← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

الشيخ رائد صلاح: الحفريات تحت المسجد الأقصى اعتداء صارخ على مقدساتنا متابعة: خباب بن مروان الحمد يُثار من حين لآخر حديث حول الحفريات التي يقوم بها الجنود الصهاينة تحت المسجد الأقصى الشريف؛ بدعوى العثور على آثار قديمة تعود إلى آلاف السنين، تثبت أنَّ لهم حقّاً تاريخيّاً في هذه البقعة المباركة. وبما أنَّ قضية فلسطين والتي نعدُّها رأس القضايا الإسلاميَّة التي ينبغي على جميع المسلمين مناصرتها والوقوف في وجه من يراغمها ويناكفها، ومن ذلك هجمة الصهاينة على المسجد الأقصى المبارك فقد اتَّجهنا إلى رئيس الحركة الإسلاميَّة في الداخل الفلسطيني، ورئيس مؤسسة «إعمار الأقصى والمقدَّسات الإسلامية» الشيخ رائد صلاح، لاستجلاء الحقيقة حول هذه الهجمة وأبعادها الخطيرة، فتفضل متحدثاً إلى مجلة البيان قائلاًَ: قد يتساءل بعض الناس: كيف استطعنا كشف أمر بناء كنيس يهودي تحت المسجد الأقصى المبارك؟ وإجابة عن هذا السؤال: فإنَّه في البداية تسربت إلينا معلومات حول وجود حفريات خطيرة تقوم بها جهات يهوديَّة تحت المسجد الأقصى المبارك، ووصلتنا من ثَمَّ معلومات بأن هذه الحفريات أخطر من التي تقوم بها سلطات الاحتلال منذ سنوات طويلة. وعلى ضوء ذلك بدأنا في مؤسسة «إعمار الأقصى والمقدسات الإسلامية في المناطق الفلسطينية المحتلة عام ٤٨م» ، بمحاولة للوصول إلى موقع الحفريات والوقوف على صورة ما يجري هناك، بطرائق وأساليب معينة لا يمكن الحديث عنها. وبالفعل نجحنا في الوصول إلى موقع الحفريات المحدد، وقمنا بتوثيق ذلك بتصوير عدة أجزاء لهذا الموقع بالصور الفوتوغرافيَّة وكذلك بالفيديو، إضافة إلى تصوير مواقع كثيرة مليئة بالحفريات والأعمال العدائية الصهيونيَّة التي تجري حالياً تحت المسجد الأقصى الشريف مباشرة. وبناءً على ذلك قمنا بتحديد موقع هذه الحفريات على الخارطة، ومكانها بالتحديد بالنسبة للمسجد الأقصى المبارك، وقد اتَّضح من خلالها ما يلي: ـ قامت المؤسسة اليهوديَّة ببناء سبع غرف بهدف أن تكون مركزاً لتجسيد التاريخ اليهودي قديماً وحديثاً. وقد وُضع في كل غرفة مجسم يرمز إلى هذه المراحل التاريخية، وفي إحدى الغرف وجد مجسم يرمز إلى ما يسمونه «خراب الهيكل» ، وجميعها تحت المسجد الأقصى. وهذا المبنى خطير جداً، ورسالته أكثر خطورة، حيث تحاول المؤسسة اليهوديَّة من خلال هذه الغرف أن تقول إن تاريخ اليهود يمتد تحت المسجد الأقصى المبارك، وهذا اعتداء صارخ ورسالة مزيفة ومضللة وخادعة لكافة أهل الأرض. ـ وفي موقع آخر مجسم يرمز إلى «جبل بيت المقدس» يضعون على قمته مجسماً لقبة الصخرة. ويقوم المسؤولون عن هذه المواقع بعرض إزالة قبة الصخرة المشرفة أمام الزائرين، ومن ثم وضع مجسم «يرمز إلى هيكلهم المزعوم» . ويجرون هذه العملية أمام السائحين الذين يأتون بهم من كافة الدول. ويهدف اليهود من خلال هذا الموقع بالذات إلى إجراء غسيل دماغ، وتهيئة العالم لهدف يطمعون في تحقيقه، وهو بناء الهيكل المزعوم على حساب المسجد الأقصى المبارك. ـ وفي الموقع الثالث: مجسم كبير لهيكل بحجم غرفة، وتحيط به كراسٍ على شكل مدرج دائري، ويقوم المسؤولون عن هذا الموقع باستقبال الزائرين الذين يتم انتقاؤهم، واستجلابهم إلى هذا المكان؛ لغسيل أدمغتهم وإقناعهم بأسطورة الهيكل المزعوم، وتحريضهم لمخطط إقامة وبناء الهيكل. ـ في الموقع الرابع ـتم اكتشاف بناء كنيس يهودي من طابقين، لا يبعد عن قبة الصخرة سوى (٩٧) متراً، ويوازي قبة الصخرة المشرفة. وإلى جانب هذا الموقع كشفنا أمراً غاية في الخطورة؛ حيث تبين لنا خلال الجولات التي قمنا بها، أن هناك حفريات تجري تحت المسجد الأقصى مباشرة، وفي أكثر من اتجاه، وعلى أعماق مختلفة وجميعها تتركز تحت المسجد الأقصى مباشرة. وأمَّا عن تأثير هذه الحفريات والاكتشافات الجديدة على بنية المسجد الأقصى فلا ريب في ذلك، بدليل أن هناك تصدعات في المباني القائمة في المسجد الأقصى، وبعد الفحص تبين أن السبب الوحيد في ذلك هو الحفريات الإسرائيلية المتواصلة منذ عام ١٩٦٧م العام الذي احتلَّ فيه اليهود الصهاينة مدينة «القدس» . كما أنَّ هذه الحفريات يقف وراءها من يطمحون للوصول إلى المسجد الأقصى القديم الذي يقع تحت الأرض، وإلى المصلى المرواني الموجود تحت الأرض، وهما مبنيان تابعان لبناء المسجد الأقصى الظاهر فوق الأرض، فهذه الحفريات مقدمة خطيرة للسيطرة على هذين المبنيين الجزء تلو الآخر. ولا ننسى أنَّ هذه الحفريات والمجسمات التي أقيمت مؤخراً، تعتبر اعتداءً صارخاً على ما يرمز إليه المسجد الأقصى المبارك بالنسبة للمسلمين، فهو مسرى الرسول ﷺ ، وهو الأخ الشقيق للكعبة المشرفة، وقد جرت هذه التوأمة في آيات سورة الإسراء، كما أنَّه حق ديني وتاريخي وحضاري للمسلمين. وبالنسبة لمطالبنا حول ذلك فلقد أعلنَّا من خلال مؤتمر صحفي عن كافة هذه المعلومات السابقة، وقمنا بشرحها أمام وسائل الإعلام، ونشرنا كل ما لدينا من صور وخرائط إلى جميع العالم. كما سنقوم بتوصيل هذه المعلومات والوثائق إلى جميع من يهمه الأمر في العالمين العربي والإسلامي، وإلى رابطة العالم الإسلامي، واتحاد المساجد في العالم، وكافة من نستطيع إيصالها إليه من رؤساء الدول والملوك، على أمل أن تكون هذه المواد أمانة في أيدي كل من تصله، من أجل أن يأخذ كل مسلم دوره في سبيل دفع هذه الاعتداءات الخطيرة على المقدسات الإسلامية. كما نقوم بإعداد رسالة تتوجه إلى علماء المسلمين وخطبائهم، من أجل حثهم على التحدث عن موضوع الأخطار والحفريات التي تهدد المسجد الأقصى، من على كافة منابر الأرض، وخاصة على منبر المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، وكل ذلك من أجل ربط المسلمين بكافة ما يحدث في القدس، ومن أجل أن يظل الأقصى والمقدسات الإسلامية حية في نفس كل مسلم؛ لأن أهم أهداف الاحتلال إبعاد قضية الأقصى والقدس عن قلوب المسلمين ونفوسهم. كما أنَّ هناك خطوات جدية من أجل التوجه إلى الجاليات العربية والمسلمة، في أوروبا وأمريكا، وهناك خطة لعقد مؤتمر على مستوى القارة الأوروبية من أجل كشف المخاطر المحيطة بالمسجد الأقصى واستنهاض العالم كاملاً لردِّ هذه الهجمة، وكذلك مؤتمر مماثل على مستوى القارة الأمريكية يتم تنظيمه للجاليات العربية والمسلمة هناك، وهناك مساع لتنظيم مظاهرة ضخمة في أمريكا أيضاً من أجل مناصرة القدس. وأما على الصعيد الفلسطيني، فنحن نؤكد ـ بإذن الله ـ أننا سنواصل شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، من خلال قوافل الأهالي في مناطق «المثلث والجليل والنقب» ، وكذلك المدن الساحلية: «عكا وحيفا واللد ويافا والرملة» ، وذلك بشكل يومي، استمراراً لمسيرة «البيارق» التي بدأت منذ أعوام، والتي تسعى إلى إيجاد رابط دائم بين الفلسطينيين القاطنين في المناطق المحتلة عام (٤٨م) تعويضاً عن منع فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة من الوصول إلى المدينة المقدسة. وإننا نرى في هذا الرباط الدائم الذي يقوم به عشرات الآلاف من المصلين يومياً حزام أمان يحافظ على المسجد الأقصى المبارك، ويدرأ عنه محاولات اعتداء يهودية متطرفة بشكل يومي، ومن شأن هذا أن يساهم في دفع خطر كبير، ويرد كيداً كبيراً عن المسجد الأقصى. وعلى الرغم من أننا في فلسطين المحتلة عام (٤٨م) نلتمس العذر لإخواننا في الضفة الغربية وقطاع غزة، بسبب منعهم من الوصول إلى القدس، وفرض الحصار والحواجز عليهم، إلا أن كل هذا لا يعفي السلطة الفلسطينية ولا الأحزاب والقوى الفلسطينية المختلفة من أن تجعل قضية القدس الشريف قضيتها الأساسية، خاصة في هذا الوضع الراهن. وإنَّني أقول ـ هنا ـ: يجب على جميع المسلمين التحلي باليقظة الدائمة؛ لأن هذه السنوات ستحمل عدة محاولات لاعتداءات كثيرة على المسجد الأقصى، وعلى مستقبله، ومن ثَم علينا أن نكون ـ كمسلمين ـ على مستوى الأمانة التي نحملها في أعناقنا، باستنهاض الهمم والقيام بواجبنا تجاه مقدسات المسلمين، واستجابة للشعار الذي أطلقناه منذ سنوات والقائل بأن «الأقصى في خطر» .

стр. 5567

مسؤولية الكلمة كم هي ثقيلة ! مها الجريس ليس من الغريب أن نذكر أنفسنا بين الحين والآخر بأمانة الكلمة ومسؤولية الفرد عما يقوله في شان من أمور الدنيا أو ما يتعلق بالآخرة، والنصوص المتواترة في هذا من الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر. كم هي ثقيلة أمانة الكلمة! وكم هو عبؤها أثقل حينما تخرج من عالمٍ أو طالب علمٍ أو داعية يصدر الناس عن رأيه وينثنون إلى قوله! ماذا أتعب العلماءَ الربانيين غيرُ هذا؟ ألم يكن للإمام أحمد رخصة في محنة القول بخلق القرآن، وكان لغيره ألف مسلك للتأويل وفقه الإكراه؟ إنها الأمانة الثقيلة التي عبَّر عنها موقف الإمام في المحنة، حينما رأى الناسَ وطلابَه ـ وهم بالآلاف ـ قد أمسكوا الأقلام ينتظرون ما يقول ليكتبوا عنه. واليوم كيف هو الحال؟ ماذا يمكن أن نقول لمن يصدر الناس عن رأيه في زمانٍ كهذا وفتن مدلهمات؟ وكم هم تلاميذ الإمام أحمد وناقلو رأيه أمام ملايين البشر الذين يستمعون لهؤلاء اليوم في مواقعهم الإلكترونية أو عبر شاشات الفضائيات! إن المسؤولية اليوم عظيمة وثِقَل الأمانة يتضاعف؛ فالكلمة يطير بها الإعلام بثوانٍ معدودات من غير مركوب ولا ركبان. والزمان في غربة من الدين وأهله، والأعداء قد رموه عن قوسٍ واحدة، وما يمكن قوله ـ اليوم ـ قد لا يمكن غداً، وما ذاك إلا لتقلّب الأحوال وتصاريف الأيام بأمور وأحوال تجعل الحليم حيران. كل هذا وذاك يجعلنا نقف وقفة طويلة أمام ثقل الأمانة الشرعية وعظيم المسؤولية الدنيوية؛ لما يصدر اليوم من أقوال وآراء تنتشر هنا وهناك، ليس منها ـ في بعض الأحيان ـ ما يوصف باجتهادات خاطئة يُؤجر صاحبها مرة واحدة، بل لا تعدو أن تكون قناعات شخصية أو آراء سياسية أو حضارية لم توزن بميزان الفتاوى الشرعية، يتناقلها الناس عن بعض الدعاة وطلاب العلم في برامجهم التي لم تكن أصلاً للإفتاء. وأخيراً: هل يدرك هؤلاء العلماء والدعاة أنهم ملء السمع والبصر، وأن الناس قد انتظروا ما يقولون ليحملوا عنهم، ولو لم يجمعهم مجلس علم أو ساحة مناظرة، ومن غير أقلام ولا قراطيس، وإنما عبر الأثير وفي برامج حوارية أو ثقافية أو اجتماعية؟ لِمَا مضى ولغيره أرجع فأقول: حقاً! كم هي ثقيلة أمانة الكلمة ومسؤولية الفرد! والله المستعان.

стр. 5568

النووي الإيراني ... والموقف الأمريكي حسن الرشيدي (إيران هي القاسم المشترك لكل مشكلاتنا في المنطقة) هكذا قال مسؤول أمريكي في تصريح ينم عن مدى التوتر وعمق الأزمة في العلاقات الإيرانية الأمريكية، ولكنه يكشف في الوقت نفسه عن الوعي الأمريكي بالدور المتعاظم لإيران في المنطقة مما يدفع المرء إلى التساؤل: هل تسعى أمريكا حقاً إلى حرمان إيران من السلاح النووي؟ وما حقيقة الموقف الأمريكي إذن من السلاح النووي الإيراني؟ الموقف الأمريكي كما عبرت عنه التصريحات الرسمية المعلنة يعتمد موقف المواجهة للمشروع النووي الإيراني، ووصل إلى التهديد بالحرب وإجهاض هذا المشروع بالقوة المسلحة سواء أكان ذلك بالطريق المباشر أي استخدام القوات الأمريكية وخاصة الموجودة بالجوار العراقي، أو التلويح بالذراع الصهيونية والتذكير بما فعله طيران العدو بالمفاعل النووي العراقي في ضربة قاصمة عام ١٩٨١. ولكن في الوقت نفسه فإن إيران تبدو ماضية في مشروعها بالمزج بين الوسائل الدبلوماسية والسياسية، والتلويح بأوراقها المختلفة في المنطقة، ومنها الرد العسكري على أي ضربة توجه إليها؛ بينما يبدو الموقف الأمريكي في نظر بعضٍ كأنه غير مكترث بما يجري. وما بين التهديدات وعدم المبالاة يدور المشهد الأمريكي في حلقة غامضة تثير الحيرة والبلبلة. ولفك معضلات هذا المشهد يجب أولاً تتبُّع الإستراتيجية النووية الأمريكية في العالم، ثم فهم دوافع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ومن ثم موقع إيران في هذه الإستراتيجيات. - الإستراتيجية الأمريكية النووية: كان اكتشاف السلاح النووي بما يحمله من قوة تدميرية هائلة ومرعبة، والاستخدام المبكر له في هيروشيما ونجازاكي في اليابان على يد الولايات المتحدة الأمريكية في الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية قد صاغ بشكل تفصيلي وحاسم مفردات النظام العالمي الذي ساد بعد الحرب، واستمر حتى بداية التسعينيات من القرن المنصرم. وفي هذا المجال يرى الاستراتيجي الأمريكي البارز (برنارد برودي) أن الأسلحة النووية قد فتحت عصراً جديداً طوى الاستراتيجيات والخبرات العسكرية السابقة وقلل من شأنها، وطرح إستراتيجية فعالة وحيدة هي إستراتيجية الردع النووي. وتقوم إستراتيجية الردع النووي قبل كل شيء على المناورة بالتهديد باستخدام السلاح النووي؛ هذه المناورة التي تجعل الشك ممكناً. كانت فكرة الردع أحد أحجار الزاوية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها طوال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية. وحسب التصريحات الرسمية في ذاك الحين فإن القوات المسلحة الأمريكية لن تُستخدمُ لبدء الحرب، ولكن قواتها بوجود الأسلحة النووية ستردع أي عدو محتمل في اتخاذ خطوات عدوانية. فالمساواة الكمية العددية بين أسلحة الطرفين المتصارعين مسألة لا قيمة لها في ميدان التوازن النووي. - ما معيار الردع النووي؟ إن معيار الردع النووي يتضمن جانبين أساسين هما: الأول: هو القدرة على تدمير المراكز السكانية والاقتصادية والمدنية الهامة. الثاني: هو القدرة على امتصاص الضربة المعادية النووية الأولى، وحماية المراكز البشرية والإنتاجية والمدنية والعسكرية الهامة وخاصة وسائط الردع النووي، ومن ثم امتلاك القدرة على الرد. ومنذ عام ١٩٧٨ تعهدت الولايات المتحدة بعدم استخدام السلاح النووي ضد دول لا تمتلكه، وقد التزمت الدول النووية الرسمية الخمس (الصين، وفرنسا، وبريطانيا، وروسيا، وأميركا) بهذا التعهد بشكل علني عند إقرار معاهدة الحد من نشر الأسلحة النووية عام ١٩٩٤ بعد ٢٦ عاماً من توقيعها. لذلك بعد انتهاء الحرب فقدَ مبدأُ استبعاد القوة النووية مبرره؛ وذلك مع انتهاء عصر الثنائية القطبية، وظهور عالم القطب الواحد وانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم، وبدا ذلك في استحداث إستراتيجية أمريكية نووية بديلة عن الإستراتيجية السائدة في فترة الحرب الباردة والتي ظلت فيها الأسلحة النووية بعيدة عن الاستخدام الفعلي الخاضعة ففي الوقت نفسه للتطوير والتحديث ـ. وفي سبتمبر ١٩٩٦ وقّع الرئيس (بيل كلينتون) مذكرة رئاسية تراجع فيها عن التعهد الذي أُقر عام ١٩٧٨ بعدم استخدام الأسلحة النووية ضد دول لا تمتلك هذا السلاح. وفي مايو ٢٠٠٢ تعهدت الولايات المتحدة لروسيا بتقليص عدد الرؤوس النووية الهجومية التي تمتلكها من ٦٠٠٠ إلى ٢٠٠٠. وقد تبين فيما بعد أن هذا الوعد كان مجرد سراب؛ إذ إن العسكريين الأميركيين احتفظوا في الواقع بعدد كبير من الرؤوس النووية المخزونة التي يمكن إعادة تنشيطها خلال بضعة أيام عند الحاجة. وفي يناير ٢٠٠٥ خطت الولايات المتحدة خطوة غير مسبوقة؛ فقد قدم وزير الدفاع (دونالد رامسفيلد) إلى الكونغرس مشروعاً باسم إعادة النظر في السياسة النووية وفيه تناول أساساً إحاطة مشروع إعادة إطلاق الترسانة الأميركية النووية بصيغة إستراتيجية. وتذكر هذه الوثيقة أن الولايات المتحدة باتت تواجه أخطاراً متعددة ذات مصادر متنوعة ليست كلها متوقعة، وأن الترسانة المتوفرة لا تحوي أسلحة دقيقة بالشكل الكافي، بل أسلحة قوية جداً وذات قدرة محدودة جداً على اختراق الأرض. وقد استعرض التقرير ١٤٠٠ هدف تحت الأرض، واعتبر أنه ليس للأسلحة التقليدية قوة اختراق كافية لتدميرها، وأوصى بضرورة العودة إلى التجارب النووية، من أجل تأمين زمن سير أطول للأسلحة البعيدة المدى، ومن أجل إنجاز تصنيع الرؤوس النووية الجديدة. وقد وُضع مشروع لائحة بأسماء سبع دول يمكن استخدام السلاح النووي التكتيكي من الجيل الجديد ضدها وهي: روسيا، والصين، والعراق، وإيران، وكوريا الشمالية، وليبيا، وسوريا. وقد أشار (مايكل شايفز) الناطق باسم البنتاغون إلى أن على واشنطن أن تعتمد إستراتيجية نووية تواجه بها مباشرة الأخطار المستجدة؛ في حين ذكر (بول روبنسون) مدير (مختبر سانديا) أنه سيكون بإمكان الولايات المتحدة أن تردع أعداءها بشكل أفضل إذا ما تضاءل الفرق بين الأسلحة النووية والأسلحة التقليدية. وفي شهر مايو ٢٠٠٥ كتبت صحيفة الواشنطن بوست تقول: قبل أن نبحث في كيفية تطوير ترسانتنا النووية العجوز علينا أن نناقش دور الأسلحة النووية ومدى أهميتها في الحفاظ على أمن الولايات المتحدة. واستعرضت الصحيفة بعض النقاط من أجل الإشارة إلى أهمية الأسلحة النووية بالنسبة لأمن الولايات المتحدة ومستقبلها؛ منها: أن العديد من الدول يملك هذا النوع من الأسلحة، والعديد من الدول الأخرى يسعى جاهداً لامتلاكها؛ كذلك فإن الأسلحة النووية التي بحوزة أميركا اليوم لا تتماشى ومتطلبات العالم الحديث؛ فقد كانت مناسبة في إطار الحرب الباردة، ولكنها أصبحت اليوم متواضعة. وتتابع الصحيفة تعداد نقاط أخرى تشكل بنظرها دوافع مهمة كي تطور الولايات المتحدة برنامجها النووي وأهمها امتلاك الإرهابيين ـ على حد تعبير الصحيفة ـ أسرار صنع القنبلة النووية. وتعزز هذا المسعى بإصدار الوثيقة المعنونة بـ (مبادئ العمليات النووية المشتركة) بتاريخ ١١/٩/٢٠٠٥ بغرض توسيع هامش الاستخدام الميداني للأسلحة النووية الميدانية. وفي فبراير ٢٠٠٦ وقَّعت الولايات المتحدة اتفاقية خاصة بأنظمة المفاعلات السريعة المبرّدة بالصوديوم مع فرنسا واليابان؛ مما يوفر إطاراً للتعاون بين الدول الثلاث في مجال الأبحاث والتطوير لصنع مفاعلات نووية متطورة. وجاء في بيان صحفي أصدرته وزارة الطاقة الأميركية في ١٧ فبراير الماضي أن هذا الترتيب سيدعم تطوير التقنية ضمن شراكة الطاقة النووية العالمية التي تتزعمها الولايات المتحدة والتي كان قد أعلنها وزير الطاقة الأميركي (سامويل بودمان) في وقت سابق من هذا الشهر. وشراكة الطاقة النووية العالمية هي استراتيجية شاملة تهدف إلى زيادة الأمن الأميركي والعالمي في مجال الطاقة، وتشجيع التنمية النظيفة حول العالم، وتقليص خطر انتشار الأسلحة النووية فضلاً عن تحسين البيئة. ولكن: لماذا هذا التغير في السلوك الإستراتيجي الأمريكي النووي؟ يقول الدكتور عماد الشعيبي رئيس مركز المعطيات والدراسات الإستراتيجية بدمشق: إن مخاطر السياسة الجديدة التي تتبعها الولايات المتحدة تتجلى في اعتمادها سياسة لحظر نشر الأسلحة ليس عن طريق المعاهدات بل بالهجوم؛ فهي تتنكر جذرياً لفرضية الردع الكلاسيكية كي تنحو في اتجاه مخطط استخدام الأسلحة النووية وضرب النظام الذي ينتج أسلحة محظورة، وتعطي الأولوية لنشر الأسلحة النووية. فخلال الحرب الباردة كان الخطر يتأتى من الأسلحة النووية السوفييتية، أما الآن فإن التحصينات تحت الأرض لدى من يسمونهم (الديكتاتوريين) هي التي على ما يبدو يرتعد لها مسؤولو الشؤون الدفاعية في الولايات المتحدة، وهذا هو سر العمل في الكونغرس لاستصدار قرار يسمح باستخدام أسلحة نووية تكتيكية وكأنها أسلحة تقليدية. وفي هذا الصدد يقول الباحث الأمريكي المعروف (أنتوني كوردسمان) في كتاب (تهديدات إستراتيجية) إصدار مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن: منذ نهاية الحرب الباردة تغير التهديد للولايات المتحدة من تهديد استراتيجي إلى خليط من تهديدات جديدة؛ فأراضي الولايات المتحدة أصبحت الآن من المحتمل أن تُضرَب نتيجة صراعات من أجل القوة في مسارح بعيدة عن أراضي الولايات المتحدة وبسبب الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة بفتح قواتها على مسافات بعيدة في تلك المناطق. ويعتقد بعضهم أن التغير في الموقف النووي قاصر على الولايات المتحدة، ولكن فرنسا (شيراك) دخلت أيضاً على هذا التغير الإستراتيجي النووي؛ فقد أفادت الأنباء يوم ٢٠ يناير ٢٠٠٦ أن الرئيس الفرنسي ألقى كلمة في القاعدة البحرية بجزيرة (ليل لونج) قبالة سواحل مدينة برست ـ الواقعة في مقاطعة بريتانيا الفرنسية ـ وأعلن في هذه الكلمة ـ بالنص ـ ما يلي: «يجب على قادة الدول الذين قد يلجؤون إلى وسائل إرهابية ضدنا أو أولئك الذين قد يستخدمون أسلحة التدمير الشامل أن يدركوا أنهم يمكن أن يعرِّضوا أنفسهم لرد صارم وملائم قد يكون بوسائل تقليدية أو ذات طبيعة أخرى» . وأضاف شيراك: «إن الإمدادات الإستراتيجية والدفاع عن الحلفاء هي من المصالح التي نعتبرها حيوية وتبرر من ثَم اللجوء إلى قوة الردع النووي. ويذكر المحللون أن فرنسا كانت تعتبر حتى الآن أن المصالح الحيوية التي تبرر استخدام السلاح النووي» مقتصرة على صون وحدة وسلامة الإقليم الداخلي للدولة الفرنسية وحماية السكان وكفالة ممارسة الدولة لسيادتها. كل ما سبق يعني أن الإستراتيجية الأمريكية الحالية هي عدم التوقف عن إنتاج الأسلحة النووية؛ ولكن ما يعرف بالنووية التكتيكية والتي تمكِّن الولايات المتحدة من الرد على المجموعات الإرهابية أو ما يسمونه (الدول المارقة) بالمنظور الأمريكي وليست هذه إستراتيجية أمريكية فقط، ولكنها إستراتيجية أوروبية قد تكون نتيجة تنسيق بين الأطراف المختلفة، أو تكون نوعاً من إثبات القوة أمام الهيمنة الأمريكية. وإذا كانت الولايات المتحدة نجحت في إسقاط الاتحاد السوفييتي بما يمثله من قوة نووية هائلة بدون إطلاق أي قوة نووية أو غير نووية فإن الولايات المتحدة واثقة من أنها قادرة على من هو أقل منه شأناً في ذلك المضمار. - أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط: يُجمِعُ المراقبون السياسيون على وجود هذه الثلاثية من الأهداف التي تبغي الإدارة الأمريكية تحقيقها في المنطقة وهي: الدولة الصيونية، والنفط، ومحاربة الإرهاب؛ ولكن خلافهم حول أولويات هذه الأهداف وترتيبها؛ والتي تصب في النهاية لتحقيق الهدف الرئيسي الذي عبر عنه بوش في خطابه في احتفال البحرية الأميركية في فلوريدا يوم ١٣/٢/٢٠٠٣م بقوله: نرغب أن نكون بلداً فوق الجميع. هذه الثلاثية في الأهداف نابعة من الشخصية الأمريكية التي جرى تشكلها عبر التاريخ الأمريكي منذ قدوم المهاجرين الإنجليز ونزول الرجل الأبيض على شواطئ العالم الجديد أو ما عرف فيما بعد باسم (أمريكا) حيث شكلت ثلاثية: (المال، والقوة، والدين) الشخصيةَ الأمريكيةَ على مدار التاريخ. وعند تطبيق معالم الشخصية الأمريكية تلك على أهداف الإدارة الأمريكية بالنسبة للشرق الأوسط تتجلى هذه الثلاثية بشكل قاطع. فالتراث الديني في أمريكا يستمد أصوله من المذهب البروتستانتي في إنجلترا وارتحل إلى أمريكا؛ والذي نشأ مع حركة الإصلاح الديني التي قادها (مارتن لوثر) في القرن السادس عشر، وأسهمت هذه الحركة في بعث اليهود من جديد؛ وبذلك نفهم الحرص الأمريكي على وجود الدولة الصهيونية. أما القوة الأمريكية الغاشمة وحرب الإبادة التي شنها الكاوبوي الأمريكي على سكان أمريكا الأصليين من الهنود الحمر فتتجلى بشكل صريح في الحرب التي تشنها على ما تزعم أنه إرهاب. أما حب المال والسيطرة على مصادره فإن تجلياتها الحديثة تظهر في حب السيطرة على منابع النفط وطرق الوصول إليه. - ولكن ما هو موقع إيران من تلك الأهداف الأمريكية؟ بالنسبة للنفط فإن إيران من كبار منتجيه في العالم، وفضلاً عن ذلك قربها من المنتجين الرئيسيين في الخليج العربي، كما تطل بشواطئ طويلة على ذلك الخليج الممتدة من عبدان وحتى المحيط الهندي؛ ومع وجود قوات بحرية قوية فإنها تستطيع تهديد مرور ناقلات النفط في الخليج، وسبق أن هددت بذلك؛ فبعض التقارير العسكرية التي أقرت بها إيران، تفيد بأنها تمتلك غواصة لا يستطيع الرادار كشفها، كما أنها دأبت على تصنيع توربيدات محلية الصنع قد تسبب أرقاً للبحرية الأمريكية في مياه الخليج الضحلة أساساً؛ هذا بالإضافة إلى ترسانة صواريخ أرض أرض التي تمتلكها والمتمثلة بمنظومة صاروخية ذات تقنية روسية ـ صينية ـ وكورية شمالية ومحلية الصنع يقف على رأسها الصاروخ شهاب. والدولة الصهيونية حاضرة بالنسبة للمنظور الأمريكي لإيران؛ فالإستراتيجية الأمريكية من ضمن خطوطها العريضة الحفاظ على أمن دولة العدو؛ وإيران تمتلك كثيراً من المؤهلات العسكرية والبشرية والتقنية وهو ما يجعلها نِدّاً إقليمياً للعدو الصهيوني مكافئاً لها. أما مكافحة الإرهاب؛ فوجود إيران كمعبر من أفغانستان إلى العراق يشكل هاجساً مهماً بالنسبة لأمريكا التي تخوض حرباً ضروساً مع الجماعات الجهادية التي تنشط بشكل مكثف في كل من البلدين، وتغرق الجيوش الأمريكية في تلك المناطق حتى أذنيها؛ فضلاً عن الحضور الشيعي في كل من هذين البلدين. - السلاح النووي الإيراني في الإستراتيجية الأمريكية: باستعراض ما سبق نجد أن الولايات المتحدة تنظر إلى إيران بحجمها الإستراتيجي في المنظور الأمريكي كدولة موجودة على الخارطة وقوة لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال؛ ولذلك فإن الولايات المتحدة يمكن أن تغض النظر عن مستوى معين في التسلح النووي الإيراني؛ وذلك من عدة منطلقات: أولاً: أن القوة الإيرانية لم تكن في يوم من الأيام حسماً من الرصيد الإستراتيجي الأمريكي، بل كانت دائماً تعزيزاً له وتكريساً لوجوده. ثانياً: أن المعلومات المتوفرة تدل على أن أمريكا نفسها ساهمت بشكلٍ ما في البرنامج النووي الإيراني؛ فقد أشار تقرير لعروض الصحف البريطانية أذاعته الـ (بي بي سي) نقلاً عن صحيفة (الغارديان) تحت عنوان حماقة C.I.A التي ساعدت برنامج إيران النووي، والذي تحدث عن كتاب لمراسل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية (جيمس رايسن) لشؤون المخابرات بعنوان: (الحرب على الإرهاب: التاريخ السري للسي آي إي وإدارة بوش) . ونقلت (الغارديان) عن ذلك الكتاب أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ربما ساعدت إيران في تصميم قنبلة نووية من خلال محاولة فاشلة لتسريب معلومات سرية مضللة تتعلق بتصميم قنبلة نووية إلى إيران. ويورد الكتاب أن العملية السرية التي سميت (ميرلين) والتي وافقت عليها إدارة الرئيس السابق (بيل كلينتون) ارتدت على نحر المخابرات الأمريكية عندما قام عالم روسي منشق كان يعمل في برنامج نووي سوفييتي يتعاون مع C.I.A ومكلف بتسريب تلك المعلومات النووية السوفييتية التي تلاعبت فيها المخابرات الأمريكية إلى الإيرانيين بإعلام المسؤولين في طهران في فبراير عام ٢٠٠٠ بوجود معلومات غير صحيحة في البيانات التي حصلوا عليها. ويقول المؤلف ـ نقلاً عن (الـ بي بي سي) ـ: إن الهدف الأمريكي كان توجيه العلماء الإيرانيين الذين يعملون على تطوير سلاح نووي إيراني نحو طريق مسدود يصلون إليه بعد سنين من العمل الشاق غير المثمر. ويضيف (رايسن) : إنه بدلاً من ذلك ربما ساهمت العملية الفاشلة في تسريع تطوير إيران لبرنامجها النووي. وتتحدث (الديلي تيليغراف) عن الموضوع نفسه في مقال بعنوان: (أيدي C.I.A الخرقاء تسلِّم الإيرانيين دليلاً لصنع قنبلة نووية) . لكنها تورد فشلاً استخباراتياً أمريكياً آخر، على حد تعبير رايسن، وقع عام ٢٠٠٤؛ حيث يقول في كتابه: إن ضابطاً في C.I.A سلَّم عن غير قصد عبر رسالة مشفرة أحد العملاء الإيرانيين ـ الذي تبين لاحقاً أنه عميل مزدوج يعمل أيضاً مع المخابرات الإيرانية ـ معلومات أدت إلى إلقاء القبض على كافة العملاء المتعاونين مع C.I.A في إيران، ويرى (رايسن) أن السي. آي. إي ارتكبت أكبر حماقة في تاريخها الحديث مع إيران. ولكن من السذاجة بمكان تصور أن وكالة المخابرات الأمريكية بهذه الغفلة بحيث تمد إيران بمعلومات مغلوطة عن السلاح النووي، أو أنها تكشف عميلاً لها للمخابرات الإيرانية. ثالثاً: تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية لا يوحي بذلك التنافر الحقيقي. نعم! إن تبادل الاتهامات والحملات الإعلامية كانت هي السمة البارزة في العلاقات بين الطرفين، ولكن متى كانت السياسة هي العلاقات الظاهرية، وخاصة في منطقتنا؟ فالبلدان يتمتعان بعلاقات تحالف وتوافق مصالح وتنسيق سري جرى منذ أيام سقوط الشاه مروراً بفضيحة (الكونترا) حتى الوصول إلى التحالف لإسقاط طالبان ومن بعده نظام صدام. رابعاً: أمريكا خبرت جيداً القنبلة النووية الباكستانية، وبدلاً من أن تكون عاملاً للقوة الباكستانية تستطيع أن تلعب به في الساحة الدولية لتعزيز مكانتها أصبحت بعد ١١ سبتمبر عبئاً ثقيلاً على باكستان نتيجة التهديد الأمريكي المبطن بتدميره أو المشاركة بقصفه إذا لم تتعاون باكستان ضد طالبان والقاعدة؛ وهكذا يمكن أن يكون السلاح النووي ورقة سياسية في يد الإدارة الأمريكية تبتز بها إيران، وتجبرها على ترك أوراقها في أماكن أخرى. خامساً: الولايات المتحدة تعلم جيداً الأوراق التي تمتلكها حكومة الملالي في إيران؛ فهناك النفط وخطوط نقله كما سبق أن بينّا، وهناك ورقة الانتحاريين الذين يمكن إرسالهم إلى دول مختلفة وإحداث القلاقل في هذه الدول، وهناك أيضاً أفغانستان وطائفة الهزارة الشيعية، والصلة بين المخابرات الإيرانية وبعض زعماء الطاجيك، وهناك أيضاً شيعة الخليج والتأثير الإيراني عليهم، وهناك لبنان وحزب الله؛ بالإضافة إلى الورقة السورية؛ فضلاً عن الورقة الفلسطينية المتمثلة في دعم حماس بعد فوزها في الانتخابات. وأخطر هذه الورقات على الإطلاق هي الورقة العراقية وشيعة الجنوب. وفي المعلومات الاستخباراتية أن إيران استأجرت واشترت ٢٧٠٠ وحدة سكنية من البيوت والشقق والغرف في مختلف أنحاء العراق، وخاصة في النجف وكربلاء ليسكن فيها رجال الاستخبارات الإيرانية ورجال فيلق القدس الاستخباراتي، ويشير حجم المساعدات النقدية الإيرانية المدفوعة إلى مقتدى الصدر وحده ـ عدا التيارات الأخرى ـ خلال الأشهر الأخيرة أنها تجاوزت سقف ٨٠ مليون دولار، إلى جانب تدريب رجاله، وإرسال معونات إنسانية شملت الغذاء والأدوية والمعدات والأثاث. كل هذه الأوراق تدفع واشنطن باتجاه واحد وهو التفاوض مع إيران لتبادل الأوراق السياسية معها. وإذا كانت أمريكا تعلم جيداً بالبرنامج النووي الإيراني، بل ساهمت في إنشائه؛ فما سر هذه المشاحنات الإعلامية والتهديدات العسكرية والملاسنات السياسية التي وصلت إلى مجلس الأمن؟ كما أعلن مؤخراً الإجابة هي أنه لا بد أن هناك خلافاً بين الطرفين على المساومة على الأوراق السياسية المطروحة بينهما؛ ففي مقابل الأوراق الإيرانية السابقة الذكر تملك أمريكا ورقة فعالة وهي ورقة البرنامج النووي الإيراني، ويشير أكثر المراقبين إلى أن صفقة يمكن أن تتم بين الطرفين، وأن الخلاف هو حول الأولويات؛ فحسب بعض التقارير الإخبارية أن الإيرانيين يريدون صفقة شاملة من النووي، وحتى التفاصيل الاقتصادية والسياسية في شرق إيران وغربها وجنوبها وشمالها. والأميركيون يفضلون الاتفاق على المسائل واحدة بعد أخرى من العراق وحتى لبنان. ويرى الباحث د. رضوان السيد أن الولايات المتحدة الآن في مواقع الدفاع في الشرق الأوسط رغم جيوشها الضاربة في كل مكان ... تحتاج أميركا إلى الاستقرار في العراق، وإلى الاستقرار في لبنان، وإلى الاستقرار في الخليج. وهكذا تحول الاضطراب البنَّاء الذي تحدثت عنه (كونداليزا رايس) وزيرة الخارجية الأمريكية لغير صالح الولايات المتحدة، وصار الاضطراب البنَّاء ذاته عملة إيرانية صعبة تستطيع الكسب عن طريقه بتحريك أحجار الشطرنج دونما حاجة لإحراق أصابعها.

стр. 5569

حرب أهلية صغيرة = احتلال أفضل أحمد فهمي قال سائق عراقي يعمل لدى مؤسسة إعلامية دولية في بغداد: «هذه البطاقة تفيد أنني من منظمة بدر (الشيعية) وهذه أُظهِرُها للشرطة، ولديَّ تصريح صحفي أمريكي، وبطاقة هويتي العادية، وتقدمت بطلب للحصول على تصريح من جيش المهدي.. أنا سُني، لذلك فإن هذه التصاريح تعني ألاَّ أواجه المشاكل» . هكذا تعيش بغداد التي قررت القوات الأمريكية أنها تعيش حالة من الأمان تستدعي تسليم القوات العراقية ٧٠% من مناطقها. وحقيقة الأمر أن الجيش الأمريكي في العراق أشبه بفِرَق زرع الألغام، يتسلم المدن والمناطق ثم يقوم بزرع الألغام الطائفية في أراضيها، ثم يسلمها للقوات العراقية ـ المُلَغَّمة بدورها ـ ويعلن على الملأ: الأحوال تسير بشكل إيجابي، وكانت نتيجة الإيجابية على النهج الأمريكي أن بغداد تحولت إلى ميدان للصراع الطائفي للعراق كله؛ بحيث إن الأحداث في البصرة أو سامراء أو النجف تنعكس بصورة فورية في بغداد. وتبدو هذه الوضعية المتوترة للعاصمة مقصودة في حد ذاتها، انطلاقاً من رؤية إستراتيجية تعتبر أن الحرب الأهلية المخففة تحقق عدة أهداف للسياسة الأمريكية: فهي تلفت الأنظار إلى أهمية الوجود الأمريكي العسكري في العراق، كما أنها تفسد على نظام طهران متعة إشعال الحرائق المشتعلة بالفعل، وأيضاً فهي تعيد توجيه الطاقات القتالية وقوى المقاومة نحو أهداف أخرى غير الأمريكيين، ومن فوائدها أنها تمثل ضغطاً على القوى السنية لتُليِّن مواقفها السياسية. وقد تمادى قادة وسياسيون أمريكيون مؤخراً في تحذيرهم من حرب أهلية قادمة وكأنهم كانوا مبرمجين على إطلاق تلك التصريحات، وكتب (توماس فريدمان) في الواشنطن بوست معبراً عن هذا التوجه الجديد: «هذا ليس الوقت المناسب لانسحاب الولايات المتحدة الأميركية من العراق، بيد أنه الوقت المناسب كي تبدأ تهديدها بالانسحاب منه» . وفي تعبير أكثر صراحة يقول فريدمان: «ليس منطقياً ولا مقنعاً القول بضرورة استمرار وجود القوات الأميركية رهينة الخوف من اندلاع حرب أهلية بين العراقيين، ولو عقد العراقيون العزم على خوض حرب أهلية واسعة النطاق فيما بينهم؛ فإن من الأفضل أن تندلع هذه الحرب دون أن نكون نحن طَرَفاً فيها» . بقي أن نشير إلى آخر اللمسات الفنية التي أضافها الرسام المجهول إلى لوحة «بغداد المتوترة» وهي اغتيال (اللواء بدر الدليمي) السني قائد الفرقة السادسة التي تضم عشرة آلاف مقاتل، بينما كان يترجل من سيارته ضمن قافلة من ١٤ سيارة عسكرية، قُتل برصاصة واحدة في رأسه من قناص مجهول يعلم تماماً ما يفعله، أما لماذا (بدر الدليمي) تحديداً؟ فلأن الرجل لعب دوراً بارزاً في مشاغبة الميليشيات الشيعية التي تريد السيطرة على بغداد، خاصة بعد تفجير مرقدي سامراء. لا أكون مبالغاً إذا قلت: إننا لو صنفنا قائمة بأسماء الرموز السنية التي اغتيلت في العراق من أئمة وعلماء ودعاة وقيادات سياسية وفكرية؛ فسنجد أنفسنا أمام حرب إبادة نوعية لم يسبق لها مثيل في العالم العربي.

стр. 5570

من مصادرهم الرسمية: القوات الخاصة الأمريكية والقتل خارج نطاق القانون باسل النيرب أدت الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة إلى فرض نوع جديد من القوة العسكرية التي تقوم على أساس القوة الضاربة، وتلقين الخصم الدرس القاسي من جراء معارضته للوجود الأمريكي، وقد صاحب تلقين الخصم الدرس القاسي؛ فرض نوعٍ من الرقابة العسكرية الصارمة، والتعتيم الإعلامي وبخاصة على أرض المعركة؛ حيث يقوم الجنود بمهامهم وفق الطريقة الأمريكية المُثلى كما يرتؤون في القضاء على كل أشكال المقاومة. - غياب التشريع القانوني: لقد تنوعت أسماء الوحدات الخاصة المقاتلة في الحياة العسكرية الأمريكية؛ فهناك قوات القبعات الخضراء، وجوالة الجيش (رانجرز) ، وقوة النخبة في القوات الأمريكية الخاصة (دالتا) ، وفرقة النشاطات الخاصة SA)) ، ووحدة مساندة النشاطات الاستخباراتية المعروفة باسم الثعلب الرمادي التي شكلتها استخبارات الجيش، ويضاف إلى ما سبق الفرقة (١٠١) المحمولة جواً من الجيش الأمريكي، وتعد رديفاً للقوات الخاصة، واللواء (٨٢) المحمول جواً وهو ذو كثافة نيران عالية وتسليح خاص، وقادر على الانتقال فوراً إلى مناطق العمليات الساخنة بكامل أسلحته وقوته ومباشرة الاشتراك في العمليات. ولا تكاد تؤثر تلك القوات الخاصة على الحياة المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فالأخبار عنها شحيحة أو تكاد تكون معدومة أحياناً ما لم يظهر حدث يدل على بشاعة المصير الذي آل إليه أعضاء إحدى الفرق وهو الحدث الذي يتبارى في إظهاره المراسلون الحربيون؛ ففي الحرب الفيتنامية تبارى المراسلون في إظهار تجاوزات أصحاب القبعات الخضر في جبال وأحراج فيتنام، عندها سارع الشعب الأمريكي إلى تنظيم المظاهرات لسحب الجنود من غابات فيتنام، والحال ذاتها تنطبق على الجنود في الصومال عندما قُتل وسُحل مجموعة من أفراد القوة (١٠١) على أيدي المقاومين في الصومال، فسارع الشعب الأمريكي إلى التنديد بالهجوم وفرض انسحاب القوات منها؛ أما عند شيِّ مجموعة من الأسرى الصوماليين على النار على أيدي جنود المارينز فلم يبادر أفراد الشعب الأمريكي إلى المطالبة بالانسحاب. ومهما كانت أسباب عودة القوات الخاصة الأمريكية إلى دائرة الحدث بقوة؛ فإن إعادة إحيائها تمثل انتصاراً لسياسة وزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) الذي أعلنها إثر غزو أفغانستان والمتمثلة في اصطياد البشر، وهي للأشخاص المطلوبين وفق تصور الأجهزة الأمنية الأمريكية لمشاركتهم الأساسية، أو المحتملة في الهجمات على الولايات المتحدة الأمريكية. ومع تغوُّل الحياة العسكرية داخل الولايات المتحدة وتصديرها عبر حلمها الإمبراطوري، توسعَ عمل القوات الخاصة كثيراً في إدارة جورج بوش؛ حيث لا يوجد تشريع قانوني يلزم الرئيس الأمريكي بإحاطة الكونغرس بعمل القوات الخاصة خارج الأراضي الأمريكية، كما أن ميزانية البنتاجون لعام ٢٠٠٤م خصصت ما يزيد على ٦.٥ بلاين دولار لتغطية مهامها بزيادة قدرها ٣٤% عما كانت عليه عام ٢٠٠٣م. أما لماذا سمح التشريع الأمريكي للقوات الخاصة بذلك وليس للجيش وإن كانت إحدى تشكيلاته؛ فلأن القوات الخاصة أفضل من ناحية الحركة من حيث الملاحقة واصطياد الخصوم، واليوم من أنشط هذه القوات كتيبة قوات دلتا وهي الأكثر سرية ضمن الوحدات الخاصة الأمريكية المتخصصة في الخطف والتسلل، وقوة المهمة (Task force ١٢١) جمع أفرادها من قوات دلتا السابقة والقوات الخاصة البحرية ووكالة المخابرات المركزية وقوات أخرى من القطاع الأمني الخاص، وقد تشكلت هذه القوة لأجل مطاردة صدام حسين وأسامة بن لادن وآخرين، ويقود هذه القوة الطيار بالقوات الخاصة سابقة هو العميد (لايل كوينيج) . - تبرير منطقي للقتل: لقد تنوعت البرامج الأمريكية العسكرية في القتل خارج نطاق القانون؛ ففي عام ١٩٦٢ ناقش كبار قادة هيئة أركان القوات المسلحة الأمريكية خطة تدميرية، واتفقوا على عملية سرية أطلق عليها اسم عملية نورثوودز، وهي خطة لتدمير ممتلكات أمريكية وقتل مواطنين أمريكان؛ الهدفُ منها إعطاء مبرر لأمريكا لكي تغزو كوبا، كما نشر الجيش الأمريكي في عام ١٩٧٠ دليل العمليات الميدانية المرقم بـ ٣٠ - ٣١B والمعنون بـ «استخبارات عمليات الاستقرار والتوازن - الميادين الخاصة» المؤرخ في ١٨ مارس ١٩٧٠ والذي وقعه الجنرال وليام ويستمورلاند؛ حيث شجع الدليل على القيام بعمليات إرهابية «وزرع» أدلة كاذبة في أماكن عامة لكي يتهم بها الاتحاد السوفييتي لاحقاً، ويذكر التقرير ضرورة القيام بهجمات إرهابية في عموم أوروبا الغربية تقوم بها شبكة من الوحدات الخاصة للجيش الأمريكي وجيوش دول حلف الناتو، الغرض منها هو إقناع الحكومات الأوروبية بالخطر الكبير للاتحاد السوفييتي، ومن ثم تباشر آلة الإعلام في اتهام التنظيمات الإرهابية، مما يستدعي الأمر أهمية التدخل العسكري الأمريكي في ذلك البلد. ومنذ الحرب الفيتنامية أطلقت العسكرية الأمريكية العديد من البرامج التي تتعقب كل من لا ينتمي إلى تيارها أو يحاول ضرب الولايات المتحدة، وهناك برنامج فينكس phoenix)) ، وهو الاسم الحركي لبرنامج مضاد للمقاومة الفيتنامية نفذته الولايات المتحدة أثناء حرب فيتنام؛ حيث كانت فرق القوات الخاصة تقوم باعتقال أو اغتيال الفيتناميين الذين يعتقد أنهم يعملون مع الفيتكونج أو يتعاطفون معهم، وكان اختيار الأهداف يعتمد بشكل كبير على ضباط جيش فيتنام الجنوبية ورؤساء القرى، وطبقاً لإحصائيات فيتنامية جنوبية رسمية قام برنامج فينكس بقتل نحو ٤١ ألف ضحية خلال الفترة من ١٩٦٨ وحتى ١٩٧٢ معظمهم لا علاقة لهم بالحرب ضد الولايات المتحدة، ولكنهم استهدفوا من أجل الثأر ولعداوات سابقة، وقد أقر وليام كولبي ضابط وكالة المخابرات المركزية الذي كان مسؤولاً عن هذا البرنامج عام ١٩٦٨م، وأصبح فيما بعد مديراً للوكالة، أمام الكونغرس بأنه كان يجب ألا يحدث الكثير مما حدث. وفي العراق تنشط العديد من المنظمات للتعقب والقتل ومنها مجموعة الفئران القارضة والثعلب الرمادي، وتقوم هذه الوحدات الخاصة بقنص المطلوبين واصطيادهم. وإن كانت العسكرية الأمريكية استخدمت القتل وبررته خارج الحدود؛ فقد أكدت العديد من التقارير وجود القوات السرية في العراق التي من أدق مهامها القتل. وهنا نحيل القارئ الكريم إلى مقال أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا (جون يو) ، والباحث في منظمة اليمين المتطرف المعروفة باسم American Enterprise Institute، فقد اقترح في مقال نشره في صحيفة لوس أنجيليس تايمز، إنشاء منظمات إرهابية وهمية كطريقة لمقاتلة منظمات إرهابية أخرى، وأن يكون لهذه المنظمات الوهمية مواقع على الإنترنت، ومراكز تجنيد ومعسكرات للتدريب إضافة إلى تسهيل عمليات جمع الأموال لها، والسبب كما ذكره من أجل بذر الشقاق بين الحركات الإرهابية كما وصفها، على أن تمارس تلك المنظمات أعمالاً إجرامية بحق مواطنين أبرياء تماماً كما حدث مرات عديدة في العراق مما يفسر استمرار الحرب على الإرهاب، وهذا بالطبع يقودنا إلى مرحلة ما بعد الغزو. وبعد حوالي ثمانية شهور من سقوط بغداد نشرت صحيفة الواشنطن بوست أن السلطات الأمريكية في بغداد وافقت بعد شيء من التردد على تشكيل ميليشيا عراقية مضادة للإرهاب تتكون من قوات خمسة أحزاب رئيسية، وهذه الوحدة تضم حوالي ٨٠٠ رجل من مهامها التعرف وتعقب من وصفتهم بالإرهابيين الذين لم يلق عليهم القبض، وقد اعترفت قيادات أمنية وعسكرية أمريكية بتخريج وتكوين وحدات خاصة من العراقيين المتعاونين معها والأمريكيين ترتدي الملابس المدنية وتقوم بعمليات خارج القانون، وتداهم البيوت وتعتقل الأفراد، وقد صُرِّح لها بالتعذيب والقتل في خطة أمريكية جديدة تسمى «محاربة الإرهاب» . ويُنقل عن فينسان كانيسترارو المدير المساعد لشعبة محاربة الإرهاب بوكالة المخابرات الأمريكية قوله: «إن واشنطن لا تكذب وجود مثل هذه الخطة التي عهد بها إلى الـ CIA لأنها خرَّجت بالفعل وحدات هي رهن الاستخدام اليوم في العراق» . وأُكد بدء عمل هذه الوحدات في بغداد؛ حيث قام نحو ١٢٠ رجلاً يرتدون ملابس مدنية بمهاجمة ما أسموه «أوكار الإرهابيين» في شارع حيفا والأعظمية ومعسكر يقع على شاطئ الفرات على الضفة الشرقية يضم مستودعات أسلحة، وقتلوا ٣٦ عراقياً واعتقلوا آخرين في هذه الغارات، وقد أكدت صحيفة الخليج البحرينية وجود معلومات خاصة تفيد أن CIA هي التي دربت وخرَّجت هذه الوحدات الخاصة التي تعمل بتفويض خاص من الحكومة العراقية، ويسمح لها بتجاوز القانون في عمليات الهجوم والسجن والتعذيب والقتل. وأضافت الصحيفة أن هناك معلومات أمنية فرنسية تفيد بأن تشكيل هذه الوحدات راود الاستراتيجيين الأمريكيين منذ عام تقريباً عندما تيقنوا أن «المقاومة العسكرية» المناهضة للوجود الأمريكي بدأت تنتشر بسرعة في أنحاء عديدة من العراق، وقد رفع هؤلاء تقريراً إلى هيئة الأركان الأمريكية والبيت الأبيض يقترحون فيه خطة تخريج مثل هذه الوحدات الخاصة مستفيدين من التجربة الأمريكية في فيتنام، والإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويجد هذا الرأي دعماً وصدى إيجابياً لدى كل من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وستيفن كامبوني (Stephen Cambone) نائب وزير الدفاع لشؤون الاستخبارات الذي كان من مؤسسي فكرة القوات الخاصة الجديدة، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، وعمل عام ١٩٩٨م مديراً للجنة التي رأسها رامسفيلد والتي حذرت في تقريرها من ظهور تهديد صاروخي بالستي للولايات المتحدة، واقترحت أن تذهب وكالات الاستخبارات في تحليلاتها إلى ما هو أبعد من البيانات المتوفرة تحت اليد، وقد حظي هذا النهج بتأييد رامسفيلد، إلا أنه تعرض للهجوم عندما لم تتحقق تنبؤات الإدارة الأمريكية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية وإمكانية قيام مقاومة عراقية، ويتفق كامبوني مع آراء رامسفيلد في كيفية محاربة الإرهاب كما أنه شعر بالإحباط بسبب تردد القيادة العسكرية في تبني مهمة اصطياد البشر، مما دفعه إلى محاولة السيطرة على القوات الخاصة. وهناك الفريق وليام بويكن مساعد كامبوني العسكري، والذي أصبح مقرباً جداً من رامسفيلد، وبويكن هذا قارن الإسلام أمام رواد إحدى الكنائس أكثر من مرة بالشيطان، وقال واصفاً الدين الإسلامي: (الشيطان يريد أن يدمر هذه الأمة ... يريد أن يدمرنا كأمة، ويريد أن يدمرنا كجيش نصراني) وقد أثنى على الرئيس بوش باعتباره الرجل الذي يصلي في المكتب البيضاوي، معلناً أنه ـ أي «بوش» ـ لم يكن رئيساً منتخباً؛ وإنما مفوضاً من قِبَل الرب) . أما أعماله في القتل؛ فقد كان قائد المعارك العسكرية في مقديشو عام ١٩٩٣ عندما قتل ١٨ جندياً أمريكياً خلال مهمتهم الفاشلة، وعندما كان برتبه كولونيل قاد فريقاً مكوناً من ٨ رجال من قوات دلتا مهمتهم مساعدة الشرطة الكولومبية في تعقب (بابلو اسكوبار) تاجر المخدرات الشهير؛ وحسب القانون كان محظوراً على فريق بويكن التورط في القتل بدون موافقة رئاسية، ولكن كان هناك شكوك في البنتاجون أن الفرقة تخطط للمشاركة في اغتيال اسكوبار بمساعدة موظفي السفارة الأمريكية في كولومبيا، ويصف مارك باودين أيضاً في كتابه (قتل بابلو) تفاصيل مطاردة اسكوبار وكيف تيقن مسؤولون في قيادة البنتاجون بأن بويكن قد تجاوز صلاحياته وينوي انتهاك القانون وبعلم رؤسائه في القوات الخاصة الذين أرادوا سحبه، ولكن ذلك لم يحدث، وقد قتل اسكوبار على سطح بناية بواسطة الشرطة الكولومبية، ولكن كما كتب مارك باودن في داخل مجتمع العمليات الخاص اعتبر موت بابلو مهمة ناجحة لفريق دلتا باعتبار أنهم من قام بالمهمة. - شواهد على حالات القتل: وفي التاريخ الأمريكي الحديث هناك شواهد كثيرة على مثل هذه الحوادث؛ فخلال الفترة الممتدة من ١٩٨٠ ـ ١٩٩٠ شنت الولايات المتحدة العديد من الهجمات على نيكاراجوا وحولتها إلى مقبرة كبيرة، وعندما انتقدت الأمم المتحدة التجاوزات الأمريكية والاستخدام اللاشرعي للقوة وانتهاكها للمعاهدات وعلى إثر ذلك تحالفت الولايات المتحدة مع حزبين من نيكاراجوا، وأعطت أوامرها بقصف ما عرف باسم (الأهداف اللينة) مثل المستوصفات الصحية والتعاونيات الزراعية، وكذلك الحال في السلفادور كما يقول ناعوم تشومسكي؛ فقد مارست الولايات المتحدة الحرب على هذا البلد بعد المساعدات التي قدمتها الكنيسة الكاثوليكية إلى الفقراء. وفي هاييتي ومنذ انتخاب الرئيس جين أرستيد تحركت الولايات المتحدة للإطاحة به بقطع المساعدات الاقتصادية وبالتمويل الضخم لجماعة المعارضة النخبوية، وبدعم مساعي العسكريين السابقين لقلب حكومة أرستيد، وبمرور الوقت تمت الإطاحة بأرستيد نتيجة انقلاب دموي قادته الولايات المتحدة، ونفذ على أيدي عصابات من القتلة المستأجرين الذين سُرِّحوا من الخدمة عام ١٩٩٤، وعملوا لاحقاً مع المخابرات الأمريكية وسلحتهم ودربتهم في جمهورية الدونيمكان، ومن ثم أطلقوا عبر الحدود ومارسوا دورهم في القتل، والضابط الذي قام بالانقلاب هو جاي فيليب حيث تلقى تدريبه في الإكوادور خلال التسعينيات، وبعد ذلك قبض المارينز على الرئيس أرستيد بعد حصاره، ثم دخلت الولايات المتحدة الجمهورية بحجة فرض الأمن والديمقراطية. وتعترف الأدبيات الأمريكية بتدريب الجنود الكولومبيين الذين نفذوا ما عرف باسم مذبحة المناشير السلسلية؛ حيث كان الجيش الكولومبي يدخل منطقةٍ ما بمساعدة القوات الأمريكية ويقوم الكولومبيون بالباقي، أما جزاء الضابط الذي كان يقدم التسهيلات للقتلة الكولومبيين فقد كان الإعفاء من المنصب فقط، كما نصبت الولايات المتحدة على الهندوراس الجنرال (غستافو الفاريز مارتنيز) الذي ساهم بقتل واختفاء عشرة آلاف شخص في الأرجنتين ومن ثم كُرِّم بتقليده وسام الاستحقاق لدوره في إشاعة الديمقراطية في الهندوراس. - القاموس الأمريكي في التعذيب: ومهما تنوعت وتعددت الوثائق التي تقر بالتجاوزات الأمريكية فإن ما أفرج عنه من كتيبات أساسية للمحققين تعطي خير برهان عن وجود نشاط للقوى الخاصة وممارساتها، ومن هذه الشواهد تأسيس المدرسة العسكرية عام ١٩٤٦ في باناما، وكان الهدف من هذه المدرسة تدريب رجال الشرطة والضباط في بلدان أمريكا اللاتينية ضدّ الأنظمة الشيوعية وحركات التحرير، وكانت هذه المدرسة أوّل من أصدر كتباً منسّقة توصي باستخدام التعذيب والإعدامات بدون محاكمة، واستخدام كل أساليب العنف بغية الحصول على المعلومات من المعارضين وأعضاء الميليشيا السياسية أو العاملين في صفوف حركات التحرير. ثمّ انتقلت هذه المدرسة عام ١٩٨٤ إلى نورث بينييج؛ حيث كانت هذه المدرسة قد بلغت ذروتها في تعليم التعذيب في الستينيات من القرن الماضي؛ حيث كانت أمريكا تدرّب الضباط ضدّ الشيوعيين في أمريكا اللاتينية، وقامت هذه المدرسة منذ تأسيسها بتدريب ٦٠ ألف عضو من ١٢ بلداً، وقد أصبح عدد منهم فيما بعد رؤساء دول بعد أن أصبحوا جلاّدين مشهورين. وفي عام ١٩٦٣م تمّ طباعة أبرز كتب التعذيب تحت اسم KUBARK لتعليم فنون التعذيب، ويبدأ الكتاب بجملة «حتى تكون محقّقاً جيداً!!» ويشرح الأساليب والطرق التي يجب اتباعها لانتزاع المعلومات من الأسير. والكتاب مزوّد برسوم وتفاصيل الانتقال من مرحلة إلى أخرى ومن أسلوب إلى آخر والظروف المناسبة لأداء ذلك والتأثير الذي يتركه هذا على الأسير أو المعتقل. ويؤكّد واضعو هذا المنهج أنّ أفضل وسيلة هي التي تجعل المعتقل يعذّب نفسه وأن يُعذَّب المعتقلون بمعتقلين آخرين، وقد تمّ تدريس هذا المنهج لرجال الاستخبارات والضبّاط في السجون وضبّاط مكافحة التمرّد والثورات. وفي عام ١٩٨٣م طوّرت الاستخبارات الأمريكية منهاج التدريس في التعذيب نحو الأسوأ وأصدرت كتاباً آخر تحت اسم «التدريب لاستغلال القدرات البشرية» وكان هذا أسوأ نتاج في التعذيب، ويعتقد أنّ المنهج الذي طبِّق في سجن «أبو غريب» هو نفسه المذكور في ذلك الكتاب. وقد تمّ ترجمة العديد من هذه الكتب إلى اللغات المتعددة، وسرعان ما انكشف أمرها وأدّى إلى استياء لدى شعوب أمريكا اللاتينية خاصّة أنّه كان يتم تعذيبهم عبر المناهج الواردة فيها؛ ممّا دفع الحكومة الأمريكية خلال عهد بوش الأب إلى سحب جميع النسخ الموجودة والتي تباع بعد أن كان رونالد ريجان فعّلها لاستخدامها في مآرب خاصّة في الحرب الباردة، ولا نستبعد أنّ بوش الابن يستعين فيها الآن في حربه على الإرهاب. - حقوق الإنسان الغائبة: وفي تقرير جديد شامل صدر عن المنظمة الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش ويقع في ٥٠٠ صفحة، تناول وضع حقوق الإنسان في ٦٨ بلداً؛ إلا أن المهم في هذا التقرير هو ما جاء في مقدمة التقرير وهو «النفاق» في الخطاب الأمريكي؛ إذ تعتبر المنظمة التي تتخذ من نيويورك مقراً لها أن رسالة واشنطن للعالم هي: «طبِّقوا ما أدعو إليه، وليس ما أقوم به» . وأكدت المنظمة في تقريرها أن «لجوء الحكومة الأميركية إلى التعذيب ودفاعها» عنه كانا من العوامل الأساسية التي جعلت هذا البلد يفقد مصداقيته على صعيد حقوق الإنسان» . كما أن التقرير أكد على أن سوء معاملة معتقلين بأيدي أمريكيين لم يكن من فعل بعض العناصر السيئة في القيادات الدنيا كما روجت الآلة الإعلامية الأمريكية، بل هو قرار تم بموافقة كبار القادة العسكريين والأمنيين. أما الدليل على ما سبق وإن رفضت الولايات المتحدة ما جاء في التقرير فهو يتمثل في رفض الرئيس الأمريكي جورج بوش توقيع قانون ضد المعاملة غير الإنسانية والمهينة تجاه المعتقلين، وكذلك ضغوط نائب الرئيس ديك تشيني لاستثناء وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) من تطبيق مثل هذا القانون؛ وهذا بلا شك دليل فاضح على أن المسألة عكس ذلك تماماً، وأشار التقرير إلى ملف «اختفاء» معتقلين يشتبه بضلوعهم بالإرهاب، يعتقد أن الولايات المتحدة سلمتهم إلى دول أخرى مما يؤكد احتمال وجود سجون أمريكية سرية في بولندا ورومانيا وغيرها من الدول. وأخيراً: إن كانت الولايات المتحدة قد وضعت الكتيبات المساعدة على التعذيب، وتقوم وتشرف على القتل والاختفاء القسري، وفي كل يوم تقوم بتطويرها فلا يفوتنا التذكير بأن حجم المساعدات يزداد إلى بلدٍ ما بمقدار ما يمارسه من قمع للحريات (دول أمريكا الجنوبية نموذجاً) وما يؤكد هذا دراسة (لارسن شولتز) من جامعة شمال كارولينا حول مساعدات الولايات المتحدة إلى دول أمريكا اللاتينية؛ فقد كتب مقالة عن وجود علاقة وثيقة جداً بين المساعدات الأمريكية والإساءة إلى حقوق الإنسان؛ حيث تتدفق المساعدات بصورة غير متكافئة على حكومات أمريكا اللاتينية التي تعذب مواطنيها، كما أجرى (إدوارد هيرمان) دراسة أثبت من خلالها وجود علاقة كبيرة بين المساعدات الأمريكية والتعذيب.

стр. 5571

على هامش ملتقى (مثقفي وناشطي السنة في العراق) ربيع الحافظ يمكن القول: إن سقوط العراق كان الزلزال العنيف الذي اختصر الزمن والجهد، وأعاد الفرز الفكري والثقافي للشعب العراقي، وأعاد رسم الخريطة الفكرية على نطاق ونحو غير مسبوق أو معهود، وأصبحت العلامات الفارقة للاصطفاف الفكري الجديد هي: طبيعة العلاقة بالإسلام وبالعروبة في آن واحد، والموقف من الاحتلال والشعوبية المصاحبة له التي تغذيها إيران، ثم المحور الصهيو ـ صَفَوِي المتنامي في العراق والمنطقة بشكل عام. وبناءً على الخريطة الجديدة عقد «ملتقى مثقفي وناشطي السُّنَّة في العراق» (١) ؛ فقد وجد طيف واسع من المثقفين وأصحاب التخصصات العلمية (التكنوقراط) من السُّنَّة العرب بشكل عام، يشاركهم عدد من الأكراد والتركمان ـ وجدوا أنفسهم ضمن كتلة سياسية ومساحة مشتركة وغايات واضحة، تمثل ثوابتُ الدين والقيمُ العربية وتاريخُ الحضارة العربية الإسلامية قاسمَها الأعظم، ويحركها في هذا الظرف أمران رئيسيان: الاحتلال الأجنبي والحرب الشعوبية على الإسلام والعروبة، وصمت الإعلام عن الوجه الحقيقي لما يجري على أرض العراق. يهيمن على هذا الطيف شعور بثقل مسؤولية تاريخية، لا تزال تبحث عمن يتحدث باسمها بشكل صريح، ويصوغ شعاراتها بمفردات يفهمها الجميع، ويضعها في إطارها الفكري الصحيح، وأن هذه المسؤولية لا تنتهي عند حدود العراق. خوطب الحضور في كلمة الافتتاح بالقول: «لقد جئتم إلى هذا المكان من بقاع شتى، وفي زمن سئم فيه الناس الشعارات، وفي سوق سياسةٍ لا تشكو شح اللافتات، بل تشكو تخمتها، ونظام عولمي استئصالي يحارب الإرادات الحرة، ويحصي على حَمَلَتها أنفاسهم، في وقت تسُدُّ فيه وعود السياسيين الآفاق، ثم لا تلبث هذه الوعود أن تتكسر على شطآن السمسرة السياسية، مشيعة روح الإحباط» .. «لكنكم مع ذلك كله أتيتم، واقتطعتم من أوقاتكم الضيقة زمناً ثميناً، ومن تدابير العيش المحدودة مالاً عزيزاً ... «أقول أتيتم ولا أقول لبيتم؛ لأن حضوركم هذا ليس شأن الملبي، بل شأن حامل المشعل» . كان من بين اللافتات التي رُفعت في أروقة الملتقى ورسمت المعالم العامة للمسؤولية المتروكة: «عامان ونيِّف وخريطة العراق العربي المسلم تكتسي بألوان التشيُّع الصَّفَوي المغلِّف للشعوبية الفارسية، وتتفكك بُناه الثقافية، ويُحرََق تراثه، وتُصَفَّى رموزه العلمية والسياسية وواجهاته الاجتماعية» . «عامان ونيف والإعلام العربي يلتزم الصمت، وإن تحدث فبلغة ما قبل التاريخ الذي ابتدأ في ٩ نيسان ٢٠٠٣، وبمفردات فاقدة الصلاحية، وعاجزة عن صياغة جمل سياسية مفيدة» . «لقد احتجبت في هذا الصمت هوية المنتصر الحقيق والخاسر الحقيقي في أخطر حدث تتعرض له الأمة منذ سقوط الخلافة وضياع فلسطين، واحتجبت مع هذا الصمت طبيعة الانتصار والخسارة وحجمهما وتداعياتهما، ومدلولاتهما السياسية التاريخية» . «إعلامٌ لم ـ ولا ـ يريد أن يدرك، أن قاموساً سياسياً قد ولد في ٩ نيسان ٢٠٠٣، وتبدلت إثره لغة التداول السياسي، وغدت مفردات ما قبل ٩ نيسان في عداد اللغات القديمة غير الحية» . والمحصلة هي: أجواء من التسمم السياسي، وإنسان عربي يراد له الاستمرار بالعيش الطبيعي، والتنفس بجهاز تنفسه العادي الذي يعمل بالأوكسجين، ولكن في محيط غازات سامة، ومن دون كمامات تقيه آثار السموم. الإنسان العربي المسلم السني يقف أمام خيارات محدودة: ـ الموت اختناقاً. ـ تحوير جهاز التنفس ليغدو مخلوقاً آخر يستمد الحياة لا من الهواء النقي، وإنما من السموم. ـ تخليص محيطه من السموم والإبقاء على هيئته الطبيعية. الحقيقة الأخرى، هي أن أعراض استنشاق السموم آخذة في الظهور على المناعة الثقافية لهذه المجتمعات، ولو أن عقارب الساعة أعيدت إلى ما قبل ٩ نيسان ٢٠٠٣ ـ وهو محال ـ فإن الجبهة الصَّفَوِيَّة الشعوبية تكون قد حققت اختراقات عميقة، ووثبات ثقافية واجتماعية عريضة في مجتمعات المشرق العربي والخليج على وجه الخصوص، ونجحت هذه الجبهة في الانتقال من «البر» السياسي والنبذ الاجتماعي إلى قلب الطيف السياسي والاجتماعي، بل والديني كذلك، وتماهت رؤاها السياسية واجتهاداتها الفقهية في مفاهيم الخط العام لهذه المجتمعات. وأن هذه الجبهة قد قطعت أشواطاً مهمة على طريق التأهيل والتكامل في هذه المجتمعات، وهي اليوم رقم مهم داخلٌ فيما يسمى بعملية الإصلاح السياسي والاجتماعي المنكبّة عليها الأنظمة السياسية في هذه المجتمعات بالتنسيق مع قوة الاحتلال ومراعاة حساسيات الجارة القوية إيران، وهو الأمر الذي يمثل برمته زخماً كبيراً في الاندفاعة القادمة لهذه الجبهة. أمام هذه الحقائق، وهذا الواقع السياسي والثقافي المتردي، وعطب المؤسسة السياسية، وإخفاق أهل الشأن بالقيام بمسؤولياتهم، تتراكم ملفات الاحتلال «العسكري الأمريكي ـ الثقافي الصفوي» للعراق دونما علاج، إلا من خلال كلمات مخنوقة تَرْشَح بين الفينة والأخرى بإعداد وتنسيق ضعيفين في مكالمات هاتفية يجريها مع الفضائيات أناس عاديون تدفعهم الغيرة وخلوُّ الميدان، ليواجَهوا على الفور بآلة إعلامية، وأكثر من عشرة فضائيات، وشبكة من المتداخلين المتفرغين تديرها الأحزاب الصفوية الدينية واللبرالية على حد سواء، وتمولها إيران. مع دخول العام الرابع من الاحتلال تزداد القناعة رسوخاً في أوساط منظمي اللقاء والمشاركين فيه على حد سواء، بأنه لو استُبعدت لغة المجاملات والدبلوماسية، فإن هذه الرؤية هي السقيفة التي تُظِلُّ المثقف والعادي، العسكري والمدني، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، وهي واقع يبحث عن عنوان، وليست عنواناً يبحث عن واقع، وهي ما يفسر ظاهرة البطالة السياسية المتفاقمة في أوساط السُّنَّة، المتمثلة في العزوف عن اللافتات السياسية المرفوعة، وغياب المشاريع الواضحة. لا ينظر هذا التكتل إلى نفسه بديلاً لمنظمات أو حركات أو هيئات سياسية تتبنى قضايا أهل السنة في العراق، وإنما يعتبر نفسه الظهير الفكري الذي تحتاجه هذه الجهات بشكل ملموس واضح. ويُولِي التكتل أهمية أساسية إلى البعد السياسي للمقاومة العراقية وإطارها الفكري الذي لم يأخذ حجمه الطبيعي، والذي هو كفيل بحفظ مكانتها الطبيعية في دواوين التاريخ. من هذا المنطلَق قرر جمعٌ من العراقيين في بريطانيا وغرب أوروبا عقد ملتقى ثقافي يسلِّط الأضواء على المساحات المظلَّلة من الساحة السياسية والثقافية. وقد لبى الدعوة شريحة عريضة من المجتمع العراقي في بريطانيا وغرب أوروبا، تراوح بين الأستاذ الجامعي، والديبلوماسي، والطبيب، والمهندس، والطالب، والتاجر، وتجاوزت أعداد الحاضرين العدد المتوقع. اشتمل برنامج الملتقى على فقرات تناولت الوضع السياسي الجديد الذي يمر فيه أهل السنة في العراق والمنطقة بشكل عام، وطبيعة التحديات أمام المد الطائفي والثقافي الشعوبي والاجتماعي الصفوي، كما سلط البرنامج الضوء على مفاهيم للمصطلح السياسي لـ (السُّنَّة) والظروف السياسية والتاريخية التي ولدت فيها هذه اللافتة. ثم كانت هناك جولة على أهم المحطات السياسية والمنعرجات التي مرت بها هذه المدرسة السياسية على مدى أربعة عشر قرناً من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. وقد تقرر أن تُعقد هذه التظاهرة الثقافية بشكل دوري، إما فصلياً أو نصف سنوي، وأن توضع المادة الثقافية بالصوت والصورة والنص على موقع على شبكة الإنترنت، ويتم التواصل والتعارف مع الملايين في أنحاء المعمورة الذين لم ولن يتسنى لهم حضور الحدث، وصولاً إلى لملمة ما يسمى بقطاع التكنوقراط والناشطين الذين شتتهم الاحتلال وإرهاب نظام دولة الطوائف.

