خلفيات التحول السيء للدانمارك ودول شمال أوروبا
يحيى أبو زكريا
كانت دول شمال أوروبا: السويد والنرويج والدانمارك وفنلندا وإيسلندا تعتبر نفسها دوماً مغايرة ومختلفة عن بقية الدول الأوروبية ذات الإرث الاستعماري والتي تزعمت إمبراطوريّات احتلت لمئات السنين أجزاء واسعة من العالم العربي والإسلامي والثالث، بل إنّ دول شمال أوروبا كانت تعتبر نفسها ذات خصوصية مناخية وثقافية واجتماعية وحضارية، وأنهّا نجحت في إقامة نظام سياسي إنساني في كل أبعاده يؤمن بالإنسان أولاً وثانياً وأخيراً. ولطالما نظّر المنظرون والإستراتيجيون في شمال أوروبا لمجتمع متعدد الثقافات ومتنوّع الأعراق والديانات.
وبناءً عليه وضعت قوانين أساسية تنصّ على مبدأ حريّة التديّن وعدم جواز المساس بأي دين أو التحامل على ديانة بعينها. صحيح أنّ هذا البند ربما وضع ليحمي الديانة اليهودية ورموزها في شمال أوروبا، لكن عدم تحديد الديانة بالاسم جعل القوانين التي تصون الديانات تنسحب على الإسلام أيضاً، وخصوصاً عندما أصبح الإسلام الديانة الرسمية الثانية في السويد والنرويج وحتى في الدانمارك.
وبسبب الطبيعة المناخية الباردة لمنطقة شمال أوروبا فإن سكانها الأصليين هجروها في أوقات سابقة باتجاه أمريكا وباتجاه مدن الشمس، كما أنّ انتهاء مفهوم الأسرة في هذه الجغرافيا واكتفاء الرجل والمرأة بمبدأ المعاشرة أثَّر إلى أبعد الحدود في حدوث تضاؤل فظيع في نسبة المواليد وهو الأمر الذي جعل الإستراتيجيين في هذه المنطقة يفكرون باستيراد البشر من الدول التي تعيش أزمات حروب وأزمات سياسة، فتدفق المهاجرون المسلمون على هذه البلاد، وحصلوا على حق الإقامة الدائمة بموجب اللجوء السياسي أو اللجوء الإنساني، أو من خلال مفوضية شؤون اللاجئين التي ترسل تباعاً عناصر بشريّة بالتوافق مع هذه الدول التي تستقبل سنوياً حصّة معينة ومعدودة من مفوضيّة شؤون اللاجئين.
وخلال ثلاثين سنة ارتفع عدد المسلمين بشكل غير متوقّع في دول شمال أوروبا؛ حيث أصبح عددهم في السويد أزيد من نصف مليون مسلم، وفي النرويج أزيد من ٢٧٠ ألف مسلم، وفي الدانمارك أزيد من ١٥٠ ألف مسلم، وفي فلندا قرابة ٥٠ ألف مسلم، وفي إيسلندا عدة آلاف من المسلمين.
وهذا الاضطراد في ارتفاع عدد المسلمين جعل الكثير من الجمعيات اليهودية الفاعلة في هذه المناطق والمنظمات الكنسية الكبيرة كجمعية (كلمة الحياة العالمية) و (شهود يَهْوَهْ) تنظر بريبة إلى هذا الوجود الإسلامي، وعمدت إلى تكثيف التنصير في المناطق الإسلامية، وراحت تستغل فقر الجاليات العربية والمسلمة لتمرر رسالتها الدينية التي تستهدف بالدرجة الأولى المسلمين حتى يغيِّروا ديانتهم.
وهذا التنامي في عدد المسلمين في مناطق شمال أوروبا جعل الكثير من مراكز الدراسات المستقبلية في الغرب تشير إلى عمق الأزمة الاجتماعية والتركيبة العقائدية لهذه المجتمعات بعد عشرين سنة، كما أنّ بعض الباحثين الإسرائيليين ذكروا بكل صراحة في بحوثهم أنّ المستقبل في هذه المناطق مقلق للصهيونية الذين قد يفقدون أي دعم أوروبي فيما لو أصبح (محمد) و (خالد) من صنّاع القرار في أوروبا؛ في إشارة إلى احتمال وصول الجيل الثالث المسلم المولود في هذه البلاد إلى دوائر القرار.
وقد كانت حياة المسلمين في بلاد شمال العالم طبيعية وعادية، وكانوا يتمتعون بكثير من الامتيازات والتسهيلات، غير أنّ هناك حدثين قلبا ظهر المجن عليهم في هذه البلاد، وبموجب الحدثين أصبحوا عرضة لتآمر دولي يستهدف كيانهم ووجودهم ومستقبلهم:
الحدث الأول: هو تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م التي حدثت في أمريكا، وقد استطاعت الإدارة الأمريكية أن تفرض توجهاتها الأمنية على دول شمال العالم وأشركتها في سياستها الأمنية، وهو الأمر الذي جعل أحد المتابعين يقول: إنّ أمريكا تملك أكبر قاعدة سياسية ولوجستية في شمال أوروبا.
والحدث الثاني: يرتبط بالاستفتاء الشهير الذي أجراه الاتحاد الأوروبي حول الدولة الشرّيرة الأولى في العالم، فأجمع الأوروبيون بمن فيهم سكان شمال العالم على أنّ الدولة العبرية هي أخطر دولة على السلام العالمي، وبعد هذا الاستطلاع طالب وفد الوكالة اليهودية العالمية الأمين العام للاتحاد الأوروبي ساعة نشر الاستطلاع (رومانو برودي) بأن يلغي هذا الاستطلاع، وحاول الوفد اليهودي إقناع (برودي) بأنّ المسلمين الإرهابيين هم الأخطر على أوروبا والعالم، وأنّ المواطنين الأوروبيين من أصول إسلامية هم الذين جعلوا الاستطلاع في منحى مضاد للدولة العبرية.
ومنذ تلك اللحظة بدأت كبريات الجرائد ووسائل الإعلام المرئية المملوكة بنسبة تسعين بالمائة ليهود في شمال أوروبا في تحقير الهوية الإسلامية والثقافة الإسلامية التي كانت تعتبر، ولا زالت ثقافة كراهية وتحامل على السامية، وبات واضحاً أنّ هناك حملة متكاملة الأبعاد ومخططاً لها سلفاً ضد الإسلام والمسلمين وبشكل استفزازي؛ ففي السويد أطلق قسّ سويدي يدعى (رونارد سوغارد) تصريحاً مفاده أنّ محمداً الرسول العربي معقّد ومزواج ومحبّ للفتيات القاصرات، وتبين أنّه تلقى الضوء الأخضر من الكنيسة الإنجيلية من كاليفورنيا - كنيسة المحافظين الجدد - وتزامناً مع هذا التصريح طالبت إذاعة دانماركية محلية بطرد المسلمين كل المسلمين من الدانمارك، وتلاقياً مع ذلك خرج علينا رئيس الحزب المسيحي النرويجي بتصريح يتهم فيه محمداً الرسول العربي بتخريج إرهابيين ودفع الأطفال إلى الحروب، وأصبحت الكلمة والصورة ضدّ الهوية الإسلامية، وحتى المؤتمرات التي انعقدت في دول شمال أوروبا لم تخلُ من نَفَس كراهية المسلمين؛ ففي مؤتمر حظر الإبادة الذي انعقد في السويد زُجّ باسم المسلمين الساعين ـ حسب أحد المحاضرين ـ إلى إبادة البشريّة برمتها من خلال إقامة دولة إسلامية عالمية على أساس الخلافة الإسلامية؛ وحسب قول هذا المحاضر فإنّ المسلمين ومن خلال الإسلام الراديكالي يهدفون إلى إبادة كل الأجناس وكل الديانات، وفكرهم قائم على تدمير الآخرين وإزالتهم من الخارطة الكونية كما قال.
وقد انضمّ إلى هذا المحاضر اليهودي (هنري آشر) المقيم في السويد والمتخصص في طبّ الأطفال؛ حيث أشار إلى أنّ المسلمين في السويد يعادون السامية بشكل كامل، وكثيراً ـ كما قال آشر ـ ما نصادف كراهية مطلقة لليهود وسط الأحياء الآهلة بالمهاجرين المسلمين في مختلف المحافظات السويدية.
وعلى الرغم من غياب رسمي كامل للدولة العبرية التي مثّلها سفيرها في العاصمة السويدية ستوكهولم (زفي مازل) إلاّ أنّ صوتها كان مسموعاً بقوّة في مؤتمر الإبادة؛ حيث أرادت ومن خلال أدواتها أن تعيد الكرة إلى ملعب المسلمين وخصوصاً بعد الصفعة السياسية التي تلقاها السفير الإسرائيلي (زفي مازل) في ستوكهولم عقب تخريبه لعمل فني يمسّ الكيان الصهيوني في الصميم في المتحف الوطني السويدي.
والملاحظ أنّ الصوت العربي والإسلامي كانا غائبين بل خافتين وخصوصاً بعد أن عمدت بعض الجهات المنظمة للمؤتمر إلى تغييب محنة الشعب الفلسطيني والعراقي والشيشاني والأفغاني إرضاءً لواشنطن وتل أبيب وموسكو.
وتكررت الإساءات للإسلام بشكل لم يسبق له مثيل؛ حيث عرضت قناة تلفزيونية في شمال أوروبا برنامجاً عن الحيوانات، وكان المشرف على إطعام هذه الحيوانات ينادي أحد التماسيح باسم محمد، ويناديه: تعالَ يا محمد كُلْ بشراهة! ولا يُعرف لماذا اختار راعي حديقة الحيوانات اسم محمد لتمساحه دون سائر الأسماء.
وقد أظهر استطلاع ودراسة أجرتها دائرة الاندماج أنّ السويديين أكثر انفتاحاً ولكن ليس إزاء الإسلام والمسلمين. وحسب الدراسة فإنّ السويديين يميلون إلى مواقف إيجابية أكثر نحو التعددية وتمازج الثقافات داخل مجتمعهم، ولكنهم في الوقت ذاته يبدون ريبة من الإسلام والمسلمين، هذا ما أظهرته دراسة حديثة أجرتها مصلحة الهجرة.
وحسب الدراسة فإنّ ثلثي السويديين الذين شملتهم الدراسة يعتقدون أن القيم الإسلامية لا تنسجم مع قيم المجتمع السويدي.
وبينما قال ٦٠% من السويديين الذين شملتهم الدراسة أن الشكوك لا تراودهم من معاشرة مسلمين، قالت نسبة مماثلة إنهم لا يفكرون في الانتقال إلى منطقة ذات أغلبية إسلامية، وأبدى ٥٠% معارضتهم لارتداء غطاء الرأس من جانب النساء المسلمات في المدارس وأماكن العمل. وقد طالب حزب الشعب السويدي folkpartiet الممثل في البرلمان السويدي أساتذة المدارس السويدية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية السويدية للتجسس على الطلبة والتلاميذ المسلمين الذين لديهم ميول إسلامية ونزعة إلى التطرف، وقد طالب حزب الشعب السويدي الداعم منذ نشأته للكيان الصهيوني والذي استضاف في المدة الأخيرة النائبة الهولندية المرتدة، وهي من أصل صومالي (هرسي) والمشهورة بسبّ رسول الإسلام محمد ﷺ في هولندا ـ طالب الأساتذة السويديين بأن يكونوا عيوناً وجواسيس على تلاميذهم وطلبتهم المسلمين الذين يميلون إلى التطرف.
واقترح حزب الشعب كما تقول ممثلته (لوتا إدهولم) أيضاً أن يكون هناك تنسيق كامل بين المخابرات السويدية وأساتذة المدارس لتعقّب المتطرفين المسلمين، ومن الضرورة ـ كما قالت ممثلة حزب الشعب ـ أن يلعب الأساتذة هذا الدور. وعللت (لوتا) هذا الاقتراح بقولها: إنّ المعلومات المتوفرة تشير إلى وجود العديد من المتطرفين المسلمين في المدارس السويدية ويجب أن يتم التصدّي لهم، أو بعبارة أخرى: استئصالهم بالتعاون مع المخابرات السويدية.
ويريد حزب الشعب السويدي أن تكون المدارس السويدية في كل المحافظات السويدية مؤسسات جاسوسية وعيناً على التلاميذ؛ وهو خلاف المهمّة الحضارية للمدرسة.
أما نقيبة المعلمين السويديين (ميتا فيكنر) فقد استغربت هذا الاقتراح الذي يتجاهل المهمة الحضارية للمدرسة والذي يُخرِج الأساتذة عن مهامهم التعليمية النبيلة إلى التجسس على التلاميذ. وعلى الرغم من أنّ السويد لم تُبْتَلَ بالتطرف أو العنف إلاّ أنّ بعض الأحزاب السويدية تحرص على اتهام المسلمين كافة وتصويرهم على أنهم خطر على الأمن السياسي والاجتماعي كما صرح بذلك قادة حزب الشعب المتطرّف.
وفور بروز هذه التصريحات والبداية الفعلية للتواصل بين المعنيين بالشأن التربوي والمخابرات السويدية، أجرت جريدة (داغينس نهيتر) الشهيرة ـ dagens nyheter ـ استطلاعاً شارك فيه قرّاء الجريدة حول تكليف الأساتذة بالتجسس على الطلبة المسلمين، فأجاب ٦٤ بالمائة ضدّ هذه الخطوة الأمنية، بينما وافق ٣٥ بالمائة على هذه الخطوة، ولم يُبْدِ ١% رأيهم في الموضوع.
وتعليقاً على هذا الموضوع قال أحد التربويين السويديين (إريك نلسون) إنّ هذا الموضوع غير مقبول بتاتاً، وقال: صحيح أننا في السابق تعاونَّا مع الشرطة في قضية الشباب النازيين، لكن ذلك كان ضمن مشروع مدروس للديموقراطية.
وفي أقل من سنتين عقب الحادي عشر من سبتمبر ظهرت عشرات العناوين التي تتحدث عن الإسلام وكانت في مجملها سلبية؛ فقد ظهر كتاب في السويد عن الإسلام وعن محمد ﷺ تحديداً، ثمّ تلاه كتاب آخر في الدانماراك وهو الكتاب الذي أسس للمسابقة التي أقامتها جريدة (يولاند بوستن) لرسم النبي محمد ﵊.
ويقول أحد الرسامين الدانماركيين الذين شاركوا في رسم النبي محمد ﵊: إنّ فكرة رسم الرسول محمد تعود إلى الكاتب الدانمركي (كوري بلويتن) الذي كتب كتاباً عن رسول الله محمد، وقد احتاج إلى رسومات تقريبية لشخص النبي محمد، فاتصل بنقابة الصحفيين الدانماركيين معلناً عن حاجته إلى رسومات لكتابه الجديد عن النبي محمد، وإثر ذلك دخلت جريدة (يولاند بوستن) حلبة المسابقة، وكلفت أشهر الرسامين بتشخيص النبي محمد، وقد اختارت في نهاية المطاف اثني عشر رسماً، وكانت تلك الرسوم التي فجّرت الموقف في العالم الإسلامي.
وفي هذا السياق يقول أحد رسامي الرسوم الاثني عشر المتعلقة بالنبي محمد: إنّي تقزّزت في بداية الأمر من دعوة رئيس تحرير (يولاند بوستن) لرسم النبي العربي، واستشرت أصدقاء لي من الشرق الأوسط الذين نبهوني إلى خطورة الموقف، لكن في النهاية وافقت حتى لا أُتهم بالجبن والتردد من قِبَل زملائي. وفي الوقت الذي تبدي فيه بعض دول شمال العالم عناداً شديداً وترفض تقديم اعتذار رسمي للمسلمين بحجة أنّ حرية التعبير مقدسة في الغرب؛ فإنّها في واقع الأمر بدأت تشعر بحجم الأضرار التي ألحقتها المقاطعة باقتصادها، وقد اتصلت المخابرات الدانماركية ببعض القيِّمين على العمل الإسلامي في الدانمارك لحملهم على مساعدة الدانمارك في تجاوز هذه المرحلة الصعبة، كما أنّ الاقتصاديين الدانماركيين الذين لديهم مصالح واسعة في العالم الإسلامي عابوا كثيراً على حكومة (راسموسين) تأخرها في الاعتذار للمسلمين على غرار ما فعلته الحكومة النرويجية. أما الحكومة السويدية؛ فقد قررت أن لا تخلط أوراقها مع العالم الإسلامي، وتعهد رؤساء تحرير صحفها بعدم إعادة نشر الرسومات المسيئة للنبي محمد ﷺ حتى لا تجرح مشاعر المسلمين.
стр. 5532
حوار مع الشيخ: رائد حليحل رئيس اللجنة الأروبية لنصرة خير البرية
حاوره: خباب بن مروان الحمد
يعمُّ العالم الإسلامي حالة حقد وكراهية شبَّ أوارها، وازداد اشتعالها، إثر الحملة المسعورة الدانماركيَّة؛ التي انتهكت حقوق أعظم إنسان على وجه الأرض، محمد ﷺ ، فقد انتفض المسلمون وهبُّوا هبَّة جماعية، استنكاراً لما فعلته الصحيفة الدانماركيَّة (يلاندز بوسطن) بالسخرية برسول الله محمد ﷺ وزاد الطين بلَّة، حين لم تعتذر الحكومة الدانماركيَّة الصليبيَّة رسميّاً من فعلة تلك الصحيفة الشنعاء، قبالة السخرية برسولنا ﵊ وأحسب أنَّ هؤلاء القوم الكفرة لم يكن يدر في خلَدِهم، أن يشتعل المسلمون غيرة وحماساً، كما شاهدوا من قِبَلِهِم، حتى أسقط في أيديهم.
فقد علم العالم الإسلامي حقيقة حقد ما يسميه بعضهم بالآخر على الإسلام ورسوله ﷺ ، وكانت تلك المحنة والأزمة منحة إلهيَّة جعلت جلَّ الناس وبالأخص المسلمين، يلتفتون إلى رسول الله ﷺ بحثاً عن سيرته، وقراءة عن شخصه؛ فرب ضارَّة نافعة!
كما ظهر أنَّ في الأمَّة الإسلامية خيراً كثيراً، لم يزل أثره يتجدَّد حيناً بعد حين، ولعلَّ في هذه الإساءة لرسول الله ﷺ تنبيهاً لبعض السادرين في لهوهم، أو الجالسين فوق التل يرقبون ما يحدث للإسلام ورسوله ﵊ من إهانة وسخرية من قِبَلِ أعداء الله، لعلَّها تثير بقايا صدق طاهر في الولاء لرسول الله ﷺ بالذب عنه ونصرته والغيرة عليه ...
وبما أنَّ هذه القضيَّة أضرمت نيرانها بدءاً من ذلك البلد الصليبي، بحجَّة حريَّة الرأي! فقد اتَّجهتُ إلى أحد العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في الدانمارك، ونثرت أمامه شيئاً من التساؤلات التي يجيش بها قلب كلِّ مسلم يحبُّ الله ورسوله ليجيب عنها؛ ذلكم هو الشيخ الداعية: رائد حليحل ـ رئيس اللجنة الأوروبيَّة لمناصرة خير البريَّة ﷺ ؛ وقد أثرانا ـ جزاه الله خيراً ـ بإجابته عن الأسئلة التي طرحتها عليه، فبيَّن الحقَّ والحقيقة، وأوضح ملابسات الحدث، وما وراء السديم.
نسأل الله أن يجزل له الأجر والمثوبة، وأن يحفظنا وإيَّاه وجميع المسلمين من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وإلى نصّ الحوار:
البيان: فضيلةَ الشيخ رائد! نرحب بك في مستهَلًّ هذا اللقاء، ونرجو من فضيلتكم أن تعطينا لمحة موجزة عن المسلمين في الدانمارك ـ أصولهم ـ عددهم ـ وظائفهم ـ سبب وجودهم ـ موقف الدانمارك من المسلمين وأوضاعهم فيها؟
٣ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين. أما بعد:
فإني أتقدم لمجلتكم الموقرة بشكري على إتاحة هذه الفرصة من أجل إطلاع قرائكم الكرام على تفاصيل قضية مهمة وحساسة لطالما سعيت أن يشاركنا العالم الإسلامي كله في معالجتها؛ وذلك لأهميتها البالغة؛ إحقاقاً للحق ونصرة لسيد الخلق ﷺ ؛ فبارك الله فيكم وجزاكم خيراً على ما تبذلونه من تنوير ودعوة مباركة عبر منبر ـ البيان ـ.
وَفَدَ المسلمون إلى مملكة الدانمارك من فترات ليست بعيدة، وكانت وفادتهم لأسباب شتى وأغراض متباينة، ويتميَّز المجتمع الدانمركي بعمومه بعدم التواصل مع الآخرين والانكفاء على الذات، وهناك مشاعر مخزونة في تفكيرهم تجعلهم يتوجسون دائماً من الآخر وينظرون له وكأنه يريد أن يسلبهم ما في أيديهم؛ علماً أن تجربة التواصل مع شعوب من ديانات وأعراف مختلفة تعتبر بالنسبة للدانمركيين حديثة وليست كغيرها من بعض البلاد الأوروبية التي لها سابق احتكاك مع الشعوب، مما جعل إمكانية التعايش وقبول الآخر تتعثر في كل محطة من محطات حياتهم.
ومن أقدم الجاليات المسلمة وفوداً للدانمرك هم الأتراك الذين قدموا للعمل، ثم المغاربة والباكستانيون، وأغلب هؤلاء قدم طمعاً ورغبة في تحسين مستوى عيشه، ثم بدأت حملة لجوء واسعة ابتدأت من ثمانينيات القرن الميلادي الماضي إثر حروب ونكبات، والأبرز من هؤلاء هم من لبنان، وأغلبهم من اللاجئين الفلسطينيين. ثم أناس من العراق وكذلك البوسنة والصومال.
وهناك قاسم مشترك بين الوافدين وهو أنهم ليسوا من أصحاب الأموال ليشكلوا قوة اقتصاديةً ضاغطةً، ومن جهة أخرى فإن من أتى فارّاً من ويلات الحروب، لا بد أن تكون بصمات تلك الحروب ظاهرة عليه؛ فعندما يصل إلى بلد مرفَّه نوعاً ما، يخلد للعيش المطمئن، وهو الشيء الذي حال دون بزوغ نوعيات متميِّزة في مجالات العلوم اللهم إلا بعض الظواهر الشابة التي استفادت مما يتاح هنا من إمكانية البروز العلمي ونحوه، وهذا يبشر بخير في مستقبل الأيام - إن شاء الله - فلا بد من تقرير مسألة وهي: أن الذي حالَ دون ظهور شخصيات - كما في بعض البلاد - على المستوى السياسي والاقتصادي والعلمي، مرده إلى أن الجالية تعد ناشئة في هذه الديار، وإذا ما نظرنا إلى خلفية أبناء البلد الأصليين الثقافية والاجتماعية فإنها قد تجلِّي سبب هذا التأخر في بروز دور واضح؛ هذا إذا ما أضفنا عليه اختلاف أجناس وأعراق وخلفيات أبناء هذه الجالية مما حال دون غاية موحدة مشتركة يسعى الجميع لتحقيقها، ولكن لعل تتالي المحن ـ وهذه آخرها ـ تسهم في ضرورة توحد ظهرت بوادره باجتماع المسلمين صوماليين وعرباً وأتراكاً وباكستانيين، راجين أن يكون لهذا اللقاء استمرار نافع.
علماً أن عدم الاعتراف الرسمي بالإسلام، ومع تراكم الأحداث العالمية والحملة الشعواء على المسلمين في العالم، إلى جانب النظر إلى الخلفية (ثقافية أو اجتماعية) لدى المجتمع الدانمركي فإن هذا كله أسهم في حالة توجس من المسلمين، وقد انعكس ذلك على الواقع لا سيما عندما يصل للحكم بعض الأحزاب اليمينية كما هو الحال اليوم من وصول الحزب الليبرالي إلى الحكم.
البيان: تناقلت وكالات الأنباء خبر الاستهزاء برسول الله ﷺ في إحدى الصحف الدانماركيَّة بالرسوم الهزليَّة؛ فكيف بدأت هذه القضيَّة؟ وماذا تنقم الصحف الدانماركيَّة من رسول الله؟ وهل الدافع ديني أم سياسي؟ وهل نظرة الغرب عموماً لرسول الله ﷺ بتلك الطريقة؟
٣ لقد أساءنا جداً ما تجرأت على نشره - عن سابق إصرار وترصد - تلك الجريدة الآثمة صاحبة التوجه المعادي للمسلمين؛ فقد نشرت ما لا يقبله عقل من جرأة على مقام النبي الكريم ﷺ وكان ذلك على خلفية امتناع الرسَّامين عن رسم صورة ساخرة بنبينا لتوضع على غلاف كتاب للأطفال نُشر في الأسواق (٢٤/١/٢٠٠٦) مما عُدّ نسفاً لمبدأ حرية التعبير (!) فقد قامت هذه الجريدة الغيورة على الديمقراطية وحامية حمى الرأي والتعبير! بتحدي مشاعر المسلمين عبر نشر تلك الصور بقصد التهكم زاعمة أنَّه ينبغي أن يلاقَى ذلك من قِبَل المسلمين برحابة صدر.
وإن هذا الفعل الذي كان واضحاً في كونه استفزازاً ظاهراً حركه جانبان: الأول: نظرة راسخة في العقل الباطن من نظرة تكذيب وخوف وازدراء بالإسلام ونبيه ﷺ . ودافع آخر: لعله سياسي، والمقصود منه التنبيه على الخطر المتنامي في الغرب بسبب وجود الإسلام، وكأن المقصود بنشر تلك الصور هو محاولة جس لنبض الساحة، وكيف سيكون تفاعلها مع هذه القضية، ومحاولة إيجاد جو انهزامي لدى المسلمين يمكنه قبول أي شيء مهما كان، بحجة مراعاة حرية الرأي والتعبير. وهذا لا يتنافى مع وجود أصوات أنصفت عندما أقرت بعظمة الدين ولا سيما بإنصافها لنبينا محمد ﷺ ؛ إلا أن الجو العام والذي ساعده على الظهور هو التشويه الإعلامي واستغلال كل حدث لتوظيفه في هذا السياق من التوجس خيفةً من الإسلام إن لم نقل العداء له. والله المستعان.
البيان: ما سبب عدم اعتذار الصحف الدانماركيَّة للمسلمين من سخريتها برسول الله ﷺ ؟ وهل تراه كافياً لو حدث تجاه تصرُّفهم الأرعن؟
٣ حتى نعرف هل يمكن لهؤلاء أن يعتذروا؛ فإنه لا بد من تسليط الضوء على أمر مهم ألا وهو أن مما يميز الشعب الدانمركي أنه معتز بنفسه كثيراً لا يقبل النقد لما يقوله، ويصعب عليه الاعتذار، وينظر لغيره لا سيما إذا كان مخالفاً له في ثقافته نظرة ازدراء، وكأنهم يقولون: مَنْ هؤلاء حتى يعلِّمونا ما يجب علينا؟ ولكأني بهم يريدون (أنا خير منه) . هذا من ناحية، ثم ناحية ثانية: إذا علمنا لماذا فعل هؤلاء هذه الفعلة (ما دوافعهم وما النتائج التي يصبون إليها) فإني أستبعد جداً أن يعتذروا؛ لأنهم جعلوا القضية قضية قيم ومبادئ وطنيَّة ناضلوا من أجلها، ومن ثَم ليسوا على استعداد لاعتذار يعدُّونه هزيمة وتراجعاً؛ فالمسألة عندهم معركة وجود والعياذ بالله؛ علماً أن مطلب الاعتذار يعد مناسباً لحجم وفداحة تلك الجريمة، ولكن لخطورة الفعل من جهة ولعلمنا بطبع هؤلاء وثقافتهم اكتفينا بهذا الطلب على أن يصحبه شيء من إصلاح تلك الصورة السيئة التي وصلت للقارئ الدانمركي بأن يسمحوا لنا بإخراج بعض الصور المشرقة التي تسلِّط الضوء على جوانب مشرقة من حياة النبي ﷺ ، وأن يكون منهم ضمانة بعدم تكرار مثل هذا الفعل، ولكن للأسف الاعتذار عن ذلك يعد عندهم بمثابة الردة عندنا. فالله المستعان.
البيان: ما دور الحكَّام ـ العلماء ـ رجال الأعمال ـ الشعوب ـ الهيئات، تجاه تلك الحملة الشرسة على رسول الله ﷺ ؟ وهل ترى أنَّ موقف المسلمين كان مناسباً؟
٣ إن حق الرسول الكريم ﷺ كبير جداً، ولئن كان يجب على المسلم الذب عن أخيه المسلم ونصرته، ولا يجوز له أن يسلمه ولا أن يخذله؛ فما بالكم بحق المصطفى ﷺ ؟ وإننا نهيب بعالمنا الإسلامي كله أن يتحرك حركة تناسب الحدث من جهة شناعة الفعلة ومن جهة حرمة النبي الكريم ﷺ وضرورة نصرته، ولقد طالبنا من أول أيام تلك المحنة أن يناضل كل بحسبه؛ فما يُطلب من الحكام يعجز عنه العامة، وما يطلب من العلماء ويتوقع منهم لا يجيده دهماء الناس، وما ننتظر من أهل الدثور لا يحسنه من قُدِرَ عليه رزقه؛ وهكذا أقول للجميع: كل منكم أدرى بنفسه وقدرته فلا يتوانَ أحد عن هذه النصرة الواجبة: ﴿بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فاستعينوا بالله ولا تعجزوا، واعلموا أنكم إن ساهمتم فأنتم في معركة معلومة العواقب فاتقوا الله في رسوله علكم تنالون بذلك شفاعته يوم القيامة.
وإنني أقولها بصراحة على قدر ما كنت حزيناً أول أيام الأزمة؛ لأننا سعينا جاهدين أن نوصل القضية للعالم ليتحرك، وقد تناولت بعض القنوات الفضائية ذلك في مطلع شهر رمضان ومع ذلك لم نسمع ما يثلج صدورنا حتى إني كنت أقول لنفسي: أيعقل هذا من أمة محمد ﷺ أن تخذله، وقد لمتُ وعاتبتُ البعض، ولكنَّ ما رأيته في هذه الأيام أعاد لي الأمل في هذه الأمة وأنها ما زالت بخير والحمد لله، ولكني أهيب بالجميع أن لا يكون ذلك ردة فعل عاطفية مع أن العواطف مطلوبة، لكن نأمل أن نضع خطة متكاملة فيها الذب عن النبي قولاً وفعلاً فنواجه من يعتدي عليه، وعلينا أن نجتهد في تعريف العالم بشخصية النبي الكريم على شتى الصعد، ولعلنا بذلك إن اجتهدنا أن نكفِّر عن تقصيرنا، ونساهم في رفع العقاب عنا لو سكتنا عن منكر عظيم كهذا.
البيان: ما رأيك بالمقاطعة الإسلاميَّة لمنتجات الدانمارك: هل ستؤثر سلبياً على المنتجات الدانماركيَّة؟ لأنَّ بعضهم يقول إنَّ المقاطعة فكرة غير ذات جدوى اقتصادياً؛ لأنَّ هذه المنتجات الدانماركيَّة تندرج تحت قائمة الامتياز التجاري، فالمتضرر من المقاطعة هم الوكلاء التجاريون، الذين يحملون امتياز بيعها في البلاد، فما رأيكم بهذا القول؟
٣ موضوع المقاطعة من باب: (آخرُ الدواء الكيّ) ، واسمحوا لي أن أقول إن المقاطعة ستؤثر دون شك اقتصادياً على الدانمرك، لكن خسارة الدانمرك القيمية والمعنوية أكبر بكثير من خسارتها المادية؛ لأن خسارة المال قد تعوض مثلاً من الاتحاد الأوروبي أو غير ذلك، لكن الذي خسرته الدانمرك اليوم هو سمعتها التي ينبغي أن تكون جميلة على مستوى العالم وهي التي لديها مقدرات تعينها على أن تتبوأ منزلة قويَّة في عالمنا اليوم.
ونحن حذرنا الدانمرك أن عواقب العناد على هذه الإساءة قد تكون أكبر من كل التوقعات، وما حصل اليوم خير دليل على صدق نصحنا للمجتمع الدانماركي وحتى لا يتضرر بسبب فعلة الجريدة تغاضي الحكومة.
لذا فإن ضرر هذه الحملة لن يقتصر على وكلاء الشركات، بل على الشركات نفسها؛ ولو لم يكن لها فعل في ذلك، لكنا نعلم أنه ما من أسلوب يراد منه الضغط لانتزاع حق إلا وسيكون معه مثل ذلك ولكنه مفيد عندما يتأثر المتضرر مادياً فيضغط مع المسلمين المتضررين معنوياً لانتزاع الحق بالقهر بعد أن سلب ولم يرجع بالنقاش والحوار.
البيان: ما العوامل الدافعة للنيْل من رسول الله ﷺ ؟ وهل ذلك يمثِّل مخطَّطاً صليبياً للكيد للإسلام؟
٣ أرى ـ والله أعلم ـ أنه في المخزون الفكري لدى غالبية الأوروبيين نوع من توارث عداء تقليدي للإسلام وللنبي ﷺ ولو اتصفوا بالعلمانية؛ لذا لا أستطيع أن أنفي وجود دوافع دينية غير ظاهرة، إلا أن الدافع السياسي أظهر؛ وذلك من تصريحات عدة تدل على أن الغاية منها هو تحدي المسلمين لاستفزازهم تمشياً مع نغمة الجرأة على الإسلام على وقع أنغام (الحرب على الإرهاب) ، واختيار النبي ﷺ بالذات للطعن به، وذاك مقدمة للطعن بدينه كله، ولعلمهم بمكانته وقدسيته؛ فهو أفضل اختيار لاستفزاز المسلمين عبره.
البيان: هل ترى أنَّ هذه السخرية لجسِّ نبض المسلمين، تجاه دفاعهم عن رسول الله ﷺ ؟
٣ إن التأمل في الواقع ليس داخل الدانمرك فحسب بل على صعيد أوروبا قاطبة، إن لم نقل العالم؛ يدفع إلى الخشية من أن تكون هذه الفعلة عبارة عن (بالون اختبار) لجس نبض الساحة داخلياً وخارجياً، ومن ثَم سيكون مستوى الرد مؤشراً على حجم وقوة وتفاعل المسلمين ومدى بقاء الإسلام حياً في نفوسهم. ثم يتبع ذلك تعميم لهذه التجربة ونتائجها. وهذا ما نخشاه أن يُجعَلَ النبي ﷺ محل تجربة (والعياذ بالله) ويعقب ذلك خطوت متبنَّاة في الغرب حسب إيحاءات مستوى ردة الفعل الإسلامي.
البيان: ألا يتعارض ذلك مع حرية التعبير؟ وهل تجرؤ الصحف الدانماركيَّة بفتح المجال لنقد الصهاينة وبخاصَّة مسألة (الهولوكوست) التي استُغلَّت أيما استغلال مما يفضح ديموقراطيَّتهم المزعومة؟
٣ المشكلة أن التخفي وراء شعار حرية التعبير، يعتبر حيدة عن الحقيقة، وذلك أننا نجد المعايير مزدوجة، وإننا لنعجب لما تكون الحرية في أوسع مجالاتها عندما يتعلق الأمر بالإساءة للإسلام، أما في غيره فإنَّا نجد لها حدوداُ، فإن الكلام عن السامية عموماً فضلاً عن التشكيك في المحرقة أصلاً أو وصفها حجماً وكمّاً، ومجرد الحديث عن ذلك لا يُسمح به تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير؛ فهذه الأمور ريب وشكوك؛ علماً أن الحرية بمعناها المعروف أنها التي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين.
وقد يكون حسناً هنا التنبيه في وقت يراد أن يصوَّر فيه المسلمون على أنهم الأعداء العظام للحرية، فنقول إن الحرية أمر قد نادى به ديننا حتى في أدق الأمور، بل أجلِّها وهو التوحيد: ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فالخلاصة أن الحرية تكفل لك أن تدين بما تشاء لا أن تتهكم بمن تشاء.
ومن العجب أن يطالب المسلمون دائماً باحترام الآخرين وقيمهم ومقدساتهم مهما كانت باطلة ونجد في الوقت نفسه محل هجمة شرسة علينا، فنطالب إذاً بعمل متناقض أن لا ننتقدهم، وأن نقبل في اللحظة ذاتها إساءتهم فتأمل!
البيان: ما دور عقلاء النصارى أمام هذه الهجمة؟ ولماذا هذا السكوت الكنسي عن سب رسول الله ﷺ ؟
٣ إن ديننا علمنا الإنصاف ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وقد سمعنا بعض الأصوات المستنكرة هنا لهذا الفعل، لكنها كانت خافتة، وهذا طبيعي فلن تكون بحجم ردة فعل المسلم، وما كان منها وإن كان قليلاً هادئاً ليس فيه الحماسة الكافية إلا أنه لم يبرز بالشكل الكافي حتى لا يعكر على الجو العام السائد الذي يريد تفعيل هذه الأزمة - للأسف -.
البيان: ألا ترى أنَّ ذلك يسبِّب مشكلة وخطورة على الدانمارك، بمعنى أنه سيفتح عليها جبهات قد تؤذيها ممَّا يؤجِّج ويزيد حال العداوة من المسلمين تجاه الغرب؟
٣ لقد حذرنا مراراً الدانمارك من مغبة تلك الفعلة النكراء، ولكن للأسف بدل أن يحمل كلامنا محمل المشفق الناصح الأمين، حُوِّر الكلام حتى صُوِّر وكأنه تهديد، وقلنا مراراً إن هذا سيزيد الإحساس بالغبن مما يضاعف من مشاعر الكراهية من المسلمين للغرب والعكس أيضاً، ولكن العناد لم يكن يوماً طريقاً صحيحاً للحوار والتفاهم، ويكرس الهوة الكبيرة بين الثقافتين إن لم يكن مقدمة عملية لتأجيج حرب حضارات.
البيان: ما رأيك ببعض المواقع على الإنترنت وتدَّعي الانتساب للإسلام، تضع استفتاء عن سب الرسول ﷺ وهل هو مقبول بدعوى حرية الرأي أم لا؟
٣ إن قضية تعظيم الرسول الكريم ﷺ عموماً لا سيما مقابل أي إساءة أو إرادة انتقاص فإنه ينبغي أن لا تحمل في ثناياها أي ضعف، بل ينبغي أن تكون كل المؤشرات في سياق واحد وهو التعظيم، وإني أرى أنه من الخطأ أصلاً التقليل من شأنها لتُجعل محل نقاش، بل ينبغي أن يكون مستقراً أنها لا دخل لها إطلاقاً بمبدأ حرية الرأي، بل كان ينبغي أن يكون التساؤل حاملاً في طياته النكير الكبير وليس هذا الأسلوب الذي يوهم أنه من الممكن أن تكون هذه القضية قابلة للنقاش.
البيان: كلمتكم تجاه رجال الأعمال الكبار الذين قاطعوا المنتجات الدانماركيَّة؟
٣ من الأمور القطعية التي لا مرية فيها أن حب النبي ﷺ أعظم من حب الولد والوالد والمال بل والنفس؛ وعليه فإنَّنا نفديه بآبائنا وأمهاتنا وكل شيء يرخص فدى رسول الله ﷺ ، وإن كل من ضحى بشيء إكراماً لرسول الله فإني أقول له: عوَّضك الله خيراً، بل قد عوَّضك؛ لأن مجرد حبك للنبي هو أخير وأفضل من الدنيا وما فيها. وأقول للجميع إن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً في الدنيا والآخرة، وإنه لجميل جداً أن نرى أن الكل يعبر عن حبه لرسول الله؛ كل بحسبه، وكل بطريقته، وإنه ما دامت النوايا خالصة فإنه لا يضيع شيء عند الله، ويكفي من يفدي رسول الله أن يطمح إلى نيل شفاعته يوم القيامة وصحبته في جنات النعيم - اللهم آمين.
البيان: سمعنا أنَّ الدانماركيين بيَّتوا نيَّة إحراق المصاحف في أكبر ساحة في كوبنهاجن نرجو منك التوضيح لملابسات هذا الحدث؟
٣ الحمد والمنة لله وحده أنه لم يحصل شيء من ذلك أبداً، والقضية قد بدأت بالظهور بعد إحراق العلم الدانمركي - أول مرة في فلسطين - والعَلَم عندهم له قدسية مما مكَّننا أن نحتجَّ عليهم ألا ينكروا علينا انزعاجنا من إهانة مقدساتنا كما حصل لهم عند إحراق علمهم.
المهم أنه بُعَيْد ذلك انتشرت رسالة قصيرة عبر الجوال وكان انتشارها سريعاً جداً - كعادة الفتن - ولم يعرف مصدرها الأصلي وطبعاً لم تتجرأ أي جهة على تبنيها وكان فيها دعوة الشباب الدانمركي للتجمع في الساحة العامة يوم السبت في ٤/٢/٢٠٠٦ وذلك لإحراق المصحف الشريف ـ عياذاً بالله ـ ولكن وبعد إبلاغنا الجهات الأمنية وتحذيرنا لهم من كون هذا العمل سيحدث ردة فعل أعظم مما أحدثته الرسومات، فإنهم وعدوا بملاحقة الأمر ومنع حدوثه، ونحن بدورنا نصحنا بعدم تناقل تلك الرسالة حتى لا تشيع بل تخبت، ونعمل على وأدها، وفي هذا اليوم الموعود احتشد عدد كبير من المسلمين لا سيما الشباب مع وجود مكثف للشرطة، بل مع وجود بعض الدانمركيين المتعاطفين أو الخائفين من عواقب هذا الفعل، وقد حصلت هناك مواجهات ولغط أعقبه توقيف البعض، وتحولت الحشود من ساحة لأخرى ولكن باءت كل المحاولات بإحراق المصحف بالفشل الذريع؛ فالحمد لله على ذلك؛ علماً أن شعار المسلمين يومها كان (لا يمكن أن يحرق المصحف وفينا عرق ينبض) وطبعاً كلنا يعلم أن الحكومة ليس من مصلحتها الإذن بمثل هذا الأمر حتى لا تدخل نفسها في أزمة أكبر.
البيان: هل صحيح أن الجريدة التي رسمت صور مسيئة لرسول الله ﷺ رفضت قبل سنتين أن ترسم صوراً للمسيح عيسى بن مريم، وإذا كان ذلك صحيحاً أفلا ترى أنَّ في ذلك تناقضاً صارخاً في دعاوى الحريَّة؟
٣ نعم! لقد صرح غير واحد من المطلعين بل المتخصصين أن الجريدة في عام ٢٠٠٣ عُرضت عليها رسومات للمسيح ﵇ تحكي قيامته - عندهم - إلا أنهم بادروا برفضها، وعللوا ذلك أنهم سيغضبون القراء، ولن يروق لهم مشاهدة تلك الرسومات وقد تثير احتجاجات هم بغنى عنها، وقد أوردت هذا الخبر جريدة محلية دانمركية إلى جانب المواقع العالمية.
وقد شاع خبر أن الصحيفة ستنشر هذه الصور ورسومات عن اليهود يوم الأحد القادم، ولعل ذلك مرده إلى مقابلة أجرتها (CNN) مع المحرر الثقافي الذي نشر الرسومات المسيئة لنبينا ﷺ . وقد رفع أثناء المقابلة رسم قنبلة عليها نجمة الصهاينة؛ إلا أنه بُعَيْد المقابلة وعلى موقع جريدتهم ظهر اعتذار واضح وصريح على لسان هذا الشخص امتثالاً لأمر رئيس التحرير يقول: لا يمكن أن ننشر شيئاً عن المسيح أو الهولوكوست. والأعجب من ذلك كله ـ وهو آخر خبر ـ أن المخطئ - رغم اعتذاره - قد أُعطِيَ في إجازة مفتوحة. فتأمل مدى حرية الرأي والتعبير، وكيف أنها تطبق في مجال وتمنع في آخر، ألا ينبغي بعد ذلك كله أخذ إجراءات صارمة لمنع مثل هذه الترهات تحت هذه الشعارات الزائفة؟
البيان: هل الشعب الدانماركي يجهل حقيقة المصطفى ﵊ وبماذا توصي المسلمين لتبيين حقيقة رسول الله ﷺ للشعب الدانماركي؟
٣ إنما جرى ويجري وما واكب ذلك من مواقف يدل بوضوح على جهل القوم بشخصية نبينا الكريم ﷺ ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد، بل الخلفية الفكرية والثقافية التي أقصت الدين عن كل مناحي الحياة وأضعفت في النفوس معاني الاحترام والقداسة، كل ذلك لعب دوراً كبيراً في الجرأة على نشر تلك الرسومات يدل عليه موافقة أكثرية (حسب إحصائهم) وعدم مبالاة الباقين؛ لأن القضية لا تعنيهم، وكأن شيئاً لم يكن؛ لذا فإنه ولا سيما بعد تكرار نشر تلك الرسومات في أغلب البلاد الأوروبية فإنه لا بد من السعي على جهتين:
الأولى: جهة دعوية تُعنَى بتوصيل رسالة الإسلام وسماحته لهؤلاء عبر كل الوسائل المتاحة، بل ابتكار كل ما من شأنه أن يوصل هذا الصوت المبارك. وهنا أنصح بالتنسيق الكامل بين العلماء الربانيين وبين المثقفين المأمونين الذين يعون الغرب تماماً وكيف يمكن مخاطبته.
الثانية: الجهة القانونية؛ وذلك بالعمل لاستصدار قانون دانمراكي، بل أوروبي إن لم أقل عالمياً، يحرم نشر مثل تلك الأمور بل يعاقب ويجرم مرتكبيها؛ لأنه إن غابت القداسة لم يعد ثَّمَ وازع يردع، ولم يبق إلا الجانب القانوني؛ لأنه يُحترَم في الغرب ويردع كثيراً لخوفهم من عواقب المخالفة؛ فإن تحقق فهو خير عظيم؛ لأنه يجلب مصلحة ويدفع مفسدة.
البيان: السؤال الأخير: سمعنا أنَّ رئيس تحرير إحدى الجرائد المتورِّطة قدَّم اعتذاراً شفهيّاً للجالية المسلمة بالدانمارك، وأنَّ الدانمارك نفسها قدَّمت اعتذاراً للمسلمين، برأيكم هل هذا صحيح، وهل آتى هذا الاعتذار أُكُله، وخصوصاً أنَّ الاستهزاء عاد مرَّة أخرى في يوم ٢٢ و٢٣ من الشهر الجاري؟
٣ أخي الكريم أحب أن أشهد شهادة للتاريخ أُسأل عنها أمام الله أنه حتى هذه اللحظة ١١/١/١٤٢٧هـ لم يصدر أي اعتذار من جانب الدانماركيين على الصعيدين الرسمي أو الإعلامي من قِبَل الجريدة، عما نشر من إساءة لنبينا محمد ﷺ .
أما من جهة الجريدة فإنها إبَّان ظهور الضجة العارمة، ولا سيما المقاطعة التي نودي بها في بلاد الحرمين، فإنَّ الجريدة وجَّهت خطاباً - باللغة العربية - على صفحتها في الإنترنت عنونته بـ (إلى مواطني المملكة العربية السعودية المحترمين) وقد تضمن هذا المقال أغاليط كثيرة، كنت قد رددت عليها بمقال هو على صفحتنا www.islamudeni.net عنونته (ردود موثقة على مزاعم ملفقة) وغاية ما في خطابهم الأسف لمشاعر الحزن التي لحقت بالمسلمين جراء نشر تلك الرسومات، وليس فيه أي اعتذار عنها أو عن نشرها. وكان ذلك محاولة ماكرة من الجريدة بعد ضغوط كثيرة عليها من داخل الدانمارك (سياسياً واقتصادياً) بتحميلها مسؤولية ما يجري على الدانمارك، فأرادت بذلك تخفيف الحملة ظناً منها أنها بذلك ستنهي المشكلة. ولا ينقضي عجبنا هنا من هذا الإصرار على معاملة المسلمين وكأنهم غير عقلاء لا يفهمون ما بين السطور.
ولما لم تجد أن رسالتها هذه قد أفادت، ومع تزايد الضغوطات المترامية الأطراف عمدت الجريدة إلى حيلة عجيبة سبقت خروج رئيس تحريرها على التلفاز الدانماركي بلحظات وهو يتبجح قائلاً: إنَّ الرسومات لا تخالف القانون وأنه لن يعتذر عن نشرها، ولكن بعد لحظات تفاجأ المراقبون بمقالهم باللغتين العربية والدانماركية وعلى موقعهم بعنوان صريح وواضح (صحيفة اليولاند بوستن تعتذر عن الإساءة للمسلمين) وقدم لمقال أرسله رئيس التحرير لوكالة الأنباء الأردنية بجملة ليست فيه أصلاً (تعتذر صحيفة اليولاند بوستن، وبما لا يدع مجالاً للشك على أنها أهانت العديد من المسلمين من خلال رسومات للنبي محمد) .
ولكن الريبة من هذا الكلام كان سيد الموقف؛ لأنه في ثنايا المقال ليس هناك اعتذار واضح، بل تلاعب مُرِّر معه التدليل على قانونية نشر تلك الرسومات، ولكن انجلت الأمور بعد أربعين دقيقة تماماً عندما سحبوا هذا المقال ووضعوا الكلام الأصلي بعنوان مغاير تماماً (حضرات المواطنين العرب) وليس فيه تلك الجمل المصرحة بالاعتذار، وقد حصل ذلك كله يوم الإثنين ليلاً في ٣٠/١/٢٠٠٦ وكأنها مخادعة إعلامية من أجل تمرير الخبر ليهدأ العالم الإسلامي وللأسف تلقفت بعض القنوات هذا الاعتذار المزعوم، وقامت بدور مشبوه في إقناع المشاهد أن الاعتذار قد حصل، وأن الله قد كفى المؤمنين القتال.
ولما لم يُجْدِ ذلك نفعاً غيَّروا عنوان المقال فقط (حضرات المواطنين المسلمين) وهكذا أصبح مقال رئيس التحرير وكأنه نص من كتابهم المقدس له عدة شروحات وتفسيرات! كيف وقد طالعنا رئيس التحرير مراراً عبر التلفاز وعلى صفحات جريدته بما يتعارض مع مزاعم الاعتذار كان من آخرها مقال يوم ٩/١١/١٤٢٧هـ حاول فيه إقناع الرأي العام عن مدى إيجابيته ومدى استعداده لحوار المسلمين كي تنتهي الأزمة وقد ضمن رسالته هذه ثلاثة شروط:
الأول: قد يعتذر ولكن عن الإساءة الناتجة عن نشر الرسومات، وليس عن الرسومات نفسها ولا عن نشرها.
الثاني: مطالبته المسلمين بتوقيع على إقرار (الديمقراطية الدانمركية) والتي أخبرنا مراراً أنها تبيح له فعلته هذه، وأن عمله على ضوئها قانوني تماماً وكأنه يريد منا ما قاله الله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا﴾ . [النساء: ٢٧]
الثالث وهو الأدهى - وقد سحب بعد سويعة من هذا المقال -: أنه لا يستطيع أن يعد المسلمين بعدم تكرار إهانتهم مرة أخرى!!
فتأمل بارك الله فيك! أيعقل بعد ذلك كله أن يقال إنهم قد اعتذروا؟!
أما من الجهة الرسمية فهناك إصرار على أنهم لا يمكنهم الاعتذار عن عمل الصحيفة ولا حتى التنديد بعملها. والذي التبس على الناس ما قاله رئيس الوزراء أنه يرحب باعتذار الجريدة (الذي بينَّا حاله سابقاً) بينما في صبيحة تلك الليلة المخادعة عنونت الصحف نقلاً عن رئيس الوزراء: (لن نعتذر) فهل يعقل قبول اعتذار خجول وغير واضح ولا ثابت ولو لساعات، بل حتى لم ينشر على صحيفتهم اليومية، بل نشروه على موقعهم لغاية غير مخفية؟
стр. 5533
وقفات شرعية مع جريمة الإساءة إلى مقام النبي ﷺ -
الشيخ محمد بن صالح المنجد
ساء كلّ مسلم غيور على دينه ما قام به السفهاء المجرمون من الاستهزاء بنبينا محمد ﷺ وهو أفضل من وطئت قدماه الثرى، وهو سيد الأولين والآخرين صلوات ربي وسلامه عليه.
وهذه الوقاحة ليست غريبة عنهم؛ فهم أحق بها وأهلها؛ فقد كفروا بالله ـ تعالى ـ وسبوه ونسبوا إليه الصاحبة والولد.
فماذا ينقم هؤلاء من سيد البشر محمد ﷺ ؟!
هل ينقمون منه أنه دعا إلى توحيد الله ـ تعالى ـ وهم لا يؤمنون لله بالوحدانية؟
أم ينقمون منه أنه عَظَّمَ ربه تبارك ـ وتعالى ـ ونزَّهه عما يقوله هؤلاء المفترون، وهم ينسبون إليه النقص والصاحبة والولد؟
أم ينقمون منه أنه دعا إلى معالي الأخلاق، وتَرْك سفسافها، ودعا إلى الفضيلة، وسد كل باب يؤدي إلى الرذيلة، وهم يريدونها فوضى أخلاقية وجنسية عارمة؟
يريدون أن يغرقوا في مستنقع الشهوات والرذيلة، وقد كان لهم ما أرادوا!
أم ينقمون منه أنه رسول الله؛ والله ـ تعالى ـ هو الذي اصطفاه على الناس برسالته ووحيه؟
ودلائل نبوته ﷺ أكثر من أن تحصر: شق الله له القمر ليُري الكفار آية، ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ مرات، وتكلمت الشاة المسمومة فأخبرته أن بذراعها سُمّاً، وأعطاه خمساً لم يعطهن أحداً من الأنبياء قبله، منها نصره بالرعب مسيرة شهر، وبعثه للناس كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] .
أم لم يسمعوا عن آيته الكبرى، هذا القرآن الكريم، كلام رب العالمين، الذي حفظه الله ـ تعالى ـ فلم تمتد إليه يد العابثين المحرفين، أما كتبهم المنزلة على أنبيائهم فتلاعبوا بها أيما تلاعب: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] .
بل من أعظم الأدلة على صدق نبينا محمد ﷺ ، بقاء دينه هذه القرون الطويلة ظاهراً منصوراً، وقد كان أمره ﷺ في حياته دائماً إلى ظهور وعلو على أعدائه، وحكمة الله ـ تعالى ـ تأبى أن يُمَكِّن كاذباً عليه وعلى دينه من العلو في الأرض هذه المدة الطويلة، بل في كتبهم التي كتمها علماؤهم وحرفوها أن الكذاب (مدعي النبوة) لا يمكن أن يبقى إلا مدة يسيرة ثم ينكشف أمره ويضمحل.
كما ذُكِر عن أحد ملوكهم أنه أُتِي برجل من أهل دينه (نصراني) كان يسب النبي ﷺ ، ويرميه بالكذب، فجمع الملك علماء ملته، وسألهم: كم يبقى الكذاب؟ فقالوا: كذا وكذا. ثلاثين سنة، أو نحوها، فقال الملك: وهذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة، أو ستمائة سنة (يعني: في أيام هذا الملك) ، وهو ظاهر مقبول متبوع؛ فكيف يكون هذا كذاباً؟ ثم ضرب عنق ذلك الرجل (١) !!
ألم يعلموا أن كثيراًً من عقلائهم وملوكهم وعلمائهم لما وصلت إليهم دعوة الإسلام بيضاء نقية لم يملكوا إلا الإقرار بصحة هذا الدين، وعَظَّموا النبي ﷺ ، ومنهم من أعلن الدخول في الإسلام.
فقد أقر ملك الحبشة النجاشي بذلك، ودخل في الإسلام.
ولما أرسل النبي ﷺ كتاباً إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى الإسلام أقرّ هرقل بصحة نبوته، وهمّ أن يُعلن إسلامه وتمنى أن يذهب إلى الرسول ﷺ ويكون خادماً عنده، إلا أنه خاف على نفسه من أهل ملته ثم ضنَّ بملكه وأخذته شهوة الرئاسة، فبقي على الكفر ومات عليه.
ولم يزل الكثير من مفكريهم وكتّابهم ومؤرخيهم المنصفين يعلنون الثناء على محمد ﷺ .
١ ـ برنارد شو الإنكليزي، له مؤلف أسماه (محمد) يقول:
«إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوّاً للنصرانية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للنصرانية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوُفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمِّن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها» .
٢ ـ ويقول آن بيزيت:
«من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علَّم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء» .
٣ ـ شبرك النمساوي:
«إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها؛ إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته» .
٤ ـ ويقول (جوته) المفكر الألماني: «إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مَثَلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد، وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد» (٢) .
وقد ميز الله نبينا محمداًً ﷺ وكرَّمه بعدد من المعجزات الباهرات كما خصه بأشياء دون غيره من الأنبياء، ومعرفة هذه الخصائص تزيدنا في معرفة النبي ﷺ وتجعلنا نحبه ويزداد إيماننا به فنزداد له تبجيلاً ونزداد له شوقاً.
والخصائص النبوية: (هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي ﷺ وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء وإمّا عن سائر البشر) .
فاقَ البُدورَ وَفاقَ الأَنبِياءَ فَكَم
بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُسنٍ وَمِن عِظَمِ
وخصائصه ﵊ التي اختُص بها دون بقية الأنبياء ﵈ كثيرة، دنيوية وأخروية.
٣ فمن الخصائص الدنيوية:
اختصاصه ﷺ بأن آيته العظمى في كتابه وبأن كتابه مشتمل على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وفُضِّل بالمفصَّل وبخواتيم سورة البقرة وببقاء معجزته إلى يوم الدين.
جاءَ النبِيّونَ بِالآياتِ فَانصَرَمَت وَجِئتَنا بِحَكيمٍ غَيرِ مُنصَرِمِ
ومنها: اختصاص النبي ﷺ بكونه خاتم النبيين وبإرساله إلى الثقلين ومنها: اختصاص النبي ﷺ بأن السماء حُرست بمبعثه، وباختصاصه بالإسراء والمعراج، وأنه ﵊ أَمَّهم جميعاً فكانوا وراءه، هو الإمام وهم المأمومون، واختصاصه بأخذ الميثاق له من جميع الأنبياء بالإيمان به ونصرته وأنه سيد ولد آدم، وبأنه أوتي مفاتيح خزائن الأرض.
٣ وأما خصائصه الأخروية فمنها:
اختصاصه ﷺ بأنه أول من تُشَق عنه الأرض يوم القيامة وبإعطائه لواء الحمد، وبأن الله ـ تعالى ـ يبعثه يوم القيامة مقاماً محموداً وأنه أول من يدخل الجنة يوم القيامة، وبأنه أول شفيع في الجنة وأول من يقرع بابها، وبأنه أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة ويدخل من أمته الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، وبأنه أول من يجوز الصراط من الرسل بأمته وبإعطائه الكوثر: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] .
ربَّاكَ ربُّكَ.. جلَّ من ربَّاكا ورعاكَ في كنفِ الهدى وحماكاَ
سبحانه أعطاك فيضَ فضائلٍ لم يُعْطها في العالمين سواكاَ
ولما كان ذلك كذلك فإن من واجب العالم كله ـ ولا محيص له عن ذلك ـ أن يجعل عظمة محمد ﷺ في الخلق جميعًا فوق كل عظمة، وفضله فوق كل فضل، وتقديره أكبر من كل تقدير، ويجب على العالم أجمع أن يؤمن برسالة محمد ﷺ ، وأنه خاتم أنبياء الله الكرام.
ونحن نغتنم هذه الفرصة وندعو هؤلاء إلى الإسلام، فإن ما اقترفته أيديهم الآثمة لا يمحوه إلا الإسلام، فإن عاندوا وكابروا وأصروا على ما هم عليه فليبشروا بعذاب النار خالدين فيها أبداً. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
وقال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» رواه مسلم (١٥٣) .
٣ ولنا مع هذا الحدث وقفات:
| أولاً: مصالح وبشارات:
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿عَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] . وقال الرسول ﷺ : «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ» رواه مسلم (٢٩٩٩) .
وقديماً قيل:
قد يُنْعِمُ اللهُ بالبلوى وإنْ عَظُمَتْ ويبتلي اللهُ بعضَ الخلقِ بالنعمِ
وقيل: وربما صحت الأبدان بالعلل.
فما وقع من الاستهزاء أثار حميّةَ المسلمين للهِ ـ تعالى ـ ولرسوله ﷺ ، وأيقظهم من سباتهم، وبصّرهم بأعدائهم؛ فهي طعنة آلمتنا ولكنها أيقظتنا، وقد قال الله ـ تعالى ـ في حادثة الإفك التي هي صورة من صور أذيَّته ﷺ : ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ١١] .
فمثل هذه الهجمات صارت سبباً في حصول خير كثير للمسلمين، وحصول الخزي والصغار لأعدائهم، فمن ذلك:
| اختلاف الأعداء وانقسامهم:
إذ حصل خلاف بين الشركات الكبرى التي تأثرت من المقاطعة من جهة والجهات التي نشرت ما نشرت من جهة أخرى، كما انقسم الشعب الدانماركي على نفسه إزاء ما حصل: هل هو فعلاً من حرية الرأي؟ أم أنه اعتداء وعدوان؟
| علو الصوت الإسلامي:
فهذه الأزمة أعادت الاعتبار للمسلمين وجعلت لهم وزناً، وأصبح كل حاقد على الإسلام يعيد حساباته قبل أن ينال من الإسلام وأهله.
وتملَّق الكثير من المنافقين للمد الإسلامي، واشترك بعضهم في المقاطعة قائلاً: لقد تعدَّت القضية الخط الأحمر، بل حتى إن بعض القنوات الهابطة أصبحت تعلن أخبار الغضب الإسلامي وتظهر تأييده، وفرضت مجريات الأحداث على وسائل الإعلام العالمية أن تقوم بتغطيتها تغطية كاملة، وتكلَّم الساسة الكبار وزعماء الدول وأدلوا بتصريحات حول الموضوع.
| في الأمة خير كثير:
أثبتتْ هذه الحادثة الدنيئة، أنَّ أمّتنا أمّة عظيمة، وأنها إذا مرضت فإنها لا تموت، وفيها رجال يذودون بكل ما أوتوا دونَ نبيّهم الكريم ﷺ ، وأن فيها خيراً كثيراً، ولكنها تعيش فترة من التخدير والخمول، وأنها إذا استيقظت فستتحرك كالبركان، وهذا ما رأيناه من التسابق في المساهمة والبذل، وما نسمعه من استنفار الأمة كلها، والتحرك في جميع المجالات؛ حيث شارك في هذه الحملة المحامون والتجار والصناع والأكاديميون والطلاب والصغار والكبار والرجال والنساء.
ـ توحيد صفوف المسلمين، فرأينا ـ ولله الحمد ـ تكاتف المسلمين وتبنّيهم لنفس المواقف، وإن اختلفت البلدان، واللغات. ويمكننا القول: إن الأمة الإسلامية في العصر الحديث قلَّما قابلت حدثاً كان له مثل هذا التأثير.
عرضي فدا عرض الحبيب محمد وفداه مهجةُ خافقي وجَنانيِ
وفداه كلُّ صغيرنا وكبيرنا وفداه ما نظرت له العينانِ
ـ إحياء جذوة الإيمان في قلوب المسلمين، فقد رأينا من ردة فعل المسلمين ما يدل على محبتهم للنبي ﷺ ، حتى من عنده شيء من التفريط في بعض واجبات الدين، ثار دفاعاً عن الرسول الكريم ﷺ . ولا عجب في ذلك؛ فإن للرسول ﷺ في قلوب المسلمين المكانة العظمى والمحبة الكبرى.
ـ ظهر في الأزمة أن أهل التوحيد الخالص هم أهل النصرة والمحبة الحقيقية، بخلاف بعض أهل البدع والخرافات الذين ضعفت أصواتهم ـ إلا ما قلَّ ـ في الذود عن عرض النبي ﷺ في أوَّل الأمر، فدعوى محبة النبي ﷺ وآل بيته وحدها لا تكفي، بل لا بد من النصرة بالقول والعمل والمبادرة إلى ذلك.
ـ تبين من الأزمة حرص عدد من الغيورين على الدعوة إلى الإسلام، وبيان الصورة المشرقة الحقيقية لهذا الدين، من خلال ما رأينا من تسابق الكثيرين إلى طباعة الكتب بلغة أولئك وبذل المال في سبيل هذا، وهذا مظهر يُحمَد ويحتاج إلى ترشيد ووعي.
ـ مسايرة الإعلام وبعض كبار المسؤولين لمواقف الشعوب الإسلامية وحركتها المباركة.
ـ إرسال رسالة واضحة للغرب، أننا ـ نحن المسلمين ـ لا نرضى أبداً أن يُمَسَّ دينُنا أو يُنَال منه، أو يعتدى على رسولنا؛ فكلّنا فداء له؛ بأبي هو وأمي ﷺ .
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضي لعِرضِ محمدٍ منكم فداءُ
| ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ :
قال ابن سعدي ﵀: (وقد فعل ـ تعالى ـ فما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله ﷺ وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة) ، فهذه الجريمة النكراء ـ مع أنها تمزق قلوبنا، وتملؤها غيظاً وغضباً، ونود أن نفدي رسول الله ﷺ بأنفسنا ـ إلا أنها مع ذلك مما نستبشر به بهلاك هؤلاء، وقرب زوال دولتهم؛ إذ الله ـ تعالى ـ يكفي نبيه ﷺ المستهزئين المجرمين.
وقد كان المسلمون إذا حاصروا أهل حصن واستعصى عليهم، ثم سمعوهم يقعون في النبي ﷺ ويسبونه، يستبشرون بقرب الفتح، ثم ما هو إلا وقت يسير، ويأتي الله ـ تعالى ـ بالفتح من عنده؛ انتقاماً لرسوله ﷺ .
«الصارم المسلول» (ص ١١٦-١١٧) .
وشواهد التاريخ كثيرة على هلاك وفضيحة المستهزئين بالنبي محمد ﷺ .
| ظهور اتحاد الغرب على الإسلام:
فما أن استنجدت تلك الدولة باتحادهم حتى وقفوا جميعاً بجانبها، وتواصى بعض المجرمين على نشر هذه الصور في صحافتهم تعاوناً على الإثم والعدوان وتفتيتاً للمقاطعة وتأكيداً لحرية النشر بزعمهم، وكان بعض ساستهم يأسف لإهانة مشاعر المسلمين ثم يتصل بكبير الدانمارك ليؤيده ويقول: ﴿إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ، حتى يُعلموا المسلمين أنهم جميعاً في خندق واحد، وأننا لا نستطيع مواجهتهم جميعاً.
| ظهور الحقد الصليبي الدفين:
حيث عبَّر بعض مسؤوليهم عن أنه لا بد من إيقاف المقاطعة ولو أدى ذلك إلى شن حرب صليبية جديدة، وهذا وإن لم يصرح به كثير منهم إلا أنها زلة تمثل رأي طائفة منهم: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
| اتضاح غطرسة الغرب وعناده:
فهو يرفض الاعتذار حكومةً وشعباً وينظر للمسلمين نظرة استحقار، بل يصرح بعض مسؤوليهم أنهم لا يريدون الاعتذار ولا يرغبون فيه.
| اتضح في هذه الأزمة موقف المنافقين:
وهم الواقفون مواقف الرّيبة من هذه الجريمة، إمّا بالسّكوت تارة، أو بالتّبرير تارة، أو بالتّهوين تارة، أو بالاستهزاء من استنكار المسلمين لهذه الجريمة تارات وتارات.
| ازدياد أهمية التقليل من الحجم الهائل لمستوردات الدول الإسلامية من العالم الغربي:
والسعي للتعويض عن ذلك بمنتجات دول إسلامية أخرى من خلال اشتراك الموارد مع المال مع الخبرات.
| ظهور جدوى تلك المقاطعة التي قام بها المسلمون لمنتجات المعتدين على مقام الرسول الكريم ﷺ :
فلم تتحرك دولتهم لمطالب رسمية أو سياسية، لكن لما قامت المقاطعة لم يمض عليها إلا أيام قليلة حتى هبت الصحيفة الآثمة ورئيس تحريرها لتدارك الأمر، وتغير أسلوب رئيس وزرائهم المكابر، فَلانَ شيئاً ما مع المسلمين ـ لا بل مع مصالحه ـ وبهذا يظهر سلاح جديد للمسلمين أفراداً وجماعات يمكن أن يستخدموه للتأثير على أعدائهم، وإلحاق الضرر بهم.
٣ المقاطعة الاقتصادية (١) :
لا شك أن للاقتصاد في هذا الزمن تأثيراً كبيراً وفعَّالاً على مواقف الدول واتجاهاتها؛ وقد أصبحت الدعوة إلى مقاطعة البضائع والمنتجات التي تصدِّرها الدول التي تحارب المسلمين من وسائل الضغط عليها لتوقف أو تخفف من موقفها المعادي للمسلمين.
وسلاح المقاطعة سلاح مؤثر بلا شك في المواجهة مع الأعداء.
وقد استُخدم هذا السلاح قديماً وحديثاً.
فقديماً: استخدمته قريش ضد النبي ﷺ فيما يسمى بـ «شِعْب أبي طالب» ، واستمر ثلاث سنوات، وكان تأثيره على المسلمين بالغاً.
وهدد به ثمامة بن أثال قريشاً عندما منع الحنطة من بلاد نجد، حتى جاءت قريش وناشدت النبي ﷺ أن يأذن لثمامة أن يبيعهم الحنطة. والقصة في صحيح البخاري برقم (٤٣٧٢) .
وأما حديثاً: فقد استُخدمت المقاطعة في الحرب العالمية بين المتحاربين، واستُخدمت مؤخراً ضد عدد من البلاد الإسلامية كالعراق وليبيا وأفغانستان والسودان.
واستخدمتها الدول الإسلامية قبل معاهدات السلام ضد الشركات المتعاونة مع إسرائيل.
وفي الحقيقة إن المتابع لمجريات الأحداث يلمس ما لهذه المقاطعة من آثارٍ كبيرة تدفع بعض الشركات إلى التبرُّؤ من العدوان والضغط على الساسة في بلدانهم لاتخاذ ما يوقفها.
هذا من الناحية الواقعية، أما من ناحية الحكم الشرعي للمقاطعة الاقتصادية:
فإن الأصل جواز معاملة الكفار بالبيع والشراء سواء كانوا أهل ذمّة أو عهد أو محاربين، فلا تُمنع المقاطعة، ولا تُشرع، ولكن هذا الحكم قد يتغير بالنظر إلى ما يترتب على المقاطعة الاقتصادية من مصالح أو مفاسد:
فإذا غلب على الظن إفضاء المقاطعة الاقتصادية إلى الإضرار بالكفار الحربيين من غير أن يترتب على ذلك مفسدة تعود على المسلمين، فهنا يتأكد الأمر وقد يصل إلى الوجوب؛ فكل ما يُلحِق الضرر بمن أعلن لنا العداء مطلوب ومأمور به، ولا شك أن التعامل التجاري والاقتصادي الحاصل في هذا الزمن يباين التعاملات التجارية في الأزمان السابقة؛ فهو الآن أوسع وأشمل، ولا شك في ارتباط الاقتصاد الآن بالسياسة وتأثيره، وقد دعا النبي ﷺ على قريش أن تضَّيق عليهم معيشتهم؛ فعن ابن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ لما دعا قريشاً كذبوه واستعصوا عليه، فقال: «اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسبع يوسف» فأصابتهم سَنَةٌ حصّت كل شيء (أي أذْهَبَتْه) (١) حتى كانوا يأكلون الميتة، وكان يقوم أحدهم، فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجَهْد والجوع، فأتاه أبو سفيان فقال: أيْ محمد! إن قومك هلكوا؛ فادع الله أن يكشف عنهم. (صحيح البخاري ٤٨٢٣) .
ففي هذا إشارة إلى استخدام السلاح الاقتصادي ضد الأعداء المحاربين.
ـ وإذا كانت المقاطعة الاقتصادية لا يترتب عليها إضرار بالكفار، بل تعود على المسلمين أنفسهم بالضرر، فهنا يتوجه القول بالتحريم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنْهى عنه» . «مجموع الفتاوى» (١/١٦٤) .
ـ وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصادية ستوقع الضرر بالكفار لكنها في المقابل ستوقع ضرراً بالمسلمين أيضاً؛ فهنا تعارضت مصلحة الإضرار بالكفار مع مفسدة وقوع الضرر على المسلمين، فينظر: فإن كانت المفسدة على المسلمين غالبة منعت المقاطعة، وإن كانت المصلحة بمقاطعتهم غالبة كانت مأموراً بها، وإن تساوت المصلحة والمفسدة فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ـ وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصادية لا مصلحة فيها من حيث الإضرار بالكفار، ولا مفسدة فيها على المسلمين، فلا حرج من القول باستحبابها؛ لأنها تكون من وسائل التعبير عن السخط ضد ممارسات الكفار العدوانية، فلو لم ينتج عن هذه المقاطعة إلا التعبير عن عقيدة الولاء بين أهل الإيمان والبراءة من أهل الشرك والكفران، والتعبير كذلك عن إرادة الشعوب الإسلامية لكفى، فهي على الأقل «تسجيل موقف للشعوب الإسلامية» .
٣ دعوات وشعارات تساقطت:
لقد أظهرت هذه الأزمة حقائق كانت خافية على جمّ غفير من الناس؛ فهؤلاء القوم الذين ما فتئوا يدَّعون أن بلادهم رمز للحرية والديمقراطية، ويتشدَّقون باحترامهم لجميع الأديان، أظهرت هذه الأزمة ما تنطوي عليه قلوب هؤلاء المجرمين من الحقد والكره للمسلمين، وإن تظاهروا في كثير من الأحيان أنهم مسالمون: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
ومنها: انكشاف تزوير الغرب في معاييره؛ فهنا يحتجُّون بحرية الرأي والتعبير، وكل عاقل يعلم أن حرية الرأي المزعومة تقف عند المساس بحرمة الآخرين والاعتداء عليهم، وهم كاذبون في دعواهم حرية الرأي؛ فكلنا يذكر ما حدث منذ سنوات قريبة عندما أقدمت حكومة إسلامية على تكسير أوثان وأصنام عندها، أقاموا الدنيا وما أقعدوها!! فأين كانت حرية الرأي المزعومة؟! ولماذا لم يعتبروا هذا أيضاً من حرية الرأي؟!
وإذا كان الشرع والعقل بل والقانون يمنع الإنسان أن يتصرف في بيته بما يؤذي جاره، كالأصوات المزعجة أو الروائح الكريهة؛ فكيف تُقْدِم الصحيفة على هذه الجريمة التي فيها استهانة بمشاعر مليار و٣٠٠ مليون مسلم، ثم تحتج بحرية الرأي؟
ومنها: بيان بطلان ما يدعو إليه بعض المتغربين من أبناء جلدتنا بمثل قولهم: (لا تقولوا على غير المسلمين كفاراً، بل قولوا «الآخر» حتى لا تشعلوا نار الفتنة بيننا وبينهم) .
فتبيَّن من الجريمة من الذي يكره الآخر، ولا يراعي حرمته ويعلن الحرب عليه.
ومنها: كذب دعاويهم التي ملؤوا بها الدنيا من (حوار الحضارات) القائم على احترام الآخر، وعدم الاعتداء عليه!! فأي حوار يريدون؟ وأي احترام يزعمون؟
إنهم يريدون منا أن نحترمهم ونوقرهم ونعظمهم، بل ونركع لهم ونسجد، أما هم فلا يزدادون إلا استهزاءً بنا وسخرية وظلماً!
ـ ومن المعاني التي تساقطت أيضاً في هذه الأزمة: انهزامية الأمة تجاه الغرب، فقد كان الغربيون ينظرون إلى الأمة الإسلامية كأنها الرجل المريض الذي أُصِيب بالشلل، فمهما ضربته فلن يتأوه، ولن يكون له رد فعل، ثم إذا بالموازين تنقلب بعد نشر تلك الرسومات، وبدأ رئيس الوزراء الدانماركي ـ الذي كان يرفض مجرد لقاء سفراء البلاد الإسلامية في بلده ـ يستأجر بعض القنوات العربية للظهور في مقابلات، محاولاً تبرير موقفه وموقف بلاده، وكذلك رأينا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يتحدث منتقداً هذه الرسومات، وكذا الرئيس الفرنسي والأمين العام للأمم المتحدة وغيرهم من الساسة؛ إذ أذهلتهم ردود أفعال المسلمين فكان لا بد لهم من التحدث بالاستنكار ولو تصنُّعاً ومجاراةً.
فظهر أن مرض الأمة مؤقت، وأنها متى أخذت بأسباب السلامة والعافية ـ ومن أعظمها: اتحادها ـ فسوف تفعل الكثير والكثير.
٣ المخذلون كثر:
في ظل توحد المسلمين واجتماع كلمتهم على موقف واحد في التصدي لهذه الهجمة يُسَرُّ المرء لما يرى ويشاهد من الغَيْرة الإسلامية العظيمة المتولدة من الغضب لانتهاك حرمته ﷺ .
إلا أننا نرى هنا وهناك من يحاول تخذيل المسلمين، والوقوف في صف أعدائهم.
فقد أغاظتْ هذه المقاطعة كثيراً من المنافقين، فحاولوا التبرير تارة، والتهوين تارة، وزعم الإصلاح وإرادة الخير تارة أخرى!
فمِن زاعمٍ أَنَّ المقاطعة ستقطع الحوار معهم!
وهل نقبل الحوار مع من يهزأ بنبينا محمد ﷺ ، ويسخر بثوابتنا؟!
ومن زاعمٍ: أَنَّ سبب جناية تلك الصحيفة هو تقصير المسلمين أنفسهم في تعريفهم بالإسلام! فمرادُه تبرئة هؤلاء المعتدين من جنايتهم، أو تبريرها لهم، وإناطة جُرْمِها بالمسلمين!
وقد جهل هذا أن النبي ﷺ قد أدى الرسالة، وبلَّغ الأمانة أعظم التبليغ، ومع ذلك لم يسلم من سخرية كفار قريش.
ومن مستهزئٍ بالمقاطعة فيقول: هذا غاية ما تملكون؛ ترك أكل الزبدة والجبنة!!
وهذا شبيه بموقف المنافقين الذين كانوا يسخرون من المؤمنين لكونهم يتصدقون بالقليل من المال، مع أنه غاية ما يستطيعونه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] .
ومن زاعمٍ: أنَّ المسلمين «عمَّموا خطأ جريدة على دولة كاملة لا تملك بحكم القانون أي سيطرة على هذه الجريدة» !!
والجواب عن هذا:
أولاً: أن حكومتهم قد وقفت بجانب الجريدة وبررت فعلتها، بأنها حرية الرأي.
وثانياً: أن شعبهم نفسه قد وافق غالبيته الجريدة والحكومة على موقفهما؛ ففي استطلاع للرأي رأى ٧٩% ممن شملهم الاستطلاع أن رئيس الوزراء يجب ألا يعتذر نيابة عن الدانمارك، بينما قال ١٨%: إن عليه الاعتذار.
وقال ٦٢% منهم: إنه لا يتعين على الصحيفة تقديم اعتذار، بينما قال ٣١%: إن عليها أن تعتذر. [موقع إسلام أون لاين] .
ويرى بعضهم أن هذه المقاطعة لن تفيد شيئاً؛ فهل تغافلوا عن استغاثات الدانمارك المتكررة بالاتحاد الأوروبي لإنهاء المقاطعة الإسلاميَّة؟ وهل تجاهلوا الخسائر الدانماركيَّة التي ستصاب بها حين تقاطعها الأمة الإسلامية؟ حيث بلغت خسارة شركة واحدة من شركاتهم للألبان في دولة إسلامية واحدة ما يتراوح بين ثمانمائة ألف ومليون وستمائة ألف دولار يومياً، كما صرح بذلك مدير هذه الشركة، فضلاً عن فرص الوظائف التي سيفقدها أصحابها [موقع الجزيرة] . بل قد صرح بعضهم أن ما بنوه في عشرات السنوات ـ أي من السمعة الحسنة لبضائعهم التجارية ـ قد تهدَّم في أيام قليلات.
ويرى آخرون أن المتضررين من المقاطعة إنما هم الوكلاء التجاريون الذين يحملون امتياز بيعها في البلدان الإسلاميَّة!!
وهذا عجيب، أن يتولى هؤلاء الدفاع عن أولئك التجار؛ مع أن التجار أنفسهم لهم مواقف مشرفة؛ فقد رأيناهم تداعوا بشجاعة لطلب المقاطعة؛ فهل هو أحرص منهم على أموالهم أم أنَّها عقليات التطبيع؟
ومن هؤلاء من بدأ يدعونا للتسامح معهم والسكوت عن أذاهم، وما علموا أن التسامح لا يكون مشروعاً إلا إذا وقع موقعه الصحيح، وأولئك المستهزئون بمقامه ﷺ ليسوا موضعاً صالحاً للتسامح، بل التسامح مع أمثال هؤلاء المجرمين جريمة شرعية، ولئن كان لرسول الله ﷺ الحق في التجاوز عمن أساء إليه فإن هذا ليس إلى الأمة، بل الأخذ بحقه والغضب له واجب شرعي لا يجوز أن يمس أو يتبرع أحد بالتنازل عنه.
ومن زاعمٍ: أن المقاطعة مجرد رد فعل عاطفي، ولا ينبغي أن تكون تصرفاتنا مبنية على ردود الأفعال وهذا الزعم لا بد له من وقفة تبين أهمية ردود الأفعال والتأصيل الشرعي لها من خلال ما يلي:
| أمر الشارع بإنكار المنكر مثال واقعي لاعتبار ردود الأفعال في الشريعة:
قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» رواه مسلم (٧٠) .
فإنكار المنكر وتغييره باليد هو رد فعل على ظهور المنكر ورؤيته، وهو رد فعل أمر به النبي ﷺ «فليغيره بيده» ، وهو واجب بإجماع المسلمين، كما نقله النووي.
| الغضب على انتهاك حرمات الله صورة من صور ردود الأفعال المأمور بها:
إذ من الغضب ما يكون محموداً بل ما يكون واجباً، وهو الغضب لله ، وقد كان رسول الله ﷺ لا يغضب لنفسه، ولكن إذا انتُهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء.
فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ» رواه البخاري (٦٢٨٨) .
| بل إن التعامل برد الفعل أمر جِبِلِّي:
ولقد أحسن الإمام الشافعي ﵀ حين قال: «من استُغضب ولم يغضب فهو حمار» !!
(سير أعلام النبلاء ١٠/٤٣) .
فالإنسان مجموعة من الأحاسيس والمشاعر، فلا بد أن يتأثر بما يدور حوله ويكون له رد فعل عليه.
والميْت هو الذي لا يوجد لديه ردود أفعال، كما قال الشاعر:
جَرَحُوه فَمَا تألَّّم جُرْحاً ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ
ومن أمثلة ردود الأفعال من السنُّة:
قنوته ﷺ شهراً على رعل وذكوان وبعض أحياء العرب لما غدروا بالقراء في بئر معونة. البخاري (٣٠٦٤) ومسلم (٦٧٧) .
ودعوته ﷺ للبيعة على القتال لما بلغته شائعة قتل عثمان في الحديبية، ثم لما تبين كذب الشائعة كان الصلح.
[ابن أبي شيبة مرويات غزوة الحديبية ص ١٢٤] .
وكغضبه ﷺ حينما اختصم أصحابه في القَدَر حتى كأنما يُفقَأ في وجهه حب الرمان ـ كما عبر الراوي - ابن ماجة (٨٢) .
وغير ذلك كثير من صور غضبه ﷺ تفاعلاً مع ما يطَّلع عليه أو يُنقل إليه من أقوال أو أفعال.
ومن ردود أفعال الصحابة ﵃ بحضرته ﷺ :
مقولات عمر بن الخطاب المتعددة «دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ» وما شابهها كما كان مع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين لما قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. البخاري (٤٩٠٥) .
وكما حصل مع ذي الخويصرة اليماني الذي قال: اعدل يا رسول الله. البخاري (٣٣٤١) مسلم (١٦٧٥) .
ولذلك فإن ردود أفعال المسلمين تجاه هذا السب لخير من وطئت قدماه الأرض، مهمٌّ جداً؛ لأنه نوع من إنكار المنكر أولاً، وهو أمر واجب، بل هذا من أعظم المنكرات التي يجب إنكارها، وقد أمر النبي ﷺ بتغيير المنكر باليد، فإن لم يُستَطع فباللسان، فإن لم يُستَطع فبالقلب قال: «وذلك أضعف الإيمان» وفي حديث آخر: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» رواه مسلم (٤٦٧٦) .
وثانياً: من أجل تقزيم هؤلاء المعتدين والمفترين، كي لا يستمرئوا هذا السب والاعتداء.
أما ألاَّ يكون هناك غيرة على حرمات الله، ولا يتمعر وجهنا غيرة وغضباً؛ فيُسَبّ دين الله، ويُسَبّ نبينا، دون أن يحرك ذلك فينا ساكناً؛ فهذه والله هي الكارثة.
٣ الواجب علينا:
على كل مؤمن يحب الله ورسوله ﷺ ، ويغار على دينه أن ينتصر لرسوله ﷺ ، وأن يقدِّم كل ما في وسعه لرد هذه الهجمة الشرسة، ومهما بذلنا فهو قليل في حق النبي ﷺ .
وأما تفصيل دورنا في هذا فمنه:
١ ـ إعلان النكير على كل الأصعدة وبشدة:
فعلى الدول الإسلامية أن تهب على جميع مستوياتها لنصرة نبيها ﷺ ، وتستنكر ذلك في المؤتمرات والمحافل العامة، وتتخذ موقفاً حازماًَ يتناسب مع شناعة الجريمة.
وكذلك يكون الاحتجاج على مستوى الهيئات الرسمية وغير الرسمية كوزارات الأوقاف، ودور الفتيا، والجامعات، وإعلان الاستنكار من الشخصيات العامة كالعلماء، والمفكرين، ورجال الإعلام.
وكذلك الإنكار على المستوى الفردي، كلٌّ حسب ما يستطيع: بإرسال رسالة، أو كتابة مقالة، أو اتصال هاتفي بحكومتهم وخارجيتهم وصحافتهم، ومراسلة المنظمات والجامعات والأفراد المؤثرين في الغرب، ولو نفر المسلمون بإرسال آلاف الرسائل الرصينة القوية إلى المنظمات والأفراد فإن هذا سيكون له أثره اللافت قطعاً.
٢ ـ مطالبة هؤلاء الجناة بالاعتذار الجاد الواضح، لا الخداع وتبرير الجريمة الذي يسمونه اعتذاراً، فلا نريد اعتذاراً لإهانة المسلمين، وإنما نريد إقراراً واضحاً بالخطأ، واعتذاراً عنه، ومعاقبة رادعة للمجرمين على جرمهم، وأن تكف حكوماتهم عن العداء للإسلام والمسلمين.
٣ ـ ذكر فتاوى علماء الأمة التي تبين حكم من تعرض لرسول الله ﷺ بشيء من الانتقاص ووجوب بغض من فعل ذلك والبراءة منه.
٤ ـ بيان حُسن الإسلام وموافقته للعقول الصريحة، والرد على شبهات المجرمين من خلال قيام المؤسسات الإعلامية والصحف والمجلات والمواقع الإسلامية بكتابة ردود على هذه الافتراءات، وأن تسطر على صفحاتها شمائل النبي ﷺ ، وتبين الدور العظيم الذي قام به ﷺ لإنقاذ البشرية، وأنه أُرسل رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين.
٥ ـ استئجار ساعات لبرامج في المحطات الإذاعية والتلفزيونية لا سيما في البلدان الغربية لتدافع عن النبي ﷺ ، وتذب عن جنابه، ويستضاف فيها ذوو القدرة والرسوخ، والدراية بمخاطبة العقلية الغربية بإقناع، وهم بحمد الله كثر.
٦ ـ إعداد المقالات القوية الرصينة لتنشر في المجلات والصحف ومواقع الإنترنت باللغات المتنوعة.
٧ ـ مطالبة الكتّاب والصحفيين والإعلاميين بل كل غيور بالقيام بدور النصرة للنبي ﵊ من خلال محاولة إثارة الرأي الغربي ضد هذا الانتهاك والتدنيس العلني للمعتقدات الدينية.
٨ ـ إنشاء مراكز متخصصة لبحوث ودراسات في السيرة النبوية والإسلام وفضائله وترجمة ذلك إلى اللغات العالمية.
٩ ـ الحرص على دعوة هذه الشعوب؛ فإننا وإن كنا ننظر إليهم بعين الغضب والسخط والغيظ، إلا أننا أيضاً ننظر إليهم بعين الشفقة عليهم، فهم عما قريب سيموتون، ويكونون من أهل النار إن ماتوا على ذلك، فدعوتهم إلى الإسلام والنجاة رحمةٌ بهم، وشفقةٌ عليهم؛ ولا سيما عوامهم الذين غُيِّبَتْ عنهم صورة الإسلام المشرقة، حتى نقيم الحجة ونوصل نور الهداية والحق إليهم فيعرفوا عن ديننا وعظمة نبينا ﷺ : ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] .
١٠ ـ ترجمة الكتب التي تدعو إلى الإسلام، والكتب التي تعرّف بالإسلام ونبيّ الإسلام، وتبيِّن سيرته الحسنة العطرة وفضائله بلغة هؤلاء القوم.
١١ ـ إنشاء مواقع إسلامية وبرامج متخصصة في الإذاعات والقنوات والشبكة المعلوماتية للتعريف بالنبي ﷺ وشمائله وأخلاقه الكريمة باللغات المختلفة، ونشر ذلك في المطبوعات من الصحف والمجلات ونحوها.
١٢ ـ عقد المؤتمرات العلمية التي يُتكلم فيها عن نبي الإسلام ﷺ ورسالته، مع التركيز على تلك الدول التي تحتاج إلى تصحيح صورتهم عن الإسلام.
١٣ ـ نشر ما ذكره المنصفون من غير المسلمين بشأنه ﷺ ، إذ هو أدعى لقبول أقوامهم له.
١٤ ـ بيان خصائص دعوته ورسالته ﷺ ، وأنه بعث بالحنيفية السمحة، وأن الأصل في دعوته
١٥ ـ المشاركة في حوارات علمية رصينة مع غير المسلمين من المختصين أصحاب القدرات العلمية واللغوية، ودعوة أولئك الباحثين بالحكمة لدراسة شخصية الرسول ﷺ والدين الذي جاء به.
١٦ ـ الإعلان في محركات البحث المشهورة عن بعض الكتب أو المحاضرات التي تتحدث عن الرسول ﷺ .
١٧ ـ التمسك بالسنة والتزام هدي النبي ﷺ في كل شيء والصبر على ذلك؛ إذ بهذا يكفينا الله كيدهم: ﴿وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] .
١٨ ـ مقاطعة منتجاتهم ما دام لها تأثير عليهم ـ وهذا هو الواقع ـ والبحث عن شركات بديلة يمتلكها مسلمون ترسيخاً لمبدأ الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين.
١٩ ـ الوعي لكيفية إدارة أعداء الإسلام لصراعهم مع المسلمين وعدم استبعاد التعمُّد والتخطيط المسبق منهم لهذه الجريمة، مع الدراسة المتأنية للمواقف المتوقعة منهم والتدابير التي ينبغي اتخاذها مع كل موقف حتى لا يخلصوا إلا شق الصف وإضعاف قوة وحدة الموقف.
٢٠ ـ تبادل الأفكار في هذه القضية، وإضافة الجديد منها والتواصي بها، وبحث كل واحد عما يناسب ميوله وتخصصه منها، وبهذا سيجد كل محب لرسوله ﷺ مجالاً لإظهار حبه وغيرته وتعظيمه؛ فهذا يأتي بفكرة، وذاك يكتب مقالة، وهذا يترجم، وذاك يرسل، وآخر يموِّل، في نفير عام لنصرة أفضل الخلق ﵊.
رسولَ الحُبِّ في ذكراك قُربى وتحتَ لواكَ أطواقُ النجاةِ
عليك صلاةُ ربِّكَ ما تجلى ضياءٌ.. واعتلى صوتُ الهُداةِ
يحارُ اللفظُ في حُسناك عجزاً وفي القلب اتقادُ المورياتِ
ولو سُفكتْ دمانا ما قضينا وفاءك والحقوقَ الواجباتِ
٣ ليس من النصرة:
إن ما نراه من ردود فعل غاضبة من المسلمين، وعمل جاد لمواجهة تلك الهجمة التي يتعرض لها الإسلام لَيبعثُ البهجة والسرور والأمل في نفس كل مسلم، غير أن بعض المسلمين ـ وهم بحمد الله قلة ـ قد مال بهم حماسهم عن الصواب، والمأمول من المسلمين أن يلزموا العدل والإنصاف، حتى مع أعدائهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] .
فليس من النصرة:
١ ـ الاعتداء على معصومي الدم والمال كالمستأمَنين، من أي دين كان.
٢ ـ اختراق وتدمير مواقع صحف ومجلات لم تصدر منها بنبينا ﷺ سخريةٌ؛ فمثل هذا العمل يُحرضها هي الأخرى على سب الرسول ﷺ والنيل منه، وينقلها من حِيادها إلى مُصافّة المعتدي في موقفه، ويحرض سفهاءهم على تدمير مواقعنا.
٣ ـ ليس من النصرة في شيء أن نجود بأموالنا لكل من يدعونا إلى مشروع دعوي في تعريف الكفار بالإسلام وبنبيه الكريم وفي كشف ما يثار حوله من شبهات من غير أن نتوثق من صاحب المشروع والجهة المشرفة عليه، ومن غير أن نتبيَّن المضمونَ المراد نشره، ومن يزكِّي ذلك من أهل العلم.
٤ ـ ما صاحَبَ بعض المظاهرات التي قام بها المسلمون في أماكن شتى من إتلاف للأنفس والممتلكات.
٥ ـ عدم تحري البعض في نشر الأخبار قبل التثبُّتِ من صحتها، كالخبر بإسلام خمسين دانماركياً، أو خبر قتل الصحفي.
٦ ـ نشر بعض البدع والتعلُّق بالمنامات، كالدعوة إلى توحيد الدعاء في ساعة معينة وصيغة معينة، أو تناقل رسائل بها مخالفات شرعية، أو التعسف في محاولة الربط بين رقم بعض الآيات القرآنية التي لها شيء من التعلق بالموضوع وبين الرقم التسلسلي الدولي لمنتجات الدولة المعتدية زاعمين أن ذلك من الإعجاز العددي القرآني.
نسأل الله ـ تعالى ـ أن يجعلنا من أنصار دينه ونبيه ﷺ بوعي وصدق، وأن يعلي دينه، وينصر أولياءه، ويذل أعداءه، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] .
وصلى الله وسلم على أشرف خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5534
معالم من تلك الحادثة
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
أخبرني صاحبي ـ وهو من الراصدين مواقع الصوفية على شبكة «الإنترنت» ـ أنه تصفح قرابة ستين موقعاً للصوفية أثناء نازلة تطاول «الدانمارك» على سيّد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ﷺ ، فلم يرَ للقوم حديثاً، ولم يسمع لهم همساً في تلك الحادثة التي غدت مَشْغَلة السمع والبصر في جميع الأصقاع؛ ثم تدارك صاحبي قائلاً: اللهمّ إلا أن واحداً من تلك الستين قد نقل مقالة من أحدالمواقع السنية!
وختم هذا الصاحب كلامه قائلاً: هؤلاء الصوفية يعرفون الرسول عند الطمع، ويتخلون عنه عند الفزع.
ولئن كشفت هذه الحقيقة زيف محبة القوم لرسول الله ﷺ ، وتهافت دعاويهم العريضة، فهي تبيّن حالة «السُّكْر» الذي أغرقهم، و «الفناء» الذي استحوذ عليهم، فكأن الأمر لا يعنيهم، وكما لو كانوا خارج العالم! ولو كان «السُّكْر» و «الاصطلام» أمراً ملازماً لهم لهان الخَطْب؛ فالمجنون معفو عنه، إلا أن هذا السكر سرعان ما يزول عند صوفية الأرزاق، إذا كان في الصحو تحقيق لحظوظهم الشخصية ومطامعهم الدنيوية.
هذه الواقعة الموجعة مع تداعياتها المختلفة، والتي حرَّكت القلوب، فأظهرت محبة رسول الله ﷺ ، وعمدت إلى الذبّ عنه، وعبّرت عن ذلك من خلال مقاطعات اقتصادية، ومظاهرات واحتجاجات، وتأليف كتب ورسائل في دعوة الكفار إلى الإسلام، والتعريف بسيّد الأنام ﷺ .. هذه الواقعة تقرر أن الخير فيما اختاره الله تعالى، وأنه لا يخلق شراً محضاً، ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] .
«فمن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة إنباء المرسلين: ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين.. وذلك أن الحق ـ إذا جُحد وعُورض بالشبهات ـ أقام الله ـ تعالى ـ له ما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات والبينات» (١) .
هذه النازلة يمكن تسخيرها وتوظيفها في سبيل ترسيخ جملة من الأصول الشرعية، كوجوب محبة المصطفى ﷺ ، ووجوب تعزيره وتوقيره، وأهمية الاتباع لسنته، والتحذير من الإحداث والابتداع في دين الله تعالى.
ورحم الله الشيخ محمد رشيد رضا إذ يقول: «من تتبع التاريخ يعلم أن أشدَّ المؤمنين حبّاً واتباعاً للنبي ﷺ أقلهم غلواً فيه، ولا سيما أصحابه ﵃ ومن يليهم في خير القرون، وأن أضعفهم إيماناً وأقلهم اتباعاً له هم أشدهم غلواً في القول وابتداعاً في العمل وترى ذلك في شِعْر الفريقين» (٢) .
ومن الأصول التي ينبغي تقريرها في هذا الشأن: تلازم الظاهر والباطن؛ فالمحبة القلبية لرسول الله ﷺ لا بد أن تظهر على الجوارح، من خلال الاتِّباع له والذبّ عنه وتعظيمه وإجلاله، وما المقاطعة الاقتصادية لمنتجات الدانمارك إلا سبب من الأسباب العملية المشروعة في تحقيق تعزيره ﷺ وتوقيره، وردع أولئك السفهاء المتطاولين على خير البرية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. كما أن هذه الواقعة لتكشف عن عداوة الكافرين لأهل الإسلام، وتواطئهم على ذلك، وهذا يؤكد أهمية أوثق عرى الإيمان: الحبّ في الله والبغض في الله، ووجوب البراءة منهم، وأن عداوتهم لأجل كفرهم لا تنافي العدل والقسط معهم، بل ينبغي دعوتهم إلى الإسلام بالطريقة الصحيحة الملائمة، والحذر من تمييع الإسلام أثناء تلك الدعوة والتعريف.
هذه الأمة كالغيث لا يُدرى أأوله خير أم آخره؟ فقد أظهر أهل الإسلام احتساباً ونصرةً لمقام سيد ولد آدم ﷺ ، وهذه المشاعر الصادقة والمواقف النبيلة توجب أهمية إحياء شَعِيرة الاحتساب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك على أوسع نطاق، وفي أكثر من مجال؛ فهناك الاحتساب بالخطبة والمحاضرة، والاحتساب بالمقاطعة، والاحتساب بالمظاهرة والاحتجاج، والاحتساب بالرسالة والكتاب، وكما أن العلماء والدعاة احتسبوا في هذه النازلة؛ فقد احتسب الساسة والتجار، والمثقفون والمفكرون، والعامة والصغار؛ فهذه الواقعة حققت تجييشاً لأهل الإسلام، وحشداً لأنواع متعددة من المناشط والجهود في سبيل الذبّ عن المصطفى ﷺ ، وهذا يوجب على أهل الشأن إعداد برامج وخطط احتسابية تجاه هذه الواقعة ونظائرها.
غارت أمة الإسلام لرسول الأنام ﷺ ، وظهرتْ هذه الغَيْرة في صور صادقة ومشاهد مؤثِّرة، والمتعيَّن تحريك هذه الغيرة وتقويتها من جهة، وضبطها وفق ما توجبه الشريعة وتقتضيه المصلحة من جهة أخرى.
فابن تيمية احتسب على نصراني شتم نبينا محمداً ﷺ ، وذلك سنة ٦٩٣هـ، وألّف كتابه النفيس «الصارم المسلول في الردّ على شاتم الرسول ﷺ » ، ولما تحدّث عن أنواع السبّ في هذا الشأن، قال ﵀: «التكلم في تمثيل سبّ رسول الله ﷺ وذكر صفته، ذلك مما يثقل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين أو آثرين..» (١) .
فغيرة ابن تيمية تجعله يتعاظم مجرد تصوير مسألة السبّ وحكايتها، لولا أن الحكم الشرعي يقتضي ذلك، وهذه الغيرة الصادقة اقترن بها المسلك الشرعي الملائم؛ فقد كلّم شيخ الإسلام الأميرَ آنذاك، وسعى في الاحتساب على ذاك النصراني المخذول، وألّف كتابه «الصارم المسلول» بعد هذه الواقعة.
