← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

العراق الحرب الأهلية مأساة لكنها ليست مفاجأة ! ربيع الحافظ (*) هل يطلق على ما يحدث في العراق حرباً أهلية؟ هل في ذلك مفاجأة للعراقيين؟ متى يدخل مصطلح «الحرب الأهلية في العراق» في قاموس الإعلام العربي لوصف ظاهرة قتل ألف شخص في الشهر الواحد في مدينة بغداد وحدها؟ يبدو أن هذه التساؤلات ستأخذ بعض الوقت قبل أن تجد إجابات واثقة. القضية الأخرى، هي أنه لم يتبقَّ ما يمكن إضافته إلى ما لاكته ألْسُنُ النقاد والمحللين السياسيين على مدى ثلاثة أعوام، وهم يحاولون دون جدوى وضع بضعة نقاط على حروف خرساء في عناوين تاريخية كبيرة صامتة. تبدو الذاكرة الجماعية للشعوب أقصر الطرق إلى الإجابات الواثقة. فلا زالت الأمهات والزوجات العراقيات يذكرن ويردّدن الروايات التي كان يعود بها أبناؤهم وأزواجهم المعتقلون في إيران إبّان الحرب، ومعاناة الأسير، السنّي على وجه التحديد، في معسكرات الأسر، وبرامج التعذيب المنظم لانتزاع الاعترافات والبوح بمعلومات حساسة عن وطنهم، وعن أسماء العلماء والقادة العسكريين، وإرغام «المشاكسين» منهم على السير فوق حقول الألغام، أو ربط الأرجل بسيارتين تسيران باتجاهين متعاكسين. في هذه المعسكرات كان يضطر الأسرى إلى طمس الهوية المذهبية، وإخفاء أسماء عمر ومروان وعثمان، والتحدث بلهجة تبعد الدلالة عن المدينة أو القرية التي ينتمي إليها، ويخضعون إلى برامج التشييع القسرية. ليس لدى العراقيين شك في أن الصدور المتقيحة بالطائفية والشعوبية كانت الدافع وراء الجرائم التي كانت ترتكب على أرض إيران، وأن الفاعل كان فيلق بدر، التابع لما يسمى «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» ، الذي أسسته وموّلته وسلّحته إيران، ومرشده الروحي عزيز الحكيم الطباطبائي، الفارسي النسب، وحفيد المير علي بن مراد بن شاه، الطبيب الخاص للشاه عباس الكبير الصفوي، الذي غزا بغداد في عام ١٦٢٣ وحوَّلها إلى حَمَّام دم، ووزّع دفاتر لتقييد أسماء أهل السنَّة في بغداد بقصد قتلهم جميعاً، وجعل من جامع أبي حنيفة إسطبلاً لخيوله. هذا ما تقوله لنا ذاكرة العراقيين. السؤال: أين وجه المفاجأة فيما يحدث اليوم؟ في ٩ أبريل ٢٠٠٣ عَبَرَ فيلق بدر الحدود الإيرانية إلى داخل الأراضي العراقية، واستبدلت عناصره لباسها ببزات نقش على أكمامها رمز (IP) ، التي تعني الشرطة العراقية، وزودت الحكومةُ الجديدة الفيلق سيارات تحمل شعار «وزارة الداخلية» ، وأصبح قائد الفيلق الإيراني الأصل، والمنتحل نسباً عربياً، نائباً عن الشعب في المجلس الوطني. أصبح فيلق بدر مرة أخرى وجهاً لوجه مع ضحاياه السابقين، ومع الآخرين الذين لم يقعوا في الأسر، ومع الطيارين الذين حجبوا بطائراتهم الشمس في سماء قُمْ وطهران، ومع العقول التي أنشأت التصنيع العسكري، وصنعت الصواريخ وأبدعت، والذين انتزعت أسماؤهم في معسكرات تحت التعذيب، وحُفظت في دفاتر لمثل هذا اليوم. - ماذا عسى أن يحدث؟ عادت عناصر فيلق بدر لتستأنف المعركة التي ابتدأتها على أرض إيران، وبأيديهم دفاتر الأسماء، يدورون بها كساعي البريد على المنازل، ويبثون الرعب في ساعات منع التجول، وينقضُّون على العلماء والمهندسين ونسور الجو وهم رابضون على الأرض. أجواء معتقلات الأسرى انتقلت إلى بغداد، وفي بغداد اليوم مناشير توزع تحت عنوان: «تظاهر بالتشيع لتنجو من الخطف والتعذيب والقتل» ، ترشد العربي السني إلى كيفية إخفاء هويته ومذهبه، واستعارة أسماء تدفع الشبهة المذهبية، وتعلّمه ألفاظ سبّ الصحابة ﵃ وبني أمية المعتمدة عند الصفويين، وشيئاً من الطقوس الشيعية، والاحتفاظ في داره بعلم أسود، اتقاءً من أذى الميليشيات الطائفية، ونجاة بنفسه من الخطف والقتل. شعوبية الميليشيات الطائفية ليست محلية، وسيسجل التاريخ أن مخيمات الفلسطينيين في الحقبة الصفوية من تاريخ شعوبنا لم تعد على حدود فلسطين، بل على أطراف بغداد الصفويين (عذراً بغداد فأنتِ العربيةُ المسلمةُ أبداً) ، يسامون العذاب بالنيابة عن الجار الصهيوني الجديد، ليس بعيداً عن بابل التي نجت من الدمار المغولي ولم تنج اليوم، والتي كان نبأ تدميرها حبة مهدئة للذاكرة اليهودية المتوترة من الخطر الشرقي. ما يذوقه فلسطينيو العراق ذاقه قبلهم المهجَّرون من أصول فارسية، الذين أبعدهم العراق قبل الحرب مع إيران. لم ينسَ أولئك سوء المعاملة التي قابلتهم بها إيران، ولم يشفع لهم نسبهم الفارسي وحقيقة أنهم شيعة، وكان لسانهم العربي وتلوُّث دمائهم الفارسية بالدماء العربية من خلال المصاهرات، المعصية التي جعلت منهم عرقاً محتقراً، وأخرجتهم من الفردوس الفارسي. وكانت غربة وكآبة منافي أسكندنافيا أهون على أنفسهم من التمييز العرقي الذي لاقوه من «ذوي القربى» . عودة ثانية إلى الذاكرة الجماعية: ما فعله الإيرانيون ووكلاؤهم المحليون بعد أحداث سامراء، وحرقهم المساجد، والقتل العشوائي للعزّل من السنة، كانوا قد فعلوا مثله إبّان ما يسمى بالانتفاضة الشعبانية، التي اندلعت بعد حرب الخليج الثانية ١٩٩١، يوم أن اندفع عشرات الألوف من الحرس الثوري الإيراني و «إطِّلاعات» (المخابرات الإيرانية) إلى المدن العراقية، وعلت استغاثات الناس من هول المذابح على أساس المذهب واللهجة ولون البشرة. تفادي مفاجآت إيران المتعبة ليس أمراً متعباً؛ إنه قراءة إيران، وقراءة نظامها السياسي الذي أتى به انقلاب ١٥٠٠م القومي - المذهبي غير الأبيض، الذي أخرجها من دائرة الحضارة العربية الإسلامية، وجعل منها الخروف الأسود في القطيع الأبيض. الانقلاب الذي جعل من يابسة أرض فارس وموانئها وسمائها موطئ قدم للقوى الأجنبية، ومنطلقاً للصراع الطائفي في المنطقة. إن شعوب المنطقة التي ما عرفت منذ ذلك الانقلاب طعم الراحة والاستقرار، مطالبة تحت استراتيجية إقليمية للحصانة الثقافية والفكرية، بالابتعاد عن التسطيحات، والتعرف على المقدمات المبكرة لتكوُّن هذا النظام، وطبيعته الباطنية، كيف يفكر ويخطط، ما هي أوراقه، وبمن يستعين. (يقول ديبلوماسي غربي مختص بالشؤون الإيرانية: إن التفاوض مع الإيرانيين أشد صعوبة من اقتلاع ضرس من دون مخدِّر) . إن إيران منكشفة اليوم، واستغاثات الشعوب والمذاهب والأقليات من داخل أسوارها مسموعة على مسافات بعيدة، وقضاياهم منشورة ومتيسرة، وتنتظر اليد التي تمتد إليها، وتركّب منها مَصْلاً فكرياً مضاداً للفيروس الصفوي، الذي يَعْبُرُ الحدود دون مصدّ، ويغزو الشعوب دون رقيب، مثلما تفعل إنفلونزا الطيور القاتلة. لن يفهم إيران ويسقط ورقتها الطائفية الشعوبية ويتقي متاعبها، من لا يتعرف على سجل علاقاتها مع جيرانها، والهامش الذي تبيحه لنفسها من وسائل الإيذاء معهم جميعاً (باستثناء الهند) ، بصرف النظر عن لافتتها السياسية (صفوية، قاجارية، بهلوية، حوزوية) ، ويتعرف على طرائقها في الخنق الفكري، وتفكيك الهويات غير الفارسية، وغير الشيعية، بل والشيعية ما دامت أنها غير فارسية، وحتى الفارسية منها إن استوحت التشيع من خارج أسوار الكنيسة الصفوية (اللفظ للمفكر الراحل الدكتور علي شريعتي) . من دون هذه المعرفة، ستتوالى المفاجآت على العرب، ولن يخرجوا من الثمالة السياسية، وصدق الله العظيم: ﴿سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] .

стр. 5602

«الحرية الدينية» ... رأس الحربة الجديدة د. عبد العزيز كامل لم يكد العالم الإسلامي يفيق من إحدى صدمات صِدَام الثقافات، وأكثرها استفزازاً واستغضاباً، وهي قضية الرسوم الفاجرة التي تطاول بها الدانماركيون، ومعهم معظم الأوروبيين والغربيين على شخص رسولنا الكريم ﷺ حتى تفجرت قضية أخرى لا تقل خطورة في مدلولاتها، وإن كانت أقل في تفاعلاتها، وهي قضية الهجوم على شريعة الإسلام تصريحاً أو تلميحاً من معظم دول الغرب باسم «الحرية الدينية» ، بمناسبة تفاعل قضية الرجل الأفغاني الذي ارتد عن الإسلام، ودخل في النصرانية. لقد كان من الممكن أن تمر قضية هذا المرتد عن الدين، كقضايا العديد ممن يرتدون بأشكال وأنواع من الردة كل يوم دون أن يأبه بهم أحد، ولكن تلك القضية أخذت أبعاداً أخرى عقائدية وحضارية وقانونية وسياسية؛ لا ينبغي أن تمر مرور الكرام. وملخص قضية ذلك المرتد ويدعى: (عبد الرحمن عبد المنان) هو أنه كان يعمل مع إحدى المؤسسات الإغاثية التنصيرية في مدينة بيشاور بباكستان عام ١٩٩٠م، أي في ذروة الجهاد الأفغاني ضد الروس، فتنصر راغباً عن التوحيد إلى التثليث، ثم سافر بعد ذلك بثلاث سنوات إلى ألمانيا، محاولاً الحصول على لجوء سياسي لينجو من ملاحقة المجاهدين، لكنه لم يفلح في الحصول على هذا اللجوء، ولم يفلح أيضاً في الحصول عليه من بلجيكا، وبعد عشر سنوات من الإقامة كافراً بين الكفار، عاد إلى أفغانستان عام ٢٠٠٣، بعد سقوط حكومة طالبان، وبدأ يُعلن ردته، فطلبت زوجته الفراق منه، واحتدم الخلاف بينهما حينما طالب المرتد بضم بناته إليه ليكُنَّ معه في دينه ودنياه الجديدة، وظل الخلاف بينهما مدة ثلاث سنوات، ثم رفعت الزوجة أمرها للقضاء الأفغاني، الذي لا يزال بعض قضاته متوهمين أنه يمكن لهم الرجوع لأحكام الشريعة في القضاء والحكم في ظل الاحتلال. حتى تلك المرحلة؛ كان الأمر يبدو وكأنه مجرد مقاضاة في قضية أشبه بالأحوال الشخصية بين زوجين، إلا أن الدول الغربية أعطتها بُعداً آخر، بعدما قرر القاضي الأفغاني محاكمة المرتد على شأن الردة الذي هو أخطر من المظلمة الزوجية، لكن الرجل أصر على أنه التحق بالنصرانية مختاراً، ولن يتحول عنها ... ومن حينها؛ خرجت القضية إلى العالم، على أنها اعتداء على «الحرية الدينية» وشاء بوش وحلفاؤه أن يجعلوا منها سلاحاً حديثاً في الحرب العالمية على الإسلام. تحت هذا العنوان «الحرية الدينية» التي تعد الوجه الاعتقادي في الليبرالية الغربية؛ بدأت الولايات المتحدة ومعظم دول الغرب في خوض حملة مكثفة للإفراج عن المرتد، قبل أن تبدأ محاكمته أو حتى استتابته! وبدأ الرجل يظهر في وسائل الإعلام الغربية وبيده نسخة خاصة من الإنجيل، مكتوبه بلغة محلية لأغراض التنصير، وبدأت في موازاة ذلك حملة عالمية لنصرة ذلك المرتد، احتفت بها وسائل الإعلام الدولية، ولم تحفل بها كثيراً وسائل الإعلام العربية والإسلامية رغم خطورتها وحساسيتها، ولا ندري لماذا كان هذا التجاهل؟! الحاصل أن الحملة بدأت بسرعة كبيرة، ولكنها انتهت وطويت بسرعة أكبر، لا لأن الغرب أراد حسمها عاجلاً لتفادي المزيد من (صدام الثقافات) ؛ ولكن لأن «الخصم» رفع الراية البيضاء مبكراً، قبل أن تحتدم المباراة الأحدث داخل حلبة الصراع الحضاري! صدر الكثير جداً من الكلمات والتصريحات على ألسنة الزعماء السياسيين والكتاب والمفكرين في الغرب باسم (الحرية الدينية) مع القليل جداً أو النادر من جانب الزعماء السياسيين والكُتَّاب والمفكرين في الجانب العربي والإسلامي، مع أن جوهر القضية متعلق بأصل التحاكم إلى الشريعة الإسلامية، وليس مجرد الحكم على مارق عنها خارج عليها يعلم الجميع أنه لن يُنفذ. ٣ تدخَّل جورج بوش ـ شخصياً ـ بوصفه رئيساً للولايات المتحدة «زعيمة العالم» ، ليثبت مرة أخرى أن الولايات المتحدة ماضية في حربها للإسلام عقيدة وشريعة، وقال في خطاب له في ولاية فرجينيا: «إنني منزعج جداً لسماعي أن شخصاً تحوَّل عن الإسلام قد يعاقَب على ذلك، هذا ليس بالتطبيق العالمي للقيم التي تحدثنا عنها» .. «من المزعج للغاية، أن بلداً ساعدناه على التحرر يعاقب شخصاً لاختياره ديناً آخر» .. «إن لدينا نفوذاً في أفغانستان وسنستعمله، لنؤكد لهم أن هناك قيماً عالية يجب احترامها» !! هذا بعض ما صرح به بوش، لكن الذي لم يصرح به؛ هو أن «التحول عن الإسلام» على حد وصفه هو أحد الأهداف الرئيسية التي لأجلها فتحت أبواب التنصير في أفغانستان وفي غيرها، في الوقت الذي أغلقت فيه الأبواب أمام الجمعيات الإسلامية الخيرية الإغاثية في كل مكان. وما لم يصرح به أيضاً.. هو أن ما سماه «التطبيق العالمي للقيم التي تتحدث بها أمريكا» يهدف إلى أن تمنح الدول الإسلامية كل الحق لأي مسلم ـ من ناحية قانونية ـ أن يعتنق أي دين غير الإسلام، وأن يدعو إليه، وألا تعرقل أي حكومة جهود أي ملة أو نِحْلة تريد أن تنشط بدعوتها بكامل حريتها في أوساط الشعوب الإسلامية تحت حماية القانون الدولي والمحلي. ٣ أما كوندليزا رايس التي تعتبر نفسها وزيرة خارجية العالم، فقد ذهبت أبعد مما ذهب إليه بوش وقالت: «لن أتوقف عن ممارسة الضغط حتى يفرج عن عبد الرحمن» .... «إن هذا أمر مقلق للغاية.. لقد اتصلت بكرزاي، وأثرت معه الموضوع بأشد لهجة ممكنة، لكي تؤكد أفغانستان تمسكها بالدستور الجديد الذي ينص على احترام حقوق الإنسان» .. «الحرية الدينية مبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية» . ٣ وأما الصحافة الأمريكية، فقد وجدت في الموضوع فرصة لإثارة قضية تراها أهم، وهي قضية تضمين الدساتير في الدول الإسلامية إشارات تعتبر الشريعة الإسلامية مصدراً من مصادر التشريع، وتساءلت: هل يتناسب هذا مع الهدف الذي لأجله تسيِّر أمريكا جيوشها وتضحي بشبابها ... ؟! ٣ قالت صحيفة نيويورك تايمز في مقالها الافتتاحي في ٣ مارس ٢٠٠٦ تحت عنوان (سخط على أفغانستان) : «يجب على الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان مراجعة القوانين المعمول بها هناك» .. «إن أفغانستان ليست الحليف الوحيد الذي يطبق قوانين دينية قاسية» .. «إذا كانت أفغانستان تريد العودة إلى أيام طالبان فلتفعل، ولكن من دون مساعدة أمريكية» . ٣ وقالت صحيفة الواشنطن بوست في مقال لها في ٢٣ مارس ٢٠٠٦، تحت عنوان (أطلقوا سراح عبد الرحمن) : «من الناحية النظرية، ينص الدستور الأفغاني على ضمان الحرية الدينية، ولكن في الوقت نفسه ينص على أن الشريعة الإسلامية قانون البلاد، ولم يمض وقت طويل حتى ظهر ضرر هذا التعارض» .. «لقد أمضى الرئيس كرزاي وقتاً طويلاً لتفادي أزمة دستورية بسبب التعارض بين مبدأ الحرية الذي يكفله الدستور، وبين مبدأ العمل بالشريعة» ... «ما جدوى أي إنجاز للجنود الأمريكيين إذا لم ينجحوا في إنهاء تلك الحقبة الهمجية المنتمية إلى القرون الوسطى» . ٣ وأما مجلة ناشيونال رينيو الأمريكية الصادرة في ٢٢ مارس ٢٠٠٦، فقد قالت في مقال لها بعنوان: (نحن وأفغانستان ومشكلة الشريعة) : «نحن نحصد ما زرعناه في أفغانستان، ما يحصل هناك هو ما جلبناه على أنفسنا حين شاركنا في صياغة دساتير لا تفصل فصلاً تاماً بين السلطتين الدينية والمدنية» ... «لقد جعل هذا الدستور الإسلام دين الدولة، جاعلاً للشريعة قوة مهيمنة على القانون، وناصّاً على ضرورة «دراسة» الفقه الإسلامي، وبعد كل هذا نأتي لنحتج على ذلك كنتيجة لهذا التداخل.. إن هذا يعد احتجاجاً فارغاً» ! ٣ وفي صحيفة (ببتسبيرج تريبيون) صحفي يهودي من المحافظين الجدد، وهو باتريك بوكانان، علق على قضية المرتد في مقال له بعنوان: (أي ديمقراطية هذه؟) قال فيه: «أي ديمقراطية هذه التي يفاخر بها الرئيس بوش، هل هذا شيء يستحق أن نرسل شبابنا الأمريكي للحرب أو الموت من أجله؟ إذا كان الشعب الأفغاني متقبلاً محاكمة ومعاقبة عبد الرحمن لتركه الإسلام؛ فما هي الرسالة التي نستشفها عن مدى تسامحهم مع المسيحية ومدى التزامهم بالحرية الدينية؟» ومما قاله أيضاً: «لا يبدو أن المسيحية في وضع أفضل في تلك الديمقراطية الجديدة الأخرى في العراق» .. «إن المسيحيين يهربون إلى سورية فراراً من الاضطهاد في العراق، وإن المحافظين الجدد الذين يتوقون إلى تحرير سورية كما حرروا العراق؛ إذا نجحوا في ذلك فليتولَّ الله المسيحيين في سورية حينئذ؛ لأنهم سيعاملون مثلما يعامَل المسيحيون في العراق» . ٣ انتقل التصعيد إلى أكثر من بلد أوروبي، بل إلى كل دول أوروبا ممثلة في الاتحاد الأوروبي، حيث ألقى هذا الاتحاد بثقله وراء حملة «الحرية الدينية» وأعلن على لسان وزيرة الخارجية النمساوية التي تترأس بلادها الاتحاد الأوروبي في دورته الحالية أن: «على الاتحاد الأوروبي أن يبذل ما بوسعه للإفراج عن الأفغاني الذي اعتنق النصرانية» .. «إن رئاسة الاتحاد الأوروبي ستتابع الوضع عن كثب، وستقرر الخطوات التالية حسب تطور القضية» . ٣ وقد هددت معظم الدول الأوروبية بوقف المساعدات عن أفغانستان إذا لم تفرج عن الأفغاني المرتد، ودخلت على خط المطالبة الرسمية بالإفراج عنه كل من بريطانيا وفرنسا وكندا وهولندا والنمسا والدانمارك وألمانيا التي هددت بسحب قواتها العاملة لحماية نظام كرزاي في أفغانستان المحتلة، وتبعتها في التهديد بلجيكا. أما إيطاليا فقد أرادت أن يكون لها دور يليق بموقعها كدولة راعية للنصرانية الكاثوليكية في العالم؛ فقد دعا البابا الجديد (بندكيت) إلى الإفراج الفوري عن الأفغاني المرتد وطالب باستعمال الرأفة معه، واستدعت إيطاليا سفيرها في أفغانستان وأعلنت ـ بعد مطالبتها بالإفراج عن المرتد ـ أنها مستعدة لاستضافته كلاجئ سياسي، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ آتت تلك الحملة العالمية النصرانية لمناصرة المرتد ثمرتها العاجلة بالإفراج السريع عنه رغماً عن الدستور الأفغاني والقضاء الأفغاني والبرلمان الأفغاني والشعب الأفغاني، بالرغم من ثبوت الاتهام ضده، واعترافه به وإصراره عليه! - قصة أخرى ... ومواقف أخرى: مرت في السنوات الأخيرة قصة أخرى بتفاعلات مختلفة أعطت معنى إضافياً للحرية الدينية في فهم أنصارها من النصارى، حينما تتعلق تلك الحرية بالدخول في الإسلام لا الخروج منه، والقصة تتعلق بامرأة مصرية مارست حقها في «حرية الاعتقاد» التي ينادي بها الغرب، وغيَّرت دينها من النصرانية إلى الإسلام بكامل حريتها وإرادتها؛ فماذا كان موقف المسؤولين وغير المسؤولين من المسلمين وغير المسلمين؟ وماذا كان موقف دعاة حرية الاعتقاد وحرية التدين..؟! تبدأ القصة بمشاهدة المرأة برنامجاً في التلفزيون المصري، يتحدث عن الإعجاز العلمي في القرآن، حيث تأثرت به، وبدأت تسأل زملاءها في العمل عن هذا الموضوع الذي أهمها كمهندسة زراعية، فزودها بعضهم بإفادات ومصادر عن الموضوع، فزاد تعلقها وشغفها بالاطلاع على أسرار القرآن، وقادها ذلك إلى الهداية، وانشرح قلبها بالإسلام، فدخلت فيه سراً خوفاً من أسرتها، ومن زوجها الذي كان يعمل كاهناً في إحدى الكنائس المصرية، ولها منه ابن وابنة كلاهما جامعيان. وظلت المرأة على إسلامها سراً تصلي وتصوم وتقرأ القرآن، حتى حفظت منه سبعة عشر جزءاً، ثم عرفت ابنتها بالأمر، ومع الوقت عُرف أمرها من قِبَل أسرتها وزوجها.. وأهم من ذلك.. من قِبَل الكنيسة! لقد كان من الممكن أن يمر الأمر كعشرات الحالات من الدخول في الإسلام سواء كان من مصريين أو أجانب، وهو ما يقره القانون المصري، إذا لم يكن عن قسر وإكراه، إلا أن المناخ الدولي المغاير، وجد من يريد استغلاله، وشاءت زعامة الكنيسة أن تصعِّد الأمر، وتصنع منه سابقة تجعل من دخول النصارى في الإسلام مشكلة، ريثما يأتي الوقت الذي يسوِّغون فيه دخول المسلمين في النصرانية بلا أي معضلة، لهذا اعتصم راعي الكنيسة في ديره حتى تُسلَّم المرأة المسلمة لكنيسته. وأخذت القضية أبعاداً خارجية، وبدأت الجاليات النصرانية المصرية في الغرب تولول على المرأة التي يمكن أن يفتح إسلامها الباب أمام المزيد من الدخول في الإسلام، باعتبار أن زوجها الكاهن لم يفلح في اقناعها بالردة عن الإسلام. لقد تفاعلت الأحداث بابتزاز داخلي، وضغط خارجي، حتى سُلّمت المرأة للكنيسة دون أن تقوم لنصرتها حملة عالمية ولا محلية رسمية ولا شعبية، حتى أعلن النائب العام المصري بعد مدة من الحجز الكنسي (خارج إطار القانون) أن المرأة عادت إلى النصرانية ولم يبين كيف ولماذا؟! إلى هنا انتهت قصة المرأة التي أسلمت ثم أُجبرت على التنصر، والتي وإن انتهت حكايتها كقصة مأساوية، إلا أنها لم تنته كقضية اعتقادية، تماماً مثل قضية الأفغاني المرتد عن الإسلام، التي يمكن أن تكون قد انتهت كقصة محلية، لكنها لن تنتهي كقضية دولية. ولنا على القصتين أو القضيتين وقفات وتعليقات: أولاً: ما حدث في أفغانستان، قابل لأن يتكرر في أي مكان من العالم الإسلامي، يرتد فيه شخص أو عدة أشخاص عن الإسلام، وسيفتح هذا باب التشجيع لكل من أراد أن يكون محوراً لحديث العالم واهتمام الغرب واحتفائه وتكريمه، والمشكلة هنا ليست في تعطيل حد الردة، فهو معطل منذ زمن، ولكن في إباحة تلك الردة وإتاحتها في ظل حماية قانونية محلية عالمية. ثانياً: كل الحجج والمسوِّغات التي استند إليها الغرب في القيام بحملته ضد حكم الردة في الإسلام (مع أنه لا يُطبق أبداً) يمكن أن تستخدم ويُستند إليها في بقية أحكام الشريعة في الجزاءات المتعلقة بجرائم شرب الخمر والسرقة والزنا والفواحش، وغيرها من الكبائر التي تجرِّمها وتحرِّمها الشريعة، وهذا مكمن خطر مستقبلي، ومدعاة لتكرار الحملة الدولية على شريعة الإسلام في وقائع أخرى وأحكام أخرى، بذرائع مشابهة مثل: «الحرية الشخصية» .. «قسوة العقوبة» .. «ضرورة الاحتكام إلى قوانين لا دينية مدنية» . ثالثاً: هناك حملة قادمة ضد الدساتير في العالم الإسلامي لحذف كل ما يتعلق بالشريعة منها برغم علمانيتها، والدستور الأفغاني في ظل الاحتلال، قد أشرف الأمريكيون على صياغته؛ بحيث يستبعد حاكمية الشريعة بالمرة، إلا أن بعض «الثغرات» التي تشير إلى «احترام الشريعة» من الناحية الشكلية بقيت، فثارت على أثرها هذه الضجة الدولية، وطالب الثائرون بعد حادثة المرتد بـ «تنقية» الدساتير في العالم الإسلامي من أية إشارة إلى الشريعة، وعلى هذا فإن هذه الدساتير التي وضعت، والتي ستوضع أو تعدل، ستظل قنابل موقوتة، تتفجر كلما طالبت جماهير الأمة بحقها وواجبها في الاحتكام إلى شريعة الإسلام الذي تدين به. رابعاً: أي سيادة للدول تبقى، وأي إرادة واستقلال للشعوب يصدُق، عندما يصل «القهر الديمقراطي» ، إلى حد إجبار الحكومات على تعديل دساتيرها وتسليم رعاياها لدول أجنبية في الخارج، أو لأقليات متسلطة في الداخل، حيث يُجَرَّمُ بريء، أو يُبَرَّأُ مجرم؟ وهل نحن دخلنا بالفعل في عصر «الحكومة العالمية» التي لا تعترف إلا بمن يعترف بسيادتها وقيادتها وشريعتها؟ خامساً: عندما نقارن بين مستوى حملة النصرة التي قام بها الغرب كله «رسمياً» ، على المستوى السياسي والإعلامي للرجل الذي خرج عن الإسلام نابذاً القرآن وحاملاً الإنجيل، بالموقف «الرسمي» المتخاذل والمخزي عربياً وإسلامياً، داخلياً وخارجياً من المرأة التي أحبت القرآن حتى دخلت في الإسلام، ندرك الفارق بين منزلة الإسلام والقرآن عند قوم، ومنزلة النصرانية والإنجيل عند آخرين. سادساً: بعض الجهات الإسلامية المحسوبة على الفقه الإسلامي «الأوروبي» انبرت تدافع عن «حق الردة» إي واللهِ.. «حق الردة» ! مرددة مقالة ضالة تزعم أن الإسلام كفل لأتباعه أن يخرجوا منه وقتما شاؤوا دونما أي مساءلة أو عقاب، وأن هذا من «حقوق الإنسان» التي أعلنها الرسول ﷺ في حجة الوداع!! وهذا القول الساقط، الذي تجاوزته ثقافة العوام، يجد اليوم من يردده باسم الفقه والدين؛ فإلى الله المشتكى من هؤلاء الذين يسوِّغون للطغاة طغيانهم، وللكفار كفرهم. سابعاً: أسوأ ما في الموقف (شبه المتعاطف) مع المرتد الأفغاني، كان ذلك التصرف الذي صدر من بعض المحسوبين على العلم في مصر أثناء أزمة المرأة التي أسلمت؛ إذ صدرت وقتها تصريحات تقول: «وماذا سيستفيد المسلمون من دخول امرأة جديدة في الإسلام؟! وهل نحن في حاجة إلى مسلمين جدد، والعالم الإسلامي يزيد سكانه عن مليار مسلم..؟!! وهو كلام لا يصدر إلا ممن لا يعرف حقيقة أن الأمة كلها مسؤولة أمام الله ـ وعلى رأسها علماؤها ـ إذا تسببوا في انتكاس إنسان عن الحق، حتى يكون مصيره مع الكافرين في النار. ثامناً: الموقف الإعلامي في العالمين العربي والإسلامي، لم يكن له حضور يذكر في أزمة الهجوم على الشريعة المتزامن مع قضية الردة، مثلما كان الأمر أثناء أزمة الهجوم على العقيدة المتزامن مع قضية الرسوم المسيئة، والسبب فيما يظهر أن الوعي بخطورة الهجوم على الشريعة قد تضاءل لدى الشعوب من كثرة إهمالها في بلاد المسلمين في ظل الهيمنة العلمانية، وهو ما يوجب على علماء المسلمين ودعاتهم أن يعيدوا الاعتبار إلى مفهوم الشريعة بمعناها الواسع المرادف للدين، كما دل عليها قول الله ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] . تاسعاً: في الوقت الذي يحارب فيه الغربيون الأعمال الإغاثية الإسلامية وأنشطة الجمعيات الخيرية ويطاردونها في كل مكان؛ فإن أعمال التنصير من خلال المنظمات التبشيرية التنصيرية، تنشط في معظم بلاد المسلمين بلا حسيب أو رقيب، وقد كان ذلك الضال المرتد أحد ضحاياها، عندما أتيحت لها «الحرية» لتعمل على إخراج المسلمين من دينهم، أو على الأقل تشككهم فيه، باسم «الحرية الدينية» ، و «حرية التعبير» عن المعتقد. ومن المؤسف هنا ـ بل من المفجع ـ أن نرى بعض المحسوبين على حماية الدعوة ونشرها، يسمحون بما يسمى بـ «حرية التنصير» في بلد الأزهر؛ وذلك من خلال التوقيع على وثيقة تدعو إلى ذلك، كبرهان على «سماحة الإسلام» وأنكى من هذا وأشد، أن يسمح في ذلك البلد ذاته، الذي تزيد نسبة المسلمين فيه عن ٩٠%، بقبول النِّحْلة (البهائية) كديانة معترف بها لمن اعتنقها من المواطنين، بحيث تُثَبَّت في البطاقة الشخصية أو بطاقة الهوية مع أن تلك النِّحْلة الضالة تقوم على إنكار عقيدة (ختم النبوة) بمحمد ﷺ وادعاء أن خاتم الأنبياء، هو (المرزا حسين علي) الملقب بـ (البهاء) . وقد جاء القرار بقبول واعتراف بتلك الديانة المسخ استجابة لضغوط أمريكا من خلال تقريرها السنوي عن الحرية الدينية في العالم، والذي وبخت فيه الحكومة المصرية على عدم قبولها بالحرية الدينية، وامتناعها عن الاعتراف بالطائفة البهائية! عاشراً: كان المسوِّغ المعلن للإفراج عن المرتد من طرف دولة أفغانستان «المستقلة» أنه تبين (لعدالة المحكمة) فيها أن المتهم مختل عقلياً..!! وهو تسويغ ربما رأى القضاة الأفغان فيه حسن تخلص من الورطة التي دخلوا فيها؛ باعتبار أنه لا يمكن أن يخرج من الإسلام مختاراً، إلا من سفه نفسه، وفقد عقله، ومع هذا فالأمر لا يخلو من مفارقة مضحكة؛ إذ كيف ثارت كل هذه الضجة في الغرب، حتى صارت أشبه بمقدمات إعلان الحرب، من أجل «مجنون» ؟! ألأجل هذا (المجنون) هُددت أفغانستان بقطع المعونات، وإغلاق السفارات وسحب القوات وفرض العقوبات؟!.. ولأجل جنونه وسواد عينيه تبرع «العقلاء» في إيطاليا بمنحه (حق اللجوء السياسي) قبل أن يعود إلى عقله، بعودته إلى دينه؟! أحقاً كل هذا من أجل مجنون؟! اللهم احفظ علينا عقولنا..!

стр. 5603

الدولة الصهيونية بعد فوز حزب كاديما: قراءة في التحولات بلال الشوبكي (*) «انسحاب من قطاع غزة، وآخر جزئي من الضفة، حزب جديد على الساحة، والجدار ما زال مستمراً» . بهذه الوقائع تُطرَق أبواب الحكومة الجديدة. تُطرَق وضجيج التساؤلات يحيط بها من كل جانب؛ فإلى أين تسير حكومة القوم؟ أإلى حلم جديد يعبر عن تغير أيديولوجيتها؟ أم إلى ذلك القديم وإن بتغيير وسائلها؟ هل ما استجد من تطورات على الساحة الصهيونية مثير للغرابة؟ أم أن الاستغراب مما يجري هو الأكثر غرابة. نعم! بنت دولة يهود الجدار، وانسحبت من غزة، وتمخضت «فولدت كاديما» ، هل ملّت دولتهم ضربات المقاومة؟ أم باتت تجهز لفصل جديد من الصراع معها؟ تعالت الأصوات التي تقول: تغيَّر الصهيونية، لكن أياً منها لم يقل كيف تغيرت ولماذا؟ قالوا تغيرت وكفى. هل تخلت دولتهم عن طموحها وحلمها بأرض (إسرائيل الكبرى) كما يزعمون، وهل خروجها من غزة يدل فعلاً على ذلك؟! هل تنازلوا عن تاريخها المزعوم؟ هل اكتفت بهذا الجيتو داخل الجدار؟ أمِنَ الممكن أن يكون فوز كاديما ميلاداً لمنطلقات أيديولوجية جديدة؟ أم هو الطريق الجديد نحو القديم؟ الكثير من المحللين حاولوا تفسير ما يجري في دولتهم على أنه تغير جذري يعود بنا إلى الصهيونية، وما تدعو له من تحقيق حلم دولتهم الكبرى، والأساطير اليهودية التي حاولوا الترويج لها على مدى قرون مضت؛ فالحكم على التطورات الجديدة في الدولة الصهيونية على أنها تغير استراتيجي ونكوص عن الحلم المزعوم، يلغي مئات السنين من العمل الصهيوني من أجل فرض وقائع على الأرض تجعل من أساطيرهم حقائق مقبولة من قِبَل الشعوب الأخرى. لذلك فإن اعتبار التطورات الأخيرة في دولتهم لا تصب في خدمة الأهداف الصهيونية، أو أنها تعبر عن تحول أيديولوجي تُغْفِلُ في واقع الأمر عدة نقاط: ١ ـ دولتهم دون تاريخ؛ فقد شهدت خروجاً من التاريخ قرابة ألفي عام، وهذا يعني ضرورة تمسكهم بتاريخها المزعوم؛ إذ إن أي خطوة من قِبَلها للتراجع عن ادعاءاتها الصهيونية، تعني نفياً لكل تاريخها، ومن ثم أحقيتها في أرضهم المحتلة التي اغتصبوها. ٢ ـ انسحابهم من أراضٍ فلسطينية لا يعني أنها تخلت عن أسطورة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض؛ لأن في ذلك إقراراً منها بأنها دولة استعمارية. ٣ ـ هذا بالنسبة للانسحاب. أما بالنسبة للجدار؛ فبالرغم من أنه يؤيد التفسير السابق الذكر من أن دولتهم تتغير جذرياً إذا ما فُسِّر الجدار على أنه حدود سياسية، لكن تفسير إقامة الجدار من وجهة نظر تاريخية، يعطينا تأكيداً على تمسكهم بأساطيرها؛ فالجدار لا يمكن فهمه تاريخياً إلا ضمن أسطورة شعب الله المختار الذي يرفض التعامل مع الأغيار (غير اليهود) . وهذا الرأي بشأن عدم إمكانية تخليهم عن أساطيرها، جاء بشكل أكثر تفصيلاً في كتاب الدكتور محمد أحمد النابلسي، بعنوان «سيكولوجية السياسة العربية، العرب والمستقبليات» . حيث يفرد لهذه القضية جزءاً خاصاً يعالج فيه إمكانيات التحول في النهج الصهيوني، ليتوصل إلى أن دولتهم لا يمكن لها التراجع عن أي جزئية من أساطيرها؛ لأن ذلك يعني التشكيك في كل ما تدعيه. ومما يضعف أيضاً من وجهة النظر التي ترى في التطورات الأخيرة في دولتهم تغيراً أيديولوجياً، هو ما سنورده من تدعيم لوجهة النظر القائلة إن المستجدات الأخيرة على الساحة الصهيونية، إنما هي في حقيقة الأمر لا تتجاوز التحول التكتيكي في طريقة التعامل مع قضية الصراع في المنطقة، وأسلوب العمل من أجل تحقيق أهداف دولتهم المغتصبة. فبالرغم من حدة التغيرات الصهيونية الأخيرة، والتعاطي مع تفسيرها بنوع من الدهشة والحيرة نتيجة لخروج دولتهم عن الخط التقليدي في التعامل مع أطراف الصراع، إلا أن ما جرى يمكن فهمه وتفسيره من خلال المنطلقات الآتية: أولاً: تغير مفهوم الأمن القومي: يمر مفهوم الأمن حالياً بمنعطفات جديدة تحمّل هذا المفهوم معاني جديدة، هذه المنعطفات إنما تأتي كتعبير واضح عن دخول لاعبين جدد في المشهد الدولي؛ إذ إن احتكار الدولة القومية دور المؤثر في تشكيل معالم الوضع الدولي لم يعد قائماً، وهذا ما أدى إلى دخول عناصر جديدة كمهدد لأمن الدول غير ذلك الخطر المتمثل بالدول المماثلة. هذه التطورات التي وسّعت من مفهوم الأمن ليضم جوانب أخرى جعلت منه مفهوماً إنسانياً، وعالمياً، أدى إلى اتباع الدول طرقاً جديدة للحفاظ على أمنها القومي؛ فلم يعد الحفاظ على الحدود هو تحقيق الأمن، ولم يعد الخطر العسكري هو التهديد الوحيد لأمن الدول؛ هذا ما دفع الكثير من الدول لتغير من استعداداتها الأمنية، وأساليبها التقليدية في الحفاظ على مصالحها، وتحقيق أمنها بشكل عام. ما نريد الخلوص له من وراء الإشارة لتغير مفهوم الأمن القومي، والذي لا مجال لذكر أسبابه الآن هو أن ما حدث مؤخراً من تغيرات غير تقليدية في العمل السياسي الصهيوني، لا يمكن فهمه بمعزل عما يشهده العالم اليوم من تعاطٍ جديد مع مفهوم الأمن، وما يمكن أن يشهده في تعاطيه مع مفهوم الدولة مستقبلاً، والتي بالرغم من تقدير معظم الخبراء على أنها ستبقى المؤسسة الأهم حتى في ظل التغيرات العالمية الجديدة، إلا أن وظائفها ستُطَوَّع وتُكَيَّف تبعاً لهذه التغيرات؛ وهذا ما أشارت إليه الباحثة في العلوم الاجتماعية والإعلام (ليلى حلاوة) في إحدى كتاباتها بعنوان (السيادة.. جدلية الدولة والعولمة) . فدولة الصهاينة أيقنت أن أمنها بالمفاهيم الجديدة لا يمكن تحقيقه، في ظل الانعزال عن محيطها الإقليمي، بل إن انخراطها في محيطها الإقليمي ومن ثم العالمي هو الأداة الأكثر فاعلية للحفاظ على الأمن والمصالح التي تعدت حدود الدولة القومية؛ فالاعتمادية المتبادلة بين الدول وخاصة في المجالات الأمنية، تجعل من غياب تواصل الدولة مع فضائها الإقليمي تهديداً لأمنها؛ فكيف لإسرائيل التغاضي عن ذلك؟ ثانياً: حاجتهم إلى المقبولية العربية والإسلامية: ربما يكون التشابك قوياً بين هذه الجزئية وما سبقها، إلى الحد الذي يصعب الفصل بينهما؛ فالحاجة إلى تحقيق الأمن بمفهومه الشامل، تتطلب ـ كما أشرنا ـ انخراطاً في المحيط الإقليمي، لكن هذا يتطلب مسبقاً تحقيق المقبولية من قِبَل الإقليم المحيط والاعتراف بشرعية الوجود ككيان طبيعي، وهذا ما يمكن على أساسه تفسير ما أقدمت عليه الدولة الصهيونية ـ على يد مؤسسي حزب كاديما الفائز ـ من انسحاب من غزة وما يطرح حول احتمالية انسحابها من أجزاء أخرى من الضفة؛ فبالرغم من أن للمقاومة الفلسطينية دورها الفاعل في الانسحاب، إلا أن دولتهم استثمرت خسارتها هذه، فحاولت تحقيق المكاسب السياسية والدبلوماسية، كمكافأة لها على تنازلها. وبالرغم من أن الدولة الصهيونية عملت منذ عقود على استغلال أي فرصة تحمل في طياتها إقامة روابط وعلاقات مع دول إسلامية وعربية، إلا أنها لم تنجح بشكل كامل في ذلك، مما دفعها إلى تغيير أسلوبها في ذلك؛ فبدلاً من انتظار الفرص من أجل بناء العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، تقوم دولتهم حالياً باقتناص الفرص من خلال ما أقدمت عليه من انسحاب صوَّرته بالتنازل من جانبها من أجل السلام والاستقرار، ومقدمة هذا الانسحاب للدول المحيطة كي تجد هذه الدول مبرراً للتعامل مع هذا الكيان على الأقل أمام شعوبها. وما يدل على ذلك الحملة الدبلوماسية المكثفة التي قامت بها وزارة الخارجية لديهم بقيادة (سلفان شالوم) ، والتي صبت كل اهتمامها على صنع علاقات جديدة مع الدول الإسلامية، وهذا تزامن مع فترة الانسحاب الأخير من قطاع غزة؛ فقد بينت وسائل الإعلام حينها اللقاءات التي جمعت بين مسؤولين صهاينة وآخرين من الباكستان وماليزيا وإندونيسيا، وهذا يحقق لهم عدة مكاسب، منها التخفيف من أثر حملاتها القمعية ضد الفلسطينيين على المستوى الإسلامي، وبما أن جزءاً هاماً من القضية الفلسطينية، هو ذو صلة وثيقة بالمسلمين وخاصة فيما يتعلق بمدينة القدس، فإن إقامة علاقات جيدة مع الدول الإسلامية، قد يساعد دولتهم في التعامل مع هذه القضايا؛ إضافة لفتح المجال أمام علاقات تجارية متميزة مع دول كبيرة مثل إندونيسيا. وبالنسبة للفوز الذي حققه حزب «كاديما» فهو تعبير واقعي عن تغير الأساليب الصهيونية وليس الأهداف؛ فمؤسسو الحزب أيقنوا بضرورة إنشاء مؤسسة جديدة تكون الإطار الذي من خلاله ينطلقون بالنهج الجديد، وما يؤكد أن الحزب الجديد هو وسيلة لأشخاص بارزين وليس تعبيراً عن تحول أيديولوجي لهؤلاء، هو ضم الحزب الجديد لأعضاء من أحزاب مختلفة أمضت عقوداً وهي في تنافس (الليكود والعمل) لكن بالرغم من انضمامهم لكاديما فما زال يُنظر إليهم على أنهم في أحزابهم السابقة، وهذا ما هو حاصل مع بيرس. كما أن الفترة البسيطة التي اقتضاها إقناع بيرس للدخول في الحزب الجديد تؤكد أن الحزب الجديد لم يؤسس على تغير أيديولوجي. أما بالنسبة لطموح (أولمرت) ومؤيديه بتغيير نظام الانتخابات كي يتمكن الصهاينة من اختيار رئيس الوزراء مباشرة، هو عدم إمكانية السير وفق النهج الجديد في ظل ابتزاز الأحزاب الصغيرة للأحزاب الكبيرة؛ فالحاجة دائماً لائتلافات من أجل تشكيل حكومة، تقيد الحزب الفائز، وهذا ما يلاقي حالياً انتقاداً واسعاً من قِبَل الأكاديميين والنخب الصهيونية؛ لأن في النظام الحالي ـ كما يؤكدون ـ إعاقة لتحقيق المصلحة العامة من قِبَل أقليات سياسية. ثالثاً: طموح الدولة الصهيونية أن تكون لاعباً ريادياً على الساحة العالمية: ما يؤكد طموح واهتمام الدولة الصهيونية وحلفائها بتحولها إلى لاعب ريادي على المستوى العالمي هو المشاريع الجديدة التي قدمت لإعادة هيكلة الشرق الأوسط، مثل المشروع المتوسطي، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث يلتقي المشروعان في تحويل دولتهم إلى كيان طبيعي داخل منطقتها العربية والإسلامية، لكن ما يميز مشروع الشرق الأوسط هو تحويلها إلى دولة رائدة وقيادية في محيطها، كممهد لانطلاقها على المستوى العالمي، والذي بدأ الحديث عنه بضرورة ضم دولتهم للعضوية الدائمة لمجلس الأمن. هذه الأهداف الإقليمية والعالمية تتطلب نهجا آخر، يمكن أن تكون التطورات الأخيرة جزءاً من هذا النهج؛ فدولتهم بحاجة لتقديم شيء ولو كان ظاهرياً حتى تصنع المبرر للحكومات العربية والإسلامية كي تتعاطى معها، وانسحابها من غزة وإمكانية انسحابها من الضفة، وإن كان يشكل نصراً للمقاومة؛ إلا أنه في ظل تغير مفهوم الأمن واحتمالية تراجع دور الحدود، لا يعد خسارة كبيرة لإسرائيل؛ لأنها وضمن خططها الحالية ستعود إذا ما حققت صفة الكيان الطبيعي في المنطقة، لكن عودتها ستكون بأشكال جديدة تعطي وجودها الشرعية. لكن الدولة الصهيونية ووفقاً لتحولها التكتيكي الذي يعبر عن منهج جديد في العمل، ما زالت تلعب على وتر الحكومات مغفلة دور الشعوب في التأثير، لكن ما حدث مؤخراً من تقدم للإخوان المسلمين في الانتخابات التشريعية المصرية، وفوز حماس في التشريعي الفلسطيني، إنما يعبر عن توجه جديد ومكثف من قِبَل الشارع العربي نحو التغيير لصالح التوجه الإسلامي، وهذا ما يمكن أن يعطل طموح الدولة الصهيونية بالتحول إلى عضو يتمتع بالمقبولية في محيطه العربي والإسلامي ما دام أن كثيراً من قومنا يتدافعون للسلام المزعوم كتدافع الذباب على الشراب. والله المستعان.

стр. 5604

فتح واحتراف الغباء السياسي أحمد فهمي أن تكون ذكياً، فهذا أمر جيد، وأن تتذاكى فلا بأس إن كان يفيد، لكن أن تكون ذكياً وتتغابى؛ فذلك أمر يُحيِّر. والمشكلة تواجهنا عند محاولة تفسير مواقف حركة فتح من حماس منذ إعلان فوزها بالانتخابات التشريعية؛ فقادة فتح «المخضرمون» يطلبون من حماس أن تقدم كل التنازلات الممكنة لإسرائيل قبل أن تحصل على مقابل لها، وهذا في تقديري فعل ربما يصل إلى درجة الخيانة العظمى؛ لأن القضية الفلسطينية حققت مكاسب هائلة بفوز حماس الذي انتشل سقف المطالب الفلسطينية عالياً من بين أنقاض حركة فتح، كما أن القاعدة الأولى في التفاوض هي: لا مساومة على تنازل تم تقديمه مسبقاً، ومن ثم فإن ضغط فتح على حماس من أجل أن تتساوى معها في الهاوية إنما مبعثه التنافس والحقد والمصالح الشخصية التي تتناوش أطراف فتح من كل جهة. وهذه المطالب التي يرددها قادة الحركة وكأنهم تحولوا إلى أعضاء في حزب كاديما، تعني أن يُفوِّت الفلسطينيون فرصة نادرة للعودة إلى نقطة الصفر الأولى قبل اتفاقات أوسلو بدون تنازل عن الثوابت، وهذه خديعة كبرى للإسرائيليين الذين يشعرون بالصدمة؛ فبعد جهود ومؤامرات سياسية امتدت ١٣ عاماً، يجدون أنفسهم في مواجهة السلطة التي صنعوها وهي تطالب بكل الثوابت الفلسطينية من جديد. ولذلك فإن قادة فتح يستشعرون الخطر، ولكن كلٌّ حسب طريقته: أبو مازن يخشى من تحوله إلى رمز شكلي فاقد التأثير لو نجحت الحركة سياسياً، ولذلك صرح لصحيفة الجارديان البريطانية أنه يتخوف من محاولة الإسرائيليين عزله بنفس الطريقة التي اتبعوها مع عرفات، ومحمد دحلان يعتبر كل خطوة تنجح فيها حماس تقربه من نهاية حياته السياسية، ولذلك يتصرف وفق ثقافته الخاصة، بإثارة القلاقل في غزة وتوصيل رسالة لجميع الأطراف أنه لا يزال مؤثراً، فاتُّهم بأنه وراء مقتل الجنود المصريين في رفح واختطاف الدبلوماسي المصري، وقد تعرض لتقريع من اللواء عمر سليمان مدير المخابرات المصرية الذي قال له: «لدينا معلومات أكيدة أنك وصبيانك تقفون وراء هذه الأعمال، وأنك حرّضت مجموعات معينة على ذلك، وأن هذه اللعبة لن تنطلي على مصر» ويشير سليمان إلى سمير مشهراوي وحسن عصفور. مكمن الغباء السياسي في أداء الفتحاويين، أن سعيهم لإفشال حماس هو في حقيقته جهد دؤوب لدعمهم في مسيرتهم السياسية؛ فالدفع الأهوج لتدمير الحركة سياسياً يُتوقع أن ينتج عنه أمور، أولها: حث الدول العربية والصديقة على المسارعة بتقديم الدعم المالي لحماس. ثانيها: استفزاز الشعب الفلسطيني للتمسك بالحركة التي تتمسك بثوابته. ثالثها: أي إنجاز تحققه حماس سوف يتعاظم تأثيره بسبب الحصار والضغوط. رابعها: إثارة الشغب ستؤدي إلى نتيجة عكسية؛ لأن مثيري الشغب قبل فوز حماس وبعده ينتمون غالباً إلى فتح، وهو ما يزيد من الرفض الشعبي للحركة في أي انتخابات مقبلة؛ واستئثار حماس بنصيب الأسد في انتخابات الجامعة الإسلامية مؤشر يؤيد ذلك. لا نتوقع بالطبع أن يتخلى قادة فتح عن ولعهم بممارسة الغباء السياسي؛ فهذا أمر يفوق طاقتهم، ولكننا في المقابل نطمئن حماس أن من يحاصرون القضية الفلسطينية هم في حقيقة الأمر يحاصرون أنفسهم، ولذلك ندعو الحركة ألا تفك حصارها عن أعدائها إلا بعد أن يستجيبوا لمطالبها.

стр. 5605

نقطة الصفر د. يوسف بن صالح الصغير لقد كان الإفراز الرئيسي لمؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو الإيحاء بأن الفلسطينيين قد اعترفوا بحق اليهود بما اغتصبوه من فلسطين، وأن منظمة التحرير الفلسظينية هي حقاً الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني الذي لم يأبه كثيراً بهذه الادعاءات، واختار من يعارض أوسلو ولا يعترف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني؛ ولذا نلاحظ أن حماس تتعرض لضغوطات من جهات متعددة وكلها تصب في اتجاه واحد هو الاعتراف بإسرائيل، وهو يعني أن الجميع يحسون أن القضية الفلسطينية معرضة للعودة لنقطة الصفر، وأن كل التنازلات التي قدمتها الحركات العلمانية المناضلة لم يعد لها قيمة؛ لأن مشروعها النضالي الذي تخلت عنه والذي يرفع شعار «تحرير فلسطين كل فلسطين من البحر إلى النهر» قد رفعته قوى أخرى أكثر انتماءً للأمة التي تتلمس طريق العودة إلى هويتها الحقيقية بعد أن عاشت في التيه لعقود خلت، وهي هنا تحتاج لمن ينير لها طريق الخروج من المأزق وليس من يقنعها بالبقاء في التيه. إن ما حدث في فلسطين رسالة لكل المصلحين والسياسيين تعيد للأذهان أن القادة يجب أن يسيروا أمام الأمة، وأنه لا مكان لمن يمشي في الوسط أو الخلف، وأنه ليس المهم أن تفتح لهم الأبواب في الشرق أو الغرب، بل الأهم أن تفتح لهم قلوب الأهل والأمة، وأنه وبقدر ما كانت التنازلات عن الحقوق سبباً للسقوط فإن الثبات على المبادئ الصحيحة والصبر عليها هو سبيل النهوض والتمكين. إن هذه القضية أساسية في فهم تصرفات أطراف السلطة الفلسطينية التي تعي أنه ليس أمامها للبقاء سوى أن تختار: أن ترفع مستوى مطالبها وتقترب من مواقف حماس بل وتزايد عليها؛ وهذا يقتضي بروز قيادات جديدة من فتح تقوم بهذا الدور؛ ولذا فإن الخيار الأول لهذه الأطراف هو تجريد حماس من أساس قوتها، ولذلك فلا نستغرب أن زعيماً فلسطينياً يدعي الوطنية يرى أن قضيته الأساسية هي مطالبة حماس بالاعتراف بإسرائيل وليس المطالبة بتحقيق وعودها الانتخابية للناس التي تقوم على رفع سقف المطالب الفلسطينية، ومحاربة الفساد، وتهيئة سبل العيش الكريم؛ إنه لا يطالب الآخرين بمساعدة الشعب الفلسطيني ورفع الظلم عنه وعدم حصاره وتجويعه، بل إنه يطالب حماس بالإذعان كما أذعن، وبالتنازل كما تنازل حتى يكونوا سواء. ففي خطاب التكليف قال محمود عباس، رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية؛ إنه مستعد للتدخل إذا ألحقت الحكومة المقبلة بقيادة حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) ضرراً بمصالح الشعب الفلسطيني. وقال عباس في خطابه: «ما أن تتولى حكومتك مهامها فإني أطلب منك مجدداً إجراء التصحيحات الضرورية لبرنامجك» . وأضاف: «اختيار الديموقراطية لا يعني رفض الالتزامات القانونية والسياسية للسلطة الوطنية الفلسطينية ولمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني» . وقال عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين: إن رسالة عباس إلى هنية تشدد على أسف عباس لرفض حركة المقاومة الإسلامية ثلاثة مبادئ رئيسية من مبادئ السلطة الوطنية الفلسطينية وهي: الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود، دعم مفاوضات السلام لتحقيق إقامة دولتين تعيشان جنباً إلى جنب بسلام، وقبول مبدأ حكومة منفردة ممثلة للشعب الفلسطيني. إذا كانت حماس تواجَه حالياً بمصاعب جمة تتلخص في الحصار الاقتصادي الخانق الذي يتمثل في تسلمهم خزينة خاوية، ومنع المساعدات الخارجية، وإغلاق المعابر حتى جاع أهل غزة، ويضاف إليه حصار سياسي بمنع الاتصال بمسؤولي الحكومة الجديدة وحصر الاتصال بالرئاسة، وشمل ذلك حتى المنظمات الدولية مثل منظمة العمل الدولية التي قام مندوبها بتجاهل وزارة العمل والتعامل مع قطاع الأعمال مباشرة، ويضاف إلى ذلك التحديات الأمنية التي تتمثل في تزايد عمليات الاغتيال الإسرائيلية وتركيزها على كوادر الجهاد وفتح والمقاومة الشعبية، ومحاولة جر التنظيمات إلى اقتتال داخلي كما حصل على خلفية اغتيال «عبد الكريم القوقا» القائد العام لألوية الناصر صلاح الدين الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية، بل وصل الأمر إلى منع موكب رئيس الوزراء الجديد من تجاوز أحد حواجز الأمن الوقائي؛ فإن أهم المكاسب هو عودة القضية إلى البداية وإحياء عدم شرعية إسرائيل وإحياء قضية اللاجئين. ونحن الأن في وضع يتقابل فية حكومة فلسطينية لا تعترف بإسرائيل وحكومة إسرائيلية فازت على أساس شعار تعيين حدود الدولة؛ إنها بداية مرحلة انقلاب يحس فيها اليهود بالخطر؛ فعلينا ألاَّ نضيع الفرصة، ولْنتمسك بالمبادئ.