стр. 5572

الإجرام العالمي.. وفشل العقوبات الوضعية د. أكرم عبد الرزاق المشهداني الجريمة ظاهرة اجتماعية قديمة ومستمرة لازمت الإنسان منذ بدء الخليقة، وما زالت تلازمه بأشكال وصور شتى. وستبقى ما دام في النفس البشرية طمع وميل وهوى وقدر من الفجور، وما دام هناك شيطان يوسوس للنفس الأمارة بالسوء ويشجعها أو يغريها على اقتراف الإثم؛ فإن الجريمة تبقى قائمة. لقد كانت الجريمة، وما زالت، شاغلة الناس والمجتمعات والدول، وواحدة من أبرز مشكلات المجتمع الإنساني المزمنة الملازمة له عبر العصور والتطورات والحقب التاريخية، ولذلك حظيت بمركز متقدم من الاهتمام من قِبَل الشرائع السماوية الغراء ومن الفلاسفة والمفكرين والمصلحين، بحثاً عن سبل العلاج والردع، ورغبة في الأمان والسكينة وإقامة الحق والعدل. لكن قسوة القوانين الوضعية كلها لم تفلح في إزالتها ومحوها من الوجود الاجتماعي. وما زال العالم يشكو من تزايد معدلات الجريمة وتناميها بشكل يشبَّه بالانفجار الإجرامي على غرار الانفجار السكاني. والدارس المتبحر للتأريخ الإسلامي يدرك جيداً كيف أن الإسلام تمكن من وضع معالجات جذرية شاملة لمشكلة الجريمة في المجتمع؛ بحيث أدت إلى انخفاض واضح وملموس في الجريمة في المجتمعات الإسلامية التي طبقت الشرع الحنيف على مدى التاريخ منذ عهد الرسول المصطفى ﷺ . ويعاني العالم اليوم من حالة تضخم إجرامي وانفلات أمني وسط دلائل مؤكدة على فشل ذريع للنظم الوضعية في معالجة حالة الجريمة. ويعترف الأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان) في تقريره الموسوم بـ (أحوال الجريمة والعدالة الجنائية على نطاق العالم) الذي ألقاه في مؤتمر الأمم المتحدة العاشر لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في فيينا من (١٠ - ١٧) نيسان (أبريل) ٢٠٠٠ م بأن (العولمة قد أدت إلى إيجاد بيئة مؤاتية لأشكال جديدة ومتوسعة من الإجرام، بفعل الهيكل المتغير في التجارة والتمويل والاتصالات والمعلومات، الذي أدى إلى تكوين بيئة لا تنحصر فيها الجريمة ضمن الحدود الوطنية، بل أصبحت عالمية الطبع) . وأشار الأمين العام في هذا الخصوص إلى تنامي نشاط العصابات الدولية المنظمة ذات الفعاليات العابرة للحدود مثل تجارة المخدرات وغسيل الأموال وجرائم إساءة استخدام الحواسيب وشبكة الإنترنيت وجرائم الاتجار بالبشر، والفساد، وشبكات الدعارة، وغيرها. وأضاف الأمين العام في تقريره أيضاً: (لقد قامت التنظيمات الإجرامية بتعديل هياكلها إلى ما يشبه الشركات لممارسة مختلف الأنشطة الإجرامية، مستخدمة أشخاصاً ذوي مهارات عالية وآليات متطورة لمساعدتها في جني الأرباح وإخفائها) . إن مؤتمر الأمم المتحدة الحادي عشر لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين في أبريل ٢٠٠٥م انعقد في وقت يشهد العالم فيه تنامياً وارتفاعاً مضطرداً في معدلات الجريمة، وقد أظهر استقصاء الأمم المتحدة السادس عن اتجاهات الجريمة وعمليات نظم العدالة الجنائية واستراتيجيات منع الجريمة والتي غطت المدة من (١٩٩٥ - ٢٠٠٠) ارتفاع معدلات الجريمة بأنواعها كافة على المستوى الدولي، خصوصاً جرائم الاعتداء على الإنسان والعنف والمخدرات، وإن هذه الزيادة في استمرار، وبلغت الزيادة نسبة (١١%) عما كانت عليه من (١٩٨٠ - ١٩٨٥) . وفي تصريح لرئيس الندوة الدولية لمكافحة الجريمة والإرهاب الجنرال (أناتولي كوليكوف) «أن هناك حوالي (٤٠٠) ألف جريمة تُرتكب يومياً في العالم، وأن الجريمة قد نمت خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة حوالي (٨) ثماني مرات في الولايات المتحدة الأمريكية، و (٧) سبع مرات في بريطانيا والسويد، و (٤) أربع مرات في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، و (مرتين) في اليابان» . وطبقاً لإحصاءات الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية فإن معدل الجرائم لديها كان: وقوع جريمة سرقة عادية كل (٣) ثوان، جريمة سطو كل (١٤) ثانية، سرقة سيارة كل (٢٥) ثانية، سرقة مقترنة بالعنف كل (٦٠) ثانية، جريمة اغتصاب كل (٦) ثوان، قتل كل (٣١) ثانية. وتقدر كلفة الجريمة في أمريكا (١٠٥) بلايين دولار تنفق في علاج الضحايا و (٣٥٠) بليون دولار للتعويضات والتأمين و (١٢٠) مليون دولار تصرف على الشرطة و (٣٥) بليون دولار تصرف على السجون، وهناك (١٤) مليون متعاطٍ للمخدرات. وتشير إحصائية السجون الأميركية الصادرة عن وزارة العدل الأميركية إلى أنه خلال عام ٢٠٠٣ ازداد عدد النزلاء في سجون أمريكا ٢٠٣٧٠ نزيلاً عن العام الأسبق. ومع نهاية ٣١ ديسمبر ٢٠٠٣ قُدِّرت نسبة الزيادة في الطاقة الاستيعابية للسجون الامريكيةالمحلية بـ (+ ١٦%) عن طاقتها التصميمية الاستيعابية، في حين كانت نسبة الفرق في السجون الفدرالية (+٣٩%) عن طاقتها الاستيعابية. ومع نهاية عام ٢٠٠٣ بلغ عدد النساء المودعات في السجون ١٠١١٧٩ نزيلة من مجموع ٦ ملايين و٩٠٠ ألف سجين أمريكي (أي نسبة ٦،٩% من عموم النزلاء) . بمعنى أن وجود حوالي ٧ ملايين نزيل أمريكي سجين داخل الولايات المتحدة عام ٢٠٠٣ يدل على أن من بين كل (٣٢) مواطناً أمريكياً بالغاً هناك سجين واحد. [D] Source: Correctional Populations in the United States, ١٩٩٧ and Prisoners in ٢٠٠٣ رسم بياني صادر عن وزارة العدل الأميركية يوضح الزيادة الحادة في أعداد نزلاء السجون الأميركية بين عامي ١٩٨٠ و ٢٠٠٣ إن الرسم البياني (الصادر عن وزارة العدل الأميركية) يوضح الزيادة الحادة في عدد السجناء في الولايات المتحدة منذ عام ١٩٨٠م، ويظهر الجدول أن هناك زيادة حادة بين عامي ١٩٨٠ و ٢٠٠٠، ثم بدأت الزيادة تأخذ منحى معتدلاً إلى ٢٠٠٣ لكن على العموم فإن الارتفاع مخيف في أعداد السجناء في الولايات المتحدة إذا ما علمنا أن هذه الزيادة في أعداد المحبوسين تقابلها زيادة مضطردة في أعداد الجرائم عاماً بعد آخر في مختلف الولايات الأمريكية. أما الرسم البياني أعلاه فيوضح أعداد الأميركان المنفذ فيهم حكم الإعدام في بلادهم ما بين عامي ١٩٣٠ و ١٩٩٩ من البيض والسود (هكذا هي إحصائياتهم الرسمية تقوم على اللون) ورغم أن عدداً كبيراً من الولايات الأمريكية قد ألغت عقوبة الإعدام خلال الفترة المشار إليها.. إلا أن أحكام الإعدام ما زالت ترتفع عاماً بعد عام.. ولم تؤدِ غرضها في انحسار الجرائم بل على العكس ازدادت. إن السجون في العالم تعاني من اختناقات وحالة اكتظاظ شديدة، وزيادة عدد المودَعين في السجون عن طاقتها التصميمية أو الاستيعابية؛ ففي بريطانيا أصدرت منظمة تدعى NCAD المهتمة بأوضاع السجون في العالم تقريراً على شبكة الإنترنيت:www.ncadc.org.uk)) عن حالة الاكتظاظ التي تعانيها السجون في مختلف أنحاء العالم بنسبة تفوق (٣٠%) عن طاقتها الاستيعابية، وعن تزايد حالات الانتحار بين السجناء، وفشل السجون في تحقيق الأهداف المتوخاة منها، وكيف أنها تحولت إلى مدارس لتفريخ المجرمين. وقد بدأت السلطات في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تبحث عن بدائل لعقوبة السجن التي أثبتت فشلها في سياسة الإصلاح الجنائي، ومنها التعهد بالسلامة والتشغيل الإجباري والإيداع في مصحات اجتماعية والحجز في المسكن.... وغيرها من الوسائل التى لم تنفع في تخليص المجتمعات من الجريمة. - أبرز النتائج: من كل ما عرضناه آنفاً نخلص للنتائج الآتية: ١ ـ العالم كله يعاني من تضخم إجرامي، أو انفجار إجرامي، وتصاعد في معدلات الجريمة، وفقاً لإحصاءات وتقارير الأمم المتحدة والأنتربول (الشرطة الجنائية الدولية) وتقارير أجهزة الشرطة ووزارات العدل في مختلف بلدان العالم وبالأخص الدول المتقدمة كالولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وروسيا، إضافة إلى أعداد المتورطين في الجرائم وتزايد في ضحاياها، وتضخم في حجم الخسائر الاقتصادية التي تتكبدها الدول من جراء الجريمة؛ فمثلاً إن جرائم غسل الأموال المتحصلة من الجريمة (المخدرات والجريمة المنظمة) تكلف المجتمع الدولي سنوياً ١٥٠٠ مليار دولار سنوياً. ٢ ـ برغم الجهود المبذولة تقنياً وبشرياً وتشريعياً للحد الجرائم، ما زالت نسب الجريمة من كل الأنواع وبخاصة جرائم العنف والمخدرات والجريمة المنظمة في تصاعد وازدياد في البلدان المتقدمة، وما زالت الجريمة تتصدر أجندات المؤتمرات الدولية ولقاءات قمم القادة، وما زالت الجريمة تقض مضاجع المجتمعات الغربية. ٣ ـ أثبتت كل الإجراءات والجهود المتصلة بتسخير التكنولوجيا في الحد من نسب الجريمة، فشلها؛ حيث إن المجرمين قد سخَّروا التقنية في تنفيذ مآربهم الشريرة؛ فالإنترنيت (على سبيل المثال) صار أحد وسائل المجرمين في ترويج جرائمهم وإخفاء متحصلاتها وتبادل المعلومات التي تسهل تعبير الجريمة وامتداد آثارها لتتجاوز الحدود. ٤ ـ أثبتت العقوبات الوضعية رغم شدتها أنها لا توفر للدول والمجتمعات العلاج الشافي المطلوب لمرض الجريمة، ما لم تقترن بمنظومة متكاملة للإصلاح الاجتماعي تسهم فيها كل قطاعات المجتمع؛ فالسجون أصبحت عبئاً ووبالاً على الدول والمجتمعات وتحولت إلى مدارس ومعاهد لتخريج المجرمين، فضلاً عما تعانيه المؤسسات العقابية من حالة اكتظاظ وازدحام فوق طاقاتها الاستيعابية التصميمية مما اضطر دولاً عديدة إلى اللجوء لأساليب جديدة بدلاً من السجن؛ وبخاصة لأصحاب المدد القصيرة (مثل الاحتجاز الآلي في المنازل ومنع المغادرة، ومراقبة المحتجز بوسائل تقنية متطورة ومكلفة) . ٥ ـ كما أن عقوبة الإعدام، رغم توجه بلدان كثيرة في العالم نحو إلغائها والاستعاضة عنها بالسجن المؤبد، لم تؤد غرضها المطلوب في خفض معدلات الجريمة أو ردع المجرمين عن ارتكاب جرائمهم؛ فبالرغم من ازدياد أعداد المحكومين بالإعدام في الولايات المتحدة مثلاً، فإن الجريمة لديها ما زالت في ازدياد. ٦ ـ يشكل الفساد الإداري وبخاصة المتصل بالأجهزة المعنية بمكافحة الجريمة وملاحقتها (أو ما تسمى بأجهزة العدالة الجنائية) واحداً من أبرز معرقلات الحد من الإجرام في الكثير من بلدان العالم اليوم. ٧ ـ أثبتت الوقائع أن زيادة أعداد القوات المكلفة بالتعامل مع الجريمة منعاً ووقاية وتحقيقاً وإدارة سجون لا تؤدي الغرض المطلوب؛ فضلاً عن أنها تشكل عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على المجتمعات والدول؛ فكثير من دول العالم المتقدم صارت نسبة الشرطة فيها إلى السكان تتراوح بين (٥٠٠ إلى ١٠٠٠ عنصر أمن) لكل ١٠٠٠٠٠ نسمة من السكان، لكن كل هذه الأجهزة المترهلة عددياً والمكلفة اقتصادياً لم تؤد غرضها في معالجة وباء الجريمة، وبقي خطر الجريمة في تصاعد وازدياد. - الخاتمة: أين العلاج؟ إن العالم كله يعاني من تضخم في الجريمة وتصاعد في معدلاتها وازدياد أعداد المتورطين فيها وضحاياها، وتنامي حجم الخسائر البشرية والاقتصادية من جرائها، وقد أثبتت القوانين الوضعية بالرغم من كل قسوتها وشدتها أنها غير فعالة أو رادعة ... ولا تحقق الوقاية المطلوبة ولا الخفض المنشود في معدلات الإجرام، ولا بد للمجتمع الدولي وللأمم المتحدة التي تعقد مؤتمراً عالمياً كل خمس سنوات لبحث أمور الجريمة وتنسيق الجهد الدولي في مكافحتها وملاحقتها، أن يعرفوا أن التصدي للجريمة لا يتم من خلال تشديد العقوبة وملء السجون، فحسب، بل لا بد من الاستفادة من المنهج الإسلامي الرباني الرشيد في معالجة آفة الجريمة في المجتمع وكيف صنع الإسلام من المجتمع الإسلامي مجتمعاً نقياً خالياً من الانحراف والجريمة إلى أدنى الحدود والمستويات، وبات المواطن في المجتمع الإسلامي يأمن على نفسه وعرضه وماله من الاعتداء.

стр. 5573

رؤية في حاضر ومستقبل حزب الله اللبناني علي حسين باكير يعيش حزب الله الآن مرحلة صعبة جدّا قد تحكم عليه بأن يصبح مجرّد حزب سياسي لبناني شأنه شأن باقي الاحزاب على الأرض اللبنانيةّ، وهو ما سيجرّده من ذراعه العسكري الذي أكسبه شهرة تعدّت حدوده وقدراته وأدخلته في معادلات إقليمية ودولية كبيرة بالمنطقة. هذا وقد لاحظنا من خلال قراءاتنا سواء ما كان منها لمواقف الكتّاب أو الناس العاديين في الوطن العربي وخارج لبنان، أنّ هناك صورة مختصرة ونمطيّة عن حزب الله تسوقها العاطفة، وتغيب عنها الواقعية من خلال اجتزاء الأحداث ورؤيتها من منظور منفصل عن سياقها التاريخي، دون النظر إلى الخلفيات والأبعاد المحيطة بنشأة هذا الحزب وحدود الأدوار المنوطة به، وهو ما يجافي ويغالط طبيعة التحليل السياسي المنطقي، وربما يعود جزء من ذلك أيضاً إلى تعقيد المشهد الداخلي اللبناني الذي يصعب فهمه بشكل واضح على العديد من الناس أو المراقبين من الخارج. ومن هذا المنطلق نسعى لإعطاء فكرة دقيقة وواضحة عن (حزب الله) من المنظور الداخلي اللبناني وربطها بالجانب الإقليمي والدولي كي تتضح صورته بشكل جلي أمام المتابعين والمهتمّين بشأن الحزب حاضره ومستقبله (١) في ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة والتي تنعكس بقوة على الساحة اللبنانية. - مسائل في نشأة حزب الله: ١ ـ لا علاقة للحزب بالمارينز: من المغالطات الشائعة أنّ حزب الله كان مسؤولاً عن عملية التفجير التي ضربت مقر قوات المارينز الأمريكيين والفرنسيين والتي أدّت إلى انسحاب القوات الأمريكية من لبنان، وقد اكّد الأمين العام الأوّل لحزب الله الشيخ صبحي الطفيلي مرّات عديدة أنّهم لم يقوموا بهذه العملية، وأنّ إحدى الجهات سبقتهم إلى هذا الشرف على حد قوله. على العموم لقد جاءت ولادة الحزب في ظروف حروب خارجية وداخلية عنيفة شهدها لبنان. ٢ ـ صلة الحزب بإيران: لقد كان لإيران الدور الأبرز في ولادة الحزب إثر انتهاء دور حركة أمل الشيعية، وبعد أن تورّطت في مجازر كبيرة في حق الفلسطينيين في لبنان والذين كان بعضهم يعتبرهم جيش السنّة في لبنان، ولم تعد حركة أمل بشقّها العسكري قادرة على ترويج الخط الإيراني، فكان لا بد من إنشاء حزب آخر ينقل إيران إلى المنطقة ويربطها بالقضية الفلسطينية، ويسمح لها بموطئ قدم، ويجعلها على صلة مباشرة بالأحداث، فكان إنشاء (حزب الله) . فلقد عملت إيران على الاهتمام بالحزب اهتماماً كبيراً، فقامت بتلميع سيرته والحرص على مثاليتها للاستفادة منها فيما بعد، وتكفّلت إيران بالدعم المالي للحزب والذي كان العامل الأوّل في اجتذاب المقاتلين إلى صفوفه، وجاء في كتاب (الحروب السرية) : «بلغت الأجرة الشهرية للمقاتل خمسة آلاف ليرة لبنانية، وهي أعلى أجرة تقاضاها مقاتل في لبنان عام ١٩٨٦ (٢) ، لدرجة أن مقاتلي أمل راحوا بهدف الكسب يهجرون صفوف الحركة للانخراط في حزب الله» . ٣ ـ جهود الحزب لجذب الناس إليه: بدأت تظهر تباعاً المؤسسات الصحية والاجتماعية والتربوية؛ فمؤسسة «جهاد البناء» تضم مهندسين وفنيين وعمالاً، مهمتها منذ ١٩٨٨ مسح الأضرار الناجمة عن الاعتداءات الصهيونية، وترميم وإعادة بناء ما تهدم من منازل، إلى حفر الآبار وبناء الملاجئ والمساهمة في بناء المستوصفات والمدارس، وإعداد الدورات التدريبية الزراعية ... إلخ. وتعمل «جمعية الإمداد الخيرية الإسلامية» التي تأسست في ١٩٨٧ من أجل «الوصول إلى اكتفاء العوائل ذاتياً، ورفع مستواها التربوي والعلمي ورعاية العجزة وكفالة الأيتام» . وتهدف «مؤسسة الشهيد» إلى الاهتمام التربوي والتعليمي والاجتماعي بأسر الشهداء من خلال متابعة أوضاعهم وهم في داخل أسرهم عبر العلاقة المتواصلة مع المؤسسة والعاملين فيها. أما المؤسسة «الإسلامية للتربية والتعليم» فحديثة العهد نسبياً؛ إذ يعود تأسيسها إلى عام ١٩٩٣، وقد عملت أيضاً على تأسيس المدارس في معظم المناطق اللبنانية لرعاية أبناء الشهداء وتعليمهم، وإعدادهم إعداداً عقائدياً إسلامياً (شيعياً) . كما شجعت المقاومة ودعمت هيئات أهلية مؤيدة لها كـ «هيئة دعم المقاومة الإسلامية» التي قامت بحملات لجمع التبرعات، والتبرع بالدم، وعقد الندوات، وإقامة المعارض في المناطق المختلفة في لبنان للتعريف بأهداف المقاومة، وجمع التبرعات لها، وتبليغ رسالتها وحشد التأييد لها، وخصوصاً في أوقات العدوان، أو في أثناء العمليات النوعية الكبيرة التي تقوم بها ضد قوات الاحتلال. هكذا بات الحزب جزءاً من المعادلة الاجتماعية - السياسية في لبنان، وتجنب بذلك أن يبقى حالة عسكرية خاصة أو معزولة. وقد ساعد هذا الخيار الاجتماعي السياسي لحزب الله على بلورة سياسات «التكيف» التي اعتمدها في مواجهة التحولات السياسية الداخلية من دون أن تبدل أولويات الحزب في المواجهة الدائمة لجيش الاحتلال. ٤ ـ المنافع المتبادلة بين الحزب وإيران: تكمن المنفعة بين الطرفين في النقاط التالية: أولاً: يقوم الحزب بتصدير مفاهيم الثورة الإيرانية بكافّة مضامينها الدينية والاجتماعية إلى البيئة اللبنانيّة، وتلتزم إيران مقابل ذلك بجميع الأعباء المالية والمترتبات التي يتطلبها هذا العمل. ثانياً: تقوم إيران بتأمين السلاح والعتاد الكامل لحزب الله لتحرير جنوبه (ليس مقاتلة المحتل) وذلك ضمن معادلة داخلية محدودة لا يمكن تجاوزها إلاّ بالخطابات والاستعراضات والكلام، والهدف من ذلك أن يلقى حزب الله شهرة كبيرة في العالم الإسلامي تمهّد الطريق له لتصدير مفاهيم الثورة الإيرانية. ثالثاً: يؤمّن وجود حزب الله بذاته وكونه تابعاً لإيران موطئ قدم للسياسة الإيرانية التي تسعى إلى استغلال مسألة معاداتها للصهاينة إلى أبعد حدود على الرغم من بعدها الجغرافي، ويعتبر الحزب صلة الوصل في الموضوع، ويشكل ورقة عالية للمساومة على أي وضع من الأوضاع المصيرية. بالإضافة إلى أدوار أخرى متحركة تفرضها كل مرحلة من المراحل سنتحدث عنها لاحقاً. - علاقة حزب الله بسورية: أمّا عن علاقة الحزب بسورية، فهي علاقة قويّة جداًً ما كان الحزب ليستطيع أن يقف على قدميه على كافة الصعد المادية والعسكرية والسياسية وأن يستفيد من المساعدات التي تعطيه إيّاها إيران لو كانت سورية معارضة للخط الإيراني. واعتبر هذا الدور امتداداً للتحالف السوري الإيراني؛ حيث رأت سورية في إيران حليفاً استراتيجياً وخاصّة إثر العداء المستحكم بين البعث السوري والبعث العراقي، ومن الطرائف في هذا الموضوع أنّ الخميني وأنصاره من حزب الله كانوا يعتبرون البعث العراقي كافراً في حين أنّ البعث السوري كان من أقوى حلفائهم، وحرصت على الاهتمام بالحزب بسبب المعرفة المسبقة أيضاً للنظام السوري بمدى التغلغل الإيراني في لبنان الذي شكل عمقاً استراتيجياً لسورية، ومن ثم كان الحرص السوري على مد الجسور مع شيعة لبنان وحصوله على فتوى من موسى الصدر بانتماء «الطائفة العلوية النصيرية» للمذهب الإمامي الجعفري، وهو ما يعني قدراً من الشراكة المذهبية مع إيران من ناحية ومع شيعة لبنان من الطرف الآخر. وقد قامت سورية بعد ذلك بداية بمحاربة المجاميع المسلحة الفلسطينية عند دخولها إلى لبنان ونزع سلاحها، ثم قامت بضرب خناق على جميع الاحزاب السنّية التي تمتلك السلاح، واغتالت العديد من العلماء من بينهم المفتي (حسن خالد) كما يقول العديد من المراقبين، وقد أحدث ذلك صدمة كبيرة لدى الجماعات السنّية دفعتهم للانكفاء في ظل افتقارهم إلى أي دعم من أي جهة مع المحاولات المتعددة لعزلهم عن فلسطين وعن دعم المقاومة الفلسطينية. على العموم كانت سورية تريد ورقة في مواجهة العدو الصهيوني بطريقة غير مباشرة تجنّبها خوض حرب خاسرة معه، وتمكّنها من التفاوض بشروط أفضل، ولكن الأهم من هذا وذاك أن تكون هذه الورقة شيعية؛ لأنّ الورقة الشيعيّة يمكن التحكّم بها من خلال مرجعيتها، ولأنّها لا تتصرّف من تلقاء نفسها؛ وهذا ما لا يتوفّر في أي جماعة سنّية لاختلاف العقائد والأهداف وصلحها مع العدو، ولا تلتزم من ثَم بأي قرار خارجي يملى عليها، وليس هدفها نشر مذهبها أو الترويج له أو لأي دولة بقدر ما هو مقاتلة العدو وتحرير الأرض. وهكذا وجدت سورية ضالّتها في حزب الله. - حاضر حزب الله: بعد حوالي خمس سنوات من انسحاب العدو الصهيوني من جنوب لبنان، لا بدّ لنا من قراءة ثانية لما تبدو عليه الأمور والأسلوب الجديد الذي سلكته، وإذ إنّنا لا ننكر دور (حزب الله) في إلحاق الخسائر بالصهاينة إلاّ أنّه لا بدّ لنا من القول إنّ الانسحاب لم يتم بسبب هذه الخسائر، وإلاّ فلو كان الأمر كذلك لانسحب العدو من قطاع غزّة منذ زمن بعيد؛ ذلك أنّ خسائرها البشرية والاقتصاديّة في قطاع غزّة تفوق ما أصاب الصهاينة في جنوب لبنان أضعافاً مضاعفة. لا نريد أن نبخس القوم حقّهم ولكن نتساءل: لو كانت هجمات حزب الله وحدها هي السبب، إذاً لماذا لم ينسحب العدو من مزارع شبعا أيضاً على الرغم من أنّ الحزب يصل إلى هذه المنطقة أيضاً، وأصاب بعض الصهاينة فيها؟! أيّاً كان الأمر؛ فما بعد الانسحاب الصهيوني ليس كما كان قبله. - حزب الله بعد انسحاب العدو: لقد كان انسحاب الصهاينة إنجازاً كبيراً، ولكنّه في الوقت نفسه أوجد واقعاً جديداً على أساس أنّ الصهاينة كانوا يحاولون من خلال هذا الانسحاب إعادة رسم معالم اللعبة الجديدة وخطوطها، وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد. كانت اللعبة الجديدة تقتضي تحقيق العديد من الأهداف، ومنها: أولاً: قيام العدو بسحب ذريعة احتلال الجنوب من تحت بساط حزب الله الذي أزعجها كثيراً كورقة سياسية؛ فالانسحاب يعني أنّه لم يعد هناك من مبرر لوجود الحزب طالما أنّه يقول إنّ دوره ينحصر في تحرير أرضه. ثانياً: إدخال العمق السوري في المعادلة الجديدة من خلال القول بأنّ أي هجوم من حزب الله من الآن وصاعداً سيقابله رد صهيوني على المواقع السورية إن اقتضى الأمر؛ وهذا ما حصل فعلاً فيما بعد. ثالثاً: التمهيد للخروج السوري من لبنان على أساس أنّ كلاً من الطرفين كان يتمسك بخروج الآخر كمقدمة لخروجه هو، كما أنّ انسحاب الصهاينة يتيح للقوى الكبرى وخاصّة أمريكا مصداقيّة أكبر عند ضغطها على سورية للخروج من لبنان، وهذا ما حصل بالفعل في عام ٢٠٠٥م. وفي الحقيقة فقد بدا واضحاً أنّه منذ انسحاب قوات العدو من جنوب لبنان في مايو/أيّار من عام ٢٠٠٠ أنّ إطار اللعبة المصاغة إقليمياً بين سورية وإيران من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى والمسموح لحزب الله التحرك ضمنه قد بدأ يضيق شيئاً فشيئاً ممّا همّش من دور الحزب وفعاليته وصيته الدعائي الذائع الانتشار، واضطّره إلى تقليص عملياته المؤثرة لصالح ما هو أكثر دعاية، فبدأ الحزب بعد انسحاب العدو من الجنوب بالاعتماد على ما يسمّى «الخبطات الإعلاميّة» . ونعطي على كلامنا هذا شاهدين مهمّين: الأوّل: موضوع تبادل الأسرى مع العدو؛ فمن كان يتابع قضيّة تبادل الأسرى السابقة والتي تصب في الاتجاه المتّبع، رأى عند انتهاء إتمام الصفقة أنّها كانت مجرّد «ضوضاء إعلاميّة» لم يستفد الشعب الفلسطيني منها أي شيء، وكل ما هناك أنّ الحزب أراد تسليط الأضواء عليه من جديد بعد أن فقدها وأصبح نسياً منسياً؛ فقد أصدر نادي الأسير الفلسطيني آنذاك بياناً أوضح فيه أنّ معظم السجناء الفلسطينيين الذين أُطلق سراحهم كانت مدّة أحكامهم ستنقضي في غضون أقل من شهر وأكثرهم عدة أيام، وأن الباقي تم إطلاق سراحه؛ لأن سجون العدو كانت تعاني من ازدحام شديد، وقد أبدى النقّاد انزعاجهم من استغلال الحزب لهذه العمليّة وتصويرها على أنها انتصار لحسابه، وقد تمّ الكشف فيما بعد أنّ عدداً من الجثث التي استلمها الحزب على أساس أنّها رفاة لشهداء لبنانيين كانت في حقيقة الأمر رفاة شهداء فلسطينيين، وعندها بدت الدولة الصهيونية هي المنتصرة في هذه الصفقة. الثاني: عملية طائرة الاستطلاع «مرصاد ١» والتي لا تخرج بدورها عن هذا الإطار الذي بدأ الحزب يعتمد عليه، والتي لم تكن سوى فقاعة دعائية لإخفاء أمور أخرى بعيداً عمّا يجري في ساحات العراق وفلسطين؛ إذ كان التوقيت للعملية آنذاك يتزامن مع اتّخاذ الناس وجهة نظر معيّنة تجاه الشيعة بناءً على موقفهم في قبول الاحتلال في العراق وعدم انخراطهم في المقاومة المسلّحة، والمباركة الإيرانيّة للأعضاء المعينين من قِبَل أمريكا في مجلس الحكم والموافقة على الخطط الأمريكيّة في المنطقة، وكون الحزب أداة إيرانيّة، وأمينه العام وكيل شرعيّ في لبنان لمرشد الثورة الإيرانيّة السيّد علي الخامنئي، ولذلك كان لا بد من القيام بهذه الخطوة لتلميع الصورة التي أُخذت عن الشيعة وقتها في العالم العربي، وللتغطية على التعاون الإيراني الأمريكي والتنسيق الحاصل بينهما في تلك المرحلة، في وقت كانت فيه الجيوش الأمريكيّة تنكّل بأهلنا في الفلّوجة والموصل وغيرها من مناطق المقاومة السنية الشرسة وفي وقت كانت المراجع العليا للطائفة الشيعيّة قد دخلت في سبات عميق دون أي تعليق، وهو ما أثار سخط العديد من الجهات في داخل العراق وفي خارجه أيضاً للموقف الشيعي ممّا يجري على أيدي القوّات الأمريكيّة ضد السنة من مجازر وحشية. هذا بينما بات التوقيت الذي يعتمده الحزب لتحقيق «خبطاته الإعلامية» يشير أكثر فأكثر إلى أنّ الحزب لا استقلالية له في القرارات المتّخذة، وأنّه مجرّد أداة أو ورقة إيرانيّة بدأت تفقد الكثير من فعاليّتها بعد الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان وإعلان أمريكا الحرب على ما يسمّى بالحرب على الإرهاب. ومن الأمثلة على عدم قدرة الحزب على الرد فعليّاً وعملياً على أي عملية اختراق صهيوني بريّة وبحريّة وجويّة للأجواء اللبنانيّة للعدو مع وقوف حزب الله مكتوف الأبدي حين كانت الطائرات الإسرائيليّة تقصف المواقع السوريّة في لبنان، أو عندما قصفت تلك الطائرات مواقع تبعد فقط عدّة كيلو مترات عن العاصمة دمشق في منطقة «عين صاحب» . - حزب الله والقضية الفلسطينية: بطبيعة الحال، فإنّ حزب الله من المنظور اللبناني هو حزب طائفي، بمعنى أنّه يهتم بشؤون طائفته فقط، وقد حرص الحزب على عدم إظهار هذا الوجه للمسلمين في الخارج حفاظاً على صورته النمطية في عقليّتهم التي تعتمد العواطف، وعمد إلى جعل تركيزهم على مسألة خروج الصهاينة من جنوب لبنان وعلى إخفاء مدى قوّة الروابط مع إيران، وعلى إخفاء وجهه الطائفي التي يحمله معه؛ وخير دليل على ذلك أنّه مثلاً يحرص على أن يخلو «الأذان» في (فضائية المنار) من جملة «أشهد أن عليّاً وليّ الله» ، على حين يضمّنها الأذان على المنار الأرضية، كما أنّه يحرص على عدم تناول رموز السنة في مختلف العصور بسوء على فضائيته، ولكنه على أرضيّته لا يوفّرهم، وبينما يدعو إلى الأخوة والاتحاد مع المسلمين ونبذ الطائفية، يقوم عناصره بتوزيع كتيبات فاخرة خاصّة في الجامعات والتجمّعات وهي مختومة بختم (التعبئة التربوية لحزب الله) تحتوي على شتائم وألفاظ نابية ولعن بحق رموز السنّة التاريخيين؛ وذلك جهاراً نهاراً دون رادع وخاصّة في مناسباتهم، وأمثلة كثيرة لسنا بصدد ذكرها. لكن نقول إنّه في كل المواضيع لا بدّ للحزب من استغلال اسم القضيّة الفلسطينيّة والتذكير بأنّ الحزب سيقف دائماً إلى جانب الانتفاضة الفلسطينية. إلى أن جاء إعلان الأمين العام بشكل واضح في خطابه في ٢٥ أيار ٢٠٠٥ والذي كشف فيه للمرّة الأولى عدد الصواريخ التي يمتلكها حزب الله في إطار التهديد والوعيد والويل والثبور للصهاينة حين أشار إلى أنّ شمال فلسطين كلّه يقع تحت مرمى صواريخه، إلاّ أنّه استدرك لاحقاً بالقول إنّ الصواريخ دفاعيّة، وهذا ما يشير أيضاً إلى أن المسألة دعائية وهو ما دأب حزب الله إلى فعله منذ أنّ غيّر الانسحاب الصهيوني من وظائفه؛ فترداد مسألة القضية الفلسطينية هو لابتزاز العدو وإلزامه على البقاء في إطار اللعبة، والدليل أنّ الحزب يعلم تماماً أنّ الاتفاقيات التي وقعها مع العدو ومنها «اتّفاقية نيسان» لجمته وفصلت الأرض الفلسطينية عنه، وحرّمت شمال الأرض المحتلة على قذائف وصواريخ حزب الله، لدرجة أن اتّهمه بعضٌ إثر تحوّل موقفه منذ الانساحب الصهيوني بأنّه حامٍ لحدود العدو ومدافع عنها؛ وهذا ما جاء على لسان الأمين العام الأوّل لحزب الله الشيخ صبحي الطفيلي الذي قال: «لو كان أناس غير حزب الله على الحدود - يقصد الفلسطينيين وأهل السنّة - لما توقّفوا عن قتال العدو مطلقاً، والآن إذا أرادوا الذهاب يعتقلهم الحزب ويسلّمهم إلى الأمن اللبناني وتقولون لي إنّه لا يدافع عن حدود الصهاينة!!» وتزامن هذا الكلام الخطير مع مقال للعميد سلطان أبو العينين أمين سر حركة فتح في لبنان، نشرته جريدة «القدس العربي» في ٥/٤/٢٠٠٤ بعنوان: «حزب الله يحبط عمليات المقاومة الفلسطينية من الجنوب» قال فيه: «حزب الله قال: سنكون إلى جانبكم عند المحن. ولكننا منذ ثلاثة أعوام نعيش الشدائد ولم نعد نقبل شعارات مزيفة من أحد؛ فقد أحبط حزب الله أربع محاولات فلسطينية على الحدود، وقامت عناصر حزب الله باعتقال المقاومين الفلسطينيين وتقديمهم للمحاكمة ... ، إلى أن قال العميد أبو العينين: على الشعب الفلسطيني أن لا يعوِّل لا على حزب الله ولا على حزب الشيطان، بل عليه الاتكال على نفسه فقط؛ لأن لحزب الله أولوياته ومواقفه السياسية، وهو يريد أن يقاتل بآخر فلسطيني منا على أرض فلسطين، ونحن نريد من حزب الله موقفاً صريحاً وواضحاً» . - مستقبل حزب الله: ليست المرة الأولى التي يطرح فيها مستقبل حزب الله على بساط البحث، ففي كل مرّة يحدث فيها تطوّر إقليمي أو دولي يخصّ لبنان أو إيران أو سورية، يتم طرح موضوع حزب الله ومستقبله، وخاصّة أنّ مصير الحزب ليس مرهونًا بالساحة اللبنانية وحدها كما سبق ورأينا؛ فهو له امتدادات خارجية وقراره ليس داخلياً محضاً وله مرجعية الولي الفقيه. وعلى العموم؛ فقد كان طرح مصير حزب الله في ثلاث مرات سابقة هي: الأولى: مع ظهور احتمالات التسوية السلمية على المسار السوري الصهيوني في (وايت بلنتيشن) في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون؛ حيث طرحت قضية الحزب بسبب علاقته مع سورية وتوظيفه في إطار الاستراتيجية السورية تجاه إسرائيل. الثانية: أثناء إعلان العدو عزمه الانسحاب من جنوب لبنان؛ حيث طرحت تل أبيب شروطاً تتعلق بتسوية أوضاع الحزب؛ وذلك في إطار المسار اللبناني الصهيوني، لكن القضية لم تحسم نتيجة لانسحاب العدو الانفرادي دون اتفاق مع الحكومة اللبنانية. الثالثة: في منتصف التسعينيات مع حدوث توتر في العلاقات السورية الإيرانية؛ حيث كانت هناك علاقات قوية لسورية مع الولايات المتحدة التي كانت تضغط في اتجاه وقف دعم دمشق للحزب باعتباره منظمة تهدد أمن إسرائيل. الرابعة: بعد اغتيال الحريري وانسحاب القوات السورية؛ حيث بدأت تطرح قضية الحزب بشكل متصاعد داخل وخارج لبنان. - سيناريوهات المستقبل: المستقبل وإن كان من الصعب علينا التنبؤ بما سيحمله، إلاّ أنّه بالضرورة قد لا يخرج عن ثلاثة سيناريوهات لوضع الحزب مستقبلاً فيما يخص الإصرار على نزع سلاحه وفق القرار ١٥٥٩. - السيناريو الأوّل: نزع سلاح الحزب عبر مساومات داخلية: ويفترض هذا السيناريو أن يتّفق معظم الفرقاء اللبنانيين على أن ينزع سلاح حزب الله اعتماداً على عدد من الحجج، ومنها: أولاً: إنّ اتّفاق الطائف قد نصّ صراحة على سحب سلاح جميع الميليشيات اللبنانية (بما فيها تلك التي كانت تقاوم الاحتلال أيضاً مثل أمل والشيوعي وغيرهما) وإنّ استثناء حزب الله من هذا النص كان بقرار سوري وبدعم إيراني، وحيث إنّ القوات السورية انسحبت وإنّ الجميع متمسك بتطبيق اتّفاق الطائف فإنّه يجب على حزب الله أن يسلّم سلاحه. ثانياً: بما أنّ الجميع يطالب بدولة ذات سيادة واستقلال، فمنعاً للتدخلات الخارجية التي قد تنجم عن قيام الإرادة الدولية بتطبيق باقي بنود القرار ١٥٥٩ القاضي بسحب سلاح حزب الله ضمنياً؛ فإنّه من الضروري فتح ملف حزب الله الآن بعيداً عن الالتفات للضغوط الخارجية؛ لأنه مسألة تمس سيادة ومستقبل لبنان؛ فلا يعقل أن يظل الجناح العسكري للحزب، ويظهر أنه دولة داخل الدولة، وأن الديمقراطية والسيادة تقتضي إزالة جميع صور التسلح غير الرسمي، وأن الجيش اللبناني والشرطة هي الجهة الوحيدة فقط التي ينبغي لها أن تحتكر القوة، وتستخدمها في حماية النظام الداخلي وفرض القانون، والدفاع عن سيادة واستقلال لبنان. ثالثاً: لا يمكن لحزب الله من الآن وصاعداً أن يكون ممثلاً داخل الحكومة، وان يكون لديه جناح مسلّح؛ لأنّ ذلك سيثير حساسيات الطوائف الأخرى، فحزب الله في النهاية جزء من المجتمع اللبناني، وحتى لو تجاهلنا تصرفاته وبيئته، فإنه يبقى في النهاية طائفياً؛ وهذا هو واقع الحال في لبنان؛ لذلك إنّ أصر على حصّته فعليه أن يتخلى عن سلاحه. ويتوافق هذا السيناريو مع مغريات أمريكية بالدرجة الأولى وفرنسية فيما بعد؛ بأن يتم إعطاء حزب الله دوراً سياسياً كبيراً في لبنان على غرار الأحزاب الشيعية في العراق مقابل أن يقوم بالتخلص من أسلحته أو يجد لها مخرجاً ملائماً. لكن يبدو أنّ المشكلة في هذا السيناريو أنّ الفرقاء اللبنانيين الذين كانوا يطالبون بنزع سلاح حزب الله توزعوا بين مؤيد ومعارض نتيجة مساومات وتحالفات داخلية مصلحية، فضاع الهدف الأساسي أو أجّلوه على أن لا يتورطوا هم به ليتركوا فيما بعد للمجتمع الدولي أن يقرر. على العموم وفي جميع الأحوال يبدو أنّ هذا السيناريو صعب التحقيق إلى الآن، أو قد يتم تدريجياً وعلى دفعات. - السيناريو الثاني: نزع سلاح الحزب بالانسحاب من شبعا: في حال فشل السيناريو الأوّل فهناك معلومات تقول إن أمريكا قد تلجأ إلى سيناريو آخر تقنع بواسطته المحتل بأن ينسحب من مزارع شبعا بغض النظر عن صاحب الحق والملكية فيها سواء كانت سورية أم لبنان، وبذلك تنتفي حجّة حزب الله بأنّه يقاوم من أجل دفع العدو إلى الانسحاب من مزارع شبعا؛ وبذلك يفقد حزب الله مبررات وجوده. وهذا السيناريو يستخدم في حال اتفاق القوى اللبنانية على أن تتجنب الخوض في مسألة سلاح حزب الله، ومن ثَمَّ تجنيبه مفاعيل القرار الدولي وإفشال مخططات تفكيك حزب الله، والخيار الوحيد أمام إسرائيل والقوى الدولية في حال استمرار الحكومة اللبنانية بتأكيد لبنانية مزارع شبعا والتحفظ على قول الأمم المتحدة بهذا الخصوص، وفي حال قيام سورية بتقديمها اعترافاً خطّياً بلبنانية مزارع شبعا (على الرغم من أنّ سورية كانت قد صرّحت رسمياً في مرات عديدة سواء عبر وزير الخارجية فاروق الشرع أو عبر وليد المعلم أو عبر مندوبها في الأمم المتّحدة أنّ مزارع شبعا لبنانية) أن يقوم العدو بالانسحاب من مزارع شبعا كحل أخير للموضوع، وبذلك تسقط حجة وجود أراض لبنانية محتلة؛ وعليه لا يبقى هناك أي مبرر شرعي وقانوني لوجود حزب الله كمنظمة عسكرية مقاومة. هذا في حين أنه سيتزامن انسحاب الصهاينة من مزارع شبعا مع تسليمها لقوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان، وقيام الأمم المتحدة بالإجراءات المطلوبة لتحديد هويتها وتسليمها إلى أصحابها مع إعلان دولي بأن الأراضي اللبنانية كلها أصبحت محررة، ومن ثَم توسيع مهام قوات الطوارئ الدولية لتصل إلى حدود مراقبة الوضع على كامل المساحة الجغرافية من منظار الأمم المتحدة وبدعم دولي كامل، والبدء بمرحلة إنقاذ الاقتصاد اللبناني، والعمل على تحضير مشاورات دولية غير معلنة لتنشيط الاستثمار في لبنان. لكنّ المشكلة في هذا السيناريو أنّ دولة العدو ما لم تكن متأكدة من أنّ الدولة اللبنانية ستُحكم سيطرتها على مناطق الحدود إضافة إلى قوات الأمم المتحدة فإنّها لن تقوم بالانسحاب من شبعا؛ لأنّه في حال سحب سلاح حزب الله وانسحاب العدو فإنّ المنطقة ستتعرض لفراغ قد يتيح للمقاتلين الفلسطينيين في لبنان بدء عمليات مسلحة ضد العدو، ولذلك فإنّ بقاء حزب الله في هذا الوضع أفضل؛ فهو يتكفّل في ضبط اللعبة وعدم دخول أي جهة أخرى على الخط من لبنان خاصّة إذا كانت من السنّة غير الملتزمين بأي لعبة أو إطار سياسي والمستعدين للتصعيد حتى الانفجار. - السيناريو الثالث: بواسطة صفقة أمريكية إيرانية: لطالما خلط الكثيرون بين الشعارات التي يجري تداولها بين إيران وأمريكا، فأطلقوا الأحكام على أساسها، واستنتجوا أنّ البلدين في حرب غير معلنة، والحقيقة تقول إنّ هناك تعاوناً غير معلن يصل إلى حد التحالف في بعض المواضيع ويغيب في مواضيع أخرى، ولن نعيد شرح الموضوع والتعاون الإيراني مع الأمريكيين في أفغانستان والعراق وغيرها من الملفات والمواضيع. ولكن نقول: إنّ إمكانية حصول صفقة إيرانية - أمريكية قد يحصل بنسبة عالية جداً، والمناوشات التي تحصل بين البلدين من حين إلى آخر ما هي إلاّ أسلحة في سلّة الضغوط التي يلجأ إليها كل بلد لزيادة مكاسبه، وفي النهاية تتم القسمة بينهم. وليس من المستبعد بناءً على ذلك أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بعقد صفقة مع إيران، تقدم واشنطن بموجبها تنازلات لطهران فيما يتعلق بملف برنامجها النووي وعدم إحالته لمجلس الأمن الدولي، مقابل أن توقف إيران دعمها القوي، خاصة الدعم اللوجستي، لحزب الله، ومن ثَم يؤدي ذلك لإضعافه وسهولة الضغط عليه باتجاه نزع أسلحته. - ماذا عن أمريكا ومغازلة الشيعة؟! هناك من يرى أن من مصلحة أمريكا والدولة العبرية في الوقت الراهن الإبقاء على حزب الله؛ لأنّه يشكّل عاملاً وصِمام أمان للحدود اللبنانية الصهيونية خاصّة في وقت تتصاعد فيه ما يسمى بالقوى (الجهادية السلفية) التي لا تقيم أي معيار للتوازنات الإقليمية أو المحلية أو الداخلية، والتي لا تخشى شيئاً في سبيل دك أمريكا والدولة الصهيونية، ويعتمد هؤلاء في تحليلهم على عدد من الأمور في نظرتهم هذه تجاه حزب الله، ومنها: أولاً: بالنسبة لهم، الحزب يسيطر على مناطق وجوده بالكامل وعلى ذلك فإنّ إطار اللعبة معروف بينه وبين العدو، ولا يسمح لأي أحد بالتدخل فيه ومن بينهم من يدعي أنّهم حلفاؤه وهم الفلسطينيون (كما سبق وأشرنا أعلاه فقد اعتقل الحزب العديد من المقاتلين الفلسطينيين) وعليه فإنّ التعامل مع الحزب واضح، على عكس ما سيتركه انسحابه من هذه المناطق. ثانياً: أنّ الحزب «براغماتي» ، بمعنى أنّه يقبل الحوار والتفاوض والتبادلات حتى لو كان خاسراً بها، كما حصل في تبادل الأسرى الشهير بين العدو وحزب الله على الرغم من أنّ الحقيقة قد أظهرت أنّ إسرائيل هي التي استفادت من هذا التبادل إلاّ أنّه تمّ تصويره بالعكس. ولو ترك الأمر لغير حزب الله من المجموعات التي قد تستغل وجود أي ثغرة للقيام بعملياتها، لما تفاوضوا ولا قبلوا كل أنواع الحوار، وهذه ميزة لحزب الله علينا استغلالها. (هكذا يطرحون وجهة نظرهم) . ثالثاً: أنّ الحزب أعلن في عدّة مرات وبشكل واضح أنّه لا يتدخل في الشؤون خارج أراضي لبنان، وأنّ مهمته هي تحرير أرضه وليس تحرير فلسطين كما كان يزعم من قبل، وكان هذا الاعتراف صريحاً وواضحاً في خطاب نصر الله في ٢٥ أيار ٢٠٠٥م. بينما نجد أن أيّاً من الأحزاب الإسلامية غير مستعدة للتضحية بحقها في فلسطين وتحريرها من الاحتلال الصهيوني الغاشم. وينادي أصحاب هذا التوجه إلى التقارب مع شيعة العالم؛ لأنّ التعامل معهم يتم على أساس المصالح وليس المبادئ، وإنّ الشيعة على الرغم من شعاراتهم إلاّ أنّهم في حقيقة الأمر متعاونون جداً ومنفتحون. ويعتبر الباحث السياسي (أغسطس نورتون) وهو صاحب مؤلفات عدة عن «حزب الله» والحركات الشيعية، أن «توجه الإدارة الأمريكية إلى التعامل مع الأقلية الشيعية في العالم الإسلامي» انطلاقاً من «علاقتها برئيس الحكومة العراقية إبراهيم الجعفري رئيس حزب الدعوة الإسلامي في العراق الذي ارتبط اسمه بتفجير السفارة الأميركية في الكويت عام ١٩٨٣» ، مرده أن واشنطن «بدأت تعي التغييرات السكانية في المنطقة وأن الشيعة يشكلون نصف المسلمين (١) في الدول الممتدة من لبنان إلى باكستان» . ويصنف (نورتون) الذي أمضى أواخر التسعينيات في لبنان، الجبهة اللبنانية بأنها «الثالثة ضمن استراتيجية التقرب من الشيعة بعد العراق وإيران، وتحديداً في مرحلة ما بعد الانتخابات العراقية» . وعلى هذا الأساس فقد يجري تبديل في الاستراتيجية ويصبح حزب الله حليفاً كما أصبح حزب الدعوة وفيلق بدر حلفاء للولايات المتّحدة في العراق بعد أن كانوا يدعون عليها بالويل والثبور من إيران؛ فسبحان مغيّر الأحوال فلا تتفاجؤوا إن حصل ذلك! وعلى أي حال؛ فإن مستقبل الحزب مرتبط بالمتغيرات الإقليمية والدولية، وهو ليس مسألة داخلية كما يحب بعضهم أن يصفه، وقد رأينا مدى التشابك والتداخل في مختلف القضايا، والأمر مفتوح في النهاية على كل الاحتمالات. والله المستعان.

стр. 5574

حاجتنا إلى استراتيجيات حادة أنور قاسم الخضري تُستخدم اليوم في حياتنا السياسية والإعلامية والاجتماعية جملة من المصطلحات الوافدة التي تمثل نوعاً من الغزو الفكري والانبهار الذي وقع في نفوس المسلمين تجاه التقدم الذي وصل إليه الغرب. من هذه الكلمات «الإستراتيجية» ، وهي لفظة مضافة أو مضاف إليها في التأليف والإعلام والدراسة: فيقال: إستراتيجية الدول، إستراتيجية الأسواق المالية، إستراتيجية التربية، إستراتيجية التفكير.. ويقال: التخطيط الإستراتيجي، البعد الإستراتيجي، القوى الإستراتيجية، الخبير الإستراتيجي، الدراسات الإستراتيجية ... ٣ فماذا تعني كلمة «الإستراتيجية» ؟ جاء في الموسوعة العربية الميسرة (١) : «الإستراتيجية: فن القيادة العامة في الحرب بأجمعها، اشتقت من كلمة ستراتيجوس اليونانية بمعنى قائد» وهي كما يبدو تقابل كلمة تكتيك والتي عرَّفتها الموسوعة بأنها «فن القيادة في ميدان المعركة» . ثمَّ أفاضت الموسوعة في ذكر التعريفات المختلفة ووجهات نظر الذين تناولوا هذا الاصطلاح تعريفاً وشرحاً وضرب أمثلة. أما كراسة التدريب المشترك البريطانية الصادرة عام ١٩٠٢م فتعرِّف الإستراتيجية بأنها: «فن التخطيط لحملةٍٍ ما وتوجيهها، وهي الأسلوب الذي يسعى إليه القائد لجر عدوه إلى المعركة» ! أما دليل ضباط أركان القوات المسلحة الأمريكية لعام ١٩٥٩م فقد عرَّف الإستراتيجية بأنها: «فن وعلم استخدام القوات المسلحة للدولة لغرض تحقيق أهداف السياسة العامة عن طريق استخدام القوة أو التهديد باستخدامها» . إذن وبعيداً عن الصراعات وحروب القوة، فإن الإستراتيجية كلمة انسحبت من ميدان القتال إلى ميدان الحياة الذي هو الأرحب والأوسع والأخصب والأشد أثراً، وبالأخص ميدان الفكر والمعرفة والقيم. ٣ الإستراتيجية في الإسلام: (عقدة التآمر) ، (العقلية المغلقة) ، (النفسية المتخوفة) ، ... تُهَمٌ توجه إلى كل من يريد الوقوف بعقلانية وتؤدة أمام قضايا الفكر والرأي والمعرفة التي هي محور القيم والعادات والسلوك الإنساني، بل ونقاط التغيير والتأثير. بعض الناس يربط بين الإستراتيجية وما يسمى بـ «الرؤية» بمعنى: أن «الرؤية» ، أو ما يطلق عليه «التصور الذهني» هي المنطلق في صياغة الإستراتيجية؛ لأن الإستراتيجية هي الطريق الذي سنسير عليه وبدون الخريطة ـ الرؤية ـ لا توجد معالم طريق وإحداثيات مسار. ونحن نؤمن بأن الإسلام منهج حياة مطلق صالح لكل زمان ومكان؛ فهل أشار الإسلام إلى «الرؤية» ، وهل يتضمن رؤية في أبجدياته وقواعده وتعاليمه؟ سؤال يبدو للوهلة الأولى أنه صعب، حين نترك «النظرية» (١) ونلتفت إلى واقع المسلمين في: السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والمعرفة والعلوم، والسلوك الحضاري للفرد والجماعة والأمة. وقد يخرج بعضٌ بإجابة قطعية «نافية» لأن مؤشرات الواقع بكل تفاصيلها وجزئياتها على مستوى الأمة اليوم تعطينا هذه القناعة. وهنا تسقط الهوية والرسالة والأمل، ويأتي السير بعكس اتجاه البوصلة. وما أقبحها من جريمة عندما يتحمل الإسلام العقوبة ويفرُّ المذنبون! إن قراءة عابرة للقرآن الكريم ـ الكتاب الرباني المحكم ـ تخاطبنا بآيات معجزة وحكم بليغة. فحديث القرآن الكريم عن الإنسان منشئه وطبيعته ومصيره، وطبيعة الكون وقوانينه، وسنن الحياة والقدر.. والحديث عن عالم الغيب والشهادة وعن الأخبار والأحكام والحقوق والواجبات والأدوار والوظائف.. كل ذلك رؤية، حيث قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] . ووصف المؤمنين بأنهم «أولو الأبصار» ، وضرب مثلاً لمن آمن بالرسالة واتبعها ومن لم يؤمن بها ولم يتبعها بالبصير والأعمى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] وجعل الدعوة واجباً لا يقوم به إلا من كان على بصيرة «رؤية» : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] . وعندما يؤكد علماء الإدارة الإستراتيجية بأن الرؤية «توجد ـ فقط ـ عندما يشترك الأفراد ـ في مؤسسةٍٍ ما أو بيئة ـ في القيم والاعتقادات والمهام والأهداف التي يجب أن توجه سلوكهم، ليتم إيجاد «العقل الجمعي» فإننا نفهم كيف أن الإسلام كان عقيدة وشريعة وعبادة وأخلاقاً ليحقق الرؤية لكل من رضي به ديناً. ما علاقة هذا الأمر بموضوع حديثنا حول «الدراسات الإستراتيجية: تقييم وتقويم» ؟ الأمر يرتبط بمقدمات لا بد منها: أولاً: أن الدراسات الإستراتيجية التي توضع في الخارج عن العالم الإسلامي أو توضع في مؤسسات تنطلق في دراستها من المنطلقات الغربية ذاتها هي نتاج «رؤية» فرد أو مجموعة أفراد، لها منهجها الخاص في التعاطي مع المادة الخام (من البيانات والمعلومات والإحصائيات والتقارير والوثائق والأبحاث، وغير ذلك) . ثانياً: أن منهج التعاطي مع المواد الخام، مهما سلمنا بشمول هذه المواد ودقة البيانات فيها وسلامتها من التزوير أو الأخطاء، له أثره في صياغة النتائج. وأقرب مثال على ذلك: الصور الحية التي تنقلها وسائل الإعلام العربية والصهيونية عن الحوادث التي تتم في فلسطين (أو العراق حالياً) ، هي ذاتها في المكان والزمان والعرض. وعندما يتناول الإعلام العربي صورة الطفل الفلسطيني وهو يطارد بالحجارة الجندي الإسرائيلي، منوهاً ببسالة المقاومة وجبن المعتدي.. تقلب أجهزة الإعلام الصهيونية المعادلة ليكون الطفل إرهابياً صغيراً والجندي الإسرائيلي جندي رحمة وسلام. الصورة ذاتها في الحالين، لكن التعاطي معها مختلف. مثال آخر: عندما يزداد إقبال النساء على الحجاب الشرعي والالتزام بالآداب الإسلامية في التعليم والعمل والنشاط العام تكون الأرقام مؤشراً على وعي وتمسك بالإسلام وصحوة في الأوساط النسائية؛ هذا عند الدعاة إلى الله والأمة عموماً؛ لكن الأرقام ذاتها تصبح تهمة في جانب حقوق المرأة وحريتها الشخصية وتخلفاً في الأوضاع لدى الدراسات الأجنبية. ثالثاً: أن هذه الدراسات تنقل في ثناياها رؤية مغايرة لرؤيتنا الإسلامية وتؤصلها لنا من خلال حشد الأرقام والبيانات؛ وشيئاً فشيئاً تصبح الرؤية الإسلامية ضبابية، ويحل محلها رؤية جديدة تسند إلى الإسلام الظروف المأساوية وكأنه المسؤول عنها والمتسبب فيها. على الرغم من أن بُعدنا عن «رؤية» الإسلام الكلية للحياة والإنسان والكون هي السبب الحقيقي وراء الظروف المأساوية لمجتمعاتنا وبلداننا الإسلامية عموماً. ومن هنا فنحن مُلزَمون أن نقيِّم هذه الدراسات وفق رؤيتنا نحن، باعتبارها معطى من معطيات الواقع ـ كما هو الحال ـ إلا إذا أخذت طابع القداسة المطلقة فهذا شيء آخر، ومجال بحثه غير هذا المقام. ٣ تقييم الدراسات الإستراتيجية: صادر عن مركز (......) للدراسات الإستراتيجية، وأعده خبراء إستراتيجيون، وأشرف عليه معهد.... للإستراتيجية الدولية، مع إضافة: طُبِع في واشنطن أو لندن أو باريس، وبخط عريض: «رؤية إستراتيجية لـ.....» !. إنها مائدة تبدو دسمة ومغرية لأصحاب القرار والرأي في بلداننا الإسلامية والعربية منها غالباً؛ وخاصة إذا أضفنا نوعية الورق والطباعة الفاخرة والتصميم والإخراج الجذاب. بعض الناس يقف عند هذه المقاييس، ولا يتجاوزها إلى القيمة الموضوعية للبحث في الحكم على مدى أهلية مثل هذه الدراسات والبحوث للاقتناء والنظر والاستفادة منها. إن دراسات الاستراتيجية ـ كما أسلفنا ـ تقوم على تحويل المواد الخام من المعلومات والبيانات الواقعية إلى نتائج (نظريات أو فرضيات) ، وأياً كانت فهي تمثل أسلوب تغيير أو معالجة للواقع للوصول به إلى المستقبل الأفضل. وهذه العملية محكومة بعدة أمور هي عند قراءة الدراسة غير مشاهَدة (وإن كانت حاضرة أثناء إعداد الدراسة في ذهنية ونفسية الباحث المعد) ، منها: ١ ـ «الرؤية» الخاصة بالباحث أو الدارس، والتي في ظل مقاييسها ومصطلحاتها وقيمها ومبادئها وسياستها تعامل الباحث مع المواد الخام. فمن خلالها رتب ونظم وانتقى، وأوجز هنا وأسهب هناك، وأغفل هذا وأبرز ذاك. ٢ ـ «الهدف» أو الغاية التي لأجلها يُعدُّ البحث وتصاغ الدراسة. فأغلب أهداف البحوث والدراسات تكون خاضعة لإرادات متصارعة أو متصالحة، وفي كلتا الحالتين فالتوجيه إرادة مسبقة ونية مبيتة. لذا فإن تقييمنا للدراسات الإستراتيجية يجب أن يأخذ في الاعتبار هذين العاملين لا مجرد «أسلوب المعالجة» الموضوعي ـ كما يطلق عليه ـ والذي تختبره أدوات المعمل، فكِلا الشخصيتين (الطبيب الجراح، والجزار) يتعامل مع الجالس تحت رحمة سكينه بأسلوب المعالجة الموضوعية ذاتها عند التشريح؛ لكن المحصلة النهائية مختلفة. ونحن عندما نصور الأمر على هذه الحقيقة لا نزايد في مسلَّمات يتفق عليها الجميع، وهي أن الباحث والدارس مهما كان أسلوب تعاطيه مع المادة موضوعياً فإن معتقداته وخبراته السابقة لن تكون في معزل عن صياغة النتيجة، وكذلك الحال مع الأهداف والنوايا. وعليه فإن تقييمنا لأي دراسة صادرة من الداخل أو الخارج لا بد أن يخضع إلى ثلاثة معايير هي: الغاية، والمنهج، والخبرة. فإذا توافقت هذه المعايير معنا باعتبارنا مسلمين كانت هذه الدراسات مقبولة، وإذا خالفت ما عندنا عرَّيناها على حقيقتها. وهنا اعتراف: إننا بوصفنا مسلمين فإننا مقصرون في صياغة دراسات إستراتيجية تنبع من «رؤيتنا» ، تصور لنا واقعنا كما ينبغي أن نحكم عليه، ومستقبلنا الذي تتيح لنا قدراتنا الوصول إليه، والتحديات التي سنواجهها بين النقطتين ... وكيف يمكن تجاوزها. إننا نستورد، أو نعيد تصنيع ما نستورده من القوم؛ أما أن ننتج محلياً وفق غايتنا ومنهجنا وخبرتنا فلا يزال الأمر حلماً لدينا. نقف أمام الأزمات والنكبات والفواجع مستخدمين: خطب الحماسة الملتهبة، أو أوامر التوجيه الصارمة: يجب ويجب، أو المناشدات ومطالبات الاستجداء. ويقف آخرون: يستقرئون الواقع، ويحللون المعطيات، ويرصدون الظواهر، ويتابعون التغيرات، يفسر أحدهم ويربط، ثم يرسم من خلال ما يراه خططاً ممرحلة، ويأخذ مواقع متقدمة المرة تلو الأخرى.. إنهم في الحقيقة أعداؤنا ﴿وَإن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] . إن معالجة تراكمات من السنين التي تمتد إلى قرون لا تزول بالعشوائية والارتجالية والمثالية وانتظار الخوارق، كما أن تعقيدات المشهد لا تُحَلُّ بالسطحية أو الإغراق في الجزئيات أو ترك القضايا تحل بذاتها ... !! المعالجة هي قناعة مُحصَّلة لخطورة ما نحن فيه، وهي تبدأ بالدراسة الفاحصة والدقيقة والشاملة، لا من موقف عاطفي وردة فعل آنية، وهذا ما يغلب على تعاطينا مع الأمور. بالمثال يتضح المقال: تعرض الولايات المتحدة الأمريكية سنوياً، تقريراً خاصاً بالحقوق والحريات عن العالم بدوله وشعوبه، هذا التقرير تعده وزارة الخارجية الأمريكية بالتعاون مع أجهزة استخباراتية (غير معلنة) ومع منظمات ما يسمى بالمجتمع المدني (من الجهة المقابلة) . وهذه التقارير السنوية تتبنى الحالة العامة لحقوق الإنسان وحرياته على صعيد الممارسات السياسية والاقتصادية والإعلامية.. في بلاده. للتقرير ديباجته المعتادة ومصطلحاته المختارة بدقة؛ وقد كان يمثل قبل ١١سبتمبر شهادة للمستوى الإنساني والحضاري الذي تحمله القيم الأمريكية؛ لكنه اليوم (وهو ذاته التقرير بالعبارات والمصطلحات نفسها) مجال لسخرية القانونيين والإعلاميين والمثقفين ولكل من لديه مثقال ذرة من عقل. وفي ضوئه تتخذ سياسات وتوضع خطط وتنفذ أعمال بل حروب ظاهرة أو خفية. فكان بمثابة الرؤية الإستراتيجية لما ينبغي أن يكون عليه العالم، وتحت شفرته تقطع الدول إلى راعية لحرية المعتقد وحرية التعبير وحرية النشاط وغير راعية لذلك ـ أي دكتاتورية ـ وعليه تستحق دولةٌ ما المساعدات أو لا تستحق، وتستحق الاندماج في المجتمع الدولي أو لا تستحق. إن «الإنسان» الذي تدافع الولايات المتحدة الأمريكية عن حقوقه وتسعى لحريته ليس هو «الإنسان» الذي تعرفه أنت أيها القارئ الكريم بداهة، وما أدل كلمات الشاعر أحمد مطر عندما يصور هذا المأزق الغربي في النظرة فيقول: الخلق صنفان.. إنس وأمريكان. ٣ تقويم الدراسات الإستراتيجية: يتفق علماء الإستراتيجية على أن القيم والعقائد والأفكار هي الموجه للأشخاص والجماعات، وهؤلاء بدورهم هم الموجه للمواقف والأحداث. وعليه فإن القيم والعقائد والأفكار تأتي في الدرجة الأولى من الأهمية ثم يليها الأشخاص ثم يلي ذلك المواقف والأحداث. وحيث إن الرؤية الإستراتيجية تصيغ العقائد والقيم والأفكار فهي لا تصلح أن تنبع من الأشخاص؛ لأن مَنْ حَقُّه التأخر لا يصلح أن يتقدم على من حقه التقدم. فلا بد أن تصاغ الرؤية الإستراتيجية ممن هو أعلى مرتبة ومنزلة. وفي الإسلام يؤمن أتباع النبي ﷺ أن الدين المنزل من الله، هو ما يمثل بالنسبة لهم الرؤية الإستراتيجية ليس في الدنيا وحسب بل في الدار الآخرة. ومن ثم يصبغ الإسلام: العقيدة، والقيم، والفكر، والشخصية والمواقف. وتكون الرؤية الإستراتيجية متناسقة ومتحدة ومتكاملة ومستقرة وصالحة لكل زمان ومكان وفي كل ظرف وحال. لقد شملت تعاليم الإسلام وأحكامه كافة جوانب الحياة حتى جعل بعضهم يسأل صحابياً من أصحاب النبي ﷺ : علمكم نبيكم كل شيء؟ فيرد الصحابي معتزاً: نعم! حتى الخراءة. (أي كيفية قضاء الحاجة) . وهي الكلمة التي صاغها أحد الدعاة المعاصرين في جملة: الإسلام قانون للحياة من كرسي الحَمَّام إلى كرسي الحُكَّام. وهذا ما لا نتحرج منه. فأين اليوم المسلمون الذين يقدمون الإسلام بهذه الروح؟ لقد صدق عدو (عاقل) حين وصف الإسلام فقال: نِعْمَ الدين لو كان له رجال! وقال عمر من قبل: لوددت أن لي ملء هذا المسجد ـ مسجد النبي ﷺ ـ رجالاً من أمثال أبي عبيدة عامر بن الجراح (أمين هذه الأمة) . إن الإسلام «رؤية» استراتيجية في جوانب النفس البشرية ودورها في الحياة وما يحيطها. لكننا بحاجة إلى تقييم ذواتنا وتحديد موقعنا منه كخطوة أولى، قبل أن نحدد موقعه من الآخرين. وبعض الناس يريد أن يصف جميع أحوالنا القائمة بأنها إسلام بل وإيمان، ويريد أن ننطلق بهذا الاعتبار في المواجهة والإعمار؛ وذلك تحت مبررات عدة أو تفسيرات متأوَّلة.. كالواقعية. وبعضٌ آخر يريدنا أن نصل إلى الإسلام من السبل الأخرى التي أوصلت غيرنا إلى ما هم فيه؛ فهي الكفيلة في نظره للحل الذي بوجوده نتمثل الإسلام، فيظهر: الإسلام الديمقراطي، والإسلام الاشتراكي، والإسلام القومي، والإسلام الوطني، والإسلام المصلحي، والإسلام العقلاني،.... إلى ما هنالك في سبيل الوصول إلى الإسلام الرباني. ويُكرَّر الخطأ ذاته، حيث يُضفى مسمى الإسلام على مبادئ وقيم منحرفة.. هي جزء من البلاء وأساس في الداء. إن المشكلة في هذه الأزمات أنها لا تترك لأحكام الإسلام أن يُتعامَل معها وتُجَلَّى ويُحكم عليها، ولا تُترك للمختصين من أهل الفقه والعلم الشرعي باعتبارهم المختصبن بهذه المسائل.. نعم! قد يوجد لديهم قصور، هذا وارد؛ لكن على الأمة والمختصين الآخرين في مجالات العلوم الأخرى أن يشاركوهم في توصيف الواقع كما هو، لا كما نريد أن نفهمه نحن. ومثال على ذلك (السلام مع العدو الصهيوني) فهو سلام في عقولنا نحن فقط، في تحركنا نحن فقط، لكنه كما يبدو عند العدو شيء آخر غير الذي نقصده ونريده، إنه انهزام.. استسلام.. أي شيء يجرنا إلى الذل؛ لكنه ليس سلاماً بالتأكيد. فإستراتيجياتنا لا بد أن تقوم على نظرة حقيقية للواقع كما هو فعلاً، لا كما نتخيله في أذهاننا أو نراه في أحلامنا، وإذا خلطنا بين هذا وذاك كان السير على «خارطة الطريق» مهلكة محققة، ولن نجني منها لا بلح الشام ولا عنب اليمن. وعليه فإن معرفة الواقع، معرفة دقيقة، وفهم اتجاهه وحركته، وفقه السنن التي يجري في ضوئها وأسباب التغيير ونقاط التحول وعوامل التأثير التي تشكله والعلاقات التي تحكم الروابط بين أجزائه ومكوناته هي الخطوة التي بوسعنا أن نشارك فيها جميعاً بصدق وأمانة. ٣ الدراسات الإستراتيجية، وما ينبغي أن تقدمه: للوطن العربي والإسلامي خصوصيته الحضارية والعقائدية والفكرية والأخلاقية، وله مساره التاريخي الطويل الذي يمتد إلى ١٥ قرناً، وله ظروفه التي تحيط به؛ ولا بد أن نراعي هذه الجوانب ونعطيها قدراً من الاهتمام. لذا فإن في تقديري أن على الدراسات الإستراتيجية أن تراعي الجوانب التالية: ١ ـ أن تصاغ الدراسات وفق مبادئ وقيم و «رؤية» الإسلام الكلية والشاملة، وأن تُضبط مفاهيم ومصطلحات الدراسة في هذا الإطار؛ بحيث تسمى الأمور بمسمياتها الحقيقية؛ سواء كان ذلك في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، أو غير ذلك. ٢ ـ أن تعطي هذه الدراسات البعد التاريخي حقه من التأمل والتدقيق والتحقيق حتى تُنسب الظواهر إلى أسبابها البعيدة والغائبة إن وجدت، وأن لا تقتصر على توصيف الواقع فقط؛ لأن الواقع ثمرة الماضي؛ كما أن المستقبل نتيجة الواقع. وقصقصة التاريخ أو عزله عن الدراسات الإستراتيجية، هو بتر «للرؤية» وتجزئة للحقيقة. ٣ ـ أن يتم توصيف الواقع بمقاييسنا واصطلاحاتنا نحن، قدر المستطاع، ونفصل بين الأسباب والمسببات، والظواهر ونتائجها، والأحداث وأشخاصها، في سبيل تحليل وتفصيل مادة الدراسة إلى الحد الذي تتبين معه ماهيات الأمور. ثم يعاد ربط هذه الجوانب في صورة متكاملة ومنطقية؛ وهذا يتطلب أن يوجد الخبراء في مجالات الدراسة وأن يُعْطَوْا حظهم من الوقت وفسحتهم من الجمع والدراسة والصياغة. ٤ ـ أن تعد هذه الدراسات في ظل أهداف واضحة، لا نتائج مسبقة؛ فهناك فرق بين أن تطلب من فريق الدراسة للوصول إلى نتائج مسبقة.. وأن تحدد الهدف الذي لأجله تتم الدراسة، ألا وهو توصيف الواقع وتقديم الحكم له، أو الأزمة وإيجاد حلها. ٥ ـ أن تتجنب الدراسة الإستراتيجية الإغراق في الأزمة (أو المشكلة) أو الظاهرة؛ بحيث تغفل الجوانب المضيئة والعوامل الإيجابية. ٦ ـ أن ترتقي الدراسات الإستراتيجية من الوقوف على الحوادث ومواقف الأفراد، والأشخاص، لتتعامل مع القيم والمبادئ والأفكار؛ لأن الأحداث أعراض لحظية، والأشخاص أعراض قصيرة العمر مقارنةً بالقيم والمبادئ والأفكار، التي لها الديمومة في الحياة. إنني أتساءل: لماذا تتعامل الأمة العربية في مستواها السياسي مع مؤتمر هنا ووثيقة هناك؟ وإجراء موجب وآخر سلبي؟! ورئيس مضى وآخر موجود وثالث قادم؟! لماذا لا تتعامل مع الأمور بمستوى المبادئ والقيم والأفكار؟! إذن لحسمنا كثيراً من مسائل الخلاف التي نتنازع عليها اليوم. ٧ ـ أن تشمل الدراسة الاستراتيجية المحاور التالية: أـ الرؤية الواضحة للأمور. ب ـ القواعد الكلية. ج ـ الأطر المحيطة. د ـ الأهداف الغائبة. هـ ـ خارطة السير العامة. وـ المشروع العملي المتكامل. ز ـ الحلول البديلة عند الأزمات. ح ـ البوصلة التي تحافظ على الاتجاه الصحيح. ختاماً: فإن الطفل الصغير يفرح عند نفخ النُّفَّاخة أمامه، وكلما زدت نفخاً فإنه يطلب المزيد وترتسم على محياه علامات الرضى وابتسامات الضحك، وعندما تنفجر النُّفَّاضة فجأة يصرخ هو بصوت مدوٍّ.. إنه لم يكن يتوقع ما حدث؛ لأنه كان جاهلاً بقانون المادة. هذا ما غفل عنه الصحابة في إحدى سباقات الإبل، عندما سُبقت ناقة للنبي ﷺ كانت لا تُسبَق أبداً؛ فلما رأى الرسول ﷺ استنكارهم قال: «إن حقاً على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه» (١) . لكل شيء إذا ما تم نقصانُ فلا يغر بطيب العيش إنسانُ هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمانُ فتنبغي الإشارة إلى عدم جواز اليأس من أبناء الأمة أمام بهرجة الباطل اليوم؛ فإن العمل الجاد ومواصلة السير كفيل ـ بعد توفيق الله تعالى ـ بالنتائج. فهلاَّ صبرنا وصابرنا ورابطنا! اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وتوفنا وأنت راضٍ عنا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين!

стр. 5575

العراق الجديد د. يوسف بن صالح الصغير لا شك أن الإدارة الأمريكية تُجْهِد نفسها حالياً في دراسة كيفية ترتيب أوضاعها في المنطقة بعد فشل مشروعهم في العراق؛ وتصرفاتهم تدل على أنهم في مرحلة متقدمة من خطة الانسحاب؛ فلم يعد هناك كلام عن إعادة إعمار ولا عن الديمقراطية التي جاءت من جديد بأحد رجالات إيران الذي لم يعد مرغوباً فيه؛ فبعد أن كانت حكومته الأولى مثالاً لنجاح الديمقراطية بالعراق وبعد الاستقبال الحافل له في واشنطن ولندن نجد أن أمريكا أول من عارض الحكومة الجديدة بالتأكيد على أنها لن ترضى بتولي شخصيات طائفية. فما الذي طرأ حتى تستبعد أمريكا من جاءت بهم سابقاً، وتصبح شروط تقريبهم أسباباً لاستبعادهم؟ فهم لم يتغيروا، بل الذي تغير هو وضع أمريكا من وضع المقيم المنتصر إلى حالة المغادر المنكسر؛ فبعد أن كان بوش يتحدث عن النصر أعلن أن أمريكا لن تخرج من العراق بصورة مفاجئة، وبعد التبشير بنجاح حكومته في ترسيخ الديمقراطية بالعراق بدأ بتكرار قلقه من نشوب حرب أهلية في حالة الانسحاب الأمريكي المبكر. والحقيقة أن الولايات المتحدة لن تخرج من العراق قبل أن تُشعِل الحرب الطائفية وتضع الأسس لعراق جديد قائم على الفوضى المنظمة. ونحن الآن نعيش مرحلة إعداد وتهيئة؛ فمن جانب الشيعة نجد أن هناك محاولة لجرهم لمواجهة عامة مع السُّنَّة؛ فقد بدأت باستهداف التجمعات الشيعية في كربلاء، ولما فشلت انتهت بتدمير رموزهم في كربلاء، وأُتبِع ذلك بدعوات للانتقام ممن يدعونهم بالتكفيريين والنواصب، وعلى الرغم من عدم معرفة الفاعل فإن فورة التهيج العاطفي صاحبتها حملة منظمة لتدمير مساجد السنة وقتل علمائهم بل سحلهم في شوارع بغداد ونشر صور ذلك، وبلغ عدد الأشخاص الذين أعدمتهم فرق الموت الشيعية شبه الرسمية أكثر من ١٣٠٠ سني قتلوا بطريقة واحدة، وقد فضح الله فيلق بدر حيث وجهت قيادتهم الحزبية وزارة الصحة بعدم ذكر من يتم إعدامهم ضمن إحصائيات الوزارة لضحايا الأحداث. وما زال المسلسل مستمراً؛ فهناك محاولة لجر أتباع الصدر وإدخالهم ضمن المنظومة الشيعية؛ ومن ظواهر ذلك تأييد الصدر للجعفري ومشاركة أتباع المهدي أو من يتزيّا بزيهم بقوة بالأحداث الأخيرة؛ مع سلسلة متلاحقة من التفجيرات في مدينة الصدر في محاولة لتجميع الشيعة. يقابل ذلك محاولة أخرى لتجميع السنَّة تحت شعار معارضة اختيار الجعفري رئيساً للوزراء فيما يبدو أنه تجمع جديد، للأكراد دور بارز فيه. والذي لا شك فيه هو أن الحرب الأهلية التي تستعجل قيامها أمريكا تمثل حبل النجاة الأخير لأمريكا لتبرير خروج سريع أصبح مطلباً شعبياً ونخبوياً مع إشغال العالم بالوضع الجديد، وهو كذلك مخرج لمن تعاون مع الاحتلال للبقاء على الساحة العراقية؛ فالحكيم والجعفري سيظلان قائدين في المعسكر الشيعي الجديد، ولا يستبعد أن نرى الطالباني والبرزاني في معسكر سني جديد، والخاسر الأكبر هو المقاومة التي تحتاج لتضحيات كبيرة وجهد شاق للحفاظ على الهدف السوقي للمقاومة وهو تصفية الاحتلال وأذنابه، وإعادة بناء العراق من جديد، العراق الذي كان مركز الخلافة الإسلامية وموطن الأئمة الأعلام، رمز القوة والنقاء، وليس العراق الجديد الذي يريده الغرب كما ذكر على لسان وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية (كيم هَولز) الذي قال في حديث لبي بي سي إن «العراق يوصف بأنه فوضى، لكنها نوع من الفوضى غير القادرة على شن هجوم على إيران، فوضى غير قادرة على غزو الكويت، فوضى لا تستطيع تطوير أسلحة دمار شامل» نعم! إن لسان حالهم يقول: إذا لم نتمكن من السيطرة على العراق وامتصاص ثرواته فليتم تدميره؛ فهذا دَيْدَنُنا مع كل بلد دخلناه؛ فماذا فعلنا في فيتنام والسلفادور ونيكاراجوا وكوريا الشمالية والجزائر؟ وما سنحاول فعله في كل بلد سمح لنا بالدخول، ثم فكَّر أن يطالبنا بالرحيل أن نؤكد على شعارنا: نحن أو الدمار.

стр. 5576

مرصد الأحداث أحمد فهمي مفكرة الشهر ١٢ محرم: تعديلات وزارية سورية والشرع من الخارجية إلى نائب للرئيس. ١٣: ترشيح إبراهيم الجعفري «شيعي» رئيساً للحكومة العراقية الجديدة. ١٤: فيديو لجنود بريطانيين يضربون صبية عراقيين بوحشية. ١٥: صدام ومساعدوه يجلبون عنوة إلى المحكمة بعد امتناعهم. ١٦: بوش: سنقاطع حماس ولو أذعن لها كل العالم. ١٧: نشر صور جديدة لتعذيب وقتل عراقيين بأيدي جنود أمريكيين. ١٧: قاعدة بيانات أمريكية تضم ٣٢٥ ألف مشبوه بالإرهاب في العالم. ١٨: قادة حماس في أنقرة ويتلقون دعوة رسمية لزيارة روسيا. ١٩: عقد أول جلسة للتشريعي الفلسطيني والدويك رئيساً للمجلس. ٢٠: الأمن الليبي يقتل ١٠ أشخاص تظاهروا ضد رسوم الدانمارك. ٢١: اختيار إسماعيل هنية لرئاسة الحكومة الفلسطينية الجديدة. ٢١: حماس تلغي قرارات التشريعي السابق في جلسته الأخيرة. ٢٢: كوندوليزا رايس في الشرق الأوسط للضغط على حماس. ٢٣: واشنطن تدعو لإرسال قوات دولية إلى دارفور خلال شهر. ٢٤: اعتداءات على مساجد سنية عراقية بعد تفجير مرقد شيعي. ٢٥: حظر التجول في ٤ محافظات عراقية وتصاعد العنف ضد السنة. ٢٦: قرار يسمح لرئيس وزراء تركيا الأسبق أربكان بإكمال سجنه منزلياً. ٢٧: اعتداء على منزل الشيخ حارث الضاري ومقتل شقيقه وإصابة بعض أولاده. ٢٨: وقف عمدة لندن ٤ أسابيع لتشبيهه صحفياً بأنه حارس في معسكر نازي. ٢٩: وصول ٢١ ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين في عام ٢٠٠٥م. ١ صفر: موفاز يسعى لضم مغتصبات الضفة الغربية بصورة دائمة. ٢: اغتيال خالد الدحدوح قائد سرايا القدس الجناح العسكري للجهاد. ٣: السنة والأكراد يرفضون ترشيح الجعفري رئيساً للحكومة. ٣: بوش في أفغانستان ويوقع اتفاقاً نووياً مع الهند ويزودها بطائرات حديثة. ٤: بوش في باكستان لبحث الحرب على الإرهاب. ٥: نشر قائمة بأسماء ٣٠٠ من معتقلي جوانتانامو. ٦: مائة قتيل في اشتباكات بين الجيش الباكستاني وقبائل حدودية. ٦: الجيش الأمريكي ينفي عزمه الانسحاب من العراق عام ٢٠٠٧م. ٧: الإفراج عن الشيخ علي بلحاج القيادي في جبهة الإنقاذ الجزائرية. ٨: إسرائيل تهدد باغتيال هنية وفتح تخاصم حماس إلى المحكمة العليا. ٩: تمديد العمل بقانون مكافحة الإرهاب في أمريكا بعد خلافات مطولة. ١٠: الائتلاف الشيعي العراقي يعلن تمسكه بالجعفري رئيساً للحكومة. ١١: مشعل يعتبر خطة أولمرت لرسم حدود نهائية للكيان إعلان حرب. ١٢: هلاك جزار الصرب ميلوسيفيتش في سجنه بمدينة لاهاي.