وها هو السبكي ﵀ يقول ـ في مطلع كتابه «السيف المسلول على من سبَّ الرسول ﷺ » عن سبب تصنيفه ـ: «كان الداعي إليه أن فُتيا رُفعت إليّ في نصراني سبّ النبي ﷺ ولم يُسْلم، فكتبتُ عليها: يُقتل النصراني المذكور كما قَتَل النبي ﷺ كعبَ بن الأشرف، ويُطهّر الجناب الرفيع من ولوغ الكلب.
لا يَسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
إلى أن قال: وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب الملعون، والله يعلم أن قلبي كارهٌ منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب ها هنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه، وأن ينجِّيني كما أنجى الذين ينهون عن السوء، إنه عفوّ غفور» (٢) .
فالسبكي بلغتْ غيرته ما بلغت، وصاحبَ ذلك موقفٌ عملي من خلال تحرير هذه الفتيا وكتاب «السيف المسلول» .
وهذا ابن عابدين ﵀ يقول عن شقيٍّ استطال على سيد المرسلين: «وإن كان لا يشفي صدري منه إلا إحراقه وقتله بالحسام..» (٣) .
والمقصود أن نجمع بين إحياء هذه الغَيْرة الإيمانية وتحريكها، وبين ضبطها وفق الأصول الشرعية والمصالح المرعية.
لعل هذه الحادثة تكون سبباً إلى فقه التعامل مع أهل القبلة، والتعاون مع أهل الإسلام في الأصول المتفق عليها، دون الإخلال بثوابت أهل السنة ومعالمهم؛ فالذب عن رسول الله ﷺ محل اتفاق بين أهل الإسلام، ومدافعة التغريب والهيمنة الأمريكية كذلك.. وما أكثر القضايا التي هي محل إجماع بين أهل الإسلام. فمن المهم أن نبعث هذ التعاون والتنسيق بين أهل الإسلام، مع المحافظة على شعائر أهل السنة وأصولهم، لما في ذلك من المقاصد الشرعية، ونفوذ أهل الإسلام وتقويتهم.
فلقد تعاون أهل الإسلام من قبل ـ في القرن الرابع الهجري ـ في مواجهة المدّ العُبَيْدي الباطني، فكتب المعتزلة والزيدية والأشاعرة ـ وكذا أهل السنة ـ في فضح الباطنيين وهتك أستارهم.
فاللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعزّ فيه أهل الإيمان، ويُذلّ فيه أهل الكفر والطغيان.
معالم من تلك الحادثة
стр. 5535
هوامش على أزمة التحدي
خالد أبو الفتوح
أثار إقدام صحيفة (يلاندز بوسطن) الدنماركية على نشر رسوم ساخرة للرسول ﷺ ، وما تلا ذلك من أحداث.. ردود أفعال عديدة على كافة المستويات والأوساط في أرجاء كثيرة من العالم، وبعيدًا عن سباق الفعل ورد الفعل الذي صاحب هذه الأزمة والذي وجه انفعال بعض الأفراد أو المجموعات ـ ولبعضهم العذر في ذلك؛ لعظم الحدث وشدة وقعه ـ.. أحببت تسجيل بعض الملحوظات واستخلاص بعض الفوائد والدروس، ليتسنى لنا فهم بعض أبعاد هذه الأزمة، ولنستطيع إدارة الأزمات (القادمة) بأداء أفضل وفاعلية أكبر:
أولاً: يُظهر هذا الحدث أن الحقد والكراهية للإسلام ونبيه ما زالا كامنين تحت القشرة العلمانية التي يتجمل بها الغرب، فهذا الحدث يأتي في سياق سلسلة من الاعتداءات والأذى المستمر الذي يوجَّه للمسلمين ودينهم والذي لا تخطئه عين أي خبير، ونظرة سريعة على أهم بعض (الفلتات) الصريحة التي وقعت خلال العامين الماضيين فقط يوضح ذلك بجلاء:
٣ ففي يناير ٢٠٠٤: وصف عضو الحزب الوطني البريطاني نيك جريفن الإسلام بأنه «عقيدة فاسدة» ، ويخلو من أي مساحة للتسوية الضرورية في مجتمع حر، ولا يتفق مع الديمقراطية.
٣ وفي نوفمبر ٢٠٠٤: عرض فيلم تلفزيوني بعنوان (الخضوع) للمخرج الهولندي ثيو فان جوخ يزعم فيه أن الإسلام يضطهد المرأة.
٣ وعلى إثر ذلك منح الحزب الليبرالي في الدانمرك (جائزة الحرية) للبرلمانية الهولندية الصومالية الأصل المرتدة هرسي علي التي كتبت سيناريو الفيلم.
٣ وفي مايو ٢٠٠٥: كشفت تقارير عن تدنيس الجنود الأمريكان للمصحف الشريف بالتبول عليه أو وضعه في المرحاض في معسكر غوانتانامو.
٣ وفي الشهر نفسه وصف مايكل غراهام المذيع بمحطة إذاعية في واشنطن (الإسلام) بأنه (منظمة إرهابية) ، وأنه في حالة حرب مع الولايات المتحدة، وأنه يجدر بهذه الأخيرة ضرب مكة المكرمة بالسلاح النووي.
٣ وفي يوليو ٢٠٠٥: سخر الممثل الكوميدي الأميركي ـ جاكي ميسون ـ في برنامج للمذيع جيم بوهانون من الإسلام ووصفه بأنه منظمة تشجع على القتل والكراهية والإرهاب.
٣ ضع ذلك بجوار: احتضان الغرب لرموز الردة والطعن في الدين من بني جلدتنا أمثال: سلمان رشدي، وتسليمة نسرين، ونصر أبو زيد، وهيرسي علي؛ وضَعْه أيضاً بجوار القرصنة الدولية والإرهاب الاحترافي الذي يمارسه الغرب منذ قرون ضدنا، والذي كان آخره ما يحدث في العراق وأفغانستان والسودان وغوانتانامو، واستحضر مع ذلك فلتات ألسنة قادتهم السياسيين والفكريين التي ما فتئت تصف صراعهم معنا أنه صراع حضاري، يظهر تارة في حملة على حجاب، ويستتر أخرى خلف دعوى (حقوق إنسان) ، وبأن مواجهتهم لنا حملة صليبية، ولكنها تُشَن بموجب (البند السابع) .. لتعلم أن صحيفة «يلاندز بوستن» جاءت لتفجر القِدر الذي ما انقطع غليانه منذ الحروب الصليبية، ولتتوج منظومة الكراهية الغربية للإسلام، ولكن أيضاً لتُُلبسها ثوب «حرية التعبير» ، ولتعلم كذلك أن (تعبيرهم) إنما دل على أنه ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
ثانياً: لا يوجد لديّ أي مساحة لتصديق مزاعم الصحيفة بأن نشرها لهذه الرسوم لـ (اختبار حرية التعبير في بلادهم) ، وإذا حاولنا معرفة مرامي هذا الحدث، أو الفائدة التي ستجنيها بعض الأطراف من ورائه، فإن هناك عدة احتمالات أو فرضيات يمكن ذكرها، منها:
١ ـ صرف الأنظار عن قضايا أخرى مهمة أو أحداث تجري تتصل بالعالم الإسلامي، أو التغطية على جرائم أخرى (تاريخية) تحاك أو تنفذ ضد المسلمين (تكتيك مصارع الثيران) .
٢ ـ محاولة جس نبض الشارع الإسلامي، وقياس ردة فعله كمّاً ونوعاً ومدى استعدادهم لتقديم تنازلات جديدة وقبول قيم غربية بديلة.
٣ ـ محاولة تحطيم معنويات المسلمين وقهرها، بتدنيس المقدسات التي يعتزون بها وتشويه الرمز الذي يجلُّونه والاستهزاء بمحبوبهم علناً، مما يؤثر على قدرتهم على المقاومة والصمود.
٤ ـ محاولة دق أو تعميق (إسفين) بين الشعوب الأوروبية والإسلام تحول دون تعرف الشعوب الأوروبية على الإسلام الحقيقي، وتمنع التواصل الإيجابي بين هذه الشعوب والأمة الإسلامية.
٥ ـ الضغط على الجاليات الإسلامية في أوروبا؛ فحسب بعض المحللين الغربيين فإن ذلك يأتي في سياق هجمة مضادة رداً على تعرض القيم العلمانية الغربية لهجمات (المسلمين المتشددين) في أوساط المهاجرين في الغرب، كما أن هذا الحدث يُعد اختباراً لقياس مدى اندماج المهاجرين والأجيال الناشئة من أبنائهم في المجتمع الغربي، وبمعنى آخر: معرفة حجم التنازلات التي يجب أن تقدمها الدولة المضيفة لمسايرة المهاجرين، والإشارة إلى المهاجرين أنفسهم بنمط التنازلات التي تريدها منهم دولتهم المضيفة لكي يندمجوا في المجتمع الذي ينتقلون للعيش فيه، أي: إنهم يريدون وضع المهاجرين على محك التخلي عن دينهم مقابل قبول عيشهم في البلاد الغربية!
٦ ـ جس نبض الشارعين العربي والإسلامي ومراكز القوى الإسلامية في أوروبا, تمهيداً للبدء في إنهاء الوجود الدعوي الإسلامي هناك، وحظر أي قنوات دعوية إسلامية يمكن من خلالها: تغيير الوجه (الحضاري) المسيحي لأوروبا، أو كسب أرضية (أصولية) داخل المهاجرين المسلمين والحيلولة دون ذوبانهم في المجتمع الغربي، أو النجاح في تجنيد (إرهابيين) يهددون الأمن والمصالح الغربية في عقر دارها.. وقد ظهر هذا التوجه بالفعل في صورة: إغلاق بعض المساجد, ومحاربة الحجاب, ووضع أقنية فضائية عربية وإسلامية تحت المراقبة, وإغلاق المؤتمر العربي الإسلامي الأوروبي والتضييق على أنشطة المراكز الإسلامية ومراقبتها, والعديد من حملات الاعتقال والمداهمة لكثير من المراكز الإسلامية.
وقد ذكر فادي ماضي رئيس المؤتمر العربي الإسلامي الأوروبي أن هناك خطة صهيونية مبرمجة، يقف وراءها مركز سايمون فيزنتال والمؤتمر اليهودي العالمي، وتطال الوجود العربي والإسلامي لضرب الإسلام وإنهاء الوجود العربي والإسلامي في أوروبا.
٧ ـ ظهر بوضوح محاولة استغلال أمريكا وبريطانيا للحدث من أجل موازنة صورتهما العدائية مع صورة الدول الأوروبية الأقل تحالفاً، على طريقة (إنه سيئ ولكن أخاه أسوأ منه) ، وذلك باتخاذ موقف أقل صفاقة.. فرغم أن الحقد الذي يضمرونه على الإسلام والمسلمين لا يقل بحال عن (أوروبا شرق الأطلنطي) ، إلا أن أمريكا وبريطانيا كانتا حريصتين على عدم تورطهما في هذه الأزمة:
فمن جانبها امتنعت وسائل الإعلام الأميركية عن إعادة نشر الرسوم التي تتناول النبي محمد بسبب الطبيعة «المهنية» لهذه الرسومات.
وقد كان ملفتاً أن موقع (CNN) الإخباري على الإنترنت ذيَّل معظم أخباره عن هذه الأزمة بهذه العبارة: «يُذكر أن CNN تمتنع عن نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد احتراماً لمشاعر المسلمين» في متاجرة غير ذكية بالموقف من القضية.
وقال مديرو تحرير عدة مؤسسات إعلامية أمريكية: إنهم يغطون الخلاف المتصاعد بشأن الرسوم ولكنهم لن ينشروها مجدداً ولن تبث على التلفزيون احتراماً لقرائها ومشاهديها!
وفي يوم الأربعاء ٨/٢/٢٠٠٦ نشرت صحيفة الجارديان البريطانية مقالاً للكاتبين فيليب هينشر وجاري يونج اعترفا فيه بأن الصحيفة الدانمركية أخطأت بنشرها تلك الرسوم، وبأن هناك إهانة لحقت بالمسلمين ما كان يقبلها أتباع أي مدرسة علمانية لو وجهت هذه الإساءات لرموز مدرستهم، كما قالا إن غضب المسلمين له ما يبرره، ومضى الكاتبان إلى القول إن الصحيفة الدانمركية كانت ستفكر ألف مرة قبل أن تكتب شيئاً يمس الديانة اليهودية، حتى لا يتهمها أحد بالعداء للسامية؛ لأنها تهمة خطيرة في أوروبا وأمريكا، وقد يدفع المتهم بها عشرة أعوام من عمره في السجن.. أما الدين الإسلامي ـ على حد قولهما ـ فلم يحدث أن سُجِن أحد بسببه في أوروبا.
وقالت صحيفة الفياننشال تايمز البريطانية إن حق النشر ليس مطلقاً.
وإذا استثنينا تصريحات نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، فإن مجمل الموقف الأمريكي والبريطاني الظاهر ـ الإعلامي والرسمي ـ هو محاولة اتخاذ موقف متوازن بين إدانة أعمال العنف والمقاطعة التي ظهرت في العالم الإسلامي، والتأكيد على أهمية حرية التعبير، مع تفهم غضب المسلمين، والإلماح إلى أن حرية التعبير يجب أن يكون لها حدود بحيث لا تمس المقدسات.. وهذا ما يرمي إلى ترميم صورة البلدين السياسية في العالم الإسلامي، بعد فشل جهود الحملات الإعلامية والإعلانية التي حاولت أداء هذه المهمة.
ثالثاً: وضح أن الغرب يقف خندقاً واحداً (حتى ولو في الظاهر) عندما يتعلق الأمر بمواجهة المسلمين، سواء أكان هذا من منطلق الخلفيات التاريخية والحضارية التي تجمعهم، أو بموجب الاتحاد والتحالفات والاتفاقات المعقودة بينهم، أو بموجب المصالح المشتركة بينهم.
يظهر ذلك في تعاضد بعض الصحف مع الجريدة الدانمركية وتأييدها بنشر الرسوم المسيئة، ومحاولة إحباط قوة حملة المقاطعة والاحتجاج التي ظهرت في العالم الإسلامي، باستخدام تكتيك (توسعة الخرق على الراقع) أو سياسة (تفريق الدم بين القبائل) ، ولا أستبعد ما ذكرته بعض التقارير من وجود أيادٍ مخابراتية وراء هذا النشاط والتكاتف، فقد «اعتبر مراقبون لتطورات الأحداث في جريمة الاعتداء على حرمة النبي محمد ﷺ في بعض الصحف الأوروبية أن اتساع دائرة النشر يرتبط بجهود استخباراتية مكثفة في بعض عواصم الاتحاد الأوروبي لتخفيف الضغط عن الدانمرك، بعد أن اعترفت مفوضية الاتحاد بعجزها عن وقف موجة المقاطعة أو التورط في الأزمة بشكل مباشر وعلني، في حين اعتبرت أوساط ثقافية أن هذه الأزمة قد تمثل تحولاً خطيراً في البنية الثقافية للمجتمع الغربي؛ لأنها تفتح على نطاق واسع أبواب الجدل حول المحرمات في الإعلام الغربي، لأن بعض الأصوات الغربية بدأت تطرح الآن تساؤلات حول النفاق الأوروبي فيما يتعلق بقضية حرية التعبير..
مصادر دبلوماسية استطلعت صحيفة (المصريون) رأيها أشارت إلى أن الخطة التي تحتاج إلى إمكانيات أكبر بكثير مما تملكه الدانمرك انطلقت منذ الثلاثاء الماضي ٣/١/٢٠٠٦م عبر صحف تصدر في عدة دول أوروبية، تبنت الخطاب نفسه، وسارت على منهج موحد، وهو ما يدل على التنسيق بين الصحف الموزعة على عدة دول، ويشير إلى أصابع أجهزة الاستخبارات التي تقود هذا التنسيق بهدف تخفيف المقاطعة التي بدأت المصانع الدانمركية تعاني بسببها، وذلك بتوريط عدة دول أوروبية في قضية الإساءة، مما يجعل العالم الإسلامي يقف عاجزاً عن مقاطعة كل هذه الدول دفعة واحدة، وفي الوقت نفسه يصبح لا معنى لاستمرار مقاطعة الدانمرك وحدها.
هذا في المدى القريب، أما في المدى البعيد فإن افتعال ما يشبه «إجماعاً أوروبياً» على الإساءة لرسول الله ﷺ بقدر ما يكسر شوكة الوجود الإسلامي في أوروبا بقدر ما يشكل حاجز صد يحول دون مزيد من التمدد العقائدي الإسلامي بين المواطنين في أوروبا والذي بدأ يثير قلق الكثير من دوائر الأمن القومي دون قدرة على وقفه» جريدة (المصريون) ٢/٢/٢٠٠٦.
ويظهر ذلك أيضاً في محاولة رأب الصدع الاقتصادي الذي أصاب الدانمرك جراء مقاطعة معظم الشعوب الإسلامية لمنتجاتها، ويؤيد ذلك: ما ذُكر من أن مطاعم كنتاكي وماكدونالدز وهارديز وبرجر كنج وبيتزا هت قرروا شراء المنتجات الدنمركية لتعويض الخسائر الدانمركية، وما ذكر من أن بعض الأفكار كانت تتداولها الإدارة الأمريكية؛ لإنقاذ المنتجات الدانمركية وإفشال المقاطعة، من أهمها: إلزام صناديق المساعدات الأممية باعتماد المنتجات الدانمركية، وتعويض الدانمرك عن خسائرها الناتجة عن المقاطعة إن لم تفِ الصناديق الأممية بالغرض، عبر إلزام متعهدي تمويل الجيوش الأمريكية وحلفائها في الخارج باعتماد البضائع الدانمركية أولاً.
رابعاً: كما أن الأزمة فضحت دعاوى الطابور الخامس الذي يعيش بيننا، والذي كان يروج زوراً أن الغرب تخلى عن تعصبه وكراهيته لنا، وأنه ارتقى في أسلوب حل خلافاته فأصبح (الحوار) هو الأسلوب المعتمد عنده، والذي كان يتغنى بقيم الغرب ويدعو لها زاعماً أنها لا تتعارض مع جوهر الإسلام، فها هو الغرب يضيف إلى (اعتماده) القوة سبيلاً لحل خلافاته معنا وفرض رؤيته الحضارية علينا.. يضيف عدم احترامه لديننا وهدره لمقدساتنا.
وأظهرت هذه الأزمة أيضاً خطورة الطابور السادس أو السابع (سمه ما شئت) الذي يعيش بيننا، وأعني به الكفار والمشركين الذين جاؤوا باسم العمل والارتزاق وحملوا معهم حقدهم ووثنيتهم وكفرهم وقذارتهم الأخلاقية ليبثوها في مجتمعاتنا متى ما استطاعوا، فقد كان ملفتاً للنظر ما قامت به مدرِّسة أمريكية بإحدى الجامعات في دولة الإمارات ـ وأيدها المشرف عليها من بني جلدتها ـ من عرض الرسوم المسيئة للرسول ﷺ في قاعة الدرس، مبررة عملها هذا بأنه يندرج في إطار حرية الرأي والتعبير.. ولا أدري ما الذي يحمل مدرِّسة لغة إنجليزية على إقحام نفسها في قضية لا تتعلق بعملها وليست طرفاً فيها وتعلم أنها تمس مشاعر من تخاطبهم، إلا أن يكون دافعها هو الحقد والتعصب الأعمى الذي لم تستطع كبته أو التجمل بإخفائه، وإلا أنها تحس بالأمن من عقوبة تنالها إذا فعلت هذه الجريمة (الحضارية) باساءة الأدب مع رسول من تخاطبهم.
وفي الإمارات أيضاً ومع بدء حملة مقاطعة البضائع الدانمركية، قامت العمالة الآسيوية ـ ومعظمها هندوس ـ التي تدير كثيراً من محلات السوبر ماركت بتكثيف عرض المنتجات الدانمركية والتقليل من المنتجات المحلية وغير الدانمركية البديلة، مما يجبر المشترين على شراء المنتج الدانمركي؛ لأنه المنتج الأكثر وفرة؛ وذلك بقصد تصريف المنتج الدانمركي بسبب هبوط سعره عند الوكيل، وهذه التصرفات أعدها منطقية ومتوقعة إذا استحضرنا تلقائية (الولاء والبراء) لدى كل إنسان.
خامساً: ملحوظات حول ردود أفعالنا وكيفية تفاعلنا مع الأزمة وإدارتها:
كثرت جرائم الغرب تجاه العالم الإسلامي، أو قل: كبر وعي المسلمين وإحساسهم بهذه الجرائم، مما يرشح الأمور لوقوع مزيد من (الفلتات) ، ومزيد من التصعيد، ومزيد من (المواجهات) .. ومن خلال متابعة الأحداث وتحليلها نستطيع استخلاص هذه الملحوظات:
الملحوظة الأولى: ضرورة استغلال واستثمار هذه (الفلتات) في واقع العمل الإسلامي من غير تكلف، مثل: تعميق محبة الله ورسوله، تعميق مفهوم الولاء والبراء، إظهار مأزق العلمانيين والتغريبيين، إيضاح عداء الغرب للإسلام نفسه، إظهار وفضح بعض الأنظمة المعادية للإسلام، إظهار حقيقة الدعوة إلى الحوار بين الأديان والحضارات، التدرب على توحيد الصفوف ومحاولة القيام بعمل مشترك منظم ومؤثر..
وداخل أوروبا، مثل: وضع الشعوب الغربية أمام حقيقة مبادئهم التي يتغنون بها وتذكيرهم بمواقفهم التي لا تتفق مع هذه المبادئ (حرية التعبير ـ حقوق الإنسان ـ التسامح مع الديانات والحضارات الأخرى) ، تعريفهم بحقيقة الإسلام، الإجابة على التساؤلات الكبرى التي تشغلهم من منطلق إسلامي..
ولا يكون ذلك إلا من خلال وضع تصور مسبق لاحتمالات الأحداث، وطرق ـ أو خطط ـ معالجتها أو مواجهتها، والوسائل والأساليب الأنجع للتعامل معها، والإمكانات المطلوبة ...
الملحوظة الثانية: باستقراء تسلسل الأحداث الأخيرة يتضح أن هناك استفزازاً متعمداً لإثارة المسلمين، ولكن رد فعل المسلمين جاء متأخراً عن الحدث الأصلي ـ رغم أنه جاء قويّاً ومؤثراً ـ وهذا التأخر يضع علامات استفهام حول ما إذا كانت هناك أهداف من وراء الإثارة في مثل هذا الوقت بالذات، كما أنه يضع علامات استفهام على آلية وكيفية إحساس المسلمين بمآسيهم، وكيفية وتوقيت التصرف المناسب من غير انجرار لما يضر بأمتنا أو الوقوع فيما يحيكه لنا أعداؤنا؛ فهل من المناسب أن يشكل في كل بلد ما يشبه المرقب لمتابعة أحوال الإسلام والمسلمين وإنذار قومهم عند الإحساس بالخطر؟ وإذا كان ذلك مهمّاً فيمكن الاتفاق على جهة (أهلية) محددة موثوق بها يناط بها تلقي هذه التقارير ونشرها، أو على الأقل إنشاء موقع على الشبكة العالمية، يستطيع فيه المراقبون ـ مع الأخذ في الاعتبار احتياطات الأمان الإلكتروني ـ وضع هذه التقارير ليطلع عليها المسلمون، وتلقي التحليلات والاقتراحات لهذه التقارير.
الملحوظة الثالثة: استخدم الغرب في مواجهة حملة المقاطعة التي انتشرت في العالم الإسلامي أكثر من تكتيك لإفشال المقاطعة أو إضعافها على الأقل، وأهم هذه التكتيكات: تشتيت هدف الخصم (توسعة الخرق على الراقع) أو (تفريق الدم بين القبائل) ، تفتيت القوة المضادة، امتصاص الغضب، تبادل الأدوار، استغلال عامل الوقت، تكتيك مصارع الثيران، ازدواجية الخطاب الإعلامي، الإشباع النفسي للخصم ... وبجانب جهوده وإمكاناته استغل الغرب الثغرات المنتشرة فينا لإنجاح هذه التكتيكات، ونستطيع ضرب الأمثلة على ذلك:
٣ تكتيك (توسعة الخرق على الراقع) أو (تفريق الدم بين القبائل) : فإنه عندما أثارت الرسوم الكاريكاتيرية للنبي ﷺ استهجاناً واسعاً في العالم الإسلامي، فإن صحفاً أوروبية تنتمي لأكثر من دولة أعادت نشر الرسوم نفسها بدعوى حرية التعبير وإطلاع القراء على حقيقة الحدث الذي أثار المسلمين (لاحظ أنه لم تنشرها أي صحيفة أخرى في الدانمرك نفسها) .
وبذريعة (حاكي الكفر ليس بكافر) أعادت بعض الصحف في البلدان العربية والإسلامية نشر بعض الرسوم أو كلها، كما أظهرت بعض المواقع الإسلامية الرسوم أو أشارت إلى صلات تُبرزها.
فواضح أن الهدف من ذلك كان استنساخ سبب المقاطعة نفسه في أكثر من مكان، وإشهار ذلك، وعندها إما أن يندفع المسلمون إلى إعلان مقاطعة جميع هذه الدول أيضاً؛ لاتحاد السبب، وهذا مما يصعب عليهم القيام به والاستمرار فيه فتخور عزيمتهم عن المقاطعة جميعها.. وإما أن تسقط مصداقية السبب نفسه عندما لا يطَّرد السلوك المبني عليه في جميع الأحوال.
وإذا كان موقف الصحف الغربية مفهوماً ـ خاصة في ضوء التقارير التي أشرت إليها سابقاً من وجود أصابع مخابراتية في الموضوع ـ فإن موقف الصحف التي تصدر في البلاد العربية والإسلامية كان أشد وقعاً وأكثر إيلاماً، ليس فقط لأنها طعنة من الخلف غير منتظرة ممن يعلنون انتماءهم لهذا الدين، وليس فقط لأنه عضَّد وساهم في نجاح هذا التكتيك، ولكن لأنه استخدم أيضاً من قِبَل وسائل إعلام غربية لإظهار أن الضجة بشأن الرسوم مبالغ فيها؛ لأن الصحف العربية نفسها أعادت نشرها.
وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أن بعض المصلحين يمكن أن يسهم في ذلك بحسن نية! ويتمثل ذلك في محاولة استغلال الحدث في إصلاح المسلمين وحل جميع مشكلاتهم دفعة واحدة، أو خلط المشكلات وتشابكها مع بعضها (الإعلام الفاسد والفن الهابط، وترك سنة الرسول ﷺ وهديه، و.. مئة وسيلة لنصرة المصطفى ﷺ ... ) ، وبالطبع فإن من يرى أو يسمع ذلك يفهم أنه لا بد من تغيير حياته كلها، وقد يكون هذا حقاً ومطلوباً، ولكنه غير مؤهل له الآن، فلا يقوم من الوسائل المئة بوسيلة واحدة ـ أو يكاد ـ وتكون النتيجة أنه ينصرف عن النصرة لأنه ـ بهذا الشكل ـ غير مستعد لها.
بل إن بعض المتعاطين مع الأزمة اقترح حلاً لها بأن تتبنَّى الحكومات العربية والأمم المتحدة موقفاً يهدئ من مشاعر المسلمين، وهو: إلزام العدو الصهيوني بالانسحاب الفوري من القدس وتطبيق الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة التي تقضي بفرض عقوبات سياسية عليها في حال رفضها القرار!
ومثل هؤلاء كمن يريد إسقاط مئة عصفور على شجرة بطلقة واحدة فتكون النتيجة أن تطير العصافير كلها ولا يستطيع أن يسقط عصفوراً واحداً.
فضعف التركيز وافتقاد نَظْم الأهداف المرحلية مع الأهداف الاستراتيجية و (الاستجابة للتداعي) ، يساعد على تحقيق المخطط الغربي بتشتيت التركيز، وهذا يختلف عن البحث عن الجذور والربط بين الظواهر لاستخلاص النتائج والحلول لمشكلة ما.
٣ كما ظهرت بعض محاولات لاستخدام تكتيك (مصارع الثيران) ، وهذا التكتيك يهدف إلى ترويض الخصم بأقل قدر من الجهد والمخاطرة، وهو يقوم على محاولة إشغال الطرف الآخر بمثيرات أخرى جانبية، وتوجيهه وجهة ـ أو وجهات ـ معينة بحيث يفقد تركيزه وينصرف عن هدفه، ويظهر هذا التكتيك هنا بمحاولة إشغال الرأي العام بقضايا مثيرة أو حساسة أخرى، لتشتيت تركيزها المنصب في قضية موحدة، وصرف انتباهها إلى قضايا أخرى هامشية ومؤقتة.. وعلى سبيل المثال: فقد نشرت صحيفة (ذي جارديان) البريطانية أوائل شهر فبراير (أي: في ذروة الغضب الشعبي الإسلامي) صورة سمكة من نوع أوسكار تحمل على حراشفها لفظ الجلالة (الله) واسم الرسول ﷺ (محمد) ، وبالطبع فإن الصحيفة البريطانية لا تؤمن بالله ولا بالرسول، ولكنها تلقي الطعم ليتلقفه السذج والبسطاء ـ أو المغرضون! ـ ويتخذوا من الخبر دليلاً على صحة إيمانهم، ثم يعملوا على نشره (تعاوناً على الخير) ، فينشغل الرأي العام به، مما يفقدهم تركيزهم في القضية التي كانوا يهتمون بها، فتضعف طاقتهم ...
وهذا الأسلوب نفسه استخدم مراراً قبل ذلك، وإذا كان القارئ ذا ذاكرة قوية فإنه يمكن أن يستدعي قصة البنت العُمانية التي (سُخطت) بعد تحديها أمها في المعصية.. فقد راجت تلك القصة بعد ضجة تدنيس المصحف في غوانتنامو وظهور فضائح التعذيب في (أبو غريب) .
٣ أما تكتيك تفتيت القوة المضادة فيظهر في محاولة اللعب على المذهبيات والطائفيات والعرقيات، كما يمكن أن يندرج تحته محاولة الساسة الغربيين والإعلام الغربي استغلال حوادث الحرق والتخريب والعنف التي صدرت من بعض المحتجين، إذ إنه بجانب استغلاله لهذه الأحداث دليل إضافي يقدمه لجمهوره على وحشية المسلمين وتخلفهم وتعطشهم للعنف ومهاجمة (المسالمين) ، فقد حاول بتضخيمها حرف القضية عن أصلها، لتتحول إلى قضية (عنف وتخريب وإرهاب) يرفضها كثير من المشاركين في الاحتجاجات، أو يخشون من عواقبها، مما يدفعهم إلى غلق أبوابهم عليهم، والاكتفاء بـ (اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين) .
كما أن نشر الرسوم في أكثر من صحيفة يهدف أيضاً إلى تفتيت قوة المقاطعة الاقتصادية الشعبية للدانمرك؛ لأنه بعد النشر في بلاد مختلفة وعدم استطاعة مقاطعة كل هذه البلاد، فسيكتفي كل فريق بمقاطعة بلد ما، وعندها يخف الضغط الواقع على البلد الأصلي.
٣ أما تكتيك ازدواجية الخطاب الإعلامي، فإنه يهدف إلى ترويض الخصم بأقل قدر من التنازلات، ومما يساعد في تحقيق آثاره عاملان: العامل الأول: عدم معرفة الخصم المستهدف إلا بالخطاب الموجه له فقط، العامل الثاني: جهل هذا الخصم يدلالة مفردات الخطاب الموجه له بدقة؛ فقد وضح في هذه الأزمة التلاعب الإعلامي وعدم انتباه معظم المهتمين (وسط الفوضى والغوغائية) لفروق الألفاظ (كالفرق بين الأسف والاعتذار، وبين الاعتذار عن الفعل وعن آثار الفعل ونتائجه، وبين سحب السفير واستدعاء السفير ... ) ، ولدلالة عبارات، مثل: (لم نستورد من الدانمرك، يملك أسهمها شركاء وطنيون، يصنع في بلادنا ... ) ، ولضيق المقام نوضح فرقاً واحداً، هو الفرق بين الأسف والاعتذار:
فالأسف يكون عن أي فعل أو قول يُحزِن الإنسان أو يغضبه أو يتحسر عليه، سواء صدر منه أو من غيره، وسواء أكان بقصد أو غير قصد، أما الاعتذار فهو طلب رفع اللوم والذنب، فالاعتذار يتضمن الاعتراف بالخطأ والذنب، ويحمل في طياته المسؤولية عن الفعل أو القول، وهذا قد يترتب عليه عقوبة أو عوض.
أما الإشباع النفسي للخصم، فيتم عن طريق الإدلاء بمعلومات معينة ـ صحيحة أو مغلوطة ـ تساعد على إحساس المقاطعين بنشوة نصر كاذب؛ مما يخمد حماسهم ويوقف استمرارهم؛ لأنهم بلغوا هدفهم و (أثخنوا) في عدوهم.
وكمثال على هذه الأخبار: ما أعلنه سفير الدانمارك بالقاهرة (يان سورنسن) أن حجم الخسائر المترتبة على مقاطعة الدول العربية للمنتجات الدانمركية بلغت ٣٥ مليار يورو، إضافة إلى زيادة نسبة البطالة داخل الدولة، مشيراً إلى أن المصنع الدانمركي الذي أغلق أبوابه بالسعودية مع مقاطعة المنتجات بصفة عامة أدى إلى فقدان ١٥ ألف وظيفة داخل الدانمارك، وقد تصل إلى ٥٠ ألفاً إذا استمرت المقاطعة لفترات أطول من ذلك.
وخبر غيره يقول: إذا استمرت المقاطعة حتى شهر أغسطس فستصل خسائرهم إلى ٣٩ مليار يورو.
وخبر آخر يقول: شركة آرلا الدانمركية تخسر ١.٨ مليون دولار يومياً بسبب المقاطعة.
ومسؤول في شركة ألبان دانمركية يقول: «ما بنيناه خلال ٤٠ عاماً خسرناه خلال أيام» .
وقد ساهم في نشر هذه الأخبار رسائل قصيرة من مصدر مجهول أرسلت إلى الهواتف المحمولة ... و (انشر) !!
الملحوظة الرابعة: وهي عن الخطاب الدعوي في الأزمة، فالملاحظ أن معظم الخطاب الإسلامي كان موجهاً للداخل فقط، مع اتسامه بالعاطفية وعدم التنظيم مما يقلل من جدواه وثمرته.
كما ظهرت الهزيمة النفسية في خطاب بعض (المدافعين) عن الرسول ﷺ ، أقلها: التستر خلف رفض إهانة (الرموز الدينية) لنصرة الرسول ﷺ .
كما حاول بعض المحسوبين على الدعوة إظهار (التعقل) والتحلي بالمناداة بالحكمة (يريدون التهدئة وعدم التهور) ، وإذا كانت الحكمة مطلوبة في كل شيء فيجب أن يستحضر أن الحكمة الحقيقية هي وضع الشيء في نصابه، ونصاب هذا الأمر معروف لدى من له أدنى إلمام بعلم شرعي، ومن نصابه أيضاً: أن للرسول ﷺ أن يعفو عَمَّن شتمه وسَبَّهُ في حياته، ولكن ليس لأمته أن تعفو عن هذا الجاني عليه ﷺ .
وهناك خطأ استراتيجي يقع فيه بعض الدعاة في مثل هذه المواقف، وهو إذاعة المقارنة بين الأزمة الراهنة والمصائب الأكبر التي يحيا فيها المسلمون، وإذا كان هذا الكلام يحتمل أن يكون صحيحاً من ناحية التنظير والواقع، إلا أنه قد يكون أحياناً غير موفق من ناحية التحرك الدعوي أو السياسي.
ففي مثل حالتنا فإن نشر مقولة إن الرسول ﷺ يهان في أوقات كثيرة بترك هديه والإعراض عن شرعه.. في الوقت الذي يتلظى الناس جمراً مما أصاب نبيهم ويبدون استعدادهم للبذل في سبيل نصرته ... لا يكون موفقاً فيما أحسب.
أعتقد أنه من الضروري على حملة الدعوة تبني قضايا الأمة الحيوية حتى ولو كانت هذه القضايا لاحقة في ترتيب الأولويات أو التتابع المنطقي للعمل الدعوي، ولكن بشرط رد هذه القضايا إلى أصولها وربطها بأصل الإسلام والتوحيد وليس فقط معالجتها معالجة (علمانية) باردة ولو باسم الإسلام، وهذا منهج الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ؛ فقد تقترن الدعوة إلى التوحيد بدعوة إصلاح اقتصادي وعدل اجتماعي: ﴿وَإلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥] ، وقد تقترن بدعوة تطهر أخلاقي: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسَأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٦٥] .
فأمام السيل الجارف لاهتمامات الأمة نجد من يساير هذا السيل فيستهلك طاقته ويذوب فيه، ونجد من يحاول الوقوف أمامه لإيقافه ومنعه فيغرقه ويهلكه، ولكن يجب أن يوجد أيضاً من يحاول أن يغير مسار هذا السيل إلى الاتجاه الصحيح ويستفيد في الوقت نفسه من قوته الجارفة لكي تكون قوة إيجابية ... وهذا هو التحدي.
أما عن دعوة الخارج: فإنه بغضِّ النظر عن تعصب الشعوب الغربية ضد الإسلام والمسلمين، وبغض النظر عن حقد قادتهم وموجهيهم وعدائهم للإسلام والمسلمين، فإن الواقع والوقائع تثبت دوماً أن عموم الشعوب الغربية ـ ولا أتحدث عن قياداتهم التي تسوقهم ـ تعيش حالة من الجهل المركب عن الإسلام والمسلمين، وهذا ما أثبتته هذه الأزمة؛ فقد ذكر المسؤول عن الرسوم الكاريكاتيرية أن معلوماته عن الرسول ﷺ قليلة، وبتتبع انطباعات الشعب الدانمركي تبين أنهم فوجئوا ـ بعد الأحداث ـ بأن المسلمين يصل تعدادهم لأكثر من مليار نفس.
وبالطبع فإن ذلك نتيجة أن معلوماتهم (القليلة) استقوها من مستشرقين معظمهم مغرضون أو من رجال دين نصارى متعصبين ومنتفعين، مقالات وكتب ودراسات وقصص وروايات ونصوص مدرسية ومناهج تعليمية وكتابات ساقطة.. كلها تعمل على تشويه صورة العرب والمسلمين في عيون الرأي العام الغربي، وكلها تعمل على تعمية بصيرة الغرب وتجهيله عن الاطلاع بوضوح على الإسلام وحضارة العرب والمسلمين، وكلها تصر جاهدة على استمرار تفريخ صورة الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، وأيضاً نتيجة تقصير المسلمين في إيصال الدعوة الإسلامية بشكل يتناسب مع حجم المسؤولية.
وفي الأزمة الراهنة يزيد الوضع سوءاً ما أشيع عن أن رئيس تحرير كل من صحيفة يولاند بوستن الدانمركية ومغازينات النرويجية اللتين نشرتا الصور المسيئة للرسول ﷺ هما من أعضاء المؤتمر اليهودي العالمي وممولي ومصدري معلومات قسم الدراسات والأبحاث في مركز سايمون فيزنتال اليهودي، الذي يهدد مصالح العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم بحجة دفاعه عن السامية؛ فالأصابع الصهيونية ـ التي لا تريد خيراً لمسلمين ولا لنصارى ـ غير مستبعدة من هذه القضية، والصحيفة الدانمركية لا تخفي توجهها الصهيوني، بل تضع نجمة داوود شعاراً لها على اسمها في الإصدارات المطبوعة وعلى اختصار رابطها الموصل لموقعها على الشبكة العالمية، ويعضد ذلك أن المسؤول عن نشر الرسوم المسيئة فيها عندما صرح باستعداده لنشر مسابقة أعلنت عنها صحيفة إيرانية حول رسوم تتناول محرقة الهولوكست.. لم يتوان مسؤولو الصحيفة عن إعطائه (إجازة إجبارية) غير محددة المدة.
إننا في زحمة التدافع وسخونة الصراع يجب ألا ننسى أننا أصحاب دعوة إلى دين الله الحق، وأن مهمتنا ـ مع بسط سلطان الله في الأرض ـ استنقاذ البشر من أن تجتالهم الشياطين وتختم لهم بالموت على الشرك بالله والكفر بدينه، وأن القوى الصهيونية والصليبية يهمها الحيلولة بين الشعوب ودين الله الحق ... وكل ذلك يوجب علينا ـ بجانب الانتصار لنبينا ـ بذل أقصى جهد للدعوة إلى دين الله، بل إن ذلك من أكبر صور الانتصار لرسول الله ﷺ .
الملحوظة الخامسة: لا يستطيع أي عاقل إنكار أن التحرك الشعبي انطوى على إيجابيات عديدة: فقد اتحد الجميع على الوقوف ضد إهانة نبيهم، وهذا لم يحدث مثله منذ وقت طويل، حتى نستطيع القول: إن الرسول ﷺ قاد المسلمين من جديد، وعلَّم العالم ـ وخاصة الغرب ـ معرفة مدى المكانة التي ما زال يحظى بها الرسول ﷺ في قلوب المسلمين رغم الجهود الدؤوبة لإبعادهم عن دينهم، وكذلك اهتم العالم بشخصيته ﷺ وأصبحت قضية الساعة، وقد ينتج عن ذلك أن يصل بعض الباحثين عن الحقيقة إليها ويدرك ظلم الإعلام الغربي المتصهين، وقد كان رد الفعل الشعبي في عموم الدول العربية والإسلامية شديداً لدرجة أحرجت معظم حكومات تلك الدول وأخرجتها عن صمتها على الرسوم، ودفعتها للتنديد باستهداف شخص الرسول ﷺ والإسلام، لامتصاص الغضب الشعبي، أو لحين التشاور مع القيادات الغربية لإيجاد الحلول والخروج من المأزق الذي أوقعهم به السلوك الغربي الفج.
ورغم كل ذلك نستطيع القول: إن تعامل عوام المسلمين مع الأزمة اتسم بالتوهج العاطفي في الشعور، واختلاط الوعي الإيجابي بالوعي الزائف عند كثير منهم، والارتجالية أو الفوضوية في السلوك، بالإضافة إلى الحياة بإسلام الفضلة في الإرادة والتضحية عند بعضهم.
وهنا يجب أن ندرك أن أعداءنا يعوِّلون على استغلال السلبيات الكامنة فينا لإفشال جهودنا نحن وحرماننا من ثمراتها.
ومركوز في أذهان أعدائنا أننا شعوب عاطفية هوجاء تشتعل بسرعة وتنطفئ بسرعة ولا يحركها المبدأ والفكرة، وأنها قصيرة النَّفَس لا تستطيع الاستمرار أو الصمود مدة طويلة، فوضوية لا تعرف كيف تحقق هدفها، وهذا فيه قدر من الصحة، وتعالوا نراجع: افتتاح نفق الأقصى وتهديده بالهدم، ودعم المجاهدين في فلسطين، والموقف من العراق، وقبلها الشيشان وأفغانستان وكوسوفا، وموقفنا من كارثة تسونامي، وزلزال كشمير، إهانة الجنود الأمريكان للمصحف في غوانتنامو والعراق.. وكلها أزمات تحمسنا للمشاركة فيها بصورة من الصور، ثم خمدت الهمم رغم استمرار هذه الأزمات وحاجة المسلمين فيها للدعم والمؤازرة.
فمعظم هذه الأزمات تعاطفت معها الجماهير وقامت بمظاهرات صاخبة وأعلنت المقاطعة للمعتدين، ولأن دافع هذا السلوك كان هو العاطفة فإنه بعد انطفاء توهجها ـ خاصة مع وجود إعلام يحترف التضليل والتزييف ـ خمدت مظاهر الاحتجاج انتهت المقاطعة بدون تحقيق هدفها ـ إن كان لها هدف ـ ولكن لو تحركت الجماهير من أجل فكرة ومبدأ لظلت على سلوكها حتى يتحقق لها ما تريد، بل يمكن القول: إن أحد أسباب إقدام الغرب على إهانتنا وظلمنا هو معرفته بهذه الصفات فينا.
سادساً: تساؤلات شرعية في خضم الأزمة:
سأتجاوز هنا عرض عقوبة المستهزئ بالرسول ﷺ ، فإن هذه العقوبة يعرفها من له أدنى إلمام بالعلم الشرعي ـ كما سبق أن ذكرت ـ كما سأتجاوز أيضاً الاعتراض على أصل مشروعية المقاطعة؛ إذ أراه اعتراضاً بارداً؛ فالحصار أشد من المقاطعة، وقد كان شائعاً ومعروفاً شرعيته، كما أن المقاطعة تدخل تحت باب وسائل إنكار المنكر، ولمزيد من الإيضاح يمكن الرجوع إلى تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] وأمثالها من الآيات ... ولكني سأستعرض هنا بعض التساؤلات الشائكة بالفعل والتي تحتاج إلى وقفات وبحث متعمق ومتأنٍ من هيئة شرعية أو أكثر من عالم متخصص يحيطون بعلم الشريعة وعلم الواقع، وإذا كنت أعتقد أني لست أحد هؤلاء فإني سأعرض ما يدور في أذهان بعض الناس من أفكار وأدلة و (وجهات نظر) أو تساؤلات شرعية لها وجاهتها، ولكن قبل هذا العرض أحب أن أذكّر بأن حقيقة إسلامنا تقتضي أن نستسلم جميعاً لأوامر الله أياً كانت، وألا نقدم بين يدي الله ورسوله، بمعنى ألا ننساق خلف عواطفنا أو (أهوائنا) وألا نضع نتيجة نرغب فيها ونبحث لها عن مقدمات تؤدي إليها، وهذا ما أظن أننا جميعاً متفقون عليه، أما التساؤلات فهي كما يأتي:
التساؤل الأول: إذا علمنا عقوبة المستهزئ بالرسول ﷺ ، فهل هناك فرق بين حالة الاستضعاف وحالة التمكين في كيفية الرد على المستهزئ برسول الله ﷺ وإيذائه؟ لقد ذكر القرآن سخرية المكذبين ببعض الرسل كما في قوله ـ تعالى ـ عن قوم نوح ﵊: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] ، وذكر استهزاء المشركين برسول الله ﷺ ، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] ، ومع ذلك لم يَسْعَ رسول الله إلى عقوبة المستهزئين من كفار قريش؛ فهل كان ذلك لأن هذه العقوبة لم تكن مشروعة بعد، أم لعدم التمكن من إيقاعها بسبب حالة الاستضعاف التي كان يعيشها المسلمون؟ إن دعوى نسخ الآية بآية السيف التي كثيراً ما يذكرها بعض المتحمسين نقلاً عن بعض العلماء لا تصمد أمام التدقيق العلمي، حيث لا تنطبق شروط النسخ على الآيتين (آية السيف وآية الإعراض) ، ولذا يرى بعض العلماء أن حال المسلم في النصرة يختلف من مكان إلى مكان ومن زمن إلى آخر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وصارت تلك الآيات (آيات الصفح والعفو والصبر على الأذى) في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه، فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصَّغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله وعلى عهده خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام؛ فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» (الصارم المسلول، جـ٢، ص٤١٤) ، فما مدى انطباق ذلك على حالتنا؟
التساؤل الثاني: هل المقاطعة ـ أو أي عقوبة جماعية أخرى في حالتنا ـ يعد أخذ أناس بجريرة غيرهم سواء في الداخل (التجار والعاملين المتضررين) ، أو الخارج؟ المعروف أن الأصل في دين الله عدم أخذ البلاد والنَّاس أجمعين بجريمة واحدٍ منهم إذا لم بتواطؤوا على تأييدها أو المشاركة فيها، فقد قال الله ـ تعالى ـ في محكم كتابه: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، ﴿وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] ، وهل (في مثل الحالة التي نحن بصددها) امتدت عقوبة الرسول ﷺ لكعب بن الأشرف ـ الذي آذى الله ورسوله ـ إلى جميع قومه وكل من استمع شعره وحضر مجالسه التي نال فيها من الرسول ﷺ ؟ إن العدل يجب أن يكون حادينا في جميع الأحوال حتى ولو كان شاقاً على نفوسنا: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] ، ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] .
وهل تغيُّر الملابسات والظروف الحالية يوجب إيجاد فقه جديد وفتوى جديدة في المسألة؟ ومن المخوَّل بإصدار مثل هذه الفتوى؟
يحتج بعض الناس هنا بأن استطلاعات الرأي أوضحت أن غالبية الشعب الدانمركي تؤيد عدم اعتذار الصحيفة عن فعلتها وتؤيد موقف رئيس الحكومة في ذلك، ويرد آخرون بأن ذلك الاستطلاع جرى بعد أكثر من شهر من المقاطعة، أي لم يكن المقاطعون يعرفون كيف يبنون مقاطعتهم على هذا الأساس، كما أنه يمكن القول إن ذلك لا يعني الموافقة على الفعل نفسه، ولكنه من قبيل تأييد حق الآخر في إبداء رأيه سواء أكان موافقاً له أو مخالفاً له، «يمتد العداء في هذه القضية إلى أطراف ومستويات عديدة، لا ريب أن معظمها يفكر في الأصل بطريقة مشابهة لما يفكر به الرسام والصحيفة، ولكن لا ريب أيضاً أن الرد لا ينبغي أن يستهدف من يفكر بل من يتصرف ويسيء؛ فهذا ما يساعد على امتناع أصحاب التفكير المشابه عن «التصرف والإساءة» . (نبيل شبيب ـ الإساءة لمقام النبوة بين الجماهير والنخب ـ موقع الجزيرة نت) .
سابعاً: حول المقاطعة، واقتراحات لجعلها أقل فوضوية وارتجالية وأكثر فاعلية:
تعد المقاطعة الاقتصادية أحد أساليب المقاومة السلمية الفعالة والمؤثرة إذا أُحسن استخدامها، ولكن يجب أن ندرك أنها ليست الأسلوب الوحيد للمقاومة، كما أنها قد لا تكون سلاحاً فعالاً لمواجهة هذه الجرائم والحد منها أو الرد عليها في بعض الظروف والأحوال؛ فقد تصلح المقاطعة في بلد وتكون دون جدوى في بلد آخر، وذلك حسب حجم التعامل الاقتصادي بين البلد المقاطِع والمقاطَع، وعند عدم جدوى المقاطعة يجب التفكير في وسائل تأثير أخرى بحسب ظروف كل بلد (مظاهرات، اعتصامات، احتجاجات....) .
ولكن التساؤلات التي تفرض نفسها، هي: ما مصير المقاطعات السابقة؟ وهل حققت أهدافها؟ ومتى توقفت؟ وهل توقفت بقرار منا وإرادتنا؟ وما السبيل لجعل المقاطعة أكثر فاعلية وأشد إيلاماً؟
وبغضِّ النظر عما حدث من محاولة الدول الأوروبية فتح عدة جبهات في آن واحد على المقاطعين والمحتجين، فإن الواقع يقول إن التداخل السياسي والاقتصادي بل والإداري آخذ في النمو بين هذه الدول، فأوروبا تتجه منذ فترة للتحول إلى (الولايات المتحدة الأوروبية) ، بحيث سيصعب في أحيان كثيرة تحديد منتج معين موسوم بعبارة (Made in ---) من الدول الأوروبية، أو فصل دولة معينة واتخاذ إجراء معين يمسها هي بالذات بحيث لا يتداخل مع دول أخرى؛ ففي هذه الحالة سنحتاج بشكل أكبر إلى تنظيم المقاطعة وحسن إدارتها لتكون ممكنة وفعالة.
ينبغي أن نلاحظ أولاً أنه إذا افترضنا أن المقاطعة الاقتصادية هي الخيار المناسب في أزمةٍ ما؛ فهذا لا يعني أن المقاطعة هي السلاح المناسب كل مرة؛ فكثرة استخدام المقاطعة مع عدم ترشيدها وتنظيمها سيؤثر مستقبلاً على فاعليتها وقوتها وتأثيرها، لذا لا ينبغي أن نرمى به في كل معركة وحالة دون النظر في مناسبته، وكيفية استخدامه، والوسائل التي تضمن فعالية نتائج هذا الاستخدام، وعدم الخروج من ذلك بنتائج عكسية ... «إن كل تحرك جماهيري يصنعه الوجدان الحي في الأمة لا يؤدي مفعوله على الوجه الأمثل، إلا إذا توافرت من ورائه عناصر التوجيه والتخطيط والتنظيم، وهذا بالذات ما افتقدته مقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية، وتفتقده الآن مقاطعة البضائع الدانماركية» (نبيل شبيب ـ مصدر سابق) .
وهذه بعض الخطوط التي أتصور أنها تساعد على إنجاح المقاطعة الاقتصادية باعتبارها إحدى وسائل المقاومة:
١ ـ تحديد حجم التعدي وقدر العقوبة التي يستحقها والوسيلة المناسبة للرد عليه والتعامل معه.
٢ ـ أن تكون هناك جهة أو جهات يسترشد بها أو ينسق معها في خطوات المواجهة، ويمكن الاسترشاد في ذلك بما ذكر في الملحوظة الخامسة من (ثانياً) .
٣ ـ تحديد أهداف للمقاطعة، وتتحدد الأهداف بحسب نوع وحجم الاعتداء (فقد تكون بانسحاب قوات، أو تقديم اعتذار، أو إلغاء توكيلات، أو محاكمة أشخاص، أو استرداد مظلومين، أو نشر تعريف صحيح من قِبَلنا بالإسلام والرسول ... ) ، بحيث تظل هذه المقاطعة مستمرة حتى تتحقق هذه الأهداف، وإذا تحققت هذه الأهداف تلغى المقاطعة، أو تحديد مدى زمني معروف تتحقق فيه الأهداف المحددة أو معظمها، وأهمية هذا التحديد تكمن في ألا يكون قصر النَّفَس أو الإيقاع في الحرج العملي لبعض الفئات مدعاة لإضعاف سلاح المقاطعة وجعله بلا جدوى أو ضعيف التأثير بعد ذلك.
وتحديد الهدف سيجعلنا أقرب إلى معرفة الممكن وغير الممكن، حتى لا نسعى إلى مستحيل أو صعب لا يتناسب بذل الجهد فيه مع الثمرة المتوقعة من ورائه، فلا يتحقق هدفنا ويؤثر على معنوياتنا.
وعلى سبيل المثال، ففي الأزمة الحالية طالب كثيرون باعتذار رئيس الحكومة الدانمركية عن النشر، أو محاكمة من نشر هذه الرسوم، وبغض النظر عن التحفظ في كون هذا الاعتذار هو الهدف المطلوب أم لا، ويكفي للرد على هذه الجريمة أم لا يكفي، فإننا إذا فهمنا طبيعة هذا المجتمع يتضح لنا أن هذا المطلب غير منطقي، وذلك من عدة نواحٍ:
أولاً: يجب أن نضع في اعتبارنا أن القوم يكفرون برسول الله ﷺ ، وفي الحقيقة بالله وبجميع الرسل، وليس من المنطقي أن نطالبهم بمقتضيات الإيمان به قبل حدوث هذا الإيمان، أي: ليس لنا الطلب منهم بمعاقبة من يستهزئ برسول لا يؤمنون به وخاصة أن ذلك ليس مجَرّماً في منطق عدالتهم، ولكننا في الوقت نفسه يجب أن نحقق نحن مقتضيات الإيمان به في أن ننتصر له ونذب عنه، وهنا ينبغي ملاحظة الفرق بين تناول شخصية الرسول ﷺ من ناحية فكرية أو عقائدية التي قد تقبل مجادلة ودعوة، وبين النيل منه بالسخرية والاستهزاء التي ليس لها إلا العقوبة والتأديب.
وهذا يجعلنا نعرف ما الذي نفعله وما الذي نطالب به؟
ثانياً: يجب أن نعرف طريقة حكم هذه البلاد القائمة على الفصل بين السلطات؛ فالصحافة والإعلام سلطة منفصلة عن الحكومة، ولا سيطرة للأخيرة عليها إلا في ضوء القانون؛ فهي لا تنشر ما تنشر بموافقة الحكومة أو إذنها، والحكومة لا تستطيع محاسبتها على ما تنشره؛ فمطالبة الحكومة بالاعتذار مطالبة بمحال وغير عادلة من وجهة نظرهم، ونستطيع فهم ذلك من طرح سؤال: (من المسؤول عن المشكلة حتى يعتذر عنها؟) . إن مطالبتنا لرئيس الحكومة بالاعتذار تقع عليهم كمن يطالب وزير الأوقاف عندنا بالاعتذار عن خطأ وزير البترول! وهذا لا يعني أنهم لا يضمرون ما نشرته الصحيفة، ولكن هذه مسألة أخرى.. وفي ضوء ذلك نفهم أن رفض شريحة استطلاع الرأي لاعتذار رئيس الحكومة كان منطقيّاً، ونفهم لماذا كانت نسبة من يرفض اعتذار رئيس الحكومة أعلى من نسبة من يرفض اعتذار الجريدة.
ومن ثم: تكون مطالبتنا نحن بذلك وجعله هدفاً نسعى إلى تحقيقه نوعاً من العبث.
ثالثاً: كما أن الاحتجاج بإمكانية محاكمة من يعادي السامية أو يشكك في الهولوكست لا يصلح أيضاً من وجهة نظرهم؛ لأن هذه المحاكمات تعقد بناء على قانون عندهم يجرم هذه المعاداة وهذا التشكيك، ولا يوجد قانون آخر يجرم السخرية من الأنبياء (هكذا كفرهم!) ، ولا جريمة إلا بنص (قانون) كما هو معروف عند الحقوقيين، ولذلك قال بعض الحقوقيين: إن المدخل الصحيح لهم هو اعتبارها جريمة إنسانية (تتعلق بحقوق الإنسان) وسياسية، وليست قانونية.
٤ ـ تحديد الشريحة الموجهة لها المقاطعة والتي يكون لها صلة منطقية بمقترف التعدي أو لها تأثير محسوس في إزالة التعدي، وتحديد العدو المستهدف تحديداً دقيقاً.
«فالفارق كبير على سبيل المثال بين اختيار منتجات معينة، لشركات تساهم إسهاماً مباشراً ـ وليس تحت عنوان تسديد الضرائب لحكومة عدوانية وما شابه ذلك ـ في العدوان على المسلمين والإساءة إلى مقام رسولهم الكريم، وبين تعميم المقاطعة على كل منتج وكل شركة تحمل الاسم الأميركي أو الآن الدانماركي.
الصيغة الأولى: تساهم في تحويل عدو محدد المعالم إلى عدو كبير، وفي تحفيز من لا يتضامن معه في الأصل إلى التضامن «تعصباً» ، والصيغة الثانية: يمكن أن تؤثر من منطلق التفكير في المصالح الذاتية في الامتناع عن المشاركة في العدوان والإساءة، بل ربما في المشاركة في الضغوط على من يمارسهما ليمتنع عن ذلك.
الصيغة الأولى: تسمح بالتواصل مع جهات عديدة في الغرب ممن يسعى لاستعادة مكانة القيم في المجتمع، وممن يرفض ممارسات العدوان والإساءة، للعمل على تحرك مشترك، والصيغة الثانية: تثير لدى هؤلاء التخوف من مثل تلك المشاركة، لا سيما في ظل تعميم خطاب المواجهة والاحتجاجات بما يشملهم ولا يميزهم عن سواهم» (نبيل شبيب ـ مصدر سابق) .
وتحديد الشريحة المستهدفة سيجعلنا نتوخى الحذر في عدم إصابتنا لآخرين قد يكون من الظلم أن ينالهم أثر المقاطعة، وهنا يأتي ذكر الشركات والتجار وأصحاب المصالح المرتبطة بالجهات المقاطعة: حيث لوحظ أنه بجانب العاطفة الصادقة في نصرة النبي ﷺ من بعضهم، فإن الذعر من المقاطعة، والمراوغة في الالتزام بها، وركوب الموجة واستغلال تحصيل الحاصل، والنفاق الاقتصادي.. ظهر من سلوك بعض الشركات والتجار.
ولا شك أن الإحساس بظلم وقع عليهم وعدم القناعة باستحقاقهم لتلك العقوبة التي تأتي على جريمة لم يقترفوها يعد أحد أسباب هذا السلوك، خاصة والبضائع التي سيخسرونها اشتروها قبل حدوث الجريمة، وأنهم لم يشتركوا في هذه الجريمة، ولا يرضون بها.
منطق العدالة يقول: ما دام أن الأمة توجهت جميعها إلى المقاطعة فمن الواجب أن يشارك جميع القادرين في تحمل تبعات هذه المواجهة؛ فالمقاطعة قد لا تعدو عند كثير من (الأفراد) أكثر من (تغيير الصنف) ، ولكنها عند بعض التجار والعاملين تعني خسائر بالملايين أو إغلاق مصادر رزقهم لذنب لم يقترفوه هم، وهذا قد يكون أحد أسباب التحايل والالتفاف على المقاطعة ومحاولة إجهاضها من قِبَل بعض الشركات المحلية.
وإضافة إلى العدالة فإن مساهمة هذه الشركات والتجار في المقاطعة يعد أحد أسباب نجاحها؛ لذا أقترح: مشاركة بعض المسلمين في تحمل تبعات من يتضررون من المقاطعة رغم عدم مشاركتهم في التعدي، مثل المشاركة في تحمل تكلفة البضائع المشتراة قبل المقاطعة (مع تعهد التاجر أو المستورد نفسه بمقاطعته لهذه البضائع فيما بعد ما دامت المقاطعة سارية) ، أو المساعدة في توظيف العاملين في المنشأة إذا كان سيترتب على المقاطعة تضرر منشأتهم أو إغلاقها أو فصلهم من عملهم.. ويمكن إنشاء صندوق لدعم المقاطعة يتم بحصيلته شراء هذه المنتجات وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، أو فتح حسابات للجمعيات الخيرية نفسها لتشتري هي هذه البضائع وتتولى توزيعها بمعرفتها.. وذلك من العدل، إضافة إلى أنه سيقلل من معارضة بعض الشرائح للمقاطعة ويزيد من فاعليتها وواقعيتها.
كما أقترح إنشاء مشروع متجر وطني (الإسلامي) ، يقوم على تشجيع منتجات البلدان الإسلامية والاقتصار عليها، بحيث تكون نسبة المنتج المصنَّع في هذه البلاد لا تقل عن ٥٠%، وألا تحمل هذه المنتجات علامة تجارية لمنشأة رأسمالها لغير المسلمين، وألا يوظف في جميع هياكله الوظيفية غير المسلمين، أي أن يتبنى مقاطعة جميع البلدان غير الإسلامية طوال العام، وهذه الفكرة تحتاج إلى دراسة اقتصادية لوضع معايير نجاح المشروع، وأظن أن فرص نجاحه ليست بالقليلة، كما أن ذلك لا يتعارض مع اتفاقية منظمة التجارة؛ إذ إنها تشترط عدم منع منتج ما (إذا طلب) ، ولا تستطيع إجبار أحد على شراء منتج معين.
٥ ـ أن تكون المقاطعة شاملة، بمشاركة جميع المسلمين في المقاطعة بترجمة الدعوات إلى ذلك ونشرها بين أوساط المسلمين غير الناطقين بالعربية في بلادهم، وأن تكون شاملة لجميع الأنشطة والجوانب الاقتصادية والإعلامية وغيرها، وأن تكون شاملة أيضاً للمقاطعة العكسية.
٦ ـ العمل بأسلوب الحملات الإعلامية في الترويج للمقاطعة: أي أن تتزامن الدعوة إلى المقاطعة في جميع وسائل الدعاية والإعلام، كالجرائد والمجلات والإذاعة والتلفزيون ـ حتى ولو في صورة إعلانات مدفوعة الأجر ـ وخطب الجمعة والمحاضرات والدروس، والإنترنت (بجميع إمكاناته) .
هذا ما يحضرني، وهذا اجتهادي؛ فما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، أدعو الله أن يغفره لي.
стр. 5536
عولمة الغضب
د. عبد العزيز كامل
منذ زمن ليس بالطويل، يلحظ من يراقب العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني، أن هناك استدراجاً واستغضاباً واستفزازاً متعمداً للمسلمين، يتنامى ويتنوع بصورة مطردة، في شكل غزوات عسكرية، أو حملات ثقافية وإعلامية، أو محاصرات اقتصادية، وأخيراً ... تهجمات دينية. وأصبحنا لا نكاد نرى مكاناً في العالم الإسلامي غير مستهدف بجل أو كل تلك التحديات.
وتتجاوز حملة الاستغضاب والاستدراج لتخرج من النطاق الجغرافي للعالم الإسلامي لتنتقل إلى المسلمين المواطنين أو المستوطنين في أكثر بلدان العالم الغربي بغرض إشعار كل مسلم في العالم أنه تحت المواجهة، بشكل أو بآخر، إما أمنياً أو اقتصادياً أو حضارياً أو عسكرياً أو سياسياً أو ثقافياً..!
من اللافت للنظر أيضاً أن من يستغضبون عموم المسلمين اليوم، ليسوا من أبناء طائفة واحدة من النصارى، حتى يقال إن بينهم وبين المسلمين ثأراً أو قضية، ولكن عداء أولئك يصدر من جميع طوائفهم، بروتستانتية كانت أو كاثوليكية أو أرثوذكسية، مع قدر غير قليل من التعاون الجلي والخفي مع اليهود؛ فهؤلاء جميعاً مع اختلاف بعضهم مع بعض إلى حد أنهم يلعن بعضهم بعضاً، ويكفِّر بعضهم بعضاً؛ إلا أنهم يجتمعون في هذا المسار، مسار التحدي والاستكبار على المسلمين. فمن جرائم البروتستانت المتواترة والمتكاثرة من الأمريكيين والبريطانيين والأستراليين والدانماركيين والنرويجيين، إلى جحود الكاثوليك من الفرنسيين والإيطاليين والأسبان، إلى أحقاد الأرثوذكس من الروس والصرب، إلى تعاون كل هؤلاء وتواطئهم مع حثالات اليهود في الشرق والغرب؛ فالهجمة اليوم عامة، وهي مستأنفة تمثل امتداداً لهجمات استعمارية بروتستانتية وكاثوليكية وأرثوذكسية ويهودية طالت غالب أوطان المسلمين على مدى ما مضى من قرن ونصف. والآن تمتد لتشمل العالم الإسلامي دفعة واحدة لإغضابه دفعة واحدة، ودفعه إلى الارتباك والارتجال.. طمعاً ـ ربما ـ في إحداث (فوضى خلاَّقة) دولية.! ... إنها عولمة من نوع جديد: عولمة للغضب.. تهدف إلى تدويل الغضب الإسلامي بعد إيقاظه!
لقد نجحت عولمة الغضب في صهر العالم الإسلامي كله في بوتقة غضبية واحدة، بعد تلك الجريمة النكراء الشنعاء التي تطاول فيها سفهاء الروم من سكان أوروبا على النبي الكريم المرسل إلينا وإليهم وإلى الناس أجمعين ﷺ تسليماً كثيراً ـ فلأول مرة في التاريخ المعاصر، تحدث على مستوى المسلمين (انتفاضة عالمية) تعم كل مكان في الأرض، لتشمل كل نَسَمَة مسلمة تشهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة، ولأول مرة يجري التعامل مع (العالم الإسلامي) على أنه شيء واحد، في مقابل (العالم الغربي) ، فتصدر التصريحات وتلقى البيانات وتوجه الكلمات والوساطات إلى: (العالم الإسلامي) وليس إلى بلد معين أو منظمة معينة أو تجمع إقليمي معين؛ فهل كان هذا مقصوداً..؟! هل أراد هؤلاء أن يكرسوا هذا التقابل المتناقض بين (عالمين) ، ليكون ذلك من الآن فصاعداً لغة التخاطب بين العالم الإسلامي والعالم الغربي؟!
لقد عاش العرب والمسلمون في السنوات الأخيرة وهم يتصورون أن الصراع اختُصر مع أمريكا وحليفتها (إسرائيل) وأن الغرب ليس أمريكا فقط، فإذا هم اليوم (يفاجَؤون) بأن الغرب عالم واحد وموقف واحد، ويناصر بعضه بعضاً ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] فهل نحن بصدد دخول عملي في (عولمة) للصراع مع المسلمين، أو ما يطلقون عليه صراع الحضارات؟! وهل هو تدشين مبكر لملاحم عالمية جديدة لا يعلم مداها إلا الله..؟!
الذين بشروا بـ (صراع الحضارات) يعلمون أن هذا الصراع، هو تاريخ البشرية في الماضي والحاضر والمستقبل؛ حيث كان جزء كبير منه صراعاً بين الحق والباطل، ولهذا لم يكن صراع الحضارات أو الثقافات أو الأديان شراً كله، بل كان في أحيان كثيرة طريقاً وحيداً، يُكْرَه عليه المؤمنون لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإفاضة البلاغ للعالمين، ودفع شر الأشرار وبأس الكفار بجهاد وجلاد الأخيار ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] .
والفساد اليوم يهدد الأرض كلها بحماقات الغرب المحادِّ لله ورسله ... فساد في الاعتقاد وفساد في الأخلاق وفساد في الإعلام وفساد في المجتمعات وفساد في الأسر وفساد في العلاقات وفساد في البيئة، ومع هذا يراد (عولمة) كل هذا الفساد بالقوة؛ لأنه يمثل نموذج الحضارة الأخير الذي ينبغي إخضاع كل الحضارات له، ولو أدى ذلك إلى صدامها وصراعها.
أليس هذا ما تؤمن به وتدعو إليه وتسير فيه الصقور والنسور الحاكمة في أمريكا وبريطانيا وأستراليا وفرنسا وإيطاليا ... وأخيراً.. (الدجاج المتوحش) في كل من الدانمرك والنرويج وإسبانيا ... ؟! دعك من الشعوب، في التهائها وغفلاتها، فهي تُستَغَل وتُستغفَل من كبرائها وزعمائها، لتساق إلى أتون مواجهة، قد لا ترضى بها ولا توافقها عليها.
لقد تنامى التحذير من تفجير (صدام الحضارات) بعد الأحداث الأخيرة التي اندلعت في العالم بسبب الرسوم المسيئة، ونحن في حاجة إلى أن نعيد قراءة الأطروحة، أو النظرية المسماة بذلك الاسم، لنتدبر شأننا، وننظر إلى مواضع خطانا، ونحكم بعين البصيرة على هذه النظرية الخطيرة التي احتفى بها الغرب، أهي أسطر في كتاب فكري ... أو تخطيط لانقلاب كوني؟
صراع الحضارات: نظرية أم إستراتيجية؟
صاحب هذه النظرية: (صموئيل هنتنجتون) أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد الأمريكية، وقد صاغ أطروحته لأول مرة في شكل مقالة نشرت في صيف عام ١٩٩٣ م في دورية (فوريجن أفيرز) ، وكان ذلك بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة التي رأى الغرب بعدها أن عدوه الشيوعي قد توارى، ليبدأ البحث عن عدو جديد، ثم ألَّف هنتنجتون كتاباً في الموضوع ذاته بعنوان (صدام الحضارات ... إعادة صنع النظام العالمي) والعنوان نفسه يشي بأن الأمر ليس مجرد نظرية، بل هو إستراتيجية (عملية) . فقد تضمن أفكاراً هي أقرب إلى الخطط، وفرضيات يراد تحويلها إلى حتميات.
ولْنُعِد التأمل في أهم مرتكزات ومنطلقات ذلك الكتاب/النظرية/الإستراتيجية:
١ ـ الدين هو أهم العوامل التي تميز بين الحضارات، وهو العامل الأهم في صراعات المستقبل.
٢ ـ القرارات التي تصدر عن المنظمات الدولية ينبغي أن تخدم مصالح الغرب، ولكنها تقدم في صورة إرادة المجتمع الدولي.
٣ ـ المجتمعات الإسلامية لا تحدد هويتها إلا بالإسلام (الأصولي) ، ورفض العلمانية الغربية هو أكبر الحقائق الاجتماعية في بلاد المسلمين طوال القرن العشرين.
٤ ـ الكتل الاقتصادية الإقليمية المتنافسة هي صيغة الاقتصاد العالمي في المستقبل.
٥ ـ الصراعات العسكرية بين الحضارات الإسلامية والغربية استمرت عدة قرون وسوف تستمر وتزداد في المستقبل، وقد تكون أكثر قساوة.
٦ ـ الازدياد السكاني للعالم الإسلامي سيسبب المشاكل لأوروبا بسبب الهجرات المتزايدة صوب الغرب.
٧ ـ أطراف العالم الإسلامي هي مناطق صدام بين الإسلام وغيره من الأديان: في الجنوب (جنوب السودان ـ نيجيريا ـ الصومال ـ إريتريا ـ إثيوبيا) في الشمال: (البوسنة ـ كوسوفا ـ ألبانيا «مع الصرب» ـ أرمينيا «مع أذربيجان» ـ روسيا مع «أفغانستان» ـ باكستان «مع الهند» ـ الفلبين «مع الجنوب الإسلامي الفلبيني» ، فحدود العالم الإسلامي حدود دامية.
٨ ـ حروب المستقبل ستشهد تحالفاً وتضامناً بين حضارات ضد حضارات.
٩ ـ الحضارة الغربية تعيش مرحلة القمة الآن، اقتصادياً وعسكرياً.
١٠ ـ الغرب سيسيطر على بقية العالم عن طريق المؤسسات الدولية.
ثم يخلص الكاتب إلى توصيات، قال إن على الغرب أن يتبناها لمواجهة صراعات المستقبل. وقد قسم السياسات الموصى بها إلى قسمين:
سياسة على المدى الطويل، وسياسة على المدى القصير.
أما على المدى القصير، فقد قدم التوصيات التالية:
ـ على الغرب أن يسعى إلى تعاون أوثق داخل دول الحضارة الغربية، وخاصة بين دول أوروبا وأمريكا الشمالية.
ـ ضرورة السعي لدمج دول شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية في المجتمع الغربي واستغلال التقارب الثقافي (الديني) في هذا.
ـ السعي للحفاظ على علاقات تعاونية أوثق بين كل من روسيا واليابان.
ـ منع تطور الصراعات المحلية داخل الحضارة الغربية إلى صراعات كبيرة.
ـ العمل على الحد من توسع القوة العسكرية للدول الإسلامية والكونفوشية (الصين وكوريا وفيتنام واليابان) .
ـ عدم السعي إلى تخفيض القوة العسكرية الغربية، مع أهمية الاحتفاظ بقوة عسكرية في شرق وجنوب آسيا (إندونيسيا ـ باكستان ـ أفغانستان ـ الخليج) .
ـ استغلال الخلافات بين الدول الإسلامية والكنفوشية والهندوسية.
ـ دعم الجماعات المتعاطفة مع القيم والمصالح الغربية (الليبراليين) في دول الحضارات الأخرى.
ـ تقوية دور المؤسسات الدولية التي تعكس مصالح الغرب وقيمه وتمنحها الشرعية.
أما على المدى الطويل، فملخص مقترحات «هنتنجتون» هو: أن على الحضارة الغربية أن تحتفظ بقوتها العسكرية والاقتصادية، وتعمل في الوقت نفسه على مقاومة محاولات الحضارات الأخرى في السعي للحصول على أسباب القوة الاقتصادية والعسكرية، مع أهمية أن تفهم دول الحضارة الغربية المنطلقات الدينية والفلسفية التي تدفع الحضارات نحو مصالحها.
عندما نعيد قراءة أحداث الأعوام القليلة الماضية، وخاصة منذ بدأت الألفية الثالثة، نكاد نرى مجموع أفكار صراع الحضارات في خلفية الأحداث جميعاً، وخاصة فيما يتعلق بالعالم الإسلامي أو ما اصطلحت أمريكا على تسميته مؤخراً بـ «الشرق الأوسط الكبير» ، حيث اندلعت حروب عسكرية، ودشنت حملات أمنية وإعلامية، وهجمات ثقافية على خلفيات حضارية أو دينية صريحة مثل: اجتياح أفغانستان وما تبعه من دعم لعصابة الإفساد الحاكمة هناك، والتواطؤ في الجرائم اللاإنسانية التي ارتكبت في سجن يانجي، وبعده في معتقل جوانتنامو، ثم ما حدث في العراق ولا يزال يحدث بعد الغزو الذي استند الى كذب صريح على العالم كله، أدخل العراق بعده في دوامة الفوضى الشاملة، وكذلك ما تسرب من أنباء عن مقتل ما لا يقل عن ١٢٠ ألفاً من المدنيين أثناء غزو العراق، وقبلهم ٢٠ ألفاً من القتلى المدنيين في غزو أفغانستان، وقبلهم قتل ما يزيد عن مليون طفل عراقي أثناء الحصار، ولا ننسى قضية الشيشان التي قايضوا عليها روسيا، وبلاد البلقان المسلمة التي طردوا منها الصرب ليحتلها (ناتو) الغرب، والسودان المستهدف بالتقسيم المصلحي بين الفرقاء الغربيين، وفلسطين التي يستكثرون عليها بعدما يقرب من ستة عقود من الاحتلال، مجرد سلطة (حكم ذاتي) نظيف ونزيه اختاره الشعب، لا لشيء إلا لأنه يحمل قضية (الإسلام) في برنامجه الانتخابي (الديمقراطي) .
وكانت أحداث أزمة (الرسوم المسيئة) للرسول ﷺ ، ثم ما تلاها وواكبها من نشر صور ولقطات إذلال وامتهان كرامة الإنسان على يد الأمريكيين والبريطانيين في السجون والثكنات العسكرية في العراق، آخر حلقات ذلك المسلسل الهجومي الصِدامي المتواصل.
ليست مصادفات:
لا يمكن لعاقل أن يفسر ذلك التسلسل العدائي بالمصادفات أو محض الاتفاق، ولا يمكن كذلك أن يتفهم ذلك الإجماع المتواطئ ـ مؤخراً ـ من أكثر دول الغرب على العناد والاستفزاز بإعادة نشر الرسوم المسيئة، والإصرار على عدم الاعتذار بصورة واضحة، إيغالاً في التحدي الجماعي لمجموع شعوب العالم الإسلامي؛ حتى إن مسؤولي الاتحاد الأوروبي، عدُّوا مقاطعة الدانمرك اقتصادياً، مقاطعة لدول الاتحاد الأوروبي كلها. وتوحيد أوروبا لموقفها يجيء لتعجيز أو تشتيت الموقف الإسلامي الموحد، بتكثير عدد الدول التي سيتعين على المسلمين مقاطعتها اقتصادياً بسبب اتخاذ موقف الدانمرك نفسه أو الوقوف معها.
يساورني شك يكاد يقترب من اليقين، بأن تحريك فتنة الأزمة الأخيرة، إنما تلعب فيه أصابع ماهرة في خبثها، وبعيدة في مراميها، ولا أستبعد منها اليهود وإن كنت لا أُغفل غلاة النصارى من ذوي الاتجاه اليميني الديني الإنجيلي، ومنم الحزب الحاكم في الدانمارك، بمعنى أن الأحداث ليست مجرد تفاعلات وتداعيات؛ فالفريقان اللذان يكادان يتطابقان في أهدافهما ووسائلهما وعقائدهما، يتركان كل حين آثاراً تشير إلى تعمد التصعيد.
وعلى وجه الخصوص فإن بصمات اليهود ـ قتلة الأنبياء ـ في الحملة على سيد الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لا تكاد تخطئها العين، وهناك قرائن واضحة تدل على أن ظل اليهود ليس بعيداً عن أجواء تلك الأزمة؛ فالصحيفة الدانماركية التي تولت كبر هذه الفتنة ونفخت في كيرها ـ وهي صحيفة (يولاند بوسطن) ـ يتوسط عنوانها الرسمي نجمة داوود اليهودية بلون أصفر يميزها عن الحروف الإنجليزية في الكلمتين المكتوبتين باللون الأسود، مع شيء من التحوير في تلك النجمة، وإذا صح أن رئيس تحرير الصحيفة الدانماركية وكذا رئيس تحرير الصحيفة النرويجية اللتين نشرتا الرسوم الشائنة، هما من أعضاء المؤتمر اليهودي العالمي الذي يدير شؤون الفتن في العالم، يكون الكثير من ملامح ومعالم الصورة قد بدأ يتضح. ويتضح أكثر إذا عُلم أنهما من الناشطين مع مركز (سايمون فيزنتال) اليهودي في أمريكا، والمختص بوضع الاستراتيجيات الدولية لخدمة أهداف اليهود والدفاع عنها.
إن أول من بدأ جرائم الاعتداء العلني على شخص رسول الله ﷺ في السنوات الأخيرة هم اليهود، حيث أقدمت امرأة يهودية إسرائيلية على نشر رسوم لها، رسمت فيها ـ قاتَلها اللهُ ولعنَها ـ صورةَ النبي ﷺ في صورة خنزير، وكتبت على جسده باللغة العربية اسم النبي ﷺ ، وسمحت بعض الصحف بنشرها، لتنشر بعد ذلك في بعض صحف العالم، وقد ثارت وقتها ضجة من الاحتجاج الاسلامي في أنحاء متفرقة من العالم، وكعادته انبرى بعض الغربيين يؤيدون والبعض الآخر يفلسفون، وآخرون يعتذرون، ليسكِّنوا الحمية ويميِّعوا القضية، وكان على رأس هؤلاء وقتها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، لكن بلاد كلينتون نفسها ـ الولايات المتحدة ـ تسلمت من اليهود راية التحدي لمقدسات المسلمين بعد ذلك، عندما أقدم جنودها مرات متعددة على دعس المصحف الشريف وتمزيقه بل ... التبول عليه (قاتلهم الله ولعنهم) . ثم جاء حمار بشري في شكل وزير إيطالي هو (ربرتو كالديرولي) وزير (الإصلاح) في إيطاليا ليرتدي قميصاً عليه الرسوم المسيئة متحدياً جميع المسلمين في العالم، وقبل ذلك كان أحد مهاويس أمريكا وهو الصحفي (ريتش لوري) قد طالب بضرب مكة بقنبلة نووية! وذلك في مقال نشرته له مجلة (ناشيونال ريفيو) ، وقد كرر الدعوة نفسها السيناتور الأمريكي (توم تانكريدو) !! وكأن القوم يتناوبون على امتهان مقدساتنا ودوس كرامتنا.
وفي تناغم أخير مع السلوك الشائن في أمريكا وأوروبا، أقدم مجند يهودي إسرائيلي ـ بعد جريمة الدانمارك ـ على كتابة شتائم نابية على جدران أحد المساجد في إحدى مدن فلسطين في ١٥ فبراير ٢٠٠٦، يسب فيها رسول ﷺ بألفاظ وقحة؛ فلما ثار المواطنون المسلمون وتظاهر بعضهم احتجاجاً؛ تدخلت الشرطة الإسرائيلية، فأطلقت عليهم النيران الحية! ثم تكررت الفعلة الشنعاء بعد ذلك بثلاثة أيام من جندي آخر في مسجد آخر!!
إن هذه الشرارات الصغيرة الحقيرة، هي التي تنشئ النيران الكبيرة الخطيرة، وهذا هو ما يراهن عليه مشعلو الفتن وسماسرة الحروب؛ فقد يصدر تصريح، أو يبدر تصرف أو ينشر مقال أو رسم أو مشهد مسيء، فإذا هو يضيء سماء العالم الاسلامي بوهج الغضب وشهب التثوير، وهم يعلمون أننا لسنا بحمير حتى نستغضَب فلا نغضب أو نستثار فلا نثور.
إن هؤلاء الساعين الى إيقاد نار الحروب يريدونها محرقة عالمية، ولولا أن الله ـ تعالى ـ يطفئ من نارهم ما يشاء، لقلنا: على الأرض العفاء، منذ زمن طويل ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] ، إننا لا نستند في ترجيح تعمد الاستغضاب الصهيوني ـ يهودياً كان أو نصرانياً ـ إلى ظن أو تخمين، بل نستند الى يقين نطق به القرآن المبين، في قول الله ـ تعالى ـ عن عداوتهم وجراءتهم على النبي ﷺ وعلى الدين الذي جاء به، كفراً وحسداً، لا جهلاً وغفلة: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] ، وهم لن يطعنوا في ديننا فقط؛ بل سيقاتلوننا عليه في حروب دينية صريحة، كما حدث كثيراً في التاريخ ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] . ولليهود والمشركين الدور الأساس في ذلك: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] ؛ فهم العدو الأول للمسلمين في الزمان كله والمكان كله، منذ مبعث النبي الخاتم ﷺ . ولا نستطيع هنا أن نتجاهل أن الحزب الحاكم في مملكة الدانمارك هو حزب يميني ديني بروتستانتي متشدد، والصحيفة التي أشعلت الفتنة هي صحيفة صادرة عنه.
وهذه الحملة المشتركة بقيادة المغضوب عليهم للضالين قد تجر العالم ـ كما جروه من قبل إلى صدامات دولية، تكون ساحتها على أرض المسلمين، وبأموال المسلمين، وأرواح المسلمين.
الأحقاد الدينية ... على درب المحرقة الكبرى:
لا تزال البشرية في البدايات المبكرة للألفية الثالثة، التي يعتقد المتشددون الإنجيليون وغلاة البروتستانت ـ تبعاً لعقائد يهودية ـ أنها لا بد أن تشهد بداية النهاية لأيام (العامة) أو الكفار أو الكُفريم أو (الجويم) بتعبير التوراة المحرفة التي يقرؤونها ويتعبدون بها، حيث ستأتي بعد أيام (العامة) تلك، أيام (الخاصة) التي تخص الشعوب المختارة وحدها من الأنجلوساكسون وحلفائهم من اليهود، لضمان سيادتهم على العالم لألف سنة قادمة؛ وهذا هو جوهر (العقيدة الألفية) ، التي ترجمت في السنوات الأخيرة إلى برامج عملية، وإستراتيجية عالمية للولايات المتحدة، أطلقوا عليها مشروع (القرن الأمريكي) أو (إمبراطورية القرن الحادي والعشرين) . ليبدأ هذا القرن أمريكياً يهودياً غربياً، تمهيداً لـ (الأيام الأخيرة) أو بالتعبير العبري التوراتي (أحريت أياميم) والذي ستعقبه مرحلة (يوم هدين) بالعبرانية أو (يوم الدين) بالعربية. ولا بد ـ قبل أن يأتي (يوم هدِّين) أو يوم القيامة الكبرى ـ من التمهيد للألف السعيد بإقامة قيامة صغرى، تكون سبباً في هلاك غالبية سكان الأرض، أو بالتحديد: (ثلثا سكان العالم) (١) من غيرهم. والأسباب التي ستؤدي لإقامة هذه القيامة الصغرى عندهم لا تُنتظر، بل تُدبر وتصنع!!
هل نفتري عليهم....؟! هل نبالغ في تقدير خطورة أحلامهم التدميرية الإرهابية العالمية..؟! لا ... وسأذكر بعض الأدلة من كتبهم (المقدسة) بنصوصها وتأويلاتها التي تصنع وجداناً عدائياً لسائر البشر، وخاصة ـ أكرر ـ: (وخاصة) : العرب والمسلمين والكنفوش (الصينيون والكوريون والفيتناميون واليابانيون) (٢) الذين تجمعهم عند هؤلاء تسمية التوراة: (يأجوج ومأجوج) حيث سيتكتل هؤلاء في الأيام الأخيرة ـ كما يعتقدون ـ في (محور الشر) الذي ينطلق من الشرق لينازل محور الخير أو العالم الغربي، في وسط العالم أو (الشرق الأوسط) وبالتحديد في (فلسطين) التي أرادوا محو اسمها لتصبح فقط (إسرائيل) كما سمتها التوراة المحرفة.
٣ تقول التوراة التي يدين بها أكثر من ملياري نصراني، ونحو (١٦) مليون يهودي في عالم اليوم:
(في الأيام الأخيرة، عندما تتجمع إسرائيل من الأمم، سوف تتسبب في أمرٍ ما، هذا ما سوف يحدث، إنني سوف أضع صنارة في أفواه القوى المؤتلفة) .
٣ وجاء فيها أيضاً: (بعد أيام كثيرة، تُفتقد في السنين الأخيرة، تأتي إلى الأرض المستردة من السيف، المجموعة من جبال إسرائيل التي كانت خربة للذين أخرجوا من الشعوب وسكنوا آمنين كلهم، وتصعد وتأتي كزوبعة، وتكون كسحابة تغشى الأرض أنت وكل جيوشك، وشعوب كثيرون معك) .
٣ وجاء فيها: (ويكون في ذلك اليوم، يوم مجيء جوج على أرض إسرائيل ... يقول السيد الرب: يكون سيف كل واحد على أخيه، وأعقبه بالوباء وبالدم، وأمطر عليه وعلى جيشه وعلى الشعوب الكثيرة الذين معه مطراً جارفاً وحجارة برد عظيم وناراً وكبريتاً) (٣) .
٣ أما التلمود الذي يمثل شروح التوراة، والذي يعد عند التوراتيين أقدس من التوراة نفسها فيقول: (قبل أن يحكم اليهود نهائياً، لا بد من قيام حرب بين الأمم، يهلك خلالها ثلثا العالم، ويبقون سبع سنين، يحرقون الأسلحة التي اكتسبوها بعد النصر) (٤) .
٣ وجاء في بروتوكولات حكماء صهيون: (إن القتال المتأخر بيننا سيكون ذا طبيعة مقهورة، لم ير العالم لها مثيلاً من قبل، والوقت متأخر بالنسبة لعباقرتهم) (٥) .
٣ أما الإنجيل الذي يدين به نصارى العالم بكل طوائفهم، فإنه يزيد في تحديد المعلومات عن هذا الصدام الأخير، فيشير إلى موقع المعركة الكبرى، أو المحرقة الكبرى ويشير الى اسمها ووصفها؛ فقد جاء فيه ـ كما يقولون على لسان عيسى ﵇ وهو يصف مجيئه المفاجئ في آخر الزمان تمهيداً للألف السعيد: (ها أنا آتي كلص، طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلاَّ يمشي عرياناً فيروا عريته، يجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدُّون) (٦) .
لن أطيل في تفصيل هذه المعتقدات الأشبه بالخرافات؛ فقد فصلت فيها في بعض كتبي، وبينت أنها وإن كانت أشبه بالأساطير، إلا أنها أساطير مدججة بالجيوش والأساطيل، تقف وراءها أحلاف عظمى، تملك القوة ولا تملك الحكمة، ولها ترسانات ضخمة من كل أسلحة الدمار التقليدي وغير التقليدي. وهذه الأساطير ينظر لتفعيلها العديد من المفكرين والاستراتيجيين الذين يغلِّفون أفكارهم الخرافية بأغلفة أكاديمية، تتحدث عن احتمالات وسيناريوهات الحرب العالمية الثالثة، التي أثبتت الحربان العالميتان قبلها، زيادة احتمال وقوعها.
لا أريد أيضاً أن يُفهَم من كلامي أني أجزم أن أحداث فتنة (الرسوم المسيئة) بالذات، والتي أرجح تدبير وتنسيق المواقف فيها؛ قد جاءت كلها على خلفية تلك المعتقدات، لكني أؤكد، أن ما حدث وما يمكن أن يحدث هو مقدمة شحن لعواطف الدين والعقيدة عند الشعوب المستهدفة بصدام الحضارات أو الثقافات، وهذه الأحداث فرصة سانحة، لن يفوِّتها الحاقدون على البشر، المعظمون لأنفسهم والمقدسون لذواتهم دون بقية الخلق: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨] ، هؤلاء البشر ممن خلق الله، ينحدرون مع الأيام، استجابة للشيطان، حتى يصبحوا جزءاً أصيلاً من رعيته، المكونة من أتباعه وذريته، وصدق الله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
وهذه الأنعام التي تطاولت على خير الأنام محمد ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ تستكثر كبراً وعتواً، أن يمس أحد «مقدساتهم» وثوابتهم، وعلى رأسها «حرية التعبير» التي تستلزم عندهم «حرية التعيير» ، وتتضمن حرية التغيير بالقوة وغير القوة لثوابت ومقدسات الغير!
أما ثوابتهم هم، ومقدساتهم هم، ومسلَّماتهم هم؛ فالويل، ثم الويل لمن يتعداها أو يعاديها، وأبرز مثال على ذلك ما يسمونه: (معاداة السامية) (١) ... وما ينتج عنها مما يصفونه بـ (المحرقة الكبرى) أو (الهولوكست) ، التي تتكسر عندها كل أدوات التعبير، ولا تقبل عند المساس بها التأسفات أو المعاذير!
من يجرؤ على الكلام؟
بهذا العنوان، صدر كتاب عام ١٩٨٥ لمؤلفه السيناتور الأمريكي السابق: (بول فندلي) ذكر فيه أن هناك إرهاباً يمارس على حرية النقد والتعبير، يمارسه اليهود وأشياعهم داخل الأروقة السياسية في أمريكا، يقدح في كل دعاوى الحرية والديمقراطية في الغرب؛ فهي حرية ذات حدود مرسومة، وسقوف معلومة، يحرم تخطِّيها، ويجرَّم من يقع فيها.
فدعاوى الغربيين اليوم أن حرية التعبير والرأي عندهم لا حدود لها، يدحضها سلوكهم عند أي تصرف أو سلوك أو تفكير أو تعبير يتعرض بالعداء لـ (السامية) !
ومن أبرز التجليات المجسدة لقضية (معاداة السامية) ، قضية المحرقة اليهودية، أو (الهولوكست) . والهولوكست، كلمة يونانية، تعني (القربان الكامل) إشارة إلى القرابين التي كانت تُقَدَّم تعبُّداً، كي تُحرق في المعابد بشكل كامل، حيث لا ينال أحد من البشر منها شيئاً. وقد أشاع اليهود هذا التعبير كمصطلح يرمز إلى ما حدث لهم على يد الزعيم الألماني (أدولف هتلر) ، حيث صوَّروا ما فعله ضدهم من انتقام وحرق في السجون أنه أكبر محرقة في التاريخ.
لقد مارس اليهود كمّاً كبيراً من التهويل والتزييف لحقائق تلك المحرقة، بغرض تضخيم أموال التعويضات التي طلبوها ـ ولا يزالون ـ عوضاً عما لحق بهم من (أعداء السامية) . وفلسفة (الهولوكست) أو المحرقة اليهودية، كانت تنطوي على إبراز حقيقة مفادها أن (المسيحيين) يكرهون اليهود، وعليهم أن يثبتوا عكس ذلك، ولن يثبت عكس ذلك إلا بدفع التعويضات والتجاوز عن مساءلة اليهود وفق أي قوانين أو معايير دولية أو محلية في أي بلد يسكنونها؛ لأنه (يكفيهم) ما كابدوه من تعنت هتلر معهم، حيث لم يدفعه إلى ذلك إلا (معاداة السامية) ! إنهم يقولون: إن العالم كله يكرههم ويريد قتلهم، ولهذا فيجب ألا تكون الأمم المتحدة عوناً مع العالم عليهم. وتماشياً مع هذا الابتزاز اليهودي فإن الصحافة في العالم الغربي، تصور دولة اليهود دائماً على أنها محاصرة ومضطهدة من طوفان عدائي محيط بها، يريد إدخالها في محرقة أخرى (٢) .
وبالرغم من حداثة حادثة المحرقة اليهودية نسبياً في التاريخ؛ فقد استطاع اليهود أن يحرِّفوا ويزيِّفوا تفاصيلها، ثم يجعلوا هذا التزييف والتحريف أمراً ثابتاً بل مقدساً، لا ينبغي لأحد أن يشكك فيه أو حتى يناقشه وإلا كان معادياً للسامية، ومن ثم معرضاً نفسه للعقوبات القانونية. لقد عبثوا بالأرقام الدالة على عدد الذين أحرقهم هتلر؛ فالمحققون الأكاديميون والمحايدون أثبتوا ـ وفقاً لمصادر اليهود أنفسهم ـ أنه كان في أوروبا كلها في الفترة التي حدثت فيها المحرقة، ثلاثة ملايين وعشرة آلاف وسبعمائة واثنان وعشرون يهودياً فقط (٧٢٢.٠١٠.٣) بمن فيهم يهود ألمانيا، فكيف يتم حرق ستة ملايين يهودي على يد هتلر داخل حدود ألمانيا..؟!
واليهود يغالطون، فيتحدثون عن (ضحايا) المحرقة، فيدخلون فيها كل يهودي «تأذى» من تلك المحرقة، ولو كان ذلك بدموع ذرفها، أو دولارات خسرها، فيوصلونهم إلى ستة ملايين!! ويردد العالم «الحر» بغبائه ذلك الدجل، لا بل يحاسب بقية العالم بمقتضاه!! وقد أشاع اليهود أيضاً أن سكان فلسطين من الإسرائيليين، أكثرهم من الناجين من المحرقة! فهم على هذا يستحقون هم وأولادهم وأحفادهم من العالم كله والعالم الغربي على وجه الخصوص، ألاَّ يقطع عنهم المعونات والتعويضات، وألاَّ يتردد في معاقبة من يعاديهم بشتى أنواع العقوبات.
لقد قتل هتلر من الغجر والشيوعيين أكثر مما قتل من اليهود، بل تسبب في الحرب العالمية الثانية التي قُتل فيها نحو خمسين مليوناً من البشر، منهم ١٧ مليون سوفييتي، وتسعة ملايين ألماني، وعشرات الملايين من السلافيين والغجر والبولنديين ومختلف دول آسيا وأفريقيا، ولم يتحدث أحد عن هذه المحرقة الحقيقية التي لم يكن ظل اليهود بعيداً عنها.
معاداة السامية، وشجاعة الجبناء:
صدرت في العديد من الدول الأوروبية قوانين تحرم وتجرم كل من يشكك في الرواية اليهودية عن (الهولوكست) بل كل من يحاول كشف الحقيقة عنها، (من هذه الدول فرنسا الحرة) التي لاحقت بموجب هذا القانون المفكر الفرنسي (روجيه جارودي) الذي أعلن إسلامه عام ١٩٨١م؛ فقد اتُّهم بمعاداة السامية بسبب تشكيكه في المحرقة، وإثباته أن عدد الضحايا اليهود في المحرقة، يبلغ ٩٠٠ ألف إلى مليون ومئتي ألف، وليسوا ستة ملايين كما يدعي اليهود، لقد حوكم جارودي وحكم عليه بالسجن، وصودر كتابه الذي تجرأ فيه على الكلام وهو كتاب: (الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل) !
ـ وحوكم كاتب سويدي آخر، وهو (رينيه لويس) بمقتضى القانون السويدي الذي يحرم معاداة السامية؛ لأنه شكك في قصة المحرقة، وحُكم عليه بالسجن لمدة ١٧ عاماً، ولا يزال في سجنه حتى اليوم.
ـ واعتقل الكاتب البلجيكي (سيغفريد فيريبكيه) في أحد مطارات هولندا، بسبب تشكيكه في المذكرات التي تُدَرَّس في الكثير من مدارس الدول الأوروبية عن المحرقة.
ـ وفي عام ٢٠٠٠ م، صدر كتاب في الولايات المتحدة الأمريكية للكاتب الأمريكي (فينكلشتاين) اسماه (صناعة الهولوكست) ، فضح فيه الممارسات اليهودية التي تتاجر بما وصفه (الآلام الإنسانية) لإشباع أغراض مادية، فثارت ضجة بسبب الكتاب، حتى إنه كان الموضوع الأول الذي وضع للنقاش في احتفالات أوروبا (السنوية) بـ (عيد المحرقة) !
ـ وحوكم الكاتب الألماني (أرنست ذوندل) في ١٥ نوفمبر ٢٠٠٥، بتهمة التشكيك في المحرقة، وطرد من كندا بسبب نفيه وقوع ما يسمى بـ (أفران الغاز) .
ـ وفي ١٦ نوفمبر ٢٠٠٥، تم ترحيل عالم الكيمياء الألماني (جيرمان رودلف) من أمريكا إلى ألمانيا؛ لأنه أعد بحثاً كيميائياً أثبت فيه أن صنف الغاز الذي تحدث اليهود أن هتلر استخدمه ضدهم في أفران الغاز الحارقة، غير موجود أصلاً بالخواص التي ذكرها اليهود، وقد حكم على هذا الباحث بالسجن لمدة عام وشهرين، عقاباً له، لا على حرية الرأي فحسب، بل على حرية التفكير والبحث!
ـ واعتقل المؤرخ البريطاني (ديفيد ارفنج) في النمسا، وهو في طريقه لإلقاء محاضرة في إحدى جامعاتها، بتهمة أنه سبق أن ألقى محاضرة هناك عام ١٩٨٩م، شكك فيها في المحرقة، وكان قد ألف كتاباً بعنوان (حروب هتلر) في الموضوع نفسه، وقد بدأت محاكمته مؤخراً في ٢٠/٢/٢٠٠٦، وهو في العام السابع والستين من عمره، مما جعله يتراجع عن آرائه في محاولة منه لتفادي هذا الحكم، وحكم عليه رغم ذلك بالسجن ثلاث سنوات!
في مقابل ذلك، كانت السويد قد دعت الكاتب الهندي المرتد (سلمان رشدي) صاحب كتاب (آيات شيطانية) لزيارة عاصمتها، وعندما جاء احتفت به كل وسائل الإعلام، وأتاحت له كامل الحرية في مخاطبة الشعب السويدي النصراني عن آرائه في الدين الإسلامي، بينما حجبت تلك (الحرية) نفسها عن ضيف آخر في التوقيت نفسه، وهو الكاتب الفرنسي المعروف بالعداء للصهيونيين (فوريسون) ومنعته من المحاضرة، بل سمحت ـ من باب حرية التعبير ـ بالتظاهر ضده!!