стр. 5606

قناة البحر الميت والصراع الاستراتيجي في المنطقة أحمد تهامي عبد الحي عادت قناة البحرين (الميت ـ الأحمر) لتحتل دائرة الضوء مجدداً، وجاءت هذه العودة في سياق تطورات البيئة الإقليمية في المنطقة بعد احتلال العراق وبداية عودة مشروعات السوق الشرق أوسطية. لقد ارتبط الحديث عن شق (قناة البحر الميت ـ البحر الأحمر) في عقد التسعينيات من القرن الماضي مع تطورات عملية التسوية منذ مؤتمر مدريد ١٩٩١م، وبِدْء الإعداد لمشروعات التعاون الإقليمي. وكان مشروع حفر القناة من أبرز المشروعات الإقليمية بين الأردن والدولة العبرية، الذي أثار لغطاً وجدلاً محتدماً لم ينته حتى الآن. ويثير المشروع الهواجس المصرية من النواحي الاستراتيجية، كما يثير قلق معظم القوى السياسية العربية التي تعترض على إدماج الدولة الصهيونية في نسيج المنطقة العربية الإسلامية. ولم يكن غريباً أن يحرص العدو الصهيوني والولايات المتحدة على إطلاق اسم قمة البحر الأحمر على قمتي العقبة وشرم الشيخ التي جمعت بين الولايات المتحدة والدولة الصهيونية ومصر والسعودية والأردن والسلطة الفلسطينية في عام ٢٠٠٢؛ فالدولة الصهيونية تحرص دوماً على تأكيد انتمائها وحقها في البحر الأحمر، والولايات المتحدة أصبحت الفاعل الدولي الرئيسي في شؤون المنطقة، ولديها مصالح وقوات عسكرية ضخمة في البحر الأحمر والمنطقة عموماً. وقد دخل الأردن والسلطة الفلسطينية أخيراً طرفين رئيسين في المشروع، وأعلن هاني الملقي وزير الخارجيه الأردنية في مارس ٢٠٠٥ أنه اتفق مع المسؤولين الصهاينة على المضي قُدُماً في تنفيذ مشروع القناة التي تربط البحر الميت بالبحر الأحمر، وقال إن هذا المشروع ياتي حفاظاً على بيئة البحر الميت بالتعاون مع الفلسطينيين والبنك الدولي واللجنه الثلاثية الأردنية الصهيونية الأمريكية. - أولاً: التطور التاريخي لفكرة حفر القناة: يعود التصور الاستراتيجي الصهيوني حول المشروع إلى أكثر من مائة عام، وهو تصور غني بالأفكار والخيارات والمعلومات؛ وقد صدر العديد من الدراسات حوله ومن أبرزها الدراسة الصادرة عن (مركز وايزمان للأبحاث الاستراتيجية) بعنوان «التسلسل التاريخي لقناة البحرين» . ففي ظل الرغبة الصهيونية في السيطرة والهيمنة اتجه التفكير الصهيوني نحو مشروع حفر قناة تربط بين البحر المتوسط وخليج العقبة على البحر الأحمر لمنافسة قناة السويس. والواقع أن فكرة قناة البحرين قديمة، وقد تبناها (ويليام آلان) في عام ١٨٥٥ في كتابه: (البحر الميت طريقاً جديداً للهند) من أجل تحقيق الاتصال بين البحر الميت ـ البحر المتوسط ـ البحر الأحمر، واعتبر أن هذه القناة أفضل من حفر قناة السويس، وعادت الفكرة لتظهر على يد هرتزل في عام ١٩٠٢ لتوليد الكهرباء اللازمة للصناعة. واعتمدت في الحقيقة على مذكرة لمهندس يهودي يدعى ماركوس بوركارت بهدف توليد الكهرباء وتحلية المياه للشرب. وقد تعددت التصورات والسيناريوهات فيما يخص قناة البحرين؛ ففي عام ١٩٦٨ طُرحت الفكرة التي تقوم على أساس حفر قناة تربط بين ميناء أشدود على البحر المتوسط وميناء إيلات على البحر الأحمر، وعلى الرغم من أن العديد من المؤشرات كانت تشير إلى تبني حكومة (جولدا مائير) للمشروع إلا أن الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية قد أدت إلى تعليق أو تجميد المشروع بانتظار حدوث متغيرات جديدة. وقد أعيد طرح المشروع من قِبَل خبراء من أبرزهم (تسفي ليفير) ضمن دراسة بعنوان (الاستمرارية والتغير في الاستراتيجية الإسرائيلية حتى عام ٢٠٠٠) صادرة عن مركز الأبحاث الاستراتيجية بجامعة تل أبيب في عام ١٩٨٦م. وفي السبعينيات من القرن الماضي أعيد طرح الفكرة بعد ارتفاع أسعار النفط، ولكن بناء على تصور مختلف يقوم على ربط البحر المتوسط بالبحر الميت؛ فالقناة يمكن أن تربط البحر الميت بالبحر الأحمر، أو البحر الميت بالبحر المتوسط، ويتوقف الأمر على الحسابات الاقتصادية والسياسية. ففي أعقاب أزمة الطاقة بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م شكلت الحكومة الإسرائيلية في عام ١٩٧٤ لجنة برئاسة (شلومو اكشتين) لدراسة موضوع قناة البحرين. وعند وصول حكومة الليكود إلى السلطة عام ١٩٧٧ قام البروفيسور يوفال نيمآن بدراسة المشروع، وقدر تكلفته بحوالي ٦٨٥ مليون دولار، وحظيت الفكرة بموافقة الحكومة الصهيونية عام ١٩٨٠م. وقد طرحت اللجنة أربعة مسارات لإقامة القناة هي: ـ المسار الشمالي: ويمتد من حيفا على البحر المتوسط إلى جنوب بحيرة طبرية ومنها للبحر الميت. ـ مسار في الوسط: يمتد من منطقة الخضيرة بجوار تل أبيب على البحر المتوسط حتى البحر الميت. ـ المسار الثالث: ويمتد من قطيف جنوب عسقلان على البحر المتوسط حتى البحر الميت. ـ المسار الرابع: جنوبي، ويمتد من خليج العقبة حتى البحر الميت. وأوصت اللجنة بتنفيذ المسار الثالث من أجل تطوير وتنمية صحراء النقب. وفي ٢٩/٣/١٩٨١ وافقت الحكومة الصهيونية على تنفيذ المسار الثالث من خلال البدء بحفر قناة تمتد من تل القطيفة بين دير البلح وخان يونس في قطاع غزة تنتهي في منطقة مسعدة جنوبي غربي البحر الميت مرورًا بمنطقة بئر السبع في صحراء النقب. وهو يقوم على أساس ضخ نحو مليار ونصف مليار متر مكعب سنوياً من البحر المتوسط من على ارتفاع ١٠٠ م من مستعمرة قطين في غزة ونقلها في قناة إلى أوريم ومن هناك إلى مسعدة جنوباً في نفق طوله ٨٠ كم، ثم إسقاطها على محطة كهربائية على شاطئ البحر الميت. وعلى الرغم من موافقة الحكومة إلا أن المشروع واجه عدداً من المشاكل الصعبة تمثلت في ارتفاع التكلفة وعدم ضمان عائد الكهرباء التي ستولدها إلى جانب المشاكل الفنية. وقد واجه المشروع انتقادات عربية ودولية؛ فالأردن رفضه لتأثيره على الأراضي العربية المحتلة وآثاره الاقتصادية والجغرافية السلبية، والأضرار التي يمكن أن تلحق بمعامل البوتاس الأردنية على البحر الميت. وانتقدت الأمم المتحدة مشروع حفر القناة في ١٦ ديسمبر ١٩٨٢ لأنها تنتهك حرمة الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة ١٩٦٧، وستؤدي للإضرار بالمصالح الفلسطينية. ودعت الهيئات الدولية إلى عدم تقديم المساعدة المباشرة أو غير المباشرة لهذا المشروع، وفي عام ١٩٨٥ قررت الحكومة الصهيونية تأجيل المشروع لأجل غير مسمى بسبب تكاليفه المادية وعدم جدواه الاقتصادية. ويظل المشروع حلماً يراود القوم، ولكن تنفيذه يحتاج إلى تعاون أردني صهيوني، وهو أحد المشاريع التي تم الاتفاق عليها بين الدولة العبرية والأردن في معاهدة السلام. - ثانياً: الأهداف والمصالح الصهيونية: تتعدد الأهداف التي تحيط بالتصور الإسرائيلي حول حفر قناة البحرين باعتباره خطوة مهمة في المشروع الاستراتيجي الإسرائيلي، ويعد مد أنبوب المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت مجرد خطوة مرحلية على صعيد تنفيذه. وقد ارتبط الحديث الصهيوني عن قناة البحرين دوماً بالأغراض الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية البحتة، ولم تقترن عبارة إنقاذ البحر الميت بالقناة إلا في السنوات الأخيرة، وكان في مقدمة من رددها شارون وبيريز. فبعيداً عن الهدف المعلن وهو إنقاذ البحر الميت فإن الأهداف الاستراتيجية أكثر عمقاً وخطورة؛ حيث يأتي مشروع قناة البحرين في إطار استراتيجية متكاملة لتدعيم النفوذ الإقليمي الإسرائيلي، ومن أبرز محاورها السيطرة على البحر الأحمر وتطوير صحراء النقب. وتساهم قناة البحرين في تدعيم الوجود الصهيوني على البحر الأحمر الذي يساعدها بدوره في التخلص من حالة العزلة والحصار الاقتصادي الذي كانت تفرضه عليها الدول العربية، بدعم علاقاتها الاقتصادية بالدول الإفريقية والآسيوية من خلال البحر الأحمر الذي يمثل شرياناً حيوياً لتدفق التجارة الخارجية الصهيونية مع أقطار إفريقيا وآسيا. وقد ظهرت الاعتبارات الاقتصادية في المنظور الصهيوني بعد ظهور الأهمية القصوى لميناء إيلات الذي انتعش في أعقاب حصول الدولة العبرية على حرية الملاحة في خليج العقبة ومضيق تيران بعد حرب ١٩٥٦، فأصبحت إيلات مركز الحركة العبرية في اتجاه الغرب إلى السويس ومنطقة الحقول النفطية، وإلى الشرق وجنوب العقبة. ويحمل البحر الأحمر ٢٥% من واردات الصهاينة البترولية، و ٩% من خاماتها المستوردة، ونحو ٣٠% من صادراتها إلى شرق إفريقيا وجنوب آسيا. ومن جهة ثانية، تستهدف السياسة الصهيونية الاستفادة من ثروات البحر الأحمر وخاصة الثروات المعدنية والسمكية، وإقامة مشروعات سياحية كالترويج لمشروع ريفييرا البحر الأحمر على خليج العقبة. وقد حرصت الحكومات الصهيونية المتعاقبة على بذل جهود ضخمة لتطوير صحراء النقب اقتصادياً وسكانياً لحماية الأمن القومي الصهيوني. فأحد أبرز الأهداف الإسرائيلية يتمثل في تنمية صحراء النقب بتوفير مصادر المياه والكهرباء؛ حيث إنها تشكل نصف مساحة فلسطين، وتقع بالقرب من مصر. وكانت قناة البحرين البند الوحيد الذي لم يكتمل في منظومة (بن جوريون) لتأمين منطقة النقب من خلال توطين اليهود فيها حتى لا تكون خالية من السكان فيسهل اختراقها خصوصاًً من الجانب المصري. وتريد الدولة العبرية استكمال الاستيطان في النقب اعتماداً على هجرة اليهود السوفييت الذين يتدفقون على الأرض المحتلة منذ ١٩٨٩، حيث يعتبر النقب مكاناً صالحاً لاستيعاب المهاجرين السوفييت في ظل أي توسع مستقبلي. ويتم توجيه المهاجرين السوفييت إلى المناطق التي يختل فيها التوازن الديموجرافي بين العرب واليهود خصوصاًً في بعض المناطق التي يشكل فيها العرب أغلبية مثل الجليل والنقب. ففي الجليل والنقب يحتاجون إلى هجرة يهودية لمواجهة التزايد الديموجرافي للعرب، والتي يخشى منها أن تطالب الأقليةُ العربية بالحكم الذاتي. وعلي الصعيد الاستراتيجي يتنبأ بعض المحللين بأن القناة ما هي إلا مرحلة أولى لمشروع صهيوني لا يكتمل إلا بحفر قناة ثانية تصل المتوسط بالميت، لتصبح الدولة العبرية دولة محورية في العالم تمتلك قناة تضارع وتهدد قناة السويس. كما أن المشروع يشكل تغييراً خطيراً في البيئة الجغرافية للإقليم مما يعني استمرار السيطرة على الضفة الغربية للأبد. كما أن هناك احتمالات وإمكانيات لتوطين عدد من اللاجئين الفلسطينيين. - ثالثاً: الطموحات الصهيونية وعملية التسوية: وفي ظل عملية التسوية ازدهرت الطموحات الإسرائيلية للاستفادة من الفرص التي تقدمها هذه العملية على صعيد التعاون الاقتصادي وتطبيع العلاقات مع الدول العربية، وكان البحر الأحمر من أبرز المناطق التي تعددت فيها المشاريع الصهيونية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومن هذه المشاريع التي قدمت إلى قمة عمان نوفمبر ١٩٩٥، إقامة ميناء مشترك مع الأردن يمكن أن يتسع ليشمل مصر والسعودية، وتطوير الطريق الجنوبي ليصل السويس والضفة عبر إيلات ومنها إلى السعودية، وحفر قناة مياه تربط بين البحر المتوسط والميت أو بين البحر المتوسط وبحيرة طبريا، وإقامة خط أنابيب للغاز من السعودية إلى إيلات، واستيراد الغاز القطري عبر ناقلات عملاقة؛ إلى جانب التعاون الثلاثي بين مصر والأردن في مجال السياحة مثل إنشاء منطقة الريفييرا بطول سواحل إسرائيل على البحر الأحمر مع الأردن، وإنشاء مناطق سياحية بحرية في سيناء على غرار صحراء الأريزونا. كما قدمت إسرائيل ستة مشاريع بتكلفة ٥٠٠ مليون دولار لتطهير وحماية سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط للتخلص من التلوث البيئي والنفط. وخلال مؤتمر القاهرة الاقتصادي حدد الصهاينة التكلفة الاقتصادية لحفر (قناة البحر الميت ـ البحر الأحمر) المشتركة بين الأردن وإسرائيل بنحو خمسة مليارات دولار. وقد رأت مصر في هذه المشاريع محاولة للهيمنة الاقتصادية، واعتبرتها تهديداً لنفوذها في المنطقة لصالح إسرائيل؛ فقد برز العديد من المشروعات الإسرائيلية التي تهدد قناة السويس والدور الإقليمي المصري، وهي: ١ ـ المشروعات الإسرائيلية البديلة لقناة السويس التي يطرحها الصهاينة من وقت لآخر مثل قناة ربط البحرين عند إيلات وعسقلان على الرغم من عدم جدواها الاقتصادية. ٢ ـ مشروعات أنابيب نقل الغاز القطري (قطر ـ حيفا) . ٣ ـ مشروع التنمية المتكاملة لوادي غور الأردن. ٤ ـ الطريق الدائري الذي يربط بين إيلات والعقبة ومعابر نهر الأردن. ٥ ـ مشروع ربط البحر الأحمر بالبحر الميت بقناة بطول ١٧٠ كم. وكلها مشروعات تتوجس منها مصر؛ لأنها تستهدف خلق طرق بديلة لقناة السويس، ويرى بعض المحللين أن مشروع ربط البحر الأحمر بالبحر الميت يتم استخدامه لأسباب سياسية ضد مصر بسبب توجهاتها العربية. وإذا كان الصراع العربي الصهيوني قد أدى لتعويق إقامة هذه المشاريع، إلا أنه أثناء تنامي الاتجاه نحو التسوية السلمية خصوصاً في أعقاب اتفاق أوسلو ١٩٩٣، ومعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية ١٩٩٤ ارتفعت التوقعات بإمكانية تنفيذ بعض هذه المشاريع. وقد حال تعثر عملية التسوية في النصف الثاني من التسعينيات والقلق المصري الذي تمثل في انتقاد الهرولة العربية تجاه دولة العدو الصهيوني دون تنفيذ معظم هذه المشاريع. وقد ظل المشروع حلماً يراود الصهاينة، ويحتاج تنفيذه إلى تعاون أردني صهيوني؛ فهو أحد المشاريع التي تم الاتفاق عليها بين الصهاينة والأردن في معاهدة السلام. وبينما واجهت الفكرة في الثمانينيات مع القرن الماضي غضباً شديداً، فإن الوضع تغير في عام ١٩٩٤ بعد توقيع معاهدة السلام الأردنية الصهيونية، منذ التسعينيات في تسويق مشروع قناة ربط البحر الأحمر بالبحر الميت. وهو المشروع نفسه الذي كان الأردن يخطط له، وذلك بعد أن أدخلت تعديلات على مسار القناة الرابطة بين البحرين ليمر جزء منها في الأراضي الإسرائيلية، وجزء آخر في الأراضي الأردنية. وتطرح الصهيونية المشروع بديلاً عن مشروعها القديم الذي كان يرمي إلى ربط المتوسط بالميت، وتعتبره بمثابة تطوير للمشروع الأردني المطروح لربط البحر الأحمر بالبحر الميت. ولدى العدو دراسات تفصيلية حول المشروع تقدر تكلفته بنحو ٣ ـ ٤ مليارات دولار، وترصد آثار حفر القناة على البيئة الجغرافية مثل احتمالات تهديد المنطقة والقناة بالزلازل، وتغير مناسيب المياه. ويصر واضعو المشروع الصهاينة على اعتباره مشروعاً صهيونياً أردنيا مشتركاً، ومن ثَم فهو يتمتع بشروط التمويل الدولية الميسرة، مثل مستويات الفائدة المنخفضة، وفترة أطول للتسديد. وقد عرضت الحكومة الإيطالية في بداية ١٩٩٤ تمويل دراسة الجدوى الاقتصادية لمشروع قناة البحرين: الأحمر ـ الميت بطول ٢٨٠ كيلو متراً، إذا وافقت عليه الأطراف المعنية بالمشروع، وهي تشمل إلى جانب الأردن وإسرائيل كلاً من السلطة الفلسطينية ومصر. وقدرت تكلفة المشروع في حينه، بما في ذلك محطات تحلية المياه وتوليد الطاقة الكهربائية، بنحو ملياري دولار ونصف المليار. وخلال مؤتمر القاهرة الاقتصادي حددت إسرائيل التكلفة الاقتصادية لحفر قناة البحر الميت ـ البحر الأحمر المشتركة بين الأردن والصهاينة بنحو خمسة مليارات دولار. - رابعاً: الرؤية الأردنية الرسمية: طوَّر الأردن تصوراً جديداً حول المشروع من أجل الحصول على العديد من المكاسب الاقتصادية والمائية من خلال التعاون المشترك مع إسرائيل في تنفيذ المشروع، وقد تجاوبت إسرائيل مع التصور الأردني، وحدث تقارب بين الجانبين نتج عنه تبني فكرة المشروع منذ بداية عقد التسعينيات في القرن الماضي. ويقوم الطرح الأردني الرسمي للمشروع بالتركيز على الجوانب البيئية التي تتمثل في إنقاذ البحر الميت في الأساس، ثم الأبعاد الاقتصادية التي تتمثل في توليد الكهرباء وتوفير المياه للزراعة بعد ذلك، وتجنب الحديث في الأبعاد السياسية والاستراتيجية للمشروع، إلى جانب تأكيد أنه مشروع أردني الأصل وليس صهيونياً. ويقوم التصور الأردني لقناة البحر الأحمر ـ البحر الميت على أساس ضخ مليار متر مكعب سنوياً من البحر الأحمر بالغرب من العقبة من ارتفاع ٢٢٠ م على مرحلتين من الضخ، وتنقل من هناك في قناة عند سفوح جبال أدوم على امتداد أكثر من ٢٢٠ كم، وتسقط في البحر الميت لتوليد الكهرباء في أربع محطات للطاقة. لقد شهد عقد التسعينيات تبلور التصور المشترك للأردن والصهاينة حول الفكرة؛ فالخطة الأردنية تفضل أن تمتد القناة لتربط بين البحر الميت والبحر الأحمر، وأن يتم الحصول على موافقة الفلسطينيين كطرف أساسي على الفكرة. وقد نجح الطرفان في خلق تصور مشترك بالاستفادة من أفكار التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط؛ حيث تبنى الطرفان فكرة إقامة مشروع إقليمي واحد تتقاسم الدولتان إنتاجه، وهو يقوم على أساس جر مياه البحر الأحمر إلى قناة تمتد حتى البحر الميت، كما يستند إلى حقيقة أن الخط الأقل تكلفة والأفضل للقناة في الجزء الجنوبي من منطقة عربة ضمن حدود الأردن، وأن الخط الأفضل في الجزء الشمالي هو خط ضمن حدود إسرائيل. ومن هذا المنظور فإن للمشروع فوائد اقتصادية وبيئية عديدة منها إنقاذ البحر الميت، والزراعة البحرية، وتوليد الطاقة. وقد قرر الطرفان إعلان الفكرة ووضعها موضع التنفيذ الفعلي خلال قمة الأرض في جوهانسبرج في سبتمبر ٢٠٠٢ من خلال طرحها في شكل جديد هو خط أنابيب وليس حفر قناة من أجل تقليص المعارضة العربية وخفض التكلفة، ومن خلال طرحها في إطار مؤتمر دولي للبيئة من أجل إضفاء أبعاد بيئية تصرف النظر عن الحقائق السياسية والاقتصادية التي يتضمنها المشروع. وقد أكد (شيمون بيريز) أنهم اضطروا إلى تغيير المصطلحات من قناة إلى خط أنابيب تجاوباً مع المستجدات الدولية والإقليمية في قمة الأرض، ومن أجل تخفيف المعارضة ضد المشروع وخاصة من الدول العربية. ولا شك أن صبغ المشروع بالصبغة البيئية يساهم في دفع الدول الغنية الممولة لتحمل نفقات المشروع، ولذلك ارتبط توقيت الإعلان عنه بقمة الأرض؛ حيث تحاول الدولتان تمرير المشروع من بوابة مشاريع البيئة العالمية المهمة بسبب صعوبة تمريره من بوابة المشاريع الإقليمية المشتركة على خلفية الشرق الأوسط الجديد. وتؤكد وسائل الإعلام الصهيونية أن الأردن هو الذي يلهث وراء تنفيذ المشروع، وأنه يفضل القناة على خطوط الأنابيب على الرغم من تكاليفها المرتفعة من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية مهمة. لقد تأكد وجود توافق صهيوني أردني مشترك حول مشروع أنبوب البحرين، ولا شك أن تنفيذه سيعود بالفائدة الكبرى على إسرائيل التي تملك مقومات الانتفاع من المشروع بصورة أكبر؛ لأنه سيساعدها على تنمية زراعتها الواسعة وصناعاتها الضخمة في النقب، ولكنه سينعش أيضاً أجزاء من جنوب الأردن، ويحل قسطاً من مشكلة المياه المتفاقمة. - خامساً: الرفض العربي الرسمي والشعبي: أثار قرار الأردن طرح تمويل مشروع «قناة البحرين» خلال قمة الأرض في جوهانسبرج (سبتمبر ٢٠٠٢) ، ردود فعل عربية رسمية متحفظة وأخرى شعبية معارضة؛ حيث ينظر معارضو المشروع إليه على أنه أحد أدوات التطبيع مع الدولة العبرية، وأن تنفيذه سيساعد على دمج هذه الدولة مع بقية الدول العربية، كما أنهم يرون أن تمويل المشروع سيصب في جزء منه لصالح الصهاينة. وقد فوجئت المجموعة العربية المشاركة في قمة الأرض بالمشروع وطلبت توضيحات من الوفد الأردني، وحاولت المجموعة ممارسة بعض الضغوط على الأردن لثنيه عن تنفيذه. وتجنباً لإثارة مزيد من الخلافات تقرر تأجيل مناقشة المشروع إلى أجل غير مسمى. وتعتبر كل من مصر وسورية والعراق ـ قبل خضوعه للاحتلال ـ والسعودية والسلطة الوطنية الفلسطينية أكبر المتحفظين على المشروع. ويرتبط الرفض المصري بأبعاد سياسية واستراتيجية؛ فمصر ترفض أن يسبق مسار التعاون الاقتصادي لعملية السلام المسار السياسي الذي أصبح يعاني من انتكاسة كبيرة، إلى جانب أن هناك مخاوف مصرية من تهديد دورها الإقليمي من خلال هذه المشاريع التي يمكن أن تشكل تهديداً لقناة السويس. وعلى الصعيد الشعبي؛ فقد أدانت أحزاب المعارضة الأردنية مجتمعة مشروع قناة البحرين، واعتبرت، في بيان صدر عن لجنتها التنسيقية، أن هذا المشروع يستهين بمشاعر العرب والمسلمين ويستخف بمصالحهم، ونددت بالخطوة الحكومية وبالحماس غير المسبوق للمشروع، وعددت مخاطر المشروع التي تكمن في ضخامته، والنتائج التي يجنيها العدو منه، سواء في تبريد مفاعلاته النووية أو ري أراضي النقب، مستفيداً من قدراته التقنية العالية، وقدرته على توفير التمويل اللازم لمشاريعه، بينما تتضاءل فائدة الأردن من هذا المشروع. كما تكمن خطورة هذا المشروع في خروجه على قرارات القمة العربية في بيروت، وعلى الإجماع العربي الرافض للتواصل مع العدو الصهيوني. وقال البيان: إننا ندرك جيداً احتياجات الأردن المائية؛ فمصلحة الأردن تكمن في تنفيذ مشاريع مشتركة مع عمقه العربي، وفي مقدمة المشاريع مشروع سد الوحدة مع سورية الشقيقة، وهو كفيل بتوفير احتياجات الأردن، بالإضافة إلى ما له من مزايا عديدة في مقدمتها عذوبة المياه وقربه من الكثافة السكانية، والأراضي الصالحة للزراعة، كما أن الأردن لا يستطيع الجمع بين عمقه العربي والشراكة مع العدو الصهيوني. وبالرغم من الهجوم العنيف الذي تلقاه مشروع قناة البحرين، إلا أن الأردن ما زال مصمماً على المضي فيه والدفاع عنه. وعلى الصعيد السياسي ترغب الدولة الصهيونية في أن يشاركها الأردن واحداً من أهم المشروعات البيئية في العالم والمنطقة، لتؤكد على أنه ليس هناك مقاطعة عربية لها. وقد ساهم الموقف الأردني في تخفيف حدة الهجمات الدبلوماسية ضد الصهاينة في قمة الأرض، على عكس الحال في مؤتمر ديربان في عام ٢٠٠١م. - خاتمة: لقد شكلت النتائج السياسية والعسكرية للعدوان الأمريكي على العراق بيئة ملائمة لطرح مشروع قناة البحر الميت بصورة أكثر قوة، فاكتسب المشروع زخماً كبيراً، وتراجعت المعارضة العربية الرسمية، وأصاب الإحباط قطاعات واسعة من الفعاليات الشعبية العربية. فهل تنجح الدولة الصهيونية في تحقيق ما عجزت عنه طوال أكثر من مائة عام، أم تستطيع القوى العربية أن تلملم شتاتها لتعيق تنفيذ المشروع؛ وخصوصاً أن هناك العديد من السيناريوهات التي تشير إلى أن تنفيذ المشروع سيمثل خطوة مهمة نحو فرض المزيد من الهيمنة الصهيونية على مقدرات المنطقة وثرواتها الطبيعية؟ كما أن هناك احتمالات كبيرة لتوسيع المشروع وتحويله من أنبوب إلى قناة مما سيؤثر على مجمل الأوضاع الجيو ـ سياسية في المنطقة.

стр. 5607

مرصد الأحداث أحمد فهمي مفكرة الشهر ـ ١٢ صفر: الاحتلال يفتح معبر المنطار جزئياً بعد غلق وحصار دام ٢٠ يوماً. ـ ١٣: ٧٨.٣% نسبة فوز كتلة حماس الطلابية في انتخابات الجامعة الإسلامية بغزة. ـ ١٤: بريطانيا تعلن سحب نحو ١٠% من قواتها في العراق قبل نهاية مايو القادم. ـ ١٥: إسرائيل تقتحم سجن أريحا وتعتقل سعدات بعد انسحاب حراسه الغربيين. ـ ١٦: المدعي العام الدانمركي يرفض توجيه اتهامات للصحيفة ناشرة الرسوم. ـ ١٧: رفع الجلسة الأولى للبرلمان العراقي بعد ٤٠ دقيقة وسط دعوات للتفاؤل. ـ ١٨: (فتح) تقرر رفض المشاركة في حكومة تشكّلها حماس. ـ ١٩: حماس تعرض حكومتها على أبو مازن دون مشاركة من الفصائل. ـ ٢٠: تمديد فترة وجود قوات الاتحاد الإفريقي في دارفور ستة أشهر. ـ ٢١: غلق معبر المنطار بعد ٤٠ دقيقة من فتحه وغزة تحت الحصار. ـ ٢٢: عقد المؤتمر العالمي لنصرة النبي ﵊ في البحرين. ـ ٢٣: محطة أمريكية تكشف تجسس وزير الخارجية العراقي السابق على صدام. ـ ٢٤: إطلاق ثلاث رهائن غربيين في العراق بطريقة غامضة. ـ ٢٥: رامسفيلد: قواتنا ستبقى في العراق حتى عام ٢٠٠٩م. ـ ٢٦: الاحتلال يعتقل ١٨ شخصاً ينتمون إلى (فتح) والجهاد الإسلامي في نابلس. ـ ٢٧: محكمة أفغانية تطلق سراح أفغاني مرتدّ وإيطاليا تمنحه لجوءاً سياسياً. ـ ٢٨: القمة العربية الدورية تبدأ أعمالها في الخرطوم. ـ ٢٩: حكومة حماس تحصل على ثقة البرلمان بأغلبية ٧١ نائباً. ـ ٢٩: قمة الخرطوم تختتم أعمالها بغياب عدد كبير من قادة الدول. ـ ١: ربيع أول: نتائج الانتخابات الإسرائيلية: كاديما ٢٩، العمل ٢٢، إسرائيل بيتنا ١٤، الليكود ١١. ـ ٢: انهيار المحادثات بين الميليشيات في الصومال، ومخاوف من تجدد القتال. ـ ٣: أمريكا وكندا والاتحاد الأوروبي يقررون قطع المساعدات للفلسطينيين. ـ ٤: مليون صومالي يواجهون الجفاف وعشرة آلاف قد يموتون شهرياً. ـ ٤: اغتيال قائد لجان المقاومة الشعبية في غزة واتهام فتحاويين بالتورط. ـ ٥: كوندوليزا رايس وجاك سترو يزوران بغداد لإنقاذ الحكومة العراقية. ـ ٦: ١٢ قتيلاً في أعنف اشتباكات كردية تركية منذ عشرة أعوام. ـ ٧: مطالبة الحاخام الأكبر لإسرائيل بالاستقالة لاتهامه في قضايا فساد. ـ ٨: تكليف إيهود أولمرت تشكيل الحكومة الجديدة في الكيان الصهيوني. ـ ٨: الوقف السني في البصرة يدعو لإغلاق المساجد بسبب عمليات القتل. ـ ٩: هنية يسمح بإجراء اتصالات مع الإسرائيليين في شؤون الحياة اليومية. ـ ١٠: مجلة أمريكية: إدارة بوش تخطط لقصف إيران بقنابل نووية مخترقة. ـ ١١: مبارك: الشيعة ٦٥% من العراقيين ولاء أغلبهم لإيران، وانسحاب الأمريكيين الآن مصيبة. ـ ١٢: أنباء عن إحباط محاولة لاغتيال حسن نصر الله زعيم حزب الله الشيعي.

стр. 5608

القبر المفتوح حسين الشيبة ناصر تلقى عبد الله نبأ وفاة صديقه ـ الذي مات في المدينة قبل أىام ـ بحزن شديد، وظلّ قبره الذي حفره أهالي قريته مفتوحاً وفي حالة انتظار قدومه، لكنها كانت مشيئة الله أن يُقبر هناك حيث وافته المنية. وفي إحدى الليالي جلس عبد الله مع بعض شباب القرية يتذكرون ظلمة القبر ووحشته، فقرروا الذهاب إلى ذلك القبر المفتوح ليختبر كل واحد منهم قوة نفسه، فيدخل إلى جوفه يتذكر فيه هاذم اللذات ولحظات السفر إلى عوالم الله، ثم ذهبوا جميعاً إلى المقبرة حتى وقفوا على حافته، ونزل عبد الله ودخل في اللحد متمدداً ومتيمّناً كما لو أنه كان ميتاً. سقطت على وجهه ذرّات من التراب، وشمّ رائحة الأرض، وظلّ لسانه رطباً بذكر الله، ثم انقلب على ظهره ونظر إلى مصدر شعاع الضوء المسلّط عليه من مصباح كان مع أصحابه الذين كانوا ينظرون إليه بدهشة وإعجاب. أغمض عينيه وراح يستحضر في ذهنه عذاب القبر، وانتابه شعور بالوحشة والخوف. ناداه أحدهم فأجابهم بعد برهة من الزمن: انتظِروا بعض الوقت وأطفئوا مصباح الضوء ودعوني أفكر قليلاً، قالها بصوت خيّل إليهم كأنه صادرٌ من مكان بعيد وقادمٌ من عالم الموتى.. سادت لحظات صمت مطبق بعدما أنطفأ الضوء، لكن أحدهم حطّم حاجز الصمت عندما ألقى على عبد الله قليلاً من التراب والحصى الصغيرة مازحاً معه، فصاح ونهض قائلاً: أخرجوني! أخرجوني! ما بكم تريدون أن تدفنوني حياً؟! فضحكوا ثم ساعدوه على الخروج، وعادوا إلى القرية بعد رحلة تجريبية في أول منازل الآخرة، وهم يتذكرون تلك الحفرة الصغيرة دارَ ذلك المخلوق الضعيف الذي يسابق الزمن لامتلاك كل شيء، تقوده الشهوات والنفس التي لا تشبع إلى معارك خاسرة لا تكفيه فيها كل القصور ولا الدور ولا كنوز الأرض كلها، ولا يتوقف أبداً عند حدود، إلا مَنْ رحم الله. عاد إلى بيته وصعد إلى السطح ونظر كعادته إلى الأفق البعيد، ونجمة هناك تتلألأ ضياءً، كان دائماً يحب النظر إليها ويراها أقرب نجمة إلى الأرض.. تذكّر عظمة الخالق والامتداد الفسيح للكون والوجود، وقال بصوت مسموع: سبحان الله! ما أروع التفكر والتأمل في تلك المخلوقات! يا لها من عبادة عجيبة ونعمة عظيمة! نام في تلك الليلة ورأى في المنام كأنه يسير في حشد كبير من الناس يسيرون خلف جنازة، فسمع أحدهم يقول للآخر: مات هذا اليوم عبد الله بن فلان ﵀، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وأيقن أن هذه جنازته بعد ذكر اسم أبيه، ثم همس في أذن أحد المشيعين قائلاً له: أرجو أن تدفنوني في تراب ناعم! ألا تساعدني على جمعه من تحت ظلال تلك الأشجار الوارفة والقريبة من هنا؟ أومأ الرجل برأسه موافقاً، وسار خلفهما مجموعة من الناس وجلس يتحسس بيديه ذرات الرمل، وعاد ينظر إلى وسط الحشد وإلى تلك الجنازة التي غُطّيت بقطعة من قماش مطرزة، ثم تلونت الأرض فجأة بضوء كضوء القمر حين يكون بدراً، ونظر إلى السماء فرأى تلك النجمة التي رآها في ذلك المساء، لكنها صارت أكثر قرباً وأكثر جمالاً وبهاءً وكأنها حورية أشرفت من السماء فأشرقت الأرض بنورها، ثم نهض من نومه مذعوراً، واستغفر الله، وقصّ على أصحابه تلك الرؤيا. مرّت شهور بعد تلك الحادثة، وفي يوم من الأىام الماطرة شاع خبر موته في القرية وسط ذهول أصحابه الذين كانوا يمثلون معه في إحدى الليالي الماضية دورَ المسافرين إلى عالم البرزخ، وعادوا مرة أخرى إلى ذلك القبر ووقفوا على حافته، وتمنّوا لو أن صاحبهم ينهض في تلك اللحظة من جديد كما فعل ذات مرة عندما رموه بحفنة من التراب.

стр. 5609

الأديب السعودي أ. د. حسن الهويمل في حوار مع (البيان) حاوره: عبد الرزاق الغول ـ القاهرة نقلت مصطلحات لا تناسب بيئتنا وهذا لون من الهزيمة ذكر الدكتور حسن الهويمل ـ أستاذ النقد العربي بجامعة القصيم في السعودية ـ أن الكثيرين وقفوا من مصطلح الأدب الإسلامي موقف العداء ـ بسبب قصورهم في فهمه ـ وإن كان معظم أدبهم إسلامياً، وأن هناك نظرية نقدية إسلامية مبثوثة في مختتم سورة الشعراء، كما أكد سعادته أن مصطلحات النقد الأدبي الحِداثي نقلها النقلة العرب إلينا بلا تبصُّر، وفرضوها على الساحة في تعسف، وإن لم تناسب بيئتنا أو ذائقتنا العربية، كما أبدى تخوّفه ـ كناقد أدبي ـ من أن يكون شعر التفعيلة مرحلة من مراحل القضاء على عمود الشعر الذي عرفه العرب. قضايا أدبية وإسلامية عديدة ناقشناها مع سعادته في هذا الحوار المثير: البيان: كونك رئيساً لفرع رابطة الأدب الإسلامي بالسعودية نسألكم: أين كان الأدب الإسلامي في عصور الشعر المتعددة؟ ٣ ورب سائل آخر يسألني بصيغة أخرى: لماذا ابتدعتم هذا المصطلح «الأدب الإسلامي» ؟ في الحقيقة نحن لم نبتدع هذا المصطلح، لكن عندما طرحت الألوان الأدبية على الساحة: هذا أدب ماركسي، وهذا أدب وجودي، وذاك أدب واقعي، أصبح من حقنا أن نضيف إلى هذه الطروح مصطلح الأدب الإسلامي، أو نتّجه صوب الإقليم فيقال: الأدب المصري أو السوري أو السعودي أو العباسي، أو تضاف السياسة أو الطائفة كأدب الخوارج أو أدب الصعاليك أو غيره، ومن هنا فليس هناك مُشَاحَّة في إضافة كلمة الأدب إلى مُعطاها الدلالي، ونحن ـ أنصار الفكرة الإسلامية ـ ومن سَبْقنا طرحُنا مصطلح الأدب الإسلامي؛ حيث لم يعد الأدب العربي خاصاً بالإسلام، بل اتسع لكل الأفكار والاتجاهات، ومن هنا كان طرح هذا المصطلح بلا نفي للآخر، وقصدنا به التعامل مع الأدب من خلال رؤية إسلامية ومنظور إسلامي. البيان: ما الحدود الفاصلة بين ما هو أدب إسلامي وغيره مما لا تعدونه إسلامياً؟ ٣ كل ما لا يصادر الإسلام أو لا يتصادم معه فهو أدب إسلامي؛ فكثير من الناس ممن لم يستطيعوا أن يفهموا المصطلح إذا نظرت في إنتاج الكثيرين منهم تجده أدباً إسلامياً؛ فهؤلاء في هذه الحالة لا يختلفون مع الإسلام، لكنهم يختلفون مع المصطلح الذي يفهمونه على غير المراد. والأدب الإسلامي أدب مرن وشامل، وهو أدب قيمة وأدب فطرة، يتسع لكل الأطروحات، ومن هنا أتمنّى على الإخوة أعضاء الرابطة كسب أنصار لأدبنا الإسلامي، بأن يكون خطابهم بعيداً عن التشنّج والاتهام والإقصاء حتى لا يصادَر الآخر؛ لأن الرابطة لها رسالة مهمّة تحاول أن تؤديها، وهي إبلاغ الكلمة الطيبة والدعوة بالحسنى: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] ؛ وذلك لا يتم إلا من خلال خطاب إسلامي راق ومهذب، لمحاولة رفع الجهالة عن المصطلح؛ لأن الناس أعداء ما جهلوا، وبهذا نكسب في صفنا ونجذب أكبر عدد من الأدباء والمفكرين والصحافيين والعلماء في كل التخصصات، ونقنع الآخر أن الأدب الإسلامي لا يصادر حقوقهم ولا آراءهم ولا إبداعاتهم، بل إنه مركب من كلمتين علينا أن نلتزم بهما، وهما: أدب وإسلام. والأدب يلتقي مع الجميع ما لم يصادر الإسلام أو يتصادم معه كما ذكرت، وكل ما أتى على هذا النحو فهو أدب إسلامي. البيان: هل يوجد لديكم في الرابطة نقد أدبي إسلامي؟ وما أسس هذا النقد؟ ٣ النقد الإسلامي هو النقد العربي، والذي وضع أساس النقد الإسلامي وإطاره هو الإسلام؛ يتجلّى ذلك في القرآن الكريم عند التفريق بين شعراء الهداية وشعراء الغواية في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ، إلى قوله ـ تعالى ـ: ﴿إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . وهنا تتجلى أصول النقد الإسلامي في أوضح صورة. ثم جاء الرسول ﷺ فاستمع للشعر وأُنشد الشعر بين يديه في المسجد، بل واستعان ﷺ في الذبِّ عن الإسلام والمسلمين وفي حربه للكفار وردِّ أباطيلهم وهجومهم بشعراء كبار، من أمثال حسان بن ثابت ﵁. وعندما سمع الشاعر يقول: بلغ السماء لذاك عالي مجدنا ولقد نؤمل فوق ذلك منزلا وهنا جاء النقد الإسلامي وسؤاله ﷺ : إلى أين يا أبا ليلى؟ قال إلى جنة الخلد يا رسول الله! وعمر بن الخطاب ﵁ عندما قام الحطيئة الشاعر بهجاء الزبرقان بن بدر هجاءً فاحشاً وجاء الأخير إلى عمر شاكياً؛ فعمر بن الخطاب ﵁ لم يرسله إلى المحكمة الشرعية، بل أرسله إلى الخبير بالشعر حسان بن ثابت ﵁ ليحكم له أو عليه من خلال قوله: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي واحتكم الزبرقان إلى محكمة الشعر، وقضى له حسان ﵁ فنفذ عمر الحكم وسجن الحطيئة. ولو رجعنا إلى النقد الأخلاقي من خلال أرسطو في المدينة الفاضلة عند اليونان قديماً وإلى غيرها نجد النظرة إلى الشعراء من خلال القيم الأخلاقية نظرة معتبرة، وأقول: لسنا بدعاً في هذه الأرض. البيان: ما دمنا تكلمنا عن النقد الأدبي ما رأيكم فيما وفد علينا من مصطلحات نقدية كالبنيوية والتفكيكية وغيرهما؟ ٣ لقد حدثت ترجمة وتعريب كما حدث نقل بدون تبصر، فنقلت مصطلحات لا تناسب بيئتنا، وهذا لون من الهزيمة النفسية والانبهار بما لدى الغرب خيره وشره دون اهتمام بهويتنا وجذورنا وما خلّفه علماء البلاغة العرب من تراث، وهذه صورة فجة من صور التبعية الغربية في مجال النقد الأدبي. البيان: راجت في الساحة الأدبية قصيدة النثر كما ظهرت قصيدة التفعيلة، ما رأيكم في مثل هاتين الظاهرتين؟! ٣ هناك دراسة ومتابعة نشرت لي في مطبوعة «علامات» التي يصدرها نادي جدة الأدبي ـ كما كان هناك «الملتقى السابع لقراءة النص» وألقيت ورقة بهذا الشأن عن قصيدة النثر وقلت: إنها مصطلح متناقض، وإن القصيدة غير النثر ـ ووجدت من دافع عنها بحمية، لكن هذا رأيي كما هو رأي الكثيرين، والدراسة منشورة وتبين هذا الرأي في مجلة «علامات» لمن أراد الرجوع إليها. وأما شعر التفعيلة فبعضهم يراه مرحلة من مراحل التحول التام عن القصيدة العمودية، فهل هو مجرد نقلة أم أنه هادم للشعر الأصيل؟ وكما يقول الخطابي وطه حسين وغيرهما: الكلام ثلاثة: شعر، ونثر، وقرآن. فإن كانت قصيدة التفعيلة تضع فاصلاً بين النثر وما سواه، وإذا كانت تصلح للإنشاد والتغني، ويتوفر فيها إيقاع مما يستلزمه الشعر فلا بأس بذلك، فـ «نازك الملائكة» الشاعرة المعروفة لها نظرية ورأي معتبر في قصيدة التفعيلة، إلا أنها جعلت لها بحراً وسطراً، فإن تقيّد شاعر قصيدة التفعيلة بهذه الضوابط يمكن أن تكون هذه قصيدة. البيان: أقحم بعضهم نفسه في عالم الشعر بزعم أنه يمكن اكتسابه بالتحصيل والدراسة؛ فما رأيكم في هذا الأمر؟ ٣ الشعر قبل كل شيء موهبة، يولد الشاعر وتولد معه موهبته، فإذا وعى وأدرك الحياة ومرَّ بالتجارب والمواقف عاطفية أو إصلاحية أو سياسية أو اقتصادية أو تجارب ذاتية بدأ المخاض الشعري يتحرك داخله، ثم بعد ذلك تولد القصيدة. والشاعر إما شاعر بالموهبة فيأتي شعره سلساً كالماء الذي يغرفه من بحر، أو شاعر بالاقتدار ليكون الأمر تكلفاً كأنه ينحته من صخر، فيأتي صعباً أو نظماً بارداً ركيكاً أو كجسم بلا روح. هناك عدد من أساتذة الأدب بالجامعة يمكن أن ينظموا قصائد بالاقتدار على الصفة السابقة التي ذكرتها. ولا بأس هنا أن أضرب مثلاً للمقارنة: عباس العقاد له أحد عشر ديواناً في مجلدين، تقرأ قصائده وقد لا تعثر على قصيدة واحدة تشدّك أو تجذب اهتمامك إليها، لكن اقرأ الشوقيات تجد في كل قصيدة بل في كل بيت أو حتى شطر البيت أو الخاطرة موهبة شعرية، حتى القصائد المجهولة التي نفى نسبتها إليه تجد فيها عبق شوقي وأنفاسه وإن أنكرها لأسباب معينة. البيان: النقاد هم أول من جنى على الشعر العربي، مقولة تتردد، ما رأيكم في صحتها؟ ٣ لي تجربة شخصية لها علاقة بهذه القضية، فعندما كنت طالباً بالدراسات العليا بجامعة الأزهر قرّر علينا أستاذ النقد بحثاً بعنوان «شوقي بين التدين والمجون» ، وطولبنا بحصر قصائد المجون والتدين بالشوقيات، وبدأنا نقرأ ونتعقب أقوال النقاد منصفين أو متجاوزين، ودرسنا ما ذكره العقاد عن شوقي وكنا نظنه ظالماً لشوقي، ولكنه في الحقيقة أثبت قيمته ومكانته في ميدان الشعر ـ حتى ولو كان شاعر القصر ـ لكن في البداية عندما جاء هذا الشاب المندفع من أسوان، والتقى بالمازني وعبد الرحمن شكري، ثم تعجلوا الظهور وتسليط الأضواء استهدفوا القمم حتى يظهروا ويشار إليهم بالبنان، ومن هنا تناول العقاد شعر شوقي وكان الظلم والجور، لكن ظهرت مكانة شوقي، وقلّده أقرانه كحافظ وغيره من الشعراء الكبار إمارةَ الشعر. وأخلص للقول: إن الذي جنى على الشعر هم النقاد؛ فهم أرادوا إما تسييس الشعر أو أدلجته، ليصبح الشعر بهذه المثابة مقيداً بإرادة من سيسوه، ومن ثم يفقد بريقه وألقه.

стр. 5610

فضيلة الشيخ: عبد الي يوسف يتحدث إلى البيان: حول التدخل الأجنبي في دارفور متابعة: خباب بن مروان الحمد سيناريو التدخل الأجنبي في السودان قد بدت نُذُره من أمد بعيد، لكن الناس لم يتنبهوا إلى ذلك إلا أخيراً، ففي أوائل حقبة التسعينيات من القرن الميلادي الماضي كانت حركة التمرد الجنوبية ـ بزعامة قرنق ـ تدير معاركها ضد حكومة الإنقاذ من داخل أراضي الدول المجاورة ـ تارة أثيوبيا وتارة أوغندا وتارة كينيا وأخيراً إريتريا ـ وغير خافٍ وجود الخبراء الإسرائيليين معهم، كما أن بعض المسؤولين الأمريكيين ـ كمادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد كلينتون ـ كانت تزور تلك الدول وتحثهم على مزيد دعم للمتمردين، ومحادثات السلام التي دارت أعواماً بين الحكومة ومتمردي الجنوب قد أشرفت عليها أطرافٌ أجنبية ليس فيهم عرب ولا مسلمون، بل تولَّى الأمر أمريكا وبريطانيا وإيطاليا والنرويج مع دول الإيقاد، وقد تمخض عن هذه المحادثات اتفاقية نيفاشا التي نصت على وجود قوات أممية تراقب تنفيذ الاتفاقية وتضمن عدم خرقها من أي الأطراف، وقبلها اتفاقية جبال النوبة التي أشرف عليها المبعوث الأمريكي دانفورث ـ مندوب أمريكا في الأمم المتحدة لاحقاً ـ التي فعلت الشيء نفسه. وفي أزمة دارفور التي نشبت منذ سنوات معدودة كانت وتيرة التدخل الأجنبي سريعة، حتى إن أربعة قرارات من مجلس الأمن قد صدرت بخصوصها، كما أن الكونجرس الأمريكي والاتحاد الأوروبي نالا حظهما من قرارات مماثلة تشجع على التدخل المباشر، وها هنا أعرض جملة من الحقائق: أولاً: ما سبب نقمة القوى الاستعمارية على السودان وحكومته؟ للإجابة عن هذا السؤال أقول: إن حكومة الإنقاذ قد ارتكبت ـ وفق العرف الدولي ـ جملة من الموبقات التي لا يمكن أن تُغفر لها، ومن ذلك: ٣ إعلانها عن معارضتها لدخول القوات الأمريكية في حرب الخليج الثانية التي نتجت عن غزو صدام للكويت ١٩٩٠م. ٣ قيامها بطرد السفير البريطاني عام ١٩٩٤ في سابقة لم تحدث قريباً من دولة من دول العالم الثالث، وذلك بسبب قيام السفير بتيسير دخول أسقف كانتربري إلى مناطق محتلة من المتمردين في الجنوب دون علم الحكومة. ٣ استضافتها لمجموعة كبيرة من عناصر القاعدة في الفترة من ١٩٩١ ـ ١٩٩٦م. ٣ إعلانها المتكرر عن رغبتها الأكيدة في إقامة المشروع الحضاري ـ النهج الإسلامي ـ وسعيها لتجييش الشعب لبلوغ هذه الغاية، وتربية قطاعات عريضة من الشباب على مفاهيم جهادية، بل إعلانها الجهاد مراراً، وآخرها عقيب التلويح بالتدخل الأجنبي في دارفور. ٣ ما قامت به من خطوات في سبيل حصول نوع من الاستقلال الاقتصادي العسكري عن المنظومة الدولية الاستعمارية؛ حيث استخرجت البترول واستغلته بتعاون صيني ماليزي بعيد عن الهيمنة الأمريكية، كما أنشأت عدداً من قطاعات التصنيع الحربي. وفي مقابل ذلك عمدت الحكومة إلى محاولة طمأنة المجتمع الدولي ـ وعلى رأسه أمريكا ـ وذلك باتخاذ خطوات عديدة منها: ٣ أبدت الحكومة تعاوناً كبيراً ـ باعتراف الأمريكان ـ فيما يسمى بمكافحة الإرهاب حيث دفعت بكل المعلومات التي عندها للأمريكان، عقيب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١، كما قامت بإبعاد أو تسليم من بقي منهم بالسودان ٣ توقيع اتفاقية السلام مع متمردي الجنوب بزعامة قرنق، مع ما في هذه الاتفاقية من سوء في رأي كثيرين، كإعطائها الجنوبيين حق تقرير المصير بعد مضي ست سنوات على توقيعها، وتمكينهم من حكم الجنوب كله، مع مشاركتهم في حكم الشمال، وتفاصيل أخرى في قسمة الثروة والسلطة. ٣ القبول بدخول قوات الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في دارفور، مع أن هذه القوات قد جيء بها من دول تعاني من مشكلات تربو بكثير على مشكلات السودان، وهي متهمة بأن أفرادها مصابون بمرض الإيدز، وأسقطت الحكومة ـ تحت ضغط دولي ـ شرطها في وجوب إخضاعهم لكشف طبي قبل مباشرتهم المهام التي أوكلت لهم. ٣ القبول بشروط الأمين العام للأمم المتحدة في فتح البلاد ـ بمطاراتها وموانئها ـ أمام بعثات ومنظمات الأمم المتحدة، وعدم اشتراط الحصول على تأشيرة دخول، أو تقييد حركتهم داخل البلاد، ومن أعجب ذلك أن طائرات الأمم المتحدة الآن تحتل نحو ثلث مطار الخرطوم، ولهم بوابة خاصة لا يدري أحد ما يُدخِلون منها أو ما يخرِجون عبرها، وممثل الأمين العام ـ يان برونك ـ يتصرف في السودان وكأنه المندوب السامي البريطاني سابقاً أو الحاكم العسكري الأمريكي للعراق لاحقاً؛ حيث ينتقد تصرفات الحكومة بصورة لاذعة، ويذرع البلاد شمالاً وجنوباً، ويدس أنفه في كل قضية بغير حياء، وأحياناً بجهل تام ومعلومات مغلوطة. ثانياً: هل أجدى تجاوب السودان في تخفيف وطأة الحصار عنه؟ أقول: بعد كل هذا صدرت القرارات الجائرة من قِبَل الأمريكان والأمم المتحدة حتى صار لدى الحكومة قناعة بأن لا فائدة من التجاوب معهم أو الاستجابة لشروطهم، والكل يذكر كيف أن وزير الخارجية الأمريكي السابق ـ كولن باول ـ قد بذل الوعود بأنه في حال توقيع اتفاق السلام مع متمردي الجنوب سيُرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وسترفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على الحكومة، وستعمل أمريكا على عودة السودان لمنظومة المجتمع الدولي ورفع العزلة عنه، وبعد توقيع الاتفاق تبين أن تلك الوعود ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] بل زادت وطأة الضغوط الغربية، وصدرت تصريحات التهديد والوعيد. ثالثاً: هل يتوقع استجابة الحكومة للضغط الدولي؟ أقول: إن المتأمل في تسلسل الأحداث يجد نفسه مدفوعاً إلى رفض هذا التدخل الدولي لاعتبارات عدة، منها: ٣ ما استقر لدى الناس من تجارب معاصرة ـ تجربة صدام خير مثال ـ أن سقف المطالبات الدولية لا حد له، وكلما استجاب الطرف الضعيف لمطلب توالت عليه الضغوط، وفي مثل حالة السودان لا يبعد أن تأتي هذه القوات إلى دارفور تحت دعوى حفظ الأمن، ثم تتسع مهمتها لتشمل مناطق أخرى حتى تصل إلى المركز. ٣ الهدف من مجيء هذه القوات إضعاف حكومة الشمال وإظهارها بمظهر العاجز عن ضبط الأمن ومنع التجاوزات، خاصة إذا علمنا أن مطالب ـ تشبه مطالب متمردي دارفور ـ يطرحها متمردو شرق السودان من قبائل البجا والهدندوة والرشايدة. ٣ لا يبعد أن يكون من بين أهداف مجيء تلك القوات إنفاذ قرار مجلس الأمن في إخضاع قائمة من واحد وخمسين مسؤولاً لمحاكمات جنائية بدعوى ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية في دارفور، فتتكرر مأساة صدام في العراق، وأورتيجا في بنما؛ لكن هذه المرة باسم الأمم المتحدة. ٣ تثور مخاوف من أن يكون مجيء تلك القوات بهدف تمكين الجنوبيين من مسعاهم في إقامة ما يسمى بالسودان الجديد ـ يعنون به السودان العلماني ـ بما في ذلك الشمال المسلم، بعد أن مكنتهم الاتفاقية من الجنوب واستثنته من حكم الشريعة، خاصة إذا استصحب المتأمل قرارات محاكمة المسؤولين؛ إذ قد يحاكَمون ويُقبض عليهم ويُنصَّب غيرهم، كل هذا تحت مظلة القرارات الأممية والقوات الأممية، وليس بالضرورة أن يكون المنصَّب من قِبَلهم جنوبياً كافراً، بل يمكن أن يكون ـ بالاسم والصورة ـ شمالياً مسلماً لكن ليس له من الأمر شيء، بل هو كرزاي من طراز سوداني. ٣ دخول هذه القوات مُؤْذِنٌ بتمزيق السودان؛ إذ إن سعة مساحته مع تباين أعراق أهله ومعتقداتهم وضعف السيطرة على حدوده ينذر بحصول انفلات أمني لا تُدرى عواقبه، والعراق خير مثال، ولعل بعض الغربيين متخوف من مثل هذا وقد صرح بعضهم به، وبعض المسؤولين لوَّح ـ من باب التخويف ـ بأن السودان سيكون نقطة انطلاق لعمليات القاعدة. رابعاً: ما الذي يمكن عمله لتفادي الآثار المدمرة التي يمكن أن تحصل؟ أقول: لا زال الأمل معقوداً على إنجاز جملة مصالح منها: ٣ تسريع الوصول إلى اتفاقية سلام تحقن دماء المسلمين في دارفور، رغم قناعة الجميع بأن المتمردين الذين يحملون السلاح لا يمثلون أهل دارفور، بل يمثلون أنفسهم ومن يأتمرون بأمره من دهاقنة السياسة العالمية، ولعل في رفع التمثيل الحكومي في المفاوضات ـ بمستوى نائب الرئيس ـ ما يبعث الأمل في النفوس بقرب التوصل إلى اتفاق إن شاء الله. ٣ كفكفة آثار الاحتراب والاختلاف في شرق السودان؛ بإعطاء أهل الشرق ما يؤمِّلون في حدود الممكن، لقطع الطريق على أسباب التدخل الأجنبي. ٣ أن يكون موقف الحكومة واضحاً لا لبس فيه في رفض التدخل الأجنبي، مع بيان أن هذا الذي يراد للبلاد إنما هو احتلال صارخ واستعمار مقنع، حيث تسيطر قوة أجنبية كافرة على بلاد المسلمين لتحكمها مباشرة ـ كما حدث في فلسطين ـ أو عن طريق صنائعها وعملائها ـ كما هو في العراق وأفغانستان ـ ولا يلغي هذا الوصف صدور قرار من الأمم المتحدة، وإلا لكان الحادث في فلسطين لا يسمى احتلالاً لكونه صادراً عن الأمم المتحدة فيما عُرف بقرار التقسيم، والمبادرة إلى إعلان الجهاد وتعبئة الشباب ورفع الروح المعنوية؛ وذلك من خلال إجراءات مرتبة لا فورة سريعة تتمثل في مظاهرات ومسيرات سرعان ما تخبو جذوتها ولا يتحقق الغرض منها. ٣ السعي إلى توضيح القضية للشعوب المسلمة في طرح قوي نتجاوز به القيادات التي لا تصنع شيئاً، ولعل تجربة إخواننا في حماس مثال جيد لحصول دعم شعبي يتجاوز الأطر الرسمية التي تأتمر بإرادة الشرعية الدولية كما يسمونها. ٣ العمل على تقوية الجبهة الداخلية من خلال رفع المظالم والسعي إلى جمع الكلمة ووحدة الصف عن طريق إحياء مشروع أهل القبلة؛ عملاً بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وحذراً من العقوبة القدرية: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] ولْيَسْعَ في ذلك أهل العلم والدعاة إلى الله ومشايخ الجماعات والطرق. ٣ أن يسعى المربون وأهل التوجيه إلى العمل على إعادة الثقة للناس، وبأنهم قادرون على العمل لو أرادوا، وأنهم ليسوا نعاجاً يُذبَحون متى ما أراد عدوهم ذلك، بل عليهم أن يستعيدوا شعورهم بذاتهم، وليتذكروا ما قام به الأسلاف في عهد قريب ـ على أيام الثورة المهدية ـ حين قتلوا واحداً من أعظم قادة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ومرَّغوا أنوف الصليبيين في التراب.

