← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

غياب ثقافة الموارد البشرية في الجهات الخيرية محمد يحيى مفرح - مدخل عبر الواقع: ليس لدى الكثير من الجهات الخيرية المتميزة إدارة خاصة بالموارد البشرية تهتم بالعنصر البشري قبْل دخوله إلى الجهة الخيرية من خلال ممارسة وظائف معينة مثل: توصيف الوظائف، وتخطيط القوى العاملة، والاختيار. كما تهتم بالعاملين أثناء وجودهم بالجهة الخيرية من خلال ممارسة عدد من الوظائف الأخرى أهمها: الأجور والحوافز والتدريب والترقية وتقويم الأداء. كما تهتم بالوظائف المتعلقة بترك العمل كالفصل أو الاستقالة أو الوفاة. لا شك أن كافة أنشطة الجهات الخيرية وإداراتها تدار بواسطة الأفراد؛ ولذلك فهؤلاء الأفراد (موظفين ومتطوعين) لا بد أن يكونوا على مستوى مرتفع من الكفاءة حتى يمكنهم النهوض بأعباء هذه الإدارات، وممارسة أعمالهم بفاعلية. وقد أضحت كل أدبيات الإدارة المعاصرة تشير إلى أن نجاح أي منظمة إنما يبنى ـ بعد توفيق الله ـ على مورد بشري فعّال ذي مهارات ذهنية قادر على أن يواكب التطورات والتغيير السريع. ü الأهداف الرئيسية لإدارة الموارد البشرية: ١ ـ رفع مستوى إنتاج العاملين من حيث الكمية، أو الجودة، أو كليهما. ٢ ـ العمل على زيادة درجة رضا الأفراد العاملين عن العمل، وتحسين علاقتهم بالإدارة، وتحسين علاقاتهم ببعضهم من خلال معاملة الجميع بعدالة وموضوعية؛ مما يؤدي إلى رفع الروح المعنوية. ٣ ـ تحقيق التكامل والتوازن بين الهدفين السابقين (حيث ينشأ بينهما الكثير من التعارض) . ü اختصاصات إدارة الموارد البشرية في الجهات الخيرية: ١ - العمل على توفير الطاقات اللازمة للعمل، وتوظيفهم بما يتناسب مع قدراتهم ومؤهلاتهم، وهو الأمر الذي تحتاجه كثير من الجهات ذات المشاريع الطموحة والرائدة التي لا تجد من يشرف عليها. ٢ - العمل على تهيئة أفضل الظروف الملائمة للعمل (بيئة العمل المادية) حتى يبذل الموظفون قصارى جهدهم لزيادة الإنتاج. ٣ - تشخيص الروح المعنوية ودرجة الفاعلية للموظفين من خلال البحوث والملاحظة، واقتراح الأساليب الفعّالة والمناسبة للتعامل معهم. ٤ - الاحتفاظ بسجلات منتظمة لأفراد قوة العمل بالجهة تشمل كل معلوماتهم. ٥ - مساعدة الإدارات التنفيذية في كل ما يتعلق بشؤون العاملين (إجازات، وحل مشكلات، وتدريب..) ، وتطوير خاص لمديري الإدارات. ٦ - تقديم الرعاية اللازمة (صحية، واجتماعية..) لضمان استقرار العاملين. ٧ - نصح الإدارة العليا فيما يتعلق بالسياسات المطلوبة تجاه العاملين. ٨ - وضع نظام خاص للمتعاونين والمحتسبين بالعمل. ü أسباب ودوافع نشوء الفكرة: أولاً: تعاني الجهات الخيرية من فترة طويلة ـ ولا زالت ـ من كثير من المشكلات التي تعيق تحقيق انطلاقة نوعية للنهوض بمستوى الجهات الخيرية، وتحويل أهدافها الرائدة والطموحة إلى واقع ملموس. هذه المشكلات تنصب في كثير منها حول العاملين أو المورد البشري للجهة. وفيما يلي محاولة استقصاء لهذه المشكلات: ١ - مشكلة ضعف ولاء العاملين في الجهة الخيرية، ويترتب عليه عدة مشكلات منها: عدم عنايتهم بتوفير التكاليف، أو تسويق أنشطة الجهة، وإحضار الدعم لها، وانتقالهم للعمل في مكان آخر متى سنحت الفرصة. ٢ - عدم وجود نظام، أو سلّم للرواتب والبدلات بشكل عادل ومريح للإدارة التنفيذية والعاملين. ٣ - وجود الكثير من الأفكار والمشاريع وعدم وجود كفاءات ذات تأهيل مناسب لتحمل مسؤوليتها. ٤ - مشكلة اشتراطات الأنظمة الرسمية حول العاملين (مثل: توطين العمالة) . ٥ - مشكلة انعدام روح الإبداع والتجديد في الأنشطة والمشاريع. ٦ - انعدام روح المبادرة لتحمل المسؤوليات وأعباء المهام. ٧ - المشكلات المتعلقة بالمتطوعين (غير الموظفين) مثل: البحث عن الأفضل، توظيف الطاقات، ضمان الالتزام، تحديد المهام التي يمكن تكليفهم بها، متابعة إنجاز المهام، المحافظة على انتمائهم. ٨ - عدم وجود نظام عادل للحوافز (المادية والمعنوية والفردية والجماعية..) . ٩ - عدم وجود توصيف وظيفي يساعد في ضبط أمور العمل، وتقويمه، ومتابعته. ١٠ - عدم وجود نظام تقويم دقيق وعادل يساعد في تطوير العاملين، وإنجاز الأهداف بشكل جيد. ١١ - ضعف علاقات العاملين ببعضهم؛ ومن ثم ضعف عملهم بروح الفريق الواحد بشكل جماعي يكمل بعضه بعضاً. ١٢ - مشكلة عدم وجود فرق عمل متجانسة للمهام والمشاريع، وعدم وجود جهة مسؤولة عن شحذ روح الفريق في بيئة العمل بشكل إيجابي. ١٣ - عدم إمكانية وضع خطة واضحة لترقية الموظفين (خطة التطور الوظيفي) . ١٤ - عدم وجود برامج تدريب تلبي الاحتياجات الحالية والمستقبلية لتطوير الجهة. ١٥ - ضعف تخطيط القوى البشرية المطلوبة، فتجد أعداد العاملين أكثر من اللازم؛ مما يسبب هدراً وفوضى، ووجود فراغ لدى بعض العاملين في بعض الأحيان، أو أقل من اللازم؛ مما يسبب ضغطاً على الموجودين واستياءً نفسياً ينشأ عنه ضعف إنجاز واهتمام بالصغائر فقط. ١٦ - عدم وجود برامج رعاية تعتني بالموظفين في نفس الجهة مثل: برامج رعاية صحية (خصومات أو تأمين) ، وبرامج اجتماعية (تهنئة أو مواساة أو برامج للعوائل) ، وبرامج تعليمية للأبناء. ١٧ - انشغال الإدارات التنفيذية والعليا بكثير من مشاغل ومشكلات الأفراد. ١٨ - تأخر حل مشكلات العاملين التي تقع بطريق الخطأ مثل: تأخر نزول راتب أحد الموظفين. ١٩ - مشكلات الحضور والغياب ومحاسبة الموظفين على التأخر، وعدم تعويضهم عن الوقت الزائد الذي يتطلبه العمل. ٢٠ - عدم العناية بشكاوى العاملين، واقتراحاتهم، وأفكارهم، خاصة العاملين في المستويات الدنيا. ٢١ - عدم وجود برامج خاصة للتنمية الذاتية لدى العاملين مثل: مكتبة شخصية، مجلات وإصدارات دورية، بريد إلكتروني وإنترنت.. إلخ. ٢٢ - مشكلة عدم وجود بيئة عمل مادية تساعد الموظف في إنجاز ما يتطلبه عمله بفاعلية. ٢٣ - مشكلة عدم وجود صلاحيات كافية للموظف حتى ينجز أعماله ومسؤولياته. ٢٤ - مشكلة عدم وضوح الأهداف العامة للجهة الخيرية عند كل العاملين، وعدم اطلاع الموظفين على المعلومات الهامة والمستجدة. ٢٥ - مشكلة عدم وجود أنظمة واضحة للعقوبات، والخصومات، وإنهاء الخدمة. ٢٦- مشكلة صعوبة الاستغناء عن العاملين ذوي الكفاءة المتدنية لأسباب إنسانية. ٢٧ - مشكلات التحيز في التوظيف، وتحديد الرواتب، وإعطاء المميزات. ٢٨ - مشكلة عدم وجود تغذية راجعة مباشرة تساعد على تعديل السلوكيات الخاطئة، خاصة للمديرين مثل: سوء تعامل بعض الرؤساء مع المرؤوسين، وعدم التفويض بشكل سليم. ٢٩ - مشكلة غياب كثير من المعلومات الهامة عن كثير من العاملين بلا مسوِّغ. ٣٠ - مشكلة عدم اكتشاف طاقات العاملين، وتفجير مكامن الإبداع، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب وفق نظام مرن لا يخل بالعمل. ٣١ - مشكلة عدم العناية بالمتميزين، والمحافظة عليهم، وتطويرهم لخدمه الأهداف الكبيرة. إن جميع هذه المشكلات وما يترتب عليها ترتبط في كونها جميعاً تتعلق بالعنصر البشري الذي يعمل في الجهة الخيرية. وتوجد هذه المشكلات في الجهات المختلفة بنسب مختلفة، ولنا أن نتخيل كم يتسبب وجودها في تعطيل إنجاز الأهداف الحقيقية للجهات الخيرية، وإشغال المسؤولين فيها؟ ثانياً: تفتح الجهات الخيرية أبوابها لسد احتياجات خيرية موجودة في المجتمع (دعوة أو إغاثة أو تعليم أو تربية..) ، ولا تنتبه أنها تفتح أبواباً أخرى بوجود عاملين لديها يقاسون ظروفاً غير جيدة، ولا يجدون من يساعدهم في حلها. ثالثاً: مفهوم خاطئ: يعتقد بعض الناس أن كل المشكلات المتعلقة بالعاملين في الجهات الخيرية إنما هي بالدرجة الأولى مشكلة مالية (انخفاض رواتب أو بدلات أو حوافز مادية..) ، ومن ثم فحلُّها الوحيد هو تجاوز هذه المشكلات، وهذا غير متاح لكثير من الجهات الخيرية نظراً لمحدودية الموارد. ولكن الدراسات والواقع يؤكدان أن جملة كبيرة من هذه المشكلات لا تتعلق بتاتاً بالجانب المادي، بل هي بالدرجة الأولى متعلقة بما فطر عليه كل إنسان من حب التقدير وإرضاء الذات بإنجاز العمل الذي يليق به، والشعور بأنه يعامل بعدالة ضمن المنظمة والأفراد الذين يعمل معهم، وهذا ما تعتني به الموارد البشرية. رابعاً: أصبحت كثير من الجهات الخيرية ـ بفضل الله ـ تهتم بنوع من القضايا لم يكن الاهتمام به قائماً إلى فترة قريبة سابقة، من أبرز هذه القضايا ما يتعلق بتدريب الموظفين والاستفادة من المتطوعين، ولكن هذا الاهتمام وهذه الجهود قد لا تؤتي أكلها ما لم تأت متناسقة في إطارها الحقيقي الكامل، وهو إطار تكامل أعمال الموارد البشرية، وهو أمر يحتاج إلى تفرغ وتخصص. ü الوضع الحالي في الجهات الخيرية: هناك جهات خيرية كبيرة واسعة النشاط تملك إدارة خاصة للشؤون الإدارية تقوم بجزء من مهام الموارد البشرية، ولا تقوم بجزء كبير وهام آخر، بل هي مشغولة غالباً بالقضايا الإدارية البحتة. وهناك جهات خيرية صغيرة يتولى العمل فيها نفس المسؤول الرئيس، أو أحد المساعدين بشكل ارتجالي، وحسب الاحتياج وفي غياب كثير من مهام الموارد البشرية. وهناك جهات خيرية لديها إدارة خاصة للموارد البشرية، أو التدريب، أو المتطوعين يديرها أشخاص غير متخصصين ولا متفرغين، ومن ثم فهم منغمسون في الأعمال العادية، ومشغولون عن جوهر إدارة الموارد البشرية. وإجمالاً فليس هناك جهات ستبدأ من الصفر على الغالب، لكن هناك حاجة للمزيد من الجهود المرتبة. ü فكرة عملية لتأسيس الموارد البشرية في الجهات الخيرية: إن إنشاء إدارة موارد بشرية بشكل منهجي وعلمي يستلزم وجود خبير وتكاليف، والمقترح هو تأسيس لجنة مركزية برئاسة شخص ذي اختصاص وخبرة إدارية في مجال الموارد البشرية، وعضوية أفراد من عدة جهات خيرية يرشح كل منهم لإدارة الموارد البشرية في الجهة التي ينتمي إليها. تقوم هذه اللجنة على مدار فترة محددة بتأهيل أفرادها، وإنشاء إدارة مثالية للموارد البشرية في كل الجهات الخيرية، مع الاستفادة من عنصر الجماعية في تخفيض كل التكاليف الممكنة ودفع أجور الخبراء. ü أوجه استفادة الجهات الخيرية من تطبيق هذه الفكرة: ١ ـ توفير تكاليف الخبراء والمتخصصين في الموارد البشرية من خلال العمل المشترك. ٢ ـ توفير تكاليف الأعمال المشتركة للموارد البشرية مثل: برامج التدريب، واستقطاب العاملين، والمقابلات، وقواعد البيانات، والاستفادة من المتطوعين. ٣ ـ قوة التفاوض للحصول على تسهيلات وخدمات خاصة للعاملين مثل: خدمات صحية، واجتماعية، وتعليمية. ٤ ـ ضمان إنشاء إدارة موارد بشرية مثالية بشكل مستقر ومستمر لا يتأخر بسبب الأحداث الداخلية في الجهة الخيرية والانشغالات الطارئة. ٥ ـ تخفيف العبء الإداري عن الإدارة العليا في الجهات الخيرية. غياب ثقافة الموارد البشرية ü لماذا نريد نشر هذه الثقافة؟ أولاً: لأن الجهات الخيرية بحاجة ماسة في هذه الفترة بالذات ـ حيث الأحداث والتقلبات المتتابعة ـ إلى نوعية خاصة ومتميزة من العاملين والمتطوعين لا تشغلهم مشاكل العمل عن أهدافه، بل يعينهم العمل على إطلاق قدراتهم وإبداعهم لمواجهة الواقع ذي الإيقاع السريع. ثانياً: لأننا نرى الكثير من الجهات الخيرية قد بدأت ـ بفضل الله ـ خطوات مباركة وكبيرة وواضحة في مجالات مهمة، ولكنها لم تأت في إطارها الصحيح المتكامل، وأبرز مثال على ذلك اهتمام بعض الجهات الخيرية بمجال التدريب في معزل تام عن أي أعمال أخرى تتعلق بنفس المتدرب، مثل: اختياره ابتداءً بشكل صحيح للعمل، ثم تقويمه وفق معايير تحدد لاحقاً فيم يجب أن يدرب؟

стр. 5707

التفاؤل.. حياة فيصل بن علي البعداني (أنا محبَط، فاقد للثقة بإمكانية نهوض أمتنا وخروجها من حالة الغيبوبة الراهنة!! لا أتوقع أن بوسعنا فعل شيء أمام هجمة أعدائنا الشرسة؛ إذ إن أمتنا ممزقة، وغير قادرة على تجاوز ضعفها؛ فكيف بقياد البشرية وهدايتها؟! أمتنا مشلولة، وسيطرة الغرب وربائبه على كل عوامل القوة ومنطلقات النهوض محكمة. جميع ما يعمله الدعاة والمخلصون أمور ضعيفة أو هامشية، لا تمكِّن من استرداد العزة، والخروج من حالة الغفلة المطبقة. المتفائلون حالمون يعيشون في أبراج عاجية بعيداً عن الواقع، أو أنهم يخادعون الأمة، ويحاولون إيهام أبنائها بأن بإمكانهم فعل شيء، ولكن هيهات!) . تصدر تلك المقولات ونحوها من بعض شباب أمتنا المخلص الحريص على بعث الأمة واسترداد مجدها، وبخاصة في أوقات الأزمات والمحن ومراحل صولة العدو وهيجانه. وبادئ ذي بدء لا بد من التسليم بأن أمتنا تعيش أزمة حقيقية، وتمر بأوقات عصيبة، وفترة ضعف بينة؛ فقد ضعف تمسكنا بديننا، وعظمت غفلتنا، وكثر لهونا، وشكك عدونا (الداخلي والخارجي) بالأصول والمنطلَقات، وبث فكره المناقض، ومكَّن للمناهج البدعية الدخيلة على الأمة، وأزهق الأرواح، واستباح الحرمات، ونهب الخيرات، وعمَّق الفرقة، واستهدف بشدة بواعث المجابهة ومقومات النهوض المعنوية والمادية. ومن حق كل من يعيش همَّ الأمة، ويشعر بمسؤولية نحوها أن يحزن ويتألم، وأن يُكثِر من التضرع والدعاء وسكب العبرات. وليس ذلك مجرد أمر يمكن فعله، بل هو إلى هذا الحد جانب مطالَب به كل صادق غيور. ولا تعارض بين هذا، وبين ما نحن بصدد تقريره من حرمة اليأس، وبيان خطر الإحباط. ومن ضرورة التفاؤل، ووجوب القيام برفع راية الأمل، ومناداة الدعاة والمصلحين، بل وكافة أبناء الأمة: ذكوراً وإناثاً، شباباً وشيباً إلى الانضواء تحتها، وعدم الابتعاد كثيراً عن ظلالها. لقد جاء الإسلام حاثّاً على الرجاء والأمل، وداعياً إلى التفاؤل الإيجابي الدافع للانطلاقة والعمل من أجل التصحيح والتطوير، بل إن اليأس والقنوط والإحباط والتشاؤم جوانب ليست بداخلة في نسيج التفكير الإسلامي البتة، مهما أحاطت بالمؤمن الشدائد، وادلهمت الخطوب، وغيم الجو وتلبد. ونصوص الشريعة شديدة الصراحة والوضوح في هذا الجانب. قال ـ تعالى ـ على لسان نبيه يعقوب ﵇ مخاطباً أبناءه: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] ، وقال ـ سبحانه ـ على لسان خليله إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] ، وعن ابن عباس ﵄ قال: «إن رجلاً قال: يا رسول الله! ما الكبائر؟ قال: الشرك بالله، والإياس من رَوْح الله، والقنوط من رحمة الله» (١) ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله» (٢) . ولذا نجد التفاؤل، والثقة بموعود الله ـ تعالى ـ وحسن الظن به ـ سبحانه ـ أصل راسخ، وسِمَة ثابتة، ومَعْلَم بارز، قوي الحضور في حياة نبينا الكريم #؛ وشواهد ذلك في السيرة العطرة أكثر من أن تُحصَر، ومن ذلك: حديث خباب بن الأرتّ ﵁ حين جاء بعض الصحابة الكرام إلى النبي # في صدر الإسلام، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، يستنصرونه، ويشكون إليه الحال، وقد كانوا في فترة يُضرَبون فيها، ويُجوَّعون، ويُعطَّشون، حتى ما يقدر أحدهم أن يستوي جالساً من شدة الضر، فأنكر # عليهم استعجالهم الفرج، ووجَّههم إلى الصبر الآمل الفاعل، الذي يستمر صاحبه في المدافعة، ويبادر بجد ونشاط وحزم إلى تجاوز الأزمة، ومواصلة الدعوة والتربية والعمل، والاجتهاد في الأخذ بأسباب النصر والتمكين، مهما اشتدت الوطأة، وعظمت المشقة، وتفاقمت المحنة، وطال زمن الإصلاح والتغيير، قائلاً: «كان الرجل فيمن قبلكم، يُحفَر له في الأرض، فيُجعَل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيوضَع على رأسه، فيُشَق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه. ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه. واللهِ ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (١) . وفي طريق الهجرة، وهو # طريدٌ مُهْدَر الدم، نجده في غاية الثقة والاطمئنان، فيقول لأبي بكر ﵁ حين قال له - وهما مختبئان في الغار -: «يا رسول الله! لو أن أحدهم رفع قدمه لرآنا، فقال #: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٢) ، ونجده يخاطب سراقة بن مالك أحد متعقبيه، الطامعين في قتله أو أسره قائلاً له: «كيف بك إذا لبست سوارَيْ كسرى؟» (٤) . وفي الخندق، وهو # وأصحابه ﵃ محاصرون في المدينة من الأحزاب، من كل صوب، وأحدهم لا يأمن على نفسه حين يذهب إلى الغائط، ويمكث # من الفاقة ثلاثاً بدون طعام مع ضخامة الجهد المبذول في حفر الخندق، ومشقة العمل، وقيامه بترتيب شؤون الناس وإعدادهم للنزال، وحمله همََّ الولوج في معركة فاصلة، تداعى لها الأعداء من كل حدب، وحال المؤمنين كما وصف ربنا ـ تعالى ـ: ﴿إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] ، نجده # يبعث الطمأنينة في نفوس أصحابه الكرام، ويعمق ثقتهم بالله ـ تعالى ـ ويستنبت التفاؤل والأمل في دواخلهم، فيقول #: «أُعطيت مفاتيح الشام ... أُعطيت مفاتيح فارس ... أُعطيت مفاتيح اليمن» (٤) . وما ذاك منه # إلا إدراك لخطورة الإحباط، والشعور بالخيبة، واعتقاد العجز؛ إذ تُقتَل الإرادة، ويُقضَى على المبادرة، ويُزرَع القلق والجزع، ويحدث الاضطراب والتوتر، ويُحال بين المرء وبين الجد والمثابرة، إضافة إلى ما يتضمنه ذلك من ظن ما لا يليق بالله ـ سبحانه ـ وغير ما يليق بحكمته، ورحمته، ووعده الذي سبق لرسله من أن جنده هم الغالبون، وأن أعداءه هم المخذولون. وفي المقابل يأتي ذلك إدراكاً منه # لعلو كعب الرجاء، وارتفاع منزلة التفاؤل، وضرورة العيش بنفسية آملة، طامحة بالنجاح، ناشدة تحقيق الأهداف، حسنة الظن بالله ـ تعالى ـ واثقة من تنزُّل نصره، وحدوث فَرَجه، وأن الأمر لا يعدو مرحلة استكمال الأمة لما هي مطالبة به من القيام بما عليها من تحقيق متطلبات النصر والابتعاد عن موانع التمكين. ولوصول المرء إلى هذه الوضعية المنتجة، القادرة على الانطلاق بإصرار وعزم نحو المستقبل، فإن عليه: ـ أن يتعرف على الله ـ تعالى ـ ومدلول أسمائه وصفاته حق المعرفة؛ حتى يتمكن - واقعاً وسلوكاً لا مجرد دعوى - من إحسان الظن به ـ سبحانه ـ والاطمئنان إلى تحقق موعوده الذي تضافرت به نصوص الوحيين، مبشرةً هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين، وأن الله ناصر لجنده، حافظ لأوليائه. ـ وأن يقرأ في تاريخ البشرية الطويل، ويطالع سِيَر الأنبياء والمصلحين، والذين كانوا يتحسسون في الدجى مفاتيح الفرج وسط أكوام القش، ويثابرون في البحث عنها؛ حتى يكرمهم الله ـ تعالى ـ بما نذروا أنفسهم له؛ من هداية أقوامهم، وإخراج أممهم من الظلمات إلى النور، وكيف أن الله ـ تعالى ـ كان معهم بنصره وتوفيقه وحفظه، وخذلانه لمن عاندهم؛ فتنكب طريقتهم، وسلك غير جادتهم. ـ وأن يتعرف على نفسه الأمَّارة بالسوء: داعية الشر، ومركبة الجهل والظلم، فيجاهدها، ويعيد هندرة (٥) حياته بصورة تمكنه من استثمار طاقته، وتركيزها في جانب يبقيه في دائرة الأهم ويجنبه ما دونها؛ من مشتتات النفس، ومبعثرات الجهد والوقت، وملهيات المرء عن القيام بالأعمال الأكثر إلحاحاً وضرورة. ـ وأن يبتعد عن الأطروحات المثالية غير القابلة للتنفيذ بمفردها أو بمجموعة الجوانب التي تتكامل معها في دنيا الواقع، وينتقل للعيش في بيئة يقوم فيها بعمل أفضل ما يمكنه تنفيذه، سواء أكان ذلك بذاته أم من خلال الشراكة مع من يمكنه العمل معهم من إخوانه في حدود الهمم الحاضرة، والإمكانات المتاحة مهما كانت ضعيفة؛ لأن استثمار الفرص المتاحة هو المولِّد للفرص، والمهيئ للمعالجة وقبول النصيحة، وقد جرت سنة الله ـ تعالى ـ أن من واصل المضي في دربه الصحيح نحو هدفه قدر على تحقيقه ولو بعد حين. ـ وأن يتقي أحاديث اليائسين ومرافقة المحبَطين: زراع الهزيمة، ومطيلي فترة الانكسار وأمد التخلف، ويستعيض عن ذلك بأسر نفسه في محيط أهل المبادرة، ودائرة أهل الإنجاز والعمل: وجه الأمة المشرق، وطليعتها المباركة نحو الإصلاح والتغيير. ـ وأن يتجنب رسم صورة دونية لقدرات نفسه وأمته، ويدع التركيز على عوامل ضعفها والغفلة عن عوامل قوتها من جهة. ولا يغرق في تضخيم جوانب قوة الأعداء، والتغاضي عن جوانب ضعفهم. ـ وأن يفرق أثناء نظراته التقويمية للجهود الخيرة بين آمال التحسين وطموح التطوير، وبين غمط رواد الأمة وطلائع نهضتها المباركة جهودَهم العديدة، وكأن شيئاً من البناء والمعالجة ومقارعة الباطل والخطو نحو النجاح الكبير لم يحدث. ـ وأن يحذر في مسيرته من سمات القانطين؛ من سطحيةٍ في النظرة، وتسرُّعٍ في الحكم، واستعجالٍ للنتائج، وحِدَّةٍ في المواقف، وتعميمٍ، وإكثارٍ من القول والتشكي مع تأخرٍ في المبادرة وتقاعسٍ عن العمل، وعدم توازنٍ في التفكير، والقيام بالنظر إلى الأمور والتعاطي مع الأشياء على اعتبارها لا تقبل التفريق والتجزئة، ولا تحتمل المرحلية، ولا يمكن النظر إليها عملياً إلا من خلال زاوية واحدة. ـ وأن يتأمل في قوة الإسلام الذاتية وما يتضمنه من نور وبهاء، ويمتلكه من إبهار وجاذبية ونقاء، في مقابل إفلاس المناهج الوضعية والأطروحات التغريبية في علاج مشاكل الإنسانية بعامة، وأمتنا بصفة خاصة. ـ وأن يفرح ويستبشر بإقبال الأمة على الإسلام من جديد، واستعدادها حين يُحسِن المصلحون مخاطبتها والقيام بإثارتها للبذل والتضحية في سبيل تمكين دينها والذود عن حياضه من أن يُمَس من قِبَل أعدائها. ـ وأن يقوم بنشر ثقافة التفاؤل، وفتح بوابات الأمل، ومد جسور المبادرة والحيوية والنشاط أمام أبناء الأمة لخدمة هذا الدين، كلٌ في المجال الذي يمكنه ويجد نفسه فيه؛ ليفيض الرجاء، ويعم البِشْر، وتنفرج الأسارير، وتتدفق الحماسة، وتعظم الجدية، وتتبدد ظلمات اليأس والقنوط، مدركاً أن الليل مقدمة الإصباح، والظلمة أول بشائر النور، وأن الجدب يتلوه الغيث، والحياة في أحيان كثيرة لا تنبثق إلا من باطن الأرض الموات. إن من أهم ركائز الأمل ومتطلبات التفاؤل: سعة الأفق، وبُعد النظر، وطول النَّفَس، والصبر والمصابرة، وإعطاء المعالجة والبناء المدى الزمني الذي يحتاجان إليه، وقد كان ذلك جلياً في حياة من جعله الله ـ تعالى ـ أسوة حسنة لنا، وانظر إليه # وهو في (قرن الثعالب) يمشي مهموماً بعد أن طرده بنو عبد ياليل وآذوه ورجموه حتى أدموه، والملأ من قريش مصممون على منع عودته إلى مكة، وقد جاءه مَلَك الجبال فقال: «إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين» ، فأجابه #، وكله تفاؤل وأمل، وصبر، ورحمة، وبُعد نظر، واستشراف عميق للمستقبل: «بل أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً!!» (١) . فكن من جيل التجديد: رواد النهوض وصناع التاريخ؛ فإن القانطين هم الضالون، والآيسين هم طائفة التخاذل، وجماعة التشاؤم، وركب الإحباط والعجز، ورافعو راية الاستسلام والهزيمة. لم يستطيعوا بناء الحياة السوية في نفوسهم وفي أجواء أسرهم؛ فكيف يصنعونها لغيرهم؟! وقديماً قيل: فاقد الشيء لا يعطيه. فهيَّا إلى التفاؤل وقراءة الأحداث والمواقف بنفسية متزنة، ورؤية واعية عميقة، متفائلة غير مغرقة في نظرية المؤامرة؛ فإنه لا سبيل لركوب دروب العزة، والوصول لساحة الكرامة في الدنيا والسعادة في الآخرة إلا من خلال ذلك. ولنحذر من الغرور والتمني الكاذب الذي يعيش صاحبه في أجواء السذاجة والغفلة، ويكتفي بالتغني بالأمجاد السالفة، ويرى أن كل الأمور خيِّرة، وكأنَّا لا نعيش في أجواء التبعية، وأن أعداءنا لم يعبثوا بقيمنا، ولم يستولوا على مقدساتنا، ولم يزهقوا أرواحنا، وينتهكوا أعراضنا، ويقتطعوا من أراضينا، ويستولوا على خيراتنا. ودون أن يصاحب تمنيه اندفاع في تلقي العلم، ومثابرة في تقوية الإيمان، وأخذ النفس بالعزم، ودون أن يرافقه اجتهاد في تحصيل جوانب القوة، وامتلاك أسباب النصر، فإن في ذلك من تخدير الأمة، وتعييشها في أجواء التقاعس والغفلة ما يتوازى في أثره مع فعل غارسي أشواك الإحباط والقنوط. ولْنَتَوَقَّ القيام بزراعة اليأس، واستنبات القنوط في دواخل نفوسنا وأوساط أمتنا؛ إذ لا يجوز لمن خاف الله أن يقنط هو في ذاته من رحمته ـ تعالى ـ (٢) ولا أن يُحبِّط الناس وييئِّسهم من فرجه ـ سبحانه ـ فإن من قال: هلك الناس، فهو مهلكهم وأهلكهم. ولنتذكر أن تباشير النصر قد بدت، وطلائع الضياء قد بزغت، والنصوص الثابتة وأحداث التاريخ يخبراننا بجلاء أن العسر يعقبه اليسر، وأن الكُرَب متى اشتدت انفرجت، وأن الحادثات متى تناهت فموصول بها الفرج القريب، ولكن أنَّى للمحبَطين الغارقين في دوامة اللحظة، والذين لا يرون إلا في حدود محيطهم الضيق أن يدركوا ذلك فضلاً عن أن يشاهدوه؟! فاللهمَّ برحمتك وجودك بُثَّ الأمل والتفاؤل فينا؛ فإن حياتنا وركيزة انطلاقتنا في ذلك، وارزقنا بفضلك حسن الظن بك، والثقة بموعودك، والاجتهاد في التمسك بشرعك، والعمل لدينك، ومقارعة أعدائك، إنك على كل شيء قدير. ^ العدد ٢٢٨

стр. 5708

دور المعلم وآليات عمله أ. د. مصطفى رجب قال ـ تعالى ـ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٥] . إنها خمس آيات تضمّنت إحدى وخمسين كلمة، تخشع أمامها قلوب المؤمنين، وتقشعرُّ لسماعها جلود المخبتين، والآيات الخمس تضمُّ فنوناً من التربية متنوعة، وأساليب للدعوة بديعة باهرة. إنه الإعجاز التربوي للقرآن الكريم في صورة من صوره: صورة الحوار بين مربٍّ وجهول، وعالم وعنيد، ونبي وكافر. إعجاز يقوم على أسس من الإقناع والتبصير ومحاولة تعديل السلوك الخاطئ، مستعيناً في سبيل ذلك بكل ما آتاه الله ـ تعالى ـ من حكمة وحسن تقدير. وفيما يلي تحليل لبعض جوانب هذا الإعجاز التربوي الفذّ في مجال من أهمِّ مجالات التربية، وهو ذلك المجال المتصل بأدوار المعلم: ü أولاً: استثارة الدافعية: من المسلَّم به عند التربويين أنه (لا تعلُّم بدون دافعية) فالمعلم مهما بلغ من النبوغ والبراعة، لا يمكنه دفع طلابه إلى التعلُّم إذا ما كانوا عنه معرضين، وفي العلم زاهدين، أما إذا توفر لديهم دافع داخلي يحفزهم فإنهم يُقبِلون على التعليم بعقول متفتِّحة، وقلوب واعية؛ لأن الدافعية تبعث في النفوس طاقة انفعالية، وتتحول هذه الطاقة إلى نشاط محسوس. ويرتهن نجاح المعلِّم في عمله بقدرته على استغلال دوافع تلاميذه من أجل تحريك نشاطهم وتعديل سلوكهم من أجل تحقيق أهداف يحدِّدها لهم. وقد بدأ أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ حواره مع أبيه بأن وضع له هدفاً يمسُّ حياته مسّاً مباشراً، وهو النفع أو المصلحة المبتغاة من عبادة الآلهة. فإذا كان الإله الذي يعبده المرء لا يسمع ولا يبصر؛ فكيف يمكنه أن يساعد من يعبدونه؟! أو يحقق لهم نفعاً؟! أو يدفع عنهم ضرراً؟! بدأ إبراهيم حواره بإثارة النشاط العقلي عند أبيه؛ لكي يحرِّك عنده طاقة انفعالية تجعله يفكر بالصورة الصحيحة في تلك الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر. ü ثانياً: استعمال الحوافز: ينجح المعلِّم بقدر تمكُّنه من استعمال الحوافز مع طلابه، فإذا آنسَ فيهم شروداً، أو عناداً، أو خروجاً على المألوف، أو صُدوفاً عن التعليم، احتال لذلك بما يتوفر لديهم ولديه من حوافز مادية أو معنوية، كأن يعدُهم بمكافأة أو نزهة أو حفل أو ما شابه ذلك مما تتوق إليه النفوس، وتنشط له الأبدان. وسيدنا إبراهيم ﵇ بعد أن سعى إلى تنشيط عقل أبيه بالتفكير في جدوى عبادة الأصنام، أدرك أن هذا التفكير عملية عقلية معقدة بالنسبة لإنسان جامد الفكر، فأراد أن يقدِّم له حافزاً يشجِّعه به على المضيّ في عملية التفكير، فأخبره بأن ما منَّ الله به عليه من العلم سوف يجعله في خدمة أبيه، وأن أباه لو أطاعه، وأعمل عقله فيما يعبد، لوصل إلى الحقيقة التي يتهرب منها، وهي أن هذه الأصنام التي ورث عبادتها عن آبائه وجدوده لا تنفع ولا تضرُّ، ولا بد أن لهذا الوجود خالقاً يجلُّ عن التجسيم. وهذا الخالق ـ جل وعلا ـ هو الذي رزق إبراهيم العلم. فسيدنا إبراهيم ﵇ في هذا النداء الثاني: ﴿يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] يحفز أباه على الدخول معه في دنيا الإيمان الصافي بالخالق القادر. ü ثالثاً: بسط الحقائق والتبصير بها: ومن مهمات المعلِّم أن يبسط أمام طلابه حقائق الموقف التعليمي، ويبصِّرهم بما لتلك الحقائق من أبعاد مختلفة تتصل بهم، وبحياتهم، واهتماماتهم، ومصالحهم، حتى يحقق لهم بذلك البسط والتبصير القانون الذي يسميه التربويون (قانون التعرُّف) ؛ بمعنى أن المتعلِّم إذا كان ذا معرفة بعناصر الموقف المراد تعلُّمه، فإن هذا يسهل عليه استيعاب هذا الموقف الجديد والتكيّف معه. وهذا ما فعله سيدنا إبراهيم ﵇ حين ربط لأبيه بين عبادة الأصنام، وعبادة الشيطان. وهذا أمر قد يغيب عن ذهن ذلك الأب الذي أعماه التقليد عن إدراك حقائق الموقف الجامد الذي يقفه من دعوة ابنه. فهو لا يدرك أن عبادته للأصنام ما هي إلا عبادة للشيطان في الحقيقة؛ لأن الأصنام حجارة لا قدرة لها على التأثير في نفسها ولا في غيرها. أما الشيطان فله سلطان على النفوس الضعيفة، فهو الذي يسوِّل لها، ويزيِّن لها، ويوسوس لها، وقد عصى ربه فمن أطاعه فقد أطاع عاصياً لله، فهو عاصٍ بالتبعية. ü رابعاً: التهديد بالعقاب: ومن شأن المعلِّم إذا أخفق أسلوب التنشيط العقلي، واستعمال الحوافز، وبسط الحقائق، أن يلجاً إلى ما ترتدع به النفوس الشاردة، وترعوي به القلوب الجاحدة، وهو أسلوب العقاب، أو التهديد باستخدام العقاب. وهذا ما فعله سيدنا إبراهيم ﵇ في نهاية حواره، حين لم يلمح في وجه أبيه اطمئناناً إلى حديثه، ولا ثقةً بحججه، ولا رغبةً في اتِّباعه، فبادرَ بتخويفه من عذاب الله ـ تعالى ـ ومن موالاة الشيطان الذي هو عدو لله وعدو للمؤمنين. وقد أوضحت الآيات التالية من الحوار، ما ردَّ به الأب الجهول على ابنه النبي العالم الصالح القانت الراغب في إنقاذ أبيه، من براثن الجهل، ووهاد الضلال، ودركات التّبعية العمياء: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] ، وهكذا.. كانت عماية الجهل، وغواية الانقياد الأعمى للموروث الثقافي المتهافت، غشاوةً على عقل الرجل، فلم يستجب لنداء الحق والإيمان، وختم الله على سمعه وبصره وبصيرته فلم يتبين أنوار الهداية التي تذرعت بكل أساليب الإقناع: ـ بالدعوة إلى إعمال العقل. ـ وبالتحفيز على اتّباع العلم. ـ وبشرح أسباب الغواية. ـ وبالتخويف من العقاب. وبالرغم من هذا الجفاء، وتلك الغلظة، لم يفقد سيدنا إبراهيم ﵇ حلمه، ولا أساء الأدب في حواره مع أبيه، ولكنه استسلم لمشيئة هذا التحجر الجاثم على بصيرة الرجل، وقال له في محاولة أخيرة لاستدرار عاطفته وإنذار عقله: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] !! أين هذا المستوى الرفيع من الخُلُق النبيل؟! إننا نرى في المجتمعات المعاصرة شباباً يتنكرون لآبائهم وأمهاتهم، وفيما تنشره الصحف وتذيعه الإذاعات من قضايا الأسرة ما يشيب لهوله الوِلْدان؛ فهذا شاب أُوتي قسطاً من التعليم يستكبر على أبيه؛ لأن أباه رجل بسيط فقير الحال، فكأنه يتنكر لأصله. وهذا شاب أبوه غني ولكن الأجل يمتدُّ به، والابن يتعجّل الميراث فإذا به يقاضي أباه أمام المحاكم ويطلب الحجر عليه!! والأكثر بشاعة حين تمتد أيدي الشباب الفاسد إلى الوالدين بالضرب والإهانة. إن أبا إبراهيم هنا يهدّده بالرجم والطّرد من المنزل.. والابن يرد في حلم العالم وعلم الحليم: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] !! ü آليات عمل المعلّم التربوية كما تظهر من الحوار: إن الآيات الخمس على وجازتها تتضمن معالم تربوية يحسن إبرازها في صورة نقاط تتعلق بمهام المعلِّم وأدواره وآليات عمله كما تظهر في حوار سيدنا إبراهيم ﵇ مع أبيه. ومنها: ١ ـ استدرار عاطفة المتعلم: إن تكرار كلمة (يا أبتِ) أربع مرات في الآيات الأربع التي توجه فيها سيدنا إبراهيم ﵇ بالخطاب إلى أبيه يدل على أهمية أن يكون تركيز المعلِّم في أسلوبه التربوي على ما يثير عواطف المتعلِّمين ويحرّك مشاعرهم الانفعالية الإيجابية نحو الموقف التعليمي. فهو بهذا النداء المتكرر، يستدر عاطفة الأبوة، ويمدُّ جسراً من الثقة بينه ـ وهو النبي العالم ـ وبين أبيه وهو الجاهل الكافر العنيد، وكأن علاقة الأبوّة والبنوّة ـ في تقديره ـ ستسهم في تحريك مشاعر الرجل ومن ثم تحريك عقله. ٢ ـ أسلوب الاستفهام منشط للفكر: ﴿إذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] ؟ هكذا بدأ سيدنا إبراهيم ﵇ حواره مع أبيه؛ إدراكاً منه أن ما يسميه التربويون بـ «الإثارة» أو «التمهيد» للدرس عنصر جوهري من عناصر العملية التعليمية، إنه بدأ الحوار الهادئ بسؤالٍ لا هدوء فيه على الإطلاق، سؤال يتصادم مع معتقدات موروثة تشبه بُحيرة آسنة ساكنة، رانَ عليها السكون قروناً وآماداً طوالاً، فهو يلقي فيها بحجر من الحجم الثقيل ليحرِّك سكونها. وهكذا.. من واجب المعلِّم أن يكون بدء تدريسه قوياً مثيراً فعَّالاً بأسئلة تهزُّ الوجدان وتزلزل العقول وتدفع المتعلِّم دفعاً إلى التفكير المستقلّ الحرّ. ٣ ـ ثقة المعلِّم بنفسه ضرورية: إن قوة شخصية المعلِّم تقوم بالدرجة الأولى على مدى ثقته بنفسه، وبمادته العلمية، ورسالته الإنسانية، فإذا ما توفرت له ثقة بنفسه، وأحسن إعداد مادته العلمية، وآمن بنقل رسالته وصدقه مع نفسه في أدائها، كان ذلك أدعى إلى تحقيق أهدافه، وإنجاح عمله التربوي. ونحن نلمس هذا واضحاً في حوار سيدنا إبراهيم ﵇ مع أبيه من خلال: أـ التصريح بأن ما عنده من العلم يفوق ما عند أبيه. ب ـ استعمال أسلوب التوكيد الذي يعكس ثقته بنفسه من جهة، ويسعى إلى كسب ثقة الطرف الآخر بما يقوله من جهة أخرى: ﴿يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] . ج ـ تنويع أساليب الخطاب من سؤال، إلى تحفيز، إلى تهديد بالعقاب. ٤ ـ الحلم وسعة الصدر: لا ينجح المعلِّم في أداء مهمته إذا كان عجولاً، يؤوساً، مقهوراً. وإنما ينجح بقدر ما يتحلّى به من صبر ومصابرة، وقدرةٍ على التحمّل؛ فإن المتعلِّمين قد يصدر منهم سوء أدب، أو فظاظة في الحوار، أو غلظة في الردّ، أو تعدٍّ على المعلِّم باليد أو اللسان، وعلى المعلم أن يكون قادراً على امتصاص ذلك كله وإحسان التعامل معه. وتدلنا الآيات على أن سيدنا إبراهيم ﵇ بعد أن استنفد كل وسائل الإقناع والتأثير، لم يجد من أبيه أذناً صاغية ولا قلباً مفتوحاً، بل وجد إصراراً على الكفر، وسوءَ ردٍّ، وغلظةً في الحديث؛ فهو يقول أربع مرات: (يا أبت) ، وهو أسلوب نداء ترغيبي؛ لأن ياء المتكلم في قوله (يا أبي) أُبدلت تاءً. والمقام بينهما لا يحتاج إلى نداء؛ لأن الحوار مباشر وهما متقابلان وجهاً لوجه، لكن تكرار النداء بالأبوة فيه تحنين للقلب الجامد، ومحاولة متكررة لاستحضار ملكات السمع والذهن الشاردة. ومع ذلك فإن الأب الجهول يستكثر أن ينادي ابنه بقوله (يا بنيَّ) مسايرة لخطابه إياه بقوله (يا أبت) ، بل إنه يقول له: يا إبراهيم؛ ليؤكد أن بينهما أمداًَ بعيداً من الانفصال العقلي والوجداني. ٥ ـ التنويع في أساليب التعليم: على المعلِّم لكي ينجح في عمله أن ينوِّع أساليبه التدريسية حتى يصل إلى أهدافه. وسيدنا إبراهيم ﵇ في هذا الحوار، سعى إلى استمالة والده وكسب ثقته بالسؤال، والتحفيز، والبسط والشرح، والتهديد بالعقاب. ونستفيد من هذه الأساليب وتقديرها أنها هي الأسلوب الأمثل لما يجب أن يكون عليه المعلِّم من سعة أُفق، وقدرةٍ على التكيّف، ومرونةٍ في الأداء. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5709

المعايشة التربوية سالم أحمد البطاطي إن التربية المنتجة عملية صعبة ومستمرة تحتاج إلى معايشة مع المتربين، والتربية التي تعتمد على لقاء عابر أو جلسة أسبوعية أو مناسبة عامة ـ فقط ـ تربية فيها نقص وخلل، ومن ثَمَّ لا يكون البناء متكاملاً، فلا نستغرب بعد ذلك من تلك المخرجات المتذبذبة والمتهلهلة التي من أبرز سماتها الالتزام الأجوف. والناظر في سيرة المصطفى # يجد أن قضية المعايشة قضية بارزة في حياته #. يؤكد هذا المعنى عبد الله بن شقيق ﵁ عندما سأل عائشة ﵂: هل كان النبي # يصلي وهو قاعد؟ قالت: «نعم! بعدما حطمه الناس» (١) . فقد كان # يتصدى للناس، ويعايشهم، ويخالطهم، يستقبلهم ويودعهم، ويتحمل أخطاءهم؛ لذلك حطمه الناس، وأثَّروا في بدنه # حتى أصبح يصلي جالساً، وأسرع إليه الشيب ـ بأبي هو وأمي ـ #. ويؤكد هذا المعنى أيضاً حديث أنس ﵁ حيث قال: «إن كان رسول الله ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» (٢) . ويؤيد هذا المعنى أيضاً حديث سماك بن حرب؛ حيث قال: قلت لجابر بن سمرة: كنت تجالس رسول الله #؟ قال: نعم! كان رسول الله # إذا صلى الفجر جلس في مصلاَّه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه يذكرون حديث الجاهلية، ينشدون الشعر، ويضحكون، ويبتسم #» (٣) . وحسبنا في هذه الورقات أن نلقي الضوء على هذا المفهوم التربوي المهم، وأنا مؤمن بأنها لن تشبع هذا الموضوع حقه، ولكن هي إشارات عابرة، وفتح باب للباحثين حول هذا المفهوم. ١ ـ مفهوم المعايشة: إن مفهوم المعايشة هو: أن يُظهِر المربي استعداده لمعايشة المتربين واستقبالهم والجلوس معهم، وأن يُشعِرَهم بتوفر الوقت والمكان لديه لمعالجة قضاياهم وحل مشكلاتهم، وتتمثل أيضاً في إظهار أوقات الاستقبال وتحديدها؛ كالساعات المكتبية، والساعات المنزلية، والأيام، والأوقات المتوفرة للخروج مع المتربين في نشاطاتهم ورحلاتهم، وزياراتهم، وتيسير سبل الاتصال به؛ كالاتصال الشخصي، والكتابي، والهاتفي، ومدى الاستعداد لتذليل وسيلة النقل؛ كالسيارة ونحوها عند الحاجة. والخلاصة: أن كل ما يُظهِرُه المربي من استعداد ليكون قريباً من تلاميذه؛ لتربيتهم، والعناية بحاجاتهم، وحل مشكلاتهم فهو من خاصية المعايشة. ٢ ـ لماذا المعايشة في العمل التربوي؟ إن من أعظم المسوِّغات والدوافع التي تدفعنا لتحقيق هذا المبدأ في واقعنا التربوي وتطبيقه ثقلَ الأمانة المنوطة بعاتق المربين. إن عظيم الموقع الذي تبوأه المربي، وثقلَ الأمانة التي تحملها تجعله يجتهد غاية الاجتهاد في نصح من يربيهم، وتوجيههم، والارتقاء بهم، كيف لا؟ وهو المعنيُّ بتلك النصوص العظيمة التي يقول فيها #: «ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولاً يده إلى عنقه، فكه بِرُّه، أو أوثقه إثمه، أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة» (٤) . ويقول # أيضاً: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته؛ إلا حرم الله عليه الجنة» (٥) ، ويقول # أيضاً: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ... » (٦) ويقول # أيضاً: «ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولاً حتى يفكه العدل، أو يوبقه الجور» (٧) . إن هذه النصوص لتدفع كل مربِّ صادق إلى الاجتهاد فيمن يربيهم، والنصح لهم، والسعي الجاد في برهم والإحسان إليهم، وإن تطبيق هذا المفهوم التربوي في الواقع لهو سبيل لتحقيق تلك الأمور المنشودة. ٣ ـ المربي الأول # والمعايشة: يقول #: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» (١) . لقد كان للنبي # أوفر الحظ والنصيب من هذا الحديث، وكان الرائد في هذا المجال؛ فقد بُعِثَ معلماً، يتوفر لطلابه في معظم أحيانه، فهم يجدونه في المسجد، فإن لم يكن ففي السوق أو الطريق، فإن لم يكن ذهبوا إلى بيته، وكان # يستقبلهم ويعلمهم ويجيب عن أسئلتهم، ولم يكن من عادته حجب الناس عنه أو ردهم بل كان يستقبلهم، ويبتسم لهم دائماً. عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «ما حجبني رسول الله # منذ أسلمت، ولا رآني إلا ابتسم في وجهي» (٢) . وكان # يعتمد اعتماداً كبيراً على هذه الخاصية (المعايشة) في الاتصال بالمدعوين والمتربين، والتعرف عليهم والتقرب إليهم، والتأثير فيهم. فهو يعرف أسماءهم، وبعض خصائصهم، وأسماء قبائلهم، وتاريخ تلك القبائل، وأسماء بلدانهم، وخصائص تلك البلدان، ويعرف مستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذا فيما يتعلق بالأبعدين والمستجدين، أما أصحابه ممن حوله، والمقربون منه، فيعرف كل شيء عنهم تقريباً، حاجتَهم واستكفاءَهم، مرضهم وصحتهم، سفرهم وإقامتهم، ويعرف مستوياتهم الإيمانية والعقلية والنفسية، ويعرف قدراتهم وحظوظهم في المجالات التربوية والقيادية والمالية والحكمية والدعوية، ويتحدث مع كلٍ بما يناسبه، ويكلف كلاً منهم وفق خصائصه وقدراته. عن أنس ابن مالك ﵁ أن رسول الله # قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أُبَيُّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح» (٣) . ٤ ـ فوائد المعايشة: للمعايشة فوائد كثيرة يجنيها المربي متى ما طبق هذا المفهوم على أرض الواقع، ولعلنا نشير إلى أهم هذه الفوائد والثمار. أـ الحصول على الأجر والثواب من عند الله : قال #: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» (٤) . فمتى ما استشعر المربي هذا الحديث، واستشرف لهذا الأجر العظيم كان ذلك دافعاً له لتحقيق هذا المفهوم مع من يربيهم، فتجده لا يألو جهداً في معايشة ومخالطة المتربين، والصبر عليهم في تربيتهم، والصبر على ما يجده من أذى منهم مقابل ذلك الفضل العظيم. ب ـ تهذيب أخلاق المربي: فالمعايشة تهيئ المربي أن يكون قدوة حسنة يقتدى به، ويؤخذ هذا من قوله #: «ويصبر على أذاهم» ففي المعايشة نوع من تحسين المربي لذاته، وتهذيب لخُلُقه وسلوكه خاصةً أنه في مصاف القدوة. إنه لا يكفي أن يكون عند المربي ما يعطيه؛ بل لا بد أن يكون حَسَنَ العطاء حتى يترك عطاؤه أثراً في نفس المتربي. ج ـ معرفة طاقات المتربين وقدراتهم: يستطيع المربي من خلال معايشته ومخالطته لمن يربيهم اكتشاف طاقاتهم وقدراتهم ومؤهلاتهم؛ ومن ثَم يستطيع توجيه هذه الطاقات فيما يناسبها، ويوجه هذه القدرات في مظانها، ويضع الشخص المناسب في المكان المناسب من خلال تلك المؤهلات، ولهذا شاهد من السيرة؛ كما في حديث أنس بن مالك ﵁ الذي مر قبل قليل: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ... » (٥) . وقال #: «خذوا القرآن عن أربعة: عن ابن مسعود، وأُبيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة» (٦) . د ـ معرفة جوانب الضعف في المتربين ومن ثَمَّ معالجتها: يجتهد المربي ويسعى في تطوير المتربي والارتقاء به. ومن محاور التطوير والارتقاء معرفة ضعفه؛ وذلك من أجل تزويده بالعلاجات المناسبة فيتجاوز هذا الضعف ويرتقي. ومخالطة المتربين ومعايشتهم توفر للمربي ذلك كله. ولقد استطاع # بمعايشته لأصحابه معرفة نقاط القوة لديهم ونقاط الضعف أيضاً، فأثنى على نقاط القوة خيراً ـ كما مر معنا ـ وحذر ونصح وحث في نقاط الضعف من أجل تجاوزها، وإليك هذا الشاهد: عن ابن عمر ﵄ قال: كان الرجل في حياة النبي # إذا رأى رؤيا قصها على النبي #، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي #، وكنت غلاماً أعزب، وكنت أنام في المسجد على عهد النبي #، فرأيت في المنام مَلَكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار. فلقيهما ملك آخر، فقال لي: لم تراعَ. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي #، فقال: نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل. قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً (٧) . هـ ـ التقويم الصحيح للمتربين: يحتاج المربي في مسيرته التربوية إلى وقفات تقويمية لمن يربيهم؛ من أجل الارتقاء بهم وإصلاحهم، ولا يستطيع شخص غير المربي أن يصيب التقييم الصحيح في المتربين؛ إذ هو أقرب الناس للمتربين من غيره؛ وذلك بمعايشته لهم، ومخالطته إياهم، والقرب منهم. ولهذا شاهِدٌ من السيرة النبوية؛ فعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب: أن رجلاً على عهد النبي # كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يُضحِكُ النبي #، وكان النبي # قد جلده في الشراب، فأُتيَ به يوماً، فأَمَرَ به، فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي #: لا تلعنوه! فوالله ما علمت: إنه يحب الله ورسوله» (١) . لقد زجر النبي # الذي سب ولعن حماراً ﵁ مع أن حماراً كان يشرب الخمر، إلا أن النبي # كان أقرب الناس إليه بمعايشته له، وكان أعلم بأعمال حمار من غيره؛ لذا قال #: «لا تلعنوه! فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله» وهذا يعني أن لحمارٍ محاسنَ وحسنات في الإسلام قد لا يعلمها البعيد عنه، لا يعلمها إلا من كان معايشاً ومخالطاً له، وقريباً منه، وهذا كان متمثلاً في النبي #. وـ معرفة الخصائص النفسية للمتربين: النفوس تختلف وتتباين، ولكل نفس خصائصها المجبولة عليها، والمربي الفطن هو الذي يتعرف على خصائص النفوس المتربية، فيبني عليها ماهية التعامل والأسلوب المناسب لكل نفسية، ولا يكون ذلك إلا بالمعايشة والمخالطة مع المتربين؛ إذ يستطيع المربي معرفة تلك الخصائص، ومن ثَمَّ معرفة الأسلوب المناسب في التعامل مع تلك النفسيات، ولهذا شاهد من السيرة النبوية؛ فعن عمرو بن تغلب ﵁ أن رسول الله # أُتِيَ بمال أو سبي، فقسمه، فأعطى رجالاً، وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فوالله! إني لأعطي الرجل وأدَعُ الرجل، والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطي، ولكني إنما أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِلُ أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب» . قال عمرو بن تغلب: «فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله # حمر النعم» (٢) . فتأمل نفاذ نظر الرسول # في معرفة خصائص أتباعه، وتربية كل منهم بما يناسب فطرته وميوله ودوافعه الخاصة به. وعلى ذلك فالمربي ملزم بمعرفة أتباعه وخصائصهم النفسية عن قرب؛ حتى يستطيع التعامل معهم والقيام بتربيتهم على أكمل وجه، ولا يكون ذلك إلا بمعايشتهم ومخالطتهم. ز ـ حل مشاكل المتربين الخاصة والأسرية: يسعى المربي الناصح في برنامجه التربوي أن يوفر للمتربي الاستقرار النفسي الذي يساعده على الاستجابة، ومن ثم العطاء والإنتاجية، ولكن تبقى المشاكل الخاصة أو الأسرية في المتربين عائقاً لهذا الاستقرار. وبإمكان المربي من خلال معايشته، ومخالطته لمن يربيهم، وبقربه منهم، واهتمامه بهم حل تلك المشكلات وتذليلها، وتجاوز تلك العقبات. ولقد كان # كذلك معايشاً لأصحابه قريباً منهم مهتماً بهم وبحل مشاكلهم، يسأل عن أحوالهم، وعما يكدر خواطرهم، ويظهر ذلك مما يلي: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «دخل رسول الله # ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة! ما لي أراكَ جالساً في المسجد في غير وقت صلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» . قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله همي وغمي، وقضى عني ديني» (٣) . ٥ ـ أثر المعايشة في الاستجابة: معايشة المتربين ومخالطتهم له الأثر الفاعل في استجابتهم، فبقدر ما يعطي المربي من اهتمام لهذا المفهوم في واقعه التربوي بقدر ما تكون استجابة المسترشدين له، والإقبال عليه. ففي قصة أصحاب الأخدود تروي لنا الأحاديث أن: الغلام كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، حتى ذاع صيته، وانتشر خبره؛ فأقبل الناس عليه أفواجاً، واستطاع بمعايشته الناس، والقرب منهم أن يكوِّن رصيداً مباركاً من حب الناس له والإقبال عليه، لقد قدم لهم وقته، وجهده، وما أعطاه الله من موهبة وطاقة، وقدموا المهج من أجل الدين الذي أتى به اعتقاداً واستمساكاً. فينبغي للمربي أن يوجه ويذلل طاقاته، وقدراته التي يمتلكها في سبيل الله، وأن تكون مفتاحاً لمعايشة الناس، ودعوتهم بعد ذلك. ولقد كان لهذه الخاصية (المعايشة) أثر بارز في تفاعل الناس مع الرسول #، وإقبالهم عليه، وتقبلهم منه، ورغبتهم في العلم والعمل الذي يوجههم إليه عن قناعة ومحبة، وكان التلاميذ مندمجين بشخصيته # أيما اندماج، دونما تبذُّل أو تكلُّف، مما جعل الناتج التربوي أصيلاً وعميقاً من جهة، وواسعاً ومنتشراً من جهة أخرى. «وقد تناول الباحثون في مجال علم النفس وفي مجال العلاقات الاجتماعية هذه الخاصية بالدراسة، وافترضوا أن لها علاقةً ما بمدى إقبال المتعلم أو المتلقي على الأستاذ؛ ليأخذ منه، أو يسأله، أو يقيم علاقة شخصية معه تتجاوز الاستفادة الوظيفية في المجال الأكاديمي إلى الاستشارة الشخصية والاجتماعية. وكان من بين الافتراضات التي توقعها بعض الباحثين، وكانت صحيحة أن: المعايشة، وقرب المربي، وإظهاره لهذا القرب بتوفير الساعات المكتبية يمكن أن يكون متغيراً مهماً يقع بين عزيمة المسترشد على الذهاب للمربي واستشارته، وبين حدوث الاسترشاد فعلاً، ومن ثَمَّ يكون ظهور المربي قريباً منهم مكاناً ووقتاً وشخصاً عاملاً مهماً في التفاعل والتأثير والإقبال، وهذا أيضاً ما أيدته بعض الأبحاث الأخرى، فقد وجد «ولسن وودز» أن هناك علاقة مؤثرة بين توفر الأستاذ أو المربي في ساعات معينة، وظهوره بمظهر المستعد لاستقبال المتعلمين، وقضاء وقت معهم، وبين إقبال هؤلاء المتعلمين عليه واستعانتهم به، وعرض مشكلاتهم عليه؛ وعلى هذا الأساس كانت الأبحاث النفسية التربوية توصي كثيراً بتوفير الوقت وتنظيمه وتحديده للمسترشدين، وأن يواكب هذا استعداد شخصي ونفسي من المربي والمرشد؛ لاستقبالهم والتعامل معهم، مهما صعبت الظروف وتنوعت» (١) . ٦ ـ مساوئ كثرة المعايشة: هل لكثرة المعايشة سلبيات ومساوئ؟ نعم! إن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، والمعايشة ما لم تخضع لما يضبطها فإنها تصبح نقمة بعد ذلك. وإليكم بعض هذه المساوئ: ١ ـ إلْفُ المتربين للمربي، وإسقاط الكلفة بينهم وبينه؛ قد تؤدي إلى استنفاد المتربين لما عند المربي من طاقة روحية وذخيرة تربوية، خاصة إذا وافق ذلك تفريط من المربي في تربية نفسه. ٢ ـ ربما يتحولون من مرحلة التأثر إلى مرحلة النقد. ٣ ـ سقوط قضية التوجيه والتربية من يد المربي، فلا تكن بعد ذلك استجابة من قِبَل المتربين. ٧ ـ ضوابط المعايشة: يجتهد المربي الناصح في تحقيق هذا المبدأ في واقعه التربوي ويسعى جاهداً في ذلك، ولكن ثمة ضوابط تضبط تطبيق هذا المفهوم على أرض الواقع يجدر بنا الوقوف معها وتوضيحها إزاء تطبيق هذا المبدأ التربوي، حتى يكون المربي على بصيرة من أمره، وحتى لا يقع في إفراط أو تفريط، وحتى نحفظ للمربي دوره المنشود في ظل هذه الضوابط: أـ ألا تؤدي إلى التعلق المذموم بالمربي: الأصل في العملية التربوية أن الفرد الذي يُدعى يجب أن تتركز الجهود التربوية في تربيته بتوثيق صلته برب العالمين، وأن تكون صلته القوية بالله ـ تعالى ـ وبمنهجه القويم وألاَّ يتعلق بالبشر، ولكن كثرة المعايشة والمخالطة غير المنضبطة بالمتربين والقرب منهم قد يسبب ذلك التعلق، لا سيما إن لم تكن لتلك المعايشة أهداف تربوية يسعى المربي لتحقيقها، واستحضارها في معايشته لمن يربيهم. فيجب على المربي التفطن لهذا الأمر، وأن تكون معايشته منضبطة بحيث لا يُكثِر منها، وأن تكون بحدود المعقول، وأن تكون مرسومة الأهداف، مستحضراً لها في معايشته، ومتى ما وجد المربي ظهور هذه الظاهرة في أحد المتربين، فيجب عليه تذكيره بالله، وتحذيره من خطورة هذا التعلق، وربطه بالله، وبالقدوة المعصوم #، وطرق بعض المفاهيم العلاجية كمفهوم الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، وغيرها من المفاهيم التربوية (٢) . ب ـ ألا يتغلب جانب التربية الجماعية على التربية الفردية: التربية تقوم على عنصرين مهمين: الجماعية والفردية، ومتى اتكأت التربية على أحد العنصرين فهي تسعى لتبني قصراً في الرمال. ومعايشة المتربين ومخالطتهم والإكثار من ذلك قد يسبب الاتكاء على جانب الجماعية فقط، فيتربى المتربي على هذا العنصر الجماعي فقط، والذي يعيش الجانب الجماعي وحده سيبقى سمكة في ماء ما تلبث حين تفارقه أو تخرج منه أن تلفظ أنفاسها، وحين يعيش الشاب على التربية الجماعية وحدها، فهو مع ما يحمل من ثغرات كبيرة في شخصيته ما يلبث أن يفقد المتربي إخوانه يوماً، فيرى نفسه أمام عَالَمٍ لم يعتد عليه. فلم يعتد أن يبقى فارغاً، ولم يتربَّ على اغتنام وقته والاستفادة منه. فيجب على المربي التفطُّن لهذا الأمر خلال معايشته المتربين بحيث يكون هناك توازن في تطبيق المعايشة، وألاّ يكثر منها كثرةً تغلِّب الجماعية على الفردية، وينبغي عليه أن ينمي في المتربين الشعور بالمسؤولية الفردية، وأهمية التربية الفردية وأنها لا تقل أهمية عن الجماعية، متى ما شعر أن هناك تفريطاً في هذا الجانب. ج ـ ألا تطول بالقدر الذي يؤدي إلى جرأة الشاب على من يربيه، وزوال الكلفة بينهم، بحيث تذوب شخصية المربي بين المتربين: لأنَّ من فوائد المعايشة ومخالطة المتربين، كسر الحاجز الوهمي بين المربي والمتربين، ومن ثَمَّ تكون الشفافية والأريحية في التعامل فيما بينهم. ولكن هذا لا يسوِّغ أن تكون المعايشة سبيلاً إلى سقوط الهيبة بين المربي والمتربين؛ بحيث تصبح القضية أُخُوَّةً خاصةً مجردةً من معاني القيادة والتوجيه والتربية، فينبغي للمربي التفطن لهذا الأمر، وأن يكون هناك قدر من التقدير والاحترام والهيبة التي تكون بوابة لمعنى القيادة والتوجيه مع المتربين، وألاَّ تذوب شخصيته بكثرة المعايشة؛ بحيث تسقط من يده قضية التوجيه والتربية، فلا تكون بعد ذلك الاستجابة. د ـ ألا تؤدي إلى إهمال المربي نفسه في الارتقاء: في خضم معايشة المربي لمن يربيهم، ومخالطته إياهم، والسعي الجاد في تقديم النصح والتوجيه الذي يساهم في الارتقاء بهم، قد ينسى المربي نفسه وأن لها حقاً من الاهتمام والارتقاء بها، فمتى ما أهمل المربي نفسه في جانب الارتقاء بالنفس فلربما قاده ذلك إلى فقدان رصيده في يوم من الأيام، حتى يصبح المربي ليس عنده ما يعطي المتربي؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن ثَمَّ يفقد المربي صفة هي من أهم الصفات؛ وهي صفة العطاء؛ فنحن لا نريد أن يكون المربي كالشمعة تضيء للناس وتحرق نفسها، إنما نريده أن يكون كالشمس تضيء للآخرين مع حفاظها على خاصية التوهج في نفسها. فينبغي للمربي التوازن بين معايشة المتربين والارتقاء بهم، وبين الارتقاء بنفسه، والتزود بما فيه صلاحها وتزكيتها، وقربها من الله. لذلك هناك نوع من العزلة الجزئية، يُقْصَد من ورائه العزلة للتربية، حيث يخلو المرء بنفسه ـ أحياناً ـ بقصد التعبد، أو التزود من العلم، أو محاسبة النفس، أو نحو ذلك من الأغراض والمقاصد التربوية. وقد كان من صنع الله لنبيه # أن وفقه قبل نزول الوحي عليه لهذا النوع من العزلة، وحبب إليه الخلاء، فكان يخلو في غار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود بمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء (١) . هـ ـ البعد عن الدخول في الخصوصيات: كل الكائنات الحية تحتفظ لنفسها بمجال حيوي تعد اقتحامه نوعاً من العدوان عليها، ويأتي الإنسان على رأس القائمة. قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ، ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد من هذه الآية: هو السؤال عمَّا لا يعني من أحوال الناس؛ بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم، والاطلاع على مساوئهم (٢) . ولعل مع المعايشة قد يغفل المربي عن هذا الضابط، فيُسَوِّغُ لنفسه السؤال عما لا يعني، والاطلاع على ما يخص من يربيهم دون إذنهم، وكل هذه الأمور محرمة شرعاً، وجرأة بعض المربين على تجاوزها داخل في عموم قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] . وـ ألا يهمل الوَرَعَ الشرعي الواجب: ومن ذلك ما يتعلق بصحبة ومعايشة الأمرد؛ فقد يخلُّ المربي بالوَرَع الشرعي في ذلك فيخلو به، أو يسافر معه وحده، أو يبيت معه، أو غير ذلك بمسوغ المعايشة، وهي أمور قد ينشأ عنها نتائج غير محمودة؛ لذا شدد السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ في صحبة الأمرد، والآثار في ذلك كثيرة ومنها: ١ ـ ما رواه البيهقي في الشُّعَب عن بعض التابعين قال: «كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الجميل» (٣) . ٢ ـ روى أيضاً عن بعض التابعين: «ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سبع ضارٍ من الغلام الأمرد يقعد إليه» (٤) . ٣ ـ روي عن الحسن بن ذكوان أنه قال: «لا تجالسوا أولاد الأغنياء؛ فإن لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذارى» (٥) . «قد غدت اليوم صحبة المربين لهؤلاء الأحداث ضرورة ملحَّة، ولا يسوغ أن يُهمَلوا، أو ينهى المربون عن صحبتهم بحجة الورع؛ ذلك أن واقع السلف كان يختلف عن واقعنا، فلم يكن البديل عندهم هو الشارع غير المنضبط أو التجمعات الساقطة مما نشهده اليوم، بل كانت البيوت ومؤسسات المجتمع التربوية تتكفل بتربية هؤلاء والعناية بهم، أما الآن فالبديل لصحبة المربين لهؤلاء هو أن يصحبهم شياطين الإنس المفسدين، والواقع شاهد بأن كثيراً من هؤلاء حين ابتعدوا عن الميادين الصالحة انزلقوا في طرق الفساد. ومع القول بالحاجة لصحبة المربين للأحداث تبقى هذه النصوص عن السلف لها قيمتها واحترامها، فعلى المربي أن يراعي ضوابط مهمة في ذلك منها: عدم الخلوة، أو السفر مع الأمرد لوحده، ومراعاة المبيت وما يتعلق به» (٦) . وـ ألا تؤدي إلى إشغال المتربي معظم وقته، فلا بد من ترك قدر من وقت الفراغ يُعَوِّدُه فيه على استغلال الوقت في تربية ذاته، ويتيح له فرصة الاعتناء بدراسته، وارتباطاته الاجتماعية. ز ـ التقليل من اللقاءات الفردية في غير البرامج العامة؛ بحجة معايشة المتربي والقرب منه أكثر؛ فكثير منها يتحول إلى علاقة شخصية بحتة تفقد أثرها التربوي. ح ـ الاقتصاد في المزاح والهزل، وعدم الخروج فيه عن حد الوقار والهيبة. ٨ ـ المربي بين المعايشة والعزلة القلبية: يقول الدكتور سلمان العودة ـ حفظه الله ـ: «هناك العزلة القلبية التي يقصد بها أن المؤمن الملتزم بالمنهج الصحيح، وإن خالط الناس وعاشرهم ببدنه؛ فإنه مزايل لهم بعلمه وقلبه، مفارق ما هم عليه من التعلق بالبدع، أو الولع بالدنيا، أو اتباع الهوى، ساع لنقلهم عما هم فيه إلى حيث السلامة والأمان. فهو يخالط الناس لغاية واضحة، هي العمل على انتشالهم من الضلال إلى الهدى، ومن البدعة إلى السنَّة، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولا يستطيع أن يؤدي ذلك بصورة صحيحة مؤثرة إلا من دَاخَلَ الناس وعاشرهم، وعرف أحوالهم، وأحسن إليهم بلسانه ويده ـ ما استطاع سبيلاً ـ. وهذه المخالطة المقصودة تجعل في قلب المخالط شعوراً متميزاً يحميه من التأثر بأعمال الناس وأهوائهم وانحرافاتهم إلى حد بعيد، وبذلك يتمكن من اكتساب الخصائص الخيرة الجميلة التي قد تنقصه، ومن الانتفاع بالتجارب التي تزكي العقل الغريزي وتنميه، ومن الاطلاع على أحوال الزمان وأهله، ومعرفة حقيقة الانحرافات وأبعادها، ليقوم ـ بعدُ ـ بمدافعتها، وعلاجها بالأسلوب الأمثل، دون أن يؤدي به ذلك إلى الذوبان في المجتمع المحيط به، أو التخلي عن علمه، ونيته ودعوته. وبذلك يجمع بين الخلطة والعزلة، الخلطة بجسده ومدخله ومخرجه، والعزلة بقلبه وعمله ومشاعره، ولذلك يقول عبد الله بن مسعود ﵁: «خالطوا الناس، وزايلوهم، وصافحوهم، ودينكم لا تَكْلَمُوه» (١) . ٩ ـ برامج عملية وخطوات إجرائية للمعايشة: لعل البعض يطالب بتحويل هذا الكلام النظري إلى برامج عملية وخطوات إجرائية يمكن قياسها وتقويمها، ولا شك في أهمية هذا المطلب، خاصةً أن البعض قد يجيد التنظير والتقعيد الكلامي ويعجز عن ترجمته (كلامياً) في أرض الواقع؛ لذا كان لزاماً علينا أن نضع بعض البرامج العملية والخطوات الإجرائية في معايشة المربي لمن يربيهم، وننبه إلى أهمية استثمار تلك المحاور والخطوات في التوجيه والتربية، وهي كالتالي: ١ ـ مرافقته في بعض الشعائر التعبدية؛ كالصلاة معه، وأخذه لذلك، ومرافقته في العمرة والحج، واتباع الجنائز، وغير ذلك، واستثمار الرفقة في التوجيه والتربية. ٢ ـ توثيق الصلة معه بالإقبال والسلام عليه، والتبسم في وجهه، والسؤال عنه وعن أهله، والاتصال به هاتفياً من أجل ذلك، وزيارته في بيته، والسؤال عنه إذا غاب أو تأخر، والقرب منه عند وحدته، وإهدائه، وإجلاسه بجوارك عند مقابلته، والأخذ بيده، وتبادل أطراف الحديث معه في حال اللقاء به، ومناداته بأحب الأسماء إليه، وتكنيته، ومرافقته معك في السفر، ومراسلته، ومعرفة اهتماماته ومحبوباته، وغير ذلك. ٣ ـ مشاركته وجدانياً وذلك بالفرح لفرحه؛ كزواجه، أو زواج قريب له، أو نجاحه، أو حصول نعمة له، أو تجددها، أو غير ذلك، وكذلك مشاركته وجدانياً بالحزن لحزنه؛ كموت قريب له، أو مرضه، أو فقدان عزيز عليه، أو غير ذلك، والوقوف معه لمواساته. ٤ ـ إشعاره بأن له قيمة ومكانة؛ وذلك بعيادته إذا مرض وتصبيره، والوقوف معه، والتنزه معه، وإجابة دعوته، وإكرامه، والاستماع إلى همومه ومشكلاته، والسعي في حلها، والسعي في قضاء دَيْنِه وحاجاته، وإشعاره أنك تحترم رأيه، وغير ذلك. ٥ ـ مرافقته في بعض وسائل الارتقاء والتعلم؛ كحضور الدروس العلمية معه، والمحاضرات، والدورات الشرعية، وزيارة المخيمات الدعوية، والمكتبات الإسلامية، والتسجيلات، ومعارض الكتاب، وغير ذلك. الخاتمة: وبعدُ: فهذه أخي المربي كلمات وخواطر سطرها أخ لك في الله، لا تعدو أن تكون أراءً شخصية، إن أصاب فيها فمن الله، وإن أخطأ فمن نفسه والشيطان، والله ورسوله بريئان مما يقول. أيها المربي! شمِّر عن ساعديك، واعزم على العمل، وابحث عن المُعِين، وتوكل على الله، وليكن هدفك سامياً، وهمتك عالية؛ لكي تستطيع أن تنتج بأقصى طاقة، ولا ترضَ بالقليل من العمل، واصدق الله يصدقك. أيها المربي! إنه لا يكفي للقيام بواجب التربية والتوجيه الكلمات العاجلة، أو البرامج المرتجلة؛ فمن حق الشباب علينا وهم فلذات أكبادنا أن نُعنَى بتربيتهم، فهلاَّ نبادر في خطوات جادة للوصول إلى أسلوب أمثل في التوجيه والتربية! نأمل ذلك ونسأله سبحانه الإعانة ... وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. ^ العدد ٢٢٨

стр. 5710

مستقبل التعليم االشرعي سؤال جريء محمد بن عبد الله الدويش كان من أكبر إيجابيات الدعوة الإسلامية المعاصرة ومنجزاتها نشر العلم الشرعي وإحيائه، وقد تمثل ذلك في مظاهر عدة، أبرزها: ـ إقبال الشباب والفتيات على العلم الشرعي ورغبتهم فيه. ـ نمو الدراسات الشرعية في التعليم النظامي والإقبال عليها. ـ انتشار أدوات العلم الشرعي ووسائله من كتاب ومواد صوتية ومرئية. ـ انتشار حِلَق العلم ودروسه، وإعلاء شأن المنتسبين إليه. وتمثل الكليات والمعاهد الشرعية مصدراً مهماً في نشر العلم الشرعي؛ فهي تقدم دراسة متخصصة وفق برنامج مدروس يستوعب مجالات العلم الشرعي وتخصصاته، ويبني طالب العلم بناء علمياً متكاملاً. وهي تتيح تخريج عدد من طلبة العلم ممن يتولون التعليم والتدريس فيها. كما تسهم في إنتاج العديد من الدراسات الشرعية في برامج الدراسات العليا، والأنشطة العلمية للهيئة التدريسية فيها. ولقد أسهم اتساع فرص عمل خريجي الدراسات الشرعية في زيادة الإقبال ونموه كمّاً ونوعاً. لكن سوق العمل بدأت تضيق عن استيعاب خريجي التعليم الشرعي، حتى أصبح العديد منهم يبقى فريسة للبطالة أو يعمل بعيداً عن تخصصه. إن هذا يفرض على القائمين على التعليم الشرعي والمهتمين به التفكير جيداً وتقويم الواقع بموضوعية، بدلاً من الاكتفاء باتهام الآخرين بأنهم يسعون لتقليص التعليم الشرعي، وبدلاً من الاكتفاء بمزيد من مطالبة الناس بالتوجه للتخصصات الشرعية دون تقديم حلول جديدة لهذه المشكلة. والذين يسعون إلى تقليص التعليم الشرعي منهم فئة تنطلق من فكر وموقف سلبي تجاه العلم الشرعي، ومنهم من لا يحمل سوءاً لكنه لا يعي الحاجة لهذا النوع من التعليم، فلا ينبغي أن نحشر الجميع في فئة واحدة، ولا أن ننشغل بذم المغرضين بدلاً من الحل والبناء والإصلاح. وحلول هذه المشكلات تحتاج إلى تفكير جماعي، وإلى جهود من المختصين والمهتمين، وهي تستحق أن تعقد لها ندوات ومجالس ومؤتمرات علمية. ومما يمكن تقديمه في ذلك ما يلي: وفي النهاية: ينبغي أن ندرك أننا مسؤولون عن العمل الجاد على نشر العلم الشرعي، وعلى تقديم الحلول لمشكلاته؛ فإن تغير الواقع وتعقده يفرض علينا أن نبحث عن موقع جديد وأدوات جديدة تلائمنا.

стр. 5711

عندما يكون دين خرافي أساساً لسياسة دولة كبرى أ. د. جعفر شيخ إدريس أعني بالدين الخرافي الدين غير العلمي؛ بمعنى أنه لا يقوم على حقائق واقعية، ولا يلتزم بمكارم خلقية. وعليه فليس هنالك من دليل عقلي ولا علمي على دعاواه، بل في العقل والعلم ما يدل على بطلانها. وكلما كثرت مثل هذه الدعاوى في دينٍ ما أو في طائفة تنسب إليه، كان ذلك الدين أو كانت تلك الطائفة أقرب إلى الخرافة. وكلما كان اعتماد من يؤمنون بمثل هذا الدين عليه في تصرفاتهم ومعاملاتهم وسياساتهم، كان ضررهم على أنفسهم وعلى غيرهم أكبر. إن ضرر الخرافات والانحرافات الخلقية يكون أكبر حين ترتبط بالدين، حين يعتقد القائلون بها أنها مما أنزله الله ـ تعالى ـ وأمر به: ﴿وَإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ #^٢٨^#) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩] إن السياسة، داخلية كانت أم خارجية، لا تكون مفيدة، بل تكون بالغة الضرر على من تمارَس ضدهم، ثم على من يمارسونها إذا ما أُرسيت على الأباطيل وعلى الظلم. وهذه الآن هي أكبر مشكلة تعاني منها الولايات المتحدة، ويعاني منها العالم بسببها؛ ذلك أن ساكني بيتها الأبيض اليوم يؤمنون بخرافات دينية ويقيمون عليها سياساتهم الداخلية والخارجية. وقد خرج إلى السوق قبل أشهر كتاب اسمه (الثيوقراطية الأمريكية) (١) ، بيَّن فيه مؤلفه مدى تأثُّر السياسة الأمريكية الراهنة بمعتقدات دينية خرافية، ومدى خطورة هذه السياسة الدينية على الولايات المتحدة. وسأنقل فيما يلي بعض ما جاء في هذا الكتاب ليعلم من لا يعلم أن القول بالتأثير البالغ للمعتقدات الدينية في السياسة الأمريكية ليس تهمة ظالمة يلصقها بها المتطرفون من المسلمين، ولكنها حقيقة يعرفها ويخشى مخاطرها كثير من الأمريكيين. يبدأ الكاتب الجزء الثاني من كتابه الذي جعله خاصاً بمشكلة التطرف الديني بقوله: «إنه ليس هنالك من أسئلة أهم بالنسبة لأمريكا القرن الواحد والعشرين من السؤال عما إذا كان البعث الديني الجديد وما يصحبه من غرور سياسي سيكون في صالح أمريكا أم في ضررها؟» والكاتب يرجِّح أنه سيكون في ضررها. البعث الذي يشير إليه الكاتب هو العمل الدؤوب الذي تقوم به جماعات دينية توصف بالمتطرفة لجعل معتقداتها أساساً للسياسة الأمريكية. من هذه المعتقدات التي ذكرها الكاتب عن بعض هذه الجماعات إيمانهم بالاتصال المباشر بـ (عيسى) باعتباره إلهاً. ولما كان بوش من المنتمين إلى الجماعة التي تقول بهذا فإنه كثيراً ما يصرح بأن الله (يعني المسيح) هو الذي أمره بغزو أفغانستان، وبغزو العراق، بل ذهب إلى حد القول ـ كما روى عنه الكاتب نقلاً عن إحدى الصحف ـ في بعض الاجتماعات: «أعتقد أن الله يتكلم بوساطتي، ولولا ذلك لما استطعت أن أؤدي مهمتي» . ولم ينفرد بوش بمثل هذه الدعاوى، بل إن (توم دي لاي) الذي كان رئيساً للأغلبية الجمهورية في الكونغرس قال ذات مرة: «إن الله يستعملني دائماً وفي كل مكان للدفاع عن نظرة الكتاب المقدس العالمية في كل ما أفعل وحيثما كنت. إنه هو الذي يدربني» . وكان قد علق لوحة على مكتبه تقول: «قد يكون هذا هو اليوم» أي اليوم الذي ينزل فيه عيسى. أقول: وقد كانت مثل هذه العقائد الفاسدة هي السبب الجوهري في معاداتهم الشديدة للدين الإسلامي وللمسلمين والتصريح بهذا العداء والدعوة إلى مواقف شديدة العداء للعالم الإسلامي. يقول الكاتب إنه عندما انهار الاتحاد السوفييتي بين عامي ١٩٨٩ و ١٩٩١ سارع المتدينون المحافظون إلى تقديم قائمة بالبدائل: الإسلام قوى الشر الكبرى، العراق بابل الشريرة، صدام حسين المسيح الدجال. هذا أمر لم يصرح به إلا عدد قليل من المسؤولين. أما المبشرون الأصوليون فإن الكثيرين منهم صرحوا به. فهذا (رتشارد سزك) نائب رئيس رابطة المبشرين القومية يقول لجريدة النيويورك تايمز في عام ٢٠٠٣: «إن المبشرين قد استبدلوا الإسلام بالاتحاد السوفييتي. لقد صار المسلمون اليوم هم إمبراطورية للشر» . ويقول: «إن الجماعات التبشيرية الأمريكية تكرر اليوم تجربة الجماعات التبشيرية البريطانية في عداوتها للمسلمين وحماسها للحرب ضدهم. لقد تضاعف عدد المنظمات التبشيرية في العالم الإسلامي. ويقول: «إنه بحلول عام ٢٠٠٣ لم تعد المنظمات التبشيرية مجرد مؤيدة للحرب كما كانت رصيفاتها البريطانية، بل أصبحت من المخططين له» . فبعد عام من استيلاء الجيش الأمريكي على بغداد كانت هنالك ثلاثون منظمة تبشيرية، ويقول: «إن المدير الإداري لرابطة المبشرين القومية صرح لجريدة (لوس أنجلس تايمز) أن العراق سيكون المركز الذي تنتشر منه رسالة المسيح عيسى إلى إيران وليبيا وكل مكان في الشرق الأوسط» . وقال مسؤول في منظمة أخرى: «إن الحال في العراق هي حرب من أجل الروح» . ولهذا فإنه في غضون سنتين انطلقت سبع منظمات تبشيرية في بغداد وحدها. أقول: إن عاقبة هذه المعتقدات الفاسدة لن تؤدي فقط إلى مثل هذه المواقف العدوانية على المسلمين، بل سيكون ضررها في النهاية على الولايات المتحدة نفسها كما يرى ذلك بعض العقلاء من الأمريكان. فأصحاب هذه المعتقدات لا يرون الحقائق كما هي. فما يراه عامة الناس في الغرب دَواهيَ وكوارث كاضطرابات الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار البترول، والسونامي، يرونه هم ـ كما يقول الكاتب ـ مبشرات بقرب مجيء المسيح وكما أنهم يستبشرون بهذه الكوارث، فإنهم لا يؤمنون بحقائق العلوم الطبيعية التي كانت السبب الأساس للتقدم المادي الذي ينعم به الغرب؛ فهم لا يصدقون بما يقوله العلماء عن الارتفاع العالمي في درجات الحرارة، ولا يلقون بالاً لما يقوله علماء الجيولوجيا من أن النفط بدأ ينضب، وهكذا. وبقولهم هذا يقول الرئيس بوش ويبني عليه مواقفه السياسية. أقول: ولا يلقون بالاً لما توصلت إليه الدراسات العلمية الأكاديمية بأنه يستحيل أن يكون كل ما في الكتاب المقدس ـ كما يسمونه ـ من كلام الله، لأسباب كثيرة منها أن به اخطاء في وصف الواقع، وهو أمر لا يمكن ان يصدر عن خالق الكون، وأن فيه تناقضاً لا يتناسب مع علم الله المحيط، وهكذا لا يلقون بالاً لمثل هذه الدراسات، بل يحتقرونها ويستمرون في اعتقادهم بأن كل ما في الكتاب المقدس كلام الله، وأنه ليس فيه من خطأ. وهم لا يؤمنون بمبدأ فصل الدين عن الدولة، بل يريدون لأمريكا أن تكون دولة نصرانية؛ لأنهم يعتقدون أن الشعب الأمريكي هو شعب الله المختار. وهذا هو الذي دعا المؤلف أن يسمي كتابه (أمريكا الثيوقراطية) . وهو الذي يخشى كثير من الأمريكان أن يؤدي إلى انقسامات حادة في المجتمع قد تؤدي إلى العنف وحمل السلاح. ولذلك فإن الكثيرين ممن كانوا يعدون من قادة المحافظين الفكريين والسياسيين ـ ومنهم مؤلف هذا الكتاب ـ بدؤوا يعلنون اعتراضهم على سياسة الحزب الجمهوري بعد أن استولت عليه هذه الفئة ممن يسمون بـ (المحافظين الجدد) ويحذرون من مغبة عواقبها الوخيمة على البلاد. وقد كان من أبرز من اتخذوا هذا الموقف الكاتب الشهير (فوكوياما) في كتاب له جديد. الغريب أن الدولة التي تسيِّرها مثل هذه المعتقدات هي التي تطلب من بعض البلاد الإسلامية أن تكون أكثر تسامحاً، وأن تنقِّي مناهجها الدراسية من مبادئ الولاء والبراء، وكل ما يرون مثيراً للكراهية. (١) Kevin Philips, American Theocracy: the Peril and Politics of Radical Religion, Oil, and Borrowed Money in the ٢١st Century, Penguin Viking, ٢٠٠٦.

стр. 5712

الطمأنينة الاجتماعية د. عبد الكريم بكار مهام أهل البصيرة الاجتماعية عديدة ومتنوعة، ولعل من أجلِّها مراقبة توجهات المجتمع وفتح العين بقوة على الاختلالات الأخلاقية والسلوكية التي تحدث نتيجة التنمية السريعة والتغيرات المتلاحقة. والملاحظ اليوم تعرُّض شيء أساسي في حياتنا للنضوب؛ وهو السكينة والطمأنينة الاجتماعية، وهذه الطمأنينة تتولد في الأساس من الثقة التي يتبادلها الناس في تعاملاتهم. تشكل الثقة جزءاً مهماً من رأس المال الاجتماعي والذي إذا اضمحل فقد لا نستطيع استرجاعه إلا بعد أجيال عديدة. وتلعب (العولمة) دوراً جوهرياً في تراجع الطمأنينة والثقة الاجتماعية بما تشيعه من أخلاق (الصفقة) بما تنطوي عليه من المساومة والخديعة، وإبراز المحاسن، وإخفاء العيوب؛ والأداة التي تستخدم في ذلك هي فن (الدعاية والإعلان) ؛ حيث ينفق العالم اليوم على الدعاية ما يزيد على خمسمائة مليار دولار سنوياً. حين تثق بإنسان فإنك تعتقد أنه متين الخلق وصادق وناصح، وغير مخادع، وأعتقد أن من المسؤوليات الأساسية للخطاب الإسلامي اليوم تقديم نموذج يساعد على تدعيم الثقة الموجودة، واستعادة ما فُقد منها، وهذا النموذج يقوم على السعي إلى التزام الصدق بشكل مطلق، وخدمة الحقيقة والنصح الخالص للناس فيما يُصلح أمور دينهم ودنياهم. وأدنى درجات الصدق يتمثل في موافقة كلام المرء لمعتقده، فإذا كان صانع الخطاب يعتقد أن الأمة تمر بمرحلة حرجة جداً فعليه أن يجهد بذلك، ولو أنه بذلك قد يعرِّض نفسه لأن يوصم بأنه متشائم، وإذا كان يعتقد أن الجانب الروحي من حياة المسلمين يحتاج إلى عناية خاصة فعليه أن يعلن ذلك، ولو علم أنّه بهذا سوف يثير عليه من يرى أن الحديث في المسائل الروحية كثيراً يخفي وراءه نوعاً من الانحراف العقدي ... وهكذا. هناك إلى جانب هذا درجات من الصدق أسمى وأرقى، وهي تساعد على نحو قوي في تقوية الثقة وإنعاش الطمأنينة الاجتماعية، ومنها: ١ ـ الحرص على أن يكون الكلام مطابقاً للواقع، حيث إنّ الناس حتى يثقوا بنا لا يحتاجون إلى الاطمئنان إلى أننا نتحرى الصدق في كلامنا فحسب، وإنما يحتاجون إلى شيء آخر؛ وهو الثقة بأننا حيث نتحدث في أمرٍ مَّا فإننا نعرف عن أي شيء نتحدث، ونعرف مسؤولية الكلمة، ونتحسس الآثار التي تترتب على الخطاب الجماهيري الواسع الانتشار. ويؤسفني القول في هذا السياق: إن كثيرين منّا يقرؤون الواقع قراءة متعجلة أو ناقصة أو سطحية، ولا يعرفون أنهم يفعلون ذلك، ومن ثم فإنهم لا يتهيبون إطلاق العبارات والكلمات الكبيرة! ومن الملاحظ اليوم أن كثيراً من الناس يهتمون بالاتساق الشكلي للتعبير بوصف ذلك جزءاً من (ثقافة الصورة) التي ترسخها الحضارة الحديثة على نحو واضح، وهذا كثيراً ما يكون على حساب عمق المضمون ودقة المعنى، وهذا يولِّد لدى الناس شعوراً بعدم الثقة بجدية ما يقال ومصداقيته. ٢ ـ حين يجد صانع الخطاب نفسه عاجزاً عن قول الحق والإعلان عن الحقيقة، فإن عليه حينئذ أن يسكت، حيث لا يُنسَب إلى ساكتٍ قول. وأعتقد أن الحالة المثالية في مثل هذه الوظيفة تكمن في الحرص على اختيار المجال الذي يستطيع فيه المرء أن يتحدث عن كلِّ أو جلِّ ما يريد. ولا ريب في وجود مشكلة في هذا؛ لكنه يظل أخف ضرراً من أن يقول المرء ما لا يعتقد، أو يشوّه الحقيقة، أو يولِّد لدى الناس انطباعات خاطئة. ٣ ـ يُبدي العقل البشري كثيراً من الارتباك أثناء التعامل مع العبارات والجمل والكلمات التي تتحدث عن الكيف أو الصفة؛ وذلك بسبب عدم تمكن الإنسان من صياغة مصطلحات وتعبيرات دقيقة وحاسمة في التعبير عن هذا الأمر، وعلى سبيل المثال فإننا حين نقول: إن فلاناً كريم جداً، أو جبان أو حسن التدبير. فإننا نتحدث في الحقيقة عن معان نائمة، وعن أشياء نسبية، ولهذا فإن درجة اطمئنان الناس لتوصيفاتنا تظل منخفضة، وقابلة للاهتزاز في أي وقت. والأمر معكوس تماماً في حالة استخدام (لغة كمية) حيث إن العقل يُبدي براعة نادرة في الفهم حين نتحدث عن الأعداد والمساحات والمكاييل والأحجام، ومن ثم فإن بلاغة الرقم هي بلاغة العصر الحديث، وإذا أردنا للناس أن يثقوا بما نقول فلنكثر من استخدام الأرقام الموثوق بها قدر الاستطاعة، مع الانتباه إلى ما يمكن أن نسمّيه (المتاجرة بالأرقام) ، بسبب قابليتها الشديدة للتزوير والتزيُّد والمبالغة. شيء آخر يعزز الطمأنينة الاجتماعية ويدعم التلاحم الأهلي؛ وهو عمل الخير، حيث إن روح التطوع والعطاء المجاني حين تصبح سمة ظاهرة في المجتمع، فإنها تخفف من حدة الشعور بالمنافسة، وحدة الشعور بارتهان الناس للمصالح والمنافع الشخصية، والذي كثيراً ما يدفع إلى الكذب والخديعة والقطيعة، ومن هنا نجد النصوص الكثيرة التي تحث الإنسان المسلم على بذل المعروف، وقضاء حاجات إخوانه، ومساعدة ذوي الظروف الصعبة، والاحتياجات الخاصة. كما نجد النصوص التي توضِّح الثواب العظيم لفاعل الخير ومقدم الخدمة المجانية. بناء الثقة الاجتماعية يتطلب حرصاً أقل على الأمور المادية، واهتماماً أشد بالمعنويات والاعتبارات الأخلاقية، وهذا يشكل تحدياً كبيراً لنا جميعاً. ... والله المستعان في كل حال.

стр. 5713

هدى غزة علي العيسى الجريمة التي اقترفها الصهاينة المعتدون تحت سمع العالم وبصره والعرض مستمر وصرختِ صرخةَ موجَعٍ وأعدْتِ.. لكنْ لا صدَى وأعرْتِ سمعك علّه يلقى جواباً للنِّدا قولي بربك يا هُدى: أوَجدتِ شهماً مُنْجِدا؟! * * * * * ماذا فعلتِ بنا هدى؟! عرّيتِ.. فانكشف الصّدا وبدت مهازلُ ضعفنا بل ما تستّر قد بدا متنا.. ومات ضميرنا هَزَأت بنا رِمَمُ العِدى وتتابعتْ صفعاتهم وهواننا فَقَدَ المدى «عشنا» معيشة تافهٍ وحقارةٍ فوق الردى وجهادنا في غِمده أمسى سجيناً مفرَدا وطموحنا نسي الشجاعة فاستقلّ المرقدا نلهو مع الماضي بلا وعيٍ.. ليوقظنا غدا والقدس أمسى فكرنا عنها بعيداً مبعَدا فينا شجاعة عنترٍ لكن على أهل الهدى * * * * * بئس الذليل لـ «شيكلٍ» والمقتدي والمقتدَى «مَهْرُ البغيِّ» لمخبرين عقولهم ذهبت سدى أُلْهُوا بغثِّ مطامعٍ شُغِلوا بزيف المنتدى هم لاحقوا أبطالهم ممن أحبّوا أحمدا لكنهم ما أدركوا أنّ الكرام المحتدا وَعَدُوا العدوَّ بدحره أخذوا لِعَدْنٍ موعدا لا ترجُ خيراً في الذي تجفو خطاه المسجدا لا تيأسي أختي هدى فلسوف يندم مَنْ بدا صبراً.. فإن الصبر آ خره جوائزُ للفدا صبراً جميلاً.. بأسه للنصر أضحى مُنشِدا حبلٌ قصيرٌ عنفهم وكفاحنا أقوى يدا فرجٌ قريبٌ قادمٌ ولسوف يعقبه الندى الصبر نِعْم المنتهى والصبر نِعْم المبتدا الله أقدرُ يا هدى والله أكبر يا هدى

стр. 5714

مرصد الأحداث أحمد فهمي من هنا وهناك - ذكرت مصادر في الخارجية الأمريكية أن هناك ارتباطات واتصالات بين تيار الصدر في العراق وبين حزب الله، وأن إيران تحاول استعمال الصدر كقناة اتصال ولتمرير المساعدات عبر العراق وسورية إلى الحزب في لبنان. [الحياة ٢٨/٧/٢٠٠٦م] - صرح وزير العدل الإسرائيلي حاييم رامون للإذاعة الإسرائيلية قائلاً: «الواقع أننا حصلنا في روما على إذن لمواصلة عملياتنا حتى لا يعود حزب الله موجوداً في لبنان وينزع سلاحه» . [وكالات ٣/٧/١٤٢٧هـ] - ذكرت وكالة فرانس برس أن خمسين جندياً إسرائيلياً بمجرد أن عادوا من معركة بنت جبيل انهاروا على الأرض منهكين ووجوههم لا تزال مطلية باللون الأسود للتمويه، وعيونهم كانت تائهة وأبصارهم شاخصة، وأدى اثنان منهم الصلاة بجوار مدرعاتهم. [٢٧/٧/٢٠٠٦م] - قال رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني الدكتور عزيز الدويك من سجن عوفر الصهيوني إن معتقليه قيدوه وعصبوا عينيه لمدة خمس ساعات. وحول إمكانية مبادلة أعضاء التشريعي بالجندي الصهيوني الأسير، قال الدويك: «والله لو قضيت بقية سني عمري وراء القضبان فلن أكون بديلاً ولا ورقة مساومة» . [المركز الفلسطيني للإعلام] - ذكر تقرير صهيوني صادر عن عن مركز جافي للدراسات الاستراتيجية والسياسية في جامعة تل أبيب أن عدد المسلمين الذين يخدمون بالجيش الصهيوني، يصل إلى نحو ١٢ ألف مسلم، بزيادة تصل إلى ٧٧ % عما كانت عليه عام ١٩٨٤، بينهم ما يقرب من ١٣٠٠ مصري في سن الشباب ينخرطون في الأعمال الشاقة، وتشير معلومات إلى أن هناك ما بين ١٠ إلى ١٢ ألف مصري يعملون داخل الكيان الصهيوني، يتركز معظمهم في القدس والناصرة. [موقع مصريون] - ذكر تقرير رسمي أمريكي أنه أرسل ما يقرب من ٣٥٠٠ من الأمريكيين المسلمين إلى العراق وأفغانستان للقتال مع القوات الأميركية، قتل سبعة منهم ومنح ٢١٢ منهم ميدالية العمل القتالي. [الشرق الأوسط ٨/٨/ ٢٠٠٦م] - يرفض الرئيس الباكستاني برويز مشرف الاستماع لنصائح مستشاريه الأمنيين حول ضرورة تقليص حركاته وزياراته لمختلف أنحاء باكستان، مما يتطلب من الأجهزة الأمنية بذل مجهودات مضاعفة لضمان أمنه ولا سيما أنه تعرض قبل ذلك لعدة محاولات فاشلة لاغتياله. ولوحظ مؤخراً أن مشرف يحرص على حمل مسدسه حتى في حفلات الزواج والحفلات المدنية الخاصة والألعاب الرياضية. [الوطن ١٤/٧/١٤٢٧هـ] - ذكرت صحيفة صنداي تليجراف البريطانية ان غالبية الأسلحة التي يملكها حزب الله وصلت إليه عن طريق معسكر الزبداني، وهي قاعدة تابعة للحرس الثوري الإيراني في سورية قريبة من الحدود اللبنانية، وأن إسرائيل كانت على علم بشحنات الأسلحة تلك لكنها قررت عدم التدخل انطلاقاً من رغبتها بعدم فتح جبهة جديدة. [السفير اللبنانية ٦/٨/٦..٢م] علامة تعجب وزيرة الإنجاب اعتبرت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أن ما يحدث في لبنان هو أحد علامات ميلاد الشرق الأوسط الجديد. لبنان في العناية المركزة صرح دان غيلرمان سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة بأن الجيش الإسرائيلي «حساس» فيما يتعلق بالأهداف، وقال للصحافيين في نيويورك: «صدقوني! لدينا القدرة العسكرية والتقنية على محو كل لبنان والحرص على ألا يعيش أحد يوماً آخر، لكن ليست هذه نيتنا، الأمر يتطلب وقتاً أطول ويكبدنا خسائر أكثر؛ لأننا نقوم بذلك بعناية» . [وكالات ٣/٨/٦..٢م] من فضلك: اقلب الشريط الرئيس الأفغاني حميد كرزاي، عندما سئل عما إذا كان سيطلب المزيد من القوات الأمريكية لمواجهة تصاعد نفوذ طالبان، رد بالقول: «أجل، سنطلب المزيد وسنظل نطلب المزيد، ولن نكف إطلاقاً عن هذا الطلب» . [وكالات ١٢/٨/٢٠٠٦م] .. الجيش لم ينتصر ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن «شعار الحرب كان بداية أن الجيش منتصر» ، وبعد يومين أصبح الشعار «الجيش سينتصر» ، وبعد عدة أيام أصبح الشعار «الجيش يستطيع أن ينتصر» ، ثم تحول الآن إلى «الجيش يجب أن ينتصر» . [الأسبوع القاهرية] القراءة بالمقلوب غضب الشيخ أوس خفاجي وهو رجل دين شيعي معروف، من تناول جواد المالكي رئيس الوزراء العراقي الطعام مع مسؤولين أمريكيين أثناء زيارته لواشنطن، وقال للصحافيين: إن كل الرعب الذي يعانيه الشيعة في العراق بسبب السيارات المفخخة والأعمال الإرهابية يستمر تحت حماية الخطط الصهيونية الأمريكية. [وكالات] مرصد الأخبار هل تستنسخ الهند التجربة الإسرائيلية في جنوب لبنان؟ في أعقاب التفجيرات في قطار مومباي الذي قتل جراءه نحو ٢٠٠ قتيل الشهر الماضي، واجه رئيس الوزراء الهندي صيحات متزايدة للانتقام من باكستان سياسياً على الأقل، المحققون ومسؤولو الحكومة الهنود لم يدينوا إسلام أباد مباشرة، غير أنه في المقابلات التلفزيونية وفي مقالات الصحف وعلى مواقع الإنترنت فإن الهنود الغاضبين يطالبون بأن تدمر بلادهم المواقع المشتبه بأنها تابعة لحركات إسلامية جهادية داخل الأراضي الكشميرية الواقعة تحت سيطرة باكستان، مثلما تفعل إسرائيل مع حزب الله في جنوب لبنان، ويطالب حزب بهاراتيا جاناتا - كان في الحكم قبل حزب المؤتمر الحاكم - علناً بأن يعتمد رئيس الوزراء سياسة «الملاحقة الساخنة» ضد الميليشيات التي تتخذ من باكستان مقراً لها، وقد دفعت صيحات المطالبة بالعقاب وارتفاع صوتها الرئيس الباكستاني برفيز مشرف أن يصرح بأن: «لا أحد يستطيع أن يتخذ إجراءات تأديبية ضد باكستان» ، وحذر قائلاً: «إن دفاع البلاد في أيد قوية» . وكان رئيس الوزراء الهندي أشار بشكل غير مباشر بإصبع الاتهام إلى باكستان بعد يوم من الهجوم على القطار قائلاً إنه ليس بإمكان الإرهابيين القيام بتفجيرات مومباي من دون تأييد من «عناصر عبر الحدود» . [النيوزويك ٨/٨/٦..٢م] إطلاق الرصاص على القرآن قبل إلقائه على مسجد بولاية تناسي طالب مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) وزارة العدل الأمريكية بالتحقيق في حادثة شهدتها ولاية تناسي الأمريكية قام فيها معتدون بإلقاء نسخة من القرآن الكريم على مدخل أحد مساجد الولاية بعد أن مزقوها بإطلاق عدة أعيرة نارية عليها، وقالت كير في بيان لها إن مرتكبي الحادثة السابقة صوروا ما قاموا به ووضعوه على شبكة الإنترنت، ويصور شريط الفيديو المنشور رجلين وهما يطلقان عدة أعيرة نارية على نسخة من القرآن الكريم مستخدمين سلاحاً آلياً غير مصرح للمدنيين باستخدامه، حيث قام أحدهما بعد ذلك بإلقاء النسخة الممزقة على مدخل أحد المساجد وهو يتصايح باسم المسيح، وللاطلاع على نسخة من شريط الفيديو يمكن زيارة كير على الموقع التالي: http://www.cair.com/video/kill%٥Fthe%٥Fkoran ويقول صاحب الموقع إنه يعتبر «أي شخص يقتل مسلماً أو يحاول على الأقل أن يقتل مسلماً» من الأبطال، كما يحتوي الموقع على تعبيرات عنصرية ضد الأفارقة واللاتينيين الأمريكيين، وكانت حوادث مماثلة تعرض لها أمريكيون من أصول عربية وإسلامية في الآونة الأخيرة، منها على سبيل المثال قيام أحد الأشخاص بولاية ماين بإلقاء رأس خنزير أمام المصلين بأحد المساجد. [١/٧/٢٠٠٦م] الصهاينة بين الخوف والتدمير يعيش الكيان الصهيوني حالة من الخوف خشية ما يمكن أن تسفر عنه نتائج صراعه مع حزب الله الشيعي في لبنان، وهو ما يدفعهم إلى ممارسة مزيد من القصف والتدمير الوحشي للبنى التحتية والبشرية في لبنان. وقد دعا رئيس تحرير صحيفة معاريف الإسرائيلية أمنون دانكنر إلى تسوية البيوت والأزقة في البلدات اللبنانية بالأرض وهدم الاستحكامات فوق ساكنيها وتدمير القرى اللبنانية بالكامل، وكتب بالمشاركة مع المعلق في الصحيفة دان مرغليت أنه حان الوقت: «لقساوة القلب وعدم إبداء حساسية مفرطة تجاه القرويين في لبنان، واستغلال تفوقنا الكبير في المدفعية والجو حتى لا يبقى زقاق أو بيت، ولتتحول الاستحكامات في الأرض قبراً وركاماً» ، وكتبت صحيفة هآرتس أنه يجب وقف إطلاق النار فقط بعد تسجيل نصر واضح وباهر وحسم المعارك، ونقلت يديعوت أحرونوت عن مسؤول عسكري إسرائيلي كبير دعوته إلى تحقيق نصر يشفي الغليل ولو تطلب الأمر محو قرى لبنانية بأكملها من أجل وقف الصواريخ. لكن في المقابل يقول درور إتكس، الناشط في حركة السلام الآن إن «العبرة التي سيأخذها العالم العربي والإسلامي هي أن التطرف مجد» ، ويقول المؤرخ أماتزيا بارام: «لا يمكن أن نظهر على أننا الطرف الخاسر، العالم الإسلامي يضم ١.٢ بليون شخص في حين أن إسرائيل تضم ستة ملايين نسمة، إذا توقفنا الآن، فهذا يعني أننا خسرنا» . وكتب المعلق الإسرائيلي بن كاسبيت في صحيفة معاريف: إن إسرائيل أمامها خيار بسيط إما أن تجري أو تقاتل، واستطرد: في كل الأحوال كل العيون مسلطة علينا الآن، هل ستركع إسرائيل وتستسلم أمام صواريخ الكاتيوشا وتزحف عائدة إلى ديارها وهي تنزف، حينها سيبدأ العد التنازلي للحريق التالي. [نقلاً عن الحياة والنيوزويك والوطن] إيرانيون يحرقون مساجد السنة في العراق ذكر موقع هيئة علماء المسلمين نقلاً عن برلماني من السنة أنه تم اعتقال ١٢ إيرانياً في المقدادية كانوا يستقلون سيارة مدير شرطة قضاء الخالص برفقة أخيه، وكان في داخلها كمية كبيرة من الأسلحة منها القاذفات والبي كي سي ومفرقعات تفجير، وقد تدخل مدير شرطة ديالى لدى مدير شرطة المقدادية لغرض الإفراج عن هؤلاء الإيرانيين والسيارة، وفعلاً تم الإفراج عنهم، وكانوا يقومون بإحراق وتفجير المساجد في المقدادية وتحديداً الاعتداء على مسجد المقدادية الكبير داخل المدينة، كما قاموا بإحراق مجمع تجاري في السوق في المقدادية أيضاً وهذا ما اعترفوا به. [١٤/٧/٢٠٠٦م] الجيش العراقي ينتقم من نائب سني بقتل أقاربه قال محمد الدايني النائب السني في البرلمان العراقي إن وحدات من الجيش نفذت حملة انتقامية على عشيرته بسبب موقفه من كشف الفظائع التي ترتكب ضد السنة في سجن بعقوبة. وقال محمد الدايني: «بعد كشف حقيقة الأمر في سجن بعقوبة. وكيف تحصل انتهاكات حقوق الإنسان في هذا المعتقل من اغتصاب ومن خلال قلع الأظافر والصعق بالكهرباء بإدارة من هم يعملون ضد الخط الوطني أو الدخلاء على العراق والذين لديهم أجندة خارجية إيرانية؛ حيث كان لهذا الفعل ردة فعل معاكسة، وبعد ساعات من إعلاني عن هذه الانتهاكات قامت قوة من الجيش الحكومي في ديالى وتحديداً اللواء الثاني في الفرقة الخامسة بحملة مداهمات كبيرة على قرى وعشائر الداينية التي أنتمي إليها في بلدروز فاعتقلت عشرات من أبناء عمومتي، وأحرقت الكثير من بساتين أهلي في هذه القرية، ثم بعد ٧٢ ساعة أعقبتها تم قتل ١٠ من أبناء عمومتي؛ حيث كلفت فرقة من فرق الموت التي تعمل ضمن الأجندة الإيرانية ولها وجود علني في العملية السياسية حيث قامت هذه الفرقة من فرق الموت باختطاف أبناء عمومتي العشرة، وتم الاختطاف بالقرب من السيطرة القريبة من المجمع الصناعي عند مدخل المدينة وقد أعدموهم فرداً فرداً أمام انظار السيطرة الحكومية؛ علماً أن هذه الفرقة كانوا يلبسون ملابس رسمية وسيارت حكومية تستخدمها اجهزة الدولة. [موقع هيئة علماء المسلمين ١٤/٧/٢٠٠٦م] طريقة حراس الخميني في قتل السنة نشر مراسل لمجلة النيوزويك الأمريكية تقريراً عن ارتكاب الميليشيات الشيعية مذابح في حق السنة، وقال كاتب التقرير إن الهجمات في الكوفة والمحمودية فقط خلفت أكثر من ١٠٠ قتيل في أسبوع، بينما شهدت بغداد وحدها ارتفاعاً بلغ ٤٠ بالمائة في نسبة التفجيرات وعمليات إطلاق النار، وأكد تقرير للأمم المتحدة هذا «التوجه الصاعد» ، إذ قال إن أكثر من٦٠٠٠ مدني قتلوا في العراق في مايو ويونيو الماضيين فقط. مشرحة بغداد المركزية ــ التي تتلقى أكثر من ٨٠ جثة يومياً ــ باتت هي الأخرى مسرحاً للمعارك. فهي الآن تحت سيطرة الزعيم الشيعي الراديكالي «مقتدى الصدر» . وأحصى مراسل نيوزويك أكثر من عشرة من أعضاء ميليشيا الزعيم الشيعي هناك، بعضهم يرتدون اللباس الرسمي التقليدي الأسود الذي يرتديه أفراد هذه الميليشيا المسماة بجيش المهدي، وقال أحد العاملين في المشرحة الذي رفض الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام إن مهمة هؤلاء مهمة دعائية جزئياً: لضمان عدم صدور معلومات عن المشرحة تتهم جيش المهدي وغيره من الميليشيات الشيعية بأعمال القتل. وقد اتضح أن معظم الجثث التي سلمت للمشرحة كانت لشباب سنيين، وهو ما يشير إلى أنهم قُتلوا على أيدي ميليشيات شيعية مثل جيش المهدي. وكذلك فإن طريقة القتل أثارت الاستهجان. وقال الأطباء إنه في الأسابيع القليلة الماضية، وصل الكثير من الضحايا أيديهم وأرجلهم مقيدة وأعينهم معصوبة وأفواههم مكممة بالأشرطة اللاصقة. ويبدو أن هؤلاء ماتوا ببطء، بعد قطع أوردتهم أو رسغ أيديهم. ووصف طبيب سني طلب عدم كشف اسمه لأسباب تتعلق بأمنه الشخصي ذلك بـ «طريقة حراس الخميني» وهي الطريقة التي كان يُقتَل بها الجنود العراقيون على يد الجنود الإيرانيين في الحرب العراقية الإيرانية. وبالنظر إلى العلاقة الوثيقة لجيش المهدي بطهران، فإن موظفي المشرحة ليست لديهم أي شكوك بشأن الأسباب التي تدفع مسؤولي ميليشيا الصدر إلى إخفاء مثل هذه التفاصيل. وقال الطبيب: «الحكومة العراقية الشيعية تتهم جماعات المقاومة (السنية) بارتكاب مثل هذه الأعمال. ولكن جميع العراقيين يعرفون أن هذه أفعال جيش المهدي» . وتنفي وزارة الصحة العراقية رسمياً أي علاقة لجيش المهدي بإدارة المشرحة، مع أن موظفي المشرحة تحدثوا عن مناسبات قام فيها أعضاء تلك الميليشيا الموجودون في المشرحة بتوجيه الأوامر إليهم بعدم وضع بعض الجثث غير المعروف أسماء أصحابها في ثلاجات المشرحة» مثل تلك الجثث التي لأصحابها لحى، على سبيل المثال، وهي التي قد تكون لأئمة سنيين ينظرون إليهم بازدراء. وأسوأ من ذلك، يقولون أيضاً إن أفراد تلك الميليشيا قاموا في بعض المناسبات بالاستيلاء على الهواتف الخلوية للضحايا والاتصال بذويهم لإبلاغهم بمصائرهم. وحين يأتي ذوو الضحايا إلى المشرحة للتعرف إلى الجثث، يقوم أفراد الميليشيات هؤلاء بتتبعهم حيث يقومون بقتلهم أيضاًً. [نيوزويك ١/٨/٢٠٠٦م] نصف الفلسطينيين يرفضون التخلي عن هدف تدمير (إسرائيل) ف ي تأييد واضح لمنهج حركة المقاومة الإسلامية حماس، أظهر استطلاعٌ للرأي أنّ الفلسطينيّين يؤيّدون بشكلٍ متزايدٍ التزام حركة المقاومة الإسلامية «حماس» التي ترأس الحكومة الفلسطينية بتدمير الكيان الصهيونيّ، وأظهر الاستطلاع الذي أجرته شركة الشرق الأدنى للاستشارات أنّ ٥٥% من الفلسطينيين يعتقدون أنّ على «حماس» التمسّك بتوعّدها بسحق الكيان الصهيونيّ لترتفع نسبة المؤيّدين عن ٤٤% في أواخر يونيو/حزيران، و٢٥% في يناير/كانون الثاني حين فازت حركة المقاومة الإسلاميّة «حماس» في الانتخابات البرلمانية. كما أظهر الاستطلاع أنّ أغلبيةً ضئيلة من الفلسطينيين يؤيّدون التسوية السلمية مع الكيان الصهيونيّ في انخفاضٍ كبيرٍ عن استطلاعات سابقة، كما أجابت أغلبية ساحقة ممّنْ تمّ استطلاع آرائهم (٩٧%) بأنّهم يؤيّدون موقف حزب الله من الكيان الصهيونيّ، وقال الاستطلاع: إنّ ٩١% من الفلسطينيّين يعتقدون أنّه يجب ألا يتمّ الإفراج عن الجنديّ الصهيونيّ الأسير في قطاع غزة دون شروط. [المركز الفلسطيني للإعلام ٧/٨/٦..٢م] إعلان الحرب على البضائع الإيرانية أعلنت مجموعات من المقاومة في بغداد ومدن عراقية أخرى عبر آلاف المنشورات بدء الحرب الاقتصادية على إيران، ودعت المواطنين وأصحاب المحلات التجارية إلى مقاطعة البضائع الإيرانية نهائياً، وهددت بمعاقبة كل من يخالف هذه التعليمات ويروِّج لتلك البضائع، ولم تعلن هذه الجهات عن هويتها ولكنها نفذت تهديداتها وحرقت عدداً من المتاجر، وهاجمت التجار المخالفين. [مجلة الوطن العربي عدد ١٥٢٤] الخطوة التالية: غلق المساجد «اليوم نحن على موعد مع نكتة عربية جديدة، في ظروف عربية ليست جديدة؛ فهناك؛ مسؤول عربي هو الهادي مهنى، يعمل كوزير للداخلية في بلد عربي (مسلم طبعاً) فاجأ بقية المواطنين بقرار يفطس من الضحك، ويدل إلى أي مدى تدهورت أخلاق ونفوس الناس، ويقنعك على الفور أننا أمة تستحق ما يجري لها. إننا، شعوباً وحكاماً، نجري بسرعة الصاروخ نحو المتحف، فمكاننا محجوز إلى جوار الديناصورات والماموث (حيوان غير مهم ومنقرض) . عقد سيادة الوزير مؤتمراً صحفياً كبيراً ألقى فيه القنبلة وقال: إن تونس أقرت نظاماً جديداً لتنظيم صلاة المسلمين، وشرح جنابه كيف قرر الحاكم صانع التغيير أن ينظم للناس كل شيء، حتى مكان وزمان الصلاة. فقد ذكرت صحيفة (صوت الحق والحرية) التونسية أن وزير الداخلية حذر المواطنين من مخالفة هذا القرار الخطير، وقال إنه يتعين على كل تونسي الحصول على بطاقة مصلٍّ، وأن يودعها عند أقرب قسم شرطة أو حرس وطني، وستحمل البطاقة صورة المصلي وعنوانه واسم المسجد الذي ينوي ارتياده، وحسب الإجراءات الجديدة يتعين وجوباً على المصلي اختيار أقرب مسجد لمكان إقامته، أو عمله. وزير الداخلية التونسي حرض أئمة المساجد على المصلين وحذرهم من اختراق هذا القرار، وطالبهم بطرد أي مواطن ليس معه بطاقة صلاة، وأن ينبهوا على هؤلاء المصلين بإبراز البطاقة على باب الجامع كي يُسمح له بالدخول!! الأجمل أن البطاقة لا تجوز إعارتها ويمنع التنازل عنها للغير، وإذا قرر صاحبها الانقطاع عن الصلاة فإنه مطالب بتسليم بطاقته لأقرب مركز شرطة. شدد الوزير ونبه وعمل ما عليه، وقال للناس حتى تفهم: من حق كل مصل أداء الصلوات الخمس طبعاً والنوافل، لكن في مسجد واحد فقط. ولم يترك ثغرة في القرار، ولم يفتهم شيء، حتى زوار تونس من المسلمين أبناء البلاد المنكوبة الأخرى فسيطبق عليهم القرار فور دخولهم، بل عليهم أن يطلبوا بطاقاتهم من نقاط شرطة الحدود، لكن يا لحظ وسعادة الزوار؛ فقد سمح لهم الرئيس ووزيره بالصلاة في أي مسجد، أي مسجد؛ فالبطاقة التي يحملونها مثل الماستر كي تفتح أي باب، لكن عليهم إعادة البطاقة قبل المغادرة. وللأسف اختلط الأمر على بعض المواطنين ممن لم يفهموا ويستوعبوا، واختلط علينا كذلك كمسلمين في دولة إسلامية وعربية مجاورة لتونس. فلم نعرف حتى الآن هل يسري القرار على صلاة الفرد في منزله أو في أي مكان؟ وماذا لو صلى جماعة بأهله أو زملائه مثلاً؟ هل يقبل الرئيس صلاته ويضمها إلى ميزان حسناته كمواطن أم تعد لاغية لأنها من غير بطاقة؟!» [خالد الدخيل، الأسبوع القاهرية ٧/٨/٦..٢م] أخبار التنصير التنصير يفترس كوريا الجنوبية بثت قناة GOD TV الكورية الجنوبية، وقائع مهرجان مسيحي كبير جرى في أحد الملاعب الضخمة بعنوان (مهرجان النمو المسيحي) حضره قادة كبار وعشرات الآلاف، في اجتماع صلاة كبير، قدموا لهذه الغاية من كل أنحاء كوريا. ومن المعلومات التي تحدث بها أحد القادة الكنسيين على الهواء مباشرة، أنه في دولة كوريا الجنوبية: لم يكن عدد الذين يعرفون «الرب يسوع» عام ١٩٠٠ أكثر من مئات محدودة، بينما في العام ٢٠٠٠ الماضي (بعد مائة سنة فقط) سمعنا أن ما يقرب من ٩٥% من أهل كوريا الجنوبية أصبحوا مسيحيين مؤمنين. وقال مقدم المهرجان إن شعب كوريا الجنوبية مؤمن بنشر الإنجيل، وأن معظمهم رهبان صلاة، في البيت، في المكتب، في المدرسة، في المصنع، ولذلك فهم يدفعون العشور (كما أمر المسيح بحسب زعمهم) أو ١٠ % من دخلهم، لنشر كلمة الله في قارة آسيا حسب قوله. في سورية فشل مؤتمر الحوار الأرثوذكسي الكاثوليكي (مستجدات وتصورات) . [وكالة الأنباء السورية ـ ٧/٧/٢٠٠٦] استجابة لتسليم المنطقة العربية بالنشاط التنصيري في أرجائها، استضافت مطرانية الروم الأرثوذكس بمدينة حلب السورية يوم الجمعة ٧/٧/٢٠٠٦، مؤتمراً عالمياً بكنيسة النبي إلياس، للتنسيق بين الجهود الأرثوذكسية والأخرى الكاثوليكية في المنطقة، تحت عنوان: (الحوار الأرثوذكسي الكاثوليكي. مستجدات وتصورات) ، حضره أكثر من (٤٠٠) شخصية كنسية عليا، أملاً في توحيد الجهود؛ لكن الرياح أتت بما لم تشته السفن؛ حيث تأججت عدة خلافات عقدية بين الطرفين، أفشلت التنسيق فيما بينهما. وكانت الحكومة السورية قد استجابت قبل شهرين فقط من هذا المؤتمر (الجمعة ١٢ يونيو) ، لتنظيم مؤتمر تنصيري رسمي، يهدف إلى تنشيط الوجود الرمزي لبعض الطوائف المسيحية القديمة، تحت عنوان (القديس إفرام والمدى الحضاري) ، وبرعاية الرئيسين السوري بشار الأسد، واللبناني إميل لحود، وحاضر فيه القس البروفسور سيبستيان بروك من جامعة أكسفورد عن جذور النصرانية في بلاد الشام. مؤتمر تنصيري لوضع خطط الانتشار السريع [حامل الرسالة ٢/٧/٢٠٠٦] وسط حضور ديني وسياسي ومدني حاشد في المركز الملكي بمدينة مونتريال الكندية، وعلى مدى أسبوع متواصل، نظمت كنيسة أنطاكيا الأرثوذكسية في بلاد المهجر، واحداً من أخطر المؤتمرات التي عقدت خلال السنوات العشر الأخيرة، برعاية البطريرك غريغوريوس الثالث لحام، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم. احتل المؤتمر الترتيب الخامس في سلسلة المؤتمرات السنوية لبطريركية أنطاكيا، وعقد تحت عنوان: (الدعوة في بلاد الانتشار) ، وجاء في توصياته الختامية: - يعمل الآباء على إيجاد وسائل جديدة وجذّابة لإحياء العمل الرعويّ ونشر البشارة. ـ وضع رؤية مستقبليَّة لكنيستنا في الانتشار. ـ إنشاء ميزانيّة خاصَّة لتأمين مصاريف نشر البشارة. ـ إقامة الصلوات الرعويَّة باللغات المحلِّيَّة، مع المحافظة على اللغة العربيَّة. وبعد المؤتمر، دار حوار موسع مع المشاركين ـ بحسب تعبير المصدر الإعلامي ـ تناول العمل الحركي في مختلف وجوهه. ترجمات عبرية خاصة بالبيان ü «الحقيقة أن السوريين هم طرف في هذا الصراع بين إسرائيل وحزب الله، لكنهم ليسوا مفتاح الحل» . [ضابط بجيش الاحتلال الصهيوني لصحيفة هآرتس ١٩/٧/٢٠٠٦م] ü «زعيم حزب الله يجلس الآن تحت أحد مباني مكاتبه التي دمرت بالكامل جنوبي بيروت، لكن يمكنه الهرب وإدارة أعماله كالمعتاد» . [رئيس الأركان العسكرية الصهيوني، دان حالوتس، بمؤتمر صحفي الإذاعة الإسرائيلية ٢٠/٧/٢٠٠٦م] ü «إذا اضطررنا للعمل ضد الرئيس السوري فسنعمل بكل ما نملك من أسلحة، وبدون المناورات البهلوانية التي نقوم بها بين الحين والآخر فوق قصره» . [رئيس حزب «إسرائيل بيتينو» اليميني المتطرف أفيجدور ليبرمان - صحيفة هتسوفيه ١٧/٧/٢٠٠٦م] ü «إن موعد اعتداء حزب الله في الشمال تم تنسيقه مُسبقًا مع إيران بغية تحويل أنظار المجتمع الدولي عن الملف النووي الإيراني» . [رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، للصحفيين الصهاينة ١٨/٧/٢٠٠٦م] ü «إذا لم نستيقظ مبكراً لما يحدث الآن من تطورات في البنية التحتية لحماس بغزة، فسنجد أنفسنا بعد عامين في نفس أوضاعنا الحالية أمام حزب الله» . [رئيس جهاز الأمن العام الصهيوني، الشاباك، صحيفة معاريف ٢٣/٧/٢٠٠٦م] متفرقات عبرية ü «إيهود أولمرت يريد في الحقيقة وقف الحرب في لبنان، خاصة بعد التطورات على أرض المعركة ومقتل عدة جنود في الجنوب، لكن وزيرة الخارجية الأمريكية، كونداليزا رايس، حذرته من إعلان ذلك وإلا فستتوقف جميع المساعدات الأمريكية» . [صحيفة معاريف - ٢٣/٧/٢٠٠٦م] ü «الحرب تُعكر شمال وجنوب إسرائيل فشركة مايكروسوفت الإسرائيلية طلبت من عمالها بحيفا وعددهم ١٨٠ الجلوس في بيوتهم، وأغلقت الشركة، وشركة كوكا كولا فرع إسرائيل ألغت حفلها السنوي في شوارع إسرائيل» . [صحيفة زي ماركر الاقتصادية العبرية ١٩/٧/٢٠٠٦]

стр. 5715

التعليم ودوره في التغريب العقائدي والسلوكي د. محمد بن عبد الله الشباني الواقع المعاصر لحال الأمة الإسلامية تجاه الحملة الشرسة على مقوماتها الدينية، والسلبية تجاه هذه الحملة، واستسلام الأمة بكل فئاتها بقبول مقولات الغرب الصليبي ـ بل لقد تعدى الأمر إلى مساندته في إذلال الأمة، وقبول مقولاته، والسعي الحثيث إلى تبني برامجه الاقتصادية والسياسية والثقافية ـ يثير في النفس السوية كثيراً من التساؤلات عن الأسباب التي جعلت الأمة تشرب كوؤس المهانة دون شعور بالذل؛ حيث تنتهك حرماتها وتسلب خيراتها فلا يتحرك عضو ليهشَّ عن جسد الأمة ما تُصفع به ليل نهار، بل لقد استمرأت الهرولةَ خلف الغرب الصليبي مسلوبة الإرادة؛ حيث احتجبت الحقيقة عن الأنظار، فلا تسمع الأمة إلا ما يقوله الغرب، ولا ترى إلا ما يرغب الغرب أن يراه، إن قال أنصتت الآذان لقوله، وإن أَمَر سارعت الأقدام لتنفيذ أَمْره، فهو السيد المطاع فلا اعتراض على حكمه، الحكيم الذي تؤخذ الحكمة منه، وما علينا إلا أن نسمع فنطيع، فمن خالف أمره، أو شكّك في قوله أو انتقد تصرفه، أو طلب من الأمة رفع هامتها وإزالة الوهن الذي ران على قلبها؛ فهو إرهابي يجب نبذه، ومريض ينبغي عزله؛ حتى لا تنتشر عدوى مرضه إلى الآخرين. ü مراحل الصراع الأربع مع الغرب: الإجابة عن تلك التساؤلات مرتبط بمعرفة وإدراك نوع وحجم الصراع مع الغرب النصراني؛ فالصراع معه قد مرّ بأربع مراحل منذ بعثة رسولنا الأكرم ﵊ وحتى يومنا هذا؛ كما حدّدها الشيخ (محمود محمد شاكر) ﵀ (١) . الأولى: سمّاها صراع الغضب لهزيمة (النصرانية) في أرض الشام ودخول أهلها في الإسلام. والثانية: مرحلة صراع الغضب المنفجر المتدفق من قلب أوروبا مشحوناً ببغضاء وجاهلية عاتية، وتغطي هذه المرحلة فترة الحروب الصليبية. والثالثة: سمّاها صراع الغضب المكظوم الذي أورثه اندحار الكتائب الصليبية على العالم الإسلامي. أما المرحلة الرابعة: فقد سمّاها صراع الغضب المشتعل بعد فتح القسطنطينية وتغلل النفوذ الإسلامي في أوروبا من الشرق، بعد أن تراجع النفوذ الإسلامي من الغرب، وخروج المسلمين من الأندلس. لقد نتج عن هذه المرحلة ـ أي: المرحلة الرابعة ـ أنْ حدّدت أهداف القضاء على الإسلام، والاستعداد لحرب صليبية رابعة ـ والتي نحن نعيشها في عصرنا الحاضر تحت ما يسمى بـ «محاربة الإرهاب» ـ بعد أن يتمّ القضاء على المقومات الدينية والحضارية للمسلمين. ü سياسة الغرب في حربنا: لقد اتبع الغرب النصراني سياسة طويلة النَّفَس في المرحلة الرابعة؛ والتي تمثّلت في التغريب الثقافي من خلال ما يعرف بحركة «الاستشراق» التي مهّدت للاستعمار، واحتلال البلاد الإسلامية، وتنفيذ المخطط الذي قام على صنع أجيال انفصمت عراها عن الإسلام، ووفق الاستراتيجية التي رسمها الغرب النصراني، والتي أشار إليها القس (زويمر) خلال مؤتمر المبشرين الذي عقد في القدس عام ١٩٣٥م حيث قال: «إن مهمة (التنصير) التي ندبتكم دول (النصرانية) للقيام بها في البلاد المحمدية ليس إدخال المسلمين في النصرانية، إن مهمتكم أن تُخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، ومن ثَم لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها بذلك، وبذلك تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية» (٢) . ويقول المبشر (تكلي) : «يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني؛ لأن كثيراً من المسلمين قد زُعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية وتعلموا اللغات الأجنبية» . ويشير (زويمر) إلى أن التعليم على النمط الغربي هو الوسيلة التي يجب اتباعها. وفي هذا الصدد يقول: «ما دام المسلمون ينفرون من المدارس النصرانية فلا بدّ من أن ننشئ لهم المدارس العلمانية ونسهل التحاقهم بها، هذه المدارس هي التي تساعدنا على القضاء على الروح الإسلامية عند الطلاب» (١) ، ويشير إلى دور التعليم في تغيير الهوية الإسلامية بقوله: «لقد فقد الإسلام سيطرته على حياة المسلمين الاجتماعية، وأخذت دائرة نفوذه تضيق شيئاً فشيئاً، وانحصرت في طقوس محدودة، وقد تمّ معظم هذا التطور تدريجياً عن غير وعي وانتباه، وقد مضى هذا التطور الآن إلى مدى بعيد ولم يعد من الممكن الرجوع عنه، لكن نجاح هذا التطور يتوقف إلى حدٍ بعيدٍ على القادة والزعماء في العالم الإسلامي وعلى الشباب منهم خاصة، كل ذلك نتيجة النشاط التعليمي والثقافي العلماني» (٢) . لقد بدأ التنفيذ لهذا المخطط النصراني في علمنة العالم الإسلامي والعربي من خلال التعليم والبعثات التعليمية، ووضع المناهج التعليمية بعد غزو (نابليون) لمصر وقيام دولة (محمد علي) في مصر؛ فقد بدأت البعثات إلى فرنسا عام ١٨٠٥م، وكان لأولئك المبتعثين دور في نشر الفكر الإلحادي الغربي، كما تمّ إنشاء أول مدرسة على النمط الغربي العلماني في مصر وهي مدرسة (الألسن) عام ١٨٣٦م، وفي هذه السنة تمّ إعداد نظم التعليم في مصر والتي اقتبست من التعليم الفرنسي، حيث كونت لجنة من الفرنسيين الذين وضعوا اللوائح لمراحل التعليم الثلاث؛ والتي هي السمة البارزة في نظم التعليم العربية المقتبسة من النظام المصري. ü سياسة إفساد الأجيال: إنّ الناظر في واقع الأمة الإسلامية إلى ما أنتجه التعليم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين من تحقيق لأهداف الاستعمار الصليبي بحرف الأمة عن قيمها وموروثها الحضاري والعقائدي بعد أن دُجِّنت من خلال غسل أدمغة أبنائها من خلال المناهج التعليمية، وتمكُّنِ المدجَّنين من قيادة الأمة في مختلف المجالات، وإبعاد العناصر المدركة لسياسة الغرب النصراني من تسنم مراكز القيادة، لهذا نجد القبول المطلق والتنفيذ السريع لجميع السياسات التعليمية والتربوية التي يمليها الغرب النصراني. لقد اتّبع الغرب في سياسته التغريبية للعالم العربي والإسلامي أسلوب إفساد المناهج التعليمية بجعلها وسيلة لنشر الفكر الإلحادي، عن طريق بثّ الأفكار الإلحادية في ثنايا المواد الدراسية لمختلف مراحل التعليم، مع العمل على تقليص الفترة الزمنية الخاصة بالمواد الدينية إلى أقصى حدٍّ ممكن، وتجنب تدريس النصوص ذات الارتباط بالانحراف النصراني، مع العمل على تحريف النصوص الشرعية من خلال بترها وتحويرها بالشكل الذي يظهرها على أنها تقدس العقل وحرية التفكير، وإبراز النصوص التي تؤيد حرية التفكير مع فصلها عن سياقها وحرف معانيها، والإشادة بالعلماء المسلمين العقلانيين أو ما يعرف بـ (المدرسة العقلية في التفسير) . ولقد كان من نتيجة ذلك أن ظهرت الدعوة إلى التقارب بين الأديان وقبول الفكرة من علماء يُنسبون إلى الإسلام، ويتسنمون مراكز قيادية في الهيئات العلمية الدينية الإسلامية، وهذه الدعوة إلى التقارب بين الأديان، واعتبار اليهودية والنصرانية ديانات سماوية غير محرفة يخلط المفاهيم، كما أنه مخالفة صريحة للوصف الذي أطلقه القرآن على اليهود والنصارى بأنهم كافرون، فهذا التقارب بين الأديان والقبول به خطأ عقائدي حيث يخالف أهم أساس من أسس العقيدة الإسلامية؛ وهي عقيدة الولاء والبراء. ومن الأساليب التي اتّبعها الغرب النصراني في إفساد التعليم صرفه عن أن يخدم الأمة في تربية أبنائها وإعدادهم للحياة لخدمة الأمة بخلق التماسك؛ بحيث تتّجه نحو مرمى واحد وتنزع إلى غاية واحدة. فأصبح غاية ما يهدف إليه هو حرف أبناء الأمة وتحقيق ما أوصى به (لويس التاسع) ملك فرنسا من ضرورة إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية؛ بالرشوة والفساد والنساء، حتى تنفصل القاعدة عن القمة، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال استخدام التعليم وسيلةً لصرفها عن تحقيق تماسكها، والعمل على أن يكون التعليم وسيلة لغرس الضعف الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي، ومنعه من أن يؤسس على تلبية الحاجات السياسية والاقتصادية والثقافية للأمة. لقد عمد التغريب إلى التمكين للغة الاستعمارية من خلال نشر اللغات في مختلف مراحل التعليم وإلزاميته؛ وخاصةً اللغة الإنجليزية. ولقد أدّى هذا إلى إضعاف الروابط القائمة بين اللغة العربية والدِّين من خلال إضعاف القدرة اللغوية للأفراد بإضعافه للغة العربية من خلال منافسة اللغة الإنجليزية لها في مختلف مجالات الحياة، وتهميش اللغة العربية في موطنها الأصل. ولا شكّ أن تغلغل اللغة الإنجليزية في حياة الأمة أدى إلى نقص في فهم الدين، ومعرفة أحكامه، والاعتماد على فهمه من خلال فئة محدودة ممن يلتحق بالجامعات الإسلامية والتي أُفسدت أيضاً مناهجها بإدخال كثير من العلوم المزاحمة للعلوم الشرعية، بحيث ضعفت القدرة العلمية لدى خريجي العلوم الشرعية مما أدى إلى ضعف الفاهمين للشريعة الإسلامية ومقاصدها، وقد تولى كثير منهم قيادة الإفتاء؛ فكثيراً ما سمعنا عجباً فيما يتعلق بكثير من الفتاوى المتعلقة بالعديد من القضايا، والمشاكل المعاصرة المستجدة. لقد نتج عن إفساد المناهج التعليمية القبول والالتزام بما تقرره منظمات الأمم المتحدة، والتي أصبحت النافذة التي من خلالها دلج الصليبيون لتخريب البقية الباقية من قيم الأمة، بالعمل على صرفها عن معتقداتها وتغيير سلوكيات أفرادها، فمثلاً: قامت الأمم المتحدة من خلال منظماتها التعليمية والاجتماعية في السنوات الأخيرة بعد أن تمكّنت فكرة (العولمة) من السيطرة على الأفكار، وأصبح الجميع يلهث للالتحاق بقطار منظمة التجارة العالمية، وفُرِضت الثقافة والقيم الأمريكية على من يركب هذا القطار، فعُقِدت المؤتمرات، وأُصدِرت الوثائق التي تلزم بموجبها طمس معالم ثقافة الأمم. فمن تلك الوثائق التي تبنتها الأمم المتحدة وطُلب من أعضائها الالتزام بها ما يعرف بـ «اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة» فالقبول بهذه الوثيقة من قِبَل الدول العربية والإسلامية، وإقرارها، وتنفيذ بنودها لم يتحقق إلا بعد أن تشربت قيادات الأمة ثقافة الغرب وقيمه من خلال التعليم الذي قام بتشكيل عقولها وتأطير سلوكياتها. فقبول ما جاء في هذه الوثيقة ـ من توجهات والتزامات تُخالف الأسس العقائدية كما نصت عليه مواد تلك الوثيقة ـ إنما يعود في أساسه إلى انحراف في الأفكار وإيمان بما يقوله الغرب ويُطالب به؛ فمن ذلك مثلاً: ما نصّت عليه المادة الخامسة في الفقرة (أ) حيث نصت على: «ضرورة إجراء تغييرات في الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة، تمهيداً لتحقيق القضاء على التحيزات والعادات الدينية وكل الممارسات الأخرى القائمة على الاعتقاد الذي يكون أي من الجنسين أدنى أو أعلى من الآخر، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة» وهذه الفقرة تخالف أُسُس وقيم الإسلام من حيث دور الرجل والمرأة في المجتمع. يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] ، وقوله ـ تعالى ـ حين أوضح أفضل الوسائل لمقرّ المرأة التي تجب أن تكون فيه في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] . والمادة العاشرة الفقرة (ج) والتي جاء فيها: «القضاء على أي مفهوم يخص دور المرأة ودور الرجال في جميع مراحل التعليم بجميع أشكاله عن طريق تشجيع التعليم المختلط وغيره من أنواع التعليم» ، والمادة الخامسة عشرة الفقرة (٤) ، التي أشارت إلى منح المرأة الحقوق نفسها فيما يتعلق بالتشريع المتصل بحركة السفر، وحرية اختيار السكن، وفي حق الإقامة. وكذا المادة السادسة عشرة الفقرة (ج) ، التي أعطت حق المساواة بين الرجل والمرأة في الطلاق. ü التعليم حينما يكون في خدمة الغرب: ولأهمية التعليم كوسيلة لمسح الهوية فقد تبنّت منظمة الأمم المتحدة الخاصة بالتعليم ووضع السياسات التعليمية ـ والتي تعمل على تحقيق أهداف الحركة الصليبية المعاصرة بزعامة أمريكا ـ الدعوةَ إلى برمجة التعليم وفق التصور العلماني الغربي. فمن تلك المؤتمرات ما عُرف بالمؤتمر العالمي (التعليم للجميع) ، الذي عُقِد في العاصمة السنغالية (دكار) في الفترة من ٢٦ ـ ٢٨ إبريل عام. ٢٠٠م الموافق ٢١ ـ ٢٣ محرم ١٤٢١هـ؛ والذي شارك فيه أكثر من ١٨٠ بلداً، وقد صدر عن هذا المؤتمر توصيات تهدف إلى محو الهوية الدينية للدول الإسلامية، ومن أهم الأهداف التي أشير إليها في توصيات ذلك المؤتمر: (العمل على القضاء على أوجه التفاوت بين الجنسين في التعليم الابتدائي والثانوي بحلول عام ٢٠٠٥م، وذلك مرحلة أساسية نحو تحقيق المساواة بين الجنسين في البرامج والمؤسسات والنظم التعليمية بحلول عام ٢٠١٥م) ، فهذا الهدف هو جعل التعليم يخدم ما يعرف بالمساواة بين الرجل والمرأة، بحيث تسود النظرة التي يتبناها الغرب. وليس هناك دور للمرأة يختلف عن دور الرجل، إنما دورهما دور واحد. وهذا المفهوم يخالف في حقيقته الأسس والأُطر التي قام عليها التشريع الإسلامي في تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة، وهذا الهدف الذي تبناه مؤتمر (دكار) وبدأت الدول الإسلامية بتنفيذه من خلال إعادة صياغة برامج ومناهج التعليم والنظم التعليمية من حيث محتوياتها وأهدافها؛ ومن ثَم إكمال الهدف الذي سعى إليه الغرب الصليبي بتحقيق التغريب الفكري والسلوكي. ولقد التزم المشاركون في ذلك المؤتمر لتحقيق أهدافه بالعمل على تنفيذ ما جاء في التوصية (و) ، والتي نصت على: «تنفيذ استراتيجيات قطاعية متكاملة تستهدف تحقيق المساواة بين الجنسين في التعليم، وتنطوي على الإقرار بضرورة إحداث تغييرات في المواقف والقيم والممارسات» . إن القبول بتلك الأهداف والخطط التنفيذية من قِبَل قادة التعليم في الدول العربية والإسلامية التي شاركت في ذلك المؤتمر وغيره؛ إنما تم بعد تمكن التغريب من صياغة المناهج التعليمية التي تم تنفيذها في العالم العربي والإسلامي، وإخراج أجيال من الرجال الذين أصبحوا أكثر اهتماماً بتبني المناهج التعليمية الغربية ونشر الفكر التغريبي من الغرب نفسه، فغاية هذا المؤتمر هو زيادة التغريب الفكري والسلوكي والقضاء على البقية الباقية من التعليم الإسلامي وجعل التعليم وسيلة لهدم مقومات الأمة. ü القابلية للاستعمار: إن من مظاهر التغريب التي نتجت عن تبني المناهج التعليمية الغربية ظهور ما سمّاه المفكر الإسلامي (مالك بن نبي ﵀) القابلية للاستعمار؛ حيث نجد أهم مظاهر تلك القابلية تتمثل في حب اللغة الإنجليزية، وتقديمها، وجعلها لغة ثابتة، والعمل على نشر ازدواجية اللغة الأجنبية في المجتمع بمزاحمتها للغة العربية، حتى إن من الغريب ـ مثلاً ـ حين تنظر إلى اللوحات الإرشادية والإعلانية في مدن وطرق الدول العربية والإسلامية تجد اقتران اللغة الإنجليزية باللغة المحلية؛ بل ترجمة الألفاظ الإنجليزية بنطقها لتصبح علامةً أو اسماً تجارياً، وكتابتها باللغة العربية. ومن تلك المظاهر السلوكية انتشار محاكاة الغرب في مطعمه ومشربه وملبسه، وهكذا. وفي الفكر نجد بروز الأفكار الحداثية في الشعر والنثر، وتعظيم فلاسفة ومفكري الغرب، وحثالات الممثلين وغيرهم، واعتبارهم قدوة لكثير من شباب الأمة. إن حماية الأمة من هذا الانحدار لا يمكن أن يتمّ إلا بإعادة صياغة المناهج التعليمية من جديد، وإعادة إحياء الثقافة العربية الإسلامية، وطرد الفكر والثقافة الغربية من مناهجنا ووسائل إعلامنا، وبث وغرس روح الانتماء للفكر والعقيدة الإسلامية.

стр. 5716

تأسيس رابطة الصحافة الإسلامية مندوب المجلة تداعت مجموعة من الصحف والمجلات الإسلامية للاجتماع في العاصمة اللبنانية بيروت في الفترة من (٤ ـ ٥/ ٦/١٤٢٧هـ الموافق ٣٠/٦ ـ ١/٧/٢٠٠٦م) ، حيث تم الاتفاق على إنشاء «رابطة الصحافة الإسلامية» وإقرار نظامها الداخلي، وانتخاب مكتبها الإداري. النظام الداخلي للرابطة أشار إلى أنها «إطار صحفي تنسيقي مستقل، يضم صحفاً ومجلات إسلامية ملتزمة مرخصة وتصدر بشكل دوري، يسعى إلى التعاون بين المؤسسات الصحفية الأعضاء لخدمة العمل الصحفي المهني وقضايا الأمّة، مع الحفاظ على الاستقلالية الخاصة لكل مؤسسة» . وحدد الأعضاء المشاركون في الاجتماع التأسيسي للرابطة أهدافها في «النهوض بواقع الصحافة الإسلامية وتطوير أدائها، وتحقيق التعارف بين الصحف والمجلات الإسلامية وتعزيز العلاقات فيما بينها، وتبادل الخبرات، وتنسيق الجهود الإعلامية المشتركة، وتقريب الرؤى والمواقف إزاء القضايا الكبرى، وتشجيع وتحفيز الأبحاث والدراسات العلمية التي تخدم رسالة الصحافة الإسلامية» . وانتخب أعضاء الرابطة مكتباً إدارياً لمدة عامين ضمّ رئيس تحرير مجلة البيان السعودية (أحمد الصويان) رئيساً للرابطة، ورئيس تحرير مجلة فلسطين المسلمة (رأفت صالح) أميناً للصندوق، ومدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية (شعبان عبد الرحمن) مسؤولاً للاتصالات، ورئيس تحرير صحيفة السبيل الأردنية (عاطف الجولاني) مقرراً. الصحف والمجلات المشاركة في الاجتماع التأسيسي لرابطة الصحافة الإسلامية: ١ ـ مجلة الأسرة ـ السعودية. ٢ ـ مجلة الإسلام اليوم ـ السعودية. ٣ ـ مجلة الأسرة العربية ـ مصر. ٤ ـ مجلة الإصلاح ـ البحرين. ٥ ـ مجلة آفاق عربية ـ مصر. ٦ ـ مجلة الأمان ـ لبنان. ٧ ـ صحيفة البصائر ـ العراق. ٨ ـ مجلة البلاغ ـ الكويت. ٩ ـ مجلة البيان ـ السعودية. ١٠ ـ مجلة البيان ـ الجزائر. ١١ ـ صحيفة التجديد ـ المغرب. ١٢ ـ مجلة الحقائق ـ العراق. ١٣ ـ صحيفة دار السلام ـ العراق. ١٤ ـ مجلة الرسالة ـ فلسطين. ١٥ ـ صحيفة السبيل ـ الأردن. ١٦ ـ صحيفة الصحوة ـ اليمن. ١٧ ـ مجلة الفرقان ـ الكويت. ١٨ ـ مجلة فلسطين المسلمة ـ فلسطين. ١٩ ـ مجلة منارات ـ السعودية. ٢٠ ـ مجلة المنار الجديد ـ مصر. ٢١ ـ صحيفة المحرر ـ السودان. ٢٢ ـ مجلة المجتمع ـ الكويت. ٢٣ ـ مجلة المختار الإسلامي ـ مصر. ٢٤ ـ مجلة المستقبل الإسلامي ـ السعودية. ٢٥ مجلة المنتدى ـ اليمن.

стр. 5717

التيار الأنثوي تراجع الرموز.. بعد زمن التيه !! آي جي ويلكنسن نشأ التيار الأنثوي أو ما يسمى بالإنجليزية feminism بسبب تردي أوضاع المرأة في القرن التاسع عشر في الغرب، وقد بدأت الحركة بالسعي إلى الحصول على حقوق المرأة وتحسين أوضاعها، ثم انتقلت بعد انتشار الفكر الاشتراكي من حركة لتحرير المرأة إلى الأنثوية أو التمركز حول الأنثى، ورفضت تقسيم عمل المرأة على أساس الجنس، وركزت على علاقات القوة في الأسرة والكنيسة في المؤسسات التي أسمتها: (تقليدية) . وتشككت في مضمون الذكورة والأنوثة؛ فأكدت أنها مفاهيم نسبية راجعة للبيئة والتنشئة لا لحقيقة قدرات الطرفين، وركزت على الصراع بين الجنسين، ورفعت شعارات مثل (الحرب بين الجنسين) و (الرجال طبقة معادية) و (القتال من أجل عالم بلا رجال) ، ونادت بتفكك الأسرة وانتقدت العلاقات داخلها، وحصر دور المرأة في الأمومة والإنجاب بأنه مجال بيولوجي وهو مجال خاص؛ في حين يعمل الرجل في المجال العام، واعتبرت أن قيم العفة والأمومة إنما هي لتزييف وعي المرأة لتقنع بالمجال الخاص، ونادت باستقلال المرأة مالياً لتتحرر من سيطرة الرجل، ودعت للشذوذ والتلقيح الصناعي كبديل لإقامة علاقة مع الرجل، ثم انتقلت بعد ذلك إلى أفضلية المرأة وطرحت الأمومة بدلاً عن الأبوة. إن التساؤل الهام الذي يفرض نفسه هذه الايام في خضم مطالبة رائدات الحركة الأنثوية بحقوق المرأة هو: هل نجحت الفلسفة الغربية والحركة الأنثوية في تحقيق طموحات المرأة والتخفيف من معاناتها؟! الإجابة تتضح من خلال التجربة؛ ففي الغرب تخضع فلسفة الثورة الأنثوية إلى مراجعة خطيرة شاملة على ضوء تجربة التطبيق العملي، ومحور تلك الفلسفة كما عبرت عنها (بتي فريدان) في كتابها (سر الأنوثة الغامض) في عام ١٩٦٣ أن حصر عمل المرأة في البيت وما يتطلبه ذلك من طبخ وحياكة ونظافة، وخدمة زوجها وطاعته والعناية بتربية أطفالها، ضرب من العبودية واستغلال للمرأة وتعويق لقدراتها الفكرية والإبداعية يحولها إلى عالة على الغير وإلى مخلوق سلبي تعس. واستجاب لهذه الدعوة مئات الألوف من النساء خرجن ينشدن السعادة والحرية بعيداً عن مسؤولية البيت والزوج والولد. وبعد سنوات طوال من التجربة المريرة وخيبة الأمل ومحاولة تحقيق المستحيل، وفقدان مشاعر الأمومة، وتفكك الأسرة وتفشي الطلاق والفساد والعنف والانحلال الخلقي والجريمة والانتحار، يعود الغرب إلى مراجعة حساباته، ويبدأ موسم العودة إلى البيت والأسرة لا قهراً ولا إذلالاً، ولا تسليماً بتدني المرأة عقلياً وخلقياً، ولا إنكاراً لإنسانيتها ودورها في الحياة، ولا رفضاً لحقها في الاختيار وفقد خصوصيتها وظروفها، بل عن قناعة رسختها التجربة. وخرجت أفلام سينمائية تلفزيونية أبرزها (زوجة الأب) و (الشيء الحقيقي الوحيد) وكلها تمجد دور المرأة كأم وربة أسرة. وبرزت كاتبات شهيرات منهن (كارولين جراقليا) و (دانييل كريتندال) يهاجمن الحركة الأنثوية، ويؤكدن أن استرجال المرأة لم يؤد بها إلا إلى التعاسة واليأس، وأنهن لن يحققن طبيعتهن وتطلعاتهن إلا من خلال رعاية أطفالهن وربط أسرهن؛ والعودة إلى البيت لا تقلل من شأنهن ولا تحرمهن حقاً دستورياً أو قانونياً من دون الرجل. وقد تعرضت الحركة الأنثوية للهجوم في عقر دارها، وهناك منظمات كثيرة مناوئة لها شاركت في مؤتمر المرأة العالمي الرابع، منها على سبيل المثال لا الحصر (منظمة اتحاد المرأة والطفل) و (المنظمات الكاثوليكية) و (منظمة ميرج) ولكن الأمم المتحدة اختارت هذا الفكر في مؤتمراتها؛ لأنه يخدم مصالحها العالمية. وقد اعتمدت الأمم المتحدة في مؤتمرات المرأة المساواة الكاملة والتماثل التام بين الرجل والمرأة في العمل وفي كل شيء متجاهلين أن المرأة قد تحمل وتلد وترضع؛ زاعمين أنه إذا لم تخرج كل النساء للعمل فلن تتحقق التنمية؛ فإذا أُخرجت جميع النساء من بيوتهن للعمل المأجور، وتدرجن جميعاً في سلك الوظائف حتى وصلن إلى مراكز اتخاذ القرار فسيتضرر المسنُّون والعجزة والأطفال في الأسر، وستجد المرأة العاملة نفسها مضطرة إلى استخدام موانع الحمل للتقليل من نسلها لتَعارُض الحمل المتكرر مع التقدم في السلك الوظيفي نسبة لمعاناة الحمل ورعاية الأطفال في السنين الأولى من أعمارهم مع مهام المنزل ومسؤوليات العمل، وهذا ما توصلت إليه الأمم المتحدة في الإحصاء الذي أجرته في أربعين دولة نامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ولاحظت ان العاملات ينجبن عدداً من الأطفال أقل من المتفرغات، وأنهن لا يستخدمن الرضاعة الطبيعية كوسيلة لمنع الحمل لطول غيابهن عن المنزل، وأنهن يملن لاستخدام الموانع الصناعية التي تحتوي على مخاطر صحية كبيرة. وهناك محاولات في العالم الإسلامي تحذو حذو الأفكار السائدة في الغرب على تغيير اجتماعي يقود إلى آثار سلبية منها: ١ ـ رفض حقيقة وجود اختلاف أو تمايز بين الرجل والمرأة والدعوة إلى القضاء على مثل هذه المفاهيم. ٢ ـ تحقير دور الأم المتفرعة لرعاية أطفالها والزوجة المتفرغة لعمل البيت وتسميتها بـ (الأدوار التقليدية والنمطية) والدعوة إلى القضاء عليها. ٣ ـ الدعوة إلى التعليم المختلط، وعدم السماح بوضع مستويات تعليمية خاصة بالذكور، والمناداة بتدريب المرأة في المجالات الصناعية، والنص على التلمذة الحرفية والتدريب المهني المتقدم والمتكرر في مادتي التعليم والعمل على قدم المساواة مع الرجل. ٤ ـ وصف الأمومة بأنها وظيفة اجتماعية، والدعوة إلى وضع نظام إجازة للآباء لرعاية الأطفال، وإنشاء شبكات من دور رعاية الأطفال حتى تتفرغ الأمهات للعمل. ٥ ـ عدم توجه المرأة إلى عمل المرأة التقليدي، والدعوة إلى وضع أنماط ثقافية واجتماعية بديلة تجعل المجتمع يقبل وجود المرأة في مهن مختلفة كثيرة أسوة بالغربية التي قادت التاكسي والشاحنة. ٦ ـ الدعوة إلى تعميم استخدام موانع الحمل والترويج لها والدعوة إلى التثقيف بها ضمن مناهج التعليم، والدعوة إلى تحديد النسل ووصفه بأنه حق من حقوق المرأة. وفي ما يلي عرض لشيء من كتابات بعض المفكرات والكاتبات الغربيات اللاتي خضعن لأفكار الحركة الأنثوية وتأثرن بها لمدة من الوقت ثم تركنها عندما تبين لهن أن هذه الأفكار تجر وبالاً على المجتمع بكل فئاته، وتأتي بمصائب وأزمات نفسية واجتماعية وصحية لا حدود لها؛ سائلين المولى ـ جل وعلا ـ أن ينفع بها. ١ ـ روز ميري تشادويك: تقول (روز ميري تشادويك) : «لقد نجحت رائدات الحركة الأنثوية في إقناع المرأة والرجل على حد سواء بأن تكريس الجهد للبيت والأطفال تضحية عظيمة بحياة الحرية، وسعي عديم الجدوى لا يعطي أية فرصة لاستعمال الطاقات والذكاء حتى عند المرأة العادية، وأقنعت المرأة بأن الزواج اتفاق قاسٍ وظالم بالنسبة للفتاة التي تتزوج في سن المراهقة أو في بداية العشرينيات من عمرها، ودائماُ ما يذكّرونها وباستمرار بالفرص التي ستفوتها إذا ما أقدمت على الزواج؛ ونتيجة لهذا فقد أصبحت كثيرات من النساء أنانيات ومنهمكات في شؤونهن الذاتية إلى حد يعزين أسباب كافة مشكلاتهن إلى الرجال أو المجتمع أو الزواج. لقد فطنت النساء في الغرب إلى زيف هذه الأقوال والادعاءات، وأُلفت كتب كثيرة، كما ظهرت مقالات كثيرة في هذا المجال لكشف حقيقة هذه الشبهة» . ٢ ـ كارولين جاركليا: هذه المرأة محامية مؤهلة، ولكنها تركت وظيفتها لتكون ربة بيت باختيارها؛ لصرف اهتمامها لزوجها وأطفالها الثلاثة. وتبين في كتابها «الراحة المنزلية» زيف خرافة القول بالمساواة بين الجنسين. تقول (كارولين) : «إن البقاء في البيت ليس في حقيقة الأمر تضحية بحياة الحرية. إن التضحية الحقيقية هي التضحية بالأطفال والزوج؛ وذلك عندما تقصر في العلاقة الحميمية بينها وبين أطفالها. لقد أجبَرَنا أطفالُنا على المكوث معهم في البيت بسبب الجاذبية العاطفية القوية التي يمارسونها علينا. إن قضاء حياتنا في الاهتمام بالأطفال مفيد لنا نحن أيضاً. والمجتمع يكنّ لنا كل التقدير والاحترام بسبب قيامنا بهذا العمل الجليل الذي لا يُقوَّم بمال. لقد حطمت الحركة الأنثوية ثقة المرأة بنفسها عندما اتهمتها بكونها زوجة صالحة وأماً» . ٣ ـ دانييل كريتندن: تقول الكاتبة (دانييل كريتندن) في كتابها «الأشياء التي لم تطلعنا أمهاتنا عليها» (ص ٣٥) : «لقد كانت لجداتنا حياةٌ جنسية نظيفة ومستورة عن طريق الزواج، وفي الوقت ذاته قمن بمنع الاختلاط الجنسي من الحدوث. فقد قمن بوضع قواعد للمارسة الجنسية، وذلك بممارسته في إطار الزوجية فقط، وكل من تسوِّل له نفسه خرق هذه القواعد من الرجال أو النساء فإنه يتعرض لدفع ثمن غال مقابل ذلك بفرض عقوبة عليهم سواء بإجبارهم على الزواج أو نبذهم وحرمانهم من الصحبة الجديرة بالاحترام. تؤدي القواعد الجنسية إلى خلق تضامن جنسي بين النساء. ولهذا إذا وجد الرجال الفرصة مهيأة لهم للانتقال من امرأة إلى أخرى فإنهم سيفعلون ذلك لا محالة، وسوف يتمتعون بنا ما دُمنا متاحات وميسرات لهم ويستغلوننا استغلالاً فاحشاً لتحقيق مصالحهم. ولكن إذا تضامنت النساء وبدأن يطالبن بالالتزام الحقيقي المتمثل في الزواج بدلاً من ممارسة الجنس مع كل من هب ودب، عندئذ فقط ستتغير الأمور لصالح النساء» . وتقول الكاتبة في كتابها آنف الذكر: «لن تدرك المرأة حقيقة الحرية حتى تقوم بوضع طفلها الذي من أحشائها بين ذراعيها، ولن تحرز شعور الثقة بالنفس الذي تتوق إليه حتى تصمد أمام ثقل المسؤولية الذي تضعه عليها الأسرة وتتفوق عليها، وهو ثقل يجعل الأعمال التي تقوم بها في المكتب تبدو خفيفة للغاية وليس لها أهمية تذكر. وينطبق الشيء نفسه على الرجل. إننا نعمل على تقوية عضلة من العضلات باستعمالها، وهذا صحيح أيضاً بالنسبة للحب والعاطفة؛ فإنه بطول الانتظار وبدون نتيجة للاقتران بشخص وإظهار المودة له تضمحل قوة الحب والعاطفة وتتلاشى. وهذا لا يعني بأية حال من الأحوال أن يقوم الرجل أو المرأة بالزواج من أي شخص يريد الزواج، أو الاقتران بشخص لا يبعث شكله ومظهره على الحب؛ ولكن ينبغي أن ندرك في سن مبكرة من حياتنا خطورة ضرب المواعيد للِّقاء بشخص من الجنس الآخر ونشرع في الاستعداد للاستقرار في ظل الحياة الزوجية؛ لأنه بلعب الأدوار التي تعلمنا من الصغر تفاديها أو تأخيرها، أي أدوار الزوجة والزوج والأم والأب، سنقيم هويتنا الذاتية، ونقوم بتوسيع مجال حياتنا وتحقيق الشخصية الكاملة التي نرنو إليها. «ولكن ما زال النقاد يحاولون البرهنة على أن الطريقة التقليدية في التعامل مع الجنس ـ أي بالزواج ـ ليست بحال أفضل مما هو عليه الأمر اليوم من التسيب والحرية الجنسية غير المقيدة، وأن الخسارة الفادحة التي تتعرض لها المرأة بسبب تأخير الزواج أو الأمومة أرجح وزناً من فداحة الخسارة التي تتعرض لها المرأة بإقدامها على الزواج المبكر. إن إعادة النظر في الزواج على أنه عقد ظالم وقاس بالنسبة للمرأة عادةٌ راسخة في المجتمع حتى وسط النساء اللاتي لا يدعين أنفسهن من القائلات بالمساواة بين الجنسين، وقد رأيت عرائس وقد بدا عليهن منظر السعادة والابتهاج يعتذرن إلى ضيوف حفلة الزفاف عن استسلامهن للتقاليد وكأن بعضاً منهن لا زلن يشعرن بالارتباك والضعف عند موافقة امرأة ذكية وطموحة على الزواج. ولكن هل هذا الشعور حقيقي أم أنه عذر سلمته لنا الأجيال السابقة من النساء لتبرير حياة العنوسة المريرة وغير السعيدة؟ وقد كتبت (دي بوفوار) بخصوص المرأة التي تنفق كل شيء في سبيل أنوثتها «بأنها في مرحلة من مراحل عمرها سترسم خطاً عبر الصفحة لتحسب حساباتها؛ وذلك برصد الحساب والمقارنة بين جانبيه السلبي والإيجابي؛ وعندئذ سترتاع عند معرفة القيود الضيقة التي فرضتها عليها الحياة. ولكن الحياة ليست أقل ضيقاً إذا قمت بتضيق كل شيء لمحاولة الهروب من قيود التكوين البيولوجي كما اكتشف هذا الجيل من النساء. وفي آخر المطاف ستشعرين بالاستعداد لتصبحي أماً في سن الأربعين، وسترتاعين بأنك لن تصبحي أبداً كذلك، أو قد تطلّقين زوجك في سن الخمسين، وسترتاعين بأنك لن تتمتعي برفقة حميمة مع رجل آخر ثانيةً. أو قد تحرمين أطفالك من صُحبتك عندما يكونون في طور النمو وذلك لمزاولة وظيفة من الوظائف، وعندئذ سترتاعين عندما يعاملونك باللامبالاة وعدم الاكتراث أو حتى العداء والكراهية عندما تلتمسين صُحبتهم وأنت امرأة عجوز. ولعل هذه أسوأ نتيجة تتعرض لها المرأة عندما تحاول تجاهل أهمية تكوينها البيولوجي. إن محاولة المرأة تجاهل أهمية تكوينها البيولوجي لن يعرض حياتها إلا للمزيد من الخطر والتهديد كلما تقدم بها السن» . وتقول في الصفحة ١٣٥: «على الرغم من ادعاء رائدات الحركة الأنثوية بأن زمن مكوث المرأة في البيت ولى إلى غير رجعة فإن الحقيقة التي تفرض نفسها هي أن النساء أنفسهن يتمنين البقاء في البيت مع أطفالهن إذا تيسر لهن ذلك؛ فقد جاء في استفتاء أن ثلثاً واحداً فقط من مجموع ٧.٢ ملايين امرأة متزوجة لهن أطفال يقل سنهم عن ثلاث سنوات يعملن طوال ساعات الدوام. كما أظهرت نتيجة استفساء (روبر ستارتش) حول وجهة نظر المرأة بخصوص العمل أن الأغلبية الساحقة من النساء المتزوجات يفضلن البقاء في البيت إذا تيسر لهن ذلك، وأن هذه الأغلبية في تزايد مطرد منذ عام ١٩٨٥م» . وتقول في الصفحة ١٤٠: «تحكي الكاتبة (آن رويف) في كتاب لها عن الأمومة يحمل عنوان Fruitful الذي نُشِرَ عام ١٩٩٦ القصة التالية: «في مدرسة بنات خاصة ومعروفة بالامتياز الأكاديمي في الجهة الشرقية العليا من (جزيرة مانهاتن) الأمريكية قبل عدة سنوات، عقدت مديرة المدرسة لقاءً خاصاً لتتمكن الطالبات من لقاء محامية شهيرة كانت شريكة في مؤسسة قانونية رئيسية في أمريكا، وكان قد طُلب منها حديثاً العملُ في لجنة مدينة مهمة ... وقد تحدثت هذه المحامية إلى الطالبات عن عملها، وتدريبها في مجال المحاماة واهتمامها بالمواضيع التي تطرقت إليها التعديلات الأولى في الدستور الأمريكي. وعندما انتهت من حديثها كان أول سؤال وُجّه إليها عن الساعة التي تصل فيها إلى البيت عائدة من العمل. وكان السؤال الثاني عمَّن يتولى أمر الإشراف على تربية أطفالها أثناء النهار، وكان السؤال الثالث عمَّا يمكنها القيام به إذا تعرض أحد أبنائها للمرض، غير أن الطالبات اللاتي كان معظمهن بنات نساء عاملات ومهنيات تُرِك أمر رعايتهن لخادمات من جامايكا وترينداد لم يُظْهِرْن وداً ولا إعجاباً بهذه المحامية أو بإنجازاتها، ولكنهن بدأن يهمسن بإجاباتها على هذه الأسئلة على سبيل التهكم والسخرية» . وتقول الكاتبة ما بين صفحتي ٦٩ و ٧٠: «عندما تؤجل المرأة الزواج أو الأمومة فإن هذا التصرف لا يمنعها من صرف تفكير أقل في موضوع الحب كلما تقدم بها السن، بل إن هذا التفكير في هذا الموضوع يكون في ازدياد مطرد يصل في بعض الأحيان إلى حد تسلط هذا الشعور عليها تسلطاً مقلقاً غير سوي. وتتساءل قائلة: لماذا لا زلت وحيدةً؟ لماذا لا أستطيع أن أجد أحداً يكون مرافقاً لي في درب الحياة؟ ما هي مشكلتي بالضبط، وأين الخلل؟ أما صديقاتها اللاتي تزوجن فقد حصل لهن تقدم في حياتهن: فقد بدأن في ادخار ما يكفي لشراء السيارات والبيوت، والأطفال ملؤوا البيت بهجةً وسروراً. قد لا تحب زواج بعض صديقاتها؛ فقد تظن أن زوج أقرب صديقاتها غبي أو أحمق، أو أن تصرف إحدى صديقاتها تغير إلى الأسوأ منذ أن تزوجت، ولكن مع ذلك ستكون متأكدةً بأن حياتهن تقدمت إلى الأمام على الأقل؛ أما حياتها هي فتوقفت تماماً. وكلما تقدم بها الزمن كلما أصبحت أكثر انشغالاً واهتماماً بنفسها وبالعيوب المحتملة في أعين الرجال لتفاديها حتى تكسب ودهم إلى درجة تصير لا تكاد تفكر في شيء آخر غير ذلك» . ٥ ـ الأنوثة الساحرة للكاتبة هيلين آندولين: تقول هذه الكاتبة في كتابها «الأنوثة الساحرة» (ص ٢٨٦) : «ألقى نجم الأوبرا ومدير الفرقة الشهير (بيفيرلي سيلز) كلمة أمام خريجات كلية برنارد بنيويورك جاء فيها: لقد تم إقناع المرأة بأنها تستطيع أن تحصل على كل شيء: على الوظيفة والزوج والأطفال. إن الذي تحتجن إليه لتحققن آمالكن هو التعهد والالتزام. لِتُلْقِ إحداكن نظرة وجيزةً على أطفالها. إن أطفالكن لا يريدونكن أن تكنّ ذكيات أو موهوبات أو أنيقات، أو أي شيء آخر من هذا القبيل؛ إنهم فقط يريدون منكن الحب. وسوف يكون هؤلاء الأطفال هم الذين يدفعون الثمن غالياً؛ لأنكن ترغبن في الحصول على كل شيء. فكّرن جيداً في إنجاب مثل هؤلاء الأطفال الذين سيتعرضون للحرمان بسبب بحثكن عن أشياء لا طائل من ورائها. ثم إن عدم الرغبة في الإنجاب ستكون خسارة كبيرة، وتأخير الإنجاب سيزيد من الخطورة على صحتكن وصحة أطفالكن، كما أن إنجاب الأطفال دون تحمل المسؤولية الكاملة تجاههم ستكون مأساةً كبيرة» . وتقول الكاتبة نفسها (ص ٢٨٥) وهي تقدم نصيحة للنساء: محاولة التخفيف من أعباء الزوج: «عندما ترين زوجك يعاني من وطأة الضغوط والإجهاد، همه في ذلك العمل على تحمل مصاريف الأسرة المتنامية، فإنه قد يخطر ببالك أنه من واجبك البحث عن عمل لمساعدته. لكن على الرغم من أن هذه النية طيبة وتهدف إلى النفع العام على ما يبدو إلا أنه ليس من الضرورة القيام بذلك وليس هناك تبرير لهذا العمل. لقد حبا الله الرجل بالقوة والقدرة على التحمل والبنية العاطفية ليقوم بعمله على أحسن وجه، ولهذا بدلاً من محاولة القيام بمشاركته هذه الأعباء قدمي له العون ليقوى على تحملها. قدّري ما يقوم به حق قدره؛ لأن هذا سيقوي ثقته بنفسه وسيساعده على النجاح في عمله. خفّفي أعباءه في البيت، وذلك بالتقليل من كثرة الطلب على وقته وماله وكذلك بتوفير جو هادئ وخالٍ من الاضطراب يمكّنه من الشعور بالانتعاش» . وفي حديثها عن أدوار المرأة والرجل كتبت (هيلين آندولين) في كتابها آنف الذكر (الصفحات ١٠٠، ١٠١، ١٠٢ و١٠٣) : «دور الرجل والمرأة: دور الرجل: القائد، الحامي، العائل. دور المرأة: الزوجة، الأم، مدبّرة المنزل. وعلى الرغم من اختلاف دور المرأة والرجل من حيث الوظيفة إلا أنهما يتساويان من حيث الأهمية. ويشبّه (هنري بومان) في كتابه (الزواج للمعاصرين شراكة الزواج بين المرأة والرجل بالقفل والمفتاح اللذين يلتحمان تماماً لخلق وحدة وظيفية) . يقول هنري بومان: «يمكنهما (المفتاح والقفل) معاً تحقيق شيء لا يمكن لأحدهما أن يحققه بمفرده، ولا يمكن بأية حال من الأحوال تحقيق الشيء نفسه باجتماع قُفلين أو مفتاحين؛ فكل واحد منهما مختلف ومتميز عن الآخر ولكن لا يرقى إلى درجة الكمال وحده إلا بوجود الآخر. فدورهما ليسا متشابهين ولا متعاوضين بحيث لا يمكن استعمال أحدهما مكان الآخر. كما أنهما لا يتفوقان على الآخر؛ لأن كلاهما ضروري. كلاهما يحظى بالأهمية نفسها، وكل واحد منهما يمكن الحكم عليه من خلال الوظيفة المنوطة به. إنهما يكمّل بعضهما بعضاً» . ٦ ـ تايلر كالدويل: تعد (تايلر كالدويل) من الكاتبات الذائعات الصيت اللواتي ألَّفن كتباً باللغة الإنجليزية، وقرأ لها الكثير من الناس. وقد كتبت التصريح التالي في الصحافة: «لا يوجد البتة إرضاء تام في أية وظيفة مهما كانت لامرأة مثلي. ليس لديَّ بيت ولا حرية حقيقية ولا أمل ولا سعادة ولا تطلُّع للمستقبل ولا قناعة. إن الأحرى بي أن أطبخ وجبةً لرجل وآتي له بحذائه وأشعر بحماية ساعديه في مقابل ذلك على الحصول على كل الإنجازات التي حققتها والجوائز التي حصلت عليها في الكثير من بقاع الأرض بما في ذلك وسام جوقة الشرف الذي حصلت عليه وأملاكي وكافة حساباتي البنكية. إن هذه الأشياء لا تعني شيئاً بالنسبة لي، وأنا فقط واحدة من ملايين النساء اللاتي يشعرن بالحزن والأسى مثلي» . ü تقسيم العمل: من الملاحظ أن تصميم الأسرة الإنسانية يقوم على تقسيم العمل، ومن الملفت للنظر حقاً أن البحوث التي أُجريت في العصر الحديث أثبتت أن هذا التصميم التقليدي هو أفضل طريقة يمكن للذين يعملون معاً أن يتبنوها. فقد شاركت مجموعة من الشركات الصناعية الكبيرة في أمريكا في السبعينيات في القيام بمشروع بحث للتوصل إلى معرفة أفضل نظام للعمل في مجموعات وصولاً إلى حصول الانسجام مع الآخرين في المجموعة وتجنب الخلافات. وقد أُجري جزء من هذا البحث في مجموعات (الهبيز) التي كانت قد ظهرت كحركة في فترة سابقة في الستينيات. يجب الإشارة إلى أن مجموعات (الهبيز) المثالية هذه لا تعتمد على مبدأ تقسيم العمل ولكن على ما يسمّونه: المساواة. ولهذا تجد المرأة تشارك الرجل في كافة المهام اليومية، وتعمل جنباً إلى جنب مع الرجل في الحقول والمصانع، ويشارك الرجل المرأة في أعمال البيت والاهتمام بتربية الأطفال. والنتيجة المشوّقة التي أسفرت عنها هذه الدراسة هي أن المساواة لم تتلاءم والفروق الموجودة بين الرجال والنساء. فقد برعت النساء في بعض الأعمال في حين برع الرجال في أعمال أخرى. فقد ثبت أن النساء قمن بأعمال الإصلاح والخياطة وتثبيت الأزرار على أحسن وجه وبشكل أفضل بكثير من الرجال بسبب التكوين الرقيق لأيديهن، في حين ثبت أن الرجال قاموا بأعمال خشنة كالدفع والسحب على أحسن وأفضل من النساء. إلا أن الاكتشاف الأكثر إثارة هو أنه عندما عملت النساء جنباً إلى جنب مع الرجال في مجموعات تبين بأنهم لم ينسجم بعضهم مع بعض إطلاقاً؛ فقد ظهر الشقاق بينهم وظهرت العداوة بل الضغينة، وأدى هذا الشقاق في آخر المطاف إلى سقوط تقسيمات إدارية بكاملها. ويمكن أن نستنتج من هذا البحث أن أفضل طريقة لنجاح العمل في مجموعات هو تقسيم العمل؛ وذلك لأن هذا التصميم تصميم إلهي كامل لا يرقى إليه النقص. ويُكتب للحياة الزوجية النجاح عندما يقوم الزوج والزوجة بأدوارهما المنوطة بهما بكل تفان ٍوإخلاص؛ كما أن المشاكل الزوجية المستعصية الحل تحصل عندما لا يقوم أحدهما بالأدوار المنوطة به أو عندما يقوم أحدهما بتجاوز حدود أدواره ويقوم بدور الشريك الآخر، أو عندما يُظهِر مبالغة في القيام بهذه الأدوار أو عدم القيام بها إطلاقاً. ü ثلاث حاجات رجولية: ولتحقيق المزيد من النجاح في حياتِكِ الزوجية، ساعدي زوجك ليقوم بدوره؛ وذلك بتفهّم ثلاث حاجات رجولية؛ هذه الحاجات الرجولية وما تتطلبه هي الآتي: ـ حاجته للقيام بدوره الرجولي كقائد وحامٍ وعائل. ـ حاجته للشعور بأن أسرته تحتاج إليه للقيام بدوره هذا. ـ حاجته بتفوقه على المرأة في القيام بهذا الدور. ١ ـ حاجته للقيام بدوره الرجولي: يحتاج أولاً: إلى أن يؤدي عمل رب الأسرة وإلى إجلال ودعم أسرته أثناء قيامه بهذه الوظيفة. ويحتاج ثانياً: إلى النجاح في الحصول على لقمة العيش وإلى سد الحاجات الأساسية لأسرته وإلى القيام بهذا العمل بمفرده دون الحاجة إلى مساعدة الآخرين. ويحتاج ثالثاً: إلى القيام بدور الحامي؛ وذلك بتوفير الأمان لأسرته من كل أذى أو خطر أو صعوبة. ٢ ـ حاجته للشعور بأن أسرته تحتاج إليه للقيام بدوره: يحتاج للشعور بأن أسرته تحتاج إليه فعلاً كقائد وحامٍ وعائل. وعندما تصبح المرأة قادرةً على إعالة نفسها ومستقلةً عن زوجها فإنها تفقد الشعور بالحاجة إليه، وهذا بالنسبة إليه خسارة فادحة. ٣ ـ حاجته بتفوقه على المرأة في القيام بهذا الدور: لا يدرك الرجل دائماً حاجته إلى التفوق على المرأة إلا عند ظهور ظرف يهدده، كأن تتفوق عليه امرأة بذكائها في مجال تخصصه أو عند ارتقائها إلى منصب أعلى أو حصولها على راتب أعلى، أو تتفوق عليه في أي عمل يتطلب القوة أو المهارة أو الكفاءة أو القدرة التي عند الرجال. ü الفشل الاجتماعي: مما يُؤسف له أن نرى هذه المبادئ مهجورة بل ومُنتهكة في عصرنا الحاضر؛ فهناك أجيال من الأمّهات الموظفات اللاتي يتنافسن مع الرجال من أجل تحقيق إنجازات أكبر أو مناصب أعلى أو مرتّبات أفضل. ويبدو الوضع في البيت بنفس الدرجة من السوء تقريباً. فتجد المرأة تتحكّم في الأمور وتحاول إدارة الأمور بطريقتها الخاصة. والشيء المفقود في البيت هو الزوجة التي تثق بزوجها وتتوق إلى توجيهاته الرشيدة وساعده القوي الذي يمكنها الاعتماد عليه. فالساعد الرجولي موجود ولكنها لا ترغب في الاعتماد عليه. فتراها تقوم بالكثير من الأعمال الرجولية بنفسها؛ ولهذا فإن استقلالها بذاتها يجعل من الاهتمام والحماية الذكورية أمراً غير ضروري، وهذا في الحقيقة يعتبر خسارةً لكليهما معاً. وإذا حُرِم الرجل من وظيفته الذكورية داخل البيت فإنه يشعر بأن أسرته في حاجة أقل إليه كما يشعر أيضاً بأن هناك خللاً مَّا في رجولته. وعندما تقوم المرأة بأعمال رجولية فإنها تنتحل خصائص ذكورية من أجل القيام بهذا العمل على أتم وجه. وهذا يعني فقدانها لأنوثتها ونعومتها. كما أن المسؤولية الرجولية التي تتبناها تزيد من إجهاد حياتها وإلى المزيد من التوتر والقلق. وينتج عن هذا كله فقدان خاصية الهدوء والسكون النفسية التي تحتاج إليها لتقوم بتدبير أمور بيتها بنجاح تام. كما أنها عندما تقضي وقتها وتفني جهدها في القيام بأعمال الرجل فإنها تُهمِل وظائف مهمة في الدور الخاص بها كامرأة. ü رسائل نابعة من القلب من متخصصين: وجاء في مقال مطول للكاتبة (كاثي ميرز) ظهر عام ١٩٩٨ بعنوان (رسائل نابعة من القلب من متخصصين) : في عشية مؤتمر رعاية الأطفال الذي عُقد في البيت الأبيض، نشرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية مقالاً يحمل عنوان «أسباب اعتمادنا على دور الحضانة بشكل أخف» بقلم (الدكتور ستانلي جرين سبان) وهو طبيب نفساني وطبيب أطفال وكاتب. وكان آخر كتاب صدر له هو «نمو العقل ومصادر الذكاء المعرّضة للخطر» الذي أصدرته دار إيدسن ويزلي عام ١٩٩٧م. وفيما يلي مقتطفات مما جاء في هذا المقال: «في الوقت الذي نسعى فيه لتحسين الرعاية بالطفولة وزيادتها فإننا في الحقيقة نتجاهل حقيقةً أساسية وهي أن معظم محاولات الرعاية بالطفولة المتوفرة في هذا البلد ـ ببساطة ـ ليست جيدة لهم ... فبدلاً من زيادة الاعتماد على دور الحضانة يجب علينا الشروع أساساً في إعادة النظر في طريقة تنظيم العمل والرعاية بالطفولة. ولقد شاهدنا في أرقى دور الحضانة كثيراً من الأطفال الذين يبلغون ثمانية شهور ييأسون من رؤية المربية، وبدلاً من استقبالها بوجه بشوش يُعرضون عنها وينظرون إلى الجدار؛ ذلك أنها ما إن تمر على أسِرّتهم حتى تتركهم سريعاً لتستجيب لبكاء طفل آخر. والأسوأ من ذلك أن المربيات في هذه الدور لا تتمكنّ من إنشاء علاقات طويلة مع الأطفال الذين يشرفن عليهم، والسبب في ذلك تغيير المربيات كل سنة في معظم هذه الدور عندما ينتقل الرضع إلى حجرة أخرى. كما تستبدل المربيات بشكل مستمر في دور الحضانة التي تتوفر على تدريب أقل وأجور متدنية، والعدد الكبير للأطفال الذين يلتحقون بهذه الدور. قام (المعهد الوطني لصحة الطفولة ونموها) بدراسة لدور الحضانة، وقد أظهرت نتائج الدراسة التي لا تَدْعو إلى التفاؤل والارتياح أن الأطفال الرضع الذين يلتحقون بدور الحضانة بكامل ساعات الدوام نسبياً معرضون لفقد الصلة بآبائهم وفقد مودتهم إذا لم يهتم آباؤهم بحاجاتهم ومحاولة إدراك الإشارات العاطفية في المساء عندما يجتمعون بهم، أي إذا لم يوفروا لهم أنواع التجارب التي افتقدوها في دور الحضانة. إننا في حاجة إلى إعادة تقييم أهمية الأطفال التي ندّعيها. يجب أن يحظى الأطفال بالرعاية والنظر إلى ذلك بالأهمية القصوى وإعطاء الأولوية لهذا الأمر، على نطاق الأسرة والمجتمع على حد سواء. لقد ثبت لنا أن التفاعلات المستمرة والمتواصلة بين الأطفال وآبائهم أساسية لنمو سليم وصحيح لدماغ وعقل الطفل. وتؤدي أنواع التفاعلات هذه إلى إيجاد مواطنين تأمليين بالإضافة إلى إنشاء روح التناغم والانسجام التي توفر الأجواء للمجتمعات للقيام بعملها بنجاح» . ويقول الدكتور (جوزيف زنكا) الذي عُين مؤخراً رئيساً للأكاديمية الأمريكية لأطباء الأطفال: «ليس من المهم الوقت الذي نقضيه ـ نحن أطباء الأطفال ـ مع الأطفال، بل المهم في نهاية الأمر هو الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أطفالهما، وأقصد بالوقت هنا الوقت الحقيقي لا الوقت الذي يقضيانه معهم في نهاية اليوم بعد عودتهم من الحضانة. فقد بدأ يظهر للعيان وبشكل واضح أن توفير أفضل البرامج في دور الحضانة لرعاية الطفولة لا يمكن أن يحل محل الوقت الذي يحتاجه الطفل من أبيه وأمه. نسمع كثيراً هذه الأيام عن حقوق الأطفال، ولكن على الرغم من أهمية ضمان هذه الحقوق لهم إلا أن الشيء الذي نادراً ما يطرح على بساط النقاش هو حقهم في آباء ملتزمين بتحمل مسؤولية تربيتهم تربية كاملة. يعتبر أطفال اليوم صحياً وبدنياً أفضل من الأطفال في الماضي بكل أنواع المقاييس، إلا أن صحتهم النفسية سيئة وتزداد سوءاً، وهذا انعكاس واضح لسوء معاملة الأطفال وإهمالهم واستخدام العنف في سلوكهم معهم، ولانتشار الأمراض الجنسية والحمل غير الشرعي والمبكر للفتيات المراهقات. لقد أظهرت نتائج استبيان دوري أُجرِيَ قبل بضع سنوات على أعضاء الأكاديمية أن معظمنا يعتقد وبشدة أنه من المهم جداً أن يتفرغ أحد الوالدين للبقاء مع الأطفال في البيت، وتشتد الحاجة مع صغر سن الأطفال. وتتحدث الدراسات الواحدة تلو الأخرى في نشرات العلوم الطبية والاجتماعية عن أهمية دور الوالدين الحيوي في تربية الأطفال ... لا حاجة للاعتذار، فالأمهات غير الموظفات سعيدات بالبقاء في البيت. تقول (هايدي برينان) الرئيسة السابقة لـ (جمعية الأمهات المختارات البقاء في البيت) : «الأمهات اليوم متعلمات ومنجزات أكثر من نساء الأجيال السابقة من الأمريكيات، وبعد قضاء ما يقرب من عقدين من الزمن في محاولة الموازنة بين البيت والعمل اتجهت الكثير من هؤلاء الأمهات إلى وظائف بساعات عمل أقصر من السابق حتى يتاح لهنَّ قضاء أكبر وقت ممكن مع أطفالهن. وبعكس ما يعتقده الكثير من الناس فإن الأمهات اللاتي اخترن البقاء في البيت بدلاً من الالتحاق بالعمل خارجه اكتشفن أن تربية أطفالهن جهد حسن وعمل معطاء. كما لوحظ أن سبعة ملايين امرأة اخترن ترك العمل والتفرغ لتربية أطفالهن، وهذه النسبة في تزايد مستمر. وفي الوقت الذي يولي فيه الرأي العام اهتماماً أكثر بالبيت والأسرة؛ حيث يقرر الكثير من الأمهات قضاء وقت أكثر في البيت، تعتقد (جمعية الأمهات المختارات البقاء في البيت) بأننا لا نزال نعيش في مجتمع يجعل الأمر صعباً للنساء من ناحية مالية ونفسية لاختيار البيت. وعلى الرغم من أن العديد من استطلاعات الرأي التي اُجريت في الآونة الأخيرة تشير إلى أن الآباء والأمهات في طول البلد وعرضه يرغبون في قضاء وقت أطول مع أطفالهم، إلا أنه لم يتم الاعتراف ولا دعم اتجاه العمل لساعات أقل وقضاء وقت أطول مع الأطفال في حلبة السياسة العامة. بل حقيقة الأمر أن تشريعات رعاية الطفولة المقترحة تتجاهل اتجاه معظم أولياء الأمور إلى تفضيل توفير كافة الرعاية اليومية لأطفالهم أو معظمها. ü الإيجابيات قصيرة الأجل وطويلة الأجل للتربية في البيت: أصدرت (شبكة الأسرة والبيت) مقالاً بعنوان «الإيجابيات قصيرة الأجل وطويلة الأجل للتربية في البيت» جاء فيه: يمارس الوالدان أكبر تأثير في تشكيل الجانب الأخلاقي لأطفالهم: لقد تلقينا خطابات من آلاف الأمهات في كافة أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام ١٩٨٤، وجاء في هذه الخطابات قناعات الأمهات التالية: وبعد: إن عدم زواج المرأة سواء أكانت مطلقة أم لم تتزوج أصلاً يعتبر تعطيلاً لها عن وظيفة هامة من وظائفها. ومن المعلوم أن الزواج هو أكبر وظيفة للمرأة بعد عبادة الله جل ذكره، وزواجها عبادة، والإنسان خُلق لعبادة الله بدليل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وعلى الفتاة ألا تمتنع عن الزواج بأسباب غير مقنعة، وألا تجعله مستحيلاً بشروطها الواجب توفرها في فارس أحلامها، ومن المشاهَد الملموس أن هناك بعض الفتيات لا يرغبن في الزواج متذرعات بأعذار واهية أو غير مقنعة؛ فمثلاً هناك من تمتنع عن الزواج حتى تكمل تعليمها الجامعي فإذا حصلت على الجامعة رفضت الزواج إلا بعد الحصول على الماجستير وربما الدكتوراه؛ مما يجعل قطار الزواج المبكر يفوتها فينظر على أنها كبيرة في السن فلا يميل إليها أحد فتلتحق بركب العنوسة، وهي السبب الرئيسي؛ حيث كان يمكنها أن تتزوج ثم تشترط مواصلة تعليمها الجامعي أو العالي. أما إذا كان تعليمها سيصبح سبباً في عنوستها فإنه والحال هذه يصبح غير ضروري؛ لأنه قد يؤدي إلى مشاكل لا تحمد عقباها؛ وهذه المشاكل يعلمها الجميع: انحرافات عن الطريق السوي، والإصابة بالأمراض العصبية والنفسية والحرمان من الأبناء الذين هم زينة الحياة الدنيا. فالزواج ليس سجناً بل هو قمة السعادة؛ حيث تصبح المرأة ربة أسرة وتملك بيتاً وأبناءً وشريك حياة يحقق لها من الراحة والسكنى ما لا يحققه الوالد أو الأخ. يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فأين كانت ستجد السكنى والرحمة والمودة؟! يظهر داء العنوسة وينتشر في مجتمعنا المسلم بسبب الانحراف عن الطريق السوي؛ حيث انتشرت هذه الظاهرة بين بناتنا؛ وكما هو معروف أن الإسلام يحث على الزواج في سن مبكرة ويحارب العزوبة؛ لأنها تتعارض مع الفطرة السليمة، ومن المؤكد أن لها آثاراً سيئة؛ حيث إنها إذا انتشرت في المجتمع فإن هناك أمراضاً ستطل برأسها، أمراضاً نفسية، وأمراضاً عصبية، وأمراضاً أخلاقية وغيرها من الأمراض التي تؤثر على الصحة العامة للأفراد والمجتمعات. ومن المعلوم أن الوالد إذا انشغل عن تربية أبنائه، وكذلك إذا أدى عمل المرأة إلى انشغالها عن الأولاد؛ فهذا بلا شك سيحرم الطفل من عطف أبويه ورعايتهما له وحنانهما عليه، وسيكون مثل اليتيم؛ فهل هناك مبرر يجعل الأمور تصل إلى هذه الدرجة؟! يجب على الأم ألا تترك تربية الأولاد «وهي مهمة جليلة» للخادمات والمربيات من أجل خروج المرأة للعمل الذي تحفه محاذير كثيرة ينبغي عليها أن تتحرز منها، وترجع إلى كلام أهل العلم الذين أسهبوا في التحدث عنها. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة لدى عديد من الرجال عدم الرغبة في الزواج من الطبيبات وبعض الموظفات؛ وذلك لأنهم ينظرون إلى الطبيبة على أنها لا يمكن أن تحقق الاستقرار الزوجي المطلوب؛ نظراً لمشاغلها في وظيفتها وما يترتب على ذلك من مناوبات ليلية ونهارية مما يضطر الزوج للجلوس في البيت وحيداً، وكذلك متاعب الأزواج في إيصال الزوجات إلى أعمالهن ذهاباً وإياباً وقد يكون ذلك في أوقات غير مناسبة بالنسبة للزوج، وإذا خرجت الزوجة لعملها الليلي وتركت الأطفال والزوج فإن الزوج سوف يصاب بخيبة أمل؛ لأن الزوج لا يصلح للتربية كما تصلح الأم، وقد يقول قائل: إن هذه المسألة يمكن أن تحل بواسطة الخادمات؛ ولكن هل الخادمة مثل الأم؟ وهل كل خادمة مخلصة؟ إننا رأينا المرأة في أحيان كثيرة تمسكت بحقها في العمل، وخرجت تبحث عن نفسها وزاحمت فيه الرجال، وبحثت عن أم بديلة لأولادها، وأقنعت نفسها بأنهم في يد أمينة، حتى لا يتكدر صفوها ولا يحول شيء دون خروجها، وأجادت تحسين مظهرها وضيَّعت في ذلك كثيراً من وقتها ومالها، وتباهت بأنها عاملة ناجحة، وأم ناجحة أيضاً، وانطلى ذلك الكلام عليها وعلى أمثالها؛ وذلك لأنها اعتبرت عملها أسمى غاية وأعظم حق لها لا ينبغي التفريط فيه أو الرجوع عنه. يقول «هبرت مونتاجنر» العالم الفرنسي المهتم بسلوكيات الأطفال: «وقد لاحظت أن الأطفال الذين يتمتعون بروح قيادية هم في معظم الأحوال أطفال من أسر متفاهمة تسودها روح الحب، تقوم الأم دائماً بالتحدث مع طفلها بلطف وحنان، ولا تقوم بأي عمل عدواني نحوه إن هو أخطأ، بل تعرف كيف توجهه بحزم، ولا تدلله إلى حد التسيب» ، ويوجه نصيحة للأم فيقول: «إن طفلك يردد اللغة التي تعلمها منك، فأي لغة تلقنينه..؟» . أجريت في أمريكا دراسة عن انحراف الأحداث، اشترك فيها علماء في التعليم وبعض أعضاء الكونجرس ومسؤولون حكوميون، وقد أشارت هذه الدراسة إلى أن أحد أسباب انحراف المراهقين هو أن الوالدين يقضيان أوقاتاً طويلة في العمل، كما أشارت أيضاً إلى أن عدد الأسر ذات العائل الواحد أصبح كبيراً مما يعني قضاء وقت أقل مع الأطفال، وقد أجريت الدراسة على عدد من المراهقين تتراوح أعمارهم بين الثامنة والرابعة عشرة، وقال (٢٥%) منهم إنهم تناولوا مشروبات كحولية، كما أن أكثر من (١٨%) منهم يدخنون السجائر، و (١٣%) يدخنون الحشيش، وأثبتت الدراسة أن واحداً من كل أربعة أشخاص اشترك في نوع ما من الأعمال المؤذية قبل بلوغه السابعة عشرة. فالأسرة التي يعمل فيها الرجل والمرأة تحطمت؛ لأنها فقدت رباطها العاطفي والوجداني الذي كان يمسك بالأطفال في ترابط، ويبذر في قلوبهم الحب والمودة. إن لنا في الإسلام ما يغنينا عن كتابات هؤلاء الغربيين بهذا الموضوع، ولكن نود أن نعرِّف بأن الكثير من النساء الغربيات اللاتي كن ينادين بالمساواة بين الجنسين ويتبنين أفكار الحركة الأنثوية الهدامة، بل إن بعضهن كن منظّرات لهذه الحركة، قد ثُبن إلى رُشدهن وعرفن حقيقة هذه الحركة المفلسة؛ فهل فكرت بعض نسائنا ممن تأثرن بهذه الحركة في العودة إلى دينهن ونبذ أفكار هذه الحركة الهدامة؟ آي. جي ويلكِنسُن (*)

стр. 5718

صفوان.. يطارد الجراد عبد الغني محمود عبد الهادي اعتاد صفوان حياة حرّة كريمة على تُراب وطنه، حيث عاشَ حالماً كفراشة نيسان. وكان دَخْلُ والده يكفل له من العيش أحسنه. فقد كان لوالده حقل مزروع بالأشجار المثمرة؛ من برتقال وإجَّاص وليمون وتفاح وغيرها ... ذات يوم رأى صفوان في الحلم أن الجراد يغطي أرض مزرعته، فقام مذعوراً بعينين مفتوحتين متوقّدتين، يحدّث والديه بما رأى. طمأنه والده وهو يرى في ولده معاني الرّجولة والانتماء، وطلب منه أن يرافقه حيث مخزن الحبوب التابع لهم. هناك أطلعه أبوه على كافّة الاحتياطات، التي اتّخذها لمواجهة مثل هذه الحالة من غزو جراد وحشرات وغيرها، قد تزحفُ إلى الحقل. كان أبو صفوان قد اشترى أصنافاً عدّة من المبيدات والرشاشات ليضمن سلامة حقله. كبرت الدَّهشة في عيني صفوان مما قاله أبوه، وبحماس الرجال طلب من والده أن يدرّبه على كيفية استعمال المبيدات وإعدادها لرشّ النبات، وبعد أن اطمأن لمعرفة ابنه بالطريقة أثنى عليه وراح يُعدّه ليومٍ لا بُد منه! في أحد الأىام، قام صفوان مع أصدقائه برحلةٍ مدرسيةٍ إلى أحد المروج المترامية فوق جبل الكرمل ... هذا الجبل الفلسطيني الذي يقف بشموخ وإباء في شمال الوطن الفلسطيني، مثل شعبه النبيل الأبي منذ أن خلقه الله. هُناك وعلى ربوع هذا الجبل، وفي شعاب مروجه الوسيعة، جال صفوان وهام وكاد أن ينسى نفسه بين أزهار الكرمل ونوّاره، أخذته الدّهشة والإعجاب وجعلته يُطرِق مليّاً لجمالِ هذا الجزء العزيز من بلاده الحبيبة، وراح يحدّث أصدقاءه كمحاضر بهم عن ضرورة الحفاظ على هذا التّراب الذهبي، وتلك الرائحة التي تفوحُ بالأريج الزَّاكي. قام صفوان مع رفاقه فرِحين جذلين يمرحون طوال اليوم، حيث عاد مع رفاقه الأتراب، ومنافذ إحساسه قد ازدادت شرعةً وانفتاحاً. في المساء جلس صفوان يُحدّث أهله بما رآه وشاهده خلال رحلته ... كان يتحدّث بفرح طُفوليّ عذب، نقل لهم الصُّور الرائعة التي أحضرها في نفسه، وراحَ يُمنّي نفسه ببقاء هذه المناظر، وهذه المروج التي سرحت بخاطره الصّغير المفعم بكلّ جميل ساحر. وفي صباح يوم آخر، صحا صفوان على حقيقة مُرّة مؤلمة! فقد وجد نفسه مع أسرته خلف أسوار ذلك الوطن الذي طالما جرى لسانه وصدقت أحاسيسه في الحديث عنه، وبات صفوان الآن في مشكلة من نوع آخر. لقد أصبح يتحدّث عن موجة غزو جديد من موجات الجراد الزّاحف؛ إنها أسرابُ الطامعين غزت حقله، لا لتأكله فحسب؛ بل لتجتثّه من أصوله ... فتبقيه أثراً بعد عين، ولكنَّ السؤال الذي ما زال يبحث له عن جواب هو: إلى متى يظلّ صفوان يحلم بمطاردة جراد العصر؟!

стр. 5719

الدعاة بين وصايا المثقفين والأتباع ماجد الحمد لا شيء أشقّ على نفس الداعية الأبيّ من أن يُرى مأسوراً بوصاية تحُكِم الطوق حوله، يغدو معها عاجزاً عن البوح بما يعتقد أحقِّيته، فلا السكوت يسعه والأمة تتخبط في ظلمة البدع والأهواء، ولا نفسه تجيبه لما في الانعتاق من هذه الوصاية من أذى يناله، فيعيش حالة قلقة مع هذا الواقع المأزوم. ولا شكَّ أن الواقع ـ بمكوِّناته الاجتماعية والسياسية ـ يفرض على الداعية وصاية توجب عليه حسن التعامل معه، فالخضوع الكامل له يكبِّل الداعية بأغلال تمنعه من الحركة والعطاء، والإعراض عنه بالكلية لا يخفى على أحد ما فيه من خطورة قد تكون سبباً في فشل مشروعه الدعوي برُمَّته، ونفور الناس من قبول الحق الذي يحمله ويدعو إليه. والداعية الذي آتاه الله موهبة مؤثرة في جماهير الناس وعامّتهم؛ ترى الكل يسعى لاحتوائه وفرض وصايتهم عليه؛ ليكون رجع صدى لما يقولون. والمتابع للمشهد الدعوي الراهن في زمن الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني والحوار مع الآخر التي نقلتها رياح التغيير الغربية يلحظ أن الدعاة يتجاذبهم تياران: تيار الأتباع، وتيار المثقفين. فالأتباع هم منظومة الداعية الفكرية التي رضع لِبَانها في صغره، وجماعته التي درج في محاضنها التربوية، ونهل من معينها القَرَاح، وهم أحبابه الذي يشاطرونه أفراحه وأتراحه، لذا يرون لهم من الحق عليه ما يوجب ردَّ الجميل منه حين نضج فكره واستوى سوقه أن يكون حامياً للمنهج الذي اجتمعوا عليه لا أن يكون عوناً للخصم في هدم ما شيَّدوه سوياً. وليس بخافٍ أن الداعية والأتباع يتبادلون وصاية أبوية حانية، فهو يعلّم جاهلهم ويقوِّم معوجّهم ويكبح جماع غلوّهم، وهم إن رأوا منه ضعفاً قوّوه وشدّوا من أزره، أو ميلاً عن الحق قوّموه بالنصح والتوجيه؛ إذ لا معصوم إلا خير الخلق #، في وصاية خفية حين يكون هناك تناغم بينهما، ولكنها تطفو على السطح إذا صدر من أحدهما صوت نشاز خرج به عن المألوف الفقهي أو الدعوي. فبعض الدعاة لا يمكن توقّع ما يفعل، ولا أي طريق سيسلك، إنما أتباعه يلهثون خلفه لرَتْق ما يفتق، ولتدارك الشقوق التي تحدث؛ لرَقعها قبل أن تتّسع، فهم في كَبَدٍ ونصب معه. وبعض الأتباع فيهم من الجمود والانغلاق على ما ألفوه، فهم أشبه بالعامّة، يعيش الداعية معهم في عَنَتٍ ومشقة، لا يطرح رأياً ـ بذل جهده وأفرغ وسعه في بحثه ـ إلا أنكروه واستهجنوه، شعارُهم: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤] . وليس ثمَّة شك أن في حذر الأتباع من بعض الآراء المستجدة لدى فئة من الدعاة له ما يبرّره؛ ففي حالة العراك الفكري مع خصم يستقوي بعدِّو الأمة؛ ما يجعلهم يحذرون من كل جديد ويجفلون من كل رأي ملبس، خوفاً أن يكون هذا قمة جبل الجليد الطافية، أو أنه مشروع انتكاسة في طور التكوين. أما المثقف فهو يعيش أزمة مع مجتمعه؛ لما يحمل من أفكار نخبوية لا تلامس هموم العامة عادةً، مع توجّس يلحظه في أعينهم نحوه، حيث هو موضع شكٍّ ورِيبة عندهم، بسبب الأفكار المصادمة لثوابت الشرع عند بعض المحسوبين في عِداده، لذا لا يستغرب ـ مع استماتته في فرض وصايته ـ محدودية تأثيره في عامّة الناس. لذا يلجأ المثقف عادة ـ لنشر أفكاره ورُؤاه ـ إلى البحث عن قناة يتسلّل لواذاً من خلالها إلى المجتمع المحيط به، تحمل طهراً ولا تبعث ريبة، ولن يجد خيراً من داعية يسلّمه قياده. فهم قد عجموا عيدان الدعاة؛ فمتى ما رأوا من أحدهم قابلية للتأثير أقبلوا إليه يخادعونه تارة ويغرونه تارات وتارات! يزعمون أنهم سيخرجونه من ضيق المحلّية إلى سعة العالمية، ومن محدودية التأثير إلى وهج الإعلام الجماهيري! فيبدؤون بزحزحته عن بيئته التي أحبها وأحبته وعاش في كنفها سنوات عمره الأولى، فيكثرون فحيحهم عن وصاية أتباعه عليه وأنه أسير فكرهم، لذا كثيراً ما يشيعون ـ في زمن الانكسار ـ أن ذا الداعية أو ذاك يحمل همّاً تجديدياً ورُؤى إصلاحية يبثّها إلى خاصّته ولا يجرؤ على البوح بها علانية خوفاً من نفور أتباعه أو من سياط النقد التي يوجهها إليه مريدوه، وحقيقة مرادهم رمي الواقع المعاش بالفساد؛ والدعاة بالجُبْن. فإن هو أصاخ بسمعه إليهم ورضي قولهم وأشرب قلبه شبهتهم، دعوه إلى مصادمة أتباعه ومحبِّيه، إذ لا يمكنه الانعتاق من إسار وصايتهم عليه إلا بالمجاهرة بمخالفته، فيبدأ مشروعه معهم بالترويج لفتاوى فقهية ليس عليها العمل في بلاده تكون متّكأ لما بعدها، فإن رأوا منه إحجاماً أو تردّداً عادوا لتعييره بخوفه من وصاية أتباعه، فأصبحت هذه الوصاية فزاعة ينخسونه بها كلما تلكّأ، حتى تراه يخوض في ثوابت الشرع والعقيدة، فإذا هو يردّد ما يقولون ويكتب ما يملون، ما إن تقع معركة فكرية بين أتباعه الإسلاميين وخصومهم إلا وجدته حيث ينبغي أن تفقده، وهو بعمله هذا يحسب أنه كسر طوق الوصاية عنه، وما علم أنه ما زاد أن استبدل وصاية الأدنى بالذي هو خير، وصاية أشد حدية وأكثر شراسة وقمعية للآخر المخالف لنَسَقِها الفكري، وهم بعد لا يُؤمن لهم جانب، فساعة حاجته لهم يخذلونه، فكم داعية أجابهم لبعض ما يريدون ظنّاً منه أنّ تنازلَه هذا سيخفِّف من كَلَبهم على الدعوة ويمنحه صورة مشرقة لديهم، فإذا هم يبتزّونه كل ساعة حتى يتبع منهجهم ويكون أُلعوبة في أيديهم وإلا هدّدوه بالإقصاء والهجر من قنواتهم الإعلامية. بل متى ما رأوا أن هذا الداعية فَقَدَ بريقه الإعلامي واحترقت أوراقه، وأنكرته قلوب العامّة ـ لكثرة لهاثه خلف رغبات أعداء الأمة ـ قلوه وأقصوه واستبدلوه بداعية آخر يتصيدون به دهماء الناس. وكثيراً ما يستشهد أولئك المثقفون على أن الأتباع عديمو الفائدة ـ فهم يكثرون عند الطمع ويقلون عند الفزع ـ بقصة الإمامين أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية، كيف أن الأمة خرجت تشيع جنازتهما وتظهر الحزن على فقدهما، فبغداد كلها خرجت في جنازة الإمام أحمد حباً وإجلالاً لهذا الإمام القدوة، وشيخ الإسلام ابن تيمية خرجت دمشق عن بكرة أبيها تعلن محبتها لهذا الإمام الذي وافته منيته سجيناً. فيتساءل أولئك: أين هذه الحشود عندما سجن الإمامان؟! ألا تجيد هذه الحشود إلا عمل النائحة التي تتنظر موت صاحبها ـ بفارغ الصبر ـ حتى تبدأ في ممارسة عملها بجدارة؟! والمصيبة تشتد حين تتسق نظرة بعض المثقفين الإسلاميين مع نظرة العلمانيين حيال الدعاة وطلبة العلم، فهم في نظر البعض سُذج وبُلْهٌ ولا يدركون كُنْه الواقع وفقهه، ولا يحسنون التعامل مع المخالف، لذا على الدعاة أن يصدروا عن رأي هذا المثقف، وأن يوقّعوا على بياناته في وصاية مقيتة وأستاذية متعالية، فإن رأى من الدعاة رفضاً لمشروعه الدعوي لما فيه من مخالفة لقطعيات الشرع، عاد باللوم عليهم ورماهم بالهلع من الأتباع تبرئةً لمشروعه المتهالك، فأصبح الأتباع مشجباً يعلق عليه كل استعصاء أو تمنّعٍ يبديه الدعاة على ما يطرحه المثقف. وإذا كان المثقف يرى خضوعه لوصاية واقعه السياسي حكمةً وبُعْد نظر؛ أفلا يعذر الداعية حين يلين لوصاية أتباعه تأليفاً لهم وحسن سياسة منه نحوهم؟ فعلى الداعية أن لا يلتفت إلى مثل هذه التخرّصات، وأن يحرص على تأليف قلوب أتباعه، والبُعْد عما يكدر صفو الودِّ بينهما، إذ هم سنده بعد الله، فهم ناشرو علمه، وحاملو فكره، والذابّون عن عِرْضه حين يسلقه خصومه بألسنة حِدَاد، خصوصاً في زمن هذا المخاض العسر الذي تعيشه الأمة، فدَرْءُ مفسدة الخلاف داخل الصف الإسلامي مُقدَّم على مصلحة اجتهاد تنفر منه القلوب، فإن فساد ذات البَيْن هي الحالقة. وله أسوة حسنة بسيد ولد آدم #، الذي حبُّه إيمان وبغضه كفر ونفاق؛ وطاعته واجبة وأمره ونهيه معصومان من الزّلل والخطأ، حيث كان يترك بعض الاختيار مخافةَ افتتان بعض أصحابه، فقد ترك هدم الكعبة وإعادتها إلى قواعد إبراهيم ﵇ لحداثة عهد قريش بجاهلية، وترك # مصلحة قتل المنافقين ـ مع عِظَم خطرهم على الإسلام ـ لمفسدة أعظم منها؛ كي لا يتحدث الناس أنه # يقتل أصحابه، أفلا يسع الداعية ذلك وهو لا يَبْلغ مُدّ أحد أصحاب محمد # ولا نصيفه؟

стр. 5720

٢٢٩ - رمضان - ١٤٢٧ ه ـ (السنة: ٢١)

стр. 5721

حمى الإسلامو فوبيا التحرير سياسة التخويف من الإسلام والمسلمين هو ما تطلق عليه الدوائر الغربية وكُتَّابها (الإسلاموفوبيا) وفق خطط مرسومة يقوم بها نفر من المنظرين من قبَل ما يعرف بالمحافظين الجدد لتحويلها إلى ظاهرة نفسية تتحكم بالرأي العام الغربي، وأبرز القائمين على رعاية هذه السياسة وقيادتها هم العصابة الحاكمة في الحزب الجمهوري الأمريكي الحالي، ومن أشهرهم (ديك تشيني) نائب الرئيس الأمريكي ووزير الدفاع (دونالد رامسفيلد) المكلفان بإدارة السياسة الخارجية الأمريكية، ومن ورائهما مخططون بارزون منهم (كارل روف) و (بول وولفويتز) وهما من أعدى أعداء الإسلام، وهذا ما نلمسه في استراتيجيات وخطط الرئيس الأمريكي (بوش) ، لذلك لا يُستغرب ما ينشر من تهجماته الحاقدة على الإسلام والمسلمين في الآونة الأخيرة ولمرتين متقاربتين وهما: ١ ـ ما نسب للمذكور بعدما قيل من كشف خطة لتلغيم طائرات في بريطانيا متوجهة لأمريكا، وأن هذا الفعل هو من صنع المسلمين الفاشيين!! ٢ ـ ما جاء في خطابه الأخير في (ولاية يوتاه) المحافظة قبل شهرين من بداية حملته الانتخابية من لمز للمسلمين وتشبيههم بالفاشيين والنازيين والشيوعيين!! والحقيقة أن الفاشية صناعة غربية بامتياز يعرفها كل من له اطِّلاع على المعاجم والموسوعات الغربية، ولا صلة لها بالإسلام. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فالنازية مثلها مثل الفاشية مفهوم غربي تمثل اليمين الغربي المتطرف؛ مما يؤكد جهل كثير من القادة الغربيين بالتاريخ وافتقارهم للإنصاف السياسي. وهذه الاتهامات لا شك أنها من صنع كتبة تيار المحافظين الجدد، وهم يرددونها بوقاحة وحقد أعمى بناءً على الصور النمطية المفتراة ضد أمتنا الإسلامية وبخاصة بعد الفشل الكبير لسياساتهم وحروبهم العدوانية الخاسرة في شتى المواقع مما كان محل مقت الكثيرين من الشعب الأمريكي بعد هلاك الآلاف منهم في حروبهم العدوانية، ولخوفهم أن ينعكس ذلك سلبياً على موقفهم المهزوز في الانتخابات القادمة، ويؤدي بهم للفشل المنتظر ـ إن شاء الله ـ وهذا ما يجعلهم يخترعون مثل تلك الأكاذيب والاتهامات المصطنعة ليسيئوا لديننا الحنيف ويخوِّفوا بها شعوبهم، وهذه الحرب العدوانية ليست وليدة ١١ سبتمبر ٢٠٠١م كما هو مشهور، بل هي أبعد من ذلك بكثير ولعلها من تداعيات الحروب الصليبية السيئة الذكر. ومعلوم أن التحالف المشبوه بين اليهود الصهاينة في الدولة العبرية والأصوليين النصارى ليس حباً في اليهود ولكنه نتيجة عقيدة نصرانية تقوم على تجميع اليهود في الأرض المحتلة (فلسطين) حسبما جاء في أسطورة (هرمجدّون) حيث يحارب النصارى المسلمين وينتصرون عليهم ـ بزعمهم ـ وتنتهي بنزول المسيح ﵇؛ وهذا ما ذكرته الباحثة (غريس هالسل) في كتابها الشهير (يد الله) وكذلك لرغبة نصارى أمريكا في طرد اليهود والتخلص منهم؛ واليهود يعرفون ذلك، لكنهم بمكر ودهاء سياسي لا يلتفتون إلى مشاعر الكراهية تلك، وإنما يهمهم التأييد الكبير لهم من اليمين الأمريكي المتطرف المعروف لما يحظون به الآن من دعم لهم بشكل جلي. والعودة الحقيقية للمسيح # مُؤْذِنة بنصر الإسلام؛ حيث يحطم الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق نبينا محمد # في حديث متفق عليه (*) .

стр. 5722

هل نستفيد من أخطائنا ..؟! تباينت مواقف الإسلاميين إزاء الأزمة اللبنانية تبايناً واضحاً، سواء أكان هذا التباين في توصيف وتكييف الواقع السياسي، أم في الموقف الشرعي منه. وقد بيّنا في مجلة البيان رؤيتنا في هذه القضية في افتتاحية العدد السابق (*) . لكن هذا التباين كشف عن عمق الشرخ الذي تعاني منه الصحوة الإسلامية؛ فالاختلاف في الآراء أدى في بعض المواقع إلى التهارش والبغي وتسفيه الآخرين، وظهر في هذه الفترة سيل من الحوارات والمقالات المتشنجة المتوترة التي تغلِّب جانب الهجوم والاتهام. وربما أثر ذلك على بعض الأصوات الهادئة المنصفة التي تزن الأمور بموضوعية وحكمة. وعندما ترتفع الأصوات، وتتشنج النفوس، تصبح قدرة الإنسان على رؤية الحقيقة ضعيفة جداً؛ فلا المصيب يكون قادراً على إقناع إخوانه بوجه الصواب عنده، ولا المخطئ يكون قادراً على إدراك الخطأ والنظر فيه بعين البصيرة والإنصاف. وفي ظل هذه الأجواء القلقة المشحونة قد يضطر بعض العلماء وأهل الرأي إلى مجاراة الجماهير والاستسلام لعاطفتهم المحدودة التي لا تقوى على رؤية الحدث بعين البصيرة، فضلاً عن قراءة جذوره وخلفياته واستشراف مستقبله، فيكون العالم صورة لرأي الجماهير والأتباع. وفريق آخر من العلماء وأهل الرأي لما رأى اندفاع الجماهير وحماسهم، ورأى اضطراب الناس واختلافهم، آثر الانكفاء والانسحاب ظناً منه أن العزلة في مواطن الفتن هي الحل بإطلاق، ونسي أن بيان الحق بدليله والصبر على الأذى فيه من أوجب واجبات أهل العلم والدعوة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . وبين هؤلاء وأولئك قلة قليلة من العلماء وأهل الرأي قائمة بالحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم. ومن المحزن حقاً أنه بعد كل نازلة تعصف بالأمة يزداد تفرقنا وتنازعنا، وبدلاً من أن تقودنا تلك العواصف للتآلف والتكاتف، أصبحت تدفعنا إلى البغي والتطاول. إن الاختلاف في الاجتهادات منه ما هو سائغ لا حرج فيه، ومنه ما هو مذموم لا خير فيه، وفي كثير من الأحيان يختلط عند بعضنا السائغ بالمذموم، ولا نحسن تحرير محل النزاع، فتستحكم الأزمة، ويتجذر التعصب في صفوفنا. أما وقد هدأت العاصفة الآن نسبياً، وسكنت النفوس، فيحسن بنا أن نذكِّر أنفسنا وإخواننا من جميع الاتجاهات الفكرية والحركية بمسألتين مهمتين: \ المسألة الأولى: تعظيم ميزان الشرع: فمن نافلة القول التأكيد على أن المعيار الذي توزن به الاجتهادات والآراء هو معيار الشرع المطهر؛ فكل شاردة أو نازلة تمر بها الأمة يجب أن يُحْتَكَم فيها إلى الكتاب والسنة. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] . وما أجمل قول الإمام الشافعي: «ليس تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة، إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها» (١) . ولا يجوز بحال أن يكون الموقف السياسي بمعزل عن النص الشرعي، وعندما يفقد الدعاة والمفكرون هذا الإطار المرجعي فإن حالة من الارتباك والاضطراب سوف تطغى على الواقع وتقفز إلى السطح، كما هو حاصل الآن. قال الإمام الشاطبي: «ولقد زلّ بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال أقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادّة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم؛ فضلوا عن سواء السبيل» (٢) . وبالتأكيد لا نقصد في هذا السياق الغفلة عن دراسة الواقع السياسي بكل أبعاده وأطرافه الإقليمية والدولية؛ فهذا أمر ضروري، ولكننا نؤكد على أهمية التلازم بين معرفة حكم الله ومعرفة الواقع الذي يراد تطبيق حكم الله فيه (٣) . إن ثمة حقيقة جديرة بالتأمل والتدارس وهي أن الرؤية السياسية الشرعية المنطلقة من مُحْكَمات الكتاب والسنة أصبحت غريبة، نعم! غريبة؛ فكم رأينا من بعض إخواننا من الإسلاميين من يستهين أحياناً بالنص الشرعي ـ بلسان الحال ـ ولا يجعله معياراً لقراءة الواقع، ولا حَكَماً يستسلم لحدوده، ولا نقصد ها هنا ما حدث في الأزمة اللبنانية من اختلاف فحسب، بل نراه في مشروعنا السياسي برمته. والعجيب أن بعض الإسلاميين ظنَّ أن النصوص الشرعية في الجانب السياسي قليلة جداً، ثم جعل الأصل في المعاملات السياسية هو الاعتماد على تقدير المصالح والمفاسد فحسب، وبنى ذلك في معزل عن الضوابط والقواعد العلمية التي حررها علماء أصول الفقه! \ المسألة الثانية: الوحدة الإسلامية المنشودة: إن الوحدة الإسلامية مطلب مهم تتعلق به أفئدة جميع المسلمين، خاصة عندما يظهر تنازعهم واختلافهم من جهة، وتكالب الأعداء عليهم من جهة أخرى. وما كانت الأمة في وقت من الأوقات بحاجة إلى الوحدة كما هي الآن، ولهذا يجب على العلماء والدعاة والمربين أن يؤكدوا على أهمية الوحدة الإسلامية، ويرسموا الرؤية العلمية والعملية التي تبني ذلك في جميع أقطار المسلمين، ليتحول الخطاب العاطفي إلى خطاب عملي يتجسد في واقع الحال. ولن يتحقق هذا المطلب إلا بإقامة الدين والاعتصام بحبله المتين، كما تواترت بذلك النصوص. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] . والعجيب أن بعضنا عندما طرح هذه القضية وقع في مشكلتين: المشكلة الأولى: التهوين الشديد من شأن الخلاف بين السُّنَّة والشيعة، لدرجة أن بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة زعم أن ذلك خلاف تاريخي عفَّى عليه الزمان، وحصل لظروف وصراعات سياسية، ثم سعى المتعصبون من الطرفين إلى إلباسها لباس الخلافات العقدية والمنهجية، وهؤلاء يطالبون بتجاوز الماضي ونسيانه..! وعلى الرغم من الخطأ العلمي الفادح في هذا الرأي، إلا أننا ـ جدلاً ـ لو تناسينا الماضي السياسي أو الانحراف العقدي لقدماء الشيعة؛ فماذا نقول فيما يحدث الآن على أرض الواقع، بعيداً عن عقيدة التقية أو المزايدة السياسية؟! إن المتابع البصير للقنوات الفضائية الشيعية في العراق خصوصاً، وللمجلات والجرائد ومواقع الشبكة العالمية، وخطابات المراجع العلمية الشيعية، يصاب بالذهول والحيرة للكمِّ الهائل من العقائد المنحرفة في الأصول والفروع على حد سواء، ويدرك حجم الاختلاف معهم في مصادر وطرق الاستدلال والتلقي والاستنباط، ويعجب المرء أشد العجب من جرأتهم على كتاب الله ـ تعالى ـ وفحشهم في تجريج وذم الصحابة الكرام ﵃ فكيف يمكن أن نتجاوز ذلك؟! وهل يصح أن يقال: إن خلافنا معهم خلاف تاريخي ذهب وقته؟! وقد أحسن فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حينما بيَّن هذا الانحراف في عقيدة الشيعة في محاضرته الأخيرة في نقابة الصحفيين بمصر. أما العداء السياسي فقد أضحى الآن حقيقة مدوية لا يتجاهلها إلا مكابر؛ فها نحن نرى دماء أبناء السُّنَّة وأعراضهم في العراق تُنتهك جهاراً، ونرى العلماء والدعاة وخطباء الجوامع من أهل السنة يُسْحَقون بدم بارد، ويهجَّرون من ديارهم وقراهم بكل صلف وجبروت! فواعجباً! هل يظن ظانٌ بعد ذلك أن خلافنا معهم خلاف تاريخي..؟! أو أن الشيعة قد تغيروا؟! ولهذا نقول بكل وضوح وصراحة: إنَّ التحذير من الشيعة ليس دعوة عصبية أو طائفية، وليس مناقضاً للأصل الشرعي في الدعوة لوحدة الأمة الإسلامية؛ بل نعتقد أن بيان ذلك من مقتضيات الوحدة الواجبة، خاصة أننا نشهد الآن اختراقاً شيعياً ملحوظاً لمناطق السُّنَّة تجاوز دول الأطراف الإسلامية في أفريقيا وأندونيسيا ونحوها، إلى دول العمق الإسلامي في مصر والسودان وسورية وغيرها. فهل يعي العلماء والدعاة تبعات هذه المرحلة..؟! المشكلة الثانية: هي الحماس الزائد في الكلام عن الوحدة والتقارب من الشيعة مع التجاهل الواضح للوحدة أو التقارب مع بقية فصائل أهل السنة، مع أن الخلاف بين فصائل السنة أهون بكثير من الخلاف مع الشيعة؛ فالتفرق واضح في صفوف أهل السنة، وهم أوْلى بنداء الوحدة في وقت النوازل، ونحسب أن تفرقهم من أعظم ما ابتلي به المسلمون اليوم. والرزية كل الرزية أن يصاب الدعاة والمصلحون وأبناء الصحوة الإسلامية بهذا الداء العضال، ويتجذر في صفوفهم، ثم لا نجد دعوات ومبادرات عملية جادة لرأب الصدع، ولمِّ الشعث، وتقريب وجهات النظر..! وليس من الشرع، بل ولا من العقل، أن نرى الحزبية البغيضة والتنازع الدعوي يضربان بجذورهما في أعماقنا التربوية والحركية، ثم نقف مكتوفي الأيدي لا نحرك ساكناً، بل ربما يسهم بعضنا في زيادة الشقة بين الدعاة، ويثير كوامن التعصب والتنازع. من السهل جداً أن ندعو إلى الوحدة الإسلامية، لكن المهم هو أن يكون ذلك بفقه وبصيرة، وأن نزرع في نفس المسلم ولاءه ومحبته لإخوانه المسلمين، ويكون ذلك جزءاً من تكويننا التربوي والعلمي. والأخلاق ليست صوراً وعظية باردة تُستخرَج من بين صفحات الكتب، بل هي ممارسة عملية حية تظهر في سلوك العلماء والدعاة وأهل الرأي ممَّن يُقتدَى بهم. وإذا كان أبناء الصحوة الإسلامية ـ الذين هم صفوة الأمة ـ لم يحسنوا بعدُ بناء صفوفهم؛ فكيف نتطلع إلى وحدة شاملة للأمة بما فيها من أمراض ومشكلات..؟! ونحسب أن من أهم الدعائم الأساسية لرأب الصدع وتقليل هوَّة الاختلاف والنزاع: إحياء ثقافة التناصح بين الدعاة والعاملين في الحقل الإسلامي، تحقيقاً لقول الله : ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] . والنصيحة الصادقة ليست باباً من أبواب التشهير أو التشفي أو الاعتداء على حرمات الآخرين. النصيحة المخلصة ليست لوناً من ألوان الاستعلاء أو التعالُم على المخالفين. النصيحة الصادقة المخلصة لا تكون إلا بالرحمة والإحسان، وتجريد القصد لله ـ تعالى ـ وحده لا شريك له؛ إنها آية من آيات المحبة يُسَدُّ بها النقص، وتصحَّح بها المسيرة، وتأتلف بها القلوب، وتتوحد عليها الصفوف. وإذا كانت كذلك؛ فلن يستنكف طلاب الآخرة عن قبولها، بل يفرحون بها، وما أروع كلام الحسن البصري ﵀ عندما قال: «قد كان من كان قبلكم عن السلف الصالح يلقى الرجلُ الرجلَ فيقول: يا أخي! ما كلَّ ذنوبي أُبْصِرُ، ولا كلَّ عيوبي أَعرفُ؛ فإن رأيتَ خيراً فمُرْني، وإذا رأيتَ شراً فانهَني» (١) . اللهم وحِّد صفوفنا على السُّنَّة، واجمع قلوبنا على الطاعة! وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 5723

واجب المسلمين عند اختلاف المفتين عبد الله بن صالح العجيري الناظر في أمر الفتيا، وحال الإفتاء يجد فوضى عريضة، وتناقضات غريبة، وتعالماً مزرياً، وجرأة عجيبة؛ فهذا يهدم بفتياه أصلاً شرعياً مقرراً، وذاك يتقدم ليفتي في نازلة وما هو لها بأهل، وثالث يفتي فتضحك الثكلى لفتواه، فلا عقل لهؤلاء يردعهم عما هم فيه، ولا دين يمنعهم من جرأتهم المحرمة هذه على الشرع، (فاسمع ما شئت من فتاوى مضجعة، محلولة العقال، مبنية على التجري لا التحري، تُعنت الخلق، وتشجي الحلق، لا تقوم على قدمي الحق، بل ولا على قدمي باطل وحق، حتى هزأ بهم كبار الأجراء، وقالوا: فتوى بفرخة) (١) ، ولو شئت أن أنقل صوراً ونماذج في هذا الباب لأصاغر قد تقدموا لسد ثغرات العلم ـ زعموا ـ لنقلت لك صفحات طوالاً. أما الجرأة على العلماء الأكابر الأفذاذ فلا تسل عن الحال، والله المستعان، وصدق رسول الله # إذ قال: «إن من أشراط الساعة أن يُرفَع العلم ويكثر الجهل» (٢) ، ولكن دع ذا؛ فليس ذا المقصود من هذا المقال، وإنما هي نفثة مصدور مما يرى ويسمع، ورحم الله دمعة (ربيعة) حين سأله رجل عنها قائلاً: أَدَخَلَتْ عليك مصيبة؟ قال: لا، ولكن استُفتِيَ من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، وبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السُّرَّاق (٣) . وهكذا فقد تتابعت دمعات الأئمة من بعده يرددون كلمته هذه كابن الجوزي (٤) وابن الصلاح (٥) وابن حمدان (٦) وابن القيم (٧) وغيرهم، كل يبكي أحوال زمانه، ويتحسر من أوضاع العلم والعلماء؛ فكيف لو رأوا زماننا، وما نحن فيه؟ اللهم فغفراناً وستراً. والمقصود أن ما يُرى من فوضى في عالم الفتيا قد سبَّب اضطراباً في المواقف؛ فما عاد كثير من المسلمين يعرفون من يُستَفتى، وما عادوا يعرفون الحق من الباطل في خضم هذه المتناقضات، فسلك الناس في هذا الباب مذاهب شتى، منهم من أخذ بالأيسر والأسهل متى ما وقف عليه ممن كان، وحيث كان، لسان الحال يقول: والله ما أُخَيَّرُ بين أمرين إلا اخترت أيسرهما وإن كان إثماً! وآخر ذو طبع جامد متشدد قد ألزم النفس الأشد وإن كان مرجوحاً، ثم تراه يُلزِم ذلك أهله وولده ومن يعول، ومن لا يعول؛ فموضع التهمة وسوء الظن، فأوقع نفسه وأهله في حرج وضنك وما ذاك بطيب ولا مشروع، وثالث متردد حائر يريد ما يريده الله، ويطلب حكمه، لكنه لا يدري أيُقْدِم أم يُحْجِم، يظن في نفسه أنه إن أقدم فلهوى، وإن أحجم فَلِهوى، قد ضاقت نفسه بالخلاف، وود لو لم يكن خلاف، أو لو أُلزِمَ الجميع بفتوى واحدة، هي الرأي المتبع، والقول المسدد، إذن لاستراح وهان عليه الإحجام أو الإقدام. ولذا صار من الواجب التعرف على الموقف الشرعي الصحيح تجاه اختلاف المفتين، والطريقة الشرعية الصحيحة للاستفتاء. وإن أمر الفتيا وما يترتب عليها من أحكام لا شك عظيم، وموقف صعب جليل يقفه العالم المفتي، والعامي المستفتي، ولكل أحكامه وما يجب عليه؛ فالعامي واجبه السؤال عما يجهل ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] ، والعالم واجبه الإبانة والجواب: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] ، وليس يبرئ ذمة هذا أو هذا أي استفتاء ولا أي فتيا، بل لكل ضوابطه ومعالمه التي متى ما روعيت، كانت الإصابة للأجر، وإن كان الخطأ، ومتى أغفلت كان الشخص مخطئاً أصاب الحق في الفتيا والعمل أو أخطأ. وهذه المقالة معنية ببيان ما يتصل بأحوال المستفتي وما يتعلق به من أحكام خصوصاً عند اختلاف المفتين لمعرفة المخرج الشرعي الصحيح من الاضطراب الواقع في عالم الفتيا، ولتطمئن النفوس وتهدأ عند الوقوف على اختيار من الاختيارات أخذاً به واطِّراحاً لما سواه، وهذه المعالم مستفادة في الجملة من كلام أهل العلم المصنفين في أصول الفقه، تحت أبواب الاجتهاد والتقليد، وأحكام الإفتاء والاستفتاء؛ فليست هذه المقالة إلا محاولة لتقريب كلام أولئك الأجلَّة من أهل العلم إلى المقصودين به أصالة من المستفتين، وهذا واجب ينبغي أن يعتني به طلبة العلم والعلماء، في تقريب العلوم الشرعية إلى جمهور الأمة، خصوصاً فيما يتعلق بها من أحكام كشأن هذا الباب. ولا أزعم أن هذه المقالة كافية في هذا المجال، لكنها مقاربة أرجو أن تكون موفقة، وحلقة في سلسلة هذا المشروع المبارك، ومحاولة لتسهيل هذا الباب على جمهور أوسع، بدل أن تكون هذه المعالم حكراً على المهتمين بعلم أصول الفقه وكتبه، والأمر يحتاج إلى مزيد تسهيل وتبسيط لتكون هذه المعالم في تناول كل مسلم. أسأل الله أن تكون هذه المقالة محل نفع وإفادة، ويتحقق بها شيء من المقصود. فإلى هذه المعالم المتعلقة بباب الاستفتاء والمستفتي: المَعْلَم الأول: تفهم حقيقة الخلاف وطبيعته: إن مما ينبغي أن يُعلَم أن الخلاف بين البشر جميعاً، في دائرته الواسعة ـ بين أهل الإسلام ومخالفيهم ـ أو دائرته الأضيق ـ بين أهل الإسلام على صوره وأشكاله حقيقة واقعة، وسنة ربانية ماضية، لا يمكن رفعها، ولا إزالتها، ولا إعدامها من الوجود: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ #١١٨#) إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] ، فـ (وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إراداتهم وأفهامهم وقدرات إدراكهم) (١) ، ولذا فإن التذمر من وجود الخلاف، والحيرة عند كل اختلاف، مذهب غير حميد، ومسلك غير رشيد، بل الواجب أن تُتفهم طبيعة هذا الخلاف في إطاره الشرعي الصحيح، وتُدرس أسبابه، فإن العلم بها يخفف من حدة الاختلاف ويُحسن ظن المرء بالعلماء (٢) ، كما ينبغي أن يُتعرف على المنهج السليم في التعاطي مع مسائل الخلاف والتعامل معها، وإعطاء كل مسألة حقها ومستحقها، فلا يُتعامل مع الكل تعاملاً واحداً، فتعطى الأصول أحكام الفروع، وتعطى الثوابت أحكام المتغيرات، بل يحسن بالمرء التعامل مع كل مسألة بما يليق بها، وبما يناسبها، ومتى ما حصل ذلك، وكان القصد طاعة الله ورسوله، والمتابعة حاصلة للمنهج الشرعي، لم يضر ذلك الاختلاف شيئاً، بل يصير سعة ورحمة لا فرقة وعذاباً. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يُفْضِ إلى شر عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنف رجل كتاباً سماه: كتاب الاختلاف، فقال أحمد سَمِّه: كتاب السعة) (٣) ، (وبهذا يظهر أن الخلاف الذي هو في الحقيقة خلاف ناشئ عن الهوى المضل لا عن تحري قصد الشارع باتباع الأدلة على الجملة والتفصيل وهو الصادر عن أهل الأهواء، وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصاً على الغلبة والظهور بإقامة العذر في الخلاف، وأدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق، وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى وذلك مخالفة الشرع، ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء فاتباع الهوى من حيث يظن أنه اتباع للشرع ضلال في الشرع؛ ولذلك سميت البدع ضلالات، وجاء أن كل بدعة ضلالة؛ لأن صاحبها مخطئ من حيث توهم أنه مصيب) (٤) . وأنت سائلي بعد ما تقدم: كيف يمكن التعرف على الثوابت والمتغيرات، وما يصح فيه الخلاف مما لا يصح، ولسنا بعلماء ولا مجتهدين؟ والجواب: ١ ـ أن جملة واسعة من الأصول والثوابت مما يعلمها أهل الإسلام جميعاً ضرورة: وهي من الدين الجامع الذي لا يصح الاختلاف فيه؛ فلو قدر مخالفة البعض في هذه؛ فالواجب رد هذا الاختلاف رأساً، ولا يصح أن يُلتفت إليه، أو يُتأثر به، أو يُحكى في المسألة خلاف بناءً عليه، وهذه المسائل مما يتفاوت الناس في إدراكها بحسب الأحوال والأزمنة والأماكن؛ فدائرة العلم بها والإحاطة بها في أماكن العلم ومحال انتشاره أوسع من أماكن اندراس العلم وقلته وخفائه؛ فكل يلزمه من ذلك ما يلزمه بحسب حاله، وبحسب الحال يكون العذر وعدم الإعذار. ٢ ـ أن يَعرف المسلم: أن مسائل الشريعة لا تخرج عن قسمين: أـ مسائل إجماعية، لا خلاف فيها. ب ـ مسائل خلافية. فمسائل الإجماع كاسمها مسائل إجماع، فلا يصح فيها خلاف، والمعتبر فيها أقوال العلماء المجتهدين، ومتى ثبت لزم، ولم يجز العدول عنه أو الخروج لرأي شخص كائناً من كان. ومن الإجماع ما هو مدرَك لجميع المسلمين وهو من إجماعهم، ومنه ما يختص بمعرفته العلماء؛ فشأن الأول بَيِّنٌ من جهة العلم به ولزومه وعدم جواز العدول عنه، أما الثاني فلازم كذلك لإجماع العلماء عليه، ويندر جداً أن تجد عالماً مجتهداً يخرج عنه أو يفتي بخلافه؛ فالعلم به من جهة المفتي بَيِّنٌ كذلك، والعدول عنه محرم لا يجوز. أما مسائل الخلاف فعلى ضربين: أـ ما يسوغ فيه الخلاف، وللمستفتي في مثل هذه المسائل موقف شرعي سيأتي بيانه مفصلاً، وهو محل الإشكال غالباً، وهو المقصود بهذه الأوراق أصالة. ب ـ ما لا يسوغ فيه الخلاف، وذلك لشذوذ في القول، أو بُعد عن الدليل، أو ضعف في الاستدلال، وهو المشار إليه في مثل قول ابن الحصار: فليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر فهذا اللون من الخلاف متى استبان أمره للمستفتي، لم يصح له الأخذ بالمرجوح ولا العدول عن القول الصحيح الراجح إليه. وله أمارات وعلامات، كالتفرد برأي يخالف المشهور المستقر بين جماهير أهل العلم، أو المخالفة البينة لنص المسألة وهكذا. وهذا اللون من المخالفة هو المسمى عند العلماء بـ (زلة العالم) وهي التي يحرم متابعته عليها، واعتماد قوله فيها. يقول الإمام الشاطبي في ضابط هذا اللون من الاختلاف مقرباً إياه لغير المجتهدين من المتفقهين: (إن له ضابطاً تقريبياً وهو أن ما كان معدوداً فى الأقوال غلطاً وزللاً قليل جداً فى الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها قلَّما يساعدهم عليها مجتهد آخر؛ فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة فليكن اعتقادك أن الحق في المسألة مع السواد الأعظم من المجتهدين لا من المقلدين) (١) . ومن نظر في أحوال من تقدم وتورعهم عن الفتيا إلا بما يعتقدون صحته يرى أن ذلك خفف كثيراً من وقوع الخلاف الشاذ بينهم؛ فلو أن المفتين التزموا مثل هذا الأصل ـ أصل التورع ـ ولم يفتوا إلا بما يعرفون متى وجب؛ لخفَّ الأمر على المستفتين، ولسلموا من العمل بالأقوال الشاذة التي لا يصح أن يفتى بها ولا العمل بمقتضاها. وفي الجملة: فما جعل الله الباطل كالحق، بل أقام على هذا وهذا علامات وآيات تدل عليه، يدركها المخلصون المجاهدون فيه جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، ومع ذلك فلو قدر وقوعه ولم يستبن أمره للعامي، فتابع مفتيه عليه فإنه يُعذَر متى كان الحق طَلِبَته، واجتهد في تطلُّب المفتي الصالح، ومتى ما استبان له شذوذ القول بمخالفة آخر بنص بَيِّن؛ فاتباع النص ألزم وأوجب. يقول شيخ الإسلام: (والعالم إذا أفتى المستفتي بما لم يعلم المستفتي أنه مخالف لأمر الله فلا يكون المطيع لهؤلاء عاصياً، وأما إذا علم أنه مخالف لأمر الله فطاعته في ذلك معصية لله) (٢) ، وإن لم يتضح له فالأمر من قبل ومن بعد معلق بقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] ، «فإنما شفاء العي السؤال» (٣) ، وسيأتي مزيد بيان وتفصيل. فإذا اتضح ما تقدم ـ ولو نظرياً ـ وهو متضح في بعض المسائل عملياً مع تفاوت بين الناس في ذلك؛ فإن التعامل الشرعي الصحيح يكون بإعطاء كل مسألة الوزن الذي تستحقه. وليس هذا التقسيم المتقدم ذا حدود مانعة، بحيث تفصل بين المسائل بضابط قطعي، بل الأمر يتفاوت من عالم لآخر ومن مسألة لأخرى؛ فمن مسائل الخلاف مثلاً ما يكاد أن يكون إجماعاً لضعف الخلاف جداً، ومنها ما يتأرجح بين الخلاف السائغ وغير السائغ، وهكذا. ٣ ـ أن تصرفات المفتين عادة تكون مركبة من قضيتين: حكم شرعي مستنبط، ثم تنزيل لهذا الحكم على واقعة مخصوصة (٤) ؛ وعليه فالفتيا قد يدخل عليها الخطأ إما من قصور في إدراك الحكم، أو تقصير في معرفة الواقع، ولذا فالاختلاف الحاصل بين المفتين قد يكون أحياناً في تحرير حكم المسألة، وقد يكون في تنزيلها على الواقع. وبناء على هذا؛ فمن الفتاوى ما يمكن أن يجهل المستفتي خطأ الحكم المضمَّن في الفتوى لقصوره عن رتبة الاستنباط، لكنه لا يجهل مخالفة التنزيل للواقع، إما لعلمه بحقيقة الحال والواقع لتعلقه به، وعدم مطابقة الفتيا له، أو لغموض في السؤال أدى إلى إشكال في عملية التنزيل، وقد يكون للمستفتي مزيد اختصاص بعلم الواقعة من المفتي، مما يجعله أقدر على تفهمها، ومعرفة صحة التنزيل من عدمه، والاجتهاد في تحقيق المناط مما يشترك في بعض صوره العامة والخاصة، وفي بعض صوره لا يقدر بعض الخاصة على دقة التنزيل بخلاف بعض العامة للاختصاص، ولا تثريب في ذلك، كتمييز المرأة لدم الحيض مثلاً، ومعرفة المريض للمشقة الواقعة عليه من مرضه، ودراسة القوائم المالية لشركة لمعرفة حكمها وهكذا؛ فلو قدر أن مفتياً ألزم من جامع زوجته في نهار رمضان بالصوم، وادعى المستفتي عجزه، لم يكن للمفتي أن يلزمه بذلك، بل ينتقل به إلى ما دونه من صدقة، ويكل أمره وباطنه إلى الله؛ فإن كان صادقاً، وإلا أثم، وسلم المفتي. وكم من مسألة معلقة بالعرف مثلاً يتكلم فيها العالم باعتباره واحداً من أهل العرف فيخالفه غيره بالاعتبار ذاته، فتحقيق هذا إنما يكون بتحقيق طبيعة الواقعة ومناط الحكم. وعليه؛ فاستبانة الخطأ في مثل هذه الفتاوى قد يتضح بما تقدم، ولا يصح إن اتضح للمستفتي خطأ في التنزيل الأخذ بالفتيا، بل الواجب توضيح الواقع على صورته للمفتي، أو الانتقال لمفت آخر؛ إذ المقصود ليس العمل بأي فتيا تتيسر، وإنما طلب الفتيا الموافقة لشرع الله والحاصلة في محلها، وليس القصد من هذا التقليل من شأن العلماء أو الطعن عليهم أو تخطئة تنزيلاتهم بإطلاق كلاَّ، وكلاَّ، وإنما القصد وضع الأمر في نصابه، وبيان وجهٍ من أوجه اختلاف العلماء، والذي ينبغي أن يُراعى ويُتفهم في إطاره الشرعي الصحيح، وفرق بين فهم النص وفهم الواقع؛ فكم أحاط شخص بأحدهما ونقص حظه من الثاني، وإن كان حد الكمال الأدنى من هذا وهذا مطلوباً في الإفتاء. والله أعلم. المَعْلَم الثاني: طلب المؤهَّل للفتيا: إن من الواجبات الشرعية المتعلقة بالمستفتي أن يتطلَّب المفتي الصالح للإفتاء؛ وذلك عملاً بقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] ، فلا تبرأ الذمة بسؤال أي شخص، بل لا تبرأ إلا بسؤال أهل الذكر من العلماء؛ فالواجب أن يتحرى المستفتي في هذا، ويجتهد لإصابة المفتي المؤهَّل مجرداً عن صنوف الهوى، والتعصب لشخص، أو طائفة، أو إقليم، طلباً لإصابة مراد الله ـ جل وعلا ـ وحكمه. وإذا كان الرب قد استشهد العلماء على أجلى حقيقة شرعية، وأظهر الأصول الدينية، وهي الشهادة له بالوحدانية، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] ، فلا يصح للعباد أن يستشهدوا على أحكام رب العباد إلا أهل العلم والديانة، فلا يصح استفتاء أهل الجهالة والغباوة، ولو تَصدَّروا أو صُدِّروا، ولا يجوز أن يُستفتى متساهل خارج عن الحد طلباً للترخُّص والتيسير، ولا جامد متعنت متشدد يسلَّط على أهل التقصير، بل يُطلب من يُظَن أنه يصيب حكم الرب ومراده، وقد قال الإمام محمد بن سيرين: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم (١) ، ولو أن أهل الجهالة مُنِعوا فتيا الناس لقل الشذوذ، وضعف أمره، ولخفَّت وطأة الخلاف على كثير من المستفتين؛ فإنهم لجهلهم وبجهلهم قد كثَّروا الدَّخَن لا كثرهم الله، وصدق من قال: (العلم نقطة كثَّرها الجاهلون) (٢) ، و (إذا ازدحم الجواب خفي الصواب) (٣) ، و (اللغط يكون منه الغلط) (٤) و (لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف) (٥) ، يقول ابن حزم: (لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها؛ فإنهم يجهلون، ويظنون أنهم يعلمون، ويقدِّرون أنهم يصلحون) (٦) ، (فأضحى، وأمسى، وبات، وأصبح لزاماً على كل غيور أن تكون منه نفثة مصدور، لبيان عُوار البضاعة، والتبر من (الفبر) ، فليس كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة، وترى الرجل كالنخل، وما يدريك ما الدخل) (٧) . فالاحتساب على أولئك واجب شرعي على من بيده حق الاحتساب من عالم أو أمير طلباً لكف شرهم عن الناس؛ والحَجْرُ عليهم فريضة لازمة صيانة للدين والعلم؛ إذ (الحَجْرُ لاستصلاح الأديان أوْلى من الحَجْر لاستصلاح الأموال والأبدان) (٨) ، يقول ابن القيم: (من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضاً. قال أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية؛ وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبُّب من مداواة المرضى؛ فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟ وكان شيخنا ﵁ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجعلتَ محتسباً على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟!) (٩) ، وصدق ﵀، والأمر كما قال ربيعة: وبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق. وقد تكلم العلماء في صفة المفتي وشروطه، وفصَّلوا الكلام فيه، ليُعرَف المحق من المبطل، والصادق من الكاذب، والعالم من الجاهل؛ فمما ذكروه، ونبهوه عليه، مما يهم المستفتي، ما قاله الإمام الشافعي ﵀: (لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجل عارف بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أُنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله #، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر وما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحة بعد هذا، وإذا كان هذا هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي) (١٠) . ويقول ابن الصلاح في شروط المفتي وصفاته: (أن يكون مكلفاً مسلماً، ثقة مأموناً، منزهاً عن أسباب الفسق، ومسقطات المروءة؛ لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح للاعتماد، وإن كان من أهل الاجتهاد، ويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظاً) (١١) . فهذا زبدة ما هنالك من صفات المفتي، وتفصيل هذه والتدليل عليها مما يطول فيه الكلام (١٢) . ولعل مما يسهل الأمر ويقربه إلى الذهن أن يعتبر المستفتي في هذا الباب بالمثال؛ فإنه يقرب مدلول ما تقدم، ويسهِّل عليه المقايسة لمعرفة العالم من غيره، وذلك بمطالعة أحوال من تقدم من العلماء وسِيَرهم كسعيد بن المسيب، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، والفضيل بن عياض، وابن عيينة، والأئمة الأربعة، وهكذا في جمع كثير جداً، وكذا من تأخر من أهل العلم ممن وُقِفَ عليهم بالمعاينة والمشاهدة كالشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني وغيرهم، فإنه سيعرف حقيقة العالم، وما يختص به من صفات تؤهله للنظر والاستنباط، وتصحح للمستفتي فتياه. وقد نص العلماء على أن الطريق إلى التعرف على العالم شهرته بالعلم والعدالة بحيث يستفيض ذلك بين الناس، ونص بعضهم على أنه يُكتفى في هذا الباب بشهادة عدلين على أن فلاناً مفتٍ ولو لم يشتهر؛ لأنها من جنس الشهادة، بل قال بعضهم بواحد قياساً على جواز الواحد في نقل الإجماع، وبالغ بعضهم فاكتفى بشهادة الرجل العدل لنفسه بالفتيا ليُستفتى، وأحسب أن مثل هذه الطرائق في التجوُّز بشهادة الواحد والاثنين لو تسومح فيها في عصر متقدم لصلاح الأحوال، وشهرة العلماء، والقيام على المتعالمين الجهلاء لكان له وجه، أما وأن الحال قد تغير، والأمر قد اضطرب واختلط الحابل بالنابل، والليل بالنهار، لكثرة التعالم، وقلة العلماء، وظهور الجهل، وضعف العلم؛ فإن التحري في هذا الباب آكَد، وهو يستدعي من المستفتي اجتهاداً ومجاهدة، وجِدّاً ومثابرة في تطلُّب العالم الثقة، كما يستدعي من علماء الحق، وحراس العلم، أن يقوموا بدورهم في القيادة والحراسة، وليعلموا أن زمن العزلة والخمول قد ولَّى وراح، فلا الانعزال في حقهم جائز ولا الخمول سائغ، بل لا بد من الاشتهار قياماً بالدور الواجب المناط بهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن هذه الشهرة المشروعة لا تكون منهم إلا بالبذل من نفوسهم تعليماً وإرشاداً، بالوعظ، والتدريس، والخطابة، والتأليف، والخلطة، والمجالسة، وقوفاً على أحوال الناس، وسعياً في حل مشكلاتهم. ومما يعين الإنسان على الوقوف على العالم الصادق، تحصيل العلم، ومجالسة العلماء وطلبة العلم؛ فإن من له ذائقة علمية يستطيع من خلالها تذوق ما عند الرجل من علم وجهل، ويميز بها العالم من الجاهل، والشيء يحن إلى الشيء؛ فليكن لك من العلم ما يؤهلك للنظر والتأمل، وليس القصد محاكمة العالم البحر، أو امتحانه بما يحصل من علم يسير، وإنما الشيء يدل على الشيء، والمثال يُعرف بالمثال، كما أن في مجالسة العلماء ومخالطة طلبة العلم ما يدل المرء على من يستحق أن يستفتى بتزكية أو ثناء أو إشارة، وإياك والاغترارَ بالمناصب، أو الرتب العلمية الحادثة ـ الماجستير والدكتوراه ـ فليس كل من حصَّل شيئاً من هذه بالضرورة فقيهاً، وليس كل بيضاء شحمة، فليكن منك هذا الأمر على بال، ومن نظر واختبر ومحَّص عرف. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالماً مجتهداً عالماً مجتهداً، ولو كان الكلام في العلم والدين بالولاية والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحقَّ بالكلام في العلم والدين وبأن يستفتيه الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين؛ فإذا كان الخليفة والسلطان لا يدعي ذلك لنفسه، ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول إلا بكتاب الله وسنة رسوله؛ فمن هو دون السلطان في الولاية أوْلى بأن لا يتعدى طوره) (١) . وخلاصة هذا المَعْلَم: التأكيد على لزوم اجتهاد المستفتي في أعيان المفتين، لمعرفة من يستحق أن يستفتى ممن لا تجوز فتياه، وأنه متى ما استفرغ وسعه، وأجهد نفسه في تطلُّب المفتي الحق، فقد أدى الذي عليه؛ فإن أصاب المستحق فالحمد لله وهو المظنون، وإلا كان معذوراً إذ تطلَّب الحق وكان إثمه على من أفتاه، وفيه يقول النبي #: «من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه» (٢) . ومعلوم أن المستفتي إن استفتى من يعلم جهله، أو لا يعلم علمه، كان مخالفاً للأمر ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ فلا يكون الإثم قاصراً على المفتي وحده بل يعمهما. يقول السندي: (إِذَا كَانَ هَذَا الْمُفْتِي مَعْلُومًا بِالجْهلِ وَبِالْفَتْوَى بِهِ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ يَسْأَلهُ) (٣) ، وهذا بين واضح بحمد لله. المَعْلَم الثالث: ليكن الحق هو طَلِبَتك ومقصودك: وهذا المَعْلَم هو أمُّ المعالم وأصلها، وهو الذي إن صح صح للمرء مسلكه في الاستفتاء، واتضح الحق له، واستنار قلبه، وأشرقت روحه، ومتى ما كان مُقْصىً مبعداً، كانت الوحشة والظلمة، وكان الحق بمعزل. وقد تقرر أن واجب المستفتي عند الجهل بالشرع سؤال أهل الذكر، وهذا السؤال عبادة يشترط فيها ما يشترط في العبادة من إخلاص ومتابعة، فتجريد الإخلاص أن يكون الرب هو المقصود، والمتابعة الواجبة تكون بسؤال أهل الذكر، على وجه يوصل إلى الحق. ومن الأصول المقررة أن مرجع المسلم أياً كان ـ عالماً أو عامياً ـ عند الاختلاف هو الكتاب والسنة طلباً لإصابة الحق وتحقيق مراد الرب. يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] ، ويقول ـ تعالى ـ: ﴿فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] ؛ فالرد لله ورسوله واجب من الجميع، وهو مَعْلَمٌ بدهي مستقر عند المسلمين جميعاً، بل هو مقتضى وحقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ وعليه فالعالم يطلب حكم الله ـ جل وعلا ـ بنظره واجتهاده في دلائل الكتاب والسنة، والعامي يطلب ذلك بتوسيط العالم في فهم الكتاب والسنة لعجزه وقصوره عن هذه الرتبة. يقول يزيد ابن هارون: (إن العالم حجتك بينك وبين الله تعالى؛ فانظر من تجعل حجتك بين يدي الله تعالى) (١) ، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأئمة المسلمين الذين اتبعوهم وسائل وطرق وأدلة بين الناس وبين الرسول يبلغونهم ما قاله، ويفهمونهم مراده بحسب اجتهادهم واستطاعتهم) (٢) ، وهذا الرد للكتاب والسنة هو المخرج للإنسان من داعية هواه ليكون عبداً لله. يقول الإمام الشاطبي: (إن في مسائل الخلاف ضابطاً قرآنياً ينفي اتباع الهوى جملة، وهو قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وهذا المقلِّد قد تنازع في مسألته مجتهدان، فوجب ردها إلى الله والرسول وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية، وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة؛ فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة؛ مضاد للرجوع إلى الله والرسول) (٣) ، والعالم المجتهد متى ما استفرغ وُسْعَه وبذل الجهد الواجب في تطلُّب الحق كان مأجوراً بكل حال أصاب الحق أو أخطأه؛ فإن كانت الإصابة فقد أصاب أجرين؛ وإلا كان له أجر واحد وخطؤه مغفور. يقول النبي #: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (٤) ، فإن قصَّر في الاجتهاد وفرط في النظر وأفتى دون إعمال الفكر الواجب كان الإثم، أصاب الحق بفتياه أو أخطأه. ويقال في المستفتي ما قيل في المفتي، إن استفرغ وُسْعَه في تطلُّب العالم الصالح لأن يفتي، وأحسن السؤال، وتجرد عن دواعي الأهواء أن تحرفه عن تطلب الحق، وكان الحق هو طَلِبَته ومقصوده، كان مأجوراً بكل حال أصاب الحق أو أخطأه. أما إن كان الحق غير مقصود بل المقصود غيره؛ فنية فاسدة يأثم بها أصاب الحق أو أخطأه. والله المستعان. يقول الباجي مبيناً حال هذا الصنف من المستفتين: (وكثيراً ما يسألني من تقع له مسألة من الأيْمان ونحوها: لعل فيها رواية؟ أو لعل فيها رخصة؟ وهم يرون أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا لما طولبوا به، ولا طلبوه مني ولا من سواي، وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذى يعتقد أنه حق رضي بذلك من رضيه وسخطه من سخطه، وإنما المفتي مخبر عن الله ـ تعالى ـ في حكمه؛ فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه، والله ـ تعالى ـ يقول لنبيه ﵊: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] الآية، فكيف يجوز لهذا المفتي أن يفتى بما يشتهي، أو يفتي زيداً بما لا يفتي به عَمْراً، لصداقة تكون بينهما أو غير ذلك من الأغراض؟ وإنما يجب للمفتي أن يعلم أن الله أمره أن يحكم بما أنزل الله من الحق، فيجتهد في طلبه وينهاه أن يخالفه وينحرف عنه. وكيف له بالخلاص مع كونه من أهل العلم والاجتهاد إلا بتوفيق الله وعونه وعصمته؟) (٥) . وإذا نظرنا في أمر الاستفتاء نلحظ أنه ما وُضِع أصلاً إلا طلباً لحكم الله ـ جل وعلا ـ خروجاً من تحكيم الهوى، وإلا لو كان الهوى هو المطلوب وهو المقصود، لكان الاستفتاء عبثاً، ولذا يقول الإمام الشاطبي في كلام نفيس: (وأما إن كان عامياً فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه؛ واتباعُ الهوى عينُ مخالفة الشرع، ولأن العامي إنما حكَّم العالم على نفسه ليخرج عن اتباع هواه، ولهذا بعثت الرسل وأُنزلت الكتب؛ فإن العبد في تقلباته دائر بين لَمَّتين: لمةِ مَلَك، ولمة شيطان؛ فهو مخير بحكم الابتلاء في الميل مع أحد الجانبين، وقد قال ـ تعالى ـ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا #! ٧! #) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٩] ، ﴿إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وَإمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] ، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ، وعامة الأقوال الجارية في مسائل الفقه إنما تدور بين النفي والإثبات والهوى لا يعدوهما؛ فإذا عرض العامي نازلته على المفتي فهو قائل له: أخرجني عن هواي، ودلني على اتباع الحق؛ فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: في مسألتك قولان، فاختر لشهوتك أيهما شئت! فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع، ولا ينجيه من هذا أن يقول: ما فعلت إلا بقول عالم؛ لأنه حيلة من جملة الحِيَل التي تنصبها النفس وقاية عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليطُ المفتي العاميَّ على تحكيم الهوى؛ وبعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رمى به في عماية وجهل بالشريعة وغش في النصيحة) (٦) . وإن إخلاص القلب لله طلباً لإصابة أمره وحكمه واجب، ومتى ما اتضح للمستفتي هذا الوجوب، وامتلأت به نفسه وروحه، فإنه سيحمله على بذل ما يقدر عليه في سؤال من تبرأ الذمة بسؤاله، ولا يضيره بعد ذلك أصابه أو أخطأه، كما سيحمله على الترجيح الشرعي الصحيح عند اختلاف المفتين، فلا يأخذ بالأيسر لمجرد الترخُّص، أو بالأشق لمجرد الاحتياط، أو بقول الأكثر؛ لأنه قول الأكثر، بل لا يأخذ بالقول إلا طلباً للحق، فيرجح بين أقوالهم بلون من ألوان الترجيح. يقول الشاطبي: (وأما اختلاف العلماء بالنسبة إلى المقلدين فكذلك أيضاً لا فرق بين مصادفة المجتهد الدليل ومصادفة العامي المفتي؛ فتعارض الفتويين عليه كتعارض الدليلين على المجتهد؛ فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معاً ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح؛ كذلك لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معاً ولا أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح) (١) ، ويقول: (فالمجتهدان بالنسبة إلى العامي كالدليلين بالنسبة إلى المجتهد؛ فكما يجب على المجتهد الترجيح أو التوقف فكذلك المقلد، ولو جاز تحكيم التشهي والأغراض في مثل هذا لجاز للحاكم وهو باطل بالإجماع) (٢) . فيقال فيمن اختلف عليه مفتيان ما يقال في مريض اختلف عليه طبيبان مثلاً: أحدهما يقول في ورم أصابه: أمره سهل يسير ولا تشغل بالك، وأعطاه بعض المراهم. وآخر يحذره مغبتها، وأنه ورم سرطاني ينبغي المبادرة في استئصاله؛ فكيف ستكون حاله: أتراه يبادر إلى الأخذ بقول الأخف منهما؛ لأنه ما يتمناه في الباطن، أم سيسعى في الترجيح بينهما بالأخذ بقول الأعلم، أو الأخبر، أو المختص، أو بالنظر في دلائل هذا وهذا وما يقدمه كل من براهين، أو بسؤال ثالثٍ يرجح قول أحدهما؟ وهكذا، بل لو قُدّر أنه لم يستطع الترجيح بين القولين المتعارضين إلا بشيء يقع في قلبه، أو برؤيا منام، لساغ له العمل به وهو خير من الإقدام على أحد القولين بغير مرجح البتة. يقول الخرقي: (إذا اختلف اجتهاد رجلين اتبع أوثقهما في نفسه) (٣) . ويقول الإمام ابن القيم: (فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر فهل يأخذ بأغلظ الأقوال، أو بأخفها، أو يتخير، أو يأخذ بقول الأعلم، أو الأورع، أو يعدل إلى مفت آخر فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه؟ فيه سبعة مذاهب، أرجحها السابع، فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين) (٤) ، ويقول في مسألة العامي إذا لم يجد من يفتيه: (والصواب أنه يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله، وقد نصب الله ـ تعالى ـ على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوِّ الله بين ما يحبه وبين ما يسخطه من كل وجه بحيث لا يتميز هذا من هذا، ولا بد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق مؤثرة له، ولا بد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة ولو بمنام أو بإلهام؛ فإن قدر ارتفاع ذلك كله وعدمت في حقه جميع الأمارات فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة، ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة، وإن كان مكلفاً بالنسبة إلى غيره؛ فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة. والله أعلم) (٥) ، وهذا كلام علمي عالٍ لو وجد طريقه إلى الجمهور وتحقق العمل به لزال كثير مما يُرى من اضطراب في أبواب الاستفتاء، ولامّحت كثير من صور التضجر من اختلاف العلماء، ولهان الخطب، لكن المشكلة أن تطلُّب الحق قليل، والهوى غلاب، والنفوس ضعيفة والله المستعان، واعلم أن تطلُّب الحق هذا إنما يكون بالتجرد عن كل طَلِبَةٍ إلا هو، فلا هوى يُقدَّم، ولا عادة تُحكَّم، ولا عصبية تُعمي وتُصم. وقضية التجرد هذه ليست بالسطحية ولا بالسهولة التي يظنها البعض؛ إذ الأهواء أهواء ظاهرة جلية وأهواء دقيقة خفية؛ فلو سلم من الهوى الظاهر فأنَّى له أن يسلم من خَفِيِّه إلا بمجاهدة ومصابرة ومحاسبة وعسى، وليس المقصود الإعنات أو التعسير كلاَّ، وإنما التنبيه لما يعتري البعض من هوى خفي دقيق لا يُتنبه له فيكون سبب الانحراف وأصل الهلاك، كإلف قول، أو محبة متبوع، أو كراهية مفت، أو تشدد طبع، أو تساهل نفس، أو عجب وغرور، أو تقدم ورياسة، أو مال وعيشة، أو مراعاة لمذهب، أو تعصب لطائفة، أو ابتلاء بمسألة، أو نشأة على رأي، أو اختيار متقدم، أو حاجة إلى حكم وهكذا؛ فمتى ما حصن المرء نفسه من هذه جميعاً وتوجه للحق بكليته، كانت الإصابة وكان الأجر، وإن لم يوفق للحق في المسألة، فقد أصاب المطلوب منه بما بذله من نفسه وعقله وروحه وقلبه في تطلب الحق، ومثل هذا القلب المستنير بمثل هذه المعاني جدير أن يستفتى ويراعى ساعة الاستفتاء، ومثله مقصود بقول النبي #: «استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك» ، ولا بد من وقفة مع هذا الحديث، فإلى المَعْلَم الرابع. المَعْلَم الرابع: استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك: هذا المَعْلَم متصل بالمعلم السابق ومفرَّع عليه، وأصله مأخوذ من حديث وابصة الأسدي أنه قال: أتيت رسول الله #، وأنا أريد أن لا أدع شيئاً من البِر والإثم إلا سألته عنه، وإذا عنده جمعٌ، فذهبت أتخطى الناس، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله #! إليك يا وابصة! فقلت: أنا وابصة دعوني أدنو منه؛ فإنه من أحب الناس إليَّ أن أدنو منه، فقال لي: «ادنُ يا وابصة! ادن يا وابصة!» فدنوت منه حتى مست ركبتي ركبته، فقال: «يا وابصة! أخبرك ما جئت تسألني عنه، أو تسألني؟» فقلت: يا رسول الله، فأخبرني! قال: «جئت تسألني عن البر والإثم» ، قلت: نعم! فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري ويقول: «يا وابصة! استفت نفسك (٦) ، البِرُّ ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس. قال سفيان: وأفتوك» (٧) ، وقد تباينت مواقف العلماء من هذا الحديث، ومدى إعماله، وكيفية ذلك، والصواب أن النص ثابت صحيح، وأنه محل للعمل؛ وذلك في مجالات وأحوال، ترجع إلى طبيعة المستفتي وقلبه، وحال المفتي، وطبيعة الاستفتاء، وحال الفتيا، وتفصيل هذا الإجمال فيما يلي: ١ ـ أنه يشترط لتفعيل هذا النص أن يكون القلب سليماً كما تقدم، فالقصد هو الرب جل وعلا، لا تحصيل فتيا معينة، متابعة لهوى النفس ورغباتها؛ إذ القلب المشحون بالهوى مصروف به عن الحق؛ فأنى له أن يُستفتى، وهذا بيِّن بحمد الله؛ فهذا الحديث حرام على كل قلب مريض بشبهة أو شهوة. ٢ ـ أن يعرض للمفتي أمر يدل على ضعف علم، أو قلة صدق، أو متابعة هوى أو غير ذلك، مما يطرح الثقة عنه، ويجرده عن لزوم المتابعة؛ إذ إن من اتصف بهذه الأوصاف فالأصل عدم الأخذ بفتياه، بل استفتاء القلب إن عرض للمستفتي أمر وظهر على المفتي أمارات تعجُّل أو فتيا بظن أو ميل إلى هوى أو بغير حجة ولا دليل مشروع، بشرط أن يكون القلب سليماً من الآفات كما تقدم، وفي ذلك يقول الحافظ ابن رجب: (وهذا ـ أي الحديث السابق ـ إنَّما يكون إذا كان صاحبُه ممَّن شرح صدره بالإيمان، وكان المفتي يُفتي له بمجرَّد ظن أو ميلٍ إلى هوى من غير دليلٍ شرعي) (١) ، ويقول الغزالي: (واستفتاء القلب إنما هو حيث أباح الشيء أما حيث حرم فيجب الامتناع ثم لا يعوَّل على كل قلب؛ فرب موسوس ينفي كل شيء، ورب متساهل نظر إلى كل شيء؛ فلا اعتبار بهذين القلبين، وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق المراقب لدقائق الأحوال، فهو المحك الذي تُمتحن به حقائق الصور وما أعز هذا القلب!) (٢) ، ويقول فخر الدين الرازي: (والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات أن كل ما كان لطلب عبودية الله ـ تعالى ـ كان حسناً وإلا فلا، وههنا يظهر صدق ما روي في الأثر: «استفت قلبك ولو أفتاك المفتون» فليتأمل الرجل تأملاً شافياً أن الذي أتى به: هل الحاصل والباعث عليه طلب العبودية أم لا؟ فإن أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع ألبتة) (٣) . ٣ ـ أما إن لم يظهر على المفتي المؤهل شيء يشي برد فتواه، وليس ثَمَّ معارض شرعي صحيح يحمل المستفتي على رد الفتيا، فليس له رد الفتيا استفتاءً للقلب، بل الواجب حمل القلب على قبول الأمر كما هو، والأصل أن المفتي هو العالم، والمستفتي جاهل؛ فأنى لهذا أن يرد كلام ذاك. يقول ابن رجب: (فأمَّا ما كان مع المفتي به دليلٌ شرعيٌّ، فالواجب على المستفتي الرُّجوعُ إليه، وإنْ لم ينشرح له صدرُه، وهذا كالرُّخَص الشرعية، مثل الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصَّلاة في السَّفر، ونحو ذلك ممَّا لا ينشرحُ به صدور كثيرٍ مِنَ الجُهَّال؛ فهذا لا عبرةَ به، وقد كان النَّبيُّ # أحياناً يأمرُ أصحابَه بما لا تنشرحُ به صدورُ بعضهم، فيمتنعون من فعله، فيغضب منْ ذلك، كما أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحرِ هديِهم، والتَّحلُّل من عُمرة الحُديبية، فكرهوه، وكرهوا مقاضاتَه لقريش على أنْ يَرجِعَ من عامِه، وعلى أنَّ من أتاه منهم يردُّه إليهم) (٤) ، وهذا كلام جيد، وضابط مهم، وبين أنه ليس مما قبله في شيء؛ إذ عدم انشراح القلب ذاك لعلم أو شك معتبر شرعاً كما قد تبين. أما (ما ورد النصُّ به، فليس للمؤمن إلا طاعةُ الله ورسوله، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، وينبغي أنْ يتلقى ذلك بانشراح الصَّدر والرِّضا؛ فإنَّ ما شرعه الله ورسولُه يجبُ الإيمانُ والرضا به، والتَّسليمُ له، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . وأما ما ليس فيه نصٌّ من الله ورسوله ولا عمَّن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة؛ فإذا وقع ـ في نفس المؤمن المطمئنِّ قلبه بالإيمان، المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين ـ منه شيءٌ، وحكَّ في صدره لشبهة موجودة، ولم يجد مَنْ يُفتي فيه بالرُّخصة إلاَّ من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يُوثَقُ بعلمه وبدينه، بل هو معروفٌ باتباع الهوى، فهنا يرجعُ المؤمن إلى ما حكَّ في صدره، وإنْ أفتاه هؤلاء المفتون) (٥) ، ولو قدر أن المستفتي شك في فهم المفتي للسؤال، وحقيقة الحال، فليس له الأخذ بفتواه ما دام يعلم من نفسه وقلبه أنه طالب للحق، وطالب الحق إن وقف في مثل هذا الموقف لن يأخذ إلا بفتيا تنفعه مثلاً؛ لأن الحق مقصوده ومطلوبه، وهذا أمارة الصدق وعلامته، وإلا فكم من المستفتين غير الصادقين ممن يجزمون بعدم فهم المفتي للواقعة بل قد يلبِّسون عليه في صورة الاستفتاء طلباً لفتيا معينة فيفتيهم بها فيتهللون ويفرحون ويحسبون أنهم على شيء، وأنهم قد تخلصوا من الإثم والمغرم، وأنهم قد جعلوها في رقبة عالم، ويقولون: من قلد عالماً لقي الله سالماً، ألا ساء ما يصنعون، ولا والله! ما هذا الصنيع بنافعهم في شيء، والله يعلم السر وأخفى، والله عليم بذات الصدور. يقول الغزالي: (فالمفتي يفتي بالظن، وعلى المستفتي أن يستفتي قلبه، فإن حاك في صدره شيء فهو الإثم بينه وبين الله؛ فلا ينجيه في الآخرة فتوى المفتي؛ فإنه يفتي بالظاهر، والله يتولى السرائر) (٦) . ويقول ابن القيم في كلام جامع نفيس: (لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه وحاك في صدره من قبوله وتردد فيها لقوله #: «استفت نفسك، وإن أفتاك الناس وأفتوك» فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولاً، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك كما قال النبي #: «من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار» ، والمفتي والقاضي في هذا سواء ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن سواء تردد أو حاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن أو لشكه فيه أو لجهله به أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه أو عدم تقييده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحِيَل والرخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها؛ فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي يسأل ثانياً وثالثاً حتى تحصل له الطمأنينة؛ فإن لم يجد فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة) (١) . المَعْلَم الخامس: حسن السؤال نصف الجواب: أركان الفتيا أربعة: مفت، ومستفت، وفتيا، واستفتاء. وواجب المفتي أن يؤدي فتيا مطابقة للاستفتاء في ضوء الشريعة، وواجب المستفتي أن يعطي سؤالاً طالباً حكم الشريعة، فإن أحسن فباب الغلط في الفتيا سيضيق، وإن كانت الأخرى فقد وسَّع باب الغلط، فواجب على المستفتي أن يؤدي سؤالاً صادقاً يعبر عن صدقه في تطلب الحق، وأن يصدق في وصف المسألة، وإلا كان ذلك أمارة وإشارة إلى كدرة بالقلب، وظلمة في النفس، وطمع في جواب يحقق للشخص مقصوده خارج إطار الحق، وهذه آفة لا حل لها إلا تصحيح النية، وإصلاح القلب، ومتى ما صلح القلب صلح سائر العمل ومتى فسد فسد سائر العمل، وإن آفة الآفات في كثير من الاستفتاءات، أن تكون مضمَّنةً معاني وإشارات إلى جواب معين محدد، يطلبه المسفتي محاولاً استصدار فتوى معينة من العالم؛ فتراه يسأل مثلاً عن أمر معين معدداً من الفواحش والمنكرات فيه ما يستوجب أن يكون فتيا العامي بالتحريم فكيف بالعالم، أو يهوِّن ويهوِّن طلباً للإباحة والترخيص، وأنَّى لهم الرخصة؟ فهذا النوع من الأسئلة الملغومة، والذي يُعرف وجه الجواب قبل استكمال السؤال، غير جائز ولا مشروع، إلا إن كان تعبيراً صادقاً مطابقاً للواقع، فإن كان بخلافه فكذب على الواقع، وتضليل للمفتي، ودَخَن في النية، وأضرب لك مثلاً منه، وما أكثره في عالم الاستفتاءات، يدل على المقصود، وينبه على الفطنة التي يجب أن يتحلى بها المفتي، فلا ينجرف مع مثل هذا السؤال، فيقع الغلط والخلط. سئل الشيخ بن عثيمين في لقاء الباب المفتوح ما نصه: (فضيلةَ الشيخ: بالنسبة لمنظمة حماس الموجودة الآن في الأرض المحتلة وما تقوم به من عمليات انتحارية وغيرها ضد اليهود، هل هذا العمل شرعي؟ علماً بأنها قد تكون سبباً في انتقام اليهود بأشد مما قام به أعضاء هذه المنظمة، وكذلك قيامهم ضد دولتهم الجديدة هل هو شرعي؟) فكان جواب الشيخ ﵀: (نسمع أنهم يقومون بعمليات ضد اليهود، ونحن نرى أن اليهود أهل غدر وخيانة، ولا يمكن أن يفوا لأحد، وإن تظاهروا بما يتظاهرون به، فوراء هذا التظاهر ما وراءه من الشر، وإذا كانوا لم يفوا بالعهد لأشرف البشر محمد # فكيف بمن دونه؟! نفهم أن اليهود أهل غدر وخيانة، وأما عملية حماس أو غيرها فنقول للسائل: إذا كنت مندوباً عنهم، فأثبت لنا ذلك ونحن نفتيك إن شاء الله) (٢) . والمقصود أن المخلِص الصادق في السؤال يجب عليه أن يصوغ سؤاله في قالب محايد لا يوجه المفتي لقول دون آخر، بل يتجرد في المَخْبَر والصورة ليتجرد له الحق بإذن الله، فإن الفتيا متى ما وقعت على وجهها وصورتها في الواقع ففتيا صحيحة، وإلا كانت فتيا باطلة لا يعذر المستفتي بالعمل بها، وكم ترى من خلاف تظنه بين العلماء والمفتين، وحقيقته أنه عائد إلى اختلاف أسئلة المستفتين، وما يرومونه من إجابات. وخاتمة المقال وزبدته ولبابه، والذي عليه المدار في شأن الاستفتاء إصلاح الباطن؛ فإنه متى ما صلح صلح الظاهر، ومتى ما فسد فسد الظاهر جزاء وفاقاً، وإن هذا الصلاح والإصلاح واجب متعين على المستفتي، إن أداه وصدق فيه؛ فهو الموفق في أمر استفتائه، أصاب الحق أم أخطأه، وإن ضل عنه لم ينفعه صلاح الفتيا، بل عليه وزر الفساد، وواجب المستفتي لا يخرج عما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في كلمة مختصرة له حيث قال: (وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان) (٣) ؛ فهو يطلب من يفتيه بشرع الله ورسوله لا لشهوته وهواه. أسأل الله الكريم أن يصلح نياتنا وأعمالنا وأحوالنا إنه خير مسؤول، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5724

المفهوم التطبيقي لكلمة التوحيد د. ماهر ياسين الفحل إن أصل الرسالة المحمدية هي كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، وهي كما يقول ابن القيم: «لأجلها نصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وبها انقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكافرين، والأبرار والفجار، وأسست الملة، ولأجلها جردت السيوف للجهاد، وهي حق الله على جميع العباد» . هذه الكلمة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول # علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والانقياد له محبةً وخضوعاً، والعمل به باطناً وظاهراً، وكماله في الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله. والطريق إليه تجريد متابعة رسول الله # ظاهراً وباطناً. فإن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، وتحقيقهما في واقعنا هو المقياس السديد تجاه الناس بشتى أنواعهم، والحب في الله والبغض في الله هما الحصن لعقائد المسلمين وأخلاقهم أمام تيارات التذويب والمسخ كزَمالة الأديان، والنظام العالمي الجديد، والعولمة. والحب والبغض في الله متفرعان عن حب الله، وهذا ما نسميه مختصراً بـ: (الولاء والبراء) . فالولاء والبراء من مفاهيم (لا إله إلا الله) ومقتضاها، وهما التطبيق الواقعي لهذه العقيدة، وهما مفهوم عظيم في حس المسلم بمقدار وعظمة هذه العقيدة. فأصل الموالاة: الحب، وأصل المعاداة: البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة: كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك من الأعمال، ولن تتحقق كلمة التوحيد في الأرض إلّا بتحقق الولاء لمن يستحق الولاء، والبراء ممن يستحق البراء. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] ، وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ #^٨٠^#) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠ - ٨١] ، فالإنسان لا يستقيم إسلامه ولو وحّد الله وتَرَكَ الشرك إلاّ بعداوة المشركين، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] ، هذه الكلمة العظيمة بكل مفاهيمها ومقتضياتها قد غابت عن حس الناس اليوم إلا من رحم الله، وحسِبَ بعض الناس جهلاً أو قصداً أن هذا المفهوم العقدي الكبير يندرج ضمن القضايا الجزئية أو الثانوية، ولكن حقيقة الأمر بعكس ذلك. وفي وقتنا الراهن نجد أن لهذا المفهوم الجليل من مفاهيم (لا إله إلا الله) مناسبةً خاصةً يفرض علينا واجب الوقت الحتمي مضاعفة المجهود في ترسيخه لدى المسلمين، وتبيينه أشد البيان وأوضحه، فأمتنا الإسلامية تمر بأشد أوقاتها عسراً واستضعافاً، وقد تكالبت عليها الأمم الكافرة من كل حدب وصوب بمالم يسبق له نظير في سالف تاريخها، واجتالت بقضّها وقضيضها، وحدّها وحديدها الأخضر واليابس، ووطئت المدن والقرى والبوادي، واختلط أعداء الله بالمدنيين وغيرهم، ونشأ عن ذلك مصالح وتعاملات، وبدأت تبرز دعوات مشبوهة كثيرة تنادي بالإخاء، والمساواة، والاتحاد بين الأمم على اختلاف مشاربها وعقائدها وأهدافها، مع احتفاظ كل ذي دين بدينه، شريطة أن يكون ديناً (كهنوتياً) لا صلة له بالحياة، وللأسف الشديد انساق كثير من المسلمين وراء هذه الدعوات، وغاب عنهم المفهوم العقدي للولاء والبراء، وربما تعاون بعضهم مع المحتل، وسيّروا له أموره تحت شعارات «إننا نتعامل ... لا نتعاون» ، وهذه الدعوات تشبه دعوى المنافقين المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] ، وقد انكشف للقاصي والداني زيف هذه الشعارات وعوارها؛ فهم بين مخدوع وضال نسي أو تناسى أن الأصل هو الاتباع لا الابتداع، وأنّ الفلاح والصلاح والرشاد إنما بسلوك خُطى من سلف، فضلاً عن أنه دين وعقيدة وتشريع. مما تقدم عُلِمَ ضرورة هذا المفهوم من مفاهيم (لا إله إلا الله) ، فالإنسان لا يستقيم إسلامه ولو وحّد الله وتَرَكَ الشرك إلا بعداوة المشركين، و (لا إله إلا الله) معناها: لا معبود بحق إلا الله، وبذلك تنفي الألوهية عمّا سوى الله وتثبتها لله وحده، وليس للقلب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذه حقيقة (لا إله إلا الله) ، فـ (لا إله إلا الله) ولاء وبراء ونفي وإثبات، ولاء لله ولدينه وكتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين، وبراء من كل طاغوت عُبِدَ من دون الله، قال تعالى: ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، ولما كان أصل الموالاة: الحب، وأصل المعاداة: البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة: كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك؛ فإن الولاء والبراء من لوازم (لا إله إلا الله) . وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] . وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جرير بن عبد الله البجلي: أن رسول الله # بايعه على أن: «تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر» (١) ، وقال النبي #: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (٢) ، وقال النبي #: «من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٣) ، وقال رسول الله #: «لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (٤) ، مما تقدم عُرِفَ أن الولاء والبراء عقيدة وأصل من أصول الدين، وأنه لا نصرة ولا موالاة مع الكفار البتة، وأنهما ليسا بالأمر الجزئي كما يصورهما بعضهم ويتهاون فيهما بأعذار شتى، فبعضهم حصل له تلبيس وقلب للمفاهيم، فتجد بعض الناس إذا تحدثت عن الحب في الله والبغض في الله، قال: هذا يؤدي إلى نفرة الناس، ويؤدي إلى كراهية الناس لدين الله . وهذا الفهم مصيبة، ولهذا يقول ابن القيم ﵀ عن مكائد النفس الأمارة بالسوء: «إن النفس الأمارة بالسوء تُري صاحبها صورة الصدق، وجهاد من خرج عن دينه وأمره في قالب الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم، وأنه يعرض نفسه للبلاء ما لا يطيق، وأنه يصير غرضاً لسهام الطاعنين، وأمثال ذلك من الشبه» وقد نسي هؤلاء قول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] ، فالناس يقعون في المداهنة والتنازلات في دين الله باسم السماحة، ولا شك أن هذا من التلبيس، خاصة إذا عُلِمَ أن من لوازم هذا الأمر أن يظهر على جوارح المرء، فلا يستقيم لإنسان يدعي أنه يوالي في الله، ويحب في الله، ويبغض في الله، وتجده ينبسط وينصر ويؤيد من أبغضه الله، فبغض أعداء الله من النصارى واليهود وغيرهم محله القلب، لكن يظهر على الجوارح لا أن يمد يده للكفار من قريب أو بعيد؛ بل العكس عليه أن يجهر بمعاداة أعداء الله، وإظهار بغضهم ومنابذتهم بالسّنان واللسان والجنان ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وعدم التعاون معهم، وعدم المشاركة في أعيادهم، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] ، والزور كما قال بعض المفسرين هو: أعياد المشركين. ولهذا تجد أهل العلم في غاية التحذير من هذا الأمر حتى إن بعض علماء الأحناف قال: «من أهدى لمجوسي بيضة في يوم النيروز فقد كفر» ؛ بل ولا يجوز بدؤهم بالسلام، قال رسول الله #: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام؛ فإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ فاضطروه إلى أضيقه» (٥) ، ولا التشبّه بهم فيما هو من خصائصهم من أمور الدنيا: كالأخلاق، والملبس، وطريقة الأكل والشرب، وعاداتهم الخاصة الأخرى أو أمور الدين: كالتشبه بشعائر دينهم وعبادتهم، أو ترجمة كتبهم وأخذ علومهم برمتها من غير تمحيص ومعرفة وتنقية، أو استعارة قوانينهم ومناهجهم في الحكم والتربية والعمل بها، وإلزام الناس عليها، ولا يجوز الترحم عليهم، ولا مداهنتهم ومجاملتهم ومداراتهم على حساب الدين، أو السكوت على ما هم عليه من المنكر والباطل، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ، وقال: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] ، ولا التحاكم إليهم، أو الرضى بحكمهم؛ لأن متابعتهم يعني ترك حكم الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] ، ولا تعظيمهم ومخاطبتهم بالسيد والمولى، قال رسول الله #: «لا تقولوا للمنافق: سيد. فإنّه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم » . وهذا هو الأصل في التعامل مع أعداء الله، وقد بين أهل العلم أن المؤمن تجب محبته وإن أساء إليك، والكافر يجب بغضه وعداوته وإن أحسن إليك، وقد أوجب الله معاداة الكفار والمشركين، وحرم موالاتهم وشدد فيه، حتى أنه ليس في كتاب الله حكم فيه من الأدلة أكثر وأبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده، ولا يستثنى من إظهار هذا البغض والكره والمعاداة إلا خشية فوت النفس أو تعاظم المفاسد، ومعلوم أن الضرورات تقدر بقدرها، وبضابط الشرع لا الهوى كما يحصل في كثير من بلاد المسلمين وخاصة المحتلة من الكفار، وما يجري الآن من تمييع لهذه العقيدة، وهذا الحد الفاصل بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان وبتنظيم شيطاني وأسلوب خبيث من محاولات لمحو هذا المفهوم من مناهج التعليم حتى وصل الأمر إلى المنابر، وعلى لسان أئمة السوء، أو من أطم الجهلُ عقلَه، أو من غُرر به فاغتر وسار بركب من عتى وتجبر، وبدأ يبث هذا الزيغ بغطاء الدعوى آنفة الذكر، ممرراً هذا المكر على بسطاء الناس ومن هم على شاكلته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال أبو الوفاء بن عقيل: «إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف بـ: لبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة» . وقد كان الإمام أحمد ﵀ إذا نظر إلى نصراني أغمض عينيه، فقيل له ذلك، فقال ﵀: «لا أستطيع أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه» ، فانظر أخي المسلم كيف كان الإمام أحمد يغار على الله من أن ينظر إلى من افترى وقال: إن لله ولداً ـ تعالى الله عمّا يقول علواً كبيراً ـ، وقارن بمن ذكرنا سابقاً ممن يتعامل ولا يتعاون على حد زعمه، وقال عمر بن الخطاب ﵁ في شأن النصارى: «أهينوهم ولا تظلموهم، فإنهم سبّوا الله تعالى أعظم المسبة» ، على ألاّ ننسى أن هذا الأمر لا يحملنا على الظلم؛ فقد أمرنا الله تعالى بالعدل؛ حيث قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] ، ويقول في الحديث القدسي: «ياعبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا» ، كذلك من مقتضى الولاء والبراء الانضمام إلى جماعة المسلمين، وعدم التفرق عنهم، والتعاون معهم على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ، وكذلك من مقتضى الولاء والبراء عدم التجسس على المسلمين، أو نقل أخبارهم وأسرارهم إلى عدوهم، وكف الأذى عنهم، وإصلاح ذات بينهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] ، وكذلك نصرتهم، وأداء حقوقهم من عيادة مريض واتباع جنائز، والرفق بهم، واللين والرقة والذل وخفض الجناح معهم. وأهل السنة والجماعة يقسمون الناس في الموالاة إلى ثلاثة أقسام: أولاً: من يستحق الموالاة والحب المطلق؛ وهم المؤمنون الخلص الذين آمنوا بالله تعالى رباً، وبرسوله # نبياً، وقاموا بشعائر الدين علماً وعملاً واعتقاداً. قال الله تعالى: ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ #^٥٥^#) ﴾ [المائدة: ٥٥] ، وقال رسول الله #: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً» (١) ، وقال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه» (٢) . ثانياً: من يستحق الموالاة والحب من جهة، والمعاداة والبغض من جهة أخرى؛ وهم عصاة المؤمنين: يُحَبون لما فيهم من الإيمان والطاعة، ويُبغَضون لما فيهم من المعصية والفجور التي هي دون الكفر والشرك. ثالثاً: من يستحق المعاداة والبغض المطلق؛ وهم الكفار الخلّص الذين يظهر كفرهم وزندقتهم، وعلى اختلاف أجناسهم من اليهود والنصارى، والمشركين، والملحدين، والوثنين، والمجوس، والمنافقين، أو من تبعهم من أصحاب المذاهب الهدامة، والأحزاب العلمانية. ختاماً: إخوة الإيمان نقول: عودة إلى فهم (لا إله إلا الله محمد رسول الله) الفهم الصحيح، كما فهمه رسول الله # وأصحابه الأخيار، تحكيماً لشريعة الله واتباعاً لما أنزله، وكفراً بكل طاغوت، وبكل عرف، وبكل هوى، وبكل عادة أو تقليد تشرع للناس ما لم ينزل الله، عند ذاك وحسب يكون صلاح الدين والدنيا، وخير الآخرة والأولى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كله لله ، فيكون حبه لله ولما يحبه الله، وبغضه لله ولما يبغضه الله، وكذلك موالاته ومعاداته» هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5725

الدولة المدنية صورة للصراع بين النظرية الغربية والمُحْكَمات الإسلامية محمد بن شاكر الشريف - مقدمة: منذ عهد الاستعمار الحديث الذي حل في ربوع المسلمين، الذي سموه زوراً وبهتانا بـ (عصر التنوير) بدأت تطرق آذاننا ألفاظ لمسميات لم نسمع بها من قبل ذلك نحن ولا آباؤنا، من ذلك كلمة «الدولة المدنية» التي يبشر القائلون بها والداعون إليها، بأن كل أزمات المسلمين في العصر الحاضر من الاستبداد السياسي إلى التخلف التقني، إلى الفقر والبطالة وتدني الخدمات، أن كل ذلك سيزول بمجرد أن تتحول دولنا إلى دول مدنية. ولما كانت المنافع المعلقة على هذا التحول منافع كبيرة يحرص كل إنسان يريد الخير لأمته ومجتمعه على الحصول عليها، كان لا بد لنا من معرفة مدلول هذا اللفظ حقيقةً قبل قبوله والدعوة إليه، حتى لا نذهب إليه ثم يتبين لنا ما فيه من الفساد العريض، لكن بعد أن يكون قد فاتنا القطار. فماذا تعني الدولة المدنية؟ هل يراد بالدولة المدنية: التعليم الحديث واستخدام التقنية المعاصرة في شتى مناحي الحياة، والإدارة الحديثة، والتوسع في العمارة وإنشاء الطرق السريعة؟ قد يكون هذا بعض المطلوب، لكن هل هذا هو المطلوب أو كل المطلوب؟ وهل يكفي أم لا بد من شيء آخر؟ وهل الشيء الناقص يعد جوهرياً أو ثانوياً؟ ولما كان الحديث طويلاً متشعباً لكثرة المتكلمين في ذلك فقد لا نتمكن من إيراد كل ما قيل في الموضوع، لكننا نأمل أن تكشف لنا هذه الورقة عن حقيقة ذلك الأمر. - الدولة المدنية في التراث الإسلامي: بالتقليب في كتبنا السابقة التي تحدثت عن الأحكام السلطانية أو السياسة الشرعية لا نجد لهذا المصطلح وجوداً مع أن مفرداته: «الدولة» و «المدنية» هي من مفردات لغتنا، مما يتبين معه أن المصطلح مستورد من بيئة غير بيئتنا ـ وهذا في حد ذاته ليس عيباً، لو أنه كان لا يحمل مضموناً مخالفاً لما هو مقرر في ديننا ـ وعليه فإن محاولة البحث عنه في تراثنا لن تجدي شيئاً، وعلينا أن نبحث عن معناه في البيئة التي ورَّدته إلينا، ثم ننظر في معناه في تلك البيئة: هل يناسبنا فنقبله، أم يتعارض مع ديننا فنرفضه؟ ولعل هذا ما دعا بعض الكتاب إلى القول: «بما أن مصطلحات الدولة المدنية، والدينية (الثيوقراطية) ، و (الأوتوقراطية) مصطلحات نشأت في الغرب أساساً، فلا بد قبل أن نسعى إلى تطبيقها على واقعنا، أو نقرر رفضها وقبولها اجتماعياً ودينياً، أن نستوعب معانيها كما هي في الثقافة التي أنشأتها، وأي منها يتعارض مع الإسلام ويتفق معه» (١) . لكن عدم وجود المصطلح نفسه في تراثنا، هل يعني أن المضمون الذي يحمله ـ سواء بالسلب أو الإيجاب ـ لم يكن موجوداً أيضاً؟ الدَّوْلة تعني في اللغة الغَلَبة، والغلبة يترتب عليها سلطان للغالب على المغلوب، ومن هنا يمكن القول إن العامل الأساس في تعريف الدَّولة هو السلطان أو السلطة، فإنه راجع إلى أصلها اللغوي، وفي كثير من كتب القانون الدستوري يعرِّفون الدولة عن طريق بيان أركانها دون الحديث عن ماهيتها، وأركان الدولة كما يجيء في هذه الكتب ثلاثة: ركن جغرافي يطلق عليه لفظ (إقليم) وهو متمثل في قطعة محددة من الأرض، وركن إنساني يطلق عليهم (شعب) وهو متمثل في مجموعة من الناس تعيش في هذا الإقليم، وركن معنوي يطلق عليه (السلطة العامة المستقلة ذات السيادة) وهو متمثل في الحكومة التي تملي إرادتها على ذلك الإقليم وما حواه من مخلوقات أو موجودات، وهذا الركن الأخير يتفق مع المعنى اللغوي في الدلالة على الدولة. وإذا كان كثير ممن كتب في السياسة الشرعية يقتصرون في كلامهم على ما يتعلق بالدولة في ديار الإسلام، ولا يتعدون ذلك إلى تفسير تنوع الدول، فإننا نجد ابن خلدون ـ رحمه الله تعالى ـ يقدم تفسيراً في ذلك حيث يبين أنه نظراً لاختلاف الإرادات والمقاصد بين الناس وملوكهم؛ فقد يجر ذلك إلى هرج وتقاتل، فكان لا بد للتغلب على هذا الاحتمال من «أن يُرجَع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة، وينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم، وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها، ولا يتم استيلاؤها ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٦٢] » ثم يبين أنواع السلطة في الدولة فيقول: «فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبُصَرَائها كانت سياسة عقلية، وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرِّعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة» . فهو يفرق هنا بين سياسة عقلية وهي الأشبه بما يدعونه الدولة المدنية، وبين سياسة دينية، ثم يقدم ـ رحمه الله تعالى ـ أصول التنوع الكامل للدول فيقول: «إن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغَرَض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأُخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة؛ فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به» (١) فكانت الدولة عنده ثلاثة أنواع: ـ دولة قائمة على حمل الناس على مقتضى الغرض والشهوة، وهي ما يمكن أن نطلق عليه: (الدولة المستبدة) أو (الديكتاتورية) . ـ ودولة قائمة على حمل الناس على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، وهي ما يمكن أن نطلق عليه (الدولة المدنية) . ـ ودولة قائمة على حمل الناس على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، وهو ما يمكن أن نطلق عليه (الدولة الإسلامية) أو (الشرعية) . - الدولة المدنية في الثقافة الغربية: الدولة المدنية: «هذا مفهوم مترجم ومعرب من الثقافة الغربية الحديثة، ويقصد به الدولة التي تستقل بشؤونها عن هيمنة وتدخل الكنيسة؛ فالدولة المدنية هي التي تضع قوانينها حسب المصالح والانتخابات والأجهزة والتي في نفس الوقت لا تخضع لتدخلات الكنيسة» (٢) . والكنيسة في الغرب كانت هي راعية الدين والممثلة له؛ فاستقلال الدولة المدنية عن تدخل الكنيسة ووضعها للقوانين حسب المصالح، معناه عند القوم استقلالها عن الدين (٣) ، وهو ما يعني أن الدولة المدنية هي الدولة العلمانية. ويقول كاتب آخر: «فمن الناحية التاريخية إذا رجعنا إلى أصل اصطلاحها الغربي، نجد أن للدولة المدنية مفهوماً فلسفياً ـ سياسياً، مناقضاً للدولة الدينية (الثيوقراطية) ، والتي يتأرجح مفهومها (نظرياً) بين حكم رجال الدين، وتحكيم الدين نفسه في السياسة؛ بغضِّ النظر عن طبيعة من يحكم به! ويتمثل مفهومها عملياً بتنحية الدين عن السياسة مطلقاً؛ باعتبار الدين هو مجموعة قوانين إلهية مميزة للدولة الدينية ... فكانت الدولة المدنية بمبدئها الرافض لتدخل الدين في السياسة دولة علمانية.. وأنها تمثل عبر التاريخ سواء في الشرق أو الغرب عند دعاتها إطاراً سياسياً للعلمانية قابلاً لتوظيف أي اتجاه فلسفي إيديولوجي في الحياة؛ بشرط تنحية الدين عن السياسة» (٤) . «الحكومة المدنية في الفضاء المعرفي الغربي تعني تنظيم المجتمع وحكمه بالتوافق بين أبنائه بعيداً عن أي سلطة أخرى سواء دينية أو غيرها، أي إن شرط (العلمانية) أساسي في تلك الحكومات» (٥) . وإذا رجعنا إلى الوراء ثمانين سنة إلى أول من أدخل هذه المصطلحات إلى بيئتنا أو من يُعد من أولهم نجد الكلام نفسه حيث يقول: «طبيعي ومعقول إلى درجة البداهة أن لا توجد بعد النبي زعامة دينية، وأما الذي يمكن أن يتصور وجوده بعد ذلك فإنما هو نوع من الزعامة جديد ليس متصلاً بالرسالة ولا قائماً على الدين، هو إذن نوع لا ديني، وإذا كانت الزعامة لا دينية فهي ليست شيئاً أقل ولا أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية، زعامة الحكومة والسلطان لا زعامة الدين، وهذا الذي قد كان» (١) ؛ فالدولة (الزعامة) المدنية عنده هي دولة (زعامة) لا دينية. والمتابع لما يُكتَب هذه الأيام عن الدولة المدنية يمكنه رصد اتجاهات أربعة في بيان ما تعنيه الدولة المدنية، كلها تدور حول ما تقدم من معنى، سواء بالموافقة عليه أو المخالفة له. الاتجاه الأول: وهو يمثل مَنْ قَبِل هذا المصطلح كما جاء من الغرب: وهذا الاتجاه يمكن تقسيمه إلى فئتين: فئة قبلت اللفظ ومفرداته لكن لم تصل به إلى غايته، أما الفئة الثانية فقد وصلت باللفظ إلى غايته وصرحت بأن الدولة المدنية هي الدولة العلمانية. الفئة الأولى: فإذا ذهبنا إلى مَنْ قَبِل هذا المصلح في بيئتنا العربية لننظر كيف تلقوه عن الغرب وكيف يفهمونه، فإننا نجد من يقول مبيناً خصائص هذه الدولة: «والدولة المدنية هي الدولة التي تقوم على المواطنة وتعدد الأديان والمذاهب وسيادة القانون» (٢) ، ومن يقول: «الدولة المدنية هي الدولة التي يحكم فيها أهل الاختصاص في الحكم والإدارة والسياسة والاقتصاد ... إلخ، وليس علماء الدين بالتعبير الإسلامي أو (رجال الدين) بالتعبير المسيحي» (٣) . ومن يقول: «الدولة المدنية هي دولة المؤسسات التي تمثل الإنسان بمختلف أطيافه الفكرية والثقافية والأيديولوجية داخل محيط حر لا سيطرة فيه لفئة واحدة على بقية فئات المجتمع الأخرى، مهما اختلفت تلك الفئات في الفكر والثقافة والأيديولوجيا» (٤) . لكن هذا الكلام إذا أُخذ مفصولاً عن لواحقه فقد لا يتبين منه شيء؛ فهو كلام محتمل يسهل التخلص من لوازمه، لذا لو رجعنا إلى تفصيلات الكلام فإنها تكشف كثيراً من هذا الإجمال أو الغموض؛ ففي تفصيلات الكاتب الأول، نجده يضع الدولة المدنية في مقابل ما يسمونه بالإسلام السياسي، وهو ما يعني أن علاقة هذا المصطلح بالإسلام ـ في فهمهم ـ ليست علاقة توافق، وإنما هي علاقة تعارض. والحقيقة أنه ليس هناك ما يمكن أن يسمى إسلاماً سياسياً وإسلاماً غير سياسي؛ فتلك مسميات ما أنزل الله ـ تعالى ـ بها من سلطان؛ فالإسلام هو الدين الذي رضيه رب العباد للعباد، بما فيه من عقائد وعبادات وتشريعات ومعاملات، فتقسيم الإسلام إلى سياسي وغير سياسي ونحو ذلك من المصطلحات، وقبول ما يزعمون أنه إسلام غير سياسي وينعتونه بالإسلام المعتدل، ورفض ما يسمونه بالإسلام السياسي وينعتونه بالإسلام المتشدد، هو مُناظِر لفعل المشركين من قبل: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] ، قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: «هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ جَزَّؤوهُ أَجْزَاءً، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ، وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ» (٥) . يقول الكاتب المذكور: «فالخوف على الدولة المدنية قائم، والسؤال عن مستقبلها مطروح، في عدد متزايد من الدول التي يتنامى فيها دور حركات الإسلام السياسي» (٦) ، ويعلق على محاولة الملك فؤاد ملك مصر ـ بعد سقوط الخلافة في تركيا ـ أن يجعل من نفسه خليفة فيقول: «عندما أغرى سقوط الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤ الملك الراحل فؤاد بأن يحمل اللقب الذي بات بلا صاحب، لم يكن واضحاً حينئذ لكثير من المصريين مدى التغيير الذي يمكن أن يحدث في طبيعة الدولة إذا نجح فؤاد في تنصيب نفسه خليفة، لم يدرك الخطر على الدولة المدنية إلا قسم في النخبة السياسية والثقافية. ولكن هذه النخبة في مجملها كانت مؤمنة بأن الخلط بين السياسة والدين هو نوع من الشعوذة التي تسيء إلى كليهما، على نحو ما أبلغه الزعيم الوطني الراحل مصطفى النحاس بعد ذلك بسنوات إلى مؤسس جماعة (الإخوان) حسن البنا» (٧) ، ويقول أيضاً: «وسجل التاريخ لرجال مثل علي عبد الرازق وطه حسين وعبد العزيز فهمي وغيرهم، دورهم المقدر في حماية الدولة المدنية» (٨) . ومعروف ماذا كان دور (علي عبد الرازق) الذي يعد أول من أنكر علاقة الدين بالحكم أو السياسة، وأنكر أن تكون خلافة الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ خطة دينية، وكذلك دور طه حسين التغريبي وغيره ممن ذكرهم الكاتب أو أشار إليهم، وهذا الاعتراف يعني أن الدولة المدنية هي الدولة العلمانية، وإن كان بعض الناس يفضل استخدام لفظ المدنية على العلمانية من أجل الخداع والمراوغة. ويقول الكاتب الثاني: «نريد أن نتجاوز التسميات إلى المضامين، أي أن المضمون للفكرة هي: قيام الدولة على أساس مدني، وعلى دستور بشري أياً كان مصدره، وعلى احترام القانون، وعلى المساواة وحرية الاعتقاد» ويزيد الأمر تفصيلاً فيضيف: «نقبل وننادي وندعم الدولة المدنية الحديثة القائمة على سلطة الشعب في التشريع، وكما ورد بالنص في برنامج حزب الوسط الجديد في المحور السياسي (الشعب مصدر جميع السلطات التي يجب الفصل بينها واستقلال كل منها عن الأخرى في إطار من التوازن العام) وهذا المبدأ يتضمن حق الشعب في أن يشرِّع لنفسه وبنفسه القوانين التي تتفق ومصالحه.. ويؤمنون بأساس المساواة التامة في الحقوق والواجبات بكافة أشكالها ومنها السياسية بين الرجل والمرأة والمسلم وغير المسلم على أساس المواطنة الكاملة، ويؤمنون بالتعددية الفكرية والدينية والسياسية والثقافية» (١) . ويقول الكاتب الثالث: «في الدولة المدنية يضع الإنسان قوانينه التي تنظم حياته لكونه أعرف بأمور دنياه، ويستمد من قوانين دينه القوانين التي تنظم علاقته بربه، ليكون مؤمناً لا يمنح لنفسه الحق أن يكون مدعياً لامتلاك الحقيقة ومفسراً وحيداً لمفاهيم الدين، مما يجعل الدولة كهنوتية تخضع لحكم الكهنوت وليس لحكم القانون» (٢) ، فالدولة المدنية في فهمه تعني استقلال الإنسان بوضع التشريعات التي تحكم أمور الحياة، وحصر الدين في المفهوم العلماني الذي يقصر الدين على الشعائر التعبدية في معناها الضيق (٣) . وإذا كان الكاتبان الأول والثاني من دولة، والثالث من دولة أخرى فإن هناك كاتباً آخر من دولة ثالثة يردد المقولة نفسها؛ فعلى بُعد ما بينهم من المسافات وافتراق الديار وحَّدت بينهم الأفكار، فيقول: «إن مصدر السلطة في الدولة المدنية هو الأمة والشعب؛ فالأمة باب الشرعية الوحيد لها ... وللسلطة في الدولة المدنية ثلاثة أنواع مستقلة عن بعضها تمام الاستقلال، ولكل منها مؤسساتها واختصاصاتها، وهي: السلطة التشريعية، والتنفيذية، والقضائية ... والمواطنة في الدولة المدنية حق لكل من توافرت فيه شروطها، بغض النظر عن دينه وعرقه، ومن حصل عليه كفلت حقوقه باسم القانون، فلا طبقية ولا طائفية ولا عنصرية» (٤) . وهناك من يقابل بين الدولة المدنية والدولة البوليسية فيزعم أن كل دولة ليست مدنية هي دولة بوليسية قائمة على القمع والظلم بغض النظر عن أي انتماء عقدي، وكلامه هنا يعني أن الدولة الإسلامية دولة بوليسية لا يمكن القبول بها؛ لأنها ـ من وجهة نظره ـ ليست دولة ديمقراطية، فيقول: «والدولة المدنية: نقيض الدولة العسكرية، وكل حكم سلطوي قمعي لا يقوم على الأسس الديمقراطية، هو حكم بوليسي سواء كان متسمياً باسم الدولة الدينية أو بغيره من الأسماء التي مهما تنوعت فإن السلطة التي تحتكر الحكم عن طريق فئة واحدة وفكر واحد هي سلطة لدولة بوليسية استبدادية متخلفة ... ليس هناك دولة دينية، وإنما دولة مدنية أو دولة بوليسية؛ لأن الدولة المدنية كفيلة باحتضان كل الأديان والأفكار، أما الدولة البوليسية فإنها دولة لا تقبل الآخر وتستعدي التعدد والتنوع مرة تحت مظلة الحكم العسكري المعلن ومرة تحت مظلة الحكم الديني، وكلاهما حكم بوليسي لا علاقة له بمبادئ الدين» (٥) ، فكل حكم لا يقوم على الأسس الديمقراطية ـ عنده ـ هو حكم بوليسي استبدادي متخلف، سواء كان يستمد مرجعيته من الإسلام أو من غيره. الفئة الثانية: وهناك من يصرح تصريحاً دون مواربة أو تلاعب بالألفاظ أن الدولة المدنية تعني الدولة العلمانية؛ فهذا كاتب يقول في مقال له بعنوان: لماذا ننادي بالدولة العلمانية؟: «ومن هنا حرصت البلاد التي انتهجت الديمقراطية الليبرالية الحقة، وأقامت الدولة المدنية الحديثة على عدم تضمين دساتيرها ما يفيد بديانة الدولة ... إن إقامة الدولة المدنية العلمانية وفق الصورة المنوه عنها، باتت ضرورة لإخراج مجتمعاتنا المتخلفة من شرنقة الجدل وحالة اللاحسم حول الكثير من القضايا الصغيرة والكبيرة التي لا تزال تراوح مكانها بسبب إقحام الدين فيها ومن ثَم الاختلاف المرير حولها» (٦) ، وهذا كاتب آخر يقول: «لا يمكن بناء الدولة المدنية في ظل الدولة المذهبية أو الدينية المجردة من العلمانية؛ لأن العقيدة، أية عقيدة كانت لا تؤمن بحق جميع المواطنين على قدم المساواة طالما أن القانون الديني يميز بين العقائد. ومن هنا تبرز أهمية حرية العقيدة في المجتمع المدني ... إلى أن يقول: وأخيراً نؤكد أن الدولة المدنية العلمانية الليبرالية الدستورية ليست شكلاً مجرداً وإنما هي مضمون يساهم في تقدم المجتمع بكل مكوناته وقومياته وأديانه» (١) . وهذا كاتب آخر يضع الشروط الأساس لبناء الدولة المدنية فيقول: «استكمال بناء الدولة المدنية الحديثة بما يتطلب من خلو المجال العام من كل الإِشارات والرموز الدينية، حتى يصبح من الرحابة إلى الحد الذي يسع فيه كل المختلفين. وأن تجري السياسة على أساس المصلحة، وأن يكون التشريع تعبيراً عن تنوع الأمة» (٢) . - الدولة الثيوقراطية ليست من مصطلحاتنا: يحلو لكثير من الكتاب في هذا الموضوع من أصحاب الاتجاه التغريبي المقابَلة بين ما يسمونه دولة مدنية، ودولة ثيوقراطية؛ أي الحكم بمقتضى التفويض الإلهي للحاكمين مما يضفي عليهم صفة العصمة والقداسة، ويذكرون ما في الدولة الثيوقراطية من المثالب والعيوب والآفات، ويُسقطون ذلك على الدولة الإسلامية، وهذا ليس من المنهج العلمي الذي يتبجح به هؤلاء؛ فإن هذا اللفظ (ثيوقراطية) ليس من الألفاظ العربية، وهو لم يأت في أي كتاب من كتب المسلمين؛ فكيف يحاسبوننا عليه؟ وهل هذا إلا كمثل من يتهم غيره بتهمة من عند نفسه ثم يحاسبه عليها وهو لا يعلم بها؟ فإذا كانت الدولة الثيوقراطية ليست من مصطلحاتنا أو مفرداتنا، لم يَجُز لأحد أن يحاكمنا إليها، ومن أراد فليلجأ إلى ألفاظنا ومصطلحاتنا حتى يكون النقاش علمياً. إن الدولة الثيوقراطية التي يتحدثون عنها بالصفات التي يذكرونها لا نعلم عن وجودها إلا ما كان في بلاد الغرب النصراني الذين نشأ فيهم هذا المصطلح؛ حيث تسلط علماء اللاهوت على كل شيء حتى على قلوب الناس بزعم تمثيلهم للإرادة الإلهية؛ فهذه خبرة نصرانية لا علاقة لها بالإسلام من قريب أو بعيد؛ فما الذي يدعو هؤلاء إلى محاكمتنا إلى لفظ ليس من عندنا ولا يحاكموننا إلى ألفاظنا ومصطلحاتنا الثابتة في كتب أعلام هذه الأمة؟ وهل هذا إلا دليل على أن هؤلاء يحاكمون تاريخنا وهم في الوقت نفسه ينظرون إلى تاريخ الغرب النصراني نظرة إكبار وإعجاب؟ وهو يعني اختزال الخبرة السياسية في العالم كله في الخبرة الغربية؟ وهذا في منتهى التبعية واحتقار الذات. يقول أحد الكتاب: «ثقافتنا الإسلامية لم تعرف دولة مدنية وأخرى دينية؛ فهذا التقسيم أفرزته حركة التنوير في الغرب المناهضة لسلطة الكنيسة المطلقة، والتي كانت تمثل نمط السلطة الدينية غير المرغوب فيها، وهو المعنى الذي يعنيه مصطلح (ثيوقراطية) الذي هو نظام حكم يستند على أفكار دينية في الأساس مستمدة من المسيحية واليهودية، وتعني حكماً بموجب الحق الإلهي المزعوم، وهو نظام كان له وجود في العصور الوسطى في أوروبا، نتجت عنه دول دينية مستبدة؛ ولكننا في الشرق الإسلامي لم نعرف هذا اللون من الحكم؛ فليس في الإسلام مؤسسة دينية كالكنيسة، التي فيها التراتيبية المعهودة بين رهبانها ولا يجب أن يسمح بقيامها (٣) . لقد نعى القرآن الكريم على أهل الكتاب، ما يحاول هؤلاء بافتراء واضح أن يلصقوه بأمة المسلمين، فقال ـ تعالى ـ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] وقد بين أهل التفسير أن تلك الربوبية كانت في استقلال الأحبار والرهبان بالتشريع حتى إنهم ليُحِلُّون ما حرم الله ـ تعالى ـ ويحرِّمون ما أحل الله ـ تعالى ـ وهذا لم يكن بحمد الله ـ سبحانه ـ في أمة المسلمين. الاتجاه الثاني: وهو يمثل من حاول المواءمة بين الدولة المدنية في مفهومها الغربي وبين الإسلام. يرى هذا الاتجاه أن المسألة هينة وأنها مجرد اصطلاح، والاصطلاح لا مُشَاحَّةَ فيه كما يذكر أهل العلم، وعلى ذلك فهم يقررون أن الدولة في الإسلام مدنية ليست دينية، بينما دستورها من القرآن والسنة،: «إن الدولة مدنية لا دينية، أما مصدر الدستور والقانون فيها فحتماً هو الكتاب والسنة وموروث الأمة فقهاً وفكراً، والدولة المدنية في عصرنا هي دولة المؤسسات التي تحكم من خلالها» (٤) . وهذا لا شك فيه محاولة للتوفيق بين الأفكار المعاصرة وبين ما هو مستقر في الشريعة بلا خلاف بين أحد من الأمة؛ إذ لم يدَّعِ أحد أن للأمة أن تشرِّع بمحض إرادتها وفق ما تراه مصلحة من دون التفات إلى موافقة الشريعة أو مخالفتها، لكن هذا الكلام في الحقيقة يحمل التناقض في ثناياه؛ إذ كيف نقول عنها إنها لا دينية ثم نقول في الوقت نفسه إن دستورها هو الكتاب والسنة؟ فمعنى كونها لا دينية أنها لا ترتبط بالدين، وكون دستورها الكتاب والسنة أنها ترتبط بالدين، وهذا تناقض، وهذه المشكلة يقع فيها من يحاول التوفيق بين المختلفات في الظاهر، من غير إزالة أسباب الخلاف الحقيقية. والحقيقة أن المشكلة لا تكمن في التسمية أو الاصطلاح؛ فقد كان بالإمكان أن تُسمى الدولة في الإسلام دولة مدنية أو غير ذلك من الأسماء، لو لم تكن تلك المصطلحات ذات استعمال مستقر مناقض للشريعة، ومن ثَمَّ يصير استعمال هذا المصطلح لوصف الدولة في الإسلام سبباً في اللبس وخلط الأمور؛ لأن هذا الاصطلاح لم يعد اصطلاحاً مجرداً وإنما صار اصطلاحاً مُحَمَّلاً بالدلالات التي حَمَلَها من البيئة التي قدم منها. فإذا كان بعض المتكلمين بهذا المصطلح والآخذين به يقولون بمرجعية الشريعة؛ فما الذي يحملهم على الإصرار على استعمال مصطلح أقل ما يقال فيه أنه مصطلح مشبوه، يدعو استعماله إلى تفرقة الأمة لا إلى جمعها، كما يمثل نوعاً من التبعية الثقافية للغرب، في الوقت الذي لا يوجد فيه أي مسوغ مقبول للإصرار على هذا الاستعمال. ومما هو مقبول في العقل السليم أن الكلمة ذات المعنى الصحيح إذا كانت تحتمل معنى فاسداً فإنه يُعْدَلُ عنها إلى كلمة لا تحتمل ذلك المعنى الفاسد، وهذا الأمر المعقول قد أرشد إليه القرآن حينما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] ، قال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: «نهى الله ـ تعالى ـ المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص ـ عليهم لعائن الله ـ فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا، يقولون: راعنا. يُوَرُّون بالرعونة» (١) . وقال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: «في هذه الآية دليلان: أحدهما ـ على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض ... الدليل الثاني ـ التمسك بسد الذرائع وحمايتها ... والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يُخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع» (٢) . الاتجاه الثالث: وهو يمثل من يرى أن الدولة المدنية هي جوهر الإسلام وحقيقته. يرى أصحاب هذا الاتجاه أن مصطلح الدولة المدنية تعبير عن حقيقة الإسلام وجوهره؛ «فالدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مَدَنِيَّة، تقوم السلطة بها على البَيْعة والاختيار والشورى والحاكم فيها وكيل عن الأمة أو أجير لها، ومن حق الأمة ـ مُمثَّلة في أهل الحلِّ والعَقْد فيها ـ أن تُحاسبه وتُراقبه، وتأمره وتنهاه، وتُقَوِّمه إن أعوجَّ، وإلا عزلته، ومن حق كل مسلم، بل كل مواطن، أن ينكر على رئيس الدولة نفسه إذا رآه اقترف منكراً، أو ضيَّع معروفاً، بل على الشعب أن يُعلن الثورة عليه إذا رأى كفراً بَوَاحاً عنده من الله برهان» (٣) . لكن أصحاب هذا الاتجاه لم يقدموا شيئاً يدعمون به تلك المقولة؛ فمن حيث اللفظ؛ فإن هذا المصطلح جديد، فلا يمكن البحث عنه في التراث الشرعي للتدليل على تلك الفرضية، ومن حيث المعنى فإن هذا المعنى المذكور لا يوافق عليه جميع القائلين بالدولة المدنية الموافقين عليها، فضلاً عن اشتمال هذا المصطلح لمضامين مناقضة للعقيدة والشريعة. على أن هناك ممن يدعي هذه الدعوى لا يقدم مشاريع وأطروحات واضحة مفصلة تبين بها تلك المسألة، بعيداً عن الكلام المجمل الذي يمكن صرفه إلى عدة معانٍ محتملة غير قاطعة في المراد منها. الاتجاه الرابع: رفض هذا المصطلح لما اشتمل عليه من مفاسد ولعدم الحاجة إليه: يرى هذا الاتجاه أن الدولة المدنية التي يجري الحديث عنها هي دولة علمانية، «هذا الاصطلاح (الدولة المدنية) هو مطاطي ينكمش في أحسن حالاته ليحاكي الغرب في كثير من مناهجه السياسية في الحكم مع الحفاظ على بعض الخصوصيات، ويتمدد حتى يصل إلى أصل استعماله دولة علمانية صرفة» (٤) ، «ومن وصف الدولة الإسلامية بأنها دولة مدنية وقع في خطأ ... ذلك أن الدولة المدنية الحديثة تنكر حق الله في التشريع، وتجعله حقاً مختصاً بالناس، وهذا بخلاف الدولة الإسلامية، بل إن هذا يخرجها عن كونها إسلامية، ويُسمّى هذا النوع من الحكم في الإسلام بحكم الطاغوت. وكل حكم سوى حكم الله هو طاغوت» (٥) . وفي هذا الجانب يتفق هذا الاتجاه مع الاتجاه الأول ولكن بفارق جوهري كبير، وهو أن الاتجاه الأول لا يظهر منه رفض واضح لعلمانية الدولة المدنية، بل منهم من يصرح بعلمانيتها ويدعو إلى ذلك، وأما هذا الاتجاه فيظهر منه الرفض الواضح لعلمانية الدولة ويحذر منها، ويرى أن الدين والعلمانية نقيضان لا يجتمعان معاً. وأما الاتجاه الثاني فيحاول أن يوائم بين الأمرين فيقبل شيئاً من هؤلاء وشيئاً من هؤلاء، وأما الاتجاه الثالث فهو يجعل الدولة المدنية من صميم الإسلام. ومن هنا يتبين أن القابلين لهذا المصطلح مختلفون فيما بينهم فيما يظهر من كلامهم، فإن كان اختلافهم هذا حقيقياً، فهو دليل منهم على غموض هذا المصطلح وعدم وضوحه، واشتماله على كثير من الأمور التي يناقض بعضها بعضاً؛ فهم مدعوون لتنقيته من تلك التناقضات، واللائق بمثل هذا المصطلح في هذه الحالة تركه وعدم التعويل عليه، والبحث ـ إن كان لا بد ـ عن مصطلح آخر بريء من هذه التناقضات والغموض الذي يحيط به.

стр. 5726

سُكْر الشهوات د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف «إن البشرية اليوم تعيش في ماخور كبير! ونظرة إلى صحافتها، وأفلامها، ومعارض أزيائها، ومسابقات جمالها، ومراقصها، وحاناتها، وإذاعاتها، ونظرة إلى سعارها المجنون للحم العاري، والأوضاع المثيرة، والإيحاءات المريضة، في الأدب والفن وأجهزة الإعلام كلها ... نظرة إلى هذا تكفي للحكم على المصير البائس الذي تدلف إليه البشرية في ظل هذه الجاهلية، إن البشرية تتآكل إنسانيتها، وتتحلل آدميتها، وهي تلهث وراء الحيوان، ومثيرات الحيوان، لتلحق بعالمه الهابط ... » (١) . هذا ما قاله سيّد قطب ﵀ منذ أكثر من خمسين عاماً، فكيف لو أدرك هذا الزمان بقنواته الفضائية المتهتكة، ومواقع الفجور في الإنترنت ونحوهما؟! أضف إلى ذلك قرارات ومؤتمرات المنظمات الدولية التي تبيح ما حرّم الله تعالى ورسوله # من الفواحش والخنا: كالزنى، واللواط والسحاق، بل تسن هذه المنظماتُ القوانينَ في سبيل حماية ورعاية الفجور وأهله! ويقول سيّد في موطن آخر: «وكثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج الله، وبخاصة في علاقات الجنسين، شاق مجهد، والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات ميسر مريح! وهذا وهم كبير.. فإطلاق الشهوات من كل قيد، والتجرد في علاقات الجنسين من كل قيد أخلاقي.. إن هذه تبدو يسراً وراحة وانطلاقاً، ولكنها في حقيقتها مشقة وجهد وثقلة، وعقابيلها في حياة المجتمع عقابيل مؤذية مدمرة ماحقة. والنظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي (تحررت) من قيود الدين والأخلاق والحياء في هذه العلاقة، يكفي لإلقاء الرعب في القلوب، لو كانت هنالك قلوب! لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المِعْول الأول الذي حطم الحضارات القديمة، وحطم الحضارة الإغريقية، وحطم الحضارة الرومانية، وحطم الحضارة الفارسية، وهذه الفوضى ذاتها هي التي أخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة» (٢) . إن الولوغ في الفواحش لا يزيد الأمر إلا ولعاً وإدماناً على ذلك، فسعار الشهوات لا حدّ له ولا انقضاء. يقول ابن القيم ﵀: «وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها، وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها؛ لأنها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الذي لا بدّ لهم منه ... » (٣) . والناظر إلى حال المسلمين ـ فضلاً عن غيرهم ـ يلحظ أن هذا الركام من الفواحش والقاذورات قد عمّ وطمّ، إذ استحوذت هذه الملذات المحرمة على فئام من المسلمين عبر وسائل كثيرة وميسرة، فآل بالكثير منهم إلى الانحلال والسفول، والتفلت من أحكام الشرع المطّهر. وهذا الأمر الجلل يستوجب ما يلي: إنّ في هذه الأوصاف استبشاعاً واستقباحاً لتلك الأفاعيل، وتنفيراً وتحذيراً منها، خلافاً للتعبيرات المعاصرة التي قد تهوّن سُبل الغواية، بل ربما عُبِّر عن هذه القبائح بأسماء محبوبة للنفوس. يقول ابن القيم في هذا المقام: «وإذا تأملت مقالات أهل الباطل رأيتهم قد كسوها من العبارات، وتخيّروا لها من الألفاظ الرائقة ما يسرع إلى قبوله كل من ليس له بصيرة نافذة ـ وأكثر الخلق كذلك ـ حتى إن الفجار ليسمون أعظم أنواع الفجور بأسماء لا ينبو عنها السمع، ويميل إليها الطبع، فيسمون مجالس الفجور والفسوق: مجالس الطيبة ... » (٢) . كما على أهل العلم والدعاة أن يبلغوا حكم الله تعالى والذي يجب إنفاذه في حق أهل الفجور، وإن تعذّر تطبيقه، فالرجم بالحجارة حتى الموت هو حكم الله تعالى في الزاني المحصن، وأما البِكر فجلد مائة وتغريب عام، وأما الذين يقارفون عمل قوم لوط، فعقوبته أغلظ من عقوبة الزاني، فقد أجمع الصحابة ﵃ على قتل اللوطي، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فمنهم من يرى تحريقه بالنار، ومنهم من قال يُرمى من شاهق ... كما جاء مبسوطاً في موضعه. فالمتعيّن أن نجهر بالفضيلة والطهر والنقاء، وندافع بكل حزم هؤلاء الدعاة العاكفين في أوحال القاذورات، ومستنقع الشهوات، بما يدرأ فجورهم ويكفّ غيّهم. «نحن نعلم أن بعض الناس يعيش أغلب أوقاته في شبكة (المجاري) . ويبدو أن بعض الأدباء أَلِف الحياة في مجاري المجتمع ومساربه السفلى، والمدهش أنه يريد جرّ الآخرين إلى مستواه الخُلقي، أو أنه يريد نقل روائحه المنتنة إلى ظاهر الحياة محاولاً طمس ما نبت فوقها من حدائق وما فاح في جوها من عطور. كذلك يصنع كتّاب الجنس في بلادنا، وفي أكثر أقطار الدنيا» (٤) . ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: «فهكذا أهل الشهوات الفاسدة، وإن أضرمت قلوبهم نارة الشهوة ليس رحمتهم والرأفة بهم تمكينهم من ذلك، أو ترك عذابهم، فإن ذلك يزيد بلاءهم وعذابهم، والحرارة التي في قلوبهم مثل حرارة المحموم، متى مُكِّن المحموم مما يضره ازداد مرضه، أو انتقل إلى مرض شرٍّ منه. فهذه حال أهل الشهوات، بل تُدفع تلك الشهوة الحلوة بضدها، والمنع من موجباتها، ومقابلتها بالضدّ من العذاب المؤلم الذي يخرج المحبة من القلب ... » (٥) . وقال أيضاً: «ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب، فإن الشهوة توجب السكر، كما قال تعالى عن قوم لوط: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] . وقد نهانا الله أن تأخذنا بالزناة رأفة، بل نقيم عليهم الحدّ، فكيف بما هو دون ذلك من: هجر، وأدب باطن، ونهي، وتوبيخ وغير ذلك؟ بل ينبغي شنآن الفاسقين وقليهم على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنى» (٦) . ويقول ابن القيم ﵀ في هذا الشأن: «نهى الله ـ سبحانه ـ عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه بحيث تمنعهم من إقامة الحدّ عليهم، فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع هذه العقوبة، فهو أرحم لهم منكم بهم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره ... » (٧) . فلا بد من بذل الجهد في توعية أهل الإسلام بمفاسد الفواحش، وسبل السلامة والوقاية من الفواحش وأسبابها، ومن أهم ذلك: إحياء واعظ الله تعالى في قلب كل امرئ مسلم، وتحريك بواعث الخوف والخشية من الله ﷻ ، وبيان ما يعقب هذه الفواحش واللذات العاجلة من الأنكاد والحسرات والأوجاع والنكال في الدنيا والآخرة. مآرب كانت في الشباب لأهلها عِذاباً، فصارت في المشيب عَذاباً وقد أشار ابن القيم إلى ذلك السكر فقال: «ومن أسباب السكر: حبّ الصور؛ فإذا استحكم الحبّ وقوي أسكر المحبّ، وأشعارهم بذلك مشهورة كثيرة، ولا سيما إذا اتصل الجماع بذلك الحبّ، فإن صاحبَه ينقص تمييزه أو يعدم في تلك الحالة بحيث لا يميّز، فإن انضاف إلى ذلك السكر سُكر الشراب بحيث يجتمع عليه سُكر الهوى، وسُكر الخمر، وسكر لذّة الجماع، فذلك غاية السكر ... » (١) . سُكران: سكر هوى وسكر مُدامة ومتى إفاقة من به سكران؟ والمقصود أن حبّ الشهوات إذا استحكم على الأشخاص، فقد لا يجدي التوعية والتوجيه في حق من غاب عقله، وأُشرب حبّ شهوته، فعندئذ يحتاج إلى الزجر والأخذ على أيدي أولئك الأشخاص، وأَطْرِهم على الاستقامة أطراً، لا سيما لمن كان لهم ولاية أو سلطة، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. يقول ابن تيمية ﵀ في هذا الصدد: «فإن أصر على النظر [المحرم] أو على المباشرة صار كبيرة، وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش، فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة قد يكون أعظم بكثير من فساد زنى لا إصرار عليه. بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ، ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان بالله» (٢) . وقرر ابن القيم ذلك قائلاً: «إن التوحيد واتباع الهوى متضادّان، فإن الهوى صنم، ولكل عبد صنم في قلبه بحسب هواه، وإنما بعث الله رسله بكسر الأصنام وعبادته وحده لا شريك له، وليس مراد الله ـ سبحانه ـ كسر الأصنام المجسّدة وترك الأصنام التي في القلب، بل المراد كسرها من القلب أولاً. وتأمّل قول الخليل # لقومه: ﴿إذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] ، كيف تجده مطابقاً للتماثيل التي يهواها القلب ويعكف عليها ويعبدها من دون الله؟» (٣) . قد يتساهل البعض في شأن هذه الفواحش بدعوى أنها من مطلق المعاصي، وأن أصحابها تحت مشيئة الله تعالى، وقد غاب عن هؤلاء التلازم بين الظاهر والباطن، وخطورة الذنوب، وأنها قد تفضي بصاحبها إلى الانسلاخ من ملة الإسلام، خصوصاً وأن مدمني الشهوات قد لا يستطيعون تركها، إذ أسرتهم تلك الشهوات، فظلوا عليها عاكفين مصرّين. وقد عقد الإمام البخاري ﵀ هذا الباب في كتاب الإيمان فقال: «باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر» . وقال البخاري ﵀ في نهاية هذا الباب: « ... وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] » (٤) . ثم قال الحافظ ابن رجب ﵀: «مراده [أي: البخاري] أن الإصرار على المعاصي وشعب النفاق من غير توبة، يُخشى منها أن يعاقب صاحبها بسلب الإيمان بالكلية، وبالوصول إلى النفاق الخالص وإلى سوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك، كما يقال: إن المعاصي بريد الكفر» (٥) . وساق ابن رجب ﵀ آثاراً كثيرة عن السلف في حبوط بعض الأعمال بالكبائر، ومن ذلك ما قاله الإمام أحمد بن حنبل ﵀ «ما يؤمن أحدكم أن ينظر النظرة فيحبط عمله» (٦) . قد هيأوك لأمر لو فطنِت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل وكما قال بعض السلف: القلوب جوّالة، فمنها ما يجول حول العرش، ومنها ما يجول حول الحش» (٧) .

стр. 5727

متى يتحول التنظير إلى تطبيق عملي ؟ د. عبد الوهاب بن لطف الديلمي لم يكن من منهج النبي ﷺ أن يربيَ أصحابه على منهج بحت؛ بمعنى أنه ﷺ لم يجعل مهمته في بناء الإنسان السوي مجرد أن يتلو على أتباعه ما يوحى إليه دون أن يعمل على نقلهم من الجانب النظري إلى الجانب العملي التطبيقي؛ بحيث يتم ترجمة ما اشتمل عليه الوحي من أحكام شرعية إلى واقع يعيشه الأتباع، وبحيث يؤتي البلاغ المبين ثمرته في غرس الإيمان وقطف ثماره، وفي تطابق المعرفة مع السلوك، واستواء الباطن والظاهر، ومعرفة مدى تحقيق الغاية التي لأجلها أرسل ﵊. ومن أجل هذا الفهم الصحيح، لِِما كُلف به ﵊ من أداء رسالته والقيام بحق البلاغ على الوجه الأوفى، فإن الله قال في شأنه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] . فأمَّا تلاوة آيات الله فيعني البلاغ لما أوحي إليه ﵊. وأمّا تعليم الكتاب والحكمة فيعني: حمل الأتباع على حفظ العلم المصحوب بالفهم الصحيح لمراد الله ـ سبحانه ـ ومراد رسوله ﷺ . وأما التزكية فتعني: التطهير من رواسب الجاهلية وغرس الفضائل بكل أنواعها. والمتتبع لحياة الرسول ﵊ مع أصحابه منذ الأيام الأولى في تاريخ الرسالة يجد الاهتمام البالغ من جانبه ﵊ في تعهده لأصحابه، وحسن رعايته لهم، والارتقاء بهم في مدارج الكمال الإيماني؛ إذ لم يكن بمعزل عن حياتهم اليومية، كما أنه لم يكتفِ بتلاوة الوحي عليهم ثم ينعزل عنهم وينكفئ على نفسه. ولقد كان أبرز صورة للتزكية والتطهير هي القدوة التي برزت في حياته في أعلى صورها؛ وذلك في تطبيقه لما يوحى إليه، فكان سلوكه ترجمة عملية يعرف من خلالها الآخرون كيف يحوّلون العلم والفقه إلى سلوك، ذلك أن الإسلام لم يكن مجرد جملة من النظريات التي تتلى ويقف المرء عند حد فهمها ومعرفتها؛ لأنَّ هذا وحده لا يغير من الواقع شيئاً. إن الإسلام جاء من أجل صياغة الإنسان صياغة جديدة ليتم من خلال ذلك تغيير الأنماط والأوضاع والتصورات الجاهلية. وبهذا المنهج الذي سار عليه النبي ﷺ أوجد جيلاً مثالياً أحسن فهم الإسلام وتطبيقه، وحملِه إلى الناس. واليوم نرى الكثير من الدعاة يهتمون اهتماماً بالغاً بالإسهاب في الجانب النظري، فيكثرون من الكتابة عن الأساليب والوسائل التي تنقل الناس إلى السلوك السوي الذي يتمثل فيه التطبيق للنص، والمتأمل في هذه الكتابات يجد الإبداع في المفهومات التي تطرح، كما يجد حسن الفهم لاستنباط الكثير من المعاني سواء من النص أو من منهج النبي ﷺ فيما يتعلق بالتربية العملية، وما تزال المكتبات الإسلامية تتلقى كل يوم أعداداً من مثل هذه المؤلفات. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل صارت مهمة الدعاة والكتاب الإسلاميين منحصرة في مجرد التنظير والكتابة؟ وهل انتهى واجبهم عن هذا الحد؟ وهل كان الحل للواقع المؤسف لأحوال المسلمين وبخاصة شبابهم في هذه الكتابات التي طفحت بها المكتبات؟ وهل يتوقع كل كاتب وهو قابع في مكتبته أن مجرد انشغاله بهذا الجانب يعفيه من أي واجب؟ ثم إذا صار همُّ كل داعية وكاتب أن يكون في مصدر الموجه لغيره في الجانب النظري؛ فمن الذي سيتولى التربية المباشرة لشباب المسلمين؟ ومن يرعاهم؟ ومتى يظهر على الساحة القدوة الحسنة التي يقتفي الناس أثرها؟ إن الناس اليوم لا ينقصهم وجود من يكتب أو يملي عليهم المواعظ والنصائح، ثم ينعزل عنهم ولا يعرف شيئاً عن آثار موعظته ونصائحه، ولكنهم في حاجة إلى بروز القدوة الحسنة التي تتمثل فيها محاسن الإسلام التي كادت تختفي من الساحة الإسلامية، إنهم في حاجة إلى التربية العملية من خلال الصحبة الدائمة والتوجيه المستمر، ومعالجة جوانب الانحراف عند حدوثه، والترغيب في فضائل الأعمال وتطهير النفوس من أدران المعاصي، والترغيب في الآخرة والتزهيد في الدنيا؛ بحيث تكون التربية قائمة على الملاحظة الدائمة والمتابعة التي لا تعرف الكلل ولا السآمة، وبحيث تقر عين كل داعية وعالم بثمرة جهده ونتاج عمله، وبهذا المنهج يبلغ الدعاة غاية ما يطمحون إليه، وتختفي كثير من السلبيات والممارسات الخاطئة على الساحة، كما تنتشر صورة الفضيلة والخير في الأمة. وأهم من ذلك أن تبرَأَ ذمتهم أمام الله ـ سبحانه ـ بما يؤدونه من واجب، وما يبذلونه من جهود في إصلاح أوضاع الأمة المتردية يوماً بعد يوم. إن حدوث الجفوة بين العلماء والعامة بسبب انعزال العلماء وانكفائهم على أنفسهم بحيث أصبحت الساحة خالية من المعلم والمربي ـ إلا ما ندر ـ نذيرُ شؤم يؤدي إلى شيوع الجهل، وبالتالي التباس الحق بالباطل والسنة بالبدعة، ويغيب عن الناس حُسن الأداء للعبادات بما يضمن موافقة الشرع؛ بل يصبح العامة في هذه الحالة فريسة للأفكار التي تحمل كثيراً من الانحراف خاصة مع وجود القنوات المفتوحة وتعدد مصادر التلقي، وعدم وجود ما يحصنهم من علم يحملونه، أو عالم يُحسن توجيههم، وسوف تكون الكارثة أعظم على الأجيال اللاحقة. من أجل هذا كله؛ فإني أدعو أهل الغيرة على دين الله وعلى المسلمين أن يشمروا عن ساعد الجد، وأن يبذلوا الجهود المستطاعة في نشر العلم والفضيلة، وفي تربية الأمة، وفي مقاومة كل باطل بالحجة والبرهان حتى تظل الغلبة للحق وأهله. ومما تجدر الإشارة إليه أن إمامة الصلاة كانت من الوظائف الشرعية التي يتولاها رسول الله ﷺ بنفسه، وكان يقوم بها الخلفاء من بعده بأنفسهم، وقد أصبحت اليوم مضاهية للوظائف الدنيوية بعد أن عزف عنها أهل العلم، فصار يتسابق عليها الباحثون عن الجُعل المادي مقابل القيام بهذه الوظيفة، حتى صار يتولاها، في كثير من الأحوال، من ليس لها بأهل؛ إذ أنّ الصفات التي حددها رسول الله ﷺ لمن يقوم بهذه الوظيفة لا يُلتفت إليها اليوم، ولم تعد معياراً للأهلية لمن يؤم الناس، فكثيراً ما نرى في المأمومين من هو أحفظ وأفقه وأعلم وأسن من إمام الصلاة، وحتى صار يُنظر إلى هذه المهمة بنظرة دنيا، وهذه في الحقيقة كارثة عظيمة؛ فكم من واجبات تتبع إمامة الصلاة من الإفتاء، والإرشاد والتوجيه، ومتابعة النصح، وملاحظة سلوك الناس؛ وهي أمور لا يحسنها إلا قليل من الناس؛ لذلك نرى الصلة مبتورة بين جماهير المصلين وبين أئمة الصلاة. وقد يكون من الكوارث أن يتصدر للفتيا من الأئمة بحكم إمامته من لا يُحسن الفتيا خشية أن يُتهم بالجهل. ومعنى هذا كله أن العلماء يحتاجون إلى مراجعة موقفهم من هذه الوظيفة ذات الشرف العظيم؛ فإن العزوف عنها إحدى الأسباب التي تعمق الجهل في الناس، وعندما يصبح العلماء في عزلة عن جماهير المصلين؛ كيف ـ إذن ـ تتحقق الوراثة النبوية عند أهل العلم؟ وفق الله الجميع إلى مرضاته، والحمد لله رب العالمين.

стр. 5728

الجود شيمة المصلحين فيصل بن علي البعداني الإكثار من الصدقة والإنفاق في ضروب البر هما مفتاح الدعاة والمصلحين للقبول ونيل الرفعة والظفر بالسؤدد في الدنيا والآخرة؛ إذ تُطهَّر بذلك النفوس، وتُطفَأ الخطايا، وتتضاعف الحسنات، وبها يُستظل في المحشر، ويُتقى من النار، ويُدعى لدخول الجنان.. تضافرت بذلك النصوص والآثار، ومنها قوله ـ تعالى ـ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، وقوله ﷺ : «الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يذهب الجليد على الصفا» (١) ، وقوله ﷺ : «من أنفق نفقة في سبيل الله كُتب له سبعمائة ضعف» (٢) ، وقوله ﷺ : «كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصَل بين الناس» (٣) ، وقوله ﷺ : «من استطاع منكم أن يتقي من النار ولو بشق تمرة فليفعل» (٤) ، وقوله ﷺ : «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة، هذا خير» (٥) . هذا في الآخرة. أما في الدنيا فهي تنمي الإيمان، وتُعظِم التوكل، وتزيد الطمأنينة، وتعمق حسن الظن برب العالمين سبحانه، وتدفع البلايا والمصائب، وتغلق أبواب السوء، وتشرح الصدر، وتفرح القلب، وتنيل الشرف، وتزيل الشح، وتتغلب على هوى النفس، وتستر العيوب، وتستميل النفوس، وتظفر بثقتها ومودتها. وقد أدرك سادات الدعاة والمصلحين هذه الجلالة للبذل والصدقة، والمنزلة الرفيعة للكرم والجود فتحلَّوْا بذلك، فهذا الهادي البشير، إمام المرسلين، وقدوة المصلحين ﷺ كان أجود الناس وأسخاهم، تواترت بذلك شهادات الصحابة الكرام رضي الله ـ تعالى ـ عنهم؛ فعن ابن عمر ﵄ قال: «ما رأيت أحداً أنجد ولا أجود ولا أشجع ولا أضوأ وأوضأ من رسول الله ﷺ » (٦) ، وعن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن؛ فَلَرسولُ الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسَلة» (٧) ، وعن خادمه أنس ﵁ قال: «ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم! أسلموا! فإن محمداً يعطي عطاءً، لا يخشى الفاقة» (٨) ، وعن جابر ﵁ قال: «ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال: لا» (٩) . وفي قصة الشملة التي أُدِّيَتْ للنبي ﷺ ، وكان محتاجاً إليها ولبسها، فسأله إياها أحد الصحابة فنزعها، وطواها ثم أرسلها إليه، فعاتبه القوم قائلين له: «ما أحسنتَ سألتها إياه؛ لقد علمتَ أنه لا يرد سائلاً» (١٠) . ولم تكن تلك سجيته وحده ﷺ ، بل كانت خُلُقَ الأجلَّةِ المتبوعين من أصحابه الكرام ﵃، والذين كانوا عمود الإسلام، ومن قامت على أكتافهم مسؤولية نشره وتعليمه والدعوة إليه، فهذا الصدِّيق الأكبر أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم، فخرج مهاجراً وما له غير خمسة آلاف، كل ذلك ينفقه في الرقاب والعون على الإسلام (١) ، وتصدق في غزوة تبوك بماله كله، وهذا الفاروق عمر يخرج نصف ماله (٢) ، وهذا عثمان يشتري الجنة من رسول الله ﷺ مراراً، حين جهز جيش العسرة، وحين حفر بئر رومة، وحين اشترى أرض المسجد ليُوسَّع، وله مثلها في الجنة (٣) ، حتى قال ﷺ مرتين: «ما ضر عثمانَ ما فعل بعد اليوم» (٤) ، وهذا عليٌّ خرج من أرضه في ينبع ليصرف الله ـ تعالى ـ عن وجهه النار يوم القيامة (٥) . وهذا ابن عوف يتصدق بشطر ماله على عهد رسول الله ﷺ : أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفاً، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله تعالى (٦) . وهذا الزبير كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فكان يتصدق بذلك كله ولا يدخل بيته من ذلك شيء (٧) ، وهذا طلحة الذي صحبه قبيصة بن جابر فقال: «صحبت طلحة فما رأيت رجلاً أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه» (٨) ، وباع مرة أرضاً له بسبعمائة ألف درهم فبات أرِقاً حتى أصبح ففرقه (٩) ، وهذا سعد بن عبادة كان يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصُّفَّة يعشِّيهم (١٠) . هذا غيض من فيض؛ وإنفاق كبار الصحابة ﵃ من المهاجرين والأنصار وبذلهم في سبيل الله ـ تعالى ـ أوسع من أن يحصر. أما نُشَّار العلم وسادة الصحب الكرام في الدعوة والتربية فقد كانوا آية في الخروج من الدنيا ومعرفة الآخرة والإيثار لها؛ فهذه عالمة النساء عائشة ﵂ كانت تقسم سبعين ألفاً، وهي ترقع درعها (١١) ، وفرقت في اليوم الواحد مائة ألف درهم، وهي صائمة فتقول لها خادمها: «ما استطعتِ فيما فرقت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحماً نفطر عليه؟ فقالت: لا تعنِّفيني، لو ذكرتيني لفعلت» (١٢) ، وهذا ابن عمر ﵄ ما مات حتى أعتق ألف إنسان أو أزيد (١٣) ، وكان يقسم في المجلس الواحد ثلاثين ألفاً، ثم يأتي عليه شهرٌ ما يأكل فيه مزعة لحم (١٤) ، وكان لا يعجبه شيء من ماله إلا خرج منه لله (١٥) ـ يتأول قوله ـ تعالى ـ: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ، وهذا البحر ابن عباس جاءه رجل يستعينه على دَيْن، فقال له: كم دَيْنُك؟ قال: عشرون ألفاً، فأعطاه أربعين ألفاً وعشرين مملوكاً وكل ما في البيت» (١٦) ، وهذا حافظ الإسلام أبو هريرة كان في بادئ إسلامه يُصرَع من الجوع، فلما كان في آخر عهده امتلك داراً بذي الحليفة فتصدق بها على مواليه (١٧) ، وهذا الإمام الجهبذ ابن مسعود كان متخلياً عن الدنيا، فترك عطاءه الذي كان يُعطاه حين مات عمر، وحين عرض عليه عثمان أن يأمر له بعطائه، قال: لا حاجة لي فيه (١٨) ، ومن أقواله ﵁: «حبذا المكروهان: الموت والفقر، وايم الله! إن هو إلا الغنى والفقر، وما أبالي بأيهما بُليت، إن حق الله في كل واحد منهما واجب، وإن كان الغنى إن فيه للعطف، وإن كان الفقر إن فيه للصبر» (١٩) ، وقال: «من أراد الآخرة أضر بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة، يا قوم: فأضروا بالفاني للباقي» (٢٠) . وهذا مقدام العلماء معاذ كان رجلاً سمحاً، لا يُسأَلُ شيئاً إلا أعطاه، حتى ادَّان دَيْناً أغلق ماله (٢١) ، وهذا أبو الدرداء آثر اليوم الباقي على الفاني. يقول ﵁ راوياً حاله: «كنت تاجراً قبل أن يبُعَث محمد ﷺ ؛ فلما بُعِثَ محمد زاولت العبادة والتجارة، فلم يجتمعا، فأخذت في العبادة وتركت التجارة» (١) ، وهذه إشارة، وإلا فمَنْ طالعَ سِيرَ القوم وجد الأمر غاية في الجلال والعظمة. وكيف لا يكون مصابيح الدجى بهذه الحالة، وقد جلى النور المبين في أكثر من آية أن من أبرز ركائز النجاة وأسس التقوى: البذل والإنقاق في صروف الخير وما ينتصر به الدين. قال ـ تعالى ـ في تعداد خِلال عباده المتقين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٩] . وفي المقابل جاءت السنة مظهرة أن الحرص على الدنيا والشح بمتعها منطلق شرٍ وسبيل هلكةٍ ومستودع النقائص والخلال الذميمة. يقول ﷺ : «صلاح أول هذه الأمة بالزهادة واليقين، وهلاكها بالبخل والأمل» (٢) ، وقال ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله! ما هي؟ قال: الشرك بالله، والشح، ... » (٣) ، وقال ﷺ : «شر ما في الرجل: شح هالع، وجبن خالع» (٤) ، وقال ﷺ : «إياكم والشح؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالشح: أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا» (٥) . فالشح بالدنيا والتكالب على متعها يتنافى مع النسيج الذي يربي عليه الإسلام أتباعه. قال حبيش بن مبشر: «قعدت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والناس متوافرون، فأجمعوا على أنهم لا يعرفون رجلاً صالحاً بخيلاً» (٦) . قلت: وإذا كان ذلك مع عامة الصلحاء؛ فما حال السادة المصلحين من الدعاة والعلماء الذين لن تجتمع حولهم القلوب، ولن ينالوا ثقة الناس ويظفروا بمودتهم ما لم يتخلقوا بالكرم ويتصفوا بالجود فيرتهنوا بذلك لدى عامة الناس الشكر، ويسترقوا بمعروفهم أحرار الخلق؛ لأن من جاد ساد، ومن بخل رذل، قال ابن عباس ﵄: «لَساداتُ الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء» (٧) ، وقال ابن حبان: «كل من ساد في الجاهلية والإسلام حتى عرف بالسؤدد، وانقاد له قومه، ورحل إليه القاصي والداني؛ لم يكن كمال سؤدده إلا بإطعام الطعام وإكرام الضيف» (٨) . وتتأكد الحاجة إلى الجود حين يغرق الكثيرون في أوحال الترف، والتعلق بزخرف الحياة الدنيا، ويفقدون التوازن والقدرة على الجمع السوي بين تطلُّب الدنيا والعمل للآخرة، ولله در حاتم الأصم حين قال: «من ادعى حب الجنة من غير إنفاق ماله فهو كذاب» (٩) . كما تتأكد في أوقات حصار أعداء الأمة للعملين الدعوي والخيري وسعيهم الدؤوب لتجفيف المنابع والقضاء على الموارد المتاحة من خلال عامة الأمة، لتعظم المسؤولية عندها في حق جيل الصحوة وأبناء الدعوة في القيام بردف مشاريع البر وأعمال الخير وما فيه نصرة الدين وتأييده، وما لم يبادر الجميع إلى ذلك ـ كلٌ بحسب وسعه وطاقته ـ فإن العاقبة هي الفشل، والخاتمة هي الهلكة؛ إذ الدعوات لا تقوم إلا على جسور تضحية أبنائها وأعمدة بذلهم، ولله در الصحابة الكرام الذين كانوا يرون في أوقات الأزمات أن لا حق لأحدهم بما زاد عن حاجته، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له، فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ : من كان معه فضل ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زادٍ فليعد به على من لا زاد له، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل» (١٠) . كما تتأكد في فترات تنفير الناس عن الخير، والقيام بتشويه الدعوة والدعاة، ليكون في الجود عند ذلك حراسة للعرض، وستر للعيب، ونباهة للذكر، وتأليف للقلوب، وقضاء على كثير من المكائد المحبوكة والأخلاق المرذولة. اللهم يا كريم وتحب الكرماء، وجواد تحب الجَوَدة، وتأمر بمكارم الأخلاق وتكره سفاسفها.. ارزقنا صلاح النية وسخاء النفس وكثرة العطاء وحب السماحة وإيثار الآخرة على الدنيا، وجنبنا دواعي الحرص والطمع، وحررنا من التعلق بالدنيا ونسيان الآخرة، وارزقنا التضحية لدينك والبذل في سبيلك من غير منٍّ ولا أذى، بإحسان منك وفضل يا جواد يا كريم!

стр. 5729

الدرس الوحيد.. وفقه الانتصار خالد الخليوي هل تذكرونَ ـ أيُّها الأحبابُ ـ تلك القصّةَ العظيمةَ التي حَكاها الله في كتابه العزيز عن أصحابِ الأخدود، وقامَ النبيُّ ﷺ بذِكرِها مفصّلةً للصحابة ﵃ ولأمّته من بعده؟ (١) . إنَّها خبرُ حقّ، وآياتُ صِدق. دعاةٌ يواجهونَ الطُّغاة، ومؤمنون تبيّن لهم الحقُّ فاتّبعوه، ورأوا صِدقَ داعيه فأحبّوه. في أوّلِ يومهم في رحابِ الإيمان، وفي آخره في أخاديد النيران. وفي الجانبِ الآخر ظالمون ومُشركون، أُسلوبُ حوارِهم القتلُ والإجرام، ومُنتهى آمالهم استعبادُ الأنام. قصّةٌ مليئةٌ بالعِبَرِ والدروس، ومشاهِدُ تحكي قِدَم تلك الحربِ الضروس. ومع ذلك فإنّي سأكتفي منها بدرسٍ وحيدٍ، ومعنىً ليسَ على الكثير بالجديد، لكنّي أحسبُ أنَّهُ من الأهمّية بمكانٍ أن نستحضرهُ في هذه الأيّام. تذكّروا معي؛ ما الذي حصلَ للغُلامِ المؤمن وللنّاسِ بعد إيمانهم بربِّ ذاكَ الغُلام؟ إنَّهُ التعذيبُ المُوجع، ومن ثمَّ القتلُ لهم أجمع. أمّا الغُلام فقد صُلِبَ على جِذعٍ ثمَّ رُمِيَ بالسِّهام حتّى قضى نحبَه، وأتمَّ عهدَه. وأمَّا المؤمنون فقد شُقّت لهمُ الأخاديد، ثمَّ أُشعلت فيها النيران، ثمَّ قُذِفوا فيها جميعاً. ليسَ الرجالُ فحسب، بل معهم النّساء. وليس الكبارُ فحسب، بل معهم الأطفال. وهنا يأتي سؤالُنا المباشر ليقول: ألم يكُن الغلامُ ومن معه على الحقّ؟! ألم يُضحّوا بأنفُسهم ويلتزموا طريقَ العدلِ والصّدق؟ ألم يُعلنوا إيمانَهم، ويصدعوا بتوحيدِهم جِدارَ الشركِ والكُفر؟! ألم يُقرّروا قرارهم الشُّجاع، ويثبتوا على دينهم رَغم مُحاولاتِ الرّدِّ والقَهر؟! والجوابُ: بلى؛ قد كانوا كذلك. إذاً؛ فلماذا لم ينصرهم الله تعالى؟! لماذا لم يُنْزلِ الله مطراً يُطفئ تلك النّارَ كرامةً لأوليائه؟! لماذا لم يقل للنّارِ كما قالَ لنارِ إبراهيمَ ﵇: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] ؟! أو يُرسلَ جُنداً من جنوده؛ ليُهلِكوا الظّالمين، ويجعلوهم عبرةً للمعتبرين؟! وللإجابة عن هذه الأسئلة يُقالُ ما يلي: أولاً: إنَّ الله لا يُسالُ عمَّا يَفْعَلُ، والخلقُ يُسألون. ثانياً: إنَّ المؤمن ليعتقد في قلبه أنَّ ربّهُ حكيمٌ حكمةً مطلقةً، والخيرُ كلُّ الخير في يديه، والشّرُّ كلُّ الشرِّ ليس إليه. وكم هيَ المظاهرُ التي كُنَّا نحسبها شرّاً فبعثَ الله فيها من الخيرِ ما لم يكُن في الحُسبان، وما لم يخطُر في خَلَدِ الإنسان. ثالثاً: إنَّهُ ليجب علينا أن نستحضرَ حديثَ النبيِّ ﷺ وهو يقول: «عجباً لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيراً له» . أخرجه مسلم. فاختيارُ الله أرحمُ وأسعدُ للعبدِ المؤمن، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] . رابعاً: ينبغي لنا أن نُحرّر مفهوم النّصر بمعناه الشّاملِ، ودلالتِه في الميزانِ الرَّباني، لا في ميزانِ البشر. فلم يكن معنى النّصر في الشرع قطّ هو الغلبةُ على الأعداءِ في كلِّ معركة تدورُ بينهم، بل الحربُ سِجالٌ، والعاقبةُ للمتقين. ولم يكُن معنى النّصر كذلك هو السّلامة من كلّ أذىً وألمٍ ومُصيبة. وما زالَ في ذاكرتنا حديثُ النبيِّ ﷺ حينما سُئل: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ فقال: «الأنْبِيَاءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» ، أخرجه أحمد والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح. وليسَ معنى النّصرِ دائماً هو أن تقرّ عينُ المرءِ وهو يرى النّاس يدخلونَ في دينِ الله أفواجاً. وينظرُ إلى التّائبينَ وهم يسألونَ الدُّعاةَ توجيهاً وعِلاجاً. وقد حدّثنا رسولنا ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم عن بعضِ الأنبياء، أنَّهُ يأتي يوم القيامة ولم يُؤمن به أحد (١) . ولم يكُن ـ أيضاً ـ معنى النّصر هو البقاءُ طويلاً في الحياةِ حتّى يرى الإنسان ثمرات بذله وعطائه ودعوته. وكم هي المُبشّراتُ والفتوحاتُ التي أشارَ إليها النبيُّ ﷺ ولم تقع إلاّ بعد وفاته ﷺ . هذا كلّه مع مَنْ بذلَ أسبابَ النّصرِ والتمكين، وكانَ على الجادّة التي رسمها الله له. إنَّ نصرَ الله ـ تعالى ـ لأوليائه ليسَ صورةً واحدةً أو مثالاً فريداً، بل هو أوسعُ وأشملُ ممّا نتصوّرهُ في كثيرٍ من الأحايين. فحين يتبيّنُ المرءُ الحقَّ، ويتمسّكُ به، ويثبتُ عليه، ويموتُ من أجلهِ، وفي سبيله، فإنَّ هذا من أعظمِ صورِ النّصرِ الربَّاني لعبادهِ المؤمنين. وفي قصّة أصحابِ الأُخدودِ هذه نقول: ما كانَ لأولئك المؤمنين الضُّعفاء أن يختاروا القتلَ والإحراق، من أجلِ رضاءِ ربّهمُ الخلاّق، وهم يرونَ الابتلاءَ ماثلاً أمامهم جِدّاً وليس بالهزل، ما كانَ لهم ذلك لولا إعانةُ الله، واصطفاؤهُ لهم. ثمَّ من أدرانا أنَّهم لمّا قُذِفوا في النّار شَعُرُوا بحرِّها وأليمِ عذابها. بل هل ندري عن الذي لَقُوهُ من ربّهمُ الكريم بمجرّدِ إلقائهم في النّار، خاصّةً أن الله ـ تعالى ـ ذيّل قصّتهم في سورة البروج بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] . ولم يَصِف الله ـ تعالى ـ الفوزَ بـ (الكبير) إلاّ في هذا الموضع في القرآن كلّه، فأيُّ فوزٍ هذا الفوز، ونهايتهم هي إحراقهم في النّار؟! نعم؛ والله إنَّهُ لفوزٌ كبير، وفلاحٌ عظيم. فوزٌ حينَ آمنوا بربّهم في ظلِّ دولةٍ كافرةٍ تقومُ على الشّركِ والسّحرِ والخُرافات. فوزٌ حينَ ثبتوا على الحقِّ وضحّوا من أجلِهِ بأهليهم وأنفُسهم ـ وهي أغلى ما يملكون ـ، ولسانُ حال الواحدِ منهم يقول: أجودُ بالنفسِ إنْ ظنَّ البخيلُ بها والجودُ بالنفسِ أعلى غاية الجودِ فوزٌ حينَ ذَكَرهم الله في كتابه الكريم يُتلى إلى قيامِ السّاعة في سياقِ المدحِ والثّناء، وقد عَلِمَ ـ سبحانه ـ ما في قلوبهم. فوزٌ حينَ يقابلونَ ربّهم وهو راضٍ عنهم فيكسوهم حُللَ الذهبِ والفضّة، ويُسعدهم بأجلِّ نعيم وأعظمِ عطاء، وهو النَّظرُ إلى وجههِ الكريم. فوزٌ بصُوَرٍ متعدّدةٍ تحصلُ لهم في عالمِ الغيب، لا تُدركهُ أبصارُنا ولا تحتويهِ عقولُنا. وها نحنُ الآن نُصبِحُ على أخبارٍ مُزعجة، ومآسٍ موجعة، ونمسي على مثلها عن إخواننا المسلمين في كُلِّ مكان. جُرحٌ في فلسطين، وفي العراقِ آلام. كارِثةٌ في الشيشان، وفي كشمير إجرام. تسلّطٌ رهيبٌ على المنطقة من قِبَلِ يهود. واستكبارٌ وغطرسَةٌ من قِبَلِ أمريكا بلا حُدود. والضحيّةُ في الغالب هم المسلمون. وإن شئتَ فقُل: إنَّ الأكثر في هذه الضحيّة من أهلِ السُنّة مع اختلافِ أطيافهم وطوائفهم. قتلٌ للأبرياء، وتصفيةٌ للدُّعاةِ والصُّلحاء. نهبٌ للأموالِ والخيرات، وإفسادٌ لئيمٌ لأخلاقِ الشبابِ والفتيات. وعُملاءُ من الدّاخلِ يقومونَ بأبشعِ الخيانات. وإذا قطعتَ الرأسَ من حيّاته لا تنسَ أذناباً بكلِّ بلادي هدمٌ من الدّاخلِ على يدِ كثيرٍ من مُلاّكِ القنواتِ وصانعي الإعلام. وحربٌ من الخارجِ تسيرُ على خُطىً مدروسة كَتَبَتْهَا أيدي اللِّئام. في بعضِ الدُّول العربيّة لا تملك المرأة المُسلمة أن تخرُج إلى السّوقِ بحجابها. ولا يملك الشّابُّ أن يُكرّر حضوره للمسجد ليكونَ من أهلِ الجنّةِ وطُلاّبها. فيأتي السؤالُ المباشر نفسُه: أينَ نصرُ الله لنا، وفينا صادقونَ وباذلونَ، ومعنا دُعاةٌ وناصحون؟! نعم أيُّها الأحباب؛ إنَّ الله مُطّلعٌ على كُلِّ ما في الكونِ، ولا يخفى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السّماء، وإنَّ نصرَ الله لا يتخلّف أبداً، إلاّ إذا تخلّفت أسبابُه، وتأمّل إذا شئتَ تلك الجُملة الشرطيّة في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] . إنَّ أعظمَ النّصر هو أن تسيرَ على منهجِ الله ما استطعت، وأن تعملَ في واقعكَ بما تقتضيهِ سيرةُ نبيّكَ ﷺ وسنّتُه. ليسَ الخوفُ من أن يهزمنا الأعداء ونحنُ سائرونَ على الدّرب، وباذلونَ للجُهد، فسيبقى ما فعلوهُ مجرّد هزيمةٍ لنا، لا استسلاماً منّا، وفرقٌ بين الهزيمة والاستسلام. وإنّما الخوف من أن نُخفق في التمسُّك بديننا حتّى وإن انتصرنا في ساحة الحرب على أعدائنا. ورضيَ الله عن البطل «حرامُ بن ملحان» ذاكَ الصحابي الجليل الذي قالَ بعدما طُعن غدراً ورأى الدمَ يسيلُ من جوفه: «فُزتُ وربِّ الكعبة» . نعم؛ واللهِ العظيمِ لقد فاز، فازَ حينَ عاشَ على الطريقِ القويم، وماتَ عليه. إنَّ هذا البطل ليُعطينا درساً في فقهِ النّصرِ وحقيقة الفوز. وفي غزوةِ مُؤتة، تلكَ الغزوة التي قابلَ فيها المسلمون ـ وهم ثلاثةُ آلاف ـ جيشاً عظيماً من النّصارى وكفّارِ العربِ وهم مئتا ألف، وبعدَ أن قُتِلَ الأُمراءُ الثّلاثة: زيدٌ، فجعفرُ، فابنُ رواحة، أُمِّرَ عليهم خالد بن الوليد ﵃ أجمعين، فانحازَ بالجيشِ بطريقةٍ ذكيّة، وأُسلوبٍ رائع، فاعتبرَ النبيُّ ﷺ ذلك فتحاً ونصراً للمؤمنين، معَ أنَّ الجيشَ الإسلامي فَقَدَ أُمراءهُ الثلاثة. وفي صُلحِ الحُدَيْبية كَرِهَ بعضُ الصّحابة بعضَ بنودِ الصُّلح، وحاوروا النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ ﵁ في ذلك، ورأوا أنَّ هذا الصُّلح بهذهِ الشُّروط يُعتبرُ دنيّة لدينِ الإسلامِ وأهله. ومعَ ذلك يُنزلُ الله على نبيّهِ ﷺ بعد هذا الصُّلح «سورة الفتح» : ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١] . فيسألُ عمر بن الخطّاب ﵁ رسولَ الله ﷺ : أَفتْحٌ هو يا رسولَ الله؟ فيقول: «نعم؛ والذي نفسي بيده إنَّهُ لفتح» . وكان البراء بن عازب ﵁ يقول: (إنّكم لتعدُّونَ الفتحَ فتحَ مكّة، أمّا نحن فكُنّا نعدُّ الفتحَ صُلحَ الحُديبية) . وأمّا موسى ﵇ فقد كانَ من إعانةِ الله له أن خلّصهُ ونجّاهُ من القومِ الظّالمين، واعتُبِرَ هذا التخليص نصراً من الله له. واقرأ ـ إن شئتَ ـ قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧] . ألا فلنَفْقَه حقيقةَ النّصر الربَّاني، وشمولَه، وأسبابه الحقيقيّة، وإيّانا والتخاذُل عن البذلِ والعطاء، وأن يكونَ قُصارى ما نملكه هو التنادي بالصبرِ فقط، وأن نقعد منتظرينَ ذاكَ القائد الربَّانيَّ الذي يبعثهُ الله في نهاية الزمن، فيملأ الأرضَ عدلاً كما مُلئت جَوراً وظُلماً، أو نُقلّب وجوهنا في السّماء نترقّب نزول النبيِّ المُبارك عيسى ﵇ ليقتُلَ اليهود ويضعَ الجزية ويقضي على الخنزير ويكسر الصليب. إنَّ تحقيقَ النّصرِ مشروعُ أمّة، وإنَّه مُفتقِرٌ إلى جدٍّ وصدقٍ وهمّة. ولنَعِ أنَّ أساسَ الداء فينا، وبدايةَ العِلاج منّا، وتلكَ قاعدةٌ قرّرها الله ـ تعالى ـ في سورة الرّعد وسورة الأنفال، فقالَ في الأولى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . وقالَ في الثّانية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] . فإلى المُراجَعةِ والتصحيحِ الشّامل، وإلى التوبةِ النّصوح، والعملِ المُتكامل. وليعلمِ الجميع أنَّ على كُلّ فردٍ قدراً من المسؤوليّة، وأنَّ لهُ دوراً ينبغي أن يبحثَ عنه ويقومَ به. ولنُدرك كذلك أنَّ السّاحةَ تَسَعُ كلَّ صادقٍ يُريدُ العمل، وتتضمّن كلّ مُشمِّرٍ طَرَدَ عن نفسهِ الخمولَ والكسل. فليَعُدِ الشّارِدُ إلى ربّه، وليرجعِ العاقُّ إلى برِّه. وليُطهّر الحسودُ قلبَه، وليُنمِّ المُحبُّ الصادِقُ حبّه. إذا الحِمْلُ الثقيلُ توازعته أكفُّ القومِ خفَّ على الرِّقابِ توحيدٌ لله يجبُ أن يُعظَّمَ وأن يُصان، وشركٌ مع الخالِقِ يجبُ أن يُفضحَ وأن يُهان. على الرّاعي أن يعدِلَ وأن يرحم، وعليهِ ـ أيضاً ـ أن يُقَرِّبَ وزراءَ الخير، وللعلماءِ فليُكرم، وعليهِ ـ أيضاً ـ أن يَبذُلَ أسبابَ النّهضةِ الشّاملة، وعلى الخيرِ فليعزم. ولينطلق بالأمّة ـ مُستحضراً واقِعَها ـ إلى برِّ الأمان. وليمشِ مع وزرائِهِ وأعوانِهِ على خُطىً تستشرِفُ قادمَ الأزمان. وليعلم أنَّ نجاحهُ في تجربته الرئاسيّة لا تفتقرُ بالضرورةِ إلى زمنٍ طويل، وتجديدٍ مُتتابعٍ لرئاسته. فها هو العجيب عمرُ بن عبد العزيز ﵁ حَكَمَ المُسلمين لمدّة سنتين وخمسةَ أشهرٍ وأيّاماً فقط، إنّها مُدّةٌ لعلّها لا تَصِلُ إلى عُشْرِ مدّة حُكمِ كثيرٍ من الحُكّامِ الآن، ومعَ ذلك فقد أرغمَ التّاريخ إرغاماً أن يكتُبَ سيرته بمدادٍ من ذهب، وعباراتٍ من قَصب، حتّى أصبحَ العدلُ لا يُذكرُ إلاّ ويُذكرُ معهُ عمرُ بن عبد العزيز، ألا فحيّا الله هذه السيرة العطرة، وتِلكَ السّحابة المُمطرة، وأسكنَ صاحِبها جِناناً نَضِرة. وأمّا الرعيّة فليتوبوا إلى ربّهم وخالقهم، وليُحسنوا الظنَّ ببارئهم ورازقهم. ولا يَحسُنُ إحسَانُ الظنِّ إلا مع العملِ وبذلِ المُستطاع، ولا يصدقُ عزمٌ إلاّ بتغييرِ كثيرٍ من الصّفات والطّباع، فإنّا إن تقرّبنا إلى ربِّنا بشبرٍ تقرّبَ إلينا بذراعٍ ثمَّ باع. ولنترُك تلكَ الفلسفة التي يعتمِدُ عليها البعضُ فيقول: (أنا واحِدٌ في هذه الأمّة، أيُمكنُ أن يؤثّرَ تقصيري وذنبي في استجلابِ عقابِ الله ـ تعالى ـ وتسلُّطِ الأعداء؟!) . فنقولُ: نعم؛ فإنَّ لك مُشابهاً ثانياً يقولُ نفسَ مقالتك، وسيأتي الثالِثُ كذلك لينهجَ نفسَ المنهج، فتجتمِعُ تلك المعاصي وذلك التقصير ليكون سبباً في هواننا على الله ـ تعالى ـ، ومن ثمَّ هواننا على الأعداء. وكذلك تماماً. لنترك تلكَ الذريعة التي يعتمدُ عليها البعضُ في إعذارِ نفسه وإسقاطِ مسؤوليّاته، فيقول أحدهم: (أنا واحِدٌ في هذه الأمّة الجريحة، أيُمكن أن أُقدّم شيئاً أمامَ هذه الإخفاقاتِ العظيمة في كثيرٍ من مجالاتِ الحياة؟!) . فنقولُ له أيضاً: نعم؛ يمكن أن تقدّم شيئاً، وإنَّ من أوّل ما عليك أن تقدّمه هو أن تنسلِخَ من هذه النفسيّة المُحطّمة، وتلكَ الرّوحِ اليائِسة، فإنَّ من صَدَقَ مع الله صَدَقَ الله معه، ولن يتخلّف وعدُ الله ـ تعالى ـ الذي حكاهُ في آخرِ سورة العنكبوت فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] . فإلى البذلِ والبِناء أيُّها المسلمون! لِيَعمل الأفرادُ والجماعات، ولتبذُل المُؤسّساتُ والهيئات. وليذهب كلٌّ إلى ما يُتقنُهُ ويُبْدِعُ فيه. وليكُن القاسِمُ المُشترك بيننا هو خِدمةُ هذا الدين، ومحبّةُ النفعِ للعالمين. ولنتعاون فيما بيننا ما دُمنا منطلقينَ من أُصولٍ واحدة. وصادرينَ عن مرجعيّةٍ شرعيّةٍ ثابتة، ومتفقينَ على خُطوطٍ واضِحةٍ لا لبسَ فيها ولا غُموض. ومن لا يملكُ مدَّ يدِ العون فليكُفّ يدَ الهدم. ومن لا يُتقِنُ التشجيعَ والتَّصويب فليَقْصُر عن بغيضِ التشويهِ والتثريب.

стр. 5730

الأطفال والتلفاز: صغارٌ بإدراك محدود ... وشاشة تجمع كل المتناقضات عبير العقاد ينتابني قلقٌ كلما أبصرت طفلاً مجرداً يطرق باب المجهول، يحاول أن يشُدّ الخطى في عالم يرتابه الغموض، يحثّ السير في طرقه ممتلئاً بوقود الفضول، لا يفرق بين ممنوع أو لا ممنوع، ولايحذر خطره أو يشده المسموح. يؤرقني منظر صغير يفترش أرضاً، متسمّراً أمام شاشة تلفاز تستغل إدراكه المحدود، فتخترق به بوابة الحياة، وتأخذه بعيداً بعيداً في العوالم والآفاق كلها، لا تفرق بين ما ناسب طفولته البريئة وبين ما يشوه صفحته البيضاء، تنشيه بِأَلَق الألوان وبراعة الصور وصخب الأصوات، تسامره كلما أراد، ولا تجد أعذاراً البتة تمنعها من مجالسته كلما امتنع الآخرون. لا يزعجني التلفاز بصندوقه الصغير الذي يعرف الأمور كلها، ولابتفاصيله الدقيقة التي تحشر الأنف في كل ذرات الحياة؛ لكنه يزعجني عندما يفتح الباب واسعاً أمام أطفال أو حتى كبار لايعرفون التحكم بمقود التفكير، ولا التوقف أمام الخطير، ولايؤازرهم في مشاهدته مرشدٌ أو ناصح ٌحكيم، فتراهم يتشربون كل ما يرون دون مصفاةٍ تمنع عنهم حصى الأضرار واللامحمود. فالتلفاز مثله مثل كل مافي الحياة ... سلاحٌ بحدّين، هالكٌ ومنجٍ، قاتلٌ ومحيٍ، فكيف نجنب أطفالنا دماره؟ وأنّى نجنيهم ثماره؟ أسئلة لا بدّ أن نبحث لها عن إجابات، في عالمٍ قلّما يخلو فيه بيتٌ ـ مهما كان صغيراً ـ من صندوق تلفازيّ يتسع العالم كله، ويجتذب إليه الجميع! ولا نستطيع إلا أن نعترف بأن التلفاز حاز بجدارة على مرتبة الامتياز، منافساً بذلك وسائل الإعلام الأخرى كلها التي تحدَّاها دون بذل جهد كثير، رابحاً بذلك رهان فوزه، داخلاً كل بيت من البيوتات العربية والأجنبية، متصدراً غرف معيشتها، لامّاً من حوله أفراد أسرها، جاذباً انتباه أهلها؛ ليكون الحبيب المنشود في الحضر، والمعشوق المشتاق إليه، والمتكلّم عنه، وعن أخباره وسِيَرِه في السّفر. حتى الأطفال استطابوا حلاوته ـ وإن كانت هذه الفئة العمرية لاتستطيع التمييز كثيراً بين الحلو والدميم ـ فكان أن أدمن كثيرون؛ ممن لم يتوفر لديهم أهالٍ بإدراك عالٍ، وتوجيه تربوي رفيع المستوى؛ مشاهدته، عاشقين خِدرَه اللذيذ الذي ينأى بهم عن عالم المتاعب، ويأخذهم إلى عالم الأحلام، عالم (سوبرمان) و (غريندايزر) والرجل الوطواط. ومن الأمور التي يعشق الأطفال بسببها إدمان مشاهدة التلفاز، يمكننا أن نذكر: ١ ـ حلاوة الاستعراضات وتألقها، وإبداعها المرئي والسمعي بكل ما تحمله من صور فتّانة، وأصوات عذبة، وإيقاع سريع تؤثر في طفل لا يجد صدراً بشرياً ـ أمه أو أبيه أو حتى الأصدقاء ـ يتسع وقته له؛ فالأب الغائب في العمل، والأم المشغولة بأمورها والمنزل؛ كلُّها أمورٌ تثير ملل الصغير، الذي ينسى شكواه أمام صندوقه التلفازيّ السحري بألق استعراضاته المبدعة. ٢ ـ قدرة التلفاز على حمل الصغير على بساطٍ سحري، وأخذه بعيداً بعيداً عن عالم الممنوعات التي يعيشها إلى عوالم الأحلام المذهلة التي لا تتأتّى له إلا عبر شاشة التلفاز. فها هو يعيش في حياته الواقعية ضمن قيود تكبِّله بكثير من الممنوعات، كلمس بعض الأشياء، وإتيان بعض الأمور، ونهج بعض أنواع السلوك ... إلخ. أما من خلال التلفاز فالعالم رحبٌ واسع؛ لأنه عالم تتحقق فيه الأحلام كلها دون زجرٍ أو منع. ٣ ـ منح التلفازُ الطفل فرصةً للتخلص من قيد قدراته الجسمية والفكرية والمعنوية والمادية المحدودة، التي طالما حلم بتخطيها لتحقيق ذاته، فها هو ما إن يرى الأبطال التلفازيين والنجوم، في حالاتِ تَفَوُّقِهم الجسدي والفكري والمعنوي والمادي، حتى ينتقل بروحه وجسده الضعيفين إلى عالَمِهم ليشاركهم انتصاراتهم وكأنه واحد منهم، قادراً على تخطي كل الصعوبات التي تحيط به، وتعيق انطلاقه في عالمه الصغير. ٤ ـ فضول الأطفال وتعطّشهم للمعلومات والمعرفة أيّاً كان نوعها أو شكلها؛ فكيف إن كانت المعلومة مقدمة على طبق فني شهي مبهر؟! فيه من الألوان والأصوات والحركة ما يذهل كيان الطفل ويثري خياله؛ ليتباهى بما تعلمه أمام أبناء جيله، غير واع ٍ صِدقَ أو كذبَ المعلومة التي تُقدم إليه على طبقٍ من ذهب، إذ ليس كل ما ينقل عبر الشاشة هو حقيقة أو واقع. وليست الحقائق كلها التي تتعلق بمشاهدة الأطفال للتلفاز غايةً في السوء، ولا هي ـ أيضاً ـ مثالٌ للإيجابية المطلقة، إنما الأمر كما أسلفنا: سلاح ذو حدين، به نقتل وبه نحمي أنفسنا، وبواسطته ندمر أو نبني أمجادنا. فها هو التلفاز ـ إن شوهد حسب المعايير المسموح بها ـ يعمل على تنمية الجوانب الأخلاقية والاجتماعية، وروح التعاون والعمل الجماعي عند الأطفال، كما يبثّ الروح الإنسانية من خلال بعض المسلسلات ذات الطابع الإنساني، ويمنح الطفل الثقة بنفسه وقدراته، كل ذلك عن طريق المواد التلفازيّة الطفولية الهادفة والمدروسة بعناية، كما يسهم التلفاز في صنع لغة اجتماعية مشتركة بين أطفال البيئة الواحدة الذين يتلقّون البثّ والبرامج نفسها، إذ ينمي بينهم الحوارات الاجتماعية التي تدور حول ما شاهدوه على شاشة التلفاز، مذيباً بذلك الكثير من الفوارق الاجتماعية التي كانت قبل عائقاً فيما بينهم. ناهيك عن دور التلفاز في توجيه الأطفال إلى سلوكيات ومنهجيات اجتماعية إيجابية، وإبعادهم عن السلوكيات السلبية. كما بإمكان التلفاز مدّ الجسور الاجتماعية بين عالمي الأطفال والكبار؛ عن طريق تعويد الصغار على قواعد سلوكية تنظم العلاقات الاجتماعية بين العالَمَيْن: كتعليم الطاعة والاحترام والحوار والمجالسة، كل ذلك ضمن الحدود المقبولة. زد على ذلك دور التلفاز في تعميق انتماء الأطفال الاجتماعي إلى عالمهم الذي يعيشون فيه، وإشعارهم بالأمان، من خلال تقديم الأفكار المألوفة التي تعرض في الكثير من البرامج المدروسة بعلمية متقنة. كما يساعد التلفاز في تكوين اللغة عند الطفل ونموها تدريجياً، حيث يرتبط النمو اللغوي باستماع الطفل إلى كلام الآخرين في المرحلة الأولية من تعلمه اللغة، ويظهر أثر التلفاز في النمو اللغوي لدى الأطفال في العمر بين ثلاث وأربع سنوات، حيث أثبتت الدراسات أن الطفل في هذا السن يستوعب ٢٠% من مسار الأحداث الواردة في البرامج. إلا أنّ الأمر ليس سواء أمام كل ما يعرض على شاشة التلفاز، إذ أن هناك من البرامج غير المخصصة للأطفال، أو تلك المخصصة لهم دون فائق دراسة وعناية بمحتواها، تلك البرامج تؤثر في تأخر تعلم اللغة عند الأطفال، وكذلك تؤخر نموها في المرحلة الأولى من حياتهم، خصوصاً في البرامج التي يتعدد فيها الأشخاص المتحاورون في المشاهد، والذين يدور الحوار بينهم بسرعة نسبية تفوق قدرة الصغير على استيعابها. كما أن اللغة التي تحتاج لتثبيتها ونموها محادثات حوارية بين الأشخاص؛ لا يتأتى للأطفال الاستفادة منها أمام التلفاز؛ حيث لا حوار بينهم وبين تلك الشخصيات في صندوقهم السحري، وتتضافر هذه الأمور مع أخرى فيزيولوجية لتؤثر سلباً في انطلاق النطق السليم والمبكر عند الأطفال. وللحيلولة دون هذا الأمر، على الأهل والمربين ترك أطفالهم يتكلمون أمام الشاشة بدلاً من الطلب منهم الصمت والإصغاء أمامها، على العكس، يجب أن يتكلم الطفل وأن يشرح شفوياً تصرفات الأشخاص، ومجرى الأحداث التي تدور أمام ناظريه، أو أن يقوم الكبار بهذا الدور؛ بالإضافة إلى توقع الأحداث اللاحقة، وتسمية الأشياء المشاهدة على الشاشة بمسمياتها. أما من ناحية النمو المعرفي عند الطفل، فللتلفاز أثر إيجابي في ذلك خصوصاً عند الأطفال في سن ٣ ـ ٤ سنوات، وذلك إن شاركت الأم أو المربي أطفالهم في مشاهدة البرامج المدروسة بعناية مع مناقشتهم حول معلوماتها، وخصوصاً أن التلفاز يقدم للأطفال معلومات عن أمور لم يروها، ويُعرِّفُهم بأماكن لم يسبق أن زاروها. كما يقدم إليهم معلومات كانوا سابقاً يجهلونها. ويعمل التلفاز على تقديم نوع جديد من المطالعة؛ ألا وهو المطالعة الخيالية المرئية، وذلك في سن مبكرة تسبق سن تعلم القراءة والكتابة، فالتلفاز ـ ببرامجه الإيجابية المقننة ـ يقدم مادة مشوقة مفيدة يمكن قراءتها دون قراءة، وهضمها بصورة أكبر؛ خصوصاً أنها لا تتطلب مجهوداً كبيراً كالذي تتطلبه كتب المطالعة لتوضيح النصوص وفكّ الخط، إذ أن الطريق إلى النص في التلفاز مباشر، والصورة فيه تتحدث عن نفسها. كما يشجع التلفاز على القراءة من أجل التعمق في فهم الأحداث والبرامج التي تعرض على الشاشة الصغيرة؛ إلاّ أنّ مشاهدة التلفاز إن تجاوزت المعايير يمكن أن تقلب الأمر رأساً على عقب؛ وذلك بسبب استسهال الأطفال استقاء المعلومات من التلفاز، وقضائهم وقتاً طويلاً جداً أمام شاشته، مما يعمل على: إدمان التلفاز ـ وهذا هو الأمر الخطير ـ، والحدّ من المطالعة حاضراً ومستقبلاً، وكذلك الحدّ من الاستفادة من الوسائل المعرفية الأخرى: كالنشاطات الثقافية، والقراءة، واللعب المثمر، وارتياد المكتبات ... إلخ. ومن ثمار مشاهدة الأطفال البرامج التلفازية الإيجابية يمكن أن نذكر أيضاً: تنمية خيال الطفل وتغذية قدراته؛ بما شاهده من مشاهد إيجابية تزرع فيه بذور إبداع وتُهيؤه له قريباً، وتعلمه أساليب مبتكرة ومتعددة في التفكير والأسلوب. ولقد ظهر في السنوات العشر الماضية مصطلح جديد في صناعة التلفزة الغربية؛ ألا وهو (التربية الترفيهية) تلك التي تُعرَّف بأنها: الدمج الناجح للتربية في بيئة التلفاز الترفيهية؛ حيث يتفاعل التلفاز والمربون لتقديم نموذج تعليمي تفاعلي بين الطفل والتلفاز، من خلال بث ترفيهي تعليمي يوفر أساليب فردية ممتعة ومتطورة، بل ومبتكرة تكمل طرق التعليم التقليدية؛ مما يثري حياة الأطفال ويقدم لهم برامج تُخاطِبُ عقولهم، وتستمطر أفكارهم، وتؤهلهم لتبادل الأفكار ووجهات النظر مع من يكبرونهم سنّاً. وكما للتلفاز آثار إيجابية على أبنائنا، فهو ذو آثار سلبية كثيرة عليهم أيضاً، بل هناك من المختصين من رأى أن سلبياته تفوق إيجابياته بكثير ـ نكرر: إن لم تُتوّج مشاهدة الأطفال للتلفاز بالمعايير الإيجابية -. إذ أثبتت الكثير من الدراسات أن الأطفال يكررون السلوك الذي يشاهدونه في التلفاز؛ فهم بطبيعتهم ينتهجون التقليد في حياتهم وتعلمهم، وإنهم بمشاهدتهم برامج العنف يترسخ عندهم السلوك العدواني العنيف، إلاّ أنّ الأمر لا يظهر دائماً بوضوح كبير، إذ أنَّ هناك ظاهرة تَعَرَّف عليها كل من: (كاجان) و (موسن) في الستينات من القرن الفائت؛ ألا وهي ظاهرة (التأثير النائم) والتي بموجبها يتأثر الطفل بمشاهداته التي عاشها مع التلفاز؛ ولكن نتائج هذا التأثر قد لا تظهر عاجلاً ومباشرة، بل تظل نائمة فترة طويلة، منتظرة عوامل خارجية عند الطفل كي توقظها من رقادها وسباتها العميق، لتظهر على السطح فيما بعد في مرحلة البلوغ أو المراهقة أو في الكبر. أي أنها أحياناً لا تظهر إلا بعد تأثير المؤثرات بسنوات عديدة. لذا لا نتوقع أن نلمس السلوك العدواني في الأطفال مباشرة بعد تعرضهم لمشاهد عنف تلفازية، وإن ظهر العنف مباشرة فليس ذلك بسبب المشاهدات الحية فحسب؛ وإنما أيضاً هناك عوامل خارجية تتعلق بالطفل، اجتمعت مع مشاهد العنف فولَّدت عنده السلوك العدواني، وقد تولِّد أيضاً الانحراف والعدوان. ومن تلك العوامل التي تتضافر مع مشاهد العنف المعروضة على التلفاز فتؤثر في الطفل سلبياً، نذكر: الفقر الحادّ، معدل الذكاء المنخفض للطفل، الوضع العائلي أو النفسي أو الجسدي غير الطبيعي للطفل، طبع الطفل الهجومي الشرس، وكذلك استحسان الأهل لبرامج العنف وإدمان مشاهدتها، كل ذلك مع المشاهدات التلفازيّة العنيفة يودي بأطفالنا إلى عنفٍ سلوكيِّ عمليِّ آنيِّ، أو مستقبليِّ ممكن. كذلك هناك عامل هام آخر يمكن أن يؤثر في اكتساب الأطفال السلوكيات العنيفة واللامحمودة في حياتهم؛ ألا وهو عامل التكرار. فتكرار حدوث المثيرات لفترة طويلة ولمرات عديدة هو الذي يُحدِثُ التأثير السلبي (أو الإيجابي إن كان المثير إيجابياً) في الطفل، فيظهر في سلوكه. ناهيك عن أن كثافة العنف المشاهد على التلفاز يمكن أن تؤدي إلى طمس الإحساس الإنساني بآلام الآخرين، أو على الأقل إضعافه. وينسحب تأثير مشاهدة الأطفال لمشاهد العنف على مشاهدتهم الأمور السلبية الأخرى على شاشة التلفاز، مثل: مشاهد الجنس، وإدمان المخدرات، وشرب الخمور، والتدخين ... إلخ. كما يُعد التلفاز من الوسائل التي تهدر وقت الأطفال إن تجاوزت المشاهدة الحدود المسموح بها، إذ ينصح الأطباء على: ألاَّ يزيد وقت المشاهدة على ساعة ونصف يومياً في أمريكا، فكيف إن تجاوز الأربع ساعات يومياً في حياة أطفالنا؟! إنّ هذا الأمر يؤثر سلباً على الأمور الأخرى التي بإمكان الطفل التمتع بها لو تجنب إدمان التلفاز لأوقات طويلة، مثل: المطالعة والرياضة، واللعب، والمشاركات الاجتماعية ... إلخ، تلك الأمور التي من شأنها تعزيز النمو السويّ لمخ الأطفال وبزوغ المواهب، وعلى رأسها التفاعل الاجتماعي مع الآباء والإخوة والأقران. ولقد أثبتت الدراسات أن الأطفال الذين يمكثون أمام التلفاز لفترات طويلة أكثر عرضة لزيادة الوزن؛ بسبب قلة الحركة، وتناول المكسرات والوجبات الخفيفة والمشروبات، دون اكتراث أثناء مشاهدته. كذلك، فإن الاستثارة الزائدة للمخ الصغير في الكثير من برامج التلفاز سريعةِ الإيقاع والصاخبة ترهق خلايا المخ، وتعيق نمو الطفل السويّ؛ بل وتعيق استفادة المخ من المؤثرات ذات الإيقاع العادي في باقي نشاطات الحياة؛ حيث يكون المخ قد اعتاد الإيقاع السريع والصاخب، فلا تحظى المؤثرات عادية الإيقاع بمستوى التركيز والاهتمام ذاته عند الطفل، خصوصاً عند مشاهدة برامج العنف، أو المشاهدات الليلية الأخرى التي تسبق النوم مباشرة، ويكون تأثير التلفاز أكبر في أطفال ما قبل المدرسة الابتدائية، حيث توصل العلماء إلى: أن الطفل في سن الثالثة يكون عاجزاً عن التمييز الدقيق بين الشخص والموقف الذي يوجد فيه، حيث لايزال الأنا غير ناضج. لذا فكثيراً ما يُعمِّمُ الطفل تجاربه على الآخرين، فيكون عنده خلط بين المشاهد التلفازيّة والواقع، وبذلك نجد أنّه كلما كان سن الفرد صغيراً كلما صعب عليه ـ لقلة خبرته ـ الفصل بين واقعه والخيال الذي يشاهده على شاشة التلفاز، ممّا يجعل الأشياء الخيالية التي يعرضها التلفاز أمام الأطفال صغيريّ السن عالماً حقيقياً وواقعياً بالنسبة لهم، فيصبح ما يشاهده جزءاً من حياته الخاصة. لذا فالقصة المخيفة والفيلم المرعب قبل النوم يؤدي به إلى كوابيس وتوترات ليليّة تؤرق نومه، وتؤثر على صحته. وممّا لا شك فيه أن تكرار واستمرارية هذه التوترات أمام الطفل يؤدي إلى أن تصبح من مكوناته السيكولوجية في الطفولة، وبالتالي جزءاً من سلوكه وشخصيته في الكبر، ناهيك عن أن الإفراط في مشاهدة التلفاز يؤدي إلى قصر زمن الانتباه لدى الأطفال، ويقلل من قدرتهم على التعليم الذاتي. وفي هذا السياق، يقول باحثون أمريكيون: إن كل ساعة يشاهد فيها الأطفال ـ قبل سن المدرسة ـ التلفاز يومياً تُعَرِّضُهم لاحتمال الإصابة بقصور في الانتباه مستقبلاً بنسبة ١٠%، كما يمكن أن تساهم أشعة التلفاز بالإضرار بصحة العينين، وتعويد الكسل والخمول، وتعويد الطفل ـ أيضاً ـ التلقي دون المشاركة، أي التعليم السلبي الذي يأتي للطفل بكل شيء جاهزٍ، دون أن يدع الفرصة له بأن يشارك ويحاور، أو يقدم الأفكار ... إلخ، وبذلك يمكن لبعض البرامج ـ في حال إدمان التلفاز وعدم مشاهدته وفقاً للمعايير المنصوح بها علمياً ـ أن تعيق النمو المعرفي الطبيعي، وذلك؛ لأنّ العلم لا يتأتّى إلاّ بالمشاركة والبحث والطلب والحوار. كما أن للتلفاز دوراً في إضعاف روح المودة والتقارب بين أفراد الأسرة، حينما ينشغلون عن طقوسهم الاجتماعية بمتابعة التلفاز، هذا وإن إهمال الأطفال وحثهم على مشاهدة التلفاز كلما ضاق ذرع الأهل بهم يجعل من التلفاز مربياً ثالثاً بعد الأب والأم، لكنه مربٍٍ مجهول غامض، لا نضمن حُسْنَ تربيته، ولا صدق معلوماته، ولانواياه الصالحة، فهاهي الدراسات تثبت أن التلفاز يتمتع بقدرة فائقة على انحراف الأطفال والناشئة عن ممارسة بعض أنواع السلوك التي تعتبر عناصر أساسية في عملية التنشئة والتطبع الاجتماعي، كما يلعب التلفاز دوراً مهماً في زيادة حدة صراع القيم بين عالمهم ومجتمعهم، والمجتمعات الأخرى؛ وذلك بسبب القيم والمعتقدات والسلوكيات الخاصة بمجتمعات بعيدة عنّا اجتماعياً تعرض على شاشاتنا باستمرار، خصوصاً في زمن العولمة التلفازيّة وعصر الفضائيات، ويرى الأستاذ سعد لبيب في مقال حول (الدور التثقيفي للإذاعة والتلفاز) : أن التلفاز والمداومة على مشاهدته من شأنها أن تؤثر سلبياً على ثقافة المشاهدين وسلوكهم، وأن تسلبهم القدرة على التفكير الصحيح، فإدراكهم للعالم يكون من خلال ما تعرضه الشاشة الصغيرة، فهي التي تفكر لهم، وهي التي تختار لهم الموضوعات التي تحظى باهتمامهم، وهذا الذي يعرضه التلفاز في كل أقطار الدنيا ليس منزهاً عن الغرض دائماً، فالبرامج تصاغ وفقاً لرؤية أصحاب السلطة، أو أصحاب المال الذين يتولون شؤون إنتاج هذه البرامج. هذا، وتؤثر الإعلانات التي تعرض على شاشة التلفاز كثيراً على أطفالنا، فالإيجاز في الإعلان يتلاءم مع مَلَكَةِ انتباه الأطفال التي لاتتحمس، ولا تهتم بالتفاصيل والتوسعات المطولة، كما أنّ التكرار الذي يحدث في اللقطات الإعلانية ويتردد كل يوم، ينقلب بسرعة إلى لعبة مسليّة بالنسبة للمشاهد الصغير. وقد أصبح واضحاً أثر الإعلانات التجارية الجذابة والملحة، التي يقدمها التلفاز على مدار الساعة، على سلوك الطفل الغذائي والشرائي، إذ يعمل الطفل على ترويج غايات الإعلان في أشكال متنوعة، إما بانتظاره بلهفة، أو بطلبه، أو ببكائه الملحّ عند تخطي الإعلان، أو عند إقفال جهاز التلفاز في موعد بثّه. كما يعمل الطفل على إلزام الآخرين بتنفيذ غايات الإعلان؛ إذ يستغل عاطفة محبيه ليحصل على ما يسعده ويرضيه من أمور شاهدها خلال الإعلانات. كل هذه الأمور يترتب عليها من النتائج السلبية على الأطفال ما يفوق تصورنا. ولمقاومة الخطر، ولأننا لا نستطيع غالباً تجنب وجود التلفاز في بيوتنا، ولأن للتلفاز بعض المزايا الإيجابية الجديرة بالاعتبار، بسبب ذلك كله؛ وضع المختصون مجموعة من النصائح والمعايير التي من شأن التَقيُّدِ بها لجمُ ضرر التلفاز ما أمكن، وفتح باب محاسنه، ومن هذه المعايير، نذكر: ١ ـ احترام رأي الطفل الذي يرغب بمشاهدة التلفاز؛ لكن بتحديد وقت المشاهدة، وعدم تركه ساعات طويلة أمام التلفاز. كل ذلك عن طريق الحوار والنقاش والابتعاد عن الإجبار والإكراه، مع العلم بأنّ هناك العديد من الدراسات العلمية الحديثة التي توصلت إلى الحد الأقصى المسموح به للأطفال لمشاهدة التلفاز حسب أعمارهم، وذلك كالتالي: من سنتين إلى ٤ سنوات، ٢٠ دقيقة. من سن ٣ إلى ٥ سنوات، ٣٠ دقيقة. من سن ١٠ إلى ١٣ سنة، ٦٠ دقيقة. وإنّ تجاوز هذه الفترات يمكن أن تتسبب في زعزعة توازن مشاعر الطفل، وانخفاض مستواه العلمي ... إلخ. ٢ ـ عدم استخدام التلفاز كأسلوب عقاب أو مكافأة؛ لأن هذا الأمر يجعل من التلفاز شيئاً بالغ الأهمية في نظر الطفل، ممها يزيد اهتمامه به، ويعطيه أكثر مما يستحقه. ٣ ـ يجب عدم التعامل مع التلفاز على أنه جليس أطفال؛ بل على الأهل مشاركة أطفالهم مشاهدة البرامج المخصصة لهم، ومناقشتهم حولها، ومساعدة الأطفال على تجاوز الجوانب الضارة للبرامج دون ترك بصمات سلبية في العقل أو الوجدان. ويجب أن يختار الأهل البرامج التي يشاهدها أطفالهم بالتوافق معهم، مع محاولة توجيههم للبرامج التعليمية وتجنب البرامج المحتوية على مضامين غير مناسبة: كالعنف، والجنس، والقيم، والعادات التي تتنافى مع قيمنا. وعلينا عندما نشاهد برامج تلفازيّة مع أطفالنا مساعدتهم على التفاعل الحسي مع ما شاهدوه، وإيضاح العلاقة بين ما يقدمه التلفاز وحياتنا اليومية. وإن كان لا بد من ترك الطفل بمفرده أمام التلفاز، فيمكن أن يكون ذلك بعد التأكد من أن البرنامج الذي يشاهده يساعده، وينمي مهاراته ولايؤذيه. ٤ ـ تجنب جميع أفراد الأسرة تناول الطعام أو الوجبات الخفيفة أمام التلفاز، إلا ما حدّد منها بمقادير وكميات لا ُيسمح تجاوزها. ٥ ـ تشجيع الأطفال على القيام بنشاطات متنوعة؛ لتنمية قدراتهم العقلية والوجدانية كبديل لمشاهدة التلفاز. ٦ ـ تعليم الأطفال أنّ الهدف من الإعلانات التجارية هو الترويج لبضائع قد لا تكون جيدة، وأن ليس كل مانراه على الشاشة علينا أن نقتنيه، فليس كل ما يلمع ذهباً. ٧ ـ عدم السماح للأطفال أن يقتنوا جهاز تلفاز خاص بهم في غرفهم، فمن شأن هذا أن يطلق العنان لهم في استخدامه ومشاهدته كلما أرادوا دون رقيب. ٨ ـ أثبتت الدراسات أن التلفاز لا يفيد الطفل الذي يقل عمره عن سنتين، وأنه من المفضل أن يقضي الطفل في ذلك العمر وقته في تنمية المهارات اللغوية والتفاعل الإيجابي مع المجتمع الذي يعيش فيه. لذلك توصي (الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال) بعدم تشجيع تلك الفئة العمرية من الأطفال على مشاهدة برامج التلفاز، حتى ولو كانت رسوماً متحركة. بل وذهبت بعض الدراسات إلى منع هؤلاء الأطفال منعاً باتاً من مشاهدة التلفاز؛ لما يسببه في استثارة انتباههم لفترة طويلة، مما يؤثر سلبياً على تركيزهم وصحتهم الدماغية مستقبلاً. وبعد، علينا أنْ نعلم أنْنا ـ الأهل والمربين ـ القدوة لأطفالنا في مشاهدة التلفاز، فما يثير اهتمامنا يثير اهتمامهم، وتعلقنا الكبير بالتلفاز يخلق التعلق نفسه عندهم. ويجب أنْ نعي قبل أي شيء: أن الحب، والعاطفة، والتربية السليمة من قبل الوالدين وأفراد الأسرة هي الكفيلة بحفظ توازن شخصية الطفل لمنعه من الانحراف، ومن الإصابة بالأمراض الاجتماعية، وتجنيبه أخطار التلفاز؛ بل وأخطار الحياة كافة. فلنخلق من بيوتنا واحاتٍ تربوية وتعليمية واجتماعية صالحة لنمو الخير في نفوس أطفالنا، ولنكن لهم المثل الصالح والمنهل الصافي في كل ما يتعلمونه في حياتهم، قاصدين من ذلك تربية نشء سليم من النواحي كلها نعوّل عليه في بناء المجتمعات الصالحة.

стр. 5731

لماذا لا يُغيِّر رمضان من واقعنا ؟ محمد بن عبد الله الدويش يتفاعل المسلمون مع رمضان، وتبدو مظاهر التغير في حياتهم، وفي عبادتهم، حتى لو غاب أحد عن المجتمع وعاد إليه في رمضان لم يصعب عليه أن يكتشف دخول الشهر من واقع الناس. يصوم عامة الناس شهر رمضان، حتى أولئك الذين يُفرِّطون في الصلاة كثير منهم لا يُفرِّط في الصيام. يصلي الناس من قيام رمضان ما كتب لهم، يقرؤون القرآن، يؤدون العمرة، يتصدقون ... ولكن. حين ينصرم رمضان يصعب أن نرى تغيراً في واقع الأفراد أو واقع المجتمع ... فلماذا؟ لقد أخبر ﵎ أن الصيام يحقق التقوى في النفوس، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] . والقرآن والصلاة والصدقة لها أثرها البالغ في إصلاح النفوس، ومع ذلك ما نراه في الواقع يختلف كثيراً عما يجب أن يكون. يصعب تفسير هذه الظواهر من خلال عامل واحد، أو اختزالها في إجابة جزئية، لكن كثرتها تقودنا إلى سؤال مهم: ما مدى عنايتنا بمقاصد العبادات؟ لقد جاء الحديث عن مقاصد العبادات في القرآن الكريم أكثر من الحديث عن تفاصيل أحكام العبادات. وكثير من أحكام العبادات روعيت فيها مقاصدها، فإقبال الإنسان على طعامه حين يحضر، وقضاؤه لحاجته يُقدّم على صلاة الجماعة الواجبة، والطمأنينة في المشي إليها أولى من الإسراع لإدراك ركعة أو ركعتين. ومقصد الاجتماع روعي ولو في تغيير كيفية الصلاة، وعدد ركعاتها في صلاة الخوف. إن هذا يتطلب من المربين والمعلمين أن يعتنوا بتعريف الناس بمقاصد العبادات وتجليتها لهم، ويكفي في ذلك ماجاء بنص القرآن والسنة. وهو يتطلب الاعتناء بالتذكير بها والوصاة بها، والتأكيد عليها. وهو يتطلب ربطها بالأحكام التفصيلية فيما تظهر حكمته دون تكلف أو قول بغير علم. إن المسافة شاسعة في دروسنا وتعليمنا بين ما نقدمه من حديث عن المقاصد، وحديث عن تفاصيل الأحكام، وبين ما يتكرر في وعظنا من أمر أو زجر على التقصير، وما يرد من وقوف عند أسرار العبادات. لذا ينبغي ألا يثير استغرابَنا اعتناءُ الناس بمظاهر العبادات أكثر من حقائقها، وبصورها أكثر من مقاصدها. والله غني عن عباده، لا حاجة له في عبادتهم وطاعتهم؛ إنما فرض عليهم العبادة لحاجتهم هم إليها: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧] . وقال #: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري) .

стр. 5732

من جعجعة التخطيط إلى طحين الواقع إبراهيم بن سليمان الحيدري للتخطيط أهميته في حياة الأشخاص والمنظمات والأمم، وهو مؤشر على نضج ممارسيه وتقديرهم لذواتهم وواقعهم. وفي العموم فإن وقت الحديث عن أهميته عند كثير من المنظمات الخيرية قد ولَّى؛ لأنه واقع تعيشه كثير منها ولله الحمد والمنة. إلا أن التحدي المستمر الذي تواجهه المنظمات هو تطبيق الخطط على أرض الواقع. الفشل في تطبيق الخطة هو تحدٍّ حقيقي ليس للمنظمات الخيرية فقط، بل لجميع أنواع المنظمات الإدارية، وهو في الغالب ناتج من مشكلات تصاحب عملية التخطيط، وينعكس أثرها في مرحلة التنفيذ. فمثلاً عدم مشاركة الموظفين في التخطيط سينتج عنه في كثير من الأحيان مقاومة هؤلاء الموظفين أو بعضهم لكل جديد أو تغيير يتطلبه تنفيذ الخطة سواء كانت هذه المقاومة إرادية أو غير إرادية. مثال آخر: عدم مراعاة المخططين للبيئة الخارجية بمتغيراتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتركيزهم على حدود منظماتهم فقط سينتج عنه تغيرات لم تكن في الحسبان مما يؤثر سلباً على النجاح في تنفيذ ما خطط له. أما المثال الذي أظنه ينطبق على كثير من المنظمات الخيرية فهو اختزال التخطيط في رسم الأهداف وصياغة الرؤى وإغفال جزء هام في الطريقة العلمية للتخطيط وهو تحليل الوضع الراهن للمنظمة، وترى، وأنت تتعجب، ذلك الوقت الطويل الذي يُصرَف في تحديد نقطة (ب) المراد الوصول إليها؛ بينما لا يتم الحديث بشكل واضح وكاف عن نقطة (أ) التي تقع فيها المنظمة في وقتها الحالي. هل لأنها عملية طويلة ومملة؟ ... ربما! أو لأن تجريد الذات موضوع محرج؟ ... لا أدري!! أما نتائج إغفال هذه الخطوة المهمة من التخطيط فمنها إدراك المخططين أثناء مرحلة التنفيذ أن (ب) بعيدة المنال ويصعب الوصول إليها، أو أنها لا تبعد كثيراً عن (أ) ولا يتطلب الوصول إليها كل هذا الجهد والوقت؛ بعبارة أخرى: بعثرة الموارد، أو المراوحة في المكان. عملية التحليل تلك مهمة؛ لأنها تكشف للمنظمة نقاط ضعفها ومكامن قوتها؛ كما تجلِّي لها المستقبل بما يحويه من فرص وتهديدات. أخيراً، وفي فلسفة معايير النجاح للمنظمات الإدارية فإن السبق ليس للمنظمات التي تجعجع مفتخرة بامتلاكها رؤىً واضحة وأهدافاً طموحة، بل لتلك المنظمات القادرة على حصاد الغلة والاستمتاع برؤية الطحين.

стр. 5733

تبادل الخبرات د. عبد الكريم بكار على مدار التاريخ كان الإنسان يحلم في الانتقال من مكان إلى مكان دون حواجز وقيود، كما يفعل النسر حين يسرح في أجواء الفضاء. وعلى مدار التاريخ كان الإنسان يحلم بأن يطّلع على ما يجري في أنحاء المعمورة، حتى يستفيد منه، أو يعرف كيف يتقي شره، وربما من أجل إشباع ما لديه من فضول. اليوم تحقق الكثير من ذلك؛ بسبب التقدم المذهل في الاتصالات والمواصلات، وفي البث الفضائي؛ حيث صار في الإمكان رؤية الحدث أثناء وقوعه، ولو كان في أقصى الأرض. نحن إلى هذه اللحظة لم نستطع إدراك أبعاد التغيرات الثقافية والأخلاقية والعقائدية التي ستحدث بسبب ثورة الاتصال هذه، لكن من المؤكد أنّ الآثار السلبية سوف تنتشر من غير جهد كبير، كما ينتشر الوباء القاتل. وقد رأينا ـ مثلاً ـ كيف تتم عولمة الجريمة اليوم، كما هو الحال في الاتجار بالأطفال، والمخدرات، والجنس، والصفقات المشبوهة، وغسيل الأموال ... ، أما الأشياء الجيدة والممتازة؛ فيبدو أن انتشارها يحتاج إلى شيء من الجهد والتنظيم والمتابعة. نحن إذن في حاجة إلى العثور على نقطة التعادل بين الخيرات والشرور الكونية المعاصرة؛ وإلاَّ فإنَّ التقدم على صعيد الاتصال سيكون ضاراً جداً، وربما كان مدمراً. ولعلي أشير على عجل إلى بعض ما يمكن عمله في هذا السياق على الصعيد الدعوي، على سبيل المثال، عبر المفردات الآتية: ١ ـ كان للذكاء في الماضي قيمة استثنائية؛ وذلك بسبب تضاؤل المعارف المنظمة في حياة الناس، وبسبب صعوبة تبادل الخبرات عبر العالم. أما اليوم فقد اختلف كل شيء، وصار للعلم والخبرة المكان الأسمى في الارتقاء بالبشر، وكان ذلك بالطبع على حساب نفوذ الذكاء. كان القصور في أدوات تنظيم الخبرات ونقلها وتعميمها يشكل العائق الأكبر أمام التخلص من الرؤى المحلية المحدودة، والعائق الأكبر أمام تكوين رؤية عالمية أو إسلامية واحدة في كثير من الأمور. أما اليوم فقد اختلف كل شيء على نحو مثير ومذهل. ٢ ـ يشكل (الإنترنت) وسيلة مثلى لتبادل الخبرات؛ فهو وسيلة رخيصة، وعامة جداً، وسهلة الاستخدام. وشيئاً فشيئاً يترسخ وجود الشبكة في الحياة الشخصية لكل الناس، ومن هنا فإنّه يمكن اعتماد الشبكة العنكبوتية في محط تفكيرنا، في مسألة التعرف على الآراء والتجارب والخبرات في أي مكان من الأرض، وعلى كل صعيد من الأصعدة. ٣ ـ في المجال الدعوي مئات الألوف من الشباب والكهول المهتمين بنشر الإسلام وشرح مفاهيمه، وتحسين مستوى التزام الناس بتعالميه. والمسلمون كما نعرف منتشرون في كل أنحاء الأرض، وكل مشتغل بالدعوة ـ رجلاً كان أو امرأة ـ ينطلق في الغالب من الخبرة الدعوية الموجودة في بلده ومنطقته، ونظراً لوجود ضعف عام في التدريب الدعوي لدى معظم الكليات التي تخرِّج الدعاة؛ فإن الداعية يستخدم قدراته الشخصية غير المصقولة. أضف إلى هذا أنّ لكل بيئة مشكلاتها الخاصة بحسب الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة فيها. لكل هذا فإني أعتقد أنّ من المهم تأسيس موقع عملاق على (الإنترنت) ، يستهدف تجميع الخبرات الدعوية في العالم، وإتاحة الفرصة لتبادلها على أوسع نطاق. وهذه دعوة موجهة إلى كبريات الجامعات والجماعات الإسلامية، وموجهة أيضاً إلى الشباب المتوثب والغيور والساعي إلى إيصال كلمة الله ـ تعالى ـ للعالمين. إن موظفي الموقع والمتطوعين لمساعدتهم يقومون بتصميم الموقع، وجمع ما يمكنهم جمعه من الخبرات الدعوية المتوفرة في: الكتب والدوريات، والمجلات والجرائد، والمحاضرات وأشرطة (الكاسيت) ، وتنزيلها على الموقع بحسب حال المدعوين؛ وذلك لأن حال المدعو هي التي تفرض النوعية المطلوبة من ثقافة الداعية وخطابه وأسلوب تعامله؛ وأحوال المدعوين متباينة تبايناً كبيراً، ومع أن هناك قاسماً مشتركاً بينهم جميعاً إلا أنَّ التفوق في الأداء الدعوي يتطلب التدقيق في التفاصيل، ومراعاة المعطيات الجزئية. ومن المساقات المقترحة في الموقع، الآتي: دعوة الشباب، دعوة المراهقين، دعوة النساء، دعوة الصفوة والمثقفين، دعوة العمال، دعوة التجار، دعوة العاملين في الحقل الطبي، دعوة غير المسلمين، دعوة المنحرفين ومدمني المخدرات، دعوة المساجين، دعوة طلاب الجامعات، دعوة المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. ٤ ـ بعد أن يتم توزيع المعلومات المتوفرة لدى موظفي الموقع على المساقات والفروع المذكورة، يُفتَتح الموقعُ لاستقبال الخبرات والتجارب والأفكار من العاملين في الدعوة، ويتم تصفية ما يتم استقباله، وتنظيمه على نحو معيَّن؛ ومن أجل تسهيل الاستفادة منه. ٥ ـ يكون في الموقع هيئة استشارية للإجابة على أسئلة الدعاة واستفساراتهم، في نطاق تخصص الموقع. ٦ ـ نشر مختارات من الخبرات المتجمعة في رسائل صغيرة، وفي الصحف والمجلات، وغيرها. ٧ ـ هذا العمل يتيح فرصة للتعبير عن التجارب الشخصية، كما يتيح فرصة للتطوع في سبيل الارتقاء بالعمل الدعوي

стр. 5734

لا استقالة ولا استجابة لغير مطالب الشعب الفلسطيني حاوره: نائل نخلة مشير المصري أمين سر كتلة حماس البرلمانية لـ (^) : ٣ لن نقبل بأيِّ فاسد في حكومة الوحدة الوطنية. ٣ بعض الأطراف في حركة فتح تحاول إفشال تشكيل حكومة الوحدة. ٣ من يطلب من حماس الاعتراف بالعدو كشرط لتشكيل حكومة الوحدة فإنه سيُفشل كل الجهود لإنجاح المشاورات. ٣ الإضراب سياسي يهدف إلى إسقاط الحكومة وحرفها عن مسارها. البيان: تواجه حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ التاسع والعشرين من شهر آذار ـ مارس الماضي تحديات هي الأخطر منذ انطلاقتها عام ١٩٨٧م. فبعد أيام قليلة من فرز صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني ـ يناير وفوز حماس الكاسح فيها أعلن ما يسمى بـ (المجتمع الدولي) أن على أيِّ حكومة تشكلها حماس تنفيذ شروطه الثلاثة المتمثلة في: الاعتراف بالدولة الصهيونية، ونبذ العنف، والالتزام بالاتفاقيات التي وقّعتها السلطة؛ بدءاً باتفاق (أوسلو) وانتهاء بخارطة الطريق، وإلا فلن يكون هناك أموال! حماس وعبر عدد من قيادتها البارزين كانت تتوقع حدوث ذلك، وخطتها البديلة ـ باختصار ـ كانت تعتمد على المسار التالي: محاربة الفساد المالي الذي أفرغ خزينة السلطة من الأموال وأهدر أكثر من مليار دولار من أموال الشعب الفلسطيني، إلى جانب اعتماد سياسة التقشف، مما يتيح توفير أموال باهظة على الحكومة، ومعالجة الخلل الإداري الذي كانت تعاني منه السلطة في التوظيف المفرط وبأعداد كبيرة مما جعل فاتورة الرواتب باهظة جداً. وبالتزامن مع ذلك عملت حماس على تفعيل وتنشيط الدعم العربي والإسلامي للشعب الفلسطيني حتى يتم الاستغناء عن المال الغربي الذي ثبت أن له ثمناً سياسياً باهظاً لا يمكن لأيِّ فلسطيني شريف أن يقبله. ثم تبين لاحقاً أن الحكومات العربية غير قادرة على تحويل الأموال إلى حسابات السلطة، كما أن البنوك العاملة في الأراضي الفلسطينية، وهي أردنية ومصرية، رفضت التعاطي مع الحكومة؛ خوفاً من تهديدات أمريكية صهيونية لها بمصادرة أموالها المكدّسة في بنوك أجنبية، وأغلقت دولة العدو المنْفَذ الوحيد لقطاع غزة وهو معبر رفح الحدودي الذي تمكن من خلاله بعض وزراء الحكومة من إدخال أموال نقدية، إلى جانب تواطؤ أطراف فلسطينية محسوبة على حركة فتح في الحصار المالي، وإعلان دولة العدو أنها ستحتجز أموال الضرائب التي تقتطعها عبر موانئها ومطاراتها ومعابرها من التجار الفلسطينيين. وكانت العصا الأخيرة التي أُشْهِرت في وجه حكومة حماس الإضراب السياسي الذي أعلنه آلاف الموظفين وأغلبيتهم من حركة فتح، وظّفتهم ضمن ما يعرف عند الفلسطينيين بالقهر الوظيفي في وزارات ومؤسسات السلطة، وهو أخطر تهديد يواجه الحكومة الفلسطينية الآن. وبالأرقام تتلخص معضلة حكومة حماس بالتالي: (١٢٠) مليون دولار فاتورة الرواتب، إلى جانب (٥٠) مليون دولار نفقات تشغيلية، جزء منها مصاريف مؤسسة الرئاسة ورواتب لأعضاء اللجنة التنفيذية ومركزية فتح، ومصاريف الوزارات والمؤسسات الحكومية. مقدار ما يدخل جيب الحكومة هو من (٢٥) إلى (٣٠) مليون دولار شهرياً إيرادات محلية تجبيها الحكومة، ونحو (٧٠) مليون دولار عوائد ضريبية تجبيها الدولة الصهيونية وهي الآن تحتجزها في بنوكها وتصل إلى نحو نصف مليار دولار. في ظلِّ هذه الأزمة الخانقة والصعبة بدأ الحديث مجدداً من قِبَل الرئيس الفلسطيني وحركة فتح عن حكومة وحدة وطنية، لها برنامج مقبول دولياً ويلتزم بالقرارات العربية والدولية، ويلتزم باتفاقيات السُلطة مع الدولة الصهيونية. البيان: ما هي الحكومة الجديدة المتوقع تشكيلها؟ وما برنامجها السياسي؟ وهل سينجح الفلسطينيون في تشكيلها؟ وهل ستنجح هذه الحكومة في رفع الحصار المالي عن الشعب الفلسطيني؟ وكيف تنظر حماس إلى هذه الحكومة؟ للإجابة عن هذه الأسئلة كان لنا هذا الحوار مع أمين سر الكتلة البرلمانية لحركة حماس في المجلس التشريعي، وأحد المتحدثين الرسميين باسمها في فلسطين الشيخ مشير المصري. البيان: هل بدأت المشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية؟ وأين وصلت هذه المشاورات؟ ٣ أولاً: تشكيل حكومة الوحدة الوطنية هو غاية لحركة حماس، ولطالما دفعنا في هذا الاتجاه، وحقيقةً إن الحركة بادرت بتشكيل لجنة من قيادتها السياسية لبدء المباحثات والمشاورات، وأجرينا مشاورات مع الرئيس عباس، ومن حضر معه من الإخوة في حركة فتح في عدة لقاءات، وأعتقد أنه خلال الأيام المقبلة، يمكن أن تشهد مشاورات معمّقة مع الكتل البرلمانية والفصائل الفلسطينية؛ لوضع المحددات، والأسس والموازين لتشكيل الأرضية الخصبة التي يلتقي عليها الكل نحو حكومة وحدة وطنية. البيان: هناك ورقة سياسية للرئيس (أبو مازن) تبنّتها اللجنة التنفيذية حول تشكيل الحكومة، هل تسلّمت حماس هذه الورقة؟ وما موقفكم منها؟ ٣ لم نتسلّم أيَّ ورقة، وأعتقد أنه لا تُفرض علينا تلك الأوراق، إن الورقة واضحة وبيّنة، هي إرادة الشعب الفلسطيني، وهو الذي اختار بنفسه من يمثّله. وحكومة الوحدة الوطنية واضحة، بحسب وثيقة الوفاق الوطني التي هي محلُّ إجماع وطني، ونصَّت على ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية. ومن باب حرصنا الكبير على ضرورة النهوض بالواقع الفلسطيني، بادرْنا في الحديث عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، ويمكن أن تأتي اللحظة التي نتحدث فيها عن منظمة التحرير الفلسطينية ونبيّن رأينا فيها. إذاً؛ الأسس والمبادئ والمحددات واضحة، وهي وفق إرادة الشعب الفلسطيني، وليس وفق أجندة فصائلية أو منظمية إن صحَّ التعبير، أو بحسب المزاج والهوى لبعض الشخصيات. وإن كنت على قناعة أن بعض أفراد اللجنة التنفيذية الذين لا وزن لهم ولا ثقل ـ مثل: ياسر عبد ربه ـ أوضحوا موقفهم من حكومة الوحدة الوطنية، لحظةَ التوافق الوطني، وقالوا: إن الحديث عن حكومة الوحدة الوطنية إنما هو أكذوبة وملهاة. البيان: هل الحكومة المقبلة في حال تشكيلها ستكون من جميع الفصائل؟ أم ستقتصر على الفصيلين الأكبر شعبيةً: فتح وحماس؟ ٣ بالتأكيد. نحن حريصون على تشكيل حكومة وحدة وطنية، تشارك فيها كافة الفصائل الفلسطينية، وسندفع في هذا الاتجاه إلى آخر رمق، وإن كان ـ بالتأكيد ـ الفصيلان الأساسيان حماس وفتح هما أصحاب الثقل البرلماني، لا سيما أن الحكومة ستخضع لنتائج الانتخابات، لكن نحن معنيون بمشاركة كل فصيل فلسطيني يتحمّل مسؤولياته، لننهض بالواقع الفلسطيني، مع توحيد صفنا؛ لأنني أعتقد أن حكومة الوحدة الوطنية هي الضمانة التي تحمي الساحة الفلسطينية من أيِّ تداعيات خطرة. البيان: ما أهم نقاط الخلاف بين حركة حماس وفتح في تشكيل حكومة وحدة وطنية؟ ٣ هناك أسس ومبادئ تمَّ التوافق عليها هي التي يمكن أن تشكل الأرضية الخصبة لحكومة وحدة وطنية، هناك من يتحدث بثلاثة شروط، وهي: أولاً: الالتزام بما التزمت به منظمة التحرير الفلسطينية، ثانياً: الالتزام بالاتفاقات الموقعة بين السلطة السابقة وبين العدو الصهيوني، وثالثاً: الاعتراف بالشرعية الدولية، ومجمل ذلك الاعتراف بالعدو، وهو ما صرَّح به عزام الأحمد صراحةً في وسائل الإعلام، وما كرّره جمال نزال وما يكرره في كل يوم، هذا هو الموقف، ولكن هل هو الموقف الرسمي؟ نعم هذه التصريحات تؤثر على الأجواء العامة، ولكن نحن لا نكترث بها ونبقى نتعامل مع المواقف الرسمية لحركة فتح، وأعتقد أن مسألة الاعتراف بالعدو مسألة خط أحمر لحركة حماس، ومن يطرحها كشرط يعني أنه لا يريد الشراكة السياسية. إلى هذه اللحظة الأجواء إيجابية، ونحن لن نضع شروطاً، ولا نرغب أن يضع أحد شروطاً، وأي حكومة وحدة وطنية ينبغي أن تخضع لإرادة الشعب الفلسطيني التي عبَّر عنها من خلال صناديق الاقتراع، سواء حول التوجه السياسي أو حول الوزن السياسي. البيان: هل ستتمكن هذه الحكومة من فكِّ الحصار عن الشعب الفلسطيني وتوفير أموال للسلطة الفلسطينية؟ ٣ إن هذا مبدأ وأساس لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ومن واجباتها أن تسعى لفكِّ الحصار المفروض على شعبنا، وهذا ما ينتظره شعبنا الفلسطيني، وإلا ما الذي يمكن أن نُقدمه للشعب؛ الذي يرنو قلبه إلى رؤية حكومة الوحدة الوطنية؟ ومن المؤكد أننا بالجهد المشترك سنتمكن من كسر حلقات الحصار المفروض على هذا الشعب العظيم. البيان: هل ترى أن الولايات المتحدة ستضغط على العدو الصهيوني من أجل القبول بهذه الحكومة والتعامل معها، بعكس ما يدّعيه أن الحكومة هي حكومة حماس؟ ٣ أعتقد أن المشكلة لدى الإدارة الأمريكية أكبر من العدو الصهيوني، والغطاء الأمريكي للمواقف الصهيونية هو الذي شجع العدو وجعله يتمادى في كل مواقفه، حتى وصل إلى سابقة تاريخية باختطاف الوزراء والنواب، وهم (ممثلو الشعب الفلسطيني) ، والذي يمثل قرصنة ونحو ذلك، ومن ثم فإن موقف الإدارة الأمريكية واضح ومعادٍ للشعب الفلسطيني، ويكيل بمكيالين، وواضح أنه يريد ديمقراطية مُفصّلة بالمزاج الصهيوني والأمريكي، بعيداً عن إرادة الشعوب صاحبة الأرض. البيان: بالنسبة للبرنامج السياسي لهذه الحكومة، ما أهم النقاط التي يشملها هذا البرنامج السياسي؟ ٣ دعني أؤكد في البداية أن البرنامج السياسي سقفه وثيقة الأسرى، وليس أكبر من ذلك، وهي محل إجماع وطني، ومن يتحدث غير ذلك فإنه يتهرب من الإجماع الوطني الذي قطعنا فيه شوطاً طويلاً من المباحثات والمشاورات حتى وصلنا إلى اللحظة التاريخية حيث أصبح هناك توافق، ومن ثمَّ فإن هذا البرنامج وهذه الوثيقة التي وضعت في ديباجتها في السطر الثاني منها عبارة: إن الحقوق لا تزول بالتقادم، وعلى قاعدة عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال نعلن هذه الوثيقة، ومن ثم ينبغي على البرنامج السياسي ألاَّ يخرج عن هذا الإطار. البيان: كيف ستُوزَع الحقائب الوزارية في الحكومة المقبلة؟ هل ستكون على شكل حصص أم حكومة تكنوقراط؟ ٣ نحن لا نتحدث عن حكومة (تكنوقراط) نحن نتحدث عن حكومة وحدة وطنية، وإن كنا حريصين في المبادئ التي وضعناها أن تكون من المختصين ومن المهنيين، لكن لا يعني ذلك (تكنوقراط) سياسيين وأصحاب خبرة مهنية، وتخصص؛ لأننا جرّبنا الحكومة التكنوقراطية السابقة، والتي ورثنا من ورائها ما يزيد عن مليار و٧٠٠ مليون دولار ديوناً متراكمة. البيان: ما حجم الضغوط التي تمارس على حكومة الأستاذ إسماعيل هنية؟ وما هي هذه الضغوط؟ ٣ الضغوط كبيرة، سواء كانت صهيونية أو أمريكية أو دولية أو داخلية، ومن ثم فإن حجم الضغوط كبير، والهدف منها حرف الحكومة عن مسارها السياسي، أو في الحقيقة إسقاط الحكومة القائمة، لوضع حكومة بالمزاج الأمريكي، تتعامل مع الواقع على قاعدة الاعتراف بالكيان المغتصب الصهيوني، ومن ثم نحن ندرك عظم هذه الضغوط. وإن كان الجانب الفلسطيني في الداخل يمارس جزءاً من هذه المؤامرة عبر محاولة صنع التوتر والاضطرابات والفوضى داخل الساحة الفلسطينية، كمحاولة لإضعاف الحكومة، ولكن ستبقى هذه المحاولات الداخلية محاولات يائسة وفاشلة أمام احتضان الشعب للحكومة، والذي يعبّر عنه عبر صناديق الاقتراع كل يوم في انتخابات النقابات التي تفوز بها حركة حماس بأغلبية كبيرة، كما كان في نقابتي الممرضين والمحاسبين. البيان: كيف ترون توقيت الإضراب في قطاع غزة، والضفة الغربية؟ ٣ أولاً: نحن نؤكد علىِ أن الإضراب حق، ونؤكد على وقوفنا إلى جانب مطالب الموظفين، لكن ذلك خطوة في الاتجاه الخاطئ؛ لأن المشكلة ليست فلسطينية، ويجب أن توجه التظاهرات والمسيرات والفعاليات نحو من يحاصر الشعب الفلسطيني وهو العدو الصهيوني والإدارة الأمريكية، ودعني في المقابل أؤكد أنه ليس هناك ما يسمى بنقابة الموظفين العموميين، وهذه نقابة غير شرعية ولا تعبِّر عن إرادة الموظفين، وأعتقد أن هذا الإضراب إنما هو إضراب سياسي، وطالما حذرنا منذ البداية من (تسييس) الإضرابات، لكن خروج قوات الأمن كان مخالفاً للقانون الأساسي، ومخالفاً لقرار الرئيس عباس الذي منع التظاهرة العسكرية، بالإضافة إلى أنه وصل بهم الأمر إلى إطلاق الرصاص على المجلس التشريعي وتكسير محتوياته، والاعتداء على المؤسسات التي تمثل رمزية الشعب الفلسطيني، وأصبح واضحاً أن هناك جهات سياسية معروفة ومكشوفة بأسمائها تقف وراء هذا الإضراب؛ لتحقيق أهداف حزبية وفئوية ضيقة على حساب أهداف شعبنا الفلسطيني الكبرى. البيان: كيف ستتعامل الحركة أمام هذا التحدي الكبير الذي يهدد بشلِّ عمل الحكومة وزيادة التحديات التي تواجهها منذ استلامها لزمام السلطة؟ ٣ أولاً: على المستوى الداخلي للإضراب أكدنا على أن هذه الجهات التي تقف وراء الإضراب لا تمثل قاعدة الموظفين، وهي جهات سياسية تسعى لأهداف سياسية، بدليل أن إضراب المعلمين فشل أمام حرص المدرّسين ـ بفضل الله ، وهناك ما يزيد عن (٨٠%) من المدارس انتظمت فيها الدراسة في قطاع غزة، وما يزيد عن (٧٠%) في الضفة الغربية، ومعظم المدرّسين يداومون، المشكلة فقط كانت لدى المديرين، فمعظهم ينتمون للونٍ سياسي واحد، ومن ثم هم الذين يسعون لترجمة الأهداف السياسية التي يُرجى لها أن تتحقق من وراء هذا الإضراب، وأعتقد أنه من خلال الأيام القادمة يمكن أن تشهد تحوّلاً إيجابياً في اتجاه فشل الإضراب بشكل عام؛ لأن الشعب الفلسطيني بدأ يدرك مخاطر ذلك على حساب المرضى والطلاب. أما على المستوى الخارجي أعتقد أن حكومة الوحدة الوطنية يمكن أن تمثل مخرجاً ولو جزئياً في هذا الجانب. البيان: هناك من يقول: إن الحكومة اليوم في أصعب مراحلها، إذ فقدت الأغلبية البرلمانية بعد اعتقال أكثر من أربعين نائباً من حماس، ومن ثم هي تحت رحمة فتح، وبقية الفصائل الفلسطينية الأخرى، ولا يوجد عندها سوى خيار الاستقالة أو الاستجابة لمطالب الرئيس (أبو مازن) ؟ ٣ لا استقالة، ولا استجابة لغير مطالب الشعب الفلسطيني، هذه مسألة. وإنّ العدو الصهيوني باختطافه الوزراء والنواب حاولَ أن يمارس الضغط على الحكومة لتقديم تنازلات سياسية أو محاولة لإسقاطها، كما هو هدف داخلي لتيار فلسطيني يعمل على ذات المستوى، لكن أؤكد بأن حماس وإن فقدت الأغلبية فإنه لا أحد يمتلك الأغلبية في البرلمان الفلسطيني؛ لأن حركة حماس فقط هي من كانت تمتلك الأغلبية البرلمانية، وما غير ذلك بمجموع الكتل البرلمانية أقل من النصف، ومن ثم فإن القرارات المصيرية لا يستطيع أحد أن يتخذها إلا عبر وفاق وطني. وأي تشكيل لأي حكومة وطنية لا يمكن أن يُمنح الثقة إلا بموافقة ورضى حركة حماس؛ لأن اجتماع كل الكتل والقوائم البرلمانية لا يصل إلى منح أيّ حكومة الثقة، ومن ثم نحن لسنا تحت رحمة أحد، فقط نحن تحت رحمة الله ، ونحن من يحدد القرارات المصيرية بمفردنا يوم أن كنا أغلبية برلمانية، أو بالوفاق الوطني يوم أن فقدت الأغلبية البرلمانية للجميع. البيان: هل ستشهد الحكومة حالة من الانقلاب الأبيض في الوزارات والمؤسسات الحكومية؟ ٣ حالة الاضطرابات والفوضى للوصول إلى عصيان مدني هي بالتأكيد هدف أسمى لهذه الجهات السياسية التي تسعى إلى انقلاب أبيض على الحكومة الفلسطينية للوصول إلى إسقاطها، وهو هدف صهيوني أمريكي، وهدف لتيار فلسطيني داخلي، ومن تتبّع المواقف والتصريحات والتحركات لهذا التيار ـ الذي يقف وراء الإضراب وتدمير المؤسسات صاحبة الرمزية، والاعتداء على المجلس التشريعي وعلى مجلس الوزراء وإشعال النار فيهما، سواء في رام الله أو في غزة، والاعتداء من قبل على النواب ومحاولة التشهير بالحكومة والتحريض عليها ـ فإنه سينجلي له من هو، ويظهر له أن كل ذلك لا يفسر إلا في إطار انقلاب أبيض نتيجته كانت بازدياد شعبية هذه الحركة الذي أكدته الانتخابات المتتالية في عدة نقابات فلسطينية. البيان: في حال استمرار الإضراب: كيف ستواجه الحركة هذا الواقع الصعب على جميع مؤسسات السُلطة؟ ٣ أعتقد أن الإضراب سيفشل ـ بإذن الله تعالى ـ أمام حرص الشعب الفلسطيني؛ لأنه إضراب ليس لحل الأزمة، وليس لمواجهة الحصار، ولكنه إضراب لتأزيم الواقع الفلسطيني، وهذا ما بدأ يدركه شعبنا الفلسطيني، وإنه إضراب على حساب المرضى وحساب هذا الشعب، ومن هنا بدأت حلقات الإضراب تتكسر وبدأ يخفت ضوؤها، وأعتقد أن الجهات التي تقف وراء الإضراب بدأت تستنفذ خياراتها أمام حرص الشعب الفلسطيني على تسيير أموره، وعدمِ الانزلاق إلى تحقيق أهداف حزبية وشخصية وفئوية ضيقة لهذا التيار الذي يسعى لكسر إرادته بإسقاط حكومته. البيان: كان هناك تصريح لـ (نبيل أبو ردينة) : بأن المحادثات بين (هنية) و (أبو مازن) إيجابية، ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن الحكومة خلال عشرة أيام، هل من تعقيب على هذه التصريحات؟ ٣ أعتقد أنه لا جدوى من هذه التصريحات. ومحاولة وضع سيف الوقت في كل نقطة أصبح لا ينطلي على الفصائل والقوى والشعب الفلسطيني، وأؤكد أنه ليس هناك سقف زمني لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، نحن معنيون بها وندفع باتجاهها، وشكّلنا لجنة لها، وبادرْنا بإجراء بعض مشاوراتها، وسنجري بقية المشاورات المعمقة، لكن متى سيكون ذلك؟ نأمل أن يكون في الوقت القريب، لكن الحديث عن أيام ـ بالتأكيد ـ أمر غير منطقي. البيان: بالنسبة للإضراب؛ هل تعتقدون أنه جاء من أجل خدمة طرف على حساب طرف آخر؟ ٣ بالتأكيد هو إضراب سياسي، وهو لخدمة أهداف شخصية وحزبية وفئوية على حساب مصالح شعبنا الفلسطيني، ثم أين كانت هذه الجهات التي تقف وراء الإضراب، وأين كانت مواقفهم من حصار الشعب الفلسطيني؟ هل أقامت فعاليات وإضرابات ومسيرات لمواجهة الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني؟ أم إنه فقط يأتي في مواجهة الحكومة الفلسطينية وكأن المشكلة ليست فلسطينية؟ البيان: لماذا توقفت جهود حماس لجمع الأموال في الخارج لصالح الشعب الفلسطيني والحكومة؟ وهل هناك جهات عربية وقفت مانعاً لمواصلة جهود حماس لجمع الأموال؟ ٣ إن التبرعات الشعبية تبقى تبرعات شعبية، مع تقديرنا لعظم مكانتها وقدر أصحابها، لكن المطلوب في المقابل أن تتحمل الأنظمة العربية والإسلامية مسؤولياتها في الوقوف بجانب الشعب الفلسطيني، والوقوف بجانب حكومته المنتخبة المحاصرة والمحاربة من قبل العدو الصهيوني والأطراف الخارجية، وأعتقد أن ثمة مشكلة كبيرة في إدخال الأموال، متمثلة في معبر رفح المدخل الوحيد للشعب الفلسطيني والذي يتم إغلاقه على فترات طويلة، وهذا شدّد من الحصار المفروض على شعبنا الفلسطيني، ونعتقد بأننا في حاجة إلى وقفة للأنظمة، ووقفة للشعوب المعطاءة، ومن المؤكد نحن في حاجة لإبقاء التبرعات مفتوحة من قبل الشعوب العربية والإسلامية، وأعتقد أن هناك جهات مشكورة تستمر في جمع التبرعات لصالح الشعب الفلسطيني، ندعوهم للمواصلة ونحثّهم على الدفع بهذا الاتجاه، فهو جهاد في سبيل الله . البيان: ماذا بالنسبة لقضية الجندي الإسرائيلي الأسير (جلعاد شليط) ؟ هل هناك مباحثات ووساطات تبذل لإطلاق سراحه؟ ٣ أؤكد بأنه ما زالت هناك جهود مصرية تبذل في هذا الاتجاه، وإنْ جُوبهت بالصلف والتعنّت الصهيوني، لكن لا خيار أمام العدو الصهيوني إلا الاستجابة للشروط الإنسانية التي وضعتها الأجنحة العسكرية، وينبغي ألا يحلم العدو بأن الشعب يمكن أن يُقدِم على إطلاق سراح الجندي الأسير (جلعاد شليط) مجاناً وبلا مقابل. إن الشروط واضحة، والجندي موجود، وحل هذه الأزمة فقط بالطرق الدبلوماسية على قاعدة تبادل الأسرى، خاصة بعد أن فشل التصعيد الصهيوني بحسم هذه القضية، والذي راهن عليها (أولمرت) والجيش الصهيوني، لذلك نحن نعتقد بأن لحظة حل هذه الأزمة على قاعدة تبادل الأسرى ستأتي ـ بإذن الله بعد أن استنفذ العدو الصهيوني خياراته، ولم يترك وسيلةً في جعبته إلا واستعملها، وكلها قد فشلت في تحقيق أهدافه والإفراج عن جنديّه الأسير. نحن نؤكد بأن الجهود المصرية هي الأقوى التي تبذل في هذا الاتجاه، ونتمنى أن تكلّل بالنجاح، ونعتقد بأن الخيار الأوحد هو ما طرحته الأجنحة العسكرية الفلسطينية منذ اللحظة الأولى لأسر الجندي في حل هذه الأزمة. البيان: بالنسبة للعلاقة بين الرئاسة والحكومة؛ من الملاحظ أن هناك فراغاً بينهما، وهناك بعض الاختلاف في المواقف السياسية، هل تعتقد أن هناك أطرافاً تساعد على اتّساع الهوة بين الحكومة والرئاسة؟ ٣ أؤكد أن هناك برامج مختلفة، وخاصة أن هناك برنامجين سياسيين مختلفين في الساحة الفلسطينية، برنامج يتبنّى الجهاد والمقاومة كخط إستراتيجي، وبرنامج يتبنّى المفاوضات والاعتراف بالكيان المغتصب كخيار إستراتيجي، ومن ثَمَّ نعم هناك جهات من أقطاب حركة فتح معروفة بأسمائها وبتصريحاتها ومواقفها تستغل هذا الفراغ لتوسيع الفجوة والهوة بين الحكومة والرئاسة، وما زالت تستمر في عقليتها غير الوحدوية، على الرغم من الأجواء الوحدوية التي عاشتها الساحة الفلسطينية بعد التوقيع على وثيقة الوفاق الوطني ووثيقة الأسرى، ومن ثم فإنه على الرغم من وجود برامج مختلفة، تمكّنّا ـ بفضل الله من التوافق على وثيقة تجمَعُ الكل وهي تمثل برنامج الحد الأدنى والقواسم المشتركة، لكن على الرغم من ذلك إلا أنه يطل علينا بين الفينة والأخرى من يعكّر صفو الوحدة الوطنية ويحاول تفكيك التوافق، وإيجاد فراغات بين الحكومة والرئاسة ومحاولة توسيع الفجوة بينهما. البيان: إلى أين وصلت مساعي الحكومة في فتح ملف العملاء، ومحاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها ضد قادة المقاومة الفلسطينية، والشعب بأكمله؟ ٣ إن ملف العملاء من الملفات الأخطر الموجودة على الساحة الفلسطينية، ومن المؤكد أن فصيلاً بعينه لا يستطيع أن يتحمّل تبعات هذا الملف بمفرده، ويحتاج إلى رؤية وطنية مشتركة، وهذا ما دعت إليه حركة حماس منذ القدم، وأيضاً هذا الموضوع لا يزال مطروحاً على الأجندة، وهو بحاجة إلى رؤيا وعلاج متكاملين، وإلى طواقم كاملة، ورؤية وطنية مشتركة لفتح هذا الملف وإنهائه، وأعتقد أن هذا الموضوع ما زال في الأولوية، ويمكن أن تأتي اللحظة المناسبة ـ بإذن الله لتنفيذ ذلك على أرض الواقع، وملاحقة العملاء ووضعهم أمام طائلة القانون، لكن موضوعاً مثل هذا تُرك على مدار سنوات طويلة؛ لا يمكن أن يتم معالجته بفترة وجيزة، وأعتقد أن الحكومة لم تنسَ هذا الموضوع ولا زال محل الاهتمام وله الأولوية.

стр. 5735

خيوط النصر أحمد بن سعيد الزهراني يجلس القائد عامر ثم يقوم يتحرك يميناً وشمالاً ... يدخل خالد على فسطاط القائد عامر ليبادره مسرعاً: ـ ما لك أيها القائد! كأنك تترقب شيئاً من بعيد؟ ـ نعم، سيأتي إن شاء الله تعالى. ـ ما الذي سيأتي أيها القائد؟ ـ النصر، النصر إن شاء الله. ـ النصر! كيف ونحن اليوم ننهي شهراً في حصار هذا الحصن النصراني المنيع، والجيش في عنت شديد؟ ـ سيأتي النصر إن شاء الله. لتكن ثقتك بالله عالية، فالله مولانا، ولا مولى لهم. ـ نعم. نِعْم المولى ونعم النصير. بعد لحظات يدخل أحد الجنود مسرعاً إلى فسطاط القائد: ـ سيدي! سيدي! ـ ما عندك يا منصور؟! ـ سيدي، لقد ظهر أحد العلوج من فوق الحصن يَسبُّ رسول الله # بأشنع الشتائم، وأقذع السباب! ـ (القائد في غيظ) : قاتلهم الله! كيف يتجرؤون على رسول الله؟ وأيم الله، لأسحقنَّهم تحت أقدامي، ولن أغادر أرضهم حتى أراهم مجندلين على الأرض أمواتاً ... أَوَ يُطعن في رسول الله ونحن أحياء؟ يتدخل الشيخ حامد في لطف قائلاً: هدِّئ من روعك أيها القائد، فوالله ما هو إلا النصر قد اقترب، فمع غيظنا على شتمهم لرسول الله # إلا أننا لنستبشر بانتقام الله لرسوله، وهزيمته لهؤلاء الأوغاد. ـ ولكن ... ما حال الجنود يا منصور؟ ـ ثارت حميتهم لرسول الله #، وهم الآن مستبسلون في فتح الحصن، وقد صاروا قاب قوسين أو أدنى من فتحه. بعد فترة قصيرة يسمع القائد تكبيراً عالياً، فيخرج ليرى أحد الجنود مقبلاً ينادي: ـ أبشر أيها القائد! لقد فُتح الحصن على أيدي الجنود البواسل. ـ (القائد في ابتسامة) : الحمد الله، الحمد لله. ـ (الشيخ حامد) : ألم أقل لك أيها القائد: أنّ الله يغار على رسول الله #؛ فينتقم له منهم؟ ـ صدقت، صدقت. فالله يقول: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] .

стр. 5736

صرخة أم ناجي عبد العظيم محمد دون سابق إنذار، علت عنان السماء طائرات العدو تُرسل حممها وتُسقط قذائفها؛ فتقتل وتحرق وتهدم، تدمر بوحشيتها المعهودة كل شيء، لا ترحم طفلاً أو أُماً أو شيخاً كبيراً، يُغطِّي سواد قلوبها وجه الأرض، تملأ الرعب في قلوب الأطفال؛ فتقتل برآتهم ليتلاشوا خلف جدار الخوف، انطفأت الأنوار بعدما استهدف العدو محطة لتوليد الكهرباء، أخذ يصرخ محمد (طفل الخامسة) في هلع شديد على أمه، التي لا تبعد عنه مسافة المترين، لتنتشله من بين عناكب الظلام ونعيق البوم، هرعت إليه أمه بلهفة شدية تحتضنه بين ذراعيها، وتحيطه بقلبها علّها تُهدّئ من روعه، وانتفاض جسمه، وبكائه الذي يُدمي قلبها، ويعتصر مراراة جوانحها وهي تقول له: «محمد، ما بك يا حبيبي؟! لا تخف، لا تخف، سينتهي كل شيء» ، وهي تراقب بسمعها، وشدة ضربات قلبها تتزايد من القصف، وتصاعد الأدخنة. ومحمد يظل يرتعش ويشهق، وكأنما سكيناً يقتطع قلبها، وهو يحكي بصوت شاهق من شدة البكاء: «ماما، أنا خائف، ضعي يدك على أذني، لا أريد أن أسمع هذه الأصوات فهي تُخيفني» ، فترد الأم: «لا تخف حبيبي! هيَّا لنأتي بأختك الرضيعة من داخل الغرفة» ، فيجيب محمد: «ماما، أنا خائف على بسمة أختي» ، والكلمات تعتصر قلب الأم: «لا تخف، لم يبقَ إلا القليل ويأتي النهار» ، محاولةً بذلك تهدئة ابنها رُغم وحشية القصف، أخذت الأم ابنيها محتضنة إياهما، ومتروية بهما في حائط من جدران المنزل، وقلبها يعتصر ألماً، وهي تتضرع إلى الله متعلقة القلب بعفوه ولطفه أن يرحم تلك الأبدان الصغيرة والقلوب الطاهرة، ما كادت الأم تنتبه من رجائها حتى تزلزل البيت بقذيفة من قذائف العدو، وصُراخ أبنائها يتعالى في مخيلتها دون وعي، ويمر وقت ليس بالقصير، ويقدر الله لهذه الأم أن تستعيد وعيها لتجد محمداً حيث تجده أشلاءً متناثرة؛ فتصعق من هول المصيبة، وتحمل رُفات ابنيها، وتهيم وسط القذائف بصرخاتها المدويّة: «قاتل الله المجرمين، قاتل الله الأعداء، قاتل الله الخونة» ، وطائرات العدو تصول في عنان السماء، والأم تصرخ: «افعلوا ما شئتم وما طاب لكم، صولوا وجولوا، احرقوا، هدِّموا، اقتلوا الأطفال والنساء، مزّقوا أجساد الصغار، لا تأخذكم بهم رأفة؛ فقد مات الشرف، ودُفنت الرجولة!! فلعنة الله على الظالمين، لعنة الله على الظالمين، اللهم عاقب هؤلاء الخونة بما يستحقون، اللهم اجعلهم يحملون رُفات أبنائهم على أكفهم كما حملناه وهم لا يحركون ساكناً، اللهم أرنا في كل من خانك ولم ينتفض غيرةً لهؤلاء الصبية يوماً أسودَ، اللهم كما أدميت قلوبنا على هؤلاء الصغار فأرنا عجائب قدرتك في هؤلاء الكفرة، ربنا لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً، ربنا لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً» . جثت الأم على ركبتيها، ودموعها تسبقها إلى الأرض، ووضعت رُفات ابنيها أمامها وهي تختنق من البكاء والصُراخ والحسرة: «من لي بعدكما؟ يا رب لا أستطيع العيش بدونهما، يا رب تقبلني معهما» ، وما هي إلا لحظات لتلقى الأم مصرعها إثر القصف المتزايد، وترقد الأم ـ التي نحسبها شهيدة ـ بجوار أشلاء ابنيها، لتلتقي أرواحهم ـ إن شاء الله ـ في جنان ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

стр. 5737

منطقة الخليج بين خطرين د. عبد العزيز مصطفى كامل كانت حرب لبنان الأخيرة ــ وبغضّ النظر عن التقدير الأخير لحساب النصر والهزيمة فيها ــ نموذجاً آخر من نماذج صراع العصر الحديث الدائر بين الغرب وإيران، أو بين الفرس والروم المعاصرين على الأراضي الواقعة شمال جزيرة العرب (العراق والشام) ، وقد سُبق هذا بثلاثة حروب على ضفاف الخليج، لم يكن ظل التنافس بين الطرفين فيها غائباً، أما هذه الجزيرة نفسها، فهي في رأيي الساحة الرئيسة لطموحات وأطماع النّدَّيْن التاريخيين. إن هذه الجزيرة العربية بما فيها من نُظُم متنوعة وحكومات مختلفة؛ تضم شعوباً شبه متجانسة في ثقافتها ولغتها وعقيدتها وتقاليدها. وفي عصر تتضاعف فيه العداوة ضد العرب كعنصر، والسُنة كمذهب؛ فإن العداوة العنصرية والمذهبية تركزت على جزيرة العرب، باعتبارها المصدر الأول والدائم للأمرين معاً، سواء كان ذلك من الأمريكيين أو الإيرانيين أو غيرهم ممن لف لفهم. لا مناص من المصارحة في هذا الأمر، مهما كانت تلك المصارحة صعبة أو محرجة أو مخيفة. القضية باختصار، هي أن هناك دين حق واحداً لا ثاني له، يمثله مذهب صواب واحد، لا عديل له ... هو الإسلام على مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا الدين وفق ذلك المذهب، قد تداعت عليه الأمم بأديانها الباطلة ومذاهبها الضالة في أنحاء الأرض، مصداقاً لقول النبي الخاتم المعصوم ﷺ : «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلةُ إلى قصعتها» (١) ، وقد كان قدر جزيرة العرب التي تنزلت فيها رسالة الإسلام وخرج منها نوره إلى الآفاق على يد الصحابة الكرام، أن تظل بؤرة الرصد، ومركز التآمر من كل طواغيت العالم، باعتبارها رمز بقاء وصفاء دين الإسلام، وفيها أقدس مقدسات المسلمين في العالم؛ حيث قبلة صلاتهم، ومثوى نبيهم الكريم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ومهوى أفئدة المؤمنين في كل زمان ومكان. وقد أثبتت أحداث وتفاعلات العقود والسنوات الأخيرة في العالم الإسلامي؛ أن أكثر من نهضوا لتنشيط مواجهة المعتدين على أوطان المسلمين، كانوا من أبناء تلك الجزيرة، ومعتنقي هذا المذهب الواضح في ولائه وبرائه؛ فمن أفغانستان إلى الشيشان إلى البوسنة إلى الصومال ... وأخيراً العراق، كانت طلائع الذائدين عن الدين من العرب السُنة، من أبناء الجزيرة أو ممن تأثروا بهم، وكانت أموال الأثرياء منهم تمد حركات الكفاح بما تحتاجه من أنواع الإعداد والإمداد دون أن يكون لـ (ثورة المستضعفين) في إيران أي إسهام في ذلك إلا لحساباتها الخاصة. وقبل هذا وبعده؛ فإن الدعوة القائمة على المذهب السُني الصحيح، الخارجة من جزيرة العرب، وبخاصة السعودية والكويت واليمن، كانت تمد شعوب العالم الإسلامي بروافد بعث تجديدي وتأصيلي عميق، وهو ما أنشأ قطاعاً كبيراً في أغلب الشعوب الإسلامية، يدين بذلك التوجه السُني التأصيلي التجديدي، الناهض للتغيير، والمناهض للهيمنة. - الخطر الصهيو صليبي: لقد بدا لأعداء الأمة واضحاً أن الإسلام السُني، هو التمثيل الصادق للدين الذي طالما نازلوه وواجهوه، وفعلوا المستحيل من أجل إقصائه عن الحياة، ولما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية حرباً عالمية على ما أسمته الإرهاب، لم تكن تقصد من تحداها على أرضها فقط، بل عمت بذلك حَمَلةَ المنهج السُني في كل العالم، في حملة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب؛ بل تعدت ذلك إلى الجانب العلمي والجانب التعليمي والجانب الاقتصادي، وحتى الجانب الإغاثي والخيري، وما ذلك إلا لما بدا من أن دائرة الممانعة والمقاومة لكل مشاريع التآمر والهيمنة، تتكثف وتتركز في الكيانات السُنية، بدءاً من قضية فلسطين، وانتهاءً بقضية العراق، ولهذا استعانت عليهم في حربها العالمية، بكل أعدائهم ومخالفيهم، ولو كانوا من أهل القبلة أو المنسوبين إليها، كما أظهرت ذلك تقارير معهد (راند) عن (الإسلام المدني الديمقراطي) ، وتقرير (قلوب وعقول ودولارات) حيث جاءت الدعوة صريحة للاستعانة بالتصوف والتشيع في هذه الحرب المعلنة. وبالرغم من عالمية تلك الحرب الأمريكية على الإسلام السُني بدعوى الإرهاب، فإن هناك وضعاً خاصاً للجزيرة العربية ـ وبخاصة السعودية ـ لم يعد خافياً على أحد، وبخاصة بعد أن خرجت إلى العلن التصريحات التي تعبر عن مواقف المحافظين اليهود الجدد في أمريكا، وبالتحديد عبارتهم الشهيرة «العراق هدف تكتيكي، والسعودية هدف استراتيجي، ومصر هي الجائزة» . ولأن الإدارة الأمريكية الحالية هي إدارة صهيونية، نصفها من الصهاينة اليهود، والنصف الثاني من الصهاينة النصارى، فقد كان من الطبيعي أن تخرج الحملات المكثفة من (الولايات المتحدة الصهيونية) ضد الإسلام في الجزيرة العربية، وبخاصة على المملكة السعودية، لا كنظام فحسب، بل كشعب وثقافة وعقيدة، وقد وصل الأمر إلى أن قدَّم السيناتور الجمهوري الأمريكي (أرلن سبكتر) المعروف بدفاعه عن اليهود؛ مشروع قانون يحمل اسم (قانون محاسبة السعودية) على غرار المشروع الذي أقره الكونجرس الأمريكي قبل ذلك بعنوان (قانون محاسبة سورية) ، ويدعو قانون (سبكتر) إلى فرض عقوبات سياسية وعسكرية على السعودية «ما لم تتوقف عن دعمها للمنظمات الإرهابية كحماس والجهاد الإسلامي» ، ويدعو المشروع إلى إيقاف كل أنواع التبرعات إلى خارج المملكة، ويطالب بتقديم تقرير نصف سنوي للإدارة الأمريكية عن مستوى سير التعاون في الحرب العالمية على الإرهاب. وفي سبتمبر ٢٠٠٣م، تقدم النائب الديمقراطي (أنتوني وينر) المحسوب ضمن أهم خمسين شخصية يهودية في أمريكا، بمشروع قانون آخر، بإدراج اسم السعودية ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولكن الكونجرس لم يوافق على مشروع القرار لفجاجته، على الرغم من موافقة ١٩١ نائباً عليه. ويبدو أن هذه الحملة (على مستوى القمة) تجيء بين الحين والآخر، لتغطي على الحملات على المستوى الأفقي الواسع، الذي يشمل التعليم والدعوة والعمل الخيري وما يسمى بـ (قضايا حقوق الإنسان) . والمتتبع لهذه الحملات المسعورة منذ بدأت، يُعييه الرصد والمتابعة، لكنها تدل في النهاية على شيء واحد، وهو: أن هناك تربصاً بالسُنة وأهلها ومنهجها ونشاطها ورموزها في العالم بشكل عام، وفي السعودية بوجه خاص؛ حيث عدها الكثير من الصهاينة الأمريكيين (نواة الشر) ، وقد روَّج لذلك (ريتشارد بيرل) اليهودي الصهيوني الأمريكي، مهندس عملية غزو العراق، وقد صدر لهذا الرمز البارز في المحافظين اليهود الجدد كتاب بعنوان (نهاية شر) بالاشتراك مع (ديفيد فروم) من المحافظين الجدد دعا فيه (بيرل) إلى إضافة السعودية إلى دول (محور الشر) ، وكرر ذلك في لقاء له مع محطة (سي إن إن) الأمريكية في ١١/١/٢٠٠٤م، وبلغ تبجح ذلك الشخص النافذ في طاقم الإدارة الأمريكية إلى أن طالب في اجتماع لمجلس سياسات الدفاع الذي كان يرأسه بتنفيذ خطة (تقسيم السعودية) بفصل المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، وتسليمها لإدارة موالية للأمريكان. ومؤخراً كتب الصحفي الأمريكي (جون ليهمان) عضو الكونجرس والمسؤول في لجنة التحقيقات الخاصة بأحداث ١١ سبتمبر ووزير البحرية السابق في إدارة ريجان، مقالاً بتاريخ ٣١ أغسطس ٢٠٠٦م في (الواشنطن يوست) بعنوان (لن ننتصر في هذه الحرب) دعا فيه إلى ضرورة تغيير الخطط والسياسات في مواجهة تنامي المد الإسلامي، سُنياً كان أو شيعياً، وجاء في مقاله: «إن النظام الثوري في إيران، لا يبدي أي تحفظ في التباهي بسياسته التي تسعى لامتلاك القدرة النووية، كما أنه سمح لحزب الله، بضرب إسرائيل، وفي الصومال استطاع الجهاديون أن يسيطروا على السلطة هناك، وفي باكستان يزداد الإسلاميون قوة، وحكومات مثل مصر والأردن وأندونيسيا والجزائر وماليزيا أصبحت تحت ضغط الإسلاميين ... فكل هذه الدول ترى أننا لن نقوم بأي عمل عسكري طالما أننا ما زلنا في مستنقع العراق» ، ثم قال في إشارة ماكرة إلى ضرورة التصدي للشيعة والسُنة معاً: «إن نشر مبادئ الجهاد على أسس من العقيدة الإسلامية، وعملية تجنيد الأنصار، من أندونيسيا حتى الشرق الأوسط؛ ما زالت تسير بدعم النظام السعودي والنظام الإيراني، وحتى داخل أمريكا، فإن نحو ٨٠% من المساجد والمدارس الإسلامية، تميل بشدة إلى الفكر الوهابي، وهي تعتمد إلى حد كبير على التمويل السعودي. وبعد ٥ سنوات من أحداث سبتمبر، لم يكن هناك عمل واضح لإضعاف المصادر الأصلية للجهاديين، وهو ما يجعلنا نجيب بـ (لا) على سؤال رامسفيلد: (هل قتلُ الإرهابيين واعتقالهم أسرع من تكاثرهم وتأثيرهم؟) » . الشاهد في هذا، أن هناك تربصاً مشتركاً، بكل من عرب الجزيرة وفرس إيران معاً، مما يثير التخوف من محاولات الإيقاع بينهما في صدامات طائفية على المستوى الإقليمي، مثلما هو حادث على المستوى المحلي في العراق. - الخطر الإيراني الفارسي: النظرة الإيرانية الفارسية الشيعية إلى العرب السُنة، لا تقل شناءة وشناعة عن النظرة الصهيو صليبية الرومية المعاصرة. فأدبيات القوم القديمة والجديدة، تعج بالمواقف والأقوال التي تنبئ عن حقدٍ وحسد خارج عن حدود المعقول، ومهما تستر البعض على هذه الحقيقة أو تجاهلها؛ فإن ذلك لن يغير من الواقع شيئاً. فالعرب في نظر الشريحة الكبرى من الإيرانيين الفرس، عنصر منحط، لا يستحق السيادة أو الريادة، حتى على المستوى الديني، وليست مصادفة أن حوزات قم الشيعية في إيران، استلبت المرجعية الدينية من الشيعة العرب، حتى في بلادهم، فأصبحت مرجعياتهم مرجعيات إيرانية فارسية، وما مثال إحلال السيستاني الإيراني في العراق واستبدال حسين فضل الله العربي في لبنان منا ببعيد. ومثل هذا الازدراء للعرب ـ حتى ولو كانوا شيعة ـ لا شك أنه سيتضاعف مع العرب السُنة. فمن الحقائق التي يعمى عنها أو يتعامى دعاة (تناسي الخلاف) مع الشيعة، أنَّ حكم أهل السُنة عند أولئك الروافض؛ أنهم جميعاً كفار، تحل منهم الأعراض والدماء والأموال (١) ، وهذا يشمل أولئك الذين يستميتون في الدفاع عنهم، وكيف لا يكون ذلك كذلك، والشيعة يُكفِّرون سلف أهل السُنة، بدءاً من عموم الصحابة، ومروراً بالتابعين وتابعيهم، وحتى عصرنا الحاضر، وأتحدى أي مجادل ينافح عن أولئك التكفيريين (٢) أن يثبت أن أي مرجع ديني أو سياسي شيعي، فارسي أو عربي، يحكم بـ (إسلام) أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة فضلاً عن الترضي عنهم ـ رضوان الله عليهم جميعاً ـ فكيف بغيرهم من عامة أصحاب النبي ﷺ ، خلا من يسميهم هؤلاء الضُّلاَّل بـ «شيعة علي» ﵁ وأرضاه. إن جزيرة العرب، هي (وطن الإسلام) كما وصفها الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وهي وطن قائم على سُنة النبي ﷺ وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وهو ما كان يعدُّه الروافض القدامى «إسلاماً ناصبياً» ، وما يعده الروافض الجدد «إسلاماً وهَّابياً» . والجزيرة أيضاً هي أرض العرب التي اقترن وصفها بالعروبة قبل الإسلام وبعده. وهذا وذاك، هو ما جعل الشيعة الفرس يعدونها محط العداوة الأول، لدرجة أن أبرز شعارات الثورة الخمينية في أيامها الأولى، كان: (تحرير الحرمين الشريفين من الوهابيين) وقد شهدت سنوات الحرب العراقية الإيرانية محاولات عديدة للإفساد في الحرمين في مواسم الحج باسم هذه الدعوة كما هو معروف. الحقد على العرب عنصرياً، وعلى السُنة مذهبياً، وصل بالقوم إلى حد الافتراء بأن المهدي الذي سيبُعث في آخر الزمان، سيُعِملُ سيفَ القتل في العرب حتى يبيدهم (٣) ، بل إنه ـ في زعمهم الحقود ـ سوف ينتقم من سادة الإسلام من قريش، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر (٤) ، بل يعتقدون ـ قاتل الله عصبيتهم ـ بأن ذلك المهدي، سيهدم الحرمين الشريفين عندما يخرج، ويعيدهما إلى حجميهما اللذين كانا عليه في عهد النبوة (٥) ، وما ذاك إلا اعتقاداً منهم بأن كل التوسعات التي حدثت في عهود الخلفاء (غير الشرعيين كما يعتقد الشيعة) من غير الأئمة الاثني عشر، هي توسعات باطلة؛ والمعترف به فقط في أرض الحرمين، هو (مراقد أهل البيت) وقبورهم التي يريد هؤلاء (إحياء العبادة) فيها، حتى إن مرجعهم الديني الكبير (محمد رضا الشيرازي) بدأ منذ مدة، تدشين ما سماه: (دعوة عالمية لإعادة تشييد مراقد أئمة البيت في المدينة المنورة) وقد دعا من خلال موقعه على الإنترنت (مؤسسة الشيرازي العالمية) إلى عقد مؤتمر عالمي للدعوة إلى إحياء قبور الأئمة المعصومين في البقيع. وهم يقصدون بالأئمة هنا أربعة على وجه التحديد؛ وهم: (الحسن الزكي، وعلي زين العابدين، والإمام الباقر، وجعفر الصادق) ، أما غيرهم من أئمة الخلفاء وكبار الصحابة، فكل من يعرف عقائد الشيعة؛ يوقن بأنهم سيتبنون الدعوة إلى نبش قبورهم وإخراج رفاتهم من البقيع! وقد اعتبر شيرازيٌّ إيرانيٌّ آخرُ من المرجعيات الكبرى، وهو (صادق الحسيني الشيرازي) عدمَ السماح بإعادة تشييد هذه القبور حرباً على الله ورسوله، ودعا في موقعه أيضاً إلى تكثيف النشاط من أجل تحقيق هذه الغاية. وأيضاً دعا مقتدى الصدر، زعيم التيار الشيعي الصدري في العراق إلى تنظيم حملة عالمية لجمع تواقيع تطالب الحكومة السعودية بإعادة بناء مقابر آل البيت في البقيع على نفقة الحوزات العلمية الشيعية، وقد نقل الموقع الشيعي (يا حسين!) العديد من فتاوى كبار المرجعيات الشيعية عن وجوب العمل لإعادة بناء الأضرحة في البقيع، منها فتوى المرجع الإيراني في العراق (علي السيستاني) التي أفتى فيها بجواز صرف الواجبات المالية الشرعية من أجل إعادة بناء قبور الأئمة في البقيع، وقال: «يلزم السعي في حال التمكن لإعادة بناء قبور أئمة البقيع» . ونقل الموقع فتوى المرجع الديني الكبير في مدينة قم (كاظم الحائري) بلزوم السعي لبناء تلك المقابر، وقال: «إنها من شعائر الدين» !! ماذا سيكون حال المدينة المنورة بالتوحيد وبرسول التوحيد ﷺ لو وصل هؤلاء إلى (حال التمكن) الذي يتحدثون عنه؟ بل ماذا سيكون حال الحرم الشريف والكعبة المشرفة؛ عند قوم يرون استحباب التوجه إلى قبور الأئمة في الصلاة بدلاً من القبلة؟! إن الاختلافات الاعتقادية في الغالب الأعم تتحول إلى خلافات سياسية، وتلك الخلافات السياسية قد تتحول إلى مواجهات وأزمات، وربما صدامات، وهذا ما لا يريد أن يفهمه أصحاب مدرسة (التحليل اللاعقدي للأحداث) . - أزمة الخليج الرابعة: هل تتطور إلى حرب رابعة؟ عندما اندلعت حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق، كان للأمريكيين دور بارز في إشعالها واستمرارها لمدة ثماني سنوات، لتصبح أطول حروب القرن العشرين، وأولى الحروب بين العرب والإيرانيين الفرس في العصر الحاضر بدفع من الروم، وقد أراد الغرب من تلك الحرب، أن يُضرَب الإيرانيون بأيدي العرب وأرواحهم وأسلحتهم، التي أُنفقت عليها مئات المليارات من أموالهم! وانتهت الحرب بلا منتصر ولا مهزوم، بل بطرفين خاسرين قد استُنزفا بسيول من الدماء والأموال، فقلَّت قدرة إيران على (تصدير الثورة) المهددِة لمصالح الغرب في الخليج، وقلَّت قدرة دول الخليج على (استغلال الثروة) في التفرغ للاستقرار والتقدم، وهو ما يهدد مصالح الغرب في الخليج أيضاً، ولكن الذي كثر وزاد، هو الأحقاد بين الطرفين العرب والإيرانيين. ولم تكد دول الخليج تتعافى من آثار الحرب؛ ولم يلبث العراق أن خرج من دوامة تلك الحرب؛ حتى أُغري الطرفان (دول الخليج والعراق) بأزمة ثانية، تحولت إلى حرب ثانية في العراق، بسبب غزو صدام حسين للكويت، وهي الحرب التي قضت على محاولات التعافي والنهوض في كل من دول الخليج والعراق، وانتقلت الأحقاد بين العرب والفرس، إلى أحقاد بين العرب والعرب بفعل التآمر الصهيو صليبي، لينفرط عقد العرب من يومها في انشغال دائم بخطر صدام، بعد الانشغال بخطر الخميني. لكن أحداً لم ينتبه إلى خطر أمريكا؛ إلا قليلاً، سواء في حرب الخليج الأولى، أو حرب الخليج الثانية، حتى جاءت حرب الخليج الثالثة التي أيقظت النيام، ونبهت العوام، إلى أن أمريكا وحلفاءها هم أُسُّ البلاء ومعدن العداء لأمة الإسلام. وتجيء هذه الـ (أمريكا) اليوم، ليشعل يهودها وصليبيوها أُوار أزمة رابعة يراد بها هذه المرة أن تعاد الحرب جذعة بين العرب والفرس، استغلالاً لأحقاد الشيعة الفرس على العرب، وعدم قدرة العرب على مداراة الشيعة من الفرس وغيرهم، ولتكون تلك الحرب قضاء على ما تبقى من قوى الطرفين الذين لا يكاد يجمعهما اليوم إلا بعض الصور الشكلية من الدين. إننا بصدد مواجهة يترجح أن تتفاعل بين أمريكا وإيران، ويُتوقع أن تكون فصولها في مواقع متعددة من بلدان العرب، وقد وقعت منها الآن مواجهتان، إحداهما على أرض العراق، والأخرى على أرض لبنان في الشام، لكن الأخطر هو ما يتعلق بجزيرة العرب من فصول المواجهة القادمة؛ فالنِدَّان التاريخيان يشتركان في مواقف متشابهة من العرب عامة، وعرب الجزيرة خاصة: ٣ كل من إيران والصهيو أمريكان يشتركان في بغض العرب عنصرياً. ٣ كلاهما يشتركان في عداء أهل السُنة دينياً ومذهبياً. ٣ كل من الطرفين يطمعان في مقدرات العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة، والخليجي بوجه أخص. ٣ كِلا الطرفين يحتلان أراضي عربية ويطمحان إلى المزيد. ٣ لكل من الطرفين أذناب وأتباع من العرب المغفلين أو المنافقين الذين يعملون لحسابيهما، ويمكن استعمالهم في حروب الوكالة وقت الحاجة. ٣ ولكل من الطرفين: الإيراني الفارسي، والغربي الأمريكي الرومي، مشروع هيمنة كبرى تعتمد حساباته على أوطان العرب ولا تستبعد جزيرة العرب، فلإيران مشروعها الفارسي الرامي لإعادة الإمبراطورية الفارسية، أو (إيران الكبرى) الممتدة من البحرين إلى لبنان، مروراً بإمارات الخليج والعراق وسورية. والولايات المتحدة لها مشروعها (الإنجلو ساكسوني) الهادف إلى إنشاء إمبراطورية القرن الأمريكي الجديد، انطلاقاً من الشرق الأوسط الجديد. ولكن الطرفين اللدودين يختلفان اختلافاً مصيرياً في أمور أخرى؛ فالولايات المتحدة ومن معها من دول الغرب والكيان الصهيوني، لا يمكنهم السماح تحت أي ظرف بأن تصبح إيران قوة إقليمية، فضلاً عن أن تكون نووية، ما دامت تحت سلطة حكم دينية، وهم لن يسمحوا لها بأن تنشئ زعامة ثورية للعالم الإسلامي، تستغلها لتنفيذ أَجِنْداتها المصلحية والمذهبية، ولن يفسحوا لإيران الطريق للتوسع شرقاً أو غرباً أو جنوباً أو شمالاً، حيث مناطق المصالح الحيوية لأمريكا والغرب، ولن يسمحوا أيضاً للشيعة عامة، والإيرانيين خاصة أن يمثلوا خطراً ـ ولو مستقبلياً ـ على أمن دولة اليهود، عندما تتضارب مصالح كل من (إسرائيل) وإيران، مثلما حدث في لبنان. وفي الوقت نفسه لن تسمح إيران لأمريكا بالكعكة كلها فيما تسميه (الخليج الفارسي) . إن للشيعة في إيران وفي خارج إيران؛ أجنداتهم الخاصة والضيقة، والتي لا تتعدى حدود حاملي الاعتقاد الإمامي الإثني عشري الرافضي، لكن هذا لا يمنع من تلاقي مصالحهم في أحيان كثيرة مع غيرهم، وخاصة إذا كانت على حساب أهل السُنة أو (العامة) كما يقولون؛ فعندها ـ وكما دلت حقائق التاريخ الماضي والمعاصر ـ يمكن أن يتحول قادتهم إلى عسس وعسكر تحت إمرة أعداء الإسلام الظاهرين والباطنين، لأجل تنفيس شيء من الأحقاد التاريخية التي يتوارثونها جيلاً عن جيل ضد أهل السُنة. والأجِنْدة الشيعية الفارسية الخاصة بكل توافقاتها أو تناقضاتها مع الأجندات الأخرى لأعداء الأمة؛ ظلت منذ تفجر الثورة الرافضية مفتقرة إلى قفزة عالية، تكفل لها الاستقلال والاستمرار، مهما تلاقت أو تناقضت مع الأجندات الأخرى. وقد كانت هذه القفزة العالية، هي دخول إيران (الإثني عشرية) إلى الموقع الحادي عشر من بين أعضاء النادي النووي الدولي ... وهنا قال الأمريكيون والأوروبيون والإسرائيليون: إلا هذا!! فالأجندة الشيعية المستقلة إذا كانت قوية ونووية، فإنها توشك أن تثور أو تجور على الأجندات الأخرى الطامحة دونما أي اعتبار لمصالح الآخرين، وهذا ما يفسر إصرار تلك الأطراف الثلاثة (أمريكا وأوروبا وإسرائيل) على التأكيد علناً بأنهم لن يسمحوا لإيران بحيازة السلاح النووي، حتى ولو أدى ذلك إلى المواجهة. ولا مجال للحديث هنا عن «تمثيلية» بين الطرفين أو بعضهما فيما يتعلق بالملف النووي، ولا مجال لكلام أيضاً عن «عمالة» إيران أو الشيعة لأمريكا أو إسرائيل؛ فعمالة هؤلاء هي لشيء واحد، وواحد فقط، هو الشيعة والتشيع؛ فما يصب في (مصلحة النظام) الشيعي فهو حلال وواجب، وإن كان أنواعاً من الخيانة وأصنافاً من الجريمة، وما يتعارض مع مصلحة النظام الشيعي فهو إجرام حرام، ولو كان من أركان الدين أو مسلَّمات العقل. - احتمالات الأزمة: قد تكون المواجهة بين إيران والتحالف الغربي صِداماً عسكرياً، يفضي إلى تدمير القدرات النووية الإيرانية، وقد تكون سلسلة من المواجهات والضغوطات السياسية والاقتصادية التي تقود إلى صفقة لتأجيل أو تجميد البرنامج النووي الإيراني في الجانب المتعلق بتخصيب اليورانيوم. وقد تحدث المفاجأة قبل التمكن من هذين الخيارين، بإعلان إيران أنها نجحت بالفعل في إنتاج السلاح النووي، بعد أن تكون قد أحسنت إدارة معركة الوقت خلال ما تبقى من زمن لإنتاج سلاحها، وهو ـ كما يقول الخبراء ـ: يتراوح بين عام ونصف أو عامين. لكن من غير المطروح في الاحتمالات أن يتنازل الإيرانيون عن برنامجهم النووي (على الطريقة الليبية) ، أو تغفل أو تتغافل عنهم أمريكا (كما حدث مع كوريا الشمالية) ؛ لكن المهم في كل ذلك، أن أسوأ السيناريوهات هي أقربها خطراً على جزيرة العرب، سواء كان ذلك عن طريق الحرب، أو عن طريق الصفقة، أو عن طريق النجاح في إنتاج أول قنبلة نووية رافضية في وسط انكشاف عربي سُني غير مسبوق، وذلك على ما يلي: أولاً: سيناريو المواجهة العسكرية: احتمال المواجهة العسكرية بين أمريكا وإيران، أو دولة اليهود وإيران ليس مستبعداً رغم أخطاره على الجميع؛ لأن الخطر سيكون أكبر في حال تملك إيران للسلاح النووي. وإذا لم تجد أمريكا مفراً من خيار الحرب ـ على خطورته البالغة على المنطقة كلها والعالم ـ فإن الخبراء يؤكدون أن المواجهة العسكرية لا بد أن تكون جوية وقوية وخاطفة، وقد تفوض أمريكا (إسرائيل) في ذلك؛ لتتلافى عدداً من المضار. وقد كشف تقرير نشرته صحيفة (نيويورك) الأمريكية في منتصف مارس ٢٠٠٦م، للكاتب (سيمور هيرش) ؛ أن إدارة بوش تدرس بجدية تنفيذ خطة جرى إعدادها بالفعل، لشن هجوم على المفاعلات النووية الإيرانية، وأن هذا الهجوم نفسه قد يكون نووياً، وقد يتوازى مع الإعلان عن خروج الأمريكيين الاضطراري من العراق، وهو ما سيعده العالم هزيمة أمريكية أمام القوى السنية المجاهدة على أرض الرافدين، حيث سيكون من مسوغات الضربة العسكرية ضد إيران؛ استعادة شيء من الهيبة الأمريكية العسكرية المهدرة على تراب العراق، بالإضافة إلى الهدف الأصلي من تلك الضربة ـ في حال الاضطرار إليها ـ وهو إنهاء حالة القلق المزمن التي تنتاب دولة اليهود من وجود نووي على مقربة منها. لكن احتمال المواجهة العسكرية سيخلِّف أثراً، ربما يكون هو الأخطر على دول الجوار العربي، وهو أن إيران ستقلب ظهر المجن لهذه الدول، بدعوى ضلوعها في الترتيب لضربها، سواء كانت هذه الدعوى حقيقية أو مزيفة، وهنا قد تكون أول صواريخ الانتقام الإيراني موجهة إلى بعض البلدان الخليجية، كما صرح بذلك الزعيم الشيعي أحمدي نجاد، في تهديده لأمير قطر، كما نشرت ذلك صحيفة الشرق الأوسط في (٨/٥/٢٠٠٦م) ، وعندها لن تجد دول الخليج مناصاً من الاستجارة من جارتها، إلا بدولة الجَوْرِ العالمي (أمريكا) ؛ حيث لن يضيِّع الأمريكان تلك الفرصة النادرة الجديدة، لتسويق صفقات بمئات المليارات من الدولارات على التسلح الخليجي ضد العدو الجديد: إيران، وهذا قد بدأ من الآن. ستكون حرب الخليج الرابعة ـ في حال وقوعها ـ حرب أمريكا الرابعة في الألفية الثالثة، بعد حروب أفغانستان والعراق ولبنان، إلا إذا استهدفت سورية قبلها، وستكون حرب إيران فرصة لأمريكا لأنْ تعلن عن بداية النهاية لحكم الآيات في طهران. إلا أن أمريكا لن تفوِّت أيضاً فرصة تكرار عملية ضرب إيران بالعرب، وضرب العرب بإيران، كما حدث في حرب الخليج الأولى، مع فارق كبير هذه المرة، هو أنه لا يوجد ظهير عربي قوي في المنطقة يتولى الدفاع المباشر عن جزيرة العرب، بعد سقوط البوابة الشرقية للأمة العربية (العراق) ! فاللهم رحماك! أمريكا وحلفاؤها من أعداء العرب والمسلمين، يعلمون جيداً مدى العداوة الفارسية الشيعية للعرب السُنة، وقد عرفوا كيف يوظفون ذلك جيداً في العراق، حينما مكنوا الشيعة العراقيين من الاستفادة من إمكانيات الشيعة الإيرانيين لينفردوا بحكم العراق دون السُنة العرب، ليكونوا تحت ذلة شرطة وجيش الروافض، وهو ما أفضى إلى ما نراه من صراع أهلي بين فئات الشعب العراقي. الخوف كل الخوف، أن يعمل الأمريكيون وحلفاؤهم، على تكبير صورة ما يحدث في العراق، ليشمل العديد من دول الخليج، حتى ينشغل عرب الجزيرة بفتن النزاعات الطائفية عن أية برامج إنمائية، أو تطلعات استقرار إقليمية، أو حتى جهود خيرية أو إغاثية، من شأنها أن تمثل مصارف نفع لمجتمعات الخليج وما حولها من عوائد الثراء النفطي، ولا بد أن تؤخذ تلك المخاوف مأخذ الجد، في ضوء قول الله ـ تعالى ـ عن الأمريكان وأمثالهم من أعداء المسلمين: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] .. فهم لا يريدون أن يبقى لهذه الأمة بقية ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ في ثرواتها، ولا أمنها، ولا تقدمها واستقرارها: ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: ١٠٩] . وسواء كان (هذا الخير) نفطاً أو غيره، على ضفاف الخليج، أو بطون أرض العراق، أو في أعماق بحر قزوين، أو حتى في إيران نفسها؛ فإن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، لا يريدون على أية حال أن تستفيد الأمة منه بشيء ذي بال. فبترول إيران نفسه، هدف تضع أمريكا عينها عليه على المدى المتوسط أو البعيد، ليضاف بترول الخليج إلى بترول العراق، إلى بترول بحر قزوين القريب من أفغانستان، وربما بترول السودان، ليكتمل بذلك الاستيلاء على جميع منابع الثروة النفطية للأمة الإسلامية. وإذا ما تمكن الأمريكيون من إسقاط الحكومة الدينية في إيران عن طريق سيناريوهات ما يسمى بـ (الفوضى الخلاقة) ؛ فإن الوصول إلى بترول إيران لن يكون بعيداً، في ظل حكومة علمانية إيرانية جديدة. ومعلوم أن هناك خططاً في دوائر الاستخبارات الأمريكية حول ما يسمى بمشروع (تحرير إيران) ، وهو ما يمكن أن يكون الجزء المكمل لسيناريو ما بعد الضربة العسكرية للمفاعلات النووية الإيرانية في حال حدوثها. وقد نشر (وليام كريستول) أبرز رموز المحافظين اليهود الجدد، بل زعيمهم الكبير، ورئيس مشروع (القرن الأمريكي الجديد) مقالاً في مجلة (ويكلي ستاندارد) في شهر مارس ٢٠٠٤م بعنوان (نهاية البداية) قال فيه: «إن معركة تحرير العراق، كانت كبرى المعارك من أجل مستقبل الشرق الأوسط، وإن المعركة الكبرى التالية، هي معركة (تحرير إيران) ؛ لأن إيران أكبر عقبة في طريق إعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير» ، وقال: «لو ذهبت إيران، فسوف تحدث تغييرات إيجابية مساندة للغرب، في كل من سورية والسعودية» . لكنَّ هناك شروطاً، اعتبرها الخبراء الاستراتيجيون ضرورية لنجاج أية ضربة عسكرية ضد إيران: أحدها: امتلاك أمريكا وحلفائها معلومات دقيقة عن مواقع المفاعلات النووية الإيرانية، التي تبلغ ٤٠٠ موقع، بعضها في تحصينات مسلحة تحت الأرض. والثاني: القدرة على مباغتة السلاح الجوي الإيراني قبل أن يبادر بالرد، وقبل أن تستخدم إيران ما لديها من صواريخ وأسلحة غير تقليدية. والثالث: توفير غطاء ـ ولو شكلياً ـ من الشرعية الدولية من خلال المنظمة الأممية؛ لتوجيه تلك الضربة، وكذلك شرعية من الكونجرس الأمريكي. والرابع: ضمان عدم تعريض القوات الأمريكية في العراق لخطر انتقام شيعي إيراني عراقي. والخامس: ضمان عدم تعريض الدولة اليهودية لخطر هجوم إيراني مباشر عن طريق الضربات الصاروخية الإيرانية، أو غير مباشر عن طريق تفعيل الجبهة ضد تلك الدول من خلال حلفاء إيران في سورية أو لبنان. ولعل هذا الشرط الأخير وحده هو الذي جرى ـ إلى حد ما ـ ضمانه من خلال ما حدث في حرب لبنان. وإذا ما توافر قدر كافٍ من هذه (الضمانات) فلا يستبعد أن تستغل الولايات المتحدة الأمريكية، أو حتى تدبر أو تمرر حدوث عمل (إرهابي) كبير في وقت ما، في مكان ما، لتتهم إيران بأنها تقف وراءه، وعندها يكون العد التنازلي للضربة قد بدأ. ثانياً: سيناريو الصفقة على حساب العرب: قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية لإجهاض البرنامج النووي الإيراني، دونه مشكلات جمة، ولهذا قد تحوِّل الولايات المتحدة لغة القوة إلى لغة السياسة ولو كانت خشنة، مع شيء من التهديدات والتلويح بالعقوبات. والمخاطر التي يمكن أن تدفع باتجاه العدول عن المواجهة العسكرية متعددة، منها: أن التهديد النووي الإيراني ليس قريباً إلى الدرجة التي تضمن موافقة الكونجرس الأمريكي على إعطاء الإذن بشن الهجوم، وإذا لم يعطِ الكونجرس موافقته، فإن قرار الحرب لن يكون دستورياً، ومنها: أن الأمم المتحدة أيضاً لن يكون سهلاً لها أن تعطي غطاء شرعياً لتلك الحرب للسبب نفسه، ومنها: أن إيران تستطيع أن تضرب مناطق إنتاج النفط في الخليج، وتقوم بإغلاق مضيق (هرمز) الذي تمر منه ناقلات البترول بين الشرق والغرب، ومنها: أن أسعار النفط المرتفعة ستجعل الغرب حذراً من أي مغامرة تزيد في ارتفاع أسعاره، ومنها: أنه لا توجد رغبة لدى الرأي العام الأمريكي للتورط في نزاعات جديدة قد تكون أكثر دموية وأكثر كلفة على الشعب الأمريكي، ومنها: أن أمريكا تعلم أن التحالف الذي تحاول إقامته ضد إيران، هو تحالف هش؛ لعدم تحمس أوروبا ـ باستثناء بريطانيا ـ لضربة عسكرية، وكذا معارضة الصين وروسيا لها، إضافة إلى عدد لا يستهان به من بلدان العالم الإسلامي والعالم الثالث، ومنها: أن الخيار العسكري قد لا يفضي إلى القضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني، وفي حال الفشل في تحقيق أهداف الضربة، فإن إيران ستكتسب المشروعية الكاملة في حقها في تملك الردع النووي ضد من هاجموها، ومنها: أن الهجوم العسكري على إيران سيفتح آفاقاً جديدة في مهمة الحرب العالمية الأمريكية على ما تسميه بـ (الإرهاب) هي في غنىً عنها، حيث ستضاف قائمة بجماعات شيعية معادية ومحاربة، إلى جانب الجماعات السُنية التي لم تستطع أمريكا أن تسجل عليها نصراً حتى الآن. فالمواجهة العسكرية، مع كل هذه المحاذير، لن تكون خياراً وحيداً، إلا إذا شعر الأمريكيون وحلفاؤهم، أن الأمر يوشك أن يفلت من أيديهم، وتتحول إيران بالفعل إلى قوة إقليمية ضاربة. وحتى فرض العقوبات على إيران مع الاكتفاء بذلك، لن يكون كافياً وحده في حل الأزمة، بل لن يكون الوصول إلى قرار بشأنه سهلاً من خلال مجلس الأمن؛ لأن بعض الأعضاء الدائمي العضوية في مجلس الأمن كروسيا والصين ليسوا على وفاق في شأن هذه العقوبات، والقرار بالعقوبات لن يصدر إلا بموافقة الجميع. وحتى لو فرضت العقوبات؛ فإنها قد تلحق الضرر بقطاع الطاقة الإيراني، بما سيؤدي إلى رفع الأسعار عالمياً، ومن ثَم إلحاق الضرر بالغرب نفسه. - بين الصفقة والصفعة: أين العرب؟! داخل الإدارة الأمريكية نفسها، هناك فريقان مختلفان في طريقة التعامل مع إيران؛ فالمؤيدون للضرب والصفع ـ وأكثرهم من عملاء دولة اليهود داخل الإدارة الأمريكية ـ يرون ضرورة اللجوء للقوة لحسم المشكلة الإيرانية من جذورها كما حدث في أفغانستان والعراق. وهناك فريق آخر يرى أن الأفضل لأمريكا أن تتعاون مع إيران النفطية القوية في المرحلة الحساسة العاجلة، بدلاً من خسارتها بسبب ملفات نووية آجلة يمكن تفادي خطرها بخطط أخرى. إن الأفعى الأمريكية اليهودية، تعودت على ألاّ تهاجم الصيد القوي، إلا بعد أن تلدغه بسُم قاتل ولو كان بطيئاً، فإذا سرى السم في أوصال الفريسة وضعفت عن المقاومة، أقدمت الحية لتصارعها في حال احتضارها؛ لتثبت أنها حية. والمعتقد أن الأفعى الأمريكية ستلدغ إيران بسم الصفقات والتوريطات، قبل أن تفترسها بالهجمات والضربات. والصفقة السُم يجري الحديث عنها منذ شهور طويلة، ومع هذا لم يفصح عن كامل تفاصيلها، إلا أن المعلن منها، أن (المجتمع الدولي) سيساعد إيران، في حال تخليها عن برنامجها النووي، في إنتاج ما تحتاجه من الطاقة النووية السلمية لتوليد الكهرباء التي تعلن أن برنامجها هو لأجلها، ومن عروض الصفقة: أن المجتمع الدولي سيساعد إيران على الالتحاق بمنظومة الاقتصاد العالمي، وتقدم لها في ذلك التسهيلات بدلاً من العقوبات، إضافة إلى الاعتراف بها كقوة لها دور محوري في النظام الإقليمي الشرق أوسطي، يشبه دورها زمن الشاه، عميل أمريكا القديم. ومن الواضح أيضاً، أن الصفقة تتضمن إطلاق يد إيران في العراق، لتنفيذ مشروع التقسيم القديم، الذي سيجعل جنوب العراق الشيعي شبه تابع لإيران؛ في مقابل أن تضمن إيران لأمريكا مصالحها في العراق، وتحارب بالنيابة عنها المجاهدين من العرب السنة والأكراد السنة. ولكثرة تكرار الاتصالات الخيانية سابقاً بين أطراف إيرانية وأطراف أمريكية بشأن مصالح مشتركة بينهما ـ كما حدث في شأن أفغانستان والعراق باعتراف الطرفين ـ فإن الفريق الذي شارك في تلك الاتصالات في السابق يمكن أن يكون جاهزاً لإبرام الصفقة الجديدة التي ستكون في حال إبرامها صفقة الخيانة والخداع. فهي ستكون خيانة من جانب إيران للعرب والمسلمين السُنة؛ لأنها ستكون على حسابهم هم فقط، ومن جهة أخرى ستكون صفقة خداع من الأمريكيين للإيرانيين؛ لأنها ستكون السُم الذي ستلدغ به الحية، ريثما يسري الوهن في أوصالها. فهذه الصفقة الخادعة؛ ستنزع عن إيران سلاح التشدد الذي تستخدمه من أجل التعبئة الوطنية والقومية، وهي ستفقدها ثقة وثقل حلفائها الثلاثة الداعمين لها: روسيا والصين وكوريا الشمالية، وستورطها معهم؛ حيث إن مجرد توجه إيران للتنسيق مع أمريكا سيعني عند هؤلاء تضحية إيران بمصالحهم على عتبة المصالح الأمريكية، وستضعف الصفقة إيران أيضاً عندما تتركز ضربات المجاهدين السُنة ضد عملائها في العراق، وربما في غيرها، بعد أن يفرغ الأمريكيون الساحة لإيران وينسحبوا مهزومين من أرض الرافدين. - لكن الإشكال الأكبر: هو أن كل الاحتمالات الثلاثة الواردة، فيما يتعلق بنهاية أزمة الخليج الرابعة والراهنة؛ يبدو أن نتائجها المخطط لها ستكون على حساب العرب السُنة، وبخاصة في العراق وجزيرة العرب. فالضربة العسكرية إذا وقعت، ستكون بداية لمواجهات عسكرية انتقامية من إيران ضد العرب الذين (تحالفوا) مع الأمريكان كما ستقول إيران، وإذا تجاوزت إيران الخط الأحمر بإعلان النجاح في إنتاج القنبلة النووية؛ فسيكون ذلك بداية ابتزاز غير مسبوق للعرب السُنة من موقع القوة الفارسية الشيعية، وكذلك فإن احتمال إبرام صفقة، لن يكون إلا على حساب العرب؛ لأن تسليم العراق لإيران بموجب تلك الصفقة (مؤقتاً) ستجعل كل مخططات إيران ضد العرب وجزيرة العرب قيد التنفيذ، إلا إذا تصدت لها الدول العربية والمقاومة السُنية. وهو لن يعني إلا الدخول في حرب إقليمية طائفية، لا يعلم إلا الله كيف ومتى تنتهي. إن ثنائية الخطر المتوقع ـ الصهيو أمريكي، والفارسي الشيعي ـ على عموم العرب وعلى جزيرة العرب، لا ينبغي أن يشغلنا بأحد الخطرين عن الآخر، أو يفرض علينا أن نطيل الاختلاف حول أشد الخطرين وأول التحديين؛ فالخطر ماثل من الاثنين معاً، ولا بد من التنبه والاستعداد للاثنين معاً؛ فمثلما هو الحال في العراق، وجد العرب السُنة أنفسهم في مواجهة الخطرين معاً، وكان قدرهم أن يتعاملوا مع كل منهما بما يناسبه؛ لأن الإغضاء عن خطر والانشغال بغيره، سيمكِّن الطرف المشغول عنه من الوصول إلى غايته وأهدافه. وغاية أهداف الطرفين ـ كما سبق التفصيل ـ هو فرض حالة جديدة من الذلة المستمرة والضعف الدائم على أهل السُنة في موطن قوتهم، وموضع منعتهم، وفي حصنهم الأخير ... جزيرة العرب. وأختم هذه الحلقات عن أزمة الخليج الرابعة بتلك الوقفات: ٣ لفداحة خطر هذا الاحتمال الوارد في استهداف جزيرة العرب، لا ينبغي الاعتماد في كيفية مواجهته على اجتهاد واحد، بل ينبغي أن تتلاقح أفكار الحكماء والعلماء والعقلاء من كل الأطراف على مواجهة ذلك الخطر. ٣ الخطران الماثلان من إيران وأمريكا ليسا مستبعدَيْن، ولهذا لا ينبغي أن نغرق في تفاصيل: أيهما أخطر؟ وبأيهما نبدأ؟ على طريقة الجدل الحاصل عن (العدو القريب والعدو البعيد) و (العدو الظاهر أم الباطن) ... فكلا الخطرين حقيقة، وإن كانت تتفاوت بحسب الاعتبارات المختلفة. ٣ هناك خطر ثالث غير خطر إيران والصهيوأمريكان، وهو خطر المنافقين، إلا أنه خطر تابع ذليل لا فاعل أصيل، فالمنافقون؛ وإن كانوا أعداء، بل أخطر الأعداء كما قال الله : ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] ؛ إلا أن خطرهم مرهون ببقاء وقوة من يستندون إليهم، ولهذا ينبغي التركيز على الأعمدة التي تستند إليها تلك الخُشُب المسنَّدة؛ فإنها ستنهار بانهيارهم. ٣ نصائح البعض بضرورة تناسي الخلافات، وعدم إثارة النعرات، شيء جيد لو عملت به الأطراف الأخرى أىضاً، أما أن يُطالب أهل السنة فقط بإدارة الخد الأيمن والأيسر معاً؛ فإن هذا كان من أسباب الاستهانة بهم من كل الأطراف. وعلى من يطالب بتناسي الخلافات مع الروافض دون أن يملك إلزامهم بقيد شعرة من ذلك؛ أن يُطالب أيضاً بتناسي الخلافات وتجاوز النعرات مع مَنْ يتصدون اليوم للدفاع عن الأمة في ساحات النزال. ٣ الأمريكان ليسوا سواء، والأوروبيون ليسوا سواء، وكذلك أهل إيران ليسوا سواء، ولكن الإشكال أن المتنفذين في كل هذه الأطراف هم الأسوأ، وهم الأكثر قدرة على الفعل، ولهذا لا ينبغي التحصن خلف الخطاب العاطفي الخيالي غير الواقعي، الداعي إلى (الاعتراف بالآخر) و (حسن الظن بالآخر) ، وإلقاء كل التبعة على الأخ الآخر. ٣ جَهَلَةُ المثقفين من العلمانيين والقوميين وبعض المتحمسين من الإسلاميين؛ لا ينبغي أن يظلوا هم فقط لسان حال الأمة في حربها وسلمها، وولائها وبرائها؛ فقد أظهرت أحداث لبنان الأخيرة، أن لا شيء عند القوم ثابتاً، ولا حتى مبادئ القومية، ولا العلمانية ولا الشرعية، وأمثال هؤلاء الذين زمّروا وطبّلوا لزعيم شيعة لبنان حتى جعلوه (رمز كرامة الأمة) لا يستبعد أن يجعلوا (نجاد) غداً، الأمل الوحيد للمستضعفين، والبطل الجديد لأمة التوحيد!

стр. 5738

حزب الله ... على أي أساس يقاتل عبد المنعم شفيق في الحرب العراقية الإيرانية وقف أحد العلماء الإيرانيين على جبهة القتال يُذكّر المقاتلين باستقبال الحور العين للشهيد حين يسقط على الأرض مضرجاً بدمه، فصرخ فيه أحد الجنود قائلاً: دع الحور العين لك أنت وحدك، أما أنا فحدثني: كيف وأين أرى الإمام الحسين؟! يعلق أحد منظري حزب الله على هذه القصة فيقول: وهذا ـ أي رؤية الحسين ـ هو ما يردد الرغبة فيه كل شهداء المقاومة الإسلامية، وما يأملون في الحصول عليه، ويقاتلون في سبيله، ويرونه ثمناً لبذل دمهم وحياتهم!! [وضاح شرارة ... دولة حزب الله (لبنان مجتمعاً إسلامياً) ٢٨٢] هذه إشارة أولى نلتقطها في البداية. الإشارة الثانية نلتقطها من حديث ما بعد الحرب الأخيرة على لبنان، ومن أحد كبار مساعدي مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي، ورئيس تحرير صحيفة كيهان، وهي الصحيفة اليومية الرسمية في إيران، وهو حسين شريعتمداري في افتتاحية له في مطلع شهر أغسطس ٢٠٠٦م تحمل عنوان (هذه حربنا) حيث يقول: إن حزب الله لا يقاتل من أجل السجناء، ولا من أجل مزارع شبعا، أو حتى القضايا العربية أياً كانت في أي وقت؛ وإنما من أجل إيران في صراعها الحدودي لمنع الولايات المتحدة من إقامة شرق أوسط أمريكي!! ثالثة الإشارات أو ثالثة الأثافي جاءت عقب وقف إطلاق (النار) وبعد (صمت أفواه المدافع) مباشرة، نلتقطها من (الخطاب الساخن) للرئيس السوري بشار الأسد حين قال: إن المعركة الحقيقية ابتدأت الآن، وعلينا أن نحول النصر العسكري إلى نصر سياسي، وقال: إن المقاومة ليست نقيضاً للسلام؛ بل هي والسلام جزء واحد!! الإشارات الثلاث السابقة ترسم لنا ثلاثة خطوط متوازية تسير في اتجاه واحد ... إلى هدف واحد، وتكشف في الوقت نفسه وبوضوحٍ شديدٍ معالم الأيدولوجيات والاستراتيجيات والتحالفات المستدامة، أو ما يمكن أن نسميه (عقيدة التثليث الجديدة) وأهدافها في المنطقة. ü حزب الله ... التوسع بالذبح: في هذا الحاضر الذي تمخض عنه تحولات ضخمة تؤثر في الحاضر والمستقبل معاً، لا ينبغي لنا أن نستدعي (كل) التاريخ؛ لأن ذلك سيغرقنا فيه، وسينسينا ما ألمّ بنا وما هو في قابل أيامنا، بيد أن التذكير بجزء من (التاريخ القريب) هام لتنشيط الذاكرة التي لم تعد تحتمل مزيداً من المآسي المتلاحقة والمستفحلة، والتي لا ينبغي لها أن تُنسى رغم مرارة الآلام. ففي ١٤/٥/١٩٨٦م نقلت (صحيفة النهار) اللبنانية عن محمد حسين فضل الله، وهو الأب الروحي لحزب الله، وهو يخاطب جمهور المصلين في مسجد بلدة النبي عثمان قائلاً: وعلينا أن نخطط (للحاضر) و (المستقبل) لنكون (مجتمع حرب) . إنّ الحرب هذه مفروضة؛ شأن كل الحروب التي يحل خوضها للإماميين! ولا يحل لهم خوض غيرها. ا. هـ. فالعقيدة الشيعية قائمة كلها على المصائب واستدعائها، وتكرار المآسي، والنواح على المصائب، والاحتفال غير المنتهي بها، ويرون ألا نهاية لمصائبهم إلا بخروج مهديِّهم الذي ينتقم لها ولهم (١) . يقول صاحب (دولة حزب الله) : وإذا غدا استمرارُ الثورة ـ يقصد الثورة الإيرانية ـ ودوامها من بعد حدوثها إنجازَ الثورة الأعظم، وجبَ تجديد الإنجاز كل يوم، والقيام بالثورة من غير انقطاع ولا تلكؤ، ولا يرتب تجديد الإنجاز حين تتصل الثورة الإسلامية الخمينية بين كربلاء وبين ظهور المهدي إلا إظهار الدلائل على قيام الثورة، وحفظ معناها، والحؤول بين هذا المعنى وبين الاضمحلال والضعف، ولا يتم ذلك إلا (بالإقامة على الحرب وفي الحرب) وينبغي لهذه الحرب أن تكون الحرب الأخيرة ولو طالت قروناً؛ لأنها تؤذن بتجديد العالم كله، وطيّ صفحة الزمان! ص (٢٧٦) . إذن نحن لا نستطيع بأي حال، ببراءة كانت أو بسذاجة أو بعاطفة أو تناسٍ، أن نقتلع ما يقوم به حزب الله أو حزب الدعوة أو حزب الفضيلة، أو منظمة بدر، أو غيرهم من الأحزاب والمنظمات الشيعية من هذا السياق العقدي القائم على (التوسع بالذبح) ، ولذلك لم يكن مستغرباً أبداً ألا يستنكر أو يندد (سيد المقاومة) حسن نصر الله بما يقوم به إخوانه في العراق من (ذبح) مئة ألف سني، و (تعذيب) المعتقلين، و (حرق) المساجد، و (تخريب) البيوت، و (تشتيت) الناس خارج قراهم ومدنهم، كل هذه (المصائب) التي جرّها إخوة نصر الله على العراقيين لم تحرك له ساكناً، بل اصطفّ وراءهم، ووصف المقاومين العراقيين بأن نصفهم صداميون والنصف الآخر تكفيريون (١) . أليسوا مقاومين لأمريكا وعملاء أمريكا وأذناب أمريكا، كما تقاوم أنت أمريكا وعملاء أمريكا وأذناب أمريكا؟! ولا يعقل أن المطالبة بتحرير عميد الأسرى سمير القنطار أهم من حفظ الدم السني المسال في العراق! ولا يعقل كذلك أن من يدافع عن القضية الفلسطينية ويدعم القضية الفلسطينية ويدندن حول القضية الفلسطينية، يترك أهل المخيمات الفلسطينية في العراق يذبحون ويُهجَّرون على أيدي إخوان الطائفة والمرجعية الواحدة!! وكيف يفسر حسن نصر الله قَصْرَ مطالبته بتحرير الأسرى اللبنانيين في السجون الصهيونية، وينسى أن يطالب سوريا، وهي الجارة والحليفة، بأن تفرج عن المعتقلين السياسيين من الإسلاميين والشرفاء؟ كما ينسى أن يطالب إيران ولو بالكف عن سوء معاملة أهل السنة، والسماح لهم ببناء مسجد واحد على الأقل في طهران. كل هذا وغيره يجعلنا نشكك وبقوة في نوايا حزب الله اللبناني وقيادته، ومشروعه، وارتباطاته وتحالفاته. ü أبعد من الأسرى ... وأهم من شبعا: يرتبط حسن نصر الله وأحمدي نجاد بعلاقة صداقة قديمة، فقد تدربا سوية ـ حسب مصادر أوروبية ـ في بلد آسيوي على أعمال استخباراتية، ثم عندما أصبح نصر الله أميناً عاماً لحزب الله جاء نجاد إلى لبنان مشرفاً على (مؤسسة الشهداء الإيرانية) ، وعندما تم تنصيب نجاد رئيساً لإيران العام الماضي حضر نصر الله مراسم الاحتفال، ثم قفل عائداً إلى لبنان سريعاً، بعد ثمانية أيام كاملة في إيران!! ويبدو أن يوماً واحداً لم يكن كافياً للتبريك وتبادل القبلات والأشواق. ونبقى مع نصر الله أيضاً، ففي يوم الجمعة ٢٥/٢٢/٢٠٠٥م، وفي (حفل) أقيم في ضاحية بيروت الجنوبية بمناسبة (تسلم جثث) ثلاثة مقاتلين من حزب الله، قال حسن نصر الله: «حقنا الطبيعي أن نأسر جنوداً (إسرائيليين) ، ومن واجبنا أن نفعل ذلك لمبادلتهم بلبنانيين لا يزالون معتقلين في (السجون الإسرائيلية) » ، وقال: «إن إسرائيل اعتقدت أن لبنان تغير، وسوريا خرجت منه، وخروج هذه القوات بحسب فهمها أضعف المقاومة وإرادتها» . وأكد على أنه: «يجب أن يفهم كل العالم أن المقاومة الإسلامية ستواصل الطريق حتى تحقق الأهداف، وحماية الوطن مهما كانت التضحيات» . وقد وفّى نصر الله بوعده، كما عهدته جماهير الأمة العربية، وضحّى بأكثر من ١٣٠٠ لبناني، وبضعة وستين مقاتلاً من حزبه البالغ عدده ٨٠٠٠ مقاتل!! أما إيران فإنها حسب قول علي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني: (وضعت سيناريو للرد) على محاولات إجبارها على التخلي عن تخصيب اليورانيوم، وخططت لـ (جر المنطقة إلى حرب) حسب تعبيره حينذاك. و «هذا تماماً ما تداولته الأوساط الدولية من سيناريو حرب إقليمية لإشعال المنطقة تستدرجها طهران وتستفزها سورية» بما «يقتضي تفجير العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية، الطائفية منها والحزبية، واختلاق مشاكل على الصعيد اللبناني الداخلي» . لو أضفنا كلام علي لاريجاني، إلى ما صدّرتُه في المقدمة من كلام حسين شريعتمداري حين وضح لماذا يقاتل حزب الله، ثم راجعنا كلام حسن نصر الله في بداية الحرب حين قال: إن (قواعد اللعبة) قد تغيرت، وهي ما يعني وجود (قواعد متفق عليها) ، ووجود (اتفاق على اللعب بالمنطقة) ، لأدركنا بوضوح وجلاء أن ما كان تاريخاً أصبح واقعاً، وأن الواقع صنع في التاريخ، وأن المنطقة الآن توشك أن يكتمل فيها الهلال الشيعي من البحرين حتى لبنان. وينبغي لنا هنا أن نتساءل: لماذا مقاومة حزب الله غير دائمة طالما أن هناك عدو ينبغي أن يزول، كما هو الحال في فلسطين والعراق؟ الأهم من ذلك، أنها لا تأتي إلا متزامنة مع ظروف سياسية، ومع الحاجة إلى أوراق جديدة لفك أزمة أو تحريك جمود في المواقف، ولماذا توقفت (الحرب المفتوحة) التي أعلنها نصر الله فجأة؟ رغم أن جيش العدو الصهيوني مازال موجوداً في الجنوب، وحصاره البحري والجوي ما زال قائما ًحتى هذا اليوم (١٣/٨/١٤٢٧هـ ـ ٥/٩/٢٠٠٦م) ، وأصبح أقصى ما يريده حزب الله هو قرار دولي لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، أين ما قاله نصر الله: «حرب مفتوحة ... أردتموها حرباً مفتوحة؟ نحن ذاهبون إلى الحرب المفتوحة ومستعدون لها ... إلى حيفا وإلى ما بعد حيفا» ؟! ولماذا لم تُضرب المنشآت الكيماوية في حيفا؟ ولماذا لم تُقصف تل أبيب طالما أنها في مرمى صواريخ حزب الله؟ ثم لماذا يقاتل حزب الله دفاعاً عن مزارع شبعاً وهي أرض سورية؟ ولماذا يذبح اللبنانيون من أجل مزرعة جارهم الصغيرة، ويسكت الجار عن كامل الجولان المحتل؟! والقواعد التي ذكرها نصر الله يقصد بها اتفاق التفاهم الذي تم قبل الانسحاب الصهيوني من الجنوب، والذي كان أبرز بنوده ما تم نشره بعد تسريبه في صحيفة (شبيجل) الألمانية يوم ١٣/٦/٢٠٠٤م، وكما جاء في نص الوثيقة التي وصلتني نسخة مترجمة لها كانت بنود الاتفاق كما يلي: المرحلة الأولى من الاتفاق: تشكيل لجنة أمنية من ميليشيات حزب الله وجيش دفاع العدو لوضع خطة ميدانية لترتيب عملية انسحاب جيش الدفاع الإسرائيلي، بإشراك بعض الضباط الأمنيين في الجيش اللبناني الذين يختارهم الحزب. المرحلة الثانية: بند (أ) : يقوم الجيش الإسرائيلي بسحب قواته كافة من كامل الأراضي اللبنانية والحزام الأمني إلى الحدود الدولية، في مدة لا تتعدى ثلاثة أشهر، تحت إشراف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة وفقاً للقرارات الدولية المتعلقة بجنوب لبنان، وإنهاء حالة الحرب هناك. كما يقوم جيش الدفاع الإسرائيلي بحل وتفكيك ميليشيات جيش لبنان الجنوبي، ولا يشمل الانسحاب مزارع شبعا على أساس أنها أرض سورية، مرتبطة أمنياً بهضبة الجولان، وأمن دولة العدو. فقرة (ب) : تقوم ميليشيات حزب الله بتسلم المواقع العسكرية والأمنية من جيش الدفاع الصهيوني، وجيش لبنان الجنوبي فوراً بعد إخلائها، للحيلولة دون وقوعها بأيدي منظمات فلسطينية أو إرهابية معادية للصهاينة. فقرة (ج) : يتعهد جيش العدو إطلاق سراح أسرى ميليشيات حزب الله ممن استكمل معهم التحقيق، على أن يتم إطلاق الشيخ عبد الكريم عبيد (وهذا أطلق سراحه في مرحلة لاحقة بعد تسوية وضع الطيار الإسرائيلي) وسيقوم الوسطاء الألمان بمعالجة هدا الملف. فقرة (د) : يتعهد الجيش الإسرائيلي بعدم استهداف أعضاء أو مؤسسات تابعة لهذا الحزب، وأن يسمح للحزب بتحريك أسلحته الثقيلة في المنطقة الحمراء للحفاظ على الأمن والهدوء. فقرة (هـ) : أن تعمل ميليشيات حزب الله على الانتشار في المنطقة الحمراء كلها (الحزام الأمني) حتى الشريط الحدودي بين لبنان ودولة العدو، وإحلالها مكان ميليشيات جيش لبنان الجنوبي بعد حل الأخرى. فقرة (و) : أن يعمل الحزب على ضمان الأمن في هذه المناطق التي ستصبح تحت سيطرته، وذلك (بمنع المنظمات الإرهابية من إطلاق الصواريخ على شمالي الأرض المحتلة) ووقف التسلل، واعتقال العناصر التي تهدد أمن حدود إسرائيل الشمالية، وتسليمهم إلى السلطات اللبنانية لمحاكمتهم، كما يتعهد الحزب بمنع الأنشطة العسكرية وغير العسكرية لمنظمات إرهابية فلسطينية أو لبنانية معادية في المنطقة الحمراء، ويتعهد حزب الله بالمساعدة في جمع وتقديم المعلومات عن الطيار الإسرائيلي (كوخاي) الذي اختفى في لبنان أثناء الحرب. فقرة (ز) : تُنسق الحكومة اللبنانية والسورية مع حزب الله على تنفيذ الاتفاق، كما تتعهد إيران، بكونها المرجع والمؤثر القوي لحزب الله، بضمان الاتفاق والمساهمة الفعالة في تثبيت الأمن في هذه المنطقة، وتتعهد الحكومة اللبنانية والسورية (بعدم ملاحقة أو محاكمة أعضاء جيش لبنان الجنوبي) ، وأن تقدما المساعدة على دمجهم بالمجتمع، وتوفير المساعدة والحماية اللازمتين لمن يرغب منهم العودة إلى بيته. وبناء عليه ستقوم كل من إيران وأمريكا بالسعي لحل مشكلة الأموال الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة التي تطالب بها إيران. ا. هـ. وعندما كان صبحي الطفيلي الأمين العام الأول لحزب الله يردد دائماً مؤخراً أن المقاومة اللبنانية تحولت إلى حامية لحدود الصهاينة الشمالية، كان معظمهم يعد ذلك تصفية لحسابات قديمة بين الرجل والحزب الذي أقيل من رئاسته. ما قاله الطفيلي شهد به الصهاينة لحزب الله، فقد امتدحت جريدة (هآرتس) في ٦/٧/٢٠٠٦م، الأمين العام للحزب بسبب عقلانيته وتحمله للمسؤولية، وأنه حافظ على الهدوء في الجليل الأعلى بشكل أفضل من جيش لبنان الجنوبي، وهو اليوم يتعقل فلا يضرب المنشآت الحيوية للصهانية كما صرح بذلك. ولقد كان (استدعاء الحرب) من قبل سوريا وإيران، وإحراق لبنان يهدف إلى إيصال عدد من الرسائل الملوثة بالدم والمعطرة برائحة الموت إلى عدد من الأطراف في المنطقة والفاعلة فيها، ومن هذه الرسائل: أولاً: على الجانب السوري: الرسالة الأولى: أن دمشق بعد الانسحاب المهين من لبنان بقرار دولي؛ والحديث عن أن سورية أو حلفاءها في لبنان، لم يعد لا لها ولا لهم أي تأثير في الشأن اللبناني؛ أرادت أن تثبت للجميع لبنانياً وعربياً و (إسرائيلياً) ودولياً أنها ما زالت ممسكة بأهم أوراق اللعبة في لبنان، وأن بيدها تحريك أدواتها في لبنان متى شاءت، وأنها تستطيع أن تجر على لبنان ما هو أكثر من سجالات أو فتنة سياسية ومناطحات حزبية بين مُواليها ومعارضيها. وهذه كانت رسالة موجهة إلى الداخل اللبناني في المقام الأول. الرسالة السورية الثانية: كانت موجهة إلى الجانب الصهيوني، والتي جاءت واضحة في شقها الأول بأن سوريا مازال لديها القدرة على إزعاج العدو بشكل يهدد أمنها ومواطنيها ومستوطناتها؛ وذلك بتوجيه الأوامر لحزب الله بافتعال أزمات متكررة تبقي الصداع الصهيوني مستمراً، كما أن السلاح الإيراني سيظل سيتدفق على حزب الله عبر الحدود السورية، وقد فهم العدو هذه الرسالة فلم توقف الحرب حتى دكت أغلب البنى التحتية العسكرية والتعليمية والصحية والمؤسسية لحزب الله، حتى أنها لم تترك بيت حسن نصر الله ومقره العام. الشق الثاني من الرسالة السورية الموجهة للعدو ومن خلفها الولايات المتحدة، أنه وبرغم أنها قادرة على إزعاجه عبر لبنان إلا أنها لا تريد حرباً حقيقية مع الصهاينة، كما أن العدو لا يريد هذه الحرب، وقد لوحظ أنه لم تُسجَّل في الحرب الأخيرة سوى غارة واحدة على الحدود السورية، وقد سارعت الدولتان السورية و (الإسرائيلية) لنفي حدوث ذلك، وأعاد السوريون نفيهم بوقوع أي غارة من العدو داخل أراضيهم، وكانت الرسالة تتضمن أن سوريا بيدها لجم حزب الله إذا أرادت، وقد مدت سوريا يدها بالسلام عبر (الحرب بالوكالة) ، فينبغي لمفاوضات السلام أن تعود بعد أن انقطعت، ولكن مع تغير في قواعد اللعبة فرضته الحرب الأخيرة، ولذلك فقد كان استخدام سوريا لحزب الله هو لتحسين ظروفها التفاوضية مع الصهاينة، وتحسين ظروف تفاوض حليفتها إيران مع الولايات المتحدة كما سيأتي. الرسالة السورية الثالثة: كانت موجهة للدول العربية بشكل مباشر وصريح، بأن سوريا قد حسمت تأرجحها بين قوميتها العربية وتحالفاتها الطائفية الإستراتيجية، وأن نصيبها من كعكة السيطرة القادمة على المنطقة مضمون بالانضواء تحت العمائم السوداء، فهُم سادة المنطقة الجدد، وستكون الجسر الذي تكمل به إيران طريقها من البحر الأسود إلى البحر المتوسط. ثانياً: على الجانب الإيراني: أرادت إيران في رسالتها الأولى: من هذه الحرب أن تقول للشعوب العربية والإسلامية: أنها مازالت الطرف الوحيد الذي يواجه الاستكبار الصهيوني في المنطقة، رغم أنها حرب خاضها بعض صنائعها على بعد مئات الأميال عن أراضيها. الرسالة الثانية: كانت موجهة مباشرة إلى العدو، فالصواريخ التي استخدمها حزب الله وأصابت أهدافاً لدى الصهاينة بدقة، قالت إيران من خلال ذلك: أنها غير مضطرة لاستخدام صواريخها بعيدة المدى للهجوم على العدو، وأن الجنوب اللبناني أقرب بكثير لتل أبيب من طهران وهمدان. ومما وُجِّهَ للعدو والولايات معاً أن إيران يمكنها في ظل التراجع الكبير للدور العربي في القضية الفلسطينية أن تلعب دوراً فاعلاً في (حل نهائي) حال الاتفاق. الرسالة الإيرانية الثالثة: جاءت لا لترد على الآراء الغربية بل لتتوافق معها ... حرفياً، فقد جاء على لسان علي أكبر ولايتي مستشار (المرشد الأعلى) حالياً ووزير الخارجية الإيرانية لمدة ١٦ عاماً ما نصه: إنه بإطاحة نظام طالبان في كابل ودكتاتورية البعث في بغداد، خلقت الولايات المتحدة فرصة تاريخية لإعادة صياغة الشرق الأوسط. ومع رحيل طالبان وصدام حسين، تشعر إيران بالأمان على حدودها ويمكنها أن تنتقل إلى الهجوم سعياً لتحقيق طموحاتها الإقليمية. ومفاد هذه الرسالة للولايات المتحدة أولاً: أنّ ما أرادت أمريكا تحقيقه في أفغانستان والعراق ما كان ليحدث لولا التفاهمات والمساعدات الميدانية الإيرانية، وما تزال طهران تمسك بزمام الورقة العراقية، وإن أرادت إزعاج الولايات المتحدة فيكفيها أن يتراجع السيستاني عن فتواه بتحريم قتال الأمريكان!!، كما يمكن استمرار حزب الله في المناوشات على الحدود مع إسرائيل، ولذلك: فعلى الولايات المتحدة أن تتفاهم وتتعامل مع إيران كشريك أساسي في رسم الشرق الأوسط الجديد، على أنها القوة الإقليمية الرئيسية في المنطقة. وإيران مع ذلك غير مستعجلة للتفاهم السريع مع الغرب، فهو يعني تقديم تنازلات قد تكون كبيرة، والقيادة الإيرانية تراهن فيما تراهن على انتظار مغادرة الرئيس الأمريكي البيت الأبيض، وانسحاب عسكري أمريكي من المنطقة، مما يخولها وحلفاءها الاستفراد بالمنطقة. كما أن إيران تسير بخطى منتظمة نحو امتلاك السلاح النووي، ولو أضيف السلاح النووي إلى السلاح النفطي الذي تملكه لكان الناتج يساوي دولة عظمى. ü مستقبل حزب الله: هتفت جماهيرنا العربية الساذجة مشيدة بحياة جمال عبد الناصر بعد (نكسة) ١٩٦٧م، ولم يرتضوا عنه بديلاً حين تنحّى عن الحكم، وفي لبنان شاهد حسن نصر الله حجم التدمير والحقد الصهيوني في الأيام الأولى للحرب، ورغم ذلك أصر على الاستمرار حتى تأتيه أوامر التوقف، ثم جاء يهزأ من الجميع، وأخيراً يقول: لو كنا نعلم أن خطف الجنديين سيؤدي إلى ما حدث ولو واحد في المائة لما أقدمنا عليه. ورغم (الاعتذار) والقتل والتشريد والتهجير والتخريب، خرجت الأمة تغني للانتصار المجيد!! وبعد (مراوغة الاعتذار) فُتح ملف مستقبل حزب الله، ومما لا شك فيه أن بقاء حزب الله مرتبط بتنفيذ دوره المناط به من قبل سوريا وإيران. وحتى الآن لم يتحقق لكلا البلدين ما سعيا للوصول إليه بأداة حزب الله، ومما لا شك فيه أن الموقف الإيراني يزداد قوة، وهذه القوة ستلقي بظلالها على حزب الله. كما أن الحزب يعد أنجح الأذرع الإيرانية في المنطقة، وقدم خدمات جليلة للطائفة الشيعية بأسرها، وكانت تجربته جديرة بالاستنساخ في دول أخرى تسعى إيران لغرس مخالبها فيها، وللحزب حضور إعلامي قوي بين جماهير المسلمين، وهو تأثير بالغ الخطورة حيث تلوثت مفاهيم كثيرة ليس للعوام فحسب، بل للدعاة والمثقفين، وهذا التأثير مطلب شيعي لنشر المذهب. مما سبق يجعلني أقول: إنه من الصعب التضحية به أو ذبحه، كما يقال، على الأقل في المدى القريب، فأبعاد العلاقة بين حزب الله وإيران، تختلف كلية عن شيعة الأهواز العرب، أو بعض العشائر الشيعية العربية في العراق، أو شيعة أذربيجان الأتراك. لكن سيكون على الجانب الآخر خصوم وأعداء ومناهضو المشروع الإيراني وذراعه اللبناني، الذين يدركون أبعاد المشروع التوسعي ودور حزب الله فيه، ولن يتوقفوا عن محاولات وضع العصي في عجلات هذا المشروع لإيقافه أو تفجيره.

стр. 5739

خلفيات وقائع وأحداث مقديشو (٢ - ٢) الشيخ محمود عيسى لم يزل الشعب الصومالي يتحين الفرص كي يتخلص من الكابوس المزعج الذي ظل جاثماً على صدره منذ فترة تزيد على عقد ونصف العقد من الزمان، ذاق خلالها ألواناً من الويلات، وانغمس لأجلها في معارك طاحنة تثور من وقت إلى آخر لأتفه الأسباب يتولى كِبْرَها زعماء الحرب أو قادة المليشيات الذين قسّموا الشعب الصومالي إلى فئات وعشائر يتحكمون في أمرها ويطغون عليها، ويجرُّونها إلى حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل سعياً وراء مصلحتهم الشخصية. وأصبحت مدينة مقديشو وحدها مُوزّعة على أكثر من ١٥ فصيلاً، كلٌّ يسيطر على جزء معين من المدينة يستبد بأمره، ويفرض عليه ما يشاء من الإتاوات، ويضع الحواجز والنقاط على الطرق والشوارع لابتزاز الأموال، حتى كانت الحواجز على مسافات متقاربة لا يفصل بينها إلا يسير من الأمتار، مما جعل الحركة مشلولة، وأدى إلى انتشار الذعر والقلق في نفوس المواطنين الذين ظلوا يترقبون دائماً ماذا يحدث لهم خاصة عند عبورهم الحواجز التي تكثر عندها المصائب. ومهما يكن من أمر فإن عزيمة هذا الشعب لم تنكسر أبداً، ولم ييأس من أن يعيش كغيره من الشعوب بسلام ووئام، ولم يزل يكافح في استعادة حريته وحقوقه المسلوبة، ويأبى أن يذعن لمحاولات المُلاّغ (أمراء الحرب) الذين عاثوا فيه فساداً، وحاولوا أن يقوموا مرة أخرى بإشعال حرب من نوع آخر ضد هذا الشعب، وضد مقدساته؛ حيث أعلنوا عن تحالف شيطاني هدفه إلقاء الشر والعداوة والبغضاء بين أبناء هذا الشعب المسلم ليضرب بعضه بعضاً. وكان هذا التحالف يضم ١١ مجرم حرب جمعتهم الولايات المتحدة الأمريكية وجندتهم لتستخدمهم عملاء لها في محاربة المسلمين وقتلهم وتسليمهم لها، وبالمقابل تغدق عليهم المال والسلاح، فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرب علماء المسلمين في الصومال إن كنتم مطاوعين سادتكم (يعنون أنفسهم) ، واعترفوا علناً في لقاءاتهم تفاخراً أنهم لا يقومون بهذا الأمر إلا بتفويض من المخابرات الأمريكية والشرطة العالمية ((Interpol. فكان هذا الإعلان فتحاً ونصراً مبيناً للمسلمين، وتنبه المواطنون إلى حقيقة هذه المؤامرة ومغزاها، وبادروا إلى الالتفاف حول المحاكم الإسلامية التي تصدت لهجمات التحالف التي شنها فور الإعلان عنه وردت الصاع له صاعين، وكسرت شوكته، وهزمت قواته في جميع ميادين القتال حتى لاذ قادته بالفرار، وصارت اليد العليا للشعب بفضل الله ومنّة، ثم بسبب المحاكم الإسلامية التي استطاعت بسط سيطرتها على مقديشو ومحافطات ومدن أخرى في جنوب ووسط البلاد. وتوصلت المحاكم الإسلامية في عملياتها لتحقيق المكاسب التالية: ١ ـ إعادة الأمن والنظام: منذ أن خاضت البلاد الحروب الأهلية كان السلاح بكل أنواعه منتشراً في أيدي أفراد الشعب، وانفتحت أسواق كثيرة للمتاجرة به، حتى صارت أصوات البنادق ودوي المدافع مما يألفه الناس صباحاً ومساءً، كما صارت الاشتباكات التي تحدث بين أفراد الميليشيات جزءاً من حياة المدينة، وكان اللصوص وقطاع الطرق منتشرين في الشواع والسكك ينهبون ويغصبون أموال المواطنين، وكانت النعرات القبلية تسود المجتمع ويكثر فيه القتل والثأر، حتى جاء الفرج واليسر مع المحاكم التي باتت تتغلب على الانفلات الأمني، وأعادت الأمن والأمان للمواطنين بإذن الله؛ حيث طبقت نظاماً أمنياً صارماً، وفرضت حظراً على امتلاك الأسلحة الثقيلة وتداولها بين المواطنين، كما فرضت نظاماً للرقابة على أسواقه كخطوة أولى يتلوها أن تشرع في اتخاذ إجراءات تمنع المواطنين أياً كانوا من الاحتفاظ بأسلحة دون إذن. ٢ ـ توحيد العاصمة مقديشو: كان الحديث عن توحيد العاصمة مقديشو وحدها، فضلاً عن باقي البلاد، شبه المستحيل؛ حيث كانت مقسمة بين عدد من زعماء الحرب الذين لا تجمعهم رابطة؛ فكان كل منهم يحتل جزءاً معيناً يبقى فيه ويتقيد بحدوده ولا يتجاوز عن الخط الأحمر، حتى لا يستفز نظيره الذي قد يرد عليه بوابل من الرصاص مما ينتج عنه هلاك الكثير من المواطنين. وعاش الناس في تلك الحالة يساورهم الخوف والهلع والدهشة من ذلك، فصاروا متحيرين في أمر هؤلاء الذين ليس لهم وازع ديني يمنعهم من ارتكاب هذه الجرائم، ولا يجدون من يردعهم في الحكم يشكون إليه، ففوضوا أمرهم إلى الله وهو خير الحاكمين. وبذلك صارت أجزاء كبيرة من العاصمة غير مسكونة، وتحولت إلى أشباح تخلو من السكان ومن المارة، ولكن لما جاءت المحاكم الإسلامية التي أسسها المواطنون لمعالجة ذلك الوضع المتردي واستطاعت أن تمسك بزمام الأمور وجدنا الناس يتنفسون الحرية، ويحسون راحة البال، وبذوقون طعم الحياة، ورأينا أن المدينة عادت إلى وضعيتها، وتداعى الناس إلى الخروج من أقاصي المدينة وأواسطها، وبدؤوا يجوبون الشوارع التي أخذت تعج بهم، ويستبشرون بما يرونه من النصر ومن الوحدة السياسية التي استعادتها عاصمتهم، وتمنوا أن يعم هذا الخير الوطن كله، وعسى الله أن يريهم ذالك وياتيهم بالفتح العظيم. ٣ ـ إعادة تشغيل المطار والميناء: توقف العمل في كل من المطار والميناء الرئيسيين في مقديشو منذ نشوب الأزمة في الصومال واندلاع الحرب الأهلية فيها لعدم إمكانية وجود نظام يتفق عليه زعماء الحرب المتشاكسون لإدارة هذين المرفقين، ويضمن لكل منهم نصيبه من الإيرادات ـ التي يرى المحللون أنها هي السبب الرئيسي في إغلاقهما ـ فلأجل ذلك باتا معطلين، وتعرضا للنهب والتدمير؛ إضافة إلى الخراب الذي لحق بهما من جراء توقف العمل. ولكن بعد توحد العاصمة مقديشو سياسياً على يد المحاكم الإسلامية اختفى هذا الهاجس وصارت الظروف مواتية لحركة الطيران أن تعيد نشاطها وأعمالها إلى المطار مرة أخرى، وكانت طائرة الجامعة العربية أول طائرة هبطت وأقلعت من مطار مقديشو الدولي حاملة معها وفداً رفيع المستوى من المحاكم الإسلامية إلى الخرطوم لحضور الجولة الثانية من المفاوضات التي أُجلت بسبب غياب وفد الحكومة عنها. وبعد ذلك أصبح المطار يشهد حركة طيران واسعة أراحت المواطنين من معاناة السفر الطويل بعد أن كانوا يذهبون إلى مطارات بعيدة يتولى أمرها أفراد من الميليشيات. وأما الميناء البحري فأجري فيه بعض الاصلاحات والترميمات لإعادة تأهيله وتنشيطه؛ لأنه قد لحق خراب ودمار ببعض أجزائه خلال سنوات تعطله، وبعدها أصبحت البواخر والسفن ترسو فيه ويشهد حركة ملاحة بحرية واسعة للشحن والتفريغ، وعاد هو الآخر إلى سابق عهده. ٤ ـ النظافة: لم تكن العاصمة مقديشو متأثرة بالحروب وبالفوضى وعدم النظام فقط، بل إن هناك مشكلات أخرى أضرت بالمواطنين وتسببت في تردي الوضع الصحي للمدينة بعد أن تكونت داخل المدينة أكوام كبيرة من القمامة والأوساخ تشبه تلالاً منتشرة في الأحياء السكنية وفي الشوارع والطرق والأماكن العامة؛ إضافة إلى الرمال التي جرفتها سيول الأمطار وترسبت على الشوارع وغيرت معالمها وأعاقت حركة المرور. وكانت هذه الأوساخ والرمال تراكمت خلال خمس عشرة سنة مضت بقيت فيها الصومال دون حكومة مركزية. إلا أن المحاكم الإسلامية لما سيطرت على العاصمة جعلت نظافة المدينة من اهتماماتها الأولى انطلاقاً من الحديث النبوي الشريف: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة» وشكلت لجنة عليا منبثقة منها لهذا الغرض مهمتها نظافة المدينة وإصلاح الطرق والممرات لتسترد المدينة رونقها وجمالها، وباشرت هذه اللجنة أعمالها وتستمر فيها وأنجزت قسماً كبيراً من المهمة. ٥ ـ إعادة تأهيل الميليشيات: من المعلوم أن عدداً كبيراً من الميليشيات الذين كانوا تابعين لتحالف أمراء الحرب المهزوم ما زالوا موجودين في مقديشو فآوتهم المحاكم الإسلامية وجردتهم من السلاح، وحمعتهم في معسكرات تدريبية لإعادة تأهيلهم لينسجموا مع المجتمع، وتشعر بالمسؤولية تجاه تعليمهم وتربيتهم دينياً ليعود إليهم صلاحهم؛ حيث إن هؤلاء الشباب كانوا متعودين على مضغ القات وتعاطي بعض المخدرات التي يوفرها لهم زعماء الحرب كغسيل للمخ ليسيطروا عليهم وتزداد تبعيتهم لهم. ولذلك أرادت المحاكم الإسلامية أن تقوم بتأهيل هؤلاء الشباب ليعود الصلاح والوعي إليهم، ولينخلعوا عما كانوا يفعلونه، ويتوبوا إلى ربهم ويدعوا أن يغفر لهم. ü المفاوضات والمصالحة الصومالية المرتقبة: بدأت الآمال تعود إلى الشعب الصومالي، ووجد أنه يتحرر من قبضة أمراء الحرب ويخرج من المأزق الذي عاش فيه طيلة عقد ونصف العقد من السنين لقي خلالها معاناة قاسية مليئة بالظلم والطغيان، ولاحت له بشائر من النصر والوئام بعد لقاء الخرطوم الذي جمع المحاكم الإسلامية والحكومة المؤقتة برعاية السودان والجامعة العربية. وكان هذا للقاء تم بحضور وفد يتكون من عشرة أعضاء من جانب المحاكم الإسلامية برئاسة الدكتور محمد علي إبراهيم، بينما حضر من جانب الحكومة وفد يضم الرئيس عبد الله يوسف أحمد، ورئيس البرلمان شريف حسن شيخ آدم، ورئيس الوزراء علي محمد جيدي بالإضافة إلى عدد من الوزراء. ورغم الضغوطات التي مورست على المحاكم الإسلامية من جانب الجامعة العربية والمجتمع الدولي بدأت المفاوضات في جو هادئ، ونجح الوسطاء في أن يلتقي الطرفان وجهاً لوجه، وتم التوصل إلى توقيع اتفاق إعلان مبادئ تتضمن اعترافاً متبادلاً (اعتراف المحاكم الإسلامية بشرعية الحكومة، وبالمقابل تعترف الحكومة بوجود المحاكم الإسلامية كأمر واقع) ، ووقف العداء والحملات الإعلامية، ومحاكمة مجرمي الحرب، وتوجيه نداء عام للسلام، وضرورة مواصلة الحوار والمفاوضات دون شروط مسبَّقة، كما اتفق الطرفان على عقد الجولة اللاحقة من المفاوضات في الخرطوم يوم ١٥ يوليو الماضي. وكان هذا الاتفاق الذي وقعه كل من الحكومة والمحاكم يعتبر خطوة كبرى إلى الأمام لحل المشكلة الصومالية، وبات يبعث الأمل في نفوس المواطنين. إلا أن هذا الأمل لم يدم طويلاً وكاد يخيب بعد تغيب الحكومة عن المشاركة في الجولة اللاحقة من المفاوضات التي كان من المفترض أن تعقد منتصف شهر يوليو الماضي محملة المسؤولية للمحاكم الإسلامية التي ذهبت من جانبها إلى الخرطوم مقر المفاوضات وحضرت لإجرائها، ولكنها رجعت دون شريك. وبررت الحكومة غيابها بأن المحاكم الإسلامية نقضت ما تم الاتفاق عليه في الجولة الأولى وخاصة البند الذي ينص على «وقف العداء» بعدما شنت حرباً في مقديشو على عبدي حسن عواله (قيبديد) أحد عناصر تحالف أمراء الحرب الذي كانت تدعمه أمريكا، وأنها قامت بحملة تصفية شاملة ضد المناوئين لها لتوسيع نطاق حكمها، وبسط سيطرتها على مدن ومحافطات أخرى. واحتجت الحكومة بأن هذا البند ينص على أن يبقى كل طرف من طرفي الاتفاق على المناطق التي كان يسيطر عليها قبل توقيع الاتفاقية، وأن المحاكم الإسلامية تجاوزت عن ذلك، واحتلت مناطق جديدة وأشعلت حروباً أخرى، وأصرت الحكومة على أنه ليس من المعقول أن تستمر معها في المفاوضات طالما لم تحترم ما تم الاتفاق عليه سابقاً. ودافعت المحاكم الإسلامية عن دورها في معرض ردها على مزاعم الحكومة بأنها خرقت الاتفاقية، وقالت: إن هذه الحجج التي أوردتها الحكومة لا تتجاوز أن تكون حججاً واهية ومبررات خاطئة؛ إذ إن العقد أولاً هو شريعة المتعاقدين، وأن المحاكم الإسلامية لم تعتدِ من جانبها على الحكومة، وأنها لم تزل واقفة على احترام البنود التي تم الاتفاق عليها، وأن الاتفاق الذي تم في الخرطوم لم يكن تحالف أمراء الحرب طرفاً فيه، وأن المحاكم الإسلامية لما كانت تفاوض مع الحكومة وتوقع معها هذا الاتفاق لم تزل في حربها مع التحالف وقادته الذين لم يكونوا أعضاء في الحكومة؛ لأن الوزراء الذين يشكلون المحاور الرئيسية للتحالف طردتهم الحكومة وأعفتهم عن مناصبهم الوزارية، وردت السبب في ذلك إلى مخالفة هؤلاء للدستور ودورهم في قتل الأبرياء، ونقضهم اتفاقات سابقة لوقف إطلاق النار، وكانت اتفاقية الخرطوم تنص على (محاكمة مجرمي الحرب) ، ولذلك انحرفت الحكومة عن مبدئها، وكانت الجانب الذي لم يحترم الاتفاقية ونقضتها حيث تمسكت بمبدأ براءة هؤلاء المجرمين الذين أوردوا المواطنين إلى جحيم الحرب، وقامت بإيوائهم، ورحبت بهم في مدينة (بيدوا) وقدمت لهم دعماً عسكرياً مما يعد خرقاً للاتفاقية، كما سعت الحكومة إلى حشد قوات إثيوبية على الأراضي الصومالية التي توغلت بكتائب مجهزة بالسلاح الثقيل كالمدرعات والمدافع الثقيلة، ووصلت إلى مدينة (بيدوا) مقر الحكومة، بينما دخلت وحدات أخرى في المحافظات الصومالية قرب الحدود وهي ترابط فيها، مما يعد تهديداً للوضع الأمني الداخلي، واستعداد العدو الصليبي الإثيوبي والحكومة لشن حرب على المحاكم الإسلامية وإعادة البلاد إلى المُربّع الأول أو الأسوأ منه. ويرى المحللون أن رفض الحكومة المؤقتة للمشاركة في الجولة الثانية من المفاوضات ينتج عن نفسيتها؛ حيث ترى أن هشاشة بنيتها وضعف قدرتها يجعلانها غير قادرة على الحصول على مكاسب سياسية قوية من المفاوضات التي تجرى في الخرطوم؛ حيث إن هذه الجولة تتطرّق إلى البحث حول القضايا الخلافية الرئيسية مثل قضية القوات الأجنبية والدستور وتقاسم السلطة، ولذلك أرادت ان تصطنع بعض العوائق والمبررات لرفضها، إلى حين تتخطى هذه المشكلات التي تتمثل في الآتي: أـ الخلافات الداخلية: الحكومة الصومالية المؤقتة لم تسلم منذ تأسيسها من خلافات داخلية؛ حيث بدت الانقسامات بين أعضائها والبرلمان قبل الرجوع من كينيا إلى البلد للعمل فيه حول المكان الذي تعمل فيه الحكومة، فارتحلت مجموعة من أعضاء البرلمان والوزراء بقيادة رئيس البرلمان شريف حسن إلى مقديشو بحجة أنها هي العاصمة وأن مشكلتها تتطلب حلاً فورياً، وأن حلها لا يأتي إلا بالعمل فيها، بينما رفضت مجموعة أخرى بقيادة الرئيس عبد الله يوسف أحمد ورئيس الوزراء علي محمد جيدي الانتقال إليها بحجة أنها غير آمنة، ولا يمكن أن تعمل الحكومة فيها، وانتقلت إلى مدينة جوهر على بعد ٩٠ كيلو متراً شمالاً من مقديشو؛ حيث استقبلهم هناك حاكم الإدارة لمحافظة شبيلي الوسطى محمد طيري الذي صار ردءاً لهذه المجموعة قبل أن يتطور الخلاف بينها وبين محمد طيري الذي انضم إلى التحالف الشيطاني الأمريكي لمحاربة الإرهاب، وانتقال الحكومة إلى (بيدوا) على بعد ٢٤٠ كيلو متراً غرب مقديشو بموجب الاتفاقية التي كانت بين الرئيس عبد الله يوسف أحمد ورئيس البرلمان شريف حسن شيخ آدم برعاية الرئيس اليمني علي عبد الله صالح مما أنهى الخلاف القديم بين كبار الدولة، إلا أن خلافات أخرى نجمت بينهم بعد عودتهم من مفاوضات الخرطوم، وكان سببها الاختلاف في من له الحق بالإشراف على المفاوضات التي تجرى مع المحاكم الإسلامية، أو فيما إذا كانت الحكومة تستمر فيها أو تعلقها؟ وحذر رئيس الدولة في خطاب ألقاه أمام البرلمان من التدخل في شؤون اختصاصات غيره، وقال: «إن البرلمان هيئة تشريعية لا دخل لها في العملية السياسية ... وإننا علّقنا المفاوضات مع المحاكم ما دامت لم تحترم ما اتفقنا عليه» بينما رد رئيس البرلمان قائلاً: «إن أصل العمل الذي جاء لأجله البرلمان هو تطبيق المصالحة، ورسم السياسة العامة للدولة ومتابعة تنفيدها، وأن عمل البرلمان سياسي ... وأن المفاوضات جارية ولا يستطيع أحد أن يعلقها» وأكد أنه سيقوم بتشكيل لجنة من البرلمان لمواصلة الحوار والتفاوض مع المحاكم الإسلامية، مما أحدث زوبعة سياسية جديدة داخل المؤسسات الفيدرالية، واحتدم الخلاف وتطور حتى تقدم بعض النواب إلى البرلمان بمشروع يقضي بسحب الثقة؛ من الحكومة؛ لأنها ترفعت عن الخضوع لمحاسبته، بينما دافع نواب آخرون عنها، وتبادل الطرفان اتهامات يدين بعضها بعضاً، وصوَّت البرلمان فيما إذا كان يعطي الثقة للحكومة أو يسحبها، فجاءت النتيجة أن الحكومة حصلت على ثقة البرلمان، وفازت بفارق ضئيل من الأصوات. ولم يتوقف الخلاف عند ذلك الحد، واستقال عدد كبير من الوزراء ونوابهم وزراء الدولة من مناصبهم، بما يقارب نصف الحكومة، وشرع رئيس الوزراء في إعادة شغل المناصب التي شغرت مما ترك وضع الدولة يتأزم ويضطرب، وتوجه بطلبه إلى أثيوبيا حارسة الحكومة أن تتدخل في شؤونها لاحتواء الأزمة؛ حيث وصل إلى مدينة (بيدوا) فجأة وزير الخارجية الإثيوبي (سيوم مسفن) للتوسط بين الجانبين، ونجح في أن يجمعهم على طاولة الحوار والتوصل إلى اتفاق وإنهاء الخلاف بينهم. ب ـ ضعفها وعدم قدرتها في تثبيت الأمن: وضع الحكومة وعدم قدرتها على تثبيت الأمن، وانتشار الميليشيات المسلحة في (بيدوا) جعل المدينة تشهد اضطرابات أمنية واصطدامات مسلحة بين المليشيات الحكومية والمليشيات القبلية التي ترفض الولاء للحكومة؛ حيث حدث في المدينة في مرات عديدة اشتباكات دامية قتل فيها وجرح أعداد كثيرة من المواطنين، كما قتل وجرح أعضاء من الحكومة والبرلمان بالإضافة إلى بعض زعماء العشائر. وكانت آخر الاشتباكات التي وقعت في (بيدوا) يوم ٢١ أغسطس الماضي بعد أن حاولت مجموعة من ميليشيات الحكومة أن تفك من السجن أحد المتهمين بقتل الوزير في شؤون الفيدرال والدستور عبد الله ديرو إسحق ﵀ الذي قتل في الشهر الماضي بعد تأديته صلاة الجمعة مباشرة أمام المسجد في (بيدوا) مما أثار حفيظة سكان المدينة ودفعهم إلى القيام بمظاهرة تتصف بالعنف، أدت إلى تبادل لإطلاق نار كثيف. ومما يوضح ضعف الحكومة وعدم قدرتها على تثبيت الأمن أن أفراد الميليشيات الذين جمعتهم ليصبحوا نواة للجيش الوطني بدؤوا يتفرقون ويتركون المعسكرات، يخرجون منها أرسالاً مع عرباتهم وأسلحتهم لينضموا يوماً بعد يوم إلى المحاكم الإسلامية التي رحبت بهم لتؤهل من كان يرغب في العمل معها. وكان السبب في ذلك أن هؤلاء الشباب فقدوا ثقتهم بالحكومة، وأصابتهم الشكوك من نيتها، من حيث: ١ ـ عدم حصولهم على رعاية واهتمام من جانب الحكومة التي اشتغلت عنهم بخلافاتها الداخلية. ٢ ـ قسوة المدربين الذين كان أغلبهم إثيوبيين يعاملونهم معاملة قاسية كالضرب والركل، ومنعهم من تأدية الصلوات وغيرها. ٣ ـ خوفهم من حروب محتملة، حيث وجد هؤلاء الشباب أن الحكومة تخطط للهجوم على المحاكم الإسلامية ومناوئيها، بعد إيواء زعماء الحرب المهزومين من مقديشو وغيرها وحشد القوات الإثيوبية في الأراضي الصومالية، فعرفوا أنهم سيصبحون الشرارة الأولى لتلك الحروب الأهلية التي تورط البلاد وتعيدها إلى مُربّعها الأول، فتركوا المعسكرات رغبة في إفشال هذه الخطة والذود عن البلد. ü مشروع نشر القوات الأجنبية: تتمسك الحكومة بمشروع نشر قوات إفريقية في الصومال وتجعله من أهم أولوياتها، وتبذل قصارى جهدها لإنجاحه، وترى ضرورة تلك القوات لتستعيض عن النقص في الإمدادات العسكرية، وتقدمت الحكومة بهذا المشروع إلى البرلمان للمصادقة عليه، وصوت لصالحه. ويلقى هذا المشروع دعماً وتأييداً من الاتحاد الإفريقي ومنظمة دول الإيغاد التي أعربت دولتان منها (أوغندا والسودان) عن استعدادهما للمشاركة بقواتهما في عملية حفظ السلام المزعومة في الصومال، بينما كانت إثيوبيا تسابق الأحداث، وأرسلت قواتها فور تصديق البرلمان على المشروع قبل صدور قرار رفع حظر السلاح المفروض على الصومال من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة تمهيداً لنشر قوات أجنبية فيه وخاصة إفريقية، وهو ما ترفضه غالبية الشعب الصومالي بالإضافة إلى المحاكم الإسلامية التي تسيطر على العاصمة مقديشو ومدن أخرى، وصرح رئيس المحاكم الإسلامية في خطاب ألقاه في بعض المناسبات: «أن هذا الأمر غير معقول وغير مقبول، وأنه احتلال، وخيانة عظمى، ولا داعي إلى استدعاء قوات أجنبية، وأن الشعب الصومالي قادر على حل مشاكله بنفسه، وأن له تجربة وخبرة في ذلك؛ حيث تواجدت القوات الدولية في بداية التسعينيات من القرن الماضي ولم تسفر عنها أي نتائج إيجابية غير أن تؤزِّم وتعقد الأمور» . وأدانت المحاكم الإسلامية الحكومة واتهمتها بأنها عديمة الثقة بشعبها، وتريد أن تطيح به تحت الاستعمار الحبشي الذي له تاريخ طويل مع الصومال مليئة بالحروب خلال القرون الخمسة الماضية، ويحتل منطقة الصومال الغربي التي كانت محور الصراع بين البلدين، ولا يزال يحمل للصومال عداوة تقليدية ويعمل كي يحقق أطماعه ونواياه الخفية ومخططاته الصليبية. ولا تزال الحكومة تتمسك بهذا الموقف وتدافع عنه وتصر عليه، وتعتقد أن استقدام قوات أجنبية يكون لصالح البلد ويحقق مآربه، كما قال الرئيس عبد الله يوسف: «إن الاستعانة بقوات أجنبية أياً كانت هو ما تأمرنا به روحنا الوطنية والدينية ولن نتنازل عنه، وسنمضي قُدُماً في ذلك» . ü دوافع وتداعيات هذا القرار: إن هذا المشروع تقدمت به الحكومة من قبل إلى البرلمان في كينيا، ولقي فشلاً يوم ١٧ مارس من العام الجاري بعد أن أثار جدلاً محتدماً وتضارباً بالعصي والكراسي بين أعضاء البرلمان، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي دعا الحكومة إلى إحياء هذا المشروع وتقديمه مرة أخرى إلى البرلمان؟ وما هي الدوافع الحقيقية التي أجبرت البرلمان في هذه المرة على تمريره والمصادقة عليه ليتزامن ذلك مع الأحداث الجارية في مقديشو والتحول السياسي فيها؟!! قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نعرف أن المؤتمر الذي انعقد في كينيا وتمخض عنه البرلمان الصومالي الذي انتخب رئيساً للدولة، وانبثقت منه الحكومة المؤقتة الحالية لم يشارك فيه سوى زعماء الحرب وقادة الميليشيات الذين أغلقوا الباب أمام مشاركة الآخرين. وبعد سنتين من الاجتماعات المطولة تحول الكل إما إلى أعضاء في البرلمان أو وزراء في الحكومة أو رئيس للدولة، ولم يأت واحد منهم عن طريق الانتخاب ولا عن رضى من الشعب، ولكن يعرف الجميع ماذا حصل لأولئك المتنافرين بعد أن اجتمعوا للعمل في المؤسسات الحكومية؛ إذ أصبح تقاسم السلطة من المستحيل، وأضحوا كأهل غابة جمعتهم مأدبة العشاء؛ إذ يريد القوي أن يستحوذ عليها دون الضعيف. وللأسف لا يوجد ضعيف هنا، فالكل أقوياء، وبدأ الشلل يصيب حكومتهم كسابقاتها، وبدأ كل زعيم يعمل على شاكلته ويتحين الفرص لصالحه كي يتخلص من منافسه، ولو أدى ذلك إلى الاستعانة بالعدو الصليبي الذي يغدق عليهم المال والسلاح لإبادة المسلمين في الصومال، وقد يكون هذا العدو داعماً لكلا الخصمين في آن واحد؛ إذ الشيء الذي يعجبه أن يرى هو الدمار والخراب الذي ينتج عن الحرب بغض النظر عن أطراف الصراع أو الجانب الخاسر. ولكن بعد قيام ثورة شعبية ضد هؤلاء الزعماء وبروز المحاكم الإسلامية في الواقع كقوة جديدة رأى العدو أن الرياح هبت بما لا تشتهي السفن، وأصبح الجانب الخاسر معتبراً لديه لتصدي التيار الإسلامي الإصلاحي الذي أخذ يتحرك لإخماد ما أشعله، ويعتزم إصلاح ما أفسده، فدعا المهزومين أن ينضموا إلى ركب زعيمهم قائد الحكومة في بيدوا؛ إذ يعتبر الرئيس عبد الله يوسف أحمد أول زعيم حرب صومالي حمل السلاح منذ ٣٠ سنة، ولا يرجى منه أن يقبل الاعتراف بشرعية المحاكم الإسلامية، لذا اختاره العدو أن يقود هذه الحملة من جديد ويجمع شتات المنهزمين الذين لم يكن خلافهم مع الحكومة بالأمس مبنياً على مبدأ يجب حفظه ورعايته، بل يقوم على الانتهاز والأنانية، إلا أنهم باتوا الآن ينظرون إلى هذه القضية من منظور واحد، ويشعرون بالقلق والخوف من هذه القوة الجديدة التي وضعت قدمها في الساحة السياسية، قوة تختلف عنهم كل الاختلاف، لها ثوابت ومبادئ لا يجوز الحَيْدة ولا التنازل عنها، وتختار قادتها وفق معايير شرعية لا تتوفر فيهم كزعماء تقليديين. ولذلك ليس من المعقول أن يظن العاقل أو الفاهم أن تكون الحكومة في (بيدوا) مطمئنة البال تجاه ما يجري في مقديشو والمدن الأخرى، بل يثير فيها قلقاً واستياء؛ إذ لا يوجد من يضمن لها إيقاف هذا التيار الإسلامي الإصلاحي الذي يمكن في أي لحظة أن يجتاح مناطق أخرى ومدينة بيدوا نفسها، ويكون مصير الحكومة مثل مصير قادة التحالف. ولذلك تبينت للحكومة هشاشتها، وأنها غير قادرة على حماية نفسها إذا اتخذت هذا السلوك السلبي منهجاً لها في التعامل مع المحاكم الإسلامية، إلا أن تلجأ إلى الاستعانة بالقوات الأجنبية لتعزز موقفها وتحتمي بها، ولكنها أسرعت في الجواب وأخطأت في الصواب، ولم تأخذ الحكمة التي تقول: «لا تفتح باباً يعييك سدُّه، ولا تَرْمِ سهماً يعجزك ردُّه» ولم تعتبر ما حدث في الصومال عام ١٩٩٣م وما يحدث في أفعانستان والعراق؛ إذ لا سبيل إلى ذلك القرار، ويكفي أن المحاكم الإسلامية التي تسيطر على العاصمة وعلى مناطق أخرى أعربت عن استعدادها للتفاوض مع الحكومة، وأصدرت عفواً عاماً عن أعضاء تحالف أمراء الحرب إن عادوا إلى حظيرة الوطن وألقوا السلاح لإنقاد البلد من التدخل الأجنبي، الذي قد يكونون هم سبباً له. ü التدخل الإثيوبي: فلما جاء الاستعمار الأوروبي الصليبي قسَّم الصومال إلى خمسة أجزاء، وضم جزءاً كبيراً منه لإثيوبيا، كما ضم جزءاً آخر لكينيا، على حين اتحد الجزآن اللذان تحتلهما إيطاليا وبريطانيا وكوّنا جمهورية الصومال عام ١٩٦٠م، بينما استقل الصومال الفرنسي (جيبوتي) . وما زال الصومال منذ الاستقلال يطالب بأراضيه، ودخل حرباً مع إثيوبيا عام ١٩٦٤م (بعد سنوات من استقلاله) كما دخل حرباً أخرى معها عام ١٩٧٧م، ولم تزل إثيوبيا تحتل ذلك الجزء وتمنعه من أي امتياز أو تقدم. فبعد سقوط الدولة في الصومال عام ١٩٩١م وجدت إثيوبيا في ذلك ضالتها، وسعت جاهدة بكل قواها لتفكيك الصومال، وتمزيقه حتى لا يعود من جديد، وصبّت الزيت على النار، ودعمت الانفصال الذي أعلنته من جانب واحد محافظات الشمال الغربي. وتلبست الحكومة الإثيوبية في كثير من الأحيان بإظهار الود والصفاء للشعب الصومالي، وعقدت في مقرها أديس أبابا عدداً من مؤتمرات المصالحة الصومالية التي ما أفادت المؤتمرين إلا تفريقاً وتشتيتاً؛ لأن الهدف الإثيوبي منها اجتثاث المصالحة وإشعال العداوة بين الفرقاء، وكانت تعتزم أيضاً إفشال نتائج المؤتمرات التي تعقد في غير بلدها كمؤتمر القاهرة عام ١٩٩٨م، ومؤتمر عرتا بجيبوتي ٢٠٠٠ م الذي تمخضت عنه الحكومة المؤقتة آنداك برئاسة عبد القاسم صلاة حسن بعد أن أثارت ضدها زعماء الحرب وقدمت لهم السلاح بسخاء؛ فكلما سارت سفينة السلام إلى الصومال باتجاه الصلح والوفاق كلما دفعت إثيوبيا بالموج الذي يقلبها. وكان المؤتمر الذي عقد في كينيا قد حدث بتنسيق بين كينيا وإثيوبيا اللتين كانتا دائماً عقبة أمام المصالحة الصومالية في ما أعلنه رئيس كينيا السابق (دانيال أرب موي) الذي اعترف في كلمة له داخل إحدى الجامعات الأمريكية قبل سنتين ونصف حيث قال: «إن إثيوبيا وكينيا هما العقبتان الرئيسيتان أمام المصالحة الصومالية» وتزامن هذا الاعتراف بانعقاد جلسات المؤتمر الذي تمخضت عنه الحكومة الحالية، ولكن السؤال هو: هل من المنتظر أن تعود على الشعب الصومالي نتائج هذا المؤتمر بالنفع؟! بعد أن صرح رئيس الدولة المضيفة للمؤتمر أن دولته ضد هذه المصالحة الصومالية على الرغم من أنه افتتح المؤتمر وبدأت أعماله أثناء فترة رئاسته، بالإضافة إلى ما كانت تقوم به أثيوبيا من التلاعب بالمؤتمر وتغيير مساره كلما تخطى إلى حل بعض الخلافات الرئيسية، وتدخل مع المؤتمرين في لقاءات جانبية، وتقدم لبعضهم دعوات لا سيما زعماء الحرب إلى زيارتهم لأديس أبابا، أو تزورهم هي وتلتقي بهم داخل الصومال لإعطائهم توجيهات وتعليمات تخدم مصالحها، مما أطال فترة استمرار المؤتمر وضيَّق على الآخرين للمُكُوث في قاعات المؤتمرات دون جدوى لينفد صبرهم ويتركوه حتى لا يبقى فيه إلا زعيم حرب مُوالٍ لإثيوبيا، وهو الشيء الذي مهّد ليفوز حلفاؤها في رئاسة الدولة والحكومة وأغلبية الأعضاء فيها الذين بدؤوا يتأهبون ليعطوها شرعية الدخول إلى الصومال، وليكونوا لها جسراً للوصول إلى أهدافها التي هي أن تجد موضع قدم لها في الصومال لتضعه تحت احتلالها، منذ أن طالب إمبراطورها (هيلاسلاسي) من الاستعمار الأوروبي الذي كان يحتل الصومال ضمه إلى أراضيه وأنه جزء منها لا يتجزأ. إن القضية الصومالية مع إثيوبيا لا تختلف عن قضية باكستان مع الهند؛ فهل يكون من المعقول أن ترسل الهند إلى باكستان قوات باسم حفط السلام في أراضيها وتقبل الباكستان ذلك، أو العكس بالعكس؟! كل ذلك لا يمكن، ولذلك لا يرضى الصومال أن يكون الذئب (إثيوبيا) له راعياً، وإذا حدث ذلك فسينافح عن أراضيه بكل ما أوتي من قوة، حتى يرد كيد العدو في نحره. وفي الختام: لا يخفى على العالم الإسلامي والعربي ما يحتاجه إخوتهم المسلمون في الصومال من تقديم دعم مادي ومعنوي، والوقوف إلى جنب القائمين على توحيد البلاد، ولمِّ شمل الفرقاء لتحقيق المصالح العليا للشعب وحفظ هويته الإسلامية والعربية، ليتمكن من التصدي لما يحاك ضده من الحملات التي تستهدف إضعاف المسلمين في هذا البلد، وإيقاف المد الإسلامي الذي ينبعث منه، وإعطاء النصرانية دوراً أكبر، لتوسيع عملياتها في المنطقة باسم الإغاثة، ومنع المنظمات الإسلامية من تقديم العون والدعم لإخوانهم المسلمين، ووضع العراقيل والتهم أمامهم ليتسنى العمل للهيئات التنصيرية وحدها دون غيرها مستغلة الظروف القاسية التي تمر بها البلاد، وما يوفر لها الغرب من حماية. وأخيراً: أود أن أنبه إلى أن البنية التحتية لهذا البلد منهارة، وتحتاج إلى إعادة البناء والتشغيل كالأمن والتعليم، والصحة، وإعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء، وتعبيد الطرق ومد الجسور، وما إلى ذلك.

стр. 5740

رمضان في فلسطين.. بين جهاد الحصار وغياب دور الأمة يوسف العمايرة نستقبل شهر رمضان جديد، والكل في فلسطين يرقب لحظاته المباركة، والأنفاس المحبوسة في الصدور تتحسّب، هل سيكون هذا العام حزيناً كسالف إطلالاته في الأعوام الخوالي؟! أم بعكسه إن شاء الله. فمنذ رمضان المنصرم، أحوالٌ شتّى تبدّلت، ومآقٍ كثيرة فتحت مصراعيها للنزف دماً ودمعاً وآلام حسرات، كما أن أوهاماً أكثر تبدّدت عندما أماطت التغييرات السياسية اللِّثام عن وجوه مشوهة بزيف دعاوي السلام والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. السلطة القائمة على أرض محتلّة، وبين يدي شعب يتوق للتحرّر، أراد منها الاحتلال الصهيوني أن تبقى مَغْنماً للثلّة الجشعة من أبناء القضية ولابسي ردائها، وهي على هذه الحال، تحظى بشهادة حسن سلوك صهيونية، وتزكية دول عربية رسمية، ودعم من تسمّي نفسها «قوى التحرر» العالمي، فكيف وقد انقلبت المائدة على رؤوس أصحابها؟! الحالة الديمقراطية المتمثِّلة بالانتخابات التشريعية مطلع العام، مثّلت ذاك الانقلاب. وتشكيل حكومة يقودها إسلاميو البلاد، مع هيمنتهم على معظم المجالس البلدية والمحلية في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، لم تَرُقْ لكل العالم، فتزعزع وهاجَ واضطرب، وكأن القيامة أزفت ساعتها، واجتمع القوم، وتكالب طغاتهم وجبابرتهم وبرابرتهم، وائتلفوا في حلف شيطاني هو الأقوى على وجه البسيطة، وأخذوا يرمون شعبنا عن قوس واحدة، ويتسابقون مَنْ أشدُّ وطأة على ضعفائه وأبريائه، ففرضوا حصاراً عالمياً مُحْكماً، مُبارك إقليمياً على المستوى الرسمي العربي، ويحظى بتأييد ودعم داخلي من قِبَل مجموعة فقدت مراكزها السياسية وباتت مكشوفة تمهيداً لمساءلتها عن سوابق أفعالها التي تراوحت بين سوء الإدارة واستغلال النفوذ وتشكيل الإقطاعيات المناصبية، وإساءة التصرف بمقوِّمات الحكم والهيمنة، واستغلال الاستثمارات الوطنية وتداولها في الأسواق السوداء في وقت كان الشعب الفلسطيني يعيش أحلك لحظات أيامه اسوداداً، ثم الإيغال المتعمد في الأموال العامة، وليس أخيراً التنسيق الأمني مع الاحتلال لجَلْد ظهور المقاومين والشُّرفاء والأحرار. الحصار المستمر ـ الذي يطول أمده، ويطال رواتب الموظفين ومخصصات الأُسر الفقيرة وعوائل الشهداء والجرحى والأيتام والمعاقين والأسرى، وينال من مؤسسات العمل الخيري الإسلامي الإغاثي ـ أدّى إلى وقوع كارثة إنسانية يندى لها جبين بشرية القرن الحادي والعشرين، إذ ارتفعت معدّلات الفقر بين السكان الفلسطينيين إلى أقصى حدّ في تاريخهم الحديث، وحسب معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن معدّل الفقر حتى بداية النصف الثاني من العام الحالي (٢٠٠٦م) بلغ (٦٥.٨ %) ، أي: أن حوالي سبع أُسر من بين عشر تقع تحت خط الفقر. عندما توجّه الفلسطينيون لانتخاب ممثِّليهم، كانوا يرون الطريق أمامهم معبَّداً بالعراقيل، وقد أعلن الإسلاميون في حملتهم الانتخابية التي وصلت كل بيت، أن التحدّيات مقبلة، وستكون هذه المرّة خطيرة، ومفصلية، ومصيرية في تاريخ القضية. وعندما وضع الناخب صوته في صندوق الاقتراع، كان قد قرّر حسم الموقف إلى جانب الثوابت الوطنية على حساب كل الاعتبارات الحياتية الأخرى، كما فعل ذاك الشيخ المسنّ عندما وطئ بعكازته محطة الانتخاب، فأخرج من جيبه كل ما يلزم من بطاقات التعريف بهويته، البطاقة الشخصية، بطاقة اللجوء الصادرة عن «وكالة الغوث الدولية» ، و (طابو) الأرض المفقودة منذ العام ١٩٤٨م في قرية «الفالوجة» ، ثم كان مفتاح بيته العتيق الذي أصبح فضاء لا حدود له، لا يُغلق إلا على الذكريات الحزينة. إحضار الشيخ المسنّ لكل هذه الوثائق و (المستلزمات الثبوتية) أثارت انتباه الحاضرين، وأحدثت وخزاً غائراً في ذاكرة البعض منهم، ليتبين مدى إدراكه لما يقوم به، وأنه في هذه المرّة قادم ببطاقاته ليس لاستلام مؤنة طعام، بل لتثبيت موقف من كل ما يجري حوله، وليؤكد أنّ له حقاً دينياً وتاريخياً ووطنياً في هذه الأرض، وهذه فرصته الأخيرة قبل رحيله إلى ملكوت الله، كي يُلقي بالتركة على كواهل الأجيال القادمة، واضعاً صوته «أمانة في أعناق من يعرفون الأمانة ويؤدّونها حقّها ـ أصحاب الرايات الخضراء» كما قال. ومئات الآلاف على طريقة هذا الشيخ، وضعوا الأمانة الثقيلة بأعبائها ـ التي تنوء عن حملها الجبال ـ في أعناق «حُكَّامهم الجُدد» . والشعب الفلسطيني عندما منح ثقته لشُرفائه وأحراره، فإنه عقد العزم مُخْلصاً نيّته لله، أن يستعصم بحبله المتين في وجه كل الضغوط، تأسّياً بالرسول الكريم # عندما خرج بالثلّة المؤمنة إلى شعب الحصار والجوع والضنك، ليزدادوا عزيمة وشكيمة وإصراراً ويقيناً، وليزداد الطغاة والباغون هزيمة وانكساراً ودحوراً. وكذا أمرُ أحزاب الخندق، يوم أن تزلزل المؤمنون زلزالاً شديداً. أَوَ ليس الطغاة هم أنفسهم على مرِّ التاريخ يهوي بهم غرورهم إلى درك المذلّة والخيبة؟! إن حزب الطغاة الجُدد، وهم يرفعون شعار الحرية والأخوة الإنسانية، يتقدمون نحو شعبنا الفلسطيني ويحاصرونه بجرأة المتكبِّرين، لا يطالبونه بأكثر من التنازل عن ثوابته الوطنية، والانسلاخ عن منهج ربه، وإعلان البراءة عن الملّة المحمدية، ثم اتِّباع ملّتهم لينظروا، أنكون جديرين فيرضون عنا، أم يسخطون! وهي ذات المطالب التي تلقفها رسولنا # من أهل الشرك، ليعلن وهو في أشدِّ لحظات ضعفه البشري: «لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه..» ، ولمن كانت الغلبة بعدئذٍ؟! إن الموقف الأمريكي والأوروبي بتشديد الخناق على الشعب الفلسطيني وحصار حكومته المنتخبة ـ كإسناد مطلق للاحتلال الصهيوني، ورفض كل محاولات النهوض والخروج عن الطوع ـ يعزّز قناعاتنا بأنهم قوم لا يريدوننا إلا عبيداً في حظائرهم، يطعموننا خبزاً عجنوه بدمائنا، ويقتلوننا بسيفٍ حدّوا نصله على أجسادنا. وحتى من تسمّي نفسها «هيئة الأمم المتحدة» ، فإنها تنتهج سياسة دولية غير مسبوقة، تقوم على اعوجاج مشبوه في الرؤيا، وانحياز جبان للمواقف. أما العدو الصهيوني فلا يريدنا ـ نحن الفلسطينيين ـ أن نخضع أو نخنع أو ننسلخ من جلودنا العربية والإسلامية فحسب، بل يطمع منا إعلان البراءة عن ظهورنا التي أبكت سياطه، وصدورنا التي أدمت رصاصه، وعن أفواهنا التي تجرّعت كؤوس إذلاله، وأن نتنصّل من عظامنا التي مضغت جنازير دباباته.. يطلب منا أن نمدّ أعناقنا ليدقّها كي نقول أن ذبحه كان رحيماً! وعجباً أن كثيرين يتفهمون مواقفه، ويتبنّون سياساته، ومنهم المطبّعون الذين تسابقوا تحت جنح ليالٍ غابت أقمارها، فتخندقوا صفه، وتقلّدوا ثقافته، ورموا في وجوهنا أن لا طاقة لمواجهة لفيف الحلف «الصهيوصليبي» ، ونسوا أن من بين شرفاء الأمة عباداً آتاهم الله عزيمة «داود» ﵇ ورباطة جأشه وثقته بالله تعالى، وهو يلقي بحصى مقلاعه ليسقط وهمَ «جالوت» وقوته. إن هؤلاء جميعاً يحاصرون شعبنا ويحاربون حكومته؛ لأنها رفضت الإقرار بشرعية الغاصب لأكناف بيت المقدس، وهل كان مصير من اعترف بذلك إلا قتله على أيديهم، بالسمِّ الزعاف في رابعة نهار القرن الحادي والعشرين! إنهم يريدون إكراه هذه الحكومة على ولوغ مستنقع التنازل والفساد بعد أن أنجانا الله منه، لتعود بعد سنين وقد غاصت في وحله وما بخفّيها أقدام! لقد جعل شعبنا من أجساد أبنائه ودمائهم سياجاً يحمي عروبتنا وإسلامنا، ولا زال يقدِّم الغالي والنفيس لكسر شوكة «يهود» ، فطردَه من غزّة، وألجأه إلى عقره المحصن بالجدر، ليئدَ بذلك حلم ارتوائه من نيل الكنانة وفُرات الرافدين. ولما رأى «يهود» حاله التي أضحى عليها، أخذ يمعن في تقتيل أطفالنا ونسائنا وأحرارنا، ويعضُّ عليهم بأسنان البلدوزرات، ثم يستغيث من هول ما أحدثه قتلهم من ضجيج لآلة حربه.. فكيف يطالبون الضحية ـ إذن ـ الاعتراف بشرعية قاتلها؟! يأتي رمضان هذا العام، ويدقُّ مدفع الإفطار على وقع هدير الدبابات وجنازيرها تمضغ لحم أطفالنا، والطائرات تدلق حممها على مساكننا ومهاجع الآمنين، ولن يضير الفلسطيني ذلك، ولن يقهقره عن الدفاع عن أرضه، بل إنه لأحبُّ إليه أن يفطر عند الله وهو شهيد في سبيله، بدل أن يفطر على مائدته في ذلٍّ وخضوع وقهر. يأتي رمضان هذا العام، والعمل الخيري الإسلامي موصدة دونه الأبواب، بعد أن أُغلقت معظم مؤسساته وجمعياته لآمادٍ طويلة، وصُودرت ممتلكاتها، واعتقل ممثّلوها وطواقمها، وتمَّ التحفّظ على حساباتها البنكية، وقُطعت الإمدادات عنها، حتى من الدول الشقيقة والصديقة، إلى حدِّ أن كفالة اليتيم لم يعد لها مكان في عالم الخير، ولم تجرؤ مؤسسة بنكية على السماح لهذه الكفالة باجتياز الحدود؛ كي تصل يتيماً محروماً فتمسح عبرته، أو فقيراً معوزاً فتقضي حاجته. يأتي رمضان هذا العام، وأيتامنا يطمحون ـ كأقرانهم من أطفال العالم ـ بمستقبل واعد، طاعم من الجوع، وآمن من الخوف، وبعيد عن إرهاب من غضب الله عليهم بسوء أعمالهم. إن الدعم الأمريكي والأوروبي المقدَّم لشعبنا طوال الفترة الماضية كان مشروطاً، ويُصرف جلّه لمؤسسات ومنظمات أقامتها دولهم في مناطقنا، تبثُّ برامج سياسية واجتماعية وثقافية، تدعو شبابنا للاغتراب، وتحضُّهم على التطبيع مع «يهود» ، ليشكل دعمهم على هذه الشاكلة مظهراً استعمارياً يتّسق مع متطلبات مرحلة نظامهم العالمي الجديد. وعمليات الصرف على آليات تنفيذ المشاريع كانت تقتطع النّسب الأعلى من المنح على حساب المشاريع ذاتها، في إطار سياسة إفقار عصرية ممنهجة ومتحضّرة. والجزء المتبقّي من دعمهم، مساعدات غذائية، تُصرف حسب أهوائهم متى شاؤوا، ويُعلّق صرفها متى شاؤوا، تثبيتاً لسياسة الضغط والابتزاز من أجل انتزاع مواقف سياسية لصالح دولة الكيان الصهيوني، ظانّين قدرتهم على إرغام الفلسطينيين على بيع قضيتهم بأبخس ما في الكون من أثمان «سدّ جوعة بطن» . إنهم يريدوننا صعاليك، وما كان أجدادنا كذلك ولن نكون. ورغم أن قطع تلك الإعانات تُسجل ضمن دائرة التعامل الإنساني غير الأخلاقي، فإنها لم تكن ولن تكون منّة الأمريكان والأوروبيين، الذين سلبوا أرضنا عنوة، ومنحوها ملاذاً لشذاذ الآفاق؛ تخلّصاً من شرورهم ومفاسدهم، فهم بذلك وإن أعانونا أبد الدهر لن يكفِّروا عن خطيئة جريمتهم تلك. لا زال الفلسطينيون عاقدين العزم على تسيير موكبهم السياسي تحت راية «لا إله إلا الله» الخفاقة بالعزِّ والتمكين، مصمّمون على إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية أولى عربياً وإسلامياً، بإدراك عميق لأهمية هذا البعد، الذي حمل همّها في أدقّ مراحلها ماضياً، فكان صلاح الدين وبيبرس وقطز أبطال التحرير قادة إسلاميين، وليس من المتوقع أن يكون جيل التحرير من (اليهود) إلا أحفاداً لهؤلاء الأبطال عقيدة وفكراً وسلوكاً. إن شعبنا قد أعلن قبوله تحدّي الجوع من أجل الكرامة، وهو رافضٌ حتى اللحظة ابتزازَ جلاّدي العالم ولو وضعوا في أيديه شموساً وأقماراً. وحكومتنا وقد أضحت غريبة بعد إخراجها من الكتلة الدولية لضمِّها (أناس يتطهرون) ، يتم السعي ليلاً ونهاراً لإفشالها، وإفشال شعار «الإسلام هو الحل» كمنظومة قيمية حضارية متكاملة، ترقى بالواقع الإنساني في شتى مجالات حياته. يأتي رمضان هذا العام، والواجب يحتّم علينا كعرب ومسلمين، اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن نتقدم لانتزاع قضيتنا من بين أنياب الصغار اللاهين بها في أروقة العالم، وإعادتها لمحضنها الطبيعي، وأن نجاهر بتمرّدٍ استراتيجي على قوى الهيمنة التي يثير حضورنا فيها غريزة الاستئساد. ولنسجل مرّة واحدة وإلى الأبد، أن أعناقنا لن تكون مطايا لهم، وأن عهد الإذلال والاستكانة قد أدبر، وما داموا يجتمعون خلف «صهيون» رغم دنس باطله، فالأَوْلى أن نجتمع نحن خلف قدسية حقنا، ولنفوّت الفرص على المتربِّصين من أصحاب «الرايات البيضاء» الذين يُعدّون أنفسهم لرقصة أخرى على ألم جراحنا. إننا ـ كفلسطينيين ـ نفي بالتزاماتنا إزاء قضية المسلمين النازفة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ونتشرّف بحملها تاجاً على أكتافنا، ذخراً بين جنباتنا.. ولن نخجل ـ بأجساد شهدائنا ـ من فرض أمر واقع على طغاة العالم الذين يرمقوننا بمنظار صهيوني، كي نحفظ حقنا ونعيد لأرضنا وقدسنا عزّها وكرامتها. وإننا نستغرب الدعم غير المحدود واللفيف الصهيوني العالمي الذي يمدّ كيانه بكل مقوّمات الحياة وأسباب التفوق في منطقتنا، فتصله التبرعات والضرائب من شتى أصقاع الأرض، بينما لا يضير الكثير من أمة المليار مرأى شلاّل الدم الفلسطيني المتدفق على أيدي هؤلاء بين كل عشية وضحاها. ونحن والله ما عهدنا دمنا النازف أزرق ولا أصفر! إن أسمى آيات العدالة، أن يقوى الحق على الباطل، والعظماء من يسندون الحق عندما تَدلهمُّ الخطوب، وأنبل هؤلاء جميعاً من يرفضون بغي الباطل في أوج قوته. وها نحن ـ أبناء أمتنا ـ نفرّ بأقصانا إليكم في رمضان هذا العام، نعرض ظلامته، ونجأر بشكوى بيت المقدس وأكنافه مما لحق به من قتل للجَدّ وتشريد للولد وقهر للحفيد، والحناجر تصدح في الآفاق: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] . ورغم علم شعبنا أن دائرة اهتمام الخيّرين من أبناء العرب والمسلمين، المحيط العربي والإسلامي وضعفاء العالم، فهو سيبيت رمضان هذا العام رهن الحصار وسوء الحال، معلناً هجرته إلى الله، واثقاً بتأييده، وباسطاً ما تبقى فيه من أكفٍّ لكل أحرار العالم، ليُخذِّلوا عنه بما يستطيعون من دعم وإسناد مادي وإعلامي وسياسي ومعنوي، كل حسب طاقته وفي موقعه، بمقاطعة الدول والشركات الضاغطة عليه والمهينة لآدميته، ووقف أشكال التطبيع معها، وتفعيل الطاقات النخبوية كي تأخذ دورها في قيادة وتوجيه بُوْصلة شعوبنا نحو التحرر والنماء، وتحدّي الحصار الظالم، حتى لا يكون في فلسطين من يبيت جائعاً وسط بحر العروبة والإسلام، والرسول # يقول: «أيما أهل عرصة باتوا وفيهم جائع؛ فقد برئت منهم ذمة الله» ، والفرصة الآن مواتية لاختصار الوقت والرد على المواقف الصهيونية والأمريكية والأوروبية، التي لا تعتبرنا كعرب ومسلمين أكثر من أسواق استهلاكية لمنتجاتها، وحقولاً لتجارب صناعاتها وترساناتها، ونبرأ إلى الله من كل الذين يصرِّون على اختزال قضيتنا برغيف الخبز. فشارك يا (ابن أمتنا) في شرف الذّود عن قضية أُوْلى القبلتين، وابعث بزيت يُسرج في قناديله، فيلتحم بعطر دمنا المسفوح على أسواره، ليزداد لمعان بريقه عزّاً وسؤدداً، والرسول # يقول: «ائتوه فصلّوا فيه، فإن لم تأتوه وتصلّوا فيه، فابعثوا بزيت يُسرج في قناديله» . وكن كنعيم بن مسعود بطل يوم الخندق حيث قال له الرسول #: «إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» ، وتذكر حديث المصطفى #: «ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» ، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 5741

الاختراق الكبير د. يوسف بن صالح الصغير لا يخفى أن التيار الشيعي الحالي ما هو إلا نتاج من نتائج التيار الصفوي الذي فرض التشيُّع على سُنَّة إيران. ويلاحظ أن المناطق الفارسية التي كانت في السابق القريب سنية شافعية حُوِّلت بالقهر إلى المذهب الإثني عشري، وكانت المدن تُخَيَّر بين السيف والتحوُّل، ولذا لم يبقَ أثر للسنّة في إيران إلا في مناطق الأكراد والبلوش. ولم يمنع تنفيذ المخطط الصفوي في العراق إلا تدخل الدولة العثمانية العسكري، ولكن هذا لم يمنع الشيعة من التمدد السلمي في العراق؛ حيث جرى التركيز على العشائر العراقية عن طريق تردد دعاة الرافضة عليهم في غفلة وغياب من علماء السنة. ففي سنة ١٣٢٦هـ، كشف الشيخ العلاَّمة محمد كامل الرافعي في رسالة أرسلها من بغداد لصديقه الشيخ رشيد رضا، ونشرتها مجلة المنار في المجلد السادس عشر، ما يقوم به علماء الشيعة من دعوة الأعراب إلى التشيع واستعانتهم في ذلك بإحلال متعة النكاح لمشايخ قبائلهم. وإليك اسماء بعض العشائر التي دخلها التشيع في القرنين الأخيرين: ربيعة، وتميم، والخزاعل، وعشيرة زبيد، بنو عمير وهم بطن من تميم، والخزرج وهم بطن من بني مزيقيا من الأزد، وشمر طوكه، والدوار، والدفافع، وآل محمد، وعشيرة بني لام، وعشائر الديوانية، وعشيرة كعب. وكان التوسع في التعليم بعد ثورة ١٩٥٨م رافداً لهذا التسلل عن طريق المعلمين الشيعة في المناطق النائية والبدوية. ولا شك في أن مبادرة الشيعة لفتح مكتب للتقريب بين السنَّة والشيعة في القاهرة عام ١٩٤٦م ما هو إلا محاولة لاختراق مصر ونشر التشيع فيها سلمياً؛ استكمالاُ للهلال الشيعي. وكان من الملاحظ أن من يبني موقفه من التشيع على حوارات ولقاءات مع عناصر شيعية منتقاة لهذه المهمة تجيد مبدأ التَّقِيَّة سيؤيد التقارب بين المذاهب، ويضمحل عنده الفرق بين مذهب أهل السنة ومذهب الإمامية إلى خمسة في المئة يُحشَر فيها كل الفروق من عصمة أئمتهم وسب الصحابة وتحريف القرآن. وقد ساهمت الأحداث الساخنة في العراق وقيام الشيعة بحملة تصفية وإبعاد للسنة في المناطق المختلطة، ومحاولة فك الطوق السني حول بغداد، وتحوُّل تيار الصدر من تقريبي إلى صفوي، ومن معارض سلمي للاحتلال إلى محارب لأهل السنة تحت شعار (تنقية عراق آل البيت من النواصب الوهابية التكفيريين) ـ لقد ساهم ذلك وغيره في تنبيه بعض علماء السنة الأجلاَّء إلى هذا الخطر. ولا أملك هنا إلا أن أشيد بالموقف الشجاع للشيخ يوسف القرضاوي الذي وضع النقاط على الحروف، وأطلقها مدوية تثبت تمسك الشيعة حالياً بمصحف فاطمة وسب الصحابة، وحذر من اختراق الشيعة لمصر وأنهم أتخذوا من التصوف قنطرة للتشيع، وحذر بصورة مبطنة من حسن نصر الله وأنه لا يختلف عن الشيعة المتعصبين؛ فهو متمسك بشيعيته ومبادئه. وأخشى ما نخشاه أن يتحول كل الشيعة إلى صدريين، وأن يبقى السنة تقريبيين.

стр. 5742

سَيِّدَ الأزمَان عبد الله بن سالم العطاس قلبي لمزنك والهٌ ظمآنُ يا سيد الأزمان يا رمضانُ يا شهر كل فضيلةٍ وكريمةٍ الكونُ في لقياك كم يزدان! يا مالئ الدنيا ضياءً مبهجاً في حقل جودك يورق الإحسان تبدو الصحارى المقفرات نواضراً مخضرَّة، وربيعها فينان أَقبِلْ علينا نفحةً قدسيةً يهفو لطيبِ نسيمِها الوجدان واملأْ فضاء المخبتين بشائراً القائمين كأنهم عمدان القارئين تدبراً ومهابةً آياً، لها تتهدم الأركان القائلين الصدقَ يعذب لفظه فحديثهم من حسنه عقيان الباذلين المال كفَّاً سحّةً كالبحر، لكن ما له شطآن الذائدين عن الحمى بنفوسهم وأقل ما في وصفهم شجعان رمضان يا شهر الصيام تحيةً تكسو محيَّا بشرها الأحزان ها أنت تأتي والمآسي جمَّة وبأمتي يتلاعب العدوان إنْ أنَّتِ القدسُ الحبيبةُ غدوةً ردَّت عشيَّ أنينها بغدانُ وإن اشتكت كشميرُ من هندوسِها بسطت نفوذ ضلالِها إيران وإذا يلوح بأرض بيروت الأسى أواه مَنْ لك ـ يا ترى ـ لبنان؟ في كل أرضٍ أمتي مجروحة وشفاؤها حتماً هو القرآن

стр. 5743

الغرور العقلي.. والانتكاس الفكري عبد الله بن محمد السعوي لو ألقينا نظرة تأمُّلية تبحث عن العوامل الفعّالة التي تقف خلف كثير من التحولات الفكرية الحادة عند بعض النماذج والتي تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على نحو يستعصي معه الفهم والتحليل؛ لألفينا أنها لم تنبثق من فراغ بقدر ما هي أثر حتميّ أفرزته بواعث متنوعة بينها تسلسل سببي وروابط عليّة متبادلة ومتفاعلة أسجّل باعثين هنا منها على سبيل الإجمال، مقتصداً جهد الطاقة حتى لا أثقل على ذاكرة القارئ الكريم: أولاً: القراءة المكثفة في كتب أهل الأهواء مع ضآلة العلم الشرعي في منحاه العقدي خاصة: إن الفضول المعرفي بطبيعته يدفع إلى مزيد من النّهم القرائي اللامنضبط ـ أحياناً ـ مما يدفع بالفرد إلى قراءة كل ما يقع في متناول يديه من أطروحات فكرية قراءةً غير موجهة بحكم عدم استنادها إلى قدرات علمية عليا، ولذا فهي تولد الاتجاه السلبي أكثر مما تعزّز التوجه السلفي كإفراز حتميّ ناشئ عن ضمور مكتسبه المعرفي في جانبه العقدي على وجه الخصوص. إن هشاشة الوعي ومحدودية القدرات العلمية تجعل من البنية الذهنية أرضاً خصبة مهيّئة لاستقطاب الأبنية المفاهيمية والمعاني المزيفة والرُّؤى الممعنة في التضليل باعتبارها أفقاً للوعي لا يسع المرء إلا الامتياح منه والتماهي مع معطياته. إن إثارة الشبهات والتشكيك في العقائد والإطاحة بالتصورات الإيجابية هو الهدف المحوري الذي تتغيّاه كتب ومقالات أهل الأهواء، الشأن الذي جعل رسول الله # يتمعّر وجهه عندما شاهد صحيفة من صحف أهل الكتاب مع عمر ابن الخطاب ﵁ وهو الفاروق المبشَّر بالجنة، ونهاه عن قراءتها. ولقد كان سلفنا الأفاضل يحرِّمون علم الكلام ويشدّدون في عدم السماع من أهل الأهواء أو النظر في مؤلفاتهم حتى ولو احتوت على شيء من الحق؛ لأن هذه الأطروحات تورّث شُبهاً تضلّل المتلقِّي وتستهويه وتؤثِّر على قناعاته، وهذا التأثير عائدٌ ـ في تصوّري ـ لعاملين: أحدهما: أنها تعتمد في بنائها التعبيري والفكري آليات فلسفية ترتكز على الفذلكة الكلامية والحذاقة اللفظية لتستهوي الفكر وتأخذ بلباب العقل وتلبس عليه وتسيطر على مساربه فيتلقف بعض الشبهات دون وعي، يتلقاها بلا غربلة ولا تمحيص، تتلبّسه الفكرة ويتلبّس بها، ترتسم في عقله ويتفاعل مع أدقِّ تفاصيلها ويغنى بها عن غيرها، تكبِّله بقيودها وتحجبه عن معاينة ما باينها، وتزجُّ به في دائرة مغلقة خانقة فيسيطر عليه شعور بصوابية ما يعتنقه بل يعتبره هو الحق المطلق، ومن ثم تتعسر عليه المراجعة، وتحت هذا الضغط النفسي الشديد تستبدُّ به الفكرة فلا يرى إلا ما يتقاطع معها، فيندفع للعمل بمقتضاها دون وعي، إنه يعيش في غيبوبة أفضت به إلى عزلة لا مادية خانقة نائية به عن مدِّ جسور التواصل والتماس والتفاعل الحيوي مع الأفكار المغايرة لها، قد ملكت عليه لُبّه ووجدانه على نحوٍ بات معه مفتقداً للرؤية الموضوعية النافذة مثله كما المحاط بألسنة اللهب، فرؤيته محدودة محصورة في ذاته وما يحيط بها من دخان كثيف. العامل الثاني: أنها تملك مهارات عالية وكفاءة بارعة في تمرير مشروعها الفكري، وذلك من خلال ضخِّ المعاني ذات الطابع المادي التي تدغدغ حوائج الناس وتستجيب لعواطفهم، ومن هنا تصرفهم عن الحق بهذه المداخل الباطلة التي تتظاهر بالعلمية وتدّعي الموضوعية، الشأن الذي يهدينا إلى تبيّن السر الكامن خلف اتِّساع القاعدة الجماهيرية المتناغمة مع أهل الأهواء، حتى صاروا بجملتهم أكثر كمية من أهل السُّنّة والجماعة، وهذا مؤشر يبرهن ـ بجلاء ـ على أن التماهي الوجداني مع المضامين الدلالية لهذا الخطاب ليس حقيقة شعورية منبعثة من رؤية منهجية وصياغة فكرية صائبة بقدر ما هي نتيجة للانسياق للمحركات الوجدانية. إن القارئ المتسطح الذي يعاني من الهزال في بنيته المعرفية يتعسّر عليه ـ إن لم يتعذّر ـ أن يقرأ بروح تمحيصية ناقدة، فهو لا يملك القدرة على سبر أغوار الروح العامة وتفكيك البنية الشاملة التي ينهض عليها هذا الخطاب، ولذا يقع فريسة سهلة للأفكار السالبة بكافة ضروبها، ويسيطر عليه ما يشبه عمى الألوان، فيتجاوب مع المادة المطروحة، ويتذوّقها، وتنطبع لديه في أعماق الضمير، والمصيبة الأعظم تكمن في عدم شعوره بما ينطوي عليه من إشكال معرفي حادّ سهّلَ من اختطاف عقله ومن ثم مصادرته في بُعْده الإنساني. إن قصور الاستعدادات المعرفية لدى المتلقّي يفضي ـ بالضرورة ـ إلى إضعاف شخصيته الثقافية، ولذا؛ فإنه بمجرد اطِّلاعه على مجموعة مقالات أو بضعة كتب من الكتب الفارغة إلا من الغُثَاء التراكمي فإنها كفيلة بإحداث هزّة عنيفة في كيانه تعصف بما تأصّل لديه من قناعات على نحو يجعله يتنكّر لما نشأ عليه من قيم، ولا ريب أن هذا يبرهن ـ بجلاء ـ على عمق الانفصال بينه وبين الفقه العقدي من جهة، وعلى أساليب الطرح الماكرة القادرة على التسلل بسهولة إلى التركيبة الذهنية للمتلقِّي من جهة أخرى. تُعدّ العزلة الشعورية، والنَّأْي عن النهل من العلم المؤطر بالمنهج الرباني، وعدم التفاعل المثمر مع قادة الفكر وأرباب المعرفة وذوي الحسّ الحي في الأمة، والتجافي عن المصادر المعتبرة التي تشكل الفكر الموضوعي؛ من أكبر العوامل الموهنة للتماسك العقدي والمؤسسة لتداعي المسلَّمات القطعية، والتي تحيل الفرد إلى هدف سهل المنال لمختلف الوافدات والمؤثرات الثقافية المناهضة لمكوّناته الأساسية، والمناقضة للسلّم القيمي الذي تشكّل وفق دلالاته، والمخالفة للأدوات المعيارية التي على ضوئها يقيم أحداث الحياة. هذه البواعث تعرِّض كثيراً من الأسس المفاهيمية إلى التزعزع والتآكل الداخلي. إن هذا المتلقِّي بفعل ما يحتوي عليه من فقر علمي وجهل عميق لديه ضرب من السلوك الازدواجي الذي يتجلَّى على نحو واضح في تباين تعاطيه مع الأفكار المجسّدة والمجرّدة وتباين مواقفه إزاء كل منها، مما يشي بإمَّعية فكرية ضُربت بعمق في أعماق أغواره فأضعفت عناصر المقاومة في ذهنه فضلَّ عن الحق وتاهَ في بَيْداء الوهم والخيال كأثر حتمي لتزاوج الهوى الحاجب لصفاء الحقيقة والجهل اللامحدود الذي بفعله باتت رؤيته سطحية هامشية فاقدة للرؤية النقدية التي تعتمد التجرد والموضوعية أبرز أدواتها. إن مما يبعث الأسى هو أن المتلقّي السالف الذِّكْر قد يكون أحياناً ممن يساهمون ـ في تصوّره ـ بإثراء الحركة العقلية ودفعها ـ لا لتأهيله لذلك، وإنما لاحتلاله مكاناً أكبر بكثير من مقاساته المعرفية والعقلية ـ وهنا تعظم المأساة، حيث إن جملة الأفكار التي تسرّبت إلى جنانه واستقرت في حسِّه وتراكمت في عقله الباطن هو الآن يتبنّى العمل على تصديرها وإنتاجها يستهدف بها متلقّياً ـ هو الآخر بالمواصفات ذاتها ـ يستلهمها فتعانق وعيه وتكتسح لُبَّه فيتقولب بمضامينها التي تتغلغل فتلامس كل جزئية من وجدانه، وهكذا تجري عملية التسويق عن طريق الاجترار بتبادل الأدوار على نحو يثير الشعور بالأسى والشّجن. إن هذا الطرح ذا النزعة الليبرالية يعكس ـ بنقاء كامل ـ الصورة عن عقول مصادرة تتظاهر بالتحرّر والانفتاح الذي لا يتحقق ـ من وجهة نظرها ـ إلا بالخروج عن منطق التجانس الجمعي، واستفزاز الساكن، ومخالفة السائد، وتحريك الراكد، واختراق (التابو) ، والتمرد على المقاييس والأعراف المعتبرة، واستدبار النصوص، وإسقاط مكانة العلماء، والتقليل من خصوصية المجتمع، والمبالغة في السقوط الأخلاقي بحجة التطوير والتجديد. إن الحقيقة التي يجب أن تكون حاضرة في أذهاننا دائماً هي أن التجديد لا يكمن في الإقصاء لأخلاقٍ واستدعاءِ أخرى على الضدِّ منها، وإنما يتم التجديد من خلال توسيع مدى الأبعاد الدلالية لبعض الأبنية المفاهيمية الأخلاقية، وابتكار الآليات الفعّالة لعولمتها وجمهرة ممارستها وتكثيف الدعاية لها والإعلاء من قيمتها في النَّسَق الأخلاقي العام ودفعها نحو نقلة ارتقائية تحتلُّ جراءها موقعاً أعلى في درجات السلّم القيمي. إن ثمَّة ثلة من الكُتّاب لديهم تصور ذاتي وهمي، فهم يرون ذواتهم أنهم طليعة هذه الأمة والناطق بلسانها والمعبِّر عن آلامها وآمالها، وهم فقط الذين يملكون عناصر الترشيد الضرورية للنسيج الاجتماعي الذي استقرَّ في وعيهم أنه بخاصته ودَهْمَائه (١) وبسُراته وبُسطائه وبتنويعاته وتعبيراته وبمكوّناته وقياداته الدينية وبفعالياته الثقافية وبرموزه العلمية؛ عبارة عن قطيع غوغائي ومزيج نَتِنٍ من الإمَّعات والسطحيين الذين يعيشون في واقع استاتيكي سكوني يغلب عليه طابع النمطية والاطّراد العشوائي على نحو يدفع هؤلاء الكُتّاب ـ من وجهة نظرهم ـ إلى الاشتغال على تهيئة بنية هذا المجتمع لخصائص جديدة، وذلك من خلال تطوير أنماط سلوكهم وتوسيع آفاقهم بعَصْرنة مفاهيمهم ولَبْرلة توجّهاتهم. الفلسفة التي يصدر عنها الطرح الليبرالي تكمن في اختزاله كافة أشكال الرقي في البُعْد المادي المحض، وتتجلّى في طبيعته الموضوية الرافضة للماضوي والعاملة على تجسيد القطيعة المعرفية معه تمهيداً لمحوه من الأذهان ومن ثم تهميشه في عالم الواقع الفعلي، وفي سبيل هذه الغاية فإنه يلحُّ ـ وعلى نحو مستمر ـ على جملة معانٍ محددة يتغيّا استقطابها لإذاعتها وجمهرتها على أرض الواقع العملي. تحرير المرأة، إلغاء تعدد الزوجات، الحرية المطلقة، الثورة على التراث السلفي، تحرير العقل من سلطة النقل..إلخ؛ كلها مفردات تكتظُّ بها هذه الأطروحات على تباين جليٍّ في مستوى شفافيتها وتغاير واضح في القوالب المستخدمة لتسويق تلك الرُّؤى على نحو يضمن لها القبول والانتشار والتمدد. إذا تبلور ما سلف وصلنا إلى نتيجة راسخة مفادُها أن رفع منسوب العلم الشرعي ـ وفي بُعْده العقدي خاصة بوصفه هو الذي يهندس الشخصية الإسلامية ويوجِّه طاقاتها ويرشد حركة معرفتها ـ شرطٌ موضوعي يلزم توفّره في كل فرد بحسبه. وتتأكد أهمية توفّره في كل من ينزع إلى التواصل القرائي مع مختلف الأطروحات المنتمية إلى منظومات فكرية مغايرة أخرى؛ لأن العلم الشرعي بحسبه يمثِّل بنية معرفية عميقة بالنسبة للعلوم الأخرى هو الذي يكسب حامله حسَّاً نقدياً ورؤية نافذة قادرة على إزاحة الستار وإدراك ما يحتجب خلفه من منطلقات وما يكمن من خيوط دقيقة ضامرة في أعمق أغواره. إن الإلمام بالعلم الشرعي والتشبّع بالفقه العقدي وفق منهج سلفي مطلبٌ جوهري في غاية الأهمية والإلحاح، مطلبٌ يمنح صاحبه حصانة فكرية، ويزوِّده بمناعة نفسية، ويورِّثه عزّةً وقناعة تامة بصوابية توجّهه، ويمدّه بحيوية ذهنية وقدرة فذّة على القراءة النقدية التي تضعه أمام الحقيقة الموضوعية لهذه الأفكار الوضعية التي تغذِّي أخيلة مستهلكيها بالمفاهيم الكاسدة والمتشابكة مع أسسنا الفكرية لسلّمنا القيمي المستوحى من نصوص الوحيين. إن العمق المعرفي الشرعي هو الذي يمنح المتلقِّي عقلاً متحرّراً من علائق التبعية لكل فكر متوتر معزول عن وحي السماء، ويمكِّنه من الصيرورة إلى تملّك أفق شمولي واسع يمنحه أعظم صور البلورة النقيّة التي توقفه على حقيقة مقروئه فيعرِّي سوأته ويجلي ثغراته ويعي مدى ما تولّده من مفاسد في البنية العقلية وحجم ما تقرّه من خلل في الكينونة الثقافية. إن التأهيل وبقدر كافٍ للذات ـ من خلال توثيق الاتصال الفعّال بمنابع الثقافة الإسلامية ـ شرطٌ يجب استدعاؤه لاستثمار معطياته بحسبانها هي من يزوّد الفرد بالنظرة العميقة المخترقة لحدود الإدراك الظاهر والسابرة لأغوار المقروء وغربلته، ومن ثم مواراة الأفكار المولدة للتصورات المغلوطة في الزوايا المظلمة من الذاكرة ليجري استحضارها في الظرف الملائم، وذلك عند إرادة تجلية مساحات التفوق وإظهار القيم الجمالية وإبراز خطوط التميّز في الفكر السلفي، والذي تتجلّى روعته الأخّاذة عند مقارنته بضدِّه، وكما قال الأول: وبضدِّها تتميّز الأشياءُ. ثانياً: المبالغة في إيراد الأسئلة والاستفهامات على العقل وتحميله ما لا يحتمل بجعله الإطار المرجعي الأول بعيداً عن النص: إن الحضور الفعّال للبُعْد التساؤلي في حسِّ الفرد يُعدّ من أهمِّ الشروط اللازمة لتفتيح ملكاته الفطرية ونموّ كينونته المعرفية وتكوين نظرته الشمولية. ولذا؛ فإن تطلّع الفرد إلى استكناه المجهول وإيراده للتساؤلات الهادفة ـ التي تطرح أبعاداً غائبة لم تُمنح ما تستحقه من عناية ـ وتشوّفه إلى معرفة الخيوط التي نُسج منها الواقع، وبحثه عن إجابات تمكّنه من فرز التباسات الآني المعقد وتبيّن تشابكاته وتداعياته ومن ثم تحسس المسارات الآمنة ينمّ عن عمق في الوعي، واستنارة في العقل، وتحسّن في مستوى الإدراك، وانعتاق من قيود النمطية والتقليد، وثمّة بَوْنٌ ذهني لصالحه يكشف المساحة الشاسعة بينه وبين الأذهان الببغاوية التي لا تتقن سوى التقليد والمسكونة بكافة ضروب البلادة والتسطح لما تنطوي عليه من افتقار مطلق للبعد العقلاني المرتكز على العلم الموسوعي والتفكير الإبداعي الجادّ، والذي توفّره مربوط إلى حدٍّ كبير بوجود التساؤلات بكثافتها الكمِّية من ناحية، وبطبيعتها النوعية من ناحية أخرى، وقديماً أجاب ابن عباس ﵄ عندما سُئل عن السرّ الكامن خلف ما يتوفر عليه من رصيد علمي هائل بقوله: (.. بقلب عقول ولسان سؤول) . إذاً؛ فثقافة التساؤل من حيث المبدأ هي ثقافة ينبغي تفعيلها وإشاعتها، ولكن ثمَّة ملحظ يجب استحضاره في هذا السياق، مؤدّاه أن الأسئلة تتباين باعتبار طبيعتها الماهية، فثمَّة أسئلة لها عوائد إيجابية وثمَّة استفهامات لها مردودها المكتظّ بالسلبية، كما هو الحال في الاستفسارات ذات النزعة الفلسفية المتمحورة حول ذات الخالق ـ جلَّ وعلا ـ وأسمائه وصفاته وأفعاله. إن ثمَّة أموراً يجب أن يقف عندها العقل موقف التسليم والخضوع أُشير إلى جزء منها على نحو مجمل كما يلي: أولاً: القدر، فهو سرّ الله في خلقه، والرب ﵎ يعلم الأصلح للخلق الذين لم يتعبَّدوا بالبحث عنه، وإنما تعبَّدوا بالرضى الوجداني والتسليم المطلق والامتثال اللامشروط، ولقد كان سلفنا الأوائل نموذجاً مثالياً يجدر الاحتذاء به في هذا الشأن، وكانت مواقفهم حازمة إزاء من يتمادى في إثارة الأسئلة والإشكالات في القدر، كما نرى في موقف الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ تجاه بعض أهل الذمة؛ كـ (قسطنطين) الذي سلَّم مفاتيح بيت المقدس لعمر ﵁ وقد أفصح عن شعور يخالجه بالاعتراض على القدر، فتوعّده عمر ﵁ حتى فاء إلى الحق. وكذلك قصة ذلك الشاب الذي أفرط في التفاعل مع الخواطر العارضة التي ترد على ذهنه، فجاء به والده إلى ابن عباس ﵄ فزوّده بجرعات تعليمية حتى آبَ إلى النهج السوي، وكذلك أيضاً قصة (صبيغ التميمي) وهي مشهورة في هذا السياق. ثانياً: الغيبيات عموماً سواء منها ما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله بكيفياتها، أو ما يتعلق بأخبار الغيب الأخرى كأحوال الآخرة أو عالم الشهادة الذي ليس بمقدور مداركنا تناوله، فهذا كله يجب الكف عنه وتجنّب البحث في تفاصيله. ثالثاً: بعض حِكَم التشريع؛ لأن حِكَم التشريع متباينة، فثمَّة جملة منها قد يُدرك من قِبَل عامة الناس، وجزء آخر قد لا يدركه إلا العلماء، وهناك جزء يختص الخالق ـ جلَّ وعلا ـ بمعرفته، وهو سرٌّ من أسراره الخفية المغيبة عن البشر. إن الإفراط في طرح المزيد من التساؤلات سلوك له إفرازاته السلبية؛ لأن للسؤال قدرة هائلة على التشعب والتكاثر والسير في كل اتجاه، فالسؤال السابق يفضي إلى السؤال اللاحق الذي بدوره يستدعي إجابة تكتظ بمواطن الأسئلة اللامتناهية، وهكذا تتواصل الأسئلة على نحو توالدي يعي العقل ويرفعه إلى مشارف الهاوية، فتتنازعه مشاعر متناقضة تعصف به وتحيطه بدائرة من الكآبة المقلقة والتوترات النفسية المرشحة للتفاقم والاستفحال. إن ضغط الأسئلة اللامشروعة على الطاقة الذهنية هو في حقيقته ليس إعمالاً للعقل بقدر ما هو إهمال له وشرعة لاغتياله. تفعيل العقل يكمن في عقلنته بالدلالات المضمونية للنصوص الشرعية، لا بالقفز على هذا البُعْد الشرعي بالاعتماد على الرُّؤى المشوَّهة والطرح المُرْبك للوعي الإنساني. إن الذي أوجد العقل حدّد له دائرة عمله، ووضع له الأُطر التي يجب أن لا يتجاوزها، وجعل منه قاعدة ينطلق منها الفرد في وعيه عن الله وأحكامه ومراده ومرامي تشريعاته، وهو بتآزره مع النص يشكل تصورات الفرد لأهداف الحياة والغاية من الوجود الإنساني. لقد ضلَّت طوائف شتَّى بفعل جهلهم بطبيعة العقل البشري وخصائصه وحدوده، وإقحامه في غير ميدانه، كما نلحظ ذلك جليّاً عند الفلاسفة، حيث أنفقوا طاقاتهم العقلية في سبيل أن يدرك المحدودُ غيرَ المحدود، فتاهوا في محيط من الجدل المتناقض الذي لا يركن إلى قرار، وقالوا: إن وجود الخالق وجود مطلق بشرط الإطلاق، فجرّدوه من الوجود الذاتي، وحصروه في الوجود الذهني الذي لا حقيقة له في الخارج، والمعتزلة قدّسوا العقل وجعلوا النص يدور في فلكه، فأدَّى بهم ذلك إلى القول بخلق القرآن، وقال بعضهم: بمنع التسلسل في صفات الخالق جلَّ شأنه، وأوجبوا عليه فعل الأصلح، والصوفية بفعل انحسار دور النص قالوا: بوحدة الوجود، واعتمد بعضهم على (حدّثني قلبي عن ربي) ، والجهمية منحوا العقل مكانة لم يُؤهل لها، ونقلوا قدراته من النسبي إلى المطلق، فقالوا: بنفي النقيضين عن الله، ومنهم من قال: بالحلول، ومنهم من قال: بالاتحاد، وجملة منهم حصروا الإيمان بالمعرفة المجردة فحسب، والقدرية جعلوا للعقل الهيمنة الكاملة والمرجعية المطلقة، فقالوا: بأن العبد خالق أفعاله وأن الله لم يقدّرها، والمرجئة جعلوا السيادة للعقل وعملوا على إقصاء النقل فقالوا: بنفي الكفر عمن تلبّس به والتاث بسلوكياته. والثنوية ألّهوا العقل وخرجوا به عن الدائرة التي يملك فيها أسباب التصور والإدراك والحكم، فقالوا: بوجود خالقين لهذا العالم، والخوارج وسّعوا دائرة صلاحيات العقل وأَعْلوا من وظائفه فرَمَوا بالكفر من هو منه بَراءٌ، وسلكوا منهج العنف ذي الطابع الراديكالي، والدهرية جعلوا العقل هو الصانع المنتج للوعي والمحدد لإطاره فأنكروا وجود الخالق جلَّ في علاه، والأشاعرة والماتريدية جعلوا العقل هو الركيزة الأساسية التي يصدرون عنها، فقالوا: بظنّية الدلالات الشرعية ويقينية القواطع العقلية، ووصفوا الخالق بالنقص عندما قالوا بعدم ظهور آثار أسماء الخالق وصفاته إلا بعد أن خلق هذا العالم المنظور، والقرآنيون أطلقوا العنان للعقل فذبلت في حسّهم مدلولات النص القرآني وأبعاده الحقيقية فأفضى بهم ذلك إلى تهميش السُّنة وحجب أبعادها الدلالية الملزمة، وهكذا تيارات متعددة تاهتْ عن الطريق الفطري الميسر بفعل تجاوزها لحدود الإدراك الإنساني ولإنفاقها للطاقة العقلية سفهاً في غير مجالها المأمون. إن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أنه ليس ثمَّة تعارض بين العقل الصريح الخالي من الشبهات والنقل الصحيح، بل التوافق بينهما هو الحقيقة الجلية التي لا تخطئها عينُ منصف، والشريعة لا تأتي بمحالات العقول بل بمحاراتها، وتأمَّل معي هذا الكلام القيم لابن تيمية في كتابه الموسوم بـ (درء تعارض العقل والنقل) ـ هذا السِّفر الذي يُعدّ عملاً علمياً فذّاً لا يضارعه إلا القلة النادرة ـ حيث يقول: «إن كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده وإن لم يعارض العقل وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعارض به لا عقل ولا شرع» ١/١٩٤، إذاً؛ فتوهّم التعارض بين العقل والنص الصحيح آية على ارتباك العقل وفساده. ويقول في موضع آخر من درء التعارض: «إن النصوص الثابتة عن الرسول # لم يعارضها قط صريح معقول، فضلاً عن أن يكون مقدماً عليها، وإنما الذي يعارضها شُبَهٌ وخيالات مبناها على معانٍ متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شُبَهٌ سفسطائية لا براهين عقلية» ١/١٥٥، ١٥٦، ويقول أيضاً في الدّرء: «والمقصود هنا التنبيه على أن ما جاء به الرسول # هو الحق الموافق لصريح المعقول» ٣/٨٧. إن كل رؤية عقلية لها حظ من البُعْد الموضوعي وتصح من الناحية الاستدلالية يقول بها أهل الأهواء فإن لها ما يعضدها في المصادر التشريعية، يقول ابن تيمية: «فوجدت كل طائفة من طوائف النظار أهل العقليات لا يذكر أحد منهم في مسألة ما دليلاً صحيحاً يخالف ما أخبرت به الرسل، بل يوافقه، حتى الفلاسفة القائلين بقِدَم العالم كـ (أرسطو) وأتباعه ما يذكرونه من دليل صحيح عقلي فإنه لا يخالف ما أخبرت به الرسل، بل يوافقه» درء التعارض ١/١٣٣، إن الاجتراء الصارخ على قدسية النص ـ إما بإقصائه، وإما باستقطاب الترجمة المشوهة غير الأمينة التي لا تعكس حقيقته ـ ممارسة عبثية لا علمية تشتغل على تهميش العقل الذي تحتِّم مقتضياته أن يكون النص الشرعي هو الضابط لإيقاعه والمحدِّد لمساره والموجِّه لتطلُّعاته، يقول صاحب الدّرء: «إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دلّ على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول #، فلو أبطلنا النقل لكنّا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه وهذا بيّن واضح، فإن العقل هو الذي دلَّ على صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون هذه الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال فضلاً عن أن يُقدَّم، فصار تقديم العقل على النقل قدحاً في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله، وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه، والقدح فيه يمنع دلالته، والقدح في دلالته يقدح في معارضته كان تقديمه عند المعارضة مبطلاً للمعارضة، فامتنع تقديمه على النقل، وهو المطلوب» ١/١٧٠، ١٧١. إنه ليس من العقل تحكيم العقل؛ لأن العقول مضطربة ومتباينة وليس ثمَّة ما يسمّى بالعقل البشري كمدلول مطلق يكون مرجعاً يُحتكم إلى معطياته وعنصراً حاسماً يضع الأمور في نصابها، يقول صاحب الدّرء: «والمسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والشرع جميعها مما اضطرب فيه العقلاء ولم يتفقوا فيها على أن موجب العقل كذا، بل كل من العقلاء يقول: إن العقل أثبت أو أوجب أو سوغ ما يقول الآخر: إن العقل نفاه أو أحاله أو منع منه بل قد آلَ الأمر بينهم إلى التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية، فيقول هذا: نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر: إنه غير معلوم بالضرورة العقلية» ١/١٤٤، ١٤٥. ويقول في موضع آخر من الكتاب ذاته: «فلو قيل بتقديم العقل على الشرع ـ وليست العقول شيئاً واحداً بيِّناً بنفسه ولا عليه دليل معلوم للناس بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب ـ لوجبَ أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته ولا اتفاق للناس عليه» ١/٤٦. إن الشارع حكم بتحديد مجال النظر العقلي وصيانة الطاقة العقلية أن تتبدّد وراء الغيبيات التي لا سبيل للعقل البشري أن يحكم فيها وإنما يخضع ويذعن، والعقل التسليمي هو الأمر الذي كان الإسلام ـ بوصفه النَّسَق الذي يشكل الإطار المفاهيمي الموضوعي ـ يحث على الصيرورة إليه بعيداً عن العقل الشكي الديكارتي التائه في أودية الخيال. يقول ابن القيم ﵀ في كتابه الصواعق المرسلة: «إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورُسُله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحكِ الله ـ سبحانه ـ عن أمّة نبي صدّقت نبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلّغها عن ربها، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيّها، بل انقادت وسلّمت وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه من شأنها، وكان رسولها أعظم في صدورها من سؤالها عن ذلك، كما في الإنجيل: «يا بني إسرائيل لا تقولوا: لِمَ أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بِمَ أمر ربنا؟» ، ولهذا كانت هذه الأمة ـ التي هي أكمل الأمم عقولاً ومعارف وعلوماً ـ لا تسأل نبيها: لِمَ أمر الله بذلك؟ ولِمَ نهى عن كذا؟ ولِمَ قدَّر كذا؟ ولِمَ فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام» ٤/١٥٦٠، ١٥٦١. وجماع القول أن إشكالية التحولات الفكرية إشكالية تطرح نفسها على الوسط الفكري بإلحاح يستدعي معاينتها وفق رؤية شمولية تتغيّا الاتجاه إلى العوامل الباعثة لها للعمل على تجفيف منابعها، وهذا لا يعني أن ثمَّة كثافة كمّية مقلقة في هذا السياق ـ كما أسلفت آنفاً ـ ولكن كضرب من الفعل الوقائي الذي يعصم من إفراز إرهاصات بدأت نذرها بالتشكل على نحو قد يلامس حدود التأسيس لظاهرة باعثة على القلق في هذا المقطع الزمني المتّسم بتداخل الثقافات وثورة المعلومات وكونية التفاعل الثقافي، وفي هذا الراهن الآني الذي استحال فيه العالم إلى غرفة إلكترونية محدودة المساحة الشأن الذي يجد فيه كلُّ معنيٍّ بالهمِّ الدعوي نفسه ملزماً أمام ضميره الخاص بتوظيف خبراته المتراكمة لإبداع الأُطر التي تعينه على رفع درجة الوعي لدى العقل الجمعي، وتبصيره بأن التقدم إلى الأمام مرهون بالعودة إلى الخلق المتمثل في القرن الهجري الأول، الذي تبوَّأ فيه المسلمون القمة السامقة في سلك التطور الارتقائي. وصفوة القول أنه لا مناص من تسليط أشعة النقد على كل فكر ملوّث وكشف تناقضاته الفجّة؛ لإيقاف مفعول الشحنة السلبية التي تستهدف مجتمعاً يسعى لاستئناف مسيرته الحضارية ولإعادة هذا الفكر الظلامي ـ الذي تشكل النزعة الطوباوية أحد أبرز ملامحه ـ إلى مكانته الطبيعية التي هو قمين بها، ليظل قابعاً في أزقة الحضارة وموارياً في مزابل التاريخ.

стр. 5744

مُسلَّمات الخطاب العلماني بلال التليدي كل توجه سياسي يسعى لامتلاك مشروع مجتمعي يستمد منطلقه من رؤية فكرية يحاول أن يجد لها القبول بالتماس جملة من المسلمات التي تحظى بقدر من الإجماع. والتوجه العلماني الغربي ما زال يسعى لامتلاك رؤية فكرية لتمرير خياراته وبرامجه. وإذا كان التتبع والرصد لمقولات الخطاب العلماني الغربية لا يسعف في تلمس معالم النسق الفكري المنسجم، فإن النظر لبعض تلاوين الخطاب بعد جهد المقاربة والتسديد والتفريع والتأصيل تنبئ عن وجود محاولة حثيثة لاستجماع بعض المسلمات لبناء الرؤية الفكرية العلمانية الغربية. وبالنظر إلى جملة الكتابات ذات النَفَس العلماني يمكن الوقوف على بعض المسلمات: \ المسلمة الفكرية: مسلمة الرشد الإنساني: وهي في الأصل مقولة للفيلسوف محمد إقبال بسط عناصرها في كتابه (تجديد الفكر الديني) ، غير أن سياقها واتجاهها يختلف تماماً عن التوجيه العلماني. فبينما يتأمل (إقبال) في مفهوم ختم الرسالة ووظيفة القرآن، يقفز التوجه العلماني على هذين المفهومين ليخلص بتبسيط مخل إلى أن البشرية عبر مسارها الطويل قد وصلت إلى مرتبة الرشد الإنساني، ذلك الرشد الذي يؤهلها للنظر الذاتي في تدبير شؤونها، وبناء نظم حياتها التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية من غير حاجة إلى نصوص الشرع. والحاصل من خلال هذه النظرة: أن بإمكان البشرية الاستغناء مطلقاً عن الأحكام الشرعية الواردة في نصوص الشرع من القرآن والسنة، والانصراف عن مفهوم الصحابة والسلف الصالح مادام العقل البشري قد اكتملت آلته واستجمع عناصر رشده، خاصة بعد الثورة التقنية والثورة المعلوماتية. والناظر إلى حاصل هذا التصور يدرك أن فيلسوف الإسلام لم ينظر إلى مفهوم ختم الرسالة ووظيفة القرآن بهذا النظرة الاختزالية التبسيطية. فإذا كان جوهر الرسالة مرتبطاً ـ نسقياً ـ بوجود القرآن، وإذا كانت الرسالة قد ختمت بوفاة النبي # فإنَّ التوجه الذي بسطه محمد إقبال هو: أن البشرية قد وصلت إلى النضج العقلي الذي يجعلها تتعامل مع نصوص الشرع انطلاقاً من البيان الوارد في الكتاب والسُنَّة معاً، واعتماداً على آليات النظر المعتبرة والتي استمدّت أدلتها وحجيتها من القرآن والسنة. فإذا كانت البشرية سابقاً وفي كل طور من أطوارها تحتاج إلى رسول مبلغ، فقد اكتمل النضج الإنساني لتتلقى الرسالة والبيان من غير حاجة إلى وجود الرسول الذي يمشي بين الناس. إنّ البشرية رشدت ببداية تعلقها بالأفكار والمفاهيم من غير حاجة إلى تجسدها في عالم الأشخاص. إن هذا هو المعنى الذي فصّله محمد إقبال في كتابه (تجديد الفكر الديني) ، والذي يبدو أن الطرح العلماني حاول أن يختزله، وأن يفرغه من مضمونه؛ ليكتسب أولاً: تمرير المضمون (الاستقلال عن الوحي) ثم ثانياً: عمق التأصيل، وذلك من خلال الانطلاق من مقولة محمد إقبال من غير التزام بمفهومها ولا اتجاهها. \ المسلمة التاريخية: وهي التي سال فيها مداد كثير، وهي في جوهرها تنصرف إلى بحث العلاقة بين الديني والسياسي داخل التجربة التاريخية الحضارية؛ سواء تعلق الأمر بتاريخ الغرب الذي تسعف فيه الأمثلة والشواهد، أو تعلق الأمر بتاريخ الإسلام الذي كثيراً ما تخون فيه الوقائع والحوادث منطلق هذا التفكير. ويقصد الطرح العلماني بهذه المسلمة التاريخية إلى تبيين تأثير السياسة في الدين، واستغلال السلطة للدين للإجهاز على المجتمع. وتجتهد المقاربة العلمانية في التفصيل في بعض المراحل التاريخية من تاريخ الإسلام؛ لتأكيد هذا المضمون، ويظهر ذلك من خلال تغطية مرحلة الخلافة والخلاف عليها بكتابات كثيرة أغلبها مكرور، أو بالتركيز على سلوكيّات الحكام من بني أميَّة أو بني العباس لإبراز التوظيف السياسي للإسلام. وهكذا تجد الكتابات العلمانية ضالتها على مستوى الحدث التاريخي من خلال الصراع السياسي على الحكم، أو الممارسة السياسية للحكم التي كانت تتخذ مفاهيم الإسلام أيديولوجية لتصفية خصوم الحكم، أو على الأقل لإعطاء الشرعية لنظام الحكم وسياسته. فلا غرابة أن نجد معظم الكتابات العلمانية تتحاشى الحديث عن مرحلة النبوة؛ بل تتعمد إضفاء الطابع التربوي والأخلاقي على الرسالة المحمدية بقصد استبعاد كل مفاهيم السياسة والحكم عن هذه التجربة التاريخية. وحتى إنِ اضطرّت لذلك فإنها تجتهد في تأكيد الطابع التاريخي لهذه المفاهيم، بما يعنيه ذلك من المشروطية بحيثيات الزمان والمكان، واعتبارات تطور الوعي البشري بالقياس إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وهي إذ تفعل ذلك تقرر ضمن مسلماتها أن لا نموذج لنظام حكمٍ يستمد قواعده وآليات اشتغاله من الدين الإسلامي. \ المسلمة الشرعية: السجال الفكري والنظري هو الذي يحدد حقول الاستدلال؛ فبينما انطلقت العلمانية ضعيفة التأصيل الفكري إذ بدأت منبهرةً بمنتجات الغرب العمرانية، ثم انتقلت للحديث عن قيم الغرب خاصة منها الحرية والديمقراطية والحداثة وغيرها من المفاهيم، لتصل إلى مقصودها ونظامها المتلخص في فصل الدين عن الدولة؛ كانت تطرح هذا المفهوم بمنطق حجاجي سجالي تستدل أحياناً ببعض الشواهد والاعتبارات فاقدةً كل بُعد نسقي مستمد من عمق فلسفي، وأحياناً كانت تركب لغة النكتة والسخرية بأسلوب متناقض عارٍ من الموضوعية العلمية كما هو الحال عند (فرج فودة) ، وأحياناً كانت تؤسس لمقولاتها من ارتباطها بالعلم والعقلانية قاعدة استدلالها ومناط قوتها. والواقع، أنَّ كل ذلك لم يقوِّم من منطق حجاجها. لقد كان خصمها يمتح من حقول استدلالية متشعبة بالنص، ومسيَّجة بجملة من المعارف والعلوم التي تدور رحاها حول النظر في النص والاجتهاد فيه. لقد اضطرت العلمانية أن تجدد منطق حجاجها، فراحت توسع من حقول استدلالها فوجدت نفسها أمام علم القرآن وعلم الأصول. أما علوم القرآن فبها تثبت تاريخية النص، وأنه يخاطب قوماً معينين في مرحلة زمنية معينة مشروطة بحيثيات الزمن والمكان واعتبارات تطور الوعي البشري بالقياس إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية. وأما علم الأصول فلإثبات كون مجمل القواعد والضوابط ـ التي تجعل اليوم كآليات للنظر في النص ـ هي ذاتها غير مقدسة؛ وإنما هي اجتهادات لعلماء عاشوا مرحلة تاريخية معينة مشروطة بنفس الحيثيات. والحاصل من كل ذلك، أن الكتابات العلمانية تريد تحقيق مقصدين: الأول: أن تقنع المتلقي بكون النص القرآني والحديثي هو نص تاريخي فاقد لعنصر التعدِية التاريخية. الثانية: مادام كل العلماء اجتهدوا، وأصّلوا الأصول، وقعّدوا القواعد انطلاقاً من نظرهم التاريخي الخاص، فلنا الحق أن ننظر بآلياتنا الخاصة بما يتناسب مع المفاهيم الحديثة خاصة تلك التي لها تعلق بمفهوم التسامح والانفتاح. ولا معنى للانضباط لنفس الآليات والقواعد التاريخية؛ لأن ذلك يعتبر هروباً إلى الماضي ونزوعاً نحو اللاتاريخية والعدمية. وهكذا تركز بعض الكتابات العلمانية داخل علوم القرآن على مفهومين: المفهوم الأول: مفهوم (سبب النزول) لإثبات ارتهان النص للظرف والحدث التاريخي، مبطلة بذلك قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوصية السبب) باعتبارها اجتهاداً بشرياً قابلاً للمراجعة والنقد. المفهوم الثاني: مفهوم (النسخ) لتؤكد اعتراف القرآن بتاريخية بعض نصوصه التي يتغير حكمها بتغير الحال والزمن والشخص. وإذ تطرح الكتابات العلمانية التغييرات الكبرى في حقل الاجتماع تؤكد من خلال تفحص مفهوم «النسخ» تاريخية النص واستحالة مفهوم التعدية التاريخية التي تعني: قدرة النص على محاورة المعضلات المستجدة في شتى مناشط الحياة. أما علم الأصول فتجتهد بعض الكتابات العلمانية في بيان محدودية القيام باعتباره آلية الاجتهاد الكبرى التي تربط العلاقة بين النص والواقع. فبعض الكتابات العلمانية تنظر إلى بنية القياس على أنها تتركب من مفهومين: مفهوم اللغة، ومفهوم الإلحاق. أما ارتهان القياس إلى اللغة فمعناه: أن المشكلة ليست في بُنى الواقع المتحركة، وإنما هي في فهم اللغة ودلالاتها. وهكذا فعوضنا عن تحليل الظاهرة الاجتماعية وعلاقتها بالحقول الأخرى نناقش دلالة العبارة والإشارة والاقتضاء، ودلالة الدلالة، ومفهوم الموافقة والمخالفة، وغيرها من المفاهيم المستقرة في علم الأصول من مبحث الدلالات. أما عملية الإلحاق ذاته فتخفي حسب الكتابات العلمانية عيباً خطيراً، ذلك أننا لا نفهم الظاهرة في ذاتها، وإنما بشيء يشابهها ويناظرها. إننا لا نفهم ـ مثلاً ـ المخدرات في ذاتها من خلال دراسة صفاتها الذاتية، وإنما من خلال حيث تشابهها مع الخمر، وتلك معيارية بعيدة عن التعاطي الموضوعي حسب الطرح العلماني. فإذا اعترض على هذه الكتابات بدعوى وجود نظريات أصولية تعدت مفهوم القياس وتجاوزته بالمفهوم الإيبستمولوجي؛ كما هو الشأن عند (الشاطبي وابن تيمية وابن القيم والعز بن عبد السلام) همشت هذه النظريات، أو تمّ تأويلها وقراءتها بنحو مخل فيه كثير من التكلف. ثم تأتي على موضوع النص والتأويل، وتجعله قاعدة نظرها وانطلاقها. والحقيقة، إن الكتابات العلمانية لا تعير اهتماماً لمفهوم (التأويل) كما استقر عند علماء التفسير وكما تطور عند علماء الأصول، إنما تمزج بين دلالة التأويل في الحقول الشرعية وبين دلالته في الحقول الأدبية والفلسفية الحديثة، ذلك المزج غير الموضوعي هو الذي يدفع للاعتقاد باختلاف أنظار الناس بخصوص النص. فالنص واحد والتأويلات مختلفة بحسب الشخص وإيديولوجيته وموقعه الطبقي وبحسب الظرف التاريخي. وحصيلة استدلال العلمانيين أن يحققوا هدفين: الأول: إن النص متعدد القراءات، والاستناد إليه في حقل السياسة مع أخذ الاعتبار لقدسيته معناه تضارب المطلقات في حقل السياسة النسبي، ذلك التضارب والتناقض الذي يؤسس لمفاهيم الإقصاء والعنف والإرهاب، وهي مفاهيم لا تنتمي إلى حقل السياسة. الثاني: إن فضاء النص بتنوع دلالاته يتمتع بنوع من الجمالية الأدبية التي تخاطب الجانب الجوابي للإنسان. وتلك وظيفة تتناسب مع طبيعة الدين عند العلمانيين التي لاينبغي أن تتجاوز محاورة الكينونة الذاتية الداخلية للإنسان، والارتقاء بنفسه وقيمه الأخلاقية بعيداً عن أي تدخل في بنى الواقع الموضوعية. \ المسلمة العلمية: وملخصها أن العلمانية: هي حركة بعث للعلم وقيم العقل، والدين هو التطور الطبيعي للفكر الخرافي والفكر الأسطوري. فكلما عجز العقل عن تفسير ظاهرة من ظواهر الطبيعة انبرت الخرافة لتبني سلطتها على العقل، ثم تطورت سلطة الخرافة وأعادت بناء خطابها، فصار الدين هو التركيب الجديد للخرافة، ولا سبيل إلى بناء النهضة الشاملة دون تحرر للعقل ومراجعة لأحكامه وتصوراته وحتى قواعد تفكيره. وهذا طبعاً لا يُتصور من غير إعادة النظر في نظام التفكير السابق القائم على الخرافة والفكر الديني. ولهذا يتبنى الفكر العلماني النظرة الوضعية التي نظر لها (أوجست كونت) وهو يفصّل في مراحل تطور الفكر الإنساني في تسلسل معرفي يفرض حتمية الانتقال إلى الفكر العقلاني التجريبي ثم الوضعي. إن هذا الطرح يدفعنا لتسجيل جملة من الملاحظات: الملاحظة الأولى: إن التحليل الذي يعتبر الدين والفكر الديني هو عبارة عن: مرحلة من مراحل التطور في الوعي البشري يحتاج إلى مراجعة. فقد تكون الخرافة والأسطورة ناتجة عن العجز عن تفسير ظواهر الطبيعة، لكن الشيء المؤكد أن تطبيع العلاقة بين الخرافة والأسطورة والدين فيه كثير من المزايدة والتضليل. فبالإضافة إلى نفي القداسة عن الدين وإعلان بشرية نصوصه، فالتوجه العلماني يسعى إلى جعل التفكير الديني مجرد مرحلة من مراحل تطور النشاط الذهني للإنسان بما يعني حتمية التحرر من عقاله. الملاحظة الثانية: إن الحديث عن تحرير العقل من سلطة التفكير الديني وكون ذلك هو المدخل الطبيعي للنهضة إحالة على التجربة الغربية؛ بل إن مجرد الاستشهاد بنظرية (أوجست كونت) في تطور مراحل التفكير الإنساني هو استنساخ غير واعٍ للتجربة الغربية. فالصراع المحموم بين التحرر والدين الذي كان واقعاً تاريخياً عاشته الحضارة الغربية في صيرورة تطورها أمر لم يرد في تاريخ حضارتنا الإسلامية. وهذا يعني أن هذا التوجه يستوحي النموذج الغربي ويحول استنساخه ويؤمن بمركزيته، وهو مانشك في قدرته على أن يشكل نموذجاً كونياً عالمياً. الملاحظة الثالثة: إن النقاش العلمي ينبغي أن يفكك بنية التفكير الخرافي وبنية التفكير الديني، وأن يفرق بينهما؛ فإذا كان التفكير الخرافي يستمد مرجعيته خارج العقل، فإن التفكير الديني يستند أساساً على محورَيْ: الغيب والشهادة. وإذا كانت الشهادة مما يدرك بقواعد العقل والحس فلا علاقة للغيب بالخرافة. فالغيب هو اللامدرك بالعقل؛ ولكنه ليس خارجاً عن العقل. إن العقل بمحدوديته لا يستطيع إدراكه بخلاف الخرافة فهي مما يرفضه العقل؛ لأنه يتناقض مع أصوله وقواعده. أما الغيب فهو فوق العقل وليس خارجاً عنه؛ فإذا كانت بعض المعارف التي تنتمي إلى عالم الشهادة لا تدرك بالعقل لعجزه عن إدراك كنهها وكيفية اشتغالها؛ فهو محدود بالنظر إلى عالم الغيب، ثم إن مجال انسياب الغيب هو العقائد واليقينيات التي تحتاج إلى التصديق، فلا تجد الغيب ينصرف إلى عالم العادات والشرائع التي تخضع لقانونية وسننية يضبط العقل إيقاعها، بل إن معقد الغيب هو إيضاح أصول العقائد واليقينيات التي يعجز العقل والتقدير فيها فضلاً عن الإتيان بحقائق نسبية حولها. الملاحظة الرابعة: إن التحرر الأوروبي كان ناتجاً عن ثورة اجتماعية، وهذه الثورة كيفما كان لونها ومرجعيتها هي التي أسهمت في هذه الانطلاقة. وفي حضارتنا الإسلامية لا يتصور انطلاق لثورة محركة لكل شرائح المجتمع دون أن يكون الدين ناظمها، وهذا ما يعطي للدين ذلك المضمون الثوري باعتبار الارتباط الجذري بين قيمه وتطلعات الجماهير. وبعد فهذه بعض الملاحظات نسجلها على التوجه العلماني، والقصد الكشف أولاً عن ثوابت في بنية التفكير العلماني، ثم إدارة حوار هادئ يأتي على كل الموضوعات، ويناقش فصولاً في المنهج، ويبسط بعض المآخذ والانتقادات حتى نسهم بقدر من الأقدار في تجميع شتات الفكر العلماني الذي إلى هذا الوقت لم يستطع أن ينظم موضوعاته، ولا أن يحسم في منهج بسطه لتصوراته ومقولاته.

стр. 5745

منتدى القراء فلسطين السليبة ودورنا المنشود إن فلسطين الحبيبة مسرى رسولنا محمد ﷺ وقبلتنا الأولى لها من المكانة في قلوبنا ما الله به عليم، وإنه ليعتصر قلوبنا الألم ونحن نرى دولة اليهود المقيتة تسرح وتمرح فيها بدون رقيب أو حسيب. إنه لخزي وعار على كل مسلم أن يفعل اليهود في إخواننا أهل فلسطين الويلات والقتل والتدمير وهو سارح في لهوه وغيه، ولكن يبقى الأمل المنشود في الله أولاً ثم في أمة الإسلام عالياً وشامخاً أمام كل الصعاب والمؤامرات على وأد تلك القضية من قلوب المسلمين. نملك من الطاقات والقدرات الشيء العظيم التي تتمحور أهم مرتكزاتها في أمور عدة، والكلام يطول فيها ويزيد، واختصارها ـ فيما أراه ـ فيما يلي: - الدور الفردي: يستلزم أن يعيش كل فرد بمشاعره وأحاسيسه تلك القضية؛ فهذا الإحساس بالمسؤولية هو نقطة رسم خط النصر، وقد تطول الفترة الزمنية لتحقيق ذلك أو تقصر، فذلك كله بيد الله . - الدور الأسري: إن للأسرة دوراً عظيماً إذا فُعِّلَ، حيث إنها منطلق نشأة فكر الأبناء وتوجههم في المستقبل، فعلى كل رب أسرة أن يزرع في نفوس أبنائه وأسرته حب فلسطين والتعريف بقضيتها، وعليه أن يبذل ما يستطيع من أجل أن يوصل رسالته إلى عقول أبنائه حتى يعوها ويفهموها. - الدور الإعلامي: مما يدمي القلب أنك تجد الوسائل الإعلامية للدول الإسلامية تستقي أخبارها الإعلامية من قنوات أخرى، كـ: (إنترفاكس) الروسية، والـ (بي بي سي) البريطانية، و (CNN) الأمريكية وغيرها التي تدور في فلك بني صهيون. وتلك القنوات تركز على الجانب السلبي من جهة الفلسطينيين، حتى ترسم صورة سيئة لدى متابعيهم من المسلمين مع الزمن. والجانب الإعلامي في زمننا الحاضر يمثل قوة هائلة لا يستهان بها، فبه تبدأ الحروب، وفي خضمِّه تدور، وبه تختتم. - الدور السياسي: إن الساسة المسلمين تعلق عليهم الآمال وينظر إليهم بأنهم محرّكو دفة سفينة الأمة؛ فعليهم أن يعوا الدور المناط بهم، وأن يكونوا مبادرين لا انهزاميين، وأن يتعاملوا مع ما بأيديهم من قضايا أو ما يستحدث منها بروح الفأل وبنفسيات ومعنويات عالية حتى يضعوا النقاط على الحروف بوضع إيجابي لا منكسر وانهزامي. سعد عبد الله عثمان توسع الاجتهاد في الأحداث لربما كان مدار الخلاف في العمل الاجتهادي هو درء المفسدة أو جلب المصلحة، فيقرر هذا أن المصلحة موجبة لكذا؛ مع أن المصلحة قد لا يقررها بعيد أو حتى قريب جاهل بالوضع لا بالأصل، فمن زعم أن من يقرر المصلحة هم العلماء قيل له: وأي علماء تقصد؟ فعندنا من العلماء من قرر المصلحة، فيضرب خبره بعضه ببعض لتلقينه هذه الكلمة التي لا يعي معناها ولا يعرف إلى أي شيء توصل، ثم يعود فيحصر هذه المصالح وهذه المفاسد على جهة معينة ويكون تبيينها وتبنّيها حكراً عليهم، فيكون انفكاك بين جهات القول وجهات العمل، مما يجعل الثقة تزول من كلا الطرفين. فحين يعلم الشخص أن مصلحته المزعومة إنما هي مفسدة تكاد تكون بحتة فيُترحم بتلك على أسس قد أصيبت. وليس الذي تأثر فقط الأمر الاجتهادي فيرى تراشق بالتهم بدل العمل التعاوني الجماعي، ويكون الاستدلال بالمصلحة أبغض ما يبغضه العامل بسبب تلك التُّكَأة التي يتكئ عليها أصحاب الظواهر الصوتية في نظره، وتكون المفسدة التي كان يتكلم عنها هي محل المفاخر فيتمسك بها؛ كل ذلك ردة فعل ممن يجهل حقيقة الأحكام الأصولية على من يجهل تطبيقها. من أجل ذلك كانت كلمة «المصلحة كذا» من أصعب الأحكام، فيقع الشخص الجاهل حين يعجز عن بعض الجمع ولا يكل أمره لغيره في تعارض، وعلى مثل هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا باب التعارض باب واسع جداً لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات ووقع الاشتباه والتلازم؛ فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجِّحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون إلى الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة أو المضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يعينهم على العمل بالحسنات وترك السيئات؛ لكون الأهواء قارنت الآراء، ولهذا جاء الحديث: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» ا. هـ. وكذلك ربما بنى الشخص مصلحته على أن هذه المرحلة شبيهة بالمرحلة المكية، والآخر يرى شبهها بالمرحلة المدنية، فيريد صاحب إحدى المرحلتين أن يبين ما عنده بإجبار الآخر على الأخذ برأيه، وإلا كان ليس عدواً فقط، بل ربما كان مظاهراً للمجرمين عليه، ضارباً بكل ما يصله به من الأخوة الإسلامية ـ فضلاً عن العمل الإسلامي ـ عرض الحائط، متخلياً عن كل سبب بينه وبين أخيه. عبد العزيز المشعلي أهلاً رمضان أخي الحبيب! أختي الكريمة! ـ تعالا معي لنرسم لوحة جديدة في الفضاء، ونتوّجها بألوان من الورود الحمراء، وننثرها بين يدي كل تائب وتائبة جعلا من رمضان سابقة للعود الحميد، وأملاً في الفوز برضى الرحمن. ـ تعالا معي لنجدد العهد مع القرآن، الذي طالما هجرناه؛ لنترنّم بآياته ونتدبر معانيه، ليكن أنيسنا في الدنيا وأنيسنا في القبر وقائدنا إلى الجنان. ـ تعالا معي لننفق من أوقاتنا ساعات نقضيها في بر الوالدين، وساعات نحث فيها الخطى لمساعدة الفقراء، وساعات نتصدق بها على أنفسنا بركعات في جوف الليل ودعوات ترفع إلى السماء. ـ تعالا معي لنرسل الدمع مدراراً، ونطرب القلب أشجاناً مع الحور العين. قال صاحبي: بينما أترنم مع آي القرآن في إحدى العشر الليالي الأخيرة من رمضان إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بالحوراء قد ركلتني برجلها وقالت: أترقد عيناك وأنا أربى لك في الخدور في خيام اللؤلؤ؟! فقمت فزعاً وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي! آه! أين الخطّاب؟ أين العشاق؟ أين المهر الذي يُنال به هذا النعيم؟ إنه التوبة، إنه الإقبال على الله، صلاة في جوف الليل، وقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار. عبد الكريم عبد العزيز القصير الإعراض عن ذكر الله وآثاره السيئة الإعراض في القرآن لفت الوجه عن الشيء؛ لأنه مشتق من العارض وهو صفحة الخد؛ لأن الكاره للشيء يصرف عنه وجهه، وقد لا يكرهه، وإنما يصرف وجهه عنه لأمر ما، ويعرضُ عنه إعراضَ من لا يحتاج إليه، وهذا هو المقصود هنا. ولقد وصف الله المعرضين عن ذكره بأوصاف ثلاثة: الوصف الأول: الإعراض عن الذِّكر وعدم الالتفات إليه، والاستغناء عنه، والإعراض عنه إعراض من لا يحتاج إليه. الوصف الثاني: التكذيب، أعقبَ الإعراضَ التكذيبُ، وهو أزيدُ من الإعراض، إذ المُعرض قد يكونُ غافلاً عن الشيء بدون تكذيب ولا جحود ولا استهزاء، وهذه الرتبة الثانية. الوصف الثالث: الاستهزاء والسخرية، فأعقب التكذيبَ الاستهزاءُ، وهو أزيدُ من التكذيب، لأن المكذّبَ بالشيء قد لا يبلغ تكذيبُه به إلى حدّ الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحدّ فقد بلغ الغاية القصوى في الإنكار. وهذه الأوصاف الثلاثة تُستفاد من صريح الآية الكريمة: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: ٤ - ٥] . وقد توعّد الله بالوزر العظيم من أعرض عن ذكره فقال: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١] . وينشأ الإعراض عن اعتقاد عدم جدوى النظر والتأمل فيه. عواقب الإعراض عن ذكر الله: ذكر القرآن عواقب شديدة ونتائج سيئة لمن أعرض عن ذكر الله ـ تعالى ـ ولم يلتفت إليه. الأولى: جعل الله قِلّةَ الذكر من أوصاف المنافقين: ﴿إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإذَا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢] . وجعل عدم الذكر من أوصاف الكافرين، فلشدّة إعراضهم عن الذّكر إذا ذُكِّرُوا لا يحصلُ فيهم أثرُ تذكُّر ما يُذكَّرونَ به، قال الله فيهم: ﴿وَإذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] . الثانية: لا أحدَ أظلم لنفسه من المعرض عن ذكر الله، حيث ذُكّر بآيات الله فأعرض عنها، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧] . الثالثة: ومن النتائج السيئة والعواقب الوخيمة ما قاله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإن تَدْعُهُمْ إلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إذًا أَبَدً﴾ [الكهف: ٥٧] . الرابعة: توعد الله بالانتقام من المعرضين عن ذكره، وقد سمّاهم مجرمين، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] . الخامسة: توعد الله بالويل والهلاك لمن قسا قلبه، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] . السادسة: يحمل المعرض عن ذكر الله يوم القيامة وزراً عظيماً من الذنوب، قال ـ تعالى ـ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١] . السابعة: النّاسِي لذكر الله هو من حزب الشيطان، قال ـ تعالى ـ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] . الثامنة: يُعذب الله المعرض عن ذكره يوم القيامة عذاباً شديداً، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] . التاسعة: يعيش المعرض عن ذكر الله عيشة قاسية، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] . العاشرة: الخسران المبين، قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] . الحادية عشرة: تَهْيئَةُ شياطين الإنس والجن لمن يتعامى عن ذكر الله، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧] . أحمد شرشال حرية الصحافة في أبجديات بني صهيون!! لقد تَحولت حُرية الصحافة إلى كنز مَفقود للصحفي الفلسطيني الممنوع من الحركة والوصول إلى أماكن الحدث في وَطنه المغتصب، هذا الصحفي مُعرَّض في كُل لحظة إلى الضرب والاعتقال وانتهاكات حُرية التعبير فضلاً عن حَملات التحريض والتشويه للأحداث والحقائق من قِبَل العدو الصهيوني المجرم، كل هذا بهدف إخراس الصحافة الفلسطينية ومنعها من نقل أخبار جرائم وفظائع الاحتلال بحق أبناء الشعب الفلسطيني. إن حرية الكلمة والتعبير في فلسطين مغتصبة كما هي فلسطين مُغتصبة، وربما تعجز كلماتنا وتقف عن التعبير عن تقديرنا العالي لما يَبذله الصحفي الفلسطيني في التعبير عن قضيته ونضال شعبه الكبير، وعندما نسمع عن اعتداء على صحفي وانتهاك لحرمته وحرمة قلمه نُصاب بالذهول من شدة الحدث وندخل في حالة صمت رهيب، رُبما لأن الموقف عندها يصبح أكثر من كلمة، ورُبما لأن الكلمة عندها تذوب في طوفان الذهول، فنَعجز عن استيعاب الأمور والتفكير في إحداثياتها، ونرفض ونرفع صوتنا عالياً: «نعم لحرية الصحافة في فلسطين» . غسان مصطفى الشامي ghasanp@hotmail.com الإعلام الإسلامي يعتبر الدفاع عن الإسلام والأمة الإسلامية واجباً على كل مسلم ومسلمة. والدفاع عن الإسلام والمسلمين يجب أن يكون بشتى الطرق والمجالات. فمن الممكن أن ندافع عن الإسلام باستخدام وسائل الإعلام، وذلك عن طريق: أولاً: العمل على إيجاد جيل مسلم واعٍ قادر على تحمل المسؤولية، جيل لو خُيّر بين أن يُلقى في النار أو أن يتنازل عن دينه لاختار الخيار الأول على أن يتنازل عن دينه وإيمانه. ثانياً: وضع خطط وبرامج لبيان حقيقة الإسلام السليم، وإبعاد كافة الشبهات التي يضعها الغرب حوله؛ وذلك باستغلال نقاط القوة وإيجابيات الإعلام الإسلامي وإبراز الإسلام بنظامه الشامل الكامل، والوقوف على نقاط الضعف في الإعلام الغربي وإظهار سلبياته. ثالثاً: الاتصال والتواصل (وجهاً لوجه) بين المسلمين وغيرهم من غير المسلمين في المؤتمرات العالمية والندوات والجلسات الحوارية والنقاشية، ومن خلال الصحيفة والمجلة والأجهزة المرئية والشبكة العنكبوتية؛ لنستطيع أن نبث وننقل للعالم أخبار الأمة الإسلامية الصحيحة بموضوعية ونزاهة وحيادية تامة، إضافة إلى تقديم حلول لمشاكل وهموم المجتمع الإسلامي من وجهة نظر إسلامية. رابعاً: الوحدة تحت راية واحدة وشعار متميز وهو رفع راية الإسلام خفاقة عالية في السماء. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . وأخيراً؛ فإن مشهد الإعلام الإسلامي الحالي يعطي المرء قدراً من الأمل لما يراه من انتشار قنوات إسلامية هادفة ترقى بالفرد المسلم، وتقدم كل ما يهم الأمة الإسلامية على الرغم من قلة عددها مقارنة بقنوات الترفيه التي كثر عددها وقلَّت فائدتها. إنشاد جوهر
следующие страницы →