الذين تحدثوا عن جرم التشكيك في حرق اليهود؛ لم يتحدثوا عن مئات الملايين التي أبادها الأمريكيون ـ حلفاء اليهود وأشباههم ـ فقد أبادوا نحو ستين مليوناً من الهنود الحمر في الأمريكتين الشمالية والجنوبية، وأبادوا في عملية إحلال العبيد من الأفارقة مكانهم، أكثر من مائة مليون أفريقي، قضوا في عمليات الحشر الوحشي في سفن الشحن التجارية، ومع هذا لم يتحدث أحد عن هذا (الهولوكست) الأمريكي، بل تحدثوا عن أمريكا «محررة» العبيد!! ويتحدثون اليوم عن (حرية التعبير) التي يُستثنى منها التعرض لليهود، ويريدون ـ وهذا هو الأدهى ـ (عولمة) القوانين القاضية بتجريم التشكيك في المحرقة، فعلى عادة الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة في محاسبة ومعاقبة كل من يخالف سياساتها ويتعرض لمصالحها ومصالح ربيبتها وحبيبتها (إسرائيل) بإصدار القوانين في ذلك، وعلى غرار (قانون محاسبة سورية) و (قانون محاسبة السودان) و (قانون محاسبة إيران) وأخيراُ (قانون محاسبة مصر) ! ... صدر في أكتوبر عام ٢٠٠٢ قانون في الولايات لمحاسبة ومعاقبة كل من يعادي اليهود، ويحمل القانون اسم (قانون محاسبة أعداء السامية) .
ولم يتوقف الأمر على تصدُّر أمريكا لحماية (جناب) إسرائيل من التعدي أو التحدي، ولو بفكرة أو تصريح أو كتاب أو مقال على مستوى العالم، حتى دفعت الأمم المتحدة ... (ممثلة العالم) في طريق إصدار قانون مماثل، ففي أول نوفمبر من عام ٢٠٠٥، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً ينص على رفض الأمم المتحدة لأي إنكار لحقيقة المحرقة كحدث تاريخي، سواء بشكل كلي أو جزئي، واعتبر القرار مثل هذا التصرف أمراً ممنوعاً ويعرض صاحبه للمساءلة، ودعا القرار إلى ضرورة (تثقيف) شعوب العالم عن المحرقة، واختار يوم ٢٧ يناير من كل عام ليكون يوماً عالمياً لتخليد ذكرى ضحايا المحرقة!!
وفي السياق نفسه، أقامت الحكومة الإسرائيلية في ١٩ مارس ٢٠٠٥، معرضاً في تل أبيب عن المحرقة، ودعت إليه آلافاً من الشخصيات، من رموز الفكر والسياسة والفن، وقد لبوا الدعوة، وكان على رأسهم (الأمين) العام للأمم المتحدة: كوفي أنان، الذي عبر عن تضامن العالم الذي يمثله، مع اليهود!
وماذا بعد ... ؟
إن (عولمة الغضب) تسير في اتجاهات متعددة وليس في الاتجاه الإسلامي فقط؛ فإصرار الخبثاء من فجار الكفار على المزيد من استغضاب المسلمين كل حين، يبدو أنه يلعب على أوتار الأفعال المحسوبة، بانتظار ردات الفعل غير المحسوبة، ليبدو المسلمون في النهاية هم المجرمون، وهم الإرهابيون، وهم الفوضويون، وتثور في المقابل موجات غضب مضادة في الغرب، تنعكس مزيداً من التضييق على المسلمين، ومحاربة لهم في أمنهم واستقرارهم ومقدساتهم ومقدراتهم، يمكن استغلالها ـ وهذا هو الأخطر ـ في تدبير (فوضى خلاَّقة) على مستوى العالم، لا يوجد من المسلمين من هو مستعد لمواجهتها وإحباط كيدها.
لكننا لا نريد أن يظل أعداؤنا وأعداء الإنسانية أشباحاً وهمية؛ فالجرم موجود، والفاعلون معروفون، والشركاء مستعلنون، وإذا كان البرلمان الأوروبي قد أعلن في ١٥/٢/٢٠٠٦ تضامنه مع الدانمارك واعتبر أن استمرار مقاطعتها، هو مقاطعة للاتحاد الأوروبي كله، إرهاباً وإرعاباً للمسلمين وكسراًً للحصار الاقتصادي ضد من أجرموا في حقهم؛ فعلى المسلمين أن يقولوا كلمتهم بلسان إسلامي واحد، ويقولوا إن الاعتداء على مقام نبينا محمد ﷺ هو اعتداء على كل مسلم في أعز شيء عنده، ومن ثم، فإن كل مسلم من حقه، بل من واجبه رد الاعتداء، في حدود المشروع والمقدور؛ لأن من أَمِن العقوبة أساء الأدب، وأي إساءة للأدب أسوأ من التطاول على سيد الخلق ﷺ ؟ والمقاطعة الاقتصادية هي أحد الحقوق أو الواجبات في نصرة نبينا محمد ﷺ ، وهي يجب أن تؤدي دورها كاملاً، كما أدت الإساءة ـ كما أراد أصحابها ـ دورها كاملاً.
لكن المقاطعة وحدها لا ينبغي أن تكون آخر المطاف في ظل إصرار المعتدين على إفشالها وإرباكها، وقد أفاض العلماء والدعاة والمفكرون في تعديد الأشكال والأنواع التي تندرج تحت صنف مواجهة التحدي، لكن تحدياً آخر لم يتطرق إليه أحد فيما أعلم، وهو من سينظم هذه المواجهة، سواء كانت مقاطعة اقتصادية أو غيرها مما تفرضه تداعيات الأزمة أو ما يمكن أن يأتي بعدها؟ من سيضع ضوابطها، ويحدد أوقاتها، ويتابع فعالياتها؟ في ضوء الفرقة والشتات الذي تعانيه الأمة على مستوى نخبها قبل شعوبها؟!
إن هذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه النخب العلمية والدعوية والفكرية والسياسية في الأمة، وإذا كانت تلك النخب غير قادرة اليوم على أن توحد صفوفها ـ ولا أقول رأيها ـ لتقود الشعوب في وجه مثل هذه التحديات الجديدة الكبرى، فلتترك الجماهير المسلمة تعبر عن مكنون الخير في الأمة في مواجهة التحدي؛ ولتدع لها (حرية التعبير) لكن بالضوابط والشروط بحيث لا تخرج عن الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ ، وقد أثبتت تجارب السنوات القليلة الماضية أن (الفطرة) التي تحرك تلك الجماهير، هي أذكى وأجدى من كثير من التنظير الناشئ عن حسابات حزبية أو آنية أو أمنية؛ فـ (عولمة الغضب) لا نتوقع لها نهاية قريبة ... حتى لو انتهت أزمة الرسوم المسيئة.
стр. 5537
تحية ودفاع عن عرضه ﷺ -
محمد بن عائض القرني
ما بالُ مكةَ قد ضجت نواحيها؟
ودمع طيبةَ يجري من مآقيها؟
ما للجزيرةِ قد مادت بساكنها؟
فاهتز شامخُها وارتج واديها!
ما للعروبةِ والإسلامِ روَّعَها
خَطبٌ ألمَّ وظُلمٌ من أعاديها؟
أيسخرون من الهادي الذي شرفت
به البريةُ قاصيها ودانيها؟!
أيسخرون من الأنوارِ قد كشفت
مجاهلَ الظلم فانزاحت غواشيها
أيسخرون من المجدِ الذي خضعت
له الجبابرُ حتى ذل طاغيها
أيهزؤون به؟ شُلت أكفُّهُمُ
ودمر الله ما تجني، وجانيها
أعداءُ كلِّ نبي جاء يُنقذُهم
من الضلالةِ لما أُركسوا فيها
محمدٌ خيرُ من سارت به قدم
وأكرمُ الناس ماضيها وباقيها
أوْفَى الخليقةِ إيماناً وأكملُها
ديناً، وأرجحُها في وزن باريها
من مثلُه في الورى بِراً ومرحمةً؟
ومن يشابهُه لطفاً وتوجيها؟
جاءت رسالتُه للناس خاتمةً
وجاء بالنعمة المسداةِ يهديها
أحيا الحنيفيةَ الغراءَ متبِعاً
نهجَ الخليلِ ولم يخطئْ مراميها
وسار في كنفِ الرحمنِ يكلؤه
إلى الحسانِ من الأخلاقِ يبنيها
هو البشيرُ لمن أصغى لدعوتِه
هو النذير لمغرور يعاديها
كسرى تَكَسَّرَ إذعاناً لهيبته،
قصورُُ قيصرَ هُدت من أعاليها!
وأقبلت أممٌ شتى مبايعةً
تمُد للعدلِ والإحسانِ أيديها
نالت بدعوته نُعمى ومكرُمةً
وأسعد الله بعد البؤسِ ناديها
في الهندِ والصينِ والقوقازِ طائفةٌ
تذود عن عرض خير الناس تنزيها
وفي (أُورُبَّةَ) أقوامٌ قلوبُهُمُ
بدين أحمدَ قد نالت أمانيها
الصامدون بوجهِ الكُفرِ ما ضَعُفُوا
يجابهون المنايا في تحديها
يفدون عرضَ رسولِ الله ما بخلوا
وبالنفوس إذا نادى مناديها!
حتى إذا نشر الأنذالُ حقدَهُمُ
وبارزوا اللهَ من عدوانهم تيها
تؤزُّهم زُمَرٌ ضاقت نفوسُهم
لهم عيونٌ شُعاعُ الحق يُعشيها
بنو اليهودِ ومن ساءت سريرتُه
فأبدل الصدقَ تزويراً وتمويها
أيسخرون من المعصومِ ويلهُم؟
ويطلبون له ذماً وتشويها؟
من جاء بالملةِ البيضاءِ صافيةً
نقيةً؛ وبنور الوحي يحييها
أقام بالعدلِ مجداً لا زوال له
وأمَّةً كنفُ الرحمنِ يحميها
من بئرِ زمزمَ سُقياها ومطعمُها
من تمر طيبةَ قد طابت مغانيها
أرواحُها بظلالِ البيتِ هائمةٌ
من دونه تُرخِصُ الدنيا وما فيها!
فداءُ عرضِ رسولِ الله أنفسُنا
وكلُّ نفس وما تحويه أيديها
وصلِّ يا ربِّ ما هبَّ النسيمُ على
معلمِ الأممِ الحَيرَى وهاديها
تحيةً لرسولِ الله أبعثُها
ويومَ هجرتِه الغراءِ أهديها
تحية ودفاع عن عرضة ﷺ -
стр. 5538
حرية التعبير في الغرب الحقيقة والوهم
د. أحمد محمد الدغشي
\ أسطورة حق التعبير في الغرب:
حقّاً إنها أسطورة مخجلة أن يظل بعض مثقفينا يردد بلا إدراك حصيف أن الغرب قِبلة الحُرّيات، ومهوى أفئدة المضطَهَدين على نحو من المبالغة المفرطة، والتقديس الفجّ. ولئن كان لذلك بعض البريق ذي الأساس المقدّر قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م؛ فإن الأمر اختلف بعد تلك الأحداث إلى حدّ كبير؛ حيث كانت ذريعة حق الدفاع عن أمن الولايات المتحدة وحليفاتها الأوروبية ـ ولا سيما مع تكرار حدوث أعمال مشابهة جزئياً في بعض تلك البلدان ـ من وراء ذلك الانقلاب الكبير في الحقوق والحرّيات بمختلف تصنيفاتها. ومع أن العديد من النصوص والوقائع التي سنأتي على ذكرها توّاً تسبق أحداث سبتمبر، إلا أن القيود على حركة الحرّيات ازدادت أضعافاً مضاعفة بعد ذلك.
وإليك الآن الشواهد التالية:
ـ في أمريكا تم منع عرض مجموعة من الأفلام الوثائقية التي قام بإعدادها الصحفي البريطاني البارز (روبرت فيسك) ، لأنها أثارت غضب اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الذي هدّد شبكة التلفزيون بسحب الإعلانات ذات المردود المادي منها.
أما إذا سألت عن سرّ هذا الغضب فيأتيك الجواب أن مجموعة تلك الأفلام كان عنوانها (جذور غضب المسلمين) ، حيث اتهمت الصهيونية بأنها السبب الرئيس وراء نقمة المسلمين على الغرب. ولاحظ أن (فيسك) حاصل على جائزة الصحافة البريطانية لعام ١٩٩٥م كأحسن صحفي بريطاني قادر على عرض الأخبار السياسية الدولية وتحليلها.
ليس ذلك فحسب بل إن كاتباً بحجم (نعوم تشومسكي) الذي حصل كتابه (الهيمنة أم البقاء: سعي أمريكا للسيطرة العالمية) على مرتبة أكثر الكتب مبيعاً عام ٢٠٠٢م، وتصفه بعض الصحف الأمريكية كصحيفة (نيويورك تايمز) بأنه يمكن اعتباره أهم مفكّر في العالم اليوم، هذا الكاتب وبهذا المستوى قلّما تتجرأ شبكات التلفزة الأمريكية على استضافته، بسبب آرائه الشهيرة التي عادة ما تزعج القادة والساسة الأمريكيين والصهيونيين على حد سواء. وقد حدث له في عام ١٩٧٢م وبعد أن طبع أحد كتبه أن أوقف توزيع الكتاب وتم سحبه من السوق وإتلافه، بعد أن اطلع بعض أعضاء مجلس إدارة الشركة المالكة على محتوى الكتاب، الذي لم يَرُقْ لهم.
وهل يتعارض مع حرية التعبير ما أقدم عليه رئيس مجلس النواب الأمريكي الأسبق (نيوت جنجرييتش) من فصل مؤرخة تعمل بالمجلس حين علم أنها سبق أن قالت: «وجهة نظر النازيين بصرف النظر عن عدم شعبيتها لا تزال وجهة نظر، ولا تأخذ حقها في التعبير» .
وفي عام ١٩٨٦م لم يستطع المؤلف (جورج جيلبرت) أن يجد ناشراً ليعيد طباعة كتابه (الانتحار الجنسي) على الرغم من أن كتب (جيلبرت) المنشورة في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي تصدرت قوائم المبيعات العالمية. والسبب في إعراض الناشرين هو الاحتجاج الصاخب الذي قامت به رائدات حركة تحرير المرأة ضدّه؛ لأن «اختلافات الرجل عن المرأة لا ينبغي حتى أن تدرس» حسب تعبير إحداهن في مقابلة عرضت على شبكة (A B C) الأمريكية.
أما الممثلة البريطانية الشهيرة (فانيسا ريد جريف) فلم يسمح لها بأداء دورها في مسرحية كوميدية بريطانية أثناء عرضها في الولايات المتحدة بسبب تصريحاتها المعادية للتدخل الأمريكي ضدّ العراق في حرب الخليج.
الجدير ذكره أن أعمال (جريف) كثيراً ما تتعرض للمقاطعة أو الإلغاء من العرض في الولايات المتحدة بسبب آرائها المعادية للصهيونية وسياسات الدولة العبرية.
وإذا كانت (جريف) قد منعت من أداء دورها المسرحي فقط؛ فقد منع من دخول الولايات المتحدة مفكّرون وعلماء ومشاهير، من أمثال: أحمد ديدات، ويوسف القرضاوي، ويوسف إسلام؛ ناهيك عن آلاف غيرهم!
أما حرية الإعلام المباشر ونشر المعلومة فقد انكشف ذلك بلا أدنى ريب من خلال التعتيم الذي مارسته الإدارة الأمريكية على حظر نقل وقائع الحرب الأخيرة على أفغانستان والعراق، وقصف قناة (الجزيرة) في كابول، وقتل العديد من الصحفيين في العراق، وأبرزهم (طارق أيّوب) ، ثم إغلاق مكتب (الجزيرة) في بغداد، والأمر بسجن مذيعها الشهير (تيسير علّوني) في مدريد ومصوِّرها (سامي الحاج) في جوانتنامو. وأخيراً ما كشفته صحيفة (ديلي ميرور) البريطانية، وتأكيد رئيس تحريرها المشارك (كيفين ماغواير) من أن لدى صحيفته محاضر موثقة تكشف أن الرئيس الأمريكي (جورج بوش) أبلغ رئيس وزراء بريطانيا (توني بلير) خطة قصف قناة (الجزيرة) . وحين تزايدت المطالبة بكشف الحقيقة أُوعِز إلى النائب العام البريطاني بإصدار قرار يمنع الكشف عن الوثيقة أو نشرها.
ويستغرب المرء حين يجد أن مقدّسات المسلمين وحدها هي الكلأ المباح الذي لا يعاقب القانون مقترفه بأية عقوبة، بل يُردّ عليه بممارسة أسطورة حق (حرّية التعبير) . فحين تقدم صحيفة دانماركية (جيلاندس بوستن) في ٢٦ شعبان ١٤٢٦هـ الموافق ٣٠ أيلول/ سبتمبر ٢٠٠٥م ـ وهي صحيفة ذائعة الصيت، وذات مصداقية كبيرة لدى الشعب الدانماركي ـ على إعلان مسابقة لرسم أحسن كاريكاتير للرسول محمد ﷺ .
وبالفعل أرسل القراء أكثر من مائة صورة، تصور رسول الله ﷺ ، وهو يلبس عمامة مليئة بالقنابل والصواريخ، وتصوره وهو يصلي في أوضاع مهينة للغاية. وتم نشر حوالي ١٢ كاريكاتيراً علناً، وعلى مدار عدة أسابيع، وبمعرفة من الحكومة الدانماركية، وموافقتها بل وتأييدها، وبتفاعل الرأي العام الدانماركي معها.
وحين حاولت الجالية الإسلامية هناك، الدفاع عن الإسلام ومقدساته، وذلك بوقف نشر هذه الصور، رفض رئيس تحرير الصحيفة حتى مجرد مقابلتهم، بل وتضامنت كل الهيئات الحكومية مع الصحيفة، ورُفضت كل محاولات الجالية الإسلامية، حتى مع تطوّر الأمر إلى إعلان جملة إجراءات دبلوماسية كسحب السفراء أو استدعائهم من قِبَل بعض الدول الإسلامية، إلى جانب إعلان المقاطعة للمنتجات الدانماركية والنرويجية (إذ كانت صحيفة «مغازينات» النرويجية أعادت في ١٠ يناير ٢٠٠٦م ما نشرته الصحيفة الدانماركية سالفة الذكر) فإن عقيرة غلاة العلمانية تُرفع، وشعارات حرية التعبير والإبداع تُلقى في وجه كل معترض. وعلى هذا الأساس الهشّ تجاوبت صحف مماثلة في كراهية الإسلام في فرنسا وألمانيا التي تقوم الدنيا في أيّ منهما ولا تقعد إذا حدث أدنى تشكيك في حكاية المحرقة (الهولوكست) التي يصرّون ـ في دوغمائية لافتة ـ أنها حدثت لليهود، ثم تفاعل معهم في منطقتنا بعض المفتونين، أو المهووسين بفن (الإثارة) بأي ثمن، ومهما كانت النتائج، كما فعلت بعض الصحف في كل من الأردن ومصر واليمن.
هذا في حين أن القانون الدانماركي يحظر أي تهديد أو إهانة أو حط من شأن أي إنسان بصورة علنية، بسبب الدين أو العرق أو الخلفية الإثنية، أو التوجّه الجنسي. وبسبب ذلك القانون تعرّضت امرأة تعمل محرّرة صحفية لمحاولات تقديمها للمحاكمة، لأنها كتبت خطاباً للصحيفة تصف فيه الشذوذ الجنسي بأنه أسوأ أنواع الزنى. وكأن هذا القانون يشمل أي إنسان باستثناء النبي محمد ﷺ .
ومما له دلالة مباشرة على هذا ـ حسبما أورده موقع إسلام أون لاين في ٨/ ٢/ ٢٠٠٦م ـ أنه في الوقت الذي نشرت فيه صحيفة (جيلاندس بوستن الدانماركية) رسوماً كاريكاتيرية مسيئة إلى الرسول ﷺ بدعوى حرية التعبير، رفضت الصحيفة نفسها نشر رسومات تسيء إلى المسيح عيسى ﵇ خشية ردود الفعل الغاضبة من جانب قراء الصحيفة، حسبما نشر الموقع الإلكتروني لصحيفة (جارديان) البريطانية.
وقالت (جارديان) إنه في إبريل ٢٠٠٣م تبرع الرسام الدانماركي (كريستوفر زيلير) للصحيفة بسلسلة من الرسوم الساخرة تتعلق ببعث السيد المسيح من جديد.
غير أنها أشارت إلى أن الصحيفة الدانماركية «رفضت نشر الرسومات التي تسيء إلى المسيح، بدعوى أن نشر الرسوم لن يسعد القراء، وربما يؤدي إلى تعرض الصحيفة لانتقادات شديدة» .
وتسلم (زيلر) رسالة بريد إلكتروني من رئيس تحرير صحيفة «جينز كيسر» الدانماركية تقول: «لا أعتقد أن قراء الصحيفة ستروق لهم هذه الرسوم، بل أعتقد أنها ستثير مشاعر الغضب لديهم؛ لذا فلن أنشر الرسوم» ، وذلك بحسب الصحيفة البريطانية. ونقلت (جارديان) عن (زيلر) قوله تعليقاً على الرسوم: «الرسوم مجرد مزحة بريئة لدرجة أنها أضحكت جدي» .
غير أن رئيس تحرير الصحيفة الدانماركية أوضح من جهته أن الرسومات الكاريكاتيرية كانت سخيفة للمضي قدماً في نشرها في ذلك الوقت.
ـ في بريطانيا يتم التعامل مع المقدّسات وفق قانون خاص يسمى (BIASPHEMY LAW) الذي يمنع سب المقدّسات؛ إذ يسري العمل بالقانون في كل من إنجلترا وويلز. ولكنه خاص بالمقدّسات المسيحية وحدها. ولذلك فعندما أعلن المخرج الدانماركي (جينز ثور سن) (لاحظ الدانماركي) اعتزامه إخراج فيلم في إنجلترا عن الحياة الجنسية للمسيح فقد أدى ذلك إلى موجة غضب عارمة في المؤسسات الدينية الأوروبية وعلى رأسها الفاتيكان وأسقفية (كانتر بري) ، وعلى الفور قام رئيس الوزراء البريطاني حينذاك (جيمس كالاهان) بالتحذير من أن أي محاولة لإخراج ذلك الفيلم في إنجلترا سوف تكون عرضة للمحاكمة تحت طائلة قانون (سب المقدّسات) مما أثنى المخرج عن إتمام إنتاج الفيلم.
وفي يونيو ١٩٧٦م قامت صحيفة (News Gay) الخاصة بأخبار الشواذ جنسياً من الرجال بنشر قصيدة للشاعر البريطاني (جيمس كيركوب) يصف فيها المسيح ﵇ في أوضاع غير لائقة، مما أثار غضب اتحاد المشاهدين والمستمعين الإنجليز، الذي يتولى الرقابة الشعبية على كل ما ينشر في الصحف أو يعرض في وسائل الإعلام والأفلام السينمائية، وقامت رئيسة الاتحاد بمقاضاة رئيس تحرير الصحيفة والشركة التي تملكها وتتولى نشرها بتهمة سبّ المقدّسات.
وبالفعل تمت المحاكمة في شهر يوليو عام ١٩٧٧، وبالرغم من محاولات الدفاع المستميتة في إقناع المحلّفين أن القصيدة لم تعنِ أو تضمر أيّة إساءة للدين النصراني، بل بالعكس كانت تصوّر العلاقة العاطفية التي تربط الشاعر بشخص المسيح ﵇ إلا أن هيئة المحلّفين لم تقبل هذا الدفاع وأدانت الصحيفة بأغلبية عشرة أصوات مقابل صوتين بتهمة امتهان مشاعر المسيحيين في إنجلترا، والإساءة إلى مقدّساتهم، بعد قرار هيئة المحلّفين القاضي على رئيس التحرير بالسجن لمدّة تسعة أشهر مع وقف التنفيذ ودفع غرامة مقدارها (خمسمائة جنيه إسترليني) ، وعلى الناشر بغرامة مقدارها (ألف جنيه إسترليني) ، بالإضافة إلى تحمّل تكاليف القضية. وعلى الرغم من استئناف الصحيفة الحكم عام ١٩٧٨م أمام القسم القضائي بمجلس اللوردات البريطاني، الذي يمثل أعلى سلطة قضائية في بريطانيا إلا أنها خسرت للمرّة الثالثة، حيث أقرّت المحكمة البريطانية العليا الأحكام السابقة الصادرة ضدّ رئيس التحرير.
بعد حكم المحكمة العليا جرت محاولات عِدّة لإنهاء العمل بقانون سبّ المقدّسات من خلال مجلس العموم البريطاني، إلا أن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يقبل مجلس العموم ولا مجلس اللوردات أي مساس بذلك القانون بالرغم من أنه يحمي الديانة المسيحية فقط من السبّ ويهمل بقيّة الديانات المنتشرة داخل بريطانيا، وأنه يعاقب على المساس بالمقدّسات المسيحية دونما نظر أو مراعاة لقصد أو نيّة الشخص المتهم بسبّ المقدّسات.
ومع محاولات أخرى تمت في الاتجاه الذي يجعل من القانون عامّاً لكل المقدّسات في كل دين يوجد في إنجلترا إلا أنها باءت كذلك بالفشل. لذلك لم يفلح المسلمون في بريطانيا في أن يرفعوا دعوى قضائية ضدّ (سلمان رشدي) صاحب كتاب (آيات شيطانية) ؛ إذ القانون الذي يحظر سبّ المقدّسات خاص بالمسيحية فقط. فلم يكن (سلمان رشدي) خارجاً عن القانون البريطاني حين أهان المقدّسات الإسلامية، بل ذلك أمر يندرج في إطار حرّية التعبير رغم أنه سخر من المقدّسات الإسلامية وأهانها. غير أن الطريف حقاً أن حرّية التعبير هذه لم َتحْمِ (فيلماً) باكستانياً سخر من (سلمان رشدي) ، بل منعت دخوله.
إن الشخصيات الدينية في حصانة (مقدّسة) كذلك بموجب قانون حظر (سبّ المقدّسات) ، لذلك فقد قامت هيئة الرقابة على المصنّفات الفنية البريطانية برفض عرض فيلم وثائقي على شاشات التلفاز البريطاني عن الراهبة (تيريزا) التي عاشت في بريطانيا في القرن السادس عشر، بسبب محتوى الفيلم الذي يمكن تأويله على أنه إهانة للدين النصراني.
ـ وفي إيطاليا يمنع عرض الفيلم الأمريكي (الإغراء الأخير للسيد المسيح) ، لما فيه من استثارة مشاعر المسيحيين، لذا لم يُكْتَفَ بمنع عرضه فقط في العديد من البلاد الأوروبية بل قُدِّم مخرج الفيلم في المهرجان للمحاكمة في روما بسبب الفيلم.
ـ وفي فرنسا يقر مجلس الشعب الفرنسي قانون فابيوس ـ جيسو في عام ١٩٩٠م الذي يحظر مجرّد مناقشة حقيقة وقوع الهولوكست في الحرب العالمية الثانية. وقد عوقب المفكر الفرنسي الشهير (روجيه جارودي) عام ١٩٩٨م بسبب كتاب (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) ، وحكم عليه بغرامة (٢٠) ألف دولار.
ولم تصمد حريّة التعبير أمام حق قناة (المنار) اللبنانية التابعة لحزب الله في بث أفكارها ورؤاها، بل عملت فرنسا على منع بثّها، لأنها قدمت مسلسلاً عن جرائم إسرائيل، غير أن السؤال الأهم لماذا الوقوف هنا ضدّ حق التعبير؟!
ولماذا تعمل دولة الحرية والمساواة والإخاء ـ وهي الشعارات الشهيرة للثورة الفرنسية عام ١٧٨٧م ـ بإيقاف (٤٠٠) إمام وخطيب مسجد في فرنسا تحت دعاوى متهافتة تسقط جميعها أمام أسطورة حرّية الرأي والتعبير.
ولماذا يتم تغريم (برنارد لويس) الأستاذ بجامعة (برنستون) مبلغ (١٠) آلاف فرنك فرنسي (حوالي ٢٠٦٢ دولاراً أمريكياً) عام ١٩٩٥م لأنه أنكر أن الأرمن تعرضوا لإبادة جماعية على يد الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين الميلادي.
ـ وفي ألمانيا يحظر بيع أو شراء أو طباعة كتاب (كفاحي) لـ (هتلر) ، كما تحظر طباعة أو توزيع أي مقال أو كتاب يؤيد النازية بأي شكل من الأشكال، بل تحظر حتى الهتافات النازية، ولو على سبيل المزاح. وهذا الحظر يفسّر المشكلة التي تعرض لها لاعب الكرة المصري (هاني رمزي) في ألمانيا، حين قام بإلقاء التحية النازية المشهورة على سبيل المزاح في إحدى الحفلات.
في عام ١٩٩١م قام (جنتر ديكارت) زعيم الحزب الوطني الديمقراطي الألماني (يمين متطرّف) بعقد محاضرة استضاف فيها محاضراً أمريكياً أشار فيها إلى أن رواية قتل اليهود بالغاز غير صحيحة. وترتب على ذلك أن قُدّم (ديكارت) للمحاكمة، وعوقب طبقاً للقانون الذي يحظر الأحقاد بين المجموعات العرقية.
وفي شهر مارس ١٩٩٤م حوكم (ديكارت) مرة أخرى وحكم عليه بالسجن لمدة عام واحد مع وقف التنفيذ، بالإضافة إلى غرامة خفيفة، مما أدى إلى تعرّض القضاة الذين حاكموا (ديكارت) لموجة من الغضب والنقد من القضاة الآخرين، بسبب ضآلة العقوبة التي حكموا بها، مما أدّى إلى تدخل المحكمة الفيدرالية التي أبطلت الحكم وأمرت بإعادة المحاكمة.
وفي إبريل ١٩٩٤م أعلنت المحكمة الدستورية الألمانية أن أية محاولة لإنكار حدوث (الهولكوست) لا تتمتع بحماية حق حرّية التعبير التي يمنحها الدستور الألماني، مما دفع البرلمان الألماني أن يسن قانوناً يجرّم أيّة محاولة لإنكار وقوع (الهولكوست) ، ويوقع بمرتكب هذه الجريمة عقوبة حُدّدت بالسجن خمس سنوات بغض النظر عمَّا إذا كان المتحدّث ينكره أم لا.
وفي عام ١٩٩٣م تم نشر ترجمة ألمانية لكتاب أمريكي عنوانه (العين بالعين) ، غير أن الناشر تنبّه إلى خطورة الأمر فقام على الفور بسحبه وإتلاف كل نسخ الطبعة الألمانية رغم توزيعها في السوق، تحاشياً للوقوع تحت طائلة القانون أو إثارة غضب الرأي العام، وذلك لأن الكتاب يورد أن (ستالين) كان يتعمّد اختيار اليهود للقيام بالأعمال البوليسية السريّة في بولندا بعد الحرب العالمية الثانية.
ـ وفي النمسا من المتعارف عليه قانونياً معاقبة كل من أنكر وجود غرف الغاز التي أقامها النازيون أثناء الحرب العالمية الثانية بالسجن، غير أنه في العام ١٩٩٢م تم تعديل القانون ليطال التجريم أية محاولة تنكر أو تخفّف أو تمدح أو تبرّر أيّاً من جرائم النازية، سواء بالكلمة المكتوبة أو المذاعة.
ـ وفي كندا على الرغم من أن القانون الكندي ينص على حق كل مواطن في التعبير الحرّ إلا أنه يحظر ـ في الوقت ذاته ـ أيّ نوع من أنواع التعبير من شأنه أن يؤدي إلى إثارة الكراهية ضدّ أية مجموعة عرقية أو إثنية أو دينية، ويمنح القانون المجالس التشريعية في كندا تقييد حريّة التعبير أو غيرها من الحريّات الدستورية إذا استدعت الضرورة ذلك، وبناء على هذا أقرّت المحكمة الكندية العليا العقوبة التي أقرّت بها إحدى محاكم مقاطعة (ألبرتا) ضدّ (ناظر) مدرسة اتهم بمعاداة السامية والترويج لكراهية اليهود.
ولكون السيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام في الغرب حقيقة ساطعة فإن شبكة تلفاز (CTV) الكندية قامت باستضافة (جوزيف ليبد) المعلّق السياسي الإسرائيلي صباح يوم ١٥/ ١٠/ ١٩٩٤م الذي دعا مباشرة وعلى الهواء يهود كندا لأن يتولى أحدهم اغتيال (فيكتور أوستروفوسكي) ضابط الموساد الذي ألف كتابين كشف فيهما عن العمليات السريّة للموساد، دون أن تُحدث هذه الدعوة أي ردّ فعل على أي مستوى إعلامي في كندا. ولم يُسمع عن الكُتّاب والمعلّقين الذين دافعوا بحماس بالغ عن حق (سلمان رشدي) في التعبير الحرّ دفاع أقل من ذلك في حق (أوستروفوسكي) في التعبير الحُرّ كذلك.
قارن هذا بما حدث في عام ١٩٩٦م عندما قام قاضٍ كندي بمقاطعة (كيوبيك) بالحكم بالسجن مدى الحياة على امرأة قامت بذبح زوجها بسكين، وقال تعقيباً على الحكم الذي أصدره: «لقد أثبت أن المرأة تستطيع أن تكون أكثر عنفاً من الرجل، حتى النازي لم يُعذّب ضحاياه اليهود قبل قتلهم» .
هذا التعقيب أثار زوبعة من الاحتجاج ضدّ القاضي من قِبَل الجمعيات النسائية واليهودية في كندا، فاضطر القاضي للاعتذار، ولكنه أعلن أنه مؤمن بكل كلمة قالها في ذلك التعقيب، مما ضاعف موجة الاحتجاج ضدّه، وتعالت الأصوات مطالبة باستقالته، ولكنه رفض الاستقالة. عندئذ تدخّل المجلس القضائي الكندي وقام بالتحقيق مع القاضي، ثم أوصى المجلس البرلماني الكندي بإقالة القاضي بسبب التعليق الذي صدر عنه. وحين وصلت الأمور إلى ذلك الحدّ اضطر القاضي أن يقدّم استقالته بدلاً من أن تأتي الإقالة من البرلمان، حيث كان واضحاً أنه سيقبل توصية مجلس القضاة الكندي بالإقالة.
ـ وفي أستراليا ينص قانونها على اعتبار أية مادة مكتوبة من شأنها الحطّ من قدر أية مجموعة عرقية محظورة طبقاً للقانون المانع للتفرقة العنصرية الصادر عام ١٩٩٨م، وقد يعاقب الكاتب والناشر بغرامات تصل إلى (٤٠) ألف دولار أمريكي.
ـ وفي سويسرا قامت مقاطعة (دي تور) بمنع كتاب (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) لـ (روجيه جارودي) من التداول، وحكمت محكمة على ناشر عرض الكتاب بالسجن أربعة أشهر.
وقد سرى رعب التشكيك في حكاية (الهولوكست) حتى في بلد صناعي (عريق) غير أوروبي هو اليابان؛ إذ حدث أن نشرت مجلة (ماركوبولو) في عددها الصادر في شهر فبراير ١٩٩٥م مقالاً يزعم عرض الحقيقة التاريخية الجديدة، ويوضّح أن غرف الغاز التي أقيمت في الحرب العالمية الثانية ليس لها أساس تاريخي موثّق. وقد أدّى المقال إلى ردود فعل عنيفة وسريعة، حيث قامت المؤسسات الصناعية الكبرى ـ مثل: (فولكس واجن) و (ميتسوبيشي) ـ بإلغاء عقود الدعاية مع المجلة، احتجاجاً على المقال، مما أدّى بناشر المجلة إلى سحب كل أعداد المجلة من الأسواق وفصل كل أعضاء تحرير المجلة، بل واضطر ذلك المقال المجلة إلى إغلاق نفسها نهائياً.
وفي هذه الأجواء تعلن صحيفة (همشهري) الإيرانية ـ حسب موقع الجزيرة نت في ٩/٢/٢٠٠٥م ـ دعوتها لمسابقة عالمية لرسم (كاريكاتيري) يسخر مما يسمى المحرقة النازية (الهولكوست) لليهود، معلنة أنها بهذا تهدف إلى اختبار ردود الفعل الأوروبية والأمريكية، وهو ما سيفضح أسطورة (حريّة التعبير) . وتأتي (الفضيحة) الأولى حين يُستدعى السيد (دياب أبو جهة) رئيس الرابطة العربية الأوروبية للمحاكمة، لكونه دعا إلى نشر رسوم (كاريكاتيرية) ضدّ المحرقة (الهولكوست) ، بهدف كشف حقيقة (حريّة التعبير) الغربية!!
والآن: أرأيتم كيف أن الحديث عن حرّية التعبير في الغرب مجرّد أسطورة باهتة، ووهم طغى بسبب طغيان الحضارة الغربية على تفكيرنا ومسالكنا في كل اتجاه، حتى بات بعض المشتغلين بالثقافة والفكر والسياسة يعتقدون حقيقتها، وأن المناقشة فيها نقاش في (المقدّس) أو (التابو) الممنوع التطرّق إليه والحديث عنه؟
стр. 5539
خريف الليبرالية نظرات في أزمة الليبراليين مع حدث الاستهزاء بالنبي الأمين ﷺ -
عبد الله بن صالح العجيري
إن في حالة الغضب التي تعيشها الأمة اليوم تعبيراً صادقاً عن المحبة التي تملأ النفوس، وتعتلج في القلوب، وتسري في الأرواح، تجاه النبي ﷺ ، أشرف الناس، وأحسن الناس، وسيد الناس، بأبي هو وأمي ﷺ . وهذا الغضب هو الحق الأول الذي تقدمه الأمة نصرةً لنبيها الكريم ﷺ ، والذي يستتبع حقوقاً وواجبات أخر؛ إنه الغضب الواجب الذي سنّه لنا رسول الله ﷺ حين نرى محارم الله تنتهك، وهو الغضب الذي يزعج البدن للتحرك، والعقل للتفكير طلباً للنصرة، كلٌّ بحسبه، وحسب موقعه، وعلى وسعه وطاقته، بالحكمة التي تصلح ولا تفسد، وتبني ولا تهدم، فلا تهوُّر ولا طيش، ولا كسل، بل وضع للشيء في موضعه المناسب، وفي وقته الصحيح.
وإن فيما يرى من مظاهر الغضب والنصرة لدليل على الخير المتأصل في كيان هذه الأمة والمستقر في وجدانها، وهل كان يُنتظر من أمة الإسلام إلا هذا؟ وهل كان يُظن بها إلا ما وقع؟ إنها أيام الغضب والفرح، الغضب للرسول ﷺ وعلى أعداء الرسول ﷺ ، والفرح بنصرة النبي ﷺ وما تحقق للأمة من مكاسب ونجاحات، لكن مما يؤلم ويؤذي ما يُرى من إعراض بعضٍ عن مشاركة الأمة غضبتها، بل نصرتها لنبيها ﷺ ، فخنسوا وسكتوا، ثم سكتوا، ثم نطقوا فبئس ما نطقوا؛ وليتهم ما فعلوا؛ فلا هم بالذين نصروا النبي ﷺ ، ولا هم بالذين تركوا الأمة وخيارها يعملون في نصرته، إنهم مسوخ بشرية القالب ناطقة بالعربية والضاد لكن القلب غربي الهوى، قد ركبوا موجة الأحداث لكن في الوقت الضائع، وسبحوا في بحرها لكن بعكس التيار، ليثبتوا للأمة أنهم في واد والأمة كلها في واد آخر؛ فلا الهمُّ هو الهمُّ، ولا القضية هي القضية، ولا المصالح هي المصالح. لهم برنامجهم الخاص الذي يريدون تمريره، ولهم خطتهم التي يريدون تنفيذها، قد وجدوا في الأحداث تعطيلاً للمخطط، وعائقاً لتمرير المشروع، فأخذوا في الالتفاف حول الحدث محاولين تجاوز العوائق، ولملمة المشروع، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فخرجوا من بعد صمت ليدعوا الأمة إلى التسامح والعفو والتهدئة، في وقت يأبى العدو أن يتقدم باعتذار، بل يزيد من سخريته وباستهتار، وكتبوا ليجرُّوا الأمة لمعركة داخلية، بدل توحيد الصف لصدِّ الهجمة الخارجية، ونطقوا بالسوء لتصفية الحسابات وتوزيع التهم وكيْل الشتائم، وكان الظن أن مقام النبي ﷺ محل وفاق وكلمة إجماع، وأن هذا المقام متى مُسّ فالكل سيقول كلمته الواضحة البينة في نصرته ﷺ ؛ لا التواء فيها ولا غموض، فخيّب القوم الظن وأظهروا قبيح ما تكنّه الأفئدة والقلوب، فطعنوا الأمة في الظهر، وحاولوا الاصطياد في الماء العكر، وأقدموا على تفريق الصف في ظرفٍ الأمة كلها مستنفرة في وجه عدو واحد، فأضحى كشف هذا التوجه المشؤوم واجبنا نصرةً للنبي الكريم ﷺ ، ونصحاً للأمة، وفضحاً لهذا التيار، وتسجيلاً لمواقف السوء هذه ليحفظها التاريخ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
من دعوات التيار الليبرالي ـ والتي بدأت تتضح أبعادها، وتتكشف ملامحها ـ دعوتهم إلى (التسامح مع الآخر) والتي علا صوتهم بها، وتتابعت كتاباتهم فيها، والتسامح متى وضع في موضعه الصالح له واللائق به كان خُلُقاً إسلامياً مندوباً إليه، لا شك في ذلك ولا ارتياب، شأنه في ذلك شأن غيره من الأخلاق، لكنهم بما يسطرون اليوم يكشفون عن حقيقة دعوتهم المشبوهة هذه، وأن التسامح المطلوب ليس هو ذاك التسامح الشرعي الذي جاء الحضُّ عليه والأمر به، كلاَّ؛ إنما هو لون جديد من التسامح أبعد مدى وأوسع مساحة، إنه التسامح مع من اعتدى، وأذلّ، وأهان، ووجّه الصفعة بعد الصفعة، وأعظم في الفِرية، ويدَّعون أن هذا سنة نبوية، وطريقة محمدية؛ فهل على الآخذ به من ملام؟ وما علم القوم أن النبي ﷺ كان حكيماً بل سيد الحكماء، يزن الأمور بالعدل، ويضع الدواء على الجرح، ويقدِّر المصالح والعواقب؛ فكما ترك عبدَ الله بن أبيّ بن سلول ـ زعيم المنافقين ـ بلا عقاب، أخذ عقبةَ بن أبي معيط بما أساء. وكما قال لقريش: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» أمر بقتل ابن خطل ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة. وهكذا، فليس الأمر ـ كما يراد تصويره ـ تسامحاً مطلقاً، أو عقاباً مطلقاً، وإنما الأمر إلباس كل حدث لبوسه، وإعطاء كل مسألة حقها. وأحسب أن ما يجري اليوم من انتهاكات صارخة لدين الإسلام ونبي الإسلام لا محل فيه للتغافر والمسامحة والتجاوز، وإنما الواجب القيام بالنصرة، والغضب لله، واستيفاء الحقوق.
أما دعوة الأمة إلى التغافل عن حجم المأساة، والإعراض عن عظم الجريمة، وفتح أبواب التسامح والمسامحة للمخطئين، وأن يقتصر النقد ـ إن كان ـ على الكلمة الطيبة، والعبارة اللينة، والأسلوب الهادئ، من غير جرح شعور ولا إيلام، وكأن الأمة هي الجانية لا المجني عليها، وكأننا مَنْ ظَلَمْنا لا من ظُلمنا، وكأن الاعتداء واقع منا لا بنا؛ فليس بصحيح ولا مشروع، بل بَذْلُه والحالة هذه مناقضة لمثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:] ، والقوم ظالمون ما في ذلك من شك.
إن التسامح المشروع لا يكون إلا إذا صادف محلاً مناسباً، وإن أولئك المستهزئين بمقامه ﷺ ليسوا موضعاً صالحاً للتسامح، وإن التسامح مع أولئك المجرمين جريمة شرعية لا يجوز أن يكون بحال، وليس للأمة الحق في التنازل عن حقه الشريف ﷺ تحت لافتة التسامح والمسامحة، وليت شعري أي عيش يبقى وأي حياة تطيب يوم يمس جناب النبي ﷺ والأمة تقف موقف المتفرج المتسامح، المتغاضية عن صفعات الخصوم، والتي لا تطالب بحقها، فإن طلبته فعلى استحياء؟ إن إجماع الأمة عامة منعقد على حرمة التسامح مع من سبّ النبي ﷺ ، وما قال عالم ولا شبه عالم بمثل ما يريده هؤلاء منا، وفي كتاب «الصارم المسلول على شاتم الرسول» لشيخ الإسلام ابن تيمية عظة وعبرة.
والقوم بدعوتهم للتسامح والتغافر والتجاوز عن الإساءة يلملمون ما تبقى من مشروعهم الخاسر (التقارب والتقريب بين المسلم والكافر) تحت شعارات التعايش والتسامح والسلام، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخطط إلغاء عقيدة الولاء والبراء، وهم معذورون فيما يفعلون، فالخطب جلل، والأمر عظيم، والأحداث تجري على خلاف الهوى والمخطط، فليس لهم إلا هذا المركب الصعب ليركبوه ولعل وعسى. لقد ظهر للجميع حقيقة حال (الآخر) ! منا، واستبان للناس مدى الاحترام الذي تكنّه صدروهم وقلوبهم لنا ولديننا، وأن الأحقاد الصليبية لا تزال تتسكع على الجسد الأوروبي، وأن النظرة السلبية للمسلمين لا زالت المسيطرة على المشهد الغربي، وأنهم لا زالوا يعانون من عقدة (الإسلاموفوبيا) ، وأقوال عقلائهم ومنصفيهم شاهدة بهذا وما أكثرها! وتاريخ الأمة السابق وواقعها المعاش خير شاهد، وإن تغافل عن هذا كله المستغربون ولجوا وجعجعوا. بالله عليكم! أي حقد وبغض أظهر مما وقع وجرى حيال نبي أمة المليار مسلم؟ وأي طعنة أنفذ وأنكى من هذه الطعنة؟ وأي إهانة وصفعة وركلة أشد من هذه الإهانة؟ ثم يكبر على أولئك الظالمين بعد هذا كله أن يقدموا كلمة (اعتذار) ؛ فكيف بما فوقه؟ وقد اتضح للجميع أن مقام نبينا ﷺ وأمته من بعده لا تساوي عندهم شيئاً في مقابل حقهم ـ المزعوم ـ في ممارسة حرية التعبير، وإن فيما نرى من تسارع محموم لنشر صور الإفك هذه، وذلك التعاضد والتناصر الذي يُرى، والتصريحات العدائية التي نتلقاها عن اليمين والشمال لدلالة على أن الأمر أكبر مما نظن، وأنه أوسع دائرة مما نحسب، وصدق الله القائل: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
من غرائب المواقف المثبَتَة على هذا التيار تبرير ما وقع من اعتداء، والاعتذار عما حصل من إساءة، والمدافعة عن المجرمين المعتدين، في محاولة لامتصاص الغضب والتهدئة، وذلك بمختلف التبريرات، وأنواع الاعتذارات؛ فبعضهم (١) يصرح بأن المسلمين هم السبب فيما وقع، على قاعدة «لعن الله من لعن والديه، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أم الرجل فيسب أمه» ! فما وقع من اعتداء على جناب النبي ﷺ حلقة في سلسلة من الاعتداء المتبادل والذي انتهى إلى ما انتهى إليه، هكذا والله يسطرون، وهكذا يحمّلون أهل الإسلام تبعة ما جرى، ويجري، وكأنهم ليسوا منا، وكأنهم الناطق الرسمي باسم المعتدين، إنهم بمنطقهم الغريب هذا يقلبون الطاولة على أهل الإسلام فيجعلونهم معتدِين بعد أن كانوا مُعتدَى عليهم، ويُظهرونهم في مظهر الظالم بدل أن يكونوا مظلومين، و (البادي أظلم) ! إن الدعاوى من أسهل الأمور، ووضع (السيناريو) على حسب المزاج من أيسر الأشياء، لكن الصعب تقديم الأدلة، ووضع البراهين، وسياق الحجج، وإلا فليخبرونا عن هذا المسلسل المزعوم في الدانمارك والذي أدى إلى ما نرى ونسمع: متى ابتدأ، وكيف كانت حلقاته، وأين مجال الاعتداء من الطرف الإسلامي الذي استفز مخالفيه فقالوا ما قالوا، وأقدموا على ما أقدموا عليه؟ فإن عجزوا وخرجوا من هذه صفر اليدين ـ وإنهم لخارجون بها ـ فسقطة تستدعي تراجعاً وأوْبة، ولا يخفى أن المسألة أعمق غوراً من مجرد التهارج والجهل بين فئات محدودة من هنا وهناك كما يظهر لكل ناظر في مسلسل الأحداث.
والقوم في دفاعهم المشبوه هذا يذهبون إلى أبعد من هذا في تحميل المسلمين مسؤولية الأحداث، وأن السبب في استفحال الأمر عدم كفاءة القيادات الإسلامية بالدانمارك في معالجة المشكلة بالأساليب القانونية، وفشلهم في رفع الدعاوى القضائية (٢) ، وكأن المسكين لا يعلم أن المسلمين هناك قد بذلوا الجهد في إيصال صوتهم لكنهم قوبلوا بالغطرسة والعنجهية الدانماركية، هذه الغطرسة التي تأبى على القوم تقديم الاعتذار الصريح مع التصعيد الحاصل؛ فكيف ولمّا يتم التصعيد؟ إن طلب المسلمين ـ يا أستاذ ـ برفع القضية قد رُفض، بل رفض رئيس الوزراء الدانماركي استقبال السفراء العرب، لقد سدت الأبواب، وأغلقت المنافذ، وهُمّش المسلمون؛ فكيف يحملون تبعة هذه الجريمة يا فهيم؟
وأطرف من هذا وأغرب ما سطره آخر زاعماً أن جميع ما يرى من أحداث إنما هو بتدبير جماعات ذات صلة بتنظيم (القاعدة) ! إي والله! وذلك لتعكير أجواء الصفاء بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ولئلا يقال متقوّل أو مفتر أسوق هذا النص لأحدهم بحروفه يقول: (وتقول مصادر مخابرات أوروبية، وبلد إسلامي أفريقي أنها حذرت بلداناً الإسلامية من خطة يدبرها «ناشطون دانماركيون» مع «منظمات سرية» يحتمل اختراقها من القاعدة، تهدف لصدام بين الغرب والمسلمين، وهو من أهداف زعماء الإرهاب، أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وبدلاً من أن تأمر الحكومات الإسلامية مخابراتها بالتحقيق في مصادر تمويل حملة «أئمة كوبنهاجن» وصلاتهم بالإخوان والطالبان وجماعات تخريب أخرى تعمل في الظلام، استغل بعضها الأزمة لصالح أجندتهم السياسية) (٣) ، أرأيتم كيف يتم الاستغفال، وتمرر الأكاذيب، وتنشر الشائعات؟ ألم أقل لكم إن الخطب جلل، وإن الأمر صعب، وإن الأحداث قد آذت أهل هذا التيار، فولجوا هذا السبيل، وسلكوا هذا الطريق، لعلهم يثوِّرون في سماء الحقيقة الغبارَ، أو يغطون شمسها عن الأبصار، لكن للناس عقول، ولعل عقول القوم في إجازة.
ومن غريب ما يعتذر به القوم عن الإساءة الواقعة، وما يقدمونه من تبريرات، الزعم بأن ما وقع من سخرية واستهزاء عائد إلى طبيعة الدانماركيين المتفلتة، وهوسهم بالتحرر والانطلاق، وعشقهم لحرية التعبير، مع عدم التدين، وعدم الإيمان، وأنه ليس ثمة حقد مزعوم، ولا عداوة متوهمة، ولا قضية بينهم وبين رسولنا ﷺ ، فلا ينبغي أن تُضخَّم المسألة، وأن تُخرَج عن هذا السياق؛ فالأمر لا يعدو أن يكون سوء تفاهم، وعدم تقدير للعواقب ليس إلا، وأن إخراج القضية عن هذا الإطار تصعيد لا مصلحة فيه، بل هو تصعيد مقصود لأهداف تحتية، ومصالح شخصية، ومكاسب فئوية (٤) ، بل إثارة الموضوع أصلاً وإخراجه من الصعيد المحلي الدانماركي ليكون شأناً عالمياً غير صحيح، وأن الواجب محاسبة المسؤولين عن هذه (الشوشرة العالمية) (٥) التي لا فائدة فيها، ولا أدري لِمَ التغابي عما وقع، ولِمَ التعامي عما حدث، ولِمَ لا ينصف القوم ويُقرون بالحقائق كما هي بموضوعية وعدل، وينظرون فيما يجري على الأرض كما هو، لا أن يسعوا في ليّ عنق الأحداث لأفكار مسبّقة، ويحمِّلوا الواقع ما لا يحتمل. ما نُشِر إساءةٌ، وما نُشِر دليل على صورة نمطية سلبية للإسلام، وما نُشِر ينمّ عن عداوة مستقرة في النفوس، هكذا هو الأمر ببساطة ومن غير تعقيد، وبالله عليكم مَنْ نظر في تلكم الصور الآثمة هل يظن في راسمها أنه محب للنبي ﷺ أو على الأقل محايد في نظرته إليه أم أنه مبغض له معادٍ؟ ألم يصوروه مرتدياً عمامة على صورة قنبلة إشارة إلى دمويته، وأنه لا يعدو أن يكون إرهابياً، والإرهابي عدو؟ ألم يصوروه بصورة قبيحة حاملاً في يده خنجراً كأنه جزار ومن خلفه امرأتان منقبتان؟ بل صوروه بما هو أقبح وأشنع؛ بأبي هو وأمي ﷺ . أهكذا يصورون نبينا ﷺ ، ثم يأتي من يزايد علينا، ويريد إقناعنا بأنه ليس ثمة عداوة ولا حقد ولا كراهية ولا شحناء؟! إن في هذا الاستهزاء المشين بمقام نبينا الأمين لدليل على قبيح ما يضمرونه حيال نبينا وديننا، وفي تصريحاتهم وكلماتهم ومواقفهم ما يدل على أن الأمر ليس تسلية بريئة، أو تجاوزاً ينبغي أن يتغاضى عنه، كلاَّ، إنه خطأ، وإنه اعتداء، وإنه جريمة لا ينبغي السكوت عليها، فأقصروا عن التبرير والمدافعة، وانأوا بأنفسكم عن السقوط في هذه الهوة؛ فإنها سقطة يوشك أن لا تقوموا بعدها؛ فالناس تحفظ، والتاريخ يسجل، ولا مخرج لكم إلا إعلان البراءة مما سطرتموه، ولعل وعسى.
من قبائح هذا التيار وأهله أنهم سعوا في مثل هذا الظرف الذي تعيشه الأمة إلى افتعال المعارك، وإشعال الخصومات، في محاولة لصرف المعركة الحاصلة بين المسلمين والمعتدين على جناب النبي ﷺ ، لتحول المسألة إلى لون من الاحتراب الداخلي، هذا منتصر غالب، وذاك منهزم خاسر، هذا (ربيع المتطرفين) (١) ، وهذا أوان المتشددين (وصناع الكوابيس) (٢) ، تصفية للحسابات، وإلقاء للاتهامات، وإنقاذ لما يمكن إنقاذه من مشاريع ومخططات، فصوَّروا ما يُرى من ردة الفعل الشعبية، وهذا الحراك العام تجاه ما وقع من عداء سافر، بأنه كان بمؤامرة وتخطيط، وأن الأمر قد بُيّت بليل بهيم، وأن الأمر لا يعدو أن يكون تحريكاً من صناع الكوابيس أهل التباغض والعداوة والشحناء، وأن الأمة قد تبعتهم كالقطيع يتبع راعيه، من غير فكر ولا تروٍّ، سمعوا لهم وأطاعوا، وأنصتوا إليهم وأجابوا، وما علم القوم أن هذه الحمية التي وقعت، وهذه الكراهية التي ظهرت، إنما هي بسبب الغضبة الإيمانية التي تجري في شرايين هذه الأمة، غضباً لله ورسوله، والذي لا يكون المؤمن مؤمناً إلا به؛ فليس ثمة استلاب مزعوم، ولا تحريك مدعى إلا تحريك عقيدة الأمة للأمة؛ وإلا فبالله عليكم من حرّك جمهور المسلمين للمقاطعة مثلاً: أفتوى أطلقها فلان أو فلان، أو توجيه من علاّن؟ أم الواقع شاهد بأنها حركة شعبية عامة ابتدأت منها وانتهت إليها، ووجد المسلمون أنفسهم منقادين لها قياماً بواجب نصرته ﷺ وذباً عن حياضه؟ إن الموقف من الرسول ﷺ قضية جوهرية مشتركة بين كل منتسب للإسلام، سنّياً كان أو بدعياً، عدلاً كان أو فاسقاً، فلا يُلام مسلم على غضب يغضبه أو كراهية وبغض تقع في قلبه متى مُسّ مقام النبي ﷺ بتعدٍّ واستهزاء، بل الملام من لم يغضب ولم يمتلئ قلبه من الكراهية والبغضاء لكل متسبب فيها، إن تصوير الحدث على هذا النحو تصوير مغلوط، وإنه لمن سوء الظن بالناس، وإنه لعقدة يجب عليهم أن يتخلوا عنها، وطريقة يجب عليهم أن يتجنبوها. إن الظرف حساس، والأمر عظيم، والانتهاك صارخ، ونحن في غنى عن افتعال المعارك، واستحداث الأزمات. إن هَمّ المسلمين الأوحد هو الانتصار للنبي الكريم ﷺ ، على مختلف مذاهبهم، وطرائقهم، وفصائلهم؛ فإن شئتم أن تكونوا معهم في سفينة النجاة فاركبوا بشرط أن تتركوها تجري وألا تسعوا في خرقها وإغراقها.
مساكين هم أدعياء الليبرالية عندنا، مستوردو القيم والأفكار والمناهج الغربية، الذين حاولوا إقناع الأمة بالإقبال على الحضارة الغربية بكليتها، بخيرها وشرها، بحلوها ومرّها، بما يُحب منها وما يُكره، وصاحوا بأنه لا محلّ للانتقاء، فليست الحضارة (بقالة) تأخذ منها وتذر، إنما تؤخذ جميعاً أو تترك جميعاً، ولا مجال للترك!
مساكين هم لطالما أُحرجوا من مصدِّري الأفكار، وبائعي القيم، تلك القيم التي شهد العالم أجمع زيفها وهزالها؛ فكم تشدق الغرب بحقوق الإنسان، وأضحى الجميع يعلم مواصفات هذا الإنسان محل الرعاية وصاحب الحقوق، شرَّقوا وغرَّبوا بالدعوة إلى الديمقراطية، ثم أرادوا فرضها بالعصا الغليظة وبالدكتاتورية، تنادوا للتسامح ثم وأدوه في معتقلاتهم وسجونهم في «أبو غريب وغوانتنامو» وغيرها، واليوم الأمة مدعوة إلى النظر إلى قيمة غربية جديدة، تظهر نفسها للعالم في أقبح صورة، وأكلح وجه، إنها (حرية التعبير) ، الحرية التي لا تعرف الحدود ولا القيود؛ ولا محرم فيها ولا محظور، حرية لا عيب فيها، حرية لا يعدلها في القداسة قيمة أخرى، حتى أضحت الحرية اليوم أقدس من الرب ـ جل وعلا ـ في الضمير الغربي؛ فلهم أن يتكلموا عن الرب بما شاؤوا، وكيف شاؤوا، ممارسةً لحرية التعبير، (نعم لنا الحق أن نرسم كاريكاتيراً عن الله) ! كما قالها شقي من أشقيائهم عليه من الله ما يستحق، أما انتقاد حرية التعبير أو المساس من جنابها المقدس، فحرام حتى على (حرية التعبير) !! لقد قالها المخلصون من قبل: «إن الحرية المزعومة عند دعاة الليبرالية ليس لها حدود تقف عندها، فلا شرع يحوطها، ولا عقل يحرسها» وانظروا كيف ينتقدون الثوابت تحت شعارات الحق النسبي!
وانظروا كيف يطعنون في المسلّمات عبر بوابة حرية التعبير! وقد دفع الليبراليون عندنا التهمة ما استطاعوا وأنكروا، وقالوا: سوء فهم لليبرالية، وسوء ظن بالليبراليين، وجهل بالثوابت، وجهل بالمسلَّمات، ثم تجيء الليبرالية الأصلية اليوم، الليبرالية الأم، والْمُصدّر الأساس للفكرة لتقولها بملء الفم: ليس لحرية التعبير حد تنتهي إليه، وليس لأحد الحق في المساس من جنابها المقدس أو النيل منها، والحرية متى قُيِّدت لم تعد حرية، وصار صاحبها أسير القيد، فلا ثوابت ولا مسلَّمات، بل الكل خاضع للنقد، بل وللاستهزاء والسخرية.
إن العالم الغربي يعيش أزمة حقيقية حيال هذه القيمة التي ضخمت وضخمت حتى غدت ديناً جديداً يعبد فيها صاحبها هواه من دون الله، ولم تعد للقيم الإنسانية والمفاهيم البشرية ما يكافئها وما يدانيها، وما أزمتنا التي نعيشها اليوم معهم حيال ما وقع وجرى لنبينا ﷺ إلا أنموذج لتضخم هذه القيمة عندهم حتى يوشك أن يتلفهم ويهلكهم وقد فعل. لقد اعتذروا لنا عن الاعتذار بدعوى حرية التعبير، وصار السب والاستهزاء حقاً مكفولاً ترعاه الحكومات والدول الغربية تحت هذا البند (حرية التعبير) ، وصار معتنقو هذا المبدأ ـ وهم كثرة كاثرة ـ مشاريع سب وشتيمة وإن لم يمارسوه؛ إذ هم يبيحونه ويجوِّزونه وكفى بها جريمة، ومن رضي بما وقع كمن فعل وقال. لقد أظهروا تضامنهم وتآزرهم لضمان حقهم في حرية التعبير بإعادة نشر الصور هنا وهناك، وليذهب المسلمون إلى الجحيم! وأعلنوا لنا مراراً أنهم غير مستعدين للتنازل عن حقهم المزعوم هذا لأي كان، بل قال رئيس الوزراء الدانماركي: (القضية تتركز على حرية التعبير في الغرب مقابل المحرمات في الاسلام) ، وهكذا يريدون إقناعنا بقيمة حرية التعبير عندهم، وأنه لا محل للتفاوض حولها، ولا مجال للأخذ والعطاء، ثم يأتي الليبراليون ويريدون إقناعنا باعتذارهم السخيف هذا، فيقولون فيه: اعتذار (حقيقي) و (صحيح) (١) ! بل وتجاوزوا هذا ليؤكدوا على قداسة حرية التعبير وعدم تقبل فكرة التدخل في الصحافة على أي وجه وأي صورة (٢) ، حتى إنهم طعنوا في مواقف بعض الكفار الإيجابية من الأزمة واتهموهم بالانتهازية وأن الواجب عليهم (التأكيد على مبادئ حرية التعبير واحترام القانون) (٣) ! وأن ما يُرى من تهويل المسلمين لما وقع في جناب النبي ﷺ عائد إلى عدم ممارستهم هذه الحرية جرَّاء ما يعانونه من قمع وكبت، ولو أنهم ذاقوا طعمها لما قاموا ولما تحركوا، فسحقاً لهم ولحريتهم المزعومة هذه، وهكذا يكون انتصار الليبراليين لقضايانا وإلا فلا! وبهذه المواقف يؤكد الليبراليون انسلاخهم عن الأمة فكراً ومنهجاً وسلوكاً.
ومع ما تقدم فمن العجيب أن فقاعة (حرية التعبير) هذه لا تلبث أن تتوارى خجلاً إن مُسّ جناب اليهود، أو طُعن في السامية، أو شُكك في محرقة (الهولكست) ، ليعلم الجميع أن الحضارة الغربية حضارة ازدواجية، حضارة الكيل بمكيالين، لا أخلاق ولا قيم تقوم عليها، ولا مبادئ تستمر عليها، إنما القيمة المقدسة الوحيدة عندهم ـ على الحقيقة ـ المصلحة ليس إلا؛ فأينما كانت المصلحة فثمّ دينهم وشرعهم، وإن داسوا في سبيل تحصيلها الأديانَ والمبادئ والقيم.
وانظر إليهم ـ اليوم ـ كيف يتواصون بحرية التعبير ويتنادون بها، ثم يستنفرون العالم للضغط على الشعوب المسلمة لوقف ثورة الغضب وإنهاء حالة المقاطعة، وكأن حق التعبير حق خاص بهم فقط، وأن الشعوب المسلمة حقها الكبت والحرمان.
إن ما يجري على الساحة من منازعة ومخاصمة حول حرية التعبير وحدوده قد كشف عن سوءة العالم الغربي والحضارة الغربية، وإن ما يُرى من التهارج حول حرية التعبير لمحرج جداً لليبراليي الداخل، الذين أفنوا أعمارهم في التغني بالقيم الغربية، والحضارة الغربية، ثم تفجؤهم اللطمة بعد اللطمة لعلهم يتنبهون، ومن غفوتهم يستيقظون، وعلى دينهم يُقبلون، فيطلعوا على زيف القيم، وهشاشة الحضارة، حضارة الغرب التي لا روح فيها ولا خُلُق، حضارة اللاّدين التي لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً إلا ما أُشرب من هواها، فيتوقفوا عن التوريد، ويقاطعوا تلكم الأفكار، ويكشفوا الزيف، ويفضحوا الباطل، فيكفّروا عما تقدّم من خطايا عسى أن يُغفر لهم.
مما جعجع به الليبراليون وهوَّلوا حوله الأغلبية الصامتة في المجتمعات المسلمة؛ فما إن يقع لخصومهم من الإسلاميين انتصار إلا وتراهم يسارعون: لا تفرحوا؛ فالجمهور ليس معكم، و (الأغلبية صامتة) . والناظر في العالم الإسلامي شرقاً وغرباً يشهد الحضور الشعبي الواسع الداعم للحركة الإسلامية، لكن القوم يتعامون عنه ويصمّون الآذان، موهمين أنفسهم أن (الأغلبية الصامتة) معهم، وأنها غير موافقة لما يدور على الساحة، وما يقع على الأرض، لكن اللافت للنظر في هذا الحدث أن الأمة كلها قد قالت كلمتها، وعبرت عن رأيها بوضوح (إلا رسول الله ﷺ ) ! وأجمعت على خيار المقاطعة الشعبية العامة للبضائع الدانماركية؛ فماذا كانت النتيجة حين غدت الأمة (أغلبية ناطقة) ؟ لقد وسمهم أولئك بالغوغائية، وقصر النظر، وأنهم لا عقول لهم تحركهم وإنما المحرك العواطف ليس إلا، وأنهم مسلوبو العقول، ولولا الخوف منهم لنطق العقلاء (وهم الليبراليون طبعاً) وبيّنوا الواجب، لكنهم خنسوا لجبنهم أدام الله عليهم هذا الجبن؛ فإن تشجعوا وتكلموا فإشارة هنا وكليمة هناك، وقذف للحجر من مكان بعيد، والجريء من يتستر خلف الألفاظ ويتوارى خلف المصطلحات؛ فالهجوم اليوم على (صناع الكوابيس) ، و (المتطرفين) ، و (الغوغاء) ، أما تحديد الحقائق، وتسمية الأشياء بمسمياتها، والوضوح في النقد، فهم عنه بمعزل، أليس من الغريب أن دعاة (الرأي والرأي الآخر) قد ضاقوا ذرعاً بالرأي الآخر، فانبروا لـ (مقاطعة المقاطعة) مثلاً، رافعين شعار (لا لمقاطعة البضائع الدانماركية) (١) ، متنقِّصين بحماسة ظاهرة خيار الأمة في المقاطعة بأسلوب استفزازي، تصل بصاحبها إلى حد اتهام الأمة بالسطحية والسذاجة، ومتابعة العواطف دون العقول، وأن ما يُرى لا يعدو أن يكون ظاهرة صوتية ليس إلا، وما الأمر إلا كزوبعة في فنجان، هكذا تكون حماستهم لتسجيل مواقفهم في مصادمة الأمة والسبح ضد التيار بدل تسجيل المواقف في موافقة الحق الذي عليه سواد الأمة على مذهب (خالف تعرف) ! لينكشف للجميع أنهم ليسوا المؤهلين لنقل همّ الأمة، ونبض الشارع، ومن يطالع طرحهم بهذا الخصوص يعلم أنهم ملفوظون على المستوى الشعبي، وأن ما يسطِّرونه في هذا السياق محل رفض ومقاطعة.
من المظاهر اللافتة للنظر هذا التحرك الليبرالي المشبوه لإنهاء الأزمة بأقل مكاسب ممكنة للمسلمين، وأكبر قدر من الأرباح للمعتدين، وإلا فما الذي يفسر هذا التعجل المريب في نشر وترويج وقبول كل ما يُدَّعى أنه اعتذار لمجرد أنه مصدّر بكلمة (اعتذار) ، وإن كان عند أهل البصيرة والعمى ليس اعتذاراً ولا حتى شبه اعتذار (٢) ؟ وطالع ما شئت من الاعتذارات المقدمة حتى اليوم هل تجد فيها تجريماً لما وقع أو تخطئة لما جرى، غاية الأمر أنهم يقولون: إننا نأسف إن آذينا مشاعركم، لكن لنا الحق في سب نبيكم!! فهل يسمى هذا اعتذاراً يا عباد الله! أم هو جرم جديد يحتاج إلى اعتذار؟ وهل يصح أن تُنهى الأزمة بمثل هذا الكلام، وأن يقال فيهم: «خير الخطائين التوابون» ؟ (٣) .
إن الأمة اليوم تقف موقف قوة يمكنها من تحقيق أكبر قدر من المكاسب، ومع كل يوم يمر يكون للأمة الحق في أن ترفع سقف المطالبات، استجابة للواقع وتفاعلاً مع الأحداث، ولو أن أصحاب البقر كانوا أذكياء لأنهوا الأزمة من أولها بالاعتذار الصريح وأغلقوا الملف قبل وصوله للعالم الإسلامي، لكن للغباء والغطرسة الدانماركية ضريبتها والتي يجب أن تؤخذ منهم، ولا يصح أن يُتنازل عنها بحال.
إننا لا نريد التعجيز أو وضع المطالبات الممتنعة المستحيلة في ظرف استضعاف تعيشه الأمة على الصعيد العالمي، لكننا نريد أن نخرج من هذه الأزمة بأكبر قدر من المكاسب والأرباح الممكنة، والتي تكفل لنا وتضمن ـ فيما تضمن ـ حقنا في عدم وقوع مثل هذا الانتهاك مجدداً، وحقنا في نشر ديننا والدعوة إليه كما هو من غير تحريف أو تشويه، وليحفظ التاريخ لنا هذا الموقف وهذه الوقفة، ولتكون الدانمارك أنموذجاً لما يمكن أن يحصل متى ما مُسّ جناب نبينا بسخرية أو استهزاء!
أما محاولة إغلاق ملف القضية بأي وسيلة وكيفما اتفق فخيانة لجناب النبي ﷺ وأمته ينبغي أن تكون محل المحاسبة والجزاء، وهي دليل على ضيق عطن بما يحصل. وإن تطويل الأزمة ليست في صالح القوم، ألم أقل إن المشروع الليبرالي معطل، وأن فصل الخريف هذا لا بد أن ينتهي أو يُنهى؟!
стр. 5540
منطلقات شرعية في نصرة خير البرية
عبد العزيز بن ناصر الجليل
إن ما يشهده العالم الإسلامي هذه الأيام من غضبة عارمة، وحملة مباركة لنصرة سيد البشر نبينا ﷺ ، والدفاع عن عرضه الشريف أمام الهجمة الشرسة القذرة التي يشنها الغرب الصليبي على نبينا محمد ﷺ ، وتتولى كبرها بلاد الدانمارك. إن في هذه القومة المباركة لنصرة نبينا ﷺ ما يثلج الصدر، ويسر الخاطر ويبث الأمل في النفوس ويؤكد أن أمة الإسلام أمة مباركة ومرحومة ولا زال فيها الخير، والرصيد العظيم في مقاومة أعدائها والنكاية بهم حتى ولو كانت ذليلة مستضعفة؛ فكيف لو كانت قوية ومتمكنة؟
ولقد ظهر في هذه الحملة قدرة الأمة على النهوض والتكاتف والتعاون على إلحاق الأذى الشديد بالعدو المتربص. وقد ظهر ذلك في هذه القومة الشاملة لمختلف شرائح الأمة رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، أغنياء وفقراء، عوامَّ ومثقفين؛ وذلك في الكتابات الكثيرة المتنوعة لنصرة النبي ﷺ ، وكذلك في المقاطعة المباركة التي آتت أُكُلها وثمارها في إنهاك اقتصاد المعتدين.
أسأل الله أن يبارك في جهود القائمين بهذه النصرة سواء من كتب أو خطب أو قاطع وهجر منتجات القوم. وليس هذا بكثير في نصرة نبينا محمد ﷺ الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، والذي هو أوْلى بنا من أنفسنا، والذي قال لنا ربنا ـ سبحانه ـ عنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . والذي بلغ الكمال الإنساني في الشمائل والأخلاق وفي عبادة ربه . وكل هذا يفرض علينا أن يكون أحب إلينا من أنفسنا وأهلنا وأولادنا وأموالنا، وأن نفديه بالنفوس والمهج والأولاد والأموال.
وبما أن الحديث عن نصرة النبي ﷺ وعن حقوقه، وحقيقة أعدائه وحقدهم قد قام به المسلمون في شتى بلدان المسلمين بأقوالهم ورسائلهم وكتاباتهم ومقاطعتهم، فلن أكرر ما كُتب وقيل؛ ففيه إن شاء الله الكفاية. غير أن هناك بعض الوصايا التي أنصح بها نفسي وإخواني المسلمين في ضوء هذا الحدث الجلل أرى أنها من حقوق المصطفى ﵊ وهي من لوازم نصرته وموجبات محبته. ولكن قد تغيب عن بعضنا وتُنسى في زحمة الردود واشتعال المشاعر والعواطف.
\ الوصية الأولى:
قال الرسول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» [البخاري: ١] وعندما سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء. أي ذلك في سبيل الله؟» قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [البخاري (٢٨١٠) ، مسلم (١٩٠٤) ] .
والمقصود من إيراد هذين الحديثين الشريفين أن يحاسب كل منا نفسه، وهو يشارك في هذه الحملة المباركة للدفاع عن الرسول ﷺ ويتفقد نيته في قومته هذه. هل هي خالصة لله تعالى؟ أم أن هناك شائبة من شوائب الدنيا قد خالطت نيته كأن يظهر للناس غيرته وحرصه على الدين وعلى رسول الله ﷺ ، أو تكون مجرد حمية وعصبية ومفاخرة أو إرادة دنيا ومكانة بين الناس، أو غير ذلك من الأغراض. وهذا عمل قلبي لا يعلمه إلا الله . ومع إحسان الظن بالقائمين بهذه النصرة وأنهم إن شاء الله ـ تعالى ـ إنما قاموا بذلك حباً لله ـ تعالى ـ ولرسوله ﷺ ؛ إلا أن محاسبة النفس في هذا الشأن، وغيره من العبادات أمر واجب على كل مسلم حتى يبارك الله في الأعمال، ويحصل منها الأجر والثواب، وإلا ذهبت هباءً منثوراً؛ إن لم يأثم صاحبها ويعاقب على ذلك.
\ الوصية الثانية:
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] .
ويقول الرسول ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» .
«يقول الإمام ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ عند تلك الآية: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه وفي الأمر نفسه حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» . ولهذا قال: ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم؛ وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .
[آل عمران: ٣١]
ويقول الإمام أبن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ «لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى؛ فلو يُعطى الناس بدعواهم لادعى الخَلِيُّ حرقة الشجِيِّ. فتنوع المدعون في الشهود. فقيل لا تُقبل الدعوى إلا ببينة: ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأخلاقه» (من مدارج السالكين ٣/٩) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: «فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب، ليست محبته لله وحده، بل إن كان يحبه فهي محبة شرك، فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى محبة الله، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب، فكانوا يتبعون الرسول، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين. وهكذا أهل البدع؛ فمن قال إنه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه، فمحبته فيها شَوْب من محبة المشركين واليهود والنصارى، بحسب ما فيه من البدعة؛ فإن البدع التي ليست مشروعة، وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله، فإن الرسول دعا إلى كل ما يحبه الله، فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر» (الفتاوى ٨/٣٦١، ٣٦٠) .
والمقصود من إيراد ألآيه التي في سورة آل عمران وكلام أهل العلم عندها، وكذلك الحديث، التنبيه في هذه الحملة المباركة إلى أن يراجع كل منا نفسه ويختبر صدق محبته لله ـ تعالى ـ ولرسوله ﷺ في قومته ونصرته لرسول الله ﷺ ؛ إذ إن علامة حبنا لرسول الله ﷺ ، وصدقنا في نصرته أن نكون متبعين لشرعه وسنته، وأن لا يكون في حياتنا أمور تسيء إلى الرسول ﷺ وتؤذيه، فنقع في التناقض بين ما نقوم به من النصرة لرسول الله ﷺ وبين أحوالنا، فيقع الفصام النكد بين القول والعمل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] .
| فيا أيها الذي تعبد الله ـ تعالى ـ بغير ما شرع الرسول ﷺ ، وقام لنصرة رسول الله ﷺ : زادك الله غيرة وغضباً لله ـ تعالى ـ ولرسوله ﷺ ! ولكن اعلم أن الذي قمتَ لنصرته هو القائل: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [البخاري: ٢٦٩٧] وعليه فإن أي ابتداع في الدين سواء كان ذلك في الأقوال أو الأعمال لمما يؤذي نبينا محمداً ﷺ ويسيء إليه. فاحذر أن تكون ممن يدعي محبة رسول الله ﷺ ، وهو في نفس الوقت يؤذيه ويعصيه؛ فإن هذا يقدح في صدق المحبة والاتباع، ويتناقض مع نصرته ونصرة سنته. وأشنع من هذا من يدعي محبة الرسول ﷺ ونصرته ثم هو يقع في الشرك الأكبر ويدعوه أو يدعو علياً والحسين وغيرهم من الأولياء من دون الله. أو يؤذي رسول الله ﷺ بسب أزواجه أو أصحابه؛ فإن كل ذلك يدل على كذب أولئك المدعين.
| ويا أرباب البيوت والأسر الذين قمتم لنصرة الرسول ﷺ ! إن هذا منكم لعمل طيب مشكور؛ ولكن تفقَّدوا أنفسكم فلعل عندكم وفي بيوتكم وبين أهليكم ما يغضب الله ورسوله ﷺ من آلات اللهو، وقنوات الإفساد ومجلات اللهو والمجون؛ فإن كان كذلك فاعلموا أن إصراركم عليها واستمراءكم لها لمما يسيء إلى الرسول ويؤذيه، ويتناقض مع صدق محبته؛ إذ إن صدق المحبة له تقتضي طاعته واتباعه؛ لأن المحب لمن يحب مطيع.
| ويا أيها التاجر الذي أنعم الله ـ تعالى ـ عليه بالمال والتجارة! إنه لعمل شريف، وكرم أصل أن تهبَّ لنصرة رسول الله ﷺ وتهجر وتقاطع منتجات القوم الكفرة الذين أساؤوا إلى رسول الله ﷺ وآذوه. ولكن تفقَّد نفسك ومالك عسى أن لا تكون ممن يستمرئ الربا في تنمية أمواله، أو ممن يقع في البيوع المحرمة، أو يبيع السلع المحرمة التي تضر بأخلاق المسلمين وأعراضهم وعقولهم. فإن كنت كذلك فحاسب نفسك وراجع صدق محبتك للرسول ﷺ الذي قمت لنصرته. ألا تعلم أنك بأكلك الربا تعد محارباً لله ـ تعالى ـ ولرسوله ﷺ ، وصدق القيام لنصرته. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] ألا تعلم أن الأوْلى بالمقاطعة والهجر هو هجر ما حرم الله من الربا والبيوع المحرمة والسلع المحرمة التي قد استمرأها الكثير من التجار؟ قال الرسول ﷺ : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (البخاري: ١٠) . ولا يعني هذا التهوين من مقاطعة منتجات القوم، بل أرى الصمود في ذلك، ولكن أردت التنبيه إلى ضرورة تخليص حياتنا من هذه الازدواجية، وعدم المصداقية.
| ويا أيها القائمون على المؤسسات الإعلامية من صحافة، وإذاعات وتلفزة، وقنوات فضائية في بلدان المسلمين! إنه لعمل مشكور هذا الذي تشاركون به في حملة الانتصار لرسول الله ﷺ ، ولكن ألا يعلم بعضكم أنه يعيش حالة من التناقض، إن لم يكن ضرباً من النفاق، وذلك عندما يدعي محبة رسول الله ﷺ ونصرته ممن أساء إليه من الكفرة، ثم هو في نفس الوقت يبث في صحيفته أو إذاعته أو تلفازه أو قناته الفضائية ما يسيء إلى رسول الله ﷺ ويؤذيه؛ وذلك مما حرم الله وحرمه رسوله ﷺ من إشاعة الفاحشة، وتحسين الرذيلة، وبث الشبهات، والشهوات، والنيل من أولياء الله وأولياء رسوله ﷺ والاستهزاء بهم وبسمتهم وهديهم وعقيدتهم والله يقول: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب» [البخاري: ١١/٢٩٢] . فكيف تعرِّضون أنفسكم لحرب الله وأنتم تدَّعون نصرة نبيه ﷺ والذب عنه؟ إن الذب عن نبينا ﷺ إنما يكون بالتزام سنته، والذب عنها والتوبة من كل ما يقدح فيها، والتزام طاعته ﷺ والصدق في محبته، وإلا كان هذا الانتصار مجرد ادعاء ومفاخرة ونفاق؛ نعوذ بالله من ذلك.
| ويا أصحاب الحل والعقد في بلدان المسلمين! إن أمانتكم لثقيلة فالحكم والتحاكم بأيديكم، والإعلام والاقتصاد بأيديكم، والتربية والتعليم بأيديكم، وحماية أمن المجتمع، وحماية الثغور بأيديكم؛ فما أعظم أمانتكم ومسؤوليتكم أمام ربكم وأمام أمتكم؛ فهل تعلمون أن من رفض منكم الحكم بما أنزل الله واستحل ما حرم الله إنما هو من أعظم المسيئين إلى رسول الله ﷺ والمناوئين له ... ؟
وفي ختام هذه الوصية: أرجو أن لا يُفهم من كلامي أني أهوِّن من هذه الحملة القوية لنصرة رسول الله ﷺ ، والدفاع عن عرضه الشريف، أو أني أدعو إلى تأجيلها حتى تصلح أحوالنا حكاماً ومحكومين. كلاَّ؛ بل إني أدعو إلى مزيد من هذا الانتصار والمقاطعة والتعاون في ذلك كما هو الحاصل الآن والحمد لله رب العالمين، ولكنني أردت أيضاً الالتفات إلى أحوالنا وتفقد إيماننا، وصدقنا في محبتنا لرسول الله ﷺ ، والانتصار له، بأن نبرهن على ذلك بطاعته ﵊ واتباعنا لشريعته والذب عنها والاستسلام لها باطناً وظاهراً. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
\ الوصية الثالثة:
إن ما حصل من إساءة إلى الرسول ﷺ في الإعلام الدنماركي، والنرويجي وغيرهما جرم عظيم ينم عن حقد متأصل في قلوب القوم، ولكن ينبغي أن لا تنسينا مدافعة هؤلاء القوم من هو أشد منهم خبثاً وحقداً وضرراً على المسلمين، ألا وهي طاغية العصر أمريكا حيث جمعت الشر كله، فوقعت فيما وقع فيه هؤلاء من الإساءة إلى نبينا محمد ﷺ ، وإهانة كتاب ربنا ـ سبحانه ـ وتنجيسه وتمزيقه على مرأى من العالم، وزادت على القوم بقتل أهلنا ونسائنا وأطفالنا في أفغانستان والعراق وفلسطين، وسامت الدعاة والمجاهدين سوء العذاب في أبي غريب وأفغانستان، وسجونها السرية في الغرب والشرق، فيجب أن يكون لها الحظ الأكبر من البراءة والانتصار منها لربنا ولكتابه ـ سبحانه ـ ولرسوله ﷺ ، وأن ننبه الناس في هذه الحملة الميمونة إلى هذا العدو الأكبر وأنه يجب أن يكون في حقه من إظهار العداوة له والبراءة منه ومقطاعته كما كان في حق الدانمارك بل أكثر وأشد.
وأتوجه بهذه المناسبة إلى المنادين بمصطلح (نحن والآخر) والمطالبين بالتسامح مع الآخر الكافر وعدم إظهار الكراهية له، أقول لهم: هذا هو الآخر الذي تطلبون وده وتتحرجون من تسميته بالكافر. إنه يرفض ودكم، ويعلن كراهيته لديننا ونبينا، وكتاب ربنا ـ سبحانه ـ فماذا أنتم قائلون؟! وهذا من عدونا غيض من فيض، وصدق ربنا ـ سبحانه ـ إذ يقول في وصفهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
\ الوصية الرابعة:
إن من علامة صدق النصرة لرسول الله ﷺ أن لا نفرق في بغضنا وغضبتنا بين جنس وآخر ممن آذى نبينا ﵊ وأساء إليه أو إلى دين الإسلام؛ بل يجب أن تكون غضبتنا لله ـ تعالى ـ وتكون عداوتنا لكل من أساء إلى ربنا أو ديننا أو نبينا ﷺ من أي جنس كان ولو كان من بني جلدتنا ويتكلم بألسنتنا. كما هو الحاصل من بعض كتاب الصحافة، والرواية، وشعراء الحداثة، والذين يلمحون تارة ويصرحون تارة أخرى بالنيل من أحكام ديننا وعقيدتنا، وإيذاء نبينا ﷺ ، بل وصل أذاهم وسبهم للذات الإلهية العلية ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ـ. فأين غضبتنا على هؤلاء، وأين الذين ينتصرون لله ـ تعالى ـ ودينه، ورسوله ﷺ من فضح هؤلاء والمطالبة بإقامة حكم الله فيهم ليكونوا عبرة لغيرهم؟ إن الانتصار من هؤلاء لا يقل شأناً عن الانتصار ممن سب ديننا ونبينا محمداً ﷺ في دول الغرب الكافر. يقول الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
\ الوصية الخامسة:
يقول الله : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] .
يقول الإمام ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ عند هذه الآية بعد أن ذكر أقوال أهل العلم: (ومضمون ما ذكروه أن الله ـ تعالى ـ نهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال كما قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، وفي الحديث: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث» ، وفي سنن أبي داوود: «بئس مطية الرجل زعموا» ... وقوله: ﴿كُلُّ أُوْلَئِكَ﴾ أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه وعما عمل فيها) ا. هـ.
وفي ضوء هذه الآية الكريمة وما ورد في معناها نخرج بمنهج عادل وقويم في التعامل مع الأحداث، والمواقف ينصحنا الله به، حتى لا تزلَّ الأقدام، وتضل الأفهام، وحتى لا يقع المسلم في عاقبة تهوره وعجلته. وذلك بأن لا ينساق وراء عاطفته، وحماسته الفائرة دون علم وتثبت مما رأى أو سمع فيقول بلا علم أو يتخذ موقفاً دون تثبُّت وتروٍّ.
إن المسلم المستسلم لشريعة ربه ـ سبحانه ـ محكوم في جميع أقواله ومواقفه وحبه وبغضه، ورضاه وسخطه بما جاء في الكتاب والسنة من الميزان العدل، والقسطاس المستقيم؛ فإن لم يضبط المسلم عاطفته وحماسه بالعلم الشرعي والعقل والتروي فإن حماسته هذه قد تجره إلى أمور قد يندم على عجلته فيها.
والمقصود هنا التحذير من العجلة، والجوْر في الأحكام، والمواقف خاصة عندما تكثر الشائعات ويخوض فيها الخائضون بلا علم أو عدل، بل لا بد من التثبت ومشاورة أهل العلم والشرع وأهل الفهم بالواقع.
ومن أمثلة هذه المواقف المتسرعة في هذا الحدث ما تناقلته بعض المطويات ورسائل الجوال من وجوب المقاطعة لبضائع كثيرة بعضها ليست من منتجات القوم المقصودين بالمقاطعة، ومن ذلك التسرع في الحكم على من لم يقاطع بأنه آثم لا يحب رسول الله ﷺ ، وكما جاء في قول القائل: (قاطع من لم يقاطع) . ومن ذلك الإكثار من الرؤى والمنامات، والاستناد عليها في تصحيح موقف ما أو تخطئته، فهذا غلو خطير لا مبرر له.
وبعد: فهذا ما يسَّره الله من هذه الوصايا التي أخص بها نفسي وإخواني المسلمين في كل مكان؛ مع التأكيد على ضرورة الصمود والمصابرة في البراءة من القوم، ومقاطعة منتجاتهم؛ فما كان في هذه الوصايا من صواب فمن الله فهو المانُّ بذلك، وما كان فيها من خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله وأتوب إليه. والحمد لله رب العالمين.
стр. 5541
حماس بين المطرقة والسندان
أحمد فهمي
بدأت حماس في مواجهة التحديات حتى قبل الإعلان عن فوزها في الانتخابات البرلمانية؛ فالعِصيّ كانت جاهزة منذ فترة طويلة، وكان الخلاف فقط في توقيت وضعها في دواليب الحركة، فكانت حكومة شارون - أولمرت تريد وَأْدَ المشروع من بدايته والقضاء على آمال حماس في مشاركة سياسية فعالة، بينما كان البيت الأبيض يفضّل إعادة انتشار العراقيل بعد فوز حماس، رغبة منه في ضرب أحد العصفورين بالحجر ذاته: إما أن يتم ترويض حماس، وإما أن يتم إبعادها وسط أجواء إجماع دولي على محاربة الإرهاب، وهو ما يحدث حالياً بالفعل..
وتتنوع العقبات والتحديات التي تنتشر في طريق حماس السياسي في أربعة أنماط بعضها داخلي وبعضها إقليمي وبعضها دولي، وهو ما يجعل الحركة بامتياز في وضعية المطرقة والسّندان..
\ أولاً: تحدّيات شرعية ومنهجية:
تواجه الحركة أوضاعاً غير مسبوقة، من حيث التعامل مع آليات المقاومة، والتفاوض مع العدو، والتحالف مع أحزاب وشخصيات علمانية والتعامل مع دول معادية حسب المفهوم العقدي والشرعي، وينبغي أن تحرص الحركة على أن تنطلق في تحركاتها السياسية من خلال مواءمة شرعية واجتهادات مطردة يتولاها علماء ثقات لا يشترط أن يكونوا من فلسطين؛ نظراً لأن القضية لم تعد محصورة بدولة واحدة.
وفي المقابل تواجه الحركة نوعاً آخر من الاجتهادات أو الإطلاقات التي تدعو إلى ما يخالف الشرع ولكن بصيغة شرعية!!
ومن الأمثلة على ذلك: ما كتبه الدكتور نادر فرجاني ـ المشرف على تقرير التنمية العربية (صحيفة الحياة اللندنية ٥/٢/ ٢٠٠٦م) ـ حيث يقول: «ومن المفيد هنا تذكّر أحد أهمّ استخلاصات تقرير «التنمية الإنسانية العربية» الثالث عن الحرية والحكم، والاستخلاص هو أنه لا يقوم تعارض جوهري بين إقامة مجتمع الحرية والحكم الصالح والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، إلا أن إقامة مثل هذا المجتمع في الوطن العربي يتطلب إفساح مجال للاجتهاد الفقهي لوضع قواعد الاتساق بين الحرية بمفهومها الشامل، وبين المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، تجاوزاً لكثير من التأويل الفقهي الذي استشرى في عصور الانحطاط مكرّساً القهر والاستبداد.. ويتعين في تقديري، إضافة واجب الريادة في هذا المطلب على جدول أعمال ومسؤوليات حماس والإخوان» .
أمر آخر يتعلق بالتحديات المنهجية، وهو تحديد هوية ومهمة حماس في المرحلة الحالية: هل هي حركة جهادية؟ أم حزب سياسي؟ هل تتصرف انطلاقاً من وضعية الاحتلال، فيلزمها التقيد بذلك حسب الضوابط الشرعية، وأيضاًً يسعها ما لا يسع غيرها من الحركات التي لا تعاني احتلالاً؟ أم أنها تعتبر نفسها تجربة سياسية مشابهة لغيرها في الدول الإسلامية؟
ومما يدعو لطرح هذه الإشكالية ما صرح به الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، في حوار مع موقع إسلام أون لاين (٣١/ ١/ ٢٠٠٦م) حيث قال: «أعتقد أن أي شيء متعلق بالمشروع الإسلامي الحضاري، أو الإسلام السياسي بشكل مجمل وكيفية تنزيله على الواقع، أنا أعتقد أن هذه مهمات عند الإسلاميين في دول مستقلة، أكثر من المهمات عند (حركة تحرر) لا زالت تدافع عن نفسها وعن شعبها لتتحرر من الاحتلال» .
وأخيراً فإن الخطاب العام للحركة يتداخل فيه الدعوي والسياسي إلى درجة كبيرة، ورغم أن الضوابط لا تختلف كثيراًً في الحالتين، إلا أن لكل مقام كلاماً، وقد انتقد بعضٌ الحركة في وقوعها في بعض التناقضات، والتي سنشير إلى بعضها في النقطة التالية:
\ ثانياً: تحدّيات ذاتية:
(١) تناقض الموقف مع «أوسلو» :
اتخذت حركة حماس موقفاً رافضاً للانتخابات التشريعية الأولى التي جرت عام ١٩٩٦م، مستندة في هذا الرفض على الثوابت الإسلامية التي ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، وترفض اتفاق «أوسلو» الذي انبثق عنه المجلس التشريعي باعتباره يقر الاحتلال وجرائمه، كما رفضت الحركة مبدأ إقامة الانتخابات في ظل الاحتلال، وكثُرت الفتاوى في رفض هذه الانتخابات، وبذل العلماء والخطباء جهداً من خلال المساجد لشرح هذا الموقف الرافض ولإقناع الجماهير المسلمة بذلك.
ولكن تغّيَر الحال بمعدل (١٨٠) درجة في الانتخابات الثانية، رغم أن المجلس التشريعي والسلطة لا يزالان قائمين وفق اتفاق «أوسلو» ، ولا يزال الاحتلال محاصراً لغزة ومحتلاً للضفة الغربية؛ فما الذي تغير في نظر الحركة، لكي يتغير موقفها؟ علماً بأن بعض المراقبين اتهم الحركة بأنها بالغت في إبراز حجم الانتصار بانسحاب الاحتلال من غزة بغرض تسويغ المشاركة الانتخابية بعد ذلك، كما أن الاحتلال لم يتوقف عن استفزازاته المستمرة.
تجيب الحركة عن هذه التساؤلات: بأن الانتخابات الحالية تجري في ظل الاندحار الصهيوني عن قطاع غزة، وأنها تجري بعيداً عن سقف «أوسلو» الذي ماتت اتفاقياته، وأنها محكومة باتفاق القاهرة الذي يعترف بقوى وفصائل المقاومة، هذا من الناحية السياسية، ومن الناحية الشرعية، فقد نظمت الحركة حملة موسعة قام فيها العلماء والخطباء بشرح هذه القضية على الناس في المساجد.
والمشكلة أن هذه التبريرات لم تكفِ للاقتناع بأن الظروف هي التي تغيرت بينما الحركة لم تتغير، وقد واجهت حماس انتقادات شديدة، حتى من قادة فتح أنفسهم، الذين اتهموا الحركة بأنها تتلاعب في ثوابتها لمنافسة فتح، وفي مقدمة هؤلاء محمد دحلان، كما أن أبا مازن رفض القول بذوبان اتفاقات «أوسلو» ، فقال في لقاء صحفي (١٦/١/ ٢٠٠٦م) : «إن اتفاقات «أوسلو» قائمة، وإن الانتخابات ستجري على أساسها، ولا يمكن لأي حزب الادعاء بأن «أوسلو» قد انتهت، وأنه لا يخوض الانتخابات في ظل هذه الاتفاقيات، بعض الناس يقولون إن اتفاقيات «أوسلو» ماتت، ولكن دعني أقول: أن هذه أحلام وتمنيات بعض الناس، لكن اتفاقيات «أوسلو» قائمة ولم تنته أو تمُت، صحيح أن (الدولة العبرية) عطلتها ولكن ذلك لا يلغيها، إن تخريب «أوسلو» لا يعني أن «أوسلو» قد انتهت وإنما الكل آت على أرضيتها، والمجلس التشريعي أُسِّسَ على أساس بند من بنود «أوسلو» ، ولذلك كل ما يجري إنما يجري على أساس «أوسلو» ، وفيما يتعلق بموضوع اتفاق القاهرة، إن مَنْ يقولون إنهم يخوضون الانتخابات على أساس اتفاق القاهرة، فإن اتفاق القاهرة لا يتحدث عن أي من هذه الأمور، وإنما يتحدث عن الهدنة» .
والمثير ـ هنا ـ أن الدكتور موسى أبو مرزوق نفسه صرح بما يوحي ضمناً باعتراف الحركة أن «أوسلو» لا تزال قائمة.. فقال: «معروف بأن أيَّ قانون أو أي اتفاقيات يعقدها نظام تكون واقعاً على الأرض، هذا الواقع لا يمكن إلا التعامل معه، من أي قوى سياسية قادمة، ومن ثَم فإننا سوف نتعامل مع كل نتائج «أوسلو» التي استمرت على الأرض سنوات عديدة، نحن دخلنا الانتخابات التشريعية وأحد إفرازات «أوسلو» هو المجلس التشريعي نفسه، ولذلك ـ في البداية ـ نحن قاطعنا المجلس التشريعي، والدخول فيه وكان المقصود من ذلك هو شرعية النظام السياسي الذي أفرزته «أوسلو» ، أما الآن فنحن دخلنا بناء على نتائج، نتائج هذه الاتفاقية، والتي انتهى مفعولها إلى حد ما، ولكن ظلت نتائجها، ولذلك نحن نتعامل معها، بكل واقعية، أما بخصوص هذه التعاملات مع هذه الإفرازات لـ «أوسلو» فبلا شك هناك بعض القضايا مضرّة بالشعب الفلسطيني» .
والمشكلة ليست في التناقض في حد ذاته؛ فتغيير المواقف سعياً نحو الأصلح ليس عيباً، كما أن الظروف تتغير، ولكن المشكلة أن هذه التغيرات ينبغي أن يواكبها بل يسبقها تأصيل شرعي موسع، يقدم قناعة كافية للرأي العام بأن الحركة لا تتراجع، والمطلوب ليس تأصيلاً شرعياً يكفي لمواجهة الجماهير، ولكن تأصيلاً يصمد في مواجهة العلماء والمتخصصين.
(٢) هل تنقسم حماس من الداخل؟
تمرّ الحركة بمرحلة جذرية في مسيرتها؛ فالانتقال من جهة المعارضة إلى تسلُّم الحكم ليس بالأمر الهين، ومنذ أكثر من عام والحركة تمر بتطورات متسارعة، وهذه الوضعية تتسبب في حراك داخلي هائل في مختلف الاتجاهات، وهذا الحراك يعني وجود رؤى مختلفة وآراء متعارضة، كما يعني تصعيد شخصيات من الظل إلى العلن، ويعني ـ أيضاًً ـ تلاحماً بين قيادتي الداخل والخارج بصورة غير مسبوقة.
ويجب أن تكون قيادات الحركة مستوعبة ومنتبهة لهذه التطورات الداخلية بدرجة كافية، ولا تشغلها التطورات الخارجية عن ذلك، وقد قدمت حماس فيما مضى نموذجاً إيجابياً على قوة التنظيم والترابط، وينبغي أن تحرص قياداتها على استمرار هذه المزية؛ فهناك أخطار عديدة، مثل: تداخل الأدوار بين قيادة الداخل والخارج، خاصة مع كثرة مشاركة القيادات الداخلية في المفاوضات واللقاءات الخارجية، والخلاف على توزيع المناصب، واختلاف الآراء حول القضايا المستجدة، والتصريحات والبيانات المتناقضة، إلا إن كان ذلك مقصوداً على سبيل المناورة.
ويبقى كذلك بعض العناصر التي تعارض المشاركة في الانتخابات، وهي وإن كانت محدودة، إلا أنه ينبغي العمل على استيعابها، ومنها: أحمد نمر، وهو عضو بارز في حماس جنوب غزة، وقد طرح تساؤلات عن مصير المقاومة وأولوية تحرير فلسطين في برنامج حماس الانتخابي، ليدفعه ذلك كله إلى إصدار فتوى تحرم المشاركة في الانتخابات التشريعية سواء بالترشيح أو الانتخاب (الموجز السياسي للمنتدى الفلسطيني السياسي ٢١/١/ ٢٠٠٦م) .
