شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
إنصافاً لعلماء اليمن
وتعقيباً على فهمي هويدي حول الوحدة اليمنية
يحيى محمد أبو زيد
يعيش اليمنيون هذه الأيام آمال تحقيق الوحدة بين الشعب الذي فرقته الحدود
المصطنعة والتي قامت على أساسها الدول الإقليمية الصغيرة، ولا خلاف بين
العقلاء أن الوحدة خير من التجزئة خاصة في هذا العصر الذي تتكتل فيه الدول
الكبرى، فكيف سيكون مصير الدول الصغرى؟ !
ولاخلاف كذلك أن الوحدة إذا لم تقم على أساس متين فتأجيل قيامها أفضل من
التعجل فيها، والتجارب الوحدوية السابقة خير مثال على ذلك، وليس هناك أساس
متين غير الإسلام؛ فهو هوية الأمة وثقافتها وحضارتها. وعند الحديث عن الوحدة
بين شطري اليمن طُرح مشروع دستور دولة الوحدة، وهو مشروع فيه ما لا
يتناسب مع تطلعات الأمة وأمانيها في حفظ دينها، وقد قام علماء في اليمن الشمالي، ومن قبيل النصيحة بنقد هذا المشروع، وبيان الثغرات الخطيرة فيه، وبدلاً من
تأييدهم في تحفظاتهم أو مناقشتهم مناقشة علمية قام الصحفي فهمي هويدي بالرد
على العلماء في مقالات نشرت في صحيفة الأهرام، وفي عدة صحف عربية أخرى، وقد تيسر لي أن أقرأ بإمعان ما كتبه في هذه الصحف، فوجدته قد أخطأ ووقع في
زلات، وخاصة في المقالين الثاني والثالث، وحشر نفسه في غير ما يجيد مع فقر
في خلفيات الموضوع، وخاطب العلماء بما لا يليق بهم، ولا أخفي على القارئ
أنني ظننت ابتداءً أن الرجل قد غرر به وأعطي معلومات مغلوطة وغير دقيقة عن
موقف العلماء فيما ذهبوا إليه، خاصة وأن له تجربة سابقة عندما كتب عن اليمن
متأثراً ببعض ما سمعه من ذوي التوجه العلماني الذين رافقوه عند زيارته لليمن في
العام الفائت. ولكن تبين لي أنه قد اطلع على ما كتبه العلماء في بيان ملاحظاتهم،
وعجبت أشد العجب إذ كيف يلتبس عليه الفهم في مسائل وضحها العلماء بأجلى
بيان.
مزالق هويدي:
جاءت مآخذ العلماء على مشروع دستور الوحدة في نقاط تسع، أوردها فهمي
هويدي مختصرة اختصاراً مخلاً، ومع ذلك فإن القارئ الواعي سيكفيه ما أورده من
كلامهم ليقتنع بما قالوه، خاصة أنهم أشفعوا ما قالوه بالدلائل والتفاسير العلمية من
الكتاب والسنة، بالإضافة إلى استنادهم للدستور الدائم لليمن، قال العلماء في نقدهم
لمشروع الدستور:
(نص المشروع على أن القانون يحدد الحالات التي يحرم فيها المواطن من
حريته) ، وعقبوا على ذلك: (وذلك ما يفتح الباب للعدوان على حريات الناس
بالقانون) ، بينما في دستور اليمن الشمالي الحالي ينص على كافة الحريات في حدود
الشريعة، وأن للدماء والأعراض حرمتها، ولكن مشروع الدستور لم يشر إلى ذلك
فما كان من الأستاذ فهمي هويدي إلا أن عقب بقوله:
(إنهم - أي العلماء - باسم الغيرة على الدين قدموا الإسلام وكأنه ضد
المساواة وضد الحرية، وضد المرأة) ويتابع نقده: «إنهم شغلوا أنفسهم بالعقائد
والضمائر والأخلاق وما قد يوصف بأنه حقوق الله، بينما لم تحتل حقوق الناس في
خطابهم حظاً يذكر» .
وعجيب أن يفهم هويدي من خطاب العلماء أنهم غير حريصين على حقوق
الناس مع أنهم نقدوا مشروع الدستور؛ لأنه أعطى مجلس الرئاسة الحق في إعلان
حالة الطوارئ التي في ظلها يتمكن الحكام - والكلام للعلماء - من الظلم والجور
واستعباد شعوبهم. ثم على افتراض أنهم شغلوا أنفسهم بالكلام عن (حقوق الله) أفلا
يستحقون الشكر على ذلك، أم أن حقوق الله لا مكان لها لدى الأستاذ؟ ، وكيف
غاب عنه ما تفعله الحكومات بشعوبها في ظل قانون الطوارئ.
وهل صحيح أن علماء اليمن قدموا الإسلام وكأنه ضد المرأة، وقد قالوا في
مأخذهم التاسع: إن من ثغرات مشروع الدستور أنه ألغى الأحكام الخاصة بالنساء،
وقرر المساواة بين الرجل والمرأة، «بينما كان النص في الدستور الحالي: للنساء
من الحقوق وعليهن من الواجبات ما تكفله الشريعة (، فهل في هذا الكلام ما يُشمُّ
منه بأنه ضد المرأة؟ ! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم!
وهل الأستاذ هويدي أكثر إنصافا للمرأة من خالقها ونبيها الكريم، وهل من
مصلحة المرأة أن تتساوى مع الرجل؟ ! إن واقع الأمم التي استجابت لإغراء كلمة
(المساواة) تتمنى اليوم لو أنها لم تفعل.
ادعاء آخر تنقصه الحصافة:
ثم إني أتساءل كيف يدعي الأستاذ هويدي: بأن العلماء قد قاموا بمحاكمة
وثيقة بالغة الأهمية لمشروع الدستور دون أن يكونوا مسلحين بالحد الأدنى من
المعرفة المطلوبة لمباشرة تلك المحاكمة» .
هل لدى الأستاذ هويدي مستند أو أثارة من علم تؤيد صحة ما ذهب إليه،
وهل امتحن أولئك العلماء، أم غره أن صحف ومجلات وندوات العلمانيين
وحكوماتهم تفتح له الباب على مصراعيه ليقول ما يريد، وهل كان يظن أن تلك
الصحف والمجلات تفسح له صدرها لو أنه التزم الجادة دائما؟ !
وشاهد آخر على تحامله:
قال في نهاية العبارة السابقة: «وعلماء اليمن طالبوا الدستور بما لا ينبغي
أن يكون فيه، وفهموا مصطلحاته على غير وجهها الصحيح! ! والحقيقة أنهم
حاكموا مشروع الدستور إلى الدستور الدائم، وهل يجب عليهم أن يتنازلوا عن
المبادئ الإسلامية من أجل إرضاء ذوي الأهواء! كما يريد الأستاذ هويدي الذى
ندعوا الله أن يبصره بعيوب نفسه ويجنبه مرض الغرور ومغبة اتباع الهوى.
стр. 597
الجزائر في الصحافة الغربية
لابد أن نتابع ما تكتبه الصحف الغربية المهمة عن بلادنا، ونحلل أبعاد العقلية
التي يفكر بها القائمون على هذه الصحف ... وهذه ترجمة لمقال نشرته صحيفة
التايمز في عددها الصادر في ٢٦/٢/١٩٩٠ وعنوان المقال: «ثورة الجزائر
ليست إلا جعجعة» وأهم ما ورد في هذا المقال:
أن فرنسا تفكر بالتدخل في الجزائر إذا انفجر الوضع الحالي فيها، ولقد
استفاضت الأخبار التي تؤكد عزم فرنسا على اتخاذ مثل هذا الموقف، وهذا لا
يعني أنها الآن واقفة على الحياد ولا تتدخل، الحقيقة أن لها تحركاً واسعاً ولها
أنصار داخل الجزائر.
تأزم الخلافات بين قادة جبهة التحرير، وتهديدات قادة الجيش بأنهم لن يقفوا
مكتوفي الأيدى إذا فشلت التجربة الديمقراطية، أو ازداد المد الإسلامي، وهذا أيضاً
صحيح، فخلافات قادة الجبهة لم تعد من الأسرار، والهوة واسعة بين الأطراف
المتصارعة.
أما رموز المعارضة الذين وضعهم بن جديد في الحكومة، فالمقصود رموز
المعارضة داخل جبهة التحرير، وهذا شأن الأحزاب الحاكمة في بلادنا. أما
الأحزاب الجديدة من غير جبهة التحرير فلا نعلم أنهم يشاركون في الحكومة،
وتستدرك الصحيفة نفسها فتقول: إن الحكومة والجمعية الوطنية كلها من أعضاء
حزب جبهة التحرير.
إن الوضع غير مستقر في الجزائر، والناس يشكون من انتشار الفساد وغلاء
الأسعار، وهناك جهات فعالة في جبهة التحرير ناقمة على كل ما يحدث، ولن
تتردد هذه الجهات إذا-استطاعت السيطرة على شؤون الحزب الحاكم - في نسف
الدستور الذي سمح بتعدد الأحزاب، والعودة إلى الوضع الذي كان في عهد بومدين. ولا نعتقد أن الإسلاميين في الجزائر غافلون عن ذلك.
ثورة الجزائر
«نحمد الله على أحداث عام ١٩٨٨ م، فلولاها لحدث انفجار في الجزائر،
لاسيما وأن الجزائريين يشاهدون على شاشات التلفاز صور المظاهرات الشعبية
العارمة التي تجتاح أوربا الشرقية، هذه كلمات قالها مسؤول حكومي رفيع المستوى
بلسان فرنسي متقن. إلا أن الآخرين في المدن الجزائرية الكبرى قد لا يذهبون إلى
حد التوجه إلى الله بالشكر من أجل ذلك الأسبوع الذي مر عليه الآن ما يقرب من
سبعة عشر شهراً، والذي كان حافلاً بأحداث شغب خطيرة، فتح خلالها رجال
الجيش نيران أسلحتهم على المتظاهرين الشباب فقتلوا - وفقاً للتقديرات المتحفظة -
عدة مئات. وليس من المؤكد أن يلي أحداث أكتوبر أحداث أشد خطورة منها.
ويعرف عن الحكومة الفرنسية قلقها الشديد حيال الأجواء الملتهبة في هذا البلد
الذي كانت تظن فرنسا أنه سيبقى تحت حكمها على الدوام. وتقول تقارير صحيفة
فرنسية أن باريس قد تفكر بالتدخل بشكل من الأشكال إذا ما انفجر الوضع الحالي
وتحول إلى نزاع مفتوح.
إن الانفجار السياسي سيكون احتمالاً كبير الوقوع يوم الخميس (١/٣/١٩٩٠م) ، ... وهو اليوم الذي يتوقع أن يشنّ فيه الاشتراكيون المتشددون تحدياً محسوباً
للإصلاحات الاقتصادية الأخيرة، وذلك في اجتماع اللجنة المركزية لحزب جبهة
التحرير الوطني الحاكم.
وكانت الجبهة قد تشكلت لخوض معركة التحرير الضروس التي دامت ثمانية
أعوام، ومنذ تحقيق النصر في عام ١٩٦٢م وهي تترأس دولة ذات نهج اشتراكي
ونظام حزب واحد. ويسعى أفراد النظام السابق إلى إحداث تغيير في المكتب
السياسي للحزب الذي يشكل فيه دعاة الإصلاح أغلبية، والذي كان قد تم انتخابه في
شهر كانون أول (ديسمبر) الماضي.
لقد كانت المشكلة الرئيسية لأولئك الذين خرجوا إلى الشوارع في عام ١٩٨٨م
سوء الأوضاع الاقتصادية، ومنذ ذلك الوقت لم يحصل تبدل في أي شيء، يقول
أحد رجال الأعمال الجزائريين: لو أن أحداث الشغب وما رافقها من سقوط القتلى
قد وقعت في هذه الأيام، أي في أعقاب التطورات التي اجتاحت أوربا، لما كان
بإمكان الحكومة الصمود.
ولكي يجعل المسؤولون الشعب يستوعب هذه الحقيقة؟ وهو يراقب ما يحدث
في أوربا الشرقية؟ ، فإن ما كان يطلق عليه اسم حوادث ١٩٨٨ أصبح يطلق عليه
الآن ثورة ١٩٨٨.
وخلافاً لما يحدث في دول أوربا الشرقية، فإن ثورة الجزائريين يتم توجيهها
من الجهات العليا، فقد تقدم الشاذلي بدستور جديد للبلاد، كما أن نظام الحزب
الواحد قد انتهى رمزياً مع تشكيل عشرين حزب سياسي جديد، إلا أنه لم تجر بعد
أية انتخابات عامة في البلاد. وتتألف الحكومة والجمعية الوطنية بشكل كامل من
أعضاء حزب جبهة التحرير.
ويتحدث الرئيس الشاذلي بن جديد عن الحاجة إلى الوحدة الوطنية، وقد
وضع بعض رموز المعارضة في الحكومة، إلا أن حسين آيت أحمد - الذي عاد
مؤخراً من منفاه - طالب علانية بحل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات. كما أن
القوات المسلحة والمتركزة حالياً في ثكناتها وفقاً لمطالب الدستور الجديد أعلنت على
لسان قادتها بأنها لن تقف موقف المتفرج إذا ما فشلت العملية الديمقراطية، أو ازداد
المد الإسلامي الجزائري المتطرف وأصبح يشكل خطراً.
لقد أصبحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ - منذ أن باتت هي الحزب الإسلامي
الوحيد المرخص له في المغرب العربي - أكبر مظلة يتجمع تحتها وبشكل مطرد
الأنصار الساخطون على نمط معيشتهم اليومية، ولجبهة الإنقاذ سيطرة على خطب
الجمعة في مساجد العاصمة الرئيسية، وقد ناشدت الجبهة - وهي أقوى أحزاب
المعارضة - أعضاءها ضرورة تحقيق الوحدة فيما بينهم.
إلا أن الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع في مظاهرات عارمة احتجاجاً على
ارتفاع نسبة البطالة، وغلاء الأسعار، وانتشار الفساد، مازالوا ينتظرون من يوفر
لهم العمل والسكن. وقد نجحت الجبهة في استغلال حالة الشعور بخيبة الأمل التي
أصابت هؤلاء الشباب أروع استغلال، وهو الأمر الذي باتت الدول المجاورة
للجزائر تخشى من عواقبه.
التايمز ٢٦ / ٢ / ١٩٩٠م
стр. 598
اضطرابات تركستان الصينية
أخبر قادمون إلى بكين من أورومكي - عاصمة تركستان الشرقية - عن
حدوث اضطرابات قرب مدينة كشغر في أوائل شهر نيسان (إبريل) ، وأن قوات
الأمن الصينية قامت بقمع المتظاهرين بعد أن قتلت ما لا يقل عن (٦٥) مسلماً
تركستانياً، ومنعت المراسلين الصحفيين من دخول المنطقة، ولم يصدر عن أي
مسؤول صيني أي تعليق عن الأحداث. ومن المحتمل أن تكون الأحداث قد امتدت
الى مناطق أخرى من تركستان. وكانت هذه الاضطرابات قد بدأت عندما منعت
السلطات الصينية الأهالي من بناء مسجد جديد ومدرسة دينية في المنطقة. وتعكس
الطريقة التي تعاملت بها قوات الأمن مع الأحداث حساسيتها من الخطورة التي
تنطوي عليها، لاسيما وأن المنطقة تمثل حقلاً لبرنامج التجارب النووية، ومركزاً
هاماً لمحطات التنصت الأمريكية الموجهة نحو الاتحاد السوفييتي، كما أن قربها
الجغرافي من جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة يجعلها غير مستقرة، وكان رئيس
الوزراء الصيني قد دعا في شهر شباط (فبراير) الماضي إلى الاحتراس والحذر من
تلك الحفنة من الانفصاليين، وقال: «إن علينا استئصال جميع النشاطات
الانفصالية وهي في طور تشكلها» .
ويبلغ تعداد السكان في إقليم تركستان الشرقية - الذي تعادل مساحته ضعف
مساحة فرنسا - (١٤) مليون، منهم نسبة ٦٠% من المسلمين و ٣٠% من
الصينيين الذين كانوا قد نُقلوا من أماكن مختلفة من الصين لإحداث تغيير
ديموغرافي في الإقليم، ويحتكر هؤلاء جميع المناصب العليا هناك، لاسيما الحزب
والجيش.
وكانت تركستان الشرقية قد شهدت مظاهرات احتجاج واسعة النطاق في
عامي ١٩٨١م و١٩٨٨م، قام الجيش بقمعها في آنها، ويعتبر تاريخ تركستان
الشرقية منذ احتلال الصين له أول مرة في منتصف القرن الثامن عشر حافلاً
بالثورات والاحتجاجات التي كانت تقابل دائماً من قبل الصينيين بالبطش وسفك
الدماء.
فايننشيال تايمز ١١/٤/١٩٩٠
الأيكونوميست ١٤/٤/١٩٩٠
الإندبندنت ١٥/٤/١٩٩٠
стр. 599
أخبار حول العالم
قواعد إسرائيلية في أرخبيل دهلك
ذكرت وكالة رويتر للأنباء في ١٦/٤/١٩٩٠م: أن الجبهة الشعبية لتحرير
أريتريا وجهت تحذيراً إلى الحكومة الأثيوبية من عواقب دعوة وجهتها الأخيرة إلى
إسرائيل لإنشاء قواعد لها في أرخبيل دهلك الواقع في البحر الأحمر قبالة الساحل
الأرتيري، وأشارت الجبهة إلى أن هذا التطور الجديد سيعني تورطاً إسرائيلياً
مباشراً في الحرب الدائرة في أرتيريا ضد القوات الأثيوبية، وهو يأتي في أعقاب
نجاح الأرتيريين في تحرير ميناء مصوع.
****
إيران: قتل واعتقالات بالجملة
ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية في نبأ لها من طهران: أن قوات الحرس
الثوري قامت في يوم ١٥/٤/١٩٩٠م باعتقال (٦٥) شخصاً بتهمة إطلاق شعارات
سياسية في مكان عام في ضواحي طهران الشمالية، وأوردت الصحف الإيرانية
الحدث وقالت: إن «مشاغبين» قاموا بالإخلال بالأمن العام وأطلقوا شعارات ضد
الأخلاق العامة. كما ذكرت الصحف الإيرانية أن اشتباكات أخرى وقعت في حي
فقير في جنوب العاصمة، وأن أعداداً من المواطنين غير محددة قد تم اعتقالها.
ومما يجدر ذكره أن وسائل الإعلام الإيرانية كانت قد ذكرت أن ما لا يقل عن
(٣٠) شخصاً قتلوا، وتم جرح أعداد كبيرة في مصادمات مع حراس الثورة
والجيش النظامي من جهة «وأعداء الثورة» من جهة أخرى، وذلك في منطقتي
سيستان وبلوشستان المحاذية لباكستان وأفغانستان.
الحياة ١٧/٤/١٩٩٠م
***
هروب الهندوس من الانتفاضة
في وقت تشتد فيه مجابهة المسلمين الأصوليين في وادي كشمير - بشكل ينذر
بالسوء - للقوات الهندوسية المعززة، أخذ عشرات الآلاف من الهندوس
المستوطنين هناك بترك منازلهم وقراهم والابتعاد عن مسرح الانتفاضة التي يقودها
المسلمون (الانفصاليون) ، وتضيف هجرة الهندوس هذه بعداً جديداً للصراع هناك
الذي يكتسب هذه المرة طابعاً دينياً لم يعرف من قبل، وقد غادر ما يزيد على
(١٢٠) ألف من الهندوس وهو ما يشكل نصف عددهم هناك، ويستعد النصف
الآخر للرحيل، ويترافق هذا الرحيل مع قيام منظمات جهادية بفرض الإسلام
الأصولي على مرافق الحياة اليومية هناك، وتسيطر هذه المنظمات على مجريات
الحياة اليومية في كشمير في وقت اختفى فيه التعلق التقليدي بالصوفية المتحررة.
من جهة أخرى، استمرت تهديدات الحرب من كلا الطرفين: الباكستاني
والهندي، بشأن النزاع في كشمير على الرغم من تأكيد مسؤولين في إسلام آباد
ودلهي على عدم توقع وقوع قتال على نطاق واسع.
التايمز ١٦/٤/١٩٩٠م
стр. 600
الزاوية الطيبة
رياضة المشي.. والصحة
د.خالد الموسى
إن رياضة المشي رياضة سهلة وبسيطة، يقدر عليها الصغير، والكبير
السليم، والسقيم الصحيح، والمعافى والمريض، وهي بحد ذاتها ممتعة ومسلية،
خاصة إذا اختار صاحبها وهاويها الأماكن الطبيعية المناسبة كالتمشي في الحدائق
تحت ظلال الأشجار، أو على شط البحر أو الأنهار. فتضفي جمال الطبيعة مع
التأمل في قدرة الخالق وتسبيحه وحمده على نعمه متعة شخصية.
والمشي والهرولة رياضة مفيدة لكل أعضاء الجسم إذ أثبتت الدراسات الحديثة
فائدتها في:
١ - علاج أمراض القلب الوعائية: حيت ينصح مرضى القلب بالتدرج
بالمشي والهرولة، وذلك لأنها تؤدي إلى:
أ - تقوية العضلة القلبية وزيادة النتاج القلبي الفعال.
ب - إنقاص وتخفيض نسبة الدهون الضارة والكولسترول بالجسم.
ج - زيادة نسبة الدهون الواقية من تصلب الشرايين والمفيدة للجسم.
٢ - علاج ارتفاع التوتر الشرياني: حيث أظهر الكثير من الدراسات جدوى
علاج ارتفاع الضغط الشرياني الخفيف والمتوسط الشدة بالمشي والهرولة اليومية
لمدة ساعة إلى ساعتين، حتى بدون اللجوء للأدوية في كثير من الحالات.
٣ - علاج البدانة وزيادة الوزن: حيث تعتبر مع الحمية الغذائية حجر
الزاوية في علاج البدانة، وذلك بحرق كميات لا بأس بها من الحريرات والسعرات
الواردة للجسم. ولها الدور الأول والأساسي للمحافظة على الوزن وثباته، وذلك
بالاستمرار اليومي على المشي.
٤ - علاج الآلام العضلية والمفصلية: حيث تؤدي إلى تليين وسهولة حركة
ونشاط المفاصل واتساع مدى فعاليتها إضافة لارتخاء العضلات وليونتها مع تخفيف
الشد والتشنج الذي كان بها، وأيضاً تقوية تحمل العضلات والمفاصل.
٥ - علاج عسر الهضم ومتلازمات تشنج الكولون والإمساك المزمن، حيث
تساعد على حركة الأمعاء وتخفيف الآلام الكولونية إضافة لتخفيف الغازات والشعور
بالانتفاخ والغثيان. مع تنظيم إفراغ الكولون.
٦ - تساعد في عملية التنفس الطبيعي بتقوية عضلات التنفس والعضلات
الصدرية، مما يزيد السعة الرئوية والتبادلات الغازية الدموية وبالتالي فعالية التنفس
وتحسين وظيفة الرئتين في كثير من الأمراض التنفسية المزمنة.
والمهم في فائدة هذه الرياضة البسيطة الخفيفة أن يتعود عليها الإنسان
وببرنامج شبه يومي أو أسبوعي بدون انقطاع ويمكن استغلال الوقت من خلال
المشي بمراجعة بعض الكتب الصغيرة أو قراءتها أو حفظ القرآن ومراجعته أو بذكر
الله تعالى، وبذلك يرتبط مع الله إضافة للفائدة الجسمية.
стр. 601
الزاوية الطبية
أمراض عصرية في الميزان
د. خالد الموسى
سنتناول في سلسله من الحلقات بإذن الله بعض الأمراض القديمة - الحديثة
من منظور عصري، ومن منظار إسلامي بنفس الوقت، وسواء كانت هذه
الأمراض عضوية أم نفسية أم اجتماعية وسلوكية أو بيئية.. لما لها من تأثير ضار
على الإنسان، سواء على صحته أو نفسيته وسلوكه، أو ما يفسد بيئته ومحيطه من
التأثيرات الضارة..
ونظراً لانتشار الكثير من هذه الأمراض في عصرنا، فإنه من الواجب علينا
توضيح هذه الأوبئة العصرية، بصورة مبسطة وعلمية، كخطوة أولية للحفاظ على
الصحة.. بل والوقاية من الأمراض أصلاً.. وذلك كضرورة دينية؛ لأن ذلك من
تحقيق مقاصد الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
التدخين ذاك السّم القتال
لقد عرف التدخين والتبغ عند الهنود الحمر في أمريكا اللاتينية والمكسيك
وكوبا، ومن ثم انتقل إلى أرجاء العالم. لقد اعتاد كثير من الناس على تدخين
السجاير أو الغليون أو النرجيلة، وتفشت هذه العادة السيئة في كثير من المجتمعات
الإسلامية، بل والأسر المسلمة والبيوت المتدينة والمحافظة، وذلك نتيجة للاحتكاك
والاختلاط الاجتماعي والدولي والتجاري منذ القديم وإلى الآن بصورة أوسع وأسرع.
وللأسف لقد ساد مفهوم خاطئ عند البعض بأن التدخين يمثل وجهاً حضارياً
جديداً، ومعبراً عن الرقي والمكانة الاجتماعية، ودليلاً على المستوى الثقافي
والمركز العلمي.. بل اعتبره البعض دلالة على الرجولة وعلامة على القوة
والشباب، ودلالة على الفتوة والنشاط.
وقد تفشت هذه العادة حتى عند النساء والسيدات في مجتمعاتنا بدعوى التمدن
والتقدم والرفعة الاجتماعية ... ومع هذا برزت مغريات، وراجت دعايات خاطئة
بأنه يريح النفس، ويهدئ الأعصاب، ويساعد على قوة التركيز، وزيادة النشاط
الذهني.
ونسي أو تناسى أولئك أن هذا السلوك هو اتجاه خاطئ وعادة خطيرة.. سواء
على مستوى الفرد أو المجتمع، بل إنه انتحار بطيء مع سبق الإصرار والتصميم
وقتل النفس، وطريق للهلاك، والدمار. يقول تعالى: [ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى
التَّهْلُكَةِ] [البقرة: ١٩٥] .
ومن هذه التهلكة تأثير التدخين (بشتى أنواعه) على معظم أجهزة الجسم بشكل
تدريجي وبطيء.
ومنذ البدء نشير إلى أن التأثير الضار للتدخين يكون باتجاهين مهمين:
١ - تأثير ضار موضعي مباشر: عن طريق استنشاق أغبرة ودخان السجاير
أو الغليون والنرجيلة.
٢ - تأثير ضار عام: بما يحتويه من مواد كيماوية ضارة.. ومسرطنة:
كالنيوكوتين والقطران وتأثيراتها على الجسم وأجهزته.
ورغم انتشار التدخين في البلاد الغربية، فحملات التوعية ومكافحة التدخين
والمراقبة على شركات تصنيع السجاير لتنقيته من القطران والمواد المسرطنة،
وبالرغم من التوضيحات الضارة على علب السجاير، واتخاذ القوانين الصارمة
ببعض المجالات، ما زالت السجاير تشكل نسبة كبيرة من أسباب الوفيات في العالم
والتي تقدر بالملايين سنوياً، وللأسف ما زلنا نحن في مجتمعاتنا، كبقية بلدان
العالم الثالث نروج للسجاير بوسائل الإعلام المختلفة، فضلاً عن فقدان المراقبة لما
تحويه السجاير من المواد المسرطنة والضارة، ومن نسبة تركيزها في السجاير.
يسير العالم نحو حرب ضد السجاير والتدخين.. فحري بنا نحن المسلمين أن
نكون أول من يتخذ خطوات إيجابية للوقوف أمام تفشي هذه العادة السيئة والخطيرة.
وطبقاً لتقرير منظمة الصحة العالمية، فإن التدخين يعتبر أخطر وباء عرفه
الجنس البشري، والوفيات الناتجة عنه تعد أكثر الوفيات التي عرفها تاريخ الأوبئة، وخصوصاً في الدول الفقيرة، حيث تكثف شركات التدخين دعايتها، وتروج أردأ
أنواع الدخان وأخطرها ضمن خطة تستهدف الربح المادي أولاً وتدمير لبنية تلك
الشعوب ثانياً.
نسأل الله لكل مدخن أن يرزقه الإقلاع الفوري عن هذا الوباء القتال.
стр. 602
منبر الشباب
الجرح والتعديل في ثقافتنا المعاصرة
إبراهيم بن محمد العبد الله
إذا كان موضوع الجرح والتعديل قديم الطرح، فإن الرؤية الجديدة والصياغة
الحديثة له تجعل منه موضوعاً جديراً بالبحث والدراسة والمدارسة الواسعة.
وقد تبين لي - من خلال مثاقفة بعض المفكرين والقراءات المتعددة لكثير من
الكتَّاب من أصحاب الفكرة الإسلامية - أننا بحاجة ملحة إلى صياغة هذا الفن
العلمي والتخصص النادر على واقعنا الثقافي في البلاد الإسلامية، ولعل هذا يعتبر
من الواجبات على أهل العلم والدعاة المخلصين العارفين بالله وبعباد الله.
وعلى هذا سار علماء الجرح والتعديل الأوائل معتبرين أن جرح الضعفاء في
الأمة من النصيحة، بل من الواجبات الشرعية التي ألزموا أنفسهم بها.
يقول الإمام الترمذي ﵀ معللاً كلام علماء الجرح والتعديل بقوله:
«وإنما حملهم على ذلك - عندنا - والله أعلم: النصيحة للمسلمين، لا يظن بهم
أنهم أرادوا الطعن على الناس أو الغيبة! وإنما أرادوا - عندنا - أن يبينوا ضعف
هؤلاء لكي يعرفوا؛ لأن بعضهم كان صاحب بدعة أو متهماً في الحديث - وبعضهم
- كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على
الدين وتثبيتاً له. لأن الشهادة في الدين أحق أن يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق
والأموال» اهـ. [كتاب العلل للإمام الترمذي ٥/١٧٣٩] .
وبهذا تبين لنا أن الجرح والتعديل ضرورة ملحة وفريضة شرعية على علماء
الأمة في القديم والحديث؛ لصيانة شريعة الله وحفظاً لسنة المصطفى -
ﷺ من ضلالات المنحرفين وافتراءات الأعداء.
وبعد نظر ومعايشة فكرية لما يظهر في ساحتنا وأسواقنا الفكرية من أحاديث
متنوعة حول «الإسلام والحل الإسلامي» لمشكلاتنا المعاصرة والملازمة للأمة
الإسلامية في واقعها المتخلف أخلاقياً وعلمياً وحضارياً. فإني أرى أنه من اللازم
على علماء أهل السنة الذين يملكون رؤية شمولية عن الإسلام أن يحيوا هذا المنهج
السديد في حفظ دين هذه الأمة، بالتأصيل والربط بالواقع، لكي يتمكن أبناء
الصحوة الإسلامية في عالمنا الإسلامي من الحذر من طرح رؤية وفكر أهل الباطل
المتكلمين بلسان الإسلام، وطرح الحلول لواقعنا المتخلف في جميع جوانبه وزواياه
المتنوعة.
ولكى يحذر شباب هذه الصحوة من الإملاءات الفكرية في الكتب والمنشورات
والمجلات التي تحمل التشكيك في صلاحية هذا الدين، وأشد ما يحتاج إليه في هذا
الأمر هو بيان حال هؤلاء الكتاب الذين يدافعون عن الإسلام، ويحملون حماساً قوياً
للإسلام، ومع هذا كله لا يلتزمون بالإسلام سلوكاً ومعتقداً عملياً في حياتهم إنما هو
الإسلام الفكري فقط.
стр. 603
مشاهد من المطارات العربية
محمد سليمان
كثيرة هي هموم المواطن العربي، فرياح التغيير لم تصله بعد، حتى يتنسم
نسائم الكرامة والإنسانية، في أوربا يستعدون لعام ١٩٩٢، وهم الآن يتنقلون
بالبطاقة الشخصية، عند الحدود يبرز البطاقة من بعيد، فيهز الموظف المسؤول
رأسه بالموافقة ودون حاجة للتأكد، منظر مؤلم لنفس العربي المسلم الذي لا يرى
هذه المعاملة من موظفي (الحدود) ، فالشك هو الأصل، والحسابات والهواجس تأكل
رأسه قبل دخوله، وحتى ينتهي من الإجراءات.
في أحد المطارات العربية كان أصحاب الشارات الأجنبية يدخلون دون
صعوبات، ولكن العربي (ينظر في أمره) ، وتذكرت قول شاعرنا الكبير المتنبي:
ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
وفي مطار آخر انتظر ركاب الطائرة ثلاث ساعات ونصف بالتمام والكمال،
حتى جاء دورهم ليتخذ الموظف المسؤول إجراءات الدخول، هذه الشعوب التي
كانت بالانتظار ليس لها أهمية عند الموظف لأنهم غير (مواطنين) .
ألا يشعر هؤلاء أن هذه المعاملة تغرس في القلوب الأحقاد والضغائن، وأنه
لا أحد يستفيد من هذه التصرفات؟ لقد كان المسنون من المنتظرين يجلسون على
الأرض من التعب، وبعد كل هذا يأتي زميل الموظف المكلف ويقول له:
إذا لم ينتظموا في الدور فاتركهم حتى الصباح..! مرحى مرحى لهذه
الإنسانية ولهذه الأخلاق.
في الصورة المقابلة وفي المطار نفسه كانت هناك أشياء إيجابية يرتاح لها
المسلم، ففي رحلة العودة، وبعد إجراءات الخروج حانت الصلاة، فجاء عدد كبير
من الموظفين للصلاة معنا، وكان سمتهم يدل على أنهم اختاروا الإسلام عن رضاً
وقناعة، وأن بعضهم عاد إلى الله من قريب ووجد الطمأنينة والراحة في كنف
الإسلام. صور متناقضة لعلها تزول قريباً ويعود الانسجام، وتتوحد مظاهر السلوك
في الشخصية المسلمة.
стр. 604
مكتبة البيان
١ - الكتاب: الجهاد الأفغاني ودلالاته.
المؤلف: الأستاذ محمد قطب.
الناشر: مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة - جدة.
حجم الكتاب: ١١٠ صفحة من القطع الصغير.
***
٢ - الكتاب: الغرباء الأولون: أسباب غربتهم ومظاهرها.
المؤلف: الشيخ سلمان العودة.
الناشر: مكتبة ابن الجوزي - الدمام.
حجم الكتاب: ٢٥٥ صفحة من القطع المتوسط.
***
٣ - الغرب في مواجهة الإسلام: معالم ووثائق.
المؤلف: مازن المطبقاني.
الناشر: مكتبة ابن القيم - المدينة المنورة.
***
٤ - صحيح سنن أبي داود باختصار السند.
المؤلف: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
الناشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج - الرياض.
***
стр. 605
الأخ عبد الله حماد الجهني - الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة:
أرسل لنا قصة قصيرة، ونحن إذ نشكره على ذلك وعلى ثقته بالمجلة نطلب
منه التعمق. في قراءة أصول فن القصة القصيرة، ونرجو أن نتسلم منه تجارب
أكثر نضوجاً.
***
الأخ: محمد فرحان عبد الظاهر - الإسماعيلية - مصر:
أرسل إلينا يسأل بعض الأسئلة ونحن نجيبه على ما نستطيع منها:
١ - عنوان الأخ يوسف إسلام هو:
Br. Yosif islam
Islamia school trust / Islamic circle organisation
٢ Difswell Street
London N٧ ٨JX
٢- لا ندري عن الحزب الإسلامي الألماني شيئاً، أما الحزب الإسلامي
البريطاني فيمكنك ومراسلته والحصول على معلومات عنه، وعنوانه هو:
Islamic Party of Britain
Hazelwell House
Hazell Road
Birmingham B٣٠ ٢PQ
Tel. ٠٨٦٠-٦٤٦٨٢٨
٣- قضية هجرة اليهود السوفييت ننظر لها من منظار النظرة الإسلامية إلى
قضية فلسطين، وإلى اليهود بشكل عام والصراع معهم الذي لم يبدأ باحتلالهم
فلسطين فقط، بل بمحاربتهم الإسلام والمسلمين منذ فجر التاريخ الإسلامي.
٤ - لقد كتبنا عن الشيخ حسن البنا ﵀ في العددين السادس عشر
والثامن عشر.
стр. 606
بأقلام القراء
ضوابط الإعجاب
أحمد بن أحمد جعفري
لا شك أن المسلم يعجب بشخص النبي ﷺ الذي هو
سيد ولد آدم، وكذلك يعجب بصحابته الكرام، أولئك الذين اصطفاهم الله سبحانه
لصحبة نبيه، والتربي على يديه، حتى يصبحوا مشاعل هدى للأمة من بعدهم،
وما أجدرنا أن نقرأ سيرهم ونتشبه بهم فقد قيل:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح
ومع وجود كثير من الأسماء اللامعة في تاريخ المسلمين المعاصر ممن يهتم
بالدعوة إلى الله والعلم المبني على المنهج الصحيح؛ ويستحوذون على إعجاب كثير
من الأنصار والأتباع؛ لكن لا يعني هذا عصمة هؤلاء وبعدهم عن الخطأ، ثم
التطرف في الإعجاب بهم والإقبال على ما يكتبون دون وعي، ودون إبداء
ملاحظات إن وجدت، فينبغي أن نفهم جيداً أن لا معصوم من البشر إلا الأنبياء
والرسل لا غيرهم، وقد يخطىء هذا المفكر أو الكاتب في كتابه أو مقالته، مما قد
يطعن في بعض شرائع الإسلام ومنهج المسلمين، عند ذلك قد تجد، بل حتماً ستجد
المعجب بمثل هذه الآراء، المتعصب لها المنقاد لها؛ لأنهما صدرت ممن؟ !
صدرت من فلان الفلاني، المفكر العلامة (الذي لا يخطىء) ، هكذا تصورهم، نعم
قد يكون بعض هذا التصور صحيحاً، لكن ليس بهذه المبالغة التي يضعونها.
وعندما يهب بعض الصادقين المخلصين من طلبة العلم وغيرهم في الرد على
بعض الأفكار الناتجة عن مثل هؤلاء المفكرين، عند ذلك يهب المعجبون [بدون
مناقشة] لعدم تصديقهم، وأن هذا افتراء عليه وو ...
عفواً دعونا نبحث ما الذي يدفعنا أو يدفع الكثير إلى الإعجاب المطلق، إن
ثمة أشياء لعلك أيها القارئ الكريم تدركها في واقعنا المرير:
١- عدم بناء القاعدة السليمة القوية من العقيدة السليمة وعدم تغلغل هذه العقيدة
في القلب.
٢- عدم الوعي الكامل بما يخالف دين الله أو يطعن فيه.
٣- عدم المعرفة الكاملة بحال الكاتب وإلى أي مدرسة ينتسب.
هذه بعض الدوافع، ويمكن أن تكون ثمة أسباب أخرى.
وصلى الله على نبينا وسلم.
стр. 607
قديم جديد
من الأشياء القديمة المتجددة ما شكى منه المؤلفون أو الكتاب، من الإعراض عن القراءة أو من كثرة اقتراحات القراء، وفي هذه الزاوية ننقل كلاماً للأديب عباس محمود العقاد، وللشيخ محمد عبده.
(١)
المقترحون والمؤلفون
بين جمهرة القراء في اللغة العربية طائفة لا ترضى عن شيء، ولا تكف عن
اقتراح، ولا تزال تحسب أنها تفرض الواجبات على الكتاب والمؤلفين، وليس
عليها واجب تفرضه على نفسها.
إن كتبت في السياسة قالوا: ولم لا تكتب في الأدب؟
وإن كتبت في الأدب قالوا: ولم لا تكتب في القصة؟
وإن كتبت في القصة قالوا: ولم لا تكتب للمسرح؟
وإن كتبت للمسرح قالوا: ولم لا تحيي لنا تاريخنا القديم، ونحن في حاجة
إلى إحياء ذلك التراث؟
وإن أحييت التراث قالوا: دعنا بالله من هذا وانظر إلى تاريخنا الحديث،
فنحن أحق الناس بالكتابة فيه.
وإن جمعت هذه الأغراض كلها قالوا لك: والقطن؟ ومسائل العمال؟
ورؤوس الأموال؟ ، وكل شيء إلا الذى تكتب لهم فيه.
وقد شبهت هذه الطائفة مرة بالطفل المدلل الممعود: يطلب كل طعام إلا الذي
على المائدة، فهو وحده الطعام المرفوض.
إن قدمت له اللحم طلب السمك، وإن قدمت له الفاكهة طلب الحلوى، وإن
قدمت له صنفاً من الحلوى رفضه وطلب الصنف الآخر، وإن جمعت له بين هذه
الأصناف تركها جميعاً وتشوق إلى العدس والفول، وكل مأكول غير الحاضر
المبذول.
سر هذا الاشتهاء السقيم في هذه الطائفة من القراء معروف، سرَّه أن الجمهور
في بلادنا العربية لم «يتشكل» بعد، وإنما نعد الجمهور القارئ متشكلاً إذا وجدت
فيه طائفة مستقلة لكل نوع من أنواع القراءة، وإن ندر ولم يتجاوز المشغولون به
المئات.
وسنسمع المقترحات التي لا نهاية لها، ولا نزال نسمعها كثيراً حتى يتم لنا
«التشكيل» المنشود، وهو غير بعيد.
العقاد: يسألونك / ١٩٢
٢
«وإنا لو فرضنا أن كتاب الجرائد لا يقصدون بما يكتبون إلا نجاح الأمم،
مع التنزه عن الأغراض، فبعد ما عمّ الذهول، واستولت الدهشة على العقول وقل
القارئون، والكاتبون لا تجد لهم قارئاً، ولئن وجدت القارئ فقلما تجد الفاهم،
والفاهم قد يحمل ما يجده على غير ما يراد منه لضيق في التصور أو ميل مع
الهوى، فلا يكون منه إلا سوء التأثير ... »
محمد عبده: العروة الوثقى /٥٦.
стр. 608
الصفحة الأخيرة
تجارة الورق
عبد القادر حامد
تقذف المطابع العربية كل يوم أكداساً هائلة من الكتب والدراسات التي تدور
حول الإسلام ولكن هل يجري تقويم ونقد صحيح بعيد عن المجاملة لأكثر ما تقذف
به هذه المطابع؟ الجواب: لا.
إننا نرى - مع الأسف - أن كثيراً من المؤلفين المتطفلين على مهنة العلم
والتعلم يحاولون أن يثبتوا قدمهم على هذه الطريق بكثرة ما يطبعون وينشرون
لأنفسهم من العناوين، وينسون أو يتناسون مدى حاجة المجتمع لما يسودون من
صفحات، ويكون الهدف الأخير هو الربح المادي، وهذه - والله - أهم آفات العلم
التي تفقده الأثر والتأثير.
وكثرة هذه المؤلفات التي لا تنبع من حاجة اجتماعية صحيحة يحدث بلبلة
فكرية وفوضى ثقافية إذا أضفنا إليها سهولة استغلال القارئ عن طريق فتنة أخرى
هي الأشرطة المسجلة، فإننا لا نستطيع أن نتنبأ بحدود هذه الفوضى التي لا يعلمها
إلا الله.
وسبب هذه الفوضى المستشرية هو غياب الحدود المقاييس التي تقاس بها
البحوث، وضعف النقد الذي تلجمه اعتبارات كثيرة، وتعيقه معوقات المجاملة
والخوف وعدم الثقة بالنفس.
لابد من أن يكون للمسلمين مدرسة نقدية لا تخاف ولا تحابي، تصدع بالحق،
وتستلهم منه العدة الكافية لمواجهة ما تحفل به ساحة العلم الشرعي في العصر
الحديث من غياب المنهج.
стр. 609
ذو القعدة - ١٤١٠هـ
مايو - ١٩٩٠م
(السنة: ٤)
стр. 610
الافتتاحية
العلماء: الواقع والمنتظر
إذا تسنى لك أن تستمع إلى حوار دار بين مجموعة من العلماء وحاكم من
الحكام فإن ذلك يعتبر فرصة نادرة لأخذ العبرة والدرس؛ لأن هذين الصنفين من
الناس عليهما مدار الأمر في كل مجتمع، إذا صلحا صلح المجتمع، وإذا كانا غير
ذلك فعندئذ تكون الفوضى هي الصفة الغالبة. بل إذا كانت العلاقة بين هاتين
الجهتين علاقة الحب والتراحم والتناصح والتشاور فسوف يقطف المجتمع بأسره
ثمرة ذلك.
لقد كان العلماء على امتداد التاريخ الإسلامي هم ضمير الأمة الذين لا تستغني
عنهم في ساعات العسرة والأوقات العصبية، وما المعالم البارزة في هذا التاريخ إلا
نتيجة تلاقح بين أفكار العلماء وحكمتهم وبين حزم الحكام وشعورهم بثقل الأمانة
التي أُسندت إليهم.
إن العلماء يقومون دائماً بدور الطلائع الذين يكتشفون الخطر قبل وقوعه،
وينبهون قومهم على المزالق قبل التورط فيها، ولذلك فإذا أردت أن تقيس وعي أمة
وقيمتها فانظر إلى علمائها وأثرهم ونظرة المجتمع إليهم.
ومن جهة أخرى؛ فحيثما انتشر الطغيان - سواء منه طغيان الفرد وطغيان
الجماعة - وسادت العقليات التى تضيق بالمساءلة والنصح، وتحكمت العصبيات
والأهواء؛ فإنك واجد انحساراً لأثر العلماء، لأنهم أول من يتأثرون بهذه الموجات
التي هي وبال على الأمة كلها.
وسبب أنهم أول من يتأثر هو أن الشيطان - العدو الأول للإنسان والعدو
الأول لعنصر الخير فيه - أول ما يتوجه بكل قوته إلى هذا العنصر من الأمة ليفسده
لأنه بفساده يسهل إفساد الأمة، وتعطى الحجة لكل ضعيف النفس خائر العزيمة كي
ينطلق - مسوقاً بالشبهات والشهوات - نحو الفساد والإفساد.
وسبب آخر هو أن أدوات الطغيان والتسلط والعصبيات لا تشعر بالأمن
والطمأنينة، ولا تطول مدتها إلا في غياب أو (تحييد) هذه العناصر المهمة من
المجتمع.
إن مهمة العلماء مهمة صعبة، لأنهم يتصدون لجبهات صعبة، ولا يفوزون
بالتفاف الجماهير حولهم وبثقتهم بهم إلا بعد انتصارهم على هذه الجبهات التى
يتصدون لها، ومن هذه الجبهات: جبهة النفس وما فيها من أهواء وشهوات،
وجبهة الإغراءات الخارجية التى تخاطب حظوظ النفس هذه، وجبهة التهديد
والتخويف من أجل كتم كلمة الحق أو إضفاء الشرعية على الباطل.
كان لابد لهذه القرون المتطاولة على المسلمين والتى أصابهم فيها ما أصابهم،
وحاق بهم ما حاق من الغفلة عن أمور دينهم، والإهمال لأسس التقدم والرقي - من
أن تترك أثراً في النفوس. ومن أشد ما ابتلي به المسلمون في عصور انحطاطهم
وما يزالون فيه (فقدان الحرية) ، وجهلهم بما يجب لهم من حقوق، وما يجب
عليهم من واجبات، حتى كادوا يتحولون إلى جموع كثيفة فاقدة الإحساس بالحياة،
لقد تركت هذه البلوى - فقدان الحرية - في النفوس تردداً وخوفاً، ونكتت في
القلوب نكت الضعف والانكفاء على الذات والهروب من مواطن الكفاح من أجل
خير الجماعة، حتى العلماء الذين من المفترض أن لا يخافوا في الله لومة لائم
أصبحتَ في كثير من البلاد لا ترى فيهم إلا قلوباً منخوبة من الفزع، ونفوساً
مسكونة بحب السلامة.
من السلبيات التى تلاحظ -إذا ما اجتمع جمع من العلماء لأمر ما - الإسهاب
في القضايا الفرعية، والخروج عن الموضوع الذي اجتُمع من أجله، فلو افترضنا
أن المجال أُعطي لعدد منهم كى يبدي رأيه في مسألة فإنه لا يدخل في الموضوع
مباشرة، بل يجول جولة خطابية أو علمية، وقد يذهب بعيداً فيتعب نفسه، ويتعب
من يستمع إليه ولا يصل إلى النقطة التي طُلب منه إبداء الرأي فيها إلا وقد غزا
الملل النفوس وأغلق عليها منافذ قبول وجهة نظره حتى لو كانت صحيحة أو قيّمة،
وهكذا لا يعطي المجال لغيره إلا بعد أن لا يكون قد ترك في نفوس السامعين إلا
الضجر، فيأتي الآخر متأثراً بهذا الجو الذي أحس به عندما كان يستمع -فيعلن أنه
لا يريد أن يكون خطيباً ولا واعظاً؛ فالمقام لا يسمح! وما إن يتلفظ بعبارة أو
عبارتين حتى ينسى نفسه، وينزلق إلى مثل ما انزلق به الأول، وقد يغرق في
قضية أخرى قد تكون من وحي تجاربه الشخصية ويسترسل في الحديث عن نفسه،
ثم يمسه طائف من الرحمن فيتذكر فيبدأ بالاعتذار من مدير الجلسة ثم من مساعديه
ثم من المستمعين ... ! وقد يقاطَع بأن الوقت لا يكفي، فيستمهل حتى يكمل هذه
الفكرة الأخيرة، فإما أن تضيع الفكرة الأساسية في هذا الخضم المتلاطم من الكلام
المتزاحم، وإما أن لا يبقى وقت أصلاً لعرضها.
وقد ينبري آخر للكلام ليسد الخلل ويصلح ما أفسد من سبقه، فيلوي من عِنان
الإفاضة والاستطراد عن الموضوعات الفرعية، والبطولات الشخصية إلى المدح
العريض الذي تعافه النفوس لمسؤول كبير أو صغير.
لقد فكرت في هذه السلبيات وغيرها التي تعتري كثيراً من العلماء عند طرقهم
لمسألة من المسائل، أو انتدابهم للإدلاء برأيهم في قضية من القضايا أمام جهة
رسمية أو مسؤول حكومي، وتساءلت بيني وبين نفسي عن أسبابها، ولماذا لا
يكون هناك التأثير المطلوب لهذه الآراء والانتفاع المنتظر منها. ولا أدَّعي أنني
اهتديت إلى وجه الحق الكامل في ذلك.
١ - يغلب على العلماء التفكير الفردي المزاجي، ولا يفكرون تفكيراً جماعياً
قبل مناقشة الفكرة الأساسية؛ ولذلك يحرص كل واحد على عدم كشف أوراقه، فلا
يناقش مع غيره كيف سيطرح فكرته ولا كيف سيناقش أفكار غيره، ويعتد كلٌّ
بأسلوبه، ويستهين بوجهات نظر الآخرين في طريقته، ويقوّم نفسه وقدراته تقديراً
مبالغاً فيه، وقد يكون عدم مناقشته ماذا سيقول ويطرح أمام أصحابه خوفاً من نقدهم
وتهرباً من مواجهتهم.
٢ - هناك مشكلة أخرى ومرض يصيب بعض العلماء وهو (مرض الكلام)
(إذا صح أن نطلق هذا المصطلح) وهو أن بعضهم لاعتياده مخاطبة الناس يصاب
بنوع من الإدمان على ذلك، ومعنى الإدمان هنا أنه يفقد التمييز بين المواقف التي
يصلح فيها الاختصار، والمواقف التى يصلح فيها الإطناب والتفصيل، ويظن أنه
إذا أسهب مرة أو أثنى الناس عليه فهذه دعوة له ليطنب ويسهب مرات أخرى، مع
أنه (لكل مقام مقال) .
٣ - أما مشكلة المبالغة في المدح فهذه قد يكون مبعثها الرهبة والخوف من
الممدوح، أو رجاء شيء عنده، والمبالغة في المدح تشمل مدح الشخص بما ليس
فيه، وهذا أمر خطير، وصدوره من العلماء أخطر؛ لأنه كذب وبهتان، فمن
الكذب والبهتان أن يقال لمن لا يهتم بكتاب ولا بسنة: أنت ملتزم بالكتاب والسنة،
ومن الكذب وشهادة الزور أن يوصف من يسخر من الدين والمتدينين بأنه متدين!
ومن الكذب كذلك أن يوصف حديث شخص يتسم بالمداورة والمناورة بأنه كلام وافٍ
شافٍ ليس عليه غبار!
وإن الإنسان ليعجب كثيراً من علماء أمة من عقيدتها أن الخوف والرجاء لا
يكون إلا لله. ومن هدي رسوله ﷺ قوله: «إذا رأيتم
المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» [١] ومع ذلك يضطرون إلى هذا الأسلوب،
وبعضهم يلجأ إلى تسويغ ذلك بطرق غير مسلَّمة فيظنون أن هذا من (الحكمة) حتى
يكسبوا الناس ويستميلوهم إلى حظيرة الإسلام، ولكنهم ينسون أن مدح الشخص بما
ليس فيه والمبالغة في الثناء عليه لا تستميله، بل قد تبعده؛ لأنه أعرف بنفسه من
غيره فماذا سيكون ظنه بمن يجعله من بقية السلف الصالح وهو عند نفسه من المردة
والشياطين؟ ! ، أما إذا صدَّق واعتقد أنه كما يقول المادح - وهو ليس كذلك - فهذا
فتنة له، وتغرير به، ومساعدة على هلاكه، لا إنقاذه.
إننا نربأ بالعلماء أن يُختبروا فتنكشف منهم نقاط الضعف التي تُطمع بهم مَن
لا يريد بهم الخير، ولا يريد لرسالتهم في المجتمع أن تُبلَّغ.
ونختم هذه الكلمة بالتذكير بعنصر مهم جداً في بناء الشخصية بعامة،
وشخصية العالم بخاصة، وهو الثقة بالنفس التى تنبع من العقيدة التي يؤمن بها
ويعمل لأجلها، ومن الحق الذي يمثله في نظر من يلتف حوله، وهذه الثقة هي
غير الادعاء الذي يدفع بعض الناس للتطاول واحتقار آراء الآخرين، والاعتقاد
بصواب ما يأتون به هم فقط وتسفيه ما عداه. ثقة إيجابية تبعث الطمأنينة في
النفوس، ولا تبالي بكثير من الرسوم والظواهر التى ينخدع بها السذج والبسطاء.
إن الثقافة العلمانية - التي سادت في القرن الأخير - عملت على زرع
أمراض كثيرة (كالتردد، والخوف، واستصغار النفس واحتقارها) في نفوس كثير
من علماء المسلمين، وما لم تقدم ثقافة قائمة أساساً على نفوس محصنة ضد هذه
الأمراض فسوف تظل للعلمانية اليد العليا، وهذا ما لا ينبغي في مجتمعات تعتقد أن
كلمة الله هي العليا.
стр. 611
آية من كتاب الله
[ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً]
[الإسراء: ٣٦]
(الشيخ محمد الأمين الشنقيطي،
أضواء البيان، ٣/٥٢٤)
(نهى - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به
علم، ويشمل ذلك قوله: رأيت؛ ولم ير، وسمعت؛ ولم يسمع، وعلمت؛ ولم
يعلم، ويدخل فيه كل قول بلا علم، وقد أشار -جل وعلا- إلى هذا المعنى في
آيات أُخَر كقوله [إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً] [النجم: ٢٨] .
أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة منع التقليد، قالوا: لأنه اتباع غير
العلم. ولا شك أن التقليد الأعمى الذي ذم الله به الكفار في آيات على منعه، أما
استدلال بعض الظاهرية - كابن حزم ومن تبعه - بهذه الآية على منع الاجتهاد في
الشرع مطلقاً، ومنع التقليد من أصله، فهو مَن وضع القرآن في غير موضعه،
لأن مشروعية سؤال الجاهل للعالم وعمله بفتياه أمر معلوم من الدين بالضرورة،
ومعلوم أنه كان العامي يسأل بعض أصحاب النبي ﷺ فيفتيه،
فيعمل بفُتياه، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين، وسنذكر هنا طرفاً قليلاً من ذلك به
صحة القول بالاجتهاد - تعالى -[فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ] [الإسراء: ٢٣] فإنه لا
يشك عاقل في أن النهي عن التأفف المنطوق به يدل على النهي عن الضرب
المسكوت عنه.
ونهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء يدل على النهي عن
التضحية بالعمياء مع أن ذلك مسكوت عنه، وقوله - تعالى -[إنَّ الَذِينَ يَأْكُلُونَ
أَمْوَالَ اليَتَامَى] [النساء: ١٠] لا شك في أنه يدل على منع إحراق مال اليتيم
وإغراقه؛ لأن الجميع إتلاف له بغير حق.
ومن الأدلة الدالة على أن إلحاق النظير بنظيره في الشرع جائز، ما أخرجه
الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى النبي -صلى
الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم
عنها؟ قال: «أفرأيت لو كان على أمك دَين فقضيته أكان ذلك يؤدَّى عنها؟»
قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك» .
стр. 612
من نور النبوة
من صفات المؤمن
١- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خَبٌّ لئيم» [١] . [صحيح سنن الترمذي،
٢/١٨٧] .
٢- عن ابن مسعود عن النبي ﷺ :
«يحرم على النار كل هين لين قريب سهل» . [صحيح ابن حبان،
١٠٩٦-الترمذي، ٤٢٨٨]
٣- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ
قال:
«المؤمن لا يُلسع من جُحر واحد مرتين» وفي رواية: «لا يُلدغ المؤمن
من جحر مرتين» [٢]
[أخرجه البخاري ومسلم] .
стр. 613
مراجعات في عالم الكتب
أزمة الحوار الديني [*]
مراجعة: محمد سليمان
من الكتب التي أحدثت في الآونة الأخيرة ضجة وردوداً بين صفوف
الإسلاميين كتاب الشيخ محمد الغزالي (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث)
والجديد في كتاب الغزالي هو أنه خلاصة آراء له كان ينشرها هنا وهناك في كتبه
القديمة والحديثة، مع زيادة في حدة اللهجة وعصبية وتشنج ربما كان يكتمه سابقاً.
ولخطورة الآراء التى طُرحت، أو بالأصح لخطورة المنهج التى طرحت فيه، فقد رُد عليه ردوداً علمية من أبرزها ما كتبه الشيخ سلمان العودة في (حوار هادئ
مع الشيخ الغزالي) ونعرض في هذا المقال نقداً آخر يركز على ما وراء هذا الكتاب
والجو الذي أُحيط به.
قدم الكاتب للموضوع بمدخل مهم جداً، وهو أن (الهم الداخلي) أصبح في
السنوات الأخيرة أوْلى من (الوافد الخارجي) ؛ فالتيارات العلمانية والقومية شهدت
الهزائم التاريخية ولم يبقَ منهم إلا الفلول، وتحول بعضهم لمحاولة التلفيق بين
العلمانية والإسلام.
من هنا تبدأ الخطورة، ومن هنا نبدأ بتلمُّس طرف الخيط كما يقال: (فقد
أصبح الداخل الإسلامى خليطاً بفعل توافد جماعات من المفكرين والباحثين ممن
يحملون تراثاً شخصياً علمانياً أو قومياً أو شيوعياً توافدهم إلى الساحة الإسلامية،
واتجاههم إلى البحث ومخاطبة الجماهير تحت شعارات الإسلام) [١] .
(وهذه النماذج الفكرية التى دلفت إلى (الداخل) الإسلامي، قد نجحت في ... إحداث بعض التأثير في توجهات وهموم بعض المفكرين والدعاة الإسلاميين) [٢] .
(وهذه النماذج لم تدخل عن إيمان راسخ أو إسلام صادق وإنما دخلوا على أساس أن الأرضية التي يمكن أن يكون لهم وجود على أساسها تحولت كلية نحو الإسلام) [٣] .
هذه الفلول التى عاشت سابقاً في مناخ التكتيك السياسي رأت أن التحدي
الأكبر لهم هو (كيفية إزاحة علماء الأمة ودعاتها ورموزها لكى يتبوؤا هم ... ريادة العمل الإسلامى، ولأنهم هم الممثلون (للعقلانية) و (للاستنارة) الدينية، وهذا التيار يلقى ترحيباً ودعماً من أجهزة ذات سلطان نافذ ومن تأمل المساحات الإعلامية المتاحة لهم يعلم ذلك) [٤] .
وأظن أن القارئ بدأ يدرك مَن هم المقصودون بهذا الكلام والذين تتاح لهم
المساحات الواسعة من الإعلام، ولكن لا يزال عند المؤلف أشياء مهمة عن هذه
الفلول، ففي سبيل تحقيق أهداف هذه الاتجاهات الجديدة في الفكر الإسلامى لابد من
(كاسحات ألغام) تنظف لهم الطريق، فستعترضهم حصون علمية لا قِبَل لهم بها
لضعف مقدرتهم العملية أو لافتقارهم إلى الرصيد الدعوي الجهادي. إذن ماذا
يعملون، لابد من إحداث (خرق) في جدران القلعة، ولابد لمن يُحدث هذا الخرق
أن يكون من الشخصيات ذات الاستقامة الدينية والتراث الدعوي الشخصي.
هذه الشخصيات هي التي يراد توريطها لتقوم بهذه المهمة، وهذا الصنيع يتم
عبْر صياغة القضايا الفقهية والفكرية الإسلامية وحصرها ضمن إطار معين، ومن
الأمثلة على ذلك (ما حدث في أوائل الثمانينات إذ قامت إحدى المجلات الثقافية الكويتية - ذات الطابع العلماني - بتنظيم ملف شهري عن (التطرف الديني) كان جل المشاركين فيه ممن يحملون عداوة للفكر الإسلامى، ثم فوجئ القراء المسلمون باسم أحد الدعاة الإسلاميين يتوسط المشاركين في الملف، لم يكن حديث الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الملف هُجراً، ولكن المنبر الذي عرض من خلاله والتوقيت الذي صدر به الملف كل ذلك جعل من المقال (ورطة) استدعت من فضيلة الدكتور أن يعتذر عنها فيما بعد) [٥] .
إن صاحب فكرة كتاب (السنة النبوية) هو (المعهد العالمي للفكر الإسلامي) في
واشنطن، الذي يصفه المؤلف بأنه أحد المؤسسات الإسلامية التي دلف إليها مؤخراً
نفر من هذه الفلول الفكرية، فلماذا يوجهون الشيخ الغزالي إلى هذا البحث وهم
يعلمون أن الشيخ لا يدخل - علمياً - تحت وصف (الفقيه) كما لا يدخل تحت
وصف (المحدث) .
إن مَن وجه الدعوة إلى الشيخ في هذه المواضيع إنما كان يبحث عن (كاسحة
ألغام) تمهد له الطريق أمام أطروحات أكثر خطورة، وقد صرح الغزالي بأن هذا
المنهج ليس منهجه الشخصى، بل شيء متفق عليه (وقد تدارست مع أُولي الألباب
هذا الجو الفكري السائد واتفقت كلمتنا على ضرورة التعامل معه برفق واقتياده إلى
الطريق المستقيم بأناة) .
بعد هذا المدخل المهم، الذي نوافق فيه المؤلف على مجمل الصورة التي
عرضها وخطورتها، ونعتقد أن الشيخ الغزالي كان عنده الاستعداد لمثل هذه
الكتابات ولا يخلو الأمر من توريط.
بعد هذا ناقش المؤلف مضمون الكتاب وركز على منهج الغزالي في طرحه
للمواضيع التي أثارها:
١- الفقه: لم يعالج الغزالي القضايا الفقهية بمنطق العلم والدليل وعرض
أقوال العلماء واختيار أصحها وأقواها، بل ربما حسب ذوقه الشخصي، فعندما
بحث موضوع الفن من موسيقى وغناء ونحت ومسرح ... قال: (ما المنهج الذي
أقدمه لهذه الأوساط الأوربية، هل أطلب إليهم إلغاء الفنون الجميلة جملة وتفصيلاً)
ومعلوم أن الفتوى لا تتعلق بأهواء البشر وإنما بمستندها الشرعي، فهل نهدر قيمنا
لإرضاء الذوق الغربي! وعندما تكلم على تحريم كل ذي ناب من السباع - كما
ورد في الحديث - رد هذا الحديث بحجة أن الحديث لا ينسخ القرآن، وهذا تجاهل
منه لمقررات أصول الفقه، والحديث لم ينسخ آية وإنما نسخ دلالة الآية، وهكذا
عالج مسألة (الحجاب والنقاب) فعندما رجح بتقديره أن تغطية الوجه ليست واجبة،
لم يحترم الرأي الآخر بل أراد مصادرته وأن من يقول به يسىء للإسلام. هذا
الاستخفاف بالقضايا الفقهية و (الزي الإسلامي) شجع أمثال أحمد بهاء الدين على
توبيخ المسلمين؛ لأنهم يبحثون: هل الربا حرام أم حلال بينما الأمريكيون يتابعون
رحلات الفضاء! !
٢ - ولعل أخطر ما في كتاب الغزالي هو تناوله للحديث النبوي بصورة تفتح
الباب لا على مصراعيه للتجرؤ على السنة، فقد استبعد أحاديث لمجرد أنه لا
يستسيغها، ودون أي قاعدة علمية، ولو كان الأمر إليه لحذف كثيراً من الأحاديث،
وهكذا رد حديث موسى ﵇ مع ملك الموت، وحديث: أن الميت
يعذب ببكاء أهله عليه، وحديث: تحريم كل ذي ناب من السباع ... الخ، بل
وصل الأمر إلى الاستهزاء عندما قال: (كان أئمة الفقه الإسلامى يقررون الأحكام
وفق اجتهاد رحب يعتمد على القرآن أولاً فإذا وجدوا في ركام (!) المرويات ما
يتسق معه قبلوه، وإلا فالقرآن أولى بالاتباع) فانظر إلى تعبير (ركام المرويات)
وهل هذا مما يليق بالحديث عن أشرف المرسلين؟ ! .
٣ - يلاحظ أن الغزالي حريص على إبراز الإسلام أمام الغرب والشرق،
وهذا الحرص سبّب له مزالق تهدر به القواعد العلمية.
ففي معرض تعليق الغزالي على منع شهادة المرأة في القصاص والحدود قال:
(ولست أحب أن أوهن ديني أمام القوانين العالمية بموقف لا يستند استناداً قوياً إلى
النصوص القاطعة) ، إن من الخطورة بمكان أن يُدخل عالم مسلم ما يسميه (القوانين العالمية) في موازناته الشرعية، وإلا فسيجرّ البحث عن ميراث المرأة، وشهادة المرأة.
٤ - عَامَلَ الشيخ أبناء الصحوة الإسلامية الذين قال إنه سيقتادهم برفق!
عاملهم بقسوة واستخفاف، وهذا ليس من المنهج القرآني في شيء [أَشِدَّاءُ عَلَى
الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] [الفتح: ٢٩] .
وأخيراً فإن كتاب (أزمة الحوار الديني) على صغر حجمه إلا أنه عالج بصدق
منهج الغزالي في التفكير وطريقة تناوله للموضوعات التي أثارها، والأهم من هذا
هو اكتشافه التيار الذي يكمن وراء هذه الأطروحات، وأما معالجة القضايا التي
طرحها الغزالي، فلا شك أنها تحتاج إلى كتابات مستقلة يوضح فيها منهج أهل
السنة في ذلك، وهو نفسه منهج الفقهاء والمحدثين، ولا نفرق بينهما كما فعل
الغزالي.
стр. 614
في الدعوة والعمل
توجيهات تربوية
صالح بن عبد الله الدرويش
إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونعوذ به من سيئات أعمالنا وبعد:
فإن الخير في هذه الأمة باقٍ إلى قيام الساعة مهما ادلهمت الفتن وانفض
الأعوان عن الطائفة المنصورة، ومن بشارات الخير عودة الناس ورجوعهم إلى
ربهم والمناداة بالرجوع إلى هدْي الرسول -صلى الله عليه
وسلم- والعمل على ذلك.
ومع بروز الصحوة الإسلامية واستبشار المسلمين بها إلا أنه لا يغني عن
دراسة الواقع لتقييم الخلل والسعي لإكمال النقص، من غير نقد للأشخاص أو
تشهير بالجماعات والأفراد، بل التمسك بالحق وحده.
صور من الميدان العملي:
الدارس لميدان الدعوة العملي يجد قضايا كثيرة تحتاج إلى بيان، ونقف اليوم
مع إحدى تلك القضايا ألا وهي تأثير صغار الشباب على زملائهم، وذلك لانشغال
غيرهم بالمؤتمرات وبحوثها، والتأليف في مواضيع مكررة غالباً مع حرصهم على
نشرها، ناهيك عن مشاغل الحياة وفتور الهمم، وحصل من هذا أن تولى تربية
الشباب أمثالهم، فهم الذين يقومون بالتوجيه والإرشاد، بل وتقويم الكتب والرجال
والمدارس الدعوية؛ لذا لابد من تدارك الأمر بمشاركة طلبة العلم الشباب
ومصاحبتهم والكتابة لهم بما ينير الطريق أمامهم.
الوقفة الأولى: الجانب التعبُّدي:
تسمع ما يعجبك من أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال
والأعمال الظاهرة والباطنة، وأنه لا عون للمسلمين إلا بصدق الالتجاء إلى الله..
وإذا نظرت في مصداق ذلك من خلال الواقع العملي تجد التفريط بالواجبات
المكتوبة، وفعل المحرمات، ومن الأمثلة:
أ- التهاون بأداء الصلاة مع الجماعة، لا سيما الفجر، وقد يؤديها المصلي
بعد شروق الشمس.
ب- عقوق الوالدين وإهمال حقوقهما وكذا سائر من تجب صلته.
ج- موالاة الكفار وعدم التفريق بين المسلم وغيره في التعامل، ومحبة أهل
البدع وتأييدهم.
د-التهاون بالذنوب عامة والإصرار عليها كأكل الربا، والمال الحرام،
والخلوة بالأجنبية.. وغير ذلك مما حرمه الله.
وهذه المظاهر ينبغي دراستها والنظر في أسبابها وكيفية التخلص منها وعلاج
الواقع، ولاسيما أن الدارس يجد الأمثلة الحية التى لا تُحصى والتى تؤكد وجود
النقص بل الخلل لدى قطاعات كبيرة من المجتمعات الإسلامية التي لا حرج من
الجزم بأنها تعيش على عقيدة الإرجاء؛ لذا لابد من إعادة النظر في المناهج
التربوية التى يسير عليها الدعاة وينبغي بذل كل ما في الوسع لغرس عقيدة الخوف
من الله ومراقبته في النشء وتربية الشباب على الرغبة فيما
عند الله من الأجر والثواب. وغرس هذه العقيدة في النفوس يحتاج إلى زمن
وتضافر جهود، والمهم السير في الطريق.
وثمار تأصيل هذه العقيدة لا تحصى، ويكفي أن عامة المشاكل المستعصية في
الساحة الإسلامية بسبب ضعف الخوف من الله - سبحانه - ومراقبته.
الوقفة الثانية: الجانب العلمي:
يمكن رصد ما يلي بوضوح وبلا مشقة على مستوى العالم الإسلامى، وإن
كان الوضع في بعض المناطق الإسلامية يبشر بخير والحديث هنا عن الشباب عامة
والمنتسبين لطلب العلم منهم خاصة ويلاحظ:
١ - قلة الاهتمام بالدراسات الشرعية الجادة؛ الإنتاج التجاري كثير ولكن
الدراسات العميقة الأصيلة قليلة، والأهم من ذلك أنك لا تجد مناهج للبحث.
٢- التساهل في تلقي المعلومات وعدم البحث والتدقيق والنظر للعمل بالراجح
وتغليب الخمول والتقليد، والاعتماد على السماع في عامة المسائل الفقهية ونحوها،
ويبرر الشباب وضعهم بأنه لا حرج من الاستفتاء وأن حَمَلَة الفقه كثيرون، وهذا
العذر مقبول من غير المتخصصين في الشريعة، ولكن المصيبة حاصلة في قضايا
الفكر المعاصر، وبالتحديد في فقه الدعوة وفقه الواقع واتخاذ المواقف والقرارات
في الأحداث المستجدة على الساحة الإسلامية؛ فتجد الانغلاق الفكري وعدم السماع
إلا من أفراد معدودين ولو كانوا - باعتراف أتباعهم - جهلة في العلم الشرعى،
فيتساهل الشباب في قبول الفتاوى من أي جهة، وفي أي نازلة!
٣ - يحرص بعض الدعاة على التقليل من أهمية العلم والعلماء وفيهم مَن لا
يتورع من نقد العلماء وإبعاد الشباب عنهم، فهذه مصيبة والحديث عنها يطول
وأختصره بإيراد قصة وسؤال.
أما الحادثة فقد وقعت في إحدى المناسبات، ففي تجمع شبابي، قُدمت قصص
فيها لمز بالعلماء وبعدها جرى نقاش في الموضوع وخلاصته: هل يوجد في هذه
الدولة علماء؟ ، وأجمع مَن حضر أنه لا يوجد ومع هذا تجد النقد المؤلم يوجه
للعلماء، والسؤال: أيهما أهم تعلم العلم الشرعى أو سائر العلوم الأخرى في حالة
قلة الدارسين للعلم الشرعى من الدعاة؟ ، ولكى يتضح المراد نضعه بالصيغة التالية:
تنبيهات لابد منها:
١ - إشعار الشباب بحاجة المجتمع عامة والدعوة خاصة إلى العلماء الربانيين، وأن الأمة عامة، والصحوة الإسلامية خاصة تعاني أشد المعاناة من قلة هؤلاء.
٢- حث الشباب على طلب العلم وترغيبهم بذلك وتشجيعهم بالقول والعمل،
لعل الله يُخرج من بينهم علماء عاملين، ومعلوم أنه في كل فن
يقوم بدراسته والتخصص فيه آلاف الأشخاص، ولا ينبغ منهم إلا النادر، وكذلك
في الشريعة الإسلامية؛ فالشباب بأمس الحاجة إلى من يفقه الواقع ويتمكن من العلم
الشرعي وأصوله ويتحلى بالورع والحكمة.
٣ - الحذر من تقليل شأن العلم الشرعي، والابتعاد عن نقد العلماء لكى
يستفيد الشباب من علمهم والدراسة عليهم، وهذا لا يمنع من بيان نقاط الضعف
عندهم أو التحذير من أخطائهم.
٤ - لابد من بيان المنهج السليم لطالب العلم الشرعي للشباب وتشجيعهم على
سلوكه؛ لأنه منهج السلف الصالح، فعلى المربين الاهتمام والنظر في ميول الشباب
ورغباتهم وتوجيههم لطلب العلم.
الوقفة الثالثة: الوعي السياسي:
هذا الباب يدخل في فقه الواقع، ورحم الله ابن القيم حيث جعل فقه الواقع
يقابل الفقه الشرعي وشطره، بل ذهب الإمام القرافي ﵀ إلى أبعد من
ذلك حين بيّن الفرق بين أدلة الأحكام وأدلة وقوع الأحكام وخرج بأن وقوع الأحكام
أوسع ويحتاجها القاضي والمفتي وغيرهم، فلا يمكن إيقاع الحكم على حادثة معينة
إلا بعد معرفة أدلة وقوعها وما يتعلق بها.
إن الدارس لواقع الشباب يجد اهتماماتهم جيدة في متابعة أخطاء وزلات
غيرهم، ويعتقد البعض أن تتبع العثرات هو قمة الوعي السياسي والحقيقة أن هذه
نظرة سطحية وتظهر فيها الضحالة لفقه الواقع والشرع، ومن سلبياتها التربوية ما
يلي:
أ- تعويد الشباب على الغيبة وذكر الشائعات وعدم التثبت من صحة الأخبار
وبالتالي يصبح الشباب نَقَلَة أخبار.
ب - فيه استهلاك للجهد والوقت وخاصة أن بعضهم يعتقد أن متابعة هذه
الأخبار ونشرها عين الدعوة، وأنهم بهذا العمل يخدمون الإسلام بينما العمل
الإسلامى بحاجة إلى العمل ومواصلة التربية الإيمانية دون القيل والقال.
ج -زعم كثير منهم أنه بتلك المتابعة أصبح من علماء السياسة مع جهله
بصحة الأخبار وعدم قدرته على تحليلها وإدراك أبعادها، لذا يرى - مَن هذا وصفه
- أنه ليس بحاجة إلى غيره لفهم الواقع وأن قراراته وأحكامه هي الصحيحة!
ضرورة شرعية لابد منها:
لابد من ربط الشباب بعقيدة الولاء والبراء والتأكيد على التعامل مع الناس من
خلال تلك العقيدة فإن الدارس لعقيدة الولاء والبراء يتعامل مع أقاربه وجيرانه
وسائر المجتمع من خلالها، فلا تنحصر المحبة لمن يوافقه في أفكاره وآرائه بل
المحبة لسائر المؤمنين من أقاربه وجيرانه وسائر الأمة.
وينبغي تنبيه الشباب على حفظ ألسنتهم وأسماعهم من الغيبة والقيل والقال ولا
رادع عن ذلك إلا بالخوف من الله ومراقبته وإذا
جاء النقد من خلال الدراسات (وثائق وحقائق وأرقام) فهذا مطلب شرعي ولا حرج
فيه.
الوقفة الرابعة:
يزداد يوماً بعد يوم عدد الشباب الذين منّ الله عليهم بالتمسك بتعاليم الإسلام،
ولكن آثارهم في الواقع الاجتماعي أقل من حجمهم، وكسْب الواقع اجتماعياً وجعله
واقعاً إسلامياً من مهام الداعية الأساسية، وخاصة في المدن الصغيرة والقرى
والأرياف وذلك بالقيام بتطبيق تعاليم الإسلام وبذل مزيد من الجهد والعمل الإيجابى
الجاد ليكون لهم دور قيادي وفعال في مجتمعاتهم والمصالح المترتبة على ذلك كثيرة، وهنا لابد من ذكر بعض الملاحظات:
أ- لا يمكن أن يكون للداعية ولاسيما الشباب قيمة في المجتمع وله قبول
ومحبة لدى العامة من غير عمل إيجابي للعامة، يُحمد عليه، والأعمال - ولله
الحمد - متنوعة ومنها اليسير السهل ومن قام به نال الأجر والثواب، ومن الأمثلة
التي يغفل عنها مع أهميتها: صلة الرحم وزيارة الجيران والمناصحة، وتولي إمامة
المسجد، وكذا الأذان والخطابة.
ب - ينبغي أن يكون للشباب تواجد في المشاريع الخيرية التي تخدم البلد
والمساهمة في ذلك قدر الطاقة فإذا لم يكن ثمة مشاريع قائمة فعلى الشباب السعي
والبدء بها، لأن المشاركة في المشاريع الخيرية العامة تساهم في توثيق الصلة بين
الشباب وغيرهم من أعيان ووجهاء البلد وبالتالي إزالة الفجوة فيما بينهم.
ج - ضرورة مخالفة الشباب للعادات المحرمة شرعاً وبيان سبب مخالفتهم لها، والسعي لأن يفعل غيرهم فعلهم، وكذلك امتثال الأوامر الشرعية وإحياء السنن،
وحث غيرهم على ذلك ومتى كسب الشباب ثقة المجتمع سهل عليهم القيام بالمهمة
الشاقة وهي مخالفة العادات ومحاربة البدع والمنكرات وإحياء السنن والعمل بها
والله الموفق.
стр. 615
شذرات وقطوف
إعداد: نجوى محمد الدمياطي
أركان التوحيد
الرضى بالله رباً: أن لا يتخذ رباً غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره، وينزل به حوائجه، قال الله تعالى: [قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَباً وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ] [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس ﵄: (سيداً وإلهاً) يعني فكيف أطلب رباً غيره. وهو رب كل شيء؟ وقال في أول السورة: [قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ ولِياً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ] [الأنعام: ١٤] يعني معبوداً وناصراً ومعيناً وملجأ. وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة. وقال في وسطها: [أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وهُوَ الَذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً] [الأنعام: ١١٤] أي أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم، فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه، وهذا كتابه سيد الحكام فكيف نتحاكم إلى غير كتابه؛ وقد أنزله مفصلاً، مبيناً كافياً شافياً.
وكثير من الناس يرضى بالله رباً، ولا يبغي رباً سواه، لكنه لا يرضى به
- وحده - ولياً وناصراً، بل يوالي من دونه أولياء، ظناً منه أنهم يقربونه إلى الله، وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك وهذا عين الشرك ...
وكثير من الناس يبتغي غيره حكماً، يتحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى
بحكمه ... وهذه المقدمات الثلاث هي أركان التوحيد: أن لا يتخذ سواه رباً، ولا
إلهاً، ولا غيره حكماً.
(ابن قيِّم الجوزية: مدارج السالكين، ٢/١٨٩)
قاعدة الدعوة:
إن نظام الله خير في ذاته، لأنه من شرع الله.. ولن يكون شرع العبيد يوماً
كشرع الله.. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة، إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله
وحده أياً كان - ورفض كل شرع غيره أياً كان - هو ذاته الإسلام، وليس للإسلام
مدلول سواه.
(سيد قطب: معالم في الطريق)
توجيه طاقة المسلم:
نحن بحاجة إلى إعادة تنظيم طاقة المسلم الحيوية، وتوجيهها، وأول ما
يصادفنا في هذا السبيل هو أنه يجب تنظيم تعليم (القرآن) بحيث (يوحي) من
جديد إلى الضمير المسلم (الحقيقة) القرآنية، كما لو كانت جديدة، نازلة من فورها
من السماء على هذا الضمير ...
وثاني ما يصادفنا هو أنه يجب تحديد رسالة المسلم في العالم. فبهذا يستطيع
المسلم منذ البداية أن يحتفظ باستقلاله الأخلاقي، حتى لو عاش في مجتمع لا يتفق
مع مَثَله الأعلى ومبادئه، كما أنه يستطيع أن يواجه -رغم فقره أو ثرائه -
مسئولياته مهما يكن قدر الظروف الخارجية الأخلاقية والمادية.
(مالك بن نبي: ميلاد مجتمع)
سبيل المجرمين:
حتى يظهر الحق فلابد أن يستبين الباطل.. وطالما أن الباطل متخفٍّ وراء
شعارات وأسماء فلن يكون الحق ناصعاً -إلا لمن عصم الله -.
فإظهار عوار المبطلين وجهل الجاهلين وألاعيب المزيفين هو ظفر في حد
ذاته لدين الله - تعالى -، وقد قال : [ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ]
[الأنعام: ٥٥] ؛ فاستبانة سبيل المجرمين هدف بذاته مطلوب بنص كتاب الله -
تعالى - وهو هدف أسمى.
(محمد العبدة: مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم)
стр. 616
خواطر في الدعوة
من سنن الأنبياء
الأخذ بالأسباب المادية
محمد العبدة
في غمرة الاندفاع العاطفي، وزحمة الأحداث والقراءات السطحية، يتناسى
المسلمون أو قد يجهلون سنن التغيير التي أودعها الله في كتابه
أو أجراها على لسان نبيه ﷺ بل إن بعض هذه السنن قد
يعرفها الناس بالتجربة الطويلة والخبرات المتراكمة المتأملة، ومن هذه السنن أن
الدعوات الصادقة إذا أريد لها النجاح لابد لها من قوى تؤيدها وتنصرها، قوى من
التكتل الجماهيري الذي يلتف حول هدف واضح محدد أو - بمصطلح ابن خلدون -
لابد من (العصبية) التي تعني الالتحام والتعاضد والتناصر لتحقيق هدف معين،
وليس المعنى المذموم لكلمة (عصبية) ، وإذا كان التكتل سابقاً يعتمد على القبائل
والعشائر، فإنه في العصر الحديث يعتمد على جميع شرائح المجتمع، الذين يلتفون
حول علماء - فقهاء، يعلمون بفقههم وتفكيرهم سنن التغيير وتحويل المجتمعات
والتأثير فيها، وخاصة ما نحن فيه من تعقيدات هذا العصر.
هذه القوة والمنعة هي التي افتقدها نبي الله لوط ﵇ حين قال:
[قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ] [هود: ٨٠] ، فقال رسول الله-
صلى الله عليه
وسلم-: «رحم الله لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد، وما بعث إليه بعده نبياً
إلا وهو في ثروة من قومه» [١] .
ويقول الإمام الجويني: (وما ابتعث الله نبياً في الأمم السالفة ... حتى أيده وعضَّده بسلطان ذي عدة ونجدة، ومن الرسل ﵈ مَن اجتمعت له النبوة والأيد والقوة كداود وموسى وسليمان - صلوات الله عليهم
أجمعين -) [٢] ، فإذا كان الأنبياء يؤيَّدون (بثروة من قومهم) وهي القوة والمنعة في العدد والعدة، وهم مع ذلك مؤيَّدون بالمعجزات وخوارق العادات، فكيف بغيرهم الذين يرومون التغيير بالعشرات أو المئات، ويقولون نحن نتوكل على الله، لا شك أن المسلم يطلب العون من الله ويتوكل عليه، والله - سبحانه - وعد بنصر المسلمين، ولكن لابد من الأخذ بالأسباب الشرعية، ومن أهمها تجميع القوى التي تناصر وتعاضد.
هل درسنا هذا الموضوع بعمق وأناة أم أن مقولة (نعمل والنتائج على الله) لا
تزال هي الشائعة والأكثر قبولاً ورواجاً، مع أنها ظاهرياً صحيحة فهي كلمة حق
تُستخدم في غير محلها، فالقول بأننا نعمل يجب أن يمحص؛ إذ ما أدراك أن عملك
صواب، قد أخذت فيه بالأسباب؟ ، نعم، إذا بذل الجهد الصحيح فالنتائج على الله، أما أن يُعمل أي عمل ثم يقال (النتائج على الله) ؛ فهذا ضرب من حب السهولة،
وحتى نستريح نفسياً من اللوم والتقريع، وحتى لا ننقد أنفسنا، حتى لو فرضنا أنه
توفر عنصر الإخلاص في هذا العمل، فهذا لا يكفي إذ لابد من معرفة سنن الله في
التغيير.
стр. 617
تاريخ
الطبقة الخامسة من الصحابة في كتاب
الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد
(عرض وتحليل)
(٢)
د. محمد بن صامل السلمي
دراسة تحليلية للطبقة الخامسة من الصحابة:
خصص المؤلف هذه الطبقة للذين كانوا أحداث الأسنان يوم قبض النبي -
ﷺ ، ولم يغزُ أحد منهم معه، وقد حفظ عامتهم ما حدثوا به عنه، ومنهم مَن لم يحفظ ما حدث به عنه، ولكن أدركه ورآه. فهذا شرطه فيمن يذكره
في هذه الطبقة ويعتبره منهم، فلننظر هل وفَّى بهذا الشرط؟ وهل استقصى كل من
ينفق عليهم هذا الشرط فذكرهم؟
لقد ترجم لستة وأربعين رجلاً في هذه الطبقة، منهم عشرة من بني هاشم،
ورجلان من بني أسد، وثلاثة من بني زهرة، وستة من بني مخزوم، وتسعة من
بقية قريش وحلفائهم، وسبعة من الأنصار، وخمسة من سائر القبائل، وأربعة من
أبناء اليهود الذين أسلموا، وكلهم ينطبق عليهم شرطه إلا ثلاثة:
١- عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب: ذكر أن عمره يوم مات النبي -
ﷺ نحواً من ثلاثين سنة، وقتل مجاهداً في أجنادين سنة ثلاث
عشرة، فإذا كان هذا عمره يوم مات النبي ﷺ ، فكيف يكون
من أحداث الأسنان؟ ولعل قائلاً يقول: إنه نص على أنه لم يغزُ مع النبي -صلى
الله عليه وسلم- وهذا من شرطه. ولكن ليس كل من لم يغزُ مع النبي -صلى الله
عليه وسلم- يدخله في هذه الطبقة وإن كان كبيراً في السن.
٢ - ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب الأشهلي: فإنه
قد وهم في اعتباره من هذه الطبقة بسبب التشابه بين اسمه واسم صحابى آخر هو
ثابت بن الضحاك بن أمية بن ثعلبة الخزرجي، والأول أوسي، ولعل الخزرجي
هو مراد ابن سعد فإنه هو الذي ينطبق عليه شرطه في هذه الطبقة أما الأوسي فإنه
ممن شهد الحديبية.
٣- عبد الله بن صياد، وأمره مشكل، واختلف فيه هل هو الدجال الأكبر أم
غيره؟ وجزم كثير من أهل العلم بأنه دجال من الدجاجلة.
وقد عرض عليه النبي ﷺ الإسلام فلم يقبل، وكونه أسلم
وصلح حاله بعد ذلك، لا يكون مسوغاً لإدخاله في الصحابة؛ لأنه لم يؤمن بالنبي
ﷺ حال لقياه له، ولكن ابن سعد لم ينفرد باعتباره من الصحابة، بل ذكره غيره ممن ألَّف في الصحابة.
وبالنسبة للسؤال الثاني الذي طرحناه، هل استقصى كل مَن انطبق عليه
شرطه في هذه الطبقة، والجواب: أنه لم يشترط الإحاطة والاستيعاب، فإذا وجد
مَن هذا حاله ولم يذكره فلا يؤاخَذ عليه. وإن ممن يمكن اعتباره في هذه الطبقة،
النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، فإنه في سن عبد الله بن
الزبير أو قريباً منه، ولم يغزُ مع النبي ﷺ ، وهو ممن روى
عن النبي ﷺ وحفظ عنه، وأحاديثه كثيرة مشهورة، قال
الذهبي: هو من الصحابة الصبيان باتفاق [١] .
وكذا يزيد بن الأسود بن سلمة بن حجر الكندي، فقد نص ابن حجر - في (الإصابة) - على أنه من الصحابة الصغار [٢] ، ولم يترجمه ابن سعد في هذه الطبقة ولا غيرها إلا أنه ذكره عندما ترجم لوالده في الطبقة الرابعة وقال: إنه وفد على النبي ﷺ مع والده وهو صغير فدعا له [٣] . ...
وفي ترتيبه للأسماء داخل الطبقة التزم بالترتيب على النسب كما فعل في
الطبقات السابقة إلا في أشياء يسيرة، فقد ذكر عبد الرحمن بن أبزى مولى خزاعة، بعد السائب بن يزيد الكندي، وكان حقه أن يذكر بعد نافع بن عبد الحارث الخزاعي - حسب المنهج الذي سار عليه في الطبقات السابقة بذكر مولى القوم وحليفهم معهم. ومن ذلك ذكره عبد الله بن ثعلبة بن صغير، حليف بني زُهرة وعبد الله بن عامر بن ربيعة، مولى الخطاب بن نفيل، بعد مولى خزاعة وكان حقهما أن يذكرا ضمن حلفاء قريش ومواليهم وأيضاً بالنسبة للأنصار فإنه لم يفصل الأوس عن الخزرج بل ذكر الأسماء مختلطة.
وقد ذكرنا من الظواهر العامة في منهجه، أنه يطيل في بعض التراجم
ويختصر في أخرى، وهذا بيّن في هذه الطبقة، فإن أربعة منهم [٤] قد شغلوا
أربعاً وعشرين ومائة لوحة من المخطوطة، وبقية التراجم - وعددها اثنتان
وأربعون ترجمة - كانت في إحدى وأربعين لوحة فقط. وبالنسبة للروايات
والأسانيد، فقد بلغت في هذه الطبقة خمس عشرة وسبعمائة رواية. منها اثنتان
وسبعون وخمسمائة رواية في تراجم الأربعة المذكورين، وثلاث وأربعون ومائة
رواية في بقية التراجم.
ولو بحثنا عن سبب ذلك لوجدنا أن أهمية المترجم، وتوفر المعلومات لدى
المصنف لها نصيب في هذا، فهؤلاء الأربعة كان لهم إسهامات علمية، ومشاركات
سياسية، ولهم منزلة قيادية في توجيه المجتمع والتأثير عليه.
ولذا اعتنى بتتبع أخبارهم وفضائلهم، وحياتهم الاجتماعية، والسلوكية،
ومواقفهم السياسية، وقد وجد مادة علمية تساعده على بناء الترجمة وصياغة
تاريخها.
فمثلاً في ترجمة عبد الله بن عباس - بعد أن ساق نسبه وذكر أولاده - ساق
سبع روايات تتعلق بتحديد زمن ولادته، ثم سبع عشرة آية عن دعاء النبي -صلى
الله عليه وسلم- له، ورؤيته لجبريل، ثم ركز على فضائله العلمية، وتقدمه في
ذلك حتى صار إماماً يُستفتى في كثير من العلوم الشرعية والعربية، وذكر ملازمته
لعمر بن الخطاب، وعلاقته مع عثمان بن عفان وأنه استخلفه على الحج عندما
حُصر، ثم وقوفه مع علي بن أبي طالب بالمشورة والعمل له، ومحاجته للخوارج،
ثم موقفه من خلافة يزيد، ومن عبد الله بن الزبير، ثم ذكر ثلاثين رواية تتعلق
بهيئته الشخصية مثل خاتمه، ولباسه، وعمامته، وإزاره، وشعره، وخضاب
لحيته ... الخ. ثم ذكر أكثر من عشر روايات تتعلق بوفاته وثناء المعاصرين له
عليه.
والمعلومات التى قدمها عن ابن عباس معلومات أولية قيمة موثقة بالإسناد
حفظها ابن سعد في هذا الكتاب الذي يعتبر من أقدم المصادر التي وصلت إلينا عن
تاريخ الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وبعملية إحصائية نجد أنه قدم هذه
المعلومات من خلال إحدى وأربعين ومائة رواية بلغت الأسانيد الصحيحة أو الحسنة
ستة وخمسين سنداً، والأسانيد الضعيفة اثنين وسبعين سنداً، والأسانيد الضعيفة جداً
ثمانية أسانيد، والأسانيد المتوقف في الحكم عليها خمسة أسانيد، وبلغ عدد المتون
التي وردت من طرق أخرى صحيحة أو حسنة ثلاثة وخمسين سنداً، وبذلك يرتفع
عدد المتون الصحيحة إلى تسعة ومائة متن، أي بنسبة ٧٧% بالنظر إلى عدد
المرويات، وهذه نسبة عالية إذا قورنت مع كتب التراجم والأخبار المماثلة.
وفي ترجمة الحسن والحسين، قدم معلومات وافية عن تسميتهما وحلق
شعورهما والعقيقة عنهما، وفضائلهما، وحياتهما الاجتماعية، ومواقفهما السياسية
وأطال في قصة خروج الحسين إلى العراق ومقتله، ووصف ذلك وصفاً دقيقاً
متتابعاً، وأورد من التفاصيل الدقيقة عن لحظة مقتله ما يثير الشك في صدق تلك
التفاصيل، ومقدرة الرواية في ذلك الزمن على حفظ هذه المعلومات الدقيقة ونقلها،
وقد أورد خبر المقتل بأسانيد مجموعة كلها ضعيفة من طريق الواقدي عن شيوخه،
والمدائني عن شيوخه ثم كمل ذلك بروايات مفردة من طريق المدائني ومن طريق
الواقدي ومن طريق شيوخ آخرين، وبلغ عدد الروايات المفردة خمساً وأربعين
رواية والذي صح إسناده منها ثمانِ روايات فقط، مما يدل على مبلغ التزيد
والوضع في هذه القضية، التى كانت فرصة جيدة للمذهب الشيعي في الدعاية له
والاجتماع حول مبادئه، واستغلال عواطف الناس ومشاعرهم بهذه القضية المؤثرة، والمتابع لنشأة التشيع وتطوره يجد أنه قد دخل في طور وتحول فكري جديد بعد
حادثة مقتل الحسين، وأنه اتخذ هذه الحادثة معلماً من المعالم المتجددة في كل عام،
ومأتماً يُظهرون به الجزع والحزن لإثارة العامة وكسب مشاعرها.
وهذا القسم يشكل جزءاً مستقلاً، عنونه بقوله: مقتل الحسين - صلوات الله
عليه - وفي آخره قال: آخر مقتل الحسين بن علي ﵀.
أما ترجمة ابن الزبير فقد شغلت إحدى وثلاثين لوحة ذات وجهين من
المخطوطة، استوعب فيها نواحي متعددة من حياة عبد الله بن الزبير، عن ولادته
ونشأته، وأولاده، وفضائله، ومشاركته في الحياة العامة، وزهده وعبادته وموقفه
من الأحداث في عصره، وموقفه من بيعة يزيد بن معاوية، ثم مبايعته بالخلافة بعد
موت يزيد، والأحداث التى تمت في خلافته، مثل بناء الكعبة، وثورة التوابين
ومقتل المختار، ومعركة برج راهط، وانتزاع عبد الملك بن مروان العراق،
ومقتل مصعب بن الزبير، ويختم الترجمة بوصف مقتله والأحداث التي صاحبت
ذلك، ويصف الساعات الأخيرة وصفاً تسجيلياً دقيقاً، وقد يكون فيها مبالغة ولكن
رواته هنا أمثل قليلاً من رواته في مقتل الحسين ﵁ ولبعض ما
ذكره بإسناده الجمعي في مقتل ابن الزبير شواهد صحيحة، وقد اشتملت الترجمة
على مائة رواية، عن تسعة وعشرين شيخاً، والراوية الأساسي فيها هو الواقدي،
حيث تشكل نسبة الرواية عنه ٣٩% من عدد المرويات، ومنها خمس روايات
طويلة وبأسانيد مجموعة تمثل الجانب التاريخي من حياة ابن الزبير، وتمثل ٥٠%
من النصوص الواردة في ترجمته مما يمكن معه القول بأن حوالي ٧٥% من ترجمة
ابن الزبير هي من طريق الواقدي، ولذلك فإن نسبة النصوص الصحيحة فيها أقل
مما في ترجمة ابن عباس، إذ تبلغ نسبتها قريباً من ٥٢% من عدد المرويات.
وفي ترجمة المسور وهو ممن عاش مع ابن الزبير وناصره، نجده يقدم
ترجمته من خلال سبع وثلاثين رواية منها ست وعشرون رواية من طريق الواقدي
وهي تشكل ٧٠% من عدد المرويات، وعدد المتون الصحيحة في الترجمة يمثل
٣٨% وهي نسبة قليلة، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار النصوص التاريخية التي
يرويها الواقدي من طرق عبد الله بن جعفر عن عمته أم بكر بنت المسور فإن
النسبة ترتفع إلى ٧٥%.
بينما نجد ترجمة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهي تأتي بعد ترجمة
المسور في الطول - وهو حجازي عاش بالمدينة - لا تمثل روايات الواقدي فيها
سوى ٣٤.٥% بالنسبة لعدد المرويات البالغ ثلاثاً وعشرين رواية، ونسبة المتون
الصحيحة فيها٥٦.٥ %.
وفي ترجمة الضحاك بن قيس الفهري يورد المؤلف سبع روايات، واحدة عن
عفان بن مسلم، واثنتان عن الواقدي، وأربع روايات عن المدائني، منها رواية
بأسانيد مجموعة، وفيها تفصيل لموقعة مرج راهط ومقتل الضحاك، وهي طويلة
إذ تشكل حوالي ٧٠% من كامل الترجمة.
أما بقية التراجم فهي قصيرة ورواياتها قليلة.
ولو تتبعنا المعلومات والنصوص المتعلقة بالأحداث التاريخية - والتي أوردها
المصنف من خلال تراجم هذه الطبقة - وحاولنا تحليلها ونقدها لوجدناها تعطي
صوراً متباينة، وتعكس وجهات نظر متعددة، لا يمكن تصنيفها في اتجاه واحد،
مما يعطي صورة واضحة عن مدى أمانة المصنف واستقامته، وحرصه على
عرض النصوص كما بلغته دون أن يتدخل في توجيه النصوص وفرض رأي محدد
على القارئ، لقد تعمد أن يترك له الحكم على الروايات من خلال المصادر،
ومعرفة عدالة الرواة وجرحهم واتجاهاتهم الفكرية، وقد أسهم في بيان شيء من هذا
في تراجم غير الصحابة ﵃.
وذكر نصوصاً مضيئة في ترجمة الحسن بن علي ورغبته في جمع الأمة،
وإيقاف القتال، وأن ذلك لم يكن عن عجز منه، وإنما تحققت فيه نبوءة النبي -
صلى الله عليه
وسلم-: «إن ابني هذا سيد وعسى الله أن يصلح به - وفي رواية على يده
- بين فئتين من المسلمين عظيمتين» ، فكان أول ما بايع أهل العراق بعد مقتل
علي - أنه اشترط عليهم أن يدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به [٥] ، ثم
خطبهم وقال في خطبته: وإني والله ما أحببت أن أَلِيَ من أمر أمة محمد ما يزن
مثقال حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دم، قد علمت ما يضرني مما ينفعني،
وقال في موطن آخر: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون مَن سالمت ويحاربون
مَن حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله، وقال في الخطبة التى تنازل فيها لمعاوية:
إني كنت أكره الناس لأول هذا الحديث، وأنا أصلحت آخره، لذي حق أديت إليه
حقه أحق به مني، أو حق جُدت به لصلاح أمة محمد. وقال في موضع آخر:
ولكنى خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً، وثمانون ألفاً أو أكثر من ذلك أو أقل
كلهم تنضح أوداجهم دماً، كلهم يستعدي الله فيم أهريق دمه.
فهذه النصوص الصحيحة تبين بجلاء موقف الحسن من النزاع في أمر
الخلافة، وحرصه على حقن الدماء، وجمع كلمة الأمة، واطّراح المصلحة
الخاصة في سبيل المصلحة العامة.
وقد تعرض لذكر الأحداث الكبيرة المثيرة التى مرت بها الأمة، مثل مقتل
الحسين ﵁، والحرة، وحريق الكعبة، ومرج راهط، وثورة
المختار بن أبى عبيد ثم مقتله، ومقتل مصعب بن الزبير، وحصار مكة الثاني
والقتال في الحرم، ومقتل ابن الزبير.
وأورد الأخبار عن هذه الأحداث بأسانيد مجموعة، ويكملها بأسانيد مفردة،
والأسانيد المجموعة من ناحية درجتها حسب أصول الصناعة الحديثية، إما ضعيفة، أو ضعيفة جداً، أو موضوعة.
أما الأسانيد المفردة ففيها الصحيح والحسن وفيها الضعيف والضعيف جداً،
أما متون هذه الأخبار، ففيها الصحيح، والمشهور الذي له شواهد تعضده وتقويه،
وفيها ما يقارب الواقع ولا يستنكر، وفيها ما في ألفاظه نكارة، وفيها ما تظهر عليه
لوائح الوضع والكذب.
وكل واحدة من هذه القضايا [٦] تحتاج إلى دراسة مستقلة، تجمع فيها
الروايات على سبيل الحصر والاستقصاء للمصادر كافة وبحسب تنوعها، ثم تحقق
وفق الأصول العلمية، ليعرف الصواب من الزائف، والحق من الباطل، وذلك
يحتاج إلى جهد كبير ودراية علمية، وخبرة واسعة بمصادر التراث الإسلامي،
وهذا ينطبق على القضايا كافة في التاريخ الإسلامى، إذ كثير من الباحثين
المعاصرين يكتبون في هذه القضايا وهم لا يملكون الدراية العلمية بمناهج علمائنا
السابقين، فتأتي أبحاثهم ناقصة، وأحكامهم ضعيفة ومستعجلة، وغير محيطة
بالقضية من جوانبها كافة، ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن الاستقامة
الفكرية على الاعتقاد الصحيح ومنهاج أهل السنة والجماعة من أكبر العوامل
لإصابة الحق، وتوفر الاتزان العلمي في البحث، وذلك أن التلوث بشيء من
الانحرافات الفكرية المعاصرة، أو الاتجاهات البدعية - التى ظهرت على امتداد
التاريخ الإسلامي - لا يوفر لصاحبه الاتزان العلمى المطلوب في بحث القضايا،
وإنما يسوقه هواه، وانحرافه وبدعته -إلى تبني أحكام مسبقة، ثم يلتقط من الأدلة
ما يؤيدها ويقررها ويترك ماعداها.
стр. 618
اختيارات فقهية
صرف الزكاة لشراء كتب العلم
قال ابن تيمية: (ومن ليس معه ما يشتري كتباً يشتغل فيها، يجوز له الأخذ
من الزكاة ما يشتري به ما يحتاج إليه من كتب العلم الذي لابد لمصلحة دينه ودنياه
منه) .
(مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ٢/١٦)
الذهاب إلى الأسواق والمنتزهات
(ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التى يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار
إلا لموجب شرعي: مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لابد
فيه من حضوره أو مكرهاً، فأما حضوره لمجرد الفرجة وإحضار امرأته تشاهد ذلك، فهذا مما يقدح في عدالته ومروءته إذا أصر عليه والله أعلم) .
(ابن تيمية: الفتاوى ٢٨/٢٣٩)
شرح حديث: «أنت ومالك لأبيك»
عن عائشة ﵂: أن رجلاً أتى رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يخاصم أباه في دَيْن عليه، فقال نبي الله ﷺ : «أنت
ومالك لأبيك» [صحيح ابن حبان، ١/٣١٦] .
قال ابن حبان: معناه أنه ﷺ زجر عن معاملته أباه بما
يعامل به الأجنبيين، وأمر ببره والرفق به في القول والفعل إلى أن يصل إلى ماله، فقال له: «أنت ومالك لأبيك» ، لا أن مال الابن يملكه الأب في حياته عن غير
طيب نفس من الابن به.
القيام والتقبيل
سئل الإمام مالك ﵀: (قيل: فالرجل يقوم للرجل له الفقه والفضل فيجلسه في مجلسه؟ ، قال: يكره ذلك ولا بأس أن يوسع له.
وسئل عن الرجل يقبّل يد الوالي أو رأسه، قال: ليس ذلك من عمل الناس
(عمل أهل المدينة) وهو من عمل الأعاجم) .
(أبو زيد القيروانى: الجامع، ١٩٧)
القيام وإصلاح ذات البين
(ولم تكن عادة السلف على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام لمَّا يرونه ﵇ كما يفعله كثير من الناس، فكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، كما يعلمون من كراهته لذلك ... وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له فحسن) .
(وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو تُرك لاعتقد أن ذلك لترك
حقه أو قصد خفضه، ولم يعلم العادة الموافقة للسنة، فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك
أصلح لذات البين، وإزالة التباغض والشحناء) .
(ابن تيمية: الفتاوى، ٣٧٤)
стр. 619
من تاريخ الإسلام
معن بن عدي الأنصاري
معالي عبد الحميد حمودة
عندما نستعرض تاريخ الصحابة الأماجد - عليهم من الله سحائب الرحمة
والرضوان - نجد تاريخاً عظيماً لأبطال عمالقة، ومن هؤلاء معن بن عدي بن
عجلان الأنصاري، وهو صحابي مجاهد، كان رجلاً مثقفاً في جاهليته، يجيد
الكتابة بالعربية، وكان من يكتب حينئذ في العرب تتجه إليه الأنظار بكل الاهتمام
والتقدير.
انطلق معن بن عدي وكان مثقفاً متعلماً، فأسرع للإسلام والإيمان برسالة
المصطفى ﷺ ، ولذلك كان أحد السبعين البواسل الذين سبقوا
إلى الاستجابة في بيعة العقبة الأخيرة.
وتمت الهجرة النبوية، وآخى رسول الله ﷺ بين معن بن
عدي وزيد بن الخطاب شقيق عمر ﵄، والغريب أن هذين
المتآخيَيْن في الله تآخيا كذلك في ميدان الجهاد في سبيل الله - تعالى -، وتآخيا
كذلك لنيل الشهادة معاً في معركة واحدة، هي موقعة اليمامة فمضيا أخوين إلى عالم
البقاء.
معن يشارك في هدم مسجد الفتنة:
حرص معن بن عدي ﵁ على مواقف الفداء والوفاء لكلمة لا
إله إلا الله محمد رسول الله، فشهد غزوات بدر، وأحد، والخندق، والمشاهد كلها
مع رسول الله ﷺ ، لكن في غزوة تبوك قام المنافقون بالإقدام
على عمل غاية في الخطر، من شأنه تفريق كلمة المسلمين وتشتيت وحدتهم فبنوا (مسجد الضرار) ؛ ليكون مكاناً تحاك فيه المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين.
هذا التصرف الذي صوَّره القرآن الكريم في سورة التوبة: [والَّذِينَ اتَّخَذُوا
مَسْجِداً ضِرَاراً وكُفْراً وتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن
قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ الحُسْنَى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ] [التوبة: ١٠٧] ،
اختار رسول الله ﷺ ثلاثة رجال، وأمرهم بالتوجه إلى ذلك
المسجد وهدمه وإحراقه، انطلق الرجال وكانوا: مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، وشقيقه: عاصم بن عدي، وأنجزوا المهمة على خير وجه، حرصاً على كلمة
الإسلام ووحدة المسلمين، ومنعاً من انتشار الفتنة.
معن بعد وفاة النبي ﷺ :
تتجلى معادن الرجال في المواقف التى تتطلب الرجولة والسيطرة، ولا يعرف
تاريخ الإسلام كله موقفاً في منتهى الخطورة مثلما حدث عند وفاة النبي -صلى الله
عليه
وسلم-، هذا الموقف الذي - لولا عناية الله (تعالى) بدينه - ما كان للإسلام
بقية.
انتقل النبي ﷺ إلى جوار ربه الكريم، وأخذ المسلمون
يبكون وهم يقولون: (والله لوددنا أنا مُتنا قبله، نخشى أن نُفتنن بعده) ، وبكل الثبات والرجولة والإيمان العميق الكامل، يقف معن بن عدي ﵁ كما جاء في (الطبقات الكبرى) لابن سعد ويقول: (وإنى والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتاً كما صدقته حياً) . هذه العبارة رغم أنها توضح عدم استخفاف معن بن عدي بالمصيبة الكبرى في فقد النبي ﷺ ، إلا أنها تشير إلى وجوب الثبات على الإسلام وعلى متابعة النبي ﷺ سواء أكان حاضراً أم كان غائباً.
ولذلك نرى معن بن عدي يحرص على ألا تكون هناك فتنة بسبب اختيار
خليفة للرسول ﷺ ، وعندما رأى بعض التعدد في الآراء في
اختيار الخليفة، سارع مع الصحابي (عويم بن ساعدة) إلى أبي بكر الصديق -
﵁ وجعل يقول له مع صاحبه: (إنه باب فتنة ... نرجو أن يغلقه
الله بك) .
معن شهيداً في سبيل الله:
لكل إنسان أجل لا يتقدم ولا يتأخر لحظة أو ثانية واحدة ... وظل الصحابي
المجاهد النبيل يجاهد في كل موقع، ويحافظ على وحدة المسلمين، ويحارب تفرقهم
إلى أن حانت اللحظة الأخيرة المجيدة.
كانت هذه اللحظة يوم موقعة اليمامة، إذ خرج الأخوان المجاهدان - معن بن
عدي، وزيد بن الخطاب ﵄ -، وكانت الفتنة يومها ضارية؛ إذ
انتشرت الردة هناك بقيادة (مسيلمة بن حبيب) -مسيلمة الكذاب - انتشاراً خطيراً.
تقدم معن بن عدي وزيد بن الخطاب ومعهما أبطال الإسلام، كان هدف
الجميع وضع حد نهائي لهذه الفتنة مهما كان الثمن، وحمل زيد الراية، وهتف معن
بالمسلمين ليثبتوا ويتقدموا، وظل البطلان يتقدمان ويجاهدان حتى حققا - مع
إخوانهما - النصر المبين.
وكان للنصر ثمن كبير هو الشهادة في سبيل الله.
وسقط معن بن عدي مع زيد بن الخطاب ... فرضوان الله تعالى عليهم
أجمعين.
стр. 620
ركائز الدعوة إلى الله
موزة بنت محمد
الدعوة إلى الله واجب على كل مسلم ومسلمة كلٌّ حسب
طاقته وقدرته، وظروفه، قال - تعالى -: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى
بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] .
والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل ووعظ
الغافل ومجادلة الفاسق والكافر - هي سبب خيرية هذه الأمة، وقد هيأ الله (سبحانه)
- برحمة منه وفضل- لهذه الأمة علماء فضلاء، كان لهم دور كبير في هذه
الصحوة المباركة، فأثمرت دعوتهم هذه الجموع من الشباب المستقيم على دين الله
في حماسة وقوة واندفاع والذين أصبح الكثير منهم اليوم دعاة إلى الله ورسوله -
ﷺ وصراطه المستقيم كأنهم النجوم الزاهرة تهدي بإذن الله من
يشاء ... فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ولكن هناك بعض الأخطاء لابد من ذكرها، فقد تجد الشاب يستمع لبعض
الدروس أو يقرأ في كتاب أو يجالس مجموعة فيتأثر بها ثم يصبح بين عشية
وضحاها داعية متأثراً بشكر هذا الشخص أو ذاك أو هذه المجموعة أو تلك وباندفاع
الشباب وحماسته يصبح داعية لهذه الجماعة مهاجماً لغيرها مبتعداً عن منهج الله في
الدعوة إليه، ولا يخفى ما لهذه الفرقة بين جماعة المسلمين من أضرار جسام على
الدعوة وعلى الأمة بوجه عام، وما فيها من مخالفة للصراط المستقيم وأوامر الله -
سبحانه - حيث يقول: [وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] [الأنفال: ٤٦] .
ومن باب حب الله ورسوله ﷺ ودينه وأمته، ...
والنصيحة لهم كان لابد من التواصي بالحق بين المؤمنين. وأحببت التواصي مع
أمل كل مؤمن وكل غيور على هذه الأمة.. مع الدعاة.
المنهج في الدعوة إلى الله:
يقول الله - سبحانه -: [ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً
وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت: ٣٣] ، فهذه الآية العظيمة من كتاب الله العظيم
تبين أن ركائز وأساسيات الدعوة إلى الله ثلاث وهي:
أ - الدعوة إلى الله وحده.
ب - العمل الصالح.
ج - الولاء للإسلام.
أ - الدعوة إلى الله وحده: لا شريك له، فيكون هدف الداعية هو مرضاة الله - سبحانه - ونيل الأجر والمثوبة منه وحده وليس للأغراض الدنيوية مكان في نفسه فهو لا يدعو من أجل ربح مادي ولا سمعة ولا رياء، ولا من أجل جماعة أو دولة أو غير ذلك، وعليه فلابد من اتباع ما أمر الله به، وعلى من يريد ارتياد
طريق الدعوة أن يتزود بأمور:
أولها: الإيمان بالله وحده لا شريك له، الإيمان الصادق الحي وما يتضمن من
رقة القلب وتقوى الله ورجاءً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، يقول الله - سبحانه -:
[وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى] [البقرة: ١٩٧] . ورقة القلب والتقوى نعمة من
الله وهي لا تأتي بسهولة بل بمجاهدة للنفس، ومن أحسن ما يعين عليها - بعد عون
الله (تعالى) - قراءة القرآن بتمعن وتدبر والتفكير في سنن الله وملكوته والإكثار من
النوافل، والتقرب إلى الله بالطاعات وبالبعد عن المعاصي، والدعاء في كل وقت،
وخاصة في جوف الليل بأن ييسرها الله - سبحانه - ويعين عليها.
وطريق الدعوة شاق وصعب ويحتاج الداعية فيه لقوة كبيرة على التحمل
والمتابعة، وهذه القوة مستمدة من الإيمان والارتباط بالله - سبحانه - واتخاذه وكيلاً
وعدم الغفلة عن ذكره، وقد أوصى الله - سبحانه - نبيه محمداً -صلى الله عليه
وسلم- إمام الدعاة وقدوتهم الحسنة بذلك في خواتيم سورة الأعراف، فبعد أن بيَّن
جوانب من طريق الدعوة قال: [وإذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ * واذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالْغُدُوِّ
والآصَالِ ولا تَكُن مِّنَ الغَافِلِينَ] [الأعراف: ٢٠٤-٢٠٥] .
ومن نتائج الإيمان الصادق تطهير النفس من كل رذيلة - كما يقول الإمام ابن
قدامة المقدسي ﵀ في كتابه (مختصر منهاج القاصدين) : (وإياك أن
تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك، واشتغل بإصلاح باطنك، وتطهيره من
الصفات الذميمة كالحرص والحسد والرياء والعجب قبل إصلاح ظاهرك ... فإن
مُهلك نفسه في طلب صلاح غيره سفيه، ومثله مثل من دخلت العقارب تحت ثيابه
وهو يذب الذباب عن غيره) .
ثانيها: العلم النافع المستمد من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ : يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين - في رسالة (زاد الداعية إلى الله (عز
وجل)) -: (وأول ما يتزود به الداعية إلى الله أن يكون على علم
مستمد من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ الصحيحة المقبولة،
وأما الدعوة بدون علم فإنها دعوة على جهل والدعوة على جهل ضررها أكبر من
نفعها؛ لأن هذا الداعية قد نصب نفسه موجهاً ومرشداً فإذا كان جاهلاً فإنه بذلك
يكون ضالاً مضلاً والعياذ بالله) .
ويظهر أثر هذا الإيمان وهذا العلم على المؤمن بالسكينة والوقار والخشوع
والتواضع وحب الناس وتمنى الخير لهم والعطف عليهم، والنصح لهم في غير
فظاظة ولا تجريح ولا تشهير، ويظهر البشاشة في وجهه ويحفظ لسانه، ويراعي
الله - سبحانه - ويتقيه في كل قول وفعل، فهو يتمثل صفات عباد الرحمن كما
وصفهم ربهم.
ب - العمل الصالح: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في كتاب (الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر) -:
(العمل الصالح الذي أمر الله به ورسوله هو الطاعة، فكل طاعة عمل صالح، وهو العمل المشروع المسنون، لأنه هو المأمور به أمر إيجاب أو استحباب، فهو العمل الصالح وهو الحسن وهو البر وهو الخير وضده المعصية والعمل الفاسد والسيئة، والفجور، والظلم والبغي) .
كما يجب أن يكون عمل الداعية مطابقاً لقوله ويكون هو بتصرفاته وأخلاقه،
وأعماله - قدوة لمن يدعوهم لما يدعوهم إليه من اتباع للصراط المستقيم فهو بكل ما
يقوم به من قول أو فعل مثال للمؤمن الصالح المتبع لدينه وهدْي نبيه - عليه
الصلاة والسلام - فلا يدعو لصلاة الجماعة ويتخلف عنها، ولا يدعو لإصلاح
السريرة وقلبه ملىء بالحقد والحسد، ولا يدعو الناس لترك الغيبة والنميمة ثم يأتيها
هو وكذا باقي الأعمال.
والعمل الصالح والإيمان مترابطان تمام الارتباط؛ فكلاهما مؤثر ومتأثر
بالآخر. ومن العمل الصالح المطلوب من الداعية هو الدعوة على بصيرة يقول الله
- سبحانه -: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ
اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] .
ويذكر فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: أن البصيرة في ثلاثة أمور:
هي بصيرة فيما يدعو إليه وهي العلم بالكتاب والسنة، وبصيرة في حال
المدعو، وبصيرة في كيفية الدعوة.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا يكون عمله صالحاً إن لم يكن بعلم وفقه
.. فلابد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولابد من العلم بحال المأمور
وحال المنهي) .
ولابد في ذلك من الرفق، يقول الله [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] [آل عمران: ١٥٩] ، ويقول الرسول -صلى الله عليه
وسلم-: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه»
رواه مسلم.
ومما لا شك فيه أن الدعوة إلى الله من أشرف المهام التى يقوم بها الناس
وأصعبها ولابد أن يواجه الداعية من الأذى والآلام الشيء الكثير؛ لذا وجب عليه
التحلي بالحِلم والصبر، يقول ابن تيمية ﵀: (ولابد أيضاً أن يكون
حليماً، صبوراً على الأذى؛ فإنه لابد أن يحصل له أذى، فإن لم يحلم ويصبر
يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمان لابنه: [وأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنكَرِ
واصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] [لقمان: ١٧] ) .
ويقول - سبحانه -: [ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً
وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ * ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا
الَذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ * ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَذِينَ صَبَرُوا ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ
ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ]
[فصلت: ٣٣-٣٦] .
ومما جاء في تفسير هذه الآيات [١] : أن الله - سبحانه - يثني على الداعية
ويخبر عنه أنه هو في نفسه مهتدٍ بما يقوله، فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومتعدٍ وليس
من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه بل يأتمر
بالخير، ويترك الشر، يدعو الخلق إلى الخالق ﵎ كما تبين في
أسلوب الدعوة والحث على الحلم والصبر، فيقول إن هناك فرقاً كبيراً بين الحسنة
والسيئة؛ ولذا ادفع من أساء إليك بالإحسان إليه؛ فإنك إن أحسنت إلى من أساء
إليك قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك حتى يصير كأنه ولي حميم، وبالطبع ليس هذا
بالأمر الهين الميسَّر لكثير من الناس ولكن ما يلقاها إلا ذو نصيب وافر من السعادة؛ لأنه صبر على الأذى في سبيل الله فهو سعيد في الدنيا والآخرة.
ولأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ولأنه توعد بأن يضل كل من
يستطيع إضلاله من بني آدم وخاصة من يسير منهم على الصراط المستقيم - فقد
يحس الإنسان بنزغ ووسوسة من الشيطان وعندها يبين الله - سبحانه - العلاج ألا
وهو الاستعانة بالله إنه هو السميع العليم. وجدير بالذكر أن هذا النزغ والوسوسة
تأخذ صوراً شتى منها الكبر وغَمْط الناس ومنها العُجب ومنها الحسد ومنها حب
الظهور والسمعة ومنها الغلو والبدع وغيرها كثير لمن تفكر ...
ج - الولاء للإسلام: [وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] ؛ فانتماؤه للإسلام ودعوته للإسلام واعتزازه بالإسلام، فقال إننى من المسلمين ولم يقل إنني من هذه الجماعة أو تلك، وليس في قلبه ولاء لغير الله ورسوله ودينه الذين ارتضى بل يؤكد قولاً وفعلاً أنه من المسلمين.
وبعد..
فإذا اجتمع في الداعية إيمان صادق وإخلاص لله وعلم نافع وعمل صالح
وولاء لله وحده فلابد أن يكون قوله هو أحسن الأقوال وحاله أحسن الأحوال، وذلك
فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
стр. 621
إليكِ زميلتي ...
أروى إبراهيم عباس
أختي المسلمة: أيتها الطالبة الفاضلة ... أيتها الأخت المربية ... أيتها الأم
الحاضنة؛ أنت معهد الرجال، ومنبت الأبطال، وأم العظماء، ومدرسة القادة
الأفذاذ.. أنت مفخرة الزمان وأساس البناء ونواة المجتمع.
أنت - زميلتي - أمل الأمة؛ بصلاحك يصلح المجتمع بأسره وتسعد الأجيال
قاطبة، وبانحرافك - لاسمح الله - ينهار كيان الأمة ويتحطم بنيانها، فأنت صلب
البناء الذي تقوم عليه أعمدة الخير، وأنت في الوقت ذاته العقبة التي تتحطم عليها
الآمال العظام متى حادت عن الطريق. فلتعلمي أيتها الطفلة وأنت ترفلين في ثوب
البراءة.. وأنت أيتها البنت وأنت تحلمين بعش العفاف والطهر والنقاء، وأنت أيتها
الزوجة كلما شغلت فكرك تفكرين في سعادة فلذات كبدك ومستقبلهم ... لتعلمي
زميلتى الطالبة وأنت تسهرين الليالي في طلب العلم ابتغاء وجه الله والدار الآخرة..
لتعلمي أختي المسلمة وأنت تسعدين بأي مرحلة من مراحل العمر وتعبرين أي
طريق من طرق السعادة والعيش في هذه الحياة، أنك تعيشين في غربة عَزّ فيها
الحق، وندر فيها سالِكوه وفشا فيها الجهل والفجور وكثرت فيها طرق الغواية،
وتنوعت سبل الضلال وقل الخير والصلاح.
نعم - يا عزيزتي - إنك تعيشين في عالم لا يأبه بك، ولا يحترم لك قدراً،
ولا يقيم لك وزناً، ولا يعرف لك فضيلة، وليته يتركك وشأنك فيكفيك حينئذ رصيد
الفطرة ليقودك إلى الحق وإلى طريق مستقيم، بل لَيعاديك أشد العداء ويضللك من
خلال جميع المنافذ والمسالك والثغرات وعبر كل قناة من قنوات الشر والفساد.
إنه ينصب شراكه ويرسل أعوانه وشياطينه لملاحقتك في كل مكان ليدعوك
باسم الحرية التى أصبحت المرأة الغربية تئن من جمرها وقد رأت بعينيها بريقها
الزائف وقناعها المزور.
إنهم ينادونك اليوم - كما نادوها بالأمس - ينادونك بأسماء زائفة وألقاب طنانة
وتساعدهم على ذلك وسائل الإعلام المختلفة التي يمسكون بخطامها ويوجهونها حيث
شاءوا.. إنهم يهتفون لك ويلوحون: بالموضة.. بالأزياء.. بالفَرْنَجَة.. بالتحرر
.. بالحب.. بالجمال.. بالفن.. بالزينة.. بكل ما يغري الأنوثة من أسماء وكلمات
وكلها شراك خبيثة ومصائد تفتك بعفتك وتخدش حياءك وتنال من كرامتك وتدنس
عرضك وشرفك وتقتل مروءتك وتزعزع عقيدتك ثم ترمي بك في أوحال الرذيلة
ومستنقعات الجريمة وهوة الدمار.
فاستيقظي - أختي المسلمة - وكوني على حذر، فلا تخدعنَّك سموم هذه
الألقاب الجوفاء والأسماء اللامعة والشهرة المصطنعة، فقد تندمين ولاتَ ساعة مندم، وتصرخين فلا تجدين من يمد لك يد المساعدة.
مجلات الفن والتمثيل والمسرح.. المجلات الهابطة الخليعة التى تستعرض
فيها زينات النساء وتزين أغلفتها بصور العاهرات المائلات المميلات.. ماذا تريد
منك؟ وماذا يريد منك أصحابها ومحرروها؟ هل يريدون مصلحتك؟ هل يريدون
تعليمك الأخلاق القويمة والآداب الحسنة؟ هل يريدون إرشادك إلى الحق؟ هل
يريدون صيانتك والمحافظة على دينك واستقامتك عليه؟ هل يريدون أن يذكّروك
بقول الحق - جل ذكره -[ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى] [الأحزاب: ٣٣] ؟! كلا وربي.
منظر ذلك العملاق الضخم ذي العضلات المشدودة والسروال الذي قد يغطي
سوءته أو شيئاً منها وبقية عورته مكشوفة لناظريك، تمتلئ به عينك العفيفة
الطاهرة الشريفة، وهو يصارع مثيله في حلبة الشر وميدان الفجور على إقرار
وإعجاب شديدين من آلاف المشاهدين. ماذا تريدين أن يترك في نفسك من أثر -
وإن كان حياؤك أمام الناس لَيمنعك من مشاهدة الشيخ العفيف الوقور المستتر السائر
إلى بيت من بيوت الله؟ ! .
صوت الأغنية الفاجرة في شريط الكاسيت، وما يصاحب ذلك من سم زعاف
وآهات كاذبة تريد أن تغزو قلبك العامر بذكر الله لتملأه قيحاً وصديداً، هلاّ استبدلت
بها ذكر الله وتلاوة القرآن الذي فيه شفاء ورحمة للمؤمنين؟ ! .
كلمات القصة الغرامية التي يكتبها القلم الفاسد الخبيث أو المستأجَر الماكر
وتنشرها وتوزعها دور النشر الماسونية الكافرة أو أعوانها من الدور التجارية
الجشعة المغفلة والتي تسوقك حبكتها الفنية الفاجرة وأدوارها الماكرة إلى سوق الفتنة
والبغاء؛ فتأسر فكرك وتشوه عقيدتك.. هذه القصة وأمثالها ماذا تجنين من ورائها
من خير؟ ! .
ألا تسألين نفسك هذه الأسئلة وتحاسبينها اليوم قبل أن يأتي يوم [لا يَنفَعُ نَفْساً
إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْراً] [الأنعام: ١٥٨] ؟ ، هلا
تعودين إلى رشدك وتعزمين على الحياة في ظلال القرآن والسنة، تنهلين من
معينهما العذب، وترشفين من رحيقهما الصافي وتكونين قرة عين لأهلك وقدوة خير
لزميلاتك؟ .. هلا تسارعين إلى حديقة الإيمان وتتوجهين إلى محرابك لتؤدي
فريضة الصلاة كلما نادى المنادي قائلاً: الله أكبر؛ لتكون لك نوراً وبرهاناً يوم
القيامة وليثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة؟ ! .
هلا تعزمين العزم الأكيد على مقاطعة الأفلام الفاجرة والشرائط المحرمة
والمجلات المضللة وأماكن السوء والفجور وخليلات العشق والسفور؛ لتكوني عوناً
على قيادة أخواتك إلى بر الأمان؟ ! .
هذا ما أرجو، والله يوفقكن وإياي إلى ما فيه الخير والصلاح.
стр. 622
التدخين
وآثاره على الفم والأسنان والعين
د.خالد الموسى
ينتج عن تدخين السجائر أو الغليون أو مضغ أوراق التبغ:
١- في الأسنان واللثة:
- اصطباغ وتلوث الأسنان واللثَة.
- ضعف وتشقق وتآكل الطبقات الحامية للأسنان (المينا) .
- التهاب اللثة وتقيحها، ونزفها.
٢ - في الجوف الفمي والبلعومي:
- البَخَر ورائحة الفم النتنة الكريهة التي تفوح من المدخنين. ...
- بقع ملونة تظهر على الشفة واللثة واللسان والأسنان وباطن الفم.
- التهابات الأغشية المخاطية للفم والبلعوم نتيجة ضعف مقاومتها تجاه ...
الجراثيم.
- والعوامل المرضية؛ حيث إن التدخين يشل وظيفتها الدفاعية بما تفرزه من
مواد مخاطية حاوية على مواد مطهرة وقاتلة للعضويات الممرضة بواسطة المواد
الحالة الخمائرية كالليزونيمات وغيرها.
- سرطان الفم والبلعوم.. وغالباً ما يسبق بظهور الطلاوة البيضاء والتي
تعتبر مرحلة سابقة للسرطان.
٣ - في الشَّفَة:
- التهاب الصوار وتشقق الشفة؛ وذلك نتيجة التأثير المخرس الموضعي
ونتيجة العوز الفيتاميني المرافق أحياناً وخاصة عوز فيتامين ب٢.
- الطلاوة البيضاء على الشفة وباطن الخد واللسان وهي مقدمة ومهيئة
لحدوث السرطان في مكان ظهورها.
٤ - في اللسان:
- التشققات والتقرحات على اللسان.
- التهاب الحلميات الذوقية المزمن.. وبالتالي فقد الذوق ونقص الشهية.
- اتساخ اللسان وثخانته وترسب طبقات كثيفة مع نمو العضويات الممرضة
بسهولة كالمبيضات البيض وبعض الجراثيم.
- الطلاوة البيضاء.
٥ - في أمراض الغدد اللعابية:
يؤثر التدخين على الغدد اللعابية بنقص إفرازها من اللعاب بتأثير النيكوتين،
وبتأثير موضعي؛ مما يؤدي لالتهابها وربما انسدادها وبالتالي قد تتشكل حصيات
فيها. وإن نقص إفراز اللعاب يزيد جفاف الفم وتشققه وتأثره. وانتشار الرائحة
النتنة (البخر) من الفم..
٦ - التدخين والعين:
إن تأثير نفث السجاير يخرش العين والأجفان مما يؤدي إلى:
- التهاب أطراف الأجفان وبالتالي تساقط الأهداب وتعرض العين للغبار
والعوامل الممرضة، إضافة لزوال جمالها الطبيعي وتشوه الأجفان المرافق.
- التهابات وخراجات الغدد الدمعية، والشعرة الجفنية العينية.
- التهاب ملتحمة العين التحسسي الأرجي وما يسببه من ألم واحتقان وإضرار
بالعين.
- التأثيرات غير المباشرة على العين وذلك نتيجة ما يُحدثه التدخين من
تصلب الشرايين والخثرات مما يمهد لحدوث نثرات الوريد الشبكي العيني وتصلب
شرايين العين.
стр. 623
منبر الشباب
الرجولة
محمد فرحان محمد
أعتقد أن لفظ (رجل) في القرآن لم يأتِ هكذا، ولكنه أتى وصحبه موقف.
والرجل - كل الرجل - لابد أن يكون صاحب موقف.. ويأتي على رأس الرجال
أصحاب المواقف.. الأنبياء والمرسلون والأمثلون من الصالحين والمصلحين..
وإليكم بعض الأمثلة:
١ - مؤمن آل فرعون:
[وقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ
اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وإن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم
بَعْضُ الَذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ] [غافر: ٢٨] .
انظر إلى هذا الرجل.. الذي وقف كالجبل وأظهر إيمانه في وقت كان لابد
وأن يظهر ويقف أمام طاغية ومدّعٍ للربوبية وتسانده حاشية سوء، ثم يقوم الرجل
بتذكير قومه ويخوفهم من بأس الله ويدعوهم إلى الله وإلى الإيمان به - سبحانه
وتعالى - ولكنهم يدعونه إلى الكفر والإشراك بالله.. ويدعوهم إلى الجنة والمغفرة
ويدعونه إلى النار وبئس المصير.. ويتكرر هذا الموقف في كل عصر وأمام كل
طاغية.
٢ - قال ﷺ :
«لتفتحن القسطنطينية، فلنِعْم الأمير ذلك الأمير ونعم الجيش ذلك الجيش» .
سمع الطفل محمد الفاتح هذا الحديث وكبر في ذهنه حتى إذا بلغ السبعة عشر
ربيعاً حان الوقت الذي يحقق فيه حلم المسلمين وتحقيق حديث رسول الله، وكان..
لقد حاول المسلمون - منذ القرن الأول- فتح القسطنطينية مرات عديدة، وقد قتل
الصحابي أبو أيوب الأنصاري تحت أسوارها.
وادُّخِر فتحها لهذا السلطان العثماني الذي كان نعم الأمير وجيشه نعم الجيش.
٣- طفل الحجارة في فِلَسطين المحتلة:
ذلك العملاق هو رجل بحق؛ لأنه الوحيد الذي عرف الطريق لتحرير
المسرى والأرض من النهر إلى البحر، ذلك الطفل الذي تربى على مائدة القرآن
الكريم داخل المساجد الذي يريد أن يحقق ما جاء في سورة الإسراء من وعد بالنصر
.. «حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال
فاقتله» .
ذلكم الطفل هو أفضل من الذين يجاهدون بالخطب في هيئة الأمم والمحافل
التي تضيع الوقت وتدعي أنها سوف تقاتل (إسرائيل) بالسلام! ! ويجاهدون من
خلف المكاتب المكيفة، إن جميع المنظمات لم تصل إلى مرتبة ذلكم العملاق الرجل
الطفل طفل الحجارة.
٤ -[مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] [الأحزاب: ٢٣] .
الشهيد سيد قطب ﵀ :
عندما طلب من الشهيد سيد قطب أن يؤيد الطاغية العبد الخاسر قال: (إن
السبابة التي أشهد بها في كل صلاة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لا يمكن
أن تكتب سطراً فيه ذل أو عبارة فيها استجداء) ، وعندما سِيق ﵀ إلى
حبل المشنقة يوم ٢٩ من أغسطس عام ١٩٦٦م كان من المعتاد أن يحضر شيخ
ليلقّن الذي ينفَّذ فيه حكم الإعدام الشهادتين، فقال له سيد قطب ﵀: (إنني لم أقف هذا الموقف إلا من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله) ! .. فهناك
أناس يأكلون الخبز بلا إله إلا الله وآخرون يقدمون رؤوسهم إلى المشانق من أجل لا
إله إلا الله! !
٥ - الشعب الأفغاني:
هذا الشعب البطل الذي لم يرضَ بالاحتلال الروسي لأرضه، ووقف وحيداً
في حلْبة الصراع مع أول أو ثاني دولة على مستوى العالم! ! وكان له يد طولى في
إذلال الشيوعية وإرغامها، بينما نجد أن بعض المشايخ الرسميين المعممين يذهب
إلى كابل ويصافح وزيرة الشباب ويهديها مصحفاً، ولا يستحيي وهو (شيخ معمم)
من هذا الموقف المتخاذل، بينما الأمر الطبيعى أن يذهب إلى الخنادق ليشد من أزر
الرجال المقاتلين.
стр. 624
البيان الأدبي
الأدب والثقافة علاقة مصيرية
د. مصطفى بكري السيد
تتجاوز هذه الدراسة الجدل القديم الحديث حول مصدر الفن، لتتناول جانباً
آخر من الموضوع وهو محاولة الكشف عن دور المقروء والجهد الثقافي في النسيج
الأدبي، فنحن عندما نستعرض الأدب والأدباء الذين نقشت أسماؤهم في ذاكرة
البشرية، وأنعشت أعمالهم مشاعر الجمال في النفوس، حتى غدت إبداعاتهم معالم
بارزة في تاريخ الفكر الإنساني، عندما نغفل ذلك يلفت نظرنا أمران:
الأول: المُكْث والتُّؤَدَة في إنضاج العمل، وهناك أمثلة أدبية: الإلياذة كُتبت
في ثلاثين سنة، والقاص الفرنسي فلوبير ربما استغرق أكثر من أسبوع في كتابة
فقرة من قصته (مدام بوفاري) ١٨٥٧ م [١] ، ويعلن جارثيا ماركيز - قاص أمريكا
الجنوبية الأول - أنه كتب قصته (مائة عام من العزلة) في ستة عشر عاماً،
ومدرسة التصويريين الشعرية تقول صراحة إن: (التركيز هو جوهر الشعر) [٢]
.. ويرى الشاعر الإنجليزي المعاصر تيفن سبندر (أن كل شيء في الشعر جهد،
وقد يستمر الجهد في النظْم يوماً أو أسابيع أو سنين) [٣] وأكد بعضهم على (أن
الإنشاء الأدبي يتطلب من الدقة والتحري ما تتطلبه الرياضيات نفسها من تفكير
منطقي ودقة وهندسة) [٤] .
الثاني: الارتواء من مَعين الثقافة ومختلف ميادين المعرفة لتوظيف ذلك كله
في خدمة الصورة الشعرية، والمعمار الفني ورسم معالم الشخصية، وذلك حتى لا
تكون النصوص (وكل الأعمال الفنية نصوص) ثماراً موسمية؛ (لأن النص قائم
على التجددية بحكم مقروئيته، وقائم على التعددية بحكم خصوصية عطائيته تبعا
لكل حال يتعرض لها في مجهر القراءة، فالنص - من حيث هو ذو قابلية للعطاء
المتجدد المتعدد - يتحقق له ذلك بتعدد تعرضه للقراءة) [٥] لأن هذا النص كما
يقول (بارت) : (لا يحظى بالخلود لأنه يفرض على القراء العديدين معنى واحداً فيه، وإنما هو يخلد ويستمر لأنه يقترح على القارئ الواحد معاني عدة في متجدد اللحظات) [٦] ولم يكن (مارك توين) بعيداً عن هذا الفهم عندما قال إنه يقرأ (دون كيشوت) في كل سنة مرة.. رائعة سرفانتس. وهكذا يكون النص مرآة تجلوها القراءات المتعددة، (فهاملت شكسبير) أفرز مكتبة أدبية كاملة [٧] . (في (هاملت) مواضيع كثيرة التقابل بين القوة والأخلاق، بحث التفاوت بين النظرية والممارسة، وغاية الحياة، فيها مأساة الحب، والدراما العائلية فيها كل ما تشاء بما في ذلك التحليل النفسي العميق، والقصة الدامية والمبارزة والمذبحة الشاملة، للمرء أن يختار وفق إرادته ولكن عليه أن يعرف كيف يختار ولماذا) [٨] ، وهكذا فإن روايات (شكسبير) ترفض أن تصبح أبداً قديمة، يمكن تلخيص هاملت في عدد من الأشكال: كسجل تاريخي، كرواية بوليسية، أو كدراما فلسفية.
إن هذا المعرض الشكسبيري حدا بطالبة أمريكية أن تتشكك بهذه القدرة على
رسم كل هذه الصور وإبداع هذه المسرحيات، قرأت شكسبير بعناية فساورها الشك
بأن هذا الإنتاج الضخم الساحر لا يتأتى لشخص وأن النقاد ربما كانوا ضحية وهم
كبير في قبول هذا الإبداع من شخص واحد فشدت رحلها إلى بريطانيا وضحَّت
بشبابها لتُثبت عبثاً وهمية شخصية شكسبير! .
وفي العدوة العربية نجد (أبا الطيب المتنبي) غب الموهبة الشعرية ثمرة
ناضجة لقراءة الأدب الجاهلي والأموي والعباسي وما انتهى إلى يديه من الفلسفة
اليونانية، ثم أليس كتاب (الوساطة) للجرجاني بحثاً في عروق وعمق هذه
المقروءات (المتنبية) .
(إن كتاب الوساطة خير نموذج عملي لدراسة التناص الذي هو حدوث علاقة
تفاعلية بين نص سابق ونص حاضر لإنتاج نص لاحق) [٩] والحقيقة أن كل شعر
لابد أن يذكر بشعر آخر فهذه خصوصية اللغة الشعرية وامتيازها.
كيف تأتَّى لشعر أبي الطيب أن يفجر في الأرض الأدبية ينابيع النقد لولا
الأسئلة التى تستدعيها قراءته والقراءة التي تغذي أسئلته؟
إن المتنبي (حين يعبر عن رؤياه فإنما يفصح عن إحساس شامل بالفجيعة أو
الفرح، أو البطولة ولا يعود وتراً منفرداً، بل يندرج في نبرته أنين عام هو أنين
البشر كلهم ونشوة شاملة هي نشوتهم جميعاً، ولا تنمو رؤيا الشاعر بمعنى آخر،
إلا عبر ارتباط حميم بالآخرين ولا تتجسد بشكل مؤثر إلا حين يصبح صوته، رغم
فرديته وسريته صوتاً إنسانياً ونشيداً شاملاً لمجد شعب ومكابدته) [١٠] .
لقد وجد المتنبي في (أصوات الآخرين تأكيداً لصوته من جهة، وتأكيداً لوحدة
التجربة الإنسانية من جهة أخرى، وأنه يدل بذلك على التفاعل الأكيد بين أجزاء
التاريخ الروحي والفكري للإنسان) [١١] .
وهكذا نجد (أن قدامى الشعراء أو المترسمين خطاهم كانوا مثقفين ولعل أجمل
ما ننفعل به من الشعر القديم هو شعر أمثال هؤلاء) [١٢] ؛ (لأن القصيدة - في
النهاية - ليست إلا محصلة لجهد الشاعر، وتجسيداً جمالياً حسياً لمسلكه الثقافي
والذوقي والنفسي في لحظة حياتية ما) [١٣] .
(وإذا كان ابن خلدون يحكم باستحالة وجود شاعر لا يكون قد حفظ شعراً ثم
نسيه، فإننا نحكم باستحالة وجود مبدع يعتب أيضاً نصاً أدبياً دون سابق تعامل
معمق مكثف مع النصوص الأدبية في مجال معين أو في عدة مجالات؛ لأن
المخزون من النصوص المقروءة من قبل هو الذي كثيراً ما يتحكم في صفة النص
المرقوم) [١٤] .
ويقول الدكتور محمد جابر عصفور:
(الأصل الذي يتوصل الشاعر به إلى استثارة المعاني الشعرية واستنباط تركيباتها هو: التملؤ من العلم بأوصاف الأشياء وما يتعلق بها من ... أوصاف غيرها، وذلك يجعل من الشعر ممتعاً ومعلماً) [١٥] ، وهكذا يصبح للفكر الأدبي دوره المميز في حياة الأمة؛ حتى يغدو عنصراً من عناصر البناء الثقافي العام في هذا المجتمع.
وكلما كثر المحفوظ الشعري كثرت المواد بين يدي الشاعر ورحب المجال
أمامه في إعادة السبك فيكون كمن اغترف من وادٍ قد مدته سيول جارفة من شعاب
مختلفة كما يقول ابن طباطبا [١٦] .
وليست القراءة غذاء الشعر فحسب بل هي البنية المعنوية للنثر، قال خالد بن
عبد الله القسري:
(حفظني أبي ألف خطبة ثم قال لي: تناسها، فتناسيتها، فلم أرد بعد ذلك شيئاً من الكلام إلا سهل عليَّ) .
ولقد توقف العقاد في حديثه عن المتنبى ليلفت النظر إلى أهمية الفكر والثقافة
للشعراء فيقول:
(وكيف يتأتى أن تعطل وظيفة الفكر في نفس إنسان كبير القلب، متيقظ الخاطر مكتظ الجوانح بالإحساس كالشاعر العظيم؟ ، إنما المفهوم المعهود أن شعراء الأمم الفحول كانوا من طلائع النهضة الفكرية؛ فمكانهم في تاريخ تقدم المعارف والآراء لا يعفِّيه ولا يغض منه مكانهم في تواريخ الأدب والفنون) [١٧] .
والترسانة الثقافية التي يستند إليها الأديب باتت أمراً ملحوظاً؛ يقول إليوت:
(إن ما يجب على الشعراء أن يعرفوه هو أن يكتبوا أقل ما يمكن) .
ولقد ذكر أن جوستاف فلوبير (١٨٢١-١٨٨٠) هو الذي قرأ ألفي كتاب من
المكتبة الوطنية بباريس؛ لكى يدرس البيئة الاجتماعية والجغرافية لأحد أعماله
الروائية! [١٨] .
أرأيتم كيف يخدم الأديب نصوصه ويستشعر المسؤولية تجاه أدبه وقرائه،
لعل في ذلك بعثاً لهمم الناشئة من شعرائنا وكُتابنا حتى تأتي أعمالهم ناضجة تحمل
للقراء ما يؤملون فيها من أدب نضيج، وألا تكون علاقتهم بالتراث العربى العظيم
ما درسوه في كتب المحفوظات كما يقول أحد النقاد.
وأخاطب - بشكل أخص - الأديب المسلم كي يجعل من إبداعه إضافة حقيقية
لتجد قراءها، وألا تعتمد على النيات الطيبة والمشاعر الجميلة فقط لأنه إذا كان
الشعر ترجماناً مباشراً عن الذات فإن الفكر هو الإطار الموضوعي الذي يضم هذا
الشعور، والشاعر كلما ازداد نضجاً ازدادت قدرته على الخروج من إطار مشاعره
الذاتية إلى الإطار الموضوعي.
عبقرية الشاعر تكمن كلها في إبداعه اللغوي، أما الحساسية المفرطة فلا تكفي
لتكوين أي شاعر (وليس هناك ما هو أكثر سوءاً من أن يظن الإنسان أنه يمارس
صناعة التفكير في الواقع، وهو إنما يشغل نفسه، بطائفة من الأماني والمشاعر لا
أكثر) [١٩] .
(صحيح أن العمل الأدبي صناعة لغوية، لكنه ليس صناعة بسيطة بل هو
صناعة مركبة من عناصر كثيرة توجد أصولها في اللغة والفكر وفي التراث القديم
وفي التراث الحديث) [٢٠] .
إن العالم يتلهف إلى الرؤية الإسلامية من قلم صناع وشغر يتسلل إلى مسارب
النفس ليطلق العقل المحتجن في إسار المادية ليتنسم أنسام العقيدة المتكاملة المتوازنة.
والكلمة التى نقلت حبر اليهود عبد الله بن سلاَّم ﵁ إلى بحر
الإيمان هي عينها التي انتزعت بعض كبار الملحدين من براثن الملل والنحل إلى
شاطئ الأمان.
إن هذه الكلمة مدعوة اليوم لكى تؤدي دورها أن تتزين بالقراءة، وتتأثث
بالثقافة وتتدجج بالمعرفة لتفجر ينابيع الأمل في سهوب الإملاق الروحي والمحل
الفكري والقحط الوجداني.
إن هذه الكلمة (لابد لها كي تكون فاعلة، وفي سياقها السليم من أن ترتبط بنظرة إلى العصر ومستجداته من جهة، وإلى التراث وكوامنه التعبيرية القادرة على الاستمرار من جهة أخرى) [٢١] .
وإذا كان الأدباء كذلك (كانت أقوالهم كالرياح التى تفتح المصاريع المغلقة على الرؤى والتجارب والبطولات) [٢٢] . والأديب المسلم ما لم يمتلك ناصية القول في المكان والزمان الذي يعيش فيه، وما لم ينتج أدبه وإبداعه المؤصل جمالياً وثقافياً؛ محكوم عليه في النهاية بالخروج من ساحة الفكر وميدان الحياة، لأن العقم الثقافي هو جسر الاعتزال الحياتي، ومنذ فقد المسلمون خطابهم العميق بدأت عمليات تدميرهم.
هل لي أن أذكر أن عمر ﵁ كان لا يكاد يمر عليه موقف
دون أن يستشهد بنص شعري، وأن الصديقة بنت الصديق ﵄
كانت تحفظ للَبيد بن ربيعة ألف بيت من الشعر.
إن القراءة بعد الموهبة تحدد للأديب المسلم النوع الأدبي الذي يجد نفسه من
خلاله أكثر عطاءً وفرادة، وتعصمه من الاتكاء على المعنى فقط (وبذلك يكون
المعوَّل ليس على المحتوى الخلقي فحسب، بل على الكيفية التى يقدَّم بها هذا
المحتوى للمتلقي) [٢٣] وبذلك تتحقق العلاقة التفاعلية بين الباثّ والمتلقي لا بالاستناد إلى القيم الأخلاقية وحدها ولا بالاعتماد على الشكلانية بذاتها.
وختاماً: نريد لأدبنا أن يغترف من حافظة يقظة مثقفة، وأن تتفجر تجربته
الغنية من غنى حسي ووجداني وفكري، وألا تكون إبداعاته سطواً مكشوفاً على
متحف الذاكرة المترهل الكسول. أرجو أن يكون هذا الإسهام قد وفق لأن يضيف
دليلاً آخر يتأكد من خلاله أن الأدب ليس ترفاً فكرياً ولا صوتاً معزولاً عن مسيرة
الأمة، (ونحن أحوج الناس أن ندرس ما يمكن أن يسمى جماليات اللغة المثقفة) [٢٤] نفعل ذلك كي لا يسقط أدبنا في مقبرة اليومية، وكي لا يستمد أصالته من المناسبة التي استدعته بل من الثقافة التى أبدعته؛ (لأن كل عمل فني عظيم يضيف إلى الوجه الإنساني روعة وغنى) [٢٥] .
стр. 625
الفصاحة العلمية
العقاد
- اللغة الشاعرة-
للأمم في تنافسها بالمناقب والمزايا ألوان من المفاخرة بلغاتها يضيق بها نطاق
البحث في بضعة سطور. فمنها التي تفخر بوضوح عباراتها وعذوبة جرْسها [١] .
ومنها التى تفخر بوفرة كلماتها واتساع ثروتها من ألفاظ الأسماء والأوصاف
والأفعال، ومنها التى تفخر بثرائها الأدبي وذخيرتها الفنية، ومنها التي يزعم
أبناؤها أنهم هم الناطقون المبينون ومن عداهم متبربرون، لا يبينون عن أنفسهم ولا
يحسنون فهم البيان من الآخرين.
ومعظم هذه المفاخر دعوى لا دليل عليها، أو دعوى لها أدلتها التي تتشابه
وتتقابل، ولا ترجح فيها الكفة مرة حتى تقابلها الكفة الأخرى برجحان مثله،
وحجتها الكبرى (أنانية) قومية تشبه (أنانية) الفرد في حبه لنفسه وإيثاره لصفاته
بغير حاجة إلى دليل، أو مع القناعة بأيسر دليل.
لكن الفصاحة العربية في دعوى أهلها مفخرة لا تشبه هذه المفاخر في جملتها؛ لأن دليلها العلمي حاضر لا يتعسر العلم به والتثبت منه على ناطق بلسان من
الألسنة، ولا حاجة له في هذا الدليل إلى غير النطق وحسن الاستماع.
إن اللفظ الفصيح هو اللفظ الصريح الذي لا لبس فيه ولا اختلاط في أدواته،
وهذا هو (اللفظ العربي) بدليله العلمي الذي لا تعتمد دعواه على (أنانية) قومية
ولا على نزعة عاطفية، تقابلها نزعات مثلها عند غير العرب من الناطقين بلغات
الحضارة. فلا لبس بين مخارج الحروف في اللغة العربية، ولا إهمال لمخرج منها، ولا حاجة فيه إلى تكرار النطق من مخرج واحد، تتوارد منه الحروف التى تتميز
بغير التثقيل أو التخفيف. وجميع المخارج الصوتية في اللسان العربي مستعملة
متميزة بأصواتها، ولو لم يكن بينها غير فرق يسير في حركة الأجهزة الصوتية.
والفصاحة هي امتناع اللبس كما تقدم، وهذه هي الخاصة النطقية التي تحققت
في اللغة العربية لمخارج الأصوات كما تحققت للحروف. فليس في اللغة العربية
حرف يلتبس بين مخرجيْن، وليس في النطق العربي مخرج ينطبق فيه حرفان،
ليس في اللغة العربية حرف يستخدم مخرجين كحرف (بسي) في اللغة اليونانية وهو
مختلط من الباء الثقيلة والسين، وليس فيها حرف يستخدم مخرجين كحرف (تشي)
في تلك اللغة وهو خليط من التاء والشين، وليس فيها حرف يعبر عنه بحرفين
كالذال أو الثاء اللذين يكتبان مما يقابل عندنا التاء والهاء (th) ويتغير النطق بهما
في مختلف الكلمات.
ولا تزدحم أصوات الحروف في اللغة العربية على مخرج واحد كما تزدحم
الفاء الثقيلة والباء والباء الثقيلة (p. b. v. f.) مع ترك مخارج الحلق مهملة،
وهي تتسع من أقصى الحلق إلى أدناه لسبعة حروف هي الهمزة والهاء والألف
والعين والحاء والغين والخاء، وهي مميزة في النطق والسمع بغير التباس ولا
ازدواج في الأداء.
واللسان العربي المبين يتجنب اللبس في الحركات الأصلية كما يتجنب اللبس
في الحروف الساكنة، فلا لبس بين الفتح والضم والكسر والسكون، وإذا وقعت
الإمالة بين حركتين لم تكن وجوباً قاطعاً تثبته الحروف، بل كان قصاراه أنه نمط
من أنماط النطق يشبه العادات الخاصة عند بعض الأفراد أو بعض الجماعات في
أداء الحركة وإشباعها أو قصرها، كيفما كان رسم الحرف في الكلام المكتوب،
وكيفما كان جوهره المميز في الكلام المسموع.
فإذا قال قائل إن فصاحة النطق مزية نادرة تمتاز بها اللغة العربية فليست هي
دعوى من دعاوى الفخر والأنانية، ولكنها حقيقة يقررها (علم وظائف الأعضاء) ؛
لأن جهاز النطق في الإنسان وظيفة معروفة، ولا خفاء بالفرق بين تقسيماته التي
تستوفي الأداء وتميز الحروف والمخارج وبين تقسيماته التي تعطل بعض الأداء
ويعرض فيها اللبس والتلفيق لما تؤديه. فإن الحكم في ذلك كالحكم على كل أداة
ناطقة أو عازفة من أدوات الأنغام والأصوات.
وبقي أن نعرف كيف انفردت اللغة العربية بهذه المزية النادرة؟ هل هي
مزية من مزايا المصادفة لا نعرف لها علة طبيعية؟ أو هي نتيجة من نتائج التطور
الطبيعي. أو نتائج الاختيار بين الأفصح من اللهجات وبين اللهجات التي دونها في
الفصاحة على ألسنة المتكلمين بلغة واحدة؟ .
اللغة الشاعرة
стр. 626
الصيف ضيعت اللبن
شعر: مروان كُجُك
(يروى عن العرب أن امرأة كانت متزوجة من رجل موسر فكرهته فطلقها،
وكان الوقت صيفاً، فتزوجت من آخر كان فقيراً مملقاً، فلما أصابتها الفاقة،
ولذعتها الحاجة ذهبت إلى مطلقها تطلب منه لبناً: عطاءً ومعونة، فأبى أن
يستجيب لرجائها، وقال لها: (الصيف ضيعت اللبن) فذهب قوله هذا مثلاً) .
لا تبكِ سلما عشت فيه بلا محن ... أنت الذي اخترت الخديعة والغَبَن [١]
أنت الذي مزقته حتى غدا ... جرحاً عسير البرء نزافاً زمِن [٢]
وبعثت من خَلَل الرماد شوائظاً ... هوجاء حاقدة تموج بها الفتن [٣]
وعلوت، عدواناً، مقام فحولة ... ونسيت أنك للصغائر مرتهَن
ولكَمْ زعمت صلاح أمرك كاذباً ... حتى استويت على الأباطح والقُننَ [٤]
وأذعت للدنيا بأنك مصلح ... أسلمت روحك للطهارة، والبَدَن
وغدوت مفتاح الشرور وذلها ... وملاذ كل رذيلة ترجو الأَمَن [٥]
الأرض أرضك فاستضف فيها الذي ... يُمناه قاتلة، ويسراه الكفن
واحمل لنا من كل حدب خسةً ... واكتب على جنباتها: عاش الوطن
حتى أتى ليل يموج سفاهة ... فطرحت مئزرك الدنيَّ المُدَّهَن [٦]
ونسيت ما قد كنت تزعم من سجا ... يا السر والإيمان والقول الحسن
ورجعت للجحر الخبيث تعبّ من ... سم الأفاعي ما تهيج به الإِحَن [٧]
حتى غدوت لكل طاغية مضى ... رمزَ الكياسة والسياسة والفِطَن
إن شئت تخريب البلاد فذاك إص ... لاح لها، ورعاية فوق المنن
أو شئت قتل قبيلة برجالها ... ونسائها فافعل فإنك مؤتمَن
أو شئت أن نغدو يهوداً أو عبي ... داً أو بقايا عالقات في الدمن [٨]
فافعل فأنت مخير وكفاك أن ... ترقى على أجسادنا فناً بفن
واقتل ذوي الأحساب واتبع ظلهم ... لا يفلتنْ أحدٌ ولو عظُم الثمن
فلعل مولوداً يحنّ لقومه ... يوماً فيلحنَ مثل ما موسى لَحَن [٩]
فتثور أودية، وتلتهب الذرى ... وتهيج أرواح فتكفأ كل دَن [١٠]
يا أيها الحقد الذي أضحى له ... جسد يخور بأرنا، وبها عَدَن [١١]
مهلاً فلست بخالد أبداً ولا ... أنت المسوَّد بالمحبة والعلن
وغداً إذا انجلت الحقيقة وانتهى ... عهد الخيانة والسفالة والعفن
لا ترجُوَنْ منا شفاعة شافع ... أبداً: فإن الصيف ضيَّعتِ اللبن
٤/٧/١٩٨٩
стр. 627
شؤون العالم الإسلامي
لا تغيير في تونس
عبد الحميد إبراهيم
أمل الشعب التونسي عند سقوط بو رقيبة أن تتغير أحواله، وينتقل من حالة
الشلل التى أصيب بها أواخر أيام الدكتاتور السابق - إلى حالة يثق فيها بنفسه
وقدراته، ويتمتع بحريته حيث يصبح قادراً على التفكير والإنتاج، وأن الوعود
كانت خصبة في شتى الاتجاهات. ما الذي كان يشكو منه الشعب التونسى، وكان
يكبله عن تحقيق ما يطمح إليه؟ إنه الوضع النفسي والاقتصادي.
أما الوضع النفسي فيتمثل في عبادة الذات التى كانت سمة بارزة في سلوك بورقيبة، وإضفائه على نفسه من الصفات والقدرات والمواهب ما لا يطلق إلا على
الآلهة. وقد حاول الحاكم السابق خلال ثلاثين سنة أن يفرض على الشعب التونسي
هذا الأسلوب من عبادة الشخصية، ويعمل على أن يجعل كل شيء يدور حوله،
وكان يعتقد أنه يعرف مصلحة التونسيين أكثر منهم أنفسهم. وشيئاً فشيئاً أنبتت
حوله حاشية تجسد فيها نفاق وفساد لا يوازيه إلا نقص في الكفاية، وعدم اكتراث
بحاجات الشعب الحقيقية.
وأما الوضع الاقتصادي فكشأن الدول التي تسود فيها نظريات حكم الفرد، أو
نظريات الحزب الواحد، فلابد أن تواجه ضعفاً وركوداً اقتصادياً سببه قتل الطموح
والمبادرة في النفوس، وعدم الأمان والاستقرار الذي هو شرط أساسي للازدهار
الاقتصادي، وحكم بورقيبة كان مزيجاً من تسلط الفرد وتسلط الحزب الواحد بل
إنه جمع أسوأ ما في هذين الأسلوبين، وهكذا عندما بدت بوادر التململ من هذا
الجو الذي وجد الشعب التونسي نفسه فيه لم يكن من علاج لهذه البوادر غير القبضة
الحديدية. ولكن هذه السياسة ليست علاجاً بل هي مسكن. وهكذا كان التغيير الذي
حدث في تونس في لحظة حاسمة، عندما وصل الطاغية إلى أقصى درجة من
الطغيان، فتقدم بن علي وقطف ثمرة الحالة التى أوصل بو رقيبة تونس إليها، ولو
لم يفعل هو لقطفها غيره.
إن الشعب التونسي شعب مسلم عريق في إسلامه، يشكل الإسلام في كيانه
نسيجاً ليس من السهل تجاهله وتجاوزه، وعلى الرغم من التخريب الفكري والثقافي
الذي أحدثه بورقيبة خلال فترة حكمه الطويلة إلا أنه لم يزد على أن جعل الشعب
التونسي يطوي جوانحه على كراهية مستكنة لجرأة هذا الدعي ووقاحته على الإسلام
الذي هو عقيدة الشعب التونسي، لم يفهم بورقيبة كأمثاله من المتسلطين بغير حق
- أنه عندما كان يقف الساعات الطوال أمام مكبرات الصوت والمنابر الإذاعية
المحروسة يحقّر أحكام الإسلام وينتقي ما شاء من تعاليمه وشعائره كالصلاة والصوم، ونظرته إلى المرأة، ويجعل من ذلك مجالاً لسخريته وتهجمه وهرائه الذي يجبر
الشعب على سماعه وحفظه، لم يفهم أنه كان يهين عقيدة الشعب الذي يحكمه،
والذي يهين عقيدة الشعب لن يحوز على ثقته ولا محبته، لقد كان حفنة من
المتملقين المنافقين المنتفعين يحيطون به ويزينون له فعله القبيح هذا ويرضون فيه
حب العظمة والنفوذ الذي اشتهر به، بالإضافة إلى الأقلام التي لا يهمها الإسلام من
قريب أو من بعيد داخل تونس وخارجها التى كانت تكيل له المدح على وقاحته التي
يسمونها شجاعة، وجرأته على الباطل التى يسمونها ألمعية، ولكن البلاد لا تجني
من أهواء الطغاة والمنافقين والمنتفعين الانتهازيين سوى ما جنت تونس من سياسة
ذلك المسمى بو رقيبة.
إن الرئيس التونسي الجديد أعلم الناس بالذي أوصل الحالة في تونس لما
وصلت إليه من تأزم، وهو عليم أيضاً أن الباحثين عن الشرعية في الشعوب التي
عقيدتها الإسلام - لابد لهم من احترام هذه العقيدة، لذلك فقد قدر الشعب التونسي
كل التقدير الخطوات التي بدت مخالفة للمنهج السابق، فبينما كانت دعاية النظام في
العهد البائد لا تألو جهداً أن تحقر كل مظاهر التمسك الجماعي بالإسلام، وارتباط
تونس بعمقها العربي الإسلامي، وتربطها ربطاً متعسفاً بأوربا وبالفكر الغربي،
باسم التطور والمدنية، وتنعت أصحاب الاتجاه الإسلامي بأقبح النعوت أثراً عند
الجمهور من مثل: الظلاميين، المتطرفين، الذين يريدون إعادة تونس إلى ظلامية
القرون الوسطى ... بينما كان ذلك وأكثر منه هو أسلوب الدعاية.. فرح الشعب
التونسي من عودة كلمات تقدير الإسلام والهوية العربية الإسلامية للشعب التونسي،
والنية للنظر في تحسين المناهج التربوية بما يعيد الاعتبار للعروبة والإسلام في
المجتمع التونسي.
ورافق هذا التقدير الكلامي خطوات فعلية، فقد توقفت ملاحقة الإسلاميين
واعتقالهم، وأفرج على مراحل عن الأعداد الكبيرة ممن اعتقل منهم على عهد
الحاكم السابق، وقد نظر الشعب التونسي بأجمعه إلى هذه الخطوات نظرة التقدير،
واعتبرها تغييراً ذا بال في مجال الحقوق الطبيعية التى كانت مهانة، حتى الناس
الذين ظلمهم النظام السابق وألصق بهم شتى الافتراءات لم يبخلوا بإعطاء هذه
الخطوات ما تستحقه من اعتبار، وأحاطوها بالآمال العريضة التى بدت في بعض
الأحيان ومنذ وقت مبكر مغرِقة في التفاؤل. إلى هنا أصبح في تونس نظام جديد
وشعب ذو أمل جديد، نظام يتخذ من التغيير الذي حمل قمة الإنجاز، ويثمّن هذه
الخطوات تثميناً مسرفاً ويطالب بالثناء والاعتراف بالجميل، ولكن الشعب اعترف
بهذا الجميل وقام بواجب الشكر، وهو ينتظر ممن قاموا بتلك المبادرة فتحركت
الرمم في أجداثها، وانتعشت الآمال التى كادت تموت - أن يزيلوا القيود الفعلية
التي تبعث الخوف والرهبة، وتجعل الشعب دائماً خائفاً يترقب! ولكن إلى الآن لم
يحدث شيء.
بل إن الشعب التونسي أصبح يحس أن ما حصل عندهم يشبه ما حصل في
ألمانيا الشرقية على إثر سقوط (إريك هونيكر) حيث تسلل جهاز المخابرات السيئ
الذكر (ستازي) ليخلفه، ولكن مع فرق بسيط وهو أن النظام الجديد في تونس نجح
في التسلل حيث فشل (ستازي) وبدأ التونسيون يكتشفون أن الخدمات الشفوية
للإسلام لها هدف آخر، وأن ما حصل من إفراجات هو أقصى ما يمكن تقديمه من
أمور فعلية.
ويبدو غريباً جداً لمن هم في داخل تونس ومن هم خارجها تصرف الحكومة
تجاه بعض الحالات، فبينما تعترف هذه الحكومة للشيوعيين وباقى اليساريين
والعلمانيين بشرعية العمل السياسي، وتعطي هؤلاء من الاهتمام أكبر من حجمهم
في صحافتها وإعلامها ذي البعد الواحد، تراها تضن بأي اعتراف قانوني لكل ذي
توجه يشم منه اسم الإسلام ولو مجرد شم!
هذا مع أن قادة الاتجاه الإسلامي لم يتهاونوا في اتخاذ كل ما يمكن أن تطلبه
حكومة منصفة من مواقف، فلم يقصروا في المدح والثناء على مواقفها، ولا أعلنوا
برنامجاً يسيء إلى أحد، حتى الشيوعيين والعلمانيين الذين لا يوفرون من ألفاظ
الهجوم على الإسلام شيئاً، وهم خارج السلطة، ولا يوفرون من مواقف الإثارة
والكبت والعسف والأذى للمسلمين موقفاً وهم داخل السلطة.. حتى هؤلاء اعترف
لهم قادة الاتجاه الإسلامي في تونس بحرية العمل وأعطوهم أكثر ما يؤملون.
وأعطوا من المواثيق على الإيمان بالتعددية، والديمقراطية، والخصوصية
التونسية، ما لم يعط غيرهم.
والخلاصة أن قادة الاتجاه الإسلامي يتمتعون بكل الشروط التى يستحقون
عليها التكرم بالاعتراف بهم، فهم تونسيون، وهم ذوو وزن معتبر، وهم يفضلون
العلنية، وهم متطورون، وهم غير ناكرين للجميل، وهم راضون بالاستقسام
(بأزلام) التعددية، ويسبحون بحمد الديمقراطية!
ما علتهم إذن؟ !
يتحدثون بالإسلام؟ ! هل الحديث عن الإسلام أصبح عاراً؟ ! كيف تعطَى
الشرعية لمن يجعل أسس برنامجه تقوم على هدم الإسلام بل هدم الأديان كلها
(كالشيوعيين) وتعطى لمن يقول: لا مكان لظلامية العصور الوسطى في حياتنا
المعاصرة (يقصدون أحكام الإسلام والفكر الإسلامى) يحاربون الفكر الإسلامى
(كالعلمانيين واللادينيين وعبيد فرنسا) ؟ وتحجب هذه الشرعية عمن ليس له ذنب
إلا أن يقول: أنا مسلم؟ ! إذا كانت الدولة لا تريد أن يزج باسم الإسلام في مجال
العمل السياسي، ولذلك لا تحب أن يشار إلى الإسلام في التسميات، لا مانع، ها
نحن نتقدم بحزب يفي اسمه بهذا الشرط اسمه (النهضة) وهذا برنامجه، ونطلب من
الدولة التى نعترف بها سلفاً (حيث نطلب منها لامن غيرها) الترخيص.
بعد خمسة أشهر من تقديم طلب الترخيص مع برنامج الحزب المفصل يعاد
الطلب مرفوضاً دون ذكر الأسباب، سوى أن الوقت غير مناسب! وطلب منهم أن
يتقدموا ثانية فيما بعد. وحينما استأنفوا الطلب مرة أخرى في ١٣/١٢/١٩٨٩
رفضت وزارة الداخلية تسلم الطلب من حيث المبدأ: ألا يتناقض هذا مع الميثاق
الوطني الذي وضعه النظام، وأقرته جميع الاتجاهات السياسية في البلاد وأهم بنود
هذا الميثاق:
- احترام حرية التعبير.
-احترام حرية الاختلاف في وجهات النظر.
- إدانة الإرهاب والعنف.
-العمل على رفع المستوى (الروحي) واللغوي للشعب.
-الحفاظ على الهوية التاريخية للشعب التونسى.
هل جماعة النهضة لا يقرون بهذه المبادئ واكثر منها مما تريده الدولة؟ ما
المشكلة إذن؟ يصعب على المرء أن يفصل في هذه القضية، ولكن يبدو أن الشعب
التونسي بدأ يكتشف أن مشكلة النظام مع جماعة الاتجاه الإسلامي هي أنه لا يريد
أن يخضع نفسه للولاء للإسلام عقيدة الأمة، ولكنه يصعب عليه أن يعترف بهذه
الحقيقة، ويدور حولها بأسلوب المداورة، وخلط الموضوع الحقيقي بموضوعات
أخرى جانبية، وهو أسلوب الجدل العلماني المستورد من الفكر الأوربي والذي لم
يعد يقنع أحداً، وكنموذج على هذه المداورة الممجوجة نقدم ما أوردته جريدة (القبس الدولي) ٥/٦/١٩٩٠ - نقلاً عن وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية:
(أكد المنجي بو سنينة وزير الدولة للتربية في تونس أنه: لن يتأسس حزب
ديني في مجتمع يَدين بالإسلام وانتقد الوزير التونسي بشدة (! !) في اجتماع
حزبي لأعضاء التجمع الدستوري (!) الديمقراطي (!) الحاكم في مدينة الوردية
بالضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية - مَن وصفهم (بقوى الظلام ودعاة الفتنة)
وقال: إن ظاهرة التطرف الديني تقوم على المغالطة والتضليل وابتزاز المشاعر
الدينية والتحريض على الفتنة لتحقيق مآرب سياسية معروفة (!) تحت غطاء
الدين.
وتقوم قيادات التجمع الديمقراطي الحاكم بنشاط مكثف وعقد ندوات ومؤتمرات
شعبية في مختلف أنحاء تونس لمواجهة التيار الإسلامي) [١] .
هناك أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح تعليقاً على مثل هذا النموذج المتكرر من
النشاطات المكثفة والندوات والمؤتمرات الشعبية في مختلف أنحاء البلاد:
* لماذا يسمح بتأسيس أحزاب ذات نظريات كفرية في مجتمع يدين بالإسلام
ولا يسمح بتأسيس حزب ديني؟ ! .
* ثم هل أصحاب الاتجاه الإسلامي يدعون إلى إقامة كنيسة وتنصيب بابا، أم
يتقدمون ببرامج اجتماعية أساسها الإسلام الذي ليس هو مسجد يفتح للصلاة فقط
ويغلق بعد انتهائها؟ !
* ماذا تعني هذا العبارة: (قوى الظلام ودعاة الفتنة) غير وصم الناس
وتشويههم دون دليل صحيح؟
* مادمت تقول بحرية الرأي في مجتمع متحضر؛ لماذا تتهم من يخالفك
الرأي بهذه التهم وتسب هذا السب المر؟ هل هذا سلوك قوم متحضرين؟ !
* لماذا استيراد الحجة الواهية من البلاد التي قد يكون فيها أقليات غير مسلمة، والتي تقول: لا نسمح بإقامة حزب ديني (أي إسلامي) حرصاً على مشاعر
مواطنينا الآخرين؟ في حين أن هذه الحجة - إن صدقت في تلك البلاد - لا تصدق
في بلد كتونس أغلبيته الساحقة مسلمون؟ .
* ألا تقدم للناس الذين تخاطبهم معنى محدداً للتطرف الديني، حتى يلمسوا
(المغالطة والتضليل وابتزاز المشاعر الدينية والتحريض ... ) وسائر هذه التهم التى تكال جزافاً! والتي لو نوقشت بإنصاف من قبل قوم يحترمون العقل والمنطق والتحضر، وأخيراً: الإسلام؛ لانهارت واحدة بعد أخرى؟ ، صحيح:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدَّق ما يعتاده من تَوَهمِ
وعادى محبيه بقول عداتِه ... وأصبح في ليل من الشكِّ مظلمِ
إن السلطة التونسية تتهم قطاعاً عريضاً من الشعب التونسي لهم حقهم
المشروع أن يعبروا عن عقيدة لم يستوردوها استيراداً من أوربا، ولا أمريكا؛ بل
هي نابتة نباتاً طبيعياً في ترابهم، وسُقيت من دمائهم ودماء آبائهم وأجدادهم، ولا
تفتأ تتهمهم باحتكار الإسلام، مع أنهم لم يدَّعوا ذلك، ولا يمكنهم لو ادعوه، في
الوقت الذي تتلبس هذه السلطة - كالكثير من السلطات - باحتكار كل شىء:
السلطة والنطق باسم الأحياء والأموات، وادعاء الشرعية والقانونية، والوصاية
على الأرض والسماء! .
ومن أغرب الأمور أن يظل النظام التونسي مشدود الأعصاب مهيأً لتحميل
أصحاب الاتجاه الإسلامي كل ما يحصل في المجتمع التونسي من سلبيات وكوارث، حتى ما لا يقع تحت يد البشر، وكشاهد على ذلك فقد اجتاحت الجنوب التونسي
سيول مدمرة هدمت حوالى ٤٠ ألف بيت، وخربت أكثر من ألف كيلو متر من
الطرق، بالإضافة إلى مزارع ومحاصيل كثيرة، ولم يصل أحد من قبل الحكومة
إلى هذه المنطقة المنكوبة إلا بعد ثلاثة أيام وكأنها تقع في قارة أخرى، بل ولم
يتحرك النظام إلا بعد المظاهرات التي اندلعت تصف الحكومة بالإهمال.. هنا فقط
استيقظت الحكومة من سباتها، ولكن لتصب جام غضبها على المتطرفين: (الذين
يحاولون استغلال الظروف العصيبة!) ، لكن هل فعلت الحكومة شيئاً عملياً للتخفيف عن المنكوبين؟ ! بعد عشرة أسابيع كانت لا تزال أعداد كبيرة تنتظر المساعدة والمأوى!
إن الإنسان في كثير من بقاع العالم الإسلامي يربَّى على أن يستسلم لجميع
أنواع الكوارث؛ ما كان منها من صنع البشر وما ليس كذلك، ويقابلها بخضوع
وتسليم حتى يكون مؤمناً مسلماً، وإلا فهو متطرف متعصب مضلل محرض على
الفتنة، بل قد يتهم بالكفر! ألم يحاول التنكر للإيمان بالقضاء والقدر؟ !
ومع أن النظام في خلاف مع شرائح متعددة من الشعب: مع العمال، والطلبة، والمعلمين، والمهندسين.. لكنه يحاول التنصل من نتائج هذه الخلافات والمشاكل
بإلقاء المسؤولية على أصحاب الاتجاه الإسلامي، معتقداً أنه إذا حصر النار في هذه
الزاوية فإن المشاكل تحل، مع أن تجارب كثيرة مماثلة حدثت في أماكن أخرى من
العالم لكنها لم تحل المشاكل بل زادتها وعقَّدتها.
إن تونس تنزلق مرة ثانية لتجد نفسها على عتبة مرحلة شبيهة بالمرحلة التي
غادرها فيها بو رقيبة، وتبدو هذه السياسة التحريضية التي يشير بها المخططون
للسلطة السياسية الحالية كأنها محاولة لإيجاد المسوغات التي تبطش بسببها بمن
تعتقد أن البطش بهم يخلي لها جو العمل كما تشاء، بعيداً عن الاحتجاج والمساءلة،
وهؤلاء المخططون تغرهم أمثلة حصلت وتحصل هنا وهناك، وتوحي لهم أنه لا
حل إلا بذلك، مع أنه لا أحوال هذه الأمثلة، ولا الحال في تونس يمكن أن تتحسن
بهذه الطريقة غير المتحضرة، التي أثبت التاريخ الحديث عقمها وتخلفها، بل
وخطورتها، أعني طريقة وضع (معارضة معينة) تحت ظروف الكبت والمطاردة، وجعلها مشدودة دائماً، ليقوم شخص غير مسؤول بعمل ما يعطي الأنظمة
مسوغات البطش والتنكيل.
لقد اختار قادة النهضة مختلف الطرق المسماة حضارية في التعامل، على
الرغم من الأجواء المحيطة بهم، وهم يتحملون بصبر وإباء كل ظروف الإثارة
والحرمان من الحقوق الأساسية، وعلى الرغم من عدم السماح لهم بقنوات (قانونية) تسهل لهم ضبط أنفسهم وعناصرهم؛ فإنهم يبدون متمسكين بأعلى درجات
الانضباط في ظروف يصعب فيها ذلك، ولكن تلوح في الأجواء علائم (لفبركة)
حادثة عنف تكون بمثابة الذريعة ليتكرر في تونس ما فعله عبد الناصر من قبل.
ولكن هل سيظل التاريخ يعيد نفسه؟ !
стр. 628
الإسماعيلية في أفغانستان خطر يتنامى
أحمد موفق زيدان
انتعش نفوذ فرقة الإسماعيلية الباطنية في أفغانستان خلال الحرب الأفغانية
الروسية الأخيرة، الأمر الذي مكنهم من اللعب على عدة حبال في سبيل تحقيق
مصالحهم حتى ولو تضاربت مع المصلحة الأفغانية فضلاً عن المصلحة الإسلامية.
وقد ساعدهم على هذا التنامي الموقع الذي يحتلونه قرب العاصمة كابل والذي
يعد منفذاً لعدد من الولايات الأفغانية الشمالية وقربه من روسيا، كما يتحكم في
بعض الطرق المؤدية للعاصمة. ويؤكد القادمون من جبهاتهم بأن وجودهم يزداد
وبشكل مطَّرد.
الوجود السكاني:
ينتشر الوجود الإسماعيلي في أفغانستان في ثلاثة مواقع وهي: ولاية (بغلان) التي تعتبر معقلهم الذي فرضوا وجودهم ونفوذهم من خلاله و (لسان واخان) الذي يصفه الاستراتيجيون بأنه لسان القوة الواقع في ولاية بدخشان المحاذية لثلاث دول وهي روسيا والصين وباكستان، والمنطقة الثالثة لهم هي مديرية (شمالي) في ولاية بروان القريبة من العاصمة كابل. وقد قام العديد من ساكني لسان واخان الإسماعيلية بالهجرة أثناء الغزو الروسى ولم يدافعوا عن بلادهم حيث لجؤوا إلى باكستان ولكن لعدم ملاءمة جو باكستان الحار لطبيعتهم التي اعتادت على الجو البارد جداً تكفلت الحكومة التركية بنقلهم إلى بلادها بحجة أصولهم التركية.
دولة (بغلان) المزعومة:
أثناء الغزو الروسي لأفغانستان حاول السوفييت كسب تأييد ومساندة عدد من
القوميات أو الطوائف لصفهم أو تحييدها على الأقل ومن الطوائف التي اكتسبوها
لصفهم طائفة الإسماعيلية، خاصة وأنها توجد في ولاية بغلان القريبة من كابل،
ويقود هذه الفرقة في بغلان سيد منصور الذي يعتبر نفسه مندوباً لمرشدهم
الآغاخاني ابن عم صدر الدين منسق عام الأمم المتحدة للدعم الإغاثي للمهاجرين
الأفغان والذي عُين في أعقاب الانسحاب الروسي، وتعتبر مدينة (كيان) عاصمة
دولتهم هذه.
وكان سيد منصور - أمير دولتهم المزعومة - قد سُجن مع ثلاثة من إخوانه
في عام ١٩٧٦، وأرسل ابنه سيد جعفر - الذي كان يبلغ من العمر (١١) عاماً -
إلى إنجلترا للدراسة ويعيش مع أقربائه هناك، وبعد سنة ونصف ترك سيد جعفر
بريطانيا وتوجه لأمريكا للدراسة في مدرسة (نادري) ويصفه أحد أساتذته بأنه كان
سريعاً في كسب الأصدقاء وانضم حينذاك إلى عصابة الدراجات النارية! ، وفي
أوائل عام ١٩٨١ تم إطلاق سراح سيد منصور من السجن ويتوقع البعض أن يكون
إطلاقه ضمن صفقة سياسية مبرمة بينه وبين السوفييت وذلك بأن يقف إلى جانبهم
إذا ما أطلق سراحه وقد أثبتت الأيام هذا عندما دعمهم وساندهم ضد قوات
المجاهدين، ولدى عودة سيد جعفر من دراسته في أمريكا في تلك الفترة عينه والده
قائداً عسكرياً لميليشيا الإسماعيلية في الولاية والتي يصل عددها إلى (١٢) ألف
مسلح.
شخصية سيد جعفر:
في فيلم فيديو قام بتصويره صحفي بريطاني يقول سيد جعفر عن نفسه بأنه
قضى أياماً ممتعة في أمريكا حيث كان في عصابة الدراجات النارية كما كان يحب
الضرب على الطبول ويضيف فيقول: إذا عملت هذا وسط منطقتي الآن فيعدونى
مجنوناً وأحمقاً، ويقول في هذه المقابلة التي سجلت في الفيديو: إن الحرب هذه
كانت لمصلحتنا ١٠٠%؛ لأن أي حكومة مستقبلية لابد لها من التعامل معنا كقوة
مستقلة.
ويتمتع سيد جعفر بشعبية قوية بين جماعته؛ حيث يستقبله الرجال والنساء
اللواتي يلبسن لباساً أحمر معيناً وتنحر الأغنام والأبقار احتفاءً بمقدمه.
القوة والنفوذ:
يبلغ عدد ميليشياته - كما ذكرنا - (١٢) ألف عسكري مسلح وذكر بنفسه هذا
الرقم في مقابلته السابقة ويؤكد المجاهدون القادمون من منطقته أن عدد مليشياته
قريب من هذه النسبة ويشبهه بعض المجاهدين بتنامي قوته ونفوذه بالقائد أحمد شاه
مسعود إلا أنهم يفرقون بين الاثنين في أن الأخير يتمدد أفقياً ورأسياً ويتجذَّر في
الأرض إلا أن سيد جعفر يتمدد أفقياً. ويتحكم في جزء من طريق سالانج
الاستراتيجي الذي يعتبر شريان الحياة لنظام كابل الذي يتلقى من خلاله الإمدادات
العسكرية الروسية وفي منتصف شهر يوليو الفائت اتهم القائد الميداني عبد الحق -
التابع للشيخ يونس خالص - الإسماعيلية بتولي حماية طريق سالانج من هجمات
المجاهدين ويقومون بجباية الضرائب من أهالي منطقتهم ليقوموا بتوزيعها على
فقرائهم وتقوية جيشهم الذي يملك دبابات وأسلحة ثقيلة وذخائر كبيرة.
وظروف منطقتهم الآمنة من الحرب والقتال أهَّلتهم للزراعة والعمل بخلاف
المناطق الأفغانية الأخرى التي تعيش حالة الحرب ولديهم مستشفى يديره الغربيون.
العلاقة مع السوفييت والحكومة العميلة:
علاقتهم مع السوفييت والحكومة العميلة أوضح من أن تُذكر؛ حيث اعترف
سيد منصور بنفسه في مقابلة صحفية بشريط الفيديو المذكور: (لدينا صداقة مع
روسيا وحكومة كابل وكذلك لنا صداقة مع المجاهدين ولا يقدر أحد على إزعاجنا) ! .
كما أظهر شريط الفيديو صور لقاءات سيد جعفر حاكم الولاية والقائد
العسكري لمليشيا الإسماعيلية مع المستشارين الروس وهم يتصافحون ويتفكهون
وتحدثوا جميعاً حول تأمين طريق سالانج من هجمات المجاهدين أثناء انسحاب
السوفييت من أفغانستان، حيث كان الاجتماع قبل الانسحاب، وتعهد سيد جعفر
بحماية طريق سالانج وقامت مجلة (الحياة) الإنجليزية - الصادرة في أمريكا -
بنشر صور اللقاءات وتوزيع الابتسامات.
كما تلقوا مساعدات وإمدادات عسكرية من الروس وقد اعترف سيد منصور
بجزء من هذا في مقابلته السابقة. ويقول سيد منصور: (نحن لا نقاتل المجاهدين
ولا حكومة كابل، والأفغان كلهم يثقون بنا) .
وبعد انسحاب القوات الروسية تمتَّنت علاقاته مع حكومة كابل.
العلاقة مع المجاهدين:
على الرغم من ادعاء سيد منصور بعلاقاته الجيدة مع المجاهدين إلا أن
الحوادث التي جرت بين الطرفين تكذب هذا الادعاء فقد أظهر شريط الفيديو
الوثائقي احتجاز الإسماعيلية لأفراد عديدين من الحزب الإسلامي، والجمعية
الإسلامية وأصبح لهم عدة سنوات في السجن الأرضي الذي يديره سيد جعفر.
ويقول الأخير: (إن هذه الجبال لنا - مشيراً إلى جبال حول المنطقة التي كان يتحدث منها - وكذلك جبال الهندكوش لنا وأي رجل يأتي لمقاومتنا سنقاومه وبعنف وقوة) .
وأثناء انسحاب الروس قام عدد من الإسماعيلية في بدخشان بمهاجمة
المهاجرين التابعين للجمعية الإسلامية وقتلوا منهم أكثر من ستين شخصاً، كما قام
المجاهدون بعد هذه الحادثة بقتل ٨٠ شخصاً وجرح ٦٠ آخرين من مليشيا النظام
في شمال قندوز عندما كان سيد جعفر يجمع أعداداً كبيرة من مساعديه ومؤيديه في
نادي سبينزار ليشكل ميليشيا لحماية نظام كابل ولكن لم يتأذَّ جعفر..
ويتحاشى قادة المجاهدين الاصطدام معهم؛ لأن مشاكلهم التى يواجهونها
كثيرة. فيريدون حصر العدو في الخارج فقط ولكن عدد الخارجين يستعد ويعد
لمرحلة ما بعد سقوط النظام.
العلاقة مع الآغاخاني:
يعتبر سيد جعفر أن علاقتهم مع الآغاخاني علاقة دينية فهو مندوب له،
ويقول في لقائه الصحفي السابق: (إذا طالب الآغاخاني بموتنا جميعاً فنحن مستعدون لقتل أنفسنا!) .
وتقول أخبار غير مؤكدة بأن بعض قادة المجاهدين طالبوا الآغاخاني - معبود
الإسماعيلية التاسع والأربعين - بشجب التدخل الروسي ولكنه رفض ذلك وهذا
يفسر موافقة روسيا على عمه صدر الدين الآغاخاني عندما عين منسق الأمم المتحدة
لدعم المجاهدين الأفغان. وتتهم مصادر المجاهدين صدر الدين بمحاباته لطائفة دون
أخرى خاصة بعد أن ركز في مؤتمره الصحفي الذي عقده في بيشاور - على دعم
المناطق المركزية الأفغانية والمعروف أن الشيعة والإسماعيلية يتواجدون فيها.
دعم دولي:
لاحظ المراقبون أنه عقب انسحاب القوات الروسية من بدخشان نشطت
الدبلوماسية البريطانية والأمريكية في دعم ومساندة هذه المنطقة؛ حيث طار السفير
البريطاني والأسترالي إلى جترال الباكستانية المحاذية لإقليم بدخشان والتى تضم
عدداً كبيراً من إسماعيلية باكستان واقترح السفيران إصلاح طريق جترال -
بدخشان ويتوقع أن يتم الفراغ منه قريباً وبذلك تستطيع السيارة قطع الطريق من
جترال إلى بدخشان في محاولة لدعم الإسماعيلية في بدخشان وربط إسماعيلية
أفغانستان مع إسماعيلية باكستان، كما لاحظوا أن القنصل الأمريكي في بيشاور
يتردد إلى منطقة جترال والإشراف على تعمير وإصلاح الطريق وسيوصل الطريق
شاهي ساديم في جترال مع توب خانة في بدخشان؛ حيث سيخترق أودية صغيرة
جداً، وقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم دعم لتحسين هذا الطريق
وإصلاحه والذي سيبلغ طوله ٢٠ كم لتسهيل حركة السيارات الكبيرة أيضاً في نقل
الأسلحة.
إسماعيلية بدخشان تستسلم لمسعود:
ليس هناك وجود مستقل للإسماعيلية الموجودين في بدخشان ولكنهم إما
منضوون تحت لواء ميليشيا نظام كابل خاصة في منطقتي كران منجان أو تحت
لواء الأحزاب الشيوعية الموالية للصين والضعيفة مثل (سنم ملّي) أي الاضطهاد
الوطني، و (شعلة حاويد) أي الشعلة الأبدية.
ويعتبر شاه عبد الجبار مرشدهم الروحي في المنطقة وهو يوالي الحكومة وقد
وقعت معارك ضارية بين جماعة أحمد شاه مسعود وميليشيا الإسماعيلية المدعومة
من حكومة كابل في منطقة كران منجان عام ١٩٨٨ وفي زيباك عام ١٩٨٩
لمساندتهم نظام كابل وقد أسفر الهجوم عن استسلامهم للقائد أحمد شاه مسعود.
دولة الحزام الأمني:
يشير بعض المراقبين إلى وجود نية لدى عدة أطراف عالمية ومحلية في تهيئة
الأجواء لتشكيل أو تأسيس دولة إسماعيلية تجمع إسماعيلية باكستان في مناطق
جترال وهنزة وجليميشا وبلتستان مع الإسماعيلية الموجودين في ولاية بدخشان
خاصة بعد الطريق الذي أعيد ترميمه في محاولة لربط الطرفين ببعضهما. حيث
إمدادات إغاثية وغذائية لإسماعيلية باكستان من إيران ودولة باطنية أخرى، كما
أسفرت لقاءات المسئولين الإيرانيين مع المسئولين الصينيين إلى سماح الأخيرين
لنشاط شيعي في منطقة تركستان الشرقية (سينك يانج) المحاذية لهذه الدولة
المزعومة، وبدأ عدد من الشباب الصيني السني القاطن في هذه المنطقة بالتوجه
للدراسة في طهران تمهيداً لتشيُّعه.
ويقوم الآغاخاني بزيارات ميدانية لمنطقة هنزة وجليجييت الباكستانية
وغيرها، ويوزع أتباعه المساعدات والإعانات على الشعب هناك حتى على أهل السنة - ويا لَلأسف! - فقد انجر بعضهم وراء دعاياتهم الإنسانية وأحسنوا الظن به.
ولكن أصدر عدد من علماء السنة في باكستان - مثل (ولي حسن تونكي) فقيه
باكستان - فتوى بعدم جواز أخذ المساعدة من الآغاخاني. وأغلب سكان هذه
المنطقة شيعة وليس إسماعيلية ولكن علاقاتهم قوية مع بعضهم وهناك منظمة باسم
(مؤسسة الآغاخاني) ويرأس المؤسسة في بلشتان شخص باسم (مطهر علي شاه) من
أصول سُنية وراتبه كبير، حتى أنهم يعطون السائق العادي التابع لمؤسستهم (٥)
آلاف روبية باكستانية وهو راتب ضخم في باكستان، أما المشرف العام على
المؤسسة فهو (سلطان شعيب) من السنة أيضاً ويبلغ راتبه (٦٠) ألف روبية
باكستانية ولديه ثلاث طائرات هليوكوبتر تحت تصرفه.
ونشاط الإسماعيلية في هذه المناطق يتمحور على الاقتصاد ولا يعتنون
بالدعوة إلى مذهبهم حتى لا يفاجِئوا أهل السنة. وكانت وزارة الزراعة الباكستانية
في عام ١٩٨٨ وقبله - تقوم بنفسها بتوزيع الأسمدة على المزارعين أما في ١٩٨٩
وما بعدها فقد قام الآغاخاني بشراء الأسمدة ومنعها عن المزارعين حتى يجعلهم
يعتمدون عليه وليس على الحكومة.
ويرى المراقبون في هذا خطراً ماحقاً؛ إذ إنه تمهيد لتأسيس دولة إسماعيلية
وقد تنبه لهذا رئيس كشمير الحرة (السر دار عبد القيوم) عندما صرح - قبل أكثر
من سنة - بأن مناطق جليجييت بلتستان وغيرها في حالة تحوُّل إلى دولة
للإسماعيلية.
ورئيس كشمير الحرة هو مَن يعنيه هذا المخطط؛ إذ إن هذه الدولة ستكون
عازلة بين باكستان والهند وستكون مثل دولة الحزام الأمني في جنوب لبنان لمنع
المقاتلين من التوجه لفِلَسطين.
وبعد:
فإن أهل السنة هم الذين ضحوا بكل ما يملكون في الجهاد الأفغاني، وهم
الذين جادوا بالنفس والنفيس، وكان خصومهم من الطوائف الأخرى يتربصون
ويعدون العدة لما بعد النصر ليقطفوا الثمرة، فهل يتحد أهل السنة ويفوتون الفرصة
على هذه الطوائف التي تتقن التسلق على أكتاف الآخرين، وحتى لا يكونوا هم
الخاسر الوحيد؟ !
стр. 629
الجزائر في الصحافة العربية
الجزائر في هذه الأيام هي محط الأنظار، وحديث الصحافة - الصحافة
الغربية والصحافة العربية - وكلٌّ ينظر من زاويته التي يريدها، وقد نقلنا في العدد
الماضي ما تقوله الصحافة الغربية، وأما الصحافة العربية التي تحمل أخلاطاً من
القومية والعلمانية فهي تتكلم عن الجزائر بعين الإشفاق ظاهرياً، بينما هي تحرض
وتلمز من التيار الإسلامي وتخاف على هذا البلد من (الأصوليين) .
(فالوطن العربي) في عددها (١٦٣) بتاريخ ٢٧/٤/١٩٩٠ تعنون لمقالها: (الجزائر في الطريق نحو المجهول) ، (الجيش سيتدخل لإحباط الدكتاتورية باسم
الدين) ! ! إلى آخر هذا التهويل والتحريض، والعجيب أن هؤلاء القوميين يقولون: نحن نؤمن بالديمقراطية والحرية، ويعتذرون عن الأخطاء السابقة (أخطاء مصر عبد الناصر لضرب الإسلام) فإذا أتيحت الحرية للشعب واختار الإسلام يقولون: هذه دكتاتورية، وفي أسلوب لا يليق تحاول المجلة الغمز من التيار الإسلامي بأنه استغل الجفاف في الجزائر وعلم من الأرصاد الجوية موعد سقوط الأمطار فذهب ليصلي صلاة الاستسقاء! ! [الوطن العربي ٧/٤/١٩٩٠] وقد بلغ الغضب منتهاه عند رئيس التحرير عندما كتب في العدد (١٦٥) بتاريخ١١/٥ / ١٩٩٠: (من الأردن إلى مصر إلى الجزائر، والسلف الصالح برئ من هذه السلفية) .
ولا ندري ماذا فعل له مسلمو الجزائر عندما يصورهم بأنهم (يخربون
أساسات التنمية العربية) ؟ ، هل الشباب المسلم - الذي يحمل شتى الاختصاصات
العلمية ومستعد لبذل علمه في سبيل بناء بلاده - هو الذي يخرب؟ أم الدكتاتورية
التى يتباكى عليها رئيس التحرير (دكتاتورية عبد الناصر وبو مدين) ، وهذا الأخير
هو الذي خرب الزراعة في الجزائر بحجة التصنيع، فأصبحت الجزائر الواسعة
الكبيرة لا يستطيع الإنسان أن يزرع فيها وينتج لقمة عيشه.
وبالأسلوب نفسه تتكلم مجلة (اليوم السابع) فتكتب بتاريخ ٣٠/٤/١٩٩٠: (السلطة تتراجع أمام الأصوليين) وتنقل رأي جبهة التحرير بأن الأصوليين استغلوا
المساجد لأغراض حزبية وأن ممارساتهم (المنافية للقانون) قد كثرت! ! وطبعاً
بمنطقهم العلماني يريدون من المساجد أن تكون كالكنائس لا يُبحث فيها أمر
المسلمين، ونلاحظ أنه في كلتا المجلتين يشم رائحة استعداء السلطة على
الإسلاميين وتحذيرها من ازدياد حجمهم.
وإذا كان هذا رأي الصحف التى تحقد على التيار الإسلامي فإن المسلمين
ينظرون بعين الحب والإشفاق على الجزائر من مكر أعداء الإسلام، ولمنع المد
الإسلامى أو إحباطه بشكل من الأشكال، ويرون أن تفويت الفرصة على أمثال
هؤلاء هو باتحاد الكلمة ووضوح الهدف ودراسة كل خطوة دراسة جادة شرعية،
تعلم الواقع وتعلم تحرك مَن لا يحبون الإسلام، وإنها فرصة كى يثبت الإسلاميون
أنهم على وعي بواقعهم، وأنهم على مستوى الأحداث.
стр. 630
أخبار حول العالم
١٥٩ طفلاً فلسطينياً يسقطون بنيران الجيش الإسرائيلي
حمّل تقرير نشرته منظمة سويدية اسمها (أنقذوا الأطفال) السلطات العسكرية
الإسرائيلية مسؤولية الاعتداء على الأطفال بشكل متكرر ومنتظم في الأراضي
المحتلة، وذكر التقرير الذي يعد الأكثر تفصيلاً لأحوال الأطفال الفلسطينيين في
الضفة الغربية وقطاع غزة أن (١٥٩) طفلاً فلسطينياً كانوا قد قُتلوا في العامين
الأولين من عمر الانتفاضة، إما عن طريق الإصابة بطلقات نارية أو الضرب، أو
الغازات المسيلة للدموع. وتشكل نسبة الذين سقطوا بنيران الأسلحة ٦٧% من
مجموع القتلى.
(ديلي تلغراف ١٧/٥/١٩٩٠م)
موسكو: تفشّي مرض الإيدز
من المقرر أن تعقد الحكومة السوفياتية مؤتمراً في نهاية شهر أيار (مايو)
الجاري، يشترك فيه كل من جهاز الشرطة ومسؤولين في وزارة الصحة، وذلك
لمناقشة الطرق الكفيلة بكبح تفشي مرض الإيدز. ومن بين الحلول المطروحة في
جدول الأعمال هو احتمال إضفاء الصفة القانونية على البغاء الذي بات ظاهرة
منظورة في المناطق التى يكثر تردد الأجانب عليها.
وكان وزير الصحة السوفياتي قد بيَّن في نهاية شهر نيسان (أبريل) أن هناك
ارتفاعاً حاداً في عدد الحاملين لجرثومة مرض الإيدز في الاتحاد السوفياتي،
وأوضح الوزير أن عدد هؤلاء قد يرتفع مع نهاية هذا القرن ليصل إلى (١. ٥)
مليون.
(تايمز ١٢/٥/١٩٩٠م)
التعذيب مازال قاعدة في السجون التركية
ذكر تقرير لمنظمة العفو الدولية - نُشر في ٩/٥/١٩٩٠م - أن المعتقلين في
السجون التركية مازالوا يتعرضون للتعذيب وافتقاد الحقوق الشرعية الأساسية،
ويقول التقرير: إن من المعتقد أن حوالي (٥٠٠٠) معتقل سياسي بما في ذلك مئات
المعتقلين بسبب الأفكار التي يحملونها، ويشتمل هؤلاء على أصحاب اتجاهات
إسلامية، وصحفيين، وأكراد بالإضافة إلى نقابيين.
وذكر التقرير أن التعذيب أمر روتيني حتى بالنسبة للذين يمضون أياماً قليلة
في الاعتقال، وتقول منظمة العفو إن لديها معلومات تشير إلى امتداد أعمال التعذيب
لتشمل الأطفال، وأن أعداداً غير معلومة من هؤلاء قد لاقوا حتفهم نتيجة لهذه
الإجراءات. كما جاء في التقرير أن تهديدات بالتصفية الجسدية تصدر بحق الذين
يرفضون العمل كمخبرين في جهاز المخابرات.
(جارديان ٩/٥/١٩٩٠م)
تركيا تبيع المياه لإسرائيل
ذكرت مصادر في تل أبيب أن (إسرائيل) قد تشرع قريباً - وبشكل تجريبي
- باستيراد المياه من تركيا، وكانت (إسرائيل) قد فرضت قيوداً على استهلاك
المياه لاسيما للأغراض الزراعية والصناعية، وذلك لمواجهة العجز المتنامي في
كميات المياه الذي قد يهدد فرص التوصل إلى تسوية في الشرق الأوسط.
ومن جهتها لم تبدِ حكومة تركيا - وهي دولة مسلمة (!) - ممانعة في
تصدير المياه إلى (إسرائيل) أو جيرانها العرب الذين كانوا قد تلقوا عروضاً
مشابهة، ومما يذكر أن (إسرائيل) تعاني عجزاً في كميات المياه يصل إلى حد
(٤٠٠) مليون متر مكعب، وقد يكون لهذا الوضع أثر على استعداد (إسرائيل)
للتنازل عن الضفة الغربية التي تحتوي على نسبة ٩٥% من مصادر المياه المتبقية.
(ديلي تلغراف: ١٧/٥/١٩٩٠م)
стр. 631
خبر وتعليق
الصومال تسمح بدخول (القات)
(رفع الحظر المفروض منذ سبع سنين على (القات) الذي تأتي وارداته من
كينيا وأثيوبيا، وكانت الصومال قد فرضت حظراً على القات في عام ١٩٨٣؛ لأنه
يتسبب في إصابة الرجال بالكسل ويكلف الدولة (٨٠) مليون دولار في العام
لاستيراده) .
(الشرق الأوسط ٢٨/٤/١٩٩٠)
وبتاريخ ٥/٢/١٩٩٠ نشرت (الشرق الأوسط) أيضاً الخبر التالي: (كرر
الرئيس الصومالى أمس دعوته للمعارضة لإجراء مفاوضات بمناسبة يوم العمال
وأعرب عن أسفه للظروف المعيشية السيئة للعمال الصوماليين، وقال رئيس
الصومال: إن الحرب الأهلية والعجز في ميزان التجارة الخارجية والتهرب من
الضرائب كلها أدت إلى تردي الوضع الاقتصادي) .
تعليق: إن تصرفات أمثال هذه الدول من الأشياء المضحكة المبكية، فرغم
العجز والفقر، والاعتراف بفساد الوضع الاقتصادي، وطبعاً (المخفي أعظم) والكل
يعرف أحوال الناس في الصومال. ورغم هذا يسمح باستيراد (القات) مما يكلف
الشعب الصومالي (٨٠) مليون دولار، لماذا؟ والشعب بحاجة إلى (القوت) وليس
إلى (القات) وهل مثل هذه الشعوب بحاجة إلى زيادة كسل أم تحتاج إلى تشجيع
الزراعة وإنتاج المواد الغذائية مثل القمح، والذرة، أو إنتاج المواد الزراعية
الصناعية.. هل هذا تخبط أم شيء مدروس؟ !
ولماذا لا يعترف رئيس الصومال بأن نظام حكمه هو سبب المشكلة كلها؛
فيترك الصومال لأهلها المسلمين؛ فيريح ويستريح، بدلاً من اتهام الشعب بالتهرب
من الضرائب.
إن أحوال الشعوب الإسلامية وحكوماتها شيء عجيب. إنهم يجمعون بين
السيئات والمتناقضات كما جاء في الحديث من ذم «العائل المستكبر» .
***
(يعقد في الثالث والعشرين من الشهر الحالي (مايو) في واشنطن مؤتمر
لبحث مبادرة شاملة تهدف إلى مساعدة الديمقراطيات الناشئة في دول أوربا الشرقية
اقتصادياً من قبل الدول الصناعية الغربية على أن يشارك في المبادرة القطاع
الخاص في هذه الدول، وقد وصفت هذه المبادرة بأنها تشبه مشروع مارشال الذي
أعقب الحرب العالمية الثانية وقد أكد على الدور الكبير للقطاع الخاص في هذه
المبادرة) .
(الشرق الأوسط ١١/٥/١٩٩٠)
تعليق:
هكذا يبادرون لسد الخلل في دول أوربية لرفع مستوى الدخل الفردي فيها،
وتؤهل لتكوين أوربا الموحدة ولتصبح كتلة كبيرة في مواجهة أي تكتل آخر، فمتى
يبادر الأغنياء عندنا على مستوى الدول أو على مستوى الشركات والأفراد لإقامة
المشاريع الاقتصادية عند الشعوب الإسلامية الفقيرة، لمساعدتهم على العيش الكريم
ومن خلال العمل والكسب لا من خلال المساعدة والصدقة؟ ! .
стр. 632
واجبنا تجاه المنهج الإسلامي
عثمان ناصر السعيد
١ - الانكباب على دراسته ومعرفته حق المعرفة، لا أن نأخذه مجرد وراثة
دون وعي.
٢ - التسليم بما جاء في مصدريه: كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه
وسلم-، دون أدنى شك في النفس أو تردد أو مشاورة للنفس التي ينازعها ضعفها
وشهوتها والشياطين من جميع أطرافها؛ قال - تعالى -[ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا
مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب:
٣٦] .
٣ - بذل الجهد في نشره بين الناس؛ إذ إنه ليس خاصاً بنا وحدنا؛ قال -
تعالى -: [إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ] [ص: ٨٧] وكما أنك سعدت به وتلذذت
بالعيش تحت كنفه فمن الواجب عليك تأدية زكاته بتبليغه لتلك البشرية المتعطشة له
والتي تتخبط في جاهليتها.
٤ - الذود عنه أكثر من الذود عن حظ نفسك وأهلك وشرفك ومالك، قال -
ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» .
إن سفينة هذا المنهج سائرة، قائدها محمد ﷺ متحدية
الأمواج بحفظ من الله ﵎ شعارها قول الله - تعالى -: [ومَن يَبْتَغِ
غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] [آل عمران: ٨٥] .
стр. 633
المظلوم لا يبني ولا ينتج
عبد القادر حامد
قد يعجب بعض الذين لا تسرهم الحال التي تعيشها الأمة الإسلامية وغيرها
من الشعوب الفقيرة.. يعجبون من الكسل والشلل الذي يبدو أنه يلف هذه الشعوب،
كيف أنها لا تفكر في معالي الأمور، وتغرق في المعيشة يوماً يوماً، ولا يظهر
عليها قلق مما يجري حولها من تكتلات اقتصادية، ولا يستثيرها هذا التباري
المسعور الذي يحس ويلمس عند الشعوب المتقدمة.
وينسى هؤلاء الذين تؤلمهم هذه الحال الخاملة؛ وهذه الحياة التى تبدو مجردة
من الأهداف- ماخلا الحاجات الدنيا التي تحفظ النوع والنفوس - ينسون حقيقة
وبدهية بسيطة واضحة للعيان أن الذي يجرد الإنسان فرداً أو جماعة - من الأهداف
العليا هو الظلم.
فالظلم هو الذي يسحق بشرية البشر، ويقصر تفكيرهم على الحد الأدنى من
العيش، ويجعلهم يرضون بالدون من الحياة، ويلفتهم لفتاً عن مجرد التفكير في
التعمير والتثمير، وهو الذي يقنعهم بالقول:
لِدُوا للموت وابنوا للخرابِ!
وهذا الداء الوبيل داء الظلم هو الوباء الذي ضرب المسلمين وأقام بينهم لا
يريم [١] ، ومع أن شعوباً كثيرة استطاعت أن تضع حداً له، وتعيش في منجاة من
نكايته، وتحد من انتشاره؛ لكننا - مع الأسف - نتقلب في ناره، ونعاني ما نعاني
من شدة ثباته في أرضنا واستقراره.
هذه الجموع العريضة تتذوق شتى أنواع الظلم، فهم بين مظلوم في ماله،
ومظلوم في دينه، ومظلوم في حريته، ومظلوم في حقوقه الأدبية والشخصية، كل
منهم جثم عليه من الظلم - نوع أو أكثر - ما يجعله دائم التفكير في ظالمه، زاهداً
في إنجاز أي شيء سوى الانتصاف لنفسه إن استطاع، مشلول التفكير والإرادة إلا
عن التقلب على جمر الغيظ وحب الانتقام.
ولأمر ما عنون ابن خلدون فصلاً مهماً من مقدمته بالقول: (الظلم مؤذِن
بخراب العمران) ولأمر ما اختار كلمة (مؤذن) حتى يجعلك لا تغتر إذا رأيت قصراً
منيفاً يتربع فيه ظالم بين الأضواء والرياش، أو سلطة يتحكم بها متجبر عاتٍ يأمر
فيُطاع، فها هو ذا الظلم ينعق في جنباتها، مؤذناً بدك بنيانها من القواعد.
стр. 634
ذو الحجة - ١٤١٠هـ
يوليو - ١٩٩٠م
(السنة: ٤)
стр. 635
الافتتاحية
لبيك لا شريك لك ...
إذا أردنا وصف هذا الدين بكلمة واحدة لقلنا: إنه دين (التوحيد) ، فقاعدته
الأساسية: هى إفراد العبودية والتلقي والتوجه لله ومحاربة الشرك
بشتى ألوانه وأصنافه، حتى يخلص الدين لله، وتتطهر الأرض من أنواع
الطواغيت، وكل الأعمال إذا خالطها الشرك تتحول هباءً منثوراً.
وفي هذه الأيام حيث تغرق البشرية بأنواع الشرك والخضوع لغير الله والجهل
بدين الله في كل ناحية من نواحى حياتهم، يبرز الإسلام كهادٍ وحادٍ للإنقاذ من وهدة
الضلال وطريق الانحدار.
وإن منسك الحج من أعظم شعائر الإسلام تمثيلاً للتوحيد، ففيه تعود بنا
الذكريات إلى سيدنا إبراهيم ﵇ الذي حطم الأصنام ليكون الدين كله لله،
وترك بلاد الأصنام مهاجراً إلى ربه، وهو الذي سمانا المسلمين من قبل، وهو
الذي بنى مع ولده إسماعيل ﵇ أول بيت للناس يعبد فيه الله وحده،
وفي الطواف والسعي والوقوف والرمي يتجلى التوحيد ناصعاً، والدعاء كله لله
(لبيك لا شريك لك ... ) بينما كان دعاء العرب في الجاهلية (لبيك لا شريك لك إلا
شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) ، ولذلك وصف الصحابي حَجة رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- عندما أحرم من ذي الحليفة، قال: فأهلَّ بالتوحيد، وهو يعنى:
التلبية.
إن أغلى ما يملكه المسلم عقيدته الصافية التي يجب التمسك بها ولو انحرف
عنها أهل الأرض، ولو أن هناك محاولات (لعصرنة) الإسلام والتنازل عن شىء
منه مقابل اعتراف الغرب بنا أو رضاه عنا.
إن رسول الله إبراهيم ﵇ هو الذي حدد لنا هويتنا، إنها الملة
الحنيفية، وليس لنا هوية غيرها، وبمجرد التنازل عن شيء منها يبدأ العد
التنازلي لحضارتنا وقوتنا، إن الشريعة تكفل لنا العيش في هذا العصر إذا كنا على
مستوى الاجتهاد والفقه في الإسلام، ولكن أن نتنازل عن هويتنا بسبب جهلنا بما
تبيحه الشريعة وبما تمنعه فهذه هى الطامة. ولانزال نسمع في هذه الأيام من يدندن
حول التجديد في (أصول الإسلام) أي: التطوير في أصول الإسلام [١] حتى
يتناسب مع هذا العصر، ولم يعلموا أن الثبات على المبدأ والتمسك به هو الذي
يعطينا القوة أمام الأعداء. وأن الأخطار التي تواجه المسلمين وخاصة (المنطقة
العربية) لا ينجي منها إلا الوقوف تحت راية (التوحيد) .
ومن يفقه هذا الدين ويعلم تفاصيله يدرك أنه وسط بين الملل المتشددة
والمترخصة، وأنه حنيفية سمحاء، كما أن أهل السنة وسطٌ بين المذاهب الإسلامية، فالذي لا يعرف قدرهم يظن أنهم حرفيون، نصِّيِون لا يفقهون مرامي الكتاب
والسنة، وهذا كله بسبب الجهل بحقيقة فهم أهل السنة وطرائقهم في الاستدلال
والتفكير، والحقيقة: أن التطرف لا يصلح عليه أمر الخلق، فكيف يبقى الإسلام
ويبقى مذهب أهل السنة؟ ، لولا أنه يحمل بذور بقائه، وهذا من حفظ الله له.
وفى مناسك الحج يبرز أمرٌ آخر لابد من التنبيه عليه والتنويه به، وهو:
(توحد) المسلمين فالحج من أعظم شعائر الإسلام إبرازاً لهذه الخاصية، ففيه يجتمع
المسلمون من شتى أقطار الأرض، ألا يوحي لنا هذا بمحاولة التوحد التي نرى
ونحس بعض إرهاصاتها، ولكن لم تتحقق بعد على أرض الواقع حتى بين أصحاب
المنهج الواحد، مع أن هذا التوحد فيه مصلحة الدين والدنيا، ومع كثرة الأوامر به
والزواجر عن ضده: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم
واختلافهم على أنبيائهم» (صحيح الجامع الصغير ١٥٦/٣) .
ومع هذا فلا تزال فكرة التوحد ضعيفة لم تأخذ مجرى التطبيق العملي بعد،
ولم يتم الإسراع بها، وسبب ذلك هو ضعف البصيرة عن العواقب، والنظر إلى
العاجل من مغانم سطحية مؤقتة لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن أهل السنة مدعوون الآن أكثر من أي وقت مضى لإظهار خاصية من
خصائص الإسلام، وهي جمع الناس على دينٍ واحد، وإذا كان الغرب الأوربي
والغرب الأمريكي قد انفرد بالساحة وحده ولم يعد له منافس من الشرق الشيوعي،
فإنه يعلم ويصرح علناً أن المنافس الآن هو الإسلام. وإذا لم نتمكن من التوحد
تحت راية (التوحيد) فسنبقى رقماً كما أطلق علينا (العالم الثالث) .