بريد القراء
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
منتدى القراء الألعاب الإلكترونية ... والغزو الانحلالي
إن الغزو الملحوظ والخطير للألعاب الإلكترونية يعد نوعاً خطيراً من أنواع الغزو الذي يؤثر على عقيدة وسلوك وأخلاق وهوية وعادات الأطفال والمراهقين لدى المجتمعات الإسلامية المحافظة اليوم؛ فمحتويات هذه الألعاب تتضمن صوراً خليعة ومقاطع بذيئة وقصصاً فاحشة وخيالية، وطرق العنف المختلفة والمتنوعة، وأساليب لعب القمار وكيفية شرب الخمر. فمثلاً شريط المصارعة يحتوي على فتيات يلبسن ملابس فاضحة ويقمن بحركات ماجنة، وهو الأمر الذي يمثل غواية لأطفالنا وأبنائنا المراهقين، ونلاحظ أن الأنثى حاضرة دائماً بمجونها وإثارتها وإغرائها عبر هذه الأشرطة.
ويمكن القول إن هذه الألعاب الإلكترونية أصبحت تستحوذ على عقول أطفالنا وهمومهم، فلا يكاد يخلو بيت منها حتى أصبحت جزءاً من أثاث غرفة الطفل.
فقد أظهرت دراسة أجنبية مؤخراً أن ألعاب الكمبيوتر لها أضرار كبيرة على عقلية الطفل الذي يعتاد النمط السريع في تقنية وألعاب الكمبيوتر؛ حيث يواجه صعوبة كبيرة في الاعتياد على الحياة اليومية الطبيعية التي تكون فيها درجة السرعة أقل بكثير؛ مما يعرض الطفل إلى نمط الوحدة والفراغ النفسي سواء في المدرسة أو في المنزل.
وأكد علماء النفس والاجتماع مراراً وتكراراً خطورة هذه الأجهزة التي أصبحت بدورها تخرج لنا شخصيات ناقصة وغير قادرة على الإنتاج والإبداع والابتكار وهذا ما يتمناه الغرب والأعداء.
أخيراً يمكن القول إن مشكلتنا تتمثل في عدم وجود خطة واضحة ومحددة لكيفية شغل أوقات فراغ أطفالنا، مما يحمِّل الأسرة العبء الأكبر في تلافي أضرار هذه الألعاب؛ وهذا مصداق لقول الرسول #: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» فعلى الوالدين أن يختاروا ما يكون مناسبًا للطفل في عمره، ولا يحتوي على ما يخل بدينه وصحته النفسية. والله ولي التوفيق.
عبادة نوح
Nooh٢٢@hotmail.com
وراء كل محنة: ابتلا|ء ونعمة
التاريخ دروس وعبر، فيه سنن الله الماضية التي لا تتبدّل بتبدّل الأيام، يقرؤه ليستفيد منه كل عاقل حصيف نبيه، والفَطِنُ الأريب من يستفيد من أخطائه وتجاربه، ويتّعظ بمن حوله من الناس، ويعلم أن بكل رزيّة وبليّة فائدة ونعمة.
ونحن الآن وفي هذه الظروف العصيبة التي تمرُّ بالأمة الإسلامية، من حروب واستعمار وقتل وتشريد وإذلال وهدم وحرق وسلب وتسلّط وتحكّم وتضييق ومنع للحقوق ودعاوى للتغريب والتنصير.. يجب علينا أن نطرح هذه الأزمات على مائدة الدراسة والتشريح لتمييز ما فيها من نافع وضارّ؛ مع البعد عن الآنيَّة واللحظية.
وأنا معك أيها القارئ الكريم، أن أغلبها ضارٌّ ومقيتٌ وموجع، ولكن! لا تخلو المحنة من منحة، ودعونا نختصر المسافات ونبدأ بالنافع، ونقصر الحديث عليه؛ ليس لشيء من التقليل والتهوين من خطر الضار؛ بل لمعرفتنا به ولاتّفاقنا واجتماعنا عليه.
وكذلك لأن النافع قد يخفى على معظم أبناء الأمة الإسلامية لشدّة مكابدتهم للضار من هذه المصائب. لذلك فإن مصبَّ حديثنا اليوم عن المنافع التي من وراء تلك الحروب والأزمات تأكيداً لها وتنبيهاً عليها وفتحاً لباب الأمل والرجاء.
لقد فرضت أمريكا على نفسها سياسة متعجرفة ضد البشرية والإنسانية، لا يجهل ذلك عاقل، ولكنها حين فرضت تلك السياسة فاتَها جانبٌ لم ولن تستطيع أن تسوسه لنفسها، أو دعونا نقول: فتحت على نفسها باباً لا تستطيع مهما صنعت أن تغلقه.
فهي اليوم وبسياستها تلك تسهم في شدِّ انتباه العالم للإسلام ومبادئه؛ فكم من الآلاف الذين قد أسلموا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وهي أيضاً تسارع في صنع النفوس الأبيّة التي ترفض سياستها، وتبني في المجتمعات الإسلامية حواجز تمنع من أن يخترقها كل معادٍ لها، وفتحت باباً للوعي بين الشعوب بحقوق كل شعب وفرد، وصعدت المقاومة ضدها وضد أيّ استعمار، ومكّنت الشعوب من حقها في التعبير عن مشاعر الرفض لسياستها، وأعطت أبناء المجتمعات الإسلامية فكرة كاملة عن الأنظمة الوضعية التي تُحكَم بها تلك المجتمعات، وعمن يحكم بها.
وأمريكا اليوم وبسياستها تلك تصنع ما صنعه ملك أصحاب الأخدود لذلك الغلام الذي عرف الله فعبده، ودعا جليس الملك فأسلم بعد أن أعاد له بفضل الله بصره، فلما بلغ أمرهم الملك أتى بهم خوفاً من أن يُسْلِمَ قومه كلهم فعذّبهم وقتل الراهب والأعمى، وحاول أن يقتل الغلام ـ بعد أن عذّبه ـ فلم يفلح إلا بطريقةٍ وصفَها الغلام للملك كانت سبباً لإسلام قوم الملك.
وهذه القصة معروفة (١) ، لكن لعله فات الكثير منا أن ينتبه لها وأن يقارن بينها وبين أمريكا اليوم، وما تصنعه من سياسة تحاول فيها القضاء على الإسلام والمسلمين.
وأخيراً: أقول: إن دين الله لا بد أن يُنشر بين الناس، فإن لم نكن نحن من ينشره؛ فإن الله سينشره بغيرنا.
وفاء مرزوق
(١) للاطلاع على تفاصيل تلك القصة يرجع ـ مثلاً ـ لكتاب: صحيح القصص النبوي للدكتور عمر الأشقر، ص ٣٠٣.
«السلام قاعدة والحرب استثناء»
إن السلام ليس نقيضاً للحرب؛ لأن الحرب تقابل السلم، وهذا الأخير يعني أن الناس يمكن أن يعيشوا في حالة السلام الجزئي في ظل اضطراب الأوضاع وسوء الأحوال وغياب الاستقرار. وأما السلام فمفهوم شامل وحالة متكاملة لها أبعادها الإنسانية وأسسها المركزية ومراكزها الأساسية وقواها التي تنظمها وتضبط حركتها في منأى عن رجحان الاقتتال والمواجهات العسكرية؛ وذلك من خلال تحقيق سلام الفرد وسلام الأسرة وسلام المجتمع وسلام العالم، وما في ذلك من توفير عوامل ديمومة الأمة والاستقرار والطمأنينة. والسلام وفق هذا المفهوم يعني حالة من الاستقرار الدائم الذي يشمل العالم بأسره وهو قاعدة الإسلام الدائمة واستراتيجيته المستمرة في كل زمان، وغايته الأسمى في الدنيا والآخرة. ولا يخفى على أحد أن السلام تحية الإسلام «السلام عليكم: أي عليكم منا الأمان والطمأنينة» وتأتي الإجابة «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» ومعناها أن عهدنا وعهدكم واحد بأن يتناول الاستئمان والرحمة والمودة في ظلال وارفة من رحمة الله.
والحرب في الإسلام لا تقوم على أساس الظلم والتوسع والعدوان على الآخرين أو السيطرة على مقدراتهم وثرواتهم، أو نهب خيراتهم، أو سلب معتقداتهم، أو الإطاحة بعروش حكامهم، أو رغبة في الإجهاز على حضارتهم أو إفنائهم أو الاعتداء على صوامعهم وأديرتهم، بل هي حرب تقوم على من يقف حجر عثرة في وجه الدعوة السمحة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ، وهكذا نرى أن الحرب ضرورة يمليها جحود من يقف شاهراً سيفه في وجه الدعوة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤] . أجل الحرب ضرورة، والسلم قاعدة، والسلام استراتيجية لها ركائزها وأجندتها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] .
سليمان محمد الناصر
بريد القراء
- الأخت الفاضلة أم عبد الرحمن (القصيم ـ السعودية) : نشكر لك حسن ظنك وثناءك على منهج المجلة، وهو طريق سارت عليه المجلة ما يربو على عشرين عاماً، وبتثبيت من الله وعونه ثم بك وبأمثالك تستمر مسيرة العطاء. ومرحباً بكِ قارئة للمجلة.
- الأخ الكريم مصطفى عبد الحافظ (المنوفية ـ مصر) : مرحباً بك قارئاً للمجلة، ونشكر لك ثناءك على ما تحتويه من مقالات، وبخصوص اقتراحكم (إصدار دائرة معارف إسلامية) فهذا مشروع كبير يحتاج جهوداً وإمكانات فلعلها تنال حكمها من الدراسة إن شاء الله.
- الأخ الفاضل محمد آل تميرك: اقتراحك محل نظر هيئة التحرير.
- الأخ العزيز إبراهيم محمد المسلم (السعودية) : نشكر لك غيرتك، والموضوع بحق كبير ويحتاج إلى معالجة، ولعل الله أن ييسر ذلك.
- الأخ (أبو رؤى) محمد الحكمي: نشكر لك جميل عبارتك، وموضوع الأسرى المسلمين تناولته المجلة في ملف متكامل ضمن العدد ٢٠٥، ومع ذلك نشاطرك الرأي أن الموضوع بحاجة إلى أن يطرق بأكثر من صورة، وأن تتعاون وسائل الإعلام المختلفة وبخاصة التي تحمل هموم الأمة في ذلك.
- الأخ الفاضل نجيب الحيدري (السعودية) : نشكر لك اقتراحك القيّم وهو محل اهتمام هيئة التحرير، ولعلك تراه في المستقبل بإذن الله.
- الأخ العزيز تركي العثمان (الرياض) : نشكر لك غيرتك على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعلك ترى ملفاً متكاملاً حول هذا الموضوع في أحد الأعداد القادمة بإذن الله.
- الأخ الفاضل الأمين الحاج محمد رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان: نشكر لك غيرتك على صفاء المنهج، وقد أُرسلت لك رسالة عبر البريد الإلكتروني حول ما ورد في الرسالة، ومرحباً بك كاتباً وقارئاً للمجلة.
- تردنا أحياناً بعض المقالات غير الموقعة بأسماء أصحابها أي (بدون اسم) ولهذا السبب نعتذر عن نشرها.
стр. 5637
سياسات منظمات العولمة الاقتصادية في ضوء الشريعة الإسلامية
د. ناصح بن ناصح المرزوقي البقمي
ü مقدمة:
مصطلح العولمة من أكثر المصطلحات المعاصرة انتشاراً وغموضاً في الوقت نفسه؛ ولذلك يتساءل كثير من الناس عن معنى هذا المصطلح: هل هو جعل الأنظمة السياسية الموجودة في العالم على نمط سياسي واحد؟ أم فتح الأسواق وإلغاء القيود والحواجز الاقتصادية بين الدول؟ أم تصدير ثقافة معينة ينبغي لها أن تسيطر وتفوق غيرها من الثقافات؟ أم أن العولمة هي كل ما تقدم، بل وربما أكثر؟ ثم يأتي السؤال الأهم وهو: ما حكم العولمة في الإسلام؟ وما موقف المسلمين منها؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، عُقدت كثير من المؤتمرات والندوات والمحاضرات، بغية تجلية هذا الأمر وبيان الموقف منه. إلا أن ما قُدِّم فيها وبخاصة في مجال العولمة الاقتصادية كان يعاني أمرين: طرحَ الموضوع والتعمق فيه من الناحية الاقتصادية دون بيان الحكم الشرعي، أو طرحاً إسلامياً عاماً لا يضع النقاط على الحروف؛ فلا يبين الحكم الشرعي بعد دراسة الظاهرة دراسة وافية، ولا يطرح حلولاً تفصيلية وسياسات شرعية يمكن تطبيقها في الواقع. فمعظم الكتابات الإسلامية التي صدرت اتسمت بالعمومية وعدم التعمق؛ حيث اشتملت على أحكام متعجلة وتوصيات أقرب إلى التمنيات منها إلى الحلول والسياسات، باستثناء بعض الرسائل العلمية القليلة جداً التي تناولت أجزاء يسيرة من هذا الموضوع الضخم. ولا شك أن تشعب الموضوع وتعقيده قد حال دون الوصول إلى المقصود.
وإسهاماً مني في تجلية هذا الأمر، فقد أعددت رسالة علمية في هذا الموضوع (١) بينت فيها أن العولمة لها معنيان: معنى معلن، ومعنى خفي. فالمعنى المعلن للعولمة عند أصحابها والمؤيدين لها هو: زيادة درجة الارتباط المتبادل بين الدول والمجتمعات الإنسانية من خلال: انتقال السلع، ورؤوس الأموال، وتقنيات الإنتاج، والأشخاص، والمعلومات. أما المعنى الخفي للعولمة فهو نشر القيم الرأسمالية في العالم، وجعله يسير وفقاً للنموذج الغربي في المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية.
وتعني العولمة الاقتصادية على وجه الخصوص: نشر القيم الاقتصادية الرأسمالية في العالم مثل: الحرية الاقتصادية، وجعل الأسعار خاضعة للعرض والطلب، وعدم تدخل الحكومات في النشاط الاقتصادي، وفتح الأسواق، وربط اقتصاد الدول النامية بالاقتصاد الغربي. والمعنى الخفي هو الراجح في نظري.
وأما أهدافها فهي أهداف معلنة، وأهداف خفية يمكن استشعارها. فمن المعلنة: تحرير أسواق المال والتجارة العالمية وزيادة حجمها، وزيادة الإنتاج والنمو الاقتصادي العالمي، وحل المشكلات الإنسانية المشتركة. ومن الأهداف الخفية: هيمنة الدول الغربية على الاقتصاد العالمي، والتحكم في مركز القرار السياسي العالمي، وفرض السيطرة العسكرية والثقافية على الشعوب النامية. ولتحقيق تلك الأهداف تستعمل أدوات منها: المنظمات الاقتصادية الدولية، والشركات متعددة الجنسية، وأدوات الاستثمار الأجنبي غير المباشر، والاتحادات الاقتصادية الدولية، والعقوبات الاقتصادية، ووسائل الإعلام والاتصال المختلفة ومنها شبكة المعلومات الدولية.
وأما أسباب بروز مصطلح العولمة في هذا الوقت فمنها: انهيار الاتحاد السوفييتي، وإنشاء منظمة التجارة العالمية، وتزايد قوة الشركات متعددة الجنسية، وظهور أقطاب اقتصادية جديدة في الدول النامية ـ وبخاصة في قارة آسيا ـ تنافس الدول الصناعية الغربية.
وللعولمة الاقتصادية آثار ضارة وآثار نافعة. فمن الآثار الضارة: استنزاف الدول الصناعية الغربية لموارد الدول النامية، وإضعاف سلطة تلك الدول على اقتصاداتها وقدرتها على رسم سياسات اقتصادية مستقلة، وإضعاف النظم الاقتصادية المنافسة للنظام الاقتصادي الغربي كالنظام الاقتصادي الإسلامي، وتحويل المجتمعات النامية إلى مجتمعات استهلاكية، وغلاء المعيشة في الدول النامية، وزيادة العجز في موازين مدفوعاتها، والقضاء على كثير من المنشآت فيها التي لا تقوى على المنافسة، وارتفاع معدل البطالة، وعدم استقرار أسواق المال فيها، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء. ومن الآثار النافعة: زيادة فرص تصدير سلع الدول النامية التي تمتلك فيها مزايا نسبية إلى أسواق الدول المتقدمة، وإمكانية حماية حقوقها التجارية ومواجهة الإغراق باللجوء إلى جهاز فض المنازعات التجارية في منظمة التجارة العالمية، ووجود معاملة تمييزية في بعض الحالات لمصلحة الدول النامية.
وأهم منظمات العولمة الاقتصادية هي: البنك الدولي للتعمير والتنمية، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. وهي المنظمات التي تضطلع بمهمة التخطيط للعولمة الاقتصادية وتنفيذها في الوقت نفسه بتوجيه من الدول الغربية وشركاتها وبخاصة متعددة الجنسية منها. فهي سلسلة مترابطة؛ فالشركات تضغط على حكوماتها والحكومات تضغط على تلك المنظمات لكي تخطط وتنفذ مشروع العولمة، وتضع السياسات التي تحقق أهداف العولمة الاقتصادية الخفية.
وسنبين في المبحث الأول سياسات منظمات العولمة الاقتصادية، وفي المبحث الثاني سنبين خلاصة حكم تلك السياسات في الشريعة الإسلامية دون ذكر الأدلة والخلافات؛ ومن أراد التفاصيل فيمكنه الرجوع إلى الأصل.
ü المبحث الأول: سياسات منظمات العولمة الاقتصادية:
باستقراء سياسات منظمات العولمة الاقتصادية وتتبعها، وبالرجوع إلى ما تصدره منظمات العولمة الاقتصادية من تقارير ودراسات، اتضح أن هذه السياسات تنقسم إلى ثلاثة محاور رئيسة هي:
المحور الأول: سياسات القضاء على العجز في الموازنة العامة للدولة، وأهمها: سياسة إلغاء دعم الأسعار أو تخفيضه، وسياسة الخصخصة، وسياسة الإصلاح الضريبي.
المحور الثاني: سياسات القضاء على الفجوة بين الادخار والاستثمار، وأهمها: تحرير معدل الفائدة المصرفية، وإنشاء سوق حرة للأوراق المالية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر.
المحور الثالث: سياسات القضاء على العجز في ميزان المدفوعات، وأهمها: تخفيض قيمة العملة المحلية، وإلغاء الرقابة على سوق الصرف الأجنبي، وإزالة القيود على الاستيراد وفتح الأسواق.
وفيما يلي بيان موجز لهذه السياسات:
ü المطلب الأول: سياسات معالجة العجز في الموازنة العامة:
تهدف سياسات الصندوق والبنك إلى معالجة العجز في الموازنة العامة، بمجموعة من السياسات، بعضها يتعلق بزيادة الموارد، وبعضها يتعلق بتقليص النفقات، وهو ما يحقق هدفاً آخر هو تخفيض التضخم. وأهم هذه السياسات هو: إزالة دعم الأسعار أو تخفيضه، والخصخصة، والإصلاح الضريبي. وفيما يلي الحديث عن كل واحدة منها بإيجاز.
ü أولاً: إلغاء دعم الأسعار أو تخفيضه:
ينقسم الدعم إلى قسمين رئيسين:
١ ـ دعم الأسعار: وهو المال الذي تدفعه الحكومة للبائعين والمنتجين المحليين لتخفيض أسعار السلع والخدمات التي يعرضونها، لكي تصبح ملائمة للناس جميعهم، أو بغرض تشجيع قطاع من القطاعات الإنتاجية، لتمكين المنتجين المحليين من المنافسة في السوق الداخلية والتصدير إلى الأسواق الخارجية.
فالدعم إذن، أو الإعانة كما يسمى أحياناً، مساعدة تدفعها الدول النامية إما لأسباب اجتماعية، فتخفض أسعار بعض السلع الضرورية اللازمة للمستهلكين ومنها السلع الاستهلاكية الأساسية مثل: الخبز، والأرز، والسكر، والحليب، والزيوت النباتية، وبعض الخدمات كالكهرباء والمياه والوقود، وإما لأسباب اقتصادية، فتدفع تلك المعونة لمنتجي سلعة معينة لتمكينهم من منافسة السلع الأجنبية.
ويتخذ دعم الأسعار صوراً عدة منها: الإعانات المباشرة للبائعين للبيع بسعر منخفض، وإعانة الصادرات، وفرض رسوم على الواردات لحماية الإنتاج المحلي، وشراء الدولة للسلع من المنتجين بأسعار تشجيعية. وهدف الدول النامية من التدخل في نظام الأسعار ـ ومنه الدعم ـ هو الحد من آثار حرية عوامل العرض والطلب الضارة بمعيشة الفقراء وذوي الدخول المنخفضة؛ وذلك لأن قانون العرض والطلب لا يمكن الاعتماد عليه اعتماداً كاملاً لتحقيق التوزيع الأفضل للموارد؛ وقد يترتب عليه أحياناً إهمال المصلحة العامة.
٢ ـ دعم الدخول وهو الدعم المدفوع للفقراء لزيادة دخولهم وتمكينهم من شراء لوازمهم الضرورية. ويتخذ عدة صور منها: المنح الدراسية، وإعانات الإغاثة، والإعانات التي تصرفها الحكومة ومؤسسات الخدمة الاجتماعية، والزكاة والصدقات التطوعية.
والدعم الذي تطالب منظمات العولمة الاقتصادية بإزالته أو تخفيضه هو دعم الأسعار فقط دون دعم الدخول. وهي تطالب بتخفيضه لتحقيق هدفين:
الأول: تقليص نفقات الدولة. فإزالة الدعم سيوفر على الدولة الأموال التي كانت تدفعها لدعم تلك السلع والخدمات، مما يخفض النفقات في الموازنة العامة، ويمكّن الدولة من توجيه تلك الأموال إلى مجالات أخرى.
الثاني: توزيع الموارد الاقتصادية توزيعاً أفضل. ويزعم خبراء صندوق النقد الدولي وجود درجة كبيرة من الانحرافات في الأسعار النسبية في البلدان النامية، بسبب تدخل الدولة الكبير في الاقتصاد، الذي يؤدي إلى ظهور عدم التوازن على الصعيدين الداخلي والخارجي. كما يرى خبراء البنك الدولي أن سياسات الدعم تتطلب أموالاً كثيرة، ولا تفيد الفئات الفقيرة غالباً، بل تفيد الفئات ذات الدخل المرتفع والدخل المتوسط. ولا يمكن أن تكون سياسة دعم المستهلك مفيدة إلا إذا اقتصرت على الفئات ذات الدخل المنخفض، مع إمكان السيطرة على أعباء ذلك الدعم وتحملها، دون اللجوء إلى وسائل تضخمية أو معرقلة لنظام الأسعار.
وبناء على ذلك يوصي خبراء الصندوق باتباع إجراءات منها: إزالة الدعم المدفوع لمنتجي المواد الغذائية الأساسية، وإزالة الدعم المدفوع للمنشآت الحكومية. كما طالبت منظمة التجارة العالمية بإلغاء الدعم ووسعت معناه، ليشمل كل مساهمة مالية تدفعها الحكومة أو أية هيئة عامة، تتحقق منها منفعة لمن يحصل عليها. وقد تكون هذه المساهمة قروضاً أو ضماناً لقروض، أو نزولاً من الحكومة عن دخل، كالإعفاءات الضريبية أو الجمركية، أو تقديم خدمات أو سلع معينة، أو شراء منتجات معينة.
وقد قسمت المنظمة الدعم إلى ثلاثة أقسام:
١ ـ الدعم المحظور الذي يستدعي إجراءات مضادة. ومن أمثلته:
أـ دعم تشجيع الصادرات كضمان التصدير، وفتح اعتمادات للتصدير بفائدة تقل عن فائدة اقتراض الحكومة، واستعمال مواد مدعومة لإنتاج سلع تصديرية، والإعفاء من الضرائب. ويستثنى من هذا الدعم المحظور: دعم الصادرات بالنسبة إلى الدول الأعضاء الأقل نمواً وكذلك الدول النامية التي يقل متوسط دخل الفرد السنوي فيها عن ١٠٠٠ دولار أمريكي.
ب ـ الدعم المشروط باستعمال مواد محلية في إنتاج السلع المحلية بدلاً من المواد المستوردة.
٢ ـ الدعم المسموح به الذي قد يستدعي التقاضي، وهو الدعم الموجه إلى سلعة أو خدمة أو صناعة أو قطاع أو منطقة معينة. ويكون هذا الدعم ضاراً بمصالح الدول الأعضاء، ويسوِّغ التقاضي وإقامة الدعوى في الحالات التالية:
أـ إذا تعدى هذا الدعم نسبة ٥% من قيمة السلعة.
ب ـ إذا خصص هذا الدعم لتغطية خسائر المشروعات.
ج ـ إذا أعفت الحكومة المشروعات العامة من الديون المستحقة عليها.
أما ما تقدمه الدولة من دعم ضمن برامج الخصخصة للمساعدة على تأهيل المشروعات العامة للبيع أو لزيادة جاذبيتها للقطاع الخاص، فلا يعد من الدعم الذي يسوِّغ التقاضي.
٣ ـ الدعم المسموح به الذي لا يستدعي إجراءات مضادة ولا يسوِّغ التقاضي، مثل:
أـ دعم برامج البحوث والتطوير التي تؤديها الشركات أو تعهد بها إلى مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحوث.
ب ـ دعم المناطق الأقل نمواً في الدولة.
ج ـ دعم تكييف مرافق الإنتاج لتتطابق مع المتطلبات الجديدة للبيئة.
وتطالب المنظمة الدول المتقدمة بتخفيض دعمها للإنتاج المحلي الزراعي بنسبة ٢٠% وتخفيض دعمها للصادرات الزراعية بنسبة ٣٦% خلال ست سنوات، وتطالب الدول النامية بتخفيض دعمها المحلي بنسبة ١٣% وتخفيض دعمها للصادرات بنسبة ٢٤% خلال عشر سنوات، وتعفى الدول الأقل نمواً من التخفيض.
ü ثانياً: الخصخصة:
عرّفت الخصخصة بأنها «العملية التي يقصد بها التعاقد على إدارة وتشغيل، أو نقل ملكية، العمليات والمشاريع، أو المؤسسات الحكومية، إلى القطاع الخاص» . بل إن الدراسات الحديثة قد توسِّع المعنى ليشمل بناء وتأسيس القطاع الخاص لمشروعات عامة، لينتفع بها فترة محددة من الزمن، ثم تؤول ملكيتها إلى الدولة.
والخصخصة تعد من أهم سياسات منظمات العولمة الاقتصادية المقترحة لمعالجة العجز في الموازنة العامة؛ حيث تطالب منظمات العولمة الاقتصادية وبخاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، البلدان النامية بهذه السياسة. وذلك لتحقيق هدفين: الأول: تخفيض نفقات الدولة ومن ثم تخفيض العجز في الموازنة العامة، والثاني: زيادة كفاءة المشروعات العامة واستعمال الموارد الاقتصادية استعمالاً أفضل. وفي رأي خبراء البنك أن الأداء الاقتصادي المنخفض وربما الخاسر لمؤسسات القطاع العام يعود إلى ما يلي:
١ ـ ربط الأهداف الاجتماعية بالأهداف الاقتصادية. فالدول النامية توجه قطاعها العام وشركاتها العامة، لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية مختلفة، مثل: زيادة حجم التوظيف، ومعالجة التضخم، وتخفيض أسعار منتجات المشروع لمصلحة الفقراء ومحدودي الدخل.
٢ ـ خضوع هذه المشروعات والشركات، لتدخل مركزي صارم من جانب الدولة وبيروقراطية شديدة، مما يفقدها استقلالها.
٣ ـ تحديد بيع المنتجات بأسعار لا تتفق وقانون العرض والطلب.
٤ ـ عدم وجود نظم كافية للحوافز وتنمية المهارات الإدارية.
٥ ـ عدم محاسبة مديري هذه المشروعات على النتائج الحقيقية لمشروعاتهم.
٦ ـ عدم وجود المنافسة الخارجية، حيث تتمتع هذه المشروعات بالحماية الجمركية غالباً.
وعلى هذا، فإن قروض التكييف الهيكلي التي يقدمها البنك، تهدف إلى علاج مشكلات القطاع العام بما يلي:
١ ـ إبعاد هذه المؤسسات تماماً عن الأهداف الاجتماعية والسياسية.
٢ ـ إدارة هذه المؤسسات على أسس تجارية بحتة، برفع أسعار منتجاتها لتتوافق والأسعار العالمية، وإلغاء الدعم المخصص لها.
٣ ـ عدم احتكارها للسوق المحلي وتعريضها للمنافسة الأجنبية.
٤ ـ منحها الاستقلال في الإدارة والتسعير والتوظيف.
وإذا لم تكن وصفة الإصلاح هذه قابلة للتنفيذ، فإن البنك يقدم ثلاث توصيات:
الأولى: إلغاء هذه المشروعات وبخاصة الخاسرة منها.
الثانية: بيع المشروعات المملوكة للدولة إلى القطاع الخاص، أو إشراك رأس المال الأجنبي في ملكيتها.
الثالثة: انسحاب الدولة من إدارة الخدمات ذات الطابع العام كالكهرباء، ومياه الشرب، والصرف الصحي، والإسكان وغيرها، تاركة إدارتها للقطاع الخاص، وذلك لتخفيف العبء المالي على الموازنة العامة.
ü ثالثاً: الإصلاح الضريبي:
الضريبة عند علماء المالية العامة هي: «اقتطاع مالي، تقوم به الدولة عن طريق الجبر من ثروة الأشخاص الآخرين، ودون مقابل خاص لدافعها، وذلك بغرض تحقيق نفع عام» .
وتنقسم الضرائب إلى قسمين رئيسين:
١ ـ ضرائب مباشرة وهي التي تُفرَض على المال عند اكتسابه. ومن أهم أنواعها ما يلي:
أـ الضريبة على الدخول مثل: دخول الأشخاص كالرواتب والأجور، ودخول المهن الحرة، وعائد رأس المال، وريع العقارات، وأرباح الشركات.
ب ـ الضريبة على الثروات والتركات. سواء كانت للأفراد الطبيعيين أم للشركات، وسواء كانت أصولاً ثابتة مثل: الأموال العقارية، أو أصولاً منقولة مثل: الودائع البنكية، والأوراق المالية كالأسهم والسندات.
٢ ـ ضرائب غير مباشرة وهي التي تفرض على المال عند إنفاقه. ومن أهم أنواعها ما يلي:
أـ الضريبة على القيمة المضافة: وتفرض على الزيادات التي تتحقق في قيمة الإنتاج في كل مرحلة من مراحل الإنتاج.
ب ـ الضريبة على الإنتاج: وتفرض بنسبة معينة من قيمة الإنتاج على أنواع معينة من السلع المنتجة محلياً، إلا أنها لا تشمل السلع جميعها وإنما بعض السلع التي تختارها الحكومة، لذا تسمى أحياناً: الضرائب الانتقائية.
ج ـ الضريبة العامة على المبيعات: وتفرض على القيمة النهائية للسلع والخدمات عند بيعها. وعادة تفرض بمعدلات موحدة على السلع الاستهلاكية جميعها. كما أنها تفرض مرة واحدة في إحدى مراحل توزيع السلع، إما على مبيعات الجملة، أو على مبيعات التجزئة، أو على المبيعات إلى المستهلك النهائي.
د ـ الضرائب على الصادرات والواردات وهي المسماة بالرسوم الجمركية.
ويرى البنك الدولي أن الهياكل الضريبية في معظم الدول النامية غير ملائمة لما يلي:
أـ أنها معقدة وتصعب إدارتها والامتثال لأحكامها.
ب ـ أنها غير مرنة فلا تستجيب لمتطلبات النمو وتغير هيكل النشاط الاقتصادي.
ج ـ أنها غير منصفة؛ حيث تعامل الأفراد ودوائر الأعمال التي تتشابه أوضاعها تعاملاً متفاوتاً. كما تتم إجراءاتها بشكل انتقائي، فتحابي ذوي القدرة وتساعدهم على عدم الخضوع للنظام.
د ـ أنها غير فعالة؛ حيث تؤدي إلى آثار اقتصادية خطرة، وتسفر عن حصيلة ضئيلة نسبياً في الغالب.
ولتحقيق الإصلاح الضريبي عند خبراء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ينبغي تحسين عائد الضرائب الموجودة، وزيادة مرونة النظام الضريبي، وإدخال إصلاحات على إدارة الضرائب، وعلى طريقة تحصيل الموارد، وربما إضافة ضرائب جديدة.
ومن الإجراءات المقترحة من صندوق النقد الدولي في هذا الخصوص ما يلي:
١ ـ تخفيض الضرائب على الدخول وعوائد رؤوس الأموال المستثمرة في القطاع الخاص.
٢ ـ إعفاء أرباح ودخول الاستثمارات الجديدة من الضرائب، من أجل حفز المستثمرين على زيادة معدلات استثماراتهم في المجالات ذات الأهمية وبصفة خاصة قطاع الصادرات.
٣ ـ تقديم تسهيلات جمركية على الواردات الاستثمارية والوسيطة للمشروعات الجديدة؛ لتخفيض قيمة الإنتاج وزيادة معدلات العائد على الاستثمار فيها.
٤ ـ زيادة معدلات الضرائب غير المباشرة كضريبة المبيعات، وبخاصة على السلع الكمالية ومنتجات الصناعات التحويلية والخدمات المحلية.
ويتلخص الإصلاح الضريبي في نظر خبراء البنك الدولي فيما يلي:
١ ـ توسيع نطاق الوعاء الضريبي، وتخفيض نسب الضرائب الموجودة، والحد من المبالغة في درجات التصاعد الضريبي.
٢ ـ فرض الضرائب على الأنشطة التي لم يفرض عليها ضرائب، مثل الأنشطة الزراعية والعقارية.
٣ ـ التنسيق بين فرض الرسوم الجمركية وفرض الضرائب على المبيعات.
٤ ـ مساواة معدلات الضرائب على أرباح الشركات بمعدلات الضرائب على أرباح رأس المال في الخارج.
٥ ـ جعل الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات ذات وزن نسبي كبير بين مكونات الهيكل الضريبي المنشود. ويؤكد خبراء البنك الدولي أن فرض ضريبة المبيعات العامة ذات الوعاء المتسع، وضريبة القيمة المضافة، يجب أن يكون عنصراً مهماً في برامج الإصلاح الضريبي في الدول النامية؛ حيث إن فرض مثل هذه الضريبة سوف يترتب عليه تحصيل موارد كثيرة، وحفز الأفراد على زيادة الادخار والاستثمار.
٦ ـ يجب أن يتسم الإصلاح الضريبي باستقرار السياسة الضريبية، والتشاور المسبق بشأنها، وإتاحة الفرصة للتصحيح قبل التنفيذ؛ مما يرسخ ثقة قطاع الأعمال في الإصلاح الضريبي.
ü المطلب الثاني: سياسات منظمات العولمة الاقتصادية لمعالجة الفجوة بين الادخار والاستثمار:
تعاني البلدان النامية نقصاً شديداً في الادخار وفي الوقت نفسه تحتاج إلى استثمارات كبيرة، وينتج عن ذلك وجود فجوة كبيرة بين الادخار والاستثمار، مما يعيق تحقيق تنمية حقيقية في هذه الدول. وهذه الفجوة تعد خللاً من وجهة نظر صندوق النقد الدولي، يتطلب معالجته بعدة سياسات أهمها: تحرير معدل الفائدة المصرفية، وتطوير سوق الأوراق المالية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر. وفيما يلي الحديث بإيجاز عن تلك السياسات.
أولاً: تحرير معدل الفائدة المصرفية:
يقصد بالتحرير هنا إلغاء القيود المفروضة على معدلات الفائدة وتركها لقانون العرض والطلب؛ لأن السلطات النقدية في كثير من البلدان النامية تفرض حدوداً قصوى لمعدلات الفائدة الاسمية؛ مما يجعل معدلات الفائدة الحقيقية سالبة في الدول التي تزداد فيها معدلات التضخم عن معدلات الفائدة الاسمية. كما أنها تؤدي إلى وجود معدلات متعددة للفائدة حسب أولوية القطاعات الاقتصادية. وقد تلجأ تلك السلطات إلى مثل هذه السياسة، لتشجيع الاستثمار في بعض القطاعات أو للمساهمة في تمويل عجز الموازنة العامة، بإقراض بعض المشروعات المملوكة للدولة بمعدلات فائدة منخفضة، أو اشتراط الحكومة على المصارف التجارية أن تشتري سندات حكومية بفوائد منخفضة.
وهذا الإجراء لا يشجع المدخرين على إيداع أموالهم؛ بسبب انخفاض معدل الفائدة، فيبقى الادخار في المصارف منخفضاً، وتبقى مشكلة فجوة الموارد المحلية. ومنذ بداية الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي أخذ الصندوق يوجه النظر إلى الانحراف الكبير الذي يؤثر في تشكيل معدلات الفائدة في البلدان النامية، ودعا إلى إعادة نظر شاملة للفكر الذي تطرحه النظرية الكينزية لتنظيم القطاع المالي، الذي يجعل الادخار مرتبطاً بالدخل وغير مرن بالنسبة إلى معدل الفائدة، وأنه يجب المحافظة على معدل الفائدة عند مستوى منخفض. وفي نظر خبراء الصندوق تنتج هذه السياسة المشوهة لمعدل الفائدة، أوضاعاً متعددة من الخلل المالي كما يلي:
١ ـ إضعاف حافز الادخار المحلي، مما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال إلى الخارج.
٢ ـ توجه الاستثمارات إلى مجالات غير منتجة.
٣ ـ توجيه التسليف المصرفي إلى القطاعات ذات الأولوية مثل القطاع الزراعي، وترك القطاعات التي لا تتمتع بالأولوية كقطاع التجارة.
٤ ـ تحديد مستويات منخفضة لمعدلات الفائدة الاسمية، مما يجعل معدلات الفائدة الحقيقية سالبة بسبب التضخم.
لذلك، يطالب الصندوق بتحرير معدل الفائدة وتركها لعوامل العرض والطلب، بحجة أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاعها بمعدلات أعلى من معدل التضخم مما يشجع أصحاب الأموال على إيداع أموالهم في البنوك، وزيادة المدخرات المحلية ومن ثم توجيهها نحو الاستثمار. فهدف هذه السياسة هو جذب رأس المال المحلي والأجنبي بالإضافة إلى إيقاف الانخفاض في أسعار صرف العملات المحلية.
ويرى خبراء الصندوق أن تحقيق معدلات فائدة عالية يكون بما يلي:
١ ـ تحرير معدل الفائدة مما سيؤدي إلى ارتفاعها ويشجع على الادخار، ويمنع هروب رؤوس الأموال. وهذا يشمل معدلات الفوائد التي يحددها المصرف المركزي.
٢ ـ أن يكون استعمال معدلات الفائدة لتوجيه التسليف أو الائتمان نحو قطاعات معينة، في أقل الحدود، ليقل عدد المعدلات المحددة إدارياً.
٣ ـ إقامة نظام لتحديد معدلات الفوائد على مراحل متعاقبة، باتجاه تحريرها وإخضاعها لعوامل السوق؛ حيث لا تتدخل الدولة ولا مصرفها المركزي إلا بالتوجيه بإصدار سندات على الخزانة وطرحها للتداول في السوق.
ثانياً: تطوير سوق الأوراق المالية:
عُرّفت السوق المالية بأنها «السوق التي يتم فيها التعامل بالأوراق المالية بيعاً وشراء؛ بحيث تشكل القنوات الرئيسية التي ينساب فيها المال من الأفراد والمؤسسات والقطاعات المتنوعة، بما يساعد على تنمية الادخار وتشجيع الاستثمار من أجل مصلحة الاقتصاد» .
وتتسم الأسواق المالية في الدول النامية ـ في نظر خبراء الصندوق والبنك الدوليين ـ بضيق نطاقها وعدم تنوع هياكل أصولها المالية، نتيجة للعوامل التالية:
١ ـ عدم وجود الإطار القانوني والتنظيمي والضريبي الملائم.
٢ ـ اقتصار السوق على مجموعة من البنوك التجارية التي ينصرف نشاطها إلى تمويل التجارة الخارجية.
٣ ـ استئثار البنك المركزي وشركات التأمين الكبرى بنسبة كبيرة من السندات في ذلك السوق.
٤ ـ إخفاق أسواق السندات في جذب المدخرات المحلية؛ بسبب ضيق نطاقها من ناحية، ودعم أسعار السندات الحكومية من البنك المركزي من ناحية أخرى.
٥ ـ انخفاض الوعي المصرفي وعدم تطور المؤسسات المصرفية.
٦ ـ قلة حجم الأوراق المالية التي تصدرها الحكومة.
٧ ـ تحديد معدلات الفائدة إدارياً، مما يؤدي إلى ضعف كفاءة الجهاز المصرفي في جذب المدخرات المحلية وتوجيهها إلى المجالات الاستثمارية الأكثر إنتاجية.
٨ ـ قلة تنوع الأصول المالية ومن ثم انخفاض درجة الإحلال بين النقود والأصول.
٩ ـ انتشار ظاهرة الازدواجية المالية؛ بمعنى وجود قطاعين ماليين: أحدهما: حديث منظم تحدد فيه معدلات الفائدة بطريقة إدارية أو مركزية، وتتغير لمدة طويلة، وتتنوع معدلاتها وفقاً لنوعية القطاعات. والقطاع الآخر: قطاع غير منظم، تحدد فيه معدلات الفائدة وفقاً لمتغيرات اقتصادية ومؤسسية مثل: علاوة المخاطرة، والنفقات الإدارية، ونفقة الفرصة البديلة، ودرجة القوى الاحتكارية للمقترضين.
وفي ضوء اختلاف طبيعة وأسس تحديد معدلات الفائدة في القطاعين السابقين، تظهر أنواع غير متجانسة لتلك المعدلات، على نحو يصعب معه وجود تأثير واضح للسياسة النقدية في معدلات الفائدة، ومن ثم في الاستثمار.
ويرى البنك الدولي أن إصلاح هذا الوضع، ينبغي أن يتضمن إيجاد نظام مالي ذي قاعدة واسعة، بحيث يشمل سوقاً للنقود، وسوقاً لرؤوس الأموال، وأجهزة للوساطة المالية غير البنوك، مما يجعل الاقتصاد قادراً على المنافسة ومتحملاً الهزات الداخلية والخارجية، كما يؤدي إلى زيادة عرض رؤوس الأموال بأدوات منها: الأسهم والائتمان طويل الأجل، وهما أمران أساسيان للاستثمار في الصناعة.
ثالثاً: تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر:
عرَّف اتحاد القانون الدولي الاستثمار الأجنبي بأنه «تحركات رؤوس الأموال من البلد المستثمر، نحو البلد المستفيد، بقصد إنشاء أو تنمية مشروع لإنتاج السلع والخدمات» .
وينقسم الاستثمار الأجنبي إلى قسمين رئيسين:
١ ـ استثمار أجنبي مباشر: وهو «إقامة شركة، أو إعادة شراء كلي أو جزئي، لشركة قائمة في دولة أجنبية، سواء أكانت الشركة تمثل فروعاً للإنتاج، أم للتسويق، أم للبيع، أم لأي نوع من النشاط الإنتاجي أو الخدمي، موزعة أنشطتها على عدد من الدول الأجنبية» .
٢ ـ الاستثمار الأجنبي غير المباشر: وقد عرفه البنك الدولي بأنه «استثمار الأجانب في أسواق رأس المال المحلية، دون قيام المستثمرين بتوفير التقنية والخدمات كما يحدث في الاستثمار الأجنبي المباشر» . وبمعنى آخر: هو تملك أشخاص غير مقيمين لأسهم وسندات منشأة وطنية، حكومية كانت أم خاصة، دون أن يكون للمستثمرين حق الرقابة على هذه المنشآت الوطنية.
وبناء على ما تقدم، يمكن التفريق بين النوعين كما يلي:
١ ـ أكثر من يمارس الاستثمار الأجنبي المباشر، هي الشركات وبخاصة متعددة الجنسية منها، أما الاستثمار الأجنبي غير المباشر، فيمارسه أفراد وهيئات مختلفة كالبنوك ومؤسسات الاستثمار.
٢ ـ الاستثمار الأجنبي المباشر يجعل للمستثمر الأجنبي صوتاً مؤثراً في الإدارة زيادة على حق الملكية، أما الاستثمار الأجنبي غير المباشر، فلا يعطي المستثمر حق الإشراف أو التحكم في المنشأة التي يملك بعض أصولها.
٣ ـ بينما يقدم الاستثمار المباشر للبلد المُضيف مزيجاً من التمويل وفنون الإنتاج والإدارة، يقدم الاستثمار غير المباشر التمويل فقط للحصول على عائد.
٤ ـ الاستثمار غير المباشر في محفظة الأوراق المالية يعد أداة غير مستقرة لتمويل التنمية في الدول النامية؛ وذلك لأن هذه الأداة ذات طبيعة قصيرة الأجل، وتتأثر بعوامل دورية قصيرة الأجل، كالتوقعات المتفائلة أو المتشائمة بشأن الاستثمار الدولي، والمفاضلة بين معدلات الفائدة وعوائد الاستثمار الأخرى، ومن ثَمَّ فهذا النوع من الاستثمار أكثر تعرضاً لعوامل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ في حين أن الاستثمار الأجنبي المباشر يتأثر تأثراً كبيراً بالاستراتيجية الدولية للشركات متعددة الجنسية، وبنشاط التجارة الدولية، والأوضاع الاقتصادية في الدول المضيفة.
وتشجيع الاستثمار الخاص المحلي منه والأجنبي، من السياسات التي يتبناها البنك الدولي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. ويحرص البنك على زيادة عمل القطاع الخاص: المحلي والأجنبي، في الاضطلاع بعمل رئيس في التنمية، بتمكينه من الاستفادة من مدخرات المجتمع في البنوك وغيرها من مؤسسات الإقراض المحلية، إضافة إلى تسهيل حصوله على القروض الخارجية سواء من مؤسسات خاصة أم رسمية، وكذلك بتشجيع انسياب رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة للاستثمار داخل البلاد، مع إعطائها قدراً أكبر من الحوافز والمزايا والضمانات. ومن أهم السياسات التي يطالب بها كل من البنك والصندوق في هذا الخصوص ما يلي:
١ ـ إعطاء مزايا وحوافز لنشاط رأس المال الخاص الأجنبي، مثل: الإعفاء من الرسوم الجمركية وحصص الاستيراد.
٢ ـ ضمان عدم تأميم أو مصادرة أو فرض الحراسة على المشروعات الخاصة.
٣ ـ ضمان حرية تحويل أرباح ودخول المشروعات الأجنبية إلى الخارج.
٤ ـ تحرير الأسعار من التدخل الحكومي وتركها لعوامل العرض والطلب، وبخاصة أسعار الصرف ومعدلات الفائدة.
٥ ـ تقليص نمو القطاع العام، وقصر نشاطه على مشروعات البنية الأساسية، وبيع مشروعاته الناجحة إلى القطاع الخاص.
أما منظمة التجارة العالمية فقد طالبت بإلغاء الشروط التي تشترطها السلطات المحلية على الاستثمارات الأجنبية؛ بدعوى أن تلك الشروط تقيد التجارة العالمية وتعرقلها، وتناقض مبادئ المنظمة، وتحد من نمو التجارة الدولية، وتضع العراقيل أمام حركة الاستثمارات عبر الحدود الدولية.
ووضعت المنظمة في اتفاقياتها ضوابط لحظر تلك الإجراءات الاستثمارية، وطالبت الدول الموقعة عليها بإلغاء هذه الإجراءات خلال سنتين بالنسبة إلى الدول المتقدمة، وخمس سنوات بالنسبة إلى الدول النامية، وسبع سنوات بالنسبة إلى الدول الأقل نمواً.
ومن تلك الإجراءات التي تطالب المنظمة بإلغائها ما يلي:
١ ـ اشتراط أن يشتري المشروع الأجنبي منتجات محلية بمقادير أو نسب معينة؛ لأنه شرط مخل بمبدأ المعاملة الوطنية.
٢ ـ اشتراط أن تكون واردات المشروع مقصورة على كمية أو قيمة معينة مرتبطة بكمية أو قيمة صادرات المشروع؛ مما يعارض مبدأ عدم اللجوء إلى القيود الكمية عند الاستيراد.
٣ ـ شرط الربط بين النقد الأجنبي الذي يتاح للاستيراد والنقد الأجنبي العائد من التصدير.
٤ ـ شرط بيع نسبة معينة من إنتاج المشروع الأجنبي في السوق المحلي.
стр. 5638
النفط الصراع والدم
د. محمد مورو
شكَّل النفط ولا يزال منذ اكتشافه عام ١٨٥٩م وحتى الآن أحد أهم أسباب الصراع في العالم، وقد شغل هذا الصراع على النفط مساحة كبيرة من خريطة الصراع العالمي طوال القرن الماضي، ومن المرجح أن يستمر هذا الأمر لفترة طويلة قادمة في قرننا الحالي.
في عام ١٨٥٩ حفرت الولايات المتحدة الأمريكية أول بئر نفطية في أراضيها لتحدث بذلك نقلة نوعية هائلة في موضوع الطاقة، ومن ثم الاقتصاد والسياسة والصراع والحروب والعلاقات الدولية.
كان العالم الصناعي قبل ذلك العام يعتمد على الفحم الحجري كمصدر للطاقة، وكان هذا الفحم موجوداً تقريباً في معظم الدول الصناعية، وبالمقارنة بالنفط فإن الفحم الحجري كان يحتاج إلى تكاليف نقل باهظة وحيز كبير في تشكيل الآلة الصناعية، وهكذا اكتسح النفط سوق الطاقة، ولكنه لم يكن متوفراً في كل مكان كالفحم، بل تركز إنتاجه في أماكن معينة، ومن ثَم كان من الطبيعي أن يحدث الصراع حول النفوذ في تلك المناطق وحول طرق المواصلات المتصلة بنقل النفط من أماكن إنتاجه.
أحدث اكتشاف النفط ثورة هائلة في شكل الآلة وحجمها وقدراتها، وأصبح بمنزلة الدم الذي يجري في شريان الصناعة والحرب والنقل، بل إن اكتشاف النفط شكَّل في حد ذاته حافزاً علمياً هاماً لتسهيل المزيد من الاختراعات. ويمكننا أن نقول: إن الطائرة والصاروخ والأقمار الصناعية وغيرها من الآلات المتقدمة لم تكن لترى النور بدون النفط. ولا يزال النفط حتى اليوم يشكل العصب الرئيسي للطاقة، وحتى عندما ارتفعت أسعار النفط عقب حرب رمضان «أكتوبر ١٩٧٣» وشعرت الدول الصناعية الكبرى وخاصة في أوروبا وأمريكا بإمكانية تحكُّم الدول المنتجة في الأسعار أو في ربطـ ذلك بالمواقف السياسية حاولت الدوائر العلمية في تلك الدول أن تبحث عن بديل للبترول بأسعار معقولة، وروَّجت تلك الدوائر أن ذلك ممكن ومتاح، ولكن مع الوقت اكتشف الجميع أن ذلك لم يكن إلا خدعة إعلامية بعثت الخوف والتراجع في صفوف منتجي الطاقة البترولية حتى لا تزداد رغبتهم في زيادة الأسعار. وظل النفط أرخص حتى لو وصل سعره إلى ٦٠ دولاراً للبرميل، وأفضل مصدر معروف للطاقة حتى الآن. وكان من الطبيعي أن تحاول الدول الصناعية الكبرى السيطرة على منابع النفط بصورة أو أخرى، التأثير بكل الوسائل على المنتجين، ودخلنا من وقتها في ما يسمى بـ (الدم مقابل النفط) أي استعداد تلك الدول لنشر جيوشها وخوض الحروب من أجل تحقيق تدفق آمن ورخيص للنفط، ومنذ ذلك الوقت كان النفط هو العامل الأهم في الصراع الدولي.
عقب حفر أول بئر للنفط في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٨٥٩ بدأت كل الدول الصناعية في البحث عن تأمين مصادرها من النفط، وبدأ البحث والتنقيب في كل مكان بالعالم، وشاءت إرادة الله أن يوجد النفط ـ في معظمه ـ في أقطار عربية وإسلامية، ونجحت شركة النفط «الأنجلوفارسيا» في حفر أول بئر بترولية في إيران، ثم بدأ النفط يظهر في العراق والكويت والخليج العربي عموماً، وتسابقت دول مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا لعقد صفقات مع مشايخ وحكام منطقة الخليج وإيران، إلا أن الولايات المتحدة دخلت على الخط عام ١٩٣٣ ونجحت (شركة ستاندرو أويل كومباني أوف كاليفورنيا) في توقيع عقد مع العربية السعودية، وصدر المرسوم الملكي رقم ١١٣٥ في ٧ يوليو ١٩٣٣ بمنح تلك الشركة حق التنقيب واستخراج النفط في المملكة؛ وخاصة في الجزء الشرقي منها (منطقة الأحساء) .
كانت السيطرة على النفط تعني ضان استمرار عمل الآلة الصناعية والآلة العسكرية معاً، أي الرخاء والقوة، وكان بالإضافة إلى ذلك يمثل قطاعاً هاماً للاستثمار الرأسمالي، وهكذا كان النفط محوراً لصراع الرأسماليات والشركات والدول ومقاولي النقل، بل الأفاكين فضلاً عن العسكريين بالطبع.
ومع تصاعد حركات التحرر الوطني عقب الحرب العالمية الثانية ونجاح معظم الدول المحتلة في تحقيق استقلالها، تقلص نفوذ الدول الاستعمارية التقليدية: بريطانيا ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ بلجيكا ـ البرتغال ـ هولندا.. إلخ، وأصبحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي هما قطبا الصراع. ولأن الاتحاد السوفييتي السابق كان يمتلك النفط في أراضيه، وليست لديه شركات رأسمالية تطمع في بترول الآخرين، فإن الثقل الأساسي لمحاولة السيطرة على النفط صب في خانة الولايات المتحدة الأمريكية التي تطلعت بدورها إلى استغلال ثرواتها.
وفي ظل حالة الاستقطاب الدولي بين الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية والولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلنطي، ومع صعود حركات التحرير الوطني في معظم بلاد العالم النامي وخاصة الدول النفطية، تطلعت الدول المنتجة للنفط إلى السيطرة على ثروتها الأساسية، وظهرت حركات وحكومات ودول أممت أو سعت إلى تأميم إنتاج النفط، وكان ذلك جزءاً من التحرر والكرامة، وجزءاً من استعادة الثروة المنهوبة؛ لأن عملية الإنتاج كانت تصب أرباحها الأساسية في جيب الشركات الرأسمالية والدول الصناعية الكبرى على حساب الشعوب الفقيرة التي كانت تعاني من تدهور أحوالها الاقتصادية والاجتماعية. وفي كل الأحوال لم تحاول تلك الدول قطع البترول عن الدول الصناعية، بل ظل يتدفق بانتظام في كل الظروف بأسعار رخيصة جداً، ومع ذلك لم يكن الغرب ولا أمريكا راضين عن مجرد التطلع لدى تلك الشعوب لممارسة شيء من سيادتها على ثرواتها، وفي عام ١٩٦٠ تمـ إنشاء منظمة الأوبك وشملت ١١ دولة هي «الجزائر ـ إندونيسيا ـ إيران ـ العراق ـ الكويت ـ ليبيا ـ نيجيريا ـ قطر ـ السعودية ـ الإمارات ـ وفنزويلا» في محاولة لتشكيل تجمع من الدول المنتجة يعادل شيئاً ما قوة المستهلكين، ورغم ذلك لم تتأثر إمدادات النفط للدول المستهلكة ولا أسعار النفط أيضاً.
وفي عام ١٩٧٣ حدثت أزمة النفط التاريخية المعروفة في أعقاب حرب أكتوبر، وارتفعت أسعار البترول بصورة كبيرة، وكان ذلك بالطبع خيراً كبيراً؛ لأن عوائد النفط لو استخدمت منذ ذلك الوقت في بناء قاعدة صناعية واقتصادية للدول المنتجة لكان الأمر مختلفاً عندما حدثت أزمة النفط، حيث قررت الولايات المتحدة الأمريكية ـ التي تستهلك ١/٤ إنتاج النفط العالمي وحدها، والتي كانت ولا تزال أكبر قوة عسكرية واقتصادية والتي يشكل النفط من ثَمَّ عاملاً هاماً من عوامل قوتها ورخائها ـ قررت ألا تترك إمداداتها النفطية للظروف، وأنشأت خزانات لادخار كميات نفط تشكل احتياطياً إستراتيجياً يكفيها ٨٤ يوماً، وقد صدر قرار بذلك من الرئيس الأمريكي وقتها «جيرالد فورد» عام ١٩٧٥، وفي الوقت نفسه قررت الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة بطريقة أو أخرى على منابع النفط الأساسية في العالم وخاصة منطقة الخليج، وتم إعداد خطة في عهد الرئيس (كارتر) عام ١٩٧٦ سميت (خطة كارتر) تقول: إن أمريكا على استعداد للتدخل الفوري والمباشر عسكرياً في أي نقطة في العالم تمثل تهديداً للنفط. وقال كارتر: «إن تهديد منابع النفط يعني مباشرة تهديد الأمن القومي الأمريكي، وإننا على استعداد لندفع الدم مقابل ضمان استمرار تدفق النفط» . وهكذا كان (كارتر) أول من صك عبارة «الدم مقابل النفط» .
في نهاية السبعينيات ١٩٧٩ اندلعت الثورة الإيرانية وكان ذلك مؤشرَ خطرٍ على المصالح البترولية في الخليج، وفي المصالح البترولية المتوقعة في بحر قزوين، وكانت الولايات المتحدة قد نجحت في احتواء ارتفاع أسعار النفط، وأمَّنت لنفسها إمداداً آمناً منه من منطقة الخليج تحديداً، ودخل الاتحاد السوفييتي أفغانستان مهدداً بالوصول إلى «المياه الدافئة» . وهكذا تحركت الولايات المتحدة بسرعة لاحتواء هذا الخطر المتفاقم، وانتهى الأمر بإثارة قوى كبيرة ضد الاتحاد السوفييتي انتهت بهزيمته وسقوطه في بداية التسعينيات من القرن الماضي، بل وتفكك المنظومة الاشتراكية برمتها، كما أشعلت الولايات المتحدة وشجعت الحروب ضد إيران، وخاضت ضدها حرباً دعائية وسياسية انتهت بتقليم أظافرها الثورية.
جاءت حرب الخليج الثانية ـ احتلال العراق للكويت ـ لتقدم فرصة ذهبية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإدخال قواتها العسكرية إلى منطقة الخليج بدعوى إخراج العراق من الكويت، ثم حماية دول الخليج من الخطر العراقي، ولم تخرج تلك القوات من يومها، بل ازداد انتشارها، وظهرت القواعد الأمريكية في دول الخليج والبحر، وتم احتلال العراق سنة ٢٠٠٣؛ وعلينا أن نرصد الآن قوات أمريكية وقواعد بالإضافة إلى الدول السابقة في أفغانستان التي دخلتها بحجة مسؤولية تنظيم القاعدة عن أحداث ١١ سبتمبر، ومسؤولية طالبان عن حماية تنظيم القاعدة، ولم تخرج القوات الأمريكية من هناك رغم الإطاحة بنظام طالبان وإقامة نظام تابع للولايات المتحدة الأمريكية هناك.
وتوجد أيضاً في جورجيا وطاجيكستان والجمهوريات المحيطة ببحر قزوين من دول الاتحاد السوفييتي السابق، وهي موجودة في تركيا وباكستان ثم جيبوتي واليمن والقرن الإفريقي والفلبين وهي كلها مناطق نفط، أو على طرق المواصلات المتصلة بالنفط. ونلاحظ أن القوات الأمريكية لم تتجه إلى دول أمريكا اللاتينية بحثاً عن إرهابيين مؤكدين أو داخل الولايات المتحدة في الغابات التي تعج بالجماعات والمنظمات الأمريكية المسلحة التي تهدف إلى الأضرار المؤكدة بالحكومة الأمريكية.
ماذا تريد أمريكا من نشر قواتها حول مناطق إنتاج البترول أو الطرق المؤدية إليها أو تمر بها إمدادات النفط؟ ولماذا تنشر أمريكا قواتها الآن؟ الإجابة عن السؤال تقتضي الأخد بالاعتبار: نهاية الاتحاد السوفييتي، انفراد أمريكا بالهيمنة على العالم، تصاعد موجات العولمة أو الأمركة، بروز قوة الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً واقتصادياً، التنافس الاقتصادي والعسكري المحتمل مع أوروبا ـ اليابان ـ الصين ـ روسيا؛ وهكذا فإن المطلوب احتواء روسيا والصين، ووضع الرأسماليات الأوروبية واليابانية تحت السيطرة الأمريكية بالتحكم في إمدادات النفط.
وإذا كان النظام الأمريكي يمثل تحالف الرأسماليين والعسكر الذين يرغبون في مناطق تمدد جديدة وحروب جديدة، وإذا كانت التقارير تصب يومياً تتحدث عن قوة أمريكية عسكرية هائلة لا يستطيع أحد الوقوف أمامها أو منافستها، وقوة اقتصادية هائلة تمثل ١/٣ الاقتصاد العالمي «١١ تريليون دخل قومي سنوي في أمريكا» ، وأن تلك الحالة الدولية السائدة يمكن أن تنتهي في عضون سنوات، كان من الطبيعي أن تستغل الحكومة الأمريكية الفرصة للتمدد في العالم، والسيطرة على البترول، واحتجاز مكان مضمون للسيطرة الدائمة على العالم ولو لمدة قرن. وهكذا جاء الحديث عن القرن الحالي (الواحد والعشرين) على أنه قرن الولايات المتحدة الأمريكية؛ ففي إطار السيطرة على الرأسماليات الأخرى في أوروبا واليابان وتحديد مستوى نموها بما لا يهدد المصالح الأمريكية كان لا بد من التحكم في البترول حتى تكون تلك الرأسماليات تحت رحمة السيد الأمريكي «يبلغ الناتج القومي الأوروبي ٩ تريليون دولار سنوياً والألماني منه ٢.٥ تريليون دولار سنوياً؛ في حين يبلغ الناتج القومي الياباني ٥ تريليون» . وبالنسبة لروسيا والصين يجب احتواؤهما بالقوات الأمريكية في كوريا وأفغانستان وباكستان والفلبين والخليج والقرن الإفريقي، وعبر مظلة حلف الأطلنطي شرقاً حتى حدود روسيا، وذلك لمنع روسيا من إعادة بناء نفسها واستعادة دورها القديم، ومنع الصين من التطور خارج الإطار.
النفط والصراع على النفط يفسر كثيراً من معادلات الصراع والحروب والانتشار العسكري والسياسي. وإذا وضعنا أمامنا خريطة احتياطيات النفط العالمي حالياً لوجدنا أن الخليج العربي يمتلك ٦٤% من الاحتياطي المؤكد للنفط؛ فالسعودية مثلاً تمتلك ٢٦٢ مليار برميل احتياطي، والعراق من ١١٥ ـ ٢٢٠ مليار حسب اختلاف التقديرات، وفنزويلا ٦٥ ملياراً؛ أما بحر قزوين ففيه من ١٥ إلى ٤٠ مليار برميل حسب اختلاف التقديرات، وهناك مشاكل بين الدول المحيطة به حول الإنتاج وحقوق الاستغلال (روسيا ـ إيران ـ أذربيجان ـ كازاخستان ـ تركمانستان) ، وهناك أيضاً مشاكل في النقل عن طريق تركيا أو الخليج عبر إيران؛ وهكذا فالمجال المفضل أمام الولايات المتحدة هو منطقة الخليج، وهذا يفسر احتلالها للعراق الذي لا علاقة له بموضوع أسلحة الدمار الشامل، أو موضوع الديمقراطية المزعومة، والولايات المتحدة أيضاً ذهبت إلى أفغانستان وجورجيا وكازاخستان من أجل بترول بحر قزوين.
ويمكن أن يكتمل فهمنا لمعادلات الصراع إذا أدركنا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تمتلك سوى ٢١ مليار برميل احتياطي، وإنتاجها حالياً ٧ ملايين برميل، وهي تحتاج ١٧ مليون برميل يومياً حالياً. وهكذا فإنها تستورد ١٠ ملايين برميل يومياً، ومن المتوقع أن تصل احتياجاتها إلى ٢٦ مليون برميل يومياً عام ٢٠٢٠ وهو ما يعني أنها بحاجة إلى ١٧ مليون برميل يومياً؛ حيث لن يصل إنتاجها المحلي إلا إلى ٩ ملايين برميل فقط وهو سقف يصعب تجاوزه؛ أي أنها تريد استيراد ٦٦% من حاجتها اليومية للبترول والغاز، وإذا كان الإنتاج العالمي حالياً يصل إلى ٧٤ مليون برميل يومياً يفيض عن حاجة المستهلكين، فإن من المتوقع أن يصل الإنتاج إلى ٩٢ مليون برميل يومياً عام ٢٠٢٠، في حين يصل الاستهلاك إلى ١١١ مليون برميل يومياً، أي أن هناك فجوة ستحدث، ومن لا يستطيع أن يؤمِّن حاجاته البترولية فسيتراجع صناعياً واقتصادياً وعسكرياً، وإذا هيمنت الولايات المتحدة على البترول فسوف تتحكم بالآخرين فضلاً عن تأمين حاجاتها.
لم تترك الولايات المتحدة فرصة للسيطرة على البترول إلا سارعت إليها، وحتى بترول السودان المتوقع «٣ مليارات برميل احتياطي» ، جعل الولايات المتحدة تسارع إلى التدخل في الموضوع السوداني وتضع يدها على البترول وتحقق نفوذاً هناك، وكذلك فيما تخطط له في نيجيريا والجزائر وليبيا.
والحقيقة أن ما تعلنه الولايات المتحدة من أنها تحارب الإرهاب ليس إلا حجة في موضوع البترول والهيمنة، وحتى أحداث ١١ سبتمبر لم تكن سبباً لانتشار العدوان الأمريكي ومحاولات الهيمنة، بل هي فرصة استغلتها لإقناع الشعب الأمريكي بدفع الدم لصالح الآلة العسكرية والرأسمالية، والمجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي يسيطر على أجهزة الحكم؛ فقبل أحداث ١١ سبتمبر بـ ٤ أشهر كاملة أي في شهر مايو ٢٠٠١ صدر تقرير السياسة الوطنية للطاقة عن مجموعة تنمية سياسة الطاقة الوطنية الأمريكية «تتكون من ١٤ عضواً من مؤسسة الرئاسة الأمريكية بما فيهم نائب الرئيس نفسه» وقد أشار التقرير إلى أن أمريكا تواجه أكبر نقص في البترول تعرضت له منذ ١٩٧٣م، وطالب التقرير باتخاذ العديد من الإجراءات والتحركات وفي مقدمتها زيادة موارد البلاد من الطاقة عموماً والبترول خصوصاً، وزيادة مستوى تأمين المصالح البترولية في الخارج.
بالطبع فإن الصراع له أسباب متعددة، حضارية، عقائدية، سياسية، اقتصادية، استراتيجية، نفسية، ولكن البترول بدوره أحد أهم عوامل هذا الصراع، وبديهي أن حديثنا السابق عن هذا العامل لا يلغي ولا يغفل قيمة العوامل الأخرى.
стр. 5639
لفتات في تأليف القلوب
أبو محمد أحمد أجلان
قصّ الله في كتابه الكريم مقالة فرعون ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] .
وهذا الرأي الذي رآه فرعون هو قتل موسى ﵇. وكان هدف قتله ـ كما يزعم ـ: خشية على دين بني إسرائيل من التبديل وخوفه من إفساد موسى في الأرض.
وهكذا مذهب الطغاة على مرِّ التاريخ، إلزامُ الناس على رأيهم بقوة السلطان، بحجة الغيرة على الدين. وليس حديثي في هذا المقال عن هؤلاء الطغاة والمفسدين؛ فمذهبهم أوضح من أن يوضح، ولكنَّ العجب الذي لا ينقضي منه العجب من بعض بني جلدتنا، ممن يحمل همَّنا ويقف معنا في صفِّنا وهو يتدثر بهذا الطغيان الفكري من حيث يشعر أو لا يشعر، فتراه دائماً يدَّعي احتكاره الصواب ... ورأيه هو رأي الإسلام.
وهو الناطق الرسمي باسم سلف الأمة.
فيُدخِل من شاء إلى السنَّة، ويُخرِج من شاء منها؛ ولسان حاله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ . [غافر: ٢٩]
وليست المشكلة في هذا فحسب، لكن المصيبة أن يتعدَّى ذلك إلى التحزُّب والفرقة والتصنيف في مسائل يسوغ فيها النظر والاجتهاد، وهذا العمل قد ذمَّه الله في كتابه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ .
[آل عمران: ١٠٥]
﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية: ١٧] .
وأحسب أن هذا نوع من التطرف الفكري، منشؤه الجهل، وقلة العلم، وقصر النظر.
\ لنتأمّلْ هذه القواعد المهمة!
هناك قواعد يجدر بنا جميعاً الوقوف معها وتأمّلها؛ قصدتُ بها ائتلاف القلوب ولملمة الكلمة، وتوحيد الصف، فمن ذلك:
أولاً: أنَّ الاختلاف أمر طبيعي وقع في عهد النبي # والوحي ينزل من السماء، فاختلف الصحابة بين يدي النبي # في مواطن عدّة (كقصة صلاة العصر في بني قريظة) ولم يعنّف النبي # أحداً.
وأصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ اختلفوا بعد وفاته في أمور عدَّة في مكان دفنه، وفي قتال مانعي الزكاة، وفي كتابة الوحي، وخالف ابن مسعود الخليفة عمر بن الخطاب ﵄ في مسائل كثيرة أوصلها ابن القيم إلى مائة مسألة؛ ومع هذا لم يتحزَّبوا أو يتفرقوا، ولم يُبدّع أو يُفسّق بعضهم بعضاً.
ثانياً: تضييق مذهب أهل السنَّة والجماعة أو السلف بأنَّه ما قاله فلان ـ ولو كان هذا الشخص من الأئمة المعتبرين ـ فيعمد أحدهم إلى قولٍ لأحد السلف الصالح قاله في قضية معينة وفي ومكان وزمان معين ... فيقول: هذا مذهب السلف؛ وهذه إشكالية كبيرة؛ لأنَّه بهذا المنهج سيتفرَّع لنا أحزاب كثيرة كلها سترفع الشعار نفسه.
والأمر الذي يُقرّه العقل والمنطق أن لا يُنْسَبَ إلى السلف إلا في المسائل العامة كأصول الاعتقاد التي أجمع عليها السلف وكان قولهم وعملهم فيها واضحاً ـ وإن حصل شذوذ من بعضهم لا يُذكر ـ.
ثالثاً: التفريق بين النص وفهم النص؛ فإذا كان النص حمَّالَ أوجه فلا ينبغي القطع بأنَّ هذا هو مراد الله وأنَّ من خالفه فقد خالف الإسلام، وبسبب هذا بُدِّع أقوام وضُلّل آخرون، نعم! أقوال العلماء لها مكانتها ومنزلتها، وهي محل الاعتبار، لكنها لا تصل في القداسة إلى درجة النص الشرعي.
رابعاً: أن كثيراً من هذه المسائل المختلف فيها يدخل فيها الهوى والحسد والانتصار للنفس ـ خصوصاً بين الأقران ـ فهذا أبو حنيفة ﵀ وَصَمَهُ بعض علماء زمانه بالكفر، وقيل فيه من الكذب والافتراء ما يندى له الجبين.
وهذا الإمام مالك بن أنس ﵀ قال عنه ابن أبي ذئب ـ وهو مَنْ هو في العلم والإمامة ـ: يُستتاب، وإلا يضرب عنقه
وهذا الشافعي ﵀ يدعو عليه أحد كبار أصحاب مالك في مصر بأن يهلكه الله.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يُؤذى ويسجن عدَّة مرات، وكان الذي ألَّب عليه السلطان علماء زمانه، وما أجمل ما قاله الذهبي: كلام الأقران يطوى ولا يروى.
وقال أيضاً: طيُّه أوْلى من بثِّه.
خامساً: أنَّ من اتَّبع رأي عالم في مسألة فلا إنكار عليه؛ فالمقلد الذي لا يسعه الاجتهاد يكفيه تقليد من يثق بدينه وعلمه. يقول سفيان الثوري: إذا رأيتَ الرجل يعمل العمل الذي اختُلِفَ فيه، وأنت ترى غيرَه فلا تنهه.
سادساً: أنَّ العالم والداعية بشر معرَّض للصواب والخطأ، وقد تحدث منه الزّلة والزلاَّّت؛ فخطؤه لا يقدح في سائر فضله وصوابه، وعيب على المرء أن لا يبصر إلا بعين واحدة؛ ففي الحديث: «إذا كان الماء قلّتين لم يحمل الخبث» (١) .
يقول سعيد بن المسيب: ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب؛ ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله.
ويقول ابن القيم: فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرك جملةً وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات.
ويقول الذهبي: ولو أنَّ كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له قمنا عليه وبدَّعناه وهجرناه لما سلم معنا أحد من الأئمة؛ فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة.
سابعاً: في معمعة الخلاف والصراع الفكري يغيب عن الكثيرين أساسيات مهمة وأصول ثابتة لا تتغيَّر، وهو أنَّ مخالفك ما زال يحمل اسم الإسلام، فينبغي أن يسود بين المسلم وأخيه المحبة، وحفظ الحقوق والذَّبُّ عن عرضه، وعدم الفرح بمصابه؛ فأهل السنة رحماء بالخلق، نصحاء للأمة، شفقاء على الناس.
وأخيراً ... الكلام في أعراض المسلمين والطعن في منهجهم ونواياهم باب خطير، وصاحبه على شفا جهنَّم ـ والعياذ بالله ـ إن لم يتدارك نفسه ويتحلل ممن نهش في أعراضهم وأكل لحومهم.
اللهم أرِنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه!
стр. 5640
الحاجة الماسة للتقارير المتخصصة
د. سامي محمد صالح الدلال
منذ حوالي قرن من الزمان، وخاصة بعد سقوط الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٤؛ فإن المسلمين سجلوا غياباً مذهلاً عن ساحة الأحداث، محلياً ودولياً، وأصبحوا منفعلين وليسوا فاعلين.
غير أن الأعمال الجهادية في أفغانستان والشيشان وكشمير والفلبين، ثم الانتفاضة الأولى والثانية في فلسطين، قد أعادت للمسلمين شيئاً من الوعي.
وعندما أحس الصليبيون واليهود بهذا الدبيب في أمة الإسلام، زحفت الخشية إلى قلوبهم من إمكان أن يتحول ذلك في يوم من الأيام إلى قوة تمكِّن المسلمين من تهشيم الأسوار التي أحاطوها بها، والمتمثلة بالأنظمة الحاكمة التي زرعوها في بلادهم وجعلوها نائبة عنهم في قهر المسلمين في عقر ديارهم وفي مصادرة آمالهم في الاستظلال بشريعة ربهم، فراحوا يعيدون حساباتهم ويحدِّثون خططهم ويجددون برامجهم بما يضمن لهم إبقاء هذه الأمة تحت سياط الذل والمهانة، وما أحداث البوسنة والهرسك وكوسوفا وتيمور الشرقية وأفغانستان والعراق إلا بعض الصور المعبرة عن ذلك.
لقد كان لافتاً للنظر أن كثيراً من الإسلاميين لم يكونوا على مستوى الأحداث التي تقع والمكائد التي تدبر والمؤامرات التي تنفذ، ومن ثَم صاروا في غياب عن الوعي بما يجري في كثير من بقاع العالم، بل إنهم انقادوا، تحت تأثير ما أشاعه الغرب، إلى الإيمان العميق بعدم صحة نظرية المؤامرة، هكذا بإطلاق. وبناء عليه فإنه من وجهة نظرهم أن ما يحدث في العالم لم يسبقه تخطيط ولا تدبير من أعداء الإسلام، بل إنه يقع هكذا اتفاقاً، فاستتبع هذا الرأي لازمه، وهو أن لا داعي لملاحقة تلك التخطيطات والتدبيرات للتعرف عليها؛ لأنه لا وجود لها أصلاً، بحسب رأيهم.
وهكذا أصبح تصرُّف هؤلاء يخضع فقط إلى رد الفعل إزاء الأحداث المتتالية، فجاءت ردود أفعالهم وكأنهم لا يعيشون عصرهم ولا يدرون ما يُفعل بهم، أي أنهم غَيَّبوا أنفسهم تماماً عن فقه الواقع.
لقد أدى ذلك إلى عدة أمور، من أهمها:
١ - عدم فرز الأعداء عن الأصدقاء: ومن مفارقات ذلك أن الولايات المتحدة التي تقتل المسلمين وتحتل بلدانهم اعتُبرت صديقة، وأن المسلمين الذين يقاتلونها اعتُبروا أعداءً. أي إنه انقلاب كامل لمفهوم الولاء والبراء. ومن المفارقات أيضاً اعتبار انتفاضة الفلسطينيين على اليهود المحتلين غير شرعية؛ لأنها لم تحظ بموافقة ولي الأمر حينها، أي ياسر عرفات.
٢ - اختلال فقه الموازنات: وهذا أمر طبيعي، بل هو تحصيل حاصل؛ ذلك أن فقه الموازنات يعتمد، في بعض ما يعتمد عليه، على المعرفة الدقيقة بالواقع، وهذا غير متحصل لدى الإسلاميين الذين أشرنا إليهم. وبناء عليه فإن مواقفهم إزاء الأحداث تجدها مجللة بالعجب العجاب، تتميز بعدم الاتزان وبالانفعال وبردود الفعل السريعة وغير المدروسة، فتحدث البلبلة وتطيش الآراء ويدب الخلاف بين الأتباع.
٣ - ركوب موجة التسويغات: وسببها دخول هؤلاء في أنفاق مظلمة لم يتبينوا ما وراء أكمتها؛ فإذا ما جاءت النتائج على خلاف ما اعتقدوه أنه مقدماتها شرعوا يبررون ويعتذرون. ومن أبرز ذلك انخراطهم في المشاريع الديمقراطية، وعقدهم الصفقات السياسية مع الأحزاب العلمانية.
٤ - الدفاع عن قضايا باطلة: وذلك لوقوعهم في استدراجات الخصم. ومن ذلك الدخول في تحالفات مشبوهة مع العلمانيين، أو الانجرار إلى مواقف مبرمجة مسبقاً كمشاركتهم في المؤتمرات القومية، مما ترتب عليه في كلتا الحالتين الدفاع عن أولئك لتبرير المواقف!!
وقد نتج عن كل ذلك أن الركن الأول في الفتوى، وهو فقه الواقع أو «معرفة حالهم» بحسب اصطلاح شيخ الإسلام ابن تيمية، قد أصابه الشلل وأحاط به الفشل.
وأما الركن الثاني من الفتوى وهو معرفة حكم الله في مثلهم، والمقتضي معرفة النصوص التي تتعلق بها كل حالة، ثم معرفة كيفية تنزيل النص على الواقعة؛ فقد أصابه أيضاً الخلل؛ وذلك بسبب لجوء هؤلاء في كثير من الأحيان إلى لَيِّ عنق النصوص ليوافق ما ذهبوا إليه.
من هنا؛ فإن الحاجة قد أصبحت ماسة جداً لأجل استحداث الوسائل التي تجلِّي للمسلمين، وللعلماء والدعاة منهم بالذات، ما يبين حقيقة الواقع وما تضطرم على سطحه من أحداث وتتلبس بين ثناياه من ملابسات.
وإننا نرى أن من أهم تلك الوسائل هو إعداد التقارير المنوعة، وفي كافة المجالات، التي توضح حقيقة مجريات الأمور وما يدور في الكواليس، وتعد الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية من أهم ما ينبغي أن يعلمه الإسلاميون أصحاب القرار والتوجيه؛ حيث إن هذه التقارير توفر:
١ - المعلومات الدقيقة.
٢ - الإحصاءات الموثقة.
٣ - التحليلات العميقة من جهة المختصين.
٤ - الربط بين الواقع والمخططات الموضوعة.
٥ - الاستنتاجات الضرورية.
٦ - الاقتراحات المناسبة.
ولذلك نرى أنه من الأهمية بمكان الاهتمام بهذه التقارير بالمواصفات التي ذكرناها؛ حيث إنها تجعل الحقيقة مكشوفة قدر الإمكان لكل من له علاقة بالشؤون العامة والخاصة للمسلمين، علماً أن أعداء الإسلام يوظفون طاقات كبيرة وينفقون أموالاً وفيرة على المراكز الاستراتيجية التي تعد لهم مثل هذه التقارير مما يوفر لهم كافة الإمكانات ويضع بين أيديهم كافة البدائل عندما يكونون بصدد اتخاذ قراراتهم، ليس فقط الهام منها، بل حتى القرارات العادية.
ولذلك فإننا نشجع بقوة كافة المسلمين المهتمين بشؤون دينهم وأمور دعوتهم على متابعة الاطلاع على التقارير التي تعدها الجهات الإسلامية الموثوقة، ليكونوا على بينة من أمرهم، وسديدي الرأي في تنفيذ أمر ربهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 5641
٢٢٦ - جمادى الآخرة - ١٤٢٧ ه ـ
(السنة: ٢١)
стр. 5642
إنهم يحاربون الله
شأن الظلم والطغيان أن يولِّد عند الشعوب ردَّات من الفعل لا يمكن معرفة نتائجها ولا الحدود التي يمكن أن تقف عندها، فقد كانت ثورة هائجة يدفعها ما تعانيه تلك الشعوب من التخلف والقهر والفقر والطغيان، والليل المظلم الطويل الذي أرخى سدوله على دولة الصومال تلك البقعة من أرض المسلمين، لم يكن لديها مشروع للحُكْم ولم تُعدّ للأمر عدّته، فعقيب انهيار حكم الطاغية المستبدّ محمد سياد بري عام ١٩٩١م حدث فلتانٌ أمني، وتفاقمت الظاهرة التي عرفت بـ «أمراء الحرب» ممن احترف القتل والتدمير وإهلاك الحرث والنسل، في هذا الجو الخانق قامت ثلّة من علماء المسلمين بما يجب عليهم في مثل تلك الظروف، يحاولون لملمة الأمور على قدر ما يستطيعون، استشعاراً لرسالتهم الحقيقية، وقياماً بالدور المناط بأهل العلم إذا عدم الوالي المستوفي للشروط، فظهرت المحاكم الإسلامية التي سعت لاستتباب الأمن وفصل الخصومات بين الناس بالحق، ولأن الحق لا بدّ له من قوة تؤازره وتدفع عنه «مصحف يهدي وسيف ينصر» تكونت القوات التابعة للمحاكم الإسلامية، واستطاعت هذه المحاكم أن تقوم بدور الحكومة عند غيابها الفعلي، واستتبَّ الأمن إلى حدود بعيدة، لكن أمريكا التي حملت على كاهلها محاربة الإسلام في كل بقعة من بقاع الأرض اتخذت من شعار محاربة الإرهاب ـ ذلك الشعار الذي استُبيحت به الديار وهُتكت به الأعراض وأُزهقت به النفوس وسُرقت به خيرات البلاد ـ غطاءً لإجهاض هذا التوجه، ومؤازرة لمعارضيه من تيارات العلمنة، وقامت بتشكيل تحالف من أمراء الحرب تدعمهم بالمال والسلاح وتقف خلفهم لمحاربة قوات المحاكم الإسلامية. وتدور هذه الأيام رحى الحرب بين جنود الرحمن وبين تحالف الشيطان، جنود الرحمن يسعون لنصرة الإسلام، وتحالف الشيطان يسعى لنصرة عبّاد الصليب، وخذلان عباد الله الصالحين، إنهم يحاربون الله ـ تعالى ـ، فلهم الخيبة والهزيمة والخذلان، فمن يحارب الله هو المغلوب بلا شك، ولو كان يملك كل أنواع الأسلحة التي في العالم وأضعافها ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] ، ولكن القوم لا يفقهون.