стр. 5611

التقميص الإسلامي لبعض صيغ التمويل المعاصر د. محمد بن عبد الله الشباني - مقدمة: تحتلّ حركة الأموال وتبادلها عصب النظام الاقتصادي المعاصر، والذي أدَّى إلى ظهور النظام البنكي كتنظيم يقوم بدور المنظِّم لحركة الأموال تجميعاً وتوزيعاً؛ باعتبار أن النقود سلعة يُتاجَر فيها، واعتبار الزمن هو المحدد لثمن النقد، وإخراج النقود عن طبيعتها التي أُوجدت من أجلها باعتبارها أداةً للتبادل وإبراءً للذمة ومخزناً للقيم. - النقود والربا: الربا بكل صوره وأشكاله يدور حول النقود، وقد جاء الإسلام بتحريمه، بل إن الله ـ تعالى ـ لم يعلن الحرب على كبيرة من الكبائر كما أعلنها على الربا في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] وفي هذا العصر ـ الذي تعددت فيه أشكال وأنواع النقود ـ خَمُلَ مفهوم النقود وحلَّت الصكوك ـ بمختلف أشكالها وأنواعها وأنماطها ـ محلَّ النقود، وأصبح التعامل في النقود محدوداً حتى في شكلها الورقي الذي حلّ محلَّ المعدن. ومن هنا فإن من الواجب النظر إلى الأشكال التي يتم بواسطتها نقل الالتزامات وإبراء الذمم المالية بين الأفراد والمؤسسات والشركات، على اعتبار أنها نقود تحققت فيها صفات النقد ووظيفته الاجتماعية والاقتصادية. - التمويل والربا: من الظواهر المعاصرة في مجال التمويل السعي إلى إيجاد المخارج الفقهية لبعض صيغ التمويل الربوية، وإلباسها اللباس الإسلامي من خلال استخدام صور من صور البيوع التي كانت تُمارَس في الماضي، والتي أُجيزت من قِبَل بعض علماء السلف، الذين عاشوا ضمن بيئة اجتماعية واقتصادية مغايرة للبيئة الاقتصادية المعاصرة، دون نظر إلى حقيقة التعامل المعاصر وغايته، وأنه نابع من النظرة القائمة على فلسفة الحرية المطلقة في التعامل الاقتصادي دون ضوابط أخلاقية أو دينية، وإنما ضابطها تحقيق المنفعة غير المنضبطة. ما يمارَس في هذا العصر من صيغٍ للتمويل أُلبست اللباس الإسلامي، واعتبر التعامل بها تعاملاً إسلامياً لا شُبَه فيه، مع أن الحقيقة لا تعدو أن تكون مخرجاً من المخارج التي استُحلّ بها الربا، وهو مصداق لما أخبر عنه الصادق المصدوق في الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي والإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتينّ على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا؛ فإن لم يأكله أصابه من غباره» . إن مناقشة هذه الصيغ ـ التي تمارس من قِبَل البنوك باعتبار أنها جائزة شرعاً وأصبحت مقبولة ـ واجب ديني، ويقتضي الأمر مناقشتها من جميع الجوانب بشفافية متناهية، بأن يكون لدينا الجرأة في تبيان حقيقة التعامل بهذه الصيغ ولو كانت هذه الحقيقة غير مرغوب بها، وتخالف رغبة معظم الناس، حتى ولو كانت مجازة من قِبَل مَنْ لهم باعٌ في العلم الشرعي، أو الاقتصاد الإسلامي، فهم مجتهدون، ومع إمكانية خطئهم في الاجتهاد فلهم أجر الاجتهاد، ولكن لا ينبغي تجاهل الأمر والاندفاع وراء المقولة التي يرفعها كثير من الناس: «أن الدين يسر، فلا تعسّروا ولا تنفِّروا» ، و «أن الرسول ﵊ ما خُيِّر بين أمرين إلا اتّبع أيسرهما ما لم يكن حراماً» . إن التساهل في قبول كثير من الصيغ التي تكتنفها الشبهات سيكون له نتائج سلبية على إبراز الاقتصاد الإسلامي كمنقد لواقع الناس الربوي، وتحويله ليكون ظلاً للاقتصاد الربوي يبحث عن مخارج لعلل الاقتصاد المعاصر القائم على الفكر الربوي منهجاً وأسلوباً. إن تفشِّي الصيغ التمويلية المسماة بالصيغ الإسلامية وتبنِّيها من قِبَل البنوك الربوية لما فيها من تحقيق مصالح مادية أفضل مما تحصل عليه باسم الفائدة، وتقبل الفائدة الربوية من قِبَل المجتمعات الإسلامية باسم الإسلام ودفع الناس وجرِّهم إلى مستنقع الدَّيْن، وربطهم مدى الحياة بالاقتراض لمصلحة المرابين من أصحاب رؤوس الأموال، وإشاعة روح الاستهلاك من خلال توسيع منافذ الربا، وكسر حاجز الورع؛ بحيث يتحقق في الواقع ما أخبر عنه رسول الهدى محمد ﵊ فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁: «ليأتينّ على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال: أَمِنْ حلال، أم من حرام» . - الصيغ التمويلية والحيل الربوية: الصيغ التمويلية ـ التي يتم استخدامها من قِبَل مختلف البنوك سواء التقليدية أو الإسلامية ـ تعطي الانطباع للمتأمل فيها أنها نوع من التحايل على أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها وغاياتها لإلباس الصيغ الربوية للتمويل اللباس الإسلامي، ولهذا فإن من الواجب الشرعي مناقشة هذه الصيغ من ناحية الغايات والمقاصد، ومن ناحية الوسائل والطرق المستخدمة من الناحية العملية، وليس من خلال العقود المصاغة والتي تبدو ـ في أشكالها وصيغها ـ غير مُصادِمة لمفاهيم وأسس العقود الشرعية، بهدف الوصول إلى صيغ شرعية بعيدة عن المحاذير وقائمة على قواعد الشريعة ومقاصدها ودون تناقض بين التطبيق العملي الواقعي والعقود التي تمثل المظهر الشكلي الذي يتم التعامل بها. إن مناقشة هذه الصيغ لا يقصد منها الإساءة إلى البنوك الإسلامية التي تحاول أن تبعد المعاملات المالية البنكية عن الربا، ويكفي لهذه البنوك شرف فتح الطريق أمام إمكانية تقديم الحلول الشرعية لقضايا التمويل، ولكن واقعها الذي تعيش فيه وما يحكمها من تنظيمات تشريعية تحكم تعاملها تحدّ من تحرّرها من القواعد والأسس التي قام على أساسها النظام البنكي الربوي؛ لهذا فهي تعمل تحت ازدواجية بين الرغبة في الربح والالتزام بأحكام الشريعة، وبين الأحكام المنظمة للرقابة على أعمال البنوك وفق الأسس والأحكام التي تحدّ من قدرتها على تعديل مساراتها في طرح التصورات العملية في استثمار الأموال المتاحة خارج نظام الفائدة الذي يحدد وينظم العلاقات بين المدّخرين والمقترضين والمودعين، وبين البنك كمنظم لعملية تبادل المصالح بين المدخرين من المودعين والمقترضين ممن يحتاج إلى النقود في عمليات استخدام الأموال في تسيير أعمال الأنشطة الاقتصادية، أو إشباع الرغبات الاستهلاكية بين الأفراد. إن دور العلماء الشرعيين في تبيان الحكم الشرعي في الصيغ التمويلية لتلبية احتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة لا يقف عند إصدار الفتاوى بالجواز أو الحرمة على الصيغ التمويلية من خلال تبنِّي أحكام وردت في كتب الفقه وصدرت من الفقهاء الأقدمين الذين أجازوا بعض صيغ البيوع ضمن ظروف عاشها المجتمع الإسلامي في عصرهم، وضمن معطيات خاصة بطبيعة المبادلات في ذلك العصر، فينبغي النظر إلى الأمر من خلال دراسة الظروف التي تحكم الواقع المعاصر والأسس التي يقوم عليها البناء التشريعي الاقتصادي، والفلسفة التي يرتكز عليها النظام البنكي، حتى يمكن فهم طبيعة الأعمال التي تمارسها البنوك ضمن إطار الفلسفة الاقتصادية السائدة في هذا العصر، ومن ثم يجب النظر إلى عمليات الصيغ التمويلية من هذا المنظور، والنظر إلى مقاصد الشريعة فيما يتعلق بالعلاقات المالية بين الأفراد بعضهم ببعض وما يحكمها من أُطر تشريعية جاءت بها السنة النبوية. ولهذا؛ فإن من الأمور التي يجب التركيز عليها ـ عند معالجة القضايا التمويلية ضمن إطار الاقتصاد الإسلامي ـ العودة إلى المنهل الذي نهل منه علماء السلف ﵏ وهو الحديث الشريف، وفهم مقاصده من خلال ربطه بواقع الناس. ولتقريب ما أقصده أضرب مثلاً الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : «أكلّ تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله! لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تفعل! بِعِ الجمع بالدراهم، ثم ابتعْ بالدراهم جنيباً» . بالنظر إلى هذا الحديث من خلال ما استدل به علماؤنا هو منع ربا الفضل وسدّ ذريعته إلى الربا، ولكن من خلال إعادة النظر في هذا الحديث والتعمق في فهمه يمكن الاسترشاد به فيما يتعلق بتحديد المفاهيم الاقتصادية الإسلامية بالتوجيه إلى العمل على زيادة حركة التبادل التجاري بين أفراد المجتمع، من حيث إنه في الحالة التي وصفها الحديث يتم التبادل بين شخصين، هما: بائع التمر الرديء والجيد. أما التوجيه النبوي فهو يرشد إلى توسيع دائرة التبادل إلى ثلاثة أشخاص لتحقيق هذه العملية التبادلية؛ حيث يقوم طالب التمر الجيد ببيع ما عنده من تمر رديء إلى شخص آخر بنقد، ثم يقوم بالشراء بهذا النقد من عند الشخص الذي لديه التمر الجيد، وبهذا تتسع دائرة التبادل. كما أن هذا الحديث يرشد إلى توجيه المخططين والمشرعين الاقتصاديين إلى حقيقة وظيفة النقود، وأنها ليست سلعة ذات قيمة في حدّ ذاتها، وإنما هي وسيلة إلى تبادل السلع والمنافع، ومن ثم منع قيام الربا من خلال قصر النقود على وظيفتها الأساسية أنها معيار للقيم بين مختلف السلع والمنافع. ومن هنا ينبغي إعادة صياغة النظرية النقدية وقصرها على الحقيقة التي أشار إليها الحديث والتي فهمها ابن القيم ﵀ حيث قال: (فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يُعرف به تقويم الأموال، يجب أن يكون محدداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع أو ينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن تعتبر به المبيعات بل الجميع سلع) . - الممارسات التمويلية للبنوك الإسلامية: إن ممارسة البنوك الإسلامية فيما يتعلق بصيغ التمويل يشوبها كثير من الشبهات، بل إن المتأمل لكيفية الممارسة فيما يطلق عليه بالصيغ الإسلامية يجد أنها لا تختلف من حيث النتيجة والغاية عمّا تمارسه البنوك الربوية، والاختلاف إنما هو في الشكل من حيث إلباسها اللباس الإسلامي، وهذا الأمر أدَّى إلى إعاقة تطور الصيغ التمويلية الإسلامية، فأصبح همّ تلك البنوك البحث عن مخارج فقهية لإلباس الصيغ الربوية اللباس الإسلامي بدل أن تسعى البنوك إلى صيغ جديدة تبرز التفاوت ما بين التمويل الإسلامي والتمويل الربوي، فتقدم تصوراً جديداً لصيغ التمويل تنبع من مقاصد الشريعة الإسلامية في تحرير الأنشطة الاقتصادية من لَوْث الربا، وللتدليل على ذلك فسوف أستعرض بعض الصيغ التمويلية المعمول بها في البنوك الإسلامية كبديل لصيغ تمويلية ربوية، بقصد توضيح قصور التجربة البنكية الإسلامية في تحقيق الأهداف والغايات من إيجاد نظام بنكي يبعد الناس عن الربا ويحقق لهم مقاصد استثمار الأموال المتاحة لدى بعض الفئات ليتم استغلالها من فئات أخرى لا تملك المال ولكنها تملك القدرة على الاستثمار. - صور الصيغ التمويلية: إن للصيغ التمويلية التي تتبعها البنوك الإسلامية للتمويل صوراً عِدَّة، نقدم صورتين منها للاستدلال، وهما: - الصورة الأولى: تمويل التجارة الخارجية، وهو ما يُعرف بصيغة المشاركات؛ وذلك لتوفير التسهيلات الائتمانية للاعتمادات المستندية المفتوحة والقبولات الممنوحة لعملاء البنوك، فالأسلوب المتّبع من قِبَل البنوك التجارية الربوية هو الاتفاق مع عملاء البنك على منح سقف لتمويل احتياجات العميل من الأموال لسداد التزاماته المالية المتعلقة بالاستيراد، حيث يمنح البنك عميله مبلغاً معيناً يتم استخدامه من أجل توفير التمويل لاستيراد السلع التي يرغب في استيرادها، وعند وصول المستندات يتم تحويل المبلغ المستخدم في استيراد هذه السلع إلى حسابه الجاري ويحتسب على رصيد هذا الحساب نسبة فائدة معينة، وإن البنك قبل فتح الاعتماد المستندي يطلب ـ عادةً ـ من العميل الحسم من حسابه؛ فيما يعرف بـ (حدّ الائتمان) بنسبة من قيمة الاعتماد المراد فتحه. والبنوك الإسلامية عالجت هذه المسألة بأسلوب ما سمّته بـ (المشاركة الشكلية) فعندما يرغب العميل في استيراد سلعة ما وليس لديه المال الكافي لتغطية قيمة الاستيراد، فيتقدم للبنك الإسلامي ويبرم معه عقد مشاركة بغرض شراء هذه السلعة التي يرغب في استيرادها والتي هي ضمن نشاطه التجاري، ويتضمن هذا العقد الصوري اتفاقاً بأن لأحد الطرفين الحق في شراء حصة شريكه بعد ورود البضاعة مع تحديد نسبة المرابحة التي تحتسب على نصيب الشريك البائع لحصته وهو البنك عادة، على أن يتولى التاجر سداد هذا المبلغ مع الربح المضاف على المبلغ، أو أي مصاريف أخرى على أقساط مؤجلة بموجب سندات لأمر البنك، ويتولى الطرف المشتري وهو التاجر المتفق مع البنك باستلام البضاعة من ميناء الوصول والذي حدّد عند فتح الاعتماد المستندي، وتنتهي مسؤولية البنك بتسليمه الأوراق الخاصة بالبضاعة مع إضافة مادة في عقد البيع بشكل صوري يقر فيها المشتري باستلامه البضاعة محل العقد، وأنها أصبحت في حيازته وتحت يده، وهذا شرط قصد منه تلبية إجازة البيع وفق الصيغ الشرعية، ولضمان تحصيل حقوق البنك فقد أوجب عقد البيع أن يقوم المشتري ـ وهو العميل ـ بتوكيل البنك باستلام أية حقوق له مستحقة لدى الغير، كما أنه ليس هناك أحقّية للمشتري في فسخ هذه الوكالة حتى استيفاء قيمة المبيع. هذه صورة من صور التمويل والتي أُلْبِسَت اللباس الإسلامي، وهي صيغة لا تخرج أن تكون تسهيلاً ائتمانياً وفق ما توفره البنوك الربوية؛ فالقصد والغاية من هذا العقد هو الإقراض وليس المشاركة بقصد تحقيق الربح من خلال الدخول في مخاطر الربح والخسارة بين الشريكين، ومفهوم المشاركة في الشريعة الإسلامية هو قيام الشريكين بتحمّل نتيجة المشاركة عند تصفيتها، وليست وسيلة لقيام البنك بإقراض التاجر؛ فالمشاركة وفق الصيغة الإسلامية سواء كانت بين صاحب مال ومضارب، أو صاحبَيْ مال يعملان في ماليهما، أو صاحبَيْ مال أحدهما يعمل في المال كصاحب مال وكمضارب يقومان بالمجازفة في الحصول على العائد المتوقع من ممارستهما المشاركة؛ فقصد البنك من قيام المشاركة ليس البحث عن ربح من خلال قيام الشريكين بالاتجار بالبضاعة المستوردة، كما أن البنك لا يبرم هذه العقود إلا مع المؤسسات التجارية التي تقوم بنشاط بيع هذه السلع التي يتم استيرادها، فالغاية هو توفير المال للتجار ولكن ضمن حيلة شرعية تجيز للبنك الإقراض باسم المشاركة، والقاعدة الشرعية التي يفترض أن تقوم عليها الأعمال ما حدّده حديث رسول الله ﷺ وهو الحديث المشهور الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ والذي جاء فيه: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» . فالقاعدة التي يُرتَكَز عليها في تحديد مقاصد الأعمال هي النية والقصد. فالقصد من عقد المشاركة ليس تكوين شراكة بين البنك والتاجر لتحقيق ربح يعود بالفائدة على الطرفين، وإنما هو حيلة لاستحلال الاقتراض باسم المشاركة، والأمور تُبنَى على مقاصدها، ولهذا فإن من الواجب إعادة النظر في الأسلوب والمنهج الذي يتم به توفير المال للمستوردين للسلع بالصيغة التي تُبعِد المجتمع من الوقوع في الربا، وفي الوقت نفسه قيام البنك بدوره في استغلال الأموال المتاحة لديه؛ وهذا يقتضي إعادة النظر في النظام البنكي بجملته من خلال دراسة إمكانية إيجاد نظام يتميز بأمرين: الأول: إعادة النقود بمختلف أشكالها لوظيفتها. والثاني: استغلال الأموال المدَّخَرة والفائضة عن حاجة المبادلات. - الصورة الثانية: تتمثل في استخدام أسلوب المرابحة بقصد توفير احتياجات المؤسسات والأفراد للأموال. والبنوك التقليدية الربوية تمارس دورها في توفير هذه الاحتياجات للأموال من خلال أسلوبين: الأول: تلبية احتياجات الشركات والمؤسسات التجارية للأموال اللازمة لمصاريف التشغيل؛ وذلك بما يعرف بـ (التسهيلات الائتمانية) بمنح العميل سقفاً للإقراض فيما يُعرف بـ (الجاري المدين) حيث يُسْمَح للعميل بالسحب من حسابه الجاري على المكشوف حتى يصل إلى سقف محدد، وتحتسب الفائدة يومياً بأسلوب الفائدة المركبة. أما بالنسبة لتلبية احتياجات الأفراد فيتم من خلال الإقراض الشخصي لمبالغ معينة يتم استعادتها مع فائدة خلال فترة زمنية معينة، وتحتسب الفائدة المركبة على هذا القرض وفق معادلة بقاء المبلغ المقترض لدى المقترض مضروباً في المبلغ إذا كان السداد بالكامل، أما إذا كان السداد على أساس الأقساط فيتم تحديد القسط وفائدته وفق الفائدة المركبة، ويقوم المقترض بإصدار سندات لأمر البنك وفقاً لنظام الأوراق التجارية. أما الأسلوب الذي تتبعه البنوك الإسلامية لمعالجة القروض الشخصية، أو التشغيلية للمؤسسات الفردية والشركات فهو ما يعرف ببيع المرابحة، وهذا البيع يتم من خلال آلية لا يقصد منها البنك الاتجار في هذه السلع التي يتم شراؤها بعد الاتفاق مع المحتاج للمال سواء كانت الحاجة لشراء سلعة معينة، أو بيع هذه السلعة للحصول على ثمنها وهو ما يعرف بالتَوَرُّق. ولإعطاء صورة لكيفية حل إشكالية الإقراض الشخصي أُورِدُ صورتين لكيفية معالجة البنوك الإسلامية للقروض الشخصية ضمن إطار تجنّب مخاطر البيع والشراء وضمان المال المقترض كما تحدد الفائدة أو ما يطلق عليه (الربح وفق نظام المرابحة) على أساس تحديد مقدار الربح الذي يبنى على أساس عدد الأقساط، وبحيث يتم احتساب فائدة على القسط الأبعد زمنياً على القسط الأقرب زمنياً، ثم تجمع هذه الفوائد (الأرباح) ثم تضاف إلى مبلغ القرض الإجمالي ليحدد المبلغ مع الربح، ثم يقسم على عدد الأقساط ليتم في النهاية تحديد القسط الشهري الذي يتم سداده من خلال راتب الشخص المقترض أو من خلال الدفعات التي تستقطع من الحساب الجاري للعميل إذا كان تاجراً. ولتوضيح هذه الصورة أضرب مثالاً عملياً واقعياً تمّ من قِبَل أحد البنوك الإسلامية على النحو التالي: تقدّم طالب الاقتراض بطلب شراء منزل، وقد قام البنك بدراسة طلبه من حيث مبلغ الدفعة الأولى التي سيقوم بدفعها ومقدار راتبه وقيمة المنزل الذي يرغب شراءه لمعرفة مدى إمكانية منحه القرض من عدمه، وفيما يلي البيانات الرقمية لهذه العملية: قيمة المنزل أربعمائة وخمسون ألف ريال سعودي سيتولى المشتري تقديم دفعة أولى مقدارها مائة وأربعون ألف ريال، والباقي ومقداره ثلاثمائة وعشرة آلاف ريال هو مقدار القرض، وقد احتسب البنك عليه مبلغ مائة وستة وثلاثين ألف ريال لمدة سبعين شهراً يتم سدادها على أقساط شهرية، مقدار القسط الشهري (٦٣٧١) ريالاً، مع دفع مبلغ ألف وثمانمائة ريال رسوم الاطلاع على المنزل المراد شراؤه، وبعد التأكد من مدى إمكانية قيامه بسداد المبلغ الشهري وتنازله بخصم القسط الشهري من راتبه والذي يتم إيداعه مباشرة لدى البنك من جهة علمه فإن نسبة عائد الربح على هذا القرض هو ٤٤% والمعدل السنوي ٣.٦% وهي نسبة أعلى من الفائدة الربوية التي تأخذها البنوك الربوية، ويتم احتساب الربح على أساس سعر الخصم لمبلغ قسط القرض الشهري ومقداره ٤٤٢٩ ريالاً وفق نسبة فائدة ٦% وعلى أساس الربح المركب لهذا القسط. إن هذا الأسلوب من التمويل الشخصي لا يختلف عن الإقراض الذي تتبعه البنوك الربوية في توفير التسهيلات المالية للشركات العقارية، والهدف والغاية هو توفير المال للراغب في الاقتراض. الاختلاف يتمثل في كيفية وأسلوب الإقراض؛ حيث تحصل العلاقة الإقراضية في تمويل قروض السكن للراغب في تملّك السلعة المراد إقراضها من قِبَل البنك وإبقاء ملكيتها حتى سداد جميع الأقساط، بخلاف البنوك الربوية التي تدفع القيمة نيابة عن المقترض للشركات العقارية، وأما الضمانات لسداد المال المقترض فهي نفس الضمانات من رهونات أو كفالات شخصية والتي تتبع من قِبَل النظامين. أما الصورة الثانية: فقد قامت على أساس مفهوم التورُّق مع استخدام الأسهم كسلعة وسيطة للإقراض؛ وذلك لسهولة بيعها لصالح المقترض، من خلال التعامل مع السوق المالي المحلي، أو العالمي، أو سوق السلع العالمي، والأسلوب المتّبع في تنفيذ هذا النوع من الإقراض والذي أُلبست عليه الصيغة الشرعية باعتبار أن السهم يمثل جزءاً من صافي حقوق المالكين في الشركة المساهمة، وهذا الجزء والمتمثل في قيمة السهم يتم تداوله في السوق المالي من خلال المضاربة فيه بيعاً وشراءً بسرعة وسهولة. وإجراءات الإقراض المتّبعة من قِبَل البنوك الإسلامية والتقليدية التي تمارس هذا النوع من أشكال بيع التورق تلبية لرغبات الناس بالبعد عن الربا لا تختلف عن الإجراءت المتّبعة من قِبَل البنوك التقليدية من حيث الحصول على الضمانات للمال المقترض، ويتم تحديد مقدار الفائدة وفق ما يعرف ببيع المرابحة؛ حيث يقوم البنك بشراء أسهم من السوق لصالح المقترض والذي يتم بيعها عليه بسعر مؤجل؛ حيث يتحدد سعر السهم المباع مؤجلاً على أساس المدة الزمنية ومقدار القرض والمقدرة المالية للمقترض في إعادة القرض مع فائدته، وعند الاتفاق يتم بيع هذه الأسهم المباعة للمقترض في السوق لصالحه. هذا الأسلوب هو أكثر الأساليب في التمويل الشخصي، وقد راج استخدامه لسهولة تسييل قيمة الأسهم بأقل خسارة على المشتري، وقد يتحقق له ربح عن سعر الشراء الأساسي الذي تم على أساسه احتساب الفائدة. التمويل من خلال بيع الأسهم بالأجل من قِبَل البنوك كوسيلة للإقراض الشخصي وقيام المقترض ببيعها إما مباشرة في السوق المالي، أو توكيل البنك وهو الغالب في بيعها نيابة عنه واعتبار هذا الأسلوب جائزاً شرعاً وهو صورة من صور الحيل لاستحلال المال المحرم؛ لأن غاية البنك هو الإقراض والحصول على الفائدة، كما أن المشتري غرضه من شراء هذه الأسهم هو بيعها والاستفادة من ثمنها؛ فهو أسلوبٌ الغرض منه الإقراض والحصول على الفائدة الناتجة عن هذا الإقراض. إن اتبِّاع هذا الأسلوب من التعامل يخرج البنك الإسلامي عن أهدافه التي يسعى لتحقيقها، وهي أهداف الاقتصاد الإسلامي، ومن تلك الأهداف القيام بعمليات تمويل طويلة الأجل للقطاعات الاقتصادية الإنتاجية أو الخدمية، مثل: تمويل مشروعات الحرفيين، أو المشاركة في رأس مال المشروعات لصغار المنتجين، وإن اتجاه البنوك الإسلامية في التمويل الشخصي من خلال استخدام الأسهم في السوق المالي كوسيلة لتوفير المال سيؤدي إلى زيادة العرض والطلب على الأسهم ومن ثَم حركة صعود الأسعار والمضاربة فيها؛ وضخّ الأموال في هذه الأسواق لا يساعد على التنمية الاقتصادية، بل هو معيق للتنمية، حيث يتم تداول الأموال بين الناس بأسلوب غير منتج لا تؤثر حركة الأموال على التوسع في زيادة إنتاج السلع أو توفير الخدمات. وعلى ضوء ما سبق فإن هناك ضرورة إلى إعادة النظر في أسلوب عمل البنوك الإسلامية ودورها في حركة الاقتصاد الوطني، والسعي إلى إبراز تصوّر جديد للتمويل يتجه نحو الاستثمار المنتج الذي يساهم في توفير فرص العمل وزيادة ونموّ المنتجات السلعية التي يحتاجها الناس، والتقليل من الاستيراد من الدول غير الإسلامية؛ بحيث يتم تحقيق تكامل اقتصادي بين المجتمعات الإسلامية، ولهذا فإنني أرى العناية بأمرين: الأول: دراسة إمكانية إيجاد نظام بنكي مغاير للنظام الرأسمالي؛ بحيث يتم فصل التمويل بمختلف صوره عن نظام التداول النقدي إيداعاً وسداداً للالتزامات، بحيث يساهم في إعادة الوظيفة النقدية للنقود بكل صورها المعاصرة والمقتصرة على الوظائف التقليدية، وهي أنها ثمن للسلع والخدمات ومخزن للقيم وإبراء للذمة وإيجاد نظام خاص بكيفية استغلال الفوائض المالية المتاحة. الثاني: العمل على البحث عن مخارج إسلامية للتمويل من خلال تفعيل مفهوم المشاركة والمضاربة لتمويل القطاعات التجارية بمختلف أشكالها وتطوير آلية للتمويل بما يتناسب مع عقود السَّلَم من حيث توفير المال التشغيلي للقطاع الصناعي. أما بالنسبة للتمويل الشخصي للأفراد فيجب العمل على تحديد أسلوب التمويل من خلال توفير احتياجات الأفراد من خلال المؤسسات والشركات التجارية التي يتم تمويلها من خلال مفهوم المشاركة والمضاربة.

стр. 5612

مشروع جمع الكلمة ورقة عمل في مؤتمر الوفاق الإسلامي نبيل محمد علي دعوة الوفاق التي أطلقها الدكتور عبد العزيز كامل ـ مهندس عملية الوفاق ـ حفظه الله تعالى ـ عبر مجلة البيان الصرح الشامخ والمجلة الرمز والوجه المشرق لمنهج أهل السنة والجماعة، هذه الدعوة والتي تكرر ذكرها في أكثر من مقال للدكتور ـ حفظه الله ـ وإن كان الإعلان الرسمي لها في العدد (١٨٩) في مقال بعنوان (فقه الوفاق متى نحييه؟) ص ٣٤ ـ ٤١ هذه الدعوة تستحق أن يعقد لها مؤتمر عالمي لقادة العمل الإسلامي من علماء ودعاة ومفكرين؛ بشرط قناعتهم بالفكرة أولاً. إن ما دعا إليه الدكتور، وغيره ممن يحزنه واقع العمل الإسلامي ينبغي أن تأخذه الجماعات الإسلامية مأخذ الجدّ، وتبدأ بداية حقيقية في السعي ـ ولو بخطوات بطيئة ـ للوصول إلى وفاق حقيقي واقعي، وعلى كل جماعة أن تعيد النظر ـ وبشجاعة ـ في الموقف من الآخر ـ القريب ـ. لذلك أتمنى على مجلة البيان الدعوة إلى إقامة مؤتمر علمي يجمع فيه ما يستطاع من قادة العمل الإسلامي. ودواعي إقامة هذا المؤتمر كثيرة، أهمها: ١ ـ الحاجة الماسّة في هذا الظرف الذي تمرّ به الأمة إلى جمع الكلمة. ٢ ـ حجم المشكلة؛ فهي أكبر مما نتصور، وتحتاج إلى جهود كبيرة ومتواصلة. ٣ ـ عموم البلوى؛ فلا يخلو بلد إسلامي، بل بلد فيه أقلية مسلمة من مرض الاختلاف والتنازع. ٤ ـ وجود قطاع كبير من شباب الصحوة وطلاب العلم، بل قبلهم من العلماء والدعاة ممن يرغبون ويتمنون جمع الكلمة؛ لكن الأُطر الحزبية والتنظيمية وعدم الجرأة على البداية وغيرها من الأسباب تقف سدّاً منيعاً أمامهم. فأسأل الله أن يوفق من يهمّه الأمر إلى إيجاد مشروع عملي ولو إقليمياً أو حتى محلياً؛ ليكون نواة لبداية مرحلة جديدة في طريق الائتلاف والالتقاء والإخاء الصادق. وفكرة (مشروع جمع الكلمة) في هذا المقال إنما هي تفاؤل ـ قد يكون ـ في غير محلّه، لكن استجابة لطلب الدكتور في قوله (أَقْدِمْ ولا تتردّد) (١) ، فإنني لم أتردّد في كتابة هذه الفكرة، ولعلها تجد من يعيد النظر فيها ويخرجها فكرياً إلى مستوى أعلى، مع السعي عملياً إلى نقلها إلى الواقع ليتم البدء في تنفيذها. أولاً: الفكرة: هي عبارة عن القيام بمجموعة من البرامج والأنشطة الدعوية المختلفة بواسطة مجموعة من الدعاة المنتمين إلى جماعات مختلفة. ثانياً: الأهداف: ١ ـ تقريب وجهات النظر بين الإسلاميين. ٢ ـ زيادة فرص الالتقاء والمشاركة في البرامج المختلفة. ٣ ـ إزاحة أو إزالة الحاجز النفسي ـ الوهمي ـ الحائل بين دعاة الجماعات الإسلامية بعضهم مع بعض. ٤ ـ العمل على تخفيف أو تجفيف منابع الفرقة والاختلاف. ثالثاً: الوسائل والطرق: لا شك أن الفكرة يسهل طرحها، بل طرح ما هو أعمق منها وأفضل، وكذلك الأهداف، والعبرة بتنفيذها وإخراجها إلى حيّز الواقع، لذلك سأحاول وضع طرق واقعية ـ قدر الإمكان ـ من أجل تحقيق الأهداف المذكورة. وقبل ذلك أنبّهُ إلى أمر مهم، وهو أن الذي يقوم بالترتيب والسعي لإقامة هذه الأنشطة وتنفيذ هذه الوسائل لا بد أن يكون مقتنعاً بل متفاعلاً ومتفائلاً وباذلاً وُسْعَه في ذلك. ومن الوسائل المقترحة في هذا الأمر: ١ ـ إقامة ندوات وحلقات نقاش تعالج قضايا عامة ليس لها علاقة بأمور الخلاف، يقيمها مجموعة من الدعاة من عدّة جماعات، ظاهرها موضوع الندوة، وباطنها اجتماع الوجوه وزيادة فترة اللقاء فيكون نوراً على نور. ومن أمثلة المواضيع التي تناقش في هذه الندوات: (غلاء المهور ـ الفساد الأخلاقي المنتشر في المجتمعات ـ التنصير ـ الغزو الفكري) ونحوها. ٢ ـ دورات عامة مختلفة، مثل: دورة للنساء، وأخرى لشباب الصحوة، ودورة خاصة بالأئمة والخطباء، وغيرها يشترك في إقامتها دعاة مختلفون في الانتماء تجمعهم الدورة. ٣ ـ لقاءات فردية، أي: بين أفراد الجماعات بطريقة غير رسمية؛ كالدعوة إلى وليمة أو مناسبةٍ ما، أو زيارة أو ضيافة؛ وهكذا. ٤ ـ نشر الوسائل الدعوية التي تعالج هذه القضية بين شباب الصحوة؛ كالأشرطة والرسائل والنشرات ونحوها. ٥ ـ إقامة مسابقات مختلفة تدور مواضيعها حول هذا الأمر، ومن ذلك مثلاً: ـ مسابقة في كتابة بحوث وأفكار حول الطرق والوسائل التي تؤدي إلى جمع الكلمة. ـ مسابقة الشريط الإسلامي، ولها صورتان: الأولى: مسابقة في شريط يعالج قضية الخلاف لأحد الدعاة المشهروين. الثانية: مسابقة في الشريط الإسلامي المحلي، وذلك باختيار مجموعة من الأشرطة لمجموعة من الدعاة المحليين في البلد في مواضيع مختلفة ليس لها علاقة بالقضايا الخلافية ونشرها في أوساط طلاب العلم. ٦ ـ إقامة محاضرات عامة في مساجد مختلفة؛ فكما هو معروف أن المساجد في بعض البلدان تُنسب إلى الجماعات فيحاضر هذا في مسجد هذا، وهذا في مسجد هذا؛ وهكذا. ٧ ـ توزيع استبانة صريحة ومناسبة لقطاع كبير من الدعاة وطلاب العلم وشباب الصحوة، يكتبون فيها ما يدور في خلدهم وما يحملون في صدورهم وما يرونه من حلول واقتراحات حول مسألة تفرّق الجماعات الإسلامية؛ فإن هذا وإن لم تظهر آثاره مباشرة إلا أن له دوراً كبيراً في التهيئة النفسية، خاصة إذا كانت الإجابات بعيدة عن الأجواء التي تُشعِر بالمراقبة وخروج الخبر عن الخصوصية، ثم يتم الإعلان عن النتائج الإيجابية للاستبانة ونشرها وتوزيعها دون الإشارة إلى الأسماء بقدر الإمكان. ٨ ـ نشر الأعمال التي يجتمع فيها أكثر من داعية ومن عدّة جماعات؛ كالفتاوى والمحاضرات واللقاءات المشتركة.. وغيرها. ٩ ـ إيجاد مسجد مستقل عن الانتماء ـ قدر الإمكان ـ لإقامة البرامج الدعوية فيه لجميع الدعاة بغضِّ النظر عن انتمائهم. رابعاً: تنبيهات مهمة: ١ ـ عدم المساس بالانتماء، أي: محاولة الابتعاد عن الكلام في انتماء الأفراد وجماعاتهم، وليكن الشعار القولي والعملي: (لنتعاون وكلٌّ في انتمائه) ولو في بداية مراحل التعاون؛ لأن فتح باب النقاش حول الانتماءات معناه تعميق الخلاف وتعزيز التعصب. ٢ ـ التركيز على جماعة وتكثيفُ النشاط معها معناه الانتماء ولو بصورة غير مباشرة؛ لذلك ينبغي أن ينتبه مَنْ يدعو إلى جمع الكلمة أن يكون محسوباً على طرف من الأطراف. ٣ ـ عرض الفكرة قبل تنفيذها على القيادات العملية والدعوية في الساحة، وخاصة التي يتوقع منها التأييد والتشجيع والتعاون. ٤ ـ لا شك أنه يوجد في كل جماعة فئة محبة للاجتماع راغبة في التآلف؛ فهؤلاء هم الأرض الخصبة لبذر هذه الفكرة وعلى أيديهم ستؤتي ثمارها ـ بإذن الله ـ فينبغي التركيز عليهم والحرص على معرفتهم. خامساً: شروط النجاح: ١ ـ الإخلاص، وعدم الخلاف. ٢ ـ الرغبة الصادقة في جمع الكلمة. ٣ ـ الصبر؛ لأن المعارضة للفكرة قد تأتي ممن نعقد عليهم الأمل في جمع الكلمة بسبب الانتماءات والولاءات الضيقة. ٤ ـ الوضوح في التعامل خاصة مع القيادات؛ فالكثير ـ إلا من رحم الله ـ يظن أن أيّ دعوة جديدة معناها جماعة جديدة تبحث عن أنصار. وأخيراً أقول: قد يمكن تنفيذ هذه الفكرة أو بعضها في بيئة معينة وفي مجتمع خاص وقد لا يكون ذلك ممكناً في غيره، لكن الهدف هو الفكرة، وأما وسائلها وطرق تنفيذها؛ فأهل مكة أدرى بشعابها. وأختم بالتذكير بكلمة مهندس عملية الوفاق: (أَقْدِمْ ولا تتردّدْ) والله المستعان.

стр. 5613

من هدي الوحيين في مواجهة الأعداء أحمد حسن محمد (*) من سنن الله ـ سبحانه ـ أن تكون هذه الدنيا حلبة صراع بين خلق الله جميعاً، يكون الحق في جانب والباطل في جانب آخر، إنه صراع الخير والشر، بين المعروف الذي تستقيم عليه فطرة البشرية الراشدة، وبين المنكر الذي تأباه النفس الإنسانية الطاهرة: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] . وقضية الإيمان في كل وقت وزمن إنما تدور حول هذا المفهوم لتحمي الإنسان صاحب التقوى من أن يكون في جانب الباطل أو الشر أو داعياً لمنكر. ومن رحمة الله بعباده أنه دلّهم على المعالم السلوكية التي تقودهم نحو جانب الحق والخير والمعروف عندما تحتدم مواقف الصراع، وتتشابك المواقف ويظهر العداء واضحاً أمام أهل الصلاح وجماعة الإيمان.. وقد بيّن لنا القرآن الكريم كيف يواجه المؤمن مواقف العداء والاعتداء، كما أوضح لنا رسول الله ﷺ النموذج العملي لهذه المواقف، من خلال سيرته الطاهرة وهديه الراشد. وما دام الصراع والعداء لأهل الدين وحملة الدعوة إلى الله أمراً واقعاً؛ فإن التمسك بما جاء في الكتاب والسنة أمر لازم لتحقق الصبر والفلاح، ثم النصر والغلبة بإذن الله تعالى؛ حيث الابتلاء اختبار وامتحان للعبد الصالح. قال ـ تعالى ـ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] . ويوم يواجه المسلم الصادق مثل هذه المواقف فإن عليه أن يعيد الموازين إلى مواقعها الصحيحة مسترشداً بهدي الله وسنة نبيه الكريم، والتي منها: أولاً: إحسان العودة الخالصة إلى الله والتوبة الصادقة واللجوء إليه ـ سبحانه ـ والاجتهاد بالدعاء والتوسل والإنابة؛ فقد كان رسول الله ﷺ ، وهو المؤيد بوحي الله عندما يواجه الأعداء وتتخلى عنه أسباب الدنيا، يستحضر ثقته بربه؛ فيوم أن تنكّر له الناس ولم يجد الجوار من أحد منهم وقابلوه بتحريض سفائهم وصبيانهم عليه، ركن إلى الله ـ تعالى ـ ودعاه: «اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس..» (١) . وعلّمنا ﷺ أن نلجأ إلى الله بالدعاء من شر الأعداء: «اللهم اكفنيهم» (٢) ، وقد كان هذا هو هدي أنبياء الله من قبلُ؛ فقد توجه نوح ﵇ إلى ربه داعياً على أهل الكفر عندما تمادوا في العداء والنكران والسخرية من نبي الله: ﴿وَنُوحًا إذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٦ - ٧٧] ، فكان أمر الله بتأييده. ثانياً: الثبات وطلب القوة والعزة والنصر من الله، حيث إن المؤمن لا يسعى للعداء ولا يتمناه؛ لقوله ﵊: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية؛ فإذا لقيتموه فاصبروا» (٣) . أما إذا كان الأمر لا محالة؛ فلا ينهزمْ أمام أعدائه، ولا يخفهم، بل عليه إذا ما وقع الصدام وظهر العدو بغدره وحقده أن تكون المواجهة لا الفرار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦] . وثبات المؤمن أمام أعدائه إما أن يكون طريقاً إلى النصر والغلبة، أو طريقاً إلى رضوان الله ومثوبته، وكلاهما نصر وفوز ـ بإذن الله ـ طالما أن المسلم ملتزم بأدب الإسلام وهدي وأحكام شرع الله . ثالثاً: التزام خُلُق الصبر، وهو من أخلاق الإيمان المنجية: ﴿وَالْعَصْرِ * إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] ، وكان هذا دأب فئة الإيمان وجند الله المخلصين؛ حيث وصفهم الله بالصبر، وبه كانت معية الله لهم ... ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ، ومن هنا كان أمر الله للمرابطين في سبيله والمجاهدين من أجل رفع كلمة الحق والدِّين أن يلزموا الصبر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] ، وهكذا كان دعاء جند طالوت ربَّهم أن يزوّدهم بالصبر: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] . وأمة الإسلام اليوم ـ أفراداً وجماعات ودولاً ـ تواجه أعداء كُثُراً يسعون للنيل من دينهم والظهور على أممهم وشعوبهم والنيل من وحدتهم؛ بإشاعة الفرقة بينهم، مستخدمين كافة الوسائل المادية والفكرية والمعنوية؛ وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فقد تجمع أهل الكفر على رسول الله ﷺ وأصحابه حتى: ﴿زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] ، فكان السبيل للخلاص هو اللجوءَ إلى الله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ، ودعاءه والتزام مواقف الثبات والمقاومة الإيمانية بما يسّره الله لهم من أسباب الطبيعة: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١] ، وما يسره ـ سبحانه ـ من أسباب السماء: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] . كما كان الصبر سلاحاً احتمى به أهل الإيمان وأصحاب الدعوة الراشدة استجابة لنصيحة المصطفى ﷺ : «صبراً يا آل ياسر! فإن موعدكم الجنة» (٢) ، فالصبرُ من بعدُ مجلبةٌ لتأييد الله عباده، ومجلبة لمدد لهم: ﴿بَلَى إن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] . إن أمة الإسلام اليوم أشد ما تكون حاجة إلى هذا الأدب القرآني والهدي النبوي الراشد وهي تعيش فترة عصيبة من تاريخها، ولا سبيل لها إلا العودة إلى ربها والتمسك بوحدتها تحت مظلّة شريعتها الهادية ومحاربة كل أسباب الفرقة والشتات والنزاع: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] ، ولقد عاتب القرآن الكريم صحابة رسول ﷺ ـ وهم أكرم منا وأفضل ـ عندما رغب بعضهم في أسلاب الدنيا يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ، يقول عبد الله بن مسعود ﵁: «ما شعرت أن أحداً من أصحاب النبي ﷺ كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذٍ» (٣) . بهذه الصفات الحميدة والسلوك الإيماني تتميز أمة الإسلام، وتكون لها قدرة المواجهة لأعداء الله؛ لأنها أمة تتعامل مع ربها وخالقها، وترجو رحمته وتخشى عذابه، فتختلف بذلك عن عصابات الكفر والإفساد في الأرض ممن لا همَّ لهم إلا الحياة الدنيا: ﴿إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤] . ويوم أن ينتصر الإيمان في قلب الأمة المسلمة، وتنحاز بكل قدراتها ومواردها انتصاراً لكلمة التوحيد وشهادة الإسلام يكون نصر الله لا محال؛ وصدق الله العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] . ومن أسباب هذا النصر ومقوماته إفساح المجال واسعاً أمام أهل العلم الشرعي وأهل الرأي والمشورة وذوي الخبرة والتجربة؛ للاستفادة من آرائهم وتوجهاتهم، حتى تكون الأمة على رشد من أمرها، وتجمعها كلمة واحدة لا تتهددها الانفعالات العارضة أو المواقف أو ردود الأفعال المتسرعة والتي تقود المجتمع إلى بثّ الفرقة وضياع الثقة بين أفرادها وتهديد أمنها واستقرارها الذي هو منّة الله على عباده المخلصين: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ، إنه وعد الله الذي وعد به عباده المؤمنين أن يبدّل خوفهم أمناً، ويمكّن لهم على أعدائهم وينصر دينهم، وصدق الله العظيم؛ إذ يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] .

стр. 5614

تغيير المناهج: رغبة أم رهبة ؟ د. وليد الطبطبائي (*) لا يوجد نظام تعليمي في العالم إلا وتعديل المناهج وتطويرها جزء أساسي من اهتماماته، وهذا التطوير والتعديل عملية مستمرة يقوم بها صائغو المناهج كلٌّ في اختصاصه، وحسب تطورات نظام التعليم وحاجات المجتمع، وما يستجد من معارف ومكتشفات ونظريات علمية وأحداث تاريخية. وتطوير المناهج عملية أكاديمية بحتة يقوم بها المختصون في كل فرع من فروع التعليم ومواده، وهي عملية مستمرة واعتيادية، ولا ينبغي أن تلفت انتباه أحد، أو أن تكون حدثاً موسمياً أو طارئاً أو مستعجلاً، كما أنه ليس مستساغاً أن يكون تعديل المناهج استجابة لرغبة سياسية أو طغيإن أيديولوجي؛ فهذا لا يحدث إلا في دول الحكم الشمولي وفي ظل الأنظمة الشيوعية والفاشية والبعثية؛ حيث يقرر القادة السياسيون أو الزعماء الحزبيون ما يجب إن يتعلمه الشباب، وما ينبغي إن يؤمنوا به، والطريقة التي ينظرون بها إلى العالم. إن المشكلة الأولى في ما أصبح يُعرَف في السنوات الأخيرة بـ «قضية تغيير المناهج» إن هذه القضية طُرحت من قِبَل الدوائر الغربية وخصوصاً الأمريكية ضمن تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١؛ ولذلك صارت لها صبغة سياسية فاقعة؛ وإن حاول كثير من الليبراليين عندنا، في العالم العربي، إيجاد تبريرات ومسوغات أكاديمية وتربوية لها، ولا أدل على ذلك من أن أكثر التعديلات المقترحة تتعلق بمناهج التربية الإسلامية واللغة العربية والاجتماعيات، أي المواد الأكثر تعلقاً بهوية وثوابت المجتمعات العربية. وزد على ذلك أن التعديل والتغيير في هذه المواد لا يهدفان إلى تحسين أسلوب تدريسهما بما يجعلهما أكثر جاذبية وسلاسة للطلبة ويبعد عنهما الجمود، بل التعديل للمواد يمس الأفكار والمبادئ الجوهرية؛ وكأن معدِّل أو منقِّح هذه المناهج لا يقوم بذلك وهو ممسك بقلم التربوي الخبير والأكاديمي المتخصص، بل يقوم به وهو ممسك بمبضع الجراح يريد أن يقتطع من اللحم، بل قل إنه ممسك بـ (ساطور) الجزار يريد كسر عظام وقطع أشلاء الثوابت الثقافية للأمة. لقد أثار موضوع تغيير المناهج خوفاً وقلقاً واعتراض كثير من التربويين وخصوصاً الإسلاميين في العالم العربي بسبب توقيت طرحه والجهات التي نادت به، وكيف لا؛ وهم يرون الغرب بحكوماته وإعلامه وبمفكريه يمارسون كل هذا الخلط والتخبط في فهم علاقة الهجمات الإرهابية في نيويورك وواشنطن بالإسلام والمسلمين؟ وكيف لا نقلق والإدارة الأمريكية التي تنشئ مكاناً مثل «غوانتنامو» وتعتبر مقاومة الاحتلال الصهيوني إرهاباً، وتعاقب الفلسطينيين لممارستهم انتخابات حرة نزيهة هي التي تطالب بتغيير المناهج، وهي التي تحدد ما هو معتدل وما هو متطرف، وما هو مقبول أو مرفوض في ثقافة إسلامية عربية عمرها ١٤٠٠ عام أو يزيد. نعم! إننا نسمع من بعض الليبراليين عندنا أن مطالبتهم بتغيير المناهج لا علاقة لها بالمطالب الأمريكية، وأنهم يريدون تطوير المناهج؛ لأنها لم تُطَوَّر منذ زمن بعيد، وأن هناك مسوغات كثيرة لتغيير بعضها يتعلق بمخرجات التعليم وحاجات سوق العمل، وبعضها بحاجة للتبسيط والاختصار، ونحن لا نعترض على أي تغيير ينبع من رؤية أكاديمية وتربوية متخصصة؛ لكننا نسأل: ألم تكن هذا المسوغات للتغيير موجودة قبل ١١ سبتمبر ٢٠٠١؟ ولِمَ أصبح التغيير مُلِحّاً الآن؟ ولماذا حماستكم للتغيير تنصبُّ على التربية الإسلامية واللغة العربية والاجتماعيات دون غيرها من المناهج؟ إن قلقنا من شعار «تغيير المناهج» مشروع ومحق، وهناك جملة مؤشرات على عدم موضوعية أو أمانة بعض المطالبين بتغيير المناهج لما يلي: (١) إن التغيير في الأساس فكرة غربية ـ أمريكية ناتجة عن أحداث معينة ورؤية معينة للعالم الاسلامي، ولأغراض سياسية معينة. (٢) إن قسماً مهماً من التغييرات التي يقترحونها تنصبُّ على فكرة التطبيع مع العدو الصهيوني وقبول الصلح معه، وتصنيف مقاومة الاحتلال إرهاباً. والحقيقة أن استهداف المناهج التي تعزز في نفوس الطلبة الموقفَ العقائدي في مواجهة العدو سبق أحداث ١١ سبتمبر، وبرز عندنا في الكويت عام ١٩٩٤ على يد وزير التربية السابق د. أحمد الربعي الذي حاول حذف بنود ومواد في منهج التربية الإسلامية تتعلق باليهود والصراع معهم بما في ذلك شطب عدد من الآيات الكريمة من المنهج. (٣) إن التغيير يتم بناء على ضغوط خارجية وخصوصاً من الولايات المتحدة ضمن ثقافة ما يسمى بـ «الحرب على الإرهاب» ، وهذه الضغوط الخارجية تعززها في كل بلد إسلامي ضغوط داخلية من العلمانيين المرتبطين بالغرب سياسياً أو ثقافياً. (٤) إن اتجاهات التغيير نابعة من فهم خاطئ أو ماكر لقضية الجهاد والعمل المسلَّح في الإسلام، وقد تم استغلال كل الممارسات الخاطئة المنسوبة إلى تنظيم «القاعدة» وحوادث العنف الموجه ضد الأبرياء من أجل تشويه وإبطال مفهوم الجهاد في الإسلام، وجَعْلِ كل مسلم يحمل السلاح في وجه الاحتلال والظلم سواء كان في فلسطين أو الشيشان أو كشمير أو غيرها إرهابياً. (٥) إن اتجاهات التغيير تنحاز بقوة إلى العلمنة والثقافة الليبرالية الغربية وتجعلها معياراً للقيم الاجتماعية والاخلاقية وخصوصاً قضايا المرأة والأسرة. (٦) ولكونه ضمن ثقافة ما يسمونه «القبول بالآخر» يريد بعض الغربيين من المسلمين أن يقدموا تنازلات في العقيدة وفي ما حدده الإسلام من رؤية للديانات الأخرى وأسلوب التعامل مع غير المسلمين، ومع أن الاسلام أكد على قيم التسامح والتعايش السلمي ودعوة غير المسلمين بالموعظة الحسنة؛ إلا أن ما يريده الغربيون هو حذف أو تهميش ما نص عليه القرآن من آيات واضحة عن انحراف الأديان الاخرى عن العقيدة الصحيحة. (٧) ومما يقلقنا من فكرة تغيير المناهج أنها صارت مناسبة لكل من يريد النيْل من ثوابت الإسلام أو الطعن في قيمه، وسمعنا بعضهم يريد حذف مبادئ أساسية في عقيدة التوحيد ومفهوم البراءة من الشرك في مناهج التربية الإسلامية في الكويت بحجة أن هذه المبادئ «تكفيرية» . (٨) وصارت فكرة تغيير المناهج أيضاً فرصة لمن يريد الانقضاض على التاريخ الإسلامي والعبث به بحجة إعادة كتابته بطريقة علمية عصرية، وهؤلاء فريقان: الأول: يريد تجريد تاريخنا من مشاهد البطولة والعزة. والثاني: يريد اعادة تفسير التاريخ من منطلقات ظلامية سيئة النية. إن كثرة المغرضين والمشبوهين الدائرين حول فكرة تغيير المناهج يجعلنا نقلق من أن الغرض من ذلك ليس موضوعياً، وإن ميل بعض الدول العربية لهذه الفكرة تحت ضغوط غربية معروفة يجعلنا أكثر تشككاً تجاهها؛ فتطوير المناهج لم يكن يستحق كل هذه الضجة لو كان أمراً أكاديمياً ينفذه المختصون؛ ولو أنه تم بهذه الصورة لكنا من المرحبين به، أما وقد اكتنفته كل تلك الشبهات فلنا الحق أن نتوقف في هذه المسألة، وأن نشدد الرقابة عليها.

стр. 5615

٢٢٥ - جمادى الأولى - ١٤٢٧ ه ـ (السنة: ٢١)

стр. 5616

يا مقلب القلوب ثبتنا ! مما يؤسف له أن يقع بعض المتعلمين فيما تقع فيه العامة من الجرأة على الشريعة في التحليل والتحريم بلا خوف من الله ولا وازع من ضمير، والأشد أسفاً أن يحصل ذلك أحياناً من بعض المنتسبين إلى العلم والفكر الإسلامي، وهم الذين يعلمون أنهم الموقِّعون عن رب العالمين، وفيهم ألّف العلاَّمة ابن القيم كتابه الجليل (إعلام الموقعين عن رب العالمين) . ولخطورة الإفتاء بلا علم ولا فقه كان الصحابة يتدافعون الفتوى. ولقد لمسنا مؤخراً فتاوى مستنكرة مخالفة في ذلك الأدلة المحكمة والإجماع، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: ما نُقل عن بعضهم من طوامّ منها (تجويزه زواج المسلمة من الكتابي) ! و (جواز إمامة المرأة للرجال) و (مساواة شهاة المرأة بشهاة الرجل) ! ونحوها من الفتاوى التي أنكرها عليه علماء بلده وغيرهم. وما نشر من عميد سابق لإحدى كليات الشريعة في دولة خليجية من دعاوى مثل (جواز الطواف حول القبور) !! وما أفتى به أحد المفتين المشهورين من تجويزه للمسلم المقيم في الغرب بيع الخمر ولحم الخنزير لغير المسلمين! ومن ذلك القبيل ما قاله أحد طلبة العلم المعممين من زعم أن حكم الردة تعزيري وهو مفوض للسلطة ولا يعني القتل بالضرورة. أما صاحب كتاب (قراءة للإسلام من جديد) فهو يجمع سيئات المتساهلين؛ لزعمه أنَّ الإسلام هو القرآن فقط، أما السنة والإجماع والاجتهاد فهي بنظره مصادر ما أنزل الله بها من سلطان!! ونحتار لتعليل تلك الفتاوى الباطلة والآراء الغريبة ولا نجد لها سبباً وجيهاً، وهي في نظرنا تعود لما يلي: ١ ـ الانهزامية أمام دعوات أعداء الإسلام الذين يطالبون بتطوير أحكام الدين حتى لا يوصَفوا بالتشدد والأصولية. ٢ ـ تبنيهم لمنطلقات رموز مدرسة أهل الأهواء الذين لا يقيمون للأدلة الشرعية وزناً. ٣ ـ عقدة المخالفة كما يقال (خالف تعرف) ليكونوا حديث الناس والإعلام. ٤ ـ قلة الورع والمجاملة لبعض المنحرفين من العامة والخاصة. ولا شك أن هؤلاء بإفتاءاتهم يشككون الناس بأمور دينهم، ويلبسون الحق بالباطل. نسأل الله العافية. وما زلنا نحسن الظن بأولئك، بالرجوع عما زلوا فيه؛ لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ونذكِّرهم والذكرى تنفع المؤمنين بقول الله ـ جل وعلا ـ: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ؟ . [يونس: ٥٩] اللهم يا مقلب القلوب ثبتنا وسددنا!

стр. 5617

حمى الأسهم موعظة ودعوة د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد: فإنَّ الحراك الاستثماري وجملة التفاعلات الاقتصادية في المجتمع الخليجي كان لها أثر إيجابي محمود عند بعض الناس، لكنها في الوقت نفسه أوجدت في المجتمع أنماطاً سلبية من السلوك الاجتماعي أخذت في التفاعل والنمو، وأدخلت المجتمع في دوامة التطلعات الاستهلاكية، وأصبحت ظاهرة التقليد والمحاكاة وحب الظهور، ونحوها من الظواهر آسرة لحركة كثير من الأسر. وتهافت الناس من مختلف الشرائح الاجتماعية في الآونة الأخيرة ـ في منطقة الخليج العربي بخاصة ـ على الاشتغال بتجارة أسهم الشركات؛ وهي ظاهرة جديرة بالدراسة والتأمل، خاصة بعد أن تجاوزت حدود الاعتدال والاتزان عند كثير من الناس، بَلْهَ بعض الصالحين. وازدادت أهمية دراسة هذه الظاهرة بعد الانكسارات والخسائر الحادة في الأسواق الخليجية، وما ترتب عليها من آثار نفسية واجتماعية مقلقة على بعض الأفراد والأسر. ولا شك بأنه يؤلمنا كثيراً أن يتعرض بعض المسلمين لخسارة مادية مهما كان حجمها؛ فكيف إذا كانت كبيرة؟ ومن واجبنا في ظل هذه الظروف أن نثبِّت الناس، ونُصبِّرهم، ونواسيهم، ونقف معهم في مصابهم، ونشاطرهم همومهم، ونطالب بحقوقهم، ونضع أيدينا على مكامن الخلل والقصور لعلاجها والتقليل من آثارها. ولْنتأملْ سيرة النبي المصطفى ﷺ ؛ فعلى الرغم من الأولويات العقدية الكبرى التي تصدى لها ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أول البعثة، إلا أنه تصدى أيضاً للفساد والظلم الاجتماعي، وعايش هموم الناس المعيشية ومشكلاتهم الحياتية، وتنزل عليه في العهد المكي آيات كثيراة في هذا السياق، منها: قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ١ - ٣] . ونؤكد هنا أن العمل في الاستثمار والتجارة من الأمور المباحة شرعاً. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] ، وقال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] بل قد تكون من الأمور المحمودة التي يثاب عليها العبد إذا حَسُنت نيته؛ فإن الكسب الطيب المباح طريق مبارك للتعفف والاستغناء عن الناس؛ فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم» (١) . وقد كان بعض الصحابة الكرام ﵃ والتابعين على فضلهم وزهدهم يمارسون التجارة، ويوصون القادرين من أصحابهم على التجارة والكسب لما في ذلك من الترفع عن أهل الدنيا والاستغناء عن الناس، وقد ثبت عن النبي ﷺ قوله: «استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك» (٢) . ويتأكد ذلك في هذا العصر في حق العلماء والمصلحين؛ فكلما كان هؤلاء في غنى عن الناس، مترفعين عما في أيديهم؛ كانوا أكثر شرفاً وعزة وقوة في الحق وثباتاً عليه. وما أجمل قول أم المؤمنين عائشة ﵂: «كان أصحاب رسول الله ﷺ عمّالَ أنفسهم» (٣) . لكن ها هنا مسائل مهمة يحسن ذكرها والتأكيد عليها: ١ ـ فتنة المال: الفتن التي تُعرض للإنسان في حياته، وتُفسد عليه دينه، كثيرة وكثيرة جداً، ومن هذه الفتن: (فتنة المال) ؛ فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال» (٤) ، وصح أيضاً قوله ﷺ : «فواللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» (٥) . فالاغترار بالمال وتعلق القلب بحبه، باب عريض من أبواب الغفلة والانحراف. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧ - ٨] . ولهذا ينبغي للإنسان إذا اشتغل في التجارة بأي صورة من صورها ـ أن يحذر من هذه الفتنة التي وقع في أعماقها فئامٌ من الناس، ولا يغفل عن ذكر الله ومراقبته في السر والعلن، ويكون ممن قال فيهم ربنا : ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإقَامِ الصَلاةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] ؛ فالغفلة داءٌ مهلك تُغرق المرء في هموم الدنيا وأهوائها، وتحجبه عن طاعة الله والتزام أمره ونهيه، وقد رأينا في حمَّى الأسهم أقواماً يعكفون أمام الشاشات، ويلهثون وراء دنياهم، ثم يزداد لهاثهم وطمعهم، حتى يكادوا ألاَّ يعرفوا شيئاً غيرها، فنسي بعضهم أهله وولده، وفرط في حقوق كثيرة ـ والعياذ بالله ـ وأصبحت حركة الأسهم هي حديث المجالس والمنتديات الخاصة والعامة، ولا نبالغ إذا قلنا إنها أصبحت هي الهم الأكبر والشغل الشاغل عند بعضهم، وتعجب أشد العجب من تسابق الناس وتنافسهم، بل وتدافعهم وتهارشهم على المساهمة والاكتتاب! ولهذا جاء وعيد رسول الله ﷺ لأمثال هؤلاء بقوله: «من أصبح والدنيا أكبر همه: فرَّق الله عليه صنيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له. ومن أصبح والآخرة أكبر همه: جمع الله عليه صنيعته، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (٦) . والجدير بالذكر في هذا السياق أن بعض الصالحين ممن اشتغلوا بتجارة الأسهم أخيراً لم يَسْلَموا مما وقع فيه كثير من العوام؛ فقد غارت أقدام بعضهم في تلك الأسواق شيئاً فشيئاً، وازداد بريق الدنيا في نفوسهم، حتى أشغلهم ذلك عن بعض ما تربوا عليه من أمر العلم والدعوة والتربية، وصدق النبي ﷺ : «ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» (٧) . وهذا يؤكد أن التوازن والاعتدال مطلب ملحٌّ يعصم الإنسان من الاندفاع والغلو غير المنضبط. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] . ٢ ـ التوقي والحذر من المحرمات: من الظواهر اللافتة للنظر أن بعض الناس ـ بارك الله فيهم ـ كانوا يحرصون أشد الحرص على التوقي والحذر في سوق الأسهم، فلا يُقدِمون إلا بفقه، وكانوا يرجعون إلى أهل العلم والاختصاص في معرفة الشركات التي تجوز المساهمة فيها، لكن ممّا يؤسَف له كثيراً أن بعض الناس يتهاونون في معرفة الحلال والحرام، ويتساهلون في الوقوف عند حدود الشرع، فأصبح المعيار الذي معه يدورون: هو مقدار الربح المادي، فتلوثت بعض الأسواق بكثير من المحرمات، وتطاولت بعض الأيدي على الكسب الحرام، وكثر الغرر والنجش والتدليس، وتهاون بعضهم حتى في شأن الربا الواضح البيِّن ـ والعياذ بالله ـ وراحوا يعتذرون لأنفسهم بمعاذير واهية وحيل ملتوية، وبتكلُّف واضح ظاهر البطلان، حتى أصبح بعضهم لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب في هواه. ثم إن تكاثر الناس وتتابع سقوطهم في هذه الأراضي الموحلة جرَّأ بعض المترددين وضعاف النفوس، ودفعهم للوقوع في المحرمات والتهاون فيها؛ فانتشر البلاء وظهر الفساد. ولا نستبعد أن تكون انهيارات أسواق الأسهم ابتلاء من الله ـ تعالى ـ لبعض الناس، وعقوبة لآخرين ممن تجرؤوا على حرمات الله ـ تعالى ـ وجاهروا بالربا. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ، وقال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ . [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] وتأمل قول الله ـ تعالى ـ: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠] ، وقول النبي ﷺ : «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قُلّ» (٨) ، ثم انظر إلى حال بعض الناس ممّن انتفشوا حيناً من الدهر بأموالهم الربوية واطمأنوا بها، كيف عاقبهم الله ومحق بركة أموالهم. نسأل الله السلامة والعافية. وما أصاب المسلمَ من عقوبة في الدنيا إلا بسبب ذنوبه وتفريطه. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . [الروم: ٤١] إنها دعوة للمراجعة والتوبة وتطهير الأسواق من المحرمات. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . [البقرة: ٢٧٥] إنها دعوة للأخذ على أيدي السفهاء الذين تطاير شررهم، وكثر فسادهم وإفسادهم. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥] . ٣ ـ تحصين المال بالصدقات: حينما يكون المال في يد الإنسان، وليس في قلبه فإنه يستشعر فضل الله عليه، فتكون يده طاهرة، عفيفة، مقبلة على الطاعات، ندية بالصدقات، ولهذا قال النبي ﷺ : «والصدقة برهان» (٩) ، أي: برهان على الإيمان؛ لأن قلب العبد لا يتعلق بالمال، ولا يسيطر عليه الجشع والطمع؛ بل يُقبِل على ربه بالبذل والعطاء، طيب النفس بذلك. قال الإمام النووي في معنى (برهان) : (معناه: الصدقة حجة على إيمان فاعلها؛ فإن المنافق يتمنَّع منها لكونه لا يعتقدها؛ فمن تصدق استُدل بصدقته على صدق إيمانه) (١٠) . فالمال محبوب لكن أهل الإيمان يقدمون حبهم لله على حبهم للمال. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ . [الإنسان: ٨] ومن أعظم ما يحفظ المال ويبارك فيه: الحرص على إخراج الحق الشرعي الواجب فيه. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] ، وقال الرسول ﷺ : «داووا مرضاكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وأعدوا للبلاء الدعاء» (١١) . وقال ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خَلَفاً، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً» (١٢) . من أجل ذلك كان المال نعمة جليلة إذا وُظِّف في طاعة الله ـ تعالى ـ وفي بذل المعروف، وفي الإنفاق في أبواب الخيرات. قال رسول الله ﷺ : «إن هذا المال خضرة حلوة؛ فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه: فنعم المعونة» (١٣) . ختاماً نقول: إن الدروس والعبر التي ينبغي تذاكرها والوقوف عندها كثيرة، وحسبنا في هذا المقام أن ندعو العلماء والمصلحين إلى استثمار الحدث وتوظيفه في توعية الناس وتذكيرهم بفضل الله وبيان أن النعم إنما تدوم بشكر المنعم وطاعته، وتزول بالكفران والعصيان. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] . اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبك عمن سواك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وسلم.