ومن جهة أخرى، فإن كتائب القسام الجناح العسكري للحركة تحتاج إلى بلورة جديدة لمهامها في المرحلتين الحالية والمقبلة، خاصة مع التزام حماس بالهدنة الحالية وعرضها هدنة طويلة الأمد، فقد يؤدي ذلك إلى تذمّر عناصر الكتائب أو تململهم، خاصة مع استمرار الاستفزاز الصهيوني، ومعلوم أن الأجنحة العسكرية عادة ما تكون السيطرة عليها ليست بالأمر الهين، وتجربة الجناح العسكري للإخوان المسلمين منتصف القرن الماضي ماثلة في الأذهان. ومن ناحية أخرى فإن الحركة تحتاج لجناحها العسكري نشاطاً وفعالية؛ تحسباً لأي تطورات، وما تردد عن احتمال ضمّ عناصره إلى الأجهزة الأمنية ليس بالأمر المناسب إن صح.
ويقدم بعض المختصين الصهاينة ـ رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة بن جوريون «يورام ميتال» توقعاً لمستقبل الكتائب يبدو صعب الحدوث قياساً إلى مستوى الانضباط الذي يميز حماس: «عناصر حماس الميليشياوية سوف تصرّ على الاستمرار في الحرب ضد العدو، وستنضم لتنظيم الجهاد الذي يرفض المشاركة في الانتخابات، أو في أي مفاوضات» .
\ ثالثاً: تحدّيات سياسية:
تواجه حماس في مرحلتها الحالية عدة تحديات تندرج ضمن الممارسة السياسية، ومن أبرزها:
(١) التحول المفاجئ:
يتحدث المحللون عما أسموه «البلوغ المفاجئ للسلطة» أو احتكاك النظرية بالواقع ومطابقة القول بالفعل، وتحوّل الحركة النضالية الجهادية ـ أو جزء منها ـ إلى ممارسة العمل السياسي من موقع السلطة، ويعتبر المراقبون أن هذه الوضعية تحتاج إلى فترة انتقالية لاستيعابها، وذلك لتتجنّب الحركة أحد أمرين: الانشقاق الداخلي إذا خرجت عن ثوابتها العقدية السياسية في حال مالت نحو السلام والمفاوضات، أو الفشل في إدارة شؤون السلطة.
وقد يكون من المناسب تأسيس حزب سياسي بهيكلية مستقلة ولكنها تابعة لقيادة الحركة، وتقوم بممارسة العمل السياسي، وهناك تجارب عربية ناجحة للفصل بين الحزب السياسي والحركة الدعوية.
(٢) حساسية التعامل مع الحكومات العربية:
تبقى حماس ـ رغم كل شيء ـ حركة إسلامية، تمثل جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، والجماعة رغم شعبيتها تحمل إرثاً كبيراً من الحساسية السياسية ـ أو عدم القانونية ـ لدى حكومات عربية ـ مصر على سبيل المثال ـ ورغم ما قد تتلقاه من تأييد فإن فكرة أن أحد أفرع الإخوان المسلمين قدم تجربة سياسية ناجحة تتضمن ممارسة حقيقية للحكم، سوف يكون لها تداعياتها على المنطقة ولا شك، لذا أحسب أن أغلب الحكومات ـ حتى الآن ـ لم تتمكن من تحديد موقفها بوضوح من دعم الحركة، ولذلك لا يزال الغموض يحيط بحجم ومستوى الدعم المصري؛ فالمشكلة معقدة، وكل خطوة سيكون لها آثارها على المدى القريب والبعيد أيضاًً.
(٣) الرجوع لنقطة الصفر:
الذي يصعّب الموقف على حماس أنها بعد تحقيق الإنجازات السياسية الخطيرة في الانتخابات الأخيرة سيكون من العسير عليها أن ترجع لنقطة الصفر، وهو المأزق الذي تواجهه أغلب الحركات النضالية التي تقتحم الميدان السياسي، حيث ألزمها ـ ويلزمها ـ هذا الاقتحام بقائمة من الاستحقاقات، من بينها في حالة حماس: الهدنة، ووقف العمليات، وإمكانية الانضمام لمنظمة التحرير، وحذف هدف تدمير الدولة المحتلة من البرنامج الانتخابي، وإمكانية التفاوض مستقبلاً، وغير ذلك، وهذه الاستحقاقات التي التزمتها حماس تجعل من الصعب عليها العودة مرة أخرى لنقطة الصفر ـ أو الفشل ـ السياسية، لذلك يغلب على ظني أن هذا الوضع الحرج في حد ذاته يمثل عنصر ضغط ذاتي على الحركة، وهو الخوف من الرجوع إلى نقطة الصفر، وحتى لو تجاسرت قيادة الحركة عند ظرف قهري واختارت الرجوع لنقطة الصفر السياسية فإن ذلك لن يتم إلا بتنازلات بمفهوم آخر.
(٤) الضغوط الصهيونية:
تخوف إسرائيل من نشأة حزام إسلامي يحيط بالكيان الصهيوني، ولذلك ستكون الحكومة الجديدة في تل أبيب حريصة على حصار حماس وتفريغ تجربتها السياسية من مضمونها، وستكون وتيرة ذلك مرتبطة بمستوى المرونة الذي تبديه حركة حماس، وتتمثل أهم الضغوط الصهيونية في: مواصلة التحريض الدولي، منع الضرائب المحصلة من الفلسطينيين، وغلق المعابر والمنافذ، وتشديد الحصار، ومنع تحركات قادة الحركة، وتنشيط عمليات الاعتقال والاغتيال، وتحريض عملائها في حركة فتح، إطلاق سراح البرغوثي من أجل لملمة جراح فتح، واستفزاز الأجنحة العسكرية من أجل إحراج حماس وتشجيع الفلتان الأمني عن طريق المخابرات ... إلخ.
(٥) استحقاقات «أوسلو» :
هناك استحقاقات قانونية وسياسية ترتبت على قبول الحركة المشاركةَ في السلطة الفلسطينية، ورغم أن الحركة تحاول التملص منها، إلا أنها تبقى حقيقة واقعة، وخاصة الاتفاقات التي لا يمكن إلغاؤها دون أغلبية الثلثين، وهي تستند في الأساس إلى المجلس الوطني الفلسطيني القديم ومنظمة التحرير التي يُنص على أنها الممثل الشرعي الوحيد ـ بالمفهوم السياسي ـ للشعب الفلسطيني، وحماس مضطرة للتعامل مع هذا الوضع فالمجلس التشريعي لا يغير في الاتفاقيات؛ لأن من وقّعها هو منظمة التحرير، وليس السلطة أو المجلس، وهذا ضغط جديد يدفع حماس للدخول إلى المنظمة والانغماس بصورة أكبر في البوتقة السياسية.
(٦) عمليات المقاومة:
شرعت سلطات الاحتلال في تنفيذ سياسة اغتيالات ضد الفصائل الفلسطينية داخل غزة والضفة، وقد طالت حتى كتابة هذه السطور عناصر من كتائب الأقصى وسرايا القدس، أي: فتح والجهاد، وتهدف الدولة الصهيونية من عملياتها الأخيرة إلى:
ـ الضغط على حماس التي لن تستطيع الرد خاصة في الوقت الحالي نظراً للاستحقاقات الانتخابية.
ـ دقّ (إسفين) بين حماس من ناحية وفتح والجهاد من ناحية أخرى، فأعضاء الحركتين هم الذين يتعرضون للاغتيال في العمليات الأخيرة.
ـ يمكن أن يتزايد الضغط على حماس في حالة تعرض عناصرها للاغتيال.
ـ إضعاف حماس في مواجهة الرأي العام عن طريق تكبيلها عسكرياً، باعتبار أنها ستضطر للالتزام بالهدنة حتى لا تفقد الدعم العربي المحدود.
وقد بدأت عناصر من فتح بالتقاط الخيط من الصهاينة واستوعبوا الرسالة، واستدعوا خطاب الانتفاضة، وأخذوا يتحدثون عن انفراد إسرائيلي بفتح والجهاد، وذلك لإيقاع حماس في مزيد من الحرج والظهور في صورة الضحية على اعتبار أن ذلك له تأثيره في الرأي العام الفلسطيني، وربما يتفاعل هذا السلوك ليؤدي في النهاية إلى تصاعد الانتفاضة من جديد لتضييق المجال على حماس ودفعها إما للمشاركة؛ ومن ثَم التعرض لتدمير مماثل لما حدث مع فتح، وإما للاعتراض وفقد شعبيتها في الشارع الفلسطيني، وإما للسكوت والتعرض للضغوط.
ولذا ينبغي على حماس أن تحدد موقفها مبكراً بوضوح ولا تكتفي ببيانات التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في الرد، وخاصة أن تصريحات بعض قيادييها قد لا توحي بالاطمئنان رغم تأكيدها على احترام المقاومة.
يقول الدكتور أبو مرزوق: «لن يُعتقل مجاهدٌ، ولن يُعتقل مقاومٌ، سنطرح أجندة المقاومة بكل مسؤولية مع كل الأطراف، نحن صنعنا المقاومة سويّاً، والمقاومة هي لخدمة شعبنا ولإحقاق حقوقه، ولا يمكن أن تتعارض برامجنا مع المقاومة، دخولنا للمجلس التشريعي وللسلطة هو انتصار لبرنامج المقاومة، وكان أحد أهم أسباب دخولنا للمجلس التشريعي هو برنامجنا للمقاومة، ولكن لا بد أن نعرف أيضاً أنه في المرحلة القادمة لا بد من حديث مطول عن أولويات العمل الوطني، وأولويات عمل المقاومة» .
وينبغي هنا على الحركة أن تستحضر نموذج فتح التي كانت في السلطة وفي الوقت نفسه لها جناحها العسكري (كتائب شهداء الأقصى) وكان عرفات يُتهم بتمويل الكتائب، كما أن تهمة تأسيسها هي إحدى التهم الرئيسة التي اعتقل وحُوكم بسببها مروان البرغوثي، وهذا النموذج لا ريب أنه سيكون مجال مزايدة كبير لفتح في حال تجاوزته حماس.
(٧) الوقت:
تراهن حركة حماس كثيراً على استغلال عنصر الزمن في تهدئة الأمور وامتصاص ردود الفعل، ولذلك تبدي ـ حالياً ـ مستوىً عالياً من المرونة، ولكن ذلك أمر لم يَفُتْ أعداءها، وهم يدركون جيداً تأثير الوقت في نجاح استراتيجية حماس.
يقول المنسق الأمريكي السابق في الشرق الأوسط دينيس روس: «لا يجب أن تُترك حماس هكذا متجنّبة الاختيار ما بين أمرين عسيرين وتأخذ كل الأرباح، فآمال تغيّر حركة حماس بعد امتلاكها زمام الحكم في فلسطين تحت ضغط الأوضاع الجديدة سوف تتبخر في الهواء إذا ما استطاع منظِّروها إثبات أن التغير لن يكون ضرورياً» .
\ رابعاً: تحدّيات تنفيذية:
(١) عقبات فتح:
التنافسية الشديدة التي تحكم طبيعة العلاقة بين حركتي حماس وفتح كان لها دور كبير في تسارع الأحداث بهذه الوتيرة، ولا تزال حركة فتح حتى الآن غير قادرة على استيعاب حقيقة الهزيمة في الانتخابات، أو تبعات تسليم السلطة إلى حماس.
وكشف قيادي بحماس عن أن وفد الحركة يبحث مع الساسة العرب التدخل لدى السلطة الحالية وحركة فتح كي لا تضع المزيد من العراقيل في طريق تجربتها الأولى، كما أن أحد أسباب تأكيد حماس على أهمية مشاركة فتح في الحكومة المقبلة هو امتصاص القدر الأكبر من دوافع إفشال حماس لدى كوادر الحركة، ورغم ذلك يُتوقع حدوث بعض المشكلات في الفترة المقبلة، ومنها:
أـ المماطلة أو رفض تسليم الأجهزة الأمنية:
والتي يتبع عدد منها رئيسَ السلطة، والبقية تتبع الحكومة، وكان أحد أسباب الخلاف الرئيسة بين أبي مازن وعرفات هو القبول بتسليم الأجهزة الأمنية إلى الحكومة، والآن يُتوقع أن تظهر مشكلة عكسية وهي الرغبة في إحالة الأجهزة الأمنية إلى رئيس السلطة، أو تعيين وزير داخلية لا ينتمي للحركة، ولكن ـ عموماً ـ وعد أبو مازن بأن يتم تسليم السلطة بشكل كامل لحماس بعد تشكيل الحكومة، ورغم ذلك يهدد عناصر من فتح بالتمرد على التسليم، وتحاول الحركة أن تهدئ الوضع من خلال طمأنة الجميع بأنه لن يكون هناك مجال للانتقام أو المحاسبة على الماضي. ويقول موسى أبو مرزوق: «لا يمكن أن يكون هناك خمسون ألفاً من قوات الأمن متهمين بالفساد، نحن لن نفتح الملفات التاريخية، ولن نكون أسرى التاريخ، ولو كان هذا التاريخ قريباً، سوف نغلِّب الصفح والتسامح على الانتقام والملاحقة» .
ب ـ تبادل المواقع والمواقف:
يستعد أعضاء فتح حالياً لممارسة كل ما واجهتهم به حماس في فترة اضطلاعهم بالسلطة، من تنفيذ للعمليات الاستشهادية، إلى عدم الالتزام بطلب تسليم الأسلحة، أو ضم الأجنحة العسكرية للأجهزة الأمنية، وغير ذلك، وبغضِّ النظر عن صواب موقف حماس حينذاك، فإن قواعد اللعبة هنا تختلف، وهذا هو أحد الأسباب التي من أجلها يرفض الفتحاويون مشاركة حماس في حكومة وطنية؛ فحماس لم تكن لتشاركهم في حكومتهم رغم أنهم طلبوا ذلك، ولم تكن حماس لتخضع لسلطان فتح مقابل بضع حقائب وزارية، وحسب المنطق نفسه ـ لا حسب الحق والباطل ـ فإن فتح تريد معاملة حماس كمعاملة الأخيرة لها أثناء حكمها، والأمر الوحيد الذي يمكن أن يكسر هذه القاعدة هو (البراجماتية) الشديدة أو الإخلاص للقضية الفلسطينية لدى عناصر من فتح، وقد ألمح القيادي في حماس يونس الأسطل أن عدداً كبيراًً من القيادات بفتح وبالسلطة الحالية أجروا اتصالات سرية مع حماس، ورحبوا بفوزها في الانتخابات، وعرضوا مساعدتهم، وهذا لا يمنع أن المجموعة الصلبة في حركة فتح ترفض التعامل مع حماس ـ قد يتغير موقفهم وفقاً للضغوط العربية ـ وأنهم يريدون أن يَدَعوا حماس تغرق بمفردها حسب توقعاتهم.
ج ـ حرق الأوراق:
فوجئ الرأي العام بإعلان النائب العام الفلسطيني عدة قضايا فساد دفعة واحدة بلغت قيمتها ٧٠٠ مليون دولار، وجاء ذلك في خطوة استباقية من السلطة الحالية في محاولة لحرق ورقة محاربة الفساد على حماس، والفساد كان أحد أسباب النقمة الرئيسة التي خسرت فتح الانتخابات بسببها، كما تعبر هذه الخطوة عن رغبة لدى حركة فتح في تنقية الصفوف أو التخلص من صغار الفاسدين لتحسين الصورة أمام الناخب الفلسطيني، وخاصة أن الأعوام الأربعة للمجلس التشريعي سوف تنقضي سريعاً.
والنصيحة التي تُقدّم لحماس في هذا المجال أن تتعامل مع حركة فتح حسب فئات ثلاث: المخلصين، والمنتفعين، والمنتمين. فالأولى: تسعى جاهدة للتنسيق معها بعيداً عن تنظيم فتح، والثانية: تتعامل معها بشكل قانوني وتقدم الفاسدين منهم للقضاء بصورة تدريجية، والثالثة: هم مصدر خطر؛ لأنهم ينطلقون من أفكار ومبادئ مضادة لحماس، ويطرحون أنفسهم كمنافس جماهيري، غير أنه في ظل غيبة زعامة (كاريزمية) لا يتوقع أن يشكلوا تهديداً.
(٢) التمويل:
تبلغ فاتورة الرواتب الشهرية لموظفي السلطة ١١٦ مليون دولار، لحوالي ١٤٠ ألف موظف، منها ٩٥ مليوناً تدفع لموظفين رسميين، في حين يُدفع الباقي لبرامج البطالة التي تشمل الآلاف من أعضاء المليشيات التابعة لحركة فتح.
وتحوّل الدولة الصهيونية مستحقات جمركية وضريبية للسلطة تبلغ قيمتها الشهرية ٥٠ مليون دولار، وقد قامت بوقفها بعد إعلان فوز حماس، وأعلنت أنها ستواصل وقفها، ولكنها تراجعت بعد ذلك خوفاً من الاختراق الإيراني فيما يبدو، وأعلنت مواصلة دفعها حتى تتسلم حماس الحكومة، وقد أثار بعض الناس إثر ذلك شكوكاً حول احتمال ألا يتم تكليف حماس بتشكيل الحكومة القادمة.
ويقول وزير الإسكان والأشغال العامة د. محمد أشتية: إن جباية السلطة من الضرائب تكفي لسدِّ ٢٠% فقط من فاتورة الرواتب، مشيراً إلى أن التحويلات الصهيونية من الجمارك وضرائب المشتريات تسد نحو ثلثي الفاتورة (الحياة) . وكانت الدول العربية قد تعهدت في قمة بيروت عام ٢٠٠٢ بتوفير دعم شهري لموازنة السلطة بقيمة خمسين مليون دولار، لكن المسؤولين في السلطة يقولون: إن السعودية كانت الدولة الوحيدة التي وفت بالتزاماتها وقيمتها ٧.٥ ملايين دولار شهرياً.
ولدى تفاقم العجز في موازنتها العام الماضي، لجأت السلطة إلى الدول المانحة التي وافقت على تغطية جزء من العجز بقيمة ٣٥٠ مليون دولار، وهو ما يساوي ثلث قيمة العجز للسنة المالية الماضية الذي بلغ نحو بليون دولار.
غير أن هذه الدول أوقفت أخيراً تحويلات مالية لموازنة السلطة بقيمة ٥٠ مليون دولار بعد قيام الأخيرة بخرق اتفاق سابق مع البنك الدولي في شأن الإنفاق الحكومي.
والمشكلة في قضية الرواتب أنها تشكل المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد الفلسطيني الضعيف، ويقول الدكتور محمود أبو رب أستاذ الاقتصاد في جامعة النجاح في غزة (صحيفة الحياة) : «عندما يتوقف مبلغ مثل هذا عن التدفق في شرايين السوق، فإن المصانع لن تجد من يشتري منتجاتها وستدفع بعمالها إلى الشارع، مما يؤدي إلى حدوث إضرابات واضطرابات قد تسقط أي حكومة لا تجد بديلاً» .
وفي مواجهة ذلك فإن حماس أعلنت عن عزمها اتخاذ إجراءات إصلاحية لتقليص فاتورة الرواتب، وصرح محمود الزهار: أن هناك ٣٧ ألف موظف يتلقون رواتبهم دون أن يعملوا بصورة فعلية، يعيش عدد كبير منهم في الخارج، وأشار إلى أن كثيراً من هؤلاء هم أبناء مسؤولين في السلطة أو زوجاتهم أو أقربائهم.
وأعلن أسامة حمدان ـ ممثل الحركة في لبنان ـ عن وجود اتصالات مع دول عربية لا يُعلن عن كثير منها، وصرح محمد أبو طير النائب الجديد أن جهة عربية واحدة وافقت على دفع ١٠٠ مليون دولار من أول اتصال، وذلك للحكومة التي ستشكلها حركة حماس.
ولا يمثل القرار الأمريكي بوقف المساعدات للسلطة تأثيراً كبيراًً؛ حيث لم تتجاوز المساعدات التي قدمت من الولايات المتحدة طيلة ٢٣ عاماً ١.٢ مليار دولار، وحسب قول أحد المراقبين فإنه لو توقف المدخنون في فلسطين عن التدخين (٦) أشهر لاستغنوا عن الدعم الأمريكي.
وهناك عامل آخر ربما يسهم في عرقلة التمويل، وهو الاتهامات المتوقعة مستقبلاًً لحماس أنها تقدم دعماً للإرهاب، وهذا ربما يفرض قيوداً مستقبلية على الحركة في تلقّيها الدعم، ويفرض عليها التزام قدر عال من الشفافية في الأمور المالية.
(٣) نقص الخبرة:
حماس تواجه مشكلة إدارة حكم وسلطة دون خبرة سابقة، ولكن بعض المراقبين يقللون من أهمية ذلك بالقول: إن الذين استلموا مقاليد الحكم في ١٩٩٤ لم تكن لديهم خبرة سابقة، وبعد عشر سنوات من السلطة، ثمّة بيروقراطية فلسطينية قد تشكلت في كافة دوائر الحكم ستسمح بانتقال السلطة في سلاسة من قوة سياسية إلى أخرى (د. بشير نافع ـ المركز الفلسطيني للإعلام) .
ولكن يبقى أن حماس ـ التي لم تمارس الحكم من قبل ـ بحاجة ماسة إلى دعم عربي وإسلامي في هذا المجال، وقد أكد القيادي السياسي بحماس الدكتور يونس الأسطل (إسلام أون لاين ٦/١/٢٠٠٦م) : أن عدة جهات أبدت استعداداً كاملاً لتقديم خبرات واسعة في إدارة السلطات المختلفة، كما ذكر أن عدداً من عناصر فتح قد اتصل بحماس وعرض عليها وضع خبراته وإمكانياته تحت تصرف حماس.
(٤) التنسيق الأمني:
التنسيق من خلال اللجان الأمنية المشتركة كان عملاً روتينياً ومهماً تمارسه السلطة السابقة، وليس معلوماً حتى الآن كيف ستتغلب حماس على هذه المشكلة كونها ترفض الاحتكاك المباشر مع الاحتلال، وهي مشكلة يشعر الصهاينة أنفسهم بها.
يقول أحد الضباط الصهاينة: «إن هناك مشاكل ستواجه جيشهم لو أصرّ على رفض الاتصال بحماس مع وجود الحركة في قيادة السلطة الفلسطينية» ، وهو ما يعني أنَّ، المشكلة نفسها قائمة بالنسبة لحماس التي ترفض التعامل، ويشرح الضابط: «نحن نعتمد على السلطة بالضبط مثلما هم يعتمدون علينا، فلو تولت حماس زمام الأمور فلربما لن نصبح قادرين على الاتصال ببوليس السلطة ونطلب منهم أن يبطلوا مفعول قنبلة زرعت بمحاذاة السياج الواقع خارج غزة» ، ويقول الدكتور موسى أبو مرزوق: «فيما يتعلق بالتنسيق الأمني فهذا الملف ستتم مراجعته والتدقيق فيه؛ لأن حماس كانت دائماً تعترض على التنسيق الأمني مع العدو، والملف هذا بشكل خاص يجب أن يُتعامل معه بدقة وشفافية وبمسؤولية» .
\ استراتيجية حماس:
تبدو في الأفق إشارات متفاوتة عن استراتيجية حماس في الفترة المقبلة، ويمكن القول إنه بصورة عامة هناك استراتيجيتان يمكن أن تعمل الحركة من خلالهما: الأولى: تمثل خياراً مقترحاً وإيجابياً، والثانية: تمثل خياراً مرفوضاً.
\ الاستراتيجية الأولى: المرونة مع التمسك بالثوابت:
المتوقع في حالة تكليف حماس بتشكيل الحكومة أن تبدأ حالة من الهدوء لامتصاص حالات الغضب وردود الفعل، كما أنها ستركز بقوة على تحقيق إنجازات مبكرة لإثبات فعاليتها وللمحافظة على تأييد الرأي العام ليكتسب قوة أكبر في مواجهة الضغوط المالية.
وحسب استراتيجية المرونة مع التمسك بالثوابت، فإن حماس ستراهن على آلية متدرجة في عملها السياسي تتكون من عدة بنود:
ـ الدفع في اتجاه تشكيل الحكومة بأسرع وقت.
ـ ترسيخ حقيقة عدم رغبة حماس في الاستقلال بالسلطة، من خلال تأكيدها على دعوة الفصائل للمشاركة، وفي مقدمتها فتح.
ـ في حالة تشكيل (حكومة تكنوقراط) فإن حماس ستدفع باتجاه طمأنة الدول العربية والغربية من ناحية الأمن والمال، وربما تتسلم وزارتي الداخلية والمالية شخصيتان من خارج حماس.
ـ ستبدأ حماس حكمها بإعادة ترتيب الوزارات التي تباشر مصالح الشعب الفلسطيني، مع الحرص على معالجة قضايا الفساد بعناية وتدرج.
ـ ستعمل الحركة على إقناع الرأي العام بأن تسلُّم الحركة للسلطة يمثل فارقاً كبيراً في الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني.
ـ ستتجنّب الحركة مرحلياً التدخل في القضايا السياسية الشائكة، مثل: التفاوض مع الصهاينة، وتنفيذ الاتفاقات.
ـ ستعمل الحركة في الفترة القادمة على الترويج والتفرقة بين إمكانية التفاوض مع المحتلين والاعتراف بالكيان الصهيوني.
ـ وفي هذا الصدد من المهم الإشارة إلى بعض النقاط:
أولاً: ثوابت حماس:
من أهم ثوابت حركة حماس: عدم الاعتراف بإسرائيل، تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، المقاومة وسيلة رئيسة للتحرير، وحق العودة لجميع اللاجئين.
وهذه الثوابت أكد عليها قادة حماس في الفترة الأخيرة، وقال خالد مشعل في تصريحات صحفية: إن حماس لن تعترف أبداً بشرعية «الدولة الصهيونية التي أقيمت على أرضنا» . وفي حفل لتخريج دفعة من مقاتلي القسام قبل أشهر قليلة، قال محمود الزهار: «ستبقى هذه الأجساد تدرّب غيرها لتحوّل كل الشعب الفلسطيني إلى مجاهدين حتى يتم تحرير كامل فلسطين من البحر إلى النهر» .
ثانياً: التصريحات المتضاربة:
من الملاحظات المهمة في أداء قادة حماس الإعلامي وجود تضارب في تصريحاتهم بخصوص المرحلة المقبلة، ولكن هناك رأي لبعض المراقبين أن هذا التضارب قد يكون مقصوداً بغرض المناورة، ولكن الملاحظ في الفترة التي أعقبت زيارة وفد قيادات الداخل والخارج إلى القاهرة، أن درجة التناقض هذه قد تراجعت بصورة ملحوظة، وربما يكون ذلك للتقارب الشديد الذي حدث بين عدد كبير من القيادات، وقد تكون هذه استراتيجية مقصودة من قيادات الحركة لتوحيد الموقف المعلن وبيان توافق الآراء ووحدة الصف، وإن كان الأمر كذلك فهو إجراء ناجح وفعال لا شك في ذلك.
ثالثاً: الانقلاب أم المواءمة؟
أبدت حركة حماس في الماضي قدرة عالية على الموازنة والتفريق بين الجوانب التكتيكية والاستراتيجية، أي: بين الثابت والمتغير بصفة عامة، وكانت في كل موقف يبدو وكأنه في سياق التنازل تترك لنفسها خط رجعة لاستراتيجيتها وثوابتها، وربما يدفع إتقان الحركة لهذا الأسلوب أو النمط في التعامل مع القضايا الشائكة إلى الاطمئنان، وقد تجاوزت حماس قضايا عديدة، مثل: علاقاتها العربية، والهدنة، والعلاقة مع فتح، ودخول الانتخابات، وحتى قيامها بحذف هدف تدمير دولة العدو من البرنامج الانتخابي بدون أن يثبت عليها ترك الثوابت.
وقد أعلن خالد مشعل أولويات الحركة في هذه المرحلة، فقال: إنها «تتركز في ثلاثة نقاط رئيسية، هي: إصلاح الواقع الفلسطيني وتغييره إلى الأفضل، وحماية المقاومة وحشد الجماهير حول ذلك، وترتيب مؤسسة القرار الفلسطيني على أساس الشراكة؛ وهي: المجالس البلدية، والمجلس التشريعي، ومنظمة التحرير الفلسطينية» .
رابعاً: الملف التفاوضي:
تمثل المفاوضات مع الصهاينة مشكلة عويصة في طريق السلطة المقبلة، ورغم تصريحات بعض قادة حماس بأن مبدأ التفاوض في حد ذاته ليس مشكلة، إلا أنه يوجد مؤشرات على احتمال أن الحركة تفضل في هذه المرحلة أن تنقل الملف التفاوضي إلى المنظمة، وتميل آراء داخل الحركة إلى إبقاء القضايا التفاوضية في يد فتح، حتى تتجنب أن تكون لها علاقة مباشرة مع العدو.
ولكن مع ذلك فقد أرسلت الحركة رسائل واضحة حول مبدأ عدم اعتراضها على التفاوض؛ فقد أعلنت أنها تدرس مبادرة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالقيام بوساطة تركية بين حماس والعدو، كما قال الدكتور محمود الزهار: «إن التفاوض مع الصهاينة ليس حراماً؛ لأنه وسيلة وليس غاية، وإن المهم ألا يكون مجرد إضاعة للوقت، وإذا كان لدىهم ما يريدون قوله فلا مانع من التفاوض» .
\ الاستراتيجية الثانية: التدرج في تقديم التنازلات:
هناك تخوفات لدى كثير من المراقبين من أن حماس تتبع استراتيجية التدرج بينما هي عازمة على التراجع عن بعض ثوابتها الماضية، وذلك باعتبار أن تراجعها لا يعني نفي كون ما تراجعت عنه هو حق ديني، ولكن باعتبار أنها حركة سياسية في بلد مسلم محتل تخضع لاعتبارات متعددة تحكم الميدان السياسي عن غير إرادة منها، فهو إذن تراجع تكتيكي عن ثوابت استراتيجية.
هذه الرؤية وفيا أحسب لا شك في خطئها، وإلى الآن لم يثبت أن الحركة تتبعها أو تنوي ذلك، ولكن هناك بعض المؤشرات التي تثير قلقاً، ولذلك فإن الحركة في حاجة للتواصل بقوة مع الرموز الإسلامية والعلماء والمفكرين في الدول العربية لبلورة هذه القضية، ومن ناحيتهم ينبغي أن يحرص هؤلاء الرموز على الالتقاء بقادة حماس.
\ منابع القلق:
تُتهم بعضٌ حركة حماس بأنها تعتبر تغيير ميثاقها ورقة سياسية كبرى قد لا تعطيها للسلطة الفلسطينية، بل ستساوم عليها عربياً ودولياً لتحقيق مكاسب ذاتية، مثل: شطب اسمها من قائمة الإرهاب، أو رفع الحصار عن مصادر تمويلها، أو وقف ملاحقة قياداتها واغتيالهم، وذلك استناداً إلى ما قاله الدكتور محمود الزهار: «إذا ما كان لدى الصهاينة شيء لإعطائه للشعب الفلسطيني فسوف ندرسه، ولكننا لن نعطي شيئاً دون مقابل» .
وهناك تصريحات أخرى مثيرة للقلق، مثل: تصريحات النائب في المجلس الجديد الشيخ محمد أبو طير لصحيفة «هآرتس» ، والتي قال فيها: إن دخول حماس الانتخابات هي خطوة استراتيجية وليست تكتيكية، وكذلك إمكانية التفاوض مع الكيان الصهيوني، وإن حماس ستدير المفاوضات بشكل أفضل من الآخرين، وإنها تقبل بقواعد لعبة جديدة في الصراع، وإن الإلغاء لجمل من ميثاق حماس والمتعلقة بتدمير الدولة الصهيونية والسيطرة على الأرض من النهر إلى البحر وكلمة الجهاد كلها ليست تكتيكاً وإنما هي تغيير استراتيجي، وأن المقصود بالمقاومة في برنامجها الانتخابي ليس المقصود ـ بالضرورة ـ السلاح واستخدام القوة (الموجز السياسي للمنتدى السياسي الفلسطيني ٢١/١/ ٢٠٠٦م) .
وأيضاًً فقد صرح القيادي في الحركة محمد غزال أن الميثاق ليس قرآناً، وذلك في إشارة واضحة إلى إمكانية تغييره.
ودفعاً لهذه الشُّبَه، فإنه حتى لو كانت حماس تريد أن تقدم بعض التنازلات الشكلية والإجرائية ـ مثل: إجراء المفاوضات ـ فإن ذلك لا ينبغي أن يتم بصورة مباشرة، بل ينبغي أن يكون هناك تأصيل شرعي لهذا المسلك، ليس بصورة إجمالية فقط ولكن تفصيلية أيضاً.
وهناك إستراتيجيات أخرى قد تتبعها الحركة في المرحلة المقبلة:
(١) إلقاء الكرة في ملعب الشعب الفلسطيني:
هناك مناورة جزئية يمكن لحماس أن تلجأ إليها لمواجهة الضغوط، أو لتحميل الشعب الفلسطيني عبء الاختيار، بحيث لا يلقي أحد التبعة عليها أو يتهمها بالتنازل في حقوق الفلسطينيين، وهي إجراء استفتاء عام للوصول إلى إجماع وطني حول القضية المثيرة للجدل.
(٢) تدشين عملية بناء هيكلية وقاعدية موسعة:
استراتيجية أخرى، أشك في أن الحركة قد تغفل عنها، وهذه الاستراتيجية تستند إلى فكرة أن المقاومة والعمل السياسي يعملان في دورات متتابعة، وأن المقاومة تعطي دفعة قوية للعمل السياسي، ولكن العمل السياسي يفقد قوته الدافعة بعد فترة، ومن ثم يصبح حتمياً التحول إلى المقاومة من جديد، ولذلك من المفترض أن أحد أهداف المرحلة المقبلة لدى حماس هي التحضر لدورة المقاومة التالية، وتأسيس جهد دعوي وإعلامي قوي يرسخ مكانة الحركة ويزيد من أتباعها ويسمح لها باختراق مناطق نفوذ فتح، وهذا يجعل من أسهم الحركة قوية في ظل أي تطورات قادمة، وحتى في حالة عقد أي انتخابات استثنائية.
стр. 5542
حماس في قلب اللعبة السياسية
عبد الملك محمود
تحدث الكثير من المحللين والكتاب والمفكرين عن ماهية التحديات الضخمة داخلياً وخارجياً والتي ستواجه حركة حماس في المرحلة القادمة، لذا فلن نفصِّل ولن نتحدث عنها كلها، وإنما سنطرح بعض التساؤلات سعياً للتذكير والمساهمة في الحل.. وهو ما نعتقد أنه ليس واجب إخواننا في حماس فقط.
هناك وعود يحلم بها الناس، لبناء الدولة المستقلة على كامل الأرض الفلسطينية، وإقامة المؤسسات الوطنية وهي آمال كبيرة، فكيف يمكن التعامل معها؟ إن مجرد الفوز بغالبية المقاعد البرلمانية لا يعني ضماناً مؤكداً أو صكاً باليد للحفاظ على ثقة الشارع الفلسطيني.. بل يضيف عبئاً أكبر على كاهل الحركة لتلبية آمال وتطلعات الناخبين الذين ملؤوا صناديق الاقتراع ببطاقات حماس، حالمين بمستقبل أفضل، وأقل فساداً.
ربما كان من أبرز المشكلات التي ستواجه حماس:
| الوضع الأمني الداخلي وأوضاع السلطة وأجهزتها الأمنية وإصلاحها وإزالة الفاسدين منها بتدرج: ويرافقه ملفا فوضى السلاح والفلتان الأمني، ثم ملف العملاء والخونة خصوصاً في صفوف الأجهزة الأمنية وبعضهم مرتبط بالموساد. لقد رأينا بروفة للتحدي الأمني من خلال اختطاف الدبلوماسي المصري يوم ١٠ فبراير مما شكل تحدياً ضخماً ومحرجاً للسلطة. كما رأينا التحدي الأمني في ردة فعل بعض (عناصر) فتح وشبانها حيث حصلت حالة من الفوضى وأعمال العنف ومسيرات تعيث فساداً؛ تدمر وتحرق كل شيء أمامها بعد ظهور نتائج الانتخابات مباشرة.
| هناك إشكال المقاومة: فكتائب القسام منذ تأسيسها تعتبر الذراع القوية لحماس الذي يضرب في عمق الاحتلال، وكسبت بذلك قلوب الفلسطينيين وقلوب المسلمين في العالم وتأييدهم، فهل يتوقع من حماس وهي الآن في الواجهة الرسمية أن تستمر في الخط، نفسه أم ستنزع سلاحها استجابة للضغوط الدولية؟ هل ستلتف على المأزق بدمج التنظيمات المسلحة في جهاز واحد، وهو أمر بالغ التعقيد، أم ستتكرر مأساة كتائب شهداء الأقصى وليدة فتح، التي فقدت السيطرة على ذراعها المسلح فزرعت الفوضى وأعلنت التمرد؟! هل سيكون مطلوباً من حماس المنتصرة في حلبة السياسة أن تنزع سلاحها، وأن تنخرط في اللعبة السياسية، فلا يوجد عادةً للحكومة الوطنية ميليشيات خاصة بها بعيداً عن الجيش النظامي، وسيكون مطلوباً منها أن تكون في الصف المواجه للإرهاب، ومحو كلمة المقاومة أو حتى التلويح بها من قاموسها حتى لا تعطي ذريعة لعدوها للفتك بها، وربما طلب منها تغيير ميثاقها ليتماشى مع الواقع الجديد؟ وحتى لو كانت النية المبيتة هي استمرار المقاومة ولكنها مرحلة لالتقاط بعض الأنفاس وتحيُّن الظرف المنافس؛ فمن يضمن عدم الترهل وبرود الروح الجهادية؟ إن أي عمل عسكري من قِبَل حماس سيعتبر إرهاب دولة ممّا سيؤدي إلى استهداف مرافق السلطة وقطع العلاقات والمساعدات عنها وهو ما سيفتح الباب لاستهداف النظام والشعب؛ فهل ستستغل حماس امتلاك أغلبية سياسية كي تناور من خلال دمج جناحها المسلح في أجهزة الأمن الوطني لتجنب ضغوط نزع السلاح، وقتال الصهاينة عبره إذا خرقت أو انتهكت أي هدنة أو اتفاق أو اعتدت على الفلسطينيين.
| التحدي الثالث المتعلق بمسألة التفاوض: ولو أنّ حماس حصلت على نسبة ٤٥% مثلاً أو قاربت نسبة فتح لكان بالإمكان تخفيف الحرج بدفع فتح للواجهة في أي عملية تفاوضية فيما تشرف هي على الجهة الأمنية وتتجنب المفاوضات مع المحتلين، وتشرف على الشارع الاجتماعي لتبتعد عن الضغوط. لكن الوضع الآن مختلف؛ فالأغلبية الساحقة لصالح حماس وعليها تشكيل الحكومة. وهي تستطيع تشكيل أي حكومة مع فتح أو غيرها. لكنها ستفضل إشراك الآخرين مع سيطرتها على الحكومة في الأرجح، وفي حال حصول ائتلاف حكومي، فالمرجح استمرار المساعدات والتواصل مع الغرب بشكل أسهل. لقد كان من أكثر الشعارات البراقة: لا مفاوضات مع المحتل اليهودي، ولا حوار إلا بلغة السلاح. وقد عانت حماس في سبيل ذلك الكثير؛ فهل ستبقي هذا الشعار مرفوعاً وقد يقودها إلى عزلة دولية وعربية أيضاً؟ أم هل ستبدأ بتقديم تنازلات فتفقد ثقة الشارع الفلسطيني والإسلامي؟
| الحفاظ على الهوية: حركة حماس حركة إسلامية في الأساس، وأمامها مهمة إعداد برامج للقيام بمهمة الدعوة الإسلامية بصورة متدرجة، حيث تزرع في المجتمع لَبِنات المجتمع المسلم الصالح وبقاء هذه البذور حتى في حال سقوط حماس ـ لا قدر الله ـ سياسياً وعدم تمكنها من الاستمرار في المجلس التشريعي، وقريب من ذلك، دراسة مستفيضة لكيفية إزالة المنكرات التي توجد في المجتمع من آثار السلطة والجهل وغيرها.
| ماذا سيكون مصير شعار فلسطين من البحر إلى النهر: التصريحات القديمة عن تحرير فلسطين وكامل تراب فلسطين ما هو مصيرها؟ نحن نعلم أن حماس ستبقى محافظة على هذا الأصل، لكن قد تضطرها المرحلية إلى استخدام خطاب جديد ربما لا يفهمه عامة الناس أو ربما يستغل في الحرب ضدها.. فهل ستحافظ على شعاراتها أم تجبر على التخلي عنها وتتحمل تبعاتها السياسية والشرعية المحظورة وتتغير لا قدر الله شعارات أرض فلسطين أرض إسلامية مباركة، اغتصبها الصهاينة عنوة، ومن واجب المسلمين الجهاد من أجل استرجاعها وطرد المحتل منها؟.. والحركة تقول إنها «ليست ضد مبدأ السلام، فهي مع السلام وتدعو له، وتسعى لتحقيقه، لكنها مع السلام العادل الذي يعيد الحقوق للشعب الفلسطيني ويمكنه من ممارسة حقه في الحرية والعودة والاستقلال وتقرير المصير» مما يفتح الباب أمام الاحتمالات التي سيقال يومها إن المصلحة اقتضتها، وأنه حتى لو كان ذلك في وقت من الأوقات من قبيل المحظور الفقهي، فإن الضرورات قد تبيح المحظورات في أحيان كثيرة، وحسناً تفعل حماس الآن في تأكيدها أنها لن تعترف بإسرائيل مطلقاً (١) .
| الوضع الفلسطيني فريد من نوعه من حيث الصعوبات: فليس هناك ثمة دولة بالمعنى الحقيقي؛ فالسيادة للدولة اليهودية التي تسيطر على أكثر الأرض وتسيطر على الماء والكهرباء والاتصالات والمعابر والجمارك والأمن والجواسيس، كما أنها لا تمثل حكماَ ذاتياَ في ظل هذا الاحتلال الذي عمل على صياغة البلد معتمداً بالكامل عليه يدخل من شاء ويقتل من شاء ويعتقل من بقي، أي أنه احتلال (ديلوكس) بحسب تعبير شلومو غازيت قائد استخبارات الجيش الصهيوني سابقاً. ومن سيضمن أمن قادة حماس ومسؤولي السلطة من طائرات الأباتشي والاغتيالات؟
| من المشكلات المعقدة سلوك حركة فتح: التي ربما يسعى جزء منها إلى إفشال التجربة بكل الوسائل المشروع منها وغير المشروع، وسيكون عماد تحركها هو العمل على استمرار السيطرة على مفاصل السلطة، وعدم السماح لحماس بإحداث تغيير جوهري فيها، وهذا يعني أن غُنمها سيكون لفتح، بينما غُرمها أمام الناس على حماس. والأخطر من هذا كله: هل هناك من يسعى إلى التخطيط للانقلاب على الانتخابات مثلا؟
| ماذا لو قامت كتائب الأقصى أو حركة الجهاد ببعض العمليات العسكرية لأي سبب من الأسباب: هل سيكون موقعها كموقع حماس من السلطة سابقاً؟ فمتطلبات أوسلو تؤكد على مطاردة الفصائل وتفكيك بنيتها التحتية.
| الاتفاقيات الدولية: حركة حماس التي رفعت بنيانها على أرضية راسخة من المبادئ والقيم وتحملت في سبيل ذلك ضغوطات تنوء بثقلها الجبال، هل يمكن أن تميل عن مسارها أو تلين لبعض الضغوطات؟! كالاتفاقات والأعراف الدولية والإقليمية التي أبرمتها السلطة عبر السنين وبعضها مخالف لنهج المقاومة.
| تحدي التمويل: من التحديات الضخمة قضية توفير الأموال اللازمة لدعم السلطة القادمة وبرامجها؛ فمن أين ستأتي وما هي مصادر التمويل؟ (٢) . الموارد المحلية ضعيفة جداً والميزانية تعتمد بصورة كبيرة على دعم الدول المانحة العربية والإسلامية، فضلاً عن أوروبا وأمريكا أو مواردها التي تتم عبر الدولة المحتلة، أضف إل ذلك ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالمحتلين في عدة مجالات أساسية، وللأسف فقد ساهمت السلطة السابقة بربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الصهيوني، فربطت بذلك مصير آلاف العائلات بمعبر إيريز والمناطق الصناعية المحيطة به، فأصبح اقتصاداً تابعاً (مع عدم توفير فرص عمل) ، فهل يمكن التعويل على الدعم العربي غير المنتظم والمحدود والحذر؟ ونحن نعلم أن كثيراً من المساعدات مشروطة.
| الوضع الاقتصادي معضلة حقاً: فـ (حماس) السياسة ستأتي إلى بلد بنيته التحتية مدمرة، وهي مطالبة بتوفير حلول على الأرض للمواطن البسيط: في مأكله ومشربه، وعلاجه وتعليمه، ومشكلاته اليومية المتشابكة، في ظل وضع حرج واقتصاد منهار وبطالة عالية، وفساد إداري ومحسوبية.. وتحت حراب الاحتلال المشرعة، وخناجر المنافقين المتربصة. سيكون مطلوباً من حكومة حماس أن تكون حكومة المواطنين الفلسطينيين كلهم، وأن تترجم حربها الإعلامية إلى خطوات ملموسة على الأرض، وعندئذ هل يمكن أن نتصور أن يقف طابور الفاسدين متفرجاً على مشاهد القضاء عليه؟ هناك نحو ١٥٠ ألف موظف ينتظرون رواتبهم في نهاية الشهر؛ فماذا ستفعل؟ ربما تمضي سنتان أو ثلاث قبل أن تصل حماس بالوضع إلى مرحلة الصفر. وهناك فساد متفش جاء عبر تراكم الاحتلال الطويل ثم فساد السلطة الذي زكم الأنوف، وهذا سيستدعي جهوداَ طويلة قد لا تظهر نتائجها قريباً.
| كما أشرنا قبل قليل، حماس غير مقبولة إقليمياً أيضاًً؛ فهي وسط نشاز في محيط عربي مخالف يعيش في أوضاع مختلفة منها الفلك الأمريكي.. فكيف ستكون العلاقات معها؟
| صلاحيات المجلس التشريعي: فهو أحد المؤسسات التي أفرزها اتفاق أوسلو ولا يملك أي صلاحيات تفوق سلطات الاحتلال (١) . وكون العدو يعتبر اتفاقية أوسلو ميتة عملياً، فإن ذلك يعني أنه غير معني بالالتزام بها، ولا يعني ذلك أبداً أن الفلسطينيين في حِل منها، ولنا في أسلوب تطبيق اتفاقية الهدنة لعام ٢٠٠٥ خير مثال. ربما يعمد البعض إلى معادلة خطرة تتمثل في منح حماس حكومة مفرغة من مضمونها، بينما قد تؤدي محاولة حماس إحداث تغيير سريع في الوضع (وهو مستبعد) إلى ردة فعل عنيفة قد تصل حدود انقلاب على شاكلة الانقلاب الجزائري، سواء أكان مباشرة أم من خلال الاحتجاج بتضارب الصلاحيات مع الرئيس المنتخب، وهو قائد فتح عملياً، وهو الأمر الذي قد يفضي إلى حل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ استناداً إلى حساسيات الوضع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.
| وهناك أيضاً كوم آخر من الملفات الصعبة والشائكة: وأكثرها من موروثات سلطة فتح: بعضها كبير وبعضها كبير جداً، كمشروع الدولة الفلسطينية، وملفات اللاجئين وحق العودة، ملف القدس، ملف الأسرى في سجون الاحتلال ذلك الملف المؤلم!! كيف ستجفف المصادر المالية للفاسدين ويطبق مبدأ: من أين لك هذا؟ وأموال الشعب التي اختفت بعد عرفات، ملف إطلاق سراح الأسرى السياسيين في أريحا وغيرها، ملف العلاقات وفتح الحدود مع مصر واتفاقية اقتصادية مع مصر، ملف الوظائف الوهمية التي تبلغ أكثر من ٢٣ ألف وظيفة تضخ أموالها في جيوب الفاسدين، ملف إعادة رسم السياسة الإعلامية الفلسطينية وإصلاح وتأهيل وسائله خصوصاً التلفزيون، رفض اتفاقية معبر رفح وإلغاء تحكم أي قرار صهيوني في المعبر، ملف المياه الفلسطينية المنصبة بأمر أحد المسؤولين المعروفين إلى مستوطنات العدو، قانون منع التحريض وأي قانون تطبيعي مع الكيان الصهيوني، ترميم العلاقات مع البلاد العربية والإسلامية، كيف سيكون التعامل مع الفصائل الفلسطينية الأخرى؟ هل ستنفذ قواها العسكرية عمليات هي الأخرى؟ هل ستتصدى للفصائل الأخرى؟ ما علاج فوضى انتشار الأسلحة واستخدامه في كل الاتجاهات؟ كيف ستتصدى للمشكلات الاجتماعية الاقتصادية والمالية في ظل الفساد المستشري؟ وكيف ستواجه المافيات المنتشرة في كل مكان؟ كيف ستتعايش مع المؤسسات المسيطر عليها من قِبَل الآخرين؟
حقاً إنها أسئلة كثيرة تمثل تحديات ضخمة أمام حركة حماس يترتب على كل إجابة وسياسة وموقف نتائج ستؤثر على كل شيء في إطار مواقف إستراتيجية وعلاقات الحركة مع دول عربية وإسلامية وحركات وقوى سياسية مختلفة كانت داعمة لها.
\ هل تدخلنا أمريكا في لعبتها الديمقراطية؟
نعود للحديث قليلاً عن خطر آخر بحاجة إلى حنكة سياسية عالية ألا وهو لعبة الانتخابات لأهمية الموضوع والتنبيه على الدور الأمريكي كنوع من التحديات الخطرة: فالولايات المتحدة تخطط منذ فترة في عالمنا لمشاركة الإسلاميين في لعبة الانتخابات حيث يمكن إشراك (أو جرّ) الإسلاميين للمشاركة في العمل السياسي والانخراط في مؤسسات المجتمع المدني، وبذا يمكن تحقيق عدة أهداف: منها تعزيز التوجه السلمي، ودعم الحركات المعتدلة في وجه الإسلام المتطرف أو المسلح، والإشغال في مجالات حياتية أفرزتها أنظمة مستبدة فاسدة حيث يستغرق السعي في محاولة إصلاحها جهوداً ضخمة لا يمكن تغييرها في سنوات قليلة (١) . ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن الانتخابات الرئاسية السابقة كان من أوائل المشرفين عليها القس جيمي كارتر الرئيس الأمريكي الأسبق. لعل من المريب ما أعلنت عنه إحدى الجمعيات المقربة من الإدارة الأمريكية عن دعم إحدى حملات حركة فتح الانتخابية برشوة صغيرة قدرها ٢ مليونا دولار، ولا شك أن مجرد الإعلان هذا جلب نقمة الناس. لا نقول هذا للتخويف أو لتكريس نظرية المؤامرة، فأمريكا لا تقول للشيء كن فيكون، وقد تتمكن حماس بإذن الله من قلب السحر على الساحر والاستفادة من هذه المعادلات، ولكن المهم هو التنبه والحذر الدائم.
يحق للبعض أن يتحدث بصوت عالٍ حين يدعو إلى التفكير ملياً فيما تخطط له الإدارة الأمريكية ومشاريعها لحماية أمن العدو، كيف لا ونحن نرى أن ذلك يمثل ركيزة المشروع الأمريكي في المنطقة؟ وسيذكرنا ذلك البعض بحجم التنازلات التي قدمها ياسر عرفات مما يملك وما لا يملك، وعرفات لم يكن إسلامياً بل معروفاً بنهجه العلماني كما صرح علناً للعالم في الأمم المتحدة وغيرها، فلا يمكن اعتباره عدواَ للنهج الغربي أو الديمقراطي. كل هذا لم يشفع له، فغدا رئيساً غير مرغوب فيه أمريكياً فحرمه بوش من شرف مقابلته!! وبقي حبيس حجرة أو بعض حجرة، سجيناً فيها لفترة طويلة. كيف تسمح إذاً الولايات المتحدة ـ ومن ورائها الدولة الصهيونية ـ لمنظمة (حماس) الإرهابية بخوض الانتخابات والوصول إلى المجلس التشريعي أو الحكم؟
قد لا تكون هي الصورة المثلى التي تريدها الإدارة الأمريكية، فهي تريد ديمقراطية «عميلة مستوردة» كما في أفغانستان والعراق، ولا تحبذ مطلقاً الديمقراطية الجزائرية التي قادت حزب جبهة الإنقاذ إلى ذلك الفوز الساحق (كحال حماس الآن) . ولا مانع لدى الغرب وأمريكا من الإطاحة بالديمقراطية إذا لم تعجبهم؛ فقد أيّدت أمريكا المسعى الفرنسي لإبطال نتائج الانتخابات الجزائرية التي فاز بها الإسلاميون فوزاً ساحقاً، وصرّح وزير خارجيتهم آنذاك (جيمس بيكر) بأنّ بلاده ترفض قيام (إسلام سياسي) حتى وإن جاء بالطرق الديمقراطية الانتخابية؛ لأنّ ذلك يمثل تهديداً للمصالح الأمريكية وللدول الموالية لها وللسلام العالمي. وكذالك الأمر عندما فاز حزب الرفاه في تركيا عام ١٩٩٥م فدعمت الانقلابيين ضده كي لا يصل الإسلاميون حتى بالطرق الديمقراطية، إنه المفهوم الأمريكي ذاته. كما أطاحت أمريكا بعدد من الديمقراطيات في أمريكا الوسطى والجنوبية (٢) . لا شك أن هناك معضلة؛ فكيف ستتعامل أمريكا الآن مع سلطة تدعو في دستورها إلى تدمير (ربيبتها) ؟ ولكن المعضلة الأكبر عندهم ما جرى خلال الانتفاضة من تهديد أمن الصهاينة وتنامي الروح الجهادية لدى الشعب الفلسطيني والمناطق المجاورة. فهل يمكن لمثل هذه الحملة الديمقراطية التي تسوِّقها الولايات المتحدة والغرب أن تساهم في حل المعضلة الأكبر؟
نقف لنتذكر هنا التخطيط الغربي ورسم الأهداف والاستراتيجيات، ونتذكر تعليق الصحابي الجليل عمرو بن العاص ﵁ وهو يعلق على حديث رسول الله #: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس» ، حيث يقول عمرو: «إن فيهم لخصالاً أربعاً فذكر منها: إنهم لأحلمُ الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كَرَّة بعد فرة..» (٣) ، إنها صفات تدل على قوة التخطيط وعمقه، فهم ينظرون إلى المستقبل البعيد وسياسة التدرج والخطوة خطوة.. ونحن في الغالب نفكر في اللحظة الراهنة والفعل الآني وردة الفعل والدفاع عن النفس.. فتحجبنا هذه الرؤية عن الخير المستقبل أو الشر الواقع ولا ندرك الأمور إلا بعد فوات الأوان.
عود على بدء: نقول إن أمريكا تريد الديمقراطية المفصلة لمصالحها ومصلحة أمن الصهاينة، وكما ذكر «المعهد الملكي للشؤون الدولية» في لندن في دراسة له عن نظام العلاقات الأمريكية الدولية مؤدّاها أنّه «بينما تقدم الولايات المتحدة خدمة «لسانية» للديمقراطية فإنّ التزامها الحقيقي هو لـ «مشروعات الرأسمالية الخاصة» وعندما تتعرض حقوق المستثمرين الأمريكيين للتهديد فعلى الديمقراطية أن ترحل ولا بأس أن يحل محلها حكّام التعذيب والقتل» . فهل بعد هذا سيصدّق أحد أنّ أمريكا ملتزمة بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط؟ وماذا سيكون لو أوصلت هذه الديمقراطية الإسلاميين إلى الحكم في جميع الدول (٤) ، وخاصة أنه أمر طبيعي في ظل ظروف الكراهية المتنامية ضدّ أمريكا؟
وفي موضوع ذي صلة ولمزيد من التأمل، يربط بعض المراقبين ما حدث بنشاط حركة الإخوان المسلمين مؤخراً في عدد من البلدان في مجال المشاركة السياسية والانتخابات، ويتحدث من جهة أخرى عن فتح قنوات مع أمريكا وأوروبا: ففي لبنان تحدثت تقارير صحفية عن عقد لقاءات بين حركة حماس وبعض موظفي المخابرات الأمريكية. وفي مقابلة مع قناة الجزيرة أجرتها مع المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية علي صدر الدين البيانوني لم ينف وجود اتصالات مع الأمريكان والأوروبيين، ويشير بعض المراقبين في هذا الإطار إلى مشاركة الإخوان في العراق في العملية السياسية وخوض الانتخابات مؤخراً.
\ اللعبة السياسية: مخاوف - آمال - اقتراحات:
تقف (حماس) السياسة اليوم في مواجهة هذا المنعطف التاريخي عشية فوزها، وفي ظل ظرف بالغ الصعوبة قد يكون أهونها غياب بعض أهم قادتها التاريخيين الذين رسموا ملامح مسيرتها على مدار سنوات الجهاد. ولا شك أن المطالب الآن ليس من حماس وحدها وإنما أيضاً من الشعب كله بفصائله، بل المطلوب من الأمة كلها قبل ذلك أمور كثيرة وكبيرة، ولكن الكرة الآن في ملعب حماس قبل غيرها لتحمل راية الحلول والمبادرة بمد يدها إلى الأمة؛ فهي التي اتخذت القرار. إن إنجاح الانتفاضة الفلسطينية مسؤولية الجميع، وخذلانها جريمة تاريخية لا تغتفر.
ومثل هذا المقال لا يقدم برنامجاً ولا حلولاً تفصيلية، وإنما هي خواطر نذكِّر أنفسنا وإخواننا بها، نعتقد أن الإخوة في (حماس) يعلمونها كلها ويعملون بها جيداً؛ فقد أثبتوا أداءً وكفاءة عالية بفضل الله، ولكنها تذكرة ومشاركة:
| أهم الخيارات الملحة تقوية الجبهة الداخلية، ولذلك طرائق شتى منها أولاً العلاقة مع أقرب الفصائل وهي حركة الجهاد والتيارات الإسلامية الأخرى كالسلفيين، هؤلاء الإسلاميون أقرب الناس لحماس فلا يجوز أن تخسرهم أو تستعديهم، حتى لو كانوا أقل عدداً، ولتحذر من داء الحزبية فلا تهمش ولا تهمل ولتكن كالطبيب. ونحن نؤكد على قاعدة ذهبية مفادها أنه (لن يأتينا النصر والتوفيق أبداً ونحن متفرقون مختلفون مهما بلغت قوتنا) ، فالإسلاميون غير الأنظمة والتيارات الأخرى.
يتعين على «حماس» مد اليد للجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم، وأن تعلي من شأن الالتزام بالقضية وتعتبره مقدماً على الالتزام بالحركة، فهي فصيل مهم جداً لكنه ليس الممثل الوحيد. والتوافق الداخلي نهج ينبغي أن تعض عليه بالنواجذ، ولا يتحقق بفرض طرف برنامجه على الآخرين، وإنما باستعداد كل الأطراف للقاء، وإذا كانت قضية المقاومة والتحرير والملف السياسي على رأس أولويات العمل، فذلك يعني تراجع أي شأن آخر لإتاحة الفرصة للتركيز على ذلك الملف. والتوافق يفترض ألا يمثل فقط التقاء على المشاركة في السلطة، بل الأهم أن يعبر عن اتفاق حول ترتيب الأولويات، وتحديد القضايا الأساسية التي ينبغي التركيز عليها في المرحلة الراهنة واللاحقة.
| سيكون من أهم القرارات الأولية ضبط الانفلات الأمني الذي شهده الشارع الفلسطيني أكثر من مرة وآخرها ما قام به بعض مؤيدي فتح بصورة مشبوهة، فلا برامج ولا عيش يهنأ بدون أمن. وهناك أطراف كثيرة تملك أسلحة مما لا ينبغي حيازتها إلا للتنظيمات المسلحة. وينبغي أن يكون هناك حذر شديد في البداية لقطع الطريق على الموتورين الذين سيسعى بعضهم إلى ارتكاب بعض إشكالات لإحراج حكومة حماس، وربما يسهم البعض في اتفاقات مع العدو لهذا الغرض، ووراء الأكمة ما وراءها، لذا فإن تنظيف الساحة الداخلية من العملاء أعداء المجاهدين هدف كبير وأساسي.
| السعي لتشكيل لجنة وطنية تتشكل من رموز فلسطينية من الداخل ومن الشتات (لتأكيد حق العودة) تأخذ على عاتقها إدارة العملية السياسية، مطلب مهم وذلك ضمن رؤية لا تقل عن دحر الاحتلال عن الضفة الغربية وقطاع غزة وإعادة اللاجئين والإفراج عن المعتقلين، وتفعيل القضية عالمياً لوضع الكرة في ملعب الصهاينية.
| ملف المقاومة، وهنا لا بد من توفير إجماع وطني عليه، بصرف النظر عن السلوك الصهيوني المقابل وإمكانية أن يمضي في الاتجاه الذي اختطه شارون وتبناه خلفه (أولمرت) ، أي الانسحاب أحادي الجانب من الضفة الغربية وحشر الفلسطينيين في تجمعاتهم شرق الجدار.
| في حُمّى الاجتماعات السياسية التي تتم الآن بلا كلل لمواجهة التحديات القادمة، لعل الإخوة قد قاموا بتشكيل مجالس ولجان مختلفة بعضها لإدارة الأزمات وأخرى متخصصة في السياسة الشرعية وثالثة إعلامية، وغير ذلك.. يتمتع أعضاؤها بالكفاءة والحكمة.
| أهدافنا لا بد أن تبقى أمام أعيننا فلا نغفلها، والتدرج في نشر ودعم الدعوة للخير والفضيلة بين الناس ضروري، فلا يصلح أحوال الناس مثل قربهم من ربهم ـ سبحانه ـ وامتثال شرعه. وهناك خيط رفيع أحياناً بين الأهداف والمبادئ، وبين التنازلات التي تبررها الواقعية، يمكن أن تؤدي إلى أضرار بالغة في المدى البعيد.
| التأني في القضاء على ركائز الفساد المالي والإداري الذي عشش طويلاً في أركان السلطة (١) .
| في مرحلة لاحقة يأتي الحديث عن ضبط التحالفات والعلاقات والتوازنات المحلية والإقليمية؛ وهذه كلها ملفات ضخمة وكبيرة، ولا نعني تأخيرها زمنياً، وإنما من حيث ترتيب الأولويات.
| الاستفادة من تجربة الحركات الإسلامية والعمل السياسي الإسلامي؛ فهناك تجارب ضخمة قامت في عالمنا العربي على وجه الخصوص كالجزائر وسورية ومصر والتجربة التركية والسودانية وغيرها كيف يمكن الاستفادة منها؟ ونحن نسمع أن الإخوة في حماس قد نظروا إلى هذه التجارب واستخلصوا منها العبر، ونتمنى حقاً أن نرى شيئاً من هذه الدراسات ليستفيد منها الجميع. وإلحاقاً بذلك يمكن الدعوة إلى تشكيل مجلس استشاري من إخوانكم في العالم الإسلامي، وهناك خبرات كبيرة لا بد من الاستفادة منها. فعلى الجميع ومنهم حماس السعي لإيجاد آليات التواصل مع العلماء والدعاة والحركات الإسلامية المنتشرة في العالم الإسلامي وهم رصيدنا الحقيقي.
البحث في طرق الاستفادة من طاقات الأمة وكفاءاتها المتفرقة والمنتشرة بدءاً من أهل الرأي وانتهاء بأصحاب الطاقات الفنية والتقنية الذين يتمنون المشاركة في الخير وفي فلسطين خصوصاً. ورغم أهمية العلاقات والاتصالات مع الأنظمة والحكومات إلا أنها تمثل فيما يبدو إحدى الحلقات الضعيفة، وقد كانت تاريخياً أحد العوامل التي أثرت سلباً على مسار القضية فلا يراهن عليها، ولو كان هناك موقف عربي جيد متماسك وقوي لاختلف الأمر ولتغيرت الخرائط ولكنها تبقى مرتهنة. فلو قررت أميركا وأوروبا وقف المساعدات لحكومة حماس فماذا سيكون موقف العالم العربي: هل سينضم إلى المقاطعة، أم يحاول مد يد العون بصورة أو أخرى؟
| يمكن حل بعض الإشكاليات عبر جملة خطوات إذا كان لا بد من عملية سياسية تتواصل؛ فمن جهة يمكن استعادة الحديث عن إحالة مرجعية التفاوض إلى منظمة التحرير بعد تشكيلها بأسس جديدة تستفيد من تجربة التفاوض الطويلة، فضلاً عن توزيع القوى الجديدة في الساحة الفلسطينية. كما يمكن الاستفادة من النَّفَس الديمقراطي بإحالة بعض الموضوعات للاستفتاء الشعبي كي يصوَّت عليها وبعدها يمكن الحديث والتفاوض.
| على صعيد التحديات السياسية، فالأعداء والمتربصون من الداخل والخارج كثر، وهناك منافقو الداخل الذين كشروا عن أنيابهم، وهناك العدو الماكر الذي سيسعى بدهاء لاستدراجكم للوقوع في فخ التنازلات بتدرج، أعانكم الله على كيد الكائدين. فاستمروا في مواقفكم الرائعة، واحذروا من الاستدراج إلى مقولات الاعتراف بالدولة العبرية التي يرددها قادة الغرب والشرق؛ إذ إن الصهاينة هم الذين يجب أن يعترفوا بالحقوق الفلسطينية، وينفذوا قرارات ما يسمى بـ (الشرعية الدولية) ، وحين يفعلون ذلك فلكل حادث حديث.
| أهمية التأني في صياغة الخطاب السياسي خصوصاً مع الولايات المتحدة وأوروبا؛ فالأمر بحاجة إلى تأمل وضوابط وإتقان فَهْم للغة الغرب وأصول اللعبة الديمقراطية و.. و..
| سياسة التصريحات: ترتكز السياسة المعاصرة على التصريحات والمقابلات والبيانات، والسياسي المسلم يبقى دائماً مرتبطاً بأصوله الشرعية فهو ليس كغيره، قد يتحدث بلغة المصالح والموازنات بل والواقعية، لكنه أبداً يبقى مشدوداً إلى منهجه العظيم، فلا تحرفه البراجماتية السياسية ولا تجرفه الميكيافيلية، وحين لا يصرح مثلاً بإسلامية الدولة، فإنه يعرف حدود تصريحاته وأثرها على الناس، ويوصل رسالته صريحة واضحة دون غبش. إن الكلمة لها قيمة أيما قيمة، وأنتم الآن ينظر لكم في مكانة سامقة والأنفاس محسوبة. ولعل من المناسب الإشارة هنا إلى أهمية الرقابة الداخلية على تصريحات المسؤولين لوسائل الإعلام وحصرها في عدد محدد؛ فبعضهم يصرح بتصريحات غريبة بعضها قد يكون محرجاً للحركة!! وقد يكون الأنسب في حق أولئك التقليل من التصريحات. وبعضٌ آخر عليه أن يخفف من سيل الوعود والأحلام التي يعطيها بلاحساب. مثال: لم يكن مناسباً أبداً تصريح أحد المسؤولين البارزين في نابلس يوم ٣٠/١/٢٠٠٦ بأن الحركة لا تريد تدمير الدولة المحتلة أو إزالتها عن الوجود، ربما كان الكلام صحيحاً من الناحية الواقعية ولا أحد يطالبك بأن تقول إننا سندمرهم، ولكن ما الداعي لمثل هذه التصريحات المجانية من أول يوم؟
| عدم وجود تجارب سابقة لدى حماس ربما يفضي إلى مزيد من العبء، ولكنه يستدعي استنهاض الجهود في الأمة ورص الصفوف والتشاور مع الإخوة ومد اليد بصورة عملية للإسلاميين والكفاءات في كل مكان.
| لحماس أن تفرق بين استحقاقات الضرورات وقضاء الخيارات؛ فثمة ضرورات يمكن أن تنهض بها أطراف أخرى غير الحكومة (منظمة التحرير مثلاً) ، وإذا استحكمت الضرورات ولم يكن هناك مفر من التعامل معها، فقد تجيز المحظورات، حسب القاعدة الشرعية المعمول بها، ولـ «حماس» أن تهتدي في تعاملها مع مختلف الملفات بالقواعد المتعارف عليها عند الأصوليين في التغيير، التي تراعي سنة التدرج فيما يراد تغييره، وتدقق في الموازنة بين المصالح والمفاسد، أو بين المفاسد والمفاسد، وقاعدة اختيار أخف الضررين وأهون الشرين (١) .
| التركيز على استخدام مصطلح الشعب الفلسطيني قد يكون أفضل من الإكثار من مصطلح حماس بسبب حساسية البعض.
| الحديث السياسي دائماً من سقف مرتفع؛ فأنتم حركة مقاومة قوية وكبيرة وقد اختاركم الشعب بأغلبية ساحقة، فلستم منظمة صغيرة لا جذور لها ولا رصيد، كحال بعض المنظمات التي هي مجرد ظاهرة صوتية، والسقف المرتفع يفيد في المناورة، ونحسب أنكم تفقهون هذا وتمارسونه إن شاء الله.
| التركيز على النشاط الإعلامي لتحسين الصورة والوصول إلى التأييد الداخلي والخارجي وفك الحصار والحصول على الدعم بل والإسراع في إنشاء محطة بث تلفزيوني فضائي سيكون له أثر بالغ.
| هل يمكن لحماس أن تقوم بمشروع لشق صف المعادين لهم بطريقة ذكية؟ لقد كان لنعيم بن مسعود ﵁ دور كبير في شق صف العدو والتخذيل فيه، خطوة كهذه ستختصر مسافات كثيرة.
| تفعيل الشعوب العربية والمسلمة في أشياء كثيرة منها: البحث في كيفية المساهمة في كسر الطوق الإعلامي عن حماس في البلاد العربية خصوصاً الدول المجاورة، وتفعيل الدعم المالي لحماس والشعب الفلسطيني، والناس عادة يدعمون في المصائب والمآسي بصورة أكثر.
| وعلى حماس وغيرهم أمور كثيرة من الانتباه للمخاطر القادمة من العدو ومخططاته لتهجير فلسطينيي الأراضي المحتلة عام ٤٨ (مشروع الترانسفير) وتوعية المسلمين بهذا الخطر الداهم وطرق مواجهته.
| وعليهم الحذر من الوقوع في الشراك الدولية التي تريد سحبها وسحب غيرها إلى التنازلات وإيجاد شريك فلسطيني في العملية السياسية، لإضفاء غطاء من المشروعية السياسية والشعبية لشريك فلسطيني مستعد وقادر على تقديم التنازلات التي يطلبها العدو.
كان مما مضى بعض التساؤلات والاستفهامات التي تدور في أذهان إخوانهم الإسلاميين ويريدون الإجابة عنها دون استخدام لغة السياسيين المبهمة أو التصريحات المتناقضة! وتصورات الإخوة في حماس وأدائهم متفوق حتى الآن بفضل الله. إن خطأ الآخرين خطأ ... وخطأ الإسلاميين خطيئة! فخطؤهم لا يعني خسارة دورة أو اثنتين في المجلس؛ بل قد يجيّره البعض للصد عن سبيل الله ـ عياذاً باللهَ! ـ فاللهَ اللهَ في هذا الثغر العظيم، ومواقفكم الآن لها ما بعدها، فأنتم معقد آمال الأمة. ونحن نعتقد أن في إخواننا من يستطيع إدارة الدولة خيراً من كثير من غيرهم.
\ وأخيراً..
فالله ـ سبحانه ـ وحده يعلم ما ستسفر عنه هذه النتائج الكبيرة، ولعل من المناسب طرح ودراسة كافة الاحتمالات والتوقعات استراتيجياً وتكتيكياً، وحتى لو كانت هناك توقعات أو احتمالات سلبية فلا بد من دراستها بصورة متأنية، فهل ستسير الأمور بصورة طبيعية؟ وفي حال وجود العقبات لاحقاً: هل الأفضل الاكتفاء بوجود قوي في المجلس التشريعي يمكن من مراقبة أداء السلطة الداخلي والخارجي ومحاولة حماية مكتسبات الحركة، وفتح ملفات الفساد؟ تُرى هل سيكون فرصة لفتح لمراجعة حساباتها فتكون خسارتها تكتيكية فقط وتعود بصورة أقوى بعد انشغال حماس في ملفات وتعقيدات السلطة؟ هل ستُضرب شعبية حماس ـ لا قدر الله ـ ضربة مفصلية في الشارع الفلسطيني بمقدار ما قامت تلك الشعبية على ابتعاد حماس عن مستنقع العملية السياسية، ومنها بالطبع أوسلو وأُطُرها؟ هل ستستفيد فتح في تحقيق شيء من المشروعية لبرامجها ومنها العملية السياسية وإعادة إحياء الأمل في العملية السياسية في الشارع بعدما وصلت إلى طريق مسدود في السنوات الأخيرة؟ أم هل ستجد إسرائيل ما ينسجم في النهاية مع المطلب الصهيوني؟
انتصار حماس انتصار للأمة، وفي حال فشل التجربة ـ لا قدر الله ـ أو في حال تكبلت حماس ببروتوكولات سياسية ودولية، أو لم تستطع المقاومة بقوة أو لم تلبِّ الحد الأدنى من مقارعة العدو؛ فالمتوقع أن يفتح هذا الباب أمام فصائل أخرى مثل حركة الجهاد التي نأت عن المشاركة منذ البداية ويظهر للشارع الفلسطيني أن قرارها كان صائباً أن يقوى دورها، وكذا الحال لغيرها من الفصائل الساخطة ككتائب الأقصى بقياداتها الشابة بعد مراجعاتها، ولربما يتعزز أيضاًً دور جهات أخرى جديدة من خارج فلسطين، أو من خلال تيار شبابي داخل حماس نفسها وهي ذات أهداف وتاريخ جهاديي أيضاً وربما يكون هذا دافع لعدد من الشباب للانخراط في حركة الجهاد هذه، خاصة إذا استمرت في التركيز على البناء العسكري والتجهيز والبناء الدعوي. وربما انتقل الصراع إلى مرحلة جديدة، فالحسابات المحلية والدولية في هذه المنطقة دقيقة جداً، واللاعبون والفاعلون الدوليون ينحصرون في حالتنا بالمقاومة الإسلامية في حين أن الأنظمة العربية بعيدة عن ذلك.
\ واجبات وحقوق:
هناك حقوق وواجبات كثيرة علينا تجاه إخواننا في حماس، واجب الولاء والنصرة والدعم بغض النظر عن أي اجتهاد للمشاركة في الانتخابات؛ فالآن المطلوب هو الوقوف معهم يداً بيد. وكل مسلم يعي دوره يعلم أنه يجب عليه دعمهم ومؤازرتهم. ولتعلم حماس أن المسلمين سيدعمونها طالما بقيت محافظة على أهدافها ومبادئها السامية. والإخوة في حماس يؤكدون على أهمية التواصل والدعم بكل الوسائل مالياً وإعلامياً ونصحاً؛ فهناك حرب إعلامية شرسة؛ فماذا على الأمة أن تفعله وهي المعنية وليست «حماس» فقط؟
- لحركة الجهاد نقول: إن الواجب الآن التركيز على وحدة الصف أكثر من أي وقت مضى، ووضع يدها في يد حماس والتفاهم في مواقفهما، فأهدافكم وغاياتكم العليا واحدة وإن اختلفت الوسائل، والعدو ماكر، وهو يسعى الآن بصورة أكبر من ذي قبل لقتل مسؤولي الجهاد وتعقبهم في كل المدن، وقد رأينا مقتل عدد منهم، ولعل من مقاصد العدو أيضاًًُ إرسال رسالة لحركة الجهاد بأنها أصبحت خارج إطار اللعبة السياسية.
- وللقوى الوطنية نقول: أنتم مطالبون أيضاً بأن ترتفعوا فوق الخلاف، ولا بد أن تظل عند التزامها بمقاومة العدو والتحرير، فليس هذا وقت الشماتة في أحد أو تصفية الحسابات، والمقاطعة الآن ليست موقفاً من حماس وإنما تخلٍّ عن المسؤولية في ظرف تاريخي دقيق، وإخلاء لجبهة لا يزال القتال فيها مشتعلاً، ومن ثَم فالتعاون مع حماس بالمشاركة أو غيرها يمثل استمراراً للمقاومة من موقع آخر، وإسداء النصح لها ضرورة تفرضها المسؤولية
- ولكافة الشعب الفلسطيني نقول: لتكن أقرب إلى الله سبحانه؛ منكم تعلمنا الصبر والمجاهدة، قد تُبتلون بالاستمرار في اللأواء والفقر والتجويع؛ فاصبروا قليلاً وتذكروا حصار أسلافكم في المدينة المنورة حين حوصروا وربطوا الحجارة على بطونهم. كان اختيار حماس هو خيارك، فقد انتخبتَ حركة مجاهدة صادقة هي منك وأنت منها، وليس هذا بغريب على هذا الشعب المرابط المجاهد، فلم تخذلها في المراحل السابقة، فكن معها في باقي الطريق فستجد الخير إن شاء الله.
- أما أمتنا المسلمة: فعليها واجبات كثيرة، وهي تستطيع القيام بأمور كثيرة بعضها مهم جداً.
إن واجبنا في هذه المرحلة جميعا أن نقوم بالتالي:
- التأكيد على أن القضية الفلسطينية قضية جميع المسلمين، وأن التفريط فيها أو إضعافها تفريط وإثم.
- بث روح الولاء والبراء ووجوب نصرة المسلمين بعضهم بعضاً، وقد قال النبي #: «المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه ولا يظلمه» .
- لا بد من تفعيل الدعم الجماهيري والشعبي في الأمة المسلمة كلها من خلال خطب الجمعة ولقاءات العلماء ووسائل الإعلام المختلفة. إن تقوية الجبهة الإسلامية الشعبية وتوعيتها بالمخاطر الناشئة عن الوقوع في شَرَك استفزازات الغرب الصليبي اليهودي، مطلب مهم أهم من مواجهة الخارج؛ لأن الجبهة الداخلية الإسلامية إذا كانت قوية ومدركة لدورها ورسالتها ولما يريده العدو فستبطل كيد الأعداء، وتفشل مخططاتهم وتذهب كيدهم؛ إن كيدهم كان ضعيفاً.
- حث حكومات العالم الإسلامي على التوقف عن التصريح أو التلميح بالسلام مع العدو اليهودي، وأن تراقب تلك الحكومات الرأي العام الشعبي الرافض للسلام مع اليهود، ففلسطين مسلمة من النهر إلى البحر.
- دعم الفلسطينيين والحكومة التي ستقودها «حماس» والتي اختارها الشعب، دعمهم إعلامياً، فالحرب في هذه المرحلة إعلامية، تسعى إلى الفت في عضد حماس والشعب وتخويفه وإذلاله، والله ـ تعالى ـ غالب على أمره.
ونقول للإخوة في فلسطين: اصبروا وصابروا، والله ـ تعالى ـ معكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] . وعلينا الدفاع عن إخواننا والذب عنهم ومواجهة التشكيك الذي قد يصدر من هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك أو هذه الجهة السياسية أو تلك مما يفت في عضدهم، أو يحث حكومتهم المقبلة على الاستسلام لمطالب الغرب الصليبي.
نحن في فترة تاريخية حرجة في عمر الزمان نسأل الله أن يسلِّم، وقد تعوَّدنا من حماس حُسن الأداء العسكري والسياسي، ونأمل أن تستمر في التحلي بهذا الحس والفهم المتميز إن شاء الله. وهذا ليس نهاية المطاف؛ فهناك مجالات كثيرة للعمل؛ فلا نريد أن تجرنا هذه التجربة إليها بالكلية.
حقاً نحن الآن بحاجة إلى اللجوء إلى الله أكثر والخضوع له أكثر من ذي قبل، وينبغي الاستعانة بالله والتوكل عليه بصورة حقيقية؛ فلا نعتمد على دهائنا السياسي ولا خططنا ولا كل إمكاناتنا دون الله.
اللهم أعن إخواننا على تحمل المسؤولية وسدد رميهم ورأيهم وهيئ لهم من أمرهم رشداً، وانصر بهم الحق وأهله.
стр. 5543
أبو مرزوق: حماس ترفض التفاوض حول الحل النهائي
حاوره في القاهرة: حمدي عبد العزيز
تجيء الانتخابات التشريعية بعد مخاض طويل، حيث انتهى الدور التشريعي عام ٢٠٠٠م، ولم تجرِ الانتخابات منذ ذلك الوقت نظراً لظروف انتفاضة الأقصى، وممارسات الاحتلال التي أعاقت إجراءها طويلاً، وأظهرت نتائج هذه الانتخابات التي تقدم لها نحو ١١ قائمة انتخابية وجود ميل لدى الشعب الفلسطيني لصالح المقاومة، إلى جانب أنها تميزت بحضور نسبة عالية من الناخبين بلغت ٧٧.٦٩% ممن لهم الحق في التصويت؛ فقد فازت قائمة الإصلاح والتغيير التابعة لحركة المقاومة الإسلامية حماس بـ ٧٦ مقعداً، إضافة إلى ٤ من المتحالفين على قوائمها من مسيحيين علمانيين اتفقوا على البرنامج الذي طرحته الحركة.
وحول هذه الانتخابات، وما أفرزته من تداعيات وقضايا ساخنة كان لـ (^) هذا الحوار مع د. موسى أبو مرزوق - نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس على هامش زيارته للقاهرة، ومشاركته في المحكمة الشعبية الدولية الإنسانية ضد بوش وشارون، والتي نظمها اتحاد المحامين العرب.
انتصار للعرب والفلسطينيين:
^: نود السؤال في البداية عن الحكومة: هل ستشكل حماس بمفردها الحكومة الفلسطينية في ظل رفض فتح للمشاركة فيها؟ وفي ظل الاشتراطات الأمريكية والصهيونية بوقف المقاومة والاعتراف بـ (دولة العدو) مما يدفع بعضهم إلى التوقع بأن حماس لن تشكل الحكومة، فما ردكم؟
| إن حماس لا يمكن أن تهرب من مسؤولياتها، ولن تتخلى عن ثقة شعبها بها، وسوف تشكل الحكومة، سواء شاركت حركة فتح أم لا؛ فهذا شأن عائد لهم، وعندما طرحت حماس مبدأ المشاركة لم يكن ذلك من قبيل الخوف من المستقبل أو عدم الاستطاعة، ولكن لأنها تطرح في برنامجها السياسي مبدأ المشاركة، وألا تكون السلطة بيد حزب واحد.
وما زلنا نطرح هذا المبدأ الذي يعتبر عهداً قطعته حماس على نفسها أمام الشعب الفلسطيني.
^: وهل هناك بالفعل ضغوط عربية تتوافق مع الاشتراطات الأمريكية والصهيونية؟
| ليس هناك ضغوط عربية على حماس، ولم نسمع من الدول العربية غير التطمينات والتهاني بالفوز، وأريد أن أطمئن الجميع بأن الوضع العربي يقف بقوة مع خيار الشعب الفلسطيني، ولا يمكن أن تضع السلطة أو أي نظام عربي اشتراطات على هذا الشعب، بل بالعكس نجد أن دولاً عربية تؤكد أنها ستقدم المعونات والمساعدات.
وأرى أن ما حدث من نتائج الانتخابات هو انتصار لمجموع العرب والدول العربية قبل أن يكون انتصاراً للفلسطينيين؛ لأن هناك ضغوطاً قوية في المنطقة تصب باتجاه تهميش أدوار الدول العربية لصالح أن تكون للدولة العبرية وحدها القوة السياسية والاقتصادية والنووية الأولى.
^: نعود إلى الضغوط والاشتراطات الدولية، وخاصة الأمريكية والصهيونية.. ما ردكم عليها؟
| أرد أنا بسؤال أيضاً: ومتى توقفت هذه الضغوط؟ لقد وضعت الولايات المتحدة حركة حماس على قائمتها للإرهاب، وقالت إنها ستوقف مصادر تمويلها وتلاحق قياداتها، وأنا بنفسي مطلوب للأمريكيين والصهاينة، أما في فلسطين المحتلة، فالضغوط أيضاً ليست جديدة، حيث يقتل الصهاينة القادة السياسيين والنشطاء خارج القانون.
إذن هذه ضغوط ليست جديدة، وعليهم أن يحترموا المبادئ الديموقراطية التي ينادون هم أنفسهم بها.
شروط الرئيس عباس:
^: قرأنا في وسائل الإعلام أن رئيس السلطة محمود عباس يشترط على حماس وقف المقاومة والتخلي عن السلاح، وقبول التزامات السلطة بموجب اتفاقيات أوسلو، فهل تقبلون بذلك؟
| اشتراط إلقاء السلاح ليس قرار فصيل واحد أو حكومة، لكنه قرار شعب يتم في حال اقتنع هذا الشعب بأن المقاومة قد أوصلته إلى حقوقه، وأنه آن الأوان لكي تتحول المقاومة بشكل طبيعي إلى عملية البناء.
أؤكد أنه لا يوجد من يمنع شعباً من مقاومة الاحتلال حتى حماس نفسها؛ فلو افترضنا أن حماس اتخذت مثل هذا القرار، فسيخرج منها من يحمل السلاح ويقاوم، وهذا ما حدث مع حركة فتح بالضبط، وحدث مع كل الدول التي استقلت؛ حيث كان لديها مجموعات مسلحة تقاوم الاحتلال.
كما أن القانون لا يسمح بأية اشتراطات؛ حيث ينص على تكليف الحزب الحاصل على الأغلبية بتشكيل الحكومة، وفي مقابل هذا سنعلن أن خيارنا هو الحوار والتوافق والبرنامج الواحد لكل فصائل الشعب الفلسطيني.
^: إعلانكم الاستعداد للتفاوض حول هدنة مع (الصهاينة) ، هل يعني القبول بحل الدولتين؟
إن فلسطين بحدودها الجغرافية المعروفة هي حق للشعب الفلسطيني، وحينما يعود هذا الحق يجب أن يكون هناك دولة ديموقراطية إسلامية تتأسس على مبدأ المواطنة، ولكن هذه مسائل مؤجلة، وما طرحناه في البرنامج الانتخابي هو عدم الاعتراف بأي دولة أخرى على أرض فلسطين؛ مع السعي لإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة.
رسالة حماس إلى مصر:
^: بخصوص زيارتكم للقاهرة، هل تحملون معها رسالة من حركة حماس إلى مصر؟
| رسالتنا إلى مصر واضحة، وهي أنها دولة قائدة في المنطقة، ولا يمكن تجاهل موقفها، والملف الفلسطيني بالنسبة لها دائماً ملف استراتيجي، ومع هذا فالمسألة ليست استراتيجية فقط، وإنما أيضاً أخوَّة وتضامن، وسوف يكون هناك حوار مسؤول، وتوضيح للسياسات ومطالب بدعم الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى تفاهمات مع مصر في كل القضايا المطروحة.
^: هذا يقودنا إلى الحديث عن أهم هذه القضايا، وخصوصاً الضغوط الأمريكية والوضع الفلسطيني الداخلي.
| نؤكد على بعض النقاط فيما يتعلق بالضغوط الأمريكية: أولاً: لا يحق للولايات المتحدة أن تقف أمام الخيار الديموقراطي للشعب الفلسطيني، وخصوصاً أنها أرسلت فريق مراقبة برئاسة الرئيس (جيمي كارتر) ، وأشاد بهذه الانتخابات. ثانياً: يجب ألا يخلط الأمريكيون بين المبادئ والسياسة، وألا يعاقبوا الشعب الفلسطيني على خياره الديموقراطي. ثالثاً: أن المصالح الأمريكية ليست مرهونة بالخيارات الإسرائيلية في المنطقة، بل لا بد أن يكون هناك ربط بين مصالحها ومصالح الشعوب العربية والإسلامية بأن تتوافق مبادئها الديموقراطية وإرادات هذه الشعوب، ومن ثَم عليها أن تفكر طويلاً بسؤال: لماذا يكرهوننا؟ وتربطه بدعمها المطلق للعدو الصهيوني. رابعاً: أن حماس لن تساوم مطلقاً على كرامة الشعب الفلسطيني وحقوقه قُطِعت المعونات الأمريكية أم لم تقطع.
أما بالنسبة للوضع الداخلي فستكون كل النقاط الواردة في البرنامج موضع تطبيق، وسيرى الشعب الفلسطيني طريقة جديدة ترتكز على المسؤولية والعدالة والكرامة حتى نستطيع أن نقدم له ما يريده وندعم صموده ونحقق خياراته.
لا نتفاوض ولا نعترف:
^: هل بدأت مشاورات تشكيل الحكومة؟ وهل ستضمُّون فتح والفصائل الأخرى؟
| المشاورات لم تبدأ بعد، إنما تبدأ بعد انعقاد المجلس التشريعي وقَسَم اليمين، ثم تكليف الرئيس عباس للأغلبية بتشكيلها. وليس هناك موقف معلن حتى الآن، ولكن بعد التكليف سيحدث حوار مع الرئيس عباس والفصائل حول البرنامج الانتخابي للحركة، وكيفية إنفاذه وتطبيقه في المستقبل.
^: وهل لديكم أية مخاوف من تشكيل حزب آخر غير حماس للحكومة؟
| الأغلبية واضحة، ولا يمكن تجاوز هذه المسألة؛ لأن هذا يعني الاصطدام بمستقبل السلطة الفلسطينية.
^: الواضح أنكم ترفضون الاعتراف بدولة الصهاينة المحتلة وهذا يطرح تساؤلاً حول كيفية إدارة المفاوضات معها..
| من قال إننا سنتفاوض مع دولة الكيان الصهيونى؟ حماس ترفض التفاوض حول القضايا السياسية الخاصة بالحلول النهائية لأسباب متعددة تتعلق بموازين القوى السائدة، وعدم الاعتراف بها كقوة احتلال؛ لأن هذا لا يعنى سوى قبول الخيارات المطروحة التي لا تلبي الحدود الدنيا لمطالب الشعب الفلسطيني، فضلاً عن أنها لا تتوافق مع ثوابت الحركة.
ومع ذلك فحماس سوف تتعامل مع هذه الدولة على اعتبار أنها ستحكم تحت الاحتلال في كافة مجالات الحياة.
محاكمة بوش وشارون:
^: شاركتم بشهادتكم في المحاكمة الشعبية الإنسانية الدولية لبوش وشارون التي عقدها اتحاد المحامين العرب بالقاهرة يومي ٣ و ٤ من فبراير الجاري: برأيكم هل ستؤدي هذه المحاكمة الجديدة لنتائج ملموسة؟
| إن المحاكمة في مكانها وفي وقتها، ونشكر الرئيس مهاتير محمد على رئاسة جلساتها، واتحادات المحامين العربية التي نظمتها، ولعل من أهم نتائجها أنها رسالة إلى الشعوب والدول الغربية مفادها: أوقفوا المظالم التي يرتكبها بوش وشارون، ودافعوا عن الديموقراطية والعدالة.
^: وما رسالتك التي قدمتها في الشهادة أمام المحكمة؟
| لقد أكدت على غياب العدالة وعدم توافق الممارسات الأمريكية - الصهيونية مع المبادئ الديموقراطية حينما يتعلق الأمر بالفلسطينيين والشعب الفلسطيني، وتحدثت عن بعض النماذج بصفتي معتقلاً سابقاً في السجون الأمريكية، كما تناولت ما يقوم به جيش الاحتلال والفِرَق التابعة له من قتل خارج نطاق القانون ضد القادة السياسيين والنشطاء والمواطنين العزل من الشعب الفلسطيني.
^: هذا يقودنا إلى سؤال أخير يتعلق بالدعاوى الصهيونية بأنكم تستهدفون المدنيين؟
| إن ما تقوم به المقاومة هو رد على ممارسات الاحتلال وليس العكس، والمقاومة لا تملك قانوناً أو دولة قانون، فهي تدافع عن شعبها بكل السبل، أما دولة الكيان الصهيوني فإنها حينما تستهدف شخصاً واحداً فقد تقتل خارج القانون أفراداً عديدين حوله، أو يسكنون بجواره، كما حدث مع الشيخ صلاح شحادة ﵀ حيث قتل معه ١٥ طفلاً في الغارة على منزله في غزة.
стр. 5544
حماس الماضي والمستقبل - رؤية متابع
د. سامي محمد صالح الدلال
لقد أحدث فوز حماس بأغلبية في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في إطار الحكم الذاتي ضجّة محلية وإقليمية وعالمية كبرى.
وفي هذه الدراسة المقتضبة سأرصد أهم الوقفات في هذا الحدث الكبير.
\ ولادة في ظروف مضادة:
لقد سيطر التيار الناصري على الشارع العربي منذ عام ١٩٥٢ بشعاراته القومية، وتأجيج الروح العربية، والدعوة لإلقاء (العدو) في البحر؛ لتتحرر الأراضي الفلسطينية، وتُستخلص من براثن الأيدي اليهودية، وليعود اللاجئون إلى ديارهم، فيجففوا جراحاتهم ويخططوا لبناء مستقبلهم. وطبيعي في ظل مثل تلك الشعارات البراقة أن يكون الشارع الفلسطيني أول المتأثرين بها والسائرين تحت لوائها. وكان آنذاك «أحمد الشقيري» من أبرز النافخين في كيرها ومؤججي أُوارها. ولأجل السيطرة على مسارات القوى القومية والبعثية والشيوعية التي استحوذت على توظيف تلك المشاعر لصالحها، ورصت تلك الجماهير الفلسطينية خلف مبادئها وأهدافها، قرّر المؤتمر العربي الذي انعقد في عام ١٩٦٣ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة «الشقيري» . غير أن منظمة «فتح» عندما افتتحت أعمالها العسكرية ضد الدولة اليهودية في ١/١/١٩٦٥ استحوذت على توجيه الأنظار إليها، لافتة النظر إلى زعيمها «ياسر عرفات» الذي سوّق اسمه بالعمل العسكري أولاً، ثم استثمره في العمل السياسي لاحقاً. رفعت «فتح» شعار العلمانية في أول يوم من أيامها؛ وذلك بحجة أن ترتص في صفوفها جميع القوى المناوئة للدولة اليهودية مهما كانت انتماءاتها الدينية. فالشعار هو تحرير فلسطين، وعلى الجميع المشاركة في هذه المهمة المقدسة، ومن ثَم لا محل لرفع الشعارات الدينية، وخاصة الإسلامية؛ لأنها ستفرق الصفوف وتبعثر القوى. صدَّقت الجماهير الفلسطينية تلك الأكذوبة النتنة. وكان الجو العام الذي ولَّده «عبد الناصر» في مجمل الجماهير العربية ـ والفلسطينية جزء منها ـ هو معاداة الفكر الإسلامي والتيارات الإسلامية، وتوّج ذلك كله بإعدام الداعية «سيد قطب» رحمه الله تعالى.
وكان من نتيجة ذلك أن تلاشى التأثير الإسلامي في الجماهير الفلسطينية، وباتت الطبقة الفلسطينية المثقفة كلها ـ إلا من رحم الله ـ علمانية التوجه قومية الشعارات، تحمل في أدبياتها المنشورة والمسموعة معاداة الإسلام وأنه أفيون الشعوب.
في عام ١٩٦٧ جاءت الهزيمة المنكرة لجيوش الأنظمة التي رفعت تلك الشعارات الخلابة، فانكشفت سوآتها، وكان من نتيجة ذلك احتلال سيناء والضفة الغربية وغزة والجولان، وفي بداية السبعينيات من القرن الماضي، وبعد أن تولى «ياسر عرفات» رئاسة منظمة التحرير، كانت الفصائل الفلسطينية قد بلغت ثلاثة عشر فصيلاً، ليس من بينها أي فصيل إسلامي، ومعظم الفصائل أو كلها كانت تابعة لأنظمة عربية، كمصر وسوريا وليبيا وغيرها. قادت تلك الفصائل الشعب الفلسطيني إلى كوارث جديدة ومحن عديدة من أبرزها (أيلول الأسود) في الأردن عام ١٩٧١، ثم جعل الشعب الفلسطيني في لبنان وقوداً للحرب الأهلية هناك، فارتكبت في حقه المجازر الوحشية والتصفيات الهمجية، واجتمعت عليه كتائب النصارى وأجناد «شارون» وبعض الجيوش العربية، فساموه سوء العذاب وأذاقوه مرارة تجدد التشريد. وبدأ الشعب الفلسطيني يكتشف شيئاً فشيئاً أنه قد وقع ضحية شعارات قومية زائفة وقيادات وطنية منافقة. وفي منتصف السبعينيات تلك بدأت في العالم الإسلامي بوادر صحوة إسلامية، ما لبثت أن امتدت مساحاتها وقويت شوكتها، فتصدت لها قوى الشر في العالم ممثلة في أنظمة قمعية وإعلام كذوب ومن ورائها الدول النصرانية والدولة اليهودية. ولما كانت فلسطين جزءاً من هذا العالم الإسلامي فإن رياح الصحوة الإسلامية هبت عليها كما هبت على غيرها. وبدأت كوكبة قليلة من الشباب الفلسطيني المثقف تلتقي على مفاهيم الإسلام، وأنه هو المخلِّص الوحيد مما آلت إليه الأوضاع. ما لبثت هذه الكوكبة أن امتد تأثيرها وتنامت أعدادها وكثرت أنشطتها، رغم العراقيل الشديدة والمثبطات الهائلة التي وضعتها أمامها السلطة الفلسطينية ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية. في تلك الأوقات، وتحديداً في الثمانينات، وبترتيب مع الأنظمة العربية والقوى الدولية النصرانية واليهودية اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بالعدو المحتل، فانحصرت خطط النضال في تحرير الضفة الغربية وغزة فقط. كان ذلك عاملاً مهماً من عوامل التفاف مزيد من المثقفين الفلسطينيين الإسلاميين بعضهم حول بعض. كانت مظلة الإسلاميين هي المظلة المطروحة في الساحة، فانخرطت تلك المجموعات في مضامين تلك المظلة. ومع الاهتمام الذي وجهته تلك المجموعات إلى الشباب اتسعت دائرة تأثيرها، مما أتاح لها بعد ذلك أن تتمدد في مختلف شرايين المرافق الفلسطينية وخاصة القوى العاملة.
انتبهت السلطة الفلسطينية إلى هذا الخطر الذي بدأ يدبُّ شيئاً فشيئاً ليُحدِق بها وبأنصارها. في عام ١٩٨٧ اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، فشاركت فيها تلك المجموعات الإسلامية التي انتظمت في إطار تنظيمي باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، وبدا أن الوضع قد اتجه إلى خارج إمكانية السيطرة عليه. ثم جاء احتلال العراق للكويت، مما أدى إلى رجوع مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الأردن والضفة الغربية وغزة، وكان كثير من هؤلاء قد انخرطوا تنظيمياً في إطار حماس، فازداد تأثير حماس في داخل الشارع الفلسطيني، فأرادت السلطة الفلسطينية، بالتنسيق الكامل مع دولة اليهود وأمريكا والدول الغربية، أن تستبق الأحداث وتسحب البساط من تحت أرجل حماس، فسارعت إلى مؤتمر «مدريد» ثم توقيع اتفاقيات «أوسلو» عام ١٩٩٣.
استمرت معارضة حماس ومن ورائها معظم الشعب الفلسطيني لتلك الاتفاقيات، حتى جاء تدنيس «شارون» للمسجد الأقصى في أواخر التسعينيات فاشتعلت الانتفاضة الثانية، وكان لحماس فيها حصة الأسد. عندما رأت «فتح» أن الشارع الفلسطيني سيفلت من يديها ابتكرت مجموعات كتائب الأقصى، مقابلة لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحماس، غير أن سيطرة حماس على مساحات واسعة من الشعب الفلسطيني جعلت السلطة الفلسطينية تيأس من إمكان القضاء عليها عن طريق الاعتقالات والتصفيات الجسدية لقادتها سواء عن طريق عملاء اليهود أو من المنافقين والمنتفعين، مما فرض على السلطة الفلسطينية أن لا تتجاهل هذه الحركة في مجمل أنشطتها السياسية، واستطاعت حماس أن تفرز قيادات سياسية ناضجة كـ «الرنتيسي وهنية والزهار ومشعل» وغيرهم، وكان الجميع يستظلون بمرجعية إسلامية ممثلة في الشيخ «أحمد ياسين» ﵀.
نجحت دولة اليهود في اغتيال كثير من قيادات حماس في غزة وفي مختلف مدن الضفة الغربية، وعلى رأسهم قائد حماس «الشيخ أحمد ياسين» ثم «الرنتيسي» ـ رحمهما الله تعالى ـ وتقبلهما في الشهداء والصالحين. إن الشعارات التي رفعتها حماس ونظافة قياداتها من مثل ما يُتهم به رجالات السلطة، ونزول تلك القيادات إلى الشوارع لقيادة الجماهير ميدانياً هي التي جعلت الجماهير الفلسطينية تلتف حولها وتسير تحت راياتها الخضراء.
ومن أهم تلك الشعارات:
١ - الإسلام هو طريق تحرير فلسطين.
٢ - فلسطين دولة واحدة من النهر إلى البحر، لا تتجزأ.
٣ - أرض فلسطين وَقْفٌ لا يجوز لأحد أن يتصرف فيه كائناً من كان.