стр. 5643
هكذا يعبثون بالثوابت
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن مسلَّمات الدين وقطعياته من الأقوال والأعمال هي روح الإسلام والإطار الذي تقوم بقية أجزائه عليه؛ فمن أتى بها وحافظ عليها فقد استمسك بحقيقة الدين، ومن فرط فيها فقد ضيع أصل الهداية والأساس التي تقوم عليه الديانة.
ومن دعا إليها وبذل وسعه في التعريف بها والذود عنها فقد سلك طريق المرسلين، وسار على هدي مستقيم. وفي المقابل فمن دعا إلى ما يخالفها، وتبنى سَوْق الناس إلى الإعراض عنها أو تنكبها ولم يُبالِ بها فقد جعل من نفسه زعيماً للضلالة، وأحد رؤوس التغرير والغواية.
وفي عصرنا الذي ظهر فيه كثيرٌ من عوامل ضعف الأمة وهوانها وتبعيتها؛ حيث تكالب علينا أعداؤنا فيه بكل وسيلة من كل حدب وصوب انبرى بعض بني جلدتنا المتحدثين بألسنتنا ـ ممن صنعهم الغرب على عينه فأرضعهم من أفكاره، ونبتت أجساد كثير منهم واشتد عودها وذاع صيتها من سُحته ـ لاستهداف الديانة في مقوماتها الصلبة الثابتة، وإعادة تشكيل عقلية المسلم المعاصر وملامح شخصيته وفق رؤية خاضعة للهيمنة الغربية إن لم تكن مؤيدة له؛ ليكونوا بذلك مغرقين في الدعوة لجهنم بشتى السبل المعلنة والخفية، وعلى مجالات الحياة كافة وأصعدتها المختلفة، حتى صارت رسالتهم التسويق لبضاعة الغرب يوماً، والصد عن هدى الرحمن يوماً آخر، وإيذاء أولياء الله (علماء دينه ودعاة شرعه والمستمسكين بالذي أوحى به إلى رسوله) في أيام أخر.
ولو أن الأمر اقتصر على ذلك لهان الخطب وما جَلَّ؛ إذ ذاك ديدنهم والعمل المرجَّى منهم، لكن القوم بزعمهم حملوا لواء الإصلاح والتصحيح، ورفعوا عقيرتهم بأنهم ماضون في قياد الأمة لتنهض من كبوتها وتخرج من نفق الغفلة التي تمر بها، معلنين في الوقت ذاته اعتزازهم بالديانة، وحفاظهم على قيم الأمة وثوابتها؛ مما زعزع قلوباً، وحيَّر عقولاً، وشكك فئاماً من الخلق ليست بالقليلة؛ فكيف إذا انضاف إلى ذلك دغدغتهم لنفوس العامة وإلهائهم من خلال الصدع ببعض همومهم وتبنِّي بعض مصالحهم، ليتمكنوا من ضمان قبول إن لم يكن مساندة ـ غير واعية ـ شريحة كبيرة من أبناء المجتمع أثناء تنفيذهم لأجندتهم الخفية؟! لا شك أن الحال عندها سيكون أخطر والمصيبة أعم.
ومَنْ سَبَرَ أفعال القوم وتأمل صنيعهم في هذه المرحلة العصيبة من عمر أمتنا وجدهم معتمدين جملةً من السياسات، ومرتكزين على عدد من الممارسات.
وقد وجدنا ـ في ظل مسارعة تلك الفئة في استهداف الثوابت، واشتداد هجمتها الشرسة على القيم، وتنامي جهدها في تطويع الأمة وتهيئتها لتقبُّل ما يريد أعداؤها منها: إملاءً وهيمنة أو نهباً واستغلالاً ـ وجدنا أن من المستحسن أن نعرض بين يدي قارئنا الكريم إضاءات عن نهجهم، في النقاط التالية:
٣ تركيزهم على الممارسة والعمل، وتبني الغموض، والتخفف من حرج التنظير، الذي استنفد منهم جهوداً كبيرة في العقود الماضية، فكان سقوطه مدوياً في سُوق الأفكار، ومحكمة النص، وحجج العقل السوي. ولأن المهم هو تحقق الأهداف وتطبيق الخطط لا الإقناع بها، ومع مرور الزمن ستكون تلك الممارسات حالة واقعة، وجزءاً مهمّاً من مكونات المجتمع الذي ستنبري فئات كثيرة من أبنائه للتقعيد لها والذود عنها دفاعاً عن ذواتهم من جهة، ورغبة في عدم وصم بيئتهم بشيء من الخلل أو التقصير.
٣ تلبيسهم على عامة الناس ومن يدور في فلكهم من أنصاف المثقفين ومحدودي العلم الشرعي، عبر التسربل بالتدين، وكثرة ترديد نصوص الكتاب والسنة أثناء التحدث والكتابة ولو في غير موضعها، والتلاعب بدلالاتها وبدلالات المصطلحات الشرعية من خلال تحميلها ما لا تحتمله من المفاهيم الغربية والممارسات الدخيلة على مسلَّمات الأمة وثوابتها، استغفالا، ً وتغطيةً لعمق الصلة بالدول والمؤسسات الغربية المعنية بشأن تغريب الأمة من جهة، وتجهيزاً لخط الرجعة حين انكشاف الستر وتجلي العمالة أو التبعية الفكرية على الأقل من جهة ثانية، ولصرف جوهر خلافهم مع الأمة من مدى قدسية النص المنزَّل، ومرجعية الشريعة وحاكميتها لكافة جوانب الحياة، إلى النزاع في فهم مقاصد الشرع ودلالات نصوصه وتحديد متطلبات تطبيقه من جهةٍ ثالثة.
كل ذلك يتم في أجواء تُرفَع فيها شعارات حقة كأهمية تعميم ثقافة الحوار والمناقشة، والتحلي بسعة الأفق وتفهُّم الثقافات الأخرى والانفتاح على المفيد منها، وضرورة تشجيع ممارسة النقد وزيادة حجم دائرة الاجتهاد، وتشجيع حرية التعبير والإبداع، وحاجتنا الماسة لمراعاة التخصص، والمبادرة لكثير من عمليات التصحيح والمعالجة؛ ومحاربة العادات والتقاليد الخاطئة، ليمارس تحت سقفها مشاريع ضخمة الزيغ، كزعم نسبية الحقيقة، والتشكيك في المبادئ والمسلَّمات لتتحول إلى متغيرات قابلة للأخذ والرد، محتملة للصواب والخطأ، محتاجة إلى تقويم ومراجعة مستمرة، وتعميم حق قراءة نص الوحي المنزل وتفسيره لكل من هب ودب بعيداً عن دلالات اللغة وفهم السلف الصالح، وفتح أبواب الردة والفسق والفجور تحت عناوين: أهمية تقبُّل التعدد الفكري والثقافي، وضرورة ضمان حرية الاعتقاد والتعبير، والانطلاق في التعامل مع الناس من الإقناع لا الإجبار، والمناداة بما يسمى بالممارسة الديمقراطية كعقيدة وإطار مرجعي لا أسلوب للتعبير عن الرأي والإرادة تحت سقف ثوابت الأمة وحاكمية الشريعة، والسماح بوجود منابر مقننة لذوي الأهواء والشهوات، وتعديل مناهج التعليم الخاصة بالعقيدة الإسلامية واللغة العربية والتاريخ وبقية مواد الاجتماع أو تغييرها، وإحلال اللغات الأجنبية مواكبةً للتطوير والتغيير!! في مقابل ذلك يتم الإعراض عن الرقي بمناهج العلوم التطبيقية التي تحتاجها الأمة كمتطلب أساس لإحداث نهضة تقنية داخلها، وإعادة هندسة المجتمع وتشكيله بصورة تؤدي إلى انتهاك الفضيلة، وإشاعة التفسخ والسقوط الأخلاقي، ووجود نوعٍ من العداء لدين الأمة وتاريخها الطويل تحت شعارات وممارسات تغير النمط الاجتماعي وتعيد صياغته وفق المفهوم الغربي، مثل الحرية والترفيه ومساواة المراة بالرجل ورفع الظلم والتمييز عنها، وتمكينها من حقها في الاختيار والممارسة والعمل، وتضخيم دائرة المنفعة والتعلق بالماديات، وتعميم تطبيقات ذلك في التصور والسلوك على حساب قضايا الروح ومسائل الغيب والاعتقاد والربح الأخروي ... ، وهلم جرّاً.
وإغراقاً في التغرير والخداع لا ينسى القوم التستر بثياب النصح والشفقة والمحبة والحرص على تحقيق المصلحة ودرء المفسدة، وفي أحيان يتقمص القوم مرتبة الإفتاء والتوقيع عن الله تعالى، ويحرصون على إظهار بعض ممارساتهم التعبدية، إضافة إلى استثمار غفلة أو واقعية منهزمة يتسم بها بعض أهل الإسلام تُستغَل لتطويع الإسلام واستثمار بعض المواقف والأطروحات لخدمة المخطط التغريبي - ولو في إطار مرحلي على الأقل ـ ليكون بمثابة النفق الذي يُعْبَر من خلاله إلى ما يُرَاد، والقيام بنبش التراث الإسلامي طمعاً في الحصول على خلاف في مسألةٍ لفقيه أو عبارةٍ لعالم عامل يمكنهم توظيفها في المنافحة عن باطلهم كيفما لزم الحال.
ومن المفارقات في هذا الجانب أن هذه الفئة دعاة انفتاح وحرية رأي وتعبير حين يُمَكِّنهم ذلك من التحرر من المسلَّمات وتجاوز الثوابت والتشكيك في القِيَم، وهم في الوقت ذاته رواد مصادرةٍ للرأي وحجرٍ على الفكر بصورة فجة مقززة تذكِّر بعقد الستينيات من القرن الماضي وما قبلها، وذلك حين يكون الطرف الآخر مُعَرِّياً لضلالهم؛ هاتكاً لسترهم أمام أبناء المجتمع، تحت ذريعة أن من كان في السابق متسلطاً لا يستحق حرية لا يؤمن بها، ولذا نجد المنابر الإعلامية والرسمية التي بأيديهم مقصورة في الجملة على من يداهنهم أو يقف بوعي أو بدونه في نطاق تطبيق مخططاتهم.
أليست هذه حرية انتقائية؟!
وليس من الغريب القول إنك لا يمكن أن ترى للقوم سقطة واحدة تتجاوز تحقيق المصالح الغربية، وتتجه إلى تثبيت قيمةٍ خيِّرة أو الدفاع عن حق، ولو على سبيل المزايدة والتلبيس على العامة؛ وهذه قضايا الأمة الكبيرة، ونكباتها المتوالية التي تقع على يد القوى الغربية أكثر من أن تحصر، والقوم أصحاب نفوذ وحظوة؛ فهل رأى أحد لهم من موقف يستحق التقدير؟ إن لسان حال القوم يقول: لتسقط كل الأقنعة في سبيل كسب قوى التسلط والهيمنة الغربية، والأمريكية منها على وجه الخصوص!
٣ تسطيحهم وعي المجتمع وثقافته، من خلال تزيين المنكرات لأفراده، وإغراقه في بحور الشهوات والملذات داخلين عليه من بوابة المباح، الذي تنسي لذته في دوائر مثل الترفيه والكسب ما يشوب القوم فيها من مخالفات؛ من أجل إطالة أمل الأفراد وإيلاجهم في أودية التسويف لتضعُف مبادرتهم إلى الخيرات، ويُلْهَوْا عن تحقيق مزيد من جوانب العبودية الواعية والخضوع المتين لله تعالى، ولأجل الحيلولة بينهم وبين استثمار الأوقات في الحفاظ على مكتسبات الأمة وهويتها، واستعادة عزها ورفعتها، وإعادة صياغة أولوياتها ـ في ظل ضحالة فكرية ـ في سياقات مثل المتعة وتضخيم النزعة الأنانية والبيئية الضيقة، والتفاني في اكتساب المال والانغماس في ملذات الدنيا وتضخيم مقدارها في التصور والممارسة على حساب عمل الآخرة ... ونحو ذلك.
ولعل من أبرز ما يمارسه القوم لتعميق التسطيح: إشغال الأفراد والمجتمعات المحلية بالهموم الخاصة، وتشتيت الاهتمام على أكثر من جانب، لتقليل التركيز على عبث تلك الفئة بالثوابت وتخفيف عمق المدافعة وسعة انتشارها.
وفي هذا السياق: يتم تهميش دور الجهات الشرعية والاحتسابية ومؤسسات التوجيه التربوي في مجتمعاتنا الإسلامية - والتي يمكن أن يكون لها دور في تعميق وعي المجتمع وصد الانحرافين: الفكري والأخلاقي، وتوثيق الصلة بالله ـ تعالى ـ أو الانحراف بها من خلال مجموعات نفعية أو بدعية لا تؤدي قوة نشاطها إلا إلى مزيد من التمكين لأولويات تلك الفئة المفسدة، ومزيد من الإضعاف لقوى المجتمع المناوئة لأطروحاتها التغريبية، ولن يعجز القوم عن إيراد حالات واقعة مضخمة الحجم معممة الوقوع، أو ركوب موجة مدافعة الإرهاب واستئصال جذوره كمبرر لمحاربة كل ما يعمق الثوابت ويجذِّر القيم العقدية والسلوكية في أوساط الأمة.
٣ ممارستهم التخويف وزراعة الرعب والشعور باليأس في وجدان أفراد المجتمع ومكوناته المختلفة؛ فالحكام يُخوَّفون من العلماء والدعاة وأن نشاطهم هو باعث القلق الأمني المؤدي إلى زعزعة الاستقرار، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى يُبَان لهم أن دعمهم لثوابت الأمة واتساق سياساتهم مع قيمها، يجر إلى الصدام مع الغرب والتعرض لضغوطه وإشكالاته، ولا بد من تقبل الأمر الواقع وعدم الخروج عليه وتجاوزه.
وفي هذا السياق يتم التنسيق مع الجهات الغربية للقيام ببعض الملاحظة والضغط على الحكام للبرهنة على صدق ما يشيرون به، وعندها يقومون بإكمال الباقي، ويكونون غُرُباً أكثر من الغرب نفسه.
كذلك يُخوَّف العامة من سلوك طريق الاستقامة، ومن التلقي عن العلماء الربانيين والدعاة الصادقين حتى لا يوقعوا أنفسهم تحت العين والمساءلة من جهة، وحتى لا يقع أبناؤهم في أخطاء جلية الانحراف وقع فيها بعض من قَلَّ علمه وانجرف خلف هواه من أبناء الإسلام.
أما ترهيب العلماء والدعاة ومثقفي الأمة، والذين يجب ـ من وجهة نظرهم ـ أن يصمتوا ويغضوا الطرف عما يرونه من سير حاد في عمليات التغريب؛ فالوصم بالجهل والظلامية، والاتهام بالإرهاب أو مساندته جاهزان لكل من يقوم بالصدع والتعبير، بل قد تجاوز الأمر حد التخويف إلى الممارسة، واتخذوا من النماذج المظلومة والمُسْقَطة من الدعاة وطلاب العلم نماذج تستثمر في تعميق الرعب في نفوس بعض طلبة العلم والدعاة، والتي أودت ببعضهم إلى الإحجام عن تعميق الثوابت، ونشر الخير والدعوة إليه بصورة ظاهرة.
ومن أبرز ما أعان القوم على ذلك تضافر جهود قوى كثيرة وتوجهات مختلفة ذات أهداف ونوايا متعددة تحت لواء ما يعرف بحملة مكافحة الإرهاب، وفيهم من يريد حقاً، وآخرون ـ وهم الأكثر ـ من ركب موجتها لتعزيز نفوذه وتطبيق مخططاته الهدامة، التي تصيب قيم الأمة وثوابتها في مقتل. ولذا نجد القوم قد ركبوا تلك الموجة، وتجاوزوا كثيراً من السياسات والآليات التي من خلالها يُتَّخَذ القرار في كثير من بلداننا، بذريعة معالجة الأزمة من جهة، وضرورة التفاعل مع الضغوط والقرارات الدولية المتعلقة بهذا الجانب من جهة أخرى.
ولعل من أبرز وسائل القوم في تعميق الإحباط مبالغتهم في إظهار قوة الغرب وإحداث الانبهار بقيمه وثوابته، وطرحها في سياق المسلَّمات، وعدم التعريج على شيء من جوانب ضعفه والخلل الذي لديه، وتجلية جوانب ضعف الأمة من جهة وإهمال مقومات نهوضها، وكأن القوم يُنشِدون: نحن زراع اليأس في الأمة ومزهقو روح الأمل.
٣ مشاركتهم في تفتيت وحدة الأمة وتقزيم مفهومها من خلال انكفاء على الذات، والعمل عبر أطر محدودة، وولاءات ضيقة، وأهواء شخصية، وتبنِّي مبادرات بديلة، وتصنيفات ممزقة، تبذر البغضاء، وتنمي الشك، وتضعف الثقة بين الأفراد والمجتمعات والشعوب.
والعجيب أن أطروحات هذه الفئة في هذا الجانب ـ إلى فترة قريبة كانت مستهجنة إلى حد كبير من عامة الأمة فضلاً عن دعاتها ومثقفيها، أما اليوم فَمِن نُصح الأمة القول: إن تلك الأطروحات قد بدأت تتسرب إلى فكر وسلوك فئات عريضة من الأمة بما فيهم بعض طلبة العلم والدعاة؛ وما لم تُحَث خطى المعالجة فإن عمليات علاج أورام الأمة قد تأخذ مدى زمنياً ليس بالقصير.
وفي هذا المجال تكاتفت جهود قوى الشر من خارج الأمة وداخلها لإضعاف قيم الأمة وخلخلة ثوابتها وموازينها المتعلقة بالولاء والبراء، والوحدة والتواصل والتراحم، وتم تجاوز ذلك إلى القيام بتصفيات عملية للعديد من المؤسسات القومية والشعارات البراقة التي ملَّت الأمة كثرة ترديد القوم لها في العقود الماضية، وضجرت من كثرة سماع أقوال تُنَاقِضُها الأعمالُ حول المصير المشترك واللغة والدم والتاريخ الواحد وهلم جرّاً. ومن الحق القول: إن هياكل بعض المؤسسات القومية ما زالت قائمة، وبعض الشعارت ما زالت معروضة لأجل دفعها إلى الواجهة متى توفرت ظروف مواتية يُحتاج فيها إليها.
ومن سلوك القوم فالظاهر أنهم ـ في هذا الجانب ـ يدورون مع الرغبة الغربية في تذويب الهوية ومحاربة (الأنا العقدية) ، وحتى (الأنا القومية) التي لم تعد تتماشى ـ فيما يبدو ـ مع مطالب الهيمنة الغربية في المرحلة الراهنة؛ لمزيد من التهجين للأمة والقضاء على دوافع المقاومة، وكل جهود الحفاظ على الهوية والمطالبة بحقوق الأمة من جهة، وليتم تقبل ابنة الغرب المدللة ونبتة الشر التي سقاها من سُحته ورعاها على عينه في ديارنا (الدولة الصهيونية) كمهيمن وحيد على المنطقة من جهة ثانية.
ومصيبة أمتنا بهذه الفئة جلل؛ إذ تسيِّرهم في الأصل الأهواء والمصالح الشخصية أنَّى اتجهت، وقد وجد القوم أن وجاهتهم وسؤددهم وحظوتهم وبوابتهم للكسب الضخم السهل لا تقوم إلا ببيع خدماتهم للغرب وكسب رضاه، والذي يرمي في ظل التصارع العقدي والحضاري بينه وبين أمة الإسلام إلى تذويب الهوية وتفتيت الثوابت والإطاحة بالقيم أو تقزيمها على الأقل، لتبقى له الساحة خاوية من مقاومة صامدة محركها الدين وباعثها الحرص على الظفر برضا رب العالمين، وهو أمر ليس بمقدوره أن ينفذه إلا من خلال هذه الفئة المشؤومة المحسوبة على الأمة. فاشترك الهدفان وتطابق المرادان.
وإشكالية هذه الفئة تكمن في كل ابن للإسلام صادقِ الولاء لهذا الدين، عالي الانتماء لهذه الأمة، واعٍ بحقيقتهم، مدركٍ لحجم خطرهم، ساعٍ إلى فضحهم ومجابهة باطلهم ـ وهؤلاء كثر بفضل الله ومنته ـ فامتلأت قلوبهم حقداً وغيظاً على عامة الأمة، وبخاصة الدعاة والمصلحين، ولذا توجهوا إلى التشويه والإيذاء والتضييق، وتجفيف المنابع واستعداء الحكام ... وبقية قائمة الحقد والغدر والبغضاء الطويلة، ولكن الله ـ تعالى ـ حافظٌ أولياءه، متمٌ نوره، ولو كره الحاقدون.
ومن إحسان الله ـ تعالى ـ ورحمته أن قِيَم الأمة وثوابتها مصانة من التحريف والتبديل بحفظ الله ـ تعالى ـ وصيانته لها، مهما حاول المبطلون، ومن مقتضيات الحفظ الإلهي: تساقُطُ قِيَم الباطل واندثار ثوابته المزيفة أمامه متى شمَّر المشمرون لحمل لواء الحق؛ ولذا فالقضية لا تتجاوز أن تكون مرتبطة بمصداقية تديُّن هذا الجيل، المُطَالَب من مولاه القدير ـ سبحانه ـ بأخذ الكتاب بقوة: تعلماً وعملاً وتعليماً وتربيةً ودعوة، من خلال تخطيطٍ واعٍ، وعملٍ جادٍ، ومثابرةٍ متواصلة تمكن للإسلام في الأرض، وتنشر مبادئه، وتحكم شريعته، في كافة جوانب الحياة.
فهل ـ يا ترى ـ يكون جيلنا مؤهلاً لنيل ذلك الشرف العظيم؟!
إن أمل الأمة في علمائها والصادقين من أبنائها كبير، والله ناصر دينه، وغالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يفقهون.
اللهم ألهمنا رشدنا، واحفظ علينا ديننا، وقنا شر أنفسنا وكيد شياطيننا، يا ذا الجلال والإكرام! إنك الحافظ الهادي إلى سواء السبيل، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين!
стр. 5644
تأملات قرآنية (من نبأ موسى وفرعون) (١ ـ ٢)
د. أحمد بن عبد الله العماري
لقد أمرنا الله ـ تعالى ـ بتلاوة كتابه، وتدبره، وفهمه، والتفكر فيه؛ لما لذلك من الآثار في النفس البشرية، من الاستقامة على الصراط المستقيم، والابتعاد عن السوء، أو الأمر به، ولئلا تبقى مترددة فيما تقدم عليه من فعل الخيرات، والبعد عن المنكرات، حتى تكون في حالة اطمئنان، ويقين، وخضوع، وخشوع لمن خلق فسوى، وقدر فهدى.
وإن ّقصة نبي الله موسى ﵇ مع طاغية زمانه فرعون، قد عُرضت في القرآن الكريم في مواضع متعددة، بأساليب متنوعة، فيها من الدروس، والعبر، والعظات الشيء الكثير.
كما أن عرض هذه السيرة ـ سيرة نبي الله موسى ﵇ مع فرعون طاغية عصره ـ فيها دعوة لأولئك القوم الذين تكبروا في الأرض بغير حق، وطغوا، وتجبروا، واستكبروا، وسعوا في الأرض بالفساد؛ لكي يتفكروا في مصيرهم وعاقبته، فإن أخاهم فرعون ادعى الربوبية والألوهيّة: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] . وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] .
وتَهدَّدَ قومه أن يتخذوا إلها سواه، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، فما استطاع أن يكف عن فمه شربة من الماء، وفي ذلك بيان لضعفه، واحتقاره، وهوانه على الله ـ تعالى ـ.
فعلى الطغاة الظالمين في كل عصر ومصر، أن يراجعوا حساباتهم، ويُعملوا عقولهم، التي وهبهم الله ـ تعالى ـ، ويُنقذوا أنفسهم من النار، قبل أن يحق عليهم القول فلا يستطيعون لأنفسهم حولاً ولا قوةً، والعاقل من اعتبر واتعظ، ونهى النفس عن الهوى.
وصدق الله القائل: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] .
والقائل: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ [يوسف: ١١١] .
ولما قرأت سورة القصص ذات يوم، تداعت لدي خواطر وتأملات، فأحببت أن أسطر بقلمي ما فتح الله عليّ به من سيرة نبي الله موسى ﵇ مع ذلك العدو المتكبر «فرعون» عليه من الله ـ تعالى ـ ما يستحق؛ تذكرة وعبرة، والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سواء السبيل.
١ ـ واقع الناس قبل ميلاد موسى ﵇:
كان في مصر فريقان من الناس: فريق يٌسمّون «بنو إسرائيل» ومنهم موسى ﵇، وفريق آخر يٌسمّون «القبط» ومنهم فرعون الطاغية.
وكان بنو إسرائيل مستضعفين من قبل القبط، حيث كانوا يستخدمونهم في أمور الحياة كلها، استخداماً فيه امتهان واستذلال، وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على ذلك، فقد قال بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] .
فقولهم (أوذينا من قبل أن تأتينا) دال على عظم ما كانوا يلاقون من الفريق الآخر، وهم القبط، لكن موسى ﵇ بشرهم بهلاك عدوهم، وأن العاقبة لهم.
يقول ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: «وعند أهل الكتاب أن بني إسرائيل كانوا يُسخّرون في ضرب اللَّبن، وكانوا مما حملوا من التكاليف الفرعونيّة أنهم لا يُساعدون على شيء مما يحتاجون إليه فيه، بل كانوا هم الذين يجمعون ترابه وتبنه وماءه، ويُطلبُ منهم كل يوم قسطٌ معين، إن لم يفعلوه وإلاّ ضربوا وأهينوا غاية الإهانة، وأوذوا غاية الأذية» (١) .
وفي هذا الجو المحموم ولد موسى ﵇.
٢ ـ ميلاد موسى ﵇:
ولد موسى ﵇ في جو مملوء بالرعب، والخوف، والقتل، والتشريد.
ولد في العام الذي يقتل فيه كل مولود ذكر من قبل فرعون الطاغية وقومه الأقباط.
ولد موسى ﵇ في طائفة مستضعفة كل الاستضعاف، متفرقة مشتة، يسومهم فرعون وقومه سوء العذاب، يُذَبِّح أبناءهم، ويستحيي نساءهم.
إنّ البلاء يقع على الفرد والجماعة، ويتفاوتون في درجاته؛ لكن الذي وقع على بني إسرائيل كان من أعظم البلاء، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ . [البقرة: ٤٩]
لكن الله هيأ له من يرعاه، ويدافع عنه، ويتولى شؤونه على مرأى ومسمع من فرعون وجنوده وهم لا يشعرون، وتتجلى بعض مظاهر تلك الرعاية لموسى ﵇ في عدة أمور:
أولاً: إلهام أمه إذا خافت عليه من العدو أن تلقيه في اليم؛ حتى لا يقع في يد الظلمة ـ فرعون وجنوده ـ
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] .
ثانياً: هيأ الله له آل فرعون يلتقطونه من اليم، وينقذونه من الغرق، وهم أعداؤه المتربصون به، الخائفون منه، العازمون على قتله والتخلص منه.
قال ـ تعالى ـ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] .
ثالثاً: قذف الله ـ سبحانه ـ في قلب زوجة فرعون الطاغية حبّ ذلك الطفل الرضيع، فوقفت سداً منيعاً بحبها الحاني على ذلك الرضيع الغريب الضعيف، ضد القوة والقسوة والغلظة من فرعون وجنده تجاه موسى ﵇، فاستوهبته من فرعون؛ ليكون قرة عين لها وله، فوهبها إياه مع عدم رضاه بذلك.
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] .
فرفض «فرعون» هذا العرض من امرأته، زاعماً أنه ليس بحاجة إليه، ولله ـ تعالى ـ الحكمة البالغة.
وقد جاء في حديث «الفتون» : «أن امرأة فرعون أرسلت إلى من حولها من النساء؛ من أجل أن تقوم بإرضاعه، فلم تجد، حتى جاءت أخته بعد أن أرسلتها أمها؛ لكي تتحسس أخبار موسى، فلما رأته دلتهم على من يرضعه» (١) .
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١١ - ١٢] .
رابعاً: حرّم الله ـ تعالى ـ على موسى ﵇ جميع المراضع سوى أمه.
٣ ـ موقف أم موسى من الحدث والقلق على ابنها:
يعجز اللسان عن التعبير، والقلم عن الكتابة، في وصف حال تلك الأم الحنون.
٣ يقول سيد قطب: (وهاهي ذي أمه حائرة به، خائفة عليه، تخشى أن يصل نبؤه إلى الجلادين، وترجف أن تتناول عنقه السكين، ها هي ذي بطفلها الصغير في قلب المخافة، عاجزة عن حمايته، عاجزة عن إخفائه، عاجزة عن حجز صوته الفطري أن ينم عليه، عاجزة عن تلقينه حيلة أووسيلة، هاهي ذي وحدها ضعيفة عاجزة مسكينة) .
(يالله! يا للقدرة! ياأم موسى أرضعيه، فإذا خفت عليه وهو في حضنك، وهو في رعايتك، إذاخفت عليه وفي فمه ثديك، وهو تحت عينيك، إذا خفت عليه ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ !!.
﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ إنه هنا في اليم؛ في رعاية اليد التي لا أمن إلا في جوارها، اليد التي لاخوف معها، اليد التي لا تقرب المخاوف من حماها، اليد التي تجعل النار برداً وسلاماً وتجعل البحر ملجأ ومناماً، اليد التي لا يجرؤ فرعون الطاغية الجبار ولاجبابرة الأرض جميعاً أن يدنوا من حماها الآمن العزيز الجناب.
﴿إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ﴾ فلا خوف على حياته، ولا حزن على بعده، ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتلك بشارة الغد، ووعدالله أصدق القائلين.
هذا هو المشهد الأول في القصة؛ مشهد الأم الحائرة الخائفة القلقة الملهوفة تتلقى الإيحاء المطمئن المبشر المثبت المريح، وينزل هذا الإيحاء على القلب الواجف المحروق برداً وسلاماً، ولا يذكر السياق كيف تلقته أم موسى؟ ولا كيف نفذته؟ إنما يسدل الستار عليها ليرفعه) (٢) .
(لقد سمعت الإيحاء، وألقت بطفلها إلى الماء، ولكن أين هو ياترى؟ وماذا فعلت به الأمواج؟ ولعلها سألت نفسها: كيف؟ كيف أمنت على فلذة كبدها أن تقذف به في اليم؟ كيف فعلت ما لم تفعله من قبل أمّ؟ كيف طلبت له السلامة في هذه المخافة؟ وكيف استسلمت لذلك الهاتف الغريب؟
والتعبير القرآني يصور لنا فؤاد الأم المسكينة صورة حية (فارغاً) لاعقل فيه ولا وعي، ولا قدرة على نظر أو تصريف! ﴿إن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] ، وتذيع أمرها في الناس، وتهتف كالمجنونة: أنا ضيعته، أنا أضعت طفلي، أنا ألقيت به في اليم اتباعا لهاتف غريب!.
﴿لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠] ، وشددنا عليه، وثبتناها، وأمسكنا بها من الهيام والشرود؛ ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] المؤمنين بوعد الله، الصابرين على ابتلائه، السائرين على هداه) (٣) .
٤ ـ موقف أخت موسى من الحدث والدور الذي قامت به:
إنّ النص القرآني يجمل موقف أخت موسى ﵇ في أمرين:
الأول: كونها رأته من بعد، وتيقنت ذلك الأمر.
والثاني: مشورتها لآل فرعون بطريق الاستفهام، أنها تعرف من يكفله لهم، ويقوم بإرضاعه بنصح وأمانة، لكونه ﵇ لم يتلق رضاعاً من أحد، ولم يلثم ثدياً بتدبير الله ـ تعالى ـ في ذلك.
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١١ - ١٢] .
وهذه طريقة القرآن في عرض المشاهد يجمل ولايفصل، ولكن هذا الإجمال يرى فيه الناظر كأنما شاهد القصة أوالحدث كاملة أومتكاملة، وهذا من بلاغة القرآن الكريم وإعجازه.
لقد سبق الحديث عن حال أم موسى، وما كابدته، وما تعانيه من خوف وقلق على ابنها الرضيع الذي ليس له حول ولا قوة ولا حيلة.
أمّا أخته فإنها تشارك أمها في المعاناة، وفي القلق والخوف على أخيها، ولكنها هي نفسها ضعيفة مسكينة مستضعفة في قوم فرعون وجنوده، شأنها شأن بنات ونساء بني إسرائيل المستضعفات في ذلك العصر من المفسدين الظالمين، ومع ذلك كله قامت بالدور المطلوب، فلله درها من امرأة حرة كريمة، تغلّبت على المخاوف الداخلية في نفسها، والعلنية في واقعها، وتحايلت على قوم جبارين؛ حتى أنقذت أخاها من بين أيديهم بعد توفيق الله ـ تعالى ـ وتأييده.
ولقد قامت بهذا الدور في خفية، وحذر من فرعون وجنوده: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] . ولو شعروا أن هذه أخته، وأنها تبحث عنه ـ والله أعلم ـ لما سلمت هي منهم، ولربما نفذوا فيها وفي أخيها حكم الإعدام، ولكن الله سلّم، وله في ذلك حِكَمٌ جليلة عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.
يقول سيد قطب ﵀: «وذهبت أخته تقص أثره في حذر وخفية، وتتلمس خبره في الطرق والأسواق، فإذا بها تعرف أين ساقته القدرة التي ترعاه، وتبصر به عن بعد في أيدي خدم فرعون يبحثون له عن ثدي للرضاع» (١) .
ولما نظرت أخته إلى حال أخيها وحالهم، وهم في حيرة من أمره ودهشة، حيث لم يقبل الرضاع قالت لهم في استحياء، وخوف، ووجل؛ من أن ينكشف حالها وحال أمها بطريق الاستفهام: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ ؟ فنكَّرت البيت الذي سيقوم بإرضاعه، ولم تكشف لهم عن حاله شيئاً، مع أنها زكت أهل ذلك البيت لمعرفتها بذلك، وهذا من الفطنة بمكان بعد توفيق الله ـ تعالى ـ. فما صدقوا بذلك حتى استجابوا لها، ولبّوا طلبها، وذهبت به إلى أمها في سرور داخلي غير مكشوف، وفي فرحة تغمرها برجوع أخيها معها إلى أمها. وقيل: إنهم أرسلوا إليها، فقدمت إليهم على استحياء.
وورد في حديث الفتون: «أن أخته قالت لهم من الفرح حين أعيا الظئورات (٢) : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم، وهم له ناصحون؟ فقالوا: وما يدريك ما نصحهم؟ هل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك! فقالت: نصحهم له، وشفقتهم عليه، ورغبتهم في صهر الملك، ورجاء منفعة الملك، فأرسلوها، فانطلقت إلى أمها، فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريّاً، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون» (٣) .
وأيّاً كان الأمر أذهبت به إلى أمها، أو أن أمها أتت إليه، وأخذته، وأرضعته؟ فالعبرة باللقاء الذي تم بين الأم والأخت والابن الرضيع، بعد تلك المعاناة الشديدة من الذهول، والخوف، والقلق من الأم والأخت على ذلك الطفل الرضيع.
وـ لله درك ـ يا أخت موسى على ذلك الدور الذي قمت به في ذلك الجو المخيف، والمجتمع الموبوء المحيط بك وبأمك وبأخيك، ذلك الدور الذي قلما يقوم به عظماء الرجال، فكيف بالنساء! وكم نحن بحاجة إلى تملي الدروس، والعظات، والعبر، واستنباطها من خلال النصوص القرآنية، والأحاديث الصحيحة، والسيرة النبوية، وكم نحن بحاحة إلى اللجوء إلى الله الذي بيده مقاليد الأمور كلها، والأخذ بالأسباب، والتوكل عليه، والصبر في الطريق بدون تردد ولا انهزام.
وبعد تلك المعاناة عاد الرضيع الغائب إلى أمه سليماً معافىً محفوظاً بحفظ الله له، بعد تسخير أعدائه برعايته وكلاءته، فتحققت البشارة برجوع موسى ﵇ إلى أمه الحائرة الخائفة الفارغة الذاهلة المتلمسة لأخباره صباح مساء.
ما أعظم فرحتك يا أم موسى بموسى! هل الأمر حقيقة أم خيال؟ عيون تدمع من الفرح، وصدر يضمه من الفرح، وثغر يقبله من الفرح، وثدي يرضعه من الفرح، وقلب ينبض من الفرح، ونفس مطمئنة من الفرح، وأيدٍ ترعش من الفرح، وأرجل تميس من الفرح.
ما أرحمك يارب بعبادك! وما أحلمك يارب بعبادك! وما أكرمك يارب بعبادك! من دعاك أجبته، ومن استغفرك غفرت له، ومن سألك أعطيته، ومن استعاذك أعذته، ومن توكل عليك كفيته، ومن خاف منك أمَّنته، ومن استنصرك نصرته، ومن استجارك أجرته، ومن تقرب إليك شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إليك ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاك يمشي أتيته هرولة.
لقد لجأت أم موسى إلى الله ـ تعالى ـ فربط الله على قلبها، وهدّأ من روعها، وكادت تبدي بخبر موسى لولا وعدالله لها ـ سبحانه ـ بأنه: سيعيده إليها، وسيكون ـ زيادة على ذلك ـ من المرسلين. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] .
وقالى ـ تعالى ـ: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] .
٥ ـ رحلة في النهر لرضيع في المهد:
يبرز للعيان عدة أسئلة لانجد لها جواباً، بل الجواب لها عناية الله، ورعايته، وتدبيره لحياة ذلك الطفل الرضيع؛ ومن تلك الأسئلة:
٣ هل يعقل أن طفلاً رضيعاً يقتحم النهر ويعبره؟ مع أن النهر فيه من المخاوف ما الله به عليم.
لكن رعاية الله ـ سبحانه ـ تحيط به، وتحفظه من بين يديه، ومن خلفه، ومن فوقه، ومن تحته، ومن أمامه، ومن ورائه، فلا يصل إليه مكروه، فأوحى الله إلى أمه ـ وحي إلهام ـ أن ترضعه، وألاَّ تخاف ولا تحزن، فإذا شعرت أن زبانية فرعون قادمون إليها فعليها أن ترسله؛ بل تقذفه في اليم بدون تردد، ولا خوف، ولا وجل، وبَشَّرها مع ذلك بعودته إليها، وأنه سيكون من المرسلين.
وعَبَرَ الرضيع النهر يتقاذفه الموج من هنا وهناك، ويسوقه وهو في بطن ذلك التابوت في هدوء، وسكون، وفي راحة، وطمأنينة قدرية، ليس له حيلة ولا بصيرة مما هو فيه، لاعقل يفكر به، ولا بصر ينظر به، ولا سمع يميّز به ما يسمع، ولا لسان يعبر به ويبين به عما في جوفه، ولا يد يبطش بها، ولا رجل يمشي عليها، كل هذه الجوارح مسلوب العمل بها؛ لكونه لا زال في المهد رضيعاً، لكن عناية الله، ورعايته، ورقابته، تحيط به وتحفظه من كلِِّ شيء، وصدق الله القائل: ﴿لِّكُلِّ نَبَأٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] ، ولكن الناس لا يعلمون.
وقد ساقته عناية الله بلطف وهدوء، وهو يسبح في تابوته على سطح اليم إلى شاطئ قريب من بيت فرعون وجنوده، فاستقبلته الجواري اللاتي يخدمن زوجة فرعون، وحملن التابوت بما فيه دون أن يكشفنه إلى سيدتهنّ، فلما كشفن عنه هيأ الله له في قلب امرأة فرعون المحبة والإجلال ـ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ـ، ولكن كيف تتعامل مع زوجها الظالم القاضي بذبح كل مولود ذكر في ذلك العام؟ هل تخفيه عن العيون وتتستر عليه؟ إنها لا تسطيع ذلك؛ لأن أمره قد ذاع وانتشر في أوساط الجند والحاشية.
إن بيوت الجبابرة قد يوجد فيها الاختراق، إمّا من داخلها أومن خارجها، وإذا قَوِيَ التوكل على الله لدى الإنسان قويت عزيمته، وإذا أخذ بالأسباب الشرعية في الوصول إلى الأهداف فإن الله ـ تعالى ـ يسهل له الطريق، ويلين له القلوب، ويجعل الله له مع العسر يسراً، انظر إلى ما هيأه الله لهذا الرضيع وهو في المهد، لا يعرف توكلاً، وليس له عزيمة ولا قدرة، ولا يعرف وسيلة، ولا هدفاً، ولا غايةً، وهو في قبضة من يريد ذبحه والتخلص منه، وليس لديه أيّ تردد في ذلك، وهو داخل داره، وبين جنوده وغلمانه، ومع ذلك هيأ الله له من يعطف عليه، ويدافع عنه، ويجادل فرعون في أمره وهو لا يشعر بذلك، فأصبح عدواً وحزناً لفرعون في داخل داره، ومع ذلك صرف الله عنه بطش فرعون، وظلمه، وطغيانه، ومع إصرار زوجة فرعون ودفاعها عن الاعتداء على ذلك الطفل؛ استجاب فرعون لها، مع تخوفه منه وكرهه لذلك، واستنفرت خدمها للعناية بموسى ﵇ فكلّفتهم البحث عن المرضعات؛ لكي يقمن بإرضاعه وإطعامه، فحضرن وحاولن أن يرضعنه، لكنه امتنع عن ذلك، فلم يلقم ثديا ًعلى الإطلاق؛ لأن الله ـ تعالى ـ حرّم ذلك عليه لحكمة يريدها سبحانه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] . وقد بيّن لنا الله شيئاً من تلك الحكمة، قد سبق ذكر بعضها.
ورجع موسى إلى الحضن الذي فارقه، وإلى اليد التي تلقته وحملته، وإلى العين التي دمعت عليه وودعته، وإلى الثغر الذي قبّله ولثمه، ثم فارقه، ثم عاد إليه مرة ثانية، كيف فرحتك يا أم موسى برضيعك البحّار، وصغيرك الغائب؟.
٦ ـ نشأة موسى في بيت عدوه «فرعون» :
أما غلامنا الهادئ، والذي لازال في المهد، فجَرَت قدرة الله ومشيئته أن يلتقطه آل فرعون من اليم الذي أرسل فيه؛ خوفاً عليه، وهرباً من فرعون وآله، والذي أصدر بياناً يقضي بقتل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم، وقدر الله ـ وماشاء فعل ـ أن يسوق موسى ﵇ وهو لازال في مهده إلى بيت فرعون؛ ليكون عدواً لهم وحزناً؛ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وحاولت آسية ـ امرأة فرعون ـ أن ترغب أم موسى للبقاء معها في مقر فرعون، وتغدق عليها من النعم والخيرات، لكنها رفضت ذلك وامتنعت، وعاش في كنف أمه سليماً معافى، والكفالة والرعاية تصل إليه وإلى أمه من بيت آل فرعون.
فلما كبر وترعرع طلبته (آسية) أن يقدم إليها؛ لكي تراه وتشاهده، وأمرت حاشيتها باستقباله وتكريمه بالهدايا والجوائز، وتم ذلك.
وورد في حديث الفتون: (فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أريني ابني! فوعدتها يوماً تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها، وظئورها، وقهارمتها: لايبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة؛ لأرى ذلك فيه، وأنا باعثة أميناً يحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم. فلم تزل الهدايا، والكرامة، والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته؛ فرحاً به، ونحلت أمه بحُسْنِ أثرها عليه) (١) .
وزهت زوجة فرعون بابنها المدعى، وفرحت به فرحاً شديداً، وأرادت تكريمه زيادة على ما فعلت، ففكرت في إدخاله على فرعون؛ ليكرمه ويرفع من شأنه؛ وليغدق عليه من الحلل والجوائز، وعزمت على ذلك، وقالت: (لآتين به فرعون؛ فلينحلنه وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض.
فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم بنيه أنه: زعم أن يرثك، ويعلوك، ويصرعك؛ فأرسل إلى الذباحين؛ ليذبحوه) (٢) .
سبحان الله! كيف وصل الحال بفرعون وبطانته السيئة إلى أن يفسروا تحركات ذلك الطفل الصغير أنها تهديدات وتوعدات بانقضاء ملك فرعون؛ على يد ذلك الطفل الرضيع؟
لقد استيقنت نفوسهم أنهم على غير الحق، لكن التكبر في الأرض بغير حق يؤدي بصاحبه إلى عدم الانصياع للبراهين والأدلة الصادقة، ولقد هرعت آسية ـ زوجة فرعون ـ حينما علمت بأمر زوجها الذباحين أن يذبحوا موسى؛ تناقشه في شأن ابنها الصغير موسى، وتريد أن تقنعه بأنه طفل صغير، لا يعقل من أمور الحياة شيئاً.
لكن فرعون أثار عليها أسئلة في شأن موسى، وزعم أنه يصرعه ويرثه، وأنه يعلو عليه؛ فلا بد من التخلص منه، لئلا يقع منه شيء من ذلك. وربط الظلمة الظالمون بين ما وعد الله ـ سبحانه ـ خليله إبراهيم ﵇ أن في ذريته الملك والنبوة، وبين هذا الطفل الرضيع، وظنوا أنه سيكون من أولئك الذرية، الذين سيهدم ويحطم على أيديهم ملك فرعون وجنوده مستقبلاً، وكان الأمر كذلك.
وورد في حديث الفتون (أن امرأة فرعون جاءت إليه تسعى، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني؟! فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق أنت! ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين، واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين، ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين؛ وهو يعقل.
فقرب إليه، فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة: ألاترى؟! فصرفه الله عنه بعد ما كان همً به، وكان الله بالغاً فيه أمره) (١) .
وهكذا نشأ موسى ﵇ وترعرع بين أحضان أمه، وتحت رقابة زوجة فرعون آسية التي هيأها الله ـ تعالى ـ؛ لحمايته، ورعايته، ورقابته، والدفاع عنه بالليل والنهار، فصرف الله بسببها عن موسى ظلم الظالمين، وكيد الخائنين، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لايعلمون.
٧ ـ موقف فرعون من موسى ﵇ إلى أن بلغ أشده:
لما شب موسى ﵇ عن الطوق، وبلغ أشده، صار يُذكر في المجتمع على ألسنة الرجال، وكان عوناً ونصيراً ـ بأمر الله ـ لبني إسرائيل؛ حيث خفف عنهم كثيراً من الأحمال، والأثقال، والسخرية، والاستهزاء، والامتهان، والاحتقار في أوساط المجتمع القبطي.
فبينما موسى ﵇ ذات يوم يمشي على حين غفلة في تلك المدينة؛ إذ رأى رجلين يقتتلان، أحدهما: إسرائيلي من شيعته، والآخر: قبطي من أعدائه، فاستغاثه واستنصره الإسرائيلي، فأجابه، فقضى على القبطي، كما أخبر الله بذلك في كتابه، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] . ولا يعلم بهذا الحادث إلا الله ـ تعالى ـ ثم موسى والذي من شيعته.
وانتشر خبر المقتول القبطي في المجتمع وصاروا يبحثون عمن قتله، وأين يكون؟ حتى يقاد، ويقتص منه على فعلته الشنيعة، ورُفع أمره إلى فرعون، واستعظم ذلك، واستنكره، وطلب منهم تقديم البينة، والبحث عن الجاني. وعلم موسى ﵇ بذلك؛ فأصبح خائفاً في المدينة يترقب الأخبار، ويفكر كيف المخلص ممن يطلبه ويبحث عنه؟
وعاد موسى ﵇ إلى نفسه وحاسبها، ولامها على ما أقدمت عليه، وعلم أن ما أقدم عليه؛ إنما هو ضرب من عمل الشيطان، فقال لما رأى المقتول أمام ناظريه: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] .
ثم لجأ ﵇ إلى ربه، واعترف بأنه ظلم نفسه، وطلب منه العفو والمغفرة، فهو أهل العفو والمغفرة، كما عاهد ربه أنه لن يكون عوناً ولا ظهيراً للمجرمين. قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٦ - ١٧] .
وأصبح موقف موسى مهتزاً؛ لكونه اقترف تلك الخطيئة، فهو خائف من أن ينكشف أمره لأولئك القوم الذين تربصوا به وهو في المهد، فكم حاولوا قتله، والتخلص منه، فكيف وقد وقع منه ما يسئ إليهم؟ ولو انكشف، فأين يذهب؟، وكيف يبحث عن المخرج للهروب؛ حتى لا يقع في قبضة أولئك المجرمين؟.
وقضى الله أن ينكشف أمر موسى لدى فرعون وجنوده بطريقة عجيبة؛ حيث لم يتعبوا في استقصاء الخبر، بل جاء الخبر إليهم دون عناء ولا مشقة.
فبينما كان موسى ﵇ في مدينته خائفاً يترقب الأخبار، إذا هو بذلك الرجل الذي من شيعته الذي استنصره واستغاثه على المعاونة على قتل القبطي، ورآه موسى وهو يريد أن يبطش برجل فرعوني آخر، فطلب من موسى إعانته عليه كما أعانه من قبل على السابق، فاستنكر موسى ﵇ فعل الرجل، ووصمه بالغواية، وبيّن الله ذلك في كتابه فقال: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مَوَسَى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] .
نعم إن الإقدام على قتل النفس البشرية بدون مسوغ شرعي عمل لا يجوز؛ بل هو ضلال مبين، واتفقت الشرائع السماوية على المحافظة على النفس البشرية، وعدم إزهاقها إلا بحقها.
فتوقف الإسرائيلي عن الإقدام عن فعلته لما رأى موسى مستنكراً عليه، بل إن الغضب اشتد به وتملّكه؛ حتى إنه خاف من بطش موسى به، فأفشى السر الذي مضى: من قتلهما للفرعوني السابق بقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إن تُرِيدُ إلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] . فانفك النزاع بين الإسرائيلي والفرعوني، وانطلق الفرعوني بعد ما سمع الحوار الذي دار بين موسى والإسرائيلي إلى قومه، وأخبرهم الخبر.
ولما بدأ الجند يبثون عيونهم من أجل التعرف على مكان موسى؛ لكي يصلوا إليه، أسرع إليه الجندي المؤمن المجهول بتدبير الله ـ تعالى ـ وقضائه له، فأخبره خبر القوم، وأنهم جادون في البحث عنه من أجل أن يقتلوه، واقترح عليه أن يخرج من تلك المدينة قبل أن يصلوا إليه.
وأخذ موسى ﵇ بنصيحة ذلك الرجل وخرج من المدينة، والخوف يتملكه ليس له معين ولا نصير، ولا ركن شديد يأوي إليه على وجه الأرض.
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٠ - ٢١] .
ولقد نجاه الله ـ تعالى ـ من قبضة أعدائه، وامتن ـ سبحانه ـ عليه بذلك، وهو صاحب الفضل والمنة.
٨ ـ وما يعلم جنود ربك إلا هو:
لقد عاش نبي الله موسى ﵇ في المدينة خائفاً يترقب؛ بسبب ما أقدم عليه من البطش بذلك القبطي، وانتشر خبره لدى من يتربص به الدوائر. وفي غمرة الحدث وتوقع القبض عليه من الأعداء تضيع الأفكار؛ بل تهرب من صاحبها، ولا يدري ماذا يعمل؟ فيصاب بالحيرة في أمره؛ لأنه لايدري من أين يأتيه الحدث؛ لكونه لايعلم الغيب، فيدفع عن نفسه ما اطلع عليه، لكن العناية الربانية، والقدرة، والمشيئة المطلقة هي التي تسير الأمور.
إن العباد مهما أعطوا من القوة والجبروت في الواقع البشري فهم ضعاف مهازيل، وهم في قبضة الله لا يستطيعون جلب خير لأنفسهم، ولا دفع شر عنهم.
فلماذا التكبر، والتجبر، والإعراض، ولماذا المؤتمرات والمؤامرات الجوفاء على بعضهم البعض، والتصريحات الفجة؟.
لقد هيأ الله ـ تعالى ـ لعبده موسى ﵇ من ينقل إليه خبر أعدائه، ويمحضه النصح، ويرشده إلى الطريق الأسلم. وما أجمل النصح والإرشاد في ساعة الكرب والاختناق.
إن موسى ﵇ يعيش حالة كرب من تربص أعدائه به، ومتابعتهم له، وبحثهم عنه، وليس له من يعينه بالرأي والمشورة، وهو فرد أعزل من كل شيء. فيأتي ذلك الرجل من مكان بعيد (من أقصى المدينة) تهيأة من الله ومنة منه لعبده الخائف المترقب الوجل، بعد أن علم بخبر القوم، وأنهم يبحثون عن موسى ﵇ من أجل القضاء عليه، فينطلق مسرعا تجاه موسى يخبره الخبر.
إنه رجل؛ لأنه اخترق الملأ (فرعون وملأه) ، وعرف خبرهم، وعرف خطتهم نحو موسى ﵇ فأخبره خبرهم.
وإنه لرجل؛ لكونه لم يأبه بفرعون وجنوده، ذلك الرجل الذي ادعى الربوبية والألوهية، ويا ويل من يخالفه في الرأي، أو يخرج عن قانونه! فذهب إلى موسى؛ لكي يخبره، وينقذه من الوقوع في قبضتهم.
كم تحتاج الأمة إلى الرجال الصادقين الصالحين الذين يفكرون لها؛ ويتشاورون في قضايا أمتهم ودينهم، ويكشفون مخططات الأعداء، ويعدون العدة؛ لإنقاذ أمتهم من الوقوع في براثنهم، ويحفظون دينهم من التشويه، والنقص أو الزيادة، ويبلغونه كما جاء من عند الله.
لقد استجاب موسى ﵇ لنصيحة ذلك الرجل؛ ولا شك أنها وقعت على قلبه برداً وسلاماً، ونفَّست عنه كرباً، وهماً، وحيرة من أمره.
فخرج من تلك المدينة، وربما يكون الهاجس الأمني يسيطر على موسى في طريقه، فربما يلحقون به في الطريق، فينتقمون منه.
خرج موسى ﵇ وحيداً في طريقه من مدينته الظالم أهلها إلى مدينة مدين، ولسانه يلهج بالدعاء لربه أن يهديه السبيل الأقوم، وأن ينجيه من أولئك القوم الظالمين.
ليس معه من يؤنسه في طريقه، ولا ينفس همه وكربته، ولا يهدّئ من روعه وخوفه، ولا يتجاذب معه أطراف الحديث، ولا يدله على مسالك الطريق، وليس له خبرة من قبل ذلك، وما كان يتوقع أن يصل به الأمر إلى ذلك؛ حيث عاش منعماً مدللاً في بيت الملك والعظمة.
هذه حياة الأنبياء وسيرتهم، وهذه أقدار الله ـ تعالى ـ لهم، تولى الله ـ تعالى ـ تربيتهم، وابتلاهم قضاء وقدراً منه لهم؛ ليكونوا قدوة لمن بعدهم من أمتهم؛ وليعلم ورثة الأنبياء أن الطريق الصحيح هو طريق الأنبياء، فليصبروا، وليحتسبوا على ما يلاقون في طريقهم، وليدعوا ربهم أن يهديهم السبيل المستقيم، وأن ينجيهم من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين، ومكر الماكرين، أسوة بالأنبياء في ذلك، ولا يستعجلوا الطريق، فإن النصر بيد الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] .
٩ ـ الرحلة البرية الأولى لموسى ﵇ الخروج من الوطن:
ولقد خرج نبي الله موسى ﵇ من بلده الذي ولد ونشأ فيه «مصر» إلى بلد آخر لا يعرفه، ولا يعرف الطريق إليه، يسمى «مدين» خرج وحيداً لا أنيس معه في الطريق من قريب ولا من بعيد يتجاذب معه أطراف الحديث، ويؤنسه وحشة الطريق. ولم يخرج آمناً مطمئناً ينظر في صفحات الكون المشاهد، ويرى عظمة الله ـ تعالى ـ في مخلوقاته المتعددة والمتنوعة، بل خرج خائفاً وجلاً من قوم تمالؤوا عليه؛ ليقتلوه، ويُنزِلوا به أشد العقوبة، وكان يترقب الانقضاض عليه من كل جانب؛ لأنه لايعرف مسالك الطريق، وما تعود ذلك.
آه من وحشة الطريق! وانعدام النصير، وقلة السالك، وجور الباغي، ومطاردته!.
ومن كان هذه حاله ـ خوف يتملكه، وعدو يطارده، ويتهدده ـ يبقى في حالة قلق، وتربص مستمر، وتفكير مضطرب، لايدري متى يبطش به العدو، ويقع في قبضته؟ ولايدري متى يصل إلى قوم يأنس برؤيتهم، ويزيلون عنه شيئاً من العناء، والوحشة، والرجفة، والقلق؟ ولا يدري متى يعود إلى وطنه الذي أخرج منه وهو غير راض بذلك؟.
إنها معاناة في داخل النفس، ومعاناة في الطريق، ومعاناة من قلة الزاد وأنيس الطريق، ومعاناة ممن سيلقاهم أمامه، كيف يأوي إليهم، وكيف يقص خبره عليهم، وكيف يستقبلونه؟.
لكن الرجل المؤمن بالله، والواثق بنصره، والمتوكل عليه حق التوكل، يلجأ إليه، ويعتصم به، ويتضرع إليه، فهو الخالق الرازق، وهو المحيي والمميت، وهو النافع وبيده مقاليد الأمور، لا راد لما قضى، ولا مانع لما أعطى، ولا مذل لمن أعز، ولا معز لمن أذل.
لقد لجأ موسى ﵇ بجلال الله وعظمته، ودعاه؛ فحماه، وهيأ له من الأسباب وطرق الخير الشيء الكثير.
لما خرج ﵇ من مدينته وهو خائف يترقب، بعد أن علم علم اليقين: أن القوم يبحثون عنه، وقد عقدوا مؤتمرهم للقضاء عليه، وجاءه الناصح بذلك الخبر، شد عزمه، وخرج من مأزره، وطلب من ربه أمرين عظيمين:
الأول: طلبه النجاة من الظالمين. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] .
الثاني: طلبه أن يرشده، ويهديه إلى الطريق المستقيم. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] .
إن اللجوء إلى الله ـ تعالى ـ في حالة السراء والضراء هو المطلوب؛ لأن الله سبحانه هو مسبب الأسباب، ومقدر الأمور، وبيده مقاليد كل شيء.
إن البشر مهما أعطوا من القوة، ومهما أعدوا من العدة، فإنهم لايساوون شيئا أمام قدرة الله وعظمته، فالخلق خلق الله، والأمر أمره.
وإن نبي الله موسى ﵇ لجأ إلى قوة ما بعدها قوة، وإلى رعاية ما بعدها رعاية، وإلى رقابة ما بعدها رقابة، وإلى إرادة ما بعدها إرادة، لجأ إلى الله ـ تعالى ـ، ونعم بالله، ماخاب من دعاه، ولا خاف من توكل عليه، ولا ذل من لاذ بجانبه.
إن الظالمين نسوا قدرة الله، وظنوا أنهم خارجون من قبضة الله ـ سبحانه ـ، إنهم في غيهم يعمهون، وفي ظلالهم يسدرون، إنهم جاهلون بحقيقة أنفسهم، ومن كان حاله كذلك؛ فهو ظالم لنفسه ولغيره.
ولذا يجب الحذر منهم، وكشف حالهم، والبعد عن العيش في كنفهم، فإنهم لا يزيدون الناس إلا ضلالاً وتباراً.
وعلى المسلم أن يدعو ربه أن يوفقه في أقواله وأعماله، وأن يهديه إلى الطريق، والسبيل القويم؛ فإنه لا يهدي لذلك إلا هو ـ سبحانه ـ، ويجب أن يكون هذا ديدن المسلم، ويزداد ذلك في حالة الكرب والشدة؛ كما فعل نبي الله موسى ﵇.
وبينما نبي الله موسى ﵇ ماشياً في طريقه إلى (مدين) ، وقبل أن يصل إلى تلك المدينة، وجد في طريقه ماءً يسمى (ماء مدين) يَرِدُ إليه الناس يسقون رعاءهم، ويروون غليلهم، وإن منظر الرعاة وهم يسقون رعيتهم ـ من الماشية ـ لَيُثيرُ الدهشة لمن ينظر في أمرهم، ويشاهد حالهم.
ولقد لفت انتباه نبي الله موسى ﵇ من تلك الأمة المجتمعة على السقي، وقد ابتعد عنهم؛ امرأتان تذودان غنمهما عن ذلك المجتمع، فلا تزاحمان القوم في السقي، وتنتظران صدورهم حتى تتمكنا من السقي بدون مزاحمة ولا مشادة؛ حياءً وخجلاً من مزاحمة القوم؛ أو ضعفاً وعدم قدرة على ذلك، وكلاهما من طبيعة المرأة. فالمرأة العاقلة تقدر وتحترم نفسها ومن وراءها، فكيف إذا كانت من بيت عز ومكانة؛ كهاتين المرأتين؟.
فإن مزاحمة المرأة للناس في منتدياتهم، وفي قضاء حوائجهم ليس من طبيعتها، بل إذا حصل منها شيء من ذلك فإنه سلوك مشين، وخارج عن طبيعتها التي خلقها الله عليها.
ولقد رحم نبي الله موسى ﵇ تلك المرأتين اللتين ابتعدتا عن مزاحمة الرعاة، ولما سألهما موسى ﵇ عن سر بعدهما عن الرعاء؟ أجابتا بأمرين:
الأول: أنهما لا يسقيان أصلاً حتى يصدر الرعاء.
الثاني: أن أباهما شيخ كبير.
ويبدو ـ والله أعلم ـ أن أباهما رسم لهما الخطة في السقي، فلكونه لا يستطيع أن يرد معهما الماء لمساعدتهما في السقي، ولعدم وجود محرم لهما؛ أرشدهما إلى التريث، والبعد عن المزاحمة للرعاء حتى يصدروا، ثم تردان بعدهم الماء، فطبقتا ذلك، وربما يكون ذلك التصرف صادراً منهما؛ لرجاحة عقليهما، وتغلب الحياء والخجل عليهما، حتى لا تقعان في مزاحمة الرعاة، فلله درهما، وشكر الله سعيهما.
وهكذا شأن المسلمات المؤمنات القانتات السائحات يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ويبتعدن عن مواطن الرجال في أي مكان كنَّ.
فتقدم موسى ﵇ إلى الماء، وكشف الغطاء عنه، وأدلى دلوه، ونزع لهما من الماء، وسقى لهما، وعاد إلى الظل مناجياً ومنادياً ربه في خضوع وافتقار، وسكون وانكسار.
أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁: «أن موسى ﵇ لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون. قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ـ ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال ـ فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ماخطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوباً واحداً حتى رويت الغنم» . قال ابن كثير: إسناده صحيح.
إن نبي الله موسى ﵇ حباه ربه قوة في جسمه، وفي عقله، وإيمانه، ومع ذلك يلجأ إلى من حباه تلك القوة، فيعترف بالتقصير والفقر، وألاَّ ملجأ من الله إلا إليه. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] .
إن هذه المبادرة من نبي الله موسى ﵇ في إعانة الضعيف، ومساعدته في قضاء حاجته لهو خلق عظيم حثّ عليه الدين الحنيف.
إن موسى ﵇ خرج من مدينته خائفاً يترقب، ومن كانت هذه حاله؛ فإنه يبحث عن مكان خفي لايراه الناس، ولا يحب أن يروه؛ حتى لاينكشف أمره؛ خشية أن يدلّوا عليه أعداءه، لكن موسى ﵇ يبادر إلى فعل الخيرات، ويساعد المحتاج، ويعين الضعيف على قضاء حاجته، مفوضاً أمره إلى خالقه، ومتوكلاً عليه، ومعترفاً بضعفه وفقره أمام ربه وخالقه.
وهكذا يجب على الذين يقتدون برسل الله الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وينتهجون نهجهم، ويسيرون على طريقهم غير عابئين بالعوائق والعقبات التي يلاقونها في طريقهم إلى الله ـ تعالى ـ.
لقد رجعت المرأتان إلى مستقرهما، وإلى أبيهما، وهما تحملان شعوراً عجيباً عن ذلك الرجل الذي بادر إلى السقي لهما وإعانتهما بعدما استفسر عن حالهما، وأخبرتا أباهما بحاله، وربما أنهما سمعتا مناجاته لربه، ونقلتا تلك المناجاة إلى أبيهما.
١٠ ـ موسى ﵇ والشيخ الكبير:
لما قام موسى ﵇ بالسقي لتلك المرأتين الضعيفتين تولى إلى الظل وحيداً فريداً، أين يؤمم وجهه؟ وأين يتوجه؟ وأين يأوي، ويختفي من الأعداء الذين يتابعون أخباره، ويقتفون أثره كي؛ يبطشوا به؟ لجأ إلى ربه العظيم البصير، والسميع العليم، والعزيز الحكيم، واللطيف الخبير، فشكا إليه حاله ـ وهو سبحانه أعلم به ـ فإن الإنسان مهما أعطي من الخير؛ فإنه لازال ولايزال فقيراً إلى خالقه، ورازقه، ومحييه، ومميته، قال ـ تعالى ـ: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] .
ويذكر بعض السلف: أن المرأتين سمعتا هذا الدعاء من موسى ﵇، ولما قفلتا راجعتين إلى مقرهما ومسكنهما، واجهتا أباهما بما رأتا وشاهدتا من تصرف ذلك الفتى نحوهما، فأُعِجبتا بقوته، وبأدبه الجم، وبمبادرته لإعانتهما، وذكرتا لأبيهما ما سمعتا منه من ذلك الدعاء الذي يدل على قوة الصلة بالله ـ تعالى ـ، والاعتراف لله ـ تعالى ـ بحاجته إليه؛ مهما أعطي من الخير سواء كان كبيراً أو صغيراً.
إن ذلك يدل على وحشة يعيشها موسى في طريقه. فلما شرحتا لأبيهما حال ذلك الفتى، وصفته إحداهما بأمرين:
الأول: القوة.
والثاني: الأمانة.
وقلما تتوفر في شخص. ثم طلبتا من أبيهما أن يستأجره؛ فإنه قوي أمين. قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] .
ولقد لفت كلام تلك الفتاة ذهن أبيها ـ ذلك الشيخ الكبير ـ وأمرها بالذهاب إلى موسى؛ لدعوته، والإتيان به، ويبدو أن مكانه الذي آوى إليه ليس بعيداً عنهم.
وانطلقت تلك الفتاة نحو كليم الله موسى ﵇ في خطى حثيثة، وأدب جم، وستر كامل، ولسان طلق، وعزيمة قوية؛ لتبلغه دعوة أبيها، ولعلها قد تفرست في موسى ﵇ وهو يسقي لهما؛ الغربة، والمشقة، والعناء، زيادة على ما رأت منه، وشاهدت من القوة والأمانة، فأرادت الاستفادة منه والعطف عليه، وهذا من الأسباب التي هيأها الله ـ سبحانه ـ لموسى ﵇، ولما وصلت إليه أبلغته الدعوة في أدب رفيع، ومنطق سليم، وأخبرته أن والدها يريد: أن يجازيك، ويحسن إليك مقابل ما قدمت لنا من الخدمة في السقي. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] .
فاستجاب موسى ﵇ لتلك الدعوة وانطلق معها إلى أبيها، كيف لا؟ وهو يعيش وحشة الطريق وغربتها، لا يعرف من يأوي إليه، ويستأنس بالحديث معه! ولاشك أن ذلك من تنفيس الكربات عن النفس خاصة، وهي تعاني من أمور كثيرة، من أعظمها مطاردة الأعداء، وقلة الناصر.
فلما وصل إلى ذلك الشيخ الكبير عرَّفه بنفسه، وعرض عليه أمره، وقص عليه خبره، فكان من كرم الضيافة، ومواقف الرجال، وحسن الاستقبال، وحماية الضيف والجار، ونصرة الضعيف والمظلوم، والوقوف ضد الباطل وأهله، أن قال ذلك الشيخ الكبير مسرياً عن موسى، ومطمئناً وناصراً له، قال:
﴿فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] .
ما أجمل العبارات المضيئة! بل المشرقة، وهي تقرع الأسماع، وتسلي النفوس، وتثبت العقول، فتعيد للنفس هدوءها وسكونها وأمنها، بعد قلقها ورجفتها وخوفها.
وكأني بموسى ﵇ يتهلل وجهه بالبشر والضياء، وينطلق لسانه أكثر بالشكر والثناء لله رب العالمين، ويزداد شموخاً وثباتاً في الطريق، وتنقلب الغربة والوحشة ألفةً، والخوف أمناً، والقلق والوجل هدوءاً وسكوناً، والضعف قوةً، والفقر غنى، والتنقل والترحال استقراراً، والحزن فرحة، وشظف العيش رخاء.
إنّ النفس الأبيّة لا ترضى أن تعيش على فتات العيش، وموائد الآخرين؛ بل لا بد أن تبحث عن وسيلة تكدح من خلالها، وتشعر بالعزة والاستعلاء بعيداً عن المسألة والاستجداء، وهذا ما وقع لموسى ﵇ حيث عاش مع الشيخ الكبير عيشة عمل وكدح، يرعى له الغنم مقابل تزويجه إحدى ابنتيه، واتفقا على مدة العقد اللازم والكامل برضىً واختيار.
ومرت الأيام، وانتهت المدة الزمنية المتفق عليها بين الرجلين، فأدى موسى مهمته في قوة وأمانة، واختار أتم الأجلين وأكملهما، ووفى الشيخ الكبير بما اتفق مع موسى عليه من التزويج لإحدى ابنتيه.
إن موسى ﵇ عاش فترة زمنية مع الشيخ الكبير، والله وحده هو الذي يعلم ماذا حصل له فيها من المواقف والمشاهد؟ والذي نعلمه نحن البشر من خلال النص القرآني الكريم، أنه قضى أتم الأجلين وأكملهما عشر سنوات، لأن الاتفاق بينهما كان على ثماني سنوات، فإن أكملها عشراً فذلك تفضل منه، وكرم، وليس بإلزام.
قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ . [القصص: ٢٧ - ٢٨]
ولما قضى أكمل الأجلين وأتمهما، ودَّع مضيفه هو وأهله؛ ليعود إلى أهله وبلاده التي غادرها منذ زمن؛ وليقضي الله أمراً كان مفعولاً؛ ولتبدأ حياة ومرحلة جديدة من حياة موسى ﵇ أعظم مما مرَّ عليه من قبل.
стр. 5645
الديمقراطية حقيقة أم وهم ؟
(٢-٢)
محمد بن شاكر الشريف
تحدث الكاتب وفقه الله ـ تعالى ـ في الحلقة الماضية عن مفهوم كلمة الديمقراطية، وبين الأساس النظري الذي تستند إليه، وأنه أساس غير مقبول شرعاً؛ لوضعه الشعب في المكانة التي لا تليق إلا لله ـ تعالى ـ، وذكر أن هناك من الإسلاميين من يريدون قبول الديمقراطية والتعامل معها من خلال كونها آليات لتداول السلطة، وحفظ حقوق الرعية من غير التزام بأساسها النظري، ويناقش الكاتب في هذه الحلقة هذه القضية.
آليات الديمقراطية: يراد بالآليات التي تتبعها الديمقراطية في عصرنا الحاضر: مجموعة من الإجراءات والتصرفات التي منها: حرية الدعوة إلى الأفكار وتكوين الآراء، وحرية تكوين الأحزاب، وحق المعارضة للسلطة القائمة، وحق الاقتراع العام، وتنظيم الانتخابات للوصول إلى الحكم، وتداول السلطة بين أفراد الشعب، واعتماد مبدإ الأغلبية في اتخاذ القرارات وسن القوانين.
- تلك الآليات لم تنشأ من فراغ:
دعوى الأخذ بآليات الديمقراطية دون التقيد بأساسها النظري، فيها قفز على الواقع وتجاوز للمعقول، فإن هذه الآليات لم تتبلور إلا انطلاقاً مما استقر في الفكر الديمقراطي من الاعتماد على نظرية السيادة الشعبية؛ تلك النظرية المرفوضة إسلامياً.
ولا يمكن في الحقيقة تصور: أن يقوم نظام له أصول وقواعد تُتبع، ويُحتكم إليها عند الاختلاف، ولا تكون لهذا النظام جذور فكرية يرجع إليها هي التي حتمته، وأوجبته، فهذا أمر مخالف لطبيعة الأشياء، وما مثله إلا كمثل من يزعم وجود شجرة لها ثمار، وهي مع ذلك معلقة في الهواء من غير جذور ترتبط بها.
فالديمقراطية لا تعمل في فضاء أو فراغ قِيَمِي، ولنضرب مثالاً على ذلك، بـ (حق الاقتراع العام) وهو حق كل مواطن ـ ذكراً كان أو أنثى، عالماً كان أو جاهلاً، تقياً براً كان أو فاجراً شقياً ـ في أن يكون له صوت انتخابي متساوٍ مع صوت الأفراد الآخرين تماماً بتمام.
إن هذه الآلية إنما بنيت على أساس نظرية السيادة الشعبية، وأن الشعب كله هو الذي يملك السيادة، وأن كل فرد له نصيب من هذه السيادة متساو بالتمام والكمال مع نصيب غيره، بغض النظر عن التفاوت بين الأفراد من حيث العلم أو الجهل، ومن حيث الصلاح أو الفساد، ومن حيث الذكورة أو الأنوثة، ومن حيث الحكمة أو السفه، وإلا فما الحجة في التسوية في الصوت الانتخابي بين المتقين والفجار، وبين العلماء والجهلاء، وبين الذكور والإناث، وبين الحكماء والسفهاء؟ ولو قامت جماعة من المسلمين اليوم ترفض المساواة بين العلماء والجهلاء، وبين الأتقياء والفجار، فهل يمكن أن يقبل هذا منهم، أم يعترض عليهم بأن هذا يخالف نظرية السيادة الشعبية؟.
ويترتب على هذه النظرية ـ التي تُرْجِع أصل السلطة إلى العنصر البشري فقط ـ نسبية الحقيقة؛ لأنه ليس أحد من البشر يمتلك الحقيقة الكاملة، وهذا يتيح لكل فرد الحرية الكاملة في أن يقتنع بما يشاء، وأن يعبر عما يراه بدون ضوابط أو حدود؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يقول له: إن ما تراه خطأ. ومن ثم فإنه يحق له الدعوة إلى ما يرى صوابه، وأن يجمع الأنصار حوله، كما يحق له تكوين حزب للدعوة بين الناس إلى هذه الآراء، ومحاولة الوصول من خلاله إلى سدة الحكم؛ لتنفيذ ما يرى صوابه، فإذا انهار الأساس الذي تبنى عليه هذه الآليات ـ وقد بينا بطلانه ـ فعلى أي شيء يعتمد الذين يأخذون بهذه الآليات؟.
والقارئ في تفصيلات الفكرة الديمقراطية، والنظم الانتخابية المنبثقة عنها، وما يوضع من أفكار ونظريات في تفسيرها يجد التخبط الشديد، والتناقض فيها. ولذا فهم يتقلبون من فكرة إلى أخرى، فقد كان أول أمرهم يفسرون السيادة بأنها للأمة بمجموعها، وليس بآحادها، ولا يمكن تجزئتها، ثم عدلوا عن ذلك بأن جعلوا السيادة للشعب بآحاده، بحيث يكون لكل فرد جزء من السيادة، ثم تداخل المعنيان معاً، ولم يعد هناك من فرق بينهما عند التطبيق، وكانوا يقولون بوكالة النائب عن الناخبين، ثم عدلوا عن ذلك، وقالوا: لا داعي لهذه الوكالة، والنائب نائب عن الشعب، وليس عن أفراد، وهذه الأفكار والتصورات قد تَرَتَّب عليها أمور متعارضات. وهكذا ففي كل فترة يتخبطون محاولين إيجاد مسوغ مقبول عقلاً لما اختاروه آلية أو طريقة عملية، ولن يجدوا من الناحية العقلية مثل هذا المسوغ؛ لأنه لم يُبْنَ على أساس متين، وإنما بُني على أساس التصورات الشخصية، والتفسيرات العقلية، وهي تختلف من مفكر لمفكر آخر، ومن زمن لزمن غيره.
قد يقول البعض: أنا آخذ هذه الأشكال والنماذج، وأحشوها بمضمون ذي أصل إسلامي. وهذا في الحقيقة قول غير ممكن الحدوث، لكن لو تنازلنا عن هذه الجزئية، فكيف يقبل أصحاب هذا القول التنازل عن المضمون المستند إلى الأصل الديمقراطي، ويصرون على التمسك بشكلها؟ ويقال لهم: إذا أقررتم بأن الشريعة لديها المضمون الصالح الذي لا تحتاج معه إلى الاعتماد على الغير، أفلا يوجد عندها الشكل الملائم لذلك المضمون؟.
إن الأشكال أُطُرٌ حاوية للمضامين، فإذا قيل: إنه لا توجد أطر إسلامية يمكن أن تحتوي المضمون، حتى يُحتاج إلى استعارتها من النظام الديمقراطي؛ كان ذلك قدحاً في وجود المضمون نفسه.
يحاول بعض الناس إيجاد أصول لهذه الآليات بعيدة عن تلك المسوغات الفلسفية المتقدمة، حيث يذكرون أن من مسوغات الدعوة إلى الديمقراطية التنوع الذي خلق الله عليه الإنسان، فتعدد طرق تفكير الإنسان، وتنوع المشارب والاهتمامات، واختلاف ردود الأفعال تجاه الأحداث، تبين أهمية تمكين الإنسان من التعبير عن رأيه وأحاسيسه، وامتلاكه لحريته الكاملة في الاختيار المطلق، دون قيود تمنع من ذلك أو تعيقه (١) ، لكن هذا التصوير الذي يربط حقيقة وجود الإنسان بامتلاكه لحريته الكاملة في الاختيار المطلق دون قيود، هو في حقيقته معارض لفكرة «الدولة» ، التي يقبل بها الديمقراطيون، بل جُلُّ جهدهم منصب على الوصول إلى حكمها والسيطرة عليها.
ومهما قيل عن تسويغ فكرة الدولة، فهي تضع في النهاية حدوداً وعوائق على الحرية المطلقة، ومهما قيل عن عقلانية هذه القيود، وأنها قيود لصالح الإنسان، ولمنع الفوضى في المجتمع، لكنها في النهاية تضاد فكرة الحرية المطلقة، مما يعني أن هذا الأساس الذي تحاول الديمقراطية المعاصرة أن تقيم مشروعها عليه هو أساس منقوض، وما دام أن الفكر الديمقراطي بكل ما عنده من حديث عن الحريات المطلقة قد قَبِل مبدأ تقييدها، فهذا يدعونا إلى عدم تقبل فكرة الحرية المطلقة، كأساس تبنى عليه الديمقراطية المعاصرة، كما يدعونا في الوقت نفسه أن نحدد مَنْ الذي له الصلاحية في وضع هذه القيود.
والقيد يعني: الحجر على التصرفات بحيث لا تتجاوز نطاقه. والقبول به هو في حقيقته نوع من الخضوع لمن يضع هذه القيود، ولا يكون الإنسان كامل الحرية حقاً إلا عندما يكون غير خاضع لمن هو مثله، وهو يقود في النهاية إلى أن القيود لا بد أن تأتي من خارج المصدر الإنساني، ولا يكون ذلك إلا من الله ـ تعالى ـ، عن طريق رسله الذين اصطفاهم من خلقه؛ لهداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم.
ويترتب على الأخذ بتلك الآليات المذكورة إجمالاً أمور تفصيلية كثيرة منها:
٣ الدعاية: الدعاية للنفس، وبيان إمكاناتها، وتفوقها على غيرها أحد التصرفات التي يستخدمها الفكر الديمقراطي؛ لتعزيز طلب الثقة من الشعب، والوصول إلى الحكم، وهذا التصرف مرفوض شرعاً؛ إذ لا يجوز للمسلم أن يُزَكِّيَ نفسه، ولكن الإنسان الصالح أعماله هي التي تخبر عنه وليس أقواله، فإذا اجتهد المسلم في العناية بالشأن العام، وبالعمل الاجتماعي ابتغاء وجه الله، وعرفه الناس من خلال ذلك، ومدحوه على فعله وأحبوه، فتلك عاجل بشرى المؤمن، فعنْ أَبِي ذَرٍّ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن» (١) ، لكن لا ينبغي له هو أن يعلن عن نفسه، أو يزكيها، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] ، ولا يصلح أن يقال: لا يدعو هو لنفسه؛ بل يتولى ذلك الأمر أحد غيره لأن هذا التصرف نابع من الأسر النفسي الذي أسر به النظام الديمقراطي نفوس الناس، وما هذا التصرف إلا تحايل على الشرع في هذه المسألة، ومع ذلك فقد ورد في الشرع ما يبين النهي عن ذلك، فقد أخرج مسلم في صحيحه: «عن همام بن الحارث: أن رجلاً جعل يمدح عثمان، فعمد المقداد، فجثا على ركبتيه ـ وكان رجلاً ضخماً ـ، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» (٢) كما لا يصلح في هذا المقام أن يحتج محتج بقول يوسف ﵇: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] ، لما سنبينه في الفقرة القادمة.
والدعاية اليوم صارت صناعة محكمة، تحتاج إلى نفقات عظيمة لا يقدر عليها إلا أفراد قلائل جداً، ولو أخذنا مثالاً من العالم الغربي: فإن تكلفة الدعاية الانتخابية في انتخابات الرئاسة الأمريكية قد بلغت أكثر من ٥٠٠ مليون دولار للمرشح، ولو أخذنا مثالاً من محيطنا العربي: سنجد أن تكلفة الدعاية الانتخابية لانتخابات مجلس الشعب المصري قد كلفت جماعة ـ كالإخوان المسلمين ـ ما يزيد عن أربعين مليون جنيه مصري، فمن أين يأتي الأفراد العاديون بمثل هذه المبالغ الطائلة؟ وما الذي يدفعهم ـ حقيقة ـ لبذل هذه الأموال الضخمة؟ هل الرغبة في نفع الشعوب والسهر على مصالحها؟ وماذا يكون موقفهم لو طولب المرشحون لإنفاق جزء منها على الشعب في غير زمن الانتخابات احتساباً لله؟.
إن هذا الإنفاق الضخم يقود إلى أحد أمرين، الأمر الأول: إما ألاّ يرشح نفسه، ويخوض غمار هذا العمل إلا من كان من كبار الموسرين المستعدين لبذل هذه النفقات الكبيرة، وهو ما يحرم الفقراء، وأصحاب الدخول العادية وهم الغالبية في الشعوب، ويحولهم فقط لمجرد مانحي أصوات للأغنياء الأثرياء، ومن ثم تصير الديمقراطية ديمقراطية الأغنياء، وأصحاب النفوذ والثروات، وهي بذلك تكون انتقائية لا يمارسها إلا النخبة الغنية، والأمر الثاني: أن يقايض المرشح أو الحزب الشركات الكبرى، ويدعوها لدعمه وفق معادلة معلومة: ساعدني في الانتخابات أعوضك عن ذلك عند النجاح، وأساهم في التشريعات التي تخدم مؤسستك وشركاتك (وكل هذا يتم على حساب الشعوب) ، أو أن المرشح لا يمكن أن يخوض غمار هذه الانتخابات إلا من خلال حزب ينفق على حملته الانتخابية، وفي هذه الحالة يصبح العضو أسيراً لدى الحزب، لا يتمكن من التعبير عن رأيه الحقيقي إذا كان مخالفاً لحزبه، وإلا تعرض للفصل أو عدم ترشيحه مرة أخرى، ومساندته في الانتخابات.