стр. 5618

الرّدة، الأسباب والعقوبات وتهافت الشبهات هاني بن عبد الله الجبير إن الله ـ تعالى ـ أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليدل الناس على الإسلام الذي هو أكمل الشرائع، وأمره (أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة الله ورسوله. ولم يؤمر أن ينقب عن قلوبهم ولا أن يشق عن بطونهم، بل تُجرى عليهم أحكام الله في الدنيا إذا دخلوا في دينه، وتجرى أحكامه في الآخرة على قلوبهم ونياتهم، فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإيمان. ولهذا قَبِلَ إسلام الأعراب، ونفى عنهم أن يكونوا مؤمنين، وقَبِلَ إسلام المنافقين ظاهراً، وأخبر أنّه لا ينفعهم يوم القيامة شيئاً، وأنّهم في الدرك الأسفل من النار. فأحكام الله ـ تعالى ـ جارية على ما يظهر للعباد ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه) (١) . فانقسم الناس تجاه دعوته إلى: المؤمنين الصادقين، والكفار الظاهرين، والمنافقين المستترين. فعامل كلاً بما أظهر. ثم إن أهل الإيمان انقسموا بحسب تفاوت درجاتهم في الإيمان والعمل الصالح إلى درجات كما قال ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] . - حكم من كفر بعد الإيمان: وحكم على من أظهر كفره من المنافقين، أو كفر من المسلمين بالقتل كفّاً لشرهم وردعاً لغيرهم؛ فإنّ محاربتهم للإسلام بألسنتهم أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة هذا في القلوب والإيمان، وهذا بخلاف الكافر الأصلي؛ فإن أمره كان معلوماً، وكان مظهراً لكفره غير كاتم له، والمسلمون قد أخذوا حذرهم منه، وجاهروه بالعداوة والمحاربة، ولو تُرك ذلك الزنديق لكان تسليطاً له على المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبّة الله ورسوله. وأيضاً فإن من سب الله ورسوله، وكفر بهما فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً؛ فجزاؤه القتل حَدّاً. ولا ريب أن محاربة الزنديق لله ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفساداً؛ فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على عشرة دراهم ولا تأتي بقتل من صال على كتاب الله وسنة نبيّه بين أظهر المسلمين وهي من أعظم المفاسد؟ (٢) . وبين يديك ـ أخي القارئ الكريم ـ ورقات قليلة في جريمة الردّة تعرض جانباً من نظرة الإسلام إليها وإلى عقوبتها سائلاً الله ـ تعالى ـ أن ينفع بها. - تعريف الردّة: الردّة في اللغة: الرجوع عن الشيء والتحول عنه، سواء تحوّل عنه إلى ما كان عليه قَبْلُ، أو لأمرٍ جديد. ويقال: ارتدّ عنه ارتداداً، أي: تحوّل. ويقال: ارتد فلانٌ عن دينه إذا كفر بعد إسلامه (٣) . وتدل في الاصطلاح الشرعي: على كفر المسلم بقول أو فعل أو اعتقاد (٤) . - وقوع الردَّة وحصولها: الردّة عن الإسلام والتحوّل عنه ـ أعاذنا الله منها وثبتنا على دينه ـ أمر ممكن الحصول؛ فقد ذكرها الله ـ تعالى ـ في كتابه محذراً منها، ومبيناً عاقبتها. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] . إضافة إلى آيات كثيرة تبين هذا المعنى. كما أخبر ـ تعالى ـ عن وقوع الكفر من طائفة من الناس بعد إيمانهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] . وقال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ﴾ . [التوبة: ٦٥ - ٦٦] وقال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] . وقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٣٧] . كما وقعت الردة في زمن النبي ﷺ في مواقف نذكر منها: قصّة عبيد الله بن جحش؛ فإنّه كان قد أسلم وهاجر مع زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة فراراً بدينه. قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله زوجي بأسوأ صورةٍ وأشوهها، ففزعت وقلت: تغيّرت والله حالُهُ! فإذا هو يقول حين أصبح: إنّي نظرت في الدين، فلم أرَ ديناً خيراً من النصرانية، وكُنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، وقد رجعتُ، فأخبرتُهُ بالرؤيا، فلم يحفِل بها، وأكبَّ على الخمر.. حتى مات (١) . ومنها ما حصل عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: «مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث والتفسير والسِّيَر أنّه كان رجال قد آمنوا ثم نافقوا، وكان يجري ذلك لأسباب: منها أمر القبلة لما حُوّلت ارتدّ عن الإيمان لأجل ذلك طائفة، وكانت محنة امتحن الله بها الناس. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] (٢) . ومنها ما حصل في غزوة تبوك إذ قال رجل في هذه الغزوة: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنةً وأجبننا عند اللقاء، فرُفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فجاء الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب. فقرأ عليه رسول الله ﷺ قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ﴾ وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ (٣) . وقريب من هذا ما حصل لهشام بن العاص ﵁ فإنّه أسلم وتواعد على الهجرة مع عمر بن الخطاب ﵁ ثم إنّه حُبِسَ عنه وفُتِن فافتتن. قال ابن إسحاق: وحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر في حديثه قال: فكنا نقول: ما الله بقابلٍ ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قومٌ عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاءٍ أصابهم! قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] . فقدم المدينة بعد ذلك على رسول الله ﷺ (٤) . والردة في زمن النبي ﷺ لم ترتبط بعداوة الإسلام وحربه، ولكنها كانت مع ذلك ردّة موجبة للخروج عن الإسلام، وموجبة لتجريم فاعلها ولو لزم داره. بل إن المنافقين في الصدر الأول كان منهم من آمن ثم نافق بعد إيمانه، وهذه ردّة أيضاً. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: «وكذلك لما انهزم المسلمون يوم أحد وشُجّ وجه النبي ﷺ وكُسرت رُباعيته، ارتد طائفةٌ نافقوا.. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧] . فإن ابن أُبيّ لما انخزل عن النبي ﷺ يوم أُحُد انخزل معه ثلث الناس، قيل: كانوا ثلاثمائة، وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن؛ إذ لم يكن لهم داع إلى النفاق. وفي الجملة: ففي الأخبار عمّن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره» (٥) . - عظم جريمة الردّة: إنّ أهم مقصد جاء الإسلام بتحقيقه في الناس هو تحقيق توحيد الله والإيمان به ونفي الشرك والكفر والتحذير منهما، وقد جاء أيضاً بحفظه في نفوس من اعتنقه؛ وذلك أن العالَم لا يستقيم بدونها، فضياعها مهلك للبشر، وإذا تأمل الإنسان حال البشريّة عند بعثة المصطفى ﵊ فسيجد أنّه بُعِثَ على فترةٍ من الرسل في زمن تخبطت فيه البشريّة كما وُصفوا في الحديث القدسي: «إنّي خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (١) عن دينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أحللت لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من أهل الكتاب..» (٢) . وهؤلاء البقايا مات أكثرهم قبل مبعثه (٣) ، فصار الناس في جاهليّة جهلاء من مقالات مبدّلة أو منسوخة أو فاسدة قد اشتبهت عليهم الأمور مع كثرة الاختلاف والاضطراب. «فهدى الله الناس ببركة نبوّة محمد ﷺ وبما جاء به من البينات والهدى، هدايةً جلّت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عموماً ولأولي العلم منهم خصوصاً، من العلم النافع والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علماً وعملاً إلى الحكمة التي بُعث بها لتفاوتا تفاوتاً يمنع معرفة قدر النسبة بينهما؛ فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى» (٤) . ولذا صار الشرك بالله ـ تعالى ـ أعظم الذنوب. عن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نِدّاً وهو خلقك» قلت: ثم أيّ؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قلت: ثم أيّ؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» (٥) . وعند تأمُّل حال أمة ليس فيها سلطان للدين ولا رقيب منه، وكيف يتسلط بعضهم على بعض عند ذلك؛ لأن أهواء الناس تتفاوت وتختلف، وكل شخص سيفعل ما يراه مصلحةً له بحسب هواه، وإن منعه وازع من السلطان في العلن، فلن يتحفظ في السرّ، وعند ضعف الوازع السلطاني عن الاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض، فترى النفوس تُغتال، والأموال تُختلَس والأعراض تُنتهَك، والشاهد الجلي لهذا حال الدول غير المسلمة إذا ضعفت فيها السلطة، فتحصل الاغتيالات وانتهاب الأموال وانتهاك الأعراض (٦) . ولذا كانت البيعة التي يأخذها النبي ﷺ من الرجال والنساء تتضمن أن لا يشركوا ولا يزنوا ولا يقتلوا كما جاء في سورة الممتحنة وكتب الحديث (٧) . بل (ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعةً: الشرك، والزنا، وقتل النفس؛ ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة! الجريمة الأولى قتل للفطرة، والثانية جريمة قتل للجماعة، والثالثة جريمة قتل للنفس الموءودة. إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة.. ومن ثَمّ يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات؛ لأنّه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار..) (٨) . والتساهل في هذه العقوبة يؤدي إلى زعزعة النظام الاجتماعي القائم على الدين، فكان لا بد من تشديد العقوبة لاستئصال المجرم من المجتمع منعاً للجريمة وزجراً عنها. وشدة العقوبة تولّد في نفس الإنسان من العوامل الصارفة عن الجريمة ما يكبت العوامل الدافعة إليها، ويمنع من ارتكاب الجريمة في أغلب الأحوال (٩) . ومن المعلوم أن العقوبات تتناسب مع الجرائم؛ فكلما ازدادت بشاعة الجريمة استلزمت عقاباً موازياً لها في الشدة (١٠) . ومن المبادئ المتفق عليها لدى التشريعات الجنائية مبدأ مقارنة جسامة الجريمة بجسامة العقوبة، وكلما زادت العقوبة في جسامتها دل ذلك على ارتفاع جسامة الوصف القانوني للجريمة. ويطلق على هذا المبدأ: مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة. - أسباب الردّة: عند تأمَّل التاريخ والواقع نجد جملة أسباب ودوافع أدت إلى حصول حوادث الردّة، وهي وإن كانت على مرّ التأريخ حوادث جزئية وقليلة إلا أننا يمكن من خلال تأملها استلهام جملة من الأسباب الدافعة أو المساعدة على حصول الردة. ومن هذه الأسباب: ١ ـ كيد الكفار بالمسلمين: فمن مكر الكفار وكيدهم القديم أن يدخل طائفة منهم في الإسلام ـ ظاهراً ـ حتى إذا سكن إليهم المسلمون، عادوا فارتدوا معلنين السَّخَط على الدين وعدم الرضى به، ليفتنوا المسلمين عن دينهم ويصدوهم عن سبيله. وقد ذكر الله ـ تعالى ـ هذه المكيدة منهم في كتابه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] . قال قتادة: قال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضا بدينهم أوّل النهار واكفروا آخره؛ فإنّه أجدر أن يصدقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم (١) . قال السُّدي: كان أحبار قرى عربيّة اثني عشر حِبْراً، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أوّلَ النهار وقولوا: نشهد أن محمداً حق صادقٍ، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنَّا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدثونا أن محمداً كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا؛ فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكّون، يقولون هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار؛ فما بالهم؟ فأخبر الله رسوله ﷺ بذلك (٢) . ٢ ـ ضعف الإيمان فلا يثبت عند المحن: من خالط الإيمان قلبه فإنّه لا يتزحزح عنه لأي طارئ، وقد سأل هرقل أبا سفيان ابن حرب قبل أن يسلم عن النبي ﷺ أسئلة يستكشف بها حقيقة حاله، فكان مما سأله: هل يرتدّ أحد منهم ـ أي أصحاب النبي ﷺ ـ سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان: لا. فقال هرقل: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب (٣) . وفي رواية زاد: لا يسخطه أحد، وفي رواية: وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه (٤) . ولما ذكر شيخ الإسلام ابن تيميّة من انخذل من المسلمين يوم أحد مع عبد الله بن أُبي قال: «أولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان.. فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه، ولم يكونوا من المؤمنين حقّاً الذين امتُحنوا فثبتوا على الإيمان، ولا من المنافقين حقّاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم، إذا ابتُلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيراً، وينافق أكثرهم أو كثير منهم. ومنهم من يظهر الردّة إذا كان العدوّ غالباً؛ وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة. وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عددهم كانوا مسلمين..) (٥) . ولهذا كانت فائدة المحنة والابتلاء أن يظهر الصادق من الكاذب. قال ـ تعالى ـ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] . ٣ ـ الافتتان بما لدى الكفار: وهذا الافتتان يتخذ صوراً عديدة يجمعها ويربط بينها ضعف الشخصية الإيمانية والاقتناع التام بصدق المبدأ. ومن ذلك الفتنة بما قد يُمَكّن للشخص من شهوات، فلما حاصر النصارى عكا سنة ست وثمانين وخمسمائة استمرت أمداد الفرنج تقدم عليهم من البحر كل وقت حتى إنَّ النساء ليخرجن بنيّة راحة الغرباء في الغربة، فقدم إليهم مركب فيه ثلاثمائة امرأة حسناء بهذه النيّة، حتى إنّ كثيراً من فسقة المسلمين تحيّزوا إليهم لأجل هذه النسوة (٦) . وذكر ابن كثير (٧) أيضاً قصة مجاهد يدعى: عبده بن عبد الرحيم وأنّه في بعض الغزوات نظر إلى امرأة من نساء الروم فهويها وتنصّر من أجلها، فاغتمّ المسلمون بسبب ذلك؛ فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو معها، فقالوا: يا فلان! ما فعل قرآنك؟ فقال: اعلموا أنّي نسيت القرآن كله إلا قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢ - ٣] . ومنها: الافتتان بما لديهم من إتقان لأعمال الحياة الدنيا، ومهارتهم فيها، مع عجز المسلمين عن ذلك، (فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنّه على الحق، وأنّ من عجز عنها متخلّف وليس على الحق، وهذا جهل فاحش ... فقد أوضح ـ جل وعلا ـ في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] أن أكثر الناس لا يعلمون، ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيويّة دخولاً أولياً؛ لأنهم لا يعلمون شيئاً عمن خلقهم.. ورزقهم، ولم يعلموا شيئاً عن مصيرهم الأخير، ومن غفل عن جميع هذا فليس معدوداً من جنس من يعلم.. بل علمهم في غاية الحقارة بالنسبة لما فاتهم) (١) لأنه لا يجاوز ظاهر الحياة الدنيا. ٤ ـ سعي اليهود والنصارى: وهذا السبب أوضح من أن أستشهد عليه أو أقرره؛ فقد بيّنه الله ـ تعالى ـ أتم بيان بقوله: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] . وقال عن الكفار: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] . وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّاراً﴾ [البقرة: ١٠٩] . ويظهر هذا بجلاء في المساعي التنصيريّة التي لا تزال تمارس نشاطاتها في العالم الإسلامي بصورة مباشرة حيناً، وبدعم التوجيهات غير الدينيّة من داخل بلاد الإسلام أحياناً أخرى، وهي مساعٍ عظيمة جداً ينفق عليها بسخاء كبير (٢) ، واستعملوا لتحقيقها عدة طرق: من التطبيب، والتعليم، ونشر الفتن والحروب، والأعمال الاجتماعية وغيرها. ويتأكد هذا الأمر عندما نعلم مدى تأثير الدين في الحياة الأمريكية حتى يمتزج بجميع نواحي الحياة، وحتى يصبح من أقوى العوامل في نجاح المرشح في الانتخابات وفي فشله أيضاً (٣) . - عقوبة المرتد: الإنسان باعتناقه للإسلام يعصم دمه وماله في الدنيا، وأما قبل إسلامه فإنّ الأصل أنه مباح الدم إلا إذا طرأ له عهد أو ذمة أو أمان أو مانع يمنع من قتله. فكل شخص لم يعتنق الإسلام فالأصل أنّه مباح الدم إلا لعارض. عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى» (٤) . وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؛ فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وصلّوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا؛ فقد حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها» (٥) . فقوله: «عصموا مني دماءهم» وقوله: «حرمت علينا دماؤهم» يدل «على أنه كان مأموراً بقتل من أبى الإسلام.. فإذا نطق بالشهادتين عُصم دمه وصار مسلماً؛ فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم» (٦) . ويدل على ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] . وقوله: ﴿فَإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . فالإسلام هو العاصم عن إباحة دم الإنسان في الأصل، وأما غيره من الأسباب التي تمنع من قتل غير المسلم فهي أسباب طارئة تنتهي بانتهاء غايتها. والمسلم نفسه متى ترك الإسلام عاد للحال التي كان عليها من حِل الدم والمال، بل هو أشد؛ لأن ضرره أعظم، ولأنه قد قامت عليه من الحجّة ما هو أبلغ من غيره. وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر بعض أسباب القتل وكان منها: الكفر، وبيّن أن من الفقهاء من جعل نفس الكفر مبيحاً للدم، ومنهم من جعله وجود الضرر منه أو عدم النفع فيه، قال بعد ذلك: (أما المرتد فالمبيح عنده هو الكفر بعد الإيمان، وهو نوع خاصٌّ من الكفر؛ فإنّه لو لم يُقتَل لكان الداخل في الدين يخرج منه؛ فقتله حفظ لأهل الدين والدين؛ فإنّ ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه، بخلاف من لم يدخل فيه؛ فإنّه إن كان كتابياً فقد وجد إحدى غايتي القتل في حقّه وإن كان وثنياً.. ولم يمكن استرقاقه ولا أخذ الجزية منه بقي كافراً لا منفعة في حياته لنفسه؛ لأنه يزداد إثماً، ولا للمؤمنين؛ فيكون قتله خيراً من إبقائه) (١) . إذا تقررت هذه القاعدة من أن أكبر عاصم لمال الإنسان ودمه هو الإسلام؛ فإننا نعلم أن خروج الإنسان عن الإسلام بعده رافع لهذه العصمة، ولذا جاء الشرع في نصوص كثيرة جداً تبيّن حد المرتد وأنّه القتل. فمنها قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤] فبين ـ تعالى ـ أن من كفر بعد إسلامه إن تاب كان خيراً له، وإلا يعذّب عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وعذابه في الدنيا هو الحد. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: (.. ولكونهم أظهروا الكفر والردة، لهذا دعاهم إلى التوبة فقال: ﴿فَإن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإن يَتَوَلَّوْا﴾ عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ وهذا لمن أظهر الكفر فيجاهده الرسول بإقامة الحد والعقوبة) (٢) . وقال ابن الجوزي: (قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن يَتَوَلَّوْا﴾ أي يُعرِضوا عن الإيمان ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ بالقتل وفي الآخرة بالنار) (٣) . وقد أمر بذلك النبي ﷺ في نصوص نبويّة كثيرة.. فمنها: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من بَدّل دينه فاقتلوه» (٤) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالساً إذ دخل رجلان وافدين من عند مسيلمة، فقال لهما رسول الله: «أتشهدان أني رسول الله؟» فقالا له: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟ فقال: «آمنت بالله ورسله؛ لو كنت قاتلاً وافداً لقتلتكما» (٥) . وجاء من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي: «أما والله لولا أنّ الرسل لا تُقْتَل لضربت أعناقكما» (٦) . وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «ارتدت امرأة عن الإسلام فأمر رسول الله ﷺ أن يعرض عليها الإسلام وإلاّ قُتلت، فعرضوا عليها الإسلام فأبت إلا أن تقتل، فقُتلت» (٧) . وقد أمر النبي ﷺ بقتل ابن خَطَل وقد كان مسلماً ثم ارتد مشركاً (٨) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٩) . وروت عائشة ﵂ مثله عن النبي ﷺ (١٠) . وعن عثمان عن النبي ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس» (١١) . وفي رواية: «أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل» (١٢) . وعن البراء بن عازب ﵁ قال: لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية، فقلت: إلى أين؟ فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجلٍ تزوّج امرأة أبيه أن أقتله، أو أضرب عنقه (١٣) وزاد في رواية: وآخذ ماله، أو: أصفي ماله، أو: أخمّس ماله. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: (إنّ تخميس ماله دَلَّ على أنّه كان كافراً لا فاسقاً، وكفره بأنّه لم يحرم ما حرّم الله ورسوله) (١) لأنه كذَّب رسول الله ﷺ فيما أخبر به عن ربّه، وجحود لآية من القرآن. وفي السنَّة من النصوص الواردة في قتل الساحر ما ينضم إلى ما تقدَّم أيضاً. وثبت القتل للمرتد من فعل صحابة النبي ﷺ ، ورضي الله عنهم. فقد أُتي علي بن أبي طالب ﵁ بزنادقة فأحرقهم بالنار (٢) . وورد ذلك عن ابن عمر وعثمان وأبي بكر ﵃ (٣) . ولما قدم معاذ بن جبل على أبي موسى الأشعري ﵄ إذا رجل عنده موثَق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم، ثم تهوّد، قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، فأمر به فقتل (٤) . والحكم بقتل المرتد محل إجماع من المسلمين (٥) ، فلم يقع في أصله خلاف، وإن حصل اختلاف في فروعه كالاستتابة ومدتها وأنواع المكفرات. ولكن هذا القتل لا يكون إلا بأمر حاكم؛ لأن مرجع تنفيذ الأحكام إليه، عند جمهور أهل العلم، كما لا يقتل حتى يستتاب ويصرّ على ردّته، ولا بد من تحقق الردّة بثبوت موجبها وتحقق شروطها وانتفاء موانعها من الخطأ والإكراه ونحو ذلك (٦) . ومعنى ما سبق أن إثبات الحد الشرعي شيء، وتطبيقه في الواقع شيء آخر؛ فإن تنزيل الأحكام على الوقائع مختص بأهله. - شبهات حول حد الردّة: يظهر مما سبق أن الحكم بقتل المرتد حداً حدٌّ شرعيٌّ ثابت بالنص النبوي قولاً وفعلاً، وبإجماع المسلمين، ودَلّ عليه كتاب الله تعالى ـ تفقهاً ـ وعمل الصدر الأول من الأمّة. وهو متّسق مع قاعدةٍ كلية وهي إباحة دم الكافر إلا بطروء ما يعصمه. وكل ما سبق مثبتٌ ـ بلا شك ـ أن القتل للمرتد واجب من واجبات الدين. إلا أن هذا العصر لما شهد إعراض بعض الأمم عن تطبيق هذا الحد، أخذ بعضهم يبحث عن وسائل يجعل هذا الحد محل تردد، وأورد لذلك شبهات، وتوصّل بعد ذلك إلى تحريم الردّة، ولكن جعل عقوبتها تعزيريّة عائدة لرأي الإمام إما بالقتل أو بالسجن أو بغيرهما (٧) . وآخر بحثَ مثله عن شبهات وتوصل بعد عرضها والكلام حولها إلى أنّه لا عقوبة على الردة! (٨) . ومجمل الشبهات التي أوردها هؤلاء هي: أن عقوبة الردة وردت في أحاديث آحاد، والحدود لا تثبت بحديث آحاد. وقد تبيّن مما سبق أن حد الردة محل إجماع، والإجماع يرفع الحكم إلى القطعيات، كما أن الحديث ورد بعدة طرق، وأخرجه صاحب الصحيح مما يجعله محفوفاً بالقرائن التي ترفعه إلى إفادة العلم كما قرره الحافظ ابن حجر في نزهة النظر (٩) . وقد نقل أيضاً في نفس الموضع الإجماع على وجوب العمل بما في الصحيح، ثم إن أحاديث الآحاد لم يتوقف علماء الصدر الأول من الإسلام عن الأخذ بها سواء في العلميات أو العمليات. ولذا قال ابن حبان ﵀: (فأما الأخبار فإنّها كلها أخبار آحاد؛ لأنّه ليس يوجد عن النبي ﷺ خبرٌ من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين، وكل واحد منهما عن عدلين، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ . فلما استحال هذا، وبطل، ثبت أنَّ الأخبار كلها أخبار آحاد، وأن من تنكّب عن قبول خبر الآحاد فقد الإضافة) (١٠) . كما أنّ حد الزاني المحصن وشارب الخمر وتفصيلات حدود السرقة وزنا البكر كلها إنّما ثبتت بسنة رسول الله ﷺ الآحاديّة. ومع كل ذلك فإنَّ لدينا على هذا الحد دليلاً من القرآن تقدم، وإجماع مَرّ معنا. ونظير هذه الشبهة: أن هذا الحكم لم يذكر في القرآن. وهو مع الإشارة إليه في القرآن، ومع اعتقادنا أنَّ السنة مصدر للتشريع فإني ذاكر حديث عبد الله بن مسعود ﵁: إذ لعن الواشمات والمتنمّصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. فقالت امرأة قرأتِ القرآن يقال لها أم يعقوب: ما هذا؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله. قالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدتُهُ. قال: والله لو قرأتيه لقد وجدتيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] (١) . ولا شك عند كل مسلم سليم الاعتقاد أنَّ الحديث حجة بنفسه؛ فهو ﵊ ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] . ومن الشبهات أنَّ النبي ﷺ لم يعاقب أحداً من المرتدين بقتله. وقد تبين مما سبق أن النبي ﷺ أمر بقتل من ارتد وعاقب بذلك (٢) . بل عاقب به من لم يحارب المسلمين ولم يقاتلهم. - الردّة وحريَّة الاعتقاد: لا شك أنّ كل مسلم يعلم أنّ الإسلام هو الدين الحقّ، وأنّ ما عداه باطل ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] . لذا فإن على كل عاقل أن يسلم لله رب العالمين؛ فإن لم يسلم فقد تنكّب الصراط المستقيم، وخالف مقتضى العقل وداعي الفطرة. ولا يعني هذا منع الإنسان من التفكير، بل هو بتفكيره السليم منقادٌ للإيمان بالله تعالى. وعلى هذا؛ فليس للإنسان حريّة في الاعتقاد، بل مطلوب منه الإيمان، ولكن لا يُكرَه عليه، فإن أُكره فإنّ إيمانه لا ينفعه؛ لأنّه لم يكن عن قناعةٍ واطمئنان قلب. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] . أي: أنهم لمَّا عاينوا وقوع العذاب بهم وحَّدوا الله وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة. إنَّ الله ـ تعالى ـ بعث الرسل وأنزل الكتب لبيان الحق ودلالة الخلق، وإقامة البراهين والآيات والمعجزات التي تدل كل صاحب تفكير سليم إلى الإيمان: ﴿قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] . وهذا فيه حريّة ظاهرة؛ إذ لا إكراه على اعتناق الإسلام مع أنّه المخلِّص للبشريّة من ضلالاتها، وسائر مشكلاتها، ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . وشاهد هذا حال أهل الذمة الذين أقرهم المسلمون على دينهم دون أن يعرض أحد لهم، وإباحة الشرع للمسلم أن يتزوج كتابيّة ولو بقيت على دينها دون أن يجبرها على التخلي عنه. أما من دخل في الإسلام فإنّه قد التزم أحكام الإسلام وعقيدته التي منها أن من ارتدّ عنه قتل؛ فهو بدخوله في الإسلام التزم بأحكامه التي منها عقوبته عند الإخلال به. وإذا كان الإنسان مخيراً في دخول أي بلد، فإذا ما دخلها لزمه الانقياد لأنظمتها وإلا استحق العقوبة على إخلاله، وليس له أن يحتج بأنّه كان مخيراً قبل دخوله لها؛ بينما المرتدّ بردته ارتكب عدة جرائم: جريمة في حق نفسه إذ أضلها، وجريمة باستخفافه بعقيدة أمته ونظامها الذي يرتكز على الإسلام، وجريمة بتشكيكه لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذا كله مؤدٍّ إلى اضطراب المجتمع واهتزازه؛ كما أنّه أعلن وجاهر بجريمته ولم يسرّ بها؛ لأنه لو أسرّ ردته صار منافقاً، ولمَّا أعلنها صار مرتداً مجاهراً (٣) . وكل هذه الجرائم جرائم متناهية في البشاعة، فاستحق العقوبة الشرعيّة على جرائمه تلك. إن القوانين الوضعيّة تقتل الخائن لها والمحطّم لنظمها دون أن تتذرع بأنّه يمارس حريته الشخصيّة؛ فكيف بمن يجرم في حق نفسه ومجتمعه وعقيدة أمته؟! وبعد: فقد كان من المناسب بيان أصول المكفرات وشروط الحكم بالكفر على من وقع فيه؛ فلعل أحداً من المختصين أن ينبري لبيانها أو بيان شيء من المهم منها، والله الموفق والهادي لا إله إلا هو.

стр. 5619

أسلمة الديمقراطية (١-٢) محمد بن شاكر الشريف عقيب الانهيار المدوي للاتحاد السوفييتي وسقوط دولته، كان هذا إعلاناً بغياب القوة الرئيسة المنافسة لليبرالية الغربية، وكان في الوقت نفسه إعلاناً بانتصار الليبرالية الغربية وتربعها على القمة العالمية، ومن تلك اللحظات بدأت الدعوة إلى الديمقراطية على أنها السند الشرعي لأي نظام تقوى وتنتشر، على أساس أن مرحلة الديمقراطية تمثل أفضل نظام سياسي يمكن أن تتوصل إليه البشرية، وأن التاريخ قد توقف عند هذا الحد فيما يعرف بـ «نهاية التاريخ» (كما يذكر فوكوياما) . من هنا بدأت أغلبية الدول تسارع إلى هذا الخيار لعدم قدرتها على مناوأة الدولة العظمى المتسيدة للنظام العالمي الجديد والداعية إلى تغليب نظرتها الديمقراطية؛ وذلك في الوقت الذي فقدت فيه تلك الدول الحماية التي كانت تتمتع بها من الاتحاد السوفييتي الزائل. ويظن كثير من الناس أن دعوة أمريكا إلى تبني النموذج الديمقراطي وفرضه على العرب والمسلمين كان نتيجة مباشرة لما اشتُهر بأحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ فقد أظهرت أمريكا بعد هذا الحدث رغبة عارمة في نشر الديمقراطية في بلاد العرب والمسلمين على أنها العلاج الأكيد والناجع ـ من جهة مصلحتها ـ لهمجية العرب والمسلمين ـ بزعمها. فوجئت أمريكا في تلك الأحداث بهجمات عنيفة دامية؛ حيث هوجمت قلاعها الاقتصادية والعسكرية (١) ، مما دعاها لإعلان حربها العالمية على الإرهاب، والتي كان منها الدعوة لنشر الديمقراطية حسب ما جاء في مشروع الشرق الأوسط الكبير وتبنيها لدعاوى الإصلاح، وقد فرح بذلك الكثير من الإسلاميين، ورأوا فيها الفرصة الكاملة للوصول إلى الحكم لتنفيذ مشروعهم السياسي، على أساس أن نشر الديمقراطية صار مطلباً أمريكيا يخدم مصلحة أمنها القومي؛ ولذلك فهي تدعم ذلك التوجه وتعززه، وبذلك زاد زخم الحديث عن الديمقراطية، وعن توافقها مع الإسلام، وأن الإسلام قد سبق الديمقراطية وقرر أهم خصائصها، وإذا كان هذا الحديث ليس بالجديد كلية إلا أن زخمه قد زاد بعد الحملة الأمريكية ووجد له أنصاراً كثيرين. - موقف بعض الإسلاميين من الديمقراطية: الطور الأول من الفكر الإسلامي (الديمقراطي) يزعم أن جوهر الديمقراطية موجود في الإسلام، وأن الإسلام قد سبق ما أتت به الديمقراطية، أو أنه يمكن أن تتوافق الديمقراطية مع الإسلام، وأن ما يُرى بينهما من اختلاف من الممكن إزالته. يقول خالد محمد خالد بعدما ادعى أنه يوجد لحكام وقادة غير مسلمين ـ لكنهم ديمقراطيون ـ شواهد قريبة من سلوك عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ: «من أجل هذا قلنا وسنظل نقول إن الديمقراطية إسلام» ويقول: «كان عرضنا هذه المشاهد ـ وهي قليل من كثير ـ تبياناً لديمقراطية الحكم في الإسلام، واكتشافاً للتخوم الواسعة المشتركة بين الإسلام كدين وبين الديمقراطية كمنهج ونظام» (٢) . ويقول الشيخ يوسف القرضاوي: «الواقع أن الذي يتأمل جوهر الديمقراطية يجد أنه من صميم الإسلام» (٣) ، وكلام كثير جداً من مثل هذا. وأما في وقتنا الحاضر، بعد ظهور اعتراضات كثيرة من الناحية العقدية على الديمقراطية وهي واضحة وقوية، فقد نحا الطور الثاني من الفكر الإسلامي (الديمقراطي) إلى الفصل بين الفكر التنظيري الديمقراطي، وبين آليات الديمقراطية، فابتعد عن القبول بالأسس النظرية التي تقوم عليها الديمقراطية، لما تشتمل عليه من مصادمة صريحة للمقررات العقدية الإسلامية، بينما قَبِلَ الآليات الديمقراطية، على أساس أن الآليات هي مجرد وسائل عملية لا تنطوي على فكر أو عقيدة، بل هي آليات محايدة يستخدمها المسلم كما يستخدمها الكافر، كالسيارة التي يستخدمها المسلم في الذهاب إلى المسجد ويستخدمها النصراني في الذهاب إلى الكنيسة، وهكذا. من أجل هذا رغبتُ في كتابة هذا المقال لبيان حقيقة الديمقراطية وهل حقاً أتى بها الإسلام، أو أنه من الممكن إزالة ما بينهما من تعارض مع احتفاظ كل منهما بخصائصه المميزة، أو أنه يمكن التخلص من الأساس النظري لها وعدم التقيد به والاستفادة مما فيها من آليات مجردة عن أصولها المذهبية؟ - ماذا تعني كلمة الديمقراطية؟ الديمقراطية كلمة لاتينية وهي مكونة من شقين: الشق الأول demos وتعني الشعب، والشق الثاني cratie وتعني حكم أو سلطة. فاللفظ على ذلك يعني حكم الشعب، أو الحكم للشعب، «وإذا كان للديمقراطية مصطلحات عديدة ... إلا أن لها مدلولاً سياسياً شاع استعماله في كل الأدبيات والفلسفات القديمة والحديثة، وأنها مذهب سياسي محض تقوم على أساس تمكين الشعب من ممارسة السلطة السياسية في الدولة» (٤) . فالكلمة العليا والمرجعية النهائية إنما هي للشعب ولا شيء يعلو فوقه؛ فهي «تعني أن يضع الشعب قوانينه بنفسه، وأن يحكم نفسه بنفسه، ولنفسه» (٥) . وقد تبلورت هذه الفكرة فيما بعد تحت مصطلح السيادة، وقد عُرِّفت السيادة بأنها سلطة عليا مطلقة لا شريك لها ولا ند، متفردة بالتشريع الملزم، فيما يتعلق بتنظيم شؤون الدولة أو المجتمع؛ فلها حق الأمر والنهي والتشريع والإلزام بذلك، لا يحد من إرادتها شيء خارج عنها، ولا تعلوها أو تدانيها سلطة أخرى (٦) ، والسيادة في الفكر الديمقراطي إنما هي للشعب. وتتمثل ممارسة الشعب للسيادة في ثلاثة جوانب رئيسة: ١ ـ إصدار التشريعات العامة الملزمة للجماعة التي يجب على الجميع الالتزام بها وعدم الخروج عليها، وهذه تمارسها السلطة التشريعية. ٢ ـ المحافظة على النظام العام في ظل تلك التشريعات، وهذه تمارسها السلطة التنفيذية. ٣ ـ حل المنازعات سلمياً بين المواطنين انطلاقاً من هذه التشريعات، وهذه تمارسها السلطة القضائية (٧) ، ويتبين من ذلك أن السلطة التشريعية هي أم السلطات الثلاث. - تطور الديمقراطية باختلاف الأزمان والبيئات: وليس من شك في أن الديمقراطية تطورت مع الزمن تطوراً كبيراً، ولم تبق على شكلها الأول الذي ظهرت به أول مرة في أثينا (٨) ؛ فقد كان الشعب الذين يحق لهم الحكم في بداية الفكرة قليلاً بالنسبة للعدد الفعلي؛ فقد أُخرج منه الأرقَّاء كما أُخرج منه النساء، كما اشتُرط لذلك بعض الشروط كامتلاك نصاب مالي معين، والتمتع بكفاءة أو وجاهة في المجتمع، وبمرور الزمن تغير كثير من ذلك، إلى أن وصل إلى حق الاقتراع العام. كما اختلفت الصورة التي تمارَس بها الديمقراطية؛ فبعد أن كانت الديمقراطية تباشَر من قِبَل الشعب بلا واسطة فيما عرف بالديمقراطية المباشرة، احتاجوا مع تطور الأوضاع، والانتقال من دولة المدينة ـ صغيرة المساحة قليلة العدد ـ إلى الدولة القومية ـ ممتدة المساحة كبيرة العدد ـ وقيام عوائق في سبيل العمل بالديمقراطية المباشرة، إلى تغيير الصورة من الديمقراطية المباشرة إلى الديمقراطية غير المباشرة (النيابية) ، التي ينوب فيها عن الشعب أفراد يختارهم الشعب ليحكموا بدلاً عنه، كما ظهر التزاوج لاحقاً بين الصورتين فيما سُمي بـ (الديمقراطية شبه المباشرة) وذلك للتغلب على بعض السلبيات من إلغاء الديمقراطية المباشرة كلياً؛ حيث تكون هناك موضوعات يحكم فيها الشعب حكماً مباشراً، وموضوعات أخرى يحكم فيها الشعب حكماً نيابياً. كما تعددت أشكال الحكومات فهناك النظام الرئاسي (حيث تتركز السلطة في يد رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب، وهو الذي يعين الوزارة، ويكون هناك فصل شبه حاد بين السلطة التنفيذية «رئيس الجمورية» وبين السلطة التشريعية «البرلمان» ) ، وهناك النظام البرلماني (حيث تتركز السلطة في يد مجلس «برلمان» منتخب من الشعب، وهو الذي يعين الوزراة، ويوجد هنا تداخل بين أعمال السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية) ، وهناك نظام حكومة الجمعية (حيث تتركز السلطة في يد جمعية منتخبة من الشعب، وهي تجمع في يدها سلطات واختصاصات السلطتين التشريعية والتنفيذية) (*) ، ومع كل هذه التطورات والتغيرات في الأشكال والصور، ظلت الديمقراطية تحافظ على أمر جوهري لم تحد عنه أبداً، وهو الأمر الذي تكوَّن اسمها منه وهو أن الحكم للشعب (٩) ؛ فلا شيء يعلو عليه، وكل سلطة في المجتمع فإنما تستمد منه. - تأثير الفكر الديمقراطي على الدساتير العربية: وقد ظهر هذا واضحاً في دساتير البلاد العربية التي كُتِبَتْ في بدايات القرن العشرين وما تلا ذلك. ففي الدستور المصري المادة رقم ٣ تقول: «السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها» ، وفي المادة ٨٦: «يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع» . وفي الدستور السوري المادة رقم ٢ في الفقرة الثانية تقرر أن: «السيادة للشعب، ويمارسها على الوجه المبين في الدستور» وفي المادة رقم ٥٠: «يتولى مجلس الشعب السلطة التشريعية على الوجه المبين في الدستور» . وفي دستور السودان الانتقالي لسنة ٢٠٠٥ في الباب الأول الفقرة الثانية: «السيادة للشعب وتمارسها الدولة، طبقاً لنصوص هذا الدستور والقانون» . وفي الدستور الأردني مادة ٢٤: «الأمة مصدر السلطات» ومادة ٢٥: «تناط السلطة التشريعية بمجلس الأمة والملك» . وفي الدستور التونسي مادة رقم ٣: «الشعب التونسي هو صاحب السيادة يباشرها على الوجه الذي يضبطه هذا الدستور» وفي المادة ١٨: «يمارس الشعب السلطة التشريعية بواسطة مجلس نيابي» . وفي الدستور الجزائري مادة رقم ٦: «الشعب مصدر كل سلطة، السيادة الوطنية ملك للشعب وحده» وفي المادة رقم ٧: «السلطة التأسيسية ملك الشعب، يمارس الشعب سيادته بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها» وفي المادة ٩٨: «يمارس السلطة التشريعية برلمان يتكون من غرفتين وهما: المجلس الشعبي الوطني، ومجلس الأمة، وله السيادة في إعداد القانون والتصويت عليه» . وفي الدستور المغربي مادة رقم ٢: «السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية» . وفي الدستور القطري مادة ٥٩: «الشعب مصدر السلطات ويمارسها وفقاً لأحكام هذا الدستور» وفي المادة ٦١: «السلطة التشريعية يتولاها مجلس الشورى على الوجه المبين في هذا الدستور» . وفي الدستور الكويتي مادة ٥١: «السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة وفقاً للدستور» . وبقية الدساتير لا تخرج عن ذلك من حيث المضمون وإن اختلفت الصيغ، كما أن هذه الدساتير تنص على أن نظام الحكم نظام ديمقراطي، وهي الصيغة السياسية لمصطلح السيادة الشعبية (١٠) . وهذه الخصيصة التي تميزت بها الديمقراطية على تعاقب الدهور تعد أكبر اختلاف حقيقي بين الإسلام وبينها؛ فإن قاعدة الإسلام هي توحيد الله تعالى، والتي تعني أن يكون المسلم عابداً لله وحده؛ وذلك بالاحتكام إلى ما شرعه الله ـ تعالى ـ في أموره كلها من اعتقادات وعبادات ومعاملات وعادات وتصورات. فقد ورد في مواضع عديدة من كتاب الله قصر الحكم عليه ـ سبحانه ـ فقال: ﴿أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ﴾ [الأنعام: ٦٢] ، وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ [يوسف: ٤٠، ٦٧] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿َفالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] فلم يُحكِّم الله ـ تعالى ـ في موارد النزاع أحداً غير الكتاب والسنة. وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما﴾ [النساء: ٦٥] فأوجب تحكيم الرسول ﷺ في كل ما يشجر بين المسلمين، وأمر رسوله أن يحكم بين الناس بما أنزله عليه فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] . وقال ـ تعالى ـ في الآية التي تليها: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] . فالحق عند المسلم هو ما أمر به الله ـ تعالى ـ ورسوله ﷺ أو دعا إليه، والباطل هو ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ ؛ فالله ـ تعالى ـ هو الذي يشرِّع، وهو الذي يأمر وينهى، وهو الذي يُلزِم، وهو الذي يعاقب على المخالفة ويثيب على الطاعة؛ فالسيادة الكاملة إنما هي لله ـ تعالى ـ وحده، وقد قال رسول الله ﷺ : «السيدُ الله» (١١) . بينما الحق في الديمقراطية هو ما أمر به الشعب، والباطل هو ما نهى عنه الشعب، وإرادة الشعب هي معيار الخطأ والصواب؛ فما أقرته وقبلته فهو الصواب، وما تركته ولم تقبله فهو الخطأ؛ فالإرادة الشعبية معصومة، ومن هنا فإن الديمقراطية قد رفعت الشعب إلى المنزلة التي لا تليق إلا بالله تعالى، وهذا الفرق لا يستطيع أن ينكره أحد، إلا عن طريق الكذب والتضليل لخداع الناس وإيهامهم، وتعريفات الديمقراطية في بلد المنشأ تدل على ذلك، بل ابتعاد الديمقراطية عن الدين هو أحد مسوِّغات الدعوة إليها. والديمقراطيون الحقيقيون لا يعدون هذا عيباً أو نقصاً يحاولون التبرؤ منه، بل هو عندهم من مميزات الديمقراطية؛ فكما يبين أحدهم أنه يستحيل تعريف الديمقراطية «دون تحرير الذهن من الأحكام المسبقة مهما كانت، أي إعطاء مسؤولية القرار للشعب دون تقيد مسبق بأي قيد نصي أو تشريعي أو فقهي؛ فالناس وفق هذا المنطق هم الذين يملكون حق السيادة والمرجعية في شؤونهم التعاقدية الوضعية» (١٢) ، وبهذا يتم فك أي ارتباط إيجابي بين الديمقراطية وبين الدين؛ فالديمقراطية تبعد الدين عن التدخل في الحياة العامة للمجتمع (١٣) ، وهي بذلك تكون الوجه السياسي للعلمانية. وهذا بلا شك اختلاف جذري بين الإسلام والديمقراطية ولا يمكن تقريب الديمقراطية من الإسلام إلا بالتخلي عن هذا الوصف الجوهري في الديمقراطية، لكن إذا أمكن التخلي عن هذا الوصف في محاولة التقريب، فهل يظل ما بقي منها باسم الديمقراطية؟ في حين لا يمثل الشعب أية مرجعية في الحكم، هذا ما تأباه قواعد اللغة ويأباه العقل والمنطق، ولا يمثل الإبقاء على الاسم في هذه الحالة إلا القبول بالتبعية الفكرية، واختزال الفكر الإنساني كله في الفكر الغربي. - لكن هل استطاعت الديمقراطية أن تحقق هذا الذي زعمته وادَّعته؟ يقسِّم الفكر الديمقراطي الشعب إلى فئتين: إحداهما يمكن تسميتها بالشعب السياسي، وهو الذي تكون له السيادة، والفئة الثانية هي المتبقية من مجموع الشعب، وهي التي لا دخل لها بهذه السيادة، وهذه الفئة تغيرت بتغيير الأزمان؛ فقد كانت في أول الأمر تشمل الأرقاء وتشمل النساء والأطفال غير البالغين، والرجال غير المتعلمين، والفقراء، وغير النبلاء في المجتمع، وهم يمثلون الأغلبية العددية في المجتمع، وقد كان النظام الذي يمنع كل هذه الفئات من السيادة يُنظَر إليه على أنه نظام ديمقراطي، مما يبين أن السيادة الشعبية كانت مجرد شعار لا رصيد لها يسندها من الواقع، ثم بمرور الزمن تغيرت هذه الفئة، لكنها ما زالت حتى الآن تشمل الصبيان الذين لم يبلغوا سناً معينة (١٨عاماً) إضافة إلى المحكوم عليهم في بعض القضايا التي تحددها القوانين. وإذا تجاوزنا هذه النقطة وانتقلنا إلى الدستور الذي يعد أعلى وثيقة قانونية في النظام الديمقراطي يلتزم بها الجميع ويحنون هاماتهم لها، واتخذناه مثالاً للحديث، نجد أن الشعب لم يكن هو الذي وضع هذه الوثيقة، وإنما وضعها مجموعة من الناس ممن تخصصوا في الأمور القانونية والمسائل السياسية، وهي بلا شك مجموعة صغيرة جداً جداً بالمقارنة بعدد الشعب (السياسي) مما يعني أن السيادة الشعبية لم تكن هي التي صاغت أعلى وثيقة قانونية يُتحاكم إليها في البلاد، ولو قيل: لكن هذا الدستور لا يُقَر إلا بعد الموافقة عليه من الشعب عن طريق التصويت وأخذ الآراء؛ فإن ذلك أيضاً لا قيمة له لعدة أمور: أولاً: تشتمل هذه الوثائق على مسائل فنية تخصصية لا يدركها إلا المتخصصون وهم قلة قليلة في أي مجتمع؛ فموافقة غيرهم عليها ليس له قيمة حقيقية، وكذلك اعتراضهم لا قيمة حقيقية له؛ فإن الموافقة أو الاعتراض الناشئين عن مجرد الرغبة أو الاستجابة للدعاية ووسائل الإعلام، من غير علم حقيقي بالمسألة والقدرة على تبيان ما فيها من إيجابيات أو سلبيات لا يساوي شيئاً في ميزان تقويم الآراء. ثانياً: لو تجاوزنا هذه النقطة فإنه دائماً لا يحصل إجماع على تلك الوثائق، بل يقبلها طائفة ويرفضها آخرون؛ ذلك أنه في ظل عدم وجود مرجعية متفق عليها بين الناس ويخضعون لها ـ خارجة عن الإنسان نفسه ـ فإنه يستحيل أن يتفق الناس كلهم أو أغلبهم على رأي واحد في عشرات بل مئات المسائل المهمة، وإذا أُقرت هذه الوثائق لكون الموافق عليها أكثر من المعترض، فمعنى ذلك أن هناك مجموعة كبيرة من الشعب (السياسي) وهي قد تصل إلى الثلث أو قريب من النصف (على حسب الأغلبية المعتدّ بها في هذه المسائل) لم يكن لنصيبها من السيادة الشعبية أثر في إقرار هذه الوثيقة، على أن موافقة الموافق لا تعني بالضرورة موافقة حقيقية؛ إذ ربما تكون الموافقة نتيجة ضغوط من أطراف خارجية، أو تدخل الإعلام الموجه الذي يقوم بدور كبير في صناعة وتشكيل آراء الناس وتصوراتهم، أو نتيجة الاتفاق على تقسيم المغانم بين الفئات المؤثرة في التصويت، وأقرب مثال على ذلك ما حدث في إقرار الدستور العراقي الذي وُضِعَ بعد الاحتلال. بل إن الأساس الذي يُعتمَد عليه في بيان الأغلبية المعتد بها، هل هو الأغلبية المطلقة (أي ما زاد على ٥٠% ولو كان بصوت واحد) أو أغلبية الثلثين أو غير ذلك، هو نفسه يحتاج إلى إجماع الشعب (السياسي) حتى يمكن أن يؤسس عليه ما يأتي بعده، وإلا فليس هناك أي معنى للحديث عن السيادة الشعبية المتخذة عن هذا الطريق، وهذا الإجماع نادر الحدوث، وعادة لا يحدث أبداً. ثم إن الذين يحق لهم الدخول تحت مسمى الشعب السياسي، كثير منهم لا يشارك في عمليات الانتخاب والتصويت، مما يجعل الأغلبية عند حدوثها هي أغلبية من شارك في التصويت لا أغلبية الشعب السياسي، ولو أننا أخذنا مثالاً قريباً من انتخابات قد جرت في مصر فقد فاز الرئيس المصري بالانتخابات بنسبة تجاوزت الـ (٨٨%) ، لكن لو نظرنا إلى عدد من اشترك في الإدلاء بصوته ممن يحق لهم المشاركة، لم نجده يتجاوز نسبة الـ (٢٤%) ، حيث كان عدد الناخبين قرابة الـ (٣٢) مليوناً، في حين كان عدد المشاركين في الانتخابات قرابة الـ (٧) ملايين، وذلك حسب الإحصاءات الرسمية، وما يجري في كثير من الدول لا يختلف عن هذا. ثالثاً: ولو تجاوزنا هذه النقطة ونظرنا إلى الدستور الذي تم إقراره؛ فإنه بعد جيل أو جيلين يكون الذين أقروا هذا الدستور رميماً تحت التراب، وهذا يعني إثبات السيادة والإرادة لأناس أموات، وهو ما يعني في الوقت نفسه، أن الأحياء محكومون بإرادة الموتى، وليس بإرادتهم، فأين السيادة الشعبية في هذا؟ رابعاً: ولو تجاوزنا مرة أخرى هذه النقطة، فإن الأطفال الذين كانوا أطفالاً وقت كتابة الدستور وإقراره، قد صاروا بعد زمن رجالاً لهم جزء من السيادة؛ فأين تأثير هذه السيادة على الدستور والقوانين المنبثقة عنهم في إدارة البلاد؟ وفي تحديد الشعب نفسه: ما الذي يجعل العربي والكردي في العراق يمثلان شعباً واحداً، وكذلك الكردي والتركي في تركيا يمثلان شعباً واحداً، والعربي والبربري في الجزائر يمثلان شعباً واحداً، كل فرد منهم له جزء من السيادة، بينما العربي الأردني أو المصري أو السوري المقيم في بلد عربي آخر لا يعد من شعب ذلك البلد، ومن ثم لا يمثلون شعباً واحداً؟ ولا شك أن هذا المقيم في بلد ما تجري عليه أحكام هذا البلد، وهو في الوقت نفسه لا يعد من الشعب؛ فليس له أية حقوق في ممارسة الحكم فيه (وهذا أمر يقره الفكر الديمقراطي) وهذا يعني أنه ليس له نصيب في السيادة الشعبية، وهنا تخفق الديمقراطية في تقديم التفسير المقنع لإذعان هذا المقيم أو إجباره على الالتزام بأحكام البلد الذي يقيم فيه، من غير أن يكون له نصيب من السيادة أو ممارسة الحكم فيه. وبالانتقال من كل ذلك نجد أن المؤهلين لممارسة الحكم باقتدار حقاً، ليسوا هم الشعب كله، بل هم مجموعة أناس معينين محدودين، مما يجعل الحكم محصوراً فيهم إلى حد كبير، وبذلك يتحول دور الشعب من كونه الممارس للحكم، إلى الاقتصار على اختيار القادة الأكفياء ليقوموا بممارسة الحكم، وهو لا يمارس هذا الحق إلا مرة كل عدة سنوات عندما تحين مواعيد الانتخابات، وفي كل هذا قضاء على قضية السيادة الشعبية، وهو ما يؤول في النهاية أن تكون الديمقراطية بحق هي حكم الأقلية وليس حكم الأكثرية؛ فالديمقراطية وإن كانت قد انطلقت من نقطة أن الحكم للشعب لكنها انتهت واقعاً وفعلاً لحكم الأقلية، الأقلية الغنية النافذة المنظمة التي استطاعت أن تحوِّل القضية لصالحها فيما يطلق عليه حكم النخبة «ففي الأنظمة الغربية لا يحكم الشعب كما تفترض النظرية، ولكن الذي يحكم هي تلك الأقلية التي تسمى النخبة، ومن ثم ففي الغرب نخبة ديمقراطية تحكم بسبب ما يتوفر لها من قدرة على التحكم في الموارد الطبيعية ومصادر الثروة والقوة، وبحكم بعض المزايا الموروثة وغيرها من العوامل» (١٤) . ويحق لنا بعد ذلك كله أن نقول: إن اعتبار الشعب هو الذي يحكم في النظام الديمقراطي، يعد من الخدع الكبرى في تاريخ الأنظمة السياسية. هذا العيب الجوهري في الديمقراطية الذي يجعل السيادة للشعب ـ وهو الأمر الذي تشبثت به ولم تستطع تحقيقه في واقعها، وذلك لعدم واقعيته ـ هو نقطة الضعف القاتلة لها في شريعة الإسلام، وهو ما دعا الكثيرين ممن يريدون جعل الديمقراطية من مكونات النظام السياسي الإسلامي أو إدخالها فيه ـ وذلك بغرض الخروج من حالة الاستبداد التي تعيشها كثير من شعوب الأمة الإسلامية ـ إلى تجاوز هذه النقطة تحت الدعوة إلى الاستفادة من آليات الديمقراطية، دون التمسك بالأساس النظري لها أو الاعتماد عليه، على أساس أن هذه النظرة المذهبية أو الفلسفية للديمقراطية كانت مرتبطة بزمن النشأة وظروفها، وقد تجاوزتها الديمقراطية في تطبيقاتها المعاصرة، ولم تعد تعوِّل على هذا الأساس، أو ترتبط به. فهم يرون أن الديمقراطية كفلت الكثير من الحقوق والحريات التي تتحقق بها إنسانية الإنسان كحرية التنقل، والاستقلال في الرأي والتفكير، والمشاركة في القرار السياسي وفي اختيار الحكومة، وفي القدرة على الإنكار على الحكومات، وتغييرهم عند الخروج عن الجادة، وفي حق التملك وحق الأمن وغير ذلك، كما يحقق المساواة للجميع أمام القانون، ويرون أن هذه الأمور لا ترتبط بالأساس النظري للديمقراطية الذي قامت عليه الديمقراطية، بل هي آليات تنظيمية، وطرائق عملية للحفاظ على حقوق الناس وحرياتهم، وتأمين تداول السلطة بينهم بطريقة سلمية، كما أنها من الأمور المشروعة في الإسلام. لكن هنا نقطة مهمة غابت عن أصحاب هذا الرأي، الذين يحاولون سلخ الديمقراطية من أصلها؛ وذلك أن هذا رأيهم ولا يعبر عن الشعب السياسي كله؛ فالشعب السياسي حسب الفكر الديمقراطي يدخل فيه المواطن المسلم كما يدخل فيه المواطن الكافر، والمسلمون منهم المسلم حقيقة ومنهم غير ذلك كالعلمانيين والحداثيين والقوميين وغيرهم، وهؤلاء يصرون على ارتباط الديمقراطية بأصلها الذي خرجت منه، ولا سبيل ـ ديمقراطياً ـ بإلزامهم بغير ذلك. ولا شك أن العمل الديمقراطي القائم على الأساس الفلسفي للديمقراطية يتناقض مع المقررات الإسلامية كما ظهر؛ فإن جعل التشريع بيد الشعب هو إلغاء لشريعة الله تعالى؛ وهذا لا يقول به مسلم أو يقبله، ولعل في ظهور هذا العيب الواضح في الديمقراطية ما يدعونا إلى عدم الوقوف أمامه، ويكفي فيه ما تقدم، ويبقى الحديث عن التصور الذي يتناول الديمقراطية بوصفها آليات، أو منهج عمل، من غير استناد إلى فكرة أو تصور مذهبي أو فلسفي، وهذا هو موضوع المقال القادم إن شاء الله.

