. أما الحكومة السويدية؛ فقد قررت أن لا تخلط أوراقها مع العالم الإسلامي، وتعهد رؤساء تحرير صحفها بعدم إعادة نشر الرسومات المسيئة للنبي محمد ﷺ حتى لا تجرح مشاعر المسلمين.

стр. 5532

حوار مع الشيخ: رائد حليحل رئيس اللجنة الأروبية لنصرة خير البرية حاوره: خباب بن مروان الحمد يعمُّ العالم الإسلامي حالة حقد وكراهية شبَّ أوارها، وازداد اشتعالها، إثر الحملة المسعورة الدانماركيَّة؛ التي انتهكت حقوق أعظم إنسان على وجه الأرض، محمد ﷺ ، فقد انتفض المسلمون وهبُّوا هبَّة جماعية، استنكاراً لما فعلته الصحيفة الدانماركيَّة (يلاندز بوسطن) بالسخرية برسول الله محمد ﷺ وزاد الطين بلَّة، حين لم تعتذر الحكومة الدانماركيَّة الصليبيَّة رسميّاً من فعلة تلك الصحيفة الشنعاء، قبالة السخرية برسولنا ﵊ وأحسب أنَّ هؤلاء القوم الكفرة لم يكن يدر في خلَدِهم، أن يشتعل المسلمون غيرة وحماساً، كما شاهدوا من قِبَلِهِم، حتى أسقط في أيديهم. فقد علم العالم الإسلامي حقيقة حقد ما يسميه بعضهم بالآخر على الإسلام ورسوله ﷺ ، وكانت تلك المحنة والأزمة منحة إلهيَّة جعلت جلَّ الناس وبالأخص المسلمين، يلتفتون إلى رسول الله ﷺ بحثاً عن سيرته، وقراءة عن شخصه؛ فرب ضارَّة نافعة! كما ظهر أنَّ في الأمَّة الإسلامية خيراً كثيراً، لم يزل أثره يتجدَّد حيناً بعد حين، ولعلَّ في هذه الإساءة لرسول الله ﷺ تنبيهاً لبعض السادرين في لهوهم، أو الجالسين فوق التل يرقبون ما يحدث للإسلام ورسوله ﵊ من إهانة وسخرية من قِبَلِ أعداء الله، لعلَّها تثير بقايا صدق طاهر في الولاء لرسول الله ﷺ بالذب عنه ونصرته والغيرة عليه ... وبما أنَّ هذه القضيَّة أضرمت نيرانها بدءاً من ذلك البلد الصليبي، بحجَّة حريَّة الرأي! فقد اتَّجهتُ إلى أحد العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في الدانمارك، ونثرت أمامه شيئاً من التساؤلات التي يجيش بها قلب كلِّ مسلم يحبُّ الله ورسوله ليجيب عنها؛ ذلكم هو الشيخ الداعية: رائد حليحل ـ رئيس اللجنة الأوروبيَّة لمناصرة خير البريَّة ﷺ ؛ وقد أثرانا ـ جزاه الله خيراً ـ بإجابته عن الأسئلة التي طرحتها عليه، فبيَّن الحقَّ والحقيقة، وأوضح ملابسات الحدث، وما وراء السديم. نسأل الله أن يجزل له الأجر والمثوبة، وأن يحفظنا وإيَّاه وجميع المسلمين من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وإلى نصّ الحوار: البيان: فضيلةَ الشيخ رائد! نرحب بك في مستهَلًّ هذا اللقاء، ونرجو من فضيلتكم أن تعطينا لمحة موجزة عن المسلمين في الدانمارك ـ أصولهم ـ عددهم ـ وظائفهم ـ سبب وجودهم ـ موقف الدانمارك من المسلمين وأوضاعهم فيها؟ ٣ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين. أما بعد: فإني أتقدم لمجلتكم الموقرة بشكري على إتاحة هذه الفرصة من أجل إطلاع قرائكم الكرام على تفاصيل قضية مهمة وحساسة لطالما سعيت أن يشاركنا العالم الإسلامي كله في معالجتها؛ وذلك لأهميتها البالغة؛ إحقاقاً للحق ونصرة لسيد الخلق ﷺ ؛ فبارك الله فيكم وجزاكم خيراً على ما تبذلونه من تنوير ودعوة مباركة عبر منبر ـ البيان ـ. وَفَدَ المسلمون إلى مملكة الدانمارك من فترات ليست بعيدة، وكانت وفادتهم لأسباب شتى وأغراض متباينة، ويتميَّز المجتمع الدانمركي بعمومه بعدم التواصل مع الآخرين والانكفاء على الذات، وهناك مشاعر مخزونة في تفكيرهم تجعلهم يتوجسون دائماً من الآخر وينظرون له وكأنه يريد أن يسلبهم ما في أيديهم؛ علماً أن تجربة التواصل مع شعوب من ديانات وأعراف مختلفة تعتبر بالنسبة للدانمركيين حديثة وليست كغيرها من بعض البلاد الأوروبية التي لها سابق احتكاك مع الشعوب، مما جعل إمكانية التعايش وقبول الآخر تتعثر في كل محطة من محطات حياتهم. ومن أقدم الجاليات المسلمة وفوداً للدانمرك هم الأتراك الذين قدموا للعمل، ثم المغاربة والباكستانيون، وأغلب هؤلاء قدم طمعاً ورغبة في تحسين مستوى عيشه، ثم بدأت حملة لجوء واسعة ابتدأت من ثمانينيات القرن الميلادي الماضي إثر حروب ونكبات، والأبرز من هؤلاء هم من لبنان، وأغلبهم من اللاجئين الفلسطينيين. ثم أناس من العراق وكذلك البوسنة والصومال. وهناك قاسم مشترك بين الوافدين وهو أنهم ليسوا من أصحاب الأموال ليشكلوا قوة اقتصاديةً ضاغطةً، ومن جهة أخرى فإن من أتى فارّاً من ويلات الحروب، لا بد أن تكون بصمات تلك الحروب ظاهرة عليه؛ فعندما يصل إلى بلد مرفَّه نوعاً ما، يخلد للعيش المطمئن، وهو الشيء الذي حال دون بزوغ نوعيات متميِّزة في مجالات العلوم اللهم إلا بعض الظواهر الشابة التي استفادت مما يتاح هنا من إمكانية البروز العلمي ونحوه، وهذا يبشر بخير في مستقبل الأيام - إن شاء الله - فلا بد من تقرير مسألة وهي: أن الذي حالَ دون ظهور شخصيات - كما في بعض البلاد - على المستوى السياسي والاقتصادي والعلمي، مرده إلى أن الجالية تعد ناشئة في هذه الديار، وإذا ما نظرنا إلى خلفية أبناء البلد الأصليين الثقافية والاجتماعية فإنها قد تجلِّي سبب هذا التأخر في بروز دور واضح؛ هذا إذا ما أضفنا عليه اختلاف أجناس وأعراق وخلفيات أبناء هذه الجالية مما حال دون غاية موحدة مشتركة يسعى الجميع لتحقيقها، ولكن لعل تتالي المحن ـ وهذه آخرها ـ تسهم في ضرورة توحد ظهرت بوادره باجتماع المسلمين صوماليين وعرباً وأتراكاً وباكستانيين، راجين أن يكون لهذا اللقاء استمرار نافع. علماً أن عدم الاعتراف الرسمي بالإسلام، ومع تراكم الأحداث العالمية والحملة الشعواء على المسلمين في العالم، إلى جانب النظر إلى الخلفية (ثقافية أو اجتماعية) لدى المجتمع الدانمركي فإن هذا كله أسهم في حالة توجس من المسلمين، وقد انعكس ذلك على الواقع لا سيما عندما يصل للحكم بعض الأحزاب اليمينية كما هو الحال اليوم من وصول الحزب الليبرالي إلى الحكم. البيان: تناقلت وكالات الأنباء خبر الاستهزاء برسول الله ﷺ في إحدى الصحف الدانماركيَّة بالرسوم الهزليَّة؛ فكيف بدأت هذه القضيَّة؟ وماذا تنقم الصحف الدانماركيَّة من رسول الله؟ وهل الدافع ديني أم سياسي؟ وهل نظرة الغرب عموماً لرسول الله ﷺ بتلك الطريقة؟ ٣ لقد أساءنا جداً ما تجرأت على نشره - عن سابق إصرار وترصد - تلك الجريدة الآثمة صاحبة التوجه المعادي للمسلمين؛ فقد نشرت ما لا يقبله عقل من جرأة على مقام النبي الكريم ﷺ وكان ذلك على خلفية امتناع الرسَّامين عن رسم صورة ساخرة بنبينا لتوضع على غلاف كتاب للأطفال نُشر في الأسواق (٢٤/١/٢٠٠٦) مما عُدّ نسفاً لمبدأ حرية التعبير (!) فقد قامت هذه الجريدة الغيورة على الديمقراطية وحامية حمى الرأي والتعبير! بتحدي مشاعر المسلمين عبر نشر تلك الصور بقصد التهكم زاعمة أنَّه ينبغي أن يلاقَى ذلك من قِبَل المسلمين برحابة صدر. وإن هذا الفعل الذي كان واضحاً في كونه استفزازاً ظاهراً حركه جانبان: الأول: نظرة راسخة في العقل الباطن من نظرة تكذيب وخوف وازدراء بالإسلام ونبيه ﷺ . ودافع آخر: لعله سياسي، والمقصود منه التنبيه على الخطر المتنامي في الغرب بسبب وجود الإسلام، وكأن المقصود بنشر تلك الصور هو محاولة جس لنبض الساحة، وكيف سيكون تفاعلها مع هذه القضية، ومحاولة إيجاد جو انهزامي لدى المسلمين يمكنه قبول أي شيء مهما كان، بحجة مراعاة حرية الرأي والتعبير. وهذا لا يتنافى مع وجود أصوات أنصفت عندما أقرت بعظمة الدين ولا سيما بإنصافها لنبينا محمد ﷺ ؛ إلا أن الجو العام والذي ساعده على الظهور هو التشويه الإعلامي واستغلال كل حدث لتوظيفه في هذا السياق من التوجس خيفةً من الإسلام إن لم نقل العداء له. والله المستعان. البيان: ما سبب عدم اعتذار الصحف الدانماركيَّة للمسلمين من سخريتها برسول الله ﷺ ؟ وهل تراه كافياً لو حدث تجاه تصرُّفهم الأرعن؟ ٣ حتى نعرف هل يمكن لهؤلاء أن يعتذروا؛ فإنه لا بد من تسليط الضوء على أمر مهم ألا وهو أن مما يميز الشعب الدانمركي أنه معتز بنفسه كثيراً لا يقبل النقد لما يقوله، ويصعب عليه الاعتذار، وينظر لغيره لا سيما إذا كان مخالفاً له في ثقافته نظرة ازدراء، وكأنهم يقولون: مَنْ هؤلاء حتى يعلِّمونا ما يجب علينا؟ ولكأني بهم يريدون (أنا خير منه) . هذا من ناحية، ثم ناحية ثانية: إذا علمنا لماذا فعل هؤلاء هذه الفعلة (ما دوافعهم وما النتائج التي يصبون إليها) فإني أستبعد جداً أن يعتذروا؛ لأنهم جعلوا القضية قضية قيم ومبادئ وطنيَّة ناضلوا من أجلها، ومن ثَم ليسوا على استعداد لاعتذار يعدُّونه هزيمة وتراجعاً؛ فالمسألة عندهم معركة وجود والعياذ بالله؛ علماً أن مطلب الاعتذار يعد مناسباً لحجم وفداحة تلك الجريمة، ولكن لخطورة الفعل من جهة ولعلمنا بطبع هؤلاء وثقافتهم اكتفينا بهذا الطلب على أن يصحبه شيء من إصلاح تلك الصورة السيئة التي وصلت للقارئ الدانمركي بأن يسمحوا لنا بإخراج بعض الصور المشرقة التي تسلِّط الضوء على جوانب مشرقة من حياة النبي ﷺ ، وأن يكون منهم ضمانة بعدم تكرار مثل هذا الفعل، ولكن للأسف الاعتذار عن ذلك يعد عندهم بمثابة الردة عندنا. فالله المستعان. البيان: ما دور الحكَّام ـ العلماء ـ رجال الأعمال ـ الشعوب ـ الهيئات، تجاه تلك الحملة الشرسة على رسول الله ﷺ ؟ وهل ترى أنَّ موقف المسلمين كان مناسباً؟ ٣ إن حق الرسول الكريم ﷺ كبير جداً، ولئن كان يجب على المسلم الذب عن أخيه المسلم ونصرته، ولا يجوز له أن يسلمه ولا أن يخذله؛ فما بالكم بحق المصطفى ﷺ ؟ وإننا نهيب بعالمنا الإسلامي كله أن يتحرك حركة تناسب الحدث من جهة شناعة الفعلة ومن جهة حرمة النبي الكريم ﷺ وضرورة نصرته، ولقد طالبنا من أول أيام تلك المحنة أن يناضل كل بحسبه؛ فما يُطلب من الحكام يعجز عنه العامة، وما يطلب من العلماء ويتوقع منهم لا يجيده دهماء الناس، وما ننتظر من أهل الدثور لا يحسنه من قُدِرَ عليه رزقه؛ وهكذا أقول للجميع: كل منكم أدرى بنفسه وقدرته فلا يتوانَ أحد عن هذه النصرة الواجبة: ﴿بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فاستعينوا بالله ولا تعجزوا، واعلموا أنكم إن ساهمتم فأنتم في معركة معلومة العواقب فاتقوا الله في رسوله علكم تنالون بذلك شفاعته يوم القيامة. وإنني أقولها بصراحة على قدر ما كنت حزيناً أول أيام الأزمة؛ لأننا سعينا جاهدين أن نوصل القضية للعالم ليتحرك، وقد تناولت بعض القنوات الفضائية ذلك في مطلع شهر رمضان ومع ذلك لم نسمع ما يثلج صدورنا حتى إني كنت أقول لنفسي: أيعقل هذا من أمة محمد ﷺ أن تخذله، وقد لمتُ وعاتبتُ البعض، ولكنَّ ما رأيته في هذه الأيام أعاد لي الأمل في هذه الأمة وأنها ما زالت بخير والحمد لله، ولكني أهيب بالجميع أن لا يكون ذلك ردة فعل عاطفية مع أن العواطف مطلوبة، لكن نأمل أن نضع خطة متكاملة فيها الذب عن النبي قولاً وفعلاً فنواجه من يعتدي عليه، وعلينا أن نجتهد في تعريف العالم بشخصية النبي الكريم على شتى الصعد، ولعلنا بذلك إن اجتهدنا أن نكفِّر عن تقصيرنا، ونساهم في رفع العقاب عنا لو سكتنا عن منكر عظيم كهذا. البيان: ما رأيك بالمقاطعة الإسلاميَّة لمنتجات الدانمارك: هل ستؤثر سلبياً على المنتجات الدانماركيَّة؟ لأنَّ بعضهم يقول إنَّ المقاطعة فكرة غير ذات جدوى اقتصادياً؛ لأنَّ هذه المنتجات الدانماركيَّة تندرج تحت قائمة الامتياز التجاري، فالمتضرر من المقاطعة هم الوكلاء التجاريون، الذين يحملون امتياز بيعها في البلاد، فما رأيكم بهذا القول؟ ٣ موضوع المقاطعة من باب: (آخرُ الدواء الكيّ) ، واسمحوا لي أن أقول إن المقاطعة ستؤثر دون شك اقتصادياً على الدانمرك، لكن خسارة الدانمرك القيمية والمعنوية أكبر بكثير من خسارتها المادية؛ لأن خسارة المال قد تعوض مثلاً من الاتحاد الأوروبي أو غير ذلك، لكن الذي خسرته الدانمرك اليوم هو سمعتها التي ينبغي أن تكون جميلة على مستوى العالم وهي التي لديها مقدرات تعينها على أن تتبوأ منزلة قويَّة في عالمنا اليوم. ونحن حذرنا الدانمرك أن عواقب العناد على هذه الإساءة قد تكون أكبر من كل التوقعات، وما حصل اليوم خير دليل على صدق نصحنا للمجتمع الدانماركي وحتى لا يتضرر بسبب فعلة الجريدة تغاضي الحكومة. لذا فإن ضرر هذه الحملة لن يقتصر على وكلاء الشركات، بل على الشركات نفسها؛ ولو لم يكن لها فعل في ذلك، لكنا نعلم أنه ما من أسلوب يراد منه الضغط لانتزاع حق إلا وسيكون معه مثل ذلك ولكنه مفيد عندما يتأثر المتضرر مادياً فيضغط مع المسلمين المتضررين معنوياً لانتزاع الحق بالقهر بعد أن سلب ولم يرجع بالنقاش والحوار. البيان: ما العوامل الدافعة للنيْل من رسول الله ﷺ ؟ وهل ذلك يمثِّل مخطَّطاً صليبياً للكيد للإسلام؟ ٣ أرى ـ والله أعلم ـ أنه في المخزون الفكري لدى غالبية الأوروبيين نوع من توارث عداء تقليدي للإسلام وللنبي ﷺ ولو اتصفوا بالعلمانية؛ لذا لا أستطيع أن أنفي وجود دوافع دينية غير ظاهرة، إلا أن الدافع السياسي أظهر؛ وذلك من تصريحات عدة تدل على أن الغاية منها هو تحدي المسلمين لاستفزازهم تمشياً مع نغمة الجرأة على الإسلام على وقع أنغام (الحرب على الإرهاب) ، واختيار النبي ﷺ بالذات للطعن به، وذاك مقدمة للطعن بدينه كله، ولعلمهم بمكانته وقدسيته؛ فهو أفضل اختيار لاستفزاز المسلمين عبره. البيان: هل ترى أنَّ هذه السخرية لجسِّ نبض المسلمين، تجاه دفاعهم عن رسول الله ﷺ ؟ ٣ إن التأمل في الواقع ليس داخل الدانمرك فحسب بل على صعيد أوروبا قاطبة، إن لم نقل العالم؛ يدفع إلى الخشية من أن تكون هذه الفعلة عبارة عن (بالون اختبار) لجس نبض الساحة داخلياً وخارجياً، ومن ثَم سيكون مستوى الرد مؤشراً على حجم وقوة وتفاعل المسلمين ومدى بقاء الإسلام حياً في نفوسهم. ثم يتبع ذلك تعميم لهذه التجربة ونتائجها. وهذا ما نخشاه أن يُجعَلَ النبي ﷺ محل تجربة (والعياذ بالله) ويعقب ذلك خطوت متبنَّاة في الغرب حسب إيحاءات مستوى ردة الفعل الإسلامي. البيان: ألا يتعارض ذلك مع حرية التعبير؟ وهل تجرؤ الصحف الدانماركيَّة بفتح المجال لنقد الصهاينة وبخاصَّة مسألة (الهولوكوست) التي استُغلَّت أيما استغلال مما يفضح ديموقراطيَّتهم المزعومة؟ ٣ المشكلة أن التخفي وراء شعار حرية التعبير، يعتبر حيدة عن الحقيقة، وذلك أننا نجد المعايير مزدوجة، وإننا لنعجب لما تكون الحرية في أوسع مجالاتها عندما يتعلق الأمر بالإساءة للإسلام، أما في غيره فإنَّا نجد لها حدوداُ، فإن الكلام عن السامية عموماً فضلاً عن التشكيك في المحرقة أصلاً أو وصفها حجماً وكمّاً، ومجرد الحديث عن ذلك لا يُسمح به تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير؛ فهذه الأمور ريب وشكوك؛ علماً أن الحرية بمعناها المعروف أنها التي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين. وقد يكون حسناً هنا التنبيه في وقت يراد أن يصوَّر فيه المسلمون على أنهم الأعداء العظام للحرية، فنقول إن الحرية أمر قد نادى به ديننا حتى في أدق الأمور، بل أجلِّها وهو التوحيد: ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فالخلاصة أن الحرية تكفل لك أن تدين بما تشاء لا أن تتهكم بمن تشاء. ومن العجب أن يطالب المسلمون دائماً باحترام الآخرين وقيمهم ومقدساتهم مهما كانت باطلة ونجد في الوقت نفسه محل هجمة شرسة علينا، فنطالب إذاً بعمل متناقض أن لا ننتقدهم، وأن نقبل في اللحظة ذاتها إساءتهم فتأمل! البيان: ما دور عقلاء النصارى أمام هذه الهجمة؟ ولماذا هذا السكوت الكنسي عن سب رسول الله ﷺ ؟ ٣ إن ديننا علمنا الإنصاف ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وقد سمعنا بعض الأصوات المستنكرة هنا لهذا الفعل، لكنها كانت خافتة، وهذا طبيعي فلن تكون بحجم ردة فعل المسلم، وما كان منها وإن كان قليلاً هادئاً ليس فيه الحماسة الكافية إلا أنه لم يبرز بالشكل الكافي حتى لا يعكر على الجو العام السائد الذي يريد تفعيل هذه الأزمة - للأسف -. البيان: ألا ترى أنَّ ذلك يسبِّب مشكلة وخطورة على الدانمارك، بمعنى أنه سيفتح عليها جبهات قد تؤذيها ممَّا يؤجِّج ويزيد حال العداوة من المسلمين تجاه الغرب؟ ٣ لقد حذرنا مراراً الدانمارك من مغبة تلك الفعلة النكراء، ولكن للأسف بدل أن يحمل كلامنا محمل المشفق الناصح الأمين، حُوِّر الكلام حتى صُوِّر وكأنه تهديد، وقلنا مراراً إن هذا سيزيد الإحساس بالغبن مما يضاعف من مشاعر الكراهية من المسلمين للغرب والعكس أيضاً، ولكن العناد لم يكن يوماً طريقاً صحيحاً للحوار والتفاهم، ويكرس الهوة الكبيرة بين الثقافتين إن لم يكن مقدمة عملية لتأجيج حرب حضارات. البيان: ما رأيك ببعض المواقع على الإنترنت وتدَّعي الانتساب للإسلام، تضع استفتاء عن سب الرسول ﷺ وهل هو مقبول بدعوى حرية الرأي أم لا؟ ٣ إن قضية تعظيم الرسول الكريم ﷺ عموماً لا سيما مقابل أي إساءة أو إرادة انتقاص فإنه ينبغي أن لا تحمل في ثناياها أي ضعف، بل ينبغي أن تكون كل المؤشرات في سياق واحد وهو التعظيم، وإني أرى أنه من الخطأ أصلاً التقليل من شأنها لتُجعل محل نقاش، بل ينبغي أن يكون مستقراً أنها لا دخل لها إطلاقاً بمبدأ حرية الرأي، بل كان ينبغي أن يكون التساؤل حاملاً في طياته النكير الكبير وليس هذا الأسلوب الذي يوهم أنه من الممكن أن تكون هذه القضية قابلة للنقاش. البيان: كلمتكم تجاه رجال الأعمال الكبار الذين قاطعوا المنتجات الدانماركيَّة؟ ٣ من الأمور القطعية التي لا مرية فيها أن حب النبي ﷺ أعظم من حب الولد والوالد والمال بل والنفس؛ وعليه فإنَّنا نفديه بآبائنا وأمهاتنا وكل شيء يرخص فدى رسول الله ﷺ ، وإن كل من ضحى بشيء إكراماً لرسول الله فإني أقول له: عوَّضك الله خيراً، بل قد عوَّضك؛ لأن مجرد حبك للنبي هو أخير وأفضل من الدنيا وما فيها. وأقول للجميع إن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً في الدنيا والآخرة، وإنه لجميل جداً أن نرى أن الكل يعبر عن حبه لرسول الله؛ كل بحسبه، وكل بطريقته، وإنه ما دامت النوايا خالصة فإنه لا يضيع شيء عند الله، ويكفي من يفدي رسول الله أن يطمح إلى نيل شفاعته يوم القيامة وصحبته في جنات النعيم - اللهم آمين. البيان: سمعنا أنَّ الدانماركيين بيَّتوا نيَّة إحراق المصاحف في أكبر ساحة في كوبنهاجن نرجو منك التوضيح لملابسات هذا الحدث؟ ٣ الحمد والمنة لله وحده أنه لم يحصل شيء من ذلك أبداً، والقضية قد بدأت بالظهور بعد إحراق العلم الدانمركي - أول مرة في فلسطين - والعَلَم عندهم له قدسية مما مكَّننا أن نحتجَّ عليهم ألا ينكروا علينا انزعاجنا من إهانة مقدساتنا كما حصل لهم عند إحراق علمهم. المهم أنه بُعَيْد ذلك انتشرت رسالة قصيرة عبر الجوال وكان انتشارها سريعاً جداً - كعادة الفتن - ولم يعرف مصدرها الأصلي وطبعاً لم تتجرأ أي جهة على تبنيها وكان فيها دعوة الشباب الدانمركي للتجمع في الساحة العامة يوم السبت في ٤/٢/٢٠٠٦ وذلك لإحراق المصحف الشريف ـ عياذاً بالله ـ ولكن وبعد إبلاغنا الجهات الأمنية وتحذيرنا لهم من كون هذا العمل سيحدث ردة فعل أعظم مما أحدثته الرسومات، فإنهم وعدوا بملاحقة الأمر ومنع حدوثه، ونحن بدورنا نصحنا بعدم تناقل تلك الرسالة حتى لا تشيع بل تخبت، ونعمل على وأدها، وفي هذا اليوم الموعود احتشد عدد كبير من المسلمين لا سيما الشباب مع وجود مكثف للشرطة، بل مع وجود بعض الدانمركيين المتعاطفين أو الخائفين من عواقب هذا الفعل، وقد حصلت هناك مواجهات ولغط أعقبه توقيف البعض، وتحولت الحشود من ساحة لأخرى ولكن باءت كل المحاولات بإحراق المصحف بالفشل الذريع؛ فالحمد لله على ذلك؛ علماً أن شعار المسلمين يومها كان (لا يمكن أن يحرق المصحف وفينا عرق ينبض) وطبعاً كلنا يعلم أن الحكومة ليس من مصلحتها الإذن بمثل هذا الأمر حتى لا تدخل نفسها في أزمة أكبر. البيان: هل صحيح أن الجريدة التي رسمت صور مسيئة لرسول الله ﷺ رفضت قبل سنتين أن ترسم صوراً للمسيح عيسى بن مريم، وإذا كان ذلك صحيحاً أفلا ترى أنَّ في ذلك تناقضاً صارخاً في دعاوى الحريَّة؟ ٣ نعم! لقد صرح غير واحد من المطلعين بل المتخصصين أن الجريدة في عام ٢٠٠٣ عُرضت عليها رسومات للمسيح ﵇ تحكي قيامته - عندهم - إلا أنهم بادروا برفضها، وعللوا ذلك أنهم سيغضبون القراء، ولن يروق لهم مشاهدة تلك الرسومات وقد تثير احتجاجات هم بغنى عنها، وقد أوردت هذا الخبر جريدة محلية دانمركية إلى جانب المواقع العالمية. وقد شاع خبر أن الصحيفة ستنشر هذه الصور ورسومات عن اليهود يوم الأحد القادم، ولعل ذلك مرده إلى مقابلة أجرتها (CNN) مع المحرر الثقافي الذي نشر الرسومات المسيئة لنبينا ﷺ . وقد رفع أثناء المقابلة رسم قنبلة عليها نجمة الصهاينة؛ إلا أنه بُعَيْد المقابلة وعلى موقع جريدتهم ظهر اعتذار واضح وصريح على لسان هذا الشخص امتثالاً لأمر رئيس التحرير يقول: لا يمكن أن ننشر شيئاً عن المسيح أو الهولوكوست. والأعجب من ذلك كله ـ وهو آخر خبر ـ أن المخطئ - رغم اعتذاره - قد أُعطِيَ في إجازة مفتوحة. فتأمل مدى حرية الرأي والتعبير، وكيف أنها تطبق في مجال وتمنع في آخر، ألا ينبغي بعد ذلك كله أخذ إجراءات صارمة لمنع مثل هذه الترهات تحت هذه الشعارات الزائفة؟ البيان: هل الشعب الدانماركي يجهل حقيقة المصطفى ﵊ وبماذا توصي المسلمين لتبيين حقيقة رسول الله ﷺ للشعب الدانماركي؟ ٣ إنما جرى ويجري وما واكب ذلك من مواقف يدل بوضوح على جهل القوم بشخصية نبينا الكريم ﷺ ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد، بل الخلفية الفكرية والثقافية التي أقصت الدين عن كل مناحي الحياة وأضعفت في النفوس معاني الاحترام والقداسة، كل ذلك لعب دوراً كبيراً في الجرأة على نشر تلك الرسومات يدل عليه موافقة أكثرية (حسب إحصائهم) وعدم مبالاة الباقين؛ لأن القضية لا تعنيهم، وكأن شيئاً لم يكن؛ لذا فإنه ولا سيما بعد تكرار نشر تلك الرسومات في أغلب البلاد الأوروبية فإنه لا بد من السعي على جهتين: الأولى: جهة دعوية تُعنَى بتوصيل رسالة الإسلام وسماحته لهؤلاء عبر كل الوسائل المتاحة، بل ابتكار كل ما من شأنه أن يوصل هذا الصوت المبارك. وهنا أنصح بالتنسيق الكامل بين العلماء الربانيين وبين المثقفين المأمونين الذين يعون الغرب تماماً وكيف يمكن مخاطبته. الثانية: الجهة القانونية؛ وذلك بالعمل لاستصدار قانون دانمراكي، بل أوروبي إن لم أقل عالمياً، يحرم نشر مثل تلك الأمور بل يعاقب ويجرم مرتكبيها؛ لأنه إن غابت القداسة لم يعد ثَّمَ وازع يردع، ولم يبق إلا الجانب القانوني؛ لأنه يُحترَم في الغرب ويردع كثيراً لخوفهم من عواقب المخالفة؛ فإن تحقق فهو خير عظيم؛ لأنه يجلب مصلحة ويدفع مفسدة. البيان: السؤال الأخير: سمعنا أنَّ رئيس تحرير إحدى الجرائد المتورِّطة قدَّم اعتذاراً شفهيّاً للجالية المسلمة بالدانمارك، وأنَّ الدانمارك نفسها قدَّمت اعتذاراً للمسلمين، برأيكم هل هذا صحيح، وهل آتى هذا الاعتذار أُكُله، وخصوصاً أنَّ الاستهزاء عاد مرَّة أخرى في يوم ٢٢ و٢٣ من الشهر الجاري؟ ٣ أخي الكريم أحب أن أشهد شهادة للتاريخ أُسأل عنها أمام الله أنه حتى هذه اللحظة ١١/١/١٤٢٧هـ لم يصدر أي اعتذار من جانب الدانماركيين على الصعيدين الرسمي أو الإعلامي من قِبَل الجريدة، عما نشر من إساءة لنبينا محمد ﷺ . أما من جهة الجريدة فإنها إبَّان ظهور الضجة العارمة، ولا سيما المقاطعة التي نودي بها في بلاد الحرمين، فإنَّ الجريدة وجَّهت خطاباً - باللغة العربية - على صفحتها في الإنترنت عنونته بـ (إلى مواطني المملكة العربية السعودية المحترمين) وقد تضمن هذا المقال أغاليط كثيرة، كنت قد رددت عليها بمقال هو على صفحتنا www.islamudeni.net عنونته (ردود موثقة على مزاعم ملفقة) وغاية ما في خطابهم الأسف لمشاعر الحزن التي لحقت بالمسلمين جراء نشر تلك الرسومات، وليس فيه أي اعتذار عنها أو عن نشرها. وكان ذلك محاولة ماكرة من الجريدة بعد ضغوط كثيرة عليها من داخل الدانمارك (سياسياً واقتصادياً) بتحميلها مسؤولية ما يجري على الدانمارك، فأرادت بذلك تخفيف الحملة ظناً منها أنها بذلك ستنهي المشكلة. ولا ينقضي عجبنا هنا من هذا الإصرار على معاملة المسلمين وكأنهم غير عقلاء لا يفهمون ما بين السطور. ولما لم تجد أن رسالتها هذه قد أفادت، ومع تزايد الضغوطات المترامية الأطراف عمدت الجريدة إلى حيلة عجيبة سبقت خروج رئيس تحريرها على التلفاز الدانماركي بلحظات وهو يتبجح قائلاً: إنَّ الرسومات لا تخالف القانون وأنه لن يعتذر عن نشرها، ولكن بعد لحظات تفاجأ المراقبون بمقالهم باللغتين العربية والدانماركية وعلى موقعهم بعنوان صريح وواضح (صحيفة اليولاند بوستن تعتذر عن الإساءة للمسلمين) وقدم لمقال أرسله رئيس التحرير لوكالة الأنباء الأردنية بجملة ليست فيه أصلاً (تعتذر صحيفة اليولاند بوستن، وبما لا يدع مجالاً للشك على أنها أهانت العديد من المسلمين من خلال رسومات للنبي محمد) . ولكن الريبة من هذا الكلام كان سيد الموقف؛ لأنه في ثنايا المقال ليس هناك اعتذار واضح، بل تلاعب مُرِّر معه التدليل على قانونية نشر تلك الرسومات، ولكن انجلت الأمور بعد أربعين دقيقة تماماً عندما سحبوا هذا المقال ووضعوا الكلام الأصلي بعنوان مغاير تماماً (حضرات المواطنين العرب) وليس فيه تلك الجمل المصرحة بالاعتذار، وقد حصل ذلك كله يوم الإثنين ليلاً في ٣٠/١/٢٠٠٦ وكأنها مخادعة إعلامية من أجل تمرير الخبر ليهدأ العالم الإسلامي وللأسف تلقفت بعض القنوات هذا الاعتذار المزعوم، وقامت بدور مشبوه في إقناع المشاهد أن الاعتذار قد حصل، وأن الله قد كفى المؤمنين القتال. ولما لم يُجْدِ ذلك نفعاً غيَّروا عنوان المقال فقط (حضرات المواطنين المسلمين) وهكذا أصبح مقال رئيس التحرير وكأنه نص من كتابهم المقدس له عدة شروحات وتفسيرات! كيف وقد طالعنا رئيس التحرير مراراً عبر التلفاز وعلى صفحات جريدته بما يتعارض مع مزاعم الاعتذار كان من آخرها مقال يوم ٩/١١/١٤٢٧هـ حاول فيه إقناع الرأي العام عن مدى إيجابيته ومدى استعداده لحوار المسلمين كي تنتهي الأزمة وقد ضمن رسالته هذه ثلاثة شروط: الأول: قد يعتذر ولكن عن الإساءة الناتجة عن نشر الرسومات، وليس عن الرسومات نفسها ولا عن نشرها. الثاني: مطالبته المسلمين بتوقيع على إقرار (الديمقراطية الدانمركية) والتي أخبرنا مراراً أنها تبيح له فعلته هذه، وأن عمله على ضوئها قانوني تماماً وكأنه يريد منا ما قاله الله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا﴾ . [النساء: ٢٧] الثالث وهو الأدهى - وقد سحب بعد سويعة من هذا المقال -: أنه لا يستطيع أن يعد المسلمين بعدم تكرار إهانتهم مرة أخرى!! فتأمل بارك الله فيك! أيعقل بعد ذلك كله أن يقال إنهم قد اعتذروا؟! أما من الجهة الرسمية فهناك إصرار على أنهم لا يمكنهم الاعتذار عن عمل الصحيفة ولا حتى التنديد بعملها. والذي التبس على الناس ما قاله رئيس الوزراء أنه يرحب باعتذار الجريدة (الذي بينَّا حاله سابقاً) بينما في صبيحة تلك الليلة المخادعة عنونت الصحف نقلاً عن رئيس الوزراء: (لن نعتذر) فهل يعقل قبول اعتذار خجول وغير واضح ولا ثابت ولو لساعات، بل حتى لم ينشر على صحيفتهم اليومية، بل نشروه على موقعهم لغاية غير مخفية؟

стр. 5533

وقفات شرعية مع جريمة الإساءة إلى مقام النبي ﷺ - الشيخ محمد بن صالح المنجد ساء كلّ مسلم غيور على دينه ما قام به السفهاء المجرمون من الاستهزاء بنبينا محمد ﷺ وهو أفضل من وطئت قدماه الثرى، وهو سيد الأولين والآخرين صلوات ربي وسلامه عليه. وهذه الوقاحة ليست غريبة عنهم؛ فهم أحق بها وأهلها؛ فقد كفروا بالله ـ تعالى ـ وسبوه ونسبوا إليه الصاحبة والولد. فماذا ينقم هؤلاء من سيد البشر محمد ﷺ ؟! هل ينقمون منه أنه دعا إلى توحيد الله ـ تعالى ـ وهم لا يؤمنون لله بالوحدانية؟ أم ينقمون منه أنه عَظَّمَ ربه تبارك ـ وتعالى ـ ونزَّهه عما يقوله هؤلاء المفترون، وهم ينسبون إليه النقص والصاحبة والولد؟ أم ينقمون منه أنه دعا إلى معالي الأخلاق، وتَرْك سفسافها، ودعا إلى الفضيلة، وسد كل باب يؤدي إلى الرذيلة، وهم يريدونها فوضى أخلاقية وجنسية عارمة؟ يريدون أن يغرقوا في مستنقع الشهوات والرذيلة، وقد كان لهم ما أرادوا! أم ينقمون منه أنه رسول الله؛ والله ـ تعالى ـ هو الذي اصطفاه على الناس برسالته ووحيه؟ ودلائل نبوته ﷺ أكثر من أن تحصر: شق الله له القمر ليُري الكفار آية، ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ مرات، وتكلمت الشاة المسمومة فأخبرته أن بذراعها سُمّاً، وأعطاه خمساً لم يعطهن أحداً من الأنبياء قبله، منها نصره بالرعب مسيرة شهر، وبعثه للناس كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] . أم لم يسمعوا عن آيته الكبرى، هذا القرآن الكريم، كلام رب العالمين، الذي حفظه الله ـ تعالى ـ فلم تمتد إليه يد العابثين المحرفين، أما كتبهم المنزلة على أنبيائهم فتلاعبوا بها أيما تلاعب: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] . بل من أعظم الأدلة على صدق نبينا محمد ﷺ ، بقاء دينه هذه القرون الطويلة ظاهراً منصوراً، وقد كان أمره ﷺ في حياته دائماً إلى ظهور وعلو على أعدائه، وحكمة الله ـ تعالى ـ تأبى أن يُمَكِّن كاذباً عليه وعلى دينه من العلو في الأرض هذه المدة الطويلة، بل في كتبهم التي كتمها علماؤهم وحرفوها أن الكذاب (مدعي النبوة) لا يمكن أن يبقى إلا مدة يسيرة ثم ينكشف أمره ويضمحل. كما ذُكِر عن أحد ملوكهم أنه أُتِي برجل من أهل دينه (نصراني) كان يسب النبي ﷺ ، ويرميه بالكذب، فجمع الملك علماء ملته، وسألهم: كم يبقى الكذاب؟ فقالوا: كذا وكذا. ثلاثين سنة، أو نحوها، فقال الملك: وهذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة، أو ستمائة سنة (يعني: في أيام هذا الملك) ، وهو ظاهر مقبول متبوع؛ فكيف يكون هذا كذاباً؟ ثم ضرب عنق ذلك الرجل (١) !! ألم يعلموا أن كثيراًً من عقلائهم وملوكهم وعلمائهم لما وصلت إليهم دعوة الإسلام بيضاء نقية لم يملكوا إلا الإقرار بصحة هذا الدين، وعَظَّموا النبي ﷺ ، ومنهم من أعلن الدخول في الإسلام. فقد أقر ملك الحبشة النجاشي بذلك، ودخل في الإسلام. ولما أرسل النبي ﷺ كتاباً إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى الإسلام أقرّ هرقل بصحة نبوته، وهمّ أن يُعلن إسلامه وتمنى أن يذهب إلى الرسول ﷺ ويكون خادماً عنده، إلا أنه خاف على نفسه من أهل ملته ثم ضنَّ بملكه وأخذته شهوة الرئاسة، فبقي على الكفر ومات عليه. ولم يزل الكثير من مفكريهم وكتّابهم ومؤرخيهم المنصفين يعلنون الثناء على محمد ﷺ . ١ ـ برنارد شو الإنكليزي، له مؤلف أسماه (محمد) يقول: «إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوّاً للنصرانية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للنصرانية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوُفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمِّن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها» . ٢ ـ ويقول آن بيزيت: «من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علَّم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء» . ٣ ـ شبرك النمساوي: «إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها؛ إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته» . ٤ ـ ويقول (جوته) المفكر الألماني: «إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مَثَلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد، وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد» (٢) . وقد ميز الله نبينا محمداًً ﷺ وكرَّمه بعدد من المعجزات الباهرات كما خصه بأشياء دون غيره من الأنبياء، ومعرفة هذه الخصائص تزيدنا في معرفة النبي ﷺ وتجعلنا نحبه ويزداد إيماننا به فنزداد له تبجيلاً ونزداد له شوقاً. والخصائص النبوية: (هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي ﷺ وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء وإمّا عن سائر البشر) . فاقَ البُدورَ وَفاقَ الأَنبِياءَ فَكَم بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُسنٍ وَمِن عِظَمِ وخصائصه ﵊ التي اختُص بها دون بقية الأنبياء ﵈ كثيرة، دنيوية وأخروية. ٣ فمن الخصائص الدنيوية: اختصاصه ﷺ بأن آيته العظمى في كتابه وبأن كتابه مشتمل على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وفُضِّل بالمفصَّل وبخواتيم سورة البقرة وببقاء معجزته إلى يوم الدين. جاءَ النبِيّونَ بِالآياتِ فَانصَرَمَت وَجِئتَنا بِحَكيمٍ غَيرِ مُنصَرِمِ ومنها: اختصاص النبي ﷺ بكونه خاتم النبيين وبإرساله إلى الثقلين ومنها: اختصاص النبي ﷺ بأن السماء حُرست بمبعثه، وباختصاصه بالإسراء والمعراج، وأنه ﵊ أَمَّهم جميعاً فكانوا وراءه، هو الإمام وهم المأمومون، واختصاصه بأخذ الميثاق له من جميع الأنبياء بالإيمان به ونصرته وأنه سيد ولد آدم، وبأنه أوتي مفاتيح خزائن الأرض. ٣ وأما خصائصه الأخروية فمنها: اختصاصه ﷺ بأنه أول من تُشَق عنه الأرض يوم القيامة وبإعطائه لواء الحمد، وبأن الله ـ تعالى ـ يبعثه يوم القيامة مقاماً محموداً وأنه أول من يدخل الجنة يوم القيامة، وبأنه أول شفيع في الجنة وأول من يقرع بابها، وبأنه أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة ويدخل من أمته الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، وبأنه أول من يجوز الصراط من الرسل بأمته وبإعطائه الكوثر: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] . ربَّاكَ ربُّكَ.. جلَّ من ربَّاكا ورعاكَ في كنفِ الهدى وحماكاَ سبحانه أعطاك فيضَ فضائلٍ لم يُعْطها في العالمين سواكاَ ولما كان ذلك كذلك فإن من واجب العالم كله ـ ولا محيص له عن ذلك ـ أن يجعل عظمة محمد ﷺ في الخلق جميعًا فوق كل عظمة، وفضله فوق كل فضل، وتقديره أكبر من كل تقدير، ويجب على العالم أجمع أن يؤمن برسالة محمد ﷺ ، وأنه خاتم أنبياء الله الكرام. ونحن نغتنم هذه الفرصة وندعو هؤلاء إلى الإسلام، فإن ما اقترفته أيديهم الآثمة لا يمحوه إلا الإسلام، فإن عاندوا وكابروا وأصروا على ما هم عليه فليبشروا بعذاب النار خالدين فيها أبداً. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] . وقال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» رواه مسلم (١٥٣) . ٣ ولنا مع هذا الحدث وقفات: | أولاً: مصالح وبشارات: قال الله ـ تعالى ـ: ﴿عَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] . وقال الرسول ﷺ : «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ» رواه مسلم (٢٩٩٩) . وقديماً قيل: قد يُنْعِمُ اللهُ بالبلوى وإنْ عَظُمَتْ ويبتلي اللهُ بعضَ الخلقِ بالنعمِ وقيل: وربما صحت الأبدان بالعلل. فما وقع من الاستهزاء أثار حميّةَ المسلمين للهِ ـ تعالى ـ ولرسوله ﷺ ، وأيقظهم من سباتهم، وبصّرهم بأعدائهم؛ فهي طعنة آلمتنا ولكنها أيقظتنا، وقد قال الله ـ تعالى ـ في حادثة الإفك التي هي صورة من صور أذيَّته ﷺ : ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ١١] . فمثل هذه الهجمات صارت سبباً في حصول خير كثير للمسلمين، وحصول الخزي والصغار لأعدائهم، فمن ذلك: | اختلاف الأعداء وانقسامهم: إذ حصل خلاف بين الشركات الكبرى التي تأثرت من المقاطعة من جهة والجهات التي نشرت ما نشرت من جهة أخرى، كما انقسم الشعب الدانماركي على نفسه إزاء ما حصل: هل هو فعلاً من حرية الرأي؟ أم أنه اعتداء وعدوان؟ | علو الصوت الإسلامي: فهذه الأزمة أعادت الاعتبار للمسلمين وجعلت لهم وزناً، وأصبح كل حاقد على الإسلام يعيد حساباته قبل أن ينال من الإسلام وأهله. وتملَّق الكثير من المنافقين للمد الإسلامي، واشترك بعضهم في المقاطعة قائلاً: لقد تعدَّت القضية الخط الأحمر، بل حتى إن بعض القنوات الهابطة أصبحت تعلن أخبار الغضب الإسلامي وتظهر تأييده، وفرضت مجريات الأحداث على وسائل الإعلام العالمية أن تقوم بتغطيتها تغطية كاملة، وتكلَّم الساسة الكبار وزعماء الدول وأدلوا بتصريحات حول الموضوع. | في الأمة خير كثير: أثبتتْ هذه الحادثة الدنيئة، أنَّ أمّتنا أمّة عظيمة، وأنها إذا مرضت فإنها لا تموت، وفيها رجال يذودون بكل ما أوتوا دونَ نبيّهم الكريم ﷺ ، وأن فيها خيراً كثيراً، ولكنها تعيش فترة من التخدير والخمول، وأنها إذا استيقظت فستتحرك كالبركان، وهذا ما رأيناه من التسابق في المساهمة والبذل، وما نسمعه من استنفار الأمة كلها، والتحرك في جميع المجالات؛ حيث شارك في هذه الحملة المحامون والتجار والصناع والأكاديميون والطلاب والصغار والكبار والرجال والنساء. ـ توحيد صفوف المسلمين، فرأينا ـ ولله الحمد ـ تكاتف المسلمين وتبنّيهم لنفس المواقف، وإن اختلفت البلدان، واللغات. ويمكننا القول: إن الأمة الإسلامية في العصر الحديث قلَّما قابلت حدثاً كان له مثل هذا التأثير. عرضي فدا عرض الحبيب محمد وفداه مهجةُ خافقي وجَنانيِ وفداه كلُّ صغيرنا وكبيرنا وفداه ما نظرت له العينانِ ـ إحياء جذوة الإيمان في قلوب المسلمين، فقد رأينا من ردة فعل المسلمين ما يدل على محبتهم للنبي ﷺ ، حتى من عنده شيء من التفريط في بعض واجبات الدين، ثار دفاعاً عن الرسول الكريم ﷺ . ولا عجب في ذلك؛ فإن للرسول ﷺ في قلوب المسلمين المكانة العظمى والمحبة الكبرى. ـ ظهر في الأزمة أن أهل التوحيد الخالص هم أهل النصرة والمحبة الحقيقية، بخلاف بعض أهل البدع والخرافات الذين ضعفت أصواتهم ـ إلا ما قلَّ ـ في الذود عن عرض النبي ﷺ في أوَّل الأمر، فدعوى محبة النبي ﷺ وآل بيته وحدها لا تكفي، بل لا بد من النصرة بالقول والعمل والمبادرة إلى ذلك. ـ تبين من الأزمة حرص عدد من الغيورين على الدعوة إلى الإسلام، وبيان الصورة المشرقة الحقيقية لهذا الدين، من خلال ما رأينا من تسابق الكثيرين إلى طباعة الكتب بلغة أولئك وبذل المال في سبيل هذا، وهذا مظهر يُحمَد ويحتاج إلى ترشيد ووعي. ـ مسايرة الإعلام وبعض كبار المسؤولين لمواقف الشعوب الإسلامية وحركتها المباركة. ـ إرسال رسالة واضحة للغرب، أننا ـ نحن المسلمين ـ لا نرضى أبداً أن يُمَسَّ دينُنا أو يُنَال منه، أو يعتدى على رسولنا؛ فكلّنا فداء له؛ بأبي هو وأمي ﷺ . فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضي لعِرضِ محمدٍ منكم فداءُ | ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ : قال ابن سعدي ﵀: (وقد فعل ـ تعالى ـ فما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله ﷺ وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة) ، فهذه الجريمة النكراء ـ مع أنها تمزق قلوبنا، وتملؤها غيظاً وغضباً، ونود أن نفدي رسول الله ﷺ بأنفسنا ـ إلا أنها مع ذلك مما نستبشر به بهلاك هؤلاء، وقرب زوال دولتهم؛ إذ الله ـ تعالى ـ يكفي نبيه ﷺ المستهزئين المجرمين. وقد كان المسلمون إذا حاصروا أهل حصن واستعصى عليهم، ثم سمعوهم يقعون في النبي ﷺ ويسبونه، يستبشرون بقرب الفتح، ثم ما هو إلا وقت يسير، ويأتي الله ـ تعالى ـ بالفتح من عنده؛ انتقاماً لرسوله ﷺ . «الصارم المسلول» (ص ١١٦-١١٧) . وشواهد التاريخ كثيرة على هلاك وفضيحة المستهزئين بالنبي محمد ﷺ . | ظهور اتحاد الغرب على الإسلام: فما أن استنجدت تلك الدولة باتحادهم حتى وقفوا جميعاً بجانبها، وتواصى بعض المجرمين على نشر هذه الصور في صحافتهم تعاوناً على الإثم والعدوان وتفتيتاً للمقاطعة وتأكيداً لحرية النشر بزعمهم، وكان بعض ساستهم يأسف لإهانة مشاعر المسلمين ثم يتصل بكبير الدانمارك ليؤيده ويقول: ﴿إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ، حتى يُعلموا المسلمين أنهم جميعاً في خندق واحد، وأننا لا نستطيع مواجهتهم جميعاً. | ظهور الحقد الصليبي الدفين: حيث عبَّر بعض مسؤوليهم عن أنه لا بد من إيقاف المقاطعة ولو أدى ذلك إلى شن حرب صليبية جديدة، وهذا وإن لم يصرح به كثير منهم إلا أنها زلة تمثل رأي طائفة منهم: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] . | اتضاح غطرسة الغرب وعناده: فهو يرفض الاعتذار حكومةً وشعباً وينظر للمسلمين نظرة استحقار، بل يصرح بعض مسؤوليهم أنهم لا يريدون الاعتذار ولا يرغبون فيه. | اتضح في هذه الأزمة موقف المنافقين: وهم الواقفون مواقف الرّيبة من هذه الجريمة، إمّا بالسّكوت تارة، أو بالتّبرير تارة، أو بالتّهوين تارة، أو بالاستهزاء من استنكار المسلمين لهذه الجريمة تارات وتارات. | ازدياد أهمية التقليل من الحجم الهائل لمستوردات الدول الإسلامية من العالم الغربي: والسعي للتعويض عن ذلك بمنتجات دول إسلامية أخرى من خلال اشتراك الموارد مع المال مع الخبرات. | ظهور جدوى تلك المقاطعة التي قام بها المسلمون لمنتجات المعتدين على مقام الرسول الكريم ﷺ : فلم تتحرك دولتهم لمطالب رسمية أو سياسية، لكن لما قامت المقاطعة لم يمض عليها إلا أيام قليلة حتى هبت الصحيفة الآثمة ورئيس تحريرها لتدارك الأمر، وتغير أسلوب رئيس وزرائهم المكابر، فَلانَ شيئاً ما مع المسلمين ـ لا بل مع مصالحه ـ وبهذا يظهر سلاح جديد للمسلمين أفراداً وجماعات يمكن أن يستخدموه للتأثير على أعدائهم، وإلحاق الضرر بهم. ٣ المقاطعة الاقتصادية (١) : لا شك أن للاقتصاد في هذا الزمن تأثيراً كبيراً وفعَّالاً على مواقف الدول واتجاهاتها؛ وقد أصبحت الدعوة إلى مقاطعة البضائع والمنتجات التي تصدِّرها الدول التي تحارب المسلمين من وسائل الضغط عليها لتوقف أو تخفف من موقفها المعادي للمسلمين. وسلاح المقاطعة سلاح مؤثر بلا شك في المواجهة مع الأعداء. وقد استُخدم هذا السلاح قديماً وحديثاً. فقديماً: استخدمته قريش ضد النبي ﷺ فيما يسمى بـ «شِعْب أبي طالب» ، واستمر ثلاث سنوات، وكان تأثيره على المسلمين بالغاً. وهدد به ثمامة بن أثال قريشاً عندما منع الحنطة من بلاد نجد، حتى جاءت قريش وناشدت النبي ﷺ أن يأذن لثمامة أن يبيعهم الحنطة. والقصة في صحيح البخاري برقم (٤٣٧٢) . وأما حديثاً: فقد استُخدمت المقاطعة في الحرب العالمية بين المتحاربين، واستُخدمت مؤخراً ضد عدد من البلاد الإسلامية كالعراق وليبيا وأفغانستان والسودان. واستخدمتها الدول الإسلامية قبل معاهدات السلام ضد الشركات المتعاونة مع إسرائيل. وفي الحقيقة إن المتابع لمجريات الأحداث يلمس ما لهذه المقاطعة من آثارٍ كبيرة تدفع بعض الشركات إلى التبرُّؤ من العدوان والضغط على الساسة في بلدانهم لاتخاذ ما يوقفها. هذا من الناحية الواقعية، أما من ناحية الحكم الشرعي للمقاطعة الاقتصادية: فإن الأصل جواز معاملة الكفار بالبيع والشراء سواء كانوا أهل ذمّة أو عهد أو محاربين، فلا تُمنع المقاطعة، ولا تُشرع، ولكن هذا الحكم قد يتغير بالنظر إلى ما يترتب على المقاطعة الاقتصادية من مصالح أو مفاسد: فإذا غلب على الظن إفضاء المقاطعة الاقتصادية إلى الإضرار بالكفار الحربيين من غير أن يترتب على ذلك مفسدة تعود على المسلمين، فهنا يتأكد الأمر وقد يصل إلى الوجوب؛ فكل ما يُلحِق الضرر بمن أعلن لنا العداء مطلوب ومأمور به، ولا شك أن التعامل التجاري والاقتصادي الحاصل في هذا الزمن يباين التعاملات التجارية في الأزمان السابقة؛ فهو الآن أوسع وأشمل، ولا شك في ارتباط الاقتصاد الآن بالسياسة وتأثيره، وقد دعا النبي ﷺ على قريش أن تضَّيق عليهم معيشتهم؛ فعن ابن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ لما دعا قريشاً كذبوه واستعصوا عليه، فقال: «اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسبع يوسف» فأصابتهم سَنَةٌ حصّت كل شيء (أي أذْهَبَتْه) (١) حتى كانوا يأكلون الميتة، وكان يقوم أحدهم، فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجَهْد والجوع، فأتاه أبو سفيان فقال: أيْ محمد! إن قومك هلكوا؛ فادع الله أن يكشف عنهم. (صحيح البخاري ٤٨٢٣) . ففي هذا إشارة إلى استخدام السلاح الاقتصادي ضد الأعداء المحاربين. ـ وإذا كانت المقاطعة الاقتصادية لا يترتب عليها إضرار بالكفار، بل تعود على المسلمين أنفسهم بالضرر، فهنا