٤ - عدم الاعتراف بدولة اليهود؛ لأنها مغتصبة، وأن ذلك الاعتراف لا يجوز شرعاً بأي حال من الأحوال.
٥ - الإسلام هو دين الدولة الفلسطينية المحررة، والشريعة الإسلامية هي المحكِّمة فيها.
٦ - لا مفاوضات مع الكيان اليهودي ولا اعتراف باتفاقيات أوسلو.
٧ ـ تحرير فلسطين واجب عل كل المسلمين.
٨ - يجب إزالة المستوطنات والجدار.
٩ - عودة كافة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم من غير شروط.
١٠ - لا بديل عن المقاومة.
بدأت رقعة حماس الشعبية تتوسع شيئاً فشيئاً، وبدأت الرقعة الشعبية لـ «فتح» ومن معها تتقلص شيئاً فشيئاً، غير أن حماس بدأت تتفوق تقنياً على «فتح» في وسائل المقاومة، فابتكرت صواريخ القسام، وراح استشهاديوها يقوّضون نظرية الأمن في الكيان اليهودي عن طريق العمليات الاستشهادية. حاولت «فتح» عن طريق كتائب الأقصى أن تلحق بحماس، ولكن بات البون بينهما شاسعاً. في انتخابات المجالس البلدية كانت المفاجأة مدوية عندما استحوذت حماس على عدد كبير من كراسي تلك المجالس، مما شجعها على أن تقتحم انتخابات المجلس التشريعي لسلطة الحكم الذاتي، لعل أن يكون صوتها في المجلس ذا تأثير على مجريات الأمور للحد من استشراء الفساد في تلك السلطة. غير أن النتائج كانت أكبر من التوقعات؛ إذ تمخضت عن فوز حماس بالأغلبية في المجلس التشريعي بما يخولها تشكيل حكومة الحكم الذاتي ويضعها أمام تحديات على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي. ربما لم تكن حماس قد درست هذا الموضوع جيداً؛ إذ ربما لم تكن تتوقع أن تقفز فجأة إلى الواجهة، بل كانت متوقعة مجرد الإطلالة على تلك الواجهة من خلال بضع كراسٍ في المجلس التشريعي.
\ توصيات في آفاق المستقبل:
ابتداءً، كنت أود لو أن «حماس» أجَّلت دخولها الانتخابات التشريعية إلى ما بعد أربع سنوات، موعد الانتخابات القادمة، أو ما بعد ثماني سنوات، موعد الانتخابات التي تليها؛ لأنها خلال هذه المدة ستصنع واقعاً على الأرض غير قابل للمنافسة، ولعلها لن تكون محتاجة أصلاً إلى دخول الانتخابات، ولو خاضتها (ولا أرى ذلك صائباً) فإنها سوف تفوز بأغلبية لا تقل عن ٨٠ %؛ ذلك إذا أحسنت إدارة الصراع على الأرض واستمرت في مواجهتها لليهود، وأججت بواعث المقاومة، وواصلت زلزلتها للنظرية الأمنية اليهودية من خلال تصعيد العمليات الاستشهادية. أعتقد أنه بعد تلك السنوات (أي: الأربع أو الثماني) سيكون الكيان اليهودي قد أصبح في وضع أضعف على كافة المستويات وخاصة الأمنية والنفسية والاقتصادية، وستبلغ الخلافات السياسية بين أحزابه مداها مما يفتت بنية قراراته التفاوضية ويخلخل صورته أمام داعميه من الأمريكان والأوروبيين.
أي أن حماس، لو لم تدخل الانتخابات، لكان بإمكانها أن تحقق إصابة هدفين بسهم واحد: هدف باتجاه السلطة، وهدف باتجاه الكيان اليهودي. وستعلم حماس أن الخيار الاستراتيجي لمنظمة الجهاد الإسلامي بمقاطعة الانتخابات كان أبعد نظراً في التحليل لمعطيات الواقع. أقول ذلك بقصد لفت نظر حماس إلى أن بإمكانها أن تعيد النظر بشكل موضوعي فيما يخص الانتخابات القادمة بعد أربع سنوات وتجدد دراسة حساباتها.
\ ما هي التحديات التي تواجه حماس الآن؟
١ - يجب عدم التنازل عن أي شعار رفعته حماس في الفترة السابقة، وهي الشعارات العشرة التي ذكرتها. إن التنازل عن أي منها سيفقد حماس مصداقيتها وسينفضُّ عنها كثير من مؤيديها، وسيخرج من عضويتها كثير من منتسبيها، وستلتف تلك الجماهير حول «فتح» أو منظمات أخرى. وهذا بدوره سيضعف قوتها السياسية.
٢ - لا بد من استمرار المقاومة المسلحة للكيان اليهودي، بما فيها العمليات الاستشهادية. إن ردة فعل ذلك الكيان ستكون نفسها فيما لو لم تكن حماس في السلطة. وإن الشعب الفلسطيني قد اعتاد على كيفية امتصاص ردات الفعل اليهودية، وإنه قد أثبت قدرته على الصبر والتحمل بشكل مثير للدهشة، حتى على المستوى التاريخي.
٣ - لا يجوز لحماس ولا لأي قوة أخرى الاعتراف بالكيان اليهودي، وإن الاعتراف الذي حصل من قِبَل منظمة التحرير ينبغي سحبه من خلال أغلبية حماس الحالية في المجلس التشريعي. إن الاعتراف المذكور غير مشروع ولا يحق لأحد كائناً من كان أن يفرط في ذرة تراب من أرض فلسطين.
٤ - ستتعرض حماس لضغوط مالية بسبب وقف المعونات المباشرة التي كانت السلطة تتلقاها من الكيان اليهودي ومن أمريكا ودول أخرى. نقول لحماس: تدبري أمورك المالية بشكل لا يخضع للتنازل عن أي شعار من الشعارات المرفوعة من قبلك.
وقد نشرت إحدى الصحف الكويتية بتاريخ ١٤ محرم ١٤٢٧ هـ الموافق ١٣ فبراير ٢٠٠٦ أن حواراً قد دار بين «رايس» و «أبو مازن» خلال لقائهما الأخير تذمّر فيه الرئيس الفلسطيني قائلاً: «يا دكتورة رايس! نحن لا نملك بترولاً أو صناعة، وشعبنا لا يرى على الأرض أي نتائج فعلية لعملية السلام. السبب الأكبر هو قلة الدعم المالي من دول الخليج. ردّت رايس قائلة - بالحرف الواحد -: «قد يكون السبب الأكبر هو احتكار بعض مسؤولي السلطة لكمية كبيرة من أموال المساعدات الخليجية والدولية، وعليه فقد رأينا أن نشكل لجنة تحقيق لمساعدتكم لكشف غموض اختفاء المساعدات» وبناء عليه تشكلت لجنة أمريكية أطلق عليها اسم «أمريكا تاسك فورس - باليستاين» . وتم رفع نتيجة عملها إلى الإدارة الأمريكية والرئيس الفلسطيني، وخلاصتها أسماء (٥١) مسؤولاً بالسلطة سرقوا ٧١٥ مليون دولار خلال فترة أربع سنوات ونصف. النائب العام الفلسطيني أعلن قبل أيام أن (٢٥) مسؤولاً فلسطينياً من «الحرامية» فروا خارج البلاد، وأن ثلاثة عشر حرامياً آخر قيد الإقامة الجبرية في الأراضي الفلسطينية «انتهى خبر الصحيفة الكويتية» .
نقول لحماس: إن من واجبها استرداد الأموال المسروقة، وهي مئات الملايين وتوظيفها في سد احتياجات الشعب الفلسطيني.
كما أن استخدام الجانب السياسي، بعيد النظر، في العلاقات مع الدول الداعمة، كدول الخليج، سيكون له أثر إيجابي في هذا الجانب الاقتصادي. وإن استطاعت حماس، بالاعتماد على التبرعات الشعبية الفلسطينية والعربية والإسلامية، وكذا بتقليص المصروفات، أن تصل إلى نوع من الاكتفاء الذاتي؛ فهذا سيساعد كثيراً في استقلالية قرارها السياسي. إن حماس لديها عناصر اقتصادية تستطيع أن تفعِّل آلية توظيف الأموال في أوجه استثمارية ناجحة تعود بالدخل الكبير على حكومة حماس.
٥ - على حماس أن تولي عناية كبيرة وبالغة بالإصلاح الداخلي على كافة المستويات، وخاصة بما له علاقة بتحسين الأوضاع المعيشية والخدمات الصحية والتعليمية للفلسطينيين، وأن تولي اهتماماً رعوياً بأرامل وأيتام الشهداء وتوفر لهم سبل العيش الكريم، وكذا الذين تضرروا من الهجمات اليهودية، وبالذات الذين هُدمت بيوتهم وشُردت عائلاتهم؛ إذ لا بد من إعادة تسكينهم في بيوت تُمنح لهم من السلطة على سبيل التملك، أو إعادة تشييد منازلهم المدمرة، ومثل ذلك يقال بشأن الذين تضرروا جرَّاء تجريف أراضيهم الزراعية أو إتلاف بساتينهم وبياراتهم.
٦ - على حماس أن تضع خططاً عملية وواقعية لتجييش الشعب الفلسطيني وعسكرته، وذلك من خلال تدريب الجميع، الرجال والنساء، والصبيان على حمل السلاح وممارسة فنون القتال، وكذا الاهتمام بالجانب المعنوي والعقدي؛ بحيث يكون الشعار الإسلامي هو الدثار في معارك تحرير فلسطين.
إن ذلك سيعيد لمفهوم تحرير فلسطين المعنى الإسلامي (وليس القومي والوطني) ، مما سيعيد التفاف كافة الشعوب العربية والإسلامية حول هذه القضية ودعمها بالنفس والمال. وكذلك لا بد من إنشاء جيش فلسطيني محترف ومتخصص ومتفرغ يستقي مبادئه وتربيته العسكرية من معين الإسلام.
٧ - إن الجهاز الأمني الفلسطيني الحالي، هو جهاز فاسد، سيطر على دفّته المنافقون والمنتفعون وأعداء التيار الإسلامي. وأقصد بالجهاز الأمني شقّيه: أمن الدولة (المخابرات) والشرطة.
إن أسلمة هذا الجهاز بالتدريج، وتسريح القائمين عليه الآن سيزيل هذا الكابوس الجاثم على صدور الفلسطينيين والذي كتم أنفاسهم لعقود عديدة.
٨ - أما في الإطار السياسي فعلى حماس أن تعلن وباستمرار بتمسكها بمبادئها وشعاراتها التي رفعتها خلال مسيرتها الجهادية. وضمن ذلك لا مانع من بناء العلاقات السياسية مع كافة الدول بما لا يتعارض مع تلك المبادئ والشعارات التي إطارها العام هو الإسلام.
٩ - وأما بشأن الكيان اليهودي، فإن عرض حماس الهدنة معه يصب في صالحه؛ لأنه خلال عشر سنوات، وهي مدة الهدنة المعروضة، سيعيد بناء قواه النفسية والأمنية والاقتصادية والسياسية التي خلخلتها انتفاضات الشعب الفلسطيني، وكذا سيتمكن من استدراج أعداد هائلة من المهاجرين، في الوقت الذي ستوقف الهجرة المعاكسة الحالية. ومن ثَم فإن قوته بعد عشر سنوات ستكون أضعاف قوته الحالية بما يجعل تطهير أرض فلسطين من رجسه ودنسه في غاية الصعوبة.
وأما بشأن حماس؛ فإن الساحة الداخلية ستستهلكها بالخلافات الداخلية، وربما تنشب حرب أهلية بين الأطراف. «فتح» ومن معها من جهة، وحماس ومن معها من جهة؛ فالجميع مسلحون، ويحملون مبادئ متنافرة ومتضادة، وستأكل النار حطبها. أي: بعد انتهاء الهدنة سيتمكن الكيان اليهودي من إعادة انتشار قواته في غزة والضفة الغربية، هذا فضلاً عن استعادة الكيان اليهودي قواه العسكرية وتنميتها بما يساعده على التوسع في شرق الأردن وجنوب سورية، بل وجنوب لبنان مرة أخرى. لقد استدلت حماس في عرضها الهدنة على الكيان اليهودي على ما ورد بشأن الهدنة المتضمنة في صلح الحديبية؛ وهذا استدلال في غير محله لاختلاف المناط، فالرسول # كان في موقع القوة ويرأس جيشاً عرمرماً يمثل دولة الإسلام، أما حماس فليست الآن في هذا الوارد؛ فهذا الاستدلال ليس في محله، بل هو استدلال خاطئ.
١٠ - على حماس إن تهتم اهتماماً بالغاً بنشر العلم الشرعي بين الفلسطينيين، وذلك بإنشاء المدارس الشرعية والمعاهد الدعوية، وكليات الشريعة، والمعاهد والكليات التقنية على أن يكون تدريس هذه العلوم مرتبط بالمرحلة الجهادية التي يمر بها الشعب الفلسطيني.
١١ - أرى من المناسب القول أن من مهمات حماس التي ينبغي أن تضطلع بها هو تفريغ المنظمات الأخرى كـ «فتح» وغيرها من كوادرها، ابتداء من المؤيدين ثم الأنصار ثم المنتمين ثم الموجهين ثم القياديين المحليين ثم من فوقهم، يجب أن توضع خطط عملياتية قابلة للتنفيذ لتحقيق هذه الغاية، فلو استطاعت حماس الوصول بعد أربع سنوات إلى نتيجة بهذا الخصوص تعادل (٥٠%) فإن ذلك سيكون مفيداً جداً، وأقصد بالتفريغ هو الوصول إلى تلك الشرائح عن طريق الخدمات وطرح الأفكار البناءة وتقديم البدائل المناسبة.
هذا ما وددت ذكره في هذه الرؤية المقتضبة، وأسأل الله تعالى أن ينفع بها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 5545
ثمن الانتصار
نظرة مستقبلية لما بعد فوز حماس في الانتخابات
نبيل شبيب
خلال ست سنوات مضت على وجوده في منصب الرئاسة الأمريكية لم يظهر بوش الابن مضطرباً منفعلاً حائراً بين الإشادة التقليدية المخادِعة بالديمقراطية، وإطلاق التهديدات المتعجرفة، كما كان حاله عند الإجابة عن أسئلةٍ أحرجته خلال مؤتمر صحفي غداة الإعلان عن فوز حماس بالغالبية المطلقة في انتخابات «المجلس التشريعي» الفلسطيني.
وبصعوبةٍ كبيرة حاول بوش تجاهلَ «نهج المقاومة الإسلامية» الذي أعلنته حماس في معركتها الانتخابية، وأثره على الناخب الفلسطيني، واستبعد العنصر التقليدي الحاسم في كلّ عملية تصويت نزيه وحرّ ـ نسبيّاً على الأقلّ ـ وهو الاقتناع بالبرامج الانتخابية للطرف الفائز وحامليها، ليحصر أسباب الفوز في عنصر واحد، هو الاحتجاج الشعبي على انتشار الفساد والنزاعات في السلطة ومنظمة فتح، وهو أحد الأسباب، ولكنّ ما لم يذكره بوش ـ هو أنّ الطرف الذي مارس الفساد وأوغل في النزاعات، هو الطرف الذي تواصل الدعمُ الأمريكي المالي وغير الماليّ له مقابل «مسيرته السلمية» ، وكان دعماً علنياً، لا سيّما أثناء المعركة الانتخابية، بصورة تتجاوز سائر أعراف الديمقراطيين الغربيين مع انتخاباتهم.
كما أفصحت كلمات الرئيس الأمريكي وما رافقها وتلاها من تصريحات غربية، عن الخطّ العام الذي يراد التعامل من خلاله مع الوضع الجديد في الأرض المحتلة عام ١٩٦٧م. وتبعاً لذلك ستقوم السياسة الغربية عموماً وسياسة واشنطن تخصيصاً على المقاطعة السياسية والمالية لحكومةٍ فلسطينية تشكّلها أو تشارك فيها حماس المنتخَبة شعبياً. وأكملت تصريحاتُ بعض المسؤولين من السلطة الفلسطينية الخاسرة للانتخابات معالمَ هذا الخطّ، عندما أشار محمود عبّاس وسانده آخرون إلى أنّ مسيرة «السلام» من اختصاص منظمة التحرير الفلسطينية، الممثّل «الشرعي الوحيد» لشعب فلسطين، وهو ما يعني على أرض الواقع التصريحَ مسبقاً بالعمل على متابعة تلك المسيرة، والتمسّك بدور فريق أوسلو وسبله المتشعّبة على صعيدها، ليتحرّك بها عبر قنوات أخرى، تتجاوز «حكومة حماس» ، ربّما على أمل «عودة فتح إلى السلطة بعد أربع سنوات» ، على حدّ ما تفاءل به الوزير الفلسطيني نبيل شعث، عندما ظهرت النتائج للعيان.
وإذا أخذنا في الاعتبار أيضاً موقف الصمت الأقرب إلى صمت المشدوه في العواصم العربية، أمكن القول إنّ السنوات القادمة ستكون هي الأشدّ على حماس وعلى شعب فلسطين داخل الأرض المحتلة، بالمقارنة مع ما سبقها، وما كان الذي سبقها بسيطاً، صهيونياً ودولياً وإقليمياً، فكأنّ المطلوب ـ أو هذا ما أكّدته المواقف الأولى ـ هو تصعيد «معاقبة» الشعب على عدم الخضوع لعقوباتٍ سابقة لم تنقطع، وإصراره على اختيار ما لا يختاره بوش وأعوانه وأتباعه، وما لا يرضي مَن خلّفهم شارون ليكملوا طريق التقتيل والتدمير والتهويد من بعده.
\ ليس مجرّد زلزال سياسي:
في التحليلات والتعقيبات الفورية على انتصار حماس في الانتخابات كثر الكلام عن زلزال سياسي، وهزّة سياسية، ومرحلة سياسية جديدة، وما شابه ذلك، وكأنّ المطلوب من وراء ذلك التركيز على كلمة «سياسة» لتحقيق أمرين معاً:
١ ـ تركيز الاهتمام على الجانب السياسي من دون البعد التاريخي للحدث بمنظور مجرى قضية فلسطين وما يتّصل بها.
٢ ـ الاقتصار في تصوير المرحلة القادمة عبر منظور «سياسي» للرؤية المفروضة آنيّاً على القضية؛ فكأنّ ما بعد فوز حماس سيؤدّي إلى تغيير في «بعض الوسائل» أو «الخطاب السياسي» أو سيفضي على أبعد الاحتمالات إلى «تجربة سياسية» عابرة ستُثبت عجزَ حماس «الإسلامية» عن تحقيق أهدافها، فتعود الأمور إلى مجراها بعد انتخابات قادمة.. وتتابع «التصفية» خطاها.
يمكن بالمقابل أن نستفيض مع مَن يستفيض طويلاً في الحديث الإيجابي عن الجوانب السياسية لمعنى «الانتصار» في تلك الانتخابات، ولكن لا يصحّ التوقّف عند المديح ونشر الاطمئنان وتعداد ما قدّم الشعب الفلسطيني وأعطى، أو بيان إصراره على انتخاب «نهج المقاومة» رغم الثمن الباهظ الذي يدفعه يومياً. فإلى جانب ذلك كلّه يبقى الأمر الأعمق تأثيراً في المستقبل هو ما يبرزه المنظور التاريخي للجانب السياسي، فالانتصار الانتخابي يمثّل هنا حدثاً منفرداً بذاته في مجرى الأحداث المعاصرة في المنطقة، ويعني فيما يعنيه:
١ ـ خللاً ظاهراً للعيان في مفعول المعادلة المراد فرضها ما بين القهر والخضوع في التعامل مع مخطّطات الهيمنة الأجنبية.. والخلل لا يعني انقطاع التمسّك بأساليب القهر ومحاولة فرض الخضوع.
٢ ـ اضمحلالَ قيمة وسائل وتصوّرات طُرحت بلسان «الواقعيّة» في التعامل مع مخطّطات الطرف الأقوى دولياً.. وتبيّن مدى ضآلة حصيلتها عند الافتقار إلى تعزيزها بنهج المقاومة، ما دام الاحتلال رابضاً والعدوان مستمرّاً.
٣ ـ دليلاً آخر على أهميّة الطاقات الذاتية للشعوب في موازين المواجهة بين العدوان والمقاومة، لا سيّما في حالة الإجرام العدواني بطشاً وتنكيلاً وحصاراً، يعزّزه التنكّر المخزي دولياً وإقليمياً من جانب أكثر الأبعدين والأقربين.
٤ ـ تأكيدَ إخفاقِ آخرِ حلقةٍ مطروحة في مشاريع بدأت في قمّة فاس قبل ربع قرن وانتهت بين متاهات خارطة الطريق ومسار الجدار العنصري؛ فالطرف الذي صنع قضية فلسطين المأساوية عبر الهجمة الصهيونية تاريخياً، هو ـ وليس الطرف الآخر ـ مَن جعلها من البداية من القضايا العصيّة على أساليب تقليدية مثل المفاوضات والتسويات، فكانت قضيّة فلسطين وما تزال قضيّة حقّ وباطل، محورها إنهاء استعمار استيطاني تقليدي، وما انتهت قضية استعمار في التاريخ، إلاّ عن طريق المقاومة والتحرير، سواء اقترنت بمفاوضات لا تتخلّى عن نهج المقاومة وهدف التحرير، أو لم تقترن.
٥ ـ انكشافَ المزيد من زيف شعاراتٍ طالما طُرحت لتنحرف بمضامين مصطلحات بالغة الأهمية في الأدبيّات السياسية للقضية، مثل كلمات «الثوابت الوطنية» و «الحقوق المشروعة» و «السلام العادل» ناهيك عن «شرعية دولية» مزعومة، وهي مجرّد إفرازات قرارات الهيمنة المحضة عبر موازين القوّة الآنيّة، بما يخالف «الشرعية الدولية» القائمة على مُثُل ومبادئ موثّقة.
٦ ـ زعزعةَ مصداقيّة ما بقي من مزاعم الدفاع عن «الإرادة الشعبية» و «المصلحة الوطنية» و «تحسين الظروف المعيشية» وما شابه ذلك، ما دام طرح هذه الأهداف لا يقترن بالعمل على تحريرها من الخضوع لإرادة معادية أو مهيمنة، عن طريق قوّة عسكرية أو عن طريق الحصار والمقاطعة.
\ التهديد بالتجويع:
يعني انتصار حماس الانتخابيّ في الوقت نفسه أنّ أخطار المرحلة القادمة ستتفاقم، ومن تلك الأخطار ما قد يرتبط مباشرة بما تصنعه حماس ومن ورائها شعب فلسطين، بهذا الانتصار، ومنها ما يرتبط بالمنطقة إقليمياً، واحتمالات التراخي عن استخدام الطاقات الذاتية لتوظيف الحدث من أجل الخروج من عنق زجاجةِ الاختناقِ الذاتي والعجز الذي وضعت نفسها فيه عبر تعامل دولها الاستسلامي مع الهجمة الصهيوأمريكية الجديدة.
المخاطر معروفة علنية.. ففي قضية فلسطين نواجه مخطّطات علنية يجري تنفيذها، ولا يتورّع القائمون عليها عن التهديد باتّباع أبشع السبل والوسائل لبلوغ غاياتهم من خلالها، مهما تعارضت مع سائر ما يزعمون تبنّيه على صعيد قانون دولي أو إنساني وحقوق وحريات وديمقراطية وانتخابات.
من ذلك ما يجري تركيز الأنظار عليه أكثر من سواه، أي التهديدات الصادرة عن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين بقطع ما يقدّمونه ماليّاً تحت عنوان دعم العمران وتطوير الأوضاع الاقتصادية، وهم يعلمون أنّ مفعوله كان يضيع باستمرار تحت جنازير الدبابات والجرّافات واستهداف البنى التحتية والمنشآت وإتلاف الحقول وقطع الأشجار وفرض ألوان الحصار بفلسطين، دون أن تبذل «الأطراف المانحة» ـ كما يصفون أنفسهم والمانعة كما أصبحت واقعياً ـ أيّ جهد لوقف عملية التدمير الصهيونية الجارية!
هل يصحّ تركيز الأنظار على هذا التهديد واعتباره هو العنصر الحاسم في نجاح «حكومة حماس» مستقبلاً أو إخفاقها؟
لقد رُبطت المساعدات الغربية طوال السنوات الماضية بتمكين سلطة أوسلو وأجهزتها الأمنية من إكراه الشعب الفلسطيني على طريق أوسلو، وهو ما رافقه ضرب عسكري متواصل شمل السلطة نفسها ناهيك عن حصار تجويع مستمرّ، وليس مجرّد تهديد به.
إنّ انتصار حماس الانتخابي يؤكّد إخفاق هذا النهج المسيطر منذ عشرة أعوام على الأقلّ، كما يكشف واقعياً أنّ حصيلة «المساعدات» التي يأتي التهديد بقطعها، لم تكن بمجملها تصل إلى شعب فلسطين ولم تيسّر عليه أسباب البقاء اليومية المحضة ناهيك عن رفع مستوى الحياة المعيشية، فكيف يراد أن يحقّق التهديد بقطعها مفعوله الآن بشأن إكراه الشعب على مسيرة أوسلو وما بعدها؟ إنّ التناقض الأكبر كامن في الاعتقاد بقابليّة الوصول إلى هذا الإكراه عن طريق التهديد بقطع ما لم يصل إلى الشعب عموماً، وما لم ينجح على كلّ حال من قبلُ في تغيير مسيرته على نهج المقاومة تخصيصاً.
الواقع أنّ الانتصار الانتخابي لم يكن انتصار حماس بالذات، بل انتصاراً شعبياً يعزّز نهج المقاومة رغم الثمن الباهظ، وهذا ما لا يستوعبه التركيز الدولي والمحلي فيما يقال بشأن قطع المعونة الدولية.
الوجه الآخر لمعادلة «حصار التجويع» هو أنّ التصويت لحماس كان نتيجة طبيعية لتحرّكها الشعبي، اعتماداً على الطاقات الذاتية، وليس على معونة دولية، وكان في تحرّكها هذا ما يعوّض بحدّ أدنى عما يخسره أهل فلسطين من أسباب المعيشة الكريمة تحت وطأة الاحتلال والعدوان المتواصليْن، وحصار التجويع بمشاركة دولية.
من هنا لا يبدو السؤال الأهمّ في المرحلة القادمة هو السؤال المطروح في كلّ مكان عن تعامل حماس مع القوى الدولية الرافضة لها وهل تستطيع ذلك أم لا؟ أي هل تتمكّن من جلب معونة دولية أم لا تتمكّن؟ بل هو السؤال عمّا بقي لتلك القوى من أساليب للتعامل مع خيار الإرادة الشعبية الفلسطينية، فهي التي أبرزت موقع حماس المتميّز شعبياً، من قبل وصولها إلى السلطة.
المهمّ هنا أنّ وجود حماس في ميادين العمل الاجتماعي الشعبي كان موازياً من حيث حجمه وقيمته لوجودها في ميادين المقاومة وميادين رفض الخضوع للمساومات السياسية، ولا يمكن ـ في المستقبل أيضاً ـ أن تحقّق حماس أيّ نجاح أو انتصار يستحقّ هذا الوصف، دون أن يبقى وجودها في تلك الميادين بالذات، موازياً ومكملاً لوجودها في السلطة.. وتلك هي «السياسة الواقعية» بمعناها الأصلي.
ولا يخفى أنّ التفاؤل باستمرارية حماس والشعب الفلسطيني على هذا الطريق لا ينفي توقّع مزيد من الصعوبات، مهما قيل للتهوين من شأنها. إنّ ما قد يأتي في المرحلة المقبلة لا يمكن أن يتجاوز ـ بمعايير الإجرام اللاإنساني ـ ما سبق أن كان في مرحلة ماضية، ومن ثَم فمن تحرّك شعبياً في الظروف الماضية قادر على مواصلة التحرّك شعبياً في الظروف القادمة.
هذا صحيح.. ولكن لا ينبغي إغفال أنّ الإخفاق في هذه الاستمرارية بالذات هو في مقدّمة ما يراهن عليه المتربّصون بحماس وقضية فلسطين، داخلياً وخارجياً، ولا يُستبعد أن يضاف إلى أساليب الاجتياحات والاغتيالات والحصار المتّبعة حتّى الآن مزيدٌ من أساليب القهر، حتى على صعيد التواصل بين أشلاء الجسد الفلسطيني الواحد الذي ساهمت مسيرة أوسلو في تقطيع أوصاله داخل الأراضي المحتلّة عام ١٩٦٧م، لا سيّما في الضفة الغربية.
\.. والإغراء بلا شيء:
كان الانتصار الانتخابي لحماس متوقّعاً، بل بدا قُبَيِل الانتخابات أنّ القوى الغربيّة بالذات بدأت تضعه في حسابها، وهذا إلى درجة القول الانهزامي إنّها ساهمت هي في تمرير الحدث! القائلون بذلك هم الذين ينطلقون غالباً من تعطيل مفعول أيّ عنصر من عناصر صناعة الأحداث وتفسيرها خارج نطاق التسليم المطلق بالقدرة المطلقة للهيمنة المعادية! والواقع أنّ القوى الدولية تعمل على صناعة الأحداث بنفسها، ولكنّها تتعامل أيضاً مع أحداث يصنعها سواها تعاملاً «واقعيّاً» يقوم على محاولة فهمها واستيعابها ومن ثمّ توظيفها لتحقيق أغراض ذاتية أو مواجهتها بجهود مضادّة. وقد بدأت مبكّراً بطرح تصوّراتها بشأن ضبط النتائج المنتظرة عبر فوز حماس، ومحور تصوّراتها هو استخدام وسائل التهديد والقمع والإغراء معاً، وهدفها المعلن هو العمل لمنع إسهام هذا الحدث في تحقيق هدف التحرير الأعلى شأناً من أيّ انتخابات ومن سائر التنظيمات.
إنّ عنصر استخدام القوّة والتهديد بها كان قبل الانتخابات وسيستمرّ بعدها. والمطلوب صهيونياً ودولياً أن يبقى هذا العنصر موجوداً وفعّالاً من وراء التعامل بأي أسلوب سياسي للإملاءات أو التسويات على السواء. وإنّ إجهاض نتائج الانتصار الانتخابي عبر استخدام القوّة العسكرية في مرحلة مقبلة أمر محتمل وموضوع في الحسبان دون ريب، وقد يمكن إخراجه غربيّاً إذا تقرّر تنفيذه فعلاً، في صيغة نشر التيئيس من نهج المقاومة أصلاً، أي «عجز حماس عن تحقيق أهدافها عبر السلطة» نتيجة رفض «الانصياع» ـ كسواها ـ لإرادة القوى الدولية المهمينة.
وفي هذا الإطار للمنظور الغربيّ فقط يظهر أيضاً تصوير انتصار حماس الانتخابي «فرصةً» للتمكّن من تطويعها «أيضاً» على طريق تصفية القضية، ما بين عنصري «التهدئة والتصعيد» لاستخدام وسائل البطش العسكري وحصار التجويع. ولكن حتّى على افتراض تحقيق ذلك الهدف جدلاً، يجب أن يكون واضحاً كلّ الوضوح، أنّ قضية حماس ليست أكبر من السلطة فقط، بل هي أكبر من حماس وسواها أيضاً، فلو ذابت حماس وتلاشت طاقاتها الكبيرة، فلن تذوب معها قضيّة فلسطين، قضية الأجيال، وقضية التحرير والمصير.
في الوقت الحاضر يبدو المطلوب في هذا الإطار من قبيل التمنّيات وربّما الأوهام، وهو أن تقبل حماس بما قبلت به منظمات لا تتبنّى النهج الإسلامي، فتتحوّل من نهج المقاومة إلى نهج المشاركة في تصفية القضية الفلسطينية؛ فهذا ـ لو تحقّق ـ يساهم أكثر من أيّ حدث آخر في تحقيق «الحلم الصهيوأمريكي» لإعطاء صبغةِ مشروعيةٍ شعبيةٍ ما، لتهويد الجزء الأكبر من أرض فلسطين التاريخية، بدعوى الاعتماد على توقيعات «المنتخَبين انتخاباً مشروعاً» .. حتّى وإن بقيت إشكاليّة تجاهل إرادة الشعب في الشتات وإشكاليات عديدة أخرى، أهمّها أنّ حق التحرير وحق تقرير المصير ليسا من الحقوق التي يمكن طرحها في انتخابات، أو استفتاءات؛ فهي حقوق ثابتة سابقاً ولاحقاً، لا تسقط بالتقادم ولا تسقط بالمناورات السياسية.
وفي نطاق التعامل الغربي مع النهج الإسلامي ونهج المقاومة في المنطقة على وجه التعميم، لا يُستبعد على القوى الدولية المعادية الاعتقاد بقدرتها على المخاطرة بتجربة انتزاع مثل ذلك التراجع «التاريخي» من جانب تنظيم إسلامي الاتجاه؛ ففي الأرض الفلسطينية المحتلّة بالذات، يمكن الاعتماد على الأداة الاحتياطية المشرعة لمواجهة احتمال إخفاق التجربة، بالقوّة العسكرية للاحتلال المباشر، وهو ما لا ينطبق على تجربة التعامل مع انتصار مشابه للتيّار الإسلامي، في أيّ بلد مستقلّ، وانتظار رؤية ما إذا كان سيتراجع عن قيمه وثوابته أم لا.
وحصيلة التجربة مع حماس قابلة للتعميم دعائياً ـ لو تحقّقت التمنيّات الغربية ـ للتيئيس عموماً من قابلية نجاح النهج الإسلامي ونهج المقاومة الإسلامية عموماً، بما يشمل أيضاً عدم جدوى اختيار هذا النهج عبر انتخابات «حرّة نزيهة» على افتراض إجرائها في بلد ما أصلاً، وإن كان قد انتشر شعبياً الاقتناع بصدد الارتباط بالإسلام لا التنظيمات، وأنّ الالتزام بالإسلام هو الذي يحكم على التنظيمات وليس العكس.
مهما كان استقراؤنا لمعالم المرحلة المقبلة فسيبقى من المؤكّد أنّ الخطر الحقيقي الذي ينبغي أن يراه ويحذر منه المخلصون من داخل حماس وخارجها، ليس خطراً خارجياً جديداً؛ فالأخطار الخارجية قائمة باستمرار، ومتنامية أيضاً، بل هو خطر التراجع الذاتي، أو الانشغال بأعباء إضافية تفرضها متطلّبات ممارسة السلطة عن الالتحام الشعبي الذي أوصل إلى الانتصار الانتخابي، ومع ملاحظة أنّه مجرّد انتصار محدود في نطاق ما هو أقلّ من «حكم ذاتي» بمراحل، ناهيك عن حالة استقلال ناجز، وقيمته الحقيقية مرتبطة فقط بمقدار توظيفه على طريق التحرير.. وليس على طريق ممارسة السلطة بصورة مجرّدة عن هدف التحرير، أي عن نهج المقاومة.
ومقابل التهديد بالضغوط تَطرح الأطراف الغربية علناً ـ ولا نحسب الأطراف العربية ستقصّر في ذلك أيضاً ـ ما يمكن وصفه بمحاولات الإغراء أو المقايضة على حماس.. فالمطلوب عموماً:
١ ـ تبديل ميثاق منظمة المقاومة الإسلامية حماس كما بدّلت منظمات فلسطينية سابقة ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية.
٢ ـ الانضمام إلى مسيرة أوسلو ومدريد رسمياً بعد اعتبار المشاركة في الانتخابات وفي «المجلس التشريعي» اعترافاً واقعياً بتلك المسيرة.
٣ ـ التخلّي عن «العنف» أي التخلّي عن عنصر «استخدام القوة» في مقاومة القوّة العسكرية الباطشة من جانب احتلال وعدوان مستمرّين، وهو ما سبق أن سارت عليه الطائفة الرئيسية من «قيادات المنظمات» المرتبطة بالسلطة الفلسطينية سنوات وسنوات، ومن ورائها الأنظمة العربية كلّها أو جلّها، دون الوصول إلى نتيجة.
ويوجد مزيد من المطالب، القاسم المشترك بينها هو أن تتخلّى حماس عن النهج الإسلامي الذي انبثقت رؤاها وممارساتها عموماً عنه، ولم يتردّد عن التلميح إلى ذلك والتصريح به كثيرون ممّن يكرّرون بألسنة وأقلام عربية ذكر المطالب الغربية ذاتها. أمّا مضمون الإغراء المعروض على حماس مقابل سائر هذه المطالب، فهو ـ بكل بساطة تثير الدهشة ـ لا يتجاوز مجرّد القبول بحماس طرفاً في مفاوضات على «هدف مجهول» ، وذلك ابتداءً بمسألة الاعتراف بالدولة اليهودية «ثمناً مسبقاً» للحصول على «وعود ضبابية» ترتبط بجزء من الأرض وجزء من الشعب وجزء من الحقوق، والسؤال الحقيقي المطروح: هل تريد حماس مفاوضات من هذا القبيل؟ وليس السؤال: هل «يُقبل» بها طرفاً في مفاوضات؟
\ فرض الأمر الواقع:
لا ينبغي الوقوف كثيراً عند التهديدات والإغراءات على السواء؛ فالخطر الحقيقي هو ما يصدر عن عوامل ذاتية، وهنا يمكن التأكيد أنّه بقدر ما تدرك حماس أنّ خسارة الطرف الآخر للانتخابات ومن ثَم خسارة المسيرة التاريخية السابقة لها، قد كانت بسبب الخضوع لمثل تلك التهديدات والانزلاق وراء الإغراءات الفارغة المضمون، وهو ممّا يصنعه افتقاد الالتزام بمثل ما يُلزِم به الإسلام من معايير ومقاييس.. بقدر ما تدرك حماس ذلك، تستعصي مع قضية فلسطين وشعبها على التهديدات والإغراءات، وبقدر ما تغفل عنه، يمكن أن تقع في الحفرة ذاتها التي وقع سواها فيها، إنّما قد يحصّنها أنّها حركة عقيدة، تنبثق عنها ثوابت ومبادئ ومُثُل وأهداف ومعايير، عليها تقاس الحركة وسياساتها وكلّ تنظيماتها وأشخاصها وقياداتها وقواعدها جميعاً كما سبقت الإشارة.. وليس العكس؛ فمن ينحرف يقع هو بالذات في سبيل من السبل المشتعّبة، ويبقى الصراط مستقيماً، لا ينحرف، ولن يفتقد من يتابع المسيرة عليه.
إنّ العنصر الأبعد شأناً بمغزاه في انتصار حماس الانتخابي يكمن في تقويم الحدث بالمنظور التاريخي لا السياسي الآني، وهو ما يتطلّب المتابعة والتفصيل، إنمّا يمكن القول في حدود ما يقتضيه الإيجاز في هذه الخاتمة للموضوع: إنّ قضية فلسطين تشهد لأوّل مرة منذ بدء الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، انقلابَ معادلة فرض الأمر الواقع؛ فما بدأ التنويه ببعضه عن المواقف السياسية الأمريكية والغربية والصمت المذهل إقليمياً، يكشف بوضوح أنّ مسيرة حماس عبر السنوات الماضية فرضت بوجودها والتلاحم الشعبيّ معها أمراً واقعاً على أرضيّة القضيّة، فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، لم يستطع أحد أن يتجاوزه، بغضّ النظر عن متابعة مسيرة الضغوط ومواصلة التبعية المباشرة لها وحتى «النصيحة» بالخضوع لها أيضاً.
ولم تكن سياسة فرض الأمر الواقع «سياسة نظرية» قطّ، إنّما هي تطبيقات عملية لرؤى سياسية. وللتطبيقات ثمنها، وهذا بالذات ما يمثّل عطاء حماس ومن ورائها شعب فلسطين، ولا يُنتظر ـ ولا يُرجى ـ أن تتخلّى عن ذلك، أو أن تفقد القدرة عليه في السنوات المقبلة، وهو على الأقلّ ما تنوّه به المواقف الأولى المطروحة بعد الانتخابات.
على أنّ هذا الجانب من بين المعاني المتعدّدة لانتصار حماس، لا يطرح نفسه فلسطينياً فقط، بل على سياسات المنطقة، وممارسات الحكومات العربية والإسلامية، والفعاليات الشعبية بمختلف مداراتها ومنطلقاتها وتوجّهاتها.. فهنا نفتقر إلى تحرّك يصنع أمراً واقعاً، ويحقّق بدوره شكلاً قويماً للسياسة «الواقعية» . ونعلم أنّ نقيض ذلك هو السائد في المنطقة حالياً، وهو ما يدفع إلى توقّع أن تشارك جهات عربية في الدرجة الأولى في ممارسة الضغوط والإغراءات على حماس، بصورة تواكب خلال السنوات المقبلة ما تصنعه القوى الغربية.
وبالمقابل فإنّ عنصر فرض الأمر الواقع في انتصار حماس يطالب كلّ من يعنيه الخروج من حضيض التسليم للهيمنة الصهيوأمريكية ـ والمفروض أن يعني الجميع دون استثناء ـ بإعادة النظر فيما مضى من سياسات وممارسات، فقد آن الأوان للتخلّي عن ألوان الانهزامية والتسليم والمساومة على القضايا المصيرية والثوابت والحقوق، ومن خلال ذلك على الأرض والشعوب وحياتها الكريمة في ظلّ العدالة والشورى لتحمل رسالتها الحضارية للبشرية من جديد.. ولا يسري ذلك على الممارسات السياسية فقط، بل يسري أيضاً على الميادين الفكرية والثقافية والإعلامية.
إنّ انتصار حماس الانتخابي الشعبي في إطار الظروف المعروفة السابقة له والمحيطة به، يقول إنّ الطرف الأضعف بموازين القوى السياسية والعسكرية والمادية المعروفة، قادر أيضاً على فرض عناصر مؤثّرة في صناعة الواقع، وتلك هي ممارسة فرض الأمر الواقع، وهذا بمقدار ما ينطلق من التمسّك بالنهج القويم، والاعتماد على الطاقة الذاتية، والاستعداد لدفع الثمن، والقدرة على الاستمرار في هذه الطريق الصعبة إلى حدّ كبير، حتى تتحقّق الأهداف العادلة الجليلة المشروعة، وليس البديل هو الوصول إلى «بعض الأهداف» ، إنّما هو الانهيار شبه المطلق، والعجز عن التفكير في القدرة على بلوغ أبسط الأهداف المشروعة أصلاً.
стр. 5546
اقتحام الروح
محمد الحسناوي
أرسلتُ إلى القدس تحياتي أسرابَ طيور
ما عادَ من الطيرِ سوى عصفور
منتوفَ الريش
خاطِرُهُ مكسور
ساءلتُ الريحَ عن الوعدِ المسطورِ بماءِ النور
دمدمتِ الريحُ وقالت لي: (بلفور)
* * * * * * *
أرسلتُ قوافلَ من شوقي المقموعِ الممنوعِ إلى أرض الشام
ما عاد الركبُ، ولكن عادتْ أشلاءُ كلام
كلُّ الأبوابِ مُقفَّلةٌ، ومُقطَّعةٌ كلُّ الأرحام
لم يبقَ سوى الأقفاصِ على درب الأحباب
المسجدُ مجروحٌ والحزنُ عُباب
لم يبقَ سوى القنّاصِ على الأسوار
الحبْلُ طريقٌ مسدودٌ، آخرُهُ القبرُ وأوَّلُهُ السِّرداب
* * * * * * *
أرسلتُ إلى بغدادَ كتابي وبعضَ الأهداب
لم أدرِ بأنَّ النيرانَ تسير مسارَ النهرَين
لم أدرِ بأنَّ الغربان تسوس الشطَّين
بغدادُ المنصورِ رماد
بغدادُ الشعرِ مزاد
بغدادُ الشمس حِداد
لا كان النِّفطُ، ولا كانت أقيالُ الضاد
بالماءِ نَغَصُّ، وبالجنّة جنَّتِنا يدهمُنا الأغراب
* * * * * * *
قالوا لي: روحُكَ ـ لو تدري ـ هي سرُّ الأسرار
ما دمتَ تُحبُّ، فأنتَ أخو أظفار
قد تخدِشُ، قد تخمِشُ، قد تنقُبُ في الأسوار
فاخلعْ روحَكَ من جسمِكْ
نقتُلكَ أو تقتلُ نفسَكْ
فتصيرُ ملاكاً، وتطيرُ بشوقِكْ
معتوقاً من كلِّ إسار
* * * * * * * *
أعجبني عرْضُ الحُجَّاب
سأموتُ غداً أو بعدَ سنين
لكنَّ القلبَ إذا لم يحظَ بليلاهُ فمسعاهُ عقيم
والجنَّةُ تُخطَبُ من (بيت المقدس) أو أهل الشام
وعبوري فوق الأسلاك
مهْرُ حبيبي
* * * * * * * *
وجَّهتُ ركابي هذي المَّرةَ صوتَ المِحراب
وخلعتُ عن الروحِ الأثواب
محرابُ (الأقصى) يمدّ ذراعَيْه
أدمعُهُ تُومضُ في عينيْه
مئذنةٌ ترفعُ كفَّاً للمعراجِ
وتأبَّطتُ حِزاماً من شوقٍ غلاَّب
وقَحمتُ بروحي وحدي الأبواب
فانفجرتْ تحت الصخرة ـ بعد دهورٍ ـ عينُ الغُيَّاب
كلُّ أناسٍ قد علموا مشربَهم
وانفتحتْ كلُّ الأبواب
كلُّ الأبواب
стр. 5547
فوز حماس ماذا قبل.. ماذا بعد ؟
إعداد: وائل عبد الغني
فوز حماس المفاجئ جاء بالفكرة بعد السكرة، رأى فيه بعضهم ما هو أصعب من تسونامي، بينما رآه آخرون صدمة للغرب أشد من سقوط الاتحاد السوفييتي. أما صحيفة الإنديبندنت فرأت فيه فتحاً لأجواء جديدة ليس في المنطقة فقط بل على خريطة العالم؛ إذ أضاف أرقاماً جديدة لمعادلات الصراع داخلياً وإقليمياً وربماً عالمياً. حقبة مضت ودَّعت فيها الساحة الفلسطينية شهداء خطوا نحو التحرير، وحقبة جديدة بلون حماس مفتوحة على احتمالات شتى، كيف جاءت وإلى أين تمضي، وما طبيعة الصراع الجديد وما هي خياراته، وكيف ستتشكل المرحلة؟ هذا ما سنتناوله مع ضيوفنا:
أ. طلعت رميح، رئيس تحرير مجلة استراتيجيات.
أ. د. سيف الدين عبد الفتاح، أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة.
د. محمد خالد الأزعر، الباحث والخبير بالشأن الفلسطيني.^: ابتداء قبل أن يشغلنا الحديث والحدث نرحب بالسادة الضيوف، ونتساءل: بعض التحليلات ترى أن الولايات المتحدة دفعت بحماس أو على الأقل فتحت الطريق أمامها لإيجاد شريك إسلامي معتدل يمكنها من محاربة فكر تنظيم القاعدة في المنطقة؛ بما يعني أن الفوز مقدمة انتشال للموقف الأمريكي في المنطقة؛ فما مدى صحة ذلك؟
الوضع الدولي بحالته لم يكن دافعاً أيضاً على الإطلاق أن تأتي حماس. في تقديري أن مؤشرات الوضع الداخلي تدل على أن التغيير نتج من خلال تراكم داخلي من خلال اعتماد على قوة الداخل وليس المراهنة بأي شكل من الأشكال على حالة الدعم لا الغربي ولا العربي، وهذا تكرار وامتداد للاستراتيجية التي اختطتها حماس. كل من فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية بدأت من الخارج وانتقلت إلى الداخل، فثارت الصراعات في المنطقة العربية، لكن حماس بدأت من الداخل، وكان من الطبيعي أن يتطور مشروعها دون تماسٍّ كبير ودون شعور شديد بالخطر من قِبَل الأطراف الخارجية.
ثانياً: هذا معناه أنه يلغي العمل الفلسطيني الذاتي ويطرح التصور بأن التحكم في النظام الفلسطيني يأتي من قوة خارج النطاق الفلسطيني، وأنا أستبعد ذلك تماماً في ضوء النتائج التي حصلت.
الأمر الثالث: أن هذا يعني أن الولايات المتحدة وصلت من الحمق أنها لا تعمل ضد مصالحها في المنطقة بشكل كامل؛ لأن صعود حماس حتى لو كان تكتيكياً فسوف يؤدي إلى استنهاض تيار كامل موجود في المنطقة معادٍ للولايات المتحدة بشكل أو بآخر.
^: هل هذا اختيار الشعب لمنهج حماس أم رفض لفتح؟
ثم إن وضع الولايات المتحدة اللوجيستي الاستراتيجي في المنطقة لا يسمح لها أن تغامر بمثل هذا الخيار؛ لأن من الممكن أن يفلت العيار من يدها ويعقِّد المسائل ليس في داخل فلسطين فقط وإنما على الصعيد الإقليمي، لكن هناك من يقول إن الولايات المتحدة بلغت من الذكاء أنها تصعّد حماس لكي تعقِّد التسوية؛ لأنها لا تريد أن تصنع تسوية أو لأنها ليست الآن بوارد أن تصنع تسوية، فتريد أن تحمِّل صعود حماس عبء عملية تجميد التسوية.
^: إذن لا يمكن تماماً الوثوق بهذا التحليل!
المؤشر الأول: أن القيادة الصهيونية كانت منذ عام ونصف تتحدث عن غزة وعن أن حماس ستحقق سيطرة بدلاً من فتح، فالتحذيرات الصهيونية من قوة حماس كانت مبنية على تقديرات فعلية سواء فيما يتعلق بأن كل الضربات التي قامت بها في غزة كي لا تمكن حماس، كما أن عمليات الاغتيال قد تمت بشكل ممنهج للغاية، وبمفاصل داخل الحركة للغاية، وبتغييب شخصيات لأسباب تتعلق بإحداث عملية تغيير سياسي وتغيير في الرؤية التنظيمية وتغيير في فكرة المقاومة. لم تكن هناك ضربة من الضربات بشكل عشوائي، وحدثت محاولة للمساومة في الانسحاب من غزة على أن لا يتم الانسحاب إلا بعد أن تتعهد السلطة بعدم مشاركة حماس.
المؤشر الثاني: تمثل في نتائج الانتخابات البلدية؛ فإذا قرأناها جيداً في مراحلها الثلاث فسنلحظ حضور حماس الشعبي حين كشفت عن مدى قدرتها على الانغراس وسط الناس وعدم انعزالها رغم أنها تمارس العمل المسلح بكثافة، فالمعتاد في مثل هذه الحالات أن يحدث خطأ معتاد جداً بأن تتوجه العناصر تحت القصف وتحت الضرب إلى تخفيف علاقتها النسيجية داخل المجتمع حتى تنحسر وتنعزل، ولكن الانتخابات المحلية في غزة أثبتت العكس، ووصل الأمر إلى أن السلطة وقعت في مأزق خطير. حين حدثت معركة على نتائج الانتخابات في غزة أعطتنا مؤشراً آخر على مدى قدرة حماس على مستوى الأرض عندما حاولت السلطة حل المشكلة حول الأصوات المختلف عليها بطريقتها، فحشدت حماس حشداً جماهيرياً وأوقفت بالفعل مخطط السلطة في هذا الوقت إلى إحداث انقلاب في النتيجة.
المراحل التالية في الانتخابات البلدية كانت مؤشراتها أخطر؛ لأنه عندما ننتقل من غزة إلى الضفة يكون عامل قوة حماس، إذا ما وجد، يجب أن نضربه في ٢ أو في ٣ أو في ٤ لأن هذه الانتخابات تمت في مدن محتلة احتلالاً فعلياً، ومن ثم مارست قوات الاحتلال كل الوسائل الممكنة، ومن يراجع أعداد المعتقلين بين الانتخابات البلدية في المرحلة الأولى والانتخابات البلدية المرحلة في الأخيرة اللي كانت في الضفة، ثم الانتخابات التشريعية فسيلحظ أن التركيز كان على عناصر حماس؛ رغم أن منظمة الجهاد هي التي كانت تقوم بالعمليات؛ فحينما تأتي بعد ذلك الانتخابات البلدية وتنجح حماس ليس فقط في المناطق هذه، وإنما في المدن وبكثافة ولا تفوز فتح في غير رام الله يصبح المؤشر أمامنا أننا أمام تطور فعلي حقيقي ليس له أي علاقة بالولايات المتحدة بالشكل المباشر أو بمؤثرات خارجية، وإنما هو مرتبط بحالات قبلية وبوضع اجتماعي عاصف ومرتبط بوضع السلطة وبمسألة الفساد.
^: لماذا قررت حماس خوض الانتخابات هذه المرة بينما رفضت وبصورة جازمة خوضها في عام ١٩٩٦؟
كان أمام حماس أنها لا بد أن تدخل إطار ما يسمى بالعمل السياسي حتى يمكن أن تضع الجميع على المحك، ولذلك جاء دخولها الانتخابات المحلية ومن قبل انتخابات الاتحادات الطلابية، لتؤكد أنها رقم في المعادلة لا يمكن تجاهله.
ونتيجة استراتيجية لما كانت تفعله من حيث أرادت أن تقلم أظافر الجميع، ومن حيث أرادت أن توهن الجميع وتتركهم جثثاً هامدة؛ إذا بها تجد العملاق يخرج لها من القمقم، ويؤكد أنه موجود، وأنه هو الذي يملك التفاوض معه، على الأقل وإن كان هذا التعبير مبالغاً فيه، لكن على الأقل هذه هي الرسالة التي يمكن أن تخرج في هذا السياق.
توابع الفوز:
^: كيف ستتعامل حماس في قضية المفاوضات إذا ما مثلت الشعب، هل ستقبل التفاوض، وماذا يعني لها القبول بالتفاوض: هل هو اعتراف مبطن، أم تعاطٍ مع أمر واقع؟
أمامنا كذلك معضلة أخرى، وهي أننا كنا أمام معضلة حقيقية وكان أحد أسبابها المقاومة الفلسطينية ... وليس المقاومة الفلسطينية ذاتها هي المعضلة، ولكن المقاومة الفلسطينية فرضت عناصر معادلة جديدة ذات فرادة أيضاً وهي أننا مررنا بسبع سنوات كانت انتفاضة بلا سلطة، ثم بسبع سنوات أخرى سلطة بلا انتفاضة؛ ولكن بدأنا بعد الانتفاضة الثانية عدداً من السنوات، ونحن في الخامسة: معضلة الانتفاضة السلطة.
أما ما يتعلق بالمفاوضات فإن حماس تأتي الآن وهي لا تكتب كتاباً جديداً، ولكن تكتب في كتاب مكتوب فيه، وهذه ملاحظة مهمة جداً في هذا المقام، فهي لا تكتب أول صفحاته.
هناك معضلة أخرى أطلقتها العملية الانتفاضية أو الانتفاضات أو تاريخ المقاومة الفلسطينية وهي ما يسمى بعملية تدريب الشعب لمواجهة الضغوط؛ لأننا الآن أمام شعب تعوَّد أن يعيش تحت الضغوط، وأحسب أنه لو عاش في راحة فستحدث له مشكلة.
التحديات والمواجهة:
^: صاغ فوز حماس معادلة جديدة للصراع يمكن قراءة بعض بنودها وتوقع بعضها الآخر ما بين تحد جديد سيكون بعض الثمن، وبين استجابة ترفع من أسهم هذا الفوز، كيف يمكننا أن نقرأ خريطة التحديات التي تواجهها حماس بعد الفوز؟ ولا شك فإن الحديث حول هذه المعادلة هو ثمرة هذه الندوة.
الأول: أما ما يتعلق بالتحديات داخل حماس نفسها من إعادة ترتيب الشكل التنظيمي والرؤية والإدارة والقيادة: فقد أشرنا إلى أن حماس لم تكن تتوقع ما حدث، ومن ثَم هذا سيترتب عليه نمط من إحداث تغييرات ومن إعادة توظيف طاقات ومن تحويل نمط توظيف طاقات إلى نمط آخر، والانتقال من حالة العمل السياسي المعارض إلى حالة الإدارة والسيطرة على القرار التنفيذي، وتحديات ـ أو ابتلاءات ـ تتعلق بالتفكير السياسي ونمط التصريح الإعلامي ونمط التوجه والتكتيك.
نحن أمام حالة مختلف عليها: هل حماس تتغير بالفعل؟ أم هو مجرد تغيير في نمط ولغة الخطاب السياسي واستخدام مفردات لم تكن مستخدمة من قبل؟
نمط التحديات الذي يتعلق بالحالة الداخلية الفلسطينية:
الجزء الأخطر في التحديات الداخلية في رأيي هو المتعلق بأبي مازن، ووجود رأسين في الجهاز التنفيذي. لدينا تجربة بين أبي مازن وعرفات، ولدينا تجربة بين قريع وعرفات، ولدينا تجربة بين قريع وأبي مازن، وفي الحالات الثلاث حدثت خلافات حقيقية وجوهرية وتهديدات بالاستقالة، واستقالة أو إقالة. بالنسبة لمحمود عباس: الخلاف بين محمود عباس وبين حركة حماس خلاف استراتيجي وحقيقي في كل تفاصيل إدارة الصراع مع الخارج وفي العلاقات الداخلية والمؤسسية، وخاصة أن محمود عباس رؤاه التي طرحها طوال الوقت منذ أوسلو إلى أبي مازن ـ بيلين ... إلى لقاء العقبة إلى آخر تصريحاته هي بالإجمال خط آخر مختلف عما هو سائد داخل فتح أيضاً.
الملاحظ حتى الآن أن حماس تتعامل معه بمنظور وبفكر يقوم على عدم توسيع الشرخ على الأقل في هذه المرحلة، ومحاولة إعطاء الاعتبار للقيمة القانونية أو الدستورية لوضع محمود عباس والحفاظ عليها، وتعلن باستمرار أنها لن تتدخل فيها. لكن الملاحظ أيضاً أن الحوار الصحفي الأخير الذي أجراه خالد مشعل في نقابة الصحفيين في القاهرة تضمن تلميحات واضحة بعدم القبول بأية ترتيبات أو إجراءات يقوم بها محمود عباس منفرداً سواء في الجهاز التنفيذي أو إسناد المناصب أو غيرها.
التحدي الثاني: يتعلق بجهاز السلطة الفلسطينية وهو غير نمطي لا يقوم على فكرة وجود جهاز سلطة مستقر، من يصبح صاحب القرار السياسي بانتخابات تشريعية يطيعه الجهاز التنفيذي كما هو في كل دول العالم الديمقراطية والانقلابية أيضاً. الجهاز التنفيذي مشكّل حقيقة من عناصر فتح بالأساس بما يعني أن هناك حالة من التداخل العميقة جداً والخطيرة جداً والمؤثرة جداً على مسيرة السلطة الفلسطينية نفسها؛ حيث إن عناصر فتح التي تتولى الجهاز التنفيذي هي نفسها الموجودة في مختلف مؤسسات اتخاذ القرار في فتح، وهذا يعني أن الصراع هنا هو ظل للصراع هناك والعكس؛ فكيف ستتمكن حماس من إحداث حالة من الفصل وخاصة أن هناك أطرافاً داخل فتح أظهرت منذ البداية رغبة قوية سواء بالتنسيق مع أطراف داخل إسرائيل أو داخل المنطقة العربية ... غير راغبة في تسهيل مهمة حماس في قيادة الجهاز التنفيذي؟
مع الأخذ في الاعتبار أن حماس تشبه مؤسسة دولة كاملة كانت قد شكلت جهاز سلطة حقيقي في الشارع يتعلق بعمل خيري يتعلق بدعم أسر شهدائها، يتعلق بالدفاع عن المعتقلين.
التحدي الثالث: يتعلق بتبعية الجهاز الأمني الفلسطيني، وهذه نقطة بالغة الخطر، ومن المرجح أن يشهد الجهاز الأمني تفلتات واختراقات واختلافات وتمردات وحالة من عدم الانصياع التنفيذي للقرار السياسي، ومن ثم هذا امتحان وابتلاء شديد لحماس يطرح عليها آليات قد يكون بعضها خطراً خاصة في حالة إبقاء حماس على جهازها العسكري.
التحدي الرابع: يتعلق بما أعلنه خالد مشعل بمسيرة الانطلاق نحو تغييرات في اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية؛ هنا ستتمثل أمام حماس تحديات أخطر من تحديات المجلس التشريعي؛ فمن الممكن أن يأتي إليه أو يرأس السلطة التنفيذية من قد يكون مختلفاً مع نهج أوسلو، لكن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وهي الجهاز السياسي الذي هو الأساس في عقد الاتفاقيات والمرجعية السياسية والقانونية؛ ومن ثم فالمنافسة فيها ستكون حامية جداً، والتحدي يتمثل في مدى إمكانية إحداث تغيير تدريجي وعلى مستوى بعيد مع تقليل الاحتكاكات والاختلافات قدر الإمكان، خاصة في ضوء أن تشكيل اللجنة التنفيذية تشكيل قديم موزع بين الداخل والخارج، كما أن هناك خلافات داخل قيادات حركة فتح الداخل والخارج على هذا المستوى، وهناك قوى لم تدخل أصلاً مثل حركة الجهاد.
التحدي الخامس: تحدٍّ يتعلق بوجود حالة موضوعية تتعلق بالتنسيق الإجباري بين جهاز السلطة الفلسطينية وجيش الاحتلال؛ فهناك كثير من القضايا والتشابكات الإجرائية اليومية بدءاً من تسليم شهيد، وانتهاءً بمد خط ماء أو زرع الأرض أو دق أنابيب المياه الجوفية، وكذلك التنسيقات الخاصة بالمعابر، والجمارك، ولذلك فإن هناك تعاملات تتعلق بالوضع اليومي والمعيشة اليومية للمواطن الفلسطيني، وكل هذه التعاملات حقيقة تمسك بها يد جيش الاحتلال وبشكل عنيف؛ فكيف ستتعامل حماس مع مثل هذه القضايا فيما يخص مثلاً المستحقات المالية التي يتعامل فيها الاحتلال بشكل استفزازي ومهين؟ ورأينا أنه بمجرد أن جاءت حماس أوقف تحويل المستحقات. الأمر الثاني أنه حتى في حالة معبر رفح فإن الإسرائيليين من حقهم الاعتراض على مرور أي شخص، وقد تم خروج أعضاء حماس مؤخراً باتصالات سياسية مع الطرف الإسرائيلي والطرف الأوروبي عبر معبر رفح الحدودي؛ وهو الأمر الأخطر على حالة الأردن؛ لأن القوات الإسرائيلية متواجدة؛ فكيف ستتصرف سلطة تقودها حماس التي ترفض التعامل على الأرض مع الجانب الإسرائيلي؟ وكيف ستقود جهاز سلطة هو يتعامل بشكل يومي وفي تفاصيل يومية مع الجانب الإسرائيلي؟ كيف سيأمر الوزير من حماس المسؤول لديه في التعامل مع هذه الحالات؟
سادساً: حالة الانفلات الأمني التي تتعلق بالدرجة الأولى بقضية فتح وبحالة شهداء الأقصى التي أصبح لها الآن ما يقارب ١٥ مجموعة مسلحة، ومسألة السيطرة على هذا الانفلات وارتباطه بحالات قبلية.
تبقى مسألة الوضع الاقتصادي على الأرض حتى لا أطيل.
ويبقى تحدي مسألة العملاء التي ستكون مسماراً خطيراً جداً بالنسبة لحماس؛ لأن الاتفاق بين السلطة الفلسطينية وقوات الاحتلال يقضي بعدم المساس بالعملاء الذين كانوا موجودين منذ عام ٦٧ حتى دخول عرفات إلى الأرض المحتلة، أما العملاء الجدد؛ فمن حق السلطة الفلسطينية التعامل معهم؛ ولذلك كانت يد السلطة الفلسطينية طول الوقت مغلولة بشكل قانوني؛ لأنهم كلما أمسكوا بعميل تحجج أنه منذ ١٩٦٧ وقبل السلطة، والإسرائيليون يتدخلون في كل مرة وبشكل قانوني لإيقاف المحاكمات، كما أن حماس لا يمكن أن تبدو كمنتقم بعد أن تمسك بزمام السلطة إذا ما تحركت في هذا الأمر بشكل عاجل رغم مخاطره الشديدة.
أما التحديات على المستوى الخارجي؛ فعلى الجانب العربي نجد تحديين:
الأول: يتعلق بأن حماس حركة مقاومة إسلامية وهي جزء من نسيج عمل إسلامي موجود في دول الجوار، وبعد أن تصل إلى السلطة التنفيذية كيف سيكون الفصل بين الحالتين، وخاصة أن هناك حالة من القلق الحقيقي التي أدت من قبل إلى أن الأردن يطرد قادة حماس ليس لأسباب فقط تتعلق بإسرائيل وإنما لأسباب تتعلق بحالة حركة الإخوان المسلمين ومدى قوتها داخل المجتمع الأردني، وأن هناك حالة أخرى جديدة تتعلق بحالة الإخوان المسلمين في مصر، وهذا أمر سيطرح تعقيدات حقيقية على حركة حماس.
الثاني: فيما يتعلق بالوضع العربي يتعلق فعلياً بالتنسيق الأمني؛ فالسلطة كانت مأمونة الجانب على مستوى الاتصالات الأمنية؛ فكيف ستنظر الأجهزة لعملية التنسيق الأمني: هل ستكون على المستوى نفسه؟.. هل ستكون بالطريقة نفسها؟ التعقيدات التي ستحدث هذا ابتلاء بالفعل.
أما التحديات على المستوى الدولي:
فأولاً: تخوض حماس معركة الاعتراف بها في الوضع الدولي، والوضع الدولي تحسن إلى مستوى وبسرعة أبعد مما كان يُظن. التغيير الذي حصل في الموقف الروسي خطير للغاية، حين ربط بوتن انتصار حماس بفكرة السيطرة الأمريكية على المنطقة، وقرر دعوة حماس إلى موسكو، هذا سيكسر حالة العزلة التي كانت مفروضة بكسر الإجماع داخل اللجنة الرباعية، وبدأت أوروبا تشعر بقلق حقيقي، وأنا أشير هنا إلى التصريح الذي صدر من مصر بأن إيران يمكن أن تدخل كممول للسلطة الفلسطينية بديلاً للتمويل الأوروبي، أنا رأيي أنه تصريح أحدث حالة من التفكير داخل الاتحاد الأوروبي، ومن ثم بدؤوا إعادة التفكير في ضرورة الاعتراف بسرعة بحماس؛ فالوضع الدولي يمكن أن يتغير بشكل مفاجئ وسريع.
ثانياً: ما يتعلق بالوضع الإقليمي: أعتقد أن التحسن في الوضع الإقليمي ـ للأسف الشديد ـ سيأتي متأخراً بعض الشيء عن التحسن في الوضع الدولي، وإن كان في تقديري أن هناك أطرافاً إقليمية اعتبرت فوز حماس انتصاراً كبيراً لخطتها كما هو الحال بالنسبة لإيران وسورية، وكما هوالحال لحزب الله، وأن هناك أطرافاً عربية ستدرس الأمر على مهل على الأقل من زاوية أن يكون بيدها بعض الأوراق للمساومة سواء في قضايا أخرى أو في إحداث حلحلة في استبعادها من أوراق الملف الفلسطيني كدور فاعل وتحويلها إلى دور منفذ لطلبات الجهات الأخرى كما حدث في مرات كثيرة.
وسأطرح فيما يلي بعضاً من التحديات وكيفية التعامل معها:
مشكلة الشرعية: لماذا لا نفكر في أن يشتمل خطاب حماس والقوى الدافعة لها على فكرة أن حماس يمكن أن تمارس العمل السياسي من مصدر شرعية مختلفة عن أوسلو خاصة بعد أن تحدث شارون عشرات المرات عن أن أوسلو انتهت؛ ولهذا لا ينبغي أن تكون قيداً على العمل الفلسطيني. لماذا تكون أوسلو هي مصدر شرعية العمل الفلسطيني حتى في الداخل؟ نحن لدينا شعب على أرضه له حقوق تاريخية ثابتة في هذه الأرض، معه قرارات شرعية دولية مؤيدة، وله سلطة انتخبها علناً وبمراقبة دولية؛ فلماذا لا يتم التحدث عن شرعية مختلفة لوجود السلطة أساسها الشعب الفلسطيني والانتخابات الفلسطينية؟ عندئذ أمسك بهذه الورقة وبكل قوة وأطرحها في وجه الجميع: ما هي أحقية إسرائيل في أن تكون على المعابر؟ ما هي أحقية إسرائيل بأن تسيطر على مقدراتنا؟ فأربط مسألة الانتخابات بما هو أبعد من أوسلو بالشرعية الدولية المحددة لوجود الاحتلال. يعني أصلاً إسرائيل ليس لها أحقية في السيطرة على الشعب الفلسطيني مطلقاً،.. ليس لها أحقية في السيطرة على موارده المالية وحدوده وتعامله مع العالم الخارجي كل هذا هناك اتفاقيات تحدده على الصعيد الدولي ... اتفاقيات تحدد كيفية التعامل مع الاحتلال من لاهاي حتى جنيف وموادعاتها. لماذا لا أتحرر لما هو أبعد من أوسلو وأمسك بورقة الانتخابات هذه وألقيها في وجه الجميع؟
هذا يحتاج إلى خطاب صلب ليس فقط من حماس بالطبع. نحتاج ساعتها لموارد للضغط، وإذا كانوا سيغلقون المعابر؛ فالمعابر كانت تغلق في كثير من المناسبات، وبشروطهم كانت تفتح وتغلق، إذا كان سوف يضيِّق على مواردي المالية فهو مؤخراً اضطر أن يسيِّل هذه الموارد تحت ضغوط أكبر منه، فأنا أحتكم إلى تحريض الناس؛ فإسرائيل ليست طليقة في هذه المسألة.
لماذا لا أستخدم المحيط العربي وضغوطه وخطابه مع المجتمع الدولي، بأن تتقدم الشرعية الفلسطينية إلى النظام العربي لكي يقوم بواجباته؟ حماس حتى الآن تسير في حدود الشرعية العربية. وبالمناسبة: لاحظْ أن حركة حماس من الحركات الفلسطينية النادرة التي لم تصطدم بأي نظام عربي: فتح اصطدمت ... الجهاد اصطدمت. لماذا لا تستغل هذه الورقة؛ لأنني سائر على هذا الطريق وإنني محتفظ بهذا، ومن ثوابتي أن لا أنغص عليكم حياتكم؟ وينبغي أن تقوم حماس بما يسمى ببرنامج الطمأنة والتواصل مع المحيط العربي كي يتدخل ورائي ويرفدني على طريق التسوية في حدود ما ذكره الخطاب العربي، وأنه ينبغي لإسرائيل أن تنصاع للإرادة الدولية في هذه القضايا.
أما فيما يتعلق بالعلاقة بأبي مازن: وفكرة الرأسين فلديَّ بعض الملاحظات:
أعتقد أن الرجل أفلت بعض الشيء من أن يكون في مواجهة حماس؛ لأنه قرأ المعادلة بشكل أكثر ذكاءً إلى درجة أن يتصور البعض أن الرجل خرج من معركة الانتخابات بطلاً بالنسبة للجميع، يعني هو الناجي الأول من معمعة الانتخابات في حركة فتح؛ لأنه أصر عليها وسوَّقها أمريكياً، ورفض أن تخرج منها حماس، وهي في نفس الوقت أعطته ما لم تعطه لعرفات؛ أعطته تهدئة كاملة، وثقة لمرتين: مرة وهو رئيس للوزراء، ومرة وهو رئيس للسلطة، ثم أعطته ما هو أكثر من ذلك وهو أنها سوف تدخل منظمة التحرير على قاعدة إعادة بناء المنظمة. هم يصرحون بذلك على الأقل إعلامياً، ومن ثَم هنالك أرضية مشتركة ما بين الاثنين، أو على الأقل مصلحة مشتركة، حتى إن بعض قادة حماس وصل بهم الأمر إلى القول: نحن ندعم أبا مازن أكثر مما يدعمه بعض الفتحاويين. أنا تقديري أن أبا مازن وبمجرد استلامه رئاسة السلطة الفلسطينية مع رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية أصبح عليه أن ينظر بمسافة لتاريخه في أوسلو وتاريخه مع بيلين وتاريخ الموادعات السابقة. الرجل لم يعد يردد المقولات التي كان يرددها قبل وصوله، ربما أنه قرأ مرحلة عرفات وأنه ينبغي أن يكون ممثلاً لكل الفلسطينيين، ولو كان ممثلاً لفتح فقط لعارض إجراء الانتخابات، ولأيّد تأجيلها لأكثر من مرة، لكنه فيما أتصور من الممكن إيجاد أرضية معه وهو لا يرغب في توسيع الشرخ.
فيما يتعلق بالوضع المالي والاقتصادي: في تقديري أن هذا التحدي مهم جداً؛ لأن له علاقة بتوزيع الولاءات. المال السياسي استخدم في الساحة الفلسطينية بما لا يقاس مع أي حالة أخرى، وفشل بما لا يقاس مع أي حالة أخرى، وآخر مظاهر الفشل ما قلته في البداية من أن الاتحاد الأوروبي وبعض الشركاء المانحين أنذروا الشعب الفلسطيني بوقف الدعم عنه إذا ما وصلت حماس؛ فإذا به يوصِل حماس وهذا نوع من أنواع الانتقام لجرح الكرامة. وكان الفلسطينيون يتكاذبون على بعضهم، ويصوتون لحماس، وهم يفهمون جيداً أن هذه الأموال التي تأتيهم من المانحين هي لشراء المقاومة، ولشراء السكوت، وتمرير التسوية؛ فلما أن أفصح المانحون عن هذه النية بشكل علني اضطر كل من السلطة والشعب أن يتبرؤوا منهم حتى إن بعض عناصر السلطة رفضوا هذه الفجاجة في شرائهم؛ لأنهم سيُتهمون بالتواطؤ ضد مصلحة الشعب الفسطيني.
ما هو البديل هنا؟ لدينا أكثر من بديل. أعتقد أن الأوروبيين والأمريكيين سوف يتراجعون في لحظة من اللحظات بشكل مباشر، بضخ الدعم مرة أخرى، وبشكل غير مباشر بأن يوحوا لدول عربية أن تغطي المسائل في الحدود التي لا تؤدي إلى انفجارات في الداخل.
من ناحية ثانية تستطيع حماس وهي ذات علاقات طيبة بكل الدول العربية أن تطالب علناً بأنه لا ينبغي معاقبة الشعب الفلسطيني لأنه اختارني، فإذا أردتم ذلك فسوف أنسحب، يعني من الممكن أن تصل إلى أنها تهدد بانهيار هذه العملية الديمقراطية، وأنا متأكد أنه لا يوجد بعد هذه العملية إلا الفوضى، وسيناريو الفوضى ليس مطلوباً فلسطينياً ولا إقليمياً ولا دولياً ولا حتى إسرائيلياً، ولذلك إسرائيل عادت لتقول سأعطيكم المستحقات حتى تشكيل الحكومة. ومن ناحية ثانية فكرة التلويح بإيران: طبعاً أنا لا أوافق على أن القرار الفلسطيني قد انتقل من مانحين دوليين إلى مانحين إسلاميين بشكل مباشر. أخشى من إيران وهي في معمعة الصراعات الدولية الآن بأن تؤثر على سمعة القرار الفلسطيني، والأموال العربية أكثر مأمونية في حدود وجود نظام عربي طبعاً، ولا أعني أن الأموال من جهة إسلامية تعتبر شيئاً نكراً أو شيئاً إدّاً، لا، بالعكس؛ لكننا يجب أن نعمل في حدود ما يدرأ شبهة إمكانية أن يتعلق بعض الأطراف بالتشكيك في نوايا حماس.
كنت أعجب أن يتهم البعض حماس بتلقي أموال مثلاً من جهةٍ ما في الوقت الذي يتلقون هم فيه من الجهة نفسها.
هناك فكرة أخرى وهي فكرة الاقتصاد المقاوم؛ اقتصاد التقشف، اقتصاد الزهد، من الممكن بحسن التدبر والتصرف أن يكون قليلُ الموارد الفلسطينية كثيراً، خاصة إذا تجنبت حماس سياسات البعثرة والبذخ والاقتصاد الترفي.
اقتصاد المقاومة كان تجربة ناجحة جداً أفسدها نمط ما بعد «أوسلو» بدون تحديد، لكن الآن من الممكن تذكير الناس به على المدى الطويل.
وفي المدى القريب على حماس فعلاً أن تغطي ما كان موجوداً حتى يتم التغيير الثقافي المطلوب؛ يعني لا أستطيع أن أطالب ١٤٠ أو١٥٠ ألفاً تم استيعابهم في السلطة في الصباح الباكر أن يبحثوا عن عمل، وخاصة أن كثيراً منهم قد انتخب حماس وإلا لما وصلت لـ ٦٠ في المائة، ومن ثَم لا يصح أن يكافأ هؤلاء الناس بأن يُلْقَوْا إلى العراء؛ فنحن في حالة ليست طبيعية وحماس ينبغي أن تدرك ذلك.
أما مشكلة الجهاز الإداري في الحالة الفلسطينية وكونه مسيَّساً: فنحلها إما بإحلال عناصر مكان عناصر، وإما بكسب الولاءات مع الأخذ في الاعتبار أن فتح ليست وحدة واحدة، وسوف تجد حماس من داخل فتح من يتعاون بشكل طبيعي؛ لأن الولاء في تقديري ـ والله أعلم ـ لم يكن ولاء بالمطلق، وإنما كان ولاء في حدود مصلحية ووظيفية؛ فإذا وجد أن حماس من الممكن أن تضمن هذه الأوضاع بشكل أو آخر فأعتقد أنه يمكن أن يخفف من غلوائه، ويتبع الأوامر والضوابط الجديدة التي سوف تتبعها حماس. نعم جهاز السلطة هو فتحاوي، لكن (فتحاوي) كلمة فضفاضة، وإلا لما كانت هذه الفوضى ولا هذه الفضفاضية ولا هذا الغموض ولا هذه الجماعات والقوائم المستقلة في الانتخابات؛ سواء بالقائمتين أو بالانتخاب خارج القوائم. معنى ذلك أننا أمام إمكانية لإيجاد من يتعاون مع برنامج حماس في السلطة خاصة إذا ثبتت طاهرية هذا البرنامج.
أما بالنسبة للوضع الدولي فليس سيئاً إلى ذلك الحد، وبالإمكان ربطه بهذا القوس الذي يظهر في المنطقة: إيران سورية لبنان العراق وطبعاً فلسطين؛ قوس الممانعة هذا المشتد في المنطقة ممكن أن يؤثر على القرار الأمريكي، وعلى الولايات المتحدة أن تخفف من غلوائها، وسوف تجد من ينصحها من المنطقة بتخفيف هذه الغلواء.
ثانياً: أتصور أن مشروع الشرق أوسطية قد ضرب ضربة شديدة، وكذلك مشروع نشر الديمقراطية سوف يضرب من جهتين: من النُّظُم، ومن الولايات المتحدة ومروجيها. النظم سوف تقول لهم: هذا هو البديل، وهم سوف يرون البديل بأعينهم، وسوف يتم تقليل الاعتماد على هذا الخطاب في التعامل الإعلامي مع المنطقة.
الأول: وهو: هل التضييق على حماس إقليمياً ودولياً لن يطال الناس الفلسطينيين؟ حماس والناس معادلة مهمة جداً، وخاصة أن الناس هم الذين اختاروا حماس.
الثاني: هل التضييق على حماس سيؤدي إلى انصراف الناس عنها؟ هذه قضية أخرى.
الثالث: هل التضييق على حماس سيؤدي إلى مزيد من الالتفاف حولها؟
نظرتي ميالة إلى أن التضييق على حماس أمر مفروغ منه، وأظن أنه حال الابتلاء هو كذلك هو حال ضيق يتطلب البحث عن نوع من المخرج. في هذا الإطار أرى أن يتم تقسيم التحديات من خلال القضايا كالتالي:
التحدي الأول: هو تحدي الإدارة؛ يعني أن هذا تحدٍ مهم جداً؛ إذ لا توجد دولة من غير إدارة (جهاز بيروقراطي) هذا الجهاز البيروقراطي هو يد الدولة.
ثم بعد ذلك يتوافق مع تحدي عملية التنفيذ؛ لأنه قد يقوم هذا الجهاز الإداري بشكل من الأشكال بشل يد حماس في إطار التفاعل اليومي والمعيشي في هذا السياق، مع الأخذ في الاعتبار ما قاله الدكتور خالد، ومن المهم بالنسبة لي أن أسمع هذا من فلسطيني يخبر الوضع الداخلي، ويعرف أن هناك مثلاً في فتح من سيتعاون بالفعل مع حماس في هذه المسألة. نقطة ضوء في هذا التحدي أو الابتلاء.
ثم بعد ذلك تحدي الأمن. التحدي الآن تحدٍ خطير شديد الخطورة للتصارع على ملفاته وأجهزته بين الفرقاء، ولمساس هذا التحدي بطبيعه الصراع واستمراريته.
إن الملف الأمني كان بإيعاز من الغرب وبرغبة منهم بعد طول خلاف؛ خلاف إلى رئيس الوزراء، والآن الحديث عن تبعية الأجهزة الأمنية لأبي مازن.
ثم بعد ذلك التحدي الذي يتعلق بالتمويل.
ثم تحدي التسوية وتحدي المقاومة؛ لأن التحدي هذا أصلاً موجود. التحديان موجودان مع بعضهما.
ثم هناك تحدي العملاء؛ وهذا ملف أظن أن حماس لا بد أن تفتحه، وستفتحه بشدة؛ لأنها تضررت منه هي وكل قوى المقاومة، ولن يستطيع أحد أن يلومها في ذلك.
ثم تحدي ملف الفساد.
ثم تحدي التشابه الذي يتعلق بتحدي الداخل والخارج في هذا الإطار، والتحدي الإقليمي، والوهن العربي.
كل هذا يفرز تساؤلاً من نوع آخر: هل إدارة الحركة مثل إدارة الانتفاضة مثل إدارة الدولة؟ هذه أسئلة حقيقية يجب أن تطرح على أرضية النقاش بشكل حقيقي. لا بد أن نرى ماذا زاد في عملية الإدارة الآن عن إدارة حركة ملتزمة عقائدياً وملتزمة وطنياً وتنظيمياً؛ هذه أظن أن الإدارة فيها تكون وفق آليات محددة وسهلة نوعاً ما، وفيها انضباط وميسرة.
إدارة الانتفاضة تطلبت عمل آلية، ونجحوا في عمل لجان تتعلق بهم. قدروا إلى حد كبير، فكانوا يتنادون في لحظة الأزمة، لو حدثت أزمة؛ وهذه آلية جيدة؛ لأن قدرة أي نظام تتمثل في شيئين:
ـ آليات التجدد الذاتي.
ـ وآليات النقد الذاتي.
وإذا نجح في الاثنين تولدت آليات التصحيح الذاتي دائماً. ومن الأهمية بمكان أن تترافق هذه الآليات بعضها مع بعض، ومتى ما عملت الآلية فستواجَه، وهذا شأن الآليات، وهنا يأتي دور التطوير وتوليد آليات جديدة، فيقول لك مثلاً: الدم الفلسطيني خط أحمر، حتى استخدام مثل هذه الشعارات أمر مهم مع الآلية نفسها.
أنا أعتقد أن إدارة الانتفاضة وقوى الممانعة وقوى المقاومة لديها رصيد من العلاقات التاريخية ورصيد من الثقة بين العناصر المختلفة، وأشكال تنظيمية واتفاقات واقتراب، هذا الرصيد موجود لدى حماس وموجود في المجتمع الذي ستواجه به التحديات.
ثم هناك بعد ذلك إدارة السلطة؛ تختلف عن هذا وذاك؛ لأن فيها عنصراً زائداً، وهنا تكمن مشكلة من عدم اليقين إزاء الحالة الموجودة والتي هي إدارة السلطة في دولة احتلال وهو أمر صعب جداً، وهنا تكمن عبقرية الشعب الفلسطيني؛ وهذه لا بد من أن تدرس: كيف يُتَعامل مع الهموم الثقيلة؟
نمط الحركة السياسية، ونمط الأداء السياسي.
نمط الحركة السياسية يتضمن مساراً، ونمط الأداء السياسي يتطلب مساراً.
إذاً نحن فعلاً أمام هذه المعضلة التي تتعلق بالكلام عن معادلة الثوابت والضغوط، معادلة التحدي والاستجابة. طبعاً الاستجابة التي تحدث في هذه العوامل والرصيد مهما كان نستطيع أن نقول إنه رصيد ليس بالقليل، لكنه أيضاً ليس بالكثير وخاصة هناك مطالبات عجيبة جداً ... مطالبات بالمرونة ... مطالبات بالواقعية ... مطالبات تتخطى حد الواقعية إلى الوقوعية، يعني أنت منهزم منهزم. ودعنا نضع سيناريوالانهزام: دون أن يعطيك فرصة نهائياً لكي تلتقط أنفاسك كي تواجه مثل هذه التعارضات أو تفكر تفكير العزة، ومتى ما أعملت عقلية العزة عند ذلك تبتدئ متوالية الحلول لتقابل استراتيجية الأهوال.
^: وماذا عن السيناريوهات المحتملة والمتوقعة؟
أولاً: سيناريو الفوضى وهو مرفوض ولا بد من التفكير فيه؛ لأننا حين نفكر في سيناريو إيجابي لا بد أن نفكر في السيناريو السلبي المقابل له لمنعه أو توفير عوامل تمنعه أو تضغط عليه بحيث لا يتطور إلى هذا الطريق.
ثانياً: في المقابل هناك سيناريوهان إيجابيان:
إما أن تشكل حماس حكومة وحدها، وإما أن تشكل حكومة وطنية، وهذان السيناريوهان أو الاحتمالان اللذان يجب أن نتوقف عندهما في هذا: هل من الأصلح أن تقوم حماس بتكوين حكومة خاصة بها؟ وهذا في الأداء السياسي سيتطلب نوعاً من الخطاب معين ـ لأنه معروف ما هو خطاب حماس ـ وأداء سياسي معين. أم أن حماس ستقود حكومة وحدة وطنية؟ في هذا المقام يجب أن تتأخر ما استطاعت لاعتلاء السلطة وتكوين بنية فكرية وثقافية وإقناعية لهذا الأمر الذي يتعلق بالسلطة. أنا أميل للاختيار الثاني.
المستوى الأول: هو المستوى الذي يتعلق بفكرة التهيئة للسيناريو أو ما يمكن تسميته بالبنية التحتية لهذا السيناريو: تهيئة الأرض أو حرث أرض هذا السيناريو.
ثم المستوى الثاني: وهو عملية التأسيس لهذا السيناريو أي وضع الأساسات التي تتعلق بهذا السيناريو.
ثم المستوى الثالث: وهي عملية استقرار السيناريو، وهنا الحديث عن آليات الاستقرار.
ثم المستوى الرابع: آليات الاستمرار لهذا السيناريو.
ثم خامساً: آليات التمكين لهذا السيناريو، وأقول عند التفكير في أي سيناريو علينا أن نفكر في هذا كله واحتمالات تغيير هذا السيناريو والمعوقات.
لا بد أن يكون هناك فعل إيجابي مبني على تفكير إيجابي في الوسائل والأدوات والأساليب وفقاً للقاعدة الأصولية: (إذا ضاق الأمر اتسع) .
стр. 5548
أيا قمرَ القدسِ كيف تنام ؟
عز الدين سليمان سليمان
- ١-
يطير الحمامُ، يطير الحمامْ
ومئذنةُ القدسِ تعلو، وتعلو
ويشربُ من راحتيها الغمامْ
سئمنا الكلامْ
وجرحُ العروبة يبكي ويضحكُ
أين السّلامْ؟
شهيدٌ يغيبُ، ويأتي شهيدٌ
يفجّر شمسَ الحياة بكهف الظَّلامْ
فيا قمرَ القدسِ كيف تنام؟
ـ ٢ ـ
تغنِّي العصافيرُ رغم الحصار
ورغم الدمار
وتنمو السَّنابلْ
وخلفَ المتاريس طفلٌ
وخلفَ النَّوافذ شيخٌ
وخلفَ الرَّماد عيونٌ تقاتلْ
و (آياتُ) تمضي
وزغردةُ الأمِّ حين أعادوا إليها
ثيابَ العروس، وساعتَها، وبقايا الجدائلْ
وحين أعادوا خلاخيلها
أكان الرَّبيع يغنّي بعرس الزَّلازلْ؟
وأشجار غزَّة صارت صبايا
تهزُّ سياط البروق، وتجلد جلادها
وترمي على الغافلين القنابلْ
وتوقظ كلَّ النّيامْ
فيا قمر القدس كيف تنام؟
ـ ٣ ـ
أَمِنْ لغة الصَّمتِ؟
من أبجديّة موت الينابيع والأغنياتِ
ورعشة هذا التراب الحزينْ؟
ومن زغردات النّساء،
وجرح القرنفل والياسمين؟
وكوفيّةٍ قبَّلتها الشّموسُ
ورشّاسِ طفلٍ يرى الموت حلماً جميلاً
على صدر «يافا»
ودفتر رسمٍ، وقطعة حلوى
يسافر في موكب الخالدينْ
أَمِنْ ضحكة النَّهر فكَّ إسار يديه يلوِّح بالماء
حين يعود الجنود إلى موتهم سالمين؟
ومن عطر ليمونةٍ حرستْها عيونُ العصافير
أخفَتْ حِزامَ القناديل في صدرها
وراحت تظلِّل أبطالنا العائدينْ
أَتعرفُ/آياتُ/ إلاّ الرحيلَ إلى مدن الموت والعاشقين؟
ولفّتْ على شعرها بيرقاً من لهيبٍ
وتهتف: الله أكبر، تمضي على موجةٍ من حنينْ
وتشعل قنديلها في الظّلامْ
فيا قمر القدس كيف تنامْ؟
ـ ٤ ـ
عَصِيٌّ على الموت أنتَ
أيا وطنَ المكرمات الطَّريفَ التّليْد
فمن كلِّ بيتٍ
ومن كلِّ حقلٍ، وتلٍّ ووادٍ، ودفتر طفلٍ
ومدخنةٍ وكتابٍ وجمرٍ
وصحوٍ وغيمٍ
يطلّ الشَّهيدْ
و (آيات) تمضي على غيمةٍ من إباء
وترسم نهراً جميلاً، وسجّادة للصَّلاةِ
وتفَّاحةً من دماءْ
وتكتب في دفتر العشق أشعارها، وتزيّن وجه السَّماءْ
وتكتب: يا قدسُ تأبى الهوانَ نفوسُ الكرامْ
فيا قمر القدس كيف تنام؟
стр. 5549
لهذه الاسباب تتراجع أسئلة الثورة والدولة في تجربة حماس
ياسر الزعاترة
من حق الحريصين من العرب والمسلمين أن يتابعوا بكثير من العناية والقلق كل ما يتعلق بالفوز الكبير وغير المتوقع الذي حققته حركة حماس في الساحة الفلسطينية، بما في ذلك ما يتعلق بجدلية الثورة والدولة التي غالباً ما تحضر في تحولات كهذه.
ما يجب أن يقال ابتداءً هو: أن الحركات الإسلامية ليست ثورات اجتماعية أو سياسية كما هو النمط المعروف؛ بدليل حضورها في جميع المجتمعات العربية والإسلامية بوصفها حركات تطالب بإعادة الاعتبار للمرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع، تلك التي غُيِّبت بقوة دفع الخارج الاستعماري، وبتراجع الحاكم العربي، وهو ما يعني أنها ماضية في طريقها حتى لو لم يوجد ظلم بالمعنى الصارخ، وحتى لو لم يوجد احتلال خارجي كما هو الحال في فلسطين.
خلاصة القول هي أن الحركات الإسلامية لم تنشأ في الأصل كرد مباشر على الظلم أو الاحتلال الخارجي، بل كرد على تغييب المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع، وحماس ابتداءً جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة الإسلامية التي برزت في الواقع العربي والإسلامي. وعندما لم يكن ثمة تديُّن في المجتمع الفلسطيني لم يقم آباؤها المؤسسون وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين بحمل السلاح ضد الاحتلال، بل عملوا على إعادة الاعتبار للدين في المجتمع، وما أن نجحوا في مسعاهم على نحو معقول حتى شرعوا يؤسسون لبنية تحارب الاحتلال.
بل إن بوسعنا القول إن جماهيرية حركة حماس كانت سابقة على حملها لهذا الاسم، وقبل حملها للسلاح؛ فقد كان التيار الإسلامي الفلسطيني الذي خرجت من رحمه يحصد ما يقرب من نصف أصوات الناخبين في الجامعات والنقابات قبل تأسيسها نهاية عام ١٩٨٧.
في هذا السياق كان نشاط حماس شبيهاً بنشاط الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، أي تقريب المجتمع من الرؤية الإسلامية، ولما كان المسار النهائي للتحول يصطدم بواقع الاحتلال، فضلاً عن الواجب الإسلامي القاضي بضرورة إنهاء ذلك الاحتلال اليهودي لواحدة من أقدس بقاع المسلمين؛ فقد كان لا بد من حمل السلاح وتقديم التضحيات متزامنة مع مزيد من تقريب المجتمع الفلسطيني من الرؤية الإسلامية.
من هنا يمكن القول إن حماس ليست حركة ثورية بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنها حركة مقاومة، ولكنها حركة إسلامية في الآن نفسه، أي أنها تقاوم الاحتلال، لكنها تنشد ما تنشده زميلاتها من الحركات الإسلامية، وهو إعادة الاعتبار للمرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع.
هل يُخرِج ذلك كله حماس من إطار إشكالية التحول من الثورة إلى الدولة الشائعة في الفكر والتاريخ السياسي؟
ليس بالضرورة، ولكنه يجعل تلك الإشكالية أقل حضوراً من التجارب الأخرى؛ لأننا إزاء حركة لها بنيانها القائم على مسألة الحكم الإسلامي، وليس مجرد التحرر من الاحتلال، أي أن مسار التحرر من الاحتلال سيمضي إلى جانب العمل على التمرد على مسار فرضه الخارج عنوانه التغريب أو تغييب الإسلام عن الواقع.
هنا يبدو من الضروري القول إننا لسنا من المؤمنين بعجز الحركات الإسلامية عن إدارة الدولة في العالم العربي أو الإسلامي، فهؤلاء الذين يديرونها هنا وهناك ليسوا عباقرة زمانهم لكي لا يتوفر في الحركات الإسلامية مثلهم، كما أن الأطراف الأخرى ذات المصداقية والخبرة لن تقول للإسلاميين (لا) إذا ما عرضوا عليها المشاركة في الحكومة أو السلطة.
أما الأهم من ذلك فإن محاكمة الإسلاميين على فشل هنا وآخر هناك فإنه لا يعني سوى المناكفة؛ ذلك أنها تجارب عانت من السيادة الناقصة للدولة ومن تدخل الخارج السافر في شؤونها الداخلية، فضلاً عن أن بضعة تجارب لا تعني الكثير؛ فقد مضت قرون من التدافع السياسي والحروب الأهلية حتى استقر النظام السياسي في الغرب على ما هو عليه، مع أنه استقرار هش لا تحافظ عليه سوى قدرة الدولة هناك على توفير الرفاه لمعظم مواطني الدولة، وهي قدرة لم تتوفر إلا بسبب النهب الاستعماري للشعوب الفقيرة. وعموماً ففي هذا السياق كلام كثير ليس هذا مكانه.
نقول ذلك؛ لأن هناك من سعى إلى الخلط بين فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وبين مسألة الفشل المتوقع والطبيعي للحركات الإسلامية في إدارة الدول في حال وصلت إلى السلطة؛ ذلك أن زهد حماس في السلطة وعدم سعيها الحثيث لتحقيق الغالبية التي تحققت لم يكن بسبب العجز عن إدارة الدولة، وإنما لاعتبارات تخص الوضع الفلسطيني ولا تتوفر في سواه، مع أن بعض قياداتها لم يعترفوا بعدم السعي إلى الفوز، وهو الأمر الذي يبدو طبيعياً في أي حال.
الوضع الفلسطيني يتمتع أو يعاني بتعبير أدق من فرادة تجعله أكثر صعوبة بكثير عما سواه؛ فنحن هنا لسنا إزاء دولة مستقلة ذات سيادة، حتى بمنطوق السيادة الناقص الذي تعاني منه الدولة القطرية العربية والإسلامية في ظل السيطرة الغربية على العالم.
السلطة الفلسطينية هي في واقع الحال وضع ملتبس بين الدولة المستقلة وبين الدولة أو المنطقة الواقعة تحت الاحتلال، والنتيجة أنها حكم ذاتي تحت الاحتلال، لكنه ليس حكماً ذاتياً يقبل وضعه ويتعايش معه، بل يصارع من أجل الخروج إلى أفق الدولة والاستقلال ومن أجل تحرير ما تبقى من أرضه، وما تبقى للمفارقة هو ٩٨,٥% من أرضه التاريخية إذا اعتبرنا أن قطاع غزة قد تحرر، مع أنه لم يتحرر بالكامل، وربما أكثر من ٩٠% إذا اعتبرنا أن ما تتدخل السلطة في إدارته (إدارته وليس شؤونه السيادية) من الضفة الغربية هو ما يتركه الجدار الأمني الإسرائيلي منها.
في هذا السياق نحن أمام سلطة حكم ذاتي يتحكم الاحتلال بمداخلها ومخارجها، ويتحكم بمائها وكهربائها وحركة أفرادها، لكن ذلك ليس كل شيء؛ إذ إنه يتحكم بها من النواحي الأمنية ويدخل مناطقها وقت يشاء ويعتقل ويقتل على النحو الذي يحب.
في مقال نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية في ١٧/١/٢٠٠٦، قدم شلومو غازيت، وهو قائد سابق للاستخبارات في الجيش الإسرائيلي توصيفاً لوضع السلطة يستحق الإشارة؛ إذ قال ما نصه: «الحكم العسكري، رسمياً، قد انتهى، ولكن الاحتلال العسكري الإسرائيلي بقي إلى الآن ولم ينته، وإسرائيل تواصل العمل والنشاط في المناطق المحتلة، وهي تفعل ذلك الآن دون حدود ودون أي رادع، إضافة إلى ذلك فقد حولت إسرائيل احتلالها للأراضي المحتلة خلال السنوات العشر الأخيرة إلى «احتلال ديلوكس» ليس من ناحية ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني منها، ولكن من ناحية الطريقة المريحة التي تدير بها ذلك الاحتلال» .
هذه هي السلطة التي يريد بعضهم امتحان حماس من خلالها، هل هي قادرة على تحقيق المعجزات أم لا، وهذه هي السلطة التي يعتقد بعض الناس أنها الدولة التي ستُفقِد حماس براءتها الثورية.
لكن ذلك ليس كل شيء؛ فنحن في الحالة الفلسطينية لسنا أمام صراع عادي بين شعبين أو دولتين، بل أمام صراع له امتداداته العربية والإقليمية والدولية؛ إذ إن المحتلين هم الشعب الأكثر نفوذاً في العالم هذه الأيام؛ ومن أجله يقف العالم على قدميه ويُستَنْفَر على نحو استثنائي.
إنه صراع تاريخي معقد، هو الأكثر أهمية بالنسبة للإمبراطورية الأكبر في التاريخ ممثلة في الولايات المتحدة، ليس فقط تبعاً لأهمية الدولة العبرية بالنسبة لمصالح تلك الإمبراطورية، وإنما أيضاً بسبب هيمنة اليهود، بل الليكوديين من بينهم على القرار السياسي.
الذي لا يقل أهمية عن ذلك بالنسبة لحركة حماس هو أنها إزاء سلطة بنيت في ظروف استثنائية، لا كما تبنى الدول؛ فقد بنيت على أساس فصيل واحد يتحكم بكل شيء فيها، وهو الذي يتحكم بالأجهزة الأمنية والمخابرات عموماً، فضلاً عن الوزارات والمؤسسات.
وعندما نتحدث عن سلطة أقيمت في ظل ظرف استثنائي وفي ظل رفض عارم لمسار أوسلو الذي أنتجها، على حين أسسها وتزعمها فصيل معين، فإننا نتحدث عن سلطة أقيمت على نحو فاسد من رأسها حتى أخمص قدميها، وهو الأمر الذي يؤكد أننا إزاء وضع بالغ التعقيد.
قد يقال هنا: ولكن لماذا تشارك حماس في وضع من هذا النوع؟ وهنا نشير إلى معارضتنا لتلك المشاركة من الأصل؛ إيماناً منا بأن خيار الأقلية مشكلة، لكن خيار الأغلبية مشكلة أكبر، على حين رأى المؤيدون الذين لم يخطر ببالهم الفوز بالغالبية بحال من الأحوال إمكانية تحقيق جملة من المكاسب من الوجود في المجلس للتشريعي، على رأسها تخفيف أعباء المرحلة السياسية الجديدة ممثلة في خريطة الطريق ومتطلباتها التي تستعيد متطلبات أوسلو في مطاردة الفصائل وتفكيك بنيتها التحتية.