٣ طلب الولاية: يقوم الفكر الديمقراطي على طلب الولاية للنفس، بل وعلى الصراع من أجل ذلك، فما تكوين الأحزاب، ونشر الدعايات، وخوض الانتخابات؛ إلا للحصول على الولاية، وهذا أمر منهي عنه، فالمسلم منهي عن طلب الإمارة لنفسه، قال رسول الله ﷺ : «إنا ـ والله ـ لا نولَّي على هذا العمل أحداً سأله، ولا أحداً حرص عليه» وقال ﷺ : «لن، أو لا نستعمل على عملنا من أراده» وقال ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة أوكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» (٣) ، وهذا يشمل طلب الولاية بكل الطرق: سواء كان بطريق القهر والغصب لأمور الناس، كما هو الحاصل في كثير من البلدان، أو كان بطريق الطلب ممن له أن يعطي ذلك ويمنع، أو كان بطريق الترشيح في الانتخابات وطلب التأييد من الناس لذلك، ولا يصلح معارضة هذه الأدلة وهديه ﷺ في إسناد الإمارة بقول يوسف ﵇: «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم» وذلك لأمرين: الأمر الأول: أن هذا من شرع من قبلنا، والعلماء في شرع من قبلنا لهم قولان: الأول: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأتِ شرعنا بخلافه، والثاني: أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا إلا إذا ورد في شرعنا، وعلى الرأيين كليهما لا يصلح أن يحتج بما فعله يوسف ﵇ في شرعنا، فإن طلب الإمارة لم يأت في شرعنا إلا على سبيل النهي عنه، والأمر الثاني: أن يوسف ﵇ قال ذلك في ظروف غير اعتيادية، وما جاء مخالفاً للأصل فإنه يقتصر به على مورده ولا يتعداه لغيره، كما يقرر ذلك أهل الأصول، فكيف يمكن أن يؤسس على الحالة الاستثنائية نظاماً اعتيادياً؟.
٣ التعددية: من الآليات المعتمدة في الفكر الديمقراطي التعددية، وهي أوسع من السماح بتشكيل أحزاب متباينة في رؤاها، فالتعددية التي ظاهرها عند البعض السماح بالاختلاف في الرؤية حول بعض التصورات المتعلقة بأمور المصالح ونحوها، هي في حقيقتها إباحة لجميع المعتقدات، والأفكار، والتصورات في المجتمع، وبأحقية كل فرد أو جماعة في تكوين الآراء والمعتقدات الخاصة. ولعلم جماعة إسلامية تخوض في لعبة الديمقراطية بأن التعددية في الديمقراطية تعني ذلك، وأن عدم الموافقة عليه يعني عدم الموافقة على الديمقراطية، فقد صرحت تلك الجماعة أنه: لا مانع لديها حتى بعد وصولها إلى الحكم من السماح بقيام حزب شيوعي، وهو ما يتعارض تعارضاً واضحاً مع المقررات الإسلامية إذ من الثابت أن من ارتد عن دينه فعليه أن يتوب، أو يواجه الحد الشرعي، لا أن يُسمَحَ له بتشكيل حزب ينظر إلى الأمور من خلاله، ويدعو الناس إلى تصوراته.
وتعد حرية تكوين الأحزاب السياسية أحد أهم مظاهر السماح بالتعددية السياسية في المجتمعات وخاصة بعد تقرير مبدأ الاقتراع العام، لكن على أي شيء يبنى هذا التعدد أو ما المسوغ له؟ هو تعارض الإرادات، والرؤى، والتصورات تعارضاً بيناً؛ بحيث لا يسع الجميع أن يكونوا في حزب واحد. فالديمقراطية على ذلك تُفَرِقُ ولا تجمع، وهو واضح حتى من الممارسات داخل الحزب الواحد؛ فإن الحزب يظل حزباً واحداً متماسكاً ما دام أعضاؤه متفقين في أسسه العامة، وتوافقت تصوراتهم إزاء القضايا المهمة، فإذا حدث خلاف مهم في هذه الرؤى؛ فإن الحزب يتحول إلى هيئة عامة تظلل عدة أجنحة متباينة فيما بينها، وقد يصل الاختلاف إلى درجة لا يتمكن معها الأعضاء من التعايش، فينشق الحزب إلى حزبين أو عدة أحزاب، مما يعني: أن الديمقراطية لا تنمو إلا في ظل الاختلاف.
٣ الأغلبية: عند اختلاف الرؤى في النظام الديمقراطي يُنْظَرُ إلى الأغلبية على أنها ممثلة للإرادة الشعبية العامة، وهذا يعطيها صفة العصمة أو صفة الصواب، بينما يلتصق برأي الأقلية صفة الخطأ، لكن من حق الأقلية أن تحاول ضم من تستطيع إلى صفوفها، والقبول بأطروحاتها؛ لتحقيق الأغلبية لتلك الآراء، حتى تتحول من صف الرأي الخاطئ إلى صف الرأي الصواب، ويحدث العكس، ويتبدل الحال للأغلبية السابقة، وهذا بدوره ينشئ صراعاً كبيراً بين فئات الشعب في محاولة ضم أكبر عدد للصفوف؛ لتكتسب رؤيتهم العصمة؛ ولتكون معبرة عن الإرادة العامة، مع ما يصاحب ذلك من كل الظواهر التي توجد في ظل الصراع، وهكذا يمر الحق والصواب بدورات متتالية متعاقبة، فما يكون اليوم صواباً قد يصبح بعد حين خطأ لا لشيء؛ سوى أن القائلين به تمكنوا من استقطاب شريحة كبيرة من الناس للموافقة عليه، وما كان بالأمس صواباً قد يصير خطأ لا لشيء؛ سوى أن القائلين به لم يستطيعوا المحافظة على الأغلبية التي كانت معهم، وذلك بغض النظر في الحالين كليهما عن مدى صواب تلك الأقوال أو خطئها من الناحية الحقيقية، ثم هذه الأغلبية قد تصبح أغلبية مستبدة أكثر من أي نظام استبدادي، وليس هناك من وسيلة ديمقراطية لإيقاف هذا الاستبداد؛ إذا استطاعت أن تحافظ الأغلبية على وضعها في المؤسسات السياسية. ويظهر هذا بجلاء في الشعوب التي تتكون من أكثر من عرقية، فالعرقية ذات الغالبية العددية على ما سواها من العرقيات الأخرى مؤهلة للاستبداد، في حين لا تملك العرقية الأخرى أية وسيلة ديمقراطية لمنع هذا الاستبداد، ويبقى الطريق المفتوح هو الصدام مع الأغلبية، أو التعاون مع أعداء الوطن، ويصبح المحافظة على حقوق الأقليات العرقية مرهوناً بالحالة الأخلاقية للأغلبية.
فآليات الديمقراطية تعمل على توطين الفساد، وإعطائه الصبغة الشرعية حيث يكثر التحايل بهذه الآليات عبر التصويت، ويتم تغيير القوانين، ويصبح هذا التغيير مشروعاً ليس إلا لصدوره عن الأغلبية حتى وإن كان مجافياً للصواب، فتستطيع الأغلبية تغيير القانون الذي يُجَرِّمُ بعض تصرفاتها لتصبح تلك التصرفات بعد التصويت صوابا، والأمثلة كثيرة؛ فآليات الديمقراطية لا تمنع من تقنين الظلم وجعله شريعة ينبغي على الناس قبولها والعمل بها.
وهناك وجه آخر لمشكلة الأغلبية، فإنه من المستقر المعلوم حتى في المجتمعات المتقدمة أن شريحة الأكثرية ليست مثقفة عالمة فاعلة، وأن الطبقات الدنيا والمتوسطة هي التي تمثل الغالبية أو الأكثرية، أما الطبقات العليا فهي تمثل الأقلية في الناس، وفي هذا تغليب للكثرة الجاهلة، أو غير المثقفة، أو غير المؤهلة على القلة العالمة الخبيرة، حتى يستوي في ميزان الديمقراطية من وصل إلى أعلى الدرجات العلمية مع من ليس له من ذلك نصيب، ولو كان الموضوع يتعلق بتخصص ذلك العالم، كما يستوي فيها أتقى الاتقياء مع أفجر الفجار.
- آليات الديمقراطية لا تعبر حقيقة عن إرادة الناخبين:
إخفاق الآليات الديمقراطية في التعبير عن إرادة الناخبين، فبعد انتخاب النواب ينفصل النواب عن ناخبيهم فلا تكون لهم عليهم سلطة، ويظل الناخب في كل ذلك يعبر عن آرائه وتصوراته، أو آراء الحزب وتصوراته، كما أن فكرة تعبير النائب عن آراء ناخبيه هي في الحقيقة فكرة ساذجة، فإن الناخبين للنائب قد يتجاوزون العشرات من الآلاف، ولكل منهم رأيه بحكم ثقافته، ومصالحه، التي تختلف في قليل أو كثير عن آراء الآخرين، فكيف يكون النائب معبراً عنهم؟ ناهيك عن الذين لم ينتخبوه، وإذا قيل: بأن الناخبين إنما ينتخبونه من أجل البرنامج الذي يعلنه، لكان هذا القول لا قيمة له؛ لأنه لا يوجد شيء يلزم النائب بعدم الخروج على برنامجه، ثم إن هناك أموراً قد تَجِدُّ لم تكن موضوعة من قبل في برنامج النائب، ففي هذه الحالة فإنه يتكلم فيها بمجرد تصوراته، والتي قد تكون معارضة لآراء كثير أو قليل من منتخبيه، وإذا قيل: بأنه يرجع لناخبيه ويستطلع آراءهم. فإن هذا قول مغرق في الوهم فكيف يجمع هذه الآلاف؟ وكيف يستطلع رأيهم؟ وكيف يحسم الخلاف إذا اختلف الناخبون فيما بينهم؟، وهل المداولات التي تتم في البرلمان سوف تنتظر كل نائب حتى يرجع إلى ناخبيه؟.
- الفراغ الأخلاقي:
الديمقراطية نظام بلا أخلاق، إذ أنه لم يُؤَثِّرْ في الدول التي تبنته، وعملت به، ودعت إليه، فهو كالجسد الذي لا روح فيه، بل إن أكثر الدول استغلالاً لغيرها وظلماً لها هي الدول التي تعد رائدة في هذا المجال، فالديمقراطية البريطانية ـ كما يقال ـ هي أم الديمقراطيات، والثورة الفرنسية هي التي أشاعت نظرية السيادة الشعبية، وأمريكا اليوم تتربع على عرش الدول الديمقراطية العاملين بها والداعين إليها، ومع ذلك فلم تحجز هؤلاء ديمقراطيتهم عن الظلم، والطغيان، وسرقة ثروات الدول الأخرى، وقد تعرضت دول العالم العربي والإسلامي للاحتلال من هذه الدول الثلاث، وغيرها، وعانت من ذلك الكثير، وتعرض رجالها للقتل، وثرواتها للسرقة والنهب، وما زال هذا النهج مستمراً، فهل كان في الديمقراطية خُلُقٌ يمنعهم أو يحجزهم عن ارتكاب كل هذه القبائح؟.
- قبول الحل الديمقراطي يقضي على الحل الإسلامي:
وقبول الحل الديمقراطي هو في حقيقته الموافقة على كونه بديلاً عن الشريعة، فلا يمكن مع وجود هذا الحل أن يطالِبَ المسلمون حكامهم بتطبيق الشريعة؛ لأنه يقال لهم والحالة هذه: أمامك الشعب، وهو حجة يفصل في هذه المسألة، وهنا يقول أصحاب الحل الديمقراطي: هذه فرصتنا التي ننتظر حيث يخلى بيننا وبين الناس، فنقنعهم بما لدينا من التصور الإسلامي للسياسة. لكن كأن هؤلاء نسوا أو تناسوا أن كل النظم في الدول الإسلامية التي سلكت هذا الطريق الديمقراطي تنص في قوانينها على: عدم جواز إنشاء أحزاب على أسس دينية، وهذا مما يبين أن الديمقراطية في فهم الساسة تقترن بالعلمانية، والغرب الديمقراطي (الغاطس في ديمقراطيته إلى الأذقان) لن يقف مع المسلمين (الديمقراطيين) في هذه الحالة، بل سيقف مع أصحاب الحلول غير الديمقراطية إذا تعلق الأمر بالإسلام، ولسنا ندعي علم الغيب بذلك، فأمامنا موقف الغرب من وصول الجبهة الإسلامية للإنقاذ للحكم في الجزائر، والمثل القريب في فلسطين وموقفهم من حركة حماس.
- مقارنة الديمقراطية بغيرها مقارنة ناقصة:
هناك من يقر بأن الديمقراطية بها أخطاء كثيرة، ويُسلِّمون بكل ما ذكر من عيوبها، لكنهم يرونها على ما فيها من شر وأخطاء هي خير من غيرها بمرات كثيرة، وهؤلاء إنما يقيمون هذا الكلام على أساس مقارنة ناقصة، فهم يقارنون ذلك بالأنظمة الاستبدادية القائمة على القهر والظلم، أو على بعض النماذج التي تعد هي خارجة عن أصولها وليست مطبقة لها، لكن لو قورنت الديمقراطية بما يقدمه الإسلام في مجال نظام الحكم لظهرت عيوبها، وسوآتها في مقابل النظام الكامل المتكامل، ولعل بعض من يقول بخيرية النظام الديمقراطي يقول: نحن لم نضعه في مقابل الإسلام، وإنما نحن نطالب به للخروج من حالة الاستبداد التي تعيش فيها الشعوب. لكان يقال لهم: إن الذي ينقص في هذه الحالة ليس هو النظام العملي حتى نأتي به من خارج محيطنا، ولكن الذي ينقص هو الرغبة والإرادة في تمكين الشعوب، وإيجاد الرغبة والإرادة لا يكون بالدعوة إلى الديمقراطية؛ لأنه توجد من الوسائل الديمقراطية ما يكفي لجعل الديمقراطية حبراً على ورق عند عدم الرغبة في تطبيقها، أما إذا وجدت الرغبة، فلماذا اللجوء إلى نظام فاسد، وترك العودة إلى النظام الإسلامي؟.
- تعدد صور الديمقراطيات:
ولو أن هؤلاء انعتقوا من ربقة المتابعة للغرب لما احتاجوا إلى كل هذا العناء، فإن الديمقراطية ليست شيئاً واحداً أو محدداً، ولم ينزل بها تشريع من عند الله، بل كانت تتغير وتتبدل في صور ممارساتها، بإزاء العقبات، والمشاكل، والتناقضات التي كانت تقابلهم، كمشكلة التوفيق بين مصالح الفرد، ومصالح الأقلية، ومصالح الأكثرية، وكانت كل الصور التي ظهرت فيها الديمقراطية على مدار تاريخها تمثل حلولاً أو محاولات للتغلب على هذه المشكلات التي تعترضهم، لكن ذهنية التابع الذي لا يصدر عن رؤية أصيلة، تجعله ينظر إلى الديمقراطية وكأنها شريعة محددة، لا يملك بإزائها إلا المتابعة التامة، والنقل عنها من غير تصرف.
- ماذا يعني رفضنا للديمقراطية؟
لكن رفضنا للديمقراطية لا يعني ـ كما يصور ذلك الديمقراطيون ـ إقرار التسلط والرضا به، وإهدار مكانة الشعوب، والاستهانة بإرادتها، فإن تصوير الأمور على أنه: إما القبول بالديمقراطية، وإما القبول بالديكتاتورية! هو تسطيح مخل بالمسألة، وهو نوع من الإرهاب الفكري الذي يحاول أن يجر الناس إلى قبول الديمقراطية بالإكراه، وهو مشابه لقول بوش ـ عندما أراد أن يجر الدول معه في العدوان على الآخرين ـ: من ليس معنا فهو علينا.
لقد حرر الإسلام الناس من عبوديتهم لبعضهم البعض حينما أخرج سلطة التشريع من أيدي البشر والخلائق جميعاً، وجعل ذلك من خصائص الربوبية، فالإنسان في ظل الإسلام هو حر حقاً؛ لأنه لا يخضع إلا للذي خلقه ورزقه، وحتى المسائل التي لم يأت بشأنها نص قاطع، فإن الرأي فيها لا يكون قولاً بالاختيار عن طريق أكثرية الأصوات، وإنما يكون بحثاً في النصوص والدلائل للوصول إلى أشبه الأشياء، بما يريده الله ـ تعالى ـ الذي خلقنا ورزقنا، وأحْياناً بعد أن لم نكن شيئاً مذكوراً.
فالمسلم في كل أحواله يتمتع بالحرية الحقيقية، لا الحرية الصورية في الديمقراطية، والتي يكون فيها الإنسان عبداً للسلطة التشريعية، فكل الذي فعله الفكر الديمقراطي في هذا الباب أنه نقل الإنسان من عبودية الفرد في الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية، إلى عبودية الجماعة في النظام الديمقراطي.
إن كل ما يمكن أن تقبله النفوس السوية أو تدعو إليه، مما دل عليه الفكر الديمقراطي، قد دلت عليه من قبل شريعة الإسلام، لكن على نحو صافٍ خالٍ من الشوائب العالقة بالديمقراطية، ـ فمثلاً ـ عمد الفكر الديمقراطي في سبيل الحد من طغيان السلطات أن دعا إلى ما عُرف بمسألة الفصل بين السلطات الثلاث: (التشريعية ـ التنفيذية ـ القضائية) ، ورغم أن الفكر الديمقراطي لم يستطع أن يحقق ذلك فعلا تحقيقاً كاملاً، ومع ذلك فقد جعل السلطة التشريعية في يد البشر (المجلس التشريعي) وهذا من أشد الطغيان، وأما في شريعة الإسلام فإن التشريع ليس من اختصاص البشر بل هو لله وحده، وكل ما للبشر في هذا المجال هو الاجتهاد في ضوء الشريعة الإلهية، على أمل إدراك حكم الشارع في هذه المسائل التي تحتاج إلى الاجتهاد.
وأما السلطة القضائية في الشريعة فهي سلطة مستقلة حقاً، ليس لأحد عليها سلطان خارجي حتى لو كان الأمير، ولا يملك أحد إلزامه بشيء خارج عما شرعه الله ـ تعالى ـ، بل لو أراد الأمير أن يلزمه بالقضاء على أحد المذاهب الإسلامية لم يكن له ذلك. يقول ابن قدامة: «ولا يجوز أن يُقَلَّدَ القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه، وهذا مذهب الشافعي ولم أعلم فيه خلافاً، لأن الله ـ تعالى ـ قال: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] والحق لا يتعين في مذهب، وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب، فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط، وفي فساد التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع» (١) ، وقال ابن القيم: «صرح أصحاب الشافعي وأحمد ـ رحمهما الله تعالى ـ بأن الإمام إذا شرط على القاضي ألَّا يقضي إلا بمذهب معين بطل الشرط، ولم يجز له التزامه، وفي بطلان التولية قولان مبنيان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة» (٢) ، وقال ابن حزم: «واتفقوا على أنه لا يحل لقاضٍ ولا لمفتٍ تقليد رجل بعينه» (٣) ، وقال الماوردي: «فلو شرط المولِّي وهو حنفيٌّ أو شافعيُّ على من ولاَّه القضاء ألاَّ يحكم إلاَّ بمذهب الشافعي أو أبي حنيفة فهذا على ضربين: أحدهما: أن يشترط ذلك عموماً في جميع الأحكام، فهذا شرطٌ باطلٌ سواء كان موافقاً لمذهب المولِّي أو مخالفاً له، وأما صحة الولاية فإن لم يجعله شرطاً فيها، وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهي، وقال: قد قلّدتك القضاء، فاحكم بمذهب الشافعي ﵀ على وجه الأمر، أو لا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه النهي، كانت الولاية صحيحة والشرط فاسداً، سواء تضمَّن أمراً أو نهياً، ويجوز أن يحكم بما أدَّاه اجتهاده إليه سواء وافق شرطه، أو خالفه، ويكون اشتراط المولِّي لذلك قدحاً فيه إن علم أنَّه اشترط ما لا يجوز، ولا يكون قدحاً إن جهل، لكن لا يصحُّ مع الجهل به أن يكون مولِّياً ولا والياً، فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد الولاية، فقال: قد قلدتك القضاء على ألا تحكم فيه إلاَّ بمذهب الشافعي، أو بقول أبي حنيفة كانت الولاية باطلة؛ لأنه عقدها على شرطٍ فاسدٍ، وقال أهل العراق: تصحُّ الولاية ويبطل الشرط» (١) .
وهو ما يبين استقلال القضاء في الإسلام، وأنه ليس لولي الأمر أن يتدخل فيه، بل لو قضى القاضي بما يخالف اجتهاد ولي الأمر، لم يكن له لينقض كلام القاضي، يقول ابن القيم: «وعن عمر أنه لقي رجلاً، فقال: ما صنعت؟ قال: قضى عليٌّ وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله، أو إلى سنة نبيه ﷺ لفعلت، ولكني أردك إلى رأي، والرأي مشترك. فلم ينقض ما قال عليٌّ وزيد» (٢) .
وأما السلطة التنفيذية فإنه لا يجوز اغتصابها، والتغلب عليها، واستخدام القوة للحصول عليها، وإنما يشرع أن يكون ذلك برغبة المسلمين، ورضاهم، وشوراهم من غير إجبار أو إكراه، وقد بينت في مقال سابق (٣) دور الأمة في ذلك، وسقت على ذلك العديد من الأدلة.
ويبين أهل العلم أن السلطة التنفيذية (الخلافة) لا تمنحها لمستحقٍ إلا الأمة، فقد أجمع أهل العلم على أن نصب الإمام فرض كفاية على الأمة (٤) ، وهذا يعني أنه مفروض على الأمة من حيث مجموعها لا من حيث أفرادها، ولا يمكن أن يقال: أن الأمة مفروض عليها القيام بذلك العمل، بينما لا يكون لها دور في العمل نفسه. هذا كلام متناقض يدفع بعضه بعضا، قال القرطبي ﵀: «ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله، واتبعه على رأيه ومذهبه» (٥) ، وقال النووي: «وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة» (٦) .
وقد تحدث الماوردي عن حالة ما إذا وقع الإمام في أسر يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه، ثم قال: «وللأمة اختيار من عداه من ذوي القدرة» (٧) ، وبيَّن أنه لو عقدت الخلافة لرجلين، وأشكل معرفة المتقدم منهما، فلو تنازعاها، وادعى كل واحد منهما أنه الأسبق، لم تسمع الدعوى، وعلل ذلك بقوله: «لأنه لا يختص بالحق فيها، وإنما هو حق المسلمين جميعاً» (٨) ، فكون نصب الإمام واجباً على الأمة، يعني أن الأمة هي التي يصح منها ذلك، وأنه لو استبد بذلك واحد أو جماعة بدون موافقتها لم يصلح ذلك، وهذا هو الذي يليق بمكانة هذه الأمة الشريفة التي هي خير أمة أخرجت للناس من ذرية آدم ﵇، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الراشد الملهم على منبر رسول الله ﷺ يوم الجمعة بمحضر من الصحابة كلهم: «من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه؛ تغرة أن يقتلا» (٩) .
ثم إن للمسلمين الحق في الاحتساب والإنكار على أمرائهم إذا خرجوا عن الجادة بطرق الإنكار المعروفة التي أقرتها الشريعة، فقد أقر الرسول ﷺ محاسبة خالد ﵁ من قبل جنوده عندما امتنعوا من تنفيذ أمره الباطل، عندما أخطأ في اجتهاده، وقتل الذين قالوا: صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» مرتين.
وهذا أبو بكر ـ رضي الله تعالى ـ عنه يقر مبدأ الحسبة السياسة عقب توليه الخلافة مباشرة إذ خطب الناس، وقال لهم: «إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني» ، مما يبين أن الحسبة ليست قاصرة على الرعية دون الولاة؛ لأن الكل في ميزان الشرع عبد لله، والحاكم والمحكوم كلاهما مطالب بعبادة الله وحده، وطاعته، واتباع ما شرعه، وما طلبه أبو بكر ﵁ وأرضاه ـ من الصحابة لا يتأتى منهم إلا بعد المتابعة والمراقبة التي بها يتمكنون من معرفة الإحسان أو الإساءة، وهذا عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ يقول: (إني والله ما أرسل عمالي إليكم؛ ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم؛ ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فُعِلَ به شيء سوى ذلك، فليرفعه إليَّ فوالذي نفسي بيده إذاً لأقصنّه منه، فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين! أَوَ رأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته، أئنك لمقتصه منه؟ قال: أي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه. ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم (١) ؛ فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم؛ فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض (٢) ؛ فتضيعوهم) (٣) فعمر ﵁ يحض رعيته على عدم السكوت على ظلم الولاة، ويوجه الولاة بعدم منع المسلمين حقوقهم، والعمل على راحتهم، والحفاظ عليهم.
لكن مع ذلك فإن النظام الإسلامي لا يفصل بين السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، وأما السلطة التشريعية فهي أصلاً ليست للبشر، وبالنظر إلى ما يقدمه النظام الإسلامي لمنع الطغيان والاستبداد أنه لم يجعل التشريع بيد البشر، بينما النظام الديمقراطي لم يفعل شيئاً أكثر من أن يجعل التشريع ـ بعدما كان في ظل الاستبداد في يد فرد أو فئة ـ جعلت الديمقراطية التشريع في يد مجلس يزيد عدده قليلاً عن الحالة الأولى، وأما أصل الاستبداد، والظلم، والجور فلم تتخلص منه إذ جعلت التشريع بيد البشر.
وإذا تبين لنا هذا، فما الحاجة إلى ما يدعيه البعض حول أسلمة الديمقراطية؟ فإن كانت الأسلمة تعني: إقرار ما جاءت به الديمقراطية مما يوافق الإسلام، ومما يخالفه كان هذا من قبول الباطل، ونشره بين المسلمين باسم الإسلام، وإن كانت الأسلمة تعني: أنه لا يقبل منها إلا ما يقره الإسلام، فلماذا الحرص على نسبته للديمقراطية، ولا ينسب للإسلام نفسه؟ على أنه ما من شيء حَسَن أتت به الديمقراطية بدون عيوب، إلا وفي الإسلام ما هو أفضل منه وأكمل، فما دمنا أقررنا أن الإسلام دين ودولة، وأن الإسلام أكملُ الشرائع، فكيف يقوم في الذهن أن شريعة الإسلام تخلو عن بعض الأمور التي يحتاج إليها المسلمون في تنظيم دولتهم، بحيث يأخذونها من غيرهم؟.
стр. 5646
العمل المؤسسي في العائلة
أحمد بن عبد العزيز الفايز
بات العمل للدين، والسعي لنيل الشرف بركابه هاجساً لدى فئات كثيرة من الناس، وتعددت مؤسساته ووسائله؛ نظراً لتعدد المجتمعات وقطاعاته المدنية والأهلية فضلاً عن الحكومية.
وكانت بداية الدعوة المحمدية بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] مقترنة بقوله ﵊: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» رواه الترمزي.
والمتأمل لحال كثير من الدعاة قديماً وحديثاً تجد لديهم نشاطاً في عشيرته وأهل رحمه إلا ما ندر ممن اختل عنده فقه الأولويات، والجمع بين الحُسنيين؛ لذا كان من المستحسن أن ينطلق العامل وفق عمل منظم يرسم أهدافه وينفذها؛ ليقطف ثمارها في الدنيا بلذة النجاح وفي الآخرة بالفلاح،،، وإليك أيها القارئ الكريم خطوطاً عريضةً في ملامحه هذا البرنامج.
تعريف العمل المؤسسي في العائلة:
هو نظام يتجه نحو تحقيق الأهداف وفق علاقة مترابطة في وحدات إدارية ذات خطوط محددة، وقيم تضمن الاستمرار والنمو.
أهمية العمل المؤسسي في العائلة:
١ ـ يحقق هذا البرنامج ضمان الاستمرارية في الأداء:
فكثير من الأعمال والبرامج التي يقوم بها العاملون في محيط عوائلهم لا تتجاوز ردود أفعال، أو عواطف إيمانية، أو تفرغ يتأتى بين حين لآخر، أما العمل المؤسسي فهو عبارة عن: منظومة ونظام يُلزِم العامل بالعمل ويتابع استمراره، ويحاسب على التقصير في أدائه فضلاً عن إهماله، عبر لجان الاجتماعات، وجداول عمل مسبقة التدوين.
٢ ـ يساعد على تقييم الأداء ومن ثم تقويمه:
فمن الطبيعي لكل عمل أن يصحبه كثير من الإخفاق وعقبات الفشل، لكن العمل المؤسسي يراجع أعماله؛ ليُقيِّمَها، فيعرف نقاط القوة فينميها ويزيد في تفعيلها، ونقاط الضعف فيصوب ما يناسب التصويب، أو يعدل، أو يستبدل، وهكذا ... (شعاره أن الفشل خطوة نحو النجاح) .
٣ ـ يوزع المهام والتكاليف:
وهذا أكبر معوق يشتكي منه كثير من العاملين؛ وهو قلة المعين. بينما العمل المؤسسي يضع الوصف الوظيفي لكل عامل، ويحدد له المهام، ويمنحه الصلاحيات مصحوباً بالمساندة والتحفيز المستمر، مثال:
- مهمات اللجنة الثقافية:
١ ـ إعداد مفكرة خاصة بالبيانات الأسرية لبيوت العائلة وتحديثها دورياً.
٢ ـ خدمة العائلة إعلامياً، وتعزيز علاقتها بالأسر الأخرى.
٣ ـ إصدار مطبوعة دورية تُعنَى بشؤون العائلة.
٤ ـ رعاية موقع العائلة على شبكة الإنترنت، والعمل على تطويره، وتحديث معلوماته.
٥ ـ إصدار مفكرة دورية لهواتف أفراد العائلة.
٦ ـ متابعة ما يخص شجرة العائلة، وتحديثها دورياً.
٧ ـ الترتيب لعمل برامج متنوعة خلال الملتقى السنوي العام.
٨ ـ التنسيق مع الأمانة؛ لما يُرى مناسبة نشره من قرارات المجلس.
٩ ـ ترتيب بعض المناشط التي تخدم الجانب الثقافي للعائلة.
١٠ ـ تكريم المتفوقين والمتفوقات من الطلاب، والموظفين، وأصحاب الإنجازات المتميزة.
١١ ـ الاحتفاء بالمتزوجين والمتزوجات من أفراد العائلة.
١٢ ـ ترتيب رحلات خاصة بالشباب والبراعم من أبناء العائلة.
٤ ـ زيادة اكتشاف الطاقات:
في المحيط العائلي الكبير وفي التجمعات الاجتماعية لا يمكن التعرف على الكوادر ومن ثم تطويرها. وبالعمل المؤسسي ستجد أنك بحاجة إلى العشرات من الشخصيات التي تناسب المهام المحتاجة، مما يتيح له ميدان عمل وتجربة يخفق فيه عدد، وتلمع فيه نجوم يزيدها ظلمة الليل بريقاً ولمعاناً.
٥ ـ تحقيق مفهوم العمل الجماعي، وروح الفريق الواحد:
فرأي الواحد مهما كان ثاقباً فهو أقل درجة من رأي الاثنين فضلاً عن الجماعة، مما يضمن صواباً في العمل، وقبولاً لدى المتلقي، وتَبَعَةٌ أقل، ويكفي فيه البركة، «وتعاونوا على البر والتقوى» ، «وأمرهم شورى بينهم» . فكل قرار لم يصدر برأي جماعة تمَّ اتخاذه عبر اجتماع منظم؛ فهو غالباً مرتجل محفوف بالخطأ.
- آليات العمل المؤسسي:
١ ـ وضع النظام واللوائح ومتابعة تنفيذها:
ـ رسم الأهداف بشكل دقيق وواقعي:
فمن الضروري كتابة الأهداف، وتحديدها بشكل واضح وفق الضوابط التالية:
٠ الواقعية في التطبيق.
٠ مراعاة الظروف الاجتماعية ونحوها.
٠ بعيدة النظر.
٠ تُعْنى باستمرار العمل لا قيامه فقط، مثال:
١ ـ التعارف المؤدي إلى صلة الرحم.
٢ ـ التكافل الاجتماعي بين العائلة.
٣ ـ نشر الخير بين أفراد العائلة.
ـ صياغة النظام الأساسي، واللوائح التنفيذية:
فالنظام يحدد: اختيار مجلس الإدارة وتكوينه، والهياكل، وطرق اتخاذ القرار واجتماعاته. أما اللوائح التنفيذية ففيها تُحَدَّدُ: اللجان العاملة، والوصف الوظيفي مع المهام المناطة بها، والصلاحيات الممنوحة لها، كاللجنة الثقافية، والعلاقات العامة، والزكاة، والمالية، وحبذا أن تُمْنَح هذه اللجان صلاحية إقامة لجان فرعية، كلجنة الشباب والإعلام ونحوها، ضمن اللجنة الثقافية.
ـ المتابعة المستمرة:
فالتنظير كثيرٌ من يحسنه، لكن التنفيذ ومتابعة التنفيذ قلة من يتقنه. فالمتابعة المستمرة بالأساليب الآتية تضمن استمرار العمل العائلي:
٠ المشاركة في المهام مع الآخرين إذا دعت الحاجة.
٠ التحفيز للعاملين.
٠ التواصل في تنفيذ المهام.
٠ القدوة العملية؛ فتقديم النموذج العامل الذي يحتذى به أكبر أسلوب للمتابعة.
٢ ـ العناية الفائقة بالأفراد:
وهي على مراحل ست:
١ ـ تحديد الوصف للعامل.
٢ ـ البحث في الشخصيات ذات الصفات المناسبة.
٣ ـ حُسْنُ الاستقطاب والإقناع.
٤ ـ التدريب بشتى طرقه الفردية والجماعية.
٥ ـ التحفيز المستمر.
٦ ـ التركيز على الصف الثاني لكل عامل.
٣ ـ وضوح الجانب المالي وأثره الملموس في العائلة:
المال عصب الحياة، ووسيلة من أهم وسائل العمل العائلي؛ لذا فإن من ركائز العمل المؤسسي في العائلة أن يتحلى بالآتي:
ـ الشفافية والوضوح في الواردات والمصروفات.
ـ إيجاد الموارد المالية، والتركيز على الدائم منها ولو قلَّ، ومنها:
٠ الاشتراك السنوي للموظفين.
٠ التركيز على أهل اليسار في العائلة.
٠ الاستثمار المنضبط شرعاً، ونسبة حصول الأرباح فيه عالية ولو قلت نسبة الربح.
٠ تفعيل الزكاة.
- أسلوب إدارة العمل:
١ ـ الانطلاق من الخطط:
فالنشاط عندما تحدد برامجه المنبثقة من الأهداف الأساسية، ويحدد زمن تنفيذها، والتكلفة المالية، والشخص المسؤول؛ يَنْظُمُ، ويسهل التنفيذ، ويقاس الأداء، ويستقيم التقويم.
٢ ـ تنظيم العمل:
العمل المؤسسي من أولوياته: خط سير الإنتاج بطريقة انسيابية؛ تُجَدَّدُ فيه الاجتماعات بشكل دوري لكل مجلس، ولجنة ومكان الاجتماع، وتُرْسَمُ جداول الأعمال من الأمين مسبقاً، وتُعَدُّ الأوراق المطروحة للنقاش قبل الاجتماع؛ ليتم استيعاب الأفكار؛ ويتخذ القرار بكل سهولة وعلمية محكمة، يدون خلالها الأمين القرارات، ويتابع بعد الاجتماع المتابعاتِ التي تم تكليف الأفراد بها.
٣ ـ الرئيس القائد:
فلكل عمل رجاله؛ فوجود الشخصيات التي تتمتع بالقيادة العائلية أمر ضروري، والتي من أهمها:
٠ الجوانب الشخصية في القيادة، كالتفكير السليم، والحكمة، وإدارة الأفراد، ونحوها.
٠ التفاؤل، فالعمل العائلي بحاجة كبيرة إلى المتفائلين؛ لأنه يتعامل مع شريحة متفاوتة التفكير والطبقات؛ لأن الأمر يعنيهم، فهو يعمل باسمهم؛ لذا ينبغي ألاَّ يتطرق له اليأس والإحباط.
٠ التحفيز المستمر للعمل والعاملين بأساليبه المختلفة.
٠ القَبُول في العائلة علمياً ووظيفياً، ومكانته في العائلة، ولباقته في التعامل والحديث.
٠ الوضوح والشفافية.
٠ العناية بالأفراد في العائلة عموماً، وحضور المناسبات الاجتماعية والعاملين خصوصاً.
٠ التطوير الذاتي المستمر.
مثال خطة اللجنة الثقافية:
وبالله التوفيق،،،،
стр. 5647
عبادتُ السِّر !!
فيصل بن علي البعداني
فإن حقيقة التدين تتمثل بمحبة الله ـ تعالى ـ وتعظيمه، ومخافته ورجائه، والتذلّل له، والخضوع التام لأمره واجتناب نهيه، قولاً وعملاً، خفية وعلناً.
فهو تسليم مطلق، وانقياد كامل، في الاعتقادات والأقوال والأعمال، برغبة جيّاشة، واختيار واعٍ، وتشرف وافتخار.
فالتدين حالة مركبة من المعرفة والشعور والسلوك، يكون غاية مطلوب العبد منها: الظفر برضا مولاه ، ونيل رحمته، والسلامة من غضبه.
وفي أجواء التدين ومجتمعات الدعاة تكون الصورة العامة المقبولة هي الالتزام والمحافظة الظاهرة التي من خرج عنها وُوجه باللوم والمذمّة، وهي ـ لا شك ـ حالة فضل وإنعام تحتاج إلى شكر لله ـ تعالى ـ من الفرد والمجتمع على توفيقه وتيسيره.
لكن المحكَّ العملي الذي تتجلى من خلاله حقيقة تلك الاستقامة العلنية يكون في عبادات السرّ المتضمنة لعبادات الخلوة والخفاء (١) ولعبادات القلب.
فأما عبادة القلب فهي أجلُّ عبادات السِّر وأعظمها، فالله لا يناله من عبده إلا التقوى، ولا ينظر إلى الصور والأموال وإنما إلى القلوب والأعمال، ولا ينفع عنده يوم تبلى السَّرائر مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، والإيمان ليس بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكن ما وقرَ في القلب وصدَّقه العمل، كما يشهد لذلك قوله #: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٢) .
وأما عبادات الخفاء وقُرَب السِّر المشتملة على تعظيم أمر الله ـ تعالى ـ ونهيه، والإكثار من مناجاته فهي عمل آخر جاءت النصوص والآثار مكثرة من الحثّ عليه، فمن ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨] ، أي: يخافونه ـ سبحانه ـ حال خلوتهم به بعيداً عن أعين الخلق (٣) ، وقوله : ﴿إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١] ، والآية الكريمة ظاهرة في تفضيل صدقة السِّر، والتي ثبت أنها تطفئ غضب الرب ـ سبحانه ـ (٤) ، وجاء من السبعة الذين يظلّهم الله ـ تعالى ـ يوم القيامة في ظلّه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه: «رجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» (٥) . وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله # يقول: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرُّ بالقرآن كالمسرِّ بالصدقة» ، قال الترمذي: «ومعنى هذا الحديث أن الذي يسرُّ بقراءة القرآن أفضلُ من الذي يجهر بقراءة القرآن؛ لأن صدقة السِّر أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية» (٦) .
وما ذاك إلا لما في قُرْبَة السِّرِّ ـ بعيداً عن رؤية الخلق ـ من عظم إيمانٍ، وكمال أدبٍ مع الله ـ تعالى ـ وتعظيمٍ له ـ سبحانه ـ، ولما فيها من حضور قلبٍ واجتماع هَمٍّ وابتعادٍ عن القواطع والمشتتات، وثقةٍ بالله ـ تعالى ـ، وأُنْسٍ به، واطمئنانٍ إليه، ومراقبةٍ له، ومخافةٍ منه، ومطالعة مِنَّتِه، وتطلعٍ للظفر بمحبته وثوابه، ولما فيها من تخليصٍ للنفس من الطمع بثناء الخلق وحب مدحهم وكراهية ذمّهم، وضمان سلامتها من بعض دسائس السوء من رياء وسمعة وتصنُّع، فهي أبلغ في التضرع والخشوع، وأمكن في التذلّل والخضوع.
ولذا؛ فقد جاء التوجيه النبوي الكريم بحثِّ العبد المؤمن على أن يكون له عبادة في السِّر، فعن الزبير بن العوام ﵁ مرفوعاً قال: «من استطاع منكم أن يكون له خِبءٌ من عملٍ صالحٍ فليفعل» (١) ، وكان الفضيل بن عياض يقول: (كان يقال: من أخلاق الأنبياء والأصفياء الأخيار الطاهرةِ قلوبهم خلائقُ ثلاثة: الحلم، والأناة، وحظٌّ من قيام الليل) (٢) ، ويحكي الخريبي عن السلف أنهم كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئةٌ من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها (٣) ، وقال مسلم بن يسار: (ما تلذّذ المتلذّذون بمثل الخلوة بمناجاة الله ) (٤) .
ومن تأمَّل سير السلف وجد اهتماماً بليغاً بعبادة القلب، التي هي روح العبودية ولبّها، بل هي الأصل وإنما أعمال الجوارح تبع ومكملة ومتممة لها (٥) ، فهذا الصحابي الجليل والإمام الجِهْبِذ ابن مسعود ﵁ يقول: «من صلى صلاة عند الناس لا يصلي مثلها إذا خلا، فهي استهانة استهان بها ربه» ، ثم تلا قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] (٦) ، وفي يوم قال ﵁ لأصحابه: «أنتم أكثر صلاة وأكثر جهاداً من أصحاب محمد #، وهم كانوا خيراً منكم، قالوا: ِبمَ ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة» (٧) .
ويقول وهب بن منبه: (يا بُنيّ أخلص طاعة الله بسريرة ناصحة يصدق الله فيها فعلك في العلانية،.. ولا تظنن أن العلانية هي أنجح من السَّريرة، فإن مَثَلَ العلانية مع السَّريرة كمَثَلِ ورق الشجر مع عِرْقها: العلانية ورقها، والسَّريرة عِرْقها. إن نُخِر العِرْق هلكت الشجرة كلها؛ ورقها وعودها، وإن صلحت صلحت الشجرة كلها؛ ثمرها وورقها، فلا يزال ما ظهر من الشجرة في خير ما كان عِرْقها مستخفياً لا يُرى منه شيء. كذلك الدين لا يزال صالحاً ما كان له سريرة صالحة يصدق الله بها علانيته، فإن العلانية تنفع مع السَّريرة الصالحة كما ينفع عِرْقَ الشجرة صلاحُ فرعها، وإن كان حياتها من قبل عِرْقها فإن فرعها زينتها وجمالها، وإن كانت السَّريرة هي ملاك الدين فإن العلانية معها تُزَيِّن الدين وتجمله إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاء ربه » (٨) ، وهذا الإمام أحمد يوصي ابن المديني قائلاً: (ألزم التقوى قلبك، وانصب الآخرة أمامك) (٩) ، فمراد الله ـ تعالى ـ ومطلوبه من عباده صلاح قلوبهم، والتي لا صلاح لها إلا بأن يستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه، ويمتلئ من ذلك (١٠) ، يقول ابن رجب: (فأفضل الناس من سلكَ طريق النبي # وخواصّ أصحابه في الاقتصاد في العبادة البدنية والاجتهاد في الأحوال القلبية؛ فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان) (١١) .
كما يجد المطالع لسيرهم عنايةً فائقة بعبادة السِّر وعمل الخفية، فعن محمد بن إسحاق قال: (كان ناسٌ من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل) (١) ، وعن زائدة: (أن منصور بن المعتمر مكث ستين سنة يقوم ليلها ويصوم نهارها، وكان يبكي، فتقول له أمه: يا بني! قتلت قتيلاً؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي. فإذا كان الصبح كحل عينيه، ودهن رأسه، وبرق شفتيه، وخرج إلى الناس) (٢) . وقال محمد بن واسع: (لقد أدركت رجالاً، كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بلَّ ما تحت خدّه من دموعه لا تشعر به امرأته. ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خدّه ولا يشعر به الذي إلى جانبه) (٣) ، وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله، ويخفي ذلك، فإذا كان عند الصبح رفع صوته، كأنه قام تلك الساعة (٤) ، والأمر أكثر من أن يحصر.
والمتأمل في واقع الدعاة ومحاضن التدين وبيئاته اليوم يلحظ مظاهر عدة تدل على تقصير في عبادة القلب، وضعف بيِّن في القيام بكثير من القربات في الخفاء، والتي يدّخرها صاحبها لوقوفه بين يدي ربه يوم تُبلى السرائر، مما وَرَّث هشاشة بيّنة في الاستقامة، وضعفاً جلياً في الجدِّية، وفتوراً ظاهراً في أخذ الكتاب بقوة تعلّماً وعملاً ودعوة، وهو أمر ما لم يشعر بخطره القائمون على الشأن الدعوي والتربوي - مؤسسات وأفراداً - ويولوه ما يستحق من أولوية في التصحيح والمعالجة، فإن أجيال الاستقامة القادمة ستكون أكثر بَهَتَانَاً وأشدّ ضعفاً.
وفي ظنِّي أن مسؤولية معالجة هذه الظاهرة تقع بدرجة أكبر على الفرد نفسه على اعتبار أن عبادة القلب وعمل السِّر هي بوّابة نجاته وطريق رفعته، فإن اعتنى بها وأصلح من حاله فيها ففي ذلك سعادته، وإن قصَّر بإلقاء نفسه في بحور الغفلة ودركات البطالة والشهوات فقد أساء إلى نفسه، والإنسان على نفسه بصيرة.
ولعلَّ من أبرز ما يعين العبد على الوصول إلى مقصوده في هذا الجانب: مراقبة من لا تخفى عليه خافية والسِّر عنده علانية، ومخافته ـ تعالى ـ والحياء منه، والتعرف على جلاله وعظمته ـ سبحانه ـ، وترك الاشتغال بما لا يعني من فضول الطعام والمنام والكلام والنظر والخلطة ونحوها، والزهد في متع الدنيا وملذّاتها وإيثار الآخرة على الدنيا، وخشية عدم قبول العمل، والشعور الدائم بالتقصير والزّلل في القيام بحق الباري ـ سبحانه ـ، والاهتمام بأعمال القلوب وعدم قصر العبد جهده على أعمال الجوارح، وتذكّر الموت والبلى، ومطالعة سيرة النبي #، والإكثار من القراءة في تراجم العلماء الربّانيين والعُبّاد الزاهدين، ومحاسبة النفس، وإدراك ثمار وفوائد قُرَب السِّر، وتنمية الحياء من النفس وجعله في رتبة أعلى من رتبة الحياء من الخلق، ومرافقة من تنفع مرافقته في الآخرة وتزيد صحبته المرء قرباً من الله ـ تعالى ـ، وتخصيص أوقات للخلوة بالله والأنس به والعيش في كنفه من اعتكاف وقيام ليل وخلوات للتفكر في ملكوت الله ـ سبحانه ـ والذكر والدعاء والقراءة ونحو ذلك (٥) .
فهيّا إخواني إلى بذل الوسع في إتيان قُرَب السِّر وتكميلها فإنها أقوات الروح، وليكن لأحدنا حظ من عبادة لا يعلم بها أحد إلا البَرُّ الرحيم، إذ السائر إليه ـ سبحانه ـ لا بد له (من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكّره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره) (٦) ، فعبادات الخفاء من أعظم أسباب الثبات التي تحول بين المرء وحالات الضعف والانتكاس، فالحذر الحذر من أن نتغافل عنها، فإن ثمارها عظيمة، والصوارف عنها كثيرة، وعلينا من الله عين ناظرة، والشاهد هو الحاكم، والموفَّق من هداه الله ـ تعالى ـ وأعانه.
اللهم ارزقنا خشيتك ومحبتك والقرب منك، والبصيرة في دينك، والمداومة على طاعتك، وعافِ نفوسنا بمنّتك، وأصلح حال أمتنا، وارزقها الرّفعة والتمكين على أيدينا، إنك على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 5648
لا تغضب
د. نايف بن أحمد الحمد
«الغضب عدو العقل، وهو له كالذئب للشاة قلَّما يتمكن منه إلا اغتاله» (١) ، والغضب من الصفات التي ندر أن يسلم منه أحد، بل تركه بالكلية صفة نقص لا كمال ـ كما سيأتي بيانه ـ «والغضب ينسي الحرمات، ويدفن الحسنات، ويخلق للبريء جنايات» (٢) وقد قيل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا (٣)
كما قيل:
وعين البغض تبرز كل عيب وعين الحب لا تجد العيوبا (٤)
ü تعريف الغضب:
عَرَّف الغضبَ جمعٌ من علماء اللغة وغيرهم، واختلفت العبارات، واتفقت الثمرة؛ فكلمة (الغضب) يدرك معناها الصغير والكبير بلا تكلف أو تعب؛ فتوضيح الواضحات ـ كما يقال ـ من الفاضحات، وقد يزيد غموضاً وإشكالاً. قال المناوي ـ رحمه الله تعالى ـ: «الغضب كيفية نفسانية وهو بديهي التصور» ا. هـ (٥) . ومع ذلك لا بد من ذكر شيء من ذلك:
قال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: «الغضب في اللغة: الشدة، ورجل غضوب أي شديد الخُلُق، والغضوب الحية الخبيثة؛ لشدتها، والغضبة: الدرقة من جلد البعير يطوى بعضها على بعض سميت بذلك لشدتها» ا. هـ (٦) .
وقيل في معناه: تغيُّر يحصل عند فوران دم القلب ليحصل عنه التشفي في الصدر (٧) .
وقيل: الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه.
ü أسباب الغضب:
بواعث الغضب، وأسبابه كثيرة جداً، والناس متفاوتون فيها؛ فمنهم مَن يَغضب لأمر تافه لا يُغضِب غيره؛ وهكذا؛ فمِن أسباب الغضب:
أولاً: العُجْب: فالعُجْب بالرأي والمكانة والنسب والمال سبب للعداوة؛ فالعجب قرين الكِبْر وملازم له. والكِبْر من كبائر الذنوب؛ فقد قال النبي ﵌: «لا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقال ذرة من كِبر» (٨) .
وجاء أن يحيى بن زكريا لقي عيسى بن مريم # فقال: أخبرني بما يُقرِّب من رضا الله، وما يُبعد من سخط الله! فقال: «لا تغضب!» . قال: الغضب ما يبدؤه وما يعيده؟ قال: «التعزز والحميَّة والكبرياء والعظمة» (٩) .
ثانياً: المِراء: قال عبد الله بن الحسين: (المراء رائد الغضب، فأخزى الله عقلاً يأتيك بالغضب) ا. هـ (١٠) . وللمِراء آفات كثيرة منها: الغضب؛ ولهذا فقد نهى الشارع عنه. قال النبي #: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً» (١) .
ثالثاً: المزاح:
إن المزاح بدؤه حلاوة
لكنما آخره عداوة
يحتد منه الرجل الشريف
ويجتري بسخفه السخيف (٢)
فتجد بعض المكثرين من المزاح يتجاوز الحد المشروع منه: إما بكلام لا فائدة منه، أو بفعل مؤذ قد ينتج عنه ضرر بالغ، ثم يزعم بعد ذلك أنه كان يمزح؛ لذا قال النبي #: «لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جاداً ولا لاعباً» (٣) .
وقال أبو هقان:
مازح صديقك ما أحب مزاحا
وتوقَّ منه في المزاح مزاحا
فلربما مزح الصديق بمزحة
كانت لباب عداوة مفتاحا
ذكر خالد بن صفوان المزاح فقال: يَصُكُّ أحدكم صاحبه بأشد من الجندل، ويُنشقه أحرق من الخردل، ويُفرغ عليه أحرَّ من المرجل، ثم يقول: إنما كنت أمازحك!
وقال عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله تعالى ـ: «إياك والمزاح؛ فإنه يجر القبيح، ويورث الضغينة» (٤) .
واحذر ممازحة تعود عداوة
إن المزاح على مقدمة الغضب
وقال ميمون بن مهران ـ رحمه الله تعالى ـ: «إذا كان المزاح أمام الكلام كان آخره اللطم والشتام» .
رابعاً: بذاءة اللسان وفحشه:
بشتم أو سب أو تعيير مما يوغل الصدور، ويثير الغضب، وقد قال النبي #: «إن الله يبغض الفاحش البذيء» (٥) .
ü أنواع الغضب:
الأول: الغضب المحمود: وهو ما كان لله ـ تعالى ـ عندما تنتهك محارمه، وهذا النوع ثمرة من ثمرات الإيمان؛ إذ إن الذي لا يغضب في هذا المحل ضعيف الإيمان.
قال ـ تعالى ـ عن موسى ـ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ بعد علمه باتخاذ قومه العجل: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
[الأعراف: ١٥٠]
أما غضب النبي ﵌ فلا يُعرف إلا أن تنتهك محارم الله ـ تعالى ـ فعن عائشة ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﵌ شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن يُنتهَك شيء من محارم الله فينتقم لله (٦) .
ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «خرج رسول الله ﵌ على أصحابه وهم يختصمون في القدر؛ فكأنما يُفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: «بهذا أمرتم؟ أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض؛ بهذا هلكت الأمم قبلكم» فقال عبد الله بن عمرو: ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله ﵌ ما غبطت نفسي بذلك المجلس وتخلفي عنه» (٧) . وما أكثر ما تنتهك محارم الله ـ تعالى ـ في هذا الزمان علناً وسراً؛ فكثير من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لا همَّ لها سوى نشر الرذيلة، ومحاربة الفضيلة، وإشاعة الفاحشة، وبث الشبهات، وتزيين المنكر، وإنكار المعروف، والاستهزاء بالدين وشعائره؛ فهذا كله مما يوجب الغضب لله ـ تعالى ـ وهو من الغضب المحمود، وعلامة على قوة الإيمان، وهو ثمرة لحفظ الأوطان، وسلامة الأبدان، وتظهر ثمرة الغضب هنا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والرد على الشبهات. أما السكوت المطبق مع القدرة على التغيير فسبب للهلاك؛ فعن زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﵌ استيقظ من نومه وهو يقول: «لا إله إلا الله؛ ويل للعرب من شر قد اقترب! فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» ـ وحلَّق بأصبعه وبالتي تليها ـ قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم! إذا كثر الخبث» (٨) .
وكذلك من الغضب المحمود: الغضب لما يحدث للمسلمين من سفك للدماء، وانتهاك للأعراض، واستباحة للأموال، وتدمير للبلدان بلا حق.
الثاني: الغضب المذموم:
وهو ما كان في سبيل الباطل والشيطان كالحميَّة الجاهلية، والغضب بسبب تطبيق الأحكام الشرعية وانتشار حِلَق تحفيظ القرآن الكريم، ومعاداة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بسبب محاربتهم للرذيلة، وكذا الدفاع عن المنكرات كالتبرج والسفور، وسفر المرأة بلا محرم، ويظهر ذلك جلياً في كتابة بعض كُتَّاب الصحف، فتجد أحدهم يغضب بسبب ذلك، ولا همَّ له سوى مسايرة العصر، سواء وافق الشرع المطهر أو خالفه؛ فالحق عندهم ما وافق هواهم، والباطل ما حدَّ من مبتغاهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ #^٤٦^#) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ #^٤٧^#) وَإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ #^٤٨^#) وَإن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ #^٤٩^#) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ #^٥٠^#) إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ #^٥١^#) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٤٦ - ٥٢] .
الثالث: الغضب المباح:
وهو الغضب في غير معصية الله ـ تعالى ـ دون أن يتجاوز حدَّه كأن يجهل عليه أحد، وكظمه هنا خير وأبقى. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . ومما يُذكر هنا أن جارية لعلي بن الحسين جعلت تسكب عليه الماء، فتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه، فرفع علي بن الحسين رأسه إليها، فقالت الجارية: إن الله يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ فقال لها: قد كظمت غيظي. قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فقال لها: قد عفا الله عنك. قالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: اذهبي فأنت حرة (١) .
وقال نوح بن حبيب: كنت عند ابن المبارك فألحوا عليه، فقال: هاتوا كتبكم حتى أقرأ. فجعلوا يرمون إليه الكتب من قريب ومن بعيد، وكان رجل من أهل الري يسمع كتاب الاستئذان، فرمى بكتابه فأصاب صلعةَ ابن المبارك حرفُ كتابه فانشق، وسال الدم، فجعل ابن المبارك يعالج الدم حتى سكن، ثم قال: سبحان الله! كاد أن يكون قتال، ثم بدأ بكتاب الرجل فقرأه (٢) .
ü علاج الغضب:
«ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء» (٣) . ومن الأدوية لعلاج داء الغضب:
أولا: الاستعاذة بالله من الشيطان:
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] .
عن سليمان بن صرد ﵁ قال: كنت جالساً مع النبي ﵌ ورجلان يستبان؛ فأحدهما احمرَّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي ﵌: «إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد؛ لو قال: أعوذ بالله من الشيطان؛ ذهب عنه ما يجد» فقالوا له: إن النبي ﵌ قال: «تعوَّذْ بالله من الشيطان» فقال: وهل بي جنون؟ (٤) . قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة، وأعظم ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته» ا. هـ (٥) .
ثانياً: تغيير الحال:
عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس؛ فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» (٦) .
ثالثاً: ترك المخاصمة والسكوت:
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ: «ومن الأمور النافعة أن تعلم أن أذية الناس لك وخصوصاً في الأقوال السيئة لا تضرك بل تضرهم؛ إلا إن أشغلت نفسك في الاهتمام بها، وسوغت لها أن تملك مشاعرك؛ فعند ذلك تضرك كما ضرتهم؛ فإن أنت لم تصنع لها بالاً، لم تضرك شيئاً» (٧) .
يخاطبني السفيه بكل قبح
فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة وأزيد حلماً
كعود زاده الإحراق طيبا
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﵌ أنه قال: «علِّموا وبشِّروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت» (١) . قال ابن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ: «وهذا أيضاً دواء عظيم للغضب؛ لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيراً، من السباب وغيره مما يعظم ضرره، فإذا سكت زال هذا الشر كله عنده، وما أحسن قول مورق العجلي ﵀: ما امتلأتُ غضباً قط ولا تكلمتُ في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت» ا. هـ (٢) .
قال سالم بن ميمون الخواص:
إذا نطق السفيه فلا تجبه
فخيرٌ من إجابته السكوتُ
سكتُّ عن السفيه فظن أني
عييتُ عن الجواب وما عييتُ
شرار الناس لو كانوا جميعاً
قذى في جوف عيني ما قذيتُ
فلستُ مجاوباً أبداً سفيهاً
خزيتُ لمن يجافيه خزيتُ (٣)
رابعاً: الوضوء:
عن عطية السعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «إن الغضب من الشيطان؛ وإن الشيطان خُلِقَ من النار، وإنما تُطْفَأ النار بالماء؛ فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» (٤) .
وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم؛ أما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض» (٥) .
خامساً: استحضار الأجر العظيم لكظم الغيظ:
فمن استحضر الثواب الكبير الذي أعده الله ـ تعالى ـ لمن كتم غيظه وغضبه كان سبباً في ترك الغضب والانتقام للذات. وبتتبع بعض الأدلة من الكتاب والسنة نجد جملة من الفضائل لمن ترك الغضب منها:
١ ـ الظفر بمحبة الله ـ تعالى ـ والفوز بما عنده: قال ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الدين.
وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ #^٣٦^#) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ .
[الشورى: ٣٦ - ٣٧]
٢ ـ ترك الغضب سبب لدخول الجنة:
عن أبي الدرداء ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة. قال: «لا تغضب! ولك الجنة» (٦) .
٣ ـ المباهاة به على رؤوس الخلائق:
عن أنس ﵁ أن النبي ﵌ قال: «مَن كظم غيظاً وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيِّره في أي الحور شاء» (٧) .
٤ ـ النجاة من غضب الله تعالى:
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قلت: يا رسول الله! ما يمنعني من غضب الله؟ قال «لا تغضب» (٨) . فالجزاء من جنس العمل، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله ـ تعالى ـ خيراً منه.
وقال أبو مسعود البدري ﵁: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط فسمعت صوتاً من خلفي: «اعلم أبا مسعود!» فلم أفهم الصوت من الغضب. قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﵌ فإذا هو يقول: «اعلم أبا مسعود! اعلم أبا مسعود!» قال: فألقيت السوط من يدي. فقال: «اعلم أبا مسعود! أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً (٩) .
٥ ـ زيادة الإيمان:
قال النبي ﵌: «وما من جرعة أحب إليَّ من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيماناً» (١٠) .
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: «ما من جرعة أعظم أجراً عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله» (١) .
قال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى-: «ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حِلْم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة؛ وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم، وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم، والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن، ولهذا يحمرُّ الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة، ويصفرُّ عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز» ا. هـ (٢) .
سادساً: الإكثار من ذكر الله تعالى:
قال ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فمن اطمأن قلبه بذكر الله ـ تعالى ـ كان أبعد ما يكون عن الغضب. قال عكرمة ـ رحمه الله تعالى ـ في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] : «إذا غضبت» (٣) .
سابعاً: العمل بوصية رسول الله ﵌:
عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﵌: أوصني! قال: «لا تغضب!» فردد مراراً قال «لا تغضب!» (٤) . وهنيئاً لمن امتثل هذه الوصية وعمل بها، ولا شك أنها وصية جامعة مانعة لجميع المسلمين. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ: «هذا الرجل ظن أنها وصية بأمر جزئي، وهو يريد أن يوصيه النبي ﵌ بكلام كلي، ولهذا ردد. فلما أعاد عليه النبي ﵌ عرف أن هذا كلام جامع، وهو كذلك؛ فإن قوله: «لا تغضب» يتضمن أمرين عظيمين: أحدهما: الأمر بفعل الأسباب والتمرن على حسن الخلق والحلم والصبر، وتوطين النفس على ما يصيب الإنسان من الخلق، من الأذى القولي والفعلي؛ فإذا وفق لها العبد، وورد عليه وارد الغضب، احتمله بحسن خلقه، وتلقَّاه بحلمه وصبره، ومعرفته بحسن عواقبه؛ فإن الأمر بالشيء أمر به، وبما لا يتم إلا به، والنهي عن الشيء أمر بضده، وأمر بفعل الأسباب التي تعين العبد على اجتناب المنهي عنه، وهذا منه. الثاني: الأمر ـ بعد الغضب ـ أن لا ينفذ غضبه: فإن الغضب غالباً لا يتمكن الإنسان من دفعه ورده، ولكنه يتمكن من عدم تنفيذه. فعليه إذا غضب أن يمنع نفسه من الأقوال والأفعال المحرمة التي يقتضيها الغضب. فمتى منع نفسه من فعل آثار الغضب الضارة، فكأنه في الحقيقة لم يغضب. وبهذا يكون العبد كامل القوة العقلية، والقوة القلبية» ا. هـ (٥) .
قال ميمون بن مهران: جاء رجل إلى سلمان ﵁ فقال: يا أبا عبد الله! أوصني! قال: «لا تغضب!» . قال: أمرتني أن لا أغضب، وإنه ليغشاني ما لا أملك. قال: فإن غضبت فاملك لسانك ويدك (٦) .
ثامناً: النظر في نتائج الغضب:
فكثير الغضب تجده مصاباً بأمراض كثيرة كالسكري والضغط والقولون العصبي وغيرها مما يعرفها أهل الاختصاص، كما أنه بسببه تصدر من الغاضب تصرفات قولية أو فعلية يندم عليها بعد ذهاب الغضب. روي عن علي ﵁ أنه قال: «لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي يلحقها ذم الندم» (٧) . وقيل: من أطاع الغضب أضاع الأرب.
وقال الكريزي:
ولم أرَ في الأعداء حين اختبرتهم
عدواً لعقل المرء أعدى من الغضب (٨)
وكثيراً ما نسمع أن والداً قتل ولده، أو ولداً قتل والده فضلاً عن غيرهم بسبب الغضب، وكم ضاع من خير وأجر وفضل بسبب الغضب، وكم حلت من مصيبة ودمار وهلاك بسبب الغضب، وبسبب ساعة غضب قطعت الأرحام، ووقع الطلاق، وتهاجر الجيران، وتعادى الإخوان. عن وائل ﵁ قال: «إني لقاعد مع النبي ﵌ إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال: يا رسول الله! هذا قتل أخي. فقال رسول الله ﵌: «أقتلته» ؟ فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة. قال: نعم قتلته! قال: «كيف قتلته» ؟ قال: كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته» (٩) .
قال مروان بن الحكم في وصيته لابنه عبد العزيز: «إن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفئ الجمرة؛ فإن أول من جعل السجن كان حليماً ذا أناة» ا. هـ (١) .
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح، أَوْثِقْ غضبك بسلسلة الحلم؛ فإنه كلب إن أفلت أتلف» ا. هـ (٢) .
تاسعاً: أن تعلم أن القوة في كظم الغيظ ورده:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «ليس الشديد بالصُّرَعة؛ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٣) ، قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «أي مالك نفسه أوْلى أن يسمى شديداً من الذي يصرع الرجال» ا. هـ (٤) .
وقال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: «ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح؛ فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد» ا. هـ (٥) .
ليست الأحلام في حال الرضا
إنما الأحلام في حال الغضب
وعن أنس ﵁ أن النبي ﵌ مر بقوم يصطرعون فقال: «ما هذا» ؟ فقالوا: يا رسول الله! فلان ما يصارع أحداً إلا صرعه. فقال رسول الله ﵌: «أفلا أدلكم على مَن هو أشد منه: رجل ظلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه» (٦) .
ألا إن حلم المرء أكرم نسبة
تسامى بها عند الفخار حليم
فيا ربِّ هب لي منك حلماً فإنني
أرى الحلم لم يندم عليه كريم
قال المسترشد بالله في وصيته لقاضيه علي بن الحسين الزينبي «أن يجعل التواضع والوقار شيمته، والحلم دأبه وخليقته، فيكظم غيظه عند احتدام أُواره واضطرام ناره مجتنباً عزة الغضب الصائرة إلى ذلة الاعتذار» ا. هـ (٧) .
عاشراً: قبول النصيحة والعمل بها:
فعلى من شاهد غاضباً أن ينصحه، ويذكِّره فضل الحلم، وكتم الغيظ، وعلى المنصوح قبولُ ذلك. قال ابن عباس ﵄: استأذن الحر بن قيس لعيينة فأذن له عمر؛ فلما دخل عليه قال: هِي! يا ابن الخطاب! فوالله ما تعطينا الجزْل (أي العطاء الكثير) ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ به. فقال له الحر: يا أمير المؤمنين! إن الله ـ تعالى ـ قال لنبيه ﵌: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين؛ واللهِ ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله (٨) .
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «وهكذا الغضبان فإنه إذا اشتد به الغضب يألم بحمله فيقول ما يقول، ويفعل ما يفعل؛ ليدفع عن نفسه حرارة الغضب فيستريح بذلك، وكذلك يلطم وجهه، ويصيح صياحاً قوياً، ويشق ثيابه، ويلقي ما في يده؛ دفعاً لألم الغضب، وإلقاء لحمه منه، وكذلك يدعو على نفسه وأحب الناس إليه؛ فهو يتكلم بصيغة الطلب والاستدعاء والدعاء، وهو غير طالب لذلك في الحقيقة؛ فكذلك يتكلم بصيغة الإنشاء وهو غير قاصد لمعناها، ولهذا يأمر الملوك وغيرهم عند الغضب بأمور يعلم خواصهم أنهم تكلموا بها دفعاً لحرارة الغضب وأنهم لا يريدون مقتضاها فلا يمتثله خواصهم، بل يؤخرونه فيحمدونهم على ذلك إذا سكن غضبهم، وكذلك الرجل وقت شدة الغضب يقوم ليبطش بولده أو صديقه، فيحول غيره بينه وبين ذلك فيحمدهم بعد ذلك كما يحمد السكران والمحموم ونحوهما من يحول بينه وبين ما يهم بفعله في تلك الحالة» ا. هـ (٩) .
والحلم آفته الجهل المضرُّ به
والعقل آفته الإعجاب والغضبُ
الحادي عشر: أخذ الدروس من الغضب السابق:
فلو استحضر كل واحد منا قبل أن يُنفذ غضبه الحاضر ثمرةَ غضبٍ سابقٍ ندم عليه بعد إنفاذه لما أقدم على ما تمليه عليه نفسه الأمارة بالسوء مرة ثانية، فمنع الغضب أسهل من إصلاح ما يفسده. قال ابن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ: «سرعة الغضب من شيم الحمقى كما أن مجانبته من زي العقلاء، والغضب بذر الندم؛ فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقدر على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب» ا. هـ (١) .
الثاني عشر: اجتناب وإزالة أسباب الغضب: وقد ذكرت جملة منها:
قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ: «ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم: السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم، وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور، وذلك بنسيان ما مضى من المكاره التي لا يمكنه ردُّها، ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث والمحال، وأن ذلك حمق وجنون» ا. هـ (٢) .
الثالث عشر: معرفة أن المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة؛ فتركه إغلاق لباب من أبواب العصيان:
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة، وكان نهاية قوة الغضب القتل، ونهاية قوة الشهوة الزنى جمع الله ـ تعالى ـ بين القتل والزنى، وجعلهما قرينين في سورة الأنعام، وسورة الإسراء، وسورة الفرقان، وسورة الممتحنة، والمقصود أنه ـ سبحانه ـ أرشد عباده إلى ما يدفعون به شر قوتي الغضب والشهوة من الصلاة والاستعاذة» ا. هـ (٣) .
الرابع عشر: قال ابن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ: «لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب» ا. هـ (٤) ؛ لذا فقد قال النبي ﵌: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» (٥) . قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «إن الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال وهي ثلاثة أوجه في مذهب أحمد: أحدها: لا يصح ولا ينفذ؛ لأن النهي يقتضي الفساد. والثاني: ينفذ. والثالث: إن عرض له الغضب بعد فهم الحكم نفذ حكمه، وإن عرض له قبل ذلك لم ينفذ» ا. هـ (٦) وقال معللاً المنع: «إنما كان ذلك؛ لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد» ا. هـ (٧) . لهذا كان من وصية أمير المؤمنين عمر لأبي موسى الأشعري ﵄ في القضاء: «وإياك والغضب والقلق والضجر» (٨) .
ü صور من هدي السلف عند الغضب:
سب رجلٌ ابنَ عباس ﵄ فلما فرغ قال: يا عكرمُ! هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى (٩) .
وقال أبو ذر ﵁ لغلامه: لِمَ أرسلتَ الشاةَ على علف الفرس؟ قال: أردت أن أغيظك. قال: لأجمعن مع الغيظ أجراً: أنت حر لوجه الله تعالى (١٠) .
وأسمعَ رجلٌ أبا الدرداء ﵁ كلاماً، فقال: يا هذا! لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعاً؛ فإنَّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
قال الأحنف بن قيس ـ رحمه الله تعالى ـ لابنه: يا بنيَّ! إذا أردت أن تواخي رجلاً فأغضبه؛ فإن أنصفك وإلا فاحذره (١١) .
وأختم بما رواه عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر ﵁ صلاة فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أما على ذلك؛ فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله ﵌. فلما قام تبعه رجل من القوم هو أُبَيٌّ غيرَ أنه كنى عن نفسه، فسأله عن الدعاء، ثم جاء فأخبر به القوم: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمتَ الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمتَ الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين» (١٢) .
والله ـ تعالى ـ أعلم، وصلى الله وسلم وزاد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5649
إلى متى نربي ؟
محمد بن عبد الله الدويش
ارتبطت التربية بالعمل الدعوي ارتباطاً وثيقاً، واحتلت مساحة واسعة في أدبيات الصحوة الإسلامية المعاصرة؛ مما جعل الملف التربوي أحد الملفات الساخنة فكرياً؛ وبالأخص حين تناقش مناهج التغيير والإصلاح.
وكان السؤال (إلى متى نربي) ؟ يثار بين وقت لآخر لفظاً أو معنى، وستبقى هذه الأسئلة مثار جدل تتسع دائرته أو تضيق، ومن الوهم أن نفترض أننا سنقضي على هذه التساؤلات من خلال إجابات قاطعة؛ فعوامل إثارتها لا تزال وستبقى قائمة.
وأحسب أن ما يمكن تقديمه حول هذه التساؤلات هو: مزيد من التحليل والنقاش لظروفها وعوامل إثارتها.
ارتبط هذا التساؤل من خلال نظرة نمطية للتربية في العمل الدعوي، وهي تلك التي تفترض أن العمل التربوي في المجال الدعوي هو: ذلك النموذج المحدود الذي يرعى فئة من المستجيبين للدعوة وفق برامج وآليات محددة، ومن ثم فالتغيير في المجتمع سيتم من خلال اتساع هذه الأعداد إلى أن تستوعب الواقع وتحدياته.
ولئن حقق هذا النموذج التربوي قدراً من النجاح في تربية فئات من الشباب على التدين، وفي إعداد عناصر دعوية؛ فليس بالضرورة هو الجهد التربوي الوحيد، فلِلتربية معنى أوسع من اختزالها في هذا المجال وحده.
كما ارتبط هذا التساؤل من خلال افتراض العمل التربوي بنموذجه السابق بديلاً للخيارات الإصلاحية الأخرى، والمراهنة على نجاحه وحده في إحداث التغيير.
ومن هنا تبدو النجاحات في سائر المجالات مرجحة لكفة من يثير هذا التساؤل.
كما ارتبط هذا التساؤل بقراءة نتائج العمل الدعوي في الواقع، ومقارنتها بما يفعله التيار المضاد من جهد في التغريب، ولا شك أن هذه القراءة ستقود البعض على الأقل إلى الاقتناع بهذا التساؤل.
لكن:
| حين نفهم الإصلاح التربوي الدعوي بمفهوم أوسع لا يمثل النموذج الذي يثار حوله الجدل إلا أحد مفرداته وممارساته.
| وحين يبقى الخيار التربوي أحد الخيارات التي ينبغي أن تسير جنباً إلى جنب مع المسارات الأخرى في الإصلاح والتغيير.
| وحين تتحول الاختلافات والرؤى حول برامج الإصلاح إلى اختلاف تنوع لا تضاد وصراع.
حين يتحقق ذلك يمكن أن نستوعب إجابة أرحب عن هذا التساؤل.
إن التطرف في إثارة هذا السؤال، أو التطرف في الجانب الآخر يقود إلى نتائج متطرفة.
فالنموذج الأول من التطرف يقود إلى: تهميش مشروعات البناء الحيوية، وإلى التقليل من شأن الأعمال بعيدة المدى، والمراهنة على النتائج السريعة وحدها، وليس العنف غير المشروع إلا أحد هذه الخيارات.
والنموذج الثاني من التطرف يقود إلى: جمود، وعقلية انكفاء على الذات، وإغراق في رسم صورة مثالية لخيار التغيير.
стр. 5650
شباب الصحوة بين العطاء والفتور
إعداد: خباب بن مروان الحمد
غير أنَّ هذا العطاء قد يتعرَّضُ أحياناًً إلى مدٍّ وجزر، كما هي طبيعة النفس الإنسانيَّة، أو يشوبه شيء من التعكير لصفائه، ممَّا يحدث إشكالية في واقع الدعوة والعمل الإسلامي.
وفي هذا التحقيق نتناول عرضاً وتحليلاً لدور الشباب في نشر الصحوة الإسلاميَّة، والبواعث المحرِّكة لجهود الشباب في المسيرة الدعويَّة المعاصرة، يليه أسباب إخفاق الشباب في تحقيق أهدافهم المنشودة لخدمة الأمَّة الإسلاميَّة، كما يلقي الضوء على ما يَعْتَوِرُ الدعوة من فتور يؤدِّي إلى انتكاس الشباب عن لزوم الجادَّة، وكيف يتمُّ التخفيف من تلك الآثار الناتجة عن الفتور، إلى غير ذلك من المحاور التي أحسب أنَّها أمسكت بزمام القضيَّة وأجابت عنها.
وقد شاركنا في بحث تلك المحاور نخبة من الدعاة والمصلحين، المنتظمين في سلك الدعوة الإسلاميَّة، من بعض الأقطار الإسلاميَّة، والذين كان لهم دور رائد في الدعوة إلى الله، ومشاركة فعَّالة في توجيه الحشود، ومخاطبة الجماهير.
نرجو من الله أن يجد القارئ لهذا التحقيق النفع والفائدة، والله من وراء القصد، هو حسبنا ونعم الوكيل.
ü المشايخ الدعاة المشاركون في التحقيق حسب الترتيب الهجائي:
١ ـ الشيخ: سعد الغنَّام ـ السعودية.
٢ ـ الشيخ: عبد العزيز الجليِّل ـ السعودية.
٣ ـ الدكتور: عدنان النحوي ـ فلسطين.
٤ ـ الدكتور: علاء الدين الزاكي ـ السودان.
٥ ـ الدكتور: علي مقبول الأهدل ـ اليمن.
٦ ـ الشيخ: محمد حسين يعقوب ـ مصر.
٧ ـ الشيخ: محمد الدويش ـ السعودية.
٨ ـ الدكتور: محمد يسري ـ مصر.
٩ ـ الشيخ: مدَّثر إسماعيل ـ السودان.
١٠ ـ الشيخ: مصطفى العدوي ـ مصر.
١١ ـ الشيخ: هيثم الحدَّاد ـ فلسطين.
ü ما مظاهر دور الشباب في نشر الصحوة الإسلامية لتكون فاعلة ومؤثرة؟
يفتتح الشيخ «محمد الدويش» الحديث حول هذه المظاهر قائلاً: يمكن أن تتمثل مظاهر ذلك الدور في مجالين رئيسين، هما:
المجال الأول: العطاء في محيطهم وواقعهم في المدارس والجامعات والأحياء.
المجال الثاني: إعداد النفس وبناؤها للمستقبل ليتأهلوا للعطاء الأفضل.
ويلفت الشيخ «مدَّثر إسماعيل» في إجابته النظر لمنحى آخر من مظاهر نشر الصحوة من قِبَلِ الشباب بقوله: شهد العقدان الماضيان صحوةً مباركةً بدأت بظهور قيادات علمية شرعية التفَّ حولها الشباب في المقام الأول وتبعهم بقية الشرائح. وكان لالتفاف الشباب حول تلك القيادات أثر كبير، حيث قاموا بلفت أنظار المجتمع بوسائل مختلفة بأن للأمة مرجعيات وقيادات شرعية تتمثل في العالم الفلاني والداعية الفلاني.
ويكمل الشيخ «مدَّثر» كلامه مبيناً أبرز تلك المظاهر بقوله: ومن أبرز ما قام به الشباب اجتهادهم لإبراز جهود العلماء عن طريق نسخ الدروس المسجلة ومن ثَم عرضها عليهم، وحثّ المحسنين والتجار على تبنّي طبعها خيرياً، فكانت جهوداً مباركة، ثم ظهرت التسجيلات الإسلامية وظهر على إثرها وبقوة نشر الشريط الإسلامي، فذاع صيت كثيرٍ من العلماء والدعاة وطلبة العلم.
وأضاف الشيخ «مدَّثر» أن أعظم ثمرة جنتها هذه الصحوة هي ربط جلّ قطاعات الأمة بعلمائها ودعاتها، حتى إذا اشتد عود هؤلاء الشباب ونضجوا فكرياً وإدارياً واجتماعياً استحدثت برامج دعوية وخطط جيدة تمثلت في إنشاء مندوبيات الدعوة، فدعوة الجاليات وقبلها مراكز التحفيظ والمراكز الصيفية.
وتابع حديثه بقوله: وقد أدرك قادة الصحوة أن شبابها بحاجة إلى نمط جديد من التفاعل يتعدى حضور المحاضرات ونسخ أشرطتها وطبع النشرات وتوزيعها، إلى الجلوس في مجالس العلم والتربية، فكانت سلاسل الدورات الشرعية، وبحمد الله قد عمَّت البركة تلك الأعمال والبرامج، وأثمرت تلك الجهود شرائح من الشباب الواعي توجّه إلى المؤسسات الرسمية للدولة والتحق بسلكها الوظيفي في شتى المجالات، ومن أبرزها: مجال التعليم. والمؤسسات العدلية حينما دخلها شباب الصحوة فتح الله على أيديهم أبواباً للخير.
ويضيف الدكتور «علاء الزاكي» بأنَّ الشباب المسلم يضطلع بدور بارز ومؤثر في الصحوة وبخاصة أنهم وقودها وشعلة فتيلها، وأبرز المظاهر الدَّعويَّة للشباب:
أـ تحريك الجمعيات العلمية في الجامعات حتى أصبحت ظاهرة بادية للعيان.
ب ـ إقامة أسابيع للمحاضرات بمساجد الأحياء الداخلية التي كان لها الدور في نشر الوعي في المجتمع عامة ووسط الشباب بصفة خاصة.
ج ـ إدارة المنظمات العاملة في حقل الدعوة إلى الله تعالى، وإعداد الدورات العلمية الدعوية.
د ـ العمل وسط الشباب بوسائل فعالة ومؤثرة كالنشرات والملصقات وغيرها.
وننتقل إلى ما طرحه الشيخ «العدوي» حول جهود الشباب في نشر الصحوة الإسلاميَّة حيث يقول فضيلته: ومن الشباب من تكون وجهتم خيرية، فتراهم يطعمون الطعام، ويجمعون الأموال من الأغنياء ويوزعونها على الفقراء، ويتفقدون أحوال الفقراء في القرى والأحياء، ويذهبون لأهل الخير يدلونهم على ذلك، ويرسلون للمحتاجين المعونات، وإذا دخل علينا رمضان فترى طائفة كثيرة تسعى لإفطار الصوّام وجمع الأطعمة والملابس من أهل الثراء والفضل للفقراء والمساكين.
وحتى بالنسبة لما نراه الآن من الجهاد في سبيل الله في شتى الأمصار كان للشباب فيه دور كبير في الدفاع عن بلاد الإسلام بغضِّ النظر عن الخلل الذي وقع من بعض الشباب في بعض البلاد من تَنَكُّب الطريق السليم أحياناً؛ ومن عدم تقدير المصالح والمفاسد أحياناً؛ إلا أنهم ـ أيضاً ـ في الوقت ذاته لهم دور بارز وناجح جداً في كل بقاع العالم في النواحي الإنقاذية والإغاثية؛ ولله الحمد.
وعن دور الشباب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقول فضيلته: يذهب الشباب إلى العلماء كبار السّنّ؛ حيث يصيب بعض العلماء أحياناً تكاسل، فترى الشاب حاراً متوقداً يزكي في أولئك العلماء روح البحث العلمي وروح الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويختزل الشيخ «العدوي» حديثه حول هذه الفقرة قائلاً: وعلى العموم فللشباب المسلم أثر بالغ في عموم أعمال البر؛ فلا تكاد ترى عملاً من أعمال البرّ، إلا ولهم دور مؤثر فيه؛ ولله الحمد.