يتوجه القول بالتحريم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنْهى عنه» . «مجموع الفتاوى» (١/١٦٤) . ـ وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصادية ستوقع الضرر بالكفار لكنها في المقابل ستوقع ضرراً بالمسلمين أيضاً؛ فهنا تعارضت مصلحة الإضرار بالكفار مع مفسدة وقوع الضرر على المسلمين، فينظر: فإن كانت المفسدة على المسلمين غالبة منعت المقاطعة، وإن كانت المصلحة بمقاطعتهم غالبة كانت مأموراً بها، وإن تساوت المصلحة والمفسدة فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ـ وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصادية لا مصلحة فيها من حيث الإضرار بالكفار، ولا مفسدة فيها على المسلمين، فلا حرج من القول باستحبابها؛ لأنها تكون من وسائل التعبير عن السخط ضد ممارسات الكفار العدوانية، فلو لم ينتج عن هذه المقاطعة إلا التعبير عن عقيدة الولاء بين أهل الإيمان والبراءة من أهل الشرك والكفران، والتعبير كذلك عن إرادة الشعوب الإسلامية لكفى، فهي على الأقل «تسجيل موقف للشعوب الإسلامية» . ٣ دعوات وشعارات تساقطت: لقد أظهرت هذه الأزمة حقائق كانت خافية على جمّ غفير من الناس؛ فهؤلاء القوم الذين ما فتئوا يدَّعون أن بلادهم رمز للحرية والديمقراطية، ويتشدَّقون باحترامهم لجميع الأديان، أظهرت هذه الأزمة ما تنطوي عليه قلوب هؤلاء المجرمين من الحقد والكره للمسلمين، وإن تظاهروا في كثير من الأحيان أنهم مسالمون: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] . ومنها: انكشاف تزوير الغرب في معاييره؛ فهنا يحتجُّون بحرية الرأي والتعبير، وكل عاقل يعلم أن حرية الرأي المزعومة تقف عند المساس بحرمة الآخرين والاعتداء عليهم، وهم كاذبون في دعواهم حرية الرأي؛ فكلنا يذكر ما حدث منذ سنوات قريبة عندما أقدمت حكومة إسلامية على تكسير أوثان وأصنام عندها، أقاموا الدنيا وما أقعدوها!! فأين كانت حرية الرأي المزعومة؟! ولماذا لم يعتبروا هذا أيضاً من حرية الرأي؟! وإذا كان الشرع والعقل بل والقانون يمنع الإنسان أن يتصرف في بيته بما يؤذي جاره، كالأصوات المزعجة أو الروائح الكريهة؛ فكيف تُقْدِم الصحيفة على هذه الجريمة التي فيها استهانة بمشاعر مليار و٣٠٠ مليون مسلم، ثم تحتج بحرية الرأي؟ ومنها: بيان بطلان ما يدعو إليه بعض المتغربين من أبناء جلدتنا بمثل قولهم: (لا تقولوا على غير المسلمين كفاراً، بل قولوا «الآخر» حتى لا تشعلوا نار الفتنة بيننا وبينهم) . فتبيَّن من الجريمة من الذي يكره الآخر، ولا يراعي حرمته ويعلن الحرب عليه. ومنها: كذب دعاويهم التي ملؤوا بها الدنيا من (حوار الحضارات) القائم على احترام الآخر، وعدم الاعتداء عليه!! فأي حوار يريدون؟ وأي احترام يزعمون؟ إنهم يريدون منا أن نحترمهم ونوقرهم ونعظمهم، بل ونركع لهم ونسجد، أما هم فلا يزدادون إلا استهزاءً بنا وسخرية وظلماً! ـ ومن المعاني التي تساقطت أيضاً في هذه الأزمة: انهزامية الأمة تجاه الغرب، فقد كان الغربيون ينظرون إلى الأمة الإسلامية كأنها الرجل المريض الذي أُصِيب بالشلل، فمهما ضربته فلن يتأوه، ولن يكون له رد فعل، ثم إذا بالموازين تنقلب بعد نشر تلك الرسومات، وبدأ رئيس الوزراء الدانماركي ـ الذي كان يرفض مجرد لقاء سفراء البلاد الإسلامية في بلده ـ يستأجر بعض القنوات العربية للظهور في مقابلات، محاولاً تبرير موقفه وموقف بلاده، وكذلك رأينا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يتحدث منتقداً هذه الرسومات، وكذا الرئيس الفرنسي والأمين العام للأمم المتحدة وغيرهم من الساسة؛ إذ أذهلتهم ردود أفعال المسلمين فكان لا بد لهم من التحدث بالاستنكار ولو تصنُّعاً ومجاراةً. فظهر أن مرض الأمة مؤقت، وأنها متى أخذت بأسباب السلامة والعافية ـ ومن أعظمها: اتحادها ـ فسوف تفعل الكثير والكثير. ٣ المخذلون كثر: في ظل توحد المسلمين واجتماع كلمتهم على موقف واحد في التصدي لهذه الهجمة يُسَرُّ المرء لما يرى ويشاهد من الغَيْرة الإسلامية العظيمة المتولدة من الغضب لانتهاك حرمته ﷺ . إلا أننا نرى هنا وهناك من يحاول تخذيل المسلمين، والوقوف في صف أعدائهم. فقد أغاظتْ هذه المقاطعة كثيراً من المنافقين، فحاولوا التبرير تارة، والتهوين تارة، وزعم الإصلاح وإرادة الخير تارة أخرى! فمِن زاعمٍ أَنَّ المقاطعة ستقطع الحوار معهم! وهل نقبل الحوار مع من يهزأ بنبينا محمد ﷺ ، ويسخر بثوابتنا؟! ومن زاعمٍ: أَنَّ سبب جناية تلك الصحيفة هو تقصير المسلمين أنفسهم في تعريفهم بالإسلام! فمرادُه تبرئة هؤلاء المعتدين من جنايتهم، أو تبريرها لهم، وإناطة جُرْمِها بالمسلمين! وقد جهل هذا أن النبي ﷺ قد أدى الرسالة، وبلَّغ الأمانة أعظم التبليغ، ومع ذلك لم يسلم من سخرية كفار قريش. ومن مستهزئٍ بالمقاطعة فيقول: هذا غاية ما تملكون؛ ترك أكل الزبدة والجبنة!! وهذا شبيه بموقف المنافقين الذين كانوا يسخرون من المؤمنين لكونهم يتصدقون بالقليل من المال، مع أنه غاية ما يستطيعونه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] . ومن زاعمٍ: أنَّ المسلمين «عمَّموا خطأ جريدة على دولة كاملة لا تملك بحكم القانون أي سيطرة على هذه الجريدة» !! والجواب عن هذا: أولاً: أن حكومتهم قد وقفت بجانب الجريدة وبررت فعلتها، بأنها حرية الرأي. وثانياً: أن شعبهم نفسه قد وافق غالبيته الجريدة والحكومة على موقفهما؛ ففي استطلاع للرأي رأى ٧٩% ممن شملهم الاستطلاع أن رئيس الوزراء يجب ألا يعتذر نيابة عن الدانمارك، بينما قال ١٨%: إن عليه الاعتذار. وقال ٦٢% منهم: إنه لا يتعين على الصحيفة تقديم اعتذار، بينما قال ٣١%: إن عليها أن تعتذر. [موقع إسلام أون لاين] . ويرى بعضهم أن هذه المقاطعة لن تفيد شيئاً؛ فهل تغافلوا عن استغاثات الدانمارك المتكررة بالاتحاد الأوروبي لإنهاء المقاطعة الإسلاميَّة؟ وهل تجاهلوا الخسائر الدانماركيَّة التي ستصاب بها حين تقاطعها الأمة الإسلامية؟ حيث بلغت خسارة شركة واحدة من شركاتهم للألبان في دولة إسلامية واحدة ما يتراوح بين ثمانمائة ألف ومليون وستمائة ألف دولار يومياً، كما صرح بذلك مدير هذه الشركة، فضلاً عن فرص الوظائف التي سيفقدها أصحابها [موقع الجزيرة] . بل قد صرح بعضهم أن ما بنوه في عشرات السنوات ـ أي من السمعة الحسنة لبضائعهم التجارية ـ قد تهدَّم في أيام قليلات. ويرى آخرون أن المتضررين من المقاطعة إنما هم الوكلاء التجاريون الذين يحملون امتياز بيعها في البلدان الإسلاميَّة!! وهذا عجيب، أن يتولى هؤلاء الدفاع عن أولئك التجار؛ مع أن التجار أنفسهم لهم مواقف مشرفة؛ فقد رأيناهم تداعوا بشجاعة لطلب المقاطعة؛ فهل هو أحرص منهم على أموالهم أم أنَّها عقليات التطبيع؟ ومن هؤلاء من بدأ يدعونا للتسامح معهم والسكوت عن أذاهم، وما علموا أن التسامح لا يكون مشروعاً إلا إذا وقع موقعه الصحيح، وأولئك المستهزئون بمقامه ﷺ ليسوا موضعاً صالحاً للتسامح، بل التسامح مع أمثال هؤلاء المجرمين جريمة شرعية، ولئن كان لرسول الله ﷺ الحق في التجاوز عمن أساء إليه فإن هذا ليس إلى الأمة، بل الأخذ بحقه والغضب له واجب شرعي لا يجوز أن يمس أو يتبرع أحد بالتنازل عنه. ومن زاعمٍ: أن المقاطعة مجرد رد فعل عاطفي، ولا ينبغي أن تكون تصرفاتنا مبنية على ردود الأفعال وهذا الزعم لا بد له من وقفة تبين أهمية ردود الأفعال والتأصيل الشرعي لها من خلال ما يلي: | أمر الشارع بإنكار المنكر مثال واقعي لاعتبار ردود الأفعال في الشريعة: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» رواه مسلم (٧٠) . فإنكار المنكر وتغييره باليد هو رد فعل على ظهور المنكر ورؤيته، وهو رد فعل أمر به النبي ﷺ «فليغيره بيده» ، وهو واجب بإجماع المسلمين، كما نقله النووي. | الغضب على انتهاك حرمات الله صورة من صور ردود الأفعال المأمور بها: إذ من الغضب ما يكون محموداً بل ما يكون واجباً، وهو الغضب لله ، وقد كان رسول الله ﷺ لا يغضب لنفسه، ولكن إذا انتُهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء. فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ» رواه البخاري (٦٢٨٨) . | بل إن التعامل برد الفعل أمر جِبِلِّي: ولقد أحسن الإمام الشافعي ﵀ حين قال: «من استُغضب ولم يغضب فهو حمار» !! (سير أعلام النبلاء ١٠/٤٣) . فالإنسان مجموعة من الأحاسيس والمشاعر، فلا بد أن يتأثر بما يدور حوله ويكون له رد فعل عليه. والميْت هو الذي لا يوجد لديه ردود أفعال، كما قال الشاعر: جَرَحُوه فَمَا تألَّّم جُرْحاً ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ ومن أمثلة ردود الأفعال من السنُّة: قنوته ﷺ شهراً على رعل وذكوان وبعض أحياء العرب لما غدروا بالقراء في بئر معونة. البخاري (٣٠٦٤) ومسلم (٦٧٧) . ودعوته ﷺ للبيعة على القتال لما بلغته شائعة قتل عثمان في الحديبية، ثم لما تبين كذب الشائعة كان الصلح. [ابن أبي شيبة مرويات غزوة الحديبية ص ١٢٤] . وكغضبه ﷺ حينما اختصم أصحابه في القَدَر حتى كأنما يُفقَأ في وجهه حب الرمان ـ كما عبر الراوي - ابن ماجة (٨٢) . وغير ذلك كثير من صور غضبه ﷺ تفاعلاً مع ما يطَّلع عليه أو يُنقل إليه من أقوال أو أفعال. ومن ردود أفعال الصحابة ﵃ بحضرته ﷺ : مقولات عمر بن الخطاب المتعددة «دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ» وما شابهها كما كان مع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين لما قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. البخاري (٤٩٠٥) . وكما حصل مع ذي الخويصرة اليماني الذي قال: اعدل يا رسول الله. البخاري (٣٣٤١) مسلم (١٦٧٥) . ولذلك فإن ردود أفعال المسلمين تجاه هذا السب لخير من وطئت قدماه الأرض، مهمٌّ جداً؛ لأنه نوع من إنكار المنكر أولاً، وهو أمر واجب، بل هذا من أعظم المنكرات التي يجب إنكارها، وقد أمر النبي ﷺ بتغيير المنكر باليد، فإن لم يُستَطع فباللسان، فإن لم يُستَطع فبالقلب قال: «وذلك أضعف الإيمان» وفي حديث آخر: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» رواه مسلم (٤٦٧٦) . وثانياً: من أجل تقزيم هؤلاء المعتدين والمفترين، كي لا يستمرئوا هذا السب والاعتداء. أما ألاَّ يكون هناك غيرة على حرمات الله، ولا يتمعر وجهنا غيرة وغضباً؛ فيُسَبّ دين الله، ويُسَبّ نبينا، دون أن يحرك ذلك فينا ساكناً؛ فهذه والله هي الكارثة. ٣ الواجب علينا: على كل مؤمن يحب الله ورسوله ﷺ ، ويغار على دينه أن ينتصر لرسوله ﷺ ، وأن يقدِّم كل ما في وسعه لرد هذه الهجمة الشرسة، ومهما بذلنا فهو قليل في حق النبي ﷺ . وأما تفصيل دورنا في هذا فمنه: ١ ـ إعلان النكير على كل الأصعدة وبشدة: فعلى الدول الإسلامية أن تهب على جميع مستوياتها لنصرة نبيها ﷺ ، وتستنكر ذلك في المؤتمرات والمحافل العامة، وتتخذ موقفاً حازماًَ يتناسب مع شناعة الجريمة. وكذلك يكون الاحتجاج على مستوى الهيئات الرسمية وغير الرسمية كوزارات الأوقاف، ودور الفتيا، والجامعات، وإعلان الاستنكار من الشخصيات العامة كالعلماء، والمفكرين، ورجال الإعلام. وكذلك الإنكار على المستوى الفردي، كلٌّ حسب ما يستطيع: بإرسال رسالة، أو كتابة مقالة، أو اتصال هاتفي بحكومتهم وخارجيتهم وصحافتهم، ومراسلة المنظمات والجامعات والأفراد المؤثرين في الغرب، ولو نفر المسلمون بإرسال آلاف الرسائل الرصينة القوية إلى المنظمات والأفراد فإن هذا سيكون له أثره اللافت قطعاً. ٢ ـ مطالبة هؤلاء الجناة بالاعتذار الجاد الواضح، لا الخداع وتبرير الجريمة الذي يسمونه اعتذاراً، فلا نريد اعتذاراً لإهانة المسلمين، وإنما نريد إقراراً واضحاً بالخطأ، واعتذاراً عنه، ومعاقبة رادعة للمجرمين على جرمهم، وأن تكف حكوماتهم عن العداء للإسلام والمسلمين. ٣ ـ ذكر فتاوى علماء الأمة التي تبين حكم من تعرض لرسول الله ﷺ بشيء من الانتقاص ووجوب بغض من فعل ذلك والبراءة منه. ٤ ـ بيان حُسن الإسلام وموافقته للعقول الصريحة، والرد على شبهات المجرمين من خلال قيام المؤسسات الإعلامية والصحف والمجلات والمواقع الإسلامية بكتابة ردود على هذه الافتراءات، وأن تسطر على صفحاتها شمائل النبي ﷺ ، وتبين الدور العظيم الذي قام به ﷺ لإنقاذ البشرية، وأنه أُرسل رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين. ٥ ـ استئجار ساعات لبرامج في المحطات الإذاعية والتلفزيونية لا سيما في البلدان الغربية لتدافع عن النبي ﷺ ، وتذب عن جنابه، ويستضاف فيها ذوو القدرة والرسوخ، والدراية بمخاطبة العقلية الغربية بإقناع، وهم بحمد الله كثر. ٦ ـ إعداد المقالات القوية الرصينة لتنشر في المجلات والصحف ومواقع الإنترنت باللغات المتنوعة. ٧ ـ مطالبة الكتّاب والصحفيين والإعلاميين بل كل غيور بالقيام بدور النصرة للنبي ﵊ من خلال محاولة إثارة الرأي الغربي ضد هذا الانتهاك والتدنيس العلني للمعتقدات الدينية. ٨ ـ إنشاء مراكز متخصصة لبحوث ودراسات في السيرة النبوية والإسلام وفضائله وترجمة ذلك إلى اللغات العالمية. ٩ ـ الحرص على دعوة هذه الشعوب؛ فإننا وإن كنا ننظر إليهم بعين الغضب والسخط والغيظ، إلا أننا أيضاً ننظر إليهم بعين الشفقة عليهم، فهم عما قريب سيموتون، ويكونون من أهل النار إن ماتوا على ذلك، فدعوتهم إلى الإسلام والنجاة رحمةٌ بهم، وشفقةٌ عليهم؛ ولا سيما عوامهم الذين غُيِّبَتْ عنهم صورة الإسلام المشرقة، حتى نقيم الحجة ونوصل نور الهداية والحق إليهم فيعرفوا عن ديننا وعظمة نبينا ﷺ : ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] . ١٠ ـ ترجمة الكتب التي تدعو إلى الإسلام، والكتب التي تعرّف بالإسلام ونبيّ الإسلام، وتبيِّن سيرته الحسنة العطرة وفضائله بلغة هؤلاء القوم. ١١ ـ إنشاء مواقع إسلامية وبرامج متخصصة في الإذاعات والقنوات والشبكة المعلوماتية للتعريف بالنبي ﷺ وشمائله وأخلاقه الكريمة باللغات المختلفة، ونشر ذلك في المطبوعات من الصحف والمجلات ونحوها. ١٢ ـ عقد المؤتمرات العلمية التي يُتكلم فيها عن نبي الإسلام ﷺ ورسالته، مع التركيز على تلك الدول التي تحتاج إلى تصحيح صورتهم عن الإسلام. ١٣ ـ نشر ما ذكره المنصفون من غير المسلمين بشأنه ﷺ ، إذ هو أدعى لقبول أقوامهم له. ١٤ ـ بيان خصائص دعوته ورسالته ﷺ ، وأنه بعث بالحنيفية السمحة، وأن الأصل في دعوته ١٥ ـ المشاركة في حوارات علمية رصينة مع غير المسلمين من المختصين أصحاب القدرات العلمية واللغوية، ودعوة أولئك الباحثين بالحكمة لدراسة شخصية الرسول ﷺ والدين الذي جاء به. ١٦ ـ الإعلان في محركات البحث المشهورة عن بعض الكتب أو المحاضرات التي تتحدث عن الرسول ﷺ . ١٧ ـ التمسك بالسنة والتزام هدي النبي ﷺ في كل شيء والصبر على ذلك؛ إذ بهذا يكفينا الله كيدهم: ﴿وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] . ١٨ ـ مقاطعة منتجاتهم ما دام لها تأثير عليهم ـ وهذا هو الواقع ـ والبحث عن شركات بديلة يمتلكها مسلمون ترسيخاً لمبدأ الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين. ١٩ ـ الوعي لكيفية إدارة أعداء الإسلام لصراعهم مع المسلمين وعدم استبعاد التعمُّد والتخطيط المسبق منهم لهذه الجريمة، مع الدراسة المتأنية للمواقف المتوقعة منهم والتدابير التي ينبغي اتخاذها مع كل موقف حتى لا يخلصوا إلا شق الصف وإضعاف قوة وحدة الموقف. ٢٠ ـ تبادل الأفكار في هذه القضية، وإضافة الجديد منها والتواصي بها، وبحث كل واحد عما يناسب ميوله وتخصصه منها، وبهذا سيجد كل محب لرسوله ﷺ مجالاً لإظهار حبه وغيرته وتعظيمه؛ فهذا يأتي بفكرة، وذاك يكتب مقالة، وهذا يترجم، وذاك يرسل، وآخر يموِّل، في نفير عام لنصرة أفضل الخلق ﵊. رسولَ الحُبِّ في ذكراك قُربى وتحتَ لواكَ أطواقُ النجاةِ عليك صلاةُ ربِّكَ ما تجلى ضياءٌ.. واعتلى صوتُ الهُداةِ يحارُ اللفظُ في حُسناك عجزاً وفي القلب اتقادُ المورياتِ ولو سُفكتْ دمانا ما قضينا وفاءك والحقوقَ الواجباتِ ٣ ليس من النصرة: إن ما نراه من ردود فعل غاضبة من المسلمين، وعمل جاد لمواجهة تلك الهجمة التي يتعرض لها الإسلام لَيبعثُ البهجة والسرور والأمل في نفس كل مسلم، غير أن بعض المسلمين ـ وهم بحمد الله قلة ـ قد مال بهم حماسهم عن الصواب، والمأمول من المسلمين أن يلزموا العدل والإنصاف، حتى مع أعدائهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] . فليس من النصرة: ١ ـ الاعتداء على معصومي الدم والمال كالمستأمَنين، من أي دين كان. ٢ ـ اختراق وتدمير مواقع صحف ومجلات لم تصدر منها بنبينا ﷺ سخريةٌ؛ فمثل هذا العمل يُحرضها هي الأخرى على سب الرسول ﷺ والنيل منه، وينقلها من حِيادها إلى مُصافّة المعتدي في موقفه، ويحرض سفهاءهم على تدمير مواقعنا. ٣ ـ ليس من النصرة في شيء أن نجود بأموالنا لكل من يدعونا إلى مشروع دعوي في تعريف الكفار بالإسلام وبنبيه الكريم وفي كشف ما يثار حوله من شبهات من غير أن نتوثق من صاحب المشروع والجهة المشرفة عليه، ومن غير أن نتبيَّن المضمونَ المراد نشره، ومن يزكِّي ذلك من أهل العلم. ٤ ـ ما صاحَبَ بعض المظاهرات التي قام بها المسلمون في أماكن شتى من إتلاف للأنفس والممتلكات. ٥ ـ عدم تحري البعض في نشر الأخبار قبل التثبُّتِ من صحتها، كالخبر بإسلام خمسين دانماركياً، أو خبر قتل الصحفي. ٦ ـ نشر بعض البدع والتعلُّق بالمنامات، كالدعوة إلى توحيد الدعاء في ساعة معينة وصيغة معينة، أو تناقل رسائل بها مخالفات شرعية، أو التعسف في محاولة الربط بين رقم بعض الآيات القرآنية التي لها شيء من التعلق بالموضوع وبين الرقم التسلسلي الدولي لمنتجات الدولة المعتدية زاعمين أن ذلك من الإعجاز العددي القرآني. نسأل الله ـ تعالى ـ أن يجعلنا من أنصار دينه ونبيه ﷺ بوعي وصدق، وأن يعلي دينه، وينصر أولياءه، ويذل أعداءه، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] . وصلى الله وسلم على أشرف خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5534

معالم من تلك الحادثة د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف أخبرني صاحبي ـ وهو من الراصدين مواقع الصوفية على شبكة «الإنترنت» ـ أنه تصفح قرابة ستين موقعاً للصوفية أثناء نازلة تطاول «الدانمارك» على سيّد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ﷺ ، فلم يرَ للقوم حديثاً، ولم يسمع لهم همساً في تلك الحادثة التي غدت مَشْغَلة السمع والبصر في جميع الأصقاع؛ ثم تدارك صاحبي قائلاً: اللهمّ إلا أن واحداً من تلك الستين قد نقل مقالة من أحدالمواقع السنية! وختم هذا الصاحب كلامه قائلاً: هؤلاء الصوفية يعرفون الرسول عند الطمع، ويتخلون عنه عند الفزع. ولئن كشفت هذه الحقيقة زيف محبة القوم لرسول الله ﷺ ، وتهافت دعاويهم العريضة، فهي تبيّن حالة «السُّكْر» الذي أغرقهم، و «الفناء» الذي استحوذ عليهم، فكأن الأمر لا يعنيهم، وكما لو كانوا خارج العالم! ولو كان «السُّكْر» و «الاصطلام» أمراً ملازماً لهم لهان الخَطْب؛ فالمجنون معفو عنه، إلا أن هذا السكر سرعان ما يزول عند صوفية الأرزاق، إذا كان في الصحو تحقيق لحظوظهم الشخصية ومطامعهم الدنيوية. هذه الواقعة الموجعة مع تداعياتها المختلفة، والتي حرَّكت القلوب، فأظهرت محبة رسول الله ﷺ ، وعمدت إلى الذبّ عنه، وعبّرت عن ذلك من خلال مقاطعات اقتصادية، ومظاهرات واحتجاجات، وتأليف كتب ورسائل في دعوة الكفار إلى الإسلام، والتعريف بسيّد الأنام ﷺ .. هذه الواقعة تقرر أن الخير فيما اختاره الله تعالى، وأنه لا يخلق شراً محضاً، ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] . «فمن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة إنباء المرسلين: ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين.. وذلك أن الحق ـ إذا جُحد وعُورض بالشبهات ـ أقام الله ـ تعالى ـ له ما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات والبينات» (١) . هذه النازلة يمكن تسخيرها وتوظيفها في سبيل ترسيخ جملة من الأصول الشرعية، كوجوب محبة المصطفى ﷺ ، ووجوب تعزيره وتوقيره، وأهمية الاتباع لسنته، والتحذير من الإحداث والابتداع في دين الله تعالى. ورحم الله الشيخ محمد رشيد رضا إذ يقول: «من تتبع التاريخ يعلم أن أشدَّ المؤمنين حبّاً واتباعاً للنبي ﷺ أقلهم غلواً فيه، ولا سيما أصحابه ﵃ ومن يليهم في خير القرون، وأن أضعفهم إيماناً وأقلهم اتباعاً له هم أشدهم غلواً في القول وابتداعاً في العمل وترى ذلك في شِعْر الفريقين» (٢) . ومن الأصول التي ينبغي تقريرها في هذا الشأن: تلازم الظاهر والباطن؛ فالمحبة القلبية لرسول الله ﷺ لا بد أن تظهر على الجوارح، من خلال الاتِّباع له والذبّ عنه وتعظيمه وإجلاله، وما المقاطعة الاقتصادية لمنتجات الدانمارك إلا سبب من الأسباب العملية المشروعة في تحقيق تعزيره ﷺ وتوقيره، وردع أولئك السفهاء المتطاولين على خير البرية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. كما أن هذه الواقعة لتكشف عن عداوة الكافرين لأهل الإسلام، وتواطئهم على ذلك، وهذا يؤكد أهمية أوثق عرى الإيمان: الحبّ في الله والبغض في الله، ووجوب البراءة منهم، وأن عداوتهم لأجل كفرهم لا تنافي العدل والقسط معهم، بل ينبغي دعوتهم إلى الإسلام بالطريقة الصحيحة الملائمة، والحذر من تمييع الإسلام أثناء تلك الدعوة والتعريف. هذه الأمة كالغيث لا يُدرى أأوله خير أم آخره؟ فقد أظهر أهل الإسلام احتساباً ونصرةً لمقام سيد ولد آدم ﷺ ، وهذه المشاعر الصادقة والمواقف النبيلة توجب أهمية إحياء شَعِيرة الاحتساب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك على أوسع نطاق، وفي أكثر من مجال؛ فهناك الاحتساب بالخطبة والمحاضرة، والاحتساب بالمقاطعة، والاحتساب بالمظاهرة والاحتجاج، والاحتساب بالرسالة والكتاب، وكما أن العلماء والدعاة احتسبوا في هذه النازلة؛ فقد احتسب الساسة والتجار، والمثقفون والمفكرون، والعامة والصغار؛ فهذه الواقعة حققت تجييشاً لأهل الإسلام، وحشداً لأنواع متعددة من المناشط والجهود في سبيل الذبّ عن المصطفى ﷺ ، وهذا يوجب على أهل الشأن إعداد برامج وخطط احتسابية تجاه هذه الواقعة ونظائرها. غارت أمة الإسلام لرسول الأنام ﷺ ، وظهرتْ هذه الغَيْرة في صور صادقة ومشاهد مؤثِّرة، والمتعيَّن تحريك هذه الغيرة وتقويتها من جهة، وضبطها وفق ما توجبه الشريعة وتقتضيه المصلحة من جهة أخرى. فابن تيمية احتسب على نصراني شتم نبينا محمداً ﷺ ، وذلك سنة ٦٩٣هـ، وألّف كتابه النفيس «الصارم المسلول في الردّ على شاتم الرسول ﷺ » ، ولما تحدّث عن أنواع السبّ في هذا الشأن، قال ﵀: «التكلم في تمثيل سبّ رسول الله ﷺ وذكر صفته، ذلك مما يثقل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين أو آثرين..» (١) . فغيرة ابن تيمية تجعله يتعاظم مجرد تصوير مسألة السبّ وحكايتها، لولا أن الحكم الشرعي يقتضي ذلك، وهذه الغيرة الصادقة اقترن بها المسلك الشرعي الملائم؛ فقد كلّم شيخ الإسلام الأميرَ آنذاك، وسعى في الاحتساب على ذاك النصراني المخذول، وألّف كتابه «الصارم المسلول» بعد هذه الواقعة. وها هو السبكي ﵀ يقول ـ في مطلع كتابه «السيف المسلول على من سبَّ الرسول ﷺ » عن سبب تصنيفه ـ: «كان الداعي إليه أن فُتيا رُفعت إليّ في نصراني سبّ النبي ﷺ ولم يُسْلم، فكتبتُ عليها: يُقتل النصراني المذكور كما قَتَل النبي ﷺ كعبَ بن الأشرف، ويُطهّر الجناب الرفيع من ولوغ الكلب. لا يَسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم إلى أن قال: وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب الملعون، والله يعلم أن قلبي كارهٌ منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب ها هنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه، وأن ينجِّيني كما أنجى الذين ينهون عن السوء، إنه عفوّ غفور» (٢) . فالسبكي بلغتْ غيرته ما بلغت، وصاحبَ ذلك موقفٌ عملي من خلال تحرير هذه الفتيا وكتاب «السيف المسلول» . وهذا ابن عابدين ﵀ يقول عن شقيٍّ استطال على سيد المرسلين: «وإن كان لا يشفي صدري منه إلا إحراقه وقتله بالحسام..» (٣) . والمقصود أن نجمع بين إحياء هذه الغَيْرة الإيمانية وتحريكها، وبين ضبطها وفق الأصول الشرعية والمصالح المرعية. لعل هذه الحادثة تكون سبباً إلى فقه التعامل مع أهل القبلة، والتعاون مع أهل الإسلام في الأصول المتفق عليها، دون الإخلال بثوابت أهل السنة ومعالمهم؛ فالذب عن رسول الله ﷺ محل اتفاق بين أهل الإسلام، ومدافعة التغريب والهيمنة الأمريكية كذلك.. وما أكثر القضايا التي هي محل إجماع بين أهل الإسلام. فمن المهم أن نبعث هذ التعاون والتنسيق بين أهل الإسلام، مع المحافظة على شعائر أهل السنة وأصولهم، لما في ذلك من المقاصد الشرعية، ونفوذ أهل الإسلام وتقويتهم. فلقد تعاون أهل الإسلام من قبل ـ في القرن الرابع الهجري ـ في مواجهة المدّ العُبَيْدي الباطني، فكتب المعتزلة والزيدية والأشاعرة ـ وكذا أهل السنة ـ في فضح الباطنيين وهتك أستارهم. فاللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعزّ فيه أهل الإيمان، ويُذلّ فيه أهل الكفر والطغيان. معالم من تلك الحادثة

стр. 5535

هوامش على أزمة التحدي خالد أبو الفتوح أثار إقدام صحيفة (يلاندز بوسطن) الدنماركية على نشر رسوم ساخرة للرسول ﷺ ، وما تلا ذلك من أحداث.. ردود أفعال عديدة على كافة المستويات والأوساط في أرجاء كثيرة من العالم، وبعيدًا عن سباق الفعل ورد الفعل الذي صاحب هذه الأزمة والذي وجه انفعال بعض الأفراد أو المجموعات ـ ولبعضهم العذر في ذلك؛ لعظم الحدث وشدة وقعه ـ.. أحببت تسجيل بعض الملحوظات واستخلاص بعض الفوائد والدروس، ليتسنى لنا فهم بعض أبعاد هذه الأزمة، ولنستطيع إدارة الأزمات (القادمة) بأداء أفضل وفاعلية أكبر: أولاً: يُظهر هذا الحدث أن الحقد والكراهية للإسلام ونبيه ما زالا كامنين تحت القشرة العلمانية التي يتجمل بها الغرب، فهذا الحدث يأتي في سياق سلسلة من الاعتداءات والأذى المستمر الذي يوجَّه للمسلمين ودينهم والذي لا تخطئه عين أي خبير، ونظرة سريعة على أهم بعض (الفلتات) الصريحة التي وقعت خلال العامين الماضيين فقط يوضح ذلك بجلاء: ٣ ففي يناير ٢٠٠٤: وصف عضو الحزب الوطني البريطاني نيك جريفن الإسلام بأنه «عقيدة فاسدة» ، ويخلو من أي مساحة للتسوية الضرورية في مجتمع حر، ولا يتفق مع الديمقراطية. ٣ وفي نوفمبر ٢٠٠٤: عرض فيلم تلفزيوني بعنوان (الخضوع) للمخرج الهولندي ثيو فان جوخ يزعم فيه أن الإسلام يضطهد المرأة. ٣ وعلى إثر ذلك منح الحزب الليبرالي في الدانمرك (جائزة الحرية) للبرلمانية الهولندية الصومالية الأصل المرتدة هرسي علي التي كتبت سيناريو الفيلم. ٣ وفي مايو ٢٠٠٥: كشفت تقارير عن تدنيس الجنود الأمريكان للمصحف الشريف بالتبول عليه أو وضعه في المرحاض في معسكر غوانتانامو. ٣ وفي الشهر نفسه وصف مايكل غراهام المذيع بمحطة إذاعية في واشنطن (الإسلام) بأنه (منظمة إرهابية) ، وأنه في حالة حرب مع الولايات المتحدة، وأنه يجدر بهذه الأخيرة ضرب مكة المكرمة بالسلاح النووي. ٣ وفي يوليو ٢٠٠٥: سخر الممثل الكوميدي الأميركي ـ جاكي ميسون ـ في برنامج للمذيع جيم بوهانون من الإسلام ووصفه بأنه منظمة تشجع على القتل والكراهية والإرهاب. ٣ ضع ذلك بجوار: احتضان الغرب لرموز الردة والطعن في الدين من بني جلدتنا أمثال: سلمان رشدي، وتسليمة نسرين، ونصر أبو زيد، وهيرسي علي؛ وضَعْه أيضاً بجوار القرصنة الدولية والإرهاب الاحترافي الذي يمارسه الغرب منذ قرون ضدنا، والذي كان آخره ما يحدث في العراق وأفغانستان والسودان وغوانتانامو، واستحضر مع ذلك فلتات ألسنة قادتهم السياسيين والفكريين التي ما فتئت تصف صراعهم معنا أنه صراع حضاري، يظهر تارة في حملة على حجاب، ويستتر أخرى خلف دعوى (حقوق إنسان) ، وبأن مواجهتهم لنا حملة صليبية، ولكنها تُشَن بموجب (البند السابع) .. لتعلم أن صحيفة «يلاندز بوستن» جاءت لتفجر القِدر الذي ما انقطع غليانه منذ الحروب الصليبية، ولتتوج منظومة الكراهية الغربية للإسلام، ولكن أيضاً لتُُلبسها ثوب «حرية التعبير» ، ولتعلم كذلك أن (تعبيرهم) إنما دل على أنه ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] . ثانياً: لا يوجد لديّ أي مساحة لتصديق مزاعم الصحيفة بأن نشرها لهذه الرسوم لـ (اختبار حرية التعبير في بلادهم) ، وإذا حاولنا معرفة مرامي هذا الحدث، أو الفائدة التي ستجنيها بعض الأطراف من ورائه، فإن هناك عدة احتمالات أو فرضيات يمكن ذكرها، منها: ١ ـ صرف الأنظار عن قضايا أخرى مهمة أو أحداث تجري تتصل بالعالم الإسلامي، أو التغطية على جرائم أخرى (تاريخية) تحاك أو تنفذ ضد المسلمين (تكتيك مصارع الثيران) . ٢ ـ محاولة جس نبض الشارع الإسلامي، وقياس ردة فعله كمّاً ونوعاً ومدى استعدادهم لتقديم تنازلات جديدة وقبول قيم غربية بديلة. ٣ ـ محاولة تحطيم معنويات المسلمين وقهرها، بتدنيس المقدسات التي يعتزون بها وتشويه الرمز الذي يجلُّونه والاستهزاء بمحبوبهم علناً، مما يؤثر على قدرتهم على المقاومة والصمود. ٤ ـ محاولة دق أو تعميق (إسفين) بين الشعوب الأوروبية والإسلام تحول دون تعرف الشعوب الأوروبية على الإسلام الحقيقي، وتمنع التواصل الإيجابي بين هذه الشعوب