ما نريد قوله هنا هو أن محذور التحول من الثورة إلى دولة ليس وارداً بالمعنى المتداول؛ إذ إن الدولة ليست متوفرة، بل هي مجرد سلطة وجد الاحتلال فيها حلاً للتخلص من عبء إدارة السكان الفلسطينيين، وهو الذي لم يكن بوسع حماس أن تغيره بعد أن غدت تلك السلطة موضع اعتراف عربي ودولي.
وإذا أضفنا إلى ذلك هيمنة فتح شبه المطلقة عليها، ومن ثم إعلانها الاستعداد للقتال من أجل استمرار فرض سلطتها، فإن الوضع سيكون معقداً إلى حد كبير، ولا يستبعد أن يصار إلى الانقلاب عليه في لحظة من اللحظات، سواء كان ذلك بدعوى التناقض بين صلاحيات الرئيس وصلاحيات الحكومة، أم بدعوى الحرص على مصالح الشعب الفلسطيني التي تهددها حماس بتناقضها مع الوضع الدولي.
ثمة جانب على درجة من الأهمية يتعلق بمسار التسوية وعدم إمكانية الوصول إلى أفق الدولة بالمعنى المطروح، حتى في إطاره العربي ناقص السيادة؛ ذلك أن من عجزوا عن التفاهم مع ياسر عرفات ومن بعده مع محمود عباس، سيعجزون بالتأكيد عن التفاهم مع حركة حماس؛ اللهم إلا إذا افترضنا أن حماس ستتنازل أكثر من الآخرين، وهو الأمر الذي لا يبدو ممكناً بحال من الأحوال، ولو حصل لانفض الناس من حولها، ليس بعد أربع سنوات، بل ربما قبل ذلك.
من هنا يبدو أن امتحان الدولة غير وارد إلا في حده الأدنى من حيث امتحان التعامل مع هياكل للسلطة هنا وهناك، وهو امتحان سهل إلى حد كبير في ظل استمرار التحدي مع الاحتلال ورقابة حثيثة من الأطراف الأخرى، سواء كانت منظمة فتح أم الجهاد أم سواهما.
وفي العموم فإن تجربة حماس في الخدمات العامة كانت ناجحة إلى حد كبير، أما الأهم من ذلك فإن وضع الاحتلال الذي سيبقى قائماً لن يدع مجالاً للترهل؛ فمشروع الدم والشهداء سيبقى فاعلاً وطازجاً بما لا ينطوي على تقاتل على المكاسب كما تعرفه عوالم السياسة.
خلاصة القول هي أننا إزاء تجربة مختلفة عن تجارب تحوُّل الثورات إلى دول. أما المقارنة مع تجربة فتح في سلطة أوسلو فلا تبدو صحيحة؛ لأن الفساد الذي كانت تعرفه أوساط فتح ومنظمة التحرير كان سابقاً على ذلك، عندما نتذكر أن موضوع الدم والشهادة قد غاب قبل انتفاضة الأقصى، في حين كان الإسرائيليون يعملون جاهدين على إفساد السلطة حتى تكون سهلة الانقياد لهم.
الصراع ما يزال طويلاً وليس لدى الإسرائيليين ما يقدمونه للفلسطينيين، ولذلك لن تتحول حماس إلى دولة؛ لأن مسيرة تحقيق الدولة ما تزال في بدايتها، وهي مسيرة ما زالت عطشى للمزيد من الدم والشهداء
стр. 5550
٢٢٣ - ربيع الأول - ١٤٢٧ ه ـ
(السنة: ٢١)
стр. 5551
من هشيم الرواية
التحرير
للأدب بفنونه المختلفة ـ وخاصة القصة والرواية ـ أثر كبير في نقل الأفكار والأخلاق. واللافت للنظر أن عدداً من الروايات ـ أو سمِّها إن شئت السير الذاتية ـ نُشرت من بعض المؤلفين الخليجيين تحكي قصصاً من المجتمع المحلي.
من الناحية الفنية قد لا تستحق أكثر تلك القصص شيئاً من العناية والاهتمام، لكن تواطؤها في سرد التجارب الشخصية أو حكاية جزء من الواقع القريب من كَتَبَة تلك الروايات هو الذي يستحق الاهتمام من عدة أبعاد:
البعد الأول: ضخمت تلك الروايات الغثاء الأخلاقي، والتحلل الاجتماعي في المجتمع المحلي المحافظ بصورة مبتذلة، وأشعرت القارئ بإيحاءاتها المباشرة وغير المباشرة أن تلك المستنقعات الآسنة تجري في جميع شرائح المجتمع، وأن ذلك هو الواقع الحقيقي وإن اجتهدنا في التستر عليه بقشرة رقيقة خادعة.
ومحصلة ذلك: أنه من العبث الذي لا طائل من ورائه إخفاء تلك الحقيقة سواء أكان ذلك على مستوى الحكاية أم على مستوى الممارسة الفردية والجماعية.
البعد الثاني: أبرزت تلك الروايات القلق الفكري، والاضطراب الذي يسيطر على تلك الشرائح المتأزمة التي يتحدث عنها أولئك القصاص؛ فأبطالهم يتنازعهم تياران: أحدهما: تيار القيم والمبادئ الإسلامية الراسخة في المجتمع، والآخر: هشيم الأفكار والشعارات التي يلمع بريقها من المشرق أو المغرب، وكان لا بد من الصراع بأشكاله المختلفة لتنتصر في آخر المطاف شعارات التحرر والحداثة، وتكون تجاربهم أنموذجاً عملياً لزرع أنماط ثقافية واجتماعية تفرض نفسها بسياسة الأمر الواقع، وليس بسياسة استجداء الإذن من أحد..!
البعد الثالث: محصلة تلك الروايات الدعوة الصارخة إلى الثورة.. الثورة بكل تبعاتها.. الثورة على الجذور التاريخية.. الثورة على الثوابت الفكرية.. الثورة على القيم.. ليس ذلك فحسب، بل الاستعلان بها، ورفع الصوت بكل جرأة واستعلاء، تختلف حدته من رواية لأخرى.. لكنها تتفق جميعها في المبدأ.
إنها حالة من الارتباك الفكري والسعي المتوتر لإنشاء مسخ ثقافي واجتماعي هويته الوحيدة أو الرئيسة الانقلاب على الذات..!!
стр. 5552
عذراً حبيب الله.. فسوف يعلمون
التحرير
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن عظمة النبي محمد ﷺ ، ومنزلته الجليلة، لا يستطيع الجُهَّال والضُلاَّل أن يفقهوها، ولا يقدر الأغمار من الكفار أن يعوها ويفهموها؛ كيف وهم الذين لم يعرفوا لرب الكون الذي أرسل محمداً قَدْراً، ولم يعظموه ـ سبحانه ـ أو يوحدوه وهو الذي خلقهم ورزقهم، وملك ضرهم ونفعهم، وبيده حياتهم ومماتهم.
إن عظمة النبي الأكرم، محمداً ﷺ ، التي تَطاوَل عليها سفهاء الروم ـ ولا يزالون ـ لا تزيد المؤمنين به، إلا محبة له، وتوقيراً لمقامه ورغبة في الاجتهاد في تعزيره وتوقيره واتباعه والدفاع عنه.
كيف وإيمانهم لا يصح إلا بالشهادة له بالرسالة، بعد الشهادة لله بالوحدانية، وأبواب الجنة مغلقة دونهم إلا أن يأتوا من طريق رسالته، وسبل هدايته وسنته.
ألم يعلم أولئك السفهاء من الناس في أوروبا، أن محمداً ﷺ هو الذي انتهى إليه وحده، عبء القيام بأكبر مسؤولية في التاريخ، ألقيت على عاتق بشر، فكان قَدْره وقَدَره أن يتحملها على كاهله فريداً، بمقتضى الأمانة التي حُمِّلها فتحملها، للقيام بتنفيذ المهام الجسام، التي تتطلب تقويم ما اعوج في حياة البشرية بعد أن آل أمرها إلى فساد عام شمل كل أرض، وعم كل جنس، وتسرب إلى كل ملة.
لقد قال الله له: ﴿إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] .
فما كان منه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إلا أن سارع لرفع الحمل، ردءاً للصلاح، ودرءاً للفساد.
إن المهامَّ التي طُلِبت منه ـ بآبائنا هو وأمهاتنا ـ لتصحيح أوضاع البشرية، كانت بالغة في ضخامتها وجسامتها؛ بحيث لا يستطيع أحد من البشر ـ إلا محمد بن عبد الله ﷺ أن يتصدى لها؛ فبماذا كُلِّف، وماذا أنجز، ومِمَّ بدأ، وإلى أين انتهى لتغيير دفة التاريخ الإنساني، كي يعود به إلى مساره الصحيح؟
إن الجواب على ذلك ـ ولو باختصار ـ قمين بأن يكشف اللثام عمن هو صانع أكبر معجزة واقعية في التاريخ ـ بإذن من الله ـ وبيان ذلك على ما يلي:
أولاً: كان على رسول الله ﷺ ، أن يبلِّغ كلمة الله الأخيرة للبشر كافة في جميع الأرض؛ فرسالته لم تكن محلية ولا إقليمية ولا قومية كسائر الرسالات التي بُعث بها الأنبياء قبله. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] .
فرسالته التي كُلِّف بإبلاغها ـ وهي إعادة البشرية إلى التوحيد ـ كانت تستهدف الإنسان، دون قيد الزمان أو المكان، ولم يكن مطلوباً منه البلاغ فقط، حتى يضم إليه البيان: ﴿وَأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ، ولم يكن مكلفاً بالبيان النظري، دون أن يضم إليه البيان العملي اعتقاداً وعبادة وسلوكاً، على أتم ما ينبغي في أداء العبودية التامة التي تجعل منه الأسوة المحتذاة والقدوة المتبعة في كل ما يتعلق بأمور المعاش والمعاد: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ . [الأحزاب: ٢١]
ثانياً: كان على النبي ﷺ وهو يقدم للبشرية كلها، هذا المنهاج الكامل الصافي، أن يواجه من أجناسها وأصنافها، ألواناً من الانحرافات العقائدية والتعبدية المتراكمة، خلال أزمنة الفترة التي خلا فيها الزمان من الرسل؛ فالشرك كان يضرب بأطنابه في أرجاء المسكونة، والخرافة كانت تنشر ألويتها حتى في مهابط الرسالات؛ فإضافة إلى مهمة إبلاغ المنهاج الكامل بالبيان النظري والعملي، كان عليه ﷺ أن يعالج كل تلك الانحرافات العالمية، بالحجة واللسان، وبالسيف والسنان، سِلْماً مع المسلمين، وحرباً ضد المعاندين الصادين: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
ثالثاً: كان فساد العقيدة والعبادة، عند البشر عامة، والعرب خاصة، يستتبع فساداً في السلوك والأخلاق، وكان على النبي ﷺ وهو ينتدب لمهمة المواجهة العلمية والعملية لفساد العقيدة والعبادة، أن ينتدب أيضاً لمواجهة موجات الفساد الأخلاقي التي أصابت القيم الإنسانية بالتفسخ والتحلل، بسبب تراكم الضلالات والأمراض، فأضيف إلى مهام رسالته الكبرى، مهمة أخرى عظمى وهي: تقويم الأخلاق، وإصلاح القِيَم، وقد أشار ﷺ إلى مقام الأخلاق ومقدارها في رسالته، بقوله ﵊: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق» (١) .
رابعاً: لم يكن من المتوقع أن تقبل المجتمعات الآسِنة، أن تكون هادئة ساكنة وهي تخضع لهذه العملية العلاجية الكبرى، بما يصاحبها من لأواء الألم ومرارات التضحية بكل موروث ومألوف ومقدس لديها، فكان لا بد أن تتمنع أو تتمرد أو تنتفض أطراف منها بين الفينة والفينة، حتى تكاد تفتكك بمعالجها، وتقتل من يبذل نفسه لحياتها ونجاتها.
وما كان على المعالج الشفيق، والطبيب الحاذق، والنبي البر الرحيم، إلا أن يتحمل جهلها وجاهليتها، ويصبر ويصابر على أذاها وفتنتها، مع أن ما هو مقبل عليه، ليس علاج داء واحد لصنف واحد من البشر، ولكنه جملة من الأدواء المهاجرة والمستوطنة، يقف وراء أكثرها منتفعون من بقائها، ومتضررون من زوالها، ولهذا كان مطلوباً منه ﷺ وهو يُقْبِل على علاج أدواء تلك الأمم، أن يستجمع في شخصه ما تفرق في شخصيات إخوانه من الأنبياء والرسل من الخلال والصفات التي واجهوا بها سائر الأمم؛ لأنه ﷺ أُرسِل لسائر هذه الأمم، خاتماً لسائر هؤلاء الأنبياء والرسل، وقد قال الله له: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ، وقد صبر ولم يستعجل، وجمع بين وجوه العظمة في كل رسول ونبي قبله، فكان فيه ثبات نوح، وحلم إبراهيم، وأمانة يوسف، وقوة موسى، وصبر أيوب، وجسارة هود، وجرأة داود، وحكمة سليمان، وذكاء زكريا، وصفاء يحيى، ووَداعة عيسى ـ عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه ـ.
خامساً: لم تكن الأجواء المحلية المحيطة برسولنا ﷺ مهيأة لإعانته على مهمته؛ فلم يكن العرب مستعدين لتلقي العلاج، ولم يكن لديهم تَوْق إلى التغيير أو شوق إلى التجديد؛ ففي هذه الدائرة الضيقة التي كان يفترض أن تبدأ منها عملية التغيير في مكة، لم يكن العرب مرحبين أو راغبين في زعامة جديدة ذات منهج جديد كي يلتفوا حولها، ويَدَعوا مما أَلِفُوا ما كان عليه الآباء والأجداد، ويفارقوا ما نشؤوا عليه وعاشوا فيه من فَوْضى الجاهلية وتفويضها لهم في كل ما يشتهون؛ فكان عليه ﷺ أن يبدأ بهم أولاً، مغالباً صلابتهم، ومجالداً حميتهم، وصابراً على أذاهم حتى يتغير منهم قوم يصلُحون لتغيير غيرهم، لتتكون له صحبة من الحواريين المهيَّئين لحمل مهمة التغيير في سائر العالمين؛ ولهذا قال الله لرسوله ﷺ : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ، وقال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٥] .
سادساً: كان النبي ﷺ مطالَباً، في أثناء وبعد عملية التغيير والبناء، أن يكون أداؤه متوازناً، وميزانه مُرْهَفاً، حتى لا تتولد عن عملية التغيير العالمي الحادِّ آثار جانبية سلبية، كأن تبرز ـ بعد إنجاز البناء ـ طبقة تعلو على طبقة، أو جنس يتعالى على جنس، أو عنصر يتميز بالسمو، أو آخر يستأثر بالسلطان، كما كان شائعاً في سائر عمليات التغيير عبر التاريخ، وكان محذوراً كذلك ـ أثناء وبعد هدم الأوضاع القديمة ـ أن تنشأ أحقاد، أو تولد ثارات، بسبب تطاير بعض الشرر الذي يصيب أهدافاً غير مقصودة، فيُظلَم بريء بلا جريرة، أو يُستَهدَف صنف بلا ذنب، أو تؤذى طبقة بغير موجب، وهي أمور يكاد يكون تلافيها مستحيلاً في عمليات التغيير الكبرى، ولهذا كان الرسول ﷺ مطالَباً، بإرساء مبادئ عدالة عامة نزيهة متجردة دون أي نظر في التفضيل أو التقريب إلا بالميزان الذي يزن بكلمات الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
سابعاً: لم تكن عملية التغيير تستهدف التغيير بحد ذاته، بمعنى هدم وتحقير كل قديم، وتمجيد كل جديد، بل كانت عملية التغيير تستهدف إزالة الفاسد، وإبقاء الصالح من موروثات الأمم، وفق ميزان الوحي، وقد كانت بعض الأمم المستهدفة بالتغيير، من أتباع أنبياء سابقين، وكانت لبعضهم موروثات حضارية مختلطة، وكان إلغاء بعض ما نقل عن الأنبياء من شرائع، مع الإبقاء على تقديرهم في نفوس أتباعهم، وكذا نقض عُرى بعض القيم الزائفة التي قامت عليها بعض الحضارات، مع عدم المساس بقيمة الإنسان في تلك الحضارات؛ كان ذلك عملاً يتطلب درجة عالية من التجرد والموضوعية، التي تُقنع أتباع النبوات السابقة، وأصحاب الحضارات الذاهبة، بأن الداعية الجديد لا يريد بناء مجد شخصي لذاته، ولا علواً عنصرياً لأمته، ولا تطبيقاً إجبارياً لنظرياته، وقد قام ﷺ بهذه المهمة خير قيام، حتى خرجت أمم وشعوب كثيرة من دينها لدينه، وتنازلت عن شريعتها لشريعته، وتركت لغتها للغته غير نادمة ولا حانقة ولا ثائرة.
ثامناً: لم تكن عملية التغيير الكبرى التي كُلف بها نبينا ﷺ ، تستهدف إصلاح دين الناس دون دنياهم، أو سلوكهم الأخلاقي دون رقيهم الحضاري، ولم تكن أيضاً تركِّز على ترقيق القلوب في العبادة، دون الوصول إلى مراتب الريادة والقياة والسيادة في شؤون الحياة، بل كان كل ذلك مطلوباً، ليخرج الناس بهذا الدين من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وقد كانت أمة العرب، أحوج الأمم إلى البدء بها في النهوض الديني والدنيوي، وهذا ما كان لها على يد النبي القائد ﷺ ؛ إذ لم يلبث فيها بعد الرسالة إلا بضعةً وعشرين عاماً، حتى نقلها من دركات الجهالة والضلالة إلى أعلى درجات العلم والرقي، وحركها من سكك ودروب الضعف والهوان والتبعية والتعلق بأذيال الفُرس أو الروم، لتحلِّق في آفاق السمو والعلو والتمكين، حتى إنه لم تكن تنقضي حقبة زمنية أخرى موازية بعد زمن الرسالة، إلاَّ ولهذه الأمة بالإسلام عزة في الخافِقَيْن، وراية ترفرف في المشرقين: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾
[آل عمران: ١٦٤] .
تاسعاً: كان مطلوباً من النبي ﷺ ، وهو يقوم بمهام التشريع المتشعبة، وأدوار التنفيذ والتطبيق الشاقة، أن يتواءم سلوكه، وتتلاءم أخلاقه مع كل ما يقوله ويرشد إليه، وكل ما يسنه ويعمل به؛ فهناك قلوب وعقول وأعين وآذان تتطلع وتراقب وتتحسس وتقيس وتقارن، لتستلهم الأسوة وتقتفي الأثر، وتتبع الخُطى للاقتداء والاحتذاء في كل شيء كان يهدي فيه رسول الله ﷺ . ولما كان هديه ﷺ شاملاً لكل شيء؛ فقد كان لا بد أن يكون هديه ـ وقد كان ـ أحسن الهَدْي. فمن الناحية العملية كان المراد منه ﷺ أن يكون الأب الأسوة، والزوج الأسوة، والقريب الأسوة، والمحارب الأسوة، والصديق الأسوة، والعابد الأسوة، والتاجر الأسوة، والداعية الأسوة، والقائد الأسوة، وقد كان كل هذا شأنه ـ حقاً وصدقاً ـ صلوات الله وسلامه عليه.
عاشراً: لقد كان مطلوباً منه ﵊ وهو يواجه تلكم المهام الكبار، ألا يواجهها وهو قائم مقام خطيب، أو جالس مجلس مفكر، أو قاعد مقعد حكيم، أو مستلقٍ استلقاء فيلسوف، وإنما كان مطلوباً منه ﵊ أن يواجه الواقع العملي المحيط به، بتحرك عملي وواقعي، فردي وجماعي، ممثلاً في كيان قوي، ومجتمع مشيد، ودولة قائمة، وقد أقامها ﷺ كأحسن ما تقام الدول، حتى استمر امتدادها لأكثر من ألف وثلاثمائة عام، وهي مؤهلة للعودة والاستمرار، كمعجزة باقية لإنسان واحد، هي في الحقيقة من أعظم معجزاته التي غفل عنها الغافلون.
- ومعجزة أخرى متجددة:
ألا وهي: أن هذه الأرض، بأركانها الأربعة، وقاراتها الخمس، وملياراتها الستة، وفي دورات أيامها السبعة، لَتشْهَدُ بأن اسم النبي محمد ﷺ يتردد على مدار ساعات اليوم، بل دقائق الساعة، بل ثواني الدقيقة، بل أجزاء أجزاء الدقيقة ... يتردد اسم محمد ﷺ كل لحظة تحت كل سماء؛ فما من نَسَمَةٍ مسلمة في أرجاء العالم المملوء بالمسلمين، إلا وهي تنطق اسم النبي ﷺ ، مقروناً باسم الله الأعلى، في كل صلاة مفروضة أو مسنونة، وترددها في كل أذان أو إقامة، وفي الثناء والدعاء، والذكر والشكر ... فتبقى الأرض كلها تلهج باسم النبي ﷺ ، من كل أصحاب اللغات واللهجات، ومن كل ذوي الجنسيات والعرقيات، ومن كل الأعمار في كل الأقطار، مقروناً باسم الله، ليصدق قول الله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤]
ولم نرد التوسع في ذكر معجزاته وأوجه عظمته الأخرى، واعظمها القرآن؛ لأن القوم لا يؤمنون إلا بما يحسون ويقيسون؛ فما ذكرناه معجزات وعلامات تميز وعظم، لو كانوا يعقلون.
- ثم مع كل هذا الإعجاز الملموس المحسوس يكابرون:
ومع كل هذه العظمة لتلكم الشخصية يتكبرون فلا يعتذرون عن الإساءة، بل يصرون ويتمادون ويتواصون؛ فعندما نُشِرت الرسوم المسيئة الفاجرة، للمرة الأولى في شهر سبتمبر من عام ٢٠٠٥م وقدم مسلمو الدانمارك احتجاجاً للحكومة؛ رُفض احتجاجهم، وعندما تقدموا لرفع قضية لمساءلة المسيئين؛ رفض المدعي العام رفع القضية، وعندما طلب أحد عشر سفيراً عربياً مقابلة رئيس الوزراء لتقديم الشكوى؛ رفض مقابلتهم، وعندما طالب العديد من المسؤولين الكبار من رؤساء وأمراء وسفراء وساسة بتقديم الاعتذار تجنباً للحرج أمام الشعوب الغاضبة؛ لم يُستجَب لأي منهم، بل أُعيد نشر الرسوم في أكثر من بلد أوروبي على وجه التعدي والتحدي والاستفزاز، حتى إن الجريدة الدانماركية سيئة الذكر، اختارت يوم عيد الأضحى لتعيد فيه نشر الرسوم، بينما اختارت جريدة فرنسية أخرى أول أيام العام الهجري، لتكرر نشرها!!
ومن يومها والمعاندون يتمادون، لا في الدانمارك فحسب، بل في كل دول الاتحاد الأوروبي الخمس والعشرين، وعلى لسان مسؤولي هذا الاتحاد الذين أيدوا الموقف الدانماركي ورفضوا الموقف الإسلامي، بل حذروا من استمرار المقاطعة للدانمارك؛ لأنها في نظرهم تعد مقاطعة للاتحاد الأوروبي كله، بل تحايلوا على هذه المقاطعة، بوضع اسم الاتحاد الأوروبي على البضائع الدانماركية!
كان آخر المواقف المعاندة للمواقف الرسمية الإسلامية ما حدث مع وفد البرلمان الباكستاني الذي زار مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل في الفترة من ٥ إلى ٨ مارس ٢٠٠٦م، بتكليف من رئيس الوزراء (شوكت عزيز) ، للعمل على حلّ الأزمة مع أوروبا، إلا أن الوفد عاد خالي الوِفاض، دون اعتذار أو وعد بالاعتذار.
أما على المستوى الشعبي؛ فقد تحمس بعض الدعاة للذهاب إل (كوبنهاجن) عاصمة الدانمارك لعمل مؤتمر (للحوار الديني والحضاري) يعرضون فيه ـ باجتهاد منهم ـ على عدد من المثقفين ورجال الدين في الدانمارك، وجهة نظر العالم الإسلامي في غضبته من أجل نبيه ﷺ ، راجين متلطفين ملتمسين منهم أن يحترموا دين المسلمين، ويحثوا حكومتهم على ذلك، ولكنهم رفضوا مطالب وفد الدعاة الذين أُسقط في أيديهم؛ لأن الكثيرين من المسلمين نصحوهم وحذروهم من النتائج المحرجة لهذا المؤتمر، وقد حدث ما توقعه المحذرون؛ حيث رفض (المضيفون) المطالب المقدمة باسم المسلمين، وانتهى المؤتمر دون إصدار نتائج، أو بيان ختامي! وهو ما اعتبر فشلاً ذريعاً لفكرة الحوار مع (الآخَر) ؛ لأن هذا الآخَر، هو آخِر من يهتم بالحوار ـ في مثل هذه الأمور ـ إلا بمنطق الحديد والنار!
لقد بكى بعض المنظمين للمؤتمر من المسلمين أمام الدانماركيين، من هول المفاجأة من هذا السلوك المعاند الذي كان لا يتوقعه على أرض أوروبا (المستنيرة) وقال: «جئنا مع إخواننا بيد ممدودة لكننا لم نجد يداً تمد إلينا» !!
ولا ندري ماذا سيكون رد هؤلاء أيضاً على مؤتمر نصرة النبي ﷺ المنعقد في البحرين مؤخراً، والذي احتشد فيه العشرات من العلماء والدعاة والمفكرين من أنحاء العالم الإسلامي ... فهل سيواصل الأوروبيون التحدي ... ؟!
إنهم إن أصرّوا على عدم الاعتذار، فيجب أن نقول لهم:
- لا تعتذروا!
ـ نعم!.. لا تعتذروا! فنحن نعلم أنكم لن تعتذروا، ولعل عدم اعتذاركم ينبه بقية الغافلين المخدوعين عن دفائنكم وخباياكم التي جلاّها نبينا وبيّنها كتاب ربنا.
ـ لا تعتذروا! فاعتذاركم ـ إن حصل ـ سيكون سياسياً أو دبلوماسياً أو حتى اقتصادياً، بسبب خسارتكم للمكاسب الدنيوية التي هي عندكم أقدس المقدسات.
ـ لا تعتذروا! فنبينا أغنى وأغلى وأعلى من أن نتكفف رد اعتباره منكم؛ فاعتباره مرفوع في السماء، قبل أن يُرفَع على الأرض، ومحفوظاً عند الخالق قبل المخلوقين.
ـ لا تعتذروا! فلعل عدم اعتذاركم، يعجل بانتقام الله منكم، وهو وحده القادر على أن يكفيه شر حقدكم، ويحوله إلى فتحٍ لدعوته واستجلاءٍ لشخصيته، ورفعةٍ لأتباع هديه وسننه.
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٧] ... نعم! ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 5553
آداب مزاولة مهنة الطب من منظور إسلامي
أ. د. عبد الفتاح محمود إدريس
إن للطب آداباً يجب على من يمارس أعماله أن يترسمها، وأن لا يتنكب عنها، حتى لا يتعرض للمساءلة من الجهات التي تراقب مدى التزامه بآداب مهنته، والتي قد تؤاخذه على تقصيره في مراعاة هذه الآداب، بحرمانه من ممارسة عمله، وإلغاء ترخيصه بمزاولة هذه المهنة، وإغلاق عيادته أو المشفى الذي تم الترخيص له به، وقد تحيله هذه الجهات إلى المحاكم الجنائية، إذا كان إخلاله بهذه الآداب يمثل جريمة يعاقب عليها القانون.
وقد كانت الشريعة الإسلامية سباقة في بيان الآداب الشرعية، التي ينبغي على من يعمل في مجال الطب أن ينهجها، وإلا كان آثماً شرعاً، وهذه الآداب يمكن حصرها في الاتجاهات التالية:
١ ـ آداب عامة يراعيها الأطباء في سلوكهم وعند مزاولة مهنتهم.
٢ ـ آداب يراعيها الطبيب نحو المريض الذي يعالجه.
٣ ـ آداب يراعيها الطبيب نحو المجتمع الذي يمارس فيه مهنته.
٤ ـ آداب يراعيها الطبيب نحو زملائه في المهنة.
- أولاً: الآداب العامة:
وتتمثل هذه الآداب فيما يلي:
١ ـ أن يحافظ الطبيب على السلوك السوي لمهنته، وأن تكون حياته الخاصة والعامة بعيدة عن الشبهات، ويتأتى هذا بعدم مشاركته في الأنشطة التي لا تتفق وآداب مهنته، وأن يلتزم بالمبادئ العامة للأخلاق كما دعا إليها الإسلام إن كان مسلماً، أو كما دعت إليها الشرائع السماوية؛ فقد روى النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» (١) .
٢ ـ أن يتخذ الطبيب لنفسه غاية في ممارسته لمهنته، وهي واجب المحافظة على الحياة الإنسانية، والدفاع عنها، وعلاج المرضى وتخفيف الألم عنهم، وذلك كله بقدر الاستطاعة، وأن يبذل جهده في تحقيق هذه الغاية، ولا ينبغي أن يكون دافعه من ممارستها تحقيق المنفعة الشخصية أو الكسب المادي. قال ـ تعالى ـ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨] ، وينبغي عليه أن يؤمن بأنه لن يحصل من سعيه إلا ما قدره الله له، وأنه لن يموت حتى يستوفي ذلك كله؛ فقد روي عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن رُوح القُدُس نفث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب؛ خذوا ما حل، ودعوا ما حرم» (١) .
٣ ـ أن لا يوجه الطبيب إمكاناته وخبراته للأذى أو التدمير، أو إلحاق الضرر البدني أو النفسي بالإنسان، مهما كانت الاعتبارات السياسية أو العسكرية؛ فقد نهى الشارع عن الضرر ومضارَّة المسلم؛ إذ روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (٢) ، وروي عن أبي صرمة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من ضارَّ مسلماً ضارَّه الله» (٣) .
٤ ـ أن يعمل على تنمية خبرته في الطب؛ وذلك بالاطلاع على الأبحاث المتخصصة في مجال عمله، وحضور الندوات والمؤتمرات التي تناقش فيها الأعمال الطبية، والوقوف على ما قد يرد على النظريات المختلفة في التشخيص والعلاج من تعديل أو إضافة، وعلى الجديد في وسائل المداواة والمعالجة وغيرها من المجالات الطبية؛ فقد رغب الشارع في طلب العلم والتزود منه في نصوص كثيرة، منها: قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] .
٥ ـ للطبيب أن يقوم بإجراء البحوث العلمية في مجال تخصصه، على ألا تشتمل حريته في البحث العلمي على قهر الإنسان أو قتله أو الإضرار به، أو تعريضه لضرر محتمل، أو التدليس عليه أو استغلال حاجاته المادية، ولا ينبغي أن تشتمل خطوات البحث العلمي أو تطبيقاته على أمر يعد من المحرمات التي حرمها الإسلام كالزنا، أو اختلاط الأنساب، أو التشويه والعبث بمقومات الشخصية الإنسانية عن طريق الهندسة الوراثية، لنهي الشارع عن ذلك كله، ومن الأدلة الدالة على تحريم ذلك قول الله ـ تعالى ـ في تحريم الزنا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] ، وقد ورد في تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه ما رواه سعد بن أبي وقاص وأبو بكرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من ادعى أباً في الإسلام غير أبيه؛ وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام» (٤) ، كما ورد في تحريم إلحاق نسب مولود بمن ليس منهم ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يُدخِلها الله جنته» (٥) . وورد في تحريم العبث بمقومات الشخصية الإنسانية عن طريق استعمال الهندسة الوراثية، واتباع الشيطان في غوايته إلى تغيير خلق الله ـ تعالى ـ قول الله ـ سبحانه ـ عن محاولة إبليس إيقاع الإنسان في هذه المعصية: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٦) [النساء: ١١٩] ، ثم قال ـ سبحانه ـ محذراً من اتباع الشيطان في ذلك: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١١٩] ، وروى علقمة عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلِّجات للحسن المغيِّرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنتَ الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيِّرات خلق الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسولُ الله ﷺ وهو في كتاب الله، فقالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] » (٧) ، فهذه الأدلة وغيرها دليل على حرمة تغيير خلق الله ـ تعالى ـ والعبث في الصورة الإنسانية التي فطر الله ـ تعالى ـ الناس عليها، عن طريق إجراء التجارب التي يقصد منها هذا العبث.
- ثانياً: الآداب المتعلقة بالمريض:
وتتمثل هذه الآداب فيما يلي:
١ ـ أن يبذل الطبيب لمريضه النصح، وأن يفيده إفادة تامة عن كل ما يتعلق بمرضه؛ فقد روي عن تميم الداري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الدين النصيحه ـ ثلاثاً ـ قلنا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» (١) .
٢ ـ أن يصارح الطبيب مريضه بعلته إن كان في ذلك ما يفيده، وأن يختار الطريقة المناسبة لإنهاء حقيقة مرضه إليه، وليتلطف معه، وأن يعمل على إذكاء إيمان المريض وإنزال السكينة في نفسه، وتوثيق رباطه بالله ثقة يهون بها ما سواه؛ فقد روي عن عبد الملك بن عمير «أن رسول الله ﷺ لما زار أم العلاء الأنصارية وهي تتوجع، قال لها: أبشري يا أم العلاء! فإن مرض المسلم يحط الله به عنه خطاياه، كما يحط عن الشجرة أوراقها في الخريف» ، وفي رواية أخرى بلفظ: «فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه، كما تذهب النار خبث الذهب والفضة» (٢) .
٣ ـ أن يؤنس الطبيب مريضه ببشاشته وطلاقة وجهه؛ فقد روي عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (٣) ، وروي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنكم لا تَسَعون الناس بأموالكم، ولكن لِيسَعْهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» (٤) . وينبغي على الطبيب أن يهوِّن عن المريض ما هو فيه من مرض، وإن رأى في مرضه ضرراً عليه تلطف في إبعاده عنه، واعداً إياه بذلك تطييباً لنفسه؛ فقد روي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يسِّروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (٥) .
٤ ـ أن يكون عمل الطبيب مجرداً عن العوامل النفسية التي قد تؤثر في أدائه؛ فليس له أن يفرق بين المرضى بحسب الدين أو العقيدة، أو الفكر أو الجنس أو اللون أو نحو ذلك؛ فقد قال الحق ـ سبحانه ـ في النهي عن اتباع الهوى فيما يقوم به المرء: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] .
٥ ـ أن يعالج الطبيبُ العدوَّ كما يعالج الصديق؛ فليس له أن يغير من طريقة علاجه مع أعدائه، وعلى الأطباء في المجتمع الإسلامي ـ بوصفهم أعضاء في المجتمع الطبي الدولي ـ أن يتعاونوا على الصعيد العالمي للدفاع عن الحياة ومعالجة المرضى؛ بحيث تؤدي هذه الغاية إلى تحقيق رسالة الطبيب في الحياة بالنسبة لجميع المرضى. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . [المائدة: ٨] (٦)
٦ ـ أن يحافظ الطبيب على أسرار مريضه، سواء وصلت إليه عن طريق القول من المريض أو من ذويه، أو عن طريق الفحص أو التحليل، أو رآها الطبيب أو استنتجها من حالة المريض، وأن يحيطها بسياج من الكتمان، احتراماً للثقة الموضوعة فيه، بحسبان هذه الأسرار أمانة أودعها المريض أو ذووه عنده، أو أُودِعت عنده بمقتضى عمله، وقد أمر الله ـ تعالى ـ بحفظ الأمانات ورعايتها وعدم الخيانة فيها، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] ، وقال ـ سبحانه ـ في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] ، وقد اعتبر رسول الله ﷺ خيانة الأمانة إحدى خصال النفاق؛ إذ روى عنه أبو هريرة ﵁ أنه قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (٧) ، ولا يخلُق بمسلم أن يتصف بصفة من صفات المنافقين.
٧ ـ أن يجند الطبيب كل علمه وخبرته في أن يجتاز المريض ما بقي له من العمر في حسن رعاية، من غير ألم ولا عذاب، وذلك بما تهيأ له من أسباب العلاج والرعاية، وأن يبذل جهده في تحقيق ذلك؛ إذ أمر الله ـ تعالى ـ بالوفاء بما ألزم الإنسان نفسه به بمقتضى العقود، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، ونهى عن الخيانة فيما يؤديه الإنسان من عمل، وذلك بأدائه على الوجه الذي يؤدي إلى النتيجة المرجوة من أدائه، فقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] .
٨ ـ أن لا يصف الطبيب دواء يقتل المريض أو يضر به، أو دواء يسقط الأجنة أو يؤدي إلى العقم من غير ضرورة إليه، أو أن يفعل بالمريض ما يضر به، لنهي الشارع عن الإضرار بالغير أو التسبب فيه.
٩ ـ أن يستشير الطبيبُ غيرَه من الأطباء الذين لهم خبرة بالمرض الذي يعالجه، إن كان يجهل كيفية تشخيصه أو طريقة معالجته، لقول الحق ـ سبحانه ـ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] ، وعليه أن يتنحى عن معالجة المريض، ليتركها لمن يكون أقدر عليها من الأطباء، إن كان لا يأنس من نفسه القدرة على ذلك؛ فقد روي عن زيد ابن أسلم «أن رجلاً في زمن رسول الله ﷺ أصابه جرح، فاحتقن الدم، وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار فنظرا إليه، فزعم أن رسول الله ﷺ قال لهما: أيكما أطبُّ؟ فقالا: أوَ في الطب خير يا رسول الله؟ فزعم زيد أن رسول الله ﷺ قال: أنزل الدواءَ الذي أنزل الأدواء» (١) .
١٠ ـ أن لا يُنهي الطبيب حياة مريض ميئوس من برئه متعذب من آلامه، بل ينبغي عليه أن يخفف من آلامه بقدر الاستطاعة حتى يأتي أجله المحتوم؛ لأن إنهاء حياته قتل له بغير حق، وقد جاءت نصوص كثيرة تنهى عن ذلك، منها قول الحق ـ سبحانه ـ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، وما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات! قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (٢) .
- ثالثاً: الآداب المتعلقة بالمجتمع:
وتتمثل هذه الآداب فيما يلي:
١ ـ يجب على الطبيب في المجتمع المسلم أن يكون على علم بأحكام الإسلام التي تتعلق بمهنته، وأن يلتزم بها، حتى لا يكون منه فعل أو وصف مخالف لهذه الأحكام، ومن ذلك: الأحكام المتعلقة بما تشتمل عليه الأدوية من مفردات مباحة أو محرمة، والأحكام المتعلقة بالإجهاض والتلقيح الصناعي، وتنظيم النسل، والتعقيم، ومداواة أحد الجنسين للجنس الآخر، وما يتعلق بذلك من أحكام الخلوة، والنظر إلى ما يعد عورة، ومس ذلك من المريض أو المريضة، ونحو ذلك.
٢ ـ أن يراعي طبيعة المجتمع وما جرت عليه عادات أفراده في الأمور المباحة، وذلك لتقرير ما يأخذ وما يدع من السياسات الطبية، حتى لا يكون فيما يتبعه من ذلك شذوذ، قد يضر بأفراد المجتمع الذي يمارس فيه مهنته، ولا يأتي بأفعال فيها مجافاة لما درج عليه المجتمع من عادات، لا تتعارض مع أحكام الشريعة.
٣ ـ أن لا يقتصر دور الطبيب على مداواة المرضى، بل يجب أن يمتد ليشمل التنبيه على أساليب الوقاية من الأمراض المختلفة، وأن يهتم بمكافحة العادات التي تضر بأفراد المجتمع، كشرب المسكرات أو المخدرات، وأن يبين الأضرار التي تنشأ عن ذلك، أو عن عدم التمسك بالفضيلة والعفة أو بآداب الشرع الحنيف؛ لأن هذا من قبيل النصح الذي هو أحد ركائز الدين الحنيف.
٤ ـ أن يستعين الطبيبُ بفقهاء الشريعة في إصدار الفتاوى ومساعدته بالرأي في المسائل التي يعتبر الترخص فيها بسبب المرض متوقفاً على رأي أهل الخبرة من الأطباء، وتلك التي يتوقف الحكم الشرعي فيها على قولهم، باعتبار ذلك شهادة منه فيما يتوقف الحكم الشرعي على قوله فيه؛ وقد نهى الحق ـ سبحانه ـ عن كتمان الشهادة، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، كما أنه يعد تعاوناً على البر الذي أمر الله ـ تعالى ـ به بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] .
- رابعاً: الآداب المتعلقة بزملاء العمل:
ينبغي على الطبيب أن يعامل زملاءه بما يحب أن يعاملوه به، وأن يحافظ على علاقته الطيبة بهم، وأن لا يقلل من علمهم أو خبرتهم أو مهارتهم؛ فقد روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» (٣) .
стр. 5554
إعداد القوة.. الواقع والمأمول
محمد بن شاكر الشريف
الحق له قوة ذاتية نابعة منه ومن تجافيه عن الباطل، ويستطيع دعاة الحق أن يصلوا به إلى عقول الناس، بما احتواه من الحجج والبراهين الدالة عليه، ولا يحتاج الحق في إقناع الناس به إلى قوة تجبرهم أو تُكرههم على القبول به واختياره؛ فإن قوته فيه، ومتى ما احتاج الحق إلى الإكراه لتحقيق الاقتناع بأدلته وبراهينه لم يكن حقاً؛ لذا جاء النص بنفي الإكراه في الدين؛ وذلك في قوله ـ تعالى ـ: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . فالإسلام دين حق عليه دلائل يقينية كل من اطلع عليها لا يملك غير التسليم بها والإذعان لها؛ فلا حاجة إذن إلى الإكراه عليه. قال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: «أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَيِّنٌ واضح جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونوَّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره؛ فإنه لا يفيده الدخول في الدين مُكرَهاً مقسوراً» (١) . ولعل مجيء الآية بلفظ: «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» ، وليس بلفظ: لا إكراه على الدين، مما يوضح ذلك، ثم كان قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ كالتعليل لما سبق.
ورغم أن الحق منصور من داخله بأدلته وبراهينه، فلا بد له من قوة خارجية، لا لكي يفرض بها نفسه على الناس، وإنما يحتاج إليها لأمرين:
الأول: لكي تدافع عنه ضد عدوان المعتدين وصيال الصائلين الذين ختم الله ـ تعالى ـ على قلوبهم، وأصبح نهجهم العناد والمكابرة، والعدوان على المخالفين.
الثاني: جهاد الطغاة الظالمين الذين يصدون الناس بما لديهم من سلطان وقوة عن الاستجابة للنداء الحق، ويصرفونهم عن اتباعه، ويجبرونهم جبراً وقسراً على البقاء على دينهم الفاسد وعدم الإقبال على الدين الحق، ولأجل تلك الحقيقة شرع الله ـ تعالى ـ الجهاد.
لقد كانت مكة عند بداية الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ دار كفر وكان الغالب على أهلها الكفر بالله تعالى، واستمر ذلك زمناً طويلاً؛ لذلك لم يكن هناك من فائدة لإعداد العدة والقوة الحربية؛ لأنها في ظل موازين القوى غير المتكافئة لن تستخدم، ويكون استخدامها في ذلك الوقت المبكر من عمر الدعوة مدعاة للقول بأن الإسلام جاء من أجل قتال الناس، ولو قُدِّرَ له الانتصار لقالوا: إنما انتشر بقوة السيف ودخله الناس مكرهين ولم يدخلوا مؤمنين.
ثم إن ذلك قد يؤدي إلى أمر خطير لو قُدِّر للدعوة أن تنهزم وهو استئصالها في مهدها ومنعها من النمو، كما أن شرع الجهاد في ذلك الوقت المبكر لن يساعد على تربية المسلمين الذين استجابوا لله والرسول ولدعوة الحق.
ومع أن الإعداد الحربي في ذلك الوقت غير ممكن وغير مراد، لكن كان يجري هناك إعداد أهم بكثير من الإعداد الحربي، بل لا يقوم الإعداد الحربي إلاَّ عليه، فكان هناك إعداد أكثر أهمية يجري على أرض الواقع على بصيرة وجد واجتهاد، مع الروية وعدم العجلة، وهو بناء المسلم من داخله: عقيدته، وتصوراته، وعبادته.
وما إن انتقل المسلمون من دار الدعوة (مكة المكرمة) إلى دار الدولة (المدينة المنورة) حتى بدأت مرحلة جديدة من الإعداد وهو الإعداد الحربي، وجاء الأمر بذلك من الله ـ تعالى ـ رب الخلق جميعهم، فقال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، قال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: «أمر ـ تعالى ـ بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم﴾ ، أي مهما أمكنكم ﴿مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ » (٢) ، وقال الطبري في بيان أنواع القوة بعدما تحدث عن الرمي: «ومن القوة أيضاً السيف والرمح والحربة، وكل ما كان معونة على قتال المشركين كمعونة الرمي أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم» (٣) . وقال الطيب ابن عاشور: «والإعداد: التهيئة والإحضار، ودخل في (ما استطعتم (كل ما يدخل تحت قدرة الناس اتخاذه من العدة. والخطاب لجماعة المسلمين وولاة الأمر منهم؛ لأن ما يراد من الجماعة إنما يقوم بتنفيذه ولاة الأمور الذين هم وكلاء الأمة على مصالحها، والقوة كمال صلاحية الأعضاء لعملها ... فاتخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتخاذ الدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ من القوة في جيوش عصرنا، وبهذا الاعتبار يفسر ما روى مسلم والترمذي عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: «ألا إن القوة الرمي» قالها ثلاثاً، أي أكمل أفراد القوة آلة الرمي أي في ذلك العصر، وليس المراد حصر القوة في آلة الرمي» (٤) .
فقد صار بالإمكان الآن ـ بعد تحيز المسلمين إلى دار تأويهم ـ استعمال العدة الحربية والاستفادة منها، وأصبح وجودها والتدرب عليها في هذه الحالة ضرورة لا بد منها حيث تُحِقق أهداف المسلمين، بعكس الحالة الأولى التي كان من الممكن أن تشكل عبئاً عليهم. وقد أطلقت الآية في بيان القوة التي ينبغي إعدادها من غير تقييد حتى يسمح إطلاقها بقبول ما يجدُّ من آلات القوة مع تغير الأزمنة، وهذا الأمر يفرض على جماعة المسلمين الجد والاجتهاد والمثابرة في تحصيل القوة الممكنة في عصرهم التي من شأنها أن تردع الكفار المحاربين أعداء الله ـ تعالى ـ ورسله والمؤمنين.
وفي الأمر بإعداد ما يستطاع من القوة نهي عن الإهمال والتقاعس عن امتلاك أقصى ما يمكن امتلاكه من القوة الحقيقية ووسائلها لا القوة الصورية أو الاستعراضية؛ فالأمة الإسلامية أمة رسالية، مطلوب منها تبليغ رسالة الله إلى العالمين.
وقد بَيَّن نص الآية السبب الذي لأجله أُمِرَ المسلمون بإعداد ما يستطاع من القوة، وهو قوله ـ تعالى ـ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فكان في إعداد القوة البالغة أمان للأمة من الأعداء المعروفين وغير المعروفين، حتى إنه ليخافها ويرهب جانبها من لا يعرفه المسلمون، مما يشكل رادعاً لمن تسول له نفسه مهاجمتهم أو التآمر عليهم، ويصير الإهمال في إعداد ما يستطاع من القوة مدعاة لأن يستخف بهم اعداؤهم ويتجرؤون عليهم.
هذا النص القرآني في وجوب إعداد القوة التي تخيف الأعداء بغرض تأمين الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ في أرض الله، وتأمين دار الإسلام ضد عدوان المعتدين، يفتح باب التصنيع الحربي أمام المسلمين على مصراعيه؛ لأن إعداد المستطاع من القوة لا يتم إلا بذلك، ومن القواعد المشهورة عند أهل العلم أن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) . ومن هنا يظهر وجوب إقامة المصانع الحربية التي تمد جيوش المسلمين بالآلة الحربية المناسبة لعصرهم في جميع المجالات الحربية: البرية، والبحرية، والجوية.
ويستتبع إقامة المصانع الحربية العناية بتدريس العلوم التقنية التي تُعَد بمكان اللبنة الأولى اللازمة لإقامة تلك المصانع، وتشجيع البحث العلمي، ورصد الميزانيات المناسبة له، وليس يُقبَل عقلاً أو شرعاً أن ميزانية بعض أندية الألعاب البدنية، أو مؤسسات اللهو كالسينما ونحوها في بلد مسلم واحد، تفوق ميزانيات البحث العلمي في بلاد المسلمين مجتمعة.
وقد ظهرت عناية الشريعة بالتصنيع الحربي لما له من أهمية، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله لَيُدخِل بالسهم الواحد ثلاثةً الجنةَ: صانعَه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممدَّ به، وقال: ارموا واركبوا، ولأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا، كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله؛ فإنهن من الحق» (٥) ، وقد تناول هذا الحديث أموراً ثلاثة: رامي السهم وهو يمثل الجيش، وصانعه وهو يمثل الصناعات الحربية، والممد به وهو يمثل التموين والإمداد الذي تحتاج إليه الجيوش.
وقد بَيَّن رسول الله ﷺ أهمية ائتلاف تلك العناصر الثلاثة، وأشركهم جميعاً في حصول الثواب؛ فلم يَقْصِرْ ثواب الجهاد وأجره على المجاهد الفعلي، بل جعل القائم بالصناعة الحربية شريكاً للمجاهد في دخول الجنة لما يترتب عليها من نشر الدين وحماية الحوزة، ولأن المجاهد بالفعل يحتاج في جهاده إلى الآلة الحربية المناسبة، وهذه لا يمكن الحصول عليها إلا بالتصنيع. كما بَيَّن الرسول ﷺ أهمية الإمداد والتموين؛ فقد يوجد المجاهد ويوجد السلاح، ولا يوجد من يوصل السلاح إلى المجاهد وقت الحاجة إليه، فلا بد من وجود من ُيمِدُّ بالسلاح ويوصله إلى من يجاهد به.
وقوله ﷺ : «صانعه يحتسب في صنعته الخير» ، يعني يطلب في صنعة السهم الثواب من الله تعالى، وهذا لا يعني أن لا يأخذ على ذلك أجراً، بل القصد أن يكون يريد بذلك العمل نصرة الدين والدفاع عن حوزة المسلمين.
وقد أشار القرآن إلى الصناعات الحربية في قوله ـ تعالى ـ: ﴿ ... وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ... ﴾ الآية [الحديد: ٢٥] ، قال ابن كثير: «فيه بأس شديد: يعني السلاح كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها» (٦) والحديد لا يصير سيوفاً وحراباً ونصالاً إلا بالتصنيع، وكذلك قال ـ تعالى ـ ممتناً بتعليم الصناعة الحربية لعبده داود ﵇: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] قال القرطبي: «قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] : يعني اتخاذ الدروع بإلانة الحديد له. واللبوس عند العرب السلاح كله: درعاً كان أو جوشناً أو سيفاً أو رمحاً» (٧) . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠ ـ ١١] والسابغات: جمع سابغة، وهي الدرع التي تغطي المقاتل غطاء وافياً، والدرع: القميص من حديد أو غيره.
كما دلت النصوص على العناية بالمركبات الحربية التي يستخدمها المجاهدون، أو التي تنقلهم إلى ميادين الجهاد، مما يبين أن صناعة المركبات الحربية سواء كانت دبابات برية أو سفناً وغواصات بحرية أو طائرات جوية، ينبغي أن تلقى العناية أيضاً؛ فإن الجهاد بغيرها متعذر أو مستحيل في أيامنا.
ومن النصوص التي تحدثت عن المركبات الحربية قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ فالخيل هي المركبات الحربية في زمن نزول القرآن، وقد دلت السنَّة على العناية بالخيل ووردت فيها أحاديث كثيرة؛ فمن ذلك قوله ﷺ : «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده؛ فإن شِبَعه ورِيَّه ورَوْثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» (٨) ، أي من هيأ فرساً وأعده للجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ طاعة لله ـ تعالى ـ وابتغاء وجهه فإن ما يأكله هذا الفرس من الطعام وما يرتويه من الماء، وما يخرج منه من بول أو روث كان ذلك كله حسنات توضع في ميزان ذلك الشخص، وهذا يدل دلالة واضحة على أهمية العناية بالمركبات الحربية. وأخرج البخاري في صحيحه قول النبي ﷺ : «الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر: فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال بها في مرج أو روضة؛ فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يُرِدْ أن يسقي كان ذلك حسنات له فهي لذلك أجر ... » الحديث (٩) . ومعنى الحديث أن من أعد خيله للجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ فإنه يؤجر على كل شيء يتعلق بها؛ فلو ربطها في حبل طويل وتركها ترعى فإن كل مسافة مشتها وهي في الحبل كي ترعى كانت له حسنات، ولو أنها قطعت ذلك الحبل فاستنت أي أفلتت ومرحت شرفاً أو شرفين ـ والشرف ما ارتفع من الأرض ـ كانت آثارها وما تلقيه من فضلات حسنات له، ولو مرت بنهر فشربت منه من غير إرادة له في ذلك كانت أيضاً حسنات له؛ فكيف لو أراد؟ وهذا مما يدل على عناية الإسلام بكل ما يعين ويساعد على نشر الدعوة وحماية الحوزة، ومن ذلك بلا شك المركبات الحربية.
وقد بلغت عناية المسلمين بالسلاح وإعداد القوة اللازمة لنشر الدعوة وحماية الحوزة أن جعل أهل العلم السهمين الواردين في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ... ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر ﵄. قال الأعمش عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ﷺ في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان عليٌّ يقول فيه؟ قال: كان أشدَّهم فيه؛ وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء ﵏» (١٠) .
واستخدم الصحابة فمَنْ بعدَهم الآلات الحربية في الفتوحات كالمنجنيق (وهي الآلة التي تقذف بها الحجارة وما أشبهها) والعرَّادات (جمع عرادة وهي أصغر من المنجنيق) ، والدبابات (الدبابة: آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبون بها إلى الأسوار لينقبوها، ويطلق عليها أيضاً الدراجات والضبور) ، ولم يتقاعسوا عن استخدام الأسلحة التي وصل إليها التقدم العلمي في عصرهم.
وقد اعتنى المسلمون إلى جانب ذلك بالصناعات البحرية لحاجتهم إلى السفن الحربية في نشر الدعوة والدفاع عن الديار، فأنشأ المسلمون بمصر في جزيرة الروضة (دار الصناعة لبناية السفن) لأول مرة وكان ذلك عام ٥٤ هجرية (١١) ، وفي سنة أربع عشرة ومائة أنشأ المسلمون (دار الصناعة لإنشاء المراكب البحرية) في تونس (١٢) ، وتوالى بعد ذلك إنشاؤها.
فإذا كانت النصوص الشرعية قد دلت على العناية بصناعة الأسلحة والمركبات الحربية، وعمل بذلك سلفنا الصالح، فإنه يكون من أكبر التقصير الذي تقع فيه الأمة اليوم أن تظل تعتمد في سلاحها الذي تحفظ به أمنها وتنشر به دعوة الله المكلفة بإيصالها للعالمين، على عدوها الذي لا يألوها خبالاً كما قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
ولا شك أن اعتماد الأمة في سلاحها على الشراء فقط دون التصنيع، له مفاسد كثيرة، منها: المبالغ الضخمة التي تُدفع في هذه الأسلحة التي تفوق بمراحل كثيرة قيمتها الفعلية، ومنها أن تلك الأسلحة لا يمكن أن تكون أسلحة متقدمة متطورة تغني في مواقع النزال مع أعداء الأمة، بل إن موردي السلاح من دول النصارى لا يعطون الأمة إلا الأسلحة التي لا تخل بميزان القوى بين الأمة وبين عدوها، بحيث تضمن تلك الدول للعدو أن يحقق التفوق الحربي على الدول العربية مجتمعة أثناء القتال، ومنه منع الإمداد بالسلاح أو الذخيرة وقت الحاجة إليه، فتقف الجيوش عاجزة عن التحرك، ويُفرَض على الأمة حينئذ ما يشاؤون من الحلول الانهزامية؛ وأمامنا ما حدث في قضية البوسنة والهرسك؛ حيث منع عنهم السلاح وهم يتعرضون للقتل الشديد من الصرب. ومن مفاسد الاعتماد في التسليح على الغير أن يكون قرار الأمة مغلولاً غير قادر على التحرر والاستقلالية، وهذا الوضع يؤدي إلى استخفاف كثير من الدول بالمسلمين.
إن من الأمور الغريبة التي يعسر إيجاد تسويغ مقبول لها أن تكون الأمة التي جعل الله الجهاد في سبيله لتبليغ رسالة رب العالمين إلى الناس كافة أحد فرائض دينها، ثم هي تهمل آلته وما يساعد عليه، رغم امتلاكها لكل ما تحتاج إليه مما يمكن أن يقيم صناعة حربية متطورة تزود الدول الإسلامية جميعها بما تحتاج إليه.
لقد أدى هذا الوضع إلى أن تُنْتَقَص بلاد المسلمين من أطرافها، ويحتلها الكفار من اليهود والنصارى وهم مطمئنون إلى عدم قدرة هذه الدول على الدفاع عن نفسها؛ لأنها لا تملك سلاحها الذي تدافع به عن نفسها.
لقد تطورت صناعة الأسلحة بما فيها المركبات الحربية في أيامنا هذه تطوراً مذهلاً، وقد بات الآن من الأمور الواضحة في فقه السياسة الشرعية وجوب القيام بالتصنيع الحربي في جميع المجالات، وجوباً لا يحتمل التأخير والمماطلة، وإذا كانت الأمة تعاني من تخلف كبير في هذا المجال فإنها يمكنها أن تتكامل في ذلك مع الدول الإسلامية المتقدمة في مجال التصنيع الحربي، وأن تبدأ من الآن، وتوجه الجهود، وتقيم مراكز الأبحاث، وترصد الأموال اللازمة، ومن سار على الدرب وصل ولو بعد حين.
إن من الأمور اللافتة للنظر والتي تبين الأهمية القصوى للتصنيع الحربي هو حرص الدول القوية في العالم على حرمان الدول الإسلامية من امتلاك الأسلحة القوية المتطورة ذات القوة التدميرية العالية الرادعة، مع أن هذه الدول تمتلك هذه الأسلحة وتستخدمها في معاركها ضد أعدائها، وتهدد باستخدامها ضد من يحاول امتلاكها، ولم تتوقف مراكز أبحاثها عن النظر في هذه الأسلحة وتطويرها وابتكار أشكال جديدة منها، وهو ما يعني إصرار هذه الدول على التفرد بالقوة الحقيقية في العالم، واستخدام الأسلحة المتطورة ذات القوة التدميرية العالية الرادعة ضد من يحاربونهم دون أن يخشوا من الرد بالمثل، وهو يكشف في جانب منه عن النظرة الاستعمارية أو الاستعلائية التي تملأ عقول النخب في هذه الدول، بإزاء الدول الضعيفة، والتي تريد أن تحولهم إلى مجرد ذيول لها وأتباع، وبغياب القدرة الحقيقية على الردع بحرمان الدول من امتلاك الأسلحة المناظرة وفرض ذلك بالقوة، يتحول العالم إلى غابة يأكل القويُّ فيها الضعيفَ ويملي عليه شروطَه، ولا يكون أمامه إلا أحد خيارين: إما القبول والإذعان لما يطلب منه، وإما الدمار، وفي ذلك تهديد للسلام في العالم؛ لأن من أَمِنَ العقوبةَ أساء الأدب.
والإذعان لهذا الوضع والقبول به والاستسلام له، معناه تحوُّل أمتنا إلى أمة تابعة لا تملك الدفاع عن نفسها أو مقدساتها، ولو كانت أمتنا الإسلامية تصنع سلاحها الذي تحتاج إليه بيد أبنائها كما كانت في الماضي، لما تجرأ عَبَدَةُ الصلبان على الاستخفاف والطعن في أفضل الناس وسيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله ﷺ .
إنه ليس هناك ما يُسوِّغ لأحد التقاعس أو الإهمال في إعداد العدة المناسبة لعصرها، وقد تبين لنا جميعاً أنه لا يمكن الاعتماد أو الركون إلى ما يسمونه تطمينات أو وعود أو نحو ذلك؛ فالخطط معدة، والانقضاض على بلادنا ليس إلا مسألة ظرف مناسب؛ فالبدارَ البدارَ؛ فإن الندم بعد وقوع المصاب لا يجدي، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
стр. 5555
التغيير ابدأ بنفسك
د. محمد بن عبد العزيز الشريم
يستسلم كثير من الناس عندما تواجههم مشكلات أو ظروف صعبة يعجزون عن التغلب عليها، فيقفون مكتوفي الأيدي حيالها. الأمر الأخطر من ذلك الموقف السلبي أن يظن الشخص أن هذا الاستسلام يعني تسليمه لقضاء الله وقدره، مع أن بين الأمرين اختلافاً كبيراً جداً؛ إذ إن الاستسلام يعني التوقف عن العمل وترك الأخذ بالأسباب الكونية التي جعلها الله ـ تعالى ـ علاجاً لمواجهة مثل هذه المشكلات. وأحياناً يعني الاستسلام عندهم عدم البحث عن تلك الأسباب. أما التسليم فيعني الرضا بما كتبه الله ـ تعالى ـ بعد استنفاد الوسع وبذل الجهد في البحث عن أسباب المشكلة وطرق علاجها، ومن ثم العمل بها على الوجه الصحيح.
يقول الله ـ تعالى ـ في كتابه العزيز: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . وهذه الآية الكريمة مليئة بالفوائد التي لا غنى عنها في صناعة التغيير. ومن أهم تلك الفوائد أن يراجع الإنسان نفسه وعلاقته مع خالقه، ويبتعد عن أسباب محق البركة. إلا أن هناك فائدة يمكن استنباطها من تلك الآية، ألا وهي أن أحوالنا اليومية لن تتغير أو تتحسن حتى نبادر نحن بتغيير أنفسنا. ومن أهم نقاط التغيير المثمر أن يغيّر الإنسان نظرته السلبية إلى واقعه حتى يمكنه التعامل معه بإيجابية تمكنه من مواجهة مشكلاته والتغلب عليها.
لقد نظمت الخنساء ﵂ قصائد من أجمل ما قيل في الرثاء بعد مقتل أخيها صخر في الجاهلية، ولكنها بعد أن أسلمت لم تقل بيتاً واحداً في رثاء أحد من أبنائها الأربعة عندما أتاها نبأ مقتلهم جميعاً، بل احتسبت شهادتهم عند الله. ومعلوم أن الولد أعز من الأخ، خاصة بعدما كبرت الخنساء في السن وضعفت وازدادت حاجتها لمساندة أبنائها. فما الذي تغير؟! لقد علّم الإسلام الخنساء معنى آخر للموت والحياة، ومعنى آخر للفقد والكسب؛ ولذلك فإن نظرتها الجديدة لموت المقربين لها ساعدتها على التعامل مع الموقف نفسه بإيجابية عالية، بدلاً من السلبية التي أظهرتها زمن الجاهلية في رثاء صخر بلا فائدة.
- النظرة الإيجابية:
في كثير من الأحيان تواجهنا مشكلات عويصة بالفعل أو أوضاع صعبة جداً، ولكننا يجب علينا ألا نجعل من تلك المشكلات التي لا نستطيع حلها عوائق (نفسية أو مادية) تمنعنا من النظر بإيجابية لواقعنا. فأحياناً يكون حل المشكلة أمام أعيننا ولكننا بحاجة للالتفات يمنة أو يسرة حتى نضع أبصارنا عليه ونراه حلاً للمشكلة التي تشغل أذهاننا.
تلقَّى أحد الفنادق العريقة شكاوى متعددة من النزلاء بأن المصاعد تستغرق وقتاً طويلاً جداً حتى تصل إلى النزيل بعد طلبها. أحال المسؤولون في الفندق هذه المشكلة إلى شركة هندسية متخصصة لإعداد تقييم لأداء المصاعد وتقديم مقترح لعلاج مشكلة بطء وصولها. جاء في تقرير مهندسي الشركة أن المصاعد قديمة ولم تعد مناسبة للعمل بشكل يتوافق مع معايير الأداء في مثل هذا المبنى، ولذلك يجب تغييرها لتجاوز مشكلة الشكاوى المتكررة من النزلاء. بلغ تقدير التكلفة الأولى لإزالة المصاعد القديمة وتركيب أخرى حديثة مئات الألوف من الدولارات، ولذلك ترددت إدارة الفندق في اعتماد التغيير.
عُرِض الأمر على أحد المتخصصين في حل المشكلات الإدارية واتخاذ القرارات الاستراتيجية، فقدم مقترحاً لحل المشكلة لم تتجاوز كلفته بضع مئات من الدولارات. لم ينظر الخبير إلى المشكلة من الزاوية نفسها التي نقلها إليه المسؤولون في الفندق، وهي بطء وصول المصاعد إلى النزلاء عندما يطلبونها، ولكنه نظر إليها من زاوية مختلفة، ألا وهي تقدير الوقت في أذهان النزلاء؛ ولذلك فكر في حيلة يقضي بها على شعورهم بطول وقت الانتظار. ولذلك كان الحل الذي اقترحه الخبير في غاية البساطة، ألا وهو تركيب مرآة بطول الإنسان أمام بهو المصاعد في كل دور. قامت إدارة الفندق فعلاً بتركيب تلك المرايا وتناقصت الشكاوى بشكل ملحوظ بعد ذلك؛ لأن النزلاء كانوا يمضون وقت الانتظار بين طلب المصعد ووصوله إليهم في الاعتناء بمظهرهم وتعديل هندامهم، فلا يشعرون بطول الوقت حتى يكون المصعد قد وصل إليهم.
وكان (إيرل ديكسن) يعمل في شركة جونسون آند جونسون (أكبر مُصنِّع للأشرطة الطبية اللاصقة في أمريكا) ، وكانت زوجته كثيراً ما تجرح يدها أثناء عملها في المطبخ، وكان يباشر علاجها بنفسه، وذلك بوضع قطعة من الشاش على مكان الجرح ويمسكها حتى يتمكن من تثبيتها باللاصق الطبي فوقها. فكر ديكسن في طريقة يمكن لزوجته أن تضع الضمادة على الجرح بنفسها في غيابه. أخذ قطعة من الشاش ووضعها في وسط اللاصق، ولكنه خشي إن تركها أن تجف ولا يمكن لصقها. بحث (ديكسن) حتى وجد قماشاً أملس يمكن لصق الضمادة الجديدة عليه؛ بحيث يسهل على زوجته نزعها عند الحاجة ووضعها على الجرح بمفردها. عرض (ديكسن) فكرته على شركته فأعجب المسؤولون بها وتبنوا تصنيعها على نطاق تجاري كما نرى اليوم؛ حيث لا يكاد يخلو منزل في العالم من تلك اللواصق.
- لماذا لا نغير نظرتنا للمشكلة؟
كثيراً ما يفيد النظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة في تقديم حلول مبتكرة وسهلة واقتصادية، لكن العقل البشري يميل إلى مقاومة البحث عن أسباب أخرى يفسر بها المشكلة التي تواجهه؛ وذلك بسبب الانغماس في المشكلة وعدم القدرة على النظر إليها من زوايا متعددة يحتمل أن يكون الحل في إحداها. بل إن بعض المشكلات ـ في ظاهرها ـ ليست مشكلات في الحقيقة لو نظرنا إليها من زاوية مختلفة. وأحياناً قد ينظر أحدنا إلى أمر ما على أنه فشل، ولكنه في حقيقته يحمل بذور النجاح، ولكن بشكل مختلف. ولعل هذا يتوافق مع قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ . [النساء: ١٩]
يعاني كثير من الناس من أزمة الاستغراق في المشكلات التي تواجههم. بعضهم لا يجيد سوى التذمر والشكوى، وآخرون يواجهون مشكلاتهم بإلقاء اللوم على الآخرين. هذان الأسلوبان، وغيرهما كثير، يبدوان للنفس مخارج هروب بدلاً من مواجهة المشكلة، ولذلك قد يشعر الشخص أحياناً بشيء من الارتياح عندما يتصرف بإحدى الطريقتين. السبب في ذلك أن الشخص عند لجوئه لهذه المخارج الانهزامية يبرر لنفسه تقاعسها عن مواجهة المشكلة. هذا الارتياح الجزئي يعمل مثل المخدر الذي يعوق الدافعية نحو حل المشكلة.
في كثير من الأحيان تكون المشكلة وحلها معتمدين على النظرة التي يحملها الشخص تجاه تلك المشكلة؛ فإذا نجح في تكوين صورة متكاملة وواضحة عن المشكلة أمكنه بعون الله حلها. ومن ذلك ما تقدم به أحد العاملين في شركة تصنيع مواد لاصقة (مثل الغراء والصمغ) ، فعندما جرب أحد منتجاتها على الورق كان لا يلتصق بدرجة كافية؛ لأنه لا يجف، بل كان سهل النزع، وعندما يعاد الضغط عليه يلتصق ولكنه يسهل نزعه مرة أخرى. كانت المشكلة ـ وفق النظرة الأولى ـ أن هذا اللاصق الجديد منتج فاشل؛ حيث إن المتوقع من أي مادة لاصقة أنها تثبت ولا يمكن نزعها بسهولة بعد جفافها. وبدلاً من أن يرى هذا الشخص أن ضعف الالتصاق فشل، نظر إليه من زاوية مختلفة، وقدم لذلك المنتج الفاشل استخداماً لم يكن يخطر في بال أحد من الذين يعملون في المصنع حينئذ، ألا وهو المذكرات التي تلصق بالأوراق دون الحاجة إلى تثبيتها بدبابيس أو مشابك ورق، إضافة إلى أنها لا تترك أثراً على الأوراق الأصلية، ويمكن نزعها بسهولة. وهذه هي الأوراق الصفراء المعروفة في السوق باسم Post-it)) التي لا يستغنى عنها أثناء القيام بالأعمال المكتبية.
- كيف نغير نظرتنا للمشكلة؟
تغيير النظرة للمشكلة بنجاح يتضمن ثلاثة أمور: أولها: فهم حقيقة المشكلة نفسها، والثاني: القدرة على التخلص من القيود التي تمنع العقل من النظر من زوايا مختلفة. والثالث: اقتناص حل لمشكلة لم تكن حاضرة في الذهن.
في كثير من الأحيان يكون فهمنا للمشكلة سطحياً أو ناقصاً؛ ولذلك ينبغي على الشخص الذي يريد حل مشكلة ما أن يستكمل فهم جوانبها المختلفة، ولا يستصغر منها شيئاً؛ لأنه قد يكون مفتاحاً للحل. فبعض المشكلات يكون فهم الشخص لها محدوداً بإطار سائد. في مثال مصاعد الفندق تغير تعريف المشكلة من: كيف نزيد سرعة المصاعد إلى كيف نقلل شعور النزلاء بطول وقت الانتظار؟ وبذلك نجحت إدارة الفندق في تقليل التكلفة بشكل ملحوظ دون تقليل درجة رضا المستخدمين.
ومن ذلك أيضاً جهاز تسجيل الحضور والانصراف الآلي؛ فقد كانت فكرة الجهاز تنطلق من أنه ليس من الضرورة أن يتولى شخص مسؤولية متابعة الموظفين لتسجيل حضورهم وانصرافهم بتوقيت دقيق، ولذلك جاءت فكرة جهاز البطاقات التي يختمها الموظف عند حضوره وانصرافه. ولكن المشكلة أن أحد الموظفين يستطيع تسجيل حضور زميله إن لم يكن هناك مراقب. ولذلك فكر المخترعون في طريقة للتغلب على هذه النقطة. كان الحل يكمن في جعل الموظف يسجل بنفسه مستخدماً بصمته؛ فلا يمكن لموظف آخر أن يتلاعب في تسجيل حضوره أو انصرافه.
أحياناً يصعب على الشخص الذي تواجهه مشكلة ما أن يتخلص من القيود التي تمنع عقله من النظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة. في مثال اللواصق الطبية نجح (ديكسن) في تحرير ذهنه من الاعتقاد السائد أنه لا بد من وجود شخص آخر يضع الشاش أولاً ثم اللاصق على الجرح. نظرته للمشكلة من زاوية أخرى، بأن وضْع الجزأين معاً ممكن، ساهم في حل المشكلة بشكل أيسر بعد أن تخلص من تلك القيود التي كثيراً ما تمنع القدرات العقلية من الانطلاق نحو حلول مبتكرة. وكذلك الحال بالنسبة للتعامل مع السيارات المخالفة بالوقوف في مكان خاطئ؛ ففي السابق كان لا بد من سحب تلك السيارة برافعة خاصة مما يعني تكلفة عالية وتعريض السيارة المسحوبة للضرر. أما الآن فيمكن وضع قيد معدني على أحد الإطارات فلا يستطيع صاحبها التحرك إلا بعد أن يراجع هو بنفسه الجهة المسؤولة ويدفع قيمة المخالفة؛ فبدلاً من أن يقع العبء على الجهة المنظمة وتسحب السيارة لحجزها، جعلوا صاحب السيارة هو الذي يطلبهم لفك أداة صغيرة الحجم ورخيصة الثمن وتؤدي الغرض نفسه، ما لم تكن السيارة واقفة في مكان يعيق حركة السيارات الأخرى.
ومن الأشياء التي يمكن أن تساهم في حل المشكلات التي نمر بها أن يكون الذهن متفتحاً وفاحصاً لما يمر أمامه من ملحوظات أو تعقيبات أو حتى استخدامات قد لا تخطر للبال. ومن ذلك ما فعله توماس ساليفان (أحد موردي الشاي والقهوة في نيويورك) الذي كان يرسل عينات من أنواع مختلفة من الشاي إلى زبائنه ليجربوها ويختاروا ما يروق لهم منها. كانت أسعار العلب المعدنية التي يرسل فيها تلك العينات تتزايد، ولذلك فكر في طريقة يعبئ فيها الشاي بكميات أصغر وبسعر أرخص دون أن يظهر للزبائن أنه بخيل. قرر أن يستخدم أكياساً من الحرير الصيني مغلقة بخياطة يدوية. أرسل العينات إلى زبائنه ولكنه فوجئ بهم يطلبون كميات من الشاي في تلك الأكياس؛ لأنهم ظنوا أن هذه طريقة جديدة للحفاظ على نكهة الشاي. وهكذا نجح ساليفان في اختراع أكياس الشاي دون قصد منه. واستمر في عمله ذلك مستفيداً من اقتناصه لتلك الفرصة التي واتته دون أن يخطط لها. ولذلك نجد كثيراً من الشركات تقوم بعمليات تقويم لمنتجاتها معتمدة على آراء زبائنها لتطوير هذه المنتجات.
стр. 5556
الطفل والقراءة الإبداعية
أ. د. بركات محمد مراد
نقطة الانطلاق إلى تنمية روح الإبداع عند الطفل تكون بالقراءة الإبداعية؛ فإذا كانت القراءة هي الوسيلة التي لا غنى عنها للإنسان، فهي تثري خبراته وتوسّع أفقه، وتربطه بماضي أمته، وتجعله قادراً على فهم حاضره، والتخطيط لمستقبله، فإننا في حاجة ملحة إلى ربط القراءة بقدرات التفكير الإبداعي، وبذلك تنتقل القراءة إلى مفهوم جديد، نحن في حاجة إلى القراءة الإبداعية لا لنجعل القارئ مستوعباً لما يقرأ أو نقَّاداً، بل إنها تتعدى ذلك كله إلى التعمُّق في النص المقروء، والتوصل إلى علاقات جديدة، وتوليد فكر جديد للمشكلات، وتطبيق لهذه الحلول، والمقروء يجب أن يكون مصدراً للتفكير، والتغلب على ضغوط الحياة، والقراءة هنا لتركيب المعلومات والوصول إلى استنتاجات حقيقية عن الواقع.
نحن في حاجة إلى تدريب الأطفال ـ خاصة الموهوبين ـ على طرح الأسئلة حول المعلومات التي لم تذكر في النص، وإضافة فكر جديد، وكتابة عناوين مختلفة لما يقرأ، وكتابة عدة نهايات لقصة غير مكتملة، وكتابة حلول متنوعة لإحدى المشكلات، وتوقع ما يمكن أن يحدث لإحدى شخصيات القصة، وذكر الأسباب المختلفة لوقوع حدث من الأحداث، وذكر أكبر عدد ممكن من الاستخدامات للأشياء، والتنبؤ من خلال المعلومات المقدمة إليه، وتوقع الاحتمالات، وإنتاج عدد كبير من الأفكار المرتبطة بالمقروء، والانتقال بالتفكير من مجال إلى آخر، وإنتاج فكر غير تقليدي. إن القراءة الإبداعية تنمية للفرد، وتوسيع لقدرته العقلية وتفكيره؛ فالأفكار الجديدة التي يحصل عليها القارئ تساعده على توليد أفكار مبدعة؛ فهو ليس مستقبِلاً للمعلومات بقدر ما هو باحث مجرّب ومركّب، لديه القدرة على نقد ما يقرأ وتقويمه، إنه قارئ مفكر يكتشف التناقض في المعلومات والأسباب الكامنة خلف التناقض، ويصل إلى استنتاجات صحيحة، ويختار المناسب منها وينتقي ما يطبقه في حياته اليومية، فيصبح سلوكه في حالة من التطور الدائم المفيد، إنه قادر على التوقيع والحدس، قادر على تشكيل المادة المقروءة.
والقراءة الإبداعية تجعل المتعلم يتعمق المشكلات الدراسية، ويكشف الأسباب، ويربط بين المؤتلف، ويصنف المختلف، ويحوّر ويعدّل ويبدّل في المادة الدراسية مما يقوده إلى أصالة التفكير وامتلاك التعدد في وجهات النظر، فتصبح لديه الطلاقة والمرونة وأصالة التفكير، فيحل مشكلاته وكذا مشكلات المجتمع الذي يعيش فيه.
ويمكن تنمية القراءة الإبداعية بكثير من الوسائل والاستراتيجيات كالعصف الذهني، وطرح الأسئلة، والتنبؤ القرائي، وتنويع الحل، وتنمية التخيل، وحل المشكلات، والتعمق والانطلاق، وغيرها من الاستراتيجيات.
ولا ننسى أهمية «الدهشة» ؛ لأنها بوابة الدخول إلى عالم الإبداع؛ فيكف يكون الإبداع بغير دهشة، يترجمها التساؤل عن كيف وماذا ولو، عن السبب وعن العلة والمعلول، وما هو كامن وراء الأشياء، وكيفية إعادة تنظيم الأشياء. وعلى هذا فإن الجدة محور الإبداع ومركز كل موهبة؛ فكيف تكون موهبة بغير جديد تقدمه في مجال الموهبة التي تتمتع بها؟ ثم إن القدرة على تقديم الجديد من شأنها أن تثير الدهشة. ولنا أن نعلم أن الدهشة هي التي صنعت حضارة الإنسان، وأن التساؤل هو الذي يسهم في التطور، والطفل في حاجة إلى أن يتعلم كيف يندهش على نحو فعال، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال إتاحة المجالات المتنوعة علمياً وتكنولوجياً وفكرياً وفنياً وتصورياً أمام التلاميذ.
وتنوّع هذه المجالات أمام الطفل يثير لديه التساؤل المحفوف بالبحث عن المعرفة، وعن محاولات الإجابة عن تساؤلات يطرحها ثراء هذه المجالات العلمية المتنوعة.
ولا ننسى دور الخَيَال في كل ذلك، وها هو «إنشتين» يعلمنا كيف يكون الخَيَال الينبوع الرئيس لكل علم ولكل معرفة، مؤكداً أن الأفكار لم تكن تأتيه في أية صياغة لفظية؛ فالفكر كان يأتي أولاً ثم يحاول التعبير عنه بالألفاظ والكلمات. أما الإبداع في رأيه ففي إثارة المشكلة، وإن المشكلة أهم من الوصول إلى حلٍّ لها؛ حيث إن إثارة أسئلة جديدة غير مألوفة يتطلب خيالاً إبداعياً.
إننا يجب أن نعامل أطفالنا كلهم، كما لو أنهم جميعاً لديهم شرارة النبوغ. إن الآباء يستطيعون أن يلهبوا هذه الشرارة من النبوغ. أو يضعفوها أو يخمدوها. والواجب علينا تنمية هذه الميزة الرئيسية في أطفالنا بالقراءة، حتى يصبح لدينا جيل كامل من المبدعين والعباقرة. وكل طفل هو كائن موهوب إذا لم نقهر (الدهشة) التي ترتسم على وجهه، وإذا لم نمنعه عندما ينقد سلوكيات عالم الكبار.
стр. 5557
ويستمر الجهاد
لنا التيجاني صالح
تُرى هل سيعود أبي وأخي إلينا؟ هل سنلعب معاً مجدداً؟ وهل سنزرع أشجار الزيتون والحوامض كما كنا نفعل سابقاً؟ أسئلة أخذت تتردد في خاطر أحمد، ذلك الطفل الفلسطيني الذي لا يتجاوز الرابعة من عمره، لكنه كان خائفاً من أن يسأل أمه فتنهمر الدموع على وجنتيها كالعادة.
كان أحمد يقطن في مدينة غزة بفلسطين، وكان يرى الأطفال في حيّه يحملون في أيديهم حجارة، ويسمعهم يهتفون: «لا إله إلا الله ... القدس لنا ... » ، لم يكن يدرك لِمَ كل ذلك، ولكن وببراءة الأطفال كان يقول مثل ما يقولون، ويحمل بين يديه الصغيرتين حجارة يقذفها كما كانوا يفعلون.
وهكذا مرّت ثلاث سنوات على هذه الحالة، وفي أحد الأيام وعندما بلغ الفضول من أحمد الشيء الكثير سأل أمه قائلاً:
ـ أماه! أين أبي؟ أين أخي؟ لماذا كلما سألتكِ تبكين وتلزمين الصمت فلا تجيبين؟ ومَنْ هؤلاء الأشخاص المسلحون الذين يحاربوننا ونحاربهم؟
في تلك اللحظة أدركت الأم أن ابنها الذي أصبح عمره سبع سنوات لم يعد صغيراً، لكنه مثل باقي الأطفال الفلسطينيين لَبِسَ ثياب الرجولة وهو لمّا يتجاوز العاشرة من عمره.
أجابت الأم بتنهّد شديد وبعبرة تخنقها:
ـ آه يا بني! هؤلاء القوم هم أعداء الله وأعداؤنا، ولقد قتلوا أباك وأخاك كما قتلوا أناساً كثيرين.
قصت الأم لابنها الحكاية كاملة، سقطت دمعتان من عيني أحمد لتعلنا عن وفاة طفل بريء بداخله ومولد رجل همام.
كان أحمد يرى حالتهم المادية المتردية يوماً بعد يوم: لباساً بالياً، مسكناً مهدّماً لا يقيهم شدة الحر أو برودة الطقس، وكان أكثر ما يَحِزُّ في نفسه هو رؤيته لأمه وهي توهمه بأنها تأكل ليأكل هو ويشبع.
كان الأسى يملأ قلبه، والكره والحقد على إخوان القردة والخنازير قد بلغ ذروته.
وقف أحمد حائراً أمام كل تلك الأحداث؛ فماذا بمقدوره أن يفعل؟ كل يوم يرى طفلاً يُقتل أمامه، أو امرأة تُضرب بلا رحمة، أو شيخاً يقطّع إرباً إرباً وكأن شيئاً لم يحدث.
أدرك أحمد أن الساعة قد حانت ليأخذ بثأر أبيه وأخيه وكل بريء يُقتل بلا ذنب. كانت الفكرة لا تغيب عن باله، فقرّر أن ينزل إلى ساحة المعركة، ولكن خوفه وقلقه على أمه وخوفه من أن تكون ردّة فعلها سلبية منعته من أن يسرَّ لها بما قرّر.
كان كل يوم يخرج من الصباح الباكر مع مجموعة الشجعان الذين في مثل عمره إلى الشوارع حيث كان اليهود خلف دباباتهم وبنادقهم خائفين من أطفال لا يملكون سوى الحجارة في أيديهم. لم يكن أحمد يبالي بدويّ المدافع وطلقات الرصاص، فقد كان كل همّه أن يُخرِج المعتدين من أرضه.
وعندما يحين المساء، يرجع إلى بيته، واستمر الحال هكذا لمدة استغرقت ستة أيام، وفي اليوم السابع وبينما أحمد كعادته يرمي أحد الجنود بحجر، أطلق عليه اليهودي الخائف رصاصة غدر استقبلها أحمد بصدر مفتوح وبكل بسالة، اخترقت هذه الرصاصة القاتلة صدره الصغير فخرّ ساقطاً ودماؤه من حوله تشهد على جُبن العدو وخوفه؛ أيقابل حجراً برصاصة؟
ركض أحد الأطفال إلى بيت أحمد ليخبر أمه التي لم تستقبل الخبر إلا بدموع الفرح في عينيها؛ فلقد عرفت منذ أن سألها ابنها عن كل ما هم فيه بأنه راحل لا محالة.
ركضت الأم إلى ابنها، وعندما وصلت إليه كانت الأنفاس الأخيرة تخرج منه، جثت الأم على ركبتيها وحملت ابنها بين ذراعيها وضمّته إلى صدرها لتقبّله القبل الأخيرة.. ويهمس أحمد بصوت تمازج فيه صوت الدمع والفرح قائلاً:
ـ إيه أمي! أخبري عني بأني لم أمت.. ألف لا.. بل أنا عِشت وخُلِّدْتُ منذ هذه اللحظة.. أخبري عنا بأنا إن مات طفل حجارة فينا فإن ألف طفل حجارة يولد.. أخبري عني وقولي أين أنتم يا مسلمون؟ قوموا، انهضوا، أفيقوا؛ فالعدو منكم قد قرب، أخبري عني وقولي بأن القدس لنا ولن نتوارى ونتهاون في إعادته.
ثم نطق بالشهادة ومات. أغضمت الأم عيني ابنها، وقالت:
ـ نَمْ بسلام؛ فرسالتك ستصل إلى أُذُن كل مسلم.
وقفت الأم وشلالات الدمع تنهمر من عينيها لتحمل حجراً لم تقذفه بعد حتى جاءت رصاصة غادرة من الخلف لتُلقي بها جثة هامدة بجانب جثة ابنها.
أُسْدِلَ الستار ليعلن عن نهاية أسرة فلسطينية أخرى.
آآآآآآه!.. وتستمر الحكاية.
стр. 5558
التعصب الممقوت وآثاره على العمل الاسلامي
وصفي عاشور أبو زيد
ظهرت القضية الإسلامية المباركة بعد أن تهددت شخصية الشعوب الإسلامية، وتبددت قِيَمُها وموازينها بفعل الجمود في الداخل، ومخططات التغريب من الخارج، التي تهدف إلى ضرب الفكرة الإسلامية، وإبعاد الأمة عن شريعة ربها. ولكن الفطرة التي فطر الله الناس عليها قد تضعف أو تلين أو تتوارى خلف السُتُر المختلفة والعديدة، ولكنها لا تختفي ولا تنمحي أبداً؛ لأن عامل الفطرة أقوى من كل العوامل الأخرى الطارئة والضعيفة مهما تعددت وتنوعت، فشاء الله للأمة العربية الإسلامية ـ بظهورها ـ أن تتجدد بعد أن بليت، وأن تقوى بعد أن ضعفت، وأن تظهر فيها بوادر النصر بعد أن تجرعت مرارة الهزائم المتتالية على يد المستعمرين والمنهزمين ردحاً طويلاً من الزمان.
وبقدر هذه النعمة التي يستبشر بها دعاة الإسلام اليوم ورجاله في كل مكان ظهرت أمراض خطيرة بين أبناء هذه الصحوة المباركة تأكل من جسدها الناهض، وتهشم كيانها الصاعد؛ فبقدر ما تتقدم إلى الأمام تتقهقر إلى الخلف بفعل هذه الأمراض القاتلة، ومن أجل ذلك اهتم ثلة من علماء الأمة ومن أخلص دعاتها بترشيد مسيرة العمل الإسلامي في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ على بصيرة، وتقويم ونقد الحركات الإسلامية العاملة على الساحة، ومن أبرزهم: الشيخ أبو الحسن الندوي، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ سلمان بن فهد العودة، والشيخ محمد أحمد الراشد، والشيخ محمد الغزالي، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور عوض القرني، والأستاذ عمر عبيد حسنة، والأستاذ فتحي يكن، وغيرهم كثير.
وإذا كان للقضية أعداء من خارجها، فهذا من سنن الله الجارية في خلقه وفي كونه التي تقتضيها سنة التدافع بين الحق والباطل: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] ، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١] ، لكن أن يكون عدو الصحوة من داخلها، فيتصارع أبناؤها، ويتعصبون ضد أنفسهم، ويصبح بأسهم بينهم شديداً؛ فهذا ما يغمر النفس حسرات، ويقطع القلب زفرات.
ومن أخطر الأمراض التي تهدد وجود القضية الإسلامية وتعوق مسيرتها: مرض التعصب الممقوت (١) الذي يمكن تعريفه بأنه: «عدم قبول الحق عند ظهور دليله» (٢) . وهو ما يعني في المحصلة الأخيرة تأخير امتداد صحوة الإسلام، وتزهيد الناس في الالتزام، فيكون بذلك الحالقة التي تحلق العلاقات والأواصر بين المسلمين العاملين في هذا السبيل المبارك، وربما تحلق الدين. ويقول العلاَّمة الشوكاني ـ في حسرة ـ مبيناً خطره في مقام من المقامات: «هاهنا تُسكب العبرات، ويُناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا لسُنَّة ولا لقرآن، ولا لبيان من الله ولا لبرهان، بل لمَّا غلت مراجل العصبية في الدين، وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين لقنهم إلزامات بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب بالقِيعة، فيا لله وللمسلمين من هذه الفاقرة التي هي من أعظم فواقر الدين، والرزية التي ما رزئ بمثلها سبيل المؤمنين» (٣) .
واعتبره الشوكاني رزية وفاقرة على اعتبار أنه مفهوم يشتمل على بعض العناصر السلبية والخطيرة؛ ومنها:
١ - أنه حكم يفتقد للموضوعية، ويتسم بالتعميم أو التسطيح المخل.
٢ - أنه يقوم على أساس مجموعة من القوالب النمطية والتصنيفات الجاهزة والانطلاق من خلفية معينة.
٣ - ينشأ في ظل سياق ثقافي واجتماعي تغيب فيه الشورى والحرية، ويدفع للمجاراة بدرجة أو بأخرى.
وهذا ما يستوجب وقفة متأنية أمام هذا المرض الخطير لنرصد مظاهره، ونبين آثاره وأسبابه، ونرسم الطريق لعلاجه، وما يلي من مظاهر وآثار وأسباب وعلاج ليس هو الكلمة النهائية، بل ربما رأى غيري أن يضيف إليها أكثر منها.
أولاً: المظاهر:
وللتعصب الممقوت الذى ابتُلي به بعض العاملين في ساحة العمل الإسلامي مظاهر متعددة، ويعتبر رصدها نتاج خبرة نتجت عن مشاهدة هذا الواقع ومعايشته فترة غير قليلة من الزمان ـ وربما كان هناك من المظاهر أكثر من هذا عند التأمل والتدبرـ ومنها:
١ - أن الذي يعمل في دعوة أو مع حزب أو جماعة يرى أنه هو الذي على الحق، وأن غيره على الباطل، مهما كان بينهم من كثرة في نقاط الاتفاق، ومهما كان بينهم من قلة في نقاط الاختلاف. قال ابن القيم في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] : جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون، ورؤوس أموالهم التي بها يتاجرون» (٤) .
٢ - أن الذي يسلك سبيل الدعوة الفردية مع آحاد المسلمين يفاجئه أصحاب اتجاهات أخرى يخطفون منه هذا المدعو، ويتقاتلون عليه بحجة أن الطرف الآخر سوف يضله ويغويه بما عليه هو من غواية وضلال، وتكون النتيجة أن يترك المدعو هذا الميدان تماماً؛ لما يراه من فرقة واختلاف بين هؤلاء الدعاة.
٣ - تحويل المساجد ـ بيوت التوحيد والعبادة والتجمع والتصافي والتوحُّد بين المسلمين ـ إلى ساحات شجار وتراشق بين فصائل الصحوة المختلفة بسبب قضايا فرعية خلافية، لم ينته الخلاف فيها سابقاً، ولن ينتهي الخلاف فيها لاحقاً. ويصف الصنعاني مظاهر ذلك قائلاً: «لم تكن الخلافات والنزاعات بين المقلدين مقتصرة على الآراء الفقهية فقط، بل بلغ بهم التعصب إلى الحروب الطاحنة فيما بينهم، يروي لنا التاريخ الشيء الكثير من ذلك. قال ياقوت الحموي وهو بصدد ذكر مدينة أصبهان: «وقد فشا الخراب في هذا الوقت وقبله في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية والحروب المتصلة بين الحزبين؛ فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها وخربتها، لا يأخذهم في ذلك إلٌّ ولا ذمة، ومع ذلك فقد قلَّ أن تدوم بها دولة سلطان أو يقيم بها فيصلح فاسدها، وكذلك الأمر في رساتيقها وقراها التي كل واحدة منها كالمدينة» . ا. هـ. وهذا غيض من فيض مما وقع بين أتباع المذاهب الذي يندى له جبين التعصب، أعاذنا الله جميعاً من هذا الداء العضال الذي أصاب الأمة الإسلامية المتلاحمة ففرقها» (٥) .
٤ - ومن المظاهر أيضاً أن ينتصر المسلم لجماعته أو حزبه أو دعوته أو مذهبه ومدرسته بالحق والباطل؛ فهي الحق على طول الخط حتى لو فعلت المنكرات البينات، وينتصر من غيرها دائماً حتى لو نصرت المحكمات الواضحات.
٥ - إن بعض المسلمين يرى مدرسته التي ينتمي إليها مقدسة، ورجالها ملائكة معصومين، وتاريخها كله خالياً من الأخطاء مبرأً من العيوب، ولا يذكر لها إلا الحسنات والميزات حتى لو أتت أفعالاً تسببت في تأخر الإسلام وصحوته حيناً من الدهر، في حين يرى غيره من المدارس والجماعات مدخول العقيدة، سيئ المنهج، مُجرَّح الرجال، أسود التاريخ، ضيق الأفق، ضحل الفهم، متحلل الفكر، ولا يذكر لها إلا السيئات والعيوب حتى لو كان لها في انتشار الإسلام أيادٍ بيضاء، وما أحسن ما قاله العلامة الشوكاني في تفسيره عن المتعصب: «والمتعصب وإن كان بصره صحيحاً فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق غفلةً منه وجهلاً بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقِّي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم، وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع؛ فإنه صار بها باب الحق مرتجّاً، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله ـ سبحانه ـ والهداية منه» (١) .
٦ - أن هذا الفريق لا يعجبه علماء الفريق الآخر حتى لو صدع بالحق؛ بينما إذا تبين خطأ علمائه هو التمس لهم العذر وهوَّن من ضلالهم في القول والفتوى؛ فعلماؤه مبرؤون حتى لو ضلوا وأضلوا، وعلماء غيره مدانون حتى لو كان لهم الفضل في رفع كلمة الإسلام زمناً ما، ونسي هؤلاء وأولئك هيبة العلماء، وأن القضايا العلمية الكبيرة لا شأن للصغار بها، وأن لحوم العلماء مسمومة، وهذا المظهر للأسف ربما وجدناه عند بعض العلماء أصحاب الاتجاهات والانتماءات المختلفة.
٧ - ومن المظاهر أيضاً أنه ربما تعاون أبناء فصيل معين من الدعاة وتحالفوا مع عدو خارجي من أعداء الإسلام لضرب فصيل آخر مسلم عامل في الساحة، ليعملوا سوياً على إذهاب ريحه، وإنهاء وجوده؛ حتى يخلو لهم الجو، وتفرغ لهم الساحة؛ ليمارسوا دعوتهم في جوٍّ آمن من التراشق والمضايقات، خالٍ من التنافس والمشاحنات. نسأل الله العافية.
ثانياً: الآثار:
ومن البدهي أن يكون لهذه المظاهر آثار مدمرة على كل المستويات سواء على مستوى الدعوة الخاص، أو مستوى الإسلام العام، ومن أبرز هذه الآثار ما يلي:
١ - تأخر وتخلف الحركات بهذا التعصب؛ لأنه ـ وقد رآها أصحابها معصومة فوق النقد والمراجعة ـ سوف يقفز الزمان عليها ويتخطاها بأزمان ليرتاد آفاقاً غيرها بما مات فيها من نقد ذاتي يحيي الحركات والدعوات، ويقوي ضعفها ويشد على أيديها.
٢ - الكراهية والتدابر والتحاسد والتباغض الذي سيسري بين أبناء الدعوة الإسلامية من جراء هذه المراشقات، ونتيجة تلك الاختلافات الفرعية، وهو أمر يوقِع في مخالفة مع نصوص متفق عليها مثل ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» (٢) .
٣ - إيقاع الوهن والتفكك في جسد الدعوة الإسلامية، وربما تعدى ذلك إلى عموم المسلمين، وهو ما يوقع أيضاً في مخالفة نصوص صريحة متفق عليها ليس أبرزها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٣) .
٤ - تزهيد الناس في الالتزام بالإسلام، أو مع هذه المدارس والمذاهب للعمل للإسلام؛ لما يرونه من تراشق وتشاحن، هذا يحارب ذاك وينشر عنه الافتراءات والأكاذيب ويكيد له، وذاك يتهم هذا ويتمنى له الخطأ ويُسمِّع به، فيقف الجمهور المسلم في حيرة: أيهم على صواب، وأيهم على خطأ، ولماذا كل هذا، وفي صالح من؟ وربما تعدى هذا الزهد إلى الإسلام ذاته فيتشكك الناس في الإسلام؛ فهل منهج الإسلام السمح وشريعته الغراء وتشريعه الوسطي يفرِّخ هذا التعادي والتحاقد، ويولِّد هذا التنافر والتباغض؟
٥ - الانكفاء على قضايا الداخل الذاتية الصغرى، وإهمال القضايا المصيرية الكبرى التي تتعلق بواقع الأمة ومستقبلها؛ لأن فصائل الصحوة مشغولة بكيفية انتصار بعضها على بعض، ناسين أو متناسين الأخطار المحدقة بالأمة التي توجب عليهم أن يتكاتفوا لينتصروا عليها، وما أكثرها.
٦ - طمع الأمم في أمة الإسلام؛ لأنها أصبحت أمة ضعيفة الجسد مترهلة البنيان ليست جسداً قوياً، ولا بنياناً مرصوصاً، ومن ثَم فالدائرة تدور عليها؛ لأن السنن الإلهية الجارية لا تحابي أحداً؛ فالأمة القوية التي تأخذ بأسباب القوة والنصر والوحدة ينصرها الله ولو كانت كافرة فاجرة، والأمة الضعيفة التي تهمل أسباب القوة والنصر يخذلها الله ولو كانت مؤمنة تقية.
٧ - ومن الآثار الخطيرة التي تدخل على آخرة المسلم بالخراب والبوار هو كسب السيئات التي يجنيها المسلم من وقوعه في عرض أخيه الذي ينتمي إلى غير مذهبه وجماعته بالهمز واللمز، والغيبة والنميمة، والسخرية والاستهزاء، وأكله للحوم العلماء في الطوائف الأخرى، وغير ذلك من أبواب السيئات.
ثالثاً: الأسباب:
لا شك أن خلف كل دخان ناراً، ولكل داء دواء؛ فإذا تم تشخيص الداء والوقوف على أسبابه سهل علينا وصف الدواء، فوضع اليد على الأسباب هي نصف طريق العلاج كما يقولون، ومن أهم أسباب هذا التعصب الممقوت ما يلي:
١ - اتباع الهوى والإعجاب بالرأي: وهو من أسباب التعصب القوية؛ فمن لم يتبع الكتاب والسنة، وأُعجب برأيه فلن يتبع الحق مهما ظهر بدليله؛ كيف وقد قال ـ تعالى ـ: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٣ - ٤٤] .
وروى الترمذي بسنده عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] قال: أما واللهِ لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسولَ الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر؛ حتى إذا رأيتَ شُحّاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنياً مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام؛ فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم» . قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة قيل: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم» (١) .
فطبيعة متبع هواه والمعجب برأيه إذا علم أن رأيه خطأ ألاَّ يتنازل عنه ولا يعترف بالحق بل يتمسك بخطئه، ويزداد عناداً وإصراراً عليه، وإذا علم أن رأي غيره صواب فلا يعترف به حتى لو كان واضحاً وضوح الصبح لذي عينين، وقديماً قال الشاعر:
يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ومنهج الحق له واضحُ
٢ - تحقيق مآرب شخصية ومصالح دنيوية، وهذا السبب يقتصر على الذين يلتحقون بالحركات العاملة لتحقيق مآرب شخصية، ومصالح نفعية، وأهداف دنيوية، كالطبيب الذي يريد أن يوسع دائرة مرضاه، والمحامي الذي يريد أن يكسب ثقة الناس حتى يتشاكوا إليه، والعالم الذي يريد أن يوسع دائرة شهرته ليجد لإنتاجه وكتبه وخطبه مريدين وقراءً ومستمعين، وهكذا ... فهذا الشخص لن ينظر إلى الحق والباطل، ولا إلى الخطأ والصواب، إنما هو ينصر الاتجاه الذي انتمى إليه ويتعصب له من أجل تحقيق مآربه ومصالحه بصرف النظر عن قضية الحق والباطل، وبعيداً عن تصحيح المسار والنقد الذاتي والتقويم النفسي؛ لأن هذا ليس هو أكبر همه، وربما أبدى اهتمامه بذلك أحياناً ليبين مدى تفانيه في العمل، وإرادته الخير لما انتمى إليه من مذهب، ولكن هذا كله لا يلبث أن يظهر مع العقبات، وسرعان ما يزول مع الابتلاءات التي يمتحن بها أهل الدعوات: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] .