стр. 5620

مواجهة المخطط الإفسادي في بلدان المسلمين عبد العزيز بن ناصر الجُلَيّل لا يخفى ما تمر به بلدان المسلمين من تغيرات خطيرة وسريعة؛ وذلك ضمن مخطط إفسادي كبير على العقيدة، والشريعة، والأخلاق، والمرأة، والاقتصاد؛ ظهرت بعض آثاره اليوم على حياة الناس في بيوتهم، ومدارسهم، ومجتمعاتهم، وأموالهم، وأخلاقهم، وبعضها في الطريق إلى التنفيذ. ومشاركة مع إخواني الدعاة الذين أقلقهم هذا الخطر وراحوا يبحثون عن كل ما من شأنه مدافعته وصده عن المسلمين أكتب هذه الخواطر السريعة التي كانت محل تفكير وحوار، والتي أحسبها تسهم في إيجاد مشروع تحصيني وقائي لأسرنا ومجتمعاتنا أمام هذا الخطر الداهم، أسأل الله أن يلهمنا صحة الفهم وحسن القصد. فأقول وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم: يقول الله ﵎: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] ، ويقول : ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦] ، ويقول ـ سبحانه ـ: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . [آل عمران: ١٠٤] ويقول الرسول ﷺ : «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعقاب» . وإنفاذاً لهذه التوجيهات الإلهية والنبوية يجب على أهل الغيرة والإصلاح أن ينفروا لمدافعة هذه المخططات الإفسادية وصدها عن المسلمين قدر المستطاع، وأرى أن تتم هذه المدافعة عبر جبهتين رئيستين: - الجبهة الأولى: الاحتساب: ويكون ذلك بالإنكار المباشر لمظاهر الفساد منذ بدايتها أو السماع بالتخطيط لها؛ وذلك بمناصحة الأشخاص المنظِّرين أو المنفذين لها، والإنكار عليهم شفاهاً، ومكاتبة؛ ومخاطبة أهل الحل والعقد في البلد وإظهار الامتعاض والإنكار؛ وهذا أمر يجب أن ينفر له طائفة معينة وهم أهل العلم من المشائخ والقضاة وطلبة العلم والوجهاء. وذلك يتطلب تعاوناً وتشاوراً بين أهل العلم في كل مدينة، وأن يكون هناك مجالس وتوزيع للأدوار والجهود. كما يتطلب جهات مساندة تهيئ لهم المعلومات والوثائق وحصر ما يجدُّ من منكرات ومعلومات وترتيبها وتنظيمها، وأحسب أن هذه الجبهة قائمة الآن ولا تزال في مراحلها الأولى ولكنها بحمد الله ـ تعالى ـ في تطور وتوسع. - الجبهة الثانية: التحصين والوقاية للمجتمع من الفساد: وأحسب أنه لا زال هناك تقصير شديد في هذه الجبهة مع أن الثمار المرجوة منها كثيرة جداً، واستجابة الناس لها كبيرة والحمد لله. ولا يعني هذا التقليل من جهود القائمين ـ حاشا لله ـ فهم تاج الرؤوس، وأعمالهم لن تضيع عند الله إن شاء الله تعالى، وحسبهم أن يفوزوا بالإعذار عند ربهم ـ إن شاء الله تعالى ـ وإبراء الذمة إذا حوسبت الذمم، مع ما تثمره جهودهم من مراغمة أهل الفساد، والتخفيف أو التأخير لبعض المنكرات، وإنما المقصود أن لا تُنسى جبهة التحصين والوقاية التي قد تكون أكثر ثمرة وآثاراً؛ وبخاصة أن المتحركين من المصلحين في الجبهة الثانية يمتلكون وسائل كثيرة ومجالات متعددة في مخاطبة الناس وتحذيرهم وتحصينهم لا يملكها غيرهم، ولو وظفت التوظيف الصحيح وتضافر الغيورون والمصلحون في تنفيذها، وتوزعت الأدوار فيها لكان لها نتائج باهرة تحبط على المفسدين أهدافهم وترد كيدهم في نحورهم. وفي هذه الورقة بعض المقترحات في تفعيل دور هذه الجبهة وكيفية الاستفادة من الوسائل الكبيرة المتاحة في مخاطبة المجتمع وتوجيه الناس. ومن نافلة القول أن نشبه سيل الفساد المسلط على مجتمعات المسلمين وتنوع الناس في مقاومته بسيل جارف ينتهي إلى إغراق أراضٍ وعمران ودور؛ وأصحابها يعلمون أنه سيخرِّب دورهم ومزارعهم وأموالهم، فانقسموا إلى فرقتين: الأولى: فرقة رأت أن لا خلاص من خطر هذا السيل إلا بأن يهب الجميع في قطعه من منبعه وأصله، فلم يتمكنوا من قطعه ومنعه، وأبت طبيعة السيل وقوته عليهم ذلك؛ فكلما سدوه من موضع نبع من موضع آخر، وانشغل أهل القرية بشأن هذا الوادي عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار وتحصين البيوت. ويمكن أن يكون في عمل هذه الفرقة تخفيف لشدة السيل أو سد لبعض منابعه، لكن لا يمنعه عن بيوت الناس وممتلكاتهم. الثانية: رأت أن صرف الجهود كلها في عمل الفرقة الأولى قد أضاع عليهم كثيراً من المصالح ولم يستطيعوا منع السيل، فاتجهوا إلى بيوتهم في تقويم أسسها وقواعدها ورفع أسوارها عن مجرى السيل، كما اتجهوا إلى صرف سيل الوادي عن مجراه المنتهي إلى البيوت والعمران؛ وذلك بتحذير الناس من شره القادم، وبتوجيه الناس إلى أن يحصنوا بيوتهم من هذا السيل، وبتضافر الجميع على صرفه عن بيوتهم وعمرانهم إلى الرمال المحيطة بهم أو السبخات أو الحفر التي يجد السيل فيها مصرفاً له يضيع فيه ويتفرق. والمقصود من إيراد هذا المثال التأكيد على أهمية العمل في جبهة التحصين والوقاية للناس والمجتمعات من سبل الفساد الموجهة إليهم، وأن يعطى حقه من الاهتمام مع بذل الجهد من أهل العلم في الجبهة الأولى؛ وذلك بالاحتساب على المفسدين ولو للتخفيف أو التأخير، وأهم من ذلك إبراء الذمة والإعذار إلى الله . والمقصود توزيع الأدوار وأن لا ينشغل الدعاة بجبهة عن جبهة. وأسوق فيما يلي ما يحضرني من الوسائل القوية التي يملكها المصلحون من الدعاة وطلبة العلم ولا يملكها غيرهم من المفسدين، وكيف يمكن تفعيلها وتنشيطها وتوظيفها. الوسيلة الأولى: المنابر الدعوية: ويقصد بها تلك المنابر التي يخاطَب فيها فئام من الناس على مختلف شرائحهم، ويحصل من خلالها تحذير الناس ووعظهم، وبيان خطر المنكرات على الفرد والبيت والمجتمع، وبيان ذلك بالفتاوى الشرعية المستندة إلى الأدلة الشرعية. ويدخل تحت مسمى المنابر الدعوية ما يلي: أـ خطبة الجمعة: حيث أثرها العظيم على الناس وما تتميز به من دقة الإنصات من السامعين وتركيزهم على ما يقال فيها، وهذه المنابر نعمة من نعم الله على المسلمين، ووسيلة عظيمة الفائدة يمتلكها الدعاة إلى الله ولا يملكها المفسدون. وأقترح لتفعيل دور الخطبة واستثمارها في إصلاح الناس وتبغيض الفساد والمنكرات لهم النقاط التالية: أولاً: إيجاد رابطة مستمرة بين الخطباء في كل حي تجتمع في كل أسبوع، وذلك للتنسيق وتبادل الخبرات وتبادل الخطب وتحديد المواضيع المهمة للخطبة وترتيب الأولويات في ذلك. كما يُقترَح رابطة أوسع للخطباء على مستوى المدينة؛ في كل شهر مرة؛ وذلك لتوسيع دائرة التشاور وتنسيق الجهود. ثانياً: يتفرغ أناس لجمع الخطب الجيدة القديم منها والجديد والتي يحتاج إليها المجتمع وطبعها وجعلها في متناول الخطباء ليرجعوا إليها في كتابة الخطبة. ثالثاً: يتفرغ أناس لجمع الفتاوى القديمة والجديدة للعلماء والتي يبين فيها أهل العلم الحكم في المنكرات القديمة والجديدة التي تعشش بين المسلمين أو هي في بدايتها؛ وذلك لرفضها من الناس ومقاطعتها وتزويد الخطباء بها لقراءتها على الناس. رابعاً: التعاون مع القائمين على إذاعات القرآن بالاقتراح عليهم تسجيل بعض الخطب المهمة التي يتفق عليها سلفاً لتذاع على الناس وتكرر عليهم. خامساً: طبع الخطب الجيدة والمهمة في رسائل صغيرة وتوزيعها مجاناً أو بيعها بسعر رمزي. سادساً: الحرص من محلات التسجيلات على تسجيل الخطب المهمة ونشرها بين الناس، وأن يصاحب ذلك تغطية من الدعاية الجيدة والتسويق القوي. سابعاً: يُفَعَّل دور أئمة المساجد وحلقات التحفيظ في توزيع أشرطه الخطباء الجيدة على بيوت الحي. ب ـ الدروس والمحاضرات والجولات الوعظية: وهذه من الوسائل المهمة التي لو رتبت مواضيعها وأماكنها وأوقاتها لظهر لها وقع عظيم في تحصين الناس ووقايتهم من الفساد، وهي ـ والحمد لله ـ كثيرة ومنتشرة، ولكنها تحتاج إلى تفعيل وتنشيط وتنظيم لكي يكون أثرها أكبر مما هي عليه الآن. ومن الوسائل المقترحة لتفعيلها ما يلي. أولاً: اختيار المواضيع المهمة للمحاضرات والدروس، أو توظيف الدروس في مخاطبة الناس ووعظهم وتحذيرهم من المنكرات سواء كان ذلك عندما تأتي مناسبة في الدرس أو تخصيص آخر الوقت في الدروس للحديث عن المنكرات والتحذير منها، أو أن تُعَدَّ أسئلة مهمة تُطرح على الشيخ ليجيب عليها في نهاية الدرس، ويركز على مظاهر الفساد والموقف منها. ثانياً: تحريك بعض طلبة العلم المؤثِّرين بما عندهم من العلم والديانة والبلاغة في أن يشاركوا وينفِروا في هذه السبيل، وأن يعيدوا النظر في سلبيتهم بحجة الورع البارد. ثالثاً: التنسيق مع إذاعات القرآن والقنوات الإسلامية لنقل الدروس والمحاضرات المهمة فيها. رابعاً: مساعدة المحاضِر في جمع المادة العلمية والفتاوى المهمة التي يستخدمها في إقناع الناس برفض الفساد وتحريمه ومقاطعته. خامساً: قيام محلات التسجيل بتسجيل مثل هذه الدروس والمحاضرات المهمة والدعاية لها وتسويقها بين الناس. سادساً: نشر هذه المحاضرات في بيوت الحي عن طريق مساجد الحي وحلقات التحفيظ ودعمهم مادياً. سابعاً: يحسن أن يكون هناك رابط أسبوعي أو شهري بين طلبة العلم الذين يقومون بالدروس والمحاضرات للتنسيق بينهم والتشاور في المواضيع المطروحة. ج ـ الاستفادة من إذاعات القرآن والقنوات الإسلامية: وميزة هذه الوسائل الإعلامية أنها تخاطب الفئات الكبيرة من الناس؛ لذا صارت من أهم الوسائل التي ينبغي أن يعتني بها الدعاة الى الله واستثمارها في توجيه الناس وتحصينهم وتحذيرهم من الفساد الموجه لهم، ورد شبهات المفسدين. ومن أوجه الأستفادة من هذه المنابر ما يلي: ١ ـ ما يكون فيها من برامج الإفتاء، ويحسن أن توظف هذه البرامج في تحذير الناس من صور الفساد المسلطة عليهم، وبيان الحكم الشرعي فيها، والتركيز على هذا النوع من الفتاوى. ٢ ـ تقديم الدروس العلمية المسيرة التي توعِّي الناس بدينهم (في التفسير والعقيدة والفقه والآداب) وترفع عنهم اللَّبْس والتضليل. ٣ ـ إجراء المقابلات والندوات والحوارات في القضايا التي تحذر المسلمين مما يراد بهم من الفساد والشر، والرد على الشبهات وفضح أهلها. ٤ ـ ولتفعيل دور هذه المنابر يُحَثُّ أهل القدرات الإعلامية من الدعاة للدخول فيها والتعاون مع القائمين عليها في تهيئة البرامج وتقديم المواد التي تحقق الأهداف. ٥ ـ نقل الخطب والدروس والدورات العلمية الشرعية التي تعقد في المساجد. الوسيلة الثانية: إحياء اللقاءات الأسرية ودوريات الأحياء (١) : حيث ثبت بالتجربة عظيم فائدتها في تأليف القلوب والتعاون على الخير، والتحذير من الفساد والمنكرات. ولو أن أهل الاستقامة في كل أسرة وكل حي ـ وهم كثير والحمد لله ـ كوَّنوا هذه الروابط واللقاءات واستثمروها في وقاية الأسر والجيران نساءً ورجالاً من شر الفساد والمنكرات لكان لها الأثر العظيم. ومن الأعمال الخيرة التي تقوم بها هذه الروابط واللقاءات ما يلي: ١ ـ توزيع الأشرطة والكتيبات التي تنشر الفضيلة وتحارب الرذيلة. ٢ ـ توزيع الفتاوى التي تبين حرمة ما جد في حياة المسلمين من منكرات البيوت. ٣ ـ إقامة المسابقات الهادفة التي تنبه السامعين إلى أمور شرعية قد يجهلونها أو يغفلون عنها. ٤ ـ استضافة بعض طلبة العلم المؤثرين ليتحدثوا عن بعض المنكرات وضرورة إنكارها وتحصين البيوت وتربية الأولاد والنشء على حب الفضيلة وبغض الفساد والرذيلة. ٥ ـ العناية بشؤون المرأة وتوعيتها بأحكام الإسلام، وتحذيرها من منكرات اللباس والزينة وما يراد لها من إخراجها واختلاطها بالرجال. ويمكن أن تنشأ روابط نسائية في الأسرة تتولى المستقيمات في كل أسرة تحقيق هذه الأهداف بما سبق من الوسائل. ٦ ـ مراقبة الحي وما فيه من المنكرات والتعاون مع الهيئات لإزالتها. الوسيلة الثالثة: أئمة المساجد: لا يخفى دور إمام المسجد في نشاط المسجد ونشاط الحي الذي فيه المسجد؛ وهذا ملموس من بعض الأئمة الناشطين. فلو أن إمام كل مسجد قام بدوره في جماعة الحي لكان في ذلك خير عظيم، وسد منيع. ومن أهم الأنشطة التي يقوم بها إمام المسجد ما يلي: ١ ـ القراءة على جماعة المسجد في الكتب والفتاوى التي تحذر من الفساد والمنكرات في البيوت أو الأسواق وغيرها. ٢ ـ التعاون مع دورية الحي في دعم أنشطة المسجد وحلقات التحفيظ ومتابعة المنكرات في الحي. ٣ ـ استضافة طلاب العلم ليلقوا كلمات ومحاضرات وفتاوى تدعو الناس إلى الخير وتحصنهم من الفساد وتحذرهم منه. ٤ ـ متابعة المحاضرات والدروس في المساجد الأخرى، وتبليغ جماعة المسجد بها مشافهة أو عن طريق الملصقات الإعلانية. ٥ ـ التعاون مع حلقات التحفيظ في توزيع الكتيبات والأشرطة على منازل أهل الحي. ٦ ـ تفقُّد الأشخاص الذين لا يصلُّون مع الجماعة ومناصحتهم بالتعاون مع دورية الحي. ٧ ـ إقناع طلاب العلم من جماعة المسجد على فتح دروس في المسجد سواء كانت لعوام المسلمين أو للطلاب الدارسين. ٨ ـ ولتفعيل دور الإمام في المسجد يحسن تكوين رابطة لأئمة المساجد في الأحياء المتقاربة، والتشاور معهم وتبادل الخبرات في أنشطة هذه المساجد. ٩ ـ الاستفادة من المشرفين على حلقات التحفيظ في تقديم الفتاوى، واقتراح الرسائل المهمة التي تُقرأ على جماعة المسجد. الوسيلة الرابعة: حلقات التحفيظ ومكتبات المساجد: لا يخفى دور هذه الحلقات المباركة في حفظ أبناء الحي بحفظهم لكتاب الله وتربيتهم وتحصينهم من الفساد. ومع ذلك يمكن أن يستفاد من هذه الحلقات ليظهر أثرها في أهل الحي؛ وذلك بالوسائل التالية: ١ ـ توزيع الأشرطة والكتيبات على بيوت الحي. ٢ ـ إعطاء طلاب التحفيظ بعض الأشرطة والفتاوى والكتب لأخذها إلى أهليهم مما من شأنه تحذير البيوت من المنكرات والفساد. ٣ ـ الاهتمام بأولياء أمور طلاب التحفيظ، والاجتماع بهم في دورية شهرية للعناية بأبنائهم، والتناصح معهم في إصلاح البيوت وتطهيرها من الفساد. الوسيلة الخامسة: مواقع شبكة المعلومات: وقد برز أثر هذه المواقع في الآونة الأخيرة لما ظهرت المواقع الإسلامية للمشائخ والمؤسسات الإسلامية والمواقع التي تهتم بالمرأة والحسبة. لذا يجب الاهتمام بها وتفعيلها وتقديم المادة المناسبة التي فيها تحذير المسلمين مما يراد بهم من الفساد، وتخصُّص بعض أهل العلم في تتبع شبهات المفسدين وشهواتهم والرد عليها. الوسيلة السادسة: المعلمون في المدارس: المعلم المسلم صاحب الرسالة لا ينظر إلى وظيفته بأنها مصدر للرزق فحسب، وإنما هي من أهم المجالات التي يمكن تربية النشء فيها وتحصينهم من الفساد والمنكرات. كما يمكن التأثير من خلال التعليم على أسر الطلاب وبيوتهم بإيصال بعض الفتاوى والأشرطة عن طريق أبنائهم، وكذلك يستفاد من مجالس الآباء في المناصحة مع أولياء الأمور في التخلص من المنكرات والفساد. الوسيلة السابعة: الحسبة والاحتساب: من خصائص هذه الأمة أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وكلما شاع الاحتساب وأنتشر قل الفساد واندحر المفسدون؛ سواء كان ذلك على يد مراكز الهيئات أو عن طريق المحتسبين؛ لذا ينبغي للدعاة وطلاب العلم والمحاضرين أن يحثوا الناس على مختلف طبقاتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كلٌّ فيما يخصه وحسب علمه وقدرته. الوسيلة الثامنة: الكُتَّاب والمؤلفون: إن الإكثار من الكتب والرسائل والمطويات التي تحذر من الفساد وتكشف خطط المفسدين تعتبر من أهم الوسائل التي توعّي الأمة وتحذرها من كيد المفسدين وتلبيسهم وتضليلهم؛ وذلك بما يكون في هذه المؤلفات من بيان حكم الله في مظاهر الفساد الذي يروِّج له المفسدون، وكشف سيئاتهم التي يلبِّسون بها على الناس. الوسيلة التاسعة: أماكن الانتظار العامة: وذلك مثل الانتظار في عيادات الأطباء وصرف الدواء في الصيدليات الحكومية ومحلات الحلاقة ومكاتب العقار وما شابهها. حيث من المفيد تزويد هذه الأماكن بمطويات ورسائل وفتاوى تناسب حاجة الناس وتحذيرهم وتحصينهم من سبل الفساد. الوسيلة العاشرة: الدُّور النسائية لتحفيظ القرآن: لم يعد خافياً أثر هذه الدُّور المباركة ـ ولله الحمد ـ في تحصين المرأة المسلمة من كيد أعدائها وتعليمها دينها وتحذيرها من مظاهر الفساد الموجه لها وللأسر المسلمة. والعناية بالمرأة المسلمة له أثر في نفسها كما أن له أثراً كبيراً في إصلاح الأسر والبيوت؛ حيث تنقل المرأة ما تسمع وترى وتقرأ في هذه الدور وما يوزع فيها من أشرطه وكتيبات وفتاوى إلى أسرتها وأولادها. لذا لزم أمر العناية الشديدة بهذه الدور. الوسيلة الحادية عشرة: رسائل الجوال: لقد ظهر في الآونة الاخيرة أثر رسائل الجوال في نشر الخير والشر؛ لذا ينبغي توظيفها من قِبَل المصلحين في نشر الفضيلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدلالة على الكتب والفتاوى والدروس المفيدة، والتحذير من الفساد وتعرية أهله وتبيين المنكرات ودفع الناس لإنكارها. - تنبيهات مهمة: الأول: لا بد في الوسائل السابقة من عمل مرتب ومنظم ترتب فيه الأولويات، وتوزع فيه الأدوار، ويجند الآلاف المؤلفة من الصالحين في إحيائه وتنفيذه بتوجيههم واستثمار طاقاتهم ولا يكتفى بالجهود الفردية. الثاني: لا يُقتصَر في مخاطبة الناس ببيان الحكم الشرعي في المنكرات وتحذيرهم منها، بل ينبغي أن يتوجه الخطاب إلى القلوب وتقوية العبودية لله فيها، والاستسلام لشرعه ـ سبحانه ـ والإذعان والقبول له وتخويفهم من الله ومن عذابه، وتقوية محبة الله ـ سبحانه ـ وتعظيمه، والخوف من يوم الحساب والوقوف بين يدي الله تعالى. الثالث: العناية بالجانب التربوي في أوساط الدعاة وطلبة العلم وأهل الاستقامة من شباب الأمة وفتياتها، والعناية بصحة الفهم والتصورات، وحسن السلوك والأخلاق، وأن لا يكون العمل الاحتسابي والإعلامي سبباً في انشغالنا عن العمل التربوي. الرابع: إعداد جيل إعلامي قوي يجمع بين العلم الشرعي والصمود على الثوابت الشرعية، والبعد عن الضعف والانهزامية والاستجابة لأهواء الناس، وبين الوعي الإعلامي والخبرة الإعلامية التي تخاطب الناس وتؤثر فيهم وتكسبهم. أسال الله أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه وليه، ويذل فيه عدوه، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر؛ إنه سميع الدعاء.

стр. 5621

العمل الفردي سيبقى مُلِحاً فيصل بن علي البعداني العمل الخيري (المؤسسي) أحد ركائز قوة الأمة التي حفلت النصوص الكريمة آمرة به وحاثة عليه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٢] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] . وقال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً» ثم شبك بين أصابعه (١) ، وقال ﷺ : «يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يرتكض» (٢) ، وقال ﷺ : «عليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصية» (٣) . ولا غرو؛ فالعمل المؤسسي يستثمر الجهود ويوحدها، وهو أكثر ثباتاً ونضجاً واستقراراً وقابلية للنجاح، ولا نزاع حول أهميته وأولويته، بل الظن أن عامة شباب صحوتنا المباركة قد تجاوزوا هذا الجانب منذ مدة ليست بالقصيرة. غير أن الذي يسترعي النظر والدراسة هو مدى كفاءة المؤسسات القائمة وقدرتها على استيعاب الطاقات الكثيرة والناضجة من الدعاة إلى الله تعالى؛ إذ مِنَ المُشاهَدِ محدوديةُ عدد المؤسسات القائمة مقارنةً باحتياج الواقع الفعلي، وبالأعداد الكثيفة من شباب الصحوة ـ ذكوراً وإناثاً ـ ممن يمكن توجيههم وتوجههم لإسقاط كثير من الواجبات الكفائية الملقاة على كاهل الأمة، فضلاً عن عامة الأمة ذوي الطاقات المجهولة والمخبوءة، والتي لا تقل أهميةً عن ما يقوم به الدعاة إلى الله تعالى في خدمة الأمة وتفعيل البرامج النافعة داخلها. أضف إلى ذلك أن كثيراً من المؤسسات القائمة تعاني من أمراض مزمنة، بل إن كثيراً منها لا يكاد يخرج عن كونه جهداً فردياً يفتقد روح العمل المؤسسي، وإن كان لا يفتر دوماً عن التزين بارتداء كثير من الأثواب والحلي المؤسسية. وأمام هذا الواقع الصعب فإن من أعظم أولويات العمل الدعوي المبادرة إلى الارتقاء بالمؤسسات القائمة وإنشاء الكثير الكثير منها. ولا شك أن ذلك لن يتحقق بين عشية وضحاها، بل ـ على افتراض الإحساس بالمشكلة وامتلاك الرغبة والقدرات البشرية والمادية اللازمة ـ سيحتاج ذلك إلى أُطُر زمنية كافية، وهي مسؤولية ضخمة يقع واجب تحقيقها على كاهل كل قادر من أبناء الأمة على الإسهام في معالجتها. وإلى أن تنتقل الأمة ـ وبخاصة في جانبها الدعوي والخيري ـ إلى واقع مؤسسي حقيقي يغطي الاحتياج، فسيبقى للعمل الفردي ـ مهما أحاط به من عوامل ضعف ـ مساحته المفتوحة، ومكانته السامقة، ودوره الضروري للقيام بكثير من الأعمال المنسية أو المضيعة تحت عباءة بعض المؤسسات عديمة التخطيط والمتابعة، أو ضعيفة الجهد قليلة الإنتاجية، أو في كليهما. ولذا فالمطلوب من القيادات العلمية ودوائر التوجيه الدعوي التوازن والتعامل باعتدال وواقعية حين الثناء الدائم والتبني شبه المطلق للعمل المؤسسي القائم، والذم شبه المستمر للعمل الفردي وبيان عواره؛ مما تسبب في تفتير الكثير من الكفاءات المتميزة عن الإقدام على الكثير من البرامج والأنشطة خوفاً من التلبُّس بأردية العمل الفردي غير المرحَّب به كثيراً، ومن تجرأ منهم وأقدم على بعض المشاريع والأنشطة تجد كثيراً منهم يعاني من صراع داخلي بين الرغبة في العمل والظفر بالأجر والمثوبة، وبين مخافة الوصم بالفردية والفوضوية التي تورث ضعف إقدام ومحاصرة في الوقت ذاته. ومع أن كلاً من العملين (الفردي والمؤسسي) مجرد وسائل تستثمر لتحقيق الغايات؛ فأيهما كان أكثر إثماراً والأهيأ للعبد فهو المطلوب أياً كان، وهذا أمر يعرفه المرء من نفسه، ومن استشارة أهل العلم والدعوة في بيئته. على أن الأمة في الوقت الذي تضر بها الفردية الجامحة فإنها تحتاج إلى مؤسسات حقيقية قوية تتسم بالإثمار المتميز والناضج، وباستيعاب كثير من الشخصيات الجيدة في برامج عمل مناسبة، وإلا فإن النتيجة المتحتمة هي إضاعة كثير من الواجبات، وإهدار أعداد غفيرة من الكفاءات المنتجة تحت مبررات غير موجودة في عامة الأحيان. وعلى عاتق الدعاة إلى الله تعالى ـ ذكوراً وإناثاً ـ يقع الجزء الأكبر من المسؤولية؛ فامتلاك قرارهم ومبادرتهم بأيديهم، وأداء الصلاة ـ التي هي أوجب فروض الأعيان بعد التوحيد ـ واجبة على الذكور جماعة في الوقت؛ فإن لم توجد جماعة أو شق أداؤها معها لم يسقط الفرض ووجب على العبد صلاتها منفرداً، وكذا الواجبات الكفائية المضيعة اليوم، إن تيسر القيام بها من خلال عمل مؤسسي جادٍّ يتضمن تعاوناً صادقاً على البر والتقوى كان غاية المطلوب، وإن تعذر ذلك فلا يجوز تضييع أدائها، بل لا بد من القيام بها بالصورة الفردية المتاحة، ولا يكلف الله ـ تعالى ـ نفساً إلا وسعها. وليس من السائغ ولا الجائز أبداً التقاعس أو الفتور عن ذلك تحت حجة انتظار العمل المؤسسي؛ فذاك أمر ينكره الشرع ولا يقره العقل. والأمة في عصرنا ـ وهي تمر بحالة ضعف بَيِّن، وتعاني من ويلات مكر كُبَّار يحيط بها من كل جهة ـ أحوج ما تكون إلى كل عمل صائب دؤوب منطلق من فكرة ناضجة وتخطيط سليم، يخفف عنها بعض آلامها ويساعدها على النهوض من كبوتها، أياً كان مصدره والقائم به. ويزيد الأمر إلحاحاً أن غالب نجاحات الأمة اليوم مردها إلى جهود ومبادرات فردية مباركة ـ بما في ذلك تأسيس عامة المؤسسات القائمة وتشغيلها ـ وأن عامة ما تستثمره المؤسسات الموجودة اليوم في الساحة من جهود أفرادها المنتمين إليها لا يتجاوز نسبة قليلة مما يمتلكونه من إمكانات، مما يبقي الجزء الأكبر من المسؤولية تجاه النهوض بواقع الأمة وإصلاح شأنها على الأفراد ومبادراتهم المتعددة هنا وهناك سواء أكان ذلك في إطار مؤسسي أو بصورة فردية؛ إذ المهم ـ مع أولوية العمل المؤسسي متى كان متاحاً ـ هو الشعور العالي بالمسؤولية الدعوية، والمبادرة الجادة إلى التنفيذ في ظل رغبة عارمة بإتقان العمل وتجويده، واستعداد كبير للانخراط في العمل المؤسسي المحقق للغاية المرادة. فكيف إذا انضاف إلى ذلك عدم تكيف كثير من القدرات الفذة ـ التي سدت نقصاً ظاهراً وأسهمت في نجاح العديد من المشروعات المتميزة ـ على العمل من خلال المؤسسات القائمة، لاعتبارات مختلفة موضوعية أو غير موضوعية، وتوجه عامة مؤسساتنا اليوم نحو الانكفاء، وقيامها بتقليص الكثير من برامجها وأنشطتها نتيجة الحملة الأمريكية الشرسة على العمل الإسلامي المؤسسي، ليبقى عند ذلك العمل الفردي بانطلاقته الواسعة، وتكاليفه المحدودة، وأثره الكبير ضرورة ملحة لا بد من تقديم مزيد من الرعاية لها والاهتمام بها. وختاماً: فكما أن الجميع مطالب ببذل الوسع في العمل للإسلام وتشجيع كل عامل له؛ فإن العمل المؤسسي لا يمكن أن ينهض إلى المستوى المؤمَّل إلا من خلال مبادرة القدرات ذات الكفاءة المتميزة إلى تطويره، وتحملهم الواجب نحو النهوض به. فهل بلغت؟ اللهم فاشهد! ربي الكريم المنان! أصلح حال أمتنا، وبارك في جهود الخيرين فيها مؤسسات وأفراداً، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

стр. 5622

التفريط وآثاره على الفرد المسلم د. أحمد العمراني فالتفريط يعني: التقصير والتضييع. نقول: فرَّط في الأمر: قصَّر فيه وضيَّعه (١) . فماذا ضيع الإنسان؟ لقد خلق الله الإنسان وخلق له الكون كله؛ حيث يقول ـ سبحانه ـ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٢٩ - ٣٠] . ولم يخلقه عبثاً ـ بتقرير القرآن ـ حيث يقول ـ تعالى ـ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] . ويمكن أن نلخص رسالة الإنسان على هذه البسيطة في أمور ثلاثة: العبادة، والعمارة، والخلافة. ـ فالإنسان مستخلَف ومسؤول بقوله ـ تعالى ـ: ﴿إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٢٩ - ٣٠] . وببيان المصطفى ﷺ القائل: «إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون» (٢) . وفي رواية: «إن هذا المال حلوة خَضِرة؛ فمن أخذه بسخاوة بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه» (٣) . ـ وهو مكلف بعمارة الأرض بقوله ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] . وببيانه ﷺ : «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليغرسْها» (٤) . وهنا يسائل المرء نفسه: لمن سيغرسها إن كان قيام الساعة واضحاً بيِّناً؟ هذه هي الحكمة الربانية، المهم أن تغرس، أن تعمر الأرض وأن تنتج، لا أن تخرب أو تدمر أو تنام وتتقاعس. ـ ومكلف بتحقيق العبودية لله بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . فماذا فعلنا لعمارة الأرض؟ وماذا فعلنا لنكون خلفاء كما ينبغي؟ وماذا فعلنا لنعبد الله حق العبادة؟ - أسباب التفريط: للتفريط في جنب الله أسباب كثيرة، قد نصل إلى إدراك بعضها، وقد تغيب عنا أسباب أخرى منها. فمن الأسباب الواضحة المؤدية إلى التفريط ما يلي: ١ ـ الانشغال التام بالدنيا: حيث إن كثيراً من الناس لا يجدون وقتاً لراحتهم وليس لتدينهم فحسب، نظراً لكثرة الانشغالات الدنيوية والارتباطات العملية التي تثمر كثرة الأعباء والتكاليف التي تجعل الإنسان ينغمس فيها طلباً للمال، مما يسبب الأكل الكثير، فالشرب الكثير، فالنوم الكثير، فالالتهاء الكثير، فالنسيان الكثير. وهذا يضطرهم للتوسع الشديد في المباحات والاستكثار منها. وبالطبع كلما زادت رغبة الفرد في ملذات الدنيا أوقعته في حبائلها وأوصلته إلى الوقوع في مكروهاتها ومحرماتها. فإذا حصل هذا تُنُوسيت الدار الآخرة، وتنوسيت أهوالها وما ينتظر الفرد منها من سؤال وجزاء ومحاسبة، وهذا بسبب الغفلة التي حصلت بالالتهاء بشهوات الدنيا وزخارفها، فيصعب على الإنسان أن يبتعد عن حياة النعيم التي حصَّلها، فإذا حصَل له بعض النقص، فقد يندفع إلى ارتكاب الموبقات للوصول إلى أغراضه، فيتجرأ على المعصية، وتتلوها معاصٍ، فيحاط قلبه بالران: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] ، ويتعثر في الرجوع إلى نفسه ونهيها عن غيها، ويصعب عليه الإقلاع والابتعاد عما أوقع نفسه فيه، فينتقل الأمر من الغفلة إلى التفريط التام. فالتفريط في كل ما ذكر هو مشكلة الأمة اليوم، وهو باختصار: تفريط في جنب الله، وهو نسيان الدار الآخرة والجزاء والحساب والموقف. فقد أصبح كثير من المسلمين لا يفكرون إلا في الدنيا وشهواتها: تزينت لهم وأغوتهم بغوايتها حتى نسوا الذكر ونسوا الهدف من وجودهم، مع أن الرسول ﷺ قد حذر منها في قوله: «واللهِ ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسَط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» (١) . وروى في بيانها أبو أمامة الباهلي قال: لما بُعِثَ النبي ﷺ أتت إبليسَ جنودُه فقالوا: قد بُعث نبي وأُخرجت أمة، قال: يحبون الدنيا؟ قالوا: نعم! قال: لئن كانوا يحبون الدنيا ما أبالي ألا يعبدوا الأوثان، وإنما أغدو عليهم وأروح بثلاث: أخذ المال من غير حقه، وإنفاقه في غير حقه، وإمساكه عن حقه، والشر كله من هذا نبع» (٢) . وروي عن عيسى ﵇ أنه رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء، عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجتِ؟ قالت: لا أحفظهم، قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقوك؟ قالت: بل كلهم قتلتُ، فقال عيسى ﵇: بؤساً لأزواجك الباقين! كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين؟ كيف تهلكينهم واحداً بعد واحد ولا يكونون على حذر؟» (٣) . لهذا قيل في شأنها: «الدنيا إذا حلت أوحلت، وإذا كست أوكست، وإذا جلت أوجلت، وإذا دنت أودنت» (٤) وصدق الله العظيم حين قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد: ٢٠] . وصدق رسوله المصطفى ﷺ حين قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظرْ بِمَ يرجع؟» (٥) . وهذا لا يعني أن الإنسان يجب أن يزهد في الدنيا، ويتفرغ للرهبانية التي حذر منها الشرع الحنيف، بل عليه أن يعرف أن الدنيا خُلقت له وليس هو من خُلق لها، وبين الأمرين فرق كبير وبون شاسع. فما الفرق بيننا وبين باقي الكائنات إن لم نعبد الله؟ نتشابه كلية مع باقي الكائنات فيما يفعلون؛ حيث نأكل ونشرب وننام وننكح، وكذلك يفعلون. ولكننا نتميز عنهم بعبادة الله كما شرع، وسنحاسَب كما أخبر، مع العلم أن الكون والخلائق كلها تسبِّح الله وتطيعه كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] . والفرق الذي بيننا وبينها أنها غير مكلفة بشريعة وغير محاسَبة عليها؛ إذ لم يُبْعَثْ لها أنبياء ورسل، بل هذا مما تميز به الإنسان؛ فكيف لا نتميز؟ بل كيف نرضى لأنفسنا أن نتشابه مع باقي مخلوقاته، والله أمرنا أن نتميز حتى لا نكون مثلهم: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ؟ فالتفريط في هذه المقاصد والغفلة عنها هو الذي أوقع الأمة في براثن وحبائل التفريط في جنب الله. وكثرة غفلة الغافلين هي التي دفعت العديد من الأفراد إلى الإفراط في جنب الله، فوقع المسلمون بين غلو المتشددين، وتقصير الغافلين، وهذا حال الأمة؛ مع أن القرآن الكريم علمنا كيف نستجيب للدنيا وكيف نستجيب للآخرة ونعيمها، وكيف نستجيب لله، ولكل نداؤه الخاص؛ حيث وردت في عباراته ثلاثة نداءات متفاوتة فيما بينها وفي طريقة الاستجابة لها والتعامل معها وهي كلها تخدم فوز ونجاح الإنسان في الدنيا والآخرة. ـ النداء الأول: من أجل الدنيا قال ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] والمؤمن الكيِّس الفَطِن مطالَب بالانتباه إلى لغة القرآن؛ ففي طلب الدنيا لا يتجاوز المشي «فامشوا» أي بتؤدة وببطء وتمهل وتعقل، وهو أمر فُسِّر في القرآن تفسيراً وبُيِّن تبييناً؛ حيث يقول الله ـ تعالى ـ في كتابه الكريم في وصية لقمان لابنه: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩] . ووصية الله للإنسان في قوله: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء: ٣٧] . وحدد صفة مشي عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . فالناظر في آيات القرآن يتبين له كيف أعطى المولى للمشي اعتباراً فريداً؛ لأنه ـ بكل اختصار ـ يعبر عن شخصية الإنسان؛ فالمسلم النبيه هو من يمشي ليِّناً هيِّناً بسكينة ووقار دون تجبر ولا استكبار ودون استعلاء على أحد أو انتفاخ، أي: يمشي مشية من يعلم أنه خُلق من الأرض وسيعود فيها ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] . فمشية المسلم في الدنيا وفي طلبها هي مشيه في الحلال طلباً وأخذاً وعطاءً وسلوكاً، لا يظلم أحداً، ولا يتكبر على أحد، متواضعاً، كما قال الشاعر: ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً فكم تحتها قوم همو منك أرفعُ وإن كنت في عز وجاه ومنعة فكم مات من قوم همو منك أمنعُ (١) ـ النداء الثاني: من أجل الجنة والمغفرة، وفي ذلك يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦] . ويكفي تمجيد الله لهذا العمل قوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦] فالمسلم في طلبه للجنة عليه أن يسرع المشي والخطى ويتعجل السير ولا يترك الفرصة لتجاوزه، وهو ما أكده القرآن الكريم بقوله في آية أخرى: ﴿سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] والسباق يعني المبادرة إلى ما يوجب المغفرة؛ وما يوجب المغفرة هو العمل بالطاعات، وهو ما يعنيه قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] . وقد حث الرسول ﷺ على المبادرة والإسراع فيما ينفع المؤمن قبل الوقوع في أسر الفتن فقال: «بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا» (٢) . وفي حديث النبي ﷺ : «التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة» (٣) . وليس كما هو حاصل اليوم في زمننا، الكل يسرع ويلهث ويجري وراء الدنيا وزخارفها وليته يصل إلى مراده، بل الكل ينام وفي ذهنه أنه لَمَّا يتم عمله، وينام تعباً وهو يخطط لعمل الغد وكيفية إنهائه. فمتى يميز المسلم بين ما يجب الإسراع فيه وما يجب فيه التأني؟ ـ النداء الثالث: نداء الفرار إلى الله؛ حيث يقول ـ سبحانه ـ: ﴿فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] . «ففروا» طلباً لله، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فالفرار إلى الله فرار من معصيته، فرار من غضبه، فرار من الإشراك به. وهو هنا شجاعة؛ لأن الفار يفر من أعداء يبعدونه عن الله وعن رضوانه، ونجاة من الجحيم وطلباً للنعيم المقيم. وقد بوَّب البخاري ﵀ أحد أبواب صحيحه في كتاب الإيمان، فقال: «باب: من الدين الفرار من الفتن» (٤) . وما أكثر الفتن في زمننا؛ حيث المؤمن فيه يقبض على دينه ويصبر على فتنه «كالقابض على الجمر» (٥) . مفتون أينما حل وارتحل، ولعل من أخطر الفتن التي تُحدِق بالمسلم فتنة الأموال وفتنة الأولاد وهو ما أكده القرآن بقوله: ﴿إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] . بل إن الرسول الحبيب ﷺ قد أخبر أن الأمة ستعيش فتناً يشيب لها الولدان؛ حيث قال: «ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرَّف لها تتشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليَعُذْ به» (١) . ولكن الواقع يشهد أن الأمة أصبحت تعيش تناقضاً مع لغة القرآن ومع فهم مفرداته، فأصبح السير إلى الدنيا سريعاً، وإلى الآخرة وئيداً، والفرار من الله بدل الفرار إليه. فهل إلى رجوع من سبيل! وهل إلى توبة لتصحيح المسار وتصحيح الخطوات إن شئنا النجاة وتحقيق الفوز والدرجات في الدنيا والدين! ٢ ـ عدم الفقه السديد في الدين، وهو أصل كل بلية: في اعتقاد بعض الناس أنهم إذا أدوا بعض أشكال التدين فقد نجوا وسَلِموا؛ وهذا فهم تجزيئي للإسلام؛ حيث يقتصر بعض الناس في تدينهم على بعض الأمور ويترك الأمور الأخرى، وهذا يؤدي أيضاً إلى التفريط والغفلة؛ فالدين شامل كامل لقول الله ـ تعالى ـ: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] . فليس الدين في العبادات فقط، أو في المعاملات، أو في السلوك والأخلاق، أو في الأعمال الاجتماعية، أو السياسية أو الاقتصادية، بل يشمل كل هذا. ومع الأسف أن هذا ما حصل للكثير من الناس، حيث جزَّؤوا الدين، وأخذ كل واحد منهم ما يعتقد أنه الصواب والصالح له؛ فمنهم من فهم حديثاً لرسول الله ﷺ فهماً سيئاً وبنى عليه حياته ومصيره، كفهمهم لحديث السائل عن الإسلام، والذي يقول فيه الرسول ﷺ مجيباً لرجل من أهل نجد جاء ثائر الرأس يُسمَع دوي صوته ولا يُفقَه ما يقول: «خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: وهل عليَّ غيرها؟ قال: لا؛ إلا أن تطوَّع، قال رسول الله: وصيام رمضان، فقال: وهل عليَّ غيرها؟ قال: لا؛ إلا أن تطَّوَّع، قال: وإخراج الزكاة، قال: وهل عليَّ غيرها؟ قال: لا؛ إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: واللهِ لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق» (٢) . فأخذ كثير من الناس بعض ألفاظ الحديث، مثل: واللهِ لا أزيد ولا أنقص، ومثل: أفلح إن صدق، ونسوا مقاصد وروح ما ذكر في الحديث؛ فالصلاة تؤدى؟ نعم! ولكن إن لم تؤدَّ على حقيقتها لم تؤثر في الإنسان ولم يحصل له الفلاح، والزكاة تؤدى؟ نعم! ولكن من أي المال؟ والصوم يؤدى؟ نعم! ولكن كيف يؤدى؟ فكثير من الناس ليس لهم من صلاتهم إلا وقوفهم وجلوسهم، وليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، كما قال النبي ﷺ : «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر ... » (٣) . لهذا وجب عدم التغافل عن مقاصد العبادات وروحها حتى تؤدى كما يجب وتؤدي ثمارها كما ينبغي، كما لا يجب التغافل عن إتيانها والقيام بها بل والاجتهاد فيها؛ لأنها تدفع الغفلة والتغافل؛ حيث أخبر ﷺ : بأن «من قام بعشر آيات لم يُكتَب من الغافلين» (٤) . بل إن التشبت بالفريضة والحرص عليها يطرد الغفلة ويشجع على الحرص على السنة كما قال ﷺ : «إن لكل عمل شِرَّة، ولكل شرة فترة، فإذا كانت الفترة إلى الغفلة فهي الهلكة، وإذا كانت الغفلة إلى الفريضة لا يضر صاحبها شيئاً» (٥) . وقد سأل عليٌّ ﵁ ابنه الحسن يوماً عن الغفلة فقال له: «الغفلة تركك المسجد، وطاعتك المفسد» (٦) . ومن الناس من يقول لك: أنا لا أغتاب الناس ولا أكذب عليهم، ولا أغشهم ولا أفعل ولا أفعل، ويوجه سهمه للآخرين فيقول: انظروا إلى ذاك المصلي الكذاب الغشاش؛ فكيف أصلي؟ ويقول أيضاًً: أنا لا أصلي ولكن لا أقوم بمثل أعمال أولئك الحجاج والمصلين الذين ينافقون الناس بتقدمهم إلى الصفوف الأمامية، ويخادعون الناس في معاملاتهم، بل في سلوكهم. وهذه دعوى باطلة ولو كان الناس يعتقدون في الإسلام وفي قواعده وضوابطه بما يشاهدونه من أفعال المسلمين لما أسلم إلا القلة، وخصوصاً إذا كان المنظور إليهم من أهل القدوة والصلاح؛ حيث يتخذونهم قدوة لهم في التراجع عن الخير فيقعون في سوء الفهم والتأويل والتغافل، ونسوا أو تغافلوا أن الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . ويقول ـ سبحانه ـ: ﴿وَكُلَّ إنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] . ومن الناس من يأخذ من الدين العملَ الاجتماعي، فتجده يشارك في الأعمال الخيرية وكفالة اليتيم وإعانة الفقراء والمساكين، ولكن مقابل ذلك لا يصلي ولا يصوم ولا يراقب ربه في باقي أشكال التدين؛ حيث يغفل عن ذلك معتقداً أنه قد حصَّل المراد، وأنه بفعله ذاك قد نال المبتغى، وهذا تلبيس من إبليس الذي يزين للناس ما هم فيه، ويبعدهم عن حقيقة العمل المطلوب، ويبني على ذلك نمط إسلامه الذي يختزله في المعاملات مع الناس، وينسى باقي أركان الإسلام وضوابطه وقواعده، وأن ما هو فيه من الدين ولكن ليس كل الدين. ويكفي أن نقول إن الرسول ﷺ يقول: «أول ما يحاسَب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة؛ فإن أتمها؛ وإلا قيل: انظروا هل له من تطوُّع؟ فإن كان له تطوع أُكملت الفريضة من تطوعه، ثم يُفعَل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» (١) . ومن الناس من يلجأ إلى العمل السياسي، ويعطيه كل وقته وجهده وعاطفته وماله، معتقداً أنه يقدم للناس في ذلك خدمات جلى، وأنه يسير في المسار الصحيح لا ينقصه شيء، ولا يعوزه عمل آخر، وهذا من التفريط وسوء الفهم مع الأسف الشديد. إن الواقع الأليم لينبئ عن كل هذه الأفهام والسلوكات، مما سهَّل على إبليس عملَه، وأسقط الناس تباعاً في حبائله وغواياته، ونسوا جميعاً أن الشرع الحنيف حذر من تجزيء الدين والتفريط في بعض أسسه، حيث قال ـ سبحانه ـ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] . ٣ ـ عدم إدراك قيمة النعم وقدر المنعم: وكل هذا سببه نسيان المنعم الحقيقي الذي يجب له حق الشكر والحمد على ما أعطى ووهب؛ فكل النعم من الله؛ فهو المعطي المانع، الواهب الصانع؛ فكيف يعطي ويُشكَر غيره، وكيف يهب ويُقصَد غيره؟ فالشكر يديم النعم ويزيدها ويقويها، وعدم الشكر يزيلها ويضيعها، وربنا يقول: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] . ولقد آتى الله نبيه سليمان ﵇ ما لم يؤت أحداً من العالمين، حيث قال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . [ص: ٣٦ - ٣٩] فلم يعتبر سليمان ﵇ ذلك نعمة يركن إليها، بل خاف أن يكون ما وهبه الله له من النعم استدراجاً من حيث لا يعلم، فقال ـ سبحانه ـ مخبراً عنه: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] . إن إدراك حقيقة المنعم وقدره وعظمته مما يشجع الناس على الانتباه والتيقظ، ويدفعهم إلى استغلال أوقاتهم وأفعالهم فيما يرضي الذي ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] والذي وصف نفسه بـ: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] . ولنعطِ بعض الأمثلة ليستيقن المسلم بقدر المنعم، ويسلم أمره كله إليه حتى يقلل من المجازفة بدينه وبنفسه فلا يفطن لموقعه إلا بعد فوات الأوان، ولات حين مندم. فلو أن الإنسان المسلم اعتقد الاعتقاد التام في سمع الله وفي بصره وفي عطائه وعلمه أكان يعصيه؟ لنبين ذلك ثم نسائل أنفسنا أولاً عن ذلك. فمما ورد في السنة وفي أقوال المفسرين أن خولة بنت ثعلبة لما اشتكت زوجها الذي ظاهر منها إلى رسول الله ﷺ ، كانت عائشة تسمع الشكوى في حُجرتها، ولم تسمع كل كلامها؛ فلما نزل قول الله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] ، قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات» (٢) . فلو آمن الإنسان بهذا أكان يعصيه طرفة عين؟ أكان يقع في التفريط؟ الله يسمع منك كل شيء، ولا يغيب عن سمعه أي شيء. ثم لننظرْ إلى علم الله المطلق، والذي يغيب عنا، مع العلم أننا نعتقد في علم البشر ونعترف لهم بقوة علمهم وخبرتهم وبأستاذيتهم، ولكننا ننسى علم الله المطلق، وعلمه بالغيب والشهادة، بل إن علم البشرية كلها هو من علم الله. فهذا موسى الكليم ﵇ خطب يوماً في قومه، فسئل: هل يوجد من هو أعلم منه؟ فنفى وجود ذلك، فبعثه الله ليتعلم من عبده الخضر ﵇ وليعلمه أن هناك من هو أعلم منه؛ والحديث كما في صحيح البخاري يحدثنا عن رحلة نبي الله موسى ﵇ مع الخضر وماذا تعلم منه، ثم إنهما ركبا السفينة، فجاء عصفور ونقر من البحر نقرة، فقال الخضر: «يا موسى! ما علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر» (٣) . وهذا يعني أن علم موسى الرسالي لا يفقهه الخضر، وعلم الخضر الرباني لا يفقهه موسى، وعلمهما معاً أمام علم الله لا يساوي نقطة من بحر علم الله. فإذا علمنا هذا واعتقدناه فهل يقع منا التقصير والغفلة والتفريط؟ ثم لننظر إلى رزق الله الواسع، ألم يقل ربنا في كتابه: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] . ألم يحدثنا الرسول ﷺ في الحديث القدسي أن الله ـ تعالى ـ يقول: « ... يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني وأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر» (١) . هل من آمن بهذه الركائز العقدية يغفل عن الله، أو يفرط في جنبه، أو يعصيه طرفة عين؟ بالتأكيد سيكون الجواب: لا، لن يقع في المحظور كما أنه لن يقع في الغفلة والتفريط. وطبعاً لا يجب أن ننسى أن من سنن الله في خلقه وكونه أنه خلقنا بشراً نخطئ ونصيب، ننسى ونتذكر، نذنب ونتوب؛ فالله لم يخلقنا ملائكة، بل خلقنا بشراً ناكل الطعام ونمشي في الأسواق؛ وهذا يقتضي أن الإنسان قد يخطئ وقد ينسى، ولكنه في كلتا الحالتين يستعين بالدعاء: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . ويرجع حين تذكُّره، ويصحح خطأه حين تنبُّهه: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» (٢) . وقال أيضاً ﷺ : «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها» (٣) . وقال: «ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارِّين» (٤) . - سبب التسويف: وهو مرض خطير، ومن تلبيسات إبليس بالناس أجمعين؛ حيث يسوِّف عليهم في كل شيء ويجعلهم يؤجلون كل أعمال الخير إلى أجل غير مسمى حتى يفاجَؤوا بنهاية الأجل ووقوع المحظور. وقد حذر السلف الصالح من مغبة التسويف وحاربوه؛ حيث روي عن عمر قوله: «القوة في ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد» . وقال سهل بن عبد الله: «الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، والمصرُّ هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقال: أتوب غداً، وهذا كيف يتوب غداً؛ وغداً لا يملكه» (٥) . وفي الحديث: «بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر» (٦) . هكذا حذرت النصوص من التسويف الذي يعد بحق من الأسلحة الفتاكة التي يستعملها إبليس لإغواء النفس البشرية؛ فما همَّ بعمل خير إلا وضع (سوف) أمامه ليؤجله أو ليلغيه، وفي كِلا الأمرين يتحقق مكسب للشيطان؛ إذ الموت مباغت، والأجل غير معلوم؛ فكلما سوَّف الإنسان أوقع نفسه في المجهول. قال سيبويه: «سوف: كلمة تنفيس فيما لم يكن بعدُ، ألا ترى أنك تقول: سوَّفته، إذا قلت له: سوف أفعل، ويقال: فلان يقتات السوف، أي يعيش بالأماني» (٧) . ولسوف هاته أشكال وألوان؛ فمن الناس من يمنِّيه إبليس بالتوبة والرجوع حالما ينتهي من عمل ما، أو إتمام مشروع ما، ولكن مع الأسف الشديد عندما ينتهي منه يوجد له الشيطان مشروعاً آخر وهكذا حتى تأتي النهاية المحتومة، ويتحدث مع الطالب بلغة الحصول على الشهادة أو العمل، ومع الأعزب حتى يتزوج، ومع الغني حتى يكتمل مشروعه، ومع الفلاح حتى ينتهي موسم الحصاد، وهكذا يكسب من الناس تأخيراً في التوبة وتعثراً في الرجوع إلى الله، فيظل المسلم غافلاً مسوفاً حتى يلقى الله وتضيع فرص العودة والرجوع والأوْبة والإنابة. ـ الحرمان من التوفيق الرباني: فمن عاش بين مجزِّئ للدين ومسوِّف وعاصٍ وناكر للنعم وجاحد لحق المنعم، فلن يبتعد حاله مطلقاً عن حال الضالين. فالمفرط في التدين يقطع صلته بربه، فيحرم بسبب ذلك من عونه وتوفيقه، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧] . فإذا كثر الغافلون وكثر التقصير في الدين وإهماله، وربما تشويهه، انقلب هذا السلوك في نفوس بعض الأفراد إلى تفكير خاص، يعتقدون أنه الحل الوحيد لمعالجة هذه الأمراض المنتشرة بينهم، فيلجؤون إلى الإفراط في فهم الدين بدل التفريط فيه كما فعل الأكثرون. يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٥ - ٥٦] آية من آيات الله تُحدّثُنا عن التفريط، وتحذر منه. ولحسن الفهم والاستيعاب للموضوع وجب تحديد مفهومه وبيان أسبابه.

стр. 5623

هل حان الوقت لرسم رؤية تربوية ؟ محمد بن عبد الله الدويش يعد المجال التربوي من أنجح مجالات العمل الدعوي المعاصر، وقد حقق العمل الإسلامي منجزات مهمة في الميدان التربوي، واستطاع أن يُخرِج جيلاً متميزاً من الشباب والفتيات، تَمثَّلَ التدينَ في نفسه، وانطلق في الميدان العملي الدعوي. ومهما كان من خلل في هذا الجهد التربوي فلا زال يستحق الإشادة والثناء. لكن هل نقف من حيث بدأنا؟ إن ظروف النشأة والتكوين التي صاحبت العمل الإسلامي، والمشكلات التي واجهها، والإمكانات التي يملكها ربما تقودنا إلى قبول نتاج العقود الماضية، ولكن! لا زال العمل التربوي الدعوي يفتقر إلى رؤية واضحة شاملة؛ فمفهوم التربية عائم غير محدد، أو يدور في إعطاء الأفراد قدراً من المحتوى العلمي والسلوكي. والممارسات التربوية إما تنطلق من السجية والعفوية، أو وفق ما نسميه (تخطيطاً) وهو لا يعدو رسم خارطة سنوية أو فصلية لمحتوى البرامج التربوية. إن انعدام الرؤية في العمل التربوي يقود إلى كثير من المشكلات التربوية، منها: ٣ أنه يفتح مجالاً واسعاً للتباين والرؤى المختلفة والمتفاوتة؛ والخلاف واتساع التجارب وتنوعها لا اعتراض عليه حين يكون صادراً عن منهجية واقتناع، أما حين يكون صادراً عن غياب للرؤية وتخبط فلا. ٣ أنه يؤدي بالمربي الواحد إلى تلوُّن أهدافه ورؤاه من وقت لآخر، حسب ما يجري في الساحة، وحسب ما يسبق إلى ذهنه. ٣ غياب التجانس في شخصية الفرد؛ إذ هو نتاج رؤى وأفكار متناثرة لا رؤية متسقة. ٣ غياب التجانس على مستوى الساحة الدعوية؛ والتجانس المنتظر ليس أن يكون الناس على نمط واحد ونموذج واحد، لكنْ ثمة حدٌّ أدنى لا يمكن بدونه أن يوجد تيار ينشئ أعمالاً ومشروعات جماعية منتجة. ٣ وجود كثير من مظاهر الخلل التربوي التي لا تظهر إلا في الميدان، وحين تظهر يعيش المربون جدلاً طويلاً حول فهمها وتفسيرها، فضلاً عن التعامل معها. وحين نطالب برؤية تربوية فطبيعة الرؤية تقتضي أن تتسم بقدر من النظرة الكلية التي ترسم الأطر العامة لشخصية المنتج التربوي لا أن تغرق في التفاصيل المحددة التي ينبغي أن تتسع فيها مساحة التنوع والممارسة، وتستوعب اختلاف البيئات والظروف. كما أنها لا يسوغ أن تكون نتاج خواطر تجول في أذهان معدِّيها، أو فكرة طرأت في محاضرة أو مناسبة، فلا بد أن تكون نتاج دراسة عميقة يتاح لها جهد يتلاءم مع أهميتها. وهي تتطلب أن تنطلق من مصادر تجمع بين المنهج الشرعي في بناء الفرد المسلم، وظروف الواقع وتحدياته، وطبيعة المهمة التي يُعَدُّ لها هذا الجيل، وأن تنسجم مع الرؤى العامة للعمل الإسلامي وتسهم في تحقيق أهدافه. وتتطلب اتساعاً لدائرة المعدِّين لها؛ فلا تكون نتاج اجتهادات فردية، ولا نتاج فئة أو أصحاب تخصص معين؛ فالرؤية التربوية تتضمن جانباً يتصل بمحتوى التربية الذي يسهم في بنائه العديد من المختصين في مجالات المعرفة، وجانباً يتصل بعمليات التربية الذي يسهم فيه العديد من المختصين في المجالات التربوية. كما أنه من الضروري أن تنسجم كافة أهداف وعمليات التربية مع هذه الرؤية وتسهم في تحقيقها. إن الاقتناع بالحاجة لهذه الرؤية، والاقتناع بتجاوز الممارسات التقليدية في بنائها يمكن أن يوجِد لدى العاملين في الساحة الإسلامية خيارات عدة في التنفيذ.

стр. 5624

إدارة المشايخ إ براهيم بن سليمان الحيدري لم تنتهِ الموضوعات الإدارية حتى لم يعد إلا أن نتكلم عن هذا الموضوع الحساس، ولكن الداعي لطرقه أنه إحدى المزايا التي تختص بها المنظمات الدعوية والخيرية دون سواها؛ فالمنظمات الدعوية والخيرية ـ ولله الحمد والمنة ـ تعمر بالمشايخ الأجلاء وبطلبة العلم الفضلاء الذين يضيفون للأعمال كثيراً من سبل النجاح. المشكلة ـ إن كان ثمة مشكلة ـ هو خلط القائمين على المنظمات الدعوية بين المكانة العلمية والاجتماعية للمشايخ وطلبة العلم، وبين الجدارة الإدارية والقدرات الذاتية؛ إذ قد تؤثر مشاعر التقدير والاحترام لأهل العلم والفضل على تطبيق بعض المعايير الإدارية كالجدارة والعدالة والتخصص. ومظاهر هذا الخلط تتنوع بدءاً من التحرج في تقويم أداء الشيخ وتصحيح مسار عمله، إلى إيكال أعمال إدارية مهمة ومسؤوليات كبيرة لا تتناسب مع قدرات فضيلته، ونتائجه تبدأ من ضعف الأداء وتأخر النتائج، وقد تنتهي بأزمة شخصية بين الشيخ والمنظمة. إن العمل بروح المؤسسة الذي ينشده كل غيور لعملنا الإسلامي، والذي يضمن بعد توفيق الله استمرار العمل وجني الثمار، يتطلب منا أن نطبِّق معاييره؛ وأحد معايير العمل المؤسسي المهمة هو (الجدارة) التي تتعارض مع التوظيف أو تقييم أداء الموظفين بناء على مكانتهم الاجتماعية أو العمرية أو المالية، وتجاهل القدرات والمهارات. وعندما تتأمل ـ أخي القارئ الكريم! ـ حصول موسى ـ عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام ـ على وظيفة رعي الغنم في قصته مع الفتاتين اللتين سقى لهما تجد أنه شغلها؛ لأنه جدير بمتطلبات هذا النوع من الوظائف (القوة والأمانة) لا لأنه نبي مرسل (١) . وأياً كان موقع المشايخ في خريطة المنظمات الدعوية والخيرية مديرين أو مدارين؛ فإن بأيديهم مفاتيح مؤثرة في تهيئة الجو الإداري السليم لتطبيق معايير العمل المؤسسي في إنشاء وإدارة المنظمات الدعوية. يطالب بعض المتطرفين إدارياً أن يتنحى بعض المشايخ عن وظيفة الإدارة حتى في المنظمات الدعوية التي أُنشئت من أجل نشر نتاجه العلمي والدعوي ... متطرفون!