стр. 5577

من للمساجد يا عراق ؟! مروان كُجُك ماذَا يقولُ (الدانِمَرْكُ) وقد رأَوْا مِن قومِنا ما فاقَ هاتيكَ الجَرائم (١) ؟ لم يحفظوا وُدّاً لِذي نَسَبٍ ولا دِينٍ، وعاثوا بالمساجد والمحارِمْ واستظهروا الحقدَ الدفينَ ولم يرَوْا بإهانةِ القرآنِ مِنْ تأثيمِ آثِمْ لا عُجْبَ؛ فالقرآنُ ليس كتابَهمْ فكتابُهمْ يَدْعُونَهُ (قرآنَ فاطِمْ) حَذَقوا فُنونَ الغدرِ، خانوا أمةً قد صاغها المولَى لتصمدَ للقواصِمْ فَبِعزَّةِ الموْلَى أَفِدْني! ما جرَى: إن لم يكنْ كفراً فماذا أنتَ راجِمْ؟ ما كانَ ذا مِن مؤمنٍ مِنْ أهلِنا أبداً، ولكنْ فِعلَ مَنْ للنارِ خادِمْ دَعْهم فقد كُشِفَ الغطاءُ ولم يَعُدْ من ساترٍ يُعْمي على غُفْلٍ وواهِمْ بانوا كما ظُنُّوا مجوساً، نارُهمْ تفنَى، ويبقَى الحقدُ في تلك الجماجِمْ * * * * * * * مَنْ للمسَاجِدِ يا عراقُ وقد غَدَتْ نُهْبَى المجوسِ وطُعْمةً تُغري البهائمْ؟ عَجَباً لهم! أوَ يحسَبونَ الأمرَ أضْـ ـحَى مُلكَهمْ والدهرَ للنيرانِ راغِمْ؟ أم يحسَبونَ جحافِلَ الإفْرَنْجِ تحْـ ـمِي إفْكَهمْ، ونظلُّ نهدِلُ كالحمائمْ؟ أفَما يَرَوْنَ (الأمْرِكانَ) وقد غدَوْا في حَيْصَ بَيْصَ يَؤُزُّهمْ صوتُ الضراغِمْ؟ ما يفعلونَ غَداةَ ينهزِمُ الفِرَنْـ ـجَةُ أو يطيرُ الوهمُ في آتي المواسمْ؟ همْ يَعرفونَ ذُنُوبَهمْ عَدّاً، ولا يَخفَى على حُرٍّ أسَى وَغْدٍ وهائِمْ حُبُّ النبيِّ وآلِهِ دِينٌ يقو دُ إلى الهُدَى لا للشنائعِ والجرائمْ حُبُّ النبيِّ وآلهِ صِدْقٌ ومَحْـ ـضُ حقيقةٍ لا بادِّعاءٍ أو طلاسِمْ مَنْ أنتُمُ لوْ لم يُعِذْكُمْ غاصِبٌ؟ ما أنتُمُ لوْ لم يكُنْ في الدارِ جاثِمْ؟ سَعَّرْتُمُ نَارَ المجوسِ وفيحها وفتحْتُمُ أُفُقاً من التثريبِ قاتِمْ لم يكْفِكمْ جَلْبُ العدوِّ جهارةً حتى وَلَغْتُمْ في الدماء بغيرِ حاجِمْ * * * * * * * يَا أيها الْمُوفُونَ عهْدَ عدوِّهمْ والخائنونَ لكلِّ سَجَّادٍ وقائمْ لن تُفْلِحوا أبداً ولن تَجْنوا الذي تَرْجُونَهُ، حُلْمَ الأبالسةِ السوائمْ إنَّ المساجدَ للذي خلقَ السما واتِ الْعُلا الجبَّارِ، خَلاَّقِ العوالِمْ إنَّ المساجِدَ من رياضِ الجَنَّة الْـ ـعَلياءِ في أفنائها تُبنَى المكارِمْ فيها رجالٌ يعبدونَ اللهَ لا الْـ أمواتَ، بينَ مُسَبِّحٍ منهم وصائمْ يا أيها الهِيمُ البغاةُ مَنِ الذي قد ساقَكمْ سَوْقَ المجانينِ البهائمْ؟ تَشكو المساجدُ ضِغْنَكمْ؛ وسُعارُكمْ حقداً يُصَبُّ بحِنكةِ العُلْجِ الأعاجمْ لا يجتني هذي المآثمَ مسلمٌ أبداً ولو شَذَّتْ به غُلُقُ المفاهِمْ فتدبروا القرآن: هل في آية نَدْبٌ إلى هدمِ العواصمِ بالقواصمْ؟ إلاَّ إذا كانت ضِراراً مُعْلَناً تدعو إلى كفرٍ بَوَاحِ القصدِ آثِمْ؟ * * * * * * * يا أيها الماضونَ في غَلْوائهم عودُوا إلى دينِ النبيِّ وآلِ هاشِمْ ما كان دَأْبُهُمُ الفسادَ وما جنتْ أيديهِمُ يوماً على حِلٍّ وحائمْ صلى عَلِيٌّ خلفَ صِدِّيقِ الهُدَى وعلى خُطَى الفاروقِ قد شدَّ العزائمْ ولِصاحبِ النُّورَيْنِ عاشَ مُسَدِّداً ما كان يصرفُهُ عن التسديدِ ناقمْ ما كان منكوساً ولا متأوِّلاً أو باطِنيّاً قَيْنَ طاغيةٍ وظالِمْ قَدْ عاشَ للإسلامِ غَيْرَ مُنازَعٍ ما كان جَبَّاراً ولا خِبّاً مُساوِمْ فَدَعُوا ادِّعاءَ طريقِهِ! ما كانَ مِنْ أهلِ الخَنا أبداً ولا عينَ المهاجِمْ

стр. 5578

وقفة لُغوية مع معنى «الكوثر» .. من معين إعجاز القرآن الكريم سامي محمد هشام حريز قال تعالى: ﴿إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] . الكوثر في اللغة: هو من الكثرة، وهو المفرط في الكثرة. قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بِمَ آبَ ابنك؟ قالت: آبَ بكوثر، أي: بالعدد الكثير. وهو كجوهر (الكثير من كل شيء) ، والكوثر: الرجل الخيّر المعطاء، كثير العطاء والخير وهو السخي الجيد. قال الكُمَيْت: وأنت كثيرٌ يا ابن مروان طيّبٌ وكان أبوك ابْن العقائل كَوْثَرا ويقال للغبار إذا سطع وكثر: كوثر (١) . وأمّا معنى «الكوثر» في هذه الآية: فهو خاصٌّ بالنبي ﷺ ، وقد ذكر له المفسرون ستة عشر قولاً أو أكثر، ولا يسع المقام في ذكرها هنا. والموقف الصحيح للاهتداء إلى مدلول هذا اللفظ القرآني أن نرجع إلى: ـ استعمال اللفظ في أصل اللغة. ـ وإلى المأثور عن النبي ﷺ . وبالنسبة لاستعمال اللغة: فهو ـ كما فهمنا ـ مشتق من الكثرة، فهو دالٌّ على الكثرة المبالغ فيها. وبالنسبة للمأثور دلّ على أن معنى «الكوثر» : نهر في الجنة. حيث إن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر وعَدنيه ربي في الجنة عليه خير كثير» (٢) . فلم يبينه الرسول ﷺ بالنهر فقط، بل نهر عليه خير كثير، فيكون المعنى: أعطيناك الخير الكثير، الزائد في الكثرة على العادة، ومن هذا الخير الكثير ما ادخرناه لك في الجنة، وهو نهر الكوثر. فالتفسير المأثور واللغة: تطابقا على أن المعنى: الخير الكثير. وهذا الفهم سبقنا إليه الصحابي ابن عباس ﵄ فعن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: «هو الخير الذي أعطاه الله إيّاه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإنّ الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنّة من الخير الذي أعطاه الله إياه» (٣) . وإذا أراد أحد أن يتتبع هذا الكوثر الذي أعطاه الله لنبيّه ﷺ فهو واجده حيثما نظر أو تصور، فمن ذلك: ١ ـ فضل الله عليه بالنبوة والرسالة. ٢ ـ فضل الله عليه بإظهار الإسلام. ٣ ـ فضل الله بالقرآن الذي أنزله عليه. ٤ ـ فضل الله عليه بما حصل على يديه من المعجزات. ٥ ـ فضل الله عليه بإجابته لدعوته. ٦ ـ نور القلب والحكمة التي آتاه الله إياها. ٧ ـ أولاده من أمته إلى يوم القيامة. ٨ ـ بقاء ذكره في الملأ الأعلى، الذي يصلي عليه، ويصلي على من يصلي عليه في الأرض؛ حيث يقترن اسمه باسم الله ـ تعالى ـ في الأرض والسماء. ٩ ـ سنته الممتدة على مدار القرون في أرجاء الأرض. ١٠ ـ وجوب شرعه؛ فدينه فريضة لا يخرج عنه إلا خاسر، وشرعه هو الصراط المستقيم، من تركه فإن له معيشة ضنكاً في الدنيا ويحشر يوم القيامة أعمى. ١١ ـ وما سوف يعطيه الله إياه في الآخرة ـ ممّا هو فوق علمنا ـ من المقام المحمود والشفاعة والوسيلة ... ١٢ ـ ومن جملة الكوثر: ما اختصه الله ـ تعالى ـ به من النهر في الجنّة، الذي طينته المسك، وآنيته عدد النجوم. وهذا النهر هو كوثر من الكوثر. إنه الكوثر الذي لا نهاية لفيضه ولا حَدّ لمدلوله، ممتد من الدنيا إلى الآخرة. فسبحان من اختار هذا اللفظ القرآني الْمُعجز في هذا الموضع الوحيد في القرآن العظيم!

стр. 5579

الأساس الإلحادي للمفاهيم الغربي ة د. أحمد إبراهيم خضر الإلحاد كما يقول (القرطبي) : هو التكذيب. وأصل الإلحاد في لغة العرب هو العدول عن القصد، والجوْر عنه والإعراض، ويستعمل للإشارة إلى كل معوج غير مستقيم، وقيل: إنه الكفر والشرك. والإلحاد نتيجة لازمة لحالة النفس التي استنفدت كل إمكانياتها الدينية، فلم يعد في وسعها أن تؤمن. والإلحاد في الغرب كما يقول (عبد الرحمن بدوي) يتجه مباشرة إلى «الله» وينكر الدين. وعلى هذا الأساس نجد أن المفاهيم الغربية: كالتنوير، والعقلانية، والنفعية، والعلمانية، والوضعية: التجريبية والمنطقية والإمبيريقية والبراجماتية والحداثة وما بعد الحداثة ... إلخ: كلها مفاهيم أساسها إلحادي، ومن ثم فهي غير محايدة. وهي شديدة التداخل بعضها مع بعض، وفدت إلينا من الغرب، وانفعل وتفاعل معها بعض باحثينا، رغم أنها جميعاً وبلا استثناء تصب في نهر واحد: هو معاداة الدين، ومحاولة فصل الأخلاق عنه. التنوير كما يصفه (عاطف أحمد) : هو مركز الحداثة الغربية، وهو مرحلة من مراحل الفكر الأوروبي تميزت بالتأكيد على الخبرة والعقل الإنساني، وظاهرياً ليس في ذلك شيء، لكنه ارتبط بعدم الثقة بالدين، وبسلطة التقاليد، ورفض الوصاية الدينية على الفكر وشؤون الحياة. وارتبط التنوير أيضاً بالنشأة التدريجية للأفكار التي تبنتها المجتمعات الغربية: كالليبرالية، والعلمانية، والديموقراطية. ينظر التنوير إلى الكائنات البشرية نظرة مادية، ويؤمن بقدرة الإنسان على تحقيق التقدم من خلال التعليم والبحث العلمي الهادف للسيطرة على الطبيعة؛ في الوقت الذي يُعلي من قيمة المنفعة في المجال الاجتماعي والأخلاقي. و «النفعية» هنا تقوم على مبدأ: أن اللذة أحسن وأفضل من الألم، والمنفعة هي السعادة الكبرى لأكبر عدد من الأفراد، والوصول بالسعادة إلى أقصى حد ممكن هو الهدف الأساسي والنهائي للجنس البشري، ولا يتم ذلك إلا عن طريق اللذة، فلا شيء مرغوب لذاته سوى اللذة، وليس هناك نوع من اللذة أفضل من الآخر. وترتبط النفعية «بالبراجماتية» وهي النظرية التي ترى الآثار الملموسة تجريبياً والمتضمنة في فكرة ما أو في قضية ما، هي التي تكوِّن معنى القضية، وتعتبر في نفس الوقت معياراً لصدقها. وتنظر «البراجماتية» إلى «المنفعة» على أنها المعيار الأساسي لكل قيمة. أما أساس الفكر التنويري كما يرى (غانم) هنا فهي المقولة المعروفة: «لا سلطان على العقل إلا العقل» . وقد شغلت قضية العقل الفلسفة الغربية لألفي سنة؛ مما أدى إلى التطرف في تأكيد مكانة العقل وسلطته في المجتمع البشري، وأعلت من قيمته ليقف في مواجهة الإيمان والسلطة الدينية والمسائل الروحية، ويرى (سمارت) في الموسوعة الفلسفية أن روح عصر التنوير العقلانية النقدية وجهت ضد الحقائق المنزلة في الكتب المقدسة، ويرى أيضاً: «أن أفضل استخدام للعقلانية على المستوى الديني سلبي تماماً، وأنها في نهاية المطاف حركة مضادة للدين ذات نظرة نفعية، لا تلقي بالاً للقيم الأخلاقية، وتعطي وزناً أكبر للمناقشات العلمية والتاريخية المضادة للإيمان. ومن هنا تحددت «العقلانية» على أنها مذهب فلسفي، يرى أن كل ما هو موجود مردود إلى مبادئ العقل. وتداولت المعاجم والدراسات هذه الصيغة العقلانية، وتكررت في مؤلفات مؤرخي الفكر في شتى اللغات، وأضحى مفهوم «التنوير» ملازماً لمفهوم «العقلانية» ؛ على أنها العمل بمبادئ العقل. سُمّي القرن الثامن عشر في فرنسا بـ (عصر التنوير) . واعتاد مؤرخو الفكر على أن يطلقوا لقب «فيلسوف» على كل من كتب بروح جديدة في هذا القرن، سواء أكانت كتاباته في التاريخ أو العلوم أو الدين أو القانون أو السياسة. وسُمّي هذا القرن أيضاً بـ «قرن الفلاسفة» كرديف لمن خالف الشائع، فترسخ معنى «العقلانية» على أنها بناء كل الإنتاج الذهني ممحوراً حول العقل وقدراته، وتحولت «العقلانية» لتعني الثقة الكلية بالعقل، والإيمان بقدرته ورفض ما عداه من سلطة بما فيها السلطة الدينية. هناك تطورات اقتصادية واجتماعية رافقها تقدم نوعي في مختلف العلوم مهدت لظهور العقلانية والتنوير، ودفعت من ثَم إلى قطيعة شبه كاملة مع الدين. وحين حدث الانقلاب الواضح في أسس وآلية المنهج العلمي، وحين استتبت التجربة والاستقراء كمنهج في علوم كثيرة: كالرياضيات، والهندسة، والميكانيكا، انتقل هذا المنهج بتأثير التحولات الاجتماعية إلى الميادين الأخرى، وأهمها الدين والأخلاق، وأضحى أداة اليقين والعلمية، فشاع بعد ذلك «أن كل معرفة يقينية لا بُدّ أن تستمد يقينها من الواقع ومن قابليتها للتعميم عليه، وليس الدين» . ومن هنا طالب المفكرون الغربيون بتأسيس الأخلاق على العقل وحده وليس الدين، مؤمنين باستحالة التوفيق بين الوحي والعقل، وبين الإيمان والعلم، وبَشَّر بعضهم بدين جديد أسماه «الدين الطبيعي» الذي لا يقوم على وحي ولا هو بحاجة إلى هرمية كهنوتية، ولا إلى عناية إلهية أو تناسق مسبق، بل على ما فطرت عليه طبيعة الإنسان ووهبته من أخلاق تمكنه من إقامة مجتمع تحكمه الأخوة والمساواة. وهناك بعض التعريفات التي تربط العقلانية «بالإمبيريقية» بصورة مباشرة، منها أن العقلانية هي كل تفكير، أو فعل واع منبثق من قواعد المنطق والمعرفة الإمبيريقية؛ حيث تترابط الأهداف ارتباطاً منطقياً، وتتحدد وسائل أكثر ملاءمة، وتعرَّف الإنبيريقية أو «التجريبية» : بأنها كل ما يقوم على الملاحظة والتجربة، ويُستخدم هذا المصطلح ليشير إلى الملاحظات والقضايا التي تعتمد أساساً على الخبرة الحسية، أو التي تشتق من الخبرات التي يتم التوصل إليها عن طريق «المنهج الاستقرائي» وهو العملية المنطقية التي تستنبط عن طريقها التعميمات من وقائع جزئية؛ أي الانتقال من الحكم والأمثلة الفردية إلى المبادئ العامة. وقد ذهب المفكرون الغربيون بـ «التجريبية» إلى جميع الحقول في العلم والمعرفة وحتى الدين، ثم إلى عمق ما يُسمّونه «بالوضعية» بحيث تكون الحواس والتجربة المصدر الوحيد لكل معرفة يقينية، مبقية للعقل القدرة على الربط بين معطيات الحواس وتذكرها، ويرون أن الأفكار تنشأ من هنا، ومن بين هذه الأفكار ما يطلقون عليه «فكرة الله» . ويرى مفكرو الغرب كذلك أنه لا وجود لقوانين أو معطيات قَبْلية سابقة على التجربة، والتكرار هو الذي يجعل المعرفة عادة، وعلى هذا الأساس لا يعترفون بكل المعطيات الدينية؛ لأنها تمثل معطيات سابقة على التجربة. وخلاصة ذلك: أنه لا حقائق معرفية في مجال الدين؛ لأن الحقائق الدينية في نظر مفكري الغرب هي موضوع إيمان وليست موضوع معرفة. وحسبنا هنا في بيان تعارض الإمبيريقية مع العقيدة ما اعترف به الباحثون العرب من أن الإمبيريقية تستند إلى ما يسود العلوم الاجتماعية من اتجاه علماني، ومن اهتمام بمسائل علمانية، ولأن «الإمبيريقية» تعتمد فقط على الأساليب الفنية؛ فإنها ترفض أي فكر، وترى بصراحة أن كل ما لا يخضع للتجريب فهو باطل. و «الوضعية» : فلسفة ظهرت على يد المفكر الفرنسي «أوجست كونت» الذي ولد في «مونبيليه» لأسرة تقليدية كاثوليكية فقد الإيمان وهو في السادسة عشرة من عمره، وتحول إلى شاب متحرر يقرأ لـ «فولتير» ، وسعى لإبعاد الله باسم الدين، وكان يقول إنه مستعد لتقدير الله تاريخياً بشرط الانتهاء منه ومن ذكره نهائياً. سَمّى الشيخ (مصطفي صبري) فلسفة كونت بـ «الفلسفة الإثباتية» ووصمها بالإلحاد. استغرق تأليف هذه الفلسفة من «كونت» اثني عشر عاماً، وخلاصتها: إحلال الروح العلمية محل الروح الدينية، وحل مشكلات الأخلاق والدين. رأى «كونت» أن فلسفته الوضعية لن تجعل هناك حاجة إلى الدين، كما حاول أن يصطنع أخلاقاً وضعية بعيدة كل البعد عن أي فكرة دينية، وخالية تماماً من أي مصدر إلهي. المطلق عند «كونت» لا وجود له في العالم، والمطلق الوحيد عنده هو أن كل شيء نسبي. والأديان عنده ولدت من الخزعبلات القديمة، وفي رأيه أن الدين يجب أن يبقى شكلاً، ولا بُدّ أن يتغير محتواه، ولهذا انشغل في أواخر عمره في صياغة دين عالمي بلا إله، أبقى فيه على الطقوس، وبدلاً من أن يتجه الناس إلى عبادة إله غير مرئي جعلهم يتجهون إلى الإنسانية لعبادتها، وأعلن نفسه البابا الأعلى للإنسانية. المرأة عند «كونت» هي الأجدر بالعبادة؛ لأنها محل لتحقيق أماني الصداقة والعشق. وتاريخ كونت الشخصي يكشف أنه أنه كان مصاباً بأمراض نفسية وعقلية، كما كان متزوجاً من بغي كان يقوم بالتستر عليها من الشرطة. كما يكشف تاريخه أيضاً أن فلسفته الوضعية هذه كانت ثمرة علاقته بامرأة سجين فرنسي أحبها، وكتب لها ما نصه: «لقد بدأت الوضعية الدينبة فعلاً في لقائنا الأول يوم الجمعة ١٦ مايو ١٨٤٥م» . والحقيقة هنا هي أن الفلسفة الوضعية ليست أصلاً من بنات أفكار «كونت» وإنما هي من أفكار أستاذه (سان سيمون) الذي تتلمذ على يديه ست سنوات. عرَّف (سان سيمون) الوضعية بأنها تطبيق المبادئ العلمية على جميع الظواهر الطبيعية والإنسانية وفهمها في ضوء هذه المبادئ فقط (لا الدين) ؛ فالدين عنده يمثل طفولة الإنسانية، أما العلم فهو إطار محقق وصادق من المعتقدات الراسخة التي تحل محل الدين، والعلوم الوضعية هي التي ستتصدى في نظره للنفوذ الرجعي للأديان. التفكير الغيبي عند (سان سيمون) تفكير مزيف يجبر العقول على الطاعة العمياء. وتكمن خطورة (سان سيمون) في اتصالاته القوية باليهود والماسونية؛ مما يوحي بالدور اليهودي والماسوني في إطلاق هذه االمفاهبم. ويقول «جي نورمانو» الأستاذ في جامعة هارفارد كاشفاً النقاب عن خطورة هذا الرجل: «كل العلوم الاجتماعية خصبتها كتابات (سان سيمون) : الاشتراكية من صنعه، وهو في نفس الوقت نبي الرأسمالية. أثر (سان سيمون) في الاقتصاد والفلسفة والتاريخ والدين وللسياسة، وهو الذي صاغ مسودة عصبة الأمم في عام ١٨١٤م، وهو فوق ذلك كله يعتبر قائداً للنخبة الجديدة من السياسيين والصحفيين ورجال التقنية والصناعة، وهو المتحدث الرسمي باسم الجيل الذي يحمل روح التحديث الثائرة. كان (سان سيمون) منذ طفولته ميالاً إلى التحرر من الدين الذي رأى فيه اختراعاً قامت به الإنسانية، وكان يرى أن الإنسان هو الذي اخترع الله مدفوعاً بدوافع مادية، وأن فكرة الله ناتجة عن دورة السائل العصبي في المخ. (تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً) (١) . أثرت الفلسفة الوضعية على الإسلام والمسلمين تأثيراً مدمراً؛ وقد انخدع بها بعض شيوخ الأزهر، ولم يعرفوا كنه حقيقتها. امتدحها الشيخ (فريد وجدي) ، وكانت وراء كتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) كما أنها كانت وراء أفكار (طنطاوي جوهري) ، ولا نعتقد أننا نجانب الصواب إذا قلنا إنها كانت أحد المعاول الرئيسة في القضاء على الخلافة الإسلامية بعد أن تبنتها جمعية (الاتحاد والترقي) في تركيا التي آمنت بمبدأ الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية وهي الدعامة التي تغلغلت بها الفلسفة الوضعية إلى الشرق. رحبت المحافل الماسونية، وخاصة محفل «سلانيك» بإيطاليا بجمعية (الاتحاد والترقي) وكانت جلسات هذه الجمعية تعقد في غرف هذه المحافل التي يستحيل على الجواسيس أن يصلوا إليها. أما «الوضعية المنطقية» كما يصفها (محمد المياري) فقد تطورت من وضعية كُوِّنت وتأسست على يد جماعة تسمى بـ «جماعة فيينا» . وما يهمنا من هذه الفلسفة هو عداؤها للدين الذي بنطوي تحت محاربتها للميتافيزيقا؛ فهي ترفض لغة الميتافيزيقا، وتصفها بأنها لغة زائفة، يمكن تكذيبها، ولا تخرج عن كونها مجرد لغو، وتشكل أشباه قضايا، وليست قضايا، كما ترى أن الخبرة الحسية هي المجال الوحيد الذي يمكن أن تبحث فيه أي قضية والذي يمكن للإنسان أن ينهل منه أحكامه العملية، وما لا يرتد إلى الخبرة الحسية عند هذه الوضعية لا معنى له. أما «العلمانية» فلا تحتاج إلى كثير بيان؛ إنها كما شرحها (شريف يونس) : ذلك المبدأ الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة وعن التعليم العام، وتحويل الدين إلى شأن خاص بالفرد، وكفالة حق الأفراد في تغيير عقائدهم كيفما شاؤوا. وتنطلق «العلمانية» من رؤية إنسانية غير دينية للعالم تحرر الفرد من الخضوع لما هو غيبي ومطلق. ويرى (محمد الحارثي) : أن مفهوم فصل الدين عن السياسة هو المفهوم السائد للعلمانية عند العرب. إلا أنه يوضح أن العلمانية الآن تحاول أن تظهر أنها ليست منكرة لوجود مسلَّمات دينية بمعناها الشمولي. ويوضح (الحارثي) كذلك: أن الخطاب العلماني في منطقتنا العربية مساير للخطاب السياسي، وهو خطاب موجه في أساسه إلى عقلنة المجتمع فكرياً، واجتماعياً، وسياسياً. وكان هذا من أبرز الأسباب التي أدت إلى إثارة الخطاب الديني وحوَّلته إلى خطاب تصادمي مع الخطاب العلماني في المنطقة العربية، وخاصة أن العلمانيين كانوا قد اتجهوا إلى وسيلة ما يسمى بـ «بنقد التراث من داخله» بقصد تفعيله في تجديد الفكر العربي، كما انصب على ما يُسَمّى «بفقه الواقع» من تلك المواد التراثية وعدم استصحاب «فقه النص» بل كانوا يحاكمون فقه النص. كما كانوا يقابلون بين الواقع بكل مدخلاته المحلية والخارجبة وبين التراث والنص اليقيني بصفة خاصة، تمهيداً لما يُسَمّى «بأنسنة الدين» ؛ أي اعتباره إنسانياً منقطع الصلة بالله، وعد التراث جميعه المقدس، وغير المقدس منتجَ الخبرة الإنسانية. أما «الحداثة» فمن أبرز صفاتها عدم القدرة على تعريفها، حتى إن الحداثيين أنفسهم أخفقوا في تحديد مفهوم دقيق لها، وعرَّفوا الحداثة بعد الجهد بالحداثة. ظهر المفهوم أولاً مرتبطاً بفن العمارة في عام ١٩٤٥م؛ حيث كانت تعني الخروج على كل ما هو نمطي ومألوف برؤية ثورية تعيد صياغة العمارة؛ باعتبارها نشاطاً فنياً وإنسانياً، يتمتع بحرية تامة، ولا تحده قيود. ثم امتد المفهوم كغيره من المفاهيم إلى ميادين الحياة الأخرى، فأعيد تعريفه ليعني: وجهة نظر خاصة تدور حول إمكانات الحياة الاجتماعية البشرية، تجد جذورها في التنوير، وتتأسس على الإيمان بالتفكير العقلاني، ومن ثم تنظر إلى الحقيقة والجمال والأخلاق كحقائق موضوعية يمكن اكتشافها ومعرفتها وفهمها من خلال التفكير العقلاني والوسائل العلمية، وليس عن طريق الدين. المجالات الثقافية المختلفة من المنظور الحداثي تتمايز ويستقل بعضها عن بعض استقلالاً تاماً؛ بحيث ينفصل كل مجال عن غيره، ويضع لنفسه معاييره حسب طبيعته ذاتها، وليس من أي شيء خارجها؛ بحيث يكون هناك تمايز واضح بين الثقافة العلمانية والثقافة الدينية. وهذا يعني أنه لا ارتباط بين الدين من ناحية، والتعليم أو الفن أو السياسة أو الاقتصاد من ناحية أخرى، فلا يستطيع الدين أن يفرض معاييره على الفن أو السياسة أو الاقتصاد. وتؤكد الحداثة هنا على الأخلاق بصفة خاصة، وترى أنه لا يجب أن تستند إلى الدين وألا بفرض الدين معاييره عليها؛ لأنها من المنظور الحداثي تقوم على قوانين الطبيعة أو العقل. ومن ناحية أخرى تعرِّف «الموسوعة البريطانية» الحداثة بأنها: حركة ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، تدعو إلى إعادة تفسير التعاليم الكاثوليكية التقليدية في ضوء النظريات التاريخية والفلسفية والنفسية، وتدعو إلى حرية الضمير، وترى أن العهدين القديم والجديد مقيدان بزمانهما، وأن هناك تطوراً في تاريخ الديانة الإنجيلية. تبنّى المثقفون العرب هذا المفهوم للحداثة، واعترف بعضهم بعدم فصل الحداثة العربية عن الحداثة الغربية، ونظروا إلى الحداثة على أنها وحدة متجانسة مشعة عالمياً من الغرب، ولهذا حاولوا إسقاط الفهم الغربي للحداثة على الإسلام والقرآن؛ فقاموا بتفسير الإسلام في ضوء النظريات التاريخية والفلسفية والاجتماعية التي تقوم أصلاً على أساس إلحادي فوقي للدين، كما نظروا إلى الإسلام والقرآن على أنهما مقيدان بفترة تاريخية معينة لا تمتد إلى غيرها، وقام العديد منهم بإحداث ما يُسَمّىه بـ «الإصلاح والتجديد» في الإسلام وفق هذه النظريات، مطلِقاً لنفسه حرية التفسير دون أدنى التزام بأي ثوابت عقدية. وتعبر «الموسوعة الأمريكية» عن هذا الموقف العدائي للحداثة من الدين بصورة أشد وضوحاً فتقول: «إن الحداثة نظرة تقوم على الاقتناع بأن العلم والتقدم العلمي الحديث يتطلب إعادة تقويم أساسي للعقائد التقليدية» ، ومن ثم لا ينظر إلى الدين على أنه صياغة دقيقة لسلطة جديرة باعتماد وقبول الحقائق المنزلة من الله، وإنما ينظر إليه على أنه مقولات لمشاعر وخبرات دينية عاشها بعض الرجال عبر حقبة تاريخية معينة، وعلى هذا الأساس تكون الحقائق الدينية عرضة لعملية تطوير مستمر كجزء من الخبرة المتقدمة للجنس البشري. وتستلزم هذه العملية إدخال مفاهيم عديدة وجديدة كشيء ضروري للتعبير عن الفكر والتقدم الحديث؛ فالوحي مثلاً في مفهوم الحداثة مجرد خبرة حسية لمجموعة حقائق عن الله أكثر منها موضع اتصال لحقيقة شاملة من الله. أما موسوعة «نيو كولومبيا» فهي ترى أن الله ـ تعالى ـ في «مفهوم الحداثة» ليس فوق الوجود المادي. ويقرّ (جون ديوي) في «الموسوعة الأكاديمية الأمريكية» بأن مصطلح «الحداثة» في العصر الحديث استخدم لنقد الدين بصفة عامة. وبمعنى آخر: تميل إلى الفرار مما يسمى «بالدوجما» ، وتفتح المجال للعقل للتمحيص والوصول إلى اليقين. كما تنطوي الحداثة على فكرة «نسبية المعرفة» ، وترفض النظرة التي ترى أن العلم يقوم على أساس صلب من الحقائق المتيقنة التي يمكن للحواس ملاحظتها. ومن أبرز المثقفين العرب الأحياء الذين تبنوا هذه النظرة للحداثة (حسن حنفي) أستاذ الفلسفة الإسلامية. انعكس هذا التأثير على العديد من الأفكار التي تُخرج من يعتقدها ـ وهو يعلم ويقصد ـ من دائرة الإسلام. دعا «حنفي» إلى إخضاع القرآن للنقد وللمنهج النقدي مثلما فعل (أسبينوزا) مع التوراة والإنجيل، ورفض تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] بأنه حفظ للنص، معلقاً بأن هذا التفسير «نظرة لاهوتية صرفة تهرب من النقد، وتلجأ إلى السلطة الإلهية» . الله عند (حسن حنفي) وظيفة وليس رباً، الله هو التقدم، والصلاة والصيام ليست عبادات معقولة، الإيمان التقليدي بالله وملائكته وكتبه ورسله هو إيمان ميت، الإيمان الحقيقي عنده هو الإيمان بالتقدم ومصلحة الشعوب. «الدين» عند (حنفي) هو العمل وليس الاعتقاد، الشك في العقيدة ليس بخطيئة؛ لأن الدين في رأيه مرض نفسي، واهتزاز شعوري، وارتجاج في المخ، وهوس واضطراب، ولهذا يجب تحويله الى إيديولوجية (١) . ويرى (محمد الحارثي) في تحليله الدقيق لتأثير الحداثة الغربية على الخطاب الحداثي العربي، أن (طه حسين) هو المؤسس الحقيقي للخطاب الحداثي العربي وواضع منطلقانه الفكرية؛ نظراً لرؤيته الشمولية لقضايا التحديث في العالم العربي، ولروحه العلمية الناقدة وقدرته على التحاور، واعتداده بالذهنية في المنهج العلمي، ولطرحه الصريح لآرائه التي رأى أنها إصلاحية والتي لا تقلّ جرأة عن آراء «قاسم أمين» وكذلك لأثره على من أتوا بعده، ولهذا يراه (الحارثي) صوتاً مفرداً في مجموعة أصوات من النخبة. أما العناصر الواضحة في أصول الخطاب الحداثي العربي عند (طه حسين) فهي: التشكيك في المقدس، والتشويش عليه، والدعوة إلى التحول من فكر قديم إلى فكر حديث يحكمه شرط المعاصرة، يقوم على نشاط العقل العملي، ويعتمد البرهان؛ مما يسهم في قطع الوشائج بين العلم والدين إذا أريد للعلم أن ينجح، وإعادة قراءة النص الديني من خلال معطيات العصر؛ من حيث مواجهة النص الديني بالواقع. كان (طه حسين) يقول نفس ما قاله الغربيون من أن الإسلام كان متأثراً بالتوراة والإنجيل، فاتّهم القرآن بأنه قد تعمد طمس ذكر الأديان السابقة. ورأى أن القصص القرآني يحتمل أكثر من فهم، وأكثر من توجيه قرائي. ورأى كذلك أن العرب ليست لديهم القدرة على الابتكار، وأن غير العرب هم الأقدر على صنع المدنية. وأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا يصلحان أساساً للوحدة السياسية، ولا قواماً لتكوين الدول. وأن نظام الحكم، وقيام الدول وتكوينها يقومان على المنافع العملية قبل أي شيء آخر، وعلى هذا الأساس يكون الدين شيء والسياسة شيء آخر، وهذا هو ما تقوم عليه الحياة الحديثة في أوروبا. كان (طه حسين) كما يقول (الحارثي) يعتد بالصوت الأحادي، ويصادر ما عداه، ويطرح كل قيمة ثابتة. من هنا اكتسب مفهوم «الحداثة» شكلاً جديداً غير ذلك الذي كان عند القدماء الذين نظروا إليها على أنها «التجديد» بمعنى «تنبيه الناس لما غفلوا عنه من أمور دينهم» كما جاء في الحديث: «يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد على الناس أمر دينهم» . حوَّل (طه حسين) مفهوم «الحداثة» ليصبح «البحث عن طرائق التحول من معرفة إلى معرفة، ومن مدنية إلى أخرى» . ويذكر (محمد قطب) أن (طه حسين) لم يتخلَّ عن آرائه هذه حتى عام واحد قبل وفاته. حين نقل الباحثون العرب مفهوم الحداثة الغربي إلى المنطقة العربية لم يفرغوه من مضامينه الأيديولوجية المتمثلة في فلسفة التنوير الفرنسية التي كانت ترى «أن الهدم هو طريق البناء، وأن هذا الهدم ينبغي أن يبدأ من رفض المقدس أياً كان مصدره، وتمجيد الحقيقة العلمية» ولهذا كانوا يروِّجون لمضامين مسّت المسلَّمات، وهزت الخصوصيات اليقينية، وتستَّر بعض منهم وراء الأدب والشعر والنثر لزعزعة اليقيني في الذاكرة العربية، وتحويل الذائقة العربية عن تراكماتها الحسية التي تأصلت منذ أكثر من خمسة عشر قرناً؛ فاعتبر بعضهم ـ كما يقول الحارثي ـ الكتابة القرآنية نصاً لغوياً خارجاً من كل بُعْد ديني، ويجب أن يُقرأ كما يُقرأ أي نص أدبي، وحاولوا إعادة الخطاب الشعري العربي؛ بحيث يتمرد على الماثل من القيم عن طريق الخروج على ضوابط البيان العربي وقوانين اللغة المعيارية في نحوها، وصرفها، وبلاغتها، ثم تُستغل في تعضيد دعاوى التغيير في نمط التفكير، وفي أصول المرجعية العربية. أصبحت «الحداثة» وفقاً لهذه الغايات رفضاً صريحاً للقديم، وانقطاعاً عنه؛ فكل قيمة تراثية دينية وغير دينية، لغوية وإيقاعية ومعرفية، وأدبية لا بُدّ من رفضها، للوصول إلى التغيير في الفكر وفي الحياة، وهو تغيير لا يقتصر على هدم تقاليد الأدب العربي، واستنبات تقاليد جديدة، ولكنه دعوة إلى تغيير شمولي في مناشط الحياة جميعها وفقاً لمبدأ «الهدم طريق البناء» . أما «ما بعد الحداثة» التي وصفها منتقدوها كما يقول (السيد إبراهيم) : بأنها هَوَس عارض، أو اختراع خلاَّب اخترعه أهل الفكر بحثاً عن خطاب جديد يُكسبهم امتيازاً ثقافياً؛ فهي كما عبر عنها (عاطف أحمد) نقلاً عن «وبستمر سيدمان» : اتجاه فكري يرفض الحداثة، كما يرفض النظريات والأنساق التفسيرية الكبرى (ويدخل الإسلام تحت هذه الأنساق بالطبع) التي تحاول تفسير كل الظواهر، وتتنبأ بالمستقبل الإنساني وتصنعه، وتعتبر أن ذلك هو الذي يحقق التحرر والتقدم. وتمارس (ما بعد الحداثة) تفكيرها ـ مثلها مثل الوضعية المنطقية ـ عبر نطاق اللغة؛ على اعتبار أن اللغة هي كل شيء، وهي لا تنظر إلى الظواهر على أنها قائمة في الواقع وإنما تبحث في الصياغات اللغوية ذاتها المتعلقة بالواقع الذي لا يتجاوز نطاقها. وتشرح (خالدة تسكام) هذه الجزئية بقولها: إنه ينظر إلى مفهوم اللغة التقليدي على أنه أسطورة تنطوي بداخلها على شيء غامض، هذا العنصر الغامض في اللغة هو العنصر الميتافيزيقي. وبصورة أوضح: إذا طبقنا ذلك على ثقافتنا العربية؛ فإن ما تريد «تسكام» أن تقوله صراحة هو: تحرير اللغة العربية من الأسطورة الميتافيزيقية، وبعدها يتم إزالة هذه الأسطورة تماماً؛ أي: الدين، ومن هنا نجد تفسيراً لكل محاولات الباحثين العرب في مهاجمة اللغة العربية ومحاولة الوثوب على قواعد الصرف والنحو والبيان العربي أملاً في تحريرها من الدين الذي يستبدلونه بمصطلح الأيديولوجية. وينفي اتجاه (ما بعد الحداثة) وجود معانٍ أو حقائق معينة، يعمل التفكير على اكتشافها، بل ترى أن ما نتعامل معه على أنه حقائق ومعانٍ إنما يتمثل في الطريقة التي نفكر فيها، والتي هي دائمة التغير والاختلاف. ويحتفي هذا الاتجاه احتفاءً خاصاً بالاختلاف وبالجزئي، وما هو يومي، وبالرغبة والجسد، والممارسات الحسية عموماً، وبالصور المباشرة والحضور المباشر للأشياء الذي ينطوي على غياب أية حقائق وراءها. ويرفض اتجاه ما بعد الحداثة القول بوجود أساس أولي وثابت لا يقبل النقض يرتكز عليه الفكر. وقد عبر عن ذلك «نيتشه» في مقولته المشهورة: «موت الحقيقة المطلقة» أو «أن الله قد مات» تعالى الله عما يقولون. شرح الباحثون هذه المقولة بقولهم: «إنها مجاز، أريدَ به أنه قد ضاع الأساس الذي يضمن لأي مقولة أن تكون مبنية على الحق، ولا يوجد أساس يمكن أن يقال به: هذا خطأ، وهذا صواب» . ويُعتبر (جاك دريدا) أبرز فلاسفة (ما بعد الحداثة) المعاصرين، وقد رحل عن هذه الدنيا منذ بضعة أيام، وهو من أكثر الفلاسفة المعاصرين تأثيراً على الباحثين العرب. ويُسمّى بفيلسوف التفكيك أو التقويض. وخلاصة فلسفته التي قام الباحثون العرب بتطبيقها على النصوص القرآنية هي: (لا حدود فاصلة بين النص والتفسير) مما يعني تقويض مرجعية صاحب النص من جذورها، بمعنى أن صاحب النص لا يستطيع أن يفرض على النصوص المعاني التي يريدها؛ فالعقل يجدد النصوص على نحو دائم، والنصوص ليست إنتاج أصحابها وحدهم؛ فهي تتقاطع مع نصوص أخرى لها هيمنة عليها على أنحاء لا يمكن أن نميط عنها اللثام، والتفكيك هنا هو استراتيجية من شأنها أن تثير أسئلة لا تهدأ حول النصوص، ومهمتها إنكار أن أي نص له وجود ثابت ومستقر. وقد وضعت «تسكام» في ترجمتها لما قاله «رافيندران» عن «دريدا» ولما شرحه (السيد إبراهيم) عن فلسفة «دريدا» النقط فوق الحروف بإعلان البُعد الإلحادي لهذه الفلسفة. تقول (تسكام) : تعريف التفكيك بأنه رفض لأولوية الروح وسلطة الوسيط، وأنه تحدًّ لما هو أخلاقي؛ إنه الانغمار في الحياة الدنيوية، إنه يعني اختفاء الرب ... الحقيقة فَبْركة وخداع كبير ... التفكيك يمتد إلى كتبنا المقدسة، لا يعترف بشيء اسمه كتاب ... شرع (دريدا) في إطاحة الأديان عن عروشها في ممالك مثلت فيها حصانات، وفرت الحماية للمفاهيم الميتافيزيقية.. ينبغي تحرير الذهن من الضغوط والضوابط التي فرضت باسم الرب أو الأديان ... » . ولبيان تأثير (دريدا) على الباحثين العرب، ومن ثم هجومهم الشرس على الدين ننقل هنا فقرة واحدة لـ (محمد شقرون) يقول فيها: «إن ضرورة تفكيك الدين من أجل التحرير الضروري لمجال الفكر؛ وذلك لإنتاج تأويل علمي عن الاجتماعي لم تطرح بصراحة وبجرأة في الوطن العربي كضرورة واضحة لممارسة العلم بصفة عامة» . هذه هي أبرز المفاهيم التي يتغنى بها ثلة من المثقفين العرب في أيامنا هذه، وهذا بيان للأساس الإلحادي الصارخ فيها، وبيان كذلك لمدى وحجم تأثيرها على هؤلاء الصنف من المثقفين، ودَوْرهم في هدم المسَلّمات العقدية وما يرتبط بها عند المسلمين.

стр. 5580

والت ديزني.. والجانب الطفولي في الحرب الإعلامي جمال الحوشبي أخذت أقلب عدداً من البطاقات الجذابة الصغيرة ذات الصور الملونة التي قامت شركة ديزني بطرحها مؤخراً لاجتذاب الأطفال؛ ترويجاً لعدد من أفلامها الكرتونية المدبلجة. ولسابق معرفتي بهوية هذه الشركة وتاريخها الطويل في استفزاز المسلمين؛ من خلال أفلامها ومعارضها ومهرجاناتها التي يغلب على طابعها الهوية الصهيونية، رجعت إلى مشروع بحث موضوعي قديم قمت بإعداده ثم توقفت عنه لانشغالي بغيره. بدأت فكرة المشروع الأولى في أعقاب مشاهدة مباشرة لفيلم من أفلام ديزني المدبلجة، قرأت من خلاله رسالة واضحة ربما خفيت على بعض المشاهدين، ولقد كانت مشاهدة موضوعية هدفت منها إلى الخروج بنتائج موضوعية ـ كذلك ـ تحدد الإطار العام للعقلية التي تقف خلف هذه الأفلام، والرسالة التي تحرص إدارة الشركة على إيصالها للمشاهد بالأسلوب الذي تراه مناسباً بحسب الظرف والمرحلة. وحتى تحكم على عملٍ ما فإنه يجب عليك ألا تقف عند حدود الانبهار بتفاصيله الكثيرة المشوِّقة.. فقط اخرج من دائرة الحدث، وتجرد عن مغريات الإثارة، ثم انظر من بُعد للعمل كله مع اصطحاب عدسة مكبرة لترى تفاصيل بعينها تقودك إلى الحقيقة. وإليكم هذا المثال من خلال عرض لذلك الفيلم الموجه بأهدافه الصهيونية، والذي تتصدر الدعاية له تلك البطاقات الملونة التي تتداولها تلك الأيدي البريئة في مدارسنا ومنتدياتنا العامة. - (حياة حشرة) .. وملحمة صراع النمل مع الأشرار!! قرية مسالمة من النمل تعيش بسلام حياة الجد والنشاط، وتدير أمورها الخاصة بـ (ديمقراطية) واحترام، وانسجام وتعاون، تظللها شجرة سَرْو كبيرة على ضفاف الوادي السحيق المحيط بها فوق ربوة عالية، وتُحْدِق بها الخيرات من كل مكان. شيء واحد يقلق هذه القرية المسالمة.. إنه سرب من الجراد الأشرار الهمجيون القادمون من الصحراء القريبة، أولئك الذين لا يعرفون معنى للديمقراطية، فقائدهم ديكتاتوري عنيف، يطبل إعلامه من حوله ـ جرادة خرقاء تهذر كثيراً ـ ممجداً لكل قرار صائب يتخذه ذلك القائد. أما بقية السرب الذين يقودهم فهم حشرات بُلْهٌ يسيرون خلفه، وهم ـ بحسب الفيلم ـ لا يملكون دفعاً ولا رفعاً، ولا يهمهم سوى شهواتهم التي يحصّلونها من جراء السير خلف الزعيم والتسبيح بحمده، وتأييده في أعقاب كل قرار يتخذه. إنهم جميعاً زمرة جراد متوحشين يُغيرون على جيرانهم ـ المسالمين ـ.. ينهبون خيراتهم، ويرعبون صغارهم، ويتربصون بهم الدوائر كلما سنحت لهم الفرصة أيام الحصاد. ولما لم تجد القرية ملاذاً من هذا الخطر المحدق قررت الاستسلام ـ لفرط ضعفها، ورغبتها في الأمن والسلام ـ واختارت دفع الإتاوات الظالمة لزعيم الجراد، وآلت على نفسها أن تحرم نفسها من الخيرات الكثيرة التي تقوم بجمعها بدلاً من المواجهة الخاسرة مع أولئك الأشرار. لكن مغامراً من بينها قرر السفر إلى الغرب باتجاه الحضارة والمدنية ليستعين بأفراد منها لقمع هؤلاء ـ الجيران ـ المعتدين. وتحت أضواء المدينة.. بمزيجها الاجتماعي وشوارعها المكتظة، وعماراتها الشاهقة ووهج النيون والملاهي الليلية؛ يتعرف ذلك الفدائي الصغير على الفريق المنقذ، ويتفق معه على مساعدة بني قومه من الهلاك، وحمايتهم من جيرانهم المعتدين. غير أن الطريف في الفيلم يكمن في تصوير فرقة الإنقاذ تلك بمجموعة من المهرجين الفاشلين، وبالفعل تتوجه الفرقة على متن طائرة خاصة ـ حشرة خنفساء كبيرة ـ إلى قرية النمل، وتبدأ باستعراض قوتها الجوفاء، والتخطيط للقضاء على الأعداء. لقد كان ذلك المغامر فدائياً حقاً فقد أقنع أعضاء الفرقة بالصمود بعد أن كانوا متخوفين من مواجهة ذلك الجراد المتوحش، واستطاع أن يبتكر حيلة لإخافة أولئك المخربين وطردهم، ولكن الحيلة ظهرت، والمخططات انكشفت، ليأتي بعدها دور منقذ حقيقي آخر استطاع تفريق الجراد، والقضاء على زعيمهم. ووسط حفاوة بالغة يتم توديع فريق الإنقاذ، وتظهر الدنيا في ختام الفيلم ـ كالعادة ـ بمظهر محبب، فالربيع يعود لنضارته، والزهور تتفتح من جديد، وتشرق الشمس بعد القضاء على أولئك الأشرار. هذه القصة الرمزية باختصار هي مادة فيلم الرسوم المتحركة (حياة حشرة) الذي قامت بإنتاجه والت ديزني، ولو أن شركة أخرى سواها أخرجته لم يكن هناك مسوِّغ لتكلف البحث وتدقيق النظر في الرسالة التي يعرضها الفيلم خارج إطار التسلية والترفيه، غير أن استبدال هذه الرموز في الفيلم بما يقابلها في العقلية اليهودية، متصلاً بالواقع المحيط بدولة (إسرائيل) يحدد معالم الصورة الكاملة، فقرية النمل اختيرت بعناية ودقة متناهية لتمثل دولة (إسرائيل) بديمقراطيتها المزعومة، وكفاحها، وحبها للسلام، ورغبتها في الأمن. أما ذلك السرب الهمجي من جراد الصحراء الأشرار فتصوير للعرب المحيطين بها. وتظهر نفسية اليهود وغطرستهم وتعاليهم حتى مع من يقدم لهم يد العون في تصوير المنقذ الغربي بفريق من المهرجين المخفقين الحمقى الذين لم يعد دورهم في مواجهة العرب دور الفزاعة التي تخيف الغربان في حقل الذرة الكبير، إلى أن ظهر الحليف الاستراتيجي الجديد بقوة على مسرح الأحداث. بهذه النظرة الكلية يمكننا رسم الإطار العام للفيلم، وإذا خضنا في تفاصيله الدقيقة فالمجال واسع، والآراء تتباين، والحديث عنه أكثر اتساعاً، فلربما كانت تلك العجوز الشمطاء الحكيمة في قرية النمل رمزاً لدور امرأة حقيقية في تاريخ اليهود على غرار «جولدا مائير» ، ولربما كان قائد الجراد الأشرار رمزاً لأحد رموز النكسة العربية من الثوريين العرب الذين يمتلئ بهم تاريخ الصراع قديماً وحديثاً، مع اعتقادي أن الفيلم أهمل نوعاً آخر من الجراد هو ذلك الجراد المهجن الذي انضم إلى فرقة الإنقاذ مؤخراً بعد أن أخذ على عاتقه حماية قرية النمل تلك من إرهاب أبناء جنسه!! أما ذلك الشاب المخترع في الفيلم الذي أنقذ بني قومه؛ فشخصية حقيقية في تاريخ اليهود يُكِنُّ لها الصهاينة اليوم الإعجاب والتقدير ـ كما سيأتي ـ. وهكذا يتم استبدال الرموز واحداً تلو الآخر وفق دراسة دقيقة، بأسلوب ماكر، وبتوجيه غير مباشر لتكتمل معه الرسالة المطلوبة. ويكفي أن يدرك المشاهد الصغير ـ في هذه المرحلة ـ أن هناك قرية مسالمة تتعرض للاضطهاد والظلم والاعتداء من قِبَل جيرانها الأشرار، أياً كانت هذه القرية، ومهما كانت هوية أولئك الأشرار سواء أكانوا جراداً صحراوياً كما تُصورهم ديزني لمشاهديها الصغار، أو كانوا عرباً مسلمين إرهابيين كما تُصورهم لمشاهديها الكبار. إنه غزو حديث ومطوّر هذه المرة، وحملة إعلامية جديدة تكمن الخطورة فيها من خلال جهلنا برسالتها الحقيقية الغامضة؛ وفي أننا نقتنيها بأموالنا، ونحتفي بها في أسواقنا لنفسد بها عقول أبنائنا وبناتنا!! ومسلسل الصراع الدامي بيننا وبين اليهود قديم قِدم التاريخ، ومتجدد تجدد المستقبل، فأمة اليهود أمة ملعونة في القرآن، ناقضة للعهود، ولا تعرف للسلم معنى، وتسعى في الأرض فساداً. كما أنهم ـ كعادة الشعوب المستضعفة إذا تمكنت ـ لا يعرفون للرحمة معنى في تعاملهم مع من هم أقل منهم قوة وعتاداً، ويرتفع رصيد التأييد لقادتهم بدرجة الغطرسة والقهر والمجازر التي يسوم المستضعفين بها، والوعود الآثمة بسلب الحقوق، ونقض العهود، والقضاء على الشعب الأعزل. وما يحدث على أرض فلسطين المسلمة خير شاهد على ذلك؛ حتى أولئك الذين يسارعون فيهم خوفاً وطمعاً، ويقدمون لهم الولاء، ويعلنون أنهم الحريصون على أمنهم واستقرارهم؛ لم يسلموا من التحرش ومن البطش والنكال. هكذا إذن بدت التفاصيل أمامي وأنا أستعرض هذا الفيلم الذي اشتراه أحد الزملاء، ورغبت في تقييمه قبل أن يتوجه به إلى المنزل ويقرر عرضه على طفله الصغير. ولربما كانت (عقدة المؤامرة) هي المخرج الذي يَسِمُ به البعض هذه الاستنتاجات الواعية وأمثالها، والتي تتولى الربط بين حقيقة المواجهة مع العدو والمنتجات الإعلامية والثقافية والفكرية التي يقدمها، والسبب كامن في النظرة السطحية الشفافة التي ينظر هؤلاء من خلالها إلى ما يُقدم إليهم بغضِّ النظر عن هويته وأهدافه. ولم أشأ أن أسترسل في مشاهدة بقية أفلام الأطفال التي أصدرتها هذه الشركة لإثبات هويتها اليهودية، وكشف الرسالة الصهيونية التي تحملها؛ لعلمي بمدى الحاجة إلى عمل مؤسسي إعلامي فاعل يُعنى بمثل هذه الدراسات الناقدة، ويتولى مهمة كشفها، والرد المناسب عليها، كما يسعى إلى الحد من تداولها، وتوجيه المسلمين لمقاطعتها؛ حفاظاً على عقول الناشئة، وصيانة لمناهج التربية في عالمنا الإسلامي. تلك كانت القناعة الأولى قبل أشهر من اطلاعي على دعاية أخرى بثتها شركة والت ديزني باللغة العربية، في هذا الإعلان ذكرت الشركة عزمها على توزيع كميات كبيرة من النسخ المجانية في مصر لفيلمها الكرتوني المدبلج الجديد (الديناصور) ، والعديد من الأفلام الأخرى، إضافة إلى تقديم عروض مجانية لهذا الفيلم في السينما المصرية خاصة. ولعلمي بهوية الشركة تساءلت حينها: لماذا هذا الفيلم خصوصاً؟ ولماذا تم اختيار هذا القطر العزيز على قلوب المسلمين خاصة؟ حتى توافر لي ـ بعد الطلب ـ نسخة من الفيلم، ومعه كانت التجربة الموضوعية الثانية. - (الديناصور) .. وقصة الخروج إلى أرض الميعاد!! يعد فيلم الديناصور عملاً فنياً متقن الإخراج، يتجلى فيه مزيج من التشويق والإثارة من خلال شخصياته المتعددة ـ المحببة إلى الأطفال ـ بالإضافة لجودة الإخراج والتصميم الذي اعتمد تقنية ثلاثية الأبعاد هذه المرة (١) ، غير أن هدفه الجوهري الغامض، ورسالته التي يسعى إلى إيصالها كانا أكثر إتقاناً وأشد إثارة، وفي سبيل تعزيز رسالة الفيلم حرصت إدارة الشركة على التمهيد بمقدمة موجزة مقارنة بفيلم (حياة حشرة) الذي أدخل المشاهد مباشرة في قرية النمل. وهذه المقدمة في هذا الفيلم مهمة جداً نظراً للرسالة بالغة الأهمية التي يحملها، والتي تتطلب هذا القدر من التوضيح لمتوسطي الفهم من المشاهدين. وليس غريباً أن تنص هذه المقدمة على عبارة دقيقة غامضة تقول: (إن هناك أشياء تبتدئ كبيرة، وهناك أشياء تبتدئ صغيرة. ولكن أحياناً تكون هذه الأشياء الصغيرة هي التي تعمل أكبر تغيير في حياتها) ! فما هذه الأشياء التي بدأت صغيرة والتي عملت تغييراً كبيراً في حياتها؟ قد لا نملك الجواب بسرعة، ولكنا لن نتردد في الإشارة إلى تجربة (إسرائيل) دولة اليهود على أرض فلسطين المسلمة، من خلال سرد أحداث الفيلم، ومن خلال خاتمته الموجزة ـ كذلك ـ التي تقول: «لا أحد منا يعرف نوع التغيير الذي سيحدث في المستقبل، لكن هناك شيء مؤكد.. وهو أن رحلتنا لم تنته..» . نعم! إنها رحلة طويلة من صراع طويل لن ينتهي إلا على ضفتي نهر الأردن في الملحمة الكبرى الفاصلة مع المسلمين! لكن لنعد لقصة الفيلم منذ البداية: تبدأ أحداث الفيلم بإيحاءات العهد القديم الموغل في القدم ـ يبدو ذلك من آثار الجداريات والأحافير التي يتم عرضها بسرعة ـ وفجأة يبدأ ذلك العهد بالظهور والحركة لينشق عن منظر وحيد؛ إنه منظر لمجموعة من البَيْض تحوطه بالعناية أمٌّ رؤوم تحوم حوله وتخاف عليه وترعاه. ينتقل المشهد لمنظر علوي رائع لأرض نهر كبير بأشجارها الكثيفة الرائعة وجبالها المزدانة بوشاح أخضر، ومياهها الرقراقة وطيورها الكثيرة. وعلى ضفتي النهر يظهر قطيع ضخم يضم عشرات الألوف من فصيلة الديناصورات آكلة الأعشاب ـ هذه المرة ـ تعيش بسلام في هذه الأرض. ويتكرر التأكيد على التضييق والاضطهاد الذي تعاني منه هذه الأمة، فكما حمل الفيلم السابق الرسالة نفسها في العصر الحديث؛ ها هي ذي الرسالة تتكرر في هذا الفيلم لتنقل جانباً من المعاناة في العصر الغابر. كما يحرص الفيلم على إظهار خطر آخر ينغص على هذا القطيع عيشه، وهو أنه يعيش بجوار قطيع آخر من الديناصورات المتوحشة آكلة اللحوم. وهذا التباين في هوية هذين الجارين مهم جداً؛ إذ يوحي بمعاني الذلة والمسكنة والاستضعاف بجوار القهر والظلم والتسلط الذي يسعى المخرج إلى غرسه في عقلية المشاهد. ينتقل المشهد فجأة ليصور حدثاً خطراً كان يجري على سطح الأرض.. عن كثب يقف ديناصور ضخم بشع ومتوحش يرقب القطيع، ثم يهجم عليه فجأة، ويدب الفزع، وتسود الفوضى. جميع القطيع يهرب، حتى الأم تركض فزعة مخلفة البيض وراءها، ويتكسر كل البيض تحت أقدام هذا (الوحش) ما عدا بيضة واحدة قُدّر لها النجاة، ويُسلط الضوء ـ لثوان معدودة ـ على هذه البيضة الفريدة قبل أن يختطفها ديناصور آخر ثم يلقي بها في البحر. وفي خضم الأمواج المتلاطمة تحوطها العناية الإلهية وترعاها طوال رحلتها الشاقة الخطرة، وتحفظها من الكيد والأذى، فتراها تنجو من أنياب التماسيح، ومخالب السباع، وأقدام الزواحف الضخمة على طول ذلك النهر الكبير، حتى تقع بين مخالب طائر لاحم يختطفها ثم يطير بها بعيداً.. إلى هناك جهة الشرق البعيد، وبعد صراع مفتعل مع أحد الطيور يلقي بها في إقليم آخر، وسط حياة جديدة بين مجموعة من القرود. إخالكم أدركتم الآن طرفاً من القضية المحورية التي تدور حولها أحداث هذا الفيلم في هذا المقطع الأول من مقاطعه المتعددة! نعم! إن هذا الفيلم يحمل رسالة يهودية جديدة هذه المرة، فهو يصور للطفل ـ بطريقة سهلة غير مباشرة، وبأسلوب شائق ومثير ـ البدايات الأولى لتكوين الدولة اليهودية على أرض فلسطين المسلمة. وإدارة الشركة في هذا الفيلم تحرص على إظهار الحق التاريخي والديني لقضيتهم، فتجدهم يبدؤون قصة النشأة من هناك.. لحظة خروج اليهود من أرض مصر التي كانوا يذوقون فيها صنوف الذل والقهر والبطش من جيرانهم الأشرار.. فرعون وجنوده. كما يظهر الفيلم صورة رمزية لولادة نبيهم موسى ﵇ الذي نجاه الله ـ تعالى ـ من القتل على أيدي الجنود الظلمة. ويختزل الفيلم حياة موسى ﵇ الطويلة في بيت فرعون لتمثل تلك الرحلة الطويلة للبيضة من لحظة التقاطها إلى أن يقذف بها في الأرض الجديدة التي تمثل مرحلة النشأة؛ إذ لا حاجة لعرض تلك الفترة الطويلة التي لم تكن فيها أحداث مهمة تمس تاريخ اليهود. وهناك بين مجموعة من القرود الرحماء ينشأ ذلك الطريد الغريب ويُعَدُّ بعناية فائقة، غير أنه لا يطول به المقام، فبعد حياة الأمان والمرح والسعادة على تلك الأرض تحين ساعة الرحيل. وهنا يعمد مخرج الفيلم إلى ربط علمي مهم اختير بعناية فائقة ليصور نظرية من النظريات المقدمة لأسباب انقراض ديناصورات عصر الجوراسي قبل ٢٢٥ مليون سنة كما يذكر الجيولوجيون؛ عندما كانت تعيش على الأرض ديناصورات آكلة نباتات إلى جانب أخرى بدائية آكلة لحوم مقاربة لحجم النعامة التي نراها اليوم، ليتوافق ذلك مع أسباب الخروج الفعلي لموسى ﵇ من أرض مدين. وفي حين تتنزل الشهب والنيازك من السماء للقضاء على مظاهر الحياة هناك؛ فإن تدبيراً آخر من السماء يختار فرداً كريماً من أولئك المستضعفين ليقود قومه في رحلة النجاة إلى أرض الميعاد. بهذه الإثارة والمعاناة ينتهي المقطع الأول للفيلم الذي يجتمع فيه التشويق مع مراعاة التسلسل المنطقي للأحداث. ثم يبدأ المقطع الثاني، وفيه تتجلى النفسية اليهودية الحاقدة المليئة بالغدر والجحود والبهتان، وبخاصة مع نبيهم الكريم الذي أنقذهم الله ـ تعالى ـ به من حياة الذلة والمسكنة إلى حياة الحرية والاصطفاء. والحقيقة أن هذا النبي الكريم تعرض في حياته، وبعد مماته لصنوف من الأذى والمضايقات والافتراءات على يد اليهود قتلة الأنبياء والرسل. ويعود سبب ذلك الأذى والبغض لشدة هذا النبي الكريم عليهم بالحق، وغيرته على محارم الله ـ تعالى ـ التي ظل اليهود ينتهكونها، وشرائعه التي كفروا بها.. بدءاً من طلبهم أن يجعل لهم إلهاً من دون الله تعالى، وانتهاء بعبادتهم العجل من دون الله ـ سبحانه ـ في غيبته. وفي هذا الفيلم تجلية لحقيقة ماثلة، وتصوير لمظهر من مظاهر ذلك الأذى بعد ألوف من السنين على وفاة موسى ﵇. والناظر لما يصدر عن النفسية اليهودية الحاقدة لا يقف طويلاً عند الهدف الخفي الذي يصوره المقطع القادم من الفيلم الذي يبدأ بهجرة ذلك الديناصور ـ المنقذ ـ بحثاً عن بني قومه الذين يلتقي بهم أخيراً تائهين في وهج الشمس بصحراء سيناء القاحلة، وهائمين على وجوههم بلا ظل ولا ماء، وهم مع ذلك مطاردون من عدد من الديناصورات آكلة اللحوم الغاضبة. والملاحظ في الفيلم أن هذا الديناصور الشاب يجد القطيع منهكاً.. تائهاً لا يعرف إلى أين يسير مع أن له قائداً ومساعداً يوجهان حركته الضخمة. لم يكن لدى القطيع بد في المسير؛ فالقائد ـ كما يصوره مخرج الفيلم ـ فظ غليظ القلب، شرس الطباع، ظالم لا يرحم الضعفاء وكبار السن والمرضى، وهو مضطرب في قراراته؛ فها هو يصدر أوامره الصارمة فجأة بالتوقف للراحة، وبعد قليل يصدر أمراً آخر مفاجئاً وأكثر صرامة ليتحرك القطيع قبل أن يأخذ راحته، وعن يمينه يسير ذلك المساعد الذي صُوِّر على أنه ديناصور تابع لا حول له ولا قوة، فهو يأتمر بما يأمره به، وينتهي عما ينهاه عنه، ويحفظ القطيع كلما عرض للقائد عارض. لعلكم بعد هذا العرض أدركتم ـ كذلك ـ أبطال الفيلم من وجهة نظر اليهود! ولسبب ما تنقلب الشخصيتان؛ فرمز موسى ﵇ في الفيلم ينقلب إلى رمز آخر جديد يعتبره اليهود المخلص الحقيقي لهم، في حين يُصوَّر موسى ﵇ في رمز ذلك القائد العنيف الظالم. لكن من هي الشخصية الجديدة التي استولت على البطولة، وسحبت البساط من تحت أقدام ذلك الشاب الفتي الذي نشأ وترعرع ليحقق حلم عودة القطيع إلى أرض الميعاد؟ إن المتتبع للتاريخ اليهودي الحديث لن يقف طويلاً عند ـ تخمين ـ تلك الشخصية التي يقدرها اليهود ويكنون لها الإعجاب والاحترام، فهذه الشخصية تعود للزعيم الصهيوني «حاييم وايزمان» الذي يصفه اليهود بأنه (الرجل الذي قاد شعب الله المختار إلى أرض الميعاد في أشهر لم يستطع موسى ﵇ أن يقودهم إليها طوال أربعين عاماً) ، وتناسى اليهود أن غضب الله ـ تعالى ـ ولعنته التي حلت بهم ـ بسبب كفرهم ـ هي التي أوجبت عليهم الشقاء والتيه في أرض سيناء تلك المدة الطويلة التي توفي فيها هارون ﵇ ثم لحقه موسى ﵇. ولك أن تنظر للحقد اليهودي على نبي الله الكريم في هذه القضية خصوصاً ـ قيادة اليهود في أرض التيه ـ بالصراع الذي يفتعله مخرج هذا الفيلم بين عصرين متباينين لليهود في الزمان والمكان: عصر سحيق موغل في التاريخ القديم بقيادة موسى ﵇ كليم الله تعالى، الرحيم الصبور على أذى بني إسرائيل. وعصر الصهيونية الحديث بقيادة ذلك المتطرف الصهيوني الروسي خليفة هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية المعاصرة ذات التاريخ الأسود المليء بالحقد والقتل وسلب الحقوق وسفك الدماء (١) . لقد صور موسى ﵇ بالقائد الذي لا يعرف أين يتجه، فهو لا يبدأ من مكان حتى يعود إليه، وبالقائد الذي كلف قومه ما لا يطيقون، وشق عليهم مشقة بالغة، لم يراعِ فيها كبيرهم، ولم يتفقد مريضهم. أما هذا القائد الشاب فيُصوَّر على أنه القائد رقيق القلب، دمث الأخلاق، الرحيم الذي يتخلف مع الضعفاء، ويتفقد كبار السن، ويواجه الصعاب، ويأسر الأفراد بحسن تعامله. بل حتى الماء الذي فجره الله ـ تعالى ـ لكليمه ومصطفاه موسى ﵇ فضلاً وتكرماً حين استسقى لقومه؛ خصها هؤلاء الحاقدون بهذا القائد الجديد الذي ضرب بقدمه الأرض فانبعث الماء العذب من تحتها!! وهكذا هم اليهود قوم غدر ولؤم وبهتان وتزوير للحقائق. ويظل الصراع في الفيلم بين هذين القائدين حتى تحين ساعة النهاية المزرية لذلك القائد الذي لا يعرف الطريق الصحيح فيموت على سفح جبل وعر يحول دون الوصول إلى أرض الميعاد، ليستلم المهمة هذا الشاب الفتي بعد هلاك ذلك القائد الهرم، ويتوجه بالقطيع جميعاً إلى طريق معاكس تماماً للطريق الذي كانوا يسيرون فيه، اكتشفه هذا القائد بنفسه، وشقَّه بعرقه وجهده، وصبره وتحمله وتضحيته. لقد كان هو الطريق الوحيد الذي رآه مناسباً لعبور ذلك القطيع نحو هدفهم التاريخي مهما كان طريقاً مزوراً يكتنفه الظلم والقهر والغدر والألم لسكان البلاد الأصليين. وبالفعل يصل القطيع الضخم لغايته ويبلغ أرض الميعاد، كما أوصل وايزمن ما لا يقل عن ١٠٠ ألف يهودي إلى أرض فلسطين المسلمة. ويختم الفيلم ـ كالعادة ـ بمنظر الخضرة التي تكسو الأرض نضارة؛ فالطيور ترفرف فرحاً، والأزهار تنتعش طرباً. ويحرص المخرج على إظهار أن جيلاً جديداً بدأ يعمر الأرض، وأن حياة جديدة بدأت تتشكل هناك وسط هتاف الجميع فرحاً بسلامة الوصول إلى أرض الميعاد، وهو احتفاء لا يقل عن احتفاء اليهود عشية دخولهم القدس في أرض فلسطين الجريحة. ويختم الفيلم بتلك المقدمة التي تربط هذا الوصول لتلك الأرض بالمستقبل الذي لا يُعلم ماذا سيحدث فيه! إنه فيلم استطاع أن يصور قصة اليهود منذ البداية من خلال وجهة نظر اليهود أنفسهم، لكن بطريقة ماكرة ومخادعة فيها الكثير من التزوير والبهتان والحقد، والله يشهد على نفسيتهم الخبيثة، والله يكشف إفكهم ويُظهر كفرهم في كثير من الآيات في كتابه العزيز. ولقد قرر الله ـ تعالى ـ حقيقة غضبه ولعنته لليهود، وأنها بسبب كفرهم ومجاوزتهم حدود الأدب معه ومع أنبيائه ورسله. قال : ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] . ومن خلال ذكر الكيد اليهودي بموسى ﵇، وتفاقم شرهم على أنبياء الله أجمعين يحذرنا القرآن من أن نكون مثلهم فنؤذي رسولنا # كما آذوا رسولهم، على رسل الله أجمعين الصلاة والسلام، ويبين وجاهة موسى ﵇ عند ربه. قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] . كما يخبرنا القرآن الكريم عن خطاب صريح ومباشر وجَّهه موسى ﵇ نفسه لليهود يسألهم فيه عن سبب أذيتهم له مع أنهم يعلمون صدق رسالته، وأنه رسول ربهم، ومخلِّصهم من بطش فرعون، ويذكر ـ سبحانه ـ أن سبب ذلك كامن في فساد قلوبهم التي طبع الله ـ تعالى ـ عليها بكفرهم. قال : ﴿وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] . إنه الكفر والاستعلاء والفساد في الأرض الذي اتسم به جنس اليهود المبغوضين من شعوب الأرض أجمعين على مدار التاريخ القديم والحديث. - (ديزني) تواصل حربها الإعلامية ضد الإسلام: تأخذ الحرب الصهيونية على الإسلام والمسلمين في هذا الوقت أشكالاً متعددة، لعل من أهمها الحرب الإعلامية التي تُوظف لها الأفلام السينمائية، وأفلام الرسوم المتحركة الموجهة للكبار والصغار. وتكمن خطورة وسائل هذه الحرب في وجودها بوفرة في الأسواق وإمكانية الحصول عليها بسهولة من محلات الفيديو المنتشرة في العالمين العربي والإسلامي من دون وعي من قِبَل المشاهدين أو تحليل موضوعي دقيق لرسائلها المعادية. وما يقال عن رسالة هذين الفيلمين يقال عن كثير من أفلام هذه الشركة. وباستقراء بعض تجاوزات (ديزني) ؛ نجد أنها تعمد لتصوير رسالة تكررها هذه الشركة دائماً مفادها ـ ضرورة «محاربة» الرجال الأشرار «ليظل العالم مكاناً مليئاً بالسعادة» ـ وهي تتعمد الإساءة للإسلام والمسلمين من خلال تصويرهم بأولئك الأشرار في كثير من إنتاجها الإعلامي، ومهرجاناتها المتكررة باعتماد الأسلوب المباشر وغير المباشر.. ومن تلك الأمثلة ما يلي: ١ - أنتجت شركة ديزني عام ١٩٨٢م فيلم الرسوم المتحركة (القط الطائر) ، الذي يسيء للمسلمين من خلال فكرة الفيلم التي تدور حول كوكب في الكون الخارجي جميع سكانه من الهررة الذين بلغوا درجة متطورة من التقدم العلمي، بحيث يبدو سكان الأرض أمامهم أناساً متخلفين جداً. وفي الفيلم مغامرة يتصل من خلالها قط طائر عجيب منها بعالم أمريكي شاب، ويتفقان على مواجهة عصابة «خطرة جداً» تسعى للحصول على أسورة القط كي تسيطر على العالم بواسطتها. صورت هذه العصابة ـ طبعاً ـ على أنها من العرب، وتحمل أسماء عربية هي بالتحديد «أحمد ـ محمد ـ زكريا ـ علي» !! والغريب أنهم جاؤوا بعرب حقيقيين يتحدثون اللهجة البدوية ليقوموا بهذا الدور الشرير، وقد وقَّت المخرج ظهور هذه العصابة العربية بشكل يجعل المشاهد يضج غضباً من رؤيتها، ويهلل فرحاً كلما حقق القط انتصاراً عليها. وختاماً يتدخل «الجيش الأمريكي» ، ويلقي القبض على العصابة العربية لينتصر القط العجيب والعالم الأمريكي!! ٢ - بعد انتهاء حرب الخليج الثانية وفي عام ١٩٩١م أنتجت شركة ديزني فيلماً آخر من أفلام الرسوم المتحركة يسيء للعرب والمسلمين اسمه (علاء الدين) ، يدور الفيلم حول قوة شريرة تجتمع فيها قوة الجني السحرية التي تدخل عالم القوة الكونية لانشطار الذرَّة لتصبح قوة مدمرة عظيمة، يستولي عليها رجل عربي شرير اسمه (جعفر) بأنفه المعقوف، وعمامته الدائرية، ولحيته المدببة، وثيابه الشرقية الواضحة؛ ليصبح بذلك أقوى جني على وجه هذه البسيطة. وهي صورة مشوهة دائماً للعربي المكروه تتكرر كثيراً في الإعلام الصهيوني الأمريكي. ٣ - تعدُّ شركة والت ديزني مساهماً كبيراً في جهود الحكومة الأمريكية التي تخوضها فيما تسميه حرباً على (الإرهاب) ، والذي لا يستهدف سوى دول ومنظمات خيرية، وحركات مقاومة إسلامية. ولإظهار ما تملكه (ديزني) من قدرات، وما يمكن أن تقدمه في هذا المجال من أفلام وبرامج موجهة؛ قال مدير الشركة: «إن أحد مصادر قوتنا هو قدرتنا على التواصل مع عدد كبير من الناس في الولايات المتحدة وعبر العالم، ولذا فإننا نتحرك على عدة جهات لكسب الرأي العام العالمي في معركتنا» . ٤ - ذكر موقع شركة ديزني على الإنترنت خبراً يفيد بأنها ستدخل العهد الجديد باكتساب عدد من ملايين المسلمين في العراق. وذلك كجزء من اتفاقية (الأرض مقابل النفس) بين الشركة وصدام حسين ـ استهزاء باتفاقية (الأرض مقابل السلام) التي أطلقها العرب للتعبير عن حسن نياتهم لليهود. في اتفاقية (الأرض مقابل النفس) ستبادل شركة ديزني دولة العراق بالفائض من مخزونها الاحتياطي من الأسلحة النووية مقابل أكثر من أربعة ملايين شخص (سوف ندعوهم إخواننا وأخواتنا!!) كما يقول الإعلان. وقد رافق هذا الخبر صورة حقيقية للمسجد الحرام بمرتاديه من الطائفين والقائمين والركع السجود، لكن المفاجأة في هذه الصورة هي استبدال الكعبة المشرفة بكُرة زجاجية على شكل كرة الجولف المصممة من قِبَل فناني ديزني. وتحت الخبر وردت عبارات استفزازية متعددة للمسلمين تشمل الإساءة للنبي محمد # بتشبيهه بالفأر (ميكي) ، حيث اعتمدوا في هذه الاتفاقية شخصية جديدة تسمى (محمد ميكي) ، إضافة إلى استبدال كرة الزجاج بالكعبة الشريفة!! ٥ - لم تكفّ شركة ديزني عن الإساءة إلى الإسلام والمسلمين بشكل دائم ومستمر، وما زلنا نتذكر تلك الضجة الإعلامية والمواجهة الكلامية التي تمت بين شركة ديزني والجامعة العربية والمنظمات الإسلامية في أمريكا، والتي انتهت باستسلام الجميع وإصرار ديزني. كان ذلك في ١/١٠/١٩٩٩م عندما أقامت (ديزني) معرضاً للقدس داخل ما أسمته بـ (القبة الألفية) للشركة بولاية فلوريدا، والذي لم تساهم (إسرائيل) في تمويله إلا بقيمة ١.١ مليون دولار، أما الباقي فقد قدمته جهات أخرى لا يجهلها أحد ـ منها جهات عربية ـ!! بل إن أحد رجال الأعمال اليهود اقترح على صفحات الصحيفة الشهيرة والواسعة الانتشار «نيويورك تايمز» أنه في حال قبول ديزني لمقترح قدمه للرأي العام بعد تغيير اسم المعرض من «القدس عاصمة إسرائيل» إلى «القدس قلب إسرائيل» ؛ فإنه مستعد لكي يمول المشروع ولو كلفه ذلك كل ثروته. وعلى باب المعرض تم تنظيم استطلاع لآراء الأطفال فقط من بين الزائرين لكي يظهر للعالم الجواب الذي سيقوله أغلبية هؤلاء الأطفال لسؤال واحد فقط هو: «ما هي عاصمة إسرائيل؟» . ومع هذا فقد شاركت في هذه القرية اليهودية دول عربية وإسلامية! - سياسة التوجيه من خلال الترفيه: كل أمة تحمل رسالةً ما في الحياة ـ مهما كانت طبيعة تلك الرسالة ـ هي أمة تستشعر معنى المسؤولية، وتسخِّر جميع طاقاتها لخدمة رسالتها تلك، وتوظف أهدافها الكبرى لنشرها والتعريف بها، حتى إنها لتجعل من اللهو والترفيه وسيلة مؤثرة فعالة لتحقيق القضية الكبرى والوصول إلى هدفها المركزي. وهذا ما يلمحه المتتبع لأفلام هذه الشركة في طَوْرين من أطوارها، يظهر الطور الأول في صورة الأفلام والرسائل الموجهة قبل استيلاء اليهود عليها، بينما يتجلى الثاني بعد بسط سيطرتهم عليها. ذلك أن هدف الشاب والت ديزني ـ صاحب الفكرة الأولى ـ في خطواته الأولى لإنشاء شركته؛ كانت تهدف لدمج الطفل مع حيوانات الغابة من خلال المزج السينمائي الساحر بين الأطفال والحيوانات والطبيعة. ولهذا قام بابتكار شخصيات محببة إلى الأطفال تبعث جواً من المرح والفكاهة. لكن من خلال الأزمة المالية التي كانت تمر بها الشركة ـ وبطريقة الابتزاز والمكر والخداع ـ استولى اليهود على هذا الصرح الإعلامي الضخم الذي اكتسب شهرته العالمية، ثم سعوا حثيثاً لتوظيف تلك الشخصيات الكرتونية المدبلجة في تحقيق أهدافهم وخدمة هويتهم، وبخاصة قضية صراعهم الدامي مع المسلمين. ومن خلال الترفيه تمكن اليهود من طرح قضاياهم الجادة، وفرضوها في كل المحافل، وأشغلوا بها العالم شرقاً وغرباً. إنهم إذن يدركون ماذا يفعلون، فهم لا يقدِّمون منتوجاتهم، ولا ينفقون أموالهم لمجرد اللهو والتسلية المحضة، بل ليكسبوا بها التعاطف الدولي مع قضاياهم المحورية التي يذكّرون بها المشاهد صباح مساء باستخدام الأسلوب المباشر، أو باعتماد أساليب أخرى ماكرة غير مباشرة تُدرس بعناية ثم تقدم بذكاء، مع كثير من النفاق والكذب وتزوير الحقائق. بخلاف إعلامنا العربي الغائب الذي يغامر كثيراً بعقول المشاهدين؛ عندما يصر على تقرير اللهو المحض ضمن أكثر قضاياه الجادة التي يتفنن فيها، وينفق من أجلها الميزانيات الباهظة والجهود الكثيرة. إن كثيراً من برامج الإعلام العربي الطائشة، ومسلسلاته الباردة الساذجة لا هدف من ورائها إلا مجرد الإضحاك والتسلية وتضييع الأوقات، فإذا طرحت قضية جادة على استحياء فمن باب التنويع لا غير في أسلوب تقديم الهزل والتنافس عليه. حتى فقدت الأمة اتزانها، وتخلت عن رسالتها، ولم تكد تعي معنى الجد إلا من خلال قوانين اللهو باعتماد هذه السياسة الإعلامية العقيمة، بينما تمكن أعداؤها من توظيف اللهو لخدمة قضاياهم الجادة، وتلك هي المفارقة الحقيقية في معادلة النصر والهزيمة. بهذه النظرة الواعية يمكننا أن ندرك الهدف من هذا الغزو ـ اللطيف ـ الموجه لأبنائنا وبناتنا، والذي صاغه اليهود بعناية دقيقة؛ مستفيدين من أحدث الأساليب المتطورة في الإخراج السينمائي عموماً، وفي عالم الرسوم المتحركة على وجه الخصوص. - والت ديزني في عيون أطفالنا: وبعد.. فكيف ينظر أطفالنا لهذه الشركة؟ وما حجم الوعي بأساليب الغزو غير المباشر في محتوى أفلام الرسوم المتحركة التي تقوم بإنتاجها؟ وللإجابة الموضوعية عن هذا التساؤلات قمت باستطلاع مقنن لخمسة وعشرين طالباً من طلاب المرحلة المتوسطة ممن شاهدوا فيلماً واحداً على الأقل من أفلام الرسوم المتحركة التي تنتجها شركة ديزني، والذين تتراوح أعمارهم بين ١٣ ـ ١٥عاماً؛ لمعرفة آرائهم حول خمسة محاور مهمة هي: ماذا تعرف عن شركة ديزني؟ ما الفكرة العامة التي استنتجتها لكل فيلم رأيته من أفلام هذه الشركة؟ ما نسبة المفاسد والفوائد التي اطلعت عليها في هذه الأفلام؟ عدِّد بعضاً من تلك المفاسد أو الفوائد في هذه الأفلام من خلال مشاهداتك وتجاربك الخاصة. وأخيراً: قارن بين أفلام ديزني والأفلام الكرتونية المدبلجة التي قامت بإنتاجها شركات إسلامية من حيث السلبيات والإيجابيات. وكانت النتائج الموضوعية من خلال إجابات الطلاب أنفسهم على النحو الآتي: أولاً: ماذا تعرف عن شركة والت ديزني؟ ٣ «هي شركة تنتج برامج للأطفال، وتعمل أشياء كثيرة حتى يؤخذ عنها فكرة حسنة ويشتري الناس منها» . ٣ «شركة أمريكية تنتج أفلاماً يلهو بها أطفال المسلمين» . ٣ «شركة لا تتعامل مع الأطفال فقط في أفلامها، ولكنها تراعي أعمارنا نحن الشباب في سِنِّنا وفي الثانوية كذلك» . ثانياً: ما الفكرة العامة التي استنتجتها لكل فيلم رأيته من أفلام هذه الشركة؟ بتوجيه الطلاب إلى الخروج من دائرة الانبهار بالسرد القصصي لأحداث الأفلام التفصيلية التي شاهدها كل منهم إلى استخراج الفكرة العامة لكل فيلم كانت النتائج التي توصل إليها الطلاب ـ بعباراتهم الخاصة ـ كما يلي: (الغدر والخيانة والطمع) ، (الحب والغرام) ، (الانتقام) ، (تعلم حياة جديدة من غير الاعتماد على الآخرين) ، (الاستغناء عن الكبار) ، (إيذاء الآخرين) ، (الطمع والغيرة) ، (الأنانية) . ثالثاً: ما نسبة المفاسد والفوائد التي اطلعت عليها من خلال مشاهداتك المباشرة لهذه الأفلام؟ تباينت التقديرات من الطلاب في تحديد هذه النسبة بحسب التباين بينهم في الفهم، والذي يعود لعوامل عدة، لعل من أهمها: محافظة الأسرة وتدينها، والنشأة التي نشأها الطفل، ونسبة الثقافة ودرجة الوعي ونحوها. وفي الجملة تراوحت نسب الفساد التي ذكرها الطلاب ما بين (١٥% و ١٠٠%) بينما تراوحت نسبة الفائدة بين (١٠% و ٦٠%) . وهناك من فصّل تفصيلاً مهماً في الموضوع، وأضاف إضافات طريفة على النحو الآتي: «في قصص الأطفال نسبة الفساد في نظري ٢٠%، أما في الأفلام التي يمثل فيها الرجال الكبار فالفساد ١٠٠% كلها قصص حب، ماذا نستفيد منها؟» . «عندما نكون صغاراً يكون الفساد قليلاً علينا، ولكن كلما كبرنا يكون الفساد أكثر» . «هذه الأفلام تعلم الأطفال كيف يتعلقون بها، حتى يكبروا ويشاهدوا فساداً أكبر» . رابعاً: عدّد بعضاً من تلك المفاسد والفوائد من خلال مشاهداتك وتجاربك الخاصة. تعددت إجابات الطلاب حول هذه القضية باختلاف العوامل السابقة. ولعل أحسن التبويبات التي ذكرها أحدهم في إجابته أنه قسم «المفاسد» إلى نوعين: مفاسد خارج الفيلم، ومفاسد داخل الفيلم. وقد أعجبني هذا التقسيم، وانتهجته مع سائر الإجابات الأخرى التي أدلى بها زملاؤه الآخرون. وبعد تفنيدها كانت النتائج على النحو الآتي: أولاً: المفاسد التي شاهدها الطلاب داخل الأفلام: (الحب، تلهي عن الصلاة والعبادة، تعلّم أشياء خليعة، خلق الأرواح وتصوير الإنسان، اللبس القصير والفاضح، الموسيقى، الرقص والاختلاط بين الذكور والإناث، مظاهر ليست من مظاهر المسلمين، رمي الأطعمة وإهانتها وعدم تقدير النعمة، ألفاظ وأفعال شركية كثيرة ـ وذكر بعض الطلاب عدداً منها ـ مثل: تنزيل المطر، وإنبات الأعشاب، وتصرفات تشابه فعل الله تعالى، السحر، القمار) . ثانياً: المفاسد خارج الأفلام ـ كما ذكرها الطلاب ـ: (تعليم الصغار أن يتحدثوا عن الحب والغرام منذ البداية، تضييع الوقت، الانشغال عن الوالدين وتعويد الطالب على عدم برِّهما، صرف الأموال والتبذير) . بينما دارت الفوائد في الآتي: (التعاون بين الأفراد، والتحذير من الانفراد والانعزال، التحذير من الأنانية والطمع، قضاء الوقت والمرح) . ومن إجابات أحد الطلاب حول الفوائد التي خرج بها قوله: «ليس فيها إلا مجرد ضياع للوقت، والضحك» . ثالثاً: قارن ـ بذكر السلبيات والإيجابيات ـ بين أفلام ديزني والأفلام الكرتونية المدبلجة الموجهة للطلاب، والتي قامت بها شركات إسلامية أخرى. من خلال مشاهدة الفرق ـ في نظر هؤلاء الطلاب ـ كانت النتائج كما يلي: - المكر الكبّار في مقابل الوعي الغائب: في غياب الوعي التربوي، ومراقبة ما يقدم للأطفال من حيث المحتوى والهدف ـ لا من حيث التشويق والإثارة فحسب ـ يظهر الخلل، وينشأ الانحراف. ولقد رأيت أن نسبة كبيرة من أولياء الأمور لا يهمهم ـ غالباً ـ وجود مفهوم منحرف يقدم بأسلوب غير مباشر في أفلام الرسوم المتحركة، وبخاصة للأبناء والبنات دون سن الرابعة عشرة، رغبة في الاستمتاع والتسلية، وظناً منهم بأن عقولهم الصغيرة أقل من أن تدرك ما بين السطور. وهذا وعي غائب أفرزه التساهل والجهل معاً.. التساهل بأمانة التربية والتقويم منذ الصغر، والجهل بالقدرات الحقيقية لعقلية الفتيان والفتيات. ومن خلال الإجابات السابقة يتبين لنا مستوى النضج، ودرجة الوعي والإدراك الذي يصل إليه أبناؤنا وبناتنا في هذه السن المبكرة، بل إن بعضهم لربما فاق كثيراً من الكبار في هذا المجال في باب النقد والتحليل. إن ظاهرة الوعي الغائب يتحدد من خلال قناعة الكثير من أفراد هذه الأمة بالتفاعل مع الهجمات الموجهة الشرسة فقط، ومن هذه القناعة خاصة يعظم الكيد الخفي بعد أن تتهيأ للعدو الفرص السانحة ليعمل بهدوء لكن بنتائج مؤكدة. ومن خلال التخطيط الخفي يرتب العدو أوراقه، وينشر مكره، ويحقق مخططاته وفق الأولويات التي يراها مناسبة في كل مرحلة، وغياب الوعي عن المكر الخفي داء خطر، لا يزول بمجرد الهيجان ضد الكيد السافر المباشر، كما أنه شر عظيم يمكن لأعداء الأمة بكل سهولة. وفي حين يهبّ كثير من العرب والمسلمين إذا ما تحقق النيل الصريح المباشر من دينهم وعقيدتهم؛ نجد كثيراً منهم غافلين عما يراد بهم في الخفاء، إنهم لا يهبُّون ـ غالباً ـ إلا إذا نيل من شخص النبي محمد #.. باسمه الصريح، بينما لا تثيرهم مئات المطاعن والشتائم الأخرى على هذا النبي الكريم بالوسائل الماكرة غير المباشرة؛ عبر الوسائل الإعلامية الكثيرة في الصحف والأفلام والمجلات والقنوات. وهم يثورون كذلك إذا نيل من القرآن الكريم.. لكن ذلك المحفوظ بين دفتي المصحف ذي اللون الأخضر البراق المكتوب بخط النسخ الجميل، ولا يحركون ساكناً أمام عشرات التصريحات اليومية بعدم صلاحية هذا القرآن للتطبيق في هذا العصر، أو التنقص من أحكامه وتشريعاته، أو مقارنته بالقوانين الوضعية التي يتحاكمون هم إليها، ويحتجون بها في حياتهم اليومية بلا حرج. كما أن منظراً يبثه الإعلام لطفل مسلم بريء يُقتل بين أحضان والده ظلماً كفيل بتأجيج مشاعر الملايين وتحريكهم في الشوارع هائجين.. غاضبين طوال النهار، لكنهم سريعاً ما يُصبحون في اليوم التالي على لهوهم ومرحهم وغفلتهم. وفي حين تحصد الطائرات والقذائف عشرات الألوف من المسلمين في بقاع شتى من العالم، ويُفتَك بالألوف من أطفال المسلمين ونسائهم وشيوخهم بغير ذنب، ويموت من جراء الحصار الطويل مئات الألوف منهم؛ يتبادل البعض في الشارع العربي جدوى المقاطعة لمنتوجات ذلك العدو الظالم وهم يتابعون فيلماً من أفلامه، ويتجرعون مشروباً من مشروباته، ويلبسون كساء من منتوجاته!! بل حتى أحداث الرعب في دول عربية وإسلامية مجاورة لا تكاد تحرك أحداً من المسلمين في ذلك الشارع!! فأين من يستشعر مصاب إخواننا المسلمين في فلسطين والجزائر والسودان والصومال؟ وماذا نعلم عما يحدث الآن في الجمهوريات المسلمة في آسيا؛ بدءاً بالشيشان ومروراً بداغستان، وكشمير، وتركستان، وأفغانستان؟ بل أين نحن عما يخطط له الأعداء للمستقبل القريب للعديد من الدول الإسلامية الأخرى مثل باكستان ومصر واليمن وسوريا ولبنان والسعودية وغيرها، وسعيهم لإيقاعها في مستنقع الفوضى والاضطراب والفرقة؟ وأكاد أجزم أن كثيراً من المسلمين اليوم قد ضبطوا انفعالاتهم ومشاعرهم وردود أفعالهم تجاه عدوٍّ من الأعداء بعينه، في قضية من القضايا بعينها، وأن كثيراً منهم لا يكادون يفطنون لما يجري من أحداث مصيرية تتعلق بأمتهم؛ فضلاً عن إدراك حقيقة ما يراد بهم في المستقبل القريب، فضلاً عن معرفة الواجب تجاه فيلم كرتوني مدبلج يطعن فيهم وفي دينهم ورسولهم وتاريخهم. ولقد كان الرهان قائماً ـ ولا يزال ـ في قاعات الاجتماعات المغلقة لصناع القرار في الغرب على جدوى التفكير في ردود فعل الشارع العربي الذي يحوي ٣٨٠ مليون مسلم، وتهميشه من أي دور فاعل محتمل قبل اتخاذ القرارات الجائرة ضد العرب والمسلمين. ومع علمنا بأنه مجرد شارع لفئة بسيطة من المستمعين ـ كما يقول بعض المحللين الغربيين ـ إلا أن له كذلك مكانته التي يحسب لها المستعمر الحديث ألف حساب، فهو قوة فاعلة يمكن أن تذكي نار المخاوف الغربية، وأن تشعل نقاشات الصهيونية الأمريكية في الكونجرس لو استثمر الاستثمار الصحيح في معادلة المواجهة الصامتة مع الغرب في هذه المرحلة. إن دراسة واعية، ونصيحة صادقة تُقدم للأمة، ومقاطعة صارمة يجمع عليها هذا العدد الضخم كله في ذلك الشارع العربي الواسع، ويؤازرهم فيها سائر إخوانهم المسلمين في العالم؛ لأي منتج تثبت صلته بمؤسسة أو منظمة تستخف بحقوق العرب والمسلمين، أو تكيد لهم بأي نوع من أنواع الكيد، أو تدعم اقتصاد عدوهم الغاصب، أو تستخف بقضيتهم الكبرى ـ مؤذن بإغلاق الكثير من المحلات المشبوهة في ذلك الشارع الكبير، والتمهيد لظهور محلات أخرى أنقى منها وأكثر ولاء، أو على الأقل أكثر حياداً. وهو ما يعترف به صنَّاع القرار الأمريكي أنفسهم عند الحديث عن سلاح المقاطعة الفتاك الذي يلوّح به المسلمون بين الحين والآخر. غير أن سلاح المقاطعة ذاك ليس محصوراً في زجاجة مشروب غازي فقط، أو في علبة حلوى، أو منتج للأطفال، أو مطهر للأواني المنزلية فحسب، بل يدخل فيه الجانب الإعلامي بمقاطعة تلك الشركات المعادية التي تنتج تلك الأفلام المشبوهة التي تحدثت عنها. كما يتناول ـ على السواء ـ الصناعات الثقيلة والخفيفة والملبوسات والأدوية، ونحوها. إنه شعور داخلي لدى الفرد، وشعور عام يشكل حركة المجتمع يمكن توظيفه بعناية وفق قاعدة الولاء والبراء الشرعية التي يتقرب فيها العبد المسلم من ربه طمعاً في الأجر؛ من خلال امتناعه عن إنفاق أي جزء من ماله ـ مهما كان قليلاً ـ في أي وجه من وجوه الإضرار بالمسلمين. وهو التفاعل الذي يبرهن فيه صاحبه على صدق انتمائه للمسلمين في قضاياهم المصيرية الكبرى مع عدوهم أينما كان. أعدت تلك البطاقات الملونة إلى أصحابها الصغار في آخر المطاف، ثم سألت أحدهم مداعباً: أي نصيحة من هذه النصائح المكتوبة على البطاقات أعجبتك؟ فكَّر قليلاً وهو يقلبها بيده الصغيرة ثم قال: «الصديق وقت الضيق» !!