ü البواعث المحرّكة لجهود الشباب في المسيرة الدعوية المعاصرة:
حين سألت الشيخ «محمد الدويش» حول الباعث الرئيس المحرّك لهذا الجهد؛ أجاب بقوله: الباعث هو الشعور بالمسؤولية الدعوية. وقال متابعاً كلامه: ومما يغذي هذا الشعور النبيل:
١ ـ وجود مجالات عمل مقنعة وملائمة.
٢ ـ وجود نتائج إيجابية مشجعة.
٣ ـ وجود الدعم والتأييد من القيادات العلمية والدعوية.
وحول ذلك يقول الشيخ «مدَّثر إسماعيل» : كان وراء ذلك الجهد والنشاط الإيجابي لشباب الصحوة بواعث، منها:
١ - وحدة الجهة والمرجعيَّة التي يتلقون منها؛ فكبار الشيوخ كانوا هم المرجعيات عند أيّ ظرف أو نازلة.
٢ - سهولة الاتصال والتلقي من أولئك المشايخ.
٣ - التفاعل مع قضية محددة والتركيز عليها دون إغفال بقية القضايا، حيث ينصبّ عطاؤهم الأكبر وهمّهم الأجلّ على تلك القضية حتى يحققوا المراد.
بينما يتحدَّث الدكتور «عدنان النحوي» من منطلق آخر فيقول: جهد الشباب الإيجابي في المسيرة الدعوية المعاصرة، لا تكون بواعثه إلا باكتمال ثلاثة أشياء:
١ ـ صفاء الإيمان.
٢ ـ صدق العلم بمنهاج الله.
٣ ـ وضوح الدرب والأهداف أمامهم، ولذلك يختلف الجهد في واقعنا اليوم بين جهد إيجابي ملتزم بذلك وجهد سلبيّ متفلّت أو مضطرب.
ومن جهته تحدث الشيخ «محمد حسين يعقوب» عن الدوافع والبواعث المحركة لجهود الشباب، فقال: أولها: السّأم من الضجيج الفارغ، وثانيها: الإحساس بالضياع؛ لذلك أقول: إن انتقال هؤلاء الشباب للمنهج الإسلامي الصحيح؛ لأن هناك مناهج أخرى معروضة عليه ولكنه شعر أن هذه المناهج لا تنقله النقلة القوية.
ويعطينا الشيخ «العدوي» إزاء حديثه عن الدوافع بُعداً آخر فيقول: البواعث المحركة للشباب على المسيرة الدعوية تتمثل في تذكيرهم بالله واليوم الآخر بثواب ما يصنعون؛ وهذا يشجعهم على البذل والعطاء. ويضيف مستدلاَّ على ذلك: ولا يخفى علينا أن صحابياً جليلاً هو عمير بن الحمام ﵁ لما ذُكِّرَ بجنة عرضها السموات والأرض، قال: بخٍ بخٍ! إنها والله لحياة طويلة إن عشت حتى آكل هذه التمرات.. فألقى التمرات وتقدم لجهاد الأعداء قاتلهم حتى قُتل.
أمَّا الشيخ «علاء الزاكي» فيذكر أنَّ البواعث المحركة للشباب في المسيرة الدعوية المعاصرة عدَّة أمور، منها:
١ ـ القناعات التي توفرت لكثير من الشباب بضرورة العمل للإسلام.
٢ ـ ظهور بعض الأفكار المناهضة للإسلام ممَّا ولَّد الغيرة على الدين عند الشباب.
وحين ننقل وجهتنا لإجابة الدكتور «محمد يسري» عن البواعث المحرِّكة يقول: حين نتحدث عن البواعث يجب أن نذكر:
أولاً: ما يلقيه الله من الهدى؛ فالله هو الهادي والموفِّق الذي أخذ بأيدينا وأيديهم إلى طريقه، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١] ، وهذا يدل على أن الإسلام هو قَدَر هؤلاء الشباب.
ثانياً: الغيرة التي تتّقد في قلوب الشباب على دينهم وما يقدمونه من تضحيات على حساب أنفسهم وأموالهم وأحبابهم.
ثالثاً: ما يتلقاه الشباب من دعاتهم وعلمائهم ومربّيهم من هذا البناء العلمي والتربوي والفكري الذي يعمل على إنهاض الشباب في مواجهة التحديات المختلفة التي يواجهها في هذا المجال سواء كان ذلك في المجال العلمي أو الدعوي أو التربوي.
رابعاً: الانتصارات وبوارق الأمل التي تظهر في زمن الانكسار أيضاً من البواعث التي تبعث الشباب على أن يبذل ما في وسعه، ولو كان في ذلك انتصارات جزئية أو في مجالات محدودة إلا أنها تبعث على استمرار التحرك للدين.
خامساً: معرفة فضل التمسك بهذا الدين وأن التمسك به في زمان غربته له فضل عند الله عظيم، وفضل الدعوة إلى الله في زمن الغربة لا تخفى قيمته، كما قال الرسول #: «فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس، أو الذين يصلحون عند فساد الناس» ، فهذه المعاني هي التي تتّقد في قلوب الشباب فتدفعهم للبذل في الدين وممارسة الدعوة إلى الله على بصيرة.
ü الأمور التي تمكن من المحافظة على استمرارية جهد الشباب الدعوي:
اتفق جمع من الدعاة المشاركين في التحقيق على أنَّ أبرز أمر يمكِّن من المحافظة على استمرارية الجهد الدعوي للشباب، هو الإخلاص لله ـ تعالى ـ وتصحيح النيَّة كما ذكر ذلك الشيخ «محمد الدويش» والشيخ «هيثم الحداد» ووافقهم الشيخ «محمد يسري» حول ذلك بقوله: الإخلاص مع الصدق؛ فإن العمل إذا باشره الإخلاص أحياه وأبقاه وأدامه؛ وليست العبرة بمن سبق، ولكن بمن صدق وأخلص لله العمل. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] ، وقد قيل: ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله زال وانفصل، والصدق هو مطابقة هذه الأقوال للأعمال.
وثاني النقاط التي أكَّد عليها أولئك الدعاة: هداية الله ـ تعالى ـ وتوفيقه ورحمته؛ حيث أشار إلى ذلك الدكتور «عدنان النحوي» ، وأيَّده الشيخ «هيثم الحدَّاد» بقوله: توفيق الله ـ تبارك ـ وتعالى، وهذا أُسّ الأسباب وأهمها، وواللهِ لولا توفيق الله لما استطعنا تحقيق عُشْر ما حققناه على الصعيد الفردي وعلى صعيد الصحوة بشكل عام.
ومن الأمور التي لفت الدعاة المشاركون النظر إليها من المحافظة على استمرارية جهد الشباب الدعوي ما أدلى به الدكتور «علي مقبول» حيث قال: قرب العلماء من الشباب ومناقشتهم والجلوس معهم ومعرفة ما يجول في خواطرهم، ويؤكِّد على ذلك الشيخ «العدوي» قائلاً: هناك بلاد كثيرة تجدُ فيها بين الشباب وبين أهل العلم هوةً واسعة سببها عدم بذل الجهد المناسب لهم وعدم الصبر عليهم، فترى عالماً كبير السّنّ يُؤْثِر البعد عن الشباب خشية أن يصيبه أذى مع أنَّه يعلم قوله ـ تعالى ـ: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] ، وقد ذكر الشيخ «العدوي» أنَّ من فوائد التصاق الشباب الدعاة بأهل العلم أنَّ من الشباب مَنْ يرجع إلى طريق الله المستقيم بعد أن تتم المناقشة معه، وكم من شاب كان يفهم المسائل على وجه خطأ فبمجالسته لأهل العلم يتمُّ تقويم مسلكه؛ ولله الحمد.
وعودة للدكتور «عدنان النحوي» حيث أبدى رأيه في هذا الإطار بعدَّة نقاط حول استمرار الجهد الإيجابي للشباب بتأكيده على ما يلي:
١ ـ صدق الالتزام.
٢ ـ وضوح الدرب والأهداف.
٣ ـ لقاء الجميع على صراط مستقيم.
٤ ـ متابعة عملية البناء والتربية المنهجية.
٥ ـ التوجيه الإيماني المستمر.
٦ ـ مراجعة المسيرة وتقويمها.
٧ ـ تنمية الأساليب والمناهج إلى ما يلبِّي حاجة الواقع.
كما تحدَّث الدكتور «الزاكي» عن نقطتين تحافظان على الاستمراريَّة في مسيرة الصحوة فيقول:
١ ـ لا بدّ من التركيز الجادّ على ترشيد هذه الصحوة بالعلم الشرعي الذي يُبَصِّرُ الشباب بوسائل الدعوة المؤثرة، والذي يولِّد استقراراً فكرياً للشباب بمنعهم من الانحراف.
٢ ـ الاهتمام بجانب التربية حماية للشباب من سقوط الأخلاق، خاصة وأن المغريات قد كثرت وتنوعت وسائلها إفساداً لأخلاق الشباب.
ويعرض الدكتور: «علي مقبول» أطروحته حول المحافظة على جهود الشباب الدعويَّة، في عدَّة نقاط:
١ ـ توجيه الشباب والقرب منهم.
٢ ـ معرفة نفسيات الشباب.
٣ ـ ابتكار وسائل دعوية مناسبة تستوعب هؤلاء وتوجِّه طاقاتهم نحو المفيد.
٤ ـ التذكير بفضل الدعوة إلى الله وأهميتها؛ وآثارها المترتبة على الفرد والأمة.
٥ ـ الخروج بالمسيرة الدعوية من الجانب النظري إلى الجانب العملي.
٦ ـ التعرف على وسائل الدعوة وطرقها وبرامجها وتقديم الوسائل الناجحة للاستمرار والتطوير لهذه الوسائل.
٧ ـ دراسات تجارب السابقين واللاحقين للاستفادة من برامجهم.
وفي مشاركة للشيخ «العدوي» حول هذا الجانب يقول: من المعينات على استمرار العطاء لدى الشباب:
١ ـ مساعدة الشباب بأنواع الدَّعم لتنفيذ ما يوجههم إليه العلماء من الأعمال الصالحة، فإن ذلك مدعاة للاستمرار في مسيرتهم الدعوية.
٢ ـ توفير أعمال مناسبة لهم، لا تستقطع كل الوقت وتوفر لهم المال الحلال.
وانتقالاً لرأي الشيخ: «هيثم الحدَّاد» حول الاستمراريَّة يقول:
١ ـ التعاون الذي تحقق شيء ملحوظ منه في هذه المشروعات الناجحة، والله قال: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] .
٢- استفادة الدعوة من بعض التقنيات الحديثة وعلم الإدارة، وهذا يدلُّ على مرونة الصحوة وقابليتها للتطور، مع استيعاب فئات شتى من الشباب الحاصلين على درجات علمية في علوم متنوعة تهيّئهم للاستفادة من هذه العلوم الحديثة، واستخدامها في تطوير الصحوة.
٣- روح النقد الموجودة لدى شرائح كبيرة من الصحوة تلك الروح التي أجبرت المسؤولين عن المشروعات الدعوية على تطوير أنفسهم ومشاريعهم.
ويزيد هذه القضيَّة جلاءً الشيخ: «سعد الغنام» بنقاط مهمَّة، أوَّلها:
١ ـ بناء العمل المؤسَّسي الذي يجعل جهود الأفراد تصبُّ في مجرى واحد يشكِّل تيَّاراً مؤثِّراً في السَّاحة بإذن الله.
٢ ـ القوَّة العلميَّة للأفراد العاملين، حيث يكون عندهم بصيرة بالأولويَّات وتقدير المصالح والمفاسد، ووزن خطوات التحرك بشكل عام بميزان الشريعة.
٣ ـ القوَّة الإيمانيَّة التي هي الزاد والمعين عند الملمَّات والصعوبات. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] بعد أمره بقيام الليل ممَّا يدلُّ على ثقل الأمانة لكون قيام الليل يساعد على ذلك.
٤ ـ القوة الإدارية والوعي بالتخطيط، يوفر الكثير من الجهود وييسر كثيراً من الخطوات، ويوظِّف الطاقات في مصارفها الشرعية.
ويتَّفق الشيخ «مدَّثر إسماعيل» مع الشيخ «الغنَّام» في هذه النقطة ويضيف: إنَّ الشباب بحاجة إلى تنسيق الجهود؛ فلو حددت الأولويات وتقاسمها الشباب فيما بينهم وركّزوا في العطاء كل فيما يليه لكان خيراً، أما أن تتكرر الجهود فذلك من دواعي فوات الوقت وضياع الفرص.
ü أسباب إخفاق بعض الشباب في تحقيق أهدافهم المنشودة التي تخدم قضايا أمتهم:
بداية يتحدَّث الشيخ «محمد الدويش» عن أنَّه يجب أن نعلم أن طبيعة البشر القصور، ومن ثم فهناك قدر من الإخفاق، وتخلّف تحقيق الأهداف هو أمر طبيعي.
وأمَّا أسباب الإخفاق: فمنها: ما يكون أثناء التخطيط، كالمثالية في رسم الأهداف والتخطيط لها، والتركيز في التخطيط على الأهداف على حساب الاعتناء بالوسائل والأدوات وخطوات العمل، وعدم وضوح الهدف.
ومنها: ما يكون اثناء التنفيذ للعمل، ومن ذلك: ضعف الاعتناء بإتقان العمل، وضعف التزام الشخص بما خططه لنفسه.
ومنها ما يكون أثناء التقويم، وأبرز ما في ذلك المبالغة في النظرة السلبية عند تقويم الشاب نفسَه وعمله.
ويرى «د. محمد يسري» أنَّ من أسباب الإخفاق ضعف الإخلاص الذي يؤدي إلى انقطاع المدد الرباني؛ فمن تخلّف عن نصرة الله فلا يؤتيه الله النصر؛ فإن النصر من عند الله.
ومن أسباب الإخفاق ضعف متابعة العلماء والمربين للشباب المبتدئين، وهذه المتابعة هي ضمانة من الضعف، وهي تعني حث الشباب على البذل والعطاء وتعني تقوية جانب الصلة مع الله والاطمئنان إلى قضاء الله وقدره وتعظيم أمره واجتناب حرماته وهذه المتابعة هي من أعظم الضمانات.
ويضيف «د. يسري» : كذلك من أسباب الإخفاق: العفوية والارتجالية في العمل، وترك مراعاة الأولويات؛ فحديث الرسول # لمعاذ ﵁ حينما أرسله لليمن فيه بيان الأولويات وبيان أهمية تقديم المهم.
ومن الأسباب الاستعجال؛ فالكثير من الشباب ينوي الخير ولا يقوم به؛ وذلك لاستعجاله. وهذه العجلة لا تفضي بالإنسان غالباً إلى غايته، ويتفق الشيخ «علاء الدين الزاكي» مع «د. محمد يسري» على أنَّ العجلة من أسباب الإخفاق عند كثير من الشباب لرؤية الثمرة والتي لا شك أنها تؤدي إلى فشلهم.
ويكمل «د. يسري» حديثه حول الأسباب فيقول: ومن تلك الأسباب: ترك التعامل مع الدعوة بالسنن الجارية والبحث عن السنن الخارقة ... ولا شكَّ أنَّ الأصل أن الله جعل في المجتمعات سنناً إلهية لا تتغير ولا تتبدل؛ ومنها سنة التدافع ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: ٢٥١] ، وكذلك سنة الاستبدال والاستخلاف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] ، وكذلك سنة التداول: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، وأيضاً سنة المجاهدة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، ومن أسباب الإخفاق أن بعض الشباب لا يعرف قدرته فيتكلَّف من الأعمال ما لا يطيق، أو يتحمل من الجهد ما لا يقدر عليه، فيأتي عمله ضعيفاً وجهده محدوداً، ثمَّ قد ينقطع عن طريقه.
وانتقالاً إلى جواب الدكتور «الزاكي» حيث يرى أنَّ من أسباب إخفاق الشباب في تحقيق أهدافهم: التعامل بردود أفعال، وهذا يفقد الشباب توازنه ويجعله يتصرف بعواطفه لا بفكره وعقله. ثانياً: الغلو عند كثير من الشباب، حتى يكون الشاب كالمنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
وينهي «د. عدنان النحوي» الحديث حول هذه القضية، إذ يقول:
من أسباب الإخفاق: ما يتعلق بالزاد الذي يحمله الشباب ومدى نقائه، ومنها: ما يتعلّق بقدراتهم، ومنها: ما يتعلق بالأهداف ذاتها؛ إذ المفروض في الشباب المؤمنين أن تكون أهدافهم ربّانية، أهداف دعوة وأُمّة ورسالة، وليست أهدافاً خاصة ينشدونها. فيجب أن تكون الأهداف جليّة، يلتقي عليها الجميع، ويجاهدون من أجلها في سبيل الله.. وإذا لم يتحقّق ذلك فإن بعض الجهد يعطّل بعضاً آخر، أو قد تختلط الأهداف الربانية بالهوى أو المصالح أو الفتنة.
ü المعايير والأسس التي يُقوَّم الشباب من خلالها:
حول هذه القضية يقول الدكتور «عدنان النحوي» : المعايير والأُسس مقرّرة في منهاج الله، وعلى المسلم أن يصدق الالتزام بها، ومن خلال الآيات والأحاديث التي تحدثت عن ذلك نستطيع أن نضع ميزاناً للمؤمن يمكن إيجازه بما يلي:
ü الإيمان والتقوى.
ü العلم.
ü المعدن والفطرة.
ü المواهب والقدرات.
ü السّنّ والخبرة المكتسبة وعلاقة ذلك بالعمل الذي يُجرى له الميزان.
ü التزام المؤمن وعطاؤه في الدعوة الإسلامية، وتبليغها وتعوُّد الناس عليها.
ü البيت ومدى التزامه، ومدى التزام مجلس الأسرة الإيماني.
ويوجز الشيخ «الدويش» ذاكراً ما يراه حول المعايير بقوله: تقويم الشاب لدوره ينبغي أن يتم في ضوء الأهداف والإمكانات الفعلية التي يمتلكها، ومن الإمكانات ما يتصل بقدرات الشخصية، ولهذا ينبِّه الشيخ «العدوي» إلى أنَّه يلزم الشاب أن يعرف ما المطلوب منه وما قدراته لتحقيق المطلوب.
ü الآثار الناجمة عن حالات الفتور المؤدّية إلى انتكاس بعض الشباب عن لزوم الجادة:
يستهلُّ الحديث مبتدئاً عن هذه القضيَّة الشيخ «محمد الدويش» حيث يؤكد أنَّ أبرز الآثار الناجمة عن الفتور: ضعف الصلة بالله ﵎، وهذا له أثره على استقامة الشاب، وعلى تأثيره الدعوي في أوساط الآخرين، وعلى استمراره وثباته على طريق الدعوة، كما أن له أثراً بالغاً على توفيق الله له وإعانته.
ومن جهته يرى «د. محمد يسري» أن من الآثار الناجمة:
أولاً: الحرمان من عون الله ومدده لعباده.
ثانياً: تطاول أعداء الإسلام على العمل الإسلامي والصحوة وتشويه صورتها والعمل على إضعافها وتحريف وجهتها؛ سببه الانتكاس؛ فحينما نضعف يقدر علينا أعداؤنا.
ويرى الشيخ «عبد العزيز الجليّل» ـ وقد خصَّنا بهذه الإجابة ـ أنَّ الفتور الذي يتعرَّض له المسلم ينقسم لقسمين، حيث يقول:
الأول: فتور طبيعي لا يكاد يسلم منه أحد، وهذا النوع من الفتور هو الذي أشار إليه رسول الله # بقوله: «إنَّ لكل شيء شِرَّة، ولكل شرَّة فترة؛ فإن صاحبها سدد وقرب فأرجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه» (الترمذي/٢٥٨٣ وصححه الألباني في صحيح الترمذي: ١٩٩٥) .
ثم ذكر الشيخ «الجليِّل» شيئاً من علامات الفتور قائلاً: ومن علامات الفتور أنَّه لا يدوم ولا يستمر؛ فإن دام واستقر فإنه يُخشى على صاحبه، ومن علاماته أنه يكون في مجال المستحبات والمكروهات؛ وذلك بأن يترك المستحبات التي كان يداوم عليها، أو يفعل بعض المكروهات التي كانت تتجنب من قبل.
ومن علامته فَقْدُ بعض الأعمال القلبية كالخشوع ورِقّة القلب ولذة العبادة، لكن هذه العلامات لا تستمر وتستقر دائماً؛ فلو استقرت ولم تنقشع فهذا فتور خطير يجب تداركه، والتخلص من أسبابه.
النوع الثاني: فتور خطير غير طبيعي يقود صاحبه في الغالب إلى الانتكاسة، والزيغ، والعياذ بالله ـ تعالى ـ. وعلامة هذا الفتور أن يصل صاحبه إلى ترك واجب أو فعل محرم ويصرّ على ذلك ويستمر، أما أن يفعل محرماً فيبادر بالتوبة إلى الله ويقلع عن المعصية؛ فكل يتعرض لهذا وخير الخطَّائين التوّابون.
ومن الفتور ما يكون كامناً في النفس ولا يعلم به أحد إلاَّ الله، لكنَّه يظهر في ظروف معيَّنة، وذلك عند ورود الشهوات، أو الشبهات، أو الشدائد والمحن.
ويعدد «د. علاء الدين الزاكي» الآثار السلبيَّة للفتور بقوله:
١ ـ تمكُّن دعاة الباطل من ساحات المسلمين.
٢ ـ وجود مساحات فارغة لا شك أنَّها إن لم تستغل فسيجد العدو فرصة سانحة لملئها.
٣ ـ إن الفتور يولد الإحباط لدى الشباب ويقعد بالهمم.
٤ ـ تنكب الصراط، وتساقط عدد من الشباب بسبب ضعف الصحوة وقوة الباطل.
ü كيف يمكن التخفيف من تلك الآثار الناتجة عن الفتور؟
عن هذا الموضوع أجاب الشيخ «الجُليِّل» واضعاً النقاط على الحروف بقوله: للتخلّص من هذا النوع من الفتور أنصحُ نفسي وإخواني بالأسباب التالية:
١ ـ صدق اللّجوء إلى الله وحده لا شريك له، وسؤاله الهداية والثبات؛ لأنه لا أحد يملك التوفيق والتثبيت إلاَّ الله وحده، وقد وردت عن النبي # أدعية جامعة ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها، وبخاصة في أوقات الإجابة.
٢ ـ التسلّح بالعلم الشرعي والبصيرة في الدين؛ لأنَّ من أسباب الزيغ والانتكاس؛ الشبهات، وهذه تُعالج بالعلم والبصيرة.
٣ ـ تقوية الصلة بالله بالأعمال الصالحة بداية من الحفاظ على الفرائض وإتقانها، والإكثار من النوافل التي يحبُّها الله ؛ لأن ثمرة ذلك حفظ الله لعبده المتقرب إليه؛ ومَنْ حَفِظَه الله ـ تعالى ـ فلا طريق إلى انحرافه كما جاء في حديث: «وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه ... » .
٤ ـ الصحبة الصالحة والعيش معها بالبرّ والتقوى ورؤية القدوات الصالحة، واجتناب جلساء السوء والمجالس التي يُعصى الله ـ تعالى ـ فيها.
٥ ـ كثرة ذكر الله في اليوم والليلة، ومعاهدة القرآن الكريم تلاوة وحفظاً وتدبّر آياته. قال ـ تعالى ـ في الحديث الشريف: «أنا مع عبدي حيث ذكرني ... » الحديث.
وقد تناول الشيخ «محمد يسري» الحديث حول النوع نفسه قائلاً: يمكن تفادي ظاهرة الانتكاس ـ ولا نقول منعها؛ لأنها ظاهرة قديمة وباقية ما بقيت النفس والمعوقات والشيطان والهوى وفتن الدنيا ـ ولكن علينا أن نكثِّر سواد الطائعين ونقلّل سواد المنحرفين؛ وذلك بعدَّة أمور: أوَّلها: الفهم الدقيق لحقيقة الدنيا والآخرة، وفهم قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] ؛ فالمسلم لا يرى الآخرة طريقاً منفصلاً عن الدنيا بل يرى الدنيا ممرّاً للآخرة التي هي دار القرار، ثم يعرف طبيعة الطريق في الدنيا كما في الحديث: «حُفّت الجنة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات» أخرجه الترمذي.
ويواصل «د. يسري» حديثه: كذلك معرفة مداخل الشيطان والتحذير منها، وأيضاً دراسة سِيَر المصلحين والعلماء بعد دراسة سير الأنبياء والمرسلين؛ لأن هذه القصص تثبت القلب، وكذلك مما يعين على تجاوز الوهدة والخروج من مرحلة الضعف والشتات معرفة فضل الاجتماع والتزام الجادة والاستقامة، والحذر من الاختلاف والفرقة؛ فالنبي ﵊ قال: «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» .
كما ينبغي نشر الوسطية والاعتدال والتمسك بأهدابهما معاً، وهما اللتان تقيان ـ بإذن الله ـ من الغلو في الأفكار والمواقف والأفعال.
ويضيف الشيخ «الدويش» حول الخروج من أزمة الفتور أنَّه لا يتمُّ إلاَّ بالاعتناء بالتربية الإيمانية، ووجود القدوات في التقوى والصلاح والسّمت اللائق بالدعاة.
ويزيد على ذلك «د. الزاكي» بقوله: لا يمكن تجاوز هذه الآثار إلا بعلوّ الهمة والعمل الدؤوب.
ü انتشار البطالة الدعوية في أوساط كثير من جيل الصحوة، فهل وحدهم المسؤولون عنها، وكيف يمكن إخراجهم منها؟
يتوافق المشايخ على أنَّه ليس المسؤول عن البطالة الدعوية هم جيل الصحوة فقط، بل هناك عدَّة أسباب، وفي ذلك يرى الشيخ «الدويش» أنَّه لا يمكن اختزال المسؤولية في سبب واحد أو طرف واحد، ويضيف قائلاً: فالشباب يتحمّلون جزءاً من المسؤولية؛ إذ عليهم المبادرة والبحث عن الفرص، كما أن التربية التي تلقوها تتحمّل قدراً من المسؤولية؛ إذ يقل في هذه التربية تنمية الدافع الذاتي وتنمية مهارات العمل الدعوي، وتركز على التوجيه المعرفي حول أهمية الدعوة. والجزء الآخر يتصل بالمؤسسات والجهات الدعوية التي ينبغي أن تتوسع في فتح الفرص والمجالات العملية للشباب للممارسة الدعوية.
ويوافق «د. علاء الدين الزاكي» ما يراه الشيخ «الدويش» ويقول: أظن ـ والله تعالى أعلم ـ أن المسؤول عنها ليس الشباب وحدهم، بل قادة الدعوة من ناحية والمجتمع المسلم من ناحية أخرى.
أمَّا الشباب: فلأن كثيراً ممن يُعتبر منهم سلبياً ليس لديه القدرة على المبادرة، أو أن بعضهم يحتقر نفسه ويقلّل من مكانتها، وبعضهم يُعطي الدعوة فضل وقته، فتحصل البطالة.
أما قادة العمل الدعوي: فبإهمالهم بعض الطاقات وعدم تسخيرهم الشبابَ للعمل والدعوة، وعدم إيجادهم برامج تستوعب الشباب وهو الشيء الذي يولِّد زهداً عند كثير من الشباب في العمل الدعوي.
وأمَّا المجتمع: فلأنَّه تأثّر بالثقافات الوافدة، فأصبح يشكل ضغطاً شديداً على شباب الصحوة، ولربما وجَّه إليهم أوصافاً غير لائقة، ولربما وقعت الأُسَر في قطيعة بعض أفرادها إذا كانوا من شباب الصحوة، فاستسلم كثير منهم، وقعد آخرون عن تصدّر المنابر والمبادرة وآثروا السلامة.
وعن كيفية إخراج شباب الصحوة من أزمة البطالة الدعوية يقول الشيخ «علي مقبول» : أمَّا الخروج من البطالة الدعوية فأرى ـ والله أعلم ـ أنه يكون بما يلي:
أن تكون هناك برامج دعوية وعلمية، وتقسَّم على النحو الآتي:
١ ـ برامج الجوانب الإيمانيَّة.
٢ ـ برامج الجوانب العملية والعقلية.
٣ ـ برامج الجوانب الدعوية.
٤ ـ برامج الجوانب الخلقية والسلوكية.
٥ ـ برامج الجوانب المعيشية والنفسية والعملية.
وهذه البرامج لا بدّ أن تتكامل وتتكاثف ولا يتسع المجال لتفصيل هذا؛ وإنما هي خطوط عامة على العاملين للإسلام أن يضعوا البرامج والخطط والدراسات لتنفيذها، وإلاَّ فإنَّ البطالة الدعوية ستزيد وتنتشر.
ويستكمل الشيخ «محمد يعقوب» الحديث حول الخروج من أزمة البطالة الدعوية قائلاً: المطلوب أن يدخل الشباب في محاضن تربوية فيبربَّوْا كأشخاص؛ لنصنع منهم الشخصية الربانية المطلوبة.
ü للشباب حقوق وواجبات لدى العلماء وقادة الفكر، ولدى مؤسسات التوجيه في المجتمع؛ فهل تم القيام بتلك الواجبات؟ وما أبرز الحقوق التي يمكن أن تسهم بفاعلية في تحقيق الشباب للأدوار المنوطة بهم؟
اختلفت رؤى المشايخ والدعاة حول هذه القضيَّة، فجمعٌ منهم يرى أنَّ العلماء وقادة العمل الإسلامي قاموا بواجباتهم تجاه الشباب، وفريق آخر يخالف ذلك برؤية مغايرة؛ فالشيخ «محمد يعقوب» وكذا الدكتور «علي مقبول» يريان أنَّ الطرفين لم يقوما بالحقوق والواجباتِ لدى الشباب إلا القليل منهم.
بينما يرى الشيخ «الدويش» أنَّ هناك جهداً لا بأس به يقوم به العلماء وقادة الفكر، ولكنَّه يتمنى أن يرى أكثر من ذلك؛ حيث قال: وإن كنا نتطلع للمزيد من هذه الجهود.
وأمَّا عن سؤالي للدكتور «يسري» عن الحقوق والواجبات التي تسهم بفاعلية في تحقيق الشباب للأدوار المناطة بهم أجاب فضيلته قائلاً: أمَّا الحقوق فأولها: وقاية الشباب من هذه البطالة، ولا يتأتّى هذا إلا بوضع المناهج والخطط التربوية والدعوية وتنفيذها معهم والإشراف على تنفيذها.
وثانيها: البرامج والمناهج التي تتميز بالمرحلية والتدرج والملاءمة لكل ظرف ومكان؛ بحيث يتدرج فيها الشباب ليكون الشاب المناسب في المكان المناسب. وحول هذه القضية يتواءم «د. الزاكي» مع «د. يسري» في أهميَّة إيجاد برامج عملية لدى الشباب تستوعب طاقاتهم، مع بذل النصح والتوجيه لهم؛ لتكون هذه البرامج واقية لهم من السقوط والانزلاق عن ركب الدعوة ـ بإذن الله ـ.
ويكمل «د. يسري» حديثه حول الحقوق قائلاً: وثالثها: المشاركة في الميدان؛ فإن الداعية الحق لا يكون كذلك إلا حينما يكون إماماً للعامة، وعلى سبيل المثال: فالإمام أحمد ﵁ كان إماماً للعامة بذل نفسه للناس، فخالط الشباب والكبار والصغار، وربَّى الناس عملياً على أرض العمل، فأصغت إليه الآذان واشرأبّت إليه الأعناق؛ فمن حقوق الشباب على علمائهم أن ينزلوا معهم إلى الميدان ويشاركوهم في العمل ويصححوا أخطاءهم.
ü ما الدور المنتظر من الشباب في مواجهة التحديات المعاصرة التي تواجه الأمة المسلمة؟
حول الدور المرجو من الشباب يوضِّح «د. النحوي» ذلك بقوله: هذا الدور لا يتمُّ إلاَّ إذا تلاحمت جهود الشباب والشيوخ معاً على منهج واضح محدد؛ ولهذا فإنَّه يرى أنَّ التصوّر الذي يعزِل الشباب ويحمّلهم المسؤوليَّة وحدهم تصوّر يحتاج إلى مراجعة، ويضيف قائلاً: إن الإسلام ينظر إلى أجيال الأمّة كلها نظرة ترابط وتكامل؛ ليكون هناك أمّة مسلمة واحدة تجتمع فيها الأجيال وتتلاحم، وتتكامل الجهود وتتساند.
من جهته يتحدَّث الشيخ «محمد حسين يعقوب» عن أنَّ دور الشباب هو في أن يصنع نفسه صناعة جيدة ولا ينتظر، فيكون قوياً: إيمانياً وعقلياً وفكرياً وفهماً ويقيناً، وهذا متاح الآن بوسائل الإنترنت والاتصالات والكتب والرسائل والتعلم عن بُعْد؛ فالتحديات المعاصرة تحتاج لرجال، والحل في الخطوط العريضة للإسلام المذكورة في سورة العصر: ﴿إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] .
أما الشيخ «سعد الغنَّام» فإنه يرى أنَّ من أعظم الأدوار التي يقدِّمها الشباب لأمَّته أن ينزل للميدان، ويلتقط جميع الطاقات الجيِّدة، وينظمها في عمل جادّ مفيد للأمَّة.
وعودة لرؤية «د. يسري» حيث يرى أنَّ الشباب يد الأمة الفاعل التي تفعل وتؤثر وتغيّر، ويبقى العلماء بمثابة من ينظم المسيرة ويحرك إيمانهم ويبعثهم للقيام بدورهم، لكن ينبغي على كل شاب أن يوقن بأن له دوراً يتعلق بذاته ودوراً يتعلق بمجتمعه وبإخوانه، وأن هذا الدور لا يمكن أن يؤدَّى على وجهه الأكمل حتى يدرك الشاب أولاً حقيقة الإسلام، ثم يصلح نفسه، ثم يقيم علاقته مع من يعمل معه في حقل الدعوة برشد، وخاصة أننا نلمس ندرة في العلماء والمربين؛ فحينئذ يقع على الشاب دور مضاعف في تربية نفسه وفي زيادة إيمانه وفي متابعة قلبه وفي إصلاح عيبه وخلله.. وبعد ذلك معرفة واقع مجتمعه بماضيه وحاضره، والاطلاع على وسائل الإعلام وأساليبها، ومتابعة الأحداث الجارية، وأين تقف من الإسلام؟ وأين يقف الإسلام منها؟ حتَّى لا يكون بمعزل عن واقعه.
وأضاف فضيلته متحدثاً: كما يحتاج الشباب أن يقتحموا التخصصات العملية حتى تتحقق في مجتمع المسلمين الكفاية في تلك التخصصات، والتي لا يُعدّ مجتمعٌ من المجتمعات حاضراً قوياً حتى يكتفي أهله بعلم الهندسة والطب والزراعة والصناعة وغير ذلك، فلا يكونون عالة على غيرهم.
ويضيف الدكتور «علي مقبول» على ما ذكره «د. يسري» بقوله: من الأدوار المنتظرة للشباب المسلم، ما يلي:
١ ـ وجود أهداف عليا يسعى للوصول إليها.
٢ ـ وجود قناعة بضرورة التغيير مهما وصل بنا الحال.
٣ ـ الشعور بالمسؤولية.
٤ ـ الإرادة الصلبة؛ فالشعور بالتحدي يؤدي إلى العمل الجادّ.
٥ ـ العمل الجماعي المرتَّب والمنظَّم لمواجهة التحديات العالمية.
٦ ـ التربية الذاتية على الصعيد الخاص.
ويقول «د. الزاكي» في جوابه عن واجبات الشباب والدور المرجو بأنَّه يُنْتَظَرُ من الشباب دور فعال ومؤثر؛ لأن الشباب هم مستقبل الأمة وهم قادة المستقبل وهم الدماء الحارة التي لها القدرة على الحركة والانطلاق، لذلك يُنتظَر منهم الكثير، وعلى سبيل المثال:
أـ مقاومة الثقافات الوافدة من خلال البرامج العملية البديلة.
ب ـ مزاحمة دعاة الباطل وعدم فسح المجال لهم.
ج ـ نشر الوعي بين الشباب باستخدام وسائل فعالة ومؤثرة.
ü يشكك بعض المهتمين بعدم وجود توازن بين توفير متطلبات الشباب واحتياجاتهم العُمرية، وبين المطالب الكبيرة المطلوبة منهم تجاه مجتمعاتهم وأمّتهم؛ فما مدى صحَّة ما ذكر؟ وما الطريق إلى تحقيق ذلك بأفضل صورة ممكنة؟
يتَّفق الشيخ «محمد الدويش» : مع هذه الوجهة، ويرى أن السبب يكمن في أن برامج التربية الموجهة للشباب لم تُبنَ وفق أسس علمية متخصصة تراعي متطلبات المرحلة التي يعيشونها.
ويوافقه الرأي «د. علي مقبول» قائلاً: نعم! هناك عدم توازن بين توفير متطلبات الشباب، تجاه مجتمعاتهم وبين المطالب المرجوَّة منهم عُمْرياً، والسبب أنه في هذا الزمن قلَّ المتخصصون في قضايا الشباب ومشاكلهم. ومشاكل الأمة ـ اليوم ـ أعجزت العلماء والمفكرين؛ فما ظنّك بالشباب المتحمِّس فعلاً الذي يجد تناقضاً واضحاً بين الجانب النظري والجانب الواقعي؟ ويسوق الدكتور «علي مقبول» النقاط التي يراها مهمَّة في حل هذه الإشكاليَّة:
١ ـ أن تبدأ القضية بالتدرج المتأنّي.
٢ ـ تجزئة مشكلات الأمة، وتفهيم الشاب أنه قد يقوم بحل قضية معينة، كأن يتخصص في حلّها ودراستها.
٣ ـ إشاعة روح التعاون الجماعي في حلّ أزمات الأمة.
٤ ـ الأمة كالجسد الواحد، والجميع يشارك في بنائه.
٥ ـ الالتزام بالمنهج الرباني في حدود الطاقة.
٦ ـ الانضباط والدقّة مع العمل الدؤوب؛ ليكون ذلك مقياساً للنجاح مهما قلّ العمل.
وفي إطلالة للدكتور «عدنان النحوي» يلفت فيه نظر مراكز التعليم ومحاضن التربية إلى أنَّ أهم ما يجب أن توفره هذه المراكز هو شعور الشباب أنهم جزء من أمتهم التي أخرجها الله لتكون خير أمة أُخرجت للناس، ومن خلال جميع مراحل البناء يجب أن يتعلّم الشباب المسلم ما هي مهمتهم في الحياة، ولماذا خلقهم الله، وأنّ الله لم يخلقهم عبثاً، ولم يتركهم سدى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ، فلا بد أن يستقرّ في شعور الشباب أنهم خُلِقوا للوفاء بمهمة رئيسة سيُحاسبون عليها بين يدي الله، وأن الله بيّن لهم هذه المهمّة وفصّلها في كتابه الكريم وسنة نبيه محمد # تفصيلاً وافياً لا يترك عذراً لمتفلّت.
أما «د. علاء الدين الزاكي» فيضيف رأيه إلى آراء المشاركين قائلاً:
أرى أن الصحوة الإسلامية إذا استطاعت أن تربي الشباب على متطلباتهم الحياتية، والجمع بينها وبين الأمور الدينية فهذا خير، ولنا مثال في ذلك من الصحابة الكرام كمصعب بن عمير ﵁ الذي كان يُعرَف بالفتى المدلّل، ولما وقَرَ الإيمان في قلبه زهدَ في كل المتطلبات الدنيويَّة.
وهذا هو الحل الوحيد من وجهة نظر «د. الزاكي» ، وإلاَّ فستشكل المتطلبات عائقاً أساسياً في سبيل إصلاح الشباب.
وحول هذا السياق يختتم «د. يسري» هذه الفقرة بقوله:
لا شك أن للشباب مطالب واحتياجات، وهذه المطالب بعضها مادي وبعضها معنوي، بل قد يكون المطلوب الواحد له بُعدان: بُعْدٌ مادي، وبُعْدٌ معنوي؛ فلو قلنا ـ مثلاً ـ: لطلب العلم، ما الذي يحتاجه الشباب؟ يحتاج لكتب علمية وموسوعات دراسية وأشياء لا يتوصل إليها إلا ببذل المال، فنقيم في نفوس الشباب قواعد تتعلق بالحياة الدنيا وطلب الرزق والدعوة إلى الله وطلب العلم، فلا بد من الحث على طلب الزرق، وألا يكون الإنسان كَلاًّ على أحد، وأن طلب العلم لا يشغل عن العمل لطلب الرزق؛ فالعلماء منهم من كان خبّازاً وحدّاداً وقفّالاً ومع ذلك كانوا أهل علم، لذلك ننبّه على أخطاء بعض الطلبة بما يتعلق بمفهوم الزهد والإنتاج؛ فليس الإنتاج في هذه الحياة متعارضاً مع الزهد، فيكون الإنسان نافعاً لغيره وعاملاً محترفاً، ويكون في الوقت نفسه زاهداً يزهد في الدنيا فلا تملك الدنيا قلبه.
ü وأخيراً: ما أبرز الطموحات والآمال التي ننتظرها من الشباب؟
يتحدث «د. الزاكي» قائلاً: ننتظر من الشباب الكثير ومن أهمِّ ذلك أن يهيّئ نفسه لقيادة الأمة مستقبلاً قيادة صحيحة تعيد للأمة مجدها وعزّتها.
ويشارك «الشيخ الدويش» قائلاً: أبرز الطموحات المنتظرة منهم تتمثل في: الاستقامة والثبات، وأن يكونوا قدوة حسنة لغيرهم، وأن يعتنوا بتربية أنفسهم وبنائها، وأن يُسهموا في الدعوة والإصلاح في مجتمعاتهم بإيجابية.
ويؤكِّد «د. محمد يسري» على أهميَّة الحرص على الدعوة إلى الله ونشر هذا الدين؛ فإنهاض هذا المجتمع مرهون بجهد الشباب. ويضيف فضيلته أنَّ الذين سافروا للتجارة عبر الآفاق وفتحوا الأطراف من البلاد كانوا من الشباب.
ومن ذلك أن يدرك الشباب دورهم في نصرة هذا الدين، ونشر القضايا الملحَّة؛ فمثلاً: قضية فلسطين مرهونة مع تحقيق حق سيادة الله على خلقه وحق ألوهيته على عباده والتطهير من أرجاس الشرك والوثنية.
والخلاصة التي يراها «د. يسري» في ذلك هي أن يبذل الشباب من جهدهم ووقتهم ما يصل بأمتهم إلى مكان الصدارة والريادة والقوة بدلاً من التبعية والتخلف والانهزامية، وخاصَّة أنَّ أمام الأمة عقبات كثيرة، ومنها: الأمية والجهل والتبعية والضعف والفقر وغير ذلك، ولا يتصور الخروج من ذلك إلا بجهد وعطاء ودأب.. واجتهاد وثقافة وعلم وعمل، هذا الذي يُخرِج الأمة من وهدتها بعد إيمان بالله عميق، وبعد صبر وإخلاص وثبات على الحق دؤوب كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] . ويختتم «د. يسري» حديثه حول هذا الإطار قائلاً: هذه قاعدة معلومة ووعد لا يتخلف، والله أصدق وأقوم قيلاً وأحسن حديثاً.
ويدلي الدكتور: «علي مقبول» في هذا السياق بدلوه قائلاً:
ما يُطلَب من الشباب هو الكثير، ومن ذلك:
١ ـ شاب مؤمن جادّ طموح مهما ادلهّمت الخطوب.
٢ ـ التعمق في معرفة الواقع.
٣ ـ التربية الجادة لنفسه ومجتمعه.
٤ ـ التواضع في رفعة، والترفّع عما بأيدي الناس.
٥ ـ الشجاعة الأدبية والكرم.
٦ ـ القناعة الكاملة بهذا الدين ومنهاج الدعوة.
٧ ـ تحديد الهدف المراد تحقيقه.
٨ ـ اختيار الوسائل والأساليب المناسبة.
٩ ـ تجديد الوسائل والأساليب وتنويعها وتطويرها.
١٠ ـ لا قيمة للعمل بدون عقيدة ومنهج صحيح.
١١ ـ ترك المستحبات أحياناًً تأليفاً للقلوب.
واللهَ نسأل أن يأخذ بيد الشباب إلى الخير، ويمنع كل شر وضير، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تحقيقات ـ شباب الصحوة بين العطاء والفتور
الدعوة إلى الله؛ رسالة الأنبياء والمرسلين، وسنة الدعاة والمصلحين، حثَّ عليها الشارع الحكيم وحفَّز على نشرها فقال ـ تعالى ـ: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وحسبنا الثناء الربَّاني بتبيين فضلها: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]
وقد كان للدعوة إلى الله وبخاصة من شباب الصحوة قدم السبق في تقديم الجهود المتميّزة في ساحات العمل الإسلامي، وميادين السبق الحركي، وقد أثمرت وأثَّرت إيجابيّاً في تصحيح المفاهيم، وهداية الضَّالين؛ حتى انشرحت لذلك صدور المسلمين، مباركين لأعمالهم ومشجّعين.
стр. 5651
تطوع.. حتى آخر قطرة !!
إبراهيم بن سليمان الحيدري
لولا أن عينيه رمشتا من خلف تلك النظارة المقعرة لقلت إن الذي أمامي ما هو إلا عجوز تجاوز الثمانين عاماً؛ فتجاعيد وجهه وانكماش شفتيه واحديداب ظهره جعلتني أشك في مدى حياة ذلك الرجل..! كما أنه عندما تكلم كان هذا دليلاً آخر على أنه ما زال على قيد الحياة، وانتهى شكي بحياته عندما ابتسم، فأيقنت أني أمام كائن حي متفاعل مع البيئة التي حوله.
ذلك الرجل الطاعن في السن كان بائعاً في (بوفيه) صغير تعود ملكيته إلى جمعية خيرية داخل إحدى المستشفيات البريطانية. كل ما سبق استرعى تعجبي، إلا أن ما استدعى إعجابي تلك القطعة الصغيرة التي علقها الرجل على صدره، وقد كتب عليها بخط واضح: (متطوع) . ثم كتب تحتها (يرجى الكلام بوضوح عند مخاطبته) .
نعم! لقد كان هذا الشخص متطوعاً في جمعية خيرية ينفق من وقته ثلاثة أيام في الأسبوع بلا مقابل مادي سوى أنه متطوع.
عرفت بعد حديثي معه أنه يتطوع لصالح تلك الجمعية الخيرية إيماناً منه بأهمية الدور الذي تقوم به، وأيضاً ليخالط الناس ويخاطبهم حفظاً على ما تبقى من حاسة السمع لديه.
كان هذا هو المشهد، وإليكم التحليل:
إن توظيف طاقات الناس واستثمارها في الأعمال التطوعية ليست فقط كلمات تُشحَذ بها الهمم وعبارات تُهَيَّجُ بها العواطف، إنه نظام إداري متكامل يراعي قدرات المتطوع وإمكانياته ليسد بها حاجات محددة مسبقاً لدى المنظمة أو المجتمع. هذا النظام الذي يمزج بين قدرات المتطوعين وحاجات المنظمات الخيرية قائم على الإجابة عن أسئلة منطقية مثل: مَنْ، وكم، ومتى، وأين نريد المتطوعين؟
إن كثيراً من حالات فشل بعض المنظمات الخيرية في استثمار طاقات المتطوعين والمحافظة عليها ناتج من عدم وجود رؤية واضحة في التعامل مع المتطوعين، والمؤمَّل أن تتحول القناعات الذهنية المحمودة التي يحتفظ بها رواد العمل الخيري الإسلامي بأهمية المتطوعين إلى برامج وأنظمة إدارية تمارَس على أرض الواقع.
إنه إبداع ولا شك عندما تُستَثمَر طاقات متطوع ناهز الثمانين عاماً في وقت تفشل فيه كثير من منظماتنا الخيرية في جذب طاقات شباب يحملون بين جنباتهم رغبة وقدرة ومتسعاً من الوقت.
стр. 5652
الوسطية لا التميعية
أ. د. جعفر شيخ إدريس
قلت في مقال الشهر الماضي: إن بعض الناس ـ اليوم ـ يعمدون إلى ألفاظ عربية إسلامية فيفرغونها من مدلولاتها الإسلامية، ثم يحشونها بمدلولات كلمات غربية يجعلونها ترجمة لها. من هذه الكلمات: كلمة الوسطية، التي شاع في هذه الأيام استعمالها عند أمثال هؤلاء بمعنى لكلمة moderate. نعم، إن المعنى اللغوي لكلمة مودريت قريب من معنى المعتدل وغير المتطرف، لكن ينبغي أن نتذكر أن الاعتدال والتطرف من المفاهيم النسبية التي لا يتضح المقصود منها إلا حين توضع في إطارها التصوري؛ فالله ـ تعالى ـ يدعونا لأن نأخذ ديننا بقوة، وأن نعتقد أن ما جاءنا به رسوله هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن ما خالفه لا يكون إلا باطلاً وضلالاً. لكن المسلم المودريت عند الغربيين ولا سيما الأمريكان، هو الذي لا يأخذ دينه بقوة، بل يجامل فيه ويداهن، ويغير ويبدل بحسب ما تقتضيه أهواء الثقافة الغربية، بل ومصالحها السياسية والاقتصادية. فهو إنسان لا يأخذ النصوص ـ ولاسيما نصوص السنة النبوية ـ مأخذ الجد إلا ما كان منها موافقاً لهواه، ويرى الحوار مغنياً عن جهاد القتال، فيطلب من المسلمين أن يظلوا يحاورون ويحاورون، ويحاورون ... حتى لو كانت قنابل من يحاورونهم تتساقط على رؤوسهم، ولا يدعوهم لأن يحاوروا فحسب؛ بل يطلب منهم أن يكون حوارهم مع الآخر مبنياً على الاعتراف به. فهو حين يحاور يقول للكافر أو المنافق متلطفاً: هذا رأيي وهذا اعتقادي، ولا حرج عليك في أن ترى غيره، وتعتقد سواه، فنحن جميعاً طلاب حقيقة، يدرك كل منا قدراً منها، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه قد وجدها كلها.
مما يدلك على نسبية هذه المفاهيم أن بوش لم يكن يرى نفسه، ولا رآه الغربيون، بل ولا رآه عبيدهم ممن يدعون الليبرالية في بلادنا، لم يره واحد من هؤلاء متطرفاً حين ألقى قبل أيام خطاباً في غاية الحماسة، دعا فيه دفعة من الضباط من خريجي الأكاديمية العسكرية بكلية وست بوينت: أن يستعدوا لقتال عدوهم ـ الإسلام الراديكالي ـ لأن هذه ستكون أعظم مهامهم، ولا حين قال لهم: إن أمريكا لن تنتظر حتى تهاجم، بل ستبادر بالهجوم على من يستعد للهجوم عليها، وتقضي عليه في الخارج لئلا تضطر لمواجهته في الداخل. حين يقول بوش هذا كله لا يكون متطرفاً، لكن إذا دعا زعيم مسلم خريجي كلية عسكرية في بلده أن يستعدوا لإعلاء كلمة الله، ومحاربة أعدائه فإنه يعد من أكبر المتطرفين، ويكون من أكبر الدعاة إلى الكراهية.
من الخطأ إذن أن تعطى الألفاظ القرآنية الدلالات الأيديولجية التي تعطى للكلمات الغربية، ولا سيما ما كان منها متعلقاً بقضايا في أصول الدين، حتى لو كانت المعاني اللغوية متقاربة. وعليه فإن ما تشير إليه كلمة الوسطية في إطار الهدي الإسلامي لا بد أن تكون مخالفة لما تشير إليه كلمة مقاربة لها لغوياً في إطار أيديولجية مخالفة للإسلام.
دلالة الوسطية في المفهوم الإسلامي يجب أن تلتمس في مصادرها الإسلامية، في كتاب الله، وسنة رسوله #. فما الذي تقول لنا عنها هذه المصادر؟
الوسطية التي وردت في كتاب الله صفة خص الله بها المسلمين من أتباع محمد #، فقال ـ تعالى ـ عنهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] .
جعلهم ـ سبحانه ـ كذلك بالرسالة التي بلَّغهم إياها نبيهم، فكلما كان الواحد منهم أعلم بها وأكثر عملاً بها كان أقرب إلى الوسطية، فالوسطية ليست ـ إذن ـ موقفاً يتخذه الإنسان من الدين، ولا طريقة يفهم بها الدين، فيقول مثلاً: بما أنني وسطي فأنا لا أكفر أحداً، أو بما أنني وسطي فأنا لا أرى تحريم الموسيقى. كلا إنما الوسطية صفة يكتسبها المسلم نتيجة لتمسكه بدينه، هذه الصفة هي التي تؤهله لأن يكون من الشهداء على الناس، الشهداء الذين يقبل الله شهادتهم.
ما هذه الصفة؟ قال الإمام ابن كثير:
والوسط ها هنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً، أي خيرها. وكان رسول الله # وسطاً في قومه، أي أشرفهم نسباً، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي صلاة العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨] .
ذكر الإمام الطبري أقوال السلف في تفسير هذه اللفظة، فوجدها لا تخرج عن قولهم: إنها الخيار أو العدل، لكنه قال:
وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين ... وأرى أن الله ﵎ إنما وصفهم بأنهم وسط؛ لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى ... ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود ... ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه.
وقد جمع الشيخ السعدي بين القولين جمعاً جميلاً في عبارة موجزة فقال: عدلاً خياراً، وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر.
ومسألة أخرى مهمة هي أن الله ـ تعالى ـ أعطانا مثالاً حياً واقعياً لجماعة معينة تمثلت فيها هذه الوسطية، فقد شهد ـ سبحانه ـ كما شهد رسوله لصحابة محمد # بأنهم ممن تحققت فيهم صفة الوسطية. وإذن فكما أننا نعلم المعنى الصحيح للوسطية، فإننا نعرف جماعة معينة تمثلت هذه الصفة فيها، في معتقداتها، وعباداتها، وأخلاقها، ومعاملاتها، ومواقفها من غيرها، وهكذا. وعليه فإن كل من كان أقرب إلى منهجها في فهمه للدين وعمله به، وكان حريصا على التأسي بها، كان أقرب إلى الوسطية.
ولذلك قال الإمام ابن القيم ﵀ عن الصحابة رضوان الله عليهم:
فإن الحق لا يعدوهم و (لا) يخرج عنهم إلى من بعدهم قطعا، ونحن نقول لمن خالف أقوالهم: لو كان حقا ما سبقونا إليه. (إعلام الموقعين، ٤/١٦٦ـ ٦٧) .
الجماعة الوسط هي إذن: جماعة معتزة بدينها، متأسية بسلفها، شاهدة بالعدل على غيرها، تقول لهذا: إنك على الحق، وتقول لذاك: إنك على باطل. جماعة تعمل لإعلاء كلمة الله على بصيرة بحقائق دينها، وبصيرة بواقع عصرها، جماعة تدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، وتجادل بالتي هي أحسن إلا من ظَلَم، ولكنها تؤمن في الوقت نفسه بأنه كما لا يقوم الدين إلا بالكتاب الهادي، فإنه لا يقوم إلا بالسيف الناصر. فهي إذن جماعة أبعد ما تكون عن التميع والمداهنة، والخضوع والاستكانة.
ولكن بما أنها جماعة تؤمن بأن العدل واجب على كل أحد مع كل أحد في كل أمر، فإنها لا تُكَفِّر من لا دليل في كتاب الله ولا في سنة رسوله على تكفيره، ولا من لم تُكَفِّره الجماعة التي شهد الله لها بالوسطية ـ أصحاب رسول الله #، ومن سار على منهجهم، واقتفى أثرهم ممن جاء بعدهم من أئمة أهل السنة ـ، وكما أنها لا تُكَفِّر بلا دليل، فإنها لا تَهَابُ أن تقول لمن قام الدليل على كفره: إنه كفر وخرج على الملة؛ لأنه إذا لم يكن من العدل أن يخرج إنسان من هذه الملة الشريفة بغير دليل، فإنه من الظلم أن يحسب منها من قام الدليل على خروجه منها، ومعاداته لها.
وهي جماعة يمنعها عدلها أن تعتدي على الأبرياء حتى لو كانوا كفاراً.
هذه أمثلة للصفات التي تتحلى بها كل جماعة تتصف بالوسطية بالمفهوم الإسلامي الصحيح لها.
стр. 5653
دورٌ متزايد للمعرفة
د. عبد الكريم بكار
عند التأمّل في موروثنا الثقافي على المستوى الشعبي ـ على الأقل ـ نجد احتفاءً كبيراً بالعقل والذكاء على حساب الاحتفاء بالعلم والمعرفة. وربما كان ذلك بسبب ضآلة دور المعرفة في تطوير الحياة آنذاك وقلّة تطبيقاتها العملية. أما اليوم فإن الأمر آخذ في التبدّل على نحو جذري. إن الله ـ جلَّ وعلا ـ وزَّع الذكاء على مستوى الأمم والشعوب بالتساوي، إذ ليس هناك شعب مكوَّن من النابهين والأذكياء الأفذاذ، كما أنه ليس هناك شعب عبارة عن مجموعات من البُلهاء والمعتوهين. في الماضي كان الفارق بين أمم الأرض على مستوى المحصول المعرفي والمنتج الحضاري ليس كبيراً، لكن اليوم هناك فروقات واسعة، تجعل المقارنة غير ذات معنى. إن في العديد من دول العالم شعوباً تعيش حياة لا تختلف كثيراً عن حياة أسلافها قبل عشرة قرون، كما أن بين دول العالم اليوم من يفكرون النقل في الأشياء عبر الأثير بعد أن تمكّنوا من نقل الأفكار والمعلومات والأموال..
هذا الفارق بين أمم الأرض ليس من صناعة العبقرية والتفوق الذهني، وإنما هو من صناعة البحث واكتساب المعرفة وتوظيفها واعتماد منهج التجريب. وصار من الواضح ـ اليوم ـ أن الذي ينفق أكثر على البحث العلمي يكتشف سنن الله ـ تعالى ـ في الخلق، ويتعرف على طبائع الأشياء، ويحصل ـ من ثم ـ على المزيد من براءات الاختراع. وأودُّ من أجل تدعيم هذه النظرة أن أوضِّح الآتي:
١ ـ الذكاء نعمة كبرى من الله تعالى، ولكن العقل مهما كانت إمكاناته كبيرة لا يعمل على نحو منتج وموثوق من غير أن نزوِّده بمعلومات جيدة وملائمة؛ إنه أشبه بالرّحى، حيث إنها مهما كانت ممتازة، فإنها لا تطحن، ولا تقدِّم لنا شيئاً من غير تزويدها بشيء من الحبوب. وإذا زوّدناها بقمح فاسد ـ مثلاً ـ فإنها تعطينا دقيقاً فاسداً. الاختراعات الموجودة والمتزايدة مدينة لعمل العقل في المعرفة وللمناهج التطبيقية التي توصَّل إليها النابهون من أهل الاختصاصات المختلفة. ولذا؛ فإن من الممكن القول: إن العقل من غير معرفة هباء.
٢ ـ إن الإنسان من خلال الإمكانات الذهنية التي زوّده الله ـ تعالى ـ بها ومن خلال المبادئ التي يؤمن بها، ومن خلال المعارف والخبرات التي اكتسبها يشكّل إطاراً مرجعياً، يحاكم إليه المواقف والأحداث والأشياء، كما يحلّل من خلاله الماضي، وينظر إلى المستقبل، أي: يمتلك عقلانية خاصة به. وما دام هناك تفاوت بين كل مكونات العقلانية لدى الناس، فإن لنا أن نقول بنسبية (العقلانية) ، وإذا كان الأمر كذلك فإنه ليس من حق أحد أن يتخذ من عقلانيته مَحْكمة لإدانة عقلانيات الآخرين.
لا شك أن هناك تصرفات يدينها كل العقلاء مهما كانت نوعية تكوينهم العقلاني، فالاستدانة من الناس من أجل الإنفاق في أشياء ترفية وعلى نحو مسرف، لا يلقى القبول من أحد، وكسر يد طفل من أجل ردعه عن عمل قبيح، شيءٌ يدينه كل العقلاء ... لكن إلى جانب هذا هناك أشياء كثيرة ينظر إليها الناس على أنها أشياء قبيحة، وينظر إليها آخرون على أنها تدخل في نطاق الحرية الشخصية، وهم في كل ذلك يحكمون من خلال تكوينهم الثقافي. حين غزا الأوروبيون أفريقية في القرن التاسع عشر، أبدوا استياءهم من تبذل وتكشف المرأة الأفريقية؛ لأنهم نظروا إليها من خلال المرأة الأوروبية والتي كانت وقتها محتشمة، ثم تغيرت الأحوال، وتجاوزت المرأةُ الأوروبية المرأة الأفريقية بمراحل، دون وجود استنكار يذكر من قِبَل المجتمعات الأوروبية. وينظر كثير من الغربيين إلى عفّة الفتاة قبل الزواج على أنه يعبِّر عن تزمّت أو عن مرض نفسي أو عن نقص في اللياقة الاجتماعية. وكل هذا بسبب أن عقلانيتهم ومعايير الحَسَن والقبيح لديهم نسبية ومتحركة، بسبب عدم استنادها إلى ثوابت وأصول (لا بشرية) .
بناءً على كل هذا فإن ما نسمعه من بعض الكُتّاب والمفكرين في وصف سلوكيات الآخرين بأنها غير عقلانية أو غير منطقية أو غير عصرية أو غير حضارية، يجب أن يتلقى على أنه يعبِّر عن مرجعية فكرية خاصة، قد تكون صحيحة، وقد لا تكون صحيحة. ونحن هنا وفي أمور كثيرة أخرى نواجه مشكلة غموض المصطلحات ونسبيتها وقابليتها للتحيّز والتوظيف غير النزيه، وعلينا دائماً أن نحاول بلورة المصطلح وتوضيحه إلى أقصى حدٍّ ممكن، ثم نتحدث عن الأسس التي يقوم عليها المصطلح.
٣ ـ كل مرجعية ثقافية أو عقلية تظل نسبية ونزّاعة إلى أن تكون شخصية وخاصة، ما دامت تقوم على خبرات البشر ورُؤاهم وتقديراتهم. والحقيقة أن العقل البشري ليس مؤهلاً لإنتاج المبادئ الكبرى، فهو (عقل أداتي) في المقام الأول. ونحن المسلمين نحمد الله ـ تعالى ـ الذي ملّكنا الأصول والمبادئ التي تشكل الإطار الذي يعمل خلاله العقل، حيث ننعم باليقين تجاه الكثير من الأمور، وهناك مرشدات وموجِّهات كثيرة تجعل معظم أعمالنا أقرب إلى الصواب. والذي علينا أن ننشط فيه هو أن نثقّف أنفسنا، ونمدّ عقولنا بالمعلومات الحديثة، ونحاول الإلمام بطبيعة عمل العقل والأخطاء التي يمكن أن يقع فيها. إن الشريعة الغرّاء تمنحنا القواعد والأصول والمبادئ الكبرى، وعلينا أن نثقّف عقولنا كي نبدع في إيجاد الأساليب والأدوات التي نخدم من خلالها ديننا، ونصلح دنيانا. والله ولي التوفيق.
стр. 5654
اللقاء الأخير
حمدي عبد القادر أحمد
أسرعتُ الخطا نحو ذلك الكوخ المهجور في طرف القرية، والذي يعلو تلاً يطلُّ على جزء كبير من بيوتها، تلفّتُ حولي في حذر؛ لأرى إن كان أحد يتبعني.
كنت أحمل بين جوانحي شوقاً لا حدود له، إنه موعد اللقاء الأول بها، أحسست بنشوة عارمة تسري في كياني، تذكرت عندما رأيتها لأول مرة.
... يومها، أحسست بشعور عجيب نحوها، تمنيت لو اختطفتها وحلّقت بها في سماء بلدتي الصغيرة.
كانت تتحدث، وكنت أستمع إليها في شغف، وظللت أنظر إليها مشدوهاً طيلة مدة حديثها، كان لصوتها وقع عجيب في قلبي وعقلي ووجداني، فقد أحسست أنها الأمل، وكنت أراهم يخرّون صرعى لحديثها المتدفق بلا انقطاع، ظلت تتكلم لوقت طويل، سقطت منهم أعداد كبيرة.
فجأة، انقطع كلامها، نظرت إليها في توسّل أن تستمر، لكنها لم تنطق، وكأنما سلبت منها الحياة.
رأيتهم ينطلقون نحوها من كل صوب، عدد كبير، أحسست عليها بالخطر، آه ... لو استطعت إنقاذها! إنهم يقتربون نحوها أكثر وأكثر، ما زالت صامتة لا تريد الكلام.
كادوا يصلون إليها، لولا أن ظهر ذلك الفتى الملثم من خلفها تماماً، وكأنما كان هناك منذ البداية، لا بد أن سحرها أعماني، حتى لم أنتبه إلى وجوده. حملها، وانطلق هارباً، اختفى تماماً. ظلّوا يبحثون ويبحثون، حتى أعياهم البحث، لم يجدوها.
أطلقت تنهيدة حارة، فقد نجت، ونجا صاحبها. تُرى! من هو؟! أحسست بشيء من الغيرة، تمنيت لو عرفته، وطلبت منه أن يخلي بيني وبينها.
يومها، قررت أن أعرفه، فالشوق يعصف بي، إنني أعرف جميع فتيان بلدتنا، كلهم أصدقائي.
فكرت قليلاً، من منهم قوي الجسم سريع الحركة كذلك الذي رأيته؟ تذكرت لون بشرته.. بيضاء مشربة بحمرة ... إن «فارس» هو أقربهم لهذه الصفات، سأذهب إليه لأتأكد.
وفي الليل، تسلّلتُ من بيتنا بعد أن نام مَنْ في المنزل، ناموا مبكرين كالعادة.
انطلقت إلى بيت «فارس» ، تلفّت حولي في حذر، إن الخروج في هذه الساعة خطر، ولكن لا يهم، فلذّة اللقاء ستنسيني كل هذا العنت.
وصلت بعد سير طويل، كان بيتهم متواضعاً كبيتنا، وكبقية بيوت القرية، يبدو أنهم نيام أيضاً، فالأنوار مطفأة، هممت بمناداته، لولا أن سمعت أصواتاً خافتة خلف البيت.
درت حول البيت في حذر، تماماً كما ظننت، إن «فارس» هو صاحبها، فها هو أمامي، وهي بالقرب منه.
خفق قلبي في عنف ... إنها أمامي الآن. ظللت أحدق فيها، حتى لم أشعر بما حولي، ولا بذلك الذي تسلّل من خلفي. أحسست بيد قوية تكتم أنفاسي، نظرت ناحية «فارس» لأستنجد به، لم يكن هناك، حاولت الصراخ، لم أفلح.
كان يدفعني ناحية الضوء ليرى وجهي، و ...
«عاصم! ما الذي تفعله هنا في هذه الساعة؟» . كان «فارس» هو الذي يكمم فمي، أرخى يده.
«إذاً؛ فهو أنت يا «فارس» ! أنت الذي هربت منهم، كنت أعلم أنه أنت» .
كان يكبرني بأربعة أعوام، لكنه يعاملني كأخيه.
«اخفض صوتك يا عاصم! لا أدري عما تتحدث!» .
قلت في عناد: «لا تكذب! لقد حملتها وابتعدت سريعاً، ها هي هناك» ، وأشرت إليها.
أحسست بارتباكه، «حسناً يا عاصم! لقد كشفت أمري، ولكن لا تخبر أحداً، فحتى والداي لا يعلمان» .
«اطمئن، ولكن أرجوك، أرجوك ... أريدها، أرجوك» . نظر إلي متعجباً «تريد ماذا؟!» . أشرت إليها ... ظهر الغضب في عينيه «هل جننت؟! أنت لا تعلم أي خطر يتهددني بوجودها معي، لو علموا لقتلوني وشردوا أهلي» .
قلت في رجاء: «أرجوك! أريد أن أكون بطلاً مثلك، أريد أن أكون رجلاً، أرجوك! سأكون حذراً، إنني أسرع منك، وعضلاتي مفتولة» ، وكشفت عن عضلاتي الهزيلة.
هزّ رأسه في عنف «لا ... لا ... لا يمكنني ذلك، فهذا يعرضك للخطر، وأنت ما زلت صغيراً» .
حينها، أحسست بآمالي تتحطم أمامي، إن بيني وبينها بضع خطوات، ولا أستطيع الاقتراب منها.
غمغمت في صوت أقرب للبكاء «أرجوك يا فارس! أرجوك» ، ثم انخرطت في بكاء عنيف، حاول تهدئتي فلم يفلح.
كانت نفسي تموج بمشاعر شتى، ظللت أبكي وأبكي، ويبدو أنه أحسَّ بالشفقة علي، أو أحسَّ بصدقي في طلبها، فقال في استسلام: «حسناً.. حسناً.. كفّ عن هذا» .
توقفت عن البكاء، انتعش الأمل في صدري: «أشكرك، أشكرك كثيراً» .
استدرك «ولكن، ليس الآن، فلا بد من تدريبك أولاً» . فكّرَ قليلاً، ثم أردف: «القني قبل الفجر بساعة في ذلك الكوخ المهجور على التل، واحذر أن يتبعك أحد» أومأت برأسي متفهماً، ألقيت عليها نظرة أخيرة، ثم تسللت إلى منزلنا، كان منزلنا بين بيت «فارس» والتل.
لم يغمض لي جفن، فالانفعال يملأ كياني، أخذت أنسجُ أحلاماً وبطولات، وعشت فيها، حتى حانت ساعة اللقاء، فانطلقت إلى المكان المنشود، أتحسس طريقي في حذر.
... أفقت من تفكيري لأجد الكوخ أمامي، تلفّت في حذر، طرقت الباب ثلاث طرقات متتالية، ثم ثنتين متواليتين، ثم واحدة.
مضت دقيقة قبل أن يفتح باب الكوخ، ولجتُ متلهفاً، رأيت ثلاثة من أصدقائي، هذا «خالد» ، وهذا «عمر» ، وذاك «يوسف» .
كانت البسمة تعلو وجوههم، جلت ببصري متلهفاً حتى رأيتها، لم أطق صبراً، أسرعت إليها، حملتها بين يدي، احتضنتها في قوة، لم أشعر بمن حولي، كانت النشوة تخدر جسدي.
سمعتهم يضحكون، لم أعرهم اهتماماً، فها قد نلت ما تمنيت. سمعت «عمر» يقول: «رويدك يا عاصم! ستقتل نفسك» ، ولكن لم ألتفت إليه.
دخل «فارس» ، كان أكبرنا، ابتسم لمرآي، همس في أذني: «ألم أقل لك إنك ما زلت صغيراً؟» ثم أردف في صرامة: «حسناً يا عاصم! قبل أن تصبح واحداً منا، يجب أن تقسم على الولاء الكامل، وعدم إفشاء سر، صغيراً كان أو كبيراً، حتى لو مزّقوك إرباً إرباً» .
أقسمت على ذلك بصدقٍ وإخلاص، أطلقوا زفرات ارتياح.
قال «فارس» : «سنبدأ تدريبك فور طلوع الشمس، أما الآن فسوف نصـ ... » . شق كلامه صوت سيارات عسكرية تحيط بالكوخ، نظروا إلي في ارتياع، حلفت لهم أني لم أخنهم وأن أحداً لم يتبعني، قال «فارس» في حزم: «حسناً يا عاصم! سنضطر لتدريبك على أهداف حية ... وقاتلة» ، ثم أردف: «دافعْ عن نفسك بكل قوتك، اليوم يومك» .
حملتها في قوة واعتداد، التمعت عيناي ببريق العزم والتصميم، وكذلك كان أصدقائي، اليوم سأثبت رجولتي وبطولتي.
اقتحموا الكوخ في عنف، اشتعلت المعركة، أصدقائي يتميزون ببسالة لا حدود لها وشجاعة لا نظير لها، لن أكون أقل منهم.
أمسكت بها في عزم، حثثتها على النطق، فلا ينفعهم سوى حديثها البليغ، بدأت تتكلم، سمعت صوتها الهادر القوي، رأيتهم يتساقطون.
سقط «عمر» مضرجاً بدمائه ... ما زالت تصبُّ غضبها وحممها عليهم.
سمعت تكبير «فارس» ، رأيته يسقط ... اشتد لهيبه أكثر وأكثر ...
«خالد» سقط هو الآخر، تبعه «يوسف» ، لم يبق سواي. أرديت ثلاثة آخرين.
أحسست بعمود من النار يخترق كتفي، وآخر يصيب بطني.
انثنيت من الآلام، تلاشى صوتها، لقد سكتت.
تكاثروا حولي، ألمٌ شديد في قلبي، لا أقوى حراكاً، الألم ينتشر في جسمي، تشبّثت بها أكثر.
تقدم أحدهم وركلها من بين يدي، حاولت ضمّها إليّ، لكني أفلتها رغماً عني.
دفعني أحدهم بقدمه، سقطت على وجهي، يبدو أني ألفظُ أنفاسي الآخيرة.
نظرت بصعوبة عبر باب الكوخ؛ لأودّع بلدتي الحبيبة، غمغمت في ضعفٍ: «الوداع يا قلقيلية!» .
حوّلت نظري نحوها في وهن شديد.
كانت بين أيديهم يعبثون بها، كأنها تتألم لوجودها بين أيديهم.
كانت تزين ملابسهم تلك النجمة البغيضة.
ألقيت عليها نظرة وداعٍ، همستُ: «الوداع ... الوداع ... يا.. يا.. بندقيتي ... » ، تمتمت بالشهادتين، ثم أظلم كل شيء.
стр. 5655
لقاء مع فضيلة الشيخ محمد الحسن الددو
العلماء هم أمناء الله على وحيه، ولم يكن سبحانه ليأتمن المفلسين
حاوره في البحرين: خباب بن مروان الحمد
وهكذا ... كان لقائي مع فضيلة الشيخ الحافظ: محمد الحسن الددو الشنقيطي ـ حفظه الله ـ على هامش مؤتمر البحرين لنصرة رسول الله #. وحقاً كان حديث الشيخ وأجوبته ممتعاً، كما قال الشاعر:
في متعة الأقوال بثَّ شجونه فحديثه وكلامه إمتاعُ
ولمن لا يعرف فإنَّ الشيخ: محمد الحسن الددو، يشغل مدير مركز تكوين العلماء في نواكشوط بموريتانيا، وله باع طويل في تعليم العلم ونشره، والله نسأل أن يبارك في جهود الشيخ، ويجعلها مكلَّلة بالنجاح والفلاح والتوفيق ... والآن أدع القارئ لمتابعة هذا الحوار مع الشيخ الددو، حيث كان أول سؤال لفضيلته:
^: حبا الله شيخنا الكريم باعاً واسعاً في علوم الشريعة؛ فكيف كان طلبكم للعلم؟
- بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
مستواي في العلم ليس كما ذكرتم وإنَّما هذا من حسن ظنِّكم، وإنَّما أنا من المتوسطين في طلب العلم، وقد ابتدأت الطلب وأنا صغير بالدراسة على والدتي وجدتي، وحفظت القرآن في الصبا قبل أن أتم الإدراك ببلوغ ثماني سنين، وقرأت مبادئ بعض العلوم، ثمَّ بعد أن بلغت العاشرة من عمري صحبت جدي العلاَّمة الشيخ محمد بن عبد الودود الهاشمي ـ رحمة الله عليه ـ ولازمته حوالي إحدى عشرة سنة، وسمعت منه فيها أكثر ما تعلمته، ودرست عليه بعض الكتب، وحفظت عليه وبحضرته بعض ما حفظت، وكنت خلال ذلك أدرس على جدتي وأمي وأبي وأخوالي، وبعد وفاة جدي ـ رحمة الله عليه ـ درست على خالي الشيخ محمد يحيى، والشيخ محمد فالي بعض العلوم، وهم أحياء إلى الآن ـ بحمد الله ـ.
^: شيخنا ـ أحسن الله إليكم ـ تُعَدُّ بلادكم شنقيط قلعة شامخة من قلاع تلقي العلم في المغرب العربي؛ فما أبرز الأساليب التعليمية التي تُشتهر بها في نشر العلم وتعليمه؟
- اشتهرت هذه البلاد بحفظ العلوم وتنوع المعارف؛ فهم يدرِّسون من العلوم الشرعيَّة تقريباً خمسة وأربعين علماً؛ فلا يكون الإنسان عالماً حتى يكون حافظاً للكتب في تلك العلوم، ويكون متقناً لتدريسها، وقبل ذلك قد يكون فقيهاً، أو مدرساً، أو يكون طالب علم، ولكن لا يكون عالماً، إلاَّ إذا كان محيطاً بهذه العلوم، مستطيعاً لتدريسها جميعاً، وطريقتهم في ذلك هي البداية من الصبا، وإتقان الحفظ والمذاكرة والمراجعة، وإتقان مهارات التدريس؛ فهي مراحل كلها لهم فيها اجتهادات وآراء، ومقرراتهم تختلف من مَحْضَرَة إلى محضرة، والمحضرة مكان التعليم، كالكتاتيب.
^: لفضيلتكم باع في تأويل الرؤى؛ فما الضوابط الشرعية لتأويلها، وما مدى جواز بناء الأحكام والمواقف ونظم التصورات وَفقها؟
- بالنسبة للرؤى، فهي على خمسة أنواع:
النوع الأول: رؤيا من الله وهي الرؤية الصالحة التي يراها الرجل الصالح، أو تُرى له وهي من المبشِّرات التي تسر ولا تغر، وهذا النوع عادة يكون تبشيراً أو إزالة حزن أو إدخال سرور أو نحو ذلك، وهذا النوع هو جزء من ستة وأربعين جزءاً من أجزاء النبوَّة في حق من هو أصدق الناس، وجزء منه أقل من ذلك إلى أن يصل إلى جزء من ثلاثة وسبعين جزءاً من أجزاء النبوَّة في حق أقلِّ الناس صدقاً.
النوع الثاني: اللَّمَّة الملَكيَّة في نوم الإنسان أو يقظته، فيقذف في روعه أمراً وينصحه بشيء، من حيث لا يشعر؛ فهذه مثل الرؤيا السابقة تقريباً.
النوع الثالث: الرؤيا التي هي من النفس؛ فنفس الإنسان ترى ما تهواه، فإذا نام وهو عطشان أو ظمآن أو جائع، رأى الطعام والشراب، وإذا نام وهو يهوى شخصاً معيناً رآه في نومه؛ فهذا نوع من تخيلات النفوس.
النوع الرابع: الرؤيا بسبب مرض أو الأخلاط مثل ما يحصل لمن هو مصاب بغلواء في صفراء أو قحط في المعدة أو زيادة حموضة فيها، فيرى الحرائق ويرى الألوان الصفراء بسبب انطباعه، ومن يرى الأمطار والمياه، وهذه حسب الأمزجة.
النوع الخامس: ما كان من الشيطان وهو المسمَّى بالحلم، وهو ما كان عادة يرجع لثلاث علامات:
الأولى: أنَّه يخالف العقل، كما ثبت في صحيح مسلم أن رجلاً قال للنبي #: رأيت كأنَّ رأسي قُطِع فتدحرج فتبعته. فقال: «لا تقصص عليَّ ألاعيب الشيطان بك» . فهذا مخالف للعقل؛ لأنَّ الرأس إذا قطع لا يتبعه صاحبه.
الثانية: أن يكون مخالفاَ للشرع كمن يرى أنه يفعل محرَّماً، أو أنَّه يؤمر به، أو يترك واجباً.
الثالثة: أنَّه لا يضبطه الإنسان ضبطاً كاملاً، بل يستيقظ على جزء منه فقط، فهذه علامة الحلم الذي هو من الشيطان. وعلامة الذي هو من النفس أنَّه تنبثق عنه لذَّة وشهوة، فيجد الإنسان احتلاماً، أو ألماً كذلك، فيستيقظ الإنسان ويجد نفسه يبكي ونحو ذلك، فهذا من النفس غالباً.
فهذه الرؤيا عموماً كلها لا ينبني عليها أي حكم ولا تصوُّر، بل هي إذا كانت صحيحة فهي من المبشرات: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] وهي تسر ولا تغر، والإنسان لا يدري تفسيرها بذاته، ومع ذلك كثير من الناس يبني عليها أموراً، يظنُّ أنَّها تقتضيها وهي لا تقتضيها أصلاً، حتى لو قُدِّر أنَّها يمكن أن تدل على شيء، فإنَّها لا تكفي بمفردها لأن يُبنى عليها خطط وأعمال، حتَّى للعابرين والذين يدرون معاييرها؛ لأنهم قد لا يدركون معناها تماماً؛ فالنبي # قال لأبي بكر ﵁: «أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً» فدلَّ ذلك على أنَّ المعبِّر قد يصيب في بعض تعبيره وقد يخطئ في بعضها الآخر.
وإذا كان أبو بكر الصديق وهو من هو في صدقه وإيمانه، أصاب بعضاً وأخطأ بعضاً بحضرة النبي #؛ فكيف بنا نحن ومن دونه من المعبِّرين؟ فإذا أصاب أحدنا في أي جزئيَّة فإن هذا يعتبر خيراً كثيراً، إذا قورن بغيره؛ فلذلك لا بدَّ من التريُّث فيها.
وعليه فإنَّ الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم أنَّ رسول الله # قال: «إنَّ الرؤيا معلقة على جناحي طائر؛ فإن فُسِّرت وقعت» فالتفسير المقصود هنا أنَّه لا بدَّ أن يكون من معبِّر للرؤيا، وعلى مقتضى التفسير الصحيح.
^: للعلماء دور بارز في الإصلاح والبناء، ولا بدَّ لذلك أن يكونوا من الربَّانيين؛ فما الملامح الرئيسة للعلماء الربَّانيين من وجهة نظر فضيلتكم؟
- بالنسبة للعلماء هم أمناء الله على هذا الوحي الذين ائتمنهم الله على هذا الدين، الذي هو أشرف ما في الأرض، ولم يكن الله ليأتمن على وحيه المفلسين؛ فأحدنا الآن إذا كان رشيداً، لا يمكن أن يأتمن المفلسين على ما يحبه مثل أمواله، لأنَّه يعلم أنَّهم مفلسون، والله ـ تعالى ـ هو علاَّم الغيوب، وهو يعلم السرَّ وأخفى، فلذلك لا يمكن أن يأتمن على وحيه المفلسين؛ فالذين يؤتمنون على هذا الوحي هم أمناء الله على دينه، ولكن لا بدَّ أن يكونوا مستكملين لحقيقة الائتمان بأن يكونوا عاملين بعلمهم، ويخشون الله ـ تعالى ـ حقَّ خشيته كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ، وإذا كان الإنسان من هذا النوع فعليه مسؤوليات كثيرة وكبيرة، منها: الصدق بالقول. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، ومنها: أن يقوم ويقول بالحق حيث كان لا يخاف في الله لومة لائم كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلاَّ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] .
^: كيف ترون حاجة العالم إلى فهم واقعه؟ وهل قيام العلماء بواجبهم شرط في حصول التغيير؟
- العلماء لا بدَّ أن يدرسوا واقعهم وأن يستشعروا حال أمَّتهم، ويسهروا على مصالحها، وأن يعطوها جزءاً من اهتمامهم؛ فكل قضية شرعية هي مؤكدة من قضيتين؛ فالقضية الكبرى من الوحي، والقضية الصغرى من الواقع الذي يعيشه الناس؛ فالترتيب بينهما يحتاج إلى مهارة وإتقان، ولذلك أحال الله إلى فهم الذين يستنبطونه فقال: ﴿وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ولم يقل: لعلموه جميعاً.
وبالنسبة لدور العلماء في التغيير فإنَّه ما حصلت نهضة قط في هذه الأمَّة ولا في غيرها من الأمم إلاَّ بجهد العلماء الربَّانيين الذين يقومون لله بالحق، ويقدِّمون النماذج للناس فيهتدي بهم المصلحون.
^: من يتأمِّل الواقع عقب أحداث ١١/٩/٢٠٠١م يلحظ هجمة شرسة ومغرضة على منهج أهل السنة والجماعة في أصقاع المعمورة، بغرض تشويهه وإفقاده كافة المواقع والمكتسبات الواقعية والمعنوية التي يمتلكها. وفي المقابل يرى عملاً دؤوباً لتمكين الصوفية المغالية ذات النهج البعيد عن هموم الأمة، وجعلها التيار المؤثر في واقع الأمة العلمي والدعوي والتعليمي؛ فما قراءة فضيلتكم للواقع في بلاد أفريقيا في هذا الجانب؟
- نحن لا نعيش في بروج عاجية، بل نعيش فيما يعيشه الناس؛ وما تذكره من الأمور الواقعيَّة لا يختلف فيها بلد عن آخر؛ فالعالَم اليوم يراد له أن يكون قرية واحدة، والمؤامرة على الدين هي هي في كل مكان، وأعداء الإسلام لا يريدون الإسلام الحي المتحرك والفعَّال الذي يدافع عن نصرة دينه، ويتشبَّث بصفائه ونقائه، وإنَّما يبحثون عن الإسلام الوديع الذي يكيَّف بكيفهم، ويقيسونه على مقاسهم وتبعاً لأهوائهم، وهذا ما لا يكون ولا يتحقق أبداً؛ فالإسلام لن يكون ولن يتجدد إلاَّ بما كان به من قبل، كما قال الإمام مالك ﵀: إنَّ آخر هذا الأمر لا يصلح إلاَّ بما صلح به أوله، وما سوى ذلك من البدع والمحدثات، تذهب جفاء كغثاء السيل.
^: هل تعد هذه الكلمة أصلاً ملزماً، أم اجتهاداً غير ملزم، فيسع تجاوزه، كما قد يُدّعى؟
- لا، يا أخي! لكنَّ القضيَّة هنا هي قضيَّة الدين؛ فما يتعلَّق بالدين قطعاً فنجتمع عليه جميعاً، ولا يمكن أن يُختلَف في ذلك؛ فالدين أفضله وأكمله هو ما كان على منهج السلف الصالح؛ فقد أحال الله على اعتقادهم فقال: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] وأحال النبي # إلى تقواهم وعملهم فقال: «خير أمتي القرن الذين بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وأحال # إلى جهادهم وكفاحهم، فقال: «يغزو فئام من الناس، فيقال: هل كان فيكم من رأى محمداً رسول الله؟ فيقولون: نعم! فيُفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من رأى من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم! فيُفتح لهم، ثمَّ يغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من رأى، من رأى، من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم! فيُفتح لهم» وهذا يؤكِّد أهميَّة الأخذ بمنهاج السلف الصالح حيث أُكِّدت لهم الخيريَّة.
^: منَّ الله ـ تعالى ـ عليكم ـ أنتم وبعض إخوانكم ـ بالتخرج في (مدرسة يوسف ﵇ وتجاوزتم مرحلة كان ظلمكم فيها ظاهراً؛ فما أبرز ما تعلمه فضيلتكم من تلك المرحلة؟
- بالنسبة للسجن فيه كثير من الدروس والعبر، والإنسان فيه يشعر براحة كبيرة وسعادة حين يخلو بالله ولا ينتظر فرجاً إلاَّ من عنده، وحين يخلو بالقرآن وهو ممنوع من الكتب، وممنوع من كلام الناس، فيلجأ إلى كلام الباري جلَّ وعلاً. ومن أهم ذلك: ما يفتح الله به في الاستنباط بالقرآن والتلذذ به واكتشاف بدائعه وعجائبه، وقد ظهر لنا في السجن كثير من بدائع القرآن التي لو جُمعت لكانت كتاباً، في مختلف الجوانب، منها ما يتعلق بالإعجاز العلمي، ومنها ما يتعلق بالإعجاز العددي، ومنها ما يتعلق بترتيب الآيات، ومنها ما يتعلق بترتيب السور، ومنها ما يتعلق بالمعاني، ومنها ما يتعلق بالإعراب والنحو.
وهناك أمر آخر يتعلمه المسجون وهو أنَّ الوقت أهم ما يواجه السجين؛ فإذا شغله لم يكن لديه أي مشكلة؛ فإذا وضع برنامجاً لليل وبرنامجاً للنهار، فستبادر غروب الشمس لتكمل برنامجك قبل أن يتم غروب الشمس، وتبادر طلوع الفجر حتى لا يأتيك طلوع الفجر ولم تكن قد أنجزت عملك، فتبقى مشغولاً لا تحس بتعب ولا نصب ولا إعياء؛ فلذلك كان البرنامج المكثف دائماً، من الختم بالصلاة كل ست ليال، والختم بالقراءة كل ثلاثة أيام، والصلاة مائتي ركعة في أربعة وعشرين ساعة، ووِرد الذكر ومراجعة ما يحفظه الإنسان من الحديث في الصباح وما يحفظه من المتون في المساء ونحو ذلك، ومن المنظومات والأشعار في المساء أيضاً. وهذا كله يقضي على الفراغ؛ فلهذا ما كنَّا نحس بتعب ولا نصب، بل يسوؤنا حين يُسمَع الباب يحرَّك؛ لأننا نعلم أن في ذلك قطعاً لبرنامجنا، ولذلك تمضي الشهور دون أن يشعر الإنسان بالفراغ.
وأمر آخر، وهو أن المسلم إذا تذكَّر أنَّ بجنبه كثيراً من السجناء الذين منهم من هو متَّهم بالقتل، ومن هو متهم بالخمور والمخدرات؛ فمن هو متَّهم بنصرة دين الله، فإنَّه من باب أوْلى أحق أن يثبت، ونحن كانت تهمتنا: التهمة الأولى: أنَّنا لسنا مالكيين ولسنا أشعريين ولسنا جنيديِّين، بل نحن خارجون من هذا الثالوث؛ لأنَّا سلفيُّون، وفي كل وسائل الإعلام كانوا يشيرون لنا بأنَّنا وهابيُّون خارجون من الملَّة، ونحن صدَّقناهم وقلنا لهم: نعم! نحن خارجون من الملَّة التي انحرفت عما جاء به محمد #! كما قال شعيب ﵇: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ٨٩] ومن التهم كذلك: أنَّنا وراء بناء سبعة آلاف وخمسمائة مسجد! ومن وراء نشر الحجاب بين النساء! وهي تهم لا نتوب منها، ونسأل الله أن يتحقق مرادنا منها.
^: هل من كلمة أخيرة توجهونها لمجلة البيان؟
- أشكر مجلة البيان وأهلها الذين أعد نفسي منهم، وألحظ أن بين كل عدد وآخر تطوراً ملحوظاً إيجابياً، وأسأل الله أن يوفقهم لكل خير، ويبارك في جهودهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حين يمنُّ الله على المرء بالجلوس إلى هؤلاء الأعلام من رجالات الأمَّة، فإنَّه لا محالة سيشعر بأنَّ وقت اللقاء الذي دام قليلاً من الزمن، مضى كأنَّه نظم خرز انفرط فلم يشعر كم هي مدَّة الوقت الذي تساقطت فيه حبيبات الخرز!
стр. 5656
أزمة الخليج الرابعة هل تعيد الصراع بين الفرس والروم ..؟!
د. عبد العزيز كامل
كثيراً ما تختلط الأمور، وتختلف التفاسير، وتتعدد الاحتمالات في قضية من قضايا الأحداث المعاصرة، حتى يذهب الناس بسبب ذلك إلى تصور «سيناريوهات» متناقضة وضرب تخمينات متعارضة، تحت التأثر بتحليلات مرتجلة أو تسريبات متعمدة، وعند ذلك؛ ربما يكون الحل للوصول إلى رؤية أقرب للصواب، أن يلتجئ الباحثون إلى أمهات الحقيقة قبل بناتها، وإلى أصول الطريق بدل بُنَيَّانها، وإلى الثوابت والأصول قبل المتغيرات والتفريعات، حتى لا نتشعب في شؤون القضية أو نتيه في شجونها.
وقد مرت في العقود القليلة الماضية قضايا وأحداث كثيرة من هذا القبيل، تضاربت آراء الناس حولها من عامة وخاصة، حتى ضربت الأحداث الجميع بما كان الأكثرون لا يتوقعون ولا يصدقون، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما كان في حرب الخليج الأولى بعد الثورة الإيرانية، وما كان في حرب أفغانستان الأولى بعد الانسحاب الروسي، وما كان في حرب الخليج الثانية بعد الغزو العراقي للكويت، وما كان في حرب أفغانستان الثانية بعد أحداث سبتمبر، وما كان في حرب الخليج الثالثة، بعد الإرجاف بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل؛ فقد كان الناس في كل مرة يتساءلون بقلق: أتقع الحرب أم لا تقع ... ؟ أتثبت الأطراف على مواقفها أم تتراجع ... ؟ أيحدث الدمار والاحتلال، أم يتغلب العقل ويسود السلام ... ؟
واليوم تتجدد ظروف مشابهة، في أحوال مقلقة، تتعلق بكل من القضية الفلسطينية بعد فوز حماس، والقضية العراقية بعد بشائر الهزيمة الأمريكية، والمسألة الإيرانية بسبب ما استجد في ملفاتها النووية، وقبل ذلك كان الانشغال بالقضية السورية بعد اغتيال الحريري، لكن الشاغل الأكبر، والتساؤل الأخطر، تفرضه تداعيات الأزمة الإيرانية؛ لأنها باتت تمثل خطراً يفوق ما سبقه من الأخطار، أياً كانت الاحتمالات في الحرب أو تأجيلها أو حتى في إلغائها.
والظاهر أن الأزمة ـ ولا أقول الحرب ـ سيطول الجدال حولها، ولهذا فلا بأس من إطالة النَّفَس حول الغوص في خلفياتها؛ لمحاولة استجلاء مستجداتها وتداعياتها؛ فالقضية ليست تصعيداً ثنائياً بين طرفين يمكن أن تقتصر عليهما الأضرار والأوضار، ولكنها قضية ذات مخارج ومداخل إلى غيرها من القضايا والساحات.
ولا بد من العودة ـ كما سبقت الإشارة ـ إلى أصول المواقف وثوابتها لدى الأطراف، مع الإلمام بخلفياتها العقدية أو العنصرية والمصلحية، والإلماح إلى تطوراتها التاريخية.
والأزمة الإيرانية الحالية، لها أطراف متعددة؛ فالطرف الرئيسي فيها ـ بعد إيران ـ هو الولايات المتحدة الأمريكية، والطرف الثالث هم العرب، وبخاصة دول الجوار الإيراني، والطرف الرابع هو دولة اليهود (إسرائيل) ، والطرف الخامس هو ما يسمى بـ (المجتمع الدولي) ، وأبرز أعضائه فيما يتعلق بتلك الأزمة هو أوروبا وروسيا والصين.
ü نظرة في الخريطة الاعتقادية والعنصرية:
بالعودة إلى ثوابت المواقف في ضوء ذلك سنراها على ما يلي:
١ ـ هناك نِدِّيَّة تقليدية بين كل من الغرب النصراني والطرف الإيراني، وهذه الندية الضدية تعد امتداداً لما كان في سالف الزمان من صراع اعتقادي وعنصري بين الفرس والروم.
٢ ـ أن هذا الصراع بين الطرفين؛ كانت ساحته التقليدية عبر التاريخ، تمتد على طول المسافة بينهما من أقصى شرق العراق، إلى أقصى غرب الشام، وما يحاذيهما من أراضي شمال الجزيزة العربية، إضافة إلى ضفافها الشرقية.
٣ ـ أن الطرفين المتصارعين على الرغم مما بينهما من بغضاء وعداء على مر التاريخ، كانا ـ ولا يزالان ـ يشتركان في النظر إلى العرب نظرة دونية، ملؤها الاحتقار، وهاجسها السيطرة والاحتكار، وفق مصالح الطرفين فقط.
٤ ـ أن هذه الكراهية المشتركة والممتدة عبر التاريخ للعرب، كانت تمزج دائماً بين الحقد العنصري، والبغض العقائدي. فالفرس كانوا قبل الإسلام يزدرون العرب عنصرياً، وبعد الإسلام كانوا ـ إلا من طهره الله بالدين الصحيح ـ يتعالون على العرب دينياً ومذهبياً، ويحاولون أن يجعلوا من أنفسهم حماة دين الإسلام الذي اختصروه كله في محبة أهل البيت بزعمهم. وأما النصارى الغربيون، فقد كانوا قبل الإسلام وبعده يجمعون في موقفهم من العرب بين بغض عنصري وحضاري وبُعد ديني.
٥ ـ وأما الطرف الرابع، وهم اليهود، فلا يشك أحد في أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، سواء كانوا عرباً أو عجماً؛ غير أن بغضهم للعرب أشد؛ لأنهم يبغضونهم دينياً كمسلمين، وعنصرياً كعرب، وموقف هؤلاء المغضوب عليهم من النصارى الضالين معلوم، فهم ـ دائماً ـ يتخذون منهم حميراً تُركب للوصول إلى مآربهم، وموقف اليهود من الفرس قبل الإسلام كان فيه تقارب بسبب إعادة الفرس ليهود السبي البابلي إلى فلسطين، وأما بعد الإسلام، فإن بغض العروبة كعنصر، والسنَّة كمذهب، كان عاملاً مشتركاً بين اليهود وجمهور من الفرس المتشيعين، وهذه هي الأرضية التي بنى عليها عبد الله ابن سبأ اليهودي دعائم المذهب الشيعي، حيث حملها فئام من الفرس بحماس، وتصدروا لها بإصرار؛ لأنها ـ باختصار ـ تقوم على بغض يهودي فارسي للعرب، وكل ما يتفرع عن ذلك مجرد تفاصيل.
٦ ـ وأما ما يسمى بـ «المجتمع الدولي» بدوله الكبرى، فإن الكِِبْر يجمعها، والمصالح تفرقها، وهي وإن تلاقت مصالحها مع العرب حيناً، فإن غلبة العداوة تتغلب عليها أحياناً، ولا نستثني من ذلك الروس أو الصينيين، فلم يحدث أن أنصفوا المسلمين عموماً والعرب خصوصاً في أية قضية من قضاياهم المعاصرة، مع كامل قدرتهم على ذلك، لا بل إن سياسة الروس على وجه الخصوص، كانت دائماً الطعن في الظهر، مع التبسم في الوجه.
وخلاصة تلك المواقف، هي أن أهل السنة بعامة، والعرب منهم خاصة، هم مجمع عداء الجميع، وموضع مكر الجميع، في الماضي والحاضر والمستقبل، وعليهم جميعاً أن يعوا درس التاريخ في ذلك.
ü بين الفرس والروم ... إطلالة تاريخية ضرورية:
ربما يحتاج المقام في هذا المقال إلى إعادة وصفي (الفرس) و (الروم) للتعبير بهما عن الإيرانيين وأشباههم من جهة، وعن الأوروبيين والأمريكيين من جهة أخرى، ولا غضاضة عندنا ولا عند الأطراف المعنية في ذلك، فالإيرانيون لا يزالون ينتسبون إلى الفرس عنصرياً، وكان الفرس على مرّ الزمان فيهم مؤمنون أبرار، وفيهم منافقون، وفجار، وكفار، والإيرانيون اليوم يتيهون فخراً بحضارة فارس، ولغتها، ومقدساتها. وقد كانت إيران حتى مجيء الشاه رضا بهلوي تسمى (بلاد فارس) ، ولا يزال العالم يستغرب من إصرار إيران على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي.
والعرب قبل الإسلام، كانوا يبادلون الروم الشعور بالتعالي العنصري، فقد كانوا على ذلتهم وقلتهم يستنكفون أن يصاهروا العجم، حتى ولو كان العرب أدنى منهم وتحت هيمنتهم، ولما طلب (كسرى إبرويز) إحدى النساء من أسرة (ابن المنذر) ليتزوجها، رفض النعمان تزويجها لأعجمي، فاستعظم ذلك من أحد عماله، وعزم على الفتك بالنعمان، فتحالفت القبائل العربية مع المناذرة ضد الفرس، ووقعت معركة (ذي قار) التي انتصر فيها العرب على الفرس لأول مرة في التاريخ.
وقد درجت الشعوب على الاعتزاز بأصولها العنصرية مهما اختلفت أطوارها الاعتقادية، فالفرس سيظلون فرساً، والعرب سيبقون عرباً، والروم هم الروم، إلا أن الإسلام أراد قطع دابر التدابر والاختلاف والتفاضل بشأن تلك الانتماءات العنصرية التي لا اختيار للإنسان فيها، ودلَّ الناس على التنافس بما هو في وسع الإنسان وقدرته. قال عبد الله بن مسعود ﵁: «عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام. قال راوي الحديث: قلت: الروم؟ قال: نعم!» (١) ، وقال #: «تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون الروم، فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله» ، قال نافع: يا جابر! لا أرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم» (٢) ، وقال #: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ» (٣) ، وقال #: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس» (٤) وقال: «ستصالحون الروم صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم» (٥) .
وأما الروم الأوربيون الغربيون، ومن تفرع عنهم من الأمريكيين، فوصفهم بالروم قديماً، يبدو أنه سيعاد استعماله كلما تقارب الزمان، وقد قال النبي #: «ستصالحون الروم صلحاً آمناً، وتقاتلون معهم عدواً من غيركم ... » (٦) .
والروم عند العرب هم: الأمة التي تتكون من اليونان والرومان، المنحدرين من الأصل اللاتيني، وأول مواطنهم إيطاليا حالياً بعاصمتها (روما) . وبعد انتشارهم شرقاً وغرباً، كان العرب يطلقون على سكان أوروبا وآسيا الصغرى اسم الروم، دون نظر إلى الأصل اللاتيني، وباستمرار اتساع وجود الروم؛ هيمنوا على منطقة الشام، وكان العرب ينظرون إليها على أنها جزء من سلطان الروم.
وأما الفرس، فموطنهم القديم هو أرض إيران، فإيران تنسب إلى قبائل (الآريين) التي هاجرت من موطنها الأصلي جنوبي بحر الآرال إلى الهضاب المرتفعة أسفل بحر قزوين، فإيران معناها: موطن الآريين.
والجنس الآري والجنس السامي، هما الجنسان الرئيسان اللذان يعدهما العديد من المفكرين الغربيين أساس تقسيم شعوب العالم، ويذهب الكثير منهم إلى أن الجنس الآري متفوق على الجنس السامي، عقلياً ونفسياً، وهذه النظرة العنصرية التي تنطلق من تفوق العرق أو العنصر الآري، هي نفسها التي كان ينظر بها هتلر والنازية الألمانية، في سلوكهم العنصري المتعالي على البشر، وهي ذاتها التي كان ينظر بها الفرس إلى كل من: العرب والروم.
«يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (٧) .
ولقد كانت الصراعات سجالاً بين الفرس والروم، وكانت أكثر الأطراف الحاضرة في الصراع القديم هي نفسها الأطراف المتنافسة حالياً عرقياً ودينياً: فرس، وروم، وعرب، ويهود، ووثنيون، وكانت ساحة الصراع في الغالب تلك الأراضي الممتدة بين العراق، والشام، ومصر، وشرق جزيرة العرب.
ولما وقعت المنازلات بين المسلمين والروم في صدر الإسلام، كانت على أرض الشام، ولما أقبل المسلمون على نزال الفرس كانت المعارك الأولى على أرض العراق. فرحى التنافس التاريخي بين الفرس والروم، كانت دائماً تلك المناطق الثلاث من بلاد العرب، واليوم تكاد تتكرر الصورة، ونرى العراق أصبح ساحة تنافس بين الفرس والروم المعاصرين، دون أي اعتبار لسكان البلاد الأصليين، وكذلك تزداد ملامح التنافس بينهما على الشام وشرق الجزيرة العربية لتكشف أن هناك استقطاباً بين المتحالفين مع الفرس، وبين المتحالفين مع الروم.
ومن العجيب أن فارس والروم سيظلان عدواً للمسلمين في العراق والشام، حتى إن الحصار الشديد الذي يفرض وسيفرض على المسلمين في البلدين، سيكون منهما، كما قال النبي #: «يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أىن ذلك؟ قال: من قِبَل العجم، يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يجلب إليهم دينار ولا مدى، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل الروم» (٨) .
وهناك فصول من التاريخ: قديمه، ووسيطه، وحديثه تحكي طبيعة ذلك الصراع المزمن، الذي إن تجمَّد مرة بين بعض الأطراف، فإنه سرعان ما يعود مرات وكرات. وسأذكر أبرز تلك المحطات بدءاً من الزمن القديم، مروراً بالوسيط، ووصولاً للعصر الحديث؛ لكي نربط ذلك بعصرنا الراهن، وربما ما يأتي بعده.
ü حرب الخليج الأولى وبواكير الصراع الجديد:
بدأت دورة جديدة من الصراع بين الفرس والروم بمجيء الخميني، فبعد أقل من عام على بدء الثورة، اقتحم الطلبة الإيرانيون (الطالبان الشيعة) سفارة أمريكا في طهران واحتجزوا ٥٢ رهينة من الأمريكيين، وحاولت الولايات المتحدة الأمريكية تحريرهم بالقوة في عملية عسكرية خاطفة، إلا أن العملية فشلت، وتسبب فشلها في إسقاط الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) في الانتخابات الثانية، وقطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، وبدأت تمارس عليها ضغوطاً اقتصادية شديدة، فرد (الخميني) بإعلان ثورة ثقافية؛ لتخليص إيران من آثار الحقبة البهلوية التي أغرقت البلاد في التغريب، وقد اقتضت هذه الثورة أن تغلق الجامعات والمعاهد العليا لمدة عامين، ريثما تتغير البيئة التعليمية ليعاد بناؤها على أسس شيعية فارسية صرفة، وهو ما أنشأ جيلاً كاملاً حاملاً للتعصب الشيعي بخلفيات فارسية عنصرية.
وقد أثارت الأحداث الملتهبة للثورة الإيرانية، موجة من الحماس في العالم الإسلامي مع تلك الثورة، إلا أن الوعي العام للأمة لم يكن كافياً لإدراك أن تلك الثورة «الإسلامية» لم تكن إلا ثورة مذهبية شيعية، تعمل لحساب الشيعة فقط؛ بل لحساب الشيعة الفرس فقط، وهذا ما أثبتته الأيام والوقائع، ولا زالت تثبته.
شاء الله ـ تعالى ـ أن تكون إلى جوار تلك الدولة الفتية الناشئة على القومية الفارسية بغلو ظاهر، دولة أخرى تحاول تَزَعُّم العرب تحت راية القومية العربية بغلو لا يقل عن غلو الفرس في قوميتهم. وحاول الروم استغلال نتن الجاهليتين: الفارسية والعربية، غير مغفلين تأجيج الخلافات المذهبية للإيقاع بينهما في حرب ضروس، تستنزف أرواح، وأموال، ومقدرات البلدين، بل ما حولهما من البلدان.
وفي وقت كان فيه (صدام حسين) أحد «عمال» الروم في بلاد العرب، أغرت أمريكا (صدام) بالتحرش بإيران، فاستغل (صدام) بعض النزاعات الحدودية، وهاجم غرب إيران في ٢٢ سبتمبر ١٩٨٠م؛ لتبدأ بعدها حرب طويلة بين العراق وإيران، كانت صورة مصغرة من الحروب القديمة بين الفرس والروم، حيث وقف الروم بكل ثِقَلِهم وراء العرب، أو بالأحرى وراء الضغط على العرب؛ لكي يحرز الروم الجدد انتصاراً ضد الفرس الجدد، بدماء وأرواح العرب والمسلمين وفي أكثر بلدانهم ثراء ورخاء. واستمرت الحرب في شدّتها وحدتها مدة ثمانية أعوام؛ لتكون أطول حروب القرن العشرين.
وبما أن العرب والفرس معاً كانوا ولا يزالون من ألد أعداء الروم على التاريخ، فقد حرصت الولايات المتحدة على ألا تسفر هذه الحرب عن انتصار أحد من الطرفين؛ بل كانت سياستها المعلنة أن يُهلك كل من الطرفين الآخر، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي اليهودي الأسبق (هنري كيسنجر) عندما قال: «استراتيجيتنا في هذه الحرب، ألا تنتصر إيران، وألا يهزم العراق» . وظل الأمريكيون يؤججون نيران هذه الحرب بأشلاء ودماء الضحايا من الطرفين، حتى زاد عدد قتلاها عن مليون قتيل، والسلاح الذي كان يتقاتل به الطرفان كان يأتيهما من أعداء الأمس، روسيا وأمريكا، فأمريكا كانت تدعم العراق بسلاحها، وروسيا كانت تدعم إيران. بل كانت الولايات المتحدة تمد الطرفين معاً بالسلاح، في فضيحة اشتهرت بفضيحة «إيران كونترا» .
وقد تسببت تلك الحرب في تعطيل المد الثوري الإيراني، وتفنن (صدام حسين) في كسر كبرياء الشيعة الفرس، وهو ما أمد شياطين الفُرقة بطاقة رهيبة من البغضاء والحقد، صبوها مباشرة في أفئدة الشيعة في العالم على كل ما يمت إلى العرب السُّنة بصلة؛ مع أن السنة والعروبة بريئان من تلك العنجهية الجاهلية التي قاتلت باسم القومية العربية ضد القومية الفارسية لحساب الروم.
وانتهت حرب الخليج الأولى بلا غالب ولا مغلوب كما أحب الأمريكان، وتجرع (الخميني) مرارة الهزيمة التي عبر عنها أثناء توقيع الهدنة بأنها: أسوأ من كأس السم؛ ليضاف ثأر آخر من ثارات الشيعة أو «ثارات الحسين» التي ظلت تنتظر ظرفاً مناسباً تنفّس فيه عن نفسها.
وقد خرج (صدام حسين) من هذه الحرب أقوى مما كان قبلها، برغم عدم إحرازه نصراً حاسماً على إيران، ولم تكن هذه القوة العراقية الجديدة داخلة في حسابات الأمريكان، فأغروا (صدام) بمغامرة أخطر من مغامرته ضد إيران، بأن أعطوه ضوءاً أخضر لاحتلال إحدى أكثر الدول دعماً له أثناء حربه مع إيران وهي الكويت، وعندما ألمح الرئيس العراقي (صدام حسين) للسفيرة الأميركية في بغداد (أبريل جلاسبي) بأنه: قد يقوم بعمل ضد الكويت لاعتدائها على نفط العراق، ألمحت تلك السفيرة له بأن: هذا شأن عربي داخلي، لا شأن لأمريكا به!! والتقم (صدام) الطعم طائعاً، وسارع إلى تحريك قواته لغزو الكويت، فدخل عاصمتها في شهر أغسطس ١٩٩٠م. ووفر بذلك فرصة نادرة للولايات المتحدة؛ لتحشد حلفاءها من الروم، والعرب، والعجم؛ كي تقضي على قوة (صدام) التي أنفقت لبنائها مئات المليارات من ثروات العرب والمسلمين.
وكان طبيعياً أن تفرح إيران بتلك الحرب، وتستغل أجواءها وأصداءها.
وقد حاول (صدام حسين) أن يحسِّن من علاقته مع إيران، فأمر بالإفراج عن آلاف الأسرى، ثم أرسل عدداً من الطائرات الحربية المقاتلة لتأمينها في إيران من القصف الأمريكي، غير أن إيران صادرتها ولم تُعِدْها للعراق.
وبعد حرب الخليج الثانية، وإخراج (صدام) من الكويت، بدأت الولايات المتحدة مرحلة من التحرش بالبلدين معاً، وبدأت استراتيجية احتواء مزدوج لهما، ففرضت على العراق حظراً جوياً، وبحرياً، وتجارياً، استمر حتى حرب الخليج الثالثة عام ٢٠٠٣م. وتسبب الحصار في إعادة العراق إلى حالة من الفقر والتخلف لم تمر عليها قط، وتسبب ـ أيضاً ـ في قتل الآلاف المؤلفة من العراقيين لعدم توافر الدواء، وكان منهم نحو نصف مليون طفل عراقي.
وفرضت أمريكا أيضاً حظراً على جميع أنواع التجارة مع إيران في ٦ مايو ١٩٩٥م، وبعد ذلك بعام أصدرت قانوناً يعاقب أي شركة في العالم تستثمر في إيران، وبدأت أمريكا في الوقت نفسه تدعم توجهاً بدا مسالماً للغرب داخل إيران، وهو التيار الإصلاحي الذي جاء بـ (محمد خاتمي) إلى السلطة في ٢٣ مايو ١٩٩٧م. وقد وقعت إيران بعد مجيئه في حالة استقطاب بين: من يرغبون في التهدئة مع الغرب وهم الإصلاحيون، ومن يرغبون في التشدد معه، لكن أجواء الأحداث العالمية غلبت صوت المتشددين، خاصة بعد أن وضعت الولايات المتحدة الأمريكية إيران كضلع ثانٍ في محور الشرِّ الثلاثي: العراق، وإيران، وكوريا الشمالية، وهو محور يرمز إلى عداوة الفرس، والعرب، والصينيين، أشد الأعداء مع الأمريكان من النواحي الدينية والعنصرية، وبدا أن الولايات المتحدة التي قضت على الضلع الأول من المحور وهو العراق من خلال حربي الخليج الثانية والثالثة، تريد أن تهيئ لحرب خليج رابعة، تقضي فيها على الضلع الثاني من محور الشر كما أسمته.
وقد أفرز هذا الجو المشحون، مجيء قيادة إيرانية ثورية، أعادت الصراع بين إيران والغرب بقيادة أمريكا إلى المربع الأول ... ليبدأ الفصل الأكثر إثارة وجسارة، وربما خسارة بين الفرس والروم المعاصرين، غير بعيد عن أرض العرب، وثروات العرب، وشعوب العرب.
فما هي الاحتمالات؟ وما هي الاستعدادات؟ وما هي التداعيات؟
هذا ما سوف نتناوله في عدد قادم بإذن الله.
стр. 5657
النفط مقابل الغذاء على الطريقة الفلسطينية
د. يوسف كامل إبراهيم
في الوقت الذي احتفل فيه العالم بيوم العمال العالمي كتجسيد من الشعوب بوقفتهم إلى جانب العمال ـ في هذا الوقت ـ ليس أفضل وأدل من الوقوف إلى جانب العامل من إعطائه حقه قبل أن يجف عرقه؛ كما دلت عليه الشرائع الإلهية، ونصت عليه القوانين الدولية في نصوص العهد الاقتصادي والاجتماعي لحقوق الإنسان.
ولكن الأمر مختلف مع أبناء الشعب الفلسطيني الذي يعاقب فيه الشعب بأكمله من عمال وموظفين بحرمانهم من مرتباتهم؛ وذلك؛ لأنهم مارسوا العملية الديموقراطية ببراعة تامة، وبنجاح منقطع النظير، وتحت إشراف دولي وشخصيات أمريكية. ولأن نتائج الانتخابات الفلسطينية لم تأتِ على المقاس الأمريكي والأوروبي؛ بدأت أمريكا ـ ووقف خلفها دول أوربية ـ بالتفنن بملاحقة الحكومة الفلسطينية الإسلامية ومحاصرتها؛ للضغط عليها، وابتزازها سياسياً، وبسبب وقوف أبناء الشعب الفلسطيني إلى جانب حكومته المنتخبة، والصبر عليها في ترتيب أوضاعها حتى يتسنى بها السير قدماً؛ فوجئ العالم بوصول الحقد الأمريكي والأوروبي إلى حد تهديد البنوك التي ترغب في مساعدة الحكومة على تخطي أزمتها المالية؛ بالحصار والملاحقة في حال تعاملت مع الحكومة الجديدة. ووصلت آخر الابتكارات لحل أزمة الرواتب إلى اقتراحات من بينها: تأسيس صندوق مالي بإشراف البنك الدولي لدفع الرواتب، أو عن طريق جامعة الدول العربية التي ستقوم بضخ الأموال في حساب كل موظف على حده؛ وكأن الحكومة الفلسطينية ليس لها دخل في ذلك، وأن الموظفين الفلسطينيين هم موظفون في البنك الدولي أو جامعة الدول العربية، وأن الذي سيتحكم في المرتبات والعلاوات بعد ذلك هو البنك الدولي، أو جامعة الدول العربية، ومن ثم في المستقبل سيتم التحكم في الموظفين الجدد من حيث، عددهم، والوزارات التي ينتمون لها، وقد يصل الأمر للسؤال عن الانتماء السياسي للموظف؛ لكي ينزل له المرتب أو لا؟ ومن ثم التحكم في الموظف بناء على المعلومات التي يحصل عليها البنك الدولي، أو أي جهة كانت قد تشرف على التحكم في مرتبات الموظفين في المستقبل.
وباستشراف صورة وحال هذا الابتكار فمن المتوقع أن يكون هدف هذا البرنامج: سلب صلاحيات الحكومة من حيث الجوانب المالية، والإدارية للموظف، وهو الأمر الذي قد يدفع الموظف للتمرد على المسئولين المباشرين له؛ اعتقاداً منه أن راتبه قادم له من البنك الدولي، أو جامعة الدول العربية، وقد يكون لذلك انعكاساته السياسية فيما بعد. ولم يكن هذا الاقتراح إلا على شاكلة برنامج النفط مقابل الغذاء والذي نفذته الأمم المتحدة على العراق، وأصبح برنامج النفط مقابل الغذاء من أكبر البرامج في تاريخ الأمم المتحدة. وفي إطار توجيهات مجلس الأمن، تم تخصيص ٧٢% من عائدات صادرات النفط العراقي لتمويل برنامج النفط مقابل الغذاء، أما الباقي فلا يُعرف أين يذهب؟ وقد اكتشف لاحقاً حجم الفساد الذي أصاب هذا البرنامج، وحجم خطورته السياسية والاقتصادية، فقد كشفت اللجنة المستقلة التي كلفتها الأمم المتحدة للتحقيق في التلاعب في برنامج النفط مقابل الغذاء، حيث اتهمت شخصيات بحصولها علي عمولات مالية، وحصول بعض الشركات النفطية على النفط بأسعار زهيدة جدا. ولم يكن حال الشعب العراقي وأطفاله في رخاء وسخاء من وراء هذا البرنامج، وإنما بقي أطفال العراق يتعرضون للموت؛ بسبب نقص الكثير من المواد الغذائية، والحليب، والأدوية التي لم يكفل هذا البرنامج بتوفيرها حسب حاجات الشعب العراقي؛ وبسبب الفساد الذي أصاب هذا البرنامج، وهكذا كانت فضيحة النفط مقابل الغذاء والذي ذهب ضحيتها العراقيون بهدر ثرواتهم وحرمانهم منها.
ولم يكن يقصد من هذا البرنامج سوى التحكم في لقمة العيش مقابل التحكم في موارد العراق، والتحكم في قراره السياسي. فالإدارة الأمريكية تشرف وتتابع الحياة السياسية في العراق، وتفرض من الشخصيات والقيادات على الحياة السياسية ما تريد.
وعلى الصورة نفسها تأتي الحالة الفلسطينية حيث إرهاصات برنامج المرتبات مقابل التخلي عن الحكومة، أو المرتبات والغذاء مقابل التنازل والتخلي عن الحكومة. ولكن التجربة تقول: أن الشعب الفلسطيني لم يكن في يوم من الأيام الحصارُ الاقتصادي أو التجويعُ سبباً في تنازله؛ فقد صبر سنوات طويلة تحت الحصار، والملاحقة، والتدمير للبيوت والمنشآت والمصانع، وتجريف الأراضي من قبل المحتل، وأنه قادر على تخطي هذه الظروف، وانتصاره في معركة الإيرادات تنبئ بأن هذا الشعب قادر على الصمود في معركة التجويع أو إذلاله. وأثبتت التجربة عبر التاريخ أن الشعب ـ فيما نحسب ـ سيبقى ـ بإذن الله ـ متمسكاً بقيادته وحكومته الحالية، كما أثبت عبر السنوات الماضية تمسكه بحكومته، وسيكون كذلك في ظل الحصار الخارجي التي تقوده أمريكا والدول الأوربية في الوقت الحالي.
العدد ٢٢٦
стр. 5658
خلفيات وقائع وأحداث مقديشو
(١-٢)
الشيخ محمود عيسى
لم يكن خافياً في يوم من الأيام أن زعماء الحرب الأهلية في الصومال ـ خصوصاً أولئك الموجودون في مقديشو ـ لهم علاقات مشبوهة مع أجهزة استخبارات عالمية وإقليمية، وكانت أبرز تلك العلاقات المشبوهة ما أشار إليه تقرير مجموعة الأزمات الدولية ernational Crisis Group (I.C.G) التي ذكرت بأن: مقديشو يتصارع فيها أجهزة استخبارات إثيوبية وأوربية وأمريكية، وبلغت العلاقات المشبوهة ذروتها بعد المواجهات الدامية بين: زعيم الحرب (بشير راجي شيرار) وبين التاجر المعروف (أبي بكر عمر عدان) رئيس مرفأ عيل معان الواقع قرب العاصمة مقديشو من ناحية الشمال، وقد تمكن (بشير راجي) من الاستيلاء على معاقل التاجر المذكور، وبعض سياراته المُصفَّحة وما عليها من أسلحة وذخائر، وبما أن الرجلين ينتميان إلى عشيرة واحدة فقد حاول الأعيان تدارك الموقف واحتوائه، واتصلوا بـ (بشير) ، وطلبوا منه أن يرد ما استولى عليه؛ إلا أنه رفض معللاً: بأن الأمور قد خرجت من يديه؛ لأنه قد أبلغ الأمريكيين بأن هذه السيارات وما عليها لخلية تابعة للقاعدة، وعوضاً عن ذلك فإنه على استعداد تام لدفع قيمة السيارات. وكان رد (أبي بكر عمر) بأنه: ليس في حاجة إلى تعويض مالي، وأنه قادر على استرداد كل ما فقده بعينه؛ إلا أنه يود أن يعطي فرصة لأعيان العشيرة. وبعد أن باءت جهود العشائر بالفشل الذريع لإصرار (بشير) بأن الولايات المتحدة هي التي ترفض ذلك؛ توجه مندوب من (أبي بكر عمر) إلى السفارة الأمريكية في جيبوتي للوقوف على حقيقة تلك المزاعم، والتقى بمسئولين أمريكيين في السفارة الذين طلبوا منه بدورهم التنازل عن الأسلحة والسيارات لصالحها واعتبارها في حوزة أمريكا، ورفض المندوب ذلك قائلاً: بأن سياراته في يد (بشير) ، ولا يزال قادراً على استردادها، وليست في يد أمريكا كما تزعمون. وعلى العموم رجع المندوب إلى مقديشو، وقد تأكد لديه ضلوع السفارة الأمريكية في الحرب.
وفي ١٨/٢/٢٠٠٦ م أعلنت مجموعة من زعماء الحرب تتكون من ٩ عناصر عن تأسيس تحالف سموه بـ (تحالف محاربة الإرهاب وإعادة الأمن) ، وهذه أسماؤهم:
١ ـ (محمد قنيري أفرح Qanyare) وزير الأمن الوطني في الحكومة الانتقالية الحالية.
٢ ـ (موسى سُودِي يلَحُو) وزير التجارة في الحكومة الانتقالية الحالية.
٣ ـ (عمر محمد محمود «فنش» Finish) وزير الأوقاف والشئون الدينية في الحكومة الانتقالية الحالية.
٤ ـ (بوتان عيسى عالم) وزير وزارة نزع السلاح، وتأهيل المليشيات في الحكومة الانتقالية الحالية.
٥ ـ (بشير راجي شيرار) أحد أمراء الحرب في مقديشو.
٦ ـ (عبد الرشيد آدم شري «القيتي» Ilqayte) رجل الأعمال، ومالك الفندق الصحفي.
٧ ـ (وعبد الشكور علي حرزي) زعيم حرب جديد.
٨ ـ (عبدي نوري زياد «عبدي وال» Abdi Waal) .
٩ ـ (عيسى عثمان) زعيم حرب جديد.
وقد انضم إليهم اثنان آخران، وهما:
١٠ ـ (محمد عمر حبيب «محمد طيري» Mohamed dheere) حاكم محافظة شبيلي الوسطى.
١١ ـ (عبد حسن عواله «قيبديد» qeybdiid) المرشح لتولي منصب قائد البوليس.
وأشار الإعلان إلى أن هذا التحالف كان قد بدأ معاركه حتى قبل تأسيسه، وأن المواجهات التي حدثت بين (بشير راجي شيرار) عضو التحالف وبين (أبي بكر عمر عدان) كانت الشرارة الأولى للحرب، وفي اليوم نفسه شن التحالف حرباً على المحاكم الإسلامية، وهاجم معاقلها في الأجزاء الغربية من العاصمة، وكان الصِدام مروعاً، وشديد الوطأة، أسفر بعد حرب دامت أربعة أيام عن هزيمة ثقيلة للتحالف، وانتصار كبير لقوات المحاكم الإسلامية، ولعل أبرز ما أدى إليه يتمثل في الآتي:
١ ـ إغلاق مطار داينيلي Daynile التابع لـ (محمد قنيري أفرح) زعيم الحرب البارز ووزير الأمن الوطني والركن الركين للتحالف.
٢ ـ تشديد الخناق على مقره.
٣ ـ سيطرة المحاكم الإسلامية على معظم الطرق الرئيسة في مقديشو.
٤ ـ بروز الولاء الذي يكُنُّه أهل العاصمة للمحاكم الإسلامية حيث تطوع الآلاف من أجل الدفاع عنها.
وكما هي عادة الحروب في البلاد فإن العشائر حاولت إخماد نار الحرب، وأعلن اتحاد المحاكم الإسلامية ترحيبه بأي مبادرة تؤدي إلى حقن الدماء بشرط: أن يمتنع قادة التحالف عن محاولاتهم الفاشلة من قتل وتسليم قادة المحاكم الإسلامية وعلماء الإسلام في البلد إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى الرغم من السعي الحثيث من قبل زعماء العشائر نحو الصلح إلا أن جهودهم كلها باءت بالفشل؛ بسبب تعنت قادة التحالف الذين رفضوا مقترحات الحل، وضربوا بها عرض الحائط.
وكانت مقترحات الحل كالتالي:
١ ـ حَلُّ التحالف الذي لم يؤدِ إلا إلى إراقة الدماء.
٢ ـ الموافقة على المصالحة مع المحاكم الإسلامية.
٣ ـ إعلان وقف إطلاق النار شفاهة عبر الإذاعات أو الكتابة في الصحف.
وكل هذه المقترحات رفضها التحالف قائلاً:
١ ـ أنه لا يمكنهم حل هذا التحالف أو نقضه بحجة أنه اتفاق مع الولايات المتحدة.
٢ ـ كما أنهم لا يستطيعون إعلان الصلح مع من سمَّوَهم بـ (الإرهابيين) .
٣ ـ أن إعلان وقف إطلاق النار لا يمكن؛ لأنه يتناقض مع أهداف التحالف.
وبطبيعة الحال فإن الحرب توقفت بعد أن عجز التحالف عن الاستمرار فيها، وجاء زعماء العشائر المقربون لـ (محمد قنيري) وتعهدوا بأنهم: يمارسون الضغط عليه، حتى لا يطلق نارًا تجاه قوات المحاكم، ووافقت المحاكم الإسلامية على ذلك.
وحينما وصلت الأمور إلى طريق مسدود تشاور وجهاء العاصمة من: مشائخ، وزعماء العشائر، والتجار، ومؤسسات المجتمع المدني، وبعد لقاءات مطولة توصلوا إلى قرارين:
١ ـ الاعتبار بأن هذه الحرب حرب بالوكالة؛ حيث إن الأموال الأمريكية هي السند الوحيد لزعماء الحرب (إياهم) لمواصلة حربهم.
٢ ـ تشكيل وفد رفيع من هذه الشرائح يتوجه إلى جيبوتي لعقد لقاء مع قائد القوات الأمريكية المتمركزة في جيبوتي.
وبناءً على ذلك تم تشكيل هذا الوفد من ممثلي شركات الاتصالات، والحوالات، والمشائخ، وزعماء العشائر، ومؤسسات المجتمع المدني، والتقوا بمسئولين أمريكيين، ونقلوا إليهم تصور أهل مقديشو للأحداث الأخيرة، وكانت كالتالي:
١ ـ إننا نعتقد أنكم المشعلون هذه الحرب علينا بالوكالة.
٢ ـ إننا نطلب منكم أن توقفوها، وتدفعوا تعويضاً عن الخسائر التي نتجت عنها.
٣ ـ إننا لا نعادي أمريكا، ولا نريد أن تتضرر مصالحنا في ذلك.
٤ ـ إن الجهة الوحيدة القادرة على ضبط الأمور في العاصمة هم الوجهاء، وليس زعماء الحرب المكروهين من قبل الشعب.
وقد أنكر الجانب الأمريكي هذه الحقائق كلها، وقالوا: إن الصومال لا تقع ضمن نطاق عملهم، ولا علاقة لهم بزعماء الحرب، ثم أردفوا بسؤالين هما:
١ ـ ما موقفكم من الحكومة الصومالية الانتقالية؟
٢ ـ ما الذي نستطيع أن نساعدكم عليه؟
وكان الرد بأن: الحكومة حكومة صومالية ونحن نؤيدها، وأن أفضل مساعدة يمكنكم أن تقدموها لنا هي تأييد حكومتنا، وتمكينها من بسط سيطرتها على ربوع البلاد حتى تتمكن من إعادة الأمن، والاستقرار، وقمع كل الخارجين على المجتمع.
والخلاصة: أن هذا اللقاء كان لتوضيح المواقف، وإن لم يؤدِ إلى نتائج ذات قيمة.
وبعدها بأسابيع اندلع القتال بين المحاكم الإسلامية والتحالف في الضاحية الشمالية من العاصمة، وبعد مواجهات عنيفة ولمدة خمسة أيام مُنِيَ التحالف بهزيمة لا تقارن بالسابق سواءً من حيث الإصابات والعتاد والمواقع التي فقدها، وكان أبرز نتائجها:
١ ـ إغلاق مطار زعيم الحرب (بشير راجي شيرار) .
٢ ـ طرد التحالف من المواقع التي استولوا عليه في المواجهة السابقة مع رجل الأعمال (أبي بكر عمر عدان) .
٣ ـ تكبد التحالف خسائر في الأرواح غير مسبوقة؛ إلا أن هذه المواجهات حصدت من أرواح الأبرياء أعداداً كثيرةً بلغت المئات.
هذا وقد اتضح للتحالف أن المواجهات التي تقع في المناطق المكشوفة ليست لصالحهم، وبالتالي اتخذوا استراتيجية مفادها القتال وسط المدنيين؛ اعتقاداً منهم بأن ضراوة الحرب ستؤدي إلى نفور الناس من المحاكم الإسلامية، ولكن خاب ظنهم؛ إذ أن هذه المعارك مازادت الناس إلا التفافاً حول المحاكم، مما مكَّن المحاكم من بسط سيطرتها على معظم العاصمة (حوالي٨٠%) .
وفي يوم السبت ١٣/٥/٢٠٠٦م حدثت مواجهات افتعلها التحالف وسط منطقة آهلة بالسكان أدت إلى خسائر فادحة في الأرواح لا سيما بعد أن استخدم التحالف مدافع الهاون المخصصة لإخراج القوات المعادية من الخنادق؛ إلا أنهم استخدموها لضرب المدنيين بصورة عشوائية مما أوقع خسائر بشرية فادحة في صفوف المدنيين، والإصابات أعلى بكثير مما بثته أجهزة الإعلام، فالوفيات تجاوزت المئتين.
وعلى الرغم من تلك الخسائر لهذه المعركة إلا أنهم يصرون ـ أيضاً ـ على عدم إيقاف الحرب، ولا يرغبون في التفاوض مع من يسمونهم بـ (الإرهابيين) ؛ بل رفضوا حتى وقف إطلاق النار.
وفي يوم الخميس ٢٥ مايو ٢٠٠٦ م شن التحالف هجوماً مفاجئاً على قوات المحاكم الإسلامية من ست جبهات متعددة من داخل العاصمة مقديشو وضواحيها؛ وتصدت قوات المحاكم الإسلامية التي تتلقى دعماً من الشعب تلك الهجمات بضراوة، وكبّدت بعد حرب دامت أربع ساعات قوات التحالف خسائر فادحة، فقد التحالف من جرائها السيطرة على مناطق حيوية في مقديشو، وقتل ثلاثة من قادته الميدانيين، إضافة إلى الأسلحة والدخائر التي استولت عليها قوات المحاكم الإسلامية، كما حققت انتصارات ـ أيضاً ـ في المواقع الأخرى، وكانت النتيجة كالآتي:
١ ـ الاستيلاء على تقاطع الطرق الرئيسة ذي الأهمية الاستراتيجية في مقديشو (٤ كيلو متر) ؛ الرابط الوحيد بين مواقع عناصر التحالف؛ مما وضع عائقاً على تحركاتهم وأنشطتهم العسكرية، واحتبست قواتهم على أجزاء متفرقة من العاصمة.
٢ ـ الاستيلاء على معاقل ثلاثة من التحالف، وهم: عبد الرشيد آدم شري (القيتي) ، وعبدي نوري زياد (عبدي وال) ، وعبد الشكور علي حرزي.
٣ ـ السيطرة على الفندق الصحفي معقل التحالف الذي غالباً ما يعقد فيه اجتماعاته، ويتلقى تعليماته من المخابرات الأمريكية، ويكيد مؤامراته ضد الشعب الصومالي المسلم.
٤ ـ الهزيمة النفسية التي لحقت بأفراد قوات التحالف بعد الهزائم المتلاحقة في ميادين القتال كلها، إضافة إلى الشكوك التي تنتاب قواته؛ حيث ينمو بينهم شعور أنهم إن قتلوا في هذه الحروب يخسرون الدنيا والآخرة.
٦ ـ الحصول على الثقة من قبل الشعب الذي ازداد إداركه من أن الدافع الحقيقي للتحالف على هذا الحرب هي الأموال التي يتلقاها من أمريكا؛ لإبادته على سبب مزاعم وهمية لا حقيقة لها؛ وأن هذه الحرب انتقام من أمريكا على ما فقدته من جنودها في الصومال عام ١٩٩٣م، كما أنه جزء من الحرب التي تُشن على الشعوب الإسلامية.
وبعد هذا كله لم يفق قادة التحالف عن غيهم العميق، ولم ينتهوا عن بغيتهم الشنيعة من مطاردة، وقتل، وتسليم قادة المحاكم والعلماء للمخابرات الأمريكية؛ بل أصروا على ذلك، ولم يلقوا بالاً لمطالب الوسطاء من الشعب الذين ينادون دائماً بوقف إطلاق النار، والالتقاء على طاولة المفاوضات، وحل القضية سلمياً.
وفي يوم الأربعاء ٣١ مايو ٢٠٠٦ م واصلت قوات المحاكم الإسلامية زحفها نحو مواقع التحالف، واصطدمت مع مليشياته في حي سوق المواشي Animal market الواقع شمال مقديشو الذي يسيطر عليه وزير نزع السلاح وتأهيل المليشيات في الحكومة الانتقالية الحالية (بوتان عيسى عالم) العضو البارز من التحالف، وبعد فترة وجيزة ـ قامت فيها حرب ضرورس ـ انتصرت قوات المحاكم على أعدائها، وألحقت بهم خسائر كبيرة، واستولت على عدد من العربات، والأسلحة الثقيلة، والخفيفة، والذخائر، وكانت النتيجة كالآتي:
١ ـ الاستيلاء على معقل عنصر التحالف (بوتان عيسى) الوزير المذكور، وجميع مواقع قواته.
٢ ـ السيطرة على طريق بلعد الرئيسي الذي يربط العاصمة مقديشو بوسط البلاد وشمالها.
كما أن الانتصارات التي تحققها قوات المحاكم الإسلامية المساندة من قبل الشعب تتوالى كل يوم، فسيطرت يوم ٤/٦/٢٠٠٦م على مدينة بلعد الواقعة على نهر شبيلي على بعد ٣٠ كلم شمالا من مقديشو، وعدد كبير من القرى المحيطة بها الواقعة على طول الشارع الرئيسي الذي يربط العاصمة بالمحافظات الوسطى والشمالية، إضافة إلى القاعدة العسكرية (هيل وين) .
ونظمت الجموع الغفيرة من سكان بلعد والقرى المجاورة لها مسيرات شعبية واسعة تعبيراً عن فرحتها، وتأييدها، وترحيبها لقوات المحاكم الإسلامية التي ما زالت تطارد فلول مليشيات التحالف المشئوم من قبل المواطنين؛ لأن أعضاءه صاروا دائماً عقبة أداء أمام كل مصالحة وطنية شاملة.
وكان في طليعة الفارين (محمد قنيري) و (بوتان عيسى عالم) اللذين وصلا في آخر مرحلة إلى مدينة (جوهر) عاصمة شبيلي الوسطى التي كان يسيطر عليها (محمد عمر حبيب «محمد طيري» ) العضو الكبير من التحالف، وتمركزت مليشياتهم هناك على الرغم من أن قوات المحاكم الإسلامية على مقربة منها، ويمكن في أي لحظة أن تصطدم معها لتحرير مدينة جوهر نفسها ومحافطة شبيلي الوسطى عموماً، وتطهيرها من دنس التحالف الذي ما زال يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقادته يبحثون عن ملجأ ومأمن لأنفسهم.
وعلى صعيد آخر داخل مقديشو؛ استولت قوات المحاكم الإسلامية على داينيلي وبعض جيوب أخرى في مقديشو التي كانت تحت نفوذ التحالف وخاصة (محمد قنيري أفرح) بعد أن استسلمت المليشيات الموجودة هناك، وسلمت أسلحتها كلها للمحاكم بدون أي مقاومة تذكر، كما يرجى أن تحذو حذو ذلك أحياء أخرى في مقديشو مازالت تحت قوة مليشيات التحالف.
الجدير بالذكر أن العاصمة مقديشو تشهد تحولاً تاريخياً بعد انهيار قوة زعماء الحرب، وبروز قوة إسلامية تعتزم إعادة الأمن في مقديشو مما يبعث الأمل في سكانها بعد ١٦ سنة من الفوضى وعدم الاستقرار، وتعتزم هذه القوة الإسلامية تشكيل هيكل إداري في العاصمة مقديشو، وأيضاً بدء حوار مع كل الأطراف المعنية بالمصالحة الصومالية، وقال رئيس اتحاد المحاكم الإسلامية (شريف الشيخ أحمد) في مؤتمر صحفي عقده يوم الأحد بتاريخ ٤/٦/٢٠٠٦م: (إنه يقدم الشكر بعد الله إلى الشعب الصومالي الذي وقف مع المحاكم الإسلامية في حربها مع التحالف الذي انتهك حقوقه وكرامته) ، وقال في معرض حديثه: (إننا لا نريد أن نستأثر بالسلطة وإدارة البلاد دون مشاركة الأعيان، والوجهاء، والمثقفين) ، وعبَّر عن: (أن المحاكم الإسلامية مستعدة للتفاوض مع كل من يعمل لمصلحة الشعب الصومالي) في إشارة واضحة إلى الحكومة الصومالية الانتقالية التي تتخذ مقراً مؤقتاً لها في مدينة (بيدوا) على بعد ٢٤٠ كلم من مقديشو.
ü موقف قادة التحالف من الحكومة المؤقتة:
من المعلوم أن أربعة من عناصر هذا التحالف هم وزراء في الحكومة وأعضاء في البرلمان الذي تشكل في كينيا، ولكنهم كانوا العقبة الرئيسة أمام انتقال الحكومة الفيدرالية إلى العاصمة، ثم رفضوا الانتقال إلى مدينة جوهر عاصمة محافظة شبيلي الوسطى باستثناء (محمد عمر حبيب) الذي استقبل الحكومة في مدينة جوهر، إلا أنه اختلف ـ لاحقاً ـ مع الحكومة التي اتخذت من (بيدوا) مقراً مؤقتاً لها فيما بعد.
ولم ينتقل أي من هذه المجموعة إلى (بيدوا) ، بل وأعلن بعضهم أنهم لا يعترفون بالحكومة، وقد قال (محمد قنيرس) وزير الأمن الوطني بالحرف الواحد: (إنه ليس هناك رئيس، ولا رئيس وزراء ولا يرى نفسه وزيراً) ، كما تساءل (موسى سودي يلحو) وزير التجارة: (ما هو الوزير؟ وما هي الوزارة؟ وما هي الحكومة؟ حكومة تمتنع أن تعمل في العاصمة!! ... لا أعترف بها ... ) . وبعد اندلاع حروب التحالف مع المحاكم أعلن رئيس الوزراء: بأن التحالف غير شرعي وغير معترف لديه، وأن المحاكم الإسلامية غير إرهابية بل هي أجهزة أمنية، وستتعاون معها الحكومة. واعتبر حرب التحالف بأنها حرب تشن ضد المدنيين في مقديشو، وتلاه خطاب رئيس الجمهورية الذي أدان التحالف، وطلب من الولايات المتحدة الأمريكية بألا تدعم زعماء الحرب الذين يمارسون الإبادة ضد الشعب، ودعاها بدلاً من ذلك: إلى التعاون مع الحكومة حتى تتمكن من بسط سيطرتها على البلاد.
وفي خطاب آخر أعلن: بأن بقاء أعضاء التحالف كوزراء في الحكومة غير مقبول؛ بسسب مسلكهم الدموي، ولكنه اعتبر أن البت في ذلك من اختصاصات البرلمان ورئاسة الوزراء.
وفعلاً حدث ذلك في مساء ٤/٦/٢٠٠٦م بعد اجتماع عقده رئيس الوزراء مع أعضاء حكومته؛ وأصدر قراراً بإقالة الوزراء الأربعة الذين كانوا يمثلون المحاور الرئيسة للتحالف عن مناصبهم الوزارية، وهم: وزير التجارة (موسى سودي يلحو) ، ووزير الأمن القومي (محمد قنيري أفرح) ، ووزير نزع السلاح وتأهيل الميليشيات (بوتان عيسى عالم) ، ووزير الأوقاف والشئون الدينية (عمر محمد محمود «فينيش» ) ؛ وذلك بسبب مخالفتهم للدستور، ودورهم في قتل الأبرياء، ونقضهم اتفاقات سابقة لوقف إطلاق النار.
وصرح رئيس الوزراء: أن حكومته سوف تفتح حواراً مع المحاكم الإسلامية التي تقود الثورة الشعبية، وجميع ممثلي المؤسسات التجارية، وشرائح المجتمع في مقديشو.
ü ماهية المحاكم الإسلامية:
منذ سقوط النظام العسكري في الصومال خاضت البلاد حروباً أهلية طاحنة تدهورت بسببها الأوضاع الأمنية، وفشل قادة المليشيات في التغلب على هذه الفوضى طيلة الأعوام الماضية، وفرّ أعداد غفيرة من المواطنين من ديارهم خوفاً على أرواحهم وممتلكاتهم، وانتشرت ظاهرة قُطَّاع الطرق، ووضع الحواجز على معظم شوارع مقديشو؛ لابتزاز المارين حيث وصلت الأمور إلى درجة يصعب التغاضي عنها.
وكرد فعل لهذا قامت قيادات شعبية من زعماء العشائر ورجال الأعمال والمواطنين في العاصمة مقديشو لمعالجة الوضع المتأزم، وجلسوا لبحث القضية وطرح الحلول الناجعة لها، وأخيراً تم التوصل إلى الحل الأخير؛ وهو العودة إلى كتاب الله وتطبيق الشريعة الإسلامية.
وبناءً على ذلك أنشئت المحاكم الإسلامية التي كانت تتمتع بدعم وتأييد شعبي، وخاصة رجال الأعمال، والمؤسسات التجارية؛ إلا أن الطابع القبلي كان يغلب عليها؛ إذ أن كل محكمة كانت تعمل في الحي الذي تقطنه قبيلة معينة، وكان الهدف منها يوم ذاك درء عدوان أبناء القبيلة على القبائل الأخرى، وعلى داخل القبيلة نفسها؛ حيث أصبحت الجهة الوحيدة التي تفصل الخصومات، وتعتقل الجناة، وأنيط بها إيقاف عمليات القتل، والنهب، والاغتصاب، والخطف، ونجحت في ذلك إلى حدّ بعيد، وكانت تعتمد هذه المحاكم في مصروفاتها على ما يقدم لها أفرادها طبقاً للائحة تأسيسها.
وبمرور الزمن شعرت المحاكم الإسلامية أنه لا بد من وجود جهاز إداري واحد يربط بينها، وأنها إن عملت على هيئتها الحالية، وعلى طابعها القبلي فإن دورها سوف يضعف، وإنها لن تجدي ثمارها المطلوبة.
وعلى هذا تشكلت المحاكم الإسلامية تحت مظلة اسمها «اتحاد المحاكم الإسلامية في مقديشو» .
الذي هو عبارة عن أجهزة أمنية وقضائية أسهمت إلى حد كبير في إعادة الأمن والاستقرار إلى أجزاء كبيرة من العاصمة مقديشو، ومحاربة الفساد الأخلاقي والرذائل.
واستحوذ ـ ولله الحمد ـ اتحاد المحاكم الإسلامية على ثقة الشعب الصومالي المسلم بعد الخراب الذي حلّ بالبلاد، وسقوط كل المؤسسات الشرعية والرسمية، وساعد في ذلك محبة الناس للشريعة الإسلامية، وتقديرهم للعلماء وما يقومون به لصالحهم؛ في ظل غياب حكومة حقيقية قادرة على حمايتهم، ومنع أي إعتداءات عليهم، إضافة إلى ما تتمتع به المحاكم الإسلامية من قوة تنظيمها، ونزاهة قادتها وقواتها، وأن سيطرتها على ٩٠% من مقديشو تقريباً يوحي بمستقبل باهر.
وفي الختام نفيدكم بأنه يجري حالياً جلسات مع شيوخ القبائل، والعلماء، والمحاكم، وقادة المجتمع المدني لمناقشة المستجدات الأخيرة في العاصمة، وتشكيل نظام يحكمها؛ لذا نهيب بالعالم الإسلامي والعربي الوقوف إلى جانب هذه القيادة الجديدة في العاصمة، ومساعدة الشعب الصومالي المنكوب للخروج من أزمته، والعودة بالبلاد إلى سابق عهدها؛ حيث الأمن والأمان
стр. 5659
حماس بين الصمود السياسي والعودة إلى السلاح
ممدوح إسماعيل (*)
منذ أن ظهرت حركة المقاومة الإسلامية حماس عام ١٩٨٧م في انتفاضة الحجارة، وهي تشغل اهتمام الجميع سواء العدو المحتل الصهيوني، أو المؤيدين له سواء من الولايات المتحدة وأتباعها، وـ أيضاًًً ـ الحركات الفلسطينية العلمانية. في حين أنها نالت تأييداً من الشعب الفلسطيني. وهذا الانشغال جعل حركة حماس تهتم بهذه الجبهات المعادية كلها على قدر متنوع؛ تبعاً لشدة الهجوم منها، ونوعه، ودائماً كانوا حاضرين في أجندة حركة حماس. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر عام ٢٠٠٠م تبوأت حركة حماس ريادة المقاومة على الأرض الفلسطينية بجهادها، وتضحياتها بكل ما تملك. وقد سجلت الإحصائيات تفوقاً ملحوظاً لحماس على حركات المقاومة كلها في عدد العمليات ضد العدو، وعدد ما ألحقته من الخسائر في صفوف العدو، وـ أيضاًًً ـ كان أكبر عدد من الشهداء في صفوف حماس، ولم يبخل قادتها أن يكونوا في مقدمة صفوف الجهاد بصدور مكشوفة؛ حباً للشهادة، وعلى رأسهم قائد حماس، وأمير شهداء فلسطين الشيخ أحمد ياسين ﵀ نحسبه كذلك، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدا.
وخلال خمس سنوات من الجهاد المتواصل وضح بشدة داخل الصف الفلسطيني وجود ثغرات صنعها عملاء متنوعون بأوجه كثيرة منهم:
أولاً: المفسدون للجهاد العسكري، وهم صنفان:
١ - عملاء متعاونون مع العدو على قتل المجاهدين، وهم الأخطر. وقد تسببوا في مقتل الكثير من المجاهدين.
٢ - عملاء متعاونون مع العدو اليهودي على إفشال العمليات الجهادية.
ثانياً: المفسدون سياسياً:
وهم عملاء متعاونون مع العدو على الانقلاب على الجهاد الفلسطيني، والالتفاف عليه بعمليات تسوية سياسية تضيع فيها حقوق الشعب الفلسطيني.
ثالثاً: المفسدون اقتصادياً:
وهم السارقون لأموال الشعب الفلسطيني، المخربون لاقتصاده، ورغم ذلك كله تَوَاصَلَ الجهاد الفلسطيني، واهتز كيان العدو، وترنح، وضغطت الولايات المتحدة الأمريكية لإنقاذه عبر ما يسمى بخطط التسوية السياسية، وانصاعت كثير من الدول العربية للضغط الأمريكي وضغطت على المقاومة الفلسطينية، وقدمت مشروعات سياسية استسلامية بشكل عربي، ووصل الضغط إلى ما يعرف باتفاق الهدنة في القاهرة والذى لم يلتزم به العدو الصهيوني، وكان ملفتاً أن حماس التزمت بالاتفاق، وظهرت بأجندة سياسية، وبلا شك أن لها ظروفها واستراتجيتها، وكان واضحاً أنها لن تتخلى عن سلاح المقاومة العسكري مطلقاً، ولكن وضعت أولوية مؤقتة لنضال سياسي خاضت على أساسه الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ونجحت وحصلت على أغلبية برلمانية.
وهنا وقفة هامة؟
فعلى قدر الفرحة التي غمرت قلوب المحبين والمتعاطفين لصعود حماس السياسي، على قدر ما كان هناك الكثير من التخوفات، وقد أثبتت الأيام والأحداث أن صعود حماس على قدر ما كان صعوداً على الأشواك؛ على قدر ما كان ينتظرها من وحوش ضارية على قمة السلطة السياسية في فلسطين.
والتخوفات لم تكن من فراغ؛ لعدة أسباب:
الأول: أن المشاركة السياسية في أىة دولة تحت الاحتلال، تُقوي من كيان الاحتلال ولا تضعفه، بل الذى يَضعُف وَيقِل هي المقاومة المسلحة المزعجة لها. ويحسب للاحتلال أمام المجتمع الدولي سماحه بالعملية السياسية لأعدائه من المقاومة.
ثانياً: المشاركة السياسية لحركةٍ مجاهدةٍ تضعف من قوة الجهاد للمحتل، وهو السبيل الأنجح في طرد المحتلين على مدار الزمان، والأيام؛ وتجارب البشرية كلها في مشارق الأرض ومغاربها تنظق بأن سلاح المقاومة العسكرية كان السبيل الناجح لطرد المحتلين، وتحرير الارض.
ثالثاً: يشهد بذلك تجارب بعض المحسوبين على الإسلاميين في المشاركة السياسية في دول إسلامية محتلة، في العراق، وأفغانستان، التي أحدثت صدعاً في صف جهاد المحتل.
رابعاً: من المعلوم أن التجربة الوحيدة في العالم العربي التي حصل الإسلاميون فيها على أغلبية عبر الصناديق، واقتربوا من السلطة كانت في الجزائر، وأن أعداء الإسلام ووحوش السلطة لم يمهلوا الشعب الجزائري أن يفرح باختياره الحر، ولا حتى دعوى الديمقراطية الزائفة أن تهنأ بصعود الإسلاميين السياسي فانقلبت الجرائر إلى حمامات من الدماء.
وأخيراً: سيطرة حركة فتح العلمانية على مقاليد السلطة عسكرياً، وأمنياً، واقتصادياًً، وعلاقتها السرية السياسية والأمنية مع أطراف كثيرة، لن تجعل حكومة حماس تهنأ ولا تستقر سياسياً، ولا أمنياً، ولن تتردد في ضرب حكومة حماس بكل الوسائل لإظهار فشلها ... وخلاف ذلك نجد أن الساحة السياسية العربية شهدت صراعاً متنوعاً بين العلمانيين في العالم العربي والإسلاميين، فنجد في بعض الدول مساحة محدودة لمشاركة الإسلاميين البرلمانية، والسياسية، ترتفع في بعض الدول كالكويت إلى توزير شخص أو اثنين من الإسلاميين، وتنخفض في بعض الدول إلى معارك طاحنة من أجل الوصول فقط إلى البرلمان؛ كما حدث في مصر في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي حصل فيها الإخوان المسلمون على ثمانية وثمانين مقعداً، وخلاف ذلك يوجد حضور برلماني، وسياسي هادئ وملفت للإسلاميين في المغرب، والأردن، والسودان، واليمن، وتواجد نسبي في البحرين، ولبنان، والجزائر.
والتجارب الإسلامية السياسية كلها تنطلق من نطاق المتاح والممكن، وتقدير المصلحة في ظل ظروف، وضغوط كثيرة متنوعة؛ ولكن يبقى أن الأمر كله اجتهادي، وقابل للجدل، واختلاف الرأي مع تقدير، واحترام جميع الآراء المختلفة واجتهادها.
أما صعود حماس لقمة السلطة السياسية في فلسطين بحصولها على الأغلبية البرلمانية التي أعطتها حق تشكيل الوزارة، فكان ملفتاً جداً من عدة وجوه:
أولاً: أنه صعود سياسي لجماعة إسلامية في ظل احتلال؛ في الوقت الذى فشلت فيه الجماعات الإسلامية كلها في العالم الإسلامي في الصعود السياسي في ظل نُظُم حكم علمانية وطنية، ودول مستقلة بشكل رسمي إلا في تركيا؛ ولها ظروفها الخاصة. والفشل له أسباب متنوعة منها:
أ - عدم وجود تطبيق حقيقي، ونزيه لما يدعونه من ديمقراطية.
ب - التزوير المفضوح ضد الإسلاميين في الانتخابات.
ثانياً: أن آليات صعود حماس كان جهاد المحتل، وتضحيات عظيمة من دماء الشهداء، عكس كل برامج السياسيين في العالم التي تقدم برامج من الخدمات المتنوعة، والمنافع؛ للحصول على أكبر نسبة من التصويت، ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أنه: من حق حماس أن تحصل على هدنة تكتيكية تطول أو تقصر بحسب ظروفها التي تعلمها وتعييها قيادتها جيداً.
ثالثاً: أن صعود حماس كان في ظل قوة حركة فتح العلمانية؛ قوتها تنبع ـ فقط ـ من الهيمنة على مقاليد العملية السياسية، وخباياها، وـ أيضاًً ـ على كل مقاليد السلطات الأمنية العسكرية، ولها ارتباطاتها الدولية التي تقويها باستمرار.
رابعاً: جاء الصعود في وقت تقود فيه أمريكا حرباً ضد ما أسمته هي بالإرهاب، ووضعت حماساً على قائمة الإرهاب؛ فكان صعودها السياسي المدعم شعبيا شوكة في حلق الأمريكان.
خامساً: حماس أول جماعة إسلامية في العالم العربي تتمكن من تشكيل وزارة؛ ويعتبر إسماعيل هنية أول رئيس وزارة في العالم العربي ينتمي لجماعة إسلامية.
سادساً: دخلت حماس الانتخابات بشعار «يد تقاوم، ويد تبني» وهو إصرار وتأكيد على شرعية المقاومة، ورفض الاحتلال، والرغبة في بناء سليم، ونظيف لفلسطين ... وقد استلمت حكومة حماس السلطة في ظل:
١ - خراب اقتصادي، وخزانة فارغة؛ بفعل الاحتلال والمفسدين الفلسطينيين.
٢ - حرب داخلية متنوعة من جبهة كبيرة في حركة فتح، ومن سار على دربها من الحركات العلمانية الداخلية الفلسطينية.
٣ - حرب متنوعة دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن سار على دربها من الدول. ومن المثير للسخرية أن أمريكا تدَّعي سعيها لفرض الديمقراطية في العالم العربي، ثم ترفض الاعتراف بحكومة حماس التي جاءت إلى السلطة عبر انتخابات حرة، وديمقراطية؛ بل تزيد على ذلك قيادة حرب ضد حكومة حماس.
٤- الحرب المتواصلة الشاملة من الاحتلال الصهيوني، ومواصلة سياسة الاغتيالات، والاعتقالات، والتوغل العسكري داخل مناطق الحكم الذاتي.
وقد شمرت حكومة حماس عن ساعديها لمواجهة كل تلك الضغوط الصعبة جداً على أية سلطة في دولة مستقلة تملك مقومات؛ فما بالكم؛ وحكومة حماس لاتملك أية مقومات إلا قوة عقيدتها، وتأييد شعبي ممزوج بحب جارف؟ إلا أنها قاومت وجاهدت كل تلك الضغوط الرهيبة؛ السياسية، والاقتصادية، والعسكرية.
فنجحت حماس بدايةً في الآتي:
١ - تشكيل الحكومة رغم كل المعوقات التي وُضِعَتْ عمداً.
٢ - الحصول على اعتراف سياسي عربي يشبه الإجماع، واعتراف ـ أيضاً ـ من كثير من الدول الإسلامية، وبعض الدول الأجنبية.
٣ - نجحت حماس عبر قيام قيادتها بجولات في الحصول على وعود بمعونات مالية عربية.
٤ - الصمود أمام المحاولات الداخلية المستمرة من رئيس السلطة الفلسطينية، ومن عاونه؛ لسحب القرار السياسي من الحكومة، وتهميش عمل الحكومة تماماً.
٥ - الخروج الآمن حتى الآن من محاولات الجرجرة إلى كمين الحرب الأهلية الداخلية؛ رغم بعض المواجهات المؤسفة.
ورغم كل تلك المقاومة من الحركة إلا أن الحرب الأمريكية على حكومة حماس تواصلت، وضغطت بقوة، فتسببت؛ فىما يأتي:
١ - وقف وصول الدعم العربي إلى الشعب الفلسطيني تحت شعار «التجويع للتركيع» .
٢ - أضعفت الاعتراف السياسي العربي بحكومة حماس، وجعلته هشاً، وكان من الملفت كـ «مثال» في هذا الصدد عدم استقبال وزير الخارجية المصري لنظيره الفلسطيني محمود الزهار.
٣ - وجود لوبي عربي يضغط على حكومة حماس؛ لتغيير ثوابتها، والقبول بما تريده أمريكا، ومن سار على دربها في المجتمع الدولي من تنازلات عن الحقوق الفلسطينية. والموقف العربي ليس بالجديد؛ فقد ركعت كثير من الأنظمة العربية للولايات المتحدة الأمريكية؛ سياسياً، واقتصادياً، وعسكرياً.
٤ - عمل الأمريكان لتقوية مراكز المعارضين لحماس في الداخل الفلسطيني، وأصبح المشهد الفلسطيني كأن فيه حكومتين: حكومة رسمية منتخبة ومؤيدة شعبياً؛ وهي حكومة حماس، وحكومة مفروضة على القرار السياسي الفلسطيني ومؤيدة أمريكياً؛ وتتمثل في رئيس السلطة الفلسطينية، ومن معه. ومن أمثلة ذلك: محاولة شل سلطة وزير الداخلية في حكومة حماس، وإحداث فلتان أمني، ومحاولة إخضاع الأجهزة الأمنية كلها لرئيس السلطة فقط. مثال ذلك: مشكلة القوة الخاصة التي شكلها وزير الداخلية لمواجهة الفلتان الأمني في ١٧ //٥ ٢٠٠٦م، فكان رد الفعل من رئيس السلطة أنه أمر بنزول القوات الأمنية التابعة له إلى الشارع وجهاً لوجه أمام القوة الخاصة؛ مما خلق حالة توتر، وانقسام في الشارع الفلسطيني.
٥ - ازدياد النشاط العسكري الإجرامي الصهيوني في الاغتيالات، والتصفية، والاعتقالات، والشروع في تنفيذ خطة ما أطلق عليه «الانسحاب الأحادي» .
٦ - محاولة تشويه حماس داخلياً؛ بالقبض على ممثل حماس عند معبر رفح في ١٨ //٥ ٢٠٠٦م، وبحوزته أموال مساعدات للفلسطينيين، وتشويه سبب حيازته لذلك المال، أما التشويه خارجياً؛ فتم عن طريق تلفيق قضية؛ فأُعلِن زوراً أنه تم تهريب سلاح من إيران عبر سوريا إلى داخل الأردن؛ لتنفيذ عمليات ضد الأردن، ومصالحها، ومواطنيها.
المشهد الفلسطيني لايحتاج إلى تدليل حول قوة الحصار المفروض على حكومة حماس من الداخل والخارج. فالحرب؛ اقتصادية، وسياسية، وعسكرية.
وحكومة حماس بين خيارين لا ثالث لهما:
الأول: الصمود؛ مستمدةً القوة من تأييد الشعب الفلسطيني الصامد، متحملةً كافة تكاليف، ومشاق الصمود.
الثانى: التراجع عن العمل السياسي، وترك جهاد الفنادق إلى جهاد الخنادق، وهو لن يضرها بل يزيدها قوة، ويفيدها ويُعَرِّي فساد أدعياء الديمقراطية المزعومة داخلياً وخارجياً، ويبقى أنه ربما يقول جهبذ سياسي: أن أمامها طريقاً ثالثاً؛ ألا وهو القبول بكل ما تمليه شروط، وقواعد لعبة التسوية السياسية السلمية، والجلوس على مائدة المفاوضات مع المحتل الصهيوني، والإذعان لما تمليه الأم الأمريكية على الابن الصهيوني لفعله بالضحية «فلسطين» .
وهذا الطريق الثالث له عدة مخاطر:
الأول: على حماس؛ فهو طريق الانتحار. وحماس تعلم ذلك جيداً، وهي تعلم أن هذا الانتحار، كفر بكل الثوابت؛ لذلك لن تمشي في هذا الطريق، حتى لو قامت بمناورات لاستكشاف الطريق الذى تعلمه. وأتمنى ألا تُخْدَعَ بأية أنوار مبهرة في هذا الطريق الثالث، وـ الحمد لله ـ حماس متيقظة لكل أنواع الخداع.
ثانياً: مخاطره متعدية على أعداء الإسلام من اليهود، والصليبين، ومن والاهم؛ حيث يفتح باباً لصعود تنظيمٍ جهاديٍ إسلاميٍ ثالثٍ بعد حماس والجهاد؛ ألا وهو تنظيم القاعدة؛ المتطلع للتواجد عبر بياناته الإعلامية، ثم محاولة التواجد داخل العمل الجهادي الفلسطيني، والذي ظهر في بداية صغيرة عبَّر عنها بإطلاق صواريخ من جنوب لبنان أزعجت حزب الله اللبناني الشيعي، ثم بيانات مختلفة تحمل اسم «جيش القدس تنظيم القاعدة في أرض الرباط» وأخباره متناثرة، وخطورة هذا التنظيم على اليهود والصليبيين أنه:
١ - رافض بقوة لأية مهادنة، أو أي عمل سياسي.
٢ - سوف يحتوي المثقفين من أعضاء حماس الرافضين للعمل السياسي.
٣ - أن أجندته لاتقف عند قتال اليهود فقط؛ إنما تشمل من والاهم من الفلسطينيين، فضلا عن استهدافه الأمريكان؛ لذلك خطورته تنبع من أنه: يقلب جميع الخطط على الجميع. لذلك يوجد خطة منظمة عند فريق من أعداء حماس لإبقاء حكومة حماس، مع العمل بقوة على تهميشها، وابتزازها، والضغط عليها بكل الطرق، والوسائل الممكنة الخفية وهي الكثيرة، والعلنية وهي القليلة؛ وذلك لاستمرارها كشكل وديكور فقط، وحماس تعي ذلك وتقاومه حتى الآن.
وختاماً: الضغط على حكومة حماس للتراجع عن الصمود السياسي وإرغامها على اللعب السياسي ـ لا قدر الله ـ في الطريق الثالث؛ سيضر الجميع، أولهم حركة حماس والقضية الفلسطينية.
وحتى الآن الحركة تعي ذلك جيداً، ومصممة على الصمود بفضل الله، وتحتاج إلى دعم شعبي إسلامي، أما إذا اختارت التراجع عن العمل السياسي، والتخلي عن الحكومة الفلسطينية؛ بسبب ما يحدث ضدها وحولها، فليس فشلاً مطلقاً؛ إنما هو فضيحة للديمقراطية، وأدعيائها، ولن يقلل من شأنها أبداً بل يزيد؛ علاوةً أنه يغلق الباب تماماً أمام أي حل سياسي مع القوة الإسلامية الأقوى على الارض الفلسطينية، أما عودتها لحمل السلاح فهو خيار هي صاحبته ولم تتركه؛ وهو الطريق الواضح للتحرير.
ويبقى أمران:
الأول: أن صمود حماس السياسي رغم كل المؤامرات الداخلية والخارجية فخر للتجربة السياسية الإسلامية، ونصر لإرادة الشعوب.
الثانى: أن تجربة حماس السياسية بكل مافيها يجب على كل الحركات الإسلامية الاستفادة منها، واستيعاب الدروس حتى تكون على وعي تام، وإدراك لما في الواقع.
стр. 5660
وماذا بعد مقتل الزرقاوي ؟
إبراهيم العبيدي
بعد مطاردة متواصلة دامت أكثر من ثلاث سنوات لزعيم تنظيم القاعدة في العراق من قبل قوات التحالف والحكومة العراقية على السواء، تمكنت القوات الأمريكية والعراقية وبمساعدة استخباراتية مجاورة أعلن عنها، من اغتيال الزرقاوي «الأسطورة» مؤخراً، في مدينة هبهب الواقعة في بعقوبة شمال بغداد، من خلال غارة جوية بطائرتين إف ١٦ استخدمت فيها قنبلتين زنة الواحدة ٢٥٠ كغم، مستهدفة البيت الذي كان فيه الزرقاوي وسبعة من معاونيه بحسب البيان المذاع عبر وسائل الإعلام.
بداية ما أود التذكير فيه هو: أن الإدارة الأمريكية منذ بداية ظهورالزرقاوي وتنظيمه في العراق، كأحد فصائل المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال، سعت هذه الإدارة ومعها الحكومة العراقية الموالية لها، بتضخيم هذا التنظيم إعلامياً، وجعلته «شماعة» علقت عليها كل إخفاقاتها الأمنية في العراق.
لأسباب وأهداف مهمة منها:
١ ـ إيهام العالم من أن العراقيين لايقاومون الاحتلال، وأن الاحتلال الأمريكي مرحب به عراقياً «كما أوهمتهم بعض الشخصيات والتنظيمات التي جاءت مع المحتلين؛ كالجلبي وأمثاله من أن العراقيين سيستقبلونكم بالورود والرياحين» ؛ لتبرير الوجود الأمريكي في العراق.
٢ ـ كذلك كان الهدف من تضخيم الزرقاوي وتنظيمه هو اختزال المقاومة العراقية الكبيرة والمتنامية في تلك الشخصية، والقول: بأن المقاومة يقوم بها بعض العرب الأجانب.
٣ ـ منع وتضييق الدعم، والتأييد الشعبي والإقليمي، للمقاومة من خلال وصفها «بالأجنبية الإرهابية» بخلاف لو أنها كانت عراقية وطنية.
٤ ـ تثبيت وترويج وصف «الإرهاب» على مقاومة الاحتلال ـ الذي أقرته الشرائع السماوية كلها، وحتى القوانين الوضعية ـ كون الزرقاوي وتنظيمه هو امتداد لتنظيم القاعدة المحظور «دولياً» ، والاستفادة من هذا الحظر الدولي للقاعدة في مقاومة كل من يقاوم، والذي بسببه أطلق الأمريكيون لأنفسهم العنان في البطش غير المسبوق في تعاملهم مع المقاومين والمدن التي تنطلق منها المقاومة بدعوى «كونهم إرهابيين» ، وما حصل في الفلوجة من تدمير همجي غير مسبوق أكبر شاهد على ذلك.
ولكن الأيام والوقائع سرعان ما كذَّبت دعوى الأمريكيين هذه، وتبين فيما بعد ـ وعلى لسان القادة العسكريين الأمريكيين أنفسهم بعد أحداث الفلوجة الدامية، وما تردد من تصريحاتهم الرسمية عبر وسائل الإعلام من ـ أن مجمل المقاومة عراقية. ومع ذلك بقيت تلك المصادر نفسها تعزف على وتر «الزرقاوي وجماعته» ، وتحمله كل ما يحدث من تردي للوضع الأمني في العراق متجاهلة دور العراقيين في المقاومة، على الرغم من إعلان المقاومة لأسماء الفصائل، والجماعات الرئيسة التي تقاوم وهي: جيش أنصار السنة، وجيش الراشدين، وكتائب ثورة العشرين، والجيش الإسلامي، وجيش الفاتحين، وكتائب المقاومة الإسلامية.
أهم مؤشرات الحدث وتداعياته:
١ ـ أن البهجة والفرح والسرور الذي تظاهرت به الحكومة العراقية والقوات الأمريكية في إعلان خبر مقتل الزرقاوي ـ وكأنه الإنجاز الأكبر لهذه القوات، التي يبلغ تعدادها مجتمعة أكثر من مئتين وتسعين ألف جندي مع كافة الإمكانيات العسكرية بكل أنواعها ـ هذه الفرحة المصطنعة بدَّدها الرئيس الأمريكي نفسه في خطابه بالمناسبة بقوله: «مقتل الزرقاوي لا يعني زوال كل الصعوبات أمامنا في العراق» . والدليل العملي كان سريعاً وهو عشرات القتلى والجرحى في تفجير ثلاث سيارات مفخخة في مناطق متفرقة من بغداد.
٢ ـ اغتيال الزرقاوي كان أمراً متوقعاً جداً، ومثل هؤلاء الأشخاص أمنيتهم الوحيدة في الحياة أن يموتوا «شهداء» بحسب اعتقادهم، وأنهم ما ذهبوا للعراق كونه بلد العيش الرغيد؛ بل كونه ساحة للجهاد ضد الغزاة المحتلين.
٣ ـ قطعاً أن مقتل الزرقاوي لن يؤثر على عمليات المقاومة ـ بإذن الله ـ وهو ما أكده الناطق الرسمي باسم الجيش الإسلامي أحد أكبر فصائل المقاومة العراقية (إبراهيم الشمري) من: أن غياب الزرقاوي لن يؤثر على عمليات المقاومة. فربما يعود التنظيم ويندمج ضمن المقاومة العراقية وإمرتها، مما يعني عنصر قوة جديد للمقاومة وللقاعدة وليس العكس.
٤ ـ بمقتل الزرقاوي فقد الأمريكيون والحكومة العراقية الموالية لها «شماعة» مهمة لتعليق جميع إخفاقاتهم الأمنية في عموم العراق، وسيكشف تورط الحكومة العراقية «الطائفية» في إذكاء روح الاحتقان الطائفي من خلال ممارسات المليشيات الشيعية المسلحة ضد العرب السنة قتلاً وخطفاً وتهجيراً على أساس طائفي، وبتوجيه إيراني أصبح واضحاً عند العراقيين.
٥ ـ ربما يكون اغتيال الزرقاوي ذا مردود إيجابي على المقاومة العراقية عموماً، وسيعطي زخماً معنوياً وشعبياً كبيراً لها، كونها تخلصت من كل ما كان يتُهم به (الزرقاوي) بحسب وصف الحكومة العراقية والأمريكان. وهو الأمر نفسه الذي كان يقال قبل اعتقال (صدام) من: أنه كان يقود المقاومة؛ مما جعل كثيراً من العراقيين يترددون في الانخراط بصفوف المقاومة بسبب هذا التشكيك، وبعد إلقاء القبض على (صدام) زاد حجم المقاومة زيادة مطردة، واتسعت بصورة كبيرة لتشمل أجزاء كبيرة من العراق، وأعلن عنها بأن التيار الإسلامي يمثل أكثر من ٨٠% من مجمل المقاومة، وهي الحقيقة التي أرعبت الأمريكان كون الحرب ستكون طويلة الأمد؛ بسبب «أيدلوجيتها» .
٦ ـ لقد أثبتت الأحداث أن ذهاب مثل هؤلاء القادة في التنظيمات، لايمثل شرخاً كبيراً في بنية التنظيم؛ بل سرعان ما يتم سد الفراغ، والدليل أن ملاحقة العديد من القادة البارزين وعزلهم عن العالم منذ سنوات، لم يمنع من ظهور الكثير من الحوادث التي أربكت القوات الأمريكية والحكومة في العراق. ومثله فصائل المقاومة الفلسطينية؛ فسد الفراغ في استشهاد قادتها أمر مشاهد ملحوظ.
٧ ـ من غير الموضوعية، ومن الإجحاف تقزيم مشكلة العراق وتردي الأوضاع فيه على كافة الأصعدة، ونسبتها للزرقاوي وتنظيمه متناسين المشكلة الحقيقية والرئيسة لكل مأساة العراقيين وهو الاحتلال وما خلفه من أزمات عديدة، منها: سَنُّ وتكريس (الطائفية) من خلال تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي، بإشراف الحاكم المدني السابق (بول بريمر) .
٨ ـ التاريخ يعيد نفسه؛ فقبل سنتين وبعد إعلان القبض على (صدام) وما صاحب هذا الإعلان من بهرجة إعلامية مشابهة لحملة إعلان قتل الزرقاوي، يومها أوهموا العراقيين من أن القبض على (صدام) سينهي نشاط «المقاومة» كما يقولون وسيهدأ البلد؛ لأن (صدام) كان هو الرأس المدبر والداعم لهذا التمرد، ثم تبين بعد ذلك العكس، حيث ازدادت عمليات المقاومة أضعاف ماكانت عليه من قبل، وهو ما سيتكرر ـ والله أعلم ـ بعد اغتيال الزرقاوي، والأيام القادمة ستكشف ذلك، وستتغير النبرة الإعلامية فقط في ملاحقة المقاومة والمقاومين بوصفهم «الزرقاويين» هذه المرة على غرار وصف «الصداميين» من قبل.
٩ ـ الرئيس الأمريكي (بوش) يعيش أدنى مؤشرات استطلاعات الرأي لتدني شعبيته؛ نتيجة حرب العراق، وتعثر العملية السياسية فيه، وكابوس المقاومة العراقية الذي أَقَضَّت مضجع البنتاجون. الأمر الذي جعله يبدي احتفالاً كبيراً هو وقادة حربه في الإعلان عن مقتل الزرقاوي؛ للتخفيف عن أزمته، ورفع مايمكن رفعه من المعنويات المنهارة لقواته.
١٠ ـ تأخير الإعلان عن مقتل الزرقاوي ما يقرب ٤٨ ساعة ليكون متزامناً مع إعلان الحكومة العراقية للتصويت على المناصب الإمنية الثلاثة: الدفاع، والداخلية، والأمن القومي في الحكومة الجديدة؛ لإعطائها دفعة تشجيعية متفائلة لمهام الوزراء الجدد.
وأخيراً أُسدِل الستار على الزرقاوي «الأسطورة» بهذه العملية العسكرية الكبيرة، ووصَفَه أهله وأنصاره بالشهيد البطل والفارس الذي ترجل، ووصفه أعداؤه بالمجرم الذي لقي حتفه المحتوم، والسؤال المطروح والمهم ماذا بعد رحيل الزرقاوي؟
لذلك نقول: إن مقتل الزرقاوي ـ وإن كان إنجازاً أمنياً ـ ربما يكون كبيراً لقوات التحالف والحكومة العراقية، ولو بعد أكثر من ثلاث سنوات! غير أن هذا الإنجاز ربما ستبدده الوقائع القادمة على الأرض، من استمرار عمليات المقاومة العراقية ضد القوات الأمريكية والحكومية الموالية لها.
ومرة أخرى ماذا بعد رحيل الزرقاوي؟
هل برحيل الزرقاوي سيهدأ الوضع الأمني في العراق، وينتهي العنف الطائفي، وظاهرة الخطف، وقطع الرؤوس التي تقوم به ميليشيات «القوم» ؟ وهل سيتوقف مسلسل سرقة النفط العراقي المنظم من قبل هذه المليشيات في البصرة بتنسيق كامل مع الطرف الإيراني؟! وهل ستخرج بعض المرجعيات عن صمتها المطبق، وُتحِّرمُ ما يقوم به أتباعها من ممارسات القتل، والتشريد، والخطف، والسرقة ضد العراقيين وثروة العراق؟ وهل سيحل الأمن والأمان اللذان باتا أمنية كل عراقي قبل الخدمات الأخرى كالكهرباء، والماء، والوقود، والوظيفة؟ سننظر إن كان الزرقاوي كان سبباً لكل ذلك؟! إذن فليبشر العراقيون بعيش رغيد قريب في عراق الاحتلال والانفلات!.
стр. 5661
أخرجوا آل حماس من قريتكم !
أحمد فهمي
يقول المنسق الأمريكي السابق في الشرق الأوسط دينيس روس: «يجب أن لا تُترك حماس متجنبة الاختيار بين أمرين عسيرين وتأخذ كل الأرباح، فآمال تغيُّر حماس سوف تتبخر في الهواء إذا ما استطاعوا إثبات أن التغير لن يكون ضرورياً» .
إنها إذن حرب أعصاب وإرهاب، يلعب الزمن دوراً كبيراً فيها، والخطة هي: لندع حماس تفز، لكن لا ندعها تهنأ بالفوز، لديها أشهر قليلة، إما التنازل وإما التصفية والإبادة بعد أن يكون قادتها قد خرجوا للعلن وأصبحوا أهدافاً سهلة.
ولنمسك خيوط المؤامرة واحداً واحداً، إيهود أولمرت أعلن أنه سينتظر شهرين اثنين، بل حتى ستة أشهر، وإذا لم يلاحظ أي تغيير لدى الفلسطينيين فسوف يتحرك بمفرده، حسب قوله، وهذه الشهور الستة تنتهي في شهر يوليو القادم اعتباراً من تاريخ فوز حماس نهاية يناير الماضي.
وتصاعدت الضغوط العربية على حماس على نحو مريب؛ فالأموال لم تُمنع، ولكنها أُرسلت إلى البنوك التي امتنعت عن الصرف نيابة عن الأنظمة العربية، ثم طُولبت حماس علانية بالاعتراف بإسرائيل، وسربت واشنطن إلى حلفائها العرب أن حكومة حماس سوف تسقط في يوليو القادم حسبما ذكرت صحيفة المنار الفلسطينية.
وعندما حُبكت لعبة الاستفتاء اختار لها أبو مازن ٢٦ يوليو القادم موعداً، إذن كل الطرق تؤدي إلى يوليو على نحو عجيب، وهذا يُنبئ أن الأسابيع القادمة سوف تكون حاسمة في مستقبل حماس السياسي.
هناك شواهد أخرى توحي بحقيقة ما يجري، منها على سبيل المثال تصريح (محمد دحلان) أن «حماس أصبحت حركة مشلولة لا تفاوض ولا تقاوم» فهو يعبر دون قصد منه عن الوضعية المستهدفة لحماس بالفعل، وأيضاً فإن المتتبع لمواقف حركة فتح يلاحظ تصعيداً واضحاً منذ شهرين تقريباً، بلغ حد العصيان المدني والخروج على الحكومة، وهذا أمر لا تجسر عليه فتح ما لم تكن مدعومة من جهات عربية.
وبينما يعاني الفلسطينيون من تأخر رواتبهم فإن حرس أبو مازن الرئاسي تتدفق عليه عشرات الملايين من أوروبا وأمريكا تحضيراً للمرحلة القادمة مع حماس.
ومثلما كان يحدث مع رئيس الوزراء السابق آرئيل شارون الذي كانت لقاءاته العربية تُختم بقصف الفلسطينيين، فإن أولمرت أنهى جولته العربية الأخيرة بموجة قصف وحشية، واغتيال أحد رموز فتح - جمال أبو سمهدانة - الذي نجحت حماس في استمالته، وهو ما دفع حماس إلى التأكيد على إنهاء الهدنة ومواصلة عملياتها، ولتكتمل مرحلة أخرى من المؤامرة وهي: محاولة استدراج حماس بعيداً عن الغطاء السياسي للهدنة، وكان الملاحظ أن أي استنكار عربي لم يصدر تعليقاً على القصف الوحشي الأخير، وهو ما يلقي بعلامات استفهام إضافية على حقيقة ما يجري، ويدفع لاستحضار قول الكاتب فهمي هويدي: «المرء لا يستطيع أن يخفي دهشته من تردي مستوى التلفيق والتدليس في العالم العربي» .
إنها خيوط دقيقة لمؤامرة مكشوفة يتوافق عليها أطراف عديدة داخل فلسطين وخارجها من أجل شيء واحد هو دفع حماس للاعتراف بإسرائيل، وحتى من دون تنازلات مقدمة من الطرف الإسرائيلي، بل إن أولمرت أعلن بوضوح أن وثيقة الأسرى بعيدة جداً عن الشروط الإسرائيلية؛ فلماذا إذن تقدم التنازلات؟ لأنهم لا يريدون أن يبقى في الساحة من يذكِّرهم بتخاذلهم واستسلامهم، إنها الدعوة القديمة تعود من جديد: أخرِجوا آل حماس من قريتكم! إنهم أناس يتطهرون؛ والطهر لم يعد مقبولاً في زمن الشذوذ السياسي، زمن أصبحت فيه الخيانة فخاراً لأصحابها، وكما كتب الدكتور عبد الستار قاسم: «هل يستطيع أحد أن يتخيل كيف تدهور الوضع الفلسطيني إلى حد أن الاعتراف بإسرائيل قد أصبح مطلباً وطنياً؟» فالذي يستمع إلى خطاب الاستفتاء لأبي مازن يشعر وكأن الاعتراف بإسرائيل تعبير عن الصمود والتصدي؛ فالشعب يُحاصَر ويُذَل ويُنحَر، ثم يأتي أشاوس فتح ليطلبوا منه التوقيع على الاعتراف بذابحه، بل يتبجحون أيضاً بأن ذلك عمل بطولي.
ولعل (محمد دحلان) يمثل نموذجاً فتحاوياً معبراً، وقد نشرت حماس في موقعها على الإنترنت تسجيلاً صوتياً له، يوجه فيه السباب والشتائم إلى حماس والمقاومة وحتى قيادات فتح، فيقول دحلان عن حماس: «أنا راح استلمهم خمسة بلدي من هان لآخر الأربع سنين» ، ويقول: «شغل المشايخ والجوامع بيمشيش، انسولي الهبل تبعكو» ثم يقدم دحلان وصفاً دقيقاً لحالة فتح قائلاً: «فتح خربانة من الـ ٧٢ ومحطمة ومدمرة وعايشة على دم الشهداء والأسرى والبادرات الشخصية والفردية» . أليست حماس إذن على حق؟
стр. 5662
المتشاكسون
د. يوسف بن صالح الصغير
تعتبر العلاقات الإيرانية الأمريكية حالة فريدة تصلح لدارسي العلوم السياسية والخبراء والباحثين في استشراف المستقبل؛ فنحن أمام شبكة معقدة من عوامل الالتقاء والاختلاف؛ فمن ناحية الولايات المتحدة فإن مشروعها الإمبراطوري للسيطرة على العالم يستند في تحقيقه إلى شبكة من الحلفاء مثل دول حلف الأطلسي بالإضافة إلى أستراليا، ودولة اليهود في فلسطين، والهند، وإلى مجموعة من الأتباع مثل باكستان وبعض الدول العربية. أما إيران وأتباعها في المنطقة فهم بالنسبة لها أدوات أساسية لتحقيق مشروعها في المنطقة، ولكن المشكلة أنهم ليسوا حلفاء ولا أتباعاً، بل يمثلون تجمعاً طائفياً له أهدافه الخاصة في المنطقة. وأكبر ما يغيظ الأمريكان أن يحسوا أنهم مضطرين للسماح لآخرين بأن يشاركوهم في ما يحصلونه من غنائم. وقد وصف الرئيس الروسي (بوتين) في خطابه السنوي أمريكا بـ (الذئب المفترس) الذي لا يريد أن يشاركه أحد. ولا شك أن أمريكا كانت تنوي إخضاع إيران وإعادتها لبيت الطاعة، ولكن معضلة أمريكا في المنطقة أن المقاومة السنية في العراق من الشدة بحيث لا تستطيع أمريكا الاستغناء عن الدور الشيعي، وخاصة مع فشل محاولات إدخال قوات من البلدان السنية المحيطة بالعراق؛ ولذا فمهما كان غيظ أمريكا من تنامي القوة الإيرانية وامتلاكها برنامجاً نووياً متطوراً مع تسريبات إيرانية دفعت المفتشين لإعلان العثور على عينات يورانيوم عالية التخصيب قد تكون صالحة لإنتاج أسلحة نووية؛ فإنها لا تملك القدرة على الاستمرار في مغامرتها في المنطقة دون الدعم الإيراني. ولا أشك شخصياً أن برنامج التسلح الإيراني قائم على فرضية وجود سلاح نووي لديها؛ فلا توجد دولة تنفق على برامج الصواريخ بعيدة المدى دون أن يكون لديها سلاح غير تقليدي؛ إنها معادلة اقتصادية بسيطة؛ فلا قيمة لقنبلة نووية لا تكون قادرة على الوصول لأهداف تؤثر على الخصم، ولا تأثير لصواريخ مداها ٢٥٠٠ كم ولا تحمل سوى كمية بسيطة من المتفجرات التقليدية. أما من جهة إيران فإنها تعرف أن احتواءها يعتبر من الأولويات في السياسة الأمريكية لعقود كثيرة؛ ولذا فقد تم إسقاط الغرب حكومة (مصدّق) لما أراد تأميم النفط وانتهاج سياسة وطنية، وأُعيد الشاه الشاب إلى السلطة، ومثَّلت إيران في تلك الفترة جزءاً مهماً في حلقة الحصار المحكمة حول الاتحاد السوفييتي، وأصبحت تمارس دور شرطي الخليج. ولما بدأ الشاه يعمل لحسابه الخاص تُرِكَ ليسقط؛ وكانت الحرب بين العراق القومي البعثي وإيران الثورة الشيعية وسيلة لاحتواء البلدين، ولم يمنع الصراخ الإعلامي المتبادل بين نظام (الآيات) و (الشيطان الأكبر) من قيام علاقات من تحت الطاولة ظهر منها فضيحة (إيران غيت) ويمكن تبسيط السياسة الإيرانية بأن هدفها تفعيل التجمعات الشيعية، ومن ثم تشييع ما يمكن من أهل السنة في العراق والخليج ولو بالقوة، وهنا ينبغي التنبيه إلى حقيقة تاريخية وهي أن كُل المشاريع الكبرى للشيعة اعتمدت على قوى أجنبية في محاولة تحقيقها؛ فمثلاً مشروع إسقاط الخلافة العباسية تم عن طريق إغراء التتار بمهاجمة بغداد ومساعدتهم في تدميرها عن طريق (نصير الدين الطوسي) و (ابن العلقمي) وعندما قامت (الدولة الصفوية) كان من أهدافها السيطرة على العراق، وفي سبيل ذلك تم عقد تحالفات مع الدول الأوروبية والتنسيق معها في شن الحروب المتتالية على الدولة العثمانية، وقد تمكنت من احتلال بغداد لفترة محدودة عانى فيها أهل السنة الويلات. ويلاحظ في مشروع (ابن العلقمي) أنه يقوم بشكل شبه كلي على قوة أجنبية كافرة. وكان للشيعة دور كبير في إنجاح المشروع المغولي، ولكن محاولة (ابن العلقمي) تحقيق الجزء التالي من المشروع والخاص بالشيعة حمل التتار على التخلص منه وقتله شر قتلة؛ وهكذا فشل المشروع الشيعي قبل هزيمة التتار. أما (المشروع الصفوي) فإن ما جرى في العراق كان صراعاً مباشراً بين الصفويين والعثمانيين وكان الدعم الأوروبي غير مباشر، ولم يكن لهم في ذلك الوقت اهتمام خاص بالعراق، وانتهى المشروع في ذلك الوقت بهزيمة الصفويين. أما المشروع الحالي فنحن أمام مشروعين: شيعي: تتبناه دولة إيران وأتباعها في العراق. وأجنبي: تتبناه أمريكا. وإذا كانت المرحلة الأولى قد انتهت بسقوط بغداد وقيام سلطة احتلال أمريكية تدعمها حكومة شيعية إيرانية التوجه؛ فإن المرحلة الثانية وهي قطف الثمار التي دونها خرط القتاد؛ فهم شركاء متشاكسون لا يمكن أن يتفقوا على قسمة عادلة للغنيمة، ولا يبدو أن أمريكا تملك سوى القوة الطاغية؛ فقد أعترضت على (الجعفري) وذهب (الجعفري) وجاء (المالكي) بديلاً وكلاهما من حزب الدعوة، أي أنه تنازل صوري من إيران. أما البرنامج النووي فإن المظلة الروسية تضمن عدم إمكانية منح أمريكا مظلة أممية، ويبدو من تصريحات الرئيس الأندونيسي المؤيدة لإيران، ودعوة عنان أمريكا للتفاوض المباشر مع إيران وعرض الاتحاد الأوروبي بالتنسيق مع أمريكا حزمةً من الهدايا الاقتصادية مقابل التخصيب خارج إيران، وإصرار إيران على الاعتراف بحقها بامتلاك تقنية نووية سلمية ـ يبدو من ذلك كله أن ليس أمام أمريكا سوى التسليم بانضمام إيران للنادي النووي، ومن ثَم التعامل معها بندِّية حول تقاسُم النفوذ في المنطقة بدءاً من العراق، أو أن تضرب بهراوتها وتحصل ملاحم تذكِّر بحديث الرسول # حول (انحسار الفرات) والله المستعان.
стр. 5663
مرصد الأحداث
أحمد فهمي
مفكرة الشهر
١٠ ربيع الثاني/ طهران تطمئن دول الخليج حول برنامجها النووي.
١١/ مقتل ثلاثة فلسطينيين إثر اعتداءات فتحاوية ضد عناصر حماس.
١٢/ الدول الخمس تفشل في الاتفاق على قرار بشأن إيران.
١٣/ السودان ترفض إرسال قوات دولية إلى دارفور.
١٤/ اعتقال عشرات من المتضامنين مع القضاة في مصر.
١٥/ علماء مسلمون في مؤتمر نصرة فلسطين يفتون بوجوب مساعدة الفلسطينيين اقتصادياً.
١٦/ واشنطن مستعدة للتعاون مع أي جماعة تحارب القاعدة في الصومال.
١٧/ نجاد يرفض أي عرض أوروبي لوقف النشاط النووي.
١٨/ بنازير بوتو ونواز الشريف يشكلان جبهة مشتركة ضد برويز مشرف.
١٩/ رئيس الوزراء العراقي يعلن: الخريطة الوزارية شبه كاملة.
٢٠/ المحكمة الإدارية العليا في مصر توقف الاعتراف بالبهائية رسمياً.
٢١/ مظاهرات بالقاهرة واعتقال المئات بينهم إخوان مسلمون.
٢٢/ افتعال مشكلة مع الناطق باسم حماس لنقله تبرعات مصرية إلى غزة.
٢٣/ المالكي يعلن الحكومة العراقية الجديدة بدون الدفاع والداخلية.
٢٣/ مدير الاستخبارات الفلسطينية يتعرض لمحاولة اغتيال داخل مبنى المخابرات.
٢٤/ الجبل الأسود تختار الاستقلال عن صربيا، وكوسوفا لا بواكي لها.
٢٥/ مقتل عشرات الأفغان في قصف أمريكي لجنوب أفغانستان.
٢٦/ أولمرت في واشنطن وسط ترحيب كبير واستقبال في الكونجرس.
٢٧/ عبد العزيز بلخادم رئيساً للوزراء في الجزائر خلفاً لأويحيى.
٢٧/ إسرائيل تقتل ستة فلسطينيين وتصيب العشرات وتعتقل ١٢.
٢٨/ تجدد الاشتباكات في مقديشيو بين ميليشيات المحاكم الإسلامية والموالين لأمريكا.
٢٩/ الخرطوم توافق على زيارة فريق دولي إلى دارفور.
١ جمادى الأولى/ الشيخ رائد صلاح: الحفريات الحالية تحت الأقصى هي الأخطر.
٢/ أكثر من ستة آلاف قتيل في زلزال بجزيرة جاوة الإندونيسية.
٣/ القوات الأمريكية تقصف مسجداً وتقتل عشرات الأفغان.
٤/ الصراع على النفط في البصرة يفجر صراعاً شيعياً شيعياً.
٥/ واشنطن تعلن استعدادها للانضمام إلى مفاوضات النووي الإيراني بشروط.
٥/ عباس يهدد باستفتاء على وثيقة الأسرى لو فشل الحوار الوطني، وحماس ترفض.
٦/ حركتان متمردتان في دارفور ترفضان توقيع اتفاق السلام.
٧/ الجيش الإسرائيلي يقتل ضابطين مصريين على الحدود عشية زيارة أولمرت للقاهرة.
٧/ حماس والجهاد ترفضان استفتاء عباس.
٨/ كارتر يطالب إدارة بوش بالتفاوض مع طهران دون أية شروط.
٩/ ٣٢ امرأة كويتية يترشحن للانتخابات البرلمانية.
١٠/ ميليشيات المحاكم الشرعية تعلن انتصارها في مقديشيو على أنصار واشنطن.
علامة تعجب
هذا الرجل يحكم أمريكا
في عام ٢٠٠٣ رد بوش على سؤال بشأن المقاومة العراقية التي بدأت تظهر بقوله: «دعهم يأتون» ، ولكن بعد ٣ سنوات قتل فيها أكثر من ٢٤٠٠ أمريكي حسب التعداد الرسمي، وعشرات الآلاف من العراقيين، قال بوش: «إن ذلك التصريح كان نوعاً من الحديث المتشدد الذي بعث برسالة خاطئة إلى الناس» وأضاف: «تعلمت بعض الدروس بشأن التعبير عن نفسي ربما بطريقة أكثر نضجاً، مطلوب حياً أو ميتاً، هذا النوع من الحديث أعتقد أنه في بعض الأجزاء في العالم تم تفسيره على نحو خاطئ» .
[موقع الشرقية تي في ٢٦/٢/٣٠٠٦م]
شعبية القاعدة في أمريكا
في تبرير غريب صرح الرئيس الأمريكي جورج بوش أن اطلاع أجهزة الاستخبارات على سجلات الاتصالات الهاتفية لملايين الأمريكيين كان ضمن جهود مطاردة القاعدة، وأكد: «من المهم أن يعي الأمريكيون أن نشاطاتنا موجهة حصراً ضد القاعدة وشركائها المعروفين» وهذا يعني أن القاعدة أصبحت ذات شعبية كبيرة ربما تنافس الحزب الجمهوري. [بتصرف عن صحيفة الرياض ١٤/٥/٢٠٠٦م]
قنوات منزوعة الدسم
في برنامج الاتجاه المعاكس ـ فضائية الجزيرة ـ هاجم أحد الضيوف أغلب القنوات الدينية التي تبث على قمر النايل سات، وقال إنها قنوات منزوعة الدسم لا تتحدث عن قضايا الأمة، وقال: العجيب أن من ينشئون القنوات الدينية هم من ينشئون قنوات الفساد. [فضائية الجزيرة الاتجاه المعاكس ٦/٥/٢٠٠٦]
السجن له بابان
أفرج نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي عن مئات السجناء العراقيين في قرار لقي ترحيباً مبرمجاً، وعلق بعض المحللين بالقول: إن أعداد المعتقلين الجدد ربما تفوق أعداد المفرج عنهم، بينما المطلوب وقف الاعتقال التعسفي وليس الإفراج فقط، كما يبدو أن الحكومة العراقية والاحتلال يُؤْثِرون القتل على الاعتقال في الوقت الحالي، حيث بلغ عدد القتلى في بغداد وحدها منذ بداية العام ستة آلاف قتيل.
مجلس الحراس العراقي
في دلالة على مستوى الأمن في العراق، اتخذ مجلس النواب العراقي قراراً بتخصيص ٢٠ حارساً شخصياً لكل عضو من أعضائه و٣٠ حارساً شخصياً لكل وزير من وزراء الحكومة؛ وهذا يعني أنه سيتم التعاقد مع ٦٦١٠ حراس شخصيين لهذا الغرض، وإذا ما تم التعاقد مع حراس من شركات الحراسة الأجنبية فإن مبلغاً باهظاً ستتكفل بدفعه خزينة الدولة العراقية قد يصل إلى حدود مليار ونصف مليار دولار أمريكي في السنة إذا ما علمنا أن الحراس الأجانب يتقاضون في العراق بحدود ٦٠٠ دولار أمريكي يومياً. [صحيفة المنارة العراقية]
تحذير: يُنصَح الفلسطينيون بعدم قراءة الخبر
قال تقرير مالي دولي إن العرب يمتلكون أصولاً بقيمة ٧٠٠ مليار دولار في أسواق السندات الأميركية، وأشار التقرير الذي وضعه خبراء في إدارة الشرق الأوسط بصندوق النقد الدولي إلى أن هذه الأموال ساهمت في توفير مصادر تمويل لإنفاق الحكومة والمستهلك الأميركيين، وأوضح أن الإقبال الكثيف لدول الخليج على شراء سندات الخزينة الأميركية يدعم وضع الدولار أو على الأقل يوقف انزلاقه.
وتبين من واقع التقرير أن الخزانة الأميركية نجحت العام الماضي في اجتذاب ٧٠ مليار دولار من استثمارات دول الخليج في الخارج، وأن ما يعادل هذا المبلغ اندمج في الأسواق الأميركية تحت مسميات غير عربية هرباً من الملاحقة الأمريكية للأموال بدعوى الإرهاب.
وقال مدير إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي (محسن خان) لمجلة ماريان الفرنسية في عددها الأخير: إن دول الخليج وبعد عمليات الشراء للشركات الغربية حققت فائضاً العام الماضي مقداره ٢٠٠ مليار دولار. وقال صندوق النقد الدولي: إن دول الخليج تجني نصف مداخيل النفط في العالم بواقع ٤٠٠ مليار دولار سنوياً.
وذكر أن نصف هذا المبلغ يتم إنفاقه في شراء الشركات الغربية إضافة إلى الاستثمارات الداخلية وبند الواردات، أما النصف الثاني من العائد السنوي فيتوجه نحو الاستثمار في أسواق المال العالمية حسب التقرير.
[الجزيرة نت ٢٧/٥/٢٠٠٦م]
لندنستان
ضمن موجة الاستعداء الأوروبي ضد الوجود الإسلامي، صدر كتاب للكاتبة البريطانية (ميلاني فيليبس) بعنوان «لندنستان» وتزعم فيه أن «العاصمة البريطانية تحولت إلى معقل رئيسي للتطرف الإسلامي» .
وتبدأ (ميلاني) حكاياتها من عام ١٩٨٨ عندما اندلعت مظاهرات غاضبة في عواصم العالم الإسلامي وفي مدن بريطانية احتجاجاً على نشر كتاب «آيات شيطانية» لسلمان رشدي، وتقول: إن هذه الحادثة كانت نقطة تحول في طريقة تعبير المسلمين في بريطانيا عن أنفسهم «حيث أصبحوا أكثر تسييساً وربطوا إيمانهم بالعنف» ، ثم تعرج (ميلاني) إلى الحرب في البوسنة وتقول: «إن هذه الحرب أدت إلى جعل مسلمي بريطانيا أكثر راديكالية حيث شاهدوا كيف قُتِلَ البوسنيون المسلمون من قِبَل جيرانهم المسيحيين، وما جعل هذه المذابح أكثر سوءاً أنها حدثت في وسط أوروبا وفي منطقة كان يفترض أنها علمانية ومتعددة الثقافات والعرقيات» . وتواصل (ميلاني) قائلة إنه «في هذا الوقت بدأ إسلاميون عرب في الوفود من العواصم العربية إلى لندن في أعداد كبيرة، ومنهم من حارب الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وعندما عادوا إلى أوطانهم تمت مطاردتهم فجاؤوا إلى لندن، وجاءت معهم أيديولوجياتهم الراديكالية، وهو ما أثر على أفكار بعض المسلمين في بريطانيا» .
[بتصرف عن موقع بي بي سي ٢٨/٥/٢٠٠٦]
وفي نيجيريا أيضاً.. الشيعة يواجهون السنة:
وقعت مواجهات بين الطائفتين السنية والشيعية في مدينة سوكوتو ـ شمال غرب نيجيريا ـ وقال شهود عيان لوكالة فرانس برس إن عناصر من الشيعة اتهموا آخرين من السنّة بالتعرض لنسائهم، وأكد مسؤول رسمي حصول المناوشات التي أوقعت عدداً من الجرحى وتدمير عددٍ من المنازل، وقال أحد التجار (سعدو لابو) : إن مجموعة من الشيعة المتطرفين هاجموا مجموعة من السنّة في حي مارمارون ـ غارو بعد اعتداء على امرأة شيعية، وأكدوا أن المعتدين على نسائهم لن يفلتوا من العقاب، وأضاف أنهم دمروا ثلاثة منازل للسنّة متهمين بأنهم وراء الاعتداء على المرأة، وجرحوا عدداً من الأشخاص، وقال متحدث باسم الطائفة الشيعية في سوكوتو (إبراهيم اتيكو) إن مجموعة من الشيعة المتطرفين قررت بمبادرة منها مهاجمة أي شخصٍ يتعرض لأي شيعي في المدينة.
[فرانس برس ١١/٥/٢٠٠٦م]
الجزاء من جنس العمل
أعلنت المتحدثة باسم النائبة الهولندية الصومالية الأصل حرزي علي ـ ٣٦ عاماً ـ أنها ستتوجه إلى الولايات المتحدة؛ حيث ستعمل مع معهد أمريكان أنتربرايز الذي يعبر عن فكر المحافظين الجدد، وذلك بعد أن أعلنت النائبة استقالتها من البرلمان إثر انكشاف تزويرها أوراقاً من أجل الحصول على اللجوء السياسي في هولندا عام ١٩٩٢م ثم الجنسية.
وعُرفت (حرزي) بإساءتها للإسلام وارتدادها عنه ومهاجمتها الدائمة للشعائر الإسلامية والمسلمين، وكانت قد شاركت في تزوير برنامج وثائقي قصير يشوه صورة الإسلام من إخراج الهولندي (ثيو فان جوخ) الذي قتل بعدئذٍ بسبب ذلك البرنامج، ويفترض أن يتم تجريد (حرزي) من جنسيتها الهولندية بعد اعترافها بالتزوير، ما لم تتدخل جهات سياسية.
وقالت (حرزي علي) إنها تستقيل بعد أن أبلغتها (ريتا فيردونك) وزيرة الهجرة عن الحزب نفسه الذي تنتمي إليه وهو حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية أنها قد تفقد جواز سفرها؛ لأنها دوَّنت بيانات كاذبة في طلب الحصول على اللجوء السياسي، وتدعي (حرزي) أنها دوّنت اسماً وتاريخ ميلاد مزيفين عندما وصلت إلى هولندا عام ١٩٩٢ كي لا تستطيع أسرتها العثور عليها؛ لأنها هربت من، وأعلنت سفارة واشنطن في هولندا أن مشاكل الجنسية التي تواجهها (حرزي علي) لن تكون عقبة أمام انتقالها إلى الولايات المتحدة.
[بتصرف عن رويترز ١٧/٥/٢٠٠٦م]
علمانية رغم أنف الدستور
«مصر دولة علمانية» هذا التصريح الذي أدلى به رئيس الوزراء المصري الدكتور أحمد نظيف فجَّر ردود فعل واسعة النطاق، عندما قال إن مصر دولة علمانية تفصل الدين عن السياسة، لكنها تعتمد الشريعة الإسلامية مصدراً أساسياً للتشريع، وقال الدكتور طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة السابق في سياق رده على ذلك: كيف تكون مصر علمانية وهذا النص موجود بوضوح في دستورها؟ ولا أدري ماذا يقصد ـ د. نظيف ـ بالعلمانية في هذا الشأن؟ فإذا كانت الشريعة الإسلامية بنص الدستور هي المصدر الرئيسي للتشريع، والإسلام هو دين الدولة.. فكيف يمكنه تفسير هذه النصوص وهي التي تحدد الهوية المصرية بأنها عربية وإسلامية، وتحدد أيضاً المرجعية للقوانين والنظم، واستطرد المستشار البشري قائلاً: إن النصوص الأولى في أي دستور تحدد الهوية الخاصة بالجماعة الوطنية والسمة الغالبة فيها من الناحية الثقافية، وتحدد أيضاً المرجعية وهذا ما صنعته المادة الأولى والثانية والثالثة من الدستور المصري الساري حالياً. وقال: إن نص المادة الثانية من الدستور يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن مصر ليست دولة علمانية وهذا معروف للكافة.
[بتصرف عن العربية نت ٢٣/٥/٢٠٠٦م]
فرنسا.. هل تعلن إسلامها قريباً؟!
شهدت ظاهرة الزواج المختلط في فرنسا ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة خاصة في المناطق ذات الأغلبية المسلمة، وبينما اعتبر المركز الوطني للإحصاء الفرنسي ذلك مؤشراً على أن فرنسا مهيأة لأن «تجدد دماءها بجيل جديد» ، أثارت الظاهرة جدلاً بين اليمين المتطرف الذي حذر من «طمس الهوية الفرنسية» ، واليسار الذي اعتبر ذلك علامة على «الاندماج الكامل» .
وفي إحصائيات وصفتها وسائل إعلام فرنسية بـ «المذهلة» ، كشف وزير العدل الفرنسي «باسكال كليمان» عن ارتفاع كبير في نسبة الزواج المختلط في فرنسا؛ حيث ارتفعت النسبة إلى ٦٢% في عام ٢٠٠٥ عنها في عام ١٩٩٩، وأضاف الوزير على هامش مناقشة قانون الهجرة الجديد الذي قدمه وزير الداخلية «نيكول ساركوزي» أوائل الشهر الجاري أن من جملة ٢٧٥ ألف زيجة تمت في فرنسا العام الماضي، بلغت عدد الزيجات المختلطة ٥٠ ألف حالة، وأشار التقرير إلى أن «طفلاً من بين ١٠ أطفال ولدوا في فرنسا السنة الماضية هو نتيجة زواج مختلط، وأن زواجاً من بين كل ٥ زيجات هو زواج يتم بين فرنسية أو فرنسي وأجنبي» . [إسلام أون لاين ٢٨/٥/٢٠٠٦م]
إيران وتخصيب أهل السنة في العراق
كشف موقع على الإنترنت معلومات تفيد أن أحد السجون السرية التي تديرها المخابرات الإيرانية في البصرة يقع في منطقة الجمعيات مقابل الحيانية، وتمارس فيه شتى صنوف التعذيب والتصفيات الجسدية؛ ورغم تبعيته للداخلية العراقية، غير أنه يدار من قِبَل عناصر المخابرات الايرانية الذين يستخدمون أسماء حركية عراقية للتضليل، ويتكلمون اللغة العربية بلكنة إيرانية، ومن بينهم حسبما ذكر الموقع:
١ ـ العقيد كريم: وهو قائد العناصر العاملة في السجن، وهو إيراني وتعيش أسرته في إيران، وعلى اتصال مباشر مع عقيد في المخابرات الإيرانية يدعى (شمس) يتلقى منه التعليمات الواردة من طهران.
٢ ـ سيد علي الحياني: هو احد ضباط التحقيق في السجن والمشرف الرئيسي على أعمال التعذيب ضد المعتقلين، وكان قد أقام في إيران لفترة ٢٠ عاماً وانضم إلى المخابرات الإيرانية وقوات القدس في إيران، ويتلقى حالياً راتبه من قوات القدس.
٣ ـ نقيب حسان: كان يعمل في طهران مع وزارة المخابرات الإيرانية، ولغته العربية ضعيفة وحديثه غالباً يكون بالفارسية، هو يدخل العراق اعتيادياً عبر منطقة التنومة، ويقيم لدى منتسبي (منظمة ثأر الله) الإيرانية في العراق.
٤ ـ غانم: يعتبر من اقدم قادة فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى الذي يقوده عبد العزيز الحكيم، وهو المسؤول عن قسم التحقيقات في السجن، وكان مقيماً في إيران قبل سقوط النظام العراقي، وتجند منذ ذلك الوقت لدى قوات القدس التابعة للحرس الإيراني.
[صحيفة دار الحياة ٢٥/٥/٢٠٠٦م]
من هنا وهناك
ـ حذّر صلاح الدين حافظ الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب من خطورة الاختراق الأمريكي لعدد من الصحف وأجهزة الإعلام العربية عن طريق دعم مراكز ومؤسسات صحفية واعلامية في صورة مراكز بحثية وتخفي وراءها أبعاداً أخرى تتعلق بمهنة الصحافة والإعلام.
[صحيفة الجزيرة ١١/٥/٢٠٠٦م]
ـ قال النائب الديموقراطي الأمريكي (جون مورتا) تعليقاً على مجزرة حديثة العراقية على أيدي القوات الأمريكية: «إن قواتنا تقتل مدنيين أبرياء بدم بارد» وقال معلقاً على نشر مجلة تايم الأمريكية أن عدد قتلى المجزرة كان ١٤ عراقياً: «إن حصيلة ضحايا هذا الحادث أكبر من ذلك بمرتين» .
[وكالات ١٩/٥/٢٠٠٦م]
ـ فصلت حركة فتح (خالد أبو هلال) الناطق باسم وزارة الداخلية من عضويتها بدعوى أنه ارتكب مخالفات مستمرة ولم يلتزم بالتعليمات الحركية، كونه أصبح ناطقاً باسم الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حماس، رغم تكرر لفت نظره، كما أعلنت الحركة أنها غير مسؤولة عن ألوية الناصر صلاح الدين، الذراع العسكري للجان المقاومة الشعبية.
[صحيفة الحياة الجديدة ٩/٥/٢٠٠٦م]
ـ قال الرئيس الإيراني (أحمدي نجاد) في حشد من الإيرانيين: «إنهم يقولون إنهم يريدون إعطاء الإيرانيين حوافز، لكنهم يتصورون أنهم يتعاملون مع طفل عمره أربع سنوات ويقولون له إنهم سيعطونه الحلوى والجوز مقابل ما معه من ذهب» . [إسلام أون لاين ١٧/٥/٢٠٠٦م]
ـ اتهم محافظ البصرة محمد مصبح الوائلي ـ من قياديي حزب الفضيلة الشيعي ـ قيادات في الجيش والشرطة بالوقوف وراء موجة الاغتيالات التي شهدتها مدينة البصرة خلال الفترة الأخيرة، وأعلن تجميد عمل مدير الشرطة وطالب بإقالة المسؤول من الجيش في المنطقة، وقال الوائلي: «إننا اليوم نقف أمام مرحلة خطيرة من مسيرة بلدنا ومدينتنا، وتكمن خطورة هذه المرحلة في حجم التحديات التي تحيط بمدينتنا الناتج عن تطلعات وأطماع قوى واتجاهات لها ارتباطاتها المعروفة خارج العراق» وتدور في المدينة صراعات بين الأحزاب الشيعية.
[أخبار الخليج، ١٤/٥/٢٠٠٦م]
ـ دفعت الخارجية البريطانية ١١٠ ملايين جنيه لشركات الأمن الخاصة خلال عامين ونصف العام، حيث يتقاضى حارس الأمن صاحب الخبرة الذي يعمل في العراق ٣٤٠ جنيهاً إسترلينياً في اليوم الواحد، وذكرت التايمز أن حراس أمن بريطانيين في العراق هدّدوا بالإضراب عن العمل بسبب ضعف أجورهم، وأن هذه الخطوة من شأنها أن تحدّ من تحركات الدبلوماسيين البريطانيين في بالعراق. [الجزيرة ٢٨/٥/٢٠٠٦م]
ـ كشف (عصام الراوي) رئيس رابطة المدرسين العراقيين أن ٢١٧ أستاذاً جامعياً قد تمت تصفيتهم منذ احتلال العراق إلى الآن، وقال: إذا أضفنا إلى هؤلاء الكفاءات من حملة شهادتي الماجستير والدكتوراه الذين تم اغتيالهم في الفترة نفسها فإن العدد سيتجاوز ٥٠٠ قتيل، وقال: إن الأرقام الحقيقية ربما تكون أكبر من ذلك بكثير. وأكد أن جميع عمليات القتل سُجلت ضد مجهول، وحمَّل قوات الاحتلال والمرجعيات الدينية والسياسية المسؤولية عن تلك الجرائم.
[صحيفة الأحداث المغربية ٢٥/٥/٢٠٠٦م]
ـ نشرت منظمة العفو الدولية (امنيستي) تقريراً أوضحت من خلاله، أن تجار السلاح الإسرائيلي يغذون معظم الحروب الدائرة في أنحاء المعمورة، وذكر التقرير أن إسرائيل تحتل المرتبة الخامسة أو السادسة على قائمة الدول المنتجة والمصدرة للسلاح في العالم، وهي ترفض التوقيع على ميثاق تعده الأمم المتحدة لمراقبة تجارة السلاح، وكانت صحيفة هآرتس العبرية، قد كشفت مؤخراً عن قيام شركة إسرائيلية بتزويد نيجيريا بطائرات استطلاع بدون طيار، لتغذية الصراعات الأهلية هناك.
[صحيفة الجزيرة ١٢/٥/١٠٠٦م]
ـ أعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أنّ القوات العراقية من الممكن أن تتولى مسؤولية أغلب أجزاء البلاد بحلول نهاية ٢٠٠٦م، ويبلغ أفراد الجيش والشرطة نحو ٢٥٠ ألف فرد، ومن المقرر أن يبلغوا ٣٢٥ ألف نهاية العام، ولكن يشكك محللون في ذلك حيث رصدت حوادث اشتباك بين بعض الوحدات داخل هذه القوات، ورفض (توبي دودج) وهو محلل في شؤون العراق بـ (جامعة كوين ماري) خطة المالكي قائلاً: «هذا ما يتمنونه.. إنها دعاية وليس جدولاً زمنياً واقعياً للتسليم» ويقول (سيمون هندرسون) الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: «هناك دائماً احتمال في تحوُّلهم إلى فصائل عرقية، وهذا يحدث جزئياً بالفعل» . [موقع طريق الشعب، ٢٤/٥/٢٠٠٦م]
ترجمات عبرية خاصة بالبيان
«قالت تقارير أمنية لجهاز الأمن الداخلي «الشاباك» إن الجهاز يواجه مأزقاً حقيقياً منذ انسحابه من قطاع غزة في منتصف أغسطس الماضي، يكمن في عدم قدرته على جلب المعلومات من داخل القطاع حول حركة حماس، بسبب صعوبة تجنيد العملاء» .
[صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية ١/٦/٢٠٠٦م]
«من المرات القليلة في تاريخ ساستنا أن يكشف وزير ورئيس حكومة سابق، عن الفساد الذي عاينه خلال منصبه، فرئيس حزب الليكود (بنيامين نتنياهو) كشف عن قيام جهات كبرى ـ لم يسمها ـ بعرض رشوة كبيرة عليه في اليوم الثاني لتوليه وزارة المالية»
[موقع «نيوز فرست كلاس» الإخباري العبري]
«سنعمل ما في بوسعنا لمكافحة معاداة السامية؛ فبولندا لا تتحمل معاداة السامية» .
[الرئيس البولندي «ليتش كاتشينسكي» تضامناً مع كبير حاخامات البلاد «مايكل شودريتش» خلال اجتماعهما بقصر الرئيس بوارسو ٣١/٥/٠٠٦ ٢م] .
«في الحقيقة، ليس هناك لوبي واحد نيابة عن إسرائيل لكن الكثير، والعلاقة بين اليهود الأمريكان والإسرائيليين متشابكة» .
[لاري جاربير المدير التنفيذي لصندوق إسرائيل الجديد صحيفة هآرتس ٣٠/٥/٢٠٠٦م] .
أخبار التنصير
تنصير الأكراد وإعدادهم للعمل في كنائس العراق
شهدت المحافظات الكردية خلال شهر أبريل الماضي ٢٠٠٦، حملة تنصير واسعة النطاق تقوم بها منظمات وجماعات تنصيرية بلغ عددها في المحافظات الكردية نحو ٥٠ ألف نصراني، وقامت منظمة تدعى «إيكورن» تابعة للفاتيكان بتنصير عشرات الأكراد المسلمين وأرسلت بعضهم إلى دورات تنصيرية في كنائس خاصة بالعاصمة بغداد، بعد إغرائهم بمرتبات تراوحت بين ٥٠٠ إلى ٦٠٠ دولار، ويتم اختيار المتميزين وإرسالهم إلى الفاتيكان للتدرب على ممارسة التنصير، وقد توسعت «إيكورن» في فتح مقرات لها بدأت بثلاثة في العام الماضي وأصبحت الآن ثلاثة عشر مقراً في المحافظات الكردية الثلاث: أربيل والسليمانية ودهوك. [الشروق ـ الجزائر ـ ٩/٥/٢٠٠٦م]
هجمة تنصير كورية في الخليج والأردن
يحتل المنصِّرون الكوريون الجنوبيون موقع الصدارة حاليّاً في الأنشطة التنصيرية الإنجيلية التي تستهدف المسلمين في الدول العربية مستخدمين أساليب سرية، ومستندين إلى دعم مالي لا نهاية له.
وتعتبر المنظمات التنصيرية بكوريا الجنوبية الآن المصدر الثاني للمنصرين في العالم بعد الولايات المتحدة، بينما تسبق بريطانيا التي تأتي في المرتبة الثالثة.
وتقول صحيفة الكتيبة الطيبية: إن العاصمة الكورية سيول نشرت ١٢ ألف منصّر في الخارج خلال العقدين الماضيين فقط، لا يستخدمون لغتهم أثناء تحويل الأشخاص عن دينهم الأصلي، بل إنهم يستخدمون لغة البلاد التي يمارسون فيها نشاطهم التنصيري، أو يلجؤون إلى اللغة الإنجليزية.
ونقلت الصحيفة عن منصِّر كوري جنوبي في الأربعينيات من عمره قوله: «هناك مقولة تشير إلى أنه حينما يصل الكوريون إلى مكان ما فإنهم ينشئون كنيسة، أما الصينيون فينشئون مطعماً، واليابانيون ينشئون مصنعاً» .
وعن طرق التنصير التي يتبعونها، قال: «كل منصِّر يتناول الطعام مع ٣ أو ٤ مسلمين، ثم يدع الحديث يتدفق عن المسيح» ، لافتاً إلى أنه لا يتم ذكر كلمة «منصر» أو «داعٍ إلى الإنجيل» على الإطلاق.
وأكدت الصحيفة المسيحية أن حصول أي منصر على تأشيرة دخول إلى بلد عربي أو مسلم يُعَدّ أمراً صعباً، لكنهم يلجؤون لطرق أخرى، مثل الحصول على تأشيرة دراسية، أو للعمل كمبرمج حاسب آلي أو غير ذلك، ثم يمارسون أعمال التنصير سراً.
[صحيفة الكتيبة الطيبية المسيحية ـ القاهرة ـ عدد مايو ٢٠٠٦م]
أمريكا وبريطانيا تدعمان التنصير بمليارات الدولارات
كشف تقرير صادر عن البيت الأبيض أن الإدارة الأمريكية قدمت خلال عام ٢٠٠٥م أكثر من ملياري دولار كمنح للجمعيات الدينية المسيحية، وذكرت الجارديان البريطانية الصادرة يوم ١٦/٣/٢٠٠٦م «أن هذا الرقم الذي تم الكشف عنه لا يشمل كل المنح التي قدمتها الإدارة الأمريكية، وأنه تم تحويل ما يعادل ٤ مليارات جنيه إسترليني لدعم برامج الرهبنة، كانت مخصصة لمكافحة مرض الإيدز» .
وأشارت (زينت) لإحصائية نشرتها جمعية NCRP الأمريكية لدعم العمل التطوعي ومقرها واشنطن عام ١٩٩٨م أن حجم التبرعات لعام ١٩٩٨م فقط بلغ ١٧٥ مليار دولار يذهب تسعة أعشارها لدعم الكنائس والأنشطة الدينية الأخرى، ومنها التنصير بالطبع، بينما بلغ حجم المال الذي تداولته المؤسسات الخيرية في بريطانيا عام ٢٠٠٥ ما قيمته ٢٨ مليار دولار. [الفاتيكان ـ زينيت ٢٨/٥/٢٠٠٦م]
стр. 5664
الاغتيالات الجارية في البصرة (نزيف مستمر)
عبد الله علوان البدري
موقف ـ الاغتيالات الجارية في البصرة «نزيف مستمر» ـ الشيخ الدكتور مثنّى بن حارث الضاري يتحدث عن عمليات القتل والتهجير واستهداف رموز السُّنّة في البصرة قائلاً:
الأوضاع في البصرة ليست جديدة، وما حصل في البصرة هو تصعيد استطاع الإعلام هذه المرة أن يبرزه، وذلك بسبب تصاعد الخلافات السياسية بين القوى الموجودة في البصرة، وغالبها قوى داخلة في العملية السياسية، وأيضاً الصراع بين ميليشيات مختلفة، وهذه الميليشيات لها صلة قريبة أو بعيدة من القوى السياسية الداخلة في العملية السياسية، أو لها صلة بجهات دولية وإقليمية وخاصة دول الجوار ذات العلاقة.
الوضع في البصرة سيِّئ جداً، فمنذ بداية الاحتلال وعمليات القتل على الهوية قائمة فيها، وإن أولى عمليات التهجير في العراق سُجّلت في هذه المدينة، وهناك شواهد كثيرة على ذلك؛ تتضح بالرجوع إلى الصحافة العراقية التي ظهرت بعد الاحتلال حيث نجد مؤشرات كثيرة على ذلك.
وبالاتصال بالكثير من العوائل في المحافظات العراقية ـ ولا سيما محافظات الوسط والشمال والجهة الغربية وحتى خارج العراق ـ نجد أن عشرات العوائل البَصْرية قد هُجّرت منذ الأشهر الثلاثة الأولى للاحتلال، وبقي الوضع في البصرة محتقناً إلى فترة، ثم سادَ نوع من الهدوء بعد انشغال الجميع بما يحدث في المركز في بغداد، ولكن هذا أعطى فرصة ـ خاصة في السَّنَة الأخيرة ـ لتصاعد أعمال القتل والتهجير ـ التي لا يُعلن عنها ـ من خلال ميليشيات جديدة إضافة إلى الميليشيات القديمة وميليشيات صغيرة، حتى بلغ عدد الميليشيات في محافظة البصرة ما يقارب (١٣) إلى (١٤) ميليشيا، بل ربما يكون العدد أكثر من ذلك، ومجموع الميليشيات في العراق تجاوز الثلاثين ميليشيا أغلبها في البصرة؛ بحكم انفتاح البصرة على من جاورها وعلى إيران وبُعْدها عن المركز.
وفي مناسبات سابقة صرَّح عدد من محافظي البصرة ومديري الشرطة فيها بخطورة الوضع، وآخرها كان تصريح مدير الشرطة قبل أشهر بأن الميليشيات التي تعمل بدون غطاء شرعي هي سبب مشكلة البصرة ومعاناتها.
كل هذا غضَّت الحكومات المتوالية في بغداد الطرفَ عنه إلى أن تفاقمت المشكلة عندما حصلت المشكلة بين القوى السياسية والميليشيات نفسها في المدينة، وآخرها المشكلة التي حصلت بين إحدى عشائر البصرة والشرطة بعد قتل شيخ هذه العشيرة ومداهمة أبناء العشيرة مراكز الشرطة واستفحال الأمر.
إن المشاورات حول تشكيل الحكومة والمحاصصات الطائفية والعِرْقية ألقت بظلالها أيضاً على البصرة، وخاصة فيما يتعلق في موضوع النفط، وكما أُعلن أن الوزارة السابقة قامت بتوزيع المناصب الوزارية على أساس اتفاقات قامت في الجزء الأساسي على المحاصصة الطائفية والعِرْقية؛ ولكن قامت في جزء آخر بعد احتواء هذه المحاصصة على توزيع وزارات معينة لقوى سياسية محددة، ومنها وزارة النفط التي كانت تابعة لإحدى القوى السياسية في البصرة التي منها محافظ البصرة، وسيطرة هذا الحزب على القطاع النفطي ولّد مشكلات وخلافات في البصرة، إضافة إلى انتشار عمليات تهريب النفط إلى خارج العراق من خلال عمليات كثيرة غير مشروعة.
أحدثَ ذلك نوعاً من القلاقل في المدينة، وصاحبه اضطراب الوضع الأمني، وازدياد عمليات الاغتيال وما إلى ذلك، فبدأت الاتهامات تُلقى من هذا الطرف على ذلك الطرف على خلفية تصفية الخلافات التي عادة ما تكون خلافات مالية أساساً ذات واجهة سياسية.
أجَّجت الاضطرابات تلك الأوضاع في البصرة، واستطاعت أن تحول البصرة إلى مدينة ساخنة جداً مع بداية فصل الصيف، وطالت هذه الأحداث كل سكان البصرة، ومنهم ـ طبعاً ـ بشكل خاص أهل السنة، وكلنا يعلم أن عدد أهل السنة في البصرة عدد كبير جداً يقارب المليون شخص، رغم عمليات التهجير الكثيرة والنزوح الاضطراري لكثير منهم.
تتمثَّل هذه المضايقات الأخيرة في استهداف رؤوس الأموال هناك، خاصة الحادثة المشهورة في استهداف شركة الفيحاء التي هي أساس لإعالة عدد كبير من العوائل البَصْرية بغضِّ النظر عن انتمائها الطائفي، ولكن يبدو أن هذه الشركة صُنّفت على أنها شركة سنّية، لذلك استهدفت وقُتل عشرة من مهندسيها في ساحة عامة في مدينة البصرة، الأمر الذي أجّجَ الأوضاع فيها، ولكن تمّ إخفاء هذا الخبر تماماً ولم يظهر إلى الإعلام إلا في وسائل قليلة جداً، بعد ذلك تمّت مداهمة هذه الشركة وإبعاد وفصل موظفيها؛ من خلال الضغط عليهم واضطرارهم إلى النزوح خارج المدينة، وبدأت أحداث (الزبير) المأساوية والتي تطورت بشكل سريع واستهدفت أولاً بعض الأئمة والخطباء وبعض ممثّلي القوى السنّية حتى الداخلة في العملية السياسية، كما حصل للشيخ خالد السعدون ورفاقه، وقبل ذلك بعض الأئمة والخطباء، وأخيراً عضو هيئة علماء المسلمين الشيخ وفيق الحمداني.
تطوّرت الأمور مما جعل أهالي هذه المنطقة يفكرون في الرحيل عن المدينة، وقد ساهم في هذا التفكير بروز صيغة جديدة للضغط على المواطنين ألا وهي اقتحام البيوت وقتل من فيها، وقد سجلت هذه الحوادث في هذا الصدد وأشرنا إليها في بيان للهيئة في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي.
عموماً الأوضاع في البصرة لا زالت متوترة، والدليل على ذلك: أن الحكومة في بغداد حاولت التعتيم على هذا الموضوع والقول: بأن الأحداث طبيعية، وأرسلت عادل عبد المهدي، ثم بعد ذلك اضطرت أخيراً إلى أن يتوجه رئيس وزراء الحكومة الجديدة ونائب رئيس الجمهورية إلى البصرة لمعاجلة الأمور، ولأول مرة تُفرض رسمياً حالة الطوارئ في البصرة، مع العلم أن العراق كله أشبه ما يكون بحالة طوارئ، مما يدل على أن هناك مشكلة كبيرة.
عموماً نحن نستقي الأخبار من خلال متابعتنا للواقع ولكن مع ذلك لدينا مصادر خاصة ومنها مصادر الهيئة في البصرة، ولعب فرع البصرة في الفترة الماضية دوراً كبيراً في التقريب بين وجهات النظر، ولعلَّ من الأمور التي لا يعلمها الجميع أن كثيراً من النشاطات الدينية والسياسية التي تقتضي جمع كل المكونات السياسية والقوى السياسية والدينية في البصرة غالباً ما تكون في مقرِّ هيئة علماء المسلمين هناك، وذلك لأن الهيئة في البصرة تمثل عاملاً مشتركاً بين الجميع بصفتهم العراقية، وقد حلّت حالات كثيرة جداً كان الفيصل فيها هو الاجتماع في مقر الهيئة في الجامع الكبير في مدينة البصرة.
يحاول ويسعى فرع الهيئة في البصرة ـ طبعاً ـ دائماً إلى إطلاع المقرّ العام في بغداد على ما يجري، ويحاول أن يهدِّئ الأمور، وأن يوصل تقارير متوازنة تصف الحالة كما هي دون رتوش، وفي الفترة الأخيرة توجّه رئيس الفرع في البصرة إلى بغداد، وزار المقرّ العام، ثم التقى ببعض الأعضاء الآخرين حيث شرح الحالة وقال: الوضع في البصرة وضع مؤلم، والأمور يجب أن يوضع لها حدّ، وأن تدخّلات الحكومة قد لا تنهي الأمور؛ لأن هناك أطرافاً أخرى سلطتها أقوى من سلطة الحكومة المركزية تسرحُ وتمرحُ في البصرة، وهذه الأطراف ـ طبعاً ـ معروفة، ولا داعي للخوض في تفاصيلها؛ لأن أهالي البصرة هم أكثر من غيرهم معرفة بها.
ما نريده من الإعلام العربي والإعلام الإسلامي أن يحاول الوصول إلى أصل المشكلة ومعرفة الدوافع الحقيقية لتوتير الأوضاع.
وقد يتساءل بعض المراقبين: لِمَ لا يوضع مرصد لأحوال أهل السنَّة في البصرة؟ وهل هناك شيء من هذا القبيل؟ فأقول: هذا الدور موجود فعلاً؛ لأنه يوجد عندنا في الهيئة قسمان مختصان بذلك، قسم الإعلام الذي يرصد كل هذه الحالات بالتواصل مع الفروع وخاصة فرع البصرة، وقسم حقوق الإنسان الذي يسجل كل التجاوزات التي تقع للعراقيين عموماً ومنهم أهل السُّنة، ولدينا تسجيل لتجاوزات كثيرة، ولعلَّ من أوائل تلك التجاوزات التي أشرنا إليها ونبّهنا عليها في بداية الاحتلال ما تعرَّض له أبناء البصرة من أهل السُّنة، وأذكر أنه في صحيفة (البصائر) وهي الجريدة الناطقة باسم الهيئة في فترة متقدمة جداً وفي عددها العاشر في أواخر ٢٠٠٣ كانت هناك تغطية واسعة حول هذه القضايا، ولذلك لدينا رصد كامل، وفرع الهيئة في المنطقة الجنوبية ـ أيضاً ـ لديه توثيق لتلك الأحداث، مع أننا ـ دائماً ـ نتكلم عن هذا الموضوع باعتباره انتهاكاً لحق الإنسان في الحياة، بغضِّ النظر عن انتماء الشخص سنِّياً كان أو شيعياً، عربياً كان أو كردياً أو تركمانياً حتى لو كان مسلماً أو نصرانياً؛ لأن لدينا ـ أيضاً ـ تسجيلات واختراقات على حق الإنسان غير المسلم في البصرة، وقد لجأتْ إلينا بعضُ الجهات والكنائس ـ على سبيل المثال ـ وشكت مراراً وتكراراً من ذلك.
وزارتنا وفود كنسيّة للهيئة لبثِّ الشكوى، ومن الوفود كذلك وفد الصابئة، والآن هناك موعد سيحدد قريباً لزيارتهم لمقرِّ الهيئة لإبلاغنا ببعض التجاوزات عليهم، إذاً؛ الهيئة تسعى إلى هذا الموضوع ولديها توثيق وتعلن هذا من خلال مؤتمراتها الصحفية وبياناتها الإعلامية واتصالاتها بالجهات الخارجية.
وحول سؤالنا للشيخ: ماذا يمثّل لكم اغتيال علماء أهل السُّنة؟ أجاب فضيلته قائلاً:
الوضع في العراق الآن وضع منفلت، والاغتيالات التي تقوم على أساس الهوية كثيرة جداً، والحالات التي بدأت باغتيال بعض الأئمة والخطباء والعلماء بدأت في البصرة ثم في بغداد، ونحن رصدنا ذلك منذ زمن، فأول من استشهد من أعضاء الهيئة كان في شهر ٢ عام ٢٠٠٤، في فترة مبكرة جداً قبل أن يستحر موضوع القتل في العلماء عموماً والخطباء وعلماء الشرع تحديداً.
والقتل الآن يطالُ الكفاءات العراقية عموماً مهندسين وأطباء وعسكريين وأساتذة جامعات. ورابطة الأساتذة الجامعيين تُصدر بين فترة وأخرى بيانات مهمة حول هذا الموضوع، ونحن في الهيئة رصدنا كل هذه الحالات.
والذي حصل في الفترة الأخيرة أن ازدياد عمليات قتل الأئمة والخطباء قد كثر وخاصة أعضاء الهيئة وفي البصرة تحديداً، وهذا مرجعه يعود إلى أن هناك دوراً نشطاً لأئمة وخطباء المساجد في وَأْد الفتنة في العراق عموماً وفي البصرة تحديداً، والهيئة تبثّ روح التقريب بين وجهات النظر والجهات المختلفة سياسياً، ويبدو أن هذا السلوك من الأئمة وخطباء المساجد وعلماء الهيئة في البصرة لم يرضِ بعض الأطراف التي أرادت أن تبقي الأمور على حالها، وهذا لا يتم إلا من خلال استهداف أهل العلم والرأي وأئمة وخطباء المساجد؛ لأن استهدافهم سيُخْلي هذه الواجهات العلمية والدينية والسياسية ممن يتحدث بالحق وممن يحاول أن يصلح بين الناس. وأنا أضرب مثالاً واحداً على ذلك فبعد أحداث سامراء وما حصل فيها من مشكلة هدم المرقدين وغيرها كانت إحدى القوى الدينية العراقية خارج العراق وتحديداً في إيران، وعادت إلى العراق عن طريق البصرة، حيث اختارت أن تتوجّه إلى مقرّ هيئة علماء المسلمين من أجل بيان وجهة نظرها حول ما حصل في سامراء والتداعيات بعدها، وفعلاً توجّه إلى مقر الهيئة ولكن سماع الناس بتوجّه هذه الشخصية الدينية إلى مقرّ الهيئة جعلهم يحتشدون أمام مقرّ الهيئة انتظاراً لوصوله، الأمر الذي أحدث نوعاً من الخلل الأمني مما اضطره إلى تعديل مساره، والقصد من هذا أن الهيئة في تلك الأحداث المأساوية التي مرَّ بها العراق كانت قبلة للشخصيات الدينية غير السنّية من أجل بيان وجهة نظرها، فمن الطبيعي أن الهيئة لها دور في البصرة، ولذلك تحاول بعض الجهات تقزيم هذا الدور واستهدافها.
وحول سؤالنا للدكتور مثنَّى عن ماهيَّة الحلول الممكنة قريباً أو لاحقاً للوضع العراقي وخاصة ما يتعرض له أهل السُّنة؟ أجاب فضيلته:
الوضع العراقي ـ عموماً ـ لا يمكن أن يصلح إلا من خلال مشروع وطني، وأقصد به مشروعاً عراقياً؛ لأنَّ هذا المشروع طُرح مراراً وتكراراً، وكل الأطراف الموجودة في الساحة تعلم أن المشروع قد تبنّته القوى الرافضة للاحتلال، وفي مقدمة هذه القوى الرافضة للاحتلال هيئة علماء المسلمين، وطُرِحَ المشروع على الأخضر الإبراهيمي عندما زار العراق أوائل عام ٢٠٠٤، ثم طُرح على الجامعة العربية في السنة نفسها، ثم طُرح في مؤتمر الوفاق في القاهرة، ولا زلنا بين فترة وأخرى نؤكد عليه.
يقوم هذا المشروع على أساس خروج الاحتلال وفق جدولة زمنية معقولة ومقبولة دولياً، وفي أثناء ذلك تُختار حكومة من المستقلين البعيدين عن كل القوى السياسية؛ لأن أساس البلاء هو الصراع بين هذه القوى السياسية، وتتولَّى هذه الحكومة الإعداد لانتخابات عامة يشارك فيها جميع العراقيين؛ لأنها ستكون بإشراف دولي وبعد خروج قوات الاحتلال، وهذا هو الحل الشامل الذي نطرحه دائماً ونؤكد عليه، ويبدو أن كثيراً من هذه القوى السياسية لا تريد لهذا الحل أن يتمّ، وعلى رأس هذه القوى ـ طبعاً ـ الاحتلال؛ لأنه يرى بأن هذا المشروع هو إقرار منه بالهزيمة وفشل لمشروعه في العراق، ولذلك تراه يحاول أن يفشل هذا المشروع كلما طُرح، إضافة إلى جعل القوى السياسية الموجودة في الساحة في غالبها مستفيدة من بقاء قوات الاحتلال وإن أعلنت خلاف ذلك، والدليل: هو أعمالها ثم إعلانها قبل فترة أن القوات الأمنية العراقية لن تستلم زمام الأمور إلا في نهاية عام ٢٠٠٧، فإذاً؛ عندنا سنة ونصف بقاء للقوات المحتلّة، أو تطلب من قوات الاحتلال البقاء بصورة غير مباشرة، فلذلك لا أظن أن الحلول الجزئية التي تقوم بها الحكومة الحالية وتحت ضغط قوى سياسية معينة ـ إقرارها في البصرة وفي غير مناطق في العراق ـ ستوصلنا إلى أي نتيجة، فالنتيجة لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال حل عراقي شامل، ولا أظن أن الأطراف السياسية الموجودة الآن تقتنع بأن الحلول الجزئية حلول قائمة على أساس مصالح للأسف، ولا نتّهم أحداً، وإنما واقع الحال أثبت ذلك، والدليل: المشكلة الأخيرة بين حزب الفضيلة في البصرة والحكومة في بغداد وموضوع النفط فإنها تبين بأن القضية قضية مصالح حزبية وذاتية وليست قضايا وطنية.
ختاماً: أسأل الله ـ تعالى ـ أن يلطف بالعراق وأهله، وأن يكفيهم المحن، ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع مجيب.
стр. 5665
قد أذّن الأحرار
رمضان زيدان
فجرٌ تألّق في الربوع ولاحا
شمخ العرين بـ (زأرة) الأُسْد التي
نحو الصدارةِ قد توغّل ثلّةٌ
طبعوا على حَبِّ الرمالِ ظلالَهُم
روح الحماس قد استمدت عزمها
قد أذَّن الأحرار في أصلابها
جعلوا من الليل الوديع عبادةً
قوْمٌ إذا دعت البلادُ لنُصرةٍ
في موكبِ النور المرصّع بالمنى
هم نجم ليلٍ للطريق يقودنا
وهم الظلال قد استطال بأرضنا
وهم السواعد تستعيدُ حصونها
وهم النسورُ على المرابع كلها
وهم الدعاة إلى الفضيلةِ والهدى
سبقوا إلى درب الجهاد بفرحةٍ
قسَّامُ يأبى أن يكون مفرطاً
وشهيدُ حقٍ (١) قد أطل بروحه
عياشُ يبقى في الخوالج نابضاً
لله نضرعُ أن يوفّق جمعهم
عرفوا الطريق فما تراجعت الخُطى
يا رب عزِّز بالجهاد مقامهم
كشفَ الظلام وعانقَ الإصباحا
قامت تُعبِّد ربوةً وبطاحا
صنعوا من النهج القويم فلاحا
وعلى الطريق تبنَّوُا الإصلاحا
بالدين تُجْنى درةً ورباحا
وبكل منعطفٍ يروْن نجاحا
ومن النهار عزيمةً وكفاحا
لبُّوا وجاؤوا قوةً وسلاحا
قهروا البغاةَ وطاردوا الأشباحا
هم نبضُ حبٍّ للحياةِ رواحا
حتى يَزُف عبيرهُ فواحا
لتقيم في قلب السَّما مصباحا
لمس النسيم من النسور جناحا
عكفوا هناك ليعبدوا الفتَّاحا
همست تطبب حرقةً وجراحا
ياسينُ أسهب في الحديث وباحا
حتى يعانقَ في السماءِ براحا
عزماً يُؤجِّج للنفير رماحا
وهم الذين تأهّبوا إصلاحا
عن كل دربٍ يهلك السفاحا
واجعل من النصر القريب مُتاحا
(١) يقصد الشهيد عبد العزيز الرنتيسي.
стр. 5666
سياسات منظمات العولمة الاقتصادية في ضوء الشريعة الإسلام (٢ ـ ٢)
د. ناصح بن ناصح المرزوقي البقمي
مدخل:
بيَّن الكاتب في الحلقة الأولى حقيقة العولمة؛ ذلك المصطلح الغامض، وأوضح معانيها المختلفة، وهل المراد أحدها؟ أم أنها هي هي مجتمعة؟ وما أهدافها وآثارها؟
وتحدّث عن سياسات منظمات العولمة الاقتصادية ومحاورها، متناولاً سياسات معالجة
ü المطلب الثالث: سياسات منظمات العولمة الاقتصادية لمعالجة العجز في ميزان المدفوعات:
ميزان المدفوعات هو بيان إحصائي تسجل فيه معاملات الدولة المالية بين المقيمين فيها والمقيمين في غيرها من دول العالم لفترة زمنية معينة تُقدَّر عادةً بسنة.
وينقسم ميزان المدفوعات إلى قسمين رئيسين:
١ ـ الحساب الجاري: ويبين صادرات الدولة ووارداتها من السلع والخدمات، ويشمل ما يلي:
أـ الميزان التجاري: ويبين الصادرات والواردات السلعية، ويسمى حساب التجارة المنظورة.
ب ـ حساب الخدمات: ويبين الخدمات المختلفة من وإلى البلد، كالشحن والسياحة والخدمات المصرفية، ويسمى حساب التجارة غير المنظورة.
ج ـ حساب التحويلات: ويبين تحويلات العاملين، وعوائد الاستثمار، من وإلى البلد.
٢ ـ حساب رأس المال: ويبين تحركات رؤوس الأموال من الدولة وإليها، ويشمل ما يلي:
أـ الاستثمارات والقروض من وإلى البلد.
ب ـ احتياطات الدولة من وسائل الدفع التي تسوى بها التزامات الدولة مع الدول الأخر، مثل: الذهب، والعملات الصعبة، وحقوق السحب الخاصة، من وإلى البلد أيضاً.
وأهم سياسات منظمات العولمة الاقتصادية المقترحة لمعالجة العجز في ميزان المدفوعات هي: تخفيض قيمة العملة الوطنية، وتحرير الاستيراد من القيود وفتح الأسواق، وإلغاء الرَّقابة على سوق الصَّرف الأجنبي. وفيما يلي عرض لها بإيجاز:
أولاً: تخفيض قيمة العملة المحلية:
يمكن تعريف قيمة العملة بأنها «مقدار الأشياء عامة التي يمكن مبادلتها بوحدة النقود» .
ويطالب خبراء الصندوق بتخفيض قيمة العملة الوطنية، بدعوى أن الدول النامية تضع لعملاتها أسعاراً مبالغاً فيها، حيث يكون السعر الرسمي للعملة أكبر بكثير من السعر الحقيقي الذي يتحدد بالعلاقة بين متوسط الأسعار الداخلية ومتوسط الأسعار الخارجية لو ترك تحديد السعر للعرض والطلب.
وحجة خبراء الصندوق أن تخفيض قيمة العملة المحلية سيجعل قيمة الوحدة النقدية من العملة المحلية مساوية لعدد أقل من وحدات النقد الأجنبي، فتصبح أسعار صادرات البلد بالنقد الأجنبي رخيصة، مما يزيد من الطلب الخارجي عليها، كما يؤدي إلى زيادة دخول منتجي السلع المصدرة بالنقد المحلي مما يشجعهم على زيادة إنتاجهم، فتزيد بذلك صادرات البلد من ناحية الكمية والقيمة، مما يحسن وضع السيولة النقدية من النقد الأجنبي ويمكِّن البلد من الوفاء بالتزاماته الخارجية. ومن ناحية أخرى فإن تخفيض قيمة العملة المحلية، يعني أن ثمن العملات الأجنبية مقوّمة بالنقد المحلي يصبح مرتفعاً، مما يجعل أسعار الواردات من السلع الأجنبية مرتفعة مقوّمة بالأسعار المحلية، وهذا يقلِّل من الطلب المحلي عليها، فتكون النتيجة النهائية لقرار تخفيض العملة المحلية هي زيادة الصادرات وانخفاض الواردات، مما يعني تضييق الفجوة أو العجز في الميزان التجاري، ومن ثم الحساب الجاري، فيتحسن وضع ميزان المدفوعات.
وهذه النقطة ـ أعني: تخفيض سعر العملة ـ غالباً ما تكون حجر عثرة في وجه المناقشات والمفاوضات بين بعثة الصندوق وحكومة البلد المعني؛ لما لها من خطر كبير على الاقتصاد.
ثانياً: إلغاء الرَّقابة على سوق الصَّرف الأجنبي:
سوق الصَّرف الأجنبي أو سوق النقود كما عرفها البنك الدولي هي: سوق تتداول فيها أوراق مالية قصيرة الأجل، مثل: أذونات الخزانة وهي أدوات الدين قصيرة الأجل التي تصدرها الحكومة من أجل سدِّ العجز في موازنتها، كما تشمل العملات العالمية كالدولار والجنيه الإسترليني. وتفرض الدول النامية رقابة على الصَّرف الأجنبي لما يلي:
١ ـ للاستفادة من العملات الصعبة في دفع فاتورة الاستيراد، وقضاء الديون الخارجية.
٢ ـ تحسين وضع ميزان المدفوعات بالحدِّ من الواردات وبخاصة الواردات الاستهلاكية الكمالية.
٣ ـ حماية الصناعة المحلية وبرامج التنمية المحلية.
٤ ـ المحافظة على استقرار أسعار الصرف، ومنع المضاربة على العملة.
وقد فرضت الدول النامية نظاماً رقابياً على سوق الصرف واشترطت موافقة سلطات الرقابة في الدولة على المعاملات الاقتصادية والمالية مع الدول الأخر، متَّبعة الوسائل التالية:
١ ـ بيع العملات الأجنبية جميعها لسلطات الرقابة، كما يشترى منها المتطلبات من الصَّرف الأجنبي. ويسمح أحياناً لبعض المعاملات أن تجري في السوق الحرة، لكنها معاملات قليلة.
٢ ـ جعل سعر صرف العملة المحلية الرسمي مثبتاً، إلا في حالات المعاملات التي تجري في قطاع السوق الحرة إن وجدت، ويكون السعر الرسمي للعملة المحلية عادة أعلى من سعر السوق.
٣ ـ إلزام المصدّرين ومن يحصلون على عملات أجنبية أو سندات أو أسهم مقوّمة بعملات أجنبية عند بيعها على البنك المركزي بالسعر الرسمي للعملة المحلية.
٤ ـ لا تحوّل رؤوس الأموال المودعة بالمصارف إلا بعد استئذان الجهات المختصة. وتضع الدولة حدوداً للأموال التي يسمح للأفراد حملها معهم عند خروجهم من الدولة، كما تحدد الأموال التي يسمح للأفراد إدخالها معهم.
٥ ـ تدفع الدولة مالاً للمصدّر للمحافظة على سعر الصرف الرسمي دون تغيير، وأما المستورد فيدفع رسماً إلى الدولة للحصول على العملات الأجنبية بالأسعار الرسمية.
٦ ـ الأخذ بسعر الصَّرف المتعدد، ويقصد به تحديد مستويين أو أكثر لأسعار الصرف، يتلاءم كل منهما مع طبيعة النشاط الذي يستعمل فيه. ويهدف هذا النظام إلى تشجيع بعض الأنشطة الاقتصادية والحدّ من أنشطة أخر. فمثلاً: بينما يُفرض سعر صرف مرتفع للعملة لتقليل استيراد الكماليات، يفرض سعر صرف منخفض لتشجيع استيراد المواد الخام والسلع الرأسمالية والغذائية.
ويوصي خبراء الصندوق والبنك بإلغاء الرقابة على الصرف الأجنبي أو تقليصها إلى أدنى الحدود، بحيث يكون تحويل الأموال من وإلى البلد دون قيود؛ مع إيجاد سوق حرة للنقد الأجنبي؛ مما يحقق المزايا التالية:
١ ـ تمويل عجز الموازنة العامة للحكومة بأدوات السوق المفتوحة، دون اللجوء إلى زيادة العرض النقدي الذي يؤدي إلى التضخم.
٢ ـ ممارسة السياسة النقدية من خلال السوق المفتوحة.
٣ ـ تهيئة مرجعية لمعدلات الفائدة.
٤ ـ تهيئة مصادر أموال بالنسبة إلى الشركات والبنوك، وإمكانية إصدار أوراق تجارية قصيرة الأجل.
ثالثاً: تحرير الاستيراد من القيود وفتح الأسواق:
تطالب منظمات العولمة الاقتصادية بتحرير الاستيراد من القيود وخصوصاً بالنسبة إلى القطاع الخاص؛ لأن تلك القيود تعرقل التجارة وتعيق انسيابها على حدِّ زعم خبراء تلك المنظمات. وأهمّ ما تطالب به هذه المنظمات بالنسبة إلى تلك القيود هو إلغاء القيود الكمية، وتخفيض الرسوم الجمركية، وفتح الأسواق. وفيما يلي استعراض لها بإيجاز:
١ ـ إلغاء قيود الاستيراد الكمية:
تفرض الدول النامية قيوداً كمية على الواردات من أجل حماية الصناعة المحلية وتخفيض العجز في ميزان المدفوعات، ومن هذه القيود الكمية ما يلي:
أـ الطلب من المستوردين الحصول على تراخيص لاستيراد السلع.
ب ـ تقييد الاستيراد بكمية معينة وهو ما يسمى بنظام الحصص.
ج ـ منع استيراد بعض السلع منعاً باتاً.
د ـ منع استيراد بعض السلع من مناطق معينة.
وتطالب منظمات العولمة الاقتصادية بإلغاء هذه القيود، وغيرها من القيود المعرقلة للتجارة الدولية.
٢ ـ تخفيض الرسوم الجمركية:
الرسوم الجمركية هي الأموال التي تفرض على السلع المستوردة وتُحصَّل عند دخول تلك السلع إلى موانئ الدولة المستورِدة، فهي رسوم منتقاة تفرض على المبيعات من السلع الأجنبية، وتشبه إلى حدٍّ ما ضرائب الإنتاج التي تقدَّم الحديث عليها. وقد تفرض هذه الرسوم على بعض السلع الصادرة للاحتفاظ بها داخل البلد لحاجة الناس إليها.
ويهدف فرض الرسوم الجمركية إلى تحقيق ما يلي:
أـ حماية الصناعات المحلية وبخاصة حديثة النشأة من المنافسة الخارجية في السوق الداخلي، حيث إن رسوم الواردات تصبح عنصراً من عناصر قيمة السلعة المستوردة فتصبح قيمتها مرتفعة، مما يجعل المستهلك يتحوَّل إلى السلع المحلية مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج المحلي.
ب ـ الحدّ من الاستهلاك وبخاصة استهلاك السلع الكمالية والترفية التي يكون معظمها مستورداً، مما يوفر العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع الضرورية الاستهلاكية منها والرأسمالية.
ج ـ تحقيق التوازن في ميزان المدفوعات. فإن فرض الرسوم الجمركية على الواردات يكون أداة مهمة في تقييد حجم الواردات؛ مما يخفف من العجز في ميزان المدفوعات، ومن ثم يخفف من استنزاف الموارد الاقتصادية.
د ـ تحقيق موارد للدولة ربما تصل في بعض الدول النامية إلى ثلث موارد الموازنة العامة.
ووجهة نظر خبراء الصندوق بشأن قيود الاستيراد، أن البلدان النامية في محافظتها على نسب جمركية مرتفعة، واتِّباعها لنظام الحصص، بهدف حماية بعض المنتجات في السوق الداخلية من المنافسة الخارجية، تكون قد شجعت الإنتاج في القطاعات غير المربحة التي لا يتوافر للبلد فيها مزايا نسبية. فهذه القطاعات المحمية تحصل على موارد كان يمكن أن تكون ذات فائدة أكبر لو وجهت إلى قطاعات التصدير. إضافة إلى ذلك، فإن القطاعات المشار إليها، تنتج منتجات للسوق الداخلية بأسعار أعلى، يمكن الحصول عليها بأسعار أقل بالاستيراد.
ويتطلب تحرير الاستيراد من القيود ـ في نظر خبراء الصندوق ـ الأخذ بالإجراءات التالية:
أـ توحيد هيكل الرسوم الجمركية وتسهيله، وترشيد منح الإعفاءات الضريبية، وجعل الرسوم على عدد محدد من السلع.
ب ـ فرض حدٍّ أدنى من الرسوم الجمركية على الواردات اللازمة لتنشيط إنتاجية قطاع التصدير، إضافة إلى التخلِّي عن نظام حصص الاستيراد، والتحول التدريجي إلى نظام التراخيص الحرّ، لتخفيف قيود الاستيراد.
ج ـ عدم المبالغة في الرسوم الجمركية على المحاصيل والمنتجات الزراعية الأجنبية.
د ـ عدم المبالغة في سعر الصرف.
٣ ـ فتح الأسواق:
هذا المبدأ هدفت إلى تحقيقه سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وشجعت الدول على الاتجاه نحوه. وعندما أنشئت منظمة التجارة العالمية اهتمت بهذا المبدأ أو الهدف اهتماماً كبيراً، وجعلته محور مبادئها التجارية، على نحو يتكامل وسياسات المنظمتين السابقتين ولا يعارضهما. ويمكن إجمال أهم مبادئ المنظمة وقواعدها في هذا المجال على النحو التالي:
أـ مبدأ الشفافية:
ويقصد به: نشر المعلومات المتعلقة بالاتفاقيات، والقوانين، واللوائح الوطنية، والممارسات الشائعة التي قد تضرّ بالتجارة الدولية. كما تعني الشفافية أيضاً الالتزام بكون الرسوم الجمركية هي الوسيلة الوحيدة للحماية وتقييد الواردات من الدول الأخر، دون اللجوء إلى نظام الحصص الكمية.
فهذا المبدأ يطالب بأهمية اتِّباع البلدان الأعضاء سياسات تجارية تحررية مفتوحة، ولكنه يتيح لها حماية إنتاجها الوطني من المنافسة الأجنبية، بفرض الرسوم الجمركية لكن بمعدلات منخفضة. غير أن هذا المبدأ يخضع لاستثناءات محددة، منها: استثناء البلدان التي تعاني مصاعب في ميزان مدفوعاتها، بالحدِّ من الواردات بغية حماية مركزها المالي الخارجي، باستعمال القيود الكمية على الواردات، إذا كانت هذه القيود ضرورية لتفادي الهبوط الحادّ في احتياطاتها النقدية، أو تواجه تدفّقاً مفاجئاً أو ضخماً من سلع مستوردة معينة، على نحو يلحق ضرراً بالغاً بالمنتجين المحليين لهذه السلع، أو يهدّد بوقوع مثل هذا الضرر. ويشترط أن يتبع هذا الإجراء الوقائي، لحماية الصناعة المحلية التي لا تقدر على المنافسة، لاكتساب هذه القدرة، وإعطائها فرصة لترتيب أوضاعها، دون تمييز بين الدول المتعاقدة، على أن تتعهد الدولة العضو بتخفيف هذه القيود تدريجياً حتى تنتهي تماماً، عندما تزول الأوضاع التي استدعت فرضها، وذلك باتخاذ السياسات الاقتصادية الكلية الكفيلة باستعادة التوازن في ميزان المدفوعات.
ب ـ مبدأ الدولة الأكثر رعاية:
ويقصد به: أن أية ميزة أو معاملة تفضيلية، يمنحها طرف متعاقد لمنتج دولة أخرى متعاقدة أو غير متعاقدة، يجب منحها دون قيد أو شرط، لكل الدول الأخر المتعاقدة في المنظمة. ويستثنى من هذا المبدأ ما يلي:
ـ الترتيبات التجارية الإقليمية: كالاتحادات الجمركية ومناطق التجارة الحرة.
ـ حالات الأفضليات المقررة من جانب واحد لمصلحة الدول النامية: كنظام الأفضليات المعمَّم الذي بموجبه تستورد الدول المتقدمة منتجات صناعية وزراعية مختارة من البلدان النامية على أساس الأفضلية والإعفاء من الضرائب.
ـ قاعدة التمكين، ومعناها أن الأطراف المتعاقدة في (الجات) مجتمعة، قد تمكن الدول النامية من اتِّباع إجراءات خاصة لتشجيع تجارتها وتنميتها، والمشاركة على نطاق واسع في التجارة العالمية، والحصول على مزايا تجارية من الدول المتقدمة لا تعمم على بقية الأطراف المتعاقدة، وهو يعني الإعفاء من الالتزام بمبدأ الدولة الأولى بالرعاية، كما يمكن الدول النامية من تبادل المزايا فيما بينها دون تعميمها على بقية الأطراف المتعاقدة.
ج ـ مبدأ المعاملة الوطنية:
ويعني: عدم اللجوء إلى قيود غير الرسوم الجمركية، من أجل حماية المنتج الوطني ومنع المنتج المستورد، مثل: فرض الضرائب، أو القوانين، أو القرارات والإجراءات التنظيمية الأخر. فالدول المتعاقدة في (الجات) تلتزم أن تعطي السلعة المستوردة معاملة لا تقل عن تلك التي تعطيها للسلعة المناظرة لها المنتجة محلياً، فمثلاً: لا تفرض تلك البلدان على السلع المستوردة ـ بعد أن تكون قد دخلت أسواقها المحلية ودفعت الرسوم الجمركية عليها عند الحدود ـ أية ضرائب محلية، مثل: ضريبة المبيعات، أو ضريبة القيمة المضافة، بنسب أعلى من النسب التي تفرضها على منتجاتها المحلية.
د ـ مبدأ عدم الإغراق:
ويعني: تعهد الأطراف المتعاقدة بعدم تصدير منتجاتها بأسعار أقل من السعر التوازني لهذه المنتجات في الدولة المصدّرة، إذا كان ذلك يؤدي إلى إيقاع ضرر بالغ بمصالح المنتجين المحليين في الدولة المتعاقدة المستوردة، أو مجرد التهديد بإيقاع مثل هذا الضرر. ولذلك تطلب المنظمة من الدول الأعضاء التعهّد بتجنّب دعم الصادرات، وتعدّه من الإغراق، حيث إن تقديم طرف متعاقد إعانة للصادرات وبخاصة الصادرات المصنعة، قد يؤدي إلى إيقاع ضرر بطرف متعاقد آخر. وفي هذه الحالة، يحق للطرف المتعاقد المتضرر، فرض رسم جمركي تعويضي لإلغاء أثر الإغراق.
ü المبحث الثاني: حكم سياسات منظمات العولمة الاقتصادية في الشريعة الإسلامية:
هذه أهم السياسات التي تنادي بها منظمات العولمة الاقتصادية. ويلاحظ أن بعض تلك الإجراءات يحقق الأهداف المعلنة لتلك السياسات وبعضها لا يحققها، ومن ناحية أخرى قد يكون ذلك الإجراء مقبولاً اقتصادياً وليس مقبولاً اجتماعياً. ولنا بعض الوقفات والانتقادات لهذه السياسات.
ففيما يتعلق بسياسات معالجة العجز في الموازنة العامة للدولة يلاحظ ما يلي:
١ ـ أن تخفيض النفقات العامة يخفض العجز في الموازنة العامة وهو إجراء لا بأس به، وبخاصة أن القطاع العام في الدول النامية يعاني بطالة مقنعة، وفساداً إدارياً ومالياً، مما يتطلب تخفيض النفقات العامة، وتقليص حاجة الدولة إلى الاقتراض وبخاصة من القطاع المصرفي. إلا أنه قد يترتب عليه عزل بعض العمال والموظفين الحكوميين، ومن ثم زيادة نسبة البطالة في المجتمع وما يترتب على ذلك من مشكلات.
٢ ـ أن مسألة تحرير الأجور والأسعار وجعلها خاضعة للعرض والطلب، يؤدي إلى توزيع الموارد الاقتصادية توزيعاً أفضل، إلا أن بعض الإجراءات المقترحة ـ كإلغاء الدعم وزيادة أسعار المنتجات العامة ـ قد تؤدي إلى زيادة التضخم وليس إلى تخفيضه كما هو معلن، وذلك يؤدي إلى عواقب وخيمة من الناحية الاجتماعية، إذا لم يصاحبه حلول وسياسات تخفف من وطأة هذه الإجراءات على الفئات الفقيرة في المجتمع، وهو ما لا وجود له في سياسات منظمات العولمة الاقتصادية.
٣ ـ يلاحظ المطالبة بتخفيض الضرائب المباشرة على أرباح الشركات والاستثمارات الأجنبية، مما يخف العبء عن الأغنياء، وفي الوقت نفسه، المطالبة بزيادة الضرائب غير المباشرة مع أن عبئها الأكبر يقع على الفقراء.
أما سياسات منظمات العولمة الاقتصادية لمعالجة أو تضييق الفجوة بين الادّخار والاستثمار فلا تسلم أيضاً من بعض المآخذ على النحو التالي:
١ ـ أن معدل الفائدة، سياسة غير مجدية؛ لأن ارتفاع الفائدة يجعل المستثمرين يحجمون عن الاقتراض ومن ثم الاستثمار، فالبنوك تضع معدلاً مرتفعاً للفائدة من أجل تشجيع أصحاب الأموال على إيداع أموالهم لديها، إلا أن هذا المعدّل المرتفع يجعل المستثمرين يمتنعون عن اقتراض تلك الأموال من البنوك؛ لأن ارتفاع معدل الفائدة سيزيد سعر إنتاجهم من السلع والخدمات، إضافة إلى عدم التأكد من نجاح المشروع، فتبقى المدخرات حبيسة البنوك، أو تحوّل إلى أسواق المال العالمية بحثاً عن معدل فائدة أعلى من المعدل المحلي، مما يؤدي إلى انخفاض المتاح من الموارد المالية وتقليص الاستثمارات المحلية والأجنبية، بل إن رفع معدل الفائدة قد لا يؤدي إلى رفع سعر العملة وإنما إلى انخفاضها، ويضر النمو الاقتصادي.
فالفائدة والحال هذه تؤدي إلى ظهور فجوة في الاقتصاد بين الادخار والاستثمار، وليس تضييق هذه الفجوة.
٢ ـ أن تطوير السوق المالية وحرية حركة رؤوس الأموال سلاح ذو حدّين، فقد يؤدي إلى توجيه المدخرات إلى أوجه الاستثمارات المطلوبة كما هو معلن، وقد يؤدي إلى خروج هذه المدخرات إلى الأسواق العالمية التي تعلن فرصاً أكثر وعائداً أكبر، ومن ثم تبقى الفجوة بين الادّخار والاستثمار كما هي، بل ربما تزداد.
٣ ـ ومثله أيضاً تشجيع الاستثمارات الأجنبية، فإنها تعتمد على سيطرة الدولة المضيفة واستقلاليتها في اتخاذ القرار وقدرتها على الاستفادة من تلك الاستثمارات، وإلا فإنها لن تكون إلا لمصلحة البلدان التي جاءت منها؛ لأن فتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية، سيجعلها تستفيد من مزايا ليست موجودة في بلدانها، مثل: رخص الأيدي العاملة في البلدان النامية، الذي يحقق لها أرباحاً كبيرة تحوّلها إلى بلدانها، ولا يحصل البلد المضيف إلا على جزء يسير منها.
والملاحظ أن هذه السياسات يرتبط بعضها ببعض ويكمل بعضها بعضاً. فترك معدل الفائدة في الدول النامية يتحدد حسب العرض والطلب سيؤدي ـ في نظر خبراء هذه المنظمات ـ إلى ارتفاع سعرها لكي يغطي معدل التضخم، مما يؤدي إلى جذب المدّخرات إلى أسواق المال في البلدان النامية، وتلك الأسواق المالية يجب أن تُطوّر وتُعطى مزيداً من الحرية وعدم التقييد؛ لكي يكون انسياب الأموال إليها سهلاً وخروجه منها سهلاً كذلك، وفي الوقت نفسه، فإن جذب المدّخرات وتحرير الأسواق المالية في تلك البلدان، سيسهل جذب الشركات الأجنبية، التي ينبغي إزالة الحواجز التي تعترضها، لكي تستطيع استيعاب تلك الأموال وتوجيهها إلى الاستثمار، وتكون النتيجة في النهاية هي القضاء على فجوة الموارد المحلية في الدول النامية أو على الأقل تضييقها إلى أقل ما يمكن.
إلا أن هذا التحليل النظري، لا يكفي لإزالة الشكوك في مدى صدق تلك السياسات. وإذا دقّقنا النظر، وجدنا أن فيها فوائد منها توفير المزيد من الموارد، إلا أن آثارها السيئة قد تفوق فوائدها، فالمحصلة النهائية لذلك، هي ارتفاع الأسعار في وقت تنخفض فيه الأجور، ويعزل فيه المزيد من العمال والموظفين الحكوميين، وهذا يعني ـ اقتصادياً على الأقل ـ انخفاض الطلب، مما يؤثر تأثيراً سيئاً في الإنتاج ومن ثم في الناتج الإجمالي. بل إن الأثر الاجتماعي قد يكون أهم من الأثر الاقتصادي، فمستويات المعيشة ستنخفض، ومستويات الفقر ستزداد، والتفاوت الطبقي ـ أي: التفاوت بين الأغنياء والفقراء ـ سيزداد، كما هو حاصل في المجتمعات الرأسمالية الغربية. أما الأثر السياسي فهو أهم تلك الآثار، فكما هو مشاهد في واقع البلدان النامية عند تنفيذ تلك السياسات، تظهر الاضطرابات الاجتماعية التي يعبر عنها أحياناً بالمظاهرات وأعمال العنف، التي ربما أسقطت حكومات أو أحرجتها، وعدم الاستقرار السياسي ربما يكون من أكبر العوائق أمام التقدم الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في تلك البلدان، وفي النهاية ربما وجد البلد النامي أن تلك السياسات كانت في مصلحة غيره، ولم تكن في مصلحته، وربما وجد نفسه قد رُبط بعجلة الاقتصاد الرأسمالي الغربي ربطاً لا يستطيع الفكاك منه.
وأخيراً: يلاحظ على سياسات معالجة العجز في ميزان المدفوعات ما يلي:
١ ـ أن تخفيض سعر صرف العملة المحلية، فيه بعض الفوائد، إلا أن نجاح هذه السياسة يعتمد على مرونة كل من الصادرات والواردات في البلدان النامية. والواقع أنها غير مرنة؛ لأن أغلب صادرات الدول النامية صادرات زراعية أو مواد أولية، وكلاهما قليل المرونة. كذلك فإن الواردات أغلبها سلع ضرورية وهي قليلة المرونة أيضاً، ومن ثم فإن التخفيض لن يترتب عليه تخفيض الطلب على الواردات أو زيادة الطلب على الصادرات بالصورة المطلوبة. إضافة إلى أن نجاح تأثير تخفيض العملة في قطاع الصادرات والواردات يتطلب بقاء العوامل الأخر على ما هي عليه، ومن ذلك عدم اتخاذ الدول الأخر إجراءات مماثلة، وهو أمر لا يتحقق في الغالب.
٢ ـ مسألة تحرير الاستيراد من القيود، مثل: إلغاء القيود الكمية، وتخفيض القيود الجمركية، هذا سيؤدي إلى تشجيع التجارة الدولية، إلا أنه سيكون لمصلحة الدول الكبرى، كما أنه سيؤدي إلى زيادة العجز في ميزان المدفوعات، وليس معالجته كما تقترح منظمات العولمة الاقتصادية. ذلك أن إزالة تلك الحواجز، ستؤدي إلى اكتساح منتجات الدول المتقدمة لأسواق البلدان النامية، أي: زيادة الواردات إلى الدول النامية وانخفاض صادراتها؛ نتيجة لزوال الحماية؛ ولشدة المنافسة من البضائع والخدمات المستوردة. ومن المعلوم أن زيادة الواردات وانخفاض الصادرات سيؤدي إلى زيادة العجز في الميزان التجاري ومن ثم في ميزان المدفوعات وليس تخفيض ذلك العجز.
أما أهم النتائج التي توصلت إليها بشأن حكم سياسات منظمات العولمة الاقتصادية أن أغلبها داخل في إطار السياسة الشرعية وحكمها من ناحية الأصل هو الجواز، أما من ناحية التطبيق فيتوقف حكمها على مدى تحقيق المصالح فيها ودَرْء المفاسد في كل دولة على حدة. وفيما يتعلق بالنتائج التي توصلت إليها بشأن حكم سياسات معالجة عجز موازنة الحكومة فهي كما يلي:
١ ـ أن سياسة إلغاء دعم الأسعار أو تخفيضه، لا تعارض الإسلام فيما أرى؛ لأن الأصل في الإسلام هو عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي إلا عند الحاجة. لكن يشترط لقبول هذه السياسة شرعاً زيادة الدولة لدخول الفقراء، زيادة تقابل أثر إلغاء دعم الأسعار، وتمكنهم من تلبية حاجاتهم، وذلك بتحويل الأموال التي كانت تدفع دعماً للأسعار، إلى زيادات في دخول الفقراء.
٢ ـ جواز الخصخصة من ناحية الأصل، أما من ناحية التطبيق فإن الحكم يختلف من دولة إلى أخرى بحسب العقود المبرمة. فإذا تحققت فيها المصالح، وروعيت الأضرار المترتبة على تلك السياسة وبخاصة فيما يتعلق بالعمال والموظفين فهي جائزة. أما إذا لم تتحقق تلك المصالح أو تحقق بعضها لكن كانت المفاسد فيها أكثر، فإنني أرى منع تلك السياسة، حتى لا تكون وسيلة لمنظمات العولمة الاقتصادية، تستعملها لتحقيق الأهداف الخفية لمشروع العولمة الاقتصادية.
٣ ـ الراجح أن فرض قدر زائد في مال المسلم على ما فرضه الله ورسوله ﵊ منه: ما يكون بحق، ومنه: ما يكون بغير حق. فالأول: هو الوظائف المالية وهو ما توافرت فيه شروط معينة، أهمها: تقييد فرضها بالحاجة وينتهي بانتهاء تلك الحاجة، ومن ذلك: الضرائب المعاصرة إذا التزم فيها تلك الشروط عند الفقهاء المتقدمين. وأما الثاني: فهو فرض الضرائب بصورتها الحديثة كما تنادي بذلك منظمات العولمة الاقتصادية، دون التقيد بتلك الشروط، فلا تجوز حينئذ؛ لما فيها من أخذ أموال الناس بالباطل وإرهاق الفقراء بسبب دفع الضرائب غير المباشرة على المبيعات والاستهلاك ونحو ذلك، فتكون من المكوس المحرمة، ولأنها والحال هذه تكون وسيلة لتحقيق الأهداف الخفية للعولمة الاقتصادية.
أما النتائج التي توصلت إليها بشأن حكم سياسات معالجة فجوة الموارد المحلية فهي كما يلي:
١ ـ أن الفائدة المصرفية محرمة تحريماً مطلقاً، فلا يجوز العمل بها ولا تحريرها وجعلها خاضعة للعرض والطلب. وبناء عليه؛ فإن الفائدة المصرفية التي تطالب بها منظمات العولمة الاقتصادية لا تجوز بأنواعها كلها؛ لأنها من الربا المحرم بنصوص القرآن والسنة. وهذه السياسة غير ناجحة من الناحية الاقتصادية كما بينت، بل الأهم من ذلك أنها لا يمكن أن تنجح في المجتمعات الإسلامية التي تؤمن أن هذه الفائدة المصرفية من الربا المحرم في كتاب الله وسنة رسوله ﵊.
٢ ـ لا يمكن قبول سياسات منظمات العولمة الاقتصادية بشأن الأسواق المالية مطلقاً ولا ردّها مطلقاً، بل لا بدّ في قبولها من توافر الضوابط التي فرضتها الشريعة الإسلامية وتحقق المصالح ودَرْء المفاسد. فإذا توافرت تلك الضوابط والمصالح، أمكن القول بجواز إقامة تلك الأسواق في البلدان الإسلامية. وأما في حالة عدم توافر ذلك، فإن إيجاد تلك الأسواق المالية في بلاد المسلمين، سيكون وسيلة لتحويل أموالهم إلى الأسواق الدولية، وتحقيق أهداف العولمة الاقتصادية الخفية.
٣ ـ أن حكم سياسة الاستثمار الأجنبي من ناحية الأصل هو الجواز، أما من ناحية التطبيق فهو يختلف من دولة إلى أخرى بحسب العقود المبرمة والاتفاقات الموقعة، ويتوقف على وجود المصلحة وانتفاء المفسدة. فإذا كان فتح المجال لهذه الاستثمارات في بلاد المسلمين بلا قيود أو شروط، مما يمكنها من استنزاف خيرات بلاد المسلمين، ومضايقة المستثمرين المسلمين، وربما تؤدي إلى تسلّط الكافرين على المؤمنين، وغير ذلك من المفاسد فإنها لا تجوز، وستكون تلك الاستثمارات التي تطالب بها منظمات العولمة الاقتصادية، والحال هذه، وسيلة لتحقيق أهداف العولمة الاقتصادية الخفية. أما إذا انتفت تلك المفاسد، وجنى المسلمون فوائد من هذه الاستثمارات، كتوظيف العمال الوطنيين وتدريبهم، ونقل التقنية، والاستثمار في المشروعات المنتجة التي تعود بالخير على المسلمين، فهذا أمر جائز بل مطلوب ومندوب إليه.
وأخيراً: فإن النتائج التي توصلت إليها بشأن حكم سياسات معالجة عجز ميزان المدفوعات هي كما يلي:
١ ـ أن الأصل في الإسلام هو عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، ومن ذلك ترك قيمة العملة حسب العرض والطلب. فمطالبة منظمات العولمة الاقتصادية بتحرير سعر صرف العملة المحلية وجعله خاضعاً للعرض والطلب، جائز من جهة الأصل، إلا أن فيه أضراراً كبيرة على الاقتصاد الضعيف كما هو الحال في الدول النامية. فيمكنها الانتقال إلى نظام سعر الصَّرف المدار أو المرن. وإذا لم يتيسر العمل بهذا النظام، فعند الحاجة العامة يجوز تدخّل ولي الأمر بالتسعير بربط العملة المحلية بعملة قوية أو بسلة عملات أو بحقوق السحب الخاصة، ربطاً مؤقتاً. لكن لا يتركه مربوطاً على الدوام بسعر معين، فتصبح العملة مقوّمة بأعلى من قيمتها الحقيقية، بل يراعي تأثير التضخم وغيره من العوامل، ويخفض قيمة تلك العملة عند الحاجة.
وبناء عليه؛ فإن تخفيض قيمة العملة المحلية الذي تطالب به منظمات العولمة الاقتصادية، في حالة ما إذا كانت العملة مقوّمة بأعلى من سعرها الحقيقي، هذه السياسة لا تعارض الشريعة الإسلامية، بل توافقها، لكن مع مراعاة ما سبق.
٢ ـ أن تحرير سوق الصَّرف الأجنبي أو سوق النقود من الناحية الإدارية، وعدم وضع القيود أمام تحويلات رؤوس الأموال أمر لا بأس به في الشريعة الإسلامية؛ لأن الأصل هو حرية النشاط الاقتصادي في الإسلام. أما معاملات سوق النقود نفسها فلا ينبغي تحريرها، بل يجب ضبطها بأحكام الشريعة الإسلامية من جهة الالتزام بأحكام الصَّرف والربا ونحو ذلك، ولأن ترك تلك السوق بلا ضوابط، ليس من مصلحة الدول النامية، بل سيؤدي إلى عدم استقرار أسواقها، وجعل تلك الأسواق محقّقة لأهداف العولمة الاقتصادية الخفيّة.
٣ ـ أن تحرير الاستيراد من القيود لا بأس به؛ لأن الأصل في الإسلام هو حرية النشاط الاقتصادي، ومن أهم وسائل تحرير الاستيراد من القيود: تخفيض الرسوم الجمركية، وهي تُعدّ مما يعرف في الفقه الإسلامي بالعشور التي تفرض على غير المسلمين بشروط وضوابط معينة، فلا مانع من الأخذ بهذه السياسة بناء على تلك الضوابط. وأما في حالة عدم مراعاة تلك الضوابط فإن الرسوم الجمركية تكون من المكس المحرم وعندئذ لا يجوز فرضها. كما أن مبادئ فتح الأسواق أمام المنتجات الأجنبية جائزة شرعاً؛ لعدم معارضتها نصاً من نصوص الشريعة أو أصلاً من أصولها، وبخاصة عند توافر الاستثناءات الموعودة من الدول المتقدمة للدول النامية مراعاة لأوضاعها الاقتصادية. وهذا الحكم إنما هو بالنسبة إلى بنود اتفاقية منظمة التجارة العالمية النظرية، وليس لسياسات الدول الكبرى في الواقع، فإن المتفق عليه ربما لا ينفذ كما هو معلوم، بل ربما تنفذ تلك السياسات بما يحقق مصالح الدول الكبرى وشركاتها، ويحقق أهداف العولمة الاقتصادية الخفية، وعندئذ يتغير الحكم من الجواز إلى التحريم.
أما التوصيات: فأوصي ولاة الأمر في الدول الإسلامية بتطبيق الشريعة الإسلامية في مجالات الحياة جميعها؛ لاشتمالها على الحق والعدل ومصالح الدنيا والآخرة، ومن ذلك الأخذ بالسياسات الشرعية الكثيرة الواردة فيها، التي تُعدّ علاجاً شافياً لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.
ومن أهم السياسات الشرعية المقترحة لمعالجة عجز موازنة الحكومة ما يلي:
١ ـ فرض الزكاة على الأموال الزكوية جميعها، بما في ذلك الأموال المستجدة التي أفتى العلماء بجواز أخذ الزكاة منها، ودفع الزكاة إلى مصارفها الثمانية في ضوء ما بيّنت في البحث، مع إعطاء الدولة الحق في جباية الأموال الباطنة على القول الراجح لأهل العلم. وقد بيّنت أن العمل بالزكاة يُعدّ بديلاً للضرائب من ناحية، حيث يؤدي دفع الزكاة إلى شريحة واسعة من المجتمع، إلى توفير ما كان مخصصاً للإنفاق على تلك الفئات من الموازنة العامة، مما يؤدي إلى تخفيف عجز تلك الموازنة، ومن ناحية أخرى يخفف من أثر إلغاء دعم الأسعار.
٢ ـ تطوير المؤسسات الوقفية من جهة أنظمتها واستثمار مواردها؛ مما يزيد من ريعها وتغطيتها لأوجه كثيرة من مجالات الوقف، ويخفف أيضاً من أثر إلغاء دعم الأسعار. كما يؤدي من ناحية أخرى إلى تخفيف عجز الموازنة العامة بإبقاء الأموال التي كانت ستدفع من الموازنة العامة إلى تلك الجهات الخيرية.
٣ ـ منع الفساد الإداري والمالي الذي استشرى في مجتمعاتنا الإسلامية، وذلك بتوعية الناس بأحكام الحلال والحرام، وبيان حرمة الغلول والرشوة وهدايا الموظفين وغيرها من ألوان ذلك الفساد، مما يجنّب هذه المجتمعات غضب الله وعقوبته الدنيوية والأخروية، وفي الوقت نفسه يضمن المحافظة على الأموال العامة ويخفف عجز الموازنة العامة.
ومن أهم السياسات الشرعية المقترحة لمعالجة فجوة الموارد المحلية ما يلي:
١ ـ إعادة هيكلة النظام المصرفي بما يتفق والشريعة الإسلامية، وهذا يقتضي إلغاء العمل بالفائدة المصرفية، واستبدال الأجرة بالفائدة وفق الضوابط الشرعية.
٢ ـ العمل بأساليب التمويل الإسلامية في مجالات الاستثمار المختلفة، مما يساهم في توجيه الادّخار إلى الاستثمار، وتقليص الفجوة بينهما.
٣ ـ نشر قيم الادّخار والاستثمار في المجتمع مع تطوير أدوات مالية إسلامية إلى جانب سندات المقارضة وسندات الإجارة، من أجل إيجاد سوق مالية إسلامية، تحلّ محلّ الأسواق المالية التي تنادي بها منظمات العولمة الاقتصادية.
وأخيراً: من أهمِّ السياسات الشرعية المقترحة لمعالجة عجز ميزان المدفوعات ما يلي:
١ ـ فرض الرسوم الجمركية مع الالتزام بأحكام العشور، بحيث تكون تلك الرسوم عادلة، وتفرض على غير المسلمين، أما المسلمون فيكتفى بأخذ الزكاة على تجارتهم عند مرورها على حدود الدولة المستوردة.
٢ ـ معالجة مشكلة هروب الأموال بمنظور شرعي بوسائل منها: منع التعامل بالفائدة، وضبط سوق النقود بأحكام الصَّرف الشرعية، وعدم فرض الضرائب على الأموال إلا عند الحاجة، مع احترام أموال المسلمين وعدم الاعتداء عليها، مما يشجع بقاءها في بلاد المسلمين.
٣ ـ العمل على تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية وفق المنهج الشرعي، مما يؤدي إلى تقليص العجز الخارجي أي عجز ميزان المدفوعات، مع تعزيز عمل البنك الإسلامي للتنمية في هذا المجال ليحلّ محلّ منظمات العولمة الاقتصادية بالنسبة إلى الدول الإسلامية، أو على الأقل يخفف من اعتمادها عليها اعتماداً كاملاً.
стр. 5667
أسلحة لا تصنعها الحضارات
محمد بن عبد الله الشمراني
إن الحرب مع الأعداء لا تكاد تعرف إلا منطق القوة، سواء أكانت هذه القوة حسية مادية أم قوة معنوية غيبية؟ لذا قال الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، ومن الخطأ الفادح تقويم معادلة القوة بالنظر إلى أحد جانبيها (الحسي أو المعنوي) ، مع إغفال الجانب الآخر. وأعظم من ذلك خطأ الاعتماد على جانب دون الجانب الآخر، كمن يعتمد فقط على نصر الله لعباده المؤمنين انطلاقاً من قوله : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ #١٧١#) إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] ، فيدعوهم ذلك إلى ترك الأخذ بالأسباب المادية، أو يرى أن عدم التكافؤ في الأسباب المادية يوجب الهزيمة والاستسلام، ويظن أنَّ مواجهة الأعداء مع عدم التكافؤ المادي الحسي (التقني) إلقاء بالنفس إلى التهلكة، والحق أن قوله : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، جاء في سياق الآيات وهي تلفت النظر إلى الجانب الأهم للقوة، وهو جانب معية الله لعباده المتقين، قال : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ #١٩٤#) وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤ - ١٩٥] ، قال ابن عباس ﵁: «ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله» (١) . ولما قام رجل من الصحابة في غزوة القسطنطينية فحمل على العدو حتى دخل فيهم، ثم خرج؛ صاح الناس، وقالوا: سبحان الله! ألقى بنفسه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري ـ صاحب رسول الله # ـ فقال: إنكم تتأولون هذه الآية، إنما نزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار؛ إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قلنا فيما بيننا بعضنا لبعض سراً من رسول الله #: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما هممنا به. فقال : ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد، قال أبو عمران: «فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية» (٢) .
إذاً مواجهة أهل الأيمان لعدوهم ـ الذي يتفوق عليهم بالعدة والعدد مهما كان الفارق بينهم، ومهما ملك العدو من وسائل الحرب المتطورة ـ ليس من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة إذا بذلوا ما في وسعهم لإعداد العدة (الحسية والمعنوية) ؛ لمواجهة عدوهم ولو كان شيئاً يسيراً، فإن الغلبة والنصر إنما هي من عند الله، كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] . ويزيد الأمر وضوحاً إذا عرف المؤمن أن معادلة القوة تكون لصالحه إذا كان يملك ـ إلى جانب ما يستطيع أن يعده من القوة الحسية ـ تلك الأسلحة التي لا يمكن لقوى الأرض كلها أن تقف أمامها، وهي ما يمكن أن نسميها (الأسلحة التي لا تصنعها الحضارات) ونقصد بها ما يلي:
ü أولاً: معيَّة الله لعباده المؤمنين:
لا شك أن ميزان القوى ومعادلة التكافؤ بين الأطراف المتحاربة تخضع لمن يناصر كل طرف، ومن يقف بجانبه ويؤيده، وإن كان بمجرد التأييد العاطفي والتشجيع المعنوي، فكيف تكون المعادلة إذا كان الله ـ جل وعلا ـ مع أهل الإيمان يؤيدهم وينصرهم؟! كما قال: ﴿وَاذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] . وقال الله ـ سبحانه ـ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .
(فهو معهم بالإعانة، والكفاية، والنصر، والتأييد، والهداية، والتوفيق، والتسديد ... ، وغير ذلك مما تجفو عبارة المخلوق عنه، ويقصر تعريفه دونه، وهذه هي معية الله الخاصة لأحبابه وأوليائه) (١) .
ومن كان الله معه كان النصر حليفه، مهما ملك عدوه من قوة، وأصبح ذلك العدو أحقر من الذباب في نظره، وإن كانت الأسباب المادية كلها في يده، كما قال موسى ﵇ حينما خرج فرعون بغطرسته وجنوده يطاردونه هو والقلة المؤمنة معه، حتى قال فرعون: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] ، وهذه المفارقة العظيمة بين الطرفين جعلت بعض من كان مع نبي الله موسى ﵇ يقول: (إنا لمدركون) . كما قال : ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ، ولكن موسى ﵇ لما كان يعي حقيقة المعادلة: ﴿قَالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] ، ثم قال الله بعد ذلك: ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ #^٦٥^#) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ #^٦٦^#) إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥ - ٦٧] .
وكذلك نبي الرحمة # حينما خرجت قريش بغطرستها وكبريائها تطارده #، فأوى إلى الغار ومعه صاحبه الصديق ﵁، وما كانا يملكان من القوة المادية شيئاً يذكر، حتى خاف أبو بكر ﵁ على النبي # حينما رأى أن القوم قد وصلوا إليهم، ولكن الثقة بموعود الله جعلت النبي # يُطَمئن صاحبه، ويقول: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] . كما قال : ﴿إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] .
وحينما تمتلئ قلوب أهل الإيمان يقيناً بأن الله معهم لن يأبهوا بعدوهم مهما يكن معه من قوة، ولقد أخبرنا الله في كتابه العزيز عن هذا النوع من الناس فقال: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ #٢٤٩#) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ #٢٥٠#) فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩ - ٢٥١] .
ü ثانياً: قتال الملائكة في صفوف المؤمنين:
قبل أن نستطرد في الحديث عن الأسباب الغيبية لنصرة أهل الإيمان أو ما نسميه (بالأسلحة التي لا تصنعها الحضارات) ، فإنه من المهم دفع شبهة قد ترد على بعض الناس عن: ما هي الحكمة من تسخير جنود السماوات والأرض؛ لمناصرة أهل الإيمان، والله سبحانه قادر على أن يهزم أعداءه بقوله: كن فيكون؟! ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
فقد ذكر السبكي ﵀ جواباً على ذلك فقال: (وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي # وأصحابه، وتكون الملائكة ـ وغيرها من جنود السماوات والأرض ـ مدداً على عادة مدد الجيوش؛ رعاية لصورة الأسباب وسنتها، التي أجراها الله ـ سبحانه ـ في عباده. والله هو فاعل الجميع) .
(وكلام السبكي ﵀ يكشف عن طبيعة الإسلام في تحقيق أهدافه معتمداً على الجهد البشري، وفي حدود السنن والقوانين الطبيعية والاجتماعية. وهذا الكلام يدل على بصيرة نافذة، وعمق في فهم طبيعة هذا الدين) (٢) .
ومما يجعل كفة المعادلة ترجح لصالح أهل الإيمان؛ أن الملائكة تقاتل في صفوفهم، فقد ثبت بالكتاب العزيز والسنة الصحيحة أن الملائكة شاركت في قتال المشركين يوم بدر كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ #١٢٣#) إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ #١٢٤#) بَلَى إن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] .
وقد رأى الرسول # الملائكة في غزوة بدر؛ ففي صحيح البخاري: «باب شهود الملائكة بدراً» أن رسول الله # قال: (هذا جبريل أخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) (٣) . بل إن رؤيتهم لم تكن مقتصرة على النبي #، ففي صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: «رأيت عن يمين رسول الله # وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض، لم أرهما قبل ولا بعد» (٤) .
قال ابن حجر في الفتح: «هما جبريل وميكائيل كذا وقع في مسلم من طريق أخرى» (٥) . «وجاء جبريل إلى النبي # يوم بدر فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، قال جبريل: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة» (٦) ، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵁ «بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم! إذ نظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقياً، قال: فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه كضربة السوط فخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله #، فقال: صدقت؛ ذلك من مدد السماء الثالثة» (١) .
ولم تكن مشاركتهم مقتصرة على غزوة بدر، فقد حاربت الملائكة في مواقع أخرى، ففي غزوة الخندق (يوم الأحزاب) أرسل الله ملائكة تقاتل في صفوف أهل الإيمان، كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] .
وقد ثبت في الصحيح أنهم يقاتلون بأسلحتهم، ففي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لما رجع النبي # من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل، أتاه جبريل ﵇ فقال: «أوَضعتم سلاحكم! فإننا لم نضع سلاحنا بعد. فقال: إلى أين؟ فأشار إلى بني قريظة» (٢) .
وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيراً، فقال العباس: إن هذا ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح، من أحسن الناس وجهاً، على فرس أبلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أَسَرْتُه يا رسول الله، فقال #: «اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم» (٣) .
فإذا علم ذلك فإن الملائكة خلق من خلق الله ـ تعالى ـ وقد أوتوا من القدرة ما يعجز عنه الوصف، كما قال عن ملائكة النار: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] ، وفي الحديث الصحيح أن النبي # قال: «أُذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش، ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام تخفق الطير» ، وقد رفع جبريل قرى قوم لوط بطرف جناحيه إلى السماء ثم فلتهم ... كما ذكر ابن كثير في تفسيره عن مجاهد أنه قال: (أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم، ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم كفاها، وكان حملهم على خوافي جناحه الأيمن) (٤) .
فسبحان الله! كيف يُهزم جندٌ يقاتل معهم الملائكة؟! وهذا من أهم الأسرار التي تجعل كفة الغلبة والنصر في أكثر الغزوات، ترجح لصالح أهل الإيمان؛ رغم عدم التكافؤ في العدد والعدة.
ü ثالثاً: مؤازرة مسلمي الجن لإخوانهم المؤمنين:
الجن خلق من خلق الله ـ تعالى ـ، خلقهم الله ـ تعالى ـ قبل خلق آدم ﵇، فكانوا أول من سكن الأرض كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ #^٢٦^#) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦ - ٢٧] . وقد وهبهم الله ـ تعالى ـ من القدرات العظيمة التي لا يعلمها إلا الله، وقد بين ـ سبحانه ـ في كتابه شيئاً من ذلك، كما في قصة سليمان ﵇ حينما طلب إحضار عرش ملكة اليمن (بلقيس) من اليمن إلى بيت المقدس، فقال عفريت من الجن: أنا آتيك به في مدة لا تتجاوز قيام الرجل من مجلسه. كما في قوله ـ سبحانه ـ: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] . ويدل على ما أوتوا من القدرات الهائلة قدرتهم على اختراق الفضاء، ووصولهم إلى السماء، كما قال ـ سبحانه ـ عنهم: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] .
ومما لا شك فيه أن فيهم الصالحين الذين تعلقت قلوبهم بحب الله، كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] .
ففي صحيح البخاري «باب إسلام عمر ﵁» ، عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «ما سمعت عمر يقول لشيء قط: إني لأظنه كذا؛ إلا كان كما يظن. بينما عمرٌ جالسٌ إذ مرّ به رجلٌ جميلٌ، فقال عمر: لقد أخطأ ظني، أو إنَّ هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليّ بالرجل! فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استُقِبل به رجلٌ مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني! قال: كنتُ كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتُك؟ قال: بينما أنا يوماً في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم ترَ الجنَّ وإبلاسها، ويأسها من بعد انتكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟ قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم؛ إذ جاء رجلٌ بعجلٍ فذبحه، فصرخ به صارخٌ لم أسمع صارخاً قط أشد صوتاً منه يقول: يا جليح! أمرٌ نجيح، رجلٌ فصيح، يقول: لا إله إلا أنت. فوثب القوم. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح! أمرٌ نجيح، رجلٌ فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فقمتُ، فما لبثنا أن قيل: هذا نبي» . (البخاري رقم ٣٨٦٦) .
ü رابعاً: أسباب السماوات والأرض:
ومما ينصر الله به عباده المتقين أن يسخر لهم أسباب السماوات والأرض، التي لا يحيط بعلمها إلا هو .
ومن هذه الأسباب ما يلي:
١ ـ الريح:
الريح من جنود الله ـ تعالى ـ التي لا يقاومها شيء، فإذا خرجت عن سرعتها المعتادة ـ بإذن ربها ـ دمرت المدن وهدمت المباني، واقتلعت الجبال والأشجار، وقد وصفها الله (العاتية) في قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] ، قال مجاهد: العاتية التي عتت عن الطاعة فكأنها عتت على خُزَّانها، فلم تطعهم، ولم يقدروا على ردها؛ لشدة هبوبها (١) ؛ فقد أهلك الله بها قوم عاد.
وفي الحديث المتفق عليه «أن النبي # في غزوة تبوك قال لأصحابه: «ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يَقُمْ فيها أحد، فمن كان له بعير فليشد عقاله» فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيء» (٢) .
بل إن الريح قد قاتلت مع النبي # في غزوة الخندق، كما قال الله ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] .
قال مجاهد: هي الصَّبا، أُرسِلَتْ على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم، ونزعت فساطيطهم.
ويدل على هذا ما ثبت عند مسلم أنه # قال: «نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكتْ عاد بالدَّبُور» (٣) .
وقد روى مسلم أيضاً في صحيحه عن حذيفة بن اليمان ﵁ «أن رجلاً قال له: لو أدركتُ رسول الله # لقاتلتُ معه وأبليت. فقال له حذيفة: أكنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله # ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر ... إلى أن قال حذيفة ـ كما في رواية يونس بن بكير عن زيد بن أسلم ـ: ... وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبراً؛ فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم بها، ثم خرجتُ نحو النبي # فلما انتصفت الطريق؛ إذ أنا بنحوٍ من عشرين فارساً معتمين «وهم الملائكة» فقالوا: أخبر صاحبك أن الله ـ سبحانه ـ كفاه القوم» (٤) .
وقد أخبر النبي # أن الله ـ سبحانه ـ يرسلها (أي الريح) على قوم من هذه الأمة، قد تمادوا في غيهم وعصيانهم؛ فتهلكهم، كما في حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي # قال: «يبيت طائفة من أمتي على أكل، وشرب، ولهو، ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير، ويُبعث على أحياء من أحيائهم ريح، فتنسفهم كما نسفت من كان قبلكم؛ باستحلالهم الخمر، وضربهم بالدف، واتخاذهم القينات» (٥) .
٢ ـ الزلازل:
الزلازل من أشد الأسباب الطبيعية التي يقدرها الله ـ تعالى ـ تخويفاً لعباده، كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] .
والعذاب الذي يكون من فوق هو الصيحة أو الحجارة، والذي من تحت هو الرجفة (الزلازل) والخسف، كما ذكر الأصبهاني في تفسيره عن مجاهد (٦) . قال العلامة ابن القيم ﵀: وقد يأذن الله للأرض في بعض الأحيان بالتنفس، فتحدث فيها الزلازل العظام، فيحدث من ذلك لعباده الخوف، والخشية، والإنابة، والإقلاع عن المعاصي، والتضرع إلى الله ـ سبحانه ـ والندم، كما قال بعض السلف وقد زلزلت الأرض: إن ربكم يستعتبكم.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ وقد زلزلت المدينة: (لئن عادت لا أساكنكم فيها) (٧) .
فإذاً، عُلِمَ أن الزلازل الهائلة إنما تحدث بأمر ربها، بل وقد أهلك الله بها ثمود ـ قوم صالح ﵇ كما قال : ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ #^٧٧^#) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧ - ٧٨] .
قال الشوكاني: (فأخذتهم الرجفة) أي: الزلزلة (٨) .
وهي من أوضح الدلالات على عظمة الجبار وضعف جبابرة الأرض مهما أوتوا من قوة.
كيف؟! وهي في بضع ثوانٍ تُهلِك مئات الألوف من الناس:
ـ ففي مدينة تاتجشان الصينية وقع زلزال في ١٤/١١/١٣٨٣هـ الموافق ٢٧/مارس آذار/١٩٦٤م، وقع ضحيته ٠٠٠،٥٠٠ نسمة.
ـ ووقع زلزال في العاصمة اليابانية في ٢٤/٢/١٣٢٤هـ الموافق ١٨/أبريل آذار/١٩٠٦م، راح ضحيته ٠٠٠،١٤٢ نسمة.
ـ ووقع زلزال في ولاية جو جارات الهندية في ١٨/١٠/١٤٢١هـ الموافق ١٣/يناير ٢٠٠١م، راح ضحيته ٠٠٠،٣٠ نسمة.
٣ ـ الخسف:
مما توعد الله به الظالمين الخسف، وهو: أن يهبط جزء من القشرة الأرضية، ويغيب في الأرض. يقال: خسف المكان خسوفاً إذا ذهب في الأرض، وغاب فيها (٩) .
كما قال : ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ، وقال : ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] ، فهذا قارون، ماذا قال الله فيه؟ قال ـ سبحانه ـ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] ، قال ابن كثير: لما ذكر ـ تعالى ـ اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه، وبغيه عليهم، عَقَّبَ ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض.
كما ثبت في الصحيح عند البخاري ومسلم، أن رسول الله # قال: «بينما رجل يجر إزاره إذ خُسِف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» (١) .
وفي صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله # قال: «سيعوذ بهذا البيت ـ يعني الكعبة ـ قوم ليست لهم َمَنَعة، ولا عدد، ولا عدة؛ يبُعثُ إليهم جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسِفَ بهم) (٢) .
ومما تقدم؛ يتبين أن الله يجعل الخسف على أعدائه؛ نصرة لأوليائه من الأنبياء والصالحين، بل قد يأخذ الله به بعض العصاة إذا تمادوا في غيهم وضلالهم ـ عياذاً بالله ـ.
وهذا مما يجعل أهل الحق على ثقة بربهم، فيعلمون أن قوى الأرض أحقر من أن يؤبه بهم، إذا كان الله معهم يسخِّر لهم أسباب السماوات والأرض، التي لا طاقة لقوة من قوى البشر بشيء منها مهما بلغت قوتها.
٤ ـ إمطار الحجارة من السماء:
لقد أخبر الله ﵎ عن قوم لوط، كيف أمطر عليهم الحجارة من السماء، فقال : ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ #^٨٢^#) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣] ، وتأمل قوله : ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ! قال القاسمي في تفسيره: فيه وعيد شديد لأهل الظلم كافة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ : من ظالمي هذه الأمة (٣) .
وكذلك فعل الله بجيش أبرهة الأشرم والي اليمن من قبل ملك الحشبة، فقد رأى أن يبني بيتاً في صنعاء اليمن، يدعُون العرب إلى حجه بدل حجهم البيت الحرام، والقصد من ذلك تحويل التجارة والمكاسب من مكة إلى اليمن، وعرضها على الملك الحبشي، فوافق وسره ذلك، ولما بُنِيَ البيت (الكنيسة) ، وسماها «القليس» لم يُبنى مثلها في تاريخها، جاء رجل قرشي فتغوط فيها، ولطخ جدرانها بالعذرة غضباً منها، فلما رآه أبرهة الأشرم بتلك الحال استشاط غضباً، وجهّز جيشاً لغزو مكة وهدم الكعبة، وكان معهم ثلاثة عشر فيلاً مقاتلاً، ومن بينهم فيل يدعى محمود؛ وهو أكبرهم، وساروا، ما وقف في وجههم حي من أحياء العرب إلا قاتلوه وهزموه، حتى انتهوا إلى قرب مكة، وجرت سفارات بينهم وبين شيخ مكة عبد المطلب بن هاشم جدّ النبي #، وانتهت المفاوضات بأن يرد أبرهة إبل عبد المطلب، ثم هو وشأنه بالكعبة، وأمر رجال مكة أن يخلوا البلد، ويلحقوا برؤوس الجبال بنسائهم وأطفالهم؛ خشية المعرة تلحقهم من الجيش الغازي، وما هي إلا أن تحرك جيش أبرهة ووصل إلى وادي محسر، وهو في وسط الوادي سائراً وإذا بفرق من الطير، فرقة بعد أخرى ترسل على ذلك الجيش الواحدة ما بين الحمصة والعدسة في الحجم، وما تسقط الحجرة على رجل إلا ذاب، وتناثر لحمه، فهلكوا، وفرّ أبرهة ولحمه يتناثر، فهلك في الطريق، وكانت هذه نصرة من الله لسكان حرمه وحماة بيته. ومن ثم ما زالت العرب تحترم الكعبة والحرم وسكانه إلى اليوم. وهذه الحادثة في العام نفسه الذي ولد فيه الحبيب محمد #، وفيها دلالة واضحة على قوة الجبار ـ سبحانه ـ، وانتقامه المهلك لكل طاغ وباغ ومتكبر، مما يجعل جنده وأولياءه يركنون إلى الثقة والطمأنينة بنصره: ﴿أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ #^٦٢^#) ﴾ [يونس: ٦٢] .
إن إمطار الحجارة من السماء، وإن كان قد حدث لبعض الظالمين من الأمم السابقة إلا أنَّ الله قد توعد به المشركين من هذه الأمة، مما يدل على إمكانية حدوثه كما قال : ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٨] .
فقد أخرج ابن جرير الطبري عن قتادة أنه قال: الحاصب: حجارة من السماء. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية قال: الحاصب مطر الحجارة. وقد أخبر الرسول # أنه سوف يحدث في آخر هذه الأمة، ففي حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله #: «يكون في آخر هذه الأمة خسف، ومسخ، وقذف، قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا ظهر الخبث» (٤) ، وقال #: «بين يدي الساعة مسخ، وخسف، وقذف» (٥) ، والقذف هو: الرمي بالحجارة، كما قال المباركفوري في تحفة الأحوذي، ومحمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على سنن ابن ماجه.
وهذا مما يجعل إمكانية نصر الله لأوليائه وعباده الصالحين بمثل هذا النوع من السلاح؛ وارداً وممكناً عقلاً وشرعاً.
٥ ـ الصواعق المحرقة:
ومما يؤيد الله به أولياءه ويعذب به أعداءه الصواعق، وهي: الصوت الشديد يكون معه نار يرسلها الله مع الرعد الشديد، فلا تقع على شيء إلا أحرقته. قال الله ـ سبحانه ـ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ #^١٢^#) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٢ - ١٣] . وقد أهلك الله بها أهل العناد ممن كذبوا نبي الله (هود) وهم عاد، وكذلك ممن كذب نبي الله (صالح) وهم ثمود، كما قال الله : ﴿فَإنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] ، وفي هذه الآية تهديد واضح للمشركين من هذه الأمة، فإن الخطاب للنبي #، أي: قل يا محمد للمشركين الذي يعرضون عن الحق: أنذرتكم أن تحل بكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. وهذا من أشد الوعيد الذي خافت منه قريش، ووجلت منه قلوبهم، كما في قصة عتبة بن ربيعة حينما أرسلته قريش إلى النبي # يفاوضه، فقد روى الإمام عبد ابن حميد في مسنده بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «اجتمعت قريش يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر؛ فليأت هذا الرجل، الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا؛ فليكلمه، ولينظر ماذا يردَّ عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: يا أبا الوليد! فأتاه عتبة، فقال: يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله #، ثم قال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله #، فقال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم! حتى نسمع قولك، إنا ـ والله ـ ما رأينا سخلة قط أشأم على قومها منك، فرقتَ جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى؛ أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى ننتفانى أيها الرجل! إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحداً، وإن كان إنما بك الباءة، فاختر أي نساء قريش شئت، فلنزوجنَّك عشراً، فقال رسول الله #: أفرغت؟، قال: نعم، فقال رسول الله #: «بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل من الرحمن الرحيم» حتى بلغ: ﴿فَإنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] ، فقال عتبة: حسبك حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال: لا، فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: ما تركت شيئاً أرى أن تكلموه إلا قد كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ قال: نعم. قال: لا والذي نصبها بينة ما فهمت شيئاً مما قال، غير أنه قال: ﴿أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] ، قالوا: ويلك، يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: لا والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة» (صحيح السيرة النبوية للألباني ص ١٥٩) .
وفي هذه دلالة واضحة على إمكانية أن يرسلها الله على أعدائه، فتكون من جملة الأسلحة التي يؤيد الله بها عباده الصالحين.
٦ ـ الأسقام والأوجاع المؤلمة:
ومما ينصر الله به أولياءه أن: يسلط على عدوهم الأمراض التي تفتك بهم، فيتولى الله حربهم بهذه الجنود التي لا قبل لهم بها، كما في الحديث القدسي يقول الله : «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ... » الحديث (١) .
وهذه الأوبئة التي يسلطها الله على أعدائه تكون غالباً من النوع الذي لا يمكن للأطباء أن يقاوموه؛ حيث أنها أوبئة جديدة لم تكن معروفة لهم من قبل، فيظلوا زمناً يبحثوا عن طريقة لعلاج ذلك الوباء، ثم يسلط الله عليهم وباءً جديداً وهكذا، كما قال النبي #: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا» (٢) .
ومن الأمراض التي سلطها الله على المفسدين في هذا الزمان، وما هي من المجرمين ببعيد:
ـ مرض الزهري: وعن خطورة هذا المرض، يقول الدكتور توماس: إن خطر هذا المرض لا يقل عن خطر السرطان (٣) .
ـ مرض الهربس: والذي فرض نفسه شبحاً مرعباً في نفوس أولئك الذين تعدو على حرمات الله ، وقد أوضح تقرير لوزارة الصحة الأمريكية: أن الهربس يفوق في خطورته مرض السرطان.
ـ مرض الإيدز: وهذا المرض ـ كما يقول الأطباء ـ يقتل أكثر من ٧٥%.
وقد سلط الله هذا النوع من السلاح على كثير من أهل الفساد من السابقين، فقد سلط الله الطاعون على بني إسرائيل، فقد قال رسول الله #: «الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه» ، وعن عائشة ﵂ زوج النبي # قالت: «سألت رسول الله # عن الطاعون؟ فأخبرني: أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء ... » .
قال ابن القيم متحدثاً عن مفاسد الاختلاط: (ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المهلكة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى ﵇ وفشت فيهم الفاحشة؛ أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفسير؛ فمن أعظم أسباب الموت العام؛ كثرة الزنا بسبب؛ تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات) (٤) .
٧ ـ تسليط الحشرات أهون المخلوقات:
إن من هوان الطغاة والجبابرة على الله، أنه ربما سلط عليهم أهون مخلوقاته فتهلكهم، وفي ذلك أبلغ الدلالة على حقارتهم وهوانهم على الله، كما أن ذلك من أوضح الدلالة على عظمة الجبار القوي المتعالي ، وهو مما يبعث في قلوب أوليائه الثقة والطمأنينة؛ فيصبح العدو في أعينهم أهون من الذباب. فقد سلط الله على النمرود (الطاغية) يوم أن تكبر وادّعى الألوهية، سلط الله عليه بعوضة، قال ابن كثير في تفسيره: (وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار مَلَكاً، يأمره بالإيمان بالله، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى، ثم الثالثة فأبى، وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي! فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم باباً من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظاماً بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت في منخريه أربعمائة سنة، عذبه الله بها، فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة كلها، حتى أهلكه الله بها) (١) .
ومن ذلك ما سلطه الله على بني إسرائيل حينما عاندوا موسى ﵇. فأرسل عليهم الجراد، والقمل، والضفادع ... كما قال : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ #١٣٠#) فَإذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ #١٣١#) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ #١٣٢#) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠ - ١٣٣] .
قال سعيد بن جبير: «لما أتى موسى ﵇ فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل. فلم يرسلهم؛ فأرسل الله عليهم الطوفان، وهو المطر، فصب عليهم منه شيئاً خافوا أن يكون عذاباً، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك، يكشف عنا المطر؛ فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يؤمنو، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئاً لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمار والكلأ، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى؛ فأرسل الله عليهم الجراد، فسلطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك، فيكشف عنا الجراد؛ فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فداسوا وأحرزوا في البيوت، فقالوا: قد أحرزنا. فأرسل الله عليهم القمل، وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة، فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك، يكشف عنا القمل؛ فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل، فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع، فقال لفرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا؟ فقال: وما عسى أن يكون كيد هذا؟! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويَهِّمُ أن يتكلم فتثب الضفدع في فيه، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك، يكشف عنا هذه الضفادع؛ فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه؛ فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، وأرسل عليهم الدم، فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار، وما كان في أوعيتهم وجدوه دماً عبيطاً، فشكوا إلى فرعون، فقالوا: إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب، فقال: إنه قد سحركم، فقالوا: من أين سحرنا! ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دماً عبيطاً، فأتوه، وقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك، يكشف عنا هذا الدم؛ فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه؛ فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل» (٢) .
ومما يدل على أن هذه المخلوقات وغيرها من جنود الله يسلطها على من يشاء قوله #: «لا تقتلوا الجراد؛ فإنه من جند الله الأعظم» .
وهذا مما يبعث الثقة في نفوس المؤمنين بأنَّ الله ناصرهم، وجاعل الغلبة لهم، والدائرة على أعدائهم؛ فلا ترعبهم الصواريخ الذكية، ولا القنابل العنقودية، ولا أسلحة الدمار الشامل بكل أنواعها ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] .
ü خامساً: الرعب:
وهو أن يقذف الله في نفوس أعدائه المهابة، والخوف الشديد الذي تخور معه قواهم، وتضطرب أفكارهم، وتتوتر أعصابهم.
وهو من أعظم الأسباب نصرة؛ لأنبيائه وأوليائه، فإن القوة الحقيقة هي قوة الفؤاد، وثبات الجأش، وقد جعله الله من خصائص هذه الأمة المباركة.
ففي صحيح البخاري عن جابر ﵁ أن النبي # قال: «أعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت الأرض لي مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبْعَثُ إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (٣) .
والحديث واضح الدلالة في أن هذه الخاصية هي له #، ولمن كان على هديه من أمته، وقد ورد الحديث عند الدارمي بلفظ (ويرعب منا عدونا مسيرة شهر ... ) .
وقال السندي في حاشيته على سنن النسائي: وقد بقي أثر هذه الخاصة في خلفاء أمته ما داموا على حاله.
وقد قال الله : ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] ، وقال الله : ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا #^٢٥^#) وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا #^٢٦^#) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧] ، وقال : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] ، وفي المقابل فإن الله يربط على قلوب المؤمنين، وينزل عليهم السكينة حتى يصل بهم الحال إلى النعاس؛ لما يجدونه في قلوبهم من الطمأنينة والسكينة: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: ١١] ، وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره، أن أبا طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مراراً، يسقط فآخذه (١) .
ü سادساً: التكبير:
وهو أن يهتف أولياء الله وأحباؤه من المؤمنين: بلا إله إلا الله والله أكبر؛ فيكون لها من الأثر الحسي والمعنوي في أعداء الله ما لا تثب أمامه قوى الأرض، بل تتلاشى وتضمحل أمام تكبيرات أهل الإيمان الصادقين المخلصين، الذين نصروا الله في أنفسهم؛ فانتصروا، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] .
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي # قال: «سمعتم بمدينة: جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم، يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر؛ فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر؛ فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله، والله أكبر؛ فيفرج لهم، فيدخلونها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ! فقال: إن الدجال قد خرج؛ فيتركون كل شيء، ويرجعون» (٢) . فقال النووي في شرحه (المدينة التي بعضها في البر، وبعضها في البحر: القسطنطينية، وقوله #: «يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق» ، قال القاضي: هو كذا في جميع أصول صحيح مسلم، «من بني إسحاق» والمعروف المحفوظ من «بني إسماعيل» ، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما أراد العرب) (٣) .
وفي يوم القادسية قال سعد بن أبي وقاص ﵁ لجيشه: «الزموا مواقفكم، لا تحركوا شيئاً، حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم الظهر، فإني مكبر تكبيرة، فكبروا، واستعدوا، واعلموا أن التكبير لم يعطه أحد قبلكم، واعلموا إنما أعطيتموه تأييداً لكم، ثم إذا سمعتم، فكبروا، ولتستَتِمَّ عدتكم، ثم إذا كبرت الثالثة، فكبروا، ولينشط فرسانكم الناس؛ ليبرزوا، وليطاردوا، فإذا كبرت الرابعة، فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم، وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله» (٤) .
ولا شك أن التكبير من جملة الذكر الذي أمر الله ـ تعالى ـ به عند ملاقاة العدو، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] ، ولكن له ميزة خاصة كما تقدم.
ü سابعاً: التقوّي بإقامة الصلاة وحسن الصلة بالله ـ تعالى ـ:
الصلاة هي الصلة بقيوم السماوات والأرض، فإذا اتصل العبد بالملك القدوس السلام المؤمن المهيمن الجبار المتكبر وكان حَسَنَ الاتصال بربه؛ فإنه يفوز بكل ما يصبو إليه، فإن دعا استجيب له، وإن استنصر نُصِرَ، ومن هنا فقد كان # إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة، وكيف لا يكون؟ والله ـ جل وعلا ـ يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] ، ولهذا قال علي ﵁: «لقد رأيتنا يوم بدر وما منا إلا نائم، إلا رسول الله # فإنه كان يصلي إلى شجرة، ويدعو حتى أصبح ... » .
ü ثامناً: الدعاء:
وهو طلب النصر والغلبة على الأعداء من الله الواحد الأحد ـ جل في علاه ـ، وقد كان نبينا # يفزع إلى ربه ـ جل وعلا ـ في غزواته، ويلح عليه بالدعاء.
ففي غزوة بدر بات رسول الله # يدعو ربه، ويقول: «اللهم إن تهلك هذه الفئة لا تُعبَد» (٥) .
وفي صحيح مسلم أن النبي # يوم بدر استقبل القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تُعبد في الأرض» ، فما زال يهتف بربه، ماداً يديه مستقبلاً القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ـ سبحانه ـ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] (١) .
ولا شك أن الدعاء سلاح لا يقاوم، كما قال الشاعر:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه؟
وما تدري بما صنع الدعاء؟
سهام الليل لا تخطي، ولكن
لها أمد، وللأمد انقضاء
وقد كان السلف الصالح يعدون الدعاء من الأسلحة التي لا غنى لهم عنها في حروبهم وغزواتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وكان الحرب إذا اشتد على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء، (أي البراء بن مالك) أَقسِمْ على ربك! فيقول: «يا رب أقسمت عليك لما منحتني أكتافهم؛ فيهزم العدو. فلما كان يوم القادسية قال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شهيد؛ فمنحوا أكتافهم، وقُتِلَ البراء شهيداً» (٢) .
وكان سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة، ما دعى قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق (٣) .
ü تاسعاً: التخلق بأخلاق الصالحين:
هذا النوع من السلاح الذي ينصر الله بسببه؛ أهل الإيمان من المجاهدين في سبيله، وهو من أعظم الأسلحة، بل إن كل الأسلحة والأسباب المتقدمة مبنية على هذا النوع المبارك، فإن معية الله الخاصة لأوليائه، إنما تكون لأولئك، وكذلك نصرة الملائكة وغيرهم من جنود الله، إنما تقاتل؛ نُصرةً لعباد الله الصالحين.
والمقصود بالصالحين أي: من وحد الله التوحيد الخالص، ونظر إلى أوامر الله فاتبعها، ونظر إلى نواهيه فاجتنبها، وكان عمله خالصاً لوجه الله فلم يصر على فعلِ صغيرةٍ، فضلاً عن الكبيرة، ولم يصر على تركِ واجبٍ فضلاً عن الفرائض، وكان مكثراً من النوافل والمستحبات، مستخفياً بعمله قدر الإمكان، لا يطلب الأجر والثواب، ولا الإطراء والثناء إلا من الله .
وهكذا كان دَأبُ الصالحين: فقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حاتم الرازي قال: «حدثنا عبدة بن سليمان المروزي قال: كنا سريَّة مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادَفَنَا العدو، فلما التقى الصفان، خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فطارده ساعة، وطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس، فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكُمّه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو هو، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يُشنّع علينا (يعني يفضحنا) » (٤) وهذا كثير جداً في أخبار الصالحين.
وقد كان القادة من أهل الإسلام يعتنون بهذا النوع من السلاح أيما عناية.
وحين أبطأ على عمر بن الخطاب ﵁ فتحُ مصر؛ كتب إلى عمرو بن العاص ﵁: «أما بعد فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر! تقاتلونهم منذ سنين، وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله ـ سبحانه ـ لا ينصر قوماً إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما أعرف، إلا أن يكون غيّرهم ما غيّر غيرهم، (وهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد ﵃) فإذا أتاك كتابي هذا، فاخطب الناس، وحضهم على الصبر والنية، وقدَّم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومُر الناس أن يكون لهم صدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة؛ فإنها ساعة تنزل فيها الرحمة وقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله ، وليسألوه النصر على عدوهم» . فلما أتى عَمْراً الكتابُ، جمع الناس، وقرأ عليهم، ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا، ويصلوا ركعتين، ـ ثم يرغبوا إلى الله ـ سبحانه ـ ويسألوه النصر ... ففتح الله عليهم (٥) .
ومن هنا نهمس في أذن كل مسؤول ممن ولاه الله أمراً من أمور المسلمين، وخاصةً قادة الجيوش الإسلامية، فنقول: اعلموا أن أوجب الواجبات عليكم، أن تربّوا جنودكم على تقوى الله، وطاعته، مبتدئين في ذلك بأنفسكم، ومن هو دونكم، فإن أنتم فعلتم ذلك نصركم الله على عدوكم، ومكن لكم كما نصر أسلافكم ومكن لهم ... وإن لم تفعلوا كنتم سبب تخلف النصر عن أمة الإسلام، وتمكين الأعداء من أمتكم، وبؤتم بإثم ذلك، ثم يستبدلكم الله بقوم يحبهم ويحبونه؛ فيجعل الله النصر والتمكين على أيديهم. فكونوا أنتم أولئك يكتب لكم النصر ... و ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
وهذا بالطبع لا يعني الاستغناء عن الأسلحة التي تصنعها الحضارة، لقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . صدق الله.
стр. 5668
نحو رؤية استراتيجية مستقبلية للمشروع الإسلامي
عبد الرحمن فرحانة
لا شك أن حِراك الصحوة الإسلامية قد نجح في إفراز ظاهرة إسلامية إحيائية امتدت عبر جغرافية العالم الإسلامي؛ تخللت في عطاءاتها تأثيرات بارزة شملت كافة مناحي الحياة؛ ولكن بوتائر متفاوتة. وقد نجحت في تحقيق إنجازات عديدة عبر العقود الماضية من أبرزها:
ـ تخصيب ظاهرة التدين وخاصة في الوسط الشبابي الفاعل، وتحقيق تواصل حيوي بين الجيل والفكرة الإسلامية؛ مما أدى إلى إنتشار الوعي، وانحسار مساحة الأمية الدينية التي كانت تتسيّد واقع المسلمين.
ـ أسلمة بعض مناحي الحياة، وتوليد نخب إسلامية تعمل لخدمة المشروع الإسلامي، والدفع باتجاه استئناف الحياة الإسلامية، وإحياء مفهوم الأمة الذي غيبته الدولة القُطْرية.
ـ إحياء نموذج سلفي لفريضة الجهاد الغائبة في صيغة حديثة، ترجمتها حالات المقاومة والممانعة التي يعيشها العالم الإسلامي على امتداد جغرافيته.
وفي سياق حِراك الظاهرة؛ تمكنت مدرسة «البنا» من نقل الفكرة الإسلامية من دائرة النخب إلى ساحة الجماهير، وكذا نجح التيار السلفي بفاعلية واضحة بدور التنقية والتوعية في الوسطين الشعبي والنخبوي، مضافاً إليهما مدارس ورموز أخرى قامت بأدوار جليلة في خدمة الفكرة الإسلامية.
ü إخفاقات:
رغم الإنجازات الجليلة التي حققتها الظاهرة الإسلامية، إلا أن العين النقدية تلتقط محطات إخفاق عديدة أثرت على فرص الاستثمار الفاعل للمنجزات طوال عقود الصحوة، وأدت كذلك إلى عجزٍ بيِِّن في نَظْم الحصاد المنجز في تدرج بنائي يخدم الأهداف الاستراتيجية للمشروع الإسلامي.
وفي المجمل عجزت الظاهرة عن تقديم صورة مترابطة للمشروع الإسلامي بنسيج ثقافي وفكري متسق، بل تنازعت الأفقَ الإسلاميَ تياراتٌ مدرسية بحِراك غير تكاملي، تخلل ذلك تشوشٌ، وعدمُ وضوح للصورة حتى في أذهان ممثلي ورموز المشروع تجاه قضايا كلية في حقول الإجتماع والسياسة والإقتصاد.
عانت الظاهرة ـ أيضاً ـ من تميّع في الرؤية لدى بعض منسوبيها على الصعيد السياسي، إلى الحد الذي وصل ببعضهم إلى أن ينتقل من خندق المواجهة مع المشروع الاستعماري الغربي إلى المشاركة معه أحياناً في أداء مرتبك، يؤشر على غياب الحاسة اللازمة والرؤية الضابطة للتفريق بين المرونة السياسية وتكتيكاتها، وبين الثوابت الاستراتيجية العامَّة للمشروع الإسلامي.
ü ضرورة الرؤية الاستراتيجية للمستقبل:
الظاهرة الإسلامية لا تعاني من قلة الإنتاج وضعف الحِراك الإسلامي؛ فالجغرافية الإسلامية تكتظ بمناشط متنوعة بمعيار «الكم» تكاد تملأ الأفق الإسلامي؛ إنما داؤها في غياب الحِراك النوعي الموجه على هدي رؤية ناضجة؛ تحدد المسار، وترشد نحو النهايات المستهدفة لكل مرحلة.
إزاء تلك الطاقات ـ التي تُستنفد؛ بسبب غياب منظومة الأولويات الموجهة للعمل الإسلامي، وكذلك في مواجهة المشروع الحضاري الغربي الذي يحاول راهناً استدراج الظاهرة الإسلامية؛ لاستفراغ جهودها في محطات سياسية وثقافية لا تتسق في المحصلة مع أهداف المشروع الإسلامي الاستراتيجية ـ ينبغي لقادة الظاهرة بأطيافها المختلفة أن يبادروا للتوافق على ميناء لرسو سفينة الظاهرة وتحديد مسارها، إذ لا يكفي أن يمنَّوا أنفسهم بأن هدف المرحلة هو حماية السفينة من الغرق؛ لتبقى السفينة عائمة في عرض البحر.
من أجل مهمة الإنقاذ اللازمة ينبغي لقادة المشروع الإسلامي أن يلتقوا لبحث الظاهرة الإسلامية؛ لتحديد إنجازاتها بهدف مراكمتها في سياق بنائي؛ ولرصد الفرص الفائتة لاستخلاص العبر؛ ولسبر التحديات والفرص المتاحة؛ من أجل صياغة رؤية مستقبلية للمشروع الإسلامي يتحدد في مضمونها منظومة الأولويات الموجهة للبناء الاستراتيجي للمشروع الإسلامي، وببساطة؛ كي يجيبوا على أسئلة سهلة ولكن بمضامين استراتيجية: أين نحن الآن؟ وماذا نريد؟ وكيف سنصل لما نريد؟
وفي إطار المناقشة الاستراتيجية لمكونات الرؤية المستهدفة ينبغي مناقشة ملفات هامة للتوافق النظري حولها، وبذهنية مرنة تستوعب سنة التنوع، وتتناغم مع الإيقاع التاريخي للمرحلة.
ومن المُِلحِّ أن يطرح على أجندة النقاش بعض المفردات التي أرى ضرورة بحثها:
ـ في مواجهة طغيان الأجندة القُطْرية لحركات العمل الإسلامي؛ يلزم مناقشة صناعة مرجعية إسلامية عامة بآلية معاصرة؛ لإيجاد قواسم مشتركة تكسر حدة التجزؤ القُطْري والتباين المنهجي بين تيارات الظاهرة الإسلامية؛ تمهيداً لصناعة خطاب إسلامي موحد واضح المعالم ومتسق في مفرداته وأهدافه.
ـ بحث ظاهرة العنف المسماة «الإرهاب» ؛ لمعالجة الظاهرة بمواقف مستقلة عن (الأجندة الغربية) ؛ وللخروج بموقف واضح وجريء تجاهها. ولكن بعيداً عن استراتيجية الغرب التي تقسم التيار الإسلامي بين متطرفين ومعتدلين، وتهدف إلى استخدام أحدهما في مواجهة الآخر، والحذر من الوقوع في هذا المأزق.
ـ التوافق على نظرية التغيير الملائمة للمرحلة؛ لتحديد منهج التعامل مع الواقع بحذر، وتسويق النظرية المتفق عليها في أوساط الظاهرة الإسلامية.
ـ تحرير العلاقة مع الغرب وبحث خيارات التعاطي معه؛ بهدف التلاقي على منهجية متسقة للتعامل معه.
ـ التوافق على استراتيجية عامة للمقاومة وللممانعة؛ بأدوات مختلفة تستغرق معظم طاقات الأمة السياسية والاجتماعية والثقافية؛ لمواجهة المشروع الصهيوني وظهيره الاستراتيجي الغربي، إذ لا ينبغي أن تُختزل القوة في الوعي العربي والإسلامي بمفردة القوة العسكرية فقط؛ حيث للأمة مفردات قوة أخرى تستطيع من خلالها أن تقاوم وتمانع الهيمنة الغربية.
стр. 5669
٢٢٧ - رجب - ١٤٢٧ ه ـ
(السنة: ٢١)
стр. 5670
اغتيال (باسييف) لن يوقف الجهاد
بدأ الاحتلال الروسي للدول الإسلامية لِمَا كان يعرف بـ (ما وراء النهر) منذ عهد بطرس الأول منذ عام (١١٨٨هـ ـ ١٧١٤م) واستمر الروس في ابتلاع أراضي الشعوب الإسلامية والتي تشكل العديد من (القوميات) أمثال الأوزبك والكازاخ والطاجيك والشيشان والأبخاز.. إلخ، حيث حكمت بالحديد والنار، وقتلوا عشرات الألوف من المسلمين، واتبعوا سياسة التجزئة، وهجَّروا الألوف منهم إلى المناطق النائية وبخاصة الجليدية للقضاء عليهم. وقد نشطت الحركات الجهادية للدفاع عن الإسلام ضد المحتلين النصارى ثم الشيوعيين، وقدموا صوراً رائعة للجهاد نادرة المثال، وبعد تفتت الاتحاد السوفييتي استمرت المقاومة رغماً عن استمرار البعضٍ في العمالة للروس ومقاومة إخوانهم في الدين، وعرف الجهاد الشيشاني بعد إعلان الزعيم المجاهد (جوهر دوداييف) الاستقلال، وقام الروس المحتلون بالحرب ضد المجاهدين باغتيال قادة الجهاد آمثال (باندراييف) و (مسخادوف) و (عبد الرحيم اللاييف) بعد أن أبلوا بلاءً حسناً وكبدوا الروس آلاف الضحايا؛ فما زادت تلك الحرب المجاهدين إلا قوة ومضاءً.
وأخيراً أعلنت وكالة الأنباء الروسية (إيتار تاس) نبأ اغتيال القائد المجاهد (شامل باسييف) في عملية سرية للقوات الأمنية الروسية في مساء الإثنين ١٤/٦/١٤٢٧هـ الموافق ١٠/٧/٢٠٠٦ بالقرب من أنجوشيا بغرب الشيشان والذي وصفته الوكالة الروسية أنه القائد لأعنف حركة مقاومة شيشانية.
وقال (علي الخانوف) رئيس الحكومة الشيشانية العميلة للروس إن مقتل (باسييف) خطوة كبيرة إلى الأمام في مواجهة المجاهدين الشيشان في إشارة إلى أهمية ذلك القائد البارز ودوره العظيم في مواجهة المحتلين الروس؛ فقد كان له عمليات مقاومة أثخنت الجسد الروسي من أشهرها (عملية احتجاز الرهائن في مدينة بودينوفسك) وحصار (مسرح موسكو) . وهذا القائد العظيم ﵀ تدرب في الجيش السوفييتي السابق أداءً لخدمته العسكرية، ثم أنضم إلى (الوحدة العسكرية التابعة لكونفدرالية الشعوب) القوقازية، وشارك في الجهاد الأفغاني ضد الروس، وعمل قائداً للقوات الشيشانية، وقاوم الجيش الروسي، ثم استقال من القوات الشيشانية وترشح للرئاسة، واحتل المرتبة الثانية، ثم عينه الرئيس السابق (مسخادوف) رئيساً للوزراء، ثم استمر في الجهاد والمقاومة حتى اغتياله. ولا شك أن استشهاده ﵀ كارثة على الجهاد الشيشاني؛ لكن ذلك لن يفت في عضد المجاهدين ـ بإذن الله ـ فالشعب الشيشاني المجاهد قادر ـ بإذن الله ـ على إخراج أمثال ذلك المجاهد الكبير الذي ما زال مؤمناً بدينه ومستمراً في شجاعته ونبله لاسترداد حريته وكرامته؛ ومن ثم لن يوقف الجهادَ اغتيالُ فرد من ذلك الشعب المؤمن المجاهد.
стр. 5671
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن أمر القلوب أمر عجيب؛ فبينما ترى الأمور واضحة جليَّة في الدلالة على أمر ما، بحيث يتفق على دلالتها كل من يشاهدها، تجد في المقابل آخرين قد سُدَّت عليهم منافذ العلم والمعرفة ـ بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام للعبيد ـ فيروا عكس ما يراه الناس، ويستنبطوا منها ما لا يستنبطه أحد غيرهم، انظر إلى الآيات البينات، والدلائل الواضحات، والمعجزات الخارقات، التي أيد الله ـ تعالى ـ بها رسله إلى خلقه، كيف عميت عنها أبصار الكفار وقلوبهم، فلم يروا منها إلا أنها أساطير الأولين، وسحر الساحرين، وكهانة الكهان، وجنون المجانين؟
لقد أظهر الله ـ تعالى ـ على يد موسى ﵇ من الأمور العجيبة جدّاً؛ والتي لا يقدر على الإتيان بها إلا نبي مرسل من عند الله ـ تعالى ـ، ورغم هذا الأمر البيِّن لم يؤمن فرعون ـ لعنه الله ـ. لقد تحدى فرعونُ موسى ﵇ وخسر فرعون التحدي؛ بل خسر ما هو أكبر من ذلك، حيث خسر القوم الذين كان يتحدى بهم موسى ﵇؛ إذ ظنّ أنَّ ما يأتي به موسى ﵇ هو من السحر، فجمع السحرة ووعدهم بالقرب منه والأعطيات الجزيلة إن هم تغلبوا على موسى، وهذا الاحتياج منه إلى غيره في منازلة موسى ﵇ يبطل دعوى ربوبيته وألوهيته التي كان يدَّعيها، وقد كان يكفيه هذا ليعَلمَ ضعفه وعدم قدرته وقلة حيلته التي تنافي دعوته، وقد كان في هذا ما يكفي له أن يؤمن لو كان له قلب، وبعد ذلك تغلبت آيات الله على سحر السحرة فآمن السحرة بالله رب العالمين، وقد كان في هذا ـ أيضاً ـ ما يكفي لفرعون أن يؤمن؛ لكن تلك القلوب المقفلة المحجوبة عن إبصار الحق ورؤيته، والتي لا تنفذ إليها بينات الحق ودلائل الهدى، من أين لها أن تدرك ذلك؟
لقد ابتلى الله ـ تعالى ـ فرعون وقومه بالآيات المفصَّلات كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ﴾ ومع ذلك لم يؤمنوا بل: ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] ، وقد كانت هذه الآيات كافية في أن يعلموا صدق موسى ﵇ وكَذِبَ فرعون فيما يدَّعيه، ثم بعد ذلك حدث أمران مهمَّان يبيِّنان حقيقة الأقفال التي تكون على القلوب، حتى تحجبها حَجْباً كاملاً عن المعرفة والعلم والانقياد لمدلولهما، فقد أرسل الله ـ تعالى ـ عليهم العذاب، ولم يجدوا مخرجاً من ذلك إلا باللجوء إلى موسى ليدعو لهم الله ـ تعالى ـ، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] ، وقد كشف الله ـ تعالى ـ عنهم الرجز بدعوة موسى ﵇، أفلم يكن ذلك كافياً لهم ليعلموا أن موسى ﵇ مرسل من ربه، وأن فرعون عبد مربوب ليس رباً ولا إلهاً؟ لكن القفل الذي يسدُّ على القلب منافذ الخير كلها يفعل ما هو أكثر من ذلك، ثم جاءت الحادثة الثانية والتي فاقت في دلالتها كل دلالة، فعندما طارد فرعونُ ـ لعنه الله ـ موسى ﵇ وأتباعه، خرج موسى ومن معه وضاقت عليهم السبل، حتى كانوا في وضع صعب فالبحر أمامهم وفرعون وجنده خلفهم، ولا سبيل غير ذلك، وفي هذا الوضع الصعب، أعطى الله موسى آية من أعظم الآيات؛ حيث شق لهم البحر، وجعل فيه طريقاً يَبَساً يمشون عليه، هذا البحر العظيم الذي تغوص في لججه السفن العظام يجعل الله فيه بضربة عصا من موسى طريقاً يبساً، وانفلق البحر حتى كان كل فرق كالجبل العظيم، ألم يكن في هذا ما يكفي لفرعون أن يرعوي، أو حتى أن يكفَّ عن مطاردة موسى، ويعلم أنه ليس ثَمَّ سبيل إلى النيل منه؟ لكن القلب العجيب الذي كان يملكه فرعون قاده إلى أن يسلك على الطريق اليبس نفسه، فسبحان الله! إذا كان الله ـ تعالى ـ قد جعل لموسى وأصحابه هذا الطريق الخارق لكل قدرات البشر؛ لكي يفلت من فرعون وجنده، أيقوم في عقل عاقل أنه يمكن أن يستخدمه في ملاحقة موسى ﵇ والتمكن منه؟ لكن القلوب التي أُغلِقَتْ عليها الأقفال لا تتصرف إلا بهذا السبيل.
وقد أُقفِلت على اليهود قلوبهم من الإيمان برسول الله ﷺ فقد كانوا يعرفونه كما يعرف أحدهم ابنه، ومع ذلك لم يؤمنوا قال الله ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] ، وتروي السيدة صفية ـ رضي الله تعالى عنها ـ زوج النبي ﷺ ، فتقول: «لما قدم رسول الله ﷺ قباء ـ قرية بني عمرو بن عوف ـ غدا إليه أبي وعمي (أبو ياسر بن أخطب) مُغْلِسَين، فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا فاتِرَيْن كسلانَيْن ساقطَيْن يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فو الله ما نظر إليَّ واحد منهما، فسمعت عمي (أبا ياسر) يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله! قال: تعرفه بنعته وصفته؟ قال: نعم والله، قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت» (١) .
وقد يتعجب الإنسان من ذلك أشد التعجب، فالرسول ﷺ هو المُبَشّرُ به والذي يجدونه عندهم في التوراة والإنجيل، ويرونه، ويعرفونه بصفته، ويتأكدون، ويقسمون بالله على ذلك، ومع ذلك تغلق قلوبهم عن الإيمان به ومتابعته! بل الأغرب من ذلك أن الكفار الذين يدخلون جهنَّم ـ أعاذنا الله منها ـ بعدما عاينوا من عقاب الله الأليم العظيم المهين، يطلبون من الله أن يردّهم إلى الدنيا ولا يعودون لشركهم أبداً! ولكن الله ـ تعالى ـ يقول عنهم: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ، وقد بيَّن القرآن السبب الكامن وراء ذلك كله وهو قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ، فالقلوب عليها أقفالها التي تمنع من وصول الهدى لهم، وقد جاءت الأقفال في اللفظ القرآني مضافة هاء الضمير الراجع إلى القلوب؛ وكأن القفل مخصوص بها أو أن لكل قلب قفلاً يخصه.
أخرج الطبري بسنده من حديث هشام بن عروة، عن أبيه قال: «تلا رسول الله ﷺ يوماً: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ؛ فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها، حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ حتى ولي فاستعان به» (٢) .
واليوم يعيد التاريخ نفسه، وتتكرر دورته؛ فهاهم أعداء الله ودينه لم تتفتَّح قلوبهم، وما زالوا يأملون في القضاء على الإسلام وأهله، وكأنهم ما دروا أن هذا دين الله، وأن الله ـ تعالى ـ قد جعله الرسالة الخاتمة، وأنه قد تكفل بحفظه، وأنه سخَّر من عباده من يقوم بمهمة الحفظ، كما أخبر الرسول ﷺ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم ﷺ ، فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة» ، وها هي أمريكا قد جاءت بخيلها ورَجْلِها وكبريائها وجبروتها، تأمل تغيير الدين، فشنَّت على أهله حرباً ظالمة، وقد كان لها عبرة ـ لو كان لها قلب يعقل ـ فيما كان يسمَّى بالاتحاد السوفييتي وما فعل الله به وكيف مزقه تمزيقاً، لكن القوم على قلوبهم أقفالها، وسيأتيها من الله ـ تعالى ـ ما يأتي الأمم التي تحاربه وتحارب دينه وأولياءه لو كانوا يعلمون.
أما نحن ـ معاشر المسلمين ـ فعلينا اللجوء إلى الله ـ تعالى ـ في أن يصلح قلوبنا حتى لا يطبع الله علينا بسبب معاصينا ومخالفاتنا، وقد كان الرسول ﷺ يقول: «وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه؛ ألا وهي القلب» ، وكان كثيراً ما يدعو ويقول: «ثبت قلبي على دينك» ؛ فعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يُكثِر أن يقول: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، فقلت يا رسول الله: آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين أُصبُعين من أصابع الله يقلِّبها كيف يشاء» . وعن عبد الله بن عمر قال: «أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف: لا ومقلِّب القلوب» .
فاللهم يا مقلب القلوب بعدلك وحكمتك، ثبت برحمتك قلوبنا على دينك، وأقمها على الحق، ولا تزغها بسوء أعمالنا بعد إذ مننت علينا وهديتنا إلى الإسلام، ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] .
стр. 5672
إنه دعوة للخلود
محمد بن شاكر الشريف
هناك من الأمور ما يُنظر إليها من عدة أوجه بعضها أظهر من بعض، ويلمس كثير من الناس المعنى الأكثر ظهوراً بحكم الاستعمال أو القرب، في حين أن المعنى الأقل ظهوراً قد يكون هو المعنى الأشد لصوقاً وتأثيراً وقوة؛ فعندما يتأمله الناس حق التأمل أو حينما يشرحه شارح أو يفسره مفسر يتعجبون كيف خفي عليهم ذلك، ولم يدركوه مع أن النصوص قد تناولته وبينته.
ينطبق هذا الأمر بشدة على لفظ (الجهاد) في سبيل الله تعالى؛ فكثير من الناس، بل أكثرهم في عصرنا الحاضر ما إن يطْرُق سمعهم هذا اللفظ حتى يستدعي في ذهنه وخياله، صورة نمطية ترسخت في وجدانه؛ حيث يطِنُّ في أذنيه هدير المدافع وأزيز الطائرات وفرقعات القنابل، ويرتسم أمام ناظريه ميدان المعركة بلونه الأحمر القاني؛ حيث تتطاير الرؤوس وتتقطع الأعضاء وتسيل الدماء، وتُدَكُّ الحصون وتُخرَّب الدور العامرة، فيقتَل الرجال وتترمل النساء ويتيتم الأطفال، وتفسد الزروع والثمار.
وإذا كان هذا حظ المفسدين المضلِّلين من أعداء الإسلام، ومن تبعهم من الضالين من أبناء جلدتنا، الذين لا يرون في (الجهاد) إلا هذه الصورة دون غيرها مع قطعها عن كل ما يلامسها؛ فإن المؤمنين الصادقين يعلمون أن (الجهاد في سبيل الله) فريضة دينية لتكون كلمة الله هي العليا في واقع الحياة ودنيا الناس، كما هي العليا في حقيقتها وإن كفر بها الناس.
والقتال باستخدام آلاته المعروفة، وإن كان أعلى مراتب الجهاد، إلا أن الجهاد لا ينحصر في القتال، بل هو أعم من ذلك وأوسع بكثير؛ فالقتال ما هو إلا صورة متقدمة من صور الجهاد، والجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ في معناه الأعم الأشمل هو المبالغة في استفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل في سبيل الله تعالى. قال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: (حَقِيقَتُهُ الاجْتِهَادُ فِي حُصُولِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِن الإيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ وَمِنْ دَفْعِ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ) (١) ، وقال الكاساني: (الجهاد في اللغة: (عبارة عن بذل الجُهد ـ بالضم ـ وهو الوسع والطاقة، أو عن المبالغة في العمل من الجَهد ـ بالفتح ـ وفي عُرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله ـ عزـ وجل ـ بالنفس والمال واللسان، أو غير ذلك، أو المبالغة في ذلك) (١) فالجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ أنواع، وله وسائل متعددةٌ القتالُ أحدها، وليس الوسيلة الوحيدة.
فالجهاد منه: جهاد بالنفس، وجهاد بالمال، وجهاد باللسان، كما قال الرسول ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم» (٢) ، والأدلة على تنوع كيفيات الجهاد ووسائله كثيرة جداً. وقد فرض الله ـ تعالى ـ الجهاد على المسلمين وجعله فرضاً دائماً عليهم إلى قيام الساعة، وأكده بأنواع متعددة من التأكيدات، حتى غدا الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ من أكثر الفرائض الدينية والتكليفات الشرعية التي استفاضت في ذكرها نصوص الشريعة من الكتاب والسنة، وبينت فرضها وفضلها؛ فالجهاد مطلوب على جميع مستوياته، ومطلوب من المسلمين المكلفين جميعهم، لا يُعفى من ذلك أحد، ومن لم يقدر على نوع فإنه يقدر على نوع آخر، ولا يُعْذر أحد في ترك الجهاد بالكلية. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١] ، فمن كان ضعيفاً أو مريضاً لا يقدر على الجهاد بنفسه، أو كان لا يجد نفقة يخرج بها للجهاد؛ فإن هؤلاء لا حرج عليهم في عدم الخروج، ولكنَّ نفي الحرج مقيد بشرط وهو قوله ـ تعالى ـ: ﴿إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، والنصح: إخلاص العمل من الغش.
وتكون النصيحة بأمور منها: تعلُّق قلوبهم بالجهاد، والدعوة للمجاهدين بالنصر والتأييد، ومنها خلافة المجاهدين في أهليهم بخير، ومنها عدم الإرجاف بالناس أو التثبيط لهم، وقد تضافرت أقوال أهل العلم على ذلك، فقال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: « ﴿إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ : إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه، وأبغضوا أعداءه» (٣) ، وقال الآلوسي: « ﴿إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ : بأن أرشدوا الخلق إلى الحق» (٤) ، وقال أبو حيان: «وشرط في انتفاء الحَرَج النصح لله ورسوله، وهو أن تكون نياتهم وأقوالهم سراً وجهراً خالصة لله من الغش، ساعية في إيصال الخير للمؤمنين، داعية لهم بالنصر والتمكين» (٥) ، وقال الشوكاني: «ويدخل تحت النصح لله دخولاً أولياً: محبة المجاهدين في سبيله، وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد، وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه» (٦) ، وقال الرازي: «إنه ـ تعالى ـ شرط في جواز هذا التأخير شرطاً معيناً، وهو قوله: ﴿إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، ومعناه أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف، وعن إثارة الفتن، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا، إما بأن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم؛ فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد» (٧) . فمع قيام الأعذار المانعة للخروج إلى الجهاد، فإن الله ـ تعالى ـ لم يضع عنهم الحَرَج إلا بقيد النصح لله ورسوله.
وقد بلغ من فضل الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ قائلاً له: «دلني على عمل يعدل الجهاد!» فقال له الرسول ﷺ : «لا أجده» فكأن الصحابي من كثرة ما سمع عن منزلة الجهاد وفضله، وربما لم تكن لديه القدرة على الجهاد فأراد ـ حباً في الخير ـ أن يعوِّض عن هذا النقص بعمل مكافئ للجهاد، لكن الرسول ﷺ الذي كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، بيَّن له أنه لا يجد عملاً يكافئ الجهاد، ثم قال له وكأنه يبين له ما يمكن أن يكافئ الجهاد: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تَفْتُر، وتصوم ولا تُفطِر؟» فقال الرجل: «ومن يستطيع ذلك؟» (٨) . وفي رواية قيل للنبي ﷺ : «ما يعدل الجهاد في سبيل الله ؟ قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: مَثَل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى» (٩) قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: «وفي هذا الحديث عظيم فضل الجهاد؛ لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات الله أفضل الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل من لا يفتر عن ذلك في لحظة من اللحظات؛ ومعلوم أن هذا لا يتأتى لأحد، ولهذا قال ﷺ : لا تستطيعونه. والله أعلم» (١٠) .
وقد يعجب الإنسان من هذا الفضل العميم والثواب العظيم، فيحدوه ذلك إلى البحث عن السبب الذي لأجله وقع الجهاد من الدين هذا الموقع العظيم، وقد أجاب عن هذا التساؤل ابن دقيق العيد باختصار فقال: «الْقِيَاس يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الجِهَاد أَفْضَل الأعْمَال الَّتِي هِيَ وَسَائِل، لِأَنَّ الجِهاد وَسِيلَة إِلَى إعْلان الدِّين وَنَشْره، وَإِخْمَاد الْكُفْر وَدَحْضه، وَفَضِيلَته بِحَسْب فَضِيلَة ذَلِكَ، وَاَللَّه أَعْلَم» (١١) ، ومعرفة سبب تفضيل الجهاد، أو الحكمة من تفضيله أمر ذو فائدة كبيرة، حيث تجعل المسلم في جهاده عاملاً على تحقيق ذلك، ولا يكون مجرد عمل آلي.
وسوف نحاول بإذن الله ـ تعالى ـ أن نفصل ما اختصره ابن دقيق ـ رحمه الله تعالى ـ في الكلمات التالية:
١ ـ الجهاد دعوة للحياة وليس للموت: فهو دعوة للحياة الحقيقية التي يعبد الإنسان فيها ربه خالقه ورازقه، لا يشرك به شيئاً، حياة حقيقية يشعر فيها بالكرامة التي أكرمه الله بها، والمنزلة التي رفعه إليها، فيقوم بنشر الفضائل وإقامة العدل وعمارة الأرض، لا الحياة الحيوانية الشهوانية التي لا يكون للإنسان فيها من همٍّ سوى إشباع متطلبات بطنه وفرجه، ثم لا يلوي على شيء بعد ذلك. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: ١٢] . وقد بين القرآن الكريم أن الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ هي دعوة إلى الحياة الحقيقية ذات القمة السامقة التي لا تدانيها حياة، فقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] ؛ فهذا نداء من الله العلي الكبير للمؤمنين أن يستجيبوا لدعوة الله ورسوله لهم لما يحييهم. قال عروة بن الزبير: «أي للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم» (١) ، وقال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: «إلى ما يحييكم، أي يحيي دينكم ويعلمكم، وقيل: أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدونه، وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من موت الكفر والجهل. وقال مجاهد والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهٍ؛ ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية، وقيل: المراد بقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الجهاد؛ فإنه سبب الحياة في الظاهر؛ لأن العدو إذا لم يُغْزَ غزا، وفي غزوه الموت، والموتُ في الجهادِ الحياةُ الأبدية. قال الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] والصحيح العموم كما قال الجمهور» (٢) .
وعلى كِلا القولين؛ فالآية دالة على أن الدعوة للجهاد دعوة للحياة؛ فإن كان الصواب قول من قال: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الجهاد، كان هو المطلوب، وإن كان الصواب القول بالعموم، فإن الجهاد هو أحد أفراد العموم، ولذلك قال ابن جرير ـ رحمه الله تعالى ـ: «استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق؛ وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلاً فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب، أما في الدنيا؛ فبقاء الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة، وأما في الآخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها» (٣) .
والجهاد دعوة للحياة؛ إذ يخرج به كثير من الناس من دائرة الأموات إلى دائرة الأحياء؛ فالكافر ميت وإن لم يكن في جوف الأرض مع أنه يدب عليها ويأكل من خيراتها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ؛ فبالجهاد يهتدي كثير من الناس ويدخلون في دين الله تعالى. قال رسول الله ﷺ : «عَجِبَ الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» (٤) ؛ فهؤلاء قوم من الكفار وقعوا في الأسر بين أيدي المسلمين فهداهم الله ـ تعالى ـ للإسلام.
والجهاد دعوة لحياة طائفتين: المجاهِدين، والمجاهَدين. فأما المجاهَد فإنه إذا قَبِلَ دعوة الله واستجاب لها نفعه الله ـ تعالى ـ بها، وكان ذلك حياة له وإحياء لنفسه.
وأما المجاهِد فإن جهاده حياة له في كِلا الحالين: النصر على الأعداء، أو الشهادة في سبيل الله. وحياته بالجهاد في الدنيا بعد النصر أعظم من حياته قبل الجهاد وأكمل، وأما إن قُتِلَ المجاهد في سبيل الله ـ تعالى ـ فهو حي أيضاً، حتى وإن كان تحت التراب أو في بطون السباع. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ، وقد أكد القرآن حياتهم بقوله: يرزقون؛ لأن الرزق للأحياء دون الأموات، لكن لما كانت حياة الشهداء في سبيل الله غير مدرَكة بالحواس؛ فقد يظن بعض الناس أنهم موتى كغيرهم، وقد جاء النهي من الله ـ تعالى ـ بقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] فهم أحياء لكننا لا نشعر بحواسنا بحياتهم، وإنما نعلم ذلك بإخبار الله لنا.
والجهاد ليس دعوة لحياة الأفراد فحسب، بل دعوة لحياة المجتمعات والأمم؛ لأنه باهتدائها تمتنع أسباب انهيارها وهلاكها وزوالها؛ فعن زينب بنت جحش ـ رضي الله تعالى عنها ـ زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ دخل عليها فَزِعاً يقول: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شر قد اقترب! فُتِحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وحلَّق بإصبعه الإبهام والتي تليها. قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم! إذا كثر الخَبَث» (٥) ، فكثرة الخبث مُؤْذِنة بهلاك المجتمعات ودمارها حتى وإن كان فيها صالحون، وإنما يقلُّ الخبث في المجتمعات وينقص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أحد صور الجهاد.
والجهاد دعوة للحياة في كِلا نوعي الجهاد: جهاد الطلب، وجهاد الدَّفْع. فجهاد الطلب يُنقِذ الكفار من كفرهم، ويهديهم ـ بإذن ربهم ـ إلى الحياة الحقيقية، وجهاد الدفع ينقذ المسلمين من كفر الكافرين؛ فالكفار إذا غزوا المسلمين في ديارهم فإما أن يقتلوهم وإما أن يردُّوهم عن دينهم، وكِلا الأمرين موت، وقد تناهى إلى أسماعنا ما حدث من مقتل أكثر من مائة ألف من العراقيين عندما غزت أمريكا وبريطانيا ديارهم. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] فالدعوة إلى جهادهم في كِلا الحالين: الطلب والدفع، دعوة للحياة.
وفي الجهاد دعوة للحياة وإطالة عمر الدنيا؛ فبدوام الجهاد تظل الطائفة المنصورة باقية، ووجود المؤمنين أمان من هلاك الدنيا ودمارها؛ فإذا تغلب الكفار على العالم وطبَّق الكفر الأرض كلها؛ فقد حان قيام القيامة ودنت الساعة؛ فبقاء الدنيا رهين بوجود من يعبد الله، حتى إذا لم يوجد من يعبد الله ـ تعالى ـ ويقول: «الله الله» قامت القيامة. قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله» (١) ، وكون الجهاد مع ما يوجد فيه من القتال دعوة للحياة؛ فهذا من عظيم تقدير الله وحكمته الذي جعل في الموت طريقاً وسبيلاً للحياة.
٢ ـ ومن أسباب تفضيل الجهاد كونه طريقاً لبقاء الدين محفوظاً من التغيير والتبديل: فلولا الجهاد في سبيل الله لتصدع بنيان الدين وتهدمت أركانه، وهذا الأصل تبينه سُنَّة الله ـ تعالى ـ في المدافعة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] ، وقال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] ، وقد بين القرآن أن الجهاد يتحقق به جعل الدين كله لله، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] ؛ ولهذا يقول الرسول الكريم ﷺ : «لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتِلُ عليه عصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعة» (٢) .
٣ ـ نصرة المستضعفين وإخراجهم من إذلال الظالمين: الجهاد في الإسلام فريضة دينية، وهو في الوقت نفسه عمل أخلاقي أصيل؛ فهو ليس عملاً للمغنم أو السيطرة بالباطل أو العلو في الأرض بغير الحق، وليس رغبة في احتلال أراضي الناس وسرقة خيرات بلادهم، وإنما هو جهاد في سبيل نصرة المستضعفين وحمايتهم وإنقاذهم من ظلم الظالمين وبطش المعتدين، فإن كان هؤلاء المستضعفون من المسلمين فقد جاءهم بهذه النصرة العز والتمكين والتأييد، وإن كان المستضعفون من الكافرين؛ فقد أزيل عنهم بطش الظالمين وسلطان المتجبرين الذين يصدونهم عن معرفة الحق والاهتداء به، ثم لا يجبرهم المسلمون بعد ذلك على الإسلام فإنه: ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وإنما يبينون لهم الحق ويدعونهم إلى اتباعه؛ فمن شاء منهم الإيمان آمن، ومن رفض تُرك ودينَه وأَمِن على ماله ونفسه وعرضه.
وهذه شهادات التاريخ ومدوَّناته قائمة موجودة ليس فيها حالة إكراه على دخول الدين، ثم الواقع أيضاً شاهد على ذلك؛ فلو كان الناس يُكْرَهون على الدخول في دين الإسلام بعد فتح البلدان لتحولت شعوب البلدان المفتوحة إلى الإسلام، ولم نجد في بلاد المسلمين يهودياً أو نصرانياً، ولا شك أن وجود أهل الكتاب من اليهود والنصارى في بلاد المسلمين منذ بدأ الإسلام إلى يومنا هذا لهو الدليل الواقعي الذي لا يمكن جحده على أنه لم يكن هناك إكراه في الدين. لقد كان الجهاد لمنع إكراه الكفار على البقاء على الكفر من قِبَل أنظمتهم الظالمة، وليس على إكراههم على الدخول في دين الإسلام.
وإذا كان هذا هو العمل الأخلاقي في قيام المسلم بفرض الجهاد؛ فإنه لمن العجب ما يقوله أناس من بني جلدتنا يتكلمون بألسنتنا يقولون: إن الجهاد في الإسلام هو جهاد الدفع فقط، أي جهادٌ من أجل الدفاع فقط عن أنفسنا وأوطاننا؛ فأي أنانية هذه التي يريد هؤلاء أن يلصقوها بديننا وأخلاقنا! وهل من النبل والشهامة والرجولة والخُلُق الحسن أن يرى المسلمون الأرض وهي تعج بالكفر والظلم والقهر والاستعباد لخلق الله، ثم لا يحرك المسلمون ساكناً لا لشيء إلا لأنه لم يصبهم من ذلك شيء، وأن هذا الطغيان لم ينلهم؟ فأي خسة ودناءة ولؤم طبع هذه التي يلصقها بنا هؤلاء!
إن الأمة الإسلامية أمة ذات رسالة تحمل الأمانة، وعلى عاتقها تقع مسؤولية نشر التوحيد والعدل في الأرض، ومنع الظلم والطغيان. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، فقد استمدت الأمة خيريتها من كونها آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس قاصراً أو محدوداً بالمجتمع الإسلامي، ولكنه عامٌّ يشمل كل أرض يمكن أن يصل إليها المسلمون؛ فهو يشمل الأمر بالتوحيد في مجال الإيمان، والعدل في مجال الحياة، في مقابل النهي عن الشرك والظلم. قال أبو هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام» (١) ؛ فهم خير الناس للناس وليس لأنفسهم فقط.
وإنه لمن الشيء الغريب من بعض هؤلاء أنك تجدهم يقبلون مثل هذا التصرف من دولة مثل أمريكا بزعمهم الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل على نشر الديمقراطية، فيقبلون منها تدخلها في شؤون الدول بهذه الحجة، ويرفضون قيام المسلمين بواجبهم الديني والأخلاقي تجاه المظلومين والمقهورين في العالم بزعم أن هذا تدخل في حرية واختيار الآخرين! وأمريكا اليوم تنقل عشرات الآلاف من جنودها وآلياتها تقطع بهم آلاف الكيلو مترات، وينتقلون بين القارات ويقطعون الفيافي والقفار، وتجوب سفنهم البحار والمحيطات يحملون معهم كل أسلحة الدمار، يغزون البلاد ويحتلون الأرضين، ويزهقون الأنفس المعصومة من الرجال والنساء والولدان، ويزيلون الأنظمة، وينشرون الفساد؛ كل ذلك بزعم الدفاع عن حقوق الإنسان، وقد أثبتت الوقائع والأحداث أنه لا يحركها لذلك غير المطامع، والاستيلاء على ثروات البلاد، واستغلال خيراتها وفرض إرادتها وثقافتها على الشعوب، والعلو في الأرض بغير الحق. كيف لا تستحي أمريكا ولا من يؤيدونها من القتال تحت مبادئ هم اخترعوها بغير حجة صحيحة، ولا برهان مستقيم، بينما يستحي أناس من بني جلدتنا من الجهاد التزاماً بحكم شرعي شرعه رب العباد للعباد؟
إن خروج المسلمين من ديارهم تاركين أهليهم وأموالهم ومصالحهم قاصدين ديار الكفار لهدايتهم ودعوتهم إلى دين الله، وإزالة الأنظمة التي تحول بينهم وبين الاستجابة لدعوة الحق، وإدخالهم إلى السعادة الأبدية التي لا تنتهي بنهاية الحياة الدنيا، مع ما يتعرض له المسلمون من جراء ذلك من البلاء والشدة بل والقتل، لهو عمل يكشف بكل وضوح عن الخُلُق الإسلامي النبيل، وعن الوجه الحضاري المتميز لفريضة الجهاد في سبيل الله تعالى، كما يكشف عما رباه الإسلام في نفوس أتباعه في أنهم لا يعيشون لأنفسهم وكفى.
٤ ـ وفي الجهاد منافع وفضائل أخرى: قال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: «والأمر بالجهاد وذكر فضائله في الكتاب والسنة أكثر من أن يُحصَر، ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة ومن الصلاة التطوع والصوم التطوع كما دل عليه الكتاب والسنة ... وهذا باب واسع لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه، وهو ظاهر عند الاعتبار؛ فإنَّ نَفْعَ الجهاد عامٌّ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة؛ فإنه مشتمل من محبة الله ـ تعالى ـ والإخلاص له والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله سائر أنواع الأعمال، على ما لا يشتمل عليه عمل آخر.
والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائماً: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة؛ فإن الخَلْق لا بد لهم من محيا وممات؛ ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة، وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما؛ فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قله منفعتها؛ فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت، فموت الشهيد أيسر من كل ميتة، وهي أفضل الميتات.
وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزَّمِن ونحوهم فلا يُقتَل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله» (٢) .
٥ ـ عون الله ومدده للمجاهدين في سبيله: وقد وعد الله ـ تعالى ـ المجاهدين في سبيله بالإعانة والمدد، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] ، وجعل في ذلك المدد البُشرى والطمأنينة للمجاهدين؛ فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠] .
والقتال يكون جهاداً مشروعاً يحبه الله ويرضى عن القائمين به إذا كان في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا. والجهاد عمل منظم لا يكون فوضى، وإنما لا بد فيه من الأمير وإذن ولي الأمر إذا كان جهاد طلب، أما إذا كان الجهادُ جهادَ دَفْعٍ لدفع العدو الذي غزا بلاد المسلمين ونزل بساحتهم فلا يُشترَط شيء من ذلك، ويُدفَع كيفما أمكن الدفع، حتى تخرج المرأة بغير إذن زوجها والولد بغير إذن والديه. قال في الهداية: «فإن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع: تخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن المولى؛ لأنه صار فرض عين» (٣) .
إن من أكبر الخيانة وإضاعة الأمانة الحيلولة بين الأمة وبين إعداد العدة للجهاد الحق الذي جعل الله ـ تعالى ـ فيه حياة الأمة وعزها، وما لم تستعد الأمة لمثل هذا الأمر؛ فكأنما سلمت عنقها لعدوها باختيارها.
стр. 5673
التباكي على الآثار
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
تكاثرت ـ هذه الأيام ـ أصوات المطالبين بتعظيم ما يسمّى «الآثار الإسلامية» ، والمنادين بالعناية والاحتفاء بها وتشييدها، وأن تكون معالم سياحية يؤمّها القاصي والداني مع أن الكثير منها لم يصح تاريخياً.
تباكى أولئك على «الآثار النبوية» ، وأظهروا العويل والنحيب على اندراس هذه المقدسات والآثار، بل إن صحفاً أجنبية شاركت القوم في هذا «التأبين» فوصفتْ إزالة هذه الآثار والمشاهد بأنها مأساة تاريخية إنسانية لا مثيل لها (١) !
بل أفضى الأمر بهؤلاء المولعين بالآثار إلى تأليب الحكومات على من خالفهم، واتّهموهم بأنهم «وهابية جفاة» ! أو «طالبان» والذين هدموا الأوثان في بلاد الأفغان (٢) !
ولنا مع هذه الظاهرة المتزايدة التعليقات الآتية:
ـ إن هذا النشاط المحموم في سبيل إحياء ونبش الآثار الإسلامية ربما كان سبيلاً إلى إحياء الوثنية الجاهلية من جديد؛ فشياطين الإنس والجن يزيّنون الشرك، ويخرجونه في قوالب برّاقة، فأول شرك وقع في الأرض كان باعثه الغلو في الصالحين والإفراط في محبتهم، فإنّ وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً رجال صالحون من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً (٣) ، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبِدت (٤) .
وفي بعض الروايات أن التشوق إلى عبادة الله هو الباعثُ على اتخاذ هذه الأوثان (٥) .
وتعظيم الآثار وتقديسها في هذه الأيام يحاكي تعظيم الصالحين والغلو فيهم عند قوم نوح ﵇، فالانحراف والضلال قد يُسمّى بغير اسمه، كما أنه يأتي متدرجاً خطوة تلو خطوة كما حصل في قوم نوح وأشباههم.
ـ يدعو بعضهم إلى المحافظة على الآثار وحمايتها عن جهل بالموقف الشرعي من تلك الآثار، فلا يعلم هؤلاء أن للشرع نصوصاً وأحكاماً تجاه هذه الآثار، ولسان حالهم: أن الأمم الأخرى تحافظ على آثارها؛ كالحمامات الرومانية، والملاعب الإغريقية، والتماثيل الأثرية، والأصنام المنحوتة ... فعلينا أن نحافظ على آثارنا كشأن الأمم المجاورة.
فالكثير من المهتمين بسياحة الآثار، ومن أساتذة أقسام الآثار في الجامعات يجهلون الأحكام العقدية والفقهية المتعلقة بتلك الآثار، بل إن بعضهم لا يظن أن للدين موقفاً أو صلة بتلك الآثار.
ـ أن الآثار الإسلامية منها ما اعتبره الشارع وبيّن فضله ورفع قدره؛ كالمساجد الثلاثة (المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى) ، وكذا الأعياد المكانية المشروعة؛ كمنى، وعرفة، ومزدلفة. وأما سائر الآثار الأخرى فلم يكن السلف الصالح يحتفون بها، ولم يشتغلوا بتجديدها فضلاً عن تشييدها أو صيانتها، فلم يُنقل عنهم مع توفر دواعي النقل شيئاً من الاحتفاء أو الإكرام.
ولما رأى عمر الفاروق ﵁ أقواماً يبتدرون مسجداً، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ . فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمضِ (١) .
وكان إمام دار الهجرة (مالك بن أنس) وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء وأحد، كما أخرجه (ابن وضاح) .
يقول (ابن تيميّة) : «إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يبنوا قط على قبر نبي ولا رجل صالح، ولا جعلوه مشهداً أو مزاراً، ولا على شيء من آثار الأنبياء مثل؛ مكان نزل فيه أو صلَّى فيه، أو فعل شيئاً من ذلك» (٢) .
ويقول ـ أيضاً ـ: «كل ما عظم بالباطل من مكان أو زمان أو حجر أو شجر أو بُنية، يجب قصد إهانته كما تهان الأوثان المعبودة» (٣) .
ـ لا يزال تجديد هذه الآثار «المفتعلة» والمشاهد المحدثة محلّ شك كبير ونزاع كثير بين المؤرخين، مما يؤكد أن ليس من دين الإسلام التعرّفُ على تلك المواطن، وإذا كانت آثار النبي ﷺ كالشَّعَرَات ونحوها؛ والتي يُشرع التبرك فيها تحتاج إلى برهان واضح في إثبات بقائها، لا سيما مع مرور مئات السنين على تلك الآثار، وكثرة الدعاوى في شأنها، فكيف الشأن بتحديد أماكن محدثة أعرض السلف الصالح عن الاحتفاء أو الاشتغال بها؟!
يقول العلامة (أحمد تيمور) ـ عن الآثار النبوية ـ: «لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة؛ غير أنّا لم نرَ أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله أعلم بها. وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها في الشكوك» (٤) .
وكتب علامة الجزيرة العربية الأستاذ المؤرخ (حمد الجاسر) بحثاً بعنوان «الآثار الإسلامية في مكة المشرَّفة» (٥) ، وبيَّن اختلاف المؤرِّخين وتعدد أقوالهم في تحديد موطن مولد النبي ﷺ ، وساق الأستاذ الجاسر مقالة الرحالة (العياشي، ت ١٠٣٧هـ) ـ في هذا العدد ـ: «والولادة وقعت في زمن الجاهلية، وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة، سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك بعد مجيء الإسلام؛ فقد عُلِم من حال الصحابة وتابعيهم ضعفُ اعتنائهم بالتقيد بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي؛ لصرفهم اعتنائهم ﵃ لما هو أهم من حفظ الشريعة، والذب عنها بالسّنان واللسان، وكان ذلك هو السبب في خفاء كثير من الآثار الواقعة في الإسلام، فما بالك بما وقع في الجاهلية؟!» .
وحكى (الجاسر) أن قبر أم المؤمنين خديجة ﵂ كان مجهولاً لدى مؤرخي مكة حتى القرن الثامن الهجري، ثم أصبح معروفاً محدد المكان في القرون المتأخرة حتى ذلك اليوم، بعد أن رأى أحد العارفين في النوم! كأن نوراً ينبعث من مقبرة (المعلاَّة) ، ولما علم أمير مكة آنذاك بخبر تلك الرؤيا أمر ببناء قُبَّة فوق المكان الذي رأى ذلك العارف أن النور ينبعث منه، جازماً ذلك الأمير أن ذلك المكان هو قبر خديجة! وهكذا تُصيّر الخرافات إلى حقائق بيّنات. والله المستعان.
ـ الولع بالآثار المكانية و «الهيام» بالموالد والمشاهد، أضحى ذلك كله سبيلاً إلى التفلت من الشرائع، والتنصل من سنن المصطفى ﷺ ، واتباع الهوى، وصَدَقَ الله ـ تعالى ـ القائل: ﴿فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] ، فترى القوم عاكفين على موالد محدثة، متعبدين عند آثار مبتدعة، قد عمروا المشاهد وهجروا المساجد ... فإن في النفوس ميلاً إلى الانحلال من الاتباع.
وكما قال (أبو الوفاء ابن عقيل) : «لمّا صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم كفار عندي بهذه الأوضاع؛ مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى الشرع عنه، وخطاب الموتى بالألواح، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي! افعل بي كذا وكذا، وأَخْذِ التراب تبركاً ... » (٦) .
وقال شيخ الإسلام (ابن تيميّة) : «إن النفوس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري ﵀: «ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه» ، ثم هذه مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول ﷺ ، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً» (٧) .
وأخيراً فإن إظهار السنن وتبليغ رسالات الله كفيل بدحض شبهات دعاة الآثار على الاطلاق.
كما أن إظهار الأبحاث التاريخية الجادة التي تكشف عوار هذه الدعاوى العريضة من أرباب الآثار، والسعي إلى تحرير العقول من رقِّ التقليد والعواطف الساذجة، والاحتساب على هذه الدعاوى وفق القدرة والمصالح الشرعية. كفيل بإذن الله بايضاح الحقيقة التي هي رائد الجميع.
والله حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5674
تأملات قرآنية (من نبأ موسى وفرعون) (٢ ـ ٢)
د. أحمد عبد الله العماري
تحدث الكاتب وفقه الله تعالى في الحلقة الماضية عن ميلاد موسى ﵇ وما صاحب ذلك من الأمور العظام حتى اضطر إلى الهجرة خوفاً من دعوته وملته، ويواصل في هذه الحلقة الحديث عن عودة موسى ودعوته لفرعون، والمصير الذي لاقاه فرعون لرفضه هداية الله.
١٣ ـ (الرحلة البرية الثانية لموسى ﵇ رحلة العودة إلى الوطن) :
إن من سنن الله ـ تعالى ـ في خلقه حنين الإنسان إلى وطنه مهما كان في ذلك الوطن من العنت والشقاء. وإن نبي الله موسى ﵇ لمّا غادر وطنه بغير رضىً منه أو اختيار، وغاب عنه سنين عديدة، بسبب جور الظالمين عليه، أعد عدَّته وعاد إلى وطنه، بعد ما قضى ذلك الأجل الذي تمّ بينه وبين ذلك الشيخ الكبير، والذي يُقدَّر بعشر سنوات، ويسدل الستار على تلك السنوات العشر، لا ندري ماذا تلقَّى فيها موسى، وماذا عمل فيها؟ إلاّ رعيه للغنم فقط، ثم عقد العزم على الرجوع إلى أهله وبلاده، مستصحباً معه في طريقه أهله ومتاعه، ويلقى في تلك الرحلة من المشاهد والمواقف الشيء العظيم، والنص القرآني يبين ذلك ويوضحه بدون تفصيل.
قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بَأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يَعْقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٢٩ - ٣٢] .
إن هذا النص القرآني الكريم يحمل في طياته أخبار تلك الرحلة بإيجاز، ويعرض لنا مشاهدها باختصار، مع التمام في المعنى، وهذا من بلاغة القرآن وفصاحته وعظمته.
لقد عاد موسى ﵇ إلى بلاده برفقة أهله وبعض متاعه، يحثُّ الخطو إلى بلاده ـ عادة كل غائب يعود إلى أهله وأرضه ـ لكن يفاجأ ﵇ بنداءات ومشاهدات وبراهين لم يعهدها من قبل في طريقه، ممّا أثار في نفسه الخوف والوجل والقلق والحذر، ومن تلك المواقف:
١ ـ مشاهدته لنار بعيدة عنه وهو في ليلة مظلمة مطيرة؛ قاصداً الاستضاءة بها، والتصلية، والتدفئة.
٢ ـ سماعه النداء من الشجرة في البقعة المباركة الصادر من الله رب العالمين.
٣ ـ رؤيته لعصاه بعد إلقائها وهي متغيرة عليه في صورتها وخلقتها وحركتها، وخوفه منها.
٤ ـ منظر يده بعد أن أخرجها من جيبه وهي بيضاء نقية من غير سوء.
٥ ـ وجود الاطمئنان والسكون بعد أن يضع يده على قلبه، رحمة من الله ـ تعالى ـ به.
هذه المواقف العظيمة التي شاهدها موسى ﵇ وهو في طريقه إلى أهله وبلاده، ما كانت تخطر بباله، ولا كان يتوقع رؤيتها وسماعها، وبناءً على ذلك أصيب بالخوف وعدم الاطمئنان، لكن عناية الله ـ تعالى ـ لعبده وتكريمه له، ترافقه من المهد إلى اللحد.
إن أعظم مشهد وموقف قابله موسى ﵇ في هذه الرحلة البرية هو تكليف الله ـ تعالى ـ له بالرسالة إلى عدوه اللدود «فرعون» الذي هرب منه في أول الأمر، وهجر أهله وأرضه من أجله، وهذا تحقيق لوعد الله ـ تعالى ـ الذي لا يخلف الميعاد حيث طمأن أمّه بأنه ـ سبحانه ـ سيرُدُّه إليها، وفوق ذلك سيجعله من المرسلين. كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] .
ومن المواقف العظيمة التي لاقاها موسى في طريقه، كون ربه الذي خلقه يناديه، ويتكلم معه بدون واسطة، هذا هو الفضل العظيم، وهذا هو العطاء الجزيل، الذي لا منّة فيه ولا نفاذ.
أيّ تكريم، وأيّ تشريف هذا ترجع به يا موسى إلى أمك وأهلك وأعدائك بعد رحلتك المضنية، وغربتك المتعبة؟! فارقت أمك وأهلك ووطنك، وأنت في حالة يرثى لها من الخوف والمطاردة، والغربة والوحشة، تمكث في غربتك عشر سنين، والشمس تشرق عليك وتغرب، وأنت خلف غنيمات تغدو بها وتروح، والله هو الوحيد الذي يعلم ما يكُنُّه صدرك، وما يلوح في ذهنك، وما تأمرك به نفسك.
إن ما حصل لك في طريقك وأنت في رحلتك الأولى، وفي رعيك للغنم هو نوع من الابتلاء، كما أن ما حصل لك في طريقك وأنت عائد إلى أهلك ووطنك من المواقف والمشاهد العظيمة هو نوع من الابتلاء أيضاً، وإن كان هناك فرق بين الابتلائين، وتلك الابتلاءات هي سبيل التمكين.
إنّ هذا هو اختيار الله ـ تعالى ـ لك، ونِعمَ المختار، ونِعمَ الاختيار. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ .
[طه: ١٣]
وهي محبة الله ـ تعالى ـ ترعاك وتكلؤك. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] .
وهو اصطفاء الله ـ تعالى ـ لك من دون الناس بالرسالة والكلام. قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] .
ما أعظم هذه القدرة التي تحيط بك ياموسى! وما أعظم هذا التكريم الذي فزت به من بين خلق الله، اختيار واصطفاء، ومحبة وكلام، ونصر وتأييد، وعلو وتمكين، كل ذلك يأتي بعد ذلك العناء الذي لا قيته في أول حياتك، ما عقلت منها وما لم تعقل، والأعمال بالخواتيم.
ولقد حُرِم أهل الابتداع من الإيمان بهذه الصفات الإلهية ـ المحبة والكلام والرؤية والسماع ـ التي امتنَّ الله بها على عبده موسى ﵇ وغيرها من الصفات الأخرى، التي ُتشِعر برحمة الله ـ تعالى ـ من خلالها، وبعزته وحكمته، وعلمه وسمعه وبصره، وقدرته ومشيئته، وإحاطته بكل شيء، وهيمنته وجبروته، وعلّوه واستوائه على عرشه، وأنه بائن من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؛ وذلك لفساد المدرسة التي نشأوا عليها، مدرسة الزيغ والإلحاد، والتحريف والتأويل، والتعطيل والتشبيه، والتجسيم والحلول.
وصدق الله ـ تعالى ـ القائل: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
[الأعراف: ١٨٠]
١٤ ـ مطالب موسى ﵇ من ربه:
ولما علم موسى ﵇ بتكليف الله ـ تعالى ـ له بالرسالة، لم يتردد في حملها، لكنه تذكر شيئاً من ماضيه مع فرعون وقومه، إنه عاش أول حياته في قصر فرعون، ورأى من طغيانه وجبروته الشيء الكثير، ومع ذلك حفظه الله من بأسه وبطشه، وهو في حالة ضعف وغربة، وطلب موسى من الله ـ تعالى ـ مطالب تُحققُ له، لكي يستطيع أن يقوم بأداء ما كُلِّف به خير قيام، بعضها معنوي، وبعضها حسي، ومن تلك المطالب ما ذكره الله ـ تعالى ـ في قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَرُونَ أَخِي﴾ .
[طه: ٢٥ - ٣٠]
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] .
وقد استجاب الله ـ تعالى ـ لعبده موسى ما طلب، قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] .
إنّ هذه الإجابات من الله ـ تعالى ـ لعبده موسى تحمل في طياتها الرحمة والنصرة والغلبة على العدو؛ نصرة من الله ـ تعالى ـ لموسى وهارون على عدوهما فلا يصل إليهما، ونصرة من هارون لأخيه موسى ﵉ تتمثل في شد أزره وعضده، وفي الفصاحة والبيان، وفي الأنس من وحشة الطريق، وكل هذا رحمة من الله ـ تعالى ـ كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] .
يقول سيد قطب ﵀ تعالى ـ: (لقد طلب إلى ربه أن يشرح له صدره ... وانشراح الصدر يُحوِّل مشقة التكليف إلى متعة، ويحيل عناءه لذة، ويجعله دافعاً للحياة لا عبثاً يثقل خطى الحياة.
وطلب إلى ربه أن ييسر له أمره ... وتيسير الله للعباد هو ضمان النجاح. وإلا فماذا يملك الإنسان بدون هذا التيسير؟ ماذا يملك وقواه محدودة، وعلمه قاصر، والطريق طويل وشائك ومجهول؟!
وطلب إلى ربه أن يحل عقدة لسانه فيفقهوا قوله ... وقد روي أنه كانت بلسانه حبسة، والأرجح أن هذا هو الذي عناه. ويؤيده ما ورد في سورة أخرى من قوله: ﴿وَأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤] .
وقد دعا ربه في أول الأمر دعاءً شاملاً بشرح الصدر وتيسير الأمر، ثم أخذ يحدد ويفصل بعض ما يعينه على أمره وييسر له تمامه.
وطلب أن يعينه الله بمعين من أهله؛ هارون أخيه. فهو يعلم عنه فصاحة اللسان، وثبات الجنان، وهدوء الأعصاب ...
لقد أطال موسى سؤله، وبسط حاجته، وكشف عن ضعفه، وطلب العون والتيسير والاتصال الكثير، وربه يسمع له، وهو ضعيف في حضرته، ناداه وناجاه. فها هو ذا الكريم المنان لا يُخِجلُ ضيفه، ولا يرد سائله، ولا يبطىء عليه بالإجابة الكاملة: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] .
هكذا مرة واحدة، في كلمة واحدة. فيها إجمال يغني عن التفصيل، وفيها إنجاز لا وعد ولا تأجيل ... كل ما سألته أعطيته، أعطيته فعلاً؛ لا تُعطاه ولا ستعطاه؟ وفيها مع الإنجاز عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه «يا موسى» ، وأيّ تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال اسم عبد من العباد؟) (١) ا. هـ.
ثم كلَّفه الله ـ تعالى ـ وأخاه هارون بالذهاب إلى «فرعون» الطاغية، وأمرهما أن يُلينا له في القول، لعل رحمة الله ـ تعالى ـ تدركه، ويعود عمَّا هو فيه من الظلم والطغيان، ما أحلم الله بعباده؟! بيَّن لهم عظمته سبحانه في مخلوقاته، الدالة على وحدانيته وتفرده بالأمر والنهي، والخلق والتدبير، وبعث فيهم رسلاً منهم، مبشرين ومنذرين، فخيره إليهم نازل، ولا يصعد منهم عمل صالح.
١٥ ـ الموقف الثاني لفرعون وملئه من موسى ﵇:
قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص: ٣٦] .
إن هذا الموقف يختلف عن الموقف الأول تماماً، من الضعف إلى القوة، ومن التخفي إلى الظهور، ومن المطاردة إلى المواجهة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الوحشة في الطريق إلى الأنس، ومن ضيق الصدر إلى الانشراح، ومن التلعثم إلى الفصاحة، ومن التردد إلى الانطلاقة، يحمل موسى وهارون إلى «فرعون» المعجزات الباهرات، والدلالات القاهرات، التي لو أٌلقيت على الجبال الرواسي لخشعت وخضعت وانقادت؛ بل لصارت دكاء. لكن القلوب القاسية والمغلقة تنكر الحقائق وتشكك فيها؛ بل تقف ضدها بغياً وعدواناً، وعناداً وجحوداً، بل أنكر «فرعون» الصانع كما حكى الله ذلك عنه؛ فقال: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٩] .
إنها صيغة استفهام إنكاري صادرة من «فرعون» . إن موسى وهارون أول ما بادرا «فرعون» في دعوتهما دعياه إلى الاعتراف بالصانع الخالق المالك المدبر لهذا الكون كله، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] .
ومن اعترف بذلك فقد اعترف بألوهية ذلك الصانع إلزاماً، وأنه صاحب الأمر والنهي، والأسماء والصفات الحسنى، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع العليم.
لقد تلطف موسى وهارون في دعوتهما «فرعون» وذلك بتوجيه من الله ـ تعالى ـ لهما؛ لأن الهدف من دعوته هدايته، وإخراجه من الظلمات إلى النور.
قال ـ تعالى ـ: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٢ - ٤٤] .
إن في هذا التوجيه سنة ربَّانيَّة لمن يقوم بحمل المنهج الرباني ويدعو إليه، وهي أن يتلطف بمن يدعوه، ويُبيّن له بالدلائل البينات، والبراهين الساطعات ما يدعو إليه، لعله يتذكر أويخشى، فيخرج من الظلمات إلى النور، ومن الرق إلى الحرية؛ حرية العبودية لله ـ تعالى ـ. وإن الرفق واللين في بيان الحق والوصول إليه أنفع وأوقع في النفس البشرية.
يقول ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسيره لهذه الآية: «هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألاَّ يخاطب فرعون إلاّ بالملاطفة واللين، وأن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ » [النحل: ١٢٥] .
إنّ مواجهة أهل الباطل المتمكنين في الأرض كـ «فرعون» وغيره، لهو أمر صعب على النفس، خاصة وأن الله ـ تعالى ـ بين لهما أنه طغى، لأن الذي لا يستحي ممن خلقه ورزقه، وبيده محياه ومماته، فإنه من باب أولى لا يستحي من مخلوق مثله، فقد يبطش به، أو يسفّهه، أو يسجنه، أو يسلط عليه السفهاء، وإن هذه المواقف ما غابت عن «موسى وهارون» ﵉ فقد حكى الله عنهما ذلك فقال ـ تعالى ـ: ﴿قَالا رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] .
لكن من كان الله ـ تعالى ـ معه فلا يخاف ظلماً ولا بخساً، ولقد وجه الله ـ تعالى ـ عبديه الصالحين بعدة توجيهات في مواجهة «فرعون» الطاغية، وأخبرهما أنه ـ سبحانه ـ معهما يسمع ويرى، ومن تلك التوجيهات الربانية:
١ ـ السرعة في تنفيذ حجج الله ـ تعالى ـ وبراهينه ومعجزاته. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] . وفسَّر ابن عباس ﵄ ذلك بقوله: لا تُبطئا. وبقوله: لا تضعفا. وأياً كان الشأن فالتوجيه لهما بالصمود أمام فرعون، والمبادرة في بيان دلائل الحق والإعجاز، وعدم الفتور في عرضها وبيانها. والواجب على كل من عرف شيئاً من معالم هذا الدين أن يبادر إلى تنفيذها وإرشاد الناس إليها، وألاَّ يصاب بالكسل، أو الخور والجبن في تبليغها مهما قُوبل في الطريق من الصعاب والعقبات، فهذه سُنَّة الأنبياء، بتوجيه لهم من الله ـ تعالى ـ.
٢ ـ اللين في القول. لقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] .
إن الرفق في جميع الأمور ما كان في شيء إلا زانه، كما أن الغلظة والشدة ما كانتا في شيء إلا شانتاه، وكما أن هذا التوجيه من الله لموسى وهارون ﵉ جاء أيضاً لنبينا محمد ﷺ فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ .
[آل عمران: ١٥٩]
٣ ـ وهذه سُنَّة شرعية لمن يحملون المنهج الرباني ويبلغونه عباد الله؛ لأن الهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتعريفهم بخالقهم، والخضوع والتذلل له.
٤ ـ عدم الخوف في القيام بالرسالة الربانية. إن من طبيعة النفس البشرية أن يعتريها شيء من الخوف، وهو على درجات متفاوتة، والذين يحملون المنهج الرباني يدركون تبعاته وما يترتب على تبليغه ونشره، وموسى وهارون ﵉ وقع لهما شيء من الخوف من طاغية عصرهما «فرعون» أن يبطش بهما، ويعتدي عليهما لأول وهلة يلتقيان معه، لجهله من جانب، ولظلمه وطغيانه وجبروته من جانب آخر، والله ذكر ذلك في كتابه فقال ـ تعالى ـ: ﴿قَالا رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٥ - ٤٦] .
إن الله ـ تعالى ـ اختار من خلقه من يحمل رسالته، ويقوم بنشرها وتبليغها، وفي مقدمة هؤلاء الأنبياء والرسل ـ عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ وجاء في وصفهم في كتاب الله العزيز: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] .
يقول ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: «يمدح ﵎ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ﴾ أي: إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها، ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه ولا يخافون أحداً سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله ناصراً ومعيناً.
وسيّد الناس في هذا المقام ـ وفي كل مقام ـ محمد رسول الله ﷺ ؛ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو ـ صلوات الله عليه ـ فإنه بُعِث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
ثم ورَّثَ مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه، بلَّغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسِرِّه وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم» ا. هـ.
ما أجمل سيرة السلف الصالح من الأنبياء والرسل، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم، وكيف يخشى أو يخاف من كان الله ـ تعالى ـ معه بالنصر والتأييد، أنقذ نوحاً، وموسى، ويونس من الغرق، وإبراهيم من النار، وعيسى ومحمد من القتل، وأهلك من عاداهم، ولم يستجب لهداهم، وأخذ كلاً بذنبه، وصدق الله القائل: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] .
١٦ ـ العاقبة الوخيمة لفرعون وملئه:
لقد اقتضت حكمة الله ـ تعالى ـ أن يكون لكل مخلوق من خلقه بداية ونهاية، ولا يبقى إلاّ وجهه الكريم، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧] .
ولقد ذكر الله ـ تعالى ـ لنا في كتابه أحوال كثير من خلقه ـ أفراد ومجموعات ـ من الذين طغوا وتجبروا وتكبروا في الأرض بغير الحق، بل بغياً وعدواناً، كما جاء في وصف فرعون وجنوده، في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] .
وبيَّن لنا ـ سبحانه ـ كيف أخذهم، وأنه ـ سبحانه ـ أخذ كلاً بذنبه، فقال بعد أن ذكر الله ـ تعالى ـ نوحاً، وإبراهيم، ولوطاً، وشعيباً، وهوداً، وصالحاً، وموسى ﵈ وقومهم: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] .
وقد وعد الله ـ تعالى ـ عباده الصالحين بالنصر والفوز المبين، والغلبة والتمكين، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] .
ولقد بذل رسول الله موسى ﵇ جهداً عظيماً مع فرعون وملئه، لكنهم أعرضوا عنه وتنكروا له، بل ضاقوا ذرعاً به وبدعوته، ووقفوا ضده يحاورونه ويجادلونه، ويناقشونه ويشوهونه، ومع ذلك وقف نبي الله موسى ﵇ وقوف الجبال الرواسي على دينه، ولم يقصّر في تبليغ ما كلّف به من ربه، وترفق بفرعون وملئه في دعوته، وصبر على ما لاقى منهم في الطريق من المتاعب والمطاردة والمشاق والأذى، ووقفوا ضده مواقف مخزية، ومن تلك المواقف السيئة:
١ ـ التكذيب بآيات الله ـ تعالى ـ، والاستكبار عنها.
قال ـ تعالى ـ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران: ١١] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ .
[الأنفال: ٥٤]
قال ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [يونس: ٧٥] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وَإنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ .
[الدخان: ٣١]
٢ ـ وصمٌهم لموسى ﵇ بأنه ساحر ومسحور. وأن ما جاء به سحر.
قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ .
[الإسراء: ١٠١]
وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] .
٣ ـ اتهموا موسى وقومه بالفساد في الأرض.
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .
[يونس: ٧٩]
٤ ـ قتلهم لأبناء بني إسرائيل، واستحياء نسائهم.
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٤١] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٦] .
٥ ـ الإنكار لربوبيّة ربِّ الأرباب.
قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] .
٦ ـ العزم على قتل موسى، والتخلص منه.
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] .
٧ ـ ادعاء فرعون الربوبيّة.
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إلَى إلَهِ مُوسَى وَإنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] .
٨ ـ ادعاؤه الكمال في الرأي والدلالة.
قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] .
إلى غير ذلك من المواقف المشينة من فرعون وقومه في حق الله ـ تعالى ـ وأنبيائه ورسله.
وقد أخذ الله ـ تعالى ـ فرعون وقومه أخذ عزيز مقتدر، وبيّن الله لنا في كتابه أنه طغى، فأخذه الله ـ تعالى ـ بالغرق ليكون عبرة لمن خلفه.
فقال ـ تعالى ـ: ﴿اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٤٣] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران: ١١] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٣] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] .
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ .
[الأنفال: ٥٤]
ومن العاقبة السيئة لفرعون وجنوده، أنهم يُعرضون على النار غدواً وعشياً، ويوم القيامة يذوقون أشدَّ العذاب.
قال ـ تعالى ـ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
ولم يقع ما حلَّ بهم إلاّ بعد ما أُنذِروا، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٤١] .
١٧ ـ الدروس والعبر المستفادة.
| إنَّ عَرضَ سير الأنبياء والمرسلين الذين اختارهم الله ـ تعالى ـ، واصطفاهم من خلقه على الأسماع لهو أمر مهم ومطلوب، فهم القدوات الطيبة الذين حملوا المنهج الرباني وطبقوه في أنفسهم، ثم دعوا البشر إلى اعتناقه وتطبيقه، ولاقوا في سبيل ذلك من المتاعب والمشاق ما الله به عليم، ومع ذلك حفظهم الله ـ تعالى ـ، ومكَّنهم في الأرض، وصرف عنهم كيد عدوهم، وفي معرفة سيرهم خير زاد في الطريق إلى الله ـ تعالى ـ.
| إنّ الصراع بين الحق والباطل سُنَّة من سنن الله ـ تعالى ـ، ما دامت السماوات والأرض، لا يزول هذا الصراع إلاّ بزوال هذا الكون. وما وقع بين موسى ﵇ وفرعون وملئه من هذا الباب.
| إن الله ـ تعالى ـ أخبر أن التمكين في الأرض سيكون لموسى وملئه، وأن الدائرة السيئة ستكون على فرعون وملئه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦] .
| إنّ طريقة القرآن في عرض المشاهد أو الأحداث يجمل ولايفصل، ولكن هذا الإجمال يرى فيه الناظر كأنما شاهد القصة أو الحدث كاملة أومتكاملة، وهذا من بلاغة القرأن الكريم وإعجازه، وهذا يؤخذ من قصة أخت موسى من الحدث حيث تجلَّى ذلك في عدة محاور:
الأول: الأم وابنتها وما دار بينهما في شأن موسى ﵇.
الثاني: الدور الذي قامت به أخت موسى.
الثالث: الحوار الذي دار بين أخت موسى وآل فرعون.
الرابع: رجوعها إلى أمها بالبشارة العظيمة برجوع موسى ﵇ إليهما.
| إنّ الله ـ سبحانه ـ خلق الجن والإنس لعبادته وحده دون من سواه، وهداهم النجدين، وأوضح لهم الطريقين بواسطة رسله الكرام، وقد بلغوا الناس ما أنزل إليهم، وأول تكليف طلبوه منهم عبادة الله وحده وعدم الإشراك به.
| جَعَلَ ـ سبحانه ـ من سنته ابتلاء الناس بعضهم ببعض. كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] .
كما جعل من سنته التدافع فيما بينهم. كما قال ـ تعالى ـ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] .
| إنَّ من عدل الله وفضله ومنَّته أنه حرّم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرماً. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] .
وفي الحديث القدسي الصحيح: «ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا» رواه مسلم. وقد ظلم فرعون وقومه نبي الله موسى وقومه، والمظلوم هو المنتصر في النهاية. سواء في الحياة الدنيا أو الآخرة.
| إنّ بعض خلق الله كُتِبت عليه الشقاوة في الدنيا والآخرة، فيشقى به من كان تحت ولايته، أو حوله، ومن أولئك «فرعون المثبور» ذلك الرجل الطاغية، الذي ادّعى الربوبية، كما حكى الله عنه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] .
ووصفه الله بالطغيان وكثرة الفساد في الأرض، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٠ - ١٤] .
وقال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] .
| إنّ من أعظم فساد فرعون ادعاؤه الربوبية والألوهية، ثم ذبحه لأبناء بني إسرائيل خوفاً على ملكه ونفسه منهم. ولو استسلم لله ـ تعالى ـ واستجاب؛ لسَعِدَ في الدارين، ولكن لله ـ تعالى ـ الحكمة البالغة.
| إن المخاوف البحرية أيّاً كانت؛ سواء كانت أمواجاً أو غرقاً، أو حيوانات من حيوانات البحر، أوظلمات، أو غير ذلك ممَّا يتصوره الإنسان على مثل ذلك الرضيع الصغير الضعيف أو غيره، ترجع أمناً وطمأنينة وهدوءاً وسكينة بتدبير الله ـ تعالى ـ لها، فهو الخالق المصرّف الذي بيده ملكوت كل شئ، إذا أراد شيئاً قال له: كن. فيكون.
| إن بيوت الجبابرة قد يوجد فيها الاختراق، إمّا من داخلها أومن خارجها، وإذا قوي التوكل على الله لدى الإنسان قويت عزيمته، وإذا أخذ بالأسباب الشرعية في الوصول إلى الأهداف فإن الله ـ تعالى ـ يُسَهل له الطريق ويلين له القلوب ويجعل الله له مع العسر يسراً، انظر إلى ما هيأه الله لهذا الرضيع وهو في المهد! لا يعرف توكلاً، وليس له عزيمة ولا قدرة، ولا يعرف وسيلة ولا هدفاً ولا غايةً، وهو في قبضة من يريد ذبحه والتخلص منه، وليس لديه أيّ تردد في ذلك وهو داخل داره وبين جنوده وغلمانه، ومع ذلك هيّأ الله له من يعطف عليه ويدافع عنه، ويجادل فرعون في أمره وهو لا يشعر بذلك، فأصبح عدواً وحزناً لفرعون في داخل داره، ومع ذلك صرف الله عنه بطش فرعون وظلمه وطغيانه، ومع إصرار زوجة فرعون ودفاعها عن الاعتداء على ذلك الطفل استجاب فرعون لها، مع تخوفه منه وكرهه لذلك، واستنفرت خدمها للعناية بموسى ﵇ فكلّفتهم البحث عن المرضعات؛ لكي يقمن بإرضاعه وإطعامه، فحضرن وحاولن أن يرضعنه، لكنه امتنع عن ذلك، فلم يلقم ثدياً على الإطلاق؛ لأن الله ـ تعالى ـ حرّم ذلك عليه لحكمة يريدها سبحانه.
| إن من يرتكب خطيئةً ـ مهما كانت ـ فإنه يصبح ضعيف الموقف، خائف النفس، وهذا يؤخذ من موقف موسى ﵇ لما اقترف تلك الخطيئة ـ وهي قتل القبطي ـ فأصبح خائفاً من أن ينكشف أمره لأولئك القوم الذين يتربصون به وهو في المهد، فكم حاولوا قتله، والتخلص منه، فكيف وقد وقع منه ما يسئ إليهم؟ فعلى العاقل أن يصون نفسه من الوقوع في الزلات، حتى يكون عزيز الجانب، مطمئن النفس وإن ظُلِم؛ كما حصل لنبي الله يوسف ﵇.
| إن الله ـ سبحانه ـ إذا أراد شيئا هيأ له أسبابه، وإن الله ـ سبحانه ـ قادر على إيجاد ذلك الشيء من دون أسباب، ولقد سبق في علم الله ـ تعالى ـ الأزلي أن عبده موسى ﵇ سيكون من المرسلين. كما سبق في علمه ـ تعالى ـ أنه سيقع في أيدي أعدائه وهو طفل رضيع ليكون لهم عدواً وحزناً. فهيأ الله ـ تعالى ـ لعبده الضعيف من يحفظه ويكفله، ويرعاه من داخل بيوت أعدائه، وهم لايشعرون ماذا تكون العاقبة.
| إن الإنسان مهما ارتكب من الذنوب والخطايا فإن أبواب الله مفتوحة بالليل والنهار، فلا يقنط الإنسان ولاييأس من عفو الله ورحمته ومغفرته، وإن أعظم ذنب عُصيَ الله به هو الشرك.
فعلى كل من وقع في خطيئة سواء كانت كبيرة أو صغيرة أن يتوب إلى الله ـ تعالى ـ، ويستغفره، ويتوب إليه، ويندم على ذلك، ويخلص في توجهه إلى الله ولا يعود إلى ذلك.
| ليعلم ورثة الأنبياء أن الطريق الصحيح هو طريق الأنبياء؛ فليصبروا، وليحتسبوا على ما يلاقون في طريقهم، وليدعوا ربهم أن يهديهم السبيل المستقيم وأن ينجيهم من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين، ومكر الماكرين، أسوة بالأنبياء في ذلك، ولا يستعجلوا الطريق، فإن النصر بيد الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] .
| إن الرجل المصلح في هذه الحياة قد يجد معاناة في داخل النفس، ومعاناة في الطريق، ومعاناة من قلة الزاد وأنيس الطريق، ومعاناة ممَّن سيلقاهم أمامه، كيف يأوي إليهم، وكيف يقص خبره عليهم، وكيف يستقبلونه؟
لكن الرجل المؤمن بالله، والواثق بنصره، والمتوكل عليه حق التوكل، يلجأ إليه ويعتصم به ويتضرع إليه، فهو الخالق الرازق، وهو المحيي والمميت، وهو النافع وبيده مقاليد الأمور، لا رادَّ لما قضى، ولا مانع لما أعطى، ولا مذل لمن أعز، ولا معز لمن أذل.
لقد لجأ موسى ﵇ بجلال الله وعظمته فدعاه؛ فحماه الله ـ سبحانه ـ وهيأ له من الأسباب وطرق الخير الشيء الكثير.
| إن من طبيعة المرأة الخجل والحياء والضعف، وعدم القدرة على مزاحمة الرجال، وهذا يؤخذ من حال تلك المرأتين اللتين تذودان غنمهما عن ذلك المجتمع، فلا تُزاحمان القوم في السقي، وتنتظران صدورهم حتى تتمكنا من السقي بدون مزاحمة ولا مشادة. فالمرأة العاقلة تقدر وتحترم نفسها ومن وراءها، فكيف إذا كانت من بيت عز ومكانة؟ فإن مزاحمة المرأة للناس في منتدياتهم وفي قضاء حوائجهم ليس من طبيعتها، بل إذا حصل منها شيء من ذلك فإنَّه سلوك مشين، وخارج عن طبيعتها التي خلقها الله عليها.
| إن الإنسان مهما أعطي من قوة في جسمه، وفي عقله، وفي جميع جوارح، فهي من الله ـ تعالى ـ، فعليه أن يلجأ إلى من حباه تلك القوة فيعترف بالتقصير والفقر، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه. وهذا يؤخذ من موقف موسى ﵇ بعد ما سقى للمرأتين. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] ، مفوضاً أمره إلى الله، ومتوكلاً عليه، ومعترفاً بضعفه وفقره أمام ربه وخالقه.
| إنّ إعانة الضعيف ومساعدته في قضاء حاجته لهو خلق عظيم، حثّ عليه الدين الحنيف، وإن نبي الله موسى ﵇ بادر إلى فعل الخيرات، وساعد المحتاج، وأعان الضعيف على قضاء حاجته.
وهكذا يجب على الذين يقتدون برسل الله الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وينتهجون نهجهم، ويسيرون على طريقهم غير عابئين بالعوائق والعقبات التي يلاقونها في طريقهم إلى الله ـ تعالى ـ.
| إن القوة والأمانة قلّمَا تتوفر في شخص، وقد وُصف بهما موسى ﵇ في قوله ـ تعالى ـ على لسان إحدى الفتاتين: ﴿قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] .
| إن المرأة لها أن تبدي رأيها، وتسعى في تحقيقه، وهذا يؤخذ من موقف ابنة ذلك الشيخ الكبير التي قصَّت على أبيها خبر موسى، فأمرها أبوها أن تدعوه، فذهبت إليه، في خطى حثيثة، وأدب جم، وستر كامل، ولسان طلق، وعزيمة قوية، لتبلغه دعوة أبيها، ولما وصلت إليه أبلغته الدعوة في أدب رفيع، ومنطق سليم، وأخبرته: أن والدها يريد أن يجازيك ويحسن إليك مقابل ما قدمت لنا من الخدمة في السقي. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] .
| إن من مواقف الرجال الكبار وحُسنِ أخلاقهم كرمُ الضيافة، وحسن الاستقبال، وحماية الضيف، واحترام الجار، ونصرة الضعيف والمظلوم، والوقوف ضد الباطل وأهله، وهذا يؤخذ من موقف ذلك الشيخ الكبير عندما عرض عليه موسى ﵇ أمره وحاله، فقال مسرياً عن موسى، ومطمئناً وناصراً له، قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] .
| إنّ النفس الأبيّة لاترضى أن تعيش على فتات العيش وموائد الآخرين، بل لابد أن تبحث عن وسيلة تكدح من خلالها، وتشعر بالعزة والاستعلاء بعيداً عن المسألة والاستجداء، وهذا ما وقع لموسى ﵇ حيث عاش مع الشيخ الكبير عيشة عمل وكدح يرعى له الغنم مقابل تزويجه إحدى ابنتيه، واتفقا على مدة العقد اللازم والكامل برضىً واختيار.
| إن الوفاء بالعقود والالتزام بها من الإسلام، ولا يجوز الإخلال بها، أو نقضها، والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... ﴾ [المائدة: ١] الآية؛ ونبي الله موسى ﵇ وفّىّ بما التزم به مع ذلك الشيخ الصالح، وأدى أكمل الأجلين.
| إن من سنن الله ـ تعالى ـ في خلقه حنين الإنسان إلى وطنه، فعلى كل مغترب أن يفكر في العودة إلى أهله وبلاده؛ لكي يقوم بما يستطيع عليه من الإصلاح، بين أهله وذويه، اقتداء بنبي الله موسى ﵇ فإنه لما قضى أكمل الأجلين وأتمهما ودَّع مضيفه هو وأهله ليعود إلى أهله وبلاده التي غادرها منذ زمن بعيد.
| إن الابتلاءات التي قد تحصل للإنسان في الطريق قد تكون هي سبيل التمكين في الواقع.
| إن التكاليف الربانية ليست بالشيء اليسير، إنها تكاليف عظيمة وكبيرة وثقيلة، تحتاج إلى رجال أقوياء في حملها، وفي تبليغها إلى الآخرين، وتحتاج إلى صبر ويقين، وتوكل على الله، وهمّة عالية، وموسى ﵇ من أولئك الرجال العظماء، فقد صنعه الله ـ تعالى ـ على عينه، وغذاه ورباه ومحّصه حتى بلغ أشده، واستوى على سوقه، فكلّفه وأرسله، بعد أن أعطاه الله ـ تعالى ـ الحكم والعلم، فقام بما كلّف به خير قيام.
| لقد سبق في علم الله ـ تعالى ـ الأزلي أن فرعون لا يؤمن، ومع ذلك أمر عبديه ونبييه ـ موسى وهارون ﵉ أن يذهبا إليه ويترفقا به في الحوار والنقاش لعله يتذكر أو يخشى، كل ذلك من أجل أن يرسما طريقاً في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ لمن يأتي بعدهما، من إلانة في القول، وترفق بالآخر، والصبر على المعاناة في الطريق من القريب والبعيد، والصديق والعدو، والأخذ بالأسباب، وعدم اليأس أو القنوط، فإن القلوب علمها عند الله ـ تعالى ـ يصرفها ويقلبها كيف يشاء.
| يجب على من يدعو الناس إلى دين الله ـ تعالى ـ أن يحرص على هدايتهم؛ وإن لم يهتدوا، وأن يبلغهم دين الله ـ تعالى ـ برفق ولين، كما مرّ في قصة موسى وهارون مع فرعون، وأن يلجأ إلى الله ـ تعالى ـ بالذكر والتسبيح والدعاء، وأن يطلب من الله ـ تعالى ـ التوفيق والسداد.
| إن التعاون بين أفراد البشر على تبليغ دين الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور لهو أمر مطلوب، سواء كان ذلك وفق نشاط منهجي، أو لا منهجي مادام أن النتيجة واحدة والغاية واحدة، وإن شدَّ الأزر في الطريق إلى الله ـ تعالى ـ وتوزع الأدوار، والتعاون على القيام بها، لهي من الأسباب التي تجعل العمل ناجحاً، وتجعل النفوس وثَّابةً إلى المعالي كلما حققت شيئاً من أهدافها وغاياتها.
وإن قصة موسى ﵇ وطلبه من ربه ـ سبحانه ـ أن يشد أزره بأخيه هارون ﵇ خير شاهد على ذلك.
| إن الله ـ تعالى ـ ليمهل للظالم ولا يهمله، ثم يأخذه بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر، وهذا ما حصل لفرعون وغيره من الأمم الظالمة، وقد أخبرنا ربنا ـ سبحانه ـ بذلك في كتابه، ولا يظلم ربك أحداً.
فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
[العنكبوت: ٤٠]
| إن الحق قد ينتصر بجهد الضعفاء قبل جهد الأقوياء، فلا يحقرن الإنسان أيّ جهد يقوم به، فإن مؤمن آل فرعون، وأخت موسى، وأمه، وآسية، كانوا ضعفاء، ومع ذلك قاموا بأدوار عظام في نصرة الحق.
| إن الله ـ تعالى ـ وعد عباده الصالحين بالنصر والفوز المبين، والغلبة والتمكين، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] .
فلا يتعجل الصالحون طريقهم، أو تمل نفوسهم، ولا يستوحشوا من قلة الناصرين أو السالكين، فإن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بدؤوا طريقهم فرادى، فما وهنوا لما أصابهم، وما ضعفوا وما استكانوا، ولنا فيهم الاقتداء والاتساء، والله ـ تعالى ـ ولي الصالحين.
стр. 5675
فن القيادة عند السلف الصالح
سلطان بن محمد الدويش
يزخر تاريخ الأمة الإسلامية بمواقف وقصص، المتأمل فيها يجدها نبراساً في طريقه للإصلاح، ولعلِّي أقدم من خلال هذه السطور نموذجاً من تلك القصص؛ فقد أورد الذهبي في السِّيَر: (عن محمد بن كعب، قال: جمع القرآنَ خمسةٌ: معاذ، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأُبَيٌّ، وأبو أيوب. ِ
فلما كان زمن عمر، كتب إليه يزيد بن أبي سفيان (الأول) : إن أهل الشام قد كثروا، وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يُعلِّمهم القرآن ويفقههم، فأعنّي برجال يُعلمونهم.
فدعا عمر الخمسة، فقال: إن إخوانكم قد استعانوني من يعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، فأعينوني يرحمكم الله بثلاثة منكم إن أحببتم، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا.
فقالوا: ما كنا لنتساهم؛ هذا شيخ كبير ـ لأبي أيوب ـ وأما هذا فسقيم ـ لأُبيّ ـ فخرج معاذ وعُبادة وأبو الدرداء.
فقال عمر: ابدؤوا بحمص؛ فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يَلْقن؛ فإذا رأيتم ذلك، فوجِّهوا إليه طائفة من الناس؛ فإذا رضيتم منهم، فليقم بها واحد، ولْيَخْرُجْ واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين.
قال: فقدموا حمص فكانوا بها، حتى إذا رضوا من الناس، أقام بها عبادة بن الصامت، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين) (١) .
«وعن مسلم بن مِشكم: قال لي أبو الدرداء: اعدُدْ من في مجلسنا. قال: فجاؤوا ألفاً وستمائة ونيِّفاً. فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة؛ فإذا صلى الصبح، انفتل وقرأ جزءاً، فيُحْدِقون به يسمعون ألفاظه» (٢) .
«وقيل: الذين في حلقة إقراء أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجل، ولكل عشرة منهم ملقِّن، وكان أبو الدرداء يطوفُ عليهم قائماً، فإذا أحكمَ الرجلُ منهم، تحول إلى أبي الدرداء ـ يعني يعرض عليه ـ» (٣) .
بعد إيراد هذه القصة لعلك أخي القارئ تتساءل: ما أبرز الفوائد المستنبطة منها؟ فأقول مستعيناً بالله: إن هذه القصة تضيء للإخوة الدعاة والقادة طريقهم نحو الإصلاح؛ ففيها أسلوب التعامل مع الأتباع، وفن توجيه الناس للهدف المراد، وأسس صناعة الصف الثاني في العمل، وغيرها الكثير، وأدعك أخي القارئ العزيز تتأمل بعض ما تم استنباطه (٤) من هذه القصة:
١ ـ علاقة القائد مع أتباعه هنا هي علاقة ود واحترام وتقدير؛ حيث نجد ذلك واضحاً في أسلوب طلب يزيد بن أبي سفيان عندما كتب: (إن أهل الشام قد كثروا، وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يُعلِّمهم القرآن ويفقههم، فأعنِّي برجال يُعلمونهم) حيث أبرز حيثيات الطلب، مع طلب العون في المساهمة لحل هذه القضية. كما نجد وضوح هذه العلاقة في عرض عمر ﵁ على الخمسة، مع علمه بأن هذه المهمة تحتاج إلى مواصفات تنطبق على بعضهم؛ وذلك ليبادر القادرون على أدائها، ولا يُلزِمهم بها؛ كما فعل رسول الله ﷺ في قوله: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال ليأخذوه ـ منهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب ـ حتى قام إليه أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشَة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني» . قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله! فأعطاه إياه. وتتضح هذه العلاقة أيضاً في قوله: (فأعينوني يرحمكم الله بثلاثة منكم إن أحببتم، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا) فالقائد هنا يطلب العون من الأتباع، مع دعائه لهم بالرحمة.
٢ ـ تهيئة الأتباع لتقبُّل أصعب المهام في الأزمات؛ فالناظر في هذه المهمة التي تتطلب فراق الأهل والأصحاب، يرى أنه بمجرد عرض الموضوع عليهم، بادر ثلاثة بالموافقة على أداء المهمة؛ وهذا يؤكد لنا أنه لا بد من تربية الأتباع لاستقبال المهام الشاقة في الرخاء، حتى إذا أتت المهمة الشاقة في الأزمات، يبادرون لأدائها، ولا يتقاعسون؛ كما في إرسال النبي ﷺ حذيفة بن اليمان يوم الأحزاب؛ فإنه شاهد على ذلك.
٣ ـ رجوع القائد للمصدر الرئيس في القضايا، فنجد عمر ﵁ يرجع في حال إلى القرآن الكريم، وفي حالٍ آخر إلى السنة، وفي أخرى يرجع للمتخصصين ـ كما فعل هنا ـ مع وجود من هو أفضل منهم كعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، إلا أنه رجع لهؤلاء الخمسة؛ لأنهم المرجع في هذه المسألة؛ وعليه فإنني أؤكد للقادة أن تكون الاستشارة بناء على الموضوع، وألا يخصصوا مستشاراً واحداً لكل المسائل، بل لكل موضوع أهله.
٤ ـ رسم القائد رؤية واضحة، بعد دراسته للواقع وتبيينها لأصحاب المهمة؛ ففي قوله: (ابدؤوا بحمص؛ فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة ... ) إلى قوله: (والآخر إلى فلسطين) ، فكان فقه عمر ﵁ للواقع واضحاً وجلياً، ولذا بدأ بحمص لوجود مشكلة في المنطقة يجب التغلب عليها قبل انتشارها؛ وهنا فسر سبب اختياره هذه المنطقة. إن رسم الخطط الاستراتيجية في العمل، وإطلاع العاملين علبها؛ يساهم في اختصار الجهود والأوقات، وزيادة الحماس للعمل.
٥ ـ توجيه القائد لأتباعه بالبدء لصناعة صف ثانٍ في العمل، وهذه النظرة الثاقبة لعمر ﵁ تؤكد لقادة العمل الخيري أهمية هذا الأمر؛ ولذا رسم لهم سياسة سير العمل، بانتقاء المميزين من الطلاب، كما في قوله: (منهم من يَلْقن (١) ؛ فإذا رأيتم ذلك، فوجِّهوا إليه طائفة من الناس) . ويأتي التطوير بعد الانتقاء، ثم التقييم، كما في قوله: (فإذا رضيتم منهم) ، وهنا نجد اللفتة العمرية المهمة، بأن يكون التقييم جماعياً وليس فردياً. بالإضافة إلى ذلك نجد وضوح أسس التقييم بين القائد والعاملين، وبعدها يتم تفويضهم لإدارة العمل مع بقاء أحد القادة للمتابعة (فليقم بها واحد) .
٦ ـ القائد يرسم السياسات ويترك التفاصيل للعاملين؛ فعندما رسم خطة صناعة الصف الثاني، كما ذكرنا سابقاً، لم يحدد من يبقى ومن يذهب كما في قوله: (فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين) . وفي هذا يقول أحدهم: (القائد ينقش الأهداف على الصخر، والوسائل على الرمل) . إن إعطاء الصلاحيات للأتباع بتحديد الوسائل والبرامج، يساهم في زيادة الولاء للمنظمة.
٧ ـ تقرير مبدأ الأولويات في العمل؛ فقد وجههم بالمسير إلى حمص ثم دمشق وفلسطين، كما في قوله: (ابدؤوا بحمص) .
٨ ـ إبقاء عدد من المتخصصين في العمل الأصلي، ولم يستهلك جميع الطاقات؛ لأن المدينة المنورة مركز القيادة والعلم؛ ولذا أبقى اثنين منهم.
٩ ـ مراعاة القائد للعامل النفسي للأتباع، وذلك عندما أرسل ثلاثة؛ فهذا سيعطي لهم تسلية وقوة في العمل وأقدر على النجاح؛ حتى يتهيأ لكل واحد أتباع، ثم يفترقوا.
١٠ ـ السعي للاكتفاء بالموارد الداخلية في المنطقة؛ فإن التأكيد على الانتقال إلى دمشق وفلسطين يدل على أهمية الاكتفاء بأهل المنطقة من الموارد البشرية، وأؤكد على أهمية الموارد المالية؛ فمن المهم أيضاً السعي للاكتفاء بالموارد المالية من المنطقة.
١١ ـ ارتباط تعليم القرآن بالفقه بالدين، كما في قوله: (واحتاجوا إلى من يُعلِّمهم القرآن ويفقههم) ، قال الضحاك: (حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً) وتلا قوله ـ تعالى ـ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] .
١٢ ـ استمرار بناء الإنسان لذاته، وألا يكون شمعة يحرق نفسه ليضيء للآخرين، كما ذكر مسلم بن مِشكم في قوله: (فإذا صلى الصبح، انفتل وقرأ جزءاً) ، يجب على الدعاة والعاملين في الحقل الخيري أن يستمروا في التعلم؛ ومهما وصل الإنسان إليه من العلم؛ فمطلوب منه الاستمرار؛ فهذا أبو حنيفة قال: (قدمت البصرةَ فظننتُ أني لا أُسأل عن شيء إلا أجبتُ فيه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي ألا أفارق حماداً حتى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة) (١) . وفي دراسة على تسعين قائداً، تحدث هؤلاء القادة بأن أهم صفة للقائد هو التعلم المستمر، والله يقول: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] . فكل كائن يكفُّ عن النمو يبدأ في الموت.
١٣ ـ تقدير حجم العمل وتقسيمه بناء على الموارد المتاحة؛ وذلك عندما قال: (اعدُدْ مَنْ في مجلسنا) ، وفي قوله: (ولكل عشرة منهم ملقِّن) .
١٤ ـ المتابعة من أهم أسس نجاح العمل، كما جاء عن عمر ابن الخطاب ﵁: (أرأيتم إن استعملت خيركم، ثم أمرته بالعدل، أكنت قضيت ما عليَّ؟ قالوا: نعم! قال: لا؛ حتى أنظر: أعمل بما أمرت، أم لا؟) .
١٥ ـ التدرج في التعلم، كما في قوله: (فإذا أحكمَ الرجلُ منهم، تحوَّل إلى أبي الدرداء ـ يعني يعرض عليه) ، حيث لم ينشغل أبو الدرداء بالجميع، بل ينتقل إليه من أحكم الحفظ.
أخيراً: فإن السيرة مليئة بالقصص والأحداث؛ فلنستفد منها، ونستخرج الكنوز من أعماقها. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.