стр. 5625

من «الحرية الدينية» إلى الدولة العلمانية أ. د. جعفر شيخ إدريس من أعظم الوسائل التي تُستعمل لتحريف نصوص الكتاب والسنة في عصرنا أن يؤخذ نص أو عبارة من نص ثم تعطى معنى من معاني الثقافة الغربية له لوازم لا تتناسب مع بقية نصوص الكتاب والسنة، ثم إما أن يلتزم المحرِّف بهذه اللوازم فيمضي في تحريفه إلى نهايته، وإما أن ينكر بعضها فيقع في التناقض والحرج، وإما أن يلجأ إلى تحريف النصوص الأخرى كما حرَّف النص الأول. من العبارات القرآنية التي حُرفت بهذه الطريقة عبارة ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ [البقرة: ٢٥٦] التي صار يُستدل بها على الحرية الدينية بالمعنى الغربي لهذه العبارة. وما دامت الحرية الدينية بهذا المعنى الغربي تقتضي أن يكون من حق الإنسان أن يدخل في الدين أو يخرج منه متى شاء حكم هؤلاء بأن تكون الردة أمراً مباحاً لا جريمة يعاقَب مرتكبها، حتى قال قائلهم في وقاحة ـ مخالفاً لقول الرسول ﷺ ـ: «لا بأس على الإنسان أن يبدل دينه» . لكن حرية الدين بالمعنى الغربي لا تقف عند حدود إباحة الردة؛ لأنك إذا أبحت للإنسان أن يخرج من الدين كله فيلزمك أن تبيح له الخروج من بعضه. وهذا هو الأمر في الغرب. فكما أن من حق الإنسان أن يخرج من اليهودية أو النصرانية أو الإسلام؛ فمن حقه أيضاً أن ينكر بعض ما في دينه ويظل رغم ذلك يهودياً أو نصرانياً أو مسلماً، ولا يحق لجهة دينية أن تعترض عليه. ولا زلت أذكر مستغرباً كلمة الرجل الأمريكي الشاذ الذي انتخبته كنيسته قسيساً كبيراً لها معتذراً للذين اعترضوا على ترشيحه، قال كلاماً فحواه أنهم محقون؛ لأن انتخابه مخالف لتقاليد الكنيسة، ومخالف لنصوص الكتاب المقدس، ثم قال: «لكن هذا لا يعني أنه خطأ» ! وعليه فإذا كان من حق المسلم أن يرتد عن دينه كله، فيكون من حقه أن ينكر الصلاة أو الصيام، أو يمتنع عن أداء الزكاة، أو يبيح شرب الخمر أو الزنا، أو حتى الشذوذ. وقد حدث فعلاً أن كوَّن جماعة من الشباب المنحرفين في أمريكا جمعية أسموها (جماعة الشباب الإسلاميين الشاذين) . لكن هذا يؤدي إلى نتيجة خطيرة هي أن الإسلام لا يمكن أن يكون نظاماً أو قانوناً لدولة؛ لأنه إذا كان من حق الإنسان أن يخرج على كل أمر أو نهي ديني، فيكون من حقه أن يخرج على كل أوامر الدولة وقوانينها. لكن الناس لا بد لهم من دولة تأمر وتنهى وتعاقب؛ فإذا لم تكن دينية لزم أن تكون علمانية. يقول بعضهم: يمكن أن نُلزم الناس بهذه الأوامر باعتبارهم مواطنين لا باعتبارهم مسلمين. وأقول: إن هذا يؤكد علمانية الدولة؛ لأن العلمانية لا تمنع من أين تتبنى الدولة بعض الأوامر والنواهي ذات الأصل الديني ما دامت لا تجعل الدين أساساً لمشروعيتها. ونحن نعلم أن في الدول العلمانية الغربية كثيراً من أمثال هذه القوانين. الحرية بهذا المعنى الغربي ناتجة عن اعتقاد بدأ يشيع في الغرب بعد القرن الثامن عشر فحواه أن المعتقدات الدينية لا تقوم على أساس علمي، وإنما هي مشاعر قلبية، فلا يحق لإنسان أن يجبر الآخرين على أن تكون مشاعرهم وعواطفهم كمشاعره. والدين يختلف في هذا عن العلوم التجريبية التي تستند دعاواها إلى أدلة علمية حسية أو عقلية. وكثيراً ما يأخذون علينا ـ معاشرَ المسلمين ـ معاملتنا للدين معاملة هذه العلوم، فيقولون: إنكم تدَّعون أنكم تملكون الحقيقة. ونحن فعلاً نعتقد أن الحق معنا في مسائل الدين، وأن ديننا يقوم على حقائق تشهد لها أدلة حسية وعقلية، وأن الأمر ليس متروكاً فيه للأذواق الفردية؛ وهذا هو الذي يجعلنا نحكم على بعض الأقوال والتصرفات أنها مخالفة للدين أو مناقضة له مخرجة لصاحبها عن الملة الإسلامية. ولأننا نعتقد اعتقاداً جازماً بأن الحق معنا ولا سيما في أصول الدين، وأن من مصلحة الإنسان الدنيوية والأخروية أن يؤمن بهذا الحق، فنحن حريصون على نشره كما هو من غير زيادة أو نقص أو تحريف، وحريصون على حماية من يؤمن به من المؤثرات التي تضعف إيمانه أو تفتنه عنه. وهذا هو السبب في اعتبار الردة جريمة يعاقب عليها القانون الإسلامي. إن الذي يعاقب عليه القانون ليس هو أن يغير الإنسان ما في قلبه؛ فهذا أمر لا يستطيع البشر الاطلاع عليه اطلاعاً مباشراً، ولا يستطيع أحد أن يجبر أحداً على اعتقاد معين حقاً كان أو باطلاً؛ ولذلك يقال للرسول ﷺ : ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] . ويقال له: ﴿فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ . [الغاشية: ٢١ - ٢٢] فالاستدلال بمثل هذه النصوص على إباحة الردة استدلال خطأ؛ لأن هذه النصوص لا تتكلم عن حرية التعبير عن الكفر وإنما تتحدث عن وجود الكفر في القلب. ومنع التعبير عن الكفر والتصريح به غير منع وجوده في القلب. والتفريق بين هذين أمر متفق عليه بين كل العقلاء، ولا يمكن إلا أن يراعى حتى في القوانين الوضعية. فالقانون لا يعاقب إنساناً على اعتقاده بأن إنساناً آخر سارق مثلاً، وإنما يعاقبه على إعلانه عن هذا الاعتقاد لما يترتب عليه من ضرر بالمتهم. ولو أن مسلماً رأى أخاً له يزني وتأكد من هذا الأمر فلا يجوز له أن يصرح به، بل إن تصريحه به يعد ذنباً يعاقب عليه إذا لم يشهد معه ثلاثة مثل شهادته. وكذلك الأمر بالنسبة للردة. فالمسلم إذا ارتد وكتم ردته في قلبه بحيث لم يطلع عليه إلا الله فإن الله هو الذي يحاسبه. أما في الدنيا فيعامل معاملة المسلم. وأما إذا أعلن ردته فإنه يعاقب لما قد يترتب على ردته من عواقب سيئة عليه وعلى غيره. من هذه العواقب: أولاً: استعمال الردة وسيلة لمحاربة الدين، ومن ثَم الدولة التي يقوم عليها هذا الدين. قال ـ تعالى ـ عن بعض الكفار: ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] . ثانياً: أن الإنسان قد تخطر بباله شبهات تشككه في دينه؛ فإذا ما صرح بها وعرفها الناس عنه، ربما كان من الصعب عليه أن يتنازل عنها. وأما إذا ما كتمها في قلبه، أو بدأ يناقش بعض إخوانه فيها مناقشة علمية، فقد يرجع عنها. وقد جربنا هذا كثيراً. ثالثاً: إن التصريح بالخروج من الدين لا تقف حدود ضرره على المرتد وحده، بل إن هذا قد يؤثر في كل من له صلة به ولا سيما الزوجة أو الزوج والأولاد. فتجريم إعلان الردة هو في الحالة الأولى حماية للأمة، وفي الحالة الثانية حماية للفرد، وفي الحالة الثالثة حماية لمن حوله ممن قد يتأثر به. أقول بعد هذا: إن الذين فسروا عبارة ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ ذلك التفسير الغربي، والتزموا لوازمه كلها أو بعضها، وأباحوا الردة، اضطروا كلهم لأن ينكروا أو يحرفوا نصوص السنة النبوية. يقول لك أحدهم: إنه لا ذكر لتجريم المرتد في القرآن الكريم. تقول له: بلى! قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨] . يقول لك: لكن المذكور في هذه الآية وآيات غيرها إنما هو عقاب أخروي. تقول له: لكنه تجريم على كل حال. ثم إن تفاصيل كثير من الأحكام إنما جاءت بها السنة التي أمرنا الله ـ تعالى ـ في كتابه أن نأخذ بها. فإنكار السنة أو شيء منها إنكار للقرآن الكريم. قلت لبعضهم: إن القرآن لم ينزل عليك ولا على أبيك، وإنما نزل على محمد ﷺ ؛ فإذا كنت تعتقد أنه صادق في قوله إن القرآن أنزل عليه، فيجب أن تعتقد أنه محق في بيانه للقرآن وفي قوله إنه أوتي القرآن ومثله معه. وإذا كنت لا تصدقه في هذا أو لا تأخذ بقوله فقد أبطلت الأصل الذي يقوم عليه إيمانك بأن القرآن كلام الله إن كنت حقاً مؤمناً بذلك. ثم كيف تبيح لنفسك أن تفسر القرآن وتنكر على من أُنزل عليه أن يفسره؟ ومنهم من ينكر وجود أحاديث تجرِّم الردة وتعاقب عليها. ومنهم من يعترف بوجود بعض الأحاديث لكنه يتعمد تحريف معانيها بشتى الوسائل. من أشهر هذه التحريفات السخيفة التي انطلت ـ مع الأسف ـ على بعض الناس قولهم: إن الرسول ﷺ إنما عنى بقوله: «من بدل دينه فاقتلوه» من جمع بين ترك الدين والخروج على الدولة. ثم يخترعون من عند أنفسهم مناسبات لهذا الحديث ما أنزل الله بها من سلطان. هذا مع أن من المناسبات الحقيقية للحديث ما يتنافى منافاة بينة مع هذا الهراء. الحديث رواه ابن عباس وذكره بمناسبة تحريق أمير المؤمنين علي ﵁ لبعض الزنادقة. خرَّج البخاري في صحيحه عن عكرمة قال: أُتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنتُ أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ : «لا تعذبوا بعذاب الله» ، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : «من بدَّل دينه فاقتلوه» . وإنما قتلهم، ثم أحرقهم؛ لأنهم سجدوا له، وقالوا له: أنت خالقنا ورازقنا؛ فهل هنالك من حال هي أشد خضوعاً للحاكم وأبعد عن الخروج عليه من حال إنسان يسجد له ويقول له: أنت ربي؟

стр. 5626

الطرح الشمولي د. عبد الكريم بكار إن المنهج الرباني الأقوم يملِّكنا الرؤية الشاملة لعدد كبير من الأشياء ولكل أساسيات الحياة، إنه يعرّفنا على مركزنا في الوجود، وعلى علاقتنا بالله تعالى، وعلى العلاقة التي يجب أن تسود بين الإنسان وأخيه الإنسان، كما يعرّفنا على واجباتنا، وعلى الحدود التي يجب أن نتوقف عندها ... وهذا فضل كبير على هذه الأمة في زمان فقد فيه العالم من حولنا الأهداف الكبرى والغاية النهائية. هذا التصور الشمولي الذي أكرمنا الله به يغرينا بـ (الطرح الشمولي) والمعالجة العامة للأوضاع والمشكلات العامة. وهذا واضح؛ فحين يُعقَد مؤتمر لمعالجة قضية من القضايا، فإن المفترَض هو اقتصار المؤتمرين على معالجة القضية التي اجتمعوا من أجلها، لكن الواقع يقول غير هذا؛ حيث تجد كثيرين منّا يشرِّقون ويغرِّبون، وهم يعرضون مشكلات الأمة التاريخية والسياسية والتربوية والاقتصادية ... وكثيراً ما يُنسى الموضوع الأصلي لتجد نفسك في نهاية المطاف أمام طرح عامٍّ فيه الكثير من حسن النية والقليل من الموضوعية والتركيز، والنتيجة غالباً ما تكون عبارة عن توصيات عامة وكبيرة، لا يستطيع المؤتمرون تنفيذ شيء منها. وقد تعودنا أيضاً إذا التقينا بعالم أو قائد ... أن نضع بين يديه كل همومنا ومشكلاتنا، فيعطينا أجوبة عامة، لا تقدم، ولا تؤخر ... وهكذا ... ولعلِّي أدلي بالملاحظات التالية حول هذه المسألة المهمة: ١ ـ لنا مصلحة كبرى في الفصل بين الرؤية الشمولية والطرح الشمولي. فقد مضت سنة الله ـ تعالى ـ في الخلق بوجوب التناول الجزئي والمعالجة المحدودة للأشياء، وهذا ما نفعله في كل شؤوننا الحياتية. ونحن في المجال الإصلاحي والتربوي ... نحتاج إلى وقود روحي وإلى عزيمة وأمل، وهذا لا يتوفر مع الطرح الكلي، وإنما مع الطرح الجزئي الذي نشعر أننا نمتلك أدوات التعامل مع مضامينه ومقترحاته. إن الأفكار الصغيرة والمشروعات المحدودة والإصلاحات الجزئية، تقبل التطبيق؛ لأنها تقبل التصديق. وعلى العكس من هذا شأن الطروحات الكبرى؛ إننا لا نشعر معها بالقدرة على التنفيذ، ومن ثَمَّ فإننا لا نتفاعل مع أصحابها، ولا نشعر أننا مؤهلون للمساهمة فيها، ولهذا فإنها تظل عبارة عن آمال وتطلّعات، تنتقل من جيل إلى جيل على ما هي عليه من التنظير والبعد عن التحقيق. ٢ ـ نحن اليوم بحاجة إلى ملايين المشروعات الصغيرة التي يتبنّاها ويرعاها ويعمل على إنجازها ملايين الأبطال الصغار من فرسان الأمة الذين أخذوا على عاتقهم سدّ الثغرات الصغيرة ودفع العربة خطوة في طريق الألف ميل. إننا سنشعر أننا عملنا شيئاً حقيقياً إذا استعضنا عن الحديث العام والشامل حول الإصلاح التربوي بتأسيس روضة للأطفال، يشعر آباء من يدخلها من الأطفال أنهم عثروا فعلاً على المكان وعلى المحضن التربوي الذي يبحثون عنه، وسنشعر بالإنجاز فعلاً إذا وفرنا الجهد والوقت الذي نبذله في الحديث عن التخلف الصناعي لدى الأمة، وعمدنا إلى إنشاء مصنع ينتج لنا سلعة، نستوردها من الخارج، ويؤمِّن لنا فرص عمل لخمسين من أبناء المسلمين. أنا مع الرؤية الشاملة، ولست ضد الطموحات الكبرى، لكن بشرط أن نضع أنفسنا على طريق التقدم نحوها، وأن نشعر أننا نخطو فعلاً في ذلك الطريق، وهذا لا يكون من خلال المزيد من الكلام وسَوْق البراهين على أهمية التقدم، وإنما من خلال المشروعات العملية الملموسة. ٣ ـ أعتقد أن الذي يحرضنا على الطرح الشمولي، أو الذي يسهِّل لنا المجازفة والحديث عن التحولات العظمى هو عدم وعينا بتكاليف التنفيذ، وعدم وعينا بما تبديه الأشياء من ممانعة في كل المجالات، وعدم وعينا بالقوى المضادة التي تتأذى من حدوث أي سير في الاتجاه الصحيح. وربما كان من الحلول الجيدة لهذه الوضعية أن نعمد إلى استخدام الأسئلة الاستقصائية في مواجهة كل مسألة كبرى نريد معالجتها، وسأضرب مثالاً توضيحياً لذلك: إذا أردنا معالجة انتشار الفقر في مدينة من المدن أمكننا أن نحيط هذه الظاهرة المزعجة بالكثير من الأسئلة، لعل من أهمها الآتي: ـ ما تعريف الفقر؟ وما الذي يحتاج إليه الفرد في تلك المدينة من مال ومتاع وحاجات حتى نقول: إننا وفرنا له الأساسيات وأسباب البقاء؟ ـ ما أسباب انتشار الفقر في تلك المدينة؟ هل شُحُّ الموارد هو السبب؟ أو هناك أسباب أخرى مثل الجهل والكسل؟ أو هو العادات الاجتماعية السيئة مثل إعراض كثير من الشباب عن العمل في بعض الحِرَف والمِهَن اليدوية؟ أو أن هناك أسباباً أخرى غير ذلك؟ ـ ما حجم انتشار ظاهرة الفقر في تلك المدينة؟ هل هي ـ مثلاً ـ ١٠% أو ٢٠ % أو ٥٠ %؟ إن تحديد الحجم شيء مهم حتى نعرف تكاليف العلاج. ـ ما التكلفة المالية لخفض نسبة الفقر؟ ـ ما الجهات التي ستشرف على المعالجة؟ ـ ما الجهات التي يمكن أن تقدم المساعدة؟ ـ ما البرنامج الزمني لذلك؟ ـ ما العقبات المتوقعة في وجه هذه المعالجة؟ هذه الأسئلة وما شابهها ستوقفنا على حقيقة غير سارة، هي أن ما نملكه من قدرات ناجزة لمعالجة مشكلاتنا المختلفة، قد لا يساوي أكثر من (٥ %) مما هو مطلوب، لكن مع هذا يجب أن نكون مغتبطين؛ لأن معرفة المسافة ما بين ما هو مطلوب وما هو كائن، تشكل إنجازاً كبيراً. إن كثيراً من العمل سيغنينا عن كثير الكلام، والكثير من الكلام مع قليل من العمل، سيولِّد لدينا الكثير من الأسى والإحباط. هل لي بعد هذا أن أتوقع أن أرى (٥ %) من قرّاء هذه المجلة الغراء وقد بدؤوا في التفكير الجاد في ممارسة دور (الأبطال الصغار) الذين لا يحسنون تشقيق الكلام، ولكن يعرفون كيف يضيفون إلى حياة الأمة شيئاً مفيداً وجديداً؟ هذا ما أرجوه، وأتطلّع إليه.

стр. 5627

الآثار التخريبية للغزو على البناء المجتمعي العراقي د. أكرم عبد الرزاق المشهداني (*) ثلاثة أعوام على غزو العراق: ارتفاع في معدلات الجريمة، وازدهار لتجارة وإدمان المخدرات، وتوسع في دائرة الفساد، وانتشار للبطالة والفقر، وتفشي الأمراض الصحية الخطيرة. ٢٥% من سكان العراق دون خط الفقر في بلد يطفو على أكبر بحيرة للبترول في العالم. ثلاثة أعوام مرت على الغزو والاحتلال الأمريكي، وها نحن نجد أنفسنا أمام صورة لـ (عراق) لم يبق منه غير الاسم، وخارطة لها حدود واضحة مع الدول المجاورة؛ لكنها في الداخل ليست كذلك. فالكل في الداخل يتناحر، وكل جهة من القوى المستأثرة بالمشهد تريد قضم المزيد من الوطن الممزق لتوسيع مساحتها ومغانمها العرقية والطائفية والحزبية، وبأي ثمن كان؛ والمجتمع العراقي هو الضحية وهو الذي يدفع الثمن. ربما اعتقد كثيرون وأولهم الرئيس جورج بوش وقادة الأحزاب والقوى العميلة، قبيل الغزو، أن العراقيين سيستقبلون الجنود الأميركيين بالزهور، وذهب البعض إلى أبعد من ذلك في تصويره لمشاهد الابتهاج التي ستسود نفوس العراقيين، وهم يصافحون بكل حرارة وحفاوة جنود المارينز، الذين سيتجولون بكل استرخاء وهدوء داخل المتاجر والأزقة والأحياء الراقية والشعبية، وسيجلسون في المقاهي، يتسامرون مع العراقيين، ويتبادلون النكات والأحاديث، لكن بعد ثلاثة أعوام من ذلك التاريخ، الذي رسم الكثيرون له صوراً ومشاهد، جاؤوا بها من بوادي الخيال، ومن قناعات حاول الخطاب الأميركي ترسيخها في عقول الكثيرين. فالذي حصل أن الجندي والضابط والمسؤول المدني الأميركي في العراق، يعيش في حالة ذعر وهلع ورعب. قبل ثلاثة أعوام قالوا سوف نحوِّل العراق إلى أنموذج يقلده الجميع، لكن لم يحصل أي شيء من هذا الكلام. قبل ثلاثة أعوام، كان الخوف لدى القلة، التي ترى على مسافات بعيدة وتتمنى أن ينجح الاحتلال، ويصل إلى عقول العراقيين. لكن بعد ثلاثة أعوام انزاحت أثقال المخاوف؛ لأن أهم مراحل الاحتلال قد فشلت، وتبقى المخاوف، ويظل الحذر على أشده من المراحل الأخرى القادمة. لقد كان الاحتلال البغيض وما زال ثقيلاً على نفوس العراقيين، وترك آثاره التدميرية على البناء المجتمعي في شتى نواحيه النفسية والاقتصادية والمعيشية والقيمية والسياسية. ü كيف تبدو صورة الوضع الاجتماعي في العراق المحتل بعد ٣ أعوام من الغزو؟ المراقب للأوضاع الاجتماعية في العراق بعد ٣ أعوام من الاحتلال يخرج بانطباع واحد لا يدعوه إلى التفاؤل؛ فمظاهر الحرب ما زالت ماثلة للعيون، بل إن الحرب ذاتها ما تزال قائمة وهي واقعة كل يوم، موقعةً خسائر بشرية ومادية واقتصادية واجتماعية بالمجتمع والمحتلين. فبقايا الحرب والتخريب الذي حصل في الطرق والجسور والمباني الحكومية والأهلية والعسكرية والمدنية ما زالت ماثلة كما هي، كما أن الراصد للآثار المجتمعية للحرب في العراق يجدها ماثلة على وجوه الناس ومشاعرهم ومعاناتهم؛ فأكثر من نصف مليون من السكان فقدوا أحد أبنائهم أو أقاربهم من الدرجة الأولى، كما أن مئات الآلاف من السكان يعانون من توقيف أبنائهم في السجون والمعتقلات الأميركية؛ ناهيك عن أن الأجواء العامة للحرب بكل تفاصيلها وبالصوت والصورة لا تزال تخيم على الناس في المدن والقرى؛ فأصوات الانفجارات وأزيز الرصاص والقنابل الصوتية ومشاهد الطائرات الحربية الأمريكية تملأ أجواء المدن، وتملأ قلوب الأطفال بالخوف وتمنعهم من النوم لساعات طويلة، فضلاً عن هواجس الخوف من المداهمات الليلية لقوات الاحتلال والحكومة، أو القصف العشوائي للمدن والأحياء أحياناً. بلا شك فإن هناك علاقة جدلية بين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في أي مجتمع؛ إذ لا يمكن الفصل بين هذه الأوضاع. وإذا كان الوضع السياسي معروفاً للقاصي والداني، فإن الوضع الاجتماعي هو نتاج الوضع السياسي، والمشاكل الاجتماعية هي وليدة الأوضاع السياسية والاقتصادية في الغالب. ولعل أهم سمات الوضع الاجتماعي بعد ثلاثة أعوام من الاحتلال، هي حالة الإحباط الكبير الذي أصيب بها المجتمع العراقي. فنجد معدلات الجريمة في تصاعد، والهاجس الأمني يزداد خطورة، ودائرة الفقر تتسع، وترتفع نسبة البطالة، ويزداد التغريب والتهميش، وتنتشر مظاهر عدم الانضباط في الشارع، ويغيب القانون، ويحصل التجاوز على أبسط الحقوق من قِبَل قوات الاحتلال والحكومة وأفراد العصابات الإجرامية على حد سواء؛ فلا أحد يحترم القانون أو يمتثل لرجاله وأدواته، بل يساء إلى حُماة القانون، ويساء إلى الأخلاق والآداب العامة علناً، وتنتشر مظاهر الجريمة والانحراف مثل (بيع أسلحة ممنوعة، وبيع المخدرات وحبوب الهلوسة والمشروبات الكحولية على الأرصفة، وغير ذلك) . ولعل من أكبر التهديدات للبناء المجتمعي العراقي هو التهديد الذي يمثله التقسيم الطائفي والعرقي الذي صارت تتم وفقه معايير الولاءات والدعوات غير الوطنية بل الشعوبية والشوفينية لتقسِّم المجتمع تقسيماً عرقياً، ويعبر ذلك عن نفسه على أرض الواقع ودونما عناء شديد ليرصده المراقبون؛ لأن التعاطي مع الأوضاع الجديدة بمعايير عصرية ووطنية أصبح صعباً جداً مما يهدد النسيج الاجتماعي بالتهتك، وينذر بزيادة احتمالات الاحتراب وتفشي العنف وزيادة الجريمة، وقد يؤول الأمر إلى تقسيم العراق إلى دويلات صغيرة مع سلخها عن محيطها العربي والإسلامي وفق اعتبارات مشروع جديد يطل على المنطقة بأسرها. إن ما يقلق النخبة الوطنية المخلصة الحريصة على وحدة العراق وهويته الإسلامية والعربية هي سيادة قيم ومعايير واعتبارات تحولت إلى بنود في الدستور قسراً لتكرس أوضاعاً غريبة عن المجتمع العراقي المعروف بأصالته العربية وتماسك القوى الوطنية والنسيج الاجتماعي فيه. إن الأوضاع المجتمعية في ظل الاحتلال، على وجه الإجمال، لا تطمئن الحريصين على وحدة العراق أرضاً وشعباً ولا على هويته العربية ومستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أضحى على كف عفريت إن لم تتداركه أيدٍ مخلصة مؤمنة نظيفة وطنية لتوقف تدحرجه نحو الهاوية لا قدر الله. وقدرت دراسة بريطانية حديثة عدد الضحايا المدنيين في العراق منذ أبريل ٢٠٠٣ وحتى الآن بنحو مائة ألف قتيل أكثر من نصفهم من النساء والأطفال الذين لقوا حتفهم نتيجة للغارات الجوية على مدنهم وقراهم. وقد وصفت وزيرة التنمية الدولية البريطانية السابقة (كلير شورت) التي استقالت من منصبها عقب الحرب على العراق نتائج تلك الدراسة بأنها مفزعة للغاية. أما عن عدد القتلى من الأمريكيين في العراق بعد مرور ثلاثة أعوام على الغزو فقد تجاوز عدد العسكريين الأمريكيين الذين قتلوا في العراق الـ (٢٤٠٠) عسكري وفقاً لبياناتهم، وأن أكثر من خمسة عشر ألف عسكري أمريكي أصيبوا بجروح غالبيتهم أصيبوا بجروح خطيرة او عاهات مستديمة. وتؤكد المعلومات الموثوقة من داخل العراق أن أرقام ضحايا الجيش الأميركي الحقيقية تفوق المعلن بأضعاف. ü أبرز التغيرات المجتمعية السيئة في العراق المحتل: تردي الأوضاع الأمنية: يعد تردي الأوضاع الأمنية في مختلف المدن العراقية، أسوأ نتائج الغزو الأمريكي، ويكفي أن العاصمة (بغداد) صارت وفق تصنيف عالمي نشرته صحيفة (شينخوا ديلي تليجراف) الصينية بناء على تقارير أجهزة مخابرات غربية أن (بغداد) انضمت إلى أكثر من مائتي مدينة على مستوى العالم من حيث سوء العيش وانعدام الأمن. وأوردت إحصائية أشارت إلى أن عدد القتلى العراقيين تجاوز مائة ألف مقابل قرابة ألفي جندي أمريكي. وخلصت الصحيفة إلى القول: إنه إذا كانت هذه هي (الجنة الموعودة) للديمقراطية الأمريكية فإنه من المؤكد أن أياً من دول العالم لا تريدها ولا تنشدها، وربما تفضل جحيم الديكتاتورية عوضاً عنها. لا شك أن هناك علاقة بين استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية والوضع الأمني، فيبدو أن سوء الأحوال الاقتصادية وعدم العمل الجاد والسريع ـ سواء من القوات الأميركية أو الحكومة ـ على معالجة ذلك سيقود حتماً لمزيد من الانتكاسات الأمنية. إن تراجع الأمل في تحسن الأوضاع الاقتصادية سيخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي لدى قطاع واسع من العراقيين. في تقرير للمنظمة الدولية لحقوق الإنسان ورد فيه: (بعد أكثر من عامين على سقوط العراق ما يزال مستوى تعامل قوات التحالف مع الوضع الأمني سيئاً للغاية. وما زال السكان يعيشون في خوف من الجرائم العنيفة، ويظل قلقهم يشتد بشأن عجز قوات التحالف والقوات العراقية عن توفير مستوى أمني أفضل) . ظهور الجريمة المنظمة وتزايد جرائم القتل في العراق وبغداد بالذات: لقد تضاعفت جرائم القتل في العراق عموماً وفي بغداد العاصمة خصوصاً إلى أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب؛ فقد صرح مدير الطب العدلي أنه في بغداد وحدها بلغ عدد القتلى الذين مرت جثثهم بالمشرحة المركزية للطب الشرعي خلال عام ٢٠٠٥ فقط بلغ ٩٠٦٦ جثة، بينما بلغ عددهم في عام ٢٠٠٣ وهو عام الهجوم الأميركي على العراق ٦٠١٢ شخصاً. أما في عام ٢٠٠٢ فكان عدد الجثث التي فحصت في المشرحة ١٨٠٠ وتشكل نسبة القتل بالرصاص بين هذا العدد من الضحايا ٦٠% وأغلبها تعود لذكور. ويومياً يتم إحالة جثث مجهولة الهوية لشبان جرى قتلهم بعد تعذيبهم، إلى المشرحة العدلية، سرعان ما يتبين أنهم قد تم اختطافهم من قِبَل عناصر تحمل أزياء السلطات الأمنية، ويتبين أن عناصر ميليشيات معينة تقوم باغتيالهم بعد تعذيبهم ورمي جثثهم في أطراف المدن. ارتفاع معدلات حوادث الاختطاف في العراق: كما شهدت فترة الأعوام الثلاثة الاخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات حوادث اختطاف الأطباء المشهورين، وأطفال العوائل الميسورة والتجار من قِبَل عصابات منظمة تهدف من وراء عمليات الاختطاف ابتزاز ذوي المخطوف والحصول على مبالغ مالية كبيرة. وهذا ما أكده ـ في تصريح صحافي ـ مدير مكتب الخطف في مديرية الجرائم الكبرى التابع لوزارة الداخلية من أن (الفترة الماضية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات حوادث الاختطاف في العراق، وأصبح هناك عصابات منظمة ومتخصصة في هذا المجال. وأوضح أن «كثرة الأسلحة في الشوارع، والحبوب المخدرة، وتعلم الناس على القتل نتيجة مشاهد الحروب شجع المجرمين على ارتكاب هذه الجرائم البشعة» . عمالة الأطفال والتسرب المدرسي: وإذا كانت هذه الظواهر الاجتماعية السيئة قد نشطت في العراق المحتل في ظل الانفلات الأمني فإن ظواهر أخرى نشأت في ظل الاحتلال لم تكن باختيار ضحاياها الذين كان أغلبهم من الأطفال الذين اضطروا للتوجه إلى كسب لقمة العيش الحلال؛ فمع الظروف القاسية التي خلفتها سطوة الاحتلال الأميركي وفصل عشرات الآلاف من الموظفين سواء بحل وتسريح الجيش العراقي والأجهزة الأمنية والتصنيع العسكري، أم بقرار اجتثاث البعث، اضطر هؤلاء لإجبار أطفالهم على ترك الدراسة والعمل لمعاونتهم في توفير مستلزمات حياتهم بسبب البطالة التي أصابت آثارها كل مفاصل الحياة وبالذات التابعة للقطاع الخاص بعد أن توقفت المصانع الصغيرة التي كانت تضم مئات الآلاف من العاملين. وعن تسرب الأطفال من مدارسهم في ظل الاحتلال أكد وزير حقوق الإنسان العراقي في تصريح صحفي له يوم ٦/١/٢٠٠٥ أن هناك حوالي مليون طفل متسرب من المدارس في العراق، ونفس العدد من الأطفال المعاقين والنازحين. وأشار إلى أن ٨٠ % من المدارس في العراق بناياتها غير لائقة تماماً لممارسة العملية التربوية، كما أن ٥٠ % من المدارس تعاني من شح المياه الصالحة للشرب ولا تتوفر فيها الخدمات الأساسية الضرورية كالقاعات الدراسية المناسبة والمرافق الصحية والتشجير. لا شك أن ظاهرة تسرب الأطفال من المدارس هي إحدى إفرازات الاحتلال والانفلات وعدم المتابعة الجدية من قِبَل أجهزة الحكومة؛ حيث كانت قوانين العراق قبل الحرب تلزم رب العائلة باستمرار أبنائه على الدراسة، وتفرض عليه عقوبات تصل إلى السجن إن تسرب أبناؤه ولم ينتظموا على الدراسة، أما الآن فلا توجد أية متابعة من الحكومة التي لا همَّ لها سوى الانتخابات وتقاسم المناصب الحكومية، وتثبيت نفسها في السلطة بكل الطرق بعيداً عن مشاكل المجتمع. ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في المجتمع العراقي: من البديهيات الاقتصادية أن زيادة نسبة البطالة تعني زيادة نسبة الفقر خاصة في ظل غياب نظام للرعاية والضمان الاجتماعي أو شبكات الأمان الاجتماعي أو إعانات البطالة. وقد تضاعف عدد الأسر الفقيرة والمتعففة إلى عدة أضعاف عما كان عليه قبل الغزو. وقد صرح وزير العمل والشؤون الاجتماعية في العراق مؤخراً بأن نسبة من يعيشون دون خط الفقر في العراق اليوم تجاوزت الـ ٢٥% في بلد يطفو فوق أكبر بحيرة للنفط في العالم. ولا يبدو في الأفق أي حل صريح وواضح من جانب الحكومة لمعالجة هذه الآفة المستشرية التي تتولد عنها مشكلات اجتماعية أكثر خطورة في الدفع نحو الجريمة أو الانحراف. ربما تكون ظاهرة البطالة هي الأقسى بين الظواهر (الاجتماعية ـ الاقتصادية) في العراق المحتل، وكانت وما زالت هي سبباً أكبر للمظاهرات التي شهدتها المدن العراقية والتي كانت ترفع خطاب المطالبة بالوظائف لكسب الرزق. بدأت هذه المظاهرات بخروج أفراد الجيش العراقي بعد حله والمطالبة بإعادتهم وصرف رواتبهم، ثم اتسعت لتشمل قطاعات شعبية أخرى حيث سقط في شهر واحد أكثر من ٢٠ قتيلاً في مظاهرات جرت في العمارة والكوت والحلة. ولكن هذه المظاهرات اتسعت بشكل أكبر لتطالب بإقصاء المحافظين أو رجال الشرطة أو المسؤولين في المدن بعد أن فشلوا في حل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية ولم يوفروا فرص العمل للعراقيين. ويعتبر ملف العاطلين عن العمل من أخطر الملفات في العراق، وفي كل يوم تطلع فيه الشمس على العراق يزداد هذا الملف اتساعاً مع استمرار انهيار الأوضاع الأمنية وتراجع عمليات الإعمار والبناء. وأفادت أحدث دراسة أعدتها كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد أن نسبة العاطلين عن العمل بين القوى العاملة في العراق قد وصلت إلى ٧٠ في المائة وهي أعلى نسبة بطالة تسجل في تاريخ الدولة العراقية الحديثة. إن تسريح أعداد هائلة من العاملين وحل الدولة ووزارات الدفاع والداخلية والثقافة وغيرها أدى إلى إلقاء أولئك العاملين سابقاً في براثن البطالة والفقر، كما أن فصل بعض العاملين لأسباب سياسية زاد من أعداد العاطلين عن العمل ونسبتهم إلى مجموع السكان. إن دخول قوات الاحتلال الأمريكي الى العراق أحدث شرخاً في العلاقات الاجتماعية فيه؛ فقد أدى الى زيادة أعداد العاطلين عن العمل إضافة إلى حل الجيش العراقي مما أدى إلى حرمان آلاف العائلات من مصدر معيشتها؛ هذه الظروف أدت إلى أن يعيش جزء كبير من الشعب العراقي في ضائقة مالية؛ مما ولَّد الانحراف لدى من لا يجدون عملاً يعتاشون منه؛ لأن الفقر والحاجة هما داء يؤثر في سلوك الإنسان وانحرافه. ومن الطبيعي أن يلجأ بعض العاطلين من هؤلاء للانخراط في تنظيمات مسلحة على شكل عصابات تنشر الرعب والذعر في المجتمع. من هنا نؤكد بأن توفير فرص العيش الشريف في مؤسسات الدولة هو السبيل للخلاص من هذه الأوضاع التي أفرزها الاحتلال، لكن مع الاسف لم نرَ أي اهتمام بهذه المشكلة التي سببت دماراً للاقتصاد العراقي الذي ظل يعتمد على صادرات النفط فقط وأهمل تفعيل باقي القطاعات الاقتصادية، بل إننا لم نرَ من عائدات النفط أي شيء سوى الكلام، بل نحن كعراقيين نتساءل: أين واردات النفط؟ لأنه عندما نذهب إلى أي مؤسسة ونطالبها بتفعيل دورها وإفساح المجال أمام العاطلين فإن الجواب يكون: «لا توجد مخصصات مالية» مع أن واردات العراق خلال العامين الماضيين رغم تذبذبها تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات كما يفترض.. فأين هي؟ إن نظرة فاحصة لثلاثة أعوام من الاحتلال نجد أن الاقتصاد العراقي تحوَّل إلى الأسوأ بعد أن كان سيئاً، ولم نجد خلال هذه الفترة من يقوم بنفض الغبار عن البلد وخدمته بكل نزاهة. انتشار آفة المخدرات في المجتمع العراقي: يشكل تعاطي المخدرات والإدمان عليها مشكلة تربوية اجتماعية؛ لأن آثارها تمتد إلى تهديد كيان المجتمع وتخريب وإفساد العقول. وقد تعرض العراق إلى هجمة شرسة خلال أعوام الاحتلال استهدفت تعطيل إمكاناته وتخريب اقتصاده بتفشي ظاهرة المخدرات بين بعض فئات المجتمع المهنية والعمرية وخاصة الطلبة والشباب والعمال. إن مشكلة المخدرات لم تعد مشكلة سلوكية فقط، وإنما امتدت آثارها إلى المستوى الصحي والسياسي والاقتصادي، ومن الواضح أن تعاطي المخدرات حالة نفسية، وفي الغالب يدمَن عليها في غياب الرقابة الطبية والاجتماعية، فضلاً عن أن هناك مواد تؤدي إلى التعلق بالمخدرات يصعب معها عدم الوقوع في فخ الإدمان عليها، ولا توجد في الوقت الحاضر أية وسيلة للتصدي لإدمان المخدرات والمشاكل المصاحبة لغياب الأمن والرقابة وانفلات الحدود وتفشي الفساد الإداري. المنظمة الدولية لمراقبة تهريب المخدرات التابعة للأمم المتحدة في تقريرها السنوي الأخير كشفت أن العراق قد تحول إلى محطة مرور (ترانزيت) لنقل الهيروين المصنَّع من أفغانستان وإيران إلى أوروبا، وقال رئيس المنظمة حامد قدسي: «إن الهيروين والمخدرات المستخرجة من الأفيون المزروع في أفغانستان وإيران تنقل عبر العراق إلى الأردن ودول الخليج؛ حيث ترسل إلى الأسواق في أوروبا» وأضاف: «لقد أصبح هذا الوضع ممكناً بفعل الوضع الأمني الداخلي في العراق؛ حيث تنعدم المراقبة على الحدود، مما يمكن المهربين من الدخول إليه بزي زوار عتبات مقدسة» . وقال قدسي: «إن كميات كبيرة من القنب الحشيش صودرت على الحدود الأردنية العراقية خلال السنة الماضية» مؤكداً: «أنه من الضرورة القصوى أن تأخذ الحكومة العراقية والأسرة الدولية الإجراءات الوقائية التي يجب أن تفرض قبل استفحال الأمر» . وحث قدسي المجتمع الدولي والحكومة العراقية على العمل معاً قبل أن يترسخ طريق دولي لتهريب المخدرات عبر البلاد، مؤكداً أن مشكلة المخدرات يجب أن تحتل أولوية قصوى حيث قال: «إن ما يحدث في العراق (تهريب المخدرات) هو نموذج معتاد لما يحدث في أعقاب الصراعات المسلحة، حيث تتحول البلاد بسبب ضعف الرقابة على الحدود وتراخي الإجراءات الأمنية إلى معبر «لوجيستي» ملائم للمسلحين وتجار المخدرات على السواء» . الصحف العراقية نقلت عدة تصريحات لمسؤولين محليين أنه قد تم ضبط ومصادرة مئات الكيلو غرامات من المخدرات في مدن العراق، كانت قد أدخلت إليها عبر إيران. وأقر المصدر بأن كميات كبيرة من المخدرات دخلت إلى البلاد من إيران، وتحدث عن تزايد استهلاك المخدرات في صفوف الشباب؛ موضحاً أن أطرافاً خارجية ضالعة في تهريب المخدرات؛ لأن لها ـ كما قال ـ مصلحة في الإبقاء على حالة الفوضى وعدم الاستقرار الأمني في العراق. كذلك أكد مصدر رسمي بوزارة الصحة العراقية تزايد إدمان المخدرات؛ فقد أعلن قائلاً: «إن إحصائية الصحة الأخيرة أظهرت أن من بين كل عشرة شباب ممن تتراوح أعمارهم بين ١٨ إلى ٣٠ سنة ثلاثة منهم مدمنون على المخدرات «الإيرانية» التي دخلت من إيران، والتي تعتبر من أخطر الأنواع حيث تعمل على إتلاف الجهاز العصبي بشكل كامل خلال أشهر» . وأكد: «لقد سجلنا حالات وفاة عديدة من تأثير تلك المخدرات التي دخلت إلى العراق ولا تزال تدخل يومياً من إيران تحت مسمع وعلم القوات الأمريكية والعراقية على حد سواء» . وقد أبدت الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات في العراق قلقها من تزايد أنشطة عصابات تهريب المخدرات داخل العراق؛ خاصة بعد إعلان الحكومة العراقية موافقتهاً على استئناف دخول الزوار الإيرانيين للأراضي العراقية وبأعداد هائلة، مؤكدة أن «آفة المخدرات والمواد ذات التأثير النفسي أصبحت عاملاً آخر يضاف إلى طرق الموت العديدة التي تستهدف شريحة الشباب العراقي كل يوم، وتنذر بتخلي البلد عن موقعه ضمن قائمة الدول الفتية، وتضيف له دماراً آخر يزيد من أعباء الحكومة الجديدة» . وقد أعلنت وزارة الصحة العراقية على لسان مدير برنامج مكافحة المخدرات الدكتور (سيروان كامل) : «إن ما خلفته الحرب من فوضى وانفلات أمني مريع هيأ فرصة ذهبية لتجارة المخدرات الداخلية والخارجية مستفيدة من كثرة العصابات والجماعات المسلحة لتنشط حركة مافيا المخدرات وتجعل العراق محطة «ترانزيت» نحو دول الخليج ودول إقليمية أخرى؛ إضافة إلى تكوين سوق حرة داخلية نجم عنها تحويل مشكلة الإدمان من المسكرات والعقاقير المهدئة إلى المخدرات، وهناك دلائل تم الحصول عليها عن طريق استجواب عدد من المتاجرين بالمخدرات بعد إلقاء القبض عليهم في مناطق متفرقة من العراق، وهم من جنسيات مختلفة» . وقال رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات الدكتور صلاح عبد الرزاق: «إن مسحاً حديثاً أجرته الهيئة أظهر وجود ٥٨٨ مدمناً في جزء واحد من العاصمة بغداد، وإن أقل من نصفهم (٢٥٨) زاروا مستشفى ابن رشد التخصصي للعلاج» . وتقول الهيئة: إن استهلاك المخدرات التي كان نادراً ما يسمع بها في المجتمع العراقي قد أصبح ظاهرة عامة خاصة الكوكايين والهيروين والحشيش. وتعتبر الهيئة الافتقار للأمن والبطالة سبباً رئيساً لاستهلاك هذه المادة السامة، بينما ساعدت الفوضى على جعل العراق معبراً لتهريب المخدرات القادمة من إيران وأفغانستان بشكل خاص إلى الدول المجاورة. تفشي ظاهرة الفساد الإداري: ازدادت مظاهر الفساد الإداري في الجهاز الحكومي ودوائر الدولة بعد الاحتلال، وقد أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها السنوي عن الفساد في العالم، تبين من خلاله أن (العراق) يحتل مرتبة متقدمة بين الدول الأكثر فساداً في العالم. فعلى سبيل المثال: تشكو المؤسسات الصحية العراقية من تردي الواقع الصحي وانتشار الأمراض والفساد المالي وسرقة الأدوية، وأعلن رئيس هيئة النزاهة العراقية القاضي (راضي الراضي) أن نسبة الفساد المالي والإداري في الوزارات العراقية وصل إلى ٧٠ % مع ضعف المعالجات لانتشار هذه الظاهرة. ظاهرة اغتيال واختطاف العلماء والأكاديميين: لقد انتشرت بعد الاحتلال وبشكل واسع ظاهرة اختطاف واغتيال العلماء والأكاديميين والأطباء العراقيين بهدف تفريغ العراق منهم، وإجبار الآخرين على الهجرة؛ وتتحدث الأخبار عن اغتيال مئات من العناصر العلمية العراقية (تجاوز الألف عملية لحد الآن) وقيدت تلك الجرائم ضد مجهولين، ويشير العراقيون إلى دور لمخابرات أجنبية (الصهيونية والإيرانية تحديداً) في تنفيذ تلك الاغتيالات. ويشكل مسلسل الاغتيالات الذي يستهدف شخصيات سياسية وأكاديمية ومهنية في العراق رعباً قائماً للعراقيين الذين يعتقدون بوجود تنظيمات ذات خبرة واحتراف وراء تلك العمليات. ونشرت جريدة الزمان العراقية يوم (٢٢/٣/٢٠٠٥) نقلاً عن مصادر عراقية على صلة بأجهزة وزارة الداخلية أن ألف عراقي لقوا مصرعهم في عمليات اغتيال من العناصر العلمية والثقافية والفنية وأغلبهم من الأطباء وأساتذة الجامعات والمهندسين في قطاع التصنيع العسكري السابق خلال الأشهر التي أعقبت سقوط النظام السابق، ولم يرد في الإحصائية شيء من اغتيالات الموظفين الصغار في دوائر الدولة بالمحافظات، ويشير العديد من المحللين السياسيين بأصابع الاتهام إلى «الموساد» الإسرائيلي الذي يتولى ملف هؤلاء العلماء، ويقود حملة لاجتثاثهم أو تهجيرهم أو اغتيالهم خشية أن يهاجروا إلى دول عربية أو إسلامية، مؤكدين أن ذلك المخطط الإجرامي أصبح أمراً معروفاً ومكشوفاً، وقد أشارت إليه الكثير من وسائل الإعلام الغربية. ونتيجة لتصاعد عمليات القتل تملَّك الخوف والرعب بعض الأساتذة بالرغم من أنه لم يتم إثبات أي علاقة بين هذه الاغتيالات ووظائفهم. وبحسب مصادر إعلامية فإن العشرات من العلماء والكفاءات العلمية العراقية بدؤوا بالفعل بمغادرة بلادهم للنفاذ بجلدهم من التصفيات الجسدية التي تنفذ أحياناً لأسباب تتعلق بوجهات النظر والآراء السياسية، فضلاً عن أسباب أخرى تتعلق بتدني أجورهم التي يقولون: إنها لا تتناسب مع شهاداتهم العلمية ولا مع الظروف المعيشية. وقد أجملت سلطات التحالف عدد الذين تمت تصفيتهم في العراق عن طريق الاغتيالات منذ مطلع أيار ٢٠٠٥م بـ ١٠٠٠ مواطن عراقي غالبيتهم من النخبة، بينما قال مسؤول عراقي آخر رفض الكشف عن هويته: «إن سياسة فصل العلماء العراقيين من وظائفهم وُضعت في تل أبيب بهدف الاقتصاص من منفذي برامج العراق العلمية» . وأكدت أوساط عراقية مطلعة في بغداد أن الموساد الإسرائيلي طلب من المخابرات الأمريكية ترك ملف العلماء العراقيين برمته إلى عملاء الموساد في العراق، مشيرين إلى أن الموساد يريد تهجير هؤلاء العلماء أو اغتيالهم إذا رفضوا التعامل معه. انتشار الأمراض والسرطان ازداد بنسبة ٣٠٠%: لن تجد مكاناً آخر غير العراق في ظل الغزو والاحتلال، أفضل للاستشهاد بالمثل العربي الشهير (تعددت الأسباب والموت واحد) فمن لم يمت تحت وقع القصف الأميركي وحوادث الانفجارات وأعمال التصفيات والاغتيالات المنظمة، وأفعال الخطف والقتل التي باتت سمة يومية للحياة البائسة في عراق افتقد أغلى نعمتين: الصحة والأمان، من لم يمت بتلك مات تحت وقع الأمراض الخبيثة بأنواعها، ونهشه السرطان من كل جهة. ومقابر العراق اتسعت ولم يعد في المقابر الحالية متسع، ومشرحة الطب الشرعي في الباب المعظم تشكو من اكتظاظ الجثث، والمستشفيات تعاني من قلة الإمكانات وشحة الدواء ونقص الأطباء المتخصصين الذين باتت أيادي خفية وبجهد استخباري منظم، تستهدفهم بالقتل والخطف والاغتيالات، ومن نجا منهم هرب وترك العراق التماساً للأمن والحياة؛ والسرطان بعد أن كان مرضاً يسمع عنه العراقيون، باتوا يعانون منه ومن تصاعد معدلاته التي زادها الغزو ونقصان الأمن وشحة الدواء وهزالة إمكانات المستشفيات ألماً وقسوة ومعاناة. وقد أكد خبير في شؤون البيئة أن الزيادة المضطردة في نسبة أمراض السرطان في العراق سببها «التلوث البيئي الكبير» الناتج عن الاستخدام المفرط للمواد الكيميائية والمشعة في البلد. وقال رئيس قسم البيئة والصحة المهنية في (جامعة ستوني بروك) الأميركية (الدكتور وجدي الحلو) : «إن البيئة في العراق ملوثة لدرجة كبيرة مما أدى إلى ظهور العديد من أمراض السرطان والجلد والتنفس» . وأوضح (الحلو) أن: «البيئة في العراق عانت بشكل كبير خلال العقدين الأخيرين من استخدام الأشعة والكيماويات في الحروب والصناعة والاستعمال اليومي من دون اعتبار للبيئة» . دراسات عديدة أجريت في العراق وخارجه أكدت تزايد حالات الإصابة بالسرطان وبالأخص بين الأطفال بنسبة ٣٠٠ بالمائة عما كانت عليه قبل ١٩٩٠م. وأظهرت دراسة أجريت حول أمراض السرطان في مدينة البصرة الجنوبية أن نسبة أمراض السرطان ارتفعت في السنوات الماضية من ١١ حالة لكل ١٠٠ ألف شخص عام ١٩٨٨ إلى ١١٦ حالة عام ١٩٩١ و ١٩٣ حالة عام ٢٠٠٢م. وأظهرت الدراسة التي نشرتها (وكالة إيرين للأنباء) التابعة للأمم المتحدة أن حالات الإصابة بالأورام وسرطان الدم لدى الأطفال تحت سن ١٥ عاماً ارتفعت ثلاثة أضعاف منذ عام ١٩٩٠ وزادت الإصابات في المناطق التي استخدمت فيها أسلحة اليورانيوم المخصب. أطباء العراق يهربون من الاغتيال والتصفيات: ومما زاد من الحالة الصحية المأساوية في العراق سوءاً وخطراً أعمال الاغتيالات والتصفيات والخطف التي تعرض لها المئات من الأطباء والكوادر الصحية العراقية المتخصصة؛ إذ يقول مسؤولون عراقيون إن أعداداً متزايدة من أطباء العراق الذين يمثلون جانباً من أهم الموارد البشرية في البلاد يفرون منه بسبب العنف المتواصل طلباً للأمان والأجور الأفضل في الخارج، ويضيفون أن المهنيين المهرة بدؤوا يرحلون من البلاد بشكل مطرد منذ الغزو عام ٢٠٠٣؛ لكن تزايد حوادث الاغتيال والخطف بشدة في العام الأخير أدى إلى ارتفاع أعداد الأطباء العراقيين الذين يغادرون البلاد. وكانت وزارة التعليم العالي العراقية قد أعلنت أن عدد المهاجرين من أساتذة الجامعات تجاوز ألفي أستاذ مما دفع الوزارة إلى غلق ١٥٢ فرعاً تخصصياً في ميدان الدراسات العليا؛ بينما تعج الأردن وسورية بالأطباء العراقيين الذين يبحثون عن عمل إلى درجة أن الحكومة السورية افتتحت مؤخراً مستشفى خاصاً لاستقبال الأطباء العراقيين الذين هاجروا من بلدهم. [أخبار الخليج البحرينية ١٨/٩/٢٠٠٥] . ü تُرى من يعيد للعراق أمنه واستقراره؟! سؤال يُطرَح بعد أن امتد الاحتلال الأميركي كل هذه الشهور الطويلة، دون أن يتحقق للعراق الأمن والاستقرار، ودون أن يتحرر العراقيون من الخوف والقلق والتوتر، ودون أن يعود إلى المواطن العراقي العيش الكريم والحياة الطبيعية الهانئة، والاطمئنان، وكل ما فقده لسنوات طويلة من الحرب والعدوان والاحتلال. فالمزاعم التي حملها المحتلون ما تزال «مزاعم» ! والادعاءات بالحرية والاستقرار ما فتئت أوهاماً، والذين ظنوا أن الانتخابات جلبت لهم الحرية يدركون الآن وَهَْم «الأصابع البنفسجية» وزيفَ «الحملة الإعلامية» التي ارتبط بها! قد لا يهتم المواطن العراقي بالجمعية الوطنية وخلافات أعضائها على مكاسب الحكم وكراسي السلطة ما دام يفتقد إلى العيش الكريم، أو يعيش في ظل مخاطر السيارات المفخخة والانفجارات المتوالية والاغتيالات والخطف وتهديدات بعض العصابات المسلحة التي تعبر عن أحزاب وهمية، أو تنظيمات سياسية طارئة لم تستقر في وجدان الناس، ولم يعرفوا لها وجوداً بينهم من قبل. والمواطن العراقي نفسه أسير هذه الجهات التي تلعب بمصائر الوطن العراقي، وتخطط لتقسيمه وتمزيقه او تسعى لاقتسامه مناطق نفوذ، وفقاً للميليشيات، أو المرجعيات أو الطائفيات، ولتجعل من تاريخه وعروبته وإسلامه نسياً منسياً أو حقبة عابرة. وقد لا يكون كل هذا وارداً في حسبان الناس أنفسهم، وإنما هي أطماع بعض الأشخاص الذين جلبهم الاحتلال معه من الخارج، وأعطاهم النفوذ والسلطة والسلاح والمال والدعم. ولا يستطيع أحد أن يزايد على معاناة الشعب العراقي الممتدة لسنوات طويلة، ولا أن يقفز عليها بسبب ما واجهه من حروب داخلية وخارجية، غير أن الحلول التي استنبطها المحتلون وحلفاؤهم وأشياعهم لم تؤمِّن للشعب العراقي أية فرصة للتنفس خارج نطاق الخوف والألم والفجيعة.

стр. 5628

جيش المهدي بعد أحداث سامراء د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف برز جيش المهدي على الساحة العراقية من جديد بعد أحداث تفجير المسجد المذهب في سامراء في ٢٢ شباط (فبراير) الماضي ٢٠٠٦م، ولكن هذه المرة ليست كبروزه في مايو ٢٠٠٤ في معركته مع القوات الأميركية حينما اكتسب تأييداً جماهيرياً كبيراً، بل ظهر هذه المرة كأبرز ميليشيا طائفية تحارب أهل السنة وتعتدي عليهم في مناطق نفوذها. عبد الله علوان البدري فبمجرد الإعلان عن تفجير أضرحة الشيعة (١) انتشرت عجلات مدنية تحمل المقاتلين الشيعة في بغداد خاصة ومدن عراقية أخرى، وبدأت عمليات حرق المساجد وقتل أئمتها والمصلين فيها أو اختطافهم وتعذيبهم والتمثيل بهم سراً وعلانية ... وكذلك عامة أهل السنة حيثما انفردت بهم تلك القوات ... فجاء تحرك (جيش المهدي) وباقي الميليشيات الشيعية في تناغم سابق التخطيط وبمنتهى الإتقان مع ذلك الحدث الجلل. وشهادات الشهود المؤكدة أن من قام بالعملية هم عناصر من قوات حكومية وبالتحديد مغاوير الداخلية الذين ينتمون أصلاً إلى فيلق بدر (الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) ، تلك القوات التي تأسست على يد الائتلاف الشيعي الحاكم. ويعمل جيش المهدي الذي أُعلن عن تشكيله أثناء صلاة الجمعة في الكوفة من قِبَل زعيمه (مقتدى الصدر) بعد الاحتلال بستة اشهر بنظام السرايا التي لا تتجاوز غالباً الخمسين مقاتلاً من عامة الشيعة الذين ينضمون إليه عن طريق هيئات تشكلت في الحسينيات والجوامع التابعة للتيار الصدري، وهم يعملون متطوعين بلا مخصصات مالية ثابتة معتمدين فقط على نظام العطايا وما يوزع عليهم من الخُمْس؛ إضافة إلى تقديمهم في فرص العمل لدى الدولة وخاصة في أجهزة الأمن من شرطة وقوات الأمن كجزء من الاتفاقات المعقودة بين التيار الصدري وبين حكومة الائتلاف الشيعي. ومن أبرز تلك السرايا سرية الشيخ محمد الصدر في مدينة الصدر، وسرية الشيخ مصطفى الصدر في بغداد الجديدة، وسرية الشيخ مؤمل الصدر في منطقة الشعب وحي أور، وسرية الشيخ علي الكعبي وسرية الشيخ حسين السويعدي وكلها في بغداد، وهي في معظمها أسماء لمن يعتبرهم التيار الصدري شهداءه إبان حكم نظام صدام حسين، ويكون عدد أفراد السرية غالباً متعلقاً بقوة الزعيم الشيعي الذي يقودها وحجم المساحة الجغرافية أو السكانية التي يتولاها، وقد تتعدد السرايا في المنطقة الواحدة كما هو الأمر في مدينة الصدر في بغداد. ولم يكن لجيش المهدي تجهيز بالسلاح من قِبَل القيادات، بل كان المقاتل منهم يأتي بسلاحه الشخصي، معتمدين على بعض العشائر الشيعية في جنوب وجنوب وسط العراق التي استولت على كمية كبيرة من أسلحة الجيش العراقي السابق مما قلل من المتاجرة ببيع هذه العشائر السلاح المتوسط والثقيل للمجاهدين السنة خاصة في جنوب العاصمة بغداد، إلا أن الأمر تغير تماماً عندما توافق الصدريون مع إيران التي زودتهم بشتى أنواع الأسلحة ولكن بالطريقة التي تضمن تفوق فيلق بدر (الأكثر ولاء لها) دائماً من ناحية التسليح. ثم كانت المواجهة التي خاضها جيش المهدي مع قوات الاحتلال الأميركي في النجف وبغداد ومدن جنوبية أخرى، وانتهت خلال شهرين بهدنة بين الطرفين برزت بعدها قوة جديدة داخل الجيش اصطُلح عليها بـ (فرسان الهدنة) ثم جرى المصطلح بين الصدريين على كل السرايا التي تتصرف بطريقة لا ترضي جماهيرهم، وأصبح مسمى (فرسان الهدنة) إشارة إلى أن القوة تلك ليست مرتبطة تماماً بالتيار الصدري، بل مدعية لذلك فحسب، ولكن زعيم الجيش (مقتدى الصدر) لزم الصمت ولم يتدخل لمنع هذه السرايا من الاستمرار في العمل باسم (جيش المهدي) وقد أخذت بالتوسع مدعومة من الدولة وأحزاب شيعية أخرى وقوى خارجية حتى أضحت أقدر من باقي سرايا (جيش المهدي) على كسب المقاتلين والانتشار في المناطق السنية مستفيدة من تسهيلات قدمتها أجهزة الدولة الأمنية وهي السرايا التي يحاول زعماء التيار الصدري ومنهم (مقتدى الصدر) اتهامها بالاشتراك في الحرب الطائفية ضد أهل السنة! وكان الانتقال الأخطر لـ (جيش المهدي) في الشتاء الماضي عندما خرج ملايين الشيعة في مظاهرات حاشدة تلبية لنداء الزعيم (مقتدى الصدر) مطالبة الحكومة العراقية بتوفير الخدمات الأساسية للمواطن العراقي، وأمهلت الحكومة ٧٢ ساعة لتلبية طلباتها، إلا أن المتظاهرين انسحبوا بعد أن أذعنت الحكومة للشروط غير المعلنة التي تم الاتفاق عليها مع زعيم التيار بتوفير آلاف الوظائف لجماهيره، وزج قيادات وأفراد جيش المهدي في قوات الشرطة والحرس الوطني ومغاوير الداخلية وعلى الأخص قوات حفظ النظام التي تميزت بمسميات دينية شيعية، ومنذ ذلك التأريخ والتيار الصدري يتفانى في خدمة الحكومة والحفاظ على مصالحها، وقد أحال حسينياته إلى ثكنات عسكرية ومفارز لسيارات الشرطة والأمن. وحسب معلومات مؤكدة للأمم المتحدة فإن (جيش المهدي) تقاسم مناطق النفوذ في العراق وبغداد خاصة مع الحكومة المؤقتة، وكان ضمن مناطق سيطرته الشريط الشرقي للعاصمة بغداد فيما يسمى شرق القناة؛ حيث تقع مدينة الصدر المعقل الرئيس لـ (جيش المهدي) والثكنة العسكرية الأكبر له، وقد تحولت كل الحسينيات والجوامع التابعة للتيار الصدري إلى ثكنات علنية لـ (جيش المهدي) ، وكذلك لسيارات الشرطة العراقية وقوتي مغاوير الداخلية وحفظ النظام. وكان من أهم المواقف التي افتُضح فيها (جيش المهدي) ممارساته الطائفية ضد أهل السنة؛ فهناك (فِلمٌ مصور) يظهر فيه زعيمه مقتدى الصدر وهو يأمر بتوجيه قواته إلى مدينة (تلعفر) ضمن قوات الجيش العراقي، ويقصد تحديداً الحرس الوطني؛ حيث استبيحت المدينة عن بكرة أبيها بمساندة من القوات الأميركية التي بدأت أول عمل مشترك هناك مع (جيش المهدي) إلا أن الصدر تدارك الأمر، وكذَّب هو ووكلاؤه الشريط المصور، وتقبَّل عامة المسلمين السنة التكذيب حينها لموافقته رغباتهم غير الطائفية في التعايش مع الشيعة، حتى كذبت أحداث ما بعد سامراء تلك الآمال وأظهرت (جيش المهدي) وقيادته على حقيقة حالهم. وبعد التصعيد ضد أهل السنة ومقدساتهم من قِبَل (جيش المهدي) أقامت بعض سرايا الجيش العراقي مفارز في الطرف الغربي لمدينة الصدر لصعوبة التغلغل داخل المدينة لقلة وجود الصدريين بين أفراد الجيش العراقي، وتمكنت من إلقاء القبض على أكثر من ثلاثمائة مقاتل شيعي عامتهم من جيش المهدي، ومع ذلك تم التكتم على الموضوع، ثم توالت إعلانات وزارة الدفاع عن إلقاء القبض على فرق موت أخرى؛ إلا أن أي نتيجة للتحقيق لم تعلن بعد؛ بينما تأكد إطلاق سراح كثيرين منهم. وكان التيار الصدري قد دخل على استحياء الانتخابات النيابية الماضية ضمن قائمة الائتلاف برغم خصومته المعلنة مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وفيلق بدر وعبد العزيز الحكيم شخصياً، لكنه ارتقى في ولائه لحزب الدعوة الذي تربطه به علاقة تاريخية تعتمد على تنحية فكر الصدر الثاني وهو الخصم اللدود للتيار الشيعي الصفوي والعودة إلى الصدر الأول مؤسس التيار الصدري وحزب الدعوة معاً، حتى أصبح الصدريون الدعامة الرئيسة لرئيس الوزراء السابق (إبراهيم الجعفري) والمطالبين بقوة لاستمراره لكونه أكثر من حقق لهم رغباتهم الطائفية، وسهل على غلاة الشيعة تحقيق أحلام الأجداد في تقتيل أهل السنة تحت مسمى (الوهابية) واستباحة بيضتهم بطريقة غوغائية بشعة، فكانوا السبب الرئيس وراء أزمة تأخر تشكيل الحكومة العراقية الجديدة واستمرار حالة الفوضى الأمنية، وتأخير العمل بالنظام الأمني الجديد واستمرار مسلسل القتل اليومي لأهل السنة مما أسهم في تراجع ترشيحه رئيساً للوزراء، وجاء البديل (جواد المالكي) وهو القائد العسكري لميليشيا حزب الدعوة. وقد شملت التحولات في موقف الصدريين توطيد العلاقة مع إيران إلى حد التهديد بالدفاع عنها عسكرياً لو أنها تعرضت لخطر أميركي محتمل كما جاء على لسان (مقتدى الصدر) وشمل هذا التطور مد إيران جيش المهدي ـ سيئ التسليح ـ بأحدث الأسلحة وأشدها فتكاً، وقد تسلم (جيش المهدي) فعلياً شحنات من الأسلحة المتطورة والعادية شملت القاذفات والرشاشات الثقيلة والصواريخ المضادة للطائرات، واتخذ الجيش من حسينياته مقرات لها. وفي هذا التطور تكون القوى الشيعية الغالية قد اجتمعت بطريقة لم يسبق لها مثيل في العصر الحديث، ولكنه اجتماع غير منضبط ولا يمكن ضمان استمراره؛ فبين الحوزتين (الفارسية) و (العربية) أو ما يسمى بالحوزتين (الصامتة) و (الناطقة) من الخصومة الشيء الكثير من تاريخ مليء بالدماء والثارات والاختلاف على الحقوق الشيعية (الخُمْس) ومردودات السياحة الدينية والدخول المتأتية من الأضرحة والمزارات ما لا يمكن أن يذوب نهائياً في ليلة وضحاها ولو للمصلحة المشتركة في الحرب على أهل السنة!! لكن هذا الاجتماع خطير جداً برغم كل المعوقات والمنغصات؛ فالمساعدات الشيعية تجتمع إلى قيادات تلك التيارات من كل حدب وصوب؛ وقد تفانى شيعة المنطقة الشرقية في السعودية وغيرهم في البحرين والكويت وغيرهما في دفع هذه الميليشيات ودعمها بالقوة السياسية والمال، وفي المقابل فإن شباب شيعة تلك الدول حصلوا من هذه الميليشيات ـ شبه الحكومية ـ على فرصة نادرة في التدريب على السلاح والإعداد العسكري، في حركة دؤوبة لوصل الشرق بالغرب والشمال بالجنوب لاستثمار الفرصة التاريخية التي فتحت الباب مشرعاً أمام شيعة المنطقة لإثارة القلق والاضطرابات في كل دول جوار العراق.

стр. 5629

أمريكا وإيران تحالف أم طلاق ؟ د. نعمان السامرائي كلما جرى الحديث عن العلاقة بين أمريكا وإيران، انقسم المتحدثون إلى فريقين متضادين يدعي أحدهما وجود تحالف «شبه أبدي» وزواج كاثوليكي (لا طلاق معه) . ويدعي الطرف الآخر أن الطلاق وقع، والفراق تمّ، ونحن بانتظار المراسم النهائية، كل طرف يبحث عن أدلة فيجدها هنا أو هناك ... لست مختصاً بهذه العلاقة، ولكن اهتمامي بالقضية العراقية يدفعني للمتابعة، ولديّ قناعة مفادُها: (أمريكا سوبرماركت فيه بضائع من كل شكل ولون) وكل من يبحث عن بضاعة سيجدها، ولا توجد فكرة مهما عظمت أو سخفت إلا ولها بين الأمريكان «مُريد» ومُعجب. وهذا يجعل من كل من يتبنّى موقفاً أن يجد له في المطروح أكثر من شاهد ودليل.. وأنا أعتقد أن ما كتبه الأستاذ «جهاد الخازن» في صحيفة الحياة من أن أمريكا اتخذت قرار ضرب إيران انتهى، ويجري البحث في التفاصيل فقط. المحرض الأول على «الضرب» هي الدولة الصهيونية وخدمها في السياسة الأمريكية ومراكز البحث وغيرها، بحيث صار هذا الموضوع المزاد اليومي ... الدولة الصهيونية لا ترضى أن تمتلك دولة مجاورة السلاح النووي، وهي تنادي بذلك من سنوات، وما جرى لمفاعل (تموز) العراقي خير دليل، بل هي تعمل بشكل منظّم كي لا يصل للعرب أيُّ سلاح متقدّم، وهي تحارب في هذا في كل اتجاه، وتسجل النجاح بعد الآخر، وفي دفع الدولة الصهيونية بهذا الاتجاه تفيد القول للحليف الأمريكي: (تضربون إيران أم نقوم عنكم بذلك؟) . الدولة الصهيونية تريد أن تفعل أمريكا ذلك، كي تصل في النهاية إلى أن كل العالم ضد أمريكا والدولة العبرية، وكأن ذلك قدر إلهي لا مفرّ ولا مهرب منه، وأنها لن تخسر كثيراً، لكن الخسارة من نصيب أمريكا والدول المجاورة لإيران؛ فالمنطقة شهدت حروباً متوالية، وغير مستعدة لحرب مجنونة جديدة لا تبقي ولا تذر ... شخصية أمريكية ـ وأحسبها دنيس روس ـ كان يتحدث في جامعة أمريكية فسئل: نلاحظ حصول مفاوضات مطوّلة مع إيران دون نتيجة ... ؟ ردّ على الفور: العلاقة مع إيران تُرسَم وتقرر في تل أبيب وليس في واشنطن..!! ألاحظ حين كانت المعارضة العراقية تجتمع ـ خارج العراق ـ كانت المخابرات الإيرانية تحضر تلك الاجتماعات ـ كمستمع ـ وتزوّد حلفاءها العراقيين بما ترى، وتنصحهم بالتعاون مع الأمريكان، لكنها تمدّ بعض المقاتلين في العراق بالمال والسلاح، وقد ذكر المرجع الشيعي (البغدادي) تدخّل المخابرات، كما ذكرها مراراً محافظ كربلاء، فالتدخل الإيراني لم يعد خافياً. أما وزير داخلية العراق ـ الأول بعد الاحتلال ـ فكان يصرح بأن إيران تبعث للعراق بزوّار ورجال مخابرات وتجار مخدرات. لكن الأمريكان حرصوا على عدم إثارة شيعة العراق، كي لا ينضمّوا للسنة، ونشر بعض هذا في الصحف، مثل: صحيفة (الحياة) . قبل أيام قابلتُ رجلاً إيرانياً سألته: هل تحاربون؟ قال: إذا اعتُدي علينا، وزاد: لقد وضعنا بلايين الدولارات في هذه المفاعلات واشتغلنا سنين طويلة، فإذا ضربت فلن ندّخر شيئاً نقدر على فعله، سنحرض كل متعاطف معنا وسنجعلها حرباً شاملة. قلت: حين قامت الثورة الإيرانية حدث إنزال من طائرات هيلوكبتر أمريكية جنوب إيران بعد أن سحقت كل الرادارات في إيران، وتكرر هذا أيضاً عند ضرب مفاعل (تموز) في بغداد.. قال الرجل: هذه الوقائع صحيحة لكن بيننا وبينها عشرات السنين، وكل شيء تغير، ولن نسلّم ولن نسكت ولن يسكت حلفاؤنا، ثم قال: عندنا مَثَلٌ يقول: «مجنون يلقي حجراً في بئر، فيتعاون مئة عاقل لاستخراجه» ، الحرب يشعلها مجنون، وما أكثر المجانين والمهووسين اليوم، وما أسهل إشعال الحرب، وما أصعب أن تُطفأ. أمريكا الآن تُجري مفاوضات مع إيران، وكل طرف يريد منها نتائج غير ما يريده الطرف الآخر، والسؤال: إذا فشلت هذه المفاوضات، فهل يتم ضرب المفاعلات الإيرانية فتشتعل الحرب في المنطقة؟ أم يتم التفاهم على حساب العراق والعرب، ويجري تقاسم النفوذ، وتفشل سياسة العدو الصهيوني في التحريش والتحريض؟ ذكّرت الشخص الإيراني بما حصل لـ (صدام) والنتائج الكارثية لسياسته، فقال: «لسنا (صدام) ـ ولا مؤاخذة ـ ولا نحن مثل العرب، وسنحارب حرباً يسجلها التاريخ بعد أن سجل لنا ثورة لا مثيل لها في التاريخ. فإذا التقى الإعجاب الإيراني بالنفس، مع العجرفة الأمريكية، مع التحريض الصهيوني؛ فنسأل الله ـ تعالى ـ أن يلطف بالمنطقة وبالعالم.