стр. 5581

التحديات الصعبة.. وفرص النجاح القوية عاطف الجولاني شكلت نتائج انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني تحولاً مهمّاً ونقطة انعطاف بارزة في مسار القضية الفلسطينية. بعضهم أطلق على اكتساح (حماس) للانتخابات وصف «التسونامي» في إشارة لأهمية ما حدث، بينما ذهب بعضٌ إلى وصفه بـ «الزلزال» الذي ستكون له تداعيات وتوابع ارتدادية قوية، على مستوى المنطقة والإقليم، وليس على مستوى الساحة الفلسطينية فحسب. النتائج جاءت مفاجئة للجميع: لحركة فتح المنافس الرئيس لحماس والخاسر للسلطة، ولـ «إسرائيل» والولايات المتحدة الأمريكية اللتين أدركتا تغير قواعد اللعبة ودخول الصراع العربي الإسرائيلي مرحلة جديدة مغايرة. وقد كان لنتائج الانتخابات على الطرفين وقع الصدمة. الدول العربية والأوروبية فوجئت هي الأخرى بالنتائج المدوّية التي كانت خارج حسابات الجميع وتوقعاتهم. والسؤال الذي طرح نفسه بقوة بعد ظهور النتائج: هل كانت الانتخابات ستجري لو أن الأطراف المعنية: قيادة السلطة و (فتح) و (إسرائيل) والولايات المتحدة، توقعت مسبَّقاً فوز (حماس) وحصولها على الأغلبية؟ طرحتُ السؤال على شخصية أمريكية مهمة على علاقة وثيقة بوزارة الخارجية الأمريكية، فكان الردّ أن جميع استطلاعات الرأي التي أجريت قُبَيْلَ الانتخابات، وكذلك التقديرات الإسرائيلية والأمريكية والعربية الرسمية، أكدت أن (حماس) لن تحصل على أكثر من ٤٠ بالمائة من مقاعد المجلس التشريعي، ولم يَرِدْ مطلقاً في حسابات تلك الأطراف احتمال أن تحصل (حماس) على أغلبية المقاعد. وبتصميم واضح ودون تردد، أكدت الشخصية أن الإدارة الأمريكية لم تكن لتسمح بإجراء تلك الانتخابات لو توقعت نتائجها. - سقوط سيناريو الإفشال والانقلاب: بعد الخروج من وقع صدمة الانتخابات، كان واضحاً أن الإدارة الأمريكية اختارت الرهان على إفشال تجربة (حماس) في السلطة ومحاصرتها سياسياً ومالياً، كخطوة أولى نحو الانقلاب على نتائج الانتخابات. وكانت الإدارة الأمريكية ترمي من خلال هذا السيناريو إلى إقناع الفلسطينيين بارتكابهم خطأً فادحاً باختيارهم حركة حماس، مما يؤدي إلى إجراء انتخابات مبكرة تُقصي (حماس) وتعيد حركة (فتح) إلى سدة السلطة. ومع أن الإدارة الأمريكية أنكرت ما نشرته صحف أمريكية بهذا الخصوص ونفت أن تكون سعت للانقلاب على نتائج الانتخابات، غير أن ممارساتها على الأرض كذبت نفيها. حركة حماس التي أدركت أبعاد المخطط الأمريكي ـ الإسرائيلي لعزلها وحصارها وإفشال تجربتها في السلطة، وضعت خطة تحرك مقابلة لمواجهة المخطط وإفشاله، وتمكنت بكفاءة عالية من تجاوز العراقيل التي وضعت في طريقها، ونجحت عبر جولات وفدها القيادي إلى موسكو وأنقرة والعديد من العواصم العربية في كسر طوق الحصار والعزلة، وفي حشد دعم وتأييد سياسي ومادي لم يكن يتوقعه أكثر المتشائمين في واشنطن وتل أبيب. لذا لم يكن مستغرباً أن تعيد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تقييم الموقف وانتهاج سياسة جديدة في التعامل مع (حماس) بعد سقوط خيار الإفشال والحصار؛ فقد قررت الإدارة الأمريكية مواصلة تقديم الدعم المالي الذي كانت تقدمه للفلسطينيين، لكن عبر مؤسسات إنسانية غير تابعة للسلطة. الاتحاد الأوروبي قرر هو الآخر نقل نحو مائة وأربعين مليون دولار للسلطة الفلسطينية عن الشهور الثلاثة القادمة، بعد أن كان هدد بوقفها إثر وصول حماس إلى السلطة. وقد لعب الخوف من قيام إيران بملء الفراغ ـ في حال توقف المساعدات الأمريكية والأوروبية للفلسطينيين ـ دوراً مهمّاً في تراجع الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي عن موقفهما، خشية دفع (حماس) إلى أحضان ما تعتبره واشنطن محوراً للتشدد. وقد فوجئت الإدارة الأمريكية بالموقف الرسمي العربي الذي لم يُبْدِ حماساً للتجاوب مع توجهاتها إزاء (حماس) بعد الفوز؛ حيث منيت جولة وزيرة الخارجية الأمريكية (كونداليزا رايس) إلى عدد من الدول العربية بفشل ذريع، وسمعت في الرياض والقاهرة لغة غير التي كانت تتمناها. فقد أكد وزير الخارجية السعودي استمرار مساعدات بلاده للشعب الفلسطيني، بل ولزيادتها إذا استدعت الحاجة، وفي القاهرة عارض المسؤولون المصريون الموقف الأمريكي المتسرع في الحكم على حركة حماس، ودعوا إلى إعطائها الفرصة الكافية قبل الحكم عليها. وجاء الموقف القوي لوزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير، والذي عبَّر عن رفض سياسة ممارسة الضغوط وفرض الشروط على (حماس) ، ليوجه صفعة لجهود الإدارة الأمريكية لمحاصرة الحركة التي شبّت عن طوق الحصار. وكان واضحاً أن فوز (حماس) في الانتخابات التشريعية، ووصولها إلى السلطة، وخطابها القوي الرافض للخضوع للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية، قد أدى إلى رفع سقف الخطاب والموقف السياسي الرسمي العربي، الذي بدا بحاجة لخطوة كبيرة بهذا الحجم للخروج من حالة الضعف والشلل التي سيطرت عقب أحداث ١١ سبتمبر. وقد كان مفاجئاً أن تصدر دعوات عن أطراف رسمية عربية لحركة (حماس) بعدم التجاوب مع الضغوط وعدم تقديم تنازلات من طرف واحد، حتى إن (أسامة الباز) المستشار السياسي للرئيس المصري ذهب إلى القول: إن قادة (حماس) سيكونون «حمقى» إن هم أقدموا على خطوة من هذا النوع. - مستقبل (حماس) بعد الانتخابات: لا شك أن (حماس) تواجه مرحلة من نوع جديد، بمعطيات جديدة، وتحديات جديدة، سيكون لمدى قدرتها على التعامل معها تأثير مهم في تحديد مستقبلها السياسي والشعبي، بل وعلى مستقبل الوضع الفلسطيني برمته. التحدي الأول الذي يواجه الحركة في العهد الجديد هو: القدرة على النجاح في تقديم تجربة مميزة في الحكم والسلطة. فنجاح الأداء في مرحلة ما بعد الفوز لا يقل أهمية عن تحقيق النصر الانتخابي، بل ربما كان أخطر وأكثر صعوبة. التحدي الثاني الذي يواجه الحركة هو: المواءمة بين السياسة والسلطة من جهة، والمقاومة من جهة أخرى. فلم تعد (حماس) في الوضع الجديد تتصدى لمهمات المعارضة أو المقاومة فحسب، بل أضحت تتحمل إلى جانب المقاومة مسؤولية إدارة القرار السياسي وأوضاع الشعب الفلسطيني، وهي تواجه في المرحلة الجديدة، دون شك، مهمات من نوع مختلف، وهي مطالبة بإجراء معادلة دقيقة ومتوازنة تجمع بين ما يعتبره بعضٌ أمرين متناقضين يصعب الجمع بينهما، في حين تؤكد الحركة إمكانية ذلك، وتصر على التمسك بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة ما استمر وجود الاحتلال، ولا تستبعد الحركة إمكانية التعاطي مع الأمر الواقع وقبول هدنة وفق شروط معينة، لكنها ترفض أن يكون هذا التعاطي الواقعي على حساب برنامج المقاومة. القدرة على إدارة العلاقة مع حركة (فتح) ومع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يشكل تحدياً آخر يواجه الحركة. وكان واضحاً منذ الجلسة الأولى للمجلس التشريعي الفلسطيني حجم التوتر الذي يسود العلاقة بين (حماس) و (فتح) التي سارع نوابها للانسحاب من الجلسة احتجاجاً على التوجه لإلغاء قرارات المجلس السابق في جلسته الأخيرة بنقل صلاحيات مهمة من الحكومة إلى الرئيس. ولا شك أن حركة (فتح) التي تشكل ثاني أكبر كتلة في المجلس التشريعي تملك من القدرة والخبرة ما قد يمكنها من إعاقة عمل المجلس إن لم يحصل التنسيق والتوافق بينها وبين (حماس) . أما على صعيد العلاقة مع الرئيس، فتبدو احتمالات نسج علاقة إيجابية بين (حماس) وعباس تقوم على أساس التعاون بديلاً عن التناقض والتصادم في الصلاحيات، تبدو أمراً مرجحاً. أما في حال الفشل في إدارة العلاقة بين الجانبين، فيُخشى من قيام سلطة برأسين تؤدي إلى شلل القرار السياسي. التحدي الأمني والقدرة على ضبط حالة الانفلات، هو: تحد مهم يواجه (حماس) في ظل تعدد أجهزة الأمن، وخضوع معظمها لسلطة الرئيس لا الحكومة، وكذلك في ظل هيمنة عناصر حركة فتح على مقاليد تلك الأجهزة. وثمة تحد آخر يتمثل في الأسئلة الصعبة التي طُرحت على (حماس) من قِبَل الأطراف الدولية والإقليمية. وقد أظهرت الحركة حتى الآن قدرة فائقة في الإجابة عن هذه التساؤلات المتعلقة بمسألة الاعتراف بالكيان الصهيوني، والموقف من استمرار المقاومة، والاعتراف بالاتفاقيات المبرمة مع الإسرائيليين، واستطاعت اتخاذ مواقف ذكية توائم بين المرونة السياسية والتمسك بالثوابت الفلسطينية. ومن التحديات المهمة للمرحلة القادمة، قدرة الحركة على إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها كإطار وطني يمثل الداخل والخارج الفلسطيني، والقدرة على تفعيل دور الشتات الفلسطيني الذي تعرَّض للتهميش طوال السنوات الماضية. ومن شأن نجاح حماس في مواجهة التحديات آنفة الذكر، أن يعزز حضورها السياسي وقوتها الشعبية، وأن ينقلها نقلات واسعة إلى الأمام. وما يظهر حتى اللحظة أن فرص نجاح الحركة قوية في مواجهة التحديات، وفي تقديم تجربة متميزة، ولا سيما أن تقدم الحركة في الانتخابات يأتي في سياق تقدم عام للإسلاميين في المنطقة كما ظهر في مصر والعراق وأقطار أخرى. وثمة من يرى ان (حماس) ليست وحدها من يواجه تحديات النجاح؛ فالحركة الإسلامية بصورة عامة، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين، تواجه بمجملها هذا التحدي؛ فهذه المرة الأولى التي تواجه فيها الجماعة منذ تأسيسها عام ١٩٢٨ تحدي الوصول إلى مواقع السلطة، ومن شأن نجاح حماس أو فشلها، أن ينعكس سلباً أو إيجاباً على مجمل الحركة الإسلامية، وهو ما يحمِّلها مسؤولية خاصة إزاء نجاح التجربة.

стр. 5582

مولد جديد السيد: حسن بن علي البار قام من نومه فزعاً!! إنها الساعة الثامنة صباحاً. ركض باتجاه خزانة ملابسه، وأخذ منها ملابس مُناسِبة. ثم توقف ونظر في المرآة، وأصلح من هندامه، واندفع نحو الباب يريد الخروج. يا الله! تذكَّر أنه كاد أن يخرج من البيت وهو لم يغسل وجهه بعد، نعم! فاليوم هو مستعجل ومشغول، يحتاج (محمد) في هذا اليوم أن يُنجز الكثير من الأعمال مبكراً كي يفرغ في المساء، فالليلة (مولد النبي ﷺ ) ، وإن لم يُبكِّر في إنجاز أعماله. ربما حَلَّ عليه المساء وهو بعدُ في مشاغله فيفوته التبكير لحضور (المولد) . رجع محمد فغسل وجهه ثم خرج واستقل سيارته متوجهاً إلى عمله، وانهمك في مهامِّه ومشاغله. وفي أثناء انشغاله بإنجاز أوراق كانت بين يديه جاءته رسالة جوال. ترك ما في يده، وفتح الرسالة فإذا فيها: «أخي! هل تحب الله، هل تحب الرسول؟» قال في نفسه: نعم! وماذا بعد؟ واصل القراءة: «إن محبةَ الله ومحبةَ رسوله أوثقُ عرى الإيمان» . يا الله! ما أجملها من كلمات! تمضي الرسالة: «إن كانت محبتهما بهذه المنزلة؛ فهل يمكن أن يكون (المولد) من وسائل محبة النبي ﷺ ثم يتركنا دون أن يبيّنه لنا؟» علَّق قائلاً: ما هذا؟ ما أدري، ماذا يقول هذا الرجل؟ آهِ إنه (صالح) هداك الله يا صالح! ترك محمد هاتفه الجوال متجاهلاً ما جاء في الرسالة وعاد لإكمال ما بيده. وفجأة تذكر أنه لم يُصَلِّ الصبح. توقَّف قليلاً، وتعجَّب من نفسه ما الذي ذَكَّره بها الآن، مع أنه في أحيان كثيرة لا يصليها!! قام محمد مباشرة وترك ما في يده، ووجد في نفسه همة ونشاطاً لأنْ يصلي الصبح لم يكن يعرف مثلها من قبل. وفي آخر اليوم أتم محمد جميع أعماله، واستعد للذهاب إلى (المولد) وعندما ركب سيارته أطلق لفكره العنان يتذكر ما مر به في يومه من أحداث. تذكر الرسالة، وتذكر صلاته للصبح، وتذكر استعجاله للخروج حتى إنه نسي أول الأمر أن يغسل وجهه. ضحك من نفسه، ووجد في صدره راحة وأُنساً وانشراحاً؛ فحمد الله على نعمته. رجع محمد إلى نفسه يحاسبها على هذا التقصير في سنواته الماضية في الصلوات، وخصوصاً صلاة الصبح. وبدأ يحدث نفسه: تُرى هل أجد هذا الاطمئنان وهذه الراحة باستمرار إن داومتُ على هذه الصلاة؟! تذكَّر محمد الشيخ خالد الذي اتصل به وأكَّد عليه التبكير للمولد. وهذا ديدن الشيخ خالد ـ جزاه الله خيراً ـ يتصل بي سنوياً يذكِّرني بهذه المناسبة المهمة. ـ نعم! ـ حدثته نفسه ـ: ولكنَّ الشيخ خالد هذا لم يذكِّرك مرةً بصلاة الفجر، أو يعرض عليك أن يصطحبك إليها مثلما يفعل في شأن (المولد) ! إنه يظل طوال عامه مشغولاً، غير مهتم بك حتى إذا جاء هذا الوقت من كل سنة تذكَّرك! ـ أعوذ بالله، ما هذه الخواطر المزعجة؟ إن الشيخ خالد رجل صالح، من أولياء الله، وهو يفعل ذلك حباً للنبي ﷺ ، وتعظيماً لمقامه الشريف. ـ حُبّاً ... نعم حُباً! آه ما أجمل الكلمات التي قرأتها في الرسالة اليوم! عاد محمد إلى هاتفه الجوال، واستخرج منه الرسالة التي جاءته اليوم من صديقه صالح وأعاد قراءة ما فيها: «أخي! هل تحب الله، هل تحب الرسول؟ إن محبةَ الله ومحبةَ رسوله أوثقُ عرى الإيمان» . نعم! ـ قال محمد ـ: ألم يقل ﷺ : «أوثق عرى الإيمان الحُب في الله والبغض في الله؟» (١) . وواصل القراءة: «إنْ كانت محبتهما بهذه المنزلة؛ فهل يمكن أن يكون (المولد) من وسائل محبة النبي ﷺ ثم يتركنا دون أن يبيّنه لنا؟» . ـ (صالحٌ) هذا صديق قديم، عرفتُه منذ الصغر في أيام الدراسة، وكنت أعرف فيه دائماً الجدَّ والتعَقُّلَ في الأمور كلها، وهو مع احترامه للناس إلا أنه لا يوكل عقله ومهمة التفكير عنه لأحد!! نعم! أتذكر مرة لما قال لنا المدرس أن الرسول ﷺ أخرج يده من القبر الشريف لمصافحة أحد الأولياء، وكيف أنه لم يقتنع، وظل يناقش الأستاذ عن مصدر هذه المعلومة، ويؤكِّد أن ذلك لم يقع مع كبار الصحابة؛ فكيف يقع للأولياء بعدهم؟ وكنا نتعجب منه، ومن قوة رأيه وشخصيته. ـ نعم! صالح رجل عاقل، ولكني أنا أيضاً عاقل، ولا أتابع صالحاً في كل ما يقول، صالح يمشي مع مشايخ متشددين لا يحبون رسول الله ﷺ . ـ عجباً والله! كيف أقول عن صالح وعن أصحابه: لا يحبون رسول الله ﷺ ، وهو مَن أرسل لي هذه الرسالة الرقيقة عن حبه ﷺ ؟ وأتذكَّر في الشهر الماضي أني صليت الجمعة عند أحد هؤلاء الشيوخ فوجدته ينافح ويدافع عن رسول الله ﷺ ، ويطلب من الناس تحمُّل مسؤولياتهم في مقاطعة كل الدول التي تُسيء إليه ﷺ ، ولم يكن في ذلك الوقت أحدٌ من الناس يذكر هذه القضية إلا هؤلاء، ثم تتابع الناس من بعدهم في الاهتمام بهذه القضية. وحتى الشيخ خالد لمَّا زرته لم يعرِّج على هذه القضية أبداً. وكذلك أنا أرى صالحاً وأصحابه يهتمون بسيرة النبي ﷺ ، حتى إنه مرة أشار لي إلى واحدٍ منهم، وأخبرني أنه كتب عن سيرة النبي ﷺ كتاباً ليس فيه إلا الأحاديث الصحيحة، وكذلك أذكر صديقنا سليمان الذي كتب مجموعة من القصص النبوي على هيئة قصص ميسَّرٍ للأطفال. هل هؤلاء لا يحبون الرسول ﷺ ؟ هل يمكن لمسلم يفعل السنن ويجتنب البدع، ويجعلُ اتّباعَ رسول الله ﷺ هاجسه وشاغله، ويقدِّر سنته وسيرته وشريعته حق قدرها ألا يُحبَّ هذا الرجلَ العظيمَ والرسولَ الكريمَ ﷺ ؟.. واللهِ إن صَدَّقتُ يوماً أن هناك من الناس من يكون بهذه الدرجة من القسوة وغلظ القلب فلا يمكن أن أصدِّق أن قاسياً من الناس يكون أقسى من أن تؤثِّر فيه سيرة الرسول العطرة، وأقسى من أن تُحمد عقباه إذا اتبع سننَه، وهديَه ﷺ . إي واللهِ! فبركةُ صلاتي للصبح اليوم أعقبت لي هذا الرشد، وهذه السعادة؛ فكيف بمن هو مترسِّمٌ لما جاء به ﷺ في ليله ونهاره. ـ على كل حال الاحتفال بمولد النبي ﷺ فِعلُ خير، وما هو إلا ذكرٌ، وصلاةٌ على النبي ﷺ ، واجتماع على الخير، وتحريمه، والقول بأنه بدعة تشددٌ لا داعي له.. تشدد لا داعي له.. تشدد لا داعي له ... أخذ يكررها متأملاً في مضمونها. ـ لحظة! هل الذي لا داعي له، فعلُ ما تركه الرسولُ ﷺ ، وخيارُ المسلمين من بعده فلم يفعلوه؛ أم أن فعلَ ما تركوه هو الذي لا داعي له؟ ـ آااه! أشعر والله بإرهاق من هذا التفكير. توقف محمد، ونزل إلى حديقة عامة كي يُمضي فيها بعض الوقت، ويتناول مشروباً يُنعشه. جلس محمد جانباً، وطلب كوباً من عصير الليمون بالنعناع، وشعر بالاسترخاء، وأعجبته روعة المكان، وأعجبه جمال الحديقة وحُسن تنسيقها. ولم يكدِّر عليه صفوه إلا مجموعة من الأولاد ممن ناهز الاحتلام، وهم يقومون بأعمال مريبة.. نظر إليهم محمد وإذا السباب والشتائم هي تحية بعضهم لبعض. وبعد قليل وقع بينهم تشاجر ارتفعت فيه الأصوات، وانقسموا على إثره فريقين، ويا للعجب! أخرج بعضهم آلات حادة، وسكاكين للاعتداء على الآخرين، وكادت أن تقع مقتلة لولا لطف الله؛ حيث وقفت سيارة شرطة في مكان قريب، وترجل الشرطي منها قاصداً الحديقة ليشرب هو أيضاً كوباً من العصير؛ فلما رآه الصغار مقبلاً ولَّوْا مُدبرين. ـ قال محمد لنفسه: الحمد لله ... كادت أن تقع هنا مقتلة لولا أن الله سلّم. كان يجب أن يكون هنا مراقب لهذا المكان الجميل لئلا يقع فيه ما لا تُحمد عقباه، فإن لم يكن فإغلاق الحديقة خير من تركها لتكون مدرسة جريمة يتأذى المجتمع بخريجيها في مستقبل الأيام. نعم! الشيء الذي يغلب شره على خيره يجب أن يُنظر فيه إلى ما غلب عليه. ـ وهنا عاد محمد يناقش نفسه: صحيح؛ وكذا الكثير من الموالد التي يكثر فيها الشر والفساد، واللهِ إنهم يشربون الخمر والحشيشة باسم مولد النبي ﷺ ، وكم يقع في بعض الموالد من هتك لحرمات الله: رقص واختلاط، واللهِ ما هذه بمحبة صادقة.. ولكن الحمد لله؛ فالمولد الذي أحضره، والذي يُقام عند أهلي وعشيرتي مولدٌ سالمٌ من كل هذه البدع! ـ البدع.. ماذا قلتُ أنا؟ بدع!! كيف قلتُ هذه الكلمة!! ... نعم! والله إنها لبدع! ـ ولكن يا محمد! ألا تظن أن مولدكم الخالي من هذه المنكرات، قد يتضمن منكرات أخرى لا تراها أنت بدافع إلفك لها، وتعوُّدِك عليها؟ ثم ألا يمكن أن يتطور مولدكم يوماً ليلحق بالموالد التي قلت عنها إنها موالد بدع؟ ـ بالطبع لا، وهذه موالدنا، نحن وشيوخنا وآباؤنا منذ سنين طويلة لم يتغير فيها شيء، ولم نصل إلى شيء من هذه البدع والحمد لله. ـ ألا تذكر يا محمد المولد الذي يقيمه (عبد الله) ؟ أتذكر ما الذي كان عليه، وأنه كان مثل مولدكم تماماً، أما تشعر أنهم صاروا الآن يستخدمون الدفوف ضمن احتفالهم بالمولد، ولقد سمعت أحد أقارب عبد الله يتحدث عن إدخال الناي في مراسم المولد.. ـ نعم! هذا صحيح أنا أذكر ذلك. هم مُخطئون في ذلك ولا شك. ـ ولكن لماذا هم مخطئون؟ ألا يمكن أن نكون نحن المخطئين، وأنه كان يجب علينا أن نفعل مثلهم؟ ـ لا، لا، هم المخطئون، لا أقولها تعصباً، ولكن الذي فعلوه تغييراً لما كان عليه أسلافنا. ـ طيب أليس المولد كله تغيير لما كان عليه الأسلاف الأوائل؟! ـ نعم! ـ قالها وقد ضاق بهذا النقاش ذرعاً ـ: هو كذلك، ولكنه فعل خير. هنا بدأ محمد يشعر بالضيق، وعدم الرغبة في الذهاب مبكراً إلى المولد، وتمنى لو أنه يلقى صالحاً فيناقشه في الأمر. ولكن أين صالح وكيف يمكن الوصول إليه؟! قلَّب محمد في رسائل هاتفه الجوال؛ فإذا رسالة قديمة كان صالح قد أرسلها له قبل أيام، وإذا فيها: «أنت لا تُوَكِّل غيرك في شراء سيارةٍ لك، ولا في اختيار بيت تستأجره مما تتجمَّل به ويعبِّر عن شخصيتك، بل تقوم بذلك بنفسك..» . تواصِلُ الرسالة: «فلِمَ توكل إلى غيرك اختيار ما تتجمل به أمام الله ـ تعالى ـ من أمر دينك؟» . لا، والله! لا أريد أن أعمل أعمالاً أصرف فيها القليل من وقتي وعمري الذي أجعله للعبادة؛ ثم تكون هذه الأعمال لا نافعة، ولا مرضيَّةً عند الله!! أليس في الواضح الأكيد، الصافي من كل كدر من العبادات = أليس فيه غنية عن كل متشابه، قد يكون بدعة وقد يكون سنة؟ أما آن لي أن أسمع ممن اعتدت أن أسمع لهم من مشايخي، ولكن لا أُصِمُّ أُذنيَّ عن سماع غيرهم ممن قد يأتي بالحق بدليله فينشرح له صدري، وتقبله نفسي؟ وهنا بدأت معالم الصورة تتضح أمام محمد، وبدأ يرسم خطة جديدة لحياته، وإذا بالقرارات تنثال عليه وكأنه قد أعدها مسبقاً: ١ ـ أنا لن أعبد الله بالمتشابه، الذي لا أعلم أيرضاه مني أم لا؟ وفي الدين الواضح والمحجة البيضاء غنية وكفاية، وعسى أن أقوم بحقوقها وتكاليفها فإن في ذلك لَشُغلاً. ٢ ـ لن أحضر احتفال المولد اليوم، ولا بعد اليوم، وقد أبدلني الله به مولداً جديداً هو مولدي أنا!! فأنا من اليوم إنسانٌ جديد، ومن اليوم سأحتفل بالنبي ﷺ في كل حين؛ سأحتفل بتطبيق سنته، سأحتفل بالاقتداء به وبالمحافظة على صلاة الفجر في وقتها، وكذا بقية الفرائض، سأحتفل بتحكيمه ﷺ في كل شؤون حياتي، ووالله إني لأشعر بِلَذَّةِ ذلك من الآن، وكأنها حلاوة أتطعَّمُها في فمي، ونِعم المولد مولدٌ أعيشه وأتبع فيه حبيبي ﷺ ، وأحيا معه في كل حركةٍ وسكون. ٣ ـ أهل العلم يجب أن نأخذ منهم، وأن نوقِّرهم، ولكن دون أن نُلغي عقولنا؛ فالحساب يوم القيامة سيكون فردياً، يجب أن أفهم أن ما أتَّبعهم فيه يجب أن يكون سنة لا بدعة، وأن يكون مقرِّباً إلى الله؛ فالعالم قد يُخطئ وقد يتبع العادة أو الهوى. ولا، واللهِ لا أُنزل أحداً من العالمين منزلة النبي ﷺ في اتباعه في الأمر كله. ٤ ـ أرجو أن ينفعني الله بقول نبيه ﷺ : «ما من شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيّن لكم» فماذا بقي أرجو بعد هذا؟ ومضى محمد شاكراً لنعمة الله عليه بالتبصير في الدين، وركب سيارته وأدار المذياع؛ فإذا بالشيخ سعود الشريم ينساب صوته عذباً: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَإنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ * إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٥ - ١١٧] . أخي الكريم! هذه قصة جرت لرجل من الناس جعل الله له نوراً بتحكيمه للسنة على نفسه، وبتعظيمه هدي المصطفى وجَعْلِهِ إماماً؛ فقد فاز ـ واللهِ ـ من اتخذ مع الرسول سبيلاً بطاعته واتباعه، وتجنب الإحداث في دينه. إن معيار الحق والعدل الذي يحبه الله ويرضاه لا يُعرف باستحسانِ ذوق، ولا بتوارثِ أجيال، ولا بفعلِ الجم الغفير من الناس، ولا بالتحاكمِ إلى عقلٍ لم يستنر بنور الشريعة، ولا بتقليدٍ لمن لم يأتِ ببرهانٍ من الله على ما يقوله. ولكنْ مَنْ طَلَبَ الهداية بصدق، ثم سلك طريقها الذي أمر اللهُ به وأمر به رسولُه ﷺ متبعاً لا مبتدعاً فأحرِ به أن ينال مراده؛ فالله يقول: «يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهْدِكم» . ويقول عن اتِّباع الطرق غير الموصلة للحق: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ، ويقول عن قوم ذامّاً لهم: ﴿إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] . إن شأن المولد إذا تأمل فيه مَنْ هو خالي الذهن غير مائلٍ لطرف من آراء الناس فيه = إذا تأمل فيه وفي أدلة كمال الشريعة، علم أنه ـ أي المولد ـ قَصْدُ خيرٍ، ولكنه ليس بهدى ولا خير؛ فإحداث هذا الاحتفال بحدِّ ذاته إحداثٌ في الدين، ثم إنه غالباً في أكثر بلدان المسلمين ينضاف إليه أنواع من الأمور المستنكرة والأفعال القبيحة. وأخفهم إحداثاً من يقوم أثناء الحضرة فجأة، وقد أعدوا العدة سابقاً لهذا القيام فيقومون قومة رجل واحد، ويُدخلون الطيب، ويُنشِدون بصوت مُنَغَّمٍ شجي: «مرحباً يا نور عيني.. مرحباً، مرحباً. مرحباً جد الحسين.. مرحباً مرحباً» ، وفي موالد أخرى يقع ما أشارت إليه القصة من المنكرات، وفي بعضها يقع الكفر الصراح، كما نقل الشيخ عبد الرحمن الوكيل، وهو ممن كان له بالمتصوفة علاقة. ولذا فهذه البدعة ـ التي يعدُّها بعض الناس يسيرة ولا تستحق النقاش ـ تؤول إلى أن تكون مجمعاً لبدع كثيرة لا تقوم إلا بها، ويكون المولد هو الفلك الذي تدور حوله، وهو الموسم الذي تنتشر فيه، وهذا ما يسميه أهل العلم بالبدعة المركبة. ولمعرفة جانب مما يقع في الموالد يمكن مراجعة كتاب: (الموالد في مصر) ، وهو لجندي إنجليزي يُدعى (مكفرسون) نزل مصر واستوطنها، واهتم بقضية الموالد فزار كثيراً منها، وكتب عمَّا رأى، ووصف، وهو غير متَّهم فيما ينقل؛ إذ كان يتحدث عن ذلك كله حديث المُعجَب به ويعتبره من عادات المجتمعات الشرقية، وهو ليس له هوى في إثبات المولد ولا في نفيه، وإنما انحصر دوره في النقل والوصف. وقد ذكر موالد كثيرة شاهدها تستغرق بمجموعها أيام السنة بكمالها. وبمثل هذه الَّدرْوَشات تُستغرق الأعمار، ويرضى الشيطان، وتُضَيَّع حقائق الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يا أهل العلم! هذه دعوة للمراجعة والتصحيح، ولا يمنعنكم رأي ارتأيتموه فيما مضى من الأيام إن استبان لكم الحق في غيره أن تراجعوا الحق فإن الحق قديم، والحق أحق أن يُتَّبع. إن المحبة عمل قلبي تظهر آثاره بما تنبعث به الجوارح، وليست ادعاءات بأن قوماً يحبون الرسول أكثر من غيرهم، أو أن من لا يفعل فعلنا فهو غير مُحِبٍ للنبي ﷺ ؛ فقد مضى الزمن الذي يُصدِّق الناس فيه ما يقال عن (أهل السنة) دون تمحيص، كيف وقد ملؤوا السهل والجبل، وأقاموا الدين في كل ناد، وقاموا في مقامات الصدق في نصرة دين الله وحبيب الله ﷺ . وليس على هذا المعوَّل في التزكية، ولكنه على الاتباع، وحُسن التأسي، وإنما أردنا مخاطبة القوم بالطريقة التي يعرفون. وليس أضر على الإسلام من المنافحة بالباطل، والتعصُّب لما يحبه قوم، أو ضد ما يأمر به قوم آخرون، وأي لُعبة يفرح بها الشيطان ويتلعَّب بها بالإنسان أعظم من هذه؟! إنَّ مِن إخلاص العبودية لله أن تقبل الحق، وإن كان مُرّاً، وأن تأخذ به ولو جاء به أبغضُ الناس إليك؛ وكذا أن تردَّ الباطل ولو كانت لك فيه مصلحة أو شهوة، وأن لا تلتفت إليه وإن قام به أبوك وأخوك وأقربوك. وإياك أن تَضِن بهؤلاء أن يكونوا أخطؤوا الحق، وأن ذلك يُزري بك وبهم؛ فيحملك ذلك على أن تتابعهم في الباطل؛ فإن جدالك عَمّا هم عليه بعدما تبيَّن هو الذي يُزري بك وبهم، ويمد المستكبر في عمايته، ويزيده طغياناً كبيراً، والعياذ بالله. قال ـ جل شأنه ـ: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠ - ٢٤] . وقال النبي ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإنْ تَأَمَّر عليكم عبد، وإنه مَنْ يعشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. وقال حذيفة بن اليمان ﵁: «كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تتعبدوا بها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً، فاتقوا الله يا معشر القراء! خذوا طريق من كان قبلكم» (٢) . وقال ابن الماجشون: «سمعت مالكاً يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة؛ فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، فما لم يكن يومئذٍٍ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً» (٣) . «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون.. اهدنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» .

стр. 5583

٢٢٤ - ربيع الآخر - ١٤٢٧ ه ـ (السنة: ٢١)

стр. 5584

بعد محاكمة صدام ومعاونيه ... من يحاكم بوش ومعاونيه ..؟! لا شك أن العدالة لا تتجزأ، والجرائم لا تسقط بالتقادم، وهذه كانت حجة من قدموا رئيس دولة سابق ـ هو صدام حسين ـ مع سبعة من معاونيه إلى المحاكمة؛ حيث انتهت محاكمتهم حتى الآن إلى تهمة واحدة، وهي المتعلقة بإعدام ١٤٣ من الشيعة في بلدة الدجيل، بعد أن قامت محاولة لاغتيال صدام في تلك البلدة. وصدام مع معاونين آخرين، سيواجهون المحاكمة على ثلاث تهم أخرى، هي: ضرب الأكراد في مدينة «حلبحة» بالسلاح الكيماوي، وقمع انتفاضة الشيعة بعد حرب تحرير الكويت عام ١٩٩١م، واستخدام الغاز السام (غاز الخردل) ضد القوات الإيرانية في أواخر الحرب التي جرت بين العراق وإيران. وهذه التهمة الأخيرة بالذات، قد لا تجري فيها المحاكمة؛ لأن الذين زوّدوا صدام حسين بغاز الخردل القاتل وقتها هم الأمريكيون، وكان وزير الدفاع الحالي (دونالد رامسفيلد) هو عَرَّاب تلك الصفقة من أسلحة الدمار الشامل، وهو الذي أبرمها شخصياً مع صدام في ذلك الوقت، وعلى هذا، فإن مكان رامسفيلد الطبيعي ـ لو جرت المحاكمة على تلك التهمة الأخيرة ـ هو أن يكون على يمين صدام في قفص الاتهام. ولكن العدالة الأمريكية ـ بخلاف كل «العدالات» ـ يمكن أن تتجزأ، ويمكن أن تسقط الجرائم فيها بالتقادم، بل يمكن ألا تعد جرائم أصلاً، ولكن ذلك لا يغير من حقيقة أن الإدارة الأمريكية ـ في عهد بوش ـ ارتكبت العديد من جرائم الحرب. فقرار شن الحرب نفسه لم يكن شرعياً بشهادة الأمم المتحدة، ومعنى ذلك أن كل ما ترتب عليه هو من جرائم الحرب، كجرائم الإبادة الجماعية التي مات بسببها أكثر من ١٢٠ ألفاً من المدنيين فضلاً عن العسكريين، وكذا جرائم الاختطاف، والسجن دون محاكمة، والتعذيب داخل السجون الرسمية وغير الرسمية، وجرائم التمييز على أسس دينية وعنصرية، وقتل الصحفيين والإعلاميين بدم بارد، والاعتداء على المساجد وقتل المعتصمين داخلها، وجرائم الاغتصاب والتنكيل بالقتلى واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً في اجتياح المدن المقاومة؛ فكل هذا وغيره هو من الجرائم التي لا تقل بحال من الأحوال في فظاعتها وشناعتها عن الجرائم الموجهة لصدام ومعاونيه، بل إن أكثر التهم الموجهة لصدام حسين ـ في حال ثبوتها ـ هي إحدى جرائم أمريكا وحلفائها في عهد ريجان وبوش الأب؛ لانهما هما اللذان دعما صدام منذ عام ١٩٨٤م وحتى عام ١٩٩٠م. لكن يبقى السؤال: بعد محاكمة صدام وسبعة من معاونيه.... من يحاكم بوش وسبعة وسبعين من معاونيه..؟!

стр. 5585

ففروا إلى الله ! الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد: فإن قلوب العباد أوعية لما أُودِع فيها من العلوم، وظروف لما جُعل فيها من المعارف بالأمور، وهي مع ذلك تصدأ إذا أُهملت كما يصدأ الحديد، وتضطرب وتفور كما يفور المرجل؛ إذا فتحت أبوابها للوساوس والشكوك والشهوات والشبهات، ويعلوها الران إذا تُرِكت نهباً لإبليس وجنوده، حتى إنها لتصير من أثر ذلك معتمة لا تتمكن من الإبصار ومعرفة الحقائق حتى لو كانت في غاية الوضوح، ويزداد الإعتام كلما بَعُدَ الناس عن ربهم حتى تصل إلى درجة الإغلاق التام. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] فعن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ عن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء؛ فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقِل قلبه، وإن عاد ِزيدَ فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] » (١) قال الطبري: «فأخبر ﷺ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختمُ من قِبَل الله والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ولا للكفر منها مخلص» (٢) . وعن حذيفة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً؛ فأي قلب أُشْرِبَها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادّاً كالكوز مجخيّاً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أُشْرِبَ من هواه» (١) . ولا يتمكن العبد من النجاة من ذلك إلا بالفرار إلى الله ـ تعالى ـ والرجوع إلى ربه والإنابة إليه، والذل والخضوع والانكسار بين يديه، والاستغفار والتوبة، والاعتماد عليه ـ تعالى ـ في الأمور كلها؛ فهو ربه ومليكه، وخالقه ورازقه، يعطي ويمنع وهو على كل شيء قدير، قلبه بين يديه يقلِّبه كيف يشاء، وهذا هو الفرار إليه الذي طلبه الله منا بقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] فهو ـ سبحانه ـ الملاذ والملجأ وهو المغيث، ولا ملجأ منه ـ تعالى ـ إلاَّ إليه. يقول ابن جرير: «فاهربوا أيها الناس من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتِّباع أمره، والعمل بطاعته» . والفرار لا يكون إلا إلى الله ـ تعالى ـ ولا يكون إلى أحد من خلقه؛ فإن الله ـ تعالى ـ هو رب العالمين وهو الفعال لما يريد، والخلق بأجمعهم لا يقدرون على شيء إلا ما شاءه الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: ٢٩] ، ومن فرَّ إلى غيره لم يمتنع منه، حتى يفر الإنسان من نفسه التي بين جنبيه إلى ربه خالقه ومولاه؛ فراحة الإنسان وأنسه وسعادته وأمنه واطمئنانه إنما يكون بالفرار مما سوى الله إلى الله تعالى. وقد عبر القرآن عن الرجوع إلى الله ـ تعالى ـ بلفظ الفرار لبيان الحزم والجدية والفورية التي ينبغي أن يتعامل بها في مثل هذا الأمر؛ فهو ليس أمراً على التراخي؛ فشأن المخالفة والمشاققة لله ولرسوله أمر جلل مخيف حقه أن يُفَرَّ منه ويُقلَع عنه بأقصى ما يمكن. والتعبير بلفظ الفرار يدل على شدة القيود التي تكبل الإنسان، أو على شدة المغريات التي تأسره حتى يحتاج إلى الفرار؛ وإلا فلا يستطيع أن يخرج من دائرة تأثيرها، كما أن التعبير بالفرار يفصح عن سرعة الإهلاك والعذاب التي تنتظر المتواني أو المتباطئ؛ فالأمر لا يحتمل الإبطاء في الرجوع إلى الله ـ تعالى ـ فالفرارَ الفرارَ إليه يا عباد الله؛ فإنه لا مهرب منه إلا إليه. والإنسان في غالب شأنه لا يفر إلا مما يخاف منه أشد الخوف ولا قدرة له على دفع ضره وأذاه، ولا يفر إلى شيء إلا إذا كان يجد عنده الأمن والطمأنينة؛ فكان في هذا التعبير القرآني الموجز أصرح الدلالة على أن الشقاء والبؤس والتعاسة والخسارة الكاملة التي لا ربح بعدها، في البعد عن الله والفرار منه إلى غيره، كما أن الخير والفلاح والربح المضمون الذي لا تعقبه خسارة، في القرب إلى الله والفرار إليه. والفرار إلى الله كما يكون بالعمل بطاعته والتوبة إليه، يكون أيضاً بالهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة أو المعصية إلى دار السنة أو الطاعة، ومن أعدائه إلى أوليائه؛ فهو متضمن للولاء والبراء والثبات على الدين؛ فالأول فرار بالقلب، والثاني فرار بالجسد، والثالث فرار بالقلب والجسد معاً، وكل نوع من الفرار مطلوب من المرء كلٌّ على حسب حاله. والمسلم في حاجة دائمة إلى الفرار إلى الله ـ تعالى ـ والاستغفار والتوبة إليه في كل آن وحين؛ فبالفرار إلى الله والاستغفار والتوبة يُستَنزَل الغيث، ويستجلَب المال والولد، ويشتد الساعد وتزيد القوة التي يتمكن بها المرء من فعل ما يريد. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٢] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإن تَوَلَّوْا فَإنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣] وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢] . والفرار إلى الله ـ تعالى ـ ليس عملاً قلبياً أو وجدانياً فحسب، ثم ينغلق المرء بعدها على نفسه فلا يكون لذلك الفرار أثر في الواقع، ولكنَّ الفرار مبتداه من القلب، ثم ينساح على الجوارح كلها فيغمرها فيه، حتى تكون تابعة له تعمل ما يأمرها به، ولا تمتنع منه، كما قال رسول الله ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٢) . وكما قال الصحابي الجليل أبو هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ: «القلب ملك وله جنود، فإذا صلح الملك صلحت جنوده، وإذا فسد الملك فسدت جنوده» (٣) . وجنود القلب هي أعضاء البدن، فإذا كان الفرار انغلاقاً بالنفس عما حولها بحيث لا يؤثر فيها، فهو انسحاب من الحياة وهروب غير محمود، وهؤلاء هم أصحاب رسول الله ﷺ عندما فروا إلى الله غيَّروا وجه الأرض حتى عمَّها التوحيد والعدل بعد أن غلب عليها الشرك والظلم. ولا يكون الفرار انسحاباً محموداً من الحياة إلا في آخر الزمان، عند غلبة الجهل وفساد الناس، حين لا يجدي العمل والدعوة، فيكون الفرار حينئذ حفاظاً على الدين ورعاية له. قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (١) . قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ: «والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه» (٢) . وقد يقع في ذهن البعض أو الكثيرين أن الفرار إلى الله ـ تعالى ـ والاستغفار والتوبة لا تكون إلا من العاصي أو عند الوقوع في المعصية، وهذا وَهْمٌ غير صحيح، بل العبد محتاج إلى ذلك ولو كان على غير معصية، بل يحتاج إليها مع الطاعة في كل تقلباتها: قبل الطاعة وفي أثناء الطاعة وبعد الانتهاء منها. قال الله ـ تعالى ـ لعباده وهم في أثناء طاعة من أجلِّ الطاعات، وهي فريضة الحج: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] . فأمرهم بالاستغفار وهم يؤدون النُّسُك، كما أمرهم ـ تعالى ـ بالاستغفار بعدما أمرهم بكثير من الأعمال الصالحة والواجبات، فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المزمل:٢٠] ، وقد نادى الله ـ تعالى ـ المؤمنين باسم الإيمان وأمرهم بالتوبة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨] وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] ، وهذا رسولنا الكريم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول لأصحابه: «يا أيها الناس! توبوا إلى الله؛ فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة» (٣) ، ويقول: «واللهِ! إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٤) . لقد كان الفرار إلى الله ـ تعالى ـ هو مصدر القوة والعزة والمنعة التي كان يعيشها المسلمون الأولون، وهو الذي كان سبباً في انتصارهم وظهورهم على من ناوأهم ممن خالفهم وعاداهم؛ حتى إن أحدهم ليسرع الفرار إلى الله ولو كان في ذلك موته؛ فعندما قال رسول الله ﷺ في غزوة بدر للمسلمين محرضاً لهم على القتال: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض! قال عُمير بن الحُمام الأنصاري: يا رسول الله! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم! قال: بَخٍ بَخٍ! فقال رسول الله ﷺ : «ما يحملك على قولك بَخٍ بَخٍ؟ قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتِل» (٥) ، وتقدم ﵁ للقتال مسرعاً وهو يرتجز ويقول: ركضاً إلى الله بغير زادِ إلا التقى وعمل المعادِ والصبر في الله على الجهادِ وكل زاد عرضة النفادِ غير التقى والبر والرشادِ والركض إلى الله ـ تعالى ـ هو الفرار إليه. ثم تغيَّر الحال وضعف المسلمون، وصار كثير منهم يفرون إلى عدو الله وعدو المسلمين، مسارعةً فيهم والتماساً للقوة والعزة منهم، حتى إن منهم من ينصر الكفار على المسلمين من أجل ذلك، وقد نهى الله ـ تعالى ـ المؤمنين عن هذا المسلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١] وبيَّن حقيقة من يسلك هذا السبيل فقال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢] ، وقال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩] . فلا عزَّ لنا ولا نصر ولا كرامة، إلا أن يكون الفرار إلى الله ـ تعالى ـ وحده لا شريك له، دون ما سواه من خلقه أجمعين. اللهم اجعلنا ممن يفرون إليك!