والأمة الإسلامية. ٥ ـ الضغط على الجاليات الإسلامية في أوروبا؛ فحسب بعض المحللين الغربيين فإن ذلك يأتي في سياق هجمة مضادة رداً على تعرض القيم العلمانية الغربية لهجمات (المسلمين المتشددين) في أوساط المهاجرين في الغرب، كما أن هذا الحدث يُعد اختباراً لقياس مدى اندماج المهاجرين والأجيال الناشئة من أبنائهم في المجتمع الغربي، وبمعنى آخر: معرفة حجم التنازلات التي يجب أن تقدمها الدولة المضيفة لمسايرة المهاجرين، والإشارة إلى المهاجرين أنفسهم بنمط التنازلات التي تريدها منهم دولتهم المضيفة لكي يندمجوا في المجتمع الذي ينتقلون للعيش فيه، أي: إنهم يريدون وضع المهاجرين على محك التخلي عن دينهم مقابل قبول عيشهم في البلاد الغربية! ٦ ـ جس نبض الشارعين العربي والإسلامي ومراكز القوى الإسلامية في أوروبا, تمهيداً للبدء في إنهاء الوجود الدعوي الإسلامي هناك، وحظر أي قنوات دعوية إسلامية يمكن من خلالها: تغيير الوجه (الحضاري) المسيحي لأوروبا، أو كسب أرضية (أصولية) داخل المهاجرين المسلمين والحيلولة دون ذوبانهم في المجتمع الغربي، أو النجاح في تجنيد (إرهابيين) يهددون الأمن والمصالح الغربية في عقر دارها.. وقد ظهر هذا التوجه بالفعل في صورة: إغلاق بعض المساجد, ومحاربة الحجاب, ووضع أقنية فضائية عربية وإسلامية تحت المراقبة, وإغلاق المؤتمر العربي الإسلامي الأوروبي والتضييق على أنشطة المراكز الإسلامية ومراقبتها, والعديد من حملات الاعتقال والمداهمة لكثير من المراكز الإسلامية. وقد ذكر فادي ماضي رئيس المؤتمر العربي الإسلامي الأوروبي أن هناك خطة صهيونية مبرمجة، يقف وراءها مركز سايمون فيزنتال والمؤتمر اليهودي العالمي، وتطال الوجود العربي والإسلامي لضرب الإسلام وإنهاء الوجود العربي والإسلامي في أوروبا. ٧ ـ ظهر بوضوح محاولة استغلال أمريكا وبريطانيا للحدث من أجل موازنة صورتهما العدائية مع صورة الدول الأوروبية الأقل تحالفاً، على طريقة (إنه سيئ ولكن أخاه أسوأ منه) ، وذلك باتخاذ موقف أقل صفاقة.. فرغم أن الحقد الذي يضمرونه على الإسلام والمسلمين لا يقل بحال عن (أوروبا شرق الأطلنطي) ، إلا أن أمريكا وبريطانيا كانتا حريصتين على عدم تورطهما في هذه الأزمة: فمن جانبها امتنعت وسائل الإعلام الأميركية عن إعادة نشر الرسوم التي تتناول النبي محمد بسبب الطبيعة «المهنية» لهذه الرسومات. وقد كان ملفتاً أن موقع (CNN) الإخباري على الإنترنت ذيَّل معظم أخباره عن هذه الأزمة بهذه العبارة: «يُذكر أن CNN تمتنع عن نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد احتراماً لمشاعر المسلمين» في متاجرة غير ذكية بالموقف من القضية. وقال مديرو تحرير عدة مؤسسات إعلامية أمريكية: إنهم يغطون الخلاف المتصاعد بشأن الرسوم ولكنهم لن ينشروها مجدداً ولن تبث على التلفزيون احتراماً لقرائها ومشاهديها! وفي يوم الأربعاء ٨/٢/٢٠٠٦ نشرت صحيفة الجارديان البريطانية مقالاً للكاتبين فيليب هينشر وجاري يونج اعترفا فيه بأن الصحيفة الدانمركية أخطأت بنشرها تلك الرسوم، وبأن هناك إهانة لحقت بالمسلمين ما كان يقبلها أتباع أي مدرسة علمانية لو وجهت هذه الإساءات لرموز مدرستهم، كما قالا إن غضب المسلمين له ما يبرره، ومضى الكاتبان إلى القول إن الصحيفة الدانمركية كانت ستفكر ألف مرة قبل أن تكتب شيئاً يمس الديانة اليهودية، حتى لا يتهمها أحد بالعداء للسامية؛ لأنها تهمة خطيرة في أوروبا وأمريكا، وقد يدفع المتهم بها عشرة أعوام من عمره في السجن.. أما الدين الإسلامي ـ على حد قولهما ـ فلم يحدث أن سُجِن أحد بسببه في أوروبا. وقالت صحيفة الفياننشال تايمز البريطانية إن حق النشر ليس مطلقاً. وإذا استثنينا تصريحات نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، فإن مجمل الموقف الأمريكي والبريطاني الظاهر ـ الإعلامي والرسمي ـ هو محاولة اتخاذ موقف متوازن بين إدانة أعمال العنف والمقاطعة التي ظهرت في العالم الإسلامي، والتأكيد على أهمية حرية التعبير، مع تفهم غضب المسلمين، والإلماح إلى أن حرية التعبير يجب أن يكون لها حدود بحيث لا تمس المقدسات.. وهذا ما يرمي إلى ترميم صورة البلدين السياسية في العالم الإسلامي، بعد فشل جهود الحملات الإعلامية والإعلانية التي حاولت أداء هذه المهمة. ثالثاً: وضح أن الغرب يقف خندقاً واحداً (حتى ولو في الظاهر) عندما يتعلق الأمر بمواجهة المسلمين، سواء أكان هذا من منطلق الخلفيات التاريخية والحضارية التي تجمعهم، أو بموجب الاتحاد والتحالفات والاتفاقات المعقودة بينهم، أو بموجب المصالح المشتركة بينهم. يظهر ذلك في تعاضد بعض الصحف مع الجريدة الدانمركية وتأييدها بنشر الرسوم المسيئة، ومحاولة إحباط قوة حملة المقاطعة والاحتجاج التي ظهرت في العالم الإسلامي، باستخدام تكتيك (توسعة الخرق على الراقع) أو سياسة (تفريق الدم بين القبائل) ، ولا أستبعد ما ذكرته بعض التقارير من وجود أيادٍ مخابراتية وراء هذا النشاط والتكاتف، فقد «اعتبر مراقبون لتطورات الأحداث في جريمة الاعتداء على حرمة النبي محمد ﷺ في بعض الصحف الأوروبية أن اتساع دائرة النشر يرتبط بجهود استخباراتية مكثفة في بعض عواصم الاتحاد الأوروبي لتخفيف الضغط عن الدانمرك، بعد أن اعترفت مفوضية الاتحاد بعجزها عن وقف موجة المقاطعة أو التورط في الأزمة بشكل مباشر وعلني، في حين اعتبرت أوساط ثقافية أن هذه الأزمة قد تمثل تحولاً خطيراً في البنية الثقافية للمجتمع الغربي؛ لأنها تفتح على نطاق واسع أبواب الجدل حول المحرمات في الإعلام الغربي، لأن بعض الأصوات الغربية بدأت تطرح الآن تساؤلات حول النفاق الأوروبي فيما يتعلق بقضية حرية التعبير.. مصادر دبلوماسية استطلعت صحيفة (المصريون) رأيها أشارت إلى أن الخطة التي تحتاج إلى إمكانيات أكبر بكثير مما تملكه الدانمرك انطلقت منذ الثلاثاء الماضي ٣/١/٢٠٠٦م عبر صحف تصدر في عدة دول أوروبية، تبنت الخطاب نفسه، وسارت على منهج موحد، وهو ما يدل على التنسيق بين الصحف الموزعة على عدة دول، ويشير إلى أصابع أجهزة الاستخبارات التي تقود هذا التنسيق بهدف تخفيف المقاطعة التي بدأت المصانع الدانمركية تعاني بسببها، وذلك بتوريط عدة دول أوروبية في قضية الإساءة، مما يجعل العالم الإسلامي يقف عاجزاً عن مقاطعة كل هذه الدول دفعة واحدة، وفي الوقت نفسه يصبح لا معنى لاستمرار مقاطعة الدانمرك وحدها. هذا في المدى القريب، أما في المدى البعيد فإن افتعال ما يشبه «إجماعاً أوروبياً» على الإساءة لرسول الله ﷺ بقدر ما يكسر شوكة الوجود الإسلامي في أوروبا بقدر ما يشكل حاجز صد يحول دون مزيد من التمدد العقائدي الإسلامي بين المواطنين في أوروبا والذي بدأ يثير قلق الكثير من دوائر الأمن القومي دون قدرة على وقفه» جريدة (المصريون) ٢/٢/٢٠٠٦. ويظهر ذلك أيضاً في محاولة رأب الصدع الاقتصادي الذي أصاب الدانمرك جراء مقاطعة معظم الشعوب الإسلامية لمنتجاتها، ويؤيد ذلك: ما ذُكر من أن مطاعم كنتاكي وماكدونالدز وهارديز وبرجر كنج وبيتزا هت قرروا شراء المنتجات الدنمركية لتعويض الخسائر الدانمركية، وما ذكر من أن بعض الأفكار كانت تتداولها الإدارة الأمريكية؛ لإنقاذ المنتجات الدانمركية وإفشال المقاطعة، من أهمها: إلزام صناديق المساعدات الأممية باعتماد المنتجات الدانمركية، وتعويض الدانمرك عن خسائرها الناتجة عن المقاطعة إن لم تفِ الصناديق الأممية بالغرض، عبر إلزام متعهدي تمويل الجيوش الأمريكية وحلفائها في الخارج باعتماد البضائع الدانمركية أولاً. رابعاً: كما أن الأزمة فضحت دعاوى الطابور الخامس الذي يعيش بيننا، والذي كان يروج زوراً أن الغرب تخلى عن تعصبه وكراهيته لنا، وأنه ارتقى في أسلوب حل خلافاته فأصبح (الحوار) هو الأسلوب المعتمد عنده، والذي كان يتغنى بقيم الغرب ويدعو لها زاعماً أنها لا تتعارض مع جوهر الإسلام، فها هو الغرب يضيف إلى (اعتماده) القوة سبيلاً لحل خلافاته معنا وفرض رؤيته الحضارية علينا.. يضيف عدم احترامه لديننا وهدره لمقدساتنا. وأظهرت هذه الأزمة أيضاً خطورة الطابور السادس أو السابع (سمه ما شئت) الذي يعيش بيننا، وأعني به الكفار والمشركين الذين جاؤوا باسم العمل والارتزاق وحملوا معهم حقدهم ووثنيتهم وكفرهم وقذارتهم الأخلاقية ليبثوها في مجتمعاتنا متى ما استطاعوا، فقد كان ملفتاً للنظر ما قامت به مدرِّسة أمريكية بإحدى الجامعات في دولة الإمارات ـ وأيدها المشرف عليها من بني جلدتها ـ من عرض الرسوم المسيئة للرسول ﷺ في قاعة الدرس، مبررة عملها هذا بأنه يندرج في إطار حرية الرأي والتعبير.. ولا أدري ما الذي يحمل مدرِّسة لغة إنجليزية على إقحام نفسها في قضية لا تتعلق بعملها وليست طرفاً فيها وتعلم أنها تمس مشاعر من تخاطبهم، إلا أن يكون دافعها هو الحقد والتعصب الأعمى الذي لم تستطع كبته أو التجمل بإخفائه، وإلا أنها تحس بالأمن من عقوبة تنالها إذا فعلت هذه الجريمة (الحضارية) باساءة الأدب مع رسول من تخاطبهم. وفي الإمارات أيضاً ومع بدء حملة مقاطعة البضائع الدانمركية، قامت العمالة الآسيوية ـ ومعظمها هندوس ـ التي تدير كثيراً من محلات السوبر ماركت بتكثيف عرض المنتجات الدانمركية والتقليل من المنتجات المحلية وغير الدانمركية البديلة، مما يجبر المشترين على شراء المنتج الدانمركي؛ لأنه المنتج الأكثر وفرة؛ وذلك بقصد تصريف المنتج الدانمركي بسبب هبوط سعره عند الوكيل، وهذه التصرفات أعدها منطقية ومتوقعة إذا استحضرنا تلقائية (الولاء والبراء) لدى كل إنسان. خامساً: ملحوظات حول ردود أفعالنا وكيفية تفاعلنا مع الأزمة وإدارتها: كثرت جرائم الغرب تجاه العالم الإسلامي، أو قل: كبر وعي المسلمين وإحساسهم بهذه الجرائم، مما يرشح الأمور لوقوع مزيد من (الفلتات) ، ومزيد من التصعيد، ومزيد من (المواجهات) .. ومن خلال متابعة الأحداث وتحليلها نستطيع استخلاص هذه الملحوظات: الملحوظة الأولى: ضرورة استغلال واستثمار هذه (الفلتات) في واقع العمل الإسلامي من غير تكلف، مثل: تعميق محبة الله ورسوله، تعميق مفهوم الولاء والبراء، إظهار مأزق العلمانيين والتغريبيين، إيضاح عداء الغرب للإسلام نفسه، إظهار وفضح بعض الأنظمة المعادية للإسلام، إظهار حقيقة الدعوة إلى الحوار بين الأديان والحضارات، التدرب على توحيد الصفوف ومحاولة القيام بعمل مشترك منظم ومؤثر.. وداخل أوروبا، مثل: وضع الشعوب الغربية أمام حقيقة مبادئهم التي يتغنون بها وتذكيرهم بمواقفهم التي لا تتفق مع هذه المبادئ (حرية التعبير ـ حقوق الإنسان ـ التسامح مع الديانات والحضارات الأخرى) ، تعريفهم بحقيقة الإسلام، الإجابة على التساؤلات الكبرى التي تشغلهم من منطلق إسلامي.. ولا يكون ذلك إلا من خلال وضع تصور مسبق لاحتمالات الأحداث، وطرق ـ أو خطط ـ معالجتها أو مواجهتها، والوسائل والأساليب الأنجع للتعامل معها، والإمكانات المطلوبة ... الملحوظة الثانية: باستقراء تسلسل الأحداث الأخيرة يتضح أن هناك استفزازاً متعمداً لإثارة المسلمين، ولكن رد فعل المسلمين جاء متأخراً عن الحدث الأصلي ـ رغم أنه جاء قويّاً ومؤثراً ـ وهذا التأخر يضع علامات استفهام حول ما إذا كانت هناك أهداف من وراء الإثارة في مثل هذا الوقت بالذات، كما أنه يضع علامات استفهام على آلية وكيفية إحساس المسلمين بمآسيهم، وكيفية وتوقيت التصرف المناسب من غير انجرار لما يضر بأمتنا أو الوقوع فيما يحيكه لنا أعداؤنا؛ فهل من المناسب أن يشكل في كل بلد ما يشبه المرقب لمتابعة أحوال الإسلام والمسلمين وإنذار قومهم عند الإحساس بالخطر؟ وإذا كان ذلك مهمّاً فيمكن الاتفاق على جهة (أهلية) محددة موثوق بها يناط بها تلقي هذه التقارير ونشرها، أو على الأقل إنشاء موقع على الشبكة العالمية، يستطيع فيه المراقبون ـ مع الأخذ في الاعتبار احتياطات الأمان الإلكتروني ـ وضع هذه التقارير ليطلع عليها المسلمون، وتلقي التحليلات والاقتراحات لهذه التقارير. الملحوظة الثالثة: استخدم الغرب في مواجهة حملة المقاطعة التي انتشرت في العالم الإسلامي أكثر من تكتيك لإفشال المقاطعة أو إضعافها على الأقل، وأهم هذه التكتيكات: تشتيت هدف الخصم (توسعة الخرق على الراقع) أو (تفريق الدم بين القبائل) ، تفتيت القوة المضادة، امتصاص الغضب، تبادل الأدوار، استغلال عامل الوقت، تكتيك مصارع الثيران، ازدواجية الخطاب الإعلامي، الإشباع النفسي للخصم ... وبجانب جهوده وإمكاناته استغل الغرب الثغرات المنتشرة فينا لإنجاح هذه التكتيكات، ونستطيع ضرب الأمثلة على ذلك: ٣ تكتيك (توسعة الخرق على الراقع) أو (تفريق الدم بين القبائل) : فإنه عندما أثارت الرسوم الكاريكاتيرية للنبي ﷺ استهجاناً واسعاً في العالم الإسلامي، فإن صحفاً أوروبية تنتمي لأكثر من دولة أعادت نشر الرسوم نفسها بدعوى حرية التعبير وإطلاع القراء على حقيقة الحدث الذي أثار المسلمين (لاحظ أنه لم تنشرها أي صحيفة أخرى في الدانمرك نفسها) . وبذريعة (حاكي الكفر ليس بكافر) أعادت بعض الصحف في البلدان العربية والإسلامية نشر بعض الرسوم أو كلها، كما أظهرت بعض المواقع الإسلامية الرسوم أو أشارت إلى صلات تُبرزها. فواضح أن الهدف من ذلك كان استنساخ سبب المقاطعة نفسه في أكثر من مكان، وإشهار ذلك، وعندها إما أن يندفع المسلمون إلى إعلان مقاطعة جميع هذه الدول أيضاً؛ لاتحاد السبب، وهذا مما يصعب عليهم القيام به والاستمرار فيه فتخور عزيمتهم عن المقاطعة جميعها.. وإما أن تسقط مصداقية السبب نفسه عندما لا يطَّرد السلوك المبني عليه في جميع الأحوال. وإذا كان موقف الصحف الغربية مفهوماً ـ خاصة في ضوء التقارير التي أشرت إليها سابقاً من وجود أصابع مخابراتية في الموضوع ـ فإن موقف الصحف التي تصدر في البلاد العربية والإسلامية كان أشد وقعاً وأكثر إيلاماً، ليس فقط لأنها طعنة من الخلف غير منتظرة ممن يعلنون انتماءهم لهذا الدين، وليس فقط لأنه عضَّد وساهم في نجاح هذا التكتيك، ولكن لأنه استخدم أيضاً من قِبَل وسائل إعلام غربية لإظهار أن الضجة بشأن الرسوم مبالغ فيها؛ لأن الصحف العربية نفسها أعادت نشرها. وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أن بعض المصلحين يمكن أن يسهم في ذلك بحسن نية! ويتمثل ذلك في محاولة استغلال الحدث في إصلاح المسلمين وحل جميع مشكلاتهم دفعة واحدة، أو خلط المشكلات وتشابكها مع بعضها (الإعلام الفاسد والفن الهابط، وترك سنة الرسول ﷺ وهديه، و.. مئة وسيلة لنصرة المصطفى ﷺ ... ) ، وبالطبع فإن من يرى أو يسمع ذلك يفهم أنه لا بد من تغيير حياته كلها، وقد يكون هذا حقاً ومطلوباً، ولكنه غير مؤهل له الآن، فلا يقوم من الوسائل المئة بوسيلة واحدة ـ أو يكاد ـ وتكون النتيجة أنه ينصرف عن النصرة لأنه ـ بهذا الشكل ـ غير مستعد لها. بل إن بعض المتعاطين مع الأزمة اقترح حلاً لها بأن تتبنَّى الحكومات العربية والأمم المتحدة موقفاً يهدئ من مشاعر المسلمين، وهو: إلزام العدو الصهيوني بالانسحاب الفوري من القدس وتطبيق الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة التي تقضي بفرض عقوبات سياسية عليها في حال رفضها القرار! ومثل هؤلاء كمن يريد إسقاط مئة عصفور على شجرة بطلقة واحدة فتكون النتيجة أن تطير العصافير كلها ولا يستطيع أن يسقط عصفوراً واحداً. فضعف التركيز وافتقاد نَظْم الأهداف المرحلية مع الأهداف الاستراتيجية و (الاستجابة للتداعي) ، يساعد على تحقيق المخطط الغربي بتشتيت التركيز، وهذا يختلف عن البحث عن الجذور والربط بين الظواهر لاستخلاص النتائج والحلول لمشكلة ما. ٣ كما ظهرت بعض محاولات لاستخدام تكتيك (مصارع الثيران) ، وهذا التكتيك يهدف إلى ترويض الخصم بأقل قدر من الجهد والمخاطرة، وهو يقوم على محاولة إشغال الطرف الآخر بمثيرات أخرى جانبية، وتوجيهه وجهة ـ أو وجهات ـ معينة بحيث يفقد تركيزه وينصرف عن هدفه، ويظهر هذا التكتيك هنا بمحاولة إشغال الرأي العام بقضايا مثيرة أو حساسة أخرى، لتشتيت تركيزها المنصب في قضية موحدة، وصرف انتباهها إلى قضايا أخرى هامشية ومؤقتة.. وعلى سبيل المثال: فقد نشرت صحيفة (ذي جارديان) البريطانية أوائل شهر فبراير (أي: في ذروة الغضب الشعبي الإسلامي) صورة سمكة من نوع أوسكار تحمل على حراشفها لفظ الجلالة (الله) واسم الرسول ﷺ (محمد) ، وبالطبع فإن الصحيفة البريطانية لا تؤمن بالله ولا بالرسول، ولكنها تلقي الطعم ليتلقفه السذج والبسطاء ـ أو المغرضون! ـ ويتخذوا من الخبر دليلاً على صحة إيمانهم، ثم يعملوا على نشره (تعاوناً على الخير) ، فينشغل الرأي العام به، مما يفقدهم تركيزهم في القضية التي كانوا يهتمون بها، فتضعف طاقتهم ... وهذا الأسلوب نفسه استخدم مراراً قبل ذلك، وإذا كان القارئ ذا ذاكرة قوية فإنه يمكن أن يستدعي قصة البنت العُمانية التي (سُخطت) بعد تحديها أمها في المعصية.. فقد راجت تلك القصة بعد ضجة تدنيس المصحف في غوانتنامو وظهور فضائح التعذيب في (أبو غريب) . ٣ أما تكتيك تفتيت القوة المضادة فيظهر في محاولة اللعب على المذهبيات والطائفيات والعرقيات، كما يمكن أن يندرج تحته محاولة الساسة الغربيين والإعلام الغربي استغلال حوادث الحرق والتخريب والعنف التي صدرت من بعض المحتجين، إذ إنه بجانب استغلاله لهذه الأحداث دليل إضافي يقدمه لجمهوره على وحشية المسلمين وتخلفهم وتعطشهم للعنف ومهاجمة (المسالمين) ، فقد حاول بتضخيمها حرف القضية عن أصلها، لتتحول إلى قضية (عنف وتخريب وإرهاب) يرفضها كثير من المشاركين في الاحتجاجات، أو يخشون من عواقبها، مما يدفعهم إلى غلق أبوابهم عليهم، والاكتفاء بـ (اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين) . كما أن نشر الرسوم في أكثر من صحيفة يهدف أيضاً إلى تفتيت قوة المقاطعة الاقتصادية الشعبية للدانمرك؛ لأنه بعد النشر في بلاد مختلفة وعدم استطاعة مقاطعة كل هذه البلاد، فسيكتفي كل فريق بمقاطعة بلد ما، وعندها يخف الضغط الواقع على البلد الأصلي. ٣ أما تكتيك ازدواجية الخطاب الإعلامي، فإنه يهدف إلى ترويض الخصم بأقل قدر من التنازلات، ومما يساعد في تحقيق آثاره عاملان: العامل الأول: عدم معرفة الخصم المستهدف إلا بالخطاب الموجه له فقط، العامل الثاني: جهل هذا الخصم يدلالة مفردات الخطاب الموجه له بدقة؛ فقد وضح في هذه الأزمة التلاعب الإعلامي وعدم انتباه معظم المهتمين (وسط الفوضى والغوغائية) لفروق الألفاظ (كالفرق بين الأسف والاعتذار، وبين الاعتذار عن الفعل وعن آثار الفعل ونتائجه، وبين سحب السفير واستدعاء السفير ... ) ، ولدلالة عبارات، مثل: (لم نستورد من الدانمرك، يملك أسهمها شركاء وطنيون، يصنع في بلادنا ... ) ، ولضيق المقام نوضح فرقاً واحداً، هو الفرق بين الأسف والاعتذار: فالأسف يكون عن أي فعل أو قول يُحزِن الإنسان أو يغضبه أو يتحسر عليه، سواء صدر منه أو من غيره، وسواء أكان بقصد أو غير قصد، أما الاعتذار فهو طلب رفع اللوم والذنب، فالاعتذار يتضمن الاعتراف بالخطأ والذنب، ويحمل في طياته المسؤولية عن الفعل أو القول، وهذا قد يترتب عليه عقوبة أو عوض. أما الإشباع النفسي للخصم، فيتم عن طريق الإدلاء بمعلومات معينة ـ صحيحة أو مغلوطة ـ تساعد على إحساس المقاطعين بنشوة نصر كاذب؛ مما يخمد حماسهم ويوقف استمرارهم؛ لأنهم بلغوا هدفهم و (أثخنوا) في عدوهم. وكمثال على هذه الأخبار: ما أعلنه سفير الدانمارك بالقاهرة (يان سورنسن) أن حجم الخسائر المترتبة على مقاطعة الدول العربية للمنتجات الدانمركية بلغت ٣٥ مليار يورو، إضافة إلى زيادة نسبة البطالة داخل الدولة، مشيراً إلى أن المصنع الدانمركي الذي أغلق أبوابه بالسعودية مع مقاطعة المنتجات بصفة عامة أدى إلى فقدان ١٥ ألف وظيفة داخل الدانمارك، وقد تصل إلى ٥٠ ألفاً إذا استمرت المقاطعة لفترات أطول من ذلك. وخبر غيره يقول: إذا استمرت المقاطعة حتى شهر أغسطس فستصل خسائرهم إلى ٣٩ مليار يورو. وخبر آخر يقول: شركة آرلا الدانمركية تخسر ١.٨ مليون دولار يومياً بسبب المقاطعة. ومسؤول في شركة ألبان دانمركية يقول: «ما بنيناه خلال ٤٠ عاماً خسرناه خلال أيام» . وقد ساهم في نشر هذه الأخبار رسائل قصيرة من مصدر مجهول أرسلت إلى الهواتف المحمولة ... و (انشر) !! الملحوظة الرابعة: وهي عن الخطاب الدعوي في الأزمة، فالملاحظ أن معظم الخطاب الإسلامي كان موجهاً للداخل فقط، مع اتسامه بالعاطفية وعدم التنظيم مما يقلل من جدواه وثمرته. كما ظهرت الهزيمة النفسية في خطاب بعض (المدافعين) عن الرسول ﷺ ، أقلها: التستر خلف رفض إهانة (الرموز الدينية) لنصرة الرسول ﷺ . كما حاول بعض المحسوبين على الدعوة إظهار (التعقل) والتحلي بالمناداة بالحكمة (يريدون التهدئة وعدم التهور) ، وإذا كانت الحكمة مطلوبة في كل شيء فيجب أن يستحضر أن الحكمة الحقيقية هي وضع الشيء في نصابه، ونصاب هذا الأمر معروف لدى من له أدنى إلمام بعلم شرعي، ومن نصابه أيضاً: أن للرسول ﷺ أن يعفو عَمَّن شتمه وسَبَّهُ في حياته، ولكن ليس لأمته أن تعفو عن هذا الجاني عليه ﷺ . وهناك خطأ استراتيجي يقع فيه بعض الدعاة في مثل هذه المواقف، وهو إذاعة المقارنة بين الأزمة الراهنة والمصائب الأكبر التي يحيا فيها المسلمون، وإذا كان هذا الكلام يحتمل أن يكون صحيحاً من ناحية التنظير والواقع، إلا أنه قد يكون أحياناً غير موفق من ناحية التحرك الدعوي أو السياسي. ففي مثل حالتنا فإن نشر مقولة إن الرسول ﷺ يهان في أوقات كثيرة بترك هديه والإعراض عن شرعه.. في الوقت الذي يتلظى الناس جمراً مما أصاب نبيهم ويبدون استعدادهم للبذل في سبيل نصرته ... لا يكون موفقاً فيما أحسب. أعتقد أنه من الضروري على حملة الدعوة تبني قضايا الأمة الحيوية حتى ولو كانت هذه القضايا لاحقة في ترتيب الأولويات أو التتابع المنطقي للعمل الدعوي، ولكن بشرط رد هذه القضايا إلى أصولها وربطها بأصل الإسلام والتوحيد وليس فقط معالجتها معالجة (علمانية) باردة ولو باسم الإسلام، وهذا منهج الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ؛ فقد تقترن الدعوة إلى التوحيد بدعوة إصلاح اقتصادي وعدل اجتماعي: ﴿وَإلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥] ، وقد تقترن بدعوة تطهر أخلاقي: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسَأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٦٥] . فأمام السيل الجارف لاهتمامات الأمة نجد من يساير هذا السيل فيستهلك طاقته ويذوب فيه، ونجد من يحاول الوقوف أمامه لإيقافه ومنعه فيغرقه ويهلكه، ولكن يجب أن يوجد أيضاً من يحاول أن يغير مسار هذا السيل إلى الاتجاه الصحيح ويستفيد في الوقت نفسه من قوته الجارفة لكي تكون قوة إيجابية ... وهذا هو التحدي. أما عن دعوة الخارج: فإنه بغضِّ النظر عن تعصب الشعوب الغربية ضد الإسلام والمسلمين، وبغض النظر عن حقد قادتهم وموجهيهم وعدائهم للإسلام والمسلمين، فإن الواقع والوقائع تثبت دوماً أن عموم الشعوب الغربية ـ ولا أتحدث عن قياداتهم التي تسوقهم ـ تعيش حالة من الجهل المركب عن الإسلام والمسلمين، وهذا ما أثبتته هذه الأزمة؛ فقد ذكر المسؤول عن الرسوم الكاريكاتيرية أن معلوماته عن الرسول ﷺ قليلة، وبتتبع انطباعات الشعب الدانمركي تبين أنهم فوجئوا ـ بعد الأحداث ـ بأن المسلمين يصل تعدادهم لأكثر من مليار نفس. وبالطبع فإن ذلك نتيجة أن معلوماتهم (القليلة) استقوها من مستشرقين معظمهم مغرضون أو من رجال دين نصارى متعصبين ومنتفعين، مقالات وكتب ودراسات وقصص وروايات ونصوص مدرسية ومناهج تعليمية وكتابات ساقطة.. كلها تعمل على تشويه صورة العرب والمسلمين في عيون الرأي العام الغربي، وكلها تعمل على تعمية بصيرة الغرب وتجهيله عن الاطلاع بوضوح على الإسلام وحضارة العرب والمسلمين، وكلها تصر جاهدة على استمرار تفريخ صورة الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، وأيضاً نتيجة تقصير المسلمين في إيصال الدعوة الإسلامية بشكل يتناسب مع حجم المسؤولية. وفي الأزمة الراهنة يزيد الوضع سوءاً ما أشيع عن أن رئيس تحرير كل من صحيفة يولاند بوستن الدانمركية ومغازينات النرويجية اللتين نشرتا الصور المسيئة للرسول ﷺ هما من أعضاء المؤتمر اليهودي العالمي وممولي ومصدري معلومات قسم الدراسات والأبحاث في مركز سايمون فيزنتال اليهودي، الذي يهدد مصالح العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم بحجة دفاعه عن السامية؛ فالأصابع الصهيونية ـ التي لا تريد خيراً لمسلمين ولا لنصارى ـ غير مستبعدة من هذه القضية، والصحيفة الدانمركية لا تخفي توجهها الصهيوني، بل تضع نجمة داوود شعاراً لها على اسمها في الإصدارات المطبوعة وعلى اختصار رابطها الموصل لموقعها على الشبكة العالمية، ويعضد ذلك أن المسؤول عن نشر الرسوم المسيئة فيها عندما صرح باستعداده لنشر مسابقة أعلنت عنها صحيفة إيرانية حول رسوم تتناول محرقة الهولوكست.. لم يتوان مسؤولو الصحيفة عن إعطائه (إجازة إجبارية) غير محددة المدة. إننا في زحمة التدافع وسخونة الصراع يجب ألا ننسى أننا أصحاب دعوة إلى دين الله الحق، وأن مهمتنا ـ مع بسط سلطان الله في الأرض ـ استنقاذ البشر من أن تجتالهم الشياطين وتختم لهم بالموت على الشرك بالله والكفر بدينه، وأن القوى الصهيونية والصليبية يهمها الحيلولة بين الشعوب ودين الله الحق ... وكل ذلك يوجب علينا ـ بجانب الانتصار لنبينا ـ بذل أقصى جهد للدعوة إلى دين الله، بل إن ذلك من أكبر صور الانتصار لرسول الله ﷺ . الملحوظة الخامسة: لا يستطيع أي عاقل إنكار أن التحرك الشعبي انطوى على إيجابيات عديدة: فقد اتحد الجميع على الوقوف ضد إهانة نبيهم، وهذا لم يحدث مثله منذ وقت طويل، حتى نستطيع القول: إن الرسول ﷺ قاد المسلمين من جديد، وعلَّم العالم ـ وخاصة الغرب ـ معرفة مدى المكانة التي ما زال يحظى بها الرسول ﷺ في قلوب المسلمين رغم الجهود الدؤوبة لإبعادهم عن دينهم، وكذلك اهتم العالم بشخصيته ﷺ وأصبحت قضية الساعة، وقد ينتج عن ذلك أن يصل بعض الباحثين عن الحقيقة إليها ويدرك ظلم الإعلام الغربي المتصهين، وقد كان رد الفعل الشعبي في عموم الدول العربية والإسلامية شديداً لدرجة أحرجت معظم حكومات تلك الدول وأخرجتها عن صمتها على الرسوم، ودفعتها للتنديد باستهداف شخص الرسول ﷺ والإسلام، لامتصاص الغضب الشعبي، أو لحين التشاور مع القيادات الغربية لإيجاد الحلول والخروج من المأزق الذي أوقعهم به السلوك الغربي الفج. ورغم كل ذلك نستطيع القول: إن تعامل عوام المسلمين مع الأزمة اتسم بالتوهج العاطفي في الشعور، واختلاط الوعي الإيجابي بالوعي الزائف عند كثير منهم، والارتجالية أو الفوضوية في السلوك، بالإضافة إلى الحياة بإسلام الفضلة في الإرادة والتضحية عند بعضهم. وهنا يجب أن ندرك أن أعداءنا يعوِّلون على استغلال السلبيات الكامنة فينا لإفشال جهودنا نحن وحرماننا من ثمراتها. ومركوز في أذهان أعدائنا أننا شعوب عاطفية هوجاء تشتعل بسرعة وتنطفئ بسرعة ولا يحركها المبدأ والفكرة، وأنها قصيرة النَّفَس لا تستطيع الاستمرار أو الصمود مدة طويلة، فوضوية لا تعرف كيف تحقق هدفها، وهذا فيه قدر من الصحة، وتعالوا نراجع: افتتاح نفق الأقصى وتهديده بالهدم، ودعم المجاهدين في فلسطين، والموقف من العراق، وقبلها الشيشان وأفغانستان وكوسوفا، وموقفنا من كارثة تسونامي، وزلزال كشمير، إهانة الجنود الأمريكان للمصحف في غوانتنامو والعراق.. وكلها أزمات تحمسنا للمشاركة فيها بصورة من الصور، ثم خمدت الهمم رغم استمرار هذه الأزمات وحاجة المسلمين فيها للدعم والمؤازرة. فمعظم هذه الأزمات تعاطفت معها الجماهير وقامت بمظاهرات صاخبة وأعلنت المقاطعة للمعتدين، ولأن دافع هذا السلوك كان هو العاطفة فإنه بعد انطفاء توهجها ـ خاصة مع وجود إعلام يحترف التضليل والتزييف ـ خمدت مظاهر الاحتجاج انتهت المقاطعة بدون تحقيق هدفها ـ إن كان لها هدف ـ ولكن لو تحركت الجماهير من أجل فكرة ومبدأ لظلت على سلوكها حتى يتحقق لها ما تريد، بل يمكن القول: إن أحد أسباب إقدام الغرب على إهانتنا وظلمنا هو معرفته بهذه الصفات فينا. سادساً: تساؤلات شرعية في خضم الأزمة: سأتجاوز هنا عرض عقوبة المستهزئ بالرسول ﷺ ، فإن هذه العقوبة يعرفها من له أدنى إلمام بالعلم الشرعي ـ كما سبق أن ذكرت ـ كما سأتجاوز أيضاً الاعتراض على أصل مشروعية المقاطعة؛ إذ أراه اعتراضاً بارداً؛ فالحصار أشد من المقاطعة، وقد كان شائعاً ومعروفاً شرعيته، كما أن المقاطعة تدخل تحت باب وسائل إنكار المنكر، ولمزيد من الإيضاح يمكن الرجوع إلى تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] وأمثالها من الآيات ... ولكني سأستعرض هنا بعض التساؤلات الشائكة بالفعل والتي تحتاج إلى وقفات وبحث متعمق ومتأنٍ من هيئة شرعية أو أكثر من عالم متخصص يحيطون بعلم الشريعة وعلم الواقع، وإذا كنت أعتقد أني لست أحد هؤلاء فإني سأعرض ما يدور في أذهان بعض الناس من أفكار وأدلة و (وجهات نظر) أو تساؤلات شرعية لها وجاهتها، ولكن قبل هذا العرض أحب أن أذكّر بأن حقيقة إسلامنا تقتضي أن نستسلم جميعاً لأوامر الله أياً كانت، وألا نقدم بين يدي الله ورسوله، بمعنى ألا ننساق خلف عواطفنا أو (أهوائنا) وألا نضع نتيجة نرغب فيها ونبحث لها عن مقدمات تؤدي إليها، وهذا ما أظن أننا جميعاً متفقون عليه، أما التساؤلات فهي كما يأتي: التساؤل الأول: إذا علمنا عقوبة المستهزئ بالرسول ﷺ ، فهل هناك فرق بين حالة الاستضعاف وحالة التمكين في كيفية الرد على المستهزئ برسول الله ﷺ وإيذائه؟ لقد ذكر القرآن سخرية المكذبين ببعض الرسل كما في قوله ـ تعالى ـ عن قوم نوح ﵊: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] ، وذكر استهزاء المشركين برسول الله ﷺ ، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] ، ومع ذلك لم يَسْعَ رسول الله إلى عقوبة المستهزئين من كفار قريش؛ فهل كان ذلك لأن هذه العقوبة لم تكن مشروعة بعد، أم لعدم التمكن من إيقاعها بسبب حالة الاستضعاف التي كان يعيشها المسلمون؟ إن دعوى نسخ الآية بآية السيف التي كثيراً ما يذكرها بعض المتحمسين نقلاً عن بعض العلماء لا تصمد أمام التدقيق العلمي، حيث لا تنطبق شروط النسخ على الآيتين (آية السيف وآية الإعراض) ، ولذا يرى بعض العلماء أن حال المسلم في النصرة يختلف من مكان إلى مكان ومن زمن إلى آخر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وصارت تلك الآيات (آيات الصفح والعفو والصبر على الأذى) في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه، فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصَّغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله وعلى عهده خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام؛ فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» (الصارم المسلول، جـ٢، ص٤١٤) ، فما مدى انطباق ذلك على حالتنا؟ التساؤل الثاني: هل المقاطعة ـ أو أي عقوبة جماعية أخرى في حالتنا ـ يعد أخذ أناس بجريرة غيرهم سواء في الداخل (التجار والعاملين المتضررين) ، أو الخارج؟ المعروف أن الأصل في دين الله عدم أخذ البلاد والنَّاس أجمعين بجريمة واحدٍ منهم إذا لم بتواطؤوا على تأييدها أو المشاركة فيها، فقد قال الله ـ تعالى ـ في محكم كتابه: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، ﴿وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] ، وهل (في مثل الحالة التي نحن بصددها) امتدت عقوبة الرسول ﷺ لكعب بن الأشرف ـ الذي آذى الله ورسوله ـ إلى جميع قومه وكل من استمع شعره وحضر مجالسه التي نال فيها من الرسول ﷺ ؟ إن العدل يجب أن يكون حادينا في جميع الأحوال حتى ولو كان شاقاً على نفوسنا: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] ، ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] . وهل تغيُّر الملابسات والظروف الحالية يوجب إيجاد فقه جديد وفتوى جديدة في المسألة؟ ومن المخوَّل بإصدار مثل هذه الفتوى؟ يحتج بعض الناس هنا بأن استطلاعات الرأي أوضحت أن غالبية الشعب الدانمركي تؤيد عدم اعتذار الصحيفة عن فعلتها وتؤيد موقف رئيس الحكومة في ذلك، ويرد آخرون بأن ذلك الاستطلاع جرى بعد أكثر من شهر من المقاطعة، أي لم يكن المقاطعون يعرفون كيف يبنون مقاطعتهم على هذا الأساس، كما أنه يمكن القول إن ذلك لا يعني الموافقة على الفعل نفسه، ولكنه من قبيل تأييد حق الآخر في إبداء رأيه سواء أكان موافقاً له أو مخالفاً له، «يمتد العداء في هذه القضية إلى أطراف ومستويات عديدة، لا ريب أن معظمها يفكر في الأصل بطريقة مشابهة لما يفكر به الرسام والصحيفة، ولكن لا ريب أيضاً أن الرد لا ينبغي أن يستهدف من يفكر بل من يتصرف ويسيء؛ فهذا ما يساعد على امتناع أصحاب التفكير المشابه عن «التصرف والإساءة» . (نبيل شبيب ـ الإساءة لمقام النبوة بين الجماهير والنخب ـ موقع الجزيرة نت) . سابعاً: حول المقاطعة، واقتراحات لجعلها أقل فوضوية وارتجالية وأكثر فاعلية: تعد المقاطعة الاقتصادية أحد أساليب المقاومة السلمية الفعالة والمؤثرة إذا أُحسن استخدامها، ولكن يجب أن ندرك أنها ليست الأسلوب الوحيد للمقاومة، كما أنها قد لا تكون سلاحاً فعالاً لمواجهة هذه الجرائم والحد منها أو الرد عليها في بعض الظروف والأحوال؛ فقد تصلح المقاطعة في بلد وتكون دون جدوى في بلد آخر، وذلك حسب حجم التعامل الاقتصادي بين البلد المقاطِع والمقاطَع، وعند عدم جدوى المقاطعة يجب التفكير في وسائل تأثير أخرى بحسب ظروف كل بلد (مظاهرات، اعتصامات، احتجاجات....) . ولكن التساؤلات التي تفرض نفسها، هي: ما مصير المقاطعات السابقة؟ وهل حققت أهدافها؟ ومتى توقفت؟ وهل توقفت بقرار منا وإرادتنا؟ وما السبيل لجعل المقاطعة أكثر فاعلية وأشد إيلاماً؟ وبغضِّ النظر عما حدث من محاولة الدول الأوروبية فتح عدة جبهات في آن واحد على المقاطعين والمحتجين، فإن الواقع يقول إن التداخل السياسي والاقتصادي بل والإداري آخذ في النمو بين هذه الدول، فأوروبا تتجه منذ فترة للتحول إلى (الولايات المتحدة الأوروبية) ، بحيث سيصعب في أحيان كثيرة تحديد منتج معين موسوم بعبارة (Made in ---) من الدول الأوروبية، أو فصل دولة معينة واتخاذ إجراء معين يمسها هي بالذات بحيث لا يتداخل مع دول أخرى؛ ففي هذه الحالة سنحتاج بشكل أكبر إلى تنظيم المقاطعة وحسن إدارتها لتكون ممكنة وفعالة. ينبغي أن نلاحظ أولاً أنه إذا افترضنا أن المقاطعة الاقتصادية هي الخيار المناسب في أزمةٍ ما؛ فهذا لا يعني أن المقاطعة هي السلاح المناسب كل مرة؛ فكثرة استخدام المقاطعة مع عدم ترشيدها وتنظيمها سيؤثر مستقبلاً على فاعليتها وقوتها وتأثيرها، لذا لا ينبغي أن نرمى به في كل معركة وحالة دون النظر في مناسبته، وكيفية استخدامه، والوسائل التي تضمن فعالية نتائج هذا الاستخدام، وعدم الخروج من ذلك بنتائج عكسية ... «إن كل تحرك جماهيري يصنعه الوجدان الحي في الأمة لا يؤدي مفعوله على الوجه الأمثل، إلا إذا توافرت من ورائه عناصر التوجيه والتخطيط والتنظيم، وهذا بالذات ما افتقدته مقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية، وتفتقده الآن مقاطعة البضائع الدانماركية» (نبيل شبيب ـ مصدر سابق) . وهذه بعض الخطوط التي أتصور أنها تساعد على إنجاح المقاطعة الاقتصادية باعتبارها إحدى وسائل المقاومة: ١ ـ تحديد حجم التعدي وقدر العقوبة التي يستحقها والوسيلة المناسبة للرد عليه والتعامل معه. ٢ ـ أن تكون هناك جهة أو جهات يسترشد بها أو ينسق معها في خطوات المواجهة، ويمكن الاسترشاد في ذلك بما ذكر في الملحوظة الخامسة من (ثانياً) . ٣ ـ تحديد أهداف للمقاطعة، وتتحدد الأهداف بحسب نوع وحجم الاعتداء (فقد تكون بانسحاب قوات، أو تقديم اعتذار، أو إلغاء توكيلات، أو محاكمة أشخاص، أو استرداد مظلومين، أو نشر تعريف صحيح من قِبَلنا بالإسلام والرسول ... ) ، بحيث تظل هذه المقاطعة مستمرة حتى تتحقق هذه الأهداف، وإذا تحققت هذه الأهداف تلغى المقاطعة، أو تحديد مدى زمني معروف تتحقق فيه الأهداف المحددة أو معظمها، وأهمية هذا التحديد تكمن في ألا يكون قصر النَّفَس أو الإيقاع في الحرج العملي لبعض الفئات مدعاة لإضعاف سلاح المقاطعة وجعله بلا جدوى أو ضعيف التأثير بعد ذلك. وتحديد الهدف سيجعلنا أقرب إلى معرفة الممكن وغير الممكن، حتى لا نسعى إلى مستحيل أو صعب لا يتناسب بذل الجهد فيه مع الثمرة المتوقعة من ورائه، فلا يتحقق هدفنا ويؤثر على معنوياتنا. وعلى سبيل المثال، ففي الأزمة الحالية طالب كثيرون باعتذار رئيس الحكومة الدانمركية عن النشر، أو محاكمة من نشر هذه الرسوم، وبغض النظر عن التحفظ في كون هذا الاعتذار هو الهدف المطلوب أم لا، ويكفي للرد على هذه الجريمة أم لا يكفي، فإننا إذا فهمنا طبيعة هذا المجتمع يتضح لنا أن هذا المطلب غير منطقي، وذلك من عدة نواحٍ: أولاً: يجب أن نضع في اعتبارنا أن القوم يكفرون برسول الله ﷺ ، وفي الحقيقة بالله وبجميع الرسل، وليس من المنطقي أن نطالبهم بمقتضيات الإيمان به قبل حدوث هذا الإيمان، أي: ليس لنا الطلب منهم بمعاقبة من يستهزئ برسول لا يؤمنون به وخاصة أن ذلك ليس مجَرّماً في منطق عدالتهم، ولكننا في الوقت نفسه يجب أن نحقق نحن مقتضيات الإيمان به في أن ننتصر له ونذب عنه، وهنا ينبغي ملاحظة الفرق بين تناول شخصية الرسول ﷺ من ناحية فكرية أو عقائدية التي قد تقبل مجادلة ودعوة، وبين النيل منه بالسخرية والاستهزاء التي ليس لها إلا العقوبة والتأديب. وهذا يجعلنا نعرف ما الذي نفعله وما الذي نطالب به؟ ثانياً: يجب أن نعرف طريقة حكم هذه البلاد القائمة على الفصل بين السلطات؛ فالصحافة والإعلام سلطة منفصلة عن الحكومة، ولا سيطرة للأخيرة عليها إلا في ضوء القانون؛ فهي لا تنشر ما تنشر بموافقة الحكومة أو إذنها، والحكومة لا تستطيع محاسبتها على ما تنشره؛ فمطالبة الحكومة بالاعتذار مطالبة بمحال وغير عادلة من وجهة نظرهم، ونستطيع فهم ذلك من طرح سؤال: (من المسؤول عن المشكلة حتى يعتذر عنها؟) . إن مطالبتنا لرئيس الحكومة بالاعتذار تقع عليهم كمن يطالب وزير الأوقاف عندنا بالاعتذار عن خطأ وزير البترول! وهذا لا يعني أنهم لا يضمرون ما نشرته الصحيفة، ولكن هذه مسألة أخرى.. وفي ضوء ذلك نفهم أن رفض شريحة استطلاع الرأي لاعتذار رئيس الحكومة كان منطقيّاً، ونفهم لماذا كانت نسبة من يرفض اعتذار رئيس الحكومة أعلى من نسبة من يرفض اعتذار الجريدة. ومن ثم: تكون مطالبتنا نحن بذلك وجعله هدفاً نسعى إلى تحقيقه نوعاً من العبث. ثالثاً: كما أن الاحتجاج بإمكانية محاكمة من يعادي السامية أو يشكك في الهولوكست لا يصلح أيضاً من وجهة نظرهم؛ لأن هذه المحاكمات تعقد بناء على قانون عندهم يجرم هذه المعاداة وهذا التشكيك، ولا يوجد قانون آخر يجرم السخرية من الأنبياء (هكذا كفرهم!) ، ولا جريمة إلا بنص (قانون) كما هو معروف عند الحقوقيين، ولذلك قال بعض الحقوقيين: إن المدخل الصحيح لهم هو اعتبارها جريمة إنسانية (تتعلق بحقوق الإنسان) وسياسية، وليست قانونية. ٤ ـ تحديد الشريحة الموجهة لها المقاطعة والتي يكون لها صلة منطقية بمقترف التعدي أو لها تأثير محسوس في إزالة التعدي، وتحديد العدو المستهدف تحديداً دقيقاً. «فالفارق كبير على سبيل المثال بين اختيار منتجات معينة، لشركات تساهم إسهاماً مباشراً ـ وليس تحت عنوان تسديد الضرائب لحكومة عدوانية وما شابه ذلك ـ في العدوان على المسلمين والإساءة إلى مقام رسولهم الكريم، وبين تعميم المقاطعة على كل منتج وكل شركة تحمل الاسم الأميركي أو الآن الدانماركي. الصيغة الأولى: تساهم في تحويل عدو محدد المعالم إلى عدو كبير، وفي تحفيز من لا يتضامن معه في الأصل إلى التضامن «تعصباً» ، والصيغة الثانية: يمكن أن تؤثر من منطلق التفكير في المصالح الذاتية في الامتناع عن المشاركة في العدوان والإساءة، بل ربما في المشاركة في الضغوط على من يمارسهما ليمتنع عن ذلك. الصيغة الأولى: تسمح بالتواصل مع جهات عديدة في الغرب ممن يسعى لاستعادة مكانة القيم في المجتمع، وممن يرفض ممارسات العدوان والإساءة، للعمل على تحرك مشترك، والصيغة الثانية: تثير لدى هؤلاء التخوف من مثل تلك المشاركة، لا سيما في ظل تعميم خطاب المواجهة والاحتجاجات بما يشملهم ولا يميزهم عن سواهم» (نبيل شبيب ـ مصدر سابق) . وتحديد الشريحة المستهدفة سيجعلنا نتوخى الحذر في عدم إصابتنا لآخرين قد يكون من الظلم أن ينالهم أثر المقاطعة، وهنا يأتي ذكر الشركات والتجار وأصحاب المصالح المرتبطة بالجهات المقاطعة: حيث لوحظ أنه بجانب العاطفة الصادقة في نصرة النبي ﷺ من بعضهم، فإن الذعر من المقاطعة، والمراوغة في الالتزام بها، وركوب الموجة واستغلال تحصيل الحاصل، والنفاق الاقتصادي.. ظهر من سلوك بعض الشركات والتجار. ولا شك أن الإحساس بظلم وقع عليهم وعدم القناعة باستحقاقهم لتلك العقوبة التي تأتي على جريمة لم يقترفوها يعد أحد أسباب هذا السلوك، خاصة والبضائع التي سيخسرونها اشتروها قبل حدوث الجريمة، وأنهم لم يشتركوا في هذه الجريمة، ولا يرضون بها. منطق العدالة يقول: ما دام أن الأمة توجهت جميعها إلى المقاطعة فمن الواجب أن يشارك جميع القادرين في تحمل تبعات هذه المواجهة؛ فالمقاطعة قد لا تعدو عند كثير من (الأفراد) أكثر من (تغيير الصنف) ، ولكنها عند بعض التجار والعاملين تعني خسائر بالملايين أو إغلاق مصادر رزقهم لذنب لم يقترفوه هم، وهذا قد يكون أحد أسباب التحايل والالتفاف على المقاطعة ومحاولة إجهاضها من قِبَل بعض الشركات المحلية. وإضافة إلى العدالة فإن مساهمة هذه الشركات والتجار في المقاطعة يعد أحد أسباب نجاحها؛ لذا أقترح: مشاركة بعض المسلمين في تحمل تبعات من يتضررون من المقاطعة رغم عدم مشاركتهم في التعدي، مثل المشاركة في تحمل تكلفة البضائع المشتراة قبل المقاطعة (مع تعهد التاجر أو المستورد نفسه بمقاطعته لهذه البضائع فيما بعد ما دامت المقاطعة سارية) ، أو المساعدة في توظيف العاملين في المنشأة إذا كان سيترتب على المقاطعة تضرر منشأتهم أو إغلاقها أو فصلهم من عملهم.. ويمكن إنشاء صندوق لدعم المقاطعة يتم بحصيلته شراء هذه المنتجات وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، أو فتح حسابات للجمعيات الخيرية نفسها لتشتري هي هذه البضائع وتتولى توزيعها بمعرفتها.. وذلك من العدل، إضافة إلى أنه سيقلل من معارضة بعض الشرائح للمقاطعة ويزيد من فاعليتها وواقعيتها. كما أقترح إنشاء مشروع متجر وطني (الإسلامي) ، يقوم على تشجيع منتجات البلدان الإسلامية والاقتصار عليها، بحيث تكون نسبة المنتج المصنَّع في هذه البلاد لا تقل عن ٥٠%، وألا تحمل هذه المنتجات علامة تجارية لمنشأة رأسمالها لغير المسلمين، وألا يوظف في جميع هياكله الوظيفية غير المسلمين، أي أن يتبنى مقاطعة جميع البلدان غير الإسلامية طوال العام، وهذه الفكرة تحتاج إلى دراسة اقتصادية لوضع معايير نجاح المشروع، وأظن أن فرص نجاحه ليست بالقليلة، كما أن ذلك لا يتعارض مع اتفاقية منظمة التجارة؛ إذ إنها تشترط عدم منع منتج ما (إذا طلب) ، ولا تستطيع إجبار أحد على شراء منتج معين. ٥ ـ أن تكون المقاطعة شاملة، بمشاركة جميع المسلمين في المقاطعة بترجمة الدعوات إلى ذلك ونشرها بين أوساط المسلمين غير الناطقين بالعربية في بلادهم، وأن تكون شاملة لجميع الأنشطة والجوانب الاقتصادية والإعلامية وغيرها، وأن تكون شاملة أيضاً للمقاطعة العكسية. ٦ ـ العمل بأسلوب الحملات الإعلامية في الترويج للمقاطعة: أي أن تتزامن الدعوة إلى المقاطعة في جميع وسائل الدعاية والإعلام، كالجرائد والمجلات والإذاعة والتلفزيون ـ حتى ولو في صورة إعلانات مدفوعة الأجر ـ وخطب الجمعة والمحاضرات والدروس، والإنترنت (بجميع إمكاناته) . هذا ما يحضرني، وهذا اجتهادي؛ فما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، أدعو الله أن يغفره لي.
следующие страницы →