٣ - الجهل بمذاهب الفقهاء، وهذه طامة كبرى، ومصيبة عظمى وسبب أكبر من أسباب التعصب الممقوت، وهو سبب رئيس من أسباب التناحر والتباغض والتنافر والتدابر بين أبناء الصحوة الإسلامية؛ إذ إن عدم الاطلاع على مذاهب الفقهاء وآرائهم في مسألةٍ ما يؤدي إلى التعصب لمذهب بعينه؛ لأنه لا يعلم سواه، ومن ثَم ينظر لمن يخالفه على أنه جاهلٌ لا علم له، وعلى أنه مخالف للسنة والهدي النبوي، في حين أنه لو اطلع على المذاهب الأخرى لعلم أنها قضية خلافية يسعهم فيها ما وسع الأئمة الكبار من قبلهم، ولعل هذا النوع من الجهل هو أهم أسباب المشاحنات والمشادات في المساجد التي تمتلئ عندنا ـ نحن المسلمين ـ بالاختلاف نتيجة الجهل المطبق بالأحكام الفقهية الفرعية العملية.
٤ - اتباع الأشخاص والهيئات، وعدم الإذعان للحق بدليله؛ فمن يتبع حزباً أو جماعة أو دعوة أو مؤسسة ويرى أنها لا تخطئ في العمل، أو تضل في الرأي يتعصب لها تعصباً شديداً، ويحمل حملة لا هوادة فيها على من يحاول نقدها أو تصحيح وتقويم مسارها حتى لو كان من أبنائها، وكذلك إذا وثق في علم عالم، ورجاحة عقله، وفقهه للنص الشرعي وإدراكه للواقع العملي؛ فإنه يرى أنه لا ينطق عن الهوى، ولا يفتي إلا بالحق، ولا يقول إلا الصدق، لا يقع منه زلل في القول أو العمل، ولا يصدر عنه خطأ في الفتوى أو الحكم، ولا يُظن به خطل في الرأي أو التصور، ومن ثم لا يجري عليه ما يجري على البشر، في حين أنه لم توجد ـ على امتداد التاريخ ـ هيئة أو مؤسسة أو جماعة إلا ولها أخطاؤها وإخفاقاتها، ولم ولن يوجد عالم إلا وله زلاته وكبواته، ويأبى الله إلا أن تكون العصمة له ولكتابه ورسوله.
ولهذا وصف ابن قيم الجوزية أهل العلم والعدل والقسط بكونهم: «زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل بأخذته طاروا إليه زرافات ووحداناً، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إخراج المتعصب عن زمرة العلماء إليه ولا يسألونه عما قال برهاناً» (١) .
رابعاً: معالم على طريق العلاج:
لم يَعُد خافياً ـ بعد ذكر المظاهر والآثار والأسباب ـ على كل ذي نظر عميق وفهم دقيق، ملامح طريق العلاج وأهم معالمه؛ فبالإضافة إلى تلافي الأسباب السابقة نحاول التعرف على نقاط العلاج، والتي من أبرزها:
١ - الفهم السليم لطبيعة العمل في فصائل الدعوة الإسلامية، وهي أن كل الفصائل والحركات ـ التي يجوز العمل من خلالها ـ مكملة لبعضها، ومتعاونة ومتضافرة فيما بينها، وليست متنافرة ولا مختلفة، الكل يبغي نصرة الإسلام، وإعلاء كلمته ورفع رايته، ومن ثَم فلا يضير أن تقوم دعوة من الدعوات أو حركة من الحركات تهتم بالعمل الخيري، وأخرى تهتم بجمع الناس في المساجد وحشدهم لفعل الخير، وأخرى تهتم بالعمل العام، وأخرى تذكِّر بقضايا الأمة الكبرى، وأخرى تهتم بالعمل الاقتصادي أو السياسي، وهكذا ... فلا تنكر هذه على تلك، ولا تنقم تلك من هذه،؛ لأنهم فهموا أنهم متعاونون على نصرة الإسلام وجمع كلمة المسلمين، فلن يعيب بعضهم على بعض التقصير في جانب دون جانب.
والفهم نعمة عظيمة بها تُحل كثير من المشكلات، وتزال العديد من العقبات، فلا غرو أن امتن الله بها على سليمان حين قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] ، وكان من وصية عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄: «الفهمَ الفهمَ فيما أُدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة» .
وما أحسن ما قاله ابن القيم ﵀ تحت عنوان: «الفهم الصحيح نعمة» ، قال: «صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أُمِرْنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد وتحري الحق وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادتَه اتباعُ الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى» (٢) . مع التسليم بوجوب التزام جميع أبناء الصحوة ـ مع اهتمام كل فصيل بعمل معين أو جانب ما ـ أصولَ الإسلام وفرائضه إلا لضرورة، والتفريق بين الأصول والفروع، والفرائض والنوافل، وفقه النسب بينها، واتفاقهم على معنى ومفهوم ذلك كله.
٢ - التجرد في الوصول إلى الحق والعمل به، وإخلاص النية وضبطها ما أمكن، وهو ما سوف يقطع الطريق على الشيطان وأهواء النفس أن تضل أو أن تطغى، ما دام بغيتها الوصول إلى الحق بدليله، والانغماس في العمل بعيداً عن النقاشات الحادة والجدال الذي لا يأتي بخير.
وما دام العاملون يتميزون بالإخلاص والتجرد في طلب الحق فلن يتردد أحدهم في اتباعه متى ظهر حتى لو كان على لسان غيره من الاتجاهات أو الحركات، ولعلنا نتذكر كلام الإمام أبي حنيفة في هذا الصدد؛ إذ كان يقول عند الإفتاء: «هذا رأي النعمان بن ثابت ـ يعني نفسه ـ وهو أحسن ما قدرت عليه؛ فمن جاء بأحسن منه فهو أوْلى بالصواب» . ونقل عن الإمام الشافعي أنه قال: «ما ناظرت أحداً إلا قلت: اللهم أجْرِ الحق على قلبه ولسانه؛ فإن كان الحق معي اتبعني، وإن كان الحق معه اتبعته» (٣) . وكان يقول: «ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ» . وكان عبد الله بن أحمد بن حنبل يحكي عن أبيه أنه قال: قال الشافعي: «أنتم أعلم بالحديث والرجال مني؛ فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني به أي شيء يكون: كوفياً أو بصرياً أو شامياً حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً» (١) .
٣ - ضرورة الاطلاع على الخلاف الفقهي، وهي واحدة من أهم معالم طريق العلاج لهذه الآفة الخطيرة؛ فما أكثر المصارعات التي تحدث وسببها أن أحد الأطراف أو أغلبها لا يكون عالماً بأن القضية خلافية. وعبارة: «ضرورة الاطلاع على الخلاف الفقهي» مقصودة عمداً؛ لأنها فعلاً ضرورة من الضرورات، والتي بدون الاستجابة لها لن يكون هناك كبير اتفاق بين أبناء الدعوة، وسيظل العراك مشتعلاً، والشجار محتدماً، ووجه الصواب خافياً ما لم يتفقه العاملون في دينهم، ويتعمقوا في مصادر الشريعة ومواردها، وما لم يطلعوا على الخلاف الفقهي من مصادره المعتبرة بحججه وبراهينه، مثل كتب الفقه المقارن وكتب الأصول والقواعد، وهذا ما جعل رجلاً مثل ابن القيم يقول: «ومن له قدم راسخ في الشريعة ومعرفة بمصادرها ومواردها، وكان الإنصاف أحب إليه من التعصب والهوى، والعلم والحجة آثر عنده من التقليد لم يكد يخفى عليه وجه الصواب» (٢) .
٤ ـ أهمية الاحترام المتبادل ومراعاة أدب الخلاف، وهو مَعْلَم ينبثق عن سابقه مباشرة، ويترتب عليه؛ فإذا تم الاطلاع على الخلاف الفقهي وجب الاطلاع على أدب الخلاف، وسيرة الفقهاء القدماء والمعاصرين الذين اختلفوا في الرأي مع بعضهم، وسيرة السلف الصالح، بل سيرة الصحابة أنفسهم، ولم يكن ذلك سبباً ـ أبداً ـ في إضعاف الحب بينهم، أو النيل من تقدير بعضهم لبعض، ولعلنا نحفظ العبارة التي رويت عن الأئمة الأربعة تقريباً: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» . ومعنى «رأيي صواب» : أي لذلك قلت به وإلا فلا، ما دام يغلب عليه الظن بالصواب. ومعنى «ورأي غيري خطأ» ، أي وإلا لقلت به ما دام يغلب عليه الظن بالخطأ؛ لأنه ليس هناك قطع بأفضلية أحد على أحد، وكل يؤخذ من قوله ويرد عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا أحد في الإسلام يجيب المسلمين كلهم بجواب عام أن فلاناً أفضل من فلان فيقبل منه هذا الجواب؛ لأنه من المعلوم أن كل طائفة ترجح متبوعها، فلا تقبل جواب من يجيب بما يخالفها فيه، كما أن من يرجح قولاً أو عملاً لا يقبل قول من يفتي بخلاف ذلك، لكن إن كان الرجل مقلداً فليكن مقلداً لمن يترجح عنده أنه أوْلى بالحق؛ فإن كان مجتهداً اجتهد واتبع ما يترجح عنده أنه الحق، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وقد قال ـ تعالى ـ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، لكن عليه أن لا يتبع هواه، ولا يتكلم بغير علم، قال ـ تعالى ـ: ﴿هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ [آل عمران: ٦٦] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] ، وما من إمام إلا له مسائل يترجح فيها قوله على قول غيره، ولا يَعرف هذا التفاضل إلا من خاض في تفاصيل العلم (٣) .
فانظر كيف كان عند كل واحد منهم احتمال بخطأ رأيه، وصواب رأي غيره، وهذا فيه من رحابة الصدر وسعة الأفق ما يمحو التعصب، ويهيئ المسلم لاتباع الحق والانصياع له متى ظهر بدليله، وهو من عظيم أخلاق العلماء وطلاب العلم، فضلاً عن العاملين في ساحة العمل الإسلامي.
وختاماً: تجدر الإشارة إلى أن هناك الكثير من أبناء الدعوة الإسلامية في مختلف فصائلها يدركون أبعاد العمل الإسلامي ومراميه، فاقهين للقضايا الخلافية مطلعين على آراء الفقهاء، فاهمين طبيعة العمل ضمن فصائل الصحوة المتعددة، متخلقين بأخلاق الإسلام من آداب للخلاف، واحترام لآراء الغير، واستعداد لقبول الرأي الآخر متى كان حقاً.
ولما كان للعملة دائماً وجهها الآخر، وكان التغلب على التعصب الممقوت وآثاره هو مسؤولية جميع التيارات داخل أبناء الدعوة الإسلامية؛ فإن العلماء والفقهاء والدعاة المنتمين لهذه التيارات ـ وغير المنتمين بوجه ما ـ مدعوون لأنْ يؤمنوا بأن حماية الدعوة وتحقيق أهدافها رهن بتفعيل القيم الإسلامية سالفة الذكر، إضافة إلى قيم الشورى والعمل الجماعي، وأن يقتنعوا بأن تضمينها في المناهج التربوية يعد من الوسائل الناجعة في مغالبة التخلف والجمود والظلم لأمتنا.
стр. 5559
أساليب ومضامين الخطاب الإسلامي
د. أحمد حسن محمد
إن الواقع المعاصر ما زال في حاجة إلى مضمون الخطاب النبوي على الرغم من تباين الأنظمة والتشريعات؛ فإن الرسالة الإسلامية إنما تتعامل مع فطرة الإنسان التي فطر الله الناس عليها؛ مما يؤكد صلاحية الخطاب الإسلامي للمجتمع المعاصر وفق مقاييس جديدة وأساليب مستحدثة، لكنها لا تخرج عن ثوابت العقيدة وحقائق الشريعة القطعية المعروفة.
وتظهر أهمية هذا المضمون الإسلامي للخطاب الإعلامي عندما تدرك خطورة المواجهة بين الغرب العلماني والمجتمعات الإسلامية، والتي أصبحت تحمل كل أساليب الدعاية والاتهام لكل ما هو منتسب للدين عامة والإسلام بصفة خاصة. وساعد على ذلك عدة أسباب نذكر منا:
١ - عداء الحضارة الغربية للكنيسة في وقتٍٍ ما؛ مما أصَّل عناصرها ومظاهرها بعيداً عن قيم العنصرية ذاتها، وانسحب ذلك أيضاً على الدين الإسلامي من وجهة نظر الغرب.
٢ - لم يستطع العالم الإسلامي أن يقدّم النموذج المطلوب لحضارة تقوم على أسس الدين والشريعة بما يقنع الغرب واقعياً بصلاحية الإسلام ليكون مكون نهضة وحضارة معاصرة، وكان ذلك لعجز المسلمين، وليس مطلقاً لعجز الإسلام أو الدين.
٣ - القصور الإعلامي في كثير من الدول الإسلامية أتاح للمشروع الغربي أن يدعم تصوراته وأفكاره على حساب الخطاب الإسلامي الصحيح والذي كان في شبه غيبوبة عن الساحة الإعلامية الدولية.
٤ - اختلاف الرؤى الفكرية والإعلامية في كثير من بلاد المسلمين ودوله وخصوصاً حيال الأحداث العالمية والإقليمية، بل المحلية في وسائل إعلام هذه الدول. وافتقد الخطاب الإسلامي وجهته ووحدته المطلوبة، وظهر كأنه في تضارب وتعارض أمام المتلقى الغربي والأجنبي، ولعل ما حدث في أزمة الخليج ـ الحرب على العراق ـ وأزمة أفغانستان ما يصلح دليلاً على هذا التناقض، ويأتي اليوم ليكون شاهداً من خلال أزمة فلسطين، وهذه المواقف لعلها قد أفقدت العالم الإسلامي وحدة الطرح الإعلامي للأحداث؛ مما كان له تأثيره السلبي على الرسالة الإعلامية الصادرة.
لهذه الظواهر وأسبابها كان الأمر يستدعي عودة إلى الأصول والاهتداء بالخطاب النبوي الذي كان يصدر عن قواعد وثوابت العقيدة وسلامة التصور ووحدة الفكر.
إن عالمنا الإسلامي لم يعدم مطلقاً هذه الثوابت، بل هي ظاهرة ومتحركة في عقول وقلوب أبنائه، ولكنه في حاجة ماسة إلى مشروع يرتكز على قاعدتين أساسيتين:
أولاهما: قاعدة قوية أبناؤها مؤمنون يحملون أمانة الدين وأمانة الدعوة، تتنامى روح الإسلام والغيرة عليه في قلوبهم وأرواحهم، يتربون على معاني الفضيلة والصدق والالتزام بقواعد الإسلام وشرائعه وأصوله اهتداءً بما قام به سيّد المرسلين في إعداد مثل هذا الصنف من الرجال الذين: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ، فكانوا بحق إسلاماً حياً وقرآناً يتحرك. فإذا ما توفر هذا العنصر الأساس؛ فإن عليهم دراسة المجتمع القائم وطبيعة الفكر المعاصر وأساليبه، والاطلاع والتحليل لثقافة الغرب. ومعرفة أصولها ودواعيها؛ بما يمكنهم من قدرة الحديث بلغة يفهمها أهل الغرب، ومن خلال الخطاب الإعلامي لمثل هذه العقول والثقافات يُقدِّم الإسلام السلوكَ والعملَ حتى يقتنع الرأي العام بالرسالة الموجهة، ويلمس أثرها.
ثانيتهما: النص الإعلامي المحمول على وسائل وأنظمة تقنية حديثة بالأخذ بكل الإمكانات المتاحة التي تعين على توصيل الخطاب الإعلامي المسلم إلى الجمهور المستهدف؛ وقد كان رسول الله ﷺ من أفضل الخلق إحساناً للكلمة وتصويراً لها، كذلك جاء الصحابة مع أخذهم بكل الوسائل المتاحة آنذاك في الإبلاغ والشرح وضرب الأمثلة وإيصال كلمة الله للناس. والإعلامي المسلم اليوم مطالب بالأخذ بكل أسلحة العصر في مجال الإعلام، وإتقان صناعة الرسالة الإعلامية والمعلومة المفيدة والسبق بها في ميادين المعرفة؛ بما يعطي للرسالة الإسلامية لغة العصر وسلطة العصر (١) .
- مضامين الخطاب الإسلامي:
لا بد من تمايز المضمون الذي يحمله الخطاب الإسلامي؛ بحيث يتميز عن المضمون الذي تحمله الرسائل الغربية، وهذا أمر طبيعي لاختلاف منابع الثقافتين؛ حيث إن الإسلام ينطلق من منابع الإيمان بالله رب العالمين؛ وبذلك فإن قضية الإيمان تعتبر إطاراً أصيلاً لمضمون رسالي؛ لأن الغرب قد فقد في معظمه هذا الشعور، شعور الإحساس بوجود الله ونور السماء، ففقد بذلك الإجابة الصحيحة عن حقيقة وجوده في الحياة ومعاشه في هذه الأرض؛ فسخر وجوده لملذاته وشهواته، ووضع قوته لإذلال الآخرين، ولم يفكر يوماً بأنه سيموت ويُبعث ويحاسب، ويعني ذلك أن مخاطبة الرأي العام الغربي لا تكون مطلقاً بفكر مكتسب ونظام مقتبس، بل لا بد أن يحمل الخطاب الإسلامي بما فيه من أصالة وجذور وتعاليم ومفاهيم تجبر المتلقي الغربي على الالتفات إليها على اعتبار أنها شيء جيّد لم يألفه من قبل.
فالغرب ليس إلا الفكر القومي والتكتلات الاقتصادية والأحلاف العسكرية سعياً وراء حضارة تسود وتعلو وتستمر، وهنا يبرز دور المفكر ليقدّم مفهوماً جديداً للوحدة الإنسانية من خلال قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] . وهذا المفهوم يحقق نظاماً اجتماعياً له نسق متميز لا يقوم على الجنس أو اللون أو التراب، بل يستمد مقوماته من قيم عقيدة ومثل عليا.
إن المتلقي عندما يدرك هذه الحقيقة من خلال رسالة ناضجة متميزة يؤمن بأنه فرد في مجموعة تتسم بصفة أخلاقية، ومعانٍ سماوية؛ فلا يحقد على أحد، ولا يعادي أحداً، بل الجميع أمام الرّب الأعلى ـ سبحانه ـ سواء، وتقوم الوحدة في ظل الأخوة وليس في ظل الصراع أو الغلبة للأقوى، وهذا أمر يفضح الفكر اليهودي الذي يجعل من اليهودي بشراً ومن الآخرين غير بشر، ويرفض الفكر النازي الذي يقول (ألمانيا فوق الجميع) ، ويستنكر مفهوم العنصرية التي قطَّعت العالم والشعوب.
إن مفهوم الوحدة الإنسانية تحت مظلة العبودية لله والإيمان به تنفي ثغرات الفرعونية والزنجية والتفرقة العنصرية، وهذا ما تعانيه الحضارة المعاصرة اليوم.
- مفهوم آخر هو مفهوم حقوق الإنسان:
وهو ما تقوم به وسائل الإعلام في الغرب وتعتبره إنجازاً حضارياً غير مسبوق؛ فإن الخطاب الإعلامي الإسلامي لا يستمد مادة هذه القضية من أصولها الغربية التي نبعت أصلاً عن مشاعر سلبية نتيجة للفوارق الاجتماعية والجنسية، فأصبحت تحمل مفاهيم تحيد بالإنسان عن دوره الاجتماعي في الحفاظ على القيم والمبادئ ومصالح الآخرين.
ولعل من مظلة هذا المفهوم الغربي استباحة الأعراض وتبرج المرأة وإشاعة الفواحش، وحرية التصرف للصغير والكبير؛ فأوقعت المجتمع الأوروبي في هذه الدوامة من المشكلات السلوكية والتمرد العائلي والتشرد، والوقوع في مصيدة المخدرات حتى تبنت هذه الحضارة نفسُها ـ أي الحضارة الغربية ـ بعضاً أو كثيراً من هذه الفواحش والسلوكيات لتكون حقوقاً تُمنح للشعوب تحت مظلة معاهدات دولية [مؤتمرات المرأة.... إلخ] .
والعرض الإسلامي للخطاب الإعلامي يحمل مفهوماً متميزاً لهذه القضية؛ حيث إن حقوق الإنسان إنما هي سبيل للحق والحياة الكريمة من خلال هدي القرآن في تكريم الإنسان وتفضيله على كثير من خلقه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠] . ومن ثم كانت الحقوق بالقدر الذي يصون للمجتمع أمنه وسلامته ورخاءه. فأعطى الإسلام حقوقاً لا تعرفها الحضارة الغربية اليوم: كحق الوالدين على أولادهما، وحق الزوجة على زوجها، وحق اليتيم على المجتمع، وحق السائل والمحروم، وحق المحكوم على الحاكم. إنها مفاهيم جديدة لم يألفها مجتمع الغرب، تصلح أن تكون رسائل إعلامية تحملها وسائل الإعلام ضمن برامج متعددة: تشمل: المسرحية، والكلمة المباشرة، والمقالة المكتوبة، واللوحة المرسومة، والكتاب المطبوع.
وإذا كانت هاتان القضيتان: قضية الوحدة الإنسانية، وقضية حقوق الإنسان من قضايا الإعلام المعاصر فإن هناك الكثير من قضايا العالم يحتاج إلى طرح إسلامي يلفت نظر الغرب إلى هذا الدين؛ فقضية المرأة ومكانتها في الإسلام بعد أن أصبحت سلعة يتاجَر بها في الغرب، وفقدت أنوثتها، وقضية الحرب والسلم والصراع العالمي بالسلاح، وما يُصرف عليه من أموال وميزانيات، وكيف أن الإسلام جعل السلم أساس الحياة، والحرب والقتال إنما الأصل فيهما إقرار السلم والحياة الهانئة.
قضية المال والاقتصاد والصراع الربوي والذي أمكن للإسلام ـ بفضل الله ـ أن يعيد الفطرة إلى المال؛ باعتباره مال الله، وحرم الربا ودعا إلى التكامل، وغير ذلك من القضايا التي يجب أن يتبناها الخطاب الإعلامي الإسلامي وفق الشرطين الأساسين السابق الإشارة إليهما وهما:
١ - تقديم النموذج العملي.
٢ - استخدام الوسائل المتاحة المقدمة.
- متطلبات الخطاب الإسلامي:
لا شك أن المفكر المسلم الصادق لا يفتقر إلى الجانب الإسلامي في قوة الطرح لفكره؛ حيث إنه يعتمد على قوى تستمد قوتها من السماء، ويتميز بسمات واضحة:
١ - فكر صادر وفق هَدْيٍ عن خالقٍ عالمٍ بالنفس الإنسانية، وطبيعتها قادر على كشف ما خفي وما ظهر من عالم بالغيب في الحاضر والمستقبل.
٢ - فكر يتلاءم ويتماشى مع الحياة العصرية ومستحدثاتها المتقدمة وفق ضوابط أصولية تحرص على الإيجابيات، وتبتعد عن السلبيات، وتخضع لمقاييس ثابتة وأصول واضحة في الوقت الذي يرفض فيه التخلف والانحطاط والرذائل.
٣ - فكر يربط تعمير الأرض ونمو المجتمع وازدهار الحياة الاجتماعية والاقتصادية بتعمير القلوب وطهارة النفوس ونقاء الوسائل، بل يعتبر التقصير فيما تتطلبه الحياة البشرية والمجتمعات الإنسانية من نماء وعمارة يعتبر تخلفاً وإثماً يستحق عقاب الله؛ فالعمل عبادة تقرّب إلى الخالق سبحانه.
بمثل هذه العناصر الأساسية ينطلق حامل الرسالة الإعلامية ليخاطب المجتمع الأوروبي في حالته التي يشعر فيها أنه قد تحضر وتمدن، وأن الدين تخلُّف ورجعية؛ ليعلن أن الإسلام وهو دين يطرح بقوة فكرة تعمير الأرض والانتقال من مرحلة التخلف، ولا يرفض أقصى مراحل التقدم دون أن يتجاهل الرابط القوي بين السماء والأرض وبين الخالق والمخلوق.
بهذه المنطلقات يمكن للخطاب الإسلامي أن يخرج للعالم بوضوح وقوة تحقق التفاف الجمهور المستهدف، وتوجد رأياً عاماً جديداً تقنعه الفكرة، ويعجبه السلوك العملي.
إن على الإعلامي المسلم صاحب الرسالة الإسلامية أن يدرك أن العالم اليوم لا يعيش أزمة مال ولا رجال، ولكنه يعيش أزمة قيم ومفاهيم رسالية هادفة تحملها أفكار سليمة من عقائد لها قدرة نقل الإنسان إلى شاطئ أمان بعد أن دمرت الحضارة الحديثة معاني الأمن والأمان في نفوس الأفراد والأمم.
стр. 5560
سخافة التعلل بحرية التعبير
أ. د. جعفر شيخ إدريس
رد الفعل الإسلامي العنيف ضد الرسومات الدانماركية المسيئة لنبيهم أثارت عدة قضايا بيننا وبين الثقافة الغربية العلمانية الليبرالية، من هذه القضايا:
أولاً: قضية الحرية:
لم يجد الغربيون الموافقون على نشر تلك الرسومات المسيئة ما يتعللون به إلا حرية التعبير. فهم يقولون لنا بلسان الحال بل والمقال أحياناً: إننا قوم متحضرون، حرية التعبير عندنا أمر أساس، وهذا شيء لا تفهمونه أنتم ولا تقدرونه.
نقول: لو أن حرية التعبير كانت عندكم حرية مطلقة، تبيحون لكل إنسان أن يقول ما شاء كيف شاء؛ فلربما فهمنا تعللكم بها، وإن لم نوافقكم على الفعل الذي عللتموه بها. أما وأنكم تقيدون هذه الحرية، فتجعلون بعض التعبير جريمة يعاقب عليها القانون، كتجريمكم لمن يفشي سراً للدولة اؤتمن عليه، أو من يُقْسِم كاذباً أمام قاضٍ، أو من يصيح في مكان مزدحم بالناس: الحريقَ الحريقَ، فيضطرب أمر الناس فيموت بعض ويصاب آخرون، نقول: أما وأنكم تستثنون أشياء من التعبير فلا تبيحونها بل تجرِّمون من يُقْدِم عليها، فإن حجتكم لا تكون مقبولة؛ لأن الخلاف بيننا وبينكم لم يكن في مبدأ حرية التعبير. إننا لم نحتج ونتظاهر ونقاطع احتجاجاً على مبدأ حرية التعبير، وإنما فعلنا ما فعلنا؛ لأنكم أبحتم شيئاً كان أوْلى بالمنع من تلك الأشياء التي منعتموها.
إن تحويل القضية إلى قضية عن حرية التعبير هو إذن وضعٌ لها في غير موضعها. إنه لا يوجد مجتمع بشري، ولا يمكن أن يوجد، تكون فيه حرية التعبير مطلقة، مهما بلغ من الليبرالية والدمقراطية؛ لأنه يتحول بهذا ـ لا محالة ـ إلى فوضى لا يكون معها مجتمعاً. ولا يوجد مجتمع بشري، ولا يمكن أن يوجد، يكون فيه التعبير ممنوعاً منعاً مطلقاً، مهما بلغ من الدكتاتورية والاستبداد.
الخلاف بين المجتمعات ليس إذن في مبدأ حرية التعبير وإنما هو في مداها، وفي نوع ما يباح من التعبير وما يُمنع. والتفاضل بينها ليس في القدر أو المدى، وإلا كان أفضل المجتمعات مجتمع لا قانون فيه؛ لأن كل قانون هو بالضرورة قيد على الحرية. وإنما تتفاضل المجتمعات في نوع ما تبيحه وما تمنعه. ففي المجتعات الغربية الدمقراطية الليبرالية قدر من الحرية السياسية لا يوجد في غيرها، وهذا قد يكون شيئاً حسناً، لكن فيها أيضاً من حرية البذاءة وسوء الخلق ما ليس في غيرها. وهذا أمر سيئ حتى بشهادة كثير من الغربيين ولا سيما المتدينين منهم.
إننا لم نقل ولا نستطيع أن نقول للناس كلهم: لا تنتقدوا ديننا، وإنما قلنا: لا تسبوا نبينا؛ وفرق كبير بين النقد والسب. إننا مأمورون بأن نجادل من لا يؤمن بديننا، والمجادلة إنما تكون بالاستماع إليه والرد على اعتراضاته وشبهاته. لكن الآية الكريمة التي أمرت بالمجادلة فرقت بين مجادل ظالم ومجادل غير ظالم، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ، ثم استثنى من ذلك من كان ظالماً، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
ثانياً: ما الحل؟
رأيُ بعضهم ـ حتى من غير المسلمين ـ أن يُسَنَّ قانون عالمي يجعل للأديان قدسية. نقول: إذا كان المقصود بالقدسية أن يُمنع نقد الدين أياً كان؛ فهذا أمر يستحيل تطبيقه؛ لأنه لا يكاد يوجد دين إلا وهو ينتقد غيره من الأديان. وهذا كتاب ربنا مليء بنقد النصرانية واليهودية المعاصرتين، ومليء بنقد الشرك والإلحاد والمادية؛ فهل تحذف أمثال هذه الآيات الناقدة، أم ماذا؟
الذي أراه هو أمرٌ دعا إليه القرآن يمكن تعميمه وجعله قانوناً عالمياً. قال ـ تعالى ـ:
﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
فالآية تأمرنا بأن لا نسب ما يعبدون من دون الله، وتعلل هذا بعلتين: أولاهما: أنهم سيسبون الله ـ تعالى ـ فنكون نحن الذين تسببنا في سبهم له سبحانه. وثانيهما: أن الله ـ تعالى ـ زين لكل أمة عملها فجعلها تراه حسناً. إن كثيراً من الذين يدعون إلى التسامح في البلاد الغربية يعللون دعوتهم إليه باللجوء إلى القول بنسبية الحقيقة. فيقولون إنه يجب على كل من يرى رأياً أو يعتقد اعتقاداً أن يكون متسامحاً مع مخالفه؛ لأن ما تعتقد أنت أنه هو الحقيقة، إنما هو الحقيقة كما تراها أنت، وما يعتقده هو إنما هو الحقيقة كما يراها هو، وليس هنالك حقيقة مطلقة غير مضافة إلى من يراها. لكن الآية القرآنية تقول إنهم فعلاً يرون أن ما يؤمنون به شيء حسن؛ لذلك يجب أن نعاملهم بالتي هي أحسن، لكنها لا تقول إن ما يرونه حسناً هو حسن في نفس الأمر؛ لذلك يجب أن نجادلهم بالتي هي أحسن كي نبين لهم الحق ونعينهم على أن يروه ـ كما هو ـ حقاً، وأن يروا الباطل ـ كما هو في الحقيقة ـ باطلاً.
ثالثاً: المقاطعة:
المقاطعة سلاح يُلجَأ إليه متى كان ذا تأثير في إلحاق الأذى بمن يقاطَع. أما إذا لم يكن له تأثير، أو كان ضرره على من يقاطِع أكثر من ضرره على مرتكب الجرم؛ فليس من العقل اللجوء إليه. وبمثل ما قلنا في المقاطعة قال علماؤنا في هجر الأشخاص. فإذا كان مرتكب المخالفة في مجتمع غالبيته من الصالحين، فإن الهجر يؤذيه فيكون سلاحاً مؤثراً. أما إذا كانت الأغلبية من مرتكبي تلك المخالفة؛ فإن هجر الرجل الصالح لهم يكون مضراً به لا بهم، ولذلك لا يُلجَأ إليه.
ثم إن الإنصاف يدعونا أن نفرق في هذه القضية بين معاملتنا للدنمارك ولغيرها من الدول التي أعادت بعض صحفها نشر الرسومات. فالدنمارك هي التي بدأت الأمر وتولت كبره. والأمر في الدنمارك لم يكن أمر صحيفة فقط، بل إن معاملة رئيس الوزراء لوفد سفراء الدول الإسلامية، وموقف الملكة، حوَّلا الأمر إلى موقف شبه رسمي من الإسلام تقف وراءه الدولة، لذلك كانت مقاطعتها رد فعل مناسب، وكان بحمد الله مؤثراً تأثيراً موجعاً.
أما أمر الدول الغربية الأخرى فمختلف. فالصحيفة الفرنسية التي كانت أول من أعاد نشر الصور عوقب محررها بالفصل، وتبرأ من عملها رئيس الدولة. وأما الدول الأخرى التي أعاد بعض صحفها نشر الصور؛ فإن حكوماتها إن لم تعتذر فهي لم تظهر موافقة لصحفها. ونحن لا نستطيع أن نقاطع كل دولة أساءت بعض صحفها إلينا، لكننا نستطيع أن نحتج على فعلها بالطرق المناسبة.
رابعاً: بل هو خير:
ثم إننا نقول في هذه الحادثة كما قلنا في ما حدث بعد حوادث سبتمبر: لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير. فما أكثر الخير الذي ساقه الله ـ تعالى ـ إلى دينه وإلى عباده بسبب هذا الفعل الظالم.
فقد اظهر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها من حبهم العظيم لنبيهم وإجلالهم له، ومن سخطهم وإنكارهم على من سب نبيهم ما أذهل العالم؛ وهذا خير لهم يرجون به حُسن الثواب من ربهم، بل هو عمل صالح نرجو أن يكون خيراً للعالمين كلهم.
وقد كان سبباً في تذكير المسلمين بسيرة نبيهم العطرة وخُلُقِهِ العظيم؛ فما من خطبة جمعة أعقبت اطلاع المسلمين على نبأ تلك الصور إلا كانت عن حبيبهم المصطفى ﷺ .
وكانت أيضاً سبباً في تعريف المسلمين للناس في الدول الغربية بسيرة نبيهم المصطفى ﷺ .
وكانت سبباً في إثارة فضول الكثيرين من غير المسلمين ليعرفوا شيئاً عن هذا الرجل الذي رأوا من حب الناس له وتضحيتهم في سبيل ما لا بد أن يكون قد أثار فضول الكثيرين منهم لمعرفة شيء من سيرته.
كل هذا من بركات المصطفى ﷺ التي تستمر متتالية حتى بعد مماته ولحوقه بالرفيق الأعلى.
فاللهم صلِّ عليه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلِّمْ تسليماً كثيراً.
стр. 5561
لا !
إبراهيم بن سليمان الحيدري
هناك خلف أسوار الفزعة (*) وتحت ظلال الاحتساب الوارفة تلحظ بين الفينة والأخرى شخصاً تمنعه أخلاقه النبيلة وكرمه الفياض من رفض سيل الطلبات التي تصب عليه من المحيطين به من الزملاء والأصدقاء والأقارب، يعجز أن يقول لأحدهم: لا، ويجد كلفة كبيرة في الاعتذار.
من زاويةٍ ما يبدو الشخص غاية في النبل والأدب، ولكنه من زوايا كثيرة يظهر لك شخصاً لا يملك وقته، مشغولاً إلى ذروة رأسه، كثير النسيان ومتكرر الهفوات، ثم لا تسأل عن المفارقة الكبيرة بين كثرة الوعود وقلة الإنجازات.
ليست المشكلة في مساعدة الآخرين؛ فهذا مطلب شرعي وخلق نبيل، وليست المشكلة في كثرة الأعمال؛ فالكثير من الناس لديه الوقت الكافي لذلك، ولكن المشكلة في تحمُّل حجم كبير من المسؤوليات ثم عدم القدرة على الوفاء بها. ولعلك تدرك أيها القارئ الكريم أن الناس يحبون من يساعدهم، ولكنهم يكرهون أن تتأخر أعمالهم عن مواعيدها أو أن تُنهى بصورة غير متقنة.
إنها ليست دعوة للإضراب عن المبادرات أو الإحجام عن مساعدة الآخرين، لكنها دعوة لمثل تلك الشخصيات إلى امتلاك القدرة على انتقاء الأعمال التي تناسب قدراتهم وإمكانياتهم.
وفي مثل هذا الحال فإن مقابل كل (لا) تقال؛ هناك أعمال تنجز في الوقت المحدد وبصورة متقنة، وفوق ذلك بال مرتاح ونفس مطمئنة.
شخصية أخرى كذلك لا تستطيع كذلك قول: (لا) ، لكن الدوافع في هذه المرة ليست حب مساعدة الناس واحتساب الأجر من الله ـ تعالى ـ بل ضرباً من الغرور يُشعر صاحبه أنه قادر على فعل كثير من الأعمال، متقنٌ لها.
إنه من الظلم أن نساوي الشخصية الأولى بالثانية، لكن المؤسف حقاً أن الأعراض متشابهة والنتائج متقاربة.
стр. 5562
نحو الأحسن
د. عبد الكريم بكار
يثبت العديد من الدراسات أن الثروة الأساسية لدى الأمم هي ثروة كامنة وغير ملموسة، وتلك الثروة تكمن في العلوم والمهارات وعادات الناس والنزاهة والعدالة والقدرة على جذب الاستثمارات الخارجية ... ولا أريد الخوض في هذه المسألة الآن، لكن الذي أودُّ أن أؤكد عليه هنا هو أن هناك دائماً طاقة غير محررة ووقتاً غير مستثمَر، وموهبة غير مكتشَفة، كما أن هناك دائماً نوعاً من الارتباك في إدارة الذات وتوجيه الجهود نحو الأهداف على النحو المطلوب، وهذا في الحقيقة يؤشر إلى شيئين مهمين:
١ ـ قصور الإنسان وضعفه وبعده عن الكمال.
٢ ـ وجود إمكانية هائلة للتقدم على الصعيد الروحي والخلقي والعقلي والاجتماعي؛ حيث لا نجد حدوداً للتقدم على هذه الصُّعد، أو قيوداً على إيقاع ذلك التقدم.
لو تساءلنا كيف نساعد أنفسنا على المضي نحو الأحسن في وضعيتنا العامة، لأمكننا أن نشير إلى العديد من المبادئ والإجراءات، والتي من أهمها الآتي:
١ ـ التحرر من اليأس والإحباط، حيث إن البيئات التي يغلب عليها الجهل والفقر والظلم تعلِّم الذين يعيشون فيها السلبية، وترسل لهم فيضاً من الرسائل التي تزرع في أعماقهم الإعراض عن المحاولة والتجريب والبحث، وذلك ـ باختصار ـ لأن هذه الأشياء عقيمة ولا جدوى منها. وقد ثبت أن الناس يتعلمون اليأس ويتعلمون أيضاً التفاؤل، ونحن نريد أن نتعلم التفاؤل من خلال إيماننا العميق بكرم الله ـ تعالى ـ ولطفه ومعونته، ومن خلال الفرص المتجددة التي يقلِّب فيها عباده. إنه ما تذهب فرصة، إلا وتلوح في الأفق فرصة أخرى، وما يُغلق باب من أبواب الخير إلا ويفتح باب آخر، لكن الطريقة التي رُبِّينا بها، والبيئات التي نعيش فيها، تدفعنا نحو الانشغال بالفرص الضائعة والتألم على الأبواب المغلقة، عوضاً عن أن نندفع للبحث عن الفرص الجديدة والابتهاج بالأبواب المنفتحة. وما أعظم قول الله ـ تعالى ـ: ﴿فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] .
مع تعقيد الحياة الحضرية وظروف العيش الصعبة تولد الخيارات وتبرز البدائل، ولكن وفق شروط جديدة، ولا بد للاستفادة من تلك البدائل من الوعي بتلك الشروط والعمل على توفيرها.
٢ ـ نحن في حاجة إلى امتلاك المفاهيم التي تجعلنا أقوى على التغيير وأقوى على مواجهة المغريات، كما أننا في حاجة إلى التخلص من المفاهيم التي تكبِّلنا، وتلقي بنا في دروب المتاهة والعجز والجمود.
من المفاهيم التي تساعد على النمو والتحسن المفاهيمُ الآتية:
١ ـ التفاؤل والوعي يشكلان البداية الصحيحة لكثير من الأشياء.
٢ ـ إذا كان لا بد لي من أن أبدأ، فَلأن أبدأ اليوم خير لي من أن أبدأ غداً.
٣ ـ إذا لم أساعد نفسي لم يساعدني أحد.
٤ ـ ما عند الله ـ تعالى ـ من الهداية والمعونة والتوفيق يُنال بطاعة الله والأوْبة إليه.
٥ ـ من خلال الأعمال الصغيرة المتراكمة تولد الأعمال والإنجازات العملاقة.
٦ ـ الإنسان ليس ضئيلاً، لكنه كسول إلى حد بعيد.
٧ ـ ما أمامي من الخير والإنجاز والازدهار أكثر بكثير مما مضى ومما هو كائن الآن.
٨ ـ من خلال مجاهدة النفس والتخلّص من العادات السيئة، يصبح كل شيء أفضل.
٩ ـ العلاقات الحسنة بالناس مصدر أمان، وباب من أبواب الرزق.
١٠ ـ كلما تحسنت إمكانات الإنسان، واتسعت دائرة نفوذه صار احتياجه إلى التعاون مع الآخرين أشد.
أما المفاهيم التي تسبب اليأس والعجز وتكلس الأوضاع؛ فهي أيضاً عديدة، ولعل من أهمها:
١ ـ لو درستُ في جامعة جيدة لحصلتُ على وظيفة جيدة.
٢ ـ لا أعرف لماذا لا يحبني زملائي.
٣ ـ قلة ما بين يدي من مال هي الداء الذي لا دواء له.
٤ ـ حاولت كثيراً التخلص من بعض عاداتي السيئة، لكني لم أفلح.
٥ ـ لا أشعر أنني موهوب، ولهذا فمع الكثير من الجهد فلن أحصل على شيء يذكر.
٦ ـ ما دخلت في مجال من المجالات إلا شعرت أن هناك مؤامرة تُحاك ضدي.
٧ ـ نومي ثقيل، ولا أعرف كيف أتعامل معه، ولهذا فإن فوات صلاة الفجر مني أمر لا مفرَّ منه.
٨ ـ هذا الزمان مملوء بالشرور والأشرار، ولهذا فإن الأمل في الإصلاح ضعيف.
٩ ـ حاولت أن أتعرف على نقاط القوة لدي، فلم أفلح، فأنا على ما يبدو إنسان عادي بكل المقاييس.
١٠ ـ كلما ظننت أنني لن أكرر أخطائي، وظننت أني سأتعلم من تاريخي الشخصي، خاب ظني.
هذه المفاهيم هي على مستوى ما، مفاهيم سلبية وخاطئة، والتخلص منها شيء ممكن، بل هو شرط للتحسن والإنجاز.
من خلال التبصر الذاتي وصحبة الأخيار أهل الفطنة والهمة، ومن خلال التأمل في سنن الله في الخلق، سنجد الكثير الكثير من الإمكانات، والكثير الكثير من الأشياء الجيدة التي نضيفها إلى حياتنا الشخصية.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
стр. 5563
حوار مع الدكتور / محمد الحسن عبد الرحمن
حاوره في الرياض: خباب بن مروان الحمد
المدير العام لصندوق إعانة المرضى بالسودان الدكتور محمد الحسن عبد الرحمن:
لن يسكت التنصير عن جنوب السودان حتى ينفذوا مخططهم
يعاني السودان ـ الذي يعدُّ عمقاً استراتيجياً في الوسط الإسلامي ـ مأساة حقيقية تحت مطرقة الحروب وسندان التغيير لهويَّة الشعب السوداني المسلم؛ فقد انطلقت معاناة ذلك البلد منذ بدء الاستعمار، واستمرَّ ذلك في ظلّ الحكومات المتعاقبة، مروراً بهجمات الحروب والفقر والتنصير والمخططات الداخلية والخارجية لزعزعة أمنه واستقراره نحو تدحرجات لا تعلم نهايتها!
وفي هذا الحوار الذي نلتقي فيه ضيفنا فضيلة الدكتور محمد بن الحسن عبد الرحمن، المدير العام لصندوق إعانة المرضى بالسودان، نحاول أن نسلّط فيه الضوء على العديد من القضايا التي تهم المتابع للواقع السوداني، وصندوق إعانة المرضى أحد المؤسسات الإسلاميَّة الناشطة في المجال الطبي في جميع أنحاء السودان، ويقدّم خدمات نوعية متميزة.
^: مجلة البيان ـ ترحِّب بكم في هذا اللقاء، الذي نسأل الله فيه أن يوفِّقكم ويفتح عليكم، ونتمنَّى أن تعطونا نبذة عن أوضاع المسلمين في الجنوب السوداني من ناحية دينية واقتصادية وسياسية واجتماعية.
| أهلاً وسهلاً بكم، وأشكركم شكراً جزيلاً على إتاحة هذه الفرصة لإبداء ما لدي حول الواقع السوداني وما يعرض له.
منطقة جنوب السودان لها وضع خاص بالسودان بحكم قضايا تاريخية وسياسية، وتمثل مساحتها ربع السودان تقريباً، وسكان الجنوب يمثلون تقريباً ستة ملايين نسمة، ولا توجد للمسلمين إحصاءات واضحة ولكن تقدر النسبة بـ ٢٠% من عدد سكان الجنوب.
وغالب عقيدة الجنوبيين هي الوثنية؛ حيث يقدَّر معتنقوها سابقاً بـ ٦٠%، والآن لا توجد إحصاءات دقيقة لهم بل هم يقلُّون، بسبب التزايد الكبير للديانة النصرانية؛ لأن من ورائها منظمات تنصيريَّة فاعلة أقدم وأقوى من العمل الإسلامي في جنوب السودان، وإن كان المسلمون في زيادة تكاثريَّة في تلك المنطقة.
وللتباين العرقي والديني ونتيجة للاستعمار الإنجليزي الذي كان في السودان، حيث أدَّى إلى حاجز وفجوة بين الجنوب والشمال؛ وذلك بموجب قانون إنجليزي اسمه (قانون المناطق المغلقة) الذي يمنع التمازج والتداخل بين الشمال والجنوب، فلم يكن يسمح للجنوبي السوداني أن يدخل لمنطقة الشمال إلا بإذن، وذلك هدف وبرنامج مقصود للإنجليز، ليكون الجنوب مختلفاً ثقافياً واجتماعياً، مع افتعال المشكلات في الجنوب، وهذا عمل بذره الإنجليز في بداية الاستعمار الإنجليزي.
ولهذا تأخرت أسلمة الجنوب والعمل فيه، بجانب الإشكال الكبير وهو الإشكال الأمني؛ فالجنوب منذ ١٩٥٥م، بدأت فيه أول العمليات المسلحة في العداوة مع الشمال، وكان ذلك بسبب فتنة زرعت من الخارج بأصابع مجرمة.
والجنوب ـ والحمد لله ـ غنيٌ بالموارد الطبيعية؛ ففيه أمطار كثيرة؛ والمناخ استوائي، ولذا فالأرض غنية والأنهار كثيرة جداً، وكذلك الأراضي الصالحة للزراعة، بحيث يتم استغلال الثروات الزراعية والحيوانية، وكذلك في الجنوب ثروة معدنية وهو النفط؛ فالبترول الذي يستخرج في السودان، ويبلغ حوالي ٣٠٠ ألف برميل يومياً الآن، أكثره موجود في جنوب السودان في ولاية الوحدة، ولهذا فالجنوب الآن من ناحية اقتصادية منطقة حيوية جداً في السودان.
أمَّا العلاقة بين الشمال والجنوب فهي علاقة جيدة، وما يثار من إشاعات بأنه لا يوجد توافق بين الجنوبيين والشماليين، فهذا شيء غير صحيح تماماً، بل العلاقة مع الاختلاف والتباين العرقي تتسم بالتعامل والاحترام، ولكن التمازج والتداخل والتعايش والمعاشرة كانت متأخرة نتيجة للموانع السياسية التي وضعها الإنجليز وغيرهم.
فالجنوب جزء عزيز من السودان ولكنه ـ وللأسف ـ يُستغل من جهات في الخارج حتى يكون لقمة سائغة للمفسدين والمغرضين.
^: هل ترى أن الوضع السوداني في هذه الفترة مهدد بالتفتيت والتقسيم، وخاصَّة أنَّ كثيراً من المراقبين يرى أن السودان مهدد بالتجزئة، بفصل الجنوب عن الشمال؟
| التهديد بالانفصال لا زال هذا الأمر وارداً، والسبب الرئيس لوجوده هو: التدخل الخارجي وبعض الأصوات النشاز التي تنادي بالانفصال نتيجة للتباين العرقي والعقدي، ونحن لا نستطيع أن نقول إن الجنوب خاص بديانة معينة؛ لأن فيه مسلمين ونصارى ووثنيين، ومن ثَم لا يوجد دين معين يحكمه.
^: ولكن ألا ترى أنهم يتحاكمون لمبدأ الأكثرية؟
| لا توجد ديانة محددة نستطيع أن نقول هي الأكثرية الغالبة الحاكمة في الجنوب السوداني، بل الوثنية هي الأغلب في تلك المنطقة، ولكن لا يوجد لهم غلبة حتى يُحكَم كل أهل الجنوب بمجموعة معينة لها معتقد معين في جنوب السودان.
وهذه الدعوات التي تدعو للانفصال لها أبعاد أخرى سياسية متعلقة بالصراع حول المنطقة وأهميتها الاقتصادية، واستقرار القارة، وتوجد اتجاهات تحب أن تحصل شروخ بالبلد، ولا زال التهديد موجوداً، فجاءت اتفاقية السلام التي وقعتها حكومة السودان الحالية، مدخلاً نحو التوافق وحل إشكالية الجنوب، إلاَّ أنَّها تمر بفترة تجربة واختبار، وهي الفترة الانتقالية.
^: هل تظن أنَّ هذه التجربة ستنجح؟
| ستنجح في إيجاد شيء من الإيجابيات، ولكن هل تنجح في الاندماج والارتباط أم لا؟ هذا يحدده تنفيذ البرامج العمليَّة المطروحة نحو تنمية قضية الجنوب والارتباط، ولكن في تقديري الشخصي أننا نعيش في محور الانفصال أكثر من محور الاندماج نتيجة لكثرة المنافقين والمغرضين في القيادات الجنوبية من ناحية، وكثرة التدخلات الخارجية والتحريك الخفي في إدارة الصراع الموجود في السودان.
^: للمنصِّرين جهد واضح في السودان فهل من إلماحة سريعة في ذلك؟
| نعم! لهم جهد واضح، وتوجد مجمعات كنسية في السودان، ومنظمات تنصيرية مباشرة، وهي منظمات طوعية وتقدر بالعشرات، ولها دعم كبير؛ ففي سنة من السنين كانت ميزانية إحدى المنظمات التنصيرية العاملة أكثر من ١٣مليون دولار، ومدخلهم الأساسي للتنصير هي الخدمات التي يقدمونها لمن يريدون تنصيرهم، من قبل المراكز الصحية والاجتماعية وعملهم الأساس في جنوب السودان، ولكن رغم ذلك فإن الجمعيات الدعوية والخيرية الإسلامية إذا نشطت فسيتم ـ بإذن الله ـ إسلام الكثير من السودانيين، وإذا اعتنى الدعاة والمصلحون في ذلك فسيكتب الله على أيديهم خيراً كثيراً، ومن أهم المتطلَّبات العناية بالتعليم؛ لأن من الخدمات التي تقوم بها الجمعيات التنصيرية في السودان مدارس تحت إشراف الكنائس، وبعض الناس الذين لهم وضعية جيدة مثل السفراء يرعون هذه الجمعيات التنصيرية.
^: لماذا يلاحظ أنَّ أداء الجهات الرسمية ضعيف أمام الجهود الكنسيَّة المتوالية؟
| للأسف فإنَّ القوانين الموجودة في السودان لا تقف أمام الكنيسة ونشاطاتها التنصيرية، والسبب تغيير قانون المنظمات التنصيرية الذي ألغي قبل ١٢ سنة، وأما الملابسات التي أدَّت إلى إلغاء هذا القانون؛ فهذا سؤال لا أستطيع الإجابة عنه؛ لأنَّ ذلك أمر غير معلوم لدي، وهو جدير بالبحث والتتبع.
^: «لن أنسى السودان أبدًا، وإن نسيت فأنتم من ورائي» هذه عبارة أطلقها جورج بوش لأعضاء اليمين النصراني بالكونجرس الأمريكي وبحضور صديقه المنصِّر الشهير فرانكلين جراهام. ماذا تحمل تلك العبارة في طيَّاتها، وكيف يواجه مسلمو السودان ذلك التحدِّي؟
| هذه العبارة تحمل في طيَّاتها ما رُفِعَ في شعار المؤسسات التنصيرية منذ عقدين من الزمان أو يزيد، نحو تنصير القارة الأفريقية بمجملها. وتنصير القارة الأفريقية له محاور، ومن أهم محاوره: كسر الحاجز أمام المنصرين، ووضع فجوة كبيرة جداً بين شمال القارة وجنوبها. وشمال القارة ممثل في الشريط العربي بين مصر وبين دول المغرب العربي، فخط الحاجز الأساسي هو السودان؛ فحتى يدخل هذا الشعار، وينزَّل على أرض الواقع فالمخطط فصل السودان وقطعه عن الجنوب، ولا ريب أنَّ الفصل من شعارات الكنيسة، ولن يسكت دعاة التنصير عن جنوب السودان أبداً؛ لأن هذا مدخل أساسي لهم لتحويل القارة وفصل شمال السودان عن جنوبه، ولهذا فبرامج التنصير في السودان لن تكف، والكنيسة لن تقف عن دعوات التنصير المحمومة، ولن يفتروا عنها.
^: ولكن ماذا عن دعاة أهل السنة تجاه تلك الدوافع التنصيرية المشبوهة؟
| المطلوب من الحكومة السودانية أولاً ثم من دعاة الإسلام ثانياً هو العمل في جنوب السودان، من خلال تنمية وتوفير الخدمات الضرورية التي هي من نواقص الجنوب ويحتاجها أهله، وتقديم النموذج الطيب نحوهم لإدخالهم في دين الإسلام؛ فالجنوبيون يحبون السودان ويُقبلون عليه، وإذا عُرض عليهم الإسلام بالموعظة الحسنة فإنهم يفتحون صدورهم له، وصدِّقني أنَّه يومياً يكثر الإسلام في السودان، ولا توجد تقديرات معينة، ولكن حسب توفير المعاش يكاد يومياًَ يسلم بعض الجنوبيين الوثنيين وحتى ممن كانوا نصارى.
ولكن المطلوب هو العمل التنموي الاجتماعي والإنساني الجاد والمنظَّم، والذي تشارك فيه جميع المؤسسات في تقديم الخدمة والدعوة والخير للجنوب السوداني، والذين هم فعلاً بحاجة ماسَّة لخدمات وإعانة وإغاثة وتثقيف حتى يكون لهم وضع أحسن من وضعهم قديماً؛ لأن الجنوب من خلال الحرب يكاد يكون متخلفاً من ناحية تنموية وخدمية؛ فعلى المؤسسات الحكومية السودانية والمؤسسات الإسلامية بخاصَّة توفير ما يعين أهل الجنوب على الاستقرار، وتقديم الخدمات الإنسانية الأساسية من ناحية أخرى، وعندها سَيَرَوْن كيف يُقبلون على الاهتداء إلى دين الإسلام؛ لأنه دين الفطرة، من غير التعقيد الذي اتسمت به بعض الديانات الأخرى.
^: برأيك بعد تولي (سالفا كير) قيادة الحزب النصراني في الجنوب، كيف ترى الأمور ستسير في الجنوب السوداني، وهل ترى أنَّ ذلك لصالح الأمة السودانية المسلمة؟
| (سالفا كير) ينفذ برنامجاً متفقاً عليه بين الحكومة السودانية وبين الحركة الشعبية، وهذا من ناحية أجندة البرنامج ومكوناته التي هي المشاركة في القسمة السياسية والقسمة المالية، وهي التي تسمى (الثروة والسلطة) في شعارات الكثيرين. أمَّا التشكيل الحكومي فهذا غير متفق عليه، وفي النهاية هذا البرنامج تحكم فيه صناديق الاقتراع في التصويت في حق تقرير المصير، وهل سيكون الجنوب جزءاً من السودان أو يكون دولة مستقلة؛ فالمسألة تحتاج لعمل جاد في مختلف الأوساط والاتجاهات الحكوميَّة بشكل خاص.
والشاهد أن (سالفا كير) يُنقَل عنه أن فيه روحاً انفصالية، ولكن الاتفاقية شعارها الأساس (الوحدة) وهذا يعني أن تقدم الحكومة السودانية والمجتمع السوداني في شمال السودان من دواعي الإغراء والإقناع والتحفيز لأهل الجنوب حتى إذا اجتمعوا فإنهم يكونون جذوةً واحدة لأهل السودان، بيد أنَّ دعاة الانقسام موجودون، والانقسام يغذي روح التباين الكبير بين الجنوب والشمال؛ ولكن إذا صدقت النوايا فإنه يمكن أن يظل الجنوب جزءاً من السودان الواحد مع خصوصية كل جهة، وخاصَّةً أنَّ حقوق الأقليات في الإسلام محفوظة، ولكن الإشاعات والتشويش الذي حصل حول الطرح الإسلامي وصياغة الحكم الإسلامي أدَّت إلى ظهور روح التنافس، وبهذا الاتفاق ينبغي للجهات الحكومية والدعوية والأهلية أن تبرز جدِّيتها بأن يأخذوا بيد أهل الجنوب إلى التنمية والتقارب والتواصل معهم بكلِّ الجهود الممكنة.
^: هل لـ (سالفا كير) تأثير قوي على الجنوبيين؟
| ليس له تأثير قوي كما كان لسابقه (جون قرنق) ، وهو قائد الحركة السياسية العسكرية التي قاتلت الحكومة وبالنهاية اتفقت معها، ولكن كما يقال في شرح وضع الحركة بعد (جون قرنق) إنها قيادة جماعية، وفي ظني أنَّ بينه وبين (جون قرنق) فرقاً كبيراً من ناحية قدرات القيادة ومؤهلاتها، فـ (سالفا كير) محنَّك من ناحية عسكرية، ولكنه أقل حنكة من الناحية السياسية، أمَّا (جون قرنق) فكان سياسياً ومحنكاً من ناحية عسكرية، وذا إمكانات أعلى، وكان يبدو مصمماً تصميماً قوياً ليقوم باتفاق الجنوب. أمَّا المراد بالاتفاق فما هو إلاَّ ليكون سبباً في تغيير السودان، تحت شعار: (سودان واحد، ولكن سودان أفريقي جديد) .
^: لعلك تابعت أزمة اللاجئين في دارفور، وكثير من وسائل الإعلام ذكرت شيئاً من تلك الأزمة، إلاَّ أنَّ بعض ما فيها يشوبه الغموض؛ فهل تذكر لنا شيئاً من ذلك؟
| دارفور قضية مؤسفة؛ لأنها خلاف وصراع في بلاد فيها وحدة العقيدة؛ لأنَّ أهل دارفور كلهم مسلمون ولا يوجد فيها وثنيون أو نصارى، ولكن فيها التباين العرقي، والناس منذ زمن عاشوا سوياً من دون هذه الشجارات؛ ففيها قبائل عربية وقبائل غير عربية أو أفريقية، والتباين الموجود هو في وضعيَّة البيئة، فقد كانت محل خلاف؛ لأن القبائل العربية في دارفور قبائل رعاة وأصحاب مواشٍ وإبل يتحركون بها، والآخرون مزارعون، فكان الاحتكاك يحصل بين الرعاة والمزارعين بسبب اعتداء بعض المواشي على زراعة أحد المزارعين، فيسود الاختلاف وتعاني في ذلك القبيلة ويحكم بين المختلفين أهل الصلح، ولكن دخلت بعض الأصابع التي استفادت من بعض ما حصل من دول الجوار في تشاد وليبيا، فأدخلت السلاح الناري دارفور، فتحركت القضية وتغيرت طبيعة الصراع، ودخلت أصابع أخرى في استغلال هذه القضيَّة بدوافع حزبيَّة مقيتة.
ودارفور تحولت من قضية إنسانية إلى قضية سياسية، أدَّت إلى صراع بين الحكومة والمعادين لها والخارجين عليها في دارفور، والآن تتشكل قضية دارفور وتسير نحو أبعاد مزعجة وخطيرة على قضية السودان، مثل الدعوة إلى فصل دارفور، أو معاملتها كالتعامل مع جنوب السودان، في تقسيم الثروة والسلطة؛ فهذه الأزمة دعوة لتفريق السودان بطريقة غير مباشرة.
والآن دارفور تعيش أزمة إنسانية وهي أزمة اللاجئين، ويعاني فيها مليونا نازح خرجوا من قراهم، ويعيشون الآن في معسكرات النازحين البالغ عددها أكثر من ٤٨ معسكراً، في شمال وجنوب غرب دارفور، ويشكلون ٣٠ ـ ٤٠% من سكان الإقليم وكلهم مسلمون، وهذه المعسكرات تحتاج للكثير من المتطلَّبات المعيشية كالغذاء والعلاج والماء ومخيمات الإقامة.
وللأسف فإنَّ المنظمات العاملة في المجالات الإنسانية في معسكرات دارفور أغلبها منظمات غربية، وبعضها منظمات مشبوهة. أمَّا المنظمات الإسلامية العاملة في هذه الساحة فهي قليلة، ونحن لنا ـ ولله الحمد ـ في صندوق إعانة المرضى مكتب في شمال دارفور وآخر في جنوبها، ويغطيان شيئاً من المعاناة، ونقدم من خلالهما شيئاً من الخدمات والعلاجات، ونشغِّل مجموعة من العيادات، ونقدم الخدمات لبعض النازحين، ومعنا كذلك الهلال الأحمر السعودي وله جهود مقدَّرة ومشكورة، ونرجو أن يستمر في عمله هناك؛ لأن الناس بحاجة لخدماته، لكنَّ الغريب في قضية دارفور غياب كثير من المنظمات الإسلامية التي كنَّا نراها تنشط في مواقع أخرى في سنواتٍ سابقة ... فما الذي جرى حتَّى ينحسر نشاطها؟
^: وما الحل في نظركم تجاه هذه المشكلة؟
| الحل في نظري يكمن في جدية الطرح من الأطراف المتصارعة، ونسيان المشكلات القديمة، ومحاولة إيجاد الحلول لها من المتضررين، وتوفير تغطية من الخدمات الأساسية لأهل دارفور؛ لأن دارفور منطقة بعيدة ليس فيها خدمات طبية وتعليمية وإنسانية، فتحتاج لشيء من الطرح السياسي الإيجابي، في أن يعطوا مساحة فيما يناسب إدارة منطقتهم، بالتنسيق مع الحكومة، ولكن ليس بالدعوة إلى الانفصال أو تقسيم البلد عبر هذه العمليات المسلحة والتي وراءها في جزء منها أصابع خفية تهدف لتقسيم السودان.
^: كيف ترى مسار الإغاثة في السودان: هل ترى أن المسلمين قصَّروا في حقِّه؟
| غالب الإغاثة الموجودة في السودان إغاثة غربية، والإغاثة العربية إغاثة ضعيفة جداً، باستثناء بعض الجهود القليلة من بعض المؤسسات العربية، كالهلال الأحمر السعودي، والهلال الأحمر الإماراتي، وبعض جهود الخيرين، ولكن لو رأيت هذا مع حاجة الناس، وجهود الإغاثات الغربيَّة لوجدتها قليلة جداً، وأنا أعتقد أن السودان رغم أنه مميز جداً في المنطقة الإسلامية إلا أنه ما أخذ حقه من الرعاية، والنظرة حول الأخطار التي تهدد السودان ومستقبله، عند بعض الجهود الدعويَّة والخيريَّة والإسلاميين وكُتَّابهم؛ فالسودان يعيش مشكلة البعد في الوجود العربي والإسلامي الذي ينبغي أن يكون بكثافة، لنساعد على ترسيخ هوية البلد؛ فهوية السودان مهددة.
وما يقدم من جهد عربي أقل مما هو مطلوب؛ لأن السودان يمر بفترة حرجة من التباين والتوجيه نحو الهوية النهائية السودانية: هل هي هوية مسلمة أم لا؟ فيجب أن يعطي المسلمون السودان عناية خاصة؛ لأن السودان عمق استراتيجي بالنسبة للأمة العربية والإسلامية.
وبالنسبة للمؤسسات الطوعية أرى أن توجه رعايتها نحو السودان للمساعدة على تنمية صرح السودان، حتى لا يرتبط بالمد الغربي، وهذه دعوة للحكومات بأن تشجع العمل الطوعي الخيري وخاصة المؤسس؛ لأنَّ المؤسسات الخيرية الإسلامية لم يثبت شيء عليها في دعم ما يسمَّى بـ (الإرهاب) .
^: يتحدَّث بعض المتابعين بأنَّ ما يحدث في السودان ليس أقل خطورة مما يحدث في العراق، وأنَّ الأخطر في المشهد السوداني أنه يتم في صمت؛ فهل يتحقق أمل الصهاينة في كيانهم الممتد من الفرات إلى النيل، وهل يتم تجهيز النيل ليكون الحد الجنوبي لكيان بني صهيون؟
| هذا الكلام فيه جزء من الحقيقة؛ فإنَّ الاهتمام الزائد من بعض المؤسسات الدولية وبعض الدول الغربية، وأمريكا على وجه الخصوص، مع العمل المكثف الذي تقوم به المؤسسات أو المنظمات الدولية والمنظمات الغربية في السودان، والطرح المتزايد نحو التقسيم غير المركزي في الحكم، وكذلك في إيجاد صيغ لنظم تحاول أن تتمرد على طبيعة الحكم في السودان، كدولة ترفع شعار الإسلام، وأن الإسلام جزء من مكونات البلد ودستوره.
وبالنسبة للتصريحات التي ذكرتها عن أماني اليهود؛ فبالتأكيد أن الظاهر في المسألة هو البعد العقدي عند بعض الطغم الحاكمة في أمريكا والدولة الصهيونيَّة حول المنطقة، والتي هي جزء من معتقدهم وتحذيراتهم بأن النيل له علاقة بما يسمَّى (دولة إسرائيل الكبرى) فهذا يبيِّن سبب الاهتمام بالسودان من الأفراد والمنظمات والمختصين والخبراء والجيوش الأجنبية التي تراقب اتفاقات السلام في دارفور، وكذا في جنوب السودان، فهذا جزء من برنامج يبدو أنه معد ومصمم بطريقة مرتبة وهادئة ومعلنة في خلخلة السودان أو تمزيقه أو التدخل في أوضاعه الداخلية؛ فالسودان يشهد تدخلاً كبيراً في قضاياه الداخلية.
^: هل تعتقد أن يحصل في المستقبل ـ لا قدَّر الله ـ شيء من ذلك في ظل الاختلافات والتباينات بين الإسلاميين في السودان، وبينهم وبين غيرهم؟
| ما هو مطروح الآن جزء منه باتجاه ما يمكن أن يكون، والآن الجنوب عنده فرصة مدتها ثلاث سنوات وبعدها سيظهر عبر التصويت: هل سيظل جنوباً للسودان، أم جزءاً مستقلاً عنه؟ فالورقة لا زالت شائكة، والمفاوضات متعثرة في اتفاقية قضية دارفور، وما يطرح الآن من مجموعة تصورات حول حزام مقسم من مجموعة دول فمقدماتها موجودة، وهذا أمر لا يُستبعد؛ فلا يستبعد أن يكون السودان بعد قليل من السنوات عبارة عن مجموعة دويلات وليس دولة واحدة ـ نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله من كيد الكائدين.
^: باعتبار فضيلتكم متابعاً للواقع الدعوي والإغاثي والسياسي؛ فما أكثر ما يسوؤكم في الواقع السوداني، من خلال ذلك، وكيف ترى مسيرة السودان المستقبلية؟
| أكثر ما يسوؤني في الواقع السوداني: غياب الرؤية المتكاملة حول السودان ومستقبله في الحقب السياسية السابقة وإلى الآن؛ فما تمَّ الآن من اتفاقات وما عُمل من أشياء فرضت نفسها كواقع؛ فالسودانيون شمالاً وجنوباً مؤسسات سياسية أو مجموعات اجتماعية أو دينية، ما كان عندهم رؤية متكاملة حول مستقبل السودان كبلد عنده مقومات وإمكانيات فيمكنه أن يكون دولة مميزة.
والشيء الثاني: التمايز والصراع السياسي غير المنضبط في السودان بعدة أشياء مختلفة، وما أدل على ذلك من قضايا التشكيل الوزاري الأخير، والحكومة وصراعاتها، حتى صارت القضية السودانيَّة صراعات وتكتلات، فلا يوجد وفاق ولا تعاون.
ثالثاً: عدم الجدية في البرامج العملية التي تدعو إلى إفساح الأوضاع الاجتماعية والسياسية حول برامج تنموية جادة، وعلاقات قوية ونظم مشجعة، نحو تنمية البلد.
رابعاً: التباين حول الأصوات الإسلامية؛ فنحن نعيش في أشكال تمزق حتى في الشمال، في الكتل السياسية والكتل الدينية؛ لأنها كلها دائرة حول محاور ليست هي الأولوية في مستقبل البلد؛ فهذه الأشياء مزعجة في واقع السودان. فهل يعي عقلاء السودان حجم الكارثة المنتظرة؛ لا قدَّر الله؟! ويؤلمني ـ واللهِ ـ أشدَّ الألم هذا التدافع والاختلاف الذي لا يستفيد منه في الغالب كما نرى إلا أعداء الدين.
^: من يتابع الاختلافات بين الجماعات الإسلامية في السودان يصاب بالذهول والاستغراب؛ فلماذا لا تقلل تلك الجماعات من تلك الاختلافات، وخاصة في ظلِّ ما يشهده البلد من الضغوط الخارجية والداخلية؟
| للأسف واقع الجماعات الإسلامية ليس مريحاً نتيجة للتباين والخلافات، وصراع المجموعات الإسلامية العاملة، سواء أكانت أحزاباً أو جماعاتٍ إسلامية عاملة، مع أنَّ الواجب هو التوحد والاجتماع خاصة في هذه المرحلة من تاريخ السودان الذي يتربص به الأعداء من كل جانب، وإذا لم يتم ذلك فلا أقل من أن يتم التنسيق والتواصل الإيجابي لتحقيق مصالح أعلى لخدمة الإسلام في السودان؛ فالأوْلى الآن خدمة الإسلام بالكلية، وقضايا الخلاف يجب أن تناقش بالطريقة العلمية الشرعية الصحيحة، الخالية من الهوى والانتصار للنفس، مع التعاون على البر والتقوى.
^: يزعم بعضهم أنَّ السودانيين لم يستغلُّوا ويستثمروا الأرض والطبيعة في مشاريع تنموية هامَّة، وخاصَّة أنَّ الأرض السودانيَّة تكمن تحتها الخيرات؛ فما رأيكم في مدى صحَّة تلك الدعوى؟ وكيف يفعَّل دور السودانيين لما فيه خدمة البلاد والعباد؟
| السودان بلد مليء بالموارد الطبيعية، ولا زال البلد بكراً من ناحية الثروات الكثيرة: المعدنية والمالية والحيوانية والنباتية والتي لم تستغل، ومن أكبر الأسباب التي أدت لعدم استغلال هذه الموارد عدة أمور، منها:
أولاً: الصراع المتبادل بين الحكومات المتتابعة للسودان؛ وبين جنوب السودان؛ فموارد الحكومة السودانية تذهب للأعباء العسكرية والحربية.
ثانياً: ضعف التخطيط؛ فأغلب الحكومات السودانية المتعاقبة، ما كانت تخطط تخطيطاً سليماً ومتكاملاً، وقد يدَّعون أنهم في ظل الحروب لا يستطيعون التخطيط والإنماء؛ حيث إنَّ الحروب أكلت السودان منذ أن استقل؛ وحرب السودان بدأت عام ١٩٥٥، ونتيجة لعدم الاستقرار السياسي وتعاقب الحكومات والتردد بين الأنظمة العسكرية والأنظمة المدنية، عاش السودان ٣٨ سنة تحت ظل هذه الحكومات العسكرية، والتي تأتي بعد تجربة ديموقراطية فاشلة، ولذا لم يستقر الوضع السياسي في السودان على نمط معين، حتى تبدو التنمية التدريجية، ولهذا لا يوجد بناء تنموي متواصل، بحيث يبني الأول فيتبعه الآخر بالبناء، بل قد يوجد هدم من دون تواصل للبنية التنموية، ولهذا ضاعت كثير من الطاقات والموارد.
ثالثاً: الإحجام الجزئي من رؤوس الأموال العربية خاصَّة، لكن الذي يحجم يُعْذَر؛ لأنه أحجم عن العمل في بلد غير مستقر أمنياً وسياسياً. نعم السودان بدأ يتجاوز جزءاً من هذا الإشكال بعد اكتشاف النفط، لكنه لا زال مهدداً بعدم الاستقرار الأمني والسياسي، من خلال العديد من القضايا مع الغرب، والصراع مع الجنوب، والصراع بين الأحزاب، هذا وغيره لم يجعل البيئة صالحة لتنمية الموارد وإصلاح أوضاع الناس.
^: لكن المراقب لوضع الجماعات الإسلاميَّة السودانية يلحظُ أنَّ كثيراً منهم يقولون: الواجب الوحدة، فإن لم يكن فالتنسيق؛ فلماذا لا تفعَّل برامج حيوية مشتركة بين الجماعات الإسلامية لتنفيذ ذلك وتوظيفه لواقع عملي تطبيقي لنصرة الجهد الإسلامي؟
| هذا هو المطلوب بتحويل هذا المفهوم للواقع العملي، وإذا أردنا ذلك فالمسألة تحتاج إلى التخلي عن بعض الحزبيات الموجودة عند كثير من المجموعات والأفراد المنتسبين لها، سواء أكانت تحزباً لقيادة أو انتماءٍ أو جماعة أو رموز، ولذا لا بد من مراعاة المصالح العليا للإسلام، من خلال أمور على رأسها: الإخلاص لله، والثاني: الفهم الصحيح وأيُّ المصلحتين أوْلى فتختار المصلحة الأعلى، فمثلاً: أتنازل عن بعض الحق الذي معي بجانب حق أكبر لنصرته ومصلحة أعلى. ودعني أقول: إنَّه وللأسف أن ممن أسهم في إذكاء روح أزمة دارفور، وجزء منها بعض المنتسبين للأحزاب الإسلامية، والتي من أسبابها الصراع بين الترابي والحكومة؛ لأن بعض أتباع الترابي عمل على إذكاء ذلك، والحقيقة أنَّ هذا اختلاف غير محمود وليس خلافاً شرعياً ولا أخلاقياً.
^: يرى بعض المراقبين أنَّ السودان يقدم في الآونة الأخيرة تنازلات كثيرة؛ فما سبب ذلك؟
| الحكومة من خلال برنامج المفاوضات والاتفاق مع الجنوب قدَّمت تنازلات كثيرة، وتلك التنازلات الهدف منها: تحقيق السلام كهدف استراتيجي لترتيب أوضاع البلد نحو إنهاء أوضاع الحرب، ولإقامة برنامج بعد إنهاء الحرب لصالح الوحدة في السودان، فتمت تنازلات كانت ظاهرة جداً، وسببت خلافاً مع بعض الزعامات والقيادات الموجودة، ولذا ترك كثير من القادة والمسؤولين مسؤولياتهم، واستقالوا من الحكومة نتيجة لتلك التنازلات، والحكومة مبررها لذلك هو إتمام اتفاق السلام، ومحاصرة الجنوبيين بمنطق أننا قبلنا بأشياء كثيرة وتنازلنا لأجل السلام، وليظهروا أمام المجتمع الدولي أنهم حكومة غير متعصبة تنازلت عن أشياء كثيرة لأجل السلام والوحدة. والحقيقة أنَّ بعض أجزاء التنازل في بعض منها قد يكون له ما يبرِّره، ولكن هناك بعض التفصيلات غير المعلنة نحتاج لمعرفتها، إلاَّ أنَّه توجد قضايا وقفت عندها الحكومة موقفاً جيداً مثل قضية العاصمة، وعدم علمنة الحكومة، ونحن نرجو أن يكون تطبيق الشريعة واقعاً عملياً في السودان.
^: ما جهود أهل السنة والجماعة في نشر التوحيد في السودان؟
| جهود أهل السنة كبيرة عبر النشاط الدعوي الميداني في المساجد والأسواق وفي الساحات والمنتديات الثقافية، ولكن المطلوب أكثر مما هو موجود؛ فلا زالت هناك في السودان مساحة تحتاج لتغطية من أهل السنة والتوحيد والدعوة إلى الدين الحق، والمساجد مفتوحة للدعاة، وكذا المدارس والجامعات، فيلزم أهل السنة مضاعفة جهودهم والدعوة إلى التوحيد، ومن ذلك نشر الكتاب والشريط الإسلامي، ولا بد كذلك من الانتشار في كل الساحات السودانية، وتوجد ـ ولله الحمد ـ منظمات سنيَّة كثيرة تدعو إلى الله في السودان، ولكن تحتاج إلى من يدعمها ويوفر كل الإمكانات المتاحة لها، حيث إنَّ بعضها تخرِّج طلبة علم ودعاة إلى الله؛ فالواجب تحفيز هذه الجمعيات وتقديم يد المساعدة لها؛ لأن السودان بلد مفتوح للدعوة.
^: للصوفية الغالبة سوق رائجة في بعض أنحاء السودان، ونسمع الآن أنَّ البرعي كان له دور في نشر الشرك في السودان، ومن ورائه تيار يجري وينشر فكره، وهل بعد هلاكه قلَّ أنصاره أم لا؟
| البرعي ظاهرة مزعجة؛ لأن البرعي ليس أول القيادات الدينية الصوفية، إلاَّ أنَّه في هذا العصر كان فتنة لبعض السودانيين؛ فكثير من الناس تعلقوا به تعلقاً لا يجوز، بل هو تعلق حزبي، وكان هذا ظاهراً من خلال الشعارات والعبارات والقصائد والمدائح فيه، ومن أسباب ذلك:
١ ـ الجهل الغالب في المجتمع السوداني وهو سبب رئيس لذلك.
٢ ـ أنَّه ـ وللأسف ـ كان للحكومة دور في تنشيط البرعي وتياره وتلميعه؛ فمثلاًُ أول جسر ضخم أسَّسته الحكومة جاءت بالبرعي ومشى عليه لتحل فيه البركة ـ كما زعموا ـ كما أنه كان مستشاراً دينياً للحكومة، ولهذا تعلَّق به الناس تعلقاً أشدَّ من تعلق القبوريين بالأموات، وكما هو المعلوم فإنَّ فتنة الأحياء أشد خطراً من فتنة الأموات، ولهذا لما مات بقي كثير من الناس متعلقين به، نسأل الله السلامة. لكن من فضل الله ـ تعالى ـ أنَّ السودان يُقبِل على عقيدة التوحيد، وهذا يجعلني أؤكد على ضرورة الحرص على عرض الدعوة الإسلامية عرضاً ميسراً محبباً إلى القلوب، مع تكاتف الجهود لتحقيق ذلك.
^: (حتى لا يقال كان السودان بلداً سنياً) هذا عنوان مقال قرأته في مجلة البيان حول انتشار الوجود الشيعي الرافضي في السودان، بل سمعت أنَّه في جامعة دارفور يوجد مدٌّ متزايد من أمثال هؤلاء الذين لهم دور في قلب عقائد أهل السنة إلى العقيدة الشيعية؛ فماذا فعل الغيورون حيال تلك الهجمة الرافضيَّة؟
| للأسف فإنَّ الرافضة لهم دور كبير في السودان ونشاط واسع، ولهم تأثير بين أوساط الشباب، وللسفارة الإيرانية في الخرطوم جهد كبير في ذلك؛ فهم منذ عشرين سنة يستقطبون بعض الطلاب السودانيين ليدرسوا في إيران عبر البعثات الدراسية، وللأسف فإنَّ بعض أبناء السودان اعتقدوا عقيدة الرافضة، وصدرت مؤلفات لبعض كتاب سودانيين، مثل كتاب فاطمة الزهراء، وكتاب الحظيرة الكبرى، ويوجد مشايخ اشتهروا وصاروا يستغلون تجمعات الشباب بدغدغة غرائزهم بمثل: نكاح المتعة، ولكن الروح الطيبة عند السودانيين وخاصة رسوخ حب وتعظيم أصحاب النبي، لعلَّها تمنع من تشيُّع السودانيين أو قبول القدح في صحابة رسول الله #؛ ولكن يجب علينا أن نحذر من بعض الحركات الإسلامية التي لا ترى فرقاً بين منهج الشيعة والسنة إلا بالفروقات الفقهية فقط، فيرقِّعون للشيعة أعمالهم، وينخدع بهم عوام بعض أهل السنَّة.
^: كلمة أخيرة لمجلة البيان؟
| في الحقيقة نشكر لمجلَّة البيان جهودها الكبيرة، وهي إضافة حقيقية للإعلام الإسلامي، ومجلة مفيدة جداً وقدمت الكثير في خدمة قضايا الإسلام الفكرية والمنهجية، والله نسأل لها العون والتوفيق.
стр. 5564
تطلعات نحو عمل سلفي معاصر
محمد بن عبد الله الدويش
عندما نشرت مجلة البيان ملف (السلفية بين الدعاة والعداة) في عدد محرم الماضي ١٤٢٧هـ وصلتنا تعقيبات متعددة تقدم رؤى أخرى تثري الموضوع وتتمم جوانبه، ويسعدنا في هذا العدد أن ننشر مقالين منها، مع قناعتنا بأن موضوع الملف واسع جداً وجدير بمزيد من الحوار والمدارسة.
وبهذه المناسبة نؤكد ترحيبنا بتعليقات المفكرين والكتّاب على كل ما ينشر في المجلة؛ فمثل هذا الحوار والتواصل من أكثر الوسائل المساعدة على تفعيل الحوار البناء بين الدعاة والمفكرين.
حقق التيار السلفي في هذا العصر منجزات لا تخفى على من يتأمل الواقع الدعوي، وحين نتحدث عن العمل السلفي فنحن نتحدث عن تيار في الأمة، وهو أوسع من مجرد كيان عضوي؛ فالكيانات العضوية، سواء كانت جمعيات أو مؤسسات، لا تمثل إلا جزءاً من هذا التيار.
والحديث عن منجزات العمل السلفي حديث يطول، ولا تتسع له سطور هذه المقالة، فنكتفي بالإشارة لأهمها، والتي تتمثل فيما يلي، وهي:
١ ـ إيجاد تيار دعوي يتبنى منهج الفرقة الناجية.
٢ ـ الاعتناء بالعلم الشرعي وإحياؤه.
٣ ـ الالتزام الشرعي والانضباط السلوكي، على مستوى الأفراد والمؤسسات.
٤ ـ إحياء السنَّة وإماتة البدعة.
٥ ـ تعظيم النصوص الشرعية والوقوف عند حدودها.
ومهما عظمت الإنجازات وعلت، فستبقى تطلعات الأمة نحو هذا العمل عالية، وهو مطلب شرعي وطبيعي ينبغي ألا تعوقنا عنه المبالغة في الدفاع عن المنهج والحرص عليه، بل الحرص ينبغي أن يقود للجرأة على المراجعة والصراحة في تقويم الواقع.
وفيما يلي أهم التطلعات المنتظرة من هذا التيار:
- الأول: الجرأة على المراجعة والتقويم:
إنّ جهدنا لا يعدو أن يكون عملاً بشرياً ليس له عصمة؛ فالعصمة للمنهج؛ أما البشر من غير الأنبياء فليس لهم عصمة، ومن هذا المنطلق فنحن بحاجة إلى مراجعة مسيرتنا في العمل السلفي مراجعة شاملة وكاملة، وبحاجة لتقييم دقيق وصادق، يقوم على الجرأة في نقد الذات ومراجعة النفس من أجل إصلاح الأخطاء التي تؤخر مسيرتنا في العمل.
وحتى تحقق هذه المراجعة ثمرتها فلا بد أن تكون علمية وجادة، دون أن تكون عفوية أو أن تقف عند مجرد محاسبة النفس على السلوك الشخصي؛ فهذه المحاسبة وإن كانت أمراً مطلوباً، لكن الأمر الذي نريده ونطمح إليه أشمل وأوسع من ذلك.
إننا بحاجة لتقييمٍ ومراجعةٍ تتيح لنا أن نسأل أنفسنا بصدق:
ـ ما أهدافنا التي نسعى إلى تحقيقها؟
ـ ما برامجنا ورؤيتنا الواضحة لتحقيق هذه الأهداف؟
ـ هل هذه الأهداف والبرامج تتلاءم مع التحديات المنوطة بهذا العمل الدعوي؟
والجرأة على المراجعة والتقويم تدعونا إلى أن نفتش عن أخطائنا من خلال تأمُّل الذات، ومن خلال إتاحة المجال للنقد والتقويم داخل صفنا، وأن نستفيد من النقد الذي يوجه إلينا من خارج إطارنا، فإن من مصلحتنا أن نسمع كل كلمة تقال بعيداً عن خلفية صدورها، وعن قائلها وتصنيفنا له وموقفنا منه.
حين يتحدث عنا الآخرون ولو كانوا أعداءً فسيحرصون على ما يُقنع الناس، ومن ثَمّ فهم أقدر وقوفاً على الأخطاء والعيوب، ولا ننكر أنّهم قد يبالغون، وقد يضخمون، وقد يكذبون، لكنهم أيضاً قد يصدقون، وهذا على فرض أنّ كلّ منتقد لنا إنّما هو عدو وخصم لدود؛ فكيف وفيهم من يتفق معنا في الأصول ويختلف معنا في بعض المواقف والتطبيقات؟
- الثاني: الفصل بين المنهج وبين الكيانات العضوية:
شهد النبي ﷺ بالجنة لطائفة واحدة، ووصفها بوصف واضح وجلي، وهو التزام ما كان عليه هو وأصحابه؛ فمن تحقق فيه هذا الوصف استحق أن يكون من هذه الطائفة.
ومع انتشار العمل الإسلامي ونموه نشأت مؤسسات وتيارات وتنظيمات تتبنى المنهج السلفي وتدعو له، وقد كتب الله على يديها الخير الكثير لهذا المنهج.
ومع تقديرنا لجهد هذه الكيانات والمؤسسات؛ فمن الخطأ أن نحصر القضية السلفية في الكيان العضوي أو الإطار المؤسسي الذي ننتمي إليه أيّاً كان الشكل التنظيمي أو القالب الذي تتخذه؛ فمنهج الفرقة الناجية أوسع من أن يحتويه إطار تنظيمي أو كيان عضوي؛ فضلاً عن أن تحتويه مدرسة محددة فكرياً داخل هذا الإطار؛ فالحق أوسع من أن يحتويه إطار ضيق.
وفي المقابل قد توجد كيانات ينتشر في إطارها خلل في بعض الجوانب، لكن ربما نجد داخلها مَنْ يتسم بصفاء المعتقد وسلامته، وشدة الحرص على الْتزام السنة بما يفوق حرص بعض المنتمين للكيانات السلفية، ولا شك أنّ هذا الصنف أقرب إلى المنهج الذي نحمله من غيره ولو ممن ينتمون عضوياً للكيانات السلفية.
- الثالث: التفريق بين المنهج وبين من يحمله وطريقة حمله:
لقد بيّن النبيّ ﷺ أن منهج الطائفة الناجية منهج معصوم، لا زيغ فيه ولا انحراف، لكن بالرغم من هذه الشهادة النبوية؛ فإننا يجب أن نعلم أن الله ـ جل وعلا ـ قد كفل العصمة للمنهج فحسب، ولم يكفل العصمة لحَمَلَته من الأشخاص ـ اللهم إلا الأنبياء ـ وهذا يعني أننا حينما نحمل هذا المنهج فليس من المستبعد أن نقع في خطأ أو تقصير؛ لأننا غير معصومين، وهذا يعني أيضاً ألاَّ نحكم على من ينتقدنا أو يخالفنا بأنه مخالف للمنهج ومنتقد له؛ فمن العدل أن نفرق بين العداء للسنة والعداء لأشخاصنا؛ فهما قضيتان منفصلتان، ولكل قضية منهما أسبابها ومنطلقاتها الخاصة.
وثمة فئة ليست بالقليلة ترفض الاستجابة للدعوة السلفية لا تأصُّلاً للبدعة فيها، ولا كرهاً للسنة؛ لكن لأنها حملتها بطريقة غير مقنعة؛ فمن يحمل الحق فقد لا يؤديه بصورة صحيحة، بل قد يؤديه بصورة تشوهه.
إذاً فسلامة منهجنا لا تعني سلامة أشخاصنا، ولا يعني سلامة ذواتنا، ولا تعني أننا حملنا المنهج بطريقة صحيحة وسليمة؛ وهذا يقودنا إلى النقطة التالية.
- الرابع: ضرورة الأخذ بأسباب النجاح:
حين نفصل بين المنهج وبين من يحمله وطريقة حمله؛ فإن هذا يقودنا إلى النظر إلى جهدنا ومشروعاتنا في نشر المنهج على أنه جهد بشري لا يكتسب العصمة بمجرد انتمائه للمنهج؛ فالعصمة في المنهج لا فيمن يحمله.
وهذا يقودنا إلى تحمُّل مسؤوليتنا في الأخذ بأسباب النجاح الدعوي، في كافة المراحل: تخطيطاً، وتنفيذاً، وتقويماً، وتطويراً، دون الاتكاء على عصمة المنهج.
وقد يوفق في الأخذ بأسباب النجاح من لا يحمل صفاء المنهج، بينما يُخِلُّ الآخر بهذه الأسباب، فيُخفِقُ الثاني وينجح الأول، وهذه سُنَّة الله في الحياة، وحينها على من يُخْفِق أن يتحمل مسؤولية إخفاقه وفشله لا أن ينشغل عنه بتضخيم الذات واتهام المدعوِّين.
- الخامس: الانفتاح على الآخرين والاستفادة من التجارب الناجحة:
تمتلئ الساحة بالدعاة والعاملين للإسلام، وهم فئات وطوائف شتى ومدارس متنوعة، ولدى العديد من هؤلاء صور متميزة من النجاح وبالأخص في التأثير على الآخرين، والتواصل مع المجتمع.
وقد لا يخلو بعض هؤلاء الناجحين من قصور أو خلل؛ فهل هذا الخلل يوجب إهدار ما لديهم من تجارب ناجحة؟ بل هل سلامة المنهج تقتضي التخلي عن الاستفادة من هذه التجارب؟
لقد قال النبيّ ﷺ لأبي هريرة في شأن الشيطان: «صدقك وهو كذوب» (١) ، فإذا كان هذا في شأن الشيطان المطرود من رحمة الله ـ تعالى ـ فكيف بإخواننا الدعاة الذين يشاركوننا في ساحات الإصلاح والعمل الإسلامي؟
وحين أحاطت قريش وأحلافها في غزوة الخندق ما كان من رسول الله ﷺ إلا أن أخذ برأي سلمان الفارسي، وقد أشار عليه بحفر خندق، فجاء بمكيدة لم تصنعها العرب ـ كما قالت قريش ـ.
إن التيار السلفي بحاجة إلى الانفتاح على الآخرين والسماع منهم والاستفادة من تجاربهم؛ وحينها سيجد دعاةً ناجحين، ونماذج فاقته في العمل والأداء.
وحين يفوقنا الآخرون في استقطاب الناس أو التأثير على العصاة والفساق أو في إيقاظ الوعي في الأمة فليس مردُّ ذلك التفوق عائداً بالضرورة إلى تساهلهم، وليس مردُّ تخلفنا هو بالضرورة غربة الحق وأهله، وليس تقصير الآخرين مبرراً للتخلي عن الإفادة من تجاربهم.
- السادس: إعادة النظر في أساليب التعامل مع المخالفين:
كان لأئمة السلف جهد في محاربة البدع والوقوف في وجه دعاتها، بل اقتضى المقام في أحوال عدة الإغلاظ عليهم وهجرهم. هذا وجه.
والوجه الآخر: أنهم أرحم الخلق بالخلق وهو ما ورثوه عن رسول الله ﷺ في تعامله مع الناس برهم وفاجرهم، وهما وجهان لا يتعارضان ولا يتناقضان؛ فالرحمة والرفق هي الأصل؛ إذ الرفق ما كان في شيء إلا زانه. والإغلاظُ والهجر ـ عقوبةً ـ مناطُ استخدامِهما إفضاؤهما للمصلحة الشرعية، ولا يسوغ أن يتحوَّلا إلى خُلُق أو شعار يوصَم به أتباع المنهج السلفي.
كما يجب إعادة النظر في افتراض التلازم بين الغَيْرة على المنهج السلفي وبين الحرص على توسيع دائرة إخراج الناس من هذا المنهج، والسعي للحكم على الناس والتنقيب وتحليل أقوالهم لاكتشاف ما يبرر الحكم بإخراجهم من دائرة المنهج.
- السابع: توسيع دائرة تقديم العلم الشرعي للناس:
لقد كان من أهم منجزات التيار السلفي إحياء العلم الشرعي في الأمة بعد أن كادت سوقه أن تكسد، ورغم ما قدم من جهد في نشر العلم الشرعي وإحيائه فلا زالت هناك تطلعات عدة، ومنها:
ـ توسيع دائرة نشر العلم الشرعي؛ إذ لا يليق أن تبقى الاهتمامات بهذا العلم محصورة في إطار طلبة العلم الشرعي؛ فالحاجة للعلم الشرعي حاجة عامة وإن تفاوتت درجة هذه الحاجة.
ـ ومطلب توسيع دائرة نشر العلم لا ينتهي بمجرد الاقتناع النظري، بل هو يتطلب مراجعة أدوات نشر العلم وتقديمه لتحقق الانتشار الملائم لا أن تجمد وفق أطر محددة يُطلب من الآخرين أن يتكيفوا معها.
الاعتناء بتبسيط العلم الشرعي وتقريبه لغير المختصين؛ سواء ما يتصل بالتدريس والتعليم، أو ما يتصل بالتأليف، أو ما يتصل بالبرامج الإعلامية؛ إذ النمط السائد قد لا يلائم إلا طلبة العلم المدركين للغة العلمية الشرعية المتخصصة.
ـ توسيع نشر العلم الشرعي داخل التيارات الإسلامية الأخرى؛ فلا يليق أن يبقى التيار السلفي يرفع وتيرة نقد الآخرين بعدم اهتمامهم بالعلم الشرعي، بل لا بد أن يأخذ بمسؤوليته في تقديم هذا العلم للآخرين مراعياً ملاءمته لهم أسلوباً ومضموناً.
- الثامن: الارتقاء بالوعي:
تضم ساحات العمل السلفي فئات من الصالحين الورعين الخيِّرين ممن لديهم علم شرعي وممن يتَّسِمون بحُسن السَّمْت والانضباط المنهجي، لكن قد نرى بعض هؤلاء يعيش خارج عصره؛ فهو لا يدرك متغيرات الواقع ولا حجم تحدياته، ولا يملك الوعي الذي يؤهله للنجاح المرجو في التغيير والإصلاح.
وما لم يَعِ القائمون على المنهج السلفي أنهم أمام مشروع ضخم يستهدف تغيير واقع الأمة وإصلاح واقعها، وما لم يدركوا تقصيرهم في تحصيل الوعي اللازم لإنجاح هذا المشروع، فسوف يتعثر مشروعهم الإصلاحي.
لقد كان النبي ﷺ مثالاً حياً للداعية الواعي بما في عصره من أحداث وتحديات؛ فقد قال لأصحابه حين أرادوا الهجرة للحبشة: «إنّ بأرضها ملكاً لا يُظلَم عنده أحد» واعتنى بمتابعة الصراع الدائر بين الفرس والروم، وتمنى المسلمون آنذاك أن ينتصر الروم؛ لأنهم أقرب للمسلمين من الفرس.
والوعي المنتظر من الدعاة إلى الله يتجاوز الإغراق في تصور المؤامرات والكيد من الأعداء إلى إدراك الموقف السياسي والموقف الاجتماعي والاقتصادي والفكري بعناصره، ومواقف كل عنصر، ونقاط الضعف والقوة، وإلى إدراك الفرص والتحديات والعقبات، وإلى امتلاك طاقات فردية ومؤسسية تعي الواقع وتقدم الحلول والآراء.
- التاسع: الحضور في المجتمع ومؤسساته:
من واجب التيار السلفي أن يتساءل: أين موقعنا في المجتمع؟ وأين موقعنا في المؤسسات التي تمارس مهمة التوجيه، فيسمع لها الناس وينصت لها المجتمع؟
وحين نقول للآخرين: إن الإسلام هو المخرج من أزمات الحياة المعاصرة؛ فلا بد أن يروا منا الاهتمام والقدرة على الاعتناء بمشكلاتهم وتقديم الحلول لها.
لقد كان النبي ﷺ يعيش مع المجتمع في السراء والضراء، فيحمل الكلّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، وينتصر للمظلوم، وها هو يشهد حلفاً في الجاهلية من أجل نصرة المظلوم؛ فعن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ قال: «شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام؛ فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه» (١) .
كان النبي ﷺ يتفاعل مع قضايا المجتمع ويتصدى لعلاج مشاكله الاجتماعية، للإصلاح بين امرأة وزوجها كما في قصة بريرة ومغيث، ويعالج مشكلة اقتصادية كما في قصة من اجتوَوا المدينة، والدافَّة (٢) التي دفَّت المدينة.
والحضور الاجتماعي والاعتناء بمشكلات الناس الذي نتطلع إليه لا بد أن يتلاءم مع الواقع ومتغيراته؛ فالاعتناء بمشكلات الناس الاقتصادية على سبيل المثال ينبغي ألا يكون محصوراً في تقديم الزكاة والصدقة لمجموعات الفقراء والمساكين حينما يأتون بحثاً عنها، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى تقديم دراسات اقتصادية، ومشروعات تسهم في حل مشكلات البطالة والكساد، وحلول إسلامية للتنمية والتمويل ومعالجة الفقر، وإنشاء مؤسسات اقتصادية واستثمارية تسهم في النهوض بمجتمعات المسلمين. وهكذا في الميدان الاجتماعي والصحي والتربوي والسياسي.
- العاشر: الارتقاء بالحس والذوق الحضاري:
مِنْ خُلُقِ الصالحين التواضع والتبسُّط؛ لكن ممارسة طائفة من المنتسبين إلى التيار السلفي أدت إلى الظهور بمظهر لا يراعي الذوق والحس الحضاري، وقد يعطي ذلك رسالة للآخرين أن من متقضيات التدين والالتزام بالمنهج التخلي عن الذوق والحس اللائق بمن يعيش في هذا العصر.
إن الله جميل يحب الجمال، وكان ﷺ حريصاً على أن يعطي الناس صورة إيجابية عنه وعن أتباعه، حين ترك قتل المنافقين لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه (٣) ، وحين ترك الحبشة يلعبون في المسجد معللاً ذلك بقوله: «لتعلمَ يهود أن في ديننا فسحة؛ إني أرسلت بحنيفية سمحة» (٤) .
وهذا يتطلب منا أن نعطي الناس صورة إيجابية عن أشخاصنا ومؤسساتنا؛ لا رغبة في الاستعلاء والتميز، فالتميز السلبي هو مذموم أيضاً.
- الحادي عشر: التلاؤم مع المرحلة الجديدة وتغيرات العولمة:
مع عصر العولمة والتغيرات الهائلة في العالم بأسره ـ ونحن جزء منه نتأثر ونؤثر فيه ـ يبدو سؤال مهم يحتاجه التيار السلفي كغيره من قوى الساحة الدعوية والفكرية: ما تصوُّرنا للتعامل مع هذا التحدي؟ وهل هيأنا أنفسنا للارتقاء بعملنا ورؤيتنا لمواجهة متغيرات عصر العولمة: في تربيتنا لأولادنا، في تقديمنا الحق للناس، في تصورنا للمشكلات التي ستواجه الناس، في تقديمنا للحلول والعلاج؟ هل نملك وعياً بواقع المجتمع بدرجة جيدة؟ هل حاولنا أن نستنتج إلى أين سيتجه مجتمعنا بعد عشر سنوات أو بعد عشرين سنة؟ هل نعرف ما هي قوى التغير المؤثرة في المجتمع؟ وإلى أين تسير اتجاهات القوى هذه؟ وما حجم كل اتجاه؟ ما هي رؤيتنا المستقبلية لواقع مجتمعاتنا في ظل هذه المتغيرات؟ وما مدى رؤيتنا لما ينبغي أن نكون عليه؟
هل لدينا رؤية واضحة لمستقبل تياراتنا الدعوية؟ وهل حاولنا أن نقرأ المستقبل بناءً على معطيات الحاضر حتى نعد العدة؟ إنَّ مهمتنا قد كبرت وتضخمت، ومجريات الحياة قد تعقدت؛ فهل يليق بنا أن نتعامل مع عصر الإنترنت وثورة الاتصالات بالعقلية نفسها التي تعاملنا بها فيما مضى؟
إن هذه التساؤلات تفرض علينا المراجعة لأهدافنا وبرامجنا وأدواتنا لنتأقلم مع متغيرات العصر؛ وإلا فسيتجاوزنا القطار، ونفقد مواقعنا في التأثير.
إنها طموحات وتطلعات لا تعدو أن تكون رؤى شخصية يأمل صاحبها أن تكون مثار بحث ونقاش وتقويم ومراجعة.
стр. 5565
نقض العرى.. رؤية في البديل الغربي للتيار السلفي
محمد بن عبد الله المقدي
عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : «لتُنقضن عرى الإسلام عروة عروة؛ فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها» (١) .
إن حزب النقض كان ولا يزال يكيد لهذه الأمة ويمكر بها ويلفتها عن دينها، وإن المتتبع للمكر العالمي يرى تبرماً من ظهور نهج أهل السنة والجماعة في الفهم والسلوك، فأجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم.
وقد ظهر جلياً أن من أهم أهداف الخطة الأمريكية المسماة بـ (مشروع الشرق الأوسط الكبير) محاربة التيارات الإسلامية التي تتصدى للعدوان الأمريكي، تحت شعار: (محاربة الإرهاب) . ويرى المروِّجون لهذا المشروع أن القوة المادية عسكرية كانت أم اقتصادية لا تكفي لهدم فكرة وبناء أخرى؛ فلا بد إذن من تيار إسلامي معارض لتلك التيارات منسجم مع الرؤية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط.
يقول المستشرق الفرنسي المسلم إريك جيوفروي ـ المتخصص في الصوفية بجامعة لوكسمبورج، شمال فرنسا ـ في حوار صحفي (٢) : (وفي علاقتها بالحركات الإسلامية بالذات نجد أن الأنظمة العربية عملت على إدماج الصوفية في الحكم بهدف محاربة الظاهرة الإسلامية) .
ويعد (برنارد لويس) أن تفاقم تأثير الحركات الأصولية الدينية في أواخر السبعينيات والثمانينيات، قضى نهائياً على أفكار غربيين كانوا يعتقدون أن التصوف الإسلامي السياسي يحُدُّ من تأثير الإسلام السياسي؛ فمقاومة السلطة السياسية من ملوك وأباطرة وفراعنة كما يؤكد دانيال بايبس وَجَدَ له الأصوليون تفسيراً في القانون الإسلامي، ولذا فإن الغرب يسعى إلى مصالحة (التصوف الإسلامي) ودعمه لكي يستطيع ملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة، وإقصائه نهائياً عن قضايا السياسة والاقتصاد، وبالطريقة نفسها التي استُخدمت في تهميش المسيحية في أوروبا والولايات المتحدة (٣) .
أما ستيفن شوارتز (٤) فيقول: (ليست التعددية الإسلامية فكرة جديدة نشأت في الغرب وتُقَدَّم كشفاء ناجع للغضب الإسلامي، بل إنها حقيقة قديمة. ينطوي العالم الإسلامي على طيف واسع من التفسيرات الدينية. فإذا وجدنا في أحد أطراف الطيف المذهبَ الوهابي (٥) المتعصب الذي يتصف بالقسوة والاستبداد ما يجعله أشبه بالإيديولوجية العربية الرسمية السائدة منه بالمذهب الديني؛ فإننا نجد في الطرف الآخر التعاليمَ المتنورة للصوفية. لا تؤكد هذه التعاليم على الحوار داخل الإسلام وعلى الفصل بين السلطة الروحية وسلطة رجال الدين وعلى التعليم باللغة المحلية فحسب، بل إنها تحترم أيضاً جميع المؤمنين، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهود أو هندوسيين أو بوذيين أو من ديانات أخرى، تشدد الصوفية علاوة على ذلك على التزامها باللطف والتفاعل والتعاون المتبادل بين المؤمنين بغض النظر عن مذاهبهم.
ثم يقول: (إذا أخذنا هذه الصورة المتنوعة بعين الاعتبار؛ فكيف يجب على الصوفية أن تدخل في الإستراتيجية الأمريكية للتعامل مع العالم الإسلامي؟
من الواضح جداً أن على الأمريكيين أن يتعلموا المزيد عن الصوفية، وأن يتعاملوا مع شيوخها ومريديها، وأن يتعرفوا على ميولها الأساسية ... يجب على أعضاء السلك الديبلوماسي الأمريكي في المدن الإسلامية من بريشتينا في كوسوفو إلى كشغار في غرب الصين، ومن فاس في المغرب إلى عاصمة إندونيسيا جاكرتا أن يضعوا الصوفيين المحليين على قائمة زياراتهم الدورية. يجب أن ينتهز الطلاب الأمريكيون ورجال الأعمال وعمال الإغاثة والسائحون فرص التعرف على الصوفيين. الأهم من ذلك، أن أي شخص داخل أو خارج الحكومة يشغل موقعاً يسمح له بالتأثير على مناقشة ورسم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط يمكنه أن يستفيد من فهم هذا التقليد الفطري من التسامح الإسلامي) (٦) .
وتقول الكاتبة (فارينا علم) (٧) ـ وهي تمثل شريحة من الصوفية الموجودة في الغرب ـ: (إن الروحانية الإسلامية ـ الصوفية ـ تعتبر الجزء المكمل لحياة المسلم الدينية، وقد قدم أولياء وشيوخ الصوفية نظرة منهجية لمعرفة الله تستند على تلاوة الابتهالات، والتدرب على تطوير شخصية ورعة قويمة، بغية إذلال الأنا وتكريس النفس لخدمة المجتمع. ومن الممكن أن تصبح الصوفية اليوم ـ بتركيزها على القيم الإسلامية المشتركة ووضع الأهداف السامية نصب عينيها ـ بمثابة قوة كبيرة مضادة للإسلام السياسي المجاهد) .
وتستطرد قائلة: (وقد حذرت التعاليم الإسلامية الكلاسيكية علماء الدين من التقرب الكبير من السلطة السياسية) .
يقول (دانيال بايبس) : (إن هناك أخباراً سارة تقول: إن فكرة أن الإسلام المتطرف والعنفي هو المشكلة، وأن الإسلام المعتدل هو الحل تلقى رواجاً واسعاً مع الوقت ... كذلك فإن أشخاصاً بارزين مثل أحمد صبحي منصور، ومحمد هشام قباني يرفعون أصواتهم..) (٨) .
ويقول الباحث د. عبد الوهاب المسيري: (مما له دلالته أن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام، يشجع الحركات الصوفية. ومن أكثر الكتب انتشاراً الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين ابن عربي وأشعار جلال الدين الرومي، وقد أوصت لجنة الكونغرس الخاصة بالحريات الدينية بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية؛ فالزهد في الدنيا والانصراف عنها وعن عالم السياسة يضعف ولا شك صلابة مقاومة الاستعمار الغربي ... ) (٩) .
ويؤكد المستشرق الألماني شتيفان رايشموت أستاذ علم الإسلاميات وتاريخ الإسلام بجامعة بوخوم، أن (مستقبل العالم الإسلامي سيكون حتماً للتيار الصوفي) (١٠) .
ومن الجدير بالملاحظة أنه في عام (٢٠٠١م) أُطلقت مجموعة من الخطابات السياسية حول الإسلام الذي يريده الغربيون؛ (فقد شرح رئيس الوزراء البريطاني المقصود بهذا في خطاب موجه للزعماء والمسؤولين بالدول الإسلامية، دعاهم فيه إلى أن يعملوا جاهدين على أن يهيمن الإسلام (العادي أو الرئيسي) استخدم لفظ (main stream) بحيث يخضع له جميع المسلمين في شتى أنحاء العالم، والفكرة نفسها عبر عنها وزير الخارجية الأمريكي (كولن باول) في شهر نوفمبر (٢٠٠١م) في خطاب ألقاه بجامعة لويسفيل بولاية كنتاكي، حيث أشار إلى تبلور رؤية أمريكية للمجتمعات الإسلامية تقوم على أساس من قيم معينة تمس التكوين الثقافي والسياسي والعقدي لتلك المجتمعات) (١١) .
وفي يناير عام (٢٠٠١م) أقيم المؤتمر العالمي الأول لدراسات الشرق الأوسط الذي عقد بمدينة ماينز الألمانية وقد كان برنامج المؤتمر مكتظاً بالبحوث والدراسات المتنوعة؛ أما ما يتعلق بالإسلام والحضارة الإسلامية فثمة بحثان هما: الإسلام الحديث والطريقة النقشبندية ـ المجددية الصوفية، والأولياء الصوفيون وغير الصوفيين (١٢) .
في صيف عام (٢٠٠٢م) أصدرت مؤسسة (راند) (١٣) البحثية مقالة (١٤) عكست فيها رؤيتها للفروقات والتباينات بين الفئات والجماعات الإسلامية المختلفة في العالمين العربي والإسلامي، وسوف نورد منه بعض الفقرات التي تبين مدى اهتمام الغرب بالصوفية أو ما يسمونه بالإسلام التقليدي، فإن التقرير يقول:
(ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية بل العالم الصناعي المتمدن بأسره يفضلون عالماً إسلامياً يتماشى مع بقية النظام؛ أي يريدون عالماً إسلامياً يتسم بالديمقراطية، بالقابلية للنمو، بالاستقرار السياسي، بالتقدم الاجتماعي، بالتبعية لقوانين ومعايير السلوك الدولي. هذا بالإضافة إلى أن هذا العالم الإسلامي «المفضل» مُلزَم بالمساهمة في منع أي (صدام للحضارات) ، بكل صوره المتاحة والممكنة الممتدة من القلاقل المحلية المتصاعدة بسبب الصراعات بين الأقليات المسلمة والمواطنين (الأصليين) في الغرب؛ إلى العمليات العسكرية المتصاعدة عبر العالم الإسلامي، وما ينتج عنها من إرهاب وعدم استقرار.
ومن ثم فإن من الحكمة والاتزان تشجيع تلك العناصر ـ الموجودة في داخل الخلطة الإسلامية ـ التي تُظهر أكبر قدر ممكن من التعاطف والانسجام تجاه السلام العالمي، والمجتمع الدولي والديمقراطية والحداثة. إلا أن الأمر لا يبدو بهذه السهولة؛ فتعريف تلك العناصر وإيجاد الأسلوب الأمثل والأنسب للتعامل معها ليس بالأمر الهين.
ثم رصد التقرير أربعة عناصر موجودة على الساحة الإسلامية، وهي:
ـ الأصوليون الذين يرفضون القيم الديمقراطية والثقافة الغربية الراهنة.
ـ التقليديون الذين يسعون إلى خلق مجتمع محافظ.
ـ الحِداثيون (أهل الحداثة) الذين يبغون عالماً إسلامياً مندمجاً في داخل الحداثة العالمية.
ـ العلمانيون وهم يريدون عالماً إسلامياً مختزلاً للدين في الدوائر الخاصة على غرار الديمقراطيات الغربية.
ثم يوصي التقرير بوصايا متعددة للتعامل مع هذه التصنيفات. ومن هذه الوصايا:
ـ تأييد الاتجاه الصوفي، ونشره، والدعوة إليه..
ففي تقرير نشرته مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت» الأمريكية بعنوان (عقول وقلوب ودولارات) نشر عام (٢٠٠٥م) يقول التقرير في إحدى فقراته: (يعتقد الإستراتيجيون الأمريكيون بشكل متزايد أن الحركة الصوفية بأفرعها العالمية قد تكون واحداً من أفضل الأسلحة، وبينما لا يستطيع الرسميون الأمريكيون أن يُقِرُّوا الصوفية علناً، بسبب فصل الدين عن الدولة في الدستور الأمريكي، فإنهم يدفعون علناً باتجاه تعزيز العلاقة مع الحركة الصوفية ... ، ومن بين البنود المقترحة هنا: استخدام المعونة الأمريكية لترميم المزارات الصوفية في الخارج والحفاظ على مخطوطاتها الكلاسيكية التي تعود إلى القرون الوسطى وترجمتها، ودفع الحكومات لتشجيع نهضة صوفية في بلادها) (١٥) .
في (٣٠/١/٢٠٠٤م) نشرت جريدة (يني شفق) التركية خبراً مفاده أن الرئيس الأمريكي (جورج بوش) عرض على رئيس الوزراء التركي (رجب طيب أردوغان) خلال استقباله في البيت الأبيض يوم (٢٨/١/٢٠٠٤م) معالم المشروع الأمريكي الجديد لـ (الشرق الأوسط الكبير) الذي يمتد من المغرب حتى إندونيسيا، مروراً بجنوب آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز. وحسب ما جاء في الصحيفة؛ فإن المشروع طبقاً لما عرضه الرئيس الأمريكي، جعل من تركيا عموداً فقرياً، حيث تريد واشنطن منها أن تقوم بدور محوري فيه، حيث تتولى الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني، لدرجة أن الرئيس الأمريكي اقترح أن تبادر تركيا إلى إرسال وعاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي لكي يتولوا التبشير بنموذج الاعتدال المطبق في بلادهم، وأن هذا النموذج هو الأصلح للتطبيق في العالم الإسلامي، ومن ثم الأجدر بالتعميم لأسباب ثلاثة:
أولها: أنه ملتزم بالعلمانية التي تهمش دور الدين إلى حدّ كبير، بل وتعارض أي دور للدين في الحياة العامة.
السبب الثاني: أن تركيا تعتبر نفسها جزءاً من الغرب، وموالاتها للولايات المتحدة ثابتة ولا شبهة فيها، ومن ثم فهي تعد جزءاً من العائلة الغربية، وتحتفظ مع العالم الإسلامي بعلاقات شكلية.
السبب الثالث: أن تركيا لها علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، وهو الأمر الذي يلقى ترحيباً وتشجيعاً كبيرين من جانب واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي (١٦) .
(النموذج التركي.. الهدف.. كل هذه العوامل أسرعت بالدفع بخيار الحوار مع الإسلاميين المعتدلين في المنطقة إلى المقدمة، نموذج حزب العدالة والتنمية التركي بزعامة رجب طيب أردوغان في طبعته العربية هو ما تحلم به الإدارة الأمريكية لتسييده في المنطقة) (١٧) .
وفي تقرير (عقول وقلوب ودولارات) الآنف الذكر يقرر أنه لا بد من حل لمشكلة التيارات الإسلامية وأن (هناك حلاً للمشكلة أخذ يشق طريقه بمساندة من الولايات المتحدة لإصلاحيين تجمعهم رابطة الصوفية التي تعتبر فرعاً متسامحاً من فروع الإسلام) (١٨) .
وتؤكد بعض الدراسات (أن هناك تطورات تشير إلى أنهم يبحثون عن ضالتهم في الجماعات الإسلامية التركية التي يغلب على معظمها الصبغة الصوفية بأشكالها المختلفة ... واستناداً لتقارير نشرتها بعض الصحف التركية خلال الأيام الأخيرة، فإن مسؤولين من السفارة الأمريكية في أنقرة، قاموا بزيارات إلى بعض الجماعات الإسلامية والمؤسسات الخيرية لدراسة مدى شعبية ونفوذ كل جماعة، وتشير المصادر نفسها إلى أن الأمريكيين يعرضون على زعماء الجماعات التي يزورونها التعاون الاستراتيجي في نشر ما يسمى بـ (الإسلام المعتدل) في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير، وتقديم الدعم المادي والسياسي لجماعاتهم، وفتح مجال الدراسة لطلابهم في الولايات المتحدة. وفي تطور آخر، زار رئيس الشؤون الدينية التركية (علي بارداكوغلو) واشنطن في نهاية الشهر الماضي، وذكرت مصادر صحفية أنه بحث مع الأمريكيين خلال زيارته سبل التعاون في تعميم النموذج التركي، وطلب منه الأمريكيون خططاً ملموسة بهذا الشأن. ويبدو أن الأمريكيين اختاروا رئاسة الشؤون الدينية التركية للتعاون في صناعة ما يسمونه بـ (الإسلام المعتدل) ، لخبراتها وتجاربها في إماتة الروح الإسلامية الفعالة وضبط المشاعر الدينية كمؤسسة رسمية خاضعة لنظام علماني، وتسيطر على كافة الشؤون الدينية في البلاد كالإفتاء وتعيين الأئمة والخطباء للمساجد ومدرسي القرآن وغير ذلك) (١٩) .
- النشاط الصوفي بعد أحداث سبتمبر:
ويلحظ المتابع للحركة الصوفية النشاط المتسارع بعد الحادي عشر من سبتمبر بافتتاح المدارس والأكاديميات والأربطة لاستقبال المريدين، والقيام بالمؤتمرات الدولية حول الصوفية والتصوف، ودعم وسائل النقل الثقافي:
ففي ٢٨/٣/٢٠٠١م عقد في مدينة بامبرج الألمانية المؤتمر الثامن والعشرين للمستشرقين الألمان، ومن ضمن البحوث التي قدمت في المؤتمر بحث بعنوان «الأخوة الصوفية كحركات اجتماعية» ، و (الحركة النقشبندية في داغستان) و (التيجانية) في غرب أفريقيا، وصورة الموالد الشعبية في مصر (٢٠) .
وفي عام (٢٠٠٢م) تم افتتاح أقسام لتعليم اللغات (الإنجليزية والفرنسية والإسبانية) في المعاهد الشرعية التابعة للشيخ (أحمد كفتارو) النقشبندي، وهذه الأقسام تستقبل الطلبة الناطقين بهذه اللغات أو تعلم الطلبة العرب هذه اللغات كي يقوموا بالتدريس في هذه الدول بعد ذلك (٢١) .
وفي ١٢/٧/٢٠٠٣م نظم المركز الثقافي الأوروبي البلغاري ندوة حول أدب التصوف في الإسلام (٢٢) .
وفي أغسطس عام (٢..٣م) الموافق جمادى الآخرة (١٤٢٤هـ) صدر العدد الأول من المجلة المنعوتة: بـ (مجلة البحوث والدراسات الصوفية) وهي من مطبوعات جمعية العشيرة المحمدية بمصر وتقع في حوالي (٦٠٠) صفحة، وتصدر عن المركز العلمي الصوفي الذي يهدف إلى (إحياء التصوف في الأمة، ونشره على كافة مستوياتها، وبين كل فئاتها، وفي مختلف أوجه أنشطتها) ! (٢٣) .
وفي عام (٢٠٠٣م) شهدت مدينة (الإسكندرية) في الفترة من (١٨ ـ ٢١) إبريل المؤتمر العالمي للطريقة الشاذلية بمدينة الإسكندرية وقد انعقدت جلسات المؤتمر بمكتبة الإسكندرية بالتعاون مع (منظمة اليونسكو) و (المركز الوطني الفرنسي للبحوث والدراسات العلمية) و (المعهد الفرنسي لآثار الشرقية) و (الوزارة الفرنسية للبحث العلمي) و (وزارة الخارجية الفرنسية) و (دار العلوم الإنسانية بفرنسا) وأخيراً (وزارة السياحة المصرية) (٢٤) .
وفي عام (٢٠٠٤م) اقيمت على مدى عشرين يوماً محاضرات عن الحلاج وابن عربي وابن الفارض في الدانمارك (٢٥) .
وفي سبتمبر من عام (٢٠٠٤م) تم افتتاح الأكاديمية الصوفية بمصر (٢٦) .
وفي ٩/١/٢٠٠٤م أعلن في العراق عن تشكيل «الأمانة العليا للإفتاء والتدريس والبحوث والتصوف الإسلامي» التي من أهدافها «إنشاء المدارس الدينية ودعم الطرق الصوفية» (٢٧) .
وفي (١٠/٩/٢٠٠٤م) أقيم مؤتمر هو اللقاء الأول من: (لقاءات سيدي شيكر العالمية للمنتسبين إلى التصوف) تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس) (٢٨) .
يقول الدكتور عمار حسن: «وفي الفترة الأخيرة في مصر ظهر جلياً تقرب الحكومة من المتصوفة وتقرب المتصوفة من الحكومة، بل السعي من الطرفين للتقارب؛ فقد خلقت الظروف الملائمة للتحالف ضد الجماعات الإسلامية أمام الرأي العام باعتبارها طرحاً دينياً له مكانته عند المصريين؛ بينما هي تحتمي بالنظام ضد ممارسات الجماعات السلفية التي ترى تحريم رفع القباب على القبور وتحريم الطواف بها وعبادتها والتي تتعيش الجماعات الصوفية على بثها بين الناس والتي لولاها لتقوض ركن ركين من أركان التصوف، ومن هنا فقد حرصت السلطة السياسية على حضور الموالد والاحتفالات الصوفية، بل صار شيخ مشايخ الصوفية (أبو الوفا التفتازاني) ـ توفي ـ عضواً في الحزب الحاكم ورئيساً لعدة لجان داخل جهاز الدولة، بل حرص رئيس الدولة بنفسه على الصلاة في مساجد الأولياء مثل سيدنا الحسين والسيد البدوي» (٢٩)(٣٠) .
وفي ديسمبر من عام (٢٠٠٤م) أقيم في عاصمة مالي (باماكو) المؤتمر العالمي الأول للطرق الصوفية بغرب أفريقيا تحت شعار: (التصوف أصالة وتجدد) (٣١) .
وفي الفاتح من سبتمبر من عام (٢٠٠٥) أقامت الجماهيرية الليبية مؤتمراً دولياً بعنوان: (الطرق الصوفية في أفريقيا/ حاضرها ومستقبلها) ومن أهداف المؤتمر اقتراح الخطط والوسائل والبرامج التي تساعد على تفعيل دوره، أما شعار المؤتمر فهو: (معاً من أجل تفعيل دور الطرق والزوايا الصوفية في أفريقيا) (٣٢) .
وفي (٥) يوليو (٢٠٠٥م) أقيم مؤتمر (حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر) الذي بدأ أعماله في العاصمة الأردنية (عمان) برعاية العاهل الأردني الملك (عبد الله الثاني) وقد قرر في خطابه فكرة التصوف واصفاً له بالتصوف المعتدل، فقال: (لقد أفتى شيخ الأزهر بأن الفكر الصوفي المعتدل مقبول ما دام يستند إلى الشهادتين؛ ذلك أن الاعتراف بالمذاهب هو اعتراف بمنهجية الإفتاء وتحديد من هو المؤهل لهذه المهمة، مما يؤدي إلى عدم تكفير بعضنا بعضاً، وإغلاق الباب أمام الجاهلين الذين يمارسون أعمال القتل والإرهاب باسم الإسلام والإسلام منها بريء) (٣٣) .
إن هذه المؤتمرات المتلاحقة حول التصوف تنبئ أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن الأمة مقبلة على مد صوفي يراد إحياؤه من جديد بعد أن بدأ بالخمود، سواء أكان هذا التحرك ذاتياً من قِبَل الجماعات الصوفية، أم هو بتحريك غربي عربي؛ فالخطر العقائدي لا يزال قائماً.
إنها مخططات واضحة جلية، ودراسات تعي ما تريد وتخطط لما تطرح بخطوات ثابتة، بل توصي مثل هذه الدراسات بألا تقوم الولايات المتحدة بتدريب الأئمة المحليين في المساجد والمراكز الإسلامية لدعم الصوفية بنفسها، بل تمول في ذلك السلطات المحلية، على أن يتم بشكل مواز دعم التعليم العلماني في هذه المنطقة جنباً إلى جنب مع تقديم منح مالية لترميم ورعاية الأضرحة الصوفية والعناية بالمخطوطات والتراث الثقافي الصوفي. والخطوة الأكثر أهمية هي تعيين أئمة المساجد وخطبائها وتخصيص مناصب وزارية للمتعاطفين مع الصوفية؛ بحيث يتم إعادة ترتيب الأدمغة التي (أفسدها «الأصوليون» قليلو البضاعة الفقهية) . نحن إذن أمام سيناريو يعيد إلى الأذهان الأسلوب السوفييتي القديم الذي اعتمد على احتضان ما اصطُلح على تسميته بـ «إسلام السلطة Official Islam» في مقابل ممارسات إسلامية تخضع للمراقبة والمتابعة الأمنية تعيش تحت الأرض سميت في ذلك العهد بـ (الإسلام السري) أو الموازي Parallel Islam (٣٤) .
يقول الباحث الدكتور عامر النجار: (إنه قد يكون مما ساعد على انتشار الطرق الصوفية في مصر انتشاراً عجيباً، واندفاع عشرات الألوف من المصريين للانضمام تحت لواء هذه الطرق هو تشجيع الحكام أنفسهم لحركات الطرق الصوفية، ليشغلوا الشعب المصري عن التفكير في أحوال البلاد، فبدلاً من أن ينشغل الإنسان المصري بالتفكير في ظروفه الاجتماعية والاقتصادية السيئة، وبدلاً من أن يفكر في فقره وبلائه، وبدلاً من أن يفكر في طريقة للخلاص من وضعه السيئ بالثورة على الحاكم؛ فإن الحاكم نفسه يعمل على شغل فكره من خلال تشجيعه إلى الانضمام إلى إحدى الطرق الصوفية فيجد عالمه وخلاصه في رحاب الطريق؛ وهكذا انشغل المصريون كلهم في هذه الحقبة من الزمن بالطرق الصوفية وتركهم الحكام) (٣٥) .
ومن البدهي أن نقول: إن هذه المؤتمرات بعناصرها وأوراق العمل التي تعرض فيها هي برامج للتنفيذ والعمل المباشر؛ وهذا ما نلحظه من خلال الواقع الذي نعيشه.
إن المتأمل للنشاط الصوفي المعاصر يجد نفسه أمام تيار جديد، صوفي المشرب، متحضر الأدوات، واسع النظرة يتعامل مع الواقع السياسي، ويتبنى العمل التربوي المنظم من افتتاح حلقات تحفيظ القرآن واللقاءات المنظمة واستخدام الدعوة الفردية إلى تهيئة رحلات ودروس خاصة للمريد مع لقاءات تتلى فيها البردة في حلقات فلكلورية يردد فيها لفظ الجلالة إلى حد الفناء والجذب.
ولْيكنْ معلوماً أن التصوف بطرقه ورجالاته ومريديه وأربطته لم يعد حالة من الزهد والتعبد الفردي كما بدأ؛ بل صار مؤسسات ضخمة لها امتداد عابر للقارات، بعضها يجتهد في أن يلعب دوراً دينياً وسياسياً واجتماعياً، وبعضها تماهى في الفلكلور وتم اختزاله إلى ظاهرة احتفالية بعد أن التصقت بثوب التقليدية، وتكلست عن إنتاج أي ممارسات سياسية إيجابية إلا ما تستفيد منه السلطة في تكريس نفسها. وهناك طرق صوفية تواكب الحداثة وتنخرط في العمل العام حتى تتمكن من دفع رموزها إلى قمة الهرم السياسي مثل ما هو الحال في تركيا، ولكنها مع وصولها إلى قمة الهرم السياسي نجدها تفقد مقومات الإسلامية فيها (٣٦) .
وبناء على هذا فإنه لا يصح شرعاً وواقعاً أيضاً جعل الصوفية والمنتسبين إليها في سلة واحدة أو أن نحكم عليها بحكم عام يشمل جميع المتصوفة لا من جهة المواجهة ولا من جهة الحكم الشرعي التوصيفي؛ فلا بد إذن من معرفة الواقع الذي تعيشه هذه الجماعات حتى يتم الحكم والتعامل معها بناء على أسس علمية جلية.
إننا أمام مفارقة تأريخية تحتاج إلى الرصد والمتابعة.
- مظاهر تسترعي الانتباه:
حين دخلت القوات الصليبية الأمريكية والبريطانية إلى البلاد الأفغانية كان أول ما قاموا به أنهم فتحوا المزارات والأضرحة، وسمحوا للموالد أن تقام وروجوا لها. يقول أحد شيوخ الطرق واسمه (صوفي محمد) وهو في الستين من عمره لوكالة (رويترز) : (إن حركة طالبان المتعصبة أغلقت المزارات وأوقفت الاحتفالات ومنعتنا من حلقات الذكر والإنشاد طوال فترة حكمها رغم أنها لم تتوقف حتى في وجود الحكم الشيوعي والاحتلال الروسي! وأنا سعيد جداً بسقوط تلك الحركة المتعصبة، وأمريكا سمحت لنا بممارسة طقوسنا وإقامة موالدنا، ونحن نشكر لها ذلك وبشدة) هكذا قال وهكذا فعلت أمريكا: فتحت الأضرحة وأقامت الموالد لإحياء البدعة ومحاربة السنة ولتشويه الإسلام (٣٧) .
وفي صيف (٢٠٠١م) شنت الحكومة اليمنية هجمة شرسة على جميع المعاهد الدينية بحجة مكافحة الإرهاب، فقامت بإغلاقها عدا (دار المصطفى) بـ (تريم) وهي تتبنى النهج الصوفي (٣٨) .
وفي زيارة هامة للرئيس الباكستاني (برفيز مشرف) إلى الهند شملت إجراء محادثات مع رئيس الوزراء الهندي (مانموهان سينج) . توجه الرئيس (مشرف) لولاية راجستان بغرب الهند لزيارة ضريح إسلامي بارز، ثم توجه إلى العاصمة دلهي (٣٩) .
وقام الرئيس الجزائري (عبد العزيز بوتفليقة) بزيارات مكثفة لعدد من زوايا وأضرحة (الأولياء والصالحين) المنتشرة في مختلف أنحاء الجزائر؛ لزيادة شعبيته لدى عدد كبير من الجزائريين الذين يتبركون بهؤلاء الأولياء، وذلك قبيل الانتخابات الرئاسية التي أقيمت في الثامن من إبريل (٢٠٠٤م) (٤٠) .
وفي ١٦ شوال ١٤٢٦ حضر مولد البدوي السفير الامريكي في القاهرة معلناً عن إعجابه الشديد بعالم التصوف الإسلامي، لافتاً إلى ما تنطوي عليه الصوفية من تسامح، وما تجسده من قيم ومبادئ إسلامية رفيعة مثل الحق والخير والجمال! (٤١) .
وفي العراق أيضاً ـ في مدينة كركوك ـ أوضح عدد من أهالي المدينة أن مِن المتصوفة في المدينة مَن أخذوا يهادنون الاحتلال والحكومة المعينة خوفاً من الاعتقال، خاصة شيخ الطريقة الكستزانية ويدعى محمد الكستزاني والذي أعلن قبل أشهر أن الجهاد في العراق ينبغي أن تنطبق عليه عدة شروط قبل إعلانه منها: صفاء القلب وتحقيق الصلة بين العبد وربه. وهو ما أثار حفيظة المقاومة العراقية وأهالي المدينة على حد سواء (٤٢) .
وأخيراً نقول: إننا نخشى أن يؤاخذنا الله بعدم تبليغ دينه كما يريده سبحانه، ونخشى من انطماس حقائق الديانة، وانتشار الطائفين حول الأضرحة والقبور بحجة العبادة، وحلول الأذكار المبتدعة بالحركات الراقصة محل الأذكار النبوية التي تطمئن بها القلوب المؤمنة، وانتشار الخرافة والجهل محل العلم واليقين، وتعطل الأسباب بحجة الكرامات، وفهم الدين عن أرباب التصوف.
يقول الأستاذ محمد فريد وجدي: (يجب أن نعذر الأوروبيين إذا صدَّقوا جميع الأكاذيب الملفقة عن الإسلام والمسلمين، وهم غير ملومين إذا أظهروا العداوة لديننا ما داموا لا يجدون نصب أعينهم غير مشاهد البدع التي أحدثها رجال ذوو فكر سقيم، وارتضاها الناس وزادوا عليها وما إلى ذلك من الهرطقات والأخطاء المتنافية مع الطبيعة البشرية ومع نواميس المدنية، وكيف نرجو أن يفهم الأوروبيون روح ديننا نفسها وهو الدين الوحيد الذي يكفل السعادة الكاملة ما داموا لا يعرفون غير بعض مظاهر الإسلام الخارجية التي يشهدونها كل يوم مثل الحشود الضاجَّة في الشوارع السائرة خلف الرايات والطبول، والاحتفالات المستهجنة المنافية لكل منطق أخلاقي والتي تقام في جميع مدن مصر يوم مولد الرسول، وعقد حلقات الذكر الضخمة أمام جمهور يتألف من آلاف الناس، وإرسال الابتهالات الصوفية في صوت جَهْوَري وعلى وقع الانحناءات ذات اليمين وذات اليسار وما شابه ذلك؟) (٤٣) .
ويقول الباحث د. عامر النجار (٤٤) : (وإذا كان القرن السابع الهجري في مصر يمثل في أغلب فتراته اضمحلالاً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً إلا أنه كان عصر انتشار الطرق الصوفية: البدوية، والشاذلية، والدسوقية، وازدهرت فيه وقويت طريقتا الرفاعية والقادرية) .
ثم يعقب قائلاً: (مما يجعلني أقول بحذر شديد حتى أوضح هذه الفكرة: إنه يحتمل مع وجود تدهور في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لدى شعب من الشعوب أن يبدأ انسحاب الناس وتلمس أثر الهزيمة واضحاً في فكرهم، بعضهم يهرب من الحياة منعزلاً في صومعة يعبد ربه بعد أن أخفق في الحياة التي أجبرته ظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على الانسحاب من أنشطتها) .
ثم ينقل عن الباحث هيلر قوله: (إن ذيوع التصوف يصحب تدهور الحضارات) ثم يقول: (والذي يفهم من هذا الرأي ببساطة هو أن نضج التصوف، وتطوره يصاحب دائماً تدهور الحضارة، أي أنه لا يمكن أن تكون هناك حضارة متقدمة وزاهية يصاحبها تصوف ناضج ومكتمل) (٤٥) .
ولكن مع هذه التحركات التي يراد منها ولها أن تنشر الخرافة والشرك بين جنبات الأمة وتميت روح العزة والفداء، وتنهمك في حلقات راقصة من الذكر المزعوم، وتعتمد اعتماداً كلياً على كرامات مدَّعاة في تعلق عجيب، أقول:
إن نظامنا العقدي هو أقوى من كل الأنظمة، وإن لدينا من القيم والمناهج ما يمكننا من أن نقدم رؤية متكاملة لإصلاح الفساد القائم؛ لكننا نحتاج أن نغادر مرحلة الانطواء إلى مرحلة بناء الخطوط المتقدمة وفتح خطوط حيوية في أرض الآخرين.
أسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 5566
الشيخ رائد صلاح: الحفريات تحت المسجد الأقصى اعتداء صارخ على مقدساتنا
متابعة: خباب بن مروان الحمد
يُثار من حين لآخر حديث حول الحفريات التي يقوم بها الجنود الصهاينة تحت المسجد الأقصى الشريف؛ بدعوى العثور على آثار قديمة تعود إلى آلاف السنين، تثبت أنَّ لهم حقّاً تاريخيّاً في هذه البقعة المباركة.
وبما أنَّ قضية فلسطين والتي نعدُّها رأس القضايا الإسلاميَّة التي ينبغي على جميع المسلمين مناصرتها والوقوف في وجه من يراغمها ويناكفها، ومن ذلك هجمة الصهاينة على المسجد الأقصى المبارك فقد اتَّجهنا إلى رئيس الحركة الإسلاميَّة في الداخل الفلسطيني، ورئيس مؤسسة «إعمار الأقصى والمقدَّسات الإسلامية» الشيخ رائد صلاح، لاستجلاء الحقيقة حول هذه الهجمة وأبعادها الخطيرة، فتفضل متحدثاً إلى مجلة البيان قائلاًَ:
قد يتساءل بعض الناس: كيف استطعنا كشف أمر بناء كنيس يهودي تحت المسجد الأقصى المبارك؟ وإجابة عن هذا السؤال: فإنَّه في البداية تسربت إلينا معلومات حول وجود حفريات خطيرة تقوم بها جهات يهوديَّة تحت المسجد الأقصى المبارك، ووصلتنا من ثَمَّ معلومات بأن هذه الحفريات أخطر من التي تقوم بها سلطات الاحتلال منذ سنوات طويلة. وعلى ضوء ذلك بدأنا في مؤسسة «إعمار الأقصى والمقدسات الإسلامية في المناطق الفلسطينية المحتلة عام ٤٨م» ، بمحاولة للوصول إلى موقع الحفريات والوقوف على صورة ما يجري هناك، بطرائق وأساليب معينة لا يمكن الحديث عنها.
وبالفعل نجحنا في الوصول إلى موقع الحفريات المحدد، وقمنا بتوثيق ذلك بتصوير عدة أجزاء لهذا الموقع بالصور الفوتوغرافيَّة وكذلك بالفيديو، إضافة إلى تصوير مواقع كثيرة مليئة بالحفريات والأعمال العدائية الصهيونيَّة التي تجري حالياً تحت المسجد الأقصى الشريف مباشرة.
وبناءً على ذلك قمنا بتحديد موقع هذه الحفريات على الخارطة، ومكانها بالتحديد بالنسبة للمسجد الأقصى المبارك، وقد اتَّضح من خلالها ما يلي:
ـ قامت المؤسسة اليهوديَّة ببناء سبع غرف بهدف أن تكون مركزاً لتجسيد التاريخ اليهودي قديماً وحديثاً. وقد وُضع في كل غرفة مجسم يرمز إلى هذه المراحل التاريخية، وفي إحدى الغرف وجد مجسم يرمز إلى ما يسمونه «خراب الهيكل» ، وجميعها تحت المسجد الأقصى.
وهذا المبنى خطير جداً، ورسالته أكثر خطورة، حيث تحاول المؤسسة اليهوديَّة من خلال هذه الغرف أن تقول إن تاريخ اليهود يمتد تحت المسجد الأقصى المبارك، وهذا اعتداء صارخ ورسالة مزيفة ومضللة وخادعة لكافة أهل الأرض.
ـ وفي موقع آخر مجسم يرمز إلى «جبل بيت المقدس» يضعون على قمته مجسماً لقبة الصخرة. ويقوم المسؤولون عن هذه المواقع بعرض إزالة قبة الصخرة المشرفة أمام الزائرين، ومن ثم وضع مجسم «يرمز إلى هيكلهم المزعوم» . ويجرون هذه العملية أمام السائحين الذين يأتون بهم من كافة الدول. ويهدف اليهود من خلال هذا الموقع بالذات إلى إجراء غسيل دماغ، وتهيئة العالم لهدف يطمعون في تحقيقه، وهو بناء الهيكل المزعوم على حساب المسجد الأقصى المبارك.
ـ وفي الموقع الثالث: مجسم كبير لهيكل بحجم غرفة، وتحيط به كراسٍ على شكل مدرج دائري، ويقوم المسؤولون عن هذا الموقع باستقبال الزائرين الذين يتم انتقاؤهم، واستجلابهم إلى هذا المكان؛ لغسيل أدمغتهم وإقناعهم بأسطورة الهيكل المزعوم، وتحريضهم لمخطط إقامة وبناء الهيكل.
ـ في الموقع الرابع ـتم اكتشاف بناء كنيس يهودي من طابقين، لا يبعد عن قبة الصخرة سوى (٩٧) متراً، ويوازي قبة الصخرة المشرفة.
وإلى جانب هذا الموقع كشفنا أمراً غاية في الخطورة؛ حيث تبين لنا خلال الجولات التي قمنا بها، أن هناك حفريات تجري تحت المسجد الأقصى مباشرة، وفي أكثر من اتجاه، وعلى أعماق مختلفة وجميعها تتركز تحت المسجد الأقصى مباشرة.
وأمَّا عن تأثير هذه الحفريات والاكتشافات الجديدة على بنية المسجد الأقصى فلا ريب في ذلك، بدليل أن هناك تصدعات في المباني القائمة في المسجد الأقصى، وبعد الفحص تبين أن السبب الوحيد في ذلك هو الحفريات الإسرائيلية المتواصلة منذ عام ١٩٦٧م العام الذي احتلَّ فيه اليهود الصهاينة مدينة «القدس» .
كما أنَّ هذه الحفريات يقف وراءها من يطمحون للوصول إلى المسجد الأقصى القديم الذي يقع تحت الأرض، وإلى المصلى المرواني الموجود تحت الأرض، وهما مبنيان تابعان لبناء المسجد الأقصى الظاهر فوق الأرض، فهذه الحفريات مقدمة خطيرة للسيطرة على هذين المبنيين الجزء تلو الآخر.
ولا ننسى أنَّ هذه الحفريات والمجسمات التي أقيمت مؤخراً، تعتبر اعتداءً صارخاً على ما يرمز إليه المسجد الأقصى المبارك بالنسبة للمسلمين، فهو مسرى الرسول ﷺ ، وهو الأخ الشقيق للكعبة المشرفة، وقد جرت هذه التوأمة في آيات سورة الإسراء، كما أنَّه حق ديني وتاريخي وحضاري للمسلمين.
وبالنسبة لمطالبنا حول ذلك فلقد أعلنَّا من خلال مؤتمر صحفي عن كافة هذه المعلومات السابقة، وقمنا بشرحها أمام وسائل الإعلام، ونشرنا كل ما لدينا من صور وخرائط إلى جميع العالم. كما سنقوم بتوصيل هذه المعلومات والوثائق إلى جميع من يهمه الأمر في العالمين العربي والإسلامي، وإلى رابطة العالم الإسلامي، واتحاد المساجد في العالم، وكافة من نستطيع إيصالها إليه من رؤساء الدول والملوك، على أمل أن تكون هذه المواد أمانة في أيدي كل من تصله، من أجل أن يأخذ كل مسلم دوره في سبيل دفع هذه الاعتداءات الخطيرة على المقدسات الإسلامية.
كما نقوم بإعداد رسالة تتوجه إلى علماء المسلمين وخطبائهم، من أجل حثهم على التحدث عن موضوع الأخطار والحفريات التي تهدد المسجد الأقصى، من على كافة منابر الأرض، وخاصة على منبر المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، وكل ذلك من أجل ربط المسلمين بكافة ما يحدث في القدس، ومن أجل أن يظل الأقصى والمقدسات الإسلامية حية في نفس كل مسلم؛ لأن أهم أهداف الاحتلال إبعاد قضية الأقصى والقدس عن قلوب المسلمين ونفوسهم.
كما أنَّ هناك خطوات جدية من أجل التوجه إلى الجاليات العربية والمسلمة، في أوروبا وأمريكا، وهناك خطة لعقد مؤتمر على مستوى القارة الأوروبية من أجل كشف المخاطر المحيطة بالمسجد الأقصى واستنهاض العالم كاملاً لردِّ هذه الهجمة، وكذلك مؤتمر مماثل على مستوى القارة الأمريكية يتم تنظيمه للجاليات العربية والمسلمة هناك، وهناك مساع لتنظيم مظاهرة ضخمة في أمريكا أيضاً من أجل مناصرة القدس.
وأما على الصعيد الفلسطيني، فنحن نؤكد ـ بإذن الله ـ أننا سنواصل شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، من خلال قوافل الأهالي في مناطق «المثلث والجليل والنقب» ، وكذلك المدن الساحلية: «عكا وحيفا واللد ويافا والرملة» ، وذلك بشكل يومي، استمراراً لمسيرة «البيارق» التي بدأت منذ أعوام، والتي تسعى إلى إيجاد رابط دائم بين الفلسطينيين القاطنين في المناطق المحتلة عام (٤٨م) تعويضاً عن منع فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة من الوصول إلى المدينة المقدسة.
وإننا نرى في هذا الرباط الدائم الذي يقوم به عشرات الآلاف من المصلين يومياً حزام أمان يحافظ على المسجد الأقصى المبارك، ويدرأ عنه محاولات اعتداء يهودية متطرفة بشكل يومي، ومن شأن هذا أن يساهم في دفع خطر كبير، ويرد كيداً كبيراً عن المسجد الأقصى.
وعلى الرغم من أننا في فلسطين المحتلة عام (٤٨م) نلتمس العذر لإخواننا في الضفة الغربية وقطاع غزة، بسبب منعهم من الوصول إلى القدس، وفرض الحصار والحواجز عليهم، إلا أن كل هذا لا يعفي السلطة الفلسطينية ولا الأحزاب والقوى الفلسطينية المختلفة من أن تجعل قضية القدس الشريف قضيتها الأساسية، خاصة في هذا الوضع الراهن.
وإنَّني أقول ـ هنا ـ: يجب على جميع المسلمين التحلي باليقظة الدائمة؛ لأن هذه السنوات ستحمل عدة محاولات لاعتداءات كثيرة على المسجد الأقصى، وعلى مستقبله، ومن ثَم علينا أن نكون ـ كمسلمين ـ على مستوى الأمانة التي نحملها في أعناقنا، باستنهاض الهمم والقيام بواجبنا تجاه مقدسات المسلمين، واستجابة للشعار الذي أطلقناه منذ سنوات والقائل بأن «الأقصى في خطر» .
стр. 5567
مسؤولية الكلمة كم هي ثقيلة !
مها الجريس
ليس من الغريب أن نذكر أنفسنا بين الحين والآخر بأمانة الكلمة ومسؤولية الفرد عما يقوله في شان من أمور الدنيا أو ما يتعلق بالآخرة، والنصوص المتواترة في هذا من الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر.
كم هي ثقيلة أمانة الكلمة! وكم هو عبؤها أثقل حينما تخرج من عالمٍ أو طالب علمٍ أو داعية يصدر الناس عن رأيه وينثنون إلى قوله!
ماذا أتعب العلماءَ الربانيين غيرُ هذا؟
ألم يكن للإمام أحمد رخصة في محنة القول بخلق القرآن، وكان لغيره ألف مسلك للتأويل وفقه الإكراه؟
إنها الأمانة الثقيلة التي عبَّر عنها موقف الإمام في المحنة، حينما رأى الناسَ وطلابَه ـ وهم بالآلاف ـ قد أمسكوا الأقلام ينتظرون ما يقول ليكتبوا عنه.
واليوم كيف هو الحال؟
ماذا يمكن أن نقول لمن يصدر الناس عن رأيه في زمانٍ كهذا وفتن مدلهمات؟
وكم هم تلاميذ الإمام أحمد وناقلو رأيه أمام ملايين البشر الذين يستمعون لهؤلاء اليوم في مواقعهم الإلكترونية أو عبر شاشات الفضائيات!
إن المسؤولية اليوم عظيمة وثِقَل الأمانة يتضاعف؛ فالكلمة يطير بها الإعلام بثوانٍ معدودات من غير مركوب ولا ركبان.
والزمان في غربة من الدين وأهله، والأعداء قد رموه عن قوسٍ واحدة، وما يمكن قوله ـ اليوم ـ قد لا يمكن غداً، وما ذاك إلا لتقلّب الأحوال وتصاريف الأيام بأمور وأحوال تجعل الحليم حيران.
كل هذا وذاك يجعلنا نقف وقفة طويلة أمام ثقل الأمانة الشرعية وعظيم المسؤولية الدنيوية؛ لما يصدر اليوم من أقوال وآراء تنتشر هنا وهناك، ليس منها ـ في بعض الأحيان ـ ما يوصف باجتهادات خاطئة يُؤجر صاحبها مرة واحدة، بل لا تعدو أن تكون قناعات شخصية أو آراء سياسية أو حضارية لم توزن بميزان الفتاوى الشرعية، يتناقلها الناس عن بعض الدعاة وطلاب العلم في برامجهم التي لم تكن أصلاً للإفتاء.
وأخيراً:
هل يدرك هؤلاء العلماء والدعاة أنهم ملء السمع والبصر، وأن الناس قد انتظروا ما يقولون ليحملوا عنهم، ولو لم يجمعهم مجلس علم أو ساحة مناظرة، ومن غير أقلام ولا قراطيس، وإنما عبر الأثير وفي برامج حوارية أو ثقافية أو اجتماعية؟
لِمَا مضى ولغيره أرجع فأقول: حقاً! كم هي ثقيلة أمانة الكلمة ومسؤولية الفرد! والله المستعان.
стр. 5568
النووي الإيراني ... والموقف الأمريكي
حسن الرشيدي
(إيران هي القاسم المشترك لكل مشكلاتنا في المنطقة) هكذا قال مسؤول أمريكي في تصريح ينم عن مدى التوتر وعمق الأزمة في العلاقات الإيرانية الأمريكية، ولكنه يكشف في الوقت نفسه عن الوعي الأمريكي بالدور المتعاظم لإيران في المنطقة مما يدفع المرء إلى التساؤل: هل تسعى أمريكا حقاً إلى حرمان إيران من السلاح النووي؟ وما حقيقة الموقف الأمريكي إذن من السلاح النووي الإيراني؟
الموقف الأمريكي كما عبرت عنه التصريحات الرسمية المعلنة يعتمد موقف المواجهة للمشروع النووي الإيراني، ووصل إلى التهديد بالحرب وإجهاض هذا المشروع بالقوة المسلحة سواء أكان ذلك بالطريق المباشر أي استخدام القوات الأمريكية وخاصة الموجودة بالجوار العراقي، أو التلويح بالذراع الصهيونية والتذكير بما فعله طيران العدو بالمفاعل النووي العراقي في ضربة قاصمة عام ١٩٨١.
ولكن في الوقت نفسه فإن إيران تبدو ماضية في مشروعها بالمزج بين الوسائل الدبلوماسية والسياسية، والتلويح بأوراقها المختلفة في المنطقة، ومنها الرد العسكري على أي ضربة توجه إليها؛ بينما يبدو الموقف الأمريكي في نظر بعضٍ كأنه غير مكترث بما يجري.
وما بين التهديدات وعدم المبالاة يدور المشهد الأمريكي في حلقة غامضة تثير الحيرة والبلبلة.
ولفك معضلات هذا المشهد يجب أولاً تتبُّع الإستراتيجية النووية الأمريكية في العالم، ثم فهم دوافع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ومن ثم موقع إيران في هذه الإستراتيجيات.
- الإستراتيجية الأمريكية النووية:
كان اكتشاف السلاح النووي بما يحمله من قوة تدميرية هائلة ومرعبة، والاستخدام المبكر له في هيروشيما ونجازاكي في اليابان على يد الولايات المتحدة الأمريكية في الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية قد صاغ بشكل تفصيلي وحاسم مفردات النظام العالمي الذي ساد بعد الحرب، واستمر حتى بداية التسعينيات من القرن المنصرم.
وفي هذا المجال يرى الاستراتيجي الأمريكي البارز (برنارد برودي) أن الأسلحة النووية قد فتحت عصراً جديداً طوى الاستراتيجيات والخبرات العسكرية السابقة وقلل من شأنها، وطرح إستراتيجية فعالة وحيدة هي إستراتيجية الردع النووي.
وتقوم إستراتيجية الردع النووي قبل كل شيء على المناورة بالتهديد باستخدام السلاح النووي؛ هذه المناورة التي تجعل الشك ممكناً.
كانت فكرة الردع أحد أحجار الزاوية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها طوال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية. وحسب التصريحات الرسمية في ذاك الحين فإن القوات المسلحة الأمريكية لن تُستخدمُ لبدء الحرب، ولكن قواتها بوجود الأسلحة النووية ستردع أي عدو محتمل في اتخاذ خطوات عدوانية. فالمساواة الكمية العددية بين أسلحة الطرفين المتصارعين مسألة لا قيمة لها في ميدان التوازن النووي.
- ما معيار الردع النووي؟
إن معيار الردع النووي يتضمن جانبين أساسين هما:
الأول: هو القدرة على تدمير المراكز السكانية والاقتصادية والمدنية الهامة.
الثاني: هو القدرة على امتصاص الضربة المعادية النووية الأولى، وحماية المراكز البشرية والإنتاجية والمدنية والعسكرية الهامة وخاصة وسائط الردع النووي، ومن ثم امتلاك القدرة على الرد.
ومنذ عام ١٩٧٨ تعهدت الولايات المتحدة بعدم استخدام السلاح النووي ضد دول لا تمتلكه، وقد التزمت الدول النووية الرسمية الخمس (الصين، وفرنسا، وبريطانيا، وروسيا، وأميركا) بهذا التعهد بشكل علني عند إقرار معاهدة الحد من نشر الأسلحة النووية عام ١٩٩٤ بعد ٢٦ عاماً من توقيعها.
لذلك بعد انتهاء الحرب فقدَ مبدأُ استبعاد القوة النووية مبرره؛ وذلك مع انتهاء عصر الثنائية القطبية، وظهور عالم القطب الواحد وانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم، وبدا ذلك في استحداث إستراتيجية أمريكية نووية بديلة عن الإستراتيجية السائدة في فترة الحرب الباردة والتي ظلت فيها الأسلحة النووية بعيدة عن الاستخدام الفعلي الخاضعة ففي الوقت نفسه للتطوير والتحديث ـ. وفي سبتمبر ١٩٩٦ وقّع الرئيس (بيل كلينتون) مذكرة رئاسية تراجع فيها عن التعهد الذي أُقر عام ١٩٧٨ بعدم استخدام الأسلحة النووية ضد دول لا تمتلك هذا السلاح.
وفي مايو ٢٠٠٢ تعهدت الولايات المتحدة لروسيا بتقليص عدد الرؤوس النووية الهجومية التي تمتلكها من ٦٠٠٠ إلى ٢٠٠٠. وقد تبين فيما بعد أن هذا الوعد كان مجرد سراب؛ إذ إن العسكريين الأميركيين احتفظوا في الواقع بعدد كبير من الرؤوس النووية المخزونة التي يمكن إعادة تنشيطها خلال بضعة أيام عند الحاجة.
وفي يناير ٢٠٠٥ خطت الولايات المتحدة خطوة غير مسبوقة؛ فقد قدم وزير الدفاع (دونالد رامسفيلد) إلى الكونغرس مشروعاً باسم إعادة النظر في السياسة النووية وفيه تناول أساساً إحاطة مشروع إعادة إطلاق الترسانة الأميركية النووية بصيغة إستراتيجية. وتذكر هذه الوثيقة أن الولايات المتحدة باتت تواجه أخطاراً متعددة ذات مصادر متنوعة ليست كلها متوقعة، وأن الترسانة المتوفرة لا تحوي أسلحة دقيقة بالشكل الكافي، بل أسلحة قوية جداً وذات قدرة محدودة جداً على اختراق الأرض. وقد استعرض التقرير ١٤٠٠ هدف تحت الأرض، واعتبر أنه ليس للأسلحة التقليدية قوة اختراق كافية لتدميرها، وأوصى بضرورة العودة إلى التجارب النووية، من أجل تأمين زمن سير أطول للأسلحة البعيدة المدى، ومن أجل إنجاز تصنيع الرؤوس النووية الجديدة. وقد وُضع مشروع لائحة بأسماء سبع دول يمكن استخدام السلاح النووي التكتيكي من الجيل الجديد ضدها وهي: روسيا، والصين، والعراق، وإيران، وكوريا الشمالية، وليبيا، وسوريا. وقد أشار (مايكل شايفز) الناطق باسم البنتاغون إلى أن على واشنطن أن تعتمد إستراتيجية نووية تواجه بها مباشرة الأخطار المستجدة؛ في حين ذكر (بول روبنسون) مدير (مختبر سانديا) أنه سيكون بإمكان الولايات المتحدة أن تردع أعداءها بشكل أفضل إذا ما تضاءل الفرق بين الأسلحة النووية والأسلحة التقليدية.
وفي شهر مايو ٢٠٠٥ كتبت صحيفة الواشنطن بوست تقول: قبل أن نبحث في كيفية تطوير ترسانتنا النووية العجوز علينا أن نناقش دور الأسلحة النووية ومدى أهميتها في الحفاظ على أمن الولايات المتحدة. واستعرضت الصحيفة بعض النقاط من أجل الإشارة إلى أهمية الأسلحة النووية بالنسبة لأمن الولايات المتحدة ومستقبلها؛ منها: أن العديد من الدول يملك هذا النوع من الأسلحة، والعديد من الدول الأخرى يسعى جاهداً لامتلاكها؛ كذلك فإن الأسلحة النووية التي بحوزة أميركا اليوم لا تتماشى ومتطلبات العالم الحديث؛ فقد كانت مناسبة في إطار الحرب الباردة، ولكنها أصبحت اليوم متواضعة. وتتابع الصحيفة تعداد نقاط أخرى تشكل بنظرها دوافع مهمة كي تطور الولايات المتحدة برنامجها النووي وأهمها امتلاك الإرهابيين ـ على حد تعبير الصحيفة ـ أسرار صنع القنبلة النووية.
وتعزز هذا المسعى بإصدار الوثيقة المعنونة بـ (مبادئ العمليات النووية المشتركة) بتاريخ ١١/٩/٢٠٠٥ بغرض توسيع هامش الاستخدام الميداني للأسلحة النووية الميدانية.
وفي فبراير ٢٠٠٦ وقَّعت الولايات المتحدة اتفاقية خاصة بأنظمة المفاعلات السريعة المبرّدة بالصوديوم مع فرنسا واليابان؛ مما يوفر إطاراً للتعاون بين الدول الثلاث في مجال الأبحاث والتطوير لصنع مفاعلات نووية متطورة.
وجاء في بيان صحفي أصدرته وزارة الطاقة الأميركية في ١٧ فبراير الماضي أن هذا الترتيب سيدعم تطوير التقنية ضمن شراكة الطاقة النووية العالمية التي تتزعمها الولايات المتحدة والتي كان قد أعلنها وزير الطاقة الأميركي (سامويل بودمان) في وقت سابق من هذا الشهر. وشراكة الطاقة النووية العالمية هي استراتيجية شاملة تهدف إلى زيادة الأمن الأميركي والعالمي في مجال الطاقة، وتشجيع التنمية النظيفة حول العالم، وتقليص خطر انتشار الأسلحة النووية فضلاً عن تحسين البيئة.
ولكن: لماذا هذا التغير في السلوك الإستراتيجي الأمريكي النووي؟ يقول الدكتور عماد الشعيبي رئيس مركز المعطيات والدراسات الإستراتيجية بدمشق: إن مخاطر السياسة الجديدة التي تتبعها الولايات المتحدة تتجلى في اعتمادها سياسة لحظر نشر الأسلحة ليس عن طريق المعاهدات بل بالهجوم؛ فهي تتنكر جذرياً لفرضية الردع الكلاسيكية كي تنحو في اتجاه مخطط استخدام الأسلحة النووية وضرب النظام الذي ينتج أسلحة محظورة، وتعطي الأولوية لنشر الأسلحة النووية. فخلال الحرب الباردة كان الخطر يتأتى من الأسلحة النووية السوفييتية، أما الآن فإن التحصينات تحت الأرض لدى من يسمونهم (الديكتاتوريين) هي التي على ما يبدو يرتعد لها مسؤولو الشؤون الدفاعية في الولايات المتحدة، وهذا هو سر العمل في الكونغرس لاستصدار قرار يسمح باستخدام أسلحة نووية تكتيكية وكأنها أسلحة تقليدية. وفي هذا الصدد يقول الباحث الأمريكي المعروف (أنتوني كوردسمان) في كتاب (تهديدات إستراتيجية) إصدار مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن: منذ نهاية الحرب الباردة تغير التهديد للولايات المتحدة من تهديد استراتيجي إلى خليط من تهديدات جديدة؛ فأراضي الولايات المتحدة أصبحت الآن من المحتمل أن تُضرَب نتيجة صراعات من أجل القوة في مسارح بعيدة عن أراضي الولايات المتحدة وبسبب الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة بفتح قواتها على مسافات بعيدة في تلك المناطق.
ويعتقد بعضهم أن التغير في الموقف النووي قاصر على الولايات المتحدة، ولكن فرنسا (شيراك) دخلت أيضاً على هذا التغير الإستراتيجي النووي؛ فقد أفادت الأنباء يوم ٢٠ يناير ٢٠٠٦ أن الرئيس الفرنسي ألقى كلمة في القاعدة البحرية بجزيرة (ليل لونج) قبالة سواحل مدينة برست ـ الواقعة في مقاطعة بريتانيا الفرنسية ـ وأعلن في هذه الكلمة ـ بالنص ـ ما يلي: «يجب على قادة الدول الذين قد يلجؤون إلى وسائل إرهابية ضدنا أو أولئك الذين قد يستخدمون أسلحة التدمير الشامل أن يدركوا أنهم يمكن أن يعرِّضوا أنفسهم لرد صارم وملائم قد يكون بوسائل تقليدية أو ذات طبيعة أخرى» . وأضاف شيراك: «إن الإمدادات الإستراتيجية والدفاع عن الحلفاء هي من المصالح التي نعتبرها حيوية وتبرر من ثَم اللجوء إلى قوة الردع النووي. ويذكر المحللون أن فرنسا كانت تعتبر حتى الآن أن المصالح الحيوية التي تبرر استخدام السلاح النووي» مقتصرة على صون وحدة وسلامة الإقليم الداخلي للدولة الفرنسية وحماية السكان وكفالة ممارسة الدولة لسيادتها.
كل ما سبق يعني أن الإستراتيجية الأمريكية الحالية هي عدم التوقف عن إنتاج الأسلحة النووية؛ ولكن ما يعرف بالنووية التكتيكية والتي تمكِّن الولايات المتحدة من الرد على المجموعات الإرهابية أو ما يسمونه (الدول المارقة) بالمنظور الأمريكي وليست هذه إستراتيجية أمريكية فقط، ولكنها إستراتيجية أوروبية قد تكون نتيجة تنسيق بين الأطراف المختلفة، أو تكون نوعاً من إثبات القوة أمام الهيمنة الأمريكية. وإذا كانت الولايات المتحدة نجحت في إسقاط الاتحاد السوفييتي بما يمثله من قوة نووية هائلة بدون إطلاق أي قوة نووية أو غير نووية فإن الولايات المتحدة واثقة من أنها قادرة على من هو أقل منه شأناً في ذلك المضمار.
- أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط:
يُجمِعُ المراقبون السياسيون على وجود هذه الثلاثية من الأهداف التي تبغي الإدارة الأمريكية تحقيقها في المنطقة وهي: الدولة الصيونية، والنفط، ومحاربة الإرهاب؛ ولكن خلافهم حول أولويات هذه الأهداف وترتيبها؛ والتي تصب في النهاية لتحقيق الهدف الرئيسي الذي عبر عنه بوش في خطابه في احتفال البحرية الأميركية في فلوريدا يوم ١٣/٢/٢٠٠٣م بقوله: نرغب أن نكون بلداً فوق الجميع. هذه الثلاثية في الأهداف نابعة من الشخصية الأمريكية التي جرى تشكلها عبر التاريخ الأمريكي منذ قدوم المهاجرين الإنجليز ونزول الرجل الأبيض على شواطئ العالم الجديد أو ما عرف فيما بعد باسم (أمريكا) حيث شكلت ثلاثية: (المال، والقوة، والدين) الشخصيةَ الأمريكيةَ على مدار التاريخ. وعند تطبيق معالم الشخصية الأمريكية تلك على أهداف الإدارة الأمريكية بالنسبة للشرق الأوسط تتجلى هذه الثلاثية بشكل قاطع. فالتراث الديني في أمريكا يستمد أصوله من المذهب البروتستانتي في إنجلترا وارتحل إلى أمريكا؛ والذي نشأ مع حركة الإصلاح الديني التي قادها (مارتن لوثر) في القرن السادس عشر، وأسهمت هذه الحركة في بعث اليهود من جديد؛ وبذلك نفهم الحرص الأمريكي على وجود الدولة الصهيونية.
أما القوة الأمريكية الغاشمة وحرب الإبادة التي شنها الكاوبوي الأمريكي على سكان أمريكا الأصليين من الهنود الحمر فتتجلى بشكل صريح في الحرب التي تشنها على ما تزعم أنه إرهاب. أما حب المال والسيطرة على مصادره فإن تجلياتها الحديثة تظهر في حب السيطرة على منابع النفط وطرق الوصول إليه.
- ولكن ما هو موقع إيران من تلك الأهداف الأمريكية؟
بالنسبة للنفط فإن إيران من كبار منتجيه في العالم، وفضلاً عن ذلك قربها من المنتجين الرئيسيين في الخليج العربي، كما تطل بشواطئ طويلة على ذلك الخليج الممتدة من عبدان وحتى المحيط الهندي؛ ومع وجود قوات بحرية قوية فإنها تستطيع تهديد مرور ناقلات النفط في الخليج، وسبق أن هددت بذلك؛ فبعض التقارير العسكرية التي أقرت بها إيران، تفيد بأنها تمتلك غواصة لا يستطيع الرادار كشفها، كما أنها دأبت على تصنيع توربيدات محلية الصنع قد تسبب أرقاً للبحرية الأمريكية في مياه الخليج الضحلة أساساً؛ هذا بالإضافة إلى ترسانة صواريخ أرض أرض التي تمتلكها والمتمثلة بمنظومة صاروخية ذات تقنية روسية ـ صينية ـ وكورية شمالية ومحلية الصنع يقف على رأسها الصاروخ شهاب.
والدولة الصهيونية حاضرة بالنسبة للمنظور الأمريكي لإيران؛ فالإستراتيجية الأمريكية من ضمن خطوطها العريضة الحفاظ على أمن دولة العدو؛ وإيران تمتلك كثيراً من المؤهلات العسكرية والبشرية والتقنية وهو ما يجعلها نِدّاً إقليمياً للعدو الصهيوني مكافئاً لها.
أما مكافحة الإرهاب؛ فوجود إيران كمعبر من أفغانستان إلى العراق يشكل هاجساً مهماً بالنسبة لأمريكا التي تخوض حرباً ضروساً مع الجماعات الجهادية التي تنشط بشكل مكثف في كل من البلدين، وتغرق الجيوش الأمريكية في تلك المناطق حتى أذنيها؛ فضلاً عن الحضور الشيعي في كل من هذين البلدين.
- السلاح النووي الإيراني في الإستراتيجية الأمريكية:
باستعراض ما سبق نجد أن الولايات المتحدة تنظر إلى إيران بحجمها الإستراتيجي في المنظور الأمريكي كدولة موجودة على الخارطة وقوة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال؛ ولذلك فإن الولايات المتحدة يمكن أن تغض النظر عن مستوى معين في التسلح النووي الإيراني؛ وذلك من عدة منطلقات:
أولاً: أن القوة الإيرانية لم تكن في يوم من الأيام حسماً من الرصيد الإستراتيجي الأمريكي، بل كانت دائماً تعزيزاً له وتكريساً لوجوده.
ثانياً: أن المعلومات المتوفرة تدل على أن أمريكا نفسها ساهمت بشكلٍ ما في البرنامج النووي الإيراني؛ فقد أشار تقرير لعروض الصحف البريطانية أذاعته الـ (بي بي سي) نقلاً عن صحيفة (الغارديان) تحت عنوان حماقة C.I.A التي ساعدت برنامج إيران النووي، والذي تحدث عن كتاب لمراسل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية (جيمس رايسن) لشؤون المخابرات بعنوان: (الحرب على الإرهاب: التاريخ السري للسي آي إي وإدارة بوش) .
ونقلت (الغارديان) عن ذلك الكتاب أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ربما ساعدت إيران في تصميم قنبلة نووية من خلال محاولة فاشلة لتسريب معلومات سرية مضللة تتعلق بتصميم قنبلة نووية إلى إيران.
ويورد الكتاب أن العملية السرية التي سميت (ميرلين) والتي وافقت عليها إدارة الرئيس السابق (بيل كلينتون) ارتدت على نحر المخابرات الأمريكية عندما قام عالم روسي منشق كان يعمل في برنامج نووي سوفييتي يتعاون مع C.I.A ومكلف بتسريب تلك المعلومات النووية السوفييتية التي تلاعبت فيها المخابرات الأمريكية إلى الإيرانيين بإعلام المسؤولين في طهران في فبراير عام ٢٠٠٠ بوجود معلومات غير صحيحة في البيانات التي حصلوا عليها. ويقول المؤلف ـ نقلاً عن (الـ بي بي سي) ـ: إن الهدف الأمريكي كان توجيه العلماء الإيرانيين الذين يعملون على تطوير سلاح نووي إيراني نحو طريق مسدود يصلون إليه بعد سنين من العمل الشاق غير المثمر. ويضيف (رايسن) : إنه بدلاً من ذلك ربما ساهمت العملية الفاشلة في تسريع تطوير إيران لبرنامجها النووي. وتتحدث (الديلي تيليغراف) عن الموضوع نفسه في مقال بعنوان: (أيدي C.I.A الخرقاء تسلِّم الإيرانيين دليلاً لصنع قنبلة نووية) . لكنها تورد فشلاً استخباراتياً أمريكياً آخر، على حد تعبير رايسن، وقع عام ٢٠٠٤؛ حيث يقول في كتابه: إن ضابطاً في C.I.A سلَّم عن غير قصد عبر رسالة مشفرة أحد العملاء الإيرانيين ـ الذي تبين لاحقاً أنه عميل مزدوج يعمل أيضاً مع المخابرات الإيرانية ـ معلومات أدت إلى إلقاء القبض على كافة العملاء المتعاونين مع C.I.A في إيران، ويرى (رايسن) أن السي. آي. إي ارتكبت أكبر حماقة في تاريخها الحديث مع إيران.
ولكن من السذاجة بمكان تصور أن وكالة المخابرات الأمريكية بهذه الغفلة بحيث تمد إيران بمعلومات مغلوطة عن السلاح النووي، أو أنها تكشف عميلاً لها للمخابرات الإيرانية.
ثالثاً: تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية لا يوحي بذلك التنافر الحقيقي. نعم! إن تبادل الاتهامات والحملات الإعلامية كانت هي السمة البارزة في العلاقات بين الطرفين، ولكن متى كانت السياسة هي العلاقات الظاهرية، وخاصة في منطقتنا؟ فالبلدان يتمتعان بعلاقات تحالف وتوافق مصالح وتنسيق سري جرى منذ أيام سقوط الشاه مروراً بفضيحة (الكونترا) حتى الوصول إلى التحالف لإسقاط طالبان ومن بعده نظام صدام.
رابعاً: أمريكا خبرت جيداً القنبلة النووية الباكستانية، وبدلاً من أن تكون عاملاً للقوة الباكستانية تستطيع أن تلعب به في الساحة الدولية لتعزيز مكانتها أصبحت بعد ١١ سبتمبر عبئاً ثقيلاً على باكستان نتيجة التهديد الأمريكي المبطن بتدميره أو المشاركة بقصفه إذا لم تتعاون باكستان ضد طالبان والقاعدة؛ وهكذا يمكن أن يكون السلاح النووي ورقة سياسية في يد الإدارة الأمريكية تبتز بها إيران، وتجبرها على ترك أوراقها في أماكن أخرى.
خامساً: الولايات المتحدة تعلم جيداً الأوراق التي تمتلكها حكومة الملالي في إيران؛ فهناك النفط وخطوط نقله كما سبق أن بينّا، وهناك ورقة الانتحاريين الذين يمكن إرسالهم إلى دول مختلفة وإحداث القلاقل في هذه الدول، وهناك أيضاً أفغانستان وطائفة الهزارة الشيعية، والصلة بين المخابرات الإيرانية وبعض زعماء الطاجيك، وهناك أيضاً شيعة الخليج والتأثير الإيراني عليهم، وهناك لبنان وحزب الله؛ بالإضافة إلى الورقة السورية؛ فضلاً عن الورقة الفلسطينية المتمثلة في دعم حماس بعد فوزها في الانتخابات. وأخطر هذه الورقات على الإطلاق هي الورقة العراقية وشيعة الجنوب.
وفي المعلومات الاستخباراتية أن إيران استأجرت واشترت ٢٧٠٠ وحدة سكنية من البيوت والشقق والغرف في مختلف أنحاء العراق، وخاصة في النجف وكربلاء ليسكن فيها رجال الاستخبارات الإيرانية ورجال فيلق القدس الاستخباراتي، ويشير حجم المساعدات النقدية الإيرانية المدفوعة إلى مقتدى الصدر وحده ـ عدا التيارات الأخرى ـ خلال الأشهر الأخيرة أنها تجاوزت سقف ٨٠ مليون دولار، إلى جانب تدريب رجاله، وإرسال معونات إنسانية شملت الغذاء والأدوية والمعدات والأثاث.
كل هذه الأوراق تدفع واشنطن باتجاه واحد وهو التفاوض مع إيران لتبادل الأوراق السياسية معها.
وإذا كانت أمريكا تعلم جيداً بالبرنامج النووي الإيراني، بل ساهمت في إنشائه؛ فما سر هذه المشاحنات الإعلامية والتهديدات العسكرية والملاسنات السياسية التي وصلت إلى مجلس الأمن؟ كما أعلن مؤخراً
الإجابة هي أنه لا بد أن هناك خلافاً بين الطرفين على المساومة على الأوراق السياسية المطروحة بينهما؛ ففي مقابل الأوراق الإيرانية السابقة الذكر تملك أمريكا ورقة فعالة وهي ورقة البرنامج النووي الإيراني، ويشير أكثر المراقبين إلى أن صفقة يمكن أن تتم بين الطرفين، وأن الخلاف هو حول الأولويات؛ فحسب بعض التقارير الإخبارية أن الإيرانيين يريدون صفقة شاملة من النووي، وحتى التفاصيل الاقتصادية والسياسية في شرق إيران وغربها وجنوبها وشمالها. والأميركيون يفضلون الاتفاق على المسائل واحدة بعد أخرى من العراق وحتى لبنان.
ويرى الباحث د. رضوان السيد أن الولايات المتحدة الآن في مواقع الدفاع في الشرق الأوسط رغم جيوشها الضاربة في كل مكان ... تحتاج أميركا إلى الاستقرار في العراق، وإلى الاستقرار في لبنان، وإلى الاستقرار في الخليج.
وهكذا تحول الاضطراب البنَّاء الذي تحدثت عنه (كونداليزا رايس) وزيرة الخارجية الأمريكية لغير صالح الولايات المتحدة، وصار الاضطراب البنَّاء ذاته عملة إيرانية صعبة تستطيع الكسب عن طريقه بتحريك أحجار الشطرنج دونما حاجة لإحراق أصابعها.
стр. 5569
حرب أهلية صغيرة = احتلال أفضل
أحمد فهمي
قال سائق عراقي يعمل لدى مؤسسة إعلامية دولية في بغداد: «هذه البطاقة تفيد أنني من منظمة بدر (الشيعية) وهذه أُظهِرُها للشرطة، ولديَّ تصريح صحفي أمريكي، وبطاقة هويتي العادية، وتقدمت بطلب للحصول على تصريح من جيش المهدي.. أنا سُني، لذلك فإن هذه التصاريح تعني ألاَّ أواجه المشاكل» .
هكذا تعيش بغداد التي قررت القوات الأمريكية أنها تعيش حالة من الأمان تستدعي تسليم القوات العراقية ٧٠% من مناطقها. وحقيقة الأمر أن الجيش الأمريكي في العراق أشبه بفِرَق زرع الألغام، يتسلم المدن والمناطق ثم يقوم بزرع الألغام الطائفية في أراضيها، ثم يسلمها للقوات العراقية ـ المُلَغَّمة بدورها ـ ويعلن على الملأ: الأحوال تسير بشكل إيجابي، وكانت نتيجة الإيجابية على النهج الأمريكي أن بغداد تحولت إلى ميدان للصراع الطائفي للعراق كله؛ بحيث إن الأحداث في البصرة أو سامراء أو النجف تنعكس بصورة فورية في بغداد.
وتبدو هذه الوضعية المتوترة للعاصمة مقصودة في حد ذاتها، انطلاقاً من رؤية إستراتيجية تعتبر أن الحرب الأهلية المخففة تحقق عدة أهداف للسياسة الأمريكية: فهي تلفت الأنظار إلى أهمية الوجود الأمريكي العسكري في العراق، كما أنها تفسد على نظام طهران متعة إشعال الحرائق المشتعلة بالفعل، وأيضاً فهي تعيد توجيه الطاقات القتالية وقوى المقاومة نحو أهداف أخرى غير الأمريكيين، ومن فوائدها أنها تمثل ضغطاً على القوى السنية لتُليِّن مواقفها السياسية.
وقد تمادى قادة وسياسيون أمريكيون مؤخراً في تحذيرهم من حرب أهلية قادمة وكأنهم كانوا مبرمجين على إطلاق تلك التصريحات، وكتب (توماس فريدمان) في الواشنطن بوست معبراً عن هذا التوجه الجديد: «هذا ليس الوقت المناسب لانسحاب الولايات المتحدة الأميركية من العراق، بيد أنه الوقت المناسب كي تبدأ تهديدها بالانسحاب منه» . وفي تعبير أكثر صراحة يقول فريدمان: «ليس منطقياً ولا مقنعاً القول بضرورة استمرار وجود القوات الأميركية رهينة الخوف من اندلاع حرب أهلية بين العراقيين، ولو عقد العراقيون العزم على خوض حرب أهلية واسعة النطاق فيما بينهم؛ فإن من الأفضل أن تندلع هذه الحرب دون أن نكون نحن طَرَفاً فيها» .
بقي أن نشير إلى آخر اللمسات الفنية التي أضافها الرسام المجهول إلى لوحة «بغداد المتوترة» وهي اغتيال (اللواء بدر الدليمي) السني قائد الفرقة السادسة التي تضم عشرة آلاف مقاتل، بينما كان يترجل من سيارته ضمن قافلة من ١٤ سيارة عسكرية، قُتل برصاصة واحدة في رأسه من قناص مجهول يعلم تماماً ما يفعله، أما لماذا (بدر الدليمي) تحديداً؟ فلأن الرجل لعب دوراً بارزاً في مشاغبة الميليشيات الشيعية التي تريد السيطرة على بغداد، خاصة بعد تفجير مرقدي سامراء.
لا أكون مبالغاً إذا قلت: إننا لو صنفنا قائمة بأسماء الرموز السنية التي اغتيلت في العراق من أئمة وعلماء ودعاة وقيادات سياسية وفكرية؛ فسنجد أنفسنا أمام حرب إبادة نوعية لم يسبق لها مثيل في العالم العربي.
стр. 5570
من مصادرهم الرسمية: القوات الخاصة الأمريكية والقتل خارج نطاق القانون
باسل النيرب
أدت الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة إلى فرض نوع جديد من القوة العسكرية التي تقوم على أساس القوة الضاربة، وتلقين الخصم الدرس القاسي من جراء معارضته للوجود الأمريكي، وقد صاحب تلقين الخصم الدرس القاسي؛ فرض نوعٍ من الرقابة العسكرية الصارمة، والتعتيم الإعلامي وبخاصة على أرض المعركة؛ حيث يقوم الجنود بمهامهم وفق الطريقة الأمريكية المُثلى كما يرتؤون في القضاء على كل أشكال المقاومة.
- غياب التشريع القانوني:
لقد تنوعت أسماء الوحدات الخاصة المقاتلة في الحياة العسكرية الأمريكية؛ فهناك قوات القبعات الخضراء، وجوالة الجيش (رانجرز) ، وقوة النخبة في القوات الأمريكية الخاصة (دالتا) ، وفرقة النشاطات الخاصة SA)) ، ووحدة مساندة النشاطات الاستخباراتية المعروفة باسم الثعلب الرمادي التي شكلتها استخبارات الجيش، ويضاف إلى ما سبق الفرقة (١٠١) المحمولة جواً من الجيش الأمريكي، وتعد رديفاً للقوات الخاصة، واللواء (٨٢) المحمول جواً وهو ذو كثافة نيران عالية وتسليح خاص، وقادر على الانتقال فوراً إلى مناطق العمليات الساخنة بكامل أسلحته وقوته ومباشرة الاشتراك في العمليات.
ولا تكاد تؤثر تلك القوات الخاصة على الحياة المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فالأخبار عنها شحيحة أو تكاد تكون معدومة أحياناً ما لم يظهر حدث يدل على بشاعة المصير الذي آل إليه أعضاء إحدى الفرق وهو الحدث الذي يتبارى في إظهاره المراسلون الحربيون؛ ففي الحرب الفيتنامية تبارى المراسلون في إظهار تجاوزات أصحاب القبعات الخضر في جبال وأحراج فيتنام، عندها سارع الشعب الأمريكي إلى تنظيم المظاهرات لسحب الجنود من غابات فيتنام، والحال ذاتها تنطبق على الجنود في الصومال عندما قُتل وسُحل مجموعة من أفراد القوة (١٠١) على أيدي المقاومين في الصومال، فسارع الشعب الأمريكي إلى التنديد بالهجوم وفرض انسحاب القوات منها؛ أما عند شيِّ مجموعة من الأسرى الصوماليين على النار على أيدي جنود المارينز فلم يبادر أفراد الشعب الأمريكي إلى المطالبة بالانسحاب.
ومهما كانت أسباب عودة القوات الخاصة الأمريكية إلى دائرة الحدث بقوة؛ فإن إعادة إحيائها تمثل انتصاراً لسياسة وزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) الذي أعلنها إثر غزو أفغانستان والمتمثلة في اصطياد البشر، وهي للأشخاص المطلوبين وفق تصور الأجهزة الأمنية الأمريكية لمشاركتهم الأساسية، أو المحتملة في الهجمات على الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع تغوُّل الحياة العسكرية داخل الولايات المتحدة وتصديرها عبر حلمها الإمبراطوري، توسعَ عمل القوات الخاصة كثيراً في إدارة جورج بوش؛ حيث لا يوجد تشريع قانوني يلزم الرئيس الأمريكي بإحاطة الكونغرس بعمل القوات الخاصة خارج الأراضي الأمريكية، كما أن ميزانية البنتاجون لعام ٢٠٠٤م خصصت ما يزيد على ٦.٥ بلاين دولار لتغطية مهامها بزيادة قدرها ٣٤% عما كانت عليه عام ٢٠٠٣م. أما لماذا سمح التشريع الأمريكي للقوات الخاصة بذلك وليس للجيش وإن كانت إحدى تشكيلاته؛ فلأن القوات الخاصة أفضل من ناحية الحركة من حيث الملاحقة واصطياد الخصوم، واليوم من أنشط هذه القوات كتيبة قوات دلتا وهي الأكثر سرية ضمن الوحدات الخاصة الأمريكية المتخصصة في الخطف والتسلل، وقوة المهمة (Task force ١٢١) جمع أفرادها من قوات دلتا السابقة والقوات الخاصة البحرية ووكالة المخابرات المركزية وقوات أخرى من القطاع الأمني الخاص، وقد تشكلت هذه القوة لأجل مطاردة صدام حسين وأسامة بن لادن وآخرين، ويقود هذه القوة الطيار بالقوات الخاصة سابقة هو العميد (لايل كوينيج) .
- تبرير منطقي للقتل:
لقد تنوعت البرامج الأمريكية العسكرية في القتل خارج نطاق القانون؛ ففي عام ١٩٦٢ ناقش كبار قادة هيئة أركان القوات المسلحة الأمريكية خطة تدميرية، واتفقوا على عملية سرية أطلق عليها اسم عملية نورثوودز، وهي خطة لتدمير ممتلكات أمريكية وقتل مواطنين أمريكان؛ الهدفُ منها إعطاء مبرر لأمريكا لكي تغزو كوبا، كما نشر الجيش الأمريكي في عام ١٩٧٠ دليل العمليات الميدانية المرقم بـ ٣٠ - ٣١B والمعنون بـ «استخبارات عمليات الاستقرار والتوازن - الميادين الخاصة» المؤرخ في ١٨ مارس ١٩٧٠ والذي وقعه الجنرال وليام ويستمورلاند؛ حيث شجع الدليل على القيام بعمليات إرهابية «وزرع» أدلة كاذبة في أماكن عامة لكي يتهم بها الاتحاد السوفييتي لاحقاً، ويذكر التقرير ضرورة القيام بهجمات إرهابية في عموم أوروبا الغربية تقوم بها شبكة من الوحدات الخاصة للجيش الأمريكي وجيوش دول حلف الناتو، الغرض منها هو إقناع الحكومات الأوروبية بالخطر الكبير للاتحاد السوفييتي، ومن ثم تباشر آلة الإعلام في اتهام التنظيمات الإرهابية، مما يستدعي الأمر أهمية التدخل العسكري الأمريكي في ذلك البلد.
ومنذ الحرب الفيتنامية أطلقت العسكرية الأمريكية العديد من البرامج التي تتعقب كل من لا ينتمي إلى تيارها أو يحاول ضرب الولايات المتحدة، وهناك برنامج فينكس phoenix)) ، وهو الاسم الحركي لبرنامج مضاد للمقاومة الفيتنامية نفذته الولايات المتحدة أثناء حرب فيتنام؛ حيث كانت فرق القوات الخاصة تقوم باعتقال أو اغتيال الفيتناميين الذين يعتقد أنهم يعملون مع الفيتكونج أو يتعاطفون معهم، وكان اختيار الأهداف يعتمد بشكل كبير على ضباط جيش فيتنام الجنوبية ورؤساء القرى، وطبقاً لإحصائيات فيتنامية جنوبية رسمية قام برنامج فينكس بقتل نحو ٤١ ألف ضحية خلال الفترة من ١٩٦٨ وحتى ١٩٧٢ معظمهم لا علاقة لهم بالحرب ضد الولايات المتحدة، ولكنهم استهدفوا من أجل الثأر ولعداوات سابقة، وقد أقر وليام كولبي ضابط وكالة المخابرات المركزية الذي كان مسؤولاً عن هذا البرنامج عام ١٩٦٨م، وأصبح فيما بعد مديراً للوكالة، أمام الكونغرس بأنه كان يجب ألا يحدث الكثير مما حدث.
وفي العراق تنشط العديد من المنظمات للتعقب والقتل ومنها مجموعة الفئران القارضة والثعلب الرمادي، وتقوم هذه الوحدات الخاصة بقنص المطلوبين واصطيادهم. وإن كانت العسكرية الأمريكية استخدمت القتل وبررته خارج الحدود؛ فقد أكدت العديد من التقارير وجود القوات السرية في العراق التي من أدق مهامها القتل. وهنا نحيل القارئ الكريم إلى مقال أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا (جون يو) ، والباحث في منظمة اليمين المتطرف المعروفة باسم American Enterprise Institute، فقد اقترح في مقال نشره في صحيفة لوس أنجيليس تايمز، إنشاء منظمات إرهابية وهمية كطريقة لمقاتلة منظمات إرهابية أخرى، وأن يكون لهذه المنظمات الوهمية مواقع على الإنترنت، ومراكز تجنيد ومعسكرات للتدريب إضافة إلى تسهيل عمليات جمع الأموال لها، والسبب كما ذكره من أجل بذر الشقاق بين الحركات الإرهابية كما وصفها، على أن تمارس تلك المنظمات أعمالاً إجرامية بحق مواطنين أبرياء تماماً كما حدث مرات عديدة في العراق مما يفسر استمرار الحرب على الإرهاب، وهذا بالطبع يقودنا إلى مرحلة ما بعد الغزو.
وبعد حوالي ثمانية شهور من سقوط بغداد نشرت صحيفة الواشنطن بوست أن السلطات الأمريكية في بغداد وافقت بعد شيء من التردد على تشكيل ميليشيا عراقية مضادة للإرهاب تتكون من قوات خمسة أحزاب رئيسية، وهذه الوحدة تضم حوالي ٨٠٠ رجل من مهامها التعرف وتعقب من وصفتهم بالإرهابيين الذين لم يلق عليهم القبض، وقد اعترفت قيادات أمنية وعسكرية أمريكية بتخريج وتكوين وحدات خاصة من العراقيين المتعاونين معها والأمريكيين ترتدي الملابس المدنية وتقوم بعمليات خارج القانون، وتداهم البيوت وتعتقل الأفراد، وقد صُرِّح لها بالتعذيب والقتل في خطة أمريكية جديدة تسمى «محاربة الإرهاب» .
ويُنقل عن فينسان كانيسترارو المدير المساعد لشعبة محاربة الإرهاب بوكالة المخابرات الأمريكية قوله: «إن واشنطن لا تكذب وجود مثل هذه الخطة التي عهد بها إلى الـ CIA لأنها خرَّجت بالفعل وحدات هي رهن الاستخدام اليوم في العراق» .
وأُكد بدء عمل هذه الوحدات في بغداد؛ حيث قام نحو ١٢٠ رجلاً يرتدون ملابس مدنية بمهاجمة ما أسموه «أوكار الإرهابيين» في شارع حيفا والأعظمية ومعسكر يقع على شاطئ الفرات على الضفة الشرقية يضم مستودعات أسلحة، وقتلوا ٣٦ عراقياً واعتقلوا آخرين في هذه الغارات، وقد أكدت صحيفة الخليج البحرينية وجود معلومات خاصة تفيد أن CIA هي التي دربت وخرَّجت هذه الوحدات الخاصة التي تعمل بتفويض خاص من الحكومة العراقية، ويسمح لها بتجاوز القانون في عمليات الهجوم والسجن والتعذيب والقتل. وأضافت الصحيفة أن هناك معلومات أمنية فرنسية تفيد بأن تشكيل هذه الوحدات راود الاستراتيجيين الأمريكيين منذ عام تقريباً عندما تيقنوا أن «المقاومة العسكرية» المناهضة للوجود الأمريكي بدأت تنتشر بسرعة في أنحاء عديدة من العراق، وقد رفع هؤلاء تقريراً إلى هيئة الأركان الأمريكية والبيت الأبيض يقترحون فيه خطة تخريج مثل هذه الوحدات الخاصة مستفيدين من التجربة الأمريكية في فيتنام، والإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويجد هذا الرأي دعماً وصدى إيجابياً لدى كل من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وستيفن كامبوني (Stephen Cambone) نائب وزير الدفاع لشؤون الاستخبارات الذي كان من مؤسسي فكرة القوات الخاصة الجديدة، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، وعمل عام ١٩٩٨م مديراً للجنة التي رأسها رامسفيلد والتي حذرت في تقريرها من ظهور تهديد صاروخي بالستي للولايات المتحدة، واقترحت أن تذهب وكالات الاستخبارات في تحليلاتها إلى ما هو أبعد من البيانات المتوفرة تحت اليد، وقد حظي هذا النهج بتأييد رامسفيلد، إلا أنه تعرض للهجوم عندما لم تتحقق تنبؤات الإدارة الأمريكية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية وإمكانية قيام مقاومة عراقية، ويتفق كامبوني مع آراء رامسفيلد في كيفية محاربة الإرهاب كما أنه شعر بالإحباط بسبب تردد القيادة العسكرية في تبني مهمة اصطياد البشر، مما دفعه إلى محاولة السيطرة على القوات الخاصة.
وهناك الفريق وليام بويكن مساعد كامبوني العسكري، والذي أصبح مقرباً جداً من رامسفيلد، وبويكن هذا قارن الإسلام أمام رواد إحدى الكنائس أكثر من مرة بالشيطان، وقال واصفاً الدين الإسلامي: (الشيطان يريد أن يدمر هذه الأمة ... يريد أن يدمرنا كأمة، ويريد أن يدمرنا كجيش نصراني) وقد أثنى على الرئيس بوش باعتباره الرجل الذي يصلي في المكتب البيضاوي، معلناً أنه ـ أي «بوش» ـ لم يكن رئيساً منتخباً؛ وإنما مفوضاً من قِبَل الرب) .
أما أعماله في القتل؛ فقد كان قائد المعارك العسكرية في مقديشو عام ١٩٩٣ عندما قتل ١٨ جندياً أمريكياً خلال مهمتهم الفاشلة، وعندما كان برتبه كولونيل قاد فريقاً مكوناً من ٨ رجال من قوات دلتا مهمتهم مساعدة الشرطة الكولومبية في تعقب (بابلو اسكوبار) تاجر المخدرات الشهير؛ وحسب القانون كان محظوراً على فريق بويكن التورط في القتل بدون موافقة رئاسية، ولكن كان هناك شكوك في البنتاجون أن الفرقة تخطط للمشاركة في اغتيال اسكوبار بمساعدة موظفي السفارة الأمريكية في كولومبيا، ويصف مارك باودين أيضاً في كتابه (قتل بابلو) تفاصيل مطاردة اسكوبار وكيف تيقن مسؤولون في قيادة البنتاجون بأن بويكن قد تجاوز صلاحياته وينوي انتهاك القانون وبعلم رؤسائه في القوات الخاصة الذين أرادوا سحبه، ولكن ذلك لم يحدث، وقد قتل اسكوبار على سطح بناية بواسطة الشرطة الكولومبية، ولكن كما كتب مارك باودن في داخل مجتمع العمليات الخاص اعتبر موت بابلو مهمة ناجحة لفريق دلتا باعتبار أنهم من قام بالمهمة.
- شواهد على حالات القتل:
وفي التاريخ الأمريكي الحديث هناك شواهد كثيرة على مثل هذه الحوادث؛ فخلال الفترة الممتدة من ١٩٨٠ ـ ١٩٩٠ شنت الولايات المتحدة العديد من الهجمات على نيكاراجوا وحولتها إلى مقبرة كبيرة، وعندما انتقدت الأمم المتحدة التجاوزات الأمريكية والاستخدام اللاشرعي للقوة وانتهاكها للمعاهدات وعلى إثر ذلك تحالفت الولايات المتحدة مع حزبين من نيكاراجوا، وأعطت أوامرها بقصف ما عرف باسم (الأهداف اللينة) مثل المستوصفات الصحية والتعاونيات الزراعية، وكذلك الحال في السلفادور كما يقول ناعوم تشومسكي؛ فقد مارست الولايات المتحدة الحرب على هذا البلد بعد المساعدات التي قدمتها الكنيسة الكاثوليكية إلى الفقراء.
وفي هاييتي ومنذ انتخاب الرئيس جين أرستيد تحركت الولايات المتحدة للإطاحة به بقطع المساعدات الاقتصادية وبالتمويل الضخم لجماعة المعارضة النخبوية، وبدعم مساعي العسكريين السابقين لقلب حكومة أرستيد، وبمرور الوقت تمت الإطاحة بأرستيد نتيجة انقلاب دموي قادته الولايات المتحدة، ونفذ على أيدي عصابات من القتلة المستأجرين الذين سُرِّحوا من الخدمة عام ١٩٩٤، وعملوا لاحقاً مع المخابرات الأمريكية وسلحتهم ودربتهم في جمهورية الدونيمكان، ومن ثم أطلقوا عبر الحدود ومارسوا دورهم في القتل، والضابط الذي قام بالانقلاب هو جاي فيليب حيث تلقى تدريبه في الإكوادور خلال التسعينيات، وبعد ذلك قبض المارينز على الرئيس أرستيد بعد حصاره، ثم دخلت الولايات المتحدة الجمهورية بحجة فرض الأمن والديمقراطية.
وتعترف الأدبيات الأمريكية بتدريب الجنود الكولومبيين الذين نفذوا ما عرف باسم مذبحة المناشير السلسلية؛ حيث كان الجيش الكولومبي يدخل منطقةٍ ما بمساعدة القوات الأمريكية ويقوم الكولومبيون بالباقي، أما جزاء الضابط الذي كان يقدم التسهيلات للقتلة الكولومبيين فقد كان الإعفاء من المنصب فقط، كما نصبت الولايات المتحدة على الهندوراس الجنرال (غستافو الفاريز مارتنيز) الذي ساهم بقتل واختفاء عشرة آلاف شخص في الأرجنتين ومن ثم كُرِّم بتقليده وسام الاستحقاق لدوره في إشاعة الديمقراطية في الهندوراس.
- القاموس الأمريكي في التعذيب:
ومهما تنوعت وتعددت الوثائق التي تقر بالتجاوزات الأمريكية فإن ما أفرج عنه من كتيبات أساسية للمحققين تعطي خير برهان عن وجود نشاط للقوى الخاصة وممارساتها، ومن هذه الشواهد تأسيس المدرسة العسكرية عام ١٩٤٦ في باناما، وكان الهدف من هذه المدرسة تدريب رجال الشرطة والضباط في بلدان أمريكا اللاتينية ضدّ الأنظمة الشيوعية وحركات التحرير، وكانت هذه المدرسة أوّل من أصدر كتباً منسّقة توصي باستخدام التعذيب والإعدامات بدون محاكمة، واستخدام كل أساليب العنف بغية الحصول على المعلومات من المعارضين وأعضاء الميليشيا السياسية أو العاملين في صفوف حركات التحرير.
ثمّ انتقلت هذه المدرسة عام ١٩٨٤ إلى نورث بينييج؛ حيث كانت هذه المدرسة قد بلغت ذروتها في تعليم التعذيب في الستينيات من القرن الماضي؛ حيث كانت أمريكا تدرّب الضباط ضدّ الشيوعيين في أمريكا اللاتينية، وقامت هذه المدرسة منذ تأسيسها بتدريب ٦٠ ألف عضو من ١٢ بلداً، وقد أصبح عدد منهم فيما بعد رؤساء دول بعد أن أصبحوا جلاّدين مشهورين.
وفي عام ١٩٦٣م تمّ طباعة أبرز كتب التعذيب تحت اسم KUBARK لتعليم فنون التعذيب، ويبدأ الكتاب بجملة «حتى تكون محقّقاً جيداً!!» ويشرح الأساليب والطرق التي يجب اتباعها لانتزاع المعلومات من الأسير. والكتاب مزوّد برسوم وتفاصيل الانتقال من مرحلة إلى أخرى ومن أسلوب إلى آخر والظروف المناسبة لأداء ذلك والتأثير الذي يتركه هذا على الأسير أو المعتقل. ويؤكّد واضعو هذا المنهج أنّ أفضل وسيلة هي التي تجعل المعتقل يعذّب نفسه وأن يُعذَّب المعتقلون بمعتقلين آخرين، وقد تمّ تدريس هذا المنهج لرجال الاستخبارات والضبّاط في السجون وضبّاط مكافحة التمرّد والثورات.
وفي عام ١٩٨٣م طوّرت الاستخبارات الأمريكية منهاج التدريس في التعذيب نحو الأسوأ وأصدرت كتاباً آخر تحت اسم «التدريب لاستغلال القدرات البشرية» وكان هذا أسوأ نتاج في التعذيب، ويعتقد أنّ المنهج الذي طبِّق في سجن «أبو غريب» هو نفسه المذكور في ذلك الكتاب. وقد تمّ ترجمة العديد من هذه الكتب إلى اللغات المتعددة، وسرعان ما انكشف أمرها وأدّى إلى استياء لدى شعوب أمريكا اللاتينية خاصّة أنّه كان يتم تعذيبهم عبر المناهج الواردة فيها؛ ممّا دفع الحكومة الأمريكية خلال عهد بوش الأب إلى سحب جميع النسخ الموجودة والتي تباع بعد أن كان رونالد ريجان فعّلها لاستخدامها في مآرب خاصّة في الحرب الباردة، ولا نستبعد أنّ بوش الابن يستعين فيها الآن في حربه على الإرهاب.
- حقوق الإنسان الغائبة:
وفي تقرير جديد شامل صدر عن المنظمة الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش ويقع في ٥٠٠ صفحة، تناول وضع حقوق الإنسان في ٦٨ بلداً؛ إلا أن المهم في هذا التقرير هو ما جاء في مقدمة التقرير وهو «النفاق» في الخطاب الأمريكي؛ إذ تعتبر المنظمة التي تتخذ من نيويورك مقراً لها أن رسالة واشنطن للعالم هي: «طبِّقوا ما أدعو إليه، وليس ما أقوم به» . وأكدت المنظمة في تقريرها أن «لجوء الحكومة الأميركية إلى التعذيب ودفاعها» عنه كانا من العوامل الأساسية التي جعلت هذا البلد يفقد مصداقيته على صعيد حقوق الإنسان» . كما أن التقرير أكد على أن سوء معاملة معتقلين بأيدي أمريكيين لم يكن من فعل بعض العناصر السيئة في القيادات الدنيا كما روجت الآلة الإعلامية الأمريكية، بل هو قرار تم بموافقة كبار القادة العسكريين والأمنيين.
أما الدليل على ما سبق وإن رفضت الولايات المتحدة ما جاء في التقرير فهو يتمثل في رفض الرئيس الأمريكي جورج بوش توقيع قانون ضد المعاملة غير الإنسانية والمهينة تجاه المعتقلين، وكذلك ضغوط نائب الرئيس ديك تشيني لاستثناء وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) من تطبيق مثل هذا القانون؛ وهذا بلا شك دليل فاضح على أن المسألة عكس ذلك تماماً، وأشار التقرير إلى ملف «اختفاء» معتقلين يشتبه بضلوعهم بالإرهاب، يعتقد أن الولايات المتحدة سلمتهم إلى دول أخرى مما يؤكد احتمال وجود سجون أمريكية سرية في بولندا ورومانيا وغيرها من الدول.
وأخيراً: إن كانت الولايات المتحدة قد وضعت الكتيبات المساعدة على التعذيب، وتقوم وتشرف على القتل والاختفاء القسري، وفي كل يوم تقوم بتطويرها فلا يفوتنا التذكير بأن حجم المساعدات يزداد إلى بلدٍ ما بمقدار ما يمارسه من قمع للحريات (دول أمريكا الجنوبية نموذجاً) وما يؤكد هذا دراسة (لارسن شولتز) من جامعة شمال كارولينا حول مساعدات الولايات المتحدة إلى دول أمريكا اللاتينية؛ فقد كتب مقالة عن وجود علاقة وثيقة جداً بين المساعدات الأمريكية والإساءة إلى حقوق الإنسان؛ حيث تتدفق المساعدات بصورة غير متكافئة على حكومات أمريكا اللاتينية التي تعذب مواطنيها، كما أجرى (إدوارد هيرمان) دراسة أثبت من خلالها وجود علاقة كبيرة بين المساعدات الأمريكية والتعذيب.