стр. 5586

الخطاب الإسلامي بين الأصالة والانحراف أكرم عصبان الحضرمي هبت رياح عاتية بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١م أتت على الخطاب الديني المقيَّد بأعنة الكتاب والسنة، ونادت عليه بالتغيير والتعديل والتبديل، وفي المقابل أفسحت المجال لخطاب بمواصفات معينة، فاغتنمها دعاته في إبراز مضامين فكرهم، وبذلك انتعش أمرهم وبقيت مراكزهم في منأى عن قوة هذه الهجمة الشرسة. فالدعوة التي تتبنى الإسلام بمفهومه الشامل وتنابذ الجاهلية وتشد بيديها على هذا المفهوم ولا تحيد عنه نرى أن الأبواب أمامها تؤصد، وجميع تحركاتها تُرصد، ويمارَس ضدها كل الأساليب لمساومتها في التخلي عن بعض هذا المفهوم حتى يؤول الأمر في نهايته إلى الاستفزاز من الأرض، وتلك سنَّةٌ ماضيةٌ، وطريقة باقية، تواجهها الدعوة حين لا تغضي على ضيم الأعداء ولا تنعم عيناً مع وجود الباطل. أما الدعوات التي تنتسب إلى الإسلام، وتتخلى عن المنهج الرباني والإرث النبوي الذي بنيت عليه الدعوة في خطابها، وتصدف عن مفهومه الصحيح، طلباً للسلامة حيث لا يصيبها العنت، نجد الأعداء يلوون في تفسير الدين عليها، ويسندون القياد إليها، ويفتحون أمام أربابها الأبواب، فلا عجب أن ترى أعلامها منشورة، وإبانة الإسلام عليها مقصورة، ذلك أنهم لما مالوا بعض الميل، وتحدثوا فطففوا في الكيل، طمعوا في خطابهم، وأمالوا برؤوسهم نحوهم، وخاصة أن الحاجة ماسة إلى الخطاب الديني بعد أن فرضت الصحوة المباركة نفسها في الواقع، وتراجعت الشعارات التي كانت سبباً في ضعف الأمة، وسقطت أوراق العلمانيين وغاب دورهم فلم يعد يعوَّل على رأي النخب منهم. وحديثنا هنا يكون على محورين: أحدهما: بيان طبيعة خطاب المنهج النبوي المتمثلة في العبودية لله وحده، وإقامة نظام الله على الأرض وإزهاق ما علق بالنفوس من تصورات الجاهلية. وثانيهما: ذكر نماذج من الخطاب الديني الذي مد الأعداء له الحبال حين انحرف عن الجادة، ونأخذ منه ثلاثة: خطاب أهل التصوف، والإرجاء، والجبر. - الإسلام هو الاستسلام لله وحده: لقد جاء الإسلام بالعدل الذي أُرسلت من أجله الرسل، وأُنزلت لبيانه الكتب، وهو النظام للحياة كلها؛ حيث ينقل الناس من الوثنية التي ألفوها إلى النظام الإسلامي الذي يتميز بالشمولية والاتزان. قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وذلك من خلال غرس العقيدة الإسلامية لتكون أساساً تنطلق منه الدعوة لتحقيق تغيير شامل للحياة واصطباغها بصبغة الحق تكون العبودية لله وحده، وتمحى بها كل تصورات الجاهلية التي سادت حيناً من الدهر وأدت إلى الانحراف عن الفطرة. فالإسلام بهذا المفهوم (يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص لقوله ـ تعالى ـ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] فلا بد في الإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قول (لا إله إلا الله) فمن استسلم لله ولغيره فهو مشرك؛ والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته، وقد قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ) (١) . - الحنفاء وقريش: وقد أدرك (ورقة بن نوفل) طبيعة هذا الخطاب من أول وهلة، وأن الجاهلية لن تدعه يقوِّض خيامها لكونه يحمل منهجاً تغييرياً، فقال للنبي ﷺ ـ حين قص عليه ما حصل له في الغار ـ: «ما جاء رجل قَطُّ بمثل ما جئت به إلا عودي» (٢) . صرح ورقة بهذه القالة مستشرفاً المستقبل المحفوف بالمخاطر، والإخراج من الأرض، مرجعاً نظرته إلى خلفية استقاها من أسفاره إلى أهل الكتاب، ودراسة أسفارهم، و (ورقة بن نوفل) هذا مع (زيد بن عمرو بن نفيل) يعدان من أبرز الباحثين عن الحق من قريش قبل الإسلام. قال الذهبي في السِيَر: (فأما ورقة فتنصر، واستحكم في النصرانية، وحصّل الكتب، وعلم علماً كثيراً.. ولم يكن فيهم ـ الحنفاءَ ـ أعدل شأناً من زيد اعتزل الأوثان، والملل إلا دين إبراهيم، يوحد الله ـ تعالى ـ ولا يأكل ذبائح قومه) (٣) . وهؤلاء الحنفاء الذين فارقوا ما عليه قومهم من عبادة الأصنام، وأكل ما ذُبح عليها، ووأد البنات وغيرها من المنكرات لم يكونوا يحملون خطاباً عاماً لقومهم؛ ولذلك لم تشن قريش ـ بمجموعها ـ حرباً عليهم؛ إذ لا يشكلون تهديداً حقيقياً على المعتقدات؛ ومن ثَمَّ لم يتعرضوا للنفي إلا ما كان من شأن زيد مع عمه الخطاب (وكان عمه الخطّاب قد آذاه، فنزح عنه إلى أعلى مكة فنزل حراء، فوكَّل الخطّاب شباباً سفهاء لا يَدَعونه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سراً) (٤) . - العداء السافر لدعوة النبي: أما دعوته ﵊ التي سفَّهت أحلامهم، وعابت أصنامهم، وجاءت بالعبودية لله وحده؛ فقد رأت فيها قريش أنها تريد تغيير دينها، وموروثاتها السابقة التي شاخت عليها، وتسلبها نفوذها الذي يكسبها قداسة عند الناس من حولهم، وتذهب بسلطانها الذي يحقق لها مكاسب مادية، فلجأت إلى العداء السافر الذي أخذ أشكالاً مختلفة، منها حصار الشِّعْب الذي دام ثلاث سنوات أرهق الفئة المسلمة أيما إرهاق، ومنها حرب نفسية تمثلت في رمي النبي ﷺ بألقاب منفرة كالقول بأنه شاعر أو كاهن أو مجنون لتنقض قريش غزلها الذي نسجته بالأمس في مدحه ﵇، ومنها الأذى الجسدي؛ غير أن المسلمين لم يستكينوا لهذه الأساليب كلها، وكان زوال الجبال أهون عندهم من الحيدة عن المنهج قدر أنملة، ولسان حالهم لقريش هو لسان الشاعر في قوله: فرُمْ بيديك هل تسطيع نقلاً جبالاً من تهامة راسياتِ؟! - المساومة في المنهج: ولما رأت قريش أن قناة المسلمين قوية لا تلين لغامز، عاجت (٥) على مكر أمضى تأثيراً مما سبق ذكره، هو الاعتراف بالإسلام مقابل التخلي عن بعض مقومات خطابه، واعترافه بالجاهلية أولاً، وقد حشدت لهذا كل طاقاتها، وأبدت لِيناً، وسعت في تحقيقه حتى كاد السعي أن ينجح لولا أن ثبت الله نبيه بثبات من عنده، فباءت هذه الجولة أيضاً بالفشل. فعقد من بيده الحل والعقد من مشركي مكة مؤتمراً مهماً بدار الندوة قرر المجتمعون فيه قتل النبي ﷺ ، أو استفزازه من الأرض بكل ما يكمن وراء هذه اللفظة القرآنية من معان، وذكر القرآن هذا المسلك في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * وَإن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٧] . وهكذا ينتهي بنا تحديد الخطاب في منهج النبي ﷺ الثابت وموقف الأعداء منه حين لم يتخلَّ عن مقومات الدعوة إلى الله ليستلهم المسلمون منه أهم المعالم فلا يتعجبوا بعد ذلك من سهام المخالفين حين تسدد إليهم عن قوس واحدة. أما المحور الثاني فيكون عن بعض المناهج المخالفة وهي (الصوفية، والمرجئة، والجبرية) التي أصلها انحراف في الخطاب عن طبيعة المنهج النبوي الذي سبق تقريره، ووضح تحريره، وفرعها استغلال الأعداء لهذا الخطاب واستئناس بعض الجاهلين به. - أولاً: التصوف: إن التصوف قد بدأ بالزهد والازورار عن الحياة حين أبدت زخرفها، ثم فسد حين أخذ من سوق الفلاسفة تهذيب النفس عبر المقامات، وتغلظ الفساد بالخوض في الإنسان الكامل، ومجاراة الغلاة في إثبات منزلة له فيها خصائص الربوبية، تحت مسمى الغوثية والقطبية، أوقعت الأتباع في عقائد فاسدة، وغالب المتأخرين منهم اشترى من هذه البضاعة الكاسدة. إذاً فمصطلح التصوف لم يقف عند حقيقة النشأة فحسب، بل ما فتئ يتطور وينمو حتى استقر على صيغة نهائية ينصرف إليها الاسم عند الإطلاق، ومن يحصره على المعنى السلوكي من ترقيق القلوب، وتزكية النفوس، ويتوارى عن الجانب الفكري، فإنه يقطع سير الصوفية إلى الغاية التي اتجهوا نحوها من حيث أراد تنزيههم، ولم يراعِ لهم حقوقاً، ومن البر ما يكون عقوقاً. فالرياضة والمجاهدات ذات الطابع العملي وإن كانت ملوثة بالتواجد والسماع، والخنوع للشيوخ، والتنقيب في أشياء كالجوع والسهر والخلوة لم ينقب فيها السابقون لم يقف الصوفية عندها بالوصيد، بل كسروا الباب، ومضوا إلى الجمع والبقاء ذي النزعة الفلسفية الذي قاد إلى الشطح ومقام القطبية ونحو ذلك من السراب. وحقيقة التوحيد تتمثل في مقام الفناء حين يفارق الواصل التمييز والشعور ويخرج عن عهدة التكاليف، وإذ تحدث فيه فلا يكاد يبين، بل يتكلم بما يدعونه (الشطحات) الناتجة عن مقام السُّكْر، ثم يعود إلى مقام القطبية والغوثية والإنسان الكامل؛ ومبنى ذلك كله على الحقيقة أو علم الباطن، ومناطه التسليم. قال أبو مدين الذي تنسب إليه الطريقة المدينية المغربية: فلا تلم السكران في حال سُكْره فقد رُفِعَ التكليفُ في سُكْرِنا عنا وسلّم لنا في ما ادعيناه إننا إذا غلبت أشواقنا ربما بُحنا ويحتاج المريد السالك لهذا الدرب إلى شيخ يسير بسيره إلى الغاية، ويتحكم له فلا يخالفه البتة ولو على خلاف الظاهر ـ ويحتجون بقصة الخضر ـ بل يكون عنده كالميت عند مغسله: وكن عنده كالميت عند مغسِّل يقلبه ما شاء وهو مطاوع وفي قصة الخضر الكريم كفاية بقتل غلام والكليم يدافع ويعد الشيخ هو المحور الذي تدور عليه الطريقة وتتميز به عن غيرها من الطرق الأخرى؛ ومن هنا نشأ تقديس المشايخ وأنهم محفوظون. والقول بالقطبية والتصرف في الكون وغيرها من العقائد التي أخذ بعضها من كيس الشيعة فأُشرِبَتْها الصوفية وتلقتها عنهم، ولذلك تجدهم ينهمكون في عمل الموالد عند أضرحة المشايخ ويطيلون الوقوف عند عتباتهم، وينسبون الخوارق والحكايات والخرافات إليهم، ويغلون فيهم غلواً يقع الخلط فيه بين الولاية والربوبية. والتصوف بهذا المفهوم المنحرف لا يحمل منهجاً يحدث تغييراً في الواقع؛ إذ هو محصلة من الخمول والمحو والفناء والغيبة والسكر وهي مترادفات تشير إلى البعد عن الواقع ونتيجة يسبقها الجوع والسهر والخلوة والصمت، فأنَّى لمثل هؤلاء أن يبارزوا جاهلية منظمة؟ وكيف بمن يفنى عن الكون فلا يقوم بالعبادات الواجبة فضلاً عن المندوبات أن يقوم بالتغيير؟ وكذا مجذوب لا يدري شيئاً، وهائم في القفار على وجهه أنى له أن ينشد النظام الإسلامي؟ - شاهد عدل: ولنأخذ مثلاً على بعض مفردات هذا الفكر ـ الذي يُفسح المجال لخطابه الديني ـ في عصرٍ طغت فيه الطرق، ومِصْرٍ انتشر فيه أصحابها انتشاراً عظيماً؛ وذلك حين عطلت طقوس طرائق الصوفية في مصر إبَّان الغزو الفرنسي، ثم ما لبثت أن أعيدت على عين الاحتلال بعد أن بَلَوْا أخبارها؛ فما نقموا منها شيئاً، ومحصوا أفكارها؛ فإذا بها تكشف لهم عن وجه فيه من المخالفات ما تقر به العيون، فجعلوا يشجعونها على إعادة ما تقوم به من الموالد وغيرها من مفردات التصوف. ولْنُعْطِ القوس باريها في هذا المجال وهو المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي يحدثنا عن ذلك الواقع الذي أزرى بالدين في تاريخه المسمى (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) . يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما قد حدثوك فما راءٍٍ كمن سمعا قال الجبرتي: (إن أهل مصر جَرَوْا على عادتهم في بِدَعهم التي كانوا عليها، وانكمشوا عن بعضها، واحتشموا خوفاً من الفرنسيس، فلما تدرجوا فيها وأطلق لهم الفرنساوية القيد، ورخصوا لهم وسايروهم رجعوا إليها، وانهمكوا في عمل موالد الأضرحة التي يرون فرضيتها، وأنها قربة تنجيهم بزعمهم من المهالك، وتقربهم إلى الله زلفى في المسالك) (١) . ولنأخذ مثالين لأشهر تلك الموالد التي تحدث عنها الجبرتي وهما: ١ ـ المولد الذي ابتدعه بدوي فتيح: في شهر شعبان سنة ١٢١٣ هـ وفي يوم الأحد سادسه نادى القبطان الفرنساوي الساكن بالمشهد الحسيني على أهل تلك الخطة وما جاورها بفتح الحوانيت والأسواق لأجل المولد الحسيني ـ الذي ابتدعه بدوي فتيح ـ وشدد في ذلك وأوعد من أغلق حانوته بتسميره وتغريمه عشرة ريالات فرنسية مكافأة (٢) على ذلك! وكان بدوي قد اعتراه مرض الحب الإفرنجي، فنذر نفسه في عمل هذا المولد إن شفاه الله تعالى واستمر هذا المولد أكثر من عشر سنين لم يزدد الناذر إلا مرضاً ومقتاً، وفيه رتب فقهاء يقرؤون القرآن بالنهار مدارسة، وآخرين بالمسجد يقرؤون بالليل دلائل الخيرات للجزولي، وقد انضم إليهم كثير من أهل البدع كجماعة العفيفي والسمان والعربي والعيسوية (٣) . ٢ ـ مولد علي البكري: في عشرين ربيع الثاني سنة ١٢١٤هـ نودي بعمل مولد (علي البكري) وذلك أن الناس لما حضر الفرنساوية تشاغلوا عنه، وأُهمِلَ شأنه في جملة المهمَلات، وتُرِك مع المتروكات؛ فلما فتح أمر الموالد والجمعيات..... ورخصت الفرنساوية لما رأوا فيه من الخروج عن الشرائع، واجتماع النساء، واتباع الشهوات والتلاهي، وفعل المحرمات، وأمر الناس بوقود قناديل بالأزقة في تلك الجهات، وأذنوا لهم بالذهاب والمجيء ليلاً ونهاراً من غير حرج. وكان (علي البكري) رجلاً من البُلَهِ يمشي بالأسواق عرياناً مكشوف الرأس والسوأتين، وله أخ صاحب دهاء ومكر لا يلتئم به، واستمر على ذلك مدة سنين، ثم بدا لأخيه فيه أمر لما رأى ميل الناس واعتقادهم فيه كما هي عادة أهل مصر في أمثاله، فحجب عليه، ومنعه من الخروج من البيت، وألبسه ثياباً، وأظهر للناس أنه أُذِنَ له بذلك، وأنه تولى القطبانية، فأقبلت الرجال والنساء على زيارته والتبرك به وسماع ألفاظه والإنصات إلى تخليطاته وتأويلها بما في نفوسهم، وطفق أخوه المذكور يرغبهم ويبث لهم كراماته وأنه يطَّلع على خطرات القلوب والمغيبات وينطق بما في النفوس، فأقبلوا بالهدايا والنذور والإمدادات الواسعة من كل شيء، فاتسعت أمواله ونفقت سلعته وصادت شبكته، وسمن الشيخ من كثرة الأكل والدسومة والفراغ والراحة حتى صار مثل البَوِّ العظيم؛ فلم يزل إلى أن مات في سنة سبع بعد المائتين. فدفنوه بمعرفة أخيه في قطعة حُجِرَ عليها من هذا المسجد من غير مبالاة ولا مانع، وعمل عليه مقصورة ومقاماً، وواظب عنده بالمقرئين والمداحين وأرباب الأشاير والمنشدين بذكر كراماته وأوصافه في قصائدهم ومدحهم ونحو ذلك، ويتواجدون ويتصارخون ويمرغون وجوههم على شباكه وأعتابه ويفرقون بأيديهم من الهواء المحيط به ويضعونه في أعبائهم وجيوبهم (١) .... - أمور غريبة من أفعال بعض الصوفية: ومن غريب أمر بعض الصوفية حين يذهب الاعتقاد بهم في تقديس شيوخهم قولهم إن البلاد تُحمَى بسرِّهم، وتُحفَظ ببركتهم، كما نقل (رشيد رضا) في تفسير المنار أنه يُحكى عن مسلمي بُخارى أن شاه نقشنبده هو الحامي لها، فلن تستطيع الدولة الروسية الاستيلاء عليها! وما كان يُحكى عن مسلمي المغرب الأقصى من حماية مولاي إدريس لفاس وسائر المغرب!) (٢) . وأغرب من ذلك من يلوذون بالشيوخ إذا دخل المستعمر ليخلصهم ضريحُه من شر هذا المستعمر كما نقل بعضهم في ذلك شعراً بقوله: يا هاربين من التترْ لوذوا بقبر أبي عمرّْ وأشد غرابة من ذلك حين يوغل البعض في الغلو إيغالاً بعيداً يفوق خطابهم الذي طمعوا فيه، ويتعداه إلى مساعدة الأعداء في احتلالهم كما قال (رشيد رضا) يخاطب بعض أهل الطرق الذين اتهموه بأنه ينكر كرامات الأولياء: (وها هي ذي فرنسا استولت على بلادهم كما أنذرهم ـ يعني نفسه ـ وظهر أن أكبر مشايخ الطرق نفوذاً ودعوى للكرامات بالباطل كالتيجانية كانوا وما زالوا من خدمة فرنسا ومساعديها على فتح البلاد واستعباد أهلها أو إخراجهم من دين الإسلام إلى الإلحاد أو النصرانية من حيث يدرون أو لا يدرون) (٣) . وقد قام بعض شيوخ الطريقة التيجانية في الجزائر والمغرب بالدفاع عن الاستعمار الفرنسي وتحريض المسلمين على الخنوع، ويتضح في الخطبة التي ألقاها صاحب السجادة الكبرى محمد الكبير بين يدي فرنسا قائلاً: (إنه من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا مادياً وأدبياً وسياسياً! ولهذا فإني أقول لا على سبيل المن والافتخار ولكن على سبيل الاحتساب والتشرف بالقيام بالواجب ... أن تصل بلادنا وقبل أن تحتل جيوشها الكرام ديارنا! ففي سنة ١٨٣٨ كان جدي سيدي محمد الصغير ـ رئيس التيجانية يومئذ ـ أظهر شجاعة نادرة في مقاومة أكبر عدو لفرنسا الأمير عبد القادر الجزائري، ومع أن هذا العدو ـ عبد القادر ـ حاصر بلدتنا (عين ماضي) وشدد عليها الخناق ثمانية أشهر فإن هذا الحصار تم بتسليمِ فيه شرف لنا نحن المغلوبين وليس فيه شرف لأعداء فرنسا الغالبين؛ وذلك أن جدي أبى وامتنع أن يرى وجهاً لأكبر عدو لفرنسا فلم يقابل الأمير عبد القادر (٤) . - من الخطاب الصوفي المعاصر: وهو ما يطالعنا به أبرز المروِّجين للتصوف (زين العابدين علي الجفري) في الإعلام بقنواته الفضائية والصحفية من التبشير بقدوم التصوف؛ وذلك في حديثه لجريدة الشرق الأوسط بقوله: (التصوف قادم بوجهه الصحيح) وقد علل ذلك بقوله: (لأن أهل التصوف الصادقين بعد أن أوذوا وحصل لهم ما حصل بدؤوا الآن يستعيدون وجودهم ... ) (١) . قلت: وقوله: (الآن) يراد به بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١؛ وأما قيد الصحة الوارد في عبارته المذكورة فلا يفيد في البيان شيئاً لاشتماله على الإجمال؛ إذ يستطيع تفسيره عند المعارضين ـ أو المتوقفين في التصوف ـ على ما ينبذونه وفق تصورهم، كما يستطيع أن يحمله إذا خلا بمؤيديه على نبذ الحلول والاتحاد، ولو كان واضحاً لأبان لنا في تفصيل المراد ولكن التعميم صفة تكثر في أجوبته (٢) . وقد حدد الوجه الصحيح للتصوف في المنهج الذي يدعو به كما ورد في صحيفتي الأيام و (٢٦) سبتمبر اليمنيتين فقال في بيان الفرق بين دعوته ودعوة عمرو خالد: (المنهج الذي ندعو إليه له جذور تمتد ألف سنة....) قال: (ودار المصطفى ـ بتريم ـ امتداد لهذا التاريخ..) . هكذا ذكر لنا طول المنهج على امتداد التاريخ، ولكن: ما لونه، ما ريحه، ما الطعم؟ لا يستطيع القارئ أن يتعرف على شيء من ذلك إلا إذا كان على خلفية مسبقة بالطريقة الصوفية الحضرمية، ونحن لا نلمح شيئاً من خطاب هذا المنهج المقرر في مصادر الطريقة عند المتقدمين منهم والمتأخرين ممن يعدهم ضمن شيوخه، وذلك لوحشة من يخاطبهم من الخطاب الصوفي التقليدي الغارق في الكرامات، فأدخل عليه تعديلاً حتى يتلاءم مع العصر بقوله: (التصوف بمعناه الراقي لا الهزلي) (٣) . هذا هو التعديل الجديد على المنهج، وبه كاد أن ينقض قوله السابق المتمثل في الدعوة إلى منهج محدد؛ فهو يرى كما في صحيفة السياسة الكويتية أن مصيبة الأمة ترجع إلى حب الدنيا وكراهية الموت والذي يعالج هاتين الخصلتين هو علم التصوف بمعناه الراقي وليس الهزلي الذي يمارسه البعض اليوم؛ فالتصوف الراقي هو الذي يعتني بتطهير القلوب وصفائها ويخلصها من حب الدنيا وكراهية الموت ويربطها بالله . وفي صحيفة الأيام البحرينية قال: (ما رأيت نظاماً يتخوف منها) أي الصوفية. وخص في مجلة المصور المصرية النظام المصري بالذكر في معرض حديثه عن سبب ترحيله من مصر التي يزورها فيها آل البيت والصالحون الموجودون فيها كالسيدة زينب والسيدة نفيسة والإمام الحسين! فقال: (والمسؤولون ليسوا من أصحاب التوجه المحارب لأضرحة الأولياء) (٤) !! وقد يستأنس بعض الناس بالخطاب الصوفي إما بسبب التشديد الذي ينتهجه بعض الدعاة حين ينزع إلى التضييق عليهم، وإما بسبب طغيان الحياة المادية وضعف الخطاب عن أمراض القلوب، وقديماً أشار الكواكبي إلى أن التضييق في الأحكام مما ينافي سماحة الدين ومزية التدين به في الدنيا قبل الآخرة هو الذي جعل المسلم لا يرى لنفسه فرجاً إلا بالالتجاء إلى صوفية الزمان الذين يهونون عليه الدين كل التهوين ... وهم المقررون بأن الولاية لا ينافيها ارتكاب الكبائر كلها إلا الكذب، وأن الاعتقاد أوْلى من الانتقاد، وأن الاعتراض يوجب الحرمان، أي أن تحسين الظن بالفساق والفجار أوْلى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! إلى غير ذلك من الأقوال المهونة للدين والأعمال التي تجعله نوعاً من اللهو الذي تستأنس به نفوس الجاهلين على أن الناس لو وجدوا الصوفية الحقيقيين وأين هم لفروا منهم (٥) . - ثانياً: المرجئة: إن الإيمان عند السلف قول وعمل، يشمل الطاعات الباطنة والظاهرة فهو (مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصاً يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة) (٦) . وأما حقيقته عند المرجئة فيتمثل في إخراج العمل عنه، وقد اتفقت فرقها على هذا الأصل الجامع لها مع اختلاف في التفاصيل يتردد بين إرجاء الفقهاء والغلاة. قال الفضيل بن عياض: (ميز أهل البدع العمل عن الإيمان وقالوا: فرائض الله ليست من الإيمان، ومن قال ذلك فقد أعظم الفِرْية، أخاف أن يكون جاحداً للفرائض، رادّاً على الله أمره) (٧) . وقال الآجرِّي: (فالأعمال ـ رحمكم الله ـ بالجوارح وتصديق عن الإيمان بالقلب واللسان؛ فمن لم يصدق الإيمان بعمله وجوارحه مثل الطهارة والصلاة والصيام والحج والجهاد وأشباه لهذه ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمناً ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيباً منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكرناه تصديقاً منه لإيمانه. وبالله التوفيق) (١) . فلا بد من القول والعمل، ومن لم يسلِّم بهذا فقد رد على أبي بكر في قتاله أهل الردة الذين امتنعوا عن الزكاة حين لم يجحدوا التوحيد. وما زال مسمى الإيمان عند المرجئة مشكلاً يوردون نصاً أُجْمِل القول فيه، ويتعلقون به ويمرون عند كل المواضع التي جاءت بالبيان الشافي مروراً سريعاً، حتى ذهبت غلاتهم مذهباً بعيداً، فزعموا أن لا فرق بين إيمان العاصي وإيمان أبي بكر؛ وعليه فلا أثر للذنوب البتة. قال ابن القيم في مدارج السالكين (العقبة الثانية عقبة الكفر: فإن ظفر به فيها زينها له وحسنها في عينه وسوَّف له وفتح باب الإرجاء وقال له: الإيمان هو نفس التصديق فلا تقدح فيه الأعمال، وربما أجرى على لسانه وأذنه كلمة طالما أصك بها الخلق وهي قوله: لا يضر مع التوحيد ذنب؛ كما لا يضر مع الشرك حسنة) (٢) . وكانت نار المرجئة تعلو تارة، وتخبو كثيراً إلى أن نفخ فيها اليوم من ينتسب إلى العلم، فزادوا أُوارها جذوة وبعثوها من مرقدها، وما زالوا يقررون أن الإيمان هو التصديق، ولا كفر إلا الجحود والتكذيب؛ حتى صار الدين عندهم كالسمحاق، وغدا بدره إلى المحاق، فونت العزائم، وعطلت الأحكام، ولم تكتف هذه الطائفة بهذا الانحراف، بل ذهبت تصف كل من يخالفها بشنشنة معروفة أنهم من جنس الخوارج. وكاد خطابهم أن يملأ الساحة لولا أن تصدى كبار العلماء في اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية لهذا الفكر، وبينوا ضلال قولهم هذا وما فيه من تعطيل جانب الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه يسوي بين الصالح والطالح والمطيع والعاصي (٣) . - آثار الإرجاء: وقد نتج عن هذه الفئة التي تبنت أقوال المرجئة من الآثار ما أضعف الأمة وفتح لها باب المعاصي ولا سيما حين ساووا بين المعاصي والحكم بغير ما أنزل الله في التشريع العام، واشترطوا فيهما الاستحلال؛ وهذا محض افتراء على أهل السنة؛ وما أجمل ما سطره يراع الشيخ (بكر أبو زيد) في حديثه عن تهوين هذه الفئة من خصال الإسلام وفرائضه شأن أسلافهم من قبل، فقال: ـ منها التهوين من شأن الصلاة، لا سيما في هذا الزمان الذي كثر فيه إضاعة الصلوات واتباع الشهوات، طاشت فيه موجة الملحدين الذين لا يعرفون ربهم طرفة عين. ـ ومنها التهوين من تحكيم شريعة الله في عباده، بل ومساندة من يتحاكم إلى الطاغوت، وقد أمر الله بالكفر به) . - فرح العلمانية بذلك: فإخراج العمل من مسمى الإيمان يعد من أخطر الانحرافات التي دخلت على العقيدة الإسلامية من حيث تأثيرها في الواقع وبقاء النظام الجاهلي، لانفصام العمل عن الإيمان عندهم، والعلمانية تفرح بهذا الخطاب بمن استبضع الإرجاء، وسعى في نشره، وقام أصحابها الذين فصلوا الدين عن الدولة ـ شاهت وجوهم ـ يعملون على بث الشهوات عن طريق ما تقدمه وسائل الإعلام من أمواج الفتن والخناء وراموا تدمير الأخلاق، ووجهوا سهامهم نحو المرأة تحت شعارات زائفة ودعايات زائغة طالما كلفوا بها كتحريرها، مجاراة للغرب الذي يُكْبِرونه في صدورهم، وأرادوا استنساخ صورة منه في أرض الإسلام، والمسلم يهون على نفسه بأن إيمانه معافى لا يمسه شيء، والمرجئة من حيث لا تشعر في خطابها الديني قد أسهمت في ذلك. وصدق الشاعر في قوله: في كل شيء إذا ضيعته عوض وليس في الله إن ضيعت من عوضِ وانتهى الأمر خطورة بحصر الكفر في الاستحلال إلى إيصاد باب التكفير، فتجرأ الزنادقة وطعنوا في الدين؛ لأنهم في منأى عن الحكم بردتهم؛ إذ المرجئة تظل منتظرة الجحود والاستحلال منهم. قال الشيخ (صالح الفوزان) في رده على العنبري: (التكفير للمرتدين ليس من تشريع الخوارج ولا غيرهم، وليس هو فكراً كما تقول، وإنما هو حكم شرعي حكم الله به ورسوله على من يستحقه بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام القولية، والاعتقادية، أو الفعلية التي بينها العلماء في باب أحكام المرتد ... ) (٤) . - الجبرية: ونعني بها الجبرية المحضة التي حقيقة خطابها: أن لا سبيل إلى التغيير؛ لأن ما تعيشه الأمة من النكبات إنما وقع بمشيئة الله، ولا يستدعي ذلك العمل لتغييره؛ إذ الواجب عندهم التسليم للمقادير، وترك الأخذ بالأسباب، ونكون في ظل الواقع المرير إلى حيث أراد القدر صائرون، وهو خطاب يتبناه الذين يتوكؤون على القدر ويتركون الأمور سائمة طول العام، فحين يرون رايات الدين نكست، ومعالمه درست، تراهم يحيلون على القدر فكانت العاقبة خذلاناً عظيماً. قال (العز الحنفي) شارح الطحاوية يبين فساد هذا الطرح: (وقد يظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب، وهذا فاسد؛ لأن الاكتساب منه فرض ومنه المستحب، ومنه مباح ومنه مكروه ومنه حرام، وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين يلبس لأمة الحرب ويمشي في الأسواق) (١) . والإعراض عن التغيير الجاد وعدم إنكار المنكر بمسوغات الاستسلام للقدر هو قَدْح في الشرع ذاته ودثار ملتحفه عار، وصاحبه على شفا جرف هار. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحوُ الأسباب أن تكون أسباباً نقصٌ في العقل، والإعراضُ عن الأسباب المأمور بها قدحٌ في الشرع؛ فعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على الله لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة) (٢٢) . - ثمار تبني هذا القول: نجد أن تبنِّي هذا الخطاب الشعبي يجعل الأمة تتردى في هوة سحيقة من الجمود، ويعزلها عن الأحداث؛ والسبب في ذلك يرجع إلى الخلط بين الرضا والمشيئة، فتجد هذا الجبري فاغراً فاه يتساءل عن جدوى العمل في ركام تلك الأحداث العظيمة، وينادي بالراحة والقعود كما نادى بها صاحب الشاعر لما طال عليه السير فبكى فصور حاله بقوله: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنَّا لاحقانِ بقيصرا فقلت له: لا تبكِ عينك إننا نحاول ملكاً أو نموت فنُعذَرا ومن آثار هذا الخطاب أيضاً التيئيس من العمل الدعوي الذي ينشد المصلحون من خلاله إقامة الخلافة الراشدة. قال الشيخ عبد الرحمن المحمود: (وإننا نسمع كثيراً من اليائسين الذين يكررون عبارات التيئيس للدعاة والمصلحين مثل قولهم: إن هذا الزمان هو الذي فسد، وإن الإصلاح صعب، وهذا آخر الزمان وهو زمان غربة الإسلام ... إلى آخر العبارات التي تنم عن جهل كبير ويأس قاتل، وما أدري: لو عايش هؤلاء غربة الإسلام الأولى ـ حين كانت الدنيا كلها مطبقة على حرب رسول الله ﷺ وأصحابه حين كانوا قلة مستضعفين ـ ما أدري لو عايش هؤلاء تلك الغربة ماذا سيقولون؟ وماذا سيفعلون؟) (٣) . - الأعداء يستغلون الجبر: لقد تلقف الكافر هذه العثرة التي لا تُقال، وضرب لها الطبل، واستدل بها على ضعاف العقول حين أوصاهم بالتمسك بهذه الخطة ـ خطة الضيم ـ بتمويه وتضليل عجيبين، وأدرك أنها بوابة لبقائه كما قال بونابرت في خطابه لأهل مصر: (أيها العلماء والأشراف! أَعْلِموا أمتكم ومعاشر رعيتكم بأن الذي يعاديني ويخاصمني إنما خصامه من ضلال عقله، وفساد فكره؛ فلا يجد ملجأ ولا مخلصاً ينجيه مني في هذا العالم، ولا ينجو من بين يدي الله لمعارضته لمقادير الله ، والعاقل يعرف أن ما فعلناه بتقدير الله ـ تعالى ـ وإرادته وقضائه، ومن يشك في ذلك فهو أحمق أعمى البصيرة! وأعلموا أيضاً أمتكم أن الله قدَّر في الأزل هلاك أعداء الإسلام، وتكسير الصلبان على يديَّ! وقدَّر في الأزل أني أجيء من المغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ظلموا فيها! وإجراء الأمر الذي أمرت به، ولا يشك العاقل أن هذا كله بتقدير الله وقضائه. وأعلموا أيضا أمتكم أن القرآن العظيم صرح في آيات كثيرة بوقوع الذي حصل، وأشار في آيات أخرى إلى أمور تقع في المستقبل، وكلام الله صدق وحق لا يتخلف!!) (٤) . فانظر إلى تطابق هذا الخطاب وموافقته لخطاب الجبرية من العوام وغيرهم يتضح لك خطورة مثل هذا الطرح والآثار السيئة المترتبة عليه. وقد اشتد نكير ابن القيم على من يردد هذه الشبهة ويشيعها إما بجهل عن حقيقة مفهوم القدر، أو بخبث طوية لتمريره على الطغام، (بأن دفع القدر الذي وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر المرض بقدر التداوي، ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان؛ فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار لا استسلام لها وترك الحركة والحيلة فإنه عجز، والله ـ تعالى ـ يلوم على العجز) (٥) . ويذهب الغلو إلى أقصى حده حين لا يقف الخذلان في الرضا بالقعود، بل يتجاوزه إلى مساعدة الأعداء في تنفيذ مكرهم بحجة تعجيل القضاء كما قيل إن بعض الأولياء خرج فرأى الخضر مع الكفار يسحب مدافعهم بسلسلة، فقال له: كيف هذا الحال؟ فقال الخضر: أمر اقتضته القدرة الإلهية نسرِّعه أو أردنا تعجيله! (٦) . وينبغي التنبه هنا في خطأ بعض الكتابات التي تعلِّق خلاصَ المسلمين من واقعهم المرير بخروج عيسى ﵇ أو المهدي المنتظر، وتعمد إلى سرد نصوص الفتن مجردة عن المبشرات؛ وحال مقالها ينادي بأن يضع العاملون المصلحون أسلحتهم وينتظروا المنقذ لهم؛ وهذا قصور في فهم المنهج النبوي والدعوة إلى الله . بل الواجب تنكُّب طريق المنحرفين وحمل لواء التغيير حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وفي خاتمة المطاف نسأل الله أن يسدد أقوالنا وأفعالنا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 5587

ضوابط في مجال الفتوى د. قطب الريسوني (*) مما لا شك فيه أن حظاً غير ضئيل من المخالفات الفقهية يعزى إلى اختلال ميزان الأولويات في الفتوى والاستدلال والتأليف الفقهي؛ إذ لا تُوضع المصادر الاستدلالية في رتبتها الصحيحة، وتضرب الأدلة بعضها بيعض، ويفتى بالأقوال دون النظر إلى مُعارضها سواء كان راجحاً أو مساوياً أو ضعيفاً، ويراق المداد في موضوعات ومسائل لا طائل من تحتها إلا إذكاء روح الاختلاف والتدابر، وفصل الفقه عن مجريات الواقع وجذور الهمّ الإنساني. ومن ثم فإن فقه الأولويات عاصم من هذه المزالق، ومرشِّد للخطاب الفقهي في وِرْده وصدره، وواضع للأمور في نصابها دون إفراط أو تفريط؛ ذلك أن الجهل برتبة الشيء، وموضعه من الشرع، وقيمته في الاستدلال، ووجه الغَناء والنَّفع فيه للناس، يفضي إلى اضطراب مقاييس التأصيل والتنزيل، وانخراق نسق الانسجام والالتئام في الشريعة الإسلامية. وسنعرض في هذه الدراسة لتصور عن كيفية استثمار فقه الأولويات وضوابطه في مضمار الفتوى الشرعية بوصفها التطبيق الحيّ لنظريات الخطاب الفقهي أياً كان مشربها ومنزعها، وهذا التطبيق يعكس على نحو من الجلاء والوضوح طريقة الاستدلال، وأسلوب الفهم، ومنهج التنزيل والإنجاز، ومن ثم فإن أغلب مزالق هذا الخطاب مأتاها من الفتاوى السقيمة، والجوابات المحرَّفة. وإذا كان للفتوى هذه المنزلة من الخطاب الفقهي؛ فإن تصفيتها من الرواسب والشوائب ضرورة لازبة، وتقوم هذه التصفية أول ما تقوم على إعمال فقه الأولويات في تقديم حكم وتأخير آخر، وتحكيم منهج وإلغاء مقابله، وتفضيل أسلوب على أسلوب. والأولويات التي ينبغي مراعاتها في الإفتاء أمور هي: - أولاً: تقديم الاجتهاد على التقليد: إن فضل الاجتهاد في العلم الشرعي معلوم متواتر بين الناس، لا يجهله إلا من ملأ عليه التعصّب الأعمى جوارحه، فزُيّن له الضلال على الهدى، وإيثار الباطل على إيثار الحق. وقد كان العلم عند السلف استقلالاً في معرفة الأحكام، وسيراً مع الدليل حيث سار، تعينهم على ذلك معارف الوحي ومعارف اللغة، إلى شفوف رأي، وحسن فقه في الواقع. ومع تقلّص ظل العلم، وغلبة الأهواء، قيس الحق بالرجال، لا الرجال بالحق، وحكّمت الآراء في معرض النصوص، وابتلي الفقه في وِرده وصدره بجمود على المنقولات لم يزد الناس إلا تنكّباً عن الهدى، وضلالاً في التيه. وإذا كان الاجتهاد يُكسِبُ الفقيهَ مَلَكة الاستنباط، والدربة على تحقيق المناط الخاص، وحكمة في الفهم والتنزيل؛ فإن التقليد لا يأتي بخير؛ وآية ذلك أن كثيراً من فقهاء النقل تَعْرِض لهم نوازل وحوادث لا يجدون لها في مذاهبهم نظيراً تُردّ إليه أو أصلاً تُخرّج عليه، فيقفون منها موقفاً ليس من الفقه في شيء، فيفتون بالمنع مثلاً، والأمر يقتضي تحقيق المناط، وإعمال المقاصد، للوصول إلى الحكم المسدَّد في صورته التجريدية، ومآله الواقعي. ويحضرني هنا مثال حيّ للجمود الفقهي، وهو أن الناس أيام الفتنة البربرية بقرطبة، كانوا يتوجّسون خيفة من هجوم مُتَلَصِّصَةِ البربر عليهم في الدروب والطرق الموحشة، فسألوا الفقهاء عن حكم الجمع بين المغرب والعشاء تفادياً للخروج في الليل والتعرض لأخطار السرقة والنهب والحرابة؛ فما استطاع أحد منهم أن يفتي بشيء، مع أن رخصة الجمع تشهد لها أدلة معتبرة من الشرع. - ثانياً: تقديم الراجح على الضعيف: نقصد بالراجح ما صح دليله وقوي مدركه، لا ما كثر قائله كما في اصطلاح بعض المذاهب؛ لأن الكثرة ليست معياراً للصواب، أو دليلاً على الرجحان في كل حال، وكثيراً ما يخالف إمام من الأئمة جمهور الفقهاء أو ينفرد عن عامتهم بقول، ويكون الحق حليفه، والدليل مرشده. أما الضعيف فضربان: الأول: ضعيف المدرك، وهو ما عَرِيَ عن الدليل، أو ناقضه، ومثاله كل مسألة خالفت نصاً أو إجماعاً، أو قياساً جلياً، أو قاعدة معتبرة. الثاني: ضعيف نسبي، وهو ما عارضه دليل أقوى منه، فيكون قوياً في ذاته، ضعيفاً إذا قيس بغيره. ولما كان الضعيف من جنس المرجوح؛ فإن الراجح يقدَّم علي المرجوح، وبهذا أخذ بعض فقهاء المذاهب كالمالكية من المصريين، حين لم يجز الفتوى بالضعيف على الإطلاق؛ فإذا لم يوجد في المذهب إلا الضعيف أو الشاذ، جاز الانتقال إلى مذهب آخر، والعمل بقوله الراجح. بيد أن بعض الفقهاء أجاز الإفتاء بالضعيف عند الضرورة، وقيّد ذلك بشروط وضوابط، نعدّ منها: أ - أن لا يكون الضعف شديداً. ب - أن يُعرف قائله؛ خشية أن يكون ممن لا يُقتدى به علماً وحالاً. ج - تحقُّق الضرورة في نفس المستفتي (١) . - ثالثاً: تقديم التدليل على التجريد: الدليل لبّ الفتوى وروحها؛ لأن الله يُعبَد بالنص لا بقول مجرَّد، أو صيغة عارية، وقد بلغ اختصار الفتاوى وتجريدها عن كل تدليل أو تعليل حدّاً يصوّره ما حكاه ابن حمدان في كتابه (صفة الفتوى والمفتي والمستفتي) من أن فقيهاً سئل: أيجوز كذا؟ قال: لا (٢) ؛ لذلك انتصب ابن القيم للدفاع عن المنهج الاستدلالي في الفتوى، وبيان فوائده وعوائده حين قال: «عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أوْلى بالعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل؛ فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله، وإجماع المسلمين، وأقوال الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ والقياس الصحيح عيباً؟ وهل ذِكْرُ قول الله ورسوله، إلا طراز (*) الفتاوى؟ وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به؛ فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أن يخالفه، وبرئ من عهدة الفتوى بلا علم» (٣) . فإذا كان منهج التدليل يقيم الحجة على المستفتي، ويبرئ المفتي من عهدة الإفتاء بلا علم محكم، فإن منهج التجريد فتح الذريعة لترك الأدلة، وترويج الفقه الجامد، مع استطالة على الحقائق، وتعلّق بالواهي والسقيم. ولئن كان التجريد يُحمد في مواضع ضيّقة نبّه عليها بعض الفقهاء؛ فإن القاعدة العامة أن تُحلّى الفتوى بالدليل، وتُعزّز بالبيان الكافي، بل إن المقام يقتضي أحياناً تفنيد الشبهات، ونقض أدلة المخالفين بما يجلّي وجه الحق، وييسر سبل الاقتناع به، والامتثال له. - رابعاً: تقديم التعليل على التعميم: من حلية الفتوى وزينتها أن تُعرض مجلوة الأسرار، موصولة العلاقة بحكمة الإسلام في التشريع؛ لأن بيان العلة والحكمة تقتضيه طبيعة العقل البشري التي تستسيغ المعلَّلات المفسَّرات، وتُعرض عن المجمَلات المبهمات، كما تقتضيه في الوقت ذاته طبيعة العصر الذي استحكمت فيه النزعات المادية والإلحادية، وراجت التيارات العقلانية المؤمنة بالبرهان العقلي والحجة المنطقية. والتعليل منهج القرآن والسنة في عرض الأحكام، ونصب الدلائل، وقد اطَّرد هذا المنهج في الكليات، كقوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] . وقوله ـ تعالى ـ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] ، وفي الجزئيات كقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] . ولم تخلُ السنَّة أيضاً من تعليلات صريحة كقوله ﷺ عند نهيه عن ادِّخار لحوم الأضاحي: «إنما نهيتكم من أجل الدافَّة» (١) . يقول الدكتور يوسف القرضاوي في معرض بيان فائدة التعليل: «وإلقاء الفتوى ساذجة مجرّدة من حكمة التشريع، وسرّ التحليل والتحريم يجعلها جافة، غير مستساغة لدى كثير من العقول؛ بخلاف ما إذا عرفت سرّها وعلّة حكمها، وقد قيل: إذا عُرِف السبب بطل العجب» (٢) . على أن المفتي لا يلزمه تكلُّف التقصيد، وتمحُّل التعليل، فالعلّة تُعرف بأحد المسالك المقرَّرة عند الأصوليين، كالإجماع والنص والتنبيه والإيماء والمناسبة والاستقراء، وربما تخفى عن الأنظار، وتستعصي على الكشف، فيُجتنب حينئذ التخوُّض فيها بالقول المجرَّد، والرأي المرسل؛ إذ لا تقصيد ولا تعليل إلا بدليل معتبر، وهذا لا يمنع أن يستمر التنقير عنها حتى تنقدح للمجتهد أو المفتي، ولهذا التنقير أيضاً مسالك تُتبع، وأدوات يُتوسل بها، فلا يخلو الأمر من كدّ الذهن، وإعنات الخاطر. - خامساً: تقديم الأيسر على الأحوط: إن الأدلة على رفع الآصار والأغلال عن كاهل هذه الأمة بلغت مبلغ القطع (٣) ، فضلاً عن وفرتها واطِّرادها في المصادر الإسلامية كتاباً وسنةً وأثراً وقياساً وعملاً، ويكفي أن نستحضر هنا حديث عائشة ﵂: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثماً» (٤) ؛ فإنه نص في أولوية التيسير، وضرورة حمل الناس على مذهب الوسط، فلا يميل بهم إلى شدّة منفّرة من الدين، ولا يجنح بهم إلى انحلال ناقضٍ للعرى، هاتكٍ للحرمات؛ «ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموماً عند العلماء الراسخين» (٥) . والتيسير هنا لا مدخل له في تصيّد الرخص، وتتبع الحِيَل المحرمة، لإسقاط الأحكام والتنصُّل منها؛ لأن الأصل أن تنقَّح فيه الضرورة وتقدَّر، ويُعمل بالرخصة في محلّها، وتُحترم قواطع الأدلة والقواعد، فلا بدّ إذن! من صدور التيسير من عارف ثقة، وهذا ما أصّل له الإمام سفيان الثوري في قاعدته الذهبية: «إنما الفقه الرخصةُ من ثقةٍ، أما التشديد فيحسنه كل أحد» (٦) . ومن ثم فإذا خُيّر المفتي بين قولين متكافئين، اختار أيسرهما تأسّياً بمنهج المعلّم القدوة ﷺ ، ما لم يكن في التيسير إثم ينقض عرى الدين، ويمسّ حرمات المسلمين، وله أن يكون شديد الأزر على نفسه فيأخذ بالأحوط تورّعاً، أو يفتي به صاحب ورع شديد ودين متين، إذا أمن منه ركوب التنطّع والغلو في الدين، وهذا معلوم من سيرة السلف الصالح، ومأخوذ عنهم في آداب الإفتاء. - سادساً: تقديم صياغة البديل المباح على المنع المجرد: من فقه المفتي أنه إذا منع شيئاً، ذكر بديله المباح رفقاً بالمستفتي وتيسيراً عليه؛ فالشرع لم يمنع المحرمات إلا وعوّض عنها بأبدال تسدّ مسدها وتغني غَناءها أو أكثر؛ إذ إن تجريد الممنوع عن بديله المباح كتشخيص الداء دون وصف الدواء، وهذا ليس من العلم النافع في شيء. ولعل بدائل الحلال وأعواض المباح في الكتاب والسنة من الوفرة والكثرة بالدرجة التي يتعذر معها الإحاطة والاستيعاب؛ وذلك مقصود لرفع الحرج عن هذه الأمة، وسدّ حاجاتها، ونقلها من أوضاعها المنكرة بأسلوب الحكمة والتبصّر؛ لذلك قال الفقهاء: في الحلال ما يغني عن الحرام. ومن المؤصلين الرواد لفقه البدائل ابن القيم الذي أكد أن التبصر الفقهي في الدعوة يقتضي إزالة المنكر مع الإرشاد إلى ضده، يقول: «فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشَّاب، وسباق الخيل، ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلاً عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون وغيرها، وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر، فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع» (٧) . ثم يمثّل ابن القيم للعالم المرشد إلى البدائل بالطبيب الناصح للمريض باجتناب ما يضره، وتعاطي ما ينفعه، فهو من هذا الوجه طبيب الدين: «وهذا لا يتأتّى إلا من عالم ناصح مشفق، قد تاجَرَ الله، وعامله بعلمه؛ فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء، يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه؛ هذا شأن أطباء الأديان والأبدان» (٨) . - سابعاً: تقديم التمهيد الضروري على المباغتة: إن من الفقه والبصيرة أن يوطِّئ المفتي للحكم المستغرَب بمقدمة تطرد وَحْشته عن النفوس، وتعالج النفور منه بأسلوب التدرّج والرفق؛ لأن من شأن النفس التنكّب والازورار إذا ما دُعيت إلى خلاف ما ألفته؛ فالافتكاك عن مألوفاتها تقف دونه عقبة التعود والإلف حيناً، وعقبة العناد والمكابرة حيناً آخر، مما يقتضي بسط مقدّمات ممهّدات تهيئ الجو النفسي لتقبّل البديل الجديد. فمن آداب الفتوى الموضوعية، إذن، أن يُساق بين يدي الحكم المستغرَب الجديد تمهيدٌ يرفع الوِحشة، ويعالج النفور، وهذا ما أكد عليه ابن القيم أخذاً للناس بالرفق، وحماية لمآل الحكم، يقول: «إذا كان الحكم مستغرَباً جداً مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مُؤْذِناً به كالدليل عليه، والمقدمة بين يديه» (١) . - ثامناً: تقديم قول المتقدّم على قول المتأخّر: إن المتقدمين من أعرف الناس بملابسات الوحي، ومقاصد الشريعة، وأسرار العربية، وقولهم لا يوزن بمنزلتهم من الاجتهاد والورع فقط، بل بموافقة الحق، وإصابة الدليل، لكن أنظارهم في المسائل الظنية والاجتهادية أقرب إلى الصواب من غيرها «لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا» (٢) ، ولا يُعتمد هذا الرأي حكماً لله ورسوله إلا بنصْب الدليل الذي لا معارِض له. وقد كان الشاطبي من أكثر الناس اعتماداً على كتب المتقدمين، واستضاءةً بفهوم الأولين، لما ظهر على المتأخرين من القصور في التحرّي، والتراخي في تحصيل العلم الأكمل، والاجتزاء بالنقل وتحكيم آراء الرجال. يقول: «فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فَهِمَ منه الأولون؛ وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل» (٣) ، وفي أولوية تقديم أعمال المتقدمين على أعمال المتأخرين يقول: «فأعمال المتقدمين في إصلاح دنياهم ودينهم علي خلاف المتأخرين، وعلومهم في التحقيق أقعد، فتحقُّق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقُّق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سِيَرهم، وأقوالهم، وحكاياتهم، أبصر العجب في هذا المعنى» (٤) . ولا يمنع هذا أن يكون الحق أحياناً حليف المتأخر، فيستدرك على المتقدم ما فاته، أو يصحح هفوته، وكم خفي على المتقدمين من أخبار وآثار، وأصبحت في متناول خلوفهم بسبب تطور أسباب العلم، والتئام مادته في كتب محرَّرة، وتآليف حافلة. - تاسعاً: السكوت عن الإجابة غير المقيدة: يُقدَّم سكوت المفتي على الإجابة في مواضع، كأن يُسأل المفتي عما لا ينفع، مما يُراد به حيناً المِراء والجدل كالسؤال عن المبهمات الغيبية التي لم يرد فيها نص قاطع، ويُخشى من الجواب عنها إثارة القيل والقال، وتشويش الأذهان. أو يُراد به حيناً آخر الإغراب والمعاظلة والتعنّت وتصفير الوجوه، كالسؤال عما يندر وقوعه أو يستحيل. وقد عدّد الشاطبي عشرة مواضع يُكره فيها السؤال (٥) ، وأكّد على أن أحكامها متفاوتة بين الكراهة الخفية، والكراهة الشديدة، والحرمة، تبعاً لتفاوت درجات التكلّف المذموم، والتعمّق المنافي لهدي السلف. وخير ما يتمثل به في معرض التأكيد على هذه الأولوية قول بعض العلماء: «إن من المسائل مسائل جوابها السكوت» . - عاشراً: تقديم الفتوى الجماعية على الفتوى الفردية: إن الإفتاء في بعض النوازل والحوادث يفتقر إلى تحقيق المناط الخاص، وهذا الضرب من التحقيق لا يستقيم إلا باجتهاد جماعي يقلّب النظر في وجوه المسألة، لا سيما إذا كانت من مستجدات الطب أو الاقتصاد أو الزراعة؛ فإن فهم الواقع فيها يتوقّف على استشارة المتخصص وتقريره العلمي؛ فإذا تجلّى الأمر لأنظار الفقهاء استفرغوا وسعهم في استنباط حكم شرعي مناسب، على أن يُراعى في اجتهادهم الإنجاز الجماعي؛ لأنه أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل. وبعد: فهذه معالم مضيئة على محجّة الإفتاء الشرعي، قصدنا من تجليتها تذكير أهل الصنعة بأصول معتبرة وآداب مرعية في الاستدلال ومنهج التنزيل وأدبيات الخطاب. ولتكن هذه المعالم أيضاً تذكيراً لأدعياء العلم بقدسية الفتوى وهالتها المستمدة من مشكاة النبوة، حتى لا تُنتهك محارمها، وتصير كلأً مباحاً لكل راتع!

стр. 5588

توازننا ضرورة فيصل بن علي البعدان ي التوازن هِبة من الله عظمى، تخلَّق به الأنبياء، واتصف به كبار العقلاء، هو عنوان نُضْج العقل، وبلوغ تمام الرشد، منه تتولد الحكمة، وبه يتوافق مع الفطرة، وتبنى النفس المتكاملة السوية، ويُتَّقَى الوقوع في الأطراف المذمومة، ومن خلاله يبتعد عن الاضطراب والقلق، ويتحقق الرضا والاستقرار النفسي. وقد جاءت آيات الكتاب العزيز آمرة به، ومحذرة من ضده. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَالَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] والمتأمل في حياة نبينا الكريم يجده ﷺ إماماً في التوازن وتحقيق التكامل في كافة شأنه ﷺ وسائر جوانب حياته (١) ؛ ففي صلته بربه كان ﷺ أعلمَ الأمةِ به وأشدها له خشية. تقول عائشة ﵂ في وصف تعبده ﷺ : «كان عمله دِيمة، وأيكم يستطيع ما كان النبي ﷺ يستطيع؟» (٢) ، ويقول أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته» (٣) . وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «إن كان النبي ﷺ ليقوم ليصلي حتى تَرِم قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول ﷺ : أفلا أكون عبداً شكوراً» (٤) . وعن ابن عمر ﵄ قال: «كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد قوله: رب اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التواب الرحيم، مائة مرة» (٥) . وفي دعوته وتعليمه بلَّغ ﷺ أمته البلاغ المبين حتى شهد له ﷺ بذلك يوم النحر في حجة الوداع القاصي والداني، وبذل ﷺ غاية جهده في تعليم الناس حتى كان القائل يقول: «بأبي هو وأمي؛ ما رأيت معلِّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه» (٦) . وفي عنايته ﷺ بأهله ومعاشرته الحسنة لهم بلغ ﷺ في ذلك الغاية؛ حتى قال ﷺ وهو الصادق المصدوق: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (١) ، وحتى وصفه بعض أهل بيته بأنه ﷺ «كان أبرَّ الناس وأوصلهم» (٢) . وفي عُشرته لأصحابه ومخالطته لهم كان ﷺ مضرب المثل؛ فقد كان أوسع الناس صدراً، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عُشْرة، دائم البِشْر، سهل الخُلُق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، يجيب من دعاه، ويقبل الهدية ممن أهداه، وكان يمازح أصحابه، ويداعب صبيانهم، ويعود مرضاهم، ويقبل اعتذارهم. وفي مكارم الأخلاق كان أحلم الناس وأصبرهم وأجودهم؛ ما سُئلَ شيئاً قط فقال: لا، وما انتصر لنفسه قط إلا أن تُنتَهَكَ محارم الله، ولا ضرب خادماً ولا امرأة قط، وكان أشجع الناس يعرض نفسه للمخاطر دون أصحابه، حتى إنهم كانوا إذا حمي الوطيس واشتد البأس اتقوا به، وكان يعفو ويصفح ولا يجزي بالسيئة السيئةَ. وفي المقابل دعا أمته إلى التزام ذلك، وربَّى أصحابه الكرام عليه، والسنَّةُ مليئة بالنصوص الدالة على ذلك، ومنها قوله ﷺ : «خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا» (٣) ، وقوله ﷺ : «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلَّ» (٤) ، وقوله ﷺ : «عليكم هدياً قاصداً، عليكم هدياً قاصداً، عليكم هدياً قاصداً؛ فإن من يشادّ هذا الدين يغلبه» (٥) ، وفي حديث ابن مسعود ﵁ نهى ﷺ عن الغلو في الدين وتجاوز الحد في القول والفعل، فقال ﷺ : «هلك المتنطعون ـ ثلاثاً ـ» (٦) وأرشد ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ أن الظَّفَر برضى الله لا يكون إلا عبر بوابة الاعتدال، فقال ﷺ : «لن ينجي أحداً منكم عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا» (٧) . وحين كان ﷺ يلحظ من بعض أصحابه خروجاً عن الجادَّة كان ﷺ يعيدهم إليها، محذراً إياهم من الإفراط، والخروج عن نهج الاعتدال والوسط؛ ففي قصة سلمان وأبي الدرداء ﵄ التي أنكر فيها سلمان على أبي الدرداء إهماله حظ زوجه، وإغراقه في صوم النهار وقيام الليل قائلاً له: «إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاًً، فأعط كل ذي حق حقه» ، نجده ﷺ ينتصر لرأي سلمان قائلاً: «صدق سلمان» (٨) . وفي قصة الثلاثة الذين جاؤوا إلى بيوت النبي ﷺ يسألون عن عبادته؛ فلما أُخبِروا كأنهم تقالُّوها، قائلين: «وأين نحن من النبي ﷺ ؛ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟» فقال أحدهم: «أمَّا أنا فأنا أصلي الليل أبداً» ، وقال آخر: «أنا اصوم الدهر ولا أفطر» ، وقال آخر: «أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً» ، فأنكر ﷺ عليهم مقولاتهم، وقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ! إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٩) . وفي قصة عبد الله بن عمرو ﵄ حين بلغ النبي ﷺ عنه أنه يصوم النهار ويقوم الليل دعاه ﷺ فقال: «يا عبد الله! ألم أُخْبَرْ أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى! يا رسول الله! قال: فلا تفعلْ: صم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزوْرك عليك حقاً» (١٠) . فالتوازن والاعتدال ركيزة أساس من ركائز ديننا الحنيف، وسمة كبرى من سمات نبينا الكريم ﷺ ، والاتصاف به مصدر اعتزاز، فلا إشكال حوله من الجانب النظري، ولكن ما كل من أراد شيئاً ظفر به، ولا كل من انتسب إلى شيء حققه وصدق في انتسابه إليه، ولذا نجد الخَطَل الناجم من التشدد أو التساهل واقعاً في حياة كثير من الأفراد، بل حتى المجتمعات والأمم. وبعض الدعاة وطلبة العلم ليسوا بخَلِيِّين عن ذلك؛ إذ نجد مثلاً من يستغرق في الدعوة على حساب بناء نفسه ورعاية أهله وولده وبر والديه وصلة رحمه، ونجد من يستغرق في طلب العلم على حساب العمل به والدعوة إليه، ونجد من يستغرق في الدعوة والتعليم وسائر الأعمال الجادة مُعْرِضاً عن الترويح وممارسة المناشط التي تحفز النفس وتدفعها نحو مزيد من العمل بعيداً عن الاضطراب والأرق وأجواء التوتر والقلق (١) . والوقوع في هذا الإفراط أوالتفريط ناجم إما عن تحكيم عاطفة جياشة أو عن جهل بقواعد الدين وأصوله أو عن إغراق في جانب جزئي ولََّد غفلة عن الصورة الكلية المتوازنة لهذا الدين العظيم، أو عن إعراض عن التفقه بسيرة سيد المرسلين ﷺ ، أو عن ضعف محاسبة للنفس وعدم مطالعة حالها، أو عن قلة اختلاط بذوي الاتزان، أو عن ضيق في الأفق وضعف في الرؤية، أو عن عدم معرفة بالسبل والآليات المعينة على تحقيق التوازن، أو ترك تطبيقها، ونحو ذلك. والتوازن المطلوب ليس مرادفاً للتساوي، والمناداة بتطبيقه لا تعني إلغاء التركيز وترك التخصص وإهمال القدرات والمواهب، وإنما هو دعوة لإعطاء كل جانب حقه في إطار عادل بعيداً عن مزالق الغلو أو مهاوي التفريط. وأمام ذلك؛ فإن من أبرز ما يوصِل المرء إلى رتبة التوازن ما يلي: ٣ طلب معونة الله ـ تعالى ـ والتي يحتاجها العبد في كل شأن، وصلاح حاله لا يتحقق بدونها، وسلوك العبد لباب مِن أبواب الخير لا يلزم منه بالضرورة أن يكون مستعيناً بالله ـ تعالى ـ فيه، بل قد يكون مُعْرِضاً عن الاستعانة أو نقصه ظاهر فيها، فيُحرَم التوفيق والبركة بسبب ذلك، ولذا فإن مِن ألزمِ مُعِينات العبد على التوازن تمام استعانته بمولاه ، وإظهاره الافتقار إليه، وبسطه حاجته بين يديه سبحانه. ٣ تمام التأسي بالنبي الكريم ﷺ ، واقتفاء أثره، ومطالعة سِيَر العلماء الربانيين والأئمة المجددين وأخذ ما ينفع العبد منها؛ فإن السير وراء الهداة اهتداء، وخلف السعداء سعادة؛ إذ هم القوم لا يشقى بهم جليسهم والسائر على منوالهم. ٣ الاعتدال في التفكير، وتنمية الوعي، وتفعيل دور العقل، ليتم من خلال ذلك ضبط العاطفة وتحقيق استجابة متزنة وردَّات فعل سوية تجاه الأفعال التي تعترض المرء، ويمكنها - بدون ذلك - أن تخرجه عن طور الاتزان. ٣ اعتقاد القدرة على النجاح في تحقيق الاتزان والتكامل بين متطلبات الروح والعقل والجسد، وبين الواجبات تجاه النفس والأهل والأقربين؛ لأن من لا يعتقد ذلك يكون عاجزاً عن التفكير في السبل الموصلة لذلك. ٣ المبادرة الجادة إلى تغيير الكثير من السلوكيات التي يمارسها المرء وتتنافى مع حالة التوازن؛ لأن المرء ما لم يغيِّر ما يقوم به فسيستمر في الحصول على النتائج نفسها التي كان يحصل عليها ٣ التدرب على مهارات إدارة الذات ومقاومة الضغوط، التي غالباً ما تقود إلى الإفراط في جوانب والتفريط في أخرى. ٣ ترتيب الأفعال حسب أهميتها لا حسب إلحاحها، والبدء بفروض الأعيان قبل غيرها، وبالواجبات قبل المستحبات، وبما نفعه متعد قبل القاصر، وهكذا. وهذا لا ينفي أهمية مراعاة الأمور الملحة ولكنه سينتفي حين نقوم بوضع كل شيء في حجمه دون تضخيم، وحين نقوم بالحفاظ على واجبات الأوقات وإعطاء كل وقت حقه. ٣ مصاحبة أهل العقل والاتزان والإكثار من استشارتهم والاستفادة منهم؛ فالصاحب ساحب، والمرء على نهج خليله وطريقته فلينظر أحدنا من يخالل. ٣ محاسبة النفس والتقييم المتكرر للذات، ليتعرف المرء باستمرار على حاله، فيعدل ما يحتاج من انفعالاته ومواقفه وسلوكه، قبل أن تتراكم الأخطاء وتتجذر، فيحتاج المرء إلى فترات طويلة للتصحيح والمعالجة لجوانب خلل عميقة لا يمكن تدارك آثارها بسهولة، وعندما يفيق المرء ويتنبه لسوء حاله يكثر من التندم والملامة للنفس والآخرين ولكن بعد فوات الأوان. ٣ إدراك الثمار النكدة للإخلال بالتوازن على حياة الأفراد والمؤسسات والشعوب، وجوانب الخير التي يتم فقدانها من جراء ذلك؛ من إعراض عن جوانب رئيسة في العمل، والوقوع في حالات فتور وانقطاع عن العمل، وابتعاد عن العيش في أجواء صحية سليمة نتيجة ظهور مشكلات وتجذرها مع الزمن. اللهم سددنا، وألهمنا رشدنا، ووفقنا لكل خير، وارزقنا التكامل والاستقرار والسكينة، وهبنا التوفيق والبركة، ولا تجعل أحداً منا كالمنبَتِّ الذي لا قطع أرضاً ولا أبقى ظهراً، بفضل منك وجود ورحمة، إنك أكرم الأكرمين، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5589

البركان صالح البوريني سطع البيان وحصحص البرهانُ وتهافت الميثاق والإعلانُ في مجلسٍ سمَّوه زوراً مجلساً للأمن يفقد أمنَه الإنسانُ هيا تفجرْ أيها البركانُ سعّر جحيمك تسقط الأوثانُ الكون حولك رابضٌ متربص والدهر نحوك شاخص يقظانُ في ظلِّ سيفك راحة وأمانٌ وبحدِّه كل الحقوق تُصانُ قُمْ طالبِ الدنيا بحقك إنما بالسيف تُدرك حقَّها الشجعانُ ركب الحضارة خطوه متعثر عميان قاد جموعهم شيطانُ والراقصون على جراحك عصبة متآمرون وكلهم خُوَّانُ يتخاصمون على المغانم بينهم وحصادنا الأحقاد والأضغانُ يتقاسمون حقوقنا فنصيبُهم منها القصور وحظُّنا الأكنانُ يتقلّبون على وثائر كدحنا وعلى الثَّرى يتقلب الجوعانُ يتقربون إلى الأجانب زُلفةً ويُساق نحو المذبح القربانُ نحن القرابينُ الذبيحة ويحنا قطعانُ تمضي خلفها قطعانُ يا ويحنا والأرض تبكي ذلَّنا ودماء غزة عارض هتانُ والقدس قد فلّ الحديد نجيعها وذوت بحرِّ لهيبها القضبانُ أبغير قعقعة السلاح تفاوض وبغير زمجرة الرصاص رهانُ؟

стр. 5590

نحو مِيتة شريفة ! د. حمدي شعيب (*) «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (١) . هكذا أخبرنا الحبيب ﷺ عن الدنيا وما فيها، وقدرها في ميزان الآخرة. إنها لحظات معدودات على طريق رحلتنا. وينصحنا ﷺ ألا ننشغل بلحظات القيلولة الدنيوية، وننسى كيف سنكمل مشوار رحلتنا إلى النهاية، وما وراءها من مصير وخلود. فنعيش دوماً مترقبين النهاية. (إن الذي يعيش مترقباً النهاية يعيش مُعِدّاً لها؛ فإن كان معداً لها، عاش راضياً بها؛ فإن عاش راضياً بها، كان عمره في حاضر مستمر، كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها، فلا يستطيع الزمن أن ينغص عليه ما دام ينقاد معه وينسجم فيه، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح، ولا في الصبح أن يبعد الليل) (٢) . إنها آخر المطاف ... إنها النهاية المجهولة المعلومة! فهي النهاية المجهولة؛ لأننا لا نستطيع ولا نملك إجابات شافيات لهذه التساؤلات الحائرات عنها: متى؟ وأين؟ ثم ـ وهو الأخطر ـ: كيف؟ لأن هذه التساؤلات علمها عند الله ـ سبحانه ـ ولأنها من الغيبيات الخمس: ﴿إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] . ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . وهي النهاية المعلومة؛ لأننا أُخْبِرْنا أن هنالك مَلَكاً سيقبض أرواحنا، ثم نُبعث فيجازينا ـ سبحانه ـ على أعمالنا. هكذا عَلِمْنا وقُدِّرَ لنا، ولا مناص. ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] . ﴿قُلْ إنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] . - وقفة مع النفس: لهذا علينا أن نجتهد، في وقفة مراجعة مع النفس، ويكون شغلنا الشاغل وهمنا هو إجابة جادة على هذين السؤالين: الأول: كيف سيكون مشهد نهايتي؟ قال ﷺ : «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ وَإنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخوَاتِيمِ» (١) . فلا نكن بغفلتنا من الذين استغربهم سلمان ـ وقيل أبو الدرداء ﵄ فقال: «ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني: ١ ـ مؤمِّلُ الدنيا والموت يطلبه. ٢ ـ وغافلٌ وليس يُغفَل عنه. ٣ ـ وضاحكٌ ملءَ فيه ولا يدري: أساخطٌ رب العالمين عليه، أم راضٍ؟ وثلاث أحزنتني حتى أبكتني: ١ ـ فراق الأحبة: محمد وحزبه. ٢ ـ وهول المطلع. ٣ ـ والوقوف بين يدي الله ولا أدري: أإلى الجنة يُؤْمَر بي، أم إلى النار؟!» (٢) . الثاني: وهل لي من دور في صياغة هذا المشهد؟ ونجد أن هنالك رؤية قرآنية تطمئننا أن أي تغيير ممكن، بعد الاعتماد عليه سبحانه. فنجد هذا البيان: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . وهو دعوة إلى الإيجابية والعمل؛ لأن أصل كل التحولات والتغيرات ينبع من النفس ومن القناعة الداخلية بضرورة التغيير، ومسؤولية كل فرد في صياغة حياته ومستقبله. ثم نجد الأمل الوضّاء؛ في وعده ـ سبحانه ـ بالتوفيق والسداد لكل من يحاول ويجاهد: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] . إذن! حسن الخاتمة، والنجاة تكون في محاولة إجادتنا لفن إحسان خاتمتنا، فنكمل ما تبقى من رحلتنا، مرتكزين على دعامتين هما جناحي العبادة؛ وهما: الخوف، والرجاء. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] . - رباعية ... وخماسية: نسرع إلى رحلة التغيير والنجاة، رغباً في حسن الخاتمة، وفي الفوز بالجنة، ورهباً من سوء الخاتمة ومن النار. ونبدأ بالنظر إلى رحلتنا، بمنهجية علمية، من زاويتين: الأولى: هي نظرة الجاهل بنهايته ومصيره، والذي لا يأمن مكره ـ سبحانه ـ فيلهب ظهره سوط الرهبة والخوف والخشية الدائمة من سوء الخاتمة. والثانية: هي نظرة العالم يقيناً بما سيحدث له، وذلك على منهجية رباعية المراحل: ١ ـ يستشعر مسؤوليته الفردية عن نهايته ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٢] . ٢ـ فيسرع إلى العِلْم، ويسأل ليفقه ويبحث في عوامل حسن الخاتمة. ٣ ـ ثم يبادر إلى العمل، فيفعل ما يوجب حسن الخاتمة. ٤ ـ ثم يلجأ إلى سلاح الدعاء، فيسأل الحق ـ سبحانه ـ ويتضرع إليه في كل سكناته؛ أن يمن عليه ويوفقه ويثبته في اجتهاده من أجل حسن الخاتمة. فتملؤنا الرغبة والرجاء في رحمته سبحانه؛ وكما سترنا في الأولى فلن يفضحنا في الأخرى. بهذا (النظر الذي وراءه التذكر، الذي وراءه التقوى، التي وراءها الله، هذا وحده هو القوة التي تتناول شهوات الدنيا فتصفيها أربع مرات حتى تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر، وآخر وجودها التلاشي) (٣) . وكما كان النظر بمنهجية علمية؛ فكذلك نبدأ السير العملي بمنهجية عملية خماسية الخطوات، حتى يوفقنا ـ سبحانه ـ إلى الوصول إلى محطة حسن الخاتمة بسلام. فماذا عن هذه الخطوات الخمس المنهجية العملية؟ الخطوة الأولى: ما المصير؟ ونبدأ أول خطوة على طريق رحلة النجاة وحسن الخاتمة. فنقف ونسأل أنفسنا: ما هو مصيرنا بعد الخاتمة؟ فنجد الإجابة الربانية القرآنية الصريحة؛ أن الخلود بعد هذه الخاتمة سيكون أحد مصيرين: إما إلى جنة، أو إلى نار؛ والعياذ بالله. ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلاَّ بِإذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨] . إذن! فهنالك فريقان ... وموتتان، وأثران، ومصيران. فكم هو بعيد ذلك الفارق بين فريق وفريق، وسمات وسمات، وفكر وفكر، وسلوك وسلوك، ونهاية ونهاية، وأثر وأثر، ثم مصير ومصير! لأنه: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] . فكيف لو تدبرنا أحوال كل فريق؛ فنتأمل سماته، وأفكاره، وسلوكياته، ونهايته، ثم مصيره؛ وذلك لنعلم الفارق. الخطوة الثانية: من هم الأشقياء؟ ثم تأتي الخطوة الثانية؛ فنتدبر أحوال الأشقياء الخاسرين، فنتبرأ منهم، ونبغضهم، وننتهي عن سلوكياتهم، ونستعيذه ـ سبحانه ـ من مصيرهم. وإذا أخذنا مثالاً لهذا الفريق؛ وهم قوم فرعون. فماذا نجد لو تدبرنا سماته، وأفكاره، وسلوكياته، ونهايته، ثم مصيره؟ ونفاجأ أن مفتاح شخصيتهم، بل وسمتهم العامة هي السلبية: ١ ـ لهم عقلية العوام؛ أي أنهم كانوا بلا قضية يعيشون لها، فعاشوا على هامش الحياة. ٢ ـ لهم طبيعة القطيع؛ أي غثائيون؛ تحركهم أيدي غيرهم. ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] . ٣ ـ كانت حالتهم الأخلاقية متدنية؛ كانوا فاسقين، فكان ذلك سبباً رئيساً لأن يُستَخَفَّ بهم، ولا يحملوا أهلية الاحترام من قيادتهم الفرعونية، ورغم هذا فإنهم يطيعونها قهراً وإرغاماً: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] . ٤ ـ لهم نفسية العبيد؛ أي القابلية للذل. لهذا كان حاكمهم مستبد وظالم يرى نفسه فوق النصيحة: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] . ثم يرى سلبيتهم فيطغى، ويرى أن رأيه هو الرأي؛ ويحمل المذهب الاستئصالي للآخر: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] . بل ـ والعياذ بالله ـ نراه قد تمادى في تكبره فتجرأ ـ وذلك لكفره ولغيبة أو لتغييب المعارضة ـ حتى بلغ به الشطط كل مبلغ، فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] . ونظراً لقناعته وتبنيه للمذهب الإقصائي للآخر؛ فإنه لا يحترم الآخر، ولا يقر بالتعددية، وتصوره للآخر تصور شائه: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ . [الزخرف: ٥٢ - ٥٣] . ٥ ـ وكانت نتيجة هذا المناخ المريض الفاسد، أو المحصلة النهائية، هي تحقق سنته الإلهية ـ سبحانه ـ وهي النجاة للمؤمنين، وهلاك الظالمين؛ سواء في ذلك الحاكم والمحكومون من قومه، وغرق فرعون وملؤه. ولأنهم ألغوا عقولهم، ففقدوا حريتهم، وفقدوا اختياراتهم؛ وكما اتبعوه في الحياة الدنيا؛ كان جزاؤهم من جنس ما صنعوا ورضوا بالهوان، فكان قائدهم في الخاتمة ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٨ - ٩٩] . ٦ ـ لم يتركوا أثراً طيباً في الحياة، يذكِّر الناس بهم بعد موتهم. كانوا منعزلين عن الوجود، مبغوضين فلم يأسف عليهم أحد. لقد ذهبوا ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] فلم (تك لهم أعمال صالحة، تصعد في أبواب السماء، فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله ـ تعالى ـ فيها فقدتهم؛ فلهذا استحقوا أن لا يُنظَروا ولا يؤخَّروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم. عن النبي ﷺ قال: «ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه؛ فإذا مات فقداه وبكيا عليه ـ وتلا هذه الآية: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ . وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملاً صالحاً يبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح، فتفقدهم فتبكي عليهم. قال رسول الله ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ . ثم قال: إنهما لا يبكيان على الكافر» . سأل رجل علياً ﵁: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك؛ إنه ليس من عبد إلا له مصلَّى في الأرض مصعد عمله من السماء، وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا عمل يصعد في السماء. ثم قرأ علي ﵁: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ . أتى ابنَ عباس ﵄ رجلٌ فقال: يا أبا العباس! أرأيت قول الله ـ تعالى ـ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ . فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال ﵁: نعم! إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله؛ فإذا مات المؤمن فأُغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه ففقده، بكى عليه، وإذا فقده مصلاَّه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير؛ فلم تبك عليهم السماء والأرض. عن ابن عباس ﵄ قال: كان يقال تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحاً. قال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، قال: فقلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لذكره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل. وقال قتادة: كانوا أهون على الله من أن تبكي عليهم السماء والأرض) (١) . ٧ ـ وكان التعقيب القرآني حول هذه السنَّة الإلهية، التي تنتظر كل مفسد: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] . الخطوة الثالثة: من هم السعداء؟ وهي أن نتدبر أحوال فريق السعداء الفائزين، ونقتدي بهم. ثم ندعو له: «اللَّهُمَّ اغْفرْ لحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا. اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَىـ الإيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإسْلامِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» (١) . ونحبه في الله ـ تعالى ـ لعلنا نُحشَر معه، كما أخبرنا أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لا شَيْءَ إلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ . فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت. َ قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إيَّاهُمْ وَإنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ» (٢) . فماذا عن هذا الفريق؛ لو تدبرنا سماته، وأفكاره، وسلوكياته، ونهايته، ومصيره؟ ونفاجأ كذلك بأن مفتاح شخصيتهم، وسمتهم العامة هي الإيجابية؛ خاصة لو وضعنا أمام أعيننا أمثلة راقية لهم؛ مثل مؤمن آل فرعون، وسحرة فرعون، وغلام الراهب، وشهداء الأخدود، ومؤمن ياسين، والصحابة ﵃. ١ ـ إنهم أصحاب قضية سامية عاشوا لها وعاشت بهم. وتدبر تلك القضية التي حركت الرجل المؤمن، لينصر موسى ﵇ وعندها لم يعد يجدي الصمت. ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] . ثم جاء الوقت ليعلن قضيته علانية؛ ولو أدى إلى استشهاده. ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٣٨ - ٤٥] . ٢ ـ إن نظرتهم للحياة الدنيا؛ نظرة موضوعية، كنظرة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عندما حكى فقَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لموْتِك» (٣) . ٣ ـ إنهم كانوا يعيشون لغيرهم كما عاشوا لأنفسهم؛ فكانوا يحبون الخير لغيرهم ويفعلونه. وتدبر كيف قتل الغلام الدابة التي تعترض الناس، وكيف ساعد على شفاء المرضى بما فيهم جليس الملك. ٤ ـ إنهم كانوا مبادرين في اختيار نهايتهم، بل شاركوا في صنعها، واختاروها. وتدبر نهاية غلام الراهب ومؤمن ياسين ومؤمن آل فرعون، وكذلك موقف السحرة، وتحديهم لفرعون؛ عندما ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] . ٥ ـ أحبوا الموت، ليس هروباً من الحياة؛ كم حذرنا الحبيب ﷺ : «لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ» (٤) ، ولكن حباً وشوقاً إلى لقائه ـ سبحانه ـ كما جاء في هذا الحوار: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَه، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ! فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكِ؛ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإنَّ الْكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» (٥) . وتدبر موقف أنس بن النضر ﵁ في غزوة أُحُد؛ عندما حكى أَنَس ﵁ قَالَ: «غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ؛ لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ ـ يَعْنِي أَصْحَابَهُ ـ وَأَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ ـ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ـ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ! الْجَنَّةَ؛ وَرَبِّ النَّضْرِ! إنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ؛ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إلا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلَى آخِرِ الآيَةِ. وَقَالَ: إنَّ أُخْتَهُ ـ وَهِيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ ـ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَرَضُوا بِالأَرْشِ، وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ» (١) . وكذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ عندما قال: انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» . قال عمير بن الحمام: بَخٍ بَخٍ. فقال رسول الله ﷺ : «ما يحملك على قولك بخ بخ؟» . قال: لا، واللهِ يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها» . قال فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل» (٢) . ٦ ـ كانوا يعلمون أثر نهايتهم، فنجحوا في توظيفها من أجل قضيتهم، كما وظفوا لها حياتهم. وتأمَّل كيف دل الغلامُ الملكَ على سر موته؛ «فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ ارْمِنِي؛ فَإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي. فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ. آمَنَّا بِرَبِّ الْغلامِ. فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ ـ وَاللَّهِ ـ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ؛ قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ. فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: يَا أُمَّهِ! اصْبِرِي؛ فَإنَّكِ عَلَى الْحَقِّ» (٣) . وتأملْ: هل سيكون هذا الإيمان الجماعي، وستحدث تلك المظاهرة الإيمانية الجماعية، لو عاش الغلام ودعاهم للإيمان؟ ٧ ـ إنهم انتصروا بفكرتهم، وتركوها رصيداً ونبراساً على طريق الفائزين من بعدهم؛ ليخلدوا صورة راقية من صور النصر. ٨ ـ إنهم شاركوا في صنع مصيرهم بعد نهايتهم؛ وهو الخلود في الجنة. وتأملْ موقف مؤمن ياسين؛ عندما تمنى مصيراً لقومه مثل مصيره؛ عندما ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦ - ٢٧] . الخطوة الرابعة: مع المختارين: وتأتي الخطوة الرابعة في سلم الرقي الإيماني، فنطمع في أن نكون ضمن المختارين من الفائزين، وهم الذين فضلوا المِيتة الزكية الشريفة. وهم الذين اختارهم الحق ـ سبحانه ـ من بين أحبائه المخلصين: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . ولنتأملْ فيما أعده ـ سبحانه ـ لهم. وكيف ضمن لهم كل ما يشغل أي عبد لنفسه ولأهله ولمستقبله؟ أي أن الباري ـ سبحانه ـ قد حل لهم كل مشكلاتهم الحياتية والأخروية. فندرك لِمَ استعذب هؤلاء النخبة الشهادة، فجعلوا يتمنونها حتى وهم في أعلى درجات الجنة؟ ١ ـ الأمن من سكرات الموت: «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ أَلَمِ الْقَتْلِ إلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ أَلَمِ الْقَرْصَةِ» (٤) . ٢ ـ الأمن من فتنة القبر: «أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إلا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً» (٥) . ٣ ـ الأمن على الأهل والولد: «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» (٦) . ٤ ـ التسجيل مع الأوائل: «إنِّي لأعْلَمُ أَوَّلَ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَفَقِيرٌ عَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ. وَإنِّي لأَعْلَمُ أَوَّلَ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ: سُلْطَانٌ مُتَسَلِّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ» (٧) . ٥ ـ الفضائل الفورية الست: «يُعْطَى الشَّهِيدُ سِتَّ خِصَالٍ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ: يُكَفَّرُ عَنْهُ كُلُّ خَطِيئَةٍ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُزَوَّجُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُؤَمَّنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإيمَانِ» (٨) . «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ» (٩) . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ذُكِرَ الشَّهِيدُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «لا تَجِفُّ الأَرْضُ مِنْ دَمِهِ حَتَّى تَبْتَدِرَهُ زَوْجَتَاهُ كَأَنَّهُمَا ظِئْرَانِ أَضَلَّتَا فَصِيلَيْهِمَا فِي بَرَاحٍ مِنَ الأَرْضِ بِيَدِ ـ أَوْ قَالَ فِي يَدِ ـ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ هِيَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (١٠) . ٦ ـ المرتبة العليا من الجنة: «الْقَتْلُ ثلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَاتَلَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى إذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ؛ فَذَلِكَ الشَّهِيدُ الْمُفْتَخِرُ فِي خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ لا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إلا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ. وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى إذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ مُحِيَتْ ذُنُوبُهُ وَخَطَايَاهُ، إنَّ السَّيْفَ مَحَّاءُ الْخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ؛ فَإنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، وَلِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، وَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ. وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ حَتَّى إذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يُقْتَلَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ فِي النَّارِ، السَّيْفُ لا يَمْحُو النِّفَاقَ» (١) . إنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: «يَا نَبِيَّ! اللَّهِ ألا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ ـ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ ـ فَإنْ كَانَ فِي الجنَّة صَبَرْتُ، وَإنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ: يَا أُمَّ حَارِثَةَ! إنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى» (٢) . «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا. قَالا: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ» (٣) . ٧ ـ استعذاب الشهادة: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إلا الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ؛ فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى» (٤) . «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إلا الشَّهِيدُ؛ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَة» (٥) . ٨ ـ السعادة الأبدية: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] . الخطوة الخامسة: كيف نجيد فن حب الموت عملياً؟ ثم تجيء الخطوة الخامسة؛ وهي عوامل الاستمرارية والثبات على طريق النجاة. وهي التطبيقات العملية على طريق حسن صناعة الموت. ١ ـ تجديد النية: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِهِ صَادِقاً مِنْ قَلْبِهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ الشَّهِيدِ» (٦) . ٢ ـ صندوق تجهيز الغازي: «من جهز غازياً في سبيل الله ـ تعالى ـ فقد غزا» (٧) . ٣ ـ صندوق كفالة بيت الغازي: «ومن خلف غازياً في سبيل الله بخير، فقد غزا» (٨) . ٤ ـ الصحبة المؤمنة: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِينَا، فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلا يُسْتَشْهَدُ؛ ألا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ. عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ؛ فَإنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ. مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ» (٩) . ٥ ـ المعايشة الدائمة للخطوات الأربع السابقة. ٦ ـ المعايشة القرآنية. ٧ ـ التدبر في سِيَر السائرين على الدرب، واتخاذ شخصياتهم واسمائهم قدوة. ٨ ـ فقه مرض العصر: (١) ما هو؟ هو مرض الغثائية. (٢) ما سببه؟ كما جاء في فتوى الحبيب ﷺ عندما وضع المعادلة: (الوهن = حب الدنيا + كراهية الموت ----- الغثائية) . (٣) ما علاجه؟ حب الموت في سبيل الله. عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَال: َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا. فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ» (١٠) . أخيراً: ليكنْ هدفنا الذي نضعه على قمة جبل حياتنا؛ هو أحد خيارين لا ثالث لهما: فإما حياةٌ تسرُ الصديق وإما مماتٌ يكيدُ العِدى أو كما اختار سيد قطب ﵀: فإما إلى النصر فوق الأنام وإما إلى الله في الخالدين والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 5591

من لشكوى البيوت ؟ َ عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي خلق الله ـ تعالى ـ الخَلْق وسوَّاه، وأعطى كل شيء خلقه وهداه، وابتلى خلقه بالسراء ليشكروه، وبالضراء ليحمدوه ويدعوه وينيبوا إليه. ومن نعم الله ـ تعالى ـ علينا نعمة السكن في البيوت: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ [النحل: من الآية٨٠] ، ونعمة الحياة الزوجية والسعادة الأسرية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] . فيا سعادة من رزقه الله ـ تعالى ـ بيتاً يؤويه، وزوجة يأنس بها! وتكمل السعادة بزينة الحياة الدنيا ورياحين القلوب ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] . ولكن بيوتنا جزء من الدنيا، والدنيا دار ابتلاء واختبار، ولا تدوم على حال صفاء. فمن منا صَفَت أيامه بلا كدر؟ وهل منا أحد خلا بيته وسلمت أسرته عن منغص؟ لا؛ وربي! فالدنيا بأسرها دار حفلت بالمنغصات والكدر، وما أصدق ذلك الوصف القرآني لحال ابن آدم في الدنيا: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ١ - ٦] فهذا القَسَم العظيم من ربنا ـ سبحانه ـ وهو أصدق القائلين، يُشعر كل مستمع له أن الدنيا دار لا صفاء فيها بإطلاق؛ فلا يمضي على الإنسان يوم إلا ويقاسي فيه شيئاً من الشدة أو يكابد فيه مشقة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥] . وأنواع الكَبَد والمشقة كثيرة، منها ما تعانيه بعض البيوت من التصدع الأسري ووجود الشقاق بين الوالدين أو بين أحد الوالدين مع الأولاد، وقد تكون هناك مشكلة قائمة تمنع من الصفاء والأمان، كمن تعاني من زوجها المدمن على المسكرات والمخدرات، أو تلك الأرملة التي تعول أولادها وتشرف على تربيتهم ويصعب عليها السيطرة على بيتها وتخاف على رعيتها من الضياع في أتُون الحياة ومشكلاتها، أو ذلك الفتى المبتلى بأب قاسي القلب صعب المراس، أو تلك الفتاة التي تشتكي من إهمال والديها أو ظلم إخوانها وتخاف على نفسها، وهلم جرّاً من المشكلات التي لا تخلو منها غالب البيوت؛ وكثير من هذه المشكلات تكون سهلة ويوفَّق أطرافها في تجاوزها بيسر أو تُحلّ مع مرور الزمن. ولكن يبقى قسم من البيوت يصطلي بنار تلك الأزمات والمشكلات التي تعصف باستقراره وتهز كيانه ما لم يقيّض الله ـ تعالى ـ لها من يساهم في إزالة تلك الغمة وكشف تلك الكربة. وما لم تُحل هذه المشكلات وتُعالج فإن آثارها كبيرة وطويلة المدى. ولولا أن للبيوت أسرارها لأوردت صوراً ومآسيَ من تلك المشكلات التي يعايشها بعض أفراد مجتمعنا ويصطلون بنارها رافعين شكواهم إلى الرحمن الرحيم يرجون منه ـ سبحانه ـ اللطف والتيسير، وهو ـ سبحانه ـ أرحم الراحمين. ولكن كيف السبيل إلى علاج تلك المشكلات والأزمات؟ إن الحديث عنها طويل ومتشعب ومحفوف ببعض العوائق، فلا ريب أن لهذه المشكلات خصوصيتها، ولا يرغب أطرافها في نشر مشكلاتهم أو أن يتدخل الجميع في علاجها، وربما كان الطرف المظلوم ضعيفاً لا يستطيع الجهر بالشكوى أو البوح بمكنون ضميره، وربما رأى المجتمع بتقاليده وعاداته أن الحديث بصوت مسموع في هذه القضايا ممنوع؛ فما الذي يصنعه إذن من ابتلي بها وأصبحت حياته مليئة بالشوك والعقبات؟ إن هذه المشكلات إن لم تجد يداً حانية وقلباً مشفقاً ونفساً حريصةً على رأب الصدع فإنه يُخشى أن يزيد أُوارها ويستطير شررها. ولما كان المفترض في كل مسلم أن يحب لإخوانه ما يحب لنفسه عملاً بقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ، وكل واحد منا يود أن يعيش هادئ البال مطمئن الحال؛ فكذلك ينبغي لنا أن نبذل الجهد في حل هذه المشكلات متى وقعت؛ فهي من وسائل الإصلاح بين المسلمين، كما أنها من وسائل تحصيل الاستقرار وإيجاد السعادة في البيوت والأسر، ومتى كانت البيوت مستقرةً خالية من المنغصات كانت حَرِيَّة بتوفير الراحة والسكن والمودة لأفرادها. والسعيُ في الإصلاح ولمّ الشمل مطلوب شرعاً؛ فقد قال ـ تعالى ـ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] وقال ـ تعالى ـ في بيان ما يُعمل عند شقاق الزوجين: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ [النساء:٣٥] . وإن السعي في إصلاح ذات البين ورأب الصدع لدى الأسر والمساهمة في حل مشكلاتها عمل محمود مأجور عليه صاحبه، وليس في ذلك أي غضاضة أو منقصة، ولنا في نبينا ﷺ القدوة والأسوة الحسنة، بأبي هو وأمي ﷺ ! وأنعم به من معلمٍ للبشرية ومربٍ قدير وساعٍ في كل بر! فمع عظيم مسؤوليته في تبليغ رسالة ربه، ولا ريب أنه أكثر الناس عملاً ومسؤولياتٍ وأكثرُهم تحملاً للأمانة؛ فإن ذلك كله لم يشغله عن أن يساهم بجهده في رأب الصدع وعلاج مشكلات البيوت، بل كان ﷺ ، وهو رؤوف رحيم بأمته، يتحسس مشاعر أفراد مجتمعه ويبذل جاهه ونصحه في التوفيق بين المتخالفين وعلاج مشكلات البيوت والأسر. وإليكم هذه النماذج المضيئة من سيرته ﷺ : أخرج أبو داود أن النبي ﷺ قال: «لا تضربوا إماء الله!» فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرن النساء على أزواجهن ـ أي نشزن وتجرأن وساءت أخلاقهن مع أزواجهن ـ فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكين أزواجهن، فقال النبي ﷺ : «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكين أزواجهن ليس أولئك بخياركم» . فانظر يا أخي! حين بادرت النساء برفع شكواهن إليه ﷺ ، فقد علمن أنه ﷺ سيهتم بأمرهن، فجئن إليه وهن كثيرات، كما في اللفظ الآخر قال ﷺ : «لقد طاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كل امرأة تشتكي زوجها؛ فلا تجدون أولئك خياركم» أخرجه ابن ماجه؛ فهل تبرَّم بهن ﷺ ؟ وهل طردهن عن بيته؟ وهل أنكر عليهن شكوى رجالهن؟ وانظر إليه ﷺ حين يوجه الرجال في هذا الأمر ويبين أن مكارم الأخلاق تقتضي ترك الضرب والإيذاء. وصورة أخرى يتدخل فيها النبي ﷺ باذلاً جاهه لدى بريرة ﵂ وهي أَمَة مسلمة أُعتقت، وكان زوجها عبداً واسمه مغيث، وإذا أُعتقت الأمة خُيرت بين البقاء مع زوجها أو أن تختار فراقه، فاختارت بريرة ﵂ مفارقة زوجها، فتأثر زوجها بذلك، وإليك ما رواه ابو داود عن ابن عباس ﵄ أن مغيثاً كان عبداً فقال: يا رسول الله! اشفع لي إليها، فقال رسول الله ﷺ : «يا بريرة! اتقي الله؛ فإنه زوجك وأبو ولدك» فقالت: يا رسول الله! أتأمرني بذلك؟ قال: «لا؛ إنما أنا شافع» ، قالت: لا حاجة لي فيه. فكانت دموعه تسيل على خده، فقال رسول الله ﷺ للعباس: «ألا تعجب من حب مغيث بريرةَ، وبغضِها إياه؟» أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود والدارمي بألفاظ متقاربة. وها هو ﷺ لا يغفل عن بيته وأقرب الناس إليه، بل يهتم بحالهم ويأسى لمشكلاتهم. أخرج البخاري عن علي ﵁ أن فاطمة ﵂ أتت النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة؛ فلما جاء ﷺ أخبرته عائشة، قال علي: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: على مكانكما! فجاء فقعد بيني وبينها حتى وجدتُ برد قدميه على بطني فقال: «ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما فسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمَدا ثلاثاً وثلاثين، وكبِّرا أربعاً وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادم» . ولَما كان الصحابة ﵃ يعلمون عن النبي ﷺ حرصه على حل مشكلاتهم كانوا يبادرون برفعها إليه، ومن ذلك قصة عبد الله بن عمرو بن العاص مع زوجه؛ فعن عبد الله ابن عمرو ﵄ قال: زوّجني أبي امرأة، فجاء يزورها، فقال: كيف ترين بعلك؟ فقالت: نِعْمَ الرجل من رجل لا ينام الليل ولا يفطر النهار! فوقع بي وقال: زوَّجتك امرأة من المسلمين، فعضلتها! قال: فجعلت لا ألتفت إلى قوله مما أرى عندي من القوة والاجتهاد، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: لكني أنا أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، فقُمْ ونَمْ وصُمْ وأفطرْ. قال: صم من كل شهر ثلاثة أيام! فقلت: أنا أقوى من ذلك. قال: صم صوم داود ﵇ صم يوماً وأفطر يوماً! قلت: أنا أقوى من ذلك. قال: اقرأ القرآن في كل شهر! ثم انتهى إلى خمس عشرة وأنا أقول: أنا أقوى من ذلك» أخرجه النسائي وأصله في الصحيحين. ولم يكن ﷺ بالجبار المترفع عن هموم أصحابه، بل كان قدوةً ومثالاً يُحتذى في التواضع وبذل المعروف. هذا أنس بن مالك ﵁ يحدثنا: «إن كانت الأَمَة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت» أخرجه البخاري. هذا غيض من فيض النبوة والحكمة؛ فهل نحن مقتدون؟ وهل نبذل الرأي والجاه والمال في خدمة إخواننا المبتَلين في بيوتهم وأسرهم، عسى أن يكتب الله لنا ولهم الخير والفلاح في الدنيا والآخرة. وإن التصدي لمشكلات الناس والمساهمة في حلها ليس بالأمر السهل؛ إذ يتطلب وقتاً وجهداً وحكمة وعلماً، وكلما توفرت الخبرة والكفاءة العلمية والممارسة العملية في ذلك الأمر كان أفضل وأحرى بالنفع. ولذا فإن الجهات الرسمية والجمعيات المهتمة بالشؤون الاجتماعية والنفع العام مطالبةٌ بالاهتمام بهذا الموضوع والسعي في هذا السبيل الذي أصبح مطلباً ملحّاً في سبيل توفير الاستقرار الأسري. وإن بذل الجهد في إصلاح ذات البين وإزالة العوالق وحل المشكلات الاجتماعية لا يقل أهمية عن إيصال الطعام والشراب إلى البيوت المحتاجة؛ فالنفس تنشد الاستقرار والطمأنينة كما تنشد الكفاف والستر. وهناك بحمد الله جهود مباركة في هذا الميدان، ولكنها لا تزال في بداياتها، وتحتاج إلى مزيد من الدعم والتخصص. وهذه دعوة لكل مصلح ومحب للخير أن يساهم قدر جهده في نفع إخوانه ومَنْ حوله؛ فللقريب دور مع قريبه، وبإمكان الجار وإمام المسجد والداعية وزميل العمل أن يعرض المساعدة في علاج مثل هذه المشكلات وأن يحتسب الأجر في ذلك؛ فالإصلاح بين الناس عمل محمود مثاب عليه شرعاً، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٤] . وهذه سبع وصايا لمن أراد الاحتساب والمشاركة في هذا العمل: ١ ـ للبيوت أسرارها وللناس خصوصياتهم، فاحرص على حفظ السر. ٢ ـ بذل الجهد في النصح والإقناع والموعظة الحسنة واحتساب الأجر من وسائل النجاح في الإصلاح ﴿إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] . ٣ ـ احرص على بذل الحلول العملية الممكنة، وابذل جهدك في رسم خطة العلاج التي يفهمها المستشير. ٤ ـ اعلم أن لكل حالة ما يناسبها من الحلول؛ فليس هناك وصفة ملائمة لكل المشكلات الاجتماعية والأسرية. ٥ ـ التأكيد على أثر سلامة البيوت من المنكرات في تجاوز العقبات الاجتماعية؛ فكثيراً ما تنشب المشكلات في البيوت الخاوية من الخير والذكر المليئة بالمنكرات. ٦ ـ الترفق في علاج المشكلة؛ فالرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا بد من سعة البال وطول النَّفَس في العلاج. ٧ ـ مراقبة الله وطلب العون منه سبحانه. وختاماً: أوصي من ابتلي بشيء من هذه المشكلات فنغصت حياته وكدرت أيامه أن لا يقنط من رحمة الله أو أن يدب إليه اليأس من تجاوز مشكلته؛ فلكل داء دواء. وما أجمل أن يطرح العبد المهموم على ربه ويشكو إليه ـ سبحانه ـ حاله؛ فرحمة الله قريب من المحسنين: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] ، والصبر درع واقٍ وعلاج ناجع ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] . واتخذ ـ أخي المبتلى ـ من الأسباب المشروعة ما يساعد على تجاوز المحنة وانقشاع الغمة، ومن ذلك طلب المساعدة والمشورة من حكيم مجرب أو صديق مشفق أو أخ محب أو مركز متخصص. ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة يواسيك أو يسليك أو يتوجع أسأل الله ـ تعالى ـ أن يرزقنا السعادة في الدنيا والآخرة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 5592

في بيئتنا الدعوية هل نحن بحاجة إلى تحديد مصطلح التربية ؟ محمد بن عبد الله الدويش أحد الشباب كان يسعى لإعداد قائمة بكتب تسهم في بنائه الشخصي، سألني عن الكتب التربوية المناسبة له، اعترض على بعض ما اقترحت عليه بأنها خارج الإطار الذي يريد، كان مصدر الخلاف بيني وبينه في تحديد مصطلح التربية. إن مصطلح التربية ليس قاصراً على أروقة الجامعات، ولا محصوراً بين الأكاديميين، بل هو مصطلح يستعمله الصغير والكبير، والعامي والمتعلم. واتساع دائرة استخدام المصطلح ـ بقدر ما يوضحه ويبسطه ـ فهو يتيح مجالاً واسعاً للتنوع في فهمه وتحديده. والمجالات الدعوية من أكثر المجالات التي يتكرر فيها مصطلح التربية: ٣ كتب ومقالات ودراسات تربوية. ٣ فلان مهتم بالقضايا التربوية ويتحدث عنها. ٣ التعارض بين التربية والعلم الشرعي: أيهما يقدَّم؟ أيهما أوْلى؟ ٣ فلان يعاني من خلل وقصور تربوي. ٣....... إلخ. فما المقصود بمصطلح التربية في الأوساط الدعوية؟ فهي تارة مصطلح عائم لا دلالة محددة له، وأخرى منحصر في مجال السلوك والآداب والرقائق وما يتصل بها، وهو ما كان يعنيه صاحبي في استشارته. إن ميدان التعامل الفكري والثقافي الواسع لا يتطلب التحديد المنطقي للمصطلحات والألفاظ، ويستوعب التعامل الواسع معها. لكن استخدام مصطلحٍ ما دون مفهوم واضح محدد، أو اجتزاء استخدام المصطلح في نموذج وصورة محدودة يترك آثاراً في الواقع العملي تتجاوز مجرد الجدل حول استخدام الألفاظ والمصطلحات. إن التربية تعني بناء شخصية الإنسان بكافة جوانبه: بناءه العلمي، والفكري، وبناء قدراته ومهاراته العقلية، وبناءه النفسي وتحقيق السمات الملائمة للشخصية السوية المستقرة، وبناءه الاجتماعي وإكسابه مهارات التواصل مع الآخرين. وهي مع ذلك تُعنى ببناء الإيمان والتقوى في النفس، وتنمية الخُلُق والسلوك والتعامل مع الآخرين. واختزال مفهوم التربية في جانب من جوانب الشخصية قاد إلى خلل في التنظير، وخلل أوسع منه في الممارسة. فصار الحديث النظري عن البناء التربوي في البيئات الدعوية حديثاً يفتقر إلى السعة والشمول، أما الممارسة فهي أكثر قصوراً واجتزاءً. والقصور في مفهوم التربية، ومن ثَمَّ في الممارسة التربوية قاد إلى كثير من المشكلات في المخرَجات التربوية، ومع الشعور بأزمة المخرجات؛ إلا أن تحليل أسبابها، والأفكار المقترحة في علاجها لا زالت قاصرة. ويمكن تفسير جزء من هذا الخلل من خلال القصور في مصطلح التربية مفهوماً وممارسة. إن هذا ليس دعوة لمجرد إعادة تعريف التربية، بل هو دعوة لمراجعة الأداء التربوي في ضوء المفهوم الشامل للتربية بغض النظر عن الجدل حول المصطلحات والألفاظ؛ فالعبرة بالحقائق والممارسة.

стр. 5593

معالم في فقه الفتن والأزمات إبراهيم بن صالح الدحيم الأمة الإسلامية اليوم تعيش زمناًً عصيباً، تحتاج معه إلى فقه ودراية، وسعة نظر وإدراك، حتى يمكنها ـ ودون ضوضاء مزعجة ـ أن تحدد الجرح، وتضع الدواء المناسب عليه، ثم تحيطه بعصابة تسارع في بُرْئه، فتستطيع بذلك أن تحمي الأجزاء السليمة أن يطولها الضرّ أو يغشاها البلاء. إن فقه التعامل مع الفتن وحُسن إدارة الأزمات جزء من حلها، وعامل رئيس في تخفيف حدّتها، والحدّ من أثرها، وبالمقابل فالجهل والتوتر والتهور الناتج عن قلة الفقه يزيد من تأزم الأزمة ويضاعف أثرها. إن النظر في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ (يعطي النفس وضوحاً في الرؤية، وبُعْداً في النظر، وحكمة في التعامل، وهذا كله لازم لفقه الأزمات بصورة صحيحة. وقد روي في الحديث عنه ﷺ قال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنّتي» (١) . لقد عايش النبي ﷺ وعايشت الأمة معه أزمات كثيرة؛ فكيف كان المخرج منها؟ كيف كان التوجيه الإلهي يتنزل حيال هذه الأزمة أو تلك؟ كيف كان تصرُّف النبي ﷺ وتعامله مع هذه الأزمات وهذه الفتن المدلهمّات؟ وفي زحمة المتغيرات وتتابع الأزمات يضعف البصر، وتختلط الأصوات، ويلتبس الحق بالباطل ـ لكن لا يضيع ـ وكما يقول مطرِّف بن عبد الله: (إن الفتنة إذا أقبلت تشبهت، وإذا أدبرت تبيّنت) (٢) . وفي زحمة الفتن يتبين الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق. لقي سعيد بن جبير راهباً، فقال: «يا سعيد: في الفتنة يتبين مَنْ يعبد الله ممن يعبد الطاغوت» (٣) . ولذا كانت الحاجة اليوم ماسّة إلى معالم في فقه الفتن والأزمات نستفيد منها في التعامل مع أزمة واقعة، أو التنبّه المبكر لأزمة متوقعة، وفي هذه العجالة أُلقي الضوء على معالم مهمة، ينبغي مراعاتها حال النظر في الفتن والأزمات. - المَعْلَم الأول: لله الحكمة البالغة: لله الحكمة البالغة في تقديره وتدبيره وأمره ونهيه، لا يقع في الكون شيء إلا بعلمه وأمره. لم يخلق شيئاً عبثاً، ولا شراً محضاً «والشر ليس إليك» (٤) . اتُّهم بيت النبوة في عرضه وكانت نازلة عظيمة على المؤمنين عاشها النبي ﷺ مع أصحابه شهراً فأنزل الله: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ١١] . وجاء فرض القتال ـ الذي فيه تزهق النفوس ـ فكرهه أناس! فأنزل الله: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] . وأنزل الله في الرجل يكره المرأة ويطلب فراقها قولَه ـ تعالى ـ: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] . ويخفى علينا الأمر؛ لكن الله يعلمه، ويختار لعباده المؤمنين خيراً. عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عجبت للمؤمن! إن الله لم يقض قضاء إلا كان خيراً له» (١) . كادت قضية فلسطين أن تُنسى فأتى الله بالانتفاضة المباركة، نعم ذهب فيها أطفال، لكن استيقظ بسببها رجال، جاءت الانتفاضة فأثارت في النفوس ـ وبقوة ـ عداوة يهود، الأمر الذي كاد يخبو تحت شعارات السلام وفي أروقة التطبيع! جاءت الانتفاضة لتنفض عن المسلمين غبار اليأس والنوم، فإذا بالعالم الإسلامي اليوم من أقصاه إلى أقصاه ينتفض لقضيته الأولى ومسرى نبيه ﷺ ، جاءت الانتفاضة لتبطل مخططات كانت تدار في دهاليز مظلمة، بغرض عزل القضية الفلسطينية عن هويتها الإسلامية. ووقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ووجدت أمريكا وغيرها فرصتها في التدخل وفرض السيطرة المباشرة على المسلمين، فطال المسلمين ما طالهم من التشريد والتقتيل، وقوضت أعمال خيرية إغاثية، ومع كل هذا فقد جرت حكمة الله وتدبيره أن يكون الحادث سبباً عظيماً للبحث عن الإسلام، حيث أقبل الأمريكان والغربيون وغيرهم على شراء الكتب التي تتحدث عن الإسلام؛ فقد نشرت الصحف أن الكتب التي تتحدث عن الإسلام قد نفدت من المكتبات، وصار عليها إقبال شديد في أوروبا، وارتفعت نسبة مبيعات ترجمات القرآن إلى ٢١-٣٠%. وفي معرض (فرانكفورت) الدولي للكتاب لوحظ إقبال جميع الزائرين على تناول أي غلاف يحمل موضوعاً حول الإسلام (٢) ، وامتلأت المراكز الإسلامية بالذين يسألون عن الإسلام، واستضافت كبريات المحطات الإذاعية عدداً من رؤساء المراكز الإسلامية لعرض سماحة الإسلام وحقيقته، وهو الشيء الذي لو أنفق المسلمون الملايين من أجل النفوذ إلى هذه الوسائل ما استطاعوا، ولكن الله يحكم ما يريد. - المعْلَم الثاني: اصبروا وصابروا: عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة؛ فأعدوا للبلاء صبراً» (٣) ، وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواهاً» (٤) ، ويصف النبي ﷺ هذه الأيام بأنها أيام الصبر؛ لأن الصبر فيها يعتبر الركيزة الأساس في الاستقرار وتجاوز الأزمات بسلام؛ فعن عتبة بن غزوان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من ورائكم أيام الصبر للمستمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم» (٥) . وبالصبر يحصل الضياء الذي تستبين به الأمور قال ﷺ : «والصبر ضياء» (٦) قال النووي ﵀: «والمراد أن الصبر المحمود لا يزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمراً على الصواب» . وكم هي الحاجة إلى معرفة الصواب والثبات عليه أيام الفتن والأزمات؟ وإذا وقع البلاء كان الصبر للعبد سعة كما في الحديث عنه ﷺ : «وما أُعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر» (٧) قال ابن القيم: (هذا بعد نزول البلاء: ليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فالعافية أوسع له) (٨) . وفي المشهور من دعاء النبي ﷺ : «إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي؛ غير أن عافيتك أوسع لي» (٩) . والذين عاشوا حياة الصبر والمصابرة ذاقوا لذّتها وقطفوا ثمرتها، وتركت تلك المواقف في نفوسهم أثراً نعموا به بقية حياتهم. قال عمر ﵁: (وجدنا خير عيشنا بالصبر) (١٠) ، وقال علي ﵁: (الصبر مطية لا تكبو) (١١) . (والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة. إنه طريق طويل شاق، حافل بالعقبات والأشواك، مفروش بالدماء والأشلاء، وبالإيذاء والابتلاء.. الصبر على أشياء كثيرة: الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها ومللها من قريب! والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم وانحراف طباعهم، وأَثَرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة، وتصعير الغرور والخيلاء! والصبر على قلّة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق! والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله.. والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله واستسلام لقدره وردّ الأمر له كله في طمأنينة وثقة وخشوع ... ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين.. فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة، بل يظلّون أصبر من أعدائهم وأقوى..) (١) . إن بين النصر والهزيمة وبين القوة والضعف صبر ساعة، فمن صبر عليها نال النصر والقوة، ومن عجز دونها سقطت قواه. قال عمر بن الخطاب ـ ضي الله عنه ـ لرجل من بني عَبس: «كم كنتم يوم الهبَاءة؟ فقال: كنا مئة كالذهب، لم نكثر فنتواكل، ولم نقل فنذل. قال: فكيف كنتم تقهرون من ناوأكم ولستم بأكثر منهم عدداً ولا مالاً؟ قال: كنا نصبر بعد اللقاء هنيهة. قال: فلذلك إذاً) (٢) . - ثالثاً: حسن التعامل مع الأخبار: الإعلام اليوم يمارس نوعاً من التحوير للخطاب الإعلامي، والعبث في صياغة أخباره، جرياً على المصالح السياسية! فهو اليوم فاقد لمصداقيته وحياديته في كثير من أخباره، وعليه فإن علينا أن نقف من هذه الإذاعات والقنوات الإخبارية موقف التمحيص والتدقيق كما في التوجيه الرباني: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . إن معرفة الحقيقة وإن كان أمراً صعباً في هذا الوقت إلا أنه ليس بمعجز، إذ الأمر يحتاج إلى نوع ذكاء في التعامل مع الأخبار، وذلك بالنظر إلى عدة مصادر لها استقلاليتها، وإجراء شيء من المقارنة بينها لمعرفة قدر التوافق والتعارض. ومن فقه التعامل مع الأخبار حسن النقل واختيار ما يصلح إذاعته منها مما لا يصلح، فكما أنه ليس كل ما يُقال يصح، فليس كل ما يُعلم يُقال، يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ٨٣] . يقول ابن سعدي ﵀ معلقاً: (هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة مما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرّزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها، فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطاً للمؤمنين وسروراً لهم وتحرزاً من أعدائهم فعلوا ذلك، وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة، أو منه مصلحة لكن مضرّته تزيد على مصلحته لم يذيعوه..) (٣) . لقد سمع النبي ﷺ بنقض يهود بني قريظة للعهد وهو في شدة الأحزاب، والجيوش قد تجمعت حول المدينة، وقد زاغت من المؤمنين الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، فأرسل السعدين ـ سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة ـ ومعهما عبد الله ابن رواحة، وخوات بن جبير ﵃ يستطلعون الخبر، وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحقّ ما بلغنا عنهم؛ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه (أي: ورُّوا بكلامكم تورية أفهمها عنكم دون غيري) ولا تفتّوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس، فخرجوا حتى أتوهم واستطلعوا الخبر، ثم أتوا رسول الله ﷺ بخبر بني قريظة وأنهم قد نقضوا العهد، وكَنَّوا بذلك لرسول الله فقال: الله أكبر ... أبشروا يا معشر المسلمين!! (٤) . لقد كان في إظهار خبر نقض قريظة للعهد فتٌّ في عضد المسلمين فأخفاه ﷺ استبقاءً لهم، بل تجاوز ذلك إلى بعث روح الطمأنينة فيهم حيث كبَّر وبشَّرهم بالنصر. إن من الأخبار ما يكون صحيحاً لكنه غير صالح للنشر، ثم ما كان منها صالحاً للنشر فلا يصح أن ينشر بصورة ترعب المسلمين وتزيد من وجلهم؛ لأن ذلك في الحقيقة استدراج من العدو للوقوع في أسر الحرب الإعلامية التي ما هي إلا طليعة العدو في حربه المتواصلة علينا. إن على المسلمين أن يصلوا إلى مستوى رفيع في الفهم، وأن يفقهوا الخطاب الإعلامي ويعلموا أنه موجه، وأنه في كثير من أحيانه يفتقد إلى المصداقية. إن من نافلة القول: أن إعلام أيّ دولة سيخدم مصالحها ولا بد، وسيكون داعماً لسياستها ولا ريب، وقل لي بربك: ما هي أبرز المصادر الإعلامية اليوم؟ أليست في يد أعدائنا، هل ننتظر من أعدائنا في صياغة الخبر أن يراعوا أوضاعنا وأن ينطقوا بالصدق؟ على المسلم أن لا يكون مذياعاً وبوقاً لكل ما يقال؛ فقد عاب الله ذلك على بعض من كان في المدينة ممن يلقي أذنه لقالة اليهود وإرجاف المنافقين ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٤٧] ، أما المؤمن الفطن فكما قال عمر ﵁: (إن لله عباداً يميتون الباطل بهجره، ويحيون الحق بذكره) (١) . وحين يقول كل ما يعلم يكون كحاطب ليل يهذي بما لا يدري ولا يسلم من زلل وخطيئة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) (٢) . وعند أبي داود أن النبي ﷺ قال: (بئس مطية الرجل زعموا) (٣) . ومن لا يحسن الكلام فعليه بالصمت فـ (الصمت حكمة) . قال ميمون بن مهران: (لبث شريح في الفتنة تسع سنين لا يُخبر ولا يَستخبر) (٤) ، وفي الحديث الحسن عنه ﷺ أنه قال: «من صمت نجا» (٥) ، والصمت الذي يكون فيه النجاة حيث لا يدري وجه الحق والصواب، أو لا يكون في الحديث مصلحة. إن فتنة اللسان ليست بأقل من فتنة السنان بل هي باعثة له محرضة عليه؛ وقد روي: «إن الكلام في الفتنة دم يقطر» (٦) ، وجاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال: «الفتنة تُلْقَح بالنجوى، وتُنْتَج بالشكوى» (٧) ، ورحم الله الربيع بن خَيْثم فإنه لما قيل له: قتل الحسين! قال: أقتلوه؟ قالوا: نعم! فقال: ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] قال ابن العربي معلقاً: «ولم يزد على هذا أبداً؛ فهذا العقل والدين، والكف عن أحوال المسلمين، والتسليم لرب العالمين» (٨) . ثم على المسلمين أن يعرفوا مسؤوليتهم تجاه علمائهم ودعاتهم وأهل الرأي والعقل فيهم، فيحفظوا لهم قدرهم ويعرفوا لهم مكانتهم، ويرجعوا إليهم في ملمّاتهم، ويصدروا عن رأيهم، ويحيطوا بهم عند الأزمات: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] . - رابعاً: التّؤدة: حتى يستطيع المسلم أن ينظر الطريق دون غبش، ويبصره دون عمش، وأن يفكر بعيداً عن الضوضاء ليعرف أين يضع قدمه وكيف يرفعها، فلا بد من التؤدة والسكينة. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأناة من الله، والعجلة من الشيطان» (٩) . قال أبو حاتم: (العجلة فعل الشيء قبل وقته اللائق به. وكانت العرب تكني العجلة «أم الندامات» ، وقال أيضاً: والرافق لا يكاد يُسبق، كما أن العاجل لا يكاد يَلحق، وكما أن من سكت لا يكاد يندم، كذلك من نطق لا يكاد يسلم، وإن العَجِل يقول قبل أن يعلم، ويُجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يُجَرِّب، ويذم بعدما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم) (١٠) . وعن خيثمة قال: قال عبد الله: إنها ستكون هَناتٌ وأمور مشتبهات، فعليك بالتؤدة، فتكون تابعاً في الخير خيرٌ من أن تكون رأساً في الخير (١١) . لا تعجلنّ فرُبّما عجل الفتى فيما يضرُّه ولربما كره الفتى أمراًً عواقبُه تسرُّه وكان المستورد القرشي عند عمرو بن العاص ﵄ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس. فقال له عمرو: أبصر ما تقول! قال: أقوّم ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: لئن قلت ذلك: إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند الفتنة، وأسرعهم إفاقة بعد المصيبة، وأوشكهم كرّة بعد فرَّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك» (١٢) . فلهذه الخصال استبقوا على أنفسهم وعلى قومهم، فليت قومي يعلمون. أمَرَ النعمان بن مقرِّن المسلمين في بعض مغازيه أن ينكصوا استدراجاً للعدو، وعهد إليهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم ففعلوا واستتروا بالجحف من الرمي، وأقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات، وشكا بعض الناس إلى بعض، فقالوا للنعمان.. فقال: رويداً رويداً! قالوا ذلك مراراً فأجابهم بمثل ذلك.. فقال المغيرة: لو أن هذا الأمر لي علمتُ ما أصنع! فقال: رويدك ترى أمرك، وقد كنت تلي الأمر فتحسن، فلا يخذلنا الله ولا إياك، ونحن نرجو في المكث مثل الذي ترجو في الحث (١) ـ يعني الأجر والنصر -. (إنَّ الانتظار الإيجابي والتجميع الهادئ: ليسا وقوفاً ولا تلكؤاً، بل هو تلبية لنداء الحكمة. فريث المثابر أمضى خطىً وأبلغ من قفزات الصخب وكانت أناة الفتى في التقدم أهدى وأجدى لنيل الأدب ومستعجل الشيء قبل الأوان يصيب الخسار ويجني النصب إن الأصل في الدعوة ومواجهة الأزمة، هو ترك الطيش وإلغاء العجلة والمناورة عن بُعْد والحيدة قدر المستطاع عن الرمية، فلا ينتصب هدفاً، بل لا يتواجد في عرصة يمكن أن يأتيه فيها سهم غَرْب) (٢) . ويُطرف ابن القيم في المعنى فيقول: (شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة، وشجرة الدّبّاء تصعد في أسبوعين، فتقولُ للصنوبرة: إن الطريق التي قطعتِها في ثلاثين سنة قطعتُها في أسبوعين، ويُقال لي: شجرة، ولك: شجرة. فقالت الصنوبرة: مهلاً حتى تهب رياح الخريف؛ فإن ثبتِّ لها تمَّ فخرك) (٣) . إن كثيراً من العواطف العاصفة هي التي تحركنا وتسير بنا، كحال من جاءه عاصف من الريح فوضع يده على عينيه وألقى بنفسه بعيداً عنها؛ فإذا هو يرتطم بجِذْم حائط أو يقع في حفرة مظلمة، أو كحال من يسير بسيارته في طريق محجوبة بالضباب، فلم تطق نفسه بطء السير مع طول الطريق، فاستجاب لعاصف الطيش في نفسه فأسرع، فخرج عن الطريق عند أول منعطف فيه، فارتطم بسيارة أخرى في مسار غير مساره! فصدق في حقه قول العرب: (رب عجلة تهب ريثاً) ، ولو أن الأول اجتمع على نفسه، وألقى بثقله في مكانه، منتظراً ذهاب الريح لزال عنه العاصف دون أن يخسر موقعه. ولو أن الآخر مشى الهوينى، ولزم الجادة، فإنه سيصل ولو متأخراً، بل ربما انقشع عنه الضباب فزاد من سرعة سيره. قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل إنه توقّف لا وقوف ـ كما سبق ـ توقّف يحكمه الموقف، وتديره الحكمة، إنه انتظار مؤقت (فإذا رأيت الأرض قد اهتزت وربت، وهضاب القلوب القاسية قد تقلبت، فشمّر عن الذراع للزِرَاع، واغتنم خفقان الشراع، والإسراعَ الإسراعَ) (٤) . - خامساً: التربية على الاستعلاء رغم الجراح: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ، لقد كانت هذه الآية تتنزل وجيش المسلمين قد رجع من غزوة أحد، وقد قتل منهم سبعون، وجُرح فيها الرسول الكريم ﷺ ، ومع ذلك يقرر في حقهم أنهم الأعلون، حتى لا تقتلهم الحسرة، أو يحترقوا بنار المحنة. إن الأعداء يحاولون ـ عبر إيحاءات منظمة وممارسات إعلامية مدروسة ـ أن يطيحوا بالأمة في دوائر اليأس والإحباط والسلبية. أما حين تتحرر النفوس من الإحساس بالدونية والضعف والعجز، فعندها تنطلق الطاقات وتتحرك الإمكانات وإن كانت ضعيفة، فهنا تغيّر وجه التاريخ، وتنطلق الأمة الجريحة لملاحقة عدوها كما انبعث جيش أُحُد الجريح لمطاردة عدوه في (حمراء الأسد) . على الأمة أن تردّد أناشيد النصر وإن كانت جريحة، وأن تصرخ بلسان التحدي أمام عدوها وإن كانت سجينة: لا تفرحوا بالنصر فإن قتلتم خالداً فسوف يأتي عمرو وإن سحقتم وردة فسوف يبقى العطر عدونا يا أيها المغرور.. عقارب الساعة إن توقفت.. لا بد أن تدور إن اغتصاب الأرض لا يخيفنا فالريش قد يسقط من أجنحة النسور والعطش الطويل لا يخيفنا فالماء يبقى دائماً في باطن الصخور لن تفلتوا.. . لن تفلتوا.. . فإن نمت أولادنا من بعدنا ستأخذ الأجور. الإسلام ليس محصوراً برجل فيُقتل! أو مؤسسة فتُغلق، أو هيئة فتُحدَّم، أو دولة فتُحارب. الإسلام نسيم يعمّ الأرجاء، وشمس لا تحجبها يد شلاء ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . [الصف: ٨] - سادساً: بعث الأمل: لا بد من بعث الأمل في الأمة، وأن يُفتح لها نافذ من النور حتى لا يقتلها الظلام. بينما الصحابة ﵃ يحفرون الخندق إذ عرضت لهم شديدة، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، قال الراوي: «وقد لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً» فأخذ النبي ﷺ المعول ثم ضرب الصخرة ضربة صدعتها وتطاير منها شرر ـ أضاء هذا الجو الداكن ـ وهو يقول: الله أكبر: أُعطيت مفاتيح الشام، واللهِ إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة، ثم ضربها الثانية فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، واللهِ إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم ضرب الثالثة وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، واللهِ إني لأبصر قصر صنعاء من مكاني الساعة (١) ..!! ولما بلغه خبر نقض يهود بني قريظة (٢) العهد قال: «أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره ... » أي: إشراقة أمل في ظلمة المحن هذه!! ونحن نقول للمسلمين قاطبة وهم في ظل هذه الأزمات العصيبة: أبشروا وأمّلوا خيراً؛ فإن مع العسر يسراً، وإن الأمة وإن آلمها المخاض فقد قربت ولادة جيل النصر فيها. إن الليل وإن اشتد ظلامه قد آذن الفجر ببلج، فنادِ مع صياح الديك، بل بعد أذان بلال، وردّد أنشودة النصر وملحمة الفتح. ومن علم أن مصابه سيزول هان عليه احتماله، وتسلّى بانتظار زواله، وانبعثت نفسه بالأمل، ونشطت على العمل استعجالاً للفرج. بعكس ما لو انقطع أمله وأصابته حال من اليأس والقنوط، ظنّ معه أن ما هو فيه من أزمة تعتبر نهاية التاريخ، وخاتمة الحياة. مهما دجا الليل فالتاريخُ أنبأني أنّ النهارَ بأحشاء الدّجى يثب إني لأسمع وقع الخيل في أذني وأبصر الزمن الموعود يقترب إن ظلمة الليل وإن كانت موحشة، إلا أنها سَكَنٌ للنائمين، وسلوة للقائمين، وأُنْس للذاكرين. أُدخل شيخ الإسلام ابن تيمية السجن فماذا كان السجن عنده؟! هل تأزمت نفسيته وتدهورت حالته؟! لقد تعامل معها ـ وهو صاحب القلب الموصول بالله ـ بطمأنينة وثبات، فتحوّل السجن في حقه إلى خلوة يأنس بها، لقد قال والسجَّان يغلق عليه الباب: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] ثم قال: ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة!! وكان يقول في محبسه بالقلعة: (لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهباً ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير) (٣) . الله أكبر. لقد رأى شيخ الإسلام في السجن نافذة لم يرها كثير ممن يموت في الهم ألف ميتة غير التي كتبها الله عليه. ورحم الله الشاعر عمر أبو ريشة قال: أن من الحزم وتمام العقل مقابلة الجراح بالبسمات، حتى لا تنطفئ شمعة الأمل؛ حيث قال: أحزمُ الناس عاقلٌ لمسَ الجرحَ وابتسمْ - سابعاً: فرصة للمراجعة والتربية الجادّة: إن (الشدائد تميز بين القوي في الإيمان والضعيف فيه؛ فهي ترفع ضعيف العزيمة إلى مرتبة قويها، وتزيل الالتباس بين الصادقين والكاذبين، وفي ذلك فوائد كثيرة، منها: أن تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية؛ لأنها بانكشاف حال المنافقين لها تعرف أنهم عليها لا لها، وبانكشاف حال الضعفاء الذين لم تربيهم الشدة تعرف أنهم لا عليها ولا لها.. وأما الأفراد، فإنها تكشف لهم حجب الغرور بأنفسهم؛ فإن المؤمن الصادق قد يغترّ بنفسه فلا يدرك ما فيها من الضعف في الاعتقاد والأخلاق؛ لأن هذا مما يخفى مكانه على صاحبه حتى تظهر الشدائد..) (٤) . فالمحن هي الجامعة الكبرى التي تخرّج القادة، والمجددين، والمصلحين.. حيث لا يتحقق التمكين إلا على جسر من الابتلاءات والمحن، التي تصقل النفوس وتخرج خبثها. سئل الشافعي ﵀: (أيهما أفضل للرجل: أن يمكَّن، أو يبتلى؟ قال: لا يمكّن حتى يبتلى) (٥) . وأنت ـ يرعاك الله ـ: حين تتأمل التاريخ وتنظر إلى سير الدعوات، ترى أنها تقَابل أول ما تقابل بالابتلاءات والصدود والتنكيل، كل ذلك من أجل أن يصلب عود الدعوة وتتخرج قيادات جادة، قادرة على تحمّل أعباء الدعوة ومشاقّها فيما بعد، قادرة على تحصيل النصر وتوظيفه. والذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ في مكة وأصابهم من الضر والأذى ما أصابهم هم قادة الفتوحات بعد ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: بالصبر واليقين تُنالُ الإمامة في الدين (١) . قال ـ تعالى ـ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] . لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر، والإقدام قتال ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . يجب أن يُرتَفَعَ بالأمة عن حياة الترف الملهي، والسرف المطغي؛ فحياة الترف ومناهج الرخاء، والاكتفاء بمجرد الانتساب للصحوة والخير لا يكفي، ولا يراهن عليه عند اشتداد الأزمات. إن هذه المناهج الهشّة والتربية الرخوة لا يمكن أن تخرج من بين أروقتها شخصيات جادة ذات مواقف قوية. فالحياة المترفة لا تلد إلا الأجنّة الرخوة، يقول أفلاطون: (الشدائد تصلح من النفس بمقدار ما تفسده من العيش، والتترف ـ أي الترف والرفاهية ـ يفسد من النفس بمقدار ما يصلح من العيش) (٢) . لقد امتنع بنو إسرائيل عن دخول الأرض المقدسة؛ لأن نفوسهم قد ألفت الذل والهوان، فكتب الله عليهم التيه في الصحراء وحرم دخول بيت المقدس (على هذا الجيل منهم حتى تنبت نابتة جديدة، وحتى ينشأ جيل غير هذا الجيل، جيل يعتبر بالدرس، وينشأ في خشونة الصحراء وحريتها صلب العود.. جيل غير هذا الجيل الذي أفسده الذل والاستعباد والطغيان في مصر، فلم يعد يصلح لهذا الأمر الجليل!) (٣) . علينا أن نستفيد من الأزمات في تربية أنفسنا على الصبر بأنواعه، وعلى حقيقة الصلاة لا مجرد الحركات، فالله ـ تعالى ـ قد أمرنا أن نستعين «بالصبر والصلاة» لما لهما من الأثر العظيم في ثبات النفوس واستقرارها وقوتها وحسن تدبيرها للأمور، وكان النبي ﷺ : إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وكان أصحابه كذلك كما في المسند: (وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة) (٤) . وإذا تكلف العبد الصبر واستدعاه صار سجية له كما في الحديث عن النبي ﷺ قال: «ومن يتصبر يصبره الله» (٥) وقديماً قالوا: المزاولات تعطي الملكات. هل ربينا أنفسنا على الصبر عن الشهوات والملذات والرغبات؟ أم أننا لا نستطيع لها دفعاً، ولا عند وقوعها رفعاً؟ إننا حين نهزم في معركة الإرادات، فإننا لا نراهن على النصر في حربنا الطويلة مع الأعداء، لقد خاض طالوت بجنوده معركة الإرادة قبل أن يخوض بهم معركته مع جالوت: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ، فماذا كانت نتيجة معركة الإرادة: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ . ثم كان النصر بعد ذلك لما خلص الصف على الصفوة. وفي الصحيح أن نبياً من الأنبياء غزا بقومه فقال لهم: «لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولمَّا يبنِ بها، ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزوا، فدنا من القرية التي يريد وقت صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور. اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه» (٦) . وحين يكون عند الأمة استعداد لمواجهة المحنة وتحمل المسؤولية، واستعداد للتخلّي عن الدنيا وزخارفها وملذاتها، والتضحية بذلك كله في سبيل الله، عندها نكون قادرين على أن نستعيد أمجادنا وعزتنا وتاريخنا. - ثامناً: مسؤولية الجميع: إن مسؤولية إنقاذ الأمة وتوجيه أحداثها ليست مسؤولية شخص بعينه أو جهة، بل هي مسؤولية الجميع، فلا يصح أن يعيش فِئام من الأمة على هامش الحياة والأحداث، مكتوفي الأيدي، لا في العير ولا في النفير، بحجة انتظار بطل موعود أو قائد مظفر!! إنَّ تعلق كثير من الناس بالرؤى والأحلام هو نوع من الهروب عن الواقع المؤلم، والعيش في أحلام اليقظة بانتظار خوارق تَقْلب موازين الأحداث وتغير مجراها بلمحة بصر، وهذا وربّي ليس دأب المؤمن الذي يواجه الواقع بالعمل والجد وبذل الأسباب، وفي الحديث: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» (١) . ومن هذه الأوهام التي تعلَّق بها بعض الناس ما جاء في حديث السفياني الذي يكون في آخر الزمان، حيث أنزل بعضهم أحواله على حال بعض القادة رجماً بالغيب وقولاً على الله بلا علم. وعموماً: فأحاديث السفياني كلها ضعيفة لا يصح الاحتجاج بشيء منها. ومما يتعلق به بعض الناس انتظار المهدي الذي يكون في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وأحاديث المهدي ثابتة في الصحيح ولا ننكرها إنما ننكر التحري والانتظار، والذي ليس هو من منهج أهل السنة والجماعة، بل هي طريقة الرافضة في انتظارهم واستكانتهم عبر القرون لكذبة الغائب المنتظر المزعوم!! إن الجميع مُطالب بالمشاركة في إشاعة الأمن ودرء الفتنة وصناعة النصر، من خلال التوجه أولاً للتغيير في داخل النفس، والانتصار على شهواتها ولذائذها، والعودة بها إلى الله. إن الأمن لا يُسْلب ولا يتأخر النصر إلا بسبب من أنفسنا ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ، قدم وفد على عمر بن الخطاب ﵁ بفتح، فقال: متى لقيتم عدوكم؟ قالوا: أول النهار. قال: فمتى انهزموا؟ قالوا: آخر النهار، فقال: إنا لله! أوَ قَام الشرك للإيمان من أول النهار إلى آخره!! والله إن كان هذا إلا ذنب أحدثتموه بعدي أو أحدثته بعدكم (٢) . - تاسعاً: اللجوء إلى الله: إن التسليم لله والتفويض إليه قبل وبعد فعل الأسباب المقدور عليها من شأنه أن يريح النفس من عناء لا طائل منه، ويربط على القلوب، لتجدها أثبت ما تكون في أوقات الأزمات والشدائد والمحن. كم نحن بحاجة للتوجه إلى الله في كل ما يعرض علينا من ظلم وعدوان أو فقر وحرمان، أو مرض في الأبدان، أو غير ذلك مما لا يملك كشفه وإزالته إلا الله وحده: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] . وأسلمتُ وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالا وأسلمتُ وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا وأسلمتُ وجهي لمن أسلمت له الريح تصرف حالاً فحالا على الأمة وهي تواجه الأزمات أن تتجه إلى الله ـ تعالى ـ وتلجأ إليه، وتلوذ بجنابه، وتحتمي بحماه، فإنها بذلك تلجأ إلى ركن شديد، ورب مجيد يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] وإذا لم يكن عونُ الله، وُكِلَ الإنسان إلى نفسه، ومن وُكِلَ إلى نفسه هلك. إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده لقد حمى الله البيت من كيد (أبرهة) وقد تخلت عنه قريش! وإن الذي حمى البيت سوف يحمي عباده، وهم ـ إذا أطاعوا ـ أكرم عند الله من بيته، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال وهو يطوف بالكعبة: «والذي نفس محمد بيده! لحُرمةُ المؤمن عند الله أعظم من حرمتك: ماله ودمه» (٣) ، بلغ النبي ﷺ هو وأصحابه ماءً يقال له: ذو أمر، فعسكر به، وأصابهم مطر كثير فابتلت ثياب رسول الله «فنزل تحت شجرة هناك، ونشر ثيابه لتجف؛ وذلك بمرأى من المشركين، فبعث المشركون رجلاً شجاعاً منهم يقال له: غورث بن الحارث، فقالوا: قد أمكنك الله من قتل محمد، فذهب الرجل ومعه سيف صقيل حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف مشهوراً، فقال: يا محمد! من يمنعك مني اليوم؟ قال: الله، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» (٤) . إن الواجب على المؤمنين حين ترتجف بهم الأراجيف وتشاع فيهم الشائعات، أن يلتجئوا إلى الله ويزدادوا إيماناً به وتوكلاً عليه؛ وبذلك تعظم نفوسهم، وتقوى عزيمتهم، وتطمئن قلوبهم ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قال ابن عباس ﵄: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم لما ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (٥) . وكان من دعاء النبي ﷺ : «ربِّ أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليَّ..» (١) ، والتزام لا حول ولا قوة إلا بالله مَعين مُعين كما يقول عنها ابن القيم ﵀: (هذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك، ومن يخاف، وركوب الأهوال) (٢) . وإني لأدعو الله والأمر ضيق عليَّ فما ينفك أن يتفرجا ورُب فتىً سدت عليه وجوهه أصاب له في دعوة الله مخرجا لما كانت نفوس المؤمنين موصولة بالله، معتمدين عليه، صلب عودهم، وعظم نفوذهم، ورأوا كثرة العدو غُنْماً ـ للأجر ـ لا غمّاً، وما زادهم ذلك إلا إيماناً وتسليماً. في معركة اليرموك كان عدد الروم (مئتين وأربعين ألفاً) وعدد المسلمين (أربعين ألفاً) فقال رجل: ما أكثر الروم! فقال خالد: بئس ما قلت! أتخوفني بالروم؟! بل ما أكثر المسلمين وأقل الروم.. إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان، وواللهِ لوددت أن الأشقر - أي فرسه ـ برئ من وجعه وأنهم أضعفوا لنا في العدد!! (٣) ، وسأل قتيبة بن مسلم عن محمد بن واسع؟ فقيل: هو ذاك جامح على قوسه يبصبص بأصبعه نحو السماء. فقال قتيبة: تلك الأصبع أحب إلي من مئة ألف سيف شهير وشاب طرير (٤) . يا دامع العينين لا تحزن على هذا السراب من لم يكن في الخلد مسكنه، فمأواه التراب الشمس تُؤذن بالغياب والراحلون إلى إياب - عاشراً: وأعدُّوا: إن من فقه الأزمات أن تعدّ الأمة لعدوها ما تستطيع من قوة، وأن لا تستسلم للضعف: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وظاهر مقصود الآية الأمر بإعداد القوة العسكرية التي بها حماية الدين وأهله. يقول القاسمي ﵀: (دلت الآية على وجوب إعداد القوة الحربية اتّقاء بأس العدو وهجومه. ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية، أيام حضارة الإسلام، كان الإسلام عزيزاً، عظيماً، أبيّ الضيم، قويّ القنا، جليل الجاه، وفير السّنا؛ إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار، وخضد شوكة المستبدين الكافرين، وزحزح سجوف الظلم والاستعباد، وعاش بنوه أحقاباً متتالية وهم سادة الأمم، وقادة الشعوب، وزمام الحول والطول وقطب روحي العز والمجد، لا يستكينون لقوة، ولا يرهبون لسطوة. وأما اليوم، فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة، ومالوا إلى النعيم والترف، فأهملوا فرضاً من فروض الكفاية ... ) (٥) ، ولئن كانت القوة العسكرية مقصودة ابتداءً؛ فإن كل نوع من أنواع القوة مطلوب تحصيله، كانت سياسية أو اقتصادية أو علمية معرفية.. بحيث يكون فيها إنقاذ للأمة وإرهاب لعدوها ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . [الأنفال: ٦٠] وإن من أعظم الإعداد الذي يملكه أفراد الأمة وأعظم قوة التي يمكن تحصيها هي قوة الإيمان، فتُربى النفوس على طاعة الله، وُتحمل على مرضاته وعبادته في وقت المزلة والدحض، وبيع الدين بالعرض الزائل، وفي الحديث: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٦) . إن القوة العسكرية دون نفوس قوية بالإيمان لا تجدي شيئاً، وحين تكون السواعد التي تحمل السيوف ضعيفة أو هزيلة، فإن السيف سيسقط منه ولا بد عند أول هزّة أو رجفة تنقل قدميه من مكانهما، وقديماً قيل: السيف بضاربه. إني أرى أيامكم قد أصبحت حُبلى، وأرقب ساعة الميلاد ربوا النفوس على الثبات سجية عند الحوادث فالخطوب عوادي وتريثوا فالنصر ليس بخطبة تلقى وليس بوفرة الأعداد ما حاجة الأمجاد إلا وقفة في الحادثات كوقفة المقداد ما قلة الأعداد نشكو إنما تشكو الكتائب قلة الإعداد والله الموفق والمعين وإليه يرجع الأمر كله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5594

التربية والتغيير للأفضل فهد بن محمد القرشي غير خاف على القارئ الكريم أن كل إنسان لديه قدرة فاعلة في البناء والتغيير أو الهدم والتدمير، على اختلاف مستوياتهم وتعليمهم؛ فمن الحمق والخطأ إهدار طاقات البناء وتهميشها أو التقليل من شأنها، ولو كانت هذه الطاقة الإيجابية شيئاً ليس ذا بال عند بعض الناس (١) . روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ ـ أَوْ شَابّاً ـ فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاتِي عَلَيْهِمْ» . فانظر إلى هذه الطاقة الفاعلة، والعمل الذي لا يمكن أن يستغني عنه المسلمون، وهو قَمُّ مساجدهم؛ فهل من الحق إهداره أو تهميشه؟ ومما يؤكد على تثمين المربي الأول ﷺ ـ بأبي هو وأمي ـ لتلك الطاقة وذلك العمل، سؤاله عنها أو عنه، وغضبه حينما أخبروه بوفاتها أو وفاته ودفنها دون إعلامه، فقال لهم: دلوني على قبرها. فذهب رسول الله ﷺ ـ بنفسه الشريفة ـ ومعه أصحابه الكرام البررة ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ إلى قبر تلك المرأة السوداء، وصلوا عليها، ودعوا لها، تثميناً من النبي ﷺ لهذا العمل، ولو كان الفاعل له رجلاً أسود أو امرأة سوداء. إن مما لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، ولا تنتطح فيه عنزان، هو أهمية الدور الذي يقوم به الدعاة والمربون والمعلمون والموجهون في العملية التربوية؛ فدورهم دور رئيس، وهم جزء لا يتجزأ منها، لذا كان لزاماً تذكيرهم ببعض الأمور، التي أجزم سلفاً بمعرفتهم لها أكثر مني، ولكن كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] ، ومن أهم هذه الأمور: أولاً: ما تُذكَّر به تلك النخب (٢) بعد تقوى الله ـ تعالى ـ في خاصة أنفسهم، أن يتقوا الله ـ تعالى ـ فيمن تحت أيديهم من أولئك الشبيبة الذين هم أمانة في أعناقهم، وسوف يُسألون عنهم يوم القيامة يوم الحسرة والندامة. ثانياً: تربية من تحت أيديهم على تقوى الله ـ عز في علاه ـ ومراقبته ـ سبحانه ـ في السر والعلن، وفي كل ما يأتون وما يذَرون، وغرس ذلك في نفوسهم. اغرسوا في قلوبهم أن تكون مقاصدهم مناطةً بما عند الله ـ تعالى ـ وأن لا يتطلعوا إلى شيء من زخارف هذه الدنيا الفانية الزائلة بكل ما فيها من شهوات وملذات. قال الله ـ تعالى ـ مخاطباً نبيه: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] . علموهم أن ما عند الله خير وأبقى كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] . وهذا كله من أُس العبادة وشروطها وضمان قبولها بإذن الله. فلا بد أن نَخرج من حظوظ نفوسنا الأرضية والآنية؛ فكلنا يعلم أن أول شروط قبول العمل عند الله ـ تعالى ـ الإخلاص لله ـ عز في علاه ـ وقد قال المصطفى ﷺ فيما يرويه عن ربه : «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» . رواه مسلم. فأي خزي وعار على الإنسان أن يُقال له يوم القيامة يوم الحسرة والندامة، يوم يحشر الله الأولين والآخرين: اذهب إلى من كنت ترائي بعملك عنده ليعطيك أجرك! فحذارِ حذارِ ـ إخوة الإسلام ـ من أن نجعل دعوتنا مطية لأغراضنا الشخصية، أو للوصول إلى شهواتنا الأرضية. أخي الكريم: أليست الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ عبادة؟ وجوابك قطعاً: بلى! فإذاً لا بد أن يتجرد الإنسان فيها لله، وأن يخرج كلياً من حظ نفسه، وحزبه، وقومه، وطائفته، و ... ، و ... ، و ... إلخ. ثالثاً: تربية من تحت أيديكم على الارتباط بالمنهج المعصوم منهج أهل السنة والجماعة، والتعلق به، دون التعلق بالأشخاص أو الأحزاب أو الجماعات أو الشعارات أو ما شابه ذلك. فلا بد لمن أراد نجاة نفسه أن يكون ولاؤه وارتباطه وتعلقه بالمنهج المعصوم المتمثل في الكتاب والسنة. قال ابن مسعود ﵁: «من كان مستناً فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تُؤمَن عليه الفتنة» . رابعاً: تربية من تحت أيديكم على ما يُوسِّع آفاقهم عِلمياً وعملياً وأخلاقياً، وينمي ثقافاتهم الإسلامية الأصيلة، لا سيما ونحن نعيش في عصرٍ انفتح العالم فيه بعضه على بعض حتى أصبح قرية واحدة كما يقال. وما ذلك إلا لأننا نرى بعض شباب الإسلام يدور حول نفسه، ولا ينظر إلا إلى موضع قدميه، لا يعرف من الأقوال إلا ما أُشربه من هواه أو من شيخه أو من جماعته أو من حزبه أو ما يُملى عليه. ولا أظن أن أحداً يخالفني في أن المرحلة القادمة تحتاج منا إلى إعادة صياغة لمناهجنا التربوية، وأساليبها المتبعة؛ فإنَّ ما كان يُجدي ـ لا أقول قبل عشرين سنة بل قبل عشر سنوات ـ لم يعد يُجدي في هذه المرحلة، كل ذلك لا بد أن يتم في حدود ما تسمح به الشريعة الإسلامية، دون القفز على ثوابتها ومحكماتها ومسلَّماتها وأصولها، كما هو ملاحظ ومشاهد من بعض دعاة ما يسمى بالفكر المستنير في العصر الحاضر. خامساً: تربية من تحت أيديكم على الاستشارة، الاستشارة التي وردت بها النصوص القرآنية، والسنة النبوية ـ على صاحبها أفضل صلاة وأزكى سلام ـ وليست ما يعرفه كثير من المربين ـ إلا ما رحم الله ـ والتي تعني عندهم عدم الخروج عما يوجهون به، أو يُدلون به من آراء اجتهادية. وقد انبنى على هذا الخطأ في معنى الاستشارة خطأُ آخر وهو: إنزال الناس منازلهم؛ فعند ذلك الشيخ أو المربي أو المعلم أو الموجه قربُ الشخص منه مرتبط بتطبيق وتنفيذ استشاراته التي أضفى عليها ـ ذلك المربي ـ الصبغة الشرعية، والعصمة، ولو كان ذلك الرجل ليس فيه من المقومات والمؤهلات التي يستحق بها أن يكون في ذلك المكان، ولكن كما قيل: وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة ولكن عين السخط تٌبدي المساويا سادساً: تربية من تحت أيديكم على فقه المصالح والمفاسد؛ فإن من مقاصد الدين: جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، وهذا باب واسع، وفقه عريض، لا يحسنه إلا من وفقه الله له، والأدلة على ذلك كثيرة ليس المقام مقام سردها (١) . يقول صاحب كتاب المسار: «إن المصلحة اليسيرة إذا زاحمتها المصلحة العظيمة أمكن تفويتها وتقديم العظيمة، واحتمال قليل المفسدة لدفع التي هي أكبر منها، كما أبقى النبيُ الأعزُ ﷺ المنافقَ الأذلَّ عبدَ الله بن أُبَيِّ بن سلول حياً يكيد ويظاهر اليهود، ويؤذي، واحتمل مفسدته حذراً من وقوع مفسدة أكبر، ألاَّ يجفل أشراف العرب عن الإسلام خوفاً من القتل. ثم العقل يؤيد هذا النهج، فقد قيل: إن المُنْبَتَّ ـ أي المسرع المُجْهِد لنفسه في السير ـ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ـ أي ظهر دابته التي أماتها بالتعب، فتركته وحيداً وسط الصحراء. إن احتمال المنكر مدةً يسيرةً أيسر من مجازفة متهورة تخفق وتبقي ـ هذا المنكر؛ وقاعدة الترجيح بين المصالح المتعارضة أثناء قيام الداعية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما هي قاعدة صحيحة شرعاً ومنطقاً، وعلى الداعية أن يُوازن بين ضرر المنكر قبل إزالته، والضرر الذي قد ينشأ ويرافق إزالته: أيهما أكبر؟ وبين كمية المعروف الموجودة وكمية المعروف التي قد تفوت منها إذا أمرنا بمعروف آخر، أيهما أجزل؟ إن هذه القاعدة هي من أهم القواعد التي تكفل للدعاة حسنَ السياسة وواقعية الخطوات، وإذا غابت عن ذهن الدعاة فإن غيابها سيوقعهم في إحدى سيئتين: إما التهور، وإما اليأس الذي يحول دون اغتنام الفرص. والتهور هو الأخطر (١) . سابعاًً: غرس الأخلاق الإسلامية الفاضلة في نفوسهم، من بر للوالدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضاء بمُر القضاء. اغرسوا في نفوس أبنائكم: أن يَصِلوا من قطعوهم ـ خاصة إذا كانوا من أرحامهم ـ وأن يُعطوا من حرموهم، وأن يعفوا عمن ظلموهم، وأن يصلوا أرحامهم (٢) ، وأن يحسنوا جوار من جاوروه (٣) ، وأن يحسنوا إلى اليتامى، وأن يتفقدوا الأرامل والمحتاجين، وأن يرفقوا بالخادم والمرأة والغريب. علموهم أن يتواضعوا ولا يتكبروا، علموهم أن لا يفخروا ولا يبطروا، ولا يبغوا ولا يتعالوا على الخلق أو الحق. حذروهم من العجب والخيلاء والغرور والكبر وبطر الحق، وغير ذلك من مكملات العقيدة الإسلامية، التي ذكرها شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية (٤) . ثامناً: تربية من تحت أيديكم على معالي الأمور وتجنب سفسافها. رتبوا قضايا الأمة الإسلامية المصيرية في أذهانهم ترتيباً شرعياً مراعين فيه الأهم فالمهم، والمُجمَع عليه من غيره؛ فليس من المعقول أن نجعل قضية فلسطين تلك القضية المصيرية والمحورية للأمة مثل غيرها، وإن كان الجميع لا بد من الاهتمام به. والحذر من رفع أي قضية من القضايا الإسلامية عن مكانتها اللائقة بها. تاسعاً: علموهم أن حسن العهد من الإيمان (٥) ، علموهم أيضاً حفظ المعروف، وحفظ اليد، كما كان يفعل رسولنا ﷺ . روى البخاري في صحيحه من حديث مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ ـ وكانوا سبعين من صناديد الكفر ـ: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيّاً ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» . فانظر كيف حفظت هذه النفس الشريفة الكريمة معروفاً مقدماً لها (٦) ، لا أقول من مسلم بل من كافر. عاشراً: تربية من تحت أيديكم على العدل، نعم! العدل الذي قامت به السموات والأرض؛ العدل في الأقوال كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] ، ومقتضى الآية أن يقول الإنسان بالعدل ولو كان ضد أقرب قريب، أما أن يكون الإنسان مع محبيه يقول بالعدل ومع مخالفيه بعكس ذلك فهذا غلط واضح. قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] . وكذلك العدل في الحكم بين الناس كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . وأدعو القارئ الحصيف أن يتأمل في واقعنا: هل نحن نقوم بالعدل؛ لا أقول مع الكفار والمخالفين؛ بل مع إخواننا ممن هم على منهج أهل السنة والجماعة أم لا؟ تاركاً الجواب له. وأخيراً العدل في المخاصمة كما قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] الحاد ي ع شر: تربية من تحت أيديكم على الاتصال بالله ـ سبحانه عز في علاه ـ عن طريق كثرة التعبد له سبحانه؛ فإن مما هو ملاحظ على كثير من الأخيار والطيبين انشغالهم عن هذا الباب العظيم، الذي يساعدهم في تهذيب أخلاقهم ونفوسهم. فليس من العقل في شيء أن ينشغل الشخص بالقيل والقال، والغيبة والنميمة عما ينفعه من العبادة التي أمر الله ـ تعالى ـ عباده المؤمنين بأن يستعينوا بها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ . [البقرة: ٤٥] . الثاني عشر: حث من تحت أيديكم على الجد والاجتهاد في طلب العلم، وإن كنتُ أومن بأن طاقات الأمة مختلفة ومتنوعة؛ ففيهم العالم، والمجاهد، والمحدث، والفقيه، والطبيب، والمهندس، و ... ، و ... ، ولكنَّ هناك حداً من العلم لا ينبغي أن ينزل عنه المسلم، وخاصة فيما يتعلق بأمور اعتقاده، وأمور عباداته من صلاة وصيام وزكاة ـ إن كان من أصحاب الأموال ـ وحج وغير ذلك. الثالث عشر: تربية من تحت أيديكم على الاهتمام الكبير بأعمال القلوب، فهي الأصل الأصيل، والركن الركين، ولا يعني هذا أن نُهمل أعمال الظاهر؛ فكما هو مقرر من مذهب أهل السنة والجماعة أن هناك تلازماً وترابطاً بينهما. ولكي نعرف أهمية أعمال القلوب فلننظر إلى أركان وشروط كلمة التوحيد، فإننا نجد أن هذه الشروط شروط قلبية من: العلم، واليقين، والقبول (١) ، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة؛ فكل هذه الشروط أصلها القلب. ناهيك أخي الكريم عن أن موضع نظر الرب هو القلب، كما قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» رواه مسلم. ومع هذا وغيره مما يدل على أهمية أعمال القلوب فإننا نرى قصوراً واضحاً في الاهتمام بها، وعدم اكتراث، بل نهتم بظواهرنا على حساب بواطننا. بل إن التقصير في الشعائر التعبدية وأعمال الجوارح مرده إلى الإخلال بالاهتمام بعمل القلوب، وكما قيل: إن أي ضعف في توحيد الربوبية ينتج عنه ضعف في التفكر في مخلوقات الله، وأي ضعف في توحيد الألوهية ينتج عنه ضعف في العبادة. فالقضية طردية تظهر لك مدى التلازم بين الظاهر والباطن. الرابع عشر: تربية من تحت أيديكم على تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة؛ فإن مما ابتلي به كثير من الناس ـ إلا من رحم ربي ـ هو تقديمهم لمصالحهم الخاصة، ولو كان ذلك على حساب المصالح العامة، وقد استقر في علم الأصول أن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة. أخي الداعية والمربي والموجه والمعلم: اعلم ـ وفقني الله وإياك لمرضاته ـ أن الله ـ تعالى ـ أبان لنا طريق الدعوة وبين لنا أصولها ورسمها لنا، فقال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] . ففي هاتين الآيتين أبان الله ـ تعالى ـ لنا طريق الدعوة ورسمها لنا؛ فأول أصولها وأركانها وشروط صحتها: أن تكون الدعوة لله ـ تعالى ـ لا لأشخاصنا، ولا لجماعاتنا، ولا لأعرافنا، ولا لشعاراتنا وأحزابنا. وهذا مفترق طريق بين الدعاة المخلصين الذين يريدون ما عند الله ـ تعالى ـ وبين أولئك الذين يريدون أن يصنعوا لأنفسهم هالة، ويحيطوها بسياج منيع، مصورين للأغرار والسذج من أتباعهم أن القدح فيهم هو قدح في الإسلام، وأن أي تجنٍ عليهم إنما هو تجنٍ على الإسلام، وأن أي مخالفةٍ لطريقتهم إنما هي مخالفة للإسلام، وأن أي خروج عن آرائهم ومشورتهم خلع لربقة الإسلام، فلسان حاله يقول: أنا الدعوة والدعوة أنا. هذا الصنف من الدعاة سيسقطون حتماً ولا بد ـ كما عرفنا ذلك من السنن الإلهية ـ في بداية الطريق أو منتصفه أو منتهاه ويكونون ـ والعياذ بالله ـ من الثلاثة الأوائل الذين تُسعَّر بهم النار يوم القيامة (٢) ؛ لأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل. هذه واحدة. أما بالنسبة للنقطة الثانية: فإننا نرى ثلة من الدعاة والمربين والموجهين والمعلمين ممن الله ـ تعالى ـ أعلم بنياتهم ومقاصدهم، فهو ـ سبحانه ـ المطلع على ما في قلوبهم ـ نراهم حريصين على العمل الدعوي، وهذا أمر يُشكرون عليه، ولكن الذي لا يُشكرون عليه تشبث بعضهم ببعض تلك الأعمال حتى لكأنها تركة وإرث ورثه عن أقاربه؛ فهناك مؤسسات دعوية منذُ أن أُسست والقائم عليها شخص واحد، ربما إلى أن تُقفل، وترى ذلك الشخص عضواً في أكثر من عشرين جمعية، وإذا ما نُبه إلى غلط هذا العمل صاح واشتكى من قلة الطاقات، وهو وأمثاله ممن ساهم في قتلها أو تعطيلها أو تهميشها شاء أم أبى. فالإسلام ـ أيها الإخوة الكرام ـ حرص على أن يقوم المسلم بعمله بإتقان وإخلاص، قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رواه مسلم. فهل سيكون الإتقان ـ دع عنك الإخلاص ـ فالله تعالى أعلم به ـ من شخص تشعب فؤاده وتقطع في أودية تلك الأعمال التي لو كَلف نفسه حضور اجتماعاتها فقط لما استطاع؟ فكيف بالأعمال المناطة به، والدور المنتظر منه. ولك أخي القارئ الكريم أن تتصور حال ذلك الرجل الذي تشعب فؤاده، وتفرقت همته، وتشتت جهده، في حين أنه لو ساهم وشارك في نصف ذلك العدد لكان إنتاجه أضعافاً مضاعفة. فأصبحت مهامه شرفية أكثر منها دعوية. أَنَسِيَ ذلك الرجل أن المشاركة في تلك الأعمال ديانة وأمانة يُسأل عنها يوم القيامة؛ فماذا قدم لها وماذا عمل فيها؟ فالذي أراه أنه لا بد من تجديد الدماء في تلك المؤسسات الدينية، وتشغيل الصف الثاني والثالث فيها، ولا يعني هذا إهمال أولئك القوم بل لهم مكانة عظيمة في التوجيه والمشورة والاستشارة. وكم أعجبني ذلك الطبيب الذي عُين عميداً لإحدى الكليات الصحية، لمدة عامين كاملين، وقد وضع لنفسه برنامجاً لهذين العامين، ثم بعد انتهائهما طُلب منه التجديد لفترة ثانية فرفض، وعندما عُوتب في ذلك قال ـ بلسان الإداري المحنك والناجح ـ: ليس لديَّ جديد أقدمه للفترة الثانية، وأترك المجال لغيري ليقدم ما عنده لهذه الكلية. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على سعة أفقه، وفهمه للإدارة الناجحة؛ إذ ليس من الإدارة الناجحة في شيء أن يظل الإنسان على رأس هرم تلك المؤسسة أو الإدارة منذُ إنشائها إلى إغلاقها أو إلى أمد لا يعلمه إلا الله. والشيء بالشيء يُذكر: خذوا مثلاً آخر تُعطل به طاقات كامنة وفاعلة، وهو قضية التربية؛ فبعض من يمارسها من الدعاة والمربين والموجهين من النخب وغيرهم، يقعون في أخطاء يهدرون بها تلك الطاقات، فينبغي أن يتنبهوا لها. فمن المتعارف عليه أن التربية لا بد أن تمر بمراحل متعددة، وكل مرحلة لها ما يُناسبها، وكما قيل: البس لكل حالة لبوسها. فطالب المرحلة المتوسطة يختلف في مداركه وفهمه واستيعابه عن طالب المرحلة الثانوية، وهذا يختلف عن طالب المرحلة الجامعية، والمعيد أو المحاضر أو المدرس يختلفون عن طلاب المرحلة الجامعية، والموظف أياً كانت وظيفته يختلف عمن سبق ذكرهم، فلا بد من إعطاء كل واحد ما يناسبه، وإلا كان حديثنا لبعضهم فتنة. قال علي ﵁: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» (١) . وقال ابن مسعود ﵁: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» (٢) . وقد بوب البخاري في جامعه الصحيح باباً وَسَمَه بـ: باب من خص بالعلم قوماً دون قومٍ كراهية أن لا يفهموا. ناهيك عما إذا احتاج العالم وطالب العلم أن يترك بعض ما يراه ويختاره مخافة أن يفهمه بعض الناس على غير وجهه، وقد بوب البخاري في صحيحه: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يَقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشدّ منه. وذكر تحت هذه الترجمة حديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ، حيث قال النبي ﷺ : «يَا عَائِشَةُ! لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ ـ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ ـ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ» . فانظر كيف ترك النبي ﷺ هذه المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة (٣) . فمستوى الطالب المتلقي يفرض عليك في بعض الأحيان أن تُراعي أموراً قد لا تحتاج إلى مراعاتها مع غيره. روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: «كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمِنًى: لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ قَالَ: إِنَّ فُلانًا يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَبَايَعْنَا فُلانًا، فَقَالَ عُمَرُ: لَأَقُومَنَّ الْعَشِيَّةَ فَأُحَذِّرَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ. قُلْتُ ـ القائل عبد الرحمن بن عوف ﵁: لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ، يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ، فَأَخَافُ أَنْ لَا يُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَيُطِيرُ بِهَا كُلُّ مُطِيرٍ، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ دَارَ الْهِجْرَةِ وَدَارَ السُّنَّةِ فَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَيَحْفَظُوا مَقَالَتَكَ وَيُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ بِهِ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ ... الخ» (٤) . فتأمل كيف أشار عبد الرحمن ابن عوف على عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ بتأخير خطبته إلى رجوعه إلى المدينة، وكيف نزل أفضل رجل في ذلك العصر على رأي صاحبه، دون ممانعة أو مجادلة. ولكن الخطأ يكمن في أن بعض المربين يتغافل عن هذه المنهجية التربوية، والتسلسل المنطقي فيها، بقصد أو بغير قصد، فتراه يريد أن يستلم الطالب المتلقي عنه منذ نعومة أظفاره ـ بحيث يكون له موجهاً ومربياً ومفتياً ومعلماً ـ إلى أن يُدخله قبره. وهذا الخطأ مركب من أمرين: الأول: إغفاله للمنهجية التربوية في تسلسلها؛ فإن قدرة المربي في المرحلة المتوسطة تختلف عن قدرته في المرحلة الثانوية، وقدرته في المرحلة الثانوية تختلف عن قدرته في المرحلة الجامعية، وقدرته في المرحلة الجامعية تختلف عن قدرة العلماء الربانيين. الثاني: افتراض الكمال في شخصه، وهذا فيه ما لا يخفى على اللبيب (١) . فيجب أن يكون هناك تعاون مشترك بين المربين، يكمن في إكمال بعضهم لبناء بعض؛ فمربي المرحلة المتوسطة، يُسلم قياد من تحت يده إلى المربين في المرحلة الثانوية، وهكذا. أما أن يحرص بعضهم على التمسك بطلابه حتى بعد نضجهم وتخرجهم وانخراطهم في المجتمع ولو كانوا بعيدين عنه؛ فإن هذا لا يجديهم نفعاً، بل هو أشبه بالتكرار. في حين أنه ـ ذلك المربي ـ لو أخذ مع ذلك المتربي جولته، ثم أسْلمه إلى من هو أقدر منه تربيةً، وأكثر منه علماً، وأغزر فقهاً، وأوسع أفقاً، وأرسخ قدماً، وأثبت جأشاً، لكان هذا أنفع للمتربي، ولتنمية طاقاته أكثر بكثير. ولا أدري أنسي ذلك المربي أن من أهم أسباب ضعف التربية كثرة المتربين وقلة المربين؛ بمعنى أن اليدَ المربية تُرْهَقُ بالمجموعة الكبيرة ـ الذي كان المربي سبباً في كثرتها؛ لأنه لم يُسْلم بعض أولئك المتربين إلى منه هو أعلم منه بالتربية وأقدر على ذلك ـ ويظل المستوى التربوي هابطاً. وأختم حديثي بهمسات في أذن أخي المدعو ـ وكلنا ذلك الرجل ـ بكلام مختصر خشية الإطالة، عملاً بالحكمة القائلة: (خير الكلام ما قل ودل، ولم يطُلْ فيُملَّ) ، فسوف يكون كلامي معك أخي المدعو مقتضَباً، وشبيهاً بالرسائل المستعجلة، نفعني الله وإياك بها إنه ولي ذلك والقادر عليه. فأولاً: أوصيك ونفسي بتقوى الله، تقوى الله التي تعني مراقبته في السر والعلن، في الرضا والغضب، في المنشط والمكره، في الفرح والسرور، وفي كل أحوالك، وكما قيل: إن تقوى الله هي: أن يُطاع الله فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر. وهذا لا يكون أبداً إلا إذا امتلأ قلبك بحب الله ـ تعالى ـ وبالتطلع إلى ما عنده وحده. ثانياً: أخي الكريم: إياك ثم إياك أن تحقر نفسك؛ فأنت وإن هنت على الناس إلا أنك كريم على رب الناس. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس ﵁: «أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرًا كَانَ يُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ الْهَدِيَّةَ مِنْ الْبَادِيَةِ فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّهُ، وَكَانَ رَجُلاً دَمِيماً، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَرْسِلْنِي! مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ ﷺ فَجَعَلَ لَا يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ عَرَفَهُ وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ ـ أَوْ قَالَ: لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ» . ناهيك عما فيك من الطاقات الكامنة ما تستطيع به نفع نفسك أولاً ثم أمتك. ولكن المشكلة تكمن في أن كثيراً منا لا يفرق بين اكتشاف الموهبة وتنميتها، فيسمع كثيراً ممن يتحدثون عن هذا، فينتظر شخصاً يأتيه ليكتشف مواهبه وطاقاته الكامنة ليفجرها، وهذا لن يكون أبداً؛ لأن أحداً لا يستطيع أن يدخل إلى سويداء قلبك وعقلك لمعرفة تلك المواهب والطاقات، ولكنّ الخطوة الأولى لا بد أن تكون منك أخي المدعو فتنظر في نفسك ومواهبها وما تميل إليه؛ فإن النفس كلما اشتغلت بما هو من ميولها أو قريب منه أنتجت فيه، فتبدأ بإظهارها، ليتسنى للمربي والموجه والمعلم والداعية بعد ذلك تنمية هذه الموهبة وتفجير تلك الطاقة الكامنة، ثم بعد ذلك تشتركان في تنميتها جميعاً. ثم بعد اكتمال تلك الموهبة والطاقة ـ بعد تنميتها وتنقيتها من قِبَل المربين بما يوافق شرع ربنا وسنة حبيبنا ﷺ حذارِ حذارِ من قتلها نزولاً عند خطأ مربٍ لم ينمِّ تلك الطاقة والموهبة كما ينبغي، أو حسدٍ من عند نفسه. وفي الوقت نفسه إياك ثم إياك من العُجْب والغرور والتعالي والكِبْر؛ فإن هذه مهلكات للفتى وإن لم يشعر؛ فقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] ومن أنواع العذاب ذهاب تلك الموهبة والطاقة منك أخي الحبيب. ثالثاً: لا بد من التفريق بين الاتِّباع والتقليد؛ فالتقليد اتباع قول الغير دون معرفة الدليل، وقد ذم السلف هذا النوع من التقليد أيما ذم، وكان للإمام ابن حزم في هذا القِدْح المعلَّى، فكان مما هجا به المقلد: لا فرق بين مقلد وبهيمة؛ ناهيك عن أن التقليد تأباه النفوس الأبية السوية، وتنفر منه الطباع المستقيمة، وهو ألصق ما يكون بالنفوس الضعيفة. أما الاتِّباع فهو اتباع الغير عن علم ومعرفة لدليله، وقد مدح الله المؤمنين بهذا في كتابه العزيز فقال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] ، فلم يقل ـ سبحانه ـ: أنا ومن قلدني، وإنما عبر بالاتباع؛ لأنه الأليق بذلك الجنس الذي كرمه الله ـ تعالى ـ على مخلوقاته. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] . أقول هذا لأننا نرى بعض الناس قد عطل عقله وفكره، وأصبح لا يرى إلا ما يراه مربيه، ولا يسمع إلا ما يسمعه، ولا يتكلم إلا بما يرضيه، حتى وصل الحال ببعضهم أن يقبل الطعن في أئمة الإسلام وفحوله ولا يقبله في مربيه. أهكذا يُربى الرجال الذي يذودون العدو عن حياض الإسلام؟ لا والذي رفع السماء بلا عمد! رابعاً: اعلم أخي المبارك ـ نفعني الله وإياك بالعلم النافع، ووفقنا للعمل الصالح ـ أن الدين الإسلامي دين عظيم، جاء لإصلاح جميع مناحي الحياة، وإصلاح أحوال الناس كلها؛ في اعتقاداتهم، وعباداتهم، وأخلاقهم، وسائر أحوالهم، وقد أصاب المسلمين خلل كبير في جميع هذه الأمور، ويستدعي إصلاحُ هذا كله جهوداً كبيرة من التعليم والتدريس، والتوجيه، والتأليف، فلا يجوز لنا بحال من الأحوال أن نختصر نصرة الدين وإظهاره وتمكينه في وسيلة واحدة من وسائله الكثيرة. فالأمة الإسلامية بحاجة إلى جيوش كثيرة من العلماء العاملين، والخطباء الصادقين، والدعاة المخلصين، والمفتين الربانيين، والأطباء، والمهندسين ... إلخ، فيجب على الجميع أن يتعاونوا على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، وأن لا يحقر بعضهم ما يقوم به الآخر؛ فكلنا لا بد أن يكمل بعضنا بعضاً. ولا يظنَّنَّ أحدٌ أنه هو الوحيد الذي ينصر الدين وينافح عن الملة بالطريقة التي اختارها والوسيلة التي ارتضاها، وإلا نتج عن ذلك مفسدتان هما: الأولى: رؤية نفسه، وإعجابه بعمله، وهذا فيه ما فيه. الثانية: احتقار جهود الآخرين، وازدراؤها، واستقلالها، وكفى بالمرء إثماً أن يحقر أخاه المسلم. ولَكَم أعجبني ما قاله صاحب كتاب المسار تحت عنوان (تكامل الهمم) حيث قال: «وضرب بعض الدعاة مثلاً لنا في ذلك كمثل أهل قرية، يمر بهم رجل عالم فقيه لا يسمع خلال دُورهم أذاناً، فيبتئس، ويعظهم، ويطلب منهم حملة يتعاونون فيها على بناء مسجد، فهو الرائد المؤسس. ثم يتنادون، كل حسب استطاعته، فيقول أحدهم: أهب للمسجد ناحية من أرضي تبنونه عليها وليس لي مال. ويقول آخرون: لكم أكتافنا، نخلط الطين ونصنع اللبن. ويقول ثالث: وعليَّ إقامة اللبن جداراً، ويتبرع رابع بالأبواب، وخامس بالفرش، وسادس يُسرجه وينيره، وسابع يقول: ما عندي كتف ولا مال، ولكن صوتي جميل، فأنا المؤذن. ويقول المستضعفون: وعلينا تكثير السواد، والانتظام فيه صفوفاً، وإظهار هيبة الإسلام، وتعميره بالتسبيح والتكبير، ثم يؤمهم الرائد، وتقام الصلاة. فانظر كيف اجتمعت الجهود والهمم بحيث إنك لا تستطيع أن تُفضِّل صاحب الفكرة الفقيه، وتقول: لولاه لما بُني المسجد، ولا صاحب الأرض، ولا من عمل بساعده، ولا المؤذن والمنير، بل كل منهم قد أصاب ووفّقه الله لعمل صالح تراكب بعضه على بعض وأسنده» (١) . وقال أيضاً: «ولقد علمتنا الأيام دروساً غير التي كانت تمليها علينا الحماسة البريئة والتصلبات المعاندة، ولقنتنا التجربة أن نُعين على تواجد المحايد إن يئسنا من مجيء المسلم، في الوظيفة الصغيرة أو الحكم الكبير، وأن نصبر على الغافل الشهواني ابن يومه إن نازعه الملحد المخطط البعيد الأهداف، وأن نُقدّر أن الملحد المفسد سليل الأشراف أقل شراً من جناح آخر في حزبه يضم الرعاع وسفلة القوم ـ مع أن كليهما شر، ولكنْ حنانيك فبعض الشر أهون من بعض ـ إذ ربما كان في الأول بقية تَرفُّع وإباء عن الدنايا والقسوة التي يفتقدها الغوغاء» (٢) . فالعمل لهذا الدين بحر لا ساحل له، ولذا لا بد أن يقتنع الجميع بأننا في حاجة ماسة إلى جهود كل المخلصين سواء كانوا قياديين يخططون، أو مفكرين يكتبون، أو دعاة صادقين ربانيين يربون، أو صحفياً يحمل همَّ هذا الدين ويعمل لنشره حسب استطاعته، أو ذا مال أو جاه أو طالباً أو عاملاً أو فلاحاً أو امرأة ... إلخ. والدعوة الإسلامية لن تُنير طريق المسلمين ما لم تتكامل جهودهم، ويكمل بعضهم بعضاً. وأظن أن هذا أفضل بكثير من انشغالنا بالقيل والقال، وعيب فلان وغمز علان، وغير ذلك مما انشغل به كثير من شباب المسلمين عن واجبهم المناط بهم وهو واجب وقتهم. وختاماً: أسأل العلي القدير أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وأن لا يجعل لأحد فيهما نصيب، كما أسأله أن يؤلف بين قلوب المؤمنين، وأن يصلح نياتهم وذرياتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 5595

لقاء صريح من الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين في العراق الدكتور محمد بشار الفيضي (القوات الأمريكية متورطة في عمليات تطهير طائفي) حاوره في البحرين: خباب بن مروان الحمد العراق ... أو بلاد الرافدين ... ذلك الجزء الثمين من بلادنا الإسلاميَّة، والذي اكتوى بنيران الاحتلال، وانصبَّت عليه قذائف الأهوال، وما يزال يعاني من قبح تلك الأفعال! وزاد النار أواراً، والوضع سوءاً، ما تقترفه القوَّات الأمريكيَّة بالتعاون مع كثير من فئات الحاقدين، من تطهير طائفي واضح لأهل السنَّة والجماعة، وتقتيل علمائهم، وانتهاك أعراضهم، وتدمير مساجدهم، واتهامهم بأعمال هم منها براء، وكان آخرها، ما اتُّهم به أهل السنَّة من تفجير الضريحين الشيعيين في سامراء، بغية أن يشعلوا حرباً ضروساً من الرافضة ضدَّ أهل السنَّة والجماعة! ويشاء الله أن تفضح مخطَّطات الروافض الإيرانيين، بتدخُّلهم الأثيم في بلاد الرافدين، وتورط الأصابع بَلْهَ الثقلَ الإيرانيَّ بأكمله، في عمليات تصفية عدوانيَّة واضحة لأهل السنَّة، ولا نقول لإخواننا من أهل السنة في العراق، إلاَّ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . وفي هذا اللقاء اجتمعت بفضيلة الشيخ الدكتور محمد بشار الفيضي ـ حفظه الله ـ حين حضورنا مؤتمر البحرين لنصرة خير البرية، وتوجهت إليه ببعض الأسئلة التي تهمُّ كلَّ مسلم يريد معرفة الجديد والمفيد حول الشعب العراقي. والدكتور محمد بشار الفيضي، هو المتحدث الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين، وأستاذ الحديث وعلومه في الجامعة الإسلامية ببغداد، من مواليد ١٩٦٤م، من الموصل في شمال العراق. البيان: في مستهل هذا اللقاء نرحب بفضيلة الدكتور ... ونسأله في البداية عن الأنباء التي تتوارد عن عزم الأمريكيين والبريطانيين الانسحاب من العراق، ومع أنَّ المراقبين يعدُّون ذلك ـ حال حدوثه ـ هزيمة مدوية للولايات المتحدة وحلفائها، إلاَّ أنَّ هذا الانسحاب ستعقبه تحديات كثيرة، ما أبرزها في رأيكم؟ ٣ نحن نعتقد أنَّ الانسحاب أمر لا مندوحة عنه، لأنَّا كعراقيين نعرف جيداً حجم المأزق الذي يعيشه الأمريكيون والبريطانيون؛ فضربات المقاومة تتوالى عليهم بشكل يومي ودقيق، حتى إنه ظهر تقرير من البنتاغون قبل شهرين أو أكثر، يقول: إنَّ مجموع العمليات التي تستهدف القوات الأمريكية في العراق بلغت ٥٦٠ عملية في الأسبوع، وحينما تحسب هذا العدد الأسبوعي طوال السنة يتأكد لديك أنَّ حجم الخسائر التي يُمْنَى بها الأمريكيون كبير جداً، ولم تعد تحتملها هذه الإدارة، لذلك قلنا من قبل إنَّ عام ٢٠٠٦م سيشهد بداية الانسحاب الأمريكي. ولكن، كيف سيكون هذا الانسحاب؟ هذا هو السؤال: هل سيخرجون فجأة كما خرجوا من الصومال؟ أم سيخرجون دفعات؟ نحن سبق أن قلنا إنَّ الأمريكيين إذا أرادوا أن يقدِّموا شيئاً للعراقيين ـ وإن كان هذا خلاف سجيَّتهم ـ فعليهم أن يُجَدْوِلوا انسحابهم، حتى نتمكن خلال هذه الجدولة أن نستعيض عن قوَّاتهم بقوات دولية وبإشراف الأمم المتحدة، وبهذا تتم السيطرة على الوضع، ولكنهم حتى هذه اللحظة يأبون إعطاء رد إيجابي على مثل هذا الطلب. وفي كل الأحوال حتى لو انسحبوا بشكل مفاجئ ... فنحن لسنا قلقين، لأنَّا نعتقد أنَّهم وراء كل مشكلة؛ فإذا زال أصل المشكلة، فإنَّ ما سيلي ذلك من أزمات لن يكون عمره طويلاً، وسيستطيع العراقيون أن يتعاملوا معها ويعملوا على حلِّها بإذن الله. البيان: ولكن كأنَّ المتوجِّه الآن إعلامياً أنَّ انسحابهم قد يكون تدريجياً، وأنَّ من الصعب جداً أن ينسحبوا فجأة؛ فما رأيكم؟ ٣ نعم! أنا حينما أقول إنَّهم ينسحبون فوراً لا يعني أنَّهم سينسحبون بين عشية وضحاها؛ فهذا لا يمكن؛ لأنَّ لديهم أعداداً كبيرة وآليات ضخمة، ولكن المقصود أنهم قد ينسحبون بشكل غير معلن، وفي فترة وجيزة بحيث لا يعطون فرصة لكي تخلفهم قوات دولية، وهذه واردة جداً، وقطعاً فإنَّ هذا خطأٌ كبير منهم. البيان: وبرأيك ما المطلوب حيال هذا الانسحاب عراقياً ـ عربياً ـ إسلامياً؟ ٣ نحن طرحنا من زمن أن تأتي قوات دولية غير مشاركة في الاحتلال، ولا بأس أن تكون معها قوات عربية، وإسلامية من غير دول الجوار، للحساسيَّة لدى فئات عراقية من هذه الدول، لتأخذ مواقع هذه القوات المحتلة في عموم العراق، وكما ذكرت أن يكون ذلك بإشراف مباشر من الأمم المتحدة، ويفترض على الدول العربية والإسلامية إذا تناهى لها مثل هذا الخبر أن تعمل في هذا الاتجاه. البيان: ولكن إذا كان ذلك في ظل الأمم المتحدة ألا يكون ذلك في مصلحة الاحتلال؟! ٣ الوضع في العراق يختلف. نعم! نحن نعلم أنَّ الأمم المتحدة خاضعة بشكل أو بآخر لنفوذ الدول العظمى، وفي كثير من القضايا فقدت مصداقيتها، ولكن بالنسبة للوضع العراقي فالأمر مختلف؛ فالأمم المتحدة لها حسنة في هذه الحرب أنها رفضت أن تعطي الأمريكيين الشرعية؛ ففي هذا المجال لدى الشعب العراقي شيء من الثقة فيها، وفي الشأن العراقي أيضاً القوى العظمى ترغب في إحداث التوازن؛ لأن العراق منطقة مهمة وحيوية، والكل يتطلع إليها، فإذا دخلت الأمم المتحدة فستعود حالة التوازن إلى الشأن العراقي، بحيث لا تهيمن جهة على أخرى، وهذا التوازن ينفعنا؛ لأنه سيتيح لنا الفرصة لكي نشاهد عملية سياسية يتوفر فيها الحد الأدنى من المعايير الدولية والشفافية، وكل ما نطمح إليه أن تجرى انتخابات بمستوى ما جرى في فلسطين. وفي فلسطين حتى هذه اللحظة مع أنَّ حماس غير مرغوب فيها أمريكياً وصهيونياً، لكن الأمريكيين والصهاينة لن يستطيعوا أن يطعنوا في آليتها؛ لأنها كانت على مستوى رفيع من الشفافية؛ فنحن نحتاج هذه التجربة أن تكرر في العراق. وإذا كانت الانتخابات بهذه المستوى، فمن المؤكد أنَّها ستفرز شخصيات جيدة يثق فيها الشعب العراقي، وتكون هي البداية الصحيحة لمعالجة الأوضاع. البيان: إذا اكتفى الأمريكيون بالانسحاب خارج المدن فقط، فكيف سيكون التعامل مع الوضع الجديد؟ ٣ إذا اكتفوا بذلك فمن المؤكد ـ والله أعلم ـ أنَّ صراعاً سينشب بين الميليشيات الموجودة حالياً وبين المقاومة العراقية، ونحن على ثقة أنَّ هذه الميليشيات لا تستطيع الصمود طويلاً أمام المقاومة لسبب بسيط ومهم، وهو أنَّ الميليشيات لا قضيَّة لها، وأنَّ المقاومة تنطلق من قضية، وكما يقولون: النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة. ولهذا أعتقد أنَّ هذا الصراع لن يطول، وسيمكن إنقاذ العراق من هيمنة هذه الميليشيات، ما لم تتورط دولة مجاورة بإدخال قواتها، وخصوصاً أنَّنا نلاحظ أنَّ هناك نفوذاً إيرانياً كبيراً في العراق عبر تلك الميليشيات، وحتى عبر زج بعض العناصر المخابراتية في أرض البصرة والجنوب العراقي، كما يحدثنا بذلك أهل البصرة وغيرهم؛ فانسحاب القوات الأمريكية سيترك الجنوب مفتوحاً للتدخل المكشوف. فهل ستقوم دولة كإيران ببسط نفوذها من خلال الزج بقوات عسكرية أو قوات ظاهرها مدني وهي في الحقيقة مثلاً منظمة عسكرياً؟ إنَّ هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ الله، ولكن إذا حدث فهو خطأ كبير من إيران، وسيكون ثمنه غالياً على جميع الأطراف؛ لأن الشعب العراقي لم يعد يتقبل نفسياً هذا النفوذ الإيراني الخطير. البيان: ما المشكلات الحقيقية التي تحول دون توحيد صفوف المجاهدين في العراق أو على الأقل، توحيد سياساتهم في خطوطها العريضة في مواجهة الاحتلال؟ وهل هناك جهود في هذا الصدد؟ ٣ أنا لا أجد أن هناك خلافات جذرية بين قوى المقاومة والمجاهدين في العراق بشتى أطيافها، هناك خلافات ربما تكون ملحوظة في البرنامج السياسي بين المقاومة العراقية وبين المجاهدين العرب؛ فالمقاومة العراقية هدفها إخراج المحتل وتهيئة انتخابات عادلة، وأمَّا المجاهدون العرب فهدفهم أكبر وهو موضوع تأسيس دولة إسلامية، وأنا لا أعتقد أنَّ مسلماً لا يفكر بذلك، ولكن برأينا فنحن نتفهم الواقع العالمي، فالواقع العالمي وخصوصاً في المنطقة العربية غير مهيأ لمثل هذه الفكرة، ونحن ـ العراقيين ـ نرى أن نبقي هذا الطموح ببالنا وأن نسعى إليه ببطء وبخطوات مدروسة، ولكن أن نأتي من الآن ونقفز إلى هذا الهدف العظيم؛ ففي ضوء ما نعرفه من أسباب ومسببات فإنَّ ذلك بعيد تحقيقه ـ والعلم عند الله ـ. ولهذا يقتصر طموحنا في هذه المرحلة على إخراج المحتل وإعادة النظام ومكونات الدولة التي هدمها المحتل وإعادة بنائها من جديد، ويبقى ذلك طموحاً يحتاج إلى فترة طويلة من الزمن، ويحتاج إلى تثقيف الشعب حتى يتقبل الفكرة؛ لأننا لا نستطيع الآن أن نفرض هذه الفكرة إذا لم يكن لدى الشعب رغبة حتى يتعاون معنا في الوصول إليها، وهذا هو الفرق الوحيد. أما بقية الأجندات فلا أعتقد أن هناك فرقاً؛ فالكل يريد إخراج المحتل، والكل يريد أن يعود للعراق أمنه واستقراره. البيان: هل ظهرت معالم ولو رئيسة لمشروع سياسي لأهل السنة في العراق، وما أبرز معالم ذلك المشروع؟ ٣ أنت تعلم أنَّ أهل السنة في العراق اليوم على كتلتين ـ إذا جاز التعبير ـ: ١ ـ كتلة تأبى المشاركة في العملية السياسية في ظل الاحتلال وهذه تمثلها هيئة علماء المسلمين، وقوى المقاومة العراقية. ٢ ـ وهناك كتلة سنية أخرى رأت أنَّ الطريق الأفضل في حل الأزمة العراقية هو المشاركة في العملية السياسية وقد دخلت الانتخابات الأخيرة. فمن هنا يكون البرنامج مختلفاً لدى هؤلاء عن هؤلاء، ونحن في هيئة علماء المسلمين برنامجنا واضح وقدمناه من خلال مبادرة أكثر من مرة، وقدمناه للأخضر الإبراهيمي، وقدمناه لجامعة الدول العربية، ويقضي بما ذكرته قبل قليل، بجدولة الانسحاب، وانتخاب حكومة مؤقتة مثقفة، ولا تنتمي لأي حزب سياسي وذات كفاءة، وتعمل هذه الحكومة على إدارة الشعب العراقي سنة أو ربما سنتين، وتهيئ الأمور لإعادة وضع الدستور؛ لأننا لا نعترف بهذا الدستور الحالي، وكذلك لإجراء انتخابات جديدة؛ لأن الانتخابات التي مضت ملؤها التزوير والظلم؛ فهي أيضاً بالنسبة لنا ظلم، ونحن لا نعترف بنتائجها، وهكذا نكون قد وضعنا أقدامنا في الاتجاه الصحيح. أمَّا الآخرون في الحزب الإسلامي والحوار الوطني وبقية من انضم تحت جبهة التوافق؛ فهم دخلوا في العملية السياسية وأعلنوا رفضهم لنتائج الانتخابات، وقالوا نتعامل معها على أساس أنها واقع مفروض، وهم الآن يدخلون في مناقشات طويلة ومساومات لغرض تشكيل الحكومة. البيان: بصراحة ـ يا فضيلة الدكتور ـ هل ترى نجاح مشروع جمعية التوافق الوطني، ولماذا؟ ٣ نحن لا نرى نجاح مشروعهم، ولو كنا نظن نجاح مشروعهم لدخلنا معهم، ونحن نعتقد أنَّهم أخطؤوا في اجتهادهم هذا، وأن المشروع الأمريكي تحقق شيء من خططه في مشاركة أهل السنة، وهو تثبيت للمحاصصة الطائفية والعرقية، وهذه المحاصصة كانت هدفاً استراتيجياً للقوات الأمريكية من بداية الاحتلال، وفرضته في مجلس الحكم ولكنها لم تنجح، وفرضته في الحكومة المؤقتة، وفرضته في الانتخابات الماضية، ولكنها أيضاً لم تنجح، ولم يشارك في ذلك كثير من أهل السنة في المرة الماضية، ولكن لما شاركوا في هذه المرة، فثبت هذا المشروع شئنا أم أبينا؛ فأنا لا أظن أن النجاح في طريقهم، بل أجدهم الآن في وضع محرج للغاية، لأسباب كثيرة عدا تثبيت المحاصصة الطائفية والعرقية، وهم ثبَّتوا أيضاً رقماً آخر فيه ظلم على أنَّ عدد أهل السنة ٢٠%، وهذا ليس عدلاً؛ لأن السنة أكثر من ذلك، ولكن نحن نقول دائماً: هذه النسبة عدا عما فيها من تضليل وتزوير، فإن هناك أربعة ملايين صوت لم تشترك في الانتخابات استجابة لموقف هيئة علماء المسلمين، وعليه فإنَّه يبقى إحصاء أهل السنة لا يخضع لهذا الرقم الذي وضعه لهم الرئيس بوش قبل الدخول في العملية السياسية الأولى. البيان: ثمة كلام من بعضهم بالقول بأنَّ هناك فروقاً بين شيعة العراق العرب، وشيعة إيران! ما مدى صحَّة ذلك؟ وهل صحيح أنَّ التشدد الشيعي في العراق هو من صنع إيران؟ ٣ من دون شك نحن أولاً نفرق بين أمرين: بين الأحزاب، وبين القاعدة الشعبية. فالأحزاب السياسية الموجودة في العراق، من الخطأ أن نقيس حالة الشعب العراقي بها؛ فهذه الأحزاب لها أجندة خاصة، فلا يمكن أن نكتشف من خلالها حالة الشعب العراقي، وهذا أيضاً ينطبق على الشيعة؛ فمن الشيعة طبقة عامة بسيطة، وهناك أحزاب. فالأحزاب واضحة في برنامجها وفي ميلها لدولة أخرى فولاؤها ليس للعراق، ولكن لا يمكن أن نقول إن الشيعة في العراق هم كلهم كذلك جميعاً؛ فالشيعة في العراق ـ حسب معلوماتنا ـ بشكل عام ولاؤهم للبلد، وهم يبثُّوننا شكواهم من التدخل الإيراني، ومن ظلم هذه الأحزاب لهم، وليس من الحكمة أن نخسرهم؛ فهم جزء من النسيج الاجتماعي، وهم مهمَّشون، مثلما نحن مهمشون، بل يصيبهم الأذى أيضاً، لذلك نحن نقول دائماً: لا بد أن نفرِّق بين الشيعة الذين ولاؤهم للعراق وبين الشيعة الذين ولاؤهم لغير العراق. البيان: وعلى هذا: هل التشدد الشيعي في العراق هو من صنع إيران؟ ٣ موضوع التدخل الإيراني بالنسبة لنا أمر بيِّن وبدهي؛ فنحن إذا نظرنا لتصريحات الإيرانيين أنفسهم، فإنَّهم يعترفون بهذا؛ فالأبطحي ـ المسؤول الإيراني ـ قال مرَّة: إنَّه لولا إيران لما كان للأمريكيين وجود في العراق وفي أفغانستان، ومرة صرَّح أحد مسؤوليهم أن فيلق بدر ما يزال يستلم مرتَّباته من إيران. وفيلق بدر ـ كما تعلمون ـ نشأ بعد بداية الحرب العراقية الإيرانية واحتضنته إيران وموَّلته وهو طفلها المدلل، وكان النظام العراقي لا يسمح للعلماء بتوضيح أي حديث في هذا الاتجاه؛ فلم يكن يحب ترويج شيء من ذلك، ولكننا نحن كنا في النطاق الداخلي نسمع بذلك، وإن كان ذلك الوجود لم يكن بهذا الحجم، ولكن بعد الاحتلال الوضع مختلف؛ لأن فيلق بدر دخل بمجموعاته كلها المقدَّرين بـ ١٧ ألف رجل، وهم عراقيون وإن كان ولاؤهم المطلق لإيران؛ فهي الدولة التي غذَّتهم ومنحتهم الإيواء وزوَّدتهم بكل متطلبات الحياة، والمشكلة الآن أنَّ من هذا الفيلق ـ حسب ما لدينا من معلومات ـ أكثر من عشرة آلاف دخلوا في وزارة الداخلية وفي أجندتها، وهذا في الحقيقة مشكلة، فقد صرَّح (جون باتشي) وهو مسؤول برنامج يوناني لحقوق الإنسان في العراق، صرَّح لصحيفة الغارديان البريطانية قبل شهر، والإعلام تكتَّم على هذا الخبر، لأنَّه بصراحة مفاجأة وفجيعة في الوقت نفسه، وقال إنَّ ما يُسمى فرق الموت تابعة لوزارة الداخلية، وأن أهل السنة يُعَذَّبون على يديها حتى الموت، وهي مسؤولة عن تعذيب سبعة آلاف سني خلال الأشهر التسعة الماضية، وقال إن القوات الأمريكية على علم بها، ولم يبرئ وزير الداخلية (بيان جبر صولاغ) أيضاً، بل قال إنه مسؤول عنها؛ فرجل مثل (جون باتشي) مطلع على الملف العراقي وحينما يتكلم فإنه لا يتكلم من فراغ، لكن الإعلام تكتَّم على الموضوع وكأن شيئاً لم يكن. والأمريكيون يعلمون أن الإيرانيين يتدخلون حتى العظم، ولكنهم لم يكونوا يصرحون بهذا من قبل، ونحن نعزو ذلك لاتفاقات بينهما وتواطؤ، ولكن الآن بعد سخونة الملف النووي، بدؤوا يكشفون هذه الأوراق، فـ (رامسفيلد) قال قبل فترة: إن إيران تتدخل في العراق وأنها تستعمل أسلحتها، و (كوندليزا رايس) أيضأً قالت قبل شهرين أمام الكونغرس في جلسة الاجتماع: إن النفوذ الإيراني في العراق أكثر تعقيداً من النفوذ السوري، وهكذا بدأت تنكشف الأوراق، وأخيراً ردد الرئيس بوش الكلام نفسه، وكلما زاد الضغط في موضوع الملف النووي سترى أن الأمريكيين سيكشفون المزيد من الأوراق، التي تؤكد أن الإيرانيين متورطون في الملف العراقي، كما يقول المثل: من الباب حتى المحراب. البيان: ولكن ألا يرى فضيلتكم أنَّ هذا ديدن القوم وتوجههم حيال أهل السنَّة؛ فهل كنَّا نتوقع من إيران عدا ذلك؟ ٣ صحيح. ولكن هم يجب أن يعلموا أنَّهم دولة جارة، وأن يفهموا أنه ليس من مصلحتهم استغلال ظروف العراق والطعن من الخلف؛ فقد يحققون مكاسب آنية، ولكن على المدى البعيد فهم الخاسرون؛ لأن الشعب العراقي الآن عند مجرد ذكره لإيران يثور غضباً. البيان: ما وسائل أهل السنة وخططهم في الحد من الدور الإيراني في العراق على المستوى القريب والبعيد؟ ٣ لا أعتقد أن لدى أهل السنة الآن أي خطط محدَّدة؛ بسبب أنه لا حول لهم ولا قوة حينما يكون هناك تعاون عالي المستوى بين القوات المحتلة وبين إيران في دولة مثل العراق، وبالذات فيما يخص أهل السنة. وبما أنَّك سألتني عنهم فلا أعتقد أن بإمكانهم أن يفعلوا شيئاً في هذا المجال، والسنَّة الآن يُذبَحون ويتم اغتيال ضباطهم على أيدي هذه الميليشيات وبخاصة الطيارين، وهذا يؤكد أن مَنْ وراء ذلك مدعوم من دولة إيران؛ فمن الصعب القول إن بإمكان أهل السنة أن يفعلوا شيئاً ـ إلاَّ أن يشاء الله ـ. ولهذا نحن في هيئة علماء المسلمين، أصدرنا قبل فترة بياناً قلنا فيه إن القوات الأمريكية متورطة في عمليات تطهير طائفي، وهذه فضيحة تزيد على فضيحة أبو غريب، وأنَّ هناك مسؤولين من حقهم أن يقفوا مع (سلوبيدان ميلوسيفيتش) الذي قضى نحبه، فيقفوا في محاكمات دولية؛ لأنهم فعلوا الفعل نفسه، وأعطيك مثلاً بسيطاً: لدينا وثائق تثبت أن هناك معتقلات يعذَّب فيها أهل السنة على أيدي هذه الميليشيات يتولى حراستها الأمريكيون، والأمريكيون راضون بهذا ومبتهجون؛ لأن هناك من يقوم بالنيابة عنهم بتصفية رموز أهل السنة، ولا أنسى ما سأحدِّثك عنه الآن؛ لأنه يكشف عن بشاعة هذا الرضى: حدثني أحد رموز جبهة التوافق العراقي قائلاً: لقد سلمت للسفير الأمريكي (زلماي خليل زاد) قائمة بثلاثة عشر موقعاً لسجون سرية يعذَّب فيها أهل السنة تابعة لوزارة الداخلية، وحدَّد فيها المباني التي تحتوي على هذه المعتقلات، قال: فكان جوابه لي بعد أيام: يا دكتور! نحن نريد أن تدلونا على الأبواب والمنافذ التي ندخل منها إلى هذه المعتقلات! هكذا بكل استخفاف ... أقول له: في هذا المبنى يوجد معتقل، فيقول لي: دلَّني على الباب أنا لا أعلم! وستكشف الأيام عما يندى له جبين الإنسانية؛ فالأمريكيون ليسوا بأقل من الصربيين في عمليات التطهير الطائفي التي تنال أهل السنة في العراق. البيان: طالبت إيران مؤخراً الولايات المتحدة بأن تتفاوض معها بشأن العراق؛ فهل يعد هذا اعترافاً مشتركاً بأنها تملك الكثير من مفاتيح الوضع العراقي، وماذا تتوقعون من انعكاسات المجابهة الأمريكية الإيرانية على الوضع في العراق؟ ٣ الإيرانيون يملكون قدراً كبيراً من الذكاء بالمناورات السياسية، ولكنهم بهذه التصريحات أعتقد أنهم وقعوا في الفخ ـ ربما المنتظر ـ لأنهم أدانوا أنفسهم بأنفسهم، وحينما يوافق الأمريكيون الإيرانيين على مفاوضات بشأن العراق، فهم يقولون للعالم كله: نحن متدخلون في الشأن العراقي، ونحن نملك مفاتيح اللعبة في العراق، ولهذا فإنَّ هذه الممارسات استفزت العراقيين جميعاً بكل أحزابهم السياسية، والجميع قالوا: بأي حق يتم تجاهل العراق وكأنه جزء متنازع عليه بين أمريكا وإيران؟ فهذه بين قوسين: (غلطة الشاطر) وهي إدانة صريحة لهذه الدولة أنها تتدخل بشكل كبير في العراق. البيان: ما فرص تثبيت الحكومة العراقية القادمة، وما تقييمكم لنصيب ودور أهل السنَّة فيها؟ ٣ أنا أظن أن الحكومة العراقية ستتشكل على أساس حكومة يكون للسنة فيها حجم لا يتجاوز ٢٠% وهذه رغبة الأمريكيين والبريطانيين، لأنَّ هناك هدفاً استراتيجياً لتهميش أهل السنة، وربما يعطون إحدى الوزارتين: الداخلية أو الدفاع، لكنَّهم على العموم لن يخرجوا عن هذه النسبة. إلاَّ أنَّ تقييمنا في كل الأحوال أنَّ الحكومة القادمة ستبقى ضعيفة وربما تبقى حبيسة المنطقة الخضراء؛ لأنها هذه المرة ستكون متعددة الأقطاب؛ وهذا سيجعلها أكثر ضعفاً، فلا أظن أن بإمكانها أن تحل المشكلة العراقية، وربما تشهد الأيام القادمة انحداراً أكثر في الملفات الأمنية والاقتصادية، وأنا أعتقد أن المقاومة العراقية ستبقى هي المالكة للأرض، وما لم يؤمن الأمريكيون والقوى السياسية بالحكومة بالواقع ويتم محاورة المقاومة فلن يهدأ العراق ـ والله أعلم ـ. البيان: يتردد أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى نبذ ورقة الشيعة المتدينين لتعيد اللعب بورقة الشيعة العلمانيين، فهل يمكن أن تدخل أمريكا بعض المحسوبين على السنة من العلمانيين في هذه اللعبة، وما موقفكم عندها؟ ٣ كل شيء ممكن؛ فالأمريكيون من دون شك يفضلون التوجه العلماني، وهم في هذه المعركة استطاعوا حرق الأوراق الدينية للشيعة، فحرقوا مراجعهم ورموزهم من خلال توريطهم في تأييد الاحتلال بشكل أو بآخر، ويتمنى الأمريكيون لو أنهم يحرقون رموز السنة أيضاً على الطريقة نفسها، فحاولوا توريط هيئة علماء المسلمين بالاتجاه نفسه، ولكنهم لم ينجحوا بفضل الله، ولن ينجحوا وهذا ما نأمله من الله . فالعلمانيون عند الأمريكيين هم المفضلون، ولكن المشكلة عند الأمريكيين أن العلمانيين لا يتمتعون برصيد كبير في الشارع العراقي، وهذا ما سيجعل الوضع بالنسبة للأمريكان أكثر تعقيداً؛ فهي مضطرة أن تعوِّل على الأحزاب الدينية لحين يكون لمشروعها قرار في البلد، وبعد هذا من الممكن أن تغير من الوجوه من تشاء أو تأتي من الوجوه بمن تشاء إن استطاعت أن تنجح. البيان: يخيم شبح الحرب الأهلية على ربوع العراق؛ فعلى من تقع المسؤولية الكبرى في ذلك، وهل هناك إمكانية لتفادي هذا الخطر؟ ٣ الحرب الأهلية هدف لقوات الاحتلال منذ مجيئها في ٢٠٠٣م، ولاحظنا ولأكثر من مرة أنها حاولت إثارة الحرب الأهلية، وأنا دائماً أذكِّر بحالة أسجلها للتاريخ أن القوات الأمريكية حينما دخلت بغداد ودخلت مدناً أخرى فتحت مخازن السلاح للناس بنفسها، فكان الناس يأخذون من هذه المخازن السلاح الثقيل والخفيف، والجنود الأمريكيون ينظرون للناس من غير مبالاة وكأن الأمر لا يعنيهم، ومن دون شك أن الأمريكيين ليسوا جهلاء بخطورة أن يؤول السلاح لأيدي الأهالي؛ لأنهم غزوا قبل العراق أكثر من عشرين دولة؛ فهم يعرفون ماذا يعني أن يكون السلاح بأيدي الأهالي، لكنهم كانوا يتمنون أن تشتعل الحرب الأهلية ليجعلوا الناس ينشغلون بعضهم ببعض وهم يقعدون في المعسكرات ويشرفون على هذه الحرب، ويزيدون نارها وقوداً، ولكن هذا ـ بفضل الله ـ لم يتحقق، وأنا أحب دائماً أن أكرر كلمة سمعتها من أحد الساسة العراقيين أنَّ العراق له مناعة داخلية من الحرب الأهلية، وهذا كلام صحيح؛ فالعراقيون منصهرون بعضهم ببعض إلى حد يحول في العادة بينهم وبين الانزلاق إلى الحرب الأهليَّة؛ فهناك عشائر نصفها شيعة ونصفها سنة، وهناك زيجات بين السنة والشيعة، وكذا بين العرب والأكراد، بلغت في تشخيص المختصين أكثر من ٢٥%، فمن الصعوبة الدفع بالبلد للحرب الأهلية، وآخر فرصة من دون شك عُقدت عليها الآمال هو موضوع تفجير مرقدي سامراء، وكانوا يريدون إشعال حرب ولم تحدث. ولدينا عنف طائفي وهو بين الأحزاب السياسية وليس بين عامة الناس؛ فالأحزاب السياسية تمارس تطهيراً طائفياً، ولكن حتَّى هذه اللحظة لم ينتقل هذا العنف للطبقات الشعبية الأخرى ليتحول لحرب أهلية، ويسعى هؤلاء جميعاً إلى محاولة نقل هذه التفرقة للقاعدة العامة، ونأمل ألاَّ يحدث هذا، لكن يفترض أن نعمل جميعاً على تقوية هذه المناعة الموجودة لدى الشعب العراقي؛ لأن استمرار المجازر والقتل لأهل السنة هذا قد يبعد المناعة، ونخشى أن ينفلت الوضع بمرور الوقت، وما زالت ثقتنا بالشعب العراقي عالية، ونسأل الله أن يكون شعبنا عند حسن الظن به. البيان: يرتبط الحديث عن احتمالات الحرب الأهلية بالحديث عن احتمالات التقسيم؛ فهل هناك أرضية دافعة لهذا التقسيم؟ ٣ من خلال قراءتنا للواقع نحسُّ أنَّه كان هناك نية لدى الأمريكيين لتقسيم البلاد باسم الفيدرالية في جميع جهات العراق، ولكن أعتقد أنه بعد التجربة التي خاضها الأمريكيون لم يعودوا يعوِّلون على هذا التقسيم؛ لأن هذا التقسيم في الأساس فكرة صهيونيَّة، وهو يخدم العدو الصهيوني، ولكن يبدو أن الأمريكيين لا يرونها تصب في مصلحتهم الآن، خاصة بعد أن قوي نفوذ إيران في المنطقة. أما إيران فيبدو أن من مصلحتها ذلك؛ لأن فيدرالية الجنوب تعني أن يتحول الجنوب إلى قطعة من إيران، وبهذا يكون لها هيمنة على الخليج وعلى النفط، ولذلك نحن نلاحظ أنَّ الذين يصرحون بضرورة الفيدرالية للجنوب هم من الشخصيات المعروفة بولائها لإيران، ومن دون شك أن هذا الأمر لم يأت اجتهاداً من عند أنفسهم، بل لأن هناك دوافع خارجية، تدفعهم لمثل هذه المبادرة. البيان: لو حصل شيء من ذلك فهل هناك تحرك للسنة للتعامل مع هذا الوضع؟ ٣ أهل السنة ـ وأقولها من غير تعصب ـ ينظرون إلى المصلحة الوطنية؛ فهم الآن يعانون القتل من أجل ألاَّ يتقسَّم العراق؛ وهم الآن لو أرادوا أن يعزلوا أنفسهم فبإمكانهم أن يعزلوا مناطقهم، وتبقى مناطقهم سليمة ويعيشون بأمن وسلام، ولكنَّ حرصهم على الوحدة الوطنية يجعلهم حتى هذه اللحظة يرفضون الفيدرالية ويقاومونها بشدَّة ويدفعون الثمن غالياً، وهناك من يفسِّر حرص أهل السنة على رفض الفيدرالية، بسبب أن النفط ليس لديهم، وهذا ليس صحيحاً؛ فالنفط موجود في شمال العراق بالموصل وهي منطقة سنية وغنية بالنفط، ومنطقة الوسط التي يعيش فيها أهل السنة فيها الفوسفات الذي قال عنه الرئيس الأسبق كلينتون: بأنَّ العراق حتى هذه اللفظة لم يستعمل واحداً بالألف من مخزونه من الفوسفات، فالمنطقة غنية جداً، لكنهم هم يحرصون على الوحدة الوطنية ولا يريدون أن يكونوا سبباً في تمزيق العراق؛ لأنها أمانة تاريخية، وستذكر الأجيال كل من ساهم بتمزيق العراق بالسوء، وقبل ذلك هي المسؤولية أمام الله؛ لأننا نعتقد أنَّ العراق في قلب العالم الإسلامي، وإذا تقسم هذا البلد فإن الانقسام سيصيب كثيراً من البلاد المجاورة، ولهذا السبب تجد أهل السنة يدافعون بقوة ويتحملون في سبيل هذا الهدف الكثير من التضحيات. البيان: الحرب المنهجية أو (حرب الأفكار) التي يروِّج لها المنظِّرون في أمريكا، قد يكون أثرها خطيراً في العراق، بحكم ما يشبه العزلة الدعوية التي عاناها في العهد السابق؛ فما أوجه التعامل المطلوب مع حرب الأفكار في العراق على المستويات المختلفة؟ ٣ أنا أعتقد أن حرب الأفكار بعد اشتعال هذه الحرب نقطة ضعف؛ لأنَّ الشعب العراقي لم تعد لديه ثقة إطلاقاً بأي مستورد أمريكي وبأي متعامل مع المحتل، وبأي جهة تثار حولها شبهات بأن لها علاقة بالأمريكان؛ فأنا أعتقد أن هذه الحرب تكاد تتلاشى على أرض العراق؛ لأن الحرب العسكرية الموجودة الآن أفرزت شيئاً جديداً: إما أن تكون عراقياً مسلماً، أو تكون أمريكياً عميلاً. البيان: بخصوص المحاكمة القائمة لرموز النظام السابق، هل ترون أنَّها تخدم أهل السنة أم تضرُّ بهم، وهل هناك بالفعل بقايا وجود مؤثِّر لحزب البعث العراقي؟ ٣ بالنسبة للمحاكمة أنا لا أعتقد أن لها علاقة بأهل السنة؛ لأن الرئيس السابق لم يكن سنياً في فكره؛ فالمعروف أنه كان علماني الفكر، والعلماني ليست تلك المعايير لديه، ولهذا تجد أنَّ الرئيس السابق كانت أكثر عناصر حزبه من الشيعة؛ فالشيعة كانوا يشكلون ٦٥% من عناصر حزب البعث، وتجد أن حكومته كثير من عناصرها من الشيعة. وإليك معلومة بأن قائمة الخمسة والخمسين المطلوبة أمريكياً، ٣٦ منهم شيعة، ولكن الإعلام من أجل أن يستبيح أهل السنة ويستحل دماءهم أخذ يروِّج أن السنة كان أكثرهم من النظام السابق، ولدينا من الشواهد ما لا تعد ولا تحصى في هذا المجال وسأذكر لك شيئاً منها: ففي زمن الرئيس السابق هناك شخصان فقط احتلاَّ في عهده منصب رئيس الوزراء كلاهما من الشيعة: سعدون حمَّادي، ومحمد حمزة الزبيدي، ومرافق صدام الشخصي الذي يمشي خلفه وهذا يعني أنه موطن ثقة عالية لسنوات طويلة (صباح مرزا) هو كردي شيعي، ومرافق صدام الشخصي الذي كانوا يقولون إنه يدخل معه إلى غرفه الخاصة هو عبد العليم الشيعي من الحلَّة. البيان: ولكن يُتداول في بعض وسائل الإعلام بأن صدام حسين ظلم الشيعة وأنَّه كان بينه وبينهم ثأر، وأنَّه سلب ما لديهم من عز؛ فهل هذا الكلام صحيح؟ ٣ سأحدثك عن هذا، فصدام حسين كان لا يهمُّه هذا الموضوع: شيعي أو سني؛ فكان يبحث عن الولاء، فيمنحه لأي جهة تمجِّده، والسياسيون الشيعة لديهم مظلة في فِقْهِهِم وهي موضوع (التقيَّة) ولذلك هم يستجيبون للانتماء للحزب والتقرب من السلطان، على أن يضمروا بغضه، وأهل السنة ليس لديهم هذا المخرج؛ فهم حدِّيُّون: إما أن يكون المنتسب بعثياً وبهذا يستحق اللوم، وإما أن يكون واضحاً، ولهذا فإن نسبة أهل السنة في حزب البعث معروفة لدينا كعراقيين أنها نسبة قليلة. وأما قصة العداء الذي بين صدام وبين الشيعة فهذا يرجع إلى حرب إيران؛ فقبل الثمانينيات من القرن الماضي، بإمكانك أن ترجع إلى التاريخ العراقي فإن٩٠% من الذين أعدمهم صدَّام حسين كانوا من السنة، سواء من القادة العسكريين أو من علماء الشريعة، وهذا معروف. ولكن بعد حرب إيران ظهر نشاط حزب الدعوة، وهو ذو نشاط مسلح كما حدث في عملية الجامعة المستنصرية في بغداد وغيرها، فكحاكم يخشى على نفسه، فقد تحوَّل باتجاه حزب الدعوة، وحزب الدعوة لديه نفوذ كبير، وبما أنَّه حزب قديم وله صلة بالمراجع الدينية، فإنَّ هذه القوى استطاعت في أكثر من مرَّة تحريك الشارع الشيعي ضد النظام، فقسا في التعامل مع هذه التظاهرات كما يفعل أي حاكم يُعارَضُ حكمه، وقتل منهم من قتل؛ ومن هنا كان ذلك التسلط. ونحن أحياناً نجلس مع بعضهم ويقولون لنا: نحن دفعنا ثمناً وصدام حسين استهدفنا بالقتل والمجازر. فنحن نسألهم سؤالاً: هل استهدفكم، لأنكم شيعة، أم لأنكم خرجتم ضده؟ فيُحرَجون، ثم نسألهم سؤالاً آخر: ماذا لو كانت هذه المظاهرات من أهل السنة في الموصل، فهل كان سيتعامل صدام معهم بغير هذا التعامل؟ فالمنصف فيهم يقول الحق. ثم نقول لهم: لماذا كانت هناك أكثر من عشر محاولات انقلابية وكانت من السنة فقط؟ ولو كان صدام حسين يتعامل على أساس أنه سني فلا حاجة لمثل هذه الانقلابات؛ فقد أعدم النظام السابق خيرة رجال أهل السنة من علماء وجامعيين وقادة وسياسيين وضباط؛ فهذه الدعوى التظلمية ليست صحيحة. نعم! أصابهم ظلم كما أصاب الآخرين وليس على أساس طائفي، وإنما على أساس عدم الولاء للحاكم. البيان: هل أنتم راضون عن تفاعل العالمين العربي والإسلامي مع قضيَّتكم في العراق؟ ٣ ليس لدينا أي نسبة من الرضى؛ فنحن محبَطون من مواقف الدول العربية والإسلامية التي رضيت أن تنظر إلينا بمنظار المتفرج وكأن الأمر لا يعنيها، فتأبى أن تناصرنا بكلمة أو بأي وسائل أخرى، مع أنها تعلم جيداً أن العراق يمثل السد أو صِمَام الأمان بالنسبة لها، فلا سمح الله إذا انهار هذا الصمام فسيصل الضرر إلى جميع الدول العربية والإسلامية وخاصة الدول المجاورة. والمشكلة ـ يا أخي! ـ أنَّ النظام السابق حينما كان يخوض حرباً ضد إيران وقفت الدول كلها معه، وزودته بالسلاح وبالمواقف المطلوبة سياسياً وإعلامياً، وتلك الحرب كانت لها ظروفها، وتلك الحرب كانت ليست ضرورية، وفيها من الجوانب السلبية ما فيها. ونحن الآن في حرب صادقة ونحن فيها مظلومون، وقد جاءت دول التحالف واحتلتنا ضد الإرادة الشعبية والدولية؛ فالحق معنا، بل حتَّى الشرعية الدولية معنا، ومع ذلك تجد أن الجميع للأسف الشديد بعيدون عن المساندة ربما خوفاً من أمريكا. ولكن ... لماذا تتدخل إيران في العراق مثلاً؟ إنَّني أعتقد أن مواقفهم سياسياً خاطئة، والنتائج التي تتمخض عنها هذه المعركة ستنعكس سلباً عليهم بكل تفاصيلها، نعم! نحن نتمنَّى أن تنتهي هذه المعركة بانتصار أبناء المقاومة، ولكن لا بأس من وضع احتمال الأمر الآخر: ماذا لو انكسر البلد ـ لا سمح الله ـ؟ لن يبقى أحد بمنأى عن هذا الطوفان ـ لا قدَّر الله ـ. البيان: ما أوجه النقص في نظركم في ضعف التفاعل الدولي الإيجابي مع قضيَّة العراق؟ ٣ لا يوجد تفاعل، وهناك مواقف قليلة كما حصل مثلاً في موقف وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، وقد نبَّه إلى خطورة النفوذ الإيراني في العراق. وعلى أيّ حال نحن قلنا إنها بداية الوعي، لكن بعدها لم يحدث شيء. كما أن هذا الوعي تجاه خطورة الدور الإيراني يجب أيضاً أن يكون تجاه التدخل الأمريكي واحتلال العراق، فيجب أن يكون لدى الدول العربية شعور بأن الخطر الأمريكي لا يقل خطراً عن النفوذ الإيراني، وأن نتعامل مع الجميع تعامل الفطن الذي إن لم يفعل ذلك من أجل نصرة الدين، فليفعل ذلك من أجل رعاية مصالحه. البيان: ما الدور الذي تنتظرونه من إخوانكم أهل السنة في العالم؟ ٣ أنا أعتقد أنَّ العراقيين الآن يمرون في أسوأ الظروف، وأهل السنة بالذات إذا كان لا بد من التحدث عنهم فإنهم يتعرضون إلى تطهير طائفي، وذبح مستمر، ويجب على الدول العربية أن تسعى في دعمهم في كل الاتجاهات وبشتَّى الظروف، وبكل ما يستطيعون؛ لأن الأمريكيين يعملون على تدمير البنى التحتيَّة لهذه المناطق، فيهدمون المستشفيات، ويحرقون المزارع، ويقصفون المساجد، ويضربون المدارس، فيوجد مسلسل مدروس لإنهاء كل مقوِّمات الحياة لديهم، فضلاً عن استهداف شبابهم بالآلاف وقتل الآخرين؛ فنحن نشعر بأنَّ ظهرنا مكشوف، لكن إذا اهتمت الدول بهذه الأزمة، ودعمت من يقع عليهم الظلم بكل وسائل الدعم الممكنة، فمن دون شك وعلى الأقل سيعيد ذلك الثقة إلى هؤلاء بأنفسهم، ويطيل من فترة صمودهم أمام الخطرين القادمين. البيان: أخيراً: نسأل الله ـ تعالى ـ للشعب العراقي المجاهد أن ينصره، ويفرِّج كربه، ويصلح أحوال المسلمين، والله حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 5596

الجاذبية الثقافية د. عبد الكريم بكار لا نعني بالثقافة (المعرفة) ، وإنما نعني هنا ذلك الجوَّ المكوَّن من مجموعة العقائد والأفكار والمفاهيم والنظم والأخلاق والقِيَم والعادات والطُرُز السائدة في مجتمع محدد. أو بعبارة أخرى: أسلوب الحياة السائد في بيئة معينة والأسس الفكرية والنفسية والاجتماعية التي يقوم عليها ذلك الأسلوب. أما الجاذبية الثقافية؛ فنعني بها قدرة الثقافة على توفير درجة جيدة من إرضاء أبنائها بالأوضاع والأحوال السائدة، بالإضافة إلى لفت انتباه أبناء الثقافات الأخرى ودفعهم في اتجاه تقليد سلوكيات أبناء الثقافة الجاذبة. أثبتت الجاذبية الثقافية على مدار التاريخ الإسلامي أنها الوسيلة الأفضل لنشر الإسلام ومبادئه وقِيَمه؛ فقد دخل في هذا الدين أعداد هائلة من البشر من غير أن يروا عسكرياً واحداً من جيوش المسلمين، وقد تم انتقالهم إلى الإسلام ببطء؛ حيث تمثّل الناس مبادئه بأناة ومن غير ردود أفعال تُذكَر من الثقافات الوطنية التي كانت سائدة آنذاك، ولم يكن الأمر بتلك السلاسة وذلك النقاء في البلدان التي فُتحت عن طريق القتال. دعونا نتساءل الآن: ما السّمات الأساسية التي ينبغي أن تتوفر في أيّ ثقافة حتى تصبح جذابة؟ في مقاربة أولية نقول: ربما كان أهم تلك السمات الآتي: ١ ـ التضحية: وهي تعني وجود شريحة واسعة في المجتمع، تملك القدرة على التخلّي عن بعض ما تملك، وتبذل شيئاً من جهدها ووقتها في سبيل تحقيق أمور خيِّرة لا تعود عليها بنفع مباشر. ويدل على هذه الشريحة ما تتمتع به الأمة أو المجتمع من مؤسسات (لا ربحية) ، تسدّ حاجات الناس، وتستدرك على القصور الموجود في نظام العدالة الاجتماعية السائد. ولا شك أن الدول المتقدمة تُعد غنية جداً بهذه المؤسسات اليوم؛ وهذا ما نلمحه في المجتمعات المسلمة أيام ازدهار الحضارة الإسلامية. ٢ ـ العدل: حيث يغلب على ظنّ الناس أنهم قادرون على الوصول إلى حقوقهم كاملة دون رشوة أو واسطة، وبناء على قواعد واحدة تطبق على الجميع. وهذا يكون في أحسن حالاته حين يتوفر نظام قضائي حرّ ومستقل، ويتولى إصدارَ الأحكام أشخاص نزيهون، أو أشخاص يدفعون ثمناً غالياً في حالة إصدار أحكام جائرة ليس لها أي مخرج قانوني. ٣ ـ التعاون: والذي يعني وجود أرضية عقدية وأخلاقية تجعل تواصل الناس بعضهم مع بعض واسع الانتشار، فالمؤسسات الخيرية الكثيرة والمتنوعة تعني ـ على نحو بَدَهي ـ وجود أعداد كبيرة من الناس القادرين على التفاهم والتعاضد في سبيل إنجاز أشياء مشتركة لخير الجميع. ٤ ـ الأمانة: وهي تعني نمو جوانب خلقية واجتماعية جيدة إلى حدود ومستويات عالية. الأمانة التي أعنيها هنا هي التي عنتها ابنة شعيب حين قالت لأبيها عن موسى ﵇: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] . الأمانة تعني الصدق والمصداقية والثقة وحفظ الأسرار والمحافظة على الحرمات؛ وهذه الأخلاق ذات قيمة جوهرية في المنهجية الإسلامية وفي التربية الأخلاقية لدى المسلمين. ٥ ـ الجدّية: المقصود بالجدّية، توفّر نُظم وتقاليد وأعراف وأوضاع، ترفع عتبة النشاط أو ترفع سوية الاهتمام بالعمل والإنتاجية إلى مستويات عالية تحاكي ما هو متوفر لدى الأمم الصناعية الكبرى. الأمم الجادة تهتم بالتفاصيل، وتفكر في التخلص من دقائق المشكلات، وتحتاط في معظم شؤونها. ٦ ـ العملية: الثقافة التي توصف بأنها ثقافة عملية يقل الكلام لدى أبنائها على مقدار تكاثر الأساليب الفنية التي تنمّي من خلالها الجوانب المختلفة في حياتها العامة، كما أنها تعالج بواسطتها المشكلات المعاصرة على نحو حاسم وفعّال. هذه السّمات هي موضع إجماع بين كل الأمم. وجميع الشرائع تحثّ على التحلّي بها، ولهذا؛ فإن الثقافة التي تتوفر فيها هذه الصفات على نحو ظاهر وقوي؛ تجذب إليها أبناء الأمم الأخرى الذين لا يجدون في ثقافاتهم مثيلات لها. وهذا الجذب الثقافي يزداد اليوم بسبب ما توفره وسائل البثّ والاتصال الحديثة من تواصل وتقارب عالمي على نحو لم يسبق له مثيل. الحديث عن الجاذبية الثقافية يدعونا إلى الحديث عن (الافتتان الثقافي) والذي يعني انبهار أبناء أمة من الأمم بما لدى أبناء أمة أخرى من قِيَم وأخلاق وأوضاع ثقافية. وإنها لفتنة شديدة أن تجد المبادئ التي يجب أن تتمسك بها ضامرة في مجتمعك، مزدهرة لدى عدوّك أو منافسك! كل ما قلناه عن الجاذبية والفتنة الثقافية، ينطبق على الأفراد كما ينطبق على الأمم والشعوب، وإن من واجبنا ـ إذا ما أردنا تحصين الأجيال القادمة من التبعية الثقافية للآخرين ـ أن نبذل كل ما في وسعنا من أجل إنعاش القِيَم التي أشرنا إليها وترسيخها في الحياة الإسلامية، وإلا فإن هويتنا ستكون مهددة، حتى إننا إذا لم نخف ذلك؛ فإن التديُّن الحق يدعو إلى بذل ذلك الجهد تعبُّداً لله ـ تعالى ـ وتقرُّباً.

стр. 5597

قراءة في مجموعة مسرحيات قصيرة أمين سليمان الستيتي قراءة في مجموعة مسرحيات قصيرة للكاتب: محمد علي البدوي ـ يرحمه الله ـ المجموعة التي نشرتها البيان في سلسلة منشوراتها برقم (٦١) ، والتي قدم لها أ. د. حسين علي محمد، يلفت النظرَ فيها غلافٌ بلون الأرض الخصبة، والتي اكتسبت لونها من دماء الشهداء الذين شاركوا في فتحها، ورفع راية الإسلام فوقها، فخامرت حمرتها نفحات النور، ولفحت وجهها ومضات النار التي أسرعت بالشهداء إلى الجنة ـ فيما نحسب ـ والتي تبدو للناظر خلف تداخل أنوار اللهب مع لون التربة التي شكلت أعالي اللوحة. ولو جعلها زرقاء ممتزجة بسواد الأدخنة الليلية القسمات، والتي تختلط بدماء الأرض الطيبة، لترك خيالنا يسبح في ذاك الفضاء، عبر طموح إيماني جامع لتنسّم ريح الجنة. ونقلب الصفحة الأولى لنرى الإهداء (إلى كل من بات وهمُّه أمر المسلمين، وهو منهم ... إليه بعض همومهم وواقعهم؛ فعسى أن تحرك حسّاً أو تبعث نفساً..) ص ٤، فإذا كان هؤلاء القوم معه ويشعرون بما يعانيه، وقد يزيدون، فَلِمَ يهدي إليهم همومهم؟ أليس من الخير لو أهداها لغيرهم ممن لم يصلوا إلى مشاعر الهم والانتماء، عسى أن تحرك فيهم ما لم يحركه الواقع، ليكون الإهداء ( ... إلى كل من لم يبت همّه أمر المسلمين ... هو منهم ... ) ، أمثال على أحمد باكثير ﵀. وقد بيَّن أ. د. حسين علي محمد أن الكاتب قد (نشر عدداً من النصوص في مجلتَيْ: الأدب الإسلامي والبيان ... وهو يسير على خطى الكُتّاب المنتمين لهذه الأمة، المدافعين عن قضاياها ... ) في قراءة مقتضبة، جعلها الكاتب تحت راية القبول والرضا، وضمّنها مقتطفات طويلة من المشاهد، تخللتها بعض التعليقات، في مثل قوله: (ولا يخفى على المتلقي أن النص يشير إلى رئيس دولة أمريكا ... وهذا يتضح في نقطة الصعود في النص) و (عن زمن القهر العراقي يقدم حكاية ـ أبو منقاش ـ التي يكون فيها في زمن مقاومة العدوان الأمريكي ـ يعني أبا منقاش ـ بطلاً يُسقط طائرة الأباتشي) ، ويختم قراءته بشهادته أن الكاتب ـ يرحمه الله ـ (يضع رجله على الطريق الشاق، طريق المسرح الصعب، حين نراه صوتاً من أصوات المنتمين إلى هذه الأمة، المقاومين لحظات التخاذل والسقوط) ص ١٢. ولعل سماعي لبعض النقد الذي قدمه في بعض الندوات، هو الذي جعلني أضع قراءته هذه تحت هذه الراية؛ ذلك أنه لم يبين الجوانب الفنية التي اعتمدها الكاتب، أو أتقنها، وإلى أي مدى، ولا الهدف الذي حققه كل نص منها، ولا أين يمكن وضعها من أدب المسرح؛ فهل هي من المسرح الواقعي؟ ولماذا؟ وما أسس المسرح الواقعي الفنية؟ وهل استفاد منها الكاتب ـ يرحمه الله ـ أو أضاف إليها؟ أو أنقص؟ أم هي من المسرح المأساوي (التراجيدي) ؟ أم المسرح السعيد (الكوميدي) ؟ أم الطبعي (الرومانسي) ؟ وهل أتقن الكاتب الأسس الفنية للمشهد المسرحي من حيث الزمن والمكان، والشخصيات؟ أم أنه لم يتجاوز أن سجل حواراً تخيّله على خشبة المسرح، ورأى أنه يعبر عن الآلام التي تعيش في قلب كل مسلم مهتم واع في هذا العصر؟ لا شكَّ أن الأُوار هذه الأيام امتد ليشمل ساحة العراق؛ ولا لوم لمن يجعل كل حروفه تدور في هذا الفلك، لكن لا بدَّ من التنبيه فنياً على أنَّ الأدب المرتبط بالحدث ينتهي أثره بانتهائه. فإذا كان الكاتب ـ يرحمه الله ـ قد بحث عن الخلود لنصوصه الأدبية، فلا بد أنه كان ينبغي أن يربطها بأصول الأدب الخالدة، التي تجعله يمخر عباب العصور، وينأى بها عن الآنيَّة. فحيثما تمكَّن الكاتب من الارتقاء بالمعالجة الأدبية إلى مستوى الخلود؛ فإن أدبه يسمو، ويعبر عن أحاسيس إنسانية خالدة، يتفاعل معها المتلقي كمسلم من جهة، وكإنسان من جهة أخرى في أيِّ صقع كان. والصراع الدائر في العالم هذه الأيام لا يخرج من دائرة الصراع الأبدي بين الحق والباطل، أو كما يعبر الأدباء بين الخير والشر. ولما دأب الشر على خلط الأوراق، صار من مهمات الأديب أن يعيد الفرز، ويعرض الصور الواضحة، من خلال التعبير الراقي، الذي ينقل للمتلقي الأحاسيس والمشاعر التي تدفعه نحو المواقف السليمة، وتجعله يتحسس برَّ الأمان بيديه وقلبه. وكاتبنا ـ يرحمه الله ـ ما فتئ يصوغ تعبيرات هذه المجموعة بأسلوب حواري رشيق؛ لتكون مشاهد مسرحية، لكنه حملها بين أنفاس القصة الواقعية التي تحاول الرمزية، فجاءت رمزيته يسيرة قريبة المنال، تحمل أنَاتٍ كثيرةً من الوضع الذي يعيشه المسلمون، بل جعلها أحياناً صرخاتٍ عاليةً، لكنها لا تلقى مسامع تحتويها، أو تربت على كتفيها ... ووقف ـ يرحمه الله ـ ولو شاء له أن يثبِّت الأسهم الضوئية، التي تشير إلى الدواء الناجع، والطريق الذي لا رجعة عنه، ولا منه، لكانت شفافية الأدب تجلت في رؤيته عيْن الحقيقة، وصياغتها. فعسى أن يورق هذا الأمل قريباً عند كُتّابنا الأحياء، ويزهر، فيثمروا لنا مجموعات مسرحية، معتمدين على هذه البدايات الطيبة، وتكون فيها الأسس الفنية متمكنة، ويظهر فيها حَذَقُهم المأمول في رسم الشخصيات وتنميتها، من خلال الحدث والحوار المسرحي السامي، القادر على عرض الموقف المطلوب، عبر الحبكة المركبة، أو المفردة، التي تقود إلى النهاية المبتغاة، والتي لا بد أن يجعلوها حلولاً سعيدة؛ ليأخذوا بيد أبناء الأمة إلى النصر، وينزعوا من قلوبهم عقدة الهزيمة العضال. إن هذا ليس بعيداً عن كُتّابنا، بل أراهم يحومون في حومته؛ ففي المشهد الأخير والذي جعله محمد علي البدوي ـ يرحمه الله ـ تحت عنوان (الإمام) ، إذ كان الأمل في خاتمته مضيئاً بقوله: (ابن سعود:.. أبشر.. أبشر يا إمام بالنصرة والمساعدة. الإمام: وأنت أبشر بالعزة والتمكين والعاقبة الحميدة) . ختم بها مشهده، بل ومجموعته كلها، وكأنه لخص أمل الأمة في كل مواقعها ومواقفها في (البشرى) ؛ ذلك أن أمر المؤمن كله خير: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له. على أن النضج في اختيار العنوان، والشخصيات، تيسرت للكاتب ـ يرحمه الله ـ في كثير من مشاهده، في مثل (نار القصاص) ، وقد فتح له هذا المشهد أبوابه كي ينمو بالشخصيات أكثر ليظهر الحق حقّاً، والباطل باطلاً، لا في أعين المسلمين وحسب، بل في أعين المشاهدين أيّاً كانت دياناتهم، ويجعل صورة السلطان المسلم العادل عدالةً قسماتها من شرع الله فيرينا صورة الرشيد، أو المعتصم، أو حتى الحجاج الذي سيَّر الجيوش لنجدة امرأة مسلمة اعتدى عليها قراصنة الديبل، فسخر الله كل ذلك لتنضوي بعدها كل تلك الديار تحت راية الإسلام، وإلى يومنا هذا. ومع كل ما يمكن أن يقوله النقاد؛ فقد كان كاتبنا حقاً ـ يرحمه الله ـ صوتاً من أصوات أبناء هذه الأمة، المقاومين في لحظات التخاذل والسقوط. أسأل الله أن يجعل أعماله كلها في ميزان حسناته، وأن يبدل له بقيتها حسنات، ويجعله مع الشهداء الذين أحبهم، ودافع عنهم في حياته؛ فقد أفضى إلى ربه، ونسأل الله أن يجمعه بهم في جنات ونَهَر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

стр. 5598

محبة الرسول ﷺ في مرآة الإبداع والنقد أ. د. محمد صالح الشنطي لقد حظيت شخصية الرسول العظيم ﷺ بعميق المحبة والتبجيل من الشعراء خاصة والأدباء عامة من المسلمين عرباً وأعاجم، ومن شريحة عريضة من غير المسلمين، وتعتبر المدائح النبوية مظهراً جلياً ناصعاً من مظاهر هذا الحب النبيل المتدفق، ولست بصدد الحديث المستقصي لما قيل في رسولنا الكريم ﷺ ، وحسبي هنا أن أشير إلى دراسة مهمة للباحث الدؤوب والناقد المعروف الدكتور «حلمي القاعود» تحت عنوان: «محمد ﷺ في الشعر الحديث» ، تحدث في مقدّمته عن العديد من الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، وقد أومأ إلى ما حظيت به قصيدة كعب بن زهير ﵁ من اهتمام عبر الدراسات المتعدّدة التي نشرت عنها، ثم ذكر جملة من الكتب التي تشرّف أصحابها بالحديث عن الرسول ﷺ وعمّا قيل عنه وفيه من أعمال إبداعية ونقدية، منها على سبيل المثال لا الحصر: كتاب «المدائح النبوية في الأدب العربي الحديث» ، وقد ركّز فيه في «ثلاثة فصول» على بردة «البوصيري» وبديعية «ابن حجة الحموي» و «مدائح ابن نباتة المصري» ، تحدث عن الجذور الصوفية والأسطورية لهذه النشأة، وما يمارس خلالها من طقوس وعادات مبتدعه. وثمّة رسالة دكتوراه ضخمة أعدّها الدكتور «صلاح عيد» تتحدث عن المدائح النبوية حتى القرن السابع الهجري، وتناول الدكتور «أنور السنوسي» في أطروحته «المدائح النبوية في الأندلس» ، وأما الدكتور «الجيزاوي» فقد ألمح إلى ذلك في دراستين عن أصداء الدين في الشعر المصري الحديث والعامل الديني في الشعر المصري الحديث. أما كتاب «محمد في الأدب الحديث» لـ «فاروق خورشيد» و «أحمد كمال زكي» فقد كان الاهتمام فيه متفرداً وخاصاً، على حد تعبير الدكتور «القاعود» . وهناك العديد من الدراسات حول شخصية النبي ﷺ ، من أبرزها دراسة الدكتور «علي عشري زايد» (استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر المعاصر) ، ودراسة الدكتور «ماهر حسن فهمي» (الرسول في الأدب الحديث) . أما بحث الدكتور «القاعود» فكان شاملاً ومركزاً على مدى القرن الرابع عشر الهجري (١٨٨٢م ـ ١٩٨٠م) ، وهو القرن الذي شهد منعطفاً مهماً في الصراع مع قوى الاحتلال في العالم العربي والإسلامي، وبدأت فيه صحوة إسلامية تحاول استنهاض الهمم لمواجهة هذا المدّ العدائي العاتي حضارياً وعسكرياً. والحقيقة أن هذه الدراسات جميعاً إن دلّت على شيء فإنما تدل على محبة الرسول ﷺ ومكانته العظيمة في قلوب المسلمين عامة، ولكن لا بد من التنويه إلى أن بعض الدراسات التي تتّسم بشيء من العلمية أو التي لها طابع منهجي قد ظهرت في أربعينيات القرن الماضي الميلادي، لتواجه مدّاً إسلامياً زاخراً، أنشأته الحركات الدينية الإسلامية الناهضة، التي أرادت أن تنفض عن الأمة غبار الجهل والبدع والخمول في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وفي مقدمتها حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم بعض الحركات الإسلامية الأخرى متباينة الملامح والسمات، ولقيت التفافاً شعبياً واسعاً، فكان أن عمدَ كبار الأدباء في تلك المرحلة إلى تأليف بعض الكتب عن شخصيات إسلامية مرموقة، وفي مقدمتها رسولنا العظيم ﷺ وصحابته الأجلاء ـ رضوان الله عليهم ـ فكتب «العقاد» عبقرياته المعروفة، وعلى رأسها «عبقرية محمد ﷺ » ، وكتب «محمد حسين» هيكل في «منزل الوحي» ، وكتب «توفيق الحكيم» «محمد» ، ثم توالت الكتابات بعد ذلك لمفكرين وأدباء كُثر، أما الدراسات الأخرى فلا يمكن حصرها في هذه العجالة. وقد كان من همّ بعض هذه الدراسات أن تستوعب ذلك المدّ الزاخر، وتثير بعض القضايا التي جرّت العديدين إلى مربع الجدل حولها، وهي دراسات تستوقف المؤرخ للحركة الثقافية الحديثة التي بدأت في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي. وحتى لا نسترسل مع الدراسات والأبحاث فإنه يتحتّم علينا أن نستشرف آفاق محبة رسول الله ﷺ ، من خلال النصوص التي عبّر فيها أصحابها عن تشوُّفِهم للطلعة البهيّة وحبهم لرسول البشرية ﵊، فها هو الشاعر «أحمد الشارف» في مطلع القرن الماضي (وهو شاعر ليبي مشهور من شعراء النصف الأول من القرن العشرين) يقول: ولو لم يكن في القلب حبُّ محمدٍ لعمّت بك البلوى ودام الضّلالُ نبي الهدى قد أوجب الله صدقه به الفرضُ فَرْضٌ والمحال محالُ وقد منح المولى الكريم لذاته جمالاً غشته هيبة وجلالُ وبعيداً عن شعر المتصوفة أصحاب نظرية النور المحمدي وما انطوت عليه من مبالغات بل مخالفة عقدية، وعن شعر بعض المذاهب الإسلامية المغالية، فإن صورة الرسول ﷺ قد احتفظت بصفائها ونقائها وتألُّقها؛ فإننا نجد الشعراء الذين ينتمون إلى مختلف المدارس الأدبية يمدحون بذكره ﵇، من الإحيائيين إلى الرومانسيين إلى شعراء القصيدة الحديثة، أما الإحيائيون فعلى رأسهم «أحمد شوقي» صاحب القصائد الشهيرة في مدح رسول الأمة ﷺ ، حيث يقول: وُلد الهدى فالكائناتُ ضياءُ وفم الزمان تبسّمٌ وثناءُ الروح والملأُ الملائك حولَه للدين والدنيا له بشراءُ والعرش يزهو، والحظيرة تزدهي والمنتهى والسّدرة العصماءُ وحديقة الفرقان ضاحكة الربا بالترجمان شَذيّة غنّاءُ والوحي يقطر سلسلاً من سلسلٍ واللّوح والقلم البديع رواءُ ومن الواضح أن قصيدة أحمد شوقي تفيض بمحبة عارمة فتتبدّى في صور مشرقة بهاءً وروحانية ونوراً؛ فهو يقدم لحظة الميلاد على أنها انبثاق لفجر جديد نشر ضوءه على الكائنات والكون، ويصور الحفاوة السماوية والدنيوية به تصويراً متألقاً. والصورة الشعرية التي يتداخل فيها المُشاهَد والمحسوس من أكثر الصور تأثيراً؛ فالقرآن الكريم ببيانه المشرق وأسلوبه البليغ أشبه بالحديقة التي تتفتح أكمام الورد فيها عن بهاء وصفاء، واسم الرسول ﵊ مكتوب بأحرف هي الذّروة في جمال الخط وبهائه (واسم محمد طغراءُ) . أما الرومانسيون الذين مثّلوا اتجاهاً جديداً في القصيدة العربية فقد شغفهم الرسول ﷺ حُبّاً فقال قائلهم (وهو مهجري نصراني) جورج صَيْدَح: أقبلتَ كالفجر وضّاح الأساريرِ يفيض وجهك بالنعماء والنورِ فرُحت وليل الكفر معتكرٌ تفري بهديك أسداف الدياجيرِ وتمطر البيد آلاءً وتمرعُها يُمناً يدوم إلى دهر الدهاريرِ أبيْت إلاّ سمو الحق حين أبى سواك إلاّ سمّو البُطْلِ والزورِ ولا نلمح في هذه الأبيات ما يميزها عن غيرها مما قال الشعراء المسلمون؛ فمحبة الرسول ﷺ موضع إجماع؛ فـ «جورج صيدح» يرى في طلعته ﷺ فجراً يفيض بالأنوار، يضيء الجبين الوضاح بالحق، ويصدع بأمر الله يبدّد الظلمات التي تكاثفت وحجبت الرؤيا، فالبركة أديم هطّال، والحق ناصع الجبين، وفلول الباطل مهزومة مولّية الأدبار، وهو يؤكد على معاني البركة والطهر والنبل والفضل والحلم والأخلاق والإجلال والتوقير: بوركت أرضاً تبثُّ الطهرَ تربتُها كالطيب بثّته أفواه القواريرِ الدين ما زال يزكو في مرابعها والنبل ما انفكّ فيها جدُّ موفورِ والفضل والحِلْمُ والأخلاق ما فتئت تحظى بإجلال [ذي لُبٍّ] وتوقيرِ أما شعراء القصيدة الحديثة فتبرز من بينهم الشاعرة «نازك الملائكة» في قصيدة حب صافية موجهة إلى نبينا الكريم محمد ﵊: وجاءني طائر جميل وحطّ قربي وامتصّ قلبي صبّ على لهفتي السكينة ورش هُدبي براءة، رقّة، ليونة وقلت: يا طائري! يازبرجد! من أين أقبلت؟ أيّ نجم أعطاك لينه يا نكهة البرتقال، يا عطر ياسمينه وما اسمه الحلو؟ قال: أحمد. وامتلأ الجو من أريج الإسراء. طعم القرآن وامتد فوق إغماءة البحر ضوء من اسم أحمد. ويتضح في هذا النص مدى التّوق إلى رسول الله ﷺ ، وصدى الحب المتغلغل في الأعماق عبر صور يتقاطع فيها الرمز مع البوح، وما هو مباشر مع ما هو سردي ووصفي؛ فالبراءة والرِّقة ونكهة البرتقال والياسمين وأريج الياسمين وضوء البحر كلها بضع نفحات من عبق النبوة. أما الطائر الجميل الذي امتصَّ قلب الشاعرة وأدخل إلى قلبها السكينة فهو رمز يمثل نسائم الأريج النبوي الطاهر. أما الأعمال المسرحية التي عالجت السيرة النبوية المطهرة فقد كان منها مسرحية ألفها «محمد محمود زيتون» عام ١٩٤٨م تحت عنوان «ميلاد النبي» ، وقد فازت بالميدالية الذهبية للتأليف المسرحي في مهرجان الأدب والغنى لوزارة المعارف بمصر، ثم كانت مسرحية «إلى الطائف» من تأليف الشاعر «محمد عبد الغني حسن» ، وقد أشار «محمد زيتون» إلى أنه يعتزم طبع مسرحية أخرى هي «الهجرة الغراء» . أما مسرحية «محمد» لـ «توفيق الحكيم» فهي أيضاً من الأعمال المسرحية المتميزة التي كتبت عن الرسول الكريم ﷺ ، وهناك العديد من المسرحيات والملاحم التي كتبت معبِّرة عن أعمق مشاعر الحب لنبينا محمد ﷺ . ونحن إذ نستروح شذا الرسول ﷺ فيما كُتِبَ عنه ﷺ من أعمال إنما نستذكر عظمة هذا النبي الكريم، ونشير إلى تلك الاعتداءات الدنيئة التي تجرّأ بها رسام دانماركي حاقد على نبينا محمد ﷺ ، وقد شهدنا كيف كان الغضب الإسلامي النبيل الذي امتدّ من البحر إلى البحر، ولم يستطع كبح جماحه أحد، ومع هذا فقول: إن التسامح هو أبلغ درس تلقيناه من رسولنا ﷺ ، فالغضب النبيل مشروع والمقاطعة مشروعة، ولكن التدمير والتخريب والاعتداء غير مشروع، وليس من سنة المصطفى ﵊.

стр. 5599

حقيقة الدور الإيراني في العراق بعد الاحتلال د. محمد عياش الكبيسي أثارت تصريحات وزير الخارجية السعودي (سعود الفيصل) ومن قبله تصريحات المسؤولين الأردنيين وعلى رأسهم الملك ـ عن الخطر الذي يتهدد هوية العراق ومستقبل المنطقة من الطرف الإيراني ـ أثارت تساؤلات كثيرة لا سيما أن تلك التصريحات كانت موجهة للأمريكان ومتهمة لهم بأنهم يسعون لتسليم العراق إلى إيران. بل وأكثر من هذا التصريح الذي نشرته السياسة الكويتية بتاريخ ٣/٣/٢٠٠٦م عن السيد عبد الله جول وزير الخارجية التركي تحت عنوان: (تركيا تحذر من مخطط إيراني للسيطرة على العراق وتصدير الثورة إلى الخليج) .ولتوضيح الصورة والإجابة عن تلك التساؤلات أورد ثلاثة محاور، هي: ٣ المحور الأول: أمريكا وإيران خلاف أم وفاق؟ لا شك أن الذي يتابع مسيرة (الثورة الإسلامية) الإيرانية على يد الخميني والحرب الإعلامية مع الولايات المتحدة الأمريكية (الشيطان الأكبر) وقضية الرهائن الأمريكان الذي احتُجزوا من قِبَل (الطلاب السائرين على خط الإمام) الذي يتابع كل هذا لا شك أنه سيصل إلى أن هناك خلافات جوهرية بين الطرفين ليس من السهولة التقليل من شأنها، إلا أن بعض المراقبين سجّل في الاتجاه المعاكس مؤشرات أخرى قد تكون من الناحية العملية أقوى في الدلالة، ومن هذه المؤشرات: أـ سكوت الإعلام الأمريكي المطبق حول قضية الجزر الثلاث المتنازع عليها بين إيران وبين دولة تُصنّف على أنها قريبة من الولايات المتحدة رغم المطالبات المتكررة لدولة الإمارات العربية من خلال مجلس التعاون الخليجي لاسترداد هذه الجزر. ب ـ سكوت الأمريكان عن الوضع المأساوي الذي تعيشه الأقليات الإيرانية مثل السنَّة والأكراد والعرب والبلوش في ظل (الحكومة الإسلامية) ، بينما نذكر كيف استغلت هذه المسألة بالنسبة للشيعة ضد العراق. ج ـ تعامل الأمريكان مع المعارضة الإيرانية المسلحة (مجاهدي خلق) والتي كان لها معسكرات معروفة داخل العراق، فبُعيد دخول الأمريكان اتجهت القوات الأمريكية إلى هذه المعسكرات وحاصرتها وأجبرتها على نزع سلاحها، مع أن هذه الميليشيا علمانية التوجه بخلاف الحكومة الإيرانية! د ـ تخليص إيران من الجارتين اللدودتين (طالبان) في الشرق و (صدام حسين) في الغرب. نعم! ربما تكون هذه فائدة غير مقصودة من قِبَل الأمريكان. ولكن يبقى السؤال: هل كان (صدام) و (طالبان) أخطر على المشروع الأمريكي من إيران (الحكومة الإسلامية) ولماذا؟ هـ ـ تعامل الأمريكان مع الأذرع الإيرانية في العراق بعد الاحتلال؛ حيث لا يخفى أن جُلّ الأحزاب والمنظمات والميليشيات التي تعاونت مع الاحتلال وكانت رأس الرمح في غزو العراق كانت كلها مؤسسة ومدرّبة في إيران، مثل: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية (عبد العزيز الحكيم) ، وجناحه المسلح (فيلق بدر) ، وحزب الدعوة (إبراهيم الجعفري) ، وهؤلاء هم عصب النظام العراقي الجديد بعد الاحتلال، وحتى على مستوى المرجعيات الدينية قام الأمريكان بمساعدة الإيرانيين في تهميش كل المراجع الشيعية (العراقية) مثل: آية الله العظمى (فاضل المالكي) ، وآية الله (أحمد البغدادي) ، وآية الله (جواد الخالصي) ، وغيرهم كثير، وتم التعامل حصراً مع (آية الله السيستاني) وهو إيراني الجنسية فارسي الأصل لا يمتلك أي وثيقة عراقية، وقد أعلن رفضه للجنسية العراقية التي منحتها إياه الجمعية الوطنية الحالية التي يسيطر عليها الاتجاه (الشيعي الإيراني) ، وهذا بحسب ما أعلنته وسائل الإعالم الرسمية!! واليوم تعلن الولايات المتحدة وإيران الموافقة على إجراء مفاوضات مباشرة بخصوص العراق استجابة لدعوة المجلس الأعلى (عبد العزيز الحكيم) وهذا اعتراف صريح بأن إيران هي الفاعل الأقوى في المشهد العراقي. ونسجل هنا اعتراض التيار الصدري الذي يمثل القاعدة الأعرض (للتشيع العروبي العراقي) على هذه المبادرة كما هو حال هيئة علماء المسلمين وكل القوى العراقية الوطنية. وـ وربما يُشْكل على كل هذه المؤشرات الأزمة الأخيرة حول (المفاعل النووي) ، ويمكن الجواب: أن الأمريكان يفكرون بالاستفادة من إيران ضمن سقف محدد لا يتعارض على الأقل مع سقف (الكيان الصهيوني) ، وربما لو كان أي نظام عربي آخر يفكر بما تفكر به إيران فسيواجه بقوة أشد حتى لو لم يكن إسلامياً، مثل: (صدام) و (القذافي) . ٣ المحور الثاني: العراق وإيران: لا شك أن حرب الثماني سنوات بين (عراق صدام) و (إيران الخميني) أذكت تاريخاً طويلاً من الصراعات المريرة تعود إلى أيام الفتح الإسلامي الأول والتي لا زال الإيرانيون يجاهرون بكراهيتهم لقادة هذا الفتح، انظر: (كشف الأسرار) للخميني، والذي يتهم فيه الصحابي الجليل عمر بن الخطاب ﵁ بالزندقة. ومن المراقبين من يُرجِع هذا الصراع إلى تاريخ (نبوخذ نصّر) الملك العراقي الذي تمكن من أسر أمراء اليهود و (كورش) الملك الإيراني مسيح اليهود ومحرّرهم من العراقيين. لم يُخْفِ الإيرانيون رضاهم بما حصل للعراق على يد الأمريكان، ومنهم من أعلن أن العراق ما كان له أن يسقط بيد الأمريكان لولا مساعدة الإيرانيين. فماذا تريد إيران من العراق اليوم؟ يمكن بهذا الصدد تسجيل الملاحظات الميدانية التالية: ١ ـ تسعى إيران بقوة لتكريس مبدأ (الفيدرالية) في العراق تحقيقاً لمصلحتها الإقليمية في عراق مفتّت ضعيف، والأحزاب الشيعية المرتبطة بإيران هي التي أصرت على هذ المبدأ رغم أنهم يدّعون تمثيل الأغلبية (الشيعية) في العراق، والمتعارف عليه أن الأقليات هي التي تتوجس من الحكومة المركزية القوية ولذلك تلجأ إلى (الفيدرالية) لحماية ذاتها وخصوصيتها؛ وعلى هذا فحينما يطالب الأكراد بـ (الفيدرالية) تكون مطالبتهم مفهمومة، أما أن تطالب الأكثرية بهذا فمعنى ذلك أن هذه الأكثرية إما أنها أكثرية وهمية، أو أنها تعمل لصالح أطراف أخرى. ٢ ـ تسعى إيران بقوة ومن خلال التنظيمات الموالية لها أيضاً لتهجير العوائل السنية من بغداد، ومن منطقة (المدائن) التي فيها (إيوان كسرى) بشكل خاص، والذي يذكّر بأيام الاحتلال الفارسي للعراق قبل الإسلام، كما أن الحكومة العراقية الحالية لم تُخْفِ رغبتها في تغيير محيط بغداد (ذي الأغلبية السنّية) ؛ حيث صرّح موفق الربيعي (مستشار الأمن القومي) : أن بغداد لا يصح أن تبقى محاطة بالإرهابيين، وموفق هذا هو كما يقال (كريم شاهبور) . ولتحقيق هذه الغايات قامت وزارة الداخلية والميليشيا المرتبطة بها بحملات قتل وتعذيب وتشويه للجثث في هذه المناطق، ولم يعد الأمر خافياً بعد اكتشاف (السجون السرية) و (فرق الموت) واعترافات مدير (مشرحة بغداد) الذي أعلن عن وصول أكثر من سبعة آلاف جثة عليها آثار التعذيب، وقد فرّ إلى خارج العراق. وكان من المضحك أن تجيب الحكومة رسمياً: أن هؤلاء الذين يقومون بهذه الجرائم هم رجال يرتدون ملابس وزارة الداخلية، ويستخدمون سيارات وزارة الداخلية؛ لكنهم غير منتسبين فعلاً لهذه الوزارة. تجدر الإشارة إلى أن وزير الداخلية هذا هو (بيان صولاغ جبر) المعروف بأنه أحد قياديي فيلق بدر الذي أشرفت على تأسيسه وتجهيزه المخابرات الإيرانية، والذي اعترف بالاشتراك مع القوات الإيرانية في قتالها للعراقيين إبَّان حرب الثماني سنوات، واليوم يفاخر بأنه يعمل جنباً إلى جنب مع القوات الأمريكية في ضرب المقاومة العراقية والمعارك الكبرى التي دارت في الفلوجة والنجف وسامراء.. إلخ، شاهدة على ذلك. ٣ ـ موقف إيران من المقاومة العراقية: كان يفترض بإيران أن تستثمر المقاومة العراقية لصالحها في صراعها المعلن مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الذي يجري على الأرض بخلاف هذا تماماً؛ حيث إن الذي يقوم باعتقال أفراد المقاومة أو المشتبه بعلاقته مع المقاومة هم الأذرع الإيرانية المعروفة، وحتى خطباء المساجد الذي يحثون الناس على الصمود يتم اعتقالهم وقتلهم بطريقة بشعة، وهناك إحصائيات كثيرة في هذا، وبعض الذي أُفرِج عنهم صرّحوا أن بعض ضباط التحقيق كانوا يتكلمون الفارسية، وقد يقال: إن هذا بدافع طائفي، ولكن الحقيقة أن موقف إيران هذا لم يختلف كثيراً عن موقفها من مقاومة (الصدر) في النجف وبغداد والبصرة. حيث اشتركت القوات الموالية لإيران مع القوات الأمريكية في محاصرة الصدر، وبقيت إيران تمارس الضغط على مقتدى الصر حتى أعلن أخيراً عن انضمامه للمشروع السياسي تحت قائمة الائتلاف التي يقودها (عبد العزيز الحكيم) !! وبهذا يكون موقف إيران من المقاومة لا يقل خطورة عن موقف الأمريكان أنفسهم!! إلا أن هناك فارقاً واحداً يضاعف من خطورة إيران ألا وهو أن الاحتلال الأمريكي مُدانٌ عربياً وإسلامياً وحتى عالمياً، أما إيران فإنها تقوم بكل ما تقوم به وهي في وضع مريح جداً، حيث إنها أمنت من أيّ ردة فعل عربية أو حتى سنّية؛ وذلك للأسباب التالية: ١ ـ إن الحرب الإعلامية بين إيران وأمريكا والتهديدات التي يطلقها الرئيس الإيراني الجديد ضد الكيان الصهيوني جعل من الصعب إدانة الإيرانيين؛ لأن إدانتهم تعني الاصطفاف مع الإمبرالية الأمريكية، وبهذا يتم التغاضي بل وعدم الرغبة أصلاً في بحث حقيقة الدور الإيراني في العراق والمنطقة. ٢ ـ إن الحركات الإسلامية والواجهات العلمية لا تريد أن تظهر بالمظهر الطائفي، وقد ظهر هذا جلياً في الأحداث الأخيرة؛ حيث سارعت تلك الحركات والواجهات بإدانة تفجير مرقد الإمامين (علي الهادي والحسني العسكري) في سامراء، بينما تغاضوا عن هدم مائتي مسجد من مساجد السنَّة وحرق المصاحف التي تناقلت صورها الكثير من وسائل الإعلام. ٣ ـ إن إيران تساعد بعض الحركات المقاومة في فلسطين ولبنان، وإن كنا لا ندري حجم هذه المساعدات، لكن من الواضح أن هناك لقاءات رسمية متكررة، ومن هذه الناحية قد يُفهَم موقف هذه الحركات؛ لكن المفكرين والسياسيين في طول العالم الإسلامي وعرضه عليهم أن يسألوا الإيرانيين عن سرّ دعمهم لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين ومحاربتها للمقاومين في العراق، بل وتعظيمها وتمجيدها بالذين تحالفوا مع المحتل الأجنبي حتى صرنا نسمع من الإيرانيين وحتى من بعض اللبنانيين مصطلح (شهيد المحراب) على محمد باقر الحكيم، وهو الذي لعب دوراً خطيراً في تسليم العراق للمشروع الصهيوني الأمريكي. إن هذا التساؤل لن يؤثر على مستقبل الحركات المدعومة من إيران، بل ربما ستجد إيران أفضل ردّ على هذه التساؤلات هو دعمها المباشر لهذه الحركات التي اكتسبت شرعية عامة في الأوساط العربية والإسلامية، وبنفس الوقت تحقق هذه التساؤلات هدفها في الضغط على إيران لتخفيف حملتها ضد العرب السُّنّة والمقاومة بصورة خاصة. وإذا كان البعض يفضّل السكوت مراعاةً لمصلحة تلك الحركات من مواجهة العدو المشترك (المشروع الصهيوني الأمريكي) فإن تقارير المقاومة العراقية تؤكد أنه لولا الدور الإيراني المتحالف مع الأمريكان لتمكنت المقاومة العراقية من كسر هذا المشروع مبكراً، ولأعلنت أمريكا عن فشلها في العراق، وهذا بلا شك سيترك تداعيات مفصلية في مستقبل تلك الحركات المقاومة بل والمنطقة والعالم كله. وأخيراً: فإذا كانت نتيجة هذه المواقف للجارة الكبرى إيران ستكون باتجاه تسليم العراق للمشروع الصهيوني الأمريكي أو انتزاع العراق من حضنه العربي لصالح الإمبراطورية الإيرانية الكبرى أو تقاسم الكعكة فلأمريكا النفط، ولإيران الهوية؛ فإن الخاسر الأكبر هو الأمة العربية والإسلامية. إن المطلوب من الأمة اليوم أن لا تدسّ رأسها في الرمال بدوافع عاطفية أو مصلحية ضيقة، بل عليها أن تبحث عن الحقيقة كما هي لاتّخاذ الموقف الصحيح، وربما تكون هذه المواقف أوراق ضغط مناسبة لإجبار الإيرانيين على التراجع والاصطلاح مع المشروع الكبير للأمة، في حين أن السكوت واتخاذ المواقف الخجولة والمترددة قد يغري إيران بالاستمرار في طريقها هذا بحيث يصعب عليها فيما بعد مجرد التفكير بالتراجع أو التعديل.

стр. 5600

المدن السنية العراقية والاستراتيجية الأمريكية إبراهيم العبيدي أصبح من الواضح لكل متابع للقضية العراقية، أن الاستراتيجية الأمريكية ومعها الحكومة العراقية برئاسة (الائتلاف الشيعي) في العراق، تقوم على سياسة الأرض المحروقة والإبادة الجماعية للمدن السنية، والتهميش المتعمد للسنة العرب لمنعهم من المشاركة السياسية الفاعلة، والحيلولة دون ممارستهم دورهم السياسي الحقيقي المفترض في العراق الجديد. ويبدو أن هذه الأستراتيجية قد تم الاتفاق عليها بين قوات الاحتلال الأمريكي والأحزاب الرئيسية في الائتلاف الشيعي كالمجلس الاعلى للثورة الإسلامية بقيادة عبد العزيز الحكيم، وحزب الدعوة بقيادة إبراهيم الجعفري، وبغطاء من المرجعية العليا في النجف والمتمثلة بالمرجع الديني (علي السيستاني) وبدعم إيراني مطلق قبل وبعد سقوط بغداد في التاسع من نيسان ٢٠٠٣م. لقد تلاقت مصالح الشيعة الموالين لإيران مع المصالح الأمريكية في احتلال العراق؛ لذلك فقد أبدى الشيعة تعاوناً مطلقاًَ مع القوات الامريكية لتسهيل مهمة احتلال العراق. (وهو الدور التاريخي نفسه المعروف الذي قام به ابن العلقمي نصر الدين الطوسي الوزير العباسي في سقوط بغداد على يد التتار آنذاك) مقابل تأمين نفوذهم في العراق الجديد، وتحقيق مكاسب سياسية للشيعة «الصفويين» الموالين لإيران، لتعيد إيران إمبراطوريتها الفارسية الصفوية في بلاد الرافدين والخليج، بما يُعرف بـ (الهلال الشيعي) . إن استخدام القوة المفرط الذي تنتهجه القوات الأمريكية والقوات العراقية في معالجة ما يسمى بـ «الإرهاب» والمحصور في المناطق السنية تحديداً أمر مثير للريبة والقلق؛ حيث إن من المعلوم أن معالجة الإرهاب في كل العالم وكما نسمع ونشاهد، تتم من خلال معلومات استخباراتية ترصد خلايا الإرهاب، ومن ثم يتم القبض عليهم أفراداً أو جماعات من قِبَل الأجهزة الأمنية المتخصصة، كما حصل ذلك في كثير من دول العالم، ومن دون اللجوء إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق، يروح أكثر ضحاياها من المدنيين الأبرياء. إن استخدام القوة العسكرية الكبيرة، واستخدام المسموح وغير المسموح من الأسلحة التي يساندها القصف بالطائرات والمدافع والدبابات، لتتحول بعدها مدن بكاملها أثراً بعد عين، ويتم قتل وتشريد آلاف العوائل كما حصل لمدينة الفلوجة في العام الماضي؛ حيث تم قتل أكثر من ٣٥٠٠ مدني، وتشريد أكثر ٢٠٠٠٠٠ شخص، وتدمير أكثر من ١٥٠٠٠ وحدة سكنية وعشرات المساجد، وتدمير البنى التحتية للمدينة بأنواعها: الكهرباء والماء والصحة والصرف الصحي.. (بحسب إفادات منظمات إنسانية عراقية) . بعد كل هذا التدمير الشامل (وكما وصفته الصحافة الغربية بأنه أكبر عملية تدمير للمدن حصلت بعد الحرب العالمية الثانية) يطالعنا يومها القادة الميدانيون الامريكيون والسياسيون في (حكومة علاوي) ، من أن الارهابيين تمكن كثير منهم من الهروب خارج الفلوجة إلى مدن أخرى. وهكذا يتم ويتواصل مسلسل الإبادة الجماعية والتدمير لمدن اخرى، على غرار ما حصل لمدينة الفلوجة، ومدينة تلعفر، والتدمير متواصل في جميع المدن السنية كالرمادي، وسامراء، والموصل، والقائم، وحديثة، وعانة، واللطيفية، وأبو غريب، ومناطق جنوب بغداد إلى غيرها من المدن السنية التي تشهد مقاومة ضد قوات الاحتلال لإخضاعها؛ فالمدن السنية تخضع لخطة إرهاب دولة منظم من قِبَل الحكومة العراقية وقوات الاحتلال. - الجانب الشيعي: دوافع الجانب الشيعي في حرق المدن السنية في العراق هي دوافع «طائفية حاقدة» تنطلق من موروث ثأري تأريخي مغلوط ضد أهل السنة، منذ العهد الراشدي وحتى اليوم، يتوارثونها حاقداً عن حاقد للطعن في الإسلام وحَمَلته من العلماء والخلفاء، وإليك نموذجاً من امتداد هذا الحقد المتواصل الدفين ضد أهل السنة، تلك الكلمات والتصور والعقيدة والاستراتيجية التي عليها القوم، أطلقها مدوية نهاراً جهاراً «علي كريمي» أحد المرجعيات الشيعية في خطبة جمعة ألقاها في قم الإيرانية بعد سقوط بغداد مباشرة في ٩/ ٤ / ٢٠٠٣، والتي يحرض فيها على قتل أهل السنة بقوله: «اليوم يا أهل الشيعة في العراق.. يا خاصة علي وفاطمة! بعد أن استعيد ملككم المغتصب وحقكم المستلب عليكم أن توقفوا الزحف السني البكري العمري الأموي والوهابي إلى بغداد.. عليكم أن تنتهكوا أعراضهم مثلما انتهكوا أعراضكم أيام صدام - على حد زعمه - عليكم أن تشردوهم وتقتلوهم كما قتلوكم وشردوكم.. شدوا على أيدي إخوانكم من فيلق بدر وساندوهم في إتمام مهمتهم في القضاء على كلاب السنة الوهابية أولاً ثم عامتهم من الجِراء - أي صغار الكلاب ـ كبيرهم كافر وصغيرهم زانٍ» . وبحسب وزارة الثقافة والإعلام العراقية ووزيرها المعين مفيد الجزائري، أن ما مقداره ٥٠٠ ألف كتاب ديني دخل العراق من إيران، ذكر انها تحمل فكراً معادياً لما أسماه: (أهل العامة) والمقصود به أهل السنة في العراق؛ وكان من أهمها خطبة المرجع الديني (علي كريمي) التي أشرنا اليها. فهل هذه هي استتراتيجية الحكومة العراقية الموجهة من إيران في كيفية محارية أهل السنة وتحقيق الأهداف الطائفية في العراق والمنطقة؟ - أقوال وإفادات دالة: - ما صرح به وزير الداخلية العراقي (بيان جبر صولاغ) «الإيراني الاصل» في مؤتمره الصحفي أثناء الحملة العسكرية على مدينة القائم قبل فترة قال: «نحن مستعدون أن نتعاون مع الشيطان لمحاربة الإرهاب» والإرهاب كما هو معلوم في نظره هم السنة العرب بكل أطيافهم وتوجهاتهم؛ والواقع الممارَس يدل على ذلك. فحملات الاعتقال (أكثر من مائة ألف سجين سني في السجون العراقية والأمريكية، بحسب إفادة نائب رئيس الوزراء العراقي «عبد مطلك الجبوري» أثناء مساعيه للإفراج عن المساجين) والاغتيال والإقصاء الوظيفي التي طالت أبناء السنة العرب ورموزهم أكبر شاهد على الممارسة الطائفية لهذه الحكومة. - الدكتور طارق الهاشمي أمين عام الحزب الاسلامي العراقي «السني» في برنامج (بلا حدود) عبر قناة الجزيرة الفضائية مؤخراً، قد أشار إلى ما تتعرض له المدن السنية، والسنة العرب تحديداً، من ممارسات قمعية من قِبَل الحكومة العراقية والقوات الامريكية، ووصفها بحرب إبادة وبالتطهير العرقي الذي وقع في يوغسلافيا في الحرب الأخيرة. وهذا الموقف تؤكده كل المرجعيات السنية الكبيرة مثل الوقف السني، ومؤتمر أهل العراق، وهيئة علماء المسلمين، ومجلس الحوار الوطني. - وحتى الزعيمان الكرديان مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان، وجلال الطالباني رئيس الجمهورية، في مذكرتهما الأخيرة إلى رئيس الوزراء (إبراهيم الجعفري) التي هدد فيها الزعيمان الكرديان بإنهاء التحالف مع كتلة «الائتلاف» الشيعية إذا لم يطبق الاتفاق الذي وقّعه مع «التحالف الكردستاني» الذي مهد لتشكيل الحكومة، وطالباه بوضع حد لـ «الجرائم الكيفية بحق السنّة العرب» . - الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في تقريره له إلى الأمم المتحدة قال: «إن حق المدنيين العراقيين في الحياة راح ضحية عوامل مثل الإرهاب والجريمة والتجاوزات العسكرية» . وأضاف: «إنه فضلاً عن هجمات المسلحين فإن هناك قلقاً متزايداً بشأن العمليات العسكرية التي تنفذها القوة المتعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة والتي أفضت إلى حدوث وفيات وإصابات وتشريد بين المدنيين بسبب استخدام القوة بشكل مفرط أو يفتقر إلى التمييز فيما يبدو» . - والذي يعزز هذا التوجه الأمريكي في استخدام القوة المفرطة ضد المناطق السنية في العراق، هو مطالبة الإدارة الشديدة في اجتماع الجمعية العمومية الأخير للأمم المتحدة، على حذف عبارة: «إن الهجمات على المدنيين تعتبر عملاً إرهابياً» من وثيقة مكافحة الإرهاب، وهو دليل قاطع على تبييت النية على استباحة المدنيين. فكم تبجحوا هم وأعوانهم في الحكومة العراقية الطائفية بجرائم صدام ضد العراقيين، وهاهم اليوم يحاكونه في البطش العشوائي بالمدنيين الأبرياء، فعلوها من قبل بالفلوجة وتلعفر ويفعلونها الآن في مدينة حديثة من المنطقة الغربية، وأنجزوا من القتل والتدمير في سنتين ونصف أكثر مما أنجزه صدام بأكثر من ثلاثة عقود، أنها فعلاً تكنولوجيا الديمقراطية الحديثة؛ فهل ذهب صدام الفرد ليحل محله صدامون كثر؟ إنها فعلاً أمُّ المهازل. - وآخرها التصريحات الخطيرة من الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي في مؤتمره بمقر السفارة السعودية في نيويورك؛ حيث شخَّص الواقع العراقي بالطائفي الخطير بقوله: «إن السياسة الأمريكية في العراق عمقت الطائفية، وسلمت العراق لإيران» في إشارة إلى النفوذ الإيراني الكبير في جنوب العراق، وتسليح المليشيات الشيعة الموالية لها. وهذا التشخيص للواقع العراقي قد لاقى ترحيباً وتأييداً كبيراً في وسط العرب السنة والتشكيلات الوطنية الأخرى في العراق، وعلى رأسهم الحزب الإسلامي العراقي وهيئة علماء المسلمين والوقف السني ومؤتمر الحوار الوطني وغيرهم. بالإضافة إلى الترحيب الإقليمي العربي، ولا سيما في دول الجوار العراقي والجامعة العربية، والتي على أثرها سيتم عقد مؤتمر مصالحة وطنية شاملة لكل مكونات المشهد العراقي تحت مظلة الجامعة العربية، وهو إنجاز كبير ولا شك «إذا ما تم» للجامعة العربية بخصوص القضية العراقية بعد سبات طويل. يأتي ذلك بعد ان أيقنت قوات الاحتلال الأمريكي والحكومة العراقية أنهما في مستنقع كبير، وأن الحل الأمني القمعي والعسكري لم يفتَّ في عضد العراقيين المقاومين، ولم يحقق شيئاً من الأمن والاستقرار على الأرض، وأنه وصل إلى طريق مسدود في العراق، ولا بد من حلول سياسية تلبي طلبات الشريحة الأكبر من الشعب العراقي الرافض للاحتلال وسياساته. - الجانب الأمريكي: أما دوافع القوات الأمريكية في حرق المدن السنية فهي دوافع «سياسية عسكرية» ؛ فكما لا يخفى أن الطرف السني العربي لم يكن شريكاً فعلياً في مؤامرة احتلال العراق، كما هو حال الطرف الشيعي والكردي العلماني في (مؤتمر لندن وصلاح الدين) فمنذ ذلك الوقت وُضع العرب السنة خارج اللعبة لعدم انسجامهم مع المشروع الاستعماري الجديد للعراق، وأن المقاومة الوطنية المسلحة قد انطلقت شرارتها من المدن السنية، وهو الأمر الذي جعل من العرب السنة هدفاً مباشراً لقوات الاحتلال والحكومة العراقية الشيعية العميلة لها. فأصبح السنَّة العرب والقوى الوطنية الأخرى المناهضة للاحتلال حجر عثرة أمام المشروع الأمريكي - الشيعي في العراق. فهل سيبقى العرب السنة وحدهم يدفعون ضريبة مواقفهم الوطنية، في مقاومة الغزاة، والدفاع عن هوية العراق التاريخية والإسلامية ووحدة أرضه وشعبه من دون أن تمتد إليهم يد العون والمساعدة من إخوة الدين والعروبة لنصرتهم؟

стр. 5601

العراق الحرب الأهلية مأساة لكنها ليست مفاجأة ! ربيع الحافظ (*) هل يطلق على ما يحدث في العراق حرباً أهلية؟ هل في ذلك مفاجأة للعراقيين؟ متى يدخل مصطلح «الحرب الأهلية في العراق» في قاموس الإعلام العربي لوصف ظاهرة قتل ألف شخص في الشهر الواحد في مدينة بغداد وحدها؟ يبدو أن هذه التساؤلات ستأخذ بعض الوقت قبل أن تجد إجابات واثقة. القضية الأخرى، هي أنه لم يتبقَّ ما يمكن إضافته إلى ما لاكته ألْسُنُ النقاد والمحللين السياسيين على مدى ثلاثة أعوام، وهم يحاولون دون جدوى وضع بضعة نقاط على حروف خرساء في عناوين تاريخية كبيرة صامتة. تبدو الذاكرة الجماعية للشعوب أقصر الطرق إلى الإجابات الواثقة. فلا زالت الأمهات والزوجات العراقيات يذكرن ويردّدن الروايات التي كان يعود بها أبناؤهم وأزواجهم المعتقلون في إيران إبّان الحرب، ومعاناة الأسير، السنّي على وجه التحديد، في معسكرات الأسر، وبرامج التعذيب المنظم لانتزاع الاعترافات والبوح بمعلومات حساسة عن وطنهم، وعن أسماء العلماء والقادة العسكريين، وإرغام «المشاكسين» منهم على السير فوق حقول الألغام، أو ربط الأرجل بسيارتين تسيران باتجاهين متعاكسين. في هذه المعسكرات كان يضطر الأسرى إلى طمس الهوية المذهبية، وإخفاء أسماء عمر ومروان وعثمان، والتحدث بلهجة تبعد الدلالة عن المدينة أو القرية التي ينتمي إليها، ويخضعون إلى برامج التشييع القسرية. ليس لدى العراقيين شك في أن الصدور المتقيحة بالطائفية والشعوبية كانت الدافع وراء الجرائم التي كانت ترتكب على أرض إيران، وأن الفاعل كان فيلق بدر، التابع لما يسمى «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» ، الذي أسسته وموّلته وسلّحته إيران، ومرشده الروحي عزيز الحكيم الطباطبائي، الفارسي النسب، وحفيد المير علي بن مراد بن شاه، الطبيب الخاص للشاه عباس الكبير الصفوي، الذي غزا بغداد في عام ١٦٢٣ وحوَّلها إلى حَمَّام دم، ووزّع دفاتر لتقييد أسماء أهل السنَّة في بغداد بقصد قتلهم جميعاً، وجعل من جامع أبي حنيفة إسطبلاً لخيوله. هذا ما تقوله لنا ذاكرة العراقيين. السؤال: أين وجه المفاجأة فيما يحدث اليوم؟ في ٩ أبريل ٢٠٠٣ عَبَرَ فيلق بدر الحدود الإيرانية إلى داخل الأراضي العراقية، واستبدلت عناصره لباسها ببزات نقش على أكمامها رمز (IP) ، التي تعني الشرطة العراقية، وزودت الحكومةُ الجديدة الفيلق سيارات تحمل شعار «وزارة الداخلية» ، وأصبح قائد الفيلق الإيراني الأصل، والمنتحل نسباً عربياً، نائباً عن الشعب في المجلس الوطني. أصبح فيلق بدر مرة أخرى وجهاً لوجه مع ضحاياه السابقين، ومع الآخرين الذين لم يقعوا في الأسر، ومع الطيارين الذين حجبوا بطائراتهم الشمس في سماء قُمْ وطهران، ومع العقول التي أنشأت التصنيع العسكري، وصنعت الصواريخ وأبدعت، والذين انتزعت أسماؤهم في معسكرات تحت التعذيب، وحُفظت في دفاتر لمثل هذا اليوم. - ماذا عسى أن يحدث؟ عادت عناصر فيلق بدر لتستأنف المعركة التي ابتدأتها على أرض إيران، وبأيديهم دفاتر الأسماء، يدورون بها كساعي البريد على المنازل، ويبثون الرعب في ساعات منع التجول، وينقضُّون على العلماء والمهندسين ونسور الجو وهم رابضون على الأرض. أجواء معتقلات الأسرى انتقلت إلى بغداد، وفي بغداد اليوم مناشير توزع تحت عنوان: «تظاهر بالتشيع لتنجو من الخطف والتعذيب والقتل» ، ترشد العربي السني إلى كيفية إخفاء هويته ومذهبه، واستعارة أسماء تدفع الشبهة المذهبية، وتعلّمه ألفاظ سبّ الصحابة ﵃ وبني أمية المعتمدة عند الصفويين، وشيئاً من الطقوس الشيعية، والاحتفاظ في داره بعلم أسود، اتقاءً من أذى الميليشيات الطائفية، ونجاة بنفسه من الخطف والقتل. شعوبية الميليشيات الطائفية ليست محلية، وسيسجل التاريخ أن مخيمات الفلسطينيين في الحقبة الصفوية من تاريخ شعوبنا لم تعد على حدود فلسطين، بل على أطراف بغداد الصفويين (عذراً بغداد فأنتِ العربيةُ المسلمةُ أبداً) ، يسامون العذاب بالنيابة عن الجار الصهيوني الجديد، ليس بعيداً عن بابل التي نجت من الدمار المغولي ولم تنج اليوم، والتي كان نبأ تدميرها حبة مهدئة للذاكرة اليهودية المتوترة من الخطر الشرقي. ما يذوقه فلسطينيو العراق ذاقه قبلهم المهجَّرون من أصول فارسية، الذين أبعدهم العراق قبل الحرب مع إيران. لم ينسَ أولئك سوء المعاملة التي قابلتهم بها إيران، ولم يشفع لهم نسبهم الفارسي وحقيقة أنهم شيعة، وكان لسانهم العربي وتلوُّث دمائهم الفارسية بالدماء العربية من خلال المصاهرات، المعصية التي جعلت منهم عرقاً محتقراً، وأخرجتهم من الفردوس الفارسي. وكانت غربة وكآبة منافي أسكندنافيا أهون على أنفسهم من التمييز العرقي الذي لاقوه من «ذوي القربى» . عودة ثانية إلى الذاكرة الجماعية: ما فعله الإيرانيون ووكلاؤهم المحليون بعد أحداث سامراء، وحرقهم المساجد، والقتل العشوائي للعزّل من السنة، كانوا قد فعلوا مثله إبّان ما يسمى بالانتفاضة الشعبانية، التي اندلعت بعد حرب الخليج الثانية ١٩٩١، يوم أن اندفع عشرات الألوف من الحرس الثوري الإيراني و «إطِّلاعات» (المخابرات الإيرانية) إلى المدن العراقية، وعلت استغاثات الناس من هول المذابح على أساس المذهب واللهجة ولون البشرة. تفادي مفاجآت إيران المتعبة ليس أمراً متعباً؛ إنه قراءة إيران، وقراءة نظامها السياسي الذي أتى به انقلاب ١٥٠٠م القومي - المذهبي غير الأبيض، الذي أخرجها من دائرة الحضارة العربية الإسلامية، وجعل منها الخروف الأسود في القطيع الأبيض. الانقلاب الذي جعل من يابسة أرض فارس وموانئها وسمائها موطئ قدم للقوى الأجنبية، ومنطلقاً للصراع الطائفي في المنطقة. إن شعوب المنطقة التي ما عرفت منذ ذلك الانقلاب طعم الراحة والاستقرار، مطالبة تحت استراتيجية إقليمية للحصانة الثقافية والفكرية، بالابتعاد عن التسطيحات، والتعرف على المقدمات المبكرة لتكوُّن هذا النظام، وطبيعته الباطنية، كيف يفكر ويخطط، ما هي أوراقه، وبمن يستعين. (يقول ديبلوماسي غربي مختص بالشؤون الإيرانية: إن التفاوض مع الإيرانيين أشد صعوبة من اقتلاع ضرس من دون مخدِّر) . إن إيران منكشفة اليوم، واستغاثات الشعوب والمذاهب والأقليات من داخل أسوارها مسموعة على مسافات بعيدة، وقضاياهم منشورة ومتيسرة، وتنتظر اليد التي تمتد إليها، وتركّب منها مَصْلاً فكرياً مضاداً للفيروس الصفوي، الذي يَعْبُرُ الحدود دون مصدّ، ويغزو الشعوب دون رقيب، مثلما تفعل إنفلونزا الطيور القاتلة. لن يفهم إيران ويسقط ورقتها الطائفية الشعوبية ويتقي متاعبها، من لا يتعرف على سجل علاقاتها مع جيرانها، والهامش الذي تبيحه لنفسها من وسائل الإيذاء معهم جميعاً (باستثناء الهند) ، بصرف النظر عن لافتتها السياسية (صفوية، قاجارية، بهلوية، حوزوية) ، ويتعرف على طرائقها في الخنق الفكري، وتفكيك الهويات غير الفارسية، وغير الشيعية، بل والشيعية ما دامت أنها غير فارسية، وحتى الفارسية منها إن استوحت التشيع من خارج أسوار الكنيسة الصفوية (اللفظ للمفكر الراحل الدكتور علي شريعتي) . من دون هذه المعرفة، ستتوالى المفاجآت على العرب، ولن يخرجوا من الثمالة السياسية، وصدق الله العظيم: ﴿سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] .

стр. 5602

«الحرية الدينية» ... رأس الحربة الجديدة د. عبد العزيز كامل لم يكد العالم الإسلامي يفيق من إحدى صدمات صِدَام الثقافات، وأكثرها استفزازاً واستغضاباً، وهي قضية الرسوم الفاجرة التي تطاول بها الدانماركيون، ومعهم معظم الأوروبيين والغربيين على شخص رسولنا الكريم ﷺ حتى تفجرت قضية أخرى لا تقل خطورة في مدلولاتها، وإن كانت أقل في تفاعلاتها، وهي قضية الهجوم على شريعة الإسلام تصريحاً أو تلميحاً من معظم دول الغرب باسم «الحرية الدينية» ، بمناسبة تفاعل قضية الرجل الأفغاني الذي ارتد عن الإسلام، ودخل في النصرانية. لقد كان من الممكن أن تمر قضية هذا المرتد عن الدين، كقضايا العديد ممن يرتدون بأشكال وأنواع من الردة كل يوم دون أن يأبه بهم أحد، ولكن تلك القضية أخذت أبعاداً أخرى عقائدية وحضارية وقانونية وسياسية؛ لا ينبغي أن تمر مرور الكرام. وملخص قضية ذلك المرتد ويدعى: (عبد الرحمن عبد المنان) هو أنه كان يعمل مع إحدى المؤسسات الإغاثية التنصيرية في مدينة بيشاور بباكستان عام ١٩٩٠م، أي في ذروة الجهاد الأفغاني ضد الروس، فتنصر راغباً عن التوحيد إلى التثليث، ثم سافر بعد ذلك بثلاث سنوات إلى ألمانيا، محاولاً الحصول على لجوء سياسي لينجو من ملاحقة المجاهدين، لكنه لم يفلح في الحصول على هذا اللجوء، ولم يفلح أيضاً في الحصول عليه من بلجيكا، وبعد عشر سنوات من الإقامة كافراً بين الكفار، عاد إلى أفغانستان عام ٢٠٠٣، بعد سقوط حكومة طالبان، وبدأ يُعلن ردته، فطلبت زوجته الفراق منه، واحتدم الخلاف بينهما حينما طالب المرتد بضم بناته إليه ليكُنَّ معه في دينه ودنياه الجديدة، وظل الخلاف بينهما مدة ثلاث سنوات، ثم رفعت الزوجة أمرها للقضاء الأفغاني، الذي لا يزال بعض قضاته متوهمين أنه يمكن لهم الرجوع لأحكام الشريعة في القضاء والحكم في ظل الاحتلال. حتى تلك المرحلة؛ كان الأمر يبدو وكأنه مجرد مقاضاة في قضية أشبه بالأحوال الشخصية بين زوجين، إلا أن الدول الغربية أعطتها بُعداً آخر، بعدما قرر القاضي الأفغاني محاكمة المرتد على شأن الردة الذي هو أخطر من المظلمة الزوجية، لكن الرجل أصر على أنه التحق بالنصرانية مختاراً، ولن يتحول عنها ... ومن حينها؛ خرجت القضية إلى العالم، على أنها اعتداء على «الحرية الدينية» وشاء بوش وحلفاؤه أن يجعلوا منها سلاحاً حديثاً في الحرب العالمية على الإسلام. تحت هذا العنوان «الحرية الدينية» التي تعد الوجه الاعتقادي في الليبرالية الغربية؛ بدأت الولايات المتحدة ومعظم دول الغرب في خوض حملة مكثفة للإفراج عن المرتد، قبل أن تبدأ محاكمته أو حتى استتابته! وبدأ الرجل يظهر في وسائل الإعلام الغربية وبيده نسخة خاصة من الإنجيل، مكتوبه بلغة محلية لأغراض التنصير، وبدأت في موازاة ذلك حملة عالمية لنصرة ذلك المرتد، احتفت بها وسائل الإعلام الدولية، ولم تحفل بها كثيراً وسائل الإعلام العربية والإسلامية رغم خطورتها وحساسيتها، ولا ندري لماذا كان هذا التجاهل؟! الحاصل أن الحملة بدأت بسرعة كبيرة، ولكنها انتهت وطويت بسرعة أكبر، لا لأن الغرب أراد حسمها عاجلاً لتفادي المزيد من (صدام الثقافات) ؛ ولكن لأن «الخصم» رفع الراية البيضاء مبكراً، قبل أن تحتدم المباراة الأحدث داخل حلبة الصراع الحضاري! صدر الكثير جداً من الكلمات والتصريحات على ألسنة الزعماء السياسيين والكتاب والمفكرين في الغرب باسم (الحرية الدينية) مع القليل جداً أو النادر من جانب الزعماء السياسيين والكُتَّاب والمفكرين في الجانب العربي والإسلامي، مع أن جوهر القضية متعلق بأصل التحاكم إلى الشريعة الإسلامية، وليس مجرد الحكم على مارق عنها خارج عليها يعلم الجميع أنه لن يُنفذ. ٣ تدخَّل جورج بوش ـ شخصياً ـ بوصفه رئيساً للولايات المتحدة «زعيمة العالم» ، ليثبت مرة أخرى أن الولايات المتحدة ماضية في حربها للإسلام عقيدة وشريعة، وقال في خطاب له في ولاية فرجينيا: «إنني منزعج جداً لسماعي أن شخصاً تحوَّل عن الإسلام قد يعاقَب على ذلك، هذا ليس بالتطبيق العالمي للقيم التي تحدثنا عنها» .. «من المزعج للغاية، أن بلداً ساعدناه على التحرر يعاقب شخصاً لاختياره ديناً آخر» .. «إن لدينا نفوذاً في أفغانستان وسنستعمله، لنؤكد لهم أن هناك قيماً عالية يجب احترامها» !! هذا بعض ما صرح به بوش، لكن الذي لم يصرح به؛ هو أن «التحول عن الإسلام» على حد وصفه هو أحد الأهداف الرئيسية التي لأجلها فتحت أبواب التنصير في أفغانستان وفي غيرها، في الوقت الذي أغلقت فيه الأبواب أمام الجمعيات الإسلامية الخيرية الإغاثية في كل مكان. وما لم يصرح به أيضاً.. هو أن ما سماه «التطبيق العالمي للقيم التي تتحدث بها أمريكا» يهدف إلى أن تمنح الدول الإسلامية كل الحق لأي مسلم ـ من ناحية قانونية ـ أن يعتنق أي دين غير الإسلام، وأن يدعو إليه، وألا تعرقل أي حكومة جهود أي ملة أو نِحْلة تريد أن تنشط بدعوتها بكامل حريتها في أوساط الشعوب الإسلامية تحت حماية القانون الدولي والمحلي. ٣ أما كوندليزا رايس التي تعتبر نفسها وزيرة خارجية العالم، فقد ذهبت أبعد مما ذهب إليه بوش وقالت: «لن أتوقف عن ممارسة الضغط حتى يفرج عن عبد الرحمن» .... «إن هذا أمر مقلق للغاية.. لقد اتصلت بكرزاي، وأثرت معه الموضوع بأشد لهجة ممكنة، لكي تؤكد أفغانستان تمسكها بالدستور الجديد الذي ينص على احترام حقوق الإنسان» .. «الحرية الدينية مبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية» . ٣ وأما الصحافة الأمريكية، فقد وجدت في الموضوع فرصة لإثارة قضية تراها أهم، وهي قضية تضمين الدساتير في الدول الإسلامية إشارات تعتبر الشريعة الإسلامية مصدراً من مصادر التشريع، وتساءلت: هل يتناسب هذا مع الهدف الذي لأجله تسيِّر أمريكا جيوشها وتضحي بشبابها ... ؟! ٣ قالت صحيفة نيويورك تايمز في مقالها الافتتاحي في ٣ مارس ٢٠٠٦ تحت عنوان (سخط على أفغانستان) : «يجب على الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان مراجعة القوانين المعمول بها هناك» .. «إن أفغانستان ليست الحليف الوحيد الذي يطبق قوانين دينية قاسية» .. «إذا كانت أفغانستان تريد العودة إلى أيام طالبان فلتفعل، ولكن من دون مساعدة أمريكية» . ٣ وقالت صحيفة الواشنطن بوست في مقال لها في ٢٣ مارس ٢٠٠٦، تحت عنوان (أطلقوا سراح عبد الرحمن) : «من الناحية النظرية، ينص الدستور الأفغاني على ضمان الحرية الدينية، ولكن في الوقت نفسه ينص على أن الشريعة الإسلامية قانون البلاد، ولم يمض وقت طويل حتى ظهر ضرر هذا التعارض» .. «لقد أمضى الرئيس كرزاي وقتاً طويلاً لتفادي أزمة دستورية بسبب التعارض بين مبدأ الحرية الذي يكفله الدستور، وبين مبدأ العمل بالشريعة» ... «ما جدوى أي إنجاز للجنود الأمريكيين إذا لم ينجحوا في إنهاء تلك الحقبة الهمجية المنتمية إلى القرون الوسطى» . ٣ وأما مجلة ناشيونال رينيو الأمريكية الصادرة في ٢٢ مارس ٢٠٠٦، فقد قالت في مقال لها بعنوان: (نحن وأفغانستان ومشكلة الشريعة) : «نحن نحصد ما زرعناه في أفغانستان، ما يحصل هناك هو ما جلبناه على أنفسنا حين شاركنا في صياغة دساتير لا تفصل فصلاً تاماً بين السلطتين الدينية والمدنية» ... «لقد جعل هذا الدستور الإسلام دين الدولة، جاعلاً للشريعة قوة مهيمنة على القانون، وناصّاً على ضرورة «دراسة» الفقه الإسلامي، وبعد كل هذا نأتي لنحتج على ذلك كنتيجة لهذا التداخل.. إن هذا يعد احتجاجاً فارغاً» ! ٣ وفي صحيفة (ببتسبيرج تريبيون) صحفي يهودي من المحافظين الجدد، وهو باتريك بوكانان، علق على قضية المرتد في مقال له بعنوان: (أي ديمقراطية هذه؟) قال فيه: «أي ديمقراطية هذه التي يفاخر بها الرئيس بوش، هل هذا شيء يستحق أن نرسل شبابنا الأمريكي للحرب أو الموت من أجله؟ إذا كان الشعب الأفغاني متقبلاً محاكمة ومعاقبة عبد الرحمن لتركه الإسلام؛ فما هي الرسالة التي نستشفها عن مدى تسامحهم مع المسيحية ومدى التزامهم بالحرية الدينية؟» ومما قاله أيضاً: «لا يبدو أن المسيحية في وضع أفضل في تلك الديمقراطية الجديدة الأخرى في العراق» .. «إن المسيحيين يهربون إلى سورية فراراً من الاضطهاد في العراق، وإن المحافظين الجدد الذين يتوقون إلى تحرير سورية كما حرروا العراق؛ إذا نجحوا في ذلك فليتولَّ الله المسيحيين في سورية حينئذ؛ لأنهم سيعاملون مثلما يعامَل المسيحيون في العراق» . ٣ انتقل التصعيد إلى أكثر من بلد أوروبي، بل إلى كل دول أوروبا ممثلة في الاتحاد الأوروبي، حيث ألقى هذا الاتحاد بثقله وراء حملة «الحرية الدينية» وأعلن على لسان وزيرة الخارجية النمساوية التي تترأس بلادها الاتحاد الأوروبي في دورته الحالية أن: «على الاتحاد الأوروبي أن يبذل ما بوسعه للإفراج عن الأفغاني الذي اعتنق النصرانية» .. «إن رئاسة الاتحاد الأوروبي ستتابع الوضع عن كثب، وستقرر الخطوات التالية حسب تطور القضية» . ٣ وقد هددت معظم الدول الأوروبية بوقف المساعدات عن أفغانستان إذا لم تفرج عن الأفغاني المرتد، ودخلت على خط المطالبة الرسمية بالإفراج عنه كل من بريطانيا وفرنسا وكندا وهولندا والنمسا والدانمارك وألمانيا التي هددت بسحب قواتها العاملة لحماية نظام كرزاي في أفغانستان المحتلة، وتبعتها في التهديد بلجيكا. أما إيطاليا فقد أرادت أن يكون لها دور يليق بموقعها كدولة راعية للنصرانية الكاثوليكية في العالم؛ فقد دعا البابا الجديد (بندكيت) إلى الإفراج الفوري عن الأفغاني المرتد وطالب باستعمال الرأفة معه، واستدعت إيطاليا سفيرها في أفغانستان وأعلنت ـ بعد مطالبتها بالإفراج عن المرتد ـ أنها مستعدة لاستضافته كلاجئ سياسي، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ آتت تلك الحملة العالمية النصرانية لمناصرة المرتد ثمرتها العاجلة بالإفراج السريع عنه رغماً عن الدستور الأفغاني والقضاء الأفغاني والبرلمان الأفغاني والشعب الأفغاني، بالرغم من ثبوت الاتهام ضده، واعترافه به وإصراره عليه! - قصة أخرى ... ومواقف أخرى: مرت في السنوات الأخيرة قصة أخرى بتفاعلات مختلفة أعطت معنى إضافياً للحرية الدينية في فهم أنصارها من النصارى، حينما تتعلق تلك الحرية بالدخول في الإسلام لا الخروج منه، والقصة تتعلق بامرأة مصرية مارست حقها في «حرية الاعتقاد» التي ينادي بها الغرب، وغيَّرت دينها من النصرانية إلى الإسلام بكامل حريتها وإرادتها؛ فماذا كان موقف المسؤولين وغير المسؤولين من المسلمين وغير المسلمين؟ وماذا كان موقف دعاة حرية الاعتقاد وحرية التدين..؟! تبدأ القصة بمشاهدة المرأة برنامجاً في التلفزيون المصري، يتحدث عن الإعجاز العلمي في القرآن، حيث تأثرت به، وبدأت تسأل زملاءها في العمل عن هذا الموضوع الذي أهمها كمهندسة زراعية، فزودها بعضهم بإفادات ومصادر عن الموضوع، فزاد تعلقها وشغفها بالاطلاع على أسرار القرآن، وقادها ذلك إلى الهداية، وانشرح قلبها بالإسلام، فدخلت فيه سراً خوفاً من أسرتها، ومن زوجها الذي كان يعمل كاهناً في إحدى الكنائس المصرية، ولها منه ابن وابنة كلاهما جامعيان. وظلت المرأة على إسلامها سراً تصلي وتصوم وتقرأ القرآن، حتى حفظت منه سبعة عشر جزءاً، ثم عرفت ابنتها بالأمر، ومع الوقت عُرف أمرها من قِبَل أسرتها وزوجها.. وأهم من ذلك.. من قِبَل الكنيسة! لقد كان من الممكن أن يمر الأمر كعشرات الحالات من الدخول في الإسلام سواء كان من مصريين أو أجانب، وهو ما يقره القانون المصري، إذا لم يكن عن قسر وإكراه، إلا أن المناخ الدولي المغاير، وجد من يريد استغلاله، وشاءت زعامة الكنيسة أن تصعِّد الأمر، وتصنع منه سابقة تجعل من دخول النصارى في الإسلام مشكلة، ريثما يأتي الوقت الذي يسوِّغون فيه دخول المسلمين في النصرانية بلا أي معضلة، لهذا اعتصم راعي الكنيسة في ديره حتى تُسلَّم المرأة المسلمة لكنيسته. وأخذت القضية أبعاداً خارجية، وبدأت الجاليات النصرانية المصرية في الغرب تولول على المرأة التي يمكن أن يفتح إسلامها الباب أمام المزيد من الدخول في الإسلام، باعتبار أن زوجها الكاهن لم يفلح في اقناعها بالردة عن الإسلام. لقد تفاعلت الأحداث بابتزاز داخلي، وضغط خارجي، حتى سُلّمت المرأة للكنيسة دون أن تقوم لنصرتها حملة عالمية ولا محلية رسمية ولا شعبية، حتى أعلن النائب العام المصري بعد مدة من الحجز الكنسي (خارج إطار القانون) أن المرأة عادت إلى النصرانية ولم يبين كيف ولماذا؟! إلى هنا انتهت قصة المرأة التي أسلمت ثم أُجبرت على التنصر، والتي وإن انتهت حكايتها كقصة مأساوية، إلا أنها لم تنته كقضية اعتقادية، تماماً مثل قضية الأفغاني المرتد عن الإسلام، التي يمكن أن تكون قد انتهت كقصة محلية، لكنها لن تنتهي كقضية دولية. ولنا على القصتين أو القضيتين وقفات وتعليقات: أولاً: ما حدث في أفغانستان، قابل لأن يتكرر في أي مكان من العالم الإسلامي، يرتد فيه شخص أو عدة أشخاص عن الإسلام، وسيفتح هذا باب التشجيع لكل من أراد أن يكون محوراً لحديث العالم واهتمام الغرب واحتفائه وتكريمه، والمشكلة هنا ليست في تعطيل حد الردة، فهو معطل منذ زمن، ولكن في إباحة تلك الردة وإتاحتها في ظل حماية قانونية محلية عالمية. ثانياً: كل الحجج والمسوِّغات التي استند إليها الغرب في القيام بحملته ضد حكم الردة في الإسلام (مع أنه لا يُطبق أبداً) يمكن أن تستخدم ويُستند إليها في بقية أحكام الشريعة في الجزاءات المتعلقة بجرائم شرب الخمر والسرقة والزنا والفواحش، وغيرها من الكبائر التي تجرِّمها وتحرِّمها الشريعة، وهذا مكمن خطر مستقبلي، ومدعاة لتكرار الحملة الدولية على شريعة الإسلام في وقائع أخرى وأحكام أخرى، بذرائع مشابهة مثل: «الحرية الشخصية» .. «قسوة العقوبة» .. «ضرورة الاحتكام إلى قوانين لا دينية مدنية» . ثالثاً: هناك حملة قادمة ضد الدساتير في العالم الإسلامي لحذف كل ما يتعلق بالشريعة منها برغم علمانيتها، والدستور الأفغاني في ظل الاحتلال، قد أشرف الأمريكيون على صياغته؛ بحيث يستبعد حاكمية الشريعة بالمرة، إلا أن بعض «الثغرات» التي تشير إلى «احترام الشريعة» من الناحية الشكلية بقيت، فثارت على أثرها هذه الضجة الدولية، وطالب الثائرون بعد حادثة المرتد بـ «تنقية» الدساتير في العالم الإسلامي من أية إشارة إلى الشريعة، وعلى هذا فإن هذه الدساتير التي وضعت، والتي ستوضع أو تعدل، ستظل قنابل موقوتة، تتفجر كلما طالبت جماهير الأمة بحقها وواجبها في الاحتكام إلى شريعة الإسلام الذي تدين به. رابعاً: أي سيادة للدول تبقى، وأي إرادة واستقلال للشعوب يصدُق، عندما يصل «القهر الديمقراطي» ، إلى حد إجبار الحكومات على تعديل دساتيرها وتسليم رعاياها لدول أجنبية في الخارج، أو لأقليات متسلطة في الداخل، حيث يُجَرَّمُ بريء، أو يُبَرَّأُ مجرم؟ وهل نحن دخلنا بالفعل في عصر «الحكومة العالمية» التي لا تعترف إلا بمن يعترف بسيادتها وقيادتها وشريعتها؟ خامساً: عندما نقارن بين مستوى حملة النصرة التي قام بها الغرب كله «رسمياً» ، على المستوى السياسي والإعلامي للرجل الذي خرج عن الإسلام نابذاً القرآن وحاملاً الإنجيل، بالموقف «الرسمي» المتخاذل والمخزي عربياً وإسلامياً، داخلياً وخارجياً من المرأة التي أحبت القرآن حتى دخلت في الإسلام، ندرك الفارق بين منزلة الإسلام والقرآن عند قوم، ومنزلة النصرانية والإنجيل عند آخرين. سادساً: بعض الجهات الإسلامية المحسوبة على الفقه الإسلامي «الأوروبي» انبرت تدافع عن «حق الردة» إي واللهِ.. «حق الردة» ! مرددة مقالة ضالة تزعم أن الإسلام كفل لأتباعه أن يخرجوا منه وقتما شاؤوا دونما أي مساءلة أو عقاب، وأن هذا من «حقوق الإنسان» التي أعلنها الرسول ﷺ في حجة الوداع!! وهذا القول الساقط، الذي تجاوزته ثقافة العوام، يجد اليوم من يردده باسم الفقه والدين؛ فإلى الله المشتكى من هؤلاء الذين يسوِّغون للطغاة طغيانهم، وللكفار كفرهم. سابعاً: أسوأ ما في الموقف (شبه المتعاطف) مع المرتد الأفغاني، كان ذلك التصرف الذي صدر من بعض المحسوبين على العلم في مصر أثناء أزمة المرأة التي أسلمت؛ إذ صدرت وقتها تصريحات تقول: «وماذا سيستفيد المسلمون من دخول امرأة جديدة في الإسلام؟! وهل نحن في حاجة إلى مسلمين جدد، والعالم الإسلامي يزيد سكانه عن مليار مسلم..؟!! وهو كلام لا يصدر إلا ممن لا يعرف حقيقة أن الأمة كلها مسؤولة أمام الله ـ وعلى رأسها علماؤها ـ إذا تسببوا في انتكاس إنسان عن الحق، حتى يكون مصيره مع الكافرين في النار. ثامناً: الموقف الإعلامي في العالمين العربي والإسلامي، لم يكن له حضور يذكر في أزمة الهجوم على الشريعة المتزامن مع قضية الردة، مثلما كان الأمر أثناء أزمة الهجوم على العقيدة المتزامن مع قضية الرسوم المسيئة، والسبب فيما يظهر أن الوعي بخطورة الهجوم على الشريعة قد تضاءل لدى الشعوب من كثرة إهمالها في بلاد المسلمين في ظل الهيمنة العلمانية، وهو ما يوجب على علماء المسلمين ودعاتهم أن يعيدوا الاعتبار إلى مفهوم الشريعة بمعناها الواسع المرادف للدين، كما دل عليها قول الله ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] . تاسعاً: في الوقت الذي يحارب فيه الغربيون الأعمال الإغاثية الإسلامية وأنشطة الجمعيات الخيرية ويطاردونها في كل مكان؛ فإن أعمال التنصير من خلال المنظمات التبشيرية التنصيرية، تنشط في معظم بلاد المسلمين بلا حسيب أو رقيب، وقد كان ذلك الضال المرتد أحد ضحاياها، عندما أتيحت لها «الحرية» لتعمل على إخراج المسلمين من دينهم، أو على الأقل تشككهم فيه، باسم «الحرية الدينية» ، و «حرية التعبير» عن المعتقد. ومن المؤسف هنا ـ بل من المفجع ـ أن نرى بعض المحسوبين على حماية الدعوة ونشرها، يسمحون بما يسمى بـ «حرية التنصير» في بلد الأزهر؛ وذلك من خلال التوقيع على وثيقة تدعو إلى ذلك، كبرهان على «سماحة الإسلام» وأنكى من هذا وأشد، أن يسمح في ذلك البلد ذاته، الذي تزيد نسبة المسلمين فيه عن ٩٠%، بقبول النِّحْلة (البهائية) كديانة معترف بها لمن اعتنقها من المواطنين، بحيث تُثَبَّت في البطاقة الشخصية أو بطاقة الهوية مع أن تلك النِّحْلة الضالة تقوم على إنكار عقيدة (ختم النبوة) بمحمد ﷺ وادعاء أن خاتم الأنبياء، هو (المرزا حسين علي) الملقب بـ (البهاء) . وقد جاء القرار بقبول واعتراف بتلك الديانة المسخ استجابة لضغوط أمريكا من خلال تقريرها السنوي عن الحرية الدينية في العالم، والذي وبخت فيه الحكومة المصرية على عدم قبولها بالحرية الدينية، وامتناعها عن الاعتراف بالطائفة البهائية! عاشراً: كان المسوِّغ المعلن للإفراج عن المرتد من طرف دولة أفغانستان «المستقلة» أنه تبين (لعدالة المحكمة) فيها أن المتهم مختل عقلياً..!! وهو تسويغ ربما رأى القضاة الأفغان فيه حسن تخلص من الورطة التي دخلوا فيها؛ باعتبار أنه لا يمكن أن يخرج من الإسلام مختاراً، إلا من سفه نفسه، وفقد عقله، ومع هذا فالأمر لا يخلو من مفارقة مضحكة؛ إذ كيف ثارت كل هذه الضجة في الغرب، حتى صارت أشبه بمقدمات إعلان الحرب، من أجل «مجنون» ؟! ألأجل هذا (المجنون) هُددت أفغانستان بقطع المعونات، وإغلاق السفارات وسحب القوات وفرض العقوبات؟!.. ولأجل جنونه وسواد عينيه تبرع «العقلاء» في إيطاليا بمنحه (حق اللجوء السياسي) قبل أن يعود إلى عقله، بعودته إلى دينه؟! أحقاً كل هذا من أجل مجنون؟! اللهم احفظ علينا عقولنا..!

стр. 5603

الدولة الصهيونية بعد فوز حزب كاديما: قراءة في التحولات بلال الشوبكي (*) «انسحاب من قطاع غزة، وآخر جزئي من الضفة، حزب جديد على الساحة، والجدار ما زال مستمراً» . بهذه الوقائع تُطرَق أبواب الحكومة الجديدة. تُطرَق وضجيج التساؤلات يحيط بها من كل جانب؛ فإلى أين تسير حكومة القوم؟ أإلى حلم جديد يعبر عن تغير أيديولوجيتها؟ أم إلى ذلك القديم وإن بتغيير وسائلها؟ هل ما استجد من تطورات على الساحة الصهيونية مثير للغرابة؟ أم أن الاستغراب مما يجري هو الأكثر غرابة. نعم! بنت دولة يهود الجدار، وانسحبت من غزة، وتمخضت «فولدت كاديما» ، هل ملّت دولتهم ضربات المقاومة؟ أم باتت تجهز لفصل جديد من الصراع معها؟ تعالت الأصوات التي تقول: تغيَّر الصهيونية، لكن أياً منها لم يقل كيف تغيرت ولماذا؟ قالوا تغيرت وكفى. هل تخلت دولتهم عن طموحها وحلمها بأرض (إسرائيل الكبرى) كما يزعمون، وهل خروجها من غزة يدل فعلاً على ذلك؟! هل تنازلوا عن تاريخها المزعوم؟ هل اكتفت بهذا الجيتو داخل الجدار؟ أمِنَ الممكن أن يكون فوز كاديما ميلاداً لمنطلقات أيديولوجية جديدة؟ أم هو الطريق الجديد نحو القديم؟ الكثير من المحللين حاولوا تفسير ما يجري في دولتهم على أنه تغير جذري يعود بنا إلى الصهيونية، وما تدعو له من تحقيق حلم دولتهم الكبرى، والأساطير اليهودية التي حاولوا الترويج لها على مدى قرون مضت؛ فالحكم على التطورات الجديدة في الدولة الصهيونية على أنها تغير استراتيجي ونكوص عن الحلم المزعوم، يلغي مئات السنين من العمل الصهيوني من أجل فرض وقائع على الأرض تجعل من أساطيرهم حقائق مقبولة من قِبَل الشعوب الأخرى. لذلك فإن اعتبار التطورات الأخيرة في دولتهم لا تصب في خدمة الأهداف الصهيونية، أو أنها تعبر عن تحول أيديولوجي تُغْفِلُ في واقع الأمر عدة نقاط: ١ ـ دولتهم دون تاريخ؛ فقد شهدت خروجاً من التاريخ قرابة ألفي عام، وهذا يعني ضرورة تمسكهم بتاريخها المزعوم؛ إذ إن أي خطوة من قِبَلها للتراجع عن ادعاءاتها الصهيونية، تعني نفياً لكل تاريخها، ومن ثم أحقيتها في أرضهم المحتلة التي اغتصبوها. ٢ ـ انسحابهم من أراضٍ فلسطينية لا يعني أنها تخلت عن أسطورة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض؛ لأن في ذلك إقراراً منها بأنها دولة استعمارية. ٣ ـ هذا بالنسبة للانسحاب. أما بالنسبة للجدار؛ فبالرغم من أنه يؤيد التفسير السابق الذكر من أن دولتهم تتغير جذرياً إذا ما فُسِّر الجدار على أنه حدود سياسية، لكن تفسير إقامة الجدار من وجهة نظر تاريخية، يعطينا تأكيداً على تمسكهم بأساطيرها؛ فالجدار لا يمكن فهمه تاريخياً إلا ضمن أسطورة شعب الله المختار الذي يرفض التعامل مع الأغيار (غير اليهود) . وهذا الرأي بشأن عدم إمكانية تخليهم عن أساطيرها، جاء بشكل أكثر تفصيلاً في كتاب الدكتور محمد أحمد النابلسي، بعنوان «سيكولوجية السياسة العربية، العرب والمستقبليات» . حيث يفرد لهذه القضية جزءاً خاصاً يعالج فيه إمكانيات التحول في النهج الصهيوني، ليتوصل إلى أن دولتهم لا يمكن لها التراجع عن أي جزئية من أساطيرها؛ لأن ذلك يعني التشكيك في كل ما تدعيه. ومما يضعف أيضاً من وجهة النظر التي ترى في التطورات الأخيرة في دولتهم تغيراً أيديولوجياً، هو ما سنورده من تدعيم لوجهة النظر القائلة إن المستجدات الأخيرة على الساحة الصهيونية، إنما هي في حقيقة الأمر لا تتجاوز التحول التكتيكي في طريقة التعامل مع قضية الصراع في المنطقة، وأسلوب العمل من أجل تحقيق أهداف دولتهم المغتصبة. فبالرغم من حدة التغيرات الصهيونية الأخيرة، والتعاطي مع تفسيرها بنوع من الدهشة والحيرة نتيجة لخروج دولتهم عن الخط التقليدي في التعامل مع أطراف الصراع، إلا أن ما جرى يمكن فهمه وتفسيره من خلال المنطلقات الآتية: أولاً: تغير مفهوم الأمن القومي: يمر مفهوم الأمن حالياً بمنعطفات جديدة تحمّل هذا المفهوم معاني جديدة، هذه المنعطفات إنما تأتي كتعبير واضح عن دخول لاعبين جدد في المشهد الدولي؛ إذ إن احتكار الدولة القومية دور المؤثر في تشكيل معالم الوضع الدولي لم يعد قائماً، وهذا ما أدى إلى دخول عناصر جديدة كمهدد لأمن الدول غير ذلك الخطر المتمثل بالدول المماثلة. هذه التطورات التي وسّعت من مفهوم الأمن ليضم جوانب أخرى جعلت منه مفهوماً إنسانياً، وعالمياً، أدى إلى اتباع الدول طرقاً جديدة للحفاظ على أمنها القومي؛ فلم يعد الحفاظ على الحدود هو تحقيق الأمن، ولم يعد الخطر العسكري هو التهديد الوحيد لأمن الدول؛ هذا ما دفع الكثير من الدول لتغير من استعداداتها الأمنية، وأساليبها التقليدية في الحفاظ على مصالحها، وتحقيق أمنها بشكل عام. ما نريد الخلوص له من وراء الإشارة لتغير مفهوم الأمن القومي، والذي لا مجال لذكر أسبابه الآن هو أن ما حدث مؤخراً من تغيرات غير تقليدية في العمل السياسي الصهيوني، لا يمكن فهمه بمعزل عما يشهده العالم اليوم من تعاطٍ جديد مع مفهوم الأمن، وما يمكن أن يشهده في تعاطيه مع مفهوم الدولة مستقبلاً، والتي بالرغم من تقدير معظم الخبراء على أنها ستبقى المؤسسة الأهم حتى في ظل التغيرات العالمية الجديدة، إلا أن وظائفها ستُطَوَّع وتُكَيَّف تبعاً لهذه التغيرات؛ وهذا ما أشارت إليه الباحثة في العلوم الاجتماعية والإعلام (ليلى حلاوة) في إحدى كتاباتها بعنوان (السيادة.. جدلية الدولة والعولمة) . فدولة الصهاينة أيقنت أن أمنها بالمفاهيم الجديدة لا يمكن تحقيقه، في ظل الانعزال عن محيطها الإقليمي، بل إن انخراطها في محيطها الإقليمي ومن ثم العالمي هو الأداة الأكثر فاعلية للحفاظ على الأمن والمصالح التي تعدت حدود الدولة القومية؛ فالاعتمادية المتبادلة بين الدول وخاصة في المجالات الأمنية، تجعل من غياب تواصل الدولة مع فضائها الإقليمي تهديداً لأمنها؛ فكيف لإسرائيل التغاضي عن ذلك؟ ثانياً: حاجتهم إلى المقبولية العربية والإسلامية: ربما يكون التشابك قوياً بين هذه الجزئية وما سبقها، إلى الحد الذي يصعب الفصل بينهما؛ فالحاجة إلى تحقيق الأمن بمفهومه الشامل، تتطلب ـ كما أشرنا ـ انخراطاً في المحيط الإقليمي، لكن هذا يتطلب مسبقاً تحقيق المقبولية من قِبَل الإقليم المحيط والاعتراف بشرعية الوجود ككيان طبيعي، وهذا ما يمكن على أساسه تفسير ما أقدمت عليه الدولة الصهيونية ـ على يد مؤسسي حزب كاديما الفائز ـ من انسحاب من غزة وما يطرح حول احتمالية انسحابها من أجزاء أخرى من الضفة؛ فبالرغم من أن للمقاومة الفلسطينية دورها الفاعل في الانسحاب، إلا أن دولتهم استثمرت خسارتها هذه، فحاولت تحقيق المكاسب السياسية والدبلوماسية، كمكافأة لها على تنازلها. وبالرغم من أن الدولة الصهيونية عملت منذ عقود على استغلال أي فرصة تحمل في طياتها إقامة روابط وعلاقات مع دول إسلامية وعربية، إلا أنها لم تنجح بشكل كامل في ذلك، مما دفعها إلى تغيير أسلوبها في ذلك؛ فبدلاً من انتظار الفرص من أجل بناء العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، تقوم دولتهم حالياً باقتناص الفرص من خلال ما أقدمت عليه من انسحاب صوَّرته بالتنازل من جانبها من أجل السلام والاستقرار، ومقدمة هذا الانسحاب للدول المحيطة كي تجد هذه الدول مبرراً للتعامل مع هذا الكيان على الأقل أمام شعوبها. وما يدل على ذلك الحملة الدبلوماسية المكثفة التي قامت بها وزارة الخارجية لديهم بقيادة (سلفان شالوم) ، والتي صبت كل اهتمامها على صنع علاقات جديدة مع الدول الإسلامية، وهذا تزامن مع فترة الانسحاب الأخير من قطاع غزة؛ فقد بينت وسائل الإعلام حينها اللقاءات التي جمعت بين مسؤولين صهاينة وآخرين من الباكستان وماليزيا وإندونيسيا، وهذا يحقق لهم عدة مكاسب، منها التخفيف من أثر حملاتها القمعية ضد الفلسطينيين على المستوى الإسلامي، وبما أن جزءاً هاماً من القضية الفلسطينية، هو ذو صلة وثيقة بالمسلمين وخاصة فيما يتعلق بمدينة القدس، فإن إقامة علاقات جيدة مع الدول الإسلامية، قد يساعد دولتهم في التعامل مع هذه القضايا؛ إضافة لفتح المجال أمام علاقات تجارية متميزة مع دول كبيرة مثل إندونيسيا. وبالنسبة للفوز الذي حققه حزب «كاديما» فهو تعبير واقعي عن تغير الأساليب الصهيونية وليس الأهداف؛ فمؤسسو الحزب أيقنوا بضرورة إنشاء مؤسسة جديدة تكون الإطار الذي من خلاله ينطلقون بالنهج الجديد، وما يؤكد أن الحزب الجديد هو وسيلة لأشخاص بارزين وليس تعبيراً عن تحول أيديولوجي لهؤلاء، هو ضم الحزب الجديد لأعضاء من أحزاب مختلفة أمضت عقوداً وهي في تنافس (الليكود والعمل) لكن بالرغم من انضمامهم لكاديما فما زال يُنظر إليهم على أنهم في أحزابهم السابقة، وهذا ما هو حاصل مع بيرس. كما أن الفترة البسيطة التي اقتضاها إقناع بيرس للدخول في الحزب الجديد تؤكد أن الحزب الجديد لم يؤسس على تغير أيديولوجي. أما بالنسبة لطموح (أولمرت) ومؤيديه بتغيير نظام الانتخابات كي يتمكن الصهاينة من اختيار رئيس الوزراء مباشرة، هو عدم إمكانية السير وفق النهج الجديد في ظل ابتزاز الأحزاب الصغيرة للأحزاب الكبيرة؛ فالحاجة دائماً لائتلافات من أجل تشكيل حكومة، تقيد الحزب الفائز، وهذا ما يلاقي حالياً انتقاداً واسعاً من قِبَل الأكاديميين والنخب الصهيونية؛ لأن في النظام الحالي ـ كما يؤكدون ـ إعاقة لتحقيق المصلحة العامة من قِبَل أقليات سياسية. ثالثاً: طموح الدولة الصهيونية أن تكون لاعباً ريادياً على الساحة العالمية: ما يؤكد طموح واهتمام الدولة الصهيونية وحلفائها بتحولها إلى لاعب ريادي على المستوى العالمي هو المشاريع الجديدة التي قدمت لإعادة هيكلة الشرق الأوسط، مثل المشروع المتوسطي، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث يلتقي المشروعان في تحويل دولتهم إلى كيان طبيعي داخل منطقتها العربية والإسلامية، لكن ما يميز مشروع الشرق الأوسط هو تحويلها إلى دولة رائدة وقيادية في محيطها، كممهد لانطلاقها على المستوى العالمي، والذي بدأ الحديث عنه بضرورة ضم دولتهم للعضوية الدائمة لمجلس الأمن. هذه الأهداف الإقليمية والعالمية تتطلب نهجا آخر، يمكن أن تكون التطورات الأخيرة جزءاً من هذا النهج؛ فدولتهم بحاجة لتقديم شيء ولو كان ظاهرياً حتى تصنع المبرر للحكومات العربية والإسلامية كي تتعاطى معها، وانسحابها من غزة وإمكانية انسحابها من الضفة، وإن كان يشكل نصراً للمقاومة؛ إلا أنه في ظل تغير مفهوم الأمن واحتمالية تراجع دور الحدود، لا يعد خسارة كبيرة لإسرائيل؛ لأنها وضمن خططها الحالية ستعود إذا ما حققت صفة الكيان الطبيعي في المنطقة، لكن عودتها ستكون بأشكال جديدة تعطي وجودها الشرعية. لكن الدولة الصهيونية ووفقاً لتحولها التكتيكي الذي يعبر عن منهج جديد في العمل، ما زالت تلعب على وتر الحكومات مغفلة دور الشعوب في التأثير، لكن ما حدث مؤخراً من تقدم للإخوان المسلمين في الانتخابات التشريعية المصرية، وفوز حماس في التشريعي الفلسطيني، إنما يعبر عن توجه جديد ومكثف من قِبَل الشارع العربي نحو التغيير لصالح التوجه الإسلامي، وهذا ما يمكن أن يعطل طموح الدولة الصهيونية بالتحول إلى عضو يتمتع بالمقبولية في محيطه العربي والإسلامي ما دام أن كثيراً من قومنا يتدافعون للسلام المزعوم كتدافع الذباب على الشراب. والله المستعان.

стр. 5604

فتح واحتراف الغباء السياسي أحمد فهمي أن تكون ذكياً، فهذا أمر جيد، وأن تتذاكى فلا بأس إن كان يفيد، لكن أن تكون ذكياً وتتغابى؛ فذلك أمر يُحيِّر. والمشكلة تواجهنا عند محاولة تفسير مواقف حركة فتح من حماس منذ إعلان فوزها بالانتخابات التشريعية؛ فقادة فتح «المخضرمون» يطلبون من حماس أن تقدم كل التنازلات الممكنة لإسرائيل قبل أن تحصل على مقابل لها، وهذا في تقديري فعل ربما يصل إلى درجة الخيانة العظمى؛ لأن القضية الفلسطينية حققت مكاسب هائلة بفوز حماس الذي انتشل سقف المطالب الفلسطينية عالياً من بين أنقاض حركة فتح، كما أن القاعدة الأولى في التفاوض هي: لا مساومة على تنازل تم تقديمه مسبقاً، ومن ثم فإن ضغط فتح على حماس من أجل أن تتساوى معها في الهاوية إنما مبعثه التنافس والحقد والمصالح الشخصية التي تتناوش أطراف فتح من كل جهة. وهذه المطالب التي يرددها قادة الحركة وكأنهم تحولوا إلى أعضاء في حزب كاديما، تعني أن يُفوِّت الفلسطينيون فرصة نادرة للعودة إلى نقطة الصفر الأولى قبل اتفاقات أوسلو بدون تنازل عن الثوابت، وهذه خديعة كبرى للإسرائيليين الذين يشعرون بالصدمة؛ فبعد جهود ومؤامرات سياسية امتدت ١٣ عاماً، يجدون أنفسهم في مواجهة السلطة التي صنعوها وهي تطالب بكل الثوابت الفلسطينية من جديد. ولذلك فإن قادة فتح يستشعرون الخطر، ولكن كلٌّ حسب طريقته: أبو مازن يخشى من تحوله إلى رمز شكلي فاقد التأثير لو نجحت الحركة سياسياً، ولذلك صرح لصحيفة الجارديان البريطانية أنه يتخوف من محاولة الإسرائيليين عزله بنفس الطريقة التي اتبعوها مع عرفات، ومحمد دحلان يعتبر كل خطوة تنجح فيها حماس تقربه من نهاية حياته السياسية، ولذلك يتصرف وفق ثقافته الخاصة، بإثارة القلاقل في غزة وتوصيل رسالة لجميع الأطراف أنه لا يزال مؤثراً، فاتُّهم بأنه وراء مقتل الجنود المصريين في رفح واختطاف الدبلوماسي المصري، وقد تعرض لتقريع من اللواء عمر سليمان مدير المخابرات المصرية الذي قال له: «لدينا معلومات أكيدة أنك وصبيانك تقفون وراء هذه الأعمال، وأنك حرّضت مجموعات معينة على ذلك، وأن هذه اللعبة لن تنطلي على مصر» ويشير سليمان إلى سمير مشهراوي وحسن عصفور. مكمن الغباء السياسي في أداء الفتحاويين، أن سعيهم لإفشال حماس هو في حقيقته جهد دؤوب لدعمهم في مسيرتهم السياسية؛ فالدفع الأهوج لتدمير الحركة سياسياً يُتوقع أن ينتج عنه أمور، أولها: حث الدول العربية والصديقة على المسارعة بتقديم الدعم المالي لحماس. ثانيها: استفزاز الشعب الفلسطيني للتمسك بالحركة التي تتمسك بثوابته. ثالثها: أي إنجاز تحققه حماس سوف يتعاظم تأثيره بسبب الحصار والضغوط. رابعها: إثارة الشغب ستؤدي إلى نتيجة عكسية؛ لأن مثيري الشغب قبل فوز حماس وبعده ينتمون غالباً إلى فتح، وهو ما يزيد من الرفض الشعبي للحركة في أي انتخابات مقبلة؛ واستئثار حماس بنصيب الأسد في انتخابات الجامعة الإسلامية مؤشر يؤيد ذلك. لا نتوقع بالطبع أن يتخلى قادة فتح عن ولعهم بممارسة الغباء السياسي؛ فهذا أمر يفوق طاقتهم، ولكننا في المقابل نطمئن حماس أن من يحاصرون القضية الفلسطينية هم في حقيقة الأمر يحاصرون أنفسهم، ولذلك ندعو الحركة ألا تفك حصارها عن أعدائها إلا بعد أن يستجيبوا لمطالبها.

стр. 5605

نقطة الصفر د. يوسف بن صالح الصغير لقد كان الإفراز الرئيسي لمؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو الإيحاء بأن الفلسطينيين قد اعترفوا بحق اليهود بما اغتصبوه من فلسطين، وأن منظمة التحرير الفلسظينية هي حقاً الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني الذي لم يأبه كثيراً بهذه الادعاءات، واختار من يعارض أوسلو ولا يعترف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني؛ ولذا نلاحظ أن حماس تتعرض لضغوطات من جهات متعددة وكلها تصب في اتجاه واحد هو الاعتراف بإسرائيل، وهو يعني أن الجميع يحسون أن القضية الفلسطينية معرضة للعودة لنقطة الصفر، وأن كل التنازلات التي قدمتها الحركات العلمانية المناضلة لم يعد لها قيمة؛ لأن مشروعها النضالي الذي تخلت عنه والذي يرفع شعار «تحرير فلسطين كل فلسطين من البحر إلى النهر» قد رفعته قوى أخرى أكثر انتماءً للأمة التي تتلمس طريق العودة إلى هويتها الحقيقية بعد أن عاشت في التيه لعقود خلت، وهي هنا تحتاج لمن ينير لها طريق الخروج من المأزق وليس من يقنعها بالبقاء في التيه. إن ما حدث في فلسطين رسالة لكل المصلحين والسياسيين تعيد للأذهان أن القادة يجب أن يسيروا أمام الأمة، وأنه لا مكان لمن يمشي في الوسط أو الخلف، وأنه ليس المهم أن تفتح لهم الأبواب في الشرق أو الغرب، بل الأهم أن تفتح لهم قلوب الأهل والأمة، وأنه وبقدر ما كانت التنازلات عن الحقوق سبباً للسقوط فإن الثبات على المبادئ الصحيحة والصبر عليها هو سبيل النهوض والتمكين. إن هذه القضية أساسية في فهم تصرفات أطراف السلطة الفلسطينية التي تعي أنه ليس أمامها للبقاء سوى أن تختار: أن ترفع مستوى مطالبها وتقترب من مواقف حماس بل وتزايد عليها؛ وهذا يقتضي بروز قيادات جديدة من فتح تقوم بهذا الدور؛ ولذا فإن الخيار الأول لهذه الأطراف هو تجريد حماس من أساس قوتها، ولذلك فلا نستغرب أن زعيماً فلسطينياً يدعي الوطنية يرى أن قضيته الأساسية هي مطالبة حماس بالاعتراف بإسرائيل وليس المطالبة بتحقيق وعودها الانتخابية للناس التي تقوم على رفع سقف المطالب الفلسطينية، ومحاربة الفساد، وتهيئة سبل العيش الكريم؛ إنه لا يطالب الآخرين بمساعدة الشعب الفلسطيني ورفع الظلم عنه وعدم حصاره وتجويعه، بل إنه يطالب حماس بالإذعان كما أذعن، وبالتنازل كما تنازل حتى يكونوا سواء. ففي خطاب التكليف قال محمود عباس، رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية؛ إنه مستعد للتدخل إذا ألحقت الحكومة المقبلة بقيادة حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) ضرراً بمصالح الشعب الفلسطيني. وقال عباس في خطابه: «ما أن تتولى حكومتك مهامها فإني أطلب منك مجدداً إجراء التصحيحات الضرورية لبرنامجك» . وأضاف: «اختيار الديموقراطية لا يعني رفض الالتزامات القانونية والسياسية للسلطة الوطنية الفلسطينية ولمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني» . وقال عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين: إن رسالة عباس إلى هنية تشدد على أسف عباس لرفض حركة المقاومة الإسلامية ثلاثة مبادئ رئيسية من مبادئ السلطة الوطنية الفلسطينية وهي: الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود، دعم مفاوضات السلام لتحقيق إقامة دولتين تعيشان جنباً إلى جنب بسلام، وقبول مبدأ حكومة منفردة ممثلة للشعب الفلسطيني. إذا كانت حماس تواجَه حالياً بمصاعب جمة تتلخص في الحصار الاقتصادي الخانق الذي يتمثل في تسلمهم خزينة خاوية، ومنع المساعدات الخارجية، وإغلاق المعابر حتى جاع أهل غزة، ويضاف إليه حصار سياسي بمنع الاتصال بمسؤولي الحكومة الجديدة وحصر الاتصال بالرئاسة، وشمل ذلك حتى المنظمات الدولية مثل منظمة العمل الدولية التي قام مندوبها بتجاهل وزارة العمل والتعامل مع قطاع الأعمال مباشرة، ويضاف إلى ذلك التحديات الأمنية التي تتمثل في تزايد عمليات الاغتيال الإسرائيلية وتركيزها على كوادر الجهاد وفتح والمقاومة الشعبية، ومحاولة جر التنظيمات إلى اقتتال داخلي كما حصل على خلفية اغتيال «عبد الكريم القوقا» القائد العام لألوية الناصر صلاح الدين الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية، بل وصل الأمر إلى منع موكب رئيس الوزراء الجديد من تجاوز أحد حواجز الأمن الوقائي؛ فإن أهم المكاسب هو عودة القضية إلى البداية وإحياء عدم شرعية إسرائيل وإحياء قضية اللاجئين. ونحن الأن في وضع يتقابل فية حكومة فلسطينية لا تعترف بإسرائيل وحكومة إسرائيلية فازت على أساس شعار تعيين حدود الدولة؛ إنها بداية مرحلة انقلاب يحس فيها اليهود بالخطر؛ فعلينا ألاَّ نضيع الفرصة، ولْنتمسك بالمبادئ.
следующие страницы →