стр. 5630

سيناريوهات الكيان الصهيوني للتعامل مع حماس محمد زيادة سيناريو الحرب المُفضل للقادة الإسرائيليين خبير صهيوني: حماس أجبرت الإسرائيليين على عدم وجود رؤية تجاهها لا تزال حركة حماس تشغل المساحة الكبرى من اهتمامات وسائل الإعلام العبرية، المقروءة منها والمسموعة والمرئية كذلك، ولم يكن فوز حماس بالانتخابات البرلمانية الفلسطينية في الخامس والعشرين من يناير المنصرم، إلا موعداً مع ميلاد «وضع جديد» داخل الأجهزة الأمنية الصهيونية خاصة الداخلية المتمثلة في جهاز الأمن العام «الشاباك» ، وشعبة «أمان» المخابراتية، فضلاً عن ميلاد الوضع الجديد نفسه في جهاز المخابرات الخارجية «الموساد» . لذلك رأت قيادات تلك الأجهزة الاجتماع مراراً منذ الأول من فبراير الماضي، حتى توصلوا في نهاية مارس إلى عدة سيناريوهات، لتنفيذ أحدها مستقبلاً مع الحكومة الفلسطينية الجديدة بقيادة حماس.. لكن هذه السيناريوهات جميعها أدت بالكاتب الصهيوني الشهير، خبير الشؤون الأمنية بصحيفة هآرتس (زئيف شيف) للتأكيد على أن وضع هذه السيناريوهات يثبت أن حماس أجبرت الحكومة الصهيونية على عدم قدرتها على وضع تصور واحد ومُحدد، للتعامل معها في الفترة المقبلة. (شيف) أوضح أن كل ما يُقال عن سيناريوهات مخابراتية للتعامل مع حكومة حماس، ليس حلاً حقيقياً يطمئن الصهاينة من المستقبل الذي بات مجهولاً أكثر عقب فوز حماس، وتزايد نفوذها وسط الشارع الفلسطيني. üالسيناريو الأول: رأى المسؤولون الأمنيون بالكيان الصهيوني أن يتم الفصل بين الأفعال والأقوال؛ بمعنى أن تقوم الدولة العبرية بالفصل الحقيقي والجاد بين ما يقوله المسؤولون عن حماس، وبين ما يفعلونه على أرض الواقع؛ فحسب التصريحات ترى الدولة الصهيونية دوماً أن حماس حركة متطرفة لا لشيء إلا لرفضها الاستجابة للضغوط «الصهيونية» والأمريكية بإلغاء النص الخاص بإبادة الدولة الصهيونية من ميثاقها، كما أن رفض حماس لتبني الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع الكيان الصهيوني يزيد من الوصف الصهيوني الدائم لها بأنها حركة متطرفة. أما على مستوى الأفعال، وحسب السيناريو الأول الصهيوني؛ فإن حماس ستمتنع عن القيام بأي أعمال عنف ضد الدولة الصهيونية. ويرى بعض المؤيدين من الجانب «الصهيوني» لهذا السيناريو أن حماس ستمتنع بالفعل عن تنفيذ أي عمليات في هذا الوقت، كما أن حماس تفضل هذا الخيار ـ على حد زعم السيناريو ـ. يرى معدو السيناريو أن هذا الأمر يُنشئ نوعاً من التناقض ما بين التصريحات والأفعال؛ فحماس لن تتنازل عن شيء مما طُلب منها التنازل عنه، وفي الوقت ذاته تحصل على ثمن كبير يتمثل في حصولها على فترة زمنية طويلة تمكنها من إعادة تنظيم نفسها على المستوى السياسي والعسكري، وتحافظ على الهدوء في الأراضي الفلسطينية. هنا يدعي التقرير أن ما سماهم بالعناصر المتطرفة القادمة مثل العناصر الإيرانية سيمكنها التسلل إلى المناطق الفلسطينية. يوضح السيناريو أن هناك من يؤيد هذا السيناريو، وهم فلسطينيون معتدلون على حد تسميته، ومحافل أوروبية رافضة للأيديولوجيا الحربية لحماس، ولكنهم يبحثون عن الحلول المانعة لمواجهة عسكرية بين الدولة الصهيونية والفلسطينيين. ü السيناريو الثاني: اصطلح معدو السيناريوهات المختلفة للتعامل مع حماس في المرحلة القادمة، على تسمية السيناريو الثاني بـ «سيناريو استبدال حكم حماس» ، ويوصي السيناريو ببذل الجهد في مسار إفشال حكومة حماس على كافة المستويات الخارجية والداخلية، ويأتي ذلك بالضغط على السكان الفلسطينيين، عن طريق المساعدات الاقتصادية الدولية للسلطة الفلسطينية، وعرقلة وصول المعونات الغذائية للمناطق الفلسطينية ولا سيما مدينة غزة (كما حدث في أزمة عدم وجود الخبز في بداية إبريل) .. وكل ذلك بهدف إقناع الفلسطينيين أن قرارهم باختيار حكومة حماس كان الخطأ الأكبر. واعترف السيناريو الصهيوني الثاني بصعوبة تطبيق هذا الأمر في الوقت الراهن، بسبب أن حكومة حماس حكومة غير فاسدة، يتمتع أفرادها بنظافة الأيدي وعدم تورطهم في أي قضايا فساد. لكن السيناريو يشير إلى أن الضغط المتزايد على حكومة حماس سيؤدي إلى حرب ضروس، ينتج عنها تغييرات اجتماعية، تُثقل على الشعب الفلسطيني، وعلى النساء الفلسطينيات بصفة خاصة، وعلى ما يجري في المدارس، وفي الحياة الاجتماعية عموماً. واستبدال الحكم سيتحقق في النهاية من خلال انتخابات جديدة في السلطة. وحول دور الدولة الصهيونية في هذه المرحلة بجانب عمليات الضغط المتواصلة على حماس خارجياً وداخلياً، يرى السيناريو أن مشاكل ستواجهها حماس في هذا المسار ستكون صعبة، منها تصرفها حيال المصاعب الاقتصادية المتدهورة في السلطة الفلسطينية، ورأى أنه من السخافة أن تقوم الدولة الصهيونية بالعمل على تحسين الأحوال المعيشية للفلسطينيين طالما لا تزال حماس هي حكومتهم، وأن أي مساعدة صهيونية تعني قيامها بطريقة غير مباشرة بدفع رواتب وزراء وأعضاء حماس بالسلطة الفلسطينية، في ظل دعوة الحركة المستمرة لمواصلة الحرب على الدولة الصهيونية ـ بمقتضى السيناريو ـ. ü السيناريو الثالث: ويُعرف باسمَيِ «الوساطة» ، أو «غريب السبت» حسب التسمية اليهودية التراثية، وتعني أن تبحث الدولة الصهيونية عن وسطاء غير معلومين، لوجود مسائل مشتركة بين الفلسطينيين والدولة الصهيونية، مثل التصدي لكارثة انتشار فيروس «أنفلونزا الطيور» في البلاد، وبما أن هناك رفضاً صهيونياً للتعامل مع حكومة حماس، فإن وجود هؤلاء الوسطاء أمر حيوي وضروري. يوصي السيناريو القيادة السياسية الصهيونية بضرورة الالتفات لهذا الموضوع؛ ذلك أن هناك بعض الأزمات تجبر الطرفين على التعاون معاً للتصدي لها مثل انتشار فيروس أنفلونزا الطيور، وأزمة تلوث الصرف الصحي؛ فانتشار أي منهما في الأراضي الفلسطينية سيؤدي بالتبعية لانتشاره في الصهاينة. يرى السيناريو أنه يمكن للدولة الصهيونية في هذا المسار أن تختار وسطاء من السلطات المحلية الفلسطينية، للبعد عن التعامل المباشر مع وزراء حماس. ثمة مفاجأة في هذا الشأن تتمثل في تقرير قدمه رئيس الأركان الصهيوني، دان حلوتس، للقيادات العسكرية والسياسية، يؤكد على أن هذا الحل غير مفيد للصهاينة؛ لأن حماس قادرة على تزويد الفلسطينيين بكل احتياجاتهم اليومية دون التواصل مع الصهاينة. أضف إلى ذلك أن هناك تقارير مخابراتية صهيونية تفيد أن قادة حماس يدركون أن الدولة الصهيونية هي التي ستأتي إليهم في النهاية باقتراحات لإجراء اتصالات. ويرى (زئيف شيف) من جهته أن في تنفيذ هذا السيناريو خطراً يتجلى في بروز أمرين متناقضين في الوقت نفسه: ـ القطيعة مع حكومة السلطة ستكون جزئية، وستجد الدولة الصهيونية نفسها تقدم مساعدة تُعزز مواقف حماس؛ حيث سيعمل الوسطاء بشكل كبير ونشط. ـ استمرار «الإرهاب ضد الصهاينة، ولو بشكل منخفض نسبياً. وحماس ستتجاهل نشاط الجهاد الإسلامي وغيرها من الفصائل الفلسطينية، وسيستمر إطلاق صواريخ القسام والكاتيوشا بعيدة المدى دون الوضع في الاعتبار الجهة المطلقة لهذه الصواريخ. ü السيناريو الرابع: تم الاتفاق على تسميته بـ «سيناريو الحرب الآن» ، ويصفه الخبير الأمني بصحيفة هآرتس بأنه السيناريو الأكثر تطرفاً؛ إذ يقوم على أساس تقدير للوضع، يخرج بنتيجة مؤداها أنه لا مجال ولا أمل في التوصل إلى اتفاق أو حلول وسط مع حماس وأهدافها. ويقف غالبية المسؤولين بهيئة الأركان في صف تأييد هذا السيناريو. ووفقاً لها السيناريو، فإنه إذا استمر «الإرهاب» ـ في إشارة لعمليات حماس ـ ولو بمقدار منخفض، فإن على الدولة الصهيونية أن تُعلن الحرب فوراً ضد حماس، بدلاً من العمليات الانتقامية وعمليات رد الفعل، ويزعم السيناريو أن أي دولة في العالم تتعرض للهجوم يجب أن تعلن الحرب على المهاجمين، لذلك يرى معدو هذا السيناريو أن يتم النظر لحماس على أنها عدو يجب إبادته. ينال هذا السيناريو تأييداً كبيراً من المسؤولين «الصهيونيين» ، للدرجة التي يطالبون فيها بضرورة تنفيذ الحرب في أقرب وقت ممكن، لكي لا تقوم حماس بتنظيم نفسها، وتوفيق أوضاعها العسكرية، كما يرون أن الحرب مع حماس قادمة لا محالة؛ لذلك فإنه من الأفضل التبكير بالحرب، وترك رد الفعل لحماس. يحذر المؤيدون للحرب حكومتهم من أن التأخير في قرار إعلان الحرب على حماس قد يؤدي لعواقب وخيمة للدولة الصهيونية، منها تنامي قوة حماس على المستوى المعنوي والمادي. (زئيف شيف) يقول إن هناك سلبية في هذا السيناريو، تتمثل في أن الدولة الصهيونية لا تملك أي رؤية حول ما ستقوم به عقب إبادة حماس؛ ذلك أن ما يمكن أن تفعله الدولة الصهيونية هو إعادة احتلال غزة، وقد أيقنا الآن أن احتلال غزة أسوأ من تبادل النار معها. ü موقف حماس: يمضي الخبير الصهيوني في الشؤون الأمنية (زئيف شيف) في تصور الأوضاع عقب تنفيذ أي سيناريو من السيناريوهات الأربعة السابقة، موضحاً أن تنفيذ أي منها يعني ظهور سيناريوهات أخرى فرعية في الحياة اليومية سواء في الدولة الصهيونية أو في الأراضي الفلسطينية، لكنه يتساءل عن موقف حماس من كل هذه السيناريوهات الموضوعة من قِبَل أجهزة الاستخبارات «الصهيونية» ، مؤكداً أن أكثر ما يقلق الدولة الصهيونية حالياً هو اختيار حماس للهدنة من طرف واحد. يعلل ذلك بأن حماس لن تقبل آنذاك الشروط التي يطالبها بها المجتمع الدولي، لكنها قد تتوقف عن العمليات، في انتظار تطورات المستقبل، مُفترضين في ذلك وجود رغبة صهيونية شعبية حثيثة للتمتع بالهدوء الأمني؛ وهو ما سيجعل الصهاينة يستجيبون على الفور لموقف حماس الداعي لهدنة، حتى مع يقينهم بأن هذا الهدوء سيجر وراءه تسلل عناصر إيرانية تهددنا وتهدد الأردن كذلك. وقد لخص (زئيف شيف) من جهته رؤيته الخاصة بتوقع سيناريو سياسي، يقوم من خلاله رئيس الوزراء الصهيوني، (إيهود أولمرت) بتنفيذ خطوة إضافية من خط «فك الارتباط» التي تم تنفيذ الجزء الأول منها وهو الانسحاب من غزة في منتصف أغسطس الماضي، والاحتمال الأكبر تنفيذ الانسحاب من أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، فيما عرَّفها أولمرت بـ «خطة التجميع» . أضاف (شيف) أن حماس ستنظر لهذا السيناريو على أنه نصر جديد لها، وهروب صهيوني، كما سيرفض الفلسطينيون الحدود التي توصل إليها (أولمرت) منفرداً، دون الرجوع للاتفاقيات مع الفلسطينيين. ومن الناحية العسكرية ستكون خطة التجميع التي يتبناها (أولمرت) سبباً جديداً لمواصلة الفلسطينيين الحرب ضد الدولة الصهيونية. الانطواء سيسهل على الدولة الصهيونية، ولكن من الواضح أن الخط الجديد سيكون أيضاً أساساً جديداً لمواصلة الحرب مع الصهاينة مثلما حصل في قطاع غزة. وأوضح أنه: «إذا كانت هناك فرصة لتأييد دولي للصهاينة فإنها تكمن قبل كل شيء في موافقتها على خريطة الطريق حتى وإن لم تكن مثالية» . وختم شيف بالقول: «من الناحية التكتيكية، في هذه المرحلة، الأمر الأهم لحماس هو كسب الوقت. حماس تحتاج إلى الهدوء كي تنظم نفسها، وتعزز صفوفها، وتطور النصر النادر والأولي، والذي في أعقابه قام حكم إسلامي سُني. وإذا ما ساد الهدوء، فسيكون بوسع حماس منع مواجهات داخلية وحرب أهلية فلسطينية» . في مثل هذا السيناريو يمكن لحماس أن تعمل بشكل أفضل حيال محافل دولية وتحظى باعترافها. ولهذا فما من شك أن حماس ستبعث المرة تلو الأخرى برسائل للدولة الصهيونية مفادها استعداد الحركة لتوفير الهدوء للصهاينة، مقابل تمتعها بالهدوء أيضاً. على كل الأحوال فإن التمعن في هذه السيناريوهات الصهيونية لمواجهة حماس، يدل على أن الصهاينة ليس لديهم رؤية محددة للتعامل في موضوع صعود حركة حماس لقمة السلطة الفلسطينية، كما أنهم لا يملكون أي رؤية لما بعد فشل حماس في قيادة السلطة الفلسطينية إذا ما فشلت.

стр. 5631

فتى العقيدة عبد الرحمن بن عمار السفياني هذا عواء الريح مع ذئب الفلا قد لفَّه ليل بهيم كالعمى هل يستكين وليس ثمّة مأمن؟ كلاَّ فقد نطقت خطاه وربما قدر له خوض الصعاب وإنما ومضى مضاء الليث شبّ على السرى يا ليلتي إن كنت مهلكتي فما هو لا يبالي بالليالي إذ رمت ظني به يمضي ويخترم الدجى ظني به يوم السباق كسابح لو حال موج البحر دون مراده أكرم به وبغاية يسعى لها إن هام أخدان الهوى في لهوهم خفّاً تراه من الدنايا في الورى ما نالت الأهواء منه وقلما هو حلم أمّتنا سينهض للوغى ليعيد للتاريخ قصة أروع تهوى المعالي طامحاً يسعى لها لا خير في عيش الفتى متواكلاً ما أروع الإقدام في عزم الفتى وإذا امرؤ هاب العثار فعيشه ما يبتغي الأعداء منك فتى الهدى يبغون لو هدموك أو صدعوك يا جهلوا بأنك قد سمقت على الثرى قبس من الوحيين جئت إلى الدنا كل الثغور رنت إليك وعولت ستظل في أحزاننا أنشودة ولأنت إن راق الجمال عيوننا يعوي وسارٍ لم يقارب منزلا لله ليل ما أشدّ وأطولا! أتراه يمضي! ما عسى أن يفعلا؟ ألفيت من خطو الأشاوس قائلا قدر البواسل أن تضرّ وتبتلى وكأن منه الصدر يحوي جندلا أوْلى بأن ألقى المنية مقبلا أهوالها وبمن أعاق وخذَّلا ويغادر السرحان ثَمَّ مجندلاً يطوي مراحله فيأتي أولا خاض العباب إلى الرغاب مهرولا لهو الحقيق بما أراد وأمّلا ففتى العقيدة هام في حب العلا وتراه من حمل المكارم مثقلا ترمي الفتى إلا أصابت مقتلا بالنصر معقود الجبين مكلّلا خاض الفتوح مكبراً ومهلّلا ولطالما تجفو البليد الخاملا الخير فيه ساعياً متوكلا لم يخش في إقدامه أن يفشلا! ـ ما عاش ـ في قيد الهوان مكبّلا أعجزت كل عداك أن تتحولا جبلَ العقيدة أو تزحزحَ أنملا وضربت في أرض الهدى متغلغلا وخرجت من مشكاة أحمد مشعلا والقدس فيك رأى الخلاص وعولا يبكي الفؤاد فإن أصاخ لها سلا من لم تزل فيها أحب وأجملا

стр. 5632

حملات شعبية فلسطينية وإسلامية نائل نخلة في ظل الأزمة المالية التي تعيشها الحكومة الفلسطينية ... ما الخيارات: التحدي أم الانسحاب؟! منذ أيام، لم يفرغ أهالي قرية (بيت أكسا) شمال غرب القدس، من دعائهم بالخير لرجل جادت يده البيضاء بمنح مالية على ٧٥ من موظفي السلطة الذين تسبب تأخر صرف رواتبهم في ضائقة اقتصادية لعائلاتهم. وقد بدأت القصة مؤخراً عندما أجرى رجل أعمال فلسطيني من بلدة (بيت أكسا) والمقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، اتصالاً مع أقاربه في البلدة، وطلب تزويده بمعلومات كافية عن الوضع الاقتصادي للموظفين في قريته في ظل أزمة الرواتب الخانقة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني. هذه مجرد قصة رجل فلسطيني من المحسنين، أكد فيها على ضرورة تقديم المساعدة العاجلة إلى أبناء قريته في ظل حصار صهيوني وأوروبي وأمريكي يفرض على أبناء الشعب لاختيارهم للحكومة الإسلامية التي جاءت بشكل نزيه شهد له العالم بالكفاءة. هذه القصة «التي تبين التكافل الشعبي الفلسطيني» تطرح عدداً من التساؤلات؛ فهل تستطيع المشاركات الشعبية من أبناء فلسطين محاربة الحصار المفروض على حكومتهم؟ وهل للحملات الشعبية التي تقودها الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة تأثير على موازين الساحة السياسية، أم أنها مجرد حملات رمزية؟ وهل لهذه الحملات تأثير على الرأي العام في الشارع العربي؟ وإن توفر الدعم الشعبي العربي فهل هناك آليات لإدخاله إلى الأراضي الفلسطينية؟ وهل سيكفي هذا الدعم لتوفير الميزانية الشهرية للحكومة ومن ثَم استمرارها؟ وما مستقبل الحكومة في ظل هذه الأزمة؟ وما أبعاد هذه الأزمة الحقيقية؟ ما إن بدأت التصريحات الأوروبية والأمريكية التي تشير إلى قطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني وحكومته المنتخبة، ما لم تلتزم بشروطهم، حتى سارعت منظمة الأمم المتحدة للكشف عن حجم التدهور الذي قد يصيب الوضع الإنساني الفلسطيني؛ نتيجة لوقف الدول المانحة مساعداتها. وحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) خلال مؤتمر صحفي عقده في القدس من تدهور الوضع الإنساني وتأثيرات هذا التدهور على القطاعات الحيوية وبخاصة الأمن والصحة والتعليم. وأشارت المنظمة إلى عجز «الأمم المتحدة» عن تنفيذ عدد كبير من برامج ومشاريع الطوارئ التي سعت إليها؛ بسبب تمويل الدول المانحة أقل من ٢٠% من هذه المشاريع. وقالت منظمات الأمم المتحدة إن السلطة الفلسطينيّة توظف أكثر من ١٥٢ ألف فلسطيني يعيلون أكثر من مليون فلسطيني، أي ما يعادل ٢٥% من الفلسطينيين في الأرضي المحتلة، مما يضاعف حجم المشكلة الإنسانية في حال عدم تلقي هؤلاء الموظفين رواتبهم. وأعربت منظمة الأمم المتحدة عن خشيتها من ارتفاع نسبة الفقر بشكل حاد، لتصل إلى ٧٤% وتوقعت انخفاض الدخل المحلي للفرد ليصل إلى ٢٥% في عام ٢٠٠٦. قامت الأمم المتحدة برسم ثلاثة سيناريوهات محتملة للوضع الاقتصادي الفلسطيني، حتى تقوم بتخطيط عملها بناءً عليها: يصف السيناريو الأول الوضع الإنساني في الأراضي الفلسطينية، بناءً على الوضع الذي شهدته الأرضي الفلسطينية في الأشهر الأخيرة؛ حيث ارتفعت القيود التي تفرضها الدولة العبرية على الفلسطينيين وعلى الخدمات التي يحصلون عليها. أما السيناريو الثاني، فيقوم على الاستمرار في فرض القيود على الفلسطينيين، بينما يتم تمويل السلطة الفلسطينيّة بشكل جزئي. والسيناريو الثالث يتمثل في متابعة الدولة الصهيونية تشديد فرض القيود على الفلسطينيين بينما لا تحصل السلطة الفلسطينيّة على تمويل بتاتاً، وهو الوضع الحالي الذي يعاني منه الشعب والحكومة الفلسطينية. وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن من شأن السيناريو الثاني أن ترتفع معه معدلات البطالة لتصل إلى ٤٠% خلال عام ٢٠٠٦، و ٤٧% في عام ٢٠٠٨. وفي هذا الإطار، قدم (عمر عبد الرازق) وزير المالية أمام المجلس التشريعي تقرير الحكومة حول الأزمة المالية مؤكداً أن الوضع المالي للسلطة يمر بأزمة خطيرة وهي أزمة متواصلة منذ زمن، ولا علاقة لها بتسلُّم حكومة جديدة، وأن ما له علاقة بالحكومة الجديدة هو القرارات الجائرة بشأن تعليق المساعدات المقدمة للشعب الفلسطيني. وحول الأزمة التي تعاني منها حكومة حماس بعد الانتخابات التشريعية، قال (د. رائد نعيرات) أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية أن «حماس تعيش اليوم أزمة انتصار، ففي حين كانت حركة مسلحة، بطبيعة محدودة في العمل السياسي، فجأة أصبحت رأس الهرم السياسي في السلطة. هذا أمر يتطلب أخذ ذلك بالحسبان عند صياغة برنامج وطني» . وعن التحديات أمام الحكومة أو فشلها، قال نعيرات: «حتى الآن لا يمكن الحكم على نجاح الحكومة الفلسطينية، ولكن نستطيع أن نجزم أن الحكومة إذا استطاعت حل أزمة الرواتب في وقت قريب، فهي على مستوى عالٍ جداً من القيادة، ولكن حتى الآن لا يمكن محاكمة حكومة عمرها أسابيع، وتحاك حولها المصاعب من كل حدب وصوب. وعن قدرة الشعب الفلسطيني على تحمل عدم توفر الرواتب «وخاصة الموظفين» قال نعيرات: «وفيما يختص بمسألة التحمل، لا يمكن الحكم على هذه القضية ومداها. مثلاً: عندما بدأت الانتفاضة كان هناك ٣٤٠ ألف عامل يتوجهون يومياً للعمل في فلسطين المحتلة عام ٤٨، واليوم لدينا ١٦٠ ألف موظف. وقد توقع الخبراء الصهاينة أن قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود لن تتجاوز ٦ أشهر؛ لأنه إذا أوقف الكم الهائل من العمال عن العمل فسينهار المجتمع. ولكن بطريقة أو بأخرى عالجت الفصائل هذه الإشكالية، وإن لم يكن ذلك عبر الحكومات السابقة» . وعن توفير الأموال لفك الحصار عن الحكومة الفلسطينية، ذكر وزير المالية الفلسطيني أن الحكومة الفلسطينية تلقت دعماً يصل إلى ٨٠ مليون دولار من السعودية والكويت والإمارات؛ لمساعدتها على تسديد رواتب موظفي السلطة دون تحديد جدول زمني، وقد بادرت الجامعة العربية بفتح حساب بنكي للتبرع للشعب الفلسطيني؛ لمواجهة آثار قرار منع المعونات الأوروبية، فضلاً عما قرره الزعماء العرب خلال القمة العربية الأخيرة بالخرطوم من تخصيص مبلغ ٥٠ مليون دولار شهرياً لمساعدة الشعب الفلسطيني والسلطة الوطنية الفلسطينية على تخطي أزمتها، إلى جانب ١٠٠ مليون دولار ستصل على دفعة واحدة دون توضيح كيفية وصولها. ومن ناحية أخرى، أكد النائب (الدكتور ابراهيم أبو سالم) الذي قاد حملة شعبية يوم الجمعة ٥/٥/٢٠٠٦م لدعم الحكومة في مدينة رام الله؛ فالشعب الفلسطيني شعب فريد من نوعه في الصبر، مشيراً إلى أنه منذ مطلع هذا القرن وهو يقارع الاحتلال ويقدم التضحيات الغالية والنفيسة. وتابع: «الآن ونحن نتحدث عن لقمة الخبز والوضع الاقتصادي ... فإنَّ الشعب الفلسطيني تعوَّد منذ سنين على البذخ وأن ينفق أكثر من حاجته، وهذه فرصة لأن يتعلم شعبنا بعض الصبر وأن يتنازل عن الكماليات» مشيراً إلى أن الخبز الذي يلقى في القمامة هو في الحقيقة يشبع بلاداً ومخيمات. واستدرك: «الناس بخير؛ فلم يصلوا إلى درجة الفقر الشديد والجوع الشديد، والشعب الفلسطيني شعب معطاء فقد رأينا الصغار والأطفال يتقدمون بحصالاتهم والنساء يتقدمن بحليهن ... هذا الشعب يعطي ونحن باختصار نساوم على كرامتنا ونُبتز على عزتنا ويقال لنا: إما أن تسجدوا لأعدائكم وتركعوا للذل، وإما أن نجوِّعكم ... هذان خياران ولا مجال أن نختار خيار الذل» . ولم يقتصر الدعم الشعبي على الحركة الإسلامية من خلال الحملات التي قادتها وإنما أيضاً من خلال المساهمات الفردية؛ فقد أقدم أستاذ مدرسة من قرى رام الله له عمل إضافي بعد الدوام وحالته المادية جيدة على دفع سلف مالية لزملائه في المدرسة لتدبير أمورهم اليومية لحين حصولهم على رواتبهم. وأقدم معلمو المدارس الحكومية وهم اكبر شريحة في السلطة ويقدر عددهم بـ٣٠ ألف معلم بحملة في الضفة والقطاع لمساندة الحكومة، ورفضوا محاولات بعض الأطراف الفلسطينية بالإضراب عن العمل، وليس هذا فقط، بل قام المئات منهم بتوجيه رسائل إلى رئيس الوزراء إسماعيل هنية أعلنوا فيها عن تضامنهم مع الحكومة ومواقفها وتبرعهم بجزء من مستحقاتهم المالية للموازنة العامة. وفي السياق نفسه، أقدمت البنوك العاملة في الأراضي المحتلة على تقديم قروض فورية على شكل قروض لمدة ٣ شهور بالإضافة إلى تأجيل الأقساط على القروض القائمة لمدة ٣ شهور ضمن حملة أطلقت عليها اسم: «معاً يخفُّ الحمل ... ومعاً نتقدم ... خففْ حملك» . وقال (د. أبو سالم) : «إن الحملة التي شارك فيها يوم الجمعة حملة رمزية تقدم رسالتين: الأولى: للكرة الأرضية ومفادها أنه عيب علينا أن نطلب مساعدات من شعوب المسلمين في الأرض ومن الدول وأن نأخذ الصدقات والتبرعات؛ فنحن هنا يجب أن نكون أنموذجاً للبذل؛ لا نقول: أعطونا فقط، ونحن أيضاً يعطي بعضنا البعض. أما رسالة الداخل، فقد قال عنها (د. أبو سالم) : «هي لأولئك الناس المثبطين الذين يتربصون بالشعب والحكومة، ويراهنون على فشل الحكومة، وهناك فئة مغرضة تحرض الشعب على المظاهرات والإضرابات وهذا عيب كبير؛ فالطفل الصغير يتبرع بحصالته، والذي يملك آلافاً يحرك الناس ليضربوا ضد الحكومة وليضعفوا مسيرتها ويوهنوا من قوتها!» . وتابع: «كان هذا المهرجان رسالة تُقَدَّم للآخرين، وقد جاءتنا ردود فعل من العالم العربي، ويتصلون بنا صباح مساء ويقولون: بكينا كثيراً ورسالتك وصلت، ونحن نعمل على جمع التبرعات على قدم وساق لشعبكم الأصيل والصابر المجاهد المرابط» . وأشار (أبو سالم) إلى أن ثمرات الحملة الشعبية فاقت التصور؛ فقد قُدِّمت كيلو غرامات كثيرة من الذهب في رام الله ... وأشار في الوقت ذاته إلى أن إحدى العرائس قدمت مهرها وقالت: «أنا متنازلة عن كل مهري» وفي اليوم الثاني قدمت إحدى الطالبات بالجامعة ـ علماً بأن والدها أسير ـ قدمت مهرها أيضاً. وتابع: «نحن على استعداد ليس كما قال (إسماعيل هنية) أن نعيش على الزيت والزعتر، بل على استعداد ـ وهذه رسالة معظم الشعب الفلسطيني، وأنا أتكلم باسم الشعب الفلسطيني باعتباري نائباً من النواب الذين اختارهم أكثر الشعب الفلسطيني ـ نحن على استعداد أن نأكل الخبز الناشف، ولسنا على استعداد أن نقبِّل أقدام أعداء الأمة في أي حال من الأحوال» . واستدرك: «نحن بدأنا الدعوة للتبرعات على أنها رمزية ولكن، ولأنها خرجت من قلوبنا وصلت إلى آذان العالم وقلوبهم» . واللهَ نسأل أن يلطف بالشعب الفلسطيني المجاهد، وأن ينصره على أعدائه وخاذليه إنَّه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 5633

أدب الطفولة المظلومة د. أحمد الخاني «الطفل: هو الكائن الوحيد الذي يعرف حقيقة الابتسام؛ فلا تقتلوا هذه البسمة» . بهذه العبارة أستهلُّ كتابي «في أدب الأطفال وسيكولوجية الطفل» الذي قمت بتدريسه في كلية المعلمين، وهذا الأدب مظلوم؛ لأن الطفل لا يستطيع أن يلبِّي حاجاته السيكولوجية بنفسه لنفسه كالكبار في أدبهم، والأدباء مشغولون عن هذا الأدب وعن الكتابة له؛ لأنه بشكل عام غير مربح مادياً، وقد صحت المؤسسات الثقافية متأخرة على هذا الأدب، وقررت بعض هذه المؤسسات تدريس مادة أدب الطفولة. فما تعريف هذا الأدب؟ أـ أدب الأطفال في المرحلة المبكرة هو أدب الكلمة المسموعة؛ أدب الأناشيد الشفويّة. ب ـ وأدب الأطفال هو أدب الكلمة المدونة في مرحلة الطفولة المتوسطة والواعية في مرحلة تعلّم القراءة والكتابة. وقد وضعْتُ تعريفاً لهذا الأدب ضمّنته كتابي المشار إليه. أدب الأطفال هو: «التعبير الموجَّه إلى الأطفال بأسلوب بسيط ممتع» . ü صفات أدب الأطفال: أولاً: البساطة في الشكل: فلا نختار الحروف الصعبة كحرف الصاد أو الضاد، وإنما نختار الحروف اللينة. والكلمة يحسن أن تخلو من الحروف اللّثوية وتكون قليلة الأحرف، والأفضل أن تنتهي في الأناشيد بالمدود لا بالحرف الساكن المقيد، إلا إذا كان قبله حرف مدّ. والجملة يجب ألا تكون طويلة حتى يسهل تمثّلها وحفظها وأداؤها. ثانياً: البساطة في المضمون، وهو ينقسم إلى قسمين: أـ العنصر العقلي: يجب ألاّ يكون فلسفياً، وإنما يحسن أن يكون مفرد المحور بسيطاً غير مُعقد وممّا يتعاطى معه الطفل في حياته اليومية وفي بيئته. ب ـ العنصر الوجداني: وهو العاطفة الصادقة تجاه العقيدة والرسالة والمقدسات والأبوين والبرّ بهما، وصحبة الصديق والجار. وفي المضمُون بنوعيه يحسن بل يجب أن يكون للنص رسالة وأفْضلها ما نبعت من مكارم الأخلاق، والإسلام كله مكارم أخلاق. نص شعري ـ الشجرة هيفاء يمنحها النّدى في كل فجرٍ قُبلتيْن ممشوقةً تعلو بقامتها البناءَ بطابقيْن قد شاركَتْ نجمَ السماء سجُودَه، متلازميْن تختال نشوى بالنسيم يَهُزّها من جانبيْن تُرخي جدائلَها على الشُّرُفات خُضرَ الخُصلتين وتمدُّ كفّاً للنوافذِ حاملاً عُصفورتيْن تتبادلان الشدْوَ والتسبيحَ ملءَ الخافقيْن حتى إذا حلَّ الخريفُ ومسَّ منها الوَجنتيْن اِحْمَرَّتا خَفَراً وقدْ سقط الخِمارُ عَن الغُصيْن وتطايرتْ أوراقُها، فبكَتْ بماءِ الْمُقْلتين روَّتْ بأدمُعها بساطاً من نَسيج الرّاحتيْن واستقبلَتْ بردَ الشتاء كماردٍ صفْرِ اليديْن سُبْحان ربّي، قد وَهَبْتَ لنا الهداية مرتيْن وَحْياً تنزَّلَ مُعْجِزاً، والكونَ يُبهِرُ كلَّ عيْن بروائعِ الآياتِ في الآفاقِ مِلءَ الناظريْن محيي الدين عطية

стр. 5634

الشجرة محيي الدين عطية هيفاء يمنحها النّدى في كل فجرٍ قُبلتيْن ممشوقةً تعلو بقامتها البناءَ بطابقيْن قد شاركَتْ نجمَ السماء سجُودَه، متلازميْن تختال نشوى بالنسيم يَهُزّها من جانبيْن تُرخي جدائلَها على الشُّرُفات خُضرَ الخُصلتين وتمدُّ كفّاً للنوافذِ حاملاً عُصفورتيْن تتبادلان الشدْوَ والتسبيحَ ملءَ الخافقيْن حتى إذا حلَّ الخريفُ ومسَّ منها الوَجنتيْن اِحْمَرَّتا خَفَراً وقدْ سقط الخِمارُ عَن الغُصيْن وتطايرتْ أوراقُها، فبكَتْ بماءِ الْمُقْلتين روَّتْ بأدمُعها بساطاً من نَسيج الرّاحتيْن واستقبلَتْ بردَ الشتاء كماردٍ صفْرِ اليديْن سُبْحان ربّي، قد وَهَبْتَ لنا الهداية مرتيْن وَحْياً تنزَّلَ مُعْجِزاً، والكونَ يُبهِرُ كلَّ عيْن بروائعِ الآياتِ في الآفاقِ مِلءَ الناظريْن

стр. 5635

المجلس الدولي لحقوق الحيوان ممدوح إسماعيل مع أول خيوط الصباح طار عصفور بين الأشجار في حديقة الحيوانات وهو يصرخ فيهم: بشرى لكم! فاندفعت الحيوانات جميعاً نحو قضبان الأقفاص تستطلع: ما الخبر؟ ما الخبر؟ فقال العصفور: لقد تشكل مجلس دولي لحقوق الحيوان! فقالت الحيوانات في صوت واحد وهي خلف القضبان: وماذا يعني هذا؟ فغضب العصفور وقال: يعني هذا فتح جميع الأقفاص وعودتكم جميعاً إلى حياتكم الطبيعية في الغابات وبين الأشجار. ففرحت جميع الحيوانات وقالوا في صوت واحد: أخيراً تحقق الحلم! ولكن العصفور استدرك قائلاً: ولكن ذلك بشروط، فتجهّمت جميع الحيوانات وقالت: شروط! أيّ شروط؟ قال العصفور: أول شرط أن يتقدم كل حيوان بطلب إلى المجلس يشرح حالته وأسباب حبسه في القفص والمجلس سوف يعقد جلسات وجلسات للنظر في كل حالة على حدة، ودراسة أسباب الحبس، وهل انتفت أم لا؟ ثم يصدر قراراً بشأنه. وهنا زمجر الأسد زمجرة قوية اهتزت لها جنبات الحديقة وقال بصوته الجَهْوَرِي: أي أسباب؟ نحن لم نفعل شيئاً، لقد خطفونا من ديارنا ومن بين عاداتنا وتقاليدنا، نعم! لقد خطفونا في لحظة غفلة، وأودعونا تلك الأقفاص، بل يحاصروننا ليل نهار، وكل حركة لا بد من الحصول لها على إذن، ونحن نموت فيها ببطء؟ التفت إليه العصفور قائلاً: هل قاومت؟ هل زمجرت؟ قال الأسد: وماذا أفعل غير ذلك، فردّ العصفور لقد سمعتهم يتهامسون: أن أول شروط الإفراج عنك أنت خاصة هو أن تنعدم مقاومتك تماماً، وأن لا تزمجر بصوتك المرعب نهائياً، وأن تحلق لحيتك وشاربك كي يكون شكلك لائقاً بالنظام العالمي الجديد، فصرخ الأسد في العصفور قائلاً: بهذا الشكل لن أكون أسداً مطلقاً! فردّ العصفور: هذا ما علمته، فالتفت الثعلب وهو مبتسم فرحان للعصفور قائلاً: أنا لا أقاوم ولا أزمجر ولا لحية لي ولا شارب؛ فالحمد لله، لا شرط للإفراج عني. فردّ العصفور قائلاً: يبدو ذلك، ولكن كما علمت أن مشكلتك أكبر، فوضع الثعلب يده على خده وهو يقول: مشكلتي أكبر، ما هي يا عصفور الأخبار السارة؟ قال العصفور: يقولون: إن مشكلتك أنك تفكر كثيراً، ومن شروط الإفراج أن لا تفكر، فابتسم الثعلب بمرارة وهو يقول: لا أفكر، لا أفكر! أكون حماراً مثلاً. وهنا ظهر الحمار غاضباً وهو يتمشى بين الأقفاص يجر عربة بها مخلفات الحديقة، واتجه إلى الثعلب في قفصه قائلاً: لو كنت غبياً لكنت مكانك، ولكني علمت بذكائي أنه ما باليد حيلة، فاستسلمت للحارس يوجهني كيف يشاء، ولكني حرٌّ لست مثلك في قفص، فصمت الثعلب وشرد ذهنه قليلاً ثم قال: لا بأس لن أفكر لن أفكر، ولكن هل هناك شروط أخرى يا غراب البين؟ فغضب العصفور وقال: لماذا تسبّني ولقد زففت لكم البشرى؟ على العموم شروط أخرى، منها: الاعتراف بحقوق الإناث السياسية، فبهتت جميع الحيوانات ورددوا جميعاً في صوت واحد: وما هي حقوق الإناث السياسية؟ قال العصفور: كما علمت أن منها تداول السلطة في كل فصيل؛ بمعنى إعطاء الإناث حق سلطة قيادة القطيع، والأمر والنهي والمساواة التامة مع الذكور! فسادت حالة من الهرج في الأقفاص، وانبرى غزال رقيق قائلاً للعصفور: إذا كانت هي غير مؤهلة لذلك؛ مثلاً هل تقود القطيع الغزالة وأنا أُرضع الصغار؟ كيف؟ لقد خلقنا الله كلٌّ له صفاته، هذا لا يصدق! لقد حدث خلل في الحياة! وهنا قالت الغزالة: حتى لو كنا مجانين فلن نوافق على هذه الشروط، فلِمَ يتدخلون في حياتنا؟ وهنا صرخ الثعلب: أكمل يا عصفور؛ فكل شيء ممكن التفاوض فيه أكمل! قال العصفور: الشرط الأخير قصّ الأظافر وخلع الأنياب، وعدم رد الاعتداء على الآخر واحترامه مهما فعل! انتابت الحيوانات موجة من الضحك الهستيري! ولكن الأسد كان الوحيد الذي كان يبكي بينما الثعلب الذي كان صامداً مطرقاً رأسه شارداً، التفت إلى العصفور قائلاً: لو اعتدى عليّ الآخر ولم يحترمني أو استولى على بيتي أو قتل أطفالي فماذا أفعل؟ قال العصفور: تشتكيه إلى مجلس حقوق الحيوانات! قال الثعلب: وماذا يفعل هذا المجلس؟ قال العصفور: سوف يصدر قراراً بشأنك، قال الثعلب: وماذا لو لم يمتثل المعتدي للقرار؟ قال العصفور: سوف يصدر قراراً آخر أشد قوة، وهنا أطرق الثعلب رأسه وانعقد لسانه فلم يتكلم، وفجأة صاح الأسد قائلاً للعصفور: من يرأس هذا المجلس؟ قال العصفور: أبو الذئاب هو الرئيس، والأعضاء خراف ونعاج، والذين عيّنهم الصياد هو الذي خطفكم، فصاحت جميع الحيوانات: العوض من الله! وانحدرت دموع ساخنة على وجنتي الأسد وهو يتمتم: أبو الذئاب وخراف ونعاج تملي شروطاً على الأسود! أيُّ زمن نعيش؟ وأيّ حياة تلك؟ ذلك جزاء المغفلين! والتفت الأسد إلى العصفور قائلاً بصوت جَهْوَرِي: يا عصفور! قل لهم: لن نخرج على شروطهم؛ فحياة الأقفاص وهذه القضبان، أهون من حريتهم، وسوف نبذل ما نستطيع كي نخرج من تلك الأقفاص ونستردّ حريتنا بطريقتنا، وعلى طبيعتنا. قال العصفور: لن تستطيعوا لقد أصدروا قراراً فإن لم تقبلوا الشروط فستزداد عدد القضبان الحديدية حولكم؛ لأنكم بذلك أصبحتم إرهابيين كما يقولون، قال الأسد: يكفينا أن نحاول، وإن متُّ وأنا أسد خير لي من أن أموت كالماعز! فانبرت عنزٌ قائلة: لا، لا تقل ذلك حتى أنا لا أرضى بذلك؛ فأنا أعتزّ بكل صفاتي ولن أغيرها سعياً وراء رضاهم، وهنا صاح العصفور وهو يطير بعيداً: نسيت أن أقول لكم: إنكم قبل الإفراج بعد تلك الشروط سوف تدخلون مدرسة لإعادة تأهيلكم ثقافياً.

стр. 5636

بريد القراء د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف منتدى القراء الألعاب الإلكترونية ... والغزو الانحلالي إن الغزو الملحوظ والخطير للألعاب الإلكترونية يعد نوعاً خطيراً من أنواع الغزو الذي يؤثر على عقيدة وسلوك وأخلاق وهوية وعادات الأطفال والمراهقين لدى المجتمعات الإسلامية المحافظة اليوم؛ فمحتويات هذه الألعاب تتضمن صوراً خليعة ومقاطع بذيئة وقصصاً فاحشة وخيالية، وطرق العنف المختلفة والمتنوعة، وأساليب لعب القمار وكيفية شرب الخمر. فمثلاً شريط المصارعة يحتوي على فتيات يلبسن ملابس فاضحة ويقمن بحركات ماجنة، وهو الأمر الذي يمثل غواية لأطفالنا وأبنائنا المراهقين، ونلاحظ أن الأنثى حاضرة دائماً بمجونها وإثارتها وإغرائها عبر هذه الأشرطة. ويمكن القول إن هذه الألعاب الإلكترونية أصبحت تستحوذ على عقول أطفالنا وهمومهم، فلا يكاد يخلو بيت منها حتى أصبحت جزءاً من أثاث غرفة الطفل. فقد أظهرت دراسة أجنبية مؤخراً أن ألعاب الكمبيوتر لها أضرار كبيرة على عقلية الطفل الذي يعتاد النمط السريع في تقنية وألعاب الكمبيوتر؛ حيث يواجه صعوبة كبيرة في الاعتياد على الحياة اليومية الطبيعية التي تكون فيها درجة السرعة أقل بكثير؛ مما يعرض الطفل إلى نمط الوحدة والفراغ النفسي سواء في المدرسة أو في المنزل. وأكد علماء النفس والاجتماع مراراً وتكراراً خطورة هذه الأجهزة التي أصبحت بدورها تخرج لنا شخصيات ناقصة وغير قادرة على الإنتاج والإبداع والابتكار وهذا ما يتمناه الغرب والأعداء. أخيراً يمكن القول إن مشكلتنا تتمثل في عدم وجود خطة واضحة ومحددة لكيفية شغل أوقات فراغ أطفالنا، مما يحمِّل الأسرة العبء الأكبر في تلافي أضرار هذه الألعاب؛ وهذا مصداق لقول الرسول #: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» فعلى الوالدين أن يختاروا ما يكون مناسبًا للطفل في عمره، ولا يحتوي على ما يخل بدينه وصحته النفسية. والله ولي التوفيق. عبادة نوح Nooh٢٢@hotmail.com وراء كل محنة: ابتلا|ء ونعمة التاريخ دروس وعبر، فيه سنن الله الماضية التي لا تتبدّل بتبدّل الأيام، يقرؤه ليستفيد منه كل عاقل حصيف نبيه، والفَطِنُ الأريب من يستفيد من أخطائه وتجاربه، ويتّعظ بمن حوله من الناس، ويعلم أن بكل رزيّة وبليّة فائدة ونعمة. ونحن الآن وفي هذه الظروف العصيبة التي تمرُّ بالأمة الإسلامية، من حروب واستعمار وقتل وتشريد وإذلال وهدم وحرق وسلب وتسلّط وتحكّم وتضييق ومنع للحقوق ودعاوى للتغريب والتنصير.. يجب علينا أن نطرح هذه الأزمات على مائدة الدراسة والتشريح لتمييز ما فيها من نافع وضارّ؛ مع البعد عن الآنيَّة واللحظية. وأنا معك أيها القارئ الكريم، أن أغلبها ضارٌّ ومقيتٌ وموجع، ولكن! لا تخلو المحنة من منحة، ودعونا نختصر المسافات ونبدأ بالنافع، ونقصر الحديث عليه؛ ليس لشيء من التقليل والتهوين من خطر الضار؛ بل لمعرفتنا به ولاتّفاقنا واجتماعنا عليه. وكذلك لأن النافع قد يخفى على معظم أبناء الأمة الإسلامية لشدّة مكابدتهم للضار من هذه المصائب. لذلك فإن مصبَّ حديثنا اليوم عن المنافع التي من وراء تلك الحروب والأزمات تأكيداً لها وتنبيهاً عليها وفتحاً لباب الأمل والرجاء. لقد فرضت أمريكا على نفسها سياسة متعجرفة ضد البشرية والإنسانية، لا يجهل ذلك عاقل، ولكنها حين فرضت تلك السياسة فاتَها جانبٌ لم ولن تستطيع أن تسوسه لنفسها، أو دعونا نقول: فتحت على نفسها باباً لا تستطيع مهما صنعت أن تغلقه. فهي اليوم وبسياستها تلك تسهم في شدِّ انتباه العالم للإسلام ومبادئه؛ فكم من الآلاف الذين قد أسلموا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهي أيضاً تسارع في صنع النفوس الأبيّة التي ترفض سياستها، وتبني في المجتمعات الإسلامية حواجز تمنع من أن يخترقها كل معادٍ لها، وفتحت باباً للوعي بين الشعوب بحقوق كل شعب وفرد، وصعدت المقاومة ضدها وضد أيّ استعمار، ومكّنت الشعوب من حقها في التعبير عن مشاعر الرفض لسياستها، وأعطت أبناء المجتمعات الإسلامية فكرة كاملة عن الأنظمة الوضعية التي تُحكَم بها تلك المجتمعات، وعمن يحكم بها. وأمريكا اليوم وبسياستها تلك تصنع ما صنعه ملك أصحاب الأخدود لذلك الغلام الذي عرف الله فعبده، ودعا جليس الملك فأسلم بعد أن أعاد له بفضل الله بصره، فلما بلغ أمرهم الملك أتى بهم خوفاً من أن يُسْلِمَ قومه كلهم فعذّبهم وقتل الراهب والأعمى، وحاول أن يقتل الغلام ـ بعد أن عذّبه ـ فلم يفلح إلا بطريقةٍ وصفَها الغلام للملك كانت سبباً لإسلام قوم الملك. وهذه القصة معروفة (١) ، لكن لعله فات الكثير منا أن ينتبه لها وأن يقارن بينها وبين أمريكا اليوم، وما تصنعه من سياسة تحاول فيها القضاء على الإسلام والمسلمين. وأخيراً: أقول: إن دين الله لا بد أن يُنشر بين الناس، فإن لم نكن نحن من ينشره؛ فإن الله سينشره بغيرنا. وفاء مرزوق (١) للاطلاع على تفاصيل تلك القصة يرجع ـ مثلاً ـ لكتاب: صحيح القصص النبوي للدكتور عمر الأشقر، ص ٣٠٣. «السلام قاعدة والحرب استثناء» إن السلام ليس نقيضاً للحرب؛ لأن الحرب تقابل السلم، وهذا الأخير يعني أن الناس يمكن أن يعيشوا في حالة السلام الجزئي في ظل اضطراب الأوضاع وسوء الأحوال وغياب الاستقرار. وأما السلام فمفهوم شامل وحالة متكاملة لها أبعادها الإنسانية وأسسها المركزية ومراكزها الأساسية وقواها التي تنظمها وتضبط حركتها في منأى عن رجحان الاقتتال والمواجهات العسكرية؛ وذلك من خلال تحقيق سلام الفرد وسلام الأسرة وسلام المجتمع وسلام العالم، وما في ذلك من توفير عوامل ديمومة الأمة والاستقرار والطمأنينة. والسلام وفق هذا المفهوم يعني حالة من الاستقرار الدائم الذي يشمل العالم بأسره وهو قاعدة الإسلام الدائمة واستراتيجيته المستمرة في كل زمان، وغايته الأسمى في الدنيا والآخرة. ولا يخفى على أحد أن السلام تحية الإسلام «السلام عليكم: أي عليكم منا الأمان والطمأنينة» وتأتي الإجابة «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» ومعناها أن عهدنا وعهدكم واحد بأن يتناول الاستئمان والرحمة والمودة في ظلال وارفة من رحمة الله. والحرب في الإسلام لا تقوم على أساس الظلم والتوسع والعدوان على الآخرين أو السيطرة على مقدراتهم وثرواتهم، أو نهب خيراتهم، أو سلب معتقداتهم، أو الإطاحة بعروش حكامهم، أو رغبة في الإجهاز على حضارتهم أو إفنائهم أو الاعتداء على صوامعهم وأديرتهم، بل هي حرب تقوم على من يقف حجر عثرة في وجه الدعوة السمحة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ، وهكذا نرى أن الحرب ضرورة يمليها جحود من يقف شاهراً سيفه في وجه الدعوة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤] . أجل الحرب ضرورة، والسلم قاعدة، والسلام استراتيجية لها ركائزها وأجندتها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] . سليمان محمد الناصر بريد القراء - الأخت الفاضلة أم عبد الرحمن (القصيم ـ السعودية) : نشكر لك حسن ظنك وثناءك على منهج المجلة، وهو طريق سارت عليه المجلة ما يربو على عشرين عاماً، وبتثبيت من الله وعونه ثم بك وبأمثالك تستمر مسيرة العطاء. ومرحباً بكِ قارئة للمجلة. - الأخ الكريم مصطفى عبد الحافظ (المنوفية ـ مصر) : مرحباً بك قارئاً للمجلة، ونشكر لك ثناءك على ما تحتويه من مقالات، وبخصوص اقتراحكم (إصدار دائرة معارف إسلامية) فهذا مشروع كبير يحتاج جهوداً وإمكانات فلعلها تنال حكمها من الدراسة إن شاء الله. - الأخ الفاضل محمد آل تميرك: اقتراحك محل نظر هيئة التحرير. - الأخ العزيز إبراهيم محمد المسلم (السعودية) : نشكر لك غيرتك، والموضوع بحق كبير ويحتاج إلى معالجة، ولعل الله أن ييسر ذلك. - الأخ (أبو رؤى) محمد الحكمي: نشكر لك جميل عبارتك، وموضوع الأسرى المسلمين تناولته المجلة في ملف متكامل ضمن العدد ٢٠٥، ومع ذلك نشاطرك الرأي أن الموضوع بحاجة إلى أن يطرق بأكثر من صورة، وأن تتعاون وسائل الإعلام المختلفة وبخاصة التي تحمل هموم الأمة في ذلك. - الأخ الفاضل نجيب الحيدري (السعودية) : نشكر لك اقتراحك القيّم وهو محل اهتمام هيئة التحرير، ولعلك تراه في المستقبل بإذن الله. - الأخ العزيز تركي العثمان (الرياض) : نشكر لك غيرتك على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعلك ترى ملفاً متكاملاً حول هذا الموضوع في أحد الأعداد القادمة بإذن الله. - الأخ الفاضل الأمين الحاج محمد رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان: نشكر لك غيرتك على صفاء المنهج، وقد أُرسلت لك رسالة عبر البريد الإلكتروني حول ما ورد في الرسالة، ومرحباً بك كاتباً وقارئاً للمجلة. - تردنا أحياناً بعض المقالات غير الموقعة بأسماء أصحابها أي (بدون اسم) ولهذا السبب نعتذر عن نشرها.

