← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ؟ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن أمر القلوب أمر عجيب؛ فبينما ترى الأمور واضحة جليَّة في الدلالة على أمر ما، بحيث يتفق على دلالتها كل من يشاهدها، تجد في المقابل آخرين قد سُدَّت عليهم منافذ العلم والمعرفة ـ بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام للعبيد ـ فيروا عكس ما يراه الناس، ويستنبطوا منها ما لا يستنبطه أحد غيرهم، انظر إلى الآيات البينات، والدلائل الواضحات، والمعجزات الخارقات، التي أيد الله ـ تعالى ـ بها رسله إلى خلقه، كيف عميت عنها أبصار الكفار وقلوبهم، فلم يروا منها إلا أنها أساطير الأولين، وسحر الساحرين، وكهانة الكهان، وجنون المجانين؟ لقد أظهر الله ـ تعالى ـ على يد موسى ﵇ من الأمور العجيبة جدّاً؛ والتي لا يقدر على الإتيان بها إلا نبي مرسل من عند الله ـ تعالى ـ، ورغم هذا الأمر البيِّن لم يؤمن فرعون ـ لعنه الله ـ. لقد تحدى فرعونُ موسى ﵇ وخسر فرعون التحدي؛ بل خسر ما هو أكبر من ذلك، حيث خسر القوم الذين كان يتحدى بهم موسى ﵇؛ إذ ظنّ أنَّ ما يأتي به موسى ﵇ هو من السحر، فجمع السحرة ووعدهم بالقرب منه والأعطيات الجزيلة إن هم تغلبوا على موسى، وهذا الاحتياج منه إلى غيره في منازلة موسى ﵇ يبطل دعوى ربوبيته وألوهيته التي كان يدَّعيها، وقد كان يكفيه هذا ليعَلمَ ضعفه وعدم قدرته وقلة حيلته التي تنافي دعوته، وقد كان في هذا ما يكفي له أن يؤمن لو كان له قلب، وبعد ذلك تغلبت آيات الله على سحر السحرة فآمن السحرة بالله رب العالمين، وقد كان في هذا ـ أيضاً ـ ما يكفي لفرعون أن يؤمن؛ لكن تلك القلوب المقفلة المحجوبة عن إبصار الحق ورؤيته، والتي لا تنفذ إليها بينات الحق ودلائل الهدى، من أين لها أن تدرك ذلك؟ لقد ابتلى الله ـ تعالى ـ فرعون وقومه بالآيات المفصَّلات كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ﴾ ومع ذلك لم يؤمنوا بل: ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] ، وقد كانت هذه الآيات كافية في أن يعلموا صدق موسى ﵇ وكَذِبَ فرعون فيما يدَّعيه، ثم بعد ذلك حدث أمران مهمَّان يبيِّنان حقيقة الأقفال التي تكون على القلوب، حتى تحجبها حَجْباً كاملاً عن المعرفة والعلم والانقياد لمدلولهما، فقد أرسل الله ـ تعالى ـ عليهم العذاب، ولم يجدوا مخرجاً من ذلك إلا باللجوء إلى موسى ليدعو لهم الله ـ تعالى ـ، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] ، وقد كشف الله ـ تعالى ـ عنهم الرجز بدعوة موسى ﵇، أفلم يكن ذلك كافياً لهم ليعلموا أن موسى ﵇ مرسل من ربه، وأن فرعون عبد مربوب ليس رباً ولا إلهاً؟ لكن القفل الذي يسدُّ على القلب منافذ الخير كلها يفعل ما هو أكثر من ذلك، ثم جاءت الحادثة الثانية والتي فاقت في دلالتها كل دلالة، فعندما طارد فرعونُ ـ لعنه الله ـ موسى ﵇ وأتباعه، خرج موسى ومن معه وضاقت عليهم السبل، حتى كانوا في وضع صعب فالبحر أمامهم وفرعون وجنده خلفهم، ولا سبيل غير ذلك، وفي هذا الوضع الصعب، أعطى الله موسى آية من أعظم الآيات؛ حيث شق لهم البحر، وجعل فيه طريقاً يَبَساً يمشون عليه، هذا البحر العظيم الذي تغوص في لججه السفن العظام يجعل الله فيه بضربة عصا من موسى طريقاً يبساً، وانفلق البحر حتى كان كل فرق كالجبل العظيم، ألم يكن في هذا ما يكفي لفرعون أن يرعوي، أو حتى أن يكفَّ عن مطاردة موسى، ويعلم أنه ليس ثَمَّ سبيل إلى النيل منه؟ لكن القلب العجيب الذي كان يملكه فرعون قاده إلى أن يسلك على الطريق اليبس نفسه، فسبحان الله! إذا كان الله ـ تعالى ـ قد جعل لموسى وأصحابه هذا الطريق الخارق لكل قدرات البشر؛ لكي يفلت من فرعون وجنده، أيقوم في عقل عاقل أنه يمكن أن يستخدمه في ملاحقة موسى ﵇ والتمكن منه؟ لكن القلوب التي أُغلِقَتْ عليها الأقفال لا تتصرف إلا بهذا السبيل. وقد أُقفِلت على اليهود قلوبهم من الإيمان برسول الله ﷺ فقد كانوا يعرفونه كما يعرف أحدهم ابنه، ومع ذلك لم يؤمنوا قال الله ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] ، وتروي السيدة صفية ـ رضي الله تعالى عنها ـ زوج النبي ﷺ ، فتقول: «لما قدم رسول الله ﷺ قباء ـ قرية بني عمرو بن عوف ـ غدا إليه أبي وعمي (أبو ياسر بن أخطب) مُغْلِسَين، فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا فاتِرَيْن كسلانَيْن ساقطَيْن يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فو الله ما نظر إليَّ واحد منهما، فسمعت عمي (أبا ياسر) يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله! قال: تعرفه بنعته وصفته؟ قال: نعم والله، قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت» (١) . وقد يتعجب الإنسان من ذلك أشد التعجب، فالرسول ﷺ هو المُبَشّرُ به والذي يجدونه عندهم في التوراة والإنجيل، ويرونه، ويعرفونه بصفته، ويتأكدون، ويقسمون بالله على ذلك، ومع ذلك تغلق قلوبهم عن الإيمان به ومتابعته! بل الأغرب من ذلك أن الكفار الذين يدخلون جهنَّم ـ أعاذنا الله منها ـ بعدما عاينوا من عقاب الله الأليم العظيم المهين، يطلبون من الله أن يردّهم إلى الدنيا ولا يعودون لشركهم أبداً! ولكن الله ـ تعالى ـ يقول عنهم: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ، وقد بيَّن القرآن السبب الكامن وراء ذلك كله وهو قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ، فالقلوب عليها أقفالها التي تمنع من وصول الهدى لهم، وقد جاءت الأقفال في اللفظ القرآني مضافة هاء الضمير الراجع إلى القلوب؛ وكأن القفل مخصوص بها أو أن لكل قلب قفلاً يخصه. أخرج الطبري بسنده من حديث هشام بن عروة، عن أبيه قال: «تلا رسول الله ﷺ يوماً: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ؛ فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها، حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ حتى ولي فاستعان به» (٢) . واليوم يعيد التاريخ نفسه، وتتكرر دورته؛ فهاهم أعداء الله ودينه لم تتفتَّح قلوبهم، وما زالوا يأملون في القضاء على الإسلام وأهله، وكأنهم ما دروا أن هذا دين الله، وأن الله ـ تعالى ـ قد جعله الرسالة الخاتمة، وأنه قد تكفل بحفظه، وأنه سخَّر من عباده من يقوم بمهمة الحفظ، كما أخبر الرسول ﷺ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم ﷺ ، فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة» ، وها هي أمريكا قد جاءت بخيلها ورَجْلِها وكبريائها وجبروتها، تأمل تغيير الدين، فشنَّت على أهله حرباً ظالمة، وقد كان لها عبرة ـ لو كان لها قلب يعقل ـ فيما كان يسمَّى بالاتحاد السوفييتي وما فعل الله به وكيف مزقه تمزيقاً، لكن القوم على قلوبهم أقفالها، وسيأتيها من الله ـ تعالى ـ ما يأتي الأمم التي تحاربه وتحارب دينه وأولياءه لو كانوا يعلمون. أما نحن ـ معاشر المسلمين ـ فعلينا اللجوء إلى الله ـ تعالى ـ في أن يصلح قلوبنا حتى لا يطبع الله علينا بسبب معاصينا ومخالفاتنا، وقد كان الرسول ﷺ يقول: «وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه؛ ألا وهي القلب» ، وكان كثيراً ما يدعو ويقول: «ثبت قلبي على دينك» ؛ فعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يُكثِر أن يقول: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، فقلت يا رسول الله: آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين أُصبُعين من أصابع الله يقلِّبها كيف يشاء» . وعن عبد الله بن عمر قال: «أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف: لا ومقلِّب القلوب» . فاللهم يا مقلب القلوب بعدلك وحكمتك، ثبت برحمتك قلوبنا على دينك، وأقمها على الحق، ولا تزغها بسوء أعمالنا بعد إذ مننت علينا وهديتنا إلى الإسلام، ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] .

стр. 5672

إنه دعوة للخلود محمد بن شاكر الشريف هناك من الأمور ما يُنظر إليها من عدة أوجه بعضها أظهر من بعض، ويلمس كثير من الناس المعنى الأكثر ظهوراً بحكم الاستعمال أو القرب، في حين أن المعنى الأقل ظهوراً قد يكون هو المعنى الأشد لصوقاً وتأثيراً وقوة؛ فعندما يتأمله الناس حق التأمل أو حينما يشرحه شارح أو يفسره مفسر يتعجبون كيف خفي عليهم ذلك، ولم يدركوه مع أن النصوص قد تناولته وبينته. ينطبق هذا الأمر بشدة على لفظ (الجهاد) في سبيل الله تعالى؛ فكثير من الناس، بل أكثرهم في عصرنا الحاضر ما إن يطْرُق سمعهم هذا اللفظ حتى يستدعي في ذهنه وخياله، صورة نمطية ترسخت في وجدانه؛ حيث يطِنُّ في أذنيه هدير المدافع وأزيز الطائرات وفرقعات القنابل، ويرتسم أمام ناظريه ميدان المعركة بلونه الأحمر القاني؛ حيث تتطاير الرؤوس وتتقطع الأعضاء وتسيل الدماء، وتُدَكُّ الحصون وتُخرَّب الدور العامرة، فيقتَل الرجال وتترمل النساء ويتيتم الأطفال، وتفسد الزروع والثمار. وإذا كان هذا حظ المفسدين المضلِّلين من أعداء الإسلام، ومن تبعهم من الضالين من أبناء جلدتنا، الذين لا يرون في (الجهاد) إلا هذه الصورة دون غيرها مع قطعها عن كل ما يلامسها؛ فإن المؤمنين الصادقين يعلمون أن (الجهاد في سبيل الله) فريضة دينية لتكون كلمة الله هي العليا في واقع الحياة ودنيا الناس، كما هي العليا في حقيقتها وإن كفر بها الناس. والقتال باستخدام آلاته المعروفة، وإن كان أعلى مراتب الجهاد، إلا أن الجهاد لا ينحصر في القتال، بل هو أعم من ذلك وأوسع بكثير؛ فالقتال ما هو إلا صورة متقدمة من صور الجهاد، والجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ في معناه الأعم الأشمل هو المبالغة في استفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل في سبيل الله تعالى. قال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: (حَقِيقَتُهُ الاجْتِهَادُ فِي حُصُولِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِن الإيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ وَمِنْ دَفْعِ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ) (١) ، وقال الكاساني: (الجهاد في اللغة: (عبارة عن بذل الجُهد ـ بالضم ـ وهو الوسع والطاقة، أو عن المبالغة في العمل من الجَهد ـ بالفتح ـ وفي عُرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله ـ عزـ وجل ـ بالنفس والمال واللسان، أو غير ذلك، أو المبالغة في ذلك) (١) فالجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ أنواع، وله وسائل متعددةٌ القتالُ أحدها، وليس الوسيلة الوحيدة. فالجهاد منه: جهاد بالنفس، وجهاد بالمال، وجهاد باللسان، كما قال الرسول ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم» (٢) ، والأدلة على تنوع كيفيات الجهاد ووسائله كثيرة جداً. وقد فرض الله ـ تعالى ـ الجهاد على المسلمين وجعله فرضاً دائماً عليهم إلى قيام الساعة، وأكده بأنواع متعددة من التأكيدات، حتى غدا الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ من أكثر الفرائض الدينية والتكليفات الشرعية التي استفاضت في ذكرها نصوص الشريعة من الكتاب والسنة، وبينت فرضها وفضلها؛ فالجهاد مطلوب على جميع مستوياته، ومطلوب من المسلمين المكلفين جميعهم، لا يُعفى من ذلك أحد، ومن لم يقدر على نوع فإنه يقدر على نوع آخر، ولا يُعْذر أحد في ترك الجهاد بالكلية. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١] ، فمن كان ضعيفاً أو مريضاً لا يقدر على الجهاد بنفسه، أو كان لا يجد نفقة يخرج بها للجهاد؛ فإن هؤلاء لا حرج عليهم في عدم الخروج، ولكنَّ نفي الحرج مقيد بشرط وهو قوله ـ تعالى ـ: ﴿إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، والنصح: إخلاص العمل من الغش. وتكون النصيحة بأمور منها: تعلُّق قلوبهم بالجهاد، والدعوة للمجاهدين بالنصر والتأييد، ومنها خلافة المجاهدين في أهليهم بخير، ومنها عدم الإرجاف بالناس أو التثبيط لهم، وقد تضافرت أقوال أهل العلم على ذلك، فقال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: « ﴿إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ : إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه، وأبغضوا أعداءه» (٣) ، وقال الآلوسي: « ﴿إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ : بأن أرشدوا الخلق إلى الحق» (٤) ، وقال أبو حيان: «وشرط في انتفاء الحَرَج النصح لله ورسوله، وهو أن تكون نياتهم وأقوالهم سراً وجهراً خالصة لله من الغش، ساعية في إيصال الخير للمؤمنين، داعية لهم بالنصر والتمكين» (٥) ، وقال الشوكاني: «ويدخل تحت النصح لله دخولاً أولياً: محبة المجاهدين في سبيله، وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد، وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه» (٦) ، وقال الرازي: «إنه ـ تعالى ـ شرط في جواز هذا التأخير شرطاً معيناً، وهو قوله: ﴿إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، ومعناه أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف، وعن إثارة الفتن، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا، إما بأن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم؛ فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد» (٧) . فمع قيام الأعذار المانعة للخروج إلى الجهاد، فإن الله ـ تعالى ـ لم يضع عنهم الحَرَج إلا بقيد النصح لله ورسوله. وقد بلغ من فضل الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ قائلاً له: «دلني على عمل يعدل الجهاد!» فقال له الرسول ﷺ : «لا أجده» فكأن الصحابي من كثرة ما سمع عن منزلة الجهاد وفضله، وربما لم تكن لديه القدرة على الجهاد فأراد ـ حباً في الخير ـ أن يعوِّض عن هذا النقص بعمل مكافئ للجهاد، لكن الرسول ﷺ الذي كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، بيَّن له أنه لا يجد عملاً يكافئ الجهاد، ثم قال له وكأنه يبين له ما يمكن أن يكافئ الجهاد: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تَفْتُر، وتصوم ولا تُفطِر؟» فقال الرجل: «ومن يستطيع ذلك؟» (٨) . وفي رواية قيل للنبي ﷺ : «ما يعدل الجهاد في سبيل الله ؟ قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: مَثَل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى» (٩) قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: «وفي هذا الحديث عظيم فضل الجهاد؛ لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات الله أفضل الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل من لا يفتر عن ذلك في لحظة من اللحظات؛ ومعلوم أن هذا لا يتأتى لأحد، ولهذا قال ﷺ : لا تستطيعونه. والله أعلم» (١٠) . وقد يعجب الإنسان من هذا الفضل العميم والثواب العظيم، فيحدوه ذلك إلى البحث عن السبب الذي لأجله وقع الجهاد من الدين هذا الموقع العظيم، وقد أجاب عن هذا التساؤل ابن دقيق العيد باختصار فقال: «الْقِيَاس يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الجِهَاد أَفْضَل الأعْمَال الَّتِي هِيَ وَسَائِل، لِأَنَّ الجِهاد وَسِيلَة إِلَى إعْلان الدِّين وَنَشْره، وَإِخْمَاد الْكُفْر وَدَحْضه، وَفَضِيلَته بِحَسْب فَضِيلَة ذَلِكَ، وَاَللَّه أَعْلَم» (١١) ، ومعرفة سبب تفضيل الجهاد، أو الحكمة من تفضيله أمر ذو فائدة كبيرة، حيث تجعل المسلم في جهاده عاملاً على تحقيق ذلك، ولا يكون مجرد عمل آلي. وسوف نحاول بإذن الله ـ تعالى ـ أن نفصل ما اختصره ابن دقيق ـ رحمه الله تعالى ـ في الكلمات التالية: ١ ـ الجهاد دعوة للحياة وليس للموت: فهو دعوة للحياة الحقيقية التي يعبد الإنسان فيها ربه خالقه ورازقه، لا يشرك به شيئاً، حياة حقيقية يشعر فيها بالكرامة التي أكرمه الله بها، والمنزلة التي رفعه إليها، فيقوم بنشر الفضائل وإقامة العدل وعمارة الأرض، لا الحياة الحيوانية الشهوانية التي لا يكون للإنسان فيها من همٍّ سوى إشباع متطلبات بطنه وفرجه، ثم لا يلوي على شيء بعد ذلك. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: ١٢] . وقد بين القرآن الكريم أن الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ هي دعوة إلى الحياة الحقيقية ذات القمة السامقة التي لا تدانيها حياة، فقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] ؛ فهذا نداء من الله العلي الكبير للمؤمنين أن يستجيبوا لدعوة الله ورسوله لهم لما يحييهم. قال عروة بن الزبير: «أي للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم» (١) ، وقال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: «إلى ما يحييكم، أي يحيي دينكم ويعلمكم، وقيل: أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدونه، وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من موت الكفر والجهل. وقال مجاهد والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهٍ؛ ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية، وقيل: المراد بقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الجهاد؛ فإنه سبب الحياة في الظاهر؛ لأن العدو إذا لم يُغْزَ غزا، وفي غزوه الموت، والموتُ في الجهادِ الحياةُ الأبدية. قال الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] والصحيح العموم كما قال الجمهور» (٢) . وعلى كِلا القولين؛ فالآية دالة على أن الدعوة للجهاد دعوة للحياة؛ فإن كان الصواب قول من قال: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الجهاد، كان هو المطلوب، وإن كان الصواب القول بالعموم، فإن الجهاد هو أحد أفراد العموم، ولذلك قال ابن جرير ـ رحمه الله تعالى ـ: «استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق؛ وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلاً فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب، أما في الدنيا؛ فبقاء الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة، وأما في الآخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها» (٣) . والجهاد دعوة للحياة؛ إذ يخرج به كثير من الناس من دائرة الأموات إلى دائرة الأحياء؛ فالكافر ميت وإن لم يكن في جوف الأرض مع أنه يدب عليها ويأكل من خيراتها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ؛ فبالجهاد يهتدي كثير من الناس ويدخلون في دين الله تعالى. قال رسول الله ﷺ : «عَجِبَ الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» (٤) ؛ فهؤلاء قوم من الكفار وقعوا في الأسر بين أيدي المسلمين فهداهم الله ـ تعالى ـ للإسلام. والجهاد دعوة لحياة طائفتين: المجاهِدين، والمجاهَدين. فأما المجاهَد فإنه إذا قَبِلَ دعوة الله واستجاب لها نفعه الله ـ تعالى ـ بها، وكان ذلك حياة له وإحياء لنفسه. وأما المجاهِد فإن جهاده حياة له في كِلا الحالين: النصر على الأعداء، أو الشهادة في سبيل الله. وحياته بالجهاد في الدنيا بعد النصر أعظم من حياته قبل الجهاد وأكمل، وأما إن قُتِلَ المجاهد في سبيل الله ـ تعالى ـ فهو حي أيضاً، حتى وإن كان تحت التراب أو في بطون السباع. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ، وقد أكد القرآن حياتهم بقوله: يرزقون؛ لأن الرزق للأحياء دون الأموات، لكن لما كانت حياة الشهداء في سبيل الله غير مدرَكة بالحواس؛ فقد يظن بعض الناس أنهم موتى كغيرهم، وقد جاء النهي من الله ـ تعالى ـ بقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] فهم أحياء لكننا لا نشعر بحواسنا بحياتهم، وإنما نعلم ذلك بإخبار الله لنا. والجهاد ليس دعوة لحياة الأفراد فحسب، بل دعوة لحياة المجتمعات والأمم؛ لأنه باهتدائها تمتنع أسباب انهيارها وهلاكها وزوالها؛ فعن زينب بنت جحش ـ رضي الله تعالى عنها ـ زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ دخل عليها فَزِعاً يقول: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شر قد اقترب! فُتِحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وحلَّق بإصبعه الإبهام والتي تليها. قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم! إذا كثر الخَبَث» (٥) ، فكثرة الخبث مُؤْذِنة بهلاك المجتمعات ودمارها حتى وإن كان فيها صالحون، وإنما يقلُّ الخبث في المجتمعات وينقص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أحد صور الجهاد. والجهاد دعوة للحياة في كِلا نوعي الجهاد: جهاد الطلب، وجهاد الدَّفْع. فجهاد الطلب يُنقِذ الكفار من كفرهم، ويهديهم ـ بإذن ربهم ـ إلى الحياة الحقيقية، وجهاد الدفع ينقذ المسلمين من كفر الكافرين؛ فالكفار إذا غزوا المسلمين في ديارهم فإما أن يقتلوهم وإما أن يردُّوهم عن دينهم، وكِلا الأمرين موت، وقد تناهى إلى أسماعنا ما حدث من مقتل أكثر من مائة ألف من العراقيين عندما غزت أمريكا وبريطانيا ديارهم. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] فالدعوة إلى جهادهم في كِلا الحالين: الطلب والدفع، دعوة للحياة. وفي الجهاد دعوة للحياة وإطالة عمر الدنيا؛ فبدوام الجهاد تظل الطائفة المنصورة باقية، ووجود المؤمنين أمان من هلاك الدنيا ودمارها؛ فإذا تغلب الكفار على العالم وطبَّق الكفر الأرض كلها؛ فقد حان قيام القيامة ودنت الساعة؛ فبقاء الدنيا رهين بوجود من يعبد الله، حتى إذا لم يوجد من يعبد الله ـ تعالى ـ ويقول: «الله الله» قامت القيامة. قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله» (١) ، وكون الجهاد مع ما يوجد فيه من القتال دعوة للحياة؛ فهذا من عظيم تقدير الله وحكمته الذي جعل في الموت طريقاً وسبيلاً للحياة. ٢ ـ ومن أسباب تفضيل الجهاد كونه طريقاً لبقاء الدين محفوظاً من التغيير والتبديل: فلولا الجهاد في سبيل الله لتصدع بنيان الدين وتهدمت أركانه، وهذا الأصل تبينه سُنَّة الله ـ تعالى ـ في المدافعة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] ، وقال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] ، وقد بين القرآن أن الجهاد يتحقق به جعل الدين كله لله، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] ؛ ولهذا يقول الرسول الكريم ﷺ : «لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتِلُ عليه عصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعة» (٢) . ٣ ـ نصرة المستضعفين وإخراجهم من إذلال الظالمين: الجهاد في الإسلام فريضة دينية، وهو في الوقت نفسه عمل أخلاقي أصيل؛ فهو ليس عملاً للمغنم أو السيطرة بالباطل أو العلو في الأرض بغير الحق، وليس رغبة في احتلال أراضي الناس وسرقة خيرات بلادهم، وإنما هو جهاد في سبيل نصرة المستضعفين وحمايتهم وإنقاذهم من ظلم الظالمين وبطش المعتدين، فإن كان هؤلاء المستضعفون من المسلمين فقد جاءهم بهذه النصرة العز والتمكين والتأييد، وإن كان المستضعفون من الكافرين؛ فقد أزيل عنهم بطش الظالمين وسلطان المتجبرين الذين يصدونهم عن معرفة الحق والاهتداء به، ثم لا يجبرهم المسلمون بعد ذلك على الإسلام فإنه: ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وإنما يبينون لهم الحق ويدعونهم إلى اتباعه؛ فمن شاء منهم الإيمان آمن، ومن رفض تُرك ودينَه وأَمِن على ماله ونفسه وعرضه. وهذه شهادات التاريخ ومدوَّناته قائمة موجودة ليس فيها حالة إكراه على دخول الدين، ثم الواقع أيضاً شاهد على ذلك؛ فلو كان الناس يُكْرَهون على الدخول في دين الإسلام بعد فتح البلدان لتحولت شعوب البلدان المفتوحة إلى الإسلام، ولم نجد في بلاد المسلمين يهودياً أو نصرانياً، ولا شك أن وجود أهل الكتاب من اليهود والنصارى في بلاد المسلمين منذ بدأ الإسلام إلى يومنا هذا لهو الدليل الواقعي الذي لا يمكن جحده على أنه لم يكن هناك إكراه في الدين. لقد كان الجهاد لمنع إكراه الكفار على البقاء على الكفر من قِبَل أنظمتهم الظالمة، وليس على إكراههم على الدخول في دين الإسلام. وإذا كان هذا هو العمل الأخلاقي في قيام المسلم بفرض الجهاد؛ فإنه لمن العجب ما يقوله أناس من بني جلدتنا يتكلمون بألسنتنا يقولون: إن الجهاد في الإسلام هو جهاد الدفع فقط، أي جهادٌ من أجل الدفاع فقط عن أنفسنا وأوطاننا؛ فأي أنانية هذه التي يريد هؤلاء أن يلصقوها بديننا وأخلاقنا! وهل من النبل والشهامة والرجولة والخُلُق الحسن أن يرى المسلمون الأرض وهي تعج بالكفر والظلم والقهر والاستعباد لخلق الله، ثم لا يحرك المسلمون ساكناً لا لشيء إلا لأنه لم يصبهم من ذلك شيء، وأن هذا الطغيان لم ينلهم؟ فأي خسة ودناءة ولؤم طبع هذه التي يلصقها بنا هؤلاء! إن الأمة الإسلامية أمة ذات رسالة تحمل الأمانة، وعلى عاتقها تقع مسؤولية نشر التوحيد والعدل في الأرض، ومنع الظلم والطغيان. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، فقد استمدت الأمة خيريتها من كونها آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس قاصراً أو محدوداً بالمجتمع الإسلامي، ولكنه عامٌّ يشمل كل أرض يمكن أن يصل إليها المسلمون؛ فهو يشمل الأمر بالتوحيد في مجال الإيمان، والعدل في مجال الحياة، في مقابل النهي عن الشرك والظلم. قال أبو هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام» (١) ؛ فهم خير الناس للناس وليس لأنفسهم فقط. وإنه لمن الشيء الغريب من بعض هؤلاء أنك تجدهم يقبلون مثل هذا التصرف من دولة مثل أمريكا بزعمهم الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل على نشر الديمقراطية، فيقبلون منها تدخلها في شؤون الدول بهذه الحجة، ويرفضون قيام المسلمين بواجبهم الديني والأخلاقي تجاه المظلومين والمقهورين في العالم بزعم أن هذا تدخل في حرية واختيار الآخرين! وأمريكا اليوم تنقل عشرات الآلاف من جنودها وآلياتها تقطع بهم آلاف الكيلو مترات، وينتقلون بين القارات ويقطعون الفيافي والقفار، وتجوب سفنهم البحار والمحيطات يحملون معهم كل أسلحة الدمار، يغزون البلاد ويحتلون الأرضين، ويزهقون الأنفس المعصومة من الرجال والنساء والولدان، ويزيلون الأنظمة، وينشرون الفساد؛ كل ذلك بزعم الدفاع عن حقوق الإنسان، وقد أثبتت الوقائع والأحداث أنه لا يحركها لذلك غير المطامع، والاستيلاء على ثروات البلاد، واستغلال خيراتها وفرض إرادتها وثقافتها على الشعوب، والعلو في الأرض بغير الحق. كيف لا تستحي أمريكا ولا من يؤيدونها من القتال تحت مبادئ هم اخترعوها بغير حجة صحيحة، ولا برهان مستقيم، بينما يستحي أناس من بني جلدتنا من الجهاد التزاماً بحكم شرعي شرعه رب العباد للعباد؟ إن خروج المسلمين من ديارهم تاركين أهليهم وأموالهم ومصالحهم قاصدين ديار الكفار لهدايتهم ودعوتهم إلى دين الله، وإزالة الأنظمة التي تحول بينهم وبين الاستجابة لدعوة الحق، وإدخالهم إلى السعادة الأبدية التي لا تنتهي بنهاية الحياة الدنيا، مع ما يتعرض له المسلمون من جراء ذلك من البلاء والشدة بل والقتل، لهو عمل يكشف بكل وضوح عن الخُلُق الإسلامي النبيل، وعن الوجه الحضاري المتميز لفريضة الجهاد في سبيل الله تعالى، كما يكشف عما رباه الإسلام في نفوس أتباعه في أنهم لا يعيشون لأنفسهم وكفى. ٤ ـ وفي الجهاد منافع وفضائل أخرى: قال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: «والأمر بالجهاد وذكر فضائله في الكتاب والسنة أكثر من أن يُحصَر، ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة ومن الصلاة التطوع والصوم التطوع كما دل عليه الكتاب والسنة ... وهذا باب واسع لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه، وهو ظاهر عند الاعتبار؛ فإنَّ نَفْعَ الجهاد عامٌّ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة؛ فإنه مشتمل من محبة الله ـ تعالى ـ والإخلاص له والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله سائر أنواع الأعمال، على ما لا يشتمل عليه عمل آخر. والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائماً: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة؛ فإن الخَلْق لا بد لهم من محيا وممات؛ ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة، وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما؛ فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قله منفعتها؛ فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت، فموت الشهيد أيسر من كل ميتة، وهي أفضل الميتات. وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزَّمِن ونحوهم فلا يُقتَل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله» (٢) . ٥ ـ عون الله ومدده للمجاهدين في سبيله: وقد وعد الله ـ تعالى ـ المجاهدين في سبيله بالإعانة والمدد، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] ، وجعل في ذلك المدد البُشرى والطمأنينة للمجاهدين؛ فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠] . والقتال يكون جهاداً مشروعاً يحبه الله ويرضى عن القائمين به إذا كان في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا. والجهاد عمل منظم لا يكون فوضى، وإنما لا بد فيه من الأمير وإذن ولي الأمر إذا كان جهاد طلب، أما إذا كان الجهادُ جهادَ دَفْعٍ لدفع العدو الذي غزا بلاد المسلمين ونزل بساحتهم فلا يُشترَط شيء من ذلك، ويُدفَع كيفما أمكن الدفع، حتى تخرج المرأة بغير إذن زوجها والولد بغير إذن والديه. قال في الهداية: «فإن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع: تخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن المولى؛ لأنه صار فرض عين» (٣) . إن من أكبر الخيانة وإضاعة الأمانة الحيلولة بين الأمة وبين إعداد العدة للجهاد الحق الذي جعل الله ـ تعالى ـ فيه حياة الأمة وعزها، وما لم تستعد الأمة لمثل هذا الأمر؛ فكأنما سلمت عنقها لعدوها باختيارها.

стр. 5673

التباكي على الآثار د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف تكاثرت ـ هذه الأيام ـ أصوات المطالبين بتعظيم ما يسمّى «الآثار الإسلامية» ، والمنادين بالعناية والاحتفاء بها وتشييدها، وأن تكون معالم سياحية يؤمّها القاصي والداني مع أن الكثير منها لم يصح تاريخياً. تباكى أولئك على «الآثار النبوية» ، وأظهروا العويل والنحيب على اندراس هذه المقدسات والآثار، بل إن صحفاً أجنبية شاركت القوم في هذا «التأبين» فوصفتْ إزالة هذه الآثار والمشاهد بأنها مأساة تاريخية إنسانية لا مثيل لها (١) ! بل أفضى الأمر بهؤلاء المولعين بالآثار إلى تأليب الحكومات على من خالفهم، واتّهموهم بأنهم «وهابية جفاة» ! أو «طالبان» والذين هدموا الأوثان في بلاد الأفغان (٢) ! ولنا مع هذه الظاهرة المتزايدة التعليقات الآتية: ـ إن هذا النشاط المحموم في سبيل إحياء ونبش الآثار الإسلامية ربما كان سبيلاً إلى إحياء الوثنية الجاهلية من جديد؛ فشياطين الإنس والجن يزيّنون الشرك، ويخرجونه في قوالب برّاقة، فأول شرك وقع في الأرض كان باعثه الغلو في الصالحين والإفراط في محبتهم، فإنّ وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً رجال صالحون من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً (٣) ، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبِدت (٤) . وفي بعض الروايات أن التشوق إلى عبادة الله هو الباعثُ على اتخاذ هذه الأوثان (٥) . وتعظيم الآثار وتقديسها في هذه الأيام يحاكي تعظيم الصالحين والغلو فيهم عند قوم نوح ﵇، فالانحراف والضلال قد يُسمّى بغير اسمه، كما أنه يأتي متدرجاً خطوة تلو خطوة كما حصل في قوم نوح وأشباههم. ـ يدعو بعضهم إلى المحافظة على الآثار وحمايتها عن جهل بالموقف الشرعي من تلك الآثار، فلا يعلم هؤلاء أن للشرع نصوصاً وأحكاماً تجاه هذه الآثار، ولسان حالهم: أن الأمم الأخرى تحافظ على آثارها؛ كالحمامات الرومانية، والملاعب الإغريقية، والتماثيل الأثرية، والأصنام المنحوتة ... فعلينا أن نحافظ على آثارنا كشأن الأمم المجاورة. فالكثير من المهتمين بسياحة الآثار، ومن أساتذة أقسام الآثار في الجامعات يجهلون الأحكام العقدية والفقهية المتعلقة بتلك الآثار، بل إن بعضهم لا يظن أن للدين موقفاً أو صلة بتلك الآثار. ـ أن الآثار الإسلامية منها ما اعتبره الشارع وبيّن فضله ورفع قدره؛ كالمساجد الثلاثة (المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى) ، وكذا الأعياد المكانية المشروعة؛ كمنى، وعرفة، ومزدلفة. وأما سائر الآثار الأخرى فلم يكن السلف الصالح يحتفون بها، ولم يشتغلوا بتجديدها فضلاً عن تشييدها أو صيانتها، فلم يُنقل عنهم مع توفر دواعي النقل شيئاً من الاحتفاء أو الإكرام. ولما رأى عمر الفاروق ﵁ أقواماً يبتدرون مسجداً، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ . فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمضِ (١) . وكان إمام دار الهجرة (مالك بن أنس) وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء وأحد، كما أخرجه (ابن وضاح) . يقول (ابن تيميّة) : «إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يبنوا قط على قبر نبي ولا رجل صالح، ولا جعلوه مشهداً أو مزاراً، ولا على شيء من آثار الأنبياء مثل؛ مكان نزل فيه أو صلَّى فيه، أو فعل شيئاً من ذلك» (٢) . ويقول ـ أيضاً ـ: «كل ما عظم بالباطل من مكان أو زمان أو حجر أو شجر أو بُنية، يجب قصد إهانته كما تهان الأوثان المعبودة» (٣) . ـ لا يزال تجديد هذه الآثار «المفتعلة» والمشاهد المحدثة محلّ شك كبير ونزاع كثير بين المؤرخين، مما يؤكد أن ليس من دين الإسلام التعرّفُ على تلك المواطن، وإذا كانت آثار النبي ﷺ كالشَّعَرَات ونحوها؛ والتي يُشرع التبرك فيها تحتاج إلى برهان واضح في إثبات بقائها، لا سيما مع مرور مئات السنين على تلك الآثار، وكثرة الدعاوى في شأنها، فكيف الشأن بتحديد أماكن محدثة أعرض السلف الصالح عن الاحتفاء أو الاشتغال بها؟! يقول العلامة (أحمد تيمور) ـ عن الآثار النبوية ـ: «لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة؛ غير أنّا لم نرَ أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله أعلم بها. وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها في الشكوك» (٤) . وكتب علامة الجزيرة العربية الأستاذ المؤرخ (حمد الجاسر) بحثاً بعنوان «الآثار الإسلامية في مكة المشرَّفة» (٥) ، وبيَّن اختلاف المؤرِّخين وتعدد أقوالهم في تحديد موطن مولد النبي ﷺ ، وساق الأستاذ الجاسر مقالة الرحالة (العياشي، ت ١٠٣٧هـ) ـ في هذا العدد ـ: «والولادة وقعت في زمن الجاهلية، وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة، سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك بعد مجيء الإسلام؛ فقد عُلِم من حال الصحابة وتابعيهم ضعفُ اعتنائهم بالتقيد بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي؛ لصرفهم اعتنائهم ﵃ لما هو أهم من حفظ الشريعة، والذب عنها بالسّنان واللسان، وكان ذلك هو السبب في خفاء كثير من الآثار الواقعة في الإسلام، فما بالك بما وقع في الجاهلية؟!» . وحكى (الجاسر) أن قبر أم المؤمنين خديجة ﵂ كان مجهولاً لدى مؤرخي مكة حتى القرن الثامن الهجري، ثم أصبح معروفاً محدد المكان في القرون المتأخرة حتى ذلك اليوم، بعد أن رأى أحد العارفين في النوم! كأن نوراً ينبعث من مقبرة (المعلاَّة) ، ولما علم أمير مكة آنذاك بخبر تلك الرؤيا أمر ببناء قُبَّة فوق المكان الذي رأى ذلك العارف أن النور ينبعث منه، جازماً ذلك الأمير أن ذلك المكان هو قبر خديجة! وهكذا تُصيّر الخرافات إلى حقائق بيّنات. والله المستعان. ـ الولع بالآثار المكانية و «الهيام» بالموالد والمشاهد، أضحى ذلك كله سبيلاً إلى التفلت من الشرائع، والتنصل من سنن المصطفى ﷺ ، واتباع الهوى، وصَدَقَ الله ـ تعالى ـ القائل: ﴿فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] ، فترى القوم عاكفين على موالد محدثة، متعبدين عند آثار مبتدعة، قد عمروا المشاهد وهجروا المساجد ... فإن في النفوس ميلاً إلى الانحلال من الاتباع. وكما قال (أبو الوفاء ابن عقيل) : «لمّا صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم كفار عندي بهذه الأوضاع؛ مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى الشرع عنه، وخطاب الموتى بالألواح، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي! افعل بي كذا وكذا، وأَخْذِ التراب تبركاً ... » (٦) . وقال شيخ الإسلام (ابن تيميّة) : «إن النفوس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري ﵀: «ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه» ، ثم هذه مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول ﷺ ، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً» (٧) . وأخيراً فإن إظهار السنن وتبليغ رسالات الله كفيل بدحض شبهات دعاة الآثار على الاطلاق. كما أن إظهار الأبحاث التاريخية الجادة التي تكشف عوار هذه الدعاوى العريضة من أرباب الآثار، والسعي إلى تحرير العقول من رقِّ التقليد والعواطف الساذجة، والاحتساب على هذه الدعاوى وفق القدرة والمصالح الشرعية. كفيل بإذن الله بايضاح الحقيقة التي هي رائد الجميع. والله حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 5674

تأملات قرآنية (من نبأ موسى وفرعون) (٢ ـ ٢) د. أحمد عبد الله العماري تحدث الكاتب وفقه الله تعالى في الحلقة الماضية عن ميلاد موسى ﵇ وما صاحب ذلك من الأمور العظام حتى اضطر إلى الهجرة خوفاً من دعوته وملته، ويواصل في هذه الحلقة الحديث عن عودة موسى ودعوته لفرعون، والمصير الذي لاقاه فرعون لرفضه هداية الله. ١٣ ـ (الرحلة البرية الثانية لموسى ﵇ رحلة العودة إلى الوطن) : إن من سنن الله ـ تعالى ـ في خلقه حنين الإنسان إلى وطنه مهما كان في ذلك الوطن من العنت والشقاء. وإن نبي الله موسى ﵇ لمّا غادر وطنه بغير رضىً منه أو اختيار، وغاب عنه سنين عديدة، بسبب جور الظالمين عليه، أعد عدَّته وعاد إلى وطنه، بعد ما قضى ذلك الأجل الذي تمّ بينه وبين ذلك الشيخ الكبير، والذي يُقدَّر بعشر سنوات، ويسدل الستار على تلك السنوات العشر، لا ندري ماذا تلقَّى فيها موسى، وماذا عمل فيها؟ إلاّ رعيه للغنم فقط، ثم عقد العزم على الرجوع إلى أهله وبلاده، مستصحباً معه في طريقه أهله ومتاعه، ويلقى في تلك الرحلة من المشاهد والمواقف الشيء العظيم، والنص القرآني يبين ذلك ويوضحه بدون تفصيل. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بَأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يَعْقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٢٩ - ٣٢] . إن هذا النص القرآني الكريم يحمل في طياته أخبار تلك الرحلة بإيجاز، ويعرض لنا مشاهدها باختصار، مع التمام في المعنى، وهذا من بلاغة القرآن وفصاحته وعظمته. لقد عاد موسى ﵇ إلى بلاده برفقة أهله وبعض متاعه، يحثُّ الخطو إلى بلاده ـ عادة كل غائب يعود إلى أهله وأرضه ـ لكن يفاجأ ﵇ بنداءات ومشاهدات وبراهين لم يعهدها من قبل في طريقه، ممّا أثار في نفسه الخوف والوجل والقلق والحذر، ومن تلك المواقف: ١ ـ مشاهدته لنار بعيدة عنه وهو في ليلة مظلمة مطيرة؛ قاصداً الاستضاءة بها، والتصلية، والتدفئة. ٢ ـ سماعه النداء من الشجرة في البقعة المباركة الصادر من الله رب العالمين. ٣ ـ رؤيته لعصاه بعد إلقائها وهي متغيرة عليه في صورتها وخلقتها وحركتها، وخوفه منها. ٤ ـ منظر يده بعد أن أخرجها من جيبه وهي بيضاء نقية من غير سوء. ٥ ـ وجود الاطمئنان والسكون بعد أن يضع يده على قلبه، رحمة من الله ـ تعالى ـ به. هذه المواقف العظيمة التي شاهدها موسى ﵇ وهو في طريقه إلى أهله وبلاده، ما كانت تخطر بباله، ولا كان يتوقع رؤيتها وسماعها، وبناءً على ذلك أصيب بالخوف وعدم الاطمئنان، لكن عناية الله ـ تعالى ـ لعبده وتكريمه له، ترافقه من المهد إلى اللحد. إن أعظم مشهد وموقف قابله موسى ﵇ في هذه الرحلة البرية هو تكليف الله ـ تعالى ـ له بالرسالة إلى عدوه اللدود «فرعون» الذي هرب منه في أول الأمر، وهجر أهله وأرضه من أجله، وهذا تحقيق لوعد الله ـ تعالى ـ الذي لا يخلف الميعاد حيث طمأن أمّه بأنه ـ سبحانه ـ سيرُدُّه إليها، وفوق ذلك سيجعله من المرسلين. كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] . ومن المواقف العظيمة التي لاقاها موسى في طريقه، كون ربه الذي خلقه يناديه، ويتكلم معه بدون واسطة، هذا هو الفضل العظيم، وهذا هو العطاء الجزيل، الذي لا منّة فيه ولا نفاذ. أيّ تكريم، وأيّ تشريف هذا ترجع به يا موسى إلى أمك وأهلك وأعدائك بعد رحلتك المضنية، وغربتك المتعبة؟! فارقت أمك وأهلك ووطنك، وأنت في حالة يرثى لها من الخوف والمطاردة، والغربة والوحشة، تمكث في غربتك عشر سنين، والشمس تشرق عليك وتغرب، وأنت خلف غنيمات تغدو بها وتروح، والله هو الوحيد الذي يعلم ما يكُنُّه صدرك، وما يلوح في ذهنك، وما تأمرك به نفسك. إن ما حصل لك في طريقك وأنت في رحلتك الأولى، وفي رعيك للغنم هو نوع من الابتلاء، كما أن ما حصل لك في طريقك وأنت عائد إلى أهلك ووطنك من المواقف والمشاهد العظيمة هو نوع من الابتلاء أيضاً، وإن كان هناك فرق بين الابتلائين، وتلك الابتلاءات هي سبيل التمكين. إنّ هذا هو اختيار الله ـ تعالى ـ لك، ونِعمَ المختار، ونِعمَ الاختيار. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ . [طه: ١٣] وهي محبة الله ـ تعالى ـ ترعاك وتكلؤك. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] . وهو اصطفاء الله ـ تعالى ـ لك من دون الناس بالرسالة والكلام. قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] . ما أعظم هذه القدرة التي تحيط بك ياموسى! وما أعظم هذا التكريم الذي فزت به من بين خلق الله، اختيار واصطفاء، ومحبة وكلام، ونصر وتأييد، وعلو وتمكين، كل ذلك يأتي بعد ذلك العناء الذي لا قيته في أول حياتك، ما عقلت منها وما لم تعقل، والأعمال بالخواتيم. ولقد حُرِم أهل الابتداع من الإيمان بهذه الصفات الإلهية ـ المحبة والكلام والرؤية والسماع ـ التي امتنَّ الله بها على عبده موسى ﵇ وغيرها من الصفات الأخرى، التي ُتشِعر برحمة الله ـ تعالى ـ من خلالها، وبعزته وحكمته، وعلمه وسمعه وبصره، وقدرته ومشيئته، وإحاطته بكل شيء، وهيمنته وجبروته، وعلّوه واستوائه على عرشه، وأنه بائن من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؛ وذلك لفساد المدرسة التي نشأوا عليها، مدرسة الزيغ والإلحاد، والتحريف والتأويل، والتعطيل والتشبيه، والتجسيم والحلول. وصدق الله ـ تعالى ـ القائل: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . [الأعراف: ١٨٠] ١٤ ـ مطالب موسى ﵇ من ربه: ولما علم موسى ﵇ بتكليف الله ـ تعالى ـ له بالرسالة، لم يتردد في حملها، لكنه تذكر شيئاً من ماضيه مع فرعون وقومه، إنه عاش أول حياته في قصر فرعون، ورأى من طغيانه وجبروته الشيء الكثير، ومع ذلك حفظه الله من بأسه وبطشه، وهو في حالة ضعف وغربة، وطلب موسى من الله ـ تعالى ـ مطالب تُحققُ له، لكي يستطيع أن يقوم بأداء ما كُلِّف به خير قيام، بعضها معنوي، وبعضها حسي، ومن تلك المطالب ما ذكره الله ـ تعالى ـ في قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَرُونَ أَخِي﴾ . [طه: ٢٥ - ٣٠] وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] . وقد استجاب الله ـ تعالى ـ لعبده موسى ما طلب، قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] . إنّ هذه الإجابات من الله ـ تعالى ـ لعبده موسى تحمل في طياتها الرحمة والنصرة والغلبة على العدو؛ نصرة من الله ـ تعالى ـ لموسى وهارون على عدوهما فلا يصل إليهما، ونصرة من هارون لأخيه موسى ﵉ تتمثل في شد أزره وعضده، وفي الفصاحة والبيان، وفي الأنس من وحشة الطريق، وكل هذا رحمة من الله ـ تعالى ـ كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . يقول سيد قطب ﵀ تعالى ـ: (لقد طلب إلى ربه أن يشرح له صدره ... وانشراح الصدر يُحوِّل مشقة التكليف إلى متعة، ويحيل عناءه لذة، ويجعله دافعاً للحياة لا عبثاً يثقل خطى الحياة. وطلب إلى ربه أن ييسر له أمره ... وتيسير الله للعباد هو ضمان النجاح. وإلا فماذا يملك الإنسان بدون هذا التيسير؟ ماذا يملك وقواه محدودة، وعلمه قاصر، والطريق طويل وشائك ومجهول؟! وطلب إلى ربه أن يحل عقدة لسانه فيفقهوا قوله ... وقد روي أنه كانت بلسانه حبسة، والأرجح أن هذا هو الذي عناه. ويؤيده ما ورد في سورة أخرى من قوله: ﴿وَأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤] . وقد دعا ربه في أول الأمر دعاءً شاملاً بشرح الصدر وتيسير الأمر، ثم أخذ يحدد ويفصل بعض ما يعينه على أمره وييسر له تمامه. وطلب أن يعينه الله بمعين من أهله؛ هارون أخيه. فهو يعلم عنه فصاحة اللسان، وثبات الجنان، وهدوء الأعصاب ... لقد أطال موسى سؤله، وبسط حاجته، وكشف عن ضعفه، وطلب العون والتيسير والاتصال الكثير، وربه يسمع له، وهو ضعيف في حضرته، ناداه وناجاه. فها هو ذا الكريم المنان لا يُخِجلُ ضيفه، ولا يرد سائله، ولا يبطىء عليه بالإجابة الكاملة: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] . هكذا مرة واحدة، في كلمة واحدة. فيها إجمال يغني عن التفصيل، وفيها إنجاز لا وعد ولا تأجيل ... كل ما سألته أعطيته، أعطيته فعلاً؛ لا تُعطاه ولا ستعطاه؟ وفيها مع الإنجاز عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه «يا موسى» ، وأيّ تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال اسم عبد من العباد؟) (١) ا. هـ. ثم كلَّفه الله ـ تعالى ـ وأخاه هارون بالذهاب إلى «فرعون» الطاغية، وأمرهما أن يُلينا له في القول، لعل رحمة الله ـ تعالى ـ تدركه، ويعود عمَّا هو فيه من الظلم والطغيان، ما أحلم الله بعباده؟! بيَّن لهم عظمته سبحانه في مخلوقاته، الدالة على وحدانيته وتفرده بالأمر والنهي، والخلق والتدبير، وبعث فيهم رسلاً منهم، مبشرين ومنذرين، فخيره إليهم نازل، ولا يصعد منهم عمل صالح. ١٥ ـ الموقف الثاني لفرعون وملئه من موسى ﵇: قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص: ٣٦] . إن هذا الموقف يختلف عن الموقف الأول تماماً، من الضعف إلى القوة، ومن التخفي إلى الظهور، ومن المطاردة إلى المواجهة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الوحشة في الطريق إلى الأنس، ومن ضيق الصدر إلى الانشراح، ومن التلعثم إلى الفصاحة، ومن التردد إلى الانطلاقة، يحمل موسى وهارون إلى «فرعون» المعجزات الباهرات، والدلالات القاهرات، التي لو أٌلقيت على الجبال الرواسي لخشعت وخضعت وانقادت؛ بل لصارت دكاء. لكن القلوب القاسية والمغلقة تنكر الحقائق وتشكك فيها؛ بل تقف ضدها بغياً وعدواناً، وعناداً وجحوداً، بل أنكر «فرعون» الصانع كما حكى الله ذلك عنه؛ فقال: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٩] . إنها صيغة استفهام إنكاري صادرة من «فرعون» . إن موسى وهارون أول ما بادرا «فرعون» في دعوتهما دعياه إلى الاعتراف بالصانع الخالق المالك المدبر لهذا الكون كله، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] . ومن اعترف بذلك فقد اعترف بألوهية ذلك الصانع إلزاماً، وأنه صاحب الأمر والنهي، والأسماء والصفات الحسنى، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع العليم. لقد تلطف موسى وهارون في دعوتهما «فرعون» وذلك بتوجيه من الله ـ تعالى ـ لهما؛ لأن الهدف من دعوته هدايته، وإخراجه من الظلمات إلى النور. قال ـ تعالى ـ: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٢ - ٤٤] . إن في هذا التوجيه سنة ربَّانيَّة لمن يقوم بحمل المنهج الرباني ويدعو إليه، وهي أن يتلطف بمن يدعوه، ويُبيّن له بالدلائل البينات، والبراهين الساطعات ما يدعو إليه، لعله يتذكر أويخشى، فيخرج من الظلمات إلى النور، ومن الرق إلى الحرية؛ حرية العبودية لله ـ تعالى ـ. وإن الرفق واللين في بيان الحق والوصول إليه أنفع وأوقع في النفس البشرية. يقول ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسيره لهذه الآية: «هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألاَّ يخاطب فرعون إلاّ بالملاطفة واللين، وأن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ » [النحل: ١٢٥] . إنّ مواجهة أهل الباطل المتمكنين في الأرض كـ «فرعون» وغيره، لهو أمر صعب على النفس، خاصة وأن الله ـ تعالى ـ بين لهما أنه طغى، لأن الذي لا يستحي ممن خلقه ورزقه، وبيده محياه ومماته، فإنه من باب أولى لا يستحي من مخلوق مثله، فقد يبطش به، أو يسفّهه، أو يسجنه، أو يسلط عليه السفهاء، وإن هذه المواقف ما غابت عن «موسى وهارون» ﵉ فقد حكى الله عنهما ذلك فقال ـ تعالى ـ: ﴿قَالا رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] . لكن من كان الله ـ تعالى ـ معه فلا يخاف ظلماً ولا بخساً، ولقد وجه الله ـ تعالى ـ عبديه الصالحين بعدة توجيهات في مواجهة «فرعون» الطاغية، وأخبرهما أنه ـ سبحانه ـ معهما يسمع ويرى، ومن تلك التوجيهات الربانية: ١ ـ السرعة في تنفيذ حجج الله ـ تعالى ـ وبراهينه ومعجزاته. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] . وفسَّر ابن عباس ﵄ ذلك بقوله: لا تُبطئا. وبقوله: لا تضعفا. وأياً كان الشأن فالتوجيه لهما بالصمود أمام فرعون، والمبادرة في بيان دلائل الحق والإعجاز، وعدم الفتور في عرضها وبيانها. والواجب على كل من عرف شيئاً من معالم هذا الدين أن يبادر إلى تنفيذها وإرشاد الناس إليها، وألاَّ يصاب بالكسل، أو الخور والجبن في تبليغها مهما قُوبل في الطريق من الصعاب والعقبات، فهذه سُنَّة الأنبياء، بتوجيه لهم من الله ـ تعالى ـ. ٢ ـ اللين في القول. لقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] . إن الرفق في جميع الأمور ما كان في شيء إلا زانه، كما أن الغلظة والشدة ما كانتا في شيء إلا شانتاه، وكما أن هذا التوجيه من الله لموسى وهارون ﵉ جاء أيضاً لنبينا محمد ﷺ فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ . [آل عمران: ١٥٩] ٣ ـ وهذه سُنَّة شرعية لمن يحملون المنهج الرباني ويبلغونه عباد الله؛ لأن الهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتعريفهم بخالقهم، والخضوع والتذلل له. ٤ ـ عدم الخوف في القيام بالرسالة الربانية. إن من طبيعة النفس البشرية أن يعتريها شيء من الخوف، وهو على درجات متفاوتة، والذين يحملون المنهج الرباني يدركون تبعاته وما يترتب على تبليغه ونشره، وموسى وهارون ﵉ وقع لهما شيء من الخوف من طاغية عصرهما «فرعون» أن يبطش بهما، ويعتدي عليهما لأول وهلة يلتقيان معه، لجهله من جانب، ولظلمه وطغيانه وجبروته من جانب آخر، والله ذكر ذلك في كتابه فقال ـ تعالى ـ: ﴿قَالا رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٥ - ٤٦] . إن الله ـ تعالى ـ اختار من خلقه من يحمل رسالته، ويقوم بنشرها وتبليغها، وفي مقدمة هؤلاء الأنبياء والرسل ـ عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ وجاء في وصفهم في كتاب الله العزيز: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] . يقول ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: «يمدح ﵎ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ﴾ أي: إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها، ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه ولا يخافون أحداً سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله ناصراً ومعيناً. وسيّد الناس في هذا المقام ـ وفي كل مقام ـ محمد رسول الله ﷺ ؛ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو ـ صلوات الله عليه ـ فإنه بُعِث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] . ثم ورَّثَ مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه، بلَّغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسِرِّه وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم. ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم» ا. هـ. ما أجمل سيرة السلف الصالح من الأنبياء والرسل، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم، وكيف يخشى أو يخاف من كان الله ـ تعالى ـ معه بالنصر والتأييد، أنقذ نوحاً، وموسى، ويونس من الغرق، وإبراهيم من النار، وعيسى ومحمد من القتل، وأهلك من عاداهم، ولم يستجب لهداهم، وأخذ كلاً بذنبه، وصدق الله القائل: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] . ١٦ ـ العاقبة الوخيمة لفرعون وملئه: لقد اقتضت حكمة الله ـ تعالى ـ أن يكون لكل مخلوق من خلقه بداية ونهاية، ولا يبقى إلاّ وجهه الكريم، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧] . ولقد ذكر الله ـ تعالى ـ لنا في كتابه أحوال كثير من خلقه ـ أفراد ومجموعات ـ من الذين طغوا وتجبروا وتكبروا في الأرض بغير الحق، بل بغياً وعدواناً، كما جاء في وصف فرعون وجنوده، في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] . وبيَّن لنا ـ سبحانه ـ كيف أخذهم، وأنه ـ سبحانه ـ أخذ كلاً بذنبه، فقال بعد أن ذكر الله ـ تعالى ـ نوحاً، وإبراهيم، ولوطاً، وشعيباً، وهوداً، وصالحاً، وموسى ﵈ وقومهم: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] . وقد وعد الله ـ تعالى ـ عباده الصالحين بالنصر والفوز المبين، والغلبة والتمكين، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] . ولقد بذل رسول الله موسى ﵇ جهداً عظيماً مع فرعون وملئه، لكنهم أعرضوا عنه وتنكروا له، بل ضاقوا ذرعاً به وبدعوته، ووقفوا ضده يحاورونه ويجادلونه، ويناقشونه ويشوهونه، ومع ذلك وقف نبي الله موسى ﵇ وقوف الجبال الرواسي على دينه، ولم يقصّر في تبليغ ما كلّف به من ربه، وترفق بفرعون وملئه في دعوته، وصبر على ما لاقى منهم في الطريق من المتاعب والمطاردة والمشاق والأذى، ووقفوا ضده مواقف مخزية، ومن تلك المواقف السيئة: ١ ـ التكذيب بآيات الله ـ تعالى ـ، والاستكبار عنها. قال ـ تعالى ـ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران: ١١] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ . [الأنفال: ٥٤] قال ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [يونس: ٧٥] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وَإنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ . [الدخان: ٣١] ٢ ـ وصمٌهم لموسى ﵇ بأنه ساحر ومسحور. وأن ما جاء به سحر. قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ . [الإسراء: ١٠١] وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] . ٣ ـ اتهموا موسى وقومه بالفساد في الأرض. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ . [يونس: ٧٩] ٤ ـ قتلهم لأبناء بني إسرائيل، واستحياء نسائهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٤١] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٦] . ٥ ـ الإنكار لربوبيّة ربِّ الأرباب. قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] . ٦ ـ العزم على قتل موسى، والتخلص منه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . ٧ ـ ادعاء فرعون الربوبيّة. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إلَى إلَهِ مُوسَى وَإنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] . ٨ ـ ادعاؤه الكمال في الرأي والدلالة. قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] . إلى غير ذلك من المواقف المشينة من فرعون وقومه في حق الله ـ تعالى ـ وأنبيائه ورسله. وقد أخذ الله ـ تعالى ـ فرعون وقومه أخذ عزيز مقتدر، وبيّن الله لنا في كتابه أنه طغى، فأخذه الله ـ تعالى ـ بالغرق ليكون عبرة لمن خلفه. فقال ـ تعالى ـ: ﴿اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٤٣] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران: ١١] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٣] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] . ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ . [الأنفال: ٥٤] ومن العاقبة السيئة لفرعون وجنوده، أنهم يُعرضون على النار غدواً وعشياً، ويوم القيامة يذوقون أشدَّ العذاب. قال ـ تعالى ـ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] . ولم يقع ما حلَّ بهم إلاّ بعد ما أُنذِروا، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٤١] . ١٧ ـ الدروس والعبر المستفادة. | إنَّ عَرضَ سير الأنبياء والمرسلين الذين اختارهم الله ـ تعالى ـ، واصطفاهم من خلقه على الأسماع لهو أمر مهم ومطلوب، فهم القدوات الطيبة الذين حملوا المنهج الرباني وطبقوه في أنفسهم، ثم دعوا البشر إلى اعتناقه وتطبيقه، ولاقوا في سبيل ذلك من المتاعب والمشاق ما الله به عليم، ومع ذلك حفظهم الله ـ تعالى ـ، ومكَّنهم في الأرض، وصرف عنهم كيد عدوهم، وفي معرفة سيرهم خير زاد في الطريق إلى الله ـ تعالى ـ. | إنّ الصراع بين الحق والباطل سُنَّة من سنن الله ـ تعالى ـ، ما دامت السماوات والأرض، لا يزول هذا الصراع إلاّ بزوال هذا الكون. وما وقع بين موسى ﵇ وفرعون وملئه من هذا الباب. | إن الله ـ تعالى ـ أخبر أن التمكين في الأرض سيكون لموسى وملئه، وأن الدائرة السيئة ستكون على فرعون وملئه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦] . | إنّ طريقة القرآن في عرض المشاهد أو الأحداث يجمل ولايفصل، ولكن هذا الإجمال يرى فيه الناظر كأنما شاهد القصة أو الحدث كاملة أومتكاملة، وهذا من بلاغة القرأن الكريم وإعجازه، وهذا يؤخذ من قصة أخت موسى من الحدث حيث تجلَّى ذلك في عدة محاور: الأول: الأم وابنتها وما دار بينهما في شأن موسى ﵇. الثاني: الدور الذي قامت به أخت موسى. الثالث: الحوار الذي دار بين أخت موسى وآل فرعون. الرابع: رجوعها إلى أمها بالبشارة العظيمة برجوع موسى ﵇ إليهما. | إنّ الله ـ سبحانه ـ خلق الجن والإنس لعبادته وحده دون من سواه، وهداهم النجدين، وأوضح لهم الطريقين بواسطة رسله الكرام، وقد بلغوا الناس ما أنزل إليهم، وأول تكليف طلبوه منهم عبادة الله وحده وعدم الإشراك به. | جَعَلَ ـ سبحانه ـ من سنته ابتلاء الناس بعضهم ببعض. كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] . كما جعل من سنته التدافع فيما بينهم. كما قال ـ تعالى ـ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] . | إنَّ من عدل الله وفضله ومنَّته أنه حرّم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرماً. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] . وفي الحديث القدسي الصحيح: «ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا» رواه مسلم. وقد ظلم فرعون وقومه نبي الله موسى وقومه، والمظلوم هو المنتصر في النهاية. سواء في الحياة الدنيا أو الآخرة. | إنّ بعض خلق الله كُتِبت عليه الشقاوة في الدنيا والآخرة، فيشقى به من كان تحت ولايته، أو حوله، ومن أولئك «فرعون المثبور» ذلك الرجل الطاغية، الذي ادّعى الربوبية، كما حكى الله عنه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] . ووصفه الله بالطغيان وكثرة الفساد في الأرض، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٠ - ١٤] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] . | إنّ من أعظم فساد فرعون ادعاؤه الربوبية والألوهية، ثم ذبحه لأبناء بني إسرائيل خوفاً على ملكه ونفسه منهم. ولو استسلم لله ـ تعالى ـ واستجاب؛ لسَعِدَ في الدارين، ولكن لله ـ تعالى ـ الحكمة البالغة. | إن المخاوف البحرية أيّاً كانت؛ سواء كانت أمواجاً أو غرقاً، أو حيوانات من حيوانات البحر، أوظلمات، أو غير ذلك ممَّا يتصوره الإنسان على مثل ذلك الرضيع الصغير الضعيف أو غيره، ترجع أمناً وطمأنينة وهدوءاً وسكينة بتدبير الله ـ تعالى ـ لها، فهو الخالق المصرّف الذي بيده ملكوت كل شئ، إذا أراد شيئاً قال له: كن. فيكون. | إن بيوت الجبابرة قد يوجد فيها الاختراق، إمّا من داخلها أومن خارجها، وإذا قوي التوكل على الله لدى الإنسان قويت عزيمته، وإذا أخذ بالأسباب الشرعية في الوصول إلى الأهداف فإن الله ـ تعالى ـ يُسَهل له الطريق ويلين له القلوب ويجعل الله له مع العسر يسراً، انظر إلى ما هيأه الله لهذا الرضيع وهو في المهد! لا يعرف توكلاً، وليس له عزيمة ولا قدرة، ولا يعرف وسيلة ولا هدفاً ولا غايةً، وهو في قبضة من يريد ذبحه والتخلص منه، وليس لديه أيّ تردد في ذلك وهو داخل داره وبين جنوده وغلمانه، ومع ذلك هيّأ الله له من يعطف عليه ويدافع عنه، ويجادل فرعون في أمره وهو لا يشعر بذلك، فأصبح عدواً وحزناً لفرعون في داخل داره، ومع ذلك صرف الله عنه بطش فرعون وظلمه وطغيانه، ومع إصرار زوجة فرعون ودفاعها عن الاعتداء على ذلك الطفل استجاب فرعون لها، مع تخوفه منه وكرهه لذلك، واستنفرت خدمها للعناية بموسى ﵇ فكلّفتهم البحث عن المرضعات؛ لكي يقمن بإرضاعه وإطعامه، فحضرن وحاولن أن يرضعنه، لكنه امتنع عن ذلك، فلم يلقم ثدياً على الإطلاق؛ لأن الله ـ تعالى ـ حرّم ذلك عليه لحكمة يريدها سبحانه. | إن من يرتكب خطيئةً ـ مهما كانت ـ فإنه يصبح ضعيف الموقف، خائف النفس، وهذا يؤخذ من موقف موسى ﵇ لما اقترف تلك الخطيئة ـ وهي قتل القبطي ـ فأصبح خائفاً من أن ينكشف أمره لأولئك القوم الذين يتربصون به وهو في المهد، فكم حاولوا قتله، والتخلص منه، فكيف وقد وقع منه ما يسئ إليهم؟ فعلى العاقل أن يصون نفسه من الوقوع في الزلات، حتى يكون عزيز الجانب، مطمئن النفس وإن ظُلِم؛ كما حصل لنبي الله يوسف ﵇. | إن الله ـ سبحانه ـ إذا أراد شيئا هيأ له أسبابه، وإن الله ـ سبحانه ـ قادر على إيجاد ذلك الشيء من دون أسباب، ولقد سبق في علم الله ـ تعالى ـ الأزلي أن عبده موسى ﵇ سيكون من المرسلين. كما سبق في علمه ـ تعالى ـ أنه سيقع في أيدي أعدائه وهو طفل رضيع ليكون لهم عدواً وحزناً. فهيأ الله ـ تعالى ـ لعبده الضعيف من يحفظه ويكفله، ويرعاه من داخل بيوت أعدائه، وهم لايشعرون ماذا تكون العاقبة. | إن الإنسان مهما ارتكب من الذنوب والخطايا فإن أبواب الله مفتوحة بالليل والنهار، فلا يقنط الإنسان ولاييأس من عفو الله ورحمته ومغفرته، وإن أعظم ذنب عُصيَ الله به هو الشرك. فعلى كل من وقع في خطيئة سواء كانت كبيرة أو صغيرة أن يتوب إلى الله ـ تعالى ـ، ويستغفره، ويتوب إليه، ويندم على ذلك، ويخلص في توجهه إلى الله ولا يعود إلى ذلك. | ليعلم ورثة الأنبياء أن الطريق الصحيح هو طريق الأنبياء؛ فليصبروا، وليحتسبوا على ما يلاقون في طريقهم، وليدعوا ربهم أن يهديهم السبيل المستقيم وأن ينجيهم من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين، ومكر الماكرين، أسوة بالأنبياء في ذلك، ولا يستعجلوا الطريق، فإن النصر بيد الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] . | إن الرجل المصلح في هذه الحياة قد يجد معاناة في داخل النفس، ومعاناة في الطريق، ومعاناة من قلة الزاد وأنيس الطريق، ومعاناة ممَّن سيلقاهم أمامه، كيف يأوي إليهم، وكيف يقص خبره عليهم، وكيف يستقبلونه؟ لكن الرجل المؤمن بالله، والواثق بنصره، والمتوكل عليه حق التوكل، يلجأ إليه ويعتصم به ويتضرع إليه، فهو الخالق الرازق، وهو المحيي والمميت، وهو النافع وبيده مقاليد الأمور، لا رادَّ لما قضى، ولا مانع لما أعطى، ولا مذل لمن أعز، ولا معز لمن أذل. لقد لجأ موسى ﵇ بجلال الله وعظمته فدعاه؛ فحماه الله ـ سبحانه ـ وهيأ له من الأسباب وطرق الخير الشيء الكثير. | إن من طبيعة المرأة الخجل والحياء والضعف، وعدم القدرة على مزاحمة الرجال، وهذا يؤخذ من حال تلك المرأتين اللتين تذودان غنمهما عن ذلك المجتمع، فلا تُزاحمان القوم في السقي، وتنتظران صدورهم حتى تتمكنا من السقي بدون مزاحمة ولا مشادة. فالمرأة العاقلة تقدر وتحترم نفسها ومن وراءها، فكيف إذا كانت من بيت عز ومكانة؟ فإن مزاحمة المرأة للناس في منتدياتهم وفي قضاء حوائجهم ليس من طبيعتها، بل إذا حصل منها شيء من ذلك فإنَّه سلوك مشين، وخارج عن طبيعتها التي خلقها الله عليها. | إن الإنسان مهما أعطي من قوة في جسمه، وفي عقله، وفي جميع جوارح، فهي من الله ـ تعالى ـ، فعليه أن يلجأ إلى من حباه تلك القوة فيعترف بالتقصير والفقر، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه. وهذا يؤخذ من موقف موسى ﵇ بعد ما سقى للمرأتين. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] ، مفوضاً أمره إلى الله، ومتوكلاً عليه، ومعترفاً بضعفه وفقره أمام ربه وخالقه. | إنّ إعانة الضعيف ومساعدته في قضاء حاجته لهو خلق عظيم، حثّ عليه الدين الحنيف، وإن نبي الله موسى ﵇ بادر إلى فعل الخيرات، وساعد المحتاج، وأعان الضعيف على قضاء حاجته. وهكذا يجب على الذين يقتدون برسل الله الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وينتهجون نهجهم، ويسيرون على طريقهم غير عابئين بالعوائق والعقبات التي يلاقونها في طريقهم إلى الله ـ تعالى ـ. | إن القوة والأمانة قلّمَا تتوفر في شخص، وقد وُصف بهما موسى ﵇ في قوله ـ تعالى ـ على لسان إحدى الفتاتين: ﴿قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] . | إن المرأة لها أن تبدي رأيها، وتسعى في تحقيقه، وهذا يؤخذ من موقف ابنة ذلك الشيخ الكبير التي قصَّت على أبيها خبر موسى، فأمرها أبوها أن تدعوه، فذهبت إليه، في خطى حثيثة، وأدب جم، وستر كامل، ولسان طلق، وعزيمة قوية، لتبلغه دعوة أبيها، ولما وصلت إليه أبلغته الدعوة في أدب رفيع، ومنطق سليم، وأخبرته: أن والدها يريد أن يجازيك ويحسن إليك مقابل ما قدمت لنا من الخدمة في السقي. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] . | إن من مواقف الرجال الكبار وحُسنِ أخلاقهم كرمُ الضيافة، وحسن الاستقبال، وحماية الضيف، واحترام الجار، ونصرة الضعيف والمظلوم، والوقوف ضد الباطل وأهله، وهذا يؤخذ من موقف ذلك الشيخ الكبير عندما عرض عليه موسى ﵇ أمره وحاله، فقال مسرياً عن موسى، ومطمئناً وناصراً له، قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] . | إنّ النفس الأبيّة لاترضى أن تعيش على فتات العيش وموائد الآخرين، بل لابد أن تبحث عن وسيلة تكدح من خلالها، وتشعر بالعزة والاستعلاء بعيداً عن المسألة والاستجداء، وهذا ما وقع لموسى ﵇ حيث عاش مع الشيخ الكبير عيشة عمل وكدح يرعى له الغنم مقابل تزويجه إحدى ابنتيه، واتفقا على مدة العقد اللازم والكامل برضىً واختيار. | إن الوفاء بالعقود والالتزام بها من الإسلام، ولا يجوز الإخلال بها، أو نقضها، والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... ﴾ [المائدة: ١] الآية؛ ونبي الله موسى ﵇ وفّىّ بما التزم به مع ذلك الشيخ الصالح، وأدى أكمل الأجلين. | إن من سنن الله ـ تعالى ـ في خلقه حنين الإنسان إلى وطنه، فعلى كل مغترب أن يفكر في العودة إلى أهله وبلاده؛ لكي يقوم بما يستطيع عليه من الإصلاح، بين أهله وذويه، اقتداء بنبي الله موسى ﵇ فإنه لما قضى أكمل الأجلين وأتمهما ودَّع مضيفه هو وأهله ليعود إلى أهله وبلاده التي غادرها منذ زمن بعيد. | إن الابتلاءات التي قد تحصل للإنسان في الطريق قد تكون هي سبيل التمكين في الواقع. | إن التكاليف الربانية ليست بالشيء اليسير، إنها تكاليف عظيمة وكبيرة وثقيلة، تحتاج إلى رجال أقوياء في حملها، وفي تبليغها إلى الآخرين، وتحتاج إلى صبر ويقين، وتوكل على الله، وهمّة عالية، وموسى ﵇ من أولئك الرجال العظماء، فقد صنعه الله ـ تعالى ـ على عينه، وغذاه ورباه ومحّصه حتى بلغ أشده، واستوى على سوقه، فكلّفه وأرسله، بعد أن أعطاه الله ـ تعالى ـ الحكم والعلم، فقام بما كلّف به خير قيام. | لقد سبق في علم الله ـ تعالى ـ الأزلي أن فرعون لا يؤمن، ومع ذلك أمر عبديه ونبييه ـ موسى وهارون ﵉ أن يذهبا إليه ويترفقا به في الحوار والنقاش لعله يتذكر أو يخشى، كل ذلك من أجل أن يرسما طريقاً في الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ لمن يأتي بعدهما، من إلانة في القول، وترفق بالآخر، والصبر على المعاناة في الطريق من القريب والبعيد، والصديق والعدو، والأخذ بالأسباب، وعدم اليأس أو القنوط، فإن القلوب علمها عند الله ـ تعالى ـ يصرفها ويقلبها كيف يشاء. | يجب على من يدعو الناس إلى دين الله ـ تعالى ـ أن يحرص على هدايتهم؛ وإن لم يهتدوا، وأن يبلغهم دين الله ـ تعالى ـ برفق ولين، كما مرّ في قصة موسى وهارون مع فرعون، وأن يلجأ إلى الله ـ تعالى ـ بالذكر والتسبيح والدعاء، وأن يطلب من الله ـ تعالى ـ التوفيق والسداد. | إن التعاون بين أفراد البشر على تبليغ دين الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور لهو أمر مطلوب، سواء كان ذلك وفق نشاط منهجي، أو لا منهجي مادام أن النتيجة واحدة والغاية واحدة، وإن شدَّ الأزر في الطريق إلى الله ـ تعالى ـ وتوزع الأدوار، والتعاون على القيام بها، لهي من الأسباب التي تجعل العمل ناجحاً، وتجعل النفوس وثَّابةً إلى المعالي كلما حققت شيئاً من أهدافها وغاياتها. وإن قصة موسى ﵇ وطلبه من ربه ـ سبحانه ـ أن يشد أزره بأخيه هارون ﵇ خير شاهد على ذلك. | إن الله ـ تعالى ـ ليمهل للظالم ولا يهمله، ثم يأخذه بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر، وهذا ما حصل لفرعون وغيره من الأمم الظالمة، وقد أخبرنا ربنا ـ سبحانه ـ بذلك في كتابه، ولا يظلم ربك أحداً. فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . [العنكبوت: ٤٠] | إن الحق قد ينتصر بجهد الضعفاء قبل جهد الأقوياء، فلا يحقرن الإنسان أيّ جهد يقوم به، فإن مؤمن آل فرعون، وأخت موسى، وأمه، وآسية، كانوا ضعفاء، ومع ذلك قاموا بأدوار عظام في نصرة الحق. | إن الله ـ تعالى ـ وعد عباده الصالحين بالنصر والفوز المبين، والغلبة والتمكين، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] . فلا يتعجل الصالحون طريقهم، أو تمل نفوسهم، ولا يستوحشوا من قلة الناصرين أو السالكين، فإن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بدؤوا طريقهم فرادى، فما وهنوا لما أصابهم، وما ضعفوا وما استكانوا، ولنا فيهم الاقتداء والاتساء، والله ـ تعالى ـ ولي الصالحين.

стр. 5675

فن القيادة عند السلف الصالح سلطان بن محمد الدويش يزخر تاريخ الأمة الإسلامية بمواقف وقصص، المتأمل فيها يجدها نبراساً في طريقه للإصلاح، ولعلِّي أقدم من خلال هذه السطور نموذجاً من تلك القصص؛ فقد أورد الذهبي في السِّيَر: (عن محمد بن كعب، قال: جمع القرآنَ خمسةٌ: معاذ، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأُبَيٌّ، وأبو أيوب. ِ فلما كان زمن عمر، كتب إليه يزيد بن أبي سفيان (الأول) : إن أهل الشام قد كثروا، وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يُعلِّمهم القرآن ويفقههم، فأعنّي برجال يُعلمونهم. فدعا عمر الخمسة، فقال: إن إخوانكم قد استعانوني من يعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، فأعينوني يرحمكم الله بثلاثة منكم إن أحببتم، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا. فقالوا: ما كنا لنتساهم؛ هذا شيخ كبير ـ لأبي أيوب ـ وأما هذا فسقيم ـ لأُبيّ ـ فخرج معاذ وعُبادة وأبو الدرداء. فقال عمر: ابدؤوا بحمص؛ فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يَلْقن؛ فإذا رأيتم ذلك، فوجِّهوا إليه طائفة من الناس؛ فإذا رضيتم منهم، فليقم بها واحد، ولْيَخْرُجْ واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين. قال: فقدموا حمص فكانوا بها، حتى إذا رضوا من الناس، أقام بها عبادة بن الصامت، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين) (١) . «وعن مسلم بن مِشكم: قال لي أبو الدرداء: اعدُدْ من في مجلسنا. قال: فجاؤوا ألفاً وستمائة ونيِّفاً. فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة؛ فإذا صلى الصبح، انفتل وقرأ جزءاً، فيُحْدِقون به يسمعون ألفاظه» (٢) . «وقيل: الذين في حلقة إقراء أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجل، ولكل عشرة منهم ملقِّن، وكان أبو الدرداء يطوفُ عليهم قائماً، فإذا أحكمَ الرجلُ منهم، تحول إلى أبي الدرداء ـ يعني يعرض عليه ـ» (٣) . بعد إيراد هذه القصة لعلك أخي القارئ تتساءل: ما أبرز الفوائد المستنبطة منها؟ فأقول مستعيناً بالله: إن هذه القصة تضيء للإخوة الدعاة والقادة طريقهم نحو الإصلاح؛ ففيها أسلوب التعامل مع الأتباع، وفن توجيه الناس للهدف المراد، وأسس صناعة الصف الثاني في العمل، وغيرها الكثير، وأدعك أخي القارئ العزيز تتأمل بعض ما تم استنباطه (٤) من هذه القصة: ١ ـ علاقة القائد مع أتباعه هنا هي علاقة ود واحترام وتقدير؛ حيث نجد ذلك واضحاً في أسلوب طلب يزيد بن أبي سفيان عندما كتب: (إن أهل الشام قد كثروا، وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يُعلِّمهم القرآن ويفقههم، فأعنِّي برجال يُعلمونهم) حيث أبرز حيثيات الطلب، مع طلب العون في المساهمة لحل هذه القضية. كما نجد وضوح هذه العلاقة في عرض عمر ﵁ على الخمسة، مع علمه بأن هذه المهمة تحتاج إلى مواصفات تنطبق على بعضهم؛ وذلك ليبادر القادرون على أدائها، ولا يُلزِمهم بها؛ كما فعل رسول الله ﷺ في قوله: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال ليأخذوه ـ منهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب ـ حتى قام إليه أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشَة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني» . قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله! فأعطاه إياه. وتتضح هذه العلاقة أيضاً في قوله: (فأعينوني يرحمكم الله بثلاثة منكم إن أحببتم، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا) فالقائد هنا يطلب العون من الأتباع، مع دعائه لهم بالرحمة. ٢ ـ تهيئة الأتباع لتقبُّل أصعب المهام في الأزمات؛ فالناظر في هذه المهمة التي تتطلب فراق الأهل والأصحاب، يرى أنه بمجرد عرض الموضوع عليهم، بادر ثلاثة بالموافقة على أداء المهمة؛ وهذا يؤكد لنا أنه لا بد من تربية الأتباع لاستقبال المهام الشاقة في الرخاء، حتى إذا أتت المهمة الشاقة في الأزمات، يبادرون لأدائها، ولا يتقاعسون؛ كما في إرسال النبي ﷺ حذيفة بن اليمان يوم الأحزاب؛ فإنه شاهد على ذلك. ٣ ـ رجوع القائد للمصدر الرئيس في القضايا، فنجد عمر ﵁ يرجع في حال إلى القرآن الكريم، وفي حالٍ آخر إلى السنة، وفي أخرى يرجع للمتخصصين ـ كما فعل هنا ـ مع وجود من هو أفضل منهم كعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، إلا أنه رجع لهؤلاء الخمسة؛ لأنهم المرجع في هذه المسألة؛ وعليه فإنني أؤكد للقادة أن تكون الاستشارة بناء على الموضوع، وألا يخصصوا مستشاراً واحداً لكل المسائل، بل لكل موضوع أهله. ٤ ـ رسم القائد رؤية واضحة، بعد دراسته للواقع وتبيينها لأصحاب المهمة؛ ففي قوله: (ابدؤوا بحمص؛ فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة ... ) إلى قوله: (والآخر إلى فلسطين) ، فكان فقه عمر ﵁ للواقع واضحاً وجلياً، ولذا بدأ بحمص لوجود مشكلة في المنطقة يجب التغلب عليها قبل انتشارها؛ وهنا فسر سبب اختياره هذه المنطقة. إن رسم الخطط الاستراتيجية في العمل، وإطلاع العاملين علبها؛ يساهم في اختصار الجهود والأوقات، وزيادة الحماس للعمل. ٥ ـ توجيه القائد لأتباعه بالبدء لصناعة صف ثانٍ في العمل، وهذه النظرة الثاقبة لعمر ﵁ تؤكد لقادة العمل الخيري أهمية هذا الأمر؛ ولذا رسم لهم سياسة سير العمل، بانتقاء المميزين من الطلاب، كما في قوله: (منهم من يَلْقن (١) ؛ فإذا رأيتم ذلك، فوجِّهوا إليه طائفة من الناس) . ويأتي التطوير بعد الانتقاء، ثم التقييم، كما في قوله: (فإذا رضيتم منهم) ، وهنا نجد اللفتة العمرية المهمة، بأن يكون التقييم جماعياً وليس فردياً. بالإضافة إلى ذلك نجد وضوح أسس التقييم بين القائد والعاملين، وبعدها يتم تفويضهم لإدارة العمل مع بقاء أحد القادة للمتابعة (فليقم بها واحد) . ٦ ـ القائد يرسم السياسات ويترك التفاصيل للعاملين؛ فعندما رسم خطة صناعة الصف الثاني، كما ذكرنا سابقاً، لم يحدد من يبقى ومن يذهب كما في قوله: (فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين) . وفي هذا يقول أحدهم: (القائد ينقش الأهداف على الصخر، والوسائل على الرمل) . إن إعطاء الصلاحيات للأتباع بتحديد الوسائل والبرامج، يساهم في زيادة الولاء للمنظمة. ٧ ـ تقرير مبدأ الأولويات في العمل؛ فقد وجههم بالمسير إلى حمص ثم دمشق وفلسطين، كما في قوله: (ابدؤوا بحمص) . ٨ ـ إبقاء عدد من المتخصصين في العمل الأصلي، ولم يستهلك جميع الطاقات؛ لأن المدينة المنورة مركز القيادة والعلم؛ ولذا أبقى اثنين منهم. ٩ ـ مراعاة القائد للعامل النفسي للأتباع، وذلك عندما أرسل ثلاثة؛ فهذا سيعطي لهم تسلية وقوة في العمل وأقدر على النجاح؛ حتى يتهيأ لكل واحد أتباع، ثم يفترقوا. ١٠ ـ السعي للاكتفاء بالموارد الداخلية في المنطقة؛ فإن التأكيد على الانتقال إلى دمشق وفلسطين يدل على أهمية الاكتفاء بأهل المنطقة من الموارد البشرية، وأؤكد على أهمية الموارد المالية؛ فمن المهم أيضاً السعي للاكتفاء بالموارد المالية من المنطقة. ١١ ـ ارتباط تعليم القرآن بالفقه بالدين، كما في قوله: (واحتاجوا إلى من يُعلِّمهم القرآن ويفقههم) ، قال الضحاك: (حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً) وتلا قوله ـ تعالى ـ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] . ١٢ ـ استمرار بناء الإنسان لذاته، وألا يكون شمعة يحرق نفسه ليضيء للآخرين، كما ذكر مسلم بن مِشكم في قوله: (فإذا صلى الصبح، انفتل وقرأ جزءاً) ، يجب على الدعاة والعاملين في الحقل الخيري أن يستمروا في التعلم؛ ومهما وصل الإنسان إليه من العلم؛ فمطلوب منه الاستمرار؛ فهذا أبو حنيفة قال: (قدمت البصرةَ فظننتُ أني لا أُسأل عن شيء إلا أجبتُ فيه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي ألا أفارق حماداً حتى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة) (١) . وفي دراسة على تسعين قائداً، تحدث هؤلاء القادة بأن أهم صفة للقائد هو التعلم المستمر، والله يقول: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] . فكل كائن يكفُّ عن النمو يبدأ في الموت. ١٣ ـ تقدير حجم العمل وتقسيمه بناء على الموارد المتاحة؛ وذلك عندما قال: (اعدُدْ مَنْ في مجلسنا) ، وفي قوله: (ولكل عشرة منهم ملقِّن) . ١٤ ـ المتابعة من أهم أسس نجاح العمل، كما جاء عن عمر ابن الخطاب ﵁: (أرأيتم إن استعملت خيركم، ثم أمرته بالعدل، أكنت قضيت ما عليَّ؟ قالوا: نعم! قال: لا؛ حتى أنظر: أعمل بما أمرت، أم لا؟) . ١٥ ـ التدرج في التعلم، كما في قوله: (فإذا أحكمَ الرجلُ منهم، تحوَّل إلى أبي الدرداء ـ يعني يعرض عليه) ، حيث لم ينشغل أبو الدرداء بالجميع، بل ينتقل إليه من أحكم الحفظ. أخيراً: فإن السيرة مليئة بالقصص والأحداث؛ فلنستفد منها، ونستخرج الكنوز من أعماقها. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5676

هيَّا إلى الاحتساب ! فيصل بن علي البعداني ترمي الشريعة إلى إشاعة الخير ودروس الشر، ولذا علت منزلة الاحتساب، وجلَّت رتبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا غرو فهو أصل من أصول الشريعة، وركن عظيم من أركانها المنيعة، مفتاحٌ للإصلاح، وبوابةٌ لاستقرار المجتمع وظفره بالأمن والسعادة، وضرورةٌ كبرى تُحمَى به العقيدة، وتصان الفضيلة، ويُدافَع الباطل، وتُحْمَى الأمة من عبث ذوي الأهواء والشهوات، ويُوقَى أفرادها من اتِّباع الهوى وولوج سوق الرذيلة. يقول الغزالي: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طُوِي بساطه، وأُهمِل علمه وعمله، لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمَّت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد) (١) . وكيف لا يكون الاحتساب بهذه المنزلة وقد جعله الله ـ تعالى ـ شعار هذه الأمة ومناط خيريتها، فقال ـ تعالى ـ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، وأبان أن القيام به عنوان السعادة وبوابة الفلاح، وأن تركه سبيل استحقاق لعنته، والطرد من رحمته فقال آمراً به: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وقال ـ عز من قائل ـ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩] . وأوضح النبي الكريم ﷺ أن القيام به شرطٌ للنجاة، وأن الإعراض عنه سببٌ للهلاك، وتعرُّضٌ للعقوبة، وحرمانٌ من إجابة الدعوة فقال ﷺ : «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» (٢) ، وقال ﷺ : «والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (٣) . وأمام ذلك الترغيب العظيم والتهديد الشديد بادر المصلحون على امتداد تاريخ الأمة الطويل على اختلاف مواقعهم إلى الاحتساب في كافة مستويات المجتمع وطبقاته، ولكثرة الشواهد وسعتها فسأكتفي بذكر بعض ذلك من خلال سيرة النبي ﷺ وحياته العطرة، من خلال ما يلي: ü احتساب النبي ﷺ في محيطه الأسري: لم تُلْهِ المهام الجسام التي كانت موكلة بنبينا الكريم ـ من تعليم الناس الكتاب والحكمة، وتدبير شؤون الأمة، ومواجهة الأخطار المحدقة بها، والانكسار بين يدي ربه آناء الليل وأطراف النهار ـ لم تلهه ﷺ عن تربية أسرته الكبيرة، وتوجيهها إلى الابتعاد عما يُغضِب ربها، ويحول بينها وبين الظفر برحمته وإحسانه، ومن ذلك: ما روت عائشة ﵂ قالت: «دخل عليَّ النبي ﷺ وفي البيت قِرَام فيه صور، فتلوَّن وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، وقال ﷺ : إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يصوِّرون هذه الصور» (٤) ، وما روته ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا ـ تعني قصيرة ـ فقال: «لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، قالت: وحكيتُ له إنساناً، فقال: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا» (٥) ، وما رواه خادمه أنس ﵁ قال: «بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي، فقال النبي ﷺ : إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي؛ ففيمَ تفخر عليك؟! ثم قال: اتقي الله يا حفصة!» (١) . ü احتساب النبي ﷺ على أصحابه المحيطين به: عُنِي ﷺ بتزكية أصحابه الكرام ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ وبخاصة القريبين منه، المكثرين من خلطته، وعمل على تنقيتهم من المعاصي والذنوب، وتحليتهم بالفضائل من أعمال القلوب والجوارج، مبادراً إلى نهيهم عن كل خطأ يراه عليهم أو زلة يستجرهم إليها الشيطان برفق ولين ينبتان المحبة دون تنفير، وحكمةٍ تبني دون أن تهدم، ومن ذلك ما رواه أبو ذر ﵁ قال: «إني ساببت رجلاً فعيَّرته بأمه، فقال لي النبي ﷺ : يا أبا ذر! أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (٢) ، وحديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ حين أَهَمَّ قريشاً شأنُ المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟! فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله ﷺ ؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : «أتشفع في حدٍ من حدود الله؟! ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأَيْم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٣) ، وحديث أبي مسعود البدري ﵁ قال: «كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: اعلمْ أبا مسعود! فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود! اعلم أبا مسعود! قال: فألقيت السوط من يدي، فقال: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام! قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً» (٤) . ü احتساب النبي ﷺ على ذوي الفضل من العلماء والعُبَّاد: لأهل العلم وأرباب الطاعة والمستكثرين من العبادة شأن رفيع، ومنزلة سامقة في هذه الأمة، ولكن ذلك لم يَحُلْ بين النبي ﷺ وبين الإنكار عليهم، ومواجهة أحدهم حينما يقع في خطأ أو يصدر منه زلل دون أن يُنزِلهم ذلك عن رتبهم أو يحط من أقدارهم، ومن شواهد ذلك: حديث جابر ﵁: «أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فَتَجَوَّز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذاً، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجلَ، فأتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنَّا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذاً صلى بنا البارحة، فقرأ البقرة فتجوَّزت، فزعم أني منافق، فقال النبي ﷺ : يا معاذ! أفتَّان أنت؟ (ثلاثاً) ، اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] ، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ، ونحوها» (٥) ، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «زوَّجني أبي امرأة، فجاء يزورها، فقال: كيف ترين بعلك؟ فقالت: نِعْم الرجل من رجل! لا ينام الليل ولا يفطر النهار. فوقع بي، وقال: زوَّجْتك امرأةً من المسلمين فعضلْتَها، قال: فجعلت لا ألتفت إلى قوله؛ مما أرى عندي من القوة والاجتهاد، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: لكني أنا أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، فقم ونم، وصم وأفطر! قال: صم من كل شهر ثلاثة أيام، فقلت: أنا أقوى من ذلك، قال: صم صوم داود ﵇ صم يوماً وأفطر يوماً، قلت: أنا أقوى من ذلك. قال: اقرأ القرآن في كل شهر، ثم انتهى إلى خمس عشرة وأنا أقول: أنا أقوى من ذلك» (٦) . ü احتساب النبي ﷺ على الأمراء وأصحاب الولايات: عقد النبي ﷺ ألوية الإمارة لجماعة من أصحابه الكرام ﷺ ممن توسَّم فيهم القدرة على القيادة، وسياسة الآخرين، والقيام بالمهام الموكلة إليهم بإتقان وأمانة، ولكن توليته ﷺ لتلك الفئة المتميزة، وثقته الكريمة بها لم تَحُلْ بينه وبين أن ينكر على أحدهم ما قد يقع منه من خطلٍ ومخالفةٍ لنهج الصواب، ومن ذلك حديث علي ﵁: «أن النبي ﷺ بعث جيشاً وأَمَّر عليهم رجلاً، فأوقد ناراً، وقال: ادخلوها! فأرادوا أن يدخلوها، وقال آخرون: إنما فررنا منها، فذكروا للنبي ﷺ ، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة، وقال للآخرين: لا طاعة في معصيةٍ، إنما الطاعة في المعروف» (٧) ، وحديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: «استعمل رسول الله ﷺ رجلاً على صدقات بني سليمٍ يُدعَى ابن الْلَّتْبِيَّة؛ فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالُكم، وهذا هدية، فقال رسول الله ﷺ : فهلاَّ جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً! ثم خطبنا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاَّني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أُهديت لي! أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟! واللهِ لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رُغَاء، أو بقرة لها خُوَار، أو شاة تَيْعَر، ثم رفع يده حتى رُئي بياض إبطه يقول: اللهم هل بلَّغت، بَصَر عيني وسَمْعَ أذني» (١) . ü احتساب النبي ﷺ على عامة المجتمع: لم تَحُلْ مشاغل النبي ﷺ العظيمة وأعماله الجسيمة بينه وبين الاحتساب على فئات المجتمع قليلة المخالطة له ﷺ ، حين يحصل داعٍ لذلك، ومن الشواهد: حديث أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ مرَّ على صُبْرَةِ طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعُه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟! قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: أفلا جعلته فوق الطعام؛ كي يراه الناس؟! من غشَّ فليس مني» (٢) ، وحديث سلمة بن الأكوع ﵁ «أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: كُلْ بيمينك! قال: لا أستطيع، قال: لا استطعتَ. ما منعه إلا الكِبْر، قال: فما رفعها إلى فيه» (٣) . وحديث ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده؟ فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به، قال: لا واللهِ! لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله ﷺ » (٤) ، وحديث عبد الله بن جعفر ﵄ أن رسول الله ﷺ «دخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا جملٌ، فلما رأى النبيَّ ﷺ حنَّ، وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح ذِفْرَاه فسكت، فقال: مَنْ ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله! فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها؟ فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتُدْئِبُه» (٥) . وبالجملة: فقد كانت الحسبة والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكوِّناً أساساً من مكونات شخصية النبي ﷺ لم تفارقه في كل أدواره ومواقفه، وفي كافة صِلاته وعلاقاته، وفي جميع مواقع وجوده، وهو موضع عظيم للتأسي والاقتداء فهمه الصحابة الكرام ومارسوه في عامة أحوالهم وأدوارهم حتى في الحالات الخاصة؛ كحداثة الإسلام كما في قصة الطفيل بن عمرو الدوسي، الذي من حين أسلم خرج مسرعاً إلى قومه داعياً لهم ومحتسباً عليهم، حتى أقلع عن الشرك والمنكرات معه من قبيلته دوس العدد الغفير (٦) ، وكحالات المرض الشديد كما في قصة عمر ﵁ حين دخل عليه في مرض موته شابٌ يعوده، فلم يلهه فراش الموت والتفكير في كيفية تدبير شأن الدولة من بعده أن يأمر الفتى برفع الإزار وترك الإسبال (٧) . والمتأمل في واقعنا المعاصر يلحظ ظاهرة إحجام كثير من خيار رجال الأمة ونسائها الفضليات عن القيام بهذه الشعيرة العظيمة، مما تسبب في كثرة شيوع الخبث، وذيوع المعاصي والمخالفات، والمجاهرة بالفساد، وتجذُّر كثير من المظاهر السيئة، والتعلق بالكفرة والفساق وتقليدهم، وانتشار الجهل والظلم والتناحر، وعلو أهل الأهواء والمنكرات وتسلطهم وكثرة عبثهم بالخير والفضيلة ومخالفتهم لأحكام الشريعة؛ مما يهدد سفينة المجتمع بالغرق، وقوة الأمة وتماسكها بالضعف والهوان والفرقة، وفقدان العزة والإغراق في التبعية. ويعود ذلك التقصير والإحجام إلى أسبابٍ عدةٍ، من أبرزها: الغفلة عن جلالة هذا الأمر وضرورته وعلو منزلته، وتحقير النفس والنظرة الدونية للأثر، والتسويف والتواني، والتواكل وتبرئة النفس وإلقاء المسؤولية على الآخرين، والاستخفاف العملي بخطورة المعاصي والمنكرات وعدم تقديرها حق قدرها، وإيثار السلامة والجنوح إلى الدعة وعدم الرغبة في الولوج في تبعاتٍ قد تنجم عن الاحتساب وتحتاج إلى تحمُّلٍ وصبر، والتخوُّف من ملامةٍ قد تحصل من جراء تسرعٍ أو اجتهادٍ خاطئ، والابتعاد عن الناس وضعف معايشتهم مما أدَّى إلى الجهل بحدوث المنكرات وعدم العلم بوقوعها، وغير ذلك كثير. لكن السبب الأكبر في حدوث ذلك التواني والخمول يعود بدرجةٍ أساسٍ إلى فتورٍ إيمانيٍ ظاهرٍ، وإلى محدوديةٍ جليةٍ في فهم الدين وتصوره كما جاء به النبي الكريم ﷺ ، وإلى تقصيرٍ بيِّنٍ لدى المحاضن التربوية بدءاً بالمنزل ومروراً بالمدرسة والمسجد والبيئات التربوية المتنوعة في تفقيه الجيل وتربيته على ممارسة هذه الشعيرة العظيمة في إطارٍ فاعلٍ منضبطٍ بحسب علم كل فردٍ وحدود قدرته، وهي أمورٌ بالغة الخطورة، وسيؤدي التمادي فيها إلى تسيُّد الباطل وشيوع المنكر وانحسار كثير من معالم الحق ومظاهر المعروف في مدى زمني قريب قد لا يخطر على بال كثير من أهل العلم والدعوة فضلاً عن جماهير مجتمعاتنا الخيِّرة. فيا قوم! هيَّا إلى الاحتساب والقيام بواجب التواصي بالحق ومدافعة المنكر، وتشجيع كل جهدٍ خيِّرٍ يصب في هذا الاتجاه قولا ًوعملاً، حساً ومعنى، تعظيماً لله تعالى، وامتثالاً لأمره سبحانه، وتأسياً بنبيا الكريم ﷺ ، طلباً للثواب، وخشيةً من العقاب، وإصلاحاً للمجتمع، وحفاظاً على مسيرته من الزيغ والانحراف؛ فالمسؤولية عظيمة، والجهود المبذولة فيه قليلة، ولا تفي بالغرض المطلوب. اللهم يسر لأمتنا من أمرها رشداً! إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله؛ عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 5677

التكامل والتوازن في التربية أحمد المنصب إن الحديث عن أهمية إنقاذ الأمة، وعن ضرورة رسم المنهج ذي المعالم الواضحة في إحياء الأمة، وإنقاذها حديثٌ أحسب أننا قد تجاوزناه، وأصبح من البدهيات لدى كل مسلم يشعر بواقع الأمة، ويدرك دوره في إنقاذها. إنما مدار النقاش والحديث حول المناهج ووسائل التغيير، وأحسب أن الأغلب من قطاع الصحوة يوافق على أن التربية ضرورة ملحّة؛ لغرس المعاني والتوجيهات في صفوف الناشئة وعلى صعيد الأمة أجمع، وضرورة ملحّة لغسل أوضار الماضي وآثاره السيئة. وهي حينما تسعى للقيام بهذا الدَّور وأداء هذا الواجب فلا بد أن تكون مؤهّلة لهذه المنزلة، ولا أظن أننا نملك بديلاً غير التربية، لذا فهي تستحقّ منا الحديث الكثير عن ضرورتها، والمطالبة بها والسعي في نشر آثارها، وهناك جوانب كثيرة؛ منها: أولاً: ينبغي أن نعتني به جميعاً لا على مستوى رجال الصحوة فحسب، بل على كافة الطبقات والمستويات التي تعتني بهذا الجانب، ونحن حين نتحدَّث حول هذا الموضوع الشموليّ، عن جوانب كثيرة سواء أكانت جوانب فردية أم جوانب على مستوى الأمة، وسواء أكانت جوانب تخص الفرد بحد ذاته، أم كانت تخصّ الأسرة ودور الأب والأم، أم كانت تتعلَّق بالمؤسسات التربوية، إننا حين نتحدَّث هذا الحديث فإننا لا نعدو أن نذكر خواطر مجرَّدة؛ فالحديث عن هذه القضية مجال واسع. ثانياً: حين نتحدث عن القضايا التربوية، علينا أن نطرح منهجاً نظريّاً، وربما يكون قابلاً للصواب وللخطأ؛ لكن هذا شيء، وتطبيقه على آحاد الأفراد شيء آخر؛ فنحن نتحدّث عن أسلوب ومنهج، أو عن برنامج، وهذا لا يعني أن محمداً من الناس أو زيداً من الناس ينطبق عليه هذا الكلام أو ذاك؛ ذلك أن كثيراً من الإخوة الأساتذة والمربِّين يطبق ما يسمع حرفاً بحرف، وما يقول قد يكون حالة من الحالات يعيشها المربي مع من يربِّيه، مع تلميذه، أو مع ابنه، وقد تكون حالة فريدة؛ وهذا راجع إلى إلقاء أسلوب المربي في التعامل مع تلاميذه وأبنائه. ثالثاً: التربية ليست مسؤولة عن مشكلات لم تكن هي السبب في إحداثها ووقوعها. إنك مثلاً، قد تجد البعض من الآباء يعرض مشكلة ابن من أبنائه، أو بنت من بناته قد بلغ سن التكليف، واستعصى على التوجيه وشب عوده؛ فلم يعد قادراً على تربيته؛ فهنا يعجز الأب عن حل هذه المشكلة، فيعرض عليك مشكلته ويطلب منك حلاًّ لها، قد تجد حلاًّ وقد تنجح، لكن ينبغي أن نعلم أن هذه المشكلة من أسبابها سوء التربية ابتداءً. فنحن حين نتحدث عن التربية نرى أنها كفيلة - بإذن الله - بحل كثير من المشكلات والعقبات، وهي ليست مسؤولةً عن حل مشكلاتٍ لم تكن هي السبب في حدوثها. إن المفترض أن تبدأ تربية الشاب من صغره وطفولته، بل أن يتربى وهو حمل في بطن أمه؛ فضلاً عن طفولته ومراهقته وشبابه، وحين يسار به وفق المنهج الشرعي والتربوي السليم، فالأغلب حينئذ - بإذن الله - أن يستقيم وفق المنهج القويم، وحين يفلت فلان أو فلان فالقلوب بيد الله . رابعاً: حين نتكلم عن هذه القضايا التربوية التي تخص فئة، وقطاعاً عاماً من الناس فهي تعني المعلم، وتعني الأب، وتعني الأم، تعني الكثير من الناس. حينئذ فنحن لسنا نتحدث حديثاً أكاديمياً، ولسنا نتحدث للمختصين؛ فلا بد حينئذ أن يكون حديثاً عامّاً يأخذ طابع العمومية، وحينئذ أرجو ألَّا يؤاخذني أهل الاختصاص والاصطلاح حين أسطو على مصطلح من مصطلحاتهم، فأستخدمه أوسع أو أضيق مما يريدون هم، أو يستخدمونه هم في قضية من قضاياهم. ü مسوغات المطالبة بالتربية المتكاملة المتوازنة: إننا نطالب أن تكون التربية متكاملة، وأن تكون متوازنة في الوقت نفسه، سواء على مستوى الأفراد أو على المجتمع ككل. وحين نطالب بذلك فإن الذي يدعونا إلى هذا الأمر مسوغات عدة: | طبيعة الإنسان: فالله خلق الإنسان بجوانب كثيرة متنوعة (جسم، وعقل، ومشاعر ... ) وحينئذ فالمنهج التربوي الذي يريد أن يرقى بهذا الإنسان ينبغي أن يكون متوافقاً مع فطرة هذا المرء، ولهذا صار أي تشريع للبشر من غير المصدر الشرعي محكوماً عليه بالفشل والبوار؛ لأنه تشريع صادر من البشر، والله هو الذي خلقهم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] وغالباً ما ترى تشريعات البشر وآراءهم تأخذ جانباً على حساب جانب آخر، وغالباً ما تخل بهذا التكامل أو هذا التوازن في شخصية المرء، إذن! فالتكامل والتوازن هو الذي يتوافق أصلاً مع خلق الإنسان ومع فطرته التي فطره الله عليها. ولأضرب على ذلك مثلاً: إننا حين نربي الناس على الخضوع وعلى التسليم لكل الآراء التي تُطرح عليهم أياً كان مصدرها، ونطلب من الناس أن يعطلوا عقولهم، وألاّ يفكروا مطلقاً فيما يُقال لهم؛ إننا حينئذ نعطل هذا العقل الذي خلقه الله له، وما خلقه الله إلا لحكمة، ولو كانت أمور الناس تستقيم على التقليد والتبعية لخلق الله لنخبة من الناس عقولاً دون عقول سائر الناس؛ حتى يخضع بعضهم لبعض ويكونوا تابعين لغيرهم. أما وقد خلق الله العقول للناس جميعاً فهذا يعني أن تُربى العقول، وهذا يعني أن يُربى الناس على أن يستخدموا عقولهم ويحكّموها داخل الدائرة الشرعية التي لا تخرجهم عن حدودها. وحين نأخذ منهجاً تربويّاً يتعامل مع جانب العقل والمعرفة وحدها، ويغفل عن جانب الوجدان في نفس الإنسان، يعيش في تناقض يحكم عليه بالفشل والبوار، كما هو الحال في المجتمعات الغربية المعاصرة، وقُلْ مثل ذلك في أي منهج يتعامل مع جانب واحد من جوانب الإنسان. | التوازن والتكامل سُنة الله في الحياة: فالجنون مثلاً نتيجة لعدم توازن القدرات العقلية والحسية؛ ولهذا يقال عن المجنون: «إنسان غير متوازن» ، «والصرع العضوي من أسباب زيادة الكهرباء في دماغ الإنسان» ، «وفقر الدم أو ضعفه يحصل عن عدم توازن كريات الدم الحمراء والبيضاء في الدم» ، «ثم إن زيادة سائل الأذن قد يتسبب في حالة إغماء لدى الإنسان» ، «كما يتسبب ضغط العين أو القلب على انعكاسات صعبة خطيرة» . هذه بعض النتائج التي يخلّفها عدم التوازن في الكائن البشري، وهناك عشرات الأمثلة الأخرى على ذلك. أما حدوث عدم التوازن في الكون والحياة فهي أكثر من أن تحصى ... «إن تغير نسبة الأكسجين في الهواء تجعله ملوثاً، وقد تجعله سمّاً قاتلاً» ، «وتغير المعادلة المتوازنة في دوران الأرض والشمس والأفلاك ينتج عنه كثيرٌ من الأمور أقلها اختلال نظام الليل والنهار، وتعاقب الفصول، وما يؤدي ذلك من أضرار على الإنسان والحيوان والنبات وعلى الحياة بكاملها» . وما يصنعه بنو الإنسان من آلات وما ينشئونه من بنايات، فجميعه محكومٌ بقاعدة التوازن، وأي خلل في المقادير والمعايير يتسبب بنتائج خطيرة ومأساوية. وجوانب الشخص نفسها حين لا تكون متوازنة ولا متناسقة فإنها تُخرج إنساناً غير متناسق؛ فجمال الوجه - مثلاً - فيه توازن نسبي بين حجم الأنف والعينين والفم والرأس؛ بحيث لو اضطربت هذه النسب لكانت صورة مشوهة هزيلة أو ناقصة. وقيمة الطعام تكمن في مختلف عناصره الرئيسة؛ بحيث تتحقق النسبة المتوازنة لسلامة الجسم من مختلف الدهون والسكريات والفيتامينات والأملاح والمعادن ... إلى غير ذلك. والإخلال بالتوازن حتى في المظهر الجمالي أمر يدعو الناس إلى النفور؛ فحين يسعى الإنسان لتجميل منزله فيبالغ فيه أو يجعله بصورة غير متوازنة يصبح أمراً مرفوضاً. وتقرأ في كتاب الله الحديث عن هذا الكون وأنه محكوم بهذه السنة. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] ، ويقول: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إلاَّ بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] ، ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ، ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤] . | الشرع قائم على الوسطية والتكامل: إن شرْع الله قائم على الوسطية في كل الأمور: الوسط في الاعتقاد، الوسط في العبادة، الوسط في السلوك، فشرْع الله قائم على هذه القاعدة. وهو كذلك تبدو فيه ظاهرة التكامل مَعْلماً بارزاً؛ فما من مجال من مجالات الحياة إلا وللشرع فيه حُكم؛ فإنك ترى للشرع حُكماً في معتقد الإنسان، وترى للشرع حُكماً في تعامل الإنسان مع غيره، وترى للشرع حُكماً في عبادة الإنسان، ترى له حُكماً في سلوكه، وترى له حُكماً في أخلاقه، وفي الاقتصاد والسياسة وحياة الناس الاجتماعية وعلاقاتهم ... إنك لا تجد باباً من أبواب الحياة إلاّ وفيه حُكم واضح للشرع، وهذا يعني أننا أمام شرع متكامل. إذاً! حينما نريد أن نربي الناس على هذا الشرع ينبغي أن نربيهم تربية متكاملة ومتوازنة؛ ولهذا أنكر الله على بني إسرائيل الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٨٥] ، ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] . ومن إعجاز القرآن أن الله حذَّر نبيه من صورة نراها في واقعنا؛ فحين أمر الله نبيه أن يحكم بشرع الله قال بعد ذلك: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] وكأن هذه الآية تنطق بواقع القرون المتأخرة، وأن هناك من يساوم على بعض شرع الله، فيأخذ بعض شرع الله ويرفض بعضه، فينادي بالاحتكام إلى شرع الله في باب من أبواب الحياة، ويرفض بعد ذلك سائر الأبواب. إن هذا دليل على أن هذا الشرع جاء للحياة كلها، وهذا يعني أن أي منهج تربوي يريد تربية الناس على خلاف هذا المنهج فهو منهج غير متكامل وغير متوازن، ومعارض لهذه القاعدة الشرعية التي لا تنخرم وتراها في كل حكم شرعي في سائر أبواب الحياة. | كثرة التحديات التي تواجه الأمة: الأمة الإسلامية تواجه تحدياً تربويّاً من أبواب شتى؛ فالشباب يعانون من تخطيط ماكر وغزو مدبر، وكذلك الرجال والنساء، والصغير والكبير، بل حتى الطفل المسلم تُعد له أفلامٌ وتُكتب له قصصٌ ومجلاّت يُقصَد منها تربيته تربية تحرفه عن المنهج الشرعي. وحياة الناس في عقيدتهم، وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيها تحديات، فنحن نواجه تحدياً شاملاً، تحدياً متكاملاً في جوانب الحياة كلها لخلع الأمة عن دينها، ثم تربيتها على غير شرع الله . فالتربية التي تهدف إلى إنقاذ جيل الأمة، والوقوف في وجه هذا التيار الوافد ما لم تكن آخذةً بالتكامل والتوازن فإنها حينئذٍ لن تكون مؤهلة للمواجهة، ولن تكون مؤهلة لصدّ هذا السيل الجارف من الغزو الذي تواجَه به الأمة. (*) طالب في كلية العلوم ـ جامعة حضرموت.

стр. 5678

التربية الذاتية ومسؤولية هم الأمّة عبد العزيز بن عبد الله الحسيني واقع أمتنا مرير، وأمرها عظيم، وخطبها جسيم، ومسؤوليتنا إزاء ذلك ضخمة، وأعباء إخراجها من وهدتها التي اركتست فيها جسيمة، ويخطئ كثيراً من يظن أن تلك مسؤولية الحكام، أو العلماء، أو الدعاة، أو المجامع العلمية، أو الهيئات الشرعية ... ، ونحو ذلك فحسب. والحقيقة التي يجب أن نقف عندها طويلاً: أن كل مسلم مسؤول ـ أيضاً ـ أمام الله ـ تعالى ـ، وهذا هو قَدَرُه، وليس له خيار في قبول ذلك أو رفضه، قال ـ تعالى ـ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقال: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى * وَأَنَّ إلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ [النجم: ٣٨ - ٤٢] ، فكل إنسان وُلد فرداً، وكُلف فرداً، وسيُقبر فرداً، ثم يبعث فرداً، وسيقف بين يدي الله ـ تعالى ـ فرداً ليس بينه وبين الله ترجمان، وسيُسأل كل فرد: ماذا عمل، وماذا قدم؟ قال ـ تعالى ـ: ﴿إن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] . هذه المسؤولية تفرض على كل فرد أن يبادر إلى الدعوة والعمل ـ كلٌ في مجاله ـ دون الالتفات إلى الآخرين، هل عملوا أم لم يعملوا؟ هل أدّوا واجبهم أم تراخوا؟ هل قاموا بالأمانة أم تكاسلوا؟ فكل هذا لا يضير الداعية ما دام أنه مسؤول عن ماذا قدم فقط؟ وماذا عمل فحسب؟ ومن رحمة الله أنه ـ سبحانه ـ لم يُكلف الداعية بالثمرات والنتائج، وإنمّا بالاحتساب والعمل على قدر الوسع والاستطاعة، قال ـ تعالى ـ: ﴿فَإنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلاَّ الْبَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] ، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] . وحينما نتحدث عن واجب الفرد في تجاوز الهزيمة والنهوض بالأمة؛ فإننا لا نقصد أن يعمل فوق طاقته وإمكاناته؛ وإنما المقصود: الإسهام حسب الوسع والاستطاعة؛ فما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَكُ جُلُّه، وإذا كان ذلك يحتاج إلى جهود جبارة، وهمم عالية؛ فإنه يحتاج قبل ذلك إلى إعداد النفس وتهيئتها لهذه المهمة العظيمة. ü الإعداد الذاتي: التربية الذاتية (الفردية) ليست هينة ولا هي سهلة، فهي تحتاج إلى الصبر على شوائب الطريق وفقد الرفيق، والمثابرة على إعداد النفس، والسير على ذلك بخطىً ثابتة متدرجة متكاملة، حتى يصبح للشخص في مستقبله شأن أي شأن، ويكون له في هداية غيره نصيب أي نصيب. ولا منهج في تربية النفس وإعدادها مثل منهج المصطفى ﷺ ؛ فسيرته أصل من أصول التربية الذاتية التي ينبغي الرجوع إليها، واستلهام الدروس والعبر منها لإعداد النفس وتربيتها تربية ذاتية جادّة، مبنية على أسس شرعية متوازنة، بعيداً عن الاجتهاد الممزوج بالعواطف والحماس في الإعداد والتكوين. وإن المتأمل للسيرة النبوية، يجد أن الله ـ تعالى ـ قد أعدّ رسوله وهيأه منذ بزوغ فجر الدعوة وبداياتها الأولى، لتكون الأساس والمنطلق له، ولمن آمن معه، ولمن بعده إلى قيام الساعة. ü أسس التربية الذاتية: وليتبين لك أهمية دراسة السيرة واستلهام المنهج التربوي الذاتي منها؛ تأمل سيرته ﷺ وكيف أعد الله ـ تعالى ـ رسوله لحمل راية هذا الدين، من خلال الآيات الأولى التي أُنزلت عليه في صدر سُوَرِ (اقرأ ـ المزمل ـ المدثر) ؛ لتقف على أهمية هذه الآيات في الإعداد والتهيئة والتكوين، وأنها بمثابة الأساس المتين الذي يقوم عليه البناء الفردي لكل مسلم يريد تكوين نفسه وإعدادها لحمل راية هذا الدين، والعمل على رفع ثقة الأمة بنفسها وبدينها، لرفع آثار الهزيمة النفسية التي أحبطت معنوياتها، وجعلتها تعيش على هامش العالم وفي ذيل القائمة، وإن من أهم هذه الأسس في إعداد النفس وتكوينها ما يأتي: الأساس الأول: الإعداد العلمي: يذكر البخاري ﵀ أن الرسول ﷺ حينما كان يخلوا بغار حراء «جاءه جبريل، فقال: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني، فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣] (١) . وتأمل أول كلمة أُنزلت على الرسول ﷺ تجد أنها كلمة «اقرأ» ! ثم انظر كيف تكررت تلك الكلمة، وتساءل: لماذا كانت كلمة (اقرأ) أول كلمة أُنزلت من القرآن الكريم؟ ولماذا التربية على العلم أولاً؟ ولماذا هي المحطة الأولى في إعداده وتكونيه ﷺ ؟ وفي هذا مغزى كبير ودلالة واضحة على أهمية العلم وأثره، وأنه الأساس الذي يُبنى عليه كل إصلاح: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] ، فالعلم أولاً ثم يأتي العمل بعد ذلك. ولهذا فقد وضع الإمام البخاري عنواناً لباب العلم فقال: «باب العلم قبل القول والعمل» (٢) ، وهذا من تمام فقهه ﵀. وعليه؛ فإن كل عمل وكل دعوة لا تقوم على العلم دعوة ناقصة فيها من الخلل والقصور الشيء الكثير، وقد تُفِسدُ أكثر ممّا تُصلِح، وقد تجلب على الدعوة عواقب وخيمة وآثار موجعة. ولهذا فقد أكَّد ﷺ على أهمية العلم وأثره في صحة العمل فقال: «من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين» (٣) . والفقه في الدين يتطلب نفساً جادة طموحة، تتحمل مشاق تعلمه، ومعاناة طلبه، وتعب تحصيله. وهو مطلب ضروري ومُلِحٌّ للبناء الذاتي للشاب المسلم. والتحصيل العلمي مطلب لا غنى عنه لأي داعية يُعِدُّ نفسه ويُهيئها لنفع أمته؛ ليكون بصيراً في دعوته، عالماً بما يدعو إليه، قوياً في حجته، مثمراً في عمله، ناجحاً في أسلوبه، ثابتاً في مسيرته ... ، ولهذا يقول عمر بن الخطاب ﵁: «تفقهوا قبل أن تسودوا» (٤) . وإذ كان ثمة قدر من العلم الشرعي لا غنى عنه لمن يتصدى لأمر الدعوة، فإن كل علم بعد ذلك يمكن أن ينفع هذه الأمة ويعلي شأنها هي بأشد الحاجة إليه، وإذا كانت أمتنا بحاجة إلى العلم الشرعي، فإنها بحاجة ـ أيضاً ـ إلى العالِم في الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والفلك والذرّة وغيرها ... ، وتلك العلوم وأمثالها ضرورة لا غنى عنها لنهضة الأمة وتقدمها، والكل على ثغر من ثغور الإسلام بحسب مكانه وأثره. الأساس الثاني: الاستعانة على عقبات الطريق بالعبادة: الاستقامة على هذا الدين بلا تردد ولا انحراف، والصبر على عقباته وتكاليفه يحتاج إلى زاد ووقود يشحن الطاقات ويغذي القلوب للاستمرار والثبات، ولا وقود كقيام الليل وترتيل القرآن بالأسحار. ولهذا فقد هيأ الله ـ تعالى ـ رسوله ﷺ لذلك، وأوجب عليه ومن آمن معه قيام الليل وقراءة القرآن بالأسحار، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ١ - ٥] . وتأمل! الرسول ﷺ في بداية دعوته، ويأتيه الأمر السماوي: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: «قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك ... قم للجهد والنصب والكد والتعب ... قم فقد مضى وقت النوم والراحة ... قم فتهيأ لهذا الأمر ... قم للاستعانة على ما سيواجهك من أعباء الدعوة ومشكلاتها بالعبادة المتواصلة. وإنها لكلمة عظيمة رهيبة تنتزعه ﷺ من دفء الفراش، في البيت الهادئ والحضن الدافئ لتدفع به في الخِضَمِّ بين الزعازع والأنواء، بين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء. إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً؛ ولكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير ... فماله والنوم؟ وما له والراحة؟ وما له والفراش الدافئ، والعيش الهادئ، والمتاع المريح؟! ولقد عرف رسول الله ﷺ حقيقة الأمر، وقدّره حق قدره؛ فقال لخديجة ﵂ وهي تدعوه أن يطمئن وينام: «مضى عهد النوم يا خديجة» . أجل مضى عهد النوم، وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الطويل الشاق» (١) . ومنذ أن أتاه التكليف بـ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ ظلَّ قائماً هو وأصحابه الكرام حولاً كاملاً، كل فرد منهم كان يقوم حتى تتورم قدماه، ويحدودب ظهره، وكان واجباً عليهم في البداية، حتى خُفف عنهم إلى التطوع ـ كما في نهاية السورة ـ ومع ذلك استمر قيامهم، ولم نسمع أو نقرأ أن أياً منهم قد توقف عن هذا الإعداد والزاد، لعلمهم ويقينهم بأثره وقيمته في مواصلة الطريق، وفي تحمل المصاعب والمشاق بكل ثبات وعزيمة. ولماذا قيام معظم الليل بالصلاة والتهجد؟ ولماذا كان واجباً على كل فرد بعينه في البداية؟ ولماذا الإكثار من ترتيل القرآن؟ ولماذا الذكر الخاشع؟ ولأي شيء يُعدّهم له؟ ولأي شيء يُربيهم عليه؟ كل هذا تهيئة وتربية وإعداد للقول الثقيل: ﴿إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] ، وسيترتب عليه من الدعوة إليه من العقبات والمشكلات والكيد والتنكيل والإيذاء ما يحتاج إلى هذا الإعداد وهذه التربية وهذا الزاد: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] . الأساس الثالث: المثابرة في الدعوة: هذا الإعداد بالعبادة المتواصلة من (الذكر وقراءة القرآن وقيام الليل) كان بمثابة الزاد والوقود المُعين للاستمرار على الطريق، وتَحَمُّل الكيد والإيذاء الذي ينتظر الرسول ﷺ ومن آمن معه. ولهذا فقد كُلف ﷺ أثناء هذا الإعداد بالنبوة. يقول ﷺ : «بينا أنا أمشي، إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ١٠] (٢) . ولما رأت زوجه خديجة ﵂ فزع الرسول ﷺ أخذته إلى ابن عمِّها (ورقة بن نوفل) الذي قال له: «هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك» . فقال رسول الله ﷺ : «أَوَ مخرجيَّ هم؟!» قال: «نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ... » (٣) . وهذا من سنن الله الجارية في تمحيص الدعوة والدعاة، فكل من سيدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سيتعرض لشيء من الإيذاء والتضييق، ولهذا فقد أوصى لقمان ابنه؛ فقال له: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] ، ولن يثبت على ذلك إلا من كان لديه زاد يعينه على تحمل عقبات الطريق ومشاقّه. وقد شاء الله ـ تعالى ـ أن يكون هذا هو طبيعة الطريق، فهو طويل وشاق، مملوء بالأشواك والصعاب «تعِب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبِيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد ﷺ ، وتزها أنت باللهو واللعب!» (٤) . فهذا الطريق لا تتحمله إلا نفوس الرجال، ولا تقوم به إلا همم الصادقين الأبطال. وتأمل مطلع سورة المدثر، تلك الآيات التي تضمنت النداء العلوي بانتداب النبي ﷺ لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الدعوة والجهاد والكفاح والمشقة. ومنذ أن قال الله ـ تعالى ـ لرسوله ﷺ : ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قام بالأمر خير قيام، فبلّغ ودعا وأدّى الأمانة التي أشفقتْ منها وأبت أن تحملها السماوات والأرض، وحملها الرسول ﷺ وظل قائماً بعد ذلك لأكثر من عشرين عاماً ... لم يسترح، ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله ... قام وظل قائماً على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به ... عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض ... عبء البشرية كلها ... عبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى ... ، وعَلِمَ عِلْمَ يقين أنه لم يعد هناك راحة أو نوم، وأن هناك تكليفاً ثقيلاً وجهاداً طويلاً (٥) ، فدعا إلى الله ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، سلماً وحرباً، وكان يقطع المفاوز والقفار، ويتسلق الجبال، وينزل الوديان طمعاً في إسلام رجل أو بضعة رجال، وواجه في سبيل ذلك أنواع الإيذاء والصدود، والعناد والرفض، والإيذاء والضرب؛ بل والعذاب وقتل الأصحاب ... فصبر واحتسب، ولم يفتر أو يلين، أو يضعف أو يستكين. ü صفاء الابتداء: تلك الأصول المهمة في التربية والإعداد الفردي تدل دلالة أكيدة على أهمية البدايات الأولى في الإعداد والتنشئة. ومن القواعدة المسلّم بها: أن المقدمات إذا صحت؛ أعقبها نتائج مثمرة باهرة. فالتربية الذاتية الناجحة متعلقة في بداياتها، وإذا صحت تلك البدايات وروعيت أولوياتها؛ أعقبتها نتائج مشرقة. وكما قيل: من كانت بدايته متعبة كانت نهايتة مشرقة. أما الإعداد الفوضوي الذي لا يلتزم بسلم الأولويات ولا يقوم على أسس ثابتة منهجية، فهو إعداد عاطفي هش، لا يحقق غاية ولا ينتج ثمراً، وسرعان ما يمل ويفتر صاحبه. ولهذا قيل: الفتور بعد المجاهدة من فساد الابتداء.

стр. 5679

المربي بين التلقائية والإعداد محمد بن عبد الله الدويش ليسوا قليلاً أولئك الذين تميزوا بحسن الأداء التربوي، وكم رأينا من أب أو أم لا يملك رصيداً ذا بال من المعرفة والخبرات المنظمة ومع ذلك كانت تربيته مضرب المثل. وفي ميدان التعليم سمعنا كثيراً عن مربين كان عطاؤهم وتأثيرهم التربوي المتميز لا يقاس بإعدادهم التربوي، وربما كانوا أقل ممن حولهم في المعرفة التربوية. ولعل الجدل الذي كان يدار فيما مضى: هل التدريس فن أو علم؟ ومثله: هل الإدارة فن أو علم؟ ... لعل جزءاً من أسباب ذلك الجدل يمكن تفسيره من خلال هذه الظواهر. وربما قادت هذه الظواهر بعض المهتمين بالشأن التربوي ـ عملياً ـ إلى التقليل من أهمية المعرفة التربوية وإعداد المربين استشهاداً بهذه النماذج. وفي ميدان إدارة الأعمال الاقتصادية أو الخيرية يحقق من يملكون قدراً من السمات الشخصية نجاحاً ملموساً، لكن كلما تقدم الوقت وتعقدت الحياة زاد ارتباط النجاح بالمعرفة والتدريب على حساب السمات الشخصية. والتربية عمل أكثر تعقيداً؛ إذ هي بناء للإنسان، وتنمية لشخصيته، في عالم مليء بالمؤثرات والتعقيد. وفي عصر الانفتاح الهائل الذي يعيشه العالم اليوم ـ ونحن جزء منه ـ هل يمكن أن تتم المراهنة على نجاح التربية من خلال السمات الشخصية للمربين فحسب؟ وماذا لو عاد بعض المربين المتميزين ممن عاشوا قبل عقود قليلة؟ ماذا لو عاد هؤلاء ليربوا أولادهم أو تلامذتهم في هذا العصر؟ هل نتوقع أنهم قادرون على النجاح بمجرد ما يملكونه من تميز شخصي؟ هل يمكن أن يحققوا الإنتاج التربوي نفسه بالأساليب والأدوات التربوية التي كانوا يمارسونها في الماضي؟ مع تقدم الوقت وتعقد الحياة تزداد الحاجة للمعرفة والتعليم والتدريب، حتى في إطار المهن والحرف التي كانت تُتَلقى من خلال الممارسة الشخصية؛ فقد غدت بحاجة إلى تدريب منهجي منظم. إن الارتقاء بخبرات المربين وتأهيلهم مطلب يزداد أهمية مع ازدياد تعقُّد الحياة، ومن ثمَ تعقُّد العملية التربوية. وهذا يفرض على المهتمين بالشأن التربوي أن يسهموا في تقديم ما يرتقي بالمربين وخبراتهم وأدائهم. ويفرض الاعتناء ببرامج التأهيل والتطوير للمربين، ويفرض أن يرتقي تناول القضايا التربوية فيتجاوز مجرد التأكيد على أهميتها وخطورة إهمالها، ويتجاوز مجرد الحديث عن تجارب شخصية وآراء فردية. يمكن أن نقدم للمربين آراء واقتراحات عديدة، وربما يجدون فيها ما يفيدهم ويطور بعض ممارساتهم، لكن هذا لا يغني عن البناء المنهجي العلمي الذي لا يستهدف تحويل الناس إلى مختصين في التربية، لكنه يوظف التخصص في تطوير معارفهم وأدائهم وخبراتهم.

стр. 5680

الممكن والمعهود والمستحيل أ. د. جعفر شيخ إدريس الممكن أوسع دائرة من المعهود، وأوسع دائرة مما يمكن تفسيره في حدود معارفنا العلمية الحالية. لكن كثيراً من الناس تضيق أعطانهم عن هذا فيسارعون إلى إنكار ما لم يعهدوا، ويسارعون إلى إنكار ما لا تفسير له في حدود ما عندنا من علم، بل إن بعضهم يظن أن غير المعهود، أو غير ما يمكن تفسيره في حدود العلم المعهود مستحيل عقلاً. ويزداد الأمر عجباً حين ترى أن ضيقي الأفق هؤلاء كثيراً ما يدَّعون العقلانية، أو يدَّعون العلمية. المعهود هو ما عرفناه وعهدناه واقعاً، كطلوع الشمس من جهة الشرق، وكمقدرة الناس على الكلام بألسنتهم، وكإرواء الماء للظمآن. الممكن هو ما يمكن وقوعه وإن لم يقع. فوصول الناس إلى القمر كان ممكناً قبل أن يقع، وكذلك السفر بالطائرات، والحديث بالهواتف. المستحيل ما لا يمكن أن يحدث بأي حال من الأحوال، كوجود الشيء الواحد نفسه في مكانين مختلفين، وكاجتماع الإيمان والإلحاد في قلب واحد، وكالكلام والصمت. من الأمثلة التي ذُكرت في القرآن الكريم لهذه المستحيلات قوله ـ تعالى ـ ردًا على الذين زعموا أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً: ﴿وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإنجِيلُ إلاَّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥] . وقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] . أي أنه من المستحيل أن يكون ولد له أب وليس له أم. وأما قوله ـ تعالى ـ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤] . فليس المقصود به ولداً يلده ـ سبحانه ـ فهذا يتناقض مع الآية السابقة، وإنما المقصود به ولد متبنى بدليل قوله ـ تعالى ـ ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ . إن كون الشيء ممكناً لا يعني كونه لا بد أن يقع؛ لأن الممكن إنما يقع إذا تحققت شروط وقوعه، وإذا لم تتحقق فقد لا يقع أبداً وإن ظل وقوعه ممكناً. المعهود نوعان: معهود طبيعي، ومعهود ثقافي. المعهود الطبيعي هو الذي يقع بحسب ما وضع الله ـ تعالى ـ في الكون من قوانين. وأما المعهود الثقافي فأعني به ما يعتاده الناس باختيارهم سواء كان حسناً أو سيئاً. وإذا كانت أعطان بعض الناس تضيق فتنكر ما لم تعهد في الطبيعة، فإن بعض الأعطان تكون أضيق من ذلك فتنكر كل ما لم تعهده في ثقافتها وعاداتها وتقاليدها وتعده منكراً. الناس بالنسبة للمكن غير المعهود نوعان: نوع يستغرب وقوعه لكنه لا يعتقد استحالته، ونوع يعتقد أن وقوعه غير ممكن، أي يعتقد استحالته. إنه لأمر طبيعي أن يستغرب الإنسان ما لم يُعهد وأن يتعجب منه إذا ذكر له. لذلك كان من الطبيعي أن يستغرب نبي الله زكريا ﵇ أن يكون له ولد من امرأة عاقر ورجل قد بلغ من الكبر عتياً مع أن الذي أخبره بذلك هو الله الذي أرسله. ﴿يَا زَكَرِيَّا إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٧ - ٩] . وكان من الطبيعي أن تستغرب مريم ابنة عمران قول المَلَكِ لها: ﴿قَالَ إنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] ، وكان من الطبيعي أن تسأله مستغربة: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] ، وكان من الطبيعي أن يقول قوم مريم لها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] ، مثل هذا الاستغراب أمر لا بد منه، وإلا استوى كون الشيء معهوداً معروفاً وكونه ليس بمعهود ولا معروف، وكان من لوازم ذلك أن يصدِّق الإنسان كل ما يقال له من غرائب. ولذلك فإن الله لم يذم زكريا ولا ذم مريم على استغرابهما، وإنما بيَّن لهما أن ما استغرباه أمر ممكن وأنه داخل في قدرة الله ، وأنه سيقع فعلاً. التصديق بمثل غير المعهودات هذه التي يخبر بها الله ـ تعالى ـ أناساً لم يشهدوها هو من علامات حسن العلم به سبحانه، وقوة الإيمان به. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أُخلَق لهذا، ولكني إنما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله! ـ تعجباً وفزعاً ـ: أبقرة تكلم؟ فقال رسول الله ﷺ : فإني أومن به وأبو بكر وعمر» . وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : «بينما راع في غنمه، عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري؟» (١) فقال الناس: سبحان الله! فقال رسول الله ﷺ : «فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر» . وفي رواية لهذا الحديث: «وما هما ثَمَّ» . يعني لم يكونا موجودين حين ذكرهما الرسول ﷺ . الخلط بين الممكن والمعهود والمستحيل هو أساس الحجج التي اعتمد عليها كل الذين أنكروا بعض حقائق الدين التي بلَّغتهم إياها الأنبياء. كان هو أساس حجج العرب الجاهليين ومن سبقهم ممن كفر برسل الله، ومن جاء بعدهم من الزنادقة المنافقين والملحدين إلى يومنا هذا. انظر إلى الحجج التي اعتمدوا عليها في إنكارهم للبعث: ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً﴾ [النازعات: ١١] . ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٥١] . فهؤلاء قوم ظنوا أنه من المستحيل على عظام أرمت وتفتت أن تدب فيها الحياة من جديد. لكن القرآن الكريم أعطاهم أدلة على أن هذا أمر ممكن، بل هو أمر لازم. كان القرآن الكريم يخاطب أناساً يؤمنون بأن الله ـ تعالى ـ خالق كل شيء، فبين لهم أنه إذا كان ـ سبحانه ـ قد خلقهم أول مرة؛ فلماذا يستغربون أن يعيد خلقهم مرة ثانية، مع أن الإعادة أهون من البداية؟ وبيَّن لهم أن في ما يشاهدون من إحيائه الأرض بعد موتها ما يدلهم على إمكانية البعث ويقربه إليهم، ثم بين لهم أن هذا البعث أمر تستلزمه صفات الله تعالى. كيف يرسل الله ـ تعالى ـ رسلاً فيؤمن بعض الناس بهم ويصلحون وقد يضحون في سبيل ذلك ببعض المكاسب الدنيوية، بينما يكفر آخرون ويعيثون في الأرض فساداً، ثم يساوي بين مصير الفريقين؟ ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٤ - ٣٦] . من أمثلة إنكار الناس لما يخالف ما عهدوه من أمور ثقافية قول العرب الجاهليين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] . ومن أمثلته: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ . [الزخرف: ٢٣ - ٢٤] لا تظنن أن هذا أمر خاص بالعرب الجاهليين، بل هو ضعف بشري عام، وهو الآن من أكبر سمات الحضارة الغربية السائدة في العالم اليوم. فالغربيون في جملتهم يعتقدون أن ما ألفوه من قيم وتقاليد في الأكل والشراب واللباس والتعامل والحكم والاقتصاد وغير ذلك هو الأمر الطبيعي الذي ينبغي أن يكون عليه الناس، بل هو المعيار الذي يقاس به مدى صلاحية ما عند الآخرين. لقد كان من فوائد الكشوف والمخترعات العلمية الحديثة أنها وسَّعت من تصور الناس لدائرة الممكن لإتيانها كشفاً أو اختراعاً بأشياء ما كان الناس سيصدقون بها لولا قيام الأدلة الحسية أو العقلية على وجودها. من كان سيصدق في شيء كالهاتف الجوال، أو الأقراص التي تحوي من الكلام ما يساوي آلاف الصفحات. وأظن أن كثيراً من الناس كانوا سيعدُّون وجود ما يسمى بالثقوب السوداء أمراً مستحيلاً؛ إذ كيف يوجد شيء حسي مادته أكثر من المادة التي في عدد من الجبال وهو مع ذلك لا يمكن أن يشاهَد بشيء من الحواس الخمس؟ ولكن مع قيام الأدلة العقلية التي جاء بها الشرع، ومع وجود هذه الغرائب التي جاء بها العلم الطبيعي، فإن بعض الناس ما زالوا ينكرون أشياء مثل عذاب القبر، ووجود يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ﵇. بل إنهم ما يزالون يجدون حرجاً في الإيمان بكل ما ليس بمعهود في الحضارة الغربية السائدة، فيُحرَجون من قضية الردة ويحاولون أن يجدوا منها مخرجاً بتحريف النصوص الدالة عليها، ويُحرَجون من كل شيء في تاريخهم السياسي لم يكن سائراً على قواعد الدمقراطية، ويودون أن يساووا بين الناس مسلمهم وكافرهم ما داموا أبناء وطن واحد، وهكذا. نسألك اللهم عقلاً نيِّراً، وعلماً نافعاً، وفقهاً واسعاً.

стр. 5681

الخطيب وعلاقة التأثير والتأثر كمال الدين رحموني ل قد خاطب الله ـ سبحانه ـ المؤمنين في كتابه العزيز آمراً إياهم بالاستجابة لنداء الجمعة، ناهياً إياهم عن البيع والتجارة، وعلق الخير كله على تحقيق هذه الاستجابة، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللََّّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠] ، بعد ذلك عاتب المنشغلين بالدنيا بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] . إن الأمر بالسعي إلى الجمعة ـ وهي المقصودة بذكر الله على قول بعض المفسرين - والنهي عن البيع في الآية، فيه دليل صريح على أن القرآن الكريم يجزم أن هناك علاقة طبيعية بين البيع والتجارة وبين الجمعة، هذه العلاقة التي يُعتَبَر البيئة الاجتماعي المجال الخصب الذي تتجاذب فيه هذه العلاقة بين التجارة وذكر الله، أو بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة، ومن ثم يتبين أن المنهج القرآني يراعي المجال أو البيئة الذي يعتبر المسجد والخطيب ضمن مكوناته البارزة في المجتمع الإسلامي. ومما يزيد الأمر بياناً في الاحتفاء بالبيئة، تحذير القرآن الكريم من أن يغدو البيئة عاملاً سلبياً، فينقلب إلى أداة استهواء وركون في حياة الناس، يستبدلون بالأدنى الذي هو خير، فقال الله : ﴿وَإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ . وتحذير القرآن من الانشغال بالتجارة يوم الجمعة هو إقرار ضمني بتأثير البيئة؛ ذلك أن التجارة تمثل جانباً مهماً من جوانب هذا البيئة، ولذلك سعى القرآن إلى إحداث التوازن المطلوب بين مطالب الدنيا التي تتحقق في البيئة، وبين مطالب الآخرة فقال ـ تعالى ـ: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللََّّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، فالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله بعد انقضاء صلاة الجمعة يعزز الاقتناع بأهمية الأرض ـ البيئة ـ في حياة الناس في مستواها الإيجابي، كما أن الاستغراق في طلب الدنيا والافتتان بها يكرس سلبية هذا البيئة وآثارها الوخيمة على الناس. وإذا كان القرآن يتنزل في كثير من الأحيان استجابة لعوارض تعرض، أو حوادث تحدث في واقع الناس ومحيطهم، فإن منهج النبي ﷺ الدعوي يشهد على استحضار البيئة العام باعتباره عاملاً أساسياً في التبليغ والدعوة والتوجيه، ولذلك كانت الخطبة ـ إلى جانب القرآن الكريم ـ أداة متميزة في تحقيق التواصل مع شرائح المجتمع، وخير دليل على حضور البيئة الاجتماعي في منهجه ﷺ ، أن كثيراً من خطبه كانت استجابة لمعاناة أو انشغالات مصدرها البيئة العام؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يأتيه الناس يشكون القحط والجفاف، فيقوم فيهم خطيباً يستسقي ربه، ويُهرَع إليه آخرون يشكون الفاقة والمخمصة، فيقوم في الناس خطيباً حاثّاً إياهم على البذل والإنفاق والتصدُّق، ويأتيه أحدهم يزعم أن له حقاً في المال الذي كُلِّف بجبايته، فيقوم ﷺ في الناس خطيباً مفنداً للزعم، دافعاً للوهم، إلى غيرها من المواقف النبوية الكريمة التي تؤكد هذا الارتباط الوثيق بين الخطبة والبيئة، انطلاقاً من سنة النبي ﷺ القولية والفعلية. إذن نستطيع القول: إن الإسلام قد احتفى بالبيئة من خلال استهدافه الإنسان نفسه داخل هذا البيئة، وبذلك يتحقق المبدأ الأول في مقاربة موضوع البيئة. أما ثاني المبادئ، فيتمثل في البيئة ذاته من حيث اتساعه، وحجم التعقيدات التي يفرزها العصر، ونوعية هذا البيئة، ومن ثم تتضاعف قيمة البيئة، وتزداد أهميته بالنسبة للرسالة التي يضطلع بها خطيب الجمعة؛ حيث إن الوعي بحقيقة تطور هذا البيئة يعد أولوية بالغة، وحاجة ماسة لإحداث التأثير المطلوب، وتربية مكونات هذا البيئة وفق الرؤية الإسلامية الشاملة التي تقيم فعل المجتمع انطلاقاً من ثابت الإسلام في إطار الواقع والعصر، وكل عمل إصلاحي يستهدف الإنسان والمجتمع لا يستحضر هذين البعدين أو يكتفي بأحدهما فإنه يبقى محدود الأثر، ضئيل النتائج أحياناً، أو مكرساً لمحيط مريض أحياناً أخرى. إن كلمة «البيئة» تحمل دلالة الزمان والمكان، ولعل الكلمة نفسها في الدلالة اللغوية تفيد هذا المفهوم وتضيف إليه معنى مجازياً آخر. يقول الراغب الأصفهاني في مفرداته: «حوط: الحائط الذي يحوط بالمكان. والإحاطة تقال على وجهين: أحدهما: في الأجسام ... أو تستعمل في الحفظ ... » ؛ فالبيئة هو مجال مكاني محدد يتراوح بين الامتداد والانحسار، لكننا لا نكتفي بهذا المفهوم اللغوي للمحيط فقط، وإنما نعني به كل ما يحيط بالإنسان زماناً ومكاناً، حاضراً ومستقبلاً، كما نستعير له ردائف رائجة في العصر الحديث، مثل الواقع والبيئة والمجال. ولما اقتضت مشيئة الله أن يخلق الناس من أصل واحد فتختلف أجناسهم وتتباين لغاتهم، وتمتد في الأرض بلدانهم، ناسب أن يتعدد البيئة الذي يضمهم؛ فمنه البيئة المحلي، والقطري، والعالمي. إن الوعي بهذه الأبعاد الثلاثة لدى الخطيب شيء لازم؛ لأن مسيرة الإنسان المستهدَف بالتغيير والإصلاح في محيط ما، يتعذر عزلها وتحديدها في إطار ضيق، ولذا نأمل أن تراوح رسالة الخطيب الدعوية بين هذه الأبعاد الثلاثة لتحقيق التكامل المطلوب؛ فمظاهر الخلل التي تعتري محيطاً محلياً ما، لا يمكن ـ إطلاقاً ـ عزلها عن العوامل القطرية أو العالمية، ولنضرب مثالاً على ذلك: إن الخطيب صاحب الصلة الوثيقة بالبيئة المحلي حين يلحظ مظاهر الانحراف في جانب من جوانب الأسرة المسلمة (عقوق أو إهمال الأبناء أو انحلال المرأة أو غيرها) ـ وهو يسعى للتنبيه وإصلاح الخلل ـ لا يمكنه منهجياً أن يعالج هذا الخلل مجرداً من السياق العالمي العام الذي أفرز هذا الاختلال ويحصره في حيزه الأسري أو المجتمعي الضيق، وإنما ينبغي أن يربط النتائج بالأسباب الظاهرة التي قد تعود إلى الأسرة نفسها: جهلاً، أو تقصيراً، أو إهمالاً، دون أن يغفل العوامل الخارجية التي تتحمل نصيباً من المسؤولية في إحداث هذا الانحراف، وتسعى لحمايته من أجل الكيد للأسرة المسلمة من خلال وسائل الإعلام وبرامج التعليم ونمط الاقتصاد وغيرها من الوسائل. من هنا تتضح ملامح العلاقة الوطيدة بين أبعاد البيئة الثلاثة، والأمثلة كثيرة يضيق المقام باستعراضها. إننا نقصد بالبيئة المحلي ذلك الفضاء الذي يُعتَبَر الخطيب جزءاً منه، قد يضيق وقد يتسع، قد يكون جهة بأقاليمها، أو مدينة بأحيائها، أو قرية بشعابها وأوديتها، وهو أيضاً محيط بشري يضم الفرد: ذكراً وأنثى، ويستوعب الجماعة: أُسَراً ومؤسسات وهيئات، هذا البيئة المحلي يصبح قطرياً وطنياً كلما تكاملت وتضامَّت هذه البيئةات المحلية، وكلما اتسعت المساحة الجغرافية كلما تمدد البيئة ليصبح عالمياً يضم العالم الإسلامي وغيره. ولعل البيئة الذي يهم الخطيب بشكل إجرائي هو محيطه المحلي الذي هو بمثابة المحرار الذي يقيس به الخطيب مستوى الصلاح والضلال في المجتمع، كما يقيس من خلاله درجات الالتزام الإسلامي الصحيح لدى الناس، وسيلته في ذلك الوعظ والإرشاد والخطابة؛ ويذلك تتأسس العلاقة بين الخطيب ومحيطه وفق نسق تبادلي أساسه التأثير والتأثر. إن الخطيب الحاذق هو الذي يتعامل مع البيئة بنظرة شمولية متوازنة تتأسس على ما يلي: ١ ـ التشخيص الميداني: إن تشخيص واقع البيئة، وتوصيف مظاهر الخلل فيه وتلمُّس درجات هذا الخلل كفيل بأن يذلل جملة من الصعوبات أمام الخطيب؛ ذلك أن الإدراك الواعي لمواطن الانحراف تفيد الخطيب في الإلمام بحقيقة التحديات والعقبات التي هو مدعو لتجاوزها: فهل البيئة يعاني خللاً في جانب العقيدة أو العبادة أو الأخلاق؟ وما حجم هذا الانحراف وما أسبابه؟ وما الوسائل التي ترسِّخ هذا الانحراف في البيئة؟ وهل هذه الوسائل موضوعية أم ذاتية في البيئة، أو خارجية؟ أسئلة تُعَدُّ الإجابة عنها عاملاً مهماً من عوامل التأثير الإيجابي، أي أن الخطيب مدعو لمراعاة ما يُعرف عند العلماء بفقه الأولويات أو بفقه مراتب الأعمال بتعبير بعض الدعاة المعاصرين. ويُعنى بفقه الأوليات «أن يضع الداعية ـ والخطيب ـ كل شيء في مرتبته بالعدل سواء كانت أحكاماً فقهية ـ إذا كان الخطيب فقيهاً ـ ثم يقدم الأوْلى فالأوْلى بناء على معايير شرعية صحيحة ينير سبيلها نور الوحي ونور العقل، فلا يقدم غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المرجوح على الراجح، ولا المفضول على الفاضل أو الأفضل ... بل يوضع كل شيء في موضعه بالقسطاس المستقيم بلا طغيان ولا إخسار ... » في فقه الأولويات ص ٩. وما يقال في المأمورات يقال في المنهيات، وإن لكل محيط أولوياته الآنية التي تتطلب من الخطيب أن يفقهها ويعمل على جعلها محاور للمعالجة في خطبه. ٢ ـ تعرُّف الجمهور: إن الخطيب يجد نفسه أمام جمهور من الناس تختلف نوعياتهم، وتتعدد مشاربهم، وتتفاوت مسؤولياتهم ومؤهلاتهم؛ فمنهم الأمي والمتعلم والمثقف، ومنهم الرجال والنساء والشباب؛ ولذلك فإن دراسة البيئة تقتضي من الخطيب معرفة هذا الجمهور عن قرب، ومراعاة مستوياته المختلفة حتى يتيسر له أن يخاطب الناس على قدر عقولهم لتحقيق الهدف والقصد. إن معرفة الجمهور المستهدف عن قرب لا تتحقق بعفوية وتلقائية فحسب، وحتى إذا حصلت هذه العلاقة العفوية، فإنها لا تعتبر مقياساً في الحكم، وإنما نقصد المعرفة المبنية على أسس علمية وخلقية تسهل للخطيب السبيل لتعرف جمهوره حقيقة لا توهماً، وذلك ما لا يتأتى إلا إذا حرص الخطيب على بناء علاقة متميزة مع جمهوره، يطبعها الود والاحترام المتبادل، وحب الخير لهذا الجمهور، والإحساس بمعاناته، والسعي في مصالحه، وتذليل الصعاب أمامه، والصبر على أذاه، والتجاوز عن خطئه، والعفو عن زلاته، كل ذلك لا محالة، يكسب الخطيب ثقة في نفوس الناس، ويقوي آصرة التواصل والالتحام بينه وبين محيطه، وبذلك يكون لتوجيه الخطيب وقع في نفوس سامعيه، تظهر ثماره الإيمانية بمرور الزمن، ولنا في رسول الله ﷺ القدوة الحسنة والمثل الطيب؛ فلقد كان ﵊ يسع الناس بخُلُقه قبل أن يسعهم بدعوته، وذلك هو المنهج الذي ينبغي للخطيب أن يسلكه في التعامل مع الناس بعيداً عن الانحياز أو الانعزال، ساعياً إلى الانفتاح على جميع مكونات البيئة. ٣ ـ القدوة الحسنة: وهي حجر الزاوية وقطب الرحى في مهام الخطيب، وإذا فُقِدَ هذا العامل ضاع الجهد وشحت الثمار وتعطل سبيل الدعوة إلى الله لأن مصداقية الخطيب تظهر على محك الواقع والبيئة؛ فالخطبة قبل أن تعني الجمهور، فهي تعني الخطيب أولاً، ولذلك ينظر الناس ـ في العادة ـ إلى الخطيب باعتباره رمزاً للاستقامة وحسن الامتثال، وتلك هي الصورة التي يراها البيئة في الخطيب ويريد أن تبقى ملازمة له باعتباره المَعِين الذي ينهل منه الناس معرفتهم بالإسلام ويتعلمون منه أمور دينهم، ولذلك ما وجدنا أبلغ الخطباء ﵇ يأمر بشيء إلا كان أسرع الناس إليه، ولا ينهى عن شيء إلا كان أبعد الناس عنه؛ وذلك هو القبس الذي ينير طريق الخطباء العاملين، الذين يسعون لتزكية القول بالعمل الصالح. إن مطلب القدوة الحسنة ليس شرطاً قاصراً على الخطيب وحده؛ لأنه يصيب ويخطئ كسائر الناس، وإنما تزداد الحاجة إلى هذا المطلب بالنسبة للخطيب، باعتبار موقع الإمامة الذي يدعوه إلى تحقيق الانسجام بين القول والفعل. إن عمل الخطيب وسلوكه يخلِّف أثراً في البيئة أكثر مما يتركه القول والوعظ والإرشاد؛ ذلك لأن أكثر الناس في البيئة يقتفي أثر الخطيب. وإذا كان الخطيب معنياً بتمثُّل القدوة الحسنة في نفسه، فهي في أهله وأسرته أشد إلحاحاً؛ فأسرة الخطيب هي محيطه الصغير داخل البيئة العام الذي يستهدفه الخطيب بالتربية والتوجيه. ٤ ـ أهمية البيئة في اختيار الموضوع: إن اختيار موضوع الخطبة له أهمية بالغة، فهو عامل حاسم إذا راعى الخطيب الأسس الشرعية، وفقه الواقع الذي أتينا على ذكر بعض تجلياته؛ فتشخيص البيئة ودراسة الواقع يتيح أمام الخطيب فرص الوقوف على أهم مظاهر الاختلال وعواملها، ومن ثَم يجعله يركز في خطبه على حفز البيئة على الانتباه إلى هذه المظاهر والعمل على تجاوز أسبابها، وسيلته في ذلك، الأسلوب المؤثر الذي يقع في النفس موقع الماء العذب من التربة الخصبة، معززاً خطبه بالحجج القاطعة والأدلة الناصعة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومنهج الأنبياء ﵈، وسيرة السلف الصالح، واستخلاص العبر من تجارب الأمم. وإن معرفة الخطيب بفقه الأولويات تجعله موفقاً في اختيار موضوع الخطبة من حيث التقديم والتأثير، حسب ما يناسب البيئة؛ فالخطيب بمثابة الطبيب الذي لا يصف العلاج حتى يتعرف مواطن الداء وأعراضه، ويتفهم نفسية المريض. إن التركيز على عوامل الخلل في البيئة لا يعني خلوَّ هذا الأخير من مظاهر الصلاح إطلاقاً؛ ولذلك فإن منطق العدل والقسط يقتضي أن يثمِّن الخطيب عناصر الصلاح ـ وإن قلَّت ـ ويدفع الناس نحو تنميتها والالتزام بها. وبهذه المقومات الضرورية يستطيع الخطيب أن يجد لخطابه آذاناً صاغية وقلوباً واعية تتفاعل مع رسالة الخطابة التي تستهدف الإنسان المسلم عقيدة وفكراً وخلقاً؛ والحمد لله رب العالمين.

стр. 5682

من أجل الدين والأمة د. عبد الكريم بكار يمكن القول إن العالم الغربي يقوم اليوم ببناء صورة ذهنية جديدة عن الإسلام والمسلمين، وهذه الصورة تميل إلى أن تكون سلبية في مجملها؛ حيث يترسخ في قناعات الغربيين يوماً بعد يوم أن المسلمين يحلّون مشكلاتهم عن طريق العنف، كما أن الإسلام نفسَه دينٌ يحثُّ على استخدام القوة ضد الخصوم والمناوئين، وتعاليمه توجِّه للتحيز ضد المرأة، وتحول بين المسلمين وبين التحديث والتطوير ... وهم يستعينون على تشكيل تلك الصورة بثلاث وسائل: ١ ـ المناهج الدراسية والتي يطلّع عليها عشرات الملايين من الأطفال والشباب في الغرب، وتُتلقّى على أنها شيء عالي المصداقية. ٢ ـ الإعلام بآلياته الرهيبة، والتي توّجت أخيراً بالبثَّ الفضائي والإنترنت. ٣ ـ الواقع السيِّئ ـ في معظم المجالات ـ لأمة الإسلام، والسلوك غير المشرِّف لكثير من المسلمين في الغرب؛ حيث إن المعنى المستبطَن لدى كثير من الغربيين هو: أن الإسلام لو كان يشكل حبل الإنقاذ، أو سفينة النجاة لصلح به حال أهله. بعد أحداث (الحادي عشر من سبتمبر) استيقظ الوعي الشعبي الغربي على الإسلام بوصفه شيئاً موجوداً بقوة، ويمكن أن يؤثر في إعادة ترتيب أوضاع العالم، وإعادة توجيه قواه الضاربة؛ ونتيجة لذلك الاستيقاظ زاد عدد الداخلين أسبوعياً في الإسلام؛ حيث يتجاوز في أمريكا ـ مثلاً ـ الألف شخص. وفي الوقت نفسه زاد عدد المناوئين للإسلام والباحثين عن الثغرات في حياة المسلمين، حيث لا يمضي أسبوع إلا ويُطرح في الأسواق الغربية ثلاثة أو أربعة كتب تتناول بعض القضايا والشؤون الإسلامية والعربية على نحو سلبي، والسؤال الذي يطرح نفسه دائماً: ما العمل؟ حين تتضح الرؤية، ويتم إدراك موطن الداء ونوع التحدي على نحو صحيح؛ فإنه يمكن عمل الكثير، ولعلّ من الكثير الذي ينبغي عمله إقامة تحالف إسلامي عالمي يكون له هدف واحد، هو إقامة معارض ثابتة ومتنقلة تستهدف تعريف الشعوب كافة ـ والغربية خاصة ـ على الإسلام وحضارته والجوانب المشرقة من تاريخ الأمة وواقعها ... إن المعارض تتحدث دائماً عن منجزات ووقائع ومعطيات، ومن ثم فإن مصداقيتها تكون أقوى، والناس اليوم يحبون أن يروا شيئاً بعد أن سمعوا الكثير، فعلينا أن نساعدهم على رؤية تجسيدات عملية لبعض ما نتحدث عنه. ومما يمكن عرضه في تلك المعارض: ١ ـ مخطوطات ووثائق تعكس الجانب الخلقي في الإسلام ولا سيما الأخلاق التي تتصل بالعلاقات الدولية والتي تتصل بالمعاملات التجارية. ومن المهم دائماً عدم الاقتصار على الجانب التنظيري، والتركيز على الوثائق والمخطوطات التي تعكس الواقع والأحداث التاريخية على ما هي عليه؛ لأن المطلوب هو الحديث عمَّا وقع وحدث، وليس عمَّا يمكن أن يحدث، أو ينبغي أن يحدث. ٢ ـ عرض صور مع شرحها عن الأربطة والأوقاف الإسلامية، والتي تعكس الجانب الخيري لدى الأمة، وتوضيح الدور الذي قام به الوقف الإسلامي في حل مشكلات الناس ومساعدتهم على الاستمرار. ٣ ـ عرض صور ووثائق تحكي التاريخ العلمي للمسلمين، والتركيز على دور الكتاتيب والمدارس والمكتبات في تثقيف الناس، ودور الشعب والجمهور في دعمها. ٤ ـ عرض الأدوات الطبية والفلكية ... التي صنعها المسلمون الأوائل، وعرض صور لغير المتوفر منها، وتوضيح دورها في مساعدة العالم على التغلّب على الأمراض، ودورها في التقدم العلمي العالمي. ٥ ـ التعريف بالجانب الأسري من الحياة الإسلامية، وعرض الأحكام والأعراف والتقاليد التي تتصل بالحياة الأسرية وما فيها من دفء ورحمة وتضحية إلى جانب عرض صور من الواقع الإسلامي في برِّ الوالدين وصلة الأرحام. ٦ ـ عرض لتجارب الأعلام الذين أسلموا حديثاً من السفراء وأساتذة الجامعات والأطباء والفنانين وغيرهم، وشرح التغيرات الإيجابية التي طرأت على حياتهم بعد دخولهم في الإسلام، ويُفضَّل أن يقوم أولئك الأشخاص بشرح ذلك بأنفسهم في محاضرات وندوات تقام على هامش المعارض. ٧ ـ توضيح الرؤية العامة للإسلام في القضايا التي تثير الجدل في العالم اليوم، مثل: الديموقراطية، وحقوق المرأة، والعولمة، وتلوّث البيئة، والإرهاب، وما شاكل ذلك. ٨ ـ إبراز دمج الإسلام للنشاط البشري سواء أكان تعبّدياً أو دنيوياً في سياق واحد من خلال النية، ومن خلال الالتزام بالإطار الشرعي. من المهمّ دائماً عرض كل ذلك بأمانة وموضوعية ودقّة وتواضع، ومن المهم كذلك أن يتولى المسلمون من أهل البلد الذي يُقام فيه المعرض التقديم والعرض والشرح. والبداية في تأسيس هذا التحالف تكون بإقامة عدد من المؤتمرات والندوات وورش العمل التي تهتم ببلورة هذا المشروع الإسلامي الكبير، وأنا على ثقة بأننا قادورن من فعل ذلك بكفاءة وجدارة، وأن النتائج التي سنحصل عليها ستكون أكبر مما نظن، لكن بشرط أن نمتلك ما يكفي من الإخلاص والهمة والاهتمام. وعلى الله قصد السبيل.

стр. 5683

الأديب الإسلامي الدكتور صابر عبد الدايم في حوار مع البيان حاوره في الرياض: محمد شلاّل الحناحنة ـ الشعر هو الأفق الأرحب الذي تنطلق فيه أسراب انفعالاتنا ومعاناتنا مع الواقع المحموم الذي نعيشه! ـ دعائم الأدب الإسلاميّ ومقوماته لا تنفصل عن خصائص التصوّر الإسلاميّ بكلّ شموليّته. ـ الأديب المسلم يسمو بوجدانه فوق الرغبات الدنيا بكلّ ما يحمله من خير للإنسان. ـ الأدب الإسلاميّ أدب عالمي؛ فلا تعوقه أسوار، ولا محيطات، ولا تأشيرات! ـ مُلتقى الأدباء الشباب برابطة الأدب الإسلاميّ يعدّ حقلاً خصباً لنمو أشجار الإبداع نموّاً صحيّاً! الأديب الإسلاميّ الدكتور (صابر عبد الدايم) له أكثر من عشرين كتاباً: شعراً ونقداً، كما أنّه أستاذ للأدب بجامعة الإمام محمد بن سعود، ويُشرف على ملتقى الأدباء الشباب بالمكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلاميّ العالمية بالرياض، فهو عضو بهيئة تحرير مجلّة الأدب الإسلاميّ، ويحمل الكثير من الآراء وهموم الأدب الإسلاميّ، وقد التقيناه بعد ندوة ثقافية بمدارس الرشد بمشاركة الأديب د. (ناصر الخنين) ، وكانت بعنوان: (الفصحى من الدِّين) حضرها جمهورٌ من المهتمينَ والمثقفين، فكان لنا معه هذا الحوار: ^: قالوا: «في شعر (صابر عبد الدايم) غُرْبةٌ روحية خاصة، ووجدان إنساني مفتوح على هموم الأمة في الوقت نفسه» ، ما مدى صحة هذه المقولة؟ معلقٌ بين تاريخي وأحلامي وواقعي خنجرٌ في صدر أيامي أخطو فيرتدُّ خطْوي دون غايته وما بأفقي سوى أنقاض أنغامي! تناثرتْ في شعاب الحلم أوردتي وفي دمائي نمَت أشجار أوهامي! مدائنُ الفجر لم تُفتح لقافلتي والخيل والليل والبيداءُ قُدَّامي والسيف والرمح في كفَّيَّ من زمن لكنني لم أغادرْ وقْع أقْدامي! وفي انكسار المرايا حُطِّمت سُفني وفي انحراف الزوايا غاب إقدامي! وغبت يا وطناً ضاعَتْ هويَّتُهُ والأرضُ تنْبُشُ عن أشلاء أقوام! ^: أنْتَ أديب إسلامي، لكن مصطلح الأدب الإسلاميّ ما زال غائماً وغير متفق عليه كما يقال حتى لدى رابطة الأدب الإسلامي، إذْ يثار أحياناً، كيف ترد على ذلك؟ فالأديب المسلم في غمرة تجاربه الإيمانية والتأملية لا يكون بمعزل عن واقع الحياة، ومشاغل الإنسان وآماله وأحلامه؛ فهو في سلوكه الإيماني يتأمل ما خفي من أسرار الكون، وهو في تأملاته يستجلي أسرار الحياة، ويبحث عن منافذ الخلاص للإنسان عبْر رؤية إسلامية متميزة منفردة تُصاغُ معالمها في قالب فني مؤثر. وأرى أن دعائم الأدب الإسلامي ومقوماته لا تنفصل عن خصائص التصور الإسلامي التي تمثل إطاراً حضارياً لأبعاد الشخصية المسلمة في كل أحوالها، وهي: التوحيد ـ الربانية ـ الثبات ـ التوازن ـ الشمولية ـ الواقعية ـ الإيجابية. والأديب المسلم حين يمتزج وجدانه بأضواء الحقائق السابقة، وتتشرب مشاعرُه معالمها تأتي تجاربه شاملة متنوعة مؤثرة، تتجاوز الخاص إلى العام، تسموا فوق الرغبات الدنيا، وتشتاق إلى معانقة الوجود ـ المثال ـ؛ الوجود المسلم بكل ما يحمله من خير للإنسان، وخصوبة للمشاعر، ونقاء للأحاسيس، وبذلك ندرك أهمية تعرف الشباب المسلم على هذه الخصائص، والسير في ظلالها، وفي أضوائها حين يسافر في مدائن التجارب الإبداعية محمَّلاً بشحنات العواطف وثمار الأقطار. ودلالة المصطلح ليست غائمة ـ كما يثار ـ لدى رابطة الأدب الإسلامي. ومن يقرأ ويتأمّل ويعي «النظام الأساس» لرابطة الأدب الإسلامي العالمية يدرك أن المصطلح ليس غائماً، وإنما تؤطره عدة مبادئ وردت في المادة «الثانية عشرة» من مواد النظام الأساسي، وهي مبادئ تشكل نسيجاً متكاملاً متجدداً لمصطلح الأدب الإسلامي، ولا بُدَّ من تكامل هذه المبادئ لدى من يلتزم بالمنهج الإسلامي في مشروعه الأدبي والنقدي، وهذه المبادئ هي: ١ ـ الأدب الإسلامي: هو التعبير الفني الهادف عن الإنسان والحياة والكون وفْق التصور الإسلامي. ٢ ـ الأدب الإسلامي حقيقة واقعة منذ انبلج فجر الإسلام، وهو يستمد عطاءه من مشكاة الوحي وهدي النبوة. ٣ ـ الأدب الإسلامي ريادة للأمة، ومسؤولية أمام الله . ٤ ـ الأدب الإسلامي أدب متكامل، ولا يتحقق تكامله إلا بتآزر المضمون مع الشكل. ٥ ـ الأدب الإسلامي يفتح صَدْره للفنون الأدبية الحديثة، ويحرص على أن يقدمها للناس وقد بَرئت من كل ما يخالف دين الله ، وغنيت بما في الإسلام من قيم سامية، وتوجيهات سديدة. ٦ ـ الأدب الإسلامي يرفض النظريات والمذاهب الأدبية المنحرفة. ٧ ـ النقد الأدبي الإسلامي ضرورة لترشيد مسيرة الأدب وترسيخ أصوله. ٨ ـ الأديب الإسلامي مؤتمن على فكر الأمة ومشاعرها، ولا يستطيع أن ينهض بهذه الأمانة إلا إذا كان تصوره العقدي صحيحاً، ومعارفه الإسلامية كافية. ٩ ـ الأدباء الإسلاميون متقيدون بالإسلام وقيمه، وملتزمون في أدبهم بمادئه ومثله. ^: لك الكثير من الدراسات النقدية الجادة؛ تُرى: أين يمضي النقد الأدبي مقارنة بالإبداع؟ أليس هناك فجوة بين الناقد والمبدع؟ والمنهج المتكامل اعترف به كثير من النقاد العرب والغربيين، وفي مقدمتهم (ستانلي هايمن) في كتابه «النقد الأدبي ومدارسه الحديثة» . وقد أشاد بهذا المنهج (الدكتور. شوقي ضيف) والأستاذ: (سيد قطب) ، وغيرهما من النقاد العرب المحدَثين، وأرى أن النقد الأدبي قد أَغْرق النقادَ في المصطلحات الغربية، أو غرَقوا هم فيها. والنقد في توجهاته الحديثة لم يعد استكشافاً للنص؛ وإنما أصبح تعقيداً للنص؛ وذلك لأن النقاد لا ينطلقون في تحليلاتهم من داخل النص في ضوء جماليات اللغة العربية، وإنما يُكَرِّسون كل جُهْدهم النقدي في إخضاع النصوص للرؤى والمصطلحات المستوردة. وأزمة النقد تتمثل في تعصب بعض النقاد لمنهج واحد لا يعترف إلا بلون واحد من الإبداع، وتعصب هذا الفريق ناشئ من الانتماء إلى بعض المذاهب النقدية الغربية التي ازدهرت في بلادها، ثم خبا وتوارى شعاعها. وأرى أن النص الأدبي يحتاج في تحليله إلى رصيد معرفي وجمالي وتراثي، وإلى مَلَكَة نقدية، وكل ناقد عليه أن يحدد مدخله الجمالي إلى النص من خلال الرؤية النقدية التي يتبناها، فهناك: (النقد التكويني) ، و (النقد القائم على التحليل النفسي) ، و (النقد الموضوعاتي) ، و (النقد الاجتماعي) ، و (النقد النصِّي) ، وكلها مداخل يمكن أن يستقل الناقد بمدخل منها، ويمكن أن تتآزر عدة مداخل في استشكاف معالم النص وإضاءته. وجهود بعض النقاد تضيع في التنظير، ولا تثمر شيئاً ذا قيمة جمالية في التطبيق. وإذا نظرنا إلى تقسيمات النقد النظرية، وما يتفرع عنها سندرك سرَّ أزمة النقد والنقاد. فالنقد الواقعي تندرج تحته هذه المعالم والظواهر النابعة من الكلاسيكية الجديدة، والظواهر هي: التجريبية، الصورة الذهنية، الصورة البصرية، المحاكاة، نقد الصورة. والنقد التاريخي: تتموج في دائرته هذه المعالم والمذاهب: الوضعية، الطبيعية، البرناسية، الصورة، النقد التاريخي. والنقد الشكلي: يئن تحت ركام هذه الضغوط المذهبية، والعوالم الفنية، ومنها: الوضعية المنطقية، التحليل اللغوي، وظيفة اللغة، الصورة، البناء الفني، المفارقة، التناقض، التوتر. وأما النقد المضموني: فيرزح تحت أثقال هذه الاتجاهات: الفلسفة الماركسية، المادية الجدلية، المادية التاريخية، المضمون والإيديولوجية. وهناك اتجاهات نقدية أخرى تضاف إلى هذه الغاية النقدية ومنها: النقد الرومانسي، والنقد الرمزي، والنقد التعبيري، والنقد التفسيري، والنقد الموضوعي. وهذه الاتجاهات السابقة تندرج في إطار النقد المثالي، كما يرى مؤرخو النقد، وهناك النقد المعتمد على السيرة، والنقد القائم على الموروث الشعبي، وهناك البنيوية، وما تفرع عنها وما تصادم معها. إن هذه التيارات والمناهج المتعددة أحدثت فجوة بين الناقد والمبدع، وكان من المنتظر أن تحدث مصالحة ـ وقرباً جمالياً ـ إذا أخلص النقاد في تعاملهم مع النص الإبداعي، وانطلقوا من رؤية نقدية تجمع بين القراءة الجيدة لمعالم التراث النقدي عند العرب وبين التفتح على آليات النقد الحديث، واصطفاء القيم والمصطلحات التي تتسق مع طبيعة اللغة العربية وجمالياتها، ومع جماليات البيئة وأعرافها، وتطور الدلالات والمفاهيم والرؤى والتصورات. ^: يقولون: «أضحت العولمة واقعاً نعيشه في جوانب كثيرة» ، كيف تنظر إلى مستقبل الأدب الإسلامي في ظل هذه العولمة؟ وهذه الهيمنة الطاغية تضع أمام الأدباء المسلمين معوقات أكثر طغياناً، وعليهم أن يثبتوا، وأن يقاوموا، وأن يقدموا أدبهم تقديماً فنياً جمالياً متفتحاً على هموم الإنسان المسلم في كل بقاع الأرض. وهذا التفتح الإبداعي والنقدي لا بد له من وسائل ودوافع تضمن له التواصل والبقاء ومن هذه الوسائل والدوافع: ١ ـ تجويد الإبداع ومواكبة كل حركات التجديد العالمي في فنون الإبداع. ٢ ـ تقوية الصلات بين أدباء العالم العربي وكل أدباء العالم الإسلامي في الشرق والغرب. ٣ ـ العناية بحركة ترجمة الأعمال الإبداعية والنقدية من العربية إلى كل لغات الشعوب الإسلامية وإلى اللغات العالمية الحيَّة، وكذلك ترجمة آداب الشعوب الإسلامية إلى اللغة العربية. ٤ ـ إنشاء المواقع الخاصة بالأدب الإسلامي على الإنترنت، وتبادل المعرفة والإبداع بين الأدباء الإسلاميين عن طريق هذه المواقع. ٥ ـ واستكمالاً لمسيرة رابطة الأدب الإسلامي في ترسيخ دعائم الأدب الإسلامي؛ عليها أن تقوم بمدِّ الجسور بين الرابطة، والجامعات العربية والإسلامية والهيئات الفكرية والأدبية. ٦ ـ تقوية الصلات الفكرية بين المفكرين الإسلاميين، والأدباء الإسلاميين، والمشاركة في المؤتمرات التي تعقدها الهيئات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي؛ لأن كبار المفكرين والدعاة الإسلاميين لا يَعْرفون قيمة الحركة الأدبية الإسلامية، ولا يدركون قيمتها، ولا يعرفون الأدباء والنقاد الإسلاميين، والرابطة تبذل جهوداً كثيرة في مجال الاتصال بالهيئات العلمية والفكرية، والتعرف على أنشطتها الإسلامية، والتعاون معها في الجهود الدعوية عن طريق الكلمة المبدعة. ومن البارزين في هذا المجال (الدكتور عبد القدوس أبو صالح) ، و (الدكتور عبد الرحمن العشماوي) ، و (الدكتور وليد قصاب) ، و (الدكتور عماد الدين خليل) ، و (الدكتور عبد الحليم عويس) ، وغيرهم، ولكن على الرابطة أن تضاعف جهودها في هذا المجال؛ لأن الفكر الإسلامي هو الأفق الأرحب التي تتضوأ في عوالمه تجارب أدباء الإسلام. ^: منذ سنة تقريباً، وأنت تشارك في نقد «ملتقى الأدباء الشباب» برابطة الأدب الإسلامي العالمية، ما رأيك بهذا الملتقى؟ وما تقويمك لإبداعات الشباب فيه؟ وهذا الملتقى مضمار للتنافس بين شباب الأدباء في مجال الإبداع، وتقديم التجارب الجمالية السامقة في ظل الرؤية الإسلامية المتفتحة على ما في السماوات وما في الأرض من مظاهر جمالية تنطق بقدرة الخالق . وكذلك عالم الإنسان، وصراعاته، وما يموج به العالم من فتن وحروب، وما يموج به الوجدان من رؤى وأحلام، تتصادم مع الواقع أو تتصالح معه. كل هذه الآفاق يقدمها الشباب في هذا الملتقى ـ وهم القادمون من كل فج ـ تجمعهم الكلمة المؤمنة، والوجدان الإسلامي. ففي المتلقى الواحد تجد أدباء من: السودان، وسوريا، وفلسطين، والأردن، ومصر، والسعودية، واليمن، والمغرب، ولبنان، وهذا أمر يدعو للإعجاب. ومما يعطي لهذا الملتقى قيمته؛ التفاعل بين الأدباء والمشرفين على اللقاء الذين يشاركون في تقويم تجارب الأدباء تقويماً إيجابياً بدافع من الحب والطموح إلى الأفضل، ومشاركة (الدكتور حسين علي محمد) ، و (الأستاذ محمد شلاّل الحناحنة، و (الأستاذ شمس الدين درمن) في الإشراف على هذا الملتقى بصفة دائمة يعطيه مزيداً من التواصل والإيجابية. وللدكتور (وليد قصاب) ، وكاتب هذه السطور جهود في إثراء هذه الملتقى، وأدعو الزملاء الكرام من أساتذة الجامعة لمزيد من المشاركة في هذا اللقاء الأدبي الذي قدم مواهب أدبية جادة واعدة تعد بمستقبل إبداعي مرموق في جميع الفنون الأدبية من: شعر، وقصة، ومقالة، وخاطرة أدبية، وغير ذلك من الفنون القولية. ^: أخيراً: ليتك تعرفنا على آخر مشاريعك الأدبية الجديدة. ١ ـ ديوان «الأعمال الكاملة» وهي الأعمال الشعرية، ولكن متى يَصْدر؟ وكيف يُوزَّع؟ ومن سيطبع؟ ٢ ـ ديوان «العمر والريح» قيد الطبع بالهيئة العامة للكتاب بمصر منذ أكثر من أربع سنوات، وينقصه الغلاف! ٣ ـ «الشيخ: محمد متولي الشعراوي» ، وهو قيد الطبع بدار الشروق بالقاهرة، وينقصه الغلاف منذ ثلاث سنوات! ٤ ـ كتاب «العصف والريحان» ، وهو محاورات ومواجهات معي أعدها الشاعر (د. حسين علي محمد) ، وقد صدر بحمد الله عن سلسلة أصوات بمصر/ يناير ٢٠٠٦م، ونسأل الله التوفيق والسداد.

стр. 5684

الغريب محمد بن صالح الشمراني احتوى كفي بين راحتيه، وشدّها بتحنان ولطف.. ـ إني أحتاجك يا محمد! أرجو ألا تتخلى عني، وتُظهر لي سوءَة الجحود والنكران، وتقذف بكل توسلاتي في غَيابةِ نسيانك. عاينتُ دمعةً تكشَّفتْ بحياءٍ وتمنُّع، كانت تخشى الشماتة والملامة، وتأنف الأسْر والحبس! ـ أرجوك يا محمد! أشاح عني بناظريه، ونصبهما في زاوية الحجرة العتيقة. أراد أن يُغافلني.. ليُميطَ هذه الدمعةَ الجائرة، ويسحقها في غورٍ ُلِّجيّ. لم يزل يُعنِّفني بقبضته، ويُرسل أشواقه الحرّى، ويبثُّ طرفاً من مخبوءِ ذاته. ـ إني أعيشُ يا محمد غربة مُوجعةً، قاسية، تتقاذفني فيها سهام النكوص، وذكريات الماضي البائس، أُحسّ بأن قوةً شيطانيةً تتغلغلُ في كياني، وتجذبني من ناصيتي بجفاءٍ وقسوة، لتسوقني ذليلاً إلى درب الغواية القديم. كل من حولي يؤزني نحو الخطيئة أزاً، ويُراود نفسي بجرأةٍ وقحة. أرى كلَّ المغريات، وذكريات الأمس، وطيش الصبا.. تتلقفني في طريقي، وتعترضُ مسيري. وإني يا محمد! ما زلتُ أُصارعُ وأُصارع، أُجاهدُ نفسي وأُغالبها، أُحاولُ إشغالها بالطاعات والمباحات، ولكني يا صديقي.. أخشى وأخاف. وربِّي.. إني أخاف من ذلك اليوم المشؤوم؛ حين تتناقلون فيه خبري، وتقولون إني قد غيَّرتُ وبدَّلت، وصرتُ (شيئاً) آخر! أُقسم لك يا صديقي إنني أُحب الصالحين، ولا أرى نفسي إلا في حماهم، ولا تطمئن روحي إلا بالقرب منهم، وكم نافحتُ وخاصمتُ كلَّ من يلمزهم ويمسهم بسوء. صدِّقني.. بأني لا أفكر في العصيانِ ابتداءً، ولا أسعى للخطيئة سعياً حثيثاً! وإني على عهدي معك، وميثاقي الذي عقدته بين يديك؛ لم أَحِد عنه طرفة عين، ولكني يا صديقي حين أخلو بنفسي، وأُنادمها وحدي، دونَ رقيبٍ ولا حسيب.. يطرقُ الشيطانُ الرجيمُ بابَنا، حاملاً في كنانته كلَّ الذكريات والملذّات التي هجرناها، وخلَّفناها في الدار الخربة. يَلجُ علينا بكلِّ ما أوتيه من مكرٍ وتزييف.. فيصيرُ ثالثنا. فما ظنك يا محمد! باثنين مُتلازمين على فراش الفتنة.. والشيطانُ ثالثهما؟! ولعمرُ الله ـ ياصديقي ـ لقد وقفتُ طويلاً في ظلام الليل، وفي يدي قرآني، سجدتُ، وأذللتُ نفسي لبارئها، مرّرتُ جبيني، ودثَّرته بأديم الأرض. بكيتُ والله! سححتُ الدمع مدراراً، استجديتُ ربي الثبات على دينه، لزمت الخضوعَ لياليَ وأياماً طِوالاً. وإني دون ذلك.. لأرقبُ خيالَ الشهوةِ، وأُبصرها ترفع عقيرتها من وراءِ تلك الأكمة القريبة! في كلِّ أصيلٍ ـ يا صديقي ـ أذكرُ حديثك عن غُربة آخرِ الزمان، وتناثر الفتن بين يدي الناس أجمعين. والذي نفسي بيده! إني لأحس بحرِّ الجمرةِ الموعودة في قبضتي. لا أستطيعُ لها فِكاكاً، ولا منها هرباً ولا تخفِّياً. وكيف أُطيق ذلك؛ وأنَّى اتجهتُ رأيتُ داعي الأرضية يتلقفني.. في دربي، وغرفتي، وجامعتي، وفي الدكان القريب مني؟ حتى حينما أكون بين أهلي وقرابتي؛ فإني أكاد أُنكر نفسي، وأُطاوع شهوتي، ورفقاء دربي. محمد! أتُبصرُ تلك الشجرة العملاقة؟! أرأيتَ أصلها الثابت، المتجذِّر في عمق الأرض، وفرعها الذي يُعانق السماء؟! أتبصرها يا محمد؟! كنتُ ـ ولعمرُ الله ـ مثلها، طينتي من الأرض، وروحي متصلة بالسماء، كنتُ مخلوقاً آخر، لو رآني الليلةَ لأنكرني، وأظهر البراءة مني! كانت يُمنايَ تحملُ المصحف، وقلبي يحويه ويحفظه، كانت الروضة تألفُ هامتي، وتنظر قدومي، كان محرابي يبكي معي في السحر، ويُنصتُ لي إذا رتّلتُ، ويضطربُ فرَقاً إذا هجرت. كنتُ يا صديقي مؤذناً؛ أرفع نشيد العزة في الحي، وأُنادي المسلمين لموعد الرب، كنتُ أغشى دور العلم، ومحاضن التربية. يا صديقي محمد! والذي نفسي بيده.. إني لا أستطيبُ النوم، ولا أتلذذ بالفراش؛ كلما ذكرتُ اسوداد حاضري أمام حُسن الماضي وبهائه! محمد! إني لا أطلب منك شيئاً. لا مالاً، ولا جاهاً، ولا سلطاناً. أريدك أن تُلحّ على الله بالدعاء، وترجوه أن يثبتني على الحق حتى الممات، وإن سبق في علمه أنني لن أقوى أمام الفتنة، وبأني سأتهاوى صريعاً بين يديها؛ فأرجوك أن تلح على الله أن يقبضني إليه، ويُمسك روحي عن عناء هذا كله. وإني لأعلمُ أن سُؤلي عليك عسير، ولكني وازنتُ الأمرين، وقايستُ الضدين، فطاشتْ كِفّةُ لُقياه في عمر الزهور طائعاً.. على أن آتيه مُكبلاً ذليلاً بين الزبانية الغلاظ الشداد!

стр. 5685

المرآة اللبنانية وانعكاسات الأزمة العربية أحمد فهمي يقول إبراهيم أمين السيد من علماء الشيعة اللبنانيين المؤسسين لحزب الله: «نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران» . ويقول الشيخ حسن طراد من علماء الشيعة: «إن إيران ولبنان أمة واحدة ووطن واحد» . وفي المقابل يقول أحد كبار علماء إيران: «نحن ندعم لبنان سياسياً وعسكرياً كما ندعم إحدى محافظات إيران» . [الإسلاميون في مجتمع تعددي/ حزب الله في لبنان نموذجاً. د. مسعود أسد إلهي] . هذه الأقوال المتحمسة تطرح تساؤلاً مهماً حول الأزمة اللبنانية التي أشعلتها عملية «الوعد الصادق» التي نفذها حزب الله اللبناني الشيعي، ونتج عنها مقتل ثمانية جنود إسرائيليين وأسر جنديين، وهذا التساؤل هو: هل هذه الحرب التي أشعلها حزب الله، حرب لبنانية أم إيرانية؟ وهل هي حرب بين حزب الله والاحتلال الصهيوني، أم بين طهران وواشنطن؟ وهناك تساؤلات أخرى أثارتها ردود الأفعال الإقليمية والدولية، ويمكن تلخيصها في أمرين: ـ لماذا أتى الرد الصهيوني على هذا النحو العنيف والمدمر؟ ـ لماذا أتى الرد العربي عاجزاً ومنتقداً لأداء حزب الله في الوقت نفسه؟ ونقدم في هذا المقال محاولة للإجابة عن التساؤلات الثلاثة. ü إيران وسياسة تصدير الحروب: لتحديد الهدف الحقيقي من عملية حزب الله الأخيرة لا بد من توضيح الإطار السياسي والعقدي الذي يحكم العلاقات المتبادلة بين ثلاثة أطراف محورية في المنطقة، وهي: إيران، سورية، حزب الله؛ لأن هذه العلاقات المتبادلة أصبحت العنصر الأكثر تأثيراً على الساحة اللبنانية، وإذا كانت العلاقة بين سورية وإيران محكومة منذ الحرب العراقية الإيرانية بتحالف «العدو المشترك» وهو صدام حسين؛ فإن إطار هذه العلاقات يتوسع حالياً ليتضمن بُعداً عقدياً من ناحية، وسياسياً من ناحية أخرى تجاه خصم مشترك آخر هو الولايات المتحدة، وقد أثمرت العلاقة المتنامية توقيع اتفاقية للدفاع المشترك بين البلدين، إضافة إلى استخدام حزب لله كأداة سياسية وعسكرية لضبط التوازن داخل الساحة اللبنانية والمنطقة على إيقاع طهران أولاً ودمشق ثانياً. أولاً: حزب الله وصلته بالحرس الثوري: في عام ١٩٨٢م اتفقت طهران ودمشق على إرسال وحدات من الحرس الثوري الإيراني للمشاركة في مقاومة الاحتلال الصهيوني للبنان، وعندما وصلت الوحدات الإيرانية إلى دمشق تراجع نظام حافظ الأسد خشية تنامي نفوذ الحركات الشيعية الدينية في لبنان، وجرى الاتفاق على أن يقتصر دور الوحدات على التدريب دون المشاركة الفعلية في القتال، ووصل إلى الجنوب اللبناني في أسابيع قليلة ١٥٠٠ عسكري إيراني، تم اختيارهم بعناية ليكونوا مدربين عسكريين وكذلك دعاة دينيين يرسخون مبادئ الثورة الخمينية في الجنوب اللبناني، ويؤسسون للسيطرة الشيعية على الجنوب، وكان لهذه الوحدات الدور الأكبر في تأسيس حزب الله بصورة فعلية من النواحي التنظيمية والعسكرية والدعوية، وكانت تلك بواكير ثمار سياسة تصدير الثورة التي تبنتها جمهورية الخميني. يقول إبراهيم أمين السيد: «لقد نقل الإخوة الحرسيون من الجمهورية الإسلامية إلى لبنان الروح الثورية والاستشهاد وخط الثورة وقيادة الإمام الخميني إلى حد أنه بدا وكأننا مرتبطون جغرافياً ارتباطاً مباشراً بالجمهورية الإسلامية ولا نرى حدوداً تفصلنا عنها» . [الإسلاميون في مجتمع تعددي/ حزب الله في لبنان نموذجاً. د. مسعود أسد إلهي] . وكانت غالبية الصفوف الأولى المؤسسة لحزب الله من تلاميذ العالم الشيعي العراقي محمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة العراقي، وكانوا يحملون فكراً ثورياً شيعياً لم تتحمله المؤسسة الرسمية الشيعية في لبنان وهي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بزعامة محمد مهدي شمس الدين وقتها، وحسن نصر الله نفسه تلقى العلوم الدينية على يد محمد باقر الصدر في النجف، ثم رحل إلى قم وتتلمذ على مرجعياتها قبل أن يعود إلى لبنان. ثانياً: حزب الله يدين بالولاء المطلق لخامنئي: يقول الحزب في كتيب أصدره لبيان تاريخ نشأته ووجهات نظره: «نحن نلتزم بولاية المرجعية الرشيدة التي يجسدها الولي الفقيه. وهذه المرجعية ليس لها صفة جغرافية أو مصلحية أو قومية أو غير ذلك» . ويقول حسن نصر الله: «الفقيه هو (ولي أمر) زمن الغيبة، وحدود مسؤوليته أكبر وأخطر من كل الناس. نحن ملزمون باتباع الولي الفقيه ولا يجوز مخالفته» . ويوضح إبراهيم السيد أن هذه التبعية للولي الفقيه ليست قاصرة على الشؤون الدينية فقط، بل تتعداها إلى القرار السياسي: «نحن لا نستمد عملية صنع القرار السياسي لدينا إلا من الفقيه، والفقيه لا تعرفه الجغرافيا؛ فنحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران، نحن نعتبر أنفسنا ـ وندعو الله أن نصبح ـ جزءاً من الجيش الذي يرغب الإمام في تشكيله من أجل تحرير القدس الشريف» . ويقول حسين الموسوي من قيادات حزب الله: «نحن على المستوى السياسي والديني والعقائدي نتبع عقيدة الإمام الخميني وفكره» . وبعد موت الخميني انتقلت التبعية لخليفته علي خامنئي الذي عيَّن في العام ١٩٩٥م كلاً من محمد يزبك عضو مجلس شورى حزب الله، وحسن نصر الله الأمين العام للحزب وكيلين له في استلام الحقوق الشرعية من شيعة لبنان وفي مقدمتها الخُمْس بالطبع، كما أن مؤسسات خامنئي هي إحدى أهم مصادر تمويل الحزب الخارجية، وقد صرح خامنئي تعليقاً على المطالبة بنزع سلاح حزب الله كشرط أساس بالقول: «الولايات المتحدة طالبت بنزع سلاح حزب الله، هذا لن يحصل» [صحيفة الحياة] ثالثاً: حزب الله وسورية من العداء إلى التحالف: كانت حركة أمل الشيعية في لبنان تحمل وجهات علمانية، أو على الأقل لم تكن تحمل فكراً دينياً متشدداً مثل حزب الله، وكانت حركة أمل حليفاً لدمشق في لبنان، وعندما برز حزب الله للعلن بدأ في سحب البساط من تلك الحركة بتأييد إيراني، ونشأ عن ذلك صراعات وخلافات تطورت إلى حد القتال المباشر نهاية الثمانينيات ولمدة عامين متصلين، ونتج عن التقاتل الشيعي ٢٥٠٠ قتيل و٥٠٠٠ جريح أغلبهم من حركة أمل، إلى أن تم احتواء الموقف من قِبَل دمشق وطهران مطلع التسعينيات، وأصبح حزب الله الأقوى في الساحة الشيعية، وبدأ النظام البعثي في مد جسور التعاون مع الحزب بدعم إيراني لتكوين إطار شيعي ممتد من إيران إلى لبنان، وتأسست العلاقة بين الحزب وسورية على أساس المصالح السياسية المشتركة في لبنان. يقول أبو سعيد الخنساء من عناصر حزب الله: «إن بعض أصدقائنا كانوا ينظرون إلى سورية كعدو ولو لم يتدخل السيد القائد ـ علي خامنئي ـ مباشرة لما صححت هذه النظرة» . [الإسلاميون في مجتمع تعددي/ حزب الله في لبنان نموذجاً. د. مسعود أسد إلهي] . ومؤخراً تلاقت المصالح بين الطرفين على وجوب السعي لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة، وخاصة أن مستوى الجرأة الصهيونية تجاه دمشق يتزايد باضطراد، والتهديدات لا تتوقف بخصوص الوجود الفلسطيني الفصائلي في دمشق، كما أن الخلافات السياسية اللبنانية تفاقمت وبات من الصعب توجيهها بالصورة التي تخدم مصالح الطرفين، فكان لا بد من البحث عن وسيلة لإعادة ترتيب الأوضاع وفق ترتيبات جديدة. رابعاً: طهران وسياسة تصدير الحروب: دخل نظام الملالي منذ عدة أشهر في صراعات سياسية مع الغرب وأمريكا تحديداً، بعد الإعلان عن تخصيب اليورانيوم في المفاعلات الإيرانية، ولأن الطرفين يحرصان على عدم تصعيد النزاع إلى الصدام المباشر، فقد أصبح العراق ميداناً غير مباشر للتنافس بين البلدين، وصدَّرت إيران سياستها التصادمية عبر الأحزاب والميليشيات الشيعية، ولكن مع تصاعد الضغوط الغربية وتوقع تحويل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن واحتمال فرض عقوبات اقتصادية، كان لا بد من البحث عن ساحة أو وسيلة إضافية لتفريق الضغوط الغربية، وكان أحد الخيارات المطروحة استخدام ما يعرف بـ «خيار شمشون» في مواجهة فرض حصار جوي واقتصادي على إيران، حيث تقوم طهران بمنع وصول الإمدادات النفطية من الخليج إلى بقية دول العالم. يقول محمد نابي روداكي عضو في مجلس الأمن القومي ولجنة السياسة الخارجية في البرلمان الإيراني: «في حال اتخاذ قرار بالحظر الجوي أو الاقتصادي فلن يتم تصدير ولو قطرة نفط واحدة من المنطقة. إن جمهورية إيران لديها المقدرة على منع تصدير النفط من ساحل الخليج ومن نفطنا إذا ما أخفقت أوروبا في تناول القضية النووية بحكمة. [دورية مختارات إيرانية، العدد ٧١] . ولكن كان هناك خيار آخر هو «الحرب الاستباقية عن بُعد» التي تشعل المنطقة وتصرف الأنظار عن الملف النووي الإيراني، وتكسب طهران ورقة تفاوضية جديدة، كما تدعم تأثيرها الإقليمي من خلال قدرتها على إثارة المشكلات والأزمات، ولعل من الشواهد المؤيدة لهذا التحليل الحرص الإيراني على توفر البعد العسكري لدى الأقليات الشيعية التي تدعمها في دول أخرى، وهذه حقيقة ثابتة لا يمكن التشكيك فيها. خامساً: الهدف الحقيقي من عملية حزب الله: أعلن حزب الله عن عمليته التي سماها «الوعد الصادق» وذلك نسبة إلى الوعد الذي قطعه حسن نصر الله على نفسه أن يشارك سمير قنطار المعتقل في السجون الصهيونية في احتفالات التحرير القادمة ٢٥ مايو، وبذلك يكون الهدف الرئيس المعلن من العملية تنفيذ عملية تبادل موسعة للأسرى في سجون الكيان الصهيوني. ولكن هذا التخريج للأحداث يبدو عسيراً على القبول، وذلك لتوفر مؤشرات وشواهد كثيرة تدعم تحليلاً آخر يقول إن حزب الله نفذ حرباً بالوكالة نيابة عن طهران، وأن الهدف لم يكن تنفيذ عملية تبادل للأسرى، أو حتى تغيير قواعد اللعبة من خلال تفعيل أسلوب الاختطاف باعتباره وسيلة ردع، ولكن كان الهدف الأساس من كل ذلك هو استدراج العدو إلى حرب مكشوفة تكون الخيارات فيها مفتوحة لقصف المدن الصهيونية بالصواريخ ـ الإيرانية والسورية ـ وهو ما يعني ابتكار وسيلة ردع جديدة يفتتحها حزب الله، وهي القصف المتبادل في العمق المدني والعسكري. وكان واضحاً منذ بدء الأزمة أن حزب الله لديه أجندة محددة وخطوات مرتبة، وتصعيد مدروس ومتدرج في تنفيذ عمليات القصف على المدن، بل وفي إدراجها في سياق رد الفعل ـ الردعي ـ على القصف الصهيوني، كما كان هناك تقسيم دقيق للأهداف لا يحرقها جملة واحدة، وبذلك أصبح وارداً ومحتملاً وقريباً أن يتعرض العمق الصهيوني للقصف بصواريخ أقوى تأثيراً في حال تعرض إيران وسورية لهجمات أمريكية أو صهيونية، ولدى البلدين صواريخ تصل إلى عمقها بسهولة، وقد كان واضحاً تطور مستوى الدقة في إصابة صواريخ حزب الله لأهدافها. وبذلك تكون عملية الوعد الصادق ليس المقصود بها تحرير الأسرى، ولكن تقديم صورة لما يمكن أن يحدث في حال تعرض إيران أو سورية لهجمات أمريكية، وأيضاً تفعيل وسيلة الردع الجديدة. وهناك كما قلنا شواهد تؤيد هذا التحليل نذكر أهمها فيما يلي: ١ ـ عملية «الوهم المتبدد» التي نفذتها حماس قدمت نموذجاً ومثالاً عملياً واضحاً لرد الفعل الصهيوني لا يمكن أن يغيب عن أي متخذ للقرار داخل حزب الله، وبذلك لا يمكن أن يكون الحزب قد فوجئ بمستوى رد الفعل الصهيوني كما يرجح بعض المراقبين. ٢ ـ أسرى الحزب في سجون العدو تراجع عددهم كثيراً وأبرزهم ثلاثة فقط هم يحيى سخاف، وسيم نصار، سمير قنطار. ولا يبدو معقولاً أن يُقْدِم الحزب على مغامرة خطيرة كهذه من أجل تحرير قنطار من الأسرى وليس أسيراً واحداً، وخاصة أن الحزب نجح بالفعل في إتمام صفقة تبادل لـ ٣١٤ أسيراً لبنانياً وفلسطينياً مع الكيان الصهيوني منذ سنوات مقابل ثلاث جثث متحللة لجنود صهاينة، وكان يمكن بسهولة الاحتفاظ ببضع جثث من عملية الوعد الصادق لمبادلتها لاحقاً، وذلك بلا شك سيكون أخف وطأة. ٣ ـ امتلكت الترسانة العسكرية لحزب الله كميات كبيرة ومتطورة من الصواريخ في الفترة الأخيرة، وقدرت مصادر مخابراتية صهيونية عدد الصواريخ بنحو ١٠ آلاف إلى ١٥ ألف صاروخ، من بينها فجر ٣ وفجر ٤ وفجر ٥ ويصل مداها إلى أبعد من مدينة حيفا التي تبعد ٤٠ كم فقط عن حدود لبنان، ويمتلك الحزب صاروخاً يصل مداه إلى ١٥٠ كم وهو قادر على الوصول إلى العاصمة تل أبيب التي تبعد ١٢٠ كم فقط عن حدود لبنان، وترجح التقارير امتلاك الحزب لـ ١٠٠ صاروخ فقط من هذا النوع، وقالت تقارير أخرى إن الحزب أطلق صاروخ أرض بحر من نوع سي ٢٠٨ يتخطى مداه ١٠٠ كم وهو من الصواريخ المتطورة جداً في العمليات البحرية. [صحيفة المصري اليوم ١٧/٧/٢٠٠٦م] . ٤ ـ في حوار مع صحيفة الحياة قال وليد جنبلاط: «الجواب الفارسي لموضوع التخصيب ما حصل في لبنان» وأضاف: «هذه الترسانة المتطورة لا تأتي من العبث، تقول إيران لأمريكا تريدون محاربتي في الخليج أو ضرب المنشآت النووية، نصيبكم في عقر داركم في أرض العدو المحتلة، وساحة المعركة طبعاً لبنان» . [الحياة ٢١/٦/١٤٢٧هـ] . ٥ ـ توقيت عملية الوعد الصادق في حال افترضنا صحة الهدف المعلن لها، سيكون عجيباً جداً، وخاصة أن هناك عملية سابقة نفذها الفلسطينيون ولم يقبل الكيان الصهيوني حتى الآن بتنفيذ عملية تبادل للأسرى، وعملية نوعية كهذه تحتاج إلى تخطيط طويل المدى وتنتظر فقط قراراً سياسياً، وقد قال حسن نصر الله بصراحة: «نحن الذين نختار الزمان والمكان، ولا يستطيع العدو أن يفرض علينا الوسيلة أو زمن اختيار الوسيلة» إنه إذن اختيار عجيب. [صحيفة الحياة] . ü الرد الصهيوني القوي دليل على الضعف: كان إيهود أولمرت رئيس وزراء دولة العدو في زيارة لمنزل الجندي المخطوف في غزة يعد والده بقرب إطلاق سراحه، عندما جاءه السكرتير العسكري للحكومة بخبر اختطاف جنديين آخرين في جنوب لبنان، وكانت الصدمة قوية لدرجة أن اتخاذ قرار الحرب المفتوحة على لبنان جاء سريعاً جداً ودون دراسة كافية لأبعاده، وقد نقلت الصحافة الصهيونية أنه في مجلس الوزراء المصغر الذي اتخذ قرار الحرب على لبنان، كان شيمون بيريز الوزير الوحيد المعترض، وكان سؤاله لرئيس الأركان دان حلوتس عن الخطوات التالية، وقال إنه يفهم الخطوة الأولى والثانية، ولكن لا يفهم الثالثة والرابعة، وجاء رد حلوتس معبراً، فقال: إن الخطوة الثالثة مرتبطة بالخطوة الثانية، وإن الرابعة مرتبطة بالثالثة، وكلها مرتبطة بما سيحدث على أرض الواقع. [صحيفة الفجر ١٧/٧/٢٠٠٦م] . وقد جاء تهديد وزير الدفاع الصهيوني (عامير بيرتس) المفاجئ بأن دولتهم يمكن أن تحتل لبنان عشرين عاماً، ليبرز مدى التخبط حول الخطوات التالية بالفعل، كما أن حزب الله نجح في أن ينافس الجيش الصهيوني في منظومة الفعل ورد الفعل؛ فبعد أن كان الحزب يهدد بأن قصف الضاحية الجنوبية سوف يكون خطاً أحمر، صرحت حكومة العدو بأن ضرب حيفا خط أحمر، ولما ضُربت حيفا أمر الجيش سكان الجنوب اللبناني بالرحيل إلى الشمال، كما هدد الحزب بضرب المنشآت البتروكيماوية في حيفا وغيرها. والمثير في المشهد السياسي الصهيونيي والذي يكشف عن مستوى المفاجأة أن الحكومة التي يرأسها ويشغل منصب وزير دفاعها مدنيان للمرة الأولى في تاريخ الكيان الصهيوني منذ عام ١٩٤٨، كانت قد وافقت بإجماع ١٨ وزيراً وامتناع ٨ عن التصويت على تخفيض ميزانية وزارة الدفاع بمبلغ نصف مليار شيكل، ولا شك في أن تعديلاً سيطرأ على الميزانية بعد أن تضاف تكلفة شن حرب مفتوحة ضد لبنان لا يعلم على وجه التحديد متى تنتهي وما تبعاتها. وقد ذكرت صحيفة هآرتس اليهودية خبراً لو تأكد فسوف يكون مؤشراً على مستوى الضعف السياسي الذي بلغته الحكومة الحالية بقيادة أولمرت والتي تعرضت لخمس طلبات لسحب الثقة منها في الأيام الماضية من أحزاب المعارضة بما فيها الليكود. قالت هآرتس: إن يوفال ديسكين رئيس جهاز الشاباك الذي التقى (أبو مازن) سراً في الأردن نقل إليه رسالة شبه رسمية مفادها أن تل أبيب لديها استعداد للتفاوض حول صفقة لإطلاق أسرى مقابل الجندي الأسير ولكن مع (أبو مازن) وليس مع حماس. وقال ديفيد وولش مساعد رايس في مؤتمر صحفي عقب محادثاته مع أبو مازن في رام الله: إن قضية الأسرى قضية عاطفية بالنسبة للفلسطينيين ولا بد من معالجتها بين عباس والجانب (الصهيوني) بعيداً عن التدخلات الخارجية. [صحيفة المصري اليوم ١٦/٧/٢٠٠٦م] . ü المرآة اللبنانية والعجز العربي: أخطر ما في الحرب أنه لو نتج عنها نصر واضح للجيش الصهيوني فسوف يكون ذلك بادرة غير مسبوقة لها انعكاساتها على المنطقة في المرحلة القادمة؛ حيث سيعني ذلك أن حكومة العدو نجحت في تنفيذ سياسة ردع جديدة وفعالة عن طريق استخدام رد فعل هائل يتضمن كل الأعمال الوحشية من قتل وتدمير وتهجير، في مواجهة فعل متوسط أو محدود، ومع استحضار ردود الفعل العربية والدولية الباهتة فإن مستقبل المقاومة سيكون في خطر كبير، وستكون هناك حسابات جديدة ربما تؤدي إلى تقهقر المقاومة، وخاصة أن الانتقال من استهداف المدنيين إلى التركيز على الأهداف العسكرية لم يخفف من الضغوط على المقاومة، بل تأتي الأحداث الأخيرة لتدفع بمسار المقاومة في اتجاه معاكس تماماً، وبذلك تكون الحسابات الإيرانية في المنطقة العربية قد أحدثت ضرراً كبيراً للمقاومة التي تزعم طهران تبنيها ودعمها. وعلى الجانب العربي أصبحت الدول ذات المشكلات الطائفية والعرقية تعكس بوضوح مستوى الفعل السياسي العربي المتدهور دائماً، والذي انتقل من سياق رد الفعل الذي كان مثار الانتقاد إلى سياق الفعل المُعادي، بحيث إن وزير شؤون الهجرة الصهيوني (زئيف بويم) رحب بالضغوط المتصاعدة التي مورست على حزب الله بشكل شجاع جداً داخل لبنان، وكذلك من جانب الدول العربية المعتدلة [صحيفة المصري اليوم ١٦/٧/٢٠٠٦م] . ويمكن تلخيص دلالات الموقف العربي تجاه الحرب على لبنان في المؤشرات التالية: ١ ـ تحولت بعض الدول العربية إلى ساحات للصراع وميادين للحروب بالوكالة بين أطراف دولية وإقليمية، وتطور نفوذها داخل الدول العربية إلى التفاوض المشترك بعيداً عن أي طرف عربي حتى لو كانت مصالحه مرتبطة بالدولة محل النزاع، وبعد أن دعت واشنطن طهران إلى مفاوضات مباشرة حول العراق، تسعى إيران حالياً للمشاركة في أي مفاوضات تتعلق بلبنان، وقد كشف الرئيس المصري أن طهران كانت ترغب في المشاركة في جهود الوساطة العربية لدى حزب الله، وقال: «إن الإيرانيين طلبوا حضور اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب وتشكيل لجنة مشتركة تضم حزب الله وحماس، لكن مصر أدركت أن هذا فخ» . (الحياة ٢١/٦/٢٠٠٦م) . ٢ ـ لا تزال الدول العربية عاجزة عن التعامل مع الأمر الواقع، وتصر لاعتبارات الرأي العام ولافتقاد كل قدرة على الفعل على تداول مصطلحات ومسميات لم تعد ذات قيمة في الصراعات الدولية، مثل: دور المجتمع الدولي ـ دور الأمم المتحدة ـ وساطة الولايات المتحدة ـ المصالح العربية المشتركة. ٣ ـ الدور المصري منذ استلام شارون للسلطة في عام ٢٠٠١م طرأ عليه تغير إستراتيجي لم يهتم به كثير من المراقبين، وهو الانتقال من دور اللاعب والمفاوض الرئيس إلى دور الوسيط، والذي تتمثل قيمته في ممارسة الضغوط على الطرف الفلسطيني أو العربي. ٤ ـ لم يعد بالإمكان تجاهل حقيقة أن الأقليات العرقية والطائفية بمثابة قنابل تنتظر تفجيرها من قِبَل أعداء العالم العربي، وقد انضمت إيران إلى قائمة الدول التي تسعى إلى اللعب بهذه الورقة لتحريك الأحداث داخل الدول العربية بما يتوافق مع مصالحها. ٥ ـ رخص الدماء العربية وتراجع مستوى ردود الفعل حتى لدى الرأي العام المحلي والعالمي مؤشر ينذر بالخطر؛ فهذا يعني أن طابور الطامعين سوف يزداد مع رخص الثمن، وأن المنطقة ستظل معرضة لافتعال حروب جديدة يمكن أن تثور لأتفه الأسباب وأسرعها أيضاً، ولا شك أن دخول إيران على الخط سوف يدفع بدول أخرى للتنافس على الكعكة العربية، وخاصة أن هناك بعض الآراء الغربية التي تدعو للقبول بإيران نووية، فقد صرح بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق في عهد الرئيس جيمي كارتر خلال مشاورات الوكالة الدولية للطاقة مع واشنطن بشأن اتخاذ موقف ضد إيران قائلاً: «إن الغرب مضطر أن يتعايش بجوار إيران النووية» [مختارات إيرانية ٧١] . ٦ ـ حكومة حماس أصبحت على مفترق طرق، فرغم أن مركز الحدث انتقل إلى لبنان إلا أن الخطر يكمن في النتيجة التي يمكن أن تسفر عنها الأزمة الحالية، وقد بدأت دول عربية بالفعل في التجهز لهذه المرحلة التي يتوقعون فيها انتصاراً صهيونياً، وستكون حماس أولى الضحايا، ولعل المؤشرات بدأت بالظهور؛ فقد تم إلغاء مؤتمر صحفي لمحمد نزال القيادي في حماس كان مقرراً عقده بالقاهرة التي كان يزورها للالتقاء مع اللواء عمر سليمان مدير المخابرات، وأُخبر نزال أن حياته في خطر؛ لأنه مدرَج على قائمة الاغتيالات الصهيونية، فاضطر للعودة إلى دمشق. [صحيفة الأسبوع المصرية ١٧/٧/٢٠٠٦م] . ويبقى في النهاية تساؤل بسيط في ألفاظه عميق في دلالاته، وهو: ما هي الخطوط الحمراء لدى الدول العربية التي لا يسمح بتجاوزها من قِبَل الولايات المتحدة، أو العدو الصهيوني؟ وهل يمكن القول إن العالم العربي قد تحول بأسره إلى أفق أخضر؟ نسأل الله ـ تعالى ـ أن يلطف بأمتنا المسلمة، وأن يكفيها شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 5686

رسالة مفتوحة إلى رئاسة المحاكم الصومالية هيثم بن جواد الحداد تواردت الأنباء عن سيطرة رئاسة المحاكم الصومالية على أنحاء العاصمة (مقاديشو) ، ولا شك أن هذا خبر مفرح للغاية، إذ لا شك أن كل طالب للأمن يتمنَّاه لغيره، ويسعد به إن تحقق في أي بقعة من الأرض. ناهيك عن أن هذا الأمن إذا تحقق، فإنه أمن حقيقي يجلب سعادة الدنيا والآخرة للبشر، إنه أمن الإسلام، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧] . وقد يقول قائل: إنه من المبكر الحديث عن تداعيات هذا الخبر ونتائجه. إلا أن خطورة الموقف، وحجم النتائج المتوقعة عليه تُوجب سرعة التحرك مع شيء من العجلة في إبداء الرأي الذي إن لم ينفع فإنه لن يضر بإذن الله ﵎ ــ ... والمسلمون في الصومال بأشد الحاجة إلى نصحٍ من إخوانهم المسلمين في كل مكان؛ لترشيد المسيرة، والمحافظة على هذه المكتسبات التي أُريق دونها دماء كثيرة خلال ما يقارب العقدين من الزمن. وهذه بعض معالمٍ، مساهمة في النصح عسى الله أن يكلل هذه الجهود بالنجاح. ١ ـ لا شك أن الشعب الصومالي شعب مسلم أبِيُّ، لا يقبل بغير الإسلام ديناً مهما عادت عليه العوائد وطحنته الحروب، بل إن المحن التي تمر به ـ كما هي الحال في كل بلد مسلم ـ لا تزيده قناعة إلا بأن الإسلام هو الحل لنيل سعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة، وهذا هو شعب الصومال يفصح عن هذه الحقيقة بكل جلاء ووضوح، فقوات المحاكم لم تكن لتبسط سيطرتها على العاصمة، ولم تكن لتكسب جولات القتال الذي استمر قرابة الأربعة أشهر؛ دون دعم لوجستي ومعنوي من أبناء الصومال، وهذا فيه دلالة أكبر من دلالات نتائج الانتخابات على أن الشعب لا يريد إلا الإسلام، ولا يثق إلا بالعلماء والدعاة وأهل الصلاح، فهذا الدعم الذي قدَّمه لهؤلاء العلماء والدعاة لا يقتصر على مجرد ورقة يضعها في صندوق الاقتراع، بل إنه يعكس رغبة الشعب الصومالي (على الأقل في مدينة مقاديشو) في التضحية بالنفس والمال من أجل أن يحكمه الإسلام. ٢ ـ يبدو بعد هذه الحوادث ـ ومثلها دلالات وصول حركة حماس للسلطة ـ أنّ أكبر مشكلة يواجهها الإسلاميون ليس كسب الثقة، وليس الوصول إلى سدة الحكم؛ ولكن كيفية المحافظة عليه في ظل عالم تحكمه قوى تعمل بكل ما تستطيع لإفشال أي مشروع إسلامي صادق، وهذا تحدٍ شرعي سياسي يتطلب قدراً عالياً من العلم بأصول السياسة الشرعية، وكيفية تنزيلها على هذا الواقع المعقد ... ولهذا فإن أي حركة إسلامية تتأهل إلى مثل هذا المنصب لا بد أن تراجع حساباتها بكل دقة وصراحة لتكشف لنفسها أولاً: عن درجة استيعابها لهذا العلم، فهماً وتطبيقاً ... وهنا لا بد أن نقول بأنه: قد لا يكفي أن تعتمد الحركة على المصادر الخارجية أو الأجنبية من علماء ومشايخ عند التعامل مع قواعد السياسة الشرعية فيما يتعلق بما تواجهه من مشكلات وتوازنات صعبة، بل لا بد أن يكون منها نفسها علماء في هذا المجال يجمعون بين العلم بقواعد الشريعة لاسيما علم أصول الفقه، مع العلم بالواقع الذين يعيشون فيه. ٣ ـ قد يكون من السياسة الشرعية في ظل الواقع المعاصر، ولمرحلة مؤقتة أن يتجنب الإسلاميون الوصول إلى السلطة، أو الاستمرار فيها إن وصلوا إليها؛ لأن حجم المؤامرات التي ستحاك ضدهم، وحجم المعاناة التي ستواجههم، وحجم المسؤوليات التي ستناط بهم من الضخامة بحيث تجعلهم عرضة ـ من ناحية ـ إما للتنازل عن بعض ثوابتهم التي بسببها منحهم الشعب ثقتهم فوصلوا إلى السلطة، وعندئذ سيكون الفرق بينهم وبين مخالفيهم يسير، بل إن الشعوب ستنظر إلى المشروع الإسلامي بعين الريبة؛ إذ قد تستدل بذلك على فشله في مواجهة الواقع ... وإما ـ من ناحية أخرى ـ قد تجعلهم عرضة للفشل في إدارة البلاد في ظل هذه الأعباء والصعوبات المتزايدة ... والخروج بحكم أو قرار نهائي في هذه المسألة ليس بالأمر الهيّن، ويحتاج إلى مشورة واسعة، وفهم عميق، ومن قبل ومن بعد استعانة بالباري ـ جلّ وعلا ـ للهداية إلى سواء السبيل، وهو لا شك من أمور الاجتهاد التي لا يثرب فيها على المخالف، لكن سلوك جانب السلامة وعدم المخاطرة في مثل هذه الأمور هو المتعين. وعليه فقد يكون من السياسة الشرعية في الشأن الصومالي ـ وأي شأن مشابه له مشترك معه في مناط الحكم ـ أن يعمد الإخوة القائمون على حركة المحاكم الإسلامية بالتنازل عن السلطة، أو بتسليم مقاليد الأمر للحكومة المؤقتة أو من يقوم مقامها، ولو كمرحلة أولى، بعد أخذ الضمانات الكافية في عدة أمور، من أهمها: التأكيد على هوية البلاد الإسلامية من خلال الدستور، وكذا التأكيد على نص الدستور لتحكيم الشريعة الإسلامية، ومنح ميزات للجهاز القضائي من أهمها استقلاله ـ بنص الدستور كذلك ـ، ووضع الضمانات الكافية لعدم اختراق أهل الحل والعقد ـ وهم العلماء والقضاة ـ لضمان استقلاليتهم، ومقدرتهم على الأخذ بزمام المبادرة إذا ما عصفت بالبلاد العواصف. وعليه فقد يكون من السياسة الشرعية كذلك، أن يعمل الإخوة هناك بقاعدة التدرّج في تطبيق بعض الأحكام الشرعية. ومسألة التدرج هذه من أعوص المسائل وأشكلها، وتحتاج إلى بحث مستقل، حبذا أن ُتبحث من قبل أهل الحل والعقد الذين يواجهون مشكلات قد تتطلب إناطة كيفية تطبيق الأحكام بها. فمنع المنكرات ـ مثلاً ـ لاسيما هذا القات الذي ابتلي به كثير من أهل الصومال، لا يمكن أن يتم دفعة واحدة، فقاعدة تزاحم المصالح والمفاسد هنا توجب التَّرّوي في منع هذا المنكر بالكلية وعلى البت، وهذا يُعمل به حتى مع القول بعدم الأخذ بالتدرّج في تطبيق أحكام الشريعة بعد المرحلة المكية، فيمكن مثلاً ـ وأنتم لا شك أعلم بذلك ـ وضع رسوم باهظة على بيع القات، ووضع عقوبات على من ارتكب جرماً بسببه، ولنا في الطريقة القرآنية في منع الخمر خير مثال، فيمكن ـ مثلاً ـ منع تعاطي القات في أوقات معينة مع ما تقدم، وهكذا ... المقصود ألاَّ يأخذنا الحماس في تطبيق الشريعة، أو منع المنكر لفعل ما يؤدي إلى منكر أعظم، وهذا ممّا اتفقت عليه كلمة العلماء، وقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «إنما نزل أول ما نزل من سورة المفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء «لا تشربوا الخمر» لقالوا: لا نترك الخمر أبداً. ولو نزل «لا تزنوا» لقالوا: لا ندع الزنا أبداً.» . ومن خير الأمثلة التي تشبه واقعنا ووصول الإسلاميين إلى الحكم في بعض البلاد؛ وصول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز إلى سدة الحكم بعد فترة من الابتعاد ـ النسبي ـ عن نهج النبوة في الحكم، فقد قال له ابنه عبد الملك يوماً: «ما لك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق» وكأنه قال له: لِمَ لا تطبق الشريعة تطبيقاً فورياً؟ بصرف النظر عن النتائج! فجاءت إجابة فقيه مسدد حكيم: «لا تعجل يا بني! فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرَّمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة» . ولنتذكر جميعاً أن الشعب الصومالي رزأَ أزمنة في ظل أوضاع ومؤثرات تفرز خليطاً غريباً من الشخصيات، فقد عاش الجيل مدة طويلة تحت حكم طاغية، ثم نشأ جيل آخر منه لا يعرف إلا العَوَز، ولا يفهم إلا لغة العنف والأخذ بقوة، الأمر الذي يوجب صبراً طويلا في التعامل مع هذا الجيل، والعمل بقاعدة ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، لاسيما مع الأفراد ... وربما تحتاجون لدراسة شرعية عميقة تتعلق بأحكام المظالم والدماء التي وقعت بين الناس أثناء فترات الحروب تلك. ثم ليُعلم أن تطبيق أحكام الشريعة لا يقتصر على منع المنكرات، وإقامة الحدود، وتطبيق العقوبات الشرعية، كما يساء فهمه؛ بل الأمر أعم من ذلك بكثير، فهناك توفير احتياجات الناس الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن، فالتوزيع العادل للثروة، وأخذ الزكاة وصرفها على المستحقين، ومنح الناس الحرية المضبوطة في التعبير عن آرائهم وأفكارهم، وحتى عن نقدهم للحكام والمسؤولين، وتوفير آليات فعَّالة للتظلم، والسهر على مصالح الخلق، كل ذلك من تطبيق الشريعة ... ولا شك أن الأمر أوسع من أن يحويه مقال كهذا. ٤ ـ لا يخفى ـ على ما شرَّفكم الله به من علم وفقه ـ أن انتصاركم هذا ليس مجرد انتصار محدود في شأن داخلي؛ بل إنما هو حدث قد يكون مفصلياً في تاريخ القرن الأفريقي، فالصومال تمثل دولة من أهم دول هذا القرن، لعدة أمور لا تخفى على أحد؛ فنسبة المسلمين المقاربة لـ ١٠٠% ومساحة البلاد الشاسعة، وموارده التي حباها الله له، وسواحله التي تعتبر أطول سواحل لبلد إفريقي، وقربه من منطقة البحيرات، ومنابع نهر النيل، وقربه كذلك من (السودان) بتوجهه الإسلامي، والذي يمكن أن يمثل معكم فكَّيْ كماشة لكل من (إريتريا) و (الحبشة) وربما (كينيا) ، وكل ذلك يجعل أعين القوى الصليبية يقِظة كل اليقَظة لجميع ما يجري فيه، وغير بعيد عنكم الوجود الأمريكي في بلادكم، الأمر الذي يوجب يقَظَةً غير عادية في التعامل مع ما وصلتم إليه، وما ينتظركم. ٥ ـ حذارِ كل الحذر ـ وأنتم خير من يعلم؛ وإنما هي من باب فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ـ من التصريحات العنترية التي تثيرها أحياناً نشوات النصر والتي اعتاد بعض الإسلاميين على استعمالها في خطاباتهم لاسيما عند الحديث عن العلاقة مع الغرب، أو مع أعداء الله، فدولة ناشئة لا تريد أن تفتح جبهات كثيرة عليها، ويكفيها تحدي تلك الجبهة الداخلية التي تواجهها، ولا أقصد بالجبهة الداخلية هنا مجرد الجبهة العسكرية، ولكن ثمَّت ما هو أكثر صعوبة من تلك الجبهة العسكرية؛ فالمصاعب الاقتصادية الداخلية، وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين قد تكون أكبر من التحديات الخارجية، بشقَّيْها العسكري والسياسي، وعليه فلا داعي أبداً لما يثير كل من يتربص بكم وبالإسلام، والعمل بالمداراة والتروية أصل شرعي عند الحاجة إليه، وسيرة الرسول ﷺ فيها عشرات الأمثلة على ذلك ... فلا داعي ـ مثلاً ـ للحديث عن الجهاد في خارج حدود حكمكم في هذا الوقت، ولا داعي ـ أيضاً ـ للحديث عن الانتصار للمستضعفين من المسلمين مثلاً ... وهكذا، والرسول ﷺ لم يتحدث عن الجهاد أبداً في مرحلته المكية، وصبر على رؤية صحابته وهم يعذبون أثناء تلك المرحلة. ٦ ـ لا شكّ أن الحديث عن الوحدة أخذ حظاً وافراً ممَّا يصلكم من كتابات، ولو لم يكن إلا قول الله ـ جلَّ وعلا ـ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ مذكراً وواعظاً لكفى بذلك كل صاحب لب، وفي ضوء ذلك فإنه يجب على الجميع أن يتذكر أن النزاع في مثل حالتكم، والعدو يتربص بكم الدوائر يعد خيانةً لله ورسوله وللأمة، ولا يقوم به إلا خائن عميل، حيث لا مجال لإحسان الظن بنية من يقوم به، ولذا فإن الواجب على أهل العقد والحل فيكم نبذ كل وسيلة تؤدي إلى النزاع، ومن وجد في نفسه رفضاً لاتجاه الجماعة أو الأمير، فعليه إمَّا أن ُيلِزم نفسه بالعمل بما لم يقبله رأيه، وإما أن يعتزل ولا يُحِدث أي فتنة أو شق للصف، وليحتسب في ذلك الأجر، هذا هو السبيل العملي للوحدة، ولا بد لنا جميعا أن نتعلم التنازل عما نراه الحق ـ ولو ظننا أن الأدلة دامغة عليه ـ في مقابل المصالح العليا للأمة، فإنْ عَجَزنا عن مثل هذا الموقف، فلا أكثر من أن ننسحب بهدوء. ٧ ـ لا شك أن هذا الانتصار التي حققته تلك القوى الإسلامية سيفصح عن رسالة صارمة وقوية لكل القوى التي تحارب الإسلام في هذه الأيام: بأن الأمة المسلمة لا ترغب إلا في الإسلام، ولن تسلم رقبتها إلاّ إلى للإسلام، وأنها لا تمانع يوماً من الأيام أن تضحي بحياتها وكل ما تملك من أجل الإسلام. فعلينا أن تعترف بالإسلام، وعليها أن تحترم ـ وهنا نحن نخاطبها بلغتها ـ رغبة الشعوب، وعليها أن تدرك أن الإسلام قادم لا محالة، فبرغم جميع المحاولات الصليبية لدحر الإسلام وأهله، إلا أنه يعود وبصورة أقوى ممَّا كان عليه قبل، فتجويع الشعوب وإدخالها في حروب طاحنة أعادها إلى الإسلام وبقوة، كما أن المحاولات العكسية من إغراق الشعوب في الترف أعادها إلى الإسلام، فلتعترف القوى الصليبية بهذا، ولتكفَّ عن مزيد من استثارة الإسلام وأهله، وإلا ستكون العاقبة وخيمة عليها، وعلى من يدور في فلكها. ٨ ـ وهنا لا بد من التذكير ـ أيها الفضلاء ـ أن الغرب لا يفهم إلا لغة القوة، فحذار حذار من الانبطاح له بحجة الحكمة وما يسمَّى بفقه الاستضعاف، ففرق بين الاستعداء وبين الانبطاح، وما رأينا رسول الله ﷺ منبطحاً للكفر، وحاشاه أن يفعل ذلك، بل على العكس من ذلك، فلا بد أن تكون رسالتكم للغرب واضحة، بأنكم لستم طرفاً في أي صراع دولي، ولستم امتداداً لجهة معينة، لكنكم مع ذلك لن تقفوا مكتوفي الأيدي عن أي تدخل في شؤونكم، وستدفعون كل ما تملكون من مال ونفس لصيانة كرامتكم، وحفظ بلدكم، فلا بد أن تطالبوا الغرب باحترامكم، والكف عن استثارتكم وإيقاد نار الفتنة بين شعبكم، ولا بد أن يعلم الغرب أنه سيخوض معركة خاسرة بكل المقاييس إذا ما حاول التدخل في الشأن الصومالي، فشعب خاض أكثر من ستة عشر عاماً من الحرب الأهلية أعتى على المحتل من شعب مسالم لا يعرف الحرب، وشعب خسر كل شيء لن يكون لديه ما يحرص على ألاَّ يخسره، وسيحاول جهده إلحاق أكبر قدر من الخسائر بالطرف الآخر. ٩ ـ لا شك أن ثمة رسالة قوية تنبعث من ثنايا هذا الانتصار لتصل وبطريقة غير مباشرة إلى أهل العلم، والقضاة، والدعاة، وأهل الخير، بأنهم هم القادة الحقيقيون للأمة المسلمة مهما عدت عليها العوائد، وإنه والله لأمر يثير عشرات الأسئلة أن نرى هذا الشعب الذي طحنه الاقتتال والقبلية، والفقر، وربما الجهل، طحنه ذلك لأكثر من ستة عشر عاماً بل ربما أكثر ـ ولا نريد أن ننسى فترة حكم الهالك زياد بري ـ يقرر أن الحل يكمن في تسليم رقبته لحفنة من «المشايخ، التقليدين، الذين لا يفقهون في السياسة، ولا في الأمور العصرية» كما يُوصَمون دائماً ... إنها رسالة قوية وبليغة لكل عالم، وقاضٍ، وداعية، وشيخ، أنه ـ شاء أو أبى ـ من قادة الأمة، وأن مسؤوليات ضخام ستلقى على عاتقه يوماً ما، وأن الشعب يوماً سيمنحه ثقته، وأن هذا ليس ببعيد في ظل عالم إسلامي عرضة للحرب والدمار في أي وقت من الأوقات، إنها رسالة صريحة، ومباشرة، وصارمة، فعليهم أن يعوا مضمون هذه الرسالة، وأن يكونوا بقدر تلك المسؤولية ... والله من قبل ومن بعد محاسبهم. نسأل الله بكل اسم هو له سمَّى به نفسه، أو أنزله في كتابه، أو علَّمه أحداً من خلقه أن يُكَلِّل هذا النصر بالنجاح، وأن يحُفَّه بانتصارات أخرى من قبل مسلمين آخرين، والله يتولى الجميع بحفظه، ورعايته، هذا ما تيسر، وصلى الله وسلم وبارك على نبي الهدى والرحمة.

стр. 5687

والعرب حاضرة ... والفرس عائدة ... والعرب نائمة ... أمير سعيد اندثار الدول وظهورها رهين مقادير الله ـ سبحانه ـ تمضي بها سننه ووفقها تسير، أيام يداولها الله بين الناس، فتارة هذه تَغِْلب، وأخرى تدافعها تلك فتُغلَب. مد وجزر، غلبة واندحار، هكذا تجري الأحداث بالدول والأمم، ومنها دولتا الفرس والروم، القوتان العظميان على مدى قرون طويلة، واللتان تبدوان الآن للعالم بثياب أكثر إبهاراً وأوفر تقنية، من دون أن تفارقهما خصوصية لازمت علاقتهما عبر الزمان، فلا التاريخ يعود القهقرى، ولا السنن تفارق مستجدات الحاضر. ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ١ - ٧] . هكذا تُليت حلقة واحدة من حلقات الصراع المزمن بين الفرس والروم في محكم التنزيل على أسماع العالم، وفي أول مرة كان التأثير العربي مقتصراً على الرصد والمتابعة والميل لانتصار هذا الطرف أو ذاك، سواء أكان هذا الرصد من كفار قريش أم من المسلمين، فالغلبة الفارسية أسعدت من يناظرها من أهل الأوثان، والكرَّة الرومية فرح لها المسلمون برغم أنهم كانوا على موعد قريب مع منازلة الروم. التفاعل حينئذ كان سيداً وإن ارتدى لبوس المراقب؛ كون الفريقين (المسلم والوثني القرشي) أقل استعداداً للدخول كخصم قوي لأي من القوتين الأعظم حينئذ، فهو مراقب حذق يرمق المستقبل بعين ثاقبة. لم يكن يعيب المسلمين العرب يومها ألاَّ يشاركوا في هذه المعركة، فتلك ليست معركتهم الآن؛ ففي الأفق معركتهم قادمة، ومن بين سنابك الخيل كان الغبار يوشك أن يطامن بعد أن أثارته كتائب الفتوح ليكشف عن نصر على تلكما الدولتين العتيدتين، أَلَقُ النصر الإسلامي وعبقه غمر المدائن الفارسية وأنطاكية الرومية حاضرتي الإمبراطوريتين المتراميتين الأطراف، سنوات قليلة ما لبثت أن انقضت على نزول الوحي بهذه الآيات حتى ارتفعت البيارق الخضراء في الشرق والغرب، وقرون مضت بعد ذلك، وكاد التاريخ يكرر نفسه في مناخ مختلف، استطالةٌ فارسية ورومية وانكماشٌ عربي رهيب، بَنَتْ الإمبراطوريتان نفسيهما، وأعادتا توطيد أركان حكميهما، ولم يعد العربُ ـ استراتيجياً ـ للفترة المكيّة بل إلى مجاهل التاريخ؛ فدولتا الحيرة الموالية للفرس والمناذرة الموالية للروم قبل الإسلام كانتا أحسن حالاً من الحالة العربية المزرية. هنا الروم غُلبت من جديد، مُنِيَت بهزيمة تكتيكية نافذة من دون طلقة واحدة، وبعد هيمنة شبه مطلقة رومية (غربية) على العالم وعلى قلبه المتوسط؛ لملمت فارس (إيران) جراح إمبراطوريتها الضائعة لتضع الحصان أمام العربة الأمريكية الطائشة، ومهما قيل من بعد عن تنسيق (إيراني/ أمريكي) أو (فارسي/ رومي) استصحاباً لجملة من المعطيات المؤكدة في هذا المضمار؛ فإن الضربة الفارسية كانت أسبق من كل حدس رانه باحث استراتيجي أو خبير أممي تغص بهم مراكز الدراسات الأمريكية، إذ الحاصل قنوات إيرانية قد سالت فيها مياه الخليج ودجلة والفرات والليطاني، وأوراق طاشت من الحقيبة الأمريكية في لحظة دولية فارقة، وفي حاضر أمريكي مأزوم. الروم حاضرة، والفرس عائدة، والعُرب غائبة، هذه المعادلة وذاك المشهد، والتاريخ يطرق الأجراس ويقرع الطبول؛ بيد أن الآذان بعدُ صماء، أو ربما سمعت بـ (مهران بن بهرام) القائد الفارسي في (عين التمر) التي كانت تضم إلى جواره القائد النصراني العربي (عقة بن أبي عقة) على قبائل (تغلب) النصرانية إبان زحف (خالد بن الوليد) إليها (١٢هـ) ، ولم تأبه لشرحه لقادته الفرس لما نزل عن دعوة (عقة) له بترك القتال له، متخلياً عن القتال للأخرق (عقة) : «دعوني، فإني لم أرد إلا ما هو خير لكم (أي للفرس) وشر لهم (أي الروم) ، إنه قد جاءكم من قتل ملوككم، وفل حدكم (أي المسلمين) ، فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على (خالد) فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء» ، فما قاله (مهران) لم يكن يحمل إلا أجندة يقرأ منها (ملالي فارس) في هذه اللحظة سياستهم في العراق وغير العراق، «دعوني، فإني لم أرد إلا ما هو خير لكم (أي لإيران) وشر لهم (أي الأمريكان) ، إنه قد جاءكم من أضاع إمبراطوريتكم، وفل حدكم، فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على المقاومة فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء» ! ثمة تعاون بغير جدل، لكنه أفضى إلى إيجاد حالة صراعية جديدة، الصوت الأعلى فيها انفراداً وتمايزاً للإمبراطورية الصاعدة التي غلبت الروم في معركة إقليمية وتسليحية نوعية، وجازت بها من إستراتيجية الاحتواء المزدوج الأمريكية (لإيران والعراق) إبَّان حكمَيْ (ريجان وبوش الأول) ، وتفادت إستراتيجية الحروب الاستباقية ـ إلى أمد ـ في عهدَيْ (كلينتون والأولى لبوش الثاني) إلى إستراتيجية الاحتواء المزدوج من جديد، ولكن هذه المرة بلاعب مختلف هو اللاعب الفارسي الذي بضربة واحدة نفذ إستراتيجيته الخاصة باحتواء الولايات المتحدة والعراق! إن هناك بالتأكيد أكثر من اعتراض قد ينشأ على هذا التفسير؛ فدونه تفسيرات أخرى ترى الإمبراطورية الفارسية الجديدة مقدمة على حتفها باستعداء الروم بكل جبروتهم العسكري ونفوذهم الواسع، وأن صعودها هو عنوان تآكلها بعد أن أصبحت خطراً على حلف الأطلسي برمته، من الشرق التركي صاحب أكبر قوة أرضية في أوروبا إلى الغرب الأمريكي صاحب أكبر آلة عسكرية جوية وبحرية ودفاعية في العالم، وهذا مفهوم ومعتبر، وآخر يرمي كراته دوماً في سلة تتسع لقواسم تجمع الدولتين (الإيرانية والأمريكية) في معاداة العرب، وعلى مرمى البصر ترى حاجة الأخيرة للأولى في فك الدول العربية، وإعادة تركيبها وفقاً لـ (سايكس بيكو) جديدة لا تضمن أمريكا استقرارها دون الارتكان لشريك آخر غير «إسرائيل» ، ضارباً الذكر صفحاً عن انطلاق السياستين (الإيرانية والأمريكية) من أجندتين غير متطابقتين بطبيعة الحال والمصالح والأيديولوجيات المختلفة، وهو تفسير أيضاً معتبر ـ لكنه مفرط في أحادية منطقه بعض الشيء ـ وتعززه عدة شواهد، منها: هذه التفسيرات وتلك الاعتراضات لها وجاهتها بالتأكيد كما أسلفت، ولكن ما الذي يدعونا لئلا نصهر هذه الاعتراضات والتفسيرات في بوتقة تجمع الشواهد لا للتعارض؛ وإنما لمحاولة النظر من جديد للأمور بنظرة أكثر شمولاً مستصحبة تجربة تاريخية ثرية وموحية؟ يقول (أ. د محمد السعيد عبد المؤمن) أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة (عين شمس) عن المشروع النووي منذ بدايته في زمن (الشاه) : «يبدو أن (الشاه) قد استطاع أن يعزف على أوتار عقائدية وقومية عند الإيرانيين، فالطاقة النووية تمثل في الوجدان الإيراني قمة الوصول بـ (النار) ذات القيمة الخاصة التي تصل إلى درجة التقديس لغايتها، فلم ينظر الإيرانيون إلى ما سوف ينفقه (الشاه) على هذا المشروع نفس نظريتهم لما أنفقه على احتفال مرور ألفين وخمسمائة عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية، فرغم أن كليهما يمجدان الشخصية الإيرانية إلا أن الأول أدخل إلى الوجدان والعقائد من الثاني، وعندما نجحت الثورة الإسلامية في إسقاط (الشاه ونظامه) قضت على آثار الملكية كلها، وأوقفت مشروعاتها إلا ما ارتبط منها بالجانب الوجداني العقائدي للإيرانيين، ومنها المشروع النووي الذي أصبح إرثًا قوميًّا، على نظام الجمهورية الإسلامية أن يتحمل تبعاته، وإلا فقد أهليته في نظر الشعب» ، فلوعة غياب الدولة الفارسية بجبروتها ونارها المقدسة ما زالت تعمل مفاعيلها التأثيرية النافذة في الوجدان الإيراني، ولم تندمل الجراح التي خلَّفَها انطفاء النار المقدسة قبل أربعة عشر قرناً باتقادها نفطياً من جديد مع الثورة النفطية التي اجتاحتها قبل نصف قرن، وإنما استوجب تأمينُها قوة نووية وصعوداً (تسليحياً وسياسياً) موائماً للرغبة العارمة في إعادة الإمبراطورية الفارسية مجدداً. ولنرجع ثانية إلى التفسيرات المتعارضة في ظاهرها، جاهدين في لملمتها في صيغةٍ من خلالها يمكن المزج بين التاريخ والحاضر؛ فمن حيث المبدأ لابد من الإقرار بأن الإمبراطوريتين (الرومية والفارسية) وجدتا محطات التقاء على مر التاريخ؛ تخندقتا فيها ضد عدو مشترك، ففي العام الثاني عشر للهجرة وإثر انتصار المسلمين في (ذات السلاسل) كان على القائدَيْن الفارسيين (الأندر زغر) و (بهمن جاذويه) أن يتحالفا مع نصارى الحيرة وقبائل بني تغلب بـ «مباركة» من الدولة الرومية التي تربطها بهما روابط دينية في معركة أليس الصغرى (نهر الدم) ، ولم يكن هذا إلا تكراراً لما تم قبل أربعة أشهر في معركة (عين التمر) ، من «تفاهم» بين الفرس والمتعاطفين مع الروم. وبعد انهيار الإمبراطورية الفارسية بستة قرون شهد العالم (٦٥٠ هـ) تحالفاً قوياً بين الدولة الصفوية (وريثة الإمبراطورية الفارسية والبرتغاليين ضد العثمانيين، يقول الدكتور (محمد عبد اللطيف هريدي) : «وهكذا بدلاً من أن يضع الصفويون يدهم في يد العثمانيين لحماية الحرمين الشريفين من التهديد البرتغالي، ولتطهير البحار الإسلامية منهم وضعوا أنفسهم في خدمة الأسطول البرتغالي، لطعن الدولة العثمانية من الخلف، ورغم انتصار العثمانيين عليهم؛ فإن الحروب معهم كانت استنزافاً لجهود العثمانيين على الساحة الأوروبية، وعرقلة للفتوح الإسلامية» [الحروب العثمانية الفارسية ص ٧٠] ، بيد أن التاريخ سائده يتحدث عن تعارض في المصالح بين الإمبراطوريتين، يتحدث ـ أيضاً ـ عن حضارة (بالمعنى المدني لها) لأرض فارس تؤهلها لأن تصعد أو تسعى بإصرار لأن تتبوأ مكانها قوة عالمية مرهوبة في العالم وإن وجدت نفسها في حقبة رومية ـ إن جاز التعبير ـ، فقبل أن نطنب في عرض أدوات فارس لكسر هيمنتها أو اختصار مدتها الزمنية، نعود إلى صفحات التأريخ الصراعية الأبرز هذه المرة: ﴿الم* غُلِبَتِ الرُّومُ ... ﴾ [الروم: ١ - ٢] سنة ٦١٤ م. ﴿وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٥] ، وحدث في يوم بدر، أو يوم بيعة الرضوان، أو يوم الحديبية، مثلما ذكر (الإمام القرطبي) في تفسير الآية. وهو ما يشي بالحالة الأرِقة الدائمة في السجال الحربي بين الإمبراطوريتين العظميين على مر القرون السالفة للإسلام. والآن تسعى دولة الفرس من جديد للصعود بأدوات تؤهلها لأن تعود إلى الواجهة من جديد، لتغييرها للمعادلة النووية في العالم، واستخدام لغة دبلوماسية بارعة، ومراكمة أوراق لعبتها مع الروم بذكاء مَرَدَ عليه حكماء فارس على مر القرون، ولئن ضيَّقت الولايات المتحدة الأمريكية عليها الخناق في زمن بسطت فيه قوتها العسكرية والاقتصادية الضخمة على العالم، لقد وجدت دولة الفرس ما يعوضها عن هذا الجفاف مع الدولة العظمى، فمدت علاقاتها المتينة مع أوروبا وآسيا، فإيران الآن تشتري الآلات من ألمانيا، والحاسبات والأجهزة العلمية من فرنسا، والمصانع العسكرية من روسيا والصين وما يرافقها من تجهيزات لا عسكرية، ألم يك لافتاً أن تعارض روسيا والصين بشدة قراراً أممياً ضد إيران؟ وأن يعتبر رئيس الوزراء الفرنسي (دومينيك دو فيلبان) أن العمل العسكري «ليس الحل» موضحاً: «لقد اختبرنا سابقاً سيناريو مماثلاً لا يؤدي إلى نتيجة كما حصل في العراق» . (الوكالات ٥/٥/٢٠٠٦م) ، وأن يُشِير الرئيس الأمريكي فور إعلان نظيره الإيراني عن دخول إيران النادي النووي إلى التباحث مع الشركاء في أوروبا خاصة وألمانيا تحديداً؟ ففي الحقيقة إيران تدير معركتها مع الولايات المتحدة الأمريكية نيابة عن روسيا والصين، وهذه الأخيرة تتساوق سياستها الحالية مع تاريخها الذي كانت فيه ضنينة بالحروب، وتسعى لاستخدام أدوات أخرى للاحتفاظ بقوتها العسكرية لوقت الضرورة، كلا الدولتين لهما مصالح عسكرية واقتصادية جَمَّة لا تقفان عند حد الصفقات التسليحية الهائلة ولا الاستثمار والإمداد النفطي؛ وإنما تتعدى ذلك إلى نشاطات اقتصادية وسياسية أخرى (نسأل عرضاً: لماذا وجدت فارس اليوم ضالتها في دول غير كتابية؟!) ، أما فرنسا التي أدار مرشد الثورة السابق (الخوميني) معركته مع (الشاه) انطلاقاً منها، فهي تحتفظ بعلاقات نفطية متميزة تخترق بها شركة (توتال) الفرنسية جدران الحظر الأمريكية وهمهمات حقوق الإنسان الأوروبية، وأما ألمانيا فإمدادها لإيران بالمعدات الثقيلة لم يبرئ ساحتها من التورط في تزويد إيران بمعدات الطرد المركزي اللازمة لتخصيب اليورانيوم. إذن الفرس تعود بحبال من الناس متينة، وحين نتحدث هنا عن الفرس فليس بدافع رغبة في جلب تسمية أضحت غوراً في أغماق التاريخ؛ بل لأن هذه التسمية حاضرة فعلاً في لغة السياسة الإيرانية ذاتها، وإلا فلماذا رهنت إيران مشاركتها الرياضية في دورة الألعاب بـ (قطر) هذا العام بعدول الدولة المنظمة عن تسمية الخليج العربي بـ «الفارسي» ؟ ولماذا احتجت لدى مجلة (انترناشيونال جيوجرافيك) العالمية لتدفعها إلى تسمية الخليج بالفارسي بدلاً من العربي ـ أو حتى الإسلامي ـ برغم كون جميع حواضره من العرب بدءاً من الأهواز إلى الإمارات؟ ولماذا تكاد تخلو قيادة إيران من غير الفرس ـ فيما عدا (خاتمي) وقلة أخرى ـ برغم كونهم لا يتجاوزون (٥٢%) من الإيرانيين؟ الحالة الدولية تتبدل ملامحها هذه الأيام، وفي غياب الفضائيات وأدوات التخاطب والمعلوماتية عبر الإنترنت وأجهزة الاتصالات الحديثة، كان المسلمون والعرب معنيّين بتشكل خريطة الصراع في محيطهم وأبعد من محيطهم، الأدوات كانت بدائية والنفوس كانت طموحة أبيّة، ثمة إدراك لدائرة الدول ومدى تأثيرها على موازين الصراع، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤ - ٥] ، ليس فرح المتفرجين الصائحين كما في ملاعب الكرة، بل فرح نصرٍ يرومونه من خلال مشاركة في صناعة الأحداث، يبدأ من هنا، من قلب مكة، من مركز الأرض إلى «أدنى الأرض» ؛ إذ الأحداث لا يصنعها النائمون، وحيث لا غرو أن يكون المسلمون في مهد دعوتهم خارج المعادلة الدولية حينئذ؛ فإن انكسار النفوس لابدّ وأن يلازم قوماً تسيَّدوا، وأذابوا ملح الإمبراطورتين العظميين في بحار حضارتهم، ثم نكسوا على رؤوسهم، وقد غار الماء وعاد الملح. وصارت المعادلة الدولية تخلو إلا من الروم وفارس، وحتى كرَّة مرجُوَّة سيظل الحاضر بدوننا، وسنظل بانتظار مخبوء القدر، ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٤ - ٧] .

стр. 5688

أمريكا ومشروع التقسيم في العراق هواجس أم تصميم محمد الزواوي كما دخلت الإدارة الأمريكية في أزمة جديدة بعد المواجهة الإيرانية في مجلس الأمن، مع تملُّك إيران لجزء كبير من مفاتيح اللعبة في العراق، وبات ظاهر الوجود الأمريكي في العراق أنه يمثل مأزقاً للإدارة الأمريكية، وأنها دخلت مستنقعاً لا تستطيع الخروج منه، وأن الوضع ينتقل من سيئ إلى أسوأ، ولكن مسؤولي التخطيط الاستراتيجي في الإدارة الأمريكية يرون عكس ذلك. فالاستراتيجيون ينظرون إلى العالم بخرائطه كنقاط مضيئة من النفط والذهب والموارد والمصادر الطبيعية، ثم بعد ذلك ينظرون إلى تلك الأراضي وسكانها وسبل السيطرة عليهم، وينظرون إلى الاختلافات العرقية والمذهبية والقبلية وكيفية استغلالها سواء بالتحريش بينهم أو نصرة طرف على الآخر، أو عن طريق السيطرة على الأطراف معاً. ولا أعتقد أن الاستراتيجيين الأمريكيين يرون نقطة أكثر إضاءة على الخريطة من شمال العراق الغني بالموارد الطبيعية. فشمال العراق من أغنى مناطق العالم بالثروة النفطية، مثل آبار الموصل وكركوك وخانقين، وتقدر كمية المخزون الاحتياطي المسلمون والعالم ـ أمريكا ومشروع التقسيم في العراق هواجس أم تصميم؟ للسنة الرابعة للحرب على العراق وسقوط بغداد، وما يزال القادة العسكريون الأمريكيون يطالعوننا بتصريحات يؤكدون فيها على عدة أشياء: لا لتقسيم العراق، لا للقواعد الأمريكية الدائمة، لا للانسحاب السريع قبل تجهيز الجيش العراقي، لا للتخفيض الكبير لعدد الجيش الأمريكي بالعراق. ولكن من ينظر إلى الأوضاع على الأرض يعلم أن الولايات المتحدة لن تستطيع المضي قُدُماً في وجودها بالعراق على هذا الوضع المضني والمرهق لجيشها، في ظل انحسار الدعم الشعبي بالداخل الأمريكي، والروح المعنوية المتدنية للجنود الذين لا يرون نوراً في نهاية النفق المظلم. لحقول النفط في كركوك وحدها بأكثر من ١٠ مليارات برميل، بقدرة إنتاجية تصل إلى ما مقداره ٧٥٠ ألف برميل إلى مليون برميل يومياً، وفي عام ٢٠٠٢م كان خط الأنابيب ينقل نحو مليون برميل من النفط الخام يومياً من حقول كركوك النفطية إلى ميناء جيهان التركي، كما كان الاستيلاء على مدينة كركوك من أهم أهداف قوات الاحتلال الأمريكي بمشاركة الميليشيات الكردية منذ بدء العمليات العسكرية في شمال العراق. كما يوجد العديد من الأنهار ومصادر المياه العذبة التي تعد محورية وهامة لكل دول المنطقة، ويتوقع أن تكون مصدراً للصراع في القرن الحالي، كما تحوي المنطقة العديد من الثروات الأخرى مثل النحاس والكبريت والكروم والملح، كما أن شمال العراق الذي يسيطر عليه الأكراد يمثل فراغاً استراتيجياً كبيراً للإدارة الأمريكية من الحماقة ألا تسيطر عليه؛ فالأكراد يقبعون وسط محيط معاد من تركيا وإيران وسورية، وسيرحبون بشدة بأن يدخلوا في «الحماية الأمريكية» ، وهو ما خططت له الإدارة الأمريكية منذ البداية. وقد أشار العديد من المراقبين والمحللين إلى أن الإدارة الأمريكية «فشلت في التخطيط لمرحلة ما بعد غزو العراق» ، ولكن الأيام أثبتت أن هذا منافٍ للحقيقة؛ فالولايات المتحدة خططت تحديداً لهذه المرحلة وبكل دقة وتصميم، واستطاعت الوصول إلى هدفها الأسمى في العراق بعد احتلالها، هذا الهدف هو إيجاد مناخ من الفوضى وَضَعَ بيئةً يكون الكل فيها خاسراً في العراق، من انتشار الفوضى والسلاح واليأس بين جميع أطراف المعادلة العراقية. وليس خافياً على ذي لُبٍّ المصلحة الأمريكية في تدمير الأضرحة والمزارات الشيعية؛ فهذا هو المناخ المناسب لإشعال حرب أهلية في العراق، هذه الحرب التي من شأنها تعميق فكرة انفصال تلك الأطراف بعضها عن بعض، وتحقيق حكم ذاتي لكل من السنة والشيعة والأكراد، ومن هذه النقطة سوف تبدأ الإدارة الأمريكية في الدخول في المرحلة الجديدة، في دويلات ما بعد العراق. فتقسيم العراق سيكون بمنزلة طوق النجاة للإدارة الأمريكية في العراق؛ وقد لا يكون هناك ترحيب بالقوات الأمريكية في المناطق السنية، أو حتى في المناطق الشيعية بسبب المواجهة النووية مع إيران والأبعاد الاستراتيجية الأخرى للمد الفارسي في المنطقة، وسمعة إيران والشيعة في العالم الإسلامي على المدى البعيد. وفي ظل وجود تركيا وإيران وسورية الذين يعارضون وجود دولة كردية، فسوف تكون الولايات المتحدة هي خير نصير «للمظلوم الضعيف المضطهد الشعب الكردي» الذي يطالب بحق من حقوق الإنسان، ألا وهو «حق تقرير المصير، وحق الانفصال» كما حدث في تيمور الشرقية التي انفصلت عن إندونيسيا بنفطها ومواردها، وسنغافورة التي انفصلت عن ماليزيا بحق تقرير المصير، وسترحب أمريكا بوجود قواعد دائمة لها في المنطقة الكردية بشمال العراق، كما أن الأرقام تؤكد أن المنطقة الكردية هي أكثر مناطق العراق أمناً للأمريكان، وتشهد المنطقة أقل العمليات العسكرية ضد الاحتلال ووجوده بالعراق. وخُطَطُ تقسيم العراق ليست وليدة اليوم أو العام الماضي أو حتى الأيام التي سبقت غزو العراق، ولكن تقسيم العراق كان مطروحاً على الأجندة الأمريكية منذ عهد طويل، ومنذ صدور وثيقة Clean Break الشهيرة عام ١٩٩٦ التي كانت تهدف إلى تأمين «الدولة الصهيونية» ، كما نادى بتقسيم العراق العديد من المفكرين والمؤرخين الصهاينة، أمثال (بيني موريس) و (روبرت بلاكويل) و (برنارد لويس) وغيرهم كثير، والذين كانوا يطالبون بتصحيح الخطأ الذي وقعت فيه بريطانيا عندما كانت تحتل العراق؛ فقد صرح المؤرخ الصهيوني (بيني موريس) في عدد من الإذاعات الأمريكية قبيل الحرب على العراق أن «العراق دولة مصطنعة رسمها الإنجليز وخلطوا فيها عشوائياً شعوباً وطوائف لا تريد في الحقيقة أن تتعايش مع بعضها» . كما اعتبر المؤرخ اليهودي الأمريكي (برنارد لويس) العراق دولة مصطنعة، وأن احتلاله فرصة لتصحيح هذا الخطأ الذي ارتكبه البريطانيون، بإعادة تقسيمه عرقياً وطائفياً. كما اتخذت الولايات المتحدة خطوات أخرى من أجل تحقيق هدفها في تقسيم العراق، بالرغم من أن كل التصريحات العلنية من الإدارة الأمريكية كانت تنفي تقسيم العراق، وأن أمريكا تريد الحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه، ولكن الدستور العراقي الجديد الذي تم الاستفتاء عليه في ١٥ أكتوبر ٢٠٠٥م ليجسد مفهوم التقسيم من خلال تسمية الدولة بالدولة الاتحادية أو الفيدرالية، قد جاءت عبارة (اتحادي) ٦١ مرة في هذا الدستور، كما فرق ما بين الدستور الاتحادي ودستور الأقاليم، بالرغم من تأكيده على عدة عبارات مثل: الهوية الإسلامية، والحفاظ على سلامة أراضي العراق، والالتزام بميثاق الجامعة العربية، إلى آخر هذا الكلام الذي لا يهم أمريكا في شيء؛ فما كان يهم الولايات المتحدة فيه هو عبارة واحدة فقط: وهي أنه دستور اتحادي؛ مما يجعل الباب مفتوحاً أمام الانفصال بعد أن تتشكل هوية كل «اتحاد» وإقليم على حدة، وصياغته لقوانين وتنظيمات خاصة به وبإدارة ثرواته. كما يحمل هذا الدستور في طياته بذور الفرقة والخلاف، بأن وضع بعض العبارات غير الواضحة من أجل أن تكون هناك مقدرة على إشعال الخلافات في أي وقت، مثل تلك الفقرة في المادة (١٠٩) التي تقول: «تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الإقليم والمحافظات المنتجة؛ على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصة لفترة محددة للأقاليم المتضررة والتي حرمت منه بصورة مجحفة من قِبَل النظام السابق والتي تضررت بعد ذلك بما يؤمِّن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد وينظم ذلك بقانون» ، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام الأكراد بالمطالبة بما يرون من حصة تعويضاً لهم وإنصافاً لشعبهم، وهو ما يمكن أن يكون فتيل أزمة في أي وقت من الأوقات. وكافة التقارير تشير إلى وجود حالة من الرغبة الكردية الشعبية في الانفصال، ويظهر ذلك من خلال تصريحات كافة الأكراد حول العالم الذين يطالبون بحقهم في تقرير المصير والعيش في ظل دولة بثقافة ولغة كردية خاصة بهم، ويقولون إنهم لديهم كافة مقومات وجود الدولة؛ ولكنهم نسوا الإشارة إلى أن اللبنة الأخيرة في تلك الدولة الكردية أنه يجب أن تكون الحماية الأمريكية لهم، والذي لن يكون بلا مقابل بالطبع؛ وبذلك ستستطيع أمريكا أن تفرض إملاءاتها على الدولة الكردية، وستقوم شركات السلاح الأمريكية بإنشاء خطوط إنتاج كاملة لتوفير حاجات الدولة الناشئة التي تقع في بيئة معادية، كما أن «الدولة الصهيونية» لن تكون بعيدة عن تلك المعادلة. فالكيان الصهيوني من أكبر المستفيدين من وجود دولة كردية في تلك المنطقة، كما أشارت صحيفة (هآرتس الصهيونية) بتاريخ ١٦/٥/٢٠٠٥ أن هناك أنبوباً نفطياً مقترحاً سينقل النفط من كركوك والموصل إلى ميناء حيفا عبر الأردن، وطلب مسؤول كبير في البنتاجون من وزارة الخارجية الأمريكية بحث تكلفة ضخ النفط من كركوك إلى حيفا، وترميم خط النفط الذي كان يستعمل قبل عام ١٩٤٨ في نقل النفط، وصرح مسؤول صهيوني أن القرار ينتظر موافقة الأردن، الذي سيحصل على حصة مقابل اختراق الأنبوب لأراضيه. كما ستنتظر «الدولة العبرية» أول ضربة من مِعْوَل التقسيم الذي سوف يحدث شرخاً عميقاً في المنطقة العربية، هذا الشرخ الذي سيمتد إلى دول الجوار وربما إلى كافة دول المنطقة، وسيظل هذا الشرخ يتشعب ويتسع ويؤدي إلى تمحور دول واستقطاب كيانات بناء على ضربة المعول الأولى تلك، مما سيغير من الصورة التي عليها المنطقة العربية في عالم اليوم، بوجود دولة أخرى شيعية من ورائها مد فارسي، مما سيجعل المواجهة حتمية بين السنة والشيعة، وهو المطلب الأسمى لأمريكا و «الصهاينة» ، كما كانت الحرب العراقية الإيرانية هي الأوزة التي تبيض ذهباً للإدارة الأمريكية، وكان (رامسفيلد) ذاته هو الممول الرئيس لتلك الحرب بالأسلحة الكيماوية وغير التقليدية. ويمكن لأمريكا في هذا الوقت أن تظل على الحياد، وأن يكون أملها هو حماية تلك الدولة الكردية المستضعفة، كما سوف تستطيع الولايات المتحدة أن تهدئ مخاوف الأقطاب العالمية الأخرى، مثل الصين التي تعتمد على النفط الإيراني والذي سيظل يتدفق بلا توقف، وسوف تظل أمريكا حريصة على إرضاء كافة الدول الكبرى التي سترضى بقسمة من الكعكة العراقية، وعلى مستوى شعوب العالم ستكون لأمريكا «قضية أخلاقية» أخرى، غير تلك الخاصة «بتحرير الشعب العراقي» ، فتلك القضية سوف تصبح إعانة الشعب الكردي الصديق على نيل استقلاله وحق تقرير مصيره. وقد بدأ التحضير الإعلامي الأمريكي والبريطاني لقضية التقسيم منذ وقت طويل، ومؤخراً كتبت (جاريث ستانسفيلد) في «الصنداي تيليجراف» البريطانية مقالاً صباح الأحد ١٩ مارس ٢٠٠٦ بعنوان: «هل ينقذ التقسيم العراق من نُذُر حرب أهلية؟» تقول فيه: «ومهما كانت الأسباب؛ فما من شك في حرج الموقف الذي يقف فيه العراق الآن. وبالرغم من الجدل الدائر بين السياسيين والأكاديميين بشأن ما إذا كانت هناك حرب أهلية تدور في العراق بالفعل، فإن الحقيقة هي أن العنف يظل موجوداً، ولا يزال هناك قدر كبير من الأمل بين عامة العراقيين» ، وهذا الأمل فيما تراه هو التقسيم. وكتبت الصحيفة ذاتها خبراً ينقل عن (رامسفيلد) قوله: «نحن نحاول معرفة ماذا سنفعل إذا سقط العراق في دوامة حرب أهلية» ، ثم يضيف: «مجتمع الاستخبارات يفكر بشأن هذا ويحلله» . وبالطبع فإن مجتمع الاستخبارات هذا لم يبدأ اليوم ولا أمس، ولكنه بدأ منذ وقت مبكر للغاية، قبل غزو العراق بعدة سنوات، وتم تتويجه بمباحثات سرية مع الجانب الإيراني، وقد خرجت الكثير من التصريحات الإيرانية التي تصب في هذا الاتجاه أيضاً على لسان (عبد العزيز الحكيم الطبطبائي) وغيره، وقد صرح المذكور في ١١ أغسطس ٢٠٠٥ في خطابه بمدينة النجف بمطالبته بإقامة إقليم فيدرالي يضم جنوب ووسط العراق. ولا ريب أن أمريكا تدرس الآن كافة الحلول والخيارات الممكنة مع إيران؛ فما كان إرسال الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن إلا مقدمة للضغط على إيران قبل إجراء أي مفاوضات بشأن العراق، وربما تضغط أمريكا على إيران بأن تجمد الأخيرة برنامجها النووي نظير سماح أمريكا بقيام دولة شيعية في العراق المقسَّم، ونظير السماح لإيران أيضاً باستمرارها في ضخ النفط وتصديره إلى الصين، وبهذا تكون أمريكا قد ضربت عصفورين بحجر واحد: تجميد النووي الإيراني، وبسط نفوذها العسكري على المنطقة من خلال الدولة الكردية، وإرضاء الصين أحد أهم الأقطاب العالمية. ويبدو أن الجانب الإيراني قد وصلته الرسالة الأمريكية من خلال الاجتماعات السرية بينهما؛ فقد صرح السفير الإيراني في أنقرة (فيروز دولت أبادي) لصحيفة «ميلليت» التركية بتاريخ ٥ أبريل ٢٠٠٦ أن هدف الولايات المتحدة من مشروع الشرق الأوسط الكبير، هو إقامة دولة كردية مستقلة في المنطقة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تسعى لتأسيس دول عرقية صغيرة تخضع للسيطرة الأمريكية، وأوضح السفير الإيراني أن مشروع كردستان الكبير تم طرحه خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأن السياسات الرامية لتنفيذ هذا المشروع «لا تزال سارية حتى الآن» ، وأضاف أن أمريكا تتحرك لإقامة دولة كردية مستقلة على أن تقوم بعد ذلك باستقطاع جزء من الأراضي التركية والإيرانية لضمها لهذه الدولة. كما أن أمريكا لن تجد فرصة لتأديب سورية أفضل من إقامة الدولة الكردية في المنطقة، كما أن تأليب أكراد سورية سيكون من أهم وسائل زعزعة النظام في البلاد، ولن تعدم أمريكا «جلبي» آخر، كردياً سورياً هذه المرة ليكون رأس الحربة في المنفى لزعزعة النظام، أو استغلال الآخرين لتحقيق مصالحها التي بدأت أبعادها تتضح في المنطقة. وسيكون لدى أمريكا العديد من الخيارات الاستراتيجية لتضخيم وتعزيز تلك الدولة الكردية التي ستنشأ عملاقة بعد الدعم الأمريكي لها وبسبب مصادرها الطبيعية الهائلة، وستكون بمثابة الدولة الأم: داعمة لكافة الأكراد في دول الجوار. أما تركيا والتي صرحت مراراً وتكراراً بأنها لن تسمح بقيام دولة كردية في المنطقة فلن تستطيع مواجهة دولة تدعمها الولايات المتحدة دعماً مباشراً، كما أن الولايات المتحدة من خلال قنواتها الدبلوماسية تمتلك ورقة دخول تركيا للاتحاد الأوروبي؛ فهي كدولة رائدة في حلف شمال الأطلنطي «الناتو» تمتلك زمام دول أوروبا، ولا يخرج عن فلك أمريكا سوى فرنسا وألمانيا، وتستطيع طمأنة مخاوف تركيا بأنها لن تسمح للأكراد بانتزاع شبر من أراضيها، كما ستغض أمريكا الطَّرْف عن أية عمليات قمعية للجيش التركي لتطهير أراضيها من الأكراد الذين سيفرون إلى الدولة الجديدة، وبذلك تنعم تركيا ـ ولو مؤقتاً ـ بأمن قومي داخلي خالٍ من الانفصاليين الأكراد. وربما تمتلك أمريكا الكثير من أوراق اللعبة في المنطقة بوضع أقدامها في أفغانستان والعراق، من خلال قواعد عسكرية وجوية في الخليج العربي وتركيا، وكلها نقاط تماس تستطيع أمريكا استغلالها استراتيجياً بصورة جيدة، سواء كان ذلك وسيلة للضغط، أو حتى وسيلة لإلهاب المنطقة في حالة حدوث أي مواجهة عسكرية مع إيران، مثل قيام «الدولة الصهيونية» بقصف المفاعلات الإيرانية بمساعدة أمريكية؛ فأمريكا تستطيع تأليب تركيا والخليج العربي كله على إيران في حالة قصف إيران لأي من القواعد العسكرية في تركيا أو الخليج، مما سيجعل الجميع يفكرون ألف مرة قبل الدخول في خيار عسكري مع الولايات المتحدة. إن الولايات المتحدة تسير بخطى ثابتة تجاه إنشاء الدولة الكردية في المنطقة، وتنتظر ضربة المعول الأولى لتقسيم العراق ورفع علم كردستان لتشكيل ما يمكن وصفه بـ «إسرائيل الثانية» . ولا يزال المجتمع المخابراتي والاستراتيجي وقوافل التضليل الإعلامي يعملون على تحقيق هذا الهدف بأجندة واضحة تمضي بخطى متأنية، وبأساليب مغرقة في الخداع الاستراتيجي، وبتصريحات علنية ترفض أفكار التقسيم والقواعد على لسانَيْ وزير الدفاع ووزيرة الخارجية، بل على لسان الرئيس الأمريكي ذاته، الذي لا يزال يلعب باقتدار دور الببغاء الأبله الذي يقف على قمة جبل الجليد الأمريكي الذي لا يظهر منه شيء إلا قمته وفوقها هذا الببغاء الملون، الذي ينقل تلك الخطابات التي تُطلب منه لتوصيل رسائل تضليلية بعينها، والذي لا يفتأ يؤكد على ما يُطلَب منه تأكيده. وتسير المخططات الأمريكية في المنطقة على وعي وإدراك تام من جانب إيران وتركيا وربما سورية أيضاً، ولكن يظل البعد العربي غائباً عن تلك المعادلة بسبب طبيعة الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد العربية، ولا تزال المنطقة تغط في سبات عميق، حالة من النوم الإرادية أو الإجبارية، ولكنها لا تزال حالة سبات عميق، وتغافل تام عن أهم قضايا الأمن القومي العربي، وملاحقة للأهداف الشخصية والإقليمية وتغليب الخلافات البينية على المصلحة العليا للأمة العربية والإسلامية، في ظل حالة من التصفيق الحاد والانحناء إعجاباً وإكباراً بسياسات (بوش) التي تحرِّم سحب القوات الأمريكية من العراق بدعوى أن ذلك سيمثل خطراً على الأمة العربية، و «سيخلق حالة من الفوضى في المنطقة» .

стр. 5689

سياسة عض الأصابع د. يوسف بن صالح الصغير لا تزال أحداث فلسطين المتلاحقة تطغى إعلامياً على أحداث مهمة في المنطقة مثل تسلُّم إيران الملف العراقي، وعقد مؤتمر دول الجوار في طهران الذي من أهم أهدافه المعلنة تسهيل الانسحاب الأمريكي والمساهمة الجماعية في سد الفراغ؛ بالإضافة إلى تصاعد وتيرة العمليات في أفغانستان وبداية تحوله إلى مستنقع قاتل للإنجليز الذين أجبرهم الأمريكان على دفع ثمن تحالفهم؛ بحيث تركز أمريكا على العراق، وتتولى بريطانيا مسؤولية قيادة قوات التحالف في أفغانستان التي يتوقع سريعاً أن تنسحب منها قوات حلف الأطلسي الأوروبية وتبقى فقط قوات الأنجلوساكسون. إنها مواضيع مهمة جداً ولكنها تحتمل التأجيل على عكس الملف الفلسطيني الذي يشهد تفاعلات متلاحقة يزيد من أهميتها كونها مؤثرة بشكل مباشر على تفاعل الأحداث في العالم الإسلامي؛ حيث تمثل سياسة الغرب حول فلسطين والقائمة على تبنِّيها لإسرائيل نقطة ضعف مميتة تزيد من التهاب الأحداث المضادة للغرب في العالم الإسلامي؛ ولم يعد سراً إحساس الغرب أن إسرائيل بدأت تمثل عبئاً ثقيلاً عليه، وأنقل هنا تصريحاً لأحد مسؤولي المخابرات المركزية الأمريكية السابقين (مايك شوار) الذي رأس الوحدة الخاصة بالسعي للقبض على (بن لادن) في أواخر التسعينيات من القرن الماضي؛ فقد قال في مقابلة خاصة لبرنامج (إنترفيو) التابع للبي بي سي «الخدمة الدولية» : «إنه يتعين على السياسة الخارجية الأمريكية أن تتغير، إننا ندعم إسرائيل دون تحفُّظ، وهو وضع كارثي بالنسبة لأمريكا، كما ندعم بلداناً معروفة تماماً بقمعها للمسلمين في أنحاء العالم» . وأضاف: «هذه السياسة يمقتها المجتمع الإسلامي بكل مستوياته، وطالما ظل هذا هو الوضع فسنظل في هذه الحرب» . وأخيراً فإنه يحدد شروط دعم إسرائيل بتقييد حريتها في التعامل مع الفلسطينيين، ومنعها من اتباع سياسات تدفع أمريكا ثمنها غالياً في أماكن أخرى؛ وذلك بقوله: «أعتقد أننا لو أردنا أن نكون حلفاء لإسرائيل، فإننا ينبغي أن نكون من نعطي الأمر ونأخذ القرار، وليس من يتم جره من أنفه» . نعم! إنها محاولة متأخرة للثور الأمريكي للتخلص من حلقة الأنف، ولكنها تساعدنا في فهم ثقل القيود الحالية المفروضة على القيادة الإسرائيلية في التعامل مع الملف الفلسطيني. ذكرت في مقالة سابقة أن انتخاب حماس وتشكيلها الحكومة قد ألغى عملياً الاعتراف الفلسطيني بشرعية وجود إسرائيل؛ ولذا نلاحظ أن السياسة الإسرائيلية تركز على الاستفادة القصوى من بقايا السلطة المتمثلة في الرئاسة الفلسطينية؛ وذلك عن طريق دفع الجميع إلى تجاهل الحكومة المنتخبة والتعامل فقط مع الرئاسة، بل وصل الأمر إلى محاولة تضخيم الحرس الرئاسي وتزويده بالأسلحة الحديثة تمهيداً لتنفيذ مخطط إشعال الصراع الداخلي عسكرياً والذي بدأت ملامحه بما يسمى (وثيقة الأسرى) التي تعترف بإسرائيل، وما تبعها من جعلها أساساً للحوار الوطني، وقرار الرئيس محمود عباس عرضها في استفتاء شعبي على أنها خطة محكمة تخيِّر الشعب بين الموت جوعاً أو الاعتراف بإسرائيل، وتضع أيضاً حماس ومن يتبنى المقاومة بين خيارين اثنين هما الاعتراف بالكيان الصهيوني أو مواجهة الحرب مع قوات الرئاسة بدعوى تنفيذ خيار الشعب والحفاظ على مصالحه العليا، ولكن هذا الوهم تبدد بعملية نوعية قادتها حماس وشاركت فيها فصائل أخرى، إنها عملية محسوبة همَّشت الرئاسة من جديد، ولم يعد أمام إسرائيل سوى إعادة احتلال القطاع مما يعني قيام حرب عصابات وهو أمر لا تستطيع إسرائيل تحمل نتائجه أو القبول بالوضع الجديد؛ أي القبول بهدنة مع سلطة لا تعترف بشرعية وجودها.

стр. 5690

مرصد الأحداث أحمد فهمي مفكرة الشهر ١٣/٥: الاحتلال الأمريكي يعلن مقتل أبي مصعب الزرقاوي. ١٤: الاحتلال الإسرائيلي يغتال أبا سمهادنة قائد لجان المقاومة الشعبية. ١٥: البنتاغون يزعم انتحار سعوديَيْن ويمني في معسكر جوانتانامو. ١٦: عبد العزيز الحكيم يدعو لإقامة إقليم جنوب ووسط العراق لترسيخ الفيدرالية. ١٧: وزير الدفاع الإسرائيلي يأمر بإعداد خطة لاغتيال واعتقال قيادات حماس. ١٨: بوش يصل إلى العراق في زيارة مفاجئة ويلتقي المالكي. ١٩: المحاكم الإسلامية في الصومال تسيطر على آخر معاقل الميلشيات شمال مقديشو. ٢٠: الكونجرس يقر ٦٦ مليار دولار للإنفاق العسكري في العراق وأفغانستان. ٢٠: حرس أبي مازن يتسلم ألف قطعة سلاح من إسرائيل. ٢١: قادة أوروبا يقرّون برنامج مساعدات للفلسطينيين شرط ألاَّ يمر بحماس. ٢٢: موسكو تعلن اغتيالها عبد الحليم سعيدو اللايف خليفة مسخادوف في الشيشان. ٢٣: إيران تعلن أنها غير مهتمة بالتفاوض مع واشنطن حول العراق. ٢٤: الإدعاء يطلب إعدام صدام وبرزان وياسين رمضان. ٢٥: موسكو تعلن أن الروس الأربعة المختطفين في العراق من رجال المخابرات. ٢٦: بلير يؤكد بقاء قواته في العراق وأن الانسحاب غير وارد. ٢٦: اغتيال خامس محام عن صدام بعد رفع الحراسة الأمريكية. ٢٧: المحاكم الإسلامية والحكومة الصومالية توقعان اتفاقاً للاعتراف المتبادل. ٢٨: واشنطن تعترف بتجسسها على التعاملات المصرفية الدولية طيلة خمس سنوات. ٢٩: الرئيس اليمني يعلن ترشحه للرئاسة. ٣٠: أغلبية الموريتانيين يوافقون على الدستور الجديد. ٣٠: المقاومة تنفذ عملية نوعية معقدة وتقتل عسكريين وتأسر جندياً إسرائيلياً. ١/٦: قائد الاحتلال الأمريكي يقدم خطة للانسحاب من العراق نهاية ٢٠٠٧م. ٢: الفصائل الفلسطينية توقع على اتفاق الوفاق الوطني بالأحرف الأولى. ٣: القوات الإسرائيلية تبدأ حملة «أمطار الصيف» لتحرير الجندي الأسير. ٤: إسرائيل تعتقل ثلث حكومة حماس وعشرات من نوابها في الضفة وغزة. ٥: الإسلاميون يتقدمون في انتخابات الكويت وسقوط جميع المرشحات. ٥: هيئة العلماء ترفض مبادرة المالكي وتصفها بحملة علاقات عامة. ٦: اختطاف نائبة سنية عراقية، والحزب الإسلامي يعلق مشاركته في البرلمان. ٧: أولمرت يأمر قواته بألاَّ تدع سكان غزة ينعمون بالنوم. ٨: الإندبندنت: المخابرات البريطانية تتجسس على ثمانية آلاف مسلم في بريطانيا. ٩: المالكي يتهم شركات عربية وهمية بدعم المقاومة العراقية. ١٠: أبو مازن يقرر تجميد الاستفتاء على وثيقة الأسرة بعد اتفاق الفصائل. ١١: المالكي يعترف بممارسة أجهزة أمنية لحملات قتل ضد العراقيين. ١٢: وزير إسرائيلي يلوح بإمكانية تبادل الأسرى مع الفلسطينيين. ١٣: هنية يطرح مبادرة تهدئة من خمس نقاط وإسرائيل ترفض. علامة تعجب آداب الذبح صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي (عامير بيرتس) : أن الجيش الإسرائيلي يدير حرباً مع الفلسطينيين مع الحفاظ على أخلاقيات لا يحافظ عليها أي جيش آخر في العالم، وقال (بيرتس) الذي يتزعم حزب العمل الإسرائيلي: إن الجيش دخل إلى غزة مع شرعية دولية، وأن كل عاقل في العالم يعرف أن إسرائيل جرّبت كل شيء قبل الدخول إلى غزة. [وكالات ٩/٧/٢٠٠٦م] التتار الصدري يكستح بغداد صرّح (عبد الهادي الدراجي) المسئول البارز في تيار الصدر: أن جيش المهدي هو أول من قاوم المحتل في العراق. واتّهم مقاتلين سُنّة بأنهم يتخفون في زي جيش المهدي الأسود، وينفِّذون عمليات عنف. وقال: إن (الزرقاوي) وجماعته كانوا يفعلون ذلك. واتّهم دولاً عربية مجاورة بأنها تسرب مقاتلين عرب لنشر العنف في العراق. وحسب اتهامات (الدراجي) فإن المقاومة السنية تكون هي من ينفذ عمليات القتل والاختطاف والتعذيب المنسوبة إلى مقاتلي جيش المهدي، والتي تحدث في المناطق السنية خاصة في بغداد. [التصريح لقناة الجزيرة ٩/٧/٢٠٠٦م] «تثليث» الأحلام أم تفسيرها يحاول الأقباط في مصر جاهدين الاستفادة من وسائل وأساليب الدعوة كما يمارسها الإسلاميون، طبعاً مع تغيير مضمونها، وبعد أن اكتشف الأساقفة الأقباط أن تفسير الأحلام يحتل مكانة كبيرة في الثقافة الشعبية الدينية، سعوا لاقتحام هذا المجال عن طريق كتاب ألّفه (يونس كمال) وعنوانه «وجهة نظر مسيحية: تفسير الأحلام» وقدم فيه اجتهادات طريفة موظفة دينياً بطريقة ساذجة، مثل: أن من رأى في أحلامه راهباً فسوف يحظى بمقابلة مهمة، ومن يرى ديراً فستأتيه أخبارٌ حسنة، ومن يرى صليباً فهذا يعني: أن هناك خيراً وأملاً أو تعويضات قادمة. والعجيب أن المؤلف حذّر في نهاية قاموسه من الجري وراء هذا الكلام ... الذي كتبه! [بتصرف عن روز اليوسف ٩/٧/٢٠٠٦م] الإمبراطورية البريطانية لا يغيب عنها «الكيف» كشفت صحيفة (ذي غارديان) البريطانية أنَّ إقليم (هلمند) الأفغاني الذي يقع تحت الهيمنة البريطانية سينتج هذا العام ثلث الهيروين على الأقل في العالم. ونقلت الصحيفة عن مسؤول بريطاني في المخدرات قوله: «سيكون المحصول ضخماً» ، مشيرة إلى أن وفرة المحصول في (هلمند) يعكس إخفاق الجهود الغربية لمكافحة المخدرات التي كلفت حتى الآن ملياري دولار منذ عام ٢٠٠١م، مقارنة بنظام طالبان الذي تمكّن من وقف الإنتاج تقريباً في أعوام قليلة. [الغارديان ١٤/٦/٢٠٠٦م] الزواج في مصر يقترب من سن المعاش كشف الدكتور «أحمد المجذوب» الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر: أنّه حسب الإحصاءات الرسمية يوجد في مصر ٩ ملايين شاب وفتاة فوق الـ٣٥ عاماً لم يتزوجوا، وقال: «إن فقدان الرجل لدوره داخل الأسرة في ظل الدعاوى المستمرة للمساواة بين الرجل والمرأة فاقم المشكلة، وقال: «إن أحد أسباب انتشار العنوسة في مصر يرجع إلى تردي مناهج تعليم المرأة، حيث جعلتها هذه المناهج ذات شخصية تناطح الرجل في كل شيء» . وقال الدكتور «محمد الأنسي» الأستاذ بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية: إن معدل العنوسة في مصر يمثل ١٧% من الفتيات اللاتي في عمر الزواج. ولكن هذه النسبة في تزايد مستمر، وتختلف من محافظة لأخرى، وأرجع ذلك: إلى ارتفاع معدلات البطالة في مصر، وكذلك مشكلة الإسكان، وارتفاع معدل التعليم بالنسبة للإناث، إضافة إلى تراجع مستوى دخل الأسرة طبقاً لآخر نشرة رسمية حول معدلات الفقر في مصر، والتي تبّين أن شريحة الفقراء في تزايد مستمر حيث هناك ١٣ مليون فقير، و ٤ ملايين تحت خط الفقر، ممّا أدى لتراجع معدلات الزواج وارتفاع معدلات الطلاق. [الشرق الأوسط ٢٥/٦/٢٠٠٦م] الولايات المتحدة الإيرانية كتب الصحفي البريطاني «سيمون تيسدال» في صحيفة (الغارديان) البريطانية مقالاً بعنوان: «التاريخ يزوِّد رؤية إيران للعراق بوقودها» ، وقال في المقال: إن الزعماء الإيرانيين ـ وإن اختلفوا مع إدارة بوش ـ ممتنون لها؛ لأنها خلصتهم من حكم صدام حسين. ونقل عن «علي أكبر رضائي» ـ وهو دبلوماسي إيراني سامٍ ـ قوله: «إننا ممتنون للأميركيين لأنهم مهّدوا الطريق أمامنا في العراق وأفغانستان وحتى في لبنان؛ التي تعاظم نفوذنا فيها بعد انسحاب السوريين، هذا فضلا عن رفعهم أسعار النفط» . [الغارديان ٣٠/٦/٢٠٠٦م] أمطار الصيف تجف على الإنترنت قال موقع صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية على الإنترنت: إن أكثر من ٧٥٠ موقعاً إسرائيلياً على شبكة الإنترنت قد ّتم اختراقها وإتلافها، وذلك مباشرة بعد بدء العملية العسكرية الإسرائيلية «أمطار الصيف» في قطاع غزة، وبحسب الصحيفة فإن المقتحمين هم مجموعة مغربية. ومن المواقع التي هوجمت: الموقع الفرعي لبنك (هبوعليم) الإسرائيلي، موقع بنك (أوتسار هحيال) ، موقع مستشفى (رمبام) ، موقع BMW الإسرائيلي، موقع (سوبارو) الإسرائيلي، وكذلك موقع (شبيبة كاديما) حزب رئيس الوزراء الإسرائيلي «إيهود أولمرت» ، وذكرت الصحيفة: أن قسماً كبيراً من هذه المواقع لا يعمل حتى الآن، وأشارت إلى: أن المهاجمين المغاربة تركوا رسالة على المواقع التي أتلفت تقول: أنتم تقتلون الفلسطينيين ونحن نقتل السرفرات الإسرائيلية. [الجزيرة نت ٢٩/٦/٢٠٠٦م] البشير ... قائد المقاومة السودانية في سياق رفضه إرسال قوات دولية إلى إقليم دارفور، أكد الرئيس السوداني الفريق «عمر البشير» لي: أنه سيقود المقاومة بنفسه ضد هذه القوات إذا دخلت الإقليم، وقال: «سأقود المقاومة بنفسي» ، مضيفاً: «إن السودان ـ الذي مثَّل أول دولة تنال استقلالها من دول جنوب الصحراء ـ لن يكون الدولة الأولى التي يعاد استعمارها الآن» . وقال المتحدث باسم الخارجية الاميركية «آدم ايريلي» : «لن نوافق على رد سلبي ... ينبغي أن نواصل العمل على كل أوجه المشكلة بقوة وثبات لضمان رد دولي فعّال على أزمة مستمرة منذ وقت طويل جداً» . واتهّمت مساعدة وزيرة الخارجية الاميركية للشؤون الأفريقية «جنداي فريزر» الحكومة السودانية بأنها تعتمد «مناورات للتسويف» ، وقالت «فريزر» للصحافيين: «ينبغي أن تتذكروا أن الخرطوم كانت قد أعربت قبل وصول الاتحاد الإفريقي إلى دارفور عن معارضتها لمجيء القوات الافريقية. واليوم؛ تعلن الحكومة السودانية أنها تريد فقط قوات أفريقية» . [العربية نت ٢١/٦/٢٠٠٦م] أغلبية الأمريكيين يكرهون المسلمين نشرت صحيفة (غارديان) البريطانية نتائج استطلاع للرأي أجراه معهد (بيو) في ١٣ بلد حول المواقف المتبادلة بين المسلمين وغير المسلمين في هذه البلدان، وكشف الاستطلاع أن ٦٣% من البريطانيين عبّروا عن رأي جيد تجاه المسلمين، وهي نسبة أكبر من نسبة قبولهم بين الأميركيين والألمان والإسبانيين (الذين لا تتعدى نسبة الذين يتخذون موقفاً إيجابياً من المسلمين بينهم ٢٩%) ، وهي مساوية تقريباً لنسبة قبولهم بين الفرنسيين، وبيّن الاستطلاع: أن أقل من ثلث البريطانيين اعتبروا أن المسلمين يتّسمون بالعنف مقابل ٦٠% في إسبانيا و٥٢% في ألمانيا و٤٥% في الولايات المتحدة و٤١% في فرنسا. [الجزيرة نت ٢٣/٦/٢٠٠٦م] مرصد الأخبار الصرب الأمريكيون يقتلون السنة والهرسك ظهرت على أحد المواقع على شبكة الإنترنت أغنية عنصرية تظهر رجلاً يرتدي زيّ (المارينز) الأمريكي وهو يعزف على غيتار، ويغني أغنية عن قتل العراقيين، بينما يضحك آخرون مبتهجين، وقالت البحرية الأمريكية: «إنها لم تتأكد بشكل فوري إن كان شريط فيلم الأغنية حقيقياً» . وتذكر كلمات الأغنية قتل العراقيين المدنيين بالرصاص ولاسيما الأطفال، كما تشير الأغنية إلى العراقيين باسم «الحُجّاج» ؛ والذي يستخدمه الجنود الأمريكيون لوصف العراقيين على سبيل التهكم، ومدة الأغنية أربع دقائق ونصف، ويظهر فيها رجل يرتدي زيّاً عسكرياً، ويغني قائلاً: «أمسكت بأختها الصغيرة، ووضعتها أمامي» ، ومن كلمات الأغنية أيضاً: «وما إن بدأ الرصاص يتطاير انفجرت الدماء من بين عينيها، فضحكت بشكل هستيري» ، وحتى الآن «لم يتم إصدار أمر فيما إذا كان يجب البدء في تحقيق رسمي» ؛ كما قال الناطق الأمريكي. [البي بي سي ١٤/٦/٢٠٠٦م] (وترجون من الله ما لا يرجون) قرّر المستثمر الملياردير «وارن بوفيت» أن يهب معظم ثورته الشخصية ـ أي حوالي ٣٧ مليار دولار أمريكي ـ لجمعية «بيل غيتس» الخيرية، وسيعطي «بوفيت» عشرة ملايين سهماً من حصته في شركة «بيركشاير هاثاواي» لجمعية «بيل ومليندا غيتس» فيما يُعتقد أنه أكبر تبرّع خيري في تاريخ الولايات المتحدة، وبحلول تموز/ يوليو ٢٠٠٨م، سيتفرّغ «غيتس» للجمعيّة التي تساوي قيمتها حوالي ٣٠ مليار دولار، وكانت مجلة «فوربس» قد قيّمت ثروة «بوفيت» بـ ٤٤ مليار دولار، وكان «بوفيت» قد أكد على قراره في رسائل وجّهها إلى المستفيدين، وقال: «إنه سيُعيد كتابة وصيّته لضمان أن يُستكمل توزيع التبرّعات بعد وفاته» . ومن شروط الهِبة أن يستمر أحد زوجي غيتس على الأقل بالتعاطي في الجمعية، وقد أصبحت جمعية «غيتس» واحدة من أهم الجمعيات الخيرية في العالم. [البي بي سي ٢٦/٦/٢٠٠٦م] هل هي حرب شاملة ضد السُنّة؟ ... نعم انتقد مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ «محمد رشيد قباني» بشدة أساليب التعذيب ضد أهل السُنّة الموقوفين في أحداث ٥ شباط (فبراير) في (الأشرفية) بعد التظاهرة ضد الرسوم المسيئة إلى الإسلام. وقال: هذه الأساليب لم نسمع بمثلها في سجن (أبو غريب) ، مهدداً بتنفيذ اعتصام مفتوح في دار الفتوى. وكان المفتي «قباني» استقبل أهالي الموقوفين في حضور سياسيين وعلماء سُنّة، واستمع إلى شرح من الأهالي إلى معاناة أولادهم من التعذيب والإهانات. وقال الشيخ «قباني» : «هذا نداء إلى رئيس الحكومة الأستاذ «فؤاد السنيورة» أولاً ثم إلى وزير الداخلية الدكتور «أحمد فتفت» ورئيس مجلس النواب الأستاذ «نبيه بري» ، ومخابرات الجيش، والمحكمة العسكرية، والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي والأمن العام وكل المسؤولين، كلمة موجزة وقصيرة، حازمة وحاسمة، وهي: أن دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية لن تقبل بعد اليوم باستمرار فتح ملفات الموقوفين لأهل السنة في لبنان، ولن تقبل باستمرار التأجيل والمماطلة فيها ... لقد اطّلعنا على أساليب التعذيب الإرهابية التي لم نسمع بمثلها في سجن (أبو غريب) على أيدي الأمريكيين المحتلين في العراق؛ الكهرباء، الضرب، التصرفات الداعرة اللا أخلاقية، كلها تمارس مع الموقوفين في لبنان. أنا أطلب طلباً واحداً من جميع المسؤولين: لا بد من أن يأتي أي مسؤول إلى دار الفتوى ليتكلم مع مفتي الجمهورية» . وقال المفتي في ختام كلمته: «لقد أحوجنا المسؤولون لأن أقول لأول مرة: إننا لن نقبل بعد اليوم بالتنكيل بأهل السنة في لبنان. أقول ذلك وليكن ما يكون، فإن لكلمة الحق مقالاً، وإن كلمة الحق لا تقدم أجلاً ولا ترفع رزقاً، وبعد أيام إن لم يتحقق شيء ممّا طالبت به فسوف أدعو أهالي الموقوفين إلى اعتصام مستمر في دار الفتوى ليلاً ونهاراً، وفي مرحلة ثانية إن لم يتحقق شيء من ذلك فسوف أدعو جميع المسلمين للاعتصام في دار الفتوى» . [القدس العربي ٢٨/٦/٢٠٠٦م] سين وجيم س: تضاربت التقارير حول تلقي حرس الرئاسة الفلسطيني أسلحة من إسرائيل، ونفى «أبو مازن» ذلك نفياً قاطعاً، فما صحة هذه التقارير؛ وما هو سبب الدعم إن صح؟ ج: أعلن «أولمرت» في كلمة ألقاها أمام مجلس العموم البريطاني الثلاثاء (١٣/٦) : أنه بالرغم من الأوضاع السائدة في قطاع غزة، أقرّت حكومته مساء الإثنين (١٢/٦) نقل أسلحة وذخيرة إلى الحرس الرئاسي لـ «محمود عباس» لـ «تقويته» . موضحاً «أنّ الوقت قد نفد، ويجب مد يد العون لـ «أبي مازن» في مواجهته حركة حماس» ، على حد تعبيره، وقد حظي القرار بتأييد واسع من قبل الجهات الأمنية والسياسية الإسرائيلية. ونُقل عن مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة المستوى قولها: إنّ تسليح الحرس الرئاسي الفلسطيني إنما هو «مصلحة إسرائيلية هامّة» ، ملمحة إلى: «أنه عندما يواجه الفلسطينيون بعضهم يخف الضغط على الاحتلال الإسرائيلي» ، وقال «عاموس جلعاد» رئيس الشعبة السياسية والأمنية بوزارة الدفاع الإسرائيلية: «إنه يجب إتاحة المجال لنقل الأسلحة لقوات رئيس السلطة الفلسطينية (الحرس الرئاسي) ، من أجل تنفيذ القرار الشجاع الذي اتّخذه لمواجهة حماس» ، وكان جهاز الاستخبارات الإسرائيلي قد أوصى ببيع السلاح إلى السلطة الفلسطينية، ضمن عدد محدود، وبشرط أن يكون السلاح قيد الاستخدام في قطاع غزة فقط، بزعم أن «السلطة الفلسطينية ستحتاج إلى هذا السلاح في الصراع ضد حركة حماس» وبحسب ما نُشر في الصحف العبرية؛ فإنّ هذا السلاح سيُموّل من دول أوروبا. [موقع أخبار الشرق ١٣/٦/٢٠٠٦م] س: هل توجد دراسة علمية للشخصية الاستشهادية الفلسطينية، صفاتها ودوافعها، وما صحة ما يقال عن كون الفقر من أبرز دوافع العمل الاستشهادي؟ ج: أعدّ الباحث يوسف سلامة «أبو راس» دراسة موسعة عن شخصية الاستشهادي الفلسطيني، ونال بموجبها درجة الماجستير في الإرشاد النفسي من جامعة القدس، وشملت الدراسة ١٧٣ من أسر الاستشهاديين من مجموع ٣٣٥ أسرة في فلسطين لغاية يوليو/تموز ٢٠٠٥م. وتوصل الباحث إلى عشر سمات هي أبرز ما تتمتع به الشخصية الاستشهادية وهي: التضحية والإيثار، التواضع، الوفاء بالوعد، المسارعة لتلبية أوامر الله، الإتقان والإخلاص في العمل، القدرة على التحمل والصبر الشديد، الإرادة القوية، احترام كل من عرفه له، الشعور بالآخرين ومساعدتهم، المثابرة والجدية. في المقابل ذكرت الدراسة جملة سمات مفترضة لا تتمتع بها الشخصية الاستشهادية أهمها: الشعور بالفشل، الحديث عن القصص غير الواقعية، سهولة السيطرة عليه من قبل الآخرين، رؤية وسماع أصوات غير مألوفة للآخرين، الخوف من الأمراض الخطيرة والمعاناة من المشاكل النفسية. وعن دوافع الاستشهاديين خلصت الدراسة إلى أن أبرزها الدافع الديني، وممارسات الاحتلال ضد أبناء الشعب الفلسطيني، والرغبة في المساهمة بتحرير الأرض المغتصبة من الاحتلال، والانتصار لكرامة الشعب الفلسطيني، والتضحية بالنفس من أجل العيش الكريم لشعبه، والرغبة الجامحة في نيل الجنة، والشعور بواجب الدفاع عن الأرض المقدسة والمسجد الأقصى. وأظهرت الدراسة أن ٣٥.٨% من الاستشهاديين من ذوي الدخل المتوسط (بين ٤٦٠ ـ ٧٠٠ دولاراً شهرياً) ، و ٣٠.٦% من ذوي الدخل المرتفع (٧٠٠ دولار فما فوق) . أما عن الحالة الاجتماعية فبينت أن ٧١.١% منهم عزاب، و ١٢.٧% منهم خاطبون، و ١٥.١% منهم متزوجون. كما بينت أن ٦٣.٠% منهم تتراوح أعمارهم بين ١٧ ـ ٢٤ عاماً، و ٣١.٢% بين ٢٥ ـ ٣٠ عاماً، و ٥.٨% منهم ٣١ عاماً فأكثر. وبخصوص المستوى التعليمي أظهرت الدراسة أن ٤٦.٨% منهم جامعيون. وبخصوص الانتماء، كشفت الدراسة أن ٧٢.٣% من الاستشهاديين من الاتجاه الإسلامي، و ٥.٢% من الاتجاه اليساري، و ٢٢.٥% من حركة فتح. [موقع الجزيرة نت ٢٥/٦/٢٠٠٦م] ترجمات عبرية خاصة بالبيان «أولمرت يقف الآن في بداية الامتحان الحقيقي نحو تأكيد مكانته كزعيم لإسرائيل، وإذا ما فشل في تحرير الجندي «جلعاد شاليت» من أيدي الفلسطينيين فعليه أن يقدم استقالته مبكراً قبل أن يلفظه الشعب الإسرائيلي مع أول انتخابات مبكرة» . [صحيفة هاأرتس ٢٨/٦/٢٠٠٦م] «النتيجة الأهم التي يمكن استخلاصها من عملية "كرم أبو سالم" هي أنه على رغم من الاستثمار الكبير من طرف إسرائيل في التجهيزات الخاصة لاكتشاف وتصفية الأنفاق فإنه لا يوجد ـ عملياً ـ جواب عملياتي مُقنع حول هذه المشكلة» . [زئيف شيف خبير الشئون الأمنية بصحيفة هاأرتس ٢٧/٦/٢٠٠٦م] «عملية (الوهم المُتبدد) تؤكد وجود خلل كبير في العلاقات والمعلومات بين أجهزة الاستخبارات وقسم العمليات بالجيش الإسرائيلي» . [المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» ، أليكس فيشمان، ٢٦/٦/٢٠٠٦م] «اللغة المنطوقة الوحيدة والمعروفة في منطقتنا هي لغة القوة» . [المعلق السياسي لصحيفة معاريف، عامير ريبورت، ٢٧/٦/٢٠٠٦م] «لن نتردد في اتخاذ خطوات متطرفة من أجل استعادة «جلعاد» . إن دولة إسرائيل لن تجري أبداً مفاوضات حول الإفراج عنه» . [رئيس الوزراء الصهيوني، إيهود أولمرت، للصحفيين الصهاينة ٢٨-٦-٢٠٠٦م] . «المجموعة الفلسطينية خدعتنا، وجاءت من جهة الشرق، وعندما أعطبوا الدبابة التي كنت أقودها، طلب منا قائدنا الخروج من الدبابة لقتالهم، لكنهم نجحوا في تقل جنديين وفر الباقي على وقع المفاجأة» . [الجندي الصهيوني، روعي أميتي، لوسائل الإعلام العبرية ٢٦/٦/٢٠٠٦م مُعلقاًً على عملية الوهم المتبدد الفلسطينية بمعبر «كرم أبو سالم» ] . «لنصلِّ جميعاً من أجل الجندي «جلعاد» وسلامته» . [حاخام الكيان الصهيوني، شلومو عمار، صحيفة معاريف ٢٨/٦/٢٠٠٦م] «تواجه إسرائيل حالياً إحدى المراحل الحاسمة فيما يخص تحديد قواعد اللعبة بينها وبين العناصر الإرهابية في السلطة الفلسطينية» . [وزيرة الدفاع الصهيوني، عامير بيرتس، لكبار الضباط، الإذاعة الصهيونية ٢٩/٦/٢٠٠٦م] أخبار التنصير ٧٥ عاماً على إنشاء إذاعة الفاتيكان عقد مؤتمر صحفي بمناسبة مرور «خمس وسبعون سنة على تأسيس إذاعة الفاتيكان في خدمة المسيحية» ، وفي مداخلة ألقاها خلال المؤتمر الصحفي تحدّث المدير العام للإذاعة الأب اليسوعي «فيديركو لومباردي» عن الرسالة الموكلة إلى إذاعة الفاتيكان، وهي نشر تعاليم يسوع، وتغطية نشاطات الكرسي البابوي، وأشار إلى أن تعدد الأقسام اللغوية في إذاعة الفاتيكان يعكس شمولية الكنيسة، ورغبتها في جعل الإنجيل جزءاً من كل ثقافات العالم، وأوضح المدير العام للإذاعة أن إذاعة الفاتيكان تطورت عبر السنوات الماضية من البث على الموجات القصيرة والمتوسطة إلى استخدام موجة الـ «إف إم» . تجدر الإشارة إلى أن إذاعة الفاتيكان تضم حالياً ثلاثمائة وأربعة وثمانين موظفاً، بينهم مائتان وأربعة عشر صحفياً يمثّلون تسعاً وخمسين دولة، وتبث الإذاعة بخمس وأربعين لغة مدة أربع وستين ساعة ونصف في اليوم (عبر قنواتها المتعددة) ، فيما يشمل موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت ثلاثين لغة. [إذاعة الفاتيكان ٦/٦/٢٠٠٦م] السفير البابوي في دمشق يجتمع مع وزير الشؤون الدينية السوري بتكليف مباشر من بابا روما قام السفير البابوي في سورية المطران «جوفاني باتيستا موراندي» بزيارة خاصة لـ «زياد الدين الأيوبي» وزير الشؤون الدينية في حكومة دمشق، وناقش معه سبل مشاركة المؤسسات الدينية بدمشق في منظومة التسليم بحرية التنصير في بلاد المسلمين والتي تحمل شعاراً إعلامياً هو «الحوار بين الأديان» ، وأشاد السفير البابوي خلال اللقاء الذي عُقد لأيام خلت بالدور الذي يضطلع به رجال الدين السوريين من أجل نشر ثقافة الصداقة والسلام. [وكالة الأنباء السورية ٢٤/٥/٢٠٠٦م] مؤتمر صحفي لتقديم الخطوط العريضة لسينودس أفريقيا عُقد مؤتمر صحافي في دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي، قدّم خلاله الكاردينال «فرانسيس أرينزي» عميد مجمع العبادة الإلهية وتنظيم الأسرار، والمطران «نيكولا إيتروفيتش» أمين عام سينودس الأساقفة «الخطوط العريضة» لثاني سينودس (مؤتمر ديني) خاص بالقارة الأفريقية. تطرق الكاردينال «أرينزي» في مداخلته إلى حياة الكنيسة في أفريقيا، والمشاكل والتحديات المطروحة أمام المصالحة والعدالة والسلام في المجتمع الأفريقي، إضافة إلى الدور الذي لعبته وتلعبه الكنيسة الكاثوليكية في هذه القارة، وذكّر بأنّ الأوضاع السائدة في الصومال، ودارفور، وساحل العاج، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومنطقة البحيرات العظمى، ونيجيريا تحمل على القلق. أما المطران «نيكولا إيتيروفيتش» أمين عام سينودس الأساقفة فذكّر إلى: أنّ الخطوط العريضة تنقسم إلى خمسة محاور عناوينها: «أفريقيا في فجر القرن الحادي والعشرين» ، «يسوع المسيح، خبز الحياة وسلامنا» ، «الكنيسة، سر المصالحة والعدالة والسلام في أفريقيا» ، «شهادة كنيسة تعكس نور المسيح في العالم» و «الموارد الروحية من أجل تعزيز المصالحة والعدالة والسلام في أفريقيا» . وأشار المطران «إيتيروفيتش» إلى وجود لائحة من ٣٢ سؤالاً تسهّل التأملات في الكنائس والأبرشيات (المجامع الكنسية) والمجالس الأسقفية، استعدادًا للسينودس الذي سيحدد البابا موعده في الوقت الملائم. [موقع الفاتيكان ٢٧/٦/٢٠٠٦م]

стр. 5691

راحلون محمد المقرن طال الطريق وملَّنا الترحالُ الراحلون إلى المدى المجهول لا خلف الظهور ديارُنا، وأمامَنا هل ذقتمُ الإخراج من أوطانكم؟! هذي قوافلنا يسير بها الأسى بغداد نبراسُ الحضارة دُنِّستْ تبكي بلادُ الرّافدين وملؤها الليل رعبٌ، والصبَّاح مذابحٌ يهمي رصاصُ القاذفات كأنّه ويخرُّ بيتُ الآمنين بأهلِهِ البعدُ ـ يا وطني ـ عسيرٌ، والهوى ما زلتُ أذكر في الطفولة مرتعي صرنا أُسَارى الذكرياتِ فعالنا من لم يَمُتْ من قومنا عاش الأسى هل تعرفون عن الحصار؟ وما الذي قد خاننا الأحباب، يا لِمُصابنا هذي خيولُ الحرب تركض وحدَها سأعود ـ يا أمّاه ـ فاحتسبي دمي سأعودُ كي تردَ المعالي أمّتي ما حرَّكَتْني ثورةٌ عربيةٌ بل جئت للإسلام أنقذ أهله سَيَرَى البُغَاةُ بأنني من أمَّةٍ لي في الجهاد معالم وعزائمٌ هذه غصونُك ـ أمتي ـ قد أَوْرَقَتْ إن غاب بدرُكِ، واشتكى الساري الدُّجى وتغلَّقتْ في وجهنا الآمالُ هادٍ ولا زادٌ ولا أبطالُ تبكي على أيامنا الأطلالُ هل تعرفون الدمع كيف يُسَالُ؟ وتحفُّها الأخطارُ والأهوالُ قَهْراً، وعاث بمجدها الأنذالُ تلك الدماءُ وهذه الأوصالُ والوَعْرُ صعبٌ، والسهولُ قتالُ وبلٌ على هاماتِنا هَطّالُ ويموتُ تحتَ سُقوْفهِ الأطفالُ بقلوبنا بَعْد النَّوى قتَّالُ نلهو وتحمل حُلْمَنَا الآمالُ إلا أسىً وتفكرٌّ وخيالُ وسقاه مرَّ كؤوسِه الإذلالُ صنعته في أعناقنا الأغلالُ؟ من عثرة الأحبابِ كيف تُقَالُ؟! ياقوم أين الفارسُ الخيَّالُ؟! إن سال فهو كرامةٌ وجلالُ وتظلُّ تذكرُ صولتي الأجيالُ سقطت ... ولا صنمٌ ولا تمثالُ! شبلاً تتوق لِزميَ الأشبالُ أَعْلَى عُلاها «مصعبٌ» و «بلالُ» مثلُ الجبال ... فهل تُدَكُّ جبال؟! وشَدَتْ على أوراقها الآمالُ فغداً سيُولدُ في السماء هلالُ

стр. 5692

معاناة معتقلي غوانتانامو وواجبنا نحوهم د. مفلح بن ربيعان القحطاني تتابع الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان وبقلق شديد منذ نشأتها وضع المعتقلين السعوديين في غوانتانامو والبحث في كل السبل الكفيلة بإنهاء معاناة هؤلاء المعتقلين وأسرهم على حد سواء، ووضع نهاية لهذه المأساة الإنسانية؛ حيث ورد للجمعية شكاوى وتظلمات من العديد من أسر المعتقلين يطالبون فيها بمساعدتهم في وضع حد لمعاناة أبنائهم المعتقلين التي استمرت لما يزيد عن ٤ سنوات دون النظر في وضعهم ومحاسبتهم إذا كانوا بالفعل مذنبين على حد ادعاء السلطات الأمريكية؛ فمثل هذه القضية تعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، ومن هذا المنطلق وبحكم اختصاصاتها قامت الجمعية بالعديد من الوسائل للبحث عن حلول لهذه القضية الإنسانية؛ حيث رصدت الجمعية ما تناقلته وسائل الإعلام عما يتعرض له المعتقلون من انتهاكات لحقوقهم وآدميتهم من قِبَل مسؤولي المعتقل، وقامت الجمعية بمخاطبة سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى المملكة تطالب فيها الحكومة الأمريكية بسرعة التدخل للوقوف على أوضاع المعتقلين هناك، وقد طالبت الجمعية بأن يتم التنسيق مع الجهات المختصّة في الحكومة الأمريكية لتمكين بعض أعضاء الجمعية من زيارة معتقل غوانتانامو والالتقاء بالمعتقلين، والتأكد من صحة ما تناقلته وسائل الإعلام عن وقوع انتهاكات وتجاوزات لحقوقهم؛ إلا أن هذا الأمر لم يتم لعدم التجاوب مع طلب الجمعية، بالإضافة إلى قيام الجمعية بوضع إطار عام للعمل من أجل توحيد وتضافر الجهود بهدف سرعة الوصول لحلول عاجلة ومنهية لهذا الوضع المأساوي المخالف لأبسط حقوق الإنسان؛ حيث قامت الجمعية بالتواصل مع العديد من الجهات داخلياً وخارجياً بالإضافة إلى الاجتماع بأهالي المعتقلين وبعض وكلائهم للتباحث حول آخر المستجدات والتطورات فيما يتعلق بقضية المعتقلين، ومناقشة الآليات الواجب اتباعها لمساعدتهم وأسرهم. وقد تم اتخاذ العديد من الإجراءات والخطوات التي من شانها المساعدة في إنهاء وضع هؤلاء المعتقلين بالإضافة إلى ضمان التواصل مع أسرهم والعمل على الاستفادة من تجارب الجمعيات الحقوقية المماثلة والمهتمة بقضايا معتقلي غوانتانامو. وعندما لاحظت الجمعية أن بعض أسر المعتقلين لا تمكنهم ظروفهم من معرفة تطورات القضية وما هو وضع أبنائهم إما بسبب عدم وجود القائم على شؤونهم أو لأي سبب آخر؛ فقد جرى الاتصال ببعض أسر المعتقلين وطلب الاجتماع بهم، وكان الهدف من الاجتماع هو التباحث مع الأهالي لتكثيف الجهود والعمل من أجل خدمة القضية وعودة جميع المعتقلين السعوديين في غوانتانامو، والبحث في الوسائل التي تمكِّن الأهالي من معرفة أوضاع أبنائهم بشكل مستمر، وكذلك إطلاع الأهالي على جهود الجمعية وأعضائها في هذا الجانب، وقد خرج المجتمعون بالتوصيات الآتية: - مناشدة القيادة الأمريكية لإطلاق سراح المعتقلين. - الدعوة إلى إقامة مؤتمر في المملكة يدعى له مجموعة من الحقوقيين والناشطين في حقوق الإنسان للمطالبة بإنهاء وضع هؤلاء المعتقلين. - مخاطبة الجهات المؤثرة في القيادة الأمريكية للتدخل من أجل وضع حل نهائي لقضية هؤلاء المعتقلين. - التأكيد على أهمية دور الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان لمساعدة هؤلاء المعتقلين. - العمل على تمكين ممثلين من الأهالي للوصول للمؤتمرات الدولية التي تناقش أوضاع معتقلي غوانتانامو. - تكثيف التواصل مع الجمعيات والمنظمات الدولية المعنية في هذا الشأن. - استمرار السعي لضمان السماح من قِبَل الحكومة الأمريكية لبعض أعضاء الجمعية وذوي المعتقلين لزيارتهم في سجن غوانتانامو. - تشكيل لجنة لمتابعة أوضاع المعتقلين وتتبع أحوالهم والتأكد من حصولهم على حقوقهم من خلال القنوات الرسمية، وقد تم تشكيل اللجنة وتحديد أسماء أعضائها وعددهم (١٢) عضواً تجتمع بشكل دوري ومنتظم، وقد تشكلت هذه اللجنة بهدف التعريف بقضية المعتقلين السعوديين في غوانتانامو من خلال وسائل الإعلام الغربية المختلفة، والتواصل مع أهالي المعتقلين من حيث موافاتهم بأخبار المعتقلين عند توفرها، والتواصل مع المعتقلين المفرج عنهم سواء كليّاً أو من لا يزالون تحت التحقيق في المملكة، أو من لا يزالون داخل المعتقل في غوانتانامو؛ بالإضافة إلى سعي الجمعية لإنشاء رابط خاص على الموقع الرسمي للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان يتم تخصيصه لقضية المعتقلين السعوديين في معتقل غوانتانامو يُعنَى بهذه القضية؛ بحيث يتم توفير بيانات عن أسماء المعتقلين السعوديين وصورهم، ومراسلات المعتقلين لأهلهم وذويهم، ومراسلات الأهالي للمعتقلين، بالإضافة إلى أبرز القوانين والمعاهدات الدولية الخاصة بأوضاع المعتقلين والأسرى، وأخبار اللجنة المشكّلة، وأخبار الأسرى وأهاليهم، وأخيراً التصريحات والأخبار الرسمية التي تصدر عن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالمعتقلين وكل ما من شانه خدمة هذه القضية. وفي خضم هذه الأعمال التي تقوم بها الجمعية في سبيل توفير جميع الوسائل اللازمة لتحقيق الهدف المنشود من هذا العمل ألا وهو إطلاق سراح جميع المعتقلين أو محاكمة من ثبت تورطه منهم أمام محاكم مدنية تفاجأت الجمعية والعالم بأسره بما أُعلن من قِبَل السلطات الأمريكية والمسؤولين عن المعتقل أن ثلاثة من المعتقلين أقدموا على الانتحار؛ فكيف يمكن لثلاثة من المعتقلين بحسب الرواية الأمريكية الانتحار؟ أليس هناك حراس مكلفون بالمرور كل دقيقتين على زنزانة كل معتقل بالإضافة إلى كاميرات مراقبة تراقب كل ما يدور في كل زنزانة؛ ناهيك عن غياب الوسائل المساعدة على أي محاولة لإيذاء النفس؟ ومع ذلك تقول وزارة الدفاع الأمريكية إن هؤلاء المعتقلين انتحروا!!! ولذلك فإن الجمعية تشكك في صحة الرواية الأمريكية؛ فما قيل على لسان بعض المسؤولين الأمريكيين من تبريرات غريبة غير مقنع؛ فموت هؤلاء المعتقلين تقع مسؤوليته على الإدارة الأمريكية سواء نُحروا بالوسيلة أم بالنتيجة؛ لأنه ليس من المعقول ولا من المقبول، فضلاً عن عدم المشروعية القانونية احتجاز مجموعة من الناس لمدة تزيد عن أربع سنوات دون إثبات تُهَم ضدهم. ولا زالت الجمعية تتابع وضع هؤلاء المعتقلين وتطالب بإغلاق هذا المعتقل.

стр. 5693

التهاون مع الأقليات وأثرها في تفتيت الشدول (الدولة العثمانية أنموذجاً) حمدي عبد العزيز لم يكن التسامح مقصوراً على عهد الراشدين أو المسلمين في القرون المفضلة، كما يظن ذلك بعض الناس، بل بقي هذا التسامح صفة أصيلة ملازمة للمجتمع المسلم وللحكم الإسلامي في كل عصر وفي كل مكان أياً كان الحاكمون. وكان المحكومون ـ حتى في أشد العصور اشتهاراً بالعصبية الدينية ـ يجدون في الدولة الإسلامية الملاذ. ولما هرب اليهود الإسبانيون فراراً من الاضطهاد الصليبي في جموع هائلة لم يجدوا لهم ملجأ إلا الدولة الإسلامية العثمانية في نهاية القرن الخامس عشر. وفي وقت كان العالم يضج فيه بالممارسات الوحشية من قِبَل أي جماعة مسيطرة ضد الجماعات الأخرى التي تتجاور معها في المجتمع الواحد بسبب مخالفتها لها في الدين أو المذهب، كانت الدولة العثمانية المسلمة تقف في شموخ حضاري وقيمي وأخلاقي لا تمارس فيه ضد مخالفيها أي ممارسة متحيزة ... ولم يكن ذلك إلا بسبب قدرة مؤسسات الدولة العثمانية على التعامل مع التعدد والتنوع بفعالية وكفاءة. وبهذا لم يكن العثمانيون مجرد غزاة، بل كانوا بناة حضارة وفاتحين تحكمهم أهداف استراتيجية مرتبطة بنشر عقيدتهم الإسلامية؛ لذا فقد راعوا عادات شعوب البلدان المفتوحة ولم يستخدموا الإكراه أو العنف في معاملة الأهالي. وقاموا بتنظيم مؤسسة «الملة» لغير المسلمين بهدف تنظيم شؤونهم الداخلية بحرية تامة وأداء الجزية للدولة في مقابل الدفاع عنهم. ولكن مع تعاظم ضعف الدولة العثمانية وازدياد قوة النفوذ الخارجي داخلها وسعي هذه القوى الخارجية لكسب الأنصار والأتباع بدأ نظام المِلَل يتفتت وينفجر ليحل محله نظام طائفي ملغوم ومهدد للاستقرار وللهوية معاً. وعلى مدار التاريخ الإسلامي فإن أكثر الظواهر السلبية التي شابت علاقة المسلمين بغيرهم لم تكن ناشئة فقط عن اعتداء الأغلبية على حقوق الأقلية لأي سبب كان، ولكن تلك الظواهر السلبية نشأت أيضاً إما عن سوء استخدام للحق مارسته الأقلية، أو إحساس سرى بين تلك الأقلية تحديداً في حالات الضعف أو الانكسار دفعها إلى محاولة قلب الميزان والتصرف بمنطق الأغلبية، وخصوصاً أن المحتلين لم يكفُّوا عن محاولة استمالة الأقلية من باب الإخلال بذلك الميزان الواجب الإحكام. أولاً: نظام الملة: في مرحلة قوة الدولة عبَّرت الخلافة العثمانية عن نموذج إسلامي لإنصاف غير المسلمين عن طريق تأسيس نظام سياسي داخلي يقوم على العدل والتسامح من ناحية، ويستند إلى قدرة تنظيمية ومؤسسية حيوية من ناحية أخرى. وكانت الدولة العثمانية وقتذاك، دولة غير قومية؛ فلم يكن التمييز بين مواطنيها يتم على أساس العرق أو القوم، وإنما كان يتم على أساس الدين أو الملة، وكان هذا التمييز وظيفياً، ولم يكن في شيء منه عنصرياً؛ إذ كان الذين يختلفون مع الدين الرسمي للدولة هم رعايا للسلطان أيضاً يربطه بهم عقد يتبادل فيه الطرفان الحقوق والواجبات. و (نظام الملة) الذي يقوم على تحديد هذه العلاقة، هو استمرار تاريخي وقانوني لمصطلح (أهل الذمة) ، وهو تعبير عن الخبرة العثمانية.. يركز على الانتماء الديني الذي لا يتعارض مع مفهوم الأمة، وقد قنن هذا النظام السلطان أبو الفتوح محمد الفاتح العثماني (١٤٥١ ـ ١٤٨١) ويقضي (نظام الملة) بمنح رؤساء الطوائف حق إدارة الشؤون الشخصية والعامة لرعاياهم عبر الدولة، وكان هؤلاء الرؤساء الدينيون يُنتخَبون من قِبَل أفراد ملتهم، ويُعَيَّن البطريرك المنتخَب بصورة براءة سلطانية. وتم بموجب هذا النظام منح غير المسلمين حق الاستقلال بانتخاب رؤسائهم الدينيين، وحق ممارسة شؤونهم الخاصة في التعليم والقضاء (الجنائي والمدني) والضرائب تحت إشراف هؤلاء الرؤساء، وكانت كل مجموعة من غير المسلمين تمثل طائفة مستقلة يتحدد وضعها ووضع المنتسبين إليها وفقاً لانتمائهم الديني. وأرسى هذا النظام العثماني، حق كل طائفة دينية في تنظيم شؤونها الداخلية عن طريق رؤسائها الذين كانوا يفصلون في المنازعات الداخلية بين أعضائها، كما كانت قضايا الأحوال الشخصية مثل: الميراث والزواج والوصايا والتركات يقوم بالفصل فيها رؤساء الطوائف المعترف بهم لدى الدولة، لكن الوثائق العثمانية تشير إلى أن النصارى واليهود كانوا يلجؤون إلى القاضي المسلم في كل أحوالهم الشخصية بلا استثناء. وقام هذا النظام أساساً لتقوم كل طائفة بتحصيل الجزية عن طريق رؤساء المؤسسة، وبالرغم من أن الجزية كانت تسقط عمّن يؤدي خدمات خاصة للدولة كالأطباء مثلاً، ولا يؤدي الجزية القساوسة ورجال الدين غير المسلمين، كما لا يؤديها العاجزون عن حمل السلاح كالأطفال والنساء والعجزة وكبار السن، حتى المشاركون في الدفاع عن الدولة كان يتم إعفاؤهم من الجزية؛ ومع كل هذه المبادئ العالية في تعامل الدولة الإسلامية مع رعاياها غير أننا نجد أن المؤسسات الملية كانت تستغل تسامح الدولة معها في خفض مبالغ الجزية والتلكؤ في أدائها في أحيان أخرى. وبموجب هذا النظام شاركت الأقليات في الأعمال التجارية والزراعية والصناعية بجميع أشكالها، ولكن لأن الدولة الإسلامية دولة عقيدة توظف كل إمكانياتها من أجل مبادئها؛ فإنها راعت أن يباشر توجيه الدولة لأهدافها، أُناس من المؤمنين بهذه العقيدة دون أن يعني ذلك تمييزاً ضد غيرهم من الرعية. وكان غير المسلمين يزاولون جميع المهن والأنشطة التجارية والزراعية والحِرْفية دون أي تمييز أو تضييق؛ فالنقابات المهنية كانت تشمل المسلمين والذميين معاً، أما من حيث تولي الوظائف في الجهاز الإداري للدولة، فنلحظ أن غير المسلمين قد شاركوا الجيش العثماني بكتائب مستقلة في الفتوحات العثمانية وفي الدفاع عن الدولة. وكانوا أيضاً يبرعون في مهن معينة كأقباط مصر الذين شكلوا معظم صناعات الصاغة والجواهر والتطريز في العهد العثماني، كما توضح وثائق المحكمة الشرعية وغيرها إقبال الأقباط على النشاط الزراعي بصورة كبيرة وبأشكال عديدة، سواء بالإيجار أو الإدارة الزراعية أو شراء الحدائق وتجارة وتسويق الفاكهة، ويمارسون ذلك إما بمفردهم أو بالمشاركة مع مسلمين، كما أجمعت العديد من الدراسات على أن الأقباط قد مارسوا التجارة في جميع المجالات تقريباً، وامتهنوا كل الحرف التي كانت تعرفها مصر آنذاك. ويمكن القول: إن الخبرة العثمانية تعاملت مع غير المسلمين باعتبارهم جزءاً من النسيج العام للمجتمع الإسلامي، ولم تمارس تجاههم أي سلوك تمييزي أو إكراهي، ومن ثَم فإن المفردات التي يهتم بها علم الأقليات المعاصر مثل التعصب والتحيز والتحامل والتمييز والاضطهاد والتفرقة لم تعرفه الخبرة الإسلامية عامة والخبرة العثمانية خاصة. ونظراً لأن هذه الخبرة قدمت نموذجاً إسلامياً وُصِف بأنه المدافع عن حقوق البسطاء، وأنه الموسوم بالعدالة والكمال، وأن حلوله في أي بلد يعني نهاية الشرور؛ فلقد ظهرت في أوروبا نفسها أدبيات الحب والحنين للعثمانيين، ودفعت آثار هذا التسامح المؤرخ الفرنسي (فرنان بروديل) إلى القول: «أصيب النصارى المجاورون للبلدان الإسلامية بدوار الردّة؛ فقد بدؤوا ينقلبون من النصرانية إلى الإسلام أفواجاً أفواجاً طوال القرنين السادس عشر والسابع عشر» . وبموجب نظام «الملة» تقلصت سلطات الدولة مكانياً ووظيفياً على المدن والسواحل والأودية النهرية والسهول، بحيث لم يكن على الجماعات الراغبة عن الخضوع لها إلا الانسحاب إلى حيث يصعب الوصول إليها. ومن جهة أخرى تحددت سلطات الدولة ببعض الاختصاصات التي جعلت منها نموذجاً للدولة الحارسة التي لم تكن تُعنَى بغير استتباب الأمن الداخلي والخارجي، وجباية الضرائب، وحفظ الدين وإقامة شعائره دون إلحاح بها على غير أهله. غير أن هذا النظام الذي عبَّر عن نجاح الدولة العثمانية في التعامل مع التنوع والتعدد على المستوى الاجتماعي والثقافي قد تحول ـ في فترة الضعف والاختراق الخارجي ـ إلى المستوى السياسي ليكون أساساً لبرنامج انفصالي يهدد وحدة الدولة والمجتمع، وهذا ما حصل. ثانياً: ظروف تحوُّل الأقليات من الديني إلى السياسي: لقد ظل نظام الملل واحداً من الشواهد على سماحة الإسلام مع مخالفيه في العقيدة، ولكن لما كانت السماحة سلاحاً في يد القوي مصوَّباً إلى قلب الضعيف فإنه ما إن بدأت الإمبراطورية العثمانية تضعف قواها وتخور حتى وقع الاختراق الغربي لأراضيها بعد توظيف مجموعة التأثيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كان قد تم التمهيد لها من قبل. وظلت الإرساليات التنصيرية شاهداً على هذا الاختراق، كما لعبت المؤسسات التعليمية المرتبطة بالبعثات التنصيرية المختلفة دوراً بارزاً في نمو وعي طائفي مرتبط بالخارج. ومهد ذلك لخطوة تالية هي التدخل بالضغط على الدولة العثمانية للحصول على امتيازات للأقليات، كما في نظام الامتيازات، والذي منح الأجانب الذين يقيمون في أراضي الدولة العثمانية حصانات وحقوق وإعفاءات مميزة، كذلك عدم خضوعهم لقوانين الدولة العثمانية، وإنما لقوانين البلاد التي ينتمون إليها، ولقد اتفق تاريخياً على أن الامتيازات التي منحها السلطان سليمان القانوني سنة ١٥٣٥ إلى (فرانسوَا الأول) ملك فرنسا هي البداية للاختراق الاقتصادي للمنطقة وإلحاقها بالغرب. وتلا هذه الامتيازات تدخلات من جانب دول أوروبية معينة في الدولة العثمانية بحجة حماية الأقليات وتحسين أوضاعها، ويمثل (الخط الهمايوني) الذي أصدره السلطان عبد المجيد في ١٨ من فبراير سنة ١٨٥٦ قمة تأثير التدخل الخارجي في توجيه السياسة العثمانية وتشكيلها؛ فرغم أن إعلان (الخط الهمايوني) هو شأن داخلي لتنظيم العلاقة بين السلطان ورعاياه، إلا أن معاهدة دولية هي معاهدة باريس سنة ١٨٥٦ قد تضمنت الإشارة إليه ضمن بنودها ـ البند ٩ ـ وهو ما اعتبر مساساً بشرف الدولة وكرامتها. ومن ذلك (إلغاء الجزية) سنة ١٨٥٧، لكن فرض التجنيد الإجباري على الأقليات غير المسلمة لم يطبق إلا سنة ١٩٠٨ وكانت الخدمة العسكرية تمثل واجباً ثقيلاً؛ إذ كانت تبلغ عشرين سنة، وكان القانون يقبل البدل النقدي مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية، وكان غير المسلمين يدفعون البدل مقابل إعفائهم من الخدمة، وكان رؤساء الطوائف هم الذين يقومون بجباية الإعانة العسكرية، ولكنهم كانوا يتلكؤون في تحصيلها ودفعها بانتظام.. أي أن الأقلية غير المسلمة استفادت من المزايا ولم تشأ أن تتحمل ما يقابلها من الواجبات والتكاليف. وعدم اشتراك غير المسلمين في الجيش العثماني جعلهم يتخصصون في الأنشطة الاقتصادية بحيث صار كثير منهم وكلاء وقناصل فخريين للدول الأجنبية، مما جعلهم مراكز قوى داخل الدولة العثمانية استعانت بهم الدول الأجنبية لاختراقها ثم تفتيتها. والثابت أن الأقباط قد أعرضوا عن التعاون أو الاستفادة من التوسع التجاري الأوروبي، كما أن بيوت التجارة الأوروبية عندما بحثت عن عناصر يعملون معهم كوكلاء وتراجمة ومقاولين للتجار الفرنجة اختارت في الأساس أن تستعين باليهود وبعض الأقليات الأخرى. ü التحول العلماني التركي يثير صراع الأقليات: وبانقضاء «الفترة المثالية للحكم العثماني» مع كثافة التدخل الاستعماري المواكب لبدء سياسة «التتريك» أخذت صراعات الأقليات أشكالاً ثلاثة: الأول: الصراع بين الأقليات الدينية بعضها مع بعض بتأثير رغبة كل منها في ترجمة ما تتمتع به من حماية إلى مزيد من النفوذ والامتيازات، ومن ذلك ما اصطُلح على تسميته بمذابح الدروز والموارنة في عام ١٨٦٠م. وارتبط هذا الصراع بما عرف بالرعاية المذهبية التي سعت الدول الأوروبية لتنفيذها بحيث ترعى كل دولة أوروبية مجموعة من غير المسلمين تبعاً للتوافق المذهبي. ومن المفارقات أن النمسا تدخلت لحماية الكاثوليك، والملاحظة الجوهرية هنا هي أن الرعايا الذين تريد النمسا حمايتهم ليسوا من الكاثوليك، بل هم أرثوذكس مجاورون للحدود النمساوية/ الصرب، الأفلاق، البغدان، الجبل الأسود. أما الثاني: فهو الصراع بين الأقليات المختلفة وبين السلطنة العثمانية طلباً للاستقلال أو لبعض التنازلات، وكان من نماذجه تحالف الأرمن مع روسيا ضد العثمانيين في عام ١٨٩٤م. وبدأت روسيا تستخدم بفعالية ورقة الأقليات في تفجير الدولة العثمانية من الداخل، ويمكن القول: إن انفصال اليونان والأفلاق والبغدان وصربيا والجبل الأسود عن الدولة العثمانية يرجع إلى المساندة الروسية بشكل أساس. والهدف الروسي الواضح من إثارة الأرمن كان الوصول إلى بلغاريا واقتطاع أرض جديدة، وكان لحركة الاتحاد والترقي دور في مساندة الأرمن أيضاً، وهو ما أثار السلطان عبد الحميد، فذكر أنه لم يكن يدهش: «لهيام الأرمن بحب الاستقلال خاصة بعد معرفة إثارة الدول الكبرى لهم بلا توقف، لكني أدهش لأن بعض أفراد تركيا الفتاة الذين هربوا إلى أوروبا وأصدروا هناك صحفاً ضدي كانوا يتعاونون مع أعضاء المنظمات والجمعيات الأرمنية.. كانوا يقولون: إنهم يريدون إنقاذ الدولة العثمانية من التمزق، ثم يتعاونون مع الذين يعملون على تفتيت الدولة» . أما الثالث: فيتمثل في الصراع بين الأقليات وبين السلطات الاستعمارية ذاتها. وللخبرتين البريطانية والفرنسية دلالات كبيرة، ويقوم الصراع بعد أن تسعى هذه السلطات إلى فصل الأقلية عن محيطها الاجتماعي بسن القوانين أو المعاملة التمييزية أو الإعلان عن الانتماء المشترك مثلما قامت فرنسا بإصدار الظهير البربري في الحقبة الاستعمارية للمغرب بهدف استقطاب الأقلية البربرية وفرنستها غير أن البربر رفضوا ذلك وطالبوا بالوحدة والشرع الإسلامي. ثالثاً: دور الأقلية اليهودية في تفتيت الدولة: يمكن تقسيم الأقلية اليهودية إلى شريحتين: الأولى: الجماعات اليهودية التي وجدت في الأراضي العثمانية قبل وصولهم إليها وهم يتألفون من يهود ينتمون إلى الإمبراطورية البيزنطية القديمة. الثانىة: الجماعات اليهودية التي هاجرت إلى الدولة العثمانية بسبب اضطهادها في العالم الغربي.. لكن هذه الهجرة بلغت مداها بعد قرار طرد اليهود من أسبانيا عام ١٤٩٢ وقد استقبلتهم الدولة العثمانية بتسامح شديد. وهذه الهجرة قد أدت إلى انقلاب في حجم الملة اليهودية في الدولة العثمانية؛ ففي جميع المراكز الحضرية التي تتميز بقدر من الشهرة وجدت جاليات يهودية مهمة؛ ففي (سالونيك) كان أكثر من ٦٠% من سكانها يهوداً، وفي القرن السادس عشر أصبحت العاصمة الأم لليهود في الدولة العثمانية. وقد تميزت تلك الحركة بالامتداد والتشعب والتعقيد؛ إذ وجدت في هذه الحقبة عوامل عديدة متشابكة مثل حدوث الأزمات الاقتصادية ومحاولات تغريب النظام الاجتماعي للمجتمع التركي، وإثارة القوى الغربية للقوميات والنعرات الطائفية وإقامة تحالفات مع الأقليات، وكان أكثرها تأثيراً التحالف مع بعض التنظيمات داخل الجماعات اليهودية. وقد شهدت تلك الفترة ميلاد حركتين: الأولى: ظهور الحركة الصهيونية كمنظمة سياسية عام ١٨٩٧، أما الحركة الثانية: فكانت في ظهور حركة الاتحاد والترقي التي هيمنت على مجريات الأمور في تركيا، وقد استعانت بها الصهيونية. في إلغاء منصب الخلافة الإسلامية بكامل رسومه ورمته، وتحويل الدولة التركية من دولة إسلامية إلى دولة علمانية. وكان يهود الدونمة من أبرز الطوائف التي استجابت لتلك الحركة على أساس أنها أقرب طوائف اليهود لفلسطين، كما أنها يمكنها أن تقوم بدور إيجابي، وقد تمخض نشاطهم داخل تركيا عن ميلاد حزب تركيا الفتاة الذي كانت أغلب تشكيلاته من يهود الدونمة الماسونيين الذين هيمنوا على مجريات الحياة الاقتصادية والإعلامية. والاتحاد والترقي نشأ أولاً كلجنة في حزب تركيا الفتاة في سنة ١٨٨٩ وعقد اجتماعاته ونظم تشكيلاته داخل المحافل الماسونية في تركيا، كما فتحت السفارات الأجنبية أبوابها داخل تركيا وخارجها لأعضائها بهدف تشجيعهم على معارضة السلطان. و (الدونمة) كلمة تركية أطلقها الأتراك على اليهود الذين هاجروا من أسبانيا إلى تركيا بعد اضطهادهم وطردهم على أيدي محاكم التفتيش الأسبانية.. ومعنى الكلمة: (إظهار خلاف الباطن) وقد اختارها الأتراك، وأطلقوا على هؤلاء اليهود الذين تظاهروا بالإسلام وأضمروا اليهودية وعاشوا بوجهين وكأنهم يعنون بها النفاق والزندقة. ومن أجل العمل لإسقاط الخلافة اتبعوا في ذلك خطة ذات شعبتين: الأولى: إبراز السلطان عبد الحميد ووصفه بالحاكم المستبد، وأن نظام الخلافة الإسلامية هو السبب في تخلف المسلمين، وفي الوقت ذاته عملوا على تمجيد الغرب مستغلين تيار التغريب الذي يدعو لإصلاح الحال على منهج الغرب، وراح هذا التيار التغريبي يدعو إلى تقليد أوروبا في كل شيء، فانزلقت قدمه في الفساد قبل أن يحاول تثبيتها بالتقدم العلمي والتقدم المادي. أما الثانية: فكانت بيع الخلافة الإسلامية ... والذين قاموا بإجراء تلك الصفقة هم جماعة الاتحاد والترقي، وقد ظهر ذلك جلياً في مؤتمر الصلح الذي انعقد في مدينة لوزان، وقد مثَّل تركيا في لوزان (الحاخام ناحوم قره صو) رئيس الوفد، وهو الذي قدم للسلطان عبد الحميد قرار عزله، وكل من (رضا نور) و (عصمت إينونو) ويعترف (رضا نور) بأنه هو الذي أعلن علمانية تركيا في مؤتمر الصلح، ثم يقول: « ... كانت هذه أهم نقاط الارتكاز التي اعتمدنا عليها في لوزان ... أن صفقة بيع وشراء الخلافة والتنازل عن الموصل قد تم بين لندن وأنقرة، وما حضور وفد تركي إلى لوزان إلا للتمويه والتوقيع» (١) . وما كادت تستقر الأمور للاتحاديين والكماليين تحت زعامة مصطفى كمال؛ حتى قام بإلغاء الخلافة العثمانية وإعلان الجمهورية وطرد الخليفة من البلاد، وتنكَّر لكل القيم الإسلامية، فتخلى عن القرآن الكريم للقانون المدني السويسري، وأباح زواج المسلمات من غير المسلمين، ومنع السفر للحج، وجعل يوم الأحد العطلة الرسمية، ووضع على صدر دستوره كلمة «القرآن دستور البداوة» . وبناء على ما سبق يمكن القول: إن من أهم الآثار السياسية في الخبرة العثمانية: ـ أن مفهوم الأقلية السياسية عرفته الدولة العثمانية عندما عنّ للقائمين على شؤونها (الاتحاد والترقي) أن يعملوا على تتريك كافة عناصرها، فكان ذلك بمثابة الضوء الأخضر لعديد من القوى الاستعمارية التي كانت تتحين الفرصة لتقويض الإمبراطورية وإقامة العديد من الدول والكيانات على أنقاضها. وكانت سياسة التتريك ضمن خطة لبعث القوميات في الخلافة العثمانية، مما أدى في نهاية المطاف إلى انقسامها إلى أكثر من ثلاثين دولة تواجه كل منها مصيراً محفوفاً بالمخاطر والمطامع الاستعمارية إلى اليوم. ـ بروز الخطر اليهودي عقب كل مواجهة مع القوى الخارجية، بحيث كان المجتمع يتعرض لمواجهة خطر خارجي يعقبها مواجهة داخلية للتخلص من الأقلية التي نبذت ولاءها للدولة في أثناء الخطر الخارجي. وهذا يعني شيئين: أحدهما: أن خطر الأقلية يميل للتعاظم حين مواجهة خطر خارجي. ثانيهما: أن الاستجابة لإغراء استغلال الخطر الخارجي من جانب الأقلية ضد الدولة التي تعيش فيها الأقلية سيجعلها تدفع ثمن ذلك غالياً وهو وجودها في كثير من الحالات. ـ في الحالة العثمانية أطاحت الأقلية بالدولة وقامت بتفتيتها إلى دول كثيرة، ومهدت كذلك إلى إقامة دولة للجماعات اليهودية في فلسطين. وتلعب هذه الدولة الدور نفسه الذي لعبه «يهود الدونمة» في الدولة العثمانية؛ فاستغلال مسألة الأقليات بالنسبة للعدو الصهيوني في الوطن العربي، عبارة عن وسيلة وغاية ومبدأ؛ فإلى جانب الإضعاف والاستنزاف والتفتيت للأقطار العربية المعنية فإن العدو الصهيوني باستغلاله لهذه المسألة حدد مبدأً أيديولوجياً في صلب العقيدة الصهيونية، هذا المبدأ هو إرساء القاعدة الإثنية كأساس مشروع لقيام «الدولة الشرق أوسطية» . فقد تلقفت الدولة العبرية بعض الاجتهادات الاستشرافية وصاغت منها ما يعرف بـ (نظرية المجتمعات الفسيفسائية) أو (مجتمعات الموزاييك) وتذهب هذه النظرية إلى أن الشرق الأوسط هو عبارة عن مجموعات دينية وطائفية وعرقية ولغوية تتعايش معاً بحكم التاريخ والضرورة، ولا يربط بينها جميعاً أي رابط وطني أو قومي. وهذا هو (مشروع الشرق الأوسط الكبير) عينه؛ فهل نعي الخطر المحدق بنا إن لم نكن أمة واحدة كما أمرنا ربنا؟ مصادر المقال: ١ ـ الأقليات والممارسة السياسية في الخبرة الإسلامية، دراسة حالة الدولة العثمانية (رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الاقتصاد والسياسية بجامعة القاهرة (١٩٩٥م) للأستاذ: كمال السيد حبيب. ٢ ـ مواطنون لا ذميون، للأستاذ فهمي هويدي، دار الشرق ١٩٩٠م. ٣ ـ من العثمانية إلى المصرية، د. وليم سليمان قلادة، مركز البحث والدراسات السياسية (جامعة القاهرة) ١٩٩٩م. ٤ ـ الأقليات والاستقرار السياسي في الوطن العربي (مركز الدراسات والبحوث السياسية ـ جامعة القاهرة) ١٩٨٨، د. نيفين عبد المنعم مسعد. ٥ ـ دور يهود الدونمة في إسقاط الخلافة العثمانية، د. محمد زغروت (دار التوزيع والنشر الإسلامية) ١٩٩١م. ٦ ـ تأملات في مسألة الأقليات، د. سعد الدين إبراهيم (مركز ابن خلدون) بالقاهرة ١٩٩٣.

стр. 5694

مأساة مبتعث في بلاد العم سام أحمد عبد العزيز العامر يكفل الدستور الأمريكي في تعديلاته المعروفة باسم (وثيقة الحقوق) للأفراد حقوقهم وحرياتهم، وهذه الوثيقة التي أضيفت للدستور الأمريكي عام ١٧٩١م تتضمن نصوص حرية القول والصحافة والعبادة، وحقوق المواطنين في عقد الاجتماعات السلمية، وحرمة المساكن ضد التفتيش بغير موجب، أو احتجاز من فيها من أشخاص أو ما تحويه من ممتلكات، وإن من حق كل شخص توجه إليه تهمة خرق القانون أن يحظى بمحاكمة سريعة أمام هيئة محلفين مشكلة من مواطنين عاديين. وجاء في وثيقة إعلان استقلال الأمريكيين: «إننا نعتبر هذه الحقائق بديهية وهي أن الناس جميعاً خلقوا متساوين، وأن خالقهم منحهم حقوقاً ثابتة غير قابلة للتصرف بها، وأن من بينها حق الحياة والحرية ونشدان السعادة» فما مدى صحة ما جاء في تلك النصوص؟ وما مدى صحة تطبيقها في الواقع المعاش؟ هذا ما سنراه في هذه المأساة (١) . أمامنا قضية الأخ (حميدان التركي) الطالب السعودي المبتعث من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لنيل درجة الدكتوراه في الصوتيات بعد نيله درجة الماجستير بامتياز من جامعة (بولدر) بولاية كلورادو، بعد اتهامه بمزاعم بدأت بدعوى مخالفة أنظمة الإقامة ودعوى الإرهاب؛ ففي شهر نوفمبر ٢٠٠٤ اقتحم منزله ثلاثون من مكتب التحقيقات الفدرالية ورجال مكتب الهجرة وبادروا على الفور بتهديد زوجته مع تصويب السلاح إلى رأسها مستفسرين عن مكان سلاح زوجها المزعوم! ثم قاموا باعتقال زوجته الفاضلة (سارة الخنيزان) وفُرِّق بينها وبين أطفالها الخمسة ١٢ يوماً ثم سمح لها بالخروج لبلدها بشرط تنازلها عن حقوقها القانونية!! وانتهت قضية الأخ حميدان التركي باتهامات مزعومة في حق العاملة الأندونيسية لديه، ونحسب تلك التهم لا يمكن أن يرتكبها شاب مسلم مثله، وهو يعيش مع زوجته وأطفاله والعاملة بمنزل واحد، والأعجب أن التحقيقات مع العاملة تكررت (١٢ مرة) من قِبَل المباحث الفيدرالية وكانت في كل مرة تشيد بمعاملة تلك العائلة معها، وفي المرة الـ (١٣) تغيرت أقوالها بنسبة ١٨٠درجة، هل تدرون ما السبب؟ ذلك يعود في نظرنا لما يلي: ١ـ العداء للمسلمين كما هو معروف بعد أحداث ١١ سبتمبر خاصة. ٢ ـ العنصرية الممقوتة التي يتبنّاها بعض الأمريكان من رجال القضاء الذين ناقشوا تلك الحادثة بتلك الخلفيات. ٣ ـ قيام (دار البشير) التي يملكها المتهم بجهد ريادي في الدعوة والتعريف بالإسلام ودحض شبهات الإرهاب عنه، فضلاً عن التأثير الإيجابي (لموقعه الإلكتروني: www.al-basheer.com) على الجالية الإسلامية في أمريكا. ٤ ـ أما المخفي والأعظم فقد تحدثت عنه الأكاديمية السعودية (أميمة الجلاهمة) في مقال لها عن هذه الواقعة نشرته صحيفة الوطن في العدد ٢١٠٨ الصادر في ١٢/٦/١٤٢٧هـ الموافق ٨/٧/٢٠٠٦م، وحيث إن علم الصوتيات أثبت أن البصمة الصوتية الأصلية تختلف عن البصمة المصطنعة، وهذا العلم قد يكون له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالشؤون الأمنية، وما ذكر من أن مكتب التحقيقات الفدرالية سبق أن عرض على الأخ الباحث التعاون معه لكنه رفض، والنتيجة هي ما حصل من معاناة تفضح عدالة القوم وديمقراطيتهم ذاتها. فقد أسيء لهذه الأسرة من السجن إلى الإقامة الجبرية ثم تفريق أطفالهما الخمسة عن والديهم بما يخالف أدنى حقوق الإنسان، والأغرب أن يسمح الأمريكان لزوجته بالعودة لبلادها بشرط تنازلها عن حقوقها القانونية، مع أن للطالب جهوداً متميزة بتعرية العنف والفكر المتطرف كما هو واضح في موقعه الإلكتروني. لكن القضاء الأمريكي أنهى تلك المسرحية بالإدانة بعدما أعلن المحلَّفون أن المتهم مذنب بتهم من قبيل الاختطاف والتآمر على الاختطاف والتحرش؛ مع وعد بالنطق النهائي في ٣١/٧/٢٠٠٦م، حيث لوَّحوا بالسجن المؤبد للمتهم والتي قال عنها المحامي (راتشيلينو) إن الحكم يتعارض مع قوانين العدالة، وأن المحاكمة باطلة لخروجها عن المسار المحدد لها؛ فالديمقراطية والقضاء الأمريكيان بهذا الحكم أو بهذه المهزلة سقطا بامتياز، مع العلم أن تقرير منظمة (هيومان رايتس ووتش) لعام ٢٠٠٦ اتهم الإدارة الأمريكية، بأنها في ديمقراطيتها الكاذبة تضعف تيار الدفاع عن حقوق الإنسان عبر العالم، حينما جعلت التعذيب والسلوكيات والمعاملة السيئة، جزءاً مكملاً لاستراتيجيتها المناهضة لما يسمى بالحرب على الإرهاب. ألا ترون موقفهم من الحرب الهمجية النازية ضد الفلسطينيين وتأييدهم لها؟ هل هذه هي الديمقراطية الأمريكية؟ خاب وخسر من يطلب الخير في مثل تلك الديمقراطية. ويوضح ذلك بصورة جلية شهادة المفكر الأمريكي الشهير (نعوم تشومسكي) في زيارته الأخيرة للبنان حيث هاجم الديمقراطية الأمريكية ووضح عوارها بما لا مزيد عليه. ونحن على ثقة أن الباطل لا يدوم (وحسبنا الله ونعم الوكيل) .

стр. 5695

أساليب الدعاية المعاصرة (الغاية تبرر الوسيلة) أحمد دعدوش مع تطور وتوسع دَوْر وسائل الإعلام وتقنيات الاتصال التي تجتاح عالمنا اليوم، تتماهى باطِّراد تلك الحدود التي كانت تفصل في الماضي بين دور كل من الإعلامي والمعلِن؛ إذ يضطر كل منهما للتحايل على ارتفاع مستوى الوعي الاجتماعي، مستفيدَيْن من تطور مهارات الاتصال وتقنيات الإبهار، مما دفعهما للانتقال إلى مستويات أعلى من الإسفاف في نقل الصور المؤدلجة عن الواقع، أو الإمعان في ترسيخ صور أخرى في ذهن المتلقي. وتلعب الفلسفة العملية البراغماتية دوراً رئيساً في تشكيل العقل الجمعي المُجبَر على الانصياع للواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي السائد في العالم الغربي، وبما يصب أساساً في مصلحة النخبة المتنفذة، وهو الأمر الذي يتم تعميمه في مجتمعات العالم كافة مع تزايد وطأة العولمة وفق صياغة «عالم القطب الواحد» . يعتمد الإعلاميون والمعلنون - على حد سواء - على التطور الملفت في تقنيات الإعلام والتسويق؛ حيث تستفيد معظم الجامعات المختصة بهذين الفرعين من دراسات تقنيات التأثير والاتصال، والتي تتركز في معظمها على النفوذ إلى العقل الباطن والتأثير اللاواعي على اهتمامات المتلقي ورغباته، ثم توجيهها وفق مصالح النخبة. ويمكن تلخيص أكثر الأساليب الدعائية شيوعاً في النقاط التالية: ١ - القولبة والتنميط: لعل هذا الأسلوب من أكثر أساليب الدعاية شيوعاً ووضوحاً؛ إذ تقدم لنا وسائل الإعلام وجهات نظر أصحابها الخاصة في كل شيء، كأن يُحرَص على تقديم المسلم في صورة رجل طويل اللحية غريب الملبس، أو في صورة امرأة تتشح بالسواد وتجلس على مقعد السيارة الخلفي؛ حيث يعمل تكرار هذه الصورة على الربط التلقائي لكل ما تستدعيه من توابع قد لا يُصرَّح بها، فيغدو الإسلام مرتبطاً في ذهن الغربي بكل الصفات السلبية التي تستبطنها تلك الصورة دون البحث عما يمكن أن يخفيه المظهر الخارجي من قيم ومبادئ تُقصَى عمداً عن الطرح والمناقشة. ٢ - تسمية الأشياء بغير مسمياتها: بما أن وسائل الإعلام تُمسِك اليوم بزمام الرأي العام، وتعمل على توجيهه وصياغته على النحو الذي تريد؛ فإن ذلك يستتبع بالبداهة تحكُّمها في المفاهيم والمصطلحات التي تتداولها وتسعى لتدويلها بين الناس؛ إذ تتجنب غالباً التعرض المباشر للقضايا التي ترغب في تحويرها أو تغييرها، وإنما تعمل على إعادة صياغتها بلغة جديدة تتناسب مع سياساتها وبثها بين الناس الذين يتقبلونها لا شعورياً على المدى الطويل. ومن ذلك مثلاً إطلاق كلمة الدين على كافة الأديان دون تمييز، تمهيداً لتقبُّل النقد العلماني للإسلام على أنه دين لا يختلف في شيء عن ذلك الدين الذي وقف عائقاً في وجه النهضة الأوروبية لعشرة قرون، أو تعميم كلمة الأصولية على كل من يعدّ الأصول (النصوص) مرجعية له، للوصول إلى حتمية الربط بين الدين والعنف، وينطبق الأمر على مسميات كثيرة يتم العبث بها كتعدد الزوجات وحقوق المرأة وحجابها وحقوق الإنسان، إلى غير ذلك. ٣ - إطلاق الشعارات: وهو أسلوب شائع في الدعايات التجارية والسياسية على السواء كما هو معروف؛ إذ غالباً مَّا يتم تعميم أحد الشعارات المنتقاة بعناية كعنوان عريض لكل حملة إعلانية، ومن ذلك مثلاً تأكيد أحد أشهر معاجين الأسنان في أمريكا على شعار (النَّفَس المنعش) أكثر من التذكير بالهدف الرئيس من تنظيف الأسنان وهو حمايتها من التسوس؛ إذ دلت الدراسات التي قام بها المنتجون على أن اهتمام المستهلك ينصبُّ عادة على رائحة الفم الطيبة أكثر من صحة الأسنان. وهكذا يعتمد المعلنون على ربط أهدافهم الإعلانية بأكثر الشعارات جاذبية، وبغض النظر عن مصداقيتها، وصولاً إلى الربط اللاشعوري بين الشعار والمعلَن عنه حتى يغدو مجردُ تذكُّر المستهلك لرائحة الفم الطيبة محرِّضاً تلقائياً على استحضار صورة ذلك المعجون بالرغم من أن كل المعاجين تشاركه في هذه الخاصية. ٤ - التكرار: لا يكتفي المعلنون عادة بمجرد التنميط والكذب، بل يعمدون كثيراً إلى التكرار المستمر لشعاراتهم وحملاتهم الإعلانية التي تلاحق الناس أينما ذهبوا، وقد يلجأ البعض إلى التكرار في عرض إعلاناتهم غير المباشرة ليحصدوا نتائج أكثر فعالية من الإعلان المباشر عندما يكون التصريح مثيراً للحساسية أو الرفض؛ إذ دلت إحدى الدراسات على أن تكرار ظهور أحد ممثلي السينما وهو يدخن خلال الفيلم لأربع مرات، قد يؤدي إلى زرع صورة إيجابية للتدخين عند المراهقين المعجبين بهذا الممثل، مما يعطي دلالة واضحة على أثر الإعلان غير المباشر في بث الرسائل الإعلانية مع التكرار المستمر، وهو أمر يزداد خطورة عندما يقترن بالتصريح المباشر والموجه. ٥ - الاعتماد على الأرقام والإحصائيات ونتائج الاستفتاء: وهذا الأسلوب يضفي الكثير من المصداقية على الخبر المراد ترويجه؛ إذ تعمد وسائل الإعلام - الأمريكية منها على وجه الخصوص - إلى دعم الكثير من الأخبار والإعلانات باستفتاءات وإحصائيات تنسب عادة إلى بعض الجهات المتخصصة ذائعة الصيت، وبالرغم من شيوع القول بأن هذه المؤسسات البحثية والإحصائية قد اكتسبت شهرتها بسبب مصداقيتها ونزاهتها، إلا أنه من غير الممكن أيضاً التأكد من ذلك بأي وسيلة كانت. ٦ - الاستفادة من الشخصيات اللامعة: وهو أسلوب شائع وشديد الخطورة، ولا نقصد به هنا الاقتصار على جذب مشاهير الفن والرياضة للإعلان التجاري، مع ما في ذلك من تبعات سيئة على الجيل الناشئ الذي يتخذ من هؤلاء قدوة في السلوك، ولكن الأمر قد يصل إلى حد الخداع بالاستفادة من بعض الانتهازيين من المفكرين والعلماء الذين لا يتورعون عن الممالأة وتقديم بعض الآراء في قوالب فكرية مصطنعة، مع التأكيد على إبرازها تحت أسماء هؤلاء المشاهير بما يحملونه من ألقاب قد تصاغ خصيصاً لإضفاء المزيد من التأثير. وهنا نشير إلى أسلوب انتهازي يُسْرِف الإعلام الغربي - أو العربي المستغرب - في تطبيقه عبر تمرير الكثير من الأفكار والتوجهات تحت أسماء عربية وإسلامية يراد لها أن تتبوأ مركز الريادة والتوجيه، ويتم تقديمها تحت مسميات من قبيل: «الباحث الاستراتيجي» ، «الخبير في شؤون كذا» ، «المفكر الإسلامي المستنير» ، وتكمن الخطورة هنا في بث الأفكار المستوردة بألسنة محلية وأسماء مقبولة ومعروفة، بدلاً من الاستعانة بأسماء وألقاب أجنبية قد تثير بعض الحساسية. ٧ - عدم التعرض للأفكار السائدة: يؤكد الباحثون في مجال الإعلان اليوم على ضرورة تجنب الصدام مع المتلقي؛ إذ فشلت الكثير من المحاولات السابقة في فرض بعض التوجهات والآراء على الرأي العام عنوة، ومن ذلك مثلاً قرار تحريم الخمر الذي صدر عام ١٩٢٠ في الولايات المتحدة بجهود «رابطة مقاومة الحانات» التي قامت بحملة إعلانية كبيرة طبعت من خلالها أكثر من ١٥٧ مليون نشرة ومليوني كتاب وخمسة ملايين نسخة من الكتيبات ومليوني ملصق (بوستر) وثمانية عشر مليوناً من البطاقات، تدعو جميعها إلى توعية الناس بأضرار الخمور على جميع الأصعدة، فكانت النتيجة أن نشأت جمعية أخرى مناهضة لهذا القرار، ومع أنها لم تكن تملك من الإمكانيات الإعلانية ما تملكه الجمعية الأولى، فإن الغلبة كانت لهذه الثانية بعد أن تحول تجار الخمور من التجارة المشروعة إلى الاحتكار والابتزاز والتحايل على السلطات، وربما انتشر تداول الخمور بين العامة بصورة أكبر من ذي قبل، مما أدى من ثَم إلى إلغاء القرار بعد ثلاثة عشر عاماً من صدوره، وعدم التجرؤ على الاصطدام الحاد بالأفكار السائدة في المجتمع. ٨ - التظاهر بمنح فرص الحوار والتعبير عن الرأي لجميع الاتجاهات: فمع أن الحرية الفكرية أمر محمود ومطلوب في كل المجتمعات، إلا أن هذه الدعوى قد تبدو كلمة حق أريد بها باطل؛ إذ إنها كثيراً ما تؤدي إلى نتيجتين على قدر من الخطورة: أولاهما: منح أصحاب الآراء والتوجهات الشاذة فرصة الظهور على مسرح الأحداث وكأنهم أصحاب تيار حقيقي كامل، يملك الحق في الوجود والتعايش مع الآخرين، ويبحث عن موطئ قدم مريح وهادئ، تماماً كما يقدم الإعلام الغربي الشاذين جنسياً على أنهم مجرد «مِثْليين» يتمتعون بحس عاطفي بريء تجاه أمثالهم في الجنس، ويسعون لاكتساب احترام الآخرين وتفهُّم رغباتهم النفسية والجسدية. النتيجة الثانية: هي كسب تعاطف المتلقي عبر تقديم هذه التوجهات الشاذة في صورة عاطفية تداعب الأحاسيس، بدلاً من طرحها للنقاش العلمي والفكري كأن تجري مداولتها في مناظرات علمية حقيقية تعطي الحق للمخالفين في تفنيدها بالتساوي مع حق أصحابها في الطرح. وقد قدمت هوليود مؤخراً فيلماً سينمائياً يعرض قصة اثنين من رعاة البقر الشاذين جنسياً في صورة إيجابية تدفع المشاهد للتعاطف اللاشعوري، وهو الأمر الذي أكدته ردود أفعال الكثيرين ممن شاهدوا الفيلم كما ورد في مجلة (النيوزويك) واعترفوا بتغيير نظرتهم كلياً تجاه الشذوذ الجنسي. ٩ - التأكيد بدلاً من المناقشة والبرهنة: بالرغم من تساهل وسائل الإعلام مع أصحاب الآراء الشاذة في عرض وجهات نظرهم، إلا أنها غالباً ما تُغفِل الآراء التي لا تتفق مع مصالحها بشكل شبه تام، فتقدم وجهات نظرها على أنها من المسلَّمات التي يتفق عليها الجميع دون نقاش، وتتجنب حتى الرد على الرأي الآخر خشية تسليط الضوء عليه والمساعدة على انتشاره بلفت الأنظار إليه. ومن ذلك تقديم الديمقراطية الليبرالية الغربية على أنها الحل المجمَع عليه في الكثير من وسائل الإعلام العربية وكأن المجتمع العربي- الإسلامي بكافة أطيافه قد قال كلمته في ذلك. ١٠ - عدم التعرض للقضايا الحساسة: امتداداً لما سبق؛ فإن الإعلام الموجه يتجنب غالباً التعرض للقضايا المثيرة للخلاف، بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد منها ليتعامل مع الواقع من حيث هو، مما يؤدي لا شعورياً إلى ترسيخ هذا الواقع في وجدان المتلقي إلى درجة التعايش معه وتقبُّله دون التساؤل عن صحته وحقه أصلاً في الوجود فضلاً عن الاستمرار، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، ومن أهمها إغفال حقيقة دولة (الكيان الصهيوني) واغتصابها للأرض والمقدسات، والتعامل معها على أنها دولة موجودة على أرض الواقع وتملك كافة مقومات الوجود، دون التعرض لحقيقة قيامها المصطنع، وقد أدى هذا التعامل السيئ للإعلام العربي مع القضية الفلسطينية إلى تقبُّل الرأي العام العربي لوجود دولة صهيونية في قلب العالم العربي - الإسلامي، دون أي تبعات نفسية أو فكرية عميقة. ١١ - إثارة الغرائز وادعاء إشباعها: لعل إثارة الغرائز في وسائل الإعلام هي من أكثر الأساليب وضوحاً لدى المتلقي؛ إذ يستغل المعلن والإعلامي الغربي مساحة الحرية التي يتيحها النظام الليبرالي في العبث بغرائز المتلقي لتلقينه ما يريد. وقد تهدف الدعاية هنا إلى مجرد لفت الانتباه للترويج لسلعةٍ مَّا كاستخدام الصور الخليعة في الإعلانات المصورة، أو يمتد الأمر لربط الشيء المعلن عنه بغريزةٍ مّا كأن يصبح إشباعها متعلقاً بهذا الشيء، ومن ذلك ربط تدخين السجائر بالرجولة، واستخدام بعض العطور بالجاذبية الجنسية، واقتناء أحد الهواتف النقالة بالمكانة الاجتماعية المرموقة. ولكن الخطورة هنا ليست مقتصرة على الترويج الرخيص لهذه السلعة أو تلك، بل استحلال إثارة غرائز الناس لأهداف فئة معينة في المجتمع، وتنميط صورة المرأة التي لم تعد تعني أكثر من جسد تتحدد قيمته بمدى تقبُّل الرجل؛ علماً بأن الكثير من المنظمات والفعاليات الحقوقية في الغرب تسعى لمناهضة هذا الاستغلال غير الإنساني للمرأة في وسائل الإعلام، ومن ذلك احتجاج إحدى المنظمات النسائية الأسبانية مؤخراً بعد تلقيها ٣٤٢ شكوى ضد المعلنين في العام الفائت، إلا أن الثقافة الليبرالية الطاغية التي قامت في البداية على الاعتراف بحقوق المرأة قد وقعت في مأزق لا يمكن الخروج منه، ويؤكد ذلك مسعى بعض المفكرين الغربيين الحالي لإنقاذ مبادئ الحرية من براثن الانفلات الأخلاقي. ١٢ - ادعاء الموضوعية: يعترف المؤرخون للإعلام الغربي بأن الإعلام المطبوع الذي بدأ في القرن الخامس عشر الميلادي لم يكن يهدف بالأساس إلى تقديم الصورة الصحيحة للواقع؛ فحتى الأخبار كانت تتعرض للتزوير حسب مصالح القائمين على النشر، وعندما بدأت الصحافة الحرة في بريطانيا في القرن السابع عشر لم تكن تعكس إلا وجهات نظر أصحابها وتصبُّ في مصالحهم، إلا أن اتساع رقعة الحرية والليبرالية وتزايد الاستقلال الفردي للمواطن العادي، دفع الإعلاميين إلى التزام المزيد من الموضوعية والشفافية كسباً للإعلان التجاري الذي يبحث عادة عن الصحف ذات القبول الشعبي، وهكذا ارتبطت الشفافية الإعلامية بمدى تقبُّل المتلقي وإيمانه بموضوعية وسائل الإعلام، مما ألزم الإعلاميين بالبحث عن وسائل جديدة تحتفظ لهم بحق نشر قِيَمهم وتأمين مصالحهم دون المساس بولاء المتلقي. وقد كان الاهتمام منصبّاً في الأساس على المظهر العام الذي يضفي شعوراً بالموضوعية والكفاءة؛ إذ يميل الناس عادة إلى الثقة بالمذيع الإخباري أنيق الملبس ولبِقِ الحديث، كما تضفي التجهيزات المبهرة للأستديوهات ومواقع التصوير، أو الطباعة الراقية للصحف والمجلات، شعوراً بالاحتراف. فإذا أضفنا إلى هذه العوامل الجذابة ما سبق الحديث عنه من أساليب دعائية كفتح مجال الحوار للرأي المخالف وعدم التعرض للقضايا الحساسة، فإن ذلك سيعطي صورة إيجابية للمتلقي تمنعه من مجرد التشكيك في مصداقية كل ما يرد إليه من هذه الوسائل الإعلامية. أخيراً: تبرز خطورة هذا التأثير الإعلامي - الدعائي المؤدلَج في توجيه الرأي العام مع توسع دائرة اتصاله بالمتلقي الذي بات يعتمد اعتماداً شبه كلي على وسائل الإعلام في اتصاله مع العالم الخارجي، حتى في تلقي أبسط المعلومات التي يحتاجها في حياته اليومية؛ إذ بات الكثير من المثقفين؛ فضلاً عن غيرهم؛ يضعون ثقتهم في وسائل الإعلام التي ساعدت الثقافةَ الشعبيةَ على التأثير في النخبة المثقفة بدلاً من العكس، مما أدى إلى انخفاض المستوى الثقافي بشكل عام، وترسيخ قاعدة «هذا ما يريده الجمهور» كدستور يضطر لمراعاته كل من يطمح إلى الاستمرار في «سوق» الإعلام، وهي النتيجة الحتمية لطغيان سياسة السوق الحر والليبرالية المحتكرة في أيدي القلة، وخدعة كبيرة يشترك الجميع في مسؤولية إحكام سيطرتها على كرامة الإنسان. وتبقى الآمال معقودة على دور العلماء وأصحاب الضمير الحي في كسر هذه الحلقة المفرغة، والإفادة الواعية من تقنيات وسائل الإعلام المذكورة في خدمة الإنسان والارتقاء به بدلاً من الدفع إلى المزيد من الانحطاط.

стр. 5696

التكامل التربوي بين الإعلام والتعليم د. حياة بنت سعيد با أخضر نِعَمُ الله ـ تعالى ـ تترى علينا صباح مساء، والعقل البشري من أعظم تلك النِّعم بعد نعمة الإسلام. فالعقل قد كُرِّم به الإنسان وجُعل مناطاً لتكليفه، ومن ثم الجزاء على أعماله. ويظل العقل يقدِّم لنا ـ بتوفيق الله تعالى ـ مخترعات شتّى في أوقات قياسية توفر علينا مجهودات ضخمة، ومن أبرزها: تلك الأجهزة متعددة الاستخدام والأحجام، ولكن التلفاز (الرائي) يظل في قمة تلك المخترعات سهلة الانقياد، حيث يدخل المنازل دون استئذان، ويحتلُّ مكانة في النفوس والأذهان. وهذا مما حفّز الكثيرين على استغلاله وإدارة دفّته نحو دروب ومسالك ومعاقل عدة، ومن ثم أفرز ذلك اضطرابات وتناقضات في التربية والسلوك، وحطَّم الكثير من القيود والثقافات، وزعزع ـ أحياناً ـ العقائد في بعض النفوس. لذا؛ فإن الوعي بأهمية شراكة التلفاز في التربية لا تقلُّ أهمية عن أيِّ مؤثر آخر. فإن برامجه المتدفّقة والمتشابهة والمترابطة ـ أحياناً ـ في الأهداف تقدم لنا أنموذجاً صارخاً للقضاء على الاستقرار النفسي لدى الناس، وتمثل مِعْوَلاً هدّاماً في يد حفنة من مؤسسي القنوات الفضائية والشركات التجارية التي لا همّ لها إلا الربح المادي على حساب كل شيء وأيّ شيء. فتقف التربية ومسؤوليها ـ من ثم ـ في وضع المدافع دائماً أمام طوفان الهلاك الأخلاقي الذي تقذف حُمَمَه القنواتُ الفضائية طوال اليوم، وهذا يحتِّم على عقلاء أمتنا التنبّه لأهمية الإعلام في وقتنا الحالي، مما يعني إيجاد تعاون مثمر وجادّ بين أصحاب القرار من مسؤولي التربية والتعليم والإعلام ورجال الأعمال المتميزين دينياً والهيئة العالمية للإعلام الإسلامي في صورة لجنة عليا للإعلام تعتني بالتالي: ١ ـ وضع برامج ودورات علمية شرعية للعاملين في القطاع الإعلامي بجميع صوره (تلفاز ـ مذياع ـ صحافة) ، وتقوم هذه الدورات بتدريس تخصص أصول الفقه ووسائل الدعوة لعلاقتهما بمقاصد الشريعة وجوانب سدّ الذرائع والمصالح المرسلة وغير ذلك، مع دورات في علوم الاجتماع والنفس والأخلاق القائمة على أسس إسلامية، فعندنا ما يغنينا عن التزوّد من النظريات البشرية، ويمكن الاستعانة في ذلك بمناهج كليات وأقسام الإعلام في الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود وكلية الدعوة بجامعة أم القرى لما كان الإعلام قسماً ملحقاً بها. ٢ ـ وضع البرامج التعليمية الجادة لجميع طبقات المجتمع من الأطفال والناشئة وغيرهم. ولعلَّ تجربة (قناة المجد) تعتبر رائدة في ذلك، حيث أثبتت أن الإعلام الإسلامي الجادّ يمكنه المنافسة دون اختلاط وموسيقى ومحرّمات على وجه العموم. ٣ ـ الدعم المادي لوضع برامج إعلامية تقدم دورات تدريبية في فنون التربية الصحيحة وعلاقة أفراد المجتمع ككل بذلك، وربط كل ذلك بنظام الجودة الشاملة، ولن يستقيم ما سبق إلا بتأسيس قناعات عقدية لدى المجتمع بأهمية الترابط بين التربية ووسائل الإعلام وأهمية الوعي لمدى الانفصام الحقيقي في هذا الترابط المأمول، ولن يتمّ هذا إلا بنشر الأسس والثوابت الشرعية في النفوس؛ لأنه بدونها سنظل نحفر في الهواء ونبني على الماء. وديننا غني بكل ما نريد، وعلماؤنا ورعاتنا أهلٌ لذلك، ولنجعل همّنا أن لا صوت يعلو على الحق: ﴿فأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] .

стр. 5697

بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه معن بن حسين نعناع إن المطّلع على الصحف والمجلات وباقي وسائل الإعلام (المسموعة والمرئية والمقروءة) يجد أن موضوع تخفيف الوزن «الريجيم» قد طغى على هذه الوسائل الإعلامية؛ وذلك بسبب ما نشرته الإحصائيات العالمية من ارتفاع نسبة السمنة في المجتمعات وخاصة العربية منها، وأن للسمنة أضراراً كبيرة وعظيمة، من أمراضٍ تصيب القلب، وأمراض السكري، وانسداد الشرايين، وتراكم الدهون القاتلة، والمرض الخبيث «السرطان» ، وغير ذلك من الأمراض العديدة. وهذه بادرةٌ جيدة من الوسائل الإعلامية أن تُولي اهتمامها بهذا الموضوع الذي هو بحقّ موضوع ضروريٌّ. ولكن الذي أحزنني في طرح هذا الموضوع «تخفيف الوزن» أن الطرح لم يكن ذا طابع إسلامي أو شرعي. فتراهم يتكلمون عن هذا الموضوع، ويصولون ويجولون، ويستشهدون بأقوال أطباء الغرب وما توصلوا إليه من اكتشافات تخص هذا الموضوع، دون أن يذكروا ولو آية واحدة، أو حديثاً واحداً نبوياً، أو قولاً لأحد الصحابة الكرام أو لأحد علماء السلف من أطباء وغيرهم، أو يذكروا قصصاً من السيرة النبوية العطرة تحفزّ الناس على إنقاص وزنهم وعدم النّهم في الطعام، ولو أنهم رجعوا إلى ذلك لوجدوا أن الطبيب الأول ﷺ قد تكلم عن تلك الاكتشافات التي يفخر بها أطباء الغرب اليوم قبل ألف وأربعمائة عام، فكم وكم من أحاديث قالها النبي ﷺ وهو يحذّر بها من السمنة، وأن على الإنسان أن يأكل بمقدار الحاجة، وبمقدار ما يعينه على طاعة الله وعبادته، والمضي في هذه الأرض وطلب الرزق، ومن قبله ذكر ذلك ربُّه ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] . فالإسراف في الطعام والشراب جاء به النهي من قِبَل الله ـ تعالى ـ، والله لا ينهانا عن شيء إلا لعلمه بأنّ فيه ضرراً علينا. ومن تلك الأحاديث التي جاءت عن النبي ما أخرجه الترمذي وأحمد (١) ، قال ﷺ : «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شراً من بطن، بحسب ابن آدم أُكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِهِ» ... فالرسول ﵊ يخبرنا أن الآدمي ما ملأ وعاءً في يوم من حياته أعظم شرّاً وضرراً من ملئه لبطنه من الطعام والشراب، وأن الإنسان حسبه بعض الأُكلات، وقد أتى بهذه اللفظة بصيغة التصغير والتقليل (أُكلات) زيادة في الحثّ على تناول كميّة أقلّ، وأشار إلى أن هذه الأُكلات تكون بمقدار ما يقيم الصلب والجسد على طاعة الله وعبادته، والمشي في مناكب الأرض والسعي في الرزق، ومع ذلك كله فإنه ﵊ من رحمته العظمى أوجد الحلّ لمن لا تكفيه هذه الأُكلات بأن يقسم معدته ثلاثة أقسام: قسم لطعامه، وقسم لشرابه، وقسم لنَفَسه فلا يملؤها كلها بالطعام فلا يدع بذلك مكاناً للشراب والنَّفَس كما هو حال الناس اليوم، فترى الواحد منهم يلتهم الطعام التهاماً دون أن يذكر اسم الله عليه، وبعد أن يملأ معدته من الطعام يقول لك: هناك آخرة، ويقصد بالآخرة الحلويات والفواكه وغير ذلك؛ ممّا لا يدع مجالاً لهضم الطعام ولخروج النَّفَس، فيقع بذلك في مشكلة مرضية قد تكون عُضالاً أحياناً. ولو كان للمستشفيات لسانٌ لأخبرتنا: كم تعاني من أولئك الذي يزدحمون على أبوابها في أيام الأعياد والمناسبات! والتي يعتبرها الناس أيام طعام وشراب فقط كشهر رمضان، ولأخبرتنا ـ أيضاً ـ: كيف أن ساعة الإنذار والخطر تدقُّ في تلك الأيام معلنةً الاستنفار العام. والسؤال يطرح نفسه: ألم يلتفت أولئك القوم ولو لمرّة في حياتهم إلى سيرة نبيهم ﷺ ، ويروا كيف عانى عليه ـ الصلاة والسلام ـ هو وأصحابه من شدّة الجوع وقلّة الزاد؟ ألم يسمعوا ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (١) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «ما شبع آل محمد ﷺ من طعام ثلاثة أيام حتى قُبض ﷺ » ؟ ألم يسمعوا ما أخرجه الشيخان وغيرهما (٢) من حديث عائشة ﵂ قالت: «ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البُرّ ثلاث ليال تباعاً حتى قُبض» ؟ ألم يسمعوا ـ أيضاً ـ ما أخرجه البخاري وغيره (٣) من حديث قتادة قال: «كنا عند أنس وعنده خبّاز له، فقال: ما أكل النبي ﷺ خبزاً مرقّقاً ولا شاة مَسمُوطةً ـ أي مشوية ـ حتى لقي الله» ؟ ألم يسمعوا ـ أيضاً ـ ما أخرجه الترمذي وغيره (٤) عن النبي ﷺ قال: «عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، قلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً ـ وقال ثلاثاً أو نحو هذا ـ فإذا جعتُ تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» ؟ ألم يسمعوا ـ أيضاً ـ ما أخرجه الترمذي وغيره (٥) من حديث ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاوياً ـ أي جائعاً ـ وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير» ؟ وأين هم من قوله عليه ـ الصلاة والسلام ـ فيما أخرجه الترمذي (٦) عن ابن عمر ﵄ قال: «تجشّأ رجلٌ عند النبي ﷺ فقال: «كُفّ عنا جُشاءك! فإن أكثركم شبعاً في الدينا أطولكم جُوعاً يوم القيامة» ؟ والجشاء: هو الصوت الذي يخرج من الفم مصحوباً بهواء ورائحة الطعام نصف المهضوم، وباللهجة العامية (التدريع) ، وهذا الجشاء لا يكون إلا بسبب كثرة الطعام ممَّا يؤدي إلى عسر الهضم. وأين هم ـ أيضاً ـ من قول الإمام علي ﵁: «إياكم والبطنة! فإنها مكسلة للصلاة، ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السّقم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فهو أبعد من السرف، وأصح للبدن، وأقوى على العبادة» ؟ وكلمة (بالقصد) تذكّرني بالحديث الذي قرأته مرة ووجدت له ثماني روايات، وهو قول النبي ﷺ : «ما عال امرؤ اقتصد» أي: ما افتقر امرؤ اقتصد في معيشته ووضع المال الذي يصرفه في مكانه دون إسراف فيه، وهذا المعنى موجود في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] . ألم يسمعوا إلى غير ذلك من الأحاديث؟ التي لا نريد بسردها دعوة الناس إلى العيش في فقر وفاقة، ولكن نريد بسردها دعوة الناس إلى تذكّر ما كان عليه نبيهم ﷺ وأصحابه، وأن يتقوا الله فيما يأكلونه، وفيما يرمونه من الزائد من طعامهم في أماكن رمي القاذورات، وما أكثر ما نشاهد ذلك في زماننا! وللأسف. وكان أحرى بهم أن يقتصدوا على ما يكفيهم، وكان أحرى بهم ـ أيضاً ـ لو كان هناك زائد من الطعام أن يحتفطوا به في أماكن التبريد والثلاجات، أو يعطوه للفقراء والمحتاجين وما أكثرهم، وكأنّهم عند رميهم للطعام لم يسمعوا قول الله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ . [الإسراء: ٢٦ - ٢٧] هذا هو حال مجتمعاتنا، ليس همّها سوى الطعام والشراب؛ بينما نجد غيرنا من الأمم من حولنا قدر رسموا لأنفسهم برنامجاً في الطعام لا يتزحزحون عنه قدر أُنملة، فنجدهم قد سبقونا في التطور العلمي والتكنولوجي بكل جزئياته وتقسيماته، وكل ذلك من قلّة الطعام الذي يتناولونه لأنهم يعلمون حق العلم أن كثرة الطعام تؤثر على استيعاب الفكر والذهن فتجعله يتوقف عن العمل والعطاء، واليابان أكبر مثال على ذلك، فقلّما ترى فيهم رجلاً بديناً سميناً، بل إن العكس حاصل فيهم، وكم أدهشني ما سمعته من أحدهم: أن صاحب شركة تويوتا اليابانية لصناعة السيارات، إذا أراد الذهاب إلى عمله لا يذهب بسيارته؛ إنما يستقلّ دراجته الهوائية؛ وذلك لكي يحافظ على صحته ورشاقته! فإن ركوب السيارات كثيراً ما تجعل الإنسان سميناً، وهذا ما نشاهده اليوم. وما أجمل قول الشاعر، وهو يضع يده على الجرح واصفاً حال المرء الأكول ـ الذي لا يهمّه خروج النَّفس أو عدم خروجه ـ وصفاً جميلاً ورائعاً، حيث قال: أكبَّ على الخِوان وكان خفّاً فلما قام أثقَلَه القيامُ ووالى بينهما لُقَماً ضِخَاماً فما مَرِئتْ له اللُّقَمُ الضخامُ وعاجلَ بلعَهُنّ بغير مضغٍ فهنّ بِفِيه وضعٌ فالتهامُ ألا إن الطعام دواءُ داءٍ به ابتُليت من القِدم الأنامُ فداوِ سقامَ جوعك عن كفافٍ فإكثارُ الدواء هو السِّقامُ وأغبى العالمين فتىً أكولُ لفطنته ببطنته انهزامُ

стр. 5698

هل حقاً المصحف الشريف يُدَنَّس في بلد مسلم ؟! محمد الهادي بن مصطفى الزمزمي صار معلوماً لدى القاصي والداني خبر الحرب التي تشنّها الحكومة التونسية على الإسلام ومقدّساته؛ فمن قانون المساجد إلى خطة تجفيف منابع الدين مروراً بالمنشور (١٠٨) القاضي بـ «تحريم الخمار، ولباس النساء الشرعي» ، إلى تدنيس المصحف الشريف! أي والله! فيما روي عن تعمّد الضابط مدير سجن برج الرومي ـ الواقع بمحافظة بنزرت ـ الاعتداء بالعنف على أحد السجناء كما أخذ المصحف الشريف وضرب به السجين، وأثناء الضرب سقط المصحفُ من يده على الأرض، فركله وداسه برجليه، وهو ما أثار حفيظة السجين المذكور واستنكاره. ولقد شَهدتْ بهذه الواقعة بيانات فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بمدينة (بنزرت) ، ومما جاء فيها: «وبلغ لعلم الرابطة أنه كان من نتيجة ذلك تعرّض ذلك السجين لاعتداء جديد من طرف المدير نفسه وأعوانه الذي ـ زيادة على الاعتداء الجسدي ـ عاقبه مدير السجن بوضعه في السيلون ـ زنزانة انفرادية ـ ومنع عائلته من زيارته» . وقد قدّم أهالي السجين المذكور شكوى ممّا جرى عليه من تعذيب وتدنيس المصحف إلى فرع الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان بمدينة (بنزرت) ، كما أبلغ بذلك نقيب الهيئة التونسية للصحافيين. ولما شاع خبر تدنيس المصحف واستنكرت الهيئتان المذكورتان وغيرهما من الهيئات الجريمة، سارعت الحكومة إلى تكذيب خبر الواقعة متعهدةً بإجراء تحقيق في الواقعة، وهو ما ينمّ عن تناقض في الموقف؛ إذ كيف يعقل أن تنفي الحكومة وقوع الحادثة مع التعهد بالتحقيق فيها؟! وقد ردّت الرابطة على نفي الحكومة بتأكيد حصول الواقعة بما لديها من وثائق وبيانات. وإزاء إصرار الرابطة قامت الحكومة باعتال رئيس فرع الرابطة بـ (بنزرت) ، وإحالته إلى التحقيق بتهمة نشر أخبار زائفة من شأنها تعكير صفو النظام العام، وإهانة موظف عمومي! وما جرى بسجن برج الرومي جرى مثله وأضعاف أضعافه في سجون أخرى؛ ولولا خشية الإطالة لسردنا عشرات الوقائع! ولكن حسبنا هذه الواقعة بل الفاجعة التي حصلت في سجن «الهوارب» بالقيروان! فقد روى أحد السجناء: «أنه كان بهذا السجن رفقة ما يقارب سبعين سجيناً من شباب النهضة التونسية، وكان من جملة الإجراءات الصارمة التي اتخذتها إدارة السجن ضدّنا أن: حرّمت علينا مسك المصاحف أو قراءة القرآن تحريماً قاطعاً! وفي صباح يوم من الأيّام أجمعنا أمرنا ـ نحن المساجين الإسلاميين ـ على مطالبة إدارة السجن بردّ مصاحف القرآن التي جرت مصادرتها منّا وحجزها عنّا. حضر مدير السجن إلينا ـ حين بلغه طلبنا ـ وسألنا في حنق وغضب متلفّظاً بعبارات الكفر والفحش والبذاء: - آش بيكم يا أولاد ... ! آش تحبّوا ... ؟ آش طالبين ... ؟ فأجابه مساعده: - هاهم طالبين المصاحف؛ ليقرؤوا القرآن. فالتفت المدير إلينا، وردّ على الفور قائلاًَ: - «نعم ... ! لحظة ... ! توا تجيكم المصاحف» ! راح المدير، وتركنا متلهّفين لاستقبال مصاحف القرآن لهفة الظمآن لقطرة ماء. مضت بضع دقائق، عاد إثرها ومن ورائه فرقة من أفراد الطلائع السجنية مدجّجين بالعصيّ والهراوات! وللتوّ جرّدونا تماماً من أثوابنا، وأمرونا بالجري في ساحة السجن في شكل طابور دائري، طوّقونا وطفقوا بنا ضرباً مبرّحاً حتى أسقطونا أرضاً، وقد أنهكنا الجري والتعب والأذى والألم، وأمرنا المساعد بالجثيّ على ركبنا الدامية! ولّى المدير وتركنا ونحن على تلك الحال حفاة عراة، ثمّ عاد ومعه أحد الأعوان يحمل بين يديه مجموعة من المصاحف الشريفة. وبأمر من المدير ألقى العون المذكور بالمصاحف على الأرض! وطرحها بساحة السّجن! ثمّ صاح المدير في وجوهنا قائلاً: ـ «هاهي المصاحف اللي طلبتوها ... » وأخذ يمشي عليها! ويدوسها بنعليه! في صلف وكبرياء وعنجهية واعتداء! متلفظاً بشتم الدين! والاعتداء على العقيدة! هزّنا ذلك المشهد هزّاً عنيفاً، واعتصر الحزن قلوبنا؛ فما قدرنا على فعل شيء ندفع به ذلك الاعتداء الأثيم على كتاب ربّنا؛ وما إن صاح الطاغية بنا للالتحاق بعنابرنا مهدّداً ومتوعّداً لنا بمزيد من العذاب والنكال والانتقام إن نحن طالبنا بمصاحفنا مرة أخرى؛ حتى عدنا وقد انفجرت منّا العيون تهمل بالدّموع باكية على الحال الذي آلَ إليه القرآن في تونس بلاد الإسلام» ! ليس من قبيل المصادفة أن يتكرّر هذا الصنيع الشنيع المتمثل في تدنيس المصحف الشريف في السجون التونسية؛ فما هو إذن بحادث عرضي ولا تصرف فردي منعزل؛ فقد تكررت هذه الجناية الفظيعة النكراء من أعوان البوليس والحراس في مختلف السجون والمعتقلات؛ وهو ما يميط اللثام عن سلوك لدى الحكومة وأعوانها في انتهاك الحرمات وتدنيس المقدّسات. إنه سلوك متعمَّد يأتي في سياق حرب شاملة تشنّها الحكومة التونسية بكافّة دوائرها وأجهزتها ومؤسّساتها على الدين الإسلامي ومقدَّساته. إن ركل المصحف الشريف لهو جريمة عظمى تكاد السماوات يتفطّرن منها وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّا! فكيف يرضى مسلم أن يُدنَّس أقدسُ مقدّساته؟! أو كيف يغضي عن منتهكي أعظم حرمات ربّه؟! إن الجناية على كتاب الله جناية على أمّة الإسلام بأسرها! فعلى هذه الأمّة إذن واجب النصرة! ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحجّ:٤٠] .

стр. 5699

٢٢٨ - شعبان - ١٤٢٧ ه ـ (السنة: ٢١)

стр. 5700

أين العرب ..؟! التحرير مجازر متتابعة تفوح منها روائح الدماء والأشلاء، ولا يُرى إلا الدمار والقتل..! مئات القتلى وآلاف الجرحى، والرعب يملأ المنطقة، والقصف الذكي لا يعرف إلا النساء والأطفال والشيوخ، أكثر من عشرين طفلاً تتناثر أجسادهم في مجزرة قانا وحدها..! عوائل بأكملها تُسحق وتُدمّر، قرى واسعة تُدك وتُسوى بالأرض ولا يُسمع إلا أنين المخنوقين تحت الأنقاض تنقله الفضائيات أمام بصر العالم وسمعه..!! الطغيان (الصهيوأمريكي) يدمر البنى التحتية في غزة ولبنان، ويتوسع في استخدام القنابل العنقودية والفسفورية التي يزعم بعضهم أنها محرمة دولياً..!! وتأتي فتوى حاخامات اليهود، رداً على الأنتقادات الدولية لمجزرة قانا قائلة: (إن كل الكلام حول الأخلاق يضعف الروح المعنوية للجيش والأمة، ويكلفنا دماء جنودنا ومدنيينا) . وتذكرنا هذه الفتوى بخطاب رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) الذي خاطب به الشعب الأمريكي قائلاً: (لا تخجلوا من قِيَمكم) ! وتنفرد الولايات المتحدة الأمريكية في صياغة الموقف الدولي لتبقى المنظمات الدولية وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة عاجزة حتى عن مجرد الإدانة. وبالتأكيد لا زال الأمريكيون يتساءلون بكل غطرسة: لماذا يكرهوننا..؟! أمَّا إن سألت عن العرب! فنبشرك أن العنتريات العربية لا زالت تقف مرابطة بكل صلابة عند قاعدة بطولات الشجب والاستنكار، لكنها هذه المرة جاءت على استحياء، لتزداد الهوّة بينها وبين شعوبها المقهورة تارةً بعد أخرى. ولسان حال اليهود يقول للعرب: لا تنطقوا حرفاً ففي قانوننا أنَّ الثغور الناطقات تكممُ وإذا ضربناكم فلا تتحركوا وإذا سحقناكم فلا تتألموا عربٌ وأجمل ما لديكم أنكم سلمتمونا أمركم وغفلتمُ إن فضائح النظامين الدولي والعربي تجاوزت الحدود، ولا نظنها بحاجة إلى مزيد من الإيضاح، لكن ما المخرج من هذا المأزق..؟! نحسب أن الشعوب قد اختارت طريقها، وانحازت لخيارها الإسلامي، لكنها أحوج ما تكون للعلماء الربانيين والدعاة المخلصين الذين يرتقون بجماهير الأمة، ويوظفون طاقاتهم في نصرة الدين وأوليائه الصالحين، بعلم راسخ ونهج سديد.

стр. 5701

عندما تذهب السكرة ... وتجيء الفكرة التحرير بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فقد فجَّر العدوان اليهودي على أرض لبنان المسلمة عدداً من القضايا والتساؤلات والاختلافات على ساحات مختلفة، لكون هذا العدوان جاء من طرف متفَق على عداوته ووجوب محاربته، بينما جاءت المواجهة من طرف مختلَف عليه من حيث أمانته على مصالح الأمة العامة، وتزايد الشكوك حول أجندته الخاصة. وربما يظل هذا الاختلاف قائماً لأمد غير قريب، حتى تُظهر الأحداث الواقعة على الأرض، ما تخفيه الخطط والتدابير، مما هو مغيَّب مستور؛ فهذا شأن الفتن: إذا أقبلت لا يعرفها إلا العقلاء، وإذا أدبرت عرفها كل الناس. والفتنة هنا تتلخص في أن (حزب الله) هو صناعة إيرانية خالصة في أهدافها ووسائلها وإمكانياتها، ولا يكاد يجادل في ذلك إلا مكابر. وقد أدرك العارفون من خاصة وعامة أن الدولة الإيرانية لم تكن يوماً أمينة على مصالح الأمة بشكل عام؛ فالأمانة لا تتجزأ ولا يمكن أن تُخلِص إيران للأمة في لبنان بينما هي تخونها في العراق وأفغانستان، ولا يمكن في الوقت نفسه أن يقاتل الإيرانيون أعداء الأمه - لصالح الأمة - في لبنان، بينما يقاتلون إلى جوار أعدائها في العراق وأفغانستان. ومما زاد في الفتنة والالتباس أن ما يعرف بـ (المقاومة اللبنانية) اليوم، هي نفسها التي زرعتها إيران وأحلَّتها محل المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان بدءاً من عام ١٩٨٢م، وشارك الشيعة من خلال (منظمة أمل الشيعية) في حرب المخيمات ومجازر صبرا وشاتيلا، في محاربة الفلسطينيين واقتلاعهم من الجنوب اللبناني بالتحالف مع النصارى والنصيريين الذين يحكمون سورية. واليوم يرفع شيعة لبنان شعار (تحرير جنوب لبنان) على أنقاض شعار (تحرير كل فلسطين) الذي أُنهِيَ بإخراج المقاومة الفلسطينية (حركة فتح) من الجنوب اللبناني بعد تشتيتها في تونس واليمن والسودان؛ حيث لم تعد بعدها إلا رافعة الراية البيضاء مكان راية النضال والفداء، سالكة دروب الاستسلام من مدريد إلى أوسلو. ولم يكن هذا الدور التآمري الواضح ضد الفلسطينيين بالاشتراك مع اليهود والنصارى والنصيرية؛ إلا لقطع الطريق على المشروع الجهادي الفلسطيني السُني، لحساب المشروع اللبناني الشيعي، ليبقى الشيعة في واجهة القضية الإسلامية الكبرى في عالم اليوم، وهي قضية فلسطين. لكن أقدار الله ـ تعالى ـ جاءت على عكس ما يشتهي المتآمرون؛ حيث انبعثت من داخل فلسطين مقاومة جديدة سنية، مارست خلالها منظمة حماس مقاومة حقيقية تحت راية نقية لا تتخفى وراء تقية أو أجندة خفية. وللحقيقة فإن اختلاف الناس في شأن الحرب التي اندلعت بين دولة اليهود المعتدية وبين (حزب الله) لم يأت من فراغ ... فالمتعاطفون معذورون؛ لأنهم لم يروا من كل الدول المحيطة بدولة الأعداء الصهاينة من ينكي فيهم بهذا الشكل من الإقدام والجرأة رغم ما لدول المواجهة تلك من جيوش جرارة على الحدود، تقف وراءها جيوش جرارة أخرى خلف الحدود، لها من الإمكانيات الإضافية ما كان يكفي للتنكيل بهذا العدو الجبان على مدى أكثر من خمسين عاماً أضعاف أضعاف ما حدث على أيدي المقاتلين من شيعة لبنان رغم ضعف قوتهم وضعف معداتهم مقارنه بقوات ومعدات تلك الجيوش. ٣ أما المحذِّرون المتحفظون فهم يرفضون ابتداءً الطغيان الصهيو أمريكي في المنطقة، ويدركون أبعاد مشروع الشرق الأوسط الكبير ثم الجديد، ويوجبون مقاومته بكل ألوان المقاومة، ويفرحون بكل نكاية تثخن العدو وتزيد من جراحه وآلامه؛ ويرفضون أيضاً استهداف لبنان بالتدمير الوحشي الذي أهلك الحرث والنسل، كما يرفضون سلبية الأنظمة العربية وعجزها. ٣ وهؤلاء المحذرون المتحفظون لديهم قناعة راسخة بطغيان اليهود واستكبارهم ونقضهم للعهود والمواثيق، ويدركون أن لغة القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الأعداء؛ فالضعفاء والعجزة لا مكان لهم في ظل شريعة الغاب. ٣ ومع تحذيرهم من الانسياق الكامل وراء العواطف والظواهر فإنهم معذورون؛ لأنهم لم يستطيعوا تجاهل الحقيقة القائلة بأن دماء مئة ألف من أهل السنة التي تراق في العراق على أيدي أولياء إيران في العراق لم تلقَ أي إدانة من أولياء إيران في لبنان. ٣ وهم معذورون كذلك عندما يرون أن هناك مزايدة واضحة على المجاهدين الحقيقيين المخلصين للأمة سواء كانوا في فلسطين أو العراق أو أفغانستان؛ فبينما كان موقف المقاومة اللبنانية الشيعية مخزياً من المقاومة الإسلامية في العراق حتى قال (نصر الله) عنهم إنهم (صداميون تكفيريون) ؛ فإنه أيضاً - أي نصر الله وأتباعه - لم يُعرَف لهم موقف تضامني واضح من المقاومة الفلسطينية غير الشعارات والتصريحات التي قصارى ما تفعله في النهاية أن تصور المقاومة اللبنانية على أنها هي القدوة والمثل الأعلى للمقاومة الفلسطينية، كما ردد زعيم (حزب الله) غير مرة. ٣ والمحذِّرون المتحفظون معذورون أيضاً وهم يرون أن (النعرات الطائفية) التي ينادي بعضهم بعدم إثارتها مع (إخوانهم الشيعة) لم يثرها إلا هؤلاء المتشيعون، ليس بالكلمات والتصريحات فقط، وإنما بالاغتيالات والتحرشات والتحالفات مع كل الأعداء ضد مخالفيهم في الفكر والمذهب، دون أن تكون هناك أي مبادرة لإيقاف هذه النعرات من إيران، ولا ممن يأتمر بأمر إيران. ٣ والمحذرون المتحفظون معذورون كذلك وهم يرون خيوطاً واضحة تربط بين توقيت ما حدث في لبنان، مع توقيت ما يحدث في العراق ولبنان؛ حيث غطت غيوم تلك الحرب على أخطر ملفات المرحلة الراهنة وهي ملف اغتيال الحريري والملف النووي الإيراني وملف (التطهير) العرقي في العراق، وكلها ملفات تصب فقط في مصلحة الطائفة الشيعية إماميةً كانت أو علوية (نصيرية) . ٣ والمحذِّرون المتحفظون أيضاً معذورون وهم يشاهدون ويسمعون ويفهمون بما يصل إلى اليقين، أن منظومة الفكر الشيعي هي منظومة مناوئة لأهل الحق في الأمة بدءاً من أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وحفصة وغيرهم من عموم الصحابة رجالاً ونساءً ﵃ أجمعين ـ إلى حد تكفيرهم والمناداة بالبراءة منهم ومن تابعيهم، ومن سار على نهجهم من أهل السنة في كل مكان بزعم أنهم (النواصب) أعداء أهل البيت، مع التوعد الشديد والأكيد بالثأر والانتقام منهم رجالاً ونساءً، أمواتاً وأحياءً ... هذه المنظومة الفكرية المنحرفة بل الموغلة في الانحراف والابتعاد هي هي ... نعم! هي هي المنظومة الفكرية نفسها التي يدين بها ويعمل لها شيعة اليوم ومن ضمنهم منسوبو (حزب الله) ، هؤلاء الذين اختطفوا لأنفسهم تسمية قرآنية، حسم القرآن أوصاف حامليها، ملخصاً إياها في قول الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦] . فالذين (يتولون) الله ورسوله والذين آمنوا - وعلى رأسهم الصحابة - هم حزب الله، ولا يمكن أن ينطبق وصف (حزب الله) على الذين (يتبرؤون) من الذين آمنوا وعلى رأسهم الصحابة ﵃ هذا منطق القرآن الذي لا يُقْبَل تجاوزه او الجدال فيه. ٣ والمحذِّرون المتحفظون يخافون على الأمة من أن يتحول الانبهار بـ (بطولات ما يعرف بـ «حزب الله» ) إلى انبهار بالمنظومة الفكرية التي يتبناها ويعمل لحسابها هذا الحزب؛ وفي هذا ما فيه من خطر يعلم الجميع ضرره الفادح، وهو خطر المد الفكري الشيعي الذي يُتَوَقَّع أن ينتعش بعد انتهاء الحرب؛ حيث ستنحسر آثارها العسكرية عن آثار فكرية سيحرص القوم على استغلالها واستثمارها. والتاريخ يثبت في القديم والحديث أنه ما من بطولة شخصية، حقيقية كانت أو وهمية، إلا وتحولت في الغالب إلى (منظومة) فكرية أو روَّجت لها، هذا ما حدث مع (كمال أتاتورك) الذي مهدت بطولاته المزيفة للقومية الطورانية والفكرة العلمانية في الديار التركية، وهو ما حدث أيضاً مع (جمال عبد الناصر) الذي ساهمت بطولاته الوهمية أو المضخَّمة في دفع فكرة القومية العربية، ويقال مثل هذا أيضاً عن (هتلر) والنازية، و (ستالين) والشيوعية، و (الخميني) والأفكار الثورية الشيعية، ونحو هذا كثير. ٣ والمحذِّرون المتحفظون، يشفقون على الأمة من أن تقع في إثم خذلان المجاهدين الحقيقيين في فلسطين والعراق والشيشان وأفغانستان وغيرها؛ أولئك الذين لن يضرهم - بإذن الله - من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك قائمون، فهؤلاء هم الأبطال حقاً، وهم أنصار الدين حقاً، وهم حزب الله حقاً، شرعاً وعقلاً؛ لأنهم هم الذين يجاهدون ويبذلون ويضحون، دون حسابات خاصة، ودون تبعية أو عصبيه لأية حمية، عنصرية كانت أو مذهبية، ودون أن تكون وراءهم أيضاً قوة دولية أو إقليمية أو محلية، تقف معهم أو تدربهم أو تسلحهم أو تمولهم، ودون أن يكون لهم ظهير ونصير غير الله تعالى، في عالم يتنكر لهم، وعامةٍ لا تعرف قدرهم، وخاصةٍ قلما تنتصف لحقهم. إن أولئك الأحرار الأبرار، هم أرباب البطولة الحقة الذين أرغموا أنف العدو الكبير - أمريكا - التي تساند العدو الحقير ـ الصهاينة ـ دون أن يكون لهم جيش ولا دولة ولا أرض ولا مصدر دائم للإعداد والإمداد. ٣ والمحذرون المتحفظون ـ مع ذلك كله ـ يرون المبادرة إلى إغاثة المنكوبين المستضعَفين، ومدّ يد العون للشيوخ والنساء والأطفال، وتخفيف جراحاتهم ومعاناتهم؛ فرفع الظلم مطلوب شرعاً. ستذهب السكرة وتجيء الفكرة، وعندها: ٣ سيرى الناس أن هذه الحرب قد خطط لها طرفان رئيسان، هما المستفيدان الوحيدان مما جرى بسببها من دمار وخراب: الطرف الأول: هم الأمريكيون الذين قال مسؤولوهم: إن هذه الحرب، هي البداية لتشكيل (الشرق الأوسط الجديد) الذي يريدون فيه تأمين قاعدتهم العسكرية الكبرى (في الأرض المحتلة) . والطرف الثاني: هو إيران التي أرادت أن تشغل العالم عن مخططها الإجرامي في العراق، وعن برنامجها الرامي إلى امتلاك السلاح النووي في أقرب وقت ممكن؛ حيث اشترت وقتاً ثميناً بهذه الحرب، وتركت للشعب اللبناني دفع فاتورته من دمائه وأمواله واستقراره ومقدراته. ٣ وعندما تذهب السكرة وتجيء الفكرة: سيكتشف الناس أن أحداث لبنان، ما كانت إلا بداية لمرحلة جديدة من مشروع مد شيعي قديم جديد، يريد ضم لبنان إلى هيمنة إيران، مثلما حدث في العراق ليتحقق بذلك ما سبق أن خطط له أصحاب مشروع (إيران الكبرى) الممتدة من البحرين إلى حدود فلسطين، في هلال شيعي يسمح بتطويق الجزيرة العربية مهد الإسلام الصحيح. ٣ وعندما تذهب السكرة وتجيء الفكرة: سيعلم الناس أن هناك مشروعين يتنافسان على قيادة الأمة نحو التغيير: أحدهما: يقوم على الحق والسُّنة، والآخر: يقوم على الباطل والبدعة، وأن المشروع الأول الذي أُسِّس على الحق من أول يوم، هناك إصرار على الإضرار به، والتغطية عليه لحساب (مشروع الضِّرار) الآخر المشيَّد على أنقاض أعراض الصحابة، حَمَلَة الدين، وواسطة الرسالة، وسادة أهل الجنة بعد الأنبياء. إن الحق أبلج والباطل لجلج، وحُق لقوم جعلهم الله شهداء على الناس ليكون الرسول عليهم شهيداً ألا يضيع الحق فيهم، انسياقاً وراء العواطف، والتفافاً على الصواب، بما يسوِّغ في الناس تعظيم البدعة، وتوهين السنة مع من يحمونها من مجاهدين وعلماء ومصلحين، تطاولت عليهم الألسن التي تقاصرت عن غيرهم من الذين لا يُرجى نفعهم ولا يُتوقع إخلاصهم للسواد الأعظم من الأمة. فاللهم ألهمنا رشدنا، واهدنا سواء السبيل، وثبتنا عليه حتى نلقاك، غير خزايا ولا مفتونين ولا مبدلين ولا مغيرين ... آمين!

стр. 5702

بين سد الذرائع والعمل بالمصلحة عبد العزيز بن إبراهيم الشبل ـ فضيلةَ الشيخ: شاع بين الناس في الآونة الأخيرة ما يعرف بـ ... ، ولا يخفى على فضيلتكم ما في ... من الأخطار؛ فما رأيكم في حكم هذه المسألة؟ ـ حرام. ـ يتساءل البعض عن دليل التحريم، ويزعم البعض الآخر أن هذا من التشدد في الدين. ـ لا يوجد دليل صريح في هذه المسألة، وكما تعلم فالنصوص الشرعية لا تحيط بجزئيات الأحكام، وإنما تدل على الأحكام بعمومها، والنص الشرعي له منطوق ومفهوم، و..، يقول ابن تيمية: «ولو تأملنا هذه المسألة لوجدناها ذريعة لإفساد المجتمع، فهي حرام لذلك» . وفي الجانب الآخر: ـ فضيلةَ الشيخ: ... فما الحكم الشرعي لهذه المسألة؟ ـ حلال. ـ لكن بعض المفتين يقول: إن هذا العمل حرام، ويذكر قول النبي # ... ، فما رأي فضيلتكم؟ ـ صحيح أن الحديث المذكور ورد عن النبي #، ولكن لو نظرنا إلى المجتمع، وتغير حاجات الناس ومصالحهم، لرأيت أننا لا بد أن نقول بالجواز مراعاة لمصلحة المجتمع ... ـ حتى لو ورد عن النبي # ما يفيد التحريم؟ ـ يا أخي! الحديث المذكور لا يدل صراحة على حكم هذه المسألة، صحيح أنه يدخل في عمومه، وهو ما يتبادر إلى الذهن من الحديث، لكن لا بد أن تكون لنا قراءة جديدة للنصوص الشرعية، ولا يمكن أن نقرأ النصوص الشرعية بعيداً عن المقاصد الشرعية لها، يقول الشاطبي: «وكما تعلم فالدين كله راجع إلى إعمال المصالح ودرء المفاسد» . المشهد السابق مشهد متكرر في ساحة الفتوى، وكثيراً ما يعلل بعض المفتين فتاواهم بسد الذرائع، أو بإعمال المصالح، وبات بعضهم إذا أراد أن يحرِّم شيئاً ـ لا يجد دليلاً على تحريمه ـ يتكئ على سد الذرائع، ومن أراد أن يبيح شيئاً ـ ووقف الدليل الشرعي في وجهه صريحاً بالتحريم ـ يذهب إلى إعمال المصالح، حتى غدا عندنا منهجان واضحا المعالم في الفتوى ـ بالإضافة إلى المناهج الأخرى ـ: منهج: يوسِّع دائرة الذرائع فيضيق على الناس ما أباحه الله. ومنهج: يتمسك بالمصالح المزعومة مغفِلاً النظر فيما سواها. وحدث نتيجة ذلك ردة فعل طبعية لهذين المنهجين: فتبرَّم بعضهم بسد الذرائع حتى عدّه أكبر سد في العالم، وعد آخرون المصالح طاغوتاً يضاف إلى الطواغيت الجاثمة على صدور المسلمين. وهذا أدى ببعض الباحثين والمفتين إلى التحرُّز من تعليل الأحكام الشرعية بسد الذرائع، حتى لو كانت الذريعة واضحة كالشمس؛ فلو وُجدت معاملة مالية مستحدثة تؤدي إلى الربا وإلى ما حرمه الله وكانت الحيلة فيها أوضح من حيلة اليهود في صيدهم الحيتان يوم السبت ما تجرأ أن يقول بالتحريم؛ خوفاً من أن يوصم بأنه (صاحب أكبر سد في العالم) . وعلى الطرف الآخر تجد مسألة من المسائل لا يوجد فيها دليل صريح، بل قد يوجد دليل يشير إلى الإباحة، ومع ذلك تجد بعض الباحثين والمفتين يتحرز من القول بالإباحة استناداً إلى المصلحة الشرعية، خوفاً من أن يوصم بأنه (قليل علم بالنصوص، ولَمَّا أعيته النصوص اتجه إلى المصالح) و (أنه مفتٍ عصراني) . ولو أخذت فتوى لمن يستخدم (سد الذرائع) بكثرة، وأردت أن تستدل لكلامه بالمصالح لما أعجزك ذلك، وكذلك العكس، وخذ مثالاً لذلك: ما يسمى بالتورُّق المبارك، فإنك تستطيع أن تقول بالإباحة استناداً إلى المصالح؛ فالناس محتاجون إليه، ومصالحهم تتعلق به، وإن أردت التحريم قلت: إنه ذريعة واضحة إلى الربا، وتستطيع أن تعكس فتقول: إنه مباح، ولو لم نقل بذلك لانسدت وسائل التمويل في وجوه المسلمين مما يؤدي إلى تركهم للمصارف الإِسلامية واتجاههم إلى البنوك الربوية فنقول بالجواز سداً لذريعة اتجاه الناس إلى الربا، وتقول: إنه محرم؛ فمن مصلحة الاقتصاد الإسلامي أن نقول بذلك، ولو قلنا بهذه الوسيلة لألغينا (كل أو جل) وسائل التمويل الإسلامية الرائدة التي جعلت المصارف اِلإسلامية تنافس حضارياً البنوك التقليدية، وجعلت المسلمين يشاركون في تقديم حلول لمشاكل العالم المعاصر، وهذه الطريقة تلغي الفروق بين المصارف الإسلامية والربوية، مما يجعل المصارف الإسلامية عديمة الجدوى (١) . وعاد الخلاف إلى التلاعب بالألفاظ، لا الاستدلال بالأصول الشرعية. فهل المشكلة في العمل بسد الذرائع، أم المشكلة في العمل بالمصالح الشرعية؟ ü أين تكمن المشكلة؟ الحقيقة أن المشكلة ليست في (سد الذرائع) وليست كذلك في (إعمال المصالح) ، وكلاهما قاعدة شرعية قررتها أصول الشريعة، وعمل بها العلماء الراسخون. ولكن المشكلة تكمن في تحديد المصطلح، ثم في التطبيق الخاطئ للقاعدة الشرعية، وأحياناً لا توجد مشكلة أصلاً؛ إذ المسألة لا تعدو أن تكون من الخلاف اللفظي، أو الخلاف السائغ. وهذا الكلام ينطبق على أصول شرعية أخرى: كالعمل بالرأي والاستحسان واعتبار العرف. فالعمل بالرأي نجد في كلام السلف ذمه ومدحه، ولكننا إذا حققنا كلامهم ـ كما فعل ابن القيم ﵀ (٢) نجد أن الذم والمدح لم يردا مورداً واحداً. فمن ذمه قصد به الرأي الفاسد المصادم للنصوص أو القول في الدين بالخَرْص (٣) والظن مع التفريط في معرفة النصوص، ومن مدحه أراد به الرأي الصحيح الموافق للنصوص الشرعية، كآراء الصحابة، أو الآراء التي فيها تفسير النصوص، أو إعمال الرأي في المسألة عند عدم الدليل بعد بذل الجهد في البحث عنه. وإذا تقرر ما سبق فإن من ذم الرأي كان مصيباً، ومن مدحه كان مصيباً، ولكن كلام هؤلاء وهؤلاء لم يرد مورداً واحداً، وعند تحرير المصطلح يتبين لنا أن الخلاف لفظي. ومع اتفاقهم على هذا التأصيل إلا أنه وقع الخلاف بينهم في المسائل التي أعملوا فيها الرأي، إما لاشتراط أحدهم ما لم يشترطه الآخر، وإما لاختلاف أفهامهم أو اختلاف الظروف المحيطة بكل مسألة..، (٤) فلو أخذنا ـ على سبيل المثال ـ مسألة من مسائل الفرائض وهي مسألة الجد والإخوة لوجدنا أن المسألة ليس فيها دليل قاطع، والصحابة عملوا فيها بالرأي مع اتفاقهم على حدود الرأي الذي يُعمل به، ومع ذلك اختلفوا في هذه المسألة؛فمنهم من عدّ الجد أباً وحرم الإِخوة من الميراث، ومنهم من شرَّك بين الإخوة والجد. وكذلك إذا نظرنا إلى مسألة العمل بالاستحسان، فقد ردّه بعض الأئمة وشنَّع القول فيه، حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرَّع. ومع ذلك نجد أن بعض الأئمة الكبار كأبي حنيفة يقول به، بل نجد في كلام من رده العمل به، ووُجد في كلام الإمام الشافعي نفسه الأخذ به، فهل اختلافهم حقيقي؟ عند إمعان النظر في كلامهم نجد أن من ردّه فإن كلامه يدور حول معنى من المعاني، وهو: العمل بالتشهِّي والهوى من غير دليل، وهذا لم يقل به أحد ممن يعتد بقوله لا أبو حنيفة ولا غيره، والأئمة ﵏ أجلّ من أن يقولوا بذلك، وكذلك من فسر الاستحسان على أنه دليل ينقدح في ذهن المجتهد لا يستطيع التعبير عنه. وأما من عمل به فقد أراد العدول عن الحكم أو الدليل إلى حكم أو دليل أوْلى منه، أو القول بأقوى الدليلين. وهذا المعنى لا ينبغي أن يخالف فيه أحد، فعاد الخلاف إلى اللفظ لا إلى الحقيقة، وتبين أن الكلام لم يرد مورداً واحداً (٥) . ولهذا قال أبو حامد الغزالي: «وردُّ الشيء قبل فهمه محال، فلا بد أولاً من فهم الاستحسان ... » (٦) . وقال الشيرازي: (فإن كان مذهبهم على ما قال الكرخي «أي العدول بحكم المسألة عن حكم نظائرها لدليل يخصها» وعلى ما قال الآخر، وهو القول بأقوى الدليلين، فنحن نقول به، وارتفع الخلاف) (١) . وقال ابن قدامة: (فلا فائدة في الاختلاف في الاصطلاحات مع الاتفاق في المعنى) (٢) . وقال ابن السمعاني: (ذكر الأصحاب أن القول بالاستحسان في أحكام الدين فاسد.. وكذلك القول بالمصالح والذرائع والعادات من غير رجوع إلى دليل شرعي باطل.. ثم قال: واعلم أن مرجع الخلاف معهم في هذه المسألة إلى نفس التسمية، فإن الاستحسان على الوجه الذي ظنه بعض أصحابنا من مذهبهم لا يقولون به، والذي يقولونه لتفسير مذهبهم: أنه العدول في الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه؛ فهذا لا ننكره..) (٣) . وعلى ذلك فلا يجوز للمفتي أو الباحث أن يترك هذه الأصول الشرعية؛ لأن فلاناً قال بها، أو لأن القائل بهذه المسألة هم من أصحاب التوجه الفلاني، بل على المفتي أن يصدع بالحق أياً كان، إذا كان يرى أن هذا هو الحق، وأن هذا الحق يجب قوله الآن. حتى لو كان الحق فيه تيسير على الناس؛ ففي عمل الناس آصار لم يأمر بها الله؛ فهل الشريعة جاءت بالحَرَج والأغلال والآصار حتى نمتنع عن قول الحق من أجل ذلك؟ وحتى ولو كان الحق مخالفاً لأهواء الناس وما أَلِفوه ولانت جلودهم له؛ إذ الشريعة لم تأتِ موافقة لأهواء الناس، ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] . ولنتخيل لو جاء أحد المفتين فقال بجواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة، ودفع الزكاة للكفار دفعاً لأذاهم المتحقق عن المسلمين، وما موقف بعضهم لو سمع من يقول بعدم قتل بعض المنافقين والمرتدين لئلا يتحدث الناس أن (المسلمين) يقتلون أصحابهم، وما عمله لو عقد بعض الولاة صلحاً كصلح الحديبية، أو نهى عن سب آلهة المشركين لئلا يترتب على ذلك ضرر أكبر، أو امتنع عن إقامة حد السرقة لسبب شرعي مقبول ـ كما وقع عام الرمادة ـ أو أجاب دعوة لأحد قسس النصارى، أو سمح بإقامة بعض الأنشطة في المساجد ـ وإن كانت رياضية ـ كما فعل الحبشة في المسجد النبوي، أو اتبع الأعراف الدولية السائدة ـ التي لا تخالف أصول الشريعة ـ كما اتخذ النبي # خاتماً، وامتنع عن قتل الرسل، وأخبر أنه لو دُعي إلى الحلف الذي عُقد في بيت ابن جدعان ـ حلف لنصرة المظلوم ـ لأجاب، وخاطب هرقل بعظيم الروم، ألن يرمى هذا المفتي بالتساهل وتمييع الدين، والإعراض عن النصوص الشرعية؛ تمسكاً بالمصالح؟ وعلى النقيض لو قال أحد العلماء بتحريم بعض الألفاظ لئلا يتوهم منها معنى آخر (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) ولو هدم مسجد ضرار كما هدم النبي # مسجد الضرار، أو أمر امرأة ـ حتى وإن كانت موثوقة ـ بعدم إلانة القول لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، أو قطع شجرة أو هدم حجراً خوفاً من تبرك الناس به كما فعل عمر بشجرة الرضوان، أو منع من الحيل الربوية، ألن يوصف بالتشدد، واتخاذه لأكبر سد في العالم؟ بل لو تغير اجتهاده من وقت لآخر؛ لأنه أمعن النظر في المسألة مرة أخرى، كما تغير اجتهاد عمر بن الخطاب في مسألة الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم (المسألة اليَمِّيَّة أو الحمارية) ، أو تغير اجتهاده بناء على تغير العلة التي بني عليها الحكم، كما منع عمر المسلمين عن القتال في البحر، لعدم خبرتهم به، ثم أقدموا عليه لما وُجِد في المسلمين ـ بعد عمر ـ من يستطيع القيام بذلك، لو تغير اجتهاده من أجل ذلك ألن يوصم بالتناقض؟ ومع ذلك فكل ما سبق وسائل شرعية لا يجوز لنا تركها؛ لأنه يوجد في الناس من يعيب ذلك، أو لأنه يوجد من يستخدمها استخداماً خاطئاً، أو يتخذها وسيلة لهواه؛ فقد يوجد من يريد تعطيل الحدود استناداً إلى عدم قتل النبي # للمنافقين، وترك عمر لحدِّ السرقة عام الرمادة، لكن ذلك لا يعني أن ننطلق إلى الجانب الآخر، فنحرم الاقتداء بالنبي # في هذا الأمر، وقد يوجد من يهدم المسجد؛ لأنه لا يوافق توجهه السياسي؛ ولأن المسجد لم يعد بوقاً له، لكن لا يعني ذلك عدم هدم مساجد الضرار، وقد يوجد من يريد إلغاء الولاء والبراء استناداً إلى ما سبق، لكن ذلك لا يعني أن نترك سُنَّة النبي # أو نظلم الكفار لكي لا نقع فيما وقع فيه. وكذلك يوجد من يمنع المرأة من الحقوق المشروعة ظناً منه أن في ذلك صوناً للمجتمع من الفساد، ولكن ذلك لا يعني أن نجعل المرأة تعمل في كل مجال، وأن نترك الحبل على الغارب، لئلا نوصف بأننا متحجرون، وكذلك لا يمنعنا ذلك من أن ندعو إلى إنصاف المرأة وإعطائها حقوقها لئلا نوصف بأننا عصرانيون. ü سد الذرائع: المراد بسد الذرائع: أن يكون الفعل غير محرَّم، ولكنه يوصِل إلى المحرَّم. يقول القرافي مبيناً معنى سد الذرائع: «حسمُ مادة وسائل الفساد دفعاً لها؛ فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة منع مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور ... » (٤) . الاستدلال لمسألة سد الذرائع (٥) : من الأدلة على العمل بسد الذرائع قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . فسبُّ آلهة المشركين ليس محرماً في ذاته، وإنما هو محرم لما يفضي إليه. وما روته عائشة ﵂ عن النبي # قال في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: فلولا ذاك أبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يُتَّخَذَ مسجداً (١) . تحرير محل النزاع: الذريعة تنقسم إلى أقسام: ١ ـ الذريعة التي توصل إلى المحرَّم قطعاً؛ فهذه محرَّمة قطعاً، كحفر بئر أو حفرة في الطريق العام، أو وضع المواد السامة في مياه المسلمين. ٢ ـ الذريعة التي لا تفضي إلى المحرَّم إلا نادراً، كزراعة العنب؛ فمع أنه قد يُتَّخذ خمراً، لكن ليس هذا الغالب في استعماله، وعلى ذلك فلا يقال بحرمته، وكذلك لا يمنع من المجاورة في البيوت خوف الوقوع في الزنا، وهذه غير محرَّمة بالإجماع. ٣ ـ الذريعة التي بين القسمين، كالحِيَل الربوية في البيوع، وهذه محل النزاع؛ فمالك ﵀ كثر عنده المنع منها، حتى اشتُهِر بسد الذرائع. ولهذا يقول القرافي بعد أن قسَّم الذرائع إلى مُجْمَع على سده ومُجْمَع على عدم سده ومُخْتَلَف فيه: (وليس سد الذرائع خاصاً بمالك ﵀ بل قال بها هو أكثر من غيره، وأصل سدها مجمع عليه) (٢) . ü آراء العلماء في مسألة سد الذرائع: اشتهر العمل بقاعدة سد الذرائع عن الإمام مالك (٣) والإمام أحمد (٤) ، وعمل بها أصحابهما. وكذلك اشتهر عن الإمام الشافعي أنه لا يعمل بسد الذرائع، وكذلك الحنفية اشتهر عنهم العمل بالحِيَل، وظاهر ذلك أنهم لا يقولون بسد الذرائع؛ فهل الحنفية والشافعية لا يعملون بسد الذارئع؟ الحقيقة أننا نجد عند الحنفية في فروع عدة تعليل بعض الأحكام بسد الذرائع، منها: البدء بقتال البغاة؛ فالبغاة مسلمون؛ والأصل ألا يقاتل المسلم ابتداء بل لا يقاتل إلا دفعاً، لكن المذهب عند الحنفية البدء بقتالهم إذا تحيَّزوا وتهيؤوا للقتال؛ وذلك لئلا يكون عدم قتالهم ذريعة لتقويتهم، ولعلهم إذا قووا لا يمكن دفعهم (٥) . وعندهم يُكرَه لمن خاف الحَيْف أن يتولى القضاء لئلا يكون ذلك ذريعة إلى الظلم (٦) . ومرادهم بالكراهة هنا كراهة التحريم؛ لأن الغالب الوقوع في المحظور (٧) . وعللوا تركَ المعتدَّةِ الطيبَ والزينةَ والكحل والدهن المطيب وغير المطيب بأن هذه الأشياء دواعي الرغبة فيها وهي ممنوعة من النكاح فتجتنبها كي لا تصير ذريعة على الوقوع في المحرم (٨) . وفي مسألة مصادرة السلطان لأرباب الأموال ذكروا أن ذلك محرم، ولا يجوز إلا لعمال بيت المال، والمراد بعمال بيت المال خَدَمَتُه الذين يجبون أمواله، ومن ذلك كَتَبَتُه إذا توسعوا في الأموال؛ لأن ذلك دليل على خيانتهم، وألحقوا بهم كَتَبَة الأوقاف ونُظَّارها إذا توسعوا وتعاطوا أنواع اللهو وبناء الأماكن..، لكن مع ذلك قال بعض الحنفية: «هذا مما يُعْلَم ويُكْتَم، ولا تجوز الفتوى به؛ لأنه يكون ذريعة إلى ما لا يجوز؛ وذلك لأن حكام زماننا لو أُفتوا بهذا وصادروا مَنّ ذُكِرَ لا يردون الأموال إلى الأوقاف ... » (٩) . وأما الإمام الشافعي ﵀ فهو الذي اشتهر عنه عدم العمل بسد الذرائع، ولكن عند النظر في بعض المسائل التي ذكرها نجد أنه يعمل بسد الذرائع، مثل ما ذكره في مسألة منع فضل الماء؛ حيث قال ﵀: (منعُ الماء ليمنع به الكلأ الذي هو من رحمة الله (١٠) عامٌّ يحتمل معنيين: أحدهما: أن ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل، وكذلك ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله تعالى ... (ثم قال) : فإن كان هذا هكذا؛ ففي هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحلال والحرام تشبه معاني الحلال والحرام، ويحتمل أن يكون منع الماء إنما يُحَرَّم؛ لأنه في معنى تلف على ما لا غنى به لذوي الأرواح والآدميين وغيرهم، فإذا منعوا فضل الماء منعوا فضل الكلأ، والمعنى الأول أشبه. والله أعلم) (١١) . فهل الشافعي لا يراعي الذريعة إلى المحرم مطلقاً، وهل مراعاته للذريعة في بعض المسائل يعدّ تناقضاً منه؟ قال تقي الدين السبكي بعد أن قرر مذهب الشافعي في مسألة العِينة، وبعد أن ذكر كلام الشافعي السابق في مسألة منع فضل الماء: (قد تأملته (أي النص السابق) فلم أجد فيه متعلقاً قوياً لإثبات قول سد الذرائع، بل لأن الذريعة تعطى حكم الشيء المتوصَّل بها إليه، وذلك إذا كانت مستلزمة له كمنع الماء؛ فإنه مستلزم لمنع الكلأ، ومنع الكلأ حرام، ووسيلة الحرام حرام. والذريعة هي الوسيلة، فهذا القسم وهو ما كان من الوسائل مستلزماً لا نزاع فيه، والعقد الأول (أي في بيع العِينة) ليس مستلزماً للعقد الثاني؛ لأنه قد لا يسمح له المشتري بالبيع أو ببذلهما، أو يمنع مانع آخر؛ فكل عقد منفصل عن الآخر لا تلازم بينهما؛ فسدُّ الذرائع الذي هو محل الخلاف بيننا وبين المالكية ـ أمرٌ زائد على مطلق الذرائع وليس في لفظ الشافعي تعرُّض لهما، والذرائع التي تضمنها كلام لفظه لا نزاع في اعتبارها. (ثم ذكر كلام القرافي السابق ثم قال) : فالذرائع هي الوسائل وهي مضطربة اضطراباً شديداً: قد تكون واجبة، وقد تكون حراماً، وقد تكون مكروهة ومندوبة ومباحة. وتختلف أيضاً مع مقاصدها، بحسب قوة المصالح والمفاسد وضعفها، وانغمار الوسيلة فيها وظهورها، فلا يمكن دعوى كلية باعتبارها ولا بإلغائها، ومن تتبع فروعها الفقهية ظهر له هذا، ويكفي الإجماع على المراتب الثلاث المذكورة في كلام القرافي ... ) (١) . إذن الشافعي يوافق الإمام مالك والإمام أحمد في المنع من الذرائع المستلزمة للمحرم. وإذا تقرر ما سبق فإن الذرائع المستلزِمة للمحرَّم محرَّمة إجماعاً، والذرائع التي لا توصِل إلى المحرم إلا نادراً مجمَع على عدم المنع منها، وما بين هاتين المرتبتين وقع الخلاف فيه بين أهل العلم. لكن إذا كان يغلب على الظن إفضاء الذريعة إلى المحرَّم؛ فهل نقول بأن المنع منها محل إجماع بين أهل العلم؛ لأنه كثيراً ما يلحق العلماء الظن الغالب بالقطع في الأحكام؟ لا أستطيع القطع بذلك، لكن المظنون بأهل العلم القول بالمنع منها، وقد قال العز بن عبد السلام الشافعي: (ما يغلب ترتُّب مسبَّبُه عليه وقد ينفك عنه نادراً فهذا أيضاً لا يجوز الإقدام عليه؛ لأن الشرع أقام الظن مقام العلم في أكثر الأحوال) (٢) . فإذا كان هذا هو رأي إمام من أئمة الشافعية في كتاب ألفه في مصالح الأنام فغيره من باب أوْلى أن يقول به. والخلاف الذي يقع بين أهل العلم في بعض المسائل التي مردّها إلى مسألة سد الذرائع، إما أنه خلاف راجع إلى خلافهم في بعض شروط العمل بسد الذرائع، وإما أنه خلاف راجع إلى اختلاف نظرهم وفهمهم للمسألة أو للأمور المُحْتَفَّة بها، كما نجد الخلاف عند علماء أهل السنة الذين يوجبون العمل بما صح من الأحاديث في الأحكام الشرعية؛ ومع ذلك نجد الخلاف عندهم في بعض المسائل التي اطَّلعوا كلهم على دليلها؛ وذلك لاختلافهم في بعض شروط الحديث الصحيح؛ فمنهم من يقبل زيادة الثقة إذا لم تخالف رواية من هو أوثق، ومنهم من لا يرى ذلك بل له تقعيد آخر في مسألة زيادة الثقة، أو أن خلافهم راجع إلى فهمهم أو طريقة استنباطهم الحكم من الحديث، مع أن الحديث واحد، والحديث قد اطلع عليه كلا الطرفين. تنبيه ذكره القرافي: (اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح؛ فإن الذريعة هي الوسيلة؛ فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة) (٣) . ü إعمال المصالح (٤) : والمصالح عموماً تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ ـ قسم شهد الشرع باعتباره، وهذا لا شك في إعماله؛ لأنه القياس. ٢ ـ قسم شهد الشرع بإبطاله، كالمصلحة الموجودة في الخمر والميسر من متاجرةٍ بها وإنعاشٍ لاقتصاد البلد وجلبٍ للسياح، ﴿قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فهذا القسم لا شك في إبطاله. ٣ ـ ما لم يشهد نص معيَّن من الشارع باعتباره ولا بإهماله، وهو ما يسمى بـ (المصالح المرسلة) ككتابة المصحف بعد وفاة النبي #، وعهدِ أبي بكر إلى عمر بالخلافة، وحرقِ عثمان المصاحفَ سوى المصاحف التي كتبها، وتدوين الدواوين، واتخاذ السكة (٥) ، قلت: ومثلها في الوقت الحاضر الأنظمة التي تصدرها بعض الدول محققة لمصلحة الناس غير مصادمة للشرع. وهذا القسم هو الذي وقع فيه الخلاف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به؛ فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم، وكثير من الأمراء والعلماء والعُبَّاد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل، وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع.. وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعاً بناء على أن الشرع لم يَرِدْ بها، ففَّوت واجبات ومستحبات، أو وقع في محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه) (٦) . وهذا القسم ـ إن قلنا بإثباته (١) ـ نجد أن العمل به موجود في المذاهب كلها، ولكن الإشكال كالإشكال السابق؛ فإنه يوجد من توسع فيه، وأكثرُ من توسع فيه مالك ثم أحمد، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتبار هذا الأصل في الجملة (٢) . والفقهاء الذين يمنعون العمل بالمصالح المرسلة سيضطرون إلى القول بموجبها عند التطبيق الفقهي وإن سموا عملهم هذا قياساً أو استحساناً أو غير ذلك؛ فالمؤدى واحد، وخذ مثلاً على ذلك إمام الحرمين فقد كاد يوافق الإمام مالك مع مناداته عليه بالنكير (٣) . وقال القرافي: (المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق؛ لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك، ومما يؤكد العمل بالمصلحة المرسلة: أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ عملوا أموراً لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد الاعتبار نحو كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير (ثم ساق أمثلة من فعل الصحابة، ثم قال) : وذلك كثير جداً لمطلق المصلحة، وإمام الحرمين قد عمل في كتابه المسمى بالغياثي أموراً وجوَّزها وأفتى بها والمالكية بعيدون عنها، وجسر عليها وقالها للمصلحة المطلقة، وكذلك الغزالي في شفاء الغليل مع أن الاثنين شديدا الإنكار علينا في المصلحة المرسلة) (٤) . وفي الشروط التي وضعها بعض الفقهاء ـ كاشتراط الغزالي (٥) أن تكون المصلحة كلية قطعية ضرورية ـ تضييق لنطاق العمل بالمصالح قد يؤدي إلى إغلاق باب العمل بها، وعند التطبيق سيكون أوَل التاركين لتلك الشروط مَنْ وضعها. وعند التأمل في التطبيق الفقهي للمصالح سنرى أن الصحابة والتابعين وأئمة الفقه عملوا بالمصالح وإن اختلفت ألفاظهم في الاستدلال لهذه المصالح، وسبب الخلاف الموجود في كتب الأصوليين يعود ـ كما ذكر بعض الباحثين (٦) ـ إلى عدم تحديد المراد باعتبار الاستصلاح أو عدم اعتباره عند نقلهم للخلاف، وكذلك إلى عدم التثبت في نقل الآراء. ولا يعني ذلك اعتبار المصالح مطلقاً من دون ضابط، بل لا بد للعمل بالمصالح من شروط: ١ ـ فلا بد أن تكون موافقة لمقاصد الشارع محافظة على الضرورات الخمس (الدين والنفس والعقل والعرض والمال) . ٢ ـ ويُشترَط لها ألا تعارِض دليلاً شرعياً. ٣ ـ وألا تفوِّت مصلحة أعلى منها (٧) . ٤ ـ كما يُشترَط للمصلحة أن تكون حقيقية ـ تجلب نفعاً وتدفع ضراً ـ لا موهومة، فلا بد لها من إطالة النظر والتأمل في جميع الأوجه قبل الحكم بالمصلحة. ٥ ـ ويُشترَط لها أن تكون عامة للناس أو لأكثر الناس، لا مصلحة لفئة معينة من الناس كمصلحة السادة أو التجار على حساب غيرهم (٨) . ولكن ـ ومع ما سبق ذكره ـ فسيبقى هناك إشكال في تحرير بعض الشروط وفي مجال تطبيق المصلحة. ومن المجالات التي ستكون سبباً للخلاف في بعض المسائل: ـ التدرج في تطبيق أحكام الشريعة في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية؛ فهل التدرج في الشريعة يعدّ مصادماً للنصوص الشرعية التي أمرت بالعمل بالشريعة جملة وتفصيلاً، فلا بد من الأخذ بالشريعة جملة وتفصيلاً دون الانتقاء منها، والتدرج انتقاء؛ فهو أخذ لبعض الكتاب دون بعض، أم أنه موافق للشريعة التي جاءت أحكام عديدة منها بالتدرج كتحريم الخمر ومشروعية الجهاد؟ وهل الأحكام التي نزلت قبل الهجرة ونزل بعد الهجرة خلافها منسوخة؟ أم أنه يمكن للمسلمين إذا كانت حالتهم قريبة من المرحلة المكية أن يأخذوا ببعض أحكامها؟ ـ ترك بعض الأحكام الشرعية تركاً مؤقتاً مراعاة لمصلحة أعظم: هل يُعَدُّ ذلك مصادماً للنصوص الشرعية، أم يكون هذا الترك كترك قتل المنافقين، وترك حد السرقة عام الرمادة، فيكون مستنداً إلى دليل آخر ولا يعدّ مصادماً للدليل؟ وهذا ما يسميه كثير من الأصوليين بالاستحسان، ولكن حتى مع القول بمشروعية ذلك، ما ضوابطه؟ ـ الضرورة والحاجة العامة وتأليف القلوب ومراعاة الأوليات أمور يُعلل بها كثيراً ترك ظواهر النصوص، ولهذه الأمور ما يشهد لها شرعاً، لكن ـ أيضاً ـ هذه الأمور تحتاج إلى ضبط. ـ أفعال الرسول # منها ما فعله بحكم العادة والجِبِلَّة، ومنها ما فعله من أجل التشريع، والذي فعله من أجل التشريع منه ما فعله لكونه مفتياً، ومنه ما فعله لكونه قاضياً، ومنه ما فعله لكونه إماماً اتبع فيه المصلحة الحالية. وعلى ذلك سيقع خلاف في تفسير بعض الأفعال: هل فعله لكونه مفتياً أم لكونه إماماً؟ ولعل من أوائل القضايا التي وقع فيها الخلاف قسمة الأرض المفتوحة؛ فقد كان النبي # يقسمها، ومع ذلك عمر لم يقسم أرض السواد، وخالفه في ذلك بعض الصحابة. هذه لمحة عامة عن سد الذرائع والعمل بالمصالح، لم أرد منها الاستقصاء، ولكني أردت أن أبيِّن أن هذين الأصلين أصلان مهمان لا بد أن يفهمها المفتي جيداً ويعمل بهما وفق الضوابط الشرعية دون الالتفات إلى ما يقوله الناس، ومن دون ذلك سيضيع المستفتي بين سد الذرائع والعمل بالمصلحة. والله أعلم، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 5703

مفهوم الدين بين الحقيقة والتحريف ! د. عدنان علي رضا النحوي www.alnahwi.com كلمة «الدين» كلمةٌ عمّت الشرق والغرب والتاريخ البشري واللغات المختلفة، والأمم والشعوب كلٌّ يدَّعي أن له ديناً ثم يعرض دينه الذي لديه. ولكن هذه اللفظة في اللغات الأخرى غير العربيّة لها معنى خاص يختلف كلّ الاختلاف عن المعنى الذي تحمله هذه الكلمة في اللغة العربيّة. ومع ضغط الغزو الغربيّ على العالم الإسلامي، غزواً فكريّاً وعسكريّاً، تأثر كثير من المسلمين بالفكر الغربي ومصطلحاته ومدلولاته، واختلطت المعاني في كثير من الأذهان، وحسب الكثيرون أن كلمة «Religion» في الإنجليزيّة مثلاً، وأمثالها في لغات أخرى، تحمل نفس معنى كلمة «دين» في الإسلام وفي اللغة العربية. ولكنّ الحقيقة هي أن هنالك فرقاً واسعاً جداً بين كلمتي «دين» و «Religion» . كلمة «دين» في اللغة العربيَّة تحمل عِدَّةَ معانٍ وردت كلها في القرآن الكريم: الجزاء، المكافأة، ومنه: يوم الدين، ومنه اسم الله الدّيان. والدين: الملك، الحكم، السلطان، الطاعة، والمدينة: الأمّة، المدين: العبد، والدين: الجمع. والكلمة الإنجليزية «Religion» لا تحمل إلا معنى الطقوس، ولا تحمل المعاني التي تحملها كلمة «الدين» ؛ فمن الخطأ أن نترجم كلمة «Religion» بـ «دين» ؛ فالفرق واسع، ولا يوجد لدى غير العرب لفظة تعادل كلمة «دين» . والإسلام دينٌ يحمل جميع المعاني السابقة، لتجتمع كلها في المعنى الرئيس لكلمة دين: منهج كامل تام للحياة كلها، الدنيا والآخرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . فمن مسؤولية المسلمين جميعاً أن يبيّنوا للعالم كله ما هو الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، وما معنى كلمة دين، وكيف أنها لا تُترْجم ولكن تشْرح معانيها، ليكون الشرح جزءاً من التعريف بدين الإسلام، الدين الذي يجمع أمور الحياة كلها: الاجتماعية، والتربوية، والنفسيّة، والاقتصادية، والسياسية، والتشريع الكامل، والحكم ونظامه، والدولة وسلطانها، والمسؤوليات للفرد والأسرة والأمة كلها، وجميع التكاليف التي نزل بها الوحي الكريم على محمد #، والشعائر، والعبادة كلها، والأمانة، والعمارة، والخلافة، وتعاون الشعوب على أساس إقامة دين الله، الإسلام، والدعوة إلى الله ورسوله وتبليغ الإسلام وتعهّد الناس كافة عليه لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن النار إلى الجنّة بإذن الله تعالى، وجهاداً في سبيل الله، وسائر المسؤوليات التي وضعها الله أمانة في عنق الأمة المسلمة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] . ومن أهم المسؤوليات التي كلّف الله بها عباده أن يحملوا هذا الدين دعوة وبلاغاً وتعهّداً وجهاداً في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا في الأرض كلها. فهذه هي حقيقة الأمانة والعبادة والخلافة والعمارة التي خَلَقَ الله الإنسان للوفاء بها في هذه الحياة الدنيا من خلال ابتلاء وتمحيص، ومن خلال عهد وميثاق، ليُحاسَب عليها الناس يوم القيامة. إنّ هذا الدين الإِسلامي جاء لهذه الغاية، ليحَدِّد مُهمَّة الإِنسان في الأرض، والغاية التي خَلقَه الله من أجلها. والناحية الأخرى التي ترتبط بهذه القضيّة هي أن الله وهو الواحد الأحد، ما كان ليبعث لعباده أدياناً مختلفة يتصارع الناس عليها، حين يريد الله من عباده كلهم أن يؤمنوا إيماناً واحداً ليدخلوا جميعاً في طاعته ورحمته ما أطاعوا والتزموا. فالدين عند الله واحد هو الإسلام، دين جميع الأنبياء والرسل الذين خُتموا بمحمد #. ﴿إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] . أما المصطلح الذي شاع بين الناس: «الأديان التوحيدية السماوية» ، وما شابهه، فهو مصطلح خاطئ متناقض، لا يتناسب مع معنى التوحيد ولا معنى الألوهية، ولا معنى الدين، فالدين عند الله دينٌ واحد هو الإسلام. ومن ذلك نرى أنه ـ خارجَ دين الله، خارجَ التوحيد ـ قد توجد أديان يصنعها البشر، إِما من عند أنفسهم أو من تحريف دين الله مع الزمن. وهذه الأديان غير التوحيدية يمكن أن نضعها كلَّها في إطار «دين غير توحيدي» لا يدعو إلى الله ورسوله، ولا يتبنّى الوحي المنزّل من عند الله على رسله الذين خُتموا بمحمد #، خاتم الأنبياء والمرسلين. فهنالك إذاً دين الله، دين التوحيد، دين واحد جاء برسالات متعدّدة مع الرسل والأنبياء، ودين غير دين الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ #! ١! #) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ #! ٢! #) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ #! ٣! #) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ #! ٤! #) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ #! ٥! #) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ - ٦] . مفاصلةٌ وحسمٌ في الدين والمعتقد، لا مجال فيه للمراءاة أو المجاملات أو المساومات: دين الله دين واحد هو الإسلام، ودين الكافرين، ولا يوجد أديان متعددة، إلا في نطاق دين الكافرين! وعند الخروج عن هذا التصوّر يضطرب الفكر ويختلط، وتضطرب التصورات، وتخرج أفكار ومصطلحات! فحوار الأديان مثلاً مصطلح غريب حسب ما يُطْرَح في واقعنا اليوم، وغريب من حيث كلمة «الأديان» ! والله يقول: دين واحد! أفنكذّب الله ؟! وغريب من حيث كلمة «حوار» ؛ ففي الإسلام دعوةٌ وبلاغ لتبليغ الدين الحق الواحد، وتعهُّد الناسِ عليه، كما أمر الله! فلا حاجة لحوار الأديان؛ فالأديان معروفة، وأصحاب كلّ دين يدعون إلى دينهم ولا يحاورون حوله. ولكن الحوار يمكن أن يدور حول طريقة التعامل لا حول الدين نفسه، ويظل الإسلام يدعو الناسَ كافة إلى الإسلام بوضوح وجلاء. ولما كان اليهود والنصارى قد حرّفوا رسالة أنبيائهم، فخرجوا بذلك عن الدين الواحد للأنبياء والرسل جميعهم، سماهم الله «أهل الكتاب» إقراراً بأن الله أنزل على إبراهيم الصحف، وعلى موسى التوراة، وعلى عيسى الإنجيل، من عند الله رسالات متعدّدة لدين واحد هو الإِسلام، دين جميع الرسل والأنبياء. هذا ما نصّ عليه القرآن الكريم والسنة في سور متعددة، وآيات متعددة، وأحاديث واضحة، نصّاً صريحاً بيّناً لا خلاف فيه ولا يحتمل التأويل. وإذا كان هناك اختلاف فهو في الرسالات من حيث بعض التشريع، فقد كان كلُّ نبيٍّ يُرْسَل إلى قومه خاصّة، يبلّغهم دين الإسلام، دين التوحيد الواحد، ويضع لهم من التشريع ما يحتاجه كل قوم. ولما جاء النبيّ الخاتم بمثل ما أتى به الأنبياء والرسل من الدين والتوحيد، مصدِّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، بأن جَمَعَ التشريع كله تشريعاً ربّانيّاً واحداً للبشريّة كلها إلى يوم القيامة، تشريعاً كاملاً وتامّاً وكافياً! لا بدَّ من تثبيت هذا المفهوم في قلوب المسلمين وفي قلب كل مسلم، ليعي المسلم حقيقة دينه ومداه ومستواه، فلا يأخذه الضعف أو الجهل إلى أن يلهث وراء العلمانيّة والديمقراطية والحداثة، حتى يَعيا ويسقط دون أن يكسب الدنيا ولا الآخرة، ولا رِضا أهل الديمقراطية إلا رِضا استدراج مؤقت، ولا رِضا الله! عن أبي هريرة ﵁ عن الرسول # قال: «مثلي في النبيين كمثل رجلٍ بنى داراً، فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لَبِنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان، ويعجبون منه، ويقولون: لو تمَّ موضع هذه اللبنة؛ فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة» أخرجه أحمد والشيخان والترمذي (١) . فالدين، من حيث الواقع والحقيقة والعقل، هو الحقيقة الكاملة لهذا الكون كلِّه، مشهدِه وغيبِه، دنياه وآخرتِه، خلقِه كله، خالقُه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، خالق كل شيء، له الملك كله، وله الأمر كله؛ وله الحمد كله. من هنا يُصبح الدِّين رسالةَ الأنبياء والرُّسل على مرِّ الزمن، خُتموا كلُّهم بالنبيّ الخاتم محمّد #، وخُتمت الرسالات بالكتاب والسنّة كما جاءا باللغة العربية، ليكون كتابُ الله منهجَ حياة كاملاً تاماً للإنسان، للبشرية. ومن خلال هذا المنهج الرَّباني الكامل يبيّن الله لعباده كلِّهم مهمّة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، المهمّة التي خلقه الله للوفاء بها، ولتكون جزءاً رئيساً من هذا الدين العظيم، ليعرف كلُّ إنسان أنَّ الله هو الذي خلقه، وهو الذي كلَّفه بمُهمَّةٍ عظيمةٍ يقوم بها في الدنيا من خلال ابتلاءٍ وتمحيص، ومن خلال عهد وميثاق، فتكون الطريق أمام الإنسان في هذه الحياة الدنيا مشرقةً جليّةً، يمضي المؤمنون بذلك على صراط مستقيم واحد، ممتدٍّ إلى الدار الآخرة. لذلك يعيش المؤمن في هذه الحياة الدنيا مطمئنّاً راضياً، واعياً لمهمته وتكاليفه الربَّانيَّة التي سيحاسَب عليها يوم القيامة بين يدي الله، يوم يضع الموازين القسط فلا تُظلَم نفسٌ شيئاً، ثمَّ يمضي الإنسان إما إلى جنَّة أو إلى نار. هذا هو الدين الحق الذي يبيّن للإنسان كلَّ ما يحتاجه حتى ينجو من فتنة الدنيا ومن عذاب الآخرة. نعم! هذا هو الدين الذي جعله الله رحمةً منه لعباده، وفضلاً منه عليهم، وهدى ونوراً. فلا تجد فيه تناقضاً بل تماسكاً، وتجده ميسَّراً للذكر لمن ملك بفضل الله مفتاحين يفتحان له كتاب الله بإذن الله وبهدايته. هذان المفتاحان هما: إتقان اللغة العربية، وصفاء الإيمان وصدقه (١) . فإذا توافرا عند أي إنسان فإنَّ كتاب الله ـ تعالى ـ يُفتح له بهداية من الله. ولهذين المفتاحين آيات وأحاديث تدل عليهما وتبين أثرهما في تيسير القرآن للذكر: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] . ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] . فلا يُعقل أبداً أن يكون الدين طقوساً تؤدَّى على صورة ما، تنفصل بعد ذلك عن واقع الحياة الدنيا وأحداثها وميادينها، ثمَّ يصبح الإنسان بعد هذا الانفصال هو الذي يقرر، يعبد العقل حيناً، أو ما يسمّيه عقلاً، أو يعبد الأهواء والشهوات، أو يعبد المصالح المتضاربة المتنافسة، أو يعبد الأوثان وما يوحي به شياطين الإنس والجن. هذا هو الدين! منهج حياة متكامل، يصل الدنيا بالآخرة، ليصبح عمل المؤمن الصادق كلُّه عبادةً صادقةً لله: أكلُه وشربُه وسعيُه، وجهادُه، ورضاه وغضبُه، وحبُّه وكراهيتُه، وعلمُه، وعملُه، كلُّه عبادةً خالصةً لله إذا صدقتْ النيَّة لله، وإذا خضع العمل كلّه لشرع الله، شرطان لا يُغني أحدهما عن الآخر، شرطان يجب أن يعملا معاً في وقت واحد. هذا هو الدين! نجاةٌ في الدنيا والآخرة. بدونه يصبح الناسُ وُحُوشاً، يفتك بعضهم ببعض، ويهلك بعضهم بعضاً. لا تقوم بينهم عدالة ولا أمانة، ولا حُرِّية ولا مساواة، إلا من حيث الشعارات يطلقها المجرمون الوحوش، ليزيّنوا بها باطلهم، وليفتحوا بها ثروات الأمم لينهبوها، وليستأثر المجرمون الوحوش بخيراتها، ويَدَعُو الناس فقراء عالة عليهم! هذا هو الدين الحق، دين الله، دين الإسلام، الدين الذي يقيم الحقَّ في الأرض بين الناس، ويقيم العدل الصادق الأمين، ويقيم الحريَّة المنضبطة لتوفّر الحريّة المنضبطة، لتحقّق المساواة العادلة بين الناس. وبغير هذا الدين الحق لا تقوم عدالة أبداً، ولا حريّة، ولا مساواة، فهذا كلّه يقيمه شرع الله. كثير من الناس غاب عنهم التصوّر السليم للدين، ولمهمته في الحياة، فاضطربت تصوّرات الناس، أو بعض الناس اضطراباً واسعاً؛ فمنهم من جعل من الدين ومن معنى العبادة الطقوس والشعائر فقط. ومنهم من نادى بعزل الدين عن السياسة والحكم، أو عزل السياسة والحكم عن الدين. ومثل هذه التصوُّرات ابتدأت في الغرب على أثر اصطدام النصرانية بالوثنية، ثمَّ اصطدام الكنيسة برجال العلم وبالدولة والحكام، ثمَّ أخذت تمتدُّ إلى العالم الإسلامي بين المسلمين، حين انتشر الجهلُ بالكتاب والسنَّة واللغة العربيَّة، وقويت دعاية الغرب وغزوه الفكري والعسكري. ومن أهمِّ التصوّرات الدينية التي غابت عن الناس معرفة الإنسان لمهمته في الحياة الدنيا، وللتكاليف الربّانيّة التي أمره الله بالوفاء بها، والتي سيحاسَب عليها بين يدي الله يوم القيامة. نسي الناس هذه المهمة الحقيقية ولهثوا وراء مصالحهم الدنيوية حتى يوافيهم الأجل وهم لم يوفوا بعهدهم مع الله ولا بالأمانة ولا بالعبادة ولا بحق الخلافة في الأرض. وإذا كان القرآن الكريم قد أوجز مهمة الإنسان التي خلقه الله للوفاء بها في الحياة الدنيا بمصطلحات أربع: العبادة والأمانة والخلافة والعمارة؛ فإنه مع هذا الإيجاز فصَّل المهمّة تفصيلاً كاملاً، ثمَّ جمعت المهمة كلها في نشر دين الله في الأرض، ودعوة الناس كافَّة إليه، حتى تكون كلمة الله هي العليا وشرعه هو الأعلى. ومن أجل تحقيق ذلك شرع الله القواعد والوسائل والأساليب وفصّلها حتى يتيسَّر للإنسان الوفاء. فمعرفةُ الدين وفهمه، وفهم تصوُّراته كاملةً سليمةً من مصدره الحق ـ المنهاج الربَّاني ـ أمرٌ أساسيٌّ في حياة الإنسان. وبغير هذا الفهم والعلم والالتزام يهلك الإنسان. إنها مهمّة الإنسان المؤمن، الإنسان الداعية الصادق، أن يوفي بالأمانة بالتبليغ والتعهد وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ومن الهلاك إلى النجاة. وإن أي امتداد للفتنة وسوء فهم هذا الدين، يحمل المسلمون مسؤوليّته عن ذلك، ويحمل الدعاة والعلماء مسؤولية أكبر. إنَّ البلاغ والبيان، والتعهد والبناء، والقوة والإعداد، مهمة كبيرة والتقصير بها إثم كبير، فلا يُشْغَلنَّ الدعاة عنها بزخارف الدنيا وزينتها، فَيَهْلَكُوا ويُهْلِكُوا. إنَّ هذا الدين هو الحياة، هو النور، هو الهدى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]

стр. 5704

الوقف فضيلة إسلامية وضرورة اجتماعية أ. د. بركات محمد مراد حظي الوقف باهتمام خاص من طرف علماء الفقه الإسلامي، باعتبار ما ورد في الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة، من الحض على الإنفاق في سبيل الله، والترغيب فيه. قال ـ تعالى ـ: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . والوقف يعتبر باباً مهماً من أبواب البر والخير والإحسان؛ لأنه يجمع لصاحبه بين الحسنيين: جميل الذكر في الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، وهذا أقصى ما يتغياه المؤمن، ويتضرع إلى ربه للحصول عليه، وباعتباره أيضاً فرصة لاستدراك بعض ما فاته من واجبات فرّط فيها، أو من حقوق لم يؤدها، قبل أن يدركه الموت، فضلاً عن الدور الذي يقوم به في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية. والدارس للحضارة الإسلامية يقف معجباً كل الإعجاب بدور الأوقاف في المساهمة في صناعة الحضارة الإسلامية والنهضة الشاملة للأمة. وإن من يقرأ تاريخ الوقف ليجد أنه شمل مختلف جوانب الحياة من الجامعات والمستشفيات إلى الأوقاف الخاصة بالحيوانات (مثل خيول الجهاد) التي لم تعد صالحة للاستعمال؛ فحينئذ تحال إلى المعاش وتصرف لها أعلافها وما تحتاج إليه من هذه الأوقاف ... إلى الأوقاف على الأواني التي تنكسر بأيدي الخادمات حتى لا يعاقبن، فيجدن بدائل عنها في مؤسسات الوقف. كما يشمل الوقف (١) الكثير من أوجه المنفعة للمجتمع؛ إذ يشمل وقف المساجد والحوانيت والأراضي والخانات، ودور العلم والمدارس والمستشفيات، والحبس على المقابر بتوفير الماء واللَّبِن وخلافها، والأوقاف للغرض الحسن، ووقف البيوت الخاصة للفقراء، والسقايات، والمطاعم الشعبية التي يصرف فيها الطعام للفقراء والمحتاجين، ووقف الآبار في الفلوات لسقاية المسافرين والزروع والماشية، ووقف عقارات وأراضٍ زراعية يصرف من ريعها على المجاهدين أو يصرف ـ في حال عجز الدولة ـ على إصلاح القناطر والجسور. وكثير من الأوقاف كان يصرف ريعه على اللقطاء واليتامى والمقعدين والعجزة والعميان والمجذومين، بل إن الوقف شمل ما حبس ريعه لتزويج الشباب والشابات الذين تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج والمهر، وشمل ما يقدم من حليب وسكر، حتى لقد جعل صلاح الدين الأيوبي في أحد أبواب القلعة بدمشق «ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزاباً آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي إليه الأمهات يومين في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من السكر والحليب» (١) حسب آليات ذلك الزمان. ويمكن القول إن معظم دور العلم التي تأسست في القرن الرابع الهجري الذي يصفه آدم ميتز بـ (عصر النهضة في الإسلام) ثم المستشفيات والبيمارستانات والمدارس التي تأسست في العهد السلجوقي وحكم آل زنكي والأيوبيين في المشرق قامت بشكل أساس على الأوقاف. ثم إن مئات المؤسسات الاجتماعية والدينية كالجوامع والمدارس والخوانق والرُّبُط والزوايا والتكايا التي يعددها «محمد كرد علي» في مدن بلاد الشام التي يعود بعضها إلى ما قبل العهد العثماني وبعضها الآخر إلى المراحل العثمانية الأولى، إنما نشأت واستمرت بفعل الدعم الذي أمّنته لها مؤسسة الوقف (٢) . ولذلك يعد الوقف خاصية ملازمة للمجتمع الإسلامي عبر تاريخه الطويل، وكان بمثابة الطاقة التي دفعت به نحو النماء والتطور من خلال توفير المعينات المؤدية إلى تكوين مجتمع حضاري، تؤكد على ذلك الشواهد النصية المتناثرة في كتب التاريخ والسجلات والوثائق الخاصة بالأوقاف والمخلفات الآثارية التي توضحها نماذج الأبنية التي شيدت لتكون محوراً لأعمال الوقف من مثل المساجد والمدارس ومكاتب الأيتام والأسبلة والآبار والعيون. ومن الجدير بالذكر أنه كانت هناك أوقاف غاية في الطرافة والدلالة على سمو العاطفة الإنسانية في المجتمع الإسلامي، لا يعرف لها مثيل في المجتمعات الأخرى، فيما يذكر الدكتور مصطفى السباعي (٣) . من ذلك هذه الأوقاف التي كانت بطرابلس لبنان لتوظيف شخصين يمران كل يوم على المرضى في المستشفيات للتسرية عن المرضى، وقد يتعمد هذان الشخصان الحديث بصوت خافت فيما بينهما عن تحسن صحة المريض لمساعدته على البرء إن كان مثل هذا الحديث مفيداً لحالته. ولم يكن الوقف الأهلي الخاص بذرية الواقف بعيداً عن هذه الأهداف النبيلة؛ حيث كان المنتفعون به في أكثر الأحوال من المحتاجين، كما كان الواجب فيه النص في إنشاء الوقف على انتهائه إلى جهة خير لا تنقطع عند انقراض الذرية الموقوف عليهم. ولعل انتشار الأوقاف وتغلغلها على هذا النحو وأسسها القانونية المميزة لها عن الأوقاف المعروفة في الحضارات الأخرى قبل الإسلام هو الذي كان في ذهن الإمام الشافعي عندما قال قولته المشهورة: «لم يحبس أهل الجاهلية داراَ ولا أرضاَ تبرعاً بحبسها، وإنما حبس أهل الإسلام» (٤) . وارتبط مسار الوقف في الإسلام بدرجة رئيسة بالفعل الاجتماعي؛ فكل أنماطه كانت موجهة نحو خدمة الإنسان، وتيسير الحياة له والتخفيف من معاناته؛ فهو بذلك يسبق التوجه الغربي المعاصر الذي يتركز على تقليص حجم الضرائب المقررة على ثروات الأفراد والشركات عندما تخصص جزءاً منه لصالح المجتمع، كما أنه يفوقه إنسانية؛ لأنه ينبع عن عقيدة وإيمان مصدرهما الإحساس بالآخر، والشعور بأن المال بغض النظر عن المتوافر منه لدى الأفراد، يجب أن يسخر لما فيه فائدة المجتمع عامة، ومن هنا كان ناتج الوقف مثمراً في تاريخنا القديم والوسيط؛ إذ تسابقت على تطبيقه فئات المجتمع كافة دون تحديد، فشارك فيه الحاكم والأمير والوزير والثري والعالم والإنسان العادي، فكانت الحصيلة هذه الثروة الحضارية التي ازدهرت مشرقة مشعة بالخير، استمرت في عطائها إلى زمن قريب عندما قلَّت العناية بأمره حين ألقى الجهل بأهمية الوقف ودوره بظلاله على المجتمع الإسلامي، فتراجع الاهتمام به، وانحسر التوجه إلى استخدامه وسيلة للتقرب إلى الله ، فظهرت كثير من المعضلات المعيقة لرقي المجتمع من مثل الأمية والمرض والفقر. ولكن مع تزايد الصحوة الإسلامية في الربع الأخير من القرن المنصرم، وتعاظم آثارها الإيجابية على مختلف مقومات الحياة للأمة الإسلامية، بدأت الكثير من مظاهر الحياة الإسلامية تعود إلى ما كانت عليه، وكان من الطبيعي الاهتمام بأحد أهم السمات الإنسانية للأمة الإسلامية والتي صاحبت كل العصور الإسلامية ـ حتى في عصور الانحطاط ـ وهو الوقف. ولذلك شهد العقدان الأخيران من القرن العشرين الميلادي المنصرم نشاطاً ملحوظاً وتدفقاً مستمراً في الحديث والتنظير والتنظيم لإقامة الفعاليات والأنشطة الوقفية؛ فمن إقامة مؤتمرات وندوات تنادي بضرورة إيجاد آليات لتنشيط دور الوقف في المجتمعات الإسلامية، كما كان الحال في العصور الإسلامية السالفة، إلى بروز تيار أكاديمي في الرسائل الجامعية والكتب الثقافية ينوه بضرورة نظام الوقف في عصرنا الحاضر، وصولاً بتأسيس مجالس وأمانات واتحادات للوقف في بعض الدول العربية والإسلامية، بدأت بالممارسة الفعلية في تنظيم وترتيب أوضاع الأملاك الوقفية في هذه الدول، بعدما غُيِّب الوقف كقيمة إنسانية بعد تخلف الأمة الإسلامية، وتمكن الاستعمار الغربي من هدم كثير من مقومات الحياة الإسلامية (١) ، مما أدى إلى اضمحلال الوقف في عالمنا الإسلامي المعاصر. وعلى الرغم من ازدهاره في بلاد عربية وإسلامية قليلة مثل السعودية والكويت ومصر والإمارات والمغرب إلا أن هنالك فروقاً متسعة إن لم تكن شاسعة بين هذا وذاك، وشتان بين الكائن وما يمكن أن يكون! ü حقيقة الوقف ومشروعيته: وقد دلت السنَّة الشريفة على مشروعية الوقف؛ فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر أحب أرضاً له من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله! إني أحببت أرضاً بخيبر، لم أحب مالاً ـ قط ـ أنفس عندي منه؛ فما تأمرني؟ قال: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، فتصدق عمر على أن لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، في الفقراء وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقاً غير متمول مالاً» (*) قال الإمام أحمد: «قد وقف أصحاب رسول الله # وهو فيهم بالمدينة ظاهرة؛ فمن رد الوقف فإنما رد السنة» (٢) . ومن نماذج الوقف المبكر، ما روي أن عائشة ﵂ وقفت داراً اشترتها وكتبت في شرائها: «إني اشتريت داراً وجعلتها لما اشتريتها له؛ فمنها مسكن لفلان وعقبه ما بقي، ولفلان وليس فيها لعقبه، ثم يرد إلى آل أبي بكر ... » (٣) . ولم يمنع الفقر محمد بن ناصر بن محمد بن علي، أبا الفضل، وكان من العلماء البارزين في بغداد وصفه ابن النجار بأنه كان ثقة ثَبْتاً حسن الطريقة متديناً فقيراً متعففاً نظيفاً منزَّهاً، في المشاركة في خدمة مجتمعه فوقف كتبه» (٤) . ثم وجدنا كثيراً من الصحابة يصنعون صنيع عمر بن الخطاب، ووقفوا أموالهم على طريقته ومنهم أبو بكر وعثمان وعلي والزبير بن العوام ومعاذ بن جبل وأسماء بنت أبي بكر، وغيرهم كثير. حتى قال جابر بن عبد الله: «ما أعلم أحداً كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبَّس من ماله صدقة مؤبَّدة لا تشترى أبداً، ولا توهب ولا تورث، فكان هذا اتفاقاً عملياً من الصحابة، فلو كان الوقف غير لازم لرجع بعض هؤلاء الواقفين عن وقفه، ولكنه لم يحدث، ولو رجع أحد منهم عما أوقف لنُقل إلينا، إضافة إلى أن فكرة حبس الأعيان عن التصرف التملكي والتصدق بمنفعته فيها أكبر ضمان للتمكن من إقامة دور العبادة والعلاج والعلم، والبر بالفقراء ومعالجتهم وتثقيفهم والتعاون على البر والتقوى، وتوثيق الصلة بذي القربى، ومد يد العون الدائمة لهم (٥) . ويؤكد الدكتور خالد عبد الحكيم إسماعيل (٦) أن جمهور الفقهاء يرى أن الوقف لازم بمجرد صدوره من الواقف، وليس له الرجوع فيه؛ ذلك أن النبي # قال لعمر بن الخطاب ﵁: «لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يوهب ولا يورث» . وقد اتفق العلماء على أنه يصح الوقف على الأولاد والأقارب والفقراء والمساكين، وعلى سبل البر من بناء المساجد والقناطر، وعلى كتب العلم والفقه والقرآن، والمقابر والسقايات، وسبيل الله وغيرها. إن الوقف له دور رئيس في سد حاجات المجتمع الإسلامي، فأسمى أهداف الوقف ترتيب الأجر والثواب المستمر للعباد في حياتهم وبعد مماتهم، من خلال الإنفاق والتصدق والبذل في وجوه الخير والبر. وهذا سبيل إلى مرضاة الله ورسوله، وطريق إلى الفوز بالجنة والنجاة من النار. فالوقف نوع من القربات التي يستمر بها صدقة جارية إلى قيام الساعة. ويحقق الوقف مبدأ تكافل المجتمع وإيجاد عنصر التوازن بين الأغنياء والفقراء، ويضمن الوقف بقاء المال وحمايته ودوام الانتفاع منه، ويوفر سبل التنمية علمياً وعملياً بمفهوم تكاملي شامل. وتعد الجوامع والمساجد أهم الأنماط التي حظيت بعناية الواقفين؛ حيث سُعِيَ إلى تعميرها وتشييدها وتزويدها باحتياجاتها من الفرش والبسط وخزائن الكتب والصرف على العاملين فيها. كما أن الحرمين الشريفين حظيا بنصيب وافر من الاهتمام من الواقفين على مر العصور، ولم يقتصر الوقف على عمارتهما وتوفير سبل الراحة لقاصديهما، بل تعدى ذلك إلى الاهتمام بالوقف على كافة أمور الحياة في المدينتين الشريفتين مكة والمدينة. وقد اقتضت كثرة الأوقاف وتشعب جهات المنتفعين بها التفكير في إنشاء تنظيم إداري للإشراف على الأموال الموقوفة وضمان حسن التصرف فيها بما يحقق المصلحة العامة ومصلحة المنتفعين على السواء. ويرجع أقدم تنظيم إداري للأوقاف إلى العهد الأموي؛ إذ يذكر الكندي أن (توبة بن نمير) لما ولي قضاء مصر عام ١١٥هـ (١) اتجه إلى تسجيل الأحباس في ديوان خاص بها، وجعل ذلك تحت إشرافه، بناء على ما رآه من أنها صدقات مرجعها إلى الفقراء والمساكين، فقرر أن يلي الإشراف عليها حفظاً لها من أن يضع المنتفعون بها أيديهم عليها ويتوارثونها، فتضيع ثمرتها أو لا تصل إلى مستحقيها. ولم يكن صنيع (توبة) في الإشراف على الأوقاف عملاً فردياً، فقد تتابع القضاة على تولي شؤون الأوقاف بالنظر والإشراف ومحاسبة المسؤولين. وفي العصر العباسي تنوعت الأوقاف واتسعت، بحيث أصبحت تجري في الأراضي الزراعية بعد أن ظلت منحصرة في الدور، وهذا هو ما يذكره (المقريزي) حيث قال: «إن الأحباس لم تكن إلا في الرباع وما يجري مجراها، وأما الأراضي فلم يكن سلف الأمة يتعرضون لها، حتى إن أحمد بن طولون لما بنى الجامع والمارستان والسقاية وحبَّس على ذلك الأحباس الكثيرة لم يكن فيها سوى الرباع ونحوها بمصر، ولم يتعرض لشيء من أراضي مصر (أي الزراعية) (٢) . ولم يعد في وسع القضاة الإشراف على الأوقاف لكثرتها بمرور الوقت، فقامت الدولة العباسية بتخصيص جهاز إداري لمتابعة الأوقاف والإشراف عليها، وكان رئيس هذا الجهاز يسمى (صدر الوقوف) وقد قوي هذا الجهاز الإداري في عهد الدولة العثمانية وزادت فروعه وصدرت له القوانين المنظمة لاختصاصه وأعماله وكيفيات ممارسة مسؤولياته والمحاسبة عليها (٤) ، وقد انتقلت أكثر هذه التنظيمات والتشريعات إلى قوانين الأوقاف الحديثة المعمول بها في البلاد العربية والإسلامية التي كانت تضمها دولة الخلافة العثمانية. وقد تضخم الجهاز الإداري المسؤول عن الأوقاف الأولى، وانقسم إلى ثلاثة دواوين أساسية: ديوان لأحباس المساجد، وديوان لأحباس الحرمين الشريفين وجهات البر الأخرى، وديوان للأوقاف الأهلية. وقد بلغت أحباس المساجد وحدها في مصر في عهد الناصر محمد بن قلاوون ١٣٠ ألف فدان، فأراد هذا السلطان الاستيلاء على نصف هذه المساحة، ولكنه قُبِضَ قبل أن يتم له ما أراد طبقاً لما يذكره المقريزي في خططه. ü شروط اختيار النظار: اهتم الفقهاء بأمر ناظر الوقف وحرصوا على التدقيق والتحري في حسن اختياره، فاشترطوا في توليته مجموعة من الشروط تتناسب وخطورة منصبه، وهذه الشروط منها ما هو محل اتفاق. فأما الشروط التي حظيت باتفاقهم فيمكن حصرها في العقل والرشد والأمانة والكفاية؛ فهم يحرصون على اشتراط العقل في الناظر؛ لأن فاقد العقل عاجز عن النظر لنفسه، عديم التمييز لما فيه المصلحة، فاسد التدبير، وليس أهلاً لأي عقد أو تصرف قولي، لعدم اعتبار عبادته؛ إذ لا يترتب عليها أي أثر شرعي. ويشترطون فيه الرشد؛ لأن السفيه محجور عليه في إدارة امواله، وأموال غيره بالأوْلى. وأما عن كفاية الناظر (٤) ؛ فهي من الشروط العامة في الوظائف والولايات لا فرق في ذلك بين الولاية على الوقف وغيرها، وهي من الشروط المهمة التي ينبغي توافرها في الناظر، حتى يتاتى له القيام بمهامه على الوجه الأكمل. ولما كانت الولاية على الوقف تدخل في باب التعاون على البر والتقوى، ولا ينهض بحمل ثقلها إلا الأمين القوي، فإن الفقهاء يرون أن الأمانة من الشروط المطلوبة في اختيار النظار، فهي لا تقل أهمية عن شرط الكفاية. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] ؛ فبهذا الشرط نضمن سلامة الوقف من السرقات وما ينجم عن ذلك من تبعات، كما أننا نضمن وصول المنافع والغلل إلى ذويها كاملة. كما يضيف الفقهاء شروطاً أخرى لا غنى عنها مثل العدالة والإسلام. وليس للناظر أن يفعل شيئاً من أمر الوقف إلا بمقتضى المصلحة الشرعية، وعليه ان يفعل الأصلح فالأصلح، كما هو الشأن في وصي اليتيم؛ فإن هذا الأخير وناظر الوقف ووكيل الرجل في ماله، عليهم أن يتصرفوا بالأصلح فالأصلح، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] ، ولذلك ينبغي على الناظر «أن يتحرى في تصرفاته النظر للوقف والغبطة (*) ؛ لأن الولاية مقيدة به» (١) ، ومن مظاهر التصرف وفق المصلحة الابتعاد عن الإسراف والتبذير لأموال الوقف. ü وقف الكتب والمكتبات: وكأنموذج من أنماط الوقف الإسلامية التي ساعدت على ازدهار العلم والثقافة في العالم العربي والإسلامي في العصور الوسطى، الكتب والمكتبات، ويعد وقف الكتب الأساس الذي قامت عليه المكتبة العربية، وهو يشمل وقف المكتبات بأكملها، ووقف الكتب على المدارس والمساجد والمشافي والمراصد والرُّبُط والخانقاهات. كما كان هناك نوع من الوقف يتمثل في وقف كتب عالم بعد وفاته على أهل العلم أو على ورثته، واهتم واقفو المكتبات المستقلة أو تلك التي كانت في مدارس أو مساجد بتوفير دخل مادي ثابت لها لصيانتها وترميمها، وتحمُّل التكاليف المادية للعاملين فيها، وخصص بعضهم ريعاً يساعد على نماء المجموعة وازدهارها عبر السنين. وانتشرت خزائن كتب الواقفين في أجزاء العالم الإسلامي منذ القرن الهجري الرابع، وأصبحت تلك المكتبات قبلة لطلاب العلم تعينهم على التزود بكل جديد، وتوفر لهم فرص مواكبة الأفكار والآراء المدونة لمؤلفين من أصقاع العالم الإسلامي، وبلغ من انتشارها أن (أبا حيان النحوي) كان يعيب على من يشتري الكتب ويقول: «اللهُ يرزقك عقلاً تعيش به، أنا أي كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف» (٢) . وللدلالة على ضخامة عدد المكتبات الوقفية وشيوعها، نشير إلى أنه كانت في مدينة (مرو الشاهجان) خزائن للوقف، وذلك في القرن السابع الهجري، يقول عنها (ياقوت الحموي) : «لم أرَ في الدنيا مثلها كثرة وجودة، منها خزانتان في الجامع إحداهما يقال لها «العزيزية» وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر الزنجاني. وكان فقاعياً للسلطان سنجر.. وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، والأخرى يقال لها «الكمالية» .. وبها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعيد محمد بن منصور في مدرسته، وخزانة نظام الملك الحسن بن إسحق في مدرسته للسمعاني، وخزانة أخرى في المدرسة العميدية، وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها، والخزائن الخاتونية في مدرسته، والضميرية خانكاه هناك، وكانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثره بغير رهن، تكون قيمتها مائتي دينار، فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها، وأنساني حبها كل بلد وألهاني عن الأهل والولد، وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته، فهو في تلك الخزائن» (٣) . وهناك مئات من العلماء والمفكرين والأدباء قد وقفوا كثيراً من الكتب والمكتبات الكاملة أحياناً، نطالعها في معجم الأدباء لياقوت الحموي، وكتاب سِيَر أعلام النبلاء للذهبي، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني. ويقول الدكتور «يحيى محمود بن حيدر» (٤) : وتحمل النصوص الوقفية على الكتب في الغالب معلومات تدل على عمق الحرص على هذه الظاهرة والاهتمام باستمرارها بوصفها وسيلة من وسائل توفير العلم لأبناء المجتمع؛ فمن ذلك تعيين ناظر يتولى التصرف في الكتاب وإتاحته للمستفيدين، وعدم حجزه أو منعه، والتشديد على من قد يتصرف في تغيير صفة الوقف عنه، وفي بعض الأحيان السماح بإعارته مدة محددة، كما أن بعض نصوص الوقف فيها ما يدل على تراجع عن التصرف في كتاب وقفي، وإعادة صفة الوقف إليه مرة أخرى، نزولاً على الحق، مما يدل على احترام المجتمع لهذه الظاهرة والحرص عليها. ü الحفاظ على قيمة الوقف واستثماره: ولا ننسى أهمية الحفاظ على قيمة الوقف وعدم إهمال تنميته ورعايته؛ وذلك بالحفاظ على العقارات وما في حكمها من منشآت يتم بالصيانة والرعاية وعدم الإهمال، خاصة حين يكون الوقف أشجاراً ونباتات تحتاج إلى رعاية شاملة. وأما النقود فيكون الحفاظ عليها بوضعها في أوعية استثمارية عالية مضمونة القيمة، بعيداً عن التضخم وتقلبات الأسعار أو إقراضها للمؤتمنين حسب شروط الواقف. وأما الحفاظ على الحلي المخصص للوقف فيتم عن طريق وضعه في مكان أمين وعدم تسليمه إلا إلى المؤتمنين عند الإعارة. ومن هنا يرى الباحث «د. علي محيي الدين القره داغي» (١) أن على الدولة الإسلامية أن تضع الأنظمة والأجهزة لحماية أوقاف المسلمين والحفاظ عليها، وهو واجب كذلك على ناظر الوقف ومتوليه، بل على المسلمين جميعاً كل حسب إمكانه وصلاحياته. وقد نص الفقهاء على إعطاء الأولولية من رَيْع الوقف لإصلاحه وتعميره وترميمه وصيانته بما يحافظ على قدرته على الانتفاع به، حيث يوجه الريْع الناتج من الوقف إلى إصلاحه أولاً ثم إلى المستحقين، حتى إن الفقهاء قد نصوا على أنه إذا شرط الواقف ان يصرف الريع إلى المستحقين دون النظر إلى التعمير؛ فإن هذا الشرط باطل، وقال المرغيناني: «والواجب أن يبتَدَأ من ارتياع الوقف بعمارته شَرَط ذلك الواقف، أو لم يشترط؛ لأن قصد الواقف صرف الغلة مؤبداً، ولا تبقى دائمة إلا بالعمارة، فثبت شرط العمارة اقتضاءً» ٠ وقال ابن الهمام: «ولهذا ذكر محمد ﵀ في الأصل في شيء من رسم الصكوك، فاشترط أن يرفع الوالي من غلته كل عام، ما يحتاج إليه لأداء العُشر والخراج، والبذر، وأرزاق الولاة عليها، والعمالة، وأجور الحراس والحصادين والدارسين؛ لأن حصول منفعتها في كل وقت لا يتحقق إلا بدفع هذه المؤن من رأس الغلة» . وقال شمس الأئمة: «وذلك وإن كان يستحق بلا شرط عندنا، لكنه لا يُؤْمَن جهل بعض القضاة فيذهب في رأيه إلى قسمة الغلة؛ فإذا شرط في صكه يقع الأمن بالشرط» . ثم قال: «ولا تؤخر العمارة إذا احتيج إليها» (٢) . فالواجب هو بقاء الوقف على حالته السليمة التي تستطيع أن تؤدي دورها المنشود، وغرضه الذي أوقفه الواقف لأجله؛ وذلك بصيانته وعمارته والحفاظ عليه بكل الوسائل المتاحة، بل ينبغي لإدارة الوقف (أو الناظر) أن تحتفظ دائماً بجزء من الريع للصيانة الدائمة والحفاظ على أموال الوقف. أما استثمار الوقف؛ فإن الوقف نفسه استثمار؛ لأن الاستثمار يراد به إضافة أرباح إلى رأس المال لتكون المصاريف من الربح فقط، فيبقى رأس المال محفوظاً بل مضافاً إليه من الربح الباقي ليؤدي إلى كفاية الإنسان وغناه. وكذلك الوقف حيث هو خاص بالأمول التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء أصلها؛ ولذلك فالأشياء التي لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها مثل الطعام، لا يجوز وقفها (٣) . ولا شك أن استثمار أموال الوقف يؤدي إلى الحفاظ عليها حتى لا تأكلها النفقات والمصاريف، ويساهم في تحقيق أهداف الوقف الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، والتنموية، إضافة إلى أن الوقف الذي يراد له الاستمرار، ومن مقاصده التابيد لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال الاستثمارات الناجحة، وإلا فالمصاريف والنفقات والصيانة قد تقضي على أصله إن لم تعالج عن طريق الاستثمار المجزي النافع. ومواكبةً لسُنَّة التطور لا بد من إنشاء أوقاف جديدة وبأشكال قانونية متعددة، ودخولها مجالات حيوية عصرية تحتاجها الأمة الإسلامية، وبأنماط متطورة قد تجاري المؤسسات الخيرية الحديثة المقتبسة من الأنظمة الغربية، وإن كان لا بد أن تخضع لضوابط أساسية مستخلصة من الأحكام الشرعية، ومن تراثنا الفقهي، تساعدنا في تطوير المؤسسات الوقفية، وتحديث أساليب العمل بها، وولوجها مجالات أخرى متقدمة، لتؤدي رسالتها الإنسانية المجيدة. ولذلك يؤكد الدكتور أحمد شوقي الفنجري أن الإسلام أهدى للبشرية مؤسسة مالية هي مؤسسة الوقف؛ لكن تم تعطيلها في العالم الإسلامي، في حين نهضت في العالم الغربي تحت مسميات أخرى، حيث لا توجد أسرة أوروبية أو أمريكية إلا وتخصص تلقائياً نسبة ٢% من دخلها للمنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية، كما ان رجال المال والأعمال في بلاد الغرب يوقفون من أملاكهم وأموالهم على أوجه البر، مثل الجمعيات والمستشفيات. ومن هنا ضرورة تفعيل دور هذا النوع من الأعمال الخيرية المتمثلة في الوقف والتي يمكن أن تخفف العبء عن ميزانية الدولة التي ارتفع العجز لديها إلى أرقام كبيرة، كما يمكن أن يمتد نشاط الوقف إلى مجالات هامة جداً في العصر الحديث مثل تمويل أبحاث علمية هامة صناعية أو طبية أو تنموية، إضافة إلى تفعيل مشاريع ثقافية هامة، مثل الإنفاق على التعليم، ومحو الأمية لملايين من المسلمين الذين يرزحون تحت وطأة الجهل والفقر والمرض. ü الضوابط الشرعية للاستثمار: وقد حدد بعض العلماء الضوابط الشرعية لاستثمار أموال الوقف بعدة ضوابط هامة (٤) : ١ ـ المشروعية: ويقصد به أن تكون عمليات استثمار أموال الوقف مطابقة لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية؛ حيث يتم تجنب استثمار الأموال الوقفية في المجالات المحرمة شرعاً كالإيداع في البنوك بفوائد، أو شراء أسهم شركات تعمل في مجال الحرام. ٢ ـ الطيبات: ويقصد به توجه أموال الوقف نحو المشروعات التي تعمل في مجال الطيبات؛ لأن الوقف عبادة، ويجب ان تكون طيبة؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. ٣ ـ الأولويات الإسلامية: أي ترتيب المشروعات المراد تمويلها وفقاً لسلم الأولويات الإسلامية: الضروريات فالحاجيات فالتحسينات؛ وذلك حسب احتياجات المجتمع الإسلامي والمنافع التي سوف تعود على الموقوف عليهم. ٤ ـ التنمية الإقليمية: فتوجه الأموال للمشروعات الإقليمية للبيئة المحيطة بالمؤسسة الوقفية ثم الأقرب فالأقرب، ولا يجوز توجيهها إلى الدول الأجنبية ما دام الوطن الإسلامي في حاجة إليها. ٥ ـ تحقيق النفع الأكبر للجهات الموقوف عليهم: ولا سيما الطبقات الفقيرة، وإيجاد فرص عمل لأبنائها. ٦ ـ تحقيق العائد الاقتصادي المرضي الذي يمكن الإنفاق منه على الجهات الموقوف عليها: فالتوازن بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية ضرورة شرعية في المؤسسات الوقفية. ٧ ـ المحافظة على الأموال وتنميتها: أي عدم تعريض الأموال لدرجة عالية من المخاطر والحصول على الضمانات اللازمة المشروعة للتقليل من تلك المخاطر، وإجراء التوازن بين العوائد والأمان. ٨ ـ التوازن: أي تحقيق التوازن من حيث الآجال والأنشطة والمجالات لتقليل المخاطر وزيادة العوائد، والاهتمام بالاستثمارات القصيرة والمتوسطة والطويلة الأجل. ٩ ـ تجنب الاستثمار في دول معادية ومحاربة للإسلام والمسلمين: وأن تكون الأولوية للاستثمار في الدول الإسلامية. ١٠ ـ توثيق العقود: أي أن يعرف كل طرف من أطراف العملية الاستثمارية مقدار ما سوف يحصل عليه من عوائد أو مكاسب، أو ما يتحمل من خسائر، وأن يكتب في عقود موثقة حتى لا يُحِدث جهالة أو غرراً، فيؤدي إلى شك وريبة ونزاع. ١١ ـ المتابعة والمراقبة وتقويم الأداء: للأطمئنان على أن الاستثمارات تسير وفقاً للخطط والبرامج المحددة مسبقاً. أما في المجالات والمشاريع التي يمكن الاستثمار فيها في العصر الحديث، فهي كثيرة مثل: الاستثمار العقاري، أو الاستثمار في إنشاء المشروعات الإنتاجية، أو الاستثمار في المشروعات الخدمية: التعليمية والطبية والاجتماعية، ومكاتب تحفيظ القرآن، والمستوصفات والمراكز الصحية، ودور الضيافة ودور اليتامى والمسنين والمرضى، ونحو ذلك. ü المحاسبة والمراجعة: ولإنجاح مؤسسة الوقف لا بد من الاهتمام بالمحاسبة والمراقبة باعتبارها صِمَام الأمان للاستثمارات الوقفية. والتدقيق في هذه المحاسبة يردع أيادي النُّظَّار المطلقة، حتى يدركوا أن هناك رقابة مرصدة عليهم، فيجنبهم الخوف من نتائجها السير في طريق الاستغلال غير المشروع لخيرات الوقف. ومسألة المحاسبة هذه ليست أمراً غريباً عن الشرع؛ فقد ثبت أن النبي # كان يستوفي الحساب على عماله فيحاسبهم على المستخرَج والمصروف، بدليل ما جاء في الصحيح ان النبي الكريم استعمل (ابن اللتبية) على صدقات (بني سليم) فلما جاء رسولَ الله # وحاسبه، قال: هذا الذي لكم، وهذه هدية أُهديت لي، فقال رسول الله #: «فهلاَّ جلستَ في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً!» . ثم قام رسول الله # فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: إني أستعمل رجالاً منكم على أمور مما ولاَّني الله، فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي! فهلاَّ جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً» (١) . وقد علق ابن حجر العسقلاني على هذا الحديث بقوله: «وفي الحديث من الفوائد أن ... ومحاسبة المؤتمن» وفي موضع آخر قال ـ نقلاً عن غيره ـ: «حديث الباب أصل في محاسبة المؤتمن» . والملاحظ ان الفقهاء قد درجوا في محاسبة نُظَّار الأوقاف على فرض حسن الظن بهم، وترجيح جانب الثقة على الشك، والعدالة على التهمة، وغلَّبوا رجاء الخير فيهم على توقُّع الشر منهم؛ ولذلك ـ كما يقول الدكتور محمد المهدي (٢) : «نجدهم لم يوجبوا المحاسبة في أدوار زمنية محددة، خوفاً من التظنن بهم إلى الزهد في قبول إدارة الأوقاف، فتفوت بذلك المصالح المبنية على هذا الأمر» . ولهذه الاعتبارات جاءت اجتهاداتهم بخصوص أسلوب المحاسبة مختلفة من مذهب لآخر، وأفضل هذه الأساليب ما قرره الإمام ابن تيمية (٣) من أنه يمكن لولي الأمر أن ينصب ديواناً لمحاسبة النُّظَّار ويقتطع من أموال الوقف لذلك الديوان ما يستحقه من نفقات مالية للعاملين فيه، ليؤدي عمله على الوجه المطلوب ... فقد سئل ﵀ عن أوقاف مختلفة على مدارس ومساجد ورُبُط وغيرها: هل لولي الأمر أن يقيم ديواناً لمحاسبة النظار والنظر في تصرفاتهم، ويحقق عليهم ما يجب تحقيقه من الأموال المصروفة والمتبقية؟ فأجاب: نعم! لولي الأمر أن ينصب ديواناً عليهم لحساب الأموال الموقوفة عند المصلحة، وله أن يفرض على عمله ما يستحقه مثله من كل مال يعمل فيه، بقدر ذلك المال واستيفاء الحساب، وضبط مقبوض المال ومصروفه من العمل الذي له أصل» (١) . فهذا النص ـ وكما يقول الباحث محمد المهدي ـ يفيد بوضوح تام أن لولي الأمر إنشاء ديوان لمحاسبة النظار، وأن البيان الذي يقدمه الناظر لا بد أن يكون مفصلاً مستوفياً للحساب، لا إجمال فيه؛ ليعرف منه موارد الوقف ومداخيله، ووجوه الإنفاق. ويرى الباحث أن هذا الجواب الذي جاء به ابن تيمية أَوْجَهُ ما قيل في محاسبة النظار؛ لأن فيه احتياطاً يمكن أن يسهم إلى حد كبير في إنجاح مؤسسة الوقف في التطبيق المعاصر، ولا سيما وهو يلتفت إلى صفة الناظر من كونه أميناً أو متهماً. والديوان بطبيعة الحال لا يحكم بصدق أو تكذيب ما جاء في ذلك الكشف إلا بعد التأكد بالحجج والمستندات، وهذا ما جنح إليه الشيخ (أبو زهرة) حيث رأى ألا يُقبَل من النظار شيء من الصرف للموقوف عليهم أو غيرهم ممن له ولاية على مرافق الوقف ومصالحه، إلا إذا كان معه ما يثبته من أدلة لا شك فيها، ولا مجال للظن في مدى حجيتها، ولا مطعن لطاعن في قبولها، سواء كان الناظر معروفاً بالأمانة أم لا (٢) . فمحاسبة النظار يجب ألا تقام على فرض حسن الثقة، بل يجب أن تقام على أساس الاحتراز من الخيانة، وتوقيها قبل حدوثها. ü الوقف ضروة اجتماعية: إن الوقف بكونه نوعاً من التمويل الذي جاء به النظام الإسلامي، يمكن الاستفادة منه في تحريك المال وتداوله؛ وذلك لأن الأموال المدخرة عند الأغنياء إذا أوقفوها بحيث تستغل استغلالاً تجارياً يدر ربحاً على الموقوف عليهم، فإننا بذلك الاستغلال التجاري وجهنا جزءاً من المال إلى السوق التجارية، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة في الطلب، وعندما تحدث الزيادة في الطلب يترتب على ذلك زيادة في الإنتاج لتلبية رغبات الطالبين، وينشأ عن زيادة الإنتاج قلة في التكاليف بالإضافة إلى المنافسة التي تتوجه اتجاهين ـ على ما يذكر الباحث (أيمن محمد عمر) (٣) : تنافس على النوعية، وتنافس على الكمية. هذا التنافس ينتج عنه إقامة هذه المنشآت التجارية مما يترتب على ذلك تشغيل أيدٍ عاملة كانت في السابق تعاني البطالة وقلة العمل، وهذه الأيدي العاملة يتحرك في يدها المال ويصبح لديها احتياجات، فتزيد الطلب على السلع في الأسواق بسبب توفر السيولة النقدية، وهكذا نلاحظ ان العملية أصبحت متوالية ونشطة. يقول الدكتور شوقي دنيا: «شيوع ظاهرة الوقف في المجتمع الإسلامي والتنوع الكبير في الأموال الموقوفة والجهات الموقوف عليها، ولّد حركة استثمارية شاملة من خلال إنشاء الصناعات العديدة التي تخدم أغراض الوقف، ومن ذلك على سبيل المثال: صناعة السجاد، وصناعة العطور والبخور.. هذه الصناعات خادمة ومكملة، ومن عمل فيها من عمال وفنيين، وما تولد عنها من دخول ومرتبات وأثمان، كل ذلك يعد إضافات مستمرة إلى الطاقة الإنتاجية القائمة، أو بعبارة أخرى: يعد مزيداً من الاستثمارات الإنتاجية، التي تعتبر دعامة لأي تقدم اقتصادي (٤) . وبذلك يكون النظام الاقتصادي الإسلامي في تشريعه للوقف قد حقق عنصر التوازن من خلال التوزيع العادل للثروة بإيجاد مصارف متعددة لتقليب وتدوير المال في الأيدي، وعمل على إعادة دوران لحركة المال، لا سيما إذا أخذنا باعتبارنا أن الفقراء أكثر عدداً من الأغنياء، ومن ثَمَّ سيكون بذلهم للأموال الداخلة عليهم متوافقاً مع عددهم ومتطلباتهم الكثيرة، مما يؤدي إلى تداول المال بين أكبر عدد من المنتفعين (٥) . ولكن يجب توجيه أموال الوقف توجيهاً سليماً نحو المشاريع ذات النفع العام وما يحقق مصلحة المجتمع بأسره؛ فإذا كانت حاجة الأمة إلى نوع محدد من المشاريع، كالمشاريع الزراعية أو الصناعية أو التجارية، كان من الواجب أن توجه هذه الأموال إلى الاستثمار في هذه المجالات ولا سيما أن الوقف يهدف فيما يهدف له توليد دخل نقدي مرتفع، بحيث يضمن فرصاً أفضل لخدمة المجتمع وتلبية احتياجاته على الوجه الأكمل. ومن المفيد أن ننبه إلى خصوصية مؤسسة الوقف النامي التي تتمثل أساساً في نقدنة Monetisation الأصول الوقفية بغية استثمارها في مشاريع مربحة وتحقيق عوائد إضافية تساعد على تعزيز التراكم في المصب Accumulation enaval بعد التراكم في المنبع Accumulation en amont الذي يحدث عند تعبئة الموارد الوقفية ايتداء. ولا ننسى دور الوقف في تنمية رأس المال البشري، والذي يقصد به: كل ما يمتلكه الإنسان في نفسه من مقومات تسهم في النشاط الاقتصادي وتنميته، مثل: الخبرة والمهارة والمعرفة والقدرة البدنية (١) . هذه المقومات التي يقوم عليها رأس المال البشري لا تقل أهمية في التنمية الاقتصادية عن المقومات المالية ولا سيما إذا علمنا أن الفكر الاقتصادي المعاصر عد الإنفاق على التعليم والصحة إنفاقاً استثمارياً. وكما علمنا أن الأوقاف شملت جوانب متعددة بما فيها التعليم والصحة من خلال وقف المدارس ودور التعليم المختلفة، والمصحات والمستشفيات، أو الإيقاف عليها. ففي مجال الصحة مثلاً كان في المجتمع الإسلامي وقوف عديدة على المستشفيات والمصحات العامة، كفلت لنزلائها العلاج والغذاء وكل ما يُحتاج إليه للمحافظة على صحتهم ووقايتهم من الإصابة بالأمراض، وتجاوز الوقف ذلك إلى وقف المستشفيات التعليمية التي تهدف إلى تطوير الخبرات العملية لطلبة العلوم الطبية، بل بلغ الأمر في بعض المراحل إلى وقف مدن بأكملها على الطب وأهله، خدمة لهم ولمن ينتفع من ورائهم من مرضى ومحتاجين (٢) . ولا شك أن الخدمات التعليمية والصحية وملحقاتها تستهلك نسبة كبيرة من الإنفاق العام، فكان للوقف على الشؤون التعليمية والصحية أثر واضح في تخفيف العبء عن الميزانية العامة للدولة، ولا سيما أن الفئة الكادحة في المجتمع تمثل النسبة العالية من أفراده، وهؤلاء في الغالب يعتمدون على ما توفره لهم الدولة من خدمات تعليمية وصحية، ومن هنا كان الوقف كفيلاً بتحمل جزء لا يستهان به من الخدمات التعليمية والصحية لأفراد المجتمع والتي تعد من أهم مقومات التنمية البشرية التي يسعى المجتمع الإسلامي إلى الارتفاع بها، خاصة مع عدم توفر العلاج الجيد أمام الجماهير الفقيرة من الأفراد. فالمستشفيات والمراكز الطبية الحكومية آخذة في الانكماش من جهة، كما أن خدماتها الطبية متدنية من جهة أخرى، لقلة الإمكانات وسوء الإدارة، كما أن المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة (الاستثمارية) باهظة العبء والتكلفة، وهو ما يحول بين الفقراء ودخولها والاستفادة منها. ومن ثم يشيع المرض ويتوطن بين الفقراء، فيضعف من قدرتهم الإنتاجية، ومن ثَمَّ يزيدهم فقراً، فلا مناص من كسر هذه الحلقة المفرغة من اللجوء إلى المؤسسات المدنية والجمعيات الوقفية الخيرية للإسهام الجاد في العلاج وتقديم الخدمات الطبية، ويعتبر الوقف مرشحاً للقيام بهذا الدور الذي طالما قام به في تاريخ الأمة البعيد، والآن يمكن أن تنشأ مشاريع وقفية حديثة ذات طابع خاص. ومن الأهمية أن نعلم ـ وفي ظل الأوضاع الدولية الراهنة ـ أن العالم الإسلامي المعاصر يعيش تخلفاً خطيراً في التعليم والبحث العلمي، وما يرصد لذلك في موازنات الدول الإسلامية من الضآلة بمكان، وهو الأمر الذي يعمق من التخلف العلمي في هذا العالم، مما يزيد من تخلفه الاقتصادي ويرمي بعقبات كؤود أمام تقدمه وتنميته. واختلال اقتصاد العلم والمعرفة وما يطلق عليه الاقتصاد الجديد للمكانة الأولى في مقومات تقدم الأمم المعاصرة أمر معروف مشهود؛ فكيف تُموَّل هذه المرافق والمراكز البحثية في ظل شح الإيرادات العامة؟ فلا مناص للوقف من القيام بهذه المهمة، وخاصة أن الواقع المعيش للمجتمعات الإسلامية يؤكد أن أكثر فئات المجتمع فاعلية هي تلك التي نالت نصيباً من العلم والمعرفة؛ فالتجار والكتبة والمحاسبون والصيارفة، وغير ذلك من المهن التي عرفتها المجتمعات المتحضرة، هم في غالبيتهم من الطبقة المتعلمة، ولعل نجاحها في قيادة التقدم يرجع إلى أنهم سخروا قدراتهم العلمية لتطوير اعمالهم وصناعاتهم ومهنهم، بما يعود نفعه عليهم بالخصوص إذا صادف موهبة بشرية، ارتقى بها في سلم الإبداع والتطوير. وهكذا نجد أن الوقف بفاعلية نظامه (٣) قد أوجد إطاراً تكاملياً تضامنياً مشتركاً بين المجتمع والدولة؛ حيث لا يعمل هذا النظام لحساب مصلحة طرف دون طرف آخر؛ فلم يعمل على تقوية المجتمع في سبيل إضعاف الدولة، أو بسط نفوذ الدولة على حساب الحقوق الاجتماعية، وإنما عمل على إيجاد التوازن، بل وتقويته بين المجتمع والدولة، مما كان له الأثر الأكبر في استقرار وقوة الكيان السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة.

стр. 5705

الدعاة بين التحجيم والتأطير ماجدة محمد شحاته مخطئٌ من يظن براءة أي منظومة دعوية من أي عيب، أو خلوها من أي خلل أو دخن، بدءاً من القيادة حتى قاعدة المثلث الهرمي الذي يمثل المنظومة بكل صفوفها؛ إذ إن ذلك يجافي الفطرة وطبائع الأشياء. قد تتباين الأخطاء والعيوب في كمِّها وحجمها، ولكن تبقى هذه الحقيقة التي لا بد أن نعيها بصدر رحب يتسع لقلم ناقد، وعين ناقدة، ولسان آخذ، أولاً: على مستوى أفراد المنظومة، وثانياً: على مستوى الآخر. فليس هناك من هو مبرأ من العيب، ولا يوجد من هو مكتمل الأخلاق كامل العقل، فمن كلٍّ يُؤخذ ويُرد إلا المصطفى ﷺ . وليس معنى تكامل المنظومة الدعوية في أن قيادتها، أو صفوفها العليا والدنيا تتساند فيما بينها بحيث يسد كلٌ فراغاً في جانب من الجوانب، حتى تبدو في صورتها النهائية خِلْواً من الخلل والنقص، ليس معناها أن المنظومة تصبح عصيّة على النقد، أو يصبح أفرادها ـ اتكالاً على ذلك ـ فوق النقد والأخذ والرد. إن المسيرة الدعوية ما لم يسلِّم أفرادها بحقهم جميعاً في التعبير عن رؤاهم الناقدة، وحق الآخر في مؤاخذات نافذة، فإنها بلا شك راكدة؛ وإن ظن الكثيرون أنها تسير بلا معوق ... وأنها ماضية إلى بر أمانها. وما ركودها إلا لانغلاقها على وجوهٍ بعينها يُطَمِئن بعضهم بعضاً ألا مساس بالدعوة، وهي في مسيرتها إنما تلفظ فاعلية أخرى، ووقوداً فاعلاً لظنها خطر الرأي الجريء، والمبادرة الشجاعة تلفظ طاقات كان لا بد من توظيفها، وإن كان فيها جرأة على رأي، طاقات لا بد من استثمارها لتجري بها دماء جديدة؛ إذ في طموحها علو همة، وفي تصوراتها سمو فكرة، كان يمكن تأطيرها لا تحديدها؛ لتنطلق وفق إطار منظم نحو فكر مبدع وعقل محلق، ففرق كبير بين التحديد والتأطير، الأول: منطلقه العداء النفسي لطاقة متميزة يراد لها أن تخمد، فلا يكون لها وجود يفرض نفسه. والثاني: يثق بنفسه، ولا يهمه إلا أن تتسع دائرة المشاركة، وأن يصبح الجنود جميعاً بخصال القواد وملكاتهم، لذا فهو يريد للطاقة أن تؤطر فلا تنحرف، يريد لها أن تنطلق بلا نزق أو تهور، يريدها أن تعلو في غير جنوح يُردي، أو طموح إلى فساد واستعلاء قد يُفضي إلى خسار. ٣ التحديد: إيقاف للمد؛ لأنه على غير الرغبة، والتأطير: إطلاق للمد على عين تبصر، ووعي يرقب ويوجه. ٣ التحديد: إعلان عن إفلاس فكري وعقلي وأخلاقي، والتأطير: بيان عن سمو نفسي يرجو الخير للناس جميعاً. ٣ التحديد: انغلاق على الفكرة من غير تجديد، والتأطير: انفتاح من غير تحديد. ٣ التحديد: يؤدي إلى التهميش، ورفض الآخر؛ وربما قتله واغتياله معنوياً، والتأطير: يؤدي إلى التفريخ، واستقطاب الآخر، وربما استعماله واستمالته. ٣ التحديد ركود بالمنظومة حتى تتوقف فلا تجد من يحركها، فإذا حُرّكت احتاجت إلى جهد كبير لا يملكه ساعتها ولو آحاد من أفرادها. ٣ التأطير سير بالمنظومة هادئ متزن، قد يكون بطيئاً؛ لكنه أكيد في فاعليته؛ إذ يضم كل يوم كل ذي طاقة متميز. وبينما يعالج الخلل ويرسخ قيم الاستعلاء على النفس والذات نجد التحديد لا يعترف أو يقر بخلل، فهو يعمق الغرور من خلال ثقة كاذبة بفكرة مبهرة لكنها حُملت على أكتافٍ ظنت أنها وحدها الجديرة بها، وما سواها إنما يريد بها شراً، وما تدري أنه في مرحلةٍ ما لن تجد أكتافاً أخرى فلا تندثر؛ لأنها بالفعل مبهرة؛ إذ يلتقطها مؤمن بها، فيبعث فيها الروح من جديد وفق ضوابط أخرى، ومنهجية أكثر سعة، وأكثر إيماناً بجدوى المشاركة وتفعيل الطاقات بعيداً عن الخصوصية وحب الاحتكار.

стр. 5706

غياب ثقافة الموارد البشرية في الجهات الخيرية محمد يحيى مفرح - مدخل عبر الواقع: ليس لدى الكثير من الجهات الخيرية المتميزة إدارة خاصة بالموارد البشرية تهتم بالعنصر البشري قبْل دخوله إلى الجهة الخيرية من خلال ممارسة وظائف معينة مثل: توصيف الوظائف، وتخطيط القوى العاملة، والاختيار. كما تهتم بالعاملين أثناء وجودهم بالجهة الخيرية من خلال ممارسة عدد من الوظائف الأخرى أهمها: الأجور والحوافز والتدريب والترقية وتقويم الأداء. كما تهتم بالوظائف المتعلقة بترك العمل كالفصل أو الاستقالة أو الوفاة. لا شك أن كافة أنشطة الجهات الخيرية وإداراتها تدار بواسطة الأفراد؛ ولذلك فهؤلاء الأفراد (موظفين ومتطوعين) لا بد أن يكونوا على مستوى مرتفع من الكفاءة حتى يمكنهم النهوض بأعباء هذه الإدارات، وممارسة أعمالهم بفاعلية. وقد أضحت كل أدبيات الإدارة المعاصرة تشير إلى أن نجاح أي منظمة إنما يبنى ـ بعد توفيق الله ـ على مورد بشري فعّال ذي مهارات ذهنية قادر على أن يواكب التطورات والتغيير السريع. ü الأهداف الرئيسية لإدارة الموارد البشرية: ١ ـ رفع مستوى إنتاج العاملين من حيث الكمية، أو الجودة، أو كليهما. ٢ ـ العمل على زيادة درجة رضا الأفراد العاملين عن العمل، وتحسين علاقتهم بالإدارة، وتحسين علاقاتهم ببعضهم من خلال معاملة الجميع بعدالة وموضوعية؛ مما يؤدي إلى رفع الروح المعنوية. ٣ ـ تحقيق التكامل والتوازن بين الهدفين السابقين (حيث ينشأ بينهما الكثير من التعارض) . ü اختصاصات إدارة الموارد البشرية في الجهات الخيرية: ١ - العمل على توفير الطاقات اللازمة للعمل، وتوظيفهم بما يتناسب مع قدراتهم ومؤهلاتهم، وهو الأمر الذي تحتاجه كثير من الجهات ذات المشاريع الطموحة والرائدة التي لا تجد من يشرف عليها. ٢ - العمل على تهيئة أفضل الظروف الملائمة للعمل (بيئة العمل المادية) حتى يبذل الموظفون قصارى جهدهم لزيادة الإنتاج. ٣ - تشخيص الروح المعنوية ودرجة الفاعلية للموظفين من خلال البحوث والملاحظة، واقتراح الأساليب الفعّالة والمناسبة للتعامل معهم. ٤ - الاحتفاظ بسجلات منتظمة لأفراد قوة العمل بالجهة تشمل كل معلوماتهم. ٥ - مساعدة الإدارات التنفيذية في كل ما يتعلق بشؤون العاملين (إجازات، وحل مشكلات، وتدريب..) ، وتطوير خاص لمديري الإدارات. ٦ - تقديم الرعاية اللازمة (صحية، واجتماعية..) لضمان استقرار العاملين. ٧ - نصح الإدارة العليا فيما يتعلق بالسياسات المطلوبة تجاه العاملين. ٨ - وضع نظام خاص للمتعاونين والمحتسبين بالعمل. ü أسباب ودوافع نشوء الفكرة: أولاً: تعاني الجهات الخيرية من فترة طويلة ـ ولا زالت ـ من كثير من المشكلات التي تعيق تحقيق انطلاقة نوعية للنهوض بمستوى الجهات الخيرية، وتحويل أهدافها الرائدة والطموحة إلى واقع ملموس. هذه المشكلات تنصب في كثير منها حول العاملين أو المورد البشري للجهة. وفيما يلي محاولة استقصاء لهذه المشكلات: ١ - مشكلة ضعف ولاء العاملين في الجهة الخيرية، ويترتب عليه عدة مشكلات منها: عدم عنايتهم بتوفير التكاليف، أو تسويق أنشطة الجهة، وإحضار الدعم لها، وانتقالهم للعمل في مكان آخر متى سنحت الفرصة. ٢ - عدم وجود نظام، أو سلّم للرواتب والبدلات بشكل عادل ومريح للإدارة التنفيذية والعاملين. ٣ - وجود الكثير من الأفكار والمشاريع وعدم وجود كفاءات ذات تأهيل مناسب لتحمل مسؤوليتها. ٤ - مشكلة اشتراطات الأنظمة الرسمية حول العاملين (مثل: توطين العمالة) . ٥ - مشكلة انعدام روح الإبداع والتجديد في الأنشطة والمشاريع. ٦ - انعدام روح المبادرة لتحمل المسؤوليات وأعباء المهام. ٧ - المشكلات المتعلقة بالمتطوعين (غير الموظفين) مثل: البحث عن الأفضل، توظيف الطاقات، ضمان الالتزام، تحديد المهام التي يمكن تكليفهم بها، متابعة إنجاز المهام، المحافظة على انتمائهم. ٨ - عدم وجود نظام عادل للحوافز (المادية والمعنوية والفردية والجماعية..) . ٩ - عدم وجود توصيف وظيفي يساعد في ضبط أمور العمل، وتقويمه، ومتابعته. ١٠ - عدم وجود نظام تقويم دقيق وعادل يساعد في تطوير العاملين، وإنجاز الأهداف بشكل جيد. ١١ - ضعف علاقات العاملين ببعضهم؛ ومن ثم ضعف عملهم بروح الفريق الواحد بشكل جماعي يكمل بعضه بعضاً. ١٢ - مشكلة عدم وجود فرق عمل متجانسة للمهام والمشاريع، وعدم وجود جهة مسؤولة عن شحذ روح الفريق في بيئة العمل بشكل إيجابي. ١٣ - عدم إمكانية وضع خطة واضحة لترقية الموظفين (خطة التطور الوظيفي) . ١٤ - عدم وجود برامج تدريب تلبي الاحتياجات الحالية والمستقبلية لتطوير الجهة. ١٥ - ضعف تخطيط القوى البشرية المطلوبة، فتجد أعداد العاملين أكثر من اللازم؛ مما يسبب هدراً وفوضى، ووجود فراغ لدى بعض العاملين في بعض الأحيان، أو أقل من اللازم؛ مما يسبب ضغطاً على الموجودين واستياءً نفسياً ينشأ عنه ضعف إنجاز واهتمام بالصغائر فقط. ١٦ - عدم وجود برامج رعاية تعتني بالموظفين في نفس الجهة مثل: برامج رعاية صحية (خصومات أو تأمين) ، وبرامج اجتماعية (تهنئة أو مواساة أو برامج للعوائل) ، وبرامج تعليمية للأبناء. ١٧ - انشغال الإدارات التنفيذية والعليا بكثير من مشاغل ومشكلات الأفراد. ١٨ - تأخر حل مشكلات العاملين التي تقع بطريق الخطأ مثل: تأخر نزول راتب أحد الموظفين. ١٩ - مشكلات الحضور والغياب ومحاسبة الموظفين على التأخر، وعدم تعويضهم عن الوقت الزائد الذي يتطلبه العمل. ٢٠ - عدم العناية بشكاوى العاملين، واقتراحاتهم، وأفكارهم، خاصة العاملين في المستويات الدنيا. ٢١ - عدم وجود برامج خاصة للتنمية الذاتية لدى العاملين مثل: مكتبة شخصية، مجلات وإصدارات دورية، بريد إلكتروني وإنترنت.. إلخ. ٢٢ - مشكلة عدم وجود بيئة عمل مادية تساعد الموظف في إنجاز ما يتطلبه عمله بفاعلية. ٢٣ - مشكلة عدم وجود صلاحيات كافية للموظف حتى ينجز أعماله ومسؤولياته. ٢٤ - مشكلة عدم وضوح الأهداف العامة للجهة الخيرية عند كل العاملين، وعدم اطلاع الموظفين على المعلومات الهامة والمستجدة. ٢٥ - مشكلة عدم وجود أنظمة واضحة للعقوبات، والخصومات، وإنهاء الخدمة. ٢٦- مشكلة صعوبة الاستغناء عن العاملين ذوي الكفاءة المتدنية لأسباب إنسانية. ٢٧ - مشكلات التحيز في التوظيف، وتحديد الرواتب، وإعطاء المميزات. ٢٨ - مشكلة عدم وجود تغذية راجعة مباشرة تساعد على تعديل السلوكيات الخاطئة، خاصة للمديرين مثل: سوء تعامل بعض الرؤساء مع المرؤوسين، وعدم التفويض بشكل سليم. ٢٩ - مشكلة غياب كثير من المعلومات الهامة عن كثير من العاملين بلا مسوِّغ. ٣٠ - مشكلة عدم اكتشاف طاقات العاملين، وتفجير مكامن الإبداع، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب وفق نظام مرن لا يخل بالعمل. ٣١ - مشكلة عدم العناية بالمتميزين، والمحافظة عليهم، وتطويرهم لخدمه الأهداف الكبيرة. إن جميع هذه المشكلات وما يترتب عليها ترتبط في كونها جميعاً تتعلق بالعنصر البشري الذي يعمل في الجهة الخيرية. وتوجد هذه المشكلات في الجهات المختلفة بنسب مختلفة، ولنا أن نتخيل كم يتسبب وجودها في تعطيل إنجاز الأهداف الحقيقية للجهات الخيرية، وإشغال المسؤولين فيها؟ ثانياً: تفتح الجهات الخيرية أبوابها لسد احتياجات خيرية موجودة في المجتمع (دعوة أو إغاثة أو تعليم أو تربية..) ، ولا تنتبه أنها تفتح أبواباً أخرى بوجود عاملين لديها يقاسون ظروفاً غير جيدة، ولا يجدون من يساعدهم في حلها. ثالثاً: مفهوم خاطئ: يعتقد بعض الناس أن كل المشكلات المتعلقة بالعاملين في الجهات الخيرية إنما هي بالدرجة الأولى مشكلة مالية (انخفاض رواتب أو بدلات أو حوافز مادية..) ، ومن ثم فحلُّها الوحيد هو تجاوز هذه المشكلات، وهذا غير متاح لكثير من الجهات الخيرية نظراً لمحدودية الموارد. ولكن الدراسات والواقع يؤكدان أن جملة كبيرة من هذه المشكلات لا تتعلق بتاتاً بالجانب المادي، بل هي بالدرجة الأولى متعلقة بما فطر عليه كل إنسان من حب التقدير وإرضاء الذات بإنجاز العمل الذي يليق به، والشعور بأنه يعامل بعدالة ضمن المنظمة والأفراد الذين يعمل معهم، وهذا ما تعتني به الموارد البشرية. رابعاً: أصبحت كثير من الجهات الخيرية ـ بفضل الله ـ تهتم بنوع من القضايا لم يكن الاهتمام به قائماً إلى فترة قريبة سابقة، من أبرز هذه القضايا ما يتعلق بتدريب الموظفين والاستفادة من المتطوعين، ولكن هذا الاهتمام وهذه الجهود قد لا تؤتي أكلها ما لم تأت متناسقة في إطارها الحقيقي الكامل، وهو إطار تكامل أعمال الموارد البشرية، وهو أمر يحتاج إلى تفرغ وتخصص. ü الوضع الحالي في الجهات الخيرية: هناك جهات خيرية كبيرة واسعة النشاط تملك إدارة خاصة للشؤون الإدارية تقوم بجزء من مهام الموارد البشرية، ولا تقوم بجزء كبير وهام آخر، بل هي مشغولة غالباً بالقضايا الإدارية البحتة. وهناك جهات خيرية صغيرة يتولى العمل فيها نفس المسؤول الرئيس، أو أحد المساعدين بشكل ارتجالي، وحسب الاحتياج وفي غياب كثير من مهام الموارد البشرية. وهناك جهات خيرية لديها إدارة خاصة للموارد البشرية، أو التدريب، أو المتطوعين يديرها أشخاص غير متخصصين ولا متفرغين، ومن ثم فهم منغمسون في الأعمال العادية، ومشغولون عن جوهر إدارة الموارد البشرية. وإجمالاً فليس هناك جهات ستبدأ من الصفر على الغالب، لكن هناك حاجة للمزيد من الجهود المرتبة. ü فكرة عملية لتأسيس الموارد البشرية في الجهات الخيرية: إن إنشاء إدارة موارد بشرية بشكل منهجي وعلمي يستلزم وجود خبير وتكاليف، والمقترح هو تأسيس لجنة مركزية برئاسة شخص ذي اختصاص وخبرة إدارية في مجال الموارد البشرية، وعضوية أفراد من عدة جهات خيرية يرشح كل منهم لإدارة الموارد البشرية في الجهة التي ينتمي إليها. تقوم هذه اللجنة على مدار فترة محددة بتأهيل أفرادها، وإنشاء إدارة مثالية للموارد البشرية في كل الجهات الخيرية، مع الاستفادة من عنصر الجماعية في تخفيض كل التكاليف الممكنة ودفع أجور الخبراء. ü أوجه استفادة الجهات الخيرية من تطبيق هذه الفكرة: ١ ـ توفير تكاليف الخبراء والمتخصصين في الموارد البشرية من خلال العمل المشترك. ٢ ـ توفير تكاليف الأعمال المشتركة للموارد البشرية مثل: برامج التدريب، واستقطاب العاملين، والمقابلات، وقواعد البيانات، والاستفادة من المتطوعين. ٣ ـ قوة التفاوض للحصول على تسهيلات وخدمات خاصة للعاملين مثل: خدمات صحية، واجتماعية، وتعليمية. ٤ ـ ضمان إنشاء إدارة موارد بشرية مثالية بشكل مستقر ومستمر لا يتأخر بسبب الأحداث الداخلية في الجهة الخيرية والانشغالات الطارئة. ٥ ـ تخفيف العبء الإداري عن الإدارة العليا في الجهات الخيرية. غياب ثقافة الموارد البشرية ü لماذا نريد نشر هذه الثقافة؟ أولاً: لأن الجهات الخيرية بحاجة ماسة في هذه الفترة بالذات ـ حيث الأحداث والتقلبات المتتابعة ـ إلى نوعية خاصة ومتميزة من العاملين والمتطوعين لا تشغلهم مشاكل العمل عن أهدافه، بل يعينهم العمل على إطلاق قدراتهم وإبداعهم لمواجهة الواقع ذي الإيقاع السريع. ثانياً: لأننا نرى الكثير من الجهات الخيرية قد بدأت ـ بفضل الله ـ خطوات مباركة وكبيرة وواضحة في مجالات مهمة، ولكنها لم تأت في إطارها الصحيح المتكامل، وأبرز مثال على ذلك اهتمام بعض الجهات الخيرية بمجال التدريب في معزل تام عن أي أعمال أخرى تتعلق بنفس المتدرب، مثل: اختياره ابتداءً بشكل صحيح للعمل، ثم تقويمه وفق معايير تحدد لاحقاً فيم يجب أن يدرب؟

стр. 5707

التفاؤل.. حياة فيصل بن علي البعداني (أنا محبَط، فاقد للثقة بإمكانية نهوض أمتنا وخروجها من حالة الغيبوبة الراهنة!! لا أتوقع أن بوسعنا فعل شيء أمام هجمة أعدائنا الشرسة؛ إذ إن أمتنا ممزقة، وغير قادرة على تجاوز ضعفها؛ فكيف بقياد البشرية وهدايتها؟! أمتنا مشلولة، وسيطرة الغرب وربائبه على كل عوامل القوة ومنطلقات النهوض محكمة. جميع ما يعمله الدعاة والمخلصون أمور ضعيفة أو هامشية، لا تمكِّن من استرداد العزة، والخروج من حالة الغفلة المطبقة. المتفائلون حالمون يعيشون في أبراج عاجية بعيداً عن الواقع، أو أنهم يخادعون الأمة، ويحاولون إيهام أبنائها بأن بإمكانهم فعل شيء، ولكن هيهات!) . تصدر تلك المقولات ونحوها من بعض شباب أمتنا المخلص الحريص على بعث الأمة واسترداد مجدها، وبخاصة في أوقات الأزمات والمحن ومراحل صولة العدو وهيجانه. وبادئ ذي بدء لا بد من التسليم بأن أمتنا تعيش أزمة حقيقية، وتمر بأوقات عصيبة، وفترة ضعف بينة؛ فقد ضعف تمسكنا بديننا، وعظمت غفلتنا، وكثر لهونا، وشكك عدونا (الداخلي والخارجي) بالأصول والمنطلَقات، وبث فكره المناقض، ومكَّن للمناهج البدعية الدخيلة على الأمة، وأزهق الأرواح، واستباح الحرمات، ونهب الخيرات، وعمَّق الفرقة، واستهدف بشدة بواعث المجابهة ومقومات النهوض المعنوية والمادية. ومن حق كل من يعيش همَّ الأمة، ويشعر بمسؤولية نحوها أن يحزن ويتألم، وأن يُكثِر من التضرع والدعاء وسكب العبرات. وليس ذلك مجرد أمر يمكن فعله، بل هو إلى هذا الحد جانب مطالَب به كل صادق غيور. ولا تعارض بين هذا، وبين ما نحن بصدد تقريره من حرمة اليأس، وبيان خطر الإحباط. ومن ضرورة التفاؤل، ووجوب القيام برفع راية الأمل، ومناداة الدعاة والمصلحين، بل وكافة أبناء الأمة: ذكوراً وإناثاً، شباباً وشيباً إلى الانضواء تحتها، وعدم الابتعاد كثيراً عن ظلالها. لقد جاء الإسلام حاثّاً على الرجاء والأمل، وداعياً إلى التفاؤل الإيجابي الدافع للانطلاقة والعمل من أجل التصحيح والتطوير، بل إن اليأس والقنوط والإحباط والتشاؤم جوانب ليست بداخلة في نسيج التفكير الإسلامي البتة، مهما أحاطت بالمؤمن الشدائد، وادلهمت الخطوب، وغيم الجو وتلبد. ونصوص الشريعة شديدة الصراحة والوضوح في هذا الجانب. قال ـ تعالى ـ على لسان نبيه يعقوب ﵇ مخاطباً أبناءه: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] ، وقال ـ سبحانه ـ على لسان خليله إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] ، وعن ابن عباس ﵄ قال: «إن رجلاً قال: يا رسول الله! ما الكبائر؟ قال: الشرك بالله، والإياس من رَوْح الله، والقنوط من رحمة الله» (١) ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله» (٢) . ولذا نجد التفاؤل، والثقة بموعود الله ـ تعالى ـ وحسن الظن به ـ سبحانه ـ أصل راسخ، وسِمَة ثابتة، ومَعْلَم بارز، قوي الحضور في حياة نبينا الكريم #؛ وشواهد ذلك في السيرة العطرة أكثر من أن تُحصَر، ومن ذلك: حديث خباب بن الأرتّ ﵁ حين جاء بعض الصحابة الكرام إلى النبي # في صدر الإسلام، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، يستنصرونه، ويشكون إليه الحال، وقد كانوا في فترة يُضرَبون فيها، ويُجوَّعون، ويُعطَّشون، حتى ما يقدر أحدهم أن يستوي جالساً من شدة الضر، فأنكر # عليهم استعجالهم الفرج، ووجَّههم إلى الصبر الآمل الفاعل، الذي يستمر صاحبه في المدافعة، ويبادر بجد ونشاط وحزم إلى تجاوز الأزمة، ومواصلة الدعوة والتربية والعمل، والاجتهاد في الأخذ بأسباب النصر والتمكين، مهما اشتدت الوطأة، وعظمت المشقة، وتفاقمت المحنة، وطال زمن الإصلاح والتغيير، قائلاً: «كان الرجل فيمن قبلكم، يُحفَر له في الأرض، فيُجعَل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيوضَع على رأسه، فيُشَق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه. ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه. واللهِ ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (١) . وفي طريق الهجرة، وهو # طريدٌ مُهْدَر الدم، نجده في غاية الثقة والاطمئنان، فيقول لأبي بكر ﵁ حين قال له - وهما مختبئان في الغار -: «يا رسول الله! لو أن أحدهم رفع قدمه لرآنا، فقال #: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٢) ، ونجده يخاطب سراقة بن مالك أحد متعقبيه، الطامعين في قتله أو أسره قائلاً له: «كيف بك إذا لبست سوارَيْ كسرى؟» (٤) . وفي الخندق، وهو # وأصحابه ﵃ محاصرون في المدينة من الأحزاب، من كل صوب، وأحدهم لا يأمن على نفسه حين يذهب إلى الغائط، ويمكث # من الفاقة ثلاثاً بدون طعام مع ضخامة الجهد المبذول في حفر الخندق، ومشقة العمل، وقيامه بترتيب شؤون الناس وإعدادهم للنزال، وحمله همََّ الولوج في معركة فاصلة، تداعى لها الأعداء من كل حدب، وحال المؤمنين كما وصف ربنا ـ تعالى ـ: ﴿إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] ، نجده # يبعث الطمأنينة في نفوس أصحابه الكرام، ويعمق ثقتهم بالله ـ تعالى ـ ويستنبت التفاؤل والأمل في دواخلهم، فيقول #: «أُعطيت مفاتيح الشام ... أُعطيت مفاتيح فارس ... أُعطيت مفاتيح اليمن» (٤) . وما ذاك منه # إلا إدراك لخطورة الإحباط، والشعور بالخيبة، واعتقاد العجز؛ إذ تُقتَل الإرادة، ويُقضَى على المبادرة، ويُزرَع القلق والجزع، ويحدث الاضطراب والتوتر، ويُحال بين المرء وبين الجد والمثابرة، إضافة إلى ما يتضمنه ذلك من ظن ما لا يليق بالله ـ سبحانه ـ وغير ما يليق بحكمته، ورحمته، ووعده الذي سبق لرسله من أن جنده هم الغالبون، وأن أعداءه هم المخذولون. وفي المقابل يأتي ذلك إدراكاً منه # لعلو كعب الرجاء، وارتفاع منزلة التفاؤل، وضرورة العيش بنفسية آملة، طامحة بالنجاح، ناشدة تحقيق الأهداف، حسنة الظن بالله ـ تعالى ـ واثقة من تنزُّل نصره، وحدوث فَرَجه، وأن الأمر لا يعدو مرحلة استكمال الأمة لما هي مطالبة به من القيام بما عليها من تحقيق متطلبات النصر والابتعاد عن موانع التمكين. ولوصول المرء إلى هذه الوضعية المنتجة، القادرة على الانطلاق بإصرار وعزم نحو المستقبل، فإن عليه: ـ أن يتعرف على الله ـ تعالى ـ ومدلول أسمائه وصفاته حق المعرفة؛ حتى يتمكن - واقعاً وسلوكاً لا مجرد دعوى - من إحسان الظن به ـ سبحانه ـ والاطمئنان إلى تحقق موعوده الذي تضافرت به نصوص الوحيين، مبشرةً هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين، وأن الله ناصر لجنده، حافظ لأوليائه. ـ وأن يقرأ في تاريخ البشرية الطويل، ويطالع سِيَر الأنبياء والمصلحين، والذين كانوا يتحسسون في الدجى مفاتيح الفرج وسط أكوام القش، ويثابرون في البحث عنها؛ حتى يكرمهم الله ـ تعالى ـ بما نذروا أنفسهم له؛ من هداية أقوامهم، وإخراج أممهم من الظلمات إلى النور، وكيف أن الله ـ تعالى ـ كان معهم بنصره وتوفيقه وحفظه، وخذلانه لمن عاندهم؛ فتنكب طريقتهم، وسلك غير جادتهم. ـ وأن يتعرف على نفسه الأمَّارة بالسوء: داعية الشر، ومركبة الجهل والظلم، فيجاهدها، ويعيد هندرة (٥) حياته بصورة تمكنه من استثمار طاقته، وتركيزها في جانب يبقيه في دائرة الأهم ويجنبه ما دونها؛ من مشتتات النفس، ومبعثرات الجهد والوقت، وملهيات المرء عن القيام بالأعمال الأكثر إلحاحاً وضرورة. ـ وأن يبتعد عن الأطروحات المثالية غير القابلة للتنفيذ بمفردها أو بمجموعة الجوانب التي تتكامل معها في دنيا الواقع، وينتقل للعيش في بيئة يقوم فيها بعمل أفضل ما يمكنه تنفيذه، سواء أكان ذلك بذاته أم من خلال الشراكة مع من يمكنه العمل معهم من إخوانه في حدود الهمم الحاضرة، والإمكانات المتاحة مهما كانت ضعيفة؛ لأن استثمار الفرص المتاحة هو المولِّد للفرص، والمهيئ للمعالجة وقبول النصيحة، وقد جرت سنة الله ـ تعالى ـ أن من واصل المضي في دربه الصحيح نحو هدفه قدر على تحقيقه ولو بعد حين. ـ وأن يتقي أحاديث اليائسين ومرافقة المحبَطين: زراع الهزيمة، ومطيلي فترة الانكسار وأمد التخلف، ويستعيض عن ذلك بأسر نفسه في محيط أهل المبادرة، ودائرة أهل الإنجاز والعمل: وجه الأمة المشرق، وطليعتها المباركة نحو الإصلاح والتغيير. ـ وأن يتجنب رسم صورة دونية لقدرات نفسه وأمته، ويدع التركيز على عوامل ضعفها والغفلة عن عوامل قوتها من جهة. ولا يغرق في تضخيم جوانب قوة الأعداء، والتغاضي عن جوانب ضعفهم. ـ وأن يفرق أثناء نظراته التقويمية للجهود الخيرة بين آمال التحسين وطموح التطوير، وبين غمط رواد الأمة وطلائع نهضتها المباركة جهودَهم العديدة، وكأن شيئاً من البناء والمعالجة ومقارعة الباطل والخطو نحو النجاح الكبير لم يحدث. ـ وأن يحذر في مسيرته من سمات القانطين؛ من سطحيةٍ في النظرة، وتسرُّعٍ في الحكم، واستعجالٍ للنتائج، وحِدَّةٍ في المواقف، وتعميمٍ، وإكثارٍ من القول والتشكي مع تأخرٍ في المبادرة وتقاعسٍ عن العمل، وعدم توازنٍ في التفكير، والقيام بالنظر إلى الأمور والتعاطي مع الأشياء على اعتبارها لا تقبل التفريق والتجزئة، ولا تحتمل المرحلية، ولا يمكن النظر إليها عملياً إلا من خلال زاوية واحدة. ـ وأن يتأمل في قوة الإسلام الذاتية وما يتضمنه من نور وبهاء، ويمتلكه من إبهار وجاذبية ونقاء، في مقابل إفلاس المناهج الوضعية والأطروحات التغريبية في علاج مشاكل الإنسانية بعامة، وأمتنا بصفة خاصة. ـ وأن يفرح ويستبشر بإقبال الأمة على الإسلام من جديد، واستعدادها حين يُحسِن المصلحون مخاطبتها والقيام بإثارتها للبذل والتضحية في سبيل تمكين دينها والذود عن حياضه من أن يُمَس من قِبَل أعدائها. ـ وأن يقوم بنشر ثقافة التفاؤل، وفتح بوابات الأمل، ومد جسور المبادرة والحيوية والنشاط أمام أبناء الأمة لخدمة هذا الدين، كلٌ في المجال الذي يمكنه ويجد نفسه فيه؛ ليفيض الرجاء، ويعم البِشْر، وتنفرج الأسارير، وتتدفق الحماسة، وتعظم الجدية، وتتبدد ظلمات اليأس والقنوط، مدركاً أن الليل مقدمة الإصباح، والظلمة أول بشائر النور، وأن الجدب يتلوه الغيث، والحياة في أحيان كثيرة لا تنبثق إلا من باطن الأرض الموات. إن من أهم ركائز الأمل ومتطلبات التفاؤل: سعة الأفق، وبُعد النظر، وطول النَّفَس، والصبر والمصابرة، وإعطاء المعالجة والبناء المدى الزمني الذي يحتاجان إليه، وقد كان ذلك جلياً في حياة من جعله الله ـ تعالى ـ أسوة حسنة لنا، وانظر إليه # وهو في (قرن الثعالب) يمشي مهموماً بعد أن طرده بنو عبد ياليل وآذوه ورجموه حتى أدموه، والملأ من قريش مصممون على منع عودته إلى مكة، وقد جاءه مَلَك الجبال فقال: «إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين» ، فأجابه #، وكله تفاؤل وأمل، وصبر، ورحمة، وبُعد نظر، واستشراف عميق للمستقبل: «بل أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً!!» (١) . فكن من جيل التجديد: رواد النهوض وصناع التاريخ؛ فإن القانطين هم الضالون، والآيسين هم طائفة التخاذل، وجماعة التشاؤم، وركب الإحباط والعجز، ورافعو راية الاستسلام والهزيمة. لم يستطيعوا بناء الحياة السوية في نفوسهم وفي أجواء أسرهم؛ فكيف يصنعونها لغيرهم؟! وقديماً قيل: فاقد الشيء لا يعطيه. فهيَّا إلى التفاؤل وقراءة الأحداث والمواقف بنفسية متزنة، ورؤية واعية عميقة، متفائلة غير مغرقة في نظرية المؤامرة؛ فإنه لا سبيل لركوب دروب العزة، والوصول لساحة الكرامة في الدنيا والسعادة في الآخرة إلا من خلال ذلك. ولنحذر من الغرور والتمني الكاذب الذي يعيش صاحبه في أجواء السذاجة والغفلة، ويكتفي بالتغني بالأمجاد السالفة، ويرى أن كل الأمور خيِّرة، وكأنَّا لا نعيش في أجواء التبعية، وأن أعداءنا لم يعبثوا بقيمنا، ولم يستولوا على مقدساتنا، ولم يزهقوا أرواحنا، وينتهكوا أعراضنا، ويقتطعوا من أراضينا، ويستولوا على خيراتنا. ودون أن يصاحب تمنيه اندفاع في تلقي العلم، ومثابرة في تقوية الإيمان، وأخذ النفس بالعزم، ودون أن يرافقه اجتهاد في تحصيل جوانب القوة، وامتلاك أسباب النصر، فإن في ذلك من تخدير الأمة، وتعييشها في أجواء التقاعس والغفلة ما يتوازى في أثره مع فعل غارسي أشواك الإحباط والقنوط. ولْنَتَوَقَّ القيام بزراعة اليأس، واستنبات القنوط في دواخل نفوسنا وأوساط أمتنا؛ إذ لا يجوز لمن خاف الله أن يقنط هو في ذاته من رحمته ـ تعالى ـ (٢) ولا أن يُحبِّط الناس وييئِّسهم من فرجه ـ سبحانه ـ فإن من قال: هلك الناس، فهو مهلكهم وأهلكهم. ولنتذكر أن تباشير النصر قد بدت، وطلائع الضياء قد بزغت، والنصوص الثابتة وأحداث التاريخ يخبراننا بجلاء أن العسر يعقبه اليسر، وأن الكُرَب متى اشتدت انفرجت، وأن الحادثات متى تناهت فموصول بها الفرج القريب، ولكن أنَّى للمحبَطين الغارقين في دوامة اللحظة، والذين لا يرون إلا في حدود محيطهم الضيق أن يدركوا ذلك فضلاً عن أن يشاهدوه؟! فاللهمَّ برحمتك وجودك بُثَّ الأمل والتفاؤل فينا؛ فإن حياتنا وركيزة انطلاقتنا في ذلك، وارزقنا بفضلك حسن الظن بك، والثقة بموعودك، والاجتهاد في التمسك بشرعك، والعمل لدينك، ومقارعة أعدائك، إنك على كل شيء قدير. ^ العدد ٢٢٨

стр. 5708

دور المعلم وآليات عمله أ. د. مصطفى رجب قال ـ تعالى ـ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٥] . إنها خمس آيات تضمّنت إحدى وخمسين كلمة، تخشع أمامها قلوب المؤمنين، وتقشعرُّ لسماعها جلود المخبتين، والآيات الخمس تضمُّ فنوناً من التربية متنوعة، وأساليب للدعوة بديعة باهرة. إنه الإعجاز التربوي للقرآن الكريم في صورة من صوره: صورة الحوار بين مربٍّ وجهول، وعالم وعنيد، ونبي وكافر. إعجاز يقوم على أسس من الإقناع والتبصير ومحاولة تعديل السلوك الخاطئ، مستعيناً في سبيل ذلك بكل ما آتاه الله ـ تعالى ـ من حكمة وحسن تقدير. وفيما يلي تحليل لبعض جوانب هذا الإعجاز التربوي الفذّ في مجال من أهمِّ مجالات التربية، وهو ذلك المجال المتصل بأدوار المعلم: ü أولاً: استثارة الدافعية: من المسلَّم به عند التربويين أنه (لا تعلُّم بدون دافعية) فالمعلم مهما بلغ من النبوغ والبراعة، لا يمكنه دفع طلابه إلى التعلُّم إذا ما كانوا عنه معرضين، وفي العلم زاهدين، أما إذا توفر لديهم دافع داخلي يحفزهم فإنهم يُقبِلون على التعليم بعقول متفتِّحة، وقلوب واعية؛ لأن الدافعية تبعث في النفوس طاقة انفعالية، وتتحول هذه الطاقة إلى نشاط محسوس. ويرتهن نجاح المعلِّم في عمله بقدرته على استغلال دوافع تلاميذه من أجل تحريك نشاطهم وتعديل سلوكهم من أجل تحقيق أهداف يحدِّدها لهم. وقد بدأ أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ حواره مع أبيه بأن وضع له هدفاً يمسُّ حياته مسّاً مباشراً، وهو النفع أو المصلحة المبتغاة من عبادة الآلهة. فإذا كان الإله الذي يعبده المرء لا يسمع ولا يبصر؛ فكيف يمكنه أن يساعد من يعبدونه؟! أو يحقق لهم نفعاً؟! أو يدفع عنهم ضرراً؟! بدأ إبراهيم حواره بإثارة النشاط العقلي عند أبيه؛ لكي يحرِّك عنده طاقة انفعالية تجعله يفكر بالصورة الصحيحة في تلك الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر. ü ثانياً: استعمال الحوافز: ينجح المعلِّم بقدر تمكُّنه من استعمال الحوافز مع طلابه، فإذا آنسَ فيهم شروداً، أو عناداً، أو خروجاً على المألوف، أو صُدوفاً عن التعليم، احتال لذلك بما يتوفر لديهم ولديه من حوافز مادية أو معنوية، كأن يعدُهم بمكافأة أو نزهة أو حفل أو ما شابه ذلك مما تتوق إليه النفوس، وتنشط له الأبدان. وسيدنا إبراهيم ﵇ بعد أن سعى إلى تنشيط عقل أبيه بالتفكير في جدوى عبادة الأصنام، أدرك أن هذا التفكير عملية عقلية معقدة بالنسبة لإنسان جامد الفكر، فأراد أن يقدِّم له حافزاً يشجِّعه به على المضيّ في عملية التفكير، فأخبره بأن ما منَّ الله به عليه من العلم سوف يجعله في خدمة أبيه، وأن أباه لو أطاعه، وأعمل عقله فيما يعبد، لوصل إلى الحقيقة التي يتهرب منها، وهي أن هذه الأصنام التي ورث عبادتها عن آبائه وجدوده لا تنفع ولا تضرُّ، ولا بد أن لهذا الوجود خالقاً يجلُّ عن التجسيم. وهذا الخالق ـ جل وعلا ـ هو الذي رزق إبراهيم العلم. فسيدنا إبراهيم ﵇ في هذا النداء الثاني: ﴿يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] يحفز أباه على الدخول معه في دنيا الإيمان الصافي بالخالق القادر. ü ثالثاً: بسط الحقائق والتبصير بها: ومن مهمات المعلِّم أن يبسط أمام طلابه حقائق الموقف التعليمي، ويبصِّرهم بما لتلك الحقائق من أبعاد مختلفة تتصل بهم، وبحياتهم، واهتماماتهم، ومصالحهم، حتى يحقق لهم بذلك البسط والتبصير القانون الذي يسميه التربويون (قانون التعرُّف) ؛ بمعنى أن المتعلِّم إذا كان ذا معرفة بعناصر الموقف المراد تعلُّمه، فإن هذا يسهل عليه استيعاب هذا الموقف الجديد والتكيّف معه. وهذا ما فعله سيدنا إبراهيم ﵇ حين ربط لأبيه بين عبادة الأصنام، وعبادة الشيطان. وهذا أمر قد يغيب عن ذهن ذلك الأب الذي أعماه التقليد عن إدراك حقائق الموقف الجامد الذي يقفه من دعوة ابنه. فهو لا يدرك أن عبادته للأصنام ما هي إلا عبادة للشيطان في الحقيقة؛ لأن الأصنام حجارة لا قدرة لها على التأثير في نفسها ولا في غيرها. أما الشيطان فله سلطان على النفوس الضعيفة، فهو الذي يسوِّل لها، ويزيِّن لها، ويوسوس لها، وقد عصى ربه فمن أطاعه فقد أطاع عاصياً لله، فهو عاصٍ بالتبعية. ü رابعاً: التهديد بالعقاب: ومن شأن المعلِّم إذا أخفق أسلوب التنشيط العقلي، واستعمال الحوافز، وبسط الحقائق، أن يلجاً إلى ما ترتدع به النفوس الشاردة، وترعوي به القلوب الجاحدة، وهو أسلوب العقاب، أو التهديد باستخدام العقاب. وهذا ما فعله سيدنا إبراهيم ﵇ في نهاية حواره، حين لم يلمح في وجه أبيه اطمئناناً إلى حديثه، ولا ثقةً بحججه، ولا رغبةً في اتِّباعه، فبادرَ بتخويفه من عذاب الله ـ تعالى ـ ومن موالاة الشيطان الذي هو عدو لله وعدو للمؤمنين. وقد أوضحت الآيات التالية من الحوار، ما ردَّ به الأب الجهول على ابنه النبي العالم الصالح القانت الراغب في إنقاذ أبيه، من براثن الجهل، ووهاد الضلال، ودركات التّبعية العمياء: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] ، وهكذا.. كانت عماية الجهل، وغواية الانقياد الأعمى للموروث الثقافي المتهافت، غشاوةً على عقل الرجل، فلم يستجب لنداء الحق والإيمان، وختم الله على سمعه وبصره وبصيرته فلم يتبين أنوار الهداية التي تذرعت بكل أساليب الإقناع: ـ بالدعوة إلى إعمال العقل. ـ وبالتحفيز على اتّباع العلم. ـ وبشرح أسباب الغواية. ـ وبالتخويف من العقاب. وبالرغم من هذا الجفاء، وتلك الغلظة، لم يفقد سيدنا إبراهيم ﵇ حلمه، ولا أساء الأدب في حواره مع أبيه، ولكنه استسلم لمشيئة هذا التحجر الجاثم على بصيرة الرجل، وقال له في محاولة أخيرة لاستدرار عاطفته وإنذار عقله: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] !! أين هذا المستوى الرفيع من الخُلُق النبيل؟! إننا نرى في المجتمعات المعاصرة شباباً يتنكرون لآبائهم وأمهاتهم، وفيما تنشره الصحف وتذيعه الإذاعات من قضايا الأسرة ما يشيب لهوله الوِلْدان؛ فهذا شاب أُوتي قسطاً من التعليم يستكبر على أبيه؛ لأن أباه رجل بسيط فقير الحال، فكأنه يتنكر لأصله. وهذا شاب أبوه غني ولكن الأجل يمتدُّ به، والابن يتعجّل الميراث فإذا به يقاضي أباه أمام المحاكم ويطلب الحجر عليه!! والأكثر بشاعة حين تمتد أيدي الشباب الفاسد إلى الوالدين بالضرب والإهانة. إن أبا إبراهيم هنا يهدّده بالرجم والطّرد من المنزل.. والابن يرد في حلم العالم وعلم الحليم: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] !! ü آليات عمل المعلّم التربوية كما تظهر من الحوار: إن الآيات الخمس على وجازتها تتضمن معالم تربوية يحسن إبرازها في صورة نقاط تتعلق بمهام المعلِّم وأدواره وآليات عمله كما تظهر في حوار سيدنا إبراهيم ﵇ مع أبيه. ومنها: ١ ـ استدرار عاطفة المتعلم: إن تكرار كلمة (يا أبتِ) أربع مرات في الآيات الأربع التي توجه فيها سيدنا إبراهيم ﵇ بالخطاب إلى أبيه يدل على أهمية أن يكون تركيز المعلِّم في أسلوبه التربوي على ما يثير عواطف المتعلِّمين ويحرّك مشاعرهم الانفعالية الإيجابية نحو الموقف التعليمي. فهو بهذا النداء المتكرر، يستدر عاطفة الأبوة، ويمدُّ جسراً من الثقة بينه ـ وهو النبي العالم ـ وبين أبيه وهو الجاهل الكافر العنيد، وكأن علاقة الأبوّة والبنوّة ـ في تقديره ـ ستسهم في تحريك مشاعر الرجل ومن ثم تحريك عقله. ٢ ـ أسلوب الاستفهام منشط للفكر: ﴿إذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] ؟ هكذا بدأ سيدنا إبراهيم ﵇ حواره مع أبيه؛ إدراكاً منه أن ما يسميه التربويون بـ «الإثارة» أو «التمهيد» للدرس عنصر جوهري من عناصر العملية التعليمية، إنه بدأ الحوار الهادئ بسؤالٍ لا هدوء فيه على الإطلاق، سؤال يتصادم مع معتقدات موروثة تشبه بُحيرة آسنة ساكنة، رانَ عليها السكون قروناً وآماداً طوالاً، فهو يلقي فيها بحجر من الحجم الثقيل ليحرِّك سكونها. وهكذا.. من واجب المعلِّم أن يكون بدء تدريسه قوياً مثيراً فعَّالاً بأسئلة تهزُّ الوجدان وتزلزل العقول وتدفع المتعلِّم دفعاً إلى التفكير المستقلّ الحرّ. ٣ ـ ثقة المعلِّم بنفسه ضرورية: إن قوة شخصية المعلِّم تقوم بالدرجة الأولى على مدى ثقته بنفسه، وبمادته العلمية، ورسالته الإنسانية، فإذا ما توفرت له ثقة بنفسه، وأحسن إعداد مادته العلمية، وآمن بنقل رسالته وصدقه مع نفسه في أدائها، كان ذلك أدعى إلى تحقيق أهدافه، وإنجاح عمله التربوي. ونحن نلمس هذا واضحاً في حوار سيدنا إبراهيم ﵇ مع أبيه من خلال: أـ التصريح بأن ما عنده من العلم يفوق ما عند أبيه. ب ـ استعمال أسلوب التوكيد الذي يعكس ثقته بنفسه من جهة، ويسعى إلى كسب ثقة الطرف الآخر بما يقوله من جهة أخرى: ﴿يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] . ج ـ تنويع أساليب الخطاب من سؤال، إلى تحفيز، إلى تهديد بالعقاب. ٤ ـ الحلم وسعة الصدر: لا ينجح المعلِّم في أداء مهمته إذا كان عجولاً، يؤوساً، مقهوراً. وإنما ينجح بقدر ما يتحلّى به من صبر ومصابرة، وقدرةٍ على التحمّل؛ فإن المتعلِّمين قد يصدر منهم سوء أدب، أو فظاظة في الحوار، أو غلظة في الردّ، أو تعدٍّ على المعلِّم باليد أو اللسان، وعلى المعلم أن يكون قادراً على امتصاص ذلك كله وإحسان التعامل معه. وتدلنا الآيات على أن سيدنا إبراهيم ﵇ بعد أن استنفد كل وسائل الإقناع والتأثير، لم يجد من أبيه أذناً صاغية ولا قلباً مفتوحاً، بل وجد إصراراً على الكفر، وسوءَ ردٍّ، وغلظةً في الحديث؛ فهو يقول أربع مرات: (يا أبت) ، وهو أسلوب نداء ترغيبي؛ لأن ياء المتكلم في قوله (يا أبي) أُبدلت تاءً. والمقام بينهما لا يحتاج إلى نداء؛ لأن الحوار مباشر وهما متقابلان وجهاً لوجه، لكن تكرار النداء بالأبوة فيه تحنين للقلب الجامد، ومحاولة متكررة لاستحضار ملكات السمع والذهن الشاردة. ومع ذلك فإن الأب الجهول يستكثر أن ينادي ابنه بقوله (يا بنيَّ) مسايرة لخطابه إياه بقوله (يا أبت) ، بل إنه يقول له: يا إبراهيم؛ ليؤكد أن بينهما أمداًَ بعيداً من الانفصال العقلي والوجداني. ٥ ـ التنويع في أساليب التعليم: على المعلِّم لكي ينجح في عمله أن ينوِّع أساليبه التدريسية حتى يصل إلى أهدافه. وسيدنا إبراهيم ﵇ في هذا الحوار، سعى إلى استمالة والده وكسب ثقته بالسؤال، والتحفيز، والبسط والشرح، والتهديد بالعقاب. ونستفيد من هذه الأساليب وتقديرها أنها هي الأسلوب الأمثل لما يجب أن يكون عليه المعلِّم من سعة أُفق، وقدرةٍ على التكيّف، ومرونةٍ في الأداء. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5709

المعايشة التربوية سالم أحمد البطاطي إن التربية المنتجة عملية صعبة ومستمرة تحتاج إلى معايشة مع المتربين، والتربية التي تعتمد على لقاء عابر أو جلسة أسبوعية أو مناسبة عامة ـ فقط ـ تربية فيها نقص وخلل، ومن ثَمَّ لا يكون البناء متكاملاً، فلا نستغرب بعد ذلك من تلك المخرجات المتذبذبة والمتهلهلة التي من أبرز سماتها الالتزام الأجوف. والناظر في سيرة المصطفى # يجد أن قضية المعايشة قضية بارزة في حياته #. يؤكد هذا المعنى عبد الله بن شقيق ﵁ عندما سأل عائشة ﵂: هل كان النبي # يصلي وهو قاعد؟ قالت: «نعم! بعدما حطمه الناس» (١) . فقد كان # يتصدى للناس، ويعايشهم، ويخالطهم، يستقبلهم ويودعهم، ويتحمل أخطاءهم؛ لذلك حطمه الناس، وأثَّروا في بدنه # حتى أصبح يصلي جالساً، وأسرع إليه الشيب ـ بأبي هو وأمي ـ #. ويؤكد هذا المعنى أيضاً حديث أنس ﵁ حيث قال: «إن كان رسول الله ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» (٢) . ويؤيد هذا المعنى أيضاً حديث سماك بن حرب؛ حيث قال: قلت لجابر بن سمرة: كنت تجالس رسول الله #؟ قال: نعم! كان رسول الله # إذا صلى الفجر جلس في مصلاَّه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه يذكرون حديث الجاهلية، ينشدون الشعر، ويضحكون، ويبتسم #» (٣) . وحسبنا في هذه الورقات أن نلقي الضوء على هذا المفهوم التربوي المهم، وأنا مؤمن بأنها لن تشبع هذا الموضوع حقه، ولكن هي إشارات عابرة، وفتح باب للباحثين حول هذا المفهوم. ١ ـ مفهوم المعايشة: إن مفهوم المعايشة هو: أن يُظهِر المربي استعداده لمعايشة المتربين واستقبالهم والجلوس معهم، وأن يُشعِرَهم بتوفر الوقت والمكان لديه لمعالجة قضاياهم وحل مشكلاتهم، وتتمثل أيضاً في إظهار أوقات الاستقبال وتحديدها؛ كالساعات المكتبية، والساعات المنزلية، والأيام، والأوقات المتوفرة للخروج مع المتربين في نشاطاتهم ورحلاتهم، وزياراتهم، وتيسير سبل الاتصال به؛ كالاتصال الشخصي، والكتابي، والهاتفي، ومدى الاستعداد لتذليل وسيلة النقل؛ كالسيارة ونحوها عند الحاجة. والخلاصة: أن كل ما يُظهِرُه المربي من استعداد ليكون قريباً من تلاميذه؛ لتربيتهم، والعناية بحاجاتهم، وحل مشكلاتهم فهو من خاصية المعايشة. ٢ ـ لماذا المعايشة في العمل التربوي؟ إن من أعظم المسوِّغات والدوافع التي تدفعنا لتحقيق هذا المبدأ في واقعنا التربوي وتطبيقه ثقلَ الأمانة المنوطة بعاتق المربين. إن عظيم الموقع الذي تبوأه المربي، وثقلَ الأمانة التي تحملها تجعله يجتهد غاية الاجتهاد في نصح من يربيهم، وتوجيههم، والارتقاء بهم، كيف لا؟ وهو المعنيُّ بتلك النصوص العظيمة التي يقول فيها #: «ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولاً يده إلى عنقه، فكه بِرُّه، أو أوثقه إثمه، أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة» (٤) . ويقول # أيضاً: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته؛ إلا حرم الله عليه الجنة» (٥) ، ويقول # أيضاً: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ... » (٦) ويقول # أيضاً: «ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولاً حتى يفكه العدل، أو يوبقه الجور» (٧) . إن هذه النصوص لتدفع كل مربِّ صادق إلى الاجتهاد فيمن يربيهم، والنصح لهم، والسعي الجاد في برهم والإحسان إليهم، وإن تطبيق هذا المفهوم التربوي في الواقع لهو سبيل لتحقيق تلك الأمور المنشودة. ٣ ـ المربي الأول # والمعايشة: يقول #: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» (١) . لقد كان للنبي # أوفر الحظ والنصيب من هذا الحديث، وكان الرائد في هذا المجال؛ فقد بُعِثَ معلماً، يتوفر لطلابه في معظم أحيانه، فهم يجدونه في المسجد، فإن لم يكن ففي السوق أو الطريق، فإن لم يكن ذهبوا إلى بيته، وكان # يستقبلهم ويعلمهم ويجيب عن أسئلتهم، ولم يكن من عادته حجب الناس عنه أو ردهم بل كان يستقبلهم، ويبتسم لهم دائماً. عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «ما حجبني رسول الله # منذ أسلمت، ولا رآني إلا ابتسم في وجهي» (٢) . وكان # يعتمد اعتماداً كبيراً على هذه الخاصية (المعايشة) في الاتصال بالمدعوين والمتربين، والتعرف عليهم والتقرب إليهم، والتأثير فيهم. فهو يعرف أسماءهم، وبعض خصائصهم، وأسماء قبائلهم، وتاريخ تلك القبائل، وأسماء بلدانهم، وخصائص تلك البلدان، ويعرف مستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذا فيما يتعلق بالأبعدين والمستجدين، أما أصحابه ممن حوله، والمقربون منه، فيعرف كل شيء عنهم تقريباً، حاجتَهم واستكفاءَهم، مرضهم وصحتهم، سفرهم وإقامتهم، ويعرف مستوياتهم الإيمانية والعقلية والنفسية، ويعرف قدراتهم وحظوظهم في المجالات التربوية والقيادية والمالية والحكمية والدعوية، ويتحدث مع كلٍ بما يناسبه، ويكلف كلاً منهم وفق خصائصه وقدراته. عن أنس ابن مالك ﵁ أن رسول الله # قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أُبَيُّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح» (٣) . ٤ ـ فوائد المعايشة: للمعايشة فوائد كثيرة يجنيها المربي متى ما طبق هذا المفهوم على أرض الواقع، ولعلنا نشير إلى أهم هذه الفوائد والثمار. أـ الحصول على الأجر والثواب من عند الله : قال #: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» (٤) . فمتى ما استشعر المربي هذا الحديث، واستشرف لهذا الأجر العظيم كان ذلك دافعاً له لتحقيق هذا المفهوم مع من يربيهم، فتجده لا يألو جهداً في معايشة ومخالطة المتربين، والصبر عليهم في تربيتهم، والصبر على ما يجده من أذى منهم مقابل ذلك الفضل العظيم. ب ـ تهذيب أخلاق المربي: فالمعايشة تهيئ المربي أن يكون قدوة حسنة يقتدى به، ويؤخذ هذا من قوله #: «ويصبر على أذاهم» ففي المعايشة نوع من تحسين المربي لذاته، وتهذيب لخُلُقه وسلوكه خاصةً أنه في مصاف القدوة. إنه لا يكفي أن يكون عند المربي ما يعطيه؛ بل لا بد أن يكون حَسَنَ العطاء حتى يترك عطاؤه أثراً في نفس المتربي. ج ـ معرفة طاقات المتربين وقدراتهم: يستطيع المربي من خلال معايشته ومخالطته لمن يربيهم اكتشاف طاقاتهم وقدراتهم ومؤهلاتهم؛ ومن ثَم يستطيع توجيه هذه الطاقات فيما يناسبها، ويوجه هذه القدرات في مظانها، ويضع الشخص المناسب في المكان المناسب من خلال تلك المؤهلات، ولهذا شاهد من السيرة؛ كما في حديث أنس بن مالك ﵁ الذي مر قبل قليل: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ... » (٥) . وقال #: «خذوا القرآن عن أربعة: عن ابن مسعود، وأُبيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة» (٦) . د ـ معرفة جوانب الضعف في المتربين ومن ثَمَّ معالجتها: يجتهد المربي ويسعى في تطوير المتربي والارتقاء به. ومن محاور التطوير والارتقاء معرفة ضعفه؛ وذلك من أجل تزويده بالعلاجات المناسبة فيتجاوز هذا الضعف ويرتقي. ومخالطة المتربين ومعايشتهم توفر للمربي ذلك كله. ولقد استطاع # بمعايشته لأصحابه معرفة نقاط القوة لديهم ونقاط الضعف أيضاً، فأثنى على نقاط القوة خيراً ـ كما مر معنا ـ وحذر ونصح وحث في نقاط الضعف من أجل تجاوزها، وإليك هذا الشاهد: عن ابن عمر ﵄ قال: كان الرجل في حياة النبي # إذا رأى رؤيا قصها على النبي #، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي #، وكنت غلاماً أعزب، وكنت أنام في المسجد على عهد النبي #، فرأيت في المنام مَلَكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار. فلقيهما ملك آخر، فقال لي: لم تراعَ. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي #، فقال: نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل. قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً (٧) . هـ ـ التقويم الصحيح للمتربين: يحتاج المربي في مسيرته التربوية إلى وقفات تقويمية لمن يربيهم؛ من أجل الارتقاء بهم وإصلاحهم، ولا يستطيع شخص غير المربي أن يصيب التقييم الصحيح في المتربين؛ إذ هو أقرب الناس للمتربين من غيره؛ وذلك بمعايشته لهم، ومخالطته إياهم، والقرب منهم. ولهذا شاهِدٌ من السيرة النبوية؛ فعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب: أن رجلاً على عهد النبي # كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يُضحِكُ النبي #، وكان النبي # قد جلده في الشراب، فأُتيَ به يوماً، فأَمَرَ به، فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي #: لا تلعنوه! فوالله ما علمت: إنه يحب الله ورسوله» (١) . لقد زجر النبي # الذي سب ولعن حماراً ﵁ مع أن حماراً كان يشرب الخمر، إلا أن النبي # كان أقرب الناس إليه بمعايشته له، وكان أعلم بأعمال حمار من غيره؛ لذا قال #: «لا تلعنوه! فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله» وهذا يعني أن لحمارٍ محاسنَ وحسنات في الإسلام قد لا يعلمها البعيد عنه، لا يعلمها إلا من كان معايشاً ومخالطاً له، وقريباً منه، وهذا كان متمثلاً في النبي #. وـ معرفة الخصائص النفسية للمتربين: النفوس تختلف وتتباين، ولكل نفس خصائصها المجبولة عليها، والمربي الفطن هو الذي يتعرف على خصائص النفوس المتربية، فيبني عليها ماهية التعامل والأسلوب المناسب لكل نفسية، ولا يكون ذلك إلا بالمعايشة والمخالطة مع المتربين؛ إذ يستطيع المربي معرفة تلك الخصائص، ومن ثَمَّ معرفة الأسلوب المناسب في التعامل مع تلك النفسيات، ولهذا شاهد من السيرة النبوية؛ فعن عمرو بن تغلب ﵁ أن رسول الله # أُتِيَ بمال أو سبي، فقسمه، فأعطى رجالاً، وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فوالله! إني لأعطي الرجل وأدَعُ الرجل، والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطي، ولكني إنما أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِلُ أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب» . قال عمرو بن تغلب: «فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله # حمر النعم» (٢) . فتأمل نفاذ نظر الرسول # في معرفة خصائص أتباعه، وتربية كل منهم بما يناسب فطرته وميوله ودوافعه الخاصة به. وعلى ذلك فالمربي ملزم بمعرفة أتباعه وخصائصهم النفسية عن قرب؛ حتى يستطيع التعامل معهم والقيام بتربيتهم على أكمل وجه، ولا يكون ذلك إلا بمعايشتهم ومخالطتهم. ز ـ حل مشاكل المتربين الخاصة والأسرية: يسعى المربي الناصح في برنامجه التربوي أن يوفر للمتربي الاستقرار النفسي الذي يساعده على الاستجابة، ومن ثم العطاء والإنتاجية، ولكن تبقى المشاكل الخاصة أو الأسرية في المتربين عائقاً لهذا الاستقرار. وبإمكان المربي من خلال معايشته، ومخالطته لمن يربيهم، وبقربه منهم، واهتمامه بهم حل تلك المشكلات وتذليلها، وتجاوز تلك العقبات. ولقد كان # كذلك معايشاً لأصحابه قريباً منهم مهتماً بهم وبحل مشاكلهم، يسأل عن أحوالهم، وعما يكدر خواطرهم، ويظهر ذلك مما يلي: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «دخل رسول الله # ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة! ما لي أراكَ جالساً في المسجد في غير وقت صلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» . قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله همي وغمي، وقضى عني ديني» (٣) . ٥ ـ أثر المعايشة في الاستجابة: معايشة المتربين ومخالطتهم له الأثر الفاعل في استجابتهم، فبقدر ما يعطي المربي من اهتمام لهذا المفهوم في واقعه التربوي بقدر ما تكون استجابة المسترشدين له، والإقبال عليه. ففي قصة أصحاب الأخدود تروي لنا الأحاديث أن: الغلام كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، حتى ذاع صيته، وانتشر خبره؛ فأقبل الناس عليه أفواجاً، واستطاع بمعايشته الناس، والقرب منهم أن يكوِّن رصيداً مباركاً من حب الناس له والإقبال عليه، لقد قدم لهم وقته، وجهده، وما أعطاه الله من موهبة وطاقة، وقدموا المهج من أجل الدين الذي أتى به اعتقاداً واستمساكاً. فينبغي للمربي أن يوجه ويذلل طاقاته، وقدراته التي يمتلكها في سبيل الله، وأن تكون مفتاحاً لمعايشة الناس، ودعوتهم بعد ذلك. ولقد كان لهذه الخاصية (المعايشة) أثر بارز في تفاعل الناس مع الرسول #، وإقبالهم عليه، وتقبلهم منه، ورغبتهم في العلم والعمل الذي يوجههم إليه عن قناعة ومحبة، وكان التلاميذ مندمجين بشخصيته # أيما اندماج، دونما تبذُّل أو تكلُّف، مما جعل الناتج التربوي أصيلاً وعميقاً من جهة، وواسعاً ومنتشراً من جهة أخرى. «وقد تناول الباحثون في مجال علم النفس وفي مجال العلاقات الاجتماعية هذه الخاصية بالدراسة، وافترضوا أن لها علاقةً ما بمدى إقبال المتعلم أو المتلقي على الأستاذ؛ ليأخذ منه، أو يسأله، أو يقيم علاقة شخصية معه تتجاوز الاستفادة الوظيفية في المجال الأكاديمي إلى الاستشارة الشخصية والاجتماعية. وكان من بين الافتراضات التي توقعها بعض الباحثين، وكانت صحيحة أن: المعايشة، وقرب المربي، وإظهاره لهذا القرب بتوفير الساعات المكتبية يمكن أن يكون متغيراً مهماً يقع بين عزيمة المسترشد على الذهاب للمربي واستشارته، وبين حدوث الاسترشاد فعلاً، ومن ثَمَّ يكون ظهور المربي قريباً منهم مكاناً ووقتاً وشخصاً عاملاً مهماً في التفاعل والتأثير والإقبال، وهذا أيضاً ما أيدته بعض الأبحاث الأخرى، فقد وجد «ولسن وودز» أن هناك علاقة مؤثرة بين توفر الأستاذ أو المربي في ساعات معينة، وظهوره بمظهر المستعد لاستقبال المتعلمين، وقضاء وقت معهم، وبين إقبال هؤلاء المتعلمين عليه واستعانتهم به، وعرض مشكلاتهم عليه؛ وعلى هذا الأساس كانت الأبحاث النفسية التربوية توصي كثيراً بتوفير الوقت وتنظيمه وتحديده للمسترشدين، وأن يواكب هذا استعداد شخصي ونفسي من المربي والمرشد؛ لاستقبالهم والتعامل معهم، مهما صعبت الظروف وتنوعت» (١) . ٦ ـ مساوئ كثرة المعايشة: هل لكثرة المعايشة سلبيات ومساوئ؟ نعم! إن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، والمعايشة ما لم تخضع لما يضبطها فإنها تصبح نقمة بعد ذلك. وإليكم بعض هذه المساوئ: ١ ـ إلْفُ المتربين للمربي، وإسقاط الكلفة بينهم وبينه؛ قد تؤدي إلى استنفاد المتربين لما عند المربي من طاقة روحية وذخيرة تربوية، خاصة إذا وافق ذلك تفريط من المربي في تربية نفسه. ٢ ـ ربما يتحولون من مرحلة التأثر إلى مرحلة النقد. ٣ ـ سقوط قضية التوجيه والتربية من يد المربي، فلا تكن بعد ذلك استجابة من قِبَل المتربين. ٧ ـ ضوابط المعايشة: يجتهد المربي الناصح في تحقيق هذا المبدأ في واقعه التربوي ويسعى جاهداً في ذلك، ولكن ثمة ضوابط تضبط تطبيق هذا المفهوم على أرض الواقع يجدر بنا الوقوف معها وتوضيحها إزاء تطبيق هذا المبدأ التربوي، حتى يكون المربي على بصيرة من أمره، وحتى لا يقع في إفراط أو تفريط، وحتى نحفظ للمربي دوره المنشود في ظل هذه الضوابط: أـ ألا تؤدي إلى التعلق المذموم بالمربي: الأصل في العملية التربوية أن الفرد الذي يُدعى يجب أن تتركز الجهود التربوية في تربيته بتوثيق صلته برب العالمين، وأن تكون صلته القوية بالله ـ تعالى ـ وبمنهجه القويم وألاَّ يتعلق بالبشر، ولكن كثرة المعايشة والمخالطة غير المنضبطة بالمتربين والقرب منهم قد يسبب ذلك التعلق، لا سيما إن لم تكن لتلك المعايشة أهداف تربوية يسعى المربي لتحقيقها، واستحضارها في معايشته لمن يربيهم. فيجب على المربي التفطن لهذا الأمر، وأن تكون معايشته منضبطة بحيث لا يُكثِر منها، وأن تكون بحدود المعقول، وأن تكون مرسومة الأهداف، مستحضراً لها في معايشته، ومتى ما وجد المربي ظهور هذه الظاهرة في أحد المتربين، فيجب عليه تذكيره بالله، وتحذيره من خطورة هذا التعلق، وربطه بالله، وبالقدوة المعصوم #، وطرق بعض المفاهيم العلاجية كمفهوم الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، وغيرها من المفاهيم التربوية (٢) . ب ـ ألا يتغلب جانب التربية الجماعية على التربية الفردية: التربية تقوم على عنصرين مهمين: الجماعية والفردية، ومتى اتكأت التربية على أحد العنصرين فهي تسعى لتبني قصراً في الرمال. ومعايشة المتربين ومخالطتهم والإكثار من ذلك قد يسبب الاتكاء على جانب الجماعية فقط، فيتربى المتربي على هذا العنصر الجماعي فقط، والذي يعيش الجانب الجماعي وحده سيبقى سمكة في ماء ما تلبث حين تفارقه أو تخرج منه أن تلفظ أنفاسها، وحين يعيش الشاب على التربية الجماعية وحدها، فهو مع ما يحمل من ثغرات كبيرة في شخصيته ما يلبث أن يفقد المتربي إخوانه يوماً، فيرى نفسه أمام عَالَمٍ لم يعتد عليه. فلم يعتد أن يبقى فارغاً، ولم يتربَّ على اغتنام وقته والاستفادة منه. فيجب على المربي التفطُّن لهذا الأمر خلال معايشته المتربين بحيث يكون هناك توازن في تطبيق المعايشة، وألاّ يكثر منها كثرةً تغلِّب الجماعية على الفردية، وينبغي عليه أن ينمي في المتربين الشعور بالمسؤولية الفردية، وأهمية التربية الفردية وأنها لا تقل أهمية عن الجماعية، متى ما شعر أن هناك تفريطاً في هذا الجانب. ج ـ ألا تطول بالقدر الذي يؤدي إلى جرأة الشاب على من يربيه، وزوال الكلفة بينهم، بحيث تذوب شخصية المربي بين المتربين: لأنَّ من فوائد المعايشة ومخالطة المتربين، كسر الحاجز الوهمي بين المربي والمتربين، ومن ثَمَّ تكون الشفافية والأريحية في التعامل فيما بينهم. ولكن هذا لا يسوِّغ أن تكون المعايشة سبيلاً إلى سقوط الهيبة بين المربي والمتربين؛ بحيث تصبح القضية أُخُوَّةً خاصةً مجردةً من معاني القيادة والتوجيه والتربية، فينبغي للمربي التفطن لهذا الأمر، وأن يكون هناك قدر من التقدير والاحترام والهيبة التي تكون بوابة لمعنى القيادة والتوجيه مع المتربين، وألاَّ تذوب شخصيته بكثرة المعايشة؛ بحيث تسقط من يده قضية التوجيه والتربية، فلا تكون بعد ذلك الاستجابة. د ـ ألا تؤدي إلى إهمال المربي نفسه في الارتقاء: في خضم معايشة المربي لمن يربيهم، ومخالطته إياهم، والسعي الجاد في تقديم النصح والتوجيه الذي يساهم في الارتقاء بهم، قد ينسى المربي نفسه وأن لها حقاً من الاهتمام والارتقاء بها، فمتى ما أهمل المربي نفسه في جانب الارتقاء بالنفس فلربما قاده ذلك إلى فقدان رصيده في يوم من الأيام، حتى يصبح المربي ليس عنده ما يعطي المتربي؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن ثَمَّ يفقد المربي صفة هي من أهم الصفات؛ وهي صفة العطاء؛ فنحن لا نريد أن يكون المربي كالشمعة تضيء للناس وتحرق نفسها، إنما نريده أن يكون كالشمس تضيء للآخرين مع حفاظها على خاصية التوهج في نفسها. فينبغي للمربي التوازن بين معايشة المتربين والارتقاء بهم، وبين الارتقاء بنفسه، والتزود بما فيه صلاحها وتزكيتها، وقربها من الله. لذلك هناك نوع من العزلة الجزئية، يُقْصَد من ورائه العزلة للتربية، حيث يخلو المرء بنفسه ـ أحياناً ـ بقصد التعبد، أو التزود من العلم، أو محاسبة النفس، أو نحو ذلك من الأغراض والمقاصد التربوية. وقد كان من صنع الله لنبيه # أن وفقه قبل نزول الوحي عليه لهذا النوع من العزلة، وحبب إليه الخلاء، فكان يخلو في غار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود بمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء (١) . هـ ـ البعد عن الدخول في الخصوصيات: كل الكائنات الحية تحتفظ لنفسها بمجال حيوي تعد اقتحامه نوعاً من العدوان عليها، ويأتي الإنسان على رأس القائمة. قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ، ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد من هذه الآية: هو السؤال عمَّا لا يعني من أحوال الناس؛ بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم، والاطلاع على مساوئهم (٢) . ولعل مع المعايشة قد يغفل المربي عن هذا الضابط، فيُسَوِّغُ لنفسه السؤال عما لا يعني، والاطلاع على ما يخص من يربيهم دون إذنهم، وكل هذه الأمور محرمة شرعاً، وجرأة بعض المربين على تجاوزها داخل في عموم قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] . وـ ألا يهمل الوَرَعَ الشرعي الواجب: ومن ذلك ما يتعلق بصحبة ومعايشة الأمرد؛ فقد يخلُّ المربي بالوَرَع الشرعي في ذلك فيخلو به، أو يسافر معه وحده، أو يبيت معه، أو غير ذلك بمسوغ المعايشة، وهي أمور قد ينشأ عنها نتائج غير محمودة؛ لذا شدد السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ في صحبة الأمرد، والآثار في ذلك كثيرة ومنها: ١ ـ ما رواه البيهقي في الشُّعَب عن بعض التابعين قال: «كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الجميل» (٣) . ٢ ـ روى أيضاً عن بعض التابعين: «ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سبع ضارٍ من الغلام الأمرد يقعد إليه» (٤) . ٣ ـ روي عن الحسن بن ذكوان أنه قال: «لا تجالسوا أولاد الأغنياء؛ فإن لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذارى» (٥) . «قد غدت اليوم صحبة المربين لهؤلاء الأحداث ضرورة ملحَّة، ولا يسوغ أن يُهمَلوا، أو ينهى المربون عن صحبتهم بحجة الورع؛ ذلك أن واقع السلف كان يختلف عن واقعنا، فلم يكن البديل عندهم هو الشارع غير المنضبط أو التجمعات الساقطة مما نشهده اليوم، بل كانت البيوت ومؤسسات المجتمع التربوية تتكفل بتربية هؤلاء والعناية بهم، أما الآن فالبديل لصحبة المربين لهؤلاء هو أن يصحبهم شياطين الإنس المفسدين، والواقع شاهد بأن كثيراً من هؤلاء حين ابتعدوا عن الميادين الصالحة انزلقوا في طرق الفساد. ومع القول بالحاجة لصحبة المربين للأحداث تبقى هذه النصوص عن السلف لها قيمتها واحترامها، فعلى المربي أن يراعي ضوابط مهمة في ذلك منها: عدم الخلوة، أو السفر مع الأمرد لوحده، ومراعاة المبيت وما يتعلق به» (٦) . وـ ألا تؤدي إلى إشغال المتربي معظم وقته، فلا بد من ترك قدر من وقت الفراغ يُعَوِّدُه فيه على استغلال الوقت في تربية ذاته، ويتيح له فرصة الاعتناء بدراسته، وارتباطاته الاجتماعية. ز ـ التقليل من اللقاءات الفردية في غير البرامج العامة؛ بحجة معايشة المتربي والقرب منه أكثر؛ فكثير منها يتحول إلى علاقة شخصية بحتة تفقد أثرها التربوي. ح ـ الاقتصاد في المزاح والهزل، وعدم الخروج فيه عن حد الوقار والهيبة. ٨ ـ المربي بين المعايشة والعزلة القلبية: يقول الدكتور سلمان العودة ـ حفظه الله ـ: «هناك العزلة القلبية التي يقصد بها أن المؤمن الملتزم بالمنهج الصحيح، وإن خالط الناس وعاشرهم ببدنه؛ فإنه مزايل لهم بعلمه وقلبه، مفارق ما هم عليه من التعلق بالبدع، أو الولع بالدنيا، أو اتباع الهوى، ساع لنقلهم عما هم فيه إلى حيث السلامة والأمان. فهو يخالط الناس لغاية واضحة، هي العمل على انتشالهم من الضلال إلى الهدى، ومن البدعة إلى السنَّة، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولا يستطيع أن يؤدي ذلك بصورة صحيحة مؤثرة إلا من دَاخَلَ الناس وعاشرهم، وعرف أحوالهم، وأحسن إليهم بلسانه ويده ـ ما استطاع سبيلاً ـ. وهذه المخالطة المقصودة تجعل في قلب المخالط شعوراً متميزاً يحميه من التأثر بأعمال الناس وأهوائهم وانحرافاتهم إلى حد بعيد، وبذلك يتمكن من اكتساب الخصائص الخيرة الجميلة التي قد تنقصه، ومن الانتفاع بالتجارب التي تزكي العقل الغريزي وتنميه، ومن الاطلاع على أحوال الزمان وأهله، ومعرفة حقيقة الانحرافات وأبعادها، ليقوم ـ بعدُ ـ بمدافعتها، وعلاجها بالأسلوب الأمثل، دون أن يؤدي به ذلك إلى الذوبان في المجتمع المحيط به، أو التخلي عن علمه، ونيته ودعوته. وبذلك يجمع بين الخلطة والعزلة، الخلطة بجسده ومدخله ومخرجه، والعزلة بقلبه وعمله ومشاعره، ولذلك يقول عبد الله بن مسعود ﵁: «خالطوا الناس، وزايلوهم، وصافحوهم، ودينكم لا تَكْلَمُوه» (١) . ٩ ـ برامج عملية وخطوات إجرائية للمعايشة: لعل البعض يطالب بتحويل هذا الكلام النظري إلى برامج عملية وخطوات إجرائية يمكن قياسها وتقويمها، ولا شك في أهمية هذا المطلب، خاصةً أن البعض قد يجيد التنظير والتقعيد الكلامي ويعجز عن ترجمته (كلامياً) في أرض الواقع؛ لذا كان لزاماً علينا أن نضع بعض البرامج العملية والخطوات الإجرائية في معايشة المربي لمن يربيهم، وننبه إلى أهمية استثمار تلك المحاور والخطوات في التوجيه والتربية، وهي كالتالي: ١ ـ مرافقته في بعض الشعائر التعبدية؛ كالصلاة معه، وأخذه لذلك، ومرافقته في العمرة والحج، واتباع الجنائز، وغير ذلك، واستثمار الرفقة في التوجيه والتربية. ٢ ـ توثيق الصلة معه بالإقبال والسلام عليه، والتبسم في وجهه، والسؤال عنه وعن أهله، والاتصال به هاتفياً من أجل ذلك، وزيارته في بيته، والسؤال عنه إذا غاب أو تأخر، والقرب منه عند وحدته، وإهدائه، وإجلاسه بجوارك عند مقابلته، والأخذ بيده، وتبادل أطراف الحديث معه في حال اللقاء به، ومناداته بأحب الأسماء إليه، وتكنيته، ومرافقته معك في السفر، ومراسلته، ومعرفة اهتماماته ومحبوباته، وغير ذلك. ٣ ـ مشاركته وجدانياً وذلك بالفرح لفرحه؛ كزواجه، أو زواج قريب له، أو نجاحه، أو حصول نعمة له، أو تجددها، أو غير ذلك، وكذلك مشاركته وجدانياً بالحزن لحزنه؛ كموت قريب له، أو مرضه، أو فقدان عزيز عليه، أو غير ذلك، والوقوف معه لمواساته. ٤ ـ إشعاره بأن له قيمة ومكانة؛ وذلك بعيادته إذا مرض وتصبيره، والوقوف معه، والتنزه معه، وإجابة دعوته، وإكرامه، والاستماع إلى همومه ومشكلاته، والسعي في حلها، والسعي في قضاء دَيْنِه وحاجاته، وإشعاره أنك تحترم رأيه، وغير ذلك. ٥ ـ مرافقته في بعض وسائل الارتقاء والتعلم؛ كحضور الدروس العلمية معه، والمحاضرات، والدورات الشرعية، وزيارة المخيمات الدعوية، والمكتبات الإسلامية، والتسجيلات، ومعارض الكتاب، وغير ذلك. الخاتمة: وبعدُ: فهذه أخي المربي كلمات وخواطر سطرها أخ لك في الله، لا تعدو أن تكون أراءً شخصية، إن أصاب فيها فمن الله، وإن أخطأ فمن نفسه والشيطان، والله ورسوله بريئان مما يقول. أيها المربي! شمِّر عن ساعديك، واعزم على العمل، وابحث عن المُعِين، وتوكل على الله، وليكن هدفك سامياً، وهمتك عالية؛ لكي تستطيع أن تنتج بأقصى طاقة، ولا ترضَ بالقليل من العمل، واصدق الله يصدقك. أيها المربي! إنه لا يكفي للقيام بواجب التربية والتوجيه الكلمات العاجلة، أو البرامج المرتجلة؛ فمن حق الشباب علينا وهم فلذات أكبادنا أن نُعنَى بتربيتهم، فهلاَّ نبادر في خطوات جادة للوصول إلى أسلوب أمثل في التوجيه والتربية! نأمل ذلك ونسأله سبحانه الإعانة ... وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. ^ العدد ٢٢٨

стр. 5710

مستقبل التعليم االشرعي سؤال جريء محمد بن عبد الله الدويش كان من أكبر إيجابيات الدعوة الإسلامية المعاصرة ومنجزاتها نشر العلم الشرعي وإحيائه، وقد تمثل ذلك في مظاهر عدة، أبرزها: ـ إقبال الشباب والفتيات على العلم الشرعي ورغبتهم فيه. ـ نمو الدراسات الشرعية في التعليم النظامي والإقبال عليها. ـ انتشار أدوات العلم الشرعي ووسائله من كتاب ومواد صوتية ومرئية. ـ انتشار حِلَق العلم ودروسه، وإعلاء شأن المنتسبين إليه. وتمثل الكليات والمعاهد الشرعية مصدراً مهماً في نشر العلم الشرعي؛ فهي تقدم دراسة متخصصة وفق برنامج مدروس يستوعب مجالات العلم الشرعي وتخصصاته، ويبني طالب العلم بناء علمياً متكاملاً. وهي تتيح تخريج عدد من طلبة العلم ممن يتولون التعليم والتدريس فيها. كما تسهم في إنتاج العديد من الدراسات الشرعية في برامج الدراسات العليا، والأنشطة العلمية للهيئة التدريسية فيها. ولقد أسهم اتساع فرص عمل خريجي الدراسات الشرعية في زيادة الإقبال ونموه كمّاً ونوعاً. لكن سوق العمل بدأت تضيق عن استيعاب خريجي التعليم الشرعي، حتى أصبح العديد منهم يبقى فريسة للبطالة أو يعمل بعيداً عن تخصصه. إن هذا يفرض على القائمين على التعليم الشرعي والمهتمين به التفكير جيداً وتقويم الواقع بموضوعية، بدلاً من الاكتفاء باتهام الآخرين بأنهم يسعون لتقليص التعليم الشرعي، وبدلاً من الاكتفاء بمزيد من مطالبة الناس بالتوجه للتخصصات الشرعية دون تقديم حلول جديدة لهذه المشكلة. والذين يسعون إلى تقليص التعليم الشرعي منهم فئة تنطلق من فكر وموقف سلبي تجاه العلم الشرعي، ومنهم من لا يحمل سوءاً لكنه لا يعي الحاجة لهذا النوع من التعليم، فلا ينبغي أن نحشر الجميع في فئة واحدة، ولا أن ننشغل بذم المغرضين بدلاً من الحل والبناء والإصلاح. وحلول هذه المشكلات تحتاج إلى تفكير جماعي، وإلى جهود من المختصين والمهتمين، وهي تستحق أن تعقد لها ندوات ومجالس ومؤتمرات علمية. ومما يمكن تقديمه في ذلك ما يلي: وفي النهاية: ينبغي أن ندرك أننا مسؤولون عن العمل الجاد على نشر العلم الشرعي، وعلى تقديم الحلول لمشكلاته؛ فإن تغير الواقع وتعقده يفرض علينا أن نبحث عن موقع جديد وأدوات جديدة تلائمنا.
следующие страницы →