стр. 5637

سياسات منظمات العولمة الاقتصادية في ضوء الشريعة الإسلامية د. ناصح بن ناصح المرزوقي البقمي ü مقدمة: مصطلح العولمة من أكثر المصطلحات المعاصرة انتشاراً وغموضاً في الوقت نفسه؛ ولذلك يتساءل كثير من الناس عن معنى هذا المصطلح: هل هو جعل الأنظمة السياسية الموجودة في العالم على نمط سياسي واحد؟ أم فتح الأسواق وإلغاء القيود والحواجز الاقتصادية بين الدول؟ أم تصدير ثقافة معينة ينبغي لها أن تسيطر وتفوق غيرها من الثقافات؟ أم أن العولمة هي كل ما تقدم، بل وربما أكثر؟ ثم يأتي السؤال الأهم وهو: ما حكم العولمة في الإسلام؟ وما موقف المسلمين منها؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، عُقدت كثير من المؤتمرات والندوات والمحاضرات، بغية تجلية هذا الأمر وبيان الموقف منه. إلا أن ما قُدِّم فيها وبخاصة في مجال العولمة الاقتصادية كان يعاني أمرين: طرحَ الموضوع والتعمق فيه من الناحية الاقتصادية دون بيان الحكم الشرعي، أو طرحاً إسلامياً عاماً لا يضع النقاط على الحروف؛ فلا يبين الحكم الشرعي بعد دراسة الظاهرة دراسة وافية، ولا يطرح حلولاً تفصيلية وسياسات شرعية يمكن تطبيقها في الواقع. فمعظم الكتابات الإسلامية التي صدرت اتسمت بالعمومية وعدم التعمق؛ حيث اشتملت على أحكام متعجلة وتوصيات أقرب إلى التمنيات منها إلى الحلول والسياسات، باستثناء بعض الرسائل العلمية القليلة جداً التي تناولت أجزاء يسيرة من هذا الموضوع الضخم. ولا شك أن تشعب الموضوع وتعقيده قد حال دون الوصول إلى المقصود. وإسهاماً مني في تجلية هذا الأمر، فقد أعددت رسالة علمية في هذا الموضوع (١) بينت فيها أن العولمة لها معنيان: معنى معلن، ومعنى خفي. فالمعنى المعلن للعولمة عند أصحابها والمؤيدين لها هو: زيادة درجة الارتباط المتبادل بين الدول والمجتمعات الإنسانية من خلال: انتقال السلع، ورؤوس الأموال، وتقنيات الإنتاج، والأشخاص، والمعلومات. أما المعنى الخفي للعولمة فهو نشر القيم الرأسمالية في العالم، وجعله يسير وفقاً للنموذج الغربي في المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية. وتعني العولمة الاقتصادية على وجه الخصوص: نشر القيم الاقتصادية الرأسمالية في العالم مثل: الحرية الاقتصادية، وجعل الأسعار خاضعة للعرض والطلب، وعدم تدخل الحكومات في النشاط الاقتصادي، وفتح الأسواق، وربط اقتصاد الدول النامية بالاقتصاد الغربي. والمعنى الخفي هو الراجح في نظري. وأما أهدافها فهي أهداف معلنة، وأهداف خفية يمكن استشعارها. فمن المعلنة: تحرير أسواق المال والتجارة العالمية وزيادة حجمها، وزيادة الإنتاج والنمو الاقتصادي العالمي، وحل المشكلات الإنسانية المشتركة. ومن الأهداف الخفية: هيمنة الدول الغربية على الاقتصاد العالمي، والتحكم في مركز القرار السياسي العالمي، وفرض السيطرة العسكرية والثقافية على الشعوب النامية. ولتحقيق تلك الأهداف تستعمل أدوات منها: المنظمات الاقتصادية الدولية، والشركات متعددة الجنسية، وأدوات الاستثمار الأجنبي غير المباشر، والاتحادات الاقتصادية الدولية، والعقوبات الاقتصادية، ووسائل الإعلام والاتصال المختلفة ومنها شبكة المعلومات الدولية. وأما أسباب بروز مصطلح العولمة في هذا الوقت فمنها: انهيار الاتحاد السوفييتي، وإنشاء منظمة التجارة العالمية، وتزايد قوة الشركات متعددة الجنسية، وظهور أقطاب اقتصادية جديدة في الدول النامية ـ وبخاصة في قارة آسيا ـ تنافس الدول الصناعية الغربية. وللعولمة الاقتصادية آثار ضارة وآثار نافعة. فمن الآثار الضارة: استنزاف الدول الصناعية الغربية لموارد الدول النامية، وإضعاف سلطة تلك الدول على اقتصاداتها وقدرتها على رسم سياسات اقتصادية مستقلة، وإضعاف النظم الاقتصادية المنافسة للنظام الاقتصادي الغربي كالنظام الاقتصادي الإسلامي، وتحويل المجتمعات النامية إلى مجتمعات استهلاكية، وغلاء المعيشة في الدول النامية، وزيادة العجز في موازين مدفوعاتها، والقضاء على كثير من المنشآت فيها التي لا تقوى على المنافسة، وارتفاع معدل البطالة، وعدم استقرار أسواق المال فيها، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء. ومن الآثار النافعة: زيادة فرص تصدير سلع الدول النامية التي تمتلك فيها مزايا نسبية إلى أسواق الدول المتقدمة، وإمكانية حماية حقوقها التجارية ومواجهة الإغراق باللجوء إلى جهاز فض المنازعات التجارية في منظمة التجارة العالمية، ووجود معاملة تمييزية في بعض الحالات لمصلحة الدول النامية. وأهم منظمات العولمة الاقتصادية هي: البنك الدولي للتعمير والتنمية، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. وهي المنظمات التي تضطلع بمهمة التخطيط للعولمة الاقتصادية وتنفيذها في الوقت نفسه بتوجيه من الدول الغربية وشركاتها وبخاصة متعددة الجنسية منها. فهي سلسلة مترابطة؛ فالشركات تضغط على حكوماتها والحكومات تضغط على تلك المنظمات لكي تخطط وتنفذ مشروع العولمة، وتضع السياسات التي تحقق أهداف العولمة الاقتصادية الخفية. وسنبين في المبحث الأول سياسات منظمات العولمة الاقتصادية، وفي المبحث الثاني سنبين خلاصة حكم تلك السياسات في الشريعة الإسلامية دون ذكر الأدلة والخلافات؛ ومن أراد التفاصيل فيمكنه الرجوع إلى الأصل. ü المبحث الأول: سياسات منظمات العولمة الاقتصادية: باستقراء سياسات منظمات العولمة الاقتصادية وتتبعها، وبالرجوع إلى ما تصدره منظمات العولمة الاقتصادية من تقارير ودراسات، اتضح أن هذه السياسات تنقسم إلى ثلاثة محاور رئيسة هي: المحور الأول: سياسات القضاء على العجز في الموازنة العامة للدولة، وأهمها: سياسة إلغاء دعم الأسعار أو تخفيضه، وسياسة الخصخصة، وسياسة الإصلاح الضريبي. المحور الثاني: سياسات القضاء على الفجوة بين الادخار والاستثمار، وأهمها: تحرير معدل الفائدة المصرفية، وإنشاء سوق حرة للأوراق المالية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر. المحور الثالث: سياسات القضاء على العجز في ميزان المدفوعات، وأهمها: تخفيض قيمة العملة المحلية، وإلغاء الرقابة على سوق الصرف الأجنبي، وإزالة القيود على الاستيراد وفتح الأسواق. وفيما يلي بيان موجز لهذه السياسات: ü المطلب الأول: سياسات معالجة العجز في الموازنة العامة: تهدف سياسات الصندوق والبنك إلى معالجة العجز في الموازنة العامة، بمجموعة من السياسات، بعضها يتعلق بزيادة الموارد، وبعضها يتعلق بتقليص النفقات، وهو ما يحقق هدفاً آخر هو تخفيض التضخم. وأهم هذه السياسات هو: إزالة دعم الأسعار أو تخفيضه، والخصخصة، والإصلاح الضريبي. وفيما يلي الحديث عن كل واحدة منها بإيجاز. ü أولاً: إلغاء دعم الأسعار أو تخفيضه: ينقسم الدعم إلى قسمين رئيسين: ١ ـ دعم الأسعار: وهو المال الذي تدفعه الحكومة للبائعين والمنتجين المحليين لتخفيض أسعار السلع والخدمات التي يعرضونها، لكي تصبح ملائمة للناس جميعهم، أو بغرض تشجيع قطاع من القطاعات الإنتاجية، لتمكين المنتجين المحليين من المنافسة في السوق الداخلية والتصدير إلى الأسواق الخارجية. فالدعم إذن، أو الإعانة كما يسمى أحياناً، مساعدة تدفعها الدول النامية إما لأسباب اجتماعية، فتخفض أسعار بعض السلع الضرورية اللازمة للمستهلكين ومنها السلع الاستهلاكية الأساسية مثل: الخبز، والأرز، والسكر، والحليب، والزيوت النباتية، وبعض الخدمات كالكهرباء والمياه والوقود، وإما لأسباب اقتصادية، فتدفع تلك المعونة لمنتجي سلعة معينة لتمكينهم من منافسة السلع الأجنبية. ويتخذ دعم الأسعار صوراً عدة منها: الإعانات المباشرة للبائعين للبيع بسعر منخفض، وإعانة الصادرات، وفرض رسوم على الواردات لحماية الإنتاج المحلي، وشراء الدولة للسلع من المنتجين بأسعار تشجيعية. وهدف الدول النامية من التدخل في نظام الأسعار ـ ومنه الدعم ـ هو الحد من آثار حرية عوامل العرض والطلب الضارة بمعيشة الفقراء وذوي الدخول المنخفضة؛ وذلك لأن قانون العرض والطلب لا يمكن الاعتماد عليه اعتماداً كاملاً لتحقيق التوزيع الأفضل للموارد؛ وقد يترتب عليه أحياناً إهمال المصلحة العامة. ٢ ـ دعم الدخول وهو الدعم المدفوع للفقراء لزيادة دخولهم وتمكينهم من شراء لوازمهم الضرورية. ويتخذ عدة صور منها: المنح الدراسية، وإعانات الإغاثة، والإعانات التي تصرفها الحكومة ومؤسسات الخدمة الاجتماعية، والزكاة والصدقات التطوعية. والدعم الذي تطالب منظمات العولمة الاقتصادية بإزالته أو تخفيضه هو دعم الأسعار فقط دون دعم الدخول. وهي تطالب بتخفيضه لتحقيق هدفين: الأول: تقليص نفقات الدولة. فإزالة الدعم سيوفر على الدولة الأموال التي كانت تدفعها لدعم تلك السلع والخدمات، مما يخفض النفقات في الموازنة العامة، ويمكّن الدولة من توجيه تلك الأموال إلى مجالات أخرى. الثاني: توزيع الموارد الاقتصادية توزيعاً أفضل. ويزعم خبراء صندوق النقد الدولي وجود درجة كبيرة من الانحرافات في الأسعار النسبية في البلدان النامية، بسبب تدخل الدولة الكبير في الاقتصاد، الذي يؤدي إلى ظهور عدم التوازن على الصعيدين الداخلي والخارجي. كما يرى خبراء البنك الدولي أن سياسات الدعم تتطلب أموالاً كثيرة، ولا تفيد الفئات الفقيرة غالباً، بل تفيد الفئات ذات الدخل المرتفع والدخل المتوسط. ولا يمكن أن تكون سياسة دعم المستهلك مفيدة إلا إذا اقتصرت على الفئات ذات الدخل المنخفض، مع إمكان السيطرة على أعباء ذلك الدعم وتحملها، دون اللجوء إلى وسائل تضخمية أو معرقلة لنظام الأسعار. وبناء على ذلك يوصي خبراء الصندوق باتباع إجراءات منها: إزالة الدعم المدفوع لمنتجي المواد الغذائية الأساسية، وإزالة الدعم المدفوع للمنشآت الحكومية. كما طالبت منظمة التجارة العالمية بإلغاء الدعم ووسعت معناه، ليشمل كل مساهمة مالية تدفعها الحكومة أو أية هيئة عامة، تتحقق منها منفعة لمن يحصل عليها. وقد تكون هذه المساهمة قروضاً أو ضماناً لقروض، أو نزولاً من الحكومة عن دخل، كالإعفاءات الضريبية أو الجمركية، أو تقديم خدمات أو سلع معينة، أو شراء منتجات معينة. وقد قسمت المنظمة الدعم إلى ثلاثة أقسام: ١ ـ الدعم المحظور الذي يستدعي إجراءات مضادة. ومن أمثلته: أـ دعم تشجيع الصادرات كضمان التصدير، وفتح اعتمادات للتصدير بفائدة تقل عن فائدة اقتراض الحكومة، واستعمال مواد مدعومة لإنتاج سلع تصديرية، والإعفاء من الضرائب. ويستثنى من هذا الدعم المحظور: دعم الصادرات بالنسبة إلى الدول الأعضاء الأقل نمواً وكذلك الدول النامية التي يقل متوسط دخل الفرد السنوي فيها عن ١٠٠٠ دولار أمريكي. ب ـ الدعم المشروط باستعمال مواد محلية في إنتاج السلع المحلية بدلاً من المواد المستوردة. ٢ ـ الدعم المسموح به الذي قد يستدعي التقاضي، وهو الدعم الموجه إلى سلعة أو خدمة أو صناعة أو قطاع أو منطقة معينة. ويكون هذا الدعم ضاراً بمصالح الدول الأعضاء، ويسوِّغ التقاضي وإقامة الدعوى في الحالات التالية: أـ إذا تعدى هذا الدعم نسبة ٥% من قيمة السلعة. ب ـ إذا خصص هذا الدعم لتغطية خسائر المشروعات. ج ـ إذا أعفت الحكومة المشروعات العامة من الديون المستحقة عليها. أما ما تقدمه الدولة من دعم ضمن برامج الخصخصة للمساعدة على تأهيل المشروعات العامة للبيع أو لزيادة جاذبيتها للقطاع الخاص، فلا يعد من الدعم الذي يسوِّغ التقاضي. ٣ ـ الدعم المسموح به الذي لا يستدعي إجراءات مضادة ولا يسوِّغ التقاضي، مثل: أـ دعم برامج البحوث والتطوير التي تؤديها الشركات أو تعهد بها إلى مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحوث. ب ـ دعم المناطق الأقل نمواً في الدولة. ج ـ دعم تكييف مرافق الإنتاج لتتطابق مع المتطلبات الجديدة للبيئة. وتطالب المنظمة الدول المتقدمة بتخفيض دعمها للإنتاج المحلي الزراعي بنسبة ٢٠% وتخفيض دعمها للصادرات الزراعية بنسبة ٣٦% خلال ست سنوات، وتطالب الدول النامية بتخفيض دعمها المحلي بنسبة ١٣% وتخفيض دعمها للصادرات بنسبة ٢٤% خلال عشر سنوات، وتعفى الدول الأقل نمواً من التخفيض. ü ثانياً: الخصخصة: عرّفت الخصخصة بأنها «العملية التي يقصد بها التعاقد على إدارة وتشغيل، أو نقل ملكية، العمليات والمشاريع، أو المؤسسات الحكومية، إلى القطاع الخاص» . بل إن الدراسات الحديثة قد توسِّع المعنى ليشمل بناء وتأسيس القطاع الخاص لمشروعات عامة، لينتفع بها فترة محددة من الزمن، ثم تؤول ملكيتها إلى الدولة. والخصخصة تعد من أهم سياسات منظمات العولمة الاقتصادية المقترحة لمعالجة العجز في الموازنة العامة؛ حيث تطالب منظمات العولمة الاقتصادية وبخاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، البلدان النامية بهذه السياسة. وذلك لتحقيق هدفين: الأول: تخفيض نفقات الدولة ومن ثم تخفيض العجز في الموازنة العامة، والثاني: زيادة كفاءة المشروعات العامة واستعمال الموارد الاقتصادية استعمالاً أفضل. وفي رأي خبراء البنك أن الأداء الاقتصادي المنخفض وربما الخاسر لمؤسسات القطاع العام يعود إلى ما يلي: ١ ـ ربط الأهداف الاجتماعية بالأهداف الاقتصادية. فالدول النامية توجه قطاعها العام وشركاتها العامة، لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية مختلفة، مثل: زيادة حجم التوظيف، ومعالجة التضخم، وتخفيض أسعار منتجات المشروع لمصلحة الفقراء ومحدودي الدخل. ٢ ـ خضوع هذه المشروعات والشركات، لتدخل مركزي صارم من جانب الدولة وبيروقراطية شديدة، مما يفقدها استقلالها. ٣ ـ تحديد بيع المنتجات بأسعار لا تتفق وقانون العرض والطلب. ٤ ـ عدم وجود نظم كافية للحوافز وتنمية المهارات الإدارية. ٥ ـ عدم محاسبة مديري هذه المشروعات على النتائج الحقيقية لمشروعاتهم. ٦ ـ عدم وجود المنافسة الخارجية، حيث تتمتع هذه المشروعات بالحماية الجمركية غالباً. وعلى هذا، فإن قروض التكييف الهيكلي التي يقدمها البنك، تهدف إلى علاج مشكلات القطاع العام بما يلي: ١ ـ إبعاد هذه المؤسسات تماماً عن الأهداف الاجتماعية والسياسية. ٢ ـ إدارة هذه المؤسسات على أسس تجارية بحتة، برفع أسعار منتجاتها لتتوافق والأسعار العالمية، وإلغاء الدعم المخصص لها. ٣ ـ عدم احتكارها للسوق المحلي وتعريضها للمنافسة الأجنبية. ٤ ـ منحها الاستقلال في الإدارة والتسعير والتوظيف. وإذا لم تكن وصفة الإصلاح هذه قابلة للتنفيذ، فإن البنك يقدم ثلاث توصيات: الأولى: إلغاء هذه المشروعات وبخاصة الخاسرة منها. الثانية: بيع المشروعات المملوكة للدولة إلى القطاع الخاص، أو إشراك رأس المال الأجنبي في ملكيتها. الثالثة: انسحاب الدولة من إدارة الخدمات ذات الطابع العام كالكهرباء، ومياه الشرب، والصرف الصحي، والإسكان وغيرها، تاركة إدارتها للقطاع الخاص، وذلك لتخفيف العبء المالي على الموازنة العامة. ü ثالثاً: الإصلاح الضريبي: الضريبة عند علماء المالية العامة هي: «اقتطاع مالي، تقوم به الدولة عن طريق الجبر من ثروة الأشخاص الآخرين، ودون مقابل خاص لدافعها، وذلك بغرض تحقيق نفع عام» . وتنقسم الضرائب إلى قسمين رئيسين: ١ ـ ضرائب مباشرة وهي التي تُفرَض على المال عند اكتسابه. ومن أهم أنواعها ما يلي: أـ الضريبة على الدخول مثل: دخول الأشخاص كالرواتب والأجور، ودخول المهن الحرة، وعائد رأس المال، وريع العقارات، وأرباح الشركات. ب ـ الضريبة على الثروات والتركات. سواء كانت للأفراد الطبيعيين أم للشركات، وسواء كانت أصولاً ثابتة مثل: الأموال العقارية، أو أصولاً منقولة مثل: الودائع البنكية، والأوراق المالية كالأسهم والسندات. ٢ ـ ضرائب غير مباشرة وهي التي تفرض على المال عند إنفاقه. ومن أهم أنواعها ما يلي: أـ الضريبة على القيمة المضافة: وتفرض على الزيادات التي تتحقق في قيمة الإنتاج في كل مرحلة من مراحل الإنتاج. ب ـ الضريبة على الإنتاج: وتفرض بنسبة معينة من قيمة الإنتاج على أنواع معينة من السلع المنتجة محلياً، إلا أنها لا تشمل السلع جميعها وإنما بعض السلع التي تختارها الحكومة، لذا تسمى أحياناً: الضرائب الانتقائية. ج ـ الضريبة العامة على المبيعات: وتفرض على القيمة النهائية للسلع والخدمات عند بيعها. وعادة تفرض بمعدلات موحدة على السلع الاستهلاكية جميعها. كما أنها تفرض مرة واحدة في إحدى مراحل توزيع السلع، إما على مبيعات الجملة، أو على مبيعات التجزئة، أو على المبيعات إلى المستهلك النهائي. د ـ الضرائب على الصادرات والواردات وهي المسماة بالرسوم الجمركية. ويرى البنك الدولي أن الهياكل الضريبية في معظم الدول النامية غير ملائمة لما يلي: أـ أنها معقدة وتصعب إدارتها والامتثال لأحكامها. ب ـ أنها غير مرنة فلا تستجيب لمتطلبات النمو وتغير هيكل النشاط الاقتصادي. ج ـ أنها غير منصفة؛ حيث تعامل الأفراد ودوائر الأعمال التي تتشابه أوضاعها تعاملاً متفاوتاً. كما تتم إجراءاتها بشكل انتقائي، فتحابي ذوي القدرة وتساعدهم على عدم الخضوع للنظام. د ـ أنها غير فعالة؛ حيث تؤدي إلى آثار اقتصادية خطرة، وتسفر عن حصيلة ضئيلة نسبياً في الغالب. ولتحقيق الإصلاح الضريبي عند خبراء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ينبغي تحسين عائد الضرائب الموجودة، وزيادة مرونة النظام الضريبي، وإدخال إصلاحات على إدارة الضرائب، وعلى طريقة تحصيل الموارد، وربما إضافة ضرائب جديدة. ومن الإجراءات المقترحة من صندوق النقد الدولي في هذا الخصوص ما يلي: ١ ـ تخفيض الضرائب على الدخول وعوائد رؤوس الأموال المستثمرة في القطاع الخاص. ٢ ـ إعفاء أرباح ودخول الاستثمارات الجديدة من الضرائب، من أجل حفز المستثمرين على زيادة معدلات استثماراتهم في المجالات ذات الأهمية وبصفة خاصة قطاع الصادرات. ٣ ـ تقديم تسهيلات جمركية على الواردات الاستثمارية والوسيطة للمشروعات الجديدة؛ لتخفيض قيمة الإنتاج وزيادة معدلات العائد على الاستثمار فيها. ٤ ـ زيادة معدلات الضرائب غير المباشرة كضريبة المبيعات، وبخاصة على السلع الكمالية ومنتجات الصناعات التحويلية والخدمات المحلية. ويتلخص الإصلاح الضريبي في نظر خبراء البنك الدولي فيما يلي: ١ ـ توسيع نطاق الوعاء الضريبي، وتخفيض نسب الضرائب الموجودة، والحد من المبالغة في درجات التصاعد الضريبي. ٢ ـ فرض الضرائب على الأنشطة التي لم يفرض عليها ضرائب، مثل الأنشطة الزراعية والعقارية. ٣ ـ التنسيق بين فرض الرسوم الجمركية وفرض الضرائب على المبيعات. ٤ ـ مساواة معدلات الضرائب على أرباح الشركات بمعدلات الضرائب على أرباح رأس المال في الخارج. ٥ ـ جعل الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات ذات وزن نسبي كبير بين مكونات الهيكل الضريبي المنشود. ويؤكد خبراء البنك الدولي أن فرض ضريبة المبيعات العامة ذات الوعاء المتسع، وضريبة القيمة المضافة، يجب أن يكون عنصراً مهماً في برامج الإصلاح الضريبي في الدول النامية؛ حيث إن فرض مثل هذه الضريبة سوف يترتب عليه تحصيل موارد كثيرة، وحفز الأفراد على زيادة الادخار والاستثمار. ٦ ـ يجب أن يتسم الإصلاح الضريبي باستقرار السياسة الضريبية، والتشاور المسبق بشأنها، وإتاحة الفرصة للتصحيح قبل التنفيذ؛ مما يرسخ ثقة قطاع الأعمال في الإصلاح الضريبي. ü المطلب الثاني: سياسات منظمات العولمة الاقتصادية لمعالجة الفجوة بين الادخار والاستثمار: تعاني البلدان النامية نقصاً شديداً في الادخار وفي الوقت نفسه تحتاج إلى استثمارات كبيرة، وينتج عن ذلك وجود فجوة كبيرة بين الادخار والاستثمار، مما يعيق تحقيق تنمية حقيقية في هذه الدول. وهذه الفجوة تعد خللاً من وجهة نظر صندوق النقد الدولي، يتطلب معالجته بعدة سياسات أهمها: تحرير معدل الفائدة المصرفية، وتطوير سوق الأوراق المالية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر. وفيما يلي الحديث بإيجاز عن تلك السياسات. أولاً: تحرير معدل الفائدة المصرفية: يقصد بالتحرير هنا إلغاء القيود المفروضة على معدلات الفائدة وتركها لقانون العرض والطلب؛ لأن السلطات النقدية في كثير من البلدان النامية تفرض حدوداً قصوى لمعدلات الفائدة الاسمية؛ مما يجعل معدلات الفائدة الحقيقية سالبة في الدول التي تزداد فيها معدلات التضخم عن معدلات الفائدة الاسمية. كما أنها تؤدي إلى وجود معدلات متعددة للفائدة حسب أولوية القطاعات الاقتصادية. وقد تلجأ تلك السلطات إلى مثل هذه السياسة، لتشجيع الاستثمار في بعض القطاعات أو للمساهمة في تمويل عجز الموازنة العامة، بإقراض بعض المشروعات المملوكة للدولة بمعدلات فائدة منخفضة، أو اشتراط الحكومة على المصارف التجارية أن تشتري سندات حكومية بفوائد منخفضة. وهذا الإجراء لا يشجع المدخرين على إيداع أموالهم؛ بسبب انخفاض معدل الفائدة، فيبقى الادخار في المصارف منخفضاً، وتبقى مشكلة فجوة الموارد المحلية. ومنذ بداية الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي أخذ الصندوق يوجه النظر إلى الانحراف الكبير الذي يؤثر في تشكيل معدلات الفائدة في البلدان النامية، ودعا إلى إعادة نظر شاملة للفكر الذي تطرحه النظرية الكينزية لتنظيم القطاع المالي، الذي يجعل الادخار مرتبطاً بالدخل وغير مرن بالنسبة إلى معدل الفائدة، وأنه يجب المحافظة على معدل الفائدة عند مستوى منخفض. وفي نظر خبراء الصندوق تنتج هذه السياسة المشوهة لمعدل الفائدة، أوضاعاً متعددة من الخلل المالي كما يلي: ١ ـ إضعاف حافز الادخار المحلي، مما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال إلى الخارج. ٢ ـ توجه الاستثمارات إلى مجالات غير منتجة. ٣ ـ توجيه التسليف المصرفي إلى القطاعات ذات الأولوية مثل القطاع الزراعي، وترك القطاعات التي لا تتمتع بالأولوية كقطاع التجارة. ٤ ـ تحديد مستويات منخفضة لمعدلات الفائدة الاسمية، مما يجعل معدلات الفائدة الحقيقية سالبة بسبب التضخم. لذلك، يطالب الصندوق بتحرير معدل الفائدة وتركها لعوامل العرض والطلب، بحجة أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاعها بمعدلات أعلى من معدل التضخم مما يشجع أصحاب الأموال على إيداع أموالهم في البنوك، وزيادة المدخرات المحلية ومن ثم توجيهها نحو الاستثمار. فهدف هذه السياسة هو جذب رأس المال المحلي والأجنبي بالإضافة إلى إيقاف الانخفاض في أسعار صرف العملات المحلية. ويرى خبراء الصندوق أن تحقيق معدلات فائدة عالية يكون بما يلي: ١ ـ تحرير معدل الفائدة مما سيؤدي إلى ارتفاعها ويشجع على الادخار، ويمنع هروب رؤوس الأموال. وهذا يشمل معدلات الفوائد التي يحددها المصرف المركزي. ٢ ـ أن يكون استعمال معدلات الفائدة لتوجيه التسليف أو الائتمان نحو قطاعات معينة، في أقل الحدود، ليقل عدد المعدلات المحددة إدارياً. ٣ ـ إقامة نظام لتحديد معدلات الفوائد على مراحل متعاقبة، باتجاه تحريرها وإخضاعها لعوامل السوق؛ حيث لا تتدخل الدولة ولا مصرفها المركزي إلا بالتوجيه بإصدار سندات على الخزانة وطرحها للتداول في السوق. ثانياً: تطوير سوق الأوراق المالية: عُرّفت السوق المالية بأنها «السوق التي يتم فيها التعامل بالأوراق المالية بيعاً وشراء؛ بحيث تشكل القنوات الرئيسية التي ينساب فيها المال من الأفراد والمؤسسات والقطاعات المتنوعة، بما يساعد على تنمية الادخار وتشجيع الاستثمار من أجل مصلحة الاقتصاد» . وتتسم الأسواق المالية في الدول النامية ـ في نظر خبراء الصندوق والبنك الدوليين ـ بضيق نطاقها وعدم تنوع هياكل أصولها المالية، نتيجة للعوامل التالية: ١ ـ عدم وجود الإطار القانوني والتنظيمي والضريبي الملائم. ٢ ـ اقتصار السوق على مجموعة من البنوك التجارية التي ينصرف نشاطها إلى تمويل التجارة الخارجية. ٣ ـ استئثار البنك المركزي وشركات التأمين الكبرى بنسبة كبيرة من السندات في ذلك السوق. ٤ ـ إخفاق أسواق السندات في جذب المدخرات المحلية؛ بسبب ضيق نطاقها من ناحية، ودعم أسعار السندات الحكومية من البنك المركزي من ناحية أخرى. ٥ ـ انخفاض الوعي المصرفي وعدم تطور المؤسسات المصرفية. ٦ ـ قلة حجم الأوراق المالية التي تصدرها الحكومة. ٧ ـ تحديد معدلات الفائدة إدارياً، مما يؤدي إلى ضعف كفاءة الجهاز المصرفي في جذب المدخرات المحلية وتوجيهها إلى المجالات الاستثمارية الأكثر إنتاجية. ٨ ـ قلة تنوع الأصول المالية ومن ثم انخفاض درجة الإحلال بين النقود والأصول. ٩ ـ انتشار ظاهرة الازدواجية المالية؛ بمعنى وجود قطاعين ماليين: أحدهما: حديث منظم تحدد فيه معدلات الفائدة بطريقة إدارية أو مركزية، وتتغير لمدة طويلة، وتتنوع معدلاتها وفقاً لنوعية القطاعات. والقطاع الآخر: قطاع غير منظم، تحدد فيه معدلات الفائدة وفقاً لمتغيرات اقتصادية ومؤسسية مثل: علاوة المخاطرة، والنفقات الإدارية، ونفقة الفرصة البديلة، ودرجة القوى الاحتكارية للمقترضين. وفي ضوء اختلاف طبيعة وأسس تحديد معدلات الفائدة في القطاعين السابقين، تظهر أنواع غير متجانسة لتلك المعدلات، على نحو يصعب معه وجود تأثير واضح للسياسة النقدية في معدلات الفائدة، ومن ثم في الاستثمار. ويرى البنك الدولي أن إصلاح هذا الوضع، ينبغي أن يتضمن إيجاد نظام مالي ذي قاعدة واسعة، بحيث يشمل سوقاً للنقود، وسوقاً لرؤوس الأموال، وأجهزة للوساطة المالية غير البنوك، مما يجعل الاقتصاد قادراً على المنافسة ومتحملاً الهزات الداخلية والخارجية، كما يؤدي إلى زيادة عرض رؤوس الأموال بأدوات منها: الأسهم والائتمان طويل الأجل، وهما أمران أساسيان للاستثمار في الصناعة. ثالثاً: تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر: عرَّف اتحاد القانون الدولي الاستثمار الأجنبي بأنه «تحركات رؤوس الأموال من البلد المستثمر، نحو البلد المستفيد، بقصد إنشاء أو تنمية مشروع لإنتاج السلع والخدمات» . وينقسم الاستثمار الأجنبي إلى قسمين رئيسين: ١ ـ استثمار أجنبي مباشر: وهو «إقامة شركة، أو إعادة شراء كلي أو جزئي، لشركة قائمة في دولة أجنبية، سواء أكانت الشركة تمثل فروعاً للإنتاج، أم للتسويق، أم للبيع، أم لأي نوع من النشاط الإنتاجي أو الخدمي، موزعة أنشطتها على عدد من الدول الأجنبية» . ٢ ـ الاستثمار الأجنبي غير المباشر: وقد عرفه البنك الدولي بأنه «استثمار الأجانب في أسواق رأس المال المحلية، دون قيام المستثمرين بتوفير التقنية والخدمات كما يحدث في الاستثمار الأجنبي المباشر» . وبمعنى آخر: هو تملك أشخاص غير مقيمين لأسهم وسندات منشأة وطنية، حكومية كانت أم خاصة، دون أن يكون للمستثمرين حق الرقابة على هذه المنشآت الوطنية. وبناء على ما تقدم، يمكن التفريق بين النوعين كما يلي: ١ ـ أكثر من يمارس الاستثمار الأجنبي المباشر، هي الشركات وبخاصة متعددة الجنسية منها، أما الاستثمار الأجنبي غير المباشر، فيمارسه أفراد وهيئات مختلفة كالبنوك ومؤسسات الاستثمار. ٢ ـ الاستثمار الأجنبي المباشر يجعل للمستثمر الأجنبي صوتاً مؤثراً في الإدارة زيادة على حق الملكية، أما الاستثمار الأجنبي غير المباشر، فلا يعطي المستثمر حق الإشراف أو التحكم في المنشأة التي يملك بعض أصولها. ٣ ـ بينما يقدم الاستثمار المباشر للبلد المُضيف مزيجاً من التمويل وفنون الإنتاج والإدارة، يقدم الاستثمار غير المباشر التمويل فقط للحصول على عائد. ٤ ـ الاستثمار غير المباشر في محفظة الأوراق المالية يعد أداة غير مستقرة لتمويل التنمية في الدول النامية؛ وذلك لأن هذه الأداة ذات طبيعة قصيرة الأجل، وتتأثر بعوامل دورية قصيرة الأجل، كالتوقعات المتفائلة أو المتشائمة بشأن الاستثمار الدولي، والمفاضلة بين معدلات الفائدة وعوائد الاستثمار الأخرى، ومن ثَمَّ فهذا النوع من الاستثمار أكثر تعرضاً لعوامل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ في حين أن الاستثمار الأجنبي المباشر يتأثر تأثراً كبيراً بالاستراتيجية الدولية للشركات متعددة الجنسية، وبنشاط التجارة الدولية، والأوضاع الاقتصادية في الدول المضيفة. وتشجيع الاستثمار الخاص المحلي منه والأجنبي، من السياسات التي يتبناها البنك الدولي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. ويحرص البنك على زيادة عمل القطاع الخاص: المحلي والأجنبي، في الاضطلاع بعمل رئيس في التنمية، بتمكينه من الاستفادة من مدخرات المجتمع في البنوك وغيرها من مؤسسات الإقراض المحلية، إضافة إلى تسهيل حصوله على القروض الخارجية سواء من مؤسسات خاصة أم رسمية، وكذلك بتشجيع انسياب رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة للاستثمار داخل البلاد، مع إعطائها قدراً أكبر من الحوافز والمزايا والضمانات. ومن أهم السياسات التي يطالب بها كل من البنك والصندوق في هذا الخصوص ما يلي: ١ ـ إعطاء مزايا وحوافز لنشاط رأس المال الخاص الأجنبي، مثل: الإعفاء من الرسوم الجمركية وحصص الاستيراد. ٢ ـ ضمان عدم تأميم أو مصادرة أو فرض الحراسة على المشروعات الخاصة. ٣ ـ ضمان حرية تحويل أرباح ودخول المشروعات الأجنبية إلى الخارج. ٤ ـ تحرير الأسعار من التدخل الحكومي وتركها لعوامل العرض والطلب، وبخاصة أسعار الصرف ومعدلات الفائدة. ٥ ـ تقليص نمو القطاع العام، وقصر نشاطه على مشروعات البنية الأساسية، وبيع مشروعاته الناجحة إلى القطاع الخاص. أما منظمة التجارة العالمية فقد طالبت بإلغاء الشروط التي تشترطها السلطات المحلية على الاستثمارات الأجنبية؛ بدعوى أن تلك الشروط تقيد التجارة العالمية وتعرقلها، وتناقض مبادئ المنظمة، وتحد من نمو التجارة الدولية، وتضع العراقيل أمام حركة الاستثمارات عبر الحدود الدولية. ووضعت المنظمة في اتفاقياتها ضوابط لحظر تلك الإجراءات الاستثمارية، وطالبت الدول الموقعة عليها بإلغاء هذه الإجراءات خلال سنتين بالنسبة إلى الدول المتقدمة، وخمس سنوات بالنسبة إلى الدول النامية، وسبع سنوات بالنسبة إلى الدول الأقل نمواً. ومن تلك الإجراءات التي تطالب المنظمة بإلغائها ما يلي: ١ ـ اشتراط أن يشتري المشروع الأجنبي منتجات محلية بمقادير أو نسب معينة؛ لأنه شرط مخل بمبدأ المعاملة الوطنية. ٢ ـ اشتراط أن تكون واردات المشروع مقصورة على كمية أو قيمة معينة مرتبطة بكمية أو قيمة صادرات المشروع؛ مما يعارض مبدأ عدم اللجوء إلى القيود الكمية عند الاستيراد. ٣ ـ شرط الربط بين النقد الأجنبي الذي يتاح للاستيراد والنقد الأجنبي العائد من التصدير. ٤ ـ شرط بيع نسبة معينة من إنتاج المشروع الأجنبي في السوق المحلي.

стр. 5638

النفط الصراع والدم د. محمد مورو شكَّل النفط ولا يزال منذ اكتشافه عام ١٨٥٩م وحتى الآن أحد أهم أسباب الصراع في العالم، وقد شغل هذا الصراع على النفط مساحة كبيرة من خريطة الصراع العالمي طوال القرن الماضي، ومن المرجح أن يستمر هذا الأمر لفترة طويلة قادمة في قرننا الحالي. في عام ١٨٥٩ حفرت الولايات المتحدة الأمريكية أول بئر نفطية في أراضيها لتحدث بذلك نقلة نوعية هائلة في موضوع الطاقة، ومن ثم الاقتصاد والسياسة والصراع والحروب والعلاقات الدولية. كان العالم الصناعي قبل ذلك العام يعتمد على الفحم الحجري كمصدر للطاقة، وكان هذا الفحم موجوداً تقريباً في معظم الدول الصناعية، وبالمقارنة بالنفط فإن الفحم الحجري كان يحتاج إلى تكاليف نقل باهظة وحيز كبير في تشكيل الآلة الصناعية، وهكذا اكتسح النفط سوق الطاقة، ولكنه لم يكن متوفراً في كل مكان كالفحم، بل تركز إنتاجه في أماكن معينة، ومن ثَم كان من الطبيعي أن يحدث الصراع حول النفوذ في تلك المناطق وحول طرق المواصلات المتصلة بنقل النفط من أماكن إنتاجه. أحدث اكتشاف النفط ثورة هائلة في شكل الآلة وحجمها وقدراتها، وأصبح بمنزلة الدم الذي يجري في شريان الصناعة والحرب والنقل، بل إن اكتشاف النفط شكَّل في حد ذاته حافزاً علمياً هاماً لتسهيل المزيد من الاختراعات. ويمكننا أن نقول: إن الطائرة والصاروخ والأقمار الصناعية وغيرها من الآلات المتقدمة لم تكن لترى النور بدون النفط. ولا يزال النفط حتى اليوم يشكل العصب الرئيسي للطاقة، وحتى عندما ارتفعت أسعار النفط عقب حرب رمضان «أكتوبر ١٩٧٣» وشعرت الدول الصناعية الكبرى وخاصة في أوروبا وأمريكا بإمكانية تحكُّم الدول المنتجة في الأسعار أو في ربطـ ذلك بالمواقف السياسية حاولت الدوائر العلمية في تلك الدول أن تبحث عن بديل للبترول بأسعار معقولة، وروَّجت تلك الدوائر أن ذلك ممكن ومتاح، ولكن مع الوقت اكتشف الجميع أن ذلك لم يكن إلا خدعة إعلامية بعثت الخوف والتراجع في صفوف منتجي الطاقة البترولية حتى لا تزداد رغبتهم في زيادة الأسعار. وظل النفط أرخص حتى لو وصل سعره إلى ٦٠ دولاراً للبرميل، وأفضل مصدر معروف للطاقة حتى الآن. وكان من الطبيعي أن تحاول الدول الصناعية الكبرى السيطرة على منابع النفط بصورة أو أخرى، التأثير بكل الوسائل على المنتجين، ودخلنا من وقتها في ما يسمى بـ (الدم مقابل النفط) أي استعداد تلك الدول لنشر جيوشها وخوض الحروب من أجل تحقيق تدفق آمن ورخيص للنفط، ومنذ ذلك الوقت كان النفط هو العامل الأهم في الصراع الدولي. عقب حفر أول بئر للنفط في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٨٥٩ بدأت كل الدول الصناعية في البحث عن تأمين مصادرها من النفط، وبدأ البحث والتنقيب في كل مكان بالعالم، وشاءت إرادة الله أن يوجد النفط ـ في معظمه ـ في أقطار عربية وإسلامية، ونجحت شركة النفط «الأنجلوفارسيا» في حفر أول بئر بترولية في إيران، ثم بدأ النفط يظهر في العراق والكويت والخليج العربي عموماً، وتسابقت دول مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا لعقد صفقات مع مشايخ وحكام منطقة الخليج وإيران، إلا أن الولايات المتحدة دخلت على الخط عام ١٩٣٣ ونجحت (شركة ستاندرو أويل كومباني أوف كاليفورنيا) في توقيع عقد مع العربية السعودية، وصدر المرسوم الملكي رقم ١١٣٥ في ٧ يوليو ١٩٣٣ بمنح تلك الشركة حق التنقيب واستخراج النفط في المملكة؛ وخاصة في الجزء الشرقي منها (منطقة الأحساء) . كانت السيطرة على النفط تعني ضان استمرار عمل الآلة الصناعية والآلة العسكرية معاً، أي الرخاء والقوة، وكان بالإضافة إلى ذلك يمثل قطاعاً هاماً للاستثمار الرأسمالي، وهكذا كان النفط محوراً لصراع الرأسماليات والشركات والدول ومقاولي النقل، بل الأفاكين فضلاً عن العسكريين بالطبع. ومع تصاعد حركات التحرر الوطني عقب الحرب العالمية الثانية ونجاح معظم الدول المحتلة في تحقيق استقلالها، تقلص نفوذ الدول الاستعمارية التقليدية: بريطانيا ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ بلجيكا ـ البرتغال ـ هولندا.. إلخ، وأصبحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي هما قطبا الصراع. ولأن الاتحاد السوفييتي السابق كان يمتلك النفط في أراضيه، وليست لديه شركات رأسمالية تطمع في بترول الآخرين، فإن الثقل الأساسي لمحاولة السيطرة على النفط صب في خانة الولايات المتحدة الأمريكية التي تطلعت بدورها إلى استغلال ثرواتها. وفي ظل حالة الاستقطاب الدولي بين الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية والولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلنطي، ومع صعود حركات التحرير الوطني في معظم بلاد العالم النامي وخاصة الدول النفطية، تطلعت الدول المنتجة للنفط إلى السيطرة على ثروتها الأساسية، وظهرت حركات وحكومات ودول أممت أو سعت إلى تأميم إنتاج النفط، وكان ذلك جزءاً من التحرر والكرامة، وجزءاً من استعادة الثروة المنهوبة؛ لأن عملية الإنتاج كانت تصب أرباحها الأساسية في جيب الشركات الرأسمالية والدول الصناعية الكبرى على حساب الشعوب الفقيرة التي كانت تعاني من تدهور أحوالها الاقتصادية والاجتماعية. وفي كل الأحوال لم تحاول تلك الدول قطع البترول عن الدول الصناعية، بل ظل يتدفق بانتظام في كل الظروف بأسعار رخيصة جداً، ومع ذلك لم يكن الغرب ولا أمريكا راضين عن مجرد التطلع لدى تلك الشعوب لممارسة شيء من سيادتها على ثرواتها، وفي عام ١٩٦٠ تمـ إنشاء منظمة الأوبك وشملت ١١ دولة هي «الجزائر ـ إندونيسيا ـ إيران ـ العراق ـ الكويت ـ ليبيا ـ نيجيريا ـ قطر ـ السعودية ـ الإمارات ـ وفنزويلا» في محاولة لتشكيل تجمع من الدول المنتجة يعادل شيئاً ما قوة المستهلكين، ورغم ذلك لم تتأثر إمدادات النفط للدول المستهلكة ولا أسعار النفط أيضاً. وفي عام ١٩٧٣ حدثت أزمة النفط التاريخية المعروفة في أعقاب حرب أكتوبر، وارتفعت أسعار البترول بصورة كبيرة، وكان ذلك بالطبع خيراً كبيراً؛ لأن عوائد النفط لو استخدمت منذ ذلك الوقت في بناء قاعدة صناعية واقتصادية للدول المنتجة لكان الأمر مختلفاً عندما حدثت أزمة النفط، حيث قررت الولايات المتحدة الأمريكية ـ التي تستهلك ١/٤ إنتاج النفط العالمي وحدها، والتي كانت ولا تزال أكبر قوة عسكرية واقتصادية والتي يشكل النفط من ثَمَّ عاملاً هاماً من عوامل قوتها ورخائها ـ قررت ألا تترك إمداداتها النفطية للظروف، وأنشأت خزانات لادخار كميات نفط تشكل احتياطياً إستراتيجياً يكفيها ٨٤ يوماً، وقد صدر قرار بذلك من الرئيس الأمريكي وقتها «جيرالد فورد» عام ١٩٧٥، وفي الوقت نفسه قررت الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة بطريقة أو أخرى على منابع النفط الأساسية في العالم وخاصة منطقة الخليج، وتم إعداد خطة في عهد الرئيس (كارتر) عام ١٩٧٦ سميت (خطة كارتر) تقول: إن أمريكا على استعداد للتدخل الفوري والمباشر عسكرياً في أي نقطة في العالم تمثل تهديداً للنفط. وقال كارتر: «إن تهديد منابع النفط يعني مباشرة تهديد الأمن القومي الأمريكي، وإننا على استعداد لندفع الدم مقابل ضمان استمرار تدفق النفط» . وهكذا كان (كارتر) أول من صك عبارة «الدم مقابل النفط» . في نهاية السبعينيات ١٩٧٩ اندلعت الثورة الإيرانية وكان ذلك مؤشرَ خطرٍ على المصالح البترولية في الخليج، وفي المصالح البترولية المتوقعة في بحر قزوين، وكانت الولايات المتحدة قد نجحت في احتواء ارتفاع أسعار النفط، وأمَّنت لنفسها إمداداً آمناً منه من منطقة الخليج تحديداً، ودخل الاتحاد السوفييتي أفغانستان مهدداً بالوصول إلى «المياه الدافئة» . وهكذا تحركت الولايات المتحدة بسرعة لاحتواء هذا الخطر المتفاقم، وانتهى الأمر بإثارة قوى كبيرة ضد الاتحاد السوفييتي انتهت بهزيمته وسقوطه في بداية التسعينيات من القرن الماضي، بل وتفكك المنظومة الاشتراكية برمتها، كما أشعلت الولايات المتحدة وشجعت الحروب ضد إيران، وخاضت ضدها حرباً دعائية وسياسية انتهت بتقليم أظافرها الثورية. جاءت حرب الخليج الثانية ـ احتلال العراق للكويت ـ لتقدم فرصة ذهبية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإدخال قواتها العسكرية إلى منطقة الخليج بدعوى إخراج العراق من الكويت، ثم حماية دول الخليج من الخطر العراقي، ولم تخرج تلك القوات من يومها، بل ازداد انتشارها، وظهرت القواعد الأمريكية في دول الخليج والبحر، وتم احتلال العراق سنة ٢٠٠٣؛ وعلينا أن نرصد الآن قوات أمريكية وقواعد بالإضافة إلى الدول السابقة في أفغانستان التي دخلتها بحجة مسؤولية تنظيم القاعدة عن أحداث ١١ سبتمبر، ومسؤولية طالبان عن حماية تنظيم القاعدة، ولم تخرج القوات الأمريكية من هناك رغم الإطاحة بنظام طالبان وإقامة نظام تابع للولايات المتحدة الأمريكية هناك. وتوجد أيضاً في جورجيا وطاجيكستان والجمهوريات المحيطة ببحر قزوين من دول الاتحاد السوفييتي السابق، وهي موجودة في تركيا وباكستان ثم جيبوتي واليمن والقرن الإفريقي والفلبين وهي كلها مناطق نفط، أو على طرق المواصلات المتصلة بالنفط. ونلاحظ أن القوات الأمريكية لم تتجه إلى دول أمريكا اللاتينية بحثاً عن إرهابيين مؤكدين أو داخل الولايات المتحدة في الغابات التي تعج بالجماعات والمنظمات الأمريكية المسلحة التي تهدف إلى الأضرار المؤكدة بالحكومة الأمريكية. ماذا تريد أمريكا من نشر قواتها حول مناطق إنتاج البترول أو الطرق المؤدية إليها أو تمر بها إمدادات النفط؟ ولماذا تنشر أمريكا قواتها الآن؟ الإجابة عن السؤال تقتضي الأخد بالاعتبار: نهاية الاتحاد السوفييتي، انفراد أمريكا بالهيمنة على العالم، تصاعد موجات العولمة أو الأمركة، بروز قوة الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً واقتصادياً، التنافس الاقتصادي والعسكري المحتمل مع أوروبا ـ اليابان ـ الصين ـ روسيا؛ وهكذا فإن المطلوب احتواء روسيا والصين، ووضع الرأسماليات الأوروبية واليابانية تحت السيطرة الأمريكية بالتحكم في إمدادات النفط. وإذا كان النظام الأمريكي يمثل تحالف الرأسماليين والعسكر الذين يرغبون في مناطق تمدد جديدة وحروب جديدة، وإذا كانت التقارير تصب يومياً تتحدث عن قوة أمريكية عسكرية هائلة لا يستطيع أحد الوقوف أمامها أو منافستها، وقوة اقتصادية هائلة تمثل ١/٣ الاقتصاد العالمي «١١ تريليون دخل قومي سنوي في أمريكا» ، وأن تلك الحالة الدولية السائدة يمكن أن تنتهي في عضون سنوات، كان من الطبيعي أن تستغل الحكومة الأمريكية الفرصة للتمدد في العالم، والسيطرة على البترول، واحتجاز مكان مضمون للسيطرة الدائمة على العالم ولو لمدة قرن. وهكذا جاء الحديث عن القرن الحالي (الواحد والعشرين) على أنه قرن الولايات المتحدة الأمريكية؛ ففي إطار السيطرة على الرأسماليات الأخرى في أوروبا واليابان وتحديد مستوى نموها بما لا يهدد المصالح الأمريكية كان لا بد من التحكم في البترول حتى تكون تلك الرأسماليات تحت رحمة السيد الأمريكي «يبلغ الناتج القومي الأوروبي ٩ تريليون دولار سنوياً والألماني منه ٢.٥ تريليون دولار سنوياً؛ في حين يبلغ الناتج القومي الياباني ٥ تريليون» . وبالنسبة لروسيا والصين يجب احتواؤهما بالقوات الأمريكية في كوريا وأفغانستان وباكستان والفلبين والخليج والقرن الإفريقي، وعبر مظلة حلف الأطلنطي شرقاً حتى حدود روسيا، وذلك لمنع روسيا من إعادة بناء نفسها واستعادة دورها القديم، ومنع الصين من التطور خارج الإطار. النفط والصراع على النفط يفسر كثيراً من معادلات الصراع والحروب والانتشار العسكري والسياسي. وإذا وضعنا أمامنا خريطة احتياطيات النفط العالمي حالياً لوجدنا أن الخليج العربي يمتلك ٦٤% من الاحتياطي المؤكد للنفط؛ فالسعودية مثلاً تمتلك ٢٦٢ مليار برميل احتياطي، والعراق من ١١٥ ـ ٢٢٠ مليار حسب اختلاف التقديرات، وفنزويلا ٦٥ ملياراً؛ أما بحر قزوين ففيه من ١٥ إلى ٤٠ مليار برميل حسب اختلاف التقديرات، وهناك مشاكل بين الدول المحيطة به حول الإنتاج وحقوق الاستغلال (روسيا ـ إيران ـ أذربيجان ـ كازاخستان ـ تركمانستان) ، وهناك أيضاً مشاكل في النقل عن طريق تركيا أو الخليج عبر إيران؛ وهكذا فالمجال المفضل أمام الولايات المتحدة هو منطقة الخليج، وهذا يفسر احتلالها للعراق الذي لا علاقة له بموضوع أسلحة الدمار الشامل، أو موضوع الديمقراطية المزعومة، والولايات المتحدة أيضاً ذهبت إلى أفغانستان وجورجيا وكازاخستان من أجل بترول بحر قزوين. ويمكن أن يكتمل فهمنا لمعادلات الصراع إذا أدركنا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تمتلك سوى ٢١ مليار برميل احتياطي، وإنتاجها حالياً ٧ ملايين برميل، وهي تحتاج ١٧ مليون برميل يومياً حالياً. وهكذا فإنها تستورد ١٠ ملايين برميل يومياً، ومن المتوقع أن تصل احتياجاتها إلى ٢٦ مليون برميل يومياً عام ٢٠٢٠ وهو ما يعني أنها بحاجة إلى ١٧ مليون برميل يومياً؛ حيث لن يصل إنتاجها المحلي إلا إلى ٩ ملايين برميل فقط وهو سقف يصعب تجاوزه؛ أي أنها تريد استيراد ٦٦% من حاجتها اليومية للبترول والغاز، وإذا كان الإنتاج العالمي حالياً يصل إلى ٧٤ مليون برميل يومياً يفيض عن حاجة المستهلكين، فإن من المتوقع أن يصل الإنتاج إلى ٩٢ مليون برميل يومياً عام ٢٠٢٠، في حين يصل الاستهلاك إلى ١١١ مليون برميل يومياً، أي أن هناك فجوة ستحدث، ومن لا يستطيع أن يؤمِّن حاجاته البترولية فسيتراجع صناعياً واقتصادياً وعسكرياً، وإذا هيمنت الولايات المتحدة على البترول فسوف تتحكم بالآخرين فضلاً عن تأمين حاجاتها. لم تترك الولايات المتحدة فرصة للسيطرة على البترول إلا سارعت إليها، وحتى بترول السودان المتوقع «٣ مليارات برميل احتياطي» ، جعل الولايات المتحدة تسارع إلى التدخل في الموضوع السوداني وتضع يدها على البترول وتحقق نفوذاً هناك، وكذلك فيما تخطط له في نيجيريا والجزائر وليبيا. والحقيقة أن ما تعلنه الولايات المتحدة من أنها تحارب الإرهاب ليس إلا حجة في موضوع البترول والهيمنة، وحتى أحداث ١١ سبتمبر لم تكن سبباً لانتشار العدوان الأمريكي ومحاولات الهيمنة، بل هي فرصة استغلتها لإقناع الشعب الأمريكي بدفع الدم لصالح الآلة العسكرية والرأسمالية، والمجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي يسيطر على أجهزة الحكم؛ فقبل أحداث ١١ سبتمبر بـ ٤ أشهر كاملة أي في شهر مايو ٢٠٠١ صدر تقرير السياسة الوطنية للطاقة عن مجموعة تنمية سياسة الطاقة الوطنية الأمريكية «تتكون من ١٤ عضواً من مؤسسة الرئاسة الأمريكية بما فيهم نائب الرئيس نفسه» وقد أشار التقرير إلى أن أمريكا تواجه أكبر نقص في البترول تعرضت له منذ ١٩٧٣م، وطالب التقرير باتخاذ العديد من الإجراءات والتحركات وفي مقدمتها زيادة موارد البلاد من الطاقة عموماً والبترول خصوصاً، وزيادة مستوى تأمين المصالح البترولية في الخارج. بالطبع فإن الصراع له أسباب متعددة، حضارية، عقائدية، سياسية، اقتصادية، استراتيجية، نفسية، ولكن البترول بدوره أحد أهم عوامل هذا الصراع، وبديهي أن حديثنا السابق عن هذا العامل لا يلغي ولا يغفل قيمة العوامل الأخرى.

стр. 5639

لفتات في تأليف القلوب أبو محمد أحمد أجلان قصّ الله في كتابه الكريم مقالة فرعون ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] . وهذا الرأي الذي رآه فرعون هو قتل موسى ﵇. وكان هدف قتله ـ كما يزعم ـ: خشية على دين بني إسرائيل من التبديل وخوفه من إفساد موسى في الأرض. وهكذا مذهب الطغاة على مرِّ التاريخ، إلزامُ الناس على رأيهم بقوة السلطان، بحجة الغيرة على الدين. وليس حديثي في هذا المقال عن هؤلاء الطغاة والمفسدين؛ فمذهبهم أوضح من أن يوضح، ولكنَّ العجب الذي لا ينقضي منه العجب من بعض بني جلدتنا، ممن يحمل همَّنا ويقف معنا في صفِّنا وهو يتدثر بهذا الطغيان الفكري من حيث يشعر أو لا يشعر، فتراه دائماً يدَّعي احتكاره الصواب ... ورأيه هو رأي الإسلام. وهو الناطق الرسمي باسم سلف الأمة. فيُدخِل من شاء إلى السنَّة، ويُخرِج من شاء منها؛ ولسان حاله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ . [غافر: ٢٩] وليست المشكلة في هذا فحسب، لكن المصيبة أن يتعدَّى ذلك إلى التحزُّب والفرقة والتصنيف في مسائل يسوغ فيها النظر والاجتهاد، وهذا العمل قد ذمَّه الله في كتابه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ . [آل عمران: ١٠٥] ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية: ١٧] . وأحسب أن هذا نوع من التطرف الفكري، منشؤه الجهل، وقلة العلم، وقصر النظر. \ لنتأمّلْ هذه القواعد المهمة! هناك قواعد يجدر بنا جميعاً الوقوف معها وتأمّلها؛ قصدتُ بها ائتلاف القلوب ولملمة الكلمة، وتوحيد الصف، فمن ذلك: أولاً: أنَّ الاختلاف أمر طبيعي وقع في عهد النبي # والوحي ينزل من السماء، فاختلف الصحابة بين يدي النبي # في مواطن عدّة (كقصة صلاة العصر في بني قريظة) ولم يعنّف النبي # أحداً. وأصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ اختلفوا بعد وفاته في أمور عدَّة في مكان دفنه، وفي قتال مانعي الزكاة، وفي كتابة الوحي، وخالف ابن مسعود الخليفة عمر بن الخطاب ﵄ في مسائل كثيرة أوصلها ابن القيم إلى مائة مسألة؛ ومع هذا لم يتحزَّبوا أو يتفرقوا، ولم يُبدّع أو يُفسّق بعضهم بعضاً. ثانياً: تضييق مذهب أهل السنَّة والجماعة أو السلف بأنَّه ما قاله فلان ـ ولو كان هذا الشخص من الأئمة المعتبرين ـ فيعمد أحدهم إلى قولٍ لأحد السلف الصالح قاله في قضية معينة وفي ومكان وزمان معين ... فيقول: هذا مذهب السلف؛ وهذه إشكالية كبيرة؛ لأنَّه بهذا المنهج سيتفرَّع لنا أحزاب كثيرة كلها سترفع الشعار نفسه. والأمر الذي يُقرّه العقل والمنطق أن لا يُنْسَبَ إلى السلف إلا في المسائل العامة كأصول الاعتقاد التي أجمع عليها السلف وكان قولهم وعملهم فيها واضحاً ـ وإن حصل شذوذ من بعضهم لا يُذكر ـ. ثالثاً: التفريق بين النص وفهم النص؛ فإذا كان النص حمَّالَ أوجه فلا ينبغي القطع بأنَّ هذا هو مراد الله وأنَّ من خالفه فقد خالف الإسلام، وبسبب هذا بُدِّع أقوام وضُلّل آخرون، نعم! أقوال العلماء لها مكانتها ومنزلتها، وهي محل الاعتبار، لكنها لا تصل في القداسة إلى درجة النص الشرعي. رابعاً: أن كثيراً من هذه المسائل المختلف فيها يدخل فيها الهوى والحسد والانتصار للنفس ـ خصوصاً بين الأقران ـ فهذا أبو حنيفة ﵀ وَصَمَهُ بعض علماء زمانه بالكفر، وقيل فيه من الكذب والافتراء ما يندى له الجبين. وهذا الإمام مالك بن أنس ﵀ قال عنه ابن أبي ذئب ـ وهو مَنْ هو في العلم والإمامة ـ: يُستتاب، وإلا يضرب عنقه وهذا الشافعي ﵀ يدعو عليه أحد كبار أصحاب مالك في مصر بأن يهلكه الله. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يُؤذى ويسجن عدَّة مرات، وكان الذي ألَّب عليه السلطان علماء زمانه، وما أجمل ما قاله الذهبي: كلام الأقران يطوى ولا يروى. وقال أيضاً: طيُّه أوْلى من بثِّه. خامساً: أنَّ من اتَّبع رأي عالم في مسألة فلا إنكار عليه؛ فالمقلد الذي لا يسعه الاجتهاد يكفيه تقليد من يثق بدينه وعلمه. يقول سفيان الثوري: إذا رأيتَ الرجل يعمل العمل الذي اختُلِفَ فيه، وأنت ترى غيرَه فلا تنهه. سادساً: أنَّ العالم والداعية بشر معرَّض للصواب والخطأ، وقد تحدث منه الزّلة والزلاَّّت؛ فخطؤه لا يقدح في سائر فضله وصوابه، وعيب على المرء أن لا يبصر إلا بعين واحدة؛ ففي الحديث: «إذا كان الماء قلّتين لم يحمل الخبث» (١) . يقول سعيد بن المسيب: ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب؛ ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله. ويقول ابن القيم: فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرك جملةً وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات. ويقول الذهبي: ولو أنَّ كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له قمنا عليه وبدَّعناه وهجرناه لما سلم معنا أحد من الأئمة؛ فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة. سابعاً: في معمعة الخلاف والصراع الفكري يغيب عن الكثيرين أساسيات مهمة وأصول ثابتة لا تتغيَّر، وهو أنَّ مخالفك ما زال يحمل اسم الإسلام، فينبغي أن يسود بين المسلم وأخيه المحبة، وحفظ الحقوق والذَّبُّ عن عرضه، وعدم الفرح بمصابه؛ فأهل السنة رحماء بالخلق، نصحاء للأمة، شفقاء على الناس. وأخيراً ... الكلام في أعراض المسلمين والطعن في منهجهم ونواياهم باب خطير، وصاحبه على شفا جهنَّم ـ والعياذ بالله ـ إن لم يتدارك نفسه ويتحلل ممن نهش في أعراضهم وأكل لحومهم. اللهم أرِنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه!

стр. 5640

الحاجة الماسة للتقارير المتخصصة د. سامي محمد صالح الدلال منذ حوالي قرن من الزمان، وخاصة بعد سقوط الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٤؛ فإن المسلمين سجلوا غياباً مذهلاً عن ساحة الأحداث، محلياً ودولياً، وأصبحوا منفعلين وليسوا فاعلين. غير أن الأعمال الجهادية في أفغانستان والشيشان وكشمير والفلبين، ثم الانتفاضة الأولى والثانية في فلسطين، قد أعادت للمسلمين شيئاً من الوعي. وعندما أحس الصليبيون واليهود بهذا الدبيب في أمة الإسلام، زحفت الخشية إلى قلوبهم من إمكان أن يتحول ذلك في يوم من الأيام إلى قوة تمكِّن المسلمين من تهشيم الأسوار التي أحاطوها بها، والمتمثلة بالأنظمة الحاكمة التي زرعوها في بلادهم وجعلوها نائبة عنهم في قهر المسلمين في عقر ديارهم وفي مصادرة آمالهم في الاستظلال بشريعة ربهم، فراحوا يعيدون حساباتهم ويحدِّثون خططهم ويجددون برامجهم بما يضمن لهم إبقاء هذه الأمة تحت سياط الذل والمهانة، وما أحداث البوسنة والهرسك وكوسوفا وتيمور الشرقية وأفغانستان والعراق إلا بعض الصور المعبرة عن ذلك. لقد كان لافتاً للنظر أن كثيراً من الإسلاميين لم يكونوا على مستوى الأحداث التي تقع والمكائد التي تدبر والمؤامرات التي تنفذ، ومن ثَم صاروا في غياب عن الوعي بما يجري في كثير من بقاع العالم، بل إنهم انقادوا، تحت تأثير ما أشاعه الغرب، إلى الإيمان العميق بعدم صحة نظرية المؤامرة، هكذا بإطلاق. وبناء عليه فإنه من وجهة نظرهم أن ما يحدث في العالم لم يسبقه تخطيط ولا تدبير من أعداء الإسلام، بل إنه يقع هكذا اتفاقاً، فاستتبع هذا الرأي لازمه، وهو أن لا داعي لملاحقة تلك التخطيطات والتدبيرات للتعرف عليها؛ لأنه لا وجود لها أصلاً، بحسب رأيهم. وهكذا أصبح تصرُّف هؤلاء يخضع فقط إلى رد الفعل إزاء الأحداث المتتالية، فجاءت ردود أفعالهم وكأنهم لا يعيشون عصرهم ولا يدرون ما يُفعل بهم، أي أنهم غَيَّبوا أنفسهم تماماً عن فقه الواقع. لقد أدى ذلك إلى عدة أمور، من أهمها: ١ - عدم فرز الأعداء عن الأصدقاء: ومن مفارقات ذلك أن الولايات المتحدة التي تقتل المسلمين وتحتل بلدانهم اعتُبرت صديقة، وأن المسلمين الذين يقاتلونها اعتُبروا أعداءً. أي إنه انقلاب كامل لمفهوم الولاء والبراء. ومن المفارقات أيضاً اعتبار انتفاضة الفلسطينيين على اليهود المحتلين غير شرعية؛ لأنها لم تحظ بموافقة ولي الأمر حينها، أي ياسر عرفات. ٢ - اختلال فقه الموازنات: وهذا أمر طبيعي، بل هو تحصيل حاصل؛ ذلك أن فقه الموازنات يعتمد، في بعض ما يعتمد عليه، على المعرفة الدقيقة بالواقع، وهذا غير متحصل لدى الإسلاميين الذين أشرنا إليهم. وبناء عليه فإن مواقفهم إزاء الأحداث تجدها مجللة بالعجب العجاب، تتميز بعدم الاتزان وبالانفعال وبردود الفعل السريعة وغير المدروسة، فتحدث البلبلة وتطيش الآراء ويدب الخلاف بين الأتباع. ٣ - ركوب موجة التسويغات: وسببها دخول هؤلاء في أنفاق مظلمة لم يتبينوا ما وراء أكمتها؛ فإذا ما جاءت النتائج على خلاف ما اعتقدوه أنه مقدماتها شرعوا يبررون ويعتذرون. ومن أبرز ذلك انخراطهم في المشاريع الديمقراطية، وعقدهم الصفقات السياسية مع الأحزاب العلمانية. ٤ - الدفاع عن قضايا باطلة: وذلك لوقوعهم في استدراجات الخصم. ومن ذلك الدخول في تحالفات مشبوهة مع العلمانيين، أو الانجرار إلى مواقف مبرمجة مسبقاً كمشاركتهم في المؤتمرات القومية، مما ترتب عليه في كلتا الحالتين الدفاع عن أولئك لتبرير المواقف!! وقد نتج عن كل ذلك أن الركن الأول في الفتوى، وهو فقه الواقع أو «معرفة حالهم» بحسب اصطلاح شيخ الإسلام ابن تيمية، قد أصابه الشلل وأحاط به الفشل. وأما الركن الثاني من الفتوى وهو معرفة حكم الله في مثلهم، والمقتضي معرفة النصوص التي تتعلق بها كل حالة، ثم معرفة كيفية تنزيل النص على الواقعة؛ فقد أصابه أيضاً الخلل؛ وذلك بسبب لجوء هؤلاء في كثير من الأحيان إلى لَيِّ عنق النصوص ليوافق ما ذهبوا إليه. من هنا؛ فإن الحاجة قد أصبحت ماسة جداً لأجل استحداث الوسائل التي تجلِّي للمسلمين، وللعلماء والدعاة منهم بالذات، ما يبين حقيقة الواقع وما تضطرم على سطحه من أحداث وتتلبس بين ثناياه من ملابسات. وإننا نرى أن من أهم تلك الوسائل هو إعداد التقارير المنوعة، وفي كافة المجالات، التي توضح حقيقة مجريات الأمور وما يدور في الكواليس، وتعد الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية من أهم ما ينبغي أن يعلمه الإسلاميون أصحاب القرار والتوجيه؛ حيث إن هذه التقارير توفر: ١ - المعلومات الدقيقة. ٢ - الإحصاءات الموثقة. ٣ - التحليلات العميقة من جهة المختصين. ٤ - الربط بين الواقع والمخططات الموضوعة. ٥ - الاستنتاجات الضرورية. ٦ - الاقتراحات المناسبة. ولذلك نرى أنه من الأهمية بمكان الاهتمام بهذه التقارير بالمواصفات التي ذكرناها؛ حيث إنها تجعل الحقيقة مكشوفة قدر الإمكان لكل من له علاقة بالشؤون العامة والخاصة للمسلمين، علماً أن أعداء الإسلام يوظفون طاقات كبيرة وينفقون أموالاً وفيرة على المراكز الاستراتيجية التي تعد لهم مثل هذه التقارير مما يوفر لهم كافة الإمكانات ويضع بين أيديهم كافة البدائل عندما يكونون بصدد اتخاذ قراراتهم، ليس فقط الهام منها، بل حتى القرارات العادية. ولذلك فإننا نشجع بقوة كافة المسلمين المهتمين بشؤون دينهم وأمور دعوتهم على متابعة الاطلاع على التقارير التي تعدها الجهات الإسلامية الموثوقة، ليكونوا على بينة من أمرهم، وسديدي الرأي في تنفيذ